الهادی إلی طریقة الوسطی فی شرح العروة الوثقی المجلد 2

ghaemiyeh.com

هویة الكتاب

الهادي إلی طريقة الوسطی في شرح العروة الوثقی

المجلد الثاني

کتاب الطهارة

الجزء الثاني

لمؤلفة المحقق والفقيه المدقق

سماحة آية الله سيد علي محمد دستغيب الحسيني الشيرازي

محرّر الرقمي: روح الله قاسمي

اشارة

الفهرس

المبحث الرابع : في الوضوء

الفصل الأوّل في موجبات الوضوء و نواقضه / 25

«الأوّل و الثاني»: البول و الغائط ... 25

«الثالث»: الريح ... 28

«الرابع»: النوم ... 29

«الخامس»: كلّ ما أزال العقل ... 32

«السادس»: الاستحاضة ... 32

فيما اذا شكّ في طروّ أحد النواقض ... 33

في القيح الخارج من مخرج البول أو الغائط ... 34

في استحباب الوضوء عقيب بعض الأمور ... 37

الفصل الثاني في غايات الوضوءات الواجبة و غير الواجبة / 41

في أقسام الوضوء لسبب النذر ... 46

في عدم الفرق بين اليد و سائر الأعضاء في حرمة مسّ كتابة القرآن ... 48

في حرمة المسّ ابتداءً و استدامة ... 48

في عدم الفرق بين أنواع الخطوط ... 49

في عدم الفرق بين الكاغذ و اللوح و غيرهما ... 51

في المسّ من وراء الشيشة ... 51

في مسّ المسافة الخالية التي يحيط بها الحرف ... 52

في منع الأطفال و المجانين من المسّ ... 53

في مسّ غير الخطّ من ورق القرآن ... 53

في مسّ ترجمة القرآن ... 54

في وضع الشيء النجس على القرآن ... 54

الفصل الثالث في الوضوءات المستحبّة / 255

في أقسام الوضوء المستحبّ ... 57

في اباحة جميع الغايات بالوضوء المستحبّ ... 68

في عدم وجوب قصد الموجب في الوضوء ... 69

فيما اذا قصد جميع الغايات ... 70

الفصل الرابع في بعض مستحبّات الوضوء / 73

الفصل الخامس في مكروهات الوضوء / 87

الفصل السادس في أفعال الوضوء / 93

«الأوّل»: غسل الوجه ... 93

الفرع الأوّل في حدّ الوجه الذي يجب غسله ... 95

الفرع الثاني فيمن خرج وجهه أو يده عن المتعارف ... 97

الفرع الثالث في ذكر معاني ألفاظ وقعت في الروايات أو كلام الفقهاء ... 98

الفرع الرابع في وجوب غسل الوجه من الأعلى الى الأسفل ... 99

الفرع الخامس في عدم وجوب غسل ما تحت الشعر ... 101

الفرع السادس في وجوب اجراء الماء على الوجه و اليدين ... 102

في ادخال شيء من أطراف الحدّ من باب المقدّمة ... 105

في الشعر الخارج عن الحدّ ... 106

فيما أحاط به الشعر ... 107

فيما اذا بقي ممّا في الحدّ ما لم يغسل ... 108

فيما اذا تيقّن وجود ما يشكّ في مانعيّته ... 108

«الثاني»: غسل اليدين ... 110

الفرع الأوّل في غسل اليدين من المرفقين الى أطراف الأصابع ... 110

الفرع الثاني في تقديم اليمنى على اليسرى ... 114

الفرع الثالث في غسل كلّ ما هو في الحدّ ... 115

الفرع الرابع في غسل الشعر مع البشرة ... 116

الفرع الخامس فيمن قطعت يده ... 117

فيما اذا كانت له يد زائدة ... 119

في الوسخ تحت الأظفار ... 120

في الشقوق التي تحدث على ظهر الكفّ ... 121

فيما ينجمد على الجرح عند البرء ... 123

في الوسخ على البشرة ... 123

في الوسواسي ... 124

في الوضوء الارتماسي ... 125

في الوضوء بماء المطر ... 127

فيما اذا شكّ في شيء أنّه من الظاهر أو الباطن ... 128

«الثالث»: مسح الرأس ... 129

الفرع الأوّل في مسح الرأس بما بقي من البلّة في اليد ... 130

الفرع الثاني في كون مسح الرأس على مقدّمه ... 133

الفرع الثالث في أنّ الأولى و الأحوط أن يكون المسح على الناصية ... 135

الفرع الرابع في كفاية مسمّى المسح ... 136

الفرع الخامس في كون مسح الرأس من الأعلى الى الأسفل ... 138

الفرع السادس في المسح على الشعر النابت في المقدّم ... 141

الفرع السابع في المسح على الحائل ... 142

الفرع الثامن في كون المسح بباطن الكفّ اليمنى ... 145

«الرابع»: مسح الرجلين ... 147

الفرع الأوّل في عدم اجزاء الغسل ... 147

الفرع الثاني في مقدار المسح ... 150

الفرع الثالث في أنّ الكعبين هما قبّتا القدمين ... 154

الفرع الرابع في أنّه يكفي المسمّى عرضا في المسح ... 156

الفرع الخامس في مسح الرجلين منكوسا ... 158

الفرع السادس في تقديم مسح اليمنى على اليسرى ... 161

الفرع السابع في المسح على البشرة ... 163

الفرع الثامن في ازالة الموانع و اليقين بوصول الرطوبة الى البشرة ... 164

الفرع التاسع في مسح من قطع قدمه أو بعضه ... 166

في اعتبار كون المسح بنداوة الوضوء ... 168

الفرع الأوّل في كون المسح بنداوة الوضوء ... 168

الفرع الثاني في أخذ النداوة من سائر الأعضاء اذا جفّت نداوة الكفّ ... 171

في اشتراط تأثّر الممسوح برطوبة الماسح ... 173

فيما اذا لم يمكن المسح بباطن الكفّ ... 174

في اشتراط امرار الماسح على الممسوح ... 177

فيما لم يمكن حفظ الرطوبة في الماسح ... 177

في المسح على الحائل ... 179

في ضيق الوقت عن رفع الحائل ... 181

في المسح على الحائل عند التقيّة ... 182

في وجوب المبادرة اذا علم بأنّه يضطرّ الى المسح على الحائل ... 184

فيما لو بان عدم الضرورة أو التقيّة ... 187

فيما اذا زال السبب المسوّغ للمسح على الحائل ... 189

في أنّ المناط في تعدّد الغسل ليس تعدّد الصبّ ... 191

في الاسراف في ماء الوضوء ... 192

في وضوء الوسواسي ... 194

في كفاية المسح بواحدة من الأصابع ... 195

الفصل السابع في شرائط الوضوء / 197

«الأوّل و الثاني»: اطلاق الماء و طهارته ... 197

فرع في كيفيّة طهارة مواضع الوضوء ... 200

في التوضّي بماء القليان ... 201

«الثالث»: أن لايكون على المحلّ حائل يمنع وصول الماء الى البشرة ... 202

«الرابع»: أن يكون الماء و ظرفه و مكان الوضوء و مصبّ مائه مباحا ... 203

في الفرق في اشتراط الشروط بين العمد و الجهل أو النسيان ... 205

فيما اذا التفت الى الغصبيّة في أثناء الوضوء ... 206

في الشكّ في رضا المالك ... 207

في الوضوء و الشرب من الأنهار الكبار ... 207

في الحياض الواقعة في المساجد و المدارس ... 209

فيما اذا علم أنّ حوض المسجد وقف على المصلّين فيه ... 211

فيما اذا دخل المكان الغصبي غفلة و في حال الخروج توضّأ ... 213

«الخامس»: أن لايكون ظرف ماء الوضوء من أواني الذهب أو الفضّة ... 214

«السادس»: أن لايكون ماء الوضوء مستعملاً في رفع الخبث ... 215

«السابع»: أن لايكون مانع من استعمال الماء ... 216

«الثامن»: أن يكون الوقت واسعا للوضوء و الصلاة ... 217

«التاسع»: المباشرة في أفعال الوضوء في حال الاختيار ... 219

فيما اذا توضّأ من الماء الجاري من ميزاب أو نحوه ... 220

فيما اذا لم يتمكّن من المباشرة ... 221

«العاشر»: الترتيب ... 223

«الحادي عشر»: الموالاة ... 225

الفرع الأوّل في معنى الموالاة ... 227

الفرع الثاني في أنّ البطلان منوط بجفاف تمام الأعضاء السابقة ... 228

الفرع الثالث فيما اذا كان جفاف الأعضاء من جهة الحرارة ... 229

فيما اذا تذكّر في أثناء الصلاة أنّه ترك بعض المسحات ... 230

«الثاني عشر»: النيّة ... 231

في قصد رفع الحدث أو الاستباحة ... 233

«الثالث عشر»: الخلوص ... 235

الفرع الأوّل في العجب ... 239

الفرع الثاني في السمعة ... 241

الفرع الثالث في الضميمة ... 245

في الرياء بعد العمل ... 245

فيما اذا توضّأت المرأة في مكان يراها الأجنبي ... 245

في امكان اجتماع الغايات المتعدّدة للوضوء ... 246

فيما اذا شرع في الوضوء قبل دخول الوقت ... 248

فيما اذا توضّأ ثمّ ارتدّ ... 251

فيما اذا شكّ في الحدث بعد الوضوء ... 253

فيمن نسي الوضوء بعد أن كان مأمورا بالوضوء ... 255

فيما اذا تيقّن بعد الفراغ من الوضوء أنّه ترك جزءا منه ... 260

فيما اذا تيقّن ترك جزء من أجزاء الوضوء أو شرط من شرائطه ... 261

في شكّ كثير الشكّ ... 263

في حكم التيمّم البدل عن الوضوء من حيث الشكّ ... 264

فيما اذا علم بعد الفراغ من الوضوء أنّه مسح على الحائل ... 265

فيما اذا شكّ في وجود الحاجب ... 268

فيما اذا شكّ بعد الصلاة في الوضوء لها و عدمه ... 271

الفصل الثامن في أحكام الجبائر / 275

في الجبائر ... 275

الفرع الأوّل في معنى الجبيرة ... 276

الفرع الثاني فيما اذا أمكن غسل البشرة أو مسحها برفع الجبيرة ... 278

الفرع الثالث فيما اذا لم يمكن ايصال الماء الى البشرة ... 278

فيما اذا كانت الجبيرة في موضع المسح و لم يمكن رفعها ... 281

فيما اذا كانت الجبيرة مستوعبة لعضو واحد ... 282

فيما اذا كانت الجبيرة في الماسح ... 283

فيما اذا كان في عضو واحد جبائر متعدّدة ... 284

فيما اذا كان بعض الأطراف الصحيح تحت الجبيرة ... 285

فيما اذا أضرّ استعمال الماء من غير جرح ... 286

فيما اذا كان شيء لاصقا ببعض مواضع الوضوء ... 288

فيما اذا كان ظاهر الجبيرة طاهرا و باطنها نجسا ... 289

فيما اذا كان ما على الجرح من الجبيرة مغصوبا ... 290

في الدواء الموضوع على الجرح ... 292

فيما اذا كان على الجبيرة دسومة ... 293

في أنّ الوضوء مع الجبيرة رافع للحدث ... 295

في الفرق بين الجبيرة التي على محلّ الغسل و التي على محلّ المسح ... 295

في حكم الجبائر في الغسل ... 297

فيما اذا كان على مواضع التيمّم جرح ... 299

في استئجار صاحب الجبيرة ... 300

فى اعادة الصلوات التي صلاّها مع وضوء الجبيرة ... 300

في الصلاة أوّل الوقت لصاحب الجبيرة ... 301

فيما اذا اعتقد الضرر في غسل البشرة فتبيّن عدمه ... 302

في الشكّ في الوظيفة ... 303

الفصل التاسع في حكم دائم الحدث / 305

في الوضوء لقضاء التشهّد و السجدة المنسيّين ... 310

في التحفّظ من تعدّي البول في المسلوس ... 311

في لزوم معالجة السلس و البطن ... 311

في مسّ كتابة القرآن للمسلوس و المبطون ... 312

المبحث الخامس

في الأغسال

الفصل الأوّل: في عدادها / 317

الفصل الثاني في غسل الجنابة / 321

فيما تحصل به الجنابة: «الأوّل»: خروج المني ... 321

الفرع الأوّل في عدم الفرق بين انزال المرأة و الرجل في ايجاب الغسل ... 323

الفرع الثاني فيما اذا شكّ في خارج أنّه مني أم لا ... 237

«الثاني»: الجماع ... 332

الفرع الأوّل فيمن قطع بعض ذكره ... 334

الفرع الثاني في الجماع في دبر المرأة ... 335

الفرع الثالث في الوط ء في دبر الغلام ... 337

الفرع الرابع في وط ء البهيمة ... 340

فيما اذا رأى في ثوبه منيّا و علم أنّه منه و لم يغتسل بعده ... 341

في أنّه اذا دارت الجنابة بين شخصين لايجوز لأحدهما الاقتداء بالآخر ... 343

فيما اذا خرج المني بصورة الدم ... 344

فيما اذا تحرّك المني في النوم عن محلّه بالاحتلام و لم يخرج ... 345

في أنّه يجوز للشخص اجناب نفسه و لو لم يقدر على الغسل ... 346

في الشكّ في حصول الدخول ... 347

الفصل الثالث فيما يتوقّف على الغسل من الجنابة / 351

«الأوّل»: الصلاة ... 351

«الثاني»: الطواف الواجب ... 353

«الثالث»: صوم شهر رمضان و قضاؤه ... 354

الفصل الرابع فيما يحرم على الجنب / 357

«الأوّل»: مسّ خط المصحف ... 357

«الثاني»: دخول المسجد الحرام و مسجد النبي صلى الله عليه و آله ... 361

«الثالث»: المكث في سائر المساجد ... 365

«الرابع»: الدخول في المساجد بقصد وضع شيء فيها ... 365

«الخامس»: قراءة سور العزائم ... 365

فيمن نام في أحد المسجدين و احتلم أو أجنب فيهما أو في الخارج و دخل فيهما ... 367

في عدم الفرق في حرمة دخول الجنب في المساجد بين المعمور منها و الخراب ... 367

في عدم جواز استئجار الجنب لكنس المسجد في حال جنابته ... 370

فيما اذا كان جنبا و كان الماء في المسجد ... 372

الفصل الخامس فيما يكره على الجنب / 375

الفصل السادس في أحكام غسل الجنابة / 383

في أنّ غسل الجنابة مستحبّ نفسي و واجب غيري ... 383

الفرع الأوّل في أنّ غسل الجنابة مستحبّ نفسي ... 384

الفرع الثاني في واجبات الغسل ... 385

الفرع الثالث في عدم وجوب غسل الشعر مثل اللحية ... 388

في أنّ للغسل كيفيّتين: «الأولى»: الترتيب ... 394

فرع في البدأة بالأعلى في غسل الأعضاء و الموالاة ... 401

«الثانية»: الارتماس ... 405

فرع فيما لو تيقّن بعد الغسل الارتماسي بعدم انغسال جزء من بدنه ... 408

في أنّ الغسل الترتيبي أفضل من الارتماسي ... 409

في أنّه يجوز في الترتيبي أن يغسل كلّ عضو من أعضائه الثلاثة بنحو الارتماس ... 410

في أنّ الغسل الارتماسي يتصوّر على وجهين ... 412

في اشتراط طهارة كلّ عضو حين غسله ... 413

في وجوب اليقين بوصول الماء الى جميع الأعضاء ... 415

فيما اذا شكّ في شيء أنّه من الظاهر أو الباطن ... 415

في الغسل تحت المطر و تحت الميزاب ... 417

في الغسل الارتماسي في حوض أقلّ من الكرّ ... 418

في أنّه يشترط في صحّة الغسل ما مرّ من الشرائط في الوضوء ... 419

فيما اذا اغتسل باعتقاد سعة الوقت فتبيّن ضيقه و أنّ وظيفته كانت هو التيمّم ... 421

فيما اذا كان ماء الحمّام مباحا لكن سخن بالحطب المغصوب ... 423

في حكم الغسل في حوض المدرسة لغير أهله ... 423

فيما اذا اغتسل المجنب في شهر رمضان أو في حال الاحرام ارتماسا نسيانا ... 425

الفصل السابع في مستحبّات غسل الجنابة / 427

في أنّ الاستبراء بالبول قبل الغسل ليس شرطا في صحّته ... 433

فيما اذا اغتسل بعد الجنابة بالانزال ثمّ خرج منه رطوبة مشتبهة ... 435

فيما اذا خرجت منه رطوبة مشتبهة بعد الغسل و شكّ في أنّه استبرأ بالبول أو لا ... 437

في الرطوبة المشتبهة الخارجة من المرأة ... 438

فيما اذا أحدث بالأصغر في أثناء غسل الجنابة ... 439

فيما اذا أحدث بالأكبر في أثناء الغسل ... 442

فيما اذا شكّ في غسل عضو من الأعضاء الثلاثة أو في شرطه ... 444

فيما اذا صلّى ثمّ شكّ في أنّه اغتسل للجنابة أو لا؟ ... 447

فيما اذا اجتمع عليه أغسال متعدّدة ... 448

الفرع الأوّل فيما اذا اجتمع عليه أغسال متعدّدة و نوى الجميع في غسل واحد ... 444

الفرع الثاني في عدم الحاجة الى الوضوء اذا كان فيها غسل الجنابة ... 451

الفرع الثالث فيما اذا نوى واحدا من الأغسال و غفل عن غيره ... 453

الفرع الرابع في كفاية نيّة بعض الأغسال المندوبة عن سائر الأغسال ... 456

الفرع الخامس في عدم وجوب الوضوء اذا اغتسل لغير الجنابة مع وجوبها عليه ... 457

في صحّة غسل الجمعة من الجنب و الحائض ... 458

فيما اذا كان يعلم اجمالاً أنّ عليه أغسالاً لكن لايعلم بعضها بعينه ... 458

المبحث السادس

في الدماء الثلاثة

الفصل الاوّل في معنى الحيض و صفاته / 463

في معنى الحيض و صفاته ... 463

الفرع الأوّل في معنى الحيض لغة و شرعا ... 463

الفرع الثاني في صفات الحيض ... 465

الفرع الثالث في أنّه يشترط أن يكون بعد البلوغ و قبل اليأس ... 467

الفرع الرابع في حصول البلوغ و اليأس في المرأة ... 468

فيما اذا خرج ممّن شكّ في بلوغها دم و كان بصفات الحيض ... 472

في أنّ الحيض يجتمع مع الارضاع و في اجتماعه مع الحمل قولان ... 475

فيما اذا انصبّ الدم من الرحم الى فضاء الفرج و خرج منه شيء في الخارج ... 481

فيما اذا شكّت في أنّ الخارج دم أو غير دم ... 483

الفرع الأوّل فيما اذا شكّت في أنّ الخارج دم أو غير دم ... 484

الفرع الثاني فيما اذا اشتبه الدم بدم البكارة ... 485

الفرع الثالث فيما اذا تعذّر الاختبار ... 488

الفرع الرابع في دوران الدم بين الحيض و القرحة ... 489

في أنّ أقلّ الحيض ثلاثة أيّام و أكثره عشرة ... 492

الفرع الأوّل في أقلّ مدّة الحيض و أكثره و أقلّ الطهر بين الحيضتين ... 492

الفرع الثاني في أنّ ذلك التحديد تحديد شرعي ... 495

الفرع الثالث في اعتبار توالي الأيّام الثلاثة في الحيض ... 496

فيما لو رأت الدم يوم التاسع أو العاشر أو الحادي عشر بعد الحيض السابق ... 498

في أنّ الحائض امّا ذات العادة أو غيرها ... 502

فيما تتحقّق به العادة ... 503

فيما اذا رأت صاحبة العادة الدم مرّتين متماثلتين على خلاف العادة الأولى ... 505

في العادة المركّبة ... 505

في حصول العادة بالتمييز ... 507

فيما يعتبر في تحقّق العادة العدديّة ... 509

في أنّ صاحبة العادة الوقتيّة تترك العبادة بمجرّد رؤية الدم ... 509

فرع في قاعدة الامكان ... 514

فيما اذا رأت قبل العادة و فيها و لم يتجاوز المجموع عن العشرة ... 519

فيما اذا رأت ثلاثة أيّام متواليات و انقطع ثمّ رأت ثلاثة أيّام أو أزيد ... 520

فيما اذا تعارض الوقت و العدد في ذات العادة الوقتيّة العدديّة ... 522

فيما اذا رأت ذات العادة العدديّة أزيد من العدد و لم يتجاوز العشرة ... 523

فيما اذا كانت عادتها في كلّ شهر مرّة فرأت في شهر مرّتين ... 524

فيما اذا انقطع الدم قبل العشرة ... 526

فيما اذا تجاوز الدم عن مقدار العادة و علمت أنّه يتجاوز العشرة ... 531

فيما اذا انقطع الدم بالمرّة ... 531

فيما اذا لم يمكن الاستبراء لظلمة أو عمى ... 533

الفصل الثاني في حكم تجاوز الدم عن العشرة / 535

فيمن تجاوز دمها عن العشرة ... 535

الفرع الأوّل في ذات العادة اذا تجاوز دمها عن العشرة ... 536

الفرع الثاني في غير ذات العادة اذا تجاوز دمها عن العشرة ... 538

في المراد من الشهر ... 540

فيما اذا تبيّن أنّ زمان الحيض غير ما اختارته ... 542

في المراد من الأقارب ... 547

الفصل الثالث في أحكام الحائض / 549

«أحدها»: حرمة العبادات المشروطة بالطهارة ... 549

«الثاني»: حرمة مسّ اسم اللّه و صفاته الخاصّة ... 549

«الثالث»: قراءة آيات السجدة بل سورها ... 549

«الرابع»: اللبث في المساجد ... 549

«الخامس»: وضع شيء في المساجد اذا استلزم الدخول ... 549

«السادس»: الاجتياز من المسجدين و المشاهد المشرّفة ... 549

فيما اذا حاضت في أثناء الصلاة ... 555

في سجدة الشكر و سجدة التلاوة و اجتياز غير المسجدين للحائض ... 555

في دخول المساجد ... 556

«السابع»: وطؤها في القبل ... 557

في أنّها اذا أخبرت بأنّها حائض يسمع منها ... 561

«الثامن»: وجوب الكفّارة بوطئها ... 562

«التاسع»: بطلان طلاقها و ظهارها ... 569

فيما اذا كان الزوج غائبا و وكّل حاضرا متمكّنا من استعلام حالها ... 572

فيما لو طلّقها باعتقاد أنّها طاهرة فبانت حائضا ... 573

«العاشر»: وجوب الغسل بعد انقطاع الحيض ... 574

في أنّ غسل الحيض مستحبّ نفسي و كيفيّته مثل غسل الجنابة ... 575

في أنّه اذا اغتسلت جاز لها كلّ ما حرّم عليها بسبب الحيض ... 578

فيما اذا تعذّر الغسل ... 579

في أنّ جواز وطئها لايتوقّف على الغسل ... 580

فرع في البحث حول المخصّص الكتابي ... 582

في أنّ ماء غسل الزوجة و الأمة على الزوج و السيّد ... 583

«الحادي عشر»: وجوب قضاء ما فات في حال الحيض ... 585

فيما اذا حاضت بعد دخول الوقت ... 586

فيما اذا طهرت من الحيض قبل خروج الوقت ... 591

فيما يستحبّ للحائض ... 597

فيما يكره للحائض ... 599

في الأغسال المندوبة و الواجبة في حال الحيض ... 600

الفصل الرابع في الاستحاضة / 603

في أنّ دم الاستحاضة من الأحداث الموجبة للوضوء و الغسل ... 603

فرع فيما اذا شكّ في أنّ الدم استحاضة أو لا ... 606

في أقسام الاستحاضة ... 607

فرع في وجوب الوضوء على المستحاضة القليلة لكلّ صلاة مطلقا ... 610

فيما اذا حدثت المتوسّطة بعد صلاة الفجر ... 618

فيما اذا حدثت الكثيرة أو المتوسّطة قبل الفجر ... 620

في أنّه يجب على المستحاضة اختبار حالها و أنّها من أيّ قسم ... 621

في وجوب تجديد الوضوء على المستحاضة لكلّ صلاة و لو نافلة ... 623

في وجوب تجديد الوضوء و الأعمال المذكورة اذا استمرّ الدم ... 623

في وجوب التحفّظ من خروج الدم بعد الوضوء و الغسل ... 625

في أنّه يشترط في صحّة صوم المستحاضة اتيانها للأغسال النهاريّة ... 529

فيما اذا علمت المستحاضة انقطاع دمها بعد ذلك الى آخر الوقت ... 631

في أنّه اذا انقطع دمها فامّا أن يكون انقطاع برء أو فترة ... 633

فيما اذا انتقلت الاستحاضة من الأدنى الى الأعلى ... 635

في وجوب تجديد الوضوء لكلّ مشروط بالطهارة على المستحاضة القليلة ... 637

في أنّ المستحاضة اذا عملت بما عليها جاز لها جميع ما يشترط فيه الطهارة ... 638

في أنّه قد يجب على صاحبة الكثيرة بل المتوسّطة أيضا خمسة أغسال ... 643

الفصل الخامس في النفاس / 645

في أنّه ليس لأقلّ النفاس حدّ ... 651

فيما اذا انقطع دمها على العشرة أو قبلها ... 657

فيما اذا لم تر صاحبة العادة في العادة أصلاً و رأت بعدها و تجاوز العشرة ... 659

في فصل أقلّ الطهر بين الحيض المتقدّم و النفاس ... 660

فيما اذا خرج بعض الطفل و طالت المدّة الى أن خرج تمامه ... 662

فيما اذا ولدت اثنين أو أزيد ... 662

فيما اذا استمرّ الدم الى شهر أو أزيد ... 664

في وجوب الاستظهار على النفساء اذا انقطع دمها في الظاهر ... 665

فيما اذا استمرّ الدم الى ما بعد العادة في الحيض ... 666

في أنّ أحكام النفساء كالحائض ... 666

في كيفيّة غسل النفاس ... 671

كتاب الطهارة

اشارة

«الجزء الثاني»

المبحث الرابع في الوضوء

اشارة

و يشتمل على فصول:

الفصل الأوّل في موجبات الوضوء و نواقضه

الفصل الثاني في غايات الوضوءات الواجبة و غير الواجبة

الفصل الثالث في الوضوءات المستحبّة

الفصل الرابع في بعض مستحبّات الوضوء

الفصل الخامس في مكروهات الوضوء

الفصل السادس في أفعال الوضوء

الفصل السابع في شرائط الوضوء

الفصل الثامن في أحكام الجبائر

الفصل التاسع في حكم دائم الحدث

الفصل الأوّل : في موجبات الوضوء و نواقضه

اشارة

و هي أمور: «الأوّل و الثاني»: البول و الغائط من الموضع الأصلي و لو غير معتاد، أو من غيره مع انسداده أو بدونه بشرط الاعتياد، أو الخروج على حسب المتعارف، ففي غير الأصلي مع عدم الاعتياد و مع عدم كون الخروج على حسب المتعارف اشكال، و الأحوط النقض مطلقا خصوصا اذا كان دون المعدة، و لا فرق فيهما بين القليل و الكثير حتّى مثل القطرة و مثل تلوّث رأس شيشة الاحتقان بالعذرة. نعم، الرطوبات الأخر غير البول و الغائط الخارجة من المخرجين ليست ناقضة و كذا الدود أو نوى التمر و نحوهما اذا لم يكن متلطّخا بالعذرة.

الشرح:

في موجبات الوضوء و نواقضه و هي أمور:

«الأوّل و الثاني»: البول و الغائط

الأوّل و الثاني: البول و الغائط؛ يدلّ على ناقضيّتهما روايات:

منها صحيحة زرارة عن أحدهما عليهماالسلام قال:

«لاينقض الوضوء الاّ ما خرج من طرفيك، أو النوم».(1)


1) - وسائل الشيعة 1: 248 / الباب 2 من أبواب نواقض الوضوء / الحديث 1.

و منها صحيحة أديم بن الحرّ أنّه سمع أبا عبداللّه عليه السلام يقول:

«ليس ينقض الوضوء الاّ ما خرج من طرفيك الأسفلين».(1)

و منها صحيحة سالم أبي الفضل عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«ليس ينقض الوضوء الاّ ما خرج من طرفيك الأسفلين اللذين أنعم اللّه عليك بهما».(2)

و منها صحيحة زرارة الثانية قال:

«قلت لأبي جعفر و أبي عبداللّه عليهماالسلام : ما ينقض الوضوء؟ فقالا: ما يخرج من طرفيك الأسفلين، من الذكر و الدبر، من الغائط و البول، أو مني، أو ريح، و النوم حتّى يذهب العقل، و كلّ النوم يكره الاّ أن تكون تسمع الصوت».(3)

فالمستفاد من هذه الأخبار أوّلاً: نقض الوضوء بالبول و الغائط لو خرجا من الموضع الأصلي و لو غير معتاد؛ لقوله عليه السلام : «من طرفيك الأسفلين».

و ثانيا: نقض الوضوء بهما لو خرجا من غير المعتاد مع انسداد المعتاد أو بدونه بشرط الاعتياد أو الخروج على حسب المتعارف اذا صدق عليه البول أو الغائط.

و ثالثا: نقض الوضوء بهما لو خرجا من غير الأسفلين ان صدق البول أو الغائط عليهما و ان لم يكن بحسب المتعارف، بل لم يكن معتادا؛ كلّ ذلك لاطلاق رواية زكريّا بن آدم قال:

«سألت الرضا عليه السلام عن الناسور، أينقض الوضوء؟ قال: انّما ينقض


1) - وسائل الشيعة 1: 249 / الباب 2 من أبواب نواقض الوضوء / الحديث 3.

2) - وسائل الشيعة 1: 249 / الباب 2 من أبواب نواقض الوضوء / الحديث 4.

3) - وسائل الشيعة 1: 249 / الباب 2 من أبواب نواقض الوضوء / الحديث 2.

الوضوء ثلاث: البول و الغائط و الريح».(1)

و رواية فضل بن شاذان قال:

«سأل المأمون الرضا عليه السلام عن محض الاسلام ، فكتب اليه - في كتاب طويل - : و لاينقض الوضوء الاّ غائط أو بول أو ريح أو نوم أو جنابة».(2)

بناءً على أنّ ذكر «طرفيك الأسفلين» في الصحاح المتقدّمة لكونهما مخرج البول و الغائط و الريح، بل لعلّه لم يكن الخروج من غيرهما الاّ نادرا، و اليوم كثيرا ما يبتلى المرضى بالخروج من غيرهما، مضافا الى صحيحة زرارة الثالثة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«لايوجب الوضوء الاّ من غائط أو بول أو ضرطة تسمع صوتها أو فسوة تجد ريحها».(3)

و رابعا: لا فرق في نقض الوضوء بالبول و الغائط بين القليل و الكثير حتّى مثل القطرة، و مثل تلوّث رأس الحقنة بالعذرة؛ لاطلاق الأدلّة.

و خامسا: الرطوبات الأخر غير البول و الغائط الخارجة من المخرجين ليست ناقضة؛ لما في الروايات المذكورة التي قد حصرت النقض بالبول و الغائط. و كذا الدود أو نوى التمر و نحوهما اذا لم يكن متلطّخا بالعذرة؛ لما مرّ.


1) - وسائل الشيعة 1: 250 / الباب 2 من أبواب نواقض الوضوء / الحديث 6.

2) - وسائل الشيعة 1: 250 / الباب 2 من أبواب نواقض الوضوء / الحديث 8.

3) - وسائل الشيعة 1: 245 / الباب 1 من أبواب نواقض الوضوء / الحديث 2.

«الثالث»: الريح

«الثالث»: الريح الخارج من مخرج الغائط اذا كان من المعدة صاحب صوتا أو لا، دون ما خرج من القبل أو لم يكن من المعدة كنفخ الشيطان أو اذا دخل من الخارج ثمّ خرج.

الشرح:

قد تقدّم آنفا الدليل على نقض الوضوء بالريح الخارجة من مخرج الغائط في البحث عن ناقضيّة البول و الغائط من الصحاح الثلاث لزرارة و صحيحتي أديم بن الحرّ و سالم أبي الفضل و روايتي زكريّا بن آدم و فضل بن شاذان، و يأتي ما تقدّم من كونه من الموضع الأصلي أو غيره، معتادا و غيره، بشرط صدق كونه ضرطة أو فسوة.

و أمّا ما خرج من القبل أو لم يكن من المعدة كنفخ الشيطان أو دخل من الخارج ثمّ خرج فلاينقض الوضوء؛ ففي صحيحة معاوية بن عمّار قال:

«قال أبو عبداللّه عليه السلام : انّ الشيطان ينفخ في دبر الانسان حتّى يخيّل اليه أنّه قد خرج منه ريح، و لاينقض الوضوء الاّ ريح تسمعها، أو تجد ريحها».(1)

و صحيحة عبدالرحمن بن أبي عبداللّه أنّه قال للصادق عليه السلام :

«أجد الريح في بطني حتّى أظنّ أنّها قد خرجت! فقال: ليس عليك وضوء حتّى تسمع الصوت، أو تجد الريح، ثمّ قال: انّ ابليس يجلس بين أليتي الرجل فيحدث ليشكّكه».(2)


1) - وسائل الشيعة 1: 246 / الباب 1 من أبواب نواقض الوضوء / الحديث 3.

2) - وسائل الشيعة 1: 246 / الباب 1 من أبواب نواقض الوضوء / الحديث 5.

«الرابع»: النوم

«الرابع»: النوم مطلقا و ان كان في حال المشي اذا غلب على القلب و السمع و البصر، فلاتنقض الخفقة اذا لم تصل الى الحدّ المذكور.

الشرح:

من جملة ما ينقض الوضوء النوم؛ و الدليل عليه قولهما عليهماالسلام في صحيحة زرارة - في جواب سؤاله عمّا ينقض الوضوء - :

«و النوم حتّى يذهب العقل».(1)

و رواية الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السلام قال:

«انّما وجب الوضوء ممّا خرج من الطرفين خاصّة، و من النوم، دون سائر الأشياء. الحديث».(2)

و صحيحة ثانية لزرارة عن أحدهما عليهماالسلام قال:

«لاينقض الوضوء الاّ ما خرج من طرفيك أو النوم».(3)

و صحيحة عبداللّه بن المغيرة و محمّد بن عبداللّه قالا:

«سألنا الرضا عليه السلام عن الرجل ينام على دابّته؟ فقال: اذا ذهب النوم بالعقل فليعد الوضوء».(4)

و صحيحة اسحاق بن عبداللّه الأشعري عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«لاينقض الوضوء الاّ حدث، و النوم حدث».(5)


1) - وسائل الشيعة 1: 249 / الباب 2 من أبواب نواقض الوضوء / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 1: 251 / الباب 2 من أبواب نواقض الوضوء / الحديث 7.

3) - وسائل الشيعة 1: 248 / الباب 2 من أبواب نواقض الوضوء / الحديث 1.

4) - وسائل الشيعة 1: 252 / الباب 3 من أبواب نواقض الوضوء / الحديث 2.

5) - وسائل الشيعة 1: 253 / الباب 3 من أبواب نواقض الوضوء / الحديث 4.

و موثّقة ابن بكير قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : قوله تعالى: «اذا قمتم الى الصلاة»، ما يعني بذلك «اذا قمتم الى الصلاة»؟ قال: اذا قمتم من النوم، قلت: ينقض النوم الوضوء؟ فقال: نعم، اذا كان يغلب على السمع، و لايسمع الصوت».(1)

و صحيحة زيد الشحّام قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الخفقة و الخفقتين؟ فقال: ما أدري ما الخفقة و الخفقتين، انّ اللّه تعالى يقول: «بل الانسان على نفسه بصيرة»، انّ عليّا عليه السلام كان يقول: من وجد طعم النوم فانّما أوجب عليه الوضوء».(2)

و صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام ، و ذكر مثله، الاّ أنّه قال: من وجد طعم النوم قائما أو قاعدا فقد وجب عليه الوضوء».(3)

و صحيحة عمر بن يزيد عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«ليس يرخّص في النوم في شيء من الصلاة».(4)

و لاتعارضها صحيحة أبي الصباح الكناني عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته عن الرجل يخفق وهو في الصلاة؟ فقال: ان كان لايحفظ حدثا منه - ان كان - فعليه الوضوء و اعادة الصلاة، و ان كان يستيقن أنّه لم يحدث فليس عليه وضوء و لا اعادة».(5)


1) - وسائل الشيعة 1: 253 / الباب 3 من أبواب نواقض الوضوء / الحديث 7.

2) - وسائل الشيعة 1: 254 / الباب 3 من أبواب نواقض الوضوء / الحديث 8.

3) - وسائل الشيعة 1: 254 / الباب 3 من أبواب نواقض الوضوء / الحديث 9.

4) - وسائل الشيعة 1: 254 / الباب 3 من أبواب نواقض الوضوء / الحديث 10.

5) - وسائل الشيعة 1: 253 / الباب 3 من أبواب نواقض الوضوء / الحديث 6.

و موثّقة سماعة بن مهران، أنّه سأله عن الرجل يخفق رأسه و هو في الصلاة قائما أو راكعا؟ فقال:

«ليس عليه وضوء».(1)

و مرسلة الصدوق قال:

«سئل موسى بن جعفر عليه السلام عن الرجل يرقد وهو قاعد، هل عليه وضوء؟ فقال: لا وضوء عليه مادام قاعدا، ان لم ينفرج».(2)

و صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام في الرجل، هل ينقض وضوؤه اذا نام و هو جالس؟ قال:

«ان كان يوم الجمعة في المسجد فلا وضوء عليه، و ذلك أنّه في حال ضرورة».(3)

و ذلك لأنّها تحمل على ما لم يعرض عليه النوم أو شكّ في عرضه عليه؛ لأنّ من علم أو استيقن أنّه لم يحدث كما في صحيحة الكناني لم ينم و الاّ فمن أيّ وجه يستيقن ذلك. و يشهد له موثّقة سماعة، و كذا اذا كان يوم الجمعة في المسجد، فالغالب أنّ الجالس بين المأمومين يراقب نفسه لئلاّيغلب النوم عليه. و كذلك مرسلة الصدوق.

و كيف كان فانّ الظاهر من الصحاح المتقدّمة أنّ النوم ناقض للوضوء و ان كان في حال المشي.


1) - وسائل الشيعة 1: 255 / الباب 3 من أبواب نواقض الوضوء / الحديث 12.

2) - وسائل الشيعة 1: 254 / الباب 3 من أبواب نواقض الوضوء / الحديث 11.

3) - وسائل الشيعة 1: 256 / الباب 3 من أبواب نواقض الوضوء / الحديث 16.

«الخامس»: كلّ ما أزال العقل

«الخامس»: كلّ ما أزال العقل مثل الاغماء و السكر و الجنون دون مثل البهت.

الشرح:

كلّ ما أزال العقل ينقض الوضوء مثل الاغماء و السكر و الجنون؛ و الدليل على ذلك الاجماع المحكي كما في المستمسك(1)ناقلاً عن العلاّمة في المنتهى و النهاية و الغنية و الكفاية و التهذيب و الخصال و البحار و المستدرك و الدلائل.

و يمكن استفادة ذلك من قوله عليه السلام في صحيحة عبداللّه بن المغيرة: «اذا ذهب النوم بالعقل فليعد الوضوء»، و قوله عليه السلام في صحيحة زرارة: «و النوم حتّى يذهب العقل»، المتقدّمتين و ان ناقش فيه التنقيح(2)فراجع.

«السادس»: الاستحاضة
اشارة

«السادس»: الاستحاضة القليلة بل الكثيرة و المتوسطة و ان أوجبتا الغسل أيضا، و أمّا الجنابة فهي تنقض الوضوء لكن توجب الغسل فقط.

الشرح:

سيأتي الكلام في محلّه بالنسبة الى الاستحاضة. و أمّا الجنابة فهي تنقض الوضوء ولكن توجب الغسل فقط.

و في المستمسك: «و كان على المصنّف التعرّض لسائر الأحداث الكبيرة الموجبة للوضوء مع الغسل، كما هو أحد القولين فيها، و لو قيل بعدم وجوب الوضوء فيها كانت من قبيل الجنابة».(3)


1) - مستمسك العروة 2: 258.

2) - التنقيح في شرح العروة 4: 464.

3) - مستمسك العروة 2: 259.

فيما اذا شكّ في طروّ أحد النواقض

(مسألة 1): اذا شكّ في طروّ أحد النواقض بني على العدم، و كذا اذا شكّ في أنّ الخارج بول أو مذي مثلاً، الاّ أن يكون قبل الاستبراء فيحكم بأنّه بول، فان كان متوضّئا انتقض وضوؤه كما مرّ.

الشرح:

اذا شكّ في طروّ أحد النواقض بنى على العدم؛ و ذلك للأصل كما في صحيحة زرارة قال:

«قلت له: الرجل ينام و هو على وضوء، أتوجب الخفقة و الخفقتان عليه الوضوء؟ فقال: يا زرارة، قد تنام العين و لاينام القلب و الأذن، فاذا نامت العين و الأذن و القلب وجب الوضوء. قلت: فان حرّك الى جنبه شيء و لم يعلم به؟ قال: لا، حتّى يستيقن أنّه قد نام، حتّى يجيء من ذلك أمر بيّن، و الاّ فانّه على يقين من وضوئه، و لاتنقض اليقين أبدا بالشكّ، انّما تنقضه بيقين آخر».(1)

هذا اذا شكّ في حدوث أحد النواقض. و كذلك الحال لو شكّ في أنّ هذا الحادث كان بولاً حتّى يكون ناقضا أو مذيا حتّى لايكون ناقضا؛ و ذلك أيضا لاستصحاب الوضوء و عدم ناقضيّة الشيء الحادث. نعم، لو لم يستبرئ من البول و لم تمض مدّة فقطع بعدم البول في المخرج ثمّ رأى بللاً مشتبها بين البول و المذي أو الوذي فعليه الوضوء؛ و ذلك للروايات الدالّة عليه، و قد مرّ تفصيله في بحث الاستبراء قبل هذا الفصل فراجع.


1) - وسائل الشيعة 1: 245 / الباب 1 من أبواب نواقض الوضوء / الحديث 1.

في القيح الخارج من مخرج البول أو الغائط

(مسألة 2): اذا خرج ماء الاحتقان و لم يكن معه شيء من الغائط لم ينتقض الوضوء، و كذا لو شكّ في خروج شيء من الغائط معه.

الشرح:

اذا خرج ماء الاحتقان و لم يكن معه شيء من الغائط لم ينتقض الوضوء؛ لما مرّ في ابتداء هذا الفصل من انحصار ناقضيّة الوضوء بالغائط و البول و الريح الخارجة من المخرجين. و كذا لم ينتقض الوضوء لو شكّ في خروج شيء من الغائط مع ماء الاحتقان؛ للأصل.

(مسألة 3): القيح الخارج من مخرج البول أو الغائط ليس بناقض، و كذا الدم الخارج منهما الاّ اذا علم أنّ بوله أو غائطه صار دما، و كذا المذي و الوذي و الودي، و الأوّل هو ما يخرج بعد الملاعبة، و الثاني ما يخرج بعد خروج المني، و الثالث ما يخرج بعد خروج البول.

الشرح:

القيح الخارج من مخرج البول أو الغائط ليس بناقض كما مرّ، و كذا الدم الخارج منهما الاّ اذا علم أنّ بوله أو غائطه صار دما بحيث صدق عليه البول و الغائط، و أمّا ان لم يصدقا عليه، و يقال له الدم حقيقة فليس بناقض؛ لانحصار الناقضيّة كما مرّ. و أمّا المذي و الوذي و الودي فلاينقض الوضوء بها، فالأوّل هو ما يخرج بعد الملاعبة، و الثاني ما يخرج بعد خروج المني، و الثالث ما يخرج بعد خروج البول؛ و الدليل على ذلك صحيحة زرارة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«ان سال من ذكرك شيء من مذي أو ودي و أنت في الصلاة فلاتغسله و لاتقطع له الصلاة و لاتنقض له الوضوء و ان بلغ عقبيك فانّما ذلك بمنزلة النخامة، و كلّ شيء خرج منك بعد الوضوء فانّه

من الحبائل، أو من البواسير و ليس بشيء فلاتغسله من ثوبك الاّ أن تقذره».(1)

و مرسلة ابن رباط عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«يخرج من الاحليل المني و المذي و الوذي و الودي، فأمّا المني فهو الذي يسترخي له العظام و يفتر منه الجسد، و فيه الغسل، و أمّا المذي يخرج من شهوة و لا شيء فيه، و أمّا الودي فهو الذي يخرج بعد البول، و أمّا الوذي فهو الذي يخرج من الأدواء و لا شيء فيه».(2)

و صحيحة محمّد بن مسلم قال:

«سألت أبا جعفر عليه السلام عن المذي يسيل حتّى يصيب الفخذ! قال: لايقطع صلاته، و لايغسله من فخذه، انّه لم يخرج من مخرج المني، انّما هو بمنزلة النخامة».(3)

و صحيحة زيد الشحّام قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : المذي ينقض الوضوء؟ قال: لا، و لايغسل منه الثوب، و لا الجسد، انّما هوبمنزلة البزاق و المخاط».(4)

و لاتعارضها صحيحة علي بن يقطين قال:

«سألت أبا الحسن عليه السلام عن المذي، أينقض الوضوء؟ قال: ان كان من شهوة نقض».(5)

و صحيحة يعقوب بن يقطين قال:


1) - وسائل الشيعة 1: 276 / الباب 12 من أبواب نواقض الوضوء / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 1: 278 / الباب 12 من أبواب نواقض الوضوء / الحديث 6.

3) - وسائل الشيعة 1: 277 / الباب 12 من أبواب نواقض الوضوء / الحديث 3.

4) - وسائل الشيعة 1: 277 / الباب 12 من أبواب نواقض الوضوء / الحديث 5.

5) - وسائل الشيعة 1: 279 / الباب 12 من أبواب نواقض الوضوء / الحديث 11.

«سألت أبا الحسن عليه السلام عن الرجل يمذي - وهو في الصلاة - من شهوة أو من غير شهوة. قال: المذي منه الوضوء».(1)

و صحيحة محمّد بن اسماعيل بن بزيع قال:

«سألت الرضا عليه السلام عن المذي. فأمرني بالوضوء منه، ثمّ أعدت عليه في سنة أخرى، فأمرني بالوضوء منه و قال: انّ عليّا عليه السلام أمر المقداد بن الأسود أن يسأل النبي صلى الله عليه و آله و استحيا أن يسأله، فقال: فيه الوضوء».(2)

لأنّها تحمل على الاستحباب؛ جمعا بينها و بين ما تقدّم. و الشاهد على هذا الجمع صحيحة أخرى لمحمّد بن اسماعيل عن أبي الحسن - كالصحيحة الأولى له - الاّ أنّه قال في ذيله:

«قلت: و ان لم أتوضّأ؟ قال: لا بأس».(3)


1) - وسائل الشيعة 1: 281 / الباب 12 من أبواب نواقض الوضوء / الحديث 16.

2) - وسائل الشيعة 1: 281 / الباب 12 من أبواب نواقض الوضوء / الحديث 17.

3) - وسائل الشيعة 1: 279 / الباب 12 من أبواب نواقض الوضوء / الحديث 9.

في استحباب الوضوء عقيب بعض الأمور

(مسألة 4): ذكر جماعة من العلماء استحباب الوضوء عقيب المذي، و الودي، و الكذب، و الظلم، و الاكثار من الشعر الباطل، و القيء، و الرعاف، و التقبيل بشهوة، و مسّ الكلب، و مسّ الفرج و لو فرج نفسه، و مسّ باطن الدبر و الاحليل، و نسيان الاستنجاء قبل الوضوء، و الضحك في الصلاة، و التخليل اذا أدمى، لكنّ الاستحباب في هذه الموارد غير معلوم، و الأولى أن يتوضّأ برجاء المطلوبيّة. و لو تبيّن بعد هذا الوضوء كونه محدثا بأحد النواقض المعلومة كفى و لايجب عليه ثانيا، كما أنّه لو توضّأ احتياطا لاحتمال حدوث الحدث ثمّ تبيّن كونه محدثا كفى و لايجب ثانيا.

الشرح:

انّ القيء و المدّة، و القيح و الجشاء، و الضحك، و القهقهة، و القرقرة في البطن و الرعاف، و الدم، لاينقض شيء منها الوضوء؛ و ذلك للروايات الواردة في الباب السادس من أبواب نواقض الوضوء من الوسائل، كصحيحة أبي أسامة (زيد الشحّام) قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن القيء، هل ينقض الوضوء؟ قال: لا».(1)

و صحيحة زرارة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«القهقهة لاتنقض الوضوء، و تنقض الصلاة».(2)

و صحيحة ابراهيم بن أبي محمود قال:

«سألت الرضا عليه السلام عن القيء، و الرعاف، و المِدّة، أتنقض الوضوء، أم لا؟ قال: لاتنقض شيئا».(3)


1) - وسائل الشيعة 1: 260 / الباب 6 من أبواب نواقض الوضوء / الحديث 3.

2) - وسائل الشيعة 1: 261 / الباب 6 من أبواب نواقض الوضوء / الحديث 4.

3) - وسائل الشيعة 1: 262 / الباب 6 من أبواب نواقض الوضوء / الحديث 6.

و صحيحة علي بن يقطين قال:

«سألت أبا الحسن عليه السلام عن الرعاف، و الحجامة، و القيء؟ قال: لاينقض هذا شيئا من الوضوء، ولكن ينقض الصلاة».(1)

و لاتعارضها موثّقة أبي عبيدة الحذّاء عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«الرعاف، و القيء، و التخليل يسيل الدم، اذا استكرهت شيئا ينقض الوضوء، و ان لم تستكرهه لم ينقض الوضوء».(2)

لأنّها تحمل على التقيّة؛ لما فيها من آثار التقيّة، فانّ نقض الوضوء لم يكن مرتبطا باستكراه الشخص و عدمه.

و لاينقض الوضوء القبلة، و المباشرة، و المضاجعة، و مسّ الفرج مطلقا، و نحو ذلك ممّا دون الجماع؛ لما في صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«ليس في القبلة، و لا المباشرة، و لا مسّ الفرج وضوء».(3)

و الروايات الواردة في هذا الباب الدالّة على عدم نقض الوضوء بما ذكر مستفيضة.

و لاتعارضها صحيحة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«اذا قبّل الرجل المرأة من شهوة، أو مسّ فرجها أعاد الوضوء».(4)

و نظيرها موثّقة عمّار بن موسى؛ لأنّهما تحملان على التقيّة، وقد نقل عن العلاّمة في التذكرة(5)و المنتهى مضمون الحديثين عن جماعة كثيرين من العامّة.

و لاينقض الوضوء انشاد الشعر، و ظلم الرجل صاحبه، أو الكذب؛ للروايات الواردة في انحصار نقض الوضوء بالبول و الغائط و الريح و النوم، و ما يوجب


1) - وسائل الشيعة 1: 262 / الباب 6 من أبواب نواقض الوضوء / الحديث 7.

2) - وسائل الشيعة 1: 263 / الباب 6 من أبواب نواقض الوضوء / الحديث 12.

3) - وسائل الشيعة 1: 270 / الباب 9 من أبواب نواقض الوضوء / الحديث 3.

4) - وسائل الشيعة 1: 272 / الباب 9 من أبواب نواقض الوضوء / الحديث 9.

5) - تذكرة الفقهاء 1: 108.

الغسل، و الاستحاضة، و ليس فيها هذه الثلاثة، و قد ورد في صحيحة معاوية بن ميسرة قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن انشاد الشعر، هل ينقض الوضوء؟ قال: لا».(1)

و لاتعارضها مضمرة سماعة قال:

«سألته عن نشيد الشعر، هل ينقض الوضوء، أو ظلم الرجل صاحبه، أو الكذب؟ فقال: نعم، الاّ أن يكون شعرا يصدق فيه، أو يكون يسيرا من الشعر، الأبيات الثلاثة، و الأربعة، فأمّا أن يكثر من الشعر الباطل فهو ينقض الوضوء».(2)

لأنّها تحمل على التقيّة، كما يظهر من بيانه لو صدر من الامام عليه السلام ، مضافا الى ضعفها في مقابلة الصحيحة؛ لاضمارها.


1) - وسائل الشيعة 1: 269 / الباب 8 من أبواب نواقض الوضوء / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 1: 269 / الباب 8 من أبواب نواقض الوضوء / الحديث 3.

الفصل الثاني : في غايات الوضوءات الواجبة و غير الواجبة

اشارة

في غايات الوضوءات الواجبة و غير الواجبة

فانّ الوضوء امّا شرط في صحّة فعل كالصلاة و الطواف، و امّا شرط في كماله كقراءة القرآن، و امّا شرط في جوازه كمسّ كتابة القرآن، أو رافع لكراهته كالأكل، أو شرط في تحقّق أمر كالوضوء للكون على الطهارة، أو ليس له غاية كالوضوء الواجب بالنذر و الوضوء المستحبّ نفسا ان قلنا به، كما لايبعد.

الشرح:

انّ الوضوء امّا شرط في صحّة فعل كالصلاة؛ للروايات المتواترة، ففي صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«لا صلاة الاّ بطهور».(1)

و صحيحة أخرى لزرارة عن أبي جعفر عليه السلام أنّه قال:

«لاتعاد الصلاة الاّ من خمسة: الطهور، و الوقت، و القبلة، و الركوع، و السجود».(2)


1) - وسائل الشيعة 1: 365 / الباب 1 من أبواب الوضوء / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 1: 371 / الباب 3 من أبواب الوضوء / الحديث 8.

و يشترط أيضا في صحّة الطواف، و قد ورد فيه روايات كثيرة، كصحيحة علي بن جعفر عن أخيه أبي الحسن عليه السلام قال:

« ... و سألته عن رجل طاف، ثمّ ذكر أنّه على غير وضوء، فقال: يقطع طوافه و لايعتدّ به».(1)

و غيرها من الروايات الواردة في هذا الباب.

و امّا شرط في كماله كقراءة القرآن و ليس شرطا في صحّتها، كما في رواية محمّد بن الفضيل عن أبي الحسن عليه السلام قال:

«سألته: أقرأ المصحف ثمّ يأخذني البول، فأقوم فأبول و أستنجي و أغسل يديّ و أعود الى المصحف، فأقرأ فيه؟ قال: لا، حتّى تتوضّأ للصلاة».(2)

و امّا شرط في جوازه كمسّ كتابة القرآن، فسيأتي الكلام فيه.

و امّا رافع لكراهته كالأكل للجنب، و سيأتي الدليل عليه.

و امّا شرط في تحقّق أمر كالوضوء للكون على الطهارة، فانّ الوضوء الذي يشتمل على الغسلتين و المسحتين سبب للطهارة و قد تعلّق الأمر بها كما مرّ في قوله عليه السلام : «لا صلاة الاّ بطهور»، فانّ الوضوء للكون على الطهارة يكون غاية من غايات الوضوء أيضا.

و أمّا قوله رحمه الله: «أو ليس له غاية كالوضوء الواجب بالنذر، والوضوء المستحبّ نفسا ان قلنا به»، فالظاهر أنّ الوضوء الواجب بالنذر يكون له غاية أيضا و هو الكون على الطهارة، و لعلّ مراده من عدم الغاية سائر الغايات الخارجيّة. و الظاهر أيضا أنّ الكون على الطهارة مطلوب بنفسه شرعا، و يدلّ عليه قوله تعالى: «انّ اللّه


1) - وسائل الشيعة 13: 375 / الباب 38 من أبواب الطواف / الحديث 4.

2) - وسائل الشيعة 6: 196 / الباب 13 من أبواب قراءة القرآن / الحديث 1.

يحبّ التوّابين و يحبّ المتطهّرين».(1)و عن النبي صلى الله عليه و آله:

«يا أنس أكثر من الطهور يزيد اللّه في عمرك، و ان استطعت أن تكون بالليل و النهار على طهارة فافعل، فانّك تكون اذا متّ على طهارة متّ شهيدا».(2)

أمّا الغايات للوضوء الواجب فيجب للصلاة الواجبة أداءً و قضاءً عن النفس أو عن الغير، و لأجزائها المنسيّة، بل و سجدتي السهو على الأحوط، و يجب أيضا للطواف الواجب، و هو ما كان جزءا للحجّ أو العمرة، و ان كانا مندوبين، فالطواف المستحبّ ما لم يكن جزءا من أحدهما لايجب الوضوء له. نعم، هو شرط في صحّة صلاته. و يجب أيضا بالنذر و العهد و اليمين، و يجب أيضا لمسّ كتابة القرآن ان وجب بالنذر، أو لوقوعه في موضع يجب اخراجه منه، أو لتطهيره اذا صار متنجّسا و توقّف الاخراج أو التطهير على مسّ كتابته و لم يكن التأخير بمقدار الوضوء موجبا لهتك حرمته، و الاّ وجبت المبادرة من دون الوضوء. و يلحق به أسماء اللّه و صفاته الخاصّة دون أسماء الأنبياء و الأئمّة عليهم السلام و ان كان أحوط. و وجوب الوضوء في المذكورات ما عدا النذر و أخويه انّما هو على تقدير كونه محدثا، و الاّ فلايجب. و أمّا في النذر و أخويه فتابع للنذر، فان نذر كونه على الطهارة لايجب الاّ اذا كان محدثا و ان نذر الوضوء التجديدي وجب و ان كان على وضوء.

الشرح:

يجب الوضوء للصلاة الواجبة أداءً و قضاءً عن النفس أو عن الغير؛ و ذلك


1) - البقرة 2: 222.

2) - وسائل الشيعة 1: 383 / الباب 11 من أبواب الوضوء / الحديث 3.

لقوله تعالى: «اذا قمتم الى الصلاة فاغسلوا وجوهكم و أيديكم الى المرافق».(1)و لقوله عليه السلام في صحيحتي زرارة:

«لاصلاة الاّ بطهور».

«و لاتعاد الصلاة الاّ من خمسة: الطهور و ... ».

و قد تقدّم، فاطلاقه يشمل الأداء و القضاء، عن النفس أو عن الغير.

و كما يجب الوضوء للصلاة، يجب لأجزائها المنسيّة؛ لأنّها جزء من الصلاة أيضا. و يجب لسجدتي السهو أيضا؛ لما يستفاد ممّا ورد من أنّ سجدتي السهو بعد السلام بلا كلام، و أنّه يعتبر فيهما ما يعتبر في الصلاة، فانّ سجدتي السهو جبران لما نقص من أجزاء الصلاة، فالقول بعدم وجوب الطهارة فيهما غير وجيه.

و يجب أيضا للطواف الواجب وهو ما كان جزءا من الحجّ أو العمرة و ان كانا مندوبين؛ لأنّهما بالشروع فيهما يجب اتمامهما، و أمّا الطواف الذي لايكون جزءا من الحجّ أو العمرة، فلايجب فيه الوضوء، و ان كان يجب لصلاته؛ ففي صحيحة محمّد بن مسلم قال:

«سألت أحدهما عليهماالسلام عن رجل طاف طواف الفريضة وهو على غير طهور، قال: يتوضّأ و يعيد طوافه، و ان كان تطوّعا توضّأ و صلّى ركعتين».(2)

ويجب أيضا بالنذر و العهد و اليمين بناءً على أنّ الكون على الطهارة مستحبّ نفسي كما هو الحقّ.

و يجب الوضوء لمسّ كتابة القرآن ان وجب كما في المتن و يحرم مسّه لمن لم يكن متطهّرا؛ و ذلك لصحيحة أبي بصير قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عمّن قرأ في المصحف و هو على غير وضوء؟


1) - المائدة 5: 6.

2) - وسائل الشيعة 13:374 / الباب 38 من أبواب الطواف / الحديث 3.

قال: لا بأس، و لايمسّ الكتاب».(1)

و مرسلة حريز عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«كان اسماعيل بن أبي عبداللّه عنده فقال: يا بنيّ، اقرأ المصحف، فقال: انّي لست على وضوء، فقال: لاتمسّ الكتابة، و مسّ الورق، فاقرأه».(2)

و على هذا فلو صارت كتابة القرآن متنجّسة و توقّف الاخراج أو التطهير على مسّ كتابته يجب الوضوء بشرط أن لايكون التأخير للتوضّؤ موجبا لهتك حرمته، و الاّ وجبت المبادرة اليه من دون الوضوء و يسقط حرمة المسّ؛ لمزاحمته بالواجب الأهمّ.

و هل يلحق به أسماء اللّه و صفاته الخاصّة؟ فان كانت من القرآن ففي حكمه، و ان لم تكن كذلك، فان كان مسّها بدون الوضوء هتكا فيجب، و الاّ فليس على وجوبه دليل، و الأحوط التوضّؤ لمسّها. و هكذا يكون الحال بالنسبة الى أسماء الأنبياء و الأئمّة عليهم السلام .

و في المستمسك: «لايجب للأصل، و عن كشف الالتباس الالحاق؛ للفحوى. و الاشكال فيها هنا أظهر (من الحاق اسم اللّه و صفاته الخاصّة بالكتاب). و لذا لايتوهّم أنّ مسّ المحدث بدن النبي صلى الله عليه و آله أو أحد الأئمّة عليهم السلام حرام، مع أنّه أولى من مسّ أسمائهم».(3)


1) - وسائل الشيعة 1:383 / الباب 12 من أبواب الوضوء / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 1:383 / الباب 12 من أبواب الوضوء / الحديث 2.

3) - مستمسك العروة 2: 274.

(مسألة 1): اذا نذر أن يتوضّأ لكلّ صلاة وضوءا رافعا للحدث و كان متوضّئا يجب عليه نقضه ثمّ الوضوء، لكن في صحّة مثل هذا النذر على اطلاقه تأمّل.

الشرح:

لاينعقد النذر الاّ أن يكون فيما ينذره جهة رجحان ككونه مستحبّا، فعليه لو نذر أن يتوضّأ لكلّ صلاة وضوءا رافعا للحدث بحيث يشمل ما لو كان متوضّئا حتّى يجب عليه نقضه ثمّ الوضوء، لاينعقد نذره؛ لعدم الدليل على رجحان هذا المورد. نعم، لو كان رأيه حين النذر لمدافعة الأخبثين فيصحّ النذر، فيجب عليه نقضه ثمّ الوضوء.

في أقسام الوضوء لسبب النذر

(مسألة 2): وجوب الوضوء لسبب النذر أقسام. «أحدها»: أن ينذر أن يأتي بعمل يشترط في صحّته الوضوء كالصلاة.

«الثاني»: أن ينذر أن يتوضّأ اذا أتى بالعمل الفلاني الغير المشروط بالوضوء مثل أن ينذر أن لايقرأ القرآن الاّ مع الوضوء فحينئذ لايجب عليه القراءة، لكن لو أراد أن يقرأ يجب عليه أن يتوضّأ.

«الثالث»: أن يأتي بالعمل الكذائي مع الوضوء، كأن ينذر أن يقرأ القرآن مع الوضوء فحينئذ يجب الوضوء و القراءة.

«الرابع»: أن ينذر الكون على الطهارة.

«الخامس»: أن ينذر أن يتوضّأ من غير نظر الى الكون على الطهارة. و جميع هذه الأقسام صحيح، لكن ربّما يستشكل في الخامس من حيث انّ صحّته موقوفة على ثبوت الاستحباب النفسي للوضوء و هو محلّ اشكال، لكنّ الأقوى ذلك.

الشرح:

بعد ما كان صحّة النذر منوطة بالرجحان، فيكون لوجوب الوضوء بسبب النذر أقسام:

أحدها: أن ينذر أن يأتي بعمل يشترط في صحّته الوضوء، كالصلاة، كأن يقول: «للّه عليّ أن آتي بالصلوات اليوميّة صحيحة»، فالنذر لم يتعلّق بالوضوء مستقيما بل بسبب الصلاة التي يشترط في صحّتها الوضوء. فنتيجة هذا النذر أنّه لو لم يأت بالصلاة عمدا يجب عليه القضاء، و كفّارة النذر.

الثاني: أن ينذر التوضّؤ للعمل الذي لم يشترط فيه الوضوء الاّ أنّ الاتيان به مع الوضوء راجح، كأن ينذر الوضوء اذا أراد أن يقرأ القرآن، فقراءة القرآن لاتجب الاّ أنّه اذا أراد قراءته يجب عليه الوضوء. فنتيجة هذا النذر أنّه اذا قرأ القرآن بدون الوضوء مع الالتفات بنذره يجب عليه الكفّارة.

الثالث: القسم الثاني الاّ أنّه ينذر أن يأتي كلّ يوم مثلاً بقراءة القرآن مع الوضوء، فحينئذ يجب عليه في كلّ يوم قراءة القرآن مع الوضوء، فحينئذ لو تخلّف يجب عليه الكفّارة، و تخلّفه بأن لايأتي بقراءة القرآن مع الوضوء امّا بتركهما معا أو باتيانها بدون الوضوء.

الرابع: أن ينذر الكون على الطهارة، فحينئذ يجب عليه الوضوء اذا أحدث، فلو تسامح عرفا تجب عليه الكفّارة.

الخامس: أن ينذر التوضّؤ من غير نظر الى الكون على الطهارة. و حيث انّ الكون على الطهارة مستحبّ، فواجباتها أيضا مستحبّة، بل لعلّ الوضوء أي الغسلتين و المسحتين لاينفكّ عن الطهارة فلهذا التوضّؤ أيضا مستحبّ فلا اشكال فيه.

في عدم الفرق بين اليد و سائر الأعضاء في حرمة مسّ كتابة القرآن

(مسألة 3): لا فرق في حرمة مسّ كتابة القرآن على المحدث بين أن يكون باليد أو بسائر أجزاء البدن، و لو بالباطن كمسّها باللسان أو بالأسنان و الأحوط ترك المسّ بالشعر أيضا، و ان كان لايبعد عدم حرمته.

الشرح:

قد تقدّم الدليل على حرمة مسّ الكتاب بدون الطهارة، فالمستفاد عرفا من المسّ هو الذي قال به المصنّف أي بلا فرق بين أن يكون بالكفّ أو بسائر أجزاء البدن و لو بالباطن كمسّها باللسان أو بالأسنان و هذا معنى الاطلاق، و يلحق به المسّ بالشعر اذا كان قصيرا جدّا، و أمّا الشعر الطويل كشعر رؤوس النساء فلا بأس به؛ لعدم صدقه عرفا.

في حرمة المسّ ابتداءً و استدامة

(مسألة 4): لا فرق بين المسّ ابتداءً أو استدامة، فلو كان يده على الخطّ فأحدث يجب عليه رفعها فورا، و كذا لو مسّ غفلة ثمّ التفت أنّه محدث.

الشرح:

لا فرق في حرمة المسّ بغير وضوء بين مسّه ابتداءً أو استدامة، فلو كان يده على الخطّ فأحدث يجب عليه رفعها فورا و كذا لو مسّ غفلة ثمّ التفت أنّه محدث. و كذا لو اضطرّ الى مسّه، فاذا رفع الاضطرار يجب رفع المسّ؛ كلّ ذلك للاطلاق.

(مسألة 5): المسّ الماحي للخطّ أيضا حرام، فلايجوز له أن يمحوه باللسان أو باليد الرطبة.

الشرح:

لأنّه لايخرج عن كونه من مسّ المحدث للكتابة، و المحو انّما يكون بالمسّ و هو حرام.

في عدم الفرق بين أنواع الخطوط

(مسألة 6): لا فرق بين أنواع الخطوط حتّى المهجور منها كالكوفي، و كذا لا فرق بين أنحاء الكتابة من الكتب بالقلم أو الطبع أو القصّ بالكاغذ أو الحفر أو العكس.

الشرح:

كلّ ما صدق عليه الكتاب من الخطوط يحرم على المحدث مسّه، و ان كان مهجورا كالكوفي. نعم، فيما اذا لم يصدق عليه الكتاب لعدم ظهوره الاّ بالأسباب المعيّنة، كالحرارة و شبهها، أو لايظهر الاّ باشراق الشمس عليه فما لم يكن ظاهرا لايحرم مسّه؛ لعدم صدق الكتاب عليه، فاذا ظهر يحرم مسّه. فما في المستمسك(1)من شمول الاطلاق للجميع فيه اشكال.

(مسألة 7): لا فرق في القرآن بين الآية و الكلمة، بل و الحرف و ان كان يكتب و لايقرأ كالألف في قالوا، و آمنوا، بل الحرف الذي يقرأ و لايكتب اذا كتب كما في الواو الثاني من داوود اذا كتب بواوين و كالألف في رحمن و لقمن اذا كتب كرحمان و لقمان.


1) - مستمسك العروة 2: 279.

الشرح:

قد علمت أنّ مناط حرمة مسّ المحدث القرآن، هو صدق القرآن على الممسوس، فمادام صدق على الكلمات و الحروف أنّها قرآن، أو من القرآن يحرم مسّها، فمسّ الآية و الكلمة بل الحروف المكتوبة في القرآن للمحدث حرام. نعم، لو كتب حرفان أو حروف في قرطاس و لم يصدق عليه القرآن و ان كان بقصد القرآن ففي حرمة مسّه اشكال و ان كان الاحتياط حسنا.

(مسألة 8): لا فرق بين ما كان في القرآن أو في كتاب بل لو وجدت كلمة من القرآن في كاغذ بل أو نصف الكلمة كما اذا قصّ من ورق القرآن أو الكتاب يحرم مسّها أيضا.

الشرح:

ما ذهب اليه المصنّف في هذه المسألة لا اشكال فيه؛ لأنّ مناط الحرمة - كما تقدّم - مسّ كتابة القرآن فأينما وجدت يحرم مسّها كما اذا قصّ من ورق القرآن.

(مسألة 9): في الكلمات المشتركة بين القرآن و غيره المناط قصد الكاتب.

الشرح:

في الكلمات المشتركة بين القرآن و غيره، فان كان الكاتب نفسه يمسّها فمناط الحرمة و عدمها هو قصده، و أمّا ان كان الكاتب غيره، فالمناط صدق القرآن عليها، ففي صورة الشكّ الأصل عدم الحرمة. نعم، لو علم أنّ الكاتب كتبها من القرآن يحرم مسّها.

في عدم الفرق بين الكاغذ و اللوح و غيرهما

(مسألة 10): لا فرق فيما كتب عليه القرآن بين الكاغذ و اللوح و الأرض و الجدار و الثوب، بل و بدن الانسان، فاذا كتب على يده لايجوز مسّه عند الوضوء، بل يجب محوه أوّلاً ثمّ الوضوء.

الشرح:

لا فرق في حرمة مسّ القرآن على المحدث فيما كتب عليه بين الورق و غيره كما في المتن بل و بدن الانسان، فاذا كتب على يده يجب محوه؛ لأنّه لايتمكّن من الدوام على الطهارة في بيت الخلاء، و النوم و غيرهما. و ان لم يمكن محوه يجب عليه الوضوء فورا عند الحدث بحدّ الامكان، فيحرم عليه المسامحة في ذلك.

(مسألة 11): اذا كتب على الكاغذ بلا مداد فالظاهر عدم المنع من مسّه؛ لأنّه ليس خطّا. نعم، لو كتب بما يظهر أثره بعد ذلك فالظاهر حرمته كماء البصل فانّه لا أثر له الاّ اذا أحمي على النار.

الشرح:

اذا كتب على الورق أو غيره بلا مداد فلايحرم مسّه؛ لأنّه ليس هناك شيء على الفرض. و كذا لو كتب بما يظهر أثره بعد ذلك بآلة، فمادام لم يظهر لم يحرم مسّه؛ لعدم صدق مسّ القرآن، فاذا ظهر يحرم، كما لو كتب بماء البصل فانّه لا أثر له الاّ اذا أحمي على النار.

في المسّ من وراء الشيشة

(مسألة 12): لايحرم المسّ من وراء الشيشة، و ان كان الخطّ مرئيّا، و كذا اذا وضع عليه كاغذ رقيق يرى الخطّ تحته، و كذا المنطبع في المرآة. نعم، لو نفذ المداد في الكاغذ حتّى ظهر الخطّ من الطرف الآخر لايجوز مسّه، خصوصا اذا كتب بالعكس فظهر من الطرف الآخر طردا.

الشرح:

انّما يحرم مسّ الكتابة من دون مانع، و أمّا اذا كان هناك مانع بين المسّ و الكتابة فلايحرم و ان كان يرى الكتابة من ورائه، ففي الحقيقة يمسّ المانع لا الخطّ و الكتابة، و عليه فلايحرم المسّ من وراء الزجاجة، و كذا اذا وضع عليه ورق رقيق يرى الخطّ تحته، و كذا المنطبع في المرآة. نعم، لو نفذ المداد في الورق حتّى ظهر الخطّ من الطرف الآخر لايجوز مسّه؛ لأنّه من مسّ الكتابة.

في مسّ المسافة الخالية التي يحيط بها الحرف

(مسألة 13): في مسّ المسافة الخالية التي يحيط بها الحرف كالحاء أو العين مثلاً اشكال، أحوطه الترك.

الشرح:

قد تقدّم أنّ مناط الحرمة لمسّ المحدث الكتاب، هو مسّ الكتابة و الخطوط، فما شكّ في كونه مسّ الخطّ فلا حرمة فيه، ففي مسّ المسافة الخالية التي يحيط بها الحرف - كالحاء أو العين مثلاً - اشكال من هذه الجهة، فالاحتياط حسن.

(مسألة 14): في جواز كتابة المحدث آية من القرآن باصبعه على الأرض أو غيرها اشكال، و لايبعد عدم الحرمة فانّ الخطّ يوجد بعد المسّ، و أمّا الكتب على بدن المحدث و ان كان الكاتب على وضوء فالظاهر حرمته، خصوصا اذا كان بما يبقى أثره.

الشرح:

اذا كتب المحدث آية من القرآن باصبعه على الأرض أو غيرها فتارة: لايبقى أثر كما لو كتب على الحجر باصبعه، فكأنّه يمدّ اصبعه على الحجر، فلايحرم؛ لعدم صدق الكتابة و المسّ.

و أخرى: يبقى أثره، كما لو كتب باصبعه على التراب أو الدقيق، أو كتب على الحجر باصبعه بما يؤثّر عليه، فحينئذ لايجوز؛ لصدق مسّ الكتابة. و هكذا يحرم الكتابة على بدن المحدث و ان كان الكاتب على وضوء اذا كان يبقى أثره، كما يجب على المكتوب له محوه و قد تقدّم.

في منع الأطفال و المجانين من المسّ

(مسألة 15): لايجب منع الأطفال و المجانين من المسّ الاّ اذا كان ممّا يعدّ هتكا. نعم، الأحوط عدم التسبّب لمسّهم، و لو توضّأ الصبي المميّز فلا اشكال في مسّه بناءً على الأقوى من صحّة وضوئه و سائر عباداته.

الشرح:

لايجب منع الأطفال و المجانين من مسّ القرآن؛ لأنّهم غير مكلّفين، الاّ اذا كان ممّا يعدّ هتكا، فيجب على المكلّفين المنع عن الهتك و ان كان الهاتك غير مكلّف كالنائم و الساهي. نعم، الأحوط بل الأقوى عدم التسبيب بحيث يأخذ يد الطفل أو يد المجنون فيضعها على القرآن. نعم، لو فتح القرآن عنده و هو يعلم أنّه يضع يده عليه فالأحوط الأولى تركه.

ثمّ انّه لو توضّأ الصبي المميّز فلا اشكال في مسّه، بناءً على الأقوى من صحّة وضوئه و سائر عباداته.

في مسّ غير الخطّ من ورق القرآن

(مسألة 16): لايحرم على المحدث مسّ غير الخطّ من ورق القرآن حتّى ما بين السطور و الجلد و الغلاف. نعم، يكره ذلك كما أنّه يكره تعليقه و حمله.

الشرح:

قد تقدّم مناط الحرمة في المسائل السابقة. و أمّا كراهة مسّ ورق القرآن غير

الخطّ و ما بين السطور و الجلد و الغلاف بل كراهة تعليقه و حمله فلرواية ابراهيم بن عبدالحميد عن أبي الحسن عليه السلام قال:

«المصحف لاتمسّه على غير طهر، و لا جنبا، و لاتمسّ خيطه، و لا تعلّقه، انّ اللّه تعالى يقول: «لايمسّه الاّ المطهّرون»».(1)

بناءً على أنّ المراد من مسّ المصحف هو مسّ غير الخطّ، فتحمل على الكراهة؛ جمعا بينها و بين مرسلة حريز عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«كان اسماعيل بن أبي عبداللّه عنده، فقال: يا بنيّ اقرأ المصحف، فقال: انّي لست على وضوء، فقال: لاتمسّ الكتابة، و مسّ الورق فاقرأه».(2)

في مسّ ترجمة القرآن

(مسألة 17): ترجمة القرآن ليست منه بأيّ لغة كانت، فلابأس بمسّها على المحدث. نعم، لا فرق في اسم اللّه تعالى بين اللغات.

الشرح:

لايحرم مسّ ترجمة القرآن للمحدث بأي لغة كانت؛ لأنّها ليست من القرآن و الكتاب المنزل. و كذا في ترجمة اللّه، و قد تقدّم أنّ لفظ اللّه من حيث انّه من القرآن يحرم مسّه، و أمّا ترجمته فليس من القرآن فلايحرم مسّه الاّ اذا كان يوجب هتكا.

في وضع الشيء النجس على القرآن

(مسألة 18): لايجوز وضع الشيء النجس على القرآن و ان كان يابسا؛ لأنّه هتك، و أمّا المتنجّس فالظاهر عدم البأس به مع عدم الرطوبة، فيجوز


1) - وسائل الشيعة 1: 384 / الباب 12 من أبواب الوضوء / الحديث 3.

2) - وسائل الشيعة 1: 383 / الباب 12 من أبواب الوضوء / الحديث 2.

للمتوضّي أن يمسّ القرآن باليد المتنجّسة، و ان كان الأولى تركه.

الشرح:

المدار في حرمة وضع الشيء النجس أو المتنجّس اليابس على القرآن هو الهتك فقد يصدق الهتك في بعض الموارد فيحرم، و قد لايصدق فلايحرم، كما لو وضع القرآن في الصندوق الذي صنع من جلد ميتة الأسد فقال بأنّه غالي القيمة و عزيز الوجود، كما في التنقيح.(1)

(مسألة 19): اذا كتبت آية من القرآن على لقمة خبز لايجوز للمحدث أكله، و أمّا للمتطهّر فلابأس، خصوصا اذا كان بنيّة الشفاء أو التبرّك.

الشرح:

قال في التنقيح: «لأنّه بأكله يمسّ كتابة القرآن بباطن فمه، و لا فرق في المسّ المحرّم بين المسّ بظاهر البدن و باطنه. نعم، هذا يتوقّف على صدق القرآن على الكتابة و هي في فمه، و أمّا اذا سقطت عن القرآنية لتفرّق أجزائها و زوال هيئتها المعتبرة فلا مانع من أكلها، اذ لايحرم أكل اللقمة على المحدث الاّ لاستلزامه المسّ الحرام، و اذا لم تبق الكتابة بحالها فلا موضوع ليستلزم الأكل مسّه، اللّهمّ الاّ أن يكون أكلها على وجه الاهانة فيحرم؛ لأنّه هتك».(2)

أقول:

ما ذهب اليه صاحب التنقيح في شرح المسألة لا اشكال فيه.


1) - التنقيح في شرح العروة 4: 490.

2) - نفس المصدر: 490 و 491.

الفصل الثالث : في الوضوءات المستحبّة

اشارة

(مسألة 1): الأقوى كما أشير اليه سابقا كون الوضوء مستحبّا في نفسه، و ان لم يقصد غاية من الغايات حتّى الكون على الطهارة، و ان كان الأحوط قصد احداها.

الشرح:

قد تقدّم في ابتداء الفصل في غايات الوضوء أنّ الأقوى كون الوضوء مستحبّا في نفسه، و أنّه بمعنى الكون على الطهارة.

في أقسام الوضوء المستحبّ

(مسألة 2): الوضوء المستحبّ أقسام: «أحدها»: ما يستحبّ في حال الحدث الأصغر فيفيد الطهارة منه. «الثاني»: ما يستحبّ في حال الطهارة منه كالوضوء التجديدي. «الثالث»: ما هو مستحبّ في حال الحدث الأكبر و هو لايفيد طهارة، و انّما هو لرفع الكراهة أو لحدوث كمال في الفعل الذي يأتي به، كوضوء الجنب للنوم، و وضوء الحائض للذكر في مصلاّها. أمّا القسم الأوّل فلأمور: «الأوّل»: الصلوات المندوبة و هو شرط في صحّتها أيضا. «الثاني»: الطواف المندوب و هو ما لايكون جزءا من حجّ أو عمرة و لو مندوبين، و ليس شرطا في صحّته. نعم، هو شرط في صحّة صلاته. «الثالث»:

التهيّؤ للصلاة في أوّل وقتها أو أوّل زمان امكانها اذا لم يمكن اتيانها في أوّل الوقت، و يعتبر أن يكون قريبا من الوقت أو زمان الامكان بحيث يصدق عليه التهيّؤ. «الرابع»: دخول المساجد. «الخامس»: دخول المشاهد المشرّفة. «السادس»: مناسك الحجّ ممّا عدا الصلاة و الطواف. «السابع»: صلاة الأموات. «الثامن»: زيارة أهل القبور. «التاسع»: قراءة القرآن أو كتبه أو لمس حواشيه أو حمله. «العاشر»: الدعاء و طلب الحاجة من اللّه تعالى. «الحادي عشر»: زيارة الأئمّة عليهم السلام و لو من بعيد. «الثاني عشر»: سجدة الشكر أو التلاوة. «الثالث عشر»: الأذان و الاقامة، و الأظهر شرطيّته في الاقامة. «الرابع عشر»: دخول الزوج على الزوجة ليلة الزفاف بالنسبة الى كلّ منهما. «الخامس عشر»: ورود المسافر على أهله فيستحبّ قبله. «السادس عشر»: النوم. «السابع عشر»: مقاربة الحامل. «الثامن عشر»: جلوس القاضي في مجلس القضاء. «التاسع عشر»: الكون على الطهارة. «العشرين»: مسّ كتابة القرآن في صورة عدم وجوبه، و هو شرط في جوازه كما مرّ، و قد عرفت أنّ الأقوى استحبابه نفسا أيضا.

الشرح:

الوضوء المستحبّ على أقسام:

أحدها: ما يستحبّ في حال الحدث الأصغر.

فيستفاد الطهارة منه و يستحبّ هذا الوضوء لأمور:

الأوّل: الصلوات المندوبة و هو شرط في صحّتها أيضا. لقوله عليه السلام في صحيحة زرارة:

«لا صلاة الاّ بطهور».(1)


1) - وسائل الشيعة 1: 365 / الباب 1 من أبواب الوضوء / الحديث 1.

ثمّ انّه اذا توضّأ في غير وقت الصلاة فجاء الوقت يجوز له أن يصلّي به الصلاة اليوميّة، بل يجوز له أن يصلّي به كلّ صلاة واجبة؛ لأنّ شرط الصلاة الطهارة الحاصلة من الوضوء الصحيح و الفرض أنّه يكون ذا طهارة. بل يجوز له أن يأتي بكلّ عبادة يشترط فيها الطهارة، كالطواف للحجّ و العمرة و طواف النساء و مسّ كتابة القرآن ان وجب.

الثاني: يستحبّ الوضوء للطواف المندوب و هو ما لايكون جزءا من حجّ أو عمرة و لو مندوبين و ليس شرطا في صحّته. نعم، هو شرط في صحّة صلاته. و قد ورد في صحيحة عبيد بن زرارة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«لا بأس أن يطوف الرجل النافلة على غير وضوء ثمّ يتوضّأ و يصلّي، الحديث».(1)

الثالث: التهيّؤ للصلاة في أوّل وقتها؛ لمرسلة الشهيد (في الذكرى) قال:

«روي: ما وقّر الصلاة من أخّر الطهارة لها حتّى يدخل وقتها».(2)

و لما دلّ على استحباب المسارعة الى فعل الخير من الكتاب و السنّة.

و كذا يستحبّ الوضوء للتهيّؤ لأوّل زمان امكان الصلاة اذا لم يمكن اتيانها في أوّل الوقت؛ لعمومات المسارعة الى فعل الخير. و يعتبر أن يكون قريبا من الوقت أو زمان الامكان بحيث يصدق عليه التهيّؤ؛ لأنّ الوضوء بقصد التهيّؤ غير الوضوء للكون على الطهارة، و ان كان يجوز الصلاة بكلّ منهما الاّ أنّ عنوانهما و الدليل عليهما على حدة.

الرابع: دخول المساجد. ففي صحيحة مرازم بن حكيم عن الصادق جعفر بن محمّد عليه السلام ، أنّه قال:

«عليكم باتيان المساجد، فانّها بيوت اللّه في الأرض، و من أتاها


1) - وسائل الشيعة 13: 374 / الباب 38 من أبواب الطواف / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 1: 374 / الباب 4 من أبواب الوضوء / الحديث 5.

متطهّرا طهّره اللّه من ذنوبه، و كتب من زوّاره، الحديث».(1)

الخامس: دخول المشاهد المشرّفة، فانّها بيوت اللّه في أرضه، فقد قال اللّه تبارك و تعالى: «في بيوت أذن اللّه أن ترفع و يذكر فيهااسمه».(2)

السادس: مناسك الحجّ؛ ففي صحيحة معاوية بن عمّار:

«لا بأس أن يقضي المناسك كلّها على غير وضوء الاّ الطواف بالبيت، و الوضوء أفضل».(3)

السابع: صلاة الأموات؛ لما في رواية عبدالحميد قال:

«قلت لأبيالحسن عليه السلام : الجنازة يخرج بها و لست على وضوء، فان ذهبت أتوضّأ فاتتني الصلاة، أيجزي لي أن أصلّي عليها و أنا على غير وضوء؟ فقال: تكون على طهر أحبّ اليّ».(4)

الثامن: زيارة قبور المؤمنين.

قال في المستمسك: «كما عن جماعة. و يظهر ممّا عن الذكرى و المدارك أنّ به رواية».(5)

التاسع: قراءة القرآن - كما تقدّم - أو كتبه؛ ففي رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام :

«أنّه سأله عن الرجل أيحلّ له أن يكتب القرآن في الألواح و الصحيفة، و هو على غير وضوء؟ قال: لا».(6)

المحمولة على الاستحباب؛ جمعا بينها و بين ما دلّ على عدم البأس به ما


1) - وسائل الشيعة 1: 380 / الباب 10 من أبواب الوضوء / الحديث 2.

2) - النور 24: 36.

3) - وسائل الشيعة 13: 374 / الباب 38 من أبواب الطواف / الحديث 1.

4) - وسائل الشيعة 3: 110 / الباب 21 من أبواب صلاة الجنازة / الحديث 2.

5) - مستمسك العروة 2: 290.

6) - وسائل الشيعة 1: 384 / الباب 12 من أبواب الوضوء / الحديث 4.

لم يمسّ الكلمات و خصوص ما دلّ على جواز كتابة الحائض كصحيحة داود بن فرقد عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته عن التعويذ يعلّق على الحائض؟ قال: نعم، لا بأس، قال: و قال: تقرؤه و تكتبه و لاتصيبه يدها».(1)

أو لمس حواشيه، أو حمله؛ ففي رواية ابراهيم بن عبدالحميد:

«المصحف لاتمسّه على غير طهر، و لا جنبا، و لاتمسّ خيطه، و لاتعلّقه انّ اللّه تعالى يقول: «لايمسّه الاّ المطهّرون»».(2)

العاشر: الدعاء و طلب الحاجة من اللّه تعالى؛ ففي صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سمعته يقول: من طلب حاجة و هو على غير وضوء، فلم تقض، فلايلومنّ الاّ نفسه».(3)

و مرسلة الصدوق قال:

«و قال الصادق عليه السلام : انّي لأعجب ممّن يأخذ في حاجة، و هو على وضوء، كيف لاتقضى حاجته».(4)

الحادي عشر: زيارة الأئمّة عليهم السلام و لو من بعيد.

قال في المستمسك: «ففي الجواهر: انّ النصوص الواردة في الطهارة لزيارتهم بل الغسل أكثر من أن تحصى، كما لايخفى على من لاحظ الكتب المؤلّفة في ذلك».(5)


1) - وسائل الشيعة 2: 342 / الباب 37 من أبواب الحيض / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 1: 384 / الباب 12 من أبواب الوضوء / الحديث 3.

3) - وسائل الشيعة 1: 374 / الباب 6 من أبواب الوضوء / الحديث 1.

4) - وسائل الشيعة 1: 375 / الباب 6 من أبواب الوضوء / الحديث 2.

5) - مستمسك العروة 2: 292.

الثاني عشر: سجدة الشكر؛ ففي رواية عبدالرحمن بن الحجّاج عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال:

«من سجد سجدة الشكر لنعمة و هو متوضّئ كتب اللّه له بها عشر صلوات و محا عنه عشر خطايا عظام».(1)

و لسجدة تلاوة آية السجدة أو استماعها؛ ففي رواية أبي بصير عن الصادق عليه السلام :

«اذا قرئ شيء من العزائم الأربع فسمعتها فاسجد، و ان كنت على غير وضوء، و ان كنت جنبا، و ان كانت المرأة لاتصلّي، الحديث».(2)

نعم، اذا كان على غير وضوء فقرأها أو استمع اليها فليسجد و لايتوضّأ؛ لمنافاته بفوريّة السجدة.

الثالث عشر: الأذان و الاقامة.

قال في المستمسك: «عليه فتوى العلماء كما عن المعتبر، و اجماعهم، كما عن المنتهى؛ للنبوي: «حقّ و سنّة أن لايؤذّن أحد الاّ و هو طاهر». و عن الدعائم: «لا بأس أن يؤذّن الرجل على غير طهر، و يكون على طهر أفضل و لايقيم الاّ على طهر».».(3)

و الأظهر شرطيّته في الاقامة، كما بيّنّا في كتاب الصلاة.(4)

الرابع عشر: دخول الزوج على الزوجة ليلة الزفاف بالنسبة الى كلّ منهما؛ ففي صحيحة أبي بصير قال:

«سمعت رجلاً و هو يقول لأبي جعفر عليه السلام : انّي رجل قد أسننت، و قد


1) - وسائل الشيعة 7: 5 / الباب 1 من أبواب سجدتي الشكر / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 6: 240 / الباب 42 من أبواب قراءة القرآن / الحديث 2.

3) - مستمسك العروة 2: 292.

4) - الهادي كتاب الصلاة 2: 222.

تزوّجت امرأة بكرا صغيرة و لم أدخل بها، و أنا أخاف اذا دخلت عليّ فرأتني أن تكرهني لخضابي و كبري، فقال أبو جعفر عليه السلام : اذا دخلت فمرهم قبل أن تصل اليك أن تكون متوضّئة، ثمّ أنت لاتصل اليها حتّى توضّأ و صلّ ركعتين، الحديث».(1)

الخامس عشر: ورود المسافر على أهله فيستحبّ قبله.

ففي الجواهر: «لقوله عليه السلام : «من قدم من سفر فدخل على أهله و هو على غير وضوء فرأى ما يكره فلايلومنّ الاّ نفسه».».(2)

السادس عشر: النوم؛ لرواية محمّد بن كردوس عن الصادق عليه السلام قال:

«من تطهّر ثمّ آوى الى فراشه بات و فراشه كمسجده، الحديث».(3)

السابع عشر: مقاربة الحامل؛ ففي رواية أبي سعيد الخدري - في وصيّة النبي صلى الله عليه و آله لعلي عليه السلام - قال:

«يا علي، اذا حملت امرأتك فلاتجامعها الاّ و أنت على وضوء، فانّه ان قضي بينكما ولد يكون أعمى القلب، بخيل اليد».(4)

الثامن عشر: جلوس القاضي في مجلس القضاء.

ففي المستمسك: «كما عن النزهة، و في الحدائق و غيره، و لم أقف على دليله».(5)

التاسع عشر: الكون على الطهارة، كما تقدّم.

العشرون: مسّ كتابة القرآن في صورة عدم وجوبه. و هو شرط في جوازه كما مرّ.


1) - وسائل الشيعة 20: 115 / الباب 55 من أبواب مقدّمات النكاح / الحديث 1.

2) - جواهر الكلام 1: 21.

3) - وسائل الشيعة 1: 378 / الباب 9 من أبواب الوضوء / الحديث 1.

4) - وسائل الشيعة 1: 385 / الباب 13 من أبواب الوضوء / الحديث 1.

5) - مستمسك العروة 2: 294.

و أمّا «القسم الثاني» فهو الوضوء للتجديد، و الظاهر جوازه ثالثا و رابعا فصاعدا أيضا، و أمّا الغسل فلايستحبّ فيه التجديد، بل و لا الوضوء بعد غسل الجنابة و ان طالت المدّة.

الشرح:

القسم الثاني: ما يستحبّ في حال الطهارة منه.

فيستحبّ الوضوء على الوضوء، ففي مرسلة الصدوق:

«كان النبي صلى الله عليه و آله يجدّد الوضوء لكلّ فريضة، و كلّ صلاة».(1)

و في رواية محمّد بن مسلم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«قال أميرالمؤمنين عليه السلام : الوضوء بعد الطهور عشر حسنات، فتطهّروا».(2)

و الظاهر جوازه ثالثا و رابعا فصاعدا أيضا بحيث يصدق التجديد لا التكرار؛ و ذلك للاطلاق.

و أمّا الغسل فلم يرد فيه دليل على استحباب تجديده، كما في الجواهر، و الحدائق. و ما في مرسلة سعدان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«الطهر على الطهر عشر حسنات».(3)

فالمراد منه «الوضوء بعد الطهور عشر حسنات»، كما في رواية محمّد بن مسلم.

و أمّا الوضوء بعد غسل الجنابة، فالظاهر أنّه أيضا لم يدلّ عليه دليل الاّ ما أشار اليه في المستمسك من رواية محمّد بن مسلم و سعدان، ولكنّهما ينصرفان الى


1) - وسائل الشيعة 1: 377 / الباب 8 من أبواب الوضوء / الحديث 9.

2) - وسائل الشيعة 1: 377 / الباب 8 من أبواب الوضوء / الحديث 10.

3) - وسائل الشيعة 1: 376 / الباب 8 من أبواب الوضوء / الحديث 3.

الوضوء بقرينة الروايات الأخر في الباب المذكور. بل قد ورد على خلافه صحيحة زرارة عن أبي عبداللّه عليه السلام :

« ... ليس قبله و لا بعده وضوء، الحديث».(1)

و لذلك قال في التنقيح: «لاينبغي التأمّل في عدم مشروعيّته. و انّ ذلك لو كان مستحبّا في الشريعة المقدّسة لذاع و شاع و ورد ذلك في الروايات، مع أنّ كلمات الفقهاء خالية عن التعرّض لاستحبابه. و لم ترد أيّة رواية في استحبابه بالخصوص. انتهى ملخّصا».(2)

و أمّا القسم الثالث فلأمور: «الأوّل»: لذكر الحائض في مصلاّها مقدار الصلاة. «الثاني»: لنوم الجنب و أكله و شربه و جماعه و تغسيله الميّت. «الثالث»: لجماع من مسّ الميّت و لم يغتسل بعد. «الرابع»: لتكفين الميّت أو تدفينه بالنسبة الى من غسله و لم يغتسل غسل المسّ.

الشرح:

القسم الثالث: ما هو مستحبّ في حال الحدث الأكبر.

فانّه لايفيد طهارة فانّما هو لرفع الكراهة أو لحدوث كمال في الفعل الذي يأتي به، فهو لأمور:

الأوّل: لذكر الحائض في مصلاّها مقدار الصلاة؛ و ذلك لصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«اذا كانت المرأة طامثا فلاتحلّ لها الصلاة، و عليها أن تتوضّأ وضوء الصلاة عند وقت كلّ صلاة، ثمّ تقعد في موضع طاهر، فتذكر اللّه


1) - وسائل الشيعة 2: 230 / الباب 26 من أبواب الجنابة / الحديث 5.

2) - التنقيح في شرح العروة 5: 11.

عزّوجلّ و تسبّحه، و تهلّله، و تحمده، كمقدار صلاتها، ثمّ تفرغ لحاجتها».(1)

الثاني: لنوم الجنب، و أكله و شربه و جماعه و تغسيله الميّت؛ و يدلّ على ذلك كلّه روايات:

منها صحيحة عبيداللّه بن علي الحلبي قال:

«سئل أبو عبداللّه عليه السلام عن الرجل، أينبغي له أن ينام و هو جنب؟ فقال: يكره ذلك حتّى يتوضّأ».(2)

و منها صحيحة ثانية لعبيداللّه بن علي الحلبي عن أبي عبداللّه عن أبيه عليهماالسلام ، قال:

«اذا كان الرجل جنبا لم يأكل و لم يشرب حتّى يتوضّأ».(3)

و لايجب؛ لصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«الجنب اذا أراد أن يأكل و يشرب غسل يده و تمضمض و غسل وجهه و أكل و شرب».(4)

و منها رواية الوشّاء قال:

«قال فلان بن محرز: بلغنا أنّ أبا عبداللّه عليه السلام كان اذا أراد أن يعاود أهله للجماع توضّأ وضوء الصلاة، فأحبّ أن تسأل أبا الحسن الثاني عليه السلام عن ذلك، قال الوشّاء: فدخلت عليه، فابتدأني من غير أن أسأله فقال: كان أبو عبداللّه عليه السلام اذا جامع و أراد أن يعاود توضّأ وضوء الصلاة، و اذا أراد أيضا توضّأ للصلاة».(5)


1) - وسائل الشيعة 1: 386 / الباب 14 من أبواب الوضوء / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 1: 382 / الباب 11 من أبواب الوضوء / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 2: 219 / الباب 20 من أبواب الجنابة / الحديث 4.

4) - وسائل الشيعة 2: 219 / الباب 20 من أبواب الجنابة / الحديث 1.

5) - وسائل الشيعة 1: 385 / الباب 13 من أبواب الوضوء / الحديث 2.

و منها رواية شهاب بن عبدربّه قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الجنب يغسل الميّت، أو من غسّل ميتا، له أن يأتي أهله ثمّ يغتسل؟ فقال: سواء، لابأس بذلك، اذا كان جنبا غسل يده و توضّأ، و غسل الميّت و هو جنب، و ان غسل ميّتا توضّأ ثمّ أتى أهله، و يجزيه غسل واحد لهما».(1)

الثالث: لجماع من مسّ الميّت و لم يغتسل بعد. كما في رواية شهاب بن عبد ربّه المذكورة آنفا.

الرابع: لتكفين الميّت أو دفنه بالنسبة الى من غسّله و لم يغتسل غسل المسّ؛ ففي رواية الحلبي و محمّد بن مسلم عن أبي عبداللّه عليه السلام :

«توضّأ اذا أدخلت الميّت القبر».(2)

هذا بالنسبة الى الدفن. و أمّا بالنسبة الى التكفين فالظاهر عدم المستند عليه غير فتوى جماعة من القدماء و المتأخّرين، بل في الحدائق الى الأصحاب كما في المستمسك.(3)


1) - وسائل الشيعة 2: 263 / الباب 43 من أبواب الجنابة / الحديث 3.

2) - وسائل الشيعة 3: 221 / الباب 53 من أبواب الدفن / الحديث 1.

3) - مستمسك العروة 2: 296.

في اباحة جميع الغايات بالوضوء المستحبّ

(مسألة 3): لايختصّ القسم الأوّل من المستحبّ بالغاية التي توضّأ لأجلها، بل يباح به جميع الغايات المشروطة به، بخلاف الثاني و الثالث، فانّهما ان وقعا على نحو ما قصدا لم يؤثّرا الاّ فيما قصدا لأجله. نعم، لو انكشف الخطأ بأن كان محدثا بالأصغر فلم يكن وضوؤه تجديديّا، و لا مجامعا للأكبر رجعا الى الأوّل، و قوي القول بالصحّة و اباحة جميع الغايات به اذا كان قاصدا لامتثال الأمر الواقعي المتوجّه اليه في ذلك الحال بالوضوء، و ان اعتقد أنّه الأمر بالتجديدي منه مثلاً، فيكون من باب الخطأ في التطبيق و تكون تلك الغاية مقصودة له على نحو الداعي لا التقييد، بحيث لو كان الأمر الواقعي على خلاف ما اعتقده لم يتوضّأ، أمّا لو كان على نحو التقييد كذلك ففي صحّته حينئذ اشكال.

الشرح:

لايختصّ القسم الأوّل من المستحبّ بالغاية التي توضّأ لأجلها بل يباح به جميع الغايات المشروطة به، فالوضوء الذي أوجده في حال الحدث الأصغر يفيد الطهارة و يجوز أن يأتي به الصلوات كلّها من الواجبة و المندوبة، و طواف الحجّ و العمرة، و طواف النساء و صلاة الطواف؛ و ذلك لأنّ من شرائط المذكورات أن يكون متطهّرا من الحدث و الفرض أنّه متطهّر.

و أمّا القسم الثاني أي ما يستحبّ في حال الطهارة منه كالوضوء التجديدي، فلا اشكال في أنّه أيضا يكون كالقسم الأوّل اذا كان الوضوء الأوّل الذي أوجده لرفع الحدث باقيا. و أمّا اذا توضّأ الوضوء التجديدي ثمّ انكشف أنّه كان محدثا، و لم يكن وضوؤه باقيا، فالظاهر أنّه يؤثّر أثره من كونه نورا و طهارة، الاّ أنّه اذا كان متطهّرا يكون أثره طهارة بعد طهارة كما عبّر به الامام عليه السلام في مرسلة سعدان المتقدّمة: «الطهر على الطهر عشر حسنات».

و اذا انكشف كونه محدثا فأثره أي الطهارة بحاله و يزيل الحدث. فالوضوء التجديدي كالقسم الأوّل يباح به جميع الغايات المشروطة به.

و أمّا الوضوء الذي أتى به للذكر كوضوء الحائض، أو لرفع الكراهة كنوم الجنب و غيرهما ممّا ذكر، فلايرفع الحدث، و لايباح به ما يشترط فيه الطهارة. نعم، لو انكشف أنّه لم يكن جنبا أو المرأة لم تكن حائضا فيكون حكمه كالوضوء التجديدي.

في عدم وجوب قصد الموجب في الوضوء

(مسألة 4): لايجب في الوضوء قصد موجبه بأن يقصد الوضوء لأجل خروج البول، أو لأجل النوم، بل لو قصد أحد الموجبات و تبيّن أنّ الواقع غيره صحّ الاّ أن يكون على وجه التقييد.

الشرح:

لايجب في الوضوء قصد موجبه بأن يقصد الوضوء لأجل خروج البول أو لأجل النوم؛ لأنّه لا دليل عليه، بل يكفي قصد ما توضّأ له من اباحة الصلوات و غيرها، ممّا مرّ مع قصد القربة. و لو قصد أحد الموجبات و تبيّن أن الواقع غيره صحّ؛ لعدم اعتبار ذلك.

(مسألة 5): يكفي الوضوء الواحد للأحداث المتعدّدة اذا قصد رفع طبيعة الحدث، بل لو قصد رفع أحدها صحّ و ارتفع الجميع، الاّ اذا قصد رفع البعض دون البعض فانّه يبطل؛ لأنّه يرجع الى قصد عدم الرفع.

الشرح:

يكفي الوضوء الواحد بعد وجود الأحداث المتعدّدة، سواء قصد رفع طبيعة الحدث أو لم يقصد، بل و لو قصد رفع أحدها؛ و ذلك لما مرّ من عدم اعتبار قصد

موجبه، مضافا الى أنّ أثر الوضوء ازالة الحدث من البول أو الغائط أو النوم أو الريح، من كلّ واحد منها منفردا أو مجموعا؛ لاطلاق الروايات. نعم، لو قصد رفع البعض دون البعض، فان كان لجهله فلايبطل الوضوء، و ان كان مع علمه فيشكل من جهة عدم الامتثال.

فيما اذا قصد جميع الغايات

(مسألة 6): اذا كان للوضوء الواجب غايات متعدّدة فقصد الجميع، حصل امتثال الجميع و أثيب عليها كلّها، و ان قصد البعض حصل الامتثال بالنسبة اليه و يثاب عليه، لكن يصحّ بالنسبة الى الجميع و يكون أداءً بالنسبة الى ما لم يقصد، و كذا اذا كان للوضوء المستحبّ غايات عديدة، و اذا اجتمعت الغايات الواجبة أو المستحبّة أيضا يجوز قصد الكلّ، و يثاب عليها و قصد البعض دون البعض، و لو كان ما قصده هو الغاية المندوبة، و يصحّ معه اتيان جميع الغايات، و لايضرّ في ذلك كون الوضوء عملاً واحدا، لايتّصف بالوجوب و الاستحباب معا، و مع وجود الغاية الواجبة لايكون الاّ واجبا؛ لأنّه على فرض صحّته لاينافي جواز قصد الأمر الندبي، و ان كان متّصفا بالوجوب فالوجوب الوصفي لاينافي الندب الغائي، لكنّ التحقيق صحّة اتّصافه فعلاً بالوجوب و الاستحباب من جهتين.

الشرح:

اذا كان للوضوء الواجب غايات متعدّدة فقصد الجميع حصل امتثال الجميع و أثيب عليها كلّها؛ و ذلك لأنّه أوّلاً: قد جعل لكلّ واحد منها امتثال و ثواب فالفاعل قد قصد بوضوئه جميع الغايات المترتّبة على كلّ واحد منها ثواب. و ثانيا: كان المتوضّئ عازما على أن يأتي بكلّ واحد من الغايات وضوءا الاّ أنّ رضا الشارع بهذه الكيفيّة غير معلوم، فقد اكتفى بوضوء واحد للغايات المتعدّدة.

و ان قصد البعض حصل الامتثال بالنسبة اليه و يثاب عليه، لكن يصحّ بالنسبة

الى الجميع و يكون أداءً بالنسبة الى ما لم يقصد؛ و ذلك لحصول الطهارة المعتبرة في سائر الغايات، فلاموجب للتكرار. كذا يكون هذا الذي قلنا فيما اذا كان للوضوء المستحبّ غايات عديدة.

و أمّا اذا اجتمعت الغايات الواجبة و المستحبّة، فذهب المصنّف الى جواز قصد الكلّ و يثاب عليها، و قصد البعض دون البعض. و لو كان ما قصده هو الغاية المندوبة، و يصحّ معه اتيان جميع الغايات.

ان قلت: أوّلاً: انّ الوضوء عمل واحد لايتّصف بالوجوب و الاستحباب معا. و ثانيا: مع وجود الغاية الواجبة لايكون الاّ واجبا.

قلت: انّه لا مانع من اجتماع الوجوب و الندب في موضوع واحد من جهتين، فانّ الوضوء بعنوان كونه مقدّمة للصلاة الواجبة واجب، و بعنوان كونه مقدّمة للصلاة النافلة مستحبّ. و لو سلّم عدم اتّصافه بالوجوب و الاستحباب في زمان واحد، فانّما يمنع ذلك من امكان نيّة الندب وصفا، و لايمنع من امكان نيّته غاية.

مضافا الى أنّا لانلتزم بقصد الوجه، فالوضوء لما يشترط فيه الطهارة سواء كان مثل الصلاة الواجبة أو المستحبّة يجوز أن يقصد منها الغايتين كالصلاة اليوميّة و نوافلها، و لا اشكال فيه يثاب عليهما، فالوضوء واحد و هو الذي يزيل معه الحدث، و يوجد الطهارة. و أمّا لو التزم بقصد الوجه، فانّما نلتزم بذي المقدّمة أي الغاية لا بالمقدّمة.

اللّهمّ الاّ أن يقال: انّ الفرض أنّ الوضوء عبادة و ان كان الأمر به غيريّا الاّ أنّ كونه عبادة يلزم قصد الوجه فيه، فنقول: مع ذلك لايضرّ اتّصافه بالوجوب لكونه مقدّمة للواجب، و بالاستحباب لكونه مقدّمة للمستحبّ؛ و ذلك لعدم التضادّ الواقعي بين الأحكام، بل بالاعتبار، و هذا كما قال المصنّف، فهو من جهة كونه مقدّمة للصلاة الواجبة واجب، و من جهة كونه مقدّمة للنافلة مستحبّ.

الفصل الرابع : في بعض مستحبّات الوضوء

«الأوّل»: أن يكون بمدّ و هو ربع الصاع، و ستّمائة و أربعة عشر مثقالاً و ربع مثقال، فالمدّ مائة و خمسون مثقالاً و ثلاثة مثاقيل و نصف مثقال و حمّصة و نصف. «الثاني»: الاستياك بأي شيء كان، و لو بالاصبع، و الأفضل عود الأراك. «الثالث»: وضع الاناء الذي يغترف منه على اليمين. «الرابع»: غسل اليدين قبل الاغتراف مرّة في حدث النوم و البول و مرّتين في الغائط.

الشرح:

في مستحبّات الوضوء:

الأوّل: أن يكون بمدّ؛ يدلّ عليه صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله يتوضّأ بمدّ، و يغتسل بصاع، و المدّ رطل و نصف، و الصاع ستة أرطال».(1)

و مرسلة الصدوق قال:

«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: الوضوء مدّ و الغسل صاع، و سيأتي أقوام بعدي


1) - وسائل الشيعة 1: 481 / الباب 50 من أبواب الوضوء / الحديث 1.

يستقلّون ذلك، فأولئك على خلاف سنّتي، و الثابت على سنّتي معي في حظيرة القدس».(1)

و مقطوعة سليمان بن حفص المروزي قال:

«قال أبوالحسن موسى بن جعفر عليه السلام : الغسل بصاع من ماء و الوضوء بمدّ من ماء، و صاع النبي صلى الله عليه و آله خمسة أمداد، و المدّ وزن مأتين و ثمانين درهما، و الدرهم وزن ستّة دوانيق، و الدانق وزن ستّ حبّات، و الحبّة وزن حبّتي شعير من أوسط الحبّ، لا من صغاره و لا من كباره».(2)

قال في المستمسك: «المدّ ربع الصاع، و هو المعروف، بل هو قول العلماء كافّة، كما عن المنتهى، بل اجماعا، كما عن الخلاف و الغنية و ظاهر التذكرة و غيرها و هو المصرّح به في صحيح زرارة المتقدّم، و ما ينافي ذلك كخبر الحفص لا مجال للاعتماد عليه».(3)

أقول:

كما قال السيّد الحكيم لا اعتماد بخبر الفحص و موثّقة سماعة في مقابل الصحيحة و المشهور بل الاجماع المنقول، انّ المدّ ربع الصاع.

الثاني: الاستياك؛ لصحيحة معاوية بن عمّار قال:

«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: كان في وصيّة النبي صلى الله عليه و آله لعلي عليه السلام ، أن قال: ياعلي، أوصيك في نفسك بخصال فاحفظها عنّي، ثمّ قال:


1) - وسائل الشيعة 1: 483 / الباب 50 من أبواب الوضوء / الحديث 6.

2) - وسائل الشيعة 1: 481 / الباب 50 من أبواب الوضوء / الحديث 3.

3) - مستمسك العروة 2: 311.

اللّهمّ أعنه - و عدّ جملة من الخصال الى أن قال: - و عليك بالسواك عند كلّ وضوء».(1)

و يستحبّ السواك بأي شيء كان و لو بالاصبع؛ لاطلاق الصحيحة و لمرسلة علي بن ابراهيم:

«أدنى السواك أن تدلكه باصبعك».(2)

و الأفضل السواك بعود الأراك؛ و ذلك لما في مكارم الأخلاق:

«و كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله يستاك بالأراك، أمره بذلك جبرئيل عليه السلام ».(3)

الثالث: وضع الاناء الذي يغترف منه على اليمين، كما في المستمسك: «ذكره الأصحاب رحمهم الله و لم نقف له على مستند».(4)

الرابع: غسل اليدين قبل الاغتراف مرّة في حدث النوم و البول و مرّتين في الغائط؛ لصحيحة عبيداللّه بن علي الحلبي قال:

«سألته عن الوضوء، كم يفرغ الرجل على يده اليمنى قبل أن يدخلها في الاناء؟ قال: واحدة من حدث البول، و اثنتان من حدث الغائط، و ثلاث من الجنابة».(5)

و رواية حريز عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«يغسل الرجل يده من النوم مرّة، و من الغائط و البول مرّتين، و من الجنابة ثلاثا».(6)


1) - وسائل الشيعة 2: 16 / الباب 3 من أبواب السواك / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 2: 24 / الباب 9 من أبواب السواك / الحديث 3.

3) - مستدرك الوسائل 1: 368 / الباب 6 من أبواب السواك / الحديث 5.

4) - مستمسك العروة 2: 313.

5) - وسائل الشيعة 1: 427 / الباب 27 من أبواب الوضوء / الحديث 1.

6) - وسائل الشيعة 1: 427 / الباب 27 من أبواب الوضوء / الحديث 2.

و يجوز ادخال اليدين قبل الغسل المستحبّ في الاناء؛ لصحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام قال:

«سألته عن الرجل يبول و لاتمسّ يده اليمنى شيئا، أيغمسها في الماء؟ قال: نعم، و ان كان جنبا».(1)

«الخامس»: المضمضة و الاستنشاق كلّ منهما ثلاث مرّات بثلاث أكفّ، و يكفي الكفّ الواحدة أيضا لكلّ من الثلاث.

الشرح:

النصوص به مستفيضة أو متواترة ففي رواية عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«المضمضة و الاستنشاق ممّا سنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله».(2)

و في صحيحة أبي بصير قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عنهما؟ فقال: هما من الوضوء، فان نسيتهما فلاتعد».(3)

و يستحبّ لكلّ منهما ثلاث مرّات؛ لما في وصيّة أميرالمؤمنين عليه السلام لمحمّد بن أبي بكر قال:

« ... و انظر الى الوضوء، فانّه من تمام الصلاة، تمضمض ثلاث مرّات و استنشق ثلاثا، الحديث».(4)


1) - وسائل الشيعة 1: 429 / الباب 28 من أبواب الوضوء / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 1: 430 / الباب 29 من أبواب الوضوء / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 1: 430 / الباب 29 من أبواب الوضوء / الحديث 4.

4) - وسائل الشيعة 1: 397 / الباب 15 من أبواب الوضوء / الحديث 19.

«السادس»: التسمية عند وضع اليد في الماء أو صبّه على اليد و أقلّها: «بسم اللّه»، و الأفضل: «بسم اللّه الرحمن الرحيم»، و أفضل منهما: «بسم اللّه و باللّه اللّهمّ اجعلني من التوّابين و اجعلني من المتطهّرين».

الشرح:

و الدليل على ذلك، صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«اذا وضعت يدك في الماء فقل: بسم اللّه و باللّه، اللّهمّ اجعلني من التوّابين و اجعلني من المتطهّرين، فاذا فرغت فقل: الحمد للّه ربّ العالمين».(1)

و أقلّها «بسم اللّه»؛ لما في صحيحة عبداللّه بن مسكان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«من ذكر اسم اللّه على وضوئه فكأنّما اغتسل».(2)

و الأفضل «بسم اللّه الرحمن الرحيم»؛ لما في موثّقة زيد الشحّام عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«اذا توضّأ أحدكم أو أكل أو شرب أو لبس لباسا ينبغي له أن يسمّي عليه، فان لم يفعل كان للشيطان فيه شرك».(3)

فانّ التسمية تطلق على «بسم اللّه الرحمن الرحيم». هذا مضافا الى قوله عليه السلام في صحيحة محمّد بن قيس:

« ... فاعلم أنّك اذا ضربت يدك في الماء و قلت: بسم اللّه الرحمن الرحيم، تناثرت الذنوب التي اكتسبتها يداك، الحديث».(4)


1) - وسائل الشيعة 1: 423 / الباب 26 من أبواب الوضوء / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 1: 425 / الباب 26 من أبواب الوضوء / الحديث 9.

3) - وسائل الشيعة 1: 426 / الباب 26 من أبواب الوضوء / الحديث 13.

4) - وسائل الشيعة 1: 393 / الباب 15 من أبواب الوضوء / الحديث 12.

«السابع»: الاغتراف باليمنى و لو لليمنى بأن يصبّه في اليسرى ثمّ يغسل اليمنى.

الشرح:

يستحبّ الاغتراف باليمنى؛ و ذلك لما في صحيحة عمر بن أذينة الواردة في وضوء النبي صلى الله عليه و آله في المعراج:

« ... فتلقّى رسول اللّه صلى الله عليه و آله الماء بيده اليمنى، فمن أجل ذلك صار الوضوء باليمين».(1)

و هذا الاستحباب ثابت و لو لغسل اليمنى كما في صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام - في وضوء رسول اللّه صلى الله عليه و آله - قال:

« ... ثمّ أخذ كفّا آخر بيمينه فصبّه على يساره، الحديث».(2)

و في صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام - في وضوء رسول اللّه صلى الله عليه و آله - :

« ... ثمّ غمس كفّه اليمنى في الماء فاغترف بها من الماء، فأفرغه على يده اليسرى، الحديث».(3)

و لاينافيها ما في صحيحة زرارة في وضوء رسول اللّه صلى الله عليه و آله:

« ... ثمّ أعاد يده اليسرى في الاناء، فأسدلها على يده اليمنى، ثمّ مسح جوانبها، ثمّ أعاد اليمنى في الاناء، فصبّها على اليسرى،الحديث».(4)

لأنّها للجواز.


1) - وسائل الشيعة 1: 390 / الباب 15 من أبواب الوضوء / الحديث 5.

2) - وسائل الشيعة 1: 391 / الباب 15 من أبواب الوضوء / الحديث 7.

3) - وسائل الشيعة 1: 392 / الباب 15 من أبواب الوضوء / الحديث 11.

4) - وسائل الشيعة 1: 390 / الباب 15 من أبواب الوضوء / الحديث 6.

«الثامن»: قراءة الأدعية المأثورة عند كلّ من المضمضة و الاستنشاق، و غسل الوجه و اليدين و مسح الرأس و الرجلين.

الشرح:

يدلّ على ذلك رواية عبدالرحمن بن كثير الهاشمي مولى محمّد بن علي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«بينا أميرالمؤمنين عليه السلام ذات يوم جالس مع محمّد بن الحنفيّة اذ قال له: يا محمّد، ايتني باناء من ماء أتوضّأ للصلاة، فأتاه محمّد بالماء، فأكفاه، فصبّه بيده اليسرى على يده اليمنى، ثمّ قال: بسم اللّه و باللّه، و الحمدللّه الذي جعل الماء طهورا و لم يجعله نجسا - الى أن قال: - ثمّ تمضمض فقال: اللّهمّ لقّني حجّتي يوم ألقاك و أطلق لساني بذكراك. ثمّ استنشق فقال: اللّهمّ لاتحرّم عليّ ريح الجنّة، و اجعلني ممّن يشمّ ريحها، و روحها، و طيبها. قال: ثمّ غسل وجهه فقال: اللّهمّ بيّض وجهي يوم تسودّ فيه الوجوه و لاتسوّد وجهي يوم تبيضّ فيه الوجوه، ثمّ غسل يده اليمنى فقال: اللّهمّ أعطني كتابي بيميني و الخلد في الجنان بيساري، و حاسبني حسابا يسيرا، ثمّ غسل يده اليسرى فقال: اللّهمّ لاتعطني كتابي بشمالي، و لاتجعلها مغلولة الى عنقي، و أعوذ بك من مقطّعات النيران، ثمّ مسح رأسه فقال: اللّهمّ غشّني برحمتك و بركاتك و عفوك، ثمّ مسح رجليه فقال: اللّهمّ ثبّتني على الصراط يوم تزلّ فيه الأقدام، و اجعل سعيي فيما يرضيك عنّي، ثمّ رفع رأسه فنظر الى محمّد فقال: يا محمّد، من توضّأ مثل وضوئي، و قال مثل قولي، خلق اللّه له من كلّ قطرة ملكا يقدّسه، و يسبّحه، و يكبّره فيكتب اللّه له ثواب ذلك الى يوم القيامة».(1)


1) - وسائل الشيعة 1: 401 / الباب 16 من أبواب الوضوء / الحديث 1.

«التاسع»: غسل كلّ من الوجه و اليدين مرّتين.

الشرح:

قال في المستمسك: «استحباب غسل كلّ من الوجه و اليدين مرّتين يكون مشهورا شهرة عظيمة، بل عن الانتصار، و الغنية، و السرائر الاجماع عليه. و عن الاستبصار نفي الخلاف بين المسلمين في كون الثانية سنّة».(1)

يدلّ على ذلك صحيحة معاوية بن وهب قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الوضوء؟ فقال: مثنى مثنى».(2)

و صحيحة صفوان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«الوضوء مثنى مثنى».(3)

و رواية زرارة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«الوضوء مثنى مثنى، الحديث».(4)

و رواية عمرو بن أبي المقدام قال:

«حدّثني من سمع أبا عبداللّه عليه السلام يقول: انّي لأعجب ممّن يرغب أن يتوضّأ اثنتين اثنتين، و قد توضّأ رسول اللّه صلى الله عليه و آله اثنتين اثنتين».(5)

و رواية الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السلام قال:

«انّ الوضوء مرّة فريضة، و اثنتان اسباغ».(6)


1) - مستمسك العروة 2: 318.

2) - وسائل الشيعة 1: 441 / الباب 31 من أبواب الوضوء / الحديث 28.

3) - وسائل الشيعة 1: 442 / الباب 31 من أبواب الوضوء / الحديث 29.

4) - وسائل الشيعة 1: 436 / الباب 31 من أبواب الوضوء / الحديث 5.

5) - وسائل الشيعة 1: 439 / الباب 31 من أبواب الوضوء / الحديث 16.

6) - وسائل الشيعة 1: 440 / الباب 31 من أبواب الوضوء / الحديث 23.

و قوله عليه السلام في ذيل رواية داود الرقّي:

«توضّأ مثنى مثنى».(1)

و قوله عليه السلام في ذيل كتابة علي بن يقطين الى أبي الحسن موسى عليه السلام :

«اغسل وجهك مرّة فريضة، و أخرى اسباغا، و اغسل يديك من المرفقين كذلك».(2)

و لاتعارضها صحيحة ميسّر عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«الوضوء واحد».(3)

و رواية يونس بن عمّار قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الوضوء للصلاة؟ فقال: مرّة مرّة هو».(4)

و رواية الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السلام أنّه كتب الى المأمون:

«محض الاسلام شهادة أن لااله الاّاللّه - الى أن قال: - ثمّ الوضوء كما أمر اللّه في كتابه: غسل الوجه و اليدين من المرفقين، و مسح الرأس و الرجلين مرّة واحدة».(5)

و صحيحة عبدالكريم بن عمرو، قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الوضوء؟ فقال: ما كان وضوء علي عليه السلام الاّ مرّة مرّة».(6)


1) - وسائل الشيعة 1: 443 / الباب 32 من أبواب الوضوء / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 1: 444 / الباب 32 من أبواب الوضوء / الحديث 3.

3) - وسائل الشيعة 1: 435 / الباب 31 من أبواب الوضوء / الحديث 1.

4) - وسائل الشيعة 1: 437 / الباب 31 من أبواب الوضوء / الحديث 6.

5) - وسائل الشيعة 1: 440 / الباب 31 من أبواب الوضوء / الحديث 22.

6) - وسائل الشيعة 1: 437 / الباب 31 من أبواب الوضوء / الحديث 7.

و مرسلة الصدوق قال:

«قال الصادق عليه السلام : واللّه ماكان وضوء رسول اللّه صلى الله عليه و آله الاّ مرّة مرّة».(1)

و مرسلة أخرى للصدوق قال:

«و توضّأ النبي صلى الله عليه و آله مرّة مرّة فقال: هذا وضوء لايقبل اللّه الصلاة الاّ به».(2)

و ذلك لأنّها تحمل على الوجوب. و الشاهد على ذلك مرسلة محمّد بن أبي عمير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«الوضوء واحدة فرض، و اثنتان لايؤجر، و الثالثة بدعة».(3)

مع ما يوضحها من رواية عبداللّه بن بكير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«من لم يستيقن أنّ واحدة من الوضوء تجزيه لم يؤجر على الثنتين».(4)

و هكذا يكون الحال في صحيحة زرارة قال:

«قال أبوجعفر عليه السلام : انّ اللّه وتر يحبّ الوتر، فقد يجزيك من الوضوء ثلاث غرفات: واحدة للوجه، و اثنتان للذراعين، و تمسح ببلّة يمناك ناصيتك، و ما بقي من بلّة يمناك ظهر قدمك اليمنى، و تمسح ببلّة يسراك ظهر قدمك اليسرى».(5)

فانّها تحمل على الفريضة، و التأكّد على عدم اسراف الماء في الوضوء.

و بعد ذلك، لايمكننا المساعدة على ما في المستمسك(6)، من أنّ مقتضى


1) - وسائل الشيعة 1: 438 / الباب 31 من أبواب الوضوء / الحديث 10.

2) - وسائل الشيعة 1: 438 / الباب 31 من أبواب الوضوء / الحديث 11.

3) - وسائل الشيعة 1: 436 / الباب 31 من أبواب الوضوء / الحديث 3.

4) - وسائل الشيعة 1: 436 / الباب 31 من أبواب الوضوء / الحديث 4.

5) - وسائل الشيعة 1: 436 / الباب 31 من أبواب الوضوء / الحديث 2.

6) - مستمسك العروة 2: 320.

الجمع بين النصوص مشروعيّة الثانية، و ان كان تركها أفضل، نظير صلاة النافلة، و الصوم في الأوقات المكروهة.

«العاشر»: أن يبدأ الرجل بظاهر ذراعيه في الغسلة الأولى، و في الثانية بباطنهما، و المرأة بالعكس.

الشرح:

يدلّ على ذلك صحيحة محمّد بن اسماعيل بن بزيع عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال:

«فرض اللّه على النساء في الوضوء للصلاة أن يبدأن بباطن أذرعتهنّ، و في الرجال بظاهر الذراع».(1)

و مرسلة الصدوق قال:

«قال الرضا عليه السلام : فرض اللّه عزّوجلّ على الناس في الوضوء أن تبدأ المرأة بباطن ذراعيها، و الرجل بظاهر الذراع».(2)

فتحملان على الاستحباب اتّفاقا كما في المستمسك(3)عن المنتهى.

و في الوسائل: «حمله الأصحاب على الاستحباب و معنى فرض: قدّر، و بيّن، لا بمعنى أوجب، قاله المحقّق في المعتبر و غيره».(4)


1) - وسائل الشيعة 1: 466 / الباب 40 من أبواب الوضوء / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 1: 467 / الباب 40 من أبواب الوضوء / الحديث 2.

3) - مستمسك العروة 2: 321.

4) - وسائل الشيعة 1: 467.

«الحادي عشر»: أن يصبّ الماء على أعلى كلّ عضو، و أمّا الغسل من الأعلى فواجب.

الشرح:

قال في المهذّب: «لقوله عليه السلام : «غرف ملأها ماءً فوضعها على جبهته - الى أن قال: - ثمّ وضعه على مرفقه اليمنى». و عن الصادق عليه السلام : «كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله يسكب الماء على موضع سجوده». مع قصور الفعل عن افادة الوجوب، بل عن الندب أيضا؛ لأنّه أعمّ منهما و من الاباحة، بل يمكن أن يكون في المقام من باب العادة، فلايفيد الاستحباب».(1)

أقول:

يمكن استفادة الاستحباب من هاتين الروايتين. و أمّا الغسل من الأعلى فواجب كما سيأتي.

«الثاني عشر»: أن يغسل ما يجب غسله من مواضع الوضوء بصبّ الماء عليه، لا بغمسه فيه.

كما يأتي في الأخبار البيانيّة.

«الثالث عشر»: أن يكون ذلك مع امرار اليد على تلك المواضع و ان تحقّق الغسل بدونه.

الشرح:

قال في المستمسك: «للاستظهار. و ربّما تشهد به النصوص البيانيّة. و لما في


1) - مهذّب الأحكام 2: 307.

المروي عن قرب الاسناد: «و لاتلطم وجهك بالماء لطما، ولكن اغسله من أعلى وجهك الى أسفله بالماء مسحا. و كذلك فامسح الماء على ذراعيك». المحمول على الاستحباب اجماعا، و عن المنتهى نسبته الى مذهب فقهاء أهل البيت عليهم السلام ».(1)

«الرابع عشر»: أن يكون حاضر القلب في جميع أفعاله.

الشرح:

قال في المستمسك: «فقد روي عن أميرالمؤمنين، و الحسن بن علي، و علي بن الحسين عليهم السلام أنّهم اذا أخذوا في الوضوء تغيّرت ألوانهم، و ارتعدت فرائصهم، فيقال لهم عليهم السلام في ذلك، فيقولون ما لفظه أو مضمونه: حقّ على من وقف بين يدي ذي العرش أن يتغيّر لونه و ترتعد فرائصه».(2)

«الخامس عشر»: أن يقرأ القدر حال الوضوء.

الشرح:

قال في المهذّب: « لما في الفقه الرضوي: «أيّما مؤمن قرأ في وضوئه انّا أنزلناه في ليلة القدر، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمّه»، و يستحبّ بعده أيضا؛ لما رواه في البلد الأمين: «انّ من قرأ بعد اسباغ الوضوء انّا أنزلناه في ليلة القدر، و قال: اللّهمّ انّي أسألك تمام الوضوء، و تمام الصلاة، و تمام رضوانك، و تمام مغفرتك، لم يمرّ بذنب أذنبه الاّ محته»».(3)


1) - مستمسك العروة 2: 322.

2) - نفس المصدر.

3) - مهذّب الأحكام 2: 308.

«السادس عشر»: أن يقرأ آية الكرسي بعده.

الشرح:

قال في المهذّب: «لما روي عن أبي جعفر عليه السلام : «من قرأ على أثر الوضوء آية الكرسي مرّة أعطاه اللّه ثواب أربعين عاما، الحديث»».(1)

«السابع عشر»: أن يفتح عينه حال غسل الوجه.

الشرح:

قال في المهذّب: «لمرسل الفقيه: «افتحوا عيونكم عند الوضوء لعلّها لاترى نار جهنّم»، و في خبر آخر: «أشربوا أعينكم الماء عند الوضوء لعلّها لاترى نارا حامية». هذا مع الأمن من الضرر، و الاّ فيحرم. قال في المستند: «ذكر والدي أنّ المراد بالفتح و الاشراب ما يحصل به غسل نواحيها دون ما يجب ايصال الماء اليها؛ لنصّ الشيخ رحمه الله عدم استحبابه بالاجماع و ايجابه الضرر غالبا و قد روي: أنّ أبا عمير كان يفعله فعمي بذلك». ثمّ انّه لم يذكر الماتن رحمه الله هنا من المندوبات اسباغ الوضوء، مع أنّه ثابت بالاجماعين و المستفيضة من الأخبار. منها قول رسول اللّه صلى الله عليه و آله: «ألا أدلّكم على شيء يكفّر اللّه به الخطايا، و يزيد في الحسنات؟ قيل: بلى يا رسول اللّه. قال اسباغ الوضوء على المكاره، و كثرة الخطى الى هذه المساجد، و انتظار الصلاة بعد الصلاة»».(2)


1) - مهذّب الأحكام 2: 308.

2) - نفس المصدر: 308 - 309.

الفصل الخامس : في مكروهات الوضوء

«الأوّل»: الاستعانة بالغير في المقدّمات القريبة كأن يصبّ الماء في يده، و أمّا في نفس الغسل فلايجوز.

الشرح:

و ذلك لمرسلة الصدوق قال:

«كان أميرالمؤمنين عليه السلام اذا توضّأ لم يدع أحدا يصبّ عليه الماء، فقيل له: يا أميرالمؤمنين، لم لاتدعهم يصبّون عليك الماء؟ فقال: لاأحبّ أن أشرك في صلاتي أحدا، و قال اللّه تبارك و تعالى: «فمن كان يرجوا لقاء ربّه فليعمل عملاً صالحا و لايشرك بعبادة ربّه أحدا»».(1)

فانّها تحمل على الكراهة؛ جمعا بينها و بين صحيحة أبي عبيدة الحذّاء قال:

«وضّأت أبا جعفر عليه السلام بجمع، و قد بال، فناولته ماءً فاستنجى، ثمّ صببت عليه كفّا، فغسل به وجهه و كفّا غسل به ذراعه الأيمن، و كفّا غسل به ذراعه الأيسر، ثمّ مسح بفضلة الندى رأسه و رجليه».(2)


1) - وسائل الشيعة 1: 477 / الباب 47 من أبواب الوضوء / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 1: 391 / الباب 15 من أبواب الوضوء / الحديث 8.

«الثاني»: التمندل بل مطلق مسح البلل.

الشرح:

يدلّ عليه مرسلة الصدوق، قال:

«و قال الصادق عليه السلام : من توضّأ و تمندل كتبت له حسنة، و من توضّأ و لم يتمندل حتّى يجفّ وضوؤه كتب له ثلاثون حسنة».(1)

و بازائه روايات ناطقة بالجواز، بل حاكية باستعمالهم عليهم السلام المنديل لمسح الوجه و اليدين و تجفيفهما بعد الوضوء، كرواية عبداللّه بن سنان قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن التمندل بعد الوضوء؟ فقال: كان لعلي عليه السلام خرقة في المسجد ليس الاّ للوجه يتمندل بها».(2)

و نظيرها رواية محمّد بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«كانت لأميرالمؤمنين عليه السلام خرقة يمسح بها وجهه اذا توضّأ للصلاة، ثمّ يعلّقها على وتد و لايمسّه غيره».(3)

و الأوجه حمل مرسلة الصدوق على كون عدم المسح أكثر ثوابا، لا كراهة التمندل. اللّهمّ الاّ أن يكون المراد من الكراهة أقلّ ثوابا.

«الثالث»: الوضوء في مكان الاستنجاء.

الشرح:

يدلّ على ذلك رواية رويت عن النبي صلى الله عليه و آله:

«انّه عدّ ممّا يورث الفقر غسل الأعضاء في موضع الاستنجاء».(4)


1) - وسائل الشيعة 1: 474 / الباب 45 من أبواب الوضوء / الحديث 5.

2) - وسائل الشيعة 1: 475 / الباب 45 من أبواب الوضوء / الحديث 7.

3) - وسائل الشيعة 1: 475 / الباب 45 من أبواب الوضوء / الحديث 9.

4) - مستدرك الوسائل 1: 284 / الباب 29 من أبواب أحكام الخلوة / الحديث 7.

«الرابع»: الوضوء من الآنية المفضّضة أو المذهّبة، أو المنقوشة بالصور.

الشرح:

قد تقدّم البحث عن التوضّؤ من الآنية المفضّضة، أو المذهّبة في الفصل المتعلّق بالأواني، و أمّا بالنسبة الى التوضّؤ من الآنية المنقوشة بالصور، فيدلّ عليه موثّقة اسحاق بن عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام :

«عن الطشت يكون فيه التماثيل، أو الكوز، أو التور يكون فيه التماثيل أو فضّة، لايتوضّأ منه و لا فيه، الحديث».(1)

المحمولة على الكراهة اجماعا.

و التَوْر - بالفتح و سكون - : اناء صغير من صفر أو خزف يشرب منه و يتوضّأ فيه، كما قال في المهذّب.(2)

«الخامس»: الوضوء بالمياه المكروهة كالمشمّس و ماء الغسالة من الحدث الأكبر، و الماء الآجن، و ماء البئر قبل نزح المقدّرات، و الماء القليل الذي ماتت فيه الحيّة أو العقرب أو الوزغ، و سؤر الحائض و الفأر و الفرس و البغل و الحمار و الحيوان الجلاّل و آكل الميتة، بل كلّ حيوان لايؤكل لحمه.

الشرح:

يدلّ على كراهة التوضّؤ بالماء المسخّن بالشمس رواية اسماعيل بن أبي زياد عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: الماء الذي تسخّنه الشمس لاتتوضّؤوا به، و


1) - وسائل الشيعة 1: 491 / الباب 55 من أبواب الوضوء / الحديث 1.

2) - مهذّب الأحكام 2: 314.

لاتغتسلوا به، و لاتعجنوا به، فانّه يورث البرص».(1)

و يدلّ على الجواز مرسلة محمّد بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«لا بأس بأن يتوضّأ الانسان بالماء الذي يوضع في الشمس».(2)

و الظاهر أنّ الكراهة مختصّة بما لم يبرد بعد فاذا برد لا كراهة فيه.

و أمّا الدليل على كراهة ماء الغسالة من الحدث الأكبر فقد تقدّم في فصل الماء المستعمل في الوضوء.

و يدلّ على كراهة التوضّؤ بالماء الآجن صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام في الماء الآجن:

«يتوضّأ منه، الاّ أن تجد ماءً غيره فتنزّه منه».(3)

و يكره التوضّؤ بماء البئر قبل نزح المقدّرات؛ للروايات القائلة بالنجاسة، المحمولة على الكراهة؛ جمعا بين الطائفتين من الروايات.

و يكره التوضّؤ بالماء القليل الذي ماتت فيه الحيّة أو العقرب أو الوزغ؛ و ذلك لصحيحة أبي بصير قال:

««سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن حيّة دخلت حبّا فيه ماء، و خرجت منه؟ قال: اذا وجد ماء غيره فليهرقه».(4)

و موثّقة سماعة قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن جرّة وجد فيها خنفساء قد ماتت؟ قال: ألقها و توضّأ منه، و ان كان عقربا فأرق الماء، و توضّأ من ماء غيره».(5)


1) - وسائل الشيعة 1: 207 / الباب 6 من أبواب الماء المضاف / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 1: 208 / الباب 6 من أبواب الماء المضاف / الحديث 3.

3) - وسائل الشيعة 1: 138 / الباب 3 من أبواب الماء المضاف / الحديث 2.

4) - وسائل الشيعة 1: 239 / الباب 9 من أبواب الآسار / الحديث 3.

5) - وسائل الشيعة 1: 240 / الباب 9 من أبواب الآسار / الحديث 6.

و قوله عليه السلام في رواية الغنوي في الماء الذي يقع فيه الوزغ:

«فانّه لاينتفع بما يقع فيه».(1)

و يكره التوضّؤ من سؤر الحائض؛ للروايات الواردة في الباب الثامن من أبواب الآسار كقوله عليه السلام :

«اشرب من سؤر الحائض و لاتتوضّ منه».(2)

و يكره التوضّؤ بسؤر ما لايؤكل لحمه؛ لمرسلة الوشّاء عن أبي عبداللّه عليه السلام :

«انّه يكره سؤر كلّ شيء لايؤكل لحمه».(3)


1) - وسائل الشيعة 1: 240 / الباب 9 من أبواب الآسار / الحديث 4.

2) - وسائل الشيعة 1: 236 / الباب 8 من أبواب الآسار / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 1: 232 / الباب 5 من أبواب الآسار / الحديث 2.

الفصل السادس : في أفعال الوضوء

«الأوّل»: غسل الوجه
اشارة

«الأوّل»: غسل الوجه، و حدّه من قصاص الشعر الى الذقن طولاً، و ما اشتمل عليه الابهام و الوسطى عرضا، و الأنزع و الأغمّ و من خرج وجهه أو يده عن المتعارف يرجع كلّ منهم الى المتعارف، فيلاحظ أنّ اليد المتعارفة في الوجه المتعارف الى أي موضع تصل، و أنّ الوجه المتعارف أين قصاصه فيغسل ذلك المقدار. و يجب اجراء الماء فلايكفي المسح به، و حدّه أن يجري من جزء الى جزء آخر، و لو باعانة اليد، و يجزي استيلاء الماء عليه، و ان لم يجر اذا صدق الغسل، و يجب الابتداء بالأعلى و الغسل من الأعلى الى الأسفل عرفا، و لايجوز النكس، و لايجب غسل ما تحت الشعر بل يجب غسل ظاهره، سواء شعر اللحية و الشارب و الحاجب بشرط صدق احاطة الشعر على المحلّ، و الاّ لزم غسل البشرة الظاهرة في خلاله.

الشرح:

الوضوء عبارة عن غسل الوجه و اليدين و مسح الرأس و الرجلين؛ يدلّ على ذلك الكتاب و السنّة:

فمن الكتاب قوله تعالى: «اذا قمتم الى الصلاة فاغسلوا وجوهكم و أيديكم الى المرافق و امسحوا برؤوسكم و أرجلكم الى الكعبين».(1)


1) - المائدة 5: 6.

و من السنّة روايات:

منها صحيحة داود بن فرقد قال:

«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: انّ أبي كان يقول: انّ للوضوء حدّا، من تعدّاه لم يؤجر، و كان أبي يقول: انّما يتلدّد، فقال له رجل: و ما حدّه؟ قال: تغسل وجهك و يديك، و تمسح رأسك و رجليك».(1)

و منها صحيحة زرارة قال:

« ... و قال أبو جعفر عليه السلام : انّ اللّه وتر، يحبّ الوتر، فقد يجزيك من الوضوء ثلاث غرفات: واحدة للوجه، و اثنتان للذراعين، و تمسح ببلّة يمناك ناصيتك، و ما بقي من بلّة يمينك ظهر قدمك اليمنى، و تمسح ببلّة يسارك ظهر قدمك اليسرى، الحديث».(2)

و منها حسنة بكير بن أعين عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«قال: ألا أحكي لكم وضوء رسول اللّه صلى الله عليه و آله؟ فأخذ بكفّه اليمنى كفّا من ماء، فغسل به وجهه، ثمّ أخذ بيده اليسرى كفّا، فغسل به يده اليمنى، ثمّ أخذ بيده اليمنى كفّا من ماء، فغسل به يده اليسرى، ثمّ مسح بفضل يديه رأسه و رجليه».(3)

و منها صحيحة أبي عبيدة الحذّاء قال:

« ... ثمّ صببت عليه كفّا، فغسل به وجهه و كفّا غسل به ذراعه الأيمن، و كفّا غسل به ذراعه الأيسر، ثمّ مسح بفضلة الندى رأسه و رجليه».(4)


1) - وسائل الشيعة 1: 387 / الباب 15 من أبواب الوضوء / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 1: 387 / الباب 15 من أبواب الوضوء / الحديث 2.

3) - وسائل الشيعة 1: 389 / الباب 15 من أبواب الوضوء / الحديث 4.

4) - وسائل الشيعة 1: 391 / الباب 15 من أبواب الوضوء / الحديث 8.

و منها صحيحة ميسّر عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«ألا أحكي لكم وضوء رسول اللّه صلى الله عليه و آله؟ ثمّ أخذ كفّا من ماء فصبّها على وجهه، ثمّ أخذ كفّا فصبّها على ذراعه، ثمّ أخذ كفّا آخر فصبّها على ذراعه الأخرى، ثمّ مسح رأسه و قدميه، الحديث».(1)

و رواية أبي اسحاق الهمداني عن أميرالمؤمنين عليه السلام في عهده الى محمّد بن أبي بكر لمّا ولاّه مصر - الى أن قال: -

«و انظر الى الوضوء، فانّه من تمام الصلاة، تمضمض ثلاث مرّات، و استنشق ثلاثا، و اغسل وجهك، ثمّ يدك اليمنى، ثمّ اليسرى، ثمّ امسح رأسك و رجليك، فانّي رأيت رسول اللّه صلى الله عليه و آله يصنع ذلك، واعلم أنّ الوضوء نصف الايمان».(2)

الى غير ذلك من الروايات الكثيرة و سيأتيك بعضها في المسائل الآتية.

فروع:

الفرع الأوّل : في حدّ الوجه الذي يجب غسله

حدّ غسل الوجه من قصاص الشعر الى الذقن طولاً و ما اشتمل عليه الابهام و الوسطى عرضا؛ يدلّ على ذلك صحيحة زرارة بن أعين أنّه قال لأبي جعفر الباقر عليه السلام :

«أخبرني عن حدّ الوجه الذي ينبغي أن يوضّأ، الذي قال اللّه عزّوجلّ؟ فقال: الوجه الذي قال اللّه، و أمر اللّه عزّوجلّ بغسله، الذي لاينبغي لأحد أن يزيد عليه، و لاينقص منه، ان زاد عليه لم يؤجر، و


1) - وسائل الشيعة 1: 391 / الباب 15 من أبواب الوضوء / الحديث 9.

2) - وسائل الشيعة 1: 397 / الباب 15 من أبواب الوضوء / الحديث 19.

ان نقص منه أثم، ما دارت عليه الوسطى و الابهام من قصاص شعر الرأس الى الذقن، و ما جرت على الأصبعان مستديرا فهو من الوجه، و ما سوى ذلك فليس من الوجه، فقال له: الصدغ من الوجه؟ فقال: لا».

و رواه الكليني بسند صحيح عن زرارة قال:

«قلت له: أخبرني، و ذكر مثله، الاّ أنّه قال: و ما دارت عليه السبّابة و الوسطى و الابهام».(1)

و رواية اسماعيل بن مهران قال:

«كتبت الى الرضا عليه السلام أسأله عن حدّ الوجه؟ فكتب: من أوّل الشعر الى آخر الوجه، و كذلك الجبينين».(2)

أقول:

الظاهر أنّ الوجه و حدوده معلوم عند كلّ أحد و لذا أطلق في الكتاب و قال: «فاغسلوا وجوهكم»(3). و يؤيّده الروايات الكثيرة الواردة في الباب الخامس عشر من أبواب الوضوء في وسائل الشيعة في حكاية وضوء رسول اللّه صلى الله عليه و آله أنّ الراوي يقول:

«انّ الامام عليه السلام غسل وجهه».

و لو لم يكن الوجه معلوما لبيّنه الرواة تفصيلاً، و أمّا صحيحة زرارة التي نقلناها آنفا فلعلّها لسدّ باب الوسوسة بالنسبة لمن يوسوس في وضوئه كما نشاهده من بعض الأفراد، و لذلك لم يكن هناك وجه صحيح لنرد الاشكال فيها، تارة ما هو المراد من قوله عليه السلام : «ما دارت عليه الوسطى و الابهام»؟ و أنّه ما معنى التعبير


1) - وسائل الشيعة 1: 403 / الباب 17 من أبواب الوضوء / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 1: 404 / الباب 17 من أبواب الوضوء / الحديث 2.

3) - المائدة 5: 6.

بالدائرة؟ و أخرى: ما يعني باضافة السبّابة فيما رواه الكليني؟ و ثالثة: بأنّه يمكن خروج بعض ما كان من الوجه عن الوجه؛ و ذلك لأنّ تعبيره من قوله عليه السلام : «ما دارت عليه ... »، عبارة أخرى عن: «ما جرت ... »، و أنّ اضافة السبّابة الى الوسطى فلأنّه يلازم السبّابة مع الوسطى في الغسل، و «خروج بعض ما كان من الوجه عن الوجه» ممّا لا وجه له، فانّ من عمل بهذه الصحيحة عينا و مطابقا لها فقد غسل وجهه و عمل بوظيفته و لم تكن هذه الصحيحة مخالفة للصحاح الأخر. و من زاد عليها من باب الاحتياط من دون الوسوسة فلم يخالف؛ لأنّه عليه السلام أراد سدّ باب الوسوسة، و لئلاّتشتهر شيعتهم بهذا عند المخالفين و يتعرّضوا للسخريّة، أو يتّبعوا المخالفين.

الفرع الثاني : فيمن خرج وجهه أو يده عن المتعارف

الأنزع و هو من ليس له شعر في مقدّم رأسه، و الأغمّ و هو من تجاوز شعر رأسه الى جبهته، فعليهما أن يرجعا الى من كان متعارفا، و كذا من كانت يده قصيرة، أو طويلة يرجع الى من كانت يده عاديّة؛ و ذلك لأنّ موضوعات التكاليف في الكتاب و السنّة منصرفة الى ما هو المتعارف منها، و غير المتعارف وظيفته الرجوع الى ما هو المتعارف، فيلاحظ الأنزع و الأغمّ أنّ الوجه المتعارف أين قصاصه، و يلاحظ قصير اليد و طويلها أنّ اليد المتعارفة الى أيّ موضع تصل، فيغسل كلّ منهم ذلك المقدار.

الفرع الثالث : في ذكر معاني ألفاظ وقعت في الروايات أو كلام الفقهاء

قال في الجواهر: «منها: العذار، و هو النابت على العظم الناتي الذي هو سمت الصماخ و ما انحطّ الى وتد الأذن، على ما في المنتهى، و يقرب منه ما عن التذكرة، و في جامع المقاصد عن الذكرى: «أنّه ما حاذى الأذن يتّصل أعلاه بالصدغ و أسفله بالعارض».

و منها: العارض، ففي المنتهى أنّه ما نزل عن حدّ العذار، و هو النابت على اللحيين، و في الصحاح أنّ عارضة الانسان صفحتا خدّيه، و قولهم: فلان خفيف العارضين، يراد به خفّة شعر العارضين.

و منها: مواضع التحذيف، و هي الشعر بين انتهاء العذار و النزعة المتّصل بشعر الرأس.

و منها: الذقن، و هو مجمع اللحيين الذي ينحدر منه الشعر و يسترسل، و كأنّه لا خلاف أيضا في تفسيره بذلك، و مثله في ذلك القصاص و هو منتهى منابت شعر الرأس.

و منها: الصدغ بالضمّ، و المعروف في تفسيره بين الأصحاب أنّه الشعر الذي بعد انتهاء العذار المحاذي لرأس الأذن، و ينزل عن رأسها قليلاً، لكنّ الموجود في بعض كتب اللغة أنّه ما بين لحظ العين الى أصل الأذن، و يقرب منه ما قيل ما بين الحاجب و الأذن. انتهى ملخّصا».(1)

و قال في موضع آخر: «و أمّا النزعتان فعدم وجوب غسلهما اجماعي. و أنّه لا اشكال في عدم وجوب غسل البياض الذي بين الأذن و العذار. و الاختلاف وقع في غسل العذار و العارض و مواضع التحذيف. و الاحتياط يقتضي ادخال


1) - جواهر الكلام 2: 139 و 140.

بعض الزائد عن أحد الأصبعين و كذا من الحدّ الطولي من باب المقدّمة؛ لتحصيل العلم بغسل المأمور به سيّما بالنسبة للتحديد العرضي. انتهى ملخّصا».(1)

أقول:

الظاهر الحدّ الذي يجب غسله في كلام الامام عليه السلام في صحيحة زرارة واضح لا غموض فيه، و هو ما دارت عليه الأصبعان من جهة العرض، و من جهة الطول من قصاص الشعر الى الذقن، و قد تكلّم عليه السلام بهذا الكلام للناس كلّهم من العلماء و غيرهم، و لم يكن كلامه للعلماء فقط. و رجوع الأنزع و الأغمّ الى المتعارف و كذا طويل اليد و قصيرها فلعلّه يظهر عندهم بالتأمّل. و كيف كان فالاحتياط حسن على كلّ حال و سيأتي ما في بعض الروايات.

الفرع الرابع : في وجوب غسل الوجه من الأعلى الى الأسفل

يجب أن يغسل الوجه من أعلاه الى الذقن و لو خالف و غسل منكوسا لم يجز. قال في الجواهر: «كماهو صريح المبسوط و المعتبر و المنتهى و القواعد والتحرير و الارشاد و جامع المقاصد و ظاهر المقنعة و الوسيلة و التنقيح و نسبه في المختلف الى سلاّر وابن أبي عقيل و ابن الجنيد. و خالف في ذلك فحكم بالصحّة ابن ادريس في السرائر، كما عن المرتضى في المصباح، و يظهر من جملة من متأخّري المتأخّرين الميل اليه، بل ربّما كان ظاهر من أطلق غسل الوجه، و الأوّل هو الأقوى. انتهى ملخّصا».(2)


1) - جواهر الكلام 2: 144 - 146.

2) - نفس المصدر: 148.

ويدلّ على وجوب الغسل من أعلى الوجه:

أوّلاً: قوله تعالى: «فاغسلوا وجوهكم»(1)، فالمتعارف من غسل الوجه من أعلاه، و هو الذي يفهمه الناس. و لذا ينصرف غسل الوجه الى المتعارف، و بناءً عليه لا اطلاق للآية.

ثانيا: ظاهر الروايات الواردة في كيفيّة الوضوء، منها صحيحة زرارة الحاكية وضوء رسول اللّه صلى الله عليه و آله عن أبي جعفر عليه السلام :

« ... فدعا بقدح فأخذ كفّا من ماء، فأسدله على وجهه، ثمّ مسح وجهه من الجانبين، الحديث».(2)

فمعنى «أسدله على وجهه» أي أرسله، فالظاهر من الارسال على الوجه هو من الأعلى، بمعنى أنّه سكب الماء على وجهه فانحدر قهرا.

و نظيرها صحيحة أخرى لزرارة ففيها:

«فأسدلها على وجهه من أعلى الوجه».(3)

و يؤيّدها رواية أبي جرير الرقّاشي قال:

«قلت لأبي الحسن موسى عليه السلام : كيف أتوضّأ للصلاة؟ فقال: لاتعمّق في الوضوء، و لاتلطم وجهك بالماء لطما ولكن اغسله من أعلى وجهك الى أسفله بالماء سفحا، الحديث».(4)


1) - المائدة 5: 6.

2) - وسائل الشيعة 1: 390 / الباب 15 من أبواب الوضوء / الحديث 6.

3) - وسائل الشيعة 1: 392 / الباب 15 من أبواب الوضوء / الحديث 10.

4) - وسائل الشيعة 1: 398 / الباب 15 من أبواب الوضوء / الحديث 22.

الفرع الخامس : في عدم وجوب غسل ما تحت الشعر

لايجب غسل ما تحت الشعر، بل يجب غسل ظاهره، سواء شعر اللحية و الشارب و الحاجب، بشرط احاطة الشعر بالبشرة؛ يدلّ على ذلك صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام قال:

«سألته عن الرجل يتوضّأ، أيبطن لحيته؟ قال: لا».(1)

و صحيحة زرارة قال:

«قلت له: أرأيت ما كان تحت الشعر؟ قال: كلّ ما أحاط به الشعر فليس للعباد أن يغسلوه و لايبحثوا عنه، ولكن يجرى عليه الماء».(2)

و صحيحة ثانية لزرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«قلت له: أرأيت ما أحاط به الشعر؟ فقال: كلّ ما أحاط به من الشعر فليس على العباد أن يطلبوه و لايبحثوا عنه، ولكن يجرى عليه الماء».(3)

قال في الجواهر: «و في الخلاف بعد أن قال: «ايصال الماء الى ما يستره شعر اللحية و تخليلها غير واجب»، قال: «دليلنا أنّ الأصل براءة الذمّة، و ايجاب التخليل يحتاج الى دليل، و عليه اجماع الفرقة»، و ظاهر اطلاق المصنّف و غيره، و الأخبارعدم الفرق بين الكثيفة و الخفيفة كما نصّ عليه في المعتبر و التحرير و المنتهى و الارشاد و جامع المقاصد و الروضة، بل نسبه في الدروس الى الشهرة ظاهرا منها اختياره».(4)


1) - وسائل الشيعة 1: 476 / الباب 46 من أبواب الوضوء / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 1: 476 / الباب 46 من أبواب الوضوء / الحديث 2.

3) - وسائل الشيعة 1: 476 / الباب 46 من أبواب الوضوء / الحديث 3.

4) - جواهر الكلام 2: 155 و 156.

الفرع السادس : في وجوب اجراء الماء على الوجه و اليدين

يجب غسل الوجه و كذا اليدين، و يجب اجراء الماء، فلايكفي المسح به. و حدّه أن يجري من جزء الى جزء آخر و لو باعانة اليد.

يدلّ على ذلك صحيحتا زرارة المتقدّمتان في الفرع الخامس، ففي الأولى قوله عليه السلام :

«كلّ ما أحاط به الشعر فليس للعباد أن يغسلوه و لايبحثوا عنه، ولكن يجرى عليه الماء».

و في الثانية، قوله عليه السلام :

«كلّ ما أحاط به الشعر فليس على العباد أن يطلبوه و لايبحثوا عنه، ولكن يجرى عليه الماء».

و صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام قال:

«سألته عن غسل الجنابة؟ فقال: تبدأ بكفّيك فتغسلهما، ثمّ تغسل فرجك، ثمّ تصبّ على رأسك ثلاثا، ثمّ تصبّ على سائر جسدك مرّتين، فما جرى عليه الماء فقد طهر».(1)

و صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«الجنب، ما جرى عليه الماء من جسده قليله و كثيره، فقد أجزأه».(2)

بناءً على عدم الفصل بين غسل الجنابة و بين الوضوء.


1) - وسائل الشيعة 2: 229 / الباب 26 من أبواب الجنابة / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 2: 240 / الباب 31 من أبواب الجنابة / الحديث 3.

و لاتعارضها صحيحة زرارة و محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«انّما الوضوء حدّ من حدود اللّه، ليعلم اللّه من يطيعه و من يعصيه، و انّ المؤمن لاينجّسه شيء، انّما يكفيه مثل الدهن».(1)

و صحيحة ثانية لزرارة عن أبي جعفر عليه السلام في الوضوء قال:

«اذا مسّ جلدك الماء فحسبك».(2)

و رواية اسحاق بن عمّار عن جعفر عن أبيه أنّ عليّا عليه السلام كان يقول:

«الغسل من الجنابة و الوضوء يجزي منه ما أجزأ من الدهن الذي يبلّ الجسد».(3)

و ذلك لأنّ هذه الروايات لمنع الاسراف في ماء الوضوء، و لايعارض وجوب الغسل، و الشاهد على ذلك صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«أسبغ الوضوء ان وجدت ماء، و الاّ فانّه يكفيك اليسير».(4)

و رواية حريز عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«انّ للّه ملكا يكتب سرف الوضوء، كما يكتب عدوانه».(5)

و صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«يأخذ أحدكم الراحة من الدهن، فيملأ بها جسده، و الماء أوسع، ألا أحكي لكم وضوء رسول اللّه صلى الله عليه و آله؟ قلت: بلى، قال: فأدخل يده في الاناء، و لم يغسل يده، فأخذ كفّا من ماء، فصبّه على وجهه، ثمّ مسح جانبيه حتّى مسحه كلّه، ثمّ أخذ كفّا آخر بيمينه، فصبّه على يساره،


1) - وسائل الشيعة 1: 484 / الباب 52 من أبواب الوضوء / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 1: 485 / الباب 52 من أبواب الوضوء / الحديث 3.

3) - وسائل الشيعة 1: 485 / الباب 52 من أبواب الوضوء / الحديث 5.

4) - وسائل الشيعة 1: 485 / الباب 52 من أبواب الوضوء / الحديث 4.

5) - وسائل الشيعة 1: 485 / الباب 52 من أبواب الوضوء / الحديث 2.

ثمّ غسل به ذراعه الأيمن، ثمّ أخذ كفّا آخر، فغسل به ذراعه الأيسر، ثمّ مسح رأسه و رجليه بما بقي في يديه».(1)

قال في المستمسك: «فعن المجلسي في حاشية التهذيب نسبة الاتّفاق عليه الى ظاهر الأصحاب، و عن الشهيد الثاني رحمه الله في بعض تحقيقاته: انّه المعروف بين الفقهاء، و لا سيّما المتأخّرين. و يشهد به أوامر الغسل بناءً على اعتبار الجريان في مفهومه، كما عن جماعة، و عن كشف اللثام: انّه يشهد به العرف و اللغة، و لا سيّما بملاحظة مقابلته بالمسح؛ اذ لو لم يؤخذ الجريان في مفهومه لم يحصل الفرق بين الغسل بالماء و المسح به كما في الجواهر.

الى أن قال: قد عرفت في مبحث التطهير بالماء التأمّل في دخول الجريان في مفهوم الغسل، و عدم ظهور كون المقابلة بينه و بين المسح من هذه الجهة، بل الظاهر أنّه يعتبر في الغسل استيلاء الماء و غلبته على المحلّ، و يعتبر في المسح امرار الماسح ذي البلل على المحلّ، فيكون بينهما تباين مفهوما و خارجا، و ان كان بينهما عموم من وجه موردا.

و أمّا الصحيح فالظاهر أنّ التعبير بالجريان فيه كان جريا على الغالب المتعارف، و ليس في مقام تقييد مطلقات الغسل. انتهى ملخّصا».(2)

أقول:

مفهوم الغسل واضح عند العرف كما أنّ معنى المسح واضح عنده أيضا، ولكنّ الظاهر أنّ الغسل لايلازم جريان الماء أبدا و ان كان الغالب ذلك، فاذا صبّ كفّ من الماء على الوجه و مسح حتّى أحاط الماء بجميع الوجه لاينكر العرف بتسميته الغسل. فما ذهب اليه في المستمسك حسن لا اشكال فيه.


1) - وسائل الشيعة 1: 391 / الباب 15 من أبواب الوضوء / الحديث 7.

2) - مستمسك العروة 2: 332 و 333.

في ادخال شيء من أطراف الحدّ من باب المقدّمة

(مسألة 1): يجب ادخال شيء من أطراف الحدّ من باب المقدّمة، و كذا جزء من باطن الأنف و نحوه، و ما لايظهر من الشفتين بعد الانطباق من الباطن فلايجب غسله.

الشرح:

انّ حدّ الوجه الذي يجب غسله هو الذي تقدّم في صحيحة زرارة، أنّه قال لأبي جعفر الباقر عليه السلام :

«أخبرني عن حدّ الوجه الذي ينبغي أن يوضّأ، الذي قال اللّه عزّوجلّ؟ فقال: الوجه الذي قال اللّه، و أمر اللّه عزّوجلّ بغسله، الذي لاينبغي لأحد أن يزيد عليه، و لاينقص منه، ان زاد عليه لم يؤجر، و ان نقص منه أثم، ما دارت عليه الوسطى و الابهام من قصاص شعر الرأس الى الذقن، و ما جرت عليه الأصبعان مستديرا فهو من الوجه، و ما سوى ذلك فليس من الوجه، فقال له: الصدغ من الوجه؟ فقال: لا».(1)

فاذا غسل هذا الحدّ من وجهه فقد أتى بما وجب عليه، فما ذهب اليه المصنّف من وجوب ادخال شيء من أطراف الحدّ من باب المقدّمة، فهو يكون فيمن لم يطمئنّ الى حدّ الوجه مع وروده عن الامام عليه السلام أو لم يطمئنّ الى عمل نفسه فيحتاط ليطمئنّ. و الظاهر أنّه لا مكان لهذا الاحتياط من باب الوجوب. نعم، هو حسن، ان لم يصل الى الوسوسة.

ثمّ انّه لايجب غسل ما لايظهر من الشفتين بعد الانطباق؛ لأنّه من الباطن فقد ورد في رواية زرارة قوله عليه السلام :

«انّما عليك أن تغسل ما ظهر».(2)


1) - وسائل الشيعة 1: 403 / الباب 17 من أبواب الوضوء / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 1: 431 / الباب 29 من أبواب الوضوء / الحديث 6.

في الشعر الخارج عن الحدّ

(مسألة 2): الشعر الخارج عن الحدّ كمسترسل اللحية في الطول و ما هو خارج عن ما بين الابهام و الوسطى في العرض لايجب غسله.

الشرح:

بعد ما تقدّم قوله عليه السلام في صحيحة زرارة أنّ حدّ الوجه «ما دارت عليه الوسطى و الابهام من قصاص شعر الرأس الى الذقن» فلايجب غسل الشعر الخارج عن الحدّ كمسترسل اللحية في الطول و ما هو خارج عن مابين الابهام و الوسطى في العرض.

قال في المستمسك: «اجماعا ظاهرا، كما عن المدارك و كشف اللثام و غيرهما، بل يظهر من محكي الخلاف أنّه كذلك؛ للخروج عن الحدّ».(1)

(مسألة 3): ان كانت للمرأة لحية فهي كالرجل.

الشرح:

و ذلك لاطلاق قوله عليه السلام في صحيحتي زرارة المتقدّمتين:

«كلّ ما أحاط به الشعر، فليس على العباد أن يطلبوه و لايبحثوا عنه، ولكن يجرى عليه الماء».(2)

و قاعدة اشتراك الرجل و المرأة في الحكم الاّ ما خرج بالدليل.

(مسألة 4): لايجب غسل باطن العين و الأنف و الفم الاّ شيء منها من باب المقدّمة.

قد تقدّم شرح هذه المسألة في المسألة الأولى.


1) - مستمسك العروة 2: 340.

2) - وسائل الشيعة 1: 476 / الباب 46 من أبواب الوضوء / الحديث 2 و 3.

فيما أحاط به الشعر

(مسألة 5): فيما أحاط به الشعر لايجزي غسل المحاط عن المحيط.

الشرح:

قال في المستمسك: «لقوله عليه السلام في صحيحة زرارة: «ولكن يجرى عليه الماء»؛ لظهور الجملة الخبريّة في الوجوب. اللّهمّ الاّ أن يدّعى ورودها مورد توهّم الحظر فتكون دالّة على الاكتفاء باجراء الماء على الشعر و بدليّته عن البشرة. و قد يؤيّده ما في رواية الفقيه للصحيح هكذا: «فليس على العباد ... »، و لاينافيه رواية الشيخ لها: «فليس للعباد ... »؛ لعدم ارادة ظاهره جزما، اذ لا ريب في عدم تحريم الطلب و البحث لا تكليفا و لا وضعا. و فيه: انّه لايظهر من الرواية جعل بدليّة الشعر عن البشرة، بل ظاهرها عدم وجوب غسلها و وجوب غسل الشعر، فيتعيّن العمل به».(1)

(مسألة 6): الشعور الرقاق المعدودة من البشرة يجب غسلها معها.

الشرح:

الشعور الرقاق المعدودة من البشرة يجب غسلها معها؛ لأنّها من الوجه عرفا، فيشملها اطلاق الدليل.

(مسألة 7): اذا شكّ في أنّ الشعر محيط أم لا، يجب الاحتياط بغسله مع البشرة.

الشرح:

اذا شكّ في أنّ الشعر محيط أم لا، يجب الاحتياط بغسله مع البشرة؛ لأنّ الواجب أوّلاً و بالذات البشرة الاّ أنّه ورد اجزاء غسل الشعر المحيط بها عنها،


1) - مستمسك العروة 2: 341.

فمادام شكّ في احاطة الشعر يجب غسلها و غسل الشعر أيضا؛ لأنّه اذا كان الشعر محيطا بالبشرة يجب غسل الشعر لا البشرة.

فيما اذا بقي ممّا في الحدّ ما لم يغسل

(مسألة 8): اذا بقي ممّا في الحدّ ما لم يغسل و لو مقدار رأس ابرة لايصحّ الوضوء، فيجب أن يلاحظ آماقه و أطراف عينه لايكون عليها شيء من القيح أو الكحل المانع و كذا يلاحظ حاجبه لايكون عليه شيء من الوسخ، و أن لايكون على حاجب المرأة وسمة أو خطاط له جرم مانع.

الشرح:

اذا بقي ممّا في الحدّ ما لم يغسل و لو مقدار رأس ابرة لايصحّ الوضوء؛ و ذلك لانتفاء المركّب بانتفاء جزء منه، و أنّه لم يمتثل ما كلّف به. و عليه لو انكشف بعد الوضوء أنّه كان في أطراف عينه الظاهرة منها شيء من القيح أو الكحل المانع أو على حاجبه شيء من الوسخ، أو على حاجب المرأة وسمة أو خطاط له جرم مانع، لم يصحّ وضوؤه. و اذا شكّ حين الوضوء في وجود المانع في الأعضاء المذكورة يجب أن يلاحظ حتّى يتيقّن باتيان ما وجب عليه.

فيما اذا تيقّن وجود ما يشكّ في مانعيّته

(مسألة 9): اذا تيقّن وجود ما يشكّ في مانعيّته يجب تحصيل اليقين بزواله، أو وصول الماء الى البشرة، و لو شكّ في أصل وجوده يجب الفحص أو المبالغة حتّى يحصل الاطمئنان بعدمه، أو زواله أو وصول الماء الى البشرة على فرض وجوده.

الشرح:

اذا تيقّن وجود ما يشكّ في مانعيّته يجب تحصيل اليقين بزواله- لأنّ اليقين لاينقضه الاّ اليقين - أو وصول الماء الى البشرة، لأنّ زوال المانع يكون لوصول الماء الى البشرة، و لو تمكّن من وصول الماء الى البشرة بدون زواله يكون كافيا.

و لو شكّ في أصل وجود المانع يجب الفحص أو المبالغة حتّى يحصل الاطمئنان بعدمه أو زواله أو وصول الماء الى البشرة على فرض وجوده؛ و ذلك لأنّه اذا شكّ في أصل وجود المانع فيشكّ في حصول غسل ذلك الموضع، والقاعدة مع الشكّ في حصول الغسل هي عدم حصوله.

و قد ورد في صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال:

«سألته عن المرأة عليها السوار و الدملج في بعض ذراعيها، لاتدري يجري الماء تحته أم لا، كيف تصنع اذا توضّأت أو اغتسلت؟ قال: تحرّكه حتّى يدخل الماء تحته أو تنزعه. و عن الخاتم الضيّق، لايدري هل يجري الماء تحته اذا توضّأ أم لا، كيف يصنع؟ قال: ان علم أنّ الماء لايدخله فليخرجه اذا توضّأ».(1)

صدر هذه الرواية مطابق للقاعدة. و أمّا ذيلها و ان كان مفهومها أنّه اذا لم يعلم أنّ الماء لايدخله لم يلزم خروجه، الاّ أنّ المفهوم معارض بمنطوق الصدر فالمنطوق مقدّم. مضافا الى أنّ الامام عليه السلام فلعلّه أحال عدم العلم بما أظهره في الصدر، فلم يكن له مفهوم. و يؤيّده صحيحة الحسين بن أبي العلاء قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الخاتم اذا اغتسلت؟ قال: حوّله من مكانه، و قال في الوضوء: تديره، فان نسيت حتّى تقوم في الصلاة فلاآمرك أن تعيد الصلاة».(2)

و تقريبه أنّ تحويل الخاتم لليقين بوصول الماء الى البشرة. و أمّا عدم اعادة الصلاة، فلقاعدة الفراغ. و أمّا كلام صاحب الجواهر في عدم الاعتناء بالشكّ في أصل وجود المانع، للسيرة. ففيه: أنّه لم يثبت. و قد فصّله في التنقيح فراجع.(3)


1) - وسائل الشيعة 1: 467 / الباب 41 من أبواب الوضوء / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 1: 467 / الباب 41 من أبواب / الحديث 2.

3) - التنقيح في شرح العروة 5: 72 - 74.

(مسألة 10): الثقبة في الأنف موضع الحلقة أو الخزامة لايجب غسل باطنها، بل يكفي ظاهرها سواء كانت الحلقة فيها أو لا.

الشرح:

قد تقدّم في المسألة الأولى، و في ابتداء الفصل، عدم وجوب غسل باطن الأعضاء الموجودة في الوجه، من العين و الأنف و الشفتين اذا أطبقتا، و الثقبة في الأنف موضع الحلقة جزء من الباطن فلايجب غسلها، بل يغسل ما يظهر منها.

«الثاني»: غسل اليدين
اشارة

«الثاني»: غسل اليدين من المرفقين الى أطراف الأصابع مقدّما لليمنى على اليسرى، و يجب الابتداء بالمرفق و الغسل منه الى الأسفل عرفا، فلايجزي النكس، و المرفق مركّب من شيء من الذراع، و شيء من العضد و يجب غسله بتمامه، و شيء آخر من العضد من باب المقدّمة، و كلّ ما هو في الحدّ يجب غسله و ان كان لحما زائدا أو اصبعا زائدة، و يجب غسل الشعر مع البشرة، و من قطعت يده من المرفق لايجب عليه غسل العضد، و ان كان أولى، و كذا ان قطع تمام المرفق، و ان قطعت ممّا دون المرفق يجب عليه غسل ما بقي، و ان قطعت من المرفق بمعنى اخراج عظم الذراع من العضد يجب غسل ما كان من العضد جزءا من المرفق.

الشرح:

فروع:

الفرع الأوّل : في غسل اليدين من المرفقين الى أطراف الأصابع

يجب غسل اليدين من المرفقين الى أطراف الأصابع و لايجوز النكس؛ يدلّ على ذلك رواية الهيثم بن عروة التميمي قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن قوله تعالى: «فاغسلوا وجوهكم و أيديكم الى المرافق»، فقلت: هكذا؟ و مسحت من ظهر كفّي الى المرفق، فقال: ليس هكذا تنزيلها، انّما هي: «فاغسلوا وجوهكم و أيديكم الى المرافق»، ثمّ أمرّ يده من مرفقه الى أصابعه».(1)

و صحيحة محمّد بن الفضل، أنّ علي بن يقطين كتب الى أبي الحسن موسى عليه السلام يسأله عن الوضوء؟ فكتب اليه أبوالحسن عليه السلام :

«فهمت ما ذكرت من الاختلاف في الوضوء، و الذي آمرك به في ذلك أنّ تمضمض ثلاثا، و تستنشق ثلاثا، و تغسل وجهك ثلاثا، و تخلّل شعر لحيتك و تغسل يديك الى المرفقين ثلاثا، و تمسح رأسك كلّه، و تمسح ظاهر أذنيك و باطنهما، و تغسل رجليك الى الكعبين ثلاثا، و لاتخالف ذلك الى غيره، فلمّا وصل الكتاب الى علي بن يقطين تعجّب ممّا رسم له أبوالحسن عليه السلام فيه، ممّا جميع العصابة على خلافه، ثمّ قال: مولاي أعلم بما قال، و أنا أمتثل أمره، فكان يعمل في وضوئه على هذا الحدّ، و يخالف ما عليه جميع الشيعة امتثالاً لأمر أبي الحسن عليه السلام ، و سعي بعلي بن يقطين الى الرشيد و قيل: انّه رافضي، فامتحنه الرشيد من حيث لايشعر، فلمّا نظر الى وضوئه ناداه: كذب - يا علي بن يقطين - من زعم أنّك من الرافضة، و صلحت حاله عنده، و ورد عليه كتاب أبي الحسن عليه السلام ابتدئ من الآن - يا علي بن يقطين - و توضّأ كما أمرك اللّه تعالى: اغسل وجهك مرّة فريضة، و أخرى اسباغا، واغسل يديك من المرفقين كذلك، وامسح بمقدّم رأسك و ظاهر قدميك من فضل


1) - وسائل الشيعة 1: 405 / الباب 19 من أبواب الوضوء / الحديث 1.

نداوة وضوئك، فقد زال ما كنّا نخاف منه عليك، والسلام ».(1)

و صحيحة زرارة و بكير عن أبي جعفر عليه السلام في كيفيّة وضوء رسول اللّه صلى الله عليه و آله:

« ... ثمّ غمس كفّه اليسرى، فغرف بها غرفة، فأفرغ على ذراعه اليمنى، فغسل بها ذراعه من المرفق الى الكفّ، لايردّها الى المرفق، ثمّ غمس كفّه اليمنى، فأفرغ بها على ذراعه اليسرى من المرفق، و صنع بها مثل ما صنع باليمنى، الحديث».(2)

قال في التنقيح: «يدلّ على وجوب غسل اليدين من المرفق الى أطراف الأصابع و عدم كفاية النكس، التسالم و الاجماع القطعيّان و الروايات البيانيّة الحاكية عن وضوء رسول اللّه صلى الله عليه و آله كما تقدّم في الوجه، و يزيد المقام على غسل الوجه بموافقة ابن سعيد رحمه الله و التزامه بعدم جواز النكس مع قوله بجوازه في الوجه. و كذلك السيّد المرتضى في أحد قوليه.

الى أن قال: و أمّا الآية فانّ كلمة «الى» تكون غاية للمغسول و بيانا لما يجب غسله من اليد؛ فانّ لليد اطلاقات كثيرة، فقد تطلق على خصوص الأصابع و الأشاجع كما في آية السرقة، و قد تطلق على الزند كما في آية التيمّم، و ثالثة تطلق على المرفق كما في آية الوضوء، و رابعة على المنكب كما هو الحال في كثير من الاستعمالات العرفيّة. فأراد اللّه تعالى أن يحدّدها و يبيّن أنّ ما لا بدّ من غسله في اليد انّما هو بهذا المقدار، اذن فلاتعرّض للآية الى كيفيّة غسلها، و انّما أوكل بيان ذلك الى السنّة، و سنّة النبي و الأئمّة عليهم السلام قد دلّتنا على أنّها لا بدّ من أن تغسل من المرفق الى الأصابع.

الى أن قال: و العامّة أيضا لم يدّعوا رجوع الغاية الى الغسل، و انّما يدّعون أنّالغاية غاية للمغسول لا الغسل، و قد استدلّوا على مسلكهم أعني جواز الغسل


1) - وسائل الشيعة 1: 444 / الباب 32 من أبواب الوضوء / الحديث 3.

2) - وسائل الشيعة 1: 388 / الباب 15 من أبواب الوضوء / الحديث 3.

منكوسا باطلاق الأمر بالغسل في الآية المباركة، و أنّ مقتضى اطلاقه جواز غسل اليد من الأصابع الى المرفق. انتهى ملخّصا».(1)

و يؤيّدها ما في تفسير العيّاشي من رواية صفوان قال:

«سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام : عن قول اللّه عزّوجلّ: «فاغسلوا وجوهكم و أيديكم الى المرافق و امسحوا برؤوسكم و أرجلكم الى الكعبين»فقال عليه السلام : قد سأل رجل أباالحسن عليه السلام عن ذلك، فقال: سيكفيك - أو كفتك - سورة المائدة، يعني المسح على الرأس و الرجلين، قلت: فانّه قال: اغسلوا أيديكم الى المرافق، فكيف الغسل؟ قال: هكذا، أن يأخذ الماء بيده اليمنى فيصبّه في اليسرى، ثمّ يفضّه على المرفق، ثمّ يمسح الى الكفّ. قلت له: مرّة واحدة؟ فقال: كان يفعل ذلك مرّتين. قلت: يردّ الشعر؟ قال: اذا كان عنده آخر و الاّ فلا».(2)

قال في التنقيح: «فانّ ردّ الشعر عبارة عن الغسل منكوسا، كما أنّ المراد بقوله: «اذا كان عنده آخر»، أنّه اذا كان عنده شخص آخر يتّقي منه لا مانع من أن يغسل يده منكوسا. و في صحيحة زرارة المرويّة في الفقيه عن أبي جعفر عليه السلام : « ... و لاتردّ الشعر في غسل اليدين ... ».»(3)

و كذا رواية رواها في المستدرك عن علي بن عيسى في كشف الغمّة، قال:

«ذكر علي بن ابراهيم بن هاشم، و هو من أجلّ رواة أصحابنا، في كتابه عن النبي صلى الله عليه و آله، و ذكر حديثا في ابتداء النبوّة يقول فيه: فنزل عليه جبرئيل و أنزل عليه ماءا من السماء، فقال له: يا محمّد قم توضّأ


1) - التنقيح في شرح العروة 5: 79 - 82.

2) - مستدرك الوسائل 1: 311 / الباب 18 من أبواب الوضوء / الحديث 2.

3) - التنقيح في شرح العروة 5: 80.

للصلاة، فعلّمه جبرئيل عليه السلام الوضوء على الوجه و اليدين من المرفق، و مسح الرأس و الرجلين الى الكعبين».(1)

الفرع الثاني : في تقديم اليمنى على اليسرى

يجب تقديم غسل اليد اليمنى على اليسرى؛ يدلّ على ذلك روايات:

منها صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«اذا نسي الرجل أن يغسل يمينه فغسل شماله و مسح رأسه و رجليه فذكر بعد ذلك غسل يمينه و شماله و مسح رأسه و رجليه، و ان كان انّما نسي شماله فليغسل الشمال، و لايعيد على ما كان توضّأ، و قال: أتبع وضوءك بعضه بعضا».(2)

معنى توضّأ: غسل، أي: «و لايعيد على ما كان غسله».

و موثّقة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«ان نسيت فغسلت ذراعيك قبل وجهك فأعد غسل وجهك، ثمّ اغسل ذراعيك بعد الوجه، فان بدأت بذراعك الأيسر قبل الأيمن فأعد غسل الأيمن، ثمّ اغسل اليسار، الحديث».(3)

و صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبداللّه عليه السلام في الرجل يتوضّأ فيبدأ بالشمال قبل اليمين، قال:

«يغسل اليمين و يعيد اليسار».(4)


1) - مستدرك الوسائل 1: 287 / الباب 1 من أبواب الوضوء / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 1: 452 / الباب 35 من أبواب الوضوء / الحديث 9.

3) - وسائل الشيعة 1: 452 / الباب 35 من أبواب الوضوء / الحديث 8.

4) - وسائل الشيعة 1: 451 / الباب 35 من أبواب الوضوء / الحديث 2.

و صحيحة ثانية لمنصور بن حازم عن أبي عبداللّه عليه السلام - في حديث تقديم السعي على الطواف - قال:

«ألا ترى أنّك اذا غسلت شمالك قبل يمينك كان عليك أن تعيد على شمالك».(1)

قال في الجواهر: «الترتيب واجب في الوضوء اجماعا محصّلاً و منقولاً مستفيضا كاد يكون متواترا كالسنّة».(2)

الفرع الثالث : في غسل كلّ ما هو في الحدّ

يجب غسل كلّ ما في الحدّ و ان كان لحما زائدا أو اصبعا زائدة.

قال في الجواهر: «و لو كان له ذراعان دون المرفق أو أصابع زائدة أو لحم نابت أو غير ذلك وجب غسل الجميع بلا خلاف أجده في ذلك، بل في شرح الدروس اجماع عليه على الظاهر، و في المدارك لاريب في وجوب غسل مادون المرفق كلّه و ان لم تتميّز الزيادة، و به صرّح في المعتبر و الارشاد و التحرير و المنتهى و المختلف و القواعد و الدروس و ظاهر جامع المقاصد و غيرها، و عن المبسوط على اختلاف في الأمثلة غير قادح، و منه يعلم حكم جميع ذلك لو كان في الوجه، و قد يستدلّ عليه بأنّه من جملة أجزاء ما يجب غسله أو كالجزء، فأشبه الثالول، و بالأمر بالغسل من المرفق الى رؤوس الأصابع و لم يستثن شيئا، و بصدق اسم اليد عرفا على مجموع ذلك، و بأنّه بدل عن المحلّ النابت فيه، مع مراعاة الاحتياط. انتهى ملخّصا».(3)


1) - وسائل الشيعة 1: 451 / الباب 35 من أبواب الوضوء / الحديث 6.

2) - جواهر الكلام 2: 246.

3) - نفس المصدر: 166.

أقول:

قد دلّ الكتاب و السنّة على وجوب غسل اليدين، فاطلاق غسل اليدين يقتضي غسل كلّ ما يكون في اليد ممّا دون المرفق، من أصابع زائدة أو لحما زائدا، أو ذراعا، أو غيرها، مضافا الى قوله عليه السلام في ذيل صحيحة زرارة و بكير المتقدّمة:

«فليس له أن يدع من يديه الى المرفقين شيئا الاّ غسله ... ».(1)

لأنّ المستفاد منها كما في التنقيح(2)أنّ اليد من المرفق الى الأصابع أعني المقدار الواقع بين الحدّين لا بدّ من غسله بما له من التوابع و الأطوار، بلا فرق في ذلك بين أن يكون الزائد خارجا عن المحدود و ما اذا لم يكن.

الفرع الرابع : في غسل الشعر مع البشرة

يجب غسل شعر اليد مع البشرة، و الدليل على ذلك مقتضى اطلاق الروايات الواردة في غسل اليد، و قوله عليه السلام في ذيل صحيحة زرارة و بكير المذكورة آنفا:

«فليس له أن يدع من يديه الى المرفقين شيئا الاّ غسله ... ».

و ما يقال من أنّه يكفي غسل الشعر؛ لقوله عليه السلام في ذيل صحيحة زرارة:

«كلّ ما أحاط به الشعر فليس على العباد (للعباد) أن يطلبوه و لايبحثوا عنه ولكن يجرى عليه الماء».(3)

مدفوع بأنّه يكون جوابا عن سؤال زرارة منه عليه السلام في خصوص غسل الوجه:«قلت له: أرأيت ما أحاط به الشعر»، و من المعلوم أنّ الشعر الموجود في الوجه


1) - وسائل الشيعة 1: 389 / الباب 15 من أبواب الوضوء / الحديث 3.

2) - التنقيح في شرح العروة 5: 82.

3) - وسائل الشيعة 1: 476 / الباب 46 من أبواب الوضوء / الحديث 2 و 3.

غير قابل للقياس بالشعر الموجود في اليد، فانّ في الأوّل الحاجب و اللحية، مضافا الى أنّ سؤال زرارة كان محدودا بالشعر الموجود في الوجه؛ لأنّه عليه السلام كان يبيّن حدّ الوجه في غسل الواجب منه و لذا لم يسأل منه عليه السلام عن الشعر الموجود في اليد اذا شرع عليه السلام في بيان حدّ غسل اليدين بقوله:

«و حدّ غسل اليدين من المرفق الى أطراف الأصابع».(1)

قال في المستمسك: «و يجب غسل الشعر مع البشرة، كما هو المعروف، بل في طهارة شيخنا الأعظم رحمه الله دعوى الاتّفاق عليه؛ لصدق اليد عليها. خلافا لما عن كشف الغطاء حيث قال: «و لو تكاثف عليها الشعر أجزأ غسله عن غسل البشرة، و الأحوط غسلها» - الى أن قال: - و بالجملة لا مجال للتشكيك في اختصاص السؤال عمّا أحاط به الشعر من الوجه. فلا مجال للأخذ بعموم الجواب».(2)

الفرع الخامس : فيمن قطعت يده

الصور المتصوّرة فيمن قطعت يده ثلاث:

الأولى: من قطعت يده من فوق المرفق، فلايجب عليه غسل العضو؛ لأنّه خارج عن الحدّ المعيّن لغسل اليد كتابا و سنّة بل اجماعا؛ لانعدام الحكم بانعدام موضوعه. و لايخالفها اطلاق صحيحة رفاعة قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الأقطع؟ فقال: يغسل ما قطع منه».(3)


1) - من لايحضره الفقيه 1: 45 / باب حدّ الوضوء و ترتيبه و ثوابه / الرقم 88.

2) - مستمسك العروة 2: 349 و 350.

3) - وسائل الشيعة 1: 479 / الباب 49 من أبواب الوضوء / الحديث 1.

و صحيحة أخرى له قال:

«سألته عن الأقطع اليد و الرجل، كيف يتوضّأ؟ قال: يغسل ذلك المكان الذي قطع منه».(1)

و صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«سألته عن الأقطع اليد و الرجل؟ قال: يغسلهما».(2)

لأنّها تحمل على ما بقي ممّا دون المرفق، كما أنّ صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال:

«سألته عن رجل قطعت يده من المرفق، كيف يتوضّأ؟ قال: يغسل ما بقي من عضده».(3)

تحمل على رأس المفصل.

الصورة الثانية و الثالثة: فيمن قطعت يده دون المرفق أو من المرفق فيجب غسله، و الدليل على ذلك بالنسبة الى دون المرفق اطلاق الآية و الصحاح الواردة في غسل اليدين، و بالنسبة الى رأس المرفق - مضافا الى شمول معنى المرفق في الآية و الروايات له - قوله عليه السلام في صحيحة علي بن جعفر المذكورة آنفا: «يغسل ما بقي من عضده»؛ لأنّ المراد منه نفس المفصل. و لو كان المراد العضد قال: «يغسل عضده بدلاً منه».


1) - وسائل الشيعة 1: 480 / الباب 49 من أبواب الوضوء / الحديث 4.

2) - وسائل الشيعة 1: 480 / الباب 49 من أبواب الوضوء / الحديث 3.

3) - وسائل الشيعة 1: 479 / الباب 49 من أبواب الوضوء / الحديث 2.

فيما اذا كانت له يد زائدة

(مسألة 11): ان كانت له يد زائدة دون المرفق وجب غسلها أيضا كاللحم الزائد، و ان كانت فوقه فان علم زيادتها لايجب غسلها، و يكفي غسل الأصليّة، و ان لم يعلم الزائدة من الأصليّة وجب غسلهما، و يجب مسح الرأس و الرجل بهما من باب الاحتياط، و ان كانتا أصليّتين يجب غسلهما أيضا، و يكفي المسح باحداهما.

الشرح:

ان كانت له يد زائدة دون المرفق وجب غسلها أيضا كاللحم الزائد و قد تقدّم البحث عنه و عن دليله في الفرع الخامس من المسألة السابقة آنفا. و ان كانت اليد الزائدة فوقه، فان علم زيادتها لايجب غسلها، و يكفي غسل الأصليّة؛ لأنّ ما أمر بغسله في الكتاب و السنّة و الاجماع هو اليد الأصليّة، و لا دليل على غسل ما كانت زائدة.

و ان لم يعلم الزائدة عن الأصليّة وجب غسلهما؛ لأنّ الاشتغال اليقيني يقتضي البراءة اليقينيّة، أو فقل: انّ الطهارة لاتحصل الاّ بغسل الوجه و اليدين و مسح الرأس و الرجلين يقينا، فان غسل احداهما في فرض المسألة لم يتيقّن بغسل يديه فلاتكون الطهارة حاصلة. و يجب مسح الرأس و الرجل بهما؛ ليحصل له العلم بالاتيان بما أمر به، و تحصل الطهارة يقينا لأيّ غاية يريدها.

و ان كانتا أصليّتين يجب غسلهما؛ لأنّه أمر بغسل اليد اليمنى ان كانت اليد الأخرى فيها، فلو غسل احداهما دون الأخرى فيشكّ في الامتثال؛ لأنّ اطلاق غسل اليد اليمنى يشمله.

فلو قيل: انّه أمر بغسل يده اليمنى، و هي واحدة لا غير، فيقال: لأيّ علّة يرجّح احداهما على الأخرى، و كيف كان يجب عليه غسلهما؛ ليحصل له العلم بالطهارة. و أمّا المسح فيكفي بأيّهما شاء؛ لأنّه اقتضاء اطلاق المسح باليد اليمنى مثلاً.

في الوسخ تحت الأظفار

(مسألة 12): الوسخ تحت الأظفار اذا لم يكن زائدا على المتعارف لايجب ازالته الاّ اذا كان ما تحته معدودا من الظاهر، فانّ الأحوط ازالته، و ان كان زائدا على المتعارف وجبت ازالته، كما أنّه لو قصّ أظفاره فصار ما تحتها ظاهرا وجب غسله بعد ازالة الوسخ عنه.

الشرح:

انّ الأظفار تارة: تكون خارجة عن الحدّ المتعارف بحيث يعدّ ما تحته من الظاهر، فان كان الوسخ تحته مانعا من وصوله الى البشرة أو شكّ في مانعيّته فيجب ازالته؛ لأنّ الأظفار تكون من أجزاء الأصابع فيجب غسلها. و ان لم يكن مانعا فلايجب ازالته.

و أخرى: لم تكن خارجة عن الحدّ المتعارف فالظاهر أنّه يعدّ ما تحته من الباطن فلايجب غسله. فلو عدّ من الظاهر و كان الوسخ متعارفا و هو الذي لايخلو منه الأظفار عادة فلايجب ازالته؛ لأنّه حينئذ يكون كالبشرة. و أمّا ان كان الوسخ خارجا عن المتعارف فيجب ازالته.

ثمّ انّه لو قصّ أظفاره و كان تحته وسخا فظهر و كان مانعا أو شكّ فيها يجب ازالته.

(مسألة 13): ما هو المتعارف بين العوامّ من غسل اليدين الى الزندين و الاكتفاء عن غسل الكفّين بالغسل المستحبّ قبل الوجه باطل.

الشرح:

و ذلك لأنّ الواجب الترتيب بين الأعضاء و هو الابتداء بالوجه ثمّ اليد اليمنى ثمّ اليسرى ثمّ مسح الرأس ثمّ مسح الرجلين، فاذا غسل الوجه ثمّ شرع في غسل

يديه و لم يغسل الكفّين اكتفاءً بما قبل غسل الوجه فكأنّه لم يغسل تمام يديه و لم يمتثل الأمر فيبطل وضوؤه سواء كان عالما به أو لم يكن.

(مسألة 14): اذا انقطع لحم من اليدين وجب غسل ما ظهر بعد القطع، و يجب غسل ذلك اللحم أيضا مادام لم ينفصل و ان كان اتّصاله بجلدة رقيقة، و لايجب قطعه أيضا ليغسل ما تحت تلك الجلدة، و ان كان أحوط لو عدّ ذلك اللحم شيئا خارجيّا و لم يحسب جزءا من اليد.

الشرح:

قد تقدّم في المسألة الحادية عشرة أنّه ان كانت له يد زائدة دون المرفق يجب غسلها؛ لأنّها تكون جزءا من اليد، و تلحق هذه المسألة بها، و أنّه اذا انقطع لحم من اليدين وجب غسله مادام متّصلاً؛ لأنّه جزء اليد، و وجب غسل ما ظهر بعد القطع؛ لأنّه من تمام الغسل. و لو عدّ ذلك اللحم شيئا خارجيّا عرفا و يمكن قطعه يجب ليغسل ما تحت الجلدة؛ لكونه مانعا عن وصول الماء الى البشرة.

في الشقوق التي تحدث على ظهر الكفّ

(مسألة 15): الشقوق التي تحدث على ظهر الكفّ من جهة البرد ان كانت وسيعة يرى جوفها وجب ايصال الماء فيها، و الاّ فلا، و مع الشكّ لايجب عملاً بالاستصحاب، و ان كان الأحوط الايصال.

الشرح:

يجب غسل الشقوق التي تحدث على ظهر الكفّ ان كانت وسيعة يرى جوفها و ادخال الماء فيها؛ و ذلك لأنّها حينئذ يكون من ظاهر اليد فيجب غسل ما ظهر من أجزاء اليد. و أمّا لو شكّ في أنّها من الظاهر أو الباطن من جهة سعتها و عدمها، فالمصنّف ذهب الى عدم وجوب الغسل؛ عملاً باستصحاب عدم كون

الشقوق وسيعة، فانّ وسعة الشقوق تكون تدريجيّا، أو فقل: انّها كانت من الباطن فيشكّ في كونها صارت من الظاهر أم لا؟ فاستصحاب العدم جار. نعم، لو كان الشكّ من جهة الشبهة المفهوميّة فلايجري الاستصحاب الاّ أنّ ما نحن فيه ليس من تلك الجهة.

(مسألة 16): ما يعلو البشرة مثل الجدري عند الاحتراق مادام باقيا يكفي غسل ظاهره، و ان انخرق، و لايجب ايصال الماء تحت الجلدة بل لو قطع بعض الجلدة و بقي البعض الآخر يكفي غسل ظاهر ذلك البعض، و لايجب قطعه بتمامه، و لو ظهر ما تحت الجلدة بتمامه، لكنّ الجلدة متّصلة قد تلزق و قد لاتلزق، يجب غسل ما تحتها و ان كانت لازقة يجب رفعها أو قطعها.

الشرح:

قد تقدّم في المسألة الخامسة عشرة و الرابعة عشرة ما يفيد لهذه المسألة، فانّ العلّة في عدم وجوب ايصال الماء تحت الجلدة و ان انخرقت هي كونها من الباطن، بل لايجب ذلك أيضا لو قطع بعض الجلدة و بقي البعض الآخر، فيكفي غسل ظاهر بعض الذي قطعت جلدته، و لايجب قطعه بتمامه. نعم، لو ظهر ما تحت الجلدة بتمامه لكن الجلدة متّصلة قد تلزق و قد لاتلزق يجب غسل ما تحتها؛ لأنّ ما تحتها من الظاهر، و التزاقها فوقه يكون من قبيل التزاق الحاجب، و لذا يجب رفعها أو قطعها ان كانت لازقة.

فيما ينجمد على الجرح عند البرء

(مسألة 17): ما ينجمد على الجرح عند البرء و يصير كالجلد لايجب رفعه و ان حصل البرء، و يجزي غسل ظاهره و ان كان رفعه سهلاً، و أمّا الدواء الذي انجمد عليه و صار كالجلد فمادام لم يمكن رفعه يكون بمنزلة الجبيرة يكفي غسل ظاهره، و ان أمكن رفعه بسهولة وجب.

الشرح:

ما ينجمد على الجرح عند البرء و يصير كالجلد لايجب رفعه؛ لأنّه جزء من اليد عرفا، و معدود من التوابع العرفيّة فلايلزم رفعه و ان أمكن بسهولة. و ان شكّ في أنّه جزء أو لا، فيغسل ظاهره، و ان أمكن رفعه بسهولة رفع، و ان لم يمكن ولكنّه أمكن غسل باطنه غسل.

و أمّا الدواء الذي انجمد عليه و صار كالجلد فمادام لم يمكن رفعه يكون بمنزلة الجبيرة و سيأتي حكمه.

في الوسخ على البشرة

(مسألة 18): الوسخ على البشرة ان لم يكن جرما مرئيّا لايجب ازالته، و ان كان عند المسح بالكيس في الحمّام أو غيره يجتمع و يكون كثيرا مادام يصدق عليه غسل البشرة، و كذا مثل البياض الذي يتبيّن على اليد من الجصّ و النورة اذا كان يصل الماء الى ما تحته و يصدق معه غسل البشرة. نعم، لو شكّ في كونه حاجبا أم لا، وجب ازالته.

الشرح:

الوسخ على البشرة تارة: لايرى الاّ بعلاج كالدلك و نحوه ففي هذه الصورة لايكون مانعا.

و أخرى: يرى على البشرة الاّ أنّ العرف لايراه مانعا و يعدّه من البشرة، ففي هذه الصورة أيضا لايكون مانعا.

و ثالثة: يكون الوسخ على البشرة ظاهرا و يعدّه العرف غير البشرة الاّ أنّ الماء يصل الى البشرة فهذه أيضا لا اشكال فيها.

و رابعة: يكون كالصورة الثالثة ولكن لايصل الماء الى البشرة، ففي هذه الصورة يجب رفعه. و أمّا البياض الذي يظهر على اليد من الجصّ أو النورة يكون من الصورة الثالثة فلا اشكال فيه.

في الوسواسي

(مسألة 19): الوسواسي الذي لايحصل له القطع بالغسل يرجع الى المتعارف.

الشرح:

الوسواسي الذي لايحصل له القطع بالغسل يرجع الى المتعارف و الوجه في ذلك كما في التنقيح(1)- مضافا الى النهي عن العمل على الوسواس في الروايات و أنّ العمل على طبقه اطاعة الشيطان فلايصحّ توصيف الوسواسي بالعقل - أنّ الوسواسي لايجب عليه الجزم بالامتثال؛ لعدم جريان الاستصحاب و لا قاعدة الاشتغال في حقّه.

أمّا عدم جريان الاستصحاب، فلأنّ الشكّ المعتبر في جريانه كما في قوله عليه السلام : «لاتنقض اليقين بالشكّ»، منصرف الى الشكّ العادي المتعارف لدى الناس و لايشمل الشكوك النادرة الخارجة عن المعتاد، فلا مجال لاستصحاب الحدث أو عدم تحقّق الامتثال في حقّه.

و أمّا عدم جريان القاعدة، فلأنّ العقل انّما استقلّ بلزوم الامتثال العقلائي دون ما يعدّ عملاً سفهيّا لدى الناس، اذن لايجب عليه تحصيل الجزم بالامتثال، بل


1) - التنقيح في شرح العروة 5: 100 و 101.

يكفي في حقّه الامتثال الاحتمالي و ان لم يكن هناك نهي عن العمل على الوسواس. نعم، اذا كان شكّ الوسواسي شكّا متعارفا - كما اذا وقف تحت المطر فأصابت وجهه قطرات فشكّ في أنّها هل وصلت الى جميع أطراف الوجه أو يحتاج غسل تمام الوجه الى امرار اليد عليه - وجب الاحتياط في مثله لا محالة.

(مسألة 20): اذا نفذت شوكة في اليد أو غيرها من مواضع الوضوء أو الغسل لايجب اخراجها الاّ اذا كان محلّها على فرض الاخراج محسوبا من الظاهر.

الشرح:

اذا نفذت شوكة في اليد أو غيرها من مواضع الوضوء أو الغسل لايجب اخراجها؛ لأنّها لاتمنع عن غسل البشرة. نعم، اذا كانت الشوكة بمثل المسمار و دخلت في اليد و حجبت مقدارا من ظاهر اليد يجب اخراجها ان لم يكن حرجا، و كذا لو أدخلت معها شيئا من الظاهر فالأحوط اخراجها. و لو أخرجت الشوكة لايجب غسل محلّها الاّ اذا عدّ محلّها من الظاهر عرفا.

في الوضوء الارتماسي

(مسألة 21): يصحّ الوضوء بالارتماس مع مراعاة الأعلى فالأعلى لكن في اليد اليسرى لا بدّ أن يقصد الغسل حال الاخراج من الماء حتّى لايلزم المسح بالماء الجديد، بل و كذا في اليد اليمنى الاّ أن يبقي شيئا من اليد اليسرى ليغسله باليد اليمنى حتّى يكون ما يبقى عليها من الرطوبة من ماء الوضوء.

الشرح:

يصحّ الوضوء بالارتماس، و الدليل على ذلك اطلاق الكتاب و الروايات الواردة في كيفيّة الوضوء، كقوله عليه السلام في صحيحة داود بن فرقد في بيان حدّ الوضوء قال:

« ... تغسل وجهك و يديك، و تمسح رأسك و رجليك».(1)

و يجب غسل الوجه و اليدين من الأعلى الى الأسفل، و الظاهر أنّ غسل الوجه و اليدين بنحو الارتماس يحصل بأن يدخل مرفقه في الماء ثمّ يدخل بقيّة يده الى الأصابع، أو يدخل يده في الماء بدون نيّة الغسل، ثمّ يقصد الغسل حال الاخراج من الماء. و الظاهر أنّ ما ذهب اليه المصنّف من أنّه لا بدّ في اليد اليسرى الطريق الثاني «حتّى لايلزم المسح بالماء الجديد، بل و كذا في اليد اليمنى» حسن، الاّ أنّ الطريق الأوّل أيضا لا بأس به و لم يعدّ الماء الخارج من يده ماءً جديدا.

قال في المستمسك: «يصحّ الوضوء بالارتماس اتّفاقا، كما في البرهان، و ظاهر الجواهر، و يقتضيه اطلاق أدلّة الغسل»(2)

و قال في التنقيح: «لاينبغي الاشكال في جواز التوضّؤ بالارتماس؛ لاطلاقات الأدلّة الآمرة بالغسل في الوضوء، و عدم قيام دليل على المنع عن ذلك، و هي كافية في الحكم بالجواز».(3)


1) - وسائل الشيعة 1: 387 / الباب 15 من أبواب الوضوء / الحديث 1.

2) - مستمسك العروة 2: 357.

3) - التنقيح في شرح العروة 5: 102.

في الوضوء بماء المطر

(مسألة 22): يجوز الوضوء بماء المطر كما اذا قام تحت السماء حين نزوله فقصد بجريانه على وجهه غسل الوجه مع مراعاة الأعلى فالأعلى و كذلك بالنسبة الى يديه، و كذلك اذا قام تحت الميزاب أو نحوه و لو لم ينو من الأوّل، لكن بعد جريانه على جميع محالّ الوضوء مسح بيده على وجهه بقصد غسله و كذا على يديه اذا حصل الجريان كفى أيضا، و كذا لو ارتمس في الماء ثمّ خرج و فعل ما ذكر.

الشرح:

قد ذكر المصنّف في هذه المسألة صورتين في كيفيّة الوضوء بماء المطر و صورة في الارتماس في الماء:

الصورة الأولى: يضع وجهه تجاه المطر فيقصد غسل الوجه مع مراعاة الأعلى فالأعلى حتّى يحيط الماء حدّ الوجه في الوضوء، ثمّ يده اليمنى ثمّ اليسرى كذلك. ففي هذه الصورة لا اشكال فيه كما لا اشكال فيما اذا فعله تحت الميزاب أو الأنابيب أو الدشّ.

الصورة الثانية: يضع وجهه تجاه المطر بدون الغسل، ثمّ يمسح بيده من الأعلى الى الأسفل بقصد الوضوء ثمّ يفعل بيده اليمنى ثمّ اليسرى كما فعل بالنسبة الى وجهه فلا اشكال فيه أيضا، و يصدق عليه أنّه غسل وجهه و يديه.

الصورة الثالثة: يرتمس وجهه و يديه في الماء بدون النيّة، ثمّ يمرّ يده على وجهه من الأعلى الى الذقن بقصد الوضوء، ثمّ يده اليمنى ثمّ اليسرى. و الظاهر صحّة وضوئه في هذه الصورة أيضا ان صدق الغسل؛ و يدلّ عليه في الجملة صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال:

«سألته عن الرجل لايكون على وضوء، فيصيبه المطر حتّى يبتلّ

رأسه و لحيته و جسده و يداه و رجلاه، هل يجزيه ذلك من الوضوء؟ قال: ان غسله فانّ ذلك يجزيه».(1)

فيما اذا شكّ في شيء أنّه من الظاهر أو الباطن

(مسألة 23): اذا شكّ في شيء أنّه من الظاهر حتّى يجب غسله أو الباطن فلا، فالأحوط غسله، الاّ اذا كان سابقا من الباطن و شكّ في أنّه صار ظاهرا أم لا، كما أنّه يتعيّن غسله لو كان سابقا من الظاهر ثمّ شكّ في أنّه صار باطنا أم لا.

الشرح:

اذا شكّ في شيء من وجهه و يديه أنّه من الظاهر حتّى يجب غسله أو الباطن فلا، فتارة: لم تكن لها حالة سابقة فيجب غسله؛ لأنّه اذا لم يغسله يشكّ في الامتثال

و حصول الطهارة، فالأصل العدم.

و أخرى: تكون له حالة سابقة، فان كان من الباطن و شكّ في أنّه صار ظاهرا أم لا فلايجب غسله، كما أنّه يتعيّن غسله لو كان سابقا من الظاهر، ثمّ شكّ في أنّه صار باطنا أم لا.

ثمّ اعلم أنّ الواجب تقديم اليد اليمنى على اليسرى فلو عكس أو غسلهما دفعة لايجزي. نعم، لو لم يعرف يمينه من شماله ولكنّه أتى باليمنى ابتداءً يجزي بل لو غسل يمينه بزعم أنّها يسار ثمّ غسل اليسار يصحّ وضوؤه اذا لم يكن ذلك من جهة العصيان.


1) - وسائل الشيعة 1: 454 / الباب 36 من أبواب الوضوء / الحديث 1.

«الثالث»: مسح الرأس
اشارة

«الثالث»: مسح الرأس بما بقي من البلّة في اليد، و يجب أن يكون على الربع المقدّم من الرأس فلايجزي غيره. و الأولى و الأحوط الناصية، و هي ما بين البياضين من الجانبين فوق الجبهة، و يكفي المسمّى و لو بقدر عرض اصبع واحدة أو أقلّ، و الأفضل بل الأحوط أن يكون بمقدار عرض ثلاث أصابع بل الأولى أن يكون بالثلاثة، و من طرف الطول أيضا يكفي المسمّى، و ان كان الأفضل أن يكون بطول اصبع، و على هذا فلو أراد ادراك الأفضل ينبغي أن يضع ثلاث أصابع على الناصية، و يمسح بمقدار اصبع من الأعلى الى الأسفل، و ان كان لايجب كونه كذلك فيجزي النكس، و ان كان الأحوط خلافه. و لايجب كونه على البشرة، فيجوز أن يمسح على الشعر النابت في المقدّم بشرط أن لايتجاوز بمدّه عن حدّ الرأس، فلايجوز المسح على المقدار المتجاوز و ان كان مجتمعا في الناصية، و كذا لايجوز على النابت في غير المقدّم، و ان كان واقعا على المقدّم، و لايجوز المسح على الحائل من العمامة أو القناع أو غيرهما و ان كان شيئا رقيقا لم يمنع عن وصول الرطوبة الى البشرة. نعم، في حال الاضطرار لا مانع من المسح على المانع كالبرد، أو اذا كان شيئا لايمكن رفعه، و يجب أن يكون المسح بباطن الكفّ، و الأحوط أن يكون باليمنى، و الأولى أن يكون بالأصابع.

الشرح:

قال في الجواهر: «من فروض الوضوء مسح الرأس كتابا و سنّة و اجماعا بين المسلمين. و الواجب منه ما يسمّى مسحا، كما في الجمل و العقود و السرائر و النافع و المعتبر و التحرير و القواعد و المنتهى و الارشاد و اللمعة و الروضة و ظاهر جامع المقاصد و غيرها».(1)


1) - جواهر الكلام 2: 170.

و قال في موضع آخر منه: «و يجب أن يكون المسح بنداوة الوضوء خلافا للعامّة عدا مالك، فأوجبوا المسح بماء جديد، و هو مخالف لاطلاق الكتاب و نصوص السنّة و الاجماع المحصّل و المنقول، و لايجوز استئناف ماء جديد له، كما في الفقيه و الانتصار و المقنعة و الجمل و العقود و الخلاف و السرائر و الاشارة و المراسم و المعتبر و القواعد و التحرير و المنتهى و الارشاد و غيرها من كتب المتقدّمين و المتأخّرين، بل في الانتصار: انّه ممّا انفردت به الاماميّة».(1)

فروع:

الفرع الأوّل : في مسح الرأس بما بقي من البلّة في اليد

يجب مسح الرأس بما بقي من البلّة في اليد؛ يدلّ على ذلك روايات:

منها صحيحة زرارة قال:

«قال أبوجعفر عليه السلام : انّ اللّه وتر يحبّ الوتر، فقد يجزيك من الوضوء ثلاث غرفات: واحدة للوجه، و اثنتان للذراعين، و تمسح ببلّة يمناك ناصيتك، و ما بقي من بلّة يمناك ظهر قدمك اليمنى، و تمسح ببلّة يسراك ظهر قدمك اليسرى».(2)

و منها ذيل صحيحة علي بن يقطين:

«و ورد عليه كتاب أبي الحسن عليه السلام : ابتدئ من الآن - يا علي بن يقطين - و توضّأ كما أمرك اللّه تعالى: اغسل وجهك مرّة فريضة، و أخرى اسباغا، واغسل يديك من المرفقين كذلك، وامسح بمقدّم


1) - جواهر الكلام 2: 181.

2) - وسائل الشيعة 1: 436 / الباب 31 من أبواب الوضوء / الحديث 2.

رأسك و ظاهر قدميك من فضل نداوة وضوئك، فقد زال ما كنّا نخاف منه عليك، والسلام ».(1)

و منها ذيل صحيحة عمر بن أذينة عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث):

« ... ثمّ امسح رأسك بفضل ما بقي في يدك من الماء و رجليك الى كعبيك».(2)

و منها ذيل صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام :

« ... ثمّ مسح رأسه و رجليه بما بقي في يديه».(3)

و منها صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام :

« ... ثمّ مسح بما بقي في يده رأسه و رجليه، و لم يعدهما في الاناء».(4)

و منها ذيل صحيحة أبي عبيدة الحذّاء عن أبي جعفر عليه السلام :

« ... ثمّ مسح بفضلة الندى رأسه و رجليه».(5)

و منها ذيل صحيحة ثانية لزرارة بن أعين عن أبي جعفر عليه السلام :

« ... ثمّ مسح ببلّة ما بقي في يديه رأسه و رجليه، و لم يعدهما في الاناء».(6)


1) - وسائل الشيعة 1: 444 / الباب 32 من أبواب الوضوء / الحديث 3.

2) - وسائل الشيعة 1: 390 / الباب 15 من أبواب الوضوء / الحديث 5.

3) - وسائل الشيعة 1: 391 / الباب 15 من أبواب الوضوء / الحديث 7.

4) - وسائل الشيعة 1: 390 / الباب 15 من أبواب الوضوء / الحديث 6.

5) - وسائل الشيعة 1: 391 / الباب 15 من أبواب الوضوء / الحديث 8.

6) - وسائل الشيعة 1: 392 / الباب 15 من أبواب الوضوء / الحديث 10.

و منها ذيل صحيحة بكير و زرارة بن أعين عن أبي جعفر عليه السلام :

« ... ثمّ مسح رأسه و قدميه الى الكعبين بفضل كفّيه، لم يجدّد ماءا».(1)

و الظاهر أنّه لا محلّ للمناقشة في هذه الروايات؛ لأنّه بعد العلم بأنّ المخالفين يوجبون كون مسح الرأس بماء جديد و الامام عليه السلام أمر أصحابه بأن ينظروا الى وضوئه حكاية عن وضوء رسول اللّه صلى الله عليه و آله، فلايبقى كلام الاّ أن يقال بأنّهم عليهم السلام كانوا في صدد بيان ما هو الواجب من أفعال الوضوء، و تخطئة المخالفين. و لو كان بعضها مشتملة على المندوبات، فهي لقرينة خارجيّة. و يؤيّدها الروايات(2)التي وردت في وجوب أخذ البلل للمسح من لحيته، أو حاجبيه، أو أجفان عينيه ان كان قد جفّ عن يديه، و عدم جواز استئناف ماء جديد، فان لم يبق بلل أصلاً أعاد الوضوء. فسيأتي شرحه في موضعه.

و لاتعارضها صحيحة أبي بصير قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن مسح الرأس، قلت: أمسح بما على يدي من الندى رأسي؟ قال: لا، بل تضع يدك في الماء، ثمّ تمسح».(3)

و صحيحة معمّر بن خلاّد قال:

«سألت أبا الحسن عليه السلام : أيجزي الرجل أن يمسح قدميه بفضل رأسه؟ فقال برأسه: لا، فقلت: أبماء جديد؟ فقال برأسه: نعم».(4)


1) - وسائل الشيعة 1: 476 / الباب 46 من أبواب الوضوء / الحديث 3.

2) - وسائل الشيعة 1: 407 - 410 / الباب 21 من أبواب الوضوء / الأحاديث 1، 2، 3، 7، 8 و 9.

3) - وسائل الشيعة 1: 408 / الباب 21 من أبواب الوضوء / الحديث 4.

4) - وسائل الشيعة 1: 409 / الباب 21 من أبواب الوضوء / الحديث 5.

و رواية ابن أبي عمّارة قال:

«سألت جعفر بن محمّد عليه السلام : أمسح رأسي ببلل يدي؟ قال: خذ لرأسك ماءا جديدا».(1)

لأنّها تحمل على التقيّة؛ لموافقتها لمذهب كثير من العامّة، و عدم صراحة الجواب في الصحيحة الثانية شاهد عليها.

الفرع الثاني : في كون مسح الرأس على مقدّمه

يجب كون مسح الرأس على مقدّمه؛ يدلّ على ذلك روايات:

منها صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«مسح الرأس على مقدّمه».(2)

و مرسلة حمّاد بن عيسى عن أحدهما عليهماالسلام في الرجل يتوضّأ و عليه العمامة، قال:

«يرفع العمامة بقدر ما يدخل اصبعه فيمسح على مقدّم رأسه».(3)

و صحيحة زرارة قال:

«قال أبوجعفر عليه السلام : المرأة يجزيها من مسح الرأس أن تمسح مقدّمه قدر ثلاث أصابع، و لاتلقي عنها خمارها».(4)

و ذيل صحيحة زرارة قال:

« ... و قال أبو جعفر عليه السلام : انّ اللّه وتر، يحبّ الوتر، فقد يجزيك من


1) - وسائل الشيعة 1: 409 / الباب 21 من أبواب الوضوء / الحديث 6.

2) - وسائل الشيعة 1: 410 / الباب 22 من أبواب الوضوء / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 1: 411 / الباب 22 من أبواب الوضوء / الحديث 3.

4) - وسائل الشيعة 1: 416 / الباب 24 من أبواب الوضوء / الحديث 3.

الوضوء ثلاث غرفات: واحدة للوجه، و اثنتان للذراعين، و تمسح ببلّة يمناك ناصيتك، و ما بقي من بلّة يمينك ظهر قدمك اليمنى، و تمسح ببلّة يسارك ظهر قدمك اليسرى، الحديث».(1)

و لاتعارضها صحيحة الحسين بن أبي العلاء قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن المسح على الرأس؟ فقال: كأنّي أنظر الى عكنة في قفا أبي يمرّ عليها يده، و سألته عن الوضوء بمسح الرأس مقدّمه و مؤخّره؟ فقال: كأنّي أنظر الى عكنة في رقبة أبي يمسح عليها».(2)

و صحيحة ثانية للحسين بن أبي العلاء قال:

«قال أبو عبداللّه عليه السلام : امسح الرأس على مقدّمه و مؤخّره».(3)

لأنّهما تحملان على التقيّة؛ لموافقتهما لمذهب بعض العامّة.

قال في التنقيح: «انّ الصحيحتين مخالفتان لما ثبت بالضرورة من المذهب، و لم يذهب أحد من أصحابنا الى جواز ذلك، كما أنّهما تنافيان الأخبار الدالّة على لزوم المسح بمقدّمه، اذن لا مناص من طرحهما أو تأويلهما و حملهما على التقيّة، بل الصحيح أنّ الروايتين لا دلالة لهما على جواز المسح بمؤخّر الرأس، و انّما ظاهرهما وجوب المسح على تمام الرأس من مقدّمه و مؤخّره كما هو مذهب المخالفين، حيث انّ كلمة «واو» في احدى الروايتين لم يثبت كونها بمعنى «أو» بل ظاهرها ارادة الجمع، كما أنّ قوله عليه السلام : «يمسح عليها»، لايدلّ على أنّ المسح أمر جائز في كلّ من مقدّم الرأس و مؤخّره، بل مقتضاه لزوم امرار اليد على المؤخّر أيضا كالمقدّم. و أمّا كفاية امرار اليد على المؤخّر في صحّة الوضوء و عدم


1) - وسائل الشيعة 1: 388 / الباب 15 من أبواب الوضوء / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 1: 411 / الباب 22 من أبواب الوضوء / الحديث 5.

3) - وسائل الشيعة 1: 412 / الباب 22 من أبواب الوضوء / الحديث 6.

الاحتياج الى امرارها على المقدّم، فلايكاد يستفاد منها بوجه، و عليه فلا مناص من حملهما على التقيّة؛ لموافقتهما للعامّة و مخالفتهما لما ثبت بالضرورة من مذهب الشيعة و لعلّ قوله عليه السلام : «كأنّي أنظر» الى آخره اشارة الى ذلك؛ اذ لو كان المسح على المؤخّر واجبا أو جائزا لصرّح به في مقام الجواب».(1)

لفرع الثالث : في أنّ الأولى و الأحوط أن يكون المسح على الناصية

قال المصنّف: «و الأولى و الأحوط الناصية و هي ما بين البياضين من الجانبين فوق الجبهة».

قال في التنقيح: «انّ الأصحاب قدس سرهم قد تسالموا على وجوب كون المسح على الربع المقدّم من الرأس و عدم كفاية المسح على سائر الجهات من المؤخّر أو اليمين أو اليسار، الاّ أنّهم قد اختلفوا - بعد اتّفاقهم هذا - في أنّ المسح هل يتعيّن أن يكون على خصوص الناصية - و هي عبارة عمّا بين النزعتين - أو يجوز بغيرها من أجزاء الربع المقدّم؟

و قد مال صاحب الجواهر قدس سره في أوّل كلامه الى خصوص الناصية؛ و ذلك لما ورد في صحيحة زرارة المتقدّمة من قوله عليه السلام : «و تمسح ببلّة يمناك ناصيتك»؛ لأنّها كما تقدّم و ان كانت جملة خبريّة الاّ أنّها مستعملة في مقام الانشاء فهي جملة مستقلّة و غير معطوفة على فاعل «يجزيك»، اذا تدلّنا تلك الجملة على تعيّن المسح على خصوص الناصية و بها تقيّد الأخبار المطلقة الدالّة على وجوب كون المسح بمقدّم الرأس، الاّ أنّه قدس سرهعدل عن ذلك في آخر كلامه و جوّز المسح بكلّ جزء من أجزاء الربع المقدّم من الرأس و جعل المسح على خصوص الناصية


1) - التنقيح في شرح العروة 5: 116.

أحوط و أولى. و أضاف أخيرا أنّ المسألة لاتخلو عن اشكال. انتهى ملخّصا».(1)

أقول:

الظاهر أنّه لا اختلاف بين صحيحة زرارة التي قيّد فيها المسح بالناصية و بين صحيحة أخرى له و صحيحة محمّد بن مسلم و مرسلة حمّاد بن عيسى المتقدّمة في الفرع الثاني؛ فانّ المراد بالناصية هو مقدّم الرأس في مقابل يمينه و يساره و خلفه و هو - كما في التنقيح(2)- لأنّ مقدّم الرأس مفهوم مبيّن لا اجمال فيه؛ اذ المقدّم من كلّ شيء انّما هو ما يقابل سائر الجهات من المؤخّر و الأيمن و الأيسر، و الناصية مجملة لم يظهر المراد منها، فنحملها على مقدّم الرأس. و مع ذلك أنّ الأولى و الأحوط المسح على الناصية من مقدّم الرأس؛ لأنّها المقدار المتيقّن ممّا يجوز المسح عليه من مقدّم الرأس.

الفرع الرابع : في كفاية مسمّى المسح

يكفي أن يكون مسح الرأس ببعضه حتّى يقال: انّه مسح على بعض رأسه، و الدليل عليه صحيحة زرارة قال:

«قلت لأبي جعفر عليه السلام : ألاتخبرني من أين علمت و قلت، أنّ المسح ببعض الرأس و بعض الرجلين؟ فضحك، فقال: يا زرارة، قاله رسول اللّه صلى الله عليه و آله، و نزل به الكتاب من اللّه عزّوجلّ؛ لأنّ اللّه عزّوجلّ قال: «فاغسلوا وجوهكم»، فعرفنا أنّ الوجه كلّه ينبغي أن يغسل، ثمّ قال: «و أيديكم الى المرافق» فوصل اليدين الى المرفقين بالوجه،


1) - التنقيح في شرح العروة 5: 116 و 117.

2) - نفس المصدر: 118 و 119.

فعرفنا أنّه ينبغي لهما أن يغسلا الى المرفقين، ثمّ فصل بين الكلام فقال: «و امسحوا برؤوسكم» فعرفنا حين قال: «برؤوسكم»، أنّ المسح ببعض الرأس لمكان الباء، ثمّ وصل الرجلين بالرأس، كما وصل اليدين بالوجه فقال: «و أرجلكم الى الكعبين»، فعرفنا حين وصلهما بالرأس أنّ المسح على بعضهما ثمّ فسّر ذلك رسول اللّه صلى الله عليه و آله للناس فضيّعوه، الحديث».(1)

و صحيحة زرارة و بكير بن أعين عن أبي جعفر عليه السلام (في حديث):

«و اذا مسحت بشيء من رأسك، أو بشيء من قدميك ما بين كعبيك الى أطراف الأصابع، فقد أجزأك».(2)

و مرسلة حمّاد بن عيسى عن أحدهما عليهماالسلام في رجل يتوضّأ و عليه العمامة قال:

«يرفع العمامة بقدر ما يدخل اصبعه فيمسح على مقدّم رأسه».(3)

و رواية الحسين قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : رجل توضّأ و هو معتمّ فثقل عليه نزع العمامة لمكان البرد؟ فقال: ليدخل اصبعه».(4)

و الأفضل أن يكون المسح بمقدار ثلاث أصابع؛ و ذلك للجمع بين روايتي حمّاد و الحسين و صحيحة زرارة قال:

«قال أبو جعفر عليه السلام : المرأة يجزيها من مسح الرأس أن تمسح مقدّمه قدر ثلاث أصابع، و لاتلقي عنها خمارها».(5)


1) - وسائل الشيعة 1: 412 / الباب 23 من أبواب الوضوء / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 1: 414 / الباب 23 من أبواب الوضوء / الحديث 4.

3) - وسائل الشيعة 1: 416 / الباب 24 من أبواب الوضوء / الحديث 1.

4) - وسائل الشيعة 1: 416 / الباب 24 من أبواب الوضوء / الحديث 2.

5) - وسائل الشيعة 1: 416 / الباب 24 من أبواب الوضوء / الحديث 3.

بل ظاهر صحيحتي زرارة المتقدّمتين آنفا.

قال في المدارك: «ما اختاره المصنّف (المحقّق صاحب الشرائع) من أنّ الواجب في المسح مسمّاه هو المشهور بين الأصحاب.

و قال الشيخ رحمه اللهفي النهاية: «و المسح بالرأس لايجوز أقلّ من ثلاثة أصابع مضمومة مع الاختيار، فان خاف البرد من كشف الرأس أجزأه مقدار اصبع واحدة».

و قال ابن بابويه رحمه الله في كتابه: «حدّ مسح الرأس أن يمسح بثلاث أصابع مضمومة من مقدّم الرأس»، و المعتمد الأوّل؛ لصحيحتي زرارة و مرسلة حمّاد. و احتجّ المخالف بقوله عليه السلام في صحيحة زرارة في: «المرأة يجزيها من مسح الرأس أن تمسح مقدّمه قدر ثلاث أصابع». و الاجزاء انّما يستعمل في أقلّ الواجب. و رواية معمّر بن عمر عن أبي جعفر عليه السلام قال: «يجزي في المسح على الرأس موضع ثلاث أصابع، و كذلك الرجل».

و الجمع بين الروايات يتحقّق امّا بتقييد الأخبار المتقدّمة بهذين الخبرين، أو بحملهما على الاستحباب، و المعتمد الثاني؛ لقوّة دلالة تلك الأخبار على الاكتفاء بالمسمّى مع مطابقتها لمقتضى الأصل و العمومات. انتهى ملخّصا».(1)

الفرع الخامس : في كون مسح الرأس من الأعلى الى الأسفل

قال في الشرائع: «و الأفضل مسح الرأس مقبلاً، و يكره مدبرا على الأشبه».(2)

و قال في المدارك: «الأصحّ جواز كلّ من الأمرين، أعني استقبال الوجه


1) - مدارك الأحكام 1: 207 - 209.

2) - شرائع الاسلام 1: 22.

بالمسح و استدباره به؛ لاطلاق الآية، و خصوص صحيحة حمّاد بن عثمان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: «لا بأس بمسح الوضوء مقبلاً و مدبرا».

و قال الشيخ في النهاية و الخلاف و المرتضى في الانتصار: «انّه لايجوز استقبال الشعر؛ لوقوع الخلاف فيه، فيجب فعل المتيقّن»، و هو ضعيف. و أمّا أفضليّة الاستقبال و كراهة الاستدبار فلم أقف فيهما على دليل يعتدّ به. و يظهر من المصنّف في المعتبر الاعتراف بذلك».(1)

و في الجواهر - في جواز النكس في مسح الرأس - قال: «على الأشبه بأصول المذهب و قواعده، و وفاقا للسرائر والمعتبر و النافع و المنتهى و المختلف و التحريرو الارشاد و القواعد و الألفيّة و جامع المقاصد و الروضة و غيرها على اختلاف فيها لايقدح في أصل جواز النكس، و هو قضيّة اطلاق الهداية و الجمل والعقود و الارشاد و المراسم و غيرها، و المنقول عن الاصباح و المبسوط و ابن أبي عقيل و الشهيد في البيان و المقداد في التنقيح و غيرهم.

و لعلّه لذا قال في الحدائق: «انّه المشهور»، و قيل: لايجوز النكس، كما هو خيرة الصدوق في الفقيه و المرتضى في الانتصار و الشيخين في المقنعة و الخلاف و ظاهر التهذيب بل صريحه، و هو المنقول عن ظاهر النهاية و صريح الوسيلة، و اختاره الشهيد في ظاهر الدروس، و نسبه فيها الى الشهرة بين الأصحاب، و في الانتصار و الذكرى الى الأكثر، و في الخلاف الاجماع عليه، و في المختلف «انّ المرتضى ادّعى الاجماع فيه في الانتصار»

الى أن قال: و أمّا الصحيحة فممّا يضعّف الاحتجاج بها أنّه رواه الشيخ في مقام آخر بهذا السند أنّه: «لا بأس بمسح القدمين مقبلاً و مدبرا»، و من المستبعد جدّا


1) - مدارك الأحكام 1: 214.

تعدّدها. - الى أن قال: - فقد ظهر من ذلك كلّه أنّ القول بعدم الجواز لايخلو من قوّة و ان كان الأوّل أقوى».(1)

أقول:

انّ الظاهر من الكتاب و الروايات الحاكية لوضوء رسول اللّه صلى الله عليه و آله هو مسح الرأس من الأعلى الى الأسفل و يستفاد هذا الظاهر من العرف لأنّه اذا قال اللّه تبارك و تعالى: «و امسحوا برؤوسكم»، يفهم العرف أنّ المسح من الأعلى الى الأسفل اقتضاءً للعادة، مضافا الى أنّه عادة المتشرّعة في كلّ زمان. و أمّا صحيحة حمّاد بن عثمان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«لا بأس بمسح الوضوء مقبلاً و مدبرا».(2)

لو كان الدليل منحصرا بها فلم يكن لنا بدّ الاّ القول بجواز نكس مسح الرأس و الرجل كليهما. الاّ أنّ هناك صحيحة أخرى بهذا السند - عن التهذيب أيضا - عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«لا بأس بمسح القدمين مقبلاً و مدبرا».(3)

فان كانتا روايتين وردتا عن الامام عليه السلام فتكون الرواية الثانية مقيّدة للأولى. و ان كانتا رواية واحدة اشتبه على الراوي كلام الامام عليه السلام فتكونا مجملتين، فيبقى ما قلنا من ظهور المسح من الأعلى الى الأسفل.

فالحاصل من هذا الكلام و ما ذهب اليه المشهور من الفقهاء أنّ الأحوط أن يكون مسح الرأس من الأعلى الى الأسفل.


1) - جواهر الكلام 2: 195 و 197.

2) - وسائل الشيعة 1: 406 / الباب 20 من أبواب الوضوء / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 1: 406 / الباب 20 من أبواب الوضوء / الحديث 2.

الفرع السادس : في المسح على الشعر النابت في المقدّم

لايجب المسح على البشرة فيجوز أن يمسح على الشعر النابت في المقدّم. ففي الشرائع: «و يجوز المسح على الشعر المختصّ بالمقدّم و على البشرة».(1)

و قال في الجواهر: «بلا خلاف أجده بين الاماميّة، بل ظاهر المعتبر و صريح المدارك و الحدائق و غيرهما كما عن ظاهر التذكرة دعوى الاجماع عليه».(2)

و يدلّ على ذلك ظهور الكتاب و السنّة، بمعنى أنّه اذا قال تبارك و تعالى: «و امسحوا برؤوسكم»، فمع كون الرأس ذاشعر فيستفاد منه العرف جواز كون المسح على الشعر النابت عليه. و كذلك الروايات الواردة في ذلك.

قال في المدارك: «هذا الحكم ثابت باجماعنا، و يدلّ عليه روايات كثيرة كصحيحة محمّد بن مسلم عن الصادق عليه السلام قال: «مسح الرأس على مقدّمه»، و هو شامل للشعر و البشرة. و حسنة زرارة عن الباقر عليه السلام ، حيث قال فيها: «و تمسح ببلّة يمناك ناصيتك»، و هي صادقة على الشعر و البشرة أيضا».(3)

و لكن يشترط في المسح أن لايتجاوز بمدّه عن حدّ الرأس، فلايجوز المسح على المقدار المتجاوز و ان كان مجتمعا في الناصية، و كذا لايجوز على النابت في غير المقدّم و ان كان واقعا على المقدّم؛ كلّ ذلك لعدم صدق المسح على مقدّم الرأس.

قال في الجواهر: «فلو جمع عليه شعرا من غيره أو خرج شعره باسترساله عن حدّه و مسح لم يجز المسح عليه في كلّ منها؛ لعدم صدق مسح المقدّم فيهما لغة و


1) - شرائع الاسلام 1: 22.

2) - جواهر الكلام 2: 202.

3) - مدارك الأحكام 1: 215.

عرفا، بل الأوّل حاجب كغيره من الحواجب، فيشمله ما دلّ على عدم الاجتزاء بمسحه من الاجماع و غيره. و عدم صدق المقدّم و الناصية واضح، و لذا صرّح جمع الأصحاب بكلّ من الحكمين من غير تردّد، بل هو ظاهر غيرهم، بل لا خلاف أجده فيهما، بل في كشف اللثام الاتّفاق على الأوّل.

الى أن قال: و قال الشهيد في الذكرى بعد ذكره عدم جواز المسح على ما يخرج بالمدّ عن الحدّ: «و كذا لايجزي المسح على الجمة، و هي مجتمع شعر الناصية عند عقصه.

نعم، لو أدخل يده تحت الجمة و مسح بشرة الرأس أو أصل شعر الناصية أجزأ». و ظاهره أنّ الجمة ليس من الذي يخرج بالمدّ عن الحدّ، بل عدم الجواز فيه من جهة علوّها و ارتفاعها، و هو لايخلو من وجه، بل لعلّه يحمل عليه تصريح المصنّف و العلاّمة بعدم جواز المسح عليها».(1)

الفرع السابع : في المسح على الحائل

لايجوز المسح على الحائل من العمامة أو القناع أو غيرهما، و ان كان شيئا رقيقا لم يمنع عن وصول الرطوبة الى البشرة.

قال في الجواهر: «لايجوز المسح على العمامة أو غيرها ممّا يستر موضع المسح كالمقنعة و القلنسوة و نحوهما اجماعا محصّلاً و منقولاً على لسان جملة من الأساطين كالشيخ و المحقّق و العلاّمة و غيرهم.

و لا فرق في الحائل بين أن يكون ثخينا يمنع نفوذ الماء أو رقيقا لايمنع، خلافا للمنقول عن أبي حنيفة من تجويزه المسح على الثاني، و لا بين كونه لطوخا


1) - جواهر الكلام 2: 203.

كالحنّاء و نحوها و غيره كما صرّح به في المنتهى و التحرير في الذكرى و غيرها، بل هو قضيّة كلام كثير من الأصحاب، بل قد يظهر من كشف اللثام أنّه لا احتمال في الفرق بينه و بين غيره من الحواجب، بل لم أعثر فيه على مخالف من الأصحاب و ان كان قد يستفاد من الشهيد في الذكرى حيث نقل الاجماع على عدم الاجتزاء بالمسح على العمامة و الشهرة على الحنّاء وجود مخالف فيه».(1)

أقول:

يدلّ على عدم جواز المسح على الحائل مطلقا من الثخين و الرقيق و من كونه مثل الحنّاء و غيره مضافا الى ما ذكره في الجواهر من الاجماع قوله تعالى: «و امسحوا برؤوسكم و أرجلكم الى الكعبين»، فانّ الظاهر منه أنّ متعلّق المسح نفس الرأس و الرجل من دون حائل، و عدم صدق مسح الرأس لو مسح على الحائل. و كذا يدلّ عليه الروايات الحاكية لوضوء رسول اللّه صلى الله عليه و آله و لم يكن في شيء منها أنّه عليه السلام مسح على العمامة أو القناع.

و يدلّ عليه أيضا مرسلة حمّاد بن عيسى عن أحدهما عليهماالسلام ، في الرجل يتوضّأ و عليه العمامة قال:

«يرفع العمامة بقدر ما يدخل اصبعه فيمسح على مقدّم رأسه».(2)

و صحيحة زرارة قال:

«قال أبو جعفر عليه السلام : المرأة يجزيها من مسح الرأس أن تمسح مقدّمه قدر ثلاث أصابع، و لاتلقي عنها خمارها».(3)


1) - جواهر الكلام 2: 204.

2) - وسائل الشيعة 1: 416 / الباب 24 من أبواب الوضوء / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 1: 416 / الباب 24 من أبواب الوضوء / الحديث 3.

و صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام :

«أنّه سئل عن المسح على الخفّين و على العمامة؟ قال: لاتمسح عليهما».(1)

و مرفوعة محمّد بن يحيى عن أبي عبداللّه عليه السلام في الذي يخضب رأسه بالحنّاء ثمّ يبدو له في الوضوء قال:

«لايجوز حتّى يصيب بشرة رأسه بالماء».(2)

و لاتعارضها صحيحة عمر بن يزيد قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يخضب رأسه بالحنّاء ثمّ يبدو له في الوضوء؟ قال: يمسح فوق الحنّاء».(3)

و صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي عبداللّه عليه السلام ، في الرجل يحلق رأسه ثمّ يطليه بالحنّاء ثمّ يتوضّأ للصلاة، فقال:

«لا بأس بأن يمسح رأسه و الحنّاء عليه».(4)

لأنّهما تحملان على التقيّة أو الضرورة، كما يؤيّد الضرورة رواية الحسن بن علي الوشّاء قال:

«سألت أبا الحسن عليه السلام عن الدواء اذا كان على يدي الرجل، أيجزيه أن يمسح على طلا الدواء؟ فقال:نعم، يجزيه أن يمسح عليه».(5)


1) - وسائل الشيعة 1: 459 / الباب 38 من أبواب الوضوء / الحديث 8.

2) - وسائل الشيعة 1: 455 / الباب 37 من أبواب الوضوء / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 1: 455 / الباب 37 من أبواب الوضوء / الحديث 3.

4) - وسائل الشيعة 1: 456 / الباب 37 من أبواب الوضوء / الحديث 4.

5) - وسائل الشيعة 1: 455 / الباب 37 من أبواب الوضوء / الحديث 2.

الفرع الثامن : في كون المسح بباطن الكفّ اليمنى

يجب أن يكون المسح بباطن الكفّ اليمنى؛ يدلّ على ذلك الروايات الحاكية عن وضوء رسول اللّه صلى الله عليه و آله كما في ذيل صحيحة زرارة و بكير عن أبي جعفر عليه السلام :

« ... ثمّ مسح رأسه، و قدميه، ببلل كفّه، الحديث».(1)

و ذيل صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام :

« ... و تمسح ببلّة يمناك ناصيتك، الحديث».(2)

قال في المستمسك: «أمّا أنّه باليد ففي الحدائق حكاية دعوى الاتّفاق عليه من جملة من أصحابنا، و في طهارة شيخنا الأعظم نفي الخلاف فيه نصّا و فتوى. و أمّا أنّه بالكفّ فهو المحكي عن جماعة، و الموجود في جملة من الأخبار البيانيّة، و الغالب المتعارف، الاّ أنّ في كفاية هذا المقدار في رفع اليد عن الاطلاقات تأمّلاً ظاهرا. الاّ أنّي لايحضرني قائل بعدم وجوبه. و أمّا أنّه بباطن الكفّ فهو المتبادر؛ للغلبة. لكن يقع الاشكال في قدح مثل هذا التبادر في الاطلاق. و كأنّه لذلك كان ظاهر الشهيد في محكي ذكراه عدم الوجوب حيث قال: «و الظاهر أنّ باطن اليد أولى»، و عن الغنية الأفضل أن يكون بباطن الكفّين».(3)

أقول:

ظاهر الأمر بالمسح على الرأس هو باطن الكفّ، و لو لم يقبل و قيل باطلاق الروايات فانّها مخصّصة بصحيحة زرارة المذكورة آنفا من قوله عليه السلام : «و تمسح ببلّة يمناك ناصيتك». كما أنّ الظاهر من هذه الرواية وجوب كون مسح الرأس باليد


1) - وسائل الشيعة 1: 388 / الباب 15 من أبواب الوضوء / الحديث 3.

2) - وسائل الشيعة 1: 388 / الباب 15 من أبواب الوضوء / الحديث 2.

3) - مستمسك العروة 2: 371.

اليمنى، مضافا الى أنّها الظاهر من الروايات؛ فانّه المتعارف و المتبادر منها.

قال في المستمسك: «ففي مسح الرأس باليد اليمنى قولان: الوجوب، كما عن الاسكافي. و يساعده صحيح زرارة: «و تمسح ببلّة يمناك ناصيتك». و الاستحباب، كما عن المشهور، بل في الحدائق: «ظاهرهم الاتّفاق عليه». و يساعده اطلاق الأدلّة. لكنّه مقيّد بالصحيح؛ لما عرفت من أنّ احتمال عطف «تمسح» على فاعل «يجزي» خلاف الظاهر».(1)

أقول:

مراد السيّد الحكيم رحمه الله يتّضح بذكر تمام كلام الامام عليه السلام عن زرارة قال:

« ... و قال أبوجعفر عليه السلام :انّ اللّه وتر، يحبّ الوتر، فقد يجزيك من الوضوء ثلاث غرفات: واحدة للوجه، و اثنتان للذراعين، و تمسح ببلّة يمناك ناصيتك و ما بقي من بلّة يمينك ظهر قدمك اليمنى، و تمسح ببلّة يسارك ظهر قدمك اليسرى، الحديث».(2)

(مسألة 24): في مسح الرأس لا فرق بين أن يكون طولاً أو عرضا أو منحرفا.

قد تقدّم في الفرع الخامس أنّ مسح الرأس من الأعلى الى الأسفل ان لم يكن واجبا فهو الأحوط. و تقدّم الدليل على ذلك.


1) - مستمسك العروة 2: 371 و 372.

2) - وسائل الشيعة 1: 388 / الباب 15 من أبواب الوضوء / الحديث 2.

«الرابع»: مسح الرجلين
اشارة

«الرابع»: مسح الرجلين من رؤوس الأصابع الى الكعبين، و هما قبّتا القدمين على المشهور، و المفصل بين الساق و القدم على قول بعضهم، و هو الأحوط، و يكفي المسمّى عرضا و لو بعرض اصبع أو أقلّ، و الأفضل أن يكون بمقدار عرض ثلاث أصابع، و أفضل من ذلك مسح تمام ظهر القدم، و يجزي الابتداء بالأصابع و بالكعبين، و الأحوط الأوّل كما أنّ الأحوط تقديم الرجل اليمنى على اليسرى، و ان كان الأقوى جواز مسحهما معا. نعم، لايقدّم اليسرى على اليمنى و الأحوط أن يكون مسح اليمنى باليمنى، و اليسرى باليسرى، و ان كان لايبعد جواز مسح كليهما بكلّ منهما، و ان كان شعر على ظاهر القدمين فالأحوط الجمع بينه و بين البشرة في المسح، و يجب ازالة الموانع و الحواجب و اليقين بوصول الرطوبة الى البشرة، و لايكفي الظنّ، و من قطع بعض قدمه مسح على الباقي و يسقط مع قطع تمامه.

الشرح:

في المسألة فروع:

الفرع الأوّل : في عدم اجزاء الغسل

قال في الجواهر: «من فروض الوضوء مسح الرجلين اجماعا عند الاماميّة محصّلاً و منقولاً، بل هو من ضروريّات مذهبهم، و أخبارهم به متواترة، بل في الانتصار أنّها أكثر من عدد الرمل و الحصى، بل و رواه مخالفوهم أيضا عن أميرالمؤمنين عليه السلام و أنّه قال: «ما نزل القرآن الاّ بالمسح».

و عن أوس بن أبي أوس الثقفي أنّه «رأى النبي صلى الله عليه و آله أتى كظامة قوم بالطائف، فتوضّأ و مسح على قدميه». بل هو المنقول عن جماعة من الصحابة و التابعين و

الفقهاء كابن عبّاس و عكرمة و أنس و أبي الغالبة و الشعبي.

و عن أبي الحسن البصري و ابن جرير الطبري و أبي علي الجبائي التخيير بين المسح و الغسل، و عن داود يجب الغسل و المسح معا، و نحوه عن الناصر الزائدي، و باقي الفقهاء على ايجاب الغسل فقط.

لنا مضافا الى ما سمعت من الأخبار المرويّة من طرقهم قوله تعالى: «فاغسلوا وجوهكم و أيديكم الى المرافق، و امسحوا برؤوسكم و أرجلكم الى الكعبين»(1)بالجرّ في قراءة ابن كثير و أبي عمرو و حمزة، و في رواية أبي بكر عن عاصم، بل قيل: انّها مجمع عليها، و انّها هي القراءة المنزلة، بخلاف قراءة النصب فانّها مختلف فيها.

و يؤيّده خبر غالب بن الهذيل من طريق الأصحاب قال: «سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول اللّه عزّوجلّ: «و امسحوا برؤوسكم و أرجلكم»، على الخفض هي أم على النصب؟ قال: بل هي على الخفض».

على أنّه لو سلّمنا قراءة النصب كما نقلت عن نافع و ابن عامر و الكسائي، و في رواية حفص عن عاصم فهي غير منافية لها؛ لحمل الأولى على العطف على اللفظ، و الثانية على المحلّ.

و دعوى أنّه ليس أولى من جعلها في النصب معطوفة على لفظ الأيدي، و حمل قراءة الجرّ على جرّ المجاورة، كما في قولهم (هذا جحر ضبّ خرب).

يدفعه أنّ العطف على المحلّ أولى؛ للقرب و للفصل و للاخلال بالفصاحة من الانتقال عن جملة الى أخرى أجنبيّة قبل تمام الغرض، بل فيه اغراء بالجهل، و منافاة للغرض، مع أنّه يقتضي حمل قراءة الجرّ على المجاورة كما اعترف به في السؤال، و الاّ يحصل التنافي بين القراءتين، و هو غير جائز، و ارتكاب ايجاب الجمع بين الغسل و المسح كما قال به داود فهو مع عدم وضوح ترتّبه على ذلك


1) - المائدة 5: 6.

قد استقرّ الاجماع على خلافه كما قيل، كاحتمال القول بالتخيير بينهما، فلم يبق الاّ التزام جرّ المجاورة، و هو - مع ما عن محقّقي النحويين منعه، و تأويل جميع ما يتخيّل فيه ذلك، بأن يراد (مثلاً بخرب) في قولهم (هذا جحر ضبّ خرب) صفة مشبّهة أي خرب جحره، و نحوه غيره.

و عن بعض التصريح بعدم جواز وقوعه في الكلام الفصيح، و أنّه شاذّ يقتصر فيه على بعض الألفاظ المسموعة - مشروط بعدم وجود حرف العطف؛ لانتفاء المجاورة معه، و عدم اللبس كما في المثال، بخلاف ما نحن فيه.

و قال بعضهم بأنّ المراد بالمسح هنا الغسل لاشتماله عليه. و يدفعه التباين بين الحقيقتين لغة و عرفا و شرعا، و مجرّد الاشتمال عليه لايوجب صدق الاسم عليه. و عن آخرين حمل قراءة الجرّ على طهارة ذيالخفّين فالتزموا بالتعبير عن الخفّ بالرجل، و هو أشنع من الأوّل، و لقد أطال أصحابنا رحمهم الله في البحث معهم بذلك، لكنّه كما قيل:

لقد أسمعت لو ناديت حيّا *** ولكن لا حياة لمن تنادي

انتهى ملخّصا».(1)

و لقد ذكرناه بطوله؛ لما فيه من فوائد لايخفى على المتأمّل، شكّر اللّه سعيه و سعي من يدافع عن القرآن و العترة.

و يدلّ عليه - مضافا الى الكتاب و الروايات المتقدّمة المذكورة في الجواهر، و الاجماع - صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:

«و ذكر المسح فقال: امسح على مقدّم رأسك، و امسح على القدمين، و ابدأ بالشقّ الأيمن».(2)

و رواية محمّد بن مروان قال:


1) - جواهر الكلام 2: 206 - 208.

2) - وسائل الشيعة 1: 418 / الباب 25 من أبواب الوضوء / الحديث 1.

«قال أبو عبداللّه عليه السلام : انّه يأتي على الرجل ستّون و سبعون سنة ما قبل اللّه منه صلاة، قلت: كيف ذاك؟ قال: لأنّه يغسل ما أمر اللّه بمسحه».(1)

و رواية سالم و غالب بن هذيل قال:

«سألت أبا جعفر عليه السلام عن المسح على الرجلين؟ فقال: هو الذي نزل به جبرئيل».(2)

و سيأتيك في الفروع الآتية روايات كثيرة و نذكر بعض ما فيها من المعارضة المحمولة على التقيّة.

الفرع الثاني : في مقدار المسح

يجب أن يكون مسح الرجلين من رؤوس الأصابع الى الكعبين و يدلّ على ذلك الروايات الواردة في الباب الخامس عشر من أبواب الوضوء للوسائل في حكاية وضوء رسول اللّه صلى الله عليه و آله كصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام :

« ... و مسح مقدّم رأسه، و ظهر قدميه، ببلّة يساره، و بقيّة بلّة يمناه. قال: و قال أبو جعفر عليه السلام : انّ اللّه وتر، يحبّ الوتر، فقد يجزيك من الوضوء ثلاث غرفات: واحدة للوجه، و اثنتان للذراعين، و تمسح ببلّة يمناك ناصيتك، و ما بقي من بلّة يمينك ظهر قدمك اليمنى، و تمسح ببلّة يسارك ظهر قدمك اليسرى، الحديث».(3)

و صحيحة عمر بن أذينة عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث طويل في وضوء


1) - وسائل الشيعة 1: 418 / الباب 25 من أبواب الوضوء / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 1: 419 / الباب 25 من أبواب الوضوء / الحديث 4.

3) - وسائل الشيعة 1: 388 / الباب 15 من أبواب الوضوء / الحديث 1.

رسول اللّه صلى الله عليه و آله ليلة المعراج):

« ... ثمّ امسح رأسك بفضل ما بقي في يدك من الماء، و رجليك الى كعبيك، فانّي أبارك عليك، و أوطئك موطئا لم يطأه أحد غيرك».(1)

و في صحاح زرارة و محمّد بن مسلم و أبي عبيدة الحذّاء و ميسّر كلّها بهذا المضمون:

« ... ثمّ مسح بما بقي في يده رأسه و رجليه».(2)

بتقريب أنّ الظاهر من مسح الرجلين أن يكون من الأصابع عادة و عرفا، أو يحمل الاطلاق على التقييد بظاهر الكتاب.

و صحيحة بكير و زرارة ابني أعين عن أبي جعفر عليه السلام :

« ... ثمّ مسح رأسه و قدميه الى الكعبين بفضل كفّيه، لم يجدّد ماءا».(3)

و روايتين رواهما علي بن موسى بن جعفر بن طاوس في كتاب الطرف عن موسى بن جعفر عن أبيه عليهماالسلام :

« ... و مسح الرأس، و مسح الرجلين الى الكعبين، الحديث».(4)

قال في الجواهر: «ثمّ انّه يجب المسح عندنا على ظاهر القدمين من رؤوس الأصابع الى الكعبين لا باطنهما، و لا الظاهر و الباطن، كما نصّ عليه في المقنعة و الاشارة و المراسم و السرائر و غيرها، و عن الغنية و الكافي، بل هو ظاهر أو صريح تحديد العبارة و غيرها من عبارات الأصحاب التي منها معقد اجماع، بل نقل الاجماع عليه في كشف اللثام، كما عن صريح شرح الدروس و الرياض و


1) - وسائل الشيعة 1: 390 / الباب 15 من أبواب الوضوء / الحديث 5.

2) - وسائل الشيعة 1: 390 و 391 / الباب 15 من أبواب الوضوء / الأحاديث 6، 7، 8 و 9.

3) - وسائل الشيعة 1: 392 / الباب 15 من أبواب الوضوء / الحديث 11.

4) - وسائل الشيعة 1: 400 / الباب 15 من أبواب الوضوء / الحديثان 25 و 26.

ظاهر الغنية أيضا، و يدلّ عليه - مضافا الى ذلك و الى ما في صريح جملة من الوضوءات البيانيّة و ظاهر الآية و الأخبار المشتملة على نحو تحديد العبارة - قول أميرالمؤمنين عليه السلام : «لولا انّي رأيت رسول اللّه صلى الله عليه و آله يمسح ظاهر قدميه لظننت أنّ باطنهما أولى بالمسح من ظاهرهما».».(1)

و لاتعارض الروايات المتقدّمة و الاجماع، مرفوعة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام ، في مسح القدمين و مسح الرأس فقال:

«مسح الرأس واحدة، من مقدّم الرأس و مؤخّره، و مسح القدمين ظاهرهما و باطنهما».(2)

و رواية سماعة بن مهران عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«اذا توضّأت فامسح قدميك ظاهرهما و باطنهما، ثمّ قال: هكذا، فوضع يده على الكعب و ضرب الأخرى على باطن قدميه، ثمّ مسحهما الى الأصابع».(3)

و رواية أيّوب بن نوح قال:

«كتبت الى أبي الحسن عليه السلام أسأله عن المسح على القدمين؟ فقال:

الوضوء بالمسح، و لايجب فيه الاّ ذاك، و من غسل فلا بأس».(4)

و موثّقة عمّار بن موسى عن أبي عبداللّه عليه السلام في الرجل يتوضّأ الوضوء كلّه الاّ رجليه، ثمّ يخوض بهما الماء خوضا؟ قال:

«أجزأه ذلك».(5)

و رواية زيد بن علي عن آبائه عن علي عليه السلام قال:


1) - جواهر الكلام 2: 208 و 209.

2) - وسائل الشيعة 1: 415 / الباب 23 من أبواب الوضوء / الحديث 7.

3) - وسائل الشيعة 1: 415 / الباب 23 من أبواب الوضوء / الحديث 6.

4) - وسائل الشيعة 1: 421 / الباب 25 من أبواب الوضوء / الحديث 13.

5) - وسائل الشيعة 1: 421 / الباب 25 من أبواب الوضوء / الحديث 14.

«جلست أتوضّأ فأقبل رسول اللّه صلى الله عليه و آله حين ابتدأت في الوضوء، فقال لي: تمضمض و استنشق و استنّ، ثمّ غسلت وجهي ثلاثا فقال: قد يجزيك من ذلك المرّتان، قال: فغسلت ذراعي و مسحت برأسي مرّتين، فقال: قد يجزيك من ذلك المرّة، و غسلت قدمي، قال: فقال لي: يا علي، خلّل بين الأصابع لاتخلّل بالنار».(1)

لأنّها كلّها ضعيفة السند، و موثّقة عمّار أربعة رواة منها فطحي المذهب، و لو صدرت أو بعضها عن الامام عليه السلام تحمل على التقيّة.

قال في الجواهر: «ثمّ انّ ظاهر عبارة المصنّف كظاهر الهداية و الجمل و العقود و الاشارة و الخلاف و المراسم و النافع و القواعد و التحرير و الارشاد و المختلف و الدروس كما عن الغنية و المهذّب و الوسيلة و الكافي ايجاب استيعاب الطولي (أي من رؤوس الأصابع الى الكعبين)؛ لظهور حرفي الخفض في ابتداء الفعل و انتهائه، لا في تحديد الممسوح، - الى أن قال: - قال في الانتصار: «ممّا انفردت به الاماميّة القول بأنّ مسح الرجلين من أطراف الأصابع الى الكعبين، و الدليل على صحّة هذا المذهب الاجماع مضافا الى الاجماع الذي تقدّم ذكره أنّ كلّ من أوجب من الأمّة في الرجلين المسح دون غيره يوجبه على الصفة التي ذكرناها». و قال في المنتهى: «لايجب استيعاب الرجلين بل الواجب من رؤوس الأصابع الى الكعبين و لو باصبع واحدة، و هو مذهب علمائنا أجمع». و عن التنقيح: «أمّا وجوب المسح الى الكعبين فباجماع علماء أهل البيت». و في الذكرى: «انّ عليه عمل الأصحاب»، فما يظهر من بعض متأخّري المتأخّرين من الميل الى عدم وجوبه ليس في محلّه».(2)


1) - وسائل الشيعة 1: 421 / الباب 25 من أبواب الوضوء / الحديث 15.

2) - جواهر الكلام 2: 210.

الفرع الثالث : في أنّ الكعبين هما قبّتا القدمين

قال في المدارك: «ما ذكره المصنّف رحمه الله في تفسير الكعبين من أنّهما قبّتا القدمين هو المعروف من مذهب الأصحاب، و نقل عليه المرتضى رحمه اللهفي

الانتصار، و الشيخ في الخلاف الاجماع. و قال في المعتبر: «انّه مذهب فقهاء أهل البيت». و احتجّ عليه من طريق الأصحاب بما رواه زرارة و بكير ابنا أعين في الصحيح عن أبي جعفر عليه السلام : «أنّهما قالا له: أصلحك اللّه فأين الكعبان؟ قال: ها هنا، يعني المفصل دون عظم الساق». و هذه الرواية لاتدلّ على ما ذكره صريحا. و الظاهر أنّه رحمه الله انّما احتجّ بها على ابطال ما ذهب اليه العامّة من أنّ الكعبين هما العقدتان اللتان في أسفل الساقين. و الأجود الاستدلال عليه مضافا الى الاجماع و نصّ أهل اللغة بالروايات الواردة في أنّ الكعب واقع في ظهر القدم. انتهى ملخّصا».(1)

و يدلّ على أنّ الكعبين هما قبّتا القدمين، صحيحة أحمد بن محمّد بن أبي نصر عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال:

«سألته عن المسح على القدمين كيف هو؟ فوضع كفّه على الأصابع فمسحها الى الكعبين الى ظاهر القدم، الحديث».(2)

و حسنة ميسّر عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«الوضوء واحد، و وصف الكعب في ظهر القدم».(3)

و حسنة أخرى للميسّر عن أبي جعفر عليه السلام (في حديث) قال:

« ... ثمّ وضع يده على ظهر القدم، ثمّ قال: هذا هو الكعب، قال: و أومأ


1) - مدارك الأحكام 1: 216 و 217.

2) - وسائل الشيعة 1: 417 / الباب 24 من أبواب الوضوء / الحديث 4.

3) - وسائل الشيعة 1: 435 / الباب 31 من أبواب الوضوء / الحديث 1.

بيده الى أسفل العرقوب(1)، ثمّ قال: انّ هذا هو الظنبوب(2)».(3)

و يؤيّده الرواية الواردة بالمسح على النعلين من دون استبطان الشراك، ففي صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام :

«انّ عليّا عليه السلام مسح على النعلين و لم يستبطن الشراكين».(4)

قال في المدارك: «يعني اذا كانا عربيّين؛ لأنّهما لايمنعان وصول الماء الى الرجل بقدر ما يجب فيه عليه».(5)

ثمّ انّ الظاهر أنّ قبّتي القدمين داخلتان في مسح الرجلين؛ فانّه ظاهر الروايات المتقدّمة و ظاهر الكتاب - بناءً على أنّ «الى» بمعنى مع، و أنّها بيان للمحدود - و

الروايات الواردة لبيان الابتداء و الانتهاء.

و لايعارضها ذيل صحيحة زرارة و بكير عن أبي جعفر عليه السلام :

« ... ثمّ قال: «و امسحوا برؤوسكم و أرجلكم الى الكعبين» فاذا مسح بشيء من رأسه، أو بشيء من قدميه، ما بين الكعبين الى أطراف الأصابع فقد أجزأه».(6)

لأنّ المستفاد من الرواية هنا عرفا أنّ القبّتين داخلتان؛ و ذلك لضيق سعته، و هذا بخلاف «ثمّ أتمّوا الصيام الى الليل»(7)لأنّ الليل موسّع فيدخل جزء منه في المغيّى بخلاف القبّتين.


1) - العرقوب: العصب الغليظ فوق العقب.

2) - الظنبوب: العظم اليابس من قدم الساق.

3) - وسائل الشيعة 1: 391 / الباب 15 من أبواب الوضوء / الحديث 9.

4) - وسائل الشيعة 1: 418 / الباب 24 من أبواب الوضوء / الحديث 6.

5) - مدارك الأحكام 1: 218.

6) - وسائل الشيعة 1: 389 / الباب 15 من أبواب الوضوء / الحديث 3.

7) - البقرة 2: 187.

الفرع الرابع : في أنّه يكفي المسمّى عرضا في المسح

يدلّ على ذلك صحيحة زرارة و بكير ابني أعين المتقدّمة آنفا في قوله عليه السلام :

« ... فاذا مسح بشيء من رأسه، أو بشيء من قدميه، ما بين الكعبين الى أطراف الأصابع فقد أجزأه».

و قوله عليه السلام في صحيحة زرارة:

« ... فعرفنا حين قال: «برؤوسكم» أنّ المسح ببعض الرأس لمكان الباء، ثمّ وصل الرجلين بالرأس كما وصل اليدين بالوجه، فقال: «و أرجلكم الى الكعبين» فعرفنا حين وصلهما بالرأس أنّ المسح على بعضهما، الحديث».(1)

و لذلك تحمل صحيحة البزنطي على الاستحباب، ففي صحيحة أحمد بن محمّد بن أبي نصر عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال:

«سألته عن المسح على القدمين كيف هو؟ فوضع كفّه على الأصابع فمسحها الى الكعبين الى ظاهر القدم، فقلت: جعلت فداك، لو أنّ رجلاً قال باصبعين من أصابعه هكذا؟ فقال: لا، الاّ بكفّه كلّها».(2)

و كذلك رواية معمّر بن عمر عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«يجزي من المسح على الرأس موضع ثلاث أصابع، و كذلك الرجل».(3)

قال في المستمسك: «و يكفي المسمّى عرضا، على المشهور بين الأصحاب شهرة كادت تكون اجماعا. بل في محكي المنتهى: «لايجب استيعاب الرجلين


1) - وسائل الشيعة 1: 412 / الباب 23 من أبواب الوضوء / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 1: 417 / الباب 24 من أبواب الوضوء / الحديث 4.

3) - وسائل الشيعة 1: 417 / الباب 24 من أبواب الوضوء / الحديث 5.

بالمسح، بل الواجب من رؤوس الأصابع الى الكعبين و لو باصبع واحدة. و هو مذهب علمائنا أجمع»، و نسبه في محكي التذكرة الى فقهاء أهل البيت عليهم السلام و عن المعتبر دعوى الاجماع على مثل ذلك».(1)

قال في التنقيح: «هذا هو المعروف بين أصحابنا قدس سرهم و عن الصدوق في الفقيه وجوب المسح على جميع الأصابع بمقدار الكفّ، و اليه مال المحقّق الأردبيلي رحمه الله فيما حكي عنه و عن المفاتيح أنّه لولا الاجماع لجزمنا به، و نسب الى ظاهر النهاية و المقنعة وجوب المسح بمقدار عرض اصبع واحدة. و عن الاشارة و الغنية أنّ الأقلّ اصبعان. و عن بعضهم لزوم كون المسح بمقدار ثلاث أصابع، هذه هي أقوال المسألة».(2)

ثمّ شرع رحمه الله في ذكر الدليل لهذه الأقوال و ردّها، ثمّ قال: «و مع ذلك كلّه الصحيح ما ذهب اليه المشهور في المسألة من كفاية المسمّى في مسح ظاهر الرجلين بحسب العرض».(3)

و قال في موضع آخر من الوجوه التي أقامها على ما ذهب اليه المشهور: «السيرة المتحقّقة بين المتشرّعة، فانّها حجّة ممضاة من غير نقاش، و السرّ في ذلك ظاهر، فانّ المكلّف يبتلى بالوضوء في كلّ يوم ثلاث مرّات - على الأقلّ - فلو كان الاستيعاب في مسح الرجلين واجبا في مثله كما ادّعاه الصدوق قدس سره لظهر و بان، و لكان ذلك من الأمور الواضحة عندهم، فالتسالم القطعي بين أصحابنا قدس سرهم كاشف قطعي عن عدم وجوب الاستيعاب في مسح الرجلين. انتهى ملخّصا».(4)


1) - مستمسك العروة 2: 380.

2) - التنقيح في شرح العروة 5: 152 و 153.

3) - نفس المصدر: 158.

4) - نفس المصدر: 161.

الفرع الخامس : في مسح الرجلين منكوسا

قال في الجواهر: «و الأقوى أنّه يجوز منكوسا بأن يمسح من الكعب الى رؤوس الأصابع كما هو خيرة التهذيب و الاستبصار و الاشارة و المراسم و المعتبر و النافع و القواعد و التحرير و الارشاد و المختلف و المنتهى و التنقيح و جامع المقاصد و الروضة و غيرها من كتب المتأخّرين، و عن المبسوط و النهاية و المهذّب و الجامع و الاصباح، و حكي عن الحسن بل في الذكرى و غيرها أنّه المشهور؛ لاطلاق الأمر بالمسح.

الى أن قال: و قيل لايجوز النكس كما هو ظاهر الفقيه و المقنعة و الانتصار و صريح السرائر و عن ظاهر أبي الصلاح و ابني حمزة و زهرة، و في الذكرى و الدروس أنّه أولى».(1)

يدلّ على عدم جواز النكس أوّلاً: ظهور «الى» بانتهاء المسح في قوله تعالى: «و امسحوا برؤوسكم و أرجلكم الى الكعبين»(2).

و ثانيا: التبادر من الوضوءات البيانيّة، مع ما في بعضها من المسح الى الكعبين، ففي رواية الأعمش عن جعفر بن محمّد عليه السلام قال:

«هذه شرائع الدين لمن أراد أن يتمسّك بها - الى أن قال: - و مسح الرأس و القدمين الى الكعبين، الحديث».(3)

و في ذيل صحيحة عمر بن أذينة عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث في وضوء رسول اللّه صلى الله عليه و آله لمّا أسري به الى السماء فيما أوحى اللّه اليه):


1) - جواهر الكلام 2: 224 و 225.

2) - المائدة 5: 6.

3) - وسائل الشيعة 1: 397 / الباب 15 من أبواب الوضوء / الحديث 18.

« ... ثمّ امسح رأسك بفضل ما بقي في يدك من الماء، و رجليك الى كعبيك، الحديث».(1)

و في ذيل صحيحة بكير و زرارة ابني أعين عن أبي جعفر عليه السلام عن وضوء رسول اللّه صلى الله عليه و آله:

« ... ثمّ مسح رأسه و قدميه الى الكعبين بفضل كفّيه، لم يجدّد ماءا».(2)

و ثلاث روايات رواها في الوسائل عن كشف الغمّة و عن كتاب الطرف لسيّد بن طاوس في وضوء رسول اللّه صلى الله عليه و آله، ففي الأولى:

« ... و مسح الرأس و الرجلين الى الكعبين».(3)

و في الثانية:

« ... و مسح الرجلين الى الكعبين، الحديث».(4)

و في الثالثة:

« ... و المسح على الرأس، و القدمين الى الكعبين، الحديث».(5)

و ثالثا: صحيحة أحمد بن محمّد بن أبي نصر عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال:

«سألته عن المسح على القدمين كيف هو؟ فوضع كفّه على الأصابع فمسحها الى الكعبين الى ظاهر القدم، فقلت: جعلت فداك، لو أنّ رجلاً قال باصبعين من أصابعه هكذا؟ فقال: لا، الاّ بكفّه كلّها».(6)

و رابعا: أنّ الشغل اليقيني يستدعي البراءة اليقينيّة و هي في المسح مقبلاً.


1) - وسائل الشيعة 1: 390 / الباب 15 من أبواب الوضوء / الحديث 5.

2) - وسائل الشيعة 1: 393 / الباب 15 من أبواب الوضوء / الحديث 11.

3) - وسائل الشيعة 1: 400 / الباب 15 من أبواب الوضوء / الحديث 24.

4) - وسائل الشيعة 1: 400 / الباب 15 من أبواب الوضوء / الحديث 25.

5) - وسائل الشيعة 1: 400 / الباب 15 من أبواب الوضوء / الحديث 26.

6) - وسائل الشيعة 1: 417 / الباب 24 من أبواب الوضوء / الحديث 4.

و استدلّ لجواز النكس بصحيحة حمّاد بن عثمان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«لا بأس بمسح الوضوء مقبلاً و مدبرا».(1)

و بصحيحة ثانية لحمّاد بن عثمان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«لا بأس بمسح القدمين مقبلاً و مدبرا».(2)

و صحيحة يونس قال:

«أخبرني من رأى أبا الحسن عليه السلام بمنى يمسح ظهر قدميه من أعلى القدم الى الكعب، و من الكعب الى أعلى القدم، يقول: الأمر في مسح الرجلين موسّع، من شاء مسح مقبلاً و من شاء مسح مدبرا، فانّه من الأمر الموسّع ان شاء اللّه».(3)

و الظاهر أنّ الصحيحتين لحمّاد بن عثمان واحدة قد رواها الشيخ في التهذيب و لو كانتا اثنتين، فتحمل الأولى على الثانية.

و أمّا الصحيحة الثالثة فمرسلة؛ لأنّ الذي أخبره بما رواه عن الرضا عليه السلام مجهول، مضافا الى اجمال العمل، الاّ أنّه قال في الجواهر: «و ما في سند الثالثة من الارسال منجبر بما سمعت من الشهرة، كما أنّه ينجبر به دلالتها لو سلّم عدم وضوحها في المطلوب؛ لعدم ظهورها في جواز المسح مدبرا مستقلاًّ، الى آخر ما قال من المناقشة في هذه الروايات».(4)

فبعد ذلك نقول لو لم يكن مسح الرجلين من الأصابع الى الكعبين أقوى فهو أحوط.


1) - وسائل الشيعة 1: 406 / الباب 20 من أبواب الوضوء / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 1: 406 / الباب 20 من أبواب الوضوء / الحديث 2.

3) - وسائل الشيعة 1: 407 / الباب 20 من أبواب الوضوء / الحديث 3.

4) - جواهر الكلام 2: 224.

الفرع السادس : في تقديم مسح اليمنى على اليسرى

يجب تقديم مسح الرجل اليمنى ببلّة يمينه على اليسرى ببلّة يساره؛ و الدليل على ذلك صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:

«و ذكر المسح فقال: امسح على مقدّم رأسك، و امسح على القدمين، و ابدأ بالشقّ الأيمن».(1)

و ذيل صحيحة زرارة، قال:

« ... و قال أبو جعفر عليه السلام - الى أن قال: - و تمسح ببلّة يمناك ناصيتك، و ما بقي من بلّة يمينك ظهر قدمك اليمنى، و تمسح ببلّة يسارك ظهر قدمك اليسرى، الحديث».(2)

و يؤيّدهما التوقيع الوارد عن صاحب الزمان عليه السلام ، أنّه كتب اليه يسأله عن المسح على الرجلين بأيّهما يبدأ، باليمين أو يمسح عليهما جميعا معا؟ فأجاب عليه السلام :

«يمسح عليهما جميعا معا، فان بدأ باحداهما قبل الأخرى فلايبدأ الاّ باليمين».(3)

قال في الجواهر: «و ليس بين الرجلين ترتيب، فيجوز مسح اليسرى قبل اليمنى، و مسحهما معا، كما هو خيرة المعتبر و المنتهى و التحرير و المختلف و الارشاد و القواعد و التنقيح و ظاهر المبسوط و الغنية و المهذّب و الوسيلة و الكافي و السرائر و التذكرة، بل في المختلف و الذكرى و كشف اللثام و غيرها أنّه


1) - وسائل الشيعة 1: 418 / الباب 25 من أبواب الوضوء / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 1: 388 / الباب 15 من أبواب الوضوء / الحديث 2.

3) - وسائل الشيعة 1: 450 / الباب 34 من أبواب الوضوء / الحديث 5.

المشهور، بل عن ابن ادريس في بعض الفتاوى لاأظنّ مخالفا منّا فيه، بل قد تشعر عبارة الغنية بالاجماع.

و يدلّ عليه مضافا الى ذلك اطلاق الكتاب و السنّة و ما يظهر من الوضوءات البيانيّة، فانّها على كثرتها و تعرّضها للترتيب في غيرهما كادت تكون صريحة في عدم وجوبه، و لأنّه لو وجب لكان ذلك شائعا؛ لعموم البلوى به و تكرّره في كلّ يوم كالترتيب في غيرهما.

و ظاهر الروضة وجوب الترتيب، و هو المحكي عن ابني الجنيد و أبي عقيل و علي بن بابويه، و في كشف اللثام أنّه يقتضيه اطلاق ابن سعيد وجوب تقديم اليمين على اليسار. و نحوه الشيخ في الخلاف، قال: «الترتيب واجب في الوضوء في الأعضاء كلّها، و يجب تقديم اليمنى على اليسرى - الى أن قال: - دليلنا الاجماع من الفرقة». و في الذكرى: «انّ العمل بالترتيب أحوط»، و في الدروس: «و لايجزي تقديم اليسرى على اليمنى و لا مسحهما معا احتياطا»، و قد ترجع اليه أيضا عبارة المقنعة. و يدلّ عليه - مضافا الى ظاهر اجماع الخلاف و الاحتياط - صحيحة محمّد بن مسلم. انتهى ملخّصا».(1)

قال في التنقيح: «ذهب جمع كثير من الأصحاب قدس سرهمالى عدم اعتبار الترتيب في مسح الرجلين، و أنّ للمتوضّي أن يمسحهما معا، كما له أن يمسح على اليسرى مقدّما على مسح اليمنى و بالعكس.

و ذهب جماعة آخرون من قدماء أصحابنا و متأخّريهم قدس سرهم الى اعتبار الترتيب بينهما و أنّه لا بدّ من تقديم مسح اليمنى على اليسرى، بل ادّعي على ذلك الاجماع في بعض الكلمات، و هذا القول و ان ذهب اليه جمع كثير الاّ أنّ القائل بالقول الأوّل أكثر فهو الأشهر و ذاك مشهور.


1) - جواهر الكلام 2: 226 - 228.

و التزم جماعة قليلون بالتخيير بين مسح الرجلين معا و مسح احداهما قبل الأخرى الاّ أنّه على تقدير عدم مسحهما معا يقدّم اليمنى على اليسرى كما اختاره الماتن قدس سره. هذه هي أقوال المسألة و منشأ الخلاف هو اختلاف الأنظار فيما يستفاد من الروايات».

ثمّ انّه رحمه الله بعد بيان أدلّة الأقوال، كما تقدّم منّا و في نقل كلام صاحب الجواهر قال: «انّه لا محذور في تقديم الصحيحة على كلّ من اطلاق الآية و الروايات؛ لأنّ القرآن لم يتعرّض للخصوصيّات المعتبرة في كلّ عبادة أو معاملة، بل انّما أوكل بيانها الى النبي صلى الله عليه و آله و أوصيائه عليهم السلام ، و كذا الروايات فانّها لم ترد لبيان الكيفيّات المعتبرة في المسح، فلا محذور في تقديم الصحيحة عليها.

و أمّا خبر الاحتجاج فهو ضعيف السند و تبقى الصحيحة خالية عن المعارض كما أنّ صحيحة زرارة تقيّد المطلقات فتكون مقيّدة بوجوب مسح الرجل اليمنى باليد اليمنى، و مسح الرجل اليسرى باليد اليسرى. انتهى ملخّصا».(1)

فكما قال السيّد الخوئي يجب مسح الرجل اليمنى باليد اليمنى و مسح الرجل اليسرى باليد اليسرى لقوله عليه السلام صحيحة زرارة المتقدّمة:

« ... و تمسح ببلّة يمناك ناصيتك، و ما بقي من بلّة يمينك ظهر قدمك اليمنى، و تمسح ببلّة يسارك ظهر قدمك اليسرى، الحديث».

الفرع السابع : في كون المسح على البشرة

قال الماتن رحمه الله: «و ان كان شعر على ظاهر القدمين فالأحوط الجمع بينه و بين البشرة في المسح».


1) - التنقيح في شرح العروة 5: 163 - 169.

قال في التنقيح: «و أمّا الشعر النابت على الرجلين، فقد وقع محلّ الخلاف بين الأعلام، فمنهم من ذهب الى عدم اجزاء مسح الشعر عن مسح البشرة فلا بدّ من مسح بشرتهما؛ نظرا الى أنّ كلمة الرجل موضوعة لنفس البشرة، و الشعر جسم خارجي قد ينبت على الرجلين و قد لاينبت، فالأمر بمسح الرجلين يقتضي وجوب مسح بشرتهما و عدم كفاية مسح الشعر عن مسحهما.

و منهم من قال بكفاية مسح الشعر عن مسح البشرة؛ لأنّه معدود من توابعهما و الأمر بمسحهما أمر بمسح التوابع لا محالة. و الماتن قدس سرهلمّا لم يرجّح أحد الأمرين على الآخر توقّف في المسألة و احتاط احتياطا لزوما بالجمع بين مسح كلّ من الشعر و البشرة. ولكنّ الظاهر أنّ مسح البشرة مجزئ على كلّ حال، و معه لا مجال لما صنعه الماتن قدس سره من الاحتياط بالجمع. انتهى ملخّصا».(1)

أقول:

الظاهر أنّ الأوامر الواردة في الكتاب و السنّة من الأمر بالمسح على الرجلين أو القدمين ينزّل على ما هو المتعارف بين الناس خلقة و من المعلوم أنّ نبت الشعر على القدم في أقدام الناس غير عادي، الاّ بعض الرجال فاذا كان الغالب بل الكلّ هكذا الاّ القليل فالأمر بالمسح يكون على البشرة، فينزّل غيرهم عليهم.

الفرع الثامن : في ازالة الموانع و اليقين بوصول الرطوبة الى البشرة

قال في الجواهر: «و يجب المسح على بشرة القدمين كما في القواعد و الارشاد و التحرير و الدروس و الروضة، و عندنا على ما في كشف اللثام.

و أجمع علماؤنا على وجوب المسح على بشرة القدمين كما في المدارك، و


1) - التنقيح في شرح العروة 5: 169 و 170.

لايجوز على حائل يستر موضع الفرض من ظهر القدم من خفّ أو غيره مع الاختيار، و هو مذهب فقهاء أهل البيت عليهم السلام كما في المعتبر، و مذهب أهل البيت عليهم السلام كما في المنتهى، و اجماعا منّا كما في الذكرى، و نحوهم غيرهم، بل الاجماع عليه محصّل.

و لاينافيه اشتمال عبارة القدماء على لفظ الخفّ و الجرموق و الجورب و الشمشك؛ لظهور ارادتهم من ذلك التمثيل كما لايخفى على من لاحظ كلامهم فيه كالأخبار، فانّها و ان كانت تقرب الى التواتر في النهي عن المسح على الخفّ لكنّ الظاهر من فحاويها التعميم لكلّ حائل؛ لوقوع الاستدلال فيها على ذلك بالآية الكتابيّة، و انّه سبق الكتاب المسح على الخفّين، و نحو ذلك. انتهى موضع الحاجة من كلامه».(1)

أقول:

لا اشكال في وجوب مسح الرجل أن يكون على البشرة و لايصحّ المسح على الحائل، و يدلّ على ذلك ظاهر الكتاب و هو قوله تعالى: «و امسحوا برؤوسكم و أرجلكم الى الكعبين»(2)و الأخبار الحاكية عن وضوء رسول اللّه صلى الله عليه و آله. و خصوص خبر الكلبي النسّابة عن الصادق عليه السلام (في حديث) قال:

«قلت له: ما تقول في المسح على الخفّين؟ فتبسّم، ثمّ قال: اذا كان يوم القيامة و ردّ اللّه كلّ شيء الى شيئه و ردّ الجلد الى الغنم فترى أصحاب المسح أين يذهب وضوؤهم؟!».(3)

و من العجب أنّ العامّة يجتزون بالمسح على الخفّ و لايجتزون به على الرجل، بل يوجبون الغسل و الظاهر أنّ أصل هذه البدعة عمر - على ما في


1) - جواهر الكلام 2: 232.

2) - المائدة 5: 6.

3) - وسائل الشيعة 1: 458 / الباب 38 من أبواب الوضوء / الحديث 4.

الجواهر: - «من أنّه قال رقيّة بن مصقلة:

«دخلت على أبي جعفر عليه السلام فسألته عن أشياء، فقال: انّي أراك ممّن يفتي في مسجد العراق! فقلت: نعم. فقال لى: من أنت؟ فقلت: ابن عمّ لصعصعة، فقال: مرحبا بابن عمّ صعصعة، فقلت: ما تقول في المسح على الخفّين؟ فقال: كان عمر يراه ثلاثا للمسافر و يوما و ليلة للمقيم، و كان أبي لايراه في سفر و لا في حضر، فلمّا خرجت من عنده فقمت على عتبة الباب فقال: أقبل يا ابن عمّ صعصعة، فأقبلت عليه، فقال: انّ القوم كانوا يقولون برأيهم فيخطؤون و يصيبون، و كان أبي لايقول برأيه. قلت: و من العجيب أنّ عمر قد نبّهه أميرالمؤمنين عليه السلام و لم ينتبه».

فانّه روى زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: «سمعته يقول: جمع عمر بن الخطّاب أصحاب النبي صلى الله عليه و آله و فيهم علي عليه السلام و قال: ما تقولون في المسح على الخفّين؟ فقام المغيرة بن شعبة، فقال: رأيت رسول اللّه صلى الله عليه و آله يمسح على الخفّين، فقال علي عليه السلام : قبل المائدة أو بعدها؟ فقال: لاأدري، فقال علي عليه السلام : سبق الكتاب المسح على الخفّين، انّما نزلت المائدة قبل أن يقبض بشهرين أو ثلاثة».

فان تنبّه و لمّايرجع فهو أعجب، فكيف و هو المرجع له في كلّ ملمّة، حتّى قال: «لولا علي عليه السلام لهلك عمر». مع أنّه قد اعترف أنّ كلّ الناس أفقه منه حتّى المخدّرات. و كيف كان فالمسألة مفروغ منها بين الشيعة».(1)

الفرع التاسع : في مسح من قطع قدمه أو بعضه

قال في الجواهر: «و اذا قطع بعض موضع المسح من القدم مسح وجوبا على ما بقي منه و من الكعب، و لاينتقل بذلك الى التيمّم، كما مرّ في أقطع اليد، و الدليل

الدليل.


1) - جواهر الكلام 2: 233.

و لو قطع من الكعب مع دخول ما بعد في القطع سقط المسح على القدم، و كذا لو قطع من فوقه و لايسقط بذلك الوضوء كما تقدّم في اليد بلاخلاف أجده في شيء من الحكمين، بل قد يظهر ممّن تعرّض لهذا الحكم كالمصنّف و العلاّمة و الشهيد و المحقّق الثاني و الفاضل الهندي و غيرهم كونه من المسلّمات، و لعلّه كذلك. و في خبر رفاعة عن الصادق عليه السلام : «سألته عن الأقطع فقال: يغسل ما قطع منه»، و لعلّ المراد بالأقطع في السؤال أقطع اليد و الرجل، و جواب الامام عليه السلام بالغسل للتغليب. كما ينبئ عنه خبر الآخر عنه عليه السلام أيضا قال: «سألته عن الأقطع اليد و الرجل قال: يغسلهما».

و لو قطع الماسح الاختياري و الاضطراري فهل يسقط المسح أو ينتقل الى مسح غيره ببلّة وضوئه؟ وجهان، أقواهما السقوط؛ لعدم الدليل على الانتقال. انتهى ملخّصا».(1)

أقول:

من قطع بعض قدمه مسح على الباقي؛ و ذلك لقوله تعالى: «و امسحوا برؤوسكم و أرجلكم الى الكعبين»(2)فانّ الظاهر من الآية أنّه مادام الكعب من الرجل بعضه باقيا يكون موضوع المسح موجودا، كما في اليد. فاذا قطع كلّه سقط المسح؛ لعدم الموضوع الاّ أنّه لايسقط بقيّة الأعضاء، و يحصل الطهارة بها كما هو المستفاد من الآية.


1) - جواهر الكلام 2: 230 و 231.

2) - المائدة 5: 6.

في اعتبار كون المسح بنداوة الوضوء
اشارة

(مسألة 25): لا اشكال في أنّه يعتبر أن يكون المسح بنداوة الوضوء، فلايجوز المسح بماء جديد، و الأحوط أن يكون بالنداوة الباقية في الكفّ، فلايضع يده بعد تمامية الغسل على سائر أعضاء الوضوء لئلاّيمتزج ما في الكفّ بما فيها لكن الأقوى جواز ذلك، و كفاية كونه برطوبة الوضوء و ان كانت من سائر الأعضاء فلايضرّ الامتزاج المزبور. هذا اذا كانت البلّة باقية في اليد، و أمّا لو جفّت فيجوز الأخذ من سائر الأعضاء بلا اشكال من غير ترتيب بينها على الأقوى، و ان كان الأحوط تقديم اللحية و الحواجب على غيرهما من سائر الأعضاء. نعم، الأحوط عدم أخذها ممّا خرج من اللحية عن حدّ الوجه كالمسترسل منها، و لو كان في الكفّ ما يكفي الرأس فقط مسح به الرأس، ثمّ يأخذ للرجلين من سائرها على الأحوط، و الاّ فقد عرفت أنّ الأقوى جواز الأخذ مطلقا.

الشرح:

في المسألة فرعان:

الفرع الأوّل : في كون المسح بنداوة الوضوء

يجب أن يكون المسح بنداوة الوضوء، و لايجوز الاستئناف بماء جديد له.

يدلّ على ذلك روايات:

منها صحيحة زرارة بن أعين عن أبي جعفر عليه السلام حاكيا وضوء رسول اللّه صلى الله عليه و آله قال:

« ... ثمّ مسح ببلّة ما بقي في يديه رأسه و رجليه و لم يعدهما في الاناء».(1)


1) - وسائل الشيعة 1: 392 / الباب 15 من أبواب الوضوء / الحديث 10.

و منها صحيحة زرارة و بكير أخيه عن أبي جعفر عليه السلام قالا:

« ... ثمّ مسح رأسه و قدميه الى الكعبين بفضل كفّيه، لم يجدّد ماءا».(1)

و منها صحيحة أبي عبيدة الحذّاء عن أبي جعفر عليه السلام :

« ... ثمّ مسح بفضلة الندى رأسه و رجليه».(2)

و منها صحيحة ثانية لزرارة قال:

« ... و قال أبو جعفر عليه السلام : انّ اللّه وتر يحبّ الوتر، فقد يجزيك من الوضوء ثلاث غرفات: واحدة للوجه، و اثنتان للذراعين، و تمسح ببلّة يمناك ناصيتك، و ما بقي من بلّة يمينك ظهر قدمك اليمنى، و تمسح ببلّة يسارك ظهر قدمك اليسرى».(3)

و منها صحيحة بكير بن أعين عن أبي جعفر حاكيا وضوء رسول اللّه صلى الله عليه و آله:

« ... ثمّ مسح بفضل يديه رأسه و رجليه».(4)

و منها صحيحة عمر بن أذينة عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث وضوء رسول اللّه صلى الله عليه و آله لمّا أسري به الى السماء فيما أوحى اللّه اليه):

« ... ثمّ امسح رأسك بفضل ما بقي في يدك من الماء و رجليك الى كعبيك، فانّي أبارك عليك، و أوطئك موطئا لم يطأه أحد غيرك».(5)

و نحوها صحيحة زرارة الثالثة و صحيحة محمّد بن مسلم.(6)

و لاتعارضها صحيحة معمّر بن خلاّد قال:


1) - وسائل الشيعة 1: 392 / الباب 15 من أبواب الوضوء / الحديث 11.

2) - وسائل الشيعة 1: 391 / الباب 15 من أبواب الوضوء / الحديث 8.

3) - وسائل الشيعة 1: 388 / الباب 15 من أبواب الوضوء / الحديث 2.

4) - وسائل الشيعة 1: 390 / الباب 15 من أبواب الوضوء / الحديث 4.

5) - وسائل الشيعة 1: 390 / الباب 15 من أبواب الوضوء / الحديث 5.

6) - وسائل الشيعة 1: 390 / الباب 15 من أبواب الوضوء / الحديثان 6 و 7.

«سألت أبا الحسن عليه السلام : أيجزي الرجل أن يمسح قدميه بفضل رأسه؟ فقال برأسه: لا، فقلت: أبماء جديد؟ فقال برأسه: نعم».(1)

و صحيحة أبي بصير قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن مسح الرأس، قلت: أمسح بما على يدي من الندى رأسي؟ قال: لا، بل تضع يدك في الماء، ثمّ تمسح».(2)

لأنّهما محمولتان على التقيّة؛ لموافقتهما لمذهب كثير من العامّة، كما عن الشيخ، مضافا الى اجمال الأولى.

قال في الجواهر: «و يجب أن يكون المسح بنداوة الوضوء خلافا للعامّة عدا مالك، فأوجبوا المسح بماء جديد، و هو مخالف لاطلاق الكتاب و نصوص السنّة و الاجماع المحصّل و المنقول. و ما في بعض الروايات ممّا تدلّ بظاهره على ايجاب الاستئناف كما في خبر معمّر بن خلاّد و خبر أبي بصير محمول على التقيّة أو غيرها قطعا. و لايجوز استئناف ماء جديد له كما في الفقيه و الانتصار والمقنعة و الجمل و العقود و الخلاف و السرائر و الاشارة و المراسم و المعتبر و القواعد و التحرير و المنتهى و الارشاد و غيرها من كتب المتقدّمين و المتأخّرين، بل في الانتصار: انّه ممّا انفردت به الاماميّة، و انّ الشيعة توجب المسح ببلّة اليد، و في الخلاف نسبته الى الأكثر أوّلاً ثمّ نقل الاجماع عليه ثانيا، و في المعتبر: انّه مذهب الثلاثة و أتباعهم و فتوى الأصحاب اليوم، و في الذكرى: انّه استقرّ اجماعنا بعد ابن الجنيد، فلو استأنف لم يصحّ قطعا. الى غير ذلك ممّن نقل الاجماع في المقام، بل قد يدّعى تحصيله بل هو حاصل، و خروج ابن الجنيد غير قادح، على أنّ عبارته المنقولة في المختلف غير صريحة في ذلك. انتهى ملخّصا».(3)


1) - وسائل الشيعة 1: 409 / الباب 21 من أبواب الوضوء / الحديث 5.

2) - وسائل الشيعة 1: 408 / الباب 21 من أبواب الوضوء / الحديث 4.

3) - جواهر الكلام 2: 181.

قال في المدارك: «هذا ما استقرّ عليه مذهب الأصحاب بعد ابن الجنيد رحمه الله».(1)

الفرع الثاني : في أخذ النداوة من سائر الأعضاء اذا جفّت نداوة الكفّ

قال في المدارك: «الظاهر أنّه لايشترط في الأخذ من هذه المواضع جفاف اليد بل يجوز مطلقا، و التعليق في عبارات الأصحاب يخرج مخرج الغالب، و لايختصّ الأخذ بهذه المواضع بل يجوز من جميع محالّ الوضوء، و تخصيص الشعر لكونه مظنّة البلل».(2)

يدلّ على جواز أخذ النداوة من سائر أعضاء الوضوء اذا جفّت النداوة في اليد، صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«اذا ذكرت و أنت في صلاتك أنّك قد تركت شيئا من وضوئك - الى أن قال: - و يكفيك من مسح رأسك أن تأخذ من لحيتك بللها، اذا نسيت أن تمسح رأسك، فتمسح به مقدّم رأسك».(3)

و رواية مالك بن أعين عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«من نسي مسح رأسه، ثمّ ذكر أنّه لم يمسح رأسه، فان كان في لحيته بلل فليأخذ منه، و ليمسح رأسه، و ان لم يكن في لحيته بلل فلينصرف، وليعد الوضوء».(4)

و مرسلة خلف بن حمّاد عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«قلت له: الرجل ينسى مسح رأسه و هو في الصلاة؟ قال: ان كان في


1) - مدارك الأحكام 1: 210.

2) - نفس المصدر: 213.

3) - وسائل الشيعة 1: 408 / الباب 21 من أبواب الوضوء / الحديث 2.

4) - وسائل الشيعة 1: 409 / الباب 21 من أبواب الوضوء / الحديث 7.

لحيته بلل فليمسح به، قلت: فان لم يكن له لحية؟ قال: يمسح من حاجبيه، أو من أشفار عينيه».(1)

و مرسلة الصدوق قال:

«قال الصادق عليه السلام : ان نسيت مسح رأسك فامسح عليه و على رجليك من بلّة وضوئك فان لم يكن بقي في يدك من نداوة وضوئك شيء فخذ ما بقي منه في لحيتك، و امسح به رأسك و رجليك، و ان لم يكن لك لحية فخذ من حاجبيك، و أشفار عينيك، و امسح به رأسك و رجليك، و ان لم يبق من بلّة وضوئك شيء أعدت الوضوء».(2)

فما هو المستفاد من هذه الروايات و ما هو نظيرها:

أوّلاً: جواز أخذ النداوة من لحيته اذا جفّت نداوة كفّه للمسح على رأسه و رجليه، فان لم تكن للحيته نداوة فيأخذ من حاجبيه و أشفار عينيه.

و ثانيا: انّ الظاهر أنّه لا خصوصيّة في أخذ النداوة من لحيته بل لأنّ الغالب وجود النداوة في اللحية و الحاجبين و أشفار العينين، فلايجب الترتيب.

و ثالثا: لم يكن لهذه الروايات مفهوم بمعنى أنّه اذا كانت النداوة في الكفّ لايجوز مسّ لحيته و سائر أعضائه، بل الظاهر من الروايات المذكورة في الفرع الأوّل من هذه المسألة، أنّ الذي لايجوز لمسح الرأس و الرجلين هو أخذ الماء الجديد، و أمّا امتزاج رطوبة اليد مع رطوبة سائر أعضاء الوضوء فلم يكن هناك نهي عنه، الاّ أنّ الاحتياط في محلّه؛ لمرسلة الصدوق فانّ فيها شائبة المنع.

و رابعا: يجوز أخذ النداوة من المسترسل من اللحية؛ لاطلاق الروايات المذكورة آنفا و صدق أنّها من نداوة الوضوء لدى العرف - كما في مصباح الفقيه -


1) - وسائل الشيعة 1: 407 / الباب 21 من أبواب الوضوء / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 1: 409 / الباب 21 من أبواب الوضوء / الحديث 8.

و ان كان أنكره في التنقيح بأنّ بلّته ليست من بلل مواضع الوضوء، فالاحتياط حسن.

في اشتراط تأثّر الممسوح برطوبة الماسح

(مسألة 26): يشترط في المسح أن يتأثّر الممسوح برطوبة الماسح، و أن يكون ذلك بواسطة الماسح لا بأمر آخر، و ان كان على الممسوح رطوبة خارجة فان كانت قليلة غير مانعة من تأثير رطوبة الماسح فلابأس، و الاّ لا بدّ من تجفيفها، و الشكّ في التأثير كالظنّ لايكفي، بل لا بدّ من اليقين.

الشرح:

انّ الظاهر من قوله تعالى: «و امسحوا برؤوسكم و أرجلكم الى الكعبين»(1)بعد أمره بغسل الوجه و اليدين، أنّه لا بدّ أن يكون في الماسح - يعني الكفّ - نداوة، و أنّه لا بدّ أن يتأثّر الممسوح أي الرأس و الرجلين من نداوة الماسح، و الاّ فلو لم يكن في الكفّ نداوة أو لم يتأثّر الممسوح لايصدق المسح بعد الغسل و لا فائدة فيه. و عليه لو كان على الممسوح رطوبة خارجة فان كانت قليلة غير مانعة من تأثير رطوبة الماسح فلا بأس، و الاّ فيلزم تجفيفها. و الشكّ في التأثير كالظنّ لايكفي بل لا بدّ من اليقين؛ لقاعدة الاشتغال.

و في المدارك: «و هل يشترط تأثير المسح في المحلّ؟ فيه وجهان، أقربهما ذلك، و هو خيرة العلاّمة في النهاية».(2)

(مسألة 27): اذا كان على الماسح حاجب و لو وصلة رقيقة لا بدّ من رفعه، و لو لم يكن مانعا من تأثير رطوبته في الممسوح.


1) - المائدة 5: 6.

2) - مدارك الأحكام 1: 212.

الشرح:

اذا كان على الماسح حاجب و لو وصلة رقيقة يجب رفعه و لو لم يكن مانعا من تأثير رطوبته في الممسوح؛ لأنّ المسح على البشرة لايصدق الاّ أن لايكون بين الماسح و الممسوح حاجب و لو وصلة رقيقة، و كأنّه مسح على الخرقة، و هو كما لو كان بيديه خرقة و بها مسح على رأسه أو رجليه، فلايصحّ؛ لأنّه مسح بالخرقة لاباليد.

و في المستمسك: «لظهور الأدلّة في اعتبار مباشرة الماسح مع الممسوح».(1)و أضاف اليه في المهذّب: «و يجب رفع الحاجب عن الممسوح و لو لم يكن مانعا عن تأثير الرطوبة الاّ في موارد الضرورة».(2)

فيما اذا لم يمكن المسح بباطن الكفّ

(مسألة 28): اذا لم يمكن المسح بباطن الكفّ يجزي المسح بظاهرها، و ان لم يكن عليه رطوبة نقلها من سائر المواضع اليه، ثمّ يمسح به، و ان تعذّر بالظاهر أيضا مسح بذراعه، و مع عدم رطوبته يأخذ من سائر المواضع، و ان كان عدم التمكّن من المسح بالباطن من جهة عدم الرطوبة و عدم امكان الأخذ من سائر المواضع أعاد الوضوء، و كذا بالنسبة الى ظاهر الكفّ، فانّه اذا كان عدم التمكّن من المسح به عدم الرطوبة و عدم امكان أخذها من سائر المواضع لاينتقل الى الذراع بل عليه أن يعيد.

الشرح:

اطلاق الآية و بعض الروايات، و ان كان ينصرف الى باطن الكفّ كما هو المتعارف و العادة الاّ أنّه اذا لم يمكن المسح به يجزي بظاهرها؛ لصدق المسح


1) - مستمسك العروة 2: 392.

2) - مهذّب الأحكام 2: 375.

باليد، و ان لم تكن عليه رطوبة نقلها من سائر مواضع اليد ثمّ يمسح به. و ان تعذّر بالظاهر أيضا كما لو كان قد قطعت يداه من زنديه مسح بذراعيه؛ لما ذكر. و مع عدم رطوبة في ذراعيه يأخذ من سائر المواضع. و ان كان عدم التمكّن من المسح بالباطن من جهة عدم الرطوبة و عدم امكان الأخذ من سائر المواضع أعاد الوضوء، و كذا بالنسبة الى ظاهر الكفّ، فانّه اذا كان عدم التمكّن من المسح به لعدم الرطوبة و عدم امكان أخذها من سائر المواضع لاينتقل الى الذراع بل عليه أن يعيد.

قال في المدارك: «و الظاهر أنّ محلّ المسح باطن اليد دون ظاهرها. نعم، لو تعذّر المسح بالباطن أجزأ الظاهر قطعا».(1)

قال في الجواهر: «انّ المتبادر من المسح باليد المسح بباطنها، فلايجزي المسح بالظاهر، و مقتضى ذلك أنّه اذا تعذّر المسح بالباطن لجفاف مائه لنسيان و نحوه و كانت النداوة باقية على الظاهر بحيث لايمكن نقلها الى باطن اليد يجب اعادة الوضوء؛ لانعدام المشروط بانعدام شرطه».(2)

و فيه: و ان كان المتبادر من المسح باليد أو الانصراف، هو المسح بباطنها، الاّ أنّه اذا لم تكن الرطوبة فيها و لم يمكن انتقالها الى الباطن فيجوز المسح بالظاهر؛ لأنّ اطلاق الآية بل بعض الروايات باق، و مقتضى التبادر أو الانصراف الذي مبناهما العرف، هو فيما اذا أمكن المسح، و اذا تعذّر و لو لجفاف الماء و عدم امكان الانتقال فيبعد عدم الجواز و وجوب اعادة الوضوء.

ثمّ قال: «نعم، لو كان المسح بالباطن متعذّرا لمرض أو غيره لا لجفاف ماء و نحوه أمكن الاجتزاء بالمسح بالظاهر؛ اذ سقوط الوضوء من المقطوع بعدمه؛ لما يفهم من الأدلّة أنّه لايسقط بتعذّر بعض أجزائه، و احتمال الاجتزاء به بدون مسح


1) - مدارك الأحكام 1: 212.

2) - جواهر الكلام 2: 185.

في غاية البعد؛ لاطلاق الأمر بالمسح في الوضوء مع تمكّن الامتثال به، و ايجاب المسح بالباطن مع التمكّن منه، فيبقى المطلق على حاله، و لأنّ «الميسور لايسقط بالمعسور»، و «ما لايدرك كلّه لايترك كلّه» و للاستصحاب و نحو ذلك. و الظاهر تساوي نسبة جميع أجزاء الكفّ في المسح بها. و لو تعذّر المسح بالكفّ ظاهرا و باطنا لمرض و نحوه أجتزي بالمسح في الذراع. انتهى ملخّصا».(1)

ثمّ انّه يجب الترتيب بين اليد اليمنى لمسح الرأس و الرجل اليمنى و بين اليد اليسرى للرجل اليسرى مع التمكّن، و لو لم يتمكّن أو يشقّ عليه ذلك فيسقط الترتيب.

(مسألة 29): اذا كانت الرطوبة على الماسح زائدة بحيث توجب جريان الماء على الممسوح لايجب تقليلها، بل يقصد المسح بامرار اليد و ان حصل به الغسل و الأولى تقليلها.

الشرح:

اذا كانت الرطوبة على الماسح زائدة بحيث توجب جريان الماء على الممسوح لايجب تقليلها؛ و ذلك لاطلاق الروايات الحاكية لوضوء رسول اللّه صلى الله عليه و آله و غيرها من أنّها أمر فيها بمسح الرأس و الرجلين بعد اتمام غسل الوجه و اليدين، و لم يفصل بين ما اذا كانت الرطوبة على الماسح زائدة أو لم تكن. نعم، قد نهي في الروايات أن يكون مسح الرجلين بماء جديد، و نهي أن يغسلهما، و معنى الغسل فيه، هو الغسل بماء جديد، لابما بقي في اليد من الرطوبة بعد غسل اليدين و ان كانت زائدة بحيث توجب جريان الماء على الممسوح و يشبه بالغسل.


1) - جواهر الكلام 2: 185 و 186.

في اشتراط امرار الماسح على الممسوح

(مسألة 30): يشترط في المسح امرار الماسح على الممسوح، فلو عكس بطل. نعم، الحركة اليسيرة في الممسوح لاتضرّ بصدق المسح.

الشرح:

يدلّ الكتاب على ذلك حيث أمراللّه تعالى بقوله: «و امسحوا برؤوسكم و أرجلكم الى الكعبين»(1)، و كذا الروايات الواردة في المسح ففيها: «انّه عليه السلام مسح على مقدّم رأسه و على رجليه»، و من المعلوم أنّه اذا عكس و أمرّ رجليه مع اثبات يديه فكأنّه قد مسح رجليه على يديه فيبطل. نعم، الحركة اليسيرة في الممسوح لاتضرّ بصدق المسح.

فيما لم يمكن حفظ الرطوبة في الماسح

(مسألة 31): لو لم يمكن حفظ الرطوبة في الماسح من جهة الحرّ في الهواء أو حرارة البدن أو نحو ذلك و لو باستعمال ماء كثير بحيث كلّما أعاد الوضوء لم ينفع فالأقوى جواز المسح بالماء الجديد، و الأحوط المسح باليد اليابسة، ثمّ بالماء الجديد، ثمّ التيمّم أيضا.

الشرح:

لو لم يمكن حفظ الرطوبة في الماسح من جهة حرارة الجوّ أو حرارة البدن أو نحو ذلك و لو باستعمال ماء كثير بحيث كلّما أعاد الوضوء لم ينفع، فالأقوى جواز المسح بالماء الجديد؛ و ذلك لاطلاق قوله تعالى: «و امسحوا برؤوسكم و أرجلكم الى الكعبين» و كذلك اطلاق بعض الروايات الواردة في الباب فانّهما قد قيّدا بنداوة ما بقي من ماء اليدين، و لو لم يمكن حفظ النداوة فاطلاق الآية و الروايات بحاله.

و الاحتياط بضمّ التيمّم حسن؛ لما في التنقيح: «انّ مقتضى جزئيّة المسح ببلّة


1) - المائدة 5: 6.

الوضوء في كلتا صورتي التمكّن و التعذّر سقوط الأمر بالمسح و الوضوء بالتعذّر فيكون فاقد الماء».(1)

قال في الجواهر: «اذا كان الجفاف لشدّة حرّ أو حرارة أو نحوهما و لم يتمكّن من حفظ نداوة الوضوء بالجلوس في مكان رطب أو اكثار الماء على آخر جزء من وضوئه فالظاهر جواز المسح بالماء الجديد، كما في المعتبر و المنتهى و القواعد و الذكرى و جامع المقاصد و المدارك و غيرها أيضا؛ للضرورة و نفي الحرج و صدق الامتثال و اختصاص وجوب المسح بالبلل بالامكان - الى أن قال: - و تمسّكا باطلاق ما دلّ على وجوب المسح فيه، و مقتضاه جواز الأخذ من الماء الجديد؛ للاطلاق المتقدّم، مع عدم شمول ما دلّ على المنع منه للمقام».(2)

(مسألة 32): لايجب في مسح الرجلين أن يضع يده على الأصابع، و يمسح الى الكعبين بالتدريج، فيجوز أن يضع تمام كفّه على تمام ظهر القدم من طرف الطول الى المفصل، و يجرّها قليلاً بمقدار صدق المسح.

الشرح:

الدليل على ما ذكره الماتن أي جواز وضع تمام كفّه على تمام ظهر القدم و جرّها قليلاً اطلاق الآية و الروايات الواردة في الباب و صدق المسح. و لاتعارضها صحيحة أحمد بن محمّد بن أبي نصر عن أبي الحسن الرضا عليه السلام ، قال:

«سألته عن المسح على القدمين كيف هو؟ فوضع كفّه على الأصابع فمسحها الى الكعبين الى ظاهر القدم، فقلت: جعلت فداك، لو أنّ رجلاً قال باصبعين من أصابعه هكذا؟ فقال: لا، الاّ بكفّه كلّها».(3)


1) - التنقيح في شرح العروة 5: 199.

2) - جواهر الكلام 2: 194 و 195.

3) - وسائل الشيعة 1: 417 / الباب 24 من أبواب الوضوء / الحديث 4.

و ذلك لانّ المسح على القدمين يحصل بما صدق عليه المسح، ففعله عليه السلام لم يدلّ على الوجوب و لم ينه في الصحيحة عن وضع تمام الكفّ على ظهر القدم و امراره عليه بمقدار يصدق المسح، فيحمل على الاستحباب، و يؤيّده ذيل مرسلة يونس من قوله عليه السلام :

« ... الأمر في مسح الرجلين موسّع، الحديث».(1)

في المسح على الحائل

(مسألة 33): يجوز المسح على الحائل كالقناع و الخفّ و الجورب و نحوها في حال الضرورة من تقيّة أو برد يخاف منه على رجله، أو لايمكن معه نزع الخفّ مثلاً، و كذا لو خاف من سبع أو عدوّ أو نحو ذلك ممّا يصدق عليه الاضطرار من غير فرق بين مسح الرأس و الرجلين، و لو كان الحائل متعدّدا لايجب نزع ما يمكن و ان كان أحوط و في المسح على الحائل أيضا لا بدّ من الرطوبة المؤثّرة في الماسح و كذا سائر ما يعتبر في مسح البشرة.

الشرح:

قال في الجواهر: «يجوز المسح على الحائل كالخفّ و نحوه لتقيّة بلا خلاف أجده بين أصحابنا، بل في صريح المختلف الاجماع عليه، و كذا غيره نصّا و ظاهرا، بل هو محصّل عليه فضلاً عن المنقول؛ للأخبار التي كادت أن تكون متواترة في الأمر بها، و أنّها دين آل بيت محمّد صلى الله عليه و آله، بل أصل التقيّة من ضروريّات مذهب الشيعة، يدلّ عليه نفي الحرج في الدين أيضا.

و كذا يجوز لغيرها كالضرورة، كما في المعتبر و المنتهى و المختلف و التحرير و الارشاد و القواعد و الذكرى و الدروس و غيرها، و هو الظاهر من عبارة الفقيه و صريح الناصريّات، بل قد يظهر من الأخير دعوى الاجماع عليه، كما هو


1) - وسائل الشيعة 1: 407 / الباب 20 من أبواب الوضوء / الحديث 3.

صريح المختلف، و في الحدائق: انّ ظاهر الأصحاب الاتّفاق عليه، بل قد يظهر من عبارة التذكرة الاجماع عليه».(1)

يمكن أن يقال بجواز المسح على الخفّين أو ما شابههما اذا كان الوقت ضيقا و يخاف من عدوّ أو حيوان أو برد أو غيرها، و الدليل على ذلك رواية أبي الورد قال:

«قلت لأبي جعفر عليه السلام : انّ أبا ظبيان حدّثني أنّه رأى عليّا عليه السلام أراق الماء ثمّ مسح على الخفّين؟ فقال: كذب أبو ظبيان، أما بلغك قول علي عليه السلام فيكم: سبق الكتاب الخفّين، فقلت: فهل فيهما رخصة؟ فقال: لا، الاّ من عدوّ تتّقيه، أو ثلج تخاف على رجليك».(2)

و أمّا سند الرواية، فقد قال فيه في المستمسك: «و ضعفه بأبي الورد - لو سلّم - مجبور بالعمل. و في حاشية الوحيد رحمه الله في الرجال: «ربّما أجمع على العمل بروايته في المقام». مع أنّه عدّه في الوجيزة من الممدوحين، و أنّ في السند حمّاد بن عثمان و هو من أصحاب الاجماع، فتأمّل. و مورده و ان كان هو الخفّ و الثلج، لكن يجب التعدّي عنهما الى مطلق الحائل و الضرورة؛ للاجماع المتقدّم مع اشعار الخوف المذكورة فيه في ذلك».(3)

الاّ أنّ الاجماع الكاشف عن قول الامام عليه السلام ممنوع، بل الظاهر أنّ مستند المجمعين هذه الرواية، و أمّا الرواية فقد فحص العلاّمة الخوئي رحمه الله في ناقلها أي أبي الورد، و أفاد بأنّه لم يوثّق و لم يمدح مدحا يليق أن تجعل روايته في زمرة الروايات المعتبرة، و عمل الأصحاب غير منجبر؛ لعدم احتمال أنّهم عرفوا منها شيئا قد خفي علينا. و لم يشر صاحب الجواهر الى أنّ القدماء عملوا بهذه الرواية أم لا؟ بل لم يذكر فتواهم في عداد المجمعين. و مع ذلك كلّه فعطف النظر عن


1) - جواهر الكلام 2: 236 و 240.

2) - وسائل الشيعة 1: 458 / الباب 38 من أبواب الوضوء / الحديث 5.

3) - مستمسك العروة 2: 398.

الرواية المعمول بها لهؤلاء الفحول الى الآن، مع عدم انحصار الدليل فيها، مشكل، فيجب المسح على الخفّين في الضرورة و الاحتياط بضمّ التيمّم. و أمّا بالنسبة الى التقيّة من المخالف فسيأتي.

في ضيق الوقت عن رفع الحائل

(مسألة 34): ضيق الوقت عن رفع الحائل أيضا مسوّغ للمسح عليه، لكن لايترك الاحتياط بضمّ التيمّم أيضا.

الشرح:

قال في المستمسك: «لأنّ ظاهر الضرورة في كلام الأصحاب ما يعمّ ذلك. و كذا خبر أبي الورد، بعد البناء على التعدّي عن مورده. لكن هذا المقدار غير كافٍ في عموم الحكم للفرض؛ لاحتمال اختصاص الضرورة في كلامهم بغير ذلك و لأنّ التعدّي عن مورد خبر أبي الورد حتّى الى المقام غير واضح».(1)

أقول:

الظاهر عدم شمول الرواية لمثل المورد بل الظاهر في ضيق الوقت عن رفع الحائل وجوب التيمّم.

قال في التنقيح: «و أمّا صورة عدم ترتّب أيّ ضرر على مسحهما و عدم تمكّنه من النزع و لو لأجل ضيق الوقت فلم يدلّنا فيها دليل على كفاية المسح على الخفّين حينئذ».(2)


1) - مستمسك العروة 2: 400.

2) - التنقيح في شرح العروة 5: 210.

في المسح على الحائل عند التقيّة

(مسألة 35): انّما يجوز المسح على الحائل في الضرورات ما عدا التقيّة اذا لم يمكن رفعها و لم يكن بدّ من المسح على الحائل و لو بالتأخير الى آخر الوقت، و أمّا في التقيّة فالأمر أوسع فلايجب الذهاب الى مكان لا تقيّة فيه، و ان أمكن بلا مشقّة. نعم، لو أمكنه و هو في ذلك المكان ترك التقيّة و اراءتهم المسح على الخفّ مثلاً فالأحوط بل الأقوى ذلك، و لايجب بذل المال لرفع التقيّة بخلاف سائر الضرورات، و الأحوط في التقيّة أيضا الحيلة في رفعها مطلقا.

الشرح:

قد تقدّم الكلام عن ذلك في المسألة الثالثة و الثلاثين و الرابعة و الثلاثين و قلنا بأنّه يعمل على مورد الرواية مع ضمّ التيمّم، و موردها الخوف من العدوّ أو الخوف من الثلج بل كلّ ضرورة، و قد أشرنا الى أنّ الضرورات تبيح المحظورات بقدرها، فمن كان يمكنه أن يؤخّر وضوءه الى آخر الوقت أو الى مكان آخر ليتمكّن من الوضوء الكامل فيجب عليه ذلك. و أمّا بذل المال لرفع الضرورة، كما اذا توقّف المسح المأمور به أعني المسح على البشرة على بذل مال لنزع الخفّين من رجلي المتوضّئ، أو لادخاله مكانا لايخاف فيه من البرد على رجليه، أو لغيرهما ممّا يتمكّن به من المسح المأمور به، فقد ذهب المصنّف الى عدم وجوبه.

و في المستمسك قال: «اطلاق دليل وجوب الوضوء التامّ يقتضي وجوب بذل المال لرفعها. نعم، قد يقال: انّ وجوب بذل المال ضرر فيرتفع بعموم نفي الضرر. الاّ أن يقال: انّ وجوب الوضوء حكم ضرري نظير وجوب الزكاة فيكون دليله مخصّصا لأدلّة نفي الضرر، فيؤخذ باطلاقه و يقدّم على تلك الأدلّة . أو يقال: انّه يستفاد ممّا دلّ على وجوب شراء ماء الوضوء بالمال الكثير».(1)


1) - مستمسك العروة 2: 409.

و في التنقيح لم يرتض بذلك و قال: «انّ ايجاب الوضوء ليس كايجاب سائر الواجبات الماليّة أو البدنيّة كالخمس و الزكاة و الحجّ و الجهاد، ايجابا مبنيّا على الضرر المالي أو البدني من الابتداء، ليقال: انّ المال فيها لا بدّ من بذله و ان كان موجبا للضرر، فانّ مقتضى قاعدة نفي الضرر عدم وجوب الوضوء في حقّه، و قد خرجنا عن عمومها في خصوص ما اذا توقّف تحصيل ماء الوضوء على بذل مال، فلامناص في مفروض المسألة من الحكم بوجوب التيمّم، من دون أن يجب عليه بذل المال لرفع الضرورة في المسح على الخفّين. انتهى ملخّصا».(1)

أقول:

قد وردت صحيحة صفوان قال:

«سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل احتاج الى الوضوء للصلاة و هو لايقدر على الماء، فوجد بقدر ما يتوضّأ به بمأة درهم أو بألف درهم و هو واجد لها، يشتري و يتوضّأ أو يتيمّم؟ قال: لا، بل يشتري، قد أصابني مثل ذلك فاشتريت و توضّأت و ما يسرّني بذلك مال كثير».(2)

الظاهر من هذه الصحيحة عدم الفرق بين أصل الوضوء و أجزائه، كما أنّه لا فرق بين اشتراء الماء و بين اعطاء المال للاتيان بالماء. و اطلاق هذه الرواية يقيّد

قاعدة نفي الضرر، فيكون الحكم كما ذهب اليه المصنّف.

ثمّ انّه يأتي الكلام عن التقيّة بعد بيان الفروع المترتّبة على الاضطرار الى المسح على الخفّين ان شاء اللّه تعالى.


1) - التنقيح في شرح العروة 5: 211 و 212.

2) - وسائل الشيعة 3: 389 / الباب 26 من أبواب التيمّم / الحديث 1.

(مسألة 36): لو ترك التقيّة في مقام وجوبها و مسح على البشرة ففي صحّة الوضوء اشكال.

ستأتي هذه المسألة و بيانها عند التعرّض لأحكام التقيّة.

في وجوب المبادرة اذا علم بأنّه يضطرّ الى المسح على الحائل

(مسألة 37): اذا علم بعد دخول الوقت أنّه لو أخّر الوضوء و الصلاة يضطرّ الى المسح على الحائل فالظاهر وجوب المبادرة اليه في غير ضرورة التقيّة و ان كان متوضّئا و علم أنّه لو أبطله يضطرّ الى المسح على الحائل لايجوز له الابطال، و ان كان ذلك قبل دخول الوقت فوجوب المبادرة أو حرمة الابطال غير معلوم، و أمّا اذا كان الاضطرار بسبب التقيّة فالظاهر عدم وجوب المبادرة، و كذا يجوز الابطال، و ان كان بعد دخول الوقت؛ لما مرّ من الوسعة في أمر التقيّة، لكن الأولى و الأحوط فيها أيضا المبادرة أو عدم الابطال.

الشرح:

في المسألة صورتان:

الأولى: اذا علم بعد دخول الوقت أنّه لو أخّر الوضوء و الصلاة يضطرّ الى المسح على الحائل (في غير ضرورة التقيّة و أمّا فيها فسيأتي) فالظاهر وجوب المبادرة اليه - كما في المتن - ؛ و ذلك لتنجّز التكليف عليه فكأنّ الوقت له مضيّق، فلو أخّر و اضطرّ الى الوضوء الناقص أو التيمّم فقد عصى الاّ أنّ وضوءه و صلاته صحيحة؛ لكونه مضطرّا و تكليفه معلوم، فانّ الصلاة لاتسقط بحال، و كذلك يكون الحال لو كان متوضّئا و علم أنّه لو أبطله يضطرّ الى المسح على الحائل، فلايجوز له الابطال؛ لما ذكر.

الثانية: اذا علم ذلك قبل دخول الوقت فهل تجب المبادرة، و أنّه لو كان

متوضّئا فهل يجب عليه حفظه بدون مشقّة؟ يمكن أن يقال بعدم الوجوب؛ و ذلك لعدم تنجّز الواجب عليه، اللّهمّ الاّ أن يقال - كما في المستمسك(1)- بأنّه لايبعد القول بذلك و ان قلنا انّ الوقت شرط في وجوب الطهارة المائيّة؛ لحرمة تفويت الواجب عقلاً و لو قبل وقته المشروط وجوبه به، حسب ما حرّر في محلّه من مبحث الواجب المشروط، و وجوب التعلّم، و يأتي في مبحث التيمّم ما له دخل في المقام.

و في التنقيح: «حيث انّا لانعلم بوجود الملاك الملزم لهذا الفرد، و لعلّ القدرة في الوقت دخيلة في تحقيق الملاك، فلايمكننا الحكم بحرمة ابطال الوضوء أو بوجوب المبادرة اليه قبل الوقت، بدعوى أنّه تفويت للملاك الملزم. انتهى ملخّصا».(2)

أقول:

الاحتياط لايترك قبل دخول الوقت بالمبادرة الى تهيئة المقدّمات، أو حفظها اذا علم أنّه لايتيسّر بعد الوقت؛ لما تقدّم آنفا. و أمّا وجوب المبادرة الى التوضّؤ اذا علم أنّه يضطرّ الى المسح على الخفّين لو أخّر الوضوء الى حين الصلاة - سواء كان بعد الوقت أو قبل الوقت - فان كان الخوف من تركه كالخوف من عدوّ أو حيوان، فالحكم كما مرّ.

و الظاهر أنّ المخالفين لم يتّفقوا على وجوب المسح على الخفّين بل أكثرهم ذهبوا الى التخيير بين المسح عليهما و غسل الرجلين، و ذهب بعضهم الى أفضليّة المسح على الخفّين، اذن فلا موضوع للتقيّة في المسح على الخفّين - كما في التنقيح(3)- و الروايات الواردة في أنّه:


1) - مستمسك العروة 2: 411.

2) - التنقيح في شرح العروة 5: 214.

3) - نفس المصدر: 220.

«لايتّقى في ثلاثة: شرب الخمر و المسح على الخفّين و متعة الحجّ».(1)

انّما هو من جهة خروجه عن التقيّة بحسب الموضوع أو الشرط، و لا نظر لها الى عدم جريان التقيّة فيها بحسب الحكم حتّى تكون مخصّصة للعمومات و الاطلاقات ؛لأنّ المخالفين لم يجوّزوا شرب المسكر، و الفرق بين متعة الحجّ و حجّ القران في النيّة و التقصير الذي يمكن اتيانه في الخفاء، و قد عرفت أمر المسح على الخفّين فبقي ما قاله في التنقيح و نقّحه في صفحات ستّ من أنّ الروايات صدرت من جهة خروجها عن التقيّة بحسب الموضوع. و لم تكن ناظرة الى أنّه لو كان نفسه في خطر القتل فلايجوز المسح على الخفّين بدعوى عدم جواز التقيّة هنا.

(مسألة 38): لا فرق في جواز المسح على الحائل في حال الضرورة بين الوضوء الواجب و المندوب.

الشرح:

قال في المستمسك: «كما لا فرق بينهما في سائر الخصوصيّات. و قد مرّ وجهه في بعض المسائل. و يكفي فيه في المقام اطلاق رواية أبي الورد. نعم، لو كان المستند في الصحّة أدلّة الحرج و الضرر و نحوها أشكلت الصحّة في المستحبّ؛ لعدم جريان تلك الأدلّة في المستحبّات».(2)


1) - أصول الكافي 6: 412 / باب من اضطرّ الى الخمر / الحديث 12.

2) - مستمسك العروة 2: 412.

أقول:

ضرورة المسح على الحائل قد تكون للاتّقاء من عدوّ أو برد و قد تكون للاتّقاء من المخالف، أمّا الاتّقاء من المخالف فقد أشرنا في المسألة السابقة عدم الموضوعيّة له. و أمّا الاتّقاء من عدوّ أو برد، فانّما يحصل اذا كان الوقت ضيقا بحيث لو أخّره الى مكان آخر لم يمكن له الوضوء فحينئذ يمكن أن يقال بجواز المسح على الحائل الاّ أنّه يلزمه ضمّ التيمّم كما تقدّم.

هذا بالنسبة الى الوضوء الواجب، و أمّا المندوب، فان كان الدليل اطلاق رواية أبي الورد(1)فيجوز مع ضمّ التيمّم، و ان كان المستند في الصحّة أدلّة الحرج و الضرر و نحوها أشكلت الصحّة في المستحبّ؛ لعدم جريان تلك الأدلّة في المستحبّات كما في المستمسك.

فيما لو بان عدم الضرورة أو التقيّة

(مسألة 39): اذا اعتقد التقيّة أو تحقّق احدى الضرورات الأخر فمسح على الحائل ثمّ بان أنّه لم يكن موضع تقيّة أو ضرورة ففي صحّة وضوئه اشكال.

الشرح:

اذا اعتقد احدى الضرورات المجوّزة للمسح على الحائل للخوف من عدوّ أو برد، فمسح على الحائل ثمّ بان أنّه لم يكن هناك عدوّ و لم يكن يتوجّه اليه ضرر من ثلج أو برد، فذهب المصنّف الى الاشكال في صحّة وضوئه.

و قال في المستمسك: «ينشأ من الاشكال في كون الخوف ملحوظا موضوعا في نفسه أو طريقا صرفا، فعلى الأوّل يلزم القول بالصحّة؛ لتحقّق الموضوع، و


1) - وسائل الشيعة 1: 458 / الباب 38 من أبواب الوضوء / الحديث 5.

على الثاني بالبطلان؛ لخطأ الطريق، و لا دليل على الاجزاء».(1)

أقول:

الظاهر من رواية أبي الورد من قوله عليه السلام : «الاّ من عدوّ تتّقيه أو ثلج تخاف على رجليك»، أنّ الموضوع للتقيّة، هو العدوّ كالسبع و غيره، و أمّا توهّم العدوّ أو توهّم الثلج فلا، و كذلك التقيّة قبال المخالفين، ففي فرض المسألة يشكل صحّة وضوئه و صلاته.

(مسألة 40): اذا أمكنت التقيّة بغسل الرجل فالأحوط تعيّنه، و ان كان الأقوى جواز المسح على الحائل أيضا.

الشرح:

قد تقدّم في المسألة الثالثة و الثلاثين الاشكال في جواز المسح على الحائل، و قد تقدّم أيضا في المسألة السابعة و الثلاثين أنّ أكثر المخالفين ذهبوا الى التخيير بين الغسل و المسح على الحائل، فعليه اذا أمكنت التقيّة بغسل الرجل فالأحوط تعيّنه؛ لأنّه أقرب الى الواقع و هو المسح على البشرة.

قال في المستمسك: «نسب في الذخيرة التعيّن بغسل الرجل الى الأصحاب، و في الحدائق حكاه عن جملة منهم و نسب في غيرهما الى البيان و روض الجنان؛ و كأنّه لأنّ الغسل أقرب الى الواجب بخلاف المسح على الخفّ؛ اذ الخفّ موضوع أجنبي عن البشرة، كما أشير اليه في النصوص، و ثبوت البدليّة في بعض الأحوال لاينافي الأقربيّة المذكورة.

مع أنّه مقتضى الاحتياط اللازم في المقام، بناءً على كونه من الشكّ في


1) - مستمسك العروة 2: 412.

المحصّل بل مطلقا بناءً عليه في الدوران بين التعيين و التخيير».(1)

فيما اذا زال السبب المسوّغ للمسح على الحائل

(مسألة 41): اذا زال السبب المسوّغ للمسح على الحائل من تقيّة أو ضرورة، فان كان بعد الوضوء فالأقوى عدم وجوب اعادته، و ان كان قبل الصلاة، الاّ اذا كانت بلّة اليد باقية فيجب اعادة المسح، و ان كان في أثناء الوضوء فالأقوى الاعادة اذا لم تبق البلّة.

الشرح:

قال في الجواهر: «اذا زال السبب المسوّغ للمسح على الخفّ بعد أن وجد قطعا أعاد الطهارة على قول، اختاره في المعتبر و المنتهى و عن المبسوط و التذكرة و الايضاح و بعض متأخّري المتأخّرين، و هو ظاهر كشف اللثام. و قيل: لاتجب الاّ لحدث، و اختاره في المختلف و الذكرى و الدروس و جامع المقاصد و المدارك و المنظومة كما عن الجامع و الروض، بل ربّما قيل: انّه المشهور، و في التحرير: في الاعادة نظر. و في القواعد: اشكال، و كيف كان فالأقوى في النظر الثاني؛ لكونه مأمورا بذلك، و الأمر يقتضي الاجزاء، و لاستصحاب الصحّة و لما دلّ على أنّ «الوضوء لاينقضه الاّ حدث» و ارتفاع الضرورة ليس منه، و لأنّه حيث ينوي بوضوئه رفع الحدث يجب حصوله لقوله صلى الله عليه و آله: «لكلّ امرئ ما نوى».

الى أن قال: ثمّ اعلم أنّه لا فرق بناءً على ما ذكرنا بين زوال الضرورة بعد تمام المسح على الخفّين بمدّة بحيث حصل الجفاف و تعذّرت الموالاة لو مسح على البشرة، و بين زوالها قبل فواتها، و بين زوالها بعد مسح احدى الرجلين أو غير ذلك؛ كلّه قضاءً لما سمعت من الأدلّة».(2)


1) - مستمسك العروة 2: 413.

2) - جواهر الكلام 2: 242 و 245.

أقول:

اذا زال السبب المسوّغ للغسل أو المسح على الحائل، فان كان قبل المسح فيجب عليه المسح على البشرة، و لو لم يعتن و مسح على الخفّين أو غسل رجليه بطل؛ لعدم الموضوع و عدم الامتثال، و كذا لو زال السبب بعد الغسل أو المسح على الحائل، و قد بقيت النداوة في كفّه و لم يزل الموالاة؛ و ذلك لأنّه مأمور باتمام الوضوء، و لأنّه كشف عن كونه لم يكن مأمورا بالمسح على الحائل.

و أمّا لو زال السبب المسوّغ للغسل أو المسح على الحائل بعد زوال الموالاة و عدم بقاء الرطوبة في الكفّ، فان كان بعد صلاته و قد ضمّ التيمّم و خرج الوقت فلا اعادة، و أمّا لو كان قبل صلاته أو كان الوقت باقيا، فالاحتياط بالاعادة و الصلاة أداءً أو قضاءً لايترك؛ و ذلك لما قلنا في المسألة الثالثة و الثلاثين بأنّ موضوع الضرورة هو ضيق الوقت أو عدم وجود مكان آخر للتوضّؤ - و أنّ التمسّك باطلاق الرواية مشكل؛ لما مرّ - مع أنّ في ذلك الحال يتبدّل بالتيمّم. و كذلك يكون الحال في التقيّة من المخالف.

(مسألة 42): اذا عمل في مقام التقيّة بخلاف مذهب من يتّقيه ففي صحّة وضوئه اشكال و ان كانت التقيّة ترتفع به، كما اذا كان مذهبه وجوب المسح على الحائل دون غسل الرجلين فغسلهما أو بالعكس، كما أنّه لو ترك المسح و الغسل بالمرّة يبطل وضوؤه و ان ارتفعت التقيّة به أيضا.

الشرح:

اذا خاف من المخالفين على نفسه و اضطرّ الى العمل وفق مذهبهم الاّ أنّه عمل بخلاف مذهب من يتّقيه جهلاً، فكما ذهب المصنّف اليه في صحّة وضوئه اشكال؛ و ذلك لعدم الدليل على الصحّة. نعم، اذا كانت التقيّة ترتفع به كما اذا كان من يتّقيه من الحنفيّة الاّ أنّه أتى بالعمل طبق الحنابلة أو المالكيّة أو الشافعيّة،

فلا اشكال في ذلك و يصحّ وضوؤه و صلاته اذا اضطرّ الى الصلاة معهم وفق مذهبهم.

في أنّ المناط في تعدّد الغسل ليس تعدّد الصبّ

(مسألة 43): يجوز في كلّ من الغسلات أن يصبّ على العضو عشر غرفات بقصد غسلة واحدة، فالمناط في تعدّد الغسل المستحبّ ثانيه، الحرام ثالثه ليس تعدّد الصبّ بل تعدّد الغسل مع القصد.

الشرح:

المناط في وحدة الغسل و تعدّده هو غسل العضو كاملاً، فاذا غسل وجهه بقصد الوضوء، فقد حصل غسل واحد، ثمّ اذا غسله ثانيا بحيث أحاط الماء تمام وجهه المأمور بغسله، فقد حصل الغسل الثاني، و عليه لو صبّ الماء على وجهه لا بقصد الوضوء و ان غسله بتمامه لايعدّ من غسل الوجه للوضوء، و كذا لو صبّ الماء على وجهه بقصد الوضوء و لم يحط تمام الوجه لم يحصل الغسل الأوّل، فلو صبّ على العضو غرفات بقصد الوضوء فاذا أحاط تمام الوجه فيعدّ غسل واحد سواء كان بغرفة واحدة أو بعشر غرفات.

(مسألة 44): يجب الابتداء في الغسل بالأعلى لكن لايجب الصبّ على الأعلى، فلو صبّ على الأسفل و غسل من الأعلى باعانة اليد صحّ.

الشرح:

يجب الابتداء في الغسل بالأعلى لكن لايجب الصبّ على الأعلى فلو صبّ على الأسفل و غسل من الأعلى باعانة اليد و من حينه قصد غسل العضو للوضوء صحّ.

قال في المستمسك: «هذا ممّا لايظنّ الاشكال فيه؛ اذ الترتيب - على تقدير

القول به - انّما هو في الغسل، لا في الصبّ، و ما في النصوص البيانيّة من صبّ الماء على الأعلى غير ظاهر في الوجوب، كما تكرّر في مثل المقام».(1)

في الاسراف في ماء الوضوء

(مسألة 45): الاسراف في ماء الوضوء مكروه، لكنّ الاسباغ مستحبّ، و قد مرّ أنّه يستحبّ أن يكون ماء الوضوء بمقدار مدّ، و الظاهر أنّ ذلك لتمام ما يصرف فيه من أفعاله و مقدّماته من المضمضة و الاستنشاق و غسل اليدين.

الشرح:

الاسراف في ماء الوضوء مكروه؛ و ذلك لرواية حريز عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«انّ للّه ملكا يكتب سرف الوضوء كما يكتب عدوانه».(2)

و الظاهر أنّ المراد من الاسراف هنا استعمال الماء للوضوء أكثر من المتعارف، بحيث يقال له الاسراف عرفا. و أمّا اذا كان الوضوء من الحياض، و يرجع ماء الوضوء الى الحوض، و لم يصل الى حدّ الوسواس فلايكون مكروها. كما أنّه قد يكون حراما و هو ما اذا احتاج عدّة من المسلمين الى الماء للشرب و اسرافه في الوضوء يشقّ عليهم. نعم، الاسباغ في الوضوء مستحبّ الاّ أنّ الاسباغ فيما اذا لم ينجرّ الى الاسراف فيكره أو يحرم. و قد مرّ أنّه يستحبّ أن يكون ماء الوضوء بمقدار مدّ. و الظاهر أنّ ذلك لتمام ما يصرف فيه من أفعاله و مقدّماته من المضمضة، و الاستنشاق و غسل اليدين.

ففي المستمسك: «انّه يبلغ حينئذ ثلاث عشرة أو أربع عشرة كفّا، و هي تقارب المدّ، كما في محكي الحبل المتين و غيره. و لا مجال لاحتمال حمله على أفعاله الواجبة، ضرورة زيادته كثيرا. كما لا موجب لادخال ماء الاستنجاء فيه - كما


1) - مستمسك العروة 2: 418.

2) - وسائل الشيعة 1: 485 / الباب 52 من أبواب الوضوء / الحديث 2.

ارتكبه في محكي الذكرى، و تبعه عليه غيره - فانّه خلاف ظاهر النصوص. انتهى موضع الحاجة من كلامه».(1)

(مسألة 46): يجوز الوضوء برمس الأعضاء كما مرّ، و يجوز برمس أحدها و اتيان البقيّة على المتعارف، بل يجوز التبعيض في غسل عضو واحد مع مراعاة الشروط المتقدّمة من البدأة بالأعلى و عدم كون المسح بماء جديد و غيرهما.

الشرح:

قد تقدّم في المسألة الحادية و العشرين بأنّه يصحّ الوضوء بالارتماس مع مراعاة الأعلى فالأعلى، و كذا يجوز التبعيض برمس أحد الأعضاء و اتيان البقيّة على المتعارف، بل يجوز التبعيض في غسل عضو واحد مع مراعاة الشروط المتقدّمة من البدأة بالأعلى و عدم كون المسح بماء جديد و غيرهما؛ كلّ ذلك لاطلاق قوله تعالى: «فاغسلوا وجوهكم و أيديكم» و عدم ورود أي مقيّد لها، و هو يقتضي الاكتفاء في الغسل بالتبعيض. و ما ورد في بعض الروايات الحاكية لوضوء رسول اللّه صلى الله عليه و آلهمن: «أنّه صبّ الماء على وجهه و يديه»(2)، فانّما هو من جهة الغلبة؛ اذ الغالب في الوضوء أن يكون بالصبّ و الماء القليل.


1) - مستمسك العروة 2: 419.

2) - وسائل الشيعة 1: 387 - 400 / الباب 15 من أبواب الوضوء.

في وضوء الوسواسي

(مسألة 47): يشكل صحّة وضوء الوسواسي اذا زاد في غسل اليسرى من اليدين في الماء من جهة لزوم المسح بالماء الجديد في بعض الأوقات، بل ان قلنا بلزوم كون المسح ببلّة الكفّ دون رطوبة سائر الأعضاء يجيء الاشكال في مبالغته في امرار اليد؛ لأنّه يوجب مزج رطوبة الكفّ برطوبة الذراع.

الشرح:

يجب على الوسواسي في طهارته و غسله و وضوئه أن لايعتني بما يأمره الشيطان (بحسب الرواية) و أن يطابق عمله بما يعمله عامّة المؤمنين، و ان كان بنظره أنّ طهارته و غسله و وضوءه كلّها باطلة، و يجب عليه الغسل و الوضوء الباطل بنظره، مطابقا لما يفعله سائر المؤمنين حتّى يبتعد عنه الشيطان و يستريح منه. و مع ذلك كلّه، يبعد القول ببطلان وضوئه و غسله، بل الاشكال في صحّة وضوئه كما في المتن؛ لأنّه بنظره يشكّ في أنّ الماء قد وصل الى جميع أعضائه أو لا، ففي مبالغته في امرار اليد لايوجب مزج رطوبة الكفّ برطوبة الذراع.

(مسألة 48): في غير الوسواسي اذا بالغ في امرار يده على اليسرى لزيادة اليقين لا بأس به، مادام يصدق عليه أنّه غسل واحد. نعم، بعد اليقين اذا صبّ عليها ماءً خارجيّا يشكل و ان كان الغرض منه زيادة اليقين؛ لعدّه في العرف غسلة أخرى، و اذا كان غسله لليسرى باجراء الماء من الابريق مثلاً و زاد على مقدار الحاجة مع الاتّصال لايضرّ مادام يعدّ غسلة واحدة.

الشرح:

المتوضّئ اذا بالغ في امرار يده على اليسرى لزيادة اليقين لا بأس به؛ لأنّ ما دلّ على وجوب المسح ببلل الكفّ انّما يراد به البلل المتخلّف في الكفّ بعد غسلال

يسرى، فلايقدح المزج بغسلها. ثمّ انّه بعد اليقين بغسل جميع حدّ اليد اليسرى اذا غسله ثالثا حيث يكون بدعة، فهل يبطل وضوؤه، فسيأتي البحث عنه.

في كفاية المسح بواحدة من الأصابع

(مسألة 49): يكفي في مسح الرجلين المسح بواحدة من الأصابع الخمس الى الكعبين أيّها كانت حتّى الخنصر منها.

الشرح:

يكفي في مسح الرجلين المسح بواحدة من الأصابع الخمس الى الكعبين أيّها كانت حتّى الخنصر؛ و ذلك لقوله تعالى: «و امسحوا برؤوسكم و أرجلكم الى الكعبين»(1)فانّ المسح على مقدّم الرأس، و ظهر القدم يحصل بواحدة من الأصابع الخمس حتّى الخنصر. و قد تقدّم شرح ذلك في المسألة الرابعة و العشرين.


1) - المائدة 5: 6.

الفصل السابع : في شرائط الوضوء

«الأوّل و الثاني»: اطلاق الماء و طهارته
اشارة

«الأوّل»: اطلاق الماء، فلايصحّ بالمضاف و لو حصلت الاضافة بعد الصبّ على المحلّ من جهة كثرة الغبار أو الوسخ عليه، فاللازم كونه باقيا على الاطلاق الى تمام الغسل. «الثاني»: طهارته و كذا طهارة مواضع الوضوء و يكفي طهارة كلّ عضو قبل غسله، و لايلزم أن يكون قبل الشروع تمام محالّه طاهرا، فلو كانت نجسة و يغسل كلّ عضو بعد تطهيره كفى، و لايكفي غسل واحد بقصد الازالة و الوضوء، و ان كان برمسه في الكرّ أو الجاري. نعم، لو قصد الازالة بالغمس و الوضوء باخراجه كفى، و لايضرّ تنجّس عضو بعد غسله و ان لم يتمّ الوضوء.

الشرح:

يشترط في ماء الوضوء أمور:

الأوّل: أن يكون الماء الذي يتوضّأ به مطلقا، فلايصحّ الوضوء بالماء المضاف؛ و الدليل عليه الروايات الدالّة بأنّ الماء المضاف لايزيل خبثا و لايرفع حدثا، و قد

تقدّم البحث عن ذلك في أوائل الكتاب، و لا بأس بالاشارة الى بعض الروايات

الواردة في الباب و منها رواية أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام ، عن الرجل يكون معه اللبن، أيتوضّأ منه للصلاة؟

«قال: لا، انّما هو الماء و الصعيد».(1)

و منها صحيحة عبداللّه بن المغيرة عن بعض الصادقين قال:

«اذا كان الرجل لايقدر على الماء و هو يقدر على اللبن فلايتوضّأ باللبن، انّما هو الماء أو التيمّم، الحديث».(2)

و منها صحيحة محمّد بن مسلم قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن ألبان الابل و البقر و الغنم و أبوالها و لحومها؟ فقال: لاتوضّ منه ان أصابك منه شيء أو ثوبا لك فلاتغسله الاّ أن تتنظّف، الحديث».(3)

و العمدة قوله تعالى: «اذا قمتم الى الصلاة فاغسلوا وجوهكم و أيديكم الى المرافق و امسحوا برؤوسكم و أرجلكم الى الكعبين و ان كنتم جنبا فاطّهّروا و ان كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماءً فتيمّموا صعيدا طيّبا فامسحوا بوجوهكم و أيديكم منه»(4)، فحصر سبحانه و تعالى الطهور في الماء و التراب، فلايكون غيرهما طهورا، فلو كان لذكر.

و كيف كان، فلو حصلت الاضافة بعد الصبّ على المحلّ من جهة كثرة الغبار أو الوسخ عليه لايصحّ الوضوء؛ لأنّه يجب أن يكون غسل الأعضاء بالماء المطلق، فاللازم كونه باقيا على الاطلاق الى انتهاء الغسل.


1) - وسائل الشيعة 1: 201 / الباب 1 من أبواب الماء المضاف / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 1: 201 / الباب 1 من أبواب الماء المضاف / الحديث 2.

3) - وسائل الشيعة 3: 407 / الباب 9 من أبواب النجاسات / الحديث 5.

4) - المائدة 5: 6.

الثاني: أن يكون ماء الوضوء و الغسل طاهرا؛ يدلّ على ذلك الروايات المستفيضة بل المتواترة المرويّة في الوسائل، كموثّقة سماعة قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل معه اناءان فيهما ماء، وقع في أحدهما قذر لايدري أيّهما هو، و ليس يقدر على ماء غيره؟ قال: يهريقهما جميعا و يتيمّم».(1)

و رواية عمّار الساباطي عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:

«سئل عن رجل معه اناءان فيهما ماء، وقع في أحدهما قذر لايدري أيّهما هو، (و حضرت الصلاة)، و ليس يقدر على ماء غيرهما؟ قال: يهريقهما جميعا و يتيمّم».(2)

و صحيحة الفضل أبي العبّاس قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن فضل الهرّة و الشاة و البقرة، و الابل و الحمار و الخيل، و البغال و الوحش و السباع، فلم أترك شيئا الاّ سألته عنه؟ فقال: لا بأس به، حتّى انتهيت الى الكلب؟ فقال: رجس نجس لاتتوضّأ بفضله و اصبب ذلك الماء، و اغسله بالتراب أوّل مرّة ثمّ بالماء».(3)

فانّه عليه السلام علّل عدم التوضّأ بماء قد مسّه الكلب، بأنّه رجس نجس، و أمر بصبّ ذلك الماء.

و صحيحة محمّد بن اسماعيل عن الرضا عليه السلام قال:

«ماء البئر واسع لايفسده شيء الاّ أن يتغيّر ريحه أو طعمه فينزح حتّى يذهب الريح و يطيب طعمه؛ لأنّ له مادّة».(4)


1) - وسائل الشيعة 1: 151 / الباب 8 من أبواب الماء المطلق / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 1: 156 / الباب 8 من أبواب الماء المطلق / الحديث 14.

3) - وسائل الشيعة 1: 226 / الباب 1 من أبواب الأسآر / الحديث 4.

4) - وسائل الشيعة 1: 141 / الباب 3 من أبواب الماء المطلق / الحديث 12.

فرع : في كيفيّة طهارة مواضع الوضوء

يتصوّر طهارة مواضع الوضوء على وجهين:

فتارة: يطهر كلّ عضو قبل الغسل و المسح ان كان نجسا، فهذا لا كلام فيه.

و أخرى: يطهر الوجه و اليدان حين الوضوء، فان ارتمسها في الماء الكرّ أو الجاري بقصد الوضوء فقد ذهب المصنّف بعدم كفايته، الاّ أن يقصد الازالة بالغمس و الوضوء باخراجه ولكنّ الظاهر عدم الدليل على ذلك، و لم يدلّ دليل على بطلان الوضوء لو كان التطهير و الغسل بقصد الوضوء في آن واحد. و أمّا ان صبّ الماء على وجهه المتنجّس فان لم يكن فيه عين النجاسة فبجريانه و انفصال الغسالة يطهر المحلّ و يحصل الغسل. نعم، ان كان قد تنجّس أعضاء غسله بالبول فلايكفي المرّة بل يلزم تعدّد الغسل، فبالغسل الثاني يطهر المحلّ و يحصل الغسل للوضوء.

قال في التنقيح: «اذا صبّ الماء على العضو المتنجّس قاصدا به الوضوء حصلت بذلك طهارته أيضا كما يتحقّق به الوضوء، بل الأمر كذلك حتّى فيما اذا قصد به الوضوء و لم يقصد به الازالة أصلاً، كما اذا لم يكن ملتفتا الى نجاسته.

نعم، يشترط طهارة الأعضاء قبل الوضوء فيما اذا كان التوضّؤ بالماء القليل و كانت الغسلة غير متعقّبة بطهارة المحلّ، كما في الغسلة الأولى فيما اذا كانت متنجّسة بما يعتبر التعدّد في ازالته؛ لاستلزام نجاسة الأعضاء وقتئذ نجاسة الماء الوارد عليها و هي قادحة في صحّة الوضوء. انتهى ملخّصا».(1)


1) - التنقيح في شرح العروة 5: 308 و 309.

في التوضّي بماء القليان

(مسألة 1): لا بأس بالتوضّي بماء القليان ما لم يصر مضافا.

الشرح:

قد تقدّم أنّه يشترط في ماء الوضوء أن لايكون مضافا، فالمفروض أنّ ماء القليان لم يصر مضافا، فلا بأس بالتوضّي به.

قال في مهذّب الأحكام: «لا بأس بالتوضّؤ بماء القليان؛ للأصل و الاطلاق، مع أنّ في صيرورته مضافا اشكالاً».(1)

(مسألة 2): لايضرّ في صحّة الوضوء نجاسة سائر مواضع البدن بعد كون محالّه طاهرة. نعم، الأحوط عدم ترك الاستنجاء قبله.

الشرح:

قد تقدّم في ابتداء الفصل عدم وجوب تطهير أعضاء الوضوء قبل التوضّؤ و أنّه لايضرّ بصحّة الوضوء على ما فصّلنا فضلاً عن نجاسة سائر مواضع البدن و عدم الضرر بصحّة الوضوء. و أمّا ترك الاستنجاء قبله فقد مرّ في المسألة الرابعة من فصل موجبات الوضوء.

(مسألة 3): اذا كان في بعض مواضع وضوئه جرح لايضرّه الماء و لاينقطع دمه فليغمسه بالماء، و ليعصره قليلاً حتّى ينقطع الدم آنا ما، ثمّ ليحرّكه بقصد الوضوء مع ملاحظة الشرائط الأخر و المحافظة على عدم لزوم المسح بالماء الجديد اذا كان في اليد اليسرى بأن يقصد الوضوء بالاخراج من الماء.


1) - مهذّب الأحكام 2: 406.

الشرح:

اذا كان في بعض مواضع وضوئه جرح لايضرّه الماء و لاينقطع دمه فبأيّ نحو تمكّن يقطع دمه ليصل الماء الى البشرة حال كونها خالية من الدم و لو للحظة، سواء كان بالماء القليل يصبّ عليه أو الجاري، أو الغمس في الماء الكثير مع ملاحظة سائر الشرائط و منها الغسل من الأعلى. و ان ارتمس في الماء الكثير فان كان الجرح في اليد اليسرى يحتاط بأن يقصد الوضوء بالاخراج من الماء كما تقدّم في المسألة الحادية و العشرين من فصل أفعال الوضوء.

قال في التنقيح: «و هناك طريقة أخرى و هي أن يضع يده على موضع الجرح و يدخلها في الماء و يحرّك يده حتّى يدخل الماء تحتها ثمّ يخرجها عنه و يغسل بقيّة المواضع - أعني المقدار الباقي من اليد - في الخارج بصبّ الماء عليه».(1)

«الثالث»: أن لايكون على المحلّ حائل يمنع وصول الماء الى البشرة

«الثالث»: أن لايكون على المحلّ حائل يمنع وصول الماء الى البشرة، و لو شكّ في وجوده يجب الفحص حتّى يحصل اليقين أو الظنّ بعدمه، و مع العلم بوجوده يجب تحصيل اليقين بزواله.

الشرح:

انّ الوضوء عبارة عن الغسلتين و المسحتين، أي غسل الوجه و اليدين و المسح على مقدّم الرأس و ظهر الرجلين على ما فصّل، و كما تقدّم أنّه يجب المسح على البشرة كذلك يجب غسل بشرة الوجه و اليدين على ما فصّل أيضا في محلّه. و لو كان في محلّ الوجه واليدين حائل يمنع من وصول الماء الى البشرة يجب رفعه و الاّ يكون في حكم الجبائر كما يأتي.

و لو شكّ في وجود الحائل يجب الفحص حتّى يحصل اليقين بعدمه؛ لأنّه


1) - التنقيح في شرح العروة5: 311.

يجب عليه غسل بشرة الوجه و اليدين و هو لايحصل الاّ بالعلم و اليقين. و أمّا الظنّ فلايغني من الحقّ شيئا و اذا علم بوجوده يجب تحصيل اليقين بزواله؛ لما مرّ.

قال في التنقيح: «لا وجه للتفرقة بين موارد الشكّ في الحاجب و موارد العلم بوجوده كما صنعه الماتن قدس سره و اعتبر تحصيل اليقين بزواله عند العلم بالوجود و اقتصر على الظنّ بالعدم عند الشكّ في وجوده، فانّ الصحيح هو تحصيل الحجّة المعتبرة على زوال المانع و وصول الماء الى البشرة؛ لأنّ استصحاب عدم الحاجب لايترتّب عليه الحكم بالوصول الاّ على القول بالأصول المثبتة، كما أنّ السيرة على عدم الاعتناء بالشكّ في وجود الحائل ممّا لا أساس له، فلا مناص من الاستناد الى حجّة معتبرة من الاطمئنان أو غيره بلا فرق بين الصورتين».(1)

«الرابع»: أن يكون الماء و ظرفه و مكان الوضوء و مصبّ مائه مباحا
اشارة

«الرابع»: أن يكون الماء و ظرفه و مكان الوضوء و مصبّ مائه مباحا، فلايصحّ لو كان واحد منها غصبا من غير فرق بين صورة الانحصار و عدمه؛ اذ مع فرض عدم الانحصار و ان لم يكن مأمورا بالتيمّم الاّ أنّ وضوءه حرام من جهة كونه تصرّفا أو مستلزما للتصرّف في مال الغير فيكون باطلاً. نعم، لو صبّ الماء المباح من الظرف الغصبي في الظرف المباح ثمّ توضّأ لا مانع منه، و ان كان تصرّفه السابق على الوضوء حراما، و لا فرق في هذه الصورة بين صورة الانحصار و عدمه؛ اذ مع الانحصار و ان كان قبل التفريغ في الظرف المباح مأمورا بالتيمّم الاّ أنّه بعد هذا يصير واجدا للماء في الظرف المباح، و قد لايكون التفريغ أيضا حراما، كما لو كان الماء مملوكا له و كان ابقاؤه في ظرف الغير تصرّفا فيه، فيجب تفريغه حينئذ فيكون من الأوّل مأمورا بالوضوء و لو مع الانحصار.


1) - التنقيح في شرح العروة 5: 312.

الشرح:

يشترط أن يكون ماء الوضوء مباحا؛ و ذلك لأنّه اذا كان التصرّف في الماء حراما و كان غصبيّا، كان استعماله في غسل الوجه و اليدين حراما، و اذا حرم غسل الوجه و اليدين فأين وجوب الغسل، فلاتدخل هذه المسألة في مسألة اجتماع الأمر و النهي، و لايكون مثل الصلاة في الدار الغصبيّة التي تكون ذات عنوانين و طبيعتين، الطبيعة الصلاتيّة و الطبيعة الغصبيّة، فانّ ما نحن فيه يكون طبيعة واحدة و هو الغسل و قد نهي عنه اذا كان غصبا، و لايمكن أن يكون واجبا؛ لأنّ الغسل بعينه حرام و تصرّف مبغوض.

و أمّا الظرف، اذا كان الماء مباحا و كان في الظرف الغصبي،

فتارة: يكون الماء له فيجب عليه صبّ الماء في ظرف مباح و التوضّؤ منه.

و أخرى: يكون الماء مباحا في الظرف الغصبي و لم يكن الماء منحصرا به فيجب عليه التوضّؤ من ظرف آخر.

و ثالثة: ينحصر الماء في الظرف الغصبي فيجب عليه التيمّم و يحرم عليه التصرّف في الظرف. و لو تصرّف و صبّ ماءه في الظرف المباح فارتكب حراما الاّ أنّه يجب عليه التوضّؤ.

و رابعة: يتوضّأ من الظرف الغصبي بنحو الارتماس فيبطل وضوؤه؛ لأنّ غسله هذا يكون حراما.

و خامسة: يصبّ الماء على وجهه و يديه ثمّ يمرّ يده على تمام الوجه و كذا يديه و يقصد حينئذ، و الظاهر أنّ فعله و تصرّفه هذا و ان كان حراما الاّ أنّ غسله لم يحرم و يصحّ وضوؤه.

و سادسة: يغترف الماء من الظرف و يغسل وجهه و يديه فلا اشكال في وضوئه و ان كان تصرّفه في الظرف حراما.

و أمّا المكان و الفضاء الذي يتوضّأ فيه، فلايصدق التصرّف فيه بنظر العرف

فلايبطل وضوؤه. و أمّا مصبّ ماء الوضوء، و ان كان صبّ الماء في المكان الذي لايرضى صاحبه يكون تصرّفا، ولكنّه لايوجب بطلان وضوئه، و لايسري حرمة الصبّ الى الغسل، و لا دليل عليه.

في الفرق في اشتراط الشروط بين العمد و الجهل أو النسيان

(مسألة 4): لا فرق في عدم صحّة الوضوء بالماء المضاف أو النجس أو مع الحائل بين صورة العلم و العمد و الجهل أو النسيان، و أمّا في الغصب فالبطلان مختصّ بصورة العلم و العمد، سواء كان في الماء أو المكان أو المصبّ، فمع الجهل بكونها مغصوبة أو النسيان لا بطلان، بل و كذا مع الجهل بالحكم أيضا اذا كان قاصرا، بل و مقصّرا أيضا اذا حصل منه قصد القربة، و ان كان الأحوط مع الجهل بالحكم خصوصا في المقصّر الاعادة.

الشرح:

اذا توضّأ بالماء المضاف أو الماء النجس يبطل وضوؤه؛ لأنّ الوضوء لايحصل الاّ بالماء المطلق و الطاهر، و الوضوء بالماء المضاف أو الماء النجس لايكون وضوءا شرعا، و كذلك لو لم يصل الماء الى البشرة للحائل، بلا فرق بين صورة العلم و العمد و الجهل و النسيان، سواء كان الجهل و النسيان بالحكم أو بالموضوع؛ لما ذكر.

و أمّا في الغصب فالبطلان مختصّ بصورة العلم و العمد؛ و ذلك لأنّ علّة بطلان الوضوء بالماء الغصبي أو في الاناء الغصبي هو حرمة التصرّف فهي مختصّة بصورة العلم و العمد. و أمّا اذا لم يعلم أو نسي سواء كان جهله و نسيانه بالموضوع أو بالحكم فلا حرمة فلا بطلان أيضا. نعم، لو كان هو الغاصب و نسي و توضّأ بطل وضوؤه؛ لأنّ الغاصب يؤخذ بأشقّ الأحوال.

فيما اذا التفت الى الغصبيّة في أثناء الوضوء

(مسألة 5): اذا التفت الى الغصبيّة في أثناء الوضوء صحّ ما مضى من أجزائه، و يجب تحصيل المباح للباقي، و اذا التفت بعد الغسلات قبل المسح هل يجوز المسح بما بقي من الرطوبة في يده و يصحّ الوضوء أو لا؟ قولان، أقواهما الأوّل؛ لأنّ هذه النداوة لاتعدّ مالاً و ليس ممّا يمكن ردّه الى مالكه، ولكنّ الأحوط الثاني، و كذا اذا توضّأ بالماء المغصوب عمدا ثمّ أراد الاعادة هل يجب عليه تجفيف ما على محالّ الوضوء من رطوبة الماء المغصوب أو الصبر حتّى تجفّ أو لا؟ قولان، أقواهما الثاني و أحوطهما الأوّل، و اذا قال المالك: أنا لاأرضى أن تمسح بهذه الرطوبة أو تتصرّف فيها لايسمع منه بناءً على ما ذكرنا. نعم، لو فرض امكان انتفاعه بها فله ذلك، و لايجوز المسح بها حينئذ.

الشرح:

اذا التفت الى الغصبيّة في أثناء الوضوء صحّ ما مضى من أجزائه؛ لعدم العلم بها و عدم حرمة الغسل و يجب تحصيل الماء المباح للباقي؛ لما تقدّم في المسألة السادسة.

و اذا التفت بعد الغسلات قبل المسح فالظاهر جواز المسح بما بقي من الرطوبة في يده و يصحّ وضوؤه؛ لأنّ هذه النداوة لاتعدّ مالاً و ليس ممّا يمكن ردّه الى مالكه، و ان كان الاحتياط حسنا. و كذا اذا توضّأ بالماء المغصوب عمدا، ثمّ أراد الاعادة لايجب عليه تجفيف ما على أعضاء الوضوء من رطوبة المغصوب أو الصبر حتّى تجفّ؛ لأنّه لايكون مالاً و ان قال المالك: أنا لاأرضى أن تمسح بهذه الرطوبة. نعم، لو فرض امكان انتفاع المالك بها فله ذلك و لايجوز المسح بها.

هذا اذا أراد أن يدفع ثمن الماء و الاّ فتصرّفه في النداوة أيضا مشكل و ان كان الأقوى الصحّة ولكن ذمّته مشغولة.

في الشكّ في رضا المالك

(مسألة 6): مع الشكّ في رضا المالك لايجوز التصرّف و يجري عليه حكم الغصب، فلا بدّ فيما اذا كان ملكا للغير من الاذن في التصرّف فيه صريحا أو فحوى أو شاهد حال قطعي.

الشرح:

اذا وجد ماءا للغير و شكّ في رضائه لايجوز التصرّف في ماله؛ لقوله عليه السلام :

«لايحلّ دم امرئ مسلم و لا ماله الاّ بطيبة نفسه».(1)

فانّ جواز التصرّف منوط برضى المالك. و كذا لايجوز غسل الوجه و اليدين في الوضوء بماء لايعلم رضا صاحبه؛ و ذلك لأنّ الغسل لا بدّ و أن يكون مباحا يقينا، و الاّ لم يكن موردا للأمر. فتحصّل أنّ الماء اذا كان ملكا للغير فيلزم له الاذن منه في التصرّف فيه صريحا أو فحوى أو شاهد حال قطعي.

في الوضوء و الشرب من الأنهار الكبار

(مسألة 7): يجوز الوضوء و الشرب من الأنهار الكبار، سواء كانت قنوات أو منشقّة من شطّ و ان لم يعلم رضا المالكين، بل و ان كان فيهم الصغار و المجانين. نعم، مع نهيهم يشكل الجواز و اذا غصبها غاصب أيضا يبقى جواز التصرّف لغيره مادامت جارية في مجراها الأوّل، بل يمكن بقاؤه مطلقا. و أمّا للغاصب فلايجوز و كذا لأتباعه من زوجته و أولاده و ضيوفه و كلّ من يتصرّف فيها بتبعيّته، و كذلك الأراضي الوسيعة يجوز الوضوء فيها كغيره من بعض التصرّفات، كالجلوس و النوم و نحوهما ما لم ينه المالك و لم يعلم كراهته، بل مع الظنّ أيضا الأحوط الترك، ولكن في بعض أقسامها يمكن أن يقال ليس للمالك النهي أيضا.


1) - أصول الكافي 7 : 273 / باب القتل من كتاب الديات / الحديث 12.

الشرح:

المشهور جواز التوضّؤ و الشرب من الأنهار الكبيرة و ان لم يعلم برضى ملاّكها. بل قد ذهب بعضهم الى جواز التصرّف فيها حتّى مع منع المالك عن تصرّف الغير في مياهه، و كذلك التصرّف في الأراضي الواسعة بالتوضّؤ فيها أو الجلوس و النوم عليها كما في التنقيح.

و استدلّ لقول المشهور تارة: بانصراف أدلّة حرمة التصرّف في مال الغير بدون اذنه عن مثل الصلاة و الجلوس و النوم و نحوها من التصرّفات غير المضرّة لمالك المال، و كذلك الوضوء فيما اذا صبّ ماءه في النهر المملوك لمالك الماء بحيث نعلم عدم تضرّره الاّ بمقدار يسير لايعتنى به عند العقلاء، و من هنا جاز الاستظلال بجدار الغير أو الاستضاءة بنوره أو ناره.

و أخرى: ما حكي عن المجلسي و الكاشاني من الاستدلال على ذلك بما ورد في بعض الروايات من أنّ الناس في ثلاثة شرع سواء: «الماء و النار و الكلاء»، و مقتضاها جواز التوضّؤ و الشرب من المياه المملوكة للغير و ان لم يرض به ملاّكها.

و ثالثة: و هي العمدة، السيرة القطعيّة المستمرّة، حيث انّ الناس من المتديّنين المتشرّعين يتصرّفون في الأراضي الواسعة بالاستراحة و التغذّي و الصلاة، و في الأنهار الكبيرة بالشرب و الاغتسال و التوضّؤ كما نرى، و الظاهر أنّ هذا التصرّف منهم كان بمرأى و منظر الامام عليه السلام و لم يسمع الردع منه عليه السلام . نعم، حيث انّ السيرة دليل لبّي يكون تخصيصه للأدلّة الدالّة على حرمة التصرّف في ملك الغير مقتصرا على القدر المتيقّن و هو الأراضي و الأنهار الكبيرة و لم يظهر منهم منع و لم يكن ملاّكها صغارا أو مجانين.

ثمّ انّه اذا غصبها غاصب أيضا يبقى جواز التصرّف لغيره، مادامت جارية في مجراها الأوّل و لم ينه عن التصرّف فيها ملاّكها. و أمّا للغاصب فلايجوز؛ لحرمة

التصرّف في مال الغير من دون اذنه و رضاه، و عدم تحقّق السيرة على تصرّف الغاصب فيما غصبه بالتوضّؤ أو الصلاة. و هكذا يكون الحال لأتباعه من زوجته و أولاده و ضيوفه، و كلّ من يتصرّف فيها بتبعيّته بنفس الدليل.

في الحياض الواقعة في المساجد و المدارس

(مسألة 8): الحياض الواقعة في المساجد و المدارس اذا لم يعلم كيفيّة وقفها من اختصاصها بمن يصلّي فيها أو الطلاّب الساكنين فيها أو عدم اختصاصها، لايجوز لغيرهم الوضوء منها الاّ مع جريان العادة بوضوء كلّ من يريد مع عدم منع من أحد، فانّ ذلك يكشف عن عموم الاذن، و كذا الحال في غير المساجد و المدارس كالخانات و نحوها.

الشرح:

الظاهر أنّ الحياض الواقعة في المدارس يختصّ وقفها للطلاّب الساكنين فيها و لايجوز لغيرهم الوضوء منها. نعم، لو كان بحيث يتوضّأ غير الطلاّب الساكنين منها و لم يمنعهم أحد، بل قد تهيّأ مكانا لصلاتهم أيضا كما في بعض المدارس القريبة من السوق، فانّ ذلك يكشف عن عموم الاذن. و هذا دليل أيضا لمن لم يعلم كيفيّة وقفها من اختصاصها بالطلاّب الساكنين فيها أو الأعمّ منهم و من غيرهم.

و أمّا الحياض الواقعة في المساجد فقلّما يكون وقفها مختصّا بمن يصلّي في تلك المساجد، و ان كان لايبعد ذلك، و لذا يكشف عموم الاذن من جريان العادة بوضوء كلّ من يريد مع عدم منع من أحد. و هكذا يكون حكم الخانات و نحوها.

(مسألة 9): اذا شقّ نهر أو قناة من غير اذن مالكه لايجوز الوضوء بالماء الذي في الشقّ، و ان كان المكان مباحا أو مملوكا له، بل يشكل اذا أخذ الماء من ذلك الشقّ و توضّأ في مكان آخر، و ان كان له أن يأخذ من أصل النهر أو القناة.

الشرح:

قد تقدّم في المسألة السابعة جواز التوضّؤ من الأنهار الكبيرة المملوكة بل المياه الجارية من القنوات أو الآبار المملوكة بغير اذن صاحبها اذا لم يمنع منها و لم يعلم الكراهة و عدم رضا مالكها؛ للسيرة المستمرّة. و أمّا اذا شقّ نهر أو قناة من النهر الأصلي و القناة الأصليّة بدون اذن مالكه لايجوز الوضوء من ذلك الماء و ان كان المكان مباحا أو مملوكا؛ و ذلك لعدم احراز قيام السيرة على هذا التصرّف، بل يشكل اذا أخذ الماء من ذلك الشقّ و توضّأ في مكان آخر و ان كان له أن يأخذ من أصل النهر أو القناة؛ لما ذكر.

(مسألة 10): اذا غيّر مجرى نهر من غير اذن مالكه و ان لم يغصب الماء، ففي بقاء حقّ الاستعمال الذي كان سابقا من الوضوء و الشرب من ذلك الماء لغير الغاصب اشكال، و ان كان لايبعد بقاء هذا بالنسبة الى مكان التغيير، و أمّا ما قبله و ما بعده فلا اشكال.

قد اتّضح حكم هذه المسألة من المسألة السابقة و قلنا: انّ في صحّة الوضوء من ذلك المجرى المتغيّر بغير اذن مالكه اشكالاً.

فيما اذا علم أنّ حوض المسجد وقف على المصلّين فيه

(مسألة 11): اذا علم أنّ حوض المسجد وقف على المصلّين فيه لايجوز الوضوء منه بقصد الصلاة في مكان آخر، و لو توضّأ بقصد الصلاة فيه، ثمّ بدا له أن يصلّي في مكان آخر أو لم يتمكّن من ذلك، فالظاهر عدم بطلان وضوئه، بل هو معلوم في الصورة الثانية، كما أنّه يصحّ لو توضّأ غفلة أو باعتقاد عدم الاشتراط و لايجب عليه أن يصلّي فيه، و ان كان أحوط بل لايترك في صورة التوضّي بقصد الصلاة فيه و التمكّن منها.

الشرح:

اذا علم وقفيّة حوض المسجد للمصلّين في هذا المسجد فلايجوز الوضوء منه بقصد الصلاة في مكان آخر؛ للنهي عن التصرّف فيه و يكون عاصيا فيحرم غسل وجهه و يديه و معه لايكون أمر. و أمّا لو توضّأ بقصد الصلاة في ذلك المسجد ثمّ بدا له أن يصلّي في مكان آخر أو لم يتمكّن فلايبطل وضوؤه؛ لعدم كونه عاصيا حين التوضّؤ. كما أنّه يصحّ لو توضّأ غفلة أو باعتقاد عدم الاشتراط، و لايجب أن يصلّي فيه و يجوز تركه؛ لعدم الموجب للصلاة فيه.

(مسألة 12): اذا كان الماء في الحوض و أرضه و أطرافه مباحا لكن في بعض أطرافه نصب آجرّ أو حجر غصبي يشكل الوضوء منه، مثل الآنية اذا كان طرف منها غصبا.

الشرح:

عدم صحّة الوضوء من الحوض الذي قد نصب في بعض أطرافه آجرّ غصبي منوط بعدّ الوضوء من الطرف الآخر تصرّفا في الغصب، و من المعلوم عدم كون ذلك المقدار من التصرّف في الغصب، فلايشكل صحّة وضوئه.

(مسألة 13): الوضوء في المكان المباح مع كون فضائه غصبيّا مشكل بل لايصحّ؛ لأنّ حركات يده تصرّف في مال الغير.

قد تقدّم في المسألة الثالثة شرح هذه المسألة، و قلنا بعدم الاشكال في الوضوء في الفضاء الغصبي، و هكذا يكون حكم المسائل التالية.

(مسألة 14): اذا كان الوضوء مستلزما لتحريك شيء مغصوب فهو باطل.

(مسألة 15): الوضوء تحت الخيمة المغصوبة ان عد تصرّفا فيها كما في حال الحرّ و البرد المحتاج اليها باطل.

(مسألة 16): اذا تعدّى الماء المباح عن المكان المغصوب الى المكان المباح لا اشكال في جواز الوضوء منه.

(مسألة 17): اذا اجتمع ماء مباح كالجاري من المطر في ملك الغير ان قصد المالك تملّكه كان له، و الاّ كان باقيا على اباحته، فلو أخذه غيره و تملّكه ملك، الاّ أنّه عصى من حيث التصرّف في ملك الغير، و كذا الحال في غير الماء من المباحات مثل الصيد و ما أطارته الريح من النباتات.

الشرح:

تارة: يجتمع ماء مباح كالجاري من المطر في الحوض الواقع في ملك الغير، فمثل هذا تعدّ مملوكه عرفا، سواء قصد المالك تملّكه أو لم يقصد بل بصرف الورود في الحوض يكون ملكه.

و أخرى: يجتمع في أرضه و فناء داره، و مثل هذا لايعدّ مملوكا بل و لا حيازة الاّ اذا علم قصد المالك منه الحيازة. و حينئذ لو أخذه غيره تملّكه الاّ أنّه كان عاصيا من حيث التصرّف في ملك الغير. و هكذا يكون حكم غير الماء من المباحات مثل الصيد الذي دخل ملكه و لم يقدر على الخروج أو النبات الداخل في ملك

الغير باطارة الريح، و ان كان في تملّك الصيد بالنسبة الى الماء في الصورة الثانية اشكال، بل لعلّه النبات أيضا؛ لأنّ الغالب أنّ مالك المحلّ لو علم به قصده، و لذلك يحتاط باحراز عدم قصده الحيازة.

فيما اذا دخل المكان الغصبي غفلة و في حال الخروج توضّأ

(مسألة 18): اذا دخل المكان الغصبي غفلة و في حال الخروج توضّأ بحيث لاينافي فوريّته، فالظاهر صحّته؛ لعدم حرمته حينئذٍ و كذا اذا دخل عصيانا ثمّ تاب و خرج بقصد التخلّص من الغصب، و ان لم يتب و لم يكن بقصد التخلّص ففي صحّة وضوئه حال الخروج اشكال.

الشرح:

اذا دخل المكان الغصبي غفلة فتارة: لايلتفت الاّ بعد التوضّؤ و الصلاة، فلا اشكال في وضوئه و صلاته.

و أخرى: يلتفت و في حال الخروج يتوضّأ و لو كان آخر الوقت يصلّي حينه بالاشارة، فلا اشكال أيضا في وضوئه و صلاته.

و ثالثة: يدخل عصيانا ثمّ يتوب و يخرج و يتوضّأ و ان كان الوقت ضيقا يصلّي في حال الخروج فهذا أيضا يصحّ وضوؤه و صلاته.

و رابعة: يدخل عصيانا و لايتوب و يتوضّأ فبناءً على ما قلنا من صحّة الوضوء في المكان الغصبي و الفضاء الغصبي؛ لأنّه لايعدّ عرفا تصرّفا في الغصب و كذا في غصبيّة مصبّ الماء، فلا اشكال في وضوئه و ان كان في مورد المصبّ يكون عاصيا. و أمّا على مبنى المصنّف ففي وضوئه اشكال.

(مسألة 19): اذا وقع قليل من الماء المغصوب في حوض مباح، فان أمكن ردّه الى مالكه و كان قابلاً لذلك لم يجز التصرّف في ذلك الحوض، و ان لم يمكن ردّه يمكن أن يقال بجواز التصرّف فيه؛ لأنّ المغصوب محسوب تالفا، لكنّه مشكل من دون رضا مالكه.

الشرح:

اذا وقع قليل من الماء المغصوب في حوض مباح فان أمكن ردّه - كما لو كان الماءان متماثلين من حيث الشرب أو غيره - فيردّ بمقدار الماء المصبوب الى مالكه و لايجوز التصرّف قبله، و ان لم يمكن ردّه كما لو كانا مختلفين، فينتقل الى قيمته فيجوز التصرّف في الحوض و ان كان ذمّة الصابّ مشغولة.

«الخامس»: أن لايكون ظرف ماء الوضوء من أواني الذهب أو الفضّة

«الشرط الخامس»: أن لايكون ظرف ماء الوضوء من أواني الذهب أو الفضّة، و الاّ بطل، سواء اغترف منه أو أداره على أعضائه، و سواء انحصر فيه أم لا، و مع الانحصار يجب أن يفرّغ ماءه في ظرف آخر و يتوضّأ به، و ان لم يمكن التفريغ الاّ بالتوضّي يجوز ذلك حيث انّ التفريغ واجب، و لو توضّأ منه جهلاً أو نسيانا أو غفلة صحّ، كما في الآنية الغصبيّة، و المشكوك كونه منهما يجوز الوضوء منه كما يجوز سائر استعمالاته.

قد تقدّم الكلام في حكم استعمال أواني الذهب و الفضّة و ما يترتّب عليه من الفروع، و كذا شرحنا تفصيلاً التوضّؤ و الغسل من أواني الذهب و الفضّة و الصور المتصوّرة في ذلك على مبنى المصنّف و على مختارنا فراجع.

(مسألة 20): اذا توضّأ من آنية باعتقاد غصبيّتها أو كونها من الذهب أو الفضّة، ثمّ تبيّن عدم كونها كذلك ففي صحّة الوضوء اشكال، و لايبعد الصحّة اذا حصل منه قصد القربة.

الشرح:

اذا توضّأ من آنية باعتقاد غصبيّتها أو كونها من الذهب أو الفضّة على مبنى المصنّف ثمّ تبيّن عدم كونها كذلك، فان لم يعلم حرمة التصرّف في الغصب فيمكن أن يتمشّى منه قصد القربة، و يصحّ وضوؤه اذا قصدها. و أمّا اذا علم حرمة التصرّف في الغصب، فان علم بطلان وضوئه فلا اشكال في عدم صحّة الوضوء و عدم قصد القربة منه. و ان لم يعلم بطلان وضوئه فيمكن أن يتمشّى منه قصد القربة و صحّة وضوئه اذا قصد القربة.

«السادس»: أن لايكون ماء الوضوء مستعملاً في رفع الخبث

«الشرط السادس»: أن لايكون ماء الوضوء مستعملاً في رفع الخبث و لو كان طاهرا مثل ماء الاستنجاء مع الشرائط المتقدّمة، و لا فرق بين الوضوء الواجب و المستحبّ على الأقوى حتّى مثل وضوء الحائض، و أمّا المستعمل في رفع الحدث الأصغر فلا اشكال في جواز التوضّي منه، و الأقوى جوازه من المستعمل في رفع الحدث الأكبر، و ان كان الأحوط تركه مع وجود ماء آخر، و أمّا المستعمل في الأغسال المندوبة فلا اشكال فيه أيضا، و المراد من المستعمل في رفع الأكبر هو الماء الجاري على البدن للاغتسال اذا اجتمع في مكان، و أمّا ما ينصبّ من اليد أو الظرف حين الاغتراف أو حين ارادة الاجراء على البدن من دون أن يصل الى البدن فليس من المستعمل، و كذا ما يبقى في الاناء، و كذا القطرات الواقعة في الاناء و لو من البدن، و لو توضّأ من المستعمل في الخبث جهلاً أو نسيانا بطل، و لو توضّأ من المستعمل في رفع الأكبر احتاط بالاعادة.

قد تقدّم الكلام في هذا الشرط و جميع فروعه تفصيلاً عند البحث عن مطهّريّة المياه في فصل: «في الماء المستعمل»، فراجع.

«السابع»: أن لايكون مانع من استعمال الماء

«السابع»: أن لايكون مانع من استعمال الماء من مرض أو خوف عطش أو نحو ذلك، و الاّ فهو مأمور بالتيمّم، و لو توضّأ و الحال هذه بطل، و لو كان جاهلاً بالضرر صحّ، و ان كان متحقّقا في الواقع و الأحوط الاعادة أو التيمّم.

الشرح:

السابع من شرائط صحّة الوضوء أن لايكون مانع من استعمال الماء من مرض أو خوف عطش أو نحو ذلك و الاّ فهو مأمور بالتيمّم، عليه الاجماع و النصّ كتابا و سنّة، و يأتي التعرّض لهما في الخامس من مسوّغات التيمّم. و لو توضّأ و الحال هذه بطل؛ لأنّه لم يكن مأمورا بالوضوء بل كان وظيفته التيمّم. و لو كان جاهلاً بالضرر صحّ و ان كان متحقّقا في الواقع؛ لأنّ بدليّة التيمّم للوضوء منوطة بالخوف من المرض أو العطش أو نحو ذلك، و في الفرض لم يكن هناك خوف فملاك الوضوء ثابت.

قال في مهذّب الأحكام: «البحث في البطلان تارة: بحسب الاستظهار من الأدلّة. و أخرى: بحسب العرف، و ثالثة: بحسب كلمات الفقهاء.

أمّا الأوّل: فلا ريب في سقوط فعليّة وجوب الطهارة المائيّة في جميع موارد مسوّغات التيمّم، و انّما الكلام في سقوط الملاك و عدمه، و مقتضى عدم ثبوت طريق لنا لاحراز بقائه سقوطه أيضا؛ لأنّ طريق الاحراز امّا الخطاب، أو الاستصحاب، أو دليل آخر، و الأوّل مفروض السقوط، و الأخير مفروض الانتفاء، و الثاني من الشكّ في أصل الموضوع، فلا وجه لجريان الاستصحاب.

أمّا الثاني: أي العرف، فقد نرى في القوانين العرفيّة أنّه اذا سقطت فعليّة القانون لمصلحة في ذلك يرون الناس أنّه سقط بملاكه و خطابه معا.

و أمّا الأخير: فليس في البين اجماع يعوّل عليه في بقاء الملاك و لم يستند القائل به بدليل معتبر. انتهى ملخّصا».(1)

«الثامن»: أن يكون الوقت واسعا للوضوء و الصلاة

«الثامن»: أن يكون الوقت واسعا للوضوء و الصلاة، بحيث لم يلزم من التوضّؤ وقوع صلاته و لو ركعة منها خارج الوقت، و الاّ وجب التيمّم الاّ أن يكون التيمّم أيضا كذلك، بأن يكون زمانه بقدر زمان الوضوء أو أكثر؛ اذ حينئذ يتعيّن الوضوء و لو توضّأ في الصورة الأولى بطل ان كان قصده امتثال الأمر المتعلّق به من حيث هذه الصلاة على نحو التقييد. نعم، لو توضّأ لغاية أخرى أو بقصد القربة صحّ، و كذا لو قصد ذلك الأمر بنحو الداعي لا التقييد.

الشرح:

الثامن: أن يكون الوقت واسعا للوضوء و الصلاة بحيث لم يلزم من التوضّؤ وقوع صلاته و لو ركعة منها خارج الوقت و الاّ وجب التيمّم؛ لأنّ الوضوء له بدل و لايكون للصلاة في الوقت بدل الاّ القضاء فيما اذا فاتت في الوقت. و أمّا حديث:

«من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة».(2)

لايسوّغ جواز ايقاع بعضها في خارج الوقت.

و في التنقيح: «انّ الحديث غير ناظر الى تغيير الوظيفة و التكليف من التيمّم الى الوضوء، و بيان أنّ شرط الصلاة حينئذ أيّ شيء، و انّما نظره الى التوسعة في الوقت في طبيعي الصلاة، سواء أ كانت مقيّدة بالوضوء أم مشروطة بالتيمّم حسب اختلاف المكلّفين. فمن تمكّن من الأداء لم يجز له أن يفوّت وقتها و يأتي بها قضاءً، فلا نظر لها الى من تمكّن من الصلاة مع الوضوء في وقتها و لو بمقدار ركعة


1) - مهذّب الأحكام 2: 423 و 424.

2) - وسائل الشيعة 4: 218 / الباب 30 من أبواب المواقيت / الحديث 4.

وجب أن يتوضّأ و يأتي بها مع الطهارة المائيّة و لايشرع التيمّم في حقّه. انتهى ملخّصا».(1)

نعم، اذا كان التيمّم أيضا كذلك بأن يكون زمانه بقدر زمان الوضوء أو أكثر فحينئذ يتعيّن الوضوء.

ثمّ انّه لو توضّأ و الحال أنّ الوقت ضيق و يجب عليه التيمّم لتقع صلاته بتمامها في الوقت، ولكنّه لم يعتن و توضّأ، فان كان قصده امتثال الأمر المتعلّق به من حيث هذه الصلاة على نحو التقييد فقد ذهب المصنّف الى بطلان وضوئه؛ لعدم الأمر بالوضوء، و لو توضّأ لغاية أخرى أو بقصد القربة أو بقصد الداعي لا التقييد صحّ.

أقول:

يمكن أن يقال بصحّة وضوئه مطلقا الاّ اذا علم أنّ وظيفته التيمّم لا الوضوء فلم يعتن و توضّأ رغما لوظيفته فهنا يبطل وضوؤه؛ للتشريع المحرّم.

(مسألة 21): في صورة كون استعمال الماء مضرّا لو صبّ الماء على ذلك المحلّ الذي يتضرّر به و وقع في الضرر، ثمّ توضّأ صحّ، اذا لم يكن الوضوء موجبا لزيادته، لكنّه عصى بفعله الأوّل.

الشرح:

اذا كان استعمال الماء مضرّا لأعضاء الوضوء فصبّ الماء على ذلك المحلّ الذي يتضرّر به و وقع في الضرر فقد ارتكب حراما؛ لأنّ الضرر الذي يحتاج الى العلاج و لايزول بسرعة حرام، و بعد ذلك لو توضّأ و لم يكن وضوؤه موجبا لزيادة ضرر، على ما تضرّر في الصبّ الأوّل يصحّ وضوؤه؛ لفرض حصول الضرر


1) - التنقيح في شرح العروة 5: 360.

قبل الوضوء و عدم حصوله بالوضوء. و كذا لو أدخل يده المؤلمة في الماء فتضرّر و حين اخراجها قصد الوضوء صحّ.

«التاسع»: المباشرة في أفعال الوضوء في حال الاختيار
اشارة

«التاسع»: المباشرة في أفعال الوضوء في حال الاختيار، فلو باشرها الغير أو أعانه في الغسل أو المسح بطل. و أمّا المقدّمات للأفعال فهي أقسام:

«أحدها»: المقدّمات البعيدة كاتيان الماء أو تسخينه أو نحو ذلك، و هذه لا مانع من تصدّي الغير لها.

«الثاني»: المقدّمات القريبة مثل صبّ الماء في كفّه، و في هذه يكره مباشرة الغير.

«الثالث»: مثل صبّ الماء على أعضائه، مع كونه هو المباشر لاجرائه و غسل أعضائه، و في هذه الصورة و ان كان لايخلو تصدّي الغير عن اشكال، الاّ أنّ الظاهر صحّته، فينحصر البطلان فيما لو باشر الغير غسله أو أعانه على المباشرة، بأن يكون الاجراء و الغسل منهما معا.

الشرح:

يشترط المباشرة في أفعال الوضوء في حال الاختيار، و الدليل عليه ظاهر الكتاب و السنّة و الاجماع، فلو باشرها الغير بأن غسل الغير وجهه، أو غسل يديه أو مسح رأسه و رجليه يبطل وضوؤه؛ لعدم امتثال ما أمراللّه تعالى بقوله: «فاغسلوا وجوهكم و أيديكم الى المرافق و امسحوا برؤوسكم و أرجلكم الى الكعبين».(1)

و أمّا المقدّمات للأفعال كاتيان الماء أو تسخينه أو نحو ذلك و صبّ الماء في كفّه فلا مانع من تصدّي الغير لها، و لو صبّ الماء على أعضائه مع كونه هو المباشر


1) - المائدة 5: 6.

لاجرائه بحيث يصدق أنّه غسل وجهه و يديه بنفسه فيصحّ وضوؤه و ينحصر البطلان فيما لو باشر الغير غسله أو أعانه على المباشرة بأن يكون الاجراء و الغسل منهما معا.

فيما اذا توضّأ من الماء الجاري من ميزاب أو نحوه

(مسألة 22): اذا كان الماء جاريا من ميزاب أو نحوه، فجعل وجهه أو يده تحته بحيث جرى الماء عليه بقصد الوضوء صحّ، و لاينافي وجوب المباشرة، بل يمكن أن يقال: اذا كان شخص يصبّ الماء من مكان عال لا بقصد أن يتوضّأ به أحد، و جعل هو يده أو وجهه تحته صحّ أيضا، و لايعدّ هذا من اعانة الغير أيضا.

الشرح:

انّ ما ذهب اليه المصنّف في حكم هذه المسألة هو الصحيح، فلو جعل وجهه أو يده تحت الميزاب بحيث جرى الماء عليه يتحقّق المباشرة بنفسه، و كذا لو صبّ شخص الماء من مكان عال لا بقصد أن يتوضّأ به أحد، و جعل هو يده أو وجهه تحته، صحّ أيضا و لايعدّ هذا من اعانة الغير؛ اذ القصد من أحدهما دون الآخر و لصدق مباشرة الوضوء دون غسل الغير أو اعانته في الغسل.

فيما اذا لم يتمكّن من المباشرة

(مسألة 23): اذا لم يتمكّن من المباشرة جاز أن يستنيب بل وجب، و ان توقّف على الأجرة فيغسل الغير أعضاءه و ينوي هو الوضوء، و لو أمكن اجراء الغير الماء بيد المنوب عنه بأن يأخذ يده و يصبّ الماء فيها و يجريه بها هل يجب أم لا، الأحوط ذلك و ان كان الأقوى عدم وجوبه؛ لأنّ مناط المباشرة في الاجراء، و اليد آلة، و المفروض أنّ فعل الاجراء من النائب. نعم، في المسح لا بدّ من كونه بيد المنوب عنه لا النائب، فيأخذ يده و يمسح بها رأسه و رجليه، و ان لم يمكن ذلك أخذ الرطوبة التي في يده و يمسح بها، و لو كان يقدر على المباشرة في بعض دون بعض، بعّض.

الشرح:

اذا لم يتمكّن من المباشرة جاز أن يستنيب بل وجب فيغسل الغير أعضاءه و ينوي هو الوضوء؛ و الدليل على ذلك صحيحة سليمان بن خالد عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) أنّه كان وجعا شديد الوجع، فأصابته جنابة و هو في مكان بارد، قال:

«فدعوت الغلمة فقلت لهم: احملوني فاغسلوني، فحملوني و وضعوني على خشبات، ثمّ صبّوا عليّ الماء فغسّلوني».(1)

و لا ظهور لها في اصابة الجنابة في الاحتلام حتّى تردّ الصحيحة بما دلّ على أنّ الامام عليه السلام لايحتلم بل هي أعمّ منه.

و صحيحة محمّد بن سكين و غيره عن أبي عبداللّه عليه السلام ، قال:

«قيل له: انّ فلانا أصابته جنابة و هو مجدور فغسّلوه فمات، فقال: قتلوه، ألاّ سألوا؟ ألاّ يمّموه؟ انّ شفاء العيّ السؤال».(2)


1) - وسائل الشيعة 1: 478 / الباب 48 من أبواب الوضوء / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 3: 346 / الباب 5 من أبواب التيمّم / الحديث 1.

بناءً على عدم الفرق في ذلك بين الغسل و الوضوء و التيمّم، و أنّ وظيفة من عجز عن المباشرة لغسل نفسه و تيمّمه اذا كانت هي الاستعانة و الاستنابة لتغسيله و تيمّمه فلا بدّ أن يكون الأمر كذلك في الوضوء أيضا.

و المسألة متسالم عليها عند الفقهاء - كما في التنقيح(1)- و لم يعرف فيها الخلاف.

و في الجواهر: «و يجوز أن يتولّى وضوءه غيره مع الاضطرار بل يجب و لو ببذل أجرة لاتضرّ بالحال، بلا خلاف أجده، بل عليه اتّفاق الفقهاء كما في المعتبر، و الاجماع كما في المنتهى، و قد يرشد اليه مضافا الى ذلك خبر عبداللّه بن سليمان؛ لعدم الفرق بين الوضوء و الغسل، و نحوها الأمر بالتولية في تيمّم المجدور في المعتبرة كما سيأتي مع عدم الفرق و كون التراب كالماء، و ربّما يرشد اليه أيضا ما ورد في كثير من الأخبار على أقوى الوجهين فيها أنّه «كلّما غلب اللّه عليه فهو أولى بالعذر»، و «أنّه ليس عليه شيء» حتّى ورد في بعضها «أنّ هذه من الباب التي ينفتح منها ألف باب». و لا فرق في المتولّي بين أن يكون مكلّفا أو غيره؛ لكون المنوب فيه انّما هو من مقدّمات الوضوء و الاّ فالوضوء وضوء المضطرّ، و العبادة عبادته، و النيّة نيّته، و هو المتقرّب الى اللّه بهذا الوضوء السائغ في حقّه، فما في المدارك من أنّ النيّة تتعلّق بالمباشر، لأنّه الفاعل للوضوء حقيقة فيه ما لايخفى. انتهى ملخّصا».(2)

فتحصّل أنّه يجب أن يستنيب العاجز لوضوئه، و ان كان ذلك يحتاج الى بذل المال بحدّ لايضرّ بحاله يجب، و يغسل النائب وجهه و يديه و ينوي العاجز نيّة الوضوء؛ لأنّ النائب كالآلة الاّ أنّ في مسح رأسه و رجليه يأخذ بيد العاجز و يمدّها على رأسه و رجليه ليكون المسح بيد العاجز، فان عجز عن ذلك فيأخذ الرطوبة من يديه فيمسح بها رأسه و رجليه.


1) - التنقيح في شرح العروة 5: 434.

2) - جواهر الكلام 2: 313 و 314.

«العاشر»: الترتيب

«العاشر»: الترتيب: بتقديم الوجه، ثمّ اليد اليمنى، ثمّ اليد اليسرى، ثمّ مسح الرأس، ثمّ الرجلين، و لايجب الترتيب بين أجزاء كلّ عضو. نعم، يجب مراعاة الأعلى فالأعلى كما مرّ. و لو أخلّ بالترتيب و لو جهلاً أو نسيانا بطل اذا تذكّر بعد الفراغ و فوات الموالاة، و كذا ان تذكّر في الأثناء، لكن كانت نيّته فاسدة حيث نوى الوضوء على هذا الوجه، و ان لم تكن نيّته فاسدة فيعود على ما يحصل به الترتيب. و لا فرق في وجوب الترتيب بين الوضوء الترتيبي و الارتماسي.

الشرح:

يدلّ على وجوب مراعاة الترتيب في أفعال الوضوء الكتاب و السنّة:

فمن الأوّل قوله تعالى: «يا أيّها الذين آمنوا اذا قمتم الى الصلاة فاغسلوا وجوهكم و أيديكم الى المرافق و امسحوا برؤوسكم و أرجلكم الى الكعبين».(1)

و من الثاني صحيحة زرارة قال:

«قال أبو جعفر عليه السلام : تابع بين الوضوء كما قال اللّه عزّوجلّ، ابدأ بالوجه، ثمّ باليدين، ثمّ امسح الرأس و الرجلين، و لاتقدّمن شيئا بين يدي شيء تخالف ما أمرت به، فان غسلت الذراع قبل الوجه فابدأ بالوجه و أعد على الذراع، و ان مسحت الرجل قبل الرأس فامسح على الرأس قبل الرجل، ثمّ أعد على الرجل، ابدأ بما بدأ اللّه عزّوجلّ به».(2)


1) - المائدة 5: 6.

2) - وسائل الشيعة 1: 448 / الباب 34 من أبواب الوضوء / الحديث 1.

و صحيحة أخرى لزرارة قال:

«سئل أحدهما عليهماالسلام عن رجل بدأ بيده قبل وجهه و برجليه قبل يديه؟ قال: يبدأ بما بدأ اللّه به و ليعد ما كان».(1)

و صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبداللّه عليه السلام في الرجل يتوضّأ فيبدأ بالشمال قبل اليمين، قال:

«يغسل اليمين و يعيد اليسار».(2)

و صحيحة أخرى لمنصور بن حازم عن أبي عبداللّه عليه السلام - في حديث تقديم السعي على الطواف - قال:

«ألا ترى أنّك اذا غسلت شمالك قبل يمينك كان عليك أن تعيد على شمالك».(3)

و صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«اذا نسي الرجل أن يغسل يمينه فغسل شماله و مسح رأسه و رجليه فذكر بعد ذلك، غسل يمينه و شماله و مسح رأسه و رجليه، و ان كان انّما نسي شماله فليغسل الشمال و لايعيد على ما كان توضّأ، و قال: أتبع وضوءك بعضه بعضا».(4)

قال في المستمسك: «و من الشرائط: الترتيب في أفعال الوضوء، اجماعا، كما عن الخلاف، و الانتصار، و الغنية و السرائر، و المعتبر، و المنتهى، و التذكرة، و غيرها».(5)

فالمحصّل من الروايات المذكورة وجوب الترتيب بين أعضاء الوضوء، و لو


1) - وسائل الشيعة 1: 450 / الباب 35 من أبواب الوضوء / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 1: 451 / الباب 35 من أبواب الوضوء / الحديث 2.

3) - وسائل الشيعة 1: 450 / الباب 35 من أبواب الوضوء / الحديث 6.

4) - وسائل الشيعة 1: 450 / الباب 35 من أبواب الوضوء / الحديث 9.

5) - مستمسك العروة 2: 450.

أخلّ بالترتيب عمدا أعاد الوضوء، و لو أخلّ نسيانا أو جهلاً يرجع و يتوضّأ من حيث أخلّ بالترتيب حتّى يترتّب.

هذا ان لم يفت الموالاة و الاّ أعاد الوضوء. و لا فرق بين الوضوء الترتيبى و الارتماسي؛ لاطلاق الأدلّة.

«الحادي عشر»: الموالاة
اشارة

«الحادي عشر»: الموالاة بمعنى عدم جفاف الأعضاء السابقة قبل الشروع في اللاحقة، فلو جفّ تمام ما سبق بطل، بل لو جفّ العضو السابق على العضو الذي يريد أن يشرع فيه الأحوط الاستئناف، و ان بقيت الرطوبة في العضو السابق على السابق، و اعتبار عدم الجفاف انّما هو اذا كان الجفاف من جهة الفصل بين الأعضاء أو طول الزمان، و أمّا اذا تابع في الأفعال و حصل الجفاف من جهة حرارة بدنه أو حرارة الهواء أو غير ذلك فلا بطلان، فالشرط في الحقيقة أحد الأمرين من التتابع العرفي و عدم الجفاف، و ذهب بعض العلماء الى وجوب الموالاة بمعنى التتابع، و ان كان لايبطل الوضوء بتركه اذا حصلت الموالاة بمعنى عدم الجفاف. ثمّ انّه لايلزم بقاء الرطوبة في تمام العضو السابق، بل يكفي بقاؤها في الجملة و لو في بعض أجزاء ذلك العضو.

الشرح:

يجب الموالاة في الوضوء، و يبطل مع جفاف السابق من الأعضاء بسبب التراخي؛ يدلّ على ذلك صحيحة معاوية بن عمّار قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : ربّما توضّأت فنفد الماء، فدعوت الجارية، فأبطأت عليّ بالماء، فيجفّ وضوئي؟ فقال: أعد».(1)

و موثّقة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام ، قال:


1) - وسائل الشيعة 1: 447 / الباب 33 من أبواب الوضوء / الحديث 3.

«اذا توضّأت بعض وضوئك و عرضت لك حاجة حتّى يبس وضوؤك فأعد وضوءك، فانّ الوضوء لايبعّض».(1)

و مرسلة الصدوق قال:

«قال الصادق عليه السلام : ان نسيت مسح رأسك فامسح عليه و على رجليك من بلّة وضوئك - الى أن قال: - فان لم يبق من بلّة وضوئك شيء أعدت الوضوء».(2)

و رواية حكم بن حكيم قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام ، عن رجل نسي من الوضوء الذراع و الرأس؟ قال: يعيد الوضوء، انّ الوضوء يتبع بعضه بعضا».(3)

قال في الجواهر: «فان لم يبق نداوة في شيء من محالّ الوضوء استأنف الوضوء بلا خلاف أجده بين المتقدّمين و المتأخّرين، و لعلّ ابن الجنيد يوافق في خصوص المقام لا لعدم جواز المسح بالماء الجديد بل لفوات الموالاة، و في كشف اللثام: انّه مقطوع به مروي. قلت: سمعت ما يدلّ عليه من الأخبار الآمرة بالانصراف و اعادة الوضوء التي لايقدح ارسالها بعد انجبارها بفتاوى الأصحاب».(4)


1) - وسائل الشيعة 1: 446 / الباب 33 من أبواب الوضوء / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 1: 448 / الباب 33 من أبواب الوضوء / الحديث 5.

3) - وسائل الشيعة 1: 448 / الباب 33 من أبواب الوضوء / الحديث 6.

4) - جواهر الكلام 2: 194.

هنا فروع:

الفرع الأوّل : في معنى الموالاة

قال في الشرائع: «الموالاة واجبة، و هي أن يغسل كلّ عضو قبل أن يجفّ ما تقدّمه، و قيل: بل هي المتابعة بين الأعضاء مع الاختيار، و مراعاة الجفاف مع الاضطرار».(1)

و في المدارك: «أجمع علماؤنا على وجوب الموالاة في الوضوء، و انّما اختلفوا في معناها، فقال الشيخ في الجمل: الموالاة أن توالي بين غسل الأعضاء و لايؤخّر بعضها عن بعض بمقدار ما يجفّ ما تقدّم. و قريب منه عبارة المرتضى في شرح الرسالة على ما نقله في المعتبر. و مقتضى كلامهما الجفاف خاصّة و هو اختيار أبي الصلاح و ابن البرّاج و ابن حمزة و الكيدري محمّد بن الحسن، و ابن ادريس، و المصنّف رحمه الله هنا و في النافع.

بل قال في الذكرى: انّ اعتبار المتابعة منحصر في المفيد رحمه الله. و هكذا نظر الشيخ في الخلاف الاّ أنّه لم يقل فيه ببطلان الوضوء مع عدم المتابعة الاّ اذا جفّت أعضاء طهارته و لمّا يتمّ الوضوء. و أمّا في المبسوط فنظره بطلان الوضوء اذا لم يتابع بين أعضاء الوضوء؛ المعتمد الأوّل. انتهى ملخّصا».(2)

أقول:

ما هو الظاهر من الروايات الواردة في الباب أنّ معنى الموالاة هو الذي ذهب اليه المصنّف و صاحب الشرائع و اعتمد عليه المدارك بأن يغسل كلّ عضو قبل أن يجفّ ما تقدّمه، مضافا الى حصول التتابع العرفي؛ لأنّ الوضوء لايتبعّض.


1) - شرائع الاسلام 1: 22.

2) - مدارك الأحكام 1: 226 و 227.

قال في الجواهر: «هو خيرة الجمل و العقود و المراسم و موضع من السرائر و اشارة السبق و النافع و اللمعة و الدروس و الذكرى و الألفيّة و جامع المقاصد و الروضة و المدارك و غيرها من كتب متأخّري المتأخّرين.

و عن ابن الجنيد و المرتضى في شرح الرسالة و ظاهر ابن البرّاج في المهذّب و الكامل و ابن حمزة في الوسيلة و أبي الصلاح و ابن زهرة و الكيدري، و هو الأشهر كما في الروضة، و المشهور كما في غيرها، بل قد يظهر من الذكرى انحصار الخلاف في المفيد؛ لموافقة الشيخ للأصحاب في الجمل، قال: و لو حمل قول مفيد «و لايجوز» على الكراهة انعقد الاجماع».(1)

الفرع الثاني : في أنّ البطلان منوط بجفاف تمام الأعضاء السابقة

قال المصنّف: «بل لو جفّ العضو السابق على العضو الذي يريد أن يشرع فيه الأحوط الاستئناف، و ان بقيت الرطوبة في العضو السابق على السابق».

و قال في المستمسك: «كما عن الناصريّات، و المراسم و المهذّب، و الاشارة. و كأنّهم فهموا من التبعيض (من قوله عليه السلام في موثّقة أبي بصير: «فانّ الوضوء لايبعّض»)، ما يقابل اتّصال أثر اللاحق بالسابق، و هو مفقود في الفرض. لكنّ الأقوى العدم؛ لأنّ الظاهر من «وضوئك» في النصّ هو أعضاؤه، و تعليق اليبس بها ظاهر في يبسها بتمامها، نظير تعليق الغسل بها. و يؤيّده ما دلّ على جواز أخذ البلل من اللحية و نحوها لمسح الرأس و الرجلين. و منه يظهر ضعف ما عن ابن الجنيد من البطلان بجفاف بعض ما سبق أي عضو كان».(2)


1) - جواهر الكلام 2: 252.

2) - مستمسك العروة 2: 457 و 458.

فالظاهر أنّ الموالاة الواجبة في الوضوء مراعاة أن لايجفّ الأعضاء السابقة حين الغسل أو مسح العضو الذي هو فيه للتأخير، مضافا الى حصول التتابع العرفي.

الفرع الثالث : فيما اذا كان جفاف الأعضاء من جهة الحرارة

انّ اعتبار عدم الجفاف انّما هو اذا كان الجفاف من جهة الفصل بين الأعضاء أو طول الزمان، و أمّا اذا تابع في الأفعال و حصل الجفاف من جهة حرارة بدنه أو الهواء أو غير ذلك فلا بطلان، فالشرط في الحقيقة عدم تأخير الأفعال حتّى يجفّ الأعضاء السابقة في الهواء المعتدل و لم يبق نداوة للمسح، و لو بأن يأخذ من رطوبة الأعضاء السابقة.

قال في التنقيح: «قد أسلفنا أنّ جفاف الأعضاء المتقدّمة اذا استند الى التأخير و الابطاء فالوضوء محكوم وقتئذ بالبطلان بمقتضى الصحيحة و الموثّقة. و أمّا اذا جفّت من دون استناد الجفاف الى التأخير كما اذا استند الى حرارة البدن أو الهواء، فقد ذكرنا أنّ مقتضى الاطلاقات صحّته. فاذا جفّت أعضاؤه لا لأجل التأخير يجب الاتيان بالبقيّة من دون ابطاء على نحو يصدق التبعيض لدى العرف؛ لأنّ المستفاد من التعليل الوارد في ذيل الموثّقة: «فانّ الوضوء لايبعّض»، أنّ الوضوء عمل وحداني غير قابل للتبعيض. انتهى ملخّصا».(1)


1) - التنقيح في شرح العروة 5: 401.

فيما اذا تذكّر في أثناء الصلاة أنّه ترك بعض المسحات

(مسألة 24): اذا توضّأ و شرع في الصلاة ثمّ تذكّر أنّه ترك بعض المسحات أو تمامها بطلت صلاته و وضوؤه أيضا، اذا لم يبق الرطوبة في أعضائه، و الاّ أخذها و مسح بها و استأنف الصلاة.

الشرح:

اذا توضّأ و شرع في الصلاة ثمّ تذكّر أنّه ترك بعض المسحات أو تمامها بطلت صلاته؛ لأنّ صلاته هذه لم تكن عن طهارة، و أمّا وضوؤه فان لم يبق رطوبة في أعضائه فيبطل أيضا و الاّ أخذها و مسح بها و استأنف الصلاة؛ ففي موثّقة سماعة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«من نسي مسح رأسه أو قدميه أو شيئا من الوضوء الذي ذكره اللّه تعالى في القرآن كان عليه اعادة الوضوء و الصلاة».(1)

(مسألة 25): اذا مشى بعد الغسلات خطوات ثمّ أتى بالمسحات لا بأس، و كذا قبل تمام الغسلات اذا أتى بما بقي، و يجوز التوضّي ماشيا.

الشرح:

و ذلك لاطلاق الأدلّة، فانّ الأمر بالغسلات في الكتاب و السنّة لم يقيّد بكونها في مكان واحد و لم يقيّد بعدم المشي حين الغسلات و كذلك المسحات.


1) - وسائل الشيعة 1: 451 / الباب 35 من أبواب الوضوء / الحديث 6.

(مسألة 26): اذا ترك الموالاة نسيانا بطل وضوؤه، مع فرض عدم التتابع العرفي أيضا و كذا لو اعتقد عدم الجفاف ثمّ تبيّن الخلاف.

الشرح:

اذا ترك الموالاة نسيانا بطل وضوؤه مع فرض عدم التتابع العرفي؛ و ذلك لما تقدّم من أنّ الوضوء لايتبعّض و أنّه أمر وحداني لايجوز أن يفصل بين أجزائه لدرجة لايصدق عرفا أنّ هذا جزء للأجزاء السابقة.

(مسألة 27): اذا جفّ الوجه حين الشروع في اليد لكن بقيت الرطوبة في مسترسل اللحية، أو الأطراف الخارجة عن الحدّ ففي كفايتها اشكال.

الشرح:

قال في المستمسك: «و استظهر الكفاية في الجواهر؛ لما دلّ على جواز الأخذ منها لمسح الرأس عند جفاف ما عداها. لكن عرفت الاشكال في ذلك فيما سبق. و لولاه لم يبعد فهمه من النصّ».(1)

و الاشكال في محلّه؛ لما فهم من النصّ.

«الثاني عشر»: النيّة
اشارة

«الثاني عشر»: النيّة و هي القصد الى الفعل، مع كون الداعي أمر اللّه تعالى؛ امّا لأنّه تعالى أهل للطاعة و هو أعلى الوجوه، أو لدخول الجنّة و الفرار من النار و هو أدناها، و ما بينهما متوسّطات، و لايلزم التلفّظ بالنيّة، بل و لا اخطارها بالبال، بل يكفي وجود الداعي في القلب بحيث لو سئل عن شغله يقول: أتوضّأ مثلاً، و أمّا لو كان غافلاً بحيث لو سئل بقي متحيّرا فلايكفي، و ان كان مسبوقا بالعزم و القصد حين المقدّمات. و يجب استمرار


1) - مستمسك العروة 2: 459.

النيّة الى آخر العمل، فلو نوى الخلاف أو تردّد و أتى ببعض الأفعال بطل الاّ أن يعود الى النيّة الأولى قبل فوات الموالاة. و لايجب نيّة الوجوب و الندب لا وصفا و لا غاية، و لا نيّة وجه الوجوب و الندب بأن يقول: أتوضّأ الوضوء الواجب أو المندوب أو لوجوبه أو ندبه، أو أتوضّأ لما فيه من المصلحة، بل يكفي قصد القربة و اتيانه لداعي اللّه، بل لو نوى أحدهما في موضع الآخر كفى ان لم يكن على وجه التشريع أو التقييد، فلو اعتقد دخول الوقت فنوى الوجوب وصفا أو غاية ثمّ تبيّن عدم دخوله صحّ، اذا لم يكن على وجه التقييد، و الاّ بطل كأن يقول: أتوضّأ لوجوبه و الاّ فلا أتوضّأ.

الشرح:

الثاني عشر من شرائط الوضوء النيّة، و اعتبارها فيه و في كلّ عمل عبادي لاينكر، و النيّة في الوضوء من الأمور الارتكازيّة للمتشرّعة و قصد القربة فيه ممّا لاينفكّ عنه؛ لأنّ الوضوء هو الطهارة التي لاتكون الصلاة بدونها صلاة. و الفرق بين الوضوء و بين الغسل اللباس المتنجّس الذي لا اعتبار بطهارة النيّة فيه بل لو أطارته الريح في الكرّ و الجاري فغسل طهر، في غاية الوضوح، فلو غسل شخص وجهه و يديه للتبريد و مسح رأسه و رجليه كذلك لم يكن وضوءا.

و من واجبات الوضوء و أركانه أن يكون داعيه اطاعة لأمر اللّه تعالى و أن يتقرّب به الى اللّه، أو للتفصّي عن البعد عنه، أو الموجب للثواب و دخول الجنّة و الفرار من النار، و أعلى الوجوه أن يتوضّأ و يأتي بكلّ عبادة بعنوان أنّه أهل للعبادة أو شكرا له، أو حبّا له، كما قال في المستمسك: «ورد عن علي عليه السلام : ما عبدتك خوفا من نارك و لا طمعا في جنّتك ولكن وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك».(1)


1) - مستمسك العروة 2: 463.

و عنه عليه السلام أنّه قال:

«انّ قوما عبدوا اللّه رغبة فتلك عبادة التجّار، و انّ قوما عبدوا اللّه رهبة فتلك عبادة العبيد، و انّ قوما عبدوا اللّه شكرا فتلك عبادة الأحرار».(1)

ثمّ انّه لايلزم التلفّظ بالنيّة؛ لعدم الدليل عليه، بل و لا اخطارها بالبال؛ لأنّ النيّة عبارة عن الداعي الى الفعل و الارادة الباعثة على أن يفعل الأمر الفلاني، و علامته أن يكون على حال لو سئل منه: ماذا تفعل؟ يقول: أتوضّأ. و لذا لو غفل عنه بحيث لو سئل عن فعله بقي متحيّرا ليس له نيّة.

و يجب الاستمرار على النيّة الى آخر أفعال الوضوء، فلو صار متردّدا في اتمامه بطل وضوؤه؛ لعدم النيّة الاّ أن يعزم على فعل باقي أفعال الوضوء و أعاد ما فعله في حال التردّد، بشرط عدم الاخلال بالموالاة.

و لايجب نيّة الوجوب و الندب، بل يكفي قصد القربة و اتيانه لداعي اللّه. بل لو نوى الوجوب في موضع الندب يصحّ وضوؤه اذا لم يكن عن عمد حتّى يكون تشريعا، فلو اعتقد دخول الوقت فنوى الوجوب ثمّ تبيّن عدم دخوله صحّ اذا لم يكن على وجه التقييد، و الاّ بطل كأن يقول: أتوضّأ لوجوبه، و ان لم يكن واجبا فلا أتوضّأ.

في قصد رفع الحدث أو الاستباحة

(مسألة 28): لايجب في الوضوء قصد رفع الحدث أو الاستباحة على الأقوى، و لا قصد الغاية التي أمر لأجلها بالوضوء، و كذا لايجب قصد الموجب من بول أو نوم كما مرّ. نعم، قصد الغاية معتبر في تحقّق الامتثال، بمعنى أنّه لو قصدها يكون ممتثلاً للأمر الآتي من جهتها، و ان لم يقصدها يكون أداءً للمأمور به لا امتثالاً، فالمقصود من عدم اعتبار قصد الغاية عدم


1) - وسائل الشيعة 1: 63 / الباب 9 من أبواب مقدّمة العبادات / الحديث 3.

اعتباره في الصحّة و ان كان معتبرا في تحقّق الامتثال. نعم، قد يكون الأداء موقوفا على الامتثال، فحينئذ لايحصل الأداء أيضا، كما لو نذر أن يتوضّأ لغاية معيّنة فتوضّأ و لم يقصدها، فانّه لايكون ممتثلاً للأمر النذري و لايكون أداءً للمأمور به بالأمر النذري أيضا، و ان كان وضوؤه صحيحا؛ لأنّ أداءه فرع قصده. نعم، هو أداء للمأمور به بالأمر الوضوئي.

الشرح:

لايجب في الوضوء قصد رفع الحدث أو الاستباحة؛ لعدم الدليل على وجوبه، فقاعدة البراءة العقليّة محكّمة. مضافا الى الاطلاق المقامي فانّه يقتضي عدمه، خلافا لما عن ظاهر الكافي و الغنية و موضع من الوسيلة و غيرها من اعتبار نيّتهما معا - كما في المستمسك(1)- و لما عن المبسوط و السرائر و التحرير و المنتهى و المختلف و التذكرة من الاكتفاء بنيّة أحدهما تخييرا، و ظاهر محكي السرائر الاجماع عليه. و لما عن بعض كتب الشيخ رحمه الله من لزوم نيّة الرفع. و لما عن السيّد رحمه الله من لزوم نيّة الاستباحة.

و الكلّ ضعيف مخالف لقاعدة البراءة و للاطلاق المقامي. نعم، اذا نذر أن يتوضّأ لغاية معيّنة فلا بدّ لأداء نذره أن يقصد الغاية، فان لم يقصد الغاية لم يأت بنذره و ان كان وضوؤه صحيحا؛ لقصده الوضوء المأمور بأمر اللّه قربة الى اللّه.


1) - مستمسك العروة 2: 470.

«الثالث عشر»: الخلوص
اشارة

«الثالث عشر»: الخلوص، فلو ضمّ اليه الرياء بطل، سواء كانت القربة مستقلّة و الرياء تبعا أو بالعكس أو كان كلاهما مستقلاًّ، و سواء كان الرياء في أصل العمل أو في كيفيّاته أو في أجزائه، بل و لو كان جزءا مستحبّيّا على الأقوى، و سواء نوى الرياء من أوّل العمل أو نوى في الأثناء، و سواء تاب منه أم لا، فالرياء في العمل بأيّ وجه كان مبطل له؛ لقوله تعالى على ما في الأخبار: «أنا خير شريك؛ من عمل لي و لغيري تركته لغيري»، هذا ولكن ابطاله انّما هو اذا كان جزءا من الداعي على العمل و لو على وجه التبعيّة. و أمّا اذا لم يكن كذلك بل كان مجرّد خطور في القلب من دون أن يكون جزءا من الداعي فلايكون مبطلاً، و اذا شكّ حين العمل في أنّ داعيه محض القربة أو مركّب منها و من الرياء فالعمل باطل؛ لعدم احراز الخلوص الذي هو الشرط في الصحّة.

و أمّا العجب فالمتأخّر منه لايبطل العمل، و كذا المقارن و ان كان الأحوط فيه الاعادة.

و أمّا السمعة فان كانت داعية على العمل أو كانت جزءا من الداعي بطل، و الاّ فلا، كما في الرياء، فاذا كان الداعي له على العمل هو القربة الاّ أنّه يفرح اذا اطّلع عليه الناس من غير أن يكون داخلاً في قصده لايكون باطلاً، لكن ينبغي للانسان أن يكون ملتفتا، فانّ الشيطان غرور و عدوّ مبين.

و أمّا سائر الضمائم فان كانت راجحة كما اذا كان قصده في الوضوء القربة و تعليم الغير فان كان داعي القربة مستقلاًّ و الضميمة تبعا، أو كانا مستقلّين صحّ، و ان كانت القربة تبعا أو كان الداعي هو المجموع منهما بطل، و ان كانت مباحة فالأقوى أنّها أيضا كذلك، كضمّ التبرّد الى القربة، لكن الأحوط في صورة استقلالهما أيضا الاعادة. و ان كانت محرّمة غير الرياء و السمعة فهي في الابطال مثل الرياء؛ لأنّ الفعل يصير محرّما فيكون باطلاً.

نعم، الفرق بينها و بين الرياء أنّه لو لم يكن داعيه في ابتداء العمل الاّ القربة لكن حصل له في الأثناء في جزء من الأجزاء يختصّ البطلان بذلك الجزء، فلو عدل عن قصده و أعاده من دون فوات الموالاة صحّ، و كذا لو كان ذلك الجزء مستحبّا و ان لم يتداركه، بخلاف الرياء على ما عرفت، فانّ حاله حال الحدث في الابطال.

الشرح:

يشترط في الوضوء و في كلّ عبادة الاخلاص فيها بمعنى أن يكون عمله للّه فقط، و لو ضمّ اليه غيره رياءً بطل بأيّ نحو كان رياؤه كما أشار اليه في المتن. و الدليل على ذلك الكتاب و السنّة و الاجماع و العقل.

فمن الأوّل قوله تعالى: «و ما أمروا الاّ ليعبدوا اللّه مخلصين له الدين ... و ذلك دين القيّمة»(1)، فانّ الحصر يدلّ على أنّ فاقدة الاخلاص لا أمر بها، فلاتكون العبادة صحيحة.

و قوله تعالى: «فاعبد اللّه مخلصا له الدين * ألا للّه الدين الخالص»(2)، بل كلّ آية تأمر بالاخلاص أو تنهى عن الشرك تدلّ على وجوب الاخلاص و حرمة الرياء؛ لأنّ الشرك له مراتب كما ستعرف.

و من السنّة روايات:

منها صحيحة عبداللّه بن سنان قال:

«كنّا جلوسا عند أبي عبداللّه عليه السلام اذ قال له رجل: أتخاف أن أكون منافقا، فقال له: اذا خلوت في بيتك نهارا أو ليلاً أليس تصلّي؟ فقال: بلى، فقال: فلمن تصلّي؟ قال: للّه عزّوجلّ، قال: فكيف تكون منافقا


1) - البيّنة 98: 5.

2) - الزمر 39: 2 و 3.

و أنت تصلّي للّه عزّوجلّ لالغيره!».(1)

و منها صحيحة ابن مسكان عن أبي عبداللّه عليه السلام في قول اللّه: «حنيفا مسلما»، قال:

«خالصا مخلصا لايشوبه شيء».(2)

و منها صحيحة عمر بن يزيد عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:

«اذا أحسن المؤمن ضاعف اللّه عمله لكلّ حسنة سبعمائة، فأحسنوا أعمالكم التي تعملونها لثواب اللّه - الى أن قال: - و كلّ عمل تعمله للّه فليكن نقيّا من الدنس».(3)

و منها صحيحة زرارة و حمران عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«لو أنّ عبدا عمل عملاً يطلب به وجه اللّه و الدار الآخرة و أدخل فيه رضى أحد من الناس كان مشركا».(4)

و منها رواية أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«سئل رسول اللّه صلى الله عليه و آله عن تفسير قول اللّه عزّوجلّ: «فمن كان يرجوا لقاء ربّه فليعمل عملاً صالحا و لايشرك بعبادة ربّه أحدا» فقال: من صلّى مراءاة الناس فهو مشرك - الى أن قال: - و من عمل عملاً ممّا أمر اللّه به مراءاة الناس فهو مشرك، و لايقبل اللّه عمل مراء».(5)

و منها صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عن أبيه عن آبائه عليهم السلام قال:

«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: يؤمر برجال الى النار - الى أن قال: - فيقول لهم


1) - وسائل الشيعة 1: 60 / الباب 8 من أبواب مقدّمة العبادات / الحديث 6.

2) - وسائل الشيعة 1: 60 / الباب 8 من أبواب مقدّمة العبادات / الحديث 7.

3) - وسائل الشيعة 1: 61 / الباب 8 من أبواب مقدّمة العبادات / الحديث 10.

4) - وسائل الشيعة 1: 67 / الباب 11 من أبواب مقدّمة العبادات / الحديث 11.

5) - وسائل الشيعة 1: 68 / الباب 11 من أبواب مقدّمة العبادات / الحديث 13.

خازن النار: يا أشقياء، ما كان حالكم؟ قالوا: كنّا نعمل لغيراللّه، فقيل لنا: خذوا ثوابكم ممّن عملتم له».(1)

و رواية السكوني عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«قال النبي صلى الله عليه و آله: انّ الملك ليصعد بعمل العبد مبتهجا به، فاذا صعد بحسناته يقول اللّه عزّوجلّ: اجعلوها في سجّين، انّه ليس ايّاي أراد به».(2)

و غيرها من الروايات الكثيرة في الأبواب المختلفة من أبواب مقدّمة العبادات في الوسائل.

و أمّا الاجماع، فقد قال في الجواهر: «اذا كانت الضميمة رياءً فلا ثواب عليها اجماعا، و غير مجزية على المشهور، بل لاأعلم فيه خلافا سوى ما عساه يظهر من المرتضى رحمه الله في الانتصار من القول بالاجزاء - و ان كان عبارته غير صريحة في ذلك -. و في جامع المقاصد: انّه لو ضمّ الرياء بطل قولاً واحدا».(3)

فالمتحصّل أنّ الرياء في الوضوء موجب لبطلانه، سواء كان في أصل العمل أو في أجزائه، و سواء نوى الرياء من أوّل العمل أو نواه في الأثناء؛ لاطلاق الأدلّة، و سواء تاب منه أو لا؛ اذ دليل التوبة انّما يدلّ على محوها للذنب لا على تصحيح العمل الباطل بمقتضى الاطلاق كما في المستمسك.(4)

و أمّا الرياء في الأجزاء المستحبّة و ان كان مبطلاً لتلك الأجزاء الاّ أنّه لايسري الى الأجزاء الواجبة في مثل الوضوء، و أمّا في مثل الصلاة فمبطليّته قويّة.

و أمّا الرياء في كيفيّات العمل فقد قال في المستمسك: «الكيفيّات التي يكون


1) - وسائل الشيعة 1: 70 / الباب 12 من أبواب مقدّمة العبادات / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 1: 71 / الباب 12 من أبواب مقدّمة العبادات / الحديث 3.

3) - جواهر الكلام 3: 96 و 97.

4) - مستمسك العروة 2: 477.

بها الرياء تارة: تكون متّحدة مع المأمور به في الخارج، مثل أن يرائي في الصلاة في أوّل الوقت، أو في المسجد. و أخرى: تكون أجنبيّة عنه، مثل أن يرائي بالتحنّك أو الخشوع أو البكاء أو نحو ذلك في الصلاة. فان كانت على النحو الأوّل فالحكم البطلان؛ لأنّ تحريمها يوجب تحريم نفس العبادة، فيمتنع التعبّد بها مع امكان صدق الرياء بالعبادة فيجري حكمه عليه. و ان كانت على النحو الثاني فالحكم الصحّة؛ لعدم الموجب لبطلان العبادة بعد مباينتها لموضوعه في الخارج».(1)

ثمّ انّه يوجب الرياء ابطال العمل اذا كان داعيه الى العمل أو جزءا من الداعي، و أمّا اذا لم يكن كذلك، بل كان مجرّد خطور في القلب من دون أن يكون جزءا من الداعي، فلايكون مبطلاً. و أمّا اذا شكّ حين العمل في أنّ داعيه محض القربة أو مركّب منها و من الرياء، فان أحرز الخلوص بالأصل فلايبطل.

فروع:

الفرع الأوّل : في العجب

نأتي هنا بملخّص ما في التنقيح: «الكلام في ذلك يقع في جهات:

الأولى في بيان مفهوم العجب لغة: فانّه على ما يظهر من أهل اللغة معناه اعظام العمل و اعتقاد أنّه عظيم لكيفيّته أو لكمّيّته، من جهة اعتباره عند الناس.

الثانية في بيان منشئه و سببه: فانّه ينشأ عن انضمام أمر صحيح مباح الى أمر باطل غير صحيح؛ لأنّه ينشأ عن ملاحظة عمله و عبادته حيث وعد اللّه سبحانه لها الجنّة و الحور و الثواب و أنّ فاعله ولي من أولياء اللّه سبحانه، و أنّ نوره يظهر لأهل السماء كما يظهر نور الكواكب لأهل الأرض. و هذا اذا انضمّ اليه الجهل و الغفلة عن توفيقه تعالى و أنّ هذه الغايات بفضله و كرمه، يصدر منه العجب و


1) - مستمسك العروة 2: 475 و 476.

نستجير باللّه الادلاء. و لو تنبّه لعلم ما كان قدر عمله في جنب عظمته و كبريائه الاّ ذرّة في السموات السبع.

الثالثة في حكمه الشرعي من الحرمة و الاباحة: انّ العجب من الأوصاف النفسانيّة الخبيثة كالحسد و غيره، و هي خارجة عن الأفعال التي تصدر عن المكلّفين فلا حكم لها بوجه، فهي غير محرّمة و لا مباحة كالحسد و نحوه.

الرابعة و الخامسة في أنّ العجب المتأخّر و المقارن هل يوجب بطلان العمل لو قلنا بحرمته؟ و الظاهر أنّه لايوجب بطلان العمل به بعد العمل و هذا هو المشهور بين الأصحاب رحمهم الله بل ادّعي عليه الاجماع. انتهى ملخّصا».(1)

و أمّا حين العمل فانّه رحمه اللهبعد نقل خمس و عشرين رواية في مورده قال: «فالمتحصّل أنّه لا دلالة في شيء من تلك الأخبار على حرمة العجب بالمعنى المتقدّم من حيث مقدّمته أو ازالته و لا على بطلان العمل به مقارنا كان أو متأخّرا، و انّما تدلّ على أنّها من الصفات الخبيثة المهلكة البالغة بالانسان الى ما لايرضى به اللّه سبحانه».(2)

أقول:

الظاهر أنّ العجب من الصفات الخبيثة المهلكة و يجب على من كان له تلك الصفة السعي في تهذيب نفسه، بالرجوع الى الكتب المدوّنة لذلك و من جملتها الكتاب الشريف المسمّى بالقلب السليم لمؤلّفه العالم الربّاني و معلّم الأخلاق و مهذّب النفوس، صاحب النفس الزكيّة آية اللّه السيّد عبدالحسين دستغيب رحمه الله الشهيد في طريق ذهابه الى اقامة صلاة الجمعة بيد المنافقين الموسومين بمجاهدي الخلق الملعونين في الدنيا و الآخرة و خذلهم اللّه تعالى.


1) - التنقيح في شرح العروة6: 18 - 21.

2) - نفس المصدر: 34.

و لو لم يكن صاحبه بصدد رفع هذه الصفة، فلا دليل على بطلان عباداته، و ان لم تكن مقبولة، و هو عاص باظهاره و لو في تخيّله، الاّ أنّ عباداته لاتحتاج الى الاعادة و القضاء، سواء كان اظهاره حين العمل أو بعده. و الاحتياط بالاعادة كما في المتن بل القضاء في محلّه، و هوحسن على كلّ حال.

الفرع الثاني : في السمعة

فان كان داعي العامل من عمله و عباداته أن يسمع الغير فيمدحه، فهو مثل الرياء موجب لبطلان العمل، ففي معتبرة ابن القدّاح عن أبي عبداللّه عن أبيه عليهماالسلام قال:

«قال علي عليه السلام : اخشوا اللّه خشية ليست بتحذير، و اعملوا للّه في غير رياء و لا سمعة فانّه من عمل لغير اللّه وكله اللّه الى عمله يوم القيامة».(1)

و أمّا اذا أتى بداعي الأمر و القربة الاّ أنّه يسرّه سماع الغير عمله من غير أن يكون دخيلاً في عبادته فلايوجب البطلان.

ففي صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«سألته عن الرجل يعمل الشيء من الخير فيراه انسان فيسرّه ذلك؟ قال: لا بأس، ما من أحد الاّ و هو يحبّ أن يظهر له في الناس الخير، اذا لم يكن صنع ذلك لذلك».(2)


1) - وسائل الشيعة 1: 66 / الباب 11 من أبواب مقدّمة العبادات / الحديث 10.

2) - وسائل الشيعة 1: 75 / الباب 15 من أبواب مقدّمة العبادات / الحديث 1.

و في رواية عبداللّه بن الصامت قال:

«قال أبوذرّ رحمه الله قلت: يا رسول اللّه، الرجل يعمل لنفسه و يحبّه الناس؟ قال: تلك عاجل بشرى المؤمن».(1)

و الشهيد العالم العامل السيّد عبدالحسين دستغيب في كتاب القلب السليم أتى بأخبار مثل:

«سئل الصادق عليه السلام عن قوله تعالى: «فمن كان يرجوا لقاء ربّه فليعمل عملاً صالحا و لايشرك بعبادة ربّه أحدا»، قال عليه السلام : «الرجل يعمل شيئا من الثواب لايطلب به وجه اللّه، انّما يطلب تزكية الناس يشتهي أن يسمع به الناس فهذا الذي أشرك بعبادة ربّه. ثمّ قال: ما من عبد أسرّ خيرا فذهبت الأيّام أبدا حتّى يظهر اللّه له خيرا، و ما من عبد يسرّ شرّا فذهبت الأيّام أبدا حتّى يظهر اللّه له شرّا».

و أيضا عن الصادق عليه السلام قال:

«من أراد اللّه عزّوجلّ بالقليل من عمله أظهر اللّه له أكثر ممّا أراد، و من أراد الناس بالكثير من عمله في تعب من بدنه و سهر من ليله أبى اللّه عزّوجلّ الاّ أن يقلّله في عين من سمعه».

و عن الباقر عليه السلام أنّه قال:

«الابقاء على العمل أشدّ من العمل. قال: و ما الابقاء على العمل؟ قال: يصل الرجل بصلة و ينفق نفقة للّه وحده لا شريك له فكتب له سرّا ثمّ يذكرها فتمحى فتكتب له علانية، ثمّ يذكرها فتمحى و تكتب له رياءً».

ثمّ قال رحمه الله: اذا كان العمل للّه و بعد اتمامه ذكره عند الناس لطلب المنزلة و


1) - وسائل الشيعة 1: 75 / الباب 15 من أبواب مقدّمة العبادات / الحديث 2.

الرفقة يقلّل ثوابه، و هل يكون هذا موجبا لبطلان العمل حتّى يجب الاعادة أو القضاء؟ الأقوى عدم البطلان».(1)

الفرع الثالث : في الضميمة

قال في التنقيح: «الضميمة اذا كانت مباحة أو راجحة فهي على أقسام أربعة:

الأوّل: أن يكون داعيه الهيّا قربيّا مستقلاًّ له تعالى و بتبعه يريد التبريد أو التعليم، فهذا لا اشكال في صحّة عبادته.

الثاني: بعكس ذلك، فهذا لا اشكال في بطلان عبادته.

الثالث: يكون الداعي هو المجموع المركّب من القربة و الضميمة بحيث لو كانت احداهما وحدها لم يأت بالعبادة و انّما أتى بها لاجتماعهما، و الحكم في هذه الصورة هو البطلان.

الرابع: يكون كلّ من القربة و الضميمة داعيا مستقلاًّ في دعوته بحيث لو كانت هذه وحدها لأتى بالعبادة، و لو كان الآخر وحده أيضا لأتى بها ولكنّهما اجتمعا معا، فالمتأخّرون فصّلوا في هذه الصورة بين كون الضميمة راجحة كتعليم الوضوء أو الصلاة للغير فحكموا بصحّة العبادة حينئذ، و بين كونها مباحة كما اذا قصد التبريد بالوضوء فذهبوا الى بطلانها. و لانرى نحن للتفرقة بينهما وجها محصّلاً، بل الصحيح صحّة العبادة في كلتا الصورتين بلا فرق في ذلك بين رجحان الضميمة و اباحته. انتهى ملخّصا».(2)


1) - القلب السليم: 378 - 380.

2) - التنقيح في شرح العروة 6: 37 و 38.

أقول:

ما ذهب اليه من الصحّة في القسم الأوّل، و البطلان في القسم الثاني و الثالث، هو الصحيح و الدليل على الأوّل هو وجود القربة للّه تعالى مستقلاًّ، و على الثاني و الثالث عدم القربة المستقلّة، و الحال يجب أن تكون العبادة صادرة عن داعٍ قربي الهي مستقلّ في داعويّته كما يدلّ عليه قوله تعالى: «فمن كان يرجوا لقاء ربّه فليعمل عملاً صالحا و لايشرك بعبادة ربّه أحدا»(1). فمن أشرك بعبادة ربّه أحدا أو شيئا غيره تعالى، فلم يأت بالعمل الصالح، و هو مشمول للنهي الذي يوجب بطلان عبادته.

و أمّا القسم الرابع، فان كان نيّة التعليم غير مضرّة، فالتبريد كذلك، اللّهمّ الاّ أن يقال: انّ نيّة التعليم هي القربة دون التبريد، فالاحتياط بالاعادة لايترك.

و أمّا الضميمة المحرّمة، فقد قال الماتن: «و ان كانت محرّمة غير الرياء و السمعة فهي في الابطال مثل الرياء؛ لأنّ الفعل يصير محرّما فيكون باطلاً. نعم، الفرق بينها و بين الرياء أنّه لو لم يكن داعيه في ابتداء العمل الاّ القربة لكن حصل له في الأثناء في جزء من الأجزاء يختصّ البطلان بذلك الجزء، فلو عدل عن قصده و أعاده من دون فوات الموالاة صحّ، و كذا لو كان ذلك الجزء مستحبّا و ان لم يتداركه، بخلاف الرياء على ما عرفت، فانّ حاله حال الحدث في الابطال».

قال في المهذّب: «لعدم حصول قصد التقرّب بما هو مبغوض عند المتقرّب اليه، هذا مع العلم. و أمّا مع الجهل بالحرمة جهلاً يعذر فيه فيصحّ، كما أنّ البطلان انّما هو فيما اذا تحقّق الحرام، و أمّا مع عدم تحقّقه فهو من موارد التجرّي ان كان قاصدا للحرام، فمن قصد بوضوئه أو صلاته في محلّ ايذاء المؤمن، و تحقّق ذلك، و انطبق هذا العنوان عليه، يبطل وضوؤه و صلاته و ان قصد ذلك و لم يتحقّق الايذاء خارجا يكون من التجرّي».(2)


1) - الكهف 18: 110.

2) - مهذّب الأحكام 2: 454.

أقول:

حكم الضميمة المحرّمة كما قال المصنّف، فاذا كان غسل الأعضاء موجبا للحرام فلايمكن التعبّد به، فهو كما اذا صلّى قربة و قصد بصلاته هتك المؤمن فتبطل صلاته، أو بجزء منها فيبطل ذلك الجزء كما هو واضح.

في الرياء بعد العمل

(مسألة 29): الرياء بعد العمل ليس بمبطل.

الشرح:

قال في التنقيح: «الرياء بعد العمل يتحقّق باعلام الغير بالعمل بعده، كما اذا نشر عمله في الصحف و المجلاّت، الاّ أنّه لاينبغي الاشكال في عدم كونه موجبا لبطلان لعمل؛ لأنّه بعد ما وقع مطابقا للأمر و على وجه الصحّة و التمام لم ينقلب عمّا وقع عليه. نعم، هو مناف لكمال العبادة حيث ينبغي أن تصدر من غير شائبة الرياء و لو متأخّرا عن العمل».(1)

أقول:

قد تقدّم في المسألة السابقة في الفرع الثالث ما يناسب هذه المسألة فراجع.

فيما اذا توضّأت المرأة في مكان يراها الأجنبي

(مسألة 30): اذا توضّأت المرأة في مكان يراها الأجنبي لايبطل وضوؤها و ان كان من قصدها ذلك.

الشرح:

اذا توضّأت المرأة في مكان يراها الأجنبي لايبطل وضوؤها؛ و ذلك لأنّالغسلتين و المسحتين، وقعتا بأمره تعالى و قربة اليه، و انّما الواجب عليها


1) - التنقيح في شرح العروة 6: 43.

أن يحفظ أعضاءها عن نظر الأجنبي، فهو أمر غير الأمر بالغسلتين و المسحتين، فلم تكونا متّحدتين معه، و ان كان من قصدها بوضوئها أن ينظر اليها الأجنبي. نعم، لو كان المكان منحصرا فيه و أنّ وضوءها موجب لنظر الأجنبي اليها، فيجب عليها التيمّم، فلو عصت و توضّأت يصحّ وضوؤها على الترتّب.

في امكان اجتماع الغايات المتعدّدة للوضوء

(مسألة 31): لا اشكال في امكان اجتماع الغايات المتعدّدة للوضوء، كما اذا كان بعد الوقت و عليه القضاء أيضا و كان ناذرا لمسّ المصحف و أراد قراءة القرآن و زيارة المشاهد، كما لا اشكال في أنّه اذا نوى الجميع و توضّأ وضوءا واحدا لها كفى، و حصل امتثال الأمر بالنسبة الى الجميع، و أنّه اذا نوى واحدا منها أيضا كفى عن الجميع و كان أداءً بالنسبة اليها، و ان لم يكن امتثالاً الاّ بالنسبة الى ما نواه.

و لاينبغي الاشكال في أنّ الأمر متعدّد حينئذ، و ان قيل: انّه لايتعدّد و انّما المتعدّد جهاته و انّما الاشكال في أنّه هل يكون المأمور به متعدّدا أيضا، و أنّ كفاية الوضوء الواحد من باب التداخل أو لا بل يتعدّد، ذهب بعض العلماء الى الأوّل و قال: انّه حينئذ يجب عليه أن يعيّن أحدها، و الاّ بطل؛ لأنّ التعيين شرط عند تعدّد المأمور به. و ذهب بعضهم الى الثاني، و أنّ التعدّد انّما هو في الأمر أو في جهاته، و بعضهم الى أنّه يتعدّد بالنذر و لايتعدّد بغيره، و في النذر أيضا لا مطلقا بل في بعض الصور، مثلاً اذا نذر أن يتوضّأ لقراءة القرآن و نذر أيضا أن يتوضّأ لدخول المسجد، فحينئذ يتعدّد و لايغني أحدهما عن الآخر، فاذا لم ينو شيئا منهما لم يقع امتثال أحدهما و لا أداؤه، و ان نوى أحدهما المعيّن حصل امتثاله و أداؤه و لايكفي عن الآخر، و على أيّ حال وضوؤه صحيح بمعنى أنّه موجب لرفع الحدث، و اذا نذر أن يقرأ القرآن متوضّئا و نذر أيضا أن يدخل المسجد متوضّئا فلايتعدّد حينئذ و يجزي وضوء واحد عنهما، و ان لم ينو شيئا

منهما و لم يمتثل أحدهما، و لو نوى الوضوء لأحدهما كان امتثالاً بالنسبة اليه و أداءً بالنسبة الى الآخر و هذا القول قريب.

الشرح:

قال في التنقيح: «اذا نوى جميع الغايات المترتّبة على الوضوء فقد تكون كلّ واحدة من تلك الغايات داعية مستقلّة نحو الوضوء بحيث لو كانت وحدها لأتى المكلّف لأجلها بالوضوء، فلا اشكال حينئذ في أنّه يقع امتثالاً للجميع».(1)

ثمّ انّ اجتماع الغايات المتعدّدة يتحقّق في مثل ما اذا كان بعد الوقت و عليه القضاء أيضا و كان ناذرا لمسّ المصحف و أراد قراءة القرآن و زيارة المشاهد، فتوضّأ وضوءا واحدا ونوى الجميع بالنحو الذي ذكره في التنقيح كفى و حصل امتثال الأمر بالنسبة الى الجميع. و قد تقدّم في المسألة السادسة من فصل غايات الوضوء.

و أمّا اذا نوى واحدة من الغايات المذكورة يجوز له الصلاة و مسّ المصحف و يثاب بقراءته القرآن متوضّئا و زيارة المشاهد، و أمّا الامتثال فلايقع الاّ ما نوى،

فلو نذر مسّ المصحف و قراءة القرآن و زيارة المشاهد مع الوضوء فتوضّأ بقصد صلاة القضاء، فلم يف بنذره و يبقى على عهدته و لم يكن ممتثلاً له.

قال في التنقيح في نذر الوضوء: «انّ الناذر قد ينذر قراءة القرآن مثلاً متوضّئا و أيضا ينذر زيارة الامام عليه السلام متوضّئا و هكذا، و لا اشكال في عدم وجوب الوضوء متعدّدا في هذه الصورة؛ لأنّه لم ينذر الوضوء متعدّدا و انّما نذر القراءة أو الزيارة و نحوهما، فاذا توضّأ لأيّ غاية كان ثمّ قرأ القرآن و زار الامام عليه السلام صحّ وضوؤه و حصل الوفاء به؛ لأنّه أتى بهما في حال كونه متطهّرا فضلاً عمّا اذا توضّأ للقراءة ثمّ أتى بالزيارة أو بالعكس».(2)


1) - التنقيح في شرح العروة6: 44.

2) - نفس المصدر: 52.

فانّه رحمه الله قد أتى بقسمين آخرين من نذر الوضوء لم يتعارف بين المؤمنين أو قلّ فراجع التنقيح توضيحا للمتن.

فيما اذا شرع في الوضوء قبل دخول الوقت

(مسألة 32): اذا شرع في الوضوء قبل دخول الوقت و في أثنائه دخل لا اشكال في صحّته، و أنّه متّصف بالوجوب باعتبار ما كان بعد الوقت من أجزائه، و بالاستحباب بالنسبة الى ما كان قبل الوقت، فلو أراد نيّة الوجوب و الندب نوى الأوّل بعد الوقت و الثاني قبله.

الشرح:

قد تقدّم في فصل غايات الوضوء، أنّ الكون على الطهارة مستحبّ، و أنّه يستحبّ أن يكون المؤمن دائم الوضوء، و عليه فلا بأس أن ينوي الكون على الطهارة في كلّ وقت أراد الوضوء، فاذا توضّأ يكون متطهّرا و يجوز له الأعمال التي شرط فيها الطهارة كالصلاة، بل يجوز في وقت الصلاة أن ينوي الطهارة المطلقة. نعم، اذا دخل الوقت و لم يكن متوضّئا و أراد الصلاة فوضوؤه هذا واجب قهرا سواء أخطر بقلبه أم لا. و من جملة الغايات التي تقدّمت هي أن يتوضّأ للتهيّؤ للصلاة قبل الوقت.

و قد طرح المصنّف هذه المسألة بأنّه اذا شرع في الوضوء قبل دخول الوقت استحبابا و في أثنائه دخل الوقت فيتّصف بالوجوب و لا اشكال فيه باعتبار ما كان بعد الوقت من أجزائه، فلا اشكال في أن يكون بعض أجزائه مستحبّا و بعضها الآخر واجبا.

أقول:

مضافا الى ما تقدّم آنفا، انّ الوضوء بنفسه عبادة و لايعتبر فيه قصد الوجه. و الظاهر أيضا أنّه لم يكن هناك اشكال في كون نيّته بالنسبة الى بعض أجزاء الوضوء

استحبابا و بعضها الآخر وجوبا؛ لأنّ القدر المتيقّن أنّه امتثل الأمر و نواه قربة الى اللّه و هو المهمّ في العبادة و قد حصل.

قال في المستمسك: «انّ المستفاد من الأدلّة كون الوضوء حقيقة واحدة يترتّب عليها أثر واحد، فاذا استحبّ قبل الوقت و دخل في أثنائه بقي على استحبابه، غاية الأمر أن يكون الوقت سببا لوجوبه، فيكون اتمامه واجبا و مستحبّا على نحو يؤكّد أحدهما الآخر، فلا موجب لبطلانه ليجب استئنافه. انتهى ملخّصا».(1)

(مسألة 33): اذا كان عليه صلاة واجبة أداءً أو قضاءً و لم يكن عازما على اتيانها فعلاً، فتوضّأ لقراءة القرآن فهذا الوضوء متّصف بالوجوب و ان لم يكن الداعي عليه الأمر الوجوبي، فلو أراد قصد الوجوب و الندب لا بدّ أن يقصد الوجوب الوصفي و الندب الغائي بأن يقول: أتوضّأ الوضوء الواجب امتثالاً للأمر به لقراءة القرآن هذا، ولكنّ الأقوى أنّ هذا الوضوء متّصف بالوجوب و الاستحباب معا و لا مانع من اجتماعهما.

الشرح:

قد تقدّم أنّ الكون على الطهارة مستحبّ، و في أيّ وقت توضّأ له كان عبادة و يصحّ وضوؤه، فلايلزم قصد الوجوب أو الاستحباب و ان كان في وقت الصلاة و عند ارادته يقع وضوؤه واجبا، و أمّا اذا لم يرد أداء الصلاة الواجبة و لم يكن عازما على اتيانها فعلاً فتوضّأ يتّصف بالاستحباب، سواء كان قصده الطهارة الصرفة أو لقراءة القرآن.

قال في التنقيح: «ما أفاده في هذه المسألة من أوّلها الى آخرها يبتنى على أمور:


1) - مستمسك العروة 2: 488.

الأوّل: أن نقول بوجوب مقدّمة الواجب؛ اذ لو أنكرنا وجوبها فالوضوء مستحبّ.

الثاني: أن نعمّم وجوب المقدّمة الى مطلقها و لانخصّصها بالموصلة أو بما قصد منه التوصّل به الى الواجب، و الاّ لم يكن الوضوء واجبا في مفروض الكلام؛ لعدم كونه موصلاً الى الواجب.

الثالث: أن يكون المقام من صغريات كبرى جواز اجتماع الأمر و النهي، بناءً على عدم خصوصيّة للوجوب والحرمة في ذلك، بل المبحوث عنه هناك هو جواز اجتماع كلّ حكمين متنافيين في شيء واحد بعنوانين كالكراهة و الوجوب، أو الاستحباب و الكراهة و هكذا. و قد عرفت عدم المساعدة على هذه الأمور. انتهى ملخّصا».(1)

(مسألة 34): اذا كان استعمال الماء بأقلّ ما يجزي من الغسل غير مضرّ و استعمال الأزيد مضرّا يجب عليه الوضوء كذلك، و لو زاد عليه بطل الاّ أن يكون استعمال الزيادة بعد تحقّق الغسل بأقلّ المجزي، و اذا زاد عليه جهلاً أو نسيانا لم يبطل، بخلاف ما لو كان أصل الاستعمال مضرّا و توضّأ جهلاً أو نسيانا، فانّه يمكن الحكم ببطلانه؛ لأنّه مأمور واقعا بالتيمّم هناك بخلاف ما نحن فيه.

الشرح:

قد تقدّم الكلام في الشرط السابع من المسألة العشرين و قلنا بعدم صحّة الوضوء اذا كان الوضوء مضرّا له و سيأتي البحث عنه في التيمّم. و في هذه المسألة نقول: اذا كان استعمال الماء بأقلّ ما يجزي من الغسل غير مضرّ و


1) - التنقيح في شرح العروة 6: 58 و 59.

استعمال الأزيد مضرّا يجب عليه الوضوء كذلك، و اذا تحقّق الغسل بأقلّ ما يجزي و زاد عليه بعد ذلك صحّ وضوؤه و ان كان عاصيا.

فيما اذا توضّأ ثمّ ارتدّ

(مسألة 35): اذا توضّأ ثمّ ارتدّ لايبطل وضوؤه، فاذا عاد الى الاسلام لايجب عليه الاعادة، و ان ارتدّ في أثنائه ثمّ تاب قبل فوات الموالاة لايجب عليه الاستئناف. نعم، الأحوط أن يغسل بدنه من جهة الرطوبة التي كانت عليه حين الكفر، و على هذا اذا كان ارتداده بعد غسل اليسرى و قبل المسح ثمّ تاب يشكل المسح؛ لنجاسة الرطوبة التي على يديه.

الشرح:

قال في المستمسك: «اذا توضّأ ثمّ ارتدّ لايبطل وضوؤه فاذا عاد الى الاسلام لايجب عليه الاعادة كما في القواعد، و عن الخلاف، و الذكرى، و غيرهما، و ظاهر محكي كلامهم المفروغيّة عنه. و ينبغي أن يكون كذلك؛ لأدلّة حصر نواقض الوضوء بغيره، و لأنّه مقتضى استصحاب الطهارة من الحدث، التي لاتنافيها نجاسة الكفر. و ان ارتدّ في أثنائه ثمّ تاب قبل فوات الموالاة، لايجب عليه الاستئناف؛ لاطلاق الأدلّة البيانيّة القوليّة، فانّ مقتضاها كون مجموع ما وقع قبل الارتداد و بعده وضوءا يترتّب عليه الأثر. فلا وجه لاطلاق الاعادة لو حصل في الأثناء، كما في القواعد. و لذا قال في محكي جامع المقاصد: «و الحقّ أنّه انّما يعيد اذا جفّ البلل»، و نحوه ما عن الدروس و الذكرى».(1)

أقول:

اذا توضّأ ثمّ ارتدّ ثمّ تاب و عاد الى الاسلام لم يبطل وضوؤه و كان باقيا؛ و ذلك لأنّ الارتداد ليس من نواقض الوضوء. و أمّا اذا ارتدّ في أثنائه ثمّ تاب قبل


1) - مستمسك العروة 2: 491 و 492.

فوات الموالاة لايجب الاستئناف؛ لعدم كون الارتداد ناقضا. نعم، من حيث انّ الارتداد موجب لنجاسته يلزم عليه غسل بدنه. و على هذا اذا كان ارتداده بعد غسل اليسرى و قبل المسح ثمّ تاب يستأنف الوضوء بعد غسل أعضائه، اللّهمّ الاّ أن يقال بطهارة الرطوبة بالتبعيّة فالاحتياط بالغسل حسن.

(مسألة 36): اذا نهى المولى عبده عن الوضوء في سعة الوقت اذا كان مفوّتا لحقّه فتوضّأ يشكل الحكم بصحّته، و كذا الزوجة اذا كان وضوؤها مفوّتا لحقّ الزوج، و الأجير مع منع المستأجر و أمثال ذلك.

الشرح:

الظاهر أنّ نهي المولى عبده عن الوضوء و كذا الزوج زوجته و المستأجر أجيره لايكون مبطلاً لوضوئه اذا لم يكن مفوّتا لحقّهم، بل لم يفعل الحرام بالنسبة الى نهي المولى عبده و الزوج زوجته و الوالدين ولدهما اذا كان الوضوء للصلاة و ان كان في سعة الوقت؛ و ذلك لعدم وجوب اطاعة الزوجة زوجها و الولد والديه و الأجير مستأجره بل المملوك مولاه في كلّ شيء فضلاً فيما يرتبط بالعبادات.

و أمّا اذا نهى الزوج عن وضوء الزوجة في سعة الوقت اذا كان مفوّتا لحقّه، فعلى فرض حرمة المخالفة بالنسبة الى العبادات اذا لم يكن الوقت ضيّقا، فلايبطل وضوؤها؛ لأنّ نهيه لايكون كنهي الشارع عن عبادة حتّى يقال: يوجب الفساد أم لا، بل انّما الواجب على الزوجة أداء حقّ الزوج، فالوضوء المفوّت لحقّه يكون من صغريات أنّ الأمر بالشيء هل يقتضي النهي عن ضدّه، و على فرض نهيه هل يكون هذا النهي مفسدا للعبادة، فالصحيح عدم الاقتضاء، و لو سلّم لايكون هذا النهي موجبا لفساد العبادة.

و أمّا المستأجر فاذا استأجره الأجير من الساعة الثامنة صباحا الى الساعة الثانية بعد الظهر فان لم ينه عن التوضّؤ و الصلاة أوّل الوقت، فلا اشكال في ذلك؛ لدلالة

العرف على ذلك بحدّه المتعارف. و أمّا اذا نهى عن ذلك، فان كان شرط عليه في العقد أن يجعل عبادته من الوضوء و الصلاة بعد ذلك فاللازم العمل بالشرط، و ان لم يشترط فنهيه عن ذلك ليس بشيء، و لو فرض الاعتناء به فليس مبطلاً للوضوء و الصلاة.

فيما اذا شكّ في الحدث بعد الوضوء

(مسألة 37): اذا شكّ في الحدث بعد الوضوء بنى على بقاء الوضوء، الاّ اذا كان سبب شكّه خروج رطوبة مشتبهة بالبول و لم يكن مستبرئا، فانّه حينئذ يبني على أنّها بول و أنّه محدث، و اذا شكّ في الوضوء بعد الحدث يبني على بقاء الحدث، و الظنّ الغير المعتبر كالشكّ في المقامين، و ان علم الأمرين و شكّ في المتأخّر منهما بنى على أنّه محدث اذا جهل تاريخهما أو جهل تاريخ الوضوء، و أمّا اذا جهل تاريخ الحدث و علم تاريخ الوضوء بنى على بقائه، و لايجري استصحاب الحدث حينئذ حتّى يعارضه؛ لعدم اتّصال الشكّ باليقين به حتّى يحكم ببقائه، و الأمر في صورة جهلهما أو جهل تاريخ الوضوء و ان كان كذلك الاّ أنّ مقتضى شرطيّة الوضوء وجوب احرازه، ولكنّ الأحوط الوضوء في هذه الصورة أيضا.

الشرح:

في هذه المسألة صور:

الأولى: اذا شكّ في الحدث بعد الوضوء بنى على بقاء الوضوء؛ لاستصحاب الوضوء، الاّ اذا كان سبب شكّه خروج رطوبة مشتبهة بالبول و لم يكن مستبرئا، فانّه حينئذ يبني على أنّها بول كما تقدّم في محلّه، و أنّه محدث.

الثانية: اذا كان محدثا يقينا و شكّ في أنّه توضّأ أم لا، يبني على بقاء الحدث؛ للاستصحاب. و الظنّ غير المعتبر كالشكّ في هذه الصورة و في الصورة الأولى.

ف«انّ الظنّ لايغني من الحقّ شيئا».(1)

الثالثة: اذا علم الأمرين من الوضوء و الحدث و شكّ في المتأخّر منهما بنى على أنّه محدث اذا جهل تاريخهما؛ و ذلك لأنّه يكون شاكّا في كونه متوضّئا أو محدثا، فلايجوز له الصلاة؛ لوجوب احراز الطهارة حين فعل الصلاة، و الفرض أنّه لم يحرز. و لو صلّى و الحال هذه لم تبرأ ذمّته؛ لأنّ الاشتغال اليقيني يقتضي البراءة اليقينيّة. و أمّا استصحاب الوضوء فانّه معارض باستصحاب الحدث فيتساقطان.

الرابعة: اذا علم تاريخ الحدث و جهل تاريخ الوضوء، فالحكم في هذه الصورة أيضا أنّه محدث و يجب عليه الوضوء؛ لأنّ استصحاب الوضوء معارض باستصحاب الحدث فيسقط بالمعارضة، فالمحكّم قاعدة الاشتغال. و هو ظاهر المشهور حيث لم يفرّقوا بين الصورة الثالثة و الرابعة.

الخامسة: اذا جهل تاريخ الحدث و علم تاريخ الوضوء، فذهب المصنّف الى البناء على بقاء الوضوء و عدم جريان استصحاب الحدث حينئذ حتّى يعارضه، و قال: «لعدم اتّصال الشكّ باليقين به حتّى يحكم ببقائه».

أقول:

اذا علم تاريخ الوضوء و جهل تاريخ الحدث، فيستصحب الوضوء، و لا موقع لاستصحاب الحدث؛ و ذلك لأنّه ان وقع الحدث قبل ساعة من الزوال على فرض وقوع الوضوء حين الزوال فقد ارتفع، و ان كان وقع بعد ساعة من الزوال فهو مشكوك فليس بمتيقّن، و الظاهر أنّ مراد المصنّف من عدم اتّصال الشكّ باليقين هو هذا.


1) - النجم 53: 28.

فيمن نسي الوضوء بعد أن كان مأمورا بالوضوء

(مسألة 38): من كان مأمورا بالوضوء من جهة الشكّ فيه بعد الحدث اذا نسي و صلّى، فلا اشكال في بطلان صلاته بحسب الظاهر فيجب عليه الاعادة ان تذكّر في الوقت، و القضاء ان تذكّر بعد الوقت، و أمّا اذا كان مأمورا به من جهة الجهل بالحالة السابقة فنسيه و صلّى يمكن أن يقال بصحّة صلاته من باب قاعدة الفراغ، لكنّه مشكل، فالأحوط الاعادة أو القضاء في هذه الصورة أيضا، و كذا الحال اذا كان من جهة تعاقب الحالتين و الشكّ في المتقدّم منهما.

الشرح:

اذا شكّ في أنّه يكون متوضّئا أو لا، يجب عليه الوضوء، فان نسي و صلّى فلا اشكال في بطلان صلاته؛ لأنّه لم يكن متطهّرا بحسب الظاهر فيجب عليه الاعادة أو القضاء.

قال في المستمسك: «من تيقّن الحدث و شكّ في الطهارة، إمّا أن يبقى شاكّا الى زمان الصلاة و مع الالتفات الى شكّه يصلّي، و لا ريب في بطلان صلاته ظاهرا؛ عملاً بالاستصحاب، و لا مجال لقاعدة الفراغ؛ اذ ليس موضوعها ما يعمّ صورة حدوث الشكّ قبل الصلاة و استمراره بعدها.

و إمّا أن يبقى شاكّا الى ما بعد الصلاة ولكنّه يغفل عن شكّه، و حكمه كالأوّل؛ اذ لا فرق بينهما في استمرار الشكّ من حين حدوثه قبل الصلاة الى ما بعدها، و لا في جريان الاستصحاب؛ لتحقّق أركانه، و هما اليقين و الشكّ، و انّما يفترقان في تنجّز الاستصحاب و عدمه، حيث انّ عدم التفات الثاني الى كونه شاكّا مانع عن تنجّز الاستصحاب في حقّه.

و إمّا أن يغفل عن نفس المشكوك، فيذهب شكّه بالمرّة؛ لتوقّف الشكّ على الالتفات. و لاينبغي التأمّل في عدم جريان الاستصحاب في حقّه؛ لانتفاء موضوعه، و هو الشكّ، و لايكفي الشكّ التقديري للاستصحاب، و لا بأس

بجريان قاعدة الفراغ لو التفت بعد الصلاة الى شكّه. اللّهمّ الاّ أن يقال: انّ الظاهر من دليل القاعدة خصوص الشكّ الابتدائي بعد الصلاة، فلاتشمل الصورة المذكورة. و هكذا يكون الحكم اذا كان مأمورا به من جهة الجهل بالحالة السابقة فنسيه و صلّى. فالظاهر أيضا له ثلاث صور، و لايجري قاعدة الفراغ في شيء منها. انتهى ملخّصا».(1)

أقول:

اذا كان مأمورا بالوضوء من جهة الجهل بالحالة السابقة فنسيه و صلّى، و بعد الفراغ من الصلاة التفت الى تكليفه فلايجري قاعدة الفراغ؛ لأنّ الظاهر منها كما تقدّم في المستمسك الشكّ الابتدائي، و ليس هذا موردها، أو يشكّ في كونه مورد جريان قاعدة الفراغ. و كذلك يكون الحال في صورة تعاقب الحالتين؛ لأنّ من علم بحدث و وضوء فشكّ في حدثه أو طهارته من جهة الجهل بالمتقدّم و المتأخّر منهما يحكم عليه بوجوب الوضوء لقاعدة الاشتغال دون الاستصحاب؛ للجهل بالحالة السابقة، كما في التنقيح.(2)

(مسألة 39): اذا كان متوضّئا و توضّأ للتجديد و صلّى، ثمّ تيقّن بطلان أحد الوضوءين و لم يعلم أيّهما لا اشكال في صحّة صلاته، و لايجب عليه الوضوء للصلاة الآتية أيضا بناءً على ما هو الحقّ من أنّ التجديدي اذا صادف الحدث صحّ، و أمّا اذا صلّى بعد كلّ من الوضوءين ثمّ تيقّن بطلان أحدهما فالصلاة الثانية صحيحة، و أمّا الأولى فالأحوط اعادتها و ان كان لايبعد جريان قاعدة الفراغ فيها.


1) - مستمسك العروة 2: 503 و 504.

2) - التنقيح في شرح العروة 6: 82.

الشرح:

اذا كان متوضّئا و توضّأ للتجديد و صلّى ثمّ تيقّن بطلان أحد الوضوءين و لم يعلم أيّهما لا اشكال في صحّة صلاته و لايجب عليه الوضوء للصلاة الآتية أيضا؛ لأنّ الوضوء التجديدي وضوء واقعا و له أمر فكان بحيث لو كشف أنّ وضوءه الأوّل كان باطلاً، فيكون هذا موجبا لطهارته. و لعلّ من جملة علل الأمر بالوضوء التجديدي هو أن يصير متطهّرا لو نسي أو جهل الحدث أو بطلان الوضوء الأوّل. و أمّا اذا صلّى بعد كلّ من الوضوءين ثمّ تيقّن بطلان أحدهما فالصلاة الثانية صحيحة؛ لأنّه متيقّن بصحّة أحد الوضوءين.

و أمّا الصلاة الأولى، فالظاهر عدم جريان قاعدة الفراغ؛ للعلم الاجمالي بأنّ احدى الصلاتين باطلة فاذا حكمنا بصحّة الصلاة الثانية فالأولى باطلة. اللّهمّ الاّ أن يقال بأنّ الصلاة الواقعة بعد الوضوء الأوّل تكون أيضا موردا لقاعدة الفراغ لكون شكّه بعد الصلاة فلا مجال لجريان العلم الاجمالي هنا، الاّ أنّ الاحتياط بالاعادة أو القضاء لايترك.

(مسألة 40): اذا توضّأ وضوءين و صلّى بعدهما، ثمّ علم بحدوث حدث بعد أحدهما يجب الوضوء للصلوات الآتية؛ لأنّه يرجع الى العلم بوضوء و حدث و الشكّ في المتأخّر منهما، و أمّا صلاته فيمكن الحكم بصحّتها من باب قاعدة الفراغ بل هو الأظهر.

الشرح:

اذا توضّأ وضوءين و صلّى بعدهما ثمّ علم بحدوث حدث بعد أحدهما يجب الوضوء للصلوات الآتية؛ لقاعدة الاشتغال، و أنّه يرجع الى العلم بوضوء و حدث و الشكّ في المتأخّر منهما و ان علم تاريخ الوضوء، فلا مورد لجريان الاستصحاب. و أمّا صلاته فيمكن الحكم بصحّتها من باب قاعدة الفراغ كما تقدّم.

(مسألة 41): اذا توضّأ وضوءين و صلّى بعد كلّ واحد صلاة، ثمّ علم حدوث حدث بعد أحدهما يجب الوضوء للصلوات الآتية و اعادة الصلاتين السابقتين ان كانا مختلفتين في العدد، و الاّ يكفي صلاة واحدة بقصد ما في الذمّة، جهرا اذا كانتا جهريّتين، و اخفاتا اذا كانتا اخفاتيّتين، و مخيّرا بين الجهر و الاخفات اذا كانتا مختلفتين، و الأحوط في هذه الصورة اعادة كليهما.

الشرح:

اذا توضّأ وضوءين و صلّى بعد كلّ واحد صلاة ثمّ علم حدوث حدث بعد أحدهما يجب الوضوء للصلوات الآتية؛ و ذلك لعدم صحّة استصحاب الوضوء؛ لأنّه لم يعلم اتّصال الشكّ باليقين مع أنّه معارض باستصحاب الحدث، فالمحكّم قاعدة الاشتغال، و يجب عليه اعادة الصلاتين ان كانتا مختلفتين لو علم أنّ الحدث كان بعد الوضوء من أحدهما و قبل الصلاة؛ و ذلك للشكّ في صحّة الصلاتين و القطع ببطلان احداهما، فلا مورد لجريان قاعدة الفراغ. نعم، لو كانتا متّفقتين يكفيه اعادة صلاة واحدة بقصد ما في الذمّة؛ للقطع بصحّة احداهما جهرا اذا كانتا جهريّتين و اخفاتا اذا كانتا اخفاتيّتين، و يتخيّر بين الجهر و الاخفات لو كانتا مختلفتين، كما لو صلّى عقيب أحدهما صلاة العصر أداءً و عقيب الثاني صلاة العشاء قضاءً.

(مسألة 42): اذا صلّى بعد كلّ من الوضوءين نافلة ثمّ علم حدوث حدث بعد أحدهما فالحال على منوال الواجبين، لكن هنا يستحبّ الاعادة؛ اذ الفرض كونهما نافلة، و أمّا اذا كان في الصورة المفروضة احدى الصلاتين واجبة و الأخرى نافلة، فيمكن أن يقال بجريان قاعدة الفراغ في الواجبة، و عدم معارضتها بجريانها في النافلة أيضا؛ لأنّه لايلزم من اجرائها فيهما طرح

تكليف منجّز، الاّ أنّ الأقوى عدم جريانها؛ للعلم الاجمالي، فيجب اعادة الواجبة و يستحبّ اعادة النافلة.

الشرح:

اذا صلّى بعد كلّ من الوضوءين نافلة ثمّ علم حدوث حدث بعد أحدهما فالحال على منوال الواجبين و قد ذكر في المسألة السابقة الاّ أنّ هنا يستحبّ الاعادة؛ اذ الفرض كونهما نافلة. و أمّا اذا كان في الصورة المفروضة احدى الصلاتين واجبة و الأخرى نافلة، فالظاهر أنّ العلم الاجمالي ببطلان احدى الصلاتين مانع من اجراء قاعدة الفراغ كما تقدّم.

(مسألة 43): اذا كان متوضّئا و حدث منه بعده صلاة و حدث، و لايعلم أيّهما المقدّم و أنّ المقدّم هي الصلاة حتّى تكون صحيحة أو الحدث حتّى تكون باطلة، الأقوى صحّة الصلاة؛ لقاعدة الفراغ، خصوصا اذا كان تاريخ الصلاة معلوما؛ لجريان استصحاب بقاء الطهارة أيضا الى ما بعد الصلاة.

الشرح:

اذا كان متوضّئا و صلّى بعده صلاة و قد وقع منه أيضا حدث و لم يعلم أنّ أيّها وقع أوّلاً بعد الوضوء، فهل كانت صلاته بعد الوضوء و قبل الحدث، حتّى تكون صلاته صحيحة، أو كانت صلاته بعد الحدث حتّى تكون باطلة؟

قال في مهذّب الأحكام: «اذا كان تاريخ الصلاة معلوما تصحّ الصلاة و لاتجب اعادتها أو قضاؤها؛ لأنّ تاريخ حدوث الصلاة معلوم، و الشكّ في أنّه هل الحدث قبل الصلاة أم لا، فيجري استصحاب بقاء الطهارة بلا معارض، مضافا الى قاعدة الفراغ الدالّة على صحّة الصلاة أيضا. و لو كان تاريخهما مجهولاً، أو كان تاريخ

الحدث معلوما و تاريخ الصلاة مجهولاً، تصحّ الصلاة أيضا؛ لقاعدة الفراغ».(1)

أقول:

الظاهر صحّة الصلاة في الصور الثلاث؛ و ذلك للشكّ في الطهارة بعد الصلاة فلا مانع من جريان قاعدة الفراغ، مع أنّه لايبعد استصحاب بقاء الطهارة الى ما بعد الصلاة فيها.

فيما اذا تيقّن بعد الفراغ من الوضوء أنّه ترك جزءا منه

(مسألة 44): اذا تيقّن بعد الفراغ من الوضوء أنّه ترك جزءا منه و لايدري أنّه الجزء الوجوبي أو الجزء الاستحبابي، فالظاهر الحكم بصحّة وضوئه؛ لقاعدة الفراغ، و لاتعارض بجريانها في الجزء الاستحبابي؛ لأنّه لا أثر لها بالنسبة اليه، و نظير ذلك ما اذا توضّأ وضوءا لقراءة القرآن و توضّأ في وقت آخر وضوءا للصلاة الواجبة، ثمّ علم ببطلان أحد الوضوءين، فانّ مقتضى قاعدة الفراغ صحّة الصلاة، و لاتعارض بجريانها في القراءة أيضا؛ لعدم أثر لها بالنسبة اليها.

الشرح:

اذا تيقّن بعد الفراغ من الوضوء أنّه ترك جزءا منه و لايدري أنّه الجزء الوجوبي أو الجزء الاستحبابي، فالظاهر الحكم بصحّة وضوئه؛ لقاعدة الفراغ، و كأنّه بعد الوضوء يشكّ في أنّه أتى بالجزء الوجوبى أم لم يأت به، فيبني على اتيانه؛ لقوله عليه السلام :

« ... انّما الشكّ اذا كنت في شيء لم تجزه».(2)

و لا تعارض بينه و بين اجراء هذا البناء في الجزء الاستحبابي؛ لأنّه لا أثر لهذا


1) - مهذّب الأحكام 2: 473 و 474.

2) - وسائل الشيعة 1: 469 / الباب 42 من أبواب الوضوء / الحديث 2.

البناء بالنسبة الى الجزء الاستحبابي، أي سواء بنى على اتيانه أو لم يبن فوضوؤه صحيح بخلاف جريان القاعدة في الجزء الوجوبي. و نظير ذلك ما اذا توضّأ وضوءا لقراءة القرآن و توضّأ في وقت آخر وضوءا للصلاة الواجبة ثمّ علم ببطلان أحد الوضوءين، فبالنسبة الى الصلاة التي صلّى بعد أحدهما تجري قاعدة الفراغ؛ لأنّه يشكّ في أنّ صلاته التي صلاّها هل كانت مع الطهارة أم لا؟ فتجري القاعدة.

و أمّا بالنسبة الى أصل الوضوء فالظاهر صحّة وضوئه؛ لأنّه يشكّ في صحّة وضوئه الواجب فيبني على الصحّة، و لايعارضه البناء على الصحّة في الوضوء الذي توضّأ لقراءة القرآن؛ لأنّ الأثر يترتّب على الوضوء الذي توضّأ للصلاة الواجبة. و لهذا نقول بعدم جريان العلم الاجمالي هنا ببطلان أحد الوضوءين.

فيما اذا تيقّن ترك جزء من أجزاء الوضوء أو شرط من شرائطه

(مسألة 45): اذا تيقّن ترك جزء أو شرط من أجزاء أو شرائط الوضوء، فان لم تفت الموالاة رجع و تدارك و أتى بما بعده، و أمّا ان شكّ في ذلك فامّا أن يكون بعد الفراغ أو في الأثناء، فان كان في الأثناء رجع و أتى به و بما بعده، و ان كان الشكّ قبل مسح الرجل اليسرى في غسل الوجه مثلاً أو في جزء منه، و ان كان بعد الفراغ في غير الجزء الأخير بنى على الصحّة؛ لقاعدة الفراغ، و كذا ان كان الشكّ في الجزء الأخير ان كان بعد الدخول في عمل آخر أو كان بعد ما جلس طويلاً أو كان بعد القيام عن محلّ الوضوء، و ان كان قبل ذلك أتى به ان لم تفت الموالاة، و الاّ استأنف.

الشرح:

اذا تيقّن ترك جزء أو شرط من أجزاء الوضوء أو شروطه فان لم تفت الموالاة رجع و تدارك و أتى بما بعده؛ لأنّ غسل الأعضاء أو مسحها باطل بترك الجزء المذكور كغسل الوجه مثلاً أو بترك شرطه كغسل اليد من الأصابع الى المرفق و

لعدم حصول الترتيب الواجب بينهما. و أمّا ان فاتت الموالاة، فعليه الاستئناف؛ و ذلك لأنّ الوضوء أمر وحداني يجب أن يكون غسل الأعضاء، و مسحها متواليا عرفا.

و أمّا ان شكّ في غسل عضو من أعضاء الوضوء أو مسحه أو رعاية شرط من شروطه، فان كان بعد الفراغ من الوضوء و الدخول في فعل آخر كالصلاة مثلاً، أو مضي زمان معتدّ به فاصل بين الوضوء و زمان الشكّ، فتجري قاعدة الفراغ فيحكم بصحّة وضوئه.

و أمّا ان كان في الأثناء فيجب عليه أن يرجع و يأتي بما شكّ فيه و بما بعده ليحصل الترتيب. و أمّا لو شكّ في الجزء الأخير فان لم تفت الموالاة فعليه أن يأتي به و لو فاتت أو دخل في فعل آخر فالأقوى صحّة وضوئه.

يدلّ على وجوب اتيان ما شكّ فيه من أفعال الوضوء قبل الانصراف و عدم وجوبه بعده الاّ أن يتيقّن عدم الاتيان صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«اذا كنت قاعدا على وضوئك فلم تدر أغسلت ذراعيك أم لا، فأعد عليهما و على جميع ما شككت فيه أنّك لم تغسله و تمسحه ممّا سمّى اللّه مادمت في حال الوضوء، فاذا قمت عن الوضوء، و فرغت منه، و قد صرت في حال أخرى في الصلاة، أو في غيرها، فشككت في بعض ما سمّى اللّه ممّا أوجب اللّه عليك فيه وضوءه لا شيء عليك فيه، فان شككت في مسح رأسك فأصبت في لحيتك بللاً فامسح بها عليه، و على ظهر قدميك، فان لم تصب بللاً فلاتنقض الوضوء بالشكّ، و امض في صلاتك، و ان تيقّنت أنّك لم تتمّ وضوءك فأعد على ما تركت يقينا، حتّى تأتي على الوضوء، الحديث».(1)


1) - وسائل الشيعة 1: 469 / الباب 42 من أبواب الوضوء / الحديث 1.

و لاتعارضها موثّقة عبداللّه بن أبي يعفور عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«اذا شككت في شيء من الوضوء و قد دخلت في غيره فليس شكّك بشيء، انّما الشكّ اذا كنت في شيء لم تجزه».(1)

لأنّه يرجع الضمير في «غيره» الى الوضوء؛ جمعا بينهما مع ملاحظة الاجماع بوجوب الرجوع الى المشكوك و اتيانه اذا كان في الأثناء.

في شكّ كثير الشكّ

(مسألة 46): لا اعتبار بشكّ كثير الشكّ سواء كان في الأجزاء أو في الشرائط أو الموانع.

الشرح:

اذا كان كثرة الشكّ في الوضوء ناشئة من الوسوسة - كما هو الغالب الذي يقضي به العرف - فهي من الشيطان و لا اعتبار بها بل لايجوز للشاكّ أن يعتني بشكّه هذا، فانّه اذا قد علم أنّه من خطوات الشيطان، كما ورد في صحيحة عبداللّه بن سنان قال:

«ذكرت لأبي عبداللّه عليه السلام رجلاً مبتلى بالوضوء و الصلاة، و قلت: هو رجل عاقل، فقال أبو عبداللّه عليه السلام : و أيّ عقل له و هو يطيع الشيطان؟ فقلت له: و كيف يطيع الشيطان؟ فقال: سله، هذا الذي يأتيه من أيّ شيء هو؟ فانّه يقول لك: من عمل الشيطان».(2)

قال في المستمسك: «كما عن الحلّي في السرائر، و جماعة من المتأخّرين، كالشهيدين و المحقّق الثاني و السيّد في المدارك، و غيرهم».(3)


1) - وسائل الشيعة 1: 469 / الباب 42 من أبواب الوضوء / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 1: 63 / الباب 10 من أبواب مقدّمة العبادات / الحديث 1.

3) - مستمسك العروة 2: 520.

في حكم التيمّم البدل عن الوضوء من حيث الشكّ

(مسألة 47): التيمّم الذي هو بدل عن الوضوء لايلحقه حكمه في الاعتناء بالشكّ اذا كان في الأثناء، و كذا الغسل و التيمّم بدله بل المناط فيها التجاوز عن محلّ المشكوك فيه و عدمه، فمع التجاوز يجري قاعدة التجاوز و ان كان في الأثناء مثلاً اذا شكّ بعد الشروع في مسح الجبهة في أنّه ضرب بيديه على الأرض أم لا، يبني على أنّه ضرب بهما، و كذا اذا شكّ بعد الشروع في الطرف الأيمن في الغسل أنّه غسل رأسه أم لا، لايعتني به لكن الأحوط الحاق المذكورات أيضا بالوضوء.

الشرح:

التيمّم الذي هو بدل عن الوضوء لايلحقه حكمه في الاعتناء بالشكّ اذا كان في الأثناء، و كذا الغسل و التيمّم بدله، بل المناط فيه التجاوز عن المحلّ المشكوك فيه و عدمه، فمع التجاوز تجري قاعدة التجاوز و ان كان في الأثناء؛ و ذلك لموثّقة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«كلّ ما شككت فيه ممّا قد مضى فامضه كما هو».(1)

و قوله عليه السلام في ذيل صحيحة زرارة:

« ... ثمّ قال: يا زرارة، اذا خرجت من شيء ثمّ دخلت في غيره فشكّك ليس بشيء».(2)

قال في الجواهر: «هي قاعدة محكّمة في الصلاة و غيرها من الحجّ و العمرة و غيرهما. نعم، هي مخصوصة بالوضوء خاصّة؛ لما سمعته من أدلّته، فمن هنا وجب الاقتصار عليه، و لايتعدّى منه في هذا الحكم للغسل مثلاً، بل هو باق على


1) - وسائل الشيعة 8: 237 / الباب 23 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 3.

2) - وسائل الشيعة 8: 237 / الباب 23 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 1.

القاعدة من عدم الالتفات الى الشكّ في شيء من أجزائه مع الدخول في غيره من الأجزاء. نعم، لايبعد الحاق التيمّم به.

و من العجيب ما وقع للفاضل في الرياض من جريان حكم الوضوء في الغسل، فيلتفت الى كلّ جزء وقع الشكّ فيه مع بقائه على حال الغسل، و لم أعثر على مثل ذلك لغيره، و كان منشأ الوهم ما في بعض عبارات الأصحاب كالمصنّف و غيره من ذكر لفظ الطهارة الشاملة للوضوء و غيره، و هو - مع أنّ الظاهر ارادة الوضوء منه؛ لذكرهم ذلك في بابه - لايصلح لأن يكون ذلك بمجرّده حجّة مخصّصة للقاعدة المتقدّمة الشاملة للصلاة و غيرها».(1)

و بناءً عليه فاذا شكّ بعد الشروع في مسح الجبهة في أنّه ضرب بيديه على الأرض أم لا، يبني على أنّه ضرب بهما، و كذا اذا شكّ بعد الشروع في الطرف الأيمن في الغسل أنّه غسل رأسه أم لا، لايعتني به و الاحتياط حسن على كلّ حال.

فيما اذا علم بعد الفراغ من الوضوء أنّه مسح على الحائل

(مسألة 48): اذا علم بعد الفراغ من الوضوء أنّه مسح على الحائل أو مسح في موضع الغسل أو غسل في موضع المسح، ولكن شكّ في أنّه هل كان هناك مسوّغ لذلك من جبيرة أو ضرورة أو تقيّة أو لا، بل فعل ذلك على غير الوجه الشرعي، الظاهر الصحّة؛ حملاً للفعل على الصحّة؛ لقاعدة الفراغ أو غيرها، و كذا لو علم أنّه مسح بالماء الجديد و لم يعلم أنّه من جهة وجود المسوّغ أو لا، و الأحوط الاعادة في الجميع.

الشرح:

قال في التنقيح: «و الصحيح عدم جريان القاعدة في شيء من تلك الموارد؛ و ذلك لأنّ جملة من روايات القاعدة و ان كانت مطلقة يمكن التمسّك بها في


1) - جواهر الكلام 2: 355.

الحكم بصحّة الوضوء و غيره من الموارد المتقدّمة، كما في قوله عليه السلام : «كلّ ما مضى من صلاتك و طهورك فذكرته تذكّرا فامضه»، و قوله عليه السلام : «كلّ ما شككت فيه ممّا قد مضى فامضه كما هو»؛ لأنّ مقتضى اطلاقهما جريان القاعدة في الموارد المتقدّمة؛ للشكّ فيما مضى من طهوره و صلاته، الاّ أنّ في بينها روايتين لا مناص من تقييد المطلقات بهما، و هما معتبرة بكير المشتملة على قوله: «هو حين يتوضّأ أذكر منه حين يشكّ»، و رواية أخرى واردة في الصلاة المتضمّنة لقوله عليه السلام : «لأنّه حينما يصلّي كان أقرب الى الحقّ منه بعدها»؛ لدلالتهما على اختصاص القاعدة بما اذا شكّ المكلّف في صحّة عمله و فساده من جهة احتمال نقصانه أو زيادته غفلة أو نسيانا، فلايدري أنّ ما أتى به كان مطابقا للمأمور به أو مخالفا له فتجري القاعدة في حقّه؛ لأنّه بطبعه أذكر حال العمل من حال شكّه و ظاهر حاله أنّه أتى به مطابقا للمأمور به. و أمّا اذا كانت صورة العمل محفوظة عنده و كان حاله بعد العمل حاله حال العمل بمعنى أنّه لايحتمل البطلان من ناحية عمله لعلمه بما أتى به، و انّما كان شكّه من جهة فعل المولى و أمره قبل العمل و بعده فلاتجري القاعدة في حقّه؛ لأنّها مختصّة بما اذا احتمل البطلان من جهة غفلته أو نسيانه».(1)

أقول:

الروايتان اللتان أشار اليهما في التنقيح احداهما مضمرة بكير بن أعين قال:

«قلت له: الرجل يشكّ بعد ما يتوضّأ؟ قال: هو حين يتوضّأ أذكر منه حين يشكّ».(2)

و ثانيتهما صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال:

«ان شكّ الرجل بعد ما صلّى فلم يدر أثلاثا صلّى أم أربعا، و كان


1) - التنقيح في شرح العروة 6: 129 و 130.

2) - وسائل الشيعة 1: 471 / الباب 42 من أبواب الوضوء / الحديث 7.

يقينه حين انصرف أنّه كان قد أتمّ لم يعد الصلاة، و كان حين انصرف أقرب الى الحقّ منه بعد ذلك».(1)

فانّ الظاهر من الرواية الثانية أنّ المصلّي قد كان يتيقّن حين انصرافه من الصلاة ولكنّه شكّ بعد ذلك، فقال عليه السلام : «كان حين انصرف أقرب الى الحقّ منه بعد ذلك»، فلايرتبط بالمقام.

و أمّا الرواية الأولى، و ان كانت من جهة السند حسنة فانّ بكير بن أعين ممدوح الاّ أنّها مضمرة، فلانطمئنّ بأنّ المروي عنه هو الامام عليه السلام ، فلعلّه من أصحابه عليه السلام . و أمّا متنها ففيه: انّه عليه السلام بصدد ذكر ما هو الغالب من أنّ الانسان حين يفعل فعلاً يكون ذاكرا له، و لايكون بصدد بيان قاعدة و هي أنّ عدم الاعتناء بالشكّ يكون في مورد لم تكن صورة العمل في ذهنه، و كان الشكّ من جهة احتمال غفلته أو نسيانه. و لذلك لاتكون الرواية مقيّدة لاطلاق قوله عليه السلام في صحيحة محمّد بن مسلم:

«كلّ ما مضى من صلاتك و طهورك فذكرته تذكّرا فامضه، و لا اعادة عليك فيه».(2)

و كذا قوله عليه السلام في صحيحته الأخرى:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : رجل شكّ في الوضوء بعد ما فرغ من الصلاة؟ قال: يمضي على صلاته و لايعيد».(3)

فالمحكّم اطلاق قول الامام عليه السلام في الصحيحتين. فاذا علم بعد الفراغ من الوضوء أنّه مسح على الحائل، أو مسح موضع الغسل، أو غسل موضع المسح، ولكن شكّ أنّه هل كان هناك مسوّغ لذلك من جبيرة أو ضرورة أو تقيّة أو لا، بل


1) - وسائل الشيعة 8: 246 / الباب 27 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 3.

2) - وسائل الشيعة 1: 471 / الباب 42 من أبواب الوضوء / الحديث 6.

3) - وسائل الشيعة 1: 470 / الباب 42 من أبواب الوضوء / الحديث 5.

فعل ذلك على غير الوجه الشرعي فالظاهر الصحّة، و كذا لو علم أنّه مسح بالماء الجديد و لم يعلم أنّه من جهة وجود المسوّغ أو لا، و الاحتياط بالاعادة في الجميع حسن.

(مسألة 49): اذا تيقّن أنّه دخل في الوضوء و أتى ببعض أفعاله ولكن شكّ في أنّه أتمّه على الوجه الصحيح أو لا، بل عدل عنه اختيارا أو اضطرارا الظاهر عدم جريان قاعدة الفراغ، فيجب الاتيان به؛ لأنّ مورد القاعدة ما اذا علم كونه بانيا على اتمام العمل و عازما عليه، الاّ أنّه شاكّ في اتيان الجزء الفلاني أم لا، و في المفروض لايعلم ذلك، و بعبارة أخرى مورد القاعدة صورة احتمال عروض النسيان لا احتمال العدول عن القصد.

الشرح:

اذا تيقّن أنّه دخل في الوضوء و أتى ببعض أفعاله ولكن شكّ في أنّه أتمّه على الوجه الصحيح أو عدل عنه اختيارا أو اضطرارا، فتارة: علم بأنّ قصده - و لو بحسب العادة - اتمام الوضوء، و شكّ في بقائه، فحينئذ لا مانع على الظاهر من استصحاب القصد، كما لا مانع من جريان قاعدة الفراغ، فانّ الشكّ في أنّه أتمّه على الوجه الصحيح أم لا، مسبّب عن شكّه في أنّ قصده كان مستمرّا أم عدل عنه، فلا اشكال في اجراء الأصل في السبب كما يجوز اجراء القاعدة في المسبّب.

و أخرى: شكّ في قصد الاتمام من أوّل الأمر لبعض الاتّفاقات، فحينئذ لاتجري قاعدة الفراغ ظاهرا؛ لما قاله المصنّف.

فيما اذا شكّ في وجود الحاجب

(مسألة 50): اذا شكّ في وجود الحاجب و عدمه قبل الوضوء أو في الأثناء، وجب الفحص حتّى يحصل اليقين أو الظنّ بعدمه ان لم يكن مسبوقا بالوجود، و الاّ وجب تحصيل اليقين و لايكفي الظنّ، و ان شكّ بعد الفراغ

في أنّه كان موجودا أم لا، بنى على عدمه و يصحّ وضوؤه، و كذا اذا تيقّن أنّه كان موجودا و شكّ في أنّه أزاله أو أوصل الماء تحته أم لا. نعم، في الحاجب الذي قد يصل الماء تحته و قد لايصل اذا علم أنّه لم يكن ملتفتا اليه حين الغسل ولكن شكّ في أنّه وصل الماء تحته من باب الاتّفاق أم لا، يشكل جريان قاعدة الفراغ فيه، فلايترك الاحتياط بالاعادة، و كذا اذا علم بوجود الحاجب المعلوم أو المشكوك حجبه و شكّ في كونه موجودا حال الوضوء أو طرأ بعده، فانّه يبني على الصحّة الاّ اذا علم أنّه في حال الوضوء لم يكن ملتفتا اليه فانّ الأحوط الاعادة حينئذ.

الشرح:

اذا شكّ في وجود الحاجب و عدمه قبل الوضوء أو في الأثناء:

فتارة: كان مسبوقا بالوجود فشكّ في رفعه فيجب تحصيل اليقين برفعه؛ لأنّ الأصل وجوده حتّى يتيقّن بعدمه.

و أخرى لم يكن له حالة سابقة فيجب أيضا الفحص حتّى يحصل اليقين بعدمه؛ لوجوب احراز عدم المانع قبل الوضوء أو في الأثناء، و لا اشكال في الظنّ؛ للاستصحاب. و ان شكّ بعد الفراغ في أنّه كان موجودا أم لا، فان لم يكن مسبوقا بالوجود بنى على عدمه و يصحّ وضوؤه؛ لقاعدة الفراغ.

و أمّا ان كان مسبوقا بالوجود و شكّ في أنّه أزاله أو أوصل الماء تحته أو لا، بنى على ازالته أو ايصال الماء تحته؛ و ذلك لأنّ استصحاب وجود المانع قبل الوضوء لايثبت عدم ايصال الماء بالأعضاء و بطلان الوضوء الاّ بناءً على صحّة الأصل المثبت. نعم، في الحاجب الذي قد يصل الماء تحته و قد لايصل اذا علم أنّه لم يكن ملتفتا اليه حين الغسل ولكن شكّ في أنّه وصل الماء تحته من باب الاتّفاق أم لا، يشكل جريان قاعدة الفراغ؛ و ذلك لأنّه ليس الشكّ في أنّه غسله أم لا، بل الشكّ في وصول الماء تحت الحاجب من باب الاتّفاق، فالأحوط اعادة الوضوء.

ثمّ انّه اذا علم بوجود الحاجب ولكن شكّ في أنّه كان موجودا حين الوضوء أو طرأ بعده، فان لم يكن غافلاً أو شكّ تجري قاعدة الفراغ، و ان علم غفلته حين الوضوء، فيشكل جريان القاعدة، و ان كان اطلاق الروايات يشملها، و يدلّ عليه بالخصوص حسنة الحسين بن أبي العلاء قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الخاتم اذا اغتسلت؟ قال: حوّله من مكانه، و قال في الوضوء: تديره، فان نسيت حتّى تقوم في الصلاة فلاآمرك أن تعيد الصلاة».(1)

(مسألة 51): اذا علم بوجود مانع و علم زمان حدوثه و شكّ في أنّ الوضوء كان قبل حدوثه أو بعده يبني على الصحّة؛ لقاعدة الفراغ الاّ اذا علم عدم الالتفات اليه حين الوضوء فالأحوط الاعادة حينئذ.

الشرح:

اذا علم بوجود مانع و علم زمان حدوثه و شكّ في أنّ الوضوء الذي عمله هل كان قبل حدوث المانع أو بعده، يبني على الصحّة؛ لقاعدة الفراغ؛ لأنّه شكّ بعد الفراغ في صحّة وضوئه فتجري قاعدة الفراغ، و ان كان قد علم عدم الالتفات اليه حين الوضوء؛ لما تقدّم في المسألة السابقة، و ان كان الاحتياط حسنا.

(مسألة 52): اذا كان محلّ وضوئه من بدنه نجسا فتوضّأ و شكّ بعده في أنّه طهّره ثمّ توضّأ أم لا، بنى على بقاء النجاسة، فيجب غسله لما يأتي من الأعمال، و أمّا وضوؤه فمحكوم بالصحّة؛ عملاً بقاعدة الفراغ الاّ مع علمه بعدم التفاته حين الوضوء الى الطهارة و النجاسة، و كذا لو كان عالما بنجاسة


1) - وسائل الشيعة 1: 468 / الباب 41 من أبواب الوضوء / الحديث 2.

الماء الذي توضّأ منه سابقا على الوضوء و يشكّ في أنّه طهّره بالاتّصال بالكرّ أو بالمطر أم لا، فانّ وضوءه محكوم بالصحّة و الماء محكوم بالنجاسة و يجب عليه غسل كلّ ما لاقاه، و كذا في الفرض الأوّل يجب غسل جميع ما وصل اليه الماء حين التوضّي أو لاقى محلّ الوضوء مع الرطوبة.

الشرح:

اذا كان محلّ وضوئه من بدنه نجسا و شكّ بعده في أنّه طهّره ثمّ توضّأ أم لا، بنى على بقاء النجاسة؛ للاستصحاب، فيجب غسله لما يأتي من الأعمال ان قلنا بمنجّسيّة الماء المتنجّس أو كان متنجّسا بالبول؛ لما مرّ من أنّ أعضاء الوضوء يطهر مع غسله للوضوء، و أمّا وضوؤه فمحكوم بالصحّة؛ عملاً بقاعدة الفراغ؛ لأنّه شكّ بعد الفراغ في صحّة وضوئه فتجري القاعدة و تشمله العمومات و الاطلاقات و ان علم بعدم التفاته حين الوضوء الى الطهارة و النجاسة.

و أمّا لو كان عالما بنجاسة الماء و بعد مدّة توضّأ ثمّ شكّ بعد الوضوء أنّه طهّر الماء الذي توضّأ منه بالاتّصال بالكرّ أو بالمطر أم لا؟ فانّ وضوءه محكوم بالصحّة؛ للقاعدة، و الماء محكوم بالنجاسة؛ للاستصحاب، و يجب عليه غسل كلّ ما لاقاه ان قلنا بمنجّسيّة الماء المتنجّس.

فيما اذا شكّ بعد الصلاة في الوضوء لها و عدمه

(مسألة 53): اذا شكّ بعد الصلاة في الوضوء لها و عدمه، بنى على صحّتها، لكنّه محكوم ببقاء حدثه، فيجب عليه الوضوء للصلوات الآتية، و لو كان الشكّ في أثناء الصلاة وجب الاستئناف بعد الوضوء، و الأحوط الاتمام مع تلك الحالة ثمّ الاعادة بعد الوضوء.

الشرح:

اذا شكّ بعد الصلاة في الوضوء لها و عدمه، بنى على صحّة الصلاة؛ لقاعدة

الفراغ، لكن يجب عليه الوضوء للصلوات الآتية؛ لوجوب احراز الطهارة. و لو كان الشكّ في أثناء الصلاة يجب عليه الاستئناف بعد الوضوء؛ و ذلك لأنّه لم يفرغ بعد من الصلاة، و ان جرت الى حين الشكّ، فيجب عليه احراز الطهارة فيما بقي من الصلاة فلا بدّ من قطعها و الوضوء ثمّ الصلاة.

(مسألة 54): اذا تيقّن بعد الوضوء أنّه ترك منه جزءا أو شرطا أو أوجد مانعا، ثمّ تبدّل يقينه بالشكّ يبني على الصحّة؛ عملاً بقاعدة الفراغ، و لايضرّها اليقين بالبطلان بعد تبدّله بالشكّ، و لو تيقّن بالصحّة ثمّ شكّ فيها فأولى بجريان القاعدة.

الشرح:

اذا تيقّن بعد الوضوء أنّه ترك منه جزءا أو شرطا أو أوجد مانعا ثمّ تبدّل يقينه بالشكّ يبني على الصحّة؛ عملاً بقاعدة الفراغ، و لايضرّها اليقين بالبطلان بعد تبدّله بالشكّ؛ لأنّ المناط حاله الفعلي و الزمان الذي يريد الصلاة و غيرها ممّا يشترط فيه الطهارة. و لو تيقّن بالصحّة ثمّ شكّ فيها فأولى بجريان القاعدة، كما هو واضح.

(مسألة 55): اذا علم قبل تمام المسحات أنّه ترك غسل اليد اليسرى أو شكّ في ذلك فأتى به و تمّم الوضوء، ثمّ علم أنّه كان غسله، يحتمل الحكم ببطلان الوضوء من جهة كون المسحات أو بعضها بالماء الجديد، لكنّ الأقوى صحّته؛ لأنّ الغسلة الثانية مستحبّة على الأقوى حتّى في اليد اليسرى فهذه الغسلة كانت مأمورا بها في الواقع، فهي محسوبة من الغسلة المستحبّة و لايضرّها نيّة الوجوب، لكن الأحوط اعادة الوضوء؛ لاحتمال اعتبار قصد

كونها ثانية في استحبابها هذا، و لو كان آتيا بالغسلة الثانية المستحبّة و صارت هذه ثالثة تعيّن البطلان؛ لما ذكر من لزوم المسح بالماء الجديد.

الشرح:

اذا علم قبل تمام المسحات أنّه ترك غسل اليد اليسرى أو شكّ في ذلك فعليه أن يرجع و يغسل يده اليسرى ثمّ يمسح رأسه و رجليه، فاذا فعل ذلك و تمّم وضوءه علم أنّه كان قد غسله، فان كان قد علم حينئذ كيفيّة غسل يده اليسرى مرّة واحدة، فلايضرّ و لايبطل وضوؤه، و كذا لو لم يعلم و شكّ في غسله مرّة واحدة أو مرّتين، و لايضرّه ان كان فعله ثانيا بنيّة الوجوب؛ لأنّه من قبيل الاشتباه في التطبيق، فهو في الحقيقة ناو للأمر الواقعي المتعلّق بالغسل الذي يعتقد أنّه على سبيل الوجوب، و تخلّف الاعتقاد لايوجب فساد العبادة، كما في المستمسك.(1)و أمّا لو كان آتيا بالغسلة الثانية المستحبّة و صارت هذه ثالثة تعيّن البطلان؛ للزوم المسح بالماء الجديد.


1) - مستمسك العروة 2: 528.

الفصل الثامن : في أحكام الجبائر

في الجبائر
اشارة

و هي الألواح الموضوعة على الكسر و الخرق و الأدوية الموضوعة على الجروح و القروح و الدماميل، فالجرح و نحوه امّا مكشوف أو مجبور، و على التقديرين امّا في موضع الغسل أو في موضع المسح، ثمّ امّا على بعض العضو أو تمامه أو تمام الأعضاء، ثمّ امّا يمكن غسل المحلّ أو مسحه أو لايمكن، فان أمكن ذلك بلا مشقّة و لو بتكرار الماء عليه حتّى يصل اليه لو كان عليه جبيرة أو وضعه في الماء حتّى يصل اليه بشرط أن يكون المحلّ و الجبيرة طاهرين، أو أمكن تطهيرهما وجب ذلك، و ان لم يمكن امّا لضرر الماء أو للنجاسة و عدم امكان التطهير أو لعدم امكان ايصال الماء تحت الجبيرة و لا رفعها، فان كان مكشوفا يجب غسل أطرافه و وضع خرقة طاهرة عليه و المسح عليها مع الرطوبة، و ان أمكن المسح عليه بلا وضع خرقة تعيّن ذلك ان لم يمكن غسله كما هو المفروض، و ان لم يمكن وضع الخرقة أيضا اقتصر على غسل أطرافه، لكن الأحوط ضمّ التيمّم اليه، و ان كان في موضع المسح و لم يمكن المسح عليه كذلك يجب وضع خرقة طاهرة و المسح عليها بنداوة، و ان لم يمكن سقط و ضمّ اليه التيمّم، و ان كان مجبورا وجب غسل أطرافه مع مراعاة الشرائط و المسح على الجبيرة ان كانت طاهرة أو

أمكن تطهيرها و ان كان في موضع الغسل، و الظاهر عدم تعيّن المسح حينئذ فيجوز الغسل أيضا، و الأحوط اجراء الماء عليها مع الامكان بامرار اليد من دون قصد الغسل أو المسح، و لايلزم أن يكون المسح بنداوة الوضوء اذا كان في موضع الغسل، و يلزم أن تصل الرطوبة الى تمام الجبيرة و لايكفي مجرّد النداوة. نعم، لايلزم المداقّة بايصال الماء الى الخلل و الفرج، بل يكفي صدق الاستيعاب عرفا. هذا كلّه اذا لم يمكن رفع الجبيرة و المسح على البشرة، و الاّ فالأحوط تعيّنه بل لايخلو عن قوّة اذا لم يمكن غسله كما هو المفروض، و الأحوط الجمع بين المسح على الجبيرة و على المحلّ أيضا بعد رفعها، و ان لم يمكن المسح على الجبيرة لنجاستها أو لمانع آخر فان أمكن وضع خرقة طاهرة عليها و مسحها يجب ذلك، و ان لم يمكن ذلك أيضا فالأحوط الجمع بين الاتمام بالاقتصار على غسل الأطراف و التيمّم.

الشرح:

في هذه المسألة فروع:

الفرع الأوّل : في معنى الجبيرة

قال في مجمع البحرين: «الجبر اصلاح العظم من الكسر، يقال: جبرت العظم و الكسر جبرا و جبر العظم و الكسر جبورا، أي انجبر - الى أن قال: - و منه الجبيرة على فعيلة واحدة الجبائر و هو عيدان يجبر بها العظام».

و في الجواهر: «جبائر جمع جبيرة، و هي الألواح و الخرق التي تشدّ على المكسور من العظام، و في شرح الدروس: انّ الفقهاء يطلقونها على ما يشدّ به القروح و الجروح أيضا، و يساوون بينهما في الأحكام».(1)


1) - جواهر الكلام 2: 291.

و في المستمسك: «ظاهر غير واحد أنّها في الأصل مختصّة بالكسر - كما تساعده المادّة - و تعميمها لما يوضع على القروح و الجروح توسّع من الفقهاء - كما قيل - ؛ لعدم الفرق بينهما في الحكم. و قد يشير الى التوسّع صحيح ابن الحجّاج عن أبي الحسن عليه السلام : «عن الكسير تكون عليه الجبائر، أو تكون به الجراحة، كيف يصنع بالوضوء، و عند غسل الجنابة، و غسل جمعة؟ فقال عليه السلام : يغسل ما وصل اليه الغسل ممّا ظهر ممّا ليس عليه الجبائر، و يدع ما سوى ذلك ممّا لايستطيع غسله و لاينزع الجبائر، و يعبث بجراحته».(1)

و في مدارك العروة: «انّ لفظة الخرقة و المرارة و الدواء و العلك الواردة في الروايات، كما يأتي كلّها يرجع الى معنى واحد الذي يعبّر عنه بالجبيرة، و هو معنى جامع لها و ان كان يظهر من كلمات أهل اللغة اختصاصها بما يجعل على موضع الكسر. ففي القاموس: الجبر خلاف الكسر، و قال: المجبّر الذي يجبّر العظام».(2)

و في مهذّب الأحكام: «مادّة الجبر بمعنى الاصلاح، فكلّ ما يوضع على الجرح و القرح لأجل اصلاحه يسمّى جبيرة، بلا فرق بين الألواح و الخرق و غيرها، فذكر الألواح و الخرق و نحوها في الكلمات من باب المثال، كما أنّ ذكر الكسر و الجرح أيضا كذلك، فما يلصق على محلّ الوجع من البدن لرفع وجعه، و يضرّ استعمال الماء بذلك المحلّ و لايمكن رفع ما وضع عليه فهو من الجبيرة أيضا».(3)


1) - مستمسك العروة 2: 528 و 529.

2) - مدارك العروة للاشتهاردي 4: 430.

3) - مهذّب الأحكام 2: 484.

الفرع الثاني : فيما اذا أمكن غسل البشرة أو مسحها برفع الجبيرة

اذا أمكن غسل البشرة أو مسحها برفع الجبيرة من غير أن يكون في وصول الماء اليها ضرر و لا في رفع الجبيرة و شدّها حرج و مشقّة وجب بلا اشكال و لا خلاف؛ لأنّه مقتضى أدلّة وجوب الوضوء التامّ، و قصور أدلّة بدليّة غيره عن شمول الفرض. و قد دلّ عليه بالخصوص صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام ، أنّه سئل عن الرجل تكون به القرحة في ذراعه، أو نحو ذلك من موضع الوضوء فيعصبها بالخرقة و يتوضّأ، و يمسح عليها اذا توضّأ؟ فقال:

«ان كان يؤذيه الماء فليمسح على الخرقة، و ان كان لايؤذيه الماء فلينزع الخرقة ثمّ ليغسلها، قال: و سألته عن الجرح، كيف أصنع به في غسله؟ قال: اغسل ما حوله».(1)

و أمّا موثّقة عمّار قال:

«سئل أبو عبداللّه عليه السلام عن الرجل ينقطع ظفره، هل يجوز له أن يجعل عليه علكا؟ قال: لا، و لايجعل عليه الاّ ما يقدر على أخذه عنه عند الوضوء؟ و لايجعل عليه ما لايصل اليه الماء».(2)

فانّها تحمل على ما لم يكن له ضرر و لا حرج و لا مشقّة.

الفرع الثالث : فيما اذا لم يمكن ايصال الماء الى البشرة

اذا لم يمكن ايصال الماء الى البشرة امّا لضرر الماء، أو للنجاسة و عدم امكان


1) - وسائل الشيعة 1: 463 / الباب 39 من أبواب الوضوء / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 1: 464 / الباب 39 من أبواب الوضوء / الحديث 6.

التطهير، فان كان مكشوفا يغسل ما حوله؛ و ذلك لصحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته عن الجرح، كيف يصنع صاحبه؟ قال: يغسل ما حوله».(1)

هذا اذا كان في موضع الغسل و لم يمكن غسله و لا المسح عليه، و الاحتياط بوضع خرقة عليه و المسح على الخرقة حسن؛ لذهاب بعضهم و منهم المصنّف الى ذلك، و لو كان في محلّ المسح و لم يمكن المسح عليه فليضع خرقة و يمسح عليها.

و في المستمسك: «المحكي عن جماعة - بل في جامع المقاصد في مبحث التيمّم نسبته الى نصّ الأصحاب - الاكتفاء في الجرح المكشوف بغسل ما حوله، و في المدارك: «ينبغي القطع بذلك»؛ لظاهر مصحّح ابن سنان المتقدّم، و مثله ما في ذيل صحيح الحلبي. و في التذكرة و الدروس و المعتبر، و عن النهاية و غيرها وجوب مسحه. و علّله في محكي النهاية بأنّه أحد الواجبين، و لتضمّن الغسل ايّاه فلايسقط بتعذّر أصله. و أشكل عليه بما لايخفى؛ اذ كونه أحد الواجبين لايقتضي بدليّته عن الآخر، و تضمّن الغسل ايّاه ممنوع؛ لما عرفت من تباين الغسل و المسح مفهوما و خارجا، و انّما بينهما عموم من وجه موردا، و هذا المقدار غير كافٍ في اقتضاء قاعدة الميسور وجوب المسح عند تعذّر الغسل لو تمّت».(2)

ثمّ انّه اذا كان في موضع الغسل جبيرة و كذا في موضع المسح يكفي المسح على الجبيرة و لايجب ظهور الرطوبة فيها بل يكفي صدق المسح؛ و ذلك لاطلاق صحيحة الحلبي المتقدّمة عن أبي عبداللّه عليه السلام ، أنّه سئل عن الرجل تكون به القرحة في ذراعه، أو نحو ذلك من موضع الوضوء فيعصبها بالخرقة و يتوضّأ، و يمسح عليها اذا توضّأ؟ فقال:


1) - وسائل الشيعة 1: 464 / الباب 39 من أبواب الوضوء / الحديث 3.

2) - مستمسك العروة 2: 533.

«ان كان يؤذيه الماء فليمسح على الخرقة، و ان كان لايؤذيه الماء فلينزع الخرقة ثمّ ليغسلها، قال: و سألته عن الجرح، كيف أصنع به في غسله؟ قال: اغسل ما حوله».(1)

و حسنة عبدالأعلى مولى آل سام قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : عثرت فانقطع ظفري، فجعلت على اصبعي مرارة، فكيف أصنع بالوضوء؟ قال: يعرف هذا و أشباهه من كتاب اللّه عزّوجلّ. قال اللّه تعالى: «ما جعل عليكم في الدين من حرج»، امسح عليه».(2)

و حسنة الحسن بن علي الوشّاء قال:

«سألت أبا الحسن عليه السلام عن الدواء اذا كان على يدي الرجل، أيجزيه أن يمسح على طلى الدواء؟ فقال: نعم، يجزيه أن يمسح عليه».(3)

و حسنة أخرى للحسن بن علي الوشّاء عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال:

«سألته عن الدواء يكون على يد الرجل، أيجزيه أن يمسح في الوضوء على الدواء المطلّى عليه؟ فقال: نعم، يمسح عليه و يجزيه».(4)

و رواية كليب الأسدي قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل اذا كان كسيرا، كيف يصنع بالصلاة؟ قال: ان كان يتخوّف على نفسه فليمسح على جبائره و ليصلّ».(5)

و رواية الحسن بن زيد عن أبيه عن علي بن أبي طالب قال:


1) - وسائل الشيعة 1: 463 / الباب 39 من أبواب الوضوء / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 1: 464 / الباب 39 من أبواب الوضوء / الحديث 5.

3) - وسائل الشيعة 1: 465 / الباب 39 من أبواب الوضوء / الحديث 9.

4) - وسائل الشيعة 1: 466 / الباب 39 من أبواب الوضوء / الحديث 10.

5) - وسائل الشيعة 1: 465 / الباب 39 من أبواب الوضوء / الحديث 8.

«سألت رسول اللّه صلى الله عليه و آله عن الجبائر تكون على الكسير، كيف يتوضّأ صاحبها؟ و كيف يغتسل اذا أجنب؟ قال: يجزيه المسح عليها في الجنابة و الوضوء، قلت: فان كان في برد يخاف على نفسه اذا أفرغ الماء على جسده؟ فقرأ رسول اللّه صلى الله عليه و آله: «و لاتقتلوا أنفسكم انّ اللّه كان بكم رحيما»».(1)

فيما اذا كانت الجبيرة في موضع المسح و لم يمكن رفعها

(مسألة 1): اذا كانت الجبيرة في موضع المسح و لم يمكن رفعها و المسح على البشرة لكن أمكن تكرار الماء الى أن يصل الى المحلّ هل يتعيّن ذلك أو يتعيّن المسح على الجبيرة؟ وجهان، و لايترك الاحتياط بالجمع.

الشرح:

ان لم يمكن رفع الجبيرة، فان لم يضرّ الماء بحاله فليضع موضع الجبر في الماء حتّى يصل الماء الى البشرة؛ و الدليل على ذلك موثّقة عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام في الرجل ينكسر ساعده، أو موضع من مواضع الوضوء فلايقدر أن يحلّه لحال الجبر اذا جبر، كيف يصنع؟ قال:

«اذا أراد أن يتوضّأ فليضع اناءا فيه ماء، و يضع موضع الجبر في الماء حتّى يصل الماء الى جلده، و قد أجزأه ذلك من غير أن يحلّه».(2)

هذا اذا كان محلّ الجبر طاهرا أو أمكن تطهيره ان كان نجسا. و يجوز له أيضا أن يكررّ الماء عليه حتّى يصل الى البشرة. و ذلك اذا كان الجبيرة في محلّ الغسل و أمّا اذا كان في محلّ المسح، فلايصدق المسح بهذا النحو.


1) - وسائل الشيعة 1: 466 / الباب 39 من أبواب الوضوء / الحديث 11.

2) - وسائل الشيعة 1: 465 / الباب 39 من أبواب الوضوء / الحديث 7.

فيما اذا كانت الجبيرة مستوعبة لعضو واحد

(مسألة 2): اذا كانت الجبيرة مستوعبة لعضو واحد من الأعضاء فالظاهر جريان الأحكام المذكورة، و ان كانت مستوعبة لتمام الأعضاء فالاجراء مشكل، فلايترك الاحتياط بالجمع بين الجبيرة و التيمّم.

الشرح:

انّ الظاهر من الروايات المذكورة أنّ الجبيرة قد وضعت على جزء من عضو واحد من أعضاء الغسل و كذا بالنسبة الى مقدّم الرأس و الرجلين. و لو كان على تمام عضو من أعضاء الغسل جبيرة أو تمام عضو من أعضاء المسح، فالظاهر أنّه ينتقل الى التيمّم، و ان كان يمكن أن يقال بأنّ الروايات مطلقة من هذه الجهة، فلايترك الاحتياط بالجمع بين الجبيرة و التيمّم أيضا.

قال في التنقيح: «اذا كانت الجبيرة مستوعبة لعضو واحد كالوجه أو اليدين و نحوهما فالظاهر انتقال الأمر الى التيمّم أيضا؛ و ذلك لعدم تمكّنه من الوضوء؛ لأنّه غسلتان و مسحتان و المفروض عدم تمكّنه من أحد الغسلتين أو المسحتين؛ لأنّ الجبيرة مستوعبة للعضو على الفرض، و قد عرفت أنّ الأصل الأوّلي في كلّ من عجز عن الوضوء المأمور به هو التيمّم الاّ أن يقوم دليل على كفاية المسح على الجبيرة عن غسل البشرة أو مسحها، و لم يقم دليل على كفاية مسح تمام العضو الواحد عن غسله أو مسحه؛ و ذلك لأنّ الظاهر المستفاد من الأخبار أنّ موردها ما اذا كانت الجبيرة على جزء من العضو الواحد بحيث لايتمكّن من مسحه بتمامه أو من غسله كذلك و انّما يتمكّن من غسل بعضه أو مسح بعضه دون بعضه الآخر».(1)


1) - التنقيح في شرح العروة 6: 162 و 163.

فيما اذا كانت الجبيرة في الماسح

(مسألة 3): اذا كانت الجبيرة في الماسح فمسح عليها بدلاً عن غسل المحلّ يجب أن يكون المسح به بتلك الرطوبة أي الحاصلة من المسح على جبيرته.

الشرح:

اذا كانت الجبيرة في الماسح فمسح عليها بدلاً عن غسل المحلّ يجب أن يكون المسح به بتلك الرطوبة أي الحاصلة من المسح على جبيرته؛ و ذلك لما في قوله عليه السلام في صحيحة زرارة:

« ... و تمسح ببلّة يمناك ناصيتك، و ما بقي من بلّة يمناك ظهر قدمك اليمنى، و تمسح ببلّة يسراك ظهر قدمك اليسرى».(1)

و لو لم يمكن ذلك، أو لم تظهر رطوبة في الماسح ينتقل الى التيمّم؛ لما مرّ في المسألة السابقة.

(مسألة 4): انّما ينتقل الى المسح على الجبيرة اذا كانت في موضع المسح بتمامه، و الاّ فلو كان بمقدار المسح بلا جبيرة يجب المسح على البشرة، مثلاً لو كانت مستوعبة تمام ظهر القدم مسح عليها، و لو كان من أحد الأصابع و لو الخنصر الى المفصل مكشوفا وجب المسح على ذلك، و اذا كانت مستوعبة عرض القدم مسح على البشرة في الخطّ الطولي من الطرفين و عليها في محلّها.

الشرح:

لا اشكال و لا خلاف ظاهرا في أنّه اذا كان في محلّ المسح جبيرة، و لكن كان من رأس اصبع واحدة و لو الخنصر الى الكعب بمقدار صدق المسح على البشرة


1) - وسائل الشيعة 1: 436 / الباب 31 من أبواب الوضوء / الحديث 2.

مكشوفا يجب المسح عليه؛ لعدم العذر في هذه الحالة على ترك المسح على البشرة، و المسح على الجبيرة فانّه لايصحّ. و كذا لو كانت الجبيرة على ظهر القدم و قد سترت مقدارا من العرض بحيث قد انقطع الابتداء و الانتهاء فعليه أن يمسح على البشرة مقدّما و على الجبيرة بعدها، ثمّ على البشرة مؤخّرا.

فيما اذا كان في عضو واحد جبائر متعدّدة

(مسألة 5): اذا كان في عضو واحد جبائر متعدّدة يجب الغسل أو المسح في فواصلها.

الشرح:

كما تقدّم في المسألة السابقة و قد دلّ عليه صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج قال:

«سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام عن الكسير تكون عليه الجبائر، أو تكون به الجراحة كيف يصنع بالوضوء، و عند غسل الجنابة و غسل الجمعة؟ فقال: يغسل ما وصل اليه الغسل ممّا ظهر ممّا ليس عليه الجبائر، و يدع ما سوى ذلك ممّا لايستطيع غسله، و لاينزع الجبائر و لايعبث بجراحته».(1)


1) - وسائل الشيعة 1: 463 / الباب 39 من أبواب الوضوء / الحديث 1.

فيما اذا كان بعض الأطراف الصحيح تحت الجبيرة

(مسألة 6): اذا كان بعض الأطراف الصحيح تحت الجبيرة فان كان بالمقدار المتعارف مسح عليها، و ان كان أزيد من المقدار المتعارف فان أمكن رفعها رفعها و غسل المقدار الصحيح، ثمّ وضعها و مسح عليها، و ان لم يمكن ذلك مسح عليها لكن الأحوط ضمّ التيمّم أيضا خصوصا اذا كان عدم امكان الغسل من جهة تضرّر القدر الصحيح أيضا بالماء.

الشرح:

اذا كان بعض الأطراف الصحيح تحت الجبيرة فتارة: كان بالمقدار المتعارف فحينئذ يمسح عليها؛ لما مرّ من الروايات.

و أخرى: كان أزيد من المقدار المتعارف ولكن أمكن رفعها، رفعها و غسل المقدار الصحيح - لعدم شمول الروايات لمثل هذا - ثمّ يضع الجبيرة و يمسح عليها.

و ثالثة: كان أزيد من المقدار المتعارف ولكن لم يمكن رفعها لأنّه في رفعها تتضرّر القرحة أو الجرحة أو غيرهما، فالظاهر كفاية المسح عليها؛ لشمول الروايات له أيضا.

و رابعة: لم يمكن رفعها لأنّ في رفعها يتضرّر المقدار الصحيح، فحينئذ يمسح عليها و يتيمّم أيضا؛ للشكّ في شمول الروايات لمثل هذا و ان كان الأظهر شمولها بالاطلاق، و الاحتياط حسن.

(مسألة 7): في الجرح المكشوف اذا أراد وضع طاهر عليه و مسحه يجب أوّلاً أن يغسل ما يمكن من أطرافه ثمّ وضعه.

كما تقدّم في المسألة السابقة. و في المستمسك: «اذ وضعها أوّلاً يوجب ستر

مقدار من الصحيح ممّا يجب غسله، كما تقدّم في النصوص».(1)

(مسألة 8): اذا أضرّ الماء بأطراف الجرح أزيد من المقدار المتعارف يشكل كفاية المسح على الجبيرة التي عليها أو يريد أن يضعها عليها، فالأحوط غسل القدر الممكن و المسح على الجبيرة ثمّ التيمّم، و أمّا المقدار المتعارف بحسب العادة فمغتفر.

الشرح:

اذا أضرّ الماء بأطراف الجرح أزيد من المقدار المتعارف كما اذا كان الجرح في ظهر كفّه - مثلاً - و أضرّ الماء بساعده أيضا و ان لم يكن في ساعده جرح فذهب المصنّف الى أنّه يشكل كفاية المسح على الجبيرة التي قد سترت الجرح الى ساعده، فاحتاط بوجوب غسل القدر الممكن و المسح على الجبيرة ثمّ التيمّم. و قد تقدّم في المسألة السادسة شمول الروايات لما ستره الجرح؛ لأنّ الجرح في ظهر الكفّ موجب لأن يكون الماء مضرّا لساعده أيضا. فالاحتياط بضمّ التيمّم حسن.

فيما اذا أضرّ استعمال الماء من غير جرح

(مسألة 9): اذا لم يكن جرح و لا قرح و لا كسر بل كان يضرّه استعمال الماء لمرض آخر، فالحكم هو التيمّم، لكن الأحوط ضمّ الوضوء مع وضع خرقة و المسح عليها أيضا مع الامكان أو مع الاقتصار على ما يمكن غسله.

الشرح:

اذا لم يكن جرح و لا قرح و لا كسر بل كان يضرّه استعمال الماء لمرض آخر فان كان في بعض العضو فلايبعد دعوى كونه مشمولاً لصحيحة عبداللّه بن سنان


1) - مستمسك العروة 2: 542.

عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته عن الجرح، كيف يصنع صاحبه؟ قال: يغسل ما حوله».(1)

كما تقدّم في المسائل المتقدّمة، و الاحتياط لايترك بضمّ التيمّم اليه. و منه يظهر حكم المسائل الآتية.

(مسألة 10): اذا كان الجرح أو نحوه في مكان آخر غير مواضع الوضوء لكن كان بحيث يضرّ استعمال الماء في مواضعه أيضا فالمتعيّن التيمّم.

(مسألة 11): في الرمد يتعيّن التيمّم اذا كان استعمال الماء مضرّا مطلقا، أمّا اذا أمكن غسل أطراف العين من غير ضرر و انّما كان يضرّ العين فقط فالأحوط الجمع بين الوضوء بغسل أطرافها و وضع خرقة عليها و مسحها و بين التيمّم.

(مسألة 12): محلّ الفصد داخل في الجروح، فلو لم يمكن تطهيره أو كان مضرّا يكفي المسح على الوصلة التي عليه ان لم يكن أزيد من المتعارف، و الاّ حلّها و غسل المقدار الزائد ثمّ شدّها، كما أنّه ان كان مكشوفا يضع عليه خرقة و يمسح عليها بعد غسل ما حوله، و ان كانت أطرافه نجسة طهّرها، و ان لم يمكن تطهيرها و كانت زائدة على القدر المتعارف جمع بين الجبيرة و التيمّم.

(مسألة 13): لا فرق في حكم الجبيرة بين أن يكون الجرح أو نحوه حدث باختياره على وجه العصيان أم لا باختياره.

و ذلك لاطلاق أدلّة الجبيرة.


1) - وسائل الشيعة 1: 464 / الباب 39 من أبواب الوضوء / الحديث 3.

فيما اذا كان شيء لاصقا ببعض مواضع الوضوء

(مسألة 14): اذا كان شيء لاصقا ببعض مواضع الوضوء مع عدم جرح أو نحوه و لم يمكن ازالته أو كان فيها حرج و مشقّة لاتتحمّل مثل القير و نحوه يجري عليه حكم الجبيرة، و الأحوط ضمّ التيمّم أيضا.

الشرح:

قال في التنقيح: «اذا كان اللاصق دواءً طلي فحكمه حكم الجبيرة لحسنة الوشّاء المتقدّمة. و اذا كان اللاصق غير الدواء كالقير و نحوه، فان لم يكن في موضع التيمّم فيتعيّن في حقّه التيمّم؛ لعدم تمكّنه من الوضوء المأمور به، و لاتشمله أخبار الجبيرة، و أمّا اذا كان على محالّ التيمّم فيجب عليه التيمّم و الوضوء؛ و ذلك للعلم الاجمالي بوجوب أحد الأمرين في حقّه. انتهى ملخّصا».(1)

أقول:

الظاهر أنّه لا مانع من شمول أدلّة الجبيرة لهذا المورد، فانّ المسح على الجبيرة يكون لعدم امكان ايصال الماء الى البشرة، فهنا أيضا كذلك، فالمناط فيهما واحد على ما هو ظاهر الروايات.

و في الجواهر: «الأقوى في النظر قيام مطلق الحاجب مقام محجوبه مع تعذّر الازالة؛ لخبر المرارة و فحوى حكم الجبائر بعد الغاء خصوصيّة المرض، و للقطع بفساد القول بوجوب التيمّم بدل الغسل و الوضوء لمن كان في بدنه قطعة قير مثلاً مدى عمره، و غير ذلك ممّا يظهر بالتأمّل، و الاحتياط لاينبغي أن يترك، بل لعلّه كاللازم في أمثال المقام؛ تحصيلاً للبراءة اليقينيّة».(2)


1) - التنقيح في شرح العروة 6: 174 و 175.

2) - جواهر الكلام 2: 303 و 304.

فيما اذا كان ظاهر الجبيرة طاهرا و باطنها نجسا

(مسألة 15): اذا كان ظاهر الجبيرة طاهرا لايضرّه نجاسة باطنه.

الشرح:

قال في التنقيح: «لأنّ الدليل انّما دلّ على اعتبار الطهارة في ماء الوضوء، فاذا فرضنا نجاسة أعضاء الوضوء على نحو يوجب تنجّس الماء فلا محالة يقتضي بطلانه، و أمّا اذا كانت غير سارية الى الماء فلا دليل على كونها موجبة لبطلان الوضوء، سواء كانت الجبيرة واحدة و كان باطنها نجسا دون ظاهرها و ما اذا كانت متعدّدة».(1)

أقول:

اذا كان ظاهر الجبيرة طاهرا لايضرّه نجاسة باطنه؛ لاطلاق أدلّة المسح على الجبيرة، و لأنّ المهمّ عدم تنجّس ماء الوضوء بسبب تنجّس الأعضاء، و في مفروض المسألة لم يتنجّس ماء الوضوء.


1) - التنقيح في شرح العروة 6: 175.

فيما اذا كان ما على الجرح من الجبيرة مغصوبا

(مسألة 16): اذا كان ما على الجرح من الجبيرة مغصوبا لايجوز المسح عليه بل يجب رفعه و تبديله، و ان كان ظاهرها مباحا و باطنها مغصوبا، فان لم يعدّ مسح الظاهر تصرّفا فيه فلايضرّ، و الاّ بطل، و ان لم يمكن نزعه أو كان مضرّا فان عدّ تالفا يجوز المسح عليه و عليه العوض لمالكه، و الأحوط استرضاء المالك أيضا أوّلاً، و ان لم يعدّ تالفا وجب استرضاء المالك و لو بمثل شراء أو اجارة، و ان لم يمكن فالأحوط الجمع بين الوضوء بالاقتصار على غسل أطرافه و بين التيمّم.

الشرح:

اذا كان ما على الجرح من الجبيرة مغصوبا لايجوز المسح عليه؛ لأنّه تصرّف في الغصب فيكون حراما، و حرمة المسح لاتجتمع مع كونه عبادة، بل يجب رفعه و تبديله. و ان كان ظاهرها مباحا و باطنها مغصوبا فان لم يعدّ مسح الظاهر تصرّفا فيه، فلايضرّ المسح عليه، و الاّ بطل؛ للحرمة الموجبة للفساد. و ان لم يمكن نزعه، أو كان مضرّا، فان عدّ تالفا يجوز المسح عليه و عليه العوض لمالكه، و الأحوط استرضاء المالك أيضا؛ لأنّه و ان كان تالفا ولكن لم يخرج عن ملك مالكه، اللّهمّ الاّ أن يقال: اذا عدّ تالفا يضمن قيمته المتلف فينقطع ملكيّة المالك عنه، و ان لم يعدّ تالفا وجب استرضاء المالك و لو بمثل شراء أو اجارة، و ان لم يمكن فالأحوط الجمع بين الوضوء بالاقتصار على غسل أطرافه و بين التيمّم، و لعلّ الاكتفاء بالتيمّم هو الأقوى.

(مسألة 17): لايشترط في الجبيرة أن تكون ممّا يصحّ الصلاة فيه، فلو كانت حريرا أو ذهبا أو جزء حيوان غير مأكول لم يضرّ بوضوئه فالذي يضرّ هو نجاسة ظاهرها أو غصبيّته.

حكم هذه المسألة كما ذهب اليه الماتن؛ و ذلك لاطلاق أدلّة المسح على الجبيرة، و عدم تقييد الجبيرة فيها بشيء دون شيء.

(مسألة 18): مادام خوف الضرر باقيا يجري حكم الجبيرة و ان احتمل البرء، و لايجب الاعادة اذا تبيّن برؤه سابقا. نعم، لو ظنّ البرء و زال الخوف وجب رفعها.

الشرح:

مادام خوف الضرر باقيا يجري حكم الجبيرة و ان احتمل البرء، و لايجب الاعادة اذا تبيّن برؤه سابقا؛ و ذلك لأنّ الظاهر من الروايات الواردة في الجبيرة و

قد تقدّم نقلها أنّ المسح على الجبيرة حكم واقعي لصاحب الجبيرة الى أن يتيقّن عدم الضرر، أو يظنّ البرء و يزول الخوف، فاذا زال الخوف و ظنّ البرء وجب رفعها، فلايصحّ وضوؤه بالمسح عليها.

(مسألة 19): اذا أمكن رفع الجبيرة و غسل المحلّ لكن كان موجبا لفوات الوقت هل يجوز عمل الجبيرة؟ فيه اشكال، بل الأظهر عدمه و العدول الى التيمّم.

الشرح:

اذا أمكن رفع الجبيرة و غسل المحلّ لكن كان موجبا لفوات الوقت، فالظاهر أنّه يكون مكلّفا بالتيمّم؛ لأنّه حينئذ كمن لم يكن له وقت للوضوء.

و في المستمسك: «لعدم الدليل على ثبوت أحكام الجبيرة اذا كان المانع عن غسل البشرة ضيق الوقت، فالمرجع القواعد الأوّليّة. و سيأتي ان شاء اللّه أنّ مقتضاها كون ضيق الوقت من الأعذار المسوّغة للتيمّم».(1)

في الدواء الموضوع على الجرح

(مسألة 20): الدواء الموضوع على الجرح و نحوه اذا اختلط مع الدم و صارا كالشيء الواحد و لم يمكن رفعه بعد البرء بأن كان مستلزما لجرح المحلّ و خروج الدم، فان كان مستحيلاً بحيث لايصدق عليه الدم بل صار كالجلد فمادام كذلك يجري عليه حكم الجبيرة، و ان لم يستحل كان كالجبيرة النجسة يضع عليه خرقة و يمسح عليه.

الشرح:

قد تقدّم في المسألة الرابعه عشرة بأنّه اذا لصق شيء بالبدن و لم يمكن رفعه يكون حكمه حكم الجبيرة، و الحكم في هذه المسألة كذلك فاذا برئ الجرح و اختلط الدواء الموضوع عليه مع الدم و صارا كالشيء الواحد و لم يمكن رفعه و صار مستحيلاً فيجري عليه الماء و يحتاط بضمّ التيمّم اليه؛ لاتّحاد مناط ذلك مع الجبيرة، و ان لم يكن مستحيلاً فيضع عليه خرقة و يمسح عليها بعد غسل أطرافه ان كان في محلّ الغسل و يضمّ اليه التيمّم على الأحوط.


1) - مستمسك العروة 2: 551.

(مسألة 21): قد عرفت أنّه يكفي في الغسل أقلّه بأن يجري الماء من جزء الى جزء آخر و لو باعانة اليد، فلو وضع يده في الماء و أخرجها و مسح بما يبقى فيها من الرطوبة محلّ الغسل يكفي، و في كثير من الموارد هذا المقدار لايضرّ خصوصا اذا كان بالماء الحارّ، و اذا أجرى الماء كثيرا يضرّ فيتعيّن هذا النحو من الغسل و لايجوز الانتقال الى حكم الجبيرة، فاللازم أن يكون الانسان ملتفتا لهذه الدقّة.

الشرح:

الظاهر أنّه لايكفي لغسل الوجه و اليدين أن يضع يده في الماء و يخرجها و يمسح بما يبقى فيها من الرطوبة محلّ الغسل، فانّ هذا النوع كما أشار اليه المصنّف يكون مصداقا للمسح و لايكون مصداقا للغسل. نعم، اذا اضطرّ الى هذا النحو فلا بأس به كما اذا كان الماء حارّا أو باردا، فلايجزي التيمّم هنا كما اتّضح

في محلّه.

فيما اذا كان على الجبيرة دسومة

(مسألة 22): اذا كان على الجبيرة دسومة لايضرّ بالمسح عليها ان كانت طاهرة.

الشرح:

و ذلك لاطلاقات الأخبار الآمرة بالمسح على الجبيرة.

و في المستمسك: «لايضرّ بالمسح عليها ان كانت طاهرة لا من جهة احتمال كونها حاجبا؛ لأنّها عرفا من قبيل العرض غير الحاجب. مع أنّها لو كانت كذلك فهي جزء من الجبيرة. و لا من جهة احتمال أنّها تمنع من تأثّر المحلّ بالرطوبة الممسوح بها؛ اذ هي ليست كذلك، و الاّ فلا بدّ من ازالتها».(1)


1) - مستمسك العروة 2: 552.

(مسألة 23): اذا كان العضو صحيحا لكن كان نجسا و لم يمكن تطهيره لايجري عليه حكم الجرح بل يتعيّن التيمّم. نعم، لو كان عين النجاسة لاصقة به و لم يمكن ازالتها جرى حكم الجبيرة و الأحوط ضمّ التيمّم.

الشرح:

اذا كان العضو صحيحا لكن كان نجسا و لم يمكن تطهيره، فان كان يضرّه الماء فيكون حكمه كالجبيرة و تقدّم في المسألة التاسعة، و كذا لو كان عين النجاسة لاصقة به و لم يمكن ازالتها. و الأحوط ضمّ التيمّم اليه كما تقدّم.

(مسألة 24): لايلزم تخفيف ما على الجرح من الجبيرة ان كانت على المتعارف كما أنّه لايجوز وضع شيء آخر عليها مع عدم الحاجة الاّ أن يحسب جزء منها بعد الوضع.

الشرح:

الوجه فيه اطلاق أدلّة الجبيرة. و في المستمسك: «و ما عن الرياض من وجوبه لكونه أقرب الى الحقيقة غير ظاهر في نفسه، فضلاً عن صلاحيته لتقييد الاطلاق. نعم، اذا كانت خارجة عن المتعارف بحيث يعدّ مقدارا منها زائدا على الجبيرة لزم رفع ذلك المقدار، بناءً على أنّ المتعارف يوجب الانصراف عن غير المتعارف».(1)


1) - مستمسك العروة 2: 553.

في أنّ الوضوء مع الجبيرة رافع للحدث

(مسألة 25): الوضوء مع الجبيرة رافع للحدث لا مبيح.

الشرح:

و ذلك لأنّه وضوء واقعا لا بدلاً و هو الظاهر من الروايات الواردة في الجبيرة، مع أنّ التيمّم الذي يكون بدلاً عن الوضوء هو رافع للحدث أيضا في الجملة كما يأتي.

قال في المستمسك: «الوضوء مع الجبيرة رافع للحدث، كما عن المختلف، و كتب الشهيد، و جامع المقاصد، و المدارك حيث لم يوجبوا الاستئناف للغايات بعد زوال العذر؛ لظهور أدلّة المقام في كون وضوء الجبيرة بمنزلة الوضوء التامّ في كونه مصداقا للطهور المعتبر في الصلاة و غيرها، و مصداقا للوضوء الذي لا بدّ أن يكون عليه المكلّف عند الدخول في الغايات، كما تضمّنه كثير من نصوصها، كما تقدّم في مبحث الغايات، خلافا لما عن المبسوط و ظاهر المعتبر، و الايضاح، و شرح المفاتيح، من كونه مبيحا؛ لدعوى قصور النصوص عن اثبات الرافعيّة».(1)

في الفرق بين الجبيرة التي على محلّ الغسل و التي على محلّ المسح

(مسألة 26): الفرق بين الجبيرة التي على محلّ الغسل و التي على محلّ المسح من وجوه كما يستفاد ممّا تقدّم: «أحدها»: انّ الأولى بدل الغسل و الثانية بدل عن المسح. «الثاني»: انّ في الثانية يتعيّن المسح و في الأولى يجوز الغسل أيضا على الأقوى. «الثالث»: انّه يتعيّن في الثانية كون المسح بالرطوبة الباقية في الكفّ و بالكفّ، و في الأولى يجوز المسح بأي شيء كان و بأي ماء و لو بالماء الخارجي. «الرابع»: انّه يتعيّن في الأولى استيعاب المحلّ الاّ ما بين الخيوط و الفرج و في الثانية يكفي المسمّى. «الخامس»: انّ في الأولى الأحسن أن يصير شبيها بالغسل في جريان الماء بخلاف الثانية،


1) - مستمسك العروة 2: 553.

فالأحسن فيها أن لايصير شبيها بالغسل. «السادس»: انّ في الأولى لايكفي مجرّد ايصال النداوة بخلاف الثانية، حيث انّ المسح فيها بدل عن المسح الذي يكفي فيه هذا المقدار. «السابع»: انّه لو كان على الجبيرة رطوبة زائدة لايجب تجفيفها في الأولى بخلاف الثانية. «الثامن»: انّه يجب مراعاة الأعلى فالأعلى في الأولى دون الثانية. «التاسع»: انّه يتعيّن في الثانية امرار الماسح على الممسوح بخلاف الأولى فيكفي فيها بأيّ وجه كان.

الشرح:

الفرق بين الجبيرة التي على محلّ الغسل و التي على محلّ المسح من وجوه، و قد تقدّم كلّها بنحو التفصيل و في هذه المسألة تكون اجمالاً لما سبق:

أحدها: انّ الأولى بدل الغسل و لذلك لو أمكن أيصال الماء الى البشرة يجب و في الثانية بدل المسح، و يجب المسح عليه و لايجوز اجراء الماء عليه و لايجب ايصال الماء الى البشرة؛ لأنّه لايصدق على هذا المسح.

الثاني: انّه يجوز الغسل بالماء الخارجي مكرّرا، و في المسح لايجوز المسح الاّ بالنداوة الباقية على الكفّ و يجب المسح بالكفّ.

الثالث: يجب استيعاب الغسل أو المسح لتمام الجبيرة في الأولى الاّ ما بين الخيوط و الفرج؛ لأنّها بدل الموضع الذي يجب غسله و في الثانية يكفي المسمّى؛ لأنّ موضعه أيضا كذلك.

الرابع: انّ في الأولى الأحسن أن يصير شبيها بالغسل ان أمكن بخلاف الثانية فلايجوز أن يكون شبيها بالغسل.

الخامس: انّ في الأولى لا بدّ من صدق المسح بالماء؛ لظاهر النصوص و لايكفي مجرّد ايصال النداوة، و في الثانية أيضا يجب أن يمسح على المرارة.

السادس: انّه لو كان على الجبيرة رطوبة زائدة لايجب تجفيفها في الأولى بخلاف الثانية.

السابع: انّه يجب في الأولى مراعاة الأعلى فالأعلى، و في الثانية مثل ما لم تكن عليها جبيرة، يجب المسح على مقدّم الرأس، و من الأصابع الى الكعبين في الرجلين.

الثامن: انّه يتعيّن في الثانية امرار الماسح على الممسوح، بخلاف الأولى فيكفي فيها بأيّ وجه كان.

(مسألة 27): لا فرق في أحكام الجبيرة بين الوضوءات الواجبة و المستحبّة.

الشرح:

و ذلك لاطلاق الأدلّة، و قد تقدّم أنّ الوضوء الذي يشتمل على الغسلتين و المسحتين موجب للطهارة سواء كان قصده منه الأعمال المستحبّة كقراءة القرآن و الزيارة أو الواجبة كالصلاة، و كذلك الوضوء مع الجبيرة.

في حكم الجبائر في الغسل

(مسألة 28): حكم الجبائر في الغسل كحكمها في الوضوء واجبة و مندوبة، و انّما الكلام في أنّه هل يتعيّن حينئذ الغسل ترتيبا أو يجوز الارتماسي أيضا، و على الثاني هل يجب أن يمسح على الجبيرة تحت الماء أو لايجب، الأقوى جوازه و عدم وجوب المسح و ان كان الأحوط اختيار الترتيب، و على فرض اختيار الارتماس فالأحوط المسح تحت الماء، لكن جواز الارتماسي مشروط بعدم وجود مانع آخر من نجاسة العضو و سرايتها الى بقيّة الأعضاء أو كونه مضرّا من جهة وصول الماء الى المحلّ.

الشرح:

حكم الجبائر في الغسل كحكمها في الوضوء واجبا و مندوبا؛ و ذلك

لصحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج قال:

«سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام عن الكسير تكون عليه الجبائر، أو تكون به الجراحة، كيف يصنع بالوضوء، و عند غسل الجنابة و غسل الجمعة؟ فقال: يغسل ما وصل اليه الغسل ممّا ظهر ممّا ليس عليه الجبائر، و يدع ما سوى ذلك ممّا لايستطيع غسله، و لاينزع الجبائر و لايعبث بجراحته».(1)

و في رواية رواها العيّاشي في تفسيره عن الحسن بن زيد عن أبيه عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال:

«سألت رسول اللّه صلى الله عليه و آله عن الجبائر تكون على الكسير، كيف يتوضّأ صاحبها؟ و كيف يغتسل اذا أجنب؟ قال: يجزيه المسح عليها في الجنابة و الوضوء، قلت: فان كان في برد يخاف على نفسه اذا أفرغ الماء على جسده؟ فقرأ رسول اللّه صلى الله عليه و آله: «لاتقتلوا أنفسكم انّ اللّه كان بكم رحيما»».(2)

و لا فرق بين الغسل الارتماسي و الترتيبي، فان أمكن ايصال الماء الى البشرة و لم يكن مضرّا له و لم تكن البشرة نجسة فليوصل اليها الماء بأي نحو من الغسل؛ و ذلك لموثّقة عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام ، في الرجل ينكسر ساعده، أو موضع من مواضع الوضوء فلايقدر أن يحلّه لحال الجبر اذا جبر، كيف يصنع؟ قال:

«اذا أراد أن يتوضّأ فليضع اناءا فيه ماء، و يضع موضع الجبر في الماء حتّى يصل الماء الى جلده، و قد أجزأه ذلك من غير أن يحلّه».(3)

و ان لم يمكن ايصال الماء الى البشرة، أو كان مضرّا له، أو كانت البشرة نجسة،


1) - وسائل الشيعة 1: 463 / الباب 39 من أبواب الوضوء / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 1: 466 / الباب 39 من أبواب الوضوء / الحديث 11.

3) - وسائل الشيعة 1: 465 / الباب 39 من أبواب الوضوء / الحديث 7.

فليمسح على الجبيرة في الغسل الترتيبي، كما في رواية كليب الأسدي قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل اذا كان كسيرا، كيف يصنع بالصلاة؟ قال: ان كان يتخوّف على نفسه فليمسح على جبائره و ليصلّ».(1)

فالظاهر من هذه الرواية و ما قبلها من موثّقة عمّار و رواية العيّاشي، جواز اجراء الماء على موضع الجبيرة ان كانت في محلّ الغسل، و عليه لو اغتسل الغسل الارتماسي لايجب عليه المسح على الجبيرة تحت الماء، و يجزيه الارتماس.

فيما اذا كان على مواضع التيمّم جرح

(مسألة 29): اذا كان على مواضع التيمّم جرح أو قرح أو نحوهما فالحال فيه حال الوضوء في الماسح كان أو في الممسوح.

الشرح:

اذا كان على مواضع التيمّم من الناصية و الكفّين ظهرهما أو باطنهما جبيرة فلا محالة يتيمّم بواسطة الجبيرة فان كانت الجبيرة على ناصيته، فيمسح عليها بعد ضرب كفّيه على الصعيد، و كذا لو كانت على ظهر كفّه. و ان كانت على باطن كفّه فليضرب كفّه على التراب لو كانت الجبيرة طاهرة و يمسح بها جبينه و ظهر كفّيه؛ و الدليل على ذلك الروايات الواردة في الوضوء اذا كانت الجبيرة على أعضاء الوضوء، فانّ المناط فيهما واحد.

و في المستمسك: «بلا خلاف فيه على الظاهر، كما في الحدائق، و كأنّه لا خلاف فيه، كما عن اللوامع، و قريب منه ما في المستند. و علّله في الحدائق بأنّ المفهوم من عموم الأخبار بدليّة الجبيرة عن البشرة، من دون فرق بين الطهارات الثلاث».(2)


1) - وسائل الشيعة 1: 465 / الباب 39 من أبواب الوضوء / الحديث 8.

2) - مستمسك العروة 2: 558.

في استئجار صاحب الجبيرة

(مسألة 30): في جواز استئجار صاحب الجبيرة اشكال، بل لايبعد انفساخ الاجارة اذا طرأ العذر في أثناء المدّة مع ضيق الوقت عن الاتمام و اشتراط المباشرة، بل اتيان قضاء الصلوات عن نفسه لايخلو عن اشكال مع كون العذر مرجوّ الزوال، و كذا يشكل كفاية تبرّعه عن الغير.

الشرح:

الاشكال على جواز استئجار صاحب الجبيرة و كذا الاشكال في اتيان قضاء الصلوات عن نفسه مع كون العذر مرجوّ الزوال مبني على أنّ الوضوء مع الجبيرة رافع للحدث و أنّه وضوء تامّ أو مبيح للصلاة و أنّه وضوء ناقص. و على المختار الذي تقدّم في المسألة الخامسة و العشرين أنّه رافع للحدث فلايبقى اشكال في هذه المسألة.

انّما الكلام فيما اذا علم زوال عذره آخر الوقت فهل يجوز له البدار؟ الظاهر أنّه لايجوز؛ لأنّ الوضوء مع الجبيرة وظيفة المعذور. و عليه لو توضّأ لقضاء الصلوات عن نفسه مع رجاء زوال عذره بعد أيّام قصيرة، يشكل اذا لم يعدّ التسامح في اتيان القضاء، و هكذا يشكل فيما اذا آجر نفسه لاتيان الصلاة عن الميّت و طرأ العذر في الأثناء مع رجاء زواله بعد أيّام قصيرة، ففي هذه الموارد ينتظر حتّى يزول عذره. نعم، لو لم يكن زوال عذره مرجوّا قريبا فالظاهر عدم الاشكال.

فى اعادة الصلوات التي صلاّها مع وضوء الجبيرة

(مسألة 31): اذا ارتفع عذر صاحب الجبيرة لايجب اعادة الصلوات التي صلاّها مع وضوء الجبيرة، و ان كان في الوقت بلا اشكال بل الأقوى جواز الصلوات الآتية بهذا الوضوء في الموارد التي علم كونه مكلّفا بالجبيرة، و أمّا في الموارد المشكوكة التي جمع فيها بين الجبيرة و التيمّم فلا بدّ من الوضوء للأعمال الآتية؛ لعدم معلوميّة صحّة وضوئه و اذا ارتفع العذر في أثناء

الوضوء وجب الاستئناف أو العود الى غسل البشرة التي مسح على جبيرتها ان لم تفت الموالاة.

الشرح:

اذا ارتفع عذر صاحب الجبيرة لايجب اعادة الصلوات التي صلاّها مع وضوء الجبيرة؛ لأنّه عمل بوظيفته الى أن ارتفع عذره في الوقت مع عدم كونه مرجوّ الزوال. بل الأقوى جواز الصلوات الآتية بهذا الوضوء؛ لأنّه وضوء رافع للحدث كما تقدّم. نعم، في الموارد التي ضمّ اليها التيمّم يجدّد الوضوء؛ للشكّ في أنّه كان وظيفته الجبيرة أو التيمّم. و لو كان وظيفته التيمّم، فاذا رفع العذر يرجع الوظيفة الى الوضوء؛ لأنّ التيمّم بدل عنه لا عينه.

قال في المستمسك: «اذا ارتفع عذر صاحب الجبيرة لايجب اعادة الصلاة التي صلاّها مع وضوء الجبيرة اجماعا، كما في المستند، و في الجواهر عن المنتهى و غيره، و في مفتاح الكرامة عنه و عن شرح المفاتيح؛ لكونه المتيقّن من نصوص الباب».(1)

في الصلاة أوّل الوقت لصاحب الجبيرة

(مسألة 32): يجوز لصاحب الجبيرة الصلاة أوّل الوقت مع اليأس عن زوال العذر في آخره و مع عدم اليأس الأحوط التأخير.

الشرح:

يجوز لصاحب الجبيرة الصلاة أوّل الوقت مع اليأس عن زوال العذر في آخره، و مع عدم اليأس فان علم بزوال عذره فيجب التأخير، كما تقدّم في المسألة السابقة، و ان لم يعلم ولكنّه لم ييأس فالأحوط التأخير.

قال في المستمسك: «لا اطلاق في النصوص يقتضي مشروعيّة وضوء الجبيرة


1) - مستمسك العروة 2: 560.

للمضطرّ في أوّل الوقت، و أنّ المتيقّن منها صورة استمرار العذر في تمام الوقت؛ لأنّ منصرف النصوص العجز عن المأمور به، الذي لايصدق عرفا بالعجز عن بعض الأفراد التدريجيّة، كما لايصدق بالعجز عن بعض الأفراد العرضيّة، و حينئذ نقول: انّه لا مانع من فعل وضوء الجبيرة أوّل الوقت برجاء استمرار العذر، فان انكشف ارتفاعه في الوقت انكشف فساد الوضوء الواقع قبله من حين وقوعه، و لا دليل على كون اليأس في نفسه موضوعا لمشروعيّة الوضوء واقعا، بحيث يصحّ الوضوء معه و ان انكشف ارتفاع العذر».(1)

فيما اذا اعتقد الضرر في غسل البشرة فتبيّن عدمه

(مسألة 33): اذا اعتقد الضرر في غسل البشرة فعمل بالجبيرة، ثمّ تبيّن عدم الضرر في الواقع، أو اعتقد عدم الضرر فغسل العضو، ثمّ تبيّن أنّه كان مضرّا و كان وظيفته الجبيرة، أو اعتقد الضرر و مع ذلك ترك الجبيرة، ثمّ تبيّن عدم الضرر و أنّ وظيفته غسل البشرة، أو اعتقد عدم الضرر و مع ذلك عمل بالجبيرة، ثمّ تبيّن الضرر، صحّ وضوؤه في الجميع بشرط حصول قصد القربة منه في الأخيرتين و الأحوط الاعادة في الجميع.

الشرح:

في المسألة صور:

الأولى: اذا اعتقد الضرر في غسل البشرة فعمل بالجبيرة ثمّ تبيّن عدم الضرر في الواقع، فلا يصحّ وضوؤه؛ لأنّ التكليف بالجبيرة يكون على الواقع لا على اعتقاد المكلّف، فانّ اعتقاد الضرر ليس موضوعا لوضوء الجبيرة.

الثانية: اذا اعتقد عدم الضرر فغسل العضو، ثمّ تبيّن أنّه كان مضرّا و كانت وظيفته الجبيرة، ففي هذه الصورة يصحّ وضوؤه؛ و ذلك لأنّ الظاهر من الروايات


1) - مستمسك العروة 2: 561 و 562.

أنّ الجبيرة وضعت لئلاّيتضرّر المتوضّئ حيث انّ الاضرار بالبدن لايجوز، فلو اعتقد عدم الضرر لم يرتكب حراما و كان وضوؤه صحيحا.

الثالثة: اذا اعتقد الضرر و مع ذلك ترك الجبيرة، ثمّ تبيّن عدم الضرر و أنّ وظيفته غسل البشرة. ففي هذه الصورة أيضا يصحّ وضوؤه اذا تمشّى منه قصد القربة؛ لأنّه لم يرتكب حراما في الواقع حتّى يبطل وضوؤه.

الرابعة: اذا اعتقد عدم الضرر و مع ذلك عمل بالجبيرة ثمّ تبيّن الضرر صحّ وضوؤه أيضا؛ لأنّه أتى بوظيفته الواقعيّة بشرط حصول قصد القربة منه، كما في الصورة الثالثة.

في الشكّ في الوظيفة

(مسألة 34): في كلّ مورد يشكّ في أنّ وظيفته الوضوء الجبيري أو التيمّم الأحوط الجمع بينهما.

الشرح:

الظاهر كفاية الوضوء الجبيري في كلّ مورد يشكّ في أنّ وظيفته الوضوء الجبيري أو التيمّم؛ و ذلك لأنّ التيمّم بدل من الوضوء، و هو في حال لايتمكّن من الوضوء مطلقا و ان كان الوضوء الجبيري؛ لأنّ الظاهر من الروايات الواردة في الجبيرة أنّ الوضوء الجبيري وضوء لا أنّه بدل عن الوضوء، و الاحتياط بضمّ التيمّم حسن.

الفصل التاسع : في حكم دائم الحدث

اشارة

المسلوس و المبطون امّا أن يكون لهما فترة تسع الصلاة و الطهارة و لو بالاقتصار على خصوص الواجبات و ترك جميع المستحبّات أم لا، و على الثاني امّا أن يكون خروج الحدث في مقدار الصلاة مرّتين أو ثلاثة مثلاً، أو هو متّصل، ففي الصورة الأولى يجب اتيان الصلاة في تلك الفترة، سواء كانت في أوّل الوقت أو وسطه أو آخره، و ان لم تسع الاّ لاتيان الواجبات اقتصر عليها و ترك جميع المستحبّات، فلو أتى بها في غير تلك الفترة بطلت. نعم، لو اتّفق عدم الخروج و السلام ة الى آخر الصلاة صحّت اذا حصل منه قصد القربة، و اذا وجب المبادرة لكون الفترة في أوّل الوقت فأخّر الى الآخر عصى لكن صلاته صحيحة.

الشرح:

دائم الحدث أي المسلوس و المبطون من كان به حدث البول أو الريح دائما، فان كان له فترة تسع الطهارة و الصلاة و لو بالاقتصار على خصوص الواجبات و ترك جميع المستحبّات، فعليه الاتيان بالصلاة في تلك الفترة، سواء كانت في أوّل الوقت أو وسطه أو آخره. فهو لايشمله حكم هذا العذر، فلو لم يأت بالطهارة و

الصلاة في تلك الحالة، و اضطرّ الى أن يأتي بوظيفة من به داء الحدث و البطن، فهو و ان كانت طهارته و صلاته صحيحتين الاّ أنّه عصى لتفويته الطهارة و الصلاة في حال سلام ته. نعم، لو كانت سلام ته وسط الوقت و أتى بالطهارة و الصلاة في أوّل الوقت فخرج البول أو الغائط حين الصلاة كانت صلاته باطلة فيجب عليه الاعادة، و ان لم يخرج صدفة فصحيحة.

قال في الجواهر: «ان كان للمسلوس فترة تسع الطهارة و الصلاة، وجب الانتظار كما صرّح به جمع من الأصحاب، بل لاأجد فيه خلافا هنا سوى ما ينقل عن الأردبيلي من احتمال عدم الوجوب؛ لاطلاق الأدلّة - الى أن قال: - يمكن منع شمول الاطلاق لنحو المقام، كمنع الخطاب بالصلاة على هذا الحال مع العلم بالتمكّن من الشرط في ثاني الأوقات».(1)

و أمّا الصورة الثانية و هي ما اذا لم تكن فترة واسعة الاّ أنّه لايزيد على مرّتين أو ثلاثة أو أزيد بما لا مشقّة في التوضّي في الأثناء و البناء، يتوضّأ و يشتغل بالصلاة بعد أن يضع الماء الى جنبه، فاذا خرج منه شيء توضّأ بلا مهلة و بنى على صلاته من غير فرق بين المسلوس و المبطون، لكن الأحوط أن يصلّي صلاة أخرى بوضوء واحد خصوصا في المسلوس، بل مهما أمكن لايترك هذا الاحتياط فيه، و أمّا الصورة الثالثة: و هي أن يكون الحدث متّصلاً بلا فترة أو فترات يسيرة بحيث لو توضّأ بعد كلّ حدث و بنى لزم الحرج، يكفي أن يتوضّأ لكلّ صلاة، و لايجوز أن يصلّي صلاتين بوضوء واحد، نافلة كانتا أو فريضة أو مختلفة. هذا ان أمكن اتيان بعض كلّ صلاة بذلك الوضوء. و أمّا ان لم يكن كذلك بل كان الحدث مستمرّا بلا فترة يمكن اتيان شيء من الصلاة مع الطهارة، فيجوز أن يصلّي بوضوء واحد صلوات


1) - جواهر الكلام 2: 324.

عديدة، و هو بحكم المتطهّر الى أن يجيئه حدث آخر من نوم أو نحوه أو خرج منه البول أو الغائط على المتعارف، لكنّ الأحوط في هذه الصورة أيضا الوضوء لكلّ صلاة، و الظاهر أنّ صاحب سلس الريح أيضا كذلك.

الشرح:

قال في الشرائع: «من به السلس، قيل: يتوضّأ لكلّ صلاة، و قيل: من به البطن اذا تجدّد حدثه في أثناء الصلاة يتطهّر و يبني».(1)

قال في المدارك: «القول بوجوب الوضوء عليه لكلّ صلاة للشيخ في الخلاف، نظرا الى أنّه بتجدّد البول يصير محدثا، فيجب عليه الطهارة، و يمنع من المشروط بها. و قال في المبسوط: «انّه يصلّي بوضوء واحد عدّة صلوات».

و استقرب العلاّمة في المنتهى أنّه يجوز له أن يجمع بين الظهر و العصر بوضوء واحد، و بين المغرب و العشاء بوضوء واحد، و أوجب عليه تعدّد الوضوء بتعدّد الصلاة في غير ذلك، و استدلّ على الأوّل بصحيحة حريز.

و قيل: «من به البطن اذا تجدّد حدثه في الصلاة تطهّر و بنى». هذا قول معظم الأصحاب، و احتجّوا عليه بموثّقة محمّد بن مسلم. و ذهب العلاّمة في المختلف الى وجوب استئناف الطهارة و الصلاة مع امكان التحفّظ بقدر زمانهما، و الاّ بنى بغير طهارة. انتهى ملخّصا».(2)

و لنذكر أوّلاً الروايات الواردة في الباب، ففي صحيحة حريز بن عبداللّه عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال:

«اذا كان الرجل يقطر منه البول و الدم، اذا كان حين الصلاة اتّخذ كيسا، و جعل فيه قطنا، ثمّ علّقه عليه و أدخل ذكره فيه، ثمّ صلّى،


1) - شرائع الاسلام 1: 23.

2) - مدارك الأحكام 1: 242 و 243.

يجمع بين الصلاتين الظهر و العصر، يؤخّر الظهر، و يعجّل العصر، بأذان و اقامتين، و يؤخّر المغرب، و يعجّل العشاء، بأذان و اقامتين، و يفعل ذلك في الصبح».(1)

و صحيحة منصور بن حازم قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : الرجل يعتريه البول و لايقدر على حبسه؟ قال: فقال لي: اذا لم يقدر على حبسه فاللّه أولى بالعذر، يجعل خريطة».(2)

و صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سئل عن تقطير البول؟ قال: يجعل خريطة اذا صلّى».(3)

و موثّقة محمّد بن مسلم قال:

«سألت أبا جعفر عليه السلام عن المبطون؟ فقال: يبني على صلاته».(4)

و موثّقته الثانية عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«صاحب البطن الغالب يتوضّأ، ثمّ يرجع في صلاته، فيتمّ ما بقي».(5)

الظاهر من صحيحة حريز، أنّ الذي يقطر منه البول، و لايتمكّن من أن يحفظ نفسه من خروجه بعد ما يتّخذ كيسا لحفظ قطرات بوله فيه، يصلّي و يجمع بين الصلاتين الظهر و العصر، و كذا يجمع بين المغرب و العشاء، بأذان و اقامتين و يفعل ذلك في الصبح. و في هذه الروايات و ان لم يذكر الوضوء ولكنّه يستفاد ذلك من قوله عليه السلام في صحيحة زرارة:


1) - وسائل الشيعة 1: 297 / الباب 19 من أبواب نواقض الوضوء / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 1: 297 / الباب 19 من أبواب نواقض الوضوء / الحديث 2.

3) - وسائل الشيعة 1: 298 / الباب 19 من أبواب نواقض الوضوء / الحديث 5.

4) - وسائل الشيعة 1: 297 / الباب 19 من أبواب نواقض الوضوء / الحديث 3.

5) - وسائل الشيعة 1: 298 / الباب 19 من أبواب نواقض الوضوء / الحديث 4.

«لا صلاة الاّ بطهور».(1)

و في صحيحة أخرى له قال:

«سألت أبا جعفر عليه السلام عن الفرض في الصلاة؟ فقال: الوقت و الطهور و القبلة و التوجّه و الركوع و السجود و الدعاء، الحديث».(2)

و اطلاق صحيحة حريز بل و صحيحة منصور بن حازم يقتضي عدم الفرق بين من كان نزول قطرات بوله حين صلاته مرّتين أو ثلاث مرّات، كما عدّه من الصورة الثانية في المتن، أو كان أزيد من ذلك كما في الصورة الثالثة.

و أمّا المبطون و ان كان يمكن الحاقه به؛ لوحدة المناط، و لاتعارضه موثّقة محمّد بن مسلم قال:

«سألت أبا جعفر عليه السلام عن المبطون؟ فقال: يبني على صلاته».

فانّ معنى البناء على صلاته هو الذي قاله الصادق عليه السلام في صحيحة حريز، الاّ أنّ قوله عليه السلام في الموثّقة الثانية لمحمّد بن مسلم: «صاحب البطن الغالب يتوضّأ ثمّ يرجع في صلاته فيتمّ ما بقي»، يعارض صحيحة حريز بالنسبة الى المبطون و لذا نقول بالنسبة الى المبطون: انّه ان لم يشقّ عليه الوضوء حين الصلاة، فان خرج الغائط منه أثناء الصلاة مرّة أو مرّتين، يتوضّأ و يتمّ ما بقي، و لاينحرف عن القبلة. و أمّا ان كان يشقّ عليه، فيكفي الوضوء بين الصلاتين ان خرج الغائط منه. و ان خرج منه دائما فيكفي وضوء واحد للصلاتين يجمع بينهما.

ثمّ انّه ان كان حدث بوله مستمرّا بلا فترة فقال المصنّف: «يجوز أن يصلّي بوضوء واحد صلوات عديدة، و هو بحكم المتطهّر الى أن يجيئه حدث آخر من نوم أو نحوه، أو خرج منه البول أو الغائط على المتعارف».

ولكنّ الظاهر من صحيحة حريز أنّه ان أراد أن يأتي بصلوات عديدة من دون


1) - وسائل الشيعة 1: 365 / الباب 1 من أبواب الوضوء / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 1: 365 / الباب 1 من أبواب الوضوء / الحديث 3.

فصل بينها يكفي وضوء واحد للجميع، و ان وقع الفصل فيحتاج الى وضوء جديد. و هكذا يكون حكم المبطون و يلحق به من تخرج ريحه دائما.

(مسألة 1): يجب عليه المبادرة الى الصلاة بعد الوضوء بلا مهلة.

كما تقدّم في المسألة السابقة.

في الوضوء لقضاء التشهّد و السجدة المنسيّين

(مسألة 2): لايجب على المسلوس و المبطون أن يتوضّئا لقضاء التشهّد و السجدة المنسيّين، بل يكفيهما وضوء الصلاة التي نسيا فيها، بل و كذا صلاة الاحتياط يكفيها وضوء الصلاة التي شكّ فيها، و ان كان الأحوط الوضوء لها مع مراعاة عدم الفصل الطويل و عدم الاستدبار، و أمّا النوافل فلايكفيها وضوء فريضتها بل يشترط الوضوء لكلّ ركعتين منها.

الشرح:

ان كان المسلوس و المبطون من الصورة الأولى، أي كان له مدّة يمكن فيها الوضوء و الصلاة من دون أن يخرج البول و الغائط، فان توضّأ و صلّى ثمّ جاء بوله أو خرج الغائط منه فعليه الوضوء لقضاء التشهّد و السجدة المنسيّين و كذا صلاة الاحتياط. و أمّا ان كان من الصورة الثانية أي الذي لم يمكن له أن يحفظ نفسه بمقدار الطهارة و صلاة واحدة فضلاً عن الصورة الثالثة فيكفي الوضوء الذي صلّى به لقضاء التشهّد و السجدة المنسيّين و كذا لصلاة الاحتياط. و أمّا النوافل فان كان من الصورة التي يستمرّ منه البول أو الغائط أو الريح فيكفي فيها وضوء واحد لكلّ منها.

في التحفّظ من تعدّي البول في المسلوس

(مسألة 3): يجب على المسلوس التحفّظ من تعدّي بوله بكيس فيه قطن أو نحوه، و الأحوط غسل الحشفة قبل كلّ صلاة و أمّا الكيس فلايلزم تطهيره و ان كان أحوط، و المبطون أيضا ان أمكن تحفّظه بما يناسب يجب كما أنّ الأحوط تطهير المحلّ أيضا ان أمكن من غير حرج.

الشرح:

قد تقدّم في ابتداء الفصل وجوب اتّخاذ كيس فيه قطن أو نحوه للتحفّظ من تعدّي بوله؛ لصحيحة زرارة المتقدّمة، و أمّا غسل الحشفة فلم يذكر فيها مع كونه عليه السلام في مقام البيان. و كذا لايلزم تطهير الكيس، فلايجب لكلّ صلاة بل لايجب تطهيره لو تخلّى ما جمع فيه من البول و الغائط؛ لأنّه من المحمول النجس الذي يكون معفوّا. و هكذا يكون حكم المبطون.

في لزوم معالجة السلس و البطن

(مسألة 4): في لزوم معالجة السلس و البطن اشكال، و الأحوط المعالجة مع الامكان بسهولة. نعم، لو أمكن التحفّظ بكيفيّة خاصّة مقدار أداء الصلاة وجب و ان كان محتاجا الى بذل مال.

الشرح:

ان قلنا بأنّ قطرات البول الخارجة من المسلوس و الغائط أو الريح الخارجين من المبطون لاتضرّ بطهارته و صلاته، لأنّه من المعذورين، فلمَ لايجب عليه رفع عذره مع الامكان بسهولة؟ و لو كان يجب التحفّظ بكيفيّة خاصّة مقدار أداء الصلاة و ان كان محتاجا الى بذل مال لايضرّ بحاله، فأيّ فرق بينه و بين المعالجة مع الامكان بسهولة؟ و الروايات لم تكن واردة لبيان هذا المورد. و أمّا السيرة، فالقدر المتيقّن منها فيما لم يمكن المعالجة بسهولة. فالاحتياط بالمعالجة مع الامكان بسهولة لازم، و كذا لو أمكن التحفّظ بكيفيّة خاصّة من دون عسر و حرج.

في مسّ كتابة القرآن للمسلوس و المبطون

(مسألة 5): في جواز مسّ كتابة القرآن للمسلوس و المبطون بعد الوضوء للصلاة مع فرض دوام الحدث و خروجه بعده اشكال حتّى حال الصلاة الاّ أن يكون المسّ واجبا.

الشرح:

اذا كان المسلوس و المبطون ممّن يخرج منه البول و الغائط دائما فاذا توضّأ للصلاة فقد تقدّم جواز الصلاة الواجبة و المستحبّة بل قضاء الصلوات ما لم ينفصل بينها، و حينئذ يجوز مسّ كتابة القرآن و تلاوته بدون وضوء جديد، و ان كان الاحتياط في محلّه. نعم، اذا صلّى ثمّ انصرف و بعد مدّة أراد الصلاة أو مسّ كتابة القرآن فعليه الوضوء، و الدليل على ذلك صحيحة حريز المتقدّمة.

(مسألة 6): مع احتمال الفترة الواسعة الأحوط الصبر، بل الأحوط الصبر الى الفترة التي هي أخفّ مع العلم بها، بل مع احتمالها، لكنّ الأقوى عدم وجوبه.

الشرح:

اذا احتمل الفترة الواسعة للوضوء و الصلاة احتمالاً قريبا بالواقع بحسب ما يعلم من حاله يجب عليه الصبر؛ و ذلك لعدم العلم بوجود الموضوع. و أمّا الاحتمال المرجوح الذي هو الوهم فلايجب؛ لاطلاق الرواية. و لايجب الصبر الى الفترة التي هي أخفّ مع العلم بها فضلاً عن احتمالها؛ لاطلاق الرواية الشاملة لذلك.

(مسألة 7): اذا اشتغل بالصلاة مع الحدث باعتقاد عدم الفترة الواسعة و في الأثناء تبيّن وجودها قطع الصلاة و لو تبيّن بعد الصلاة أعادها.

الشرح:

و ذلك لأنّه لم يكن معذورا واقعا، و عدم ناقضيّة الوضوء للمبطون أو المسلوس منوط بما اذا لم تكن لهما فترة واسعة واقعا، و ليس الحكم على الاعتقاد.

(مسألة 8): ذكر بعضهم أنّه لو أمكنهما اتيان الصلاة الاضطراريّة و لو بأن يقتصرا في كلّ ركعة على تسبيحة و يومئا للركوع و السجود مثل صلاة الغريق، فالأحوط الجمع بينها و بين الكيفيّة السابقة، و هذا و ان كان حسنا لكن وجوبه محلّ منع، بل تكفي الكيفيّة السابقة.

الشرح:

قد تقدّم في صحيحة حريز أنّ المسلوس يجب عليه الوضوء و الجمع بين الصلاتين و أنّ المبطون كذلك أيضا، و كان الامام عليه السلام بصدد بيان الحكم و لم يقل شيئا حتّى يستنبط منه الصلاة بهذه الكيفيّة.

قال في التنقيح: «انّ الأخبار الواردة في المقام دلّتنا على أنّ وظيفة المسلوس و المبطون هي الصلاة على الكيفيّة المتقدّمة و معه لا وجه للاحتياط و الجمع بينها و بين الصلاة الاضطراريّة و ان نسب الى شيخنا الأنصاري رحمه الله الاحتياط بالجمع بينهما».(1)


1) - التنقيح في شرح العروة 6: 233.

(مسألة 9): من أفراد دائم الحدث المستحاضة و سيجيء حكمها.

(مسألة 10): لايجب على المسلوس و المبطون بعد برئهما قضاء ما مضى من الصلوات. نعم، اذا كان في الوقت وجبت الاعادة.

الشرح:

لايجب على المسلوس و المبطون بعد برئهما قضاء ما مضى من الصلوات؛ لأنّهما امتثلا ما كلّفا به، كما تقدّم. نعم، اذا كان في الوقت وجبت الاعادة كما تقدّم.

(مسألة 11): من نذر أن يكون على الوضوء دائما اذا صار مسلوسا أو مبطونا الأحوط تكرار الوضوء بمقدار لايستلزم الحرج، و يمكن القول بانحلال النذر و هو الأظهر.

الشرح:

من نذر أن يكون على الوضوء دائما اذا صار مسلوسا أو مبطونا فان كان يتقاطر منه مستمرّا فيكفيه وضوء واحد، فاذا بال أو تغوّط باختياره أو نام جدّد وضوءه، و لاينحلّ نذره؛ و ذلك لأنّ وضوءه في تلك الحال يصيّره بحكم المتطهّر.

المبحث الخامس في الأغسال

اشارة

و فيه فصول:

الفصل الأوّل في عدادها

الفصل الثاني في غسل الجنابة

الفصل الثالث فيما يتوقّف على الغسل من الجنابة

الفصل الرابع فيما يحرم على الجنب

الفصل الخامس فيما يكره على الجنب

الفصل السادس في أحكام غسل الجنابة

الفصل السابع في مستحبّات غسل الجنابة

الفصل الأوّل : في عدادها

و الواجب منها سبعة: غسل الجنابة و الحيض و النفاس و الاستحاضة و مسّ الميّت و غسل الأموات و الغسل الذي وجب بنذر و نحوه، كأن نذر غسل الجمعة أو غسل الزيارة أو الزيارة مع الغسل، و الفرق بينهما أنّ في الأوّل اذا أراد الزيارة يجب أن يكون مع الغسل ولكن يجوز أن لايزور أصلاً، و في الثاني يجب الزيارة فلايجوز تركها، و كذا اذا نذر الغسل لسائر الأعمال التي يستحبّ الغسل لها.

سيأتي الدليل على وجوب كلّ واحد منها في محلّه، الاّ المنذور فانّ الدليل على وجوبه في كتاب النذر. و بالنسبة الى غسل الزيارة أو الزيارة مع الغسل و الفرق بينهما فسيجيء في المسألة الأولى.

(مسألة 1): النذر المتعلّق بغسل الزيارة و نحوها يتصوّر على وجوه: «الأوّل»: أن ينذر الزيارة مع الغسل فيجب عليه الغسل و الزيارة و اذا ترك أحدهما وجبت الكفّارة. «الثاني»: أن ينذر الغسل للزيارة بمعنى أنّه اذا أراد أن يزور لايزور الاّ مع الغسل فاذا ترك الزيارة لا كفّارة عليه، و اذا زار بلا غسل

وجبت عليه. «الثالث»: أن ينذر غسل الزيارة منجّزا و حينئذ يجب عليه الزيارة أيضا، و ان لم يكن منذورا مستقلاًّ بل وجوبها من باب المقدّمة، فلو تركهما وجبت كفّارة واحدة و كذا لو ترك أحدهما، و لايكفي في سقوطها الغسل فقط، و ان كان من عزمه حينه أن يزور فلو تركها وجبت؛ لأنّه اذا لم تقع الزيارة بعده لم يكن غسل الزيارة. «الرابع»: أن ينذر الغسل و الزيارة، فلو تركهما وجبت عليه كفّارتان و لو ترك أحدهما فعليه كفّارة واحدة. «الخامس»: أن ينذر الغسل الذي بعده الزيارة و الزيارة مع الغسل، و عليه لو تركهما وجبت كفّارتان و لو ترك أحدهما فكذلك؛ لأنّ المفروض تقييد كلّ بالآخر و كذا الحال في نذر الغسل لسائر الأعمال.

الشرح:

النذر المتعلّق بغسل الزيارة و نحوها يتصوّر على وجوه:

الأوّل: أن ينذر الزيارة مقيّدة بالغسل، بأن كان منذوره شيئا واحدا و هو الزيارة مقيّدة بغسل الزيارة في وقت خاصّ، فلو اغتسل و لم يزر وجبت الكفّارة، و لو زار و لم يغتسل وجبت الكفّارة، و لو تركهما معا وجبت عليه كفّارة واحدة.

الثاني: أن ينذر الغسل للزيارة، بمعنى أنّه اذا أراد الزيارة لايزور الاّ مع الغسل فاذا ترك الزيارة لا كفّارة عليه، و أمّا اذا زار بلا غسل وجبت عليه الكفّارة؛ لأنّه خالف نذره و زار و لم يغتسل.

الثالث: أن ينذر غسل الزيارة منجّزا، و لم يكن مراده من ذلك أنّه اذا أراد أن يزور يغتسل حتّى يرجع الى الصورة الثانية، و ليس مراده من ذلك الزيارة مقيّدة بالغسل حتّى يرجع الى الصورة الأولى بل هو أن ينذر غسل الزيارة منجّزا بنحو الواجب المطلق و لذا يجب بعده الزيارة.

الرابع: أن ينذر الغسل و الزيارة بنحو تعدّد المطلوب، فيكون قد أنشأ بانشاء

واحد نذرين أحدهما تعلّق بالغسل و الآخر بالزيارة - كما في المستمسك(1)- و لذا تجب كفّارتان لو تركهما معا؛ لأنّ في تركهما مخالفة لنذرين، و لو ترك أحدهما فعليه كفّارة واحدة.

الخامس: أن ينذر الغسل الذي بعده الزيارة، و الزيارة مع الغسل، و هذا أيضا ان كان بنحو تعدّد المطلوب فيكون نذرين قد أنشأهما بانشاء واحد فيكون حكمه ما تقدّم في الوجه الرابع.


1) - مستمسك العروة 3: 4.

الفصل الثاني : في غسل الجنابة

فيما تحصل به الجنابة: «الأوّل»: خروج المني
اشارة

و هي تحصل بأمرين: «الأوّل»: خروج المني و لو في حال النوم أو الاضطرار و ان كان بمقدار رأس ابرة، سواء كان بالوط ء أو بغيره، مع الشهوة أو بدونها، جامعا للصفات أو فاقدا لها مع العلم بكونه منيّا، و في حكمه الرطوبة المشتبهة الخارجة بعد الغسل مع عدم الاستبراء بالبول، و لا فرق بين خروجه من المخرج المعتاد أو غيره، و المعتبر خروجه الى خارج البدن، فلو تحرّك من محلّه و لم يخرج لم يوجب الجنابة، و أن يكون منه فلو خرج من المرأة مني الرجل لايوجب جنابتها الاّ مع العلم باختلاطه بمنيّها، و اذا شكّ في خارج أنّه مني أم لا، أختبر بالصفات من الدفق و الفتور و الشهوة، فمع اجتماع هذه الصفات يحكم بكونه منيّا و ان لم يعلم بذلك، و مع عدم اجتماعها و لو بفقد واحد منها لايحكم به الاّ اذا حصل العلم، و في المرأة و المريض يكفي اجتماع صفتين و هما الشهوة و الفتور.

الشرح:

قال في الشرائع: «سبب الجنابة أمران: الانزال، اذا علم أنّ الخارج مني، فان حصل ما يشتبه به و كان دافقا تقارنه الشهوة و فتور الجسد وجب الغسل».(1)

و قال في المدارك: «اتّفق العلماء كافّة على أنّ الجنابة سبب في الغسل، و القرآن الكريم ناطق بذلك، قال اللّه تعالى: «و ان كنتم جنبا فاطّهّروا»، و أجمعوا على أنّها تحصل بأمرين: أحدهما انزال المني، فاذا تيقّن أنّ الخارج مني وجب الغسل، سواء خرج متدافقا أو متثاقلاً، بشهوة و غيرها، في نوم و يقظة».(2)

و يدلّ على وجوب الغسل عند خروج المني من الرجل و المرأة الأخبار المستفيضة:

منها صحيحة عبيداللّه الحلبي قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن المفخّذ عليه غسل؟ قال: نعم، اذا أنزل».(3)

و منها صحيحة اسماعيل بن سعد الأشعري قال:

«سألت الرضا عليه السلام عن الرجل يلمس فرج جاريته حتّى تنزل الماء من غير أن يباشر يعبث بها بيده حتّى تنزل؟ قال: اذا أنزلت من شهوة فعليها الغسل».(4)

و منها صحيحة ثانية للحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته عن المرأة ترى في المنام ما يرى الرجل؟ قال: ان أنزلت فعليها الغسل، و ان لم تنزل فليس عليها الغسل».(5)


1) - شرائع الاسلام 1: 26.

2) - مدارك الأحكام 1: 265.

3) - وسائل الشيعة 2: 186 / الباب 7 من أبواب الجنابة / الحديث 1.

4) - وسائل الشيعة 2: 186 / الباب 7 من أبواب الجنابة / الحديث 2.

5) - وسائل الشيعة 2: 187 / الباب 7 من أبواب الجنابة / الحديث 5.

فرعان:

الفرع الأوّل : في عدم الفرق بين انزال المرأة و الرجل في ايجاب الغسل

قد وردت روايات ناطقة بأنّ الانزال موجب للغسل سواء في ذلك الرجل و المرأة:

منها صحيحتا اسماعيل بن سعد الأشعري و الحلبي و قد تقدّمتا.

و منها صحيحة اسماعيل بن بزيع قال:

«سألت الرضا عليه السلام عن الرجل يجامع المرأة فيما دون الفرج و تنزل المرأة هل عليها غسل؟ قال: نعم».(1)

و منها صحيحة محمّد بن الفضيل قال:

«سألت أبا الحسن عليه السلام عن المرأة تعانق زوجها من خلفه فتحرّك على ظهره، فتأتيها الشهوة فتنزل الماء، عليها الغسل أو لايجب عليها الغسل؟ قال: اذا جاءتها الشهوة فأنزلت الماء وجب عليها الغسل».(2)

و منها صحيحة عبداللّه بن سنان قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن المرأة ترى أنّ الرجل يجامعها في المنام في فرجها حتّى تنزل، قال: تغسل».(3)

و منها رواية معاوية قال:

«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: اذا أمنت المرأة و الأمة من شهوة،


1) - وسائل الشيعة 2: 186 / الباب 7 من أبواب الجنابة / الحديث 3.

2) - وسائل الشيعة 2: 187 / الباب 7 من أبواب الجنابة / الحديث 4.

3) - وسائل الشيعة 2: 188 / الباب 7 من أبواب الجنابة / الحديث 7.

جامعها الرجل أو لم يجامعها، في نوم كان ذلك أو في يقظة، فانّ عليها الغسل».(1)

و منها رواية يحيى بن طلحة أنّه سأل عبدا صالحا عليه السلام عن رجل مسّ فرج امرأته أو جاريته يعبث بها حتّى أنزلت، عليها غسل أم لا؟ قال:

«أليس قد أنزلت من شهوة؟ قلت: بلى، قال: عليها غسل».(2)

و منها رواية محمّد بن اسماعيل قال:

«سألت أبا الحسن عليه السلام عن المرأة ترى في منامها فتنزل، عليها غسل؟ قال: نعم».(3)

و بازاء هذه الروايات أخبار ناهضة بعدم الغسل على المرأة اذا أنزلت الاّ اذا جامعها الرجل و لو في المنام:

منها صحيحة محمّد بن مسلم قال:

«قلت لأبي جعفر عليه السلام : كيف جعل على المرأة - اذا رأت في النوم أنّ الرجل يجامعها في فرجها - الغسل؟ و لم يجعل عليها الغسل، اذا جامعها دون الفرج في اليقظة و أمنت؟ قال: لأنّها رأت في منامها أنّ الرجل يجامعها في فرجها فوجب عليها الغسل، و الآخر انّما جامعها دون الفرج فلم يجب عليها الغسل؛ لأنّه لم يدخله، و لو كان أدخله في اليقظة وجب عليها الغسل، أمنت أو لم تمن».(4)

و منها صحيحة عمر بن يزيد قال:

«اغتسلت يوم الجمعة بالمدينة و لبست ثيابي و تطيّبت فمرّت بي


1) - وسائل الشيعة 2: 189 / الباب 7 من أبواب الجنابة / الحديث 14.

2) - وسائل الشيعة 2: 190 / الباب 7 من أبواب الجنابة / الحديث 15.

3) - وسائل الشيعة 2: 190 / الباب 7 من أبواب الجنابة / الحديث 16.

4) - وسائل الشيعة 2: 191 / الباب 7 من أبواب الجنابة / الحديث 19.

وصيفة لي ففخّذت لها فأمذيت أنا و أمنت هي، فدخلني من ذلك ضيق، فسألت أبا عبداللّه عليه السلام عن ذلك؟ فقال: ليس عليك وضوء و لا عليها غسل».(1)

و منها صحيحة عمر بن أذينة قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : المرأة تحتلم في المنام فتهريق الماء الأعظم؟ قال: ليس عليها غسل».(2)

و منها مرسلة عبيد بن زرارة قال:

«قلت له: هل على المرأة غسل من جنابتها اذا لم يأتها الرجل؟ قال: لا و أيّكم يرضى أن يرى أو يصبر على ذلك أن يرى ابنته أو أخته، أو أمّه، أو زوجته، أو أحدا من قرابته قائمة تغتسل، فيقول: ما لك؟ فتقول: احتلمت و ليس لها بعل، ثمّ قال: لا، ليس عليهنّ ذلك و قد وضع اللّه ذلك عليكم، قال: «و ان كنتم جنبا فاطّهّروا» و لم يقل ذلك لهنّ».(3)

و قد حملها صاحب الوسائل على وجوه: منها الحمل على الاشتباه. و منها عدم تحقّق كون الخارج منيّا. و منها أنّها رأت في النوم أنّها أنزلت فلمّا انتبهت لم تجد شيئا كما يأتي أيضا. و منها أنّها أحسّت بانتقال المني عن محلّه الى موضع آخر و لم يخرج منه شيء، فانّ مني المرأة قلّما يخرج من فرجها؛ لأنّه يستقرّ في رحمها؛ لما يأتي أيضا. و منها الحمل على التقيّة؛ لموافقتها لبعض العامّة و ان ادّعى المحقّق في المعتبر اجماع المسلمين، فانّ ذلك خاصّ بالرجل، و قد تحقّق الخلاف من العامّة في المرأة.(4)


1) - وسائل الشيعة 2: 191 / الباب 7 من أبواب الجنابة / الحديث 20.

2) - وسائل الشيعة 2: 191 / الباب 7 من أبواب الجنابة / الحديث 21.

3) - وسائل الشيعة 2: 192 / الباب 7 من أبواب الجنابة / الحديث 22.

4) - نفس المصدر.

و في التنقيح في وجه المعالجة بينهما - بعد قبول المعارضة بين الطائفتين من الأخبار - قال: «فان بنينا على ما بنى عليه المشهور من أنّ الرواية بلغت من الصحّة ما بلغت اذا أعرض عنها المشهور سقطت عن الاعتبار، فلا مناص من الأخذ بالطائفة الأولى الدالّة على عدم الفرق في وجوب الغسل بالانزال بين المرأة و الرجل؛ و ذلك لاعراض الأصحاب عن الطائفة الثانية و لم ينسب العمل بها الى أحد من أصحابنا.

و أمّا اذا بنينا على ما سلكناه من أنّ اعراض المشهور عن رواية صحيحة لايوجب سقوطها عن الاعتبار فأيضا لا بدّ من تقديم الطائفة الأولى على الثانية؛ و ذلك امّا لأنّ الطائفة الثانية موافقة للعامّة على ما نسبه اليهم في الوسائل. و امّا لأنّها أشبه بفتاواهم - الى أن قال: - ثمّ لو أغمضنا عن ذلك فالطائفتان متعارضتان؛ لمنافاة وجوب الغسل على المرأة مع عدم وجوبه عليها فلا بدّ من الحكم بتساقطها و الرجوع الى المطلقات، و هي تدلّ على أنّ غسل الجنابة انّما يجب بخروج الماء الأكبر أو الأعظم، و مقتضى اطلاقه عدم الفرق في ذلك بين الرجال و النساء. انتهى ملخّصا».(1)

أقول:

انّ ما هو المعلوم من صحيحة محمّد بن مسلم اهماله عليه السلام عن الجواب، كما يظهر بالتأمّل، و قد أشار الى وجهه في التنقيح. و صحيحة عمر بن يزيد تحمل على خطأ عمر بن يزيد؛ لأنّ المرأة يخرج منها المذي ابتداءً، و جواب الامام عليه السلام مجمل و أنّه قضيّة في واقعة. و كذلك يكون حال صحيحة عمر بن أذينة. و الظاهر أنّ هذه الصحاح قابلة للتأويل بازاء الروايات الصحيحة من الطائفة الأولى. و في الحقيقة أنّ انزال المرأة ليس كانزال الرجل في سرعته، و لعلّه يبقى بعض الأوقات


1) - التنقيح في شرح العروة 6: 241 - 243.

في الرحم، و ما يخرج منها هو المذي و ماء الملاعبة، و لايبعد أن يحمل ما قاله الامام عليه السلام : « ... و لم يقل ذلك لهنّ»، على ما قلناه أخيرا مع حكمة ما يكون في مرسلة عبيد بن زرارة.

الفرع الثاني : فيما اذا شكّ في خارج أنّه مني أم لا

اذا شكّ في خارج أنّه مني أم لا، أختبر بالصفات من الدفق و الفتور و الشهوة، فمع اجتماع هذه الصفات يحكم بكونه منيّا و ان لم يعلم بذلك، و مع عدم اجتماعها و لو بفقد واحدة منها لايحكم به الاّ اذا حصل العلم. و في المرأة و المريض يكفي اجتماع صفتين و هما الشهوة و الفتور.

و يدلّ على أنّ العلامات الثلاث موجبة للغسل صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال:

«سألته عن الرجل يلعب مع المرأة و يقبّلها فيخرج منه المني فما عليه؟ قال: اذا جاءت الشهوة، و دفع و فتر لخروجه فعليه الغسل، و ان كان انّما هو شيء لم يجد له فترة و لا شهوة فلا بأس».(1)

و الظاهر أنّ الامام عليه السلام قد كان بصدد بيان أنّ الخارج من الاحليل لايكون منيّا دائما بل قد يكون مذيا، أو وديا أو وذيا، فالمني الذي يجب له الغسل هو ما يخرج بدفق و شهوة و فتور في جسده. و عدم ذكره عليه السلام الدفع أخيرا لأنّه لو لم يكن فتور أو شهوة لم يكن دفع.

و تؤيّدها مرسلة ابن رباط عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«يخرج من الاحليل المني و المذي و الودي و الوذي، فأمّا المني فهو


1) - وسائل الشيعة 2: 194 / الباب 8 من أبواب الجنابة / الحديث 1.

الذي تسترخي له العظام، و يفتر منه الجسد، و فيه الغسل، الحديث».(1)

و يدلّ على الدفق أيضا الصحيحة التي رواها الصدوق رحمه الله عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«اذا كنت مريضا فأصابتك شهوة، فانّه ربّما كان هو الدافق لكنّه يجيء مجيئا ضعيفا ليس له قوّة، لمكان مرضك ساعة بعد ساعة قليلاً قليلاً فاغتسل منه».(2)

و لو أنّ في عدّة من الروايات ذكرت الشهوة فقط و أنّ وجوب الغسل منوط بوجود الشهوة، لأنّها الأصل في الفرق بين المني و غيره. و خروج المذي و ان كان أيضا لشهوة الاّ أنّه لايلتفت صاحبه غالبا، مع كون الشهوة فيه بالنسبة الى الشهوة في خروج المني يكون كالعدم. و لذا ترى في بعض الروايات يسأل الراوي من الامام عليه السلام :

«عن المرأة تعانق زوجها من خلفه فتحرّك على ظهره، فتأتيها الشهوة فتنزل الماء ... ».(3)

ثمّ انّ صحيحة زرارة المتقدّمة دالّة على أنّ خروج المني من الرجل السالم يكون بدفق و في المريض ليس له دفق.

و تدلّ عليه أيضا صحيحة عبداللّه بن أبي يعفور عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«قلت له: الرجل يرى في المنام و يجد الشهوة فيستيقظ فينظر فلايجد شيئا، ثمّ يمكث الهوين بعد فيخرج، قال: ان كان مريضا فليغتسل، و ان لم يكن مريضا فلا شيء عليه. قلت: فما فرق بينهما؟


1) - وسائل الشيعة 2: 190 / الباب 7 من أبواب الجنابة / الحديث 17.

2) - وسائل الشيعة 2: 196 / الباب 8 من أبواب الجنابة / الحديث 5.

3) - وسائل الشيعة 2: 187 / الباب 7 من أبواب الجنابة / الحديث 4.

قال: لأنّ الرجل اذا كان صحيحا جاء الماء بدفقة قويّة، و ان كان مريضا لم يجئ الاّ بعد».(1)

و رواها الكليني بسند صحيح مثله، الاّ أنّه قال: «بدفقة و قوّة».

و هاتان الصحيحتان دالّتان على أنّ من علامات المني الذي يوجب الغسل خروجه بدفق الاّ في المريض.

كما يدلّ عليه أيضا صحيحة معاوية بن عمّار قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل احتلم فلمّا انتبه وجد بللاً قليلاً، قال: ليس بشيء الاّ أن يكون مريضا فانّه يضعف، فعليه الغسل».(2)

و تدلّ هذه الصحيحة أيضا على أنّ المني موجب للغسل و ان كان بللاً قليلاً.

ثمّ انّ جنابة المرأة منوطة بانزال المني و يعرف بانزالها عن شهوة و فتور في جسدها. فبالنسبة الى الشهوة فقد دلّت عليها روايات معتبرة تقدّمت في الفرع الأوّل من هذه المسألة كصحيحة اسماعيل بن سعد الأشعري قال:

«سألت الرضا عليه السلام عن الرجل يلمس فرج جاريته حتّى تنزل الماء من غير أن يباشر يعبث بها بيده حتّى تنزل؟ قال: اذا أنزلت من شهوة فعليها الغسل».(3)

و نحوها صحيحتان لمحمّد بن الفضيل و رواية معاوية بن عمّار و رواية يحيى بن طلحة.(4)


1) - وسائل الشيعة 2: 195 / الباب 8 من أبواب الجنابة / الحديث 3.

2) - وسائل الشيعة 2: 194 / الباب 8 من أبواب الجنابة / الحديث 2.

3) - وسائل الشيعة 1: 186 / الباب 7 من أبواب الجنابة / الحديث 2.

4) - وسائل الشيعة 2: 187 - 190 / الباب 7 من أبواب الجنابة / الحديث 4 و 13 و 14 و 15.

و أمّا الفتور في جسدها فيدلّ عليه اطلاق مرسلة ابن رباط عن أبي عبداللّه عليه السلام

قال:

«يخرج من الاحليل المني و المذي و الودي و الوذي، فأمّا المني فهو الذي تسترخي له العظام، و يفتر منه الجسد، و فيه الغسل، الحديث».(1)

مضافا الى أنّ اعتبار الشهوة و الفتور من لوازم المني مطلقا، بحسب المتعارف.

بقي أمور أشار اليها في مهذّب الأحكام:(2)

الأوّل: لو خرج من المرأة بعد ما اغتسلت مني و شكّت أنّه منيّ الرجل أو منيّها لايجب عليها الغسل؛ لأنّه ان كان من الرجل فلايجب عليها الغسل و حيث انّها شاكّة في كونه منها فالأصل عدم وجوب الغسل و أمّا تطهير المحلّ للصلاة فواجب؛ للعلم التفصيلي بنجاسته.

الثاني: لو أدخل مني رجل بالآلات المعدّة لذلك في فرج المرأة لايجب عليها الغسل؛ لأنّه لم يحصل لها الانزال و لا الجماع. و كذا لو أدخل مني رجل بتلك الآلات في احليل رجل آخر ثمّ خرج منه لايجب عليه الغسل.

الثالث: لو بال و خرج مع بوله المني وجب عليه الغسل، و أمّا لو شكّ في خروج المني فلايجب عليه الغسل. و لو استحال المني بالبول فلا غسل؛ لعدم الموضوع.

الرابع: لو وضعت آلة في داخل الاحليل بحيث ابتلع المني في المجرى بعد تكوّنه ثمّ أخرجت الآلة بحيث لم يمسّ المني رأس الاحليل يجب عليه الغسل؛ لأنّ الفرض أنّ المني قد حصل في الباطن و خرج، و ما يمكن أن يقال: انّ الغسل


1) - وسائل الشيعة 2: 190 / الباب 7 من أبواب الجنابة / الحديث 17.

2) - مهذّب الأحكام 3: 10 - 13.

دائر مدار وجوده في الباطن و خروجه بنفسه لا بآلة، فيدفعه بأنّ ذلك غالبي. و الاحتياط حسن بضمّ الوضوء اليه ان كان محدثا سابقا.

الخامس: ان علم بأن ما خرج منه مني ثمّ شكّ فيه يرجع الى الأمارة، فمع وجودها وجب الغسل و الاّ فلا.

السادس: المني كسائر ما يخرج من الانسان من الفضلات كالبول و الغائط و الدم يعرفها كلّ فرد، و ما ذكر في صحيحة علي بن جعفر من العلامات الثلاث - الشهوة و الدفق و الفترة - للارشاد اليه و لايكون تعبديّا، و لذا لو تيقّن بأنّ ما خرج مني وجب الغسل، سواء كانت العلامات موجودة أو لم تكن، و أمّا لو كانت العلامات الثلاث موجودة فقلّما يعدم المني، و يمكن أن يقال: انّ وجوده معها حتمي.

السابع: اذا شكّ في أنّ ما خرج منه مني أم لا، و شكّ أيضا في وجود العلامات لم يجب الفحص عنه فيحكم بعدم كونه منيّا.

الثامن: اذا علم من غير العلامات المذكورة بوجود المني وجب الغسل، كما لو تيقّن من الرائحة و أنّها كرائحة الطلع و العجين المتعفّن، و كونه كبياض البيض، كما أنّه لو اطمأنّ بوجوده بغير هذه الصفات وجب الغسل كما تقدّم.

التاسع: قد تقدّم أنّ الشهوة و اللذّة غير مختصّة بالمني بل مع المذي أيضا الاّ أنّهما يفترقان بانقطاع الشهوة بعد خروج المني في الجملة بخلاف المذي.

العاشر: الحقّ أنّ الأمراض مختلفة بالنسبة الى العلامات الثلاث من الشهوة و الدفق و الفتور، فربّ مرض ينافي الدفق، كما أنّ بعض الأمراض لاينافيه. نعم، الظاهر أنّ الشهوة و الفتور من الصفات غير المنفكّة غالبا، و ان كان لهما مراتب متفاوتة بحسب مراتب السنّ و هيجان الشهوة.

«الثاني»: الجماع
اشارة

«الثاني»: الجماع و ان لم ينزل و لو بادخال الحشفة أو مقدارها من مقطوعها في القبل أو الدبر، من غير فرق بين الواطئ و الموطوء، و الرجل و المرأة، و الصغير و الكبير، و الحي و الميّت، و الاختيار و الاضطرار، في النوم أو اليقظة، حتّى لو أدخلت حشفة طفل رضيع فانّهما يجنبان، و كذا لو أدخلت ذكر ميّت أو أدخل في ميّت، و الأحوط في وط ء البهائم من غير انزال الجمع بين الغسل و الوضوء ان كان سابقا محدثا بالأصغر، و الوط ء في دبر الخنثى موجب للجنابة دون قبلها الاّ مع الانزال فيجب الغسل عليه دونها الاّ أن تنزل هي أيضا، و لو أدخلت الخنثى في الرجل أو أنثى مع عدم الانزال لايجب الغسل على الواطئ و لا على الموطوء، و اذا دخل الرجل بالخنثى و الخنثى بالأنثى وجب الغسل على الخنثى دون الرجل و الأنثى.

الشرح:

الثاني ممّا يوجب الغسل الجماع و ان لم ينزل، فيجب الغسل على الرجل و المرأة بالجماع في الفرج حتّى تغيب الحشفة؛ تدلّ على ذلك روايات:

منها صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام قال:

«سألته متى يجب الغسل على الرجل و المرأة؟ فقال: اذا أدخله فقد وجب الغسل و المهر و الرجم».(1)

و منها صحيحة اسماعيل - يعني ابن بزيع - قال:

«سألت الرضا عليه السلام عن الرجل يجامع المرأة قريبا من الفرج فلاينزلان متى يجب الغسل؟ فقال: اذا التقى الختانان فقد وجب الغسل، فقلت: التقاء الختانين هو غيبوبة الحشفة؟ قال: نعم».(2)


1) - وسائل الشيعة 2: 182 / الباب 6 من أبواب الجنابة / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 2: 183 / الباب 6 من أبواب الجنابة / الحديث 2.

و منها صحيحة أحمد بن محمّد بن أبي نصر البزنطي صاحب الرضا عليه السلام قال:

«سألته ما يوجب الغسل على الرجل و المرأة؟ فقال: اذا أولجه أوجب الغسل و المهر و الرجم».(1)

و لاتعارضها صحيحة علي بن يقطين قال:

«سألت أبا الحسن عليه السلام عن الرجل يصيب الجارية البكر لايفضي اليها و لاينزل عليها، أعليها غسل؟ و ان كانت ليست ببكر ثمّ أصابها و لم يفض اليها، أعليها غسل؟ قال: اذا وقع الختان على الختان فقد وجب الغسل، البكر و غير البكر».(2)

و صحيحة الحلبي قال:

«سئل أبو عبداللّه عليه السلام عن الرجل يصيب المرأة فلاينزل أعليه غسل؟ قال: كان علي عليه السلام يقول: اذا مسّ الختان الختان فقد وجب الغسل».(3)

و ذلك لأنّ المراد من «وقع الختان على الختان» أو «مسّ الختان الختان» هو ادخال الحشفة و غيبوبتها، و الدليل على ذلك مضافا الى صحيحتي محمّد بن مسلم و اسماعيل بن بزيع المتقدّمتين، صحيحة عمر بن يزيد قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : الرجل يضع ذكره على فرج المرأة فيمني، عليها غسل؟ فقال: ان أصابها من الماء شيء فلتغسله، ليس عليها شيء الاّ أن يدخله، الحديث».(4)

و رواية محمّد بن عذافر قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام متى يجب على الرجل و المرأة الغسل؟ فقال:


1) - وسائل الشيعة 2: 185 / الباب 6 من أبواب الجنابة / الحديث 8.

2) - وسائل الشيعة 2: 183 / الباب 6 من أبواب الجنابة / الحديث 3.

3) - وسائل الشيعة 2: 183 / الباب 6 من أبواب الجنابة / الحديث 4.

4) - وسائل الشيعة 2: 185 / الباب 6 من أبواب الجنابة / الحديث 7.

يجب عليهما الغسل حين يدخله، و اذا التقى الختانان فيغسلان فرجهما».(1)

فانّ المراد من التقاء الختانين هنا مادون غيبوبة الحشفة.

فروع:

الفرع الأوّل : فيمن قطع بعض ذكره

من كان مقطوعا ذكره من حشفته أو أزيد، فاذا دخل بمقدار حشفته من باقي ذكره في فرج المرأة وجب عليهما الغسل، و الدليل على ذلك ما تقدّم من أنّ المعيار في وجوب الغسل عند الجماع هو التقاء الختانين الذي فسّر بغيبوبة الحشفة، و بناءً على أنّ المناط هو هذا المقدار من الذكر، فاذا قطعت الحشفة، فوجوب الغسل يكون عند دخوله بمقدارها.

قال في الجواهر: «ثمّ الظاهر - كما صرّح به غير واحد من الأصحاب بل نسبه بعضهم اليهم مشعرا بدعوى الاجماع، بل في شرح الدروس الظاهر الاتّفاق عليه كما قد يظهر من آخر نفي الخلاف فيه - أنّ من لا ختان له كمقطوع الحشفة يتحقّق جنابته بدخول ذلك المقدار؛ لكون المنساق من الأدلّة المشتملة على التقاء الختانين ارادة التقدير بذلك لا الاشتراط، سيّما بعد خروجها مخرج الغالب، و أمّا احتمال تحقّق جنابة نحو ذلك بمطلق الادخال لما سمعت من الأدلّة المحقّقة للجنابة به مع الاقتصار على المقيّد فيمن يكون له ختان فهو - مع منافاته لما تقدّم من الانسياق المذكور المؤيّد بفهم الأصحاب و استصحاب الطهارة - ضعيف جدّا، مع عدم صراحة تلك الأدلّة بذلك.»(2).


1) - وسائل الشيعة 2: 185 / الباب 6 من أبواب الجنابة / الحديث 9.

2) - جواهر الكلام 3: 29.

الفرع الثاني : في الجماع في دبر المرأة

ان أدخل من ذكره ما تتحقّق به الجنابة في دبر المرأة وجب الغسل لهما لمرفوعة حفص بن سوقة، قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يأتي أهله من خلفها؟ قال: هو أحد المأتيين، فيه الغسل».(1)

و بازائها مرفوعة البرقي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«اذا أتى الرجل المرأة في دبرها فلم ينزل فلا غسل عليهما، و ان أنزل فعليه الغسل، و لا غسل عليها».(2)

و مرفوعة أخرى له الى أبي عبداللّه عليه السلام ، في الرجل يأتي المرأة في دبرها و هي صائمة، قال:

«لاينقض صومها و ليس عليها غسل».(3)

و الظاهر أنّ التقدّم لمرفوعة حفص بن سوقة؛ و ذلك أوّلاً: لموافقتها لاطلاق الكتاب و هو قوله تعالى: «أو لامستم النساء فلم تجدوا ماءا»(4). فانّ الملامسة كما تصدق بوطئها في قبلها كذلك تصدق بوطئها في دبرها. و ثانيا: لذهاب المشهور الى وجوب الغسل في الجماع في دبر المرأة، كما يأتي عن الجواهر. و ثالثا: لتأييدها بالروايات الواردة في أنّ الجماع في فرج المرأة يوجب الغسل، فانّ الفرج أعمّ من القبل و الدبر كما يؤيّده اللغة.


1) - وسائل الشيعة 2: 200 / الباب 12 من أبواب الجنابة / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 2: 200 / الباب 12 من أبواب الجنابة / الحديث 2.

3) - وسائل الشيعة 2: 200 / الباب 12 من أبواب الجنابة / الحديث 3.

4) - النساء 4: 43 - المائدة 5: 6.

قال في الجواهر: «و ان جامع بأن أدخل من ذكره ما تحقّق به الجنابة في الدبر أي دبر المرأة و لم ينزل وجب الغسل على الأصحّ؛ لوجوه:

منها صدق اسم الفرج عليه كما في المصباح المنير و مجمع البحرين و كذا القاموس. و قد نسبه الى اللغة غير واحد من الأصحاب، بل عن المرتضى كما في السرائر أنّه لا خلاف فيه بين أهل اللغة، فيدخل حينئذ تحت ما دلّ على أنّ الادخال و الايلاج و الغيبوبة في الفرج موجب للغسل، و كأنّه عند العرف يكون كذلك، فانّ العلاّمة قال: انّ الفرج لما يشمل الدبر لغة و عرفا.

و منها اطلاق قولهم عليهم السلام في الروايات: «اذا أدخله، و أولجه، أو غيّب الحشفة فقد وجب الغسل» الشامل للدبر.

و منها: «أو لامستم النساء»؛ لصدق اسم الملامسة على الجماع في الدبر قطعا.

و منها: الاجماع المنقول على لسان ابن ادريس و المرتضى، قال الأوّل: «انّه اجماع بين المسلمين». و قال الثاني على ما نقل عنه: «لا أعلم خلافا بين المسلمين في أنّ الوط ء في الموضع المكروه من ذكر و أنثى يجري مجرى الوط ء في القبل مع الايقاب و غيبوبة الحشفة في وجوب الغسل على الفاعل و المفعول به و ان لم يكن انزال، و لا وجدت في الكتب المصنّفة لأصحاب الاماميّة الاّ ذلك و لا سمعت ممّن عاصرني منهم من الشيوخ نحوا من ستّين سنة يفتي الاّ بذلك، فهذه مسألة اجماع من الكلّ، و لو شئت أن أقول: معلوم ضرورة من دين الرسول صلى الله عليه و آله أنّه لا خلاف بين الفرجين في هذا الحكم».

الى أن قال: و يمكن للفقيه تحصيل الاجماع أيضا في هذا الوقت؛ لندرة المخالف، اذ هو فتوى المبسوط في كتاب النكاح كظاهر صومه و صوم التهذيب، و طهارة الوسيلة و اشارة السبق و السرائر و الجامع و المعتبر و النافع و المنتهى و التحرير و المختلف و الارشاد و القواعد و الشهيد في الذكرى و الدروس كما عن

سائر كتبه، و المحقّق الثاني في جامع المقاصد بل عن سائر تعليقاته، و الشهيد الثاني في الروض و الروضة، كما عن المسالك و كشف اللثام و غيرها و هو المنقول عن ابن الجنيد، و هو ظاهر الايضاح و التنقيح و كشف الرموز، و يقرب منهما في الظهور اللمعة، بل عساه الظاهر من المقنعة و الجمل و العقود و الغنية و المراسم و المهذّب. انتهى ملخّصا».(1)

الفرع الثالث : في الوط ء في دبر الغلام

انّ الوط ء في دبر الغلام يوجب الغسل؛ يدلّ على ذلك أوّلاً: صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«جمع عمر بن الخطّاب أصحاب النبي صلى الله عليه و آله فقال: ما تقولون في الرجل يأتي أهله فيخالطها و لاينزل؟ فقالت الأنصار: الماء من الماء، و قال المهاجرون: اذا التقى الختانان فقد وجب عليه الغسل، فقال عمر لعلي عليه السلام : ما تقول يا أبا الحسن؟ فقال علي عليه السلام : أتوجبون عليه الحدّ و الرجم و لاتوجبون عليه صاعا من ماء؟ اذا التقى الختانان فقد وجب عليه الغسل، فقال عمر: القول ما قال المهاجرون و دعوا ما قالت الأنصار».(2)

بتقريب أنّ من أتى غلاما في دبره فعليه الحدّ، فكيف يوجب عليه الحدّ بالوط ء في دبر الغلام و لايوجب عليه صاع من الماء؟


1) - جواهر الكلام 3: 31 - 33.

2) - وسائل الشيعة 2: 184 / الباب 6 من أبواب الجنابة / الحديث 5.

و ثانيا: مرفوعة حفص بن سوقة المتقدّمة في الفرع الثاني، قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يأتي أهله من خلفها، قال: هو أحد المأتيين، فيه الغسل».(1)

بتقريب أنّ الدبر مطلقا أحد المأتيين و فيه الغسل.

و ثالثا: حسنة الحضرمي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: من جامع غلاما جاء يوم القيامة جنبا لاينقّيه ماء الدنيا. الحديث».(2)

بتقريب أنّه قد صار جنبا و يحشر بهذه الحالة يوم القيامة.

و ما ذهب اليه في التنقيح لاينافي جنابته بهذا العمل الشنيع.

و في الجواهر: «لم يعرف القائل بالفصل بين المسألتين، و لذا قال في المختلف: «انّ كلّ من أوجبه في دبر المرأة أوجبه في دبر الغلام». فيدلّ عليه - بعد الاجماع المنقول بسيطا كما في السرائر و عن المرتضى، و مركّبا كما في المختلف الذي يشهد لهما التتبّع لكلمات الأصحاب - فحوى انكار علي عليه السلام و اطلاق قوله: «اذا أدخله و أولجه و غيّب الحشفة»، مع انجبارها بما سمعت، و اطلاق حسنة الحضرمي المرويّة في الكافي، مع عدم صلاحية مستند الخصم لمعارضته؛ اذ هو الأصل، و بعض المفاهيم التي قد عرفت ما فيها.

و ليعلم أنّه بناءً على المختار من تحقّق الجنابة في الدبرين فهو على حسب تحقّقه بالنسبة الى قبل المرأة، فيجزي غيبوبة الحشفة كما هو نصّ اجماع المرتضى و ابن ادريس، و يجري الكلام في مقطوعها مثلاً على حسبه هناك.

ثمّ انّه لا اشكال في تحقّق الجنابة بايلاج الواضح في دبر الخنثى المشكل بالنسبة للواطئ و الموطوء، أمّا لو أولجت الخنثى في دبر الخنثى فلاتتحقّق


1) - وسائل الشيعة 2: 200 / الباب 12 من أبواب الجنابة / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 20: 329 / الباب 17 من أبواب النكاح المحرّم / الحديث 1.

الجنابة؛ لأصالة براءة الذمّة؛ لاحتمال الزيادة، و كذلك لو أولجت في قبلها. نعم، لو تحقّق انزال مع القول بعدم اشتراط خصوصيّة المجرى حصلت الجنابة حينئذ، و كذلك لاتتحقّق الجنابة لو أولج الواضح في قبل الخنثى؛ لاحتمال كونه ثقبا كما صرّح به جماعة من الأصحاب. و لو توالج الخنثيان فلا جنابة على أحدهما؛ لمكان الاحتمال كما هو واضح. انتهى ملخّصا».(1)

و كلامه بالنسبة الى الخنثى صحيح، فلو أولج الواضح في دبر الخنثى المشكل تحقّق الجنابة لهما، أمّا لو أولجت الخنثى في دبر الخنثى أو في قبلها أو أولج الواضح في قبل الخنثى أو توالج الخنثيان فلايتحقّق الجنابة؛ لما ذكره في الجواهر. و كذا لو أدخلت الخنثى في الرجل أو الأنثى مع عدم الانزال لايجب الغسل على الواطئ و لا على الموطوء؛ لاحتمال الزيادة في الخنثى مع أصالة البراءة. و اذا أدخل الرجل في الخنثى و بعد ذلك أدخل الخنثى في الأنثى وجب الغسل على الخنثى؛ لأنّه امّا رجل أو امرأة، و أمّا الرجل الداخل على الخنثى فلا جنابة له الاّ اذا أدخل في دبرها، و كذا الأنثى المدخول فيها بالخنثى و الدليل واضح.

ثمّ اعلم أنّ الموارد التي تحقّقت فيها الجنابة و وجوب الغسل و قد ذكرناها، لم يفرق فيها بين الصغير و الكبير، و الحيّ و الميّت، و العاقل و المجنون، و الاختيار و الاضطرار، في النوم و اليقظة، حتّى لو أدخلت حشفة طفل رضيع فانّهما يجنبان، و كذا لو أدخلت ذكر ميّت أو أدخل في ميّت؛ كلّ ذلك لاطلاق النصّ و الفتوى.


1) - جواهر الكلام 3: 35 و 36.

الفرع الرابع : في وط ء البهيمة

قال في الجواهر: «و لايجب الغسل و لا الوضوء بوط ء البهيمة في القبل أو الدبر اذا لم ينزل و ان أدخل تمام ذكره على المشهور، كما هو خيرة طهارة المبسوط و المعتبر و المنتهى و الارشاد و القواعد و جامع المقاصد و المسالك و الروض، و كاد يكون صريح الوسيلة و الجامع و السرائر، لتقييدهم غيبوبة الحشفة في فرج آدمي. و كيف كان فالحجّة على عدم الوجوب أصالة البراءة السالمة عن المعارض خلافا لظاهر الشيخ في صوم المبسوط، و صريح العلاّمة في المختلف و الشهيد الثاني في الروضة، و الأستاذ في شرحه، و الفاضل في الرياض، و قوّاه الشهيد في الذكرى، و هو المنقول عن المرتضى رحمه الله. و يؤيّده مفهوم قوله عليه السلام : «أتوجبون عليه الحدّ و الرجم و لاتوجبون عليه صاعا من ماء». فالمقصود منه بحسب الظاهر أنّ سبب الحدّ و الغسل متّحد. و لكنّ العمدة في اثبات المطلوب الاجماع، و ان كان في استفادته من عبارة المرتضى تأمّل و تردّد. و الظاهر أنّه يقتصر في الحكم على وط ء البهيمة على معنى كون البهيمة موطوءة كما هو المتبادر من اضافة المصدر الواقع في الفتوى، أمّا لو كانت فاعلة فلم أعرف أحدا من الأصحاب نصّ عليه عدا الشهيد في الذكرى، و الثاني في الروضة، فانّه يظهر منهما تساوي الحكم في المقامين، و لعلّ التمسّك بالأصل و استصحاب الطهارة و غيرها لايخلو من قوّة. انتهى ملخّصا».(1)

أقول:

انّ المهمّ من الدليل هو قوله عليه السلام في صحيحة زرارة: «أتوجبون عليه الحدّ و الرجم و لاتوجبون عليه صاعا من ماء»، بناءً على أنّ التعزير يطلق عليه الحدّ


1) - جواهر الكلام 3: 36 - 38.

بالعناية. فاذا وجب على من وطئ بهيمة التعزير فكيف لايوجب عليه الغسل، و الأحوط ان لم يكن أقوى وجوب الغسل عليه، الاّ أنّ الاحتياط بضمّ الوضوء اليه لايترك. و لا فرق بين كون البهيمة موطوءة أو واطئة، كما هو ظاهر، و ان لم يظهر من كلمات الفقهاء في ذلك شيء لقلّة مورده.

فيما اذا رأى في ثوبه منيّا و علم أنّه منه و لم يغتسل بعده

(مسألة 1): اذا رأى في ثوبه منيّا و علم أنّه منه و لم يغتسل بعده وجب عليه الغسل و قضاء ما تيقّن من الصلوات التي صلاّها بعد خروجه، و أمّا الصلوات التي يحتمل سبق الخروج عليها فلايجب قضاؤها، و اذا شكّ في أنّ هذا المني منه أو من غيره لايجب عليه الغسل و ان كان أحوط، خصوصا اذا كان الثوب مختصّا به، و اذا علم أنّه منه ولكن لم يعلم أنّه من جنابة سابقة اغتسل منها أو جنابة أخرى لم يغتسل لها، لايجب عليه الغسل أيضا لكنّه أحوط.

الشرح:

اذا رأى في ثوبه منيّا و علم أنّه منه و لم يغتسل بعده وجب عليه الغسل؛ لعلمه بجنابته و عدم اغتساله بعده، و يجب عليه قضاء الصلوات التي صلاّها و تيقّن أنّها كانت بعد خروج المني منه؛ و ذلك لأنّه «لا صلاة الاّ بطهور».(1)

و أمّا الصلوات التي يشكّ في أنّها كانت قبل الجنابة أو بعدها فلايجب قضاؤها؛ لأصالة البراءة.

و اذا شكّ في أنّ هذا المني منه أو من غيره لايجب عليه الغسل؛ للبراءة اذا كان الثوب مشتركا بينهما. و أمّا اذا كان الثوب مختصّا به و احتمل أنّ الغير لبسه و كان المني منه، فالظاهر وجوب الغسل عليه احتياطا ان لم يكن أقوى؛ و ذلك لأنّ شكّه


1) - وسائل الشيعة 1: 368 / الباب 2 من أبواب الوضوء / الحديث 3.

مسبّب عن كون الثوب قد لبسه الغير أم لا؟ فالأصل عدم لبسه.

و اذا علم أنّ المني منه، ولكن لم يعلم أنّه من جنابة سابقة اغتسل منها أو جنابة أخرى لم يغتسل منها، فالظاهر عدم وجوب الغسل عليه؛ لأصالة البراءة.

(مسألة 2): اذا علم بجنابة و غسل و لم يعلم السابق منهما وجب عليه الغسل الاّ اذا علم زمان الغسل دون الجنابة فيمكن استصحاب الطهارة حينئذ.

الشرح:

اذا علم بجنابة و غسل و لم يعلم السابق منهما وجب عليه الغسل؛ لأنّه يجب عليه احراز الطهارة للصلاة، فلاتحرز الاّ بالاغتسال. و لايفيد استصحاب الغسل؛ لأنّه معارض باستصحاب الجنابة. نعم، اذا علم زمان الغسل و لم يعلم زمان الجنابة، فيمكن استصحاب الطهارة حينئذ، و لايعارضه استصحاب الجنابة، كما تقدّم تفصيله في المسألة السابعة و الثلاثين من شرائط الوضوء. و الاحتياط بالغسل حسن.

(مسألة 3): في الجنابة الدائرة بين شخصين لايجب الغسل على واحد منهما، و الظنّ كالشكّ و ان كان الأحوط فيه مراعاة الاحتياط، فلو ظنّ أحدهما أنّه الجنب دون الآخر اغتسل و توضّأ ان كان مسبوقا بالأصغر.

الشرح:

في الجنابة الدائرة بين شخصين لايجب الغسل على واحد منهما؛ لأنّ كلّ واحد منهما يشكّ في أنّه كان جنبا و أنّه قد وجب عليه الغسل أم لا؟ فالأصل عدم كونه جنبا و البراءة عن وجوب الغسل عليه، و الظنّ كالشكّ؛ لعدم كونه حجّة شرعيّة. و لو ظنّ أحدهما أنّه الجنب دون الآخر، فالاحتياط - بأن يغتسل و يتوضّأ ان كان مسبوقا بالأصغر - حسن كما قال المصنّف.

في أنّه اذا دارت الجنابة بين شخصين لايجوز لأحدهما الاقتداء بالآخر

(مسألة 4): اذا دارت الجنابة بين شخصين لايجوز لأحدهما الاقتداء بالآخر؛ للعلم الاجمالي بجنابته أو جنابة امامه، و لو دارت بين ثلاثة يجوز لواحد أو الاثنين منهم الاقتداء بالثالث؛ لعدم العلم حينئذ و لايجوز لثالث علم اجمالاً بجنابة أحد الاثنين أو أحد الثلاثة الاقتداء بواحد منهما أو منهم اذا كانا أو كانوا محلّ الابتلاء له و كانوا عدولاً عنده، و الاّ فلا مانع و المناط علم المقتدي بجنابة أحدهما لا علمهما، فلو اعتقد كلّ منهما عدم جنابته و كون الجنب هو الآخر أو لا جنابة لواحد منهما و كان المقتدي عالما كفى في عدم الجواز، كما أنّه لو لم يعلم المقتدي اجمالاً بجنابة أحدهما و كانا عالمين بذلك لايضرّ باقتدائه.

الشرح:

اذا دارت الجنابة بين شخصين لايجوز لأحدهما الاقتداء بالآخر؛ للعلم الاجمالي بجنابة الامام أو المأموم، فان كان الامام جنبا فصلاة المأموم باطلة، و ان كان المأموم جنبا فبطلان صلاته معلوم. و أمّا الامام فصلاته لنفسه صحيحة؛ للشكّ في جنابته.

و لو دارت الجنابة بين ثلاثة يجوز لواحد أو اثنين منهم الاقتداء بالثالث؛ و ذلك لأنّه ان كان واحدا فلم يتيقّن بجنابة نفسه و لم يحرز له جنابة الامام فيستصحب طهارتهما و لعلّه كان الثالث جنبا، و ان كانا اثنين فلم يتيقّن كلّ واحد منهما بجنابة الامام فيجري الأصل بالنسبة اليه، و كذلك لم يتيقّن كلّ منهما بجنابة نفسه، فصلاتهم صحيحة.

و لو علم شخص آخر - غير الاثنين أو الثلاثة الذين دارت الجنابة بينهم - أنّ أحدهما أو أحدهم جنب، فان كانا أو كانوا عدولاً و محلّ الابتلاء له - كما لو صلّى أحدهم صلاة الظهر و الآخر صلاة العصر، و الثالث صلاة المغرب و العشاء - فلايجوز اقتداء هذا الشخص بهم؛ و ذلك للعلم الاجمالي بأنّ احدى صلواته

باطلة؛ لأنّ أحد هؤلاء الثلاثة جنب. و أمّا لو لم يكن كلّهم محلّ الابتلاء بل واحد أو اثنان منهم محلّ الابتلاء فيجوز له الاقتداء.

ثمّ اعلم أنّ المناط علم المقتدي بجنابة أحدهما لا علمهما، فلو اعتقد كلّ منهما عدم جنابته و كان المقتدي عالما بأنّهما جنب أو أحدهما بالنحو الذي ذكر لايجوز له الاقتداء؛ لأنّ صحّة صلاتهما ظاهريّة فمادام لم ينكشف الخلاف فهي مجزئة لهما. و ان كان واقعا لا صلاة لهما؛ لأنّه «لا صلاة الاّ بطهور». و أمّا لو لم يعلم المقتدي بأنّ أحد هذين جنب يجوز له الاقتداء بهما و ان كانا يعلمان بأنّ الجنابة دارت عليهما و الحكم واضح.

فيما اذا خرج المني بصورة الدم

(مسألة 5): اذا خرج المني بصورة الدم وجب الغسل أيضا بعد العلم بكونه منيّا.

الشرح:

في المستمسك: «و عن الذكرى و المدارك أنّه الأقرب. و عن جامع المقاصد و الذخيرة التردّد فيه. و عن نهاية الأحكام احتمال العدم؛ لأنّ المني دم في الأصل فلمّا لم يستحل ألحق بالدماء. انتهى. و قد يظهر من كلامه التشكيك في كونه منيّا، و حينئذ فعدم الوجوب في محلّه. لكنّ التشكيك لا وجه له؛ فانّ اللون كسائر الصفات غالب الثبوت للمني و قد تتخلّف، فاطلاق أدلّة وجوب الغسل لخروجه محكّم».(1)

أقول:

اذا خرج المني بصورة الدم و علم أنّه مني وجب الغسل، و كذا لو شكّ و كان له دفق و فتور الجسد مع الشهوة فهو مني و يشمله اطلاق الأدلّة؛ لأنّ الحكم قد


1) - مستمسك العروة 3: 32 و 33.

ورد على ما صدق عليه المني و لايكون اللون دخيلاً في الحكم.

(مسألة 6): المرأة تحتلم كالرجل، و لو خرج منها المني حينئذ وجب عليها الغسل و القول بعدم احتلامهنّ ضعيف.

قد تقدّم في الفرع الأوّل في ابتداء هذا الفصل عدم الفرق بين المرأة و الرجل و أنّ الانزال يوجب الغسل مطلقا.

فيما اذا تحرّك المني في النوم عن محلّه بالاحتلام و لم يخرج

(مسألة 7): اذا تحرّك المني في النوم عن محلّه بالاحتلام و لم يخرج الى خارج لايجب الغسل كما مرّ، فاذا كان بعد دخول الوقت و لم يكن عنده ماء للغسل هل يجب عليه حبسه عن الخروج أو لا؟ الأقوى عدم الوجوب و ان لم يتضرّر به، بل مع التضرّر يحرم ذلك، فبعد خروجه يتيمّم للصلاة. نعم، لو توقّف اتيان الصلاة في الوقت على حبسه بأن لم يتمكّن من الغسل و لم يكن عنده ما يتيمّم به و كان على وضوء بأن كان تحرّك المني في حال اليقظة و لم يكن في حبسه ضرر عليه لايبعد وجوبه؛ فانّه على التقادير المفروضة لو لم يحبسه لم يتمكّن من الصلاة في الوقت و لو حبسه يكون متمكّنا.

الشرح:

اذا تحرّك المني في النوم عن محلّه بالاحتلام و لم يخرج الى خارج لايجب الغسل و قد مرّ أنّ الدليل دلّ على وجوب الغسل باخراج المني، فاذا كان بعد دخول الوقت و لم يكن عنده ماء للغسل هل يجب عليه حبسه عن الخروج أو لا؟ فان كان يتضرّر به لايجب بل في بعض مراتب الضرر يحرم حبسه، فبعد خروجه يتيمّم للصلاة. و ان لم يتضرّر أو كان ضررا جزئيّا لايلتفت اليه و لم يكن في حبسه حرج و لا عسر، فتارة يكون على وضوء و لو خرج لم يتمكّن من الحصول على

الماء و لا التراب، فيجب عليه حبسه. و أخرى يتمكّن من الحصول على التراب فالأقوى أنّه يجب عليه الحبس أيضا؛ لأنّ الطهارة بالتيمّم يكون بدلاً عن الوضوء فيكون وظيفة العاجز عن الحصول على الماء فاذا كان متطهّرا بالماء فازالة هذه الطهارة عن نفسه بدون سبب حتّى يجبر على التيمّم، فيه اشكال بل منع.

في أنّه يجوز للشخص اجناب نفسه و لو لم يقدر على الغسل

(مسألة 8): يجوز للشخص اجناب نفسه و لو لم يقدر على الغسل و كان بعد دخول الوقت. نعم، اذا لم يتمكّن من التيمّم أيضا لايجوز ذلك، و أمّا في الوضوء فلايجوز لمن كان متوضّئا و لم يتمكّن من الوضوء لو أحدث أن يبطل وضوءه اذا كان بعد دخول الوقت، ففرق في ذلك بين الجنابة و الحدث الأصغر، و الفارق النصّ.

الشرح:

قال في التنقيح: «مقتضى القاعدة عدم جواز الاجناب مع العجز عن الغسل؛ لأنّه تفويت اختياري للواجب الاّ أن يقوم دليل على الجواز، و الدليل انّما قام على الجواز في خصوص اتيان الأهل دون بقيّة أسباب الجنابة، و هو موثّقة أو صحيحة اسحاق بن عمّار عن الصادق عليه السلام «عن الرجل يكون معه أهله في السفر لايجد الماء أيأتي أهله؟ قال عليه السلام : ما أحبّ أن يفعل الاّ أن يخاف على نفسه. قال: قلت: فيطلب بذلك اللذّة أو يكون شبقا الى النساء! فقال عليه السلام : انّ الشبق - الذي لايتمكّن من حفظ نفسه الاّ بصعوبة - يخاف على نفسه. قال: قلت: طلب بذلك اللذّة، قال عليه السلام : هو حلال ... » حيث دلّت على جواز اتيان الأهل في السفر و ان كان عاجزا عن الغسل عند الخوف على النفس أو ارادة اللذّة، و لا مسوّغ للتعدّي عن موردها الى بقيّة أسباب الجنابة بوجه؛ لأنّ النصّ انّما ورد في مورد خاصّ، فمن كان عالما باحتلامه على تقدير المنام مع العجز عن الغسل على تقدير جنابته لايجوز له المنام الاّ أن يكون تركه ضرريّا في حقّه. نعم، لايحتمل موضوعيّة في ذلك للسفر،

و لعلّ تقييد الموضوع بالسفر من جهة أنّ الغالب في السفر عدم التمكّن من الماء، و أمّا التعدّي عن الجماع الى غيره من أسباب الجنابة فهو ممّا لا مسوّغ له. انتهى ملخّصا».(1)

أقول:

و الظاهر أنّ الذي ذهب اليه من اقتضاء القاعدة و أنّ الدليل يختصّ بمورد خاصّ هو الصحيح. اللّهمّ الاّ أن يقال: الظاهر من الرواية أنّ الذي يوجب جواز اجناب نفسه في تلك الحال هو «الشبق الذي لايتمكّن من حفظ نفسه الاّ بصعوبة يخاف على نفسه» و هو نوع من الضرر، و لاينافي ذيله، بل هو مكمّل له. و النتيجة أنّ جواز الاجناب في الحالة المذكورة التي لايتمكّن من الغسل بل لا بدّ له من التيمّم هو الضرر و الخوف على النفس الذي هو نوع من الضرر أيضا.

في الشكّ في حصول الدخول

(مسألة 9): اذا شكّ في أنّه هل حصل الدخول أم لا، لم يجب عليه الغسل، و كذا لو شكّ في أنّ المدخول فرج أو دبر أو غيرهما فانّه لايجب عليه الغسل.

الشرح:

اذا شكّ في أنّه حصل الدخول أم لا، لايجب عليه الغسل؛ و ذلك للبراءة عن وجوب الغسل، و كذا لو شكّ في أنّ المدخول فرج أو دبر أو غيرهما فانّه لايجب عليه الغسل؛ للشكّ في التكليف و مورده البراءة، و استصحاب عدم حدوث سبب الغسل في الصورتين.


1) - التنقيح في شرح العروة 6: 279.

(مسألة 10): لا فرق في كون ادخال تمام الذكر أو الحشفة موجبا للجنابة بين أن يكون مجرّدا أو ملفوفا بوصلة أو غيرها الاّ أن يكون بمقدار لايصدق عليه الجماع.

الشرح:

لا فرق في كون ادخال تمام الذكر أو الحشفة موجبا للجنابة بين أن يكون مجرّدا أو ملفوفا بوصلة أو غيرها؛ و ذلك لصدق دخول الذكر و الجماع. نعم، لو كان الملفوف بمقدار لايصدق عليه الجماع فلايوجب الاّ أن ينزل.

(مسألة 11): في الموارد التي يكون الاحتياط في الجمع بين الغسل و الوضوء، الأولى أن ينقض الغسل بناقض من مثل البول و نحوه ثمّ يتوضّأ؛ لأنّ الوضوء مع غسل الجنابة غير جائز و المفروض احتمال كون غسله غسل الجنابة.

الشرح:

قد ذهب المصنّف الى أنّ الموارد التي يكون الاحتياط في الجمع بين الغسل و الوضوء، الأولى أن ينقض الغسل بناقض ثمّ يتوضّأ، و استدلّ على ذلك بأنّ الوضوء مع غسل الجنابة غير جائز و المفروض احتمال كون غسله غسل الجنابة.

و قال في المستمسك: «الظاهر من عدم جوازه عدم جوازه بعنوان المشروعيّة لا حرمته ذاتا، و حينئذ فالاتيان به برجاء المطلوبيّة لايصدق مع التشريع، لكنّه مشابه له صورة و لذا كان الأولى تركه».(1)


1) - مستمسك العروة 3: 36.

أقول:

و الظاهر كما قال السيّد الحكيم و تبعه السيّد الخوئي أنّ عدم جواز الجمع بين الغسل و الوضوء يكون بعنوان المشروعيّة و الورود، و أمّا اذا كان المقصود من هذا الجمع هو احراز الامتثال فلايكون حراما. نعم، العمل بما قاله المصنّف ليكون جازما لنيّة الوضوء الواجب حسن و ان لم يجب؛ لعدم وجوب الجزم في النيّة.

الفصل الثالث : فيما يتوقّف على الغسل من الجنابة

«الأوّل»: الصلاة

و هي أمور: «الأوّل»: الصلاة واجبة أو مستحبّة، أداءً و قضاءً، لها و لأجزائها المنسيّة و صلاة الاحتياط، بل و كذا سجدتا السهو على الأحوط. نعم، لايجب في صلاة الأموات و لا في سجدة الشكر و التلاوة.

الشرح:

يشترط أن تكون الصلاة مع الطهارة و هي الوضوء اذا كان محدثا بالحدث الأصغر و الغسل اذا كان محدثا بالحدث الأكبر كالجنابة؛ و الدليل على ذلك روايات:

منها صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«اذا دخل الوقت وجب الطهور و الصلاة، و لا صلاة الاّ بطهور».(1)

و منها صحيحة الحلبي قال:

«سئل أبو عبداللّه عليه السلام عن رجل أجنب في شهر رمضان فنسي أن يغتسل حتّى خرج شهر رمضان؟ قال: عليه أن (يغتسل و)(2)يقضي الصلاة و الصيام».(3)


1) - وسائل الشيعة 2: 203 / الباب 14 من أبواب الجنابة / الحديث 2.

2) - ليس في التهذيب. هامش الوسائل

3) - وسائل الشيعة 2: 257 / الباب 39 من أبواب الجنابة / الحديث 1.

و منها صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«لاتعاد الصلاة الاّ من خمسة: الطهور و ... ».(1)

مضافا الى قوله تعالى: «اذا قمتم الى الصلاة ... و ان كنتم جنبا فاطّهّروا ... أو لامستم النساء فلم تجدوا ماءً فتيمّموا صعيدا طيّبا»(2)، فانّ اشتراط الغسل في صحّة الصلاة واجبة و مندوبة لمن كان جنبا يكون من ضرورة الدين و مجمع عليه بين المسلمين؛ لنصّ الكتاب و السنّة.

و كذا يشترط الطهارة في أجزائها المنسيّة؛ لأنّها نفس الاتيان بتلك الأجزاء مع التبدّل في المكان، فحكم الكلّ من اشتراط الطهارة يسري الى الأجزاء كما هو واضح.

و كذا يشترط الطهارة في صلاة الاحتياط؛ لأنّها امّا مستقلّة أو من أجزاء الصلاة، و حكم الكلّ يسري الى الجزء. و أمّا بالنسبة الى سجدتي السهو فقد تقدّم البحث عنهما، و الاحتياط بفعلهما مع الطهارة لايترك.

نعم، لايجب الطهارة في صلاة الأموات كما يأتي في محلّه. و لا لسجدة الشكر؛ لأنّها ليست من الصلاة و لا لسجدة التلاوة كما مرّ.

و في التنقيح: «لايجب الغسل لسجدة التلاوة؛ لاطلاق أدلّتها و عدم تقييدها بالطهارة، مضافا الى الأخبار حيث نصّ على عدم اعتبار الطهارة في سجدة التلاوة، و مع الغضّ عنه فالمقام من دوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر الارتباطيّين و المرجع فيه هو البراءة عن التقييد بالزائد».(3)


1) - وسائل الشيعة 1: 372 / الباب 3 من أبواب الوضوء / الحديث 8.

2) - المائدة 5: 6.

3) - التنقيح في شرح العروة 6: 285.

«الثاني»: الطواف الواجب

«الثاني»: الطواف الواجب دون المندوب لكن يحرم على الجنب دخول مسجد الحرام، فتظهر الثمرة فيما لو دخله سهوا و طاف فانّ طوافه محكوم بالصحّة. نعم، يشترط في صلاة الطواف الغسل و لو كان الطواف مندوبا.

الشرح:

يشترط في الطواف الواجب الطهارة من الحدث الأصغر و الأكبر، و قد فصّلنا البحث عنه في كتاب الحجّ. و هنا نكتفي بذكر بعض الروايات:

منها صحيحة علي بن جعفر عن أخيه أبي الحسن عليه السلام قال:

«سألته عن رجل طاف بالبيت و هو جنب فذكر و هو في الطواف؟ قال: يقطع الطواف و لايعتدّ بشيء ممّا طاف».(1)

و منها صحيحة معاوية بن عمّار قال:

«قال أبو عبداللّه عليه السلام : لا بأس أن يقضى المناسك كلّها على غير وضوء الاّ الطواف بالبيت و الوضوء أفضل».(2)

و منها صحيحة جميل عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه سئل أينسك المناسك و هو على غير وضوء؟ فقال:

«نعم، الاّ الطواف بالبيت فانّ فيه صلاة».(3)

و لايشترط الطهارة من الحدث في الطواف المندوب؛ لصحيحة محمّد بن مسلم قال:

«سألت أحدهما عليهماالسلام عن رجل طاف طواف الفريضة و هو على غير


1) - وسائل الشيعة 13: 375 / الباب 38 من أبواب الطواف / الحديث 4.

2) - وسائل الشيعة 13: 374 / الباب 38 من أبواب الطواف / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 13: 376 / الباب 38 من أبواب الطواف / الحديث 6.

طهور، قال: يتوضّأ و يعيد طوافه، و ان كان تطوّعا توضّأ و صلّى ركعتين».(1)

و أمّا الطواف الواجب بنذر و شبهه فوجوب الطهارة فيه و عدمه يكون على حسب النذر. نعم، يحرم على الجنب دخول المسجد الحرام، فتظهر الثمرة فيما لو دخله سهوا و طاف ندبا، فانّ طوافه محكوم بالصحّة. و قد تقدّم أنّه يشترط الطهارة من الحدث الأصغر و الأكبر في الصلاة مطلقا و من جملتها صلاة الطوافين الواجب و المندوب.

«الثالث»: صوم شهر رمضان و قضاؤه

«الثالث»: صوم شهر رمضان و قضاؤه بمعنى أنّه لايصحّ اذا أصبح جنبا متعمّدا أو ناسيا للجنابة. و أمّا سائر الصيام ما عدا رمضان و قضائه فلايبطل بالاصباح جنبا و ان كانت واجبة. نعم، الأحوط في الواجبة منها ترك تعمّد الاصباح جنبا. نعم، الجنابة العمديّة في أثناء النهار تبطل جميع الصيام حتّى المندوبة منها، و أمّا الاحتلام فلايضرّ بشيء منها حتّى صوم رمضان.

الشرح:

قد فصّلنا البحث عن هذا الشرط في الجزء الأوّل من كتاب الصوم و قلنا: المشهور أنّ تعمّد البقاء على الجنابة في ليالي شهر رمضان الى طلوع الفجر موجب للقضاء و الكفّارة.

و قال العلاّمة في المختلف: «ذهب اليه الشيخان و علي بن بابويه و ابن الجنيد و سلاّر و أبوالصلاح و ابن ادريس، و قال السيّد المرتضى في الانتصار: «ممّا انفردت به الاماميّة ايجابهم على من أجنب في ليل شهر رمضان و تعمّد البقاء الى الصباح من غير اغتسال، القضاء و الكفّارة، و منهم من يوجب القضاء دون


1) - وسائل الشيعة 13: 374 / الباب 38 من أبواب الطواف / الحديث 3.

الكفّارة»، و قال ابن أبي عقيل: «يجب به القضاء خاصّة دون الكفّارة». و قال ابن بابويه في المقنع: «سأل حمّاد بن عثمان أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل أجنب في شهر رمضان من أوّل الليل فأخّر الغسل الى أن يطلع الفجر، فقال له: قد كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله يجامع نساءه من أوّل الليل و يؤخّر الغسل حتّى يطلع الفجر، و لا أقول كما يقول هؤلاء الأقشاب: يقضي يوما مكانه. انتهى ملخّصا».(1)

و الأقوى ما عليه المشهور؛ و ذلك لموثّقة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام في رجل أجنب في شهر رمضان بالليل ثمّ ترك الغسل متعمّدا حتّى أصبح قال:

«يعتق رقبة أو يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستّين مسكينا، قال: و قال: انّه حقيق أن لا أراه يدركه أبدا».(2)

و غيرها من الأخبار. و بازائها روايات كصحيحة حبيب الخثعمي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله يصلّي صلاة الليل في شهر رمضان ثمّ يجنب ثمّ يؤخّر الغسل متعمّدا حتّى يطلع الفجر».(3)

و يجمع بين هاتين الطائفتين من الأخبار بأنّ المراد من طلوع الفجر هو طلوع الفجر الأوّل. أو تحمل الطائفة الثانية على التقيّة؛ لموافقتها لمذهب جمهور العامّة كما في الحدائق.

و لا فرق في مفطريّة البقاء على الجنابة حتّى يطلع الفجر بين شهر رمضان و بين قضائه؛ و ذلك أوّلاً للقاعدة المستفادة من بعض النصوص من مساواة القضاء مع الأداء في الأحكام الاّ ما خرج بالدليل، و ثانيا للروايات الواردة في ذلك، كصحيحة عبداللّه بن سنان أنّه سأل أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يقضي شهر رمضان


1) - مختلف الشيعة 3: 406 و 407.

2) - وسائل الشيعة 10: 63 / الباب 16 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث 2.

3) - وسائل الشيعة 10: 64 / الباب 16 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث 5.

فيجنب من أوّل الليل و لايغتسل حتّى يجيء آخر الليل و هو يرى أنّ الفجر قد طلع قال:

«لايصوم ذلك اليوم و يصوم غيره».(1)

و الظاهر عدم شمول هذا الحكم للصوم المندوب؛ و ذلك لصحيحة حبيب الخثعمي قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام أخبرني عن التطوّع و عن هذه الثلاثة الأيّام اذا أجنبت من أوّل الليل فأعلم أنّي أجنبت فأنام متعمّدا حتّى ينفجر الفجر، أصوم أو لا أصوم؟ قال: صم».(2)

و أمّا بالنسبة الى سائر أقسام الصوم فالظاهر شمول هذا الحكم لها؛ لعدم الفرق بين الصيام و لذهاب القدماء اليه.

و الجنابة العمديّة في الصوم موجبة لبطلان الصوم و الدليل عليه روايات كصحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يعبث بأهله في شهر رمضان حتّى يمني، قال: عليه من الكفّارة مثل ما على الذي يجامع».(3)

و قد فصّل في الهادي كتاب الصوم فراجع.(4)


1) - وسائل الشيعة 10: 67 / الباب 19 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 10: 68 / الباب 20 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 10: 39 / الباب 4 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث 1.

4) - الهادي 10 (الجزء الأوّل من كتاب الصوم) : 72.

الفصل الرابع : فيما يحرم على الجنب

«الأوّل»: مسّ خط المصحف

و هي أيضا أمور: «الأوّل»: مسّ خط المصحف على التفصيل الذي مرّ في الوضوء، و كذا مسّ اسم اللّه تعالى و سائر أسمائه و صفاته المختصّة و كذا مسّ أسماء الأنبياء و الأئمّة عليهم السلام على الأحوط.

الشرح:

قال في مصباح الفقيه: «و من جملة أحكام الجنب، أنّه يحرم عليه مسّ كتابة القرآن بلا خلاف فيه ظاهرا.

قال في الحدائق: «و الظاهر أنّه اجماعي، كما نقله غير واحد من معتمدي الأصحاب، بل في المعتبر و المنتهى أنّه اجماع علماء الاسلام ، و عن العلاّمة في النهاية أنّه لا خلاف هنا في تحريم المسّ و ان وقع الخلاف في الحدث الأصغر.

و في الذكرى عن ابن الجنيد القول بالكراهة، و ذكر أنّه كثيرا ما يطلق الكراهة و يريد التحريم، فينبغي أن يحمل كلامه عليه. و هو جيّد، فانّ اطلاق الكراهة على الحرمة في الكلام المتقدّمين - كما في الأخبار - شائع. و أمّا نقل ذلك من المبسوط - كما في المدارك - فقد ردّه جمع ممّن تأخّر عنه بأنّه سهو فانّه انّما صرّح بذلك في الحدث الأصغر، و أمّا الأكبر فقد صرّح فيه بالتحريم».

و يدلّ عليه - مضافا الى الاجماع - ظاهر الكتاب و السنّة المستفيضة التي تقدّم بعضها في حرمة المسّ مع الحدث الأصغر، كما تقدّم جملة من الأبحاث المتعلّقة بالمقام، فراجع».(1)

قال في التنقيح: «لم يرد حرمة مسّ الجنب كتابة المصحف في شيء من الأخبار، الاّ أنّ ما ورد في عدم جواز مسّ الكتاب من غير وضوء يكفينا في الحكم بحرمة مسّ الجنب كما يأتي تقريبه، و هذا لا لرواية ابراهيم بن عبدالحميد عن أبي الحسن عليه السلام قال: «المصحف لاتمسّه على غير طهر، و لا جنبا، و لاتمسّ خطّه و لا تعلّقه؛ انّ اللّه تعالى يقول: «لايمسّه الاّ المطهّرون»»؛ لأنّ الآية المباركة لا دلالة لها على المدّعى، فانّ المطهّر غير المتطهّر؛ لوضوح أنّ الثاني ظاهر في التطهّر من الحدث الأصغر أو الأكبر، و المطهّر من طهّره اللّه من الزلل و الخطأ، و المذكور في الآية المباركة هو الثاني دون الأوّل، ففيها اشارة الى قوله سبحانه: «انّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت و يطهّركم تطهيرا». و معنى أنّه لايمسّه الاّ من طهّره اللّه أنّه لايدركه بما له من البواطن غير المعصومين عليهم السلام فالآية اخبار و ليست بانشاء، فانّ غيرهم لايدرك من الكتاب الاّ ظاهره، فتحمل الرواية على ارادة البواطن أيضا و يقال: انّ استفادة حرمة مسّ المحدث الكتاب من البواطن التي لايدركها غيرهم عليهم السلام و قد استفادها الامام لوجه لانعرفه. بل الوجه فيما ذكرناه موثّقة أبي بصير قال: «سألت أبا عبداللّه عليه السلام عمّن قرأ في المصحف و هو على غير وضوء، قال: لا بأس و لايمسّ الكتاب»، فاذا ثبت حرمة مسّ من لا وضوء له الكتاب نتعدّى منه الى الجنب لا محالة حيث انّ الجنب بنفسه من مصاديق من لا وضوء له؛ لأنّ سبب الجنابة أمران كلاهما ناقض للوضوء و هما الجماع و الانزال، فمسّ الجنب محرّم بما أنّه لا وضوء له. نعم، اذا اغتسل عن الجنابة يجوز


1) - مصباح الفقيه 3: 287 و 288.

له المسّ لا لأنّه ليس بجنب بل لأنّه على وضوء، حيث انّ غسل الجنابة يغني عن الوضوء».(1)

أقول:

ما استفاده من الآية المباركة أي: «لايمسّه الاّ المطهّرون»(2)وجيه لا اشكال فيه، فانّ المطهّرين هم الأئمّة عليهم السلام الاّ أنّه لاينافي أن يستفاد منها أيضا المطهّر من الحدث الأصغر و الأكبر كما في رواية ابراهيم بن عبدالحميد. و كيف كان فلا اشكال في حرمة مسّ الكتاب للجنب و لمن كان محدثا بالحدث الأصغر كما مرّ هنا و في البحث عن الوضوء. و كذا يحرم مسّ أسماء اللّه تعالى.

قال في مصباح الفقيه: «بلا نقل خلاف معتدّ به فيه، بل عن الغنية دعوى الاجماع عليه. و عن نهاية الأحكام نفي الخلاف فيه. و عن المنتهى و غيره نسبته الى الأصحاب».(3)

و يدلّ عليه موثّقة عمّار بن موسى عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«لايمسّ الجنب درهما و لا دينارا عليه اسم اللّه، الحديث».(4)

و لاتعارضها رواية اسحاق بن عمّار عن أبي ابراهيم عليه السلام قال:

«سألته عن الجنب و الطامث يمسّان بأيديهما الدراهم البيض؟ قال: لا بأس».(5)

و رواية محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«سألته هل يمسّ الرجل الدرهم الأبيض و هو جنب؟ فقال: واللّه انّي


1) - التنقيح في شرح العروة 6: 303 - 305.

2) - الواقعة 56: 79.

3) - مصباح الفقيه 3: 288.

4) - وسائل الشيعة 2: 214 / الباب 18 من أبواب الجنابة / الحديث 1.

5) - وسائل الشيعة 2: 214 / الباب 18 من أبواب الجنابة / الحديث 2.

لأوتي بالدرهم فآخذه و انّي لجنب».(1)

و ذلك لضعف سند الأولى و ضعف دلالتهما، فلم يذكر في الروايتين مسّ الجنب اسم اللّه تعالى.

و أمّا رواية أبي الربيع عن أبي عبداللّه عليه السلام في الجنب يمسّ الدراهم و فيها اسم اللّه و اسم رسوله؟ قال:

«لا بأس به ربّما فعلت ذلك».(2)

فانّها ضعيفة من جهة السند، و لاتعارض الموثّقة. و قال صاحب الوسائل: «يحتمل كون المسّ بحيث لاتصيب يده اسم اللّه و اسم رسوله، و يحتمل الحمل على الضرورة، و قد حمله بعض الأصحاب على الجواز، و حمل حديث عمّار على الكراهية، و الأوّل أحوط».(3)

و لايبعد الحمل على الضرورة لأنّ الدرهم و الدينار يكون بأيدي المسلمين دائما و الاحتراز من المسّ على اسم اللّه و اسم رسوله صلى الله عليه و آله صعب. و كيف كان لايجوز مسّ اسم اللّه تعالى على غير طهارة الاّ في الضرورة كمسّ الدراهم و الدنانير.

و الظاهر من موثّقة عمّار أنّ النهي مختصّ باسم «اللّه»، و أمّا سائر أسمائه تعالى فان كان في ضمن آيات القرآن فمسّه حرام، و كذا لو كان على حدة و صدق عليه القرآن، و أمّا لو لم يصدق عليه القرآن فترك المسّ أحسن. و أمّا مسّ اسم النبي صلى الله عليه و آله و أسماء الأئمّة عليهم السلام لغير المتطهّر فالظاهر عدم الدليل على حرمته و الاحتياط بتركه حسن.


1) - وسائل الشيعة 2: 214 / الباب 18 من أبواب الجنابة / الحديث 3.

2) - وسائل الشيعة 2: 215 / الباب 18 من أبواب الجنابة / الحديث 4.

3) - نفس المصدر.

ثمّ انّه لا فرق في حرمة مسّ اسم «اللّه» بأيّ لغة كتب من العربيّة و غيرها، و أمّا ترجمته فالاحتياط بتركه حسن.

قال في المدارك - بعد قول المحقّق: «أو شيء عليه اسم اللّه تعالى سبحانه» - : «أي نفس الشيء الذي عليه الاسم، و هو يرجع الى نفس الاسم، و بما ذكرناه صرّح في المعتبر فقال: «و يحرم عليه مسّ اسم اللّه سبحانه»، و ما ذكره رحمه الله و ان كان حسنا، الاّ أنّ في صلاحيته لاثبات التحريم نظرا، مع أنّ في رواية أبي الربيع جواز المسّ. و ألحق الشيخان باسم اللّه أسماء الأنبياء و الأئمّة عليهم السلام . قال في المعتبر: «و لاأعرف المستند و لا بأس بالكراهة؛ لمناسبة التعظيم». انتهى ملخّصا».(1)

«الثاني»: دخول المسجد الحرام و مسجد النبي صلى الله عليه و آله

«الثاني»: دخول المسجد الحرام و مسجد النبي صلى الله عليه و آله و ان كان بنحو المرور.

«الثالث»: المكث في سائر المساجد

«الثالث»: المكث في سائر المساجد بل مطلق الدخول فيها على غير وجه المرور، والمرور فيها بأن يدخل من باب و يخرج من آخر فلابأس به، و كذا الدخول بقصد أخذ شيء منها فانّه لا بأس به، و المشاهد كالمساجد في حرمة المكث فيها.

الشرح:

الثاني و الثالث ممّا يحرم على الجنب دخول المسجد الحرام و مسجد النبي صلى الله عليه و آله و ان كان بنحو المرور، و المكث في سائر المساجد. أمّا المرور فيها بأن يدخل من باب و يخرج من آخر فلا بأس؛ يدلّ على ذلك روايات:

منها صحيحة جميل قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الجنب يجلس في المساجد؟ قال: لا،


1) - مدارك الأحكام 1: 279 و 280.

ولكن يمرّ فيها كلّها الاّ المسجد الحرام و مسجد الرسول صلى الله عليه و آله».(1)

و منها صحيحة أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر عليه السلام (في حديث طويل):

«انّ اللّه أوحى الى نبيّه أن طهّر مسجدك، و أخرج من المسجد من يرقد فيه بالليل، و مر بسدّ أبواب من كان له في مسجدك باب، الاّ باب علي عليه السلام و مسكن فاطمة عليهاالسلام ، و لايمرّن فيه جنب».(2)

و منها صحيحة محمّد بن حمران عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته عن الجنب يجلس في المسجد؟ قال: لا ولكن يمرّ فيه الاّ المسجد الحرام و مسجد المدينة».(3)

و منها صحيحة زرارة و محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قالا:

«قلنا له: الحائض و الجنب يدخلان المسجد أم لا؟ قال: الحائض و الجنب لايدخلان المسجد الاّ مجتازين انّ اللّه تبارك و تعالى يقول: «و لاجنبا الاّ عابري سبيل حتّى تغتسلوا»، الحديث».(4)

فاذا نام في المسجدين فصار جنبا فليتيمّم و ليخرج، و لايمرّ في المسجد الاّ متيمّما؛ و ذلك لصحيحة أبي حمزة قال:

«قال أبو جعفر عليه السلام : اذا كان الرجل نائما في المسجد الحرام أو مسجد الرسول صلى الله عليه و آله فاحتلم فأصابته جنابة فليتيمّم، و لايمرّ في المسجد الاّ متيمّما، و لا بأس أن يمرّ في سائر المساجد، و لايجلس في شيء من المساجد».(5)


1) - وسائل الشيعة 2: 205 / الباب 15 من أبواب الجنابة / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 2: 205 / الباب 15 من أبواب الجنابة / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 2: 206 / الباب 15 من أبواب الجنابة / الحديث 5.

4) - وسائل الشيعة 2: 207 / الباب 15 من أبواب الجنابة / الحديث 10.

5) - وسائل الشيعة 2: 206 / الباب 15 من أبواب الجنابة / الحديث 6.

و رواية أبي حمزة قال:

«قال أبو جعفر عليه السلام : اذا كان الرجل نائما في المسجد الحرام، أو مسجد الرسول صلى الله عليه و آله فاحتلم فأصابته جنابة فليتيمّم، و لايمرّ في المسجد الاّ متيمّما حتّى يخرج منه، ثمّ يغتسل، و كذلك الحائض اذا أصابها الحيض تفعل كذلك، و لا بأس أن يمرّا في سائر المساجد و لايجلسان فيها».(1)

ثمّ انّ الظاهر من صحيحة زرارة و محمّد بن مسلم المتقدّمة آنفا أنّ مطلق الدخول في المسجد و لو لم يمكث و لم يجلس حرام بأن يدخل في أوّله و يخرج من حيث دخل أو شبهه بحيث لايسمّى مرورا أو اجتيازا و لاتعارضها رواية جميل بن درّاج عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«للجنب أن يمشي في المساجد كلّها و لايجلس فيها الاّ المسجد الحرام و مسجد الرسول صلى الله عليه و آله».(2)

لأنّها مع ضعف سندها بسهل بن زياد تحمل على ما اذا مرّ و دخل من باب و خرج من باب آخر بحيث يصدق عليه المرور.

و لا بأس بأن يدخل بقصد أخذ شيء و يخرج؛ و ذلك لصحيحة عبداللّه بن سنان قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الجنب و الحائض يتناولان من المسجد المتاع يكون فيه؟ قال:نعم، ولكن لايضعان في المسجد شيئا».(3)

و اطلاق الصحيحة و ان كان يشمل المسجدين أيضا، الاّ أنّ هناك رواية محمّد بن مسلم قال:


1) - وسائل الشيعة 2: 205 / الباب 15 من أبواب الجنابة / الحديث 3.

2) - وسائل الشيعة 2: 206 / الباب 15 من أبواب الجنابة / الحديث 4.

3) - وسائل الشيعة 2: 213 / الباب 17 من أبواب الجنابة / الحديث 1.

«قال أبو جعفر عليه السلام - في حديث الجنب و الحائض - و يدخلان المسجد مجتازين و لايقعدان فيه، و لايقربان المسجدين الحرمين».(1)

فالأحوط ترك أخذ الشيء منهما.

و يلحق بالمساجد المشاهد المشرّفة، فلايجوز للجنب و الحائض المكث في مكان قد دفن أحد الأئمّة المعصومين عليهم السلام ؛ لصدق الهتك، بل الهتك هذا أعظم من الهتك الحاصل من دخول الجنب و الحائض في المسجد.

و قال في المستمسك: «كما عن المفيد في الغرية و الشهيدين و بعض المتأخّرين؛ لتحقّق معنى المسجديّة فيها و زيادة و للتعظيم و للأخبار الدالّة على المنع من دخول الجنب بيوت الأنبياء و الأئمّة عليهم السلام أحياء، بضميمة ما دلّ على أنّ حرمتهم أمواتا كحرمتهم أحياءً، بل هم أحياء عند ربّهم يرزقون.

و قد عقد لها في الوسائل بابا، و رواها عن بصائر الدرجات للصفّار و قرب الأسناد للحميري و الارشاد للمفيد و كشف الغمّة لعلي بن عيسى الأربلي و الخرائج و الجرائح للراوندي و كتاب الرجال للكشّي. و مقتضاها المنع من أصل الدخول فيكون حكمها حكم المسجدين. لكن في دلالة جملة منها على المنع تأمّل أو منع، و لا سيّما بملاحظة عدم مبادرة أبي بصير الداخل و هو جنب الى الخروج، مع صراحة بعضها في تعمّده الى الدخول ليطمئنّ قلبه، و من البعيد جدّا تعمّده الى ذلك و أيضا من البعيد أن لايدخل في بيوتهم عليهم السلام من يعولون به من أزواجهم و أولادهم و جواريهم و خدّامهم اذا كانوا جنبا، فتأمّل. و كأنّه لأجل ذلك - مع عدم ثبوت معنى المسجديّة فيها و عدم الدليل على وجوب التعظيم بمثل ذلك - توقّف في الحكم جماعة و ان كان هو الأحوط.(2)


1) - وسائل الشيعة 2: 209 / الباب 15 من أبواب الجنابة / الحديث 17.

2) - مستمسك العروة 3: 48 و 49.

«الرابع»: الدخول في المساجد بقصد وضع شيء فيها

«الرابع»: الدخول في المساجد بقصد وضع شيء فيها بل مطلق الوضع فيها و ان كان من الخارج أو في حال العبور.

الشرح:

تدلّ على حرمة وضع شيء في المسجد صحيحة عبداللّه بن سنان المتقدّمة آنفا، و كذا صحيحة زرارة و محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«الحائض و الجنب لايدخلان المسجد الاّ مجتازين - الى أن قال: - و يأخذان من المسجد و لايضعان فيه شيئا، قال زرارة: قلت له فما بالهما يأخذان منه و لايضعان فيه؟ قال: لأنّهما لايقدران على أخذ ما فيه الاّ منه، و يقدران على وضع ما بيدهما في غيره، الحديث».(1)

و لاتعارضها مرسلة علي بن ابراهيم عن الصادق عليه السلام الاّ أنّه قال:

«يضعان فيه الشيء و لايأخذان منه، فقلت: ما بالهما يضعان فيه و لايأخذان منه؟ فقال: لأنّهما يقدران على وضع الشيء فيه من غير دخول، و لايقدران على أخذ ما فيه حتّى يدخلا».(2)

و ذلك لأنّ الرواية ضعيفة بارسالها، و الروايتان المتقدّمتان صحيحتان، و قد عمل بهما المشهور دونها.

«الخامس»: قراءة سور العزائم
اشارة

«الخامس»: قراءة سور العزائم و هي سورة اقرأ، و النجم، و الم تنزيل، و حم السجدة و ان كان بعض واحدة منها، بل البسملة أو بعضها بقصد احداها على الأحوط لكن الأقوى اختصاص الحرمة بقراءة آيات السجدة منها.


1) - وسائل الشيعة 2: 213 / الباب 17 من أبواب الجنابة / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 2: 213 / الباب 17 من أبواب الجنابة / الحديث 3.

الشرح:

يحرم على الجنب قراءة آيات السجدة؛ و الدليل على ذلك صحيحة زرارة و محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام (في حديث) قال:

«قلت له: الحائض و الجنب، هل يقرءان من القرآن شيئا؟ قال: نعم، ما شاءا الاّ السجدة، و يذكران اللّه على كلّ حال».(1)

و رواية محمّد بن مسلم قال:

«قال أبوجعفر عليه السلام : الجنب و الحائض يفتحان المصحف من وراء الثوب، و يقرآن من القرآن ما شاءا الاّ السجدة، الحديث».(2)

و لايعارضهما ما رواه البزنطي في جامعه من الرواية عن المثنّى عن الحسن الصيقل عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«يجوز للجنب و الحائض أن يقرءا ما شاءا من القرآن الاّ سور العزائم الأربع، و هي: اقرأ باسم ربّك، و النجم، و تنزيل السجدة، و حم السجدة».(3)

و ذلك لضعف الرواية من جهة السند للحسن الصيقل فانّه لم يرد توثيقه في شيء من الكتب. مضافا الى أنّه يمكن أن يكون المراد مجموع السورة فلو كان بعضها الغير المشتمل على الآية يجوز، فكأنّ النهي عنها ورد بلحاظ الآية. فالحكم بالحرمة مختصّة بقراءة الآية و هو ظاهر ما عن الفقيه و الهداية و الغنية و الانتصار كما في المستمسك(4). نعم، عن صلاة الخلاف و السرائر و التذكرة و المنتهى و المعتبر و الروض و المدارك و غيرها أنّ المحرّم هو قراءة سور العزائم.


1) - وسائل الشيعة 2: 216 / الباب 19 من أبواب الجنابة / الحديث 4.

2) - وسائل الشيعة 2: 217 / الباب 19 من أبواب الجنابة / الحديث 7.

3) - وسائل الشيعة 2: 218 / الباب 19 من أبواب الجنابة / الحديث 11.

4) - مستمسك العروة 3: 50.

فيمن نام في أحد المسجدين و احتلم أو أجنب فيهما أو في الخارج و دخل فيهما

(مسألة 1): من نام في أحد المسجدين و احتلم أو أجنب فيهما أو في الخارج و دخل فيهما عمدا أو سهوا أو جهلاً وجب عليه التيمّم للخروج الاّ أن يكون زمان الخروج أقصر من المكث للتيمّم، فيخرج من غير تيمّم أو كان زمان الغسل فيهما مساويا أو أقلّ من زمان التيمّم فيغتسل حينئذ، و كذا حال الحائض و النفساء.

الشرح:

قد تقدّم الدليل على ذلك في الشرط الثاني و الثالث، فانّ الظاهر من صحيحة أبي حمزة أنّ الحكم المترتّب على الاحتلام الحاصل في النوم ليس مختصّا بذلك، بل للغلبة، و لذا ليس هناك فرق بين أن ينام في أحد المسجدين و يحتلم أو يجنب فيهما، أو في الخارج و يدخل فيهما عمدا أو سهوا أو جهلاً، ففي كلّ هذه يجب عليه التيمّم للخروج، الاّ أن يكون زمان الخروج أقصر من المكث للتيمّم فيخرج من غير تيمّم، أو كان زمان الغسل فيهما مساويا أو أقلّ من زمان التيمّم فيغتسل حينئذ و كذا حال الحائض و النفساء.

في عدم الفرق في حرمة دخول الجنب في المساجد بين المعمور منها و الخراب

(مسألة 2): لا فرق في حرمة دخول الجنب في المساجد بين المعمور منها و الخراب و ان لم يصلّ فيه أحد و لم يبق آثار مسجديّته. نعم، في مساجد الأراضي المفتوحة عنوة اذا ذهب آثار المسجديّة بالمرّة يمكن القول بخروجها عنها؛ لأنّها تابعة لآثارها و بنائها.

الشرح:

قال في التنقيح: «لا فرق في حرمة دخول الجنب في المساجد بين المعمور منها و الخراب و ان لم يصلّ فيه أحد و لم يبق آثار مسجديّته؛ لأنّ الحكم انّما يترتّب على عنوان المسجد و لم يترتّب على عنوان المعمور أو غيره، فالعمارة و

غيرها ممّا لا مدخليّة له في الحكم بحرمة الدخول. نعم، ذكرنا في أحكام تنجيس المساجد أنّ عنوان المسجد اذا زال و تبدّل عنوانا آخر بحيث لم يصدق أنّ المكان مسجد بالفعل - لأنّه بالفعل جادّة أو نهر أو بحر أو حانوت مثلاً و انّما يقال: انّه كان مسجدا سابقا - لم يترتّب عليه شيء من أحكام المساجد؛ لعدم بقاء موضوعه و عنوانه، و الأحكام انّما تترتّب على عنوان المسجد و هو غير متحقّق على الفرض، فترتفع أحكامه أيضا؛ لأنّها تابعة لتحقّق موضوعاتها».(1)

أقول:

ان قلنا بأنّ المكان الموقوف بعنوان المسجد لايرجع الى ما كان أو شيء آخر كما هو الحقّ، فأحكام المساجد تترتّب عليه سواء كان مسجدا بالفعل، أو صار جادّة أو نهرا أو غيرهما بالفعل، اللّهمّ الاّ أن يقال: انّ وقفيّة المسجد لاتزول بصيرورته جادّة أو غيرها، ولكنّ الأحكام تتغيّر كما مرّ. و كيف كان فالاحتياط لايترك.

ثمّ انّه قال المصنّف: «نعم، في مساجد الأراضي المفتوحة عنوة اذا ذهب آثار المسجديّة بالمرّة يمكن القول بخروجها عنها؛ لأنّها تابعة لآثارها و بنائها».

و قال في التنقيح: «ما أفاده قدس سره انّما يتمّ في الأملاك الشخصيّة في الأراضي المفتوحة عنوة؛ لأنّ الحكم بالملكيّة فيها انّما هو يتبع آثارها فانّ نفس الأرض ملك المسلمين فاذا زالت الآثار و البناء ارتفعت الملكيّة لا محالة، و لايتمّ في المساجد بوجه؛ لأنّ وقف المسجد تحرير الأرض و اخراج لها عن علاقة المالكيّة، كتحرير العبد و ازالة العلقة الملكيّة عنه، فاذا فرضنا أنّ وقف المسجد صحيح في نفسه في الأراضي المفتوحة عنوة بأن كان فيها آثارها و وقفها بآثارها مسجدا فلاتعود الأرض الحرّة رقّا و مملوكة للمسلمين أو لغيرهم و ان زالت عنها آثارها».(2)


1) - التنقيح في شرح العروة 6: 334.

2) - نفس المصدر: 334 و 335.

أقول:

الظاهر أنّ ما ذهب اليه المصنّف في ذلك صحيح و أمكن القول بخروجها عنها أي بخروج المسجد عن المسجديّة بذهاب آثار المسجديّة؛ لأنّها تابعة لآثارها و بنائها، كما يظهر بالتأمّل.

(مسألة 3): اذا عيّن الشخص في بيته مكانا للصلاة و جعله مصلّى له لايجري عليه حكم المسجد.

و ذلك لأنّ الأحكام تجري على عنوان المسجديّة، و لاتجري على المكان الذي عيّنه الشخص في بيته للصلاة أو عيّنه جماعة لصلاتهم.

(مسألة 4): كلّ ما شكّ في كونه جزءا من المسجد من صحنه و الحجرات التي فيه و منارته و حيطانه و نحو ذلك لايجري عليه الحكم و ان كان الأحوط الاجراء الاّ اذا علم خروجه منه.

الشرح:

كلّ ما شكّ في كونه جزءا من المسجد من صحنه و الحجرات التي فيه و منارته و حيطانه و نحو ذلك لايجري عليه الحكم؛ لأنّ اجراء أحكام المسجديّة منوط باحرازها.

قال في التنقيح: «و ذلك للبراءة أو لاستصحاب عدم صيرورته مسجدا؛ لأنّه كان في زمان و لم يكن مسجدا و الأصل بقاؤه على حالته السابقة، اللّهمّ الاّ أن تكون هناك أمارة على المسجديّة كمعاملة المسلمين معه معاملة المساجد فانّها تكفي في الحكم بالمسجديّة و معها تترتّب عليها أحكامها».(1)


1) - التنقيح في شرح العروة 6: 335.

(مسألة 5): الجنب اذا قرأ دعاء كميل، الأولى و الأحوط أن لايقرأ منها «أَفَمَنْ كانَ مُؤمِنا كَمَنْ كانَ فاسِقا لايَسْتَوُونَ»؛ لأنّه جزء من سورة الم السجدة و كذا الحائض، و الأقوى جوازه؛ لما مرّ من أنّ المحرّم قراءة آيات السجدة لا بقيّة السورة.

قد مرّ في الخامس ممّا يحرم على الجنب أنّ الأقوى اختصاص حرمة قراءة الجنب و الحائض بآية السجدة، و في غيرها من بقيّة الآيات الاحتياط بالترك حسن.

(مسألة 6): الأحوط عدم جواز ادخال الجنب في المسجد و ان كان صبيّا أو مجنونا أو جاهلاً بجنابة نفسه.

الشرح:

الظاهر أنّ النهي في الروايات المذكورة في الثاني و الثالث مختصّ بالمباشر الاّ أنّه يمكن أن يقال بأنّ ادخال الجنب الذي ليس له تكليف كالصبيّ أو المجنون أو من كان جاهلاً بجنابة نفسه مناف لما ورد من الشارع في حرمة المساجد و لذا لايترك الاحتياط في عدم الادخال.

في عدم جواز استئجار الجنب لكنس المسجد في حال جنابته

(مسألة 7): لايجوز أن يستأجر الجنب لكنس المسجد في حال جنابته بل الاجارة فاسدة و لايستحقّ أجرة. نعم، لو استأجره مطلقا ولكنّه كنس في حال جنابته و كان جاهلاً بأنّه جنب أو ناسيا استحقّ الأجرة، بخلاف ما اذا كنس عالما فانّه لايستحقّ؛ لكونه حراما، و لايجوز أخذ الأجرة على العمل المحرّم، و كذا الكلام في الحائض و النفساء، و لو كان الأجير جاهلاً أو كلاهما جاهلين في الصورة الأولى أيضا يستحقّ الأجرة؛ لأنّ متعلّق الاجارة

و هو الكنس لايكون حراما و انّما الحرام الدخول و المكث، فلايكون من باب أخذ الأجرة على المحرّم. نعم، لو استأجره على الدخول أو المكث كانت الاجارة فاسدة و لايستحقّ الأجرة و لو كانا جاهلين؛ لأنّهما محرّمان و لايستحقّ الأجرة على الحرام. و من ذلك ظهر أنّه لو استأجر الجنب أو الحائض أو النفساء للطواف المستحبّ كانت الاجارة فاسدة و لو مع الجهل، و كذا لو استأجره لقراءة العزائم فانّ المتعلّق فيهما هو نفس الفعل المحرّم بخلاف الاجارة للكنس فانّه ليس حراما و انّما المحرّم شيء آخر و هو الدخول و المكث فليس نفس المتعلّق حراما.

الشرح:

للمسألة ثلاث صور على ما صوّرها في التنقيح:

الأولى: ما اذا وقعت الاجارة على أمر مباح في نفسه ولكن مقدّمته كانت محرّمة كما اذا استأجر الجنب لكنس المسجد حال جنابته، فانّ الكنس مباح في نفسه الاّ أنّ مقدّمته و هي دخوله في المسجد محرّمة و لايحصل الاّ به، ففي هذه الحالة يحرم على الأجير دخول المسجد و حيث انّه لايتمكّن من الكنس شرعا فتبطل اجارته، و لو دخل المسجد مع علمه بجنابته لايستحقّ الأجرة المسمّاة، و أمّا أجرة المثل فيستحقّها حيث انّ العمل صدر بأمر من المستأجر فيضمن أجرة مثله. و أمّا اذا كان الأجير جاهلاً بجنابته فلاتبطل الاجارة بل تصحّ و يستحقّ بذلك الأجرة المسمّاة.

الثانية: ما اذا وقعت الاجارة على أمر جامع بين الفرد المتوقّف على مقدّمة محرّمة و فرد آخر غير متوقّف على مقدّمة محرّمة، كما اذا استأجر الجنب لكنس المسجد ساعة من غير تقييده بحالة الجنابة، و من الظاهر أنّ لكنسه فردين، فانّ كنسه في حالة الجنابة لا محالة يتوقّف على المقدّمة المحرّمة، و انّ كنسه في غير حالة الجنابة لايتوقّف على الحرام. و الظاهر في هذه الصورة صحّة الاجارة فيجب

عليه أن يدخل المسجد لكنسه في غير حالة الجنابة، و لو عصى و دخل في حالة الجنابة فقد فعل حراما الاّ أنّه لاتبطل اجارته فيستحقّ الأجرة المسمّاة. و أمّا المصنّف فقد ذهب الي أنّه لو كنس في حال جنابته و كان جاهلاً بأنّه جنب أو ناسيا استحقّ الأجرة، بخلاف ما اذا كان عالما فانّه لايستحقّ؛ لكونه حراما و لايجوز أخذ الأجرة على العمل المحرّم، و كذا الكلام في الحائض و النفساء. ولكنّ الظاهر أنّ عقد الاجارة صحيح و بمجرّد العقد يستحقّ الأجرة الاّ أنّه يجب عليه الكنس في غير حال الجنابة كما مرّ.

الثالثة: ما اذا وقعت الاجارة على أمر محرّم في نفسه كما اذا استأجر الجنب للمكث في المسجد جنبا. فان كانا جاهلين بالجنابة مع كون المكث له فائدة، فالاجارة صحيحة و يستحقّ الأجير الأجرة المسمّاة، و أمّا اذا كان الأجير عالما بجنابته فتبطل الاجارة فلايستحقّ الأجرة المسمّاة، و لو عصى و دخل يستحقّ أجرة المثل كما مرّ. و قد ذهب المصنّف الى أنّ الاجارة فاسدة و لايستحقّ الأجرة و لو كانا جاهلين؛ لأنّ الدخول و المكث محرّمان و لايستحقّ الأجرة على الحرام، ولكنّ الظاهر أنّه تصحّ الاجارة في هذه الحالة؛ لعدم حرمة الدخول والمكث على الأجير، و كذا لو استأجر الجنب أو الحائض أو النفساء للطواف المستحبّ و كانا جاهلين تصحّ الاجارة و يستحقّ الأجرة المسمّاة بخلاف ما اذا كان الأجير عالما. و هكذا يكون الحال لقراءة العزائم ان قلنا بحرمة قراءة السور على الجنب.

فيما اذا كان جنبا و كان الماء في المسجد

(مسألة 8): اذا كان جنبا و كان الماء في المسجد يجب عليه أن يتيمّم و يدخل المسجد لأخذ الماء أو الاغتسال فيه، و لايبطل تيمّمه لوجدان هذا الماء الاّ بعد الخروج أو بعد الاغتسال ولكن لايباح بهذا التيمّم الاّ دخول المسجد و اللبث فيه بمقدار الحاجة فلايجوز له مسّ كتابة القرآن و لا قراءة العزائم الاّ اذا كانا واجبين فورا.

الشرح:

قد تقدّم في الثالث و الرابع ممّا يحرم على الجنب أنّ الدخول في المسجد لأخذ شيء منه لايحرم. نعم، لو كان الماء في المسجدين - المسجد الحرام و المسجد النبوي صلى الله عليه و آله - و كان جنبا يجب عليه أن يتيمّم ويدخل المسجد لأخذ الماء أو الاغتسال فيه، و لايبطل تيمّمه لوجدان هذا الماء؛ لأنّ صرف الأخذ من الماء لايكفي لبطلان تيمّمه بل هو مع تمكّنه من الاغتسال، فاذا لم يتمكّن من الغسل في المسجد لحرمة المكث فيه فلايبطل تيمّمه. نعم، لايباح بهذا التيمّم الاّ دخول المسجد و اللبث فيه بمقدار الحاجة فلايجوز له مسّ كتابة القرآن و لا قراءة آية السجدة. نعم، لايبعد جوازه لو مسّ حين الدخول لأخذ الماء و كذا آية السجدة بشرط اتيانها من غير مكث؛ و ذلك لأنّ التيمّم أحد الطهورين، و الفرض أنّه مكلّف به؛ لعدم وجدان الماء.

و تذكّر أنّ وجوب التيمّم للجنب لدخول المسجد و أخذ الماء يكون فيما اذا كان وقت الصلاة، و كان آخر الوقت بحيث يتمكّن من الغسل و الصلاة تامّة بعد أخذ الماء.

ثمّ انّ هناك اشكالين قد طرحهما في التنقيح(1)و حيث انّه لم يحرم الدخول في المسجد لأخذ شيء لم يلزم طرحهما و الجواب عنهما. و قد أجاب عنهما في مهذّب الأحكام(2)فراجع.

(مسألة 9): اذا علم اجمالاً جنابة أحد الشخصين لايجوز له استئجارهما و لا استئجار أحدهما لقراءة العزائم أو دخول المساجد أو نحو ذلك ممّا يحرم على الجنب.


1) - التنقيح في شرح العروة 6: 342 و 343.

2) - مهذّب الأحكام 3: 45.

الشرح:

اذا علم اجمالاً جنابة أحد الشخصين لايجوز له استئجارهما و لا استئجار أحدهما لدخول المساجد و المكث بها في حالة الجنابة على ما مرّ في المسألة السابعة من الصورة الثالثة، و كذا للعمل الذي يحرم على الجنب فعله في حال الجنابة.

(مسألة 10): مع الشكّ في الجنابة لايحرم شيء من المحرّمات المذكورة الاّ اذا كانت حالته السابقة هي الجنابة.

الشرح:

مع الشكّ في الجنابة لايحرم شيء من المحرّمات المذكورة؛ للبراءة، الاّ اذا كانت حالته السابقة هي الجنابة فتستصحب.

الفصل الخامس : فيما يكره على الجنب

و هي أمور: «الأوّل»: الأكل و الشرب و يرتفع كراهتهما بالوضوء أو غسل اليدين و المضمضة و الاستنشاق أو غسل اليدين فقط.

«الثاني»: قراءة ما زاد على سبع آيات من القرآن ما عدا العزائم و قراءة ما زاد على السبعين أشدّ كراهة.

«الثالث»: مسّ ما عدا خطّ المصحف من الجلد و الأوراق و الحواشي و ما بين السطور.

«الرابع»: النوم الاّ أن يتوضّأ أو يتيمّم ان لم يكن له الماء بدلاً عن الغسل.

«الخامس»: الخضاب رجلاً كان أو امرأة و كذا يكره للمختضب قبل أن يأخذ اللون اجناب نفسه.

«السادس»: التدهين.

«السابع»: الجماع اذا كان جنابته بالاحتلام.

«الثامن»: حمل المصحف.

«التاسع»: تعليق المصحف.

الشرح:

يكره على الجنب أمور:

الأوّل: الأكل و الشرب فانّه يورث الفقر كما في حديث المناهي عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال:

«نهى رسول اللّه صلى الله عليه و آله عن الأكل على الجنابة و قال: انّه يورث الفقر».(1)

و يرتفع الكراهة بغسل وجهه و الأفضل الوضوء، ففي صحيحة عبدالرحمن بن أبي عبداللّه (في حديث) قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : أياكل الجنب قبل أن يتوضّأ؟ قال: انّا لنكسل، ولكن ليغسل يده فالوضوء أفضل».(2)

و صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«الجنب اذا أراد أن يأكل و يشرب غسل يده و تمضمض و غسل وجهه و أكل و شرب».(3)

و رواية السكوني عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:

«لايذوق الجنب شيئا حتّى يغسل يديه و يتمضمض، فانّه يخاف منه الوضح(4)».(5)

و صحيحة عبيداللّه بن علي الحلبي عن أبي عبداللّه عن أبيه عليهماالسلام قال:

«اذا كان الرجل جنبا لم يأكل و لم يشرب حتّى يتوضّأ».(6)

الثاني: النوم الاّ بعد الوضوء أو الغسل أو التيمّم؛ يدلّ على ذلك صحيحة


1) - وسائل الشيعة 2: 219 / الباب 20 من أبواب الجنابة / الحديث 5.

2) - وسائل الشيعة 2: 220 / الباب 20 من أبواب الجنابة / الحديث 7.

3) - وسائل الشيعة 2: 219 / الباب 20 من أبواب الجنابة / الحديث 1.

4) - الوضح بالتحريك: البرص. هامش الوسائل

5) - وسائل الشيعة 2: 219 / الباب 20 من أبواب الجنابة / الحديث 2.

6) - وسائل الشيعة 2: 219 / الباب 20 من أبواب الجنابة / الحديث 4.

الحلبي قال:

«سئل أبو عبداللّه عليه السلام عن الرجل أينبغي له أن ينام و هو جنب؟ فقال: يكره ذلك حتّى يتوضّأ».(1)

و رواية أبي بصير عن أبي عبداللّه عن أبيه عن آبائه عن أميرالمؤمنين عليهم السلام قال:

«لاينام المسلم و هو جنب، و لاينام الاّ على طهور فان لم يجد الماء فليتيمّم بالصعيد، الحديث».(2)

و صحيحة عبدالرحمن بن أبي عبداللّه قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يواقع أهله، أينام على ذلك؟ قال: انّ اللّه يتوفّى الأنفس في منامها، و لايدري ما يطرقه من البليّة، اذا فرغ فليغتسل، الحديث».(3)

و يدلّ على جوازه صحيحة سعيد الأعرج قال:

«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: ينام الرجل و هو جنب، و تنام المرأة و هي جنب».(4)

و مضمرة سماعة قال:

«سألته عن الجنب يجنب ثمّ يريد النوم؟ قال: ان أحبّ أن يتوضّأ فليفعل، و الغسل أحبّ اليّ و أفضل من ذلك، فان هو نام و لم يتوضّأ و لم يغتسل فليس عليه شيء، ان شاء اللّه».(5)

الثالث: الخضاب، رجلاً كان أو امرأة، و كذا يكره للمختضب قبل أن يأخذ اللون اجناب نفسه؛ يدلّ على ذلك رواية أبي سعيد قال:


1) - وسائل الشيعة 2: 227 / الباب 25 من أبواب الجنابة / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 2: 227 / الباب 25 من أبواب الجنابة / الحديث 3.

3) - وسائل الشيعة 2: 228 / الباب 25 من أبواب الجنابة / الحديث 4.

4) - وسائل الشيعة 2: 228 / الباب 25 من أبواب الجنابة / الحديث 5.

5) - وسائل الشيعة 2: 228 / الباب 25 من أبواب الجنابة / الحديث 6.

«قلت لأبي ابراهيم عليه السلام : أيختضب الرجل و هو جنب؟ قال: لا، قلت: فيجنب و هو مختضب؟ قال: لا، ثمّ مكث قليلاً ثمّ قال: يا با سعيد، ألا أدلّك على شيء تفعله؟ قلت: بلى، قال: اذا اختضبت بالحنّاء و أخذ الحنّاء مأخذه و بلغ فحينئذ فجامع».(1)

و يدلّ على عدم حرمة ذلك صحيحة أبي جميلة عن أبي الحسن الأوّل عليه السلام

قال:

«لا بأس بأن يختضب الجنب، و يجنب المختضب، و يطلي بالنورة».(2)

و موثّقة سماعة قال:

«سألت العبد الصالح عليه السلام عن الجنب و الحائض أيختضبان؟ قال: لا بأس».(3)

الرابع: التدهين؛ لرواية حريز قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : الجنب يدهن ثمّ يغتسل؟ قال: لا».(4)

الخامس: الجماع اذا كانت جنابته بالاحتلام؛ يدلّ عليه رواية الصدوق:

«و كره أن يغشى الرجل امرأته و قد احتلم، حتّى يغتسل من احتلامه الذي رأى، فان فعل و خرج الولد مجنونا فلايلومنّ الاّ نفسه».(5)

و أمّا قول الماتن أعني كراهة قراءة مازاد على سبع آيات من القرآن و قراءة مازاد على السبعين أشدّ كراهة، فنقول فيه:

هناك روايات معتبرة ناطقة بعدم البأس بقراءة القرآن للجنب و الحائض و


1) - وسائل الشيعة 2: 221 / الباب 22 من أبواب الجنابة / الحديث 4.

2) - وسائل الشيعة 2: 221 / الباب 22 من أبواب الجنابة / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 2: 222 / الباب 22 من أبواب الجنابة / الحديث 6.

4) - وسائل الشيعة 2: 220 / الباب 31 من أبواب الجنابة / الحديث 1.

5) - وسائل الشيعة 20: 139 / الباب 70 من أبواب مقدّمات النكاح / الحديث 3.

النفساء، كصحيحة زيد الشحّام عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«تقرأ الحائض القرآن، و النفساء و الجنب أيضا».(1)

و صحيحة زرارة و محمّد عن أبي جعفر عليه السلام (في حديث) قال:

«قلت له: الحائض و الجنب، هل يقرءان من القرآن شيئا؟ قال: نعم، ما شاءا الاّ السجدة، و يذكران اللّه على كلّ حال».(2)

و صحيحة الفضيل بن يسار عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«لا بأس أن تتلوا الحائض و الجنب القرآن».(3)

و صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته أتقرأ النفساء و الحائض و الجنب و الرجل يتغوّط، القرآن؟ فقال: يقرؤون ما شاؤوا».(4)

و نظيرها رواية محمّد بن مسلم حيث قال:

«قال أبو جعفر عليه السلام : - الى أن قال: - و يقرءان القرآن ما شاءا الاّ السجدة».(5)

و رواية عبدالغفّار الجازي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«قال: الحائض تقرأ ما شاءت من القرآن».(6)

و بازاء هذه الروايات رواية أبي سعيد الخدري - في وصيّة النبي صلى الله عليه و آله لعلي عليه السلام -


1) - وسائل الشيعة 2: 215 / الباب 19 من أبواب الجنابة / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 2: 216 / الباب 19 من أبواب الجنابة / الحديث 4.

3) - وسائل الشيعة 2: 217 / الباب 19 من أبواب الجنابة / الحديث 5.

4) - وسائل الشيعة 2: 217 / الباب 19 من أبواب الجنابة / الحديث 6.

5) - وسائل الشيعة 2: 217 / الباب 19 من أبواب الجنابة / الحديث 7.

6) - وسائل الشيعة 2: 217 / الباب 19 من أبواب الجنابة / الحديث 8.

أنّه قال:

«يا علي، من كان جنبا في الفراش مع امرأته فلايقرأ القرآن، فانّي أخشى أن تنزل عليهما نار من السماء فتحرقهما».(1)

و موثّقة سماعة قال:

«سألته عن الجنب، هل يقرأ القرآن؟ قال: ما بينه و بين سبع آيات».(2)

و في رواية أخرى له قال: «سبعين آية».(3)

فالتأمّل في الطائفتين من الروايات يعطي أنّه من البعيد أن ينذر النبي صلى الله عليه و آلهقارئ القرآن في حال جنابته بهذا الانذار الشديد، و معه قد ظهر من لسان أوصيائه عدم البأس بقراءة القرآن في تلك الحالة الاّ آية السجدة من دون الاشارة حتّى بحسن تركها. مضافا الى أنّ الخدري لم ينقل ذلك عن علي عليه السلام و لا نقل عن النبي صلى الله عليه و آله بل قال: «في وصيّة النبي صلى الله عليه و آله لعلي عليه السلام ». و لو كان قراءته للجنب محذورة بذلك الحذر فنقل تلك الوصيّة من أوصيائه كان أولى. و أمّا روايتا سماعة فالأولى منهما مضمرة و الثانية مرسلة و لم يبعد أن تكون روايته من العامّة. فالحاصل أنّ الحكم بالكراهة مشكل.

و قد عدّ الماتن من جملة المكروهات للجنب مسّ ما عدا خطّ المصحف من الجلد و الأوراق و الحواشي و ما بين السطور، ولكن لم تكن هناك رواية ظاهرة في ذلك الاّ موثّقة أبي بصير قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عمّن قرأ في المصحف و هو على غير وضوء؟


1) - وسائل الشيعة 2: 215 / الباب 19 من أبواب الجنابة / الحديث 3.

2) - وسائل الشيعة 2: 218 / الباب 19 من أبواب الجنابة / الحديث 9.

3) - وسائل الشيعة 2: 215 / الباب 19 من أبواب الجنابة / الحديث 10.

قال: لا بأس، و لايمسّ الكتاب».(1)

فانّها تحمل على خطّ الكتاب؛ يدلّ عليه مرسلة حريز عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«كان اسماعيل بن أبي عبداللّه عنده فقال: يا بني، اقرأ المصحف، فقال: انّي لست على وضوء، فقال: لاتمسّ الكتابة، و مسّ الورق، فاقرأه».(2)

و رواية ابراهيم بن عبدالحميد عن أبي الحسن عليه السلام قال:

«المصحف لاتمسّه على غير طهر، و لا جنبا، و لاتمسّ خيطه، و لا تعلّقه، انّ اللّه تعالى يقول: «لايمسّه الاّ المطهّرون»».(3)

و قد أعرض عنها المشهور لأنّهم قالوا بالكراهة بالنسبة الى مسّ الجلد و الورق و الحواشي، لا تعليقه و مسّ خيطه.

و أمّا حمل المصحف فليس له رواية و قد أفتى جماعة بالكراهة كما في المستمسك(4)عن المعتبر.


1) - وسائل الشيعة 1: 383 / الباب 12 من أبواب الوضوء / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 1: 383 / الباب 12 من أبواب الوضوء / الحديث 2.

3) - وسائل الشيعة 1: 384 / الباب 12 من أبواب الوضوء / الحديث 3.

4) - مستمسك العروة 3: 68.

الفصل السادس : في أحكام غسل الجنابة

في أنّ غسل الجنابة مستحبّ نفسي و واجب غيري
اشارة

غسل الجنابة مستحبّ نفسي و واجب غيري للغايات الواجبة و مستحبّ غيري للغايات المستحبّة، و القول بوجوبه النفسي ضعيف. و لايجب فيه قصد الوجوب و الندب بل لو قصد الخلاف لايبطل اذا كان مع الجهل بل مع العلم اذا لم يكن بقصد التشريع و تحقّق منه قصد القربة، فلو كان قبل الوقت و اعتقد دخوله فقصد الوجوب لايكون باطلاً و كذا العكس، و مع الشكّ في دخوله يكفي الاتيان به بقصد القربة لاستحبابه النفسي أو بقصد احدى غاياته المندوبة أو بقصد ما في الواقع من الأمر الوجوبي أو الندبي. و الواجب فيه بعد النيّة غسل ظاهر تمام البدن دون البواطن منه، فلايجب غسل باطن العين و الأنف و الأذن و الفم و نحوها، و لايجب غسل الشعر مثل اللحية بل يجب غسل ما تحته من البشرة و لايجزي غسله عن غسلها. نعم، يجب غسل الشعور الدقاق الصغار المحسوبة جزءا من البدن مع البشرة، و الثقبة التي في الأذن أو الأنف للحلقة ان كانت ضيّقة لايرى باطنها لايجب غسلها، و ان كانت واسعة بحيث تعدّ من الظاهر وجب غسلها.

الشرح:

هنا فروع:

الفرع الأوّل : في أنّ غسل الجنابة مستحبّ نفسي

غسل الجنابة مستحبّ نفسي؛ لقوله تعالى: «انّ اللّه يحبّ التوّابين و يحبّ المتطهّرين».(1)و رواية محمّد بن محمّد بن النعمان المفيد في الأمالي باسناده عن أنس (في حديث) قال:

«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: يا أنس، أكثر من الطهور يزيد اللّه في عمرك، و ان استطعت أن تكون بالليل و النهار على طهارة فافعل، فانّك تكون اذا متّ على طهارة متّ شهيدا».(2)

و القول بوجوبه النفسي ضعيف. قال في المستمسك: «حكي ذلك عن جماعة من الأساطين كابن حمزة و العلاّمة في المنتهى و المختلف و التحرير و والده و ولده و الأردبيلي و غيرهم - الى أن قال: - و المنسوب الى ظاهر الأصحاب - كما عن التذكرة - و الى اجماع المحقّقين من أصحابنا، و مصنّفي كتب الأصول - كما عن السرائر - و الى فتوى الأصحاب - كما عن المحقّق - و الى الأكثر و الشهرة - كما عن غيرهم - انتفاء الوجوب النفسي، و أنّه انّما يجب شرطا في غيره استضعافا لما استدلّوا به من أدلّتهم. انتهى ملخّصا».(3)

و لايجب فيه قصد الوجوب و الندب كما تقدّم في شرائط الوضوء؛ لأنّه لايعتبر قصد الوجه، و لم يدلّ عليه دليل. بل لو قصد الخلاف لايبطل اذا كان مع الجهل، فلو كان قبل الوقت و اعتقد دخوله فقصد الوجوب لايكون مبطلاً، و كذا


1) - البقرة 2: 222.

2) - وسائل الشيعة 1: 383 / الباب 11 من أبواب الوضوء / الحديث 3.

3) - مستمسك العروة 3: 69 و 70.

العكس؛ لما ذكر. و مع الشكّ في دخوله يكفي الاتيان به بقصد القربة؛ لكونه مستحبّا نفسيّا كما مرّ، أو يقصد احدى غاياته المندوبة كقراءة القرآن - مثلاً - أو يقصد ما في الواقع من الأمر الوجوبي أو الندبي.

الفرع الثاني : في واجبات الغسل

يجب في الغسل أمران:

الأوّل: النيّة. و لو كان عملاً خاليا من النيّة و القصد اليه فليس بشيء؛ لقوله صلى الله عليه و آله:

«انّما الأعمال بالنيّات و لكلّ امرئ ما نوى، الحديث».(1)

و حيث يكون عباديّا فلا بدّ من وقوعه للتقرّب الى اللّه. و قد فصّلنا البحث عن النيّة في نيّة الصلاة، فراجع.(2)

الثاني: غسل ظاهر تمام البدن. و الدليل على ذلك صحيحة زرارة قال:

«سألت أبا عبداللّه صلى الله عليه و آله عن غسل الجنابة؟ فقال: تبدأ فتغسل كفّيك - الى أن قال: - ثمّ تغسل جسدك من لدن قرنك الى قدميك، الحديث».(3)

و في صحيحة حكم بن حكيم:

« ... و أفض على رأسك و جسدك فاغتسل، الحديث».(4)

و في صحيحة أبي بصير:

« ... و تصبّ الماء على رأسك ثلاث مرّات، و تغسل وجهك و تفيض على جسدك الماء».(5)


1) - وسائل الشيعة 1: 49 / الباب 5 من أبواب مقدّمة العبادات / الحديث 10.

2) - الهادي كتاب الصلاة 2: 258.

3) - وسائل الشيعة 2: 230 / الباب 26 من أبواب الجنابة / الحديث 5.

4) - وسائل الشيعة 2: 230 / الباب 26 من أبواب الجنابة / الحديث 7.

5) - وسائل الشيعة 2: 231 / الباب 26 من أبواب الجنابة / الحديث 9.

و في صحيحة محمّد بن مسلم:

« ... ثمّ تصبّ على رأسك ثلاثا، ثمّ تصبّ على سائر جسدك مرّتين، الحديث».(1)

و لايجب غسل البواطن أي باطن العين و الأذن و الأنف و الفم؛ يدلّ على ذلك روايات:

منها رواية عبداللّه بن سنان قال:

«قال أبو عبداللّه عليه السلام : لايجنب الأنف و الفم؛ لأنّهما سائلان».(2)

و منها مرسلة أبي يحيى الواسطي قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : الجنب يتمضمض و يستنشق؟ قال: لا، انّما يجنب الظاهر».(3)

و منها مرسلة أخرى لأبي يحيى الواسطي قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : الجنب يتمضمض؟ فقال: لا، انّما يجنب الظاهر و لايجنب الباطن، و الفم من الباطن».(4)

و منها رواية رواها في العلل عن الصادق عليه السلام قال في غسل الجنابة:

«ان شئت أن تتمضمض و تستنشق فافعل، و ليس بواجب؛ لأنّ الغسل على ما ظهر لا على ما بطن».(5)

و هذه الروايات و ان كانت ضعافا من جهة السند الاّ أنّها موافقة للاجماع صريحا عن الخلاف و التذكرة و الذكرى و المدارك كما عن المستمسك(6)مضافا


1) - وسائل الشيعة 2: 229 / الباب 26 من أبواب الجنابة / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 2: 226 / الباب 24 من أبواب الجنابة / الحديث 5.

3) - وسائل الشيعة 2: 226 / الباب 24 من أبواب الجنابة / الحديث 6.

4) - وسائل الشيعة 2: 226 / الباب 24 من أبواب الجنابة / الحديث 7.

5) - وسائل الشيعة 2: 226 / الباب 24 من أبواب الجنابة / الحديث 8.

6) - مستمسك العروة 3: 73.

الى الروايات الواردة في الوضوء من تعليل عدم وجوب غسل داخل الأنف و العين بأنّهما من الجوف، فيدلّ على أنّ الجوف ممّا لايجب غسله و أنّ الواجب انّما هو غسل ما ظهر، كصحيحة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته عن المضمضة و الاستنشاق؟ قال: ليس هما من الوضوء، هما من الجوف».(1)

و رواية أبي بكر الحضرمي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«ليس عليك مضمضة و لا استنشاق؛ لأنّهما من الجوف».(2)

و رواية أبي بصير عن أبي جعفر و أبي عبداللّه عليهماالسلام ، أنّهما قالا:

«المضمضة و الاستنشاق ليسا من الوضوء؛ لأنّهما من الجوف».(3)

و رواية زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«ليس المضمضة و الاستنشاق فريضة و لا سنّة، انّما عليك أن تغسل ما ظهر».(4)

فانّ المراد من السنّة التي تنفي المضمضة و الاستنشاق منها، هي التي لايجوز تركها، كما نقل عن الشيخ في الوسائل.(5)

و بازاء الروايات المذكورة صحيحة ابراهيم بن أبي محمود قال:

«قلت للرضا عليه السلام : الرجل يجنب فيصيب جسده و رأسه الخلوق و الطيب و الشيء اللكد مثل علك الروم والظرب و ما أشبهه فيغتسل،


1) - وسائل الشيعة 1: 432 / الباب 29 من أبواب الوضوء / الحديث 9.

2) - وسائل الشيعة 1: 432 / الباب 29 من أبواب الوضوء / الحديث 10.

3) - وسائل الشيعة 1: 433 / الباب 29 من أبواب الوضوء / الحديث 12.

4) - وسائل الشيعة 1: 431 / الباب 29 من أبواب الوضوء / الحديث 6.

5) - نفس المصدر.

فاذا فرغ وجد شيئا قد بقي في جسده من أثر الخلوق و الطيب و غيره؟ قال: لا بأس».(1)

حيث دلّت على عدم وجوب الاعتداد ببقاء شيء يسير غير مخلّ بصدق غسل البدن عرفا، و قد ذهب المحقّق الخوانساري اليه ولكنّ الظاهر أنّ الرواية ليست بهذه المثابة، بل المراد من اللكد و الظرب، هو الذي يناسب الخلوق و الطيب، فانّها دلّت على جواز الغسل و صحّته مع بقاء أثر الخلوق و الطيب و العلك مع عدم بقاء عينها، فانّ أثرها من الرائحة اللطيفة أو لون الصفرة غير مانع من وصول الماء للبشرة، و العين غير مذكورة في الرواية. و بمضمونها رواية اسماعيل بن أبي زياد عن جعفر بن محمّد عن أبيه عن آبائه عليهم السلام قال:

«كنّ نساء النبي صلى الله عليه و آله اذا اغتسلن من الجنابة يبقين صفرة الطيب على أجسادهنّ و ذلك أنّ النبي صلى الله عليه و آله أمرهنّ أن يصببن الماء صبّا على أجسادهنّ».(2)

و رواية عمّار بن موسى عن أبي عبداللّه عليه السلام :

«في الحائض تغتسل و على جسدها الزعفران، لم يذهب به الماء، قال: لا بأس».(3)

الفرع الثالث : في عدم وجوب غسل الشعر مثل اللحية

لايجب غسل الشعر مثل اللحية، بل يجب غسل ما تحته من البشرة و لايجزئ غسل الشعر عن غسل البشرة.


1) - وسائل الشيعة 2: 239 / الباب 30 من أبواب الجنابة / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 2: 239 / الباب 30 من أبواب الجنابة / الحديث 2.

3) - وسائل الشيعة 2: 240 / الباب 30 من أبواب الجنابة / الحديث 3.

قال في المدارك: «يجب غسل البشرة بما يسمّى غسلاً عرفا - الى أن قال: - أمّا الشعر فلايجب غسله؛ للأصل، و خروجه عن مسمّى الجسد، و ظاهر المعتبر أنّه مجمع عليه، و يدلّ عليه صحيحة الحلبي عن رجل عن أبي عبداللّه عليه السلام عن أبيه عن علي عليه السلام قال: «لاتنقض المرأة شعرها اذا اغتسلت من الجنابة». و يجب تخليل ما لايصل اليه الماء الاّ به».(1)

قال في الجواهر: «ثمّ انّ الظاهر من المصنّف كصريح غيره عدم وجوب غسل الشعر مع وصول الماء الى البشرة. ففي المعتبر: «هذا مذهب الأصحاب». و مثله الشهيد في الذكرى، و لانعرف فيه خلافا كما في المنتهى، و كان مرادهم بوصول الماء الى أصول الشعر مقدّمة الى نفس البشرة، و كذا عبارة التهذيب و الغنية و موضع آخر من المعتبر. بل الظاهر من صاحب المدارك و كشف اللثام و غيرهما. انتهى ملخّصا».(2)

قال في مصباح الفقيه: «ثمّ انّ مقتضى ظاهر المتن بل صريحه - كصريح غيره من كلمات الاصحاب - عدم وجوب غسل الشعر لذاته و انّما يجب غسله مقدّمة اذا توقّف غسل البشرة عليه. لكن في الحدائق - بعد أنّ صرّح بأنّه هو الذي يفهم من كلام الأصحاب رحمهم الله تصريحا و تلويحا، و حكى عن ظاهر المعتبر و المنتهى و الخلاف دعوى الاجماع عليه - أشكل على استدلالهم. - الى أن قال: - أنّ الأقوى ما عليه المشهور، ولكنّ الاحتياط ممّا لاينبغي تركه خصوصا لو قيل بوجوب الاحتياط عند الشكّ في جزئيّة شيء لواجب، كما هو قول بعض، انتهى ملخّصا».(3)

و كيف كان يجب ايصال الماء الى أصول الشعر و جميع البدن في الغسل و


1) - مدارك الأحكام 1: 291 و 292.

2) - جواهر الكلام 3: 82 و 83.

3) - مصباح الفقيه 3: 347 - 353.

لايجب غسل الشعر و لا نقضه، كما ذهب اليه المشهور؛ يدلّ على ذلك صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«حدّثتني سلمى خادم رسول اللّه صلى الله عليه و آله، قالت: كانت أشعار نساءالنبي صلى الله عليه و آله قرون(1)رؤوسهنّ مقدّم رؤوسهنّ، فكان يكفيهنّ من الماء شيء قليل، فأمّا النساء الآن فقد ينبغي لهنّ أن يبالغن في الماء».(2)

و تقريب الاستدلال بها أنّ أشعار نساء النبي قد جمعت في مقدّم رؤوسهنّ فكان يسهل وصول الماء الى البشرة و لذلك كان يكفيهنّ قليل من الماء، و أمّا النساء اللواتي كانت أشعار رؤوسهنّ متفرّقات فينبغي لهنّ أن يبالغن في الماء ليصل الماء الى البشرة.

و صحيحة جميل قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عمّا يصنع النساء في الشعر و القرون؟ قال: لم تكن هذه المشطة(3)، انّما كنّ يجمعنه، ثمّ وصف أربعة أمكنة، ثمّ قال: يبالغن في الغسل».(4)

و تقريب الاستدلال بهذه الصحيحة كسابقتها، أي كان ايصال الماء الى ما تحت الشعر سهلاً بخلاف زمان الحال، فيلزم أن يبالغن في الغسل حتّى يصل الماء الى البشرة.

و صحيحة محمّد الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«لاتنقض المرأة شعرها اذا اغتسلت من الجنابة».(5)


1) - القرن: ذؤابة المرأة.

2) - وسائل الشيعة 2: 255 / الباب 38 من أبواب الجنابة / الحديث 1.

3) - المشطة: بسكون الشين مصدر، و يحتمل الفتح أيضا جمع ماشطة.

4) - وسائل الشيعة 2: 255 / الباب 38 من أبواب الجنابة / الحديث 2.

5) - أصول الكافي 3: 45 / باب صفة الغسل و الوضوء / الحديث 16.

و موثّقة غياث بن ابراهيم عن أبي عبداللّه عن أبيه عن علي عليهم السلام قال:

«لاتنقض المرأة شعرها اذا اغتسلت من الجنابة».(1)

و حسنة عبداللّه بن يحيى الكاهلي قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : انّ النساء اليوم أحدثن مشطا، تعمد احداهنّ الى القرامل(2)من الصوف، تفعله الماشطة، تصنعه مع الشعر، ثمّ تحشوه بالرياحين، ثمّ تجعل عليه خرقة رقيقة، ثمّ تخيطه بمسلّة(3)، ثمّ تجعله في رأسها، ثمّ تصيبها الجنابة! فقال: كان النساء الأول انّما يتمشّطن المقاديم، فاذا أصابهنّ الغسل تغدر(4)، مرها أن تروي رأسها من الماء، و تعصره حتّى يروى، فاذا روي فلا بأس عليها. قال: قلت: فالحائض؟ قال: تنقض المشطة نقضا».(5)

فما هو الظاهر من هذه الرواية أنّ المهمّ ايصال الماء الى أصل الشعر و هو البشرة.

و موثّقة عمّار بن موسى الساباطي أنّه سأل أبا عبداللّه عليه السلام عن المرأة تغتسل و قد امتشطت بقرامل و لم تنقض شعرها، كم يجزيها من الماء؟ قال:

«مثل الذي يشرب شعرها، و هو ثلاث خفنات على رأسها، و حفنتان على اليمين، و حفنتان على اليسار، ثمّ تمرّ يدها على جسدها كلّه».(6)

و معنى مثل الذي يشرب شعرها: مثل الذي يشربه شعرها أي مقدار الماء


1) - وسائل الشيعة 2: 255 / الباب 38 من أبواب الجنابة / الحديث 3.

2) - القرامل: ما وصلت به المرأة شعرها من صوف أو شعر أو ابريسم.

3) - المِسَلَّة: واحدة المسالّ و هي الابر العظام. و في المحكم: مِخَيط ضخم. لسان العرب

4) - تغدر: تترك الشعر على حاله و لاتنقضه.

5) - وسائل الشيعة 2: 256 / الباب 38 من أبواب الجنابة / الحديث 5.

6) - وسائل الشيعة 2: 257 / الباب 38 من أبواب الجنابة / الحديث 6.

الذي اذا صبّ على الشعر وصل الى البشرة، و في بعض النسخ: «نشّرت شعرها»، من باب التفعيل، و الحفنة مل ء الكفّ.

ثمّ انّه بعد ما اتّضح من هذه الروايات عدم وجوب غسل الشعر الطويل مثل الذي في النساء، فالمراد من الروايات التي دلّت على غسل الرأس و الجسد هو البشرة:

منها صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام قال:

« ... ثمّ تصبّ على رأسك ثلاثا، ثمّ تصبّ على سائر جسدك مرّتين، فما جرى عليه الماء فقد طهر».(1)

و منها صحيحة زرارة عن أبي عبداللّه عليه السلام :

« ... ثمّ تغسل جسدك من لدن قرنك الى قدميك، الحديث».(2)

و منها صحيحة أحمد بن محمّد بن أبي نصر عن أبي الحسن الرضا عليه السلام :

« ... ثمّ أفض على رأسك و جسدك، الحديث».(3)

و منها صحيحة حكم بن حكيم عن أبي عبداللّه عليه السلام :

« ... و أفض على رأسك و جسدك فاغتسل، الحديث».(4)

و منها موثّقة سماعة عن أبي عبداللّه عليه السلام :

« ... ثمّ يفيض الماء على جسده كلّه، الحديث».(5)


1) - وسائل الشيعة 2: 229 / الباب 26 من أبواب الجنابة / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 2: 230 / الباب 26 من أبواب الجنابة / الحديث 5.

3) - وسائل الشيعة 2: 230 / الباب 26 من أبواب الجنابة / الحديث 6.

4) - وسائل الشيعة 2: 230 / الباب 26 من أبواب الجنابة / الحديث 7.

5) - وسائل الشيعة 2: 231 / الباب 26 من أبواب الجنابة / الحديث 8.

و منها صحيحة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام :

« ... و تصبّ الماء على رأسك ثلاث مرّات، و تغسل وجهك و تفيض على جسدك الماء».(1)

قال في المستمسك: «و التأمّل في مجموع النصوص يعطي الجزم بصحّة ما تسالم عليه الأصحاب من عدم وجوب غسل الشعر. و ما عن المقنعة من وجوب نقض الشعر مخالف لصريح النصوص فلا مجال له، و لايؤبه به في منع الاجماع. و لذلك حمله الشيخ في محكي التهذيب على ما اذا لم يصل الماء الى أصوله الاّ بعد حلّه».(2)

و قال في التنقيح: «انّ وجوب غسل الشعر في الغسل ممّا لا دليل عليه بل الدليل على عدم وجوبه موجود و هو موثّقة عمّار بن موسى الساباطي «أنّه سأل أبا عبداللّه عليه السلام عن المرأة تغتسل و قد امتشطت بقرامل و لم تنقض شعرها كم يجزئها من الماء؟ قال: مثل الذي يشرب شعرها و هو ثلاث حفنات على رأسها، الحديث»؛ لأنّ اطلاقها يشمل ما اذا كان شعر المرأة مفتولاً شديدا بحيث لايدخل الماء جوفه و لايصل الى جميع أجزاء الشعر، فلو كان غسل الشعر أيضا واجبا لوجب عليها النقض، و الأخبار صريحة الدلالة على عدم وجوبه. و امكان ايصال الماء الى جوف الشعور المفتولة و الى جميع أجزائها و ان كان ممكنا - كما أفاده في الحدائق - باضافة الماء حتّى يروي، الاّ أنّ الكلام في الملازمة بينهما و أنّ غسل الشعر ملازم لوصول الماء الى جوف المفتول منه بحيث يصل الى تمام أجزائه، و الظاهر أنّه لا تلازم بينهما. فالمتحصّل أنّ غسل الشعر غير واجب كما ذهب اليه المشهور الاّ اذا كان خفيفا و معدودا من توابع الجسد. انتهى ملخّصا».(3)


1) - وسائل الشيعة 2: 231 / الباب 26 من أبواب الجنابة / الحديث 9.

2) - مستمسك العروة 3: 76.

3) - التنقيح في شرح العروة 6: 365.

ثمّ انّه لايكفي غسل الشعر عن غسل البشرة اذا لم يصل الماء اليها كما هو ظاهر الروايات و الاجماع. و كما يجب غسل البشرة يجب غسل الشعر الخفيف النابت على البشرة المعدود منها و من توابع الجسد. و أمّا اللحية، فالظاهر عدم وجوب غسلها اذا كان خارجا عن الذقن، بل لايكفي غسلها عن غسل البشرة بخلاف الوضوء كما سبق. و أمّا الثقبة التي في الأذن أو الأنف للحلقة، فان تعدّ من الظاهر يجب غسلها، و اذا كانت ضيّقة و لايرى باطنها فهي من البواطن و قد مرّ أنّه لايجب غسل البواطن.

في أنّ للغسل كيفيّتين: «الأولى»: الترتيب
اشارة

و له كيفيّتان: «الأولى»: الترتيب و هو أن يغسل الرأس و الرقبة أوّلاً ثمّ الطرف الأيمن من البدن ثمّ الطرف الأيسر، و الأحوط أن يغسل النصف الأيمن من الرقبة ثانيا مع الأيمن و النصف الأيسر مع الأيسر، و السرّة و العورة يغسل نصفهما الأيمن مع الأيمن و نصفهما الأيسر مع الأيسر، و الأولى أن يغسل تمامهما مع كلّ من الطرفين، و الترتيب المذكور شرط واقعي فلو عكس و لو جهلاً أو سهوا بطل، و لايجب البدأ بالأعلى في كلّ عضو و لا الأعلى فالأعلى و لا الموالاة العرفيّة بمعنى التتابع و لا بمعنى عدم الجفاف، فلو غسل رأسه و رقبته في أوّل النهار و الأيمن في وسطه و الأيسر في آخره صحّ، و كذا لايجب الموالاة في أجزاء عضو واحد، و لو تذكّر بعد الغسل ترك جزء من أحد الأعضاء رجع و غسل ذلك الجزء، فان كان في الأيسر كفاه ذلك و ان كان في الرأس أو الأيمن وجب غسل الباقي على الترتيب، و لو اشتبه ذلك الجزء وجب غسل تمام المحتملات مع مراعاة الترتيب.

الشرح:

قال في الشرائع: «و الترتيب، يبدأ بالرأس، ثمّ بالجانب الأيمن، ثمّ الأيسر».(1)

و قال في المدارك: «هذا هو المشهور بين الأصحاب، و نقل الشيخ في الخلاف فيه الاجماع، و لم يصرّح الصدوقان بوجوب الترتيب و لابنفيه، لكنّ الظاهر من عبارتهما عدم الوجوب، حيث ذكرا كيفيّة الغسل الواجبة و المستحبّة، و لم يذكرا الترتيب بوجه، و هو الظاهر من كلام ابن الجنيد أيضا - ثمّ انّه بعد ذكر ما

استدلّ الشيخ رحمه الله على وجوب الترتيب، و ذكر ما اعترضه المحقّق في المعتبر و تأييده قال: - و يدلّ على عدم وجوب الترتيب أيضا مضافا الى الأصل، و اطلاق القرآن، صحاح زرارة و يعقوب بن يقطين و أحمد بن محمّد.

و بعد نقل الصحاح المزبورة قال: و بالجملة فهذه الروايات كالصريحة في عدم وجوب الترتيب بين الجانبين؛ لورودها في مقام البيان المنافي للاجمال، و العمل بها متّجه، الاّ أنّ المصير الى ما عليه أكثر الأصحاب أحوط. انتهى ملخّصا».(2)

و قال في الجواهر: «الخامس من واجبات الغسل الذي يبطل بتركها عمدا و سهوا الترتيب بأن يبدأ بالرأس مقدّما على سائر بدنه بلا خلاف أجده، و ما نسب الى الصدوقين من الخلاف في ذلك كما نسب الى ابن الجنيد لعلّه وهم، كما يشعر بالأوّل عبارة والد الصدوق المنقولة في الفقيه، و بالثاني عبارته المنقولة في الذكرى، و هي و ان كان أوّلها لايخلو من اشعار الاّ أنّ التدبّر فيها جميعها يقضي بخلافه، و لذا أمكن دعوى الاجماع عليه محصّلاً، كالمنقول من السيّد في الانتصار، و عن الشيخ في الخلاف و ابن زهرة في الغنية و العلاّمة في التذكرة و الشهيد في الذكرى كما هو ظاهر المنتهى و الروض و غيرهما، و يدلّ عليه مضافا


1) - شرائع الاسلام 1: 27.

2) - مدارك الأحكام 1: 293 - 295.

الى ذلك و الى ما تسمعه من الترتيب بين الجانبين، المعتبرة المستفيضة.

الى أن قال: و كيف كان فلاينبغي الاشكال في وجوب تقديم الرأس على البدن، و المراد به في المقام ما يشمل الرقبة كما هو صريح المقنعة و كافي أبي الصلاح و غنية ابن زهرة و الذكرى و الدروس و اللمعة و جامع المقاصد و الروض و الروضة و التحرير و كشف اللثام و الحدائق و شرح المفاتيح للأستاذ الأكبر و الرياض.

الى أن قال: ثمّ يبدأ بغسل تمام الجانب الأيمن ثمّ من بعده الأيسر، كما في الانتصار و الخلاف و الغنية و التذكرة و المقنعة و المهذّب و المراسم و الوسيلة و الكافي و السرائر و الجامع و المعتبر و المنتهى و القواعد و الارشاد و التحرير و الذكرى و الدروس و غيرها، بل في الأربعة الأول الاجماع عليه، و في المعتبر: «انّه انفراد الأصحاب، فانّه أفتى به الثلاثة و أتباعهم و فقهاؤنا الآن بأجمعهم عليه»، و في المنتهى: «انّه مذهب علمائنا خاصّة»، و في الذكرى: «انّه من متفرّداتنا».».(1)

يجب أن يبدأ بغسل الرأس في الغسل بغير الارتماس، فلو خالف و بدأ بغسل بدنه يجب عليه اعادة الغسل؛ و الدليل على ذلك صحيحة زرارة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«من اغتسل من جنابة فلم يغسل رأسه، ثمّ بدا له أن يغسل رأسه، لم يجد بدّا من اعادة الغسل».(2)

و صحيحة حريز عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«من اغتسل من جنابة و لم يغسل رأسه، ثمّ بدا له أن يغسل رأسه لم يجد بدّا من اعادة الغسل».(3)


1) - جواهر الكلام 3: 85 - 88.

2) - وسائل الشيعة 2: 235 / الباب 28 من أبواب الجنابة / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 2: 235 / الباب 28 من أبواب الجنابة / الحديث 3.

و من المعلوم أنّ المراد من غسل الرأس ما يشمل الرقبة كما فهمه الأصحاب ذلك و نقله عنهم صاحب الجواهر و قد ذكر آنفا.

و بعد غسل الرأس و الرقبة يجب أن يبدأ بغسل الجانب الأيمن من بدنه ثمّ الجانب الأيسر منه؛ يدلّ على ذلك صحيحة زرارة قال:

«قلت: كيف يغسل الجنب؟ فقال: ان لم يكن أصاب كفّه شيء غمسها في الماء، ثمّ بدأ بفرجه فأنقاه بثلاث غرف، ثمّ صبّ على رأسه ثلاث أكفّ، ثمّ صبّ على منكبه الأيمن مرّتين، و على منكبه الأيسر مرّتين، فما جرى عليه الماء فقد أجزأه».(1)

و صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«غسل الميّت مثل غسل الجنب، و ان كان كثير الشعر فردّ عليه الماء ثلاث مرّات».(2)

و قد وردت روايات في كيفيّة غسل الميّت بأنّه يبدأ فيه باليمين بعد غسل الرأس ثمّ اليسار كموثّقة عمّار بن موسى عن أبي عبداللّه عليه السلام ، أنّه سئل عن غسل الميّت؟ قال:

«تبدأ فتطرح على سوءته خرقة، ثمّ تنضح على صدره و ركبتيه من الماء، ثمّ تبدأ فتغسل الرأس و اللحية بسدر حتّى تنقيه، ثمّ تبدأ بشقّه الأيمن، ثمّ بشقّه الأيسر - الى أن قال: - ثمّ بجرّة من كافور يجعل في الجرّة من الكافور نصف حبّة، ثمّ يغسل رأسه و لحيته، ثمّ شقّه الأيمن، ثمّ شقّه الأيسر، الحديث».(3)


1) - وسائل الشيعة 2: 229 / الباب 26 من أبواب الجنابة / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 2: 486 / الباب 3 من أبواب غسل الميّت / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 2: 484 / الباب 2 من أبواب غسل الميّت / الحديث 10.

و صحيحة الفضل بن عبد الملك عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته عن الميّت؟ فقال: أقعده، و اغمز بطنه غمزا رفيقا، ثمّ طهّره من غمز البطن، ثمّ تضجعه، ثمّ تغسّله تبدأ بميامنه، و تغسّله بالماء و الحرض، ثمّ بماء و كافور، ثمّ تغسّله بماء القراح، و اجعله في أكفانه».(1)

و صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«اذا أردت غسل الميّت فاجعل بينك و بينه ثوبا يستر عنك عورته، امّا قميص و امّا غيره، ثمّ تبدأ بكفّيه و رأسه ثلاث مرّات بالسدر، ثمّ سائر جسده، و ابدأ بشقّه الأيمن، الحديث».(2)

و قوله عليه السلام في صحيحة يونس:

« ... ثمّ اغسل رأسه بالرغوة و بالغ في ذلك و اجتهد أن لايدخل الماء منخريه و مسامعه، ثمّ اضجعه على جانبه الأيسر، و صبّ الماء من نصف رأسه الى قدميه ثلاث مرّات، و ادلك بدنه دلكا رفيقا، و كذلك ظهره و بطنه، ثمّ اضجعه على جانبه الأيمن و افعل به مثل ذلك، الحديث».(3)

و قوله عليه السلام في رواية الكاهلي:

« ... ثمّ تحوّل الى رأسه و ابدأ بشقّه الأيمن من لحيته و رأسه، ثمّ ثنّ بشقّه الأيسر من رأسه و لحيته و وجهه فاغسله برفق، و ايّاك و العنف، و اغسله غسلاً ناعما. الحديث».(4)


1) - وسائل الشيعة 3: 484 / الباب 2 من أبواب غسل الميّت / الحديث 9.

2) - وسائل الشيعة 2: 479 / الباب 2 من أبواب غسل الميّت / الحديث 2.

3) - وسائل الشيعة 2: 480 / الباب 2 من أبواب غسل الميّت / الحديث 3.

4) - وسائل الشيعة 2: 482 / الباب 2 من أبواب غسل الميّت / الحديث 5.

و بازاء الروايات المذكورة هناك روايات ظاهرها عدم الترتيب بين الأيمن و الأيسر، كصحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام قال:

«سألته عن غسل الجنابة؟ فقال: تبدأ بكفّيك فتغسلهما، ثمّ تغسل فرجك، ثمّ تصبّ على رأسك ثلاثا، ثمّ تصبّ على سائر جسدك مرّتين، فما جرى عليه الماء فقد طهر».(1)

و موثّقة سماعة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«اذا أصاب الرجل جنابة فأراد الغسل فليفرغ على كفّيه و ليغسلهما دون المرفق، ثمّ يدخل يده في انائه، ثمّ يغسل فرجه، ثمّ ليصبّ على رأسه ثلاث مرّات مل ء كفّيه، ثمّ يضرب بكفّ من ماء على صدره، و كفّ بين كتفيه، ثمّ يفيض الماء على جسده كلّه، فما انتضح من مائه في انائه بعد ما صنع ما وصفت فلا بأس».(2)

و صحيحة أبي بصير قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن غسل الجنابة؟ فقال: تصبّ على يديك الماء فتغسل كفّيك، ثمّ تدخل يدك فتغسل فرجك، ثمّ تتمضمض و تستنشق، و تصبّ الماء على رأسك ثلاث مرّات، و تغسل وجهك و تفيض على جسدك الماء».(3)

و صحيحة أحمد بن محمّد بن أبي نصر قال:

«سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام عن غسل الجنابة؟ فقال: تغسل يدك اليمنى من المرفقين الى أصابعك، و تبول ان قدرت على البول، ثمّ


1) - وسائل الشيعة 2: 229 / الباب 26 من أبواب الجنابة / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 2: 231 / الباب 26 من أبواب الجنابة / الحديث 8.

3) - وسائل الشيعة 2: 231 / الباب 26 من أبواب الجنابة / الحديث 9.

تدخل يدك في الاناء ثمّ اغسل ما أصابك منه، ثمّ أفض على رأسك و جسدك، و لا وضوء فيه».(1)

و صحيحة حكم بن حكيم قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن غسل الجنابة؟ فقال: أفض على كفّك اليمنى من الماء فاغسلها، ثمّ اغسل ما أصاب جسدك من أذى، ثمّ اغسل فرجك و أفض على رأسك و جسدك فاغتسل، الحديث».(2)

فتحمل هذه الروايات التي تكون مطلقة على الروايات المتقدّمة التي تكون مقيّدة. و القرينة على هذا الجمع فهم الأصحاب خصوصا القدماء مع كونهم قريبا ممّن رأى الامام عليه السلام بواسطة أو واسطتين. و من المحتمل أن يكون المراد من هذه الروايات الغسل ارتماسا، كما لعلّه يشهد لذلك صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه السلام :

«انّه سأله عن الرجل يجنب، هل يجزيه من غسل الجنابة أن يقوم في المطر حتّى يغسل رأسه و جسده، و هو يقدر على ما سوى ذلك؟ فقال: ان كان يغسله اغتساله بالماء أجزأه ذلك».(3)

و مرسلة محمّد بن حمزة عن أبي عبداللّه عليه السلام :

«في رجل أصابته جنابة فقام في المطر حتّى سال على جسده أيجزيه ذلك من الغسل؟ قال: نعم».(4)

اللّهمّ الاّ أن يقال: انّ هاتين الروايتين ملحقتان بالروايات المتقدّمة التي قلنا


1) - وسائل الشيعة 2: 230 / الباب 26 من أبواب الجنابة / الحديث 6.

2) - وسائل الشيعة 2: 230 / الباب 26 من أبواب الجنابة / الحديث 7.

3) - وسائل الشيعة 2: 231 / الباب 26 من أبواب الجنابة / الحديث 10.

4) - وسائل الشيعة 2: 232 / الباب 26 من أبواب الجنابة / الحديث 14.

بأنّها مطلقة. فالمتحصّل أنّ الترتيب بين الجانب الأيمن و الأيسر بعد الرأس ان لم يكن أقوى فهو أحوط.

و في مصباح الفقيه - بعد نقل الطائفتين من الروايات، و النقض و الابرام فيها - قال: «و كيف كان فالقول بعدم الترتيب بين الجانبين قوي جدّا، لكن مخالفة المشهور مشكلة خصوصا مع استمرار سيرة المتشرّعة عليه، بل ربّما يستدلّ بها لهم. ولكنّه ضعيف؛ لاحتمال حدوث السيرة و نشأها من فتاوى الأصحاب؛ اذ لا وثوق بأنّ أصحاب الأئمّة عليهم السلام لم يكونوا يبتدؤون بالشقّ الأيسر الاّ بعد الفراغ من مجموع الأيمن حتّى باطن الرجلين، و على تقدير العلم بذلك لايستكشف منه في مثل المقام الوجوب؛ لكفاية مجرّد الرجحان في مثل هذه الأشياء التي لاتحتاج الى كلفة زائدة في استقرار السيرة عليها، نظير غسل اليدين أمام الوضوء. و كيف كان فالاحتياط ممّا لاينبغي تركه».(1)

ثمّ انّه لو نسي أو جهل و عكس، و غسل الجانب الأيسر قبل الأيمن، فالأحوط غسله ثانيا بعد غسل الأيمن.

فرع: في البدأة بالأعلى في غسل الأعضاء و الموالاة

لايجب البدأة بالأعلى في كلّ عضو و لا الأعلى فالأعلى، و لا الموالاة العرفيّة

بمعنى التتابع، و لابمعنى عدم الجفاف، و كذا لايجب الموالاة في أجزاء عضو واحد.

قال في المستمسك: «و لايجب البدأة بالأعلى في كلّ عضو كما هو المشهور، بل ظاهر محكي المهذّب البارع الاجماع عليه - فانّه بعد ما حكى عن الحلبي


1) - مصباح الفقيه 3: 369.

الوجوب - قال: «و هو متروك». لكن حكي أيضا عن ظاهر الفقيه و الاشارة و السرائر».(1)

يدلّ على عدم الوجوب صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«اغتسل أبي من الجنابة فقيل له: قد أبقيت لمعة في ظهرك لم يصبها الماء، فقال له: ما كان عليك لو سكتّ؟ ثمّ مسح تلك اللمعة بيده».(2)

و صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام (في حديث) قال:

«قلت له: رجل ترك بعض ذراعه أو بعض جسده من غسل الجنابة؟ فقال: اذا شكّ و كانت به بلّة و هو في صلاته مسح بها عليه، و ان كان استيقن رجع فأعاد عليهما، الحديث».(3)

و يدلّ عليه أيضا اطلاق قوله عليه السلام في صحيحة محمّد بن مسلم:

« ... ثمّ تصبّ على رأسك ثلاثا، ثمّ تصبّ على سائر جسدك مرّتين، فما جرى عليه الماء فقد طهر».(4)

و قوله عليه السلام في صحيحة أحمد بن محمّد بن أبي نصر:

« ... ثمّ أفض على رأسك و جسدك، و لا وضوء فيه».(5)

و قوله عليه السلام في موثّقة سماعة:

« ... ثمّ يفيض الماء على جسده كلّه، فما انتضح من مائه في انائه بعد ما صنع ما وصفت فلا بأس».(6)


1) - مستمسك العروة 3: 82.

2) - وسائل الشيعة 2: 259 / الباب 41 من أبواب الجنابة / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 2: 260 / الباب 41 من أبواب الجنابة / الحديث 2.

4) - وسائل الشيعة 2: 229 / الباب 26 من أبواب الجنابة / الحديث 1.

5) - وسائل الشيعة 2: 230 / الباب 26 من أبواب الجنابة / الحديث 6.

6) - وسائل الشيعة 2: 231 / الباب 26 من أبواب الجنابة / الحديث 8.

و قوله عليه السلام في صحيحة أبي بصير:

« ... و تصبّ الماء على رأسك ثلاث مرّات، و تغسل وجهك و تفيض على جسدك الماء».(1)

و لايعارضها قوله عليه السلام في صحيحة زرارة:

« ... ثمّ صبّ على رأسه ثلاث أكفّ، ثمّ صبّ على منكبه الأيمن مرّتين، و على منكبه الأيسر مرّتين، فما جرى عليه الماء فقد أجزأه».(2)

و قوله عليه السلام في صحيحة ثانية لزرارة:

« ... ثمّ تغسل جسدك من لدن قرنك الى قدميك، ليس قبله و لا بعده وضوء، و كلّ شيء أمسسته الماء فقد أنقيته، الحديث».(3)

و ذلك لأنّه عليه السلام لم يكن بصدد بيان كيفيّة غسل الأعضاء حتّى تكون هاتان الروايتان مقيّدتين لاطلاق الروايات المتقدّمة، بل كان عليه السلام بصدد بيان غسل الجسد كلّه، و من المعلوم أنّ المتعارف لبيان غسل الجسد كلّه أن يقال:

«ثمّ تغسل جسدك من لدن قرنك الى قدميك»، أو: «صبّ على منكبه الأيمن و على منكبه الأيسر».

و يدلّ على عدم وجوب الموالاة اطلاق صحيحتي زرارة و صحيحتي محمّد بن مسلم و البزنطي و موثّقة سماعة المتقدّمة آنفا، و خصوص صحيحة عبداللّه بن سنان عندما ذكّر أحد أبا جعفر عليه السلام بأنّه بقيت لمعة في ظهرك: «فمسح عليه السلام تلك اللمعة بيده»، و الصحيحة الأولى لزرارة حيث سئل أبا جعفر عليه السلام فيمن ترك بعض ذراعه أو بعض جسده من غسل الجنابة، فقال عليه السلام : «ان كان استيقن رجع فأعاد


1) - وسائل الشيعة 2: 231 / الباب 26 من أبواب الجنابة / الحديث 9.

2) - وسائل الشيعة 2: 229 / الباب 26 من أبواب الجنابة / الحديث 2.

3) - وسائل الشيعة 2: 230 / الباب 26 من أبواب الجنابة / الحديث 5.

عليهما». و عليه لو غسل رأسه و رقبته في أوّل النهار، و الأيمن في وسطه، و الأيسر في آخره صحّ.

قال في المستمسك: «بلا خلاف ظاهر، بل عن صريح جماعة و ظاهر آخرين الاجماع عليه؛ للاطلاقات و لما ورد في قصّة أمّ اسماعيل، و لرواية ابراهيم اليماني عن أبي عبداللّه عليه السلام : «انّ عليّا عليه السلام لم ير بأسا أن يغسل الجنب رأسه غدوة و يغسل سائر جسده عند الصلاة». و نحوها ما عن المدارك عن عرض المجالس للصدوق عن الصادق عليه السلام ، و لرواية حريز فانّها بعد الحكم فيها بجواز غسل اللاحق و ان جفّ السابق: «قلت: و ان كان بعض يوم؟ قال عليه السلام : نعم».».(1)

أقول:

الأصحّ أنّ رواية ابراهيم بن عمر اليماني صحيحة(2). و أمّا الرواية التي حكاها عن المدارك تكون هكذا: و روى السيّد محمّد بن أبي الحسن الموسوي العاملي في كتاب المدارك نقلاً من كتاب عرض المجالس للصدوق ابن بابويه عن الصادق عليه السلام قال:

«لا بأس بتبعيض الغسل، تغسل يدك و فرجك و رأسك و تؤخّر غسل جسدك الى وقت الصلاة، ثمّ تغسل جسدك اذا أردت ذلك، فان أحدثت حدثا من بول أو غائط أو ريح أو مني، بعد ما غسلت رأسك من قبل أن تغسل جسدك، فأعد الغسل من أوّله».(3)

و في المدارك بعد نقل هذه الرواية قال: «انّي لم أقف عليها مسندة».(4)

و أمّا مراده من رواية حريز هو ما رواه في التهذيب عن محمّد بن أحمد بن


1) - مستمسك العروة 3: 83 و 84.

2) - وسائل الشيعة 2: 238 / الباب 29 من أبواب الجنابة / الحديث 3.

3) - وسائل الشيعة 2: 238 / الباب 29 من أبواب الجنابة / الحديث 4.

4) - مدارك الأحكام 1: 308.

يحيى عن أحمد بن محمّد عن أبيه عن عبداللّه بن المغيرة عن حريز، في الوضوء يجفّ، قال:

«قلت: فان جفّ الأوّل قبل أن أغسل الذي يليه؟ قال: جفّ أو لم يجفّ، اغسل ما بقي، قلت: و كذلك غسل الجنابة، قال: هو بتلك المنزلة، الحديث».(1)

و قد رواها في أبواب الوضوء أيضا و كان في ذيله:

«و ابدأ بالرأس ثمّ أفض على سائر جسدك، قلت: و ان كان بعض يوم؟ قال: نعم».(2)

و كذا لايجب الموالاة في أجزاء عضو واحد؛ لاطلاق الروايات المتقدّمة. و لو تذكّر بعد الغسل ترك جزء من أحد الأعضاء رجع و غسل ذلك الجزء، كما تقتضيه الأدلّة الواردة في كيفيّة الغسل. فان كان الأيسر كفاه ذلك، و ان كان الرأس أو الأيمن وجب غسل الباقي بالترتيب على الأحوط كما مرّ. و لو اشتبه ذلك الجزء وجب غسل تمام المحتملات؛ عملاً بالعلم الاجمالي، مع مراعاة الترتيب على الأحوط.

«الثانية»: الارتماس
اشارة

«الثانية»: الارتماس و هو غمس تمام البدن في الماء دفعة واحدة عرفيّة و اللازم أن يكون تمام البدن تحت الماء في آن واحد و ان كان غمسه على التدريج، فلو خرج بعض بدنه قبل أن ينغمس البعض الآخر لم يكف كما اذا خرجت رجله أو دخلت في الطين قبل أن يدخل رأسه في الماء أو بالعكس بأن خرج رأسه من الماء قبل أن تدخل رجله، و لايلزم أن يكون تمام بدنه أو


1) - وسائل الشيعة 2: 237 / الباب 29 من أبواب الجنابة / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 1: 447 / الباب 33 من أبواب الوضوء / الحديث 4.

معظمه خارج الماء بل لو كان بعضه خارجا فارتمس كفى، بل لو كان تمام بدنه تحت الماء فنوى الغسل و حرّك بدنه كفى على الأقوى، و لو تيقّن بعد الغسل عدم انغسال جزء من بدنه وجبت الاعادة، و لايكفي غسل ذلك الجزء فقط، و يجب تخليل الشعر اذا شكّ في وصول الماء الى البشرة التي تحته، و لا فرق في كيفيّة الغسل بأحد النحوين بين غسل الجنابة و غيره من سائر الأغسال الواجبة و المندوبة. نعم، في غسل الجنابة لايجب الوضوء بل لايشرع بخلاف سائر الأغسال كما سيأتي ان شاء اللّه.

الشرح:

و في المدارك - بعد قول المحقّق في الشرائع: «و يسقط الترتيب بارتماسة واحدة» - قال: «الارتماس: شمول الماء للبدن دفعة واحدة. و المرجع في الواحدة الى العرف، فلاينافيه توقّف ايصال الماء على تخليل ما يعتبر تخليله من الشعر و نحوه. و يدلّ على سقوط الترتيب بالارتماسة الواحدة مضافا الى الأصل و الاجمال و اطلاق القرآن، صحيحتا زرارة و الحلبي».(1)

يدلّ على ذلك قوله عليه السلام في صحيحة زرارة:

« ... و لو أنّ رجلاً جنبا ارتمس في الماء ارتماسة واحدة أجزأه ذلك و ان لم يدلك جسده».(2)

و صحيحة عبيداللّه بن علي الحلبي قال:

«حدّثني من سمعه يقول: اذا اغتمس الجنب في الماء اغتماسة واحدة أجزأه ذلك من غسله».(3)


1) - مدارك الأحكام 1: 295.

2) - وسائل الشيعة 2: 230 / الباب 26 من أبواب الجنابة / الحديث 5.

3) - وسائل الشيعة 2: 233 / الباب 26 من أبواب الجنابة / الحديث 15.

و صحيحة الحلبي قال:

«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: اذا ارتمس الجنب في الماء ارتماسة واحدة أجزأه ذلك من غسله».(1)

و رواية السكوني عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«الرجل يجنب فيرتمس في الماء ارتماسة واحدة و يخرج، يجزيه ذلك من غسله؟ قال: نعم».(2)

قال في التنقيح: «لا خلاف بين الفقهاء رحمهم الله في أنّ الغسل ترتيبا انّما يجب فيما اذا كان غسل البدن تدريجيّا و أمّا اذا كان دفعة فلايعتبر فيه الترتيب من غير خلاف، و ان قالوا بعدم تعرّض القدماء لذلك الاّ أنّه لعلّه من جهة وضوحه».(3)

ثمّ انّ الظاهر من قوله عليه السلام في صحيحة زرارة: «ارتمس في الماء ارتماسة واحدة» و قوله عليه السلام في صحيحة الحلبي: «اذا اغتمس الجنب في الماء اغتماسة واحدة»، هو لزوم غمس تمام البدن في الماء دفعة واحدة على النحو المتعارف، بأن يكون تمام البدن تحت الماء في آن واحد و ان كان غمسه على التدريج، و عليه لو خرج بعض بدنه قبل أن يغتمس البعض الآخر لم يكف، كما اذا خرجت يده قبل أن يدخل رأسه في الماء أو دخلت رجله في الطين قبل ذلك أو بالعكس، بأن خرج رأسه من الماء قبل أن تدخل رجله.

ثمّ انّ الظاهر أيضا من الصحاح المذكورة و رواية السكوني أنّ المراد من الارتماس و الاغتماس في الماء هو كون تمام البدن في الماء بنيّة الغسل، و لايلزم أن تكون نيّته خارج الماء ثمّ يدخل في الماء، و عليه لو كان تمام بدنه في الماء فعزم الغسل و نوى حين ذلك كفى؛ للأصل و اطلاق الأدلّة.


1) - وسائل الشيعة 2: 232 / الباب 26 من أبواب الجنابة / الحديث 12.

2) - وسائل الشيعة 2: 232 / الباب 26 من أبواب الجنابة / الحديث 13.

3) - التنقيح في شرح العروة 6: 385.

قال في مهذّب الأحكام: «و قد استدلّ على وجوب التحريك تارة: بأنّ الغسل أمر وجودي، فما لم يصدر شيء من الغاسل لايصدق عليه الغسل. و فيه: انّ البقاء تحت الماء بقصد الغسل أمر وجودي يصحّ صدقه عليه شرعا و عرفا. و أخرى: بأنّ الجريان معتبر في مفهوم الغسل، فتجب الحركة مقدّمة له. و فيه: انّ المناط كلّه استيلاء الماء على البدن جرى أو لا، مع أنّ سطوح الماء تتحرّك بمجرّد الدخول فيه الى أن يخرج منه، و على فرض اعتباره لا دليل على اعتبار أزيد من ذلك. و ثالثة: بقول أبي جعفر عليه السلام : «ما جرى عليه الماء فقد طهر». و فيه: انّه من باب المثال لا الخصوصيّة؛ لاطلاق قول أبي عبداللّه عليه السلام : «كلّ ما أمسسته الماء فقد أنقيته».».(1)

فرع : فيما لو تيقّن بعد الغسل الارتماسي بعدم انغسال جزء من بدنه

لو تيقّن بعد الغسل الارتماسي أنّه لم يغسل جزء من بدنه وجبت الاعادة، و لايكفي غسل ذلك الجزء فقط؛ و ذلك لأنّ الظاهر من الروايات المتقدّمة في الغسل الارتماسي أنّ الواجب فيه غسل تمام أجزاء البدن في الوقت الذي يكون مرتمسا في الماء.

و في المستمسك: «لو تيقّق بعد الغسل عدم انغسال جزء من بدنه وجبت الاعادة و لايكفي غسل ذلك الجزء فقط كما في المنتهى و حكاه عن والده و نسب الى الدروس و الذكرى و البيان؛ لظهور النصوص في اعتبار غسل تمام البدن في حال الارتماس. و في القواعد اجتزأ بغسل الجزء مطلقا، و اختاره في المستند و استدلّ عليه بترك الاستفصال في صحيحة زرارة بين الغسل الترتيبي و الارتماسي


1) - مهذّب الأحكام 3: 74.

المفيد للعموم، فانّ زرارة قال: «قلت له: رجل ترك بعض ذراعه، أو بعض جسده، من غسل الجنابة؟ فقال: اذا شكّ و كانت به بلّة و هو في صلاته مسح بها عليه، و ان كان استيقن رجع فأعاد عليهما ما لم يصب بلّة»، و فيه: انّ ظاهر قول السائل: «ترك بعض ذراعه أو بعض جسده»، الغسل الترتيبي. واستدلّ ثانيا بقوله عليه السلام : «فما جرى عليه الماء فقد أجزأه». و فيه: انّ سقوط الترتيب انّما يكون في الارتماسي الحاصل معه غسل تمام البدن لامطلقا. انتهى ملخّصا».(1)

و يجب في الغسل الارتماسي تخليل الشعر اذا شكّ في وصول الماء الى البشرة التي تحته، و كذا فيما بين أصابعه من رجله اذا شكّ في ذلك؛ لأنّه يجب عليه احراز وصول الماء الى كلّ جزء من بدنه.

و لا فرق في كيفيّة الغسل باحدى الطريقتين بين غسل الجنابة و غيره من سائر الأغسال الواجبة و المندوبة.

في أنّ الغسل الترتيبي أفضل من الارتماسي

(مسألة 1):الغسل الترتيبي أفضل من الارتماسي.

الشرح:

الغسل الترتيبي أفضل من الارتماسي؛ و ذلك لأنّه ورد في الروايات بأنّ الواجب على الجنب أن يغسل رأسه أوّلاً ثمّ طرفه الأيمن ثمّ الأيسر، و قال في الروايات الآخر باجزاء ارتماس تمام البدن في الماء دفعة واحدة، فالجمع بين الطائفتين من الروايات يقتضي أفضليّة الغسل الترتيبي.


1) - مستمسك العروة 3: 88.

(مسألة 2): قد يتعيّن الارتماسي كما اذا ضاق الوقت عن الترتيبي و قد يتعيّن الترتيبي كما في يوم الصوم الواجب و حال الاحرام، و كذا اذا كان الماء للغير و لم يرض بالارتماس فيه.

الشرح:

قد تقدّم في المسألة الأولى أنّ الجنب يتخيّر بين الغسل الارتماسي و الترتيبي الاّ أنّ الأفضل اختيار الغسل الترتيبي. و هنا نقول: انّه اذا ضاق الوقت عن الترتيبي بحيث لو اختاره فات الوقت و تصير صلاته قضاءً أو يوجب أن يكون بعض صلاته خارج الوقت، فحينئذ تعيّن الغسل الارتماسي.

و قد يكون بعكس ذلك فيتعيّن الغسل الترتيبي. و كذا يتعيّن الغسل الترتيبي فيما اذا كان صائما واجبا معيّنا، أو حال الاحرام. و الفرق بين التعيّن الارتماسي في ضيق الوقت و التعيّن الترتيبي في يوم الصوم الواجب - أي ما لايجوز ابطال الصوم فيه - و حال الاحرام، أنّه لو خالف في الأوّل يكون عاصيا، ولكن غسله صحيح؛ لأنّ الغسل لم يكن منهيّا عنه، بخلاف الثاني فانّ غسله باطل؛ لأنّ الغسل الارتماسي في يوم الصوم الواجب أو حال الاحرام منهيّ عنه؛ للنهي عن غمس الرأس في الماء.

و لو كان هناك حوض و لم يرض صاحبه بالغسل الارتماسي يبطل غسله أيضا لو غسل ارتماسا.

في أنّه يجوز في الترتيبي أن يغسل كلّ عضو من أعضائه الثلاثة بنحو الارتماس

(مسألة 3): يجوز في الترتيبي أن يغسل كلّ عضو من أعضائه الثلاثة بنحو الارتماس، بل لو ارتمس في الماء ثلاث مرّات، مرّة بقصد غسل الرأس و مرّة بقصد غسل الأيمن و مرّة بقصد الأيسر كفى، و كذا لو حرّك بدنه تحت الماء ثلاث مرّات أو قصد بالارتماس غسل الرأس و حرّك بدنه تحت الماء بقصد الأيمن و خرج بقصد الأيسر، و يجوز غسل واحد من الأعضاء

بالارتماس و البقيّة بالترتيب، بل يجوز غسل بعض كلّ عضو بالارتماس و بعضه الآخر بامرار اليد.

الشرح:

يجوز في الغسل الترتيبي أن يغسل كلّ عضو من أعضائه الثلاثة بنحو الارتماس، و ذلك لقوله عليه السلام في صحيحة محمّد بن مسلم: «فما جرى عليه الماء فقد طهر». و قوله عليه السلام في صحيحة زرارة: «فما جرى عليه الماء فقد أجزأه». و قوله عليه السلام في الصحيحة الثانية لزرارة: «و كلّ شيء أمسسته الماء فقد أنقيته».(1)

و لاينافيه قوله عليه السلام في صحيحة محمّد بن مسلم: «ثمّ تصبّ على رأسك ثلاثا، ثمّ تصبّ على سائر جسدك مرّتين». و قوله عليه السلام في صحيحة زرارة: «ثمّ صبّ على رأسه ثلاث أكفّ، ثمّ صبّ على منكبه الأيمن، و على منكبه الأيسر مرّتين»؛ و ذلك لأنّه هو الطريق المتعارف في الغسل، و بقرينة ما في ذيلهما من تعبيره عليه السلام بالجري أو مسّ الماء، فيستكشف أنّ المراد من الصبّ هو غسل الرأس ابتداءً ثمّ الأيمن ثمّ الأيسر، و هذا يحصل مضافا الى ما مرّ بأن يرتمس في الماء بقصد غسل الرأس، ثمّ يرتمس ثانيا بقصد الأيمن، ثمّ ثالثا بقصد الأيسر. و أمّا الطريقة التي أشار اليها في المتن بأن يحرّك بدنه تحت الماء ثلاث مرّات، فالظاهر أنّه لايصدق عليها الغسل الترتيبي عرفا. و يجوز غسل واحد من الأعضاء بالارتماس و البقيّة بالترتيب، بل يجوز غسل بعض كلّ عضو بالارتماس و بعضه الآخر بامرار اليد، كما تقدّم دليله.


1) - وسائل الشيعة 2: 229 و 230 / الباب 26 من أبواب الجنابة / الحديث 1 و 2 و 5.

في أنّ الغسل الارتماسي يتصوّر على وجهين

(مسألة 4): الغسل الارتماسي يتصوّر على وجهين: أحدهما: أن يقصد الغسل بأوّل جزء دخل في الماء و هكذا الى الآخر فيكون حاصلاً على وجه التدريج، و الثاني: أن يقصد الغسل حين استيعاب الماء تمام بدنه و حينئذ يكون آنيّا و كلاهما صحيح و يختلف باعتبار القصد، و لو لم يقصد أحد الوجهين صحّ أيضا و انصرف الى التدريجي.

الشرح:

الظاهر من قوله عليه السلام في صحيحة زرارة:

« ... و لو أنّ رجلاً جنبا ارتمس في الماء ارتماسة واحدة أجزأه ذلك و ان لم يدلك جسده».(1)

و كذلك صحيحة الحلبي قال:

«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: اذا ارتمس الجنب في الماء ارتماسة واحدة أجزأه ذلك من غسله».(2)

و رواية السكوني عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«قلت له: الرجل يجنب فيرتمس في الماء ارتماسة واحدة و يخرج، يجزيه ذلك من غسله؟ قال: نعم».(3)

أنّ الغسل الارتماسي يحصل بأن يحيط الماء بتمام بدنه كما هو الظاهر ممّا رواه الصدوق في مرسلة الحلبي قال:

«حدّثني من سمعه يقول: اذا اغتمس الجنب في الماء اغتماسة واحدة أجزأه ذلك من غسله».(4)


1) - وسائل الشيعة 2: 230 / الباب 26 من أبواب الجنابة / الحديث 5.

2) - وسائل الشيعة 2: 232 / الباب 26 من أبواب الجنابة / الحديث 12.

3) - وسائل الشيعة 2: 232 / الباب 26 من أبواب الجنابة / الحديث 13.

4) - وسائل الشيعة 2: 233 / الباب 26 من أبواب الجنابة / الحديث 15.

قال في التنقيح: «انّ الارتماس و الاغتماس الواردتين في الطائفتين من الروايات بمعنى الستر و التغطية، و من الظاهر أنّ التغطّي و التستّر بالماء لايتحقّق الاّ باحاطة الماء تمام البدن بحيث لو بقي منه شيء خارج الماء لم يصدق الاغتماس و التغطّي. فالارتماس أمر وحداني دفعي لا أنّه تدريجي؛ اذ ليس هو بمعنى احاطة الماء ليقال: انّه أمر تدريجي الحصول، بل معناه التستّر و التغطّي و هما أمران دفعيّان. و الأحوط أن لاينوي شيئا؛ لاحتمال أن يكون الارتماس بمعنى احاطة الماء و هو تدريجي، و الأولى من ذلك أن يقصد ما في الذمّة؛ لأنّه مبرئ على كلّ حال. انتهى ملخّصا».(1)

أقول:

اذا كان تأكيد الامام عليه السلام في الروايات بأنّ الارتماس يكون ارتماسة واحدة، و كذا في الاغتماس أن يكون اغتماسة واحدة، فلايبقى محلّ للاحتياط و أنّ الغسل الارتماسي يمكن أن يكون تدريجي الحصول أيضا.

في اشتراط طهارة كلّ عضو حين غسله

(مسألة 5): يشترط في كلّ عضو أن يكون طاهرا حين غسله فلو كان نجسا طهّره أوّلاً، و لايكفي غسل واحد لرفع الخبث و الحدث كما مرّ في الوضوء، و لايلزم طهارة جميع الأعضاء قبل الشروع في الغسل و ان كان أحوط.

الشرح:

الظاهر أنّه لو كان أعضاء الغسل نجسا يكفي غسل واحد و ينوي به رفع الحدث، فانّ هذا الغسل يرفع الخبث و الحدث في آن واحد. و ما قيل أو يقال فيعدم الاجزاء و اشتراط أن يكون كلّ عضو طاهرا حين غسله أمران:


1) - التنقيح في شرح العروة 6: 398.

الأوّل: أنّ الغسل بقصد رفع الحدث و الخبث من التداخل و الأصل عدمه.

و الثاني: أنّ الماء بمجرّد وصوله الى المحلّ المتنجّس ينفعل فلايرفع به الحدث.

و كلاهما ممنوعان، أمّا الأوّل ففيه أوّلاً: لا محذور هناك من التداخل و الأصل لا أصل له. و ثانيا: انّ رفع الخبث لم يحتج الى النيّة.

و أمّا الثاني ففيه: انّ الماء اذا جرى على العضو يطهّره ظاهرا من الخبث و باطنا من الحدث حتّى ينفصل فأين هذا من انفعال الماء؟

و قد يقال بوجود الاجماع و الأخبار على ذلك.

أمّا الاجماع فهو غير معتبر؛ لأنّه مدركي مع وجود مخالف فيه.

أمّا الأخبار، كقوله عليه السلام في صحيحة محمّد بن مسلم:

« ... تبدأ بكفّيك فتغسلهما، ثمّ تغسل فرجك، الحديث».(1)

كما يدلّ عليه قوله عليه السلام في صحيحة زرارة:

« ... ان لم يكن أصاب كفّه شيء غمسها في الماء، ثمّ بدأ بفرجه فأنقاه بثلاث غرف، الحديث».(2)

و قوله عليه السلام في صحيحة ثانية لزرارة:

« ... تبدأ فتغسل كفّيك، ثمّ تفرغ بيمينك على شمالك فتغسل فرجك و مرافقك، ثمّ تمضمض و استنشق، الحديث».(3)

ففيها أوّلاً: انّ الظاهر استحباب غسل الكفّ و الفرج ابتداءً.

و ثانيا: لعلّ الأمر بغسل الفرج لعدم تطهيره باجراء الماء عليه دفعة واحدة، بل يحتاج الى التعدّد و لذا قال عليه السلام : «فأنقاه بثلاث غرف».


1) - وسائل الشيعة 2: 229 / الباب 26 من أبواب الجنابة / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 2: 229 / الباب 26 من أبواب الجنابة / الحديث 2.

3) - وسائل الشيعة 2: 230 / الباب 26 من أبواب الجنابة / الحديث 5.

في وجوب اليقين بوصول الماء الى جميع الأعضاء

(مسألة 6): يجب اليقين بوصول الماء الى جميع الأعضاء، فلو كان حائل وجب رفعه و يجب اليقين بزواله مع سبق وجوده، و مع عدم سبق وجوده يكفي الاطمئنان بعدمه بعد الفحص.

الشرح:

يجب اليقين بوصول الماء الى جميع الأعضاء؛ لأنّ الطهارة من الحدث لاتحصل الاّ باحراز ذلك، فلو كان هناك حائل وجب رفعه و يجب اليقين بزواله مع سبق وجوده؛ لأنّ اليقين لاينقضه الاّ اليقين. و مع عدم سبق وجوده يكفي الاطمئنان بعدم وجود المانع و هو يحصل بعد الفحص و قديكون حاصلاً بدونه.

فيما اذا شكّ في شيء أنّه من الظاهر أو الباطن

(مسألة 7): اذا شكّ في شيء أنّه من الظاهر أو الباطن يجب غسله على خلاف ما مرّ في غسل النجاسات حيث قلنا بعدم وجوب غسله، و الفرق أنّ هناك الشكّ يرجع الى الشكّ في تنجّسه بخلاف هنا حيث انّ التكليف بالغسل معلوم فيجب تحصيل اليقين بالفراغ. نعم، لو كان ذلك الشيء باطنا سابقا و شكّ في أنّه صار ظاهرا أم لا، فلسبقه بعدم الوجوب لايجب غسله؛ عملاً بالاستصحاب.

الشرح:

قد تقدّم في الفرع الثاني من أوّل هذا الفصل أنّه لايجب غسل الباطن و يجب غسل الظاهر في الغسل و لو شكّ في شيء أنّه من الظاهر أو الباطن يجب غسله؛ لاحراز التطهير من الحدث. نعم، لو كان ذلك الشيء باطنا سابقا و شكّ في أنّه صار ظاهرا أم لا، فقال المصنّف بعدم وجوب غسله؛ عملاً بالاستصحاب، و استشكل عليه كما في المستمسك(1)بأنّ الاستصحاب هنا مثبت، فيجب غسله؛ لاحراز الطهارة.


1) - مستمسك العروة 3: 98.

و في التنقيح قال: «بأنّ ذلك ليس من الأصل المثبت؛ لأنّ الأثر لم يترتّب على لوازم المستصحب بل على نفس المستصحب، فاذا استصحبنا كون الشيء من الباطن، و تعبّدنا بعدم وجوب غسله و غسلنا سائر المواضع الظاهرة بالوجدان فبضمّ الوجدان الى الأصل نحرز أنّا غسلنا بدننا من القرن الى القدم ممّا يعدّ ظاهرا، و الطهارة اسم لذلك. انتهى ملخّصا».(1)

أقول:

الظاهر أنّ ما ذهب اليه في التنقيح لا بأس به، مضافا الى امكان الادّعاء بعدم كون المورد من الأصل المثبت في شيء فانّه اذا استصحب كون الشيء باطنا، فقد ثبت شرعا أنّه من البواطن، فلايجب غسله. و لو سلّمت الخدشة فيه فيكفي استصحاب عدم وجوب المورد المذكور.

(مسألة 8): ما مرّ من أنّه لايعتبر الموالاة في الغسل الترتيبي انّما هو فيما عدا غسل المستحاضة و المسلوس و المبطون فانّه يجب فيه المبادرة اليه و الى الصلاة بعده من جهة خوف خروج الحدث.

الشرح:

قد تقدّم في ابتداء الفصل عدم اعتبار الموالاة في الغسل الترتيبي، و هنا نقول: يستثنى من ذلك غسل المستحاضة؛ لأنّه يجب عليها اقامة الصلاة من غير فصل و أن تجمع بين الظهرين، و بين العشاءين الاّ اذا علمت بعدم انقطاع الحدث أصلاً فلاتنفع المبادرة و لاتجب. و أمّا بالنسبة الى المبطون و المسلوس فان قلنا بأنّ الحدث الأصغر لايضرّ بالغسل ان وقع في أثنائه فلاتجب الموالاة و ان قلناباضراره يجب.


1) - التنقيح في شرح العروة 6: 404.

في الغسل تحت المطر و تحت الميزاب

(مسألة 9): يجوز الغسل تحت المطر و تحت الميزاب ترتيبا لا ارتماسا. نعم، اذا كان نهر كبير جاريا من فوق على نحو الميزاب لايبعد جواز الارتماس تحته أيضا اذا استوعب الماء جميع بدنه على نحو كونه تحت الماء.

الشرح:

يجوز الغسل تحت المطر ترتيبا؛ يدلّ على ذلك مضافا الى المطلقات، صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه السلام :

«انّه سأله عن الرجل يجنب، هل يجزيه من غسل الجنابة أن يقوم في المطر حتّى يغسل رأسه و جسده، و هو يقدر على ما سوى ذلك؟ فقال: ان كان يغسله اغتساله بالماء أجزأه ذلك».(1)

و نظير ذلك صحيحة أخرى لعلي بن جعفر عليه السلام قال:

« ... و سألته عن الرجل تصيبه الجنابة و لايقدر على الماء فيصيبه المطر، أيجزيه ذلك أو عليه التيمّم؟ فقال: ان غسله أجزأه، و الاّ تيمّم».(2)

و مرسلة محمّد بن أبي حمزة عن أبي عبداللّه عليه السلام :

«في رجل أصابته جنابة فقام في المطر حتّى سال على جسده، أيجزيه ذلك من الغسل؟ قال: نعم».(3)

و كذلك الحال تحت الميزاب. و لايجوز الغسل تحت المطر و تحت الميزاب ارتماسا؛ لأنّه كما تقدّم يلزم أن يستوعب الماء تمام بدنه دفعة واحدة. نعم، اذا كان هناك نهر كبير جاريا من فوق على نحو الميزاب لايبعد جواز الارتماس تحته


1) - وسائل الشيعة 2: 231 / الباب 26 من أبواب الجنابة / الحديث 10.

2) - وسائل الشيعة 2: 232 / الباب 26 من أبواب الجنابة / الحديث 11.

3) - وسائل الشيعة 2: 232 / الباب 26 من أبواب الجنابة / الحديث 14.

أيضا اذا استوعب الماء جميع بدنه حتّى تحت قدميه دفعة واحدة على نحو كونه تحت الماء.

(مسألة 10): يجوز العدول عن الترتيب الى الارتماس في الأثناء و بالعكس لكن بمعنى رفع اليد عنه و الاستئناف على النحو الآخر.

الشرح:

يجوز العدول عن الترتيب الى الارتماس في الأثناء بمعنى رفع اليد عنه و الاستئناف على النحو الآخر، و أمّا عكس ذلك أي العدول عن الارتماس الى الترتيب فلايتحقّق على ما تقدّم من المبنى؛ و ذلك لأنّه اذا غطّى الماء جميع بدنه دفعة واحدة فقد حصل الغسل، و ان لم يغطّه فلم يحصل. و أمّا الدليل على جواز العدول عن الترتيب الى الارتماس فهو عدم المنع من ذلك، و امتثال الأمر بالارتماس.

في الغسل الارتماسي في حوض أقلّ من الكرّ

(مسألة 11): اذا كان حوض أقلّ من الكرّ يجوز الاغتسال فيه بالارتماس مع طهارة البدن لكن بعده يكون من المستعمل في رفع الحدث الأكبر فبناءً على الاشكال فيه يشكل الوضوء و الغسل منه بعد ذلك و كذا اذا قام فيه و اغتسل بنحو الترتيب بحيث رجع ماء الغسل فيه و أمّا اذا كان كرّا أو أزيد فليس كذلك. نعم، لايبعد صدق المستعمل عليه اذا كان بقدر الكرّ لا أزيد و اغتسل فيه مرارا عديدة لكنّ الأقوى كما مرّ جواز الاغتسال و الوضوء من المستعمل.

الشرح:

اذا كان هناك حوض أقلّ من الكرّ يجوز الاغتسال بالارتماس فيه مع طهارة

البدن؛ و ذلك لاطلاق أدلّة الغسل الارتماسي.

ثمّ انّه هل يكون ذلك الماء من الماء المستعمل في رفع الحدث الأكبر؟ الظاهر ذلك؛ لاطلاقه عليه عرفا. و كذا اذا قام فيه و اغتسل بنحو الترتيب بحيث رجع ماء الغسل فيه. و أمّا اذا كان كرّا أو أزيد كخزينة الحمّام فلايطلق عليه و ان اغتسل فيها مرارا عديدة.

و أمّا الماء المستعمل في رفع الحدث الأكبر مع طهارة البدن فيجوز الغسل و الوضوء منه؛ و ذلك لعدم الدليل على عدم جوازه الاّ موثّقة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«لا بأس بأن يتوضّأ بالماء المستعمل، فقال: الماء الذي يغسل به الثوب أو يغتسل به الرجل من الجنابة لايجوز أن يتوضّأ منه و أشباهه، و أمّا الماء الذي يتوضّأ الرجل به، فيغسل به وجهه و يده في شيء نظيف، فلا بأس أن يأخذه غيره و يتوضّأ به».(1)

فانّها أيضا تحمل على الكراهة لاحتمال قذارة البدن بقرينة غسل الثوب و قرينة ذيلها، مضافا الى معارضتها بصحيحة الفضيل قال:

«سئل أبو عبداللّه عليه السلام عن الجنب يغتسل فينتضح من الأرض في الاناء؟ فقال: لا بأس، هذا ممّا قال اللّه تعالى: «ما جعل عليكم في الدين من حرج»».(2)

في أنّه يشترط في صحّة الغسل ما مرّ من الشرائط في الوضوء

(مسألة 12): يشترط في صحّة الغسل ما مرّ من الشرائط في الوضوء من النيّة و استدامتها الى الفراغ، و اطلاق الماء و طهارته و عدم كونه ماء الغسالة، و عدم الضرر في استعماله و اباحته و اباحة ظرفه و عدم كونه من الذهب و


1) - وسائل الشيعة 1: 215 / الباب 9 من أبواب الماء المضاف / الحديث 13.

2) - وسائل الشيعة 1: 211 / الباب 9 من أبواب الماء المضاف / الحديث 1.

الفضّة، و اباحة مكان الغسل و مصبّ مائه، و طهارة البدن و عدم ضيق الوقت، و الترتيب في الترتيبي و عدم حرمة الارتماس في الارتماسي منه كيوم الصوم و في حال الاحرام، و المباشرة في حال الاختيار و ما عدا الاباحة، و عدم كون الظرف من الذهب و الفضّة، و عدم حرمة الارتماس من الشرائط واقعي لا فرق فيها بين العمد و العلم و الجهل و النسيان بخلاف المذكورات فانّ شرطيّتها مقصورة حال العمد و العلم.

الشرح:

قد تقدّم الكلام في هذه المسألة في الوضوء، و المياه و الأواني و غير ذلك. و بالنسبة الى اشتراط عدم الضرر في استعمال الماء فقد تقدّم في الشرط السابع من شرائط الوضوء، و سيأتي في المسألة التاسعه عشرة من فصل التيمّم أيضا.

قال في التنقيح: «قد مرّ توضيح الكلام في جميع تلك الشرائط في الوضوء، و لا وجه لاعادته غير اشتراط عدم حرمة الارتماس لاختصاصه بالغسل. و الوجه في اشتراطه ظاهر؛ اذ مع حرمة الارتماس يقع الغسل فاسدا منهيّا عنه؛ لعدم امكان التقرّب بالمبغوض و الحرام لا محالة، كما اذا ارتمس في نهار شهر رمضان أو في الاحرام أو في نهار الصوم الواجب المعيّن و لو غير شهر رمضان».(1)

و قد تقدّم في شرائط الوضوء ما ذيّله المصنّف في هذه المسألة من أنّ ما عدا الاباحة و عدم كون الظرف من الذهب و الفضّة و عدم حرمة الارتماس من الشرائط واقعي لا فرق فيها بين العمد و العلم و الجهل و النسيان، بمعنى أنّ الغسل بالماء المضاف أو المتنجّس أو في ما ينجّس بدنه و احتاجت طهارته الى التعدّد و لم يتعدّد باطل، سواء علم أو جهل أو نسي. و أمّا ان كان الماء غصبيّا أو كان الظرف من الذهب و الفضّة أو كان صائما و لم يعلم بها فاغتسل كان غسله صحيحا و كذا لو نسي.


1) - التنقيح في شرح العروة 6: 412.

(مسألة 13): اذا خرج من بيته بقصد الحمّام و الغسل فيه فاغتسل بالداعي الأوّل لكن كان بحيث لو قيل له حين الغمس في الماء: ما تفعل؟ يقول: أغتسل. فغسله صحيح، و أمّا اذا كان غافلاً بالمرّة بحيث لو قيل له: ما تفعل؟ يبقى متحيّرا فغسله ليس بصحيح.

الشرح:

اذا خرج من بيته بقصد الحمّام و الغسل فيه فاغتسل بذلك الداعي فغسله صحيح. نعم، يجب أن يكون حين العمل ملتفتا بحيث لو قيل له: ما تفعل؟ يقول: أغتسل. و أمّا اذا كان غافلاً بالمرّة بحيث لو قيل له: ما تفعل؟ يبقى متحيّرا و لم يعلم بعمله و لم يجب، فغسله ليس بصحيح، أو فقل: انّه لم يغتسل.

(مسألة 14): اذا ذهب الى الحمّام ليغتسل و بعد ما خرج شكّ في أنّه اغتسل أم لا، يبني على العدم، و لو علم أنّه اغتسل لكن شكّ في أنّه على الوجه الصحيح أم لا، يبني على الصحّة.

الشرح:

اذا ذهب الى الحمّام ليغتسل و بعد ما خرج شكّ في أنّه اغتسل أم لا، يبني على العدم؛ و ذلك لاستصحاب عدم الاغتسال، أو لاستصحاب الجنابة. و لو علم أنّه اغتسل لكن شكّ في أنّه وقع على الوجه الصحيح أم لا، يبني على الصحّة؛ لقاعدة الفراغ، لأنّه مضمون الرواية؛ لأنّ غسله يكون ممّا مضى و كلّ شيء قد مضى، يمضي كما هو.

فيما اذا اغتسل باعتقاد سعة الوقت فتبيّن ضيقه و أنّ وظيفته كانت هو التيمّم

(مسألة 15): اذا اغتسل باعتقاد سعة الوقت فتبيّن ضيقه و أنّ وظيفته كانت هو التيمّم فان كان على وجه الداعي يكون صحيحا، و ان كان على وجه

التقييد يكون باطلاً، و لو تيمّم باعتقاد الضيق فتبيّن سعته ففي صحّته و صحّة صلاته اشكال.

الشرح:

اذا اغتسل باعتقاد سعة الوقت فتبيّن ضيقه و أنّ التيمّم كان وظيفته فان كان على وجه الداعي بمعنى أنّ بناءه كان الاغتسال و لو في ضيق الوقت فغسله صحيح، و أمّا ان كان على وجه التقييد بمعنى أنّ بناءه الغسل للصلاة بحيث لو لم يكن من نيّته الصلاة لم يغتسل ففيه اشكال.

و لو تيمّم باعتقاد الضيق فتبيّن سعته فعليه الغسل ان كان الوقت واسعا، و أمّا ان ضاق الوقت فالظاهر بطلان تيمّمه فعليه الاعادة للصلاة؛ لأنّ موضوع مشروعيّة التيمّم هو ضيق الوقت واقعا لا اعتقاد الضيق.

(مسألة 16): اذا كان من قصده عدم اعطاء الأجرة للحمّامي فغسله باطل، و كذا اذا كان بناؤه على النسية من غير احراز رضا الحمّامي بذلك و ان استرضاه بعد الغسل، و لو كان بناؤهما على النسية ولكن كان بانيا على عدم اعطاء الأجرة أو على اعطاء الفلوس الحرام ففي صحّته اشكال.

الشرح:

اذا كان من قصده عدم اعطاء الأجرة للحمّامي فالظاهر أنّ غسله باطل بناءً على أنّ الظاهر من رضا الحمّامي باستفادة الواردين منوط باعطاء الأجرة، فلو علم الحمّامي بأنّ هذا الوارد لم يكن من قصده اعطاء الأجرة لم يرتض باغتساله فيكون غاصبا، و غسله يكون بالماء الغصبي. و كذا اذا كان بناؤه على النسية مع علمه بعدم رضاه فغسله باطل أيضا و ان استرضاه بعد الغسل؛ لعدم الانقلاب. و كذا لو كان بناؤهما على النسية ولكن كان بانيا على عدم اعطاء الأجرة أو اعطاء المال الحرام،

و ان كان يمكن أن يقال: انّ ذمّته مشغولة في هذا الحال و غسله صحيح، ولكنّ الأظهر عدم صحّته؛ لعدم احراز رضا الحمّامي لو علم بذلك.

فيما اذا كان ماء الحمّام مباحا لكن سخن بالحطب المغصوب

(مسألة 17): اذا كان ماء الحمّام مباحا لكن سخن بالحطب المغصوب لا مانع من الغسل فيه؛ لأنّ صاحب الحطب يستحقّ عوض حطبه و لايصير شريكا في الماء و لا صاحب حقّ فيه.

الشرح:

هذه المسألة كما ذهب اليه المصنّف، فانّ صاحب الحطب يستحقّ عوض حطبه عمّن أتلفه، و لايصير شريكا في الماء و لا صاحب حقّ فيه؛ لعدم الدليل على ذلك و مجرّد تحقّق الحرارة في الماء غير كافٍ في ذلك كما في المستمسك(1)، و لا مجال لقياسه على صبغ الثوب بصبغ مغصوب - بناءً على عدم جواز الصلاة فيه - لأنّ اللون أثر للصبغ عرفا، و الحرارة ليست أثرا للحطب.

في حكم الغسل في حوض المدرسة لغير أهله

(مسألة 18): الغسل في حوض المدرسة لغير أهله مشكل بل غير صحيح بل و كذا لأهله الاّ اذا علم عموم الوقفيّة أو الاباحة.

الشرح:

الغسل في حوض المدرسة لغير أهلها باطل؛ لأنّ الظاهر أنّه وقف لأهلها، بل و كذا لأهلها الاّ اذا علم عموم الوقفيّة أو الاباحة.

و في المستمسك: «سواء علم حقيقة أم تعبّدا بقيام حجّة عليه، مثل اطلاق عبارة الوقف، أو الاباحة، أو ظهور يعوّل عليه عند العقلاء».(2)


1) - مستمسك العروة 3: 107.

2) - نفس المصدر.

و لو كان الغسل فيه لأهلها متعارفا، و لم ينكر عليه أحد بحيث يطمئنّ بعدم المانع من ناحية الوقف فالغسل صحيح.

(مسألة 19): الماء الذي يسبّلونه يشكل الوضوء و الغسل منه الاّ مع العلم بعموم الاذن.

الشرح:

لايجوز الوضوء و الغسل بالماء الذي يسبّلونه للشرب؛ لأنّ صاحب الماء لايرضى بغير ذلك أو مشكوك رضاه. نعم، لو كان هناك قرينة على اذنه و رضاه فيجوز استعماله في غير الشرب.

(مسألة 20): الغسل بالمئزر الغصبي باطل.

الشرح:

الظاهر عدم بطلان الغسل بالمئزر الغصبي أو الثوب الغصبي؛ لأنّ غسل البدن و التصرّف في المئزر أمران متباينان عرفا، و ان كان يحصل الغسل و التصرّف في فعل واحد، و ان كان الاحتياط لاينبغي تركه.

(مسألة 21): ماء غسل المرأة من الجنابة و الحيض و النفاس و كذا أجرة تسخينه اذا احتاج اليه، على زوجها على الأظهر؛ لأنّه يعدّ جزءا من نفقتها.

الشرح:

قال في المستمسك: «كما قرّبه الشهيد في الذكرى، و حكاه العلاّمة في المنتهى عن جماعة، و نسب فيه الى بعض التفصيل بين فقر الزوجة فعلى الزوج وغنائها فعليها، و اختاره. و توقّف في الحدائق؛ لعدم النصّ. و المنصوص

بالخصوص من النفقة هو الاطعام و الكسوة و السكنى و التعدّي منها الى غيرها - لاطلاق الأمر بالنفقة في الكتاب المجيد و غيره و للاجماع - انّما يكون بالاضافة الى ما يتعلّق بالمعاش دون المعاد، و المقام من الثاني. و كذا الكفّارة للافطار و غيره، و الضمان للاتلاف و نحوهما».(1)

أقول:

الظاهر أنّ النفقة عرفا تنصرف الى الاطعام و الكسوة و السكنى، و اطلاق الكتاب و السنّة مخصوص بالنصوص الواردة فيما ذكر و لايتعدّى الى غيرها. اللّهمّ الاّ أن يقال: انّ المذكورات من باب المثال و العرف لايأبى عمّا في المتن، فالاحتياط حسن.

فيما اذا اغتسل المجنب في شهر رمضان أو في حال الاحرام ارتماسا نسيانا

(مسألة 22): اذا اغتسل المجنب في شهر رمضان أو صوم غيره أو في حال الاحرام ارتماسا نسيانا لايبطل صومه و لا غسله، و ان كان متعمّدا بطلا معا ولكن لايبطل احرامه و ان كان آثما، و ربّما يقال: لو نوى الغسل حال الخروج من الماء صحّ غسله و هو في صوم رمضان مشكل؛ لحرمة اتيان المفطر فيه بعد البطلان أيضا فخروجه من الماء أيضا حرام كمكثه تحت الماء، بل يمكن أن يقال: انّ الارتماس فعل واحد مركّب من الغمس و الخروج فكلّه حرام، و عليه يشكل في غير شهر رمضان أيضا. نعم، لو تاب ثمّ خرج بقصد الغسل صحّ.

الشرح:

اذا اغتسل المجنب في شهر رمضان أو صوم غيره أو في حال الاحرام ارتماسا نسيانا لايبطل صومه و لا غسله كما فصّلناه في الصوم. و ان كان متعمّدا فبالنسبة


1) - مستمسك العروة 3: 108.

الى الصوم بطل صومه؛ للنصّ، و بطل غسله أيضا؛ لحرمة الارتماس، و أمّا بالنسبة الى احرامه فيبطل غسله؛ لأنّ ارتماسه في حال الاحرام حرام فلايجتمع الحرمة مع الوجوب في واحد، و أمّا احرامه فلايبطل كباقي الأفعال المحرّمة حال الاحرام. و أمّا لو نوى الغسل حال الخروج من الماء فان كان في صوم رمضان و قلنا بحرمة اتيان المفطر فيه بعد البطلان فلايصحّ، و أمّا في غير صوم رمضان، أو فيه و قلنا بعدم حرمة اتيان المفطر بعد البطلان فيصحّ. و كذا لو تاب ثمّ خرج بقصد الغسل صحّ.

الفصل السابع : في مستحبّات غسل الجنابة

اشارة

و هي أمور: «أحدها»: الاستبراء من المني بالبول قبل الغسل.

«الثاني»: غسل اليدين ثلاثا الى المرفقين أو الى نصف الذراع أو الى الزندين من غير فرق بين الارتماس و الترتيب.

«الثالث»: المضمضة و الاستنشاق بعد غسل اليدين ثلاث مرّات و يكفي مرّة أيضا.

«الرابع»: أن يكون ماؤه في الترتيبي بمقدار صاع و هو ستّمائة و أربعة عشر مثقالاً و ربع مثقال.

«الخامس»: امرار اليد على الأعضاء لزيادة الاستظهار.

«السادس»: تخليل الحاجب الغير المانع لزيادة الاستظهار.

«السابع»: غسل كلّ من الأعضاء الثلاثة ثلاثا.

«الثامن»: التسمية بأن يقول: «بسم اللّه»، و الأولى أن يقول: «بسم اللّه الرحمن الرحيم».

«التاسع»: الدعاء المأثور في حال الاشتغال و هو: «اللّهمّ طهّر قلبي و تقبّل سعيي و اجعل ما عندك خيرا لي اللّهمّ اجعلني من التوّابين و اجعلني من

المتطهّرين»، أو يقول: «اللّهمّ طهّر قلبي و اشرح صدري و أجر على لساني مدحتك و الثناء عليك اللّهمّ اجعله لي طهورا و شفاءً و نورا انّك على كلّ شيء قدير». و لو قرأ هذا الدعاء بعد الفراغ أيضا كان أولى.

«العاشر»: الموالاة و الابتداء بالأعلى في كلّ من الأعضاء في الترتيبي.

الشرح:

في مستحبّات غسل الجنابة و هي أمور:

الأول: الاستبراء من المني بالبول قبل الغسل؛ يدلّ عليه قوله عليه السلام في صحيحة أحمد بن محمّد بن أبي نصر:

« ... و تبول ان قدرت على البول. الحديث».(1)

ثمّ انّ استحباب الاستبراء بالبول مختصّ بالمني، فلايستحبّ لمن أولج و لم يمن، و حكمته خروج بقايا المني ان كان.

الثاني: غسل اليدين ثلاثا الى المرفقين أو الى نصف الذراع أو الى الزندين من غير فرق بين الارتماس و الترتيب؛ يدلّ على ذلك روايات:

منها صحيحة الحلبي قال:

«سألته عن الوضوء، كم يفرغ الرجل على يده اليمنى قبل أن يدخلها في الاناء؟ قال: واحدة من حدث البول، و اثنتان من حدث الغائط، و ثلاث من الجنابة».(2)

و منها صحيحة يعقوب بن يقطين عن أبي الحسن عليه السلام قال:

«سألته عن غسل الجنابة فيه وضوء أم لا، فيما نزل به جبرئيل عليه السلام ؟


1) - وسائل الشيعة 2: 230 / الباب 26 من أبواب الجنابة / الحديث 6.

2) - وسائل الشيعة 1: 427 / الباب 27 من أبواب الوضوء / الحديث 1.

قال: الجنب يغتسل، يبدأ فيغسل يديه الى المرفقين قبل أن يغمسهما في الماء، الحديث».(1)

و منها صحيحة البزنطي قال:

«سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام عن غسل الجنابة؟ فقال: تغسل يدك اليمنى من المرفقين الى أصابعك، الحديث».(2)

و منها رواية يونس عنهم عليهم السلام قال:

«اذا أردت غسل الميّت - الى أن قال: - ثمّ اغسل يديه ثلاث مرّات كما يغسل الانسان من الجنابة الى نصف الذراع».(3)

و منها صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام قال:

«سألته عن غسل الجنابة؟ فقال: تبدأ بكفّيك فتغسلهما، الحديث».(4)

فالجمع بين النصوص المذكورة يقتضي الحمل على اختلاف مراتب الفضل، من غير فرق بين الارتماس و الترتيب؛ لاطلاق الروايات المتقدّمة.

ثمّ انّ الموجب لرفع اليد عن ظاهر الأمر بالغسل و حمله على الاستحباب قرينة بعضها و الاجماع.

الثالث: المضمضة و الاستنشاق بعد غسل اليدين مرّة، كما يدلّ عليه قوله عليه السلام في صحيحة زرارة:

« ... ثمّ تمضمض و استنشق، الحديث».(5)


1) - وسائل الشيعة 2: 246 / الباب 34 من أبواب الجنابة / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 2: 230 / الباب 26 من أبواب الجنابة / الحديث 6.

3) - وسائل الشيعة 3: 265 / الباب 44 من أبواب الجنابة / الحديث 1.

4) - وسائل الشيعة 2: 229 / الباب 26 من أبواب الجنابة / الحديث 1.

5) - وسائل الشيعة 2: 230 / الباب 26 من أبواب الجنابة / الحديث 5.

و قوله عليه السلام في صحيحة أبي بصير:

« ... ثمّ تتمضمض و تستنشق، الحديث».(1)

و في رواية عن الفقه الرضوي ثلاث مرّات(2).

الرابع: أن يكون ماؤه في الترتيبي بمقدار صاع؛ لقولهما عليهماالسلام في صحيحة الفضلاء:

«توضّأ رسول اللّه صلى الله عليه و آله بمدّ و اغتسل بصاع، الحديث».(3)

و صحيحة معاوية بن عمّار قال:

«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله يغتسل بصاع و اذا كان معه بعض نسائه يغتسل بصاع و مدّ».(4)

الخامس: امرار اليد على الأعضاء لزيادة الاستظهار، فيدلّ عليه مضافا الى الاجماع قوله عليه السلام في صحيحة علي بن جعفر:

« ... الاّ أنّه ينبغي له أن يتمضمض و يستنشق، و يمرّ يده على ما نالت من جسده، الحديث».(5)

السادس: تخليل الحاجب لزيادة الاستظهار؛ دلّ عليه قوله عليه السلام في صحيحة محمّد بن مسلم:

« ... فأمّا النساء الآن فقد ينبغي لهنّ أن يبالغن في الماء».(6)

السابع: غسل كلّ من الأعضاء الثلاثة ثلاثا، كما لعلّه يستفاد من قوله عليه السلام في


1) - وسائل الشيعة 2: 231 / الباب 26 من أبواب الجنابة / الحديث 9.

2) - مستدرك الوسائل 1: 468 / الباب 16 من أبواب الجنابة / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 2: 243 / الباب 32 من أبواب الجنابة / الحديث 5.

4) - وسائل الشيعة 2: 242 / الباب 32 من أبواب الجنابة / الحديث 3.

5) - وسائل الشيعة 2: 232 / الباب 26 من أبواب الجنابة / الحديث 11.

6) - وسائل الشيعة 2: 255 / الباب 38 من أبواب الجنابة / الحديث 1.

صحيحة محمّد بن مسلم:

« ... ثمّ تصبّ على رأسك ثلاثا،الحديث».(1)

و قوله عليه السلام في صحيحة زرارة:

« ... ثمّ صبّ على رأسه ثلاث أكفّ، الحديث».(2)

و قوله عليه السلام في صحيحة ربعي بن عبداللّه:

«يفيض الجنب على رأسه الماء ثلاثا، الحديث».(3)

و ما ورد في الصحيحة الأولى من صبّ الماء على منكبه الأيمن مرّتين و على منكبه الأيسر مرّتين فهو من باب الاكتفاء بما هو أقلّ فضلاً.

الثامن: التسمية بأن يقول: «بسم اللّه»، و الأولى أن يقول: «بسم اللّه الرحمن الرحيم»؛ يدلّ عليه مضافا الى الروايات التي دلّت على استحباب التسمية عند كلّ فعل يريد أن يفعله، خصوص قوله عليه السلام في صحيحة زرارة:

«اذا وضعت يدك في الماء فقل: بسم اللّه و باللّه، اللّهمّ اجعلني من التوّابين و اجعلني من المتطهّرين، الحديث».(4)

بناءً على عدم الفرق بين الوضوء و الغسل من هذه الجهة.

و في الفقه الرضوي:

«و تذكر اللّه فانّه من ذكر اللّه على غسله و عند وضوئه فقد طهر جسده كلّه».(5)


1) - وسائل الشيعة 2: 229 / الباب 26 من أبواب الجنابة / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 2: 229 / الباب 26 من أبواب الجنابة / الحديث 2.

3) - وسائل الشيعة 2: 259 / الباب 40 من أبواب الجنابة / الحديث 1.

4) - وسائل الشيعة 1: 423 / الباب 26 من أبواب الوضوء / الحديث 2.

5) - مستدرك الوسائل 1: 478 / الباب 28 من أبواب الجنابة / الحديث 1.

و عن لبّ الألباب عن النبي صلى الله عليه و آله:

«اذا اغتسلتم فقولوا: بسم اللّه اللّهمّ استرنا بسترك».(1)

التاسع: الدعاء المأثور في حال الاشتغال؛ يدلّ عليه قوله عليه السلام في مرسلة علي بن الحكم:

« ... اللّهمّ طهّر قلبي و زكّ عملي و تقبّل سعيي و اجعل لي ما عندك خيرا لي».(2)

و في موثّقة عمّار الساباطي قال:

«قال أبو عبداللّه عليه السلام : اذا اغتسلت من جنابة فقل: اللّهمّ طهّر قلبي و تقبّل سعيي و اجعل ما عندك خيرا لي اللّهمّ اجعلني من التوّابين و اجعلني من المتطهّرين، الحديث».(3)

العاشر: الموالاة و الابتداء بالأعلى؛ يدلّ على الأوّل عموم آيات المسارعة الى الخير و كراهة البقاء على الجنابة.

و يدلّ على الثاني ما يستفاد من الأمر بالصبّ على الرأس، و المنكبين.


1) - مستدرك الوسائل 1: 478 / الباب 28 من أبواب الجنابة / الحديث 4.

2) - وسائل الشيعة 2: 254 / الباب 37 من أبواب الجنابة / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 2: 254 / الباب 37 من أبواب الجنابة / الحديث 3.

(مسألة 1): يكره الاستعانة بالغير في المقدّمات القريبة على ما مرّ في الوضوء.

الشرح:

و ذلك لخبر الوشّاء عن الرضا عليه السلام في قوله تعالى: «فمن كان يرجوا لقاء ربّه فليعمل عملاً صالحا و لايشرك بعبادة ربّه أحدا»:

«و ها أنا ذا أتوضّأ للصلاة و هي العبادة، فأكره أن يشركني فيها أحد».(1)

في أنّ الاستبراء بالبول قبل الغسل ليس شرطا في صحّته

(مسألة 2): الاستبراء بالبول قبل الغسل ليس شرطا في صحّته و انّما فائدته عدم وجوب الغسل اذا خرج منه رطوبة مشتبهة بالمني، فلو لم يستبرئ و اغتسل و صلّى ثمّ خرج منه المني أو الرطوبة المشتبهة لاتبطل صلاته و يجب عليه الغسل لما سيأتي.

الشرح:

الاستبراء بالبول قبل الغسل ليس شرطا في صحّته؛ و ذلك أوّلاً: لعدم ذكر ذلك في الأحاديث البيانيّة للغسل كصحاح محمّد بن مسلم و زرارة و ربعي بن عبداللّه و صحيحة ثانية لزرارة و صحيحة حكم بن حكيم و موثّقة سماعة و صحاح أبي بصير و علي بن جعفر و الحلبي و رواية السكوني و مرسلة محمّد بن أبي حمزة و غيرها.(2)

و هو الظاهر من صحيحة أحمد بن محمّد بن أبي نصر قال:

«سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام عن غسل الجنابة؟ فقال: تغسل يدك


1) - وسائل الشيعة 1: 477 / الباب 47 من أبواب الوضوء / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 2: 229 -232 / الباب 26 من أبواب الجنابة / الأحاديث 1، 2، 4، 5، 7 - 10 و 12 - 14.

اليمنى من المرفقين الى أصابعك، و تبول ان قدرت على البول، الحديث».(1)

فلو كان شرطا لم يشترطه بالقدرة.

و لاتعارضها الروايات الدالّة على أنّ المجنب لو رأى بللاً بعد الغسل فان كان قد بال فلايعيد الغسل و ان لم يكن قد بال فعليه الاعادة؛ لأنّ الجمع بين الطائفتين يعطي أنّ المراد من البلل، هو البلل المشتبه بين المني و الوذي، و الشاهد على هذا الجمع صحيحة محمّد بن مسلم قال:

«و قال أبو جعفر عليه السلام : من اغتسل و هو جنب قبل أن يبول ثمّ وجد بللاً فقد انتقض غسله، و ان كان بال ثمّ اغتسل ثمّ وجد بللاً فليس ينقض غسله، ولكن عليه الوضوء؛ لأنّ البول لم يدع شيئا».(2)

فقوله عليه السلام : «لأنّ البول لم يدع شيئا» دليل على أنّ الأمر بالبول يكون لخروج ما بقي من بقايا المني.

و عليه نقول: الاستبراء بالبول ليس شرطا في صحّة الغسل و انّما فائدته عدم وجوب الغسل اذا خرج منه رطوبة مشتبهة بالمني فلو لم يستبرئ و اغتسل و صلّى ثمّ خرج منه المني أو الرطوبة المشتبهة لاتبطل صلاته و يجب عليه الغسل كما سيأتي.

و في المستمسك قال: « الاستبراء بالبول قبل الغسل ليس شرطا في صحّته قطعا كما في المستند، و في الجواهر: «بلا خلاف أجده بين أصحابنا»، بل قد يظهر من بعضهم الاجماع عليه - الى أن قال: - نعم، عن الحلّي و المنتهى حكاية القول بوجوب اعادة الصلاة التي صلاّها بالغسل قبل خروج البلل عن بعض أصحابنا، لكنّه غير معروف القائل».(3)


1) - وسائل الشيعة 2: 230 / الباب 26 من أبواب الجنابة / الحديث 6.

2) - وسائل الشيعة 2: 251 / الباب 36 من أبواب الجنابة / الحديث 7.

3) - مستمسك العروة 3: 117.

فيما اذا اغتسل بعد الجنابة بالانزال ثمّ خرج منه رطوبة مشتبهة

(مسألة 3): اذا اغتسل بعد الجنابة بالانزال ثمّ خرج منه رطوبة مشتبهة بين البول و المني فمع عدم الاستبراء قبل الغسل بالبول يحكم عليها بأنّها مني فيجب الغسل، و مع الاستبراء بالبول و عدم الاستبراء بالخرطات بعده يحكم بأنّه بول فيوجب الوضوء، و مع عدم الأمرين يجب الاحتياط بالجمع بين الغسل و الوضوء ان لم يحتمل غيرهما، و ان احتمل كونها مذيا مثلاً بأن يدور الأمر بين البول و المني و المذي فلايجب عليه شيء، و كذا حال الرطوبة الخارجة بدوا من غير سبق جنابة، فانّها مع دورانها بين المني و البول يجب الاحتياط بالوضوء و الغسل، و مع دورانها بين الثلاثة أو بين كونها منيّا أو مذيا، أو بولاً أو مذيا لا شيء عليه.

الشرح:

الصور المتصوّرة في هذه المسألة سبع:

الأولى و الثانية: اذا اغتسل بعد الجنابة بالانزال ثمّ خرج منه رطوبة مشتبهة بين البول و المني، فمع عدم الاستبراء قبل الغسل بالبول يحكم عليها بأنّها مني فيجب الغسل، و ان كان بال و لكن لم يستبرئ بالخرطات بعده لايجب الغسل ولكن يتوضّأ؛ يدلّ على ذلك الروايات الواردة في الباب السادس و الثلاثين من أبواب الجنابة في الوسائل المجلّد الثاني كصحيحة عبيداللّه بن علي الحلبي قال:

«سئل أبو عبداللّه عليه السلام عن الرجل يغتسل ثمّ يجد بعد ذلك بللاً، و قد كان بال قبل أن يغتسل؟ قال: ليتوضّأ، و ان لم يكن بال قبل الغسل فليعد الغسل».(1)

الثالثة: اذا خرج بعد الغسل بلل مشتبه بين البول و المني و لم يحتمل غيرهما و قد بال و استبرأ بالخرطات بعده، فحينئذ يجب الجمع بين الغسل و الوضوء؛


1) - وسائل الشيعة 2: 250 / الباب 36 من أبواب الجنابة / الحديث 1.

للعلم الاجمالي المقتضي للاحتياط بالجمع بين الوضوء و الغسل.

قال في المستمسك: «الظاهر زيادة لفظ «عدم» في المتن؛ لأنّه اذا لم يستبرئ بالبول يجب الغسل للمشتبه، سواء استبرأ بالخرطات أم لم يستبرئ، كما تقدّم في المتن - الى أن قال: - انّ اطلاق النصوص الآمرة بالوضوء من البلل الخارج بعد الغسل اذا كان قد بال لايشمل المقام؛ لأنّها محمولة على صورة عدم الاستبراء بالخرطات؛ جمعا بينها و بين ما دلّ على عدم الاعتناء بالبلل الخارج بعد البول اذا كان قد استبرأ بالخرطات، فانّه و ان كان بينهما عموم من وجه الاّ أنّ الثانية في مورد الاجتماع أظهر من الأولى، و لو سلّم تساويهما في الظهور فاللازم الرجوع الى القواعد المقتضية للجمع. انتهى ملخّصا».(1)

الرابعة: اذا دار أمر الرطوبة المشتبهة بين البول و المني و المذي و قد بال و استبرأ بعده بالخرطات، فلايجب عليه شيء؛ اذ لا علم اجمالي بالحدث، و استصحاب الطهارة الحاصلة بالغسل محكم. نعم، لو حدث منه الحدث الأصغر فيتوضّأ؛ لاستصحاب الحدث.

الخامسة: اذا دار أمر الرطوبة الخارجة بدوا بين البول و المني فقط من غير سبق جنابة، فعليه الغسل و الوضوء؛ للعلم الاجمالي بالحدث، و ان كانت حالته السابقة الحدث الأصغر فالوضوء كافٍ.

السادسة و السابعة: اذا دار أمر الرطوبة الخارجة بدوا بين المني و البول و المذي من غير سبق جنابة، أو دار بين المني و المذي، أو البول و المذي كذلك، فلا شيء عليه؛ لعدم العلم الاجمالي بالحدث، فيستصحب ما كان سابقا.


1) - مستمسك العروة 3: 121.

فيما اذا خرجت منه رطوبة مشتبهة بعد الغسل و شكّ في أنّه استبرأ بالبول أو لا

(مسألة 4): اذا خرجت منه رطوبة مشتبهة بعد الغسل و شكّ في أنّه استبرأ بالبول أم لا، بنى على عدمه فيجب عليه الغسل و الأحوط ضمّ الوضوء أيضا.

الشرح:

اذا خرجت منه رطوبة مشتبهة بعد الغسل و شكّ في أنّه استبرأ بالبول أم لا، بنى على عدم الاستبراء بالبول فيجب عليه الغسل؛ و ذلك لأنّ الموضوع للحكم بوجوب الغسل حينئذ مركّب من أمرين - كما في التنقيح(1)- أحدهما: أن يكون جنبا اغتسل و خرجت منه رطوبة مردّدة و هذا محرز بالوجدان. ثانيهما: عدم البول قبله و هذا يثبت بالاستصحاب. فبضمّ الوجدان الى الأصل نحرز أنّه اغتسل و لم يبل و خرجت منه رطوبة مشتبهة، فيجب عليه الغسل.

ثمّ انّ الاحتياط بضمّ الوضوء يختصّ بما اذا احتمل أن تكون الرطوبة بولاً دون ما اذا علم بعدم كونها كذلك؛ لحصر النواقض.

(مسألة 5): لا فرق في جريان حكم الرطوبة المشتبهة بين أن يكون الاشتباه بعد الفحص و الاختبار أو لأجل عدم امكان الاختبار من جهة العمى أو الظلمة أو نحو ذلك.

الشرح:

لا فرق في جريان حكم الرطوبة المشتبهة بين أن يكون الاشتباه بعد الفحص و الاختبار و لم يتمكّن من التمييز و بقي الاشتباه بحاله، أو لأجل عدم امكان الاختبار من جهة العمى أو الظلمة؛ و ذلك لأنّ موضوع الحكم بوجوب الغسل هو خروج الرطوبة المشتبهة بعد الغسل و الحال أنّه لم يبل بالوجدان أو بالأصل.


1) - التنقيح في شرح العروة 7: 16.

في الرطوبة المشتبهة الخارجة من المرأة

(مسألة 6): الرطوبة المشتبهة الخارجة من المرأة لا حكم لها و ان كانت قبل استبرائها، فيحكم عليها بعدم الناقضيّة و عدم النجاسة الاّ اذا علم أنّها امّا بول أو مني.

الشرح:

الرطوبة المشتبهة الخارجة من المرأة لا حكم لها و ان كانت قبل استبرائها فيحكم عليها بعدم الناقضيّة و عدم النجاسة؛ و ذلك لصحيحة سليمان بن خالد عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته عن رجل أجنب فاغتسل قبل أن يبول فخرج منه شيء؟ قال: يعيد الغسل، قلت: فالمرأة يخرج منها (شيء)(1)بعد الغسل؟ قال: لاتعيد، قلت: فما الفرق بينهما؟ قال: لأنّ ما يخرج من المرأة انّما هو من ماء الرجل».(2)

الاّ اذا علمت أنّها امّا بول أو مني من نفسها، و حينئذ يجب عليها الجمع بين الغسل و الوضوء؛ للعلم الاجمالي اذا كانت حالته السابقة الطهارة.

(مسألة 7): لا فرق في ناقضيّة الرطوبة المشتبهة الخارجة قبل البول بين أن يكون مستبرئا بالخرطات أم لا، و ربّما يقال: اذا لم يمكنه البول تقوم الخرطات مقامه و هو ضعيف.

الشرح:

لا فرق في ناقضيّة الرطوبة المشتبهة الخارجة قبل البول بين أن يكون مستبرئا بالخرطات أم لا؛ و ذلك لاطلاق الروايات المتقدّمة في المسألة الثالثة. و ما يقال:


1) - ليس في المصدر. هامش الوسائل

2) - وسائل الشيعة 2: 201 / الباب 13 من أبواب الجنابة / الحديث 1.

اذا لم يمكنه البول تقوم الخرطات مقامه، ضعيف؛ لعدم الدليل بل الدليل على خلافه.

قال في المستمسك: «حكي هذا القول عن المقنعة و المراسم و السرائر و الجامع و التذكرة و البيان و الدروس و الذكرى و جامع المقاصد، و عن الأخيرين نسبته الى الأصحاب».(1)

فيما اذا أحدث بالأصغر في أثناء غسل الجنابة

(مسألة 8): اذا أحدث بالأصغر في أثناء غسل الجنابة الأقوى عدم بطلانه. نعم، يجب عليه الوضوء بعده لكن الأحوط اعادة الغسل بعد اتمامه و الوضوء بعده أو الاستئناف و الوضوء بعده، و كذا اذا أحدث في سائر الأغسال و لا فرق بين أن يكون الغسل ترتيبيّا أو ارتماسيّا اذا كان على وجه التدريج، و أمّا اذا كان على وجه الآنيّة فلايتصوّر فيه حدوث الحدث في أثنائه.

الشرح:

قال في الشرائع: «اذا غسل بعض أعضائه ثمّ أحدث، قيل: يعيد الغسل من رأس، و قيل: يقتصر على اتمام الغسل، و قيل: يتمّه و يتوضّأ للصلاة، و هو الأشبه».(2)

و في المدارك: «الاتمام و الوضوء للصلاة قول السيّد المرتضى رحمه الله، و هو أمتن الأقوال دليلاً، أمّا وجوب الاتمام فلأنّ الحدث الأصغر ليس موجبا للغسل، و لا لبعضه قطعا، فيسقط وجوب الاعادة. و أمّا وجوب الوضوء فلأنّ الحدث المتخلّل لا بدّ له من رافع، و هو امّا الغسل بتمامه أو الوضوء، و الأوّل منتف لتقدّم بعضه، فتعيّن الثاني.


1) - مستمسك العروة 3: 124.

2) - شرائع الاسلام 1: 28.

و القول باتمام الغسل خاصّة لابن ادريس و ابن البرّاج، و اختاره المحقّق الشيخ علي رحمه الله، و احتجّ عليه بأنّ الحدث الأصغر غير موجب للغسل فلا معنى للاعادة، و الوضوء منفي مع غسل الجنابة بالنصّ و الاجماع. و فيه: انّ الاجماع ممنوع في موضع النزاع، و الأخبار لا عموم لها على وجه يتناول هذه الصورة. قال المصنّف في المعتبر: «و يلزمهم أنّه لو بقي من الغسل قدر درهم من الجانب الأيسر ثمّ تغوّط أن يكتفي عن وضوئه بغسل موضع الدرهم، و هو باطل».

و القول بالاعادة للشيخ في النهاية و المبسوط، و ابني بابويه و جماعة، و لا وجه له من حيث الاعتبار، و أمّا ما استدلّ به عليه من أنّ الحدث الأصغر ناقض للطهارة بتمامها فلأبعاضها أولى، أو أنّ الحدث المتخلّل قد أبطل تأثير ذلك البعض في الرفع، و الباقي من الغسل غير صالح للتأثير ففساده ظاهر؛ لمنع كونه ناقضا و مبطلاً، و انّما المتحقّق وجوب الوضوء به خاصّة. و لعلّ مستندهم في ذلك ما رواه الصدوق في كتب عرض المجالس عن الصادق عليه السلام قال: «لا بأس بتبعيض الغسل تغسل يدك و فرجك و رأسك، و تؤخّر غسل جسدك الى وقت الصلاة، ثمّ تغسل جسدك اذا أردت ذلك، فان أحدثت حدثا من بول أو غائط أو ريح أو مني بعد ما غسلت رأسك من قبل أن تغسل جسدك فأعد الغسل من أوّله». و لو صحّت هذه الرواية لما كان لنا عنها عدول؛ لصراحتها في المطلوب، الاّ أنّي لم أقف عليها مسندة، و الواجب المصير الى الأوّل الى أن يتّضح السند».(1)

أقول:

الظاهر أنّ الحدث الأصغر اذا حدث في أثناء الغسل لايوجب بطلانه بل يجب عليه بعد الغسل الوضوء، أو استئناف الغسل؛ و دليل عدم وجوب الاعادة هو أنّ الغسل لاينقضه الاّ الانزال أو الجماع، و الدليل على الوضوء، هو أنّ الحدث


1) - مدارك الأحكام 1: 307 و 308.

الأصغر موجب للوضوء اذا وقع بعد الغسل و كذا يكون الحال اذا وقع في أثنائه، و أمّا الحدث الأصغر الذي وقع قبل الغسل فانّه يرفع بالغسل؛ للنصّ. و لو أعرض عمّا فعل من غسل الرأس مثلاً، و بنى على الابتداء يكفي؛ لأنّه و ان كان لاتجب الموالاة الاّ أنّ اللازم استدامة النيّة، فلو أعرض عمّا غسله من الأعضاء فصار كأن لم يكن.

ثمّ انّه لا فرق بين غسل الجنابة و غيره من الأغسال الواجبة و المندوبة في الحكم المذكور.

قال في مصباح الفقيه: «و كيف كان فلاينبغي التأمّل في أنّ القول بأنّه يتمّه و يتوضّأ للصلاة هو الأشبه بالقواعد. أمّا وجوب الوضوء فلما عرفت من عموم ما دلّ على سببيّة الأحداث لوجوب الوضوء المقتصر في تخصيصها على ما اذا صدرت قبل غسل الجنابة. و أمّا كفاية اتمام غسله و عدم وجوب استئنافه من رأس، فلاستصحاب صحّة الأجزاء المأتي بها الحاكم على استصحاب أثر الجنابة و الاشتغال - الى أن قال: - و لو أغمض عن استصحاب الصحّة فالأظهر جريان قاعدة البراءة لا الاشتغال؛ لأنّ الشكّ في انتقاض الغسل مرجعه الى الشكّ في اشتراط الغسل بأن لايتخلّل الحدث في أثنائه و هو منفي بالأصل - الى أن قال: - و الاحتياط باستئناف الغسل ثمّ الوضوء للصلاة ممّا لاينبغي تركه».(1)


1) - مصباح الفقيه 3: 424 - 427.

فيما اذا أحدث بالأكبر في أثناء الغسل

(مسألة 9): اذا أحدث بالأكبر في أثناء الغسل فان كان مماثلاً للحدث السابق كالجنابة في أثناء غسلها أو المسّ في أثناء غسله فلا اشكال في وجوب الاستئناف، و ان كان مخالفا له فالأقوى عدم بطلانه فيتمّه و يأتي بالآخر و يجوز الاستئناف بغسل واحد لهما، و يجب الوضوء بعده ان كانا غير الجنابة أو كان السابق هو الجنابة حتّى لو استأنف و جمعهما بنيّة واحدة على الأحوط، و ان كان اللاحق جنابة فلا حاجة الى الوضوء سواء أتمّه و أتى للجنابة بعده أو استأنف و جمعهما بنيّة واحدة.

الشرح:

اذا أحدث بالأكبر في أثناء الغسل فان كان مماثلاً للحدث السابق كالجنابة في أثناء غسلها أو المسّ في أثناء غسله فلا اشكال في وجوب الاستئناف؛ و ذلك لأنّه كما يكون الانزال أو الجماع ناقضا للغسل بعد غسل تمام الأعضاء كذلك يكون ناقضا لغسل بعض أعضائه، و كذا مسّ الميّت و غيرهما من سائر الأغسال. و ان كان مخالفا له، فالأقوى عدم بطلانه، كما لو مسّ الميّت بعد برده أثناء غسل الجنابة، فيتمّه و يأتي بغسل مسّ الميّت، و الدليل على ذلك أنّ القاعدة الأوّليّة عدم تداخل الأسباب، فكما أنّ سبب غسل الجنابة غير سبب غسل المسّ، فكذلك ناقض غسل الجنابة غير ناقض لغسل المسّ. و يجوز له أن يعرض عمّا فعل و يستأنف بغسل واحد لهما؛ للنصّ كما يأتي في المسألة الخامسه عشرة من هذا الفصل. و أمّا وجوب الوضوء بعده حينئذ أي لو كانا غير الجنابة فهو لما يأتي في المسألة الخامسة و العشرين من أحكام الحيض.

و أمّا لو كان السابق هو الجنابة فقد ذهب المصنّف الى أنّ وجوب الوضوء هو الأحوط حتّى لو استأنف و جمعهما بنيّة واحدة، ففي المهذّب: «بدعوى اختصاص ما دلّ على كفاية غسل الجنابة عن الوضوء بما اذا لم يحدث في أثناء غسله حدث أكبر آخر من غير الجنابة، و لاينافي الاحتياط الوجوبي منه في المقام،

و ما يأتي منه رحمه الله من الفتوى بعدم الاحتياج الى الوضوء قبله أو بعده (في المسألة الخامسه عشرة) من هذا الفصل؛ لأنّ ما يأتي انّما هو فيما اذا كان حدوث الحدث الأكبر الآخر قبل الشروع في غسل الجنابة، و المقام انّما هو فيما اذا كان بعد الشروع فيه. و ان كان اللاحق جنابة فلا حاجة الى الوضوء، سواء أتمّه و أتى للجنابة بعده أو استأنف و جمعهما بنيّة واحدة؛ لاطلاق ما دلّ على كفاية غسل الجنابة عن الوضوء، و أنّ الجنابة اللاحقة تجعل الحدث السابق تبعا محضا، فيكون الحكم لغسل الجنابة و يصير شمول ما دلّ على كفاية غسل الجنابة عن الوضوء لهذه الصورة أبين من العكس. ولكنّه خلاف الجمود على اطلاق ما دلّ على الكفاية، فانّه شامل لكلتا الصورتين».(1)

(مسألة 10): الحدث الأصغر في أثناء الأغسال المستحبّة أيضا لايكون مبطلاً لها. نعم، في الأغسال المستحبّة لاتيان فعل كغسل الزيارة و الاحرام لايبعد البطلان كما أنّ حدوثه بعده و قبل الاتيان بذلك الفعل كذلك كما سيأتي.

الشرح:

الظاهر أنّ الحدث الأصغر في أثناء الأغسال المستحبّة أيضا لايكون مبطلاً لها، كما لايكون مبطلاً لها اذا وقع بعدها ففي رواية ابن بكير عن أبيه قال:

«سألت أبا عبدللّه عليه السلام في أيّ الليالي أغتسل من شهر رمضان - الى أن قال: - و الغسل أوّل الليل، قلت: فان نام بعد الغسل؟ قال: هو مثل غسل يوم الجمعة، اذا اغتسلت بعد الفجر أجزأك».(2)


1) - مهذّب الأحكام 3: 108.

2) - وسائل الشيعة 3: 322 / الباب 11 من أبواب الأغسال المسنونة / الحديث 2.

نعم، في الأغسال المستحبّة التي شرّعت لاتيان فعل كغسل الزيارة و الاحرام لايبعد البطلان كما أنّ حدوثه بعده و قبل الاتيان بذلك الفعل يكون مبطلاً له و سيأتي البحث عنه في الأغسال المسنونة.

فيما اذا شكّ في غسل عضو من الأعضاء الثلاثة أو في شرطه

(مسألة 11): اذا شكّ في غسل عضو من الأعضاء الثلاثة أو في شرطه قبل الدخول في العضو الآخر رجع و أتى به، و ان كان بعد الدخول فيه لم يعتن به و يبني على الاتيان على الأقوى، و ان كان الأحوط الاعتناء مادام في الأثناء و لم يفرغ من الغسل كما في الوضوء. نعم، لو شكّ في غسل الأيسر أتى به و ان طال الزمان؛ لعدم تحقّق الفراغ حينئذ؛ لعدم اعتبار الموالاة فيه، و ان كان يحتمل عدم الاعتناء اذا كان معتادا الموالاة.

الشرح:

اذا شكّ في غسل عضو من الأعضاء الثلاثة في الغسل أو في شرطه قبل الدخول في العضو الآخر رجع و أتى به؛ و ذلك لقوله عليه السلام في صحيحة عبداللّه بن أبي يعفور:

« ... انّما الشكّ اذا كنت في شيء لم تجزه».(1)

و ان كان بعد الدخول في العضو الآخر لم يعتن و يبني على الاتيان، فلو شكّ في غسل الرأس بعد الدخول في غسل الطرف الأيمن فيبني على الاتيان؛ و ذلك لقوله عليه السلام في الصحيحة المذكورة عن ابن أبي يعفور، و كذا قوله عليه السلام في موثّقة محمّد بن مسلم قال:

«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: كلّ ما مضى من صلاتك و طهورك


1) - وسائل الشيعة 1: 470 / الباب 42 من أبواب الوضوء / الحديث 2.

فذكرته تذكّرا فامضه، و لا اعادة عليك فيه».(1)

ثمّ انّ الفرق بين الشكّ في غسل الرأس مثلاً و عدم الاعتناء به اذا دخل في غسل الطرف الأيمن و بين الشكّ في أثناء الوضوء و وجوب الرجوع في العضو المشكوك فيه و ان دخل في ما بعده هو أنّ الموالاة بين الغسل و المسح من أعضاء الوضوء واجبة و أنّ الغسلتين و المسحتين فيه أمر وحداني بخلاف الغسل فانّ الموالاة بين الأعضاء غير معتبرة.

ثمّ انّ المصنّف قال: «لو شكّ في غسل الأيسر أتى به و ان طال الزمان؛ لعدم تحقّق الفراغ حينئذٍ لعدم اعتبار الموالاة فيه، و ان كان يحتمل عدم الاعتناء اذا كان معتادا الموالاة». ولكنّه لايمكن المساعدة عليه فانّ الفراغ من الغسل يتصوّر بحسب عادته، فانّ ما يحتمله أخيرا هو الواقع، فان كان معتادا الموالاة، فالشكّ في غسل الأيسر يكون من الشكّ بعد العمل فتشمله قاعدة الفراغ. و لو لم يكن معتادا الموالاة، فينزّل بما يكون عادته في الأغلب.

(مسألة 12): اذا ارتمس في الماء بعنوان الغسل ثمّ شكّ في أنّه كان ناويا للغسل الارتماسي حتّى يكون فارغا أو لغسل الرأس و الرقبة في الترتيبي حتى يكون في الأثناء و يجب عليه الاتيان بالطرفين، يجب عليه الاستئناف. نعم، يكفيه غسل الطرفين بقصد الترتيبي؛ لأنّه ان كان بارتماسه قاصدا للغسل الارتماسي فقد فرغ و ان كان قاصدا للرأس و الرقبة فباتيان غسل الطرفين يتمّ الغسل الترتيبي.

الشرح:

اذا ارتمس في الماء بعنوان الغسل ثمّ شكّ في أنّه كان ناويا للغسل الارتماسي


1) - وسائل الشيعة 1: 471 / الباب 42 من أبواب الوضوء / الحديث 6.

حتّى يكون فارغا أو لغسل الرأس و الرقبة في الترتيبي حتّى يكون في الأثناء، فانّه يجب عليه الاستئناف و الغسل الارتماسي، فحين ما يكون مرتمسا في الماء ينوي الغسل. و يمكن أن يغسل الطرف الأيمن ثمّ الأيسر بقصد الترتيبي؛ لأنّه كما قال المصنّف ان كان بارتماسه قاصدا للغسل الارتماسي فقد فرغ و ان كان قاصدا للرأس و الرقبة فباتيان غسل الطرفين يتمّ الغسل الترتيبي.

(مسألة 13): اذا انغمس في الماء بقصد الغسل الارتماسي ثمّ تبيّن له بقاء جزء من بدنه غير منغسل يجب عليه الاعادة ترتيبا أو ارتماسا و لايكفيه جعل ذلك الارتماس للرأس و الرقبة ان كان الجزء الغير المنغسل في الطرفين فيأتي بالطرفين الآخرين؛ لأنّه قصد به تمام الغسل ارتماسا لا خصوص الرأس و الرقبة و لايكفي نيّتهما في ضمن المجموع.

الشرح:

انّ الذي أتى به المصنّف في هذه المسألة صحيح، فانّ طبيعة الغسل الارتماسي و هو الانغماس و الارتماس في الماء غير طبيعة الغسل الترتيبي، فانّ الغسل الارتماسي يحصل بانغماس تمام بدنه دفعة واحدة في الماء فلو تبيّن بعد ذلك بقاء جزء من بدنه غير منغسل يكشف عن أنّه لم ينغمس تمام بدنه في الماء ولم يحط به الماء دفعة فيجب عليه اعادة الغسل ترتيبا أو ارتماسا، و لايكفيه جعل ذلك الارتماس للرأس و الرقبة ان كان الجزء الغير المنغسل في الطرفين.

فيما اذا صلّى ثمّ شكّ في أنّه اغتسل للجنابة أو لا؟

(مسألة 14): اذا صلّى ثمّ شكّ في أنّه اغتسل للجنابة أم لا، يبني على صحّة صلاته و لكن يجب عليه الغسل للأعمال الآتية، و لو كان الشكّ في أثناء الصلاة بطلت لكنّ الأحوط اتمامها ثمّ الاعادة.

الشرح:

اذا صلّى ثمّ شكّ في أنّه اغتسل للجنابة أم لا، يبني على صحّة صلاته؛ لقاعدة الفراغ ولكن يجب عليه الغسل للأعمال الآتية؛ لوجوب احراز الطهارة حين الصلاة و اجراء قاعدة الاشتغال. و لو كان الشكّ في أثناء الصلاة بطلت؛ لأنّه و ان كانت صلاته الى حين الشكّ صحيحة الاّ أنّه من حينه يجب عليه احراز الطهارة فتقطع الصلاة قهرا.

و الظاهر أنّ الاحتياط بالاتمام و الاعادة، فلاحتمال شمول قاعدة التجاوز لمثل هذا الشرط الذي يكون محلّ تحصيله قبل الشروع في الصلاة، كما في المهذّب(1)و المستمسك(2)و ان كان فيه اشكال، كما قلنا آنفا.


1) - مهذّب الأحكام 3: 117.

2) - مستمسك العروة 3: 136 و 137.

فيما اذا اجتمع عليه أغسال متعدّدة
اشارة

(مسألة 15): اذا اجتمع عليه أغسال متعدّدة فامّا أن يكون جميعها واجبا أو يكون جميعها مستحبّا أو يكون بعضها واجبا و بعضها مستحبّا، ثمّ امّا أن ينوي الجميع أو البعض، فان نوى الجميع بغسل واحد صحّ في الجميع و حصل امتثال أمر الجميع، و كذا ان نوى رفع الحدث أو الاستباحة اذا كان جميعها أو بعضها لرفع الحدث و الاستباحة، و كذا لو نوى القربة، و حينئذ فان كان فيها غسل الجنابة لا حاجة الى الوضوء بعده أو قبله و الاّ وجب الوضوء، و ان نوى واحدا منها و كان واجبا كفى عن الجميع أيضا على الأقوى و ان كان ذلك الواجب غير غسل الجنابة و كان من جملتها، لكن على هذا يكون امتثالاً بالنسبة الى ما نوى و أداءً بالنسبة الى البقيّة، و لا حاجة الى الوضوء اذا كان فيها الجنابة و ان كان الأحوط مع كون أحدها الجنابة أن ينوي غسل الجنابة، و ان نوى بعض المستحبّات كفى أيضا عن غيره من المستحبّات، و أمّا كفايته عن الواجب ففيه اشكال و ان كان غير بعيد لكن لايترك الاحتياط.

الشرح:

في المسألة فروع:

الفرع الأوّل : فيما اذا اجتمع عليه أغسال متعدّدة و نوى الجميع في غسل واحد

اذا اجتمع عليه أغسال متعدّدة، سواء كان جميعها واجبا أو مستحبّا أو بعضها واجبا و بعضها مستحبّا فان نوى الجميع بغسل واحد صحّ في الجميع و حصل امتثال أمر الجميع؛ و الدليل على ذلك صحيحة زرارة قال:

«اذا اغتسلت بعد طلوع الفجر أجزأك غسلك ذلك للجنابة و الحجامة و عرفة و النحر و الحلق و الذبح و الزيارة، فاذا اجتمعت

عليك حقوق أجزأها عنك غسل واحد، قال: ثمّ قال: و كذلك المرأة يجزيها غسل واحد لجنابتها و احرامها و جمعتها و غسلها من حيضها و عيدها».(1)

و موثّقة عمّار الساباطي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته عن المرأة يواقعها زوجها ثمّ تحيض قبل أن تغسل؟ قال: ان شاءت أن تغتسل فعلت و ان لم تفعل فليس عليها شيء، فاذا طهرت اغتسلت غسلاً واحدا للحيض و الجنابة».(2)

و مرسلة جميل بن درّاج عن أحدهما عليهماالسلام ، أنّه قال:

«اذا اغتسل الجنب بعد طلوع الفجر أجزأ عنه ذلك الغسل من كلّ غسل يلزمه في ذلك اليوم».(3)

و رواية شهاب بن عبد ربّه قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الجنب يغسل الميّت، أو من غسّل ميّتا، له أن يأتي أهله ثمّ يغتسل؟ فقال: سواء لا بأس بذلك، اذا كان جنبا غسل يده و توضّأ و غسّل الميّت و هو جنب(4)، و ان غسّل ميّتا توضّأ ثمّ أتى أهله، و يجزيه غسل واحد لهما».(5)

و موثّقة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«اذا حاضت المرأة و هي جنب أجزأها غسل واحد».(6)


1) - وسائل الشيعة 2: 261 / الباب 43 من أبواب الجنابة / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 2: 264 / الباب 43 من أبواب الجنابة / الحديث 7.

3) - وسائل الشيعة 2: 263 / الباب 43 من أبواب الجنابة / الحديث 2.

4) - ليس في المصدر. هامش الوسائل

5) - وسائل الشيعة 2: 263 / الباب 43 من أبواب الجنابة / الحديث 3.

6) - وسائل الشيعة 2: 263 / الباب 43 من أبواب الجنابة / الحديث 4.

و صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته عن المرأة تحيض و هي جنب، هل عليها غسل الجنابة؟ قال: غسل الجنابة و الحيض واحد».(1)

و رواية حجّاج الخشّاب قال:

«سألت أبا عبدللّه عليه السلام عن رجل وقع على امرأته فطمثت بعد ما فرغ، أتجعله غسلاً واحدا اذا طهرت، أو تغسل مرّتين؟ قال: تجعله غسلاً واحدا عند طهرها».(2)

و موثّقة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سئل عن رجل أصاب من امرأة ثمّ حاضت قبل أن تغتسل؟ قال: تجعله غسلاً واحدا».(3)

و لاتعارضها موثّقة سماعة بن مهران عن أبي عبداللّه و أبي الحسن عليهماالسلام قالا:

«في الرجل يجامع المرأة فتحيض قبل أن تغتسل من الجنابة؟ قال: غسل الجنابة عليها واجب».(4)

لأنّها تحمل على أنّ غسل الجنابة لايسقط من جهة الحيض، و يجب عليها أن تغتسل حينه، أو تغتسل لهما بعد ما تطهر كما في موثّقة عمّار المتقدّمة.

و في التنقيح - بعد البحث عن السند و دلالة الروايات الواردة قال بصحّة الرواية الأولى من زرارة و بالنسبة الى دلالتها - قال: «المورد المتيقّن من الصحيحة هو ما اذا كانت الأغسال بأجمعها واجبة، حيث انّه مورد التسالم بين الأصحاب، و لم يستشكلوا في أنّ الغسل الواحد يجزئ عن الجميع حينئذ. و أمّا اذا كان بعضها


1) - وسائل الشيعة 2: 265 / الباب 43 من أبواب الجنابة / الحديث 9.

2) - وسائل الشيعة 2: 264 / الباب 43 من أبواب الجنابة / الحديث 6.

3) - وسائل الشيعة 2: 263 / الباب 43 من أبواب الجنابة / الحديث 5.

4) - وسائل الشيعة 2: 264 / الباب 43 من أبواب الجنابة / الحديث 8.

واجبا و بعضها مستحبّا - فبعد المناقشة و الجواب عنها - قال: فالمتحصّل أنّه لا مانع من الالتزام بالتداخل في جميع الأقسام، و بما أنّ الصحيحة دلّت على التداخل في الجميع و لا مانع عنه عقلاً فالحكم هو التداخل مطلقا، و لم يقم برهان عقلي على عدم التداخل في الواجب و المستحبّ حتّى يرفع اليد به عن الصحيحة. نعم، لو قام برهان على استحالته للزم رفع اليد عن ظاهر الصحيحة لامحالة، فلا فرق في الأغسال بين كونها واجبة بأجمعها و ما اذا كان بعضها واجبا و بعضها الآخر مستحبّأ؛ لأنّ الحقّ في الرواية بمعنى الثبوت و لايتوهّم أنّ المراد منه الأغسال الواجبة دون المستحبّة. انتهى ملخّصا».(1)

ثمّ انّه لا فرق في نيّته بين أن ينوي القربة أو امتثال الأمر أو رفع الحدث أو الاستباحة اذا كان جميعها أو بعضها لرفع الحدث و الاستباحة، و ان كان نيّة القربة حينئذ أقرب الى الصواب و لا اشكال فيه.

الفرع الثاني : في عدم الحاجة الى الوضوء اذا كان فيها غسل الجنابة

اذا كان في الأغسال التي كانت بذمّته غسل الجنابة، فليس بعد غسل الجنابة وضوء؛ يدلّ على ذلك روايات:

منها صحيحة زرارة عن أبي عبداللّه عليه السلام و ذكر كيفيّة غسل الجنابة فقال:

«ليس قبله و لا بعده وضوء».(2)

و منها صحيحة يعقوب بن يقطين عن أبي الحسن عليه السلام قال:

«سألته عن غسل الجنابة فيه وضوء أم لا فيما نزل به جبرئيل عليه السلام ؟


1) - التنقيح في شرح العروة 7: 48 - 50.

2) - وسائل الشيعة 2: 246 / الباب 34 من أبواب الجنابة / الحديث 2.

قال: - الى أن قال: - ثمّ قد قضى الغسل و لا وضوء عليه».(1)

و منها قوله عليه السلام في صحيحة البزنطي:

« ... ثمّ أفض على رأسك و جسدك، و لا وضوء فيه».(2)

و منها رواية محمّد بن مسلم قال:

«قلت لأبي جعفر عليه السلام : انّ أهل الكوفة يروون عن علي عليه السلام أنّه كان يأمر بالوضوء قبل الغسل من الجنابة؟ قال: كذبوا على علي عليه السلام ، ما وجدوا ذلك في كتاب علي عليه السلام ، قال اللّه تعالى: «و ان كنتم جنبا فاطّهّروا»».(3)

و لاتعارضها رواية أبي بكر الحضرمي عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«سألته، قلت: كيف أصنع اذا أجنبت؟ قال: اغسل كفّيك و فرجك، و توضّأ وضوء الصلاة ثمّ اغتسل».(4)

لأنّها تحمل على التقيّة بقرينة رواية محمّد بن مسلم التي ذكرت آنفا.

و في التنقيح: «لايشرع الوضوء مع غسل الجنابة؛ و ذلك لعدم المقتضي للوضوء حينئذ و لوجود المانع عنه. أمّا عدم المقتضي فلقوله تعالى: « ... اذا قمتم الى الصلاة فاغسلوا وجوهكم و أيديكم الى المرافق ... و ان كنتم جنبا فاطّهّروا ... »؛ لأنّه دلّ بصدره على أنّ كلّ محدث بالنوم أو بغيره يتوضّأ اذا قام الى الصلاة، ثمّ حكم في حقّ المجنب بالاغتسال، و حيث انّ التفصيل قاطع للشركة فتدلّ الآية المباركة على أنّ الوضوء وظيفة المحدث غير الجنب، و أمّا وظيفة المحدث المجنب فهي الاغتسال، و قد صرّح بذلك في قوله عزّ من قائل:


1) - وسائل الشيعة 2: 246 / الباب 34 من أبواب الجنابة / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 2: 247 / الباب 34 من أبواب الجنابة / الحديث 3.

3) - وسائل الشيعة 2: 247 / الباب 34 من أبواب الجنابة / الحديث 5.

4) - وسائل الشيعة 2: 247 / الباب 34 من أبواب الجنابة / الحديث 6.

« ... لاتقربوا الصلاة و أنتم سكارى ... و لا جنبا الاّ عابري سبيل حتّى تغتسلوا» و بما أنّ المكلّف مجنب على الفرض فليست وظيفته الوضوء، سواء قلنا بأنّ مثل مسّ الميّت و الحيض و نحوهما أسباب للوضوء و ناقض له أيضا أو قلنا بأنّها ليست بأسباب له، فعلى جميع التقادير لا مقتضي للوضوء حينئذ. و أمّا وجود المانع عنه فلأنّ الروايات صرّحت على أنّه ليس قبل غسل الجنابة و لا بعده وضوء، و ظاهر كلمة «ليس» نفي مشروعيّة الوضوء مع غسل الجنابة و مقتضى اطلاقها عدم الفرق في ذلك بين أن يكون الغسل متمحّضا في الجنابة و بين أن يكون معه غسل آخر».(1)

الفرع الثالث : فيما اذا نوى واحدا من الأغسال و غفل عن غيره

اذا نوى واحدا من الأغسال و غفل عن غيره فله صورتان:

الأولى: فيما اذا نوى الجنابة و كان عليه أغسال واجبة أخرى و غفل عنها حين الاغتسال، فالظاهر في هذه الصورة كفاية غسل الجنابة عن سائر الأغسال؛ و ذلك لصحيحة زرارة المتقدّمة قال:

«اذا اغتسلت بعد طلوع الفجر أجزأك غسلك ذلك للجنابة و الحجامة و عرفة و النحر و الحلق و الذبح و الزيارة فاذا اجتمعت عليك حقوق أجزأها عنك غسل واحد، قال: ثمّ قال: و كذلك المرأة يجزيها غسل واحد لجنابتها و احرامها و جمعتها و غسلها من حيضها و عيدها».(2)


1) - التنقيح في شرح العروة 7: 52 و 53.

2) - وسائل الشيعة 2: 261 / الباب 43 من أبواب الجنابة / الحديث 1.

فانّ اطلاق قوله عليه السلام : «اذا اغتسلت بعد طلوع الفجر أجزأك غسلك ذلك للجنابة و الحجامة ... » و كذا قوله عليه السلام : «اذا اجتمعت ... » و ذيلها: «و كذلك المرأة يجزيها ... » دليل على اجزاء غسل واحد لجميعها سواء نوى جميعها أو نوى غسل الجنابة فقط، اللّهمّ الاّ أن يقال: انّ الرواية ليست بصدد بيان اجزاء نيّة واحدة لغسل الجنابة عن سائر الأغسال، بل تكون في بيان تداخل الأسباب و اجزاء غسل واحد عن سائر الأغسال. و سيأتي حلّ ذلك في كلام التنقيح.

و أوضح دلالة مرسلة جميل بن درّاج عن أحدهما عليهماالسلام ، أنّه قال:

«اذا اغتسل الجنب بعد طلوع الفجر أجزأ عنه ذلك الغسل من كلّ غسل يلزمه في ذلك اليوم».(1)

قال في التنقيح: «الظاهر تسالمهم على أنّ غسل الجنابة مسقط عن الأغسال الواجبة و ان لم ينوها حال الاغتسال، بل قد نقل الاجماع على كفايته و اسقاطه لبقيّة الأغسال الواجبة على المكلّف. و الوجه في تسالمهم هذا أنّ غسل الجنابة و كفايته عن غيره من الأغسال هو القدر المتيقّن من صحيحة زرارة المتقدّمة؛ لأنّ موردها الجنب، و من الطبيعي أنّ الجنب يغتسل ناويا لجنابته، و في هذا المورد حكم عليه السلام باجزاء ذلك الغسل عن غيره.

و أمّا أنّه مجزئ عن غيره حتّى فيما اذا لم ينو غير غسل الجنابة من الأغسال الواجبة أو أنّه يجزئ فيما اذا نوى الجميع فهو مبني على أنّ «للجنابة» في قوله عليه السلام : «أجزأك غسلك ذلك للجنابة»، متعلّق «بالغسل» أو «بأجزأ» فان كان الجارّ و المجرور متعلّقا بالغسل، فلا مناص من قصد عناوين الأغسال حال الاغتسال. و أمّا ان كان متعلّقا «بأجزأ» فمعناه غسلك أجزأك للجنابة و لغيرها، و حينئذ تدلّ الصحيحة على أنّه اذا أتى بغسل الجنابة أجزأه ذلك عن كلّ ما في ذمّته من الأغسال و ان لم ينو عناوينها حال الاغتسال؛ لدلالتها على أنّ غسله من غير تقيّده


1) - وسائل الشيعة 2: 263 / الباب 43 من أبواب الجنابة / الحديث 2.

بشيء يجزئ للجنابة و عرفة و غيرها. و الظاهر هو الثاني؛ لأنّه الفعل المذكور قبله، و الجارّ و مجروره يتعلّقان بالفعل المذكور في الكلام. انتهى ملخّصا».(1)

الثانية: فيما اذا اغتسل غسلاً واجبا غير الجنابة و لم ينو غيره، كما لو كان عليه غسل مسّ الميّت و الحيض و الجنابة فنوى غسل مسّ الميّت و كان غافلاً عن غيره فهل يجزئ ذلك عن غيره أو لا؟ الظاهر الاجزاء؛ و ذلك لاطلاق قوله عليه السلام في صحيحة زرارة المذكورة: «فاذا اجتمعت عليك حقوق أجزأها عنك غسل واحد».

و في التنقيح: «قد استدلّ على عدم كفاية غير غسل الجنابة من الأغسال الواجبة عن غسل الجنابة و غيره بما ورد في الحائض من أنّها تجعل غسل الجنابة و الحيض واحدا و تغتسل عنهما، و ما دلّ على أنّ الحائض جنب و يجب عليها الغسل للجنابة؛ اذ لو كان غسل الحيض مسقطا لغيره من الأغسال الواجبة التي منها الجنابة فما معنى أنّها تجعل الغسلين واحدا و أنّ غسل الجنابة واجب عليها.

ثمّ انّه ذكر موثّقتي أبي يصير و عمّار الساباطي و رواية حجّاج الخشّاب التي تقدّمت و قال: ولكنّ الصحيح عدم دلالتها على المدّعى؛ و ذلك لأنّها انّما وردت في أنّ الحائض المجنبة هل يجب عليها أن تقدّم غسلها من الجنابة أو لها أن تؤخّره الى نقائها من الحيض حتّى تغتسل عنهما غسلاً واحدا، و قد دلّت على عدم وجوب تقديمه عليها و أنّها مخيّرة بين تقديم غسل الجنابة و تأخيره، و عند تأخيره لها أن تغتسل غسلاً واحدا ناوية لهما.

الى أن قال: فالانصاف أنّه لا شبهة في أنّ الأغسال الواجبة تكفي عن غيرها و ان لم تنو تلك الأغسال حال الاغتسال».(2)


1) - التنقيح في شرح العروة 7: 54 و 55.

2) - نفس المصدر: 56 - 58.

الفرع الرابع : في كفاية نيّة بعض الأغسال المندوبة عن سائر الأغسال

قال المصنّف: «و ان نوى بعض المستحبّاب كفى أيضا عن غيره من المستحبّاب، و أمّا كفايته عن الواجب ففيه اشكال و ان كان غير بعيد، لكن لايترك الاحتياط».

و قال في التنقيح: «التحقيق اغناء الغسل الاستحبابي عن جميع الأغسال الواجبة و المستحبّة؛ و ذلك لاطلاق صحيحة زرارة: «فاذا اجتمعت عليك حقوق أجزأها عنك غسل واحد»، و الغسل الواحد مطلق يعمّ الواجب و المستحبّ، كما أنّ الحقوق تعمّ الواجب و المستحبّ كما قدّمناه، و عليه فلو اغتسل للجمعة غافلاً عن أنّ عليه جنابة يكفي ذلك في رفع جنابته.

و يؤيّده رواية الصدوق من: «أنّ من جامع في أوّل شهر رمضان ثمّ نسي الغسل حتّى خرج شهر رمضان، أنّ عليه أن يغتسل و يقضي صلاته و صومه، الاّ أن يكون قد اغتسل للجمعة فانّه يقضي صلاته و صيامه الى ذلك اليوم و لايقضي ما بعد ذلك».

و هذه الرواية دلّت على أنّه انّما يقضيهما الى أن يغتسل للجمعة؛ لأنّه يرفع الجنابة فيصحّ صومه و صلاته، الاّ أنّها ضعيفة فتكون مؤيّدة للمدّعى. انتهى ملخّصا».(1)

أقول:

اذا قلنا بأنّ لفظ الحقوق الوارد في الصحيحة يشمل المستحبّ أيضا و أنّه يعمّ الواجب و المستحبّ كما ليس ببعيد فهو المطلوب. الاّ أنّ اللازم أن يقال بكفاية


1) - التنقيح في شرح العروة 7: 60 و 61.

الأغسال المستحبّة التي قد نصّ عليها بالروايات المعتبرة كغسل الجمعة مثلاً لا مطلقا و الاحتياط قبل الغسل بالوضوء حسن.

الفرع الخامس : في عدم وجوب الوضوء اذا اغتسل لغير الجنابة مع وجوبها عليه

قال في التنقيح: «انّ الصحيح وفاقا للماتن عدم وجوب الوضوء في المسألة، و هذا لا للأخبار النافية للوضوء قبل غسل الجنابة و بعده، بل لما قدّمناه من أنّ مقتضى الآية المباركة: « ... اذا قمتم الى الصلاة ... » أنّ المكلّف المحدث على قسمين: محدث غير جنب فوظيفته الوضوء، و محدث جنب و وظيفته الاغتسال، و حيث انّ المكلّف محدث بالجنابة في مفروض المسألة فلا مقتضي في حقّه للوضوء، و انّما وظيفته الاغتسال و قد حقّقه غسله من المسّ أو غيره فعدم وجوب الوضوء في المقام مستند الى عدم المقتضي له».(1)

أقول:

هذا الذي ذهب اليه من الدليل حسن، الاّ أنّه عبارة أخرى عن نزول غسل مسّ الميّت منزلة غسل الجنابة، الذي يستفاد من قوله عليه السلام في صحيحة زرارة: «اذا اجتمعت عليك حقوق أجزأ عنك غسل واحد» فهذا الغسل الواحد يكون بمنزلة سائر الأغسال من الواجب و المستحبّ. فمعنى قوله رحمه الله في التنقيح: «و حيث انّ المكلّف محدث بالجنابة في مفروض المسألة فلا مقتضي في حقّه للوضوء ... » هو الذي قلنا، و لم يقبل هو نفسه في كلامه قبل ذلك، و لم نذكره خوفا من التطويل فراجعه.


1) - التنقيح في شرح العروة 7: 60.

في صحّة غسل الجمعة من الجنب و الحائض

(مسألة 16): الأقوى صحّة غسل الجمعة من الجنب و الحائض بل لايبعد اجزاؤه عن غسل الجنابة بل عن غسل الحيض اذا كان بعد انقطاع الدم.

الشرح:

قد تقدّم شرح هذه المسألة في الفرع الرابع من المسألة السابقة.

قال في التنقيح: «هذه المسألة من صغريات الكبرى المتقدّمة من أنّ الغسل المستحبّ يغني عن الأغسال الواجبة و المستحبّة مطلقا و ان لم ينوها و لم تكن حاجة الى التكرار، و لعلّه انّما تعرّض لها بخصوصها لورود النصّ فيها و هو رواية الصدوق».(1)

فيما اذا كان يعلم اجمالاً أنّ عليه أغسالاً لكن لايعلم بعضها بعينه

(مسألة 17): اذا كان يعلم اجمالاً أنّ عليه أغسالاً لكن لايعلم بعضها بعينه يكفيه أن يقصد جميع ما عليه، كما يكفيه أن يقصد البعض المعيّن و يكفي عن غير المعيّن، بل اذا نوى غسلاً معيّنا و لايعلم و لو اجمالاً غيره و كان عليه في الواقع كفى عنه أيضا و ان لم يحصل امتثال أمره. نعم، اذا نوى بعض الأغسال و نوى عدم تحقّق الآخر ففي كفايته عنه اشكال، بل صحّته أيضا لاتخلو عن اشكال بعد كون حقيقة الأغسال واحدة، و من هذا يشكل البناء على عدم التداخل بأن يأتي بأغسال متعدّدة كلّ واحد بنيّة واحد منها، لكن لا اشكال اذا أتى فيما عدا الأوّل برجاء الصحّة و المطلوبيّة.

الشرح:

قد تقدّم في الفروع المتقدّمة من المسألة السابقة شرح صدر هذه المسألة فلا حاجة الى التكرار، انّما الكلام في قوله رحمه الله في ذيل المسألة: «نعم، اذا نوى بعض الأغسال و نوى عدم تحقّق الآخر ففي كفايته عنه اشكال بل صحّته أيضا لاتخلو


1) - التنقيح في شرح العروة 7: 62.

عن اشكال بعد كون حقيقة الأغسال واحدة، من هذا يشكل البناء على عدم التداخل ... ».

و في التنقيح في توضيح حال هذه و شرحها قال: «كما اذا اغتسل لمسّ الميّت قاصدا أن لايرتفع به جنابته؛ لأنّه يريد أن يغتسل لها مستقلاًّ، فهل هذا الغسل صحيح في نفسه أو باطل؟ و على فرض صحّته فهل يغني عن غيره و ان كان المكلّف قد قصد عدمه أو لا يغني؟ و قد استشكل الماتن قدس سره في صحّته و اغنائه عمّا في ذمّته؛ نظرا الى أنّ الأغسال طبيعة واحدة و متى تحقّق فرد منها ارتفع الجميع، فلا انفكاك بين الفرد و الطبيعة، فالحكم بصحّة غسله هذا مشكل، و عليه أن يأتي بالغسل الآخر برجاء المطلوبيّة و قصد ما في الذمّة، ولكنّ الظاهر صحّة ما أتى به من الغسل و اغنائه عن البقيّة، سواء قلنا بوحدة الأغسال و أنّها طبيعة واحدة أو تعدّدها؛ لأنّه على القول الأوّل يصحّ غسله و يغني عن سائر الأغسال بحكم الشارع. و كذا لو قلنا بأنّها طبائع مختلفة، فاذا حكم الشارع باغنائه عن سائر الأغسال فهو المرجع فالنتيجة اذا أتى غسله هذا قربة الى اللّه صحيح و يكون مغنيا عن الأغسال الأخر و ان لم ينوها. انتهى ملخّصا».(1)

أقول:

كلامه مع ملاحظة تفصيله متين، الاّ أنّ الاجزاء عن سائر الأغسال مع عدم نيّته عامدا و مع قصده بأن يأتي بها منفردا مشكل، اللّهمّ الاّ أن يقال: انّ قوله عليه السلام في الصحيحة: «اذا اجتمعت عليك حقوق أجزأ عنك غسل واحد» مطلق، فهذا حكم شرعي وضعي، سواء نوى هذا الغسل وحده أو نوى غيره أيضا، فالغسل الواحد مجزئ عن سائر الأغسال، فهو وجيه.


1) - التنقيح في شرح العروة 7: 63 و 64.

المبحث السادس في الدماء الثلاثة

اشارة

و فيه فصول:

الفصل الأوّل في معنى الحيض و صفاته

الفصل الثاني في حكم تجاوز الدم عن العشرة

الفصل الثالث في أحكام الحائض

الفصل الرابع في الاستحاضة

الفصل الخامس في النفاس

الفصل الاوّل : في معنى الحيض و صفاته

في معنى الحيض و صفاته
اشارة

و هو دم خلقه اللّه تعالى في الرحم لمصالح، و في الغالب أسود أو أحمر غليظ طريّ حارّ يخرج بقوّة و حرقة كما أنّ دم الاستحاضة بعكس ذلك، و يشترط أن يكون بعد البلوغ و قبل اليأس، فما كان قبل البلوغ أو بعد اليأس ليس بحيض و ان كان بصفاته، و البلوغ يحصل باكمال تسع سنين و اليأس ببلوغ ستّين سنة في القرشيّة و خمسين في غيرها، و القرشيّة من انتسب الى النضر بن كنانة، و من شكّ في كونها قرشيّة يلحقها حكم غيرها، و المشكوك البلوغ محكوم بعدمه و المشكوك يأسها كذلك.

الشرح:

هنا فروع:

الفرع الأوّل : في معنى الحيض لغة و شرعا

قال في المدارك: «قد اشتهر في كلام الأصحاب أنّ الحيض لغة هو السيل، من قولهم: حاض الوادي: اذا سال بقوّة، و في القاموس: حاضت المرأة تحيض

حيضا: سال دمها. و لايستبعد كونه حقيقة في هذا المعنى؛ للتبادر و أصالة عدم النقل».(1)

و في المستمسك - في شرح كلام المصنّف: «و هو دم خلقه اللّه تعالى في الرحم لمصالح» - قال: «بذا عرّفه جماعة، بل صريح غير واحد أنّه في الشرع اسم للدم بل قيل: انّه اسم للدم لغة و شرعا. و ادّعي أنّه ظاهر كلام جماعة من أهل اللغة كأصحاب الصحاح و القاموس و المجمل و المغرب و مجمع البحرين، لكنّ في الاستظهار تأمّلاً يظهر وجهه من مراجعة كلماتهم. ففي القاموس: «حاضت المرأة تحيض ... - الى أن قال: - سال دمها» و نحوه كلام غيره، و لو كان المراد أنّه اسم للدم كان المناسب أن يقال في تفسيره: اذا سال حيضها لا دمها. بل في مجمع البحرين: «الحيض اجتماع الدم، و به سمّي الحوض لاجتماع الماء فيه». و قريب منه ما في القاموس، فانّه كالصريح في أنّه من أسماء المعنى لا العين. بل يمكن أن يكون كذلك شرعا بشهادة اضافة الدم اليه في كثير من النصوص فيقال: دم الحيض. و جعل الاضافة بيانيّة خلاف الظاهر. و الأمر في أمثال هذا سهل».(2)

و في التنقيح: «الظاهر أنّ الحيض معنى حدثي، و من هنا يشتقّ منه و يقال: حاضت، تحيض، حائض و حيّض؛ اذ لو كان من الجوامد لم يمكن منه الاشتقاق الاّ على وجه التأويل كما في اللابن و التامر و الحدّاد. ولكن قد أطلق في غير واحد من الأخبار على نفس الدم، كقوله عليه السلام في رواية سلمان: «انّ اللّه تبارك و تعالى حبس عليه الحيضة فجعلها رزقه في بطن أمّه»، حيث أطلق الحيضة على نفس الدم. و لعلّه من هنا فسّر الأصحاب رحمهم الله الحيض بالدم، و الاّ فمعنى الحيض حدثي. انتهى ملخّصا».(3)


1) - مدارك الأحكام 1: 311.

2) - مستمسك العروة 3: 150 و 151.

3) - التنقيح في شرح العروة 7: 65.

و قال في الشرائع: «فالحيض: الدم الذي له تعلّق بانقضاء العدّة و لقليله حدّ».(1)

و قال في المدارك: «فالدم بمنزلة الجنس، و تعلّقه بانقضاء العدّة يخرج ما عدا النفاس من الدماء، فانّ له تعلّقا بانقضاء العدّة في الحامل من زنا. و خرج النفاس بالقيد الأخير، و ليس في هذا التعريف كثير فائدة، و كان يغني عنه ذكر الأوصاف؛ لأنّ بها يتميّز عن غيره من الدماء عند الاشتباه كما ذكره المصنّف في المعتبر».(2)

أقول:

ما قاله في المدارك وجيه من أنّه ليس في معنى الحيض و لا في تعريفه كثير فائدة، فكان يغني عنه ذكر الأوصاف. نعم، كلّما قاله أهل اللغة أو الفقهاء في معناه و تعريفه يكون من شرح الاسم، للاشارة الى أحكامه.

الفرع الثاني : في صفات الحيض

قال المصنّف: «و هو في الغالب أسود أو أحمر غليظ طري حارّ يخرج بقوّة و حرقة، كما أنّ دم الاستحاضة بعكس ذلك».

و قال في الشرائع: «و في الأغلب يكون أسود غليظا حارّا يخرج بحرقة».(3)

و في المدارك: «قيّد بالأغلب لأنّ دم الحيض قد يكون بخلاف ذلك؛ لأنّ الحمرة و الصفرة في أيّام الحيض حيض كما سيجيء بيانه. و العبيط بالمهملتين:


1) - شرائع الاسلام 1: 28.

2) - مدارك الأحكام 1: 311.

3) - شرائع الاسلام 1: 28.

الطري، و المراد بالحرقة هنا اللذع الحاصل للمخرج بسبب الدفع و الحرارة».(1)

و الدليل على هذه الصفات روايات:

منها صحيحة حفص بن البختري قال:

«دخلت على أبي عبداللّه عليه السلام امرأة فسألته عن المرأة يستمرّ بها الدم، فلاتدري حيض هو أو غيره؟ قال: فقال لها: انّ دم الحيض حارّ عبيط أسود، له دفع و حرارة، و دم الاستحاضة أصفر بارد، فاذا كان للدم حرارة و دفع و سواد فلتدع الصلاة، قال: فخرجت و هي تقول: واللّه أن لو كان امرأة مازاد على هذا».(2)

و منها صحيحة معاوية بن عمّار قال:

«قال أبو عبداللّه عليه السلام : انّ دم الاستحاضة و الحيض ليس يخرجان من مكان واحد، انّ دم الاستحاضة بارد و انّ دم الحيض حارّ».(3)

و قوله عليه السلام في موثّقة اسحاق بن جرير قال:

« ... دم الحيض ليس به خفاء هو دم حارّ تجد له حرقة، و دم الاستحاضة دم فاسد بارد، الحديث».(4)

و في الجواهر - في ذيل كلام صاحب الشرائع: «و في الأغلب يكون أسود غليظا حارّا يخرج بحرقة» - قال: «كما صرّح به جماعة، بل لاأجد فيه خلافا، بل قد عرفت أنّ منهم من أخذه في تعريف الحيض. و يدلّ عليه صحيح البختري و صحيح معاوية و موثّق اسحاق بن جرير، و خبر يونس بن عبدالرحمن. و في خبر آخر: «اذا رأيت الدم البحراني فدعي الصلاة، ثمّ قال: و انّما سمّاه أبي بحرانيّا


1) - مدارك الأحكام 1: 312.

2) - وسائل الشيعة 2: 275 / الباب 3 من أبواب الحيض / الحديث 2.

3) - وسائل الشيعة 2: 275 / الباب 3 من أبواب الحيض / الحديث 1.

4) - وسائل الشيعة 2: 276 / الباب 3 من أبواب الحيض / الحديث 3.

لكثرته و لونه». و في السرائر كما عن المعتبر و التذكرة: «انّه شديد الحمرة و السواد»، و في كشف اللثام: «انّ البحراني كما في كتب اللغة الخالص الحمرة شديدها منسوب الى بحر الرحم أي قعره». انتهى ملخّصا».(1)

الفرع الثالث : في أنّه يشترط أن يكون بعد البلوغ و قبل اليأس

قال في المستمسك: «اجماعا في الأوّل، حكاه جماعة، بل عن المعتبر أنّه اجماعي هنا و من أهل العلم كافّة. و قريب منه ما عن المنتهى و شرح المفاتيح. و عن المعتبر و مجمع البرهان و المدارك و شرح المفاتيح: الاتّفاق عليه في الثاني».(2)

قال في التنقيح: «و أمّا السنّ الذي يخرج فيه الحيض فقد أشار اليه الماتن بقوله: «و يشترط أن يكون بعد البلوغ الخ» أي اكمال تسع سنين كما في صحيحة ابن الحجّاج عن الصادق عليه السلام : «ثلاث يتزوّجن على كلّ حال - و عدّ منها التي لم تحض و مثلها لاتحيض - قال: قلت: و ما حدّها؟ قال: اذا أتى لها أقلّ من تسع سنين»، هكذا قيل.

و الصحيح أن يقال: انّ رواية ابن الحجّاج ضعيفة؛ لأنّ في سند الشيخ اليه ابن عبدون و علي بن محمّد بن الزبير، و هما لم يوثّقا في الرجال. نعم، ابن عبدون من مشايخ النجاشي، فلا بأس به من هذه الجهة، بخلاف ابن الزبير كما يأتي.

و الأولى أن يستدلّ بموثّقة عبداللّه بن سنان: «اذا بلغ الغلام ثلاث عشرة سنة كتبت له الحسنة و كتبت عليه السيّئة و عوقب، و اذا بلغت الجارية تسع سنين


1) - جواهر الكلام 3: 137 و 138.

2) - مستمسك العروة 3: 152.

فكذلك و ذلك أنّها تحيض لتسع سنين». على أنّ اعتبار ذلك أمر متسالم عليه، بل قالوا: انّه ضروري عند المسلمين حتّى المخالفين، و يأتي أنّ أقلّه ثلاثة أيّام، فاذا وقع بعض الثلاثة قبل اكمال التسع لم يحكم بحيضيّة الدم».(1)

و في الجواهر: «و كلّ ما تراه الصبيّة من الدم و ان كان في صفات الحيض قبل بلوغها تسعا من حين الولادة فليس بحيض؛ للأصل و الاجماع بقسميه و الأخبار، كموثّقة عبدالرحمن بن الحجّاج، و صحيحة عبدالرحمن و غيرها. انتهى ملخّصا».(2)

أقول:

الظاهر كما عرفت التسالم على أنّه يشترط أن يكون الحيض بعد البلوغ الى تسع سنين، و ما تراه من الدم قبله لايكون حيضا. و كذلك يشترط أن يكون قبل اليأس فما تراه المرأة بعد اليأس لايكون حيضا، كما يأتي في الفرع الآتي.

الفرع الرابع : في حصول البلوغ و اليأس في المرأة

انّ البلوغ في المرأة يحصل باكمال تسع سنين؛ و ذلك للروايات الواردة في الأبواب المختلفة:

منها رواية حمران قال:

«سألت أبا جعفر عليه السلام - الى أن قال: - انّ الجارية اذا تزوّجت، و دخل بها و لها تسع سنين ذهب عنها اليتم، و دفع اليها مالها، و جاز أمرها في الشراء و البيع، و أقيمت عليها الحدود التامّة، و أخذ لها بها، قال: و


1) - التنقيح في شرح العروة 7: 66 و 67.

2) - جواهر الكلام 3: 142.

الغلام لايجوز أمره في الشراء و البيع، و لايخرج من اليتم، حتّى يبلغ خمس عشرة سنة، أو يحتلم أو يشعر، أو ينبت قبل ذلك».(1)

و رواية يزيد الكناسي عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«الجارية اذا بلغت تسع سنين ذهب عنها اليتم، و زوّجت، و أقيمت عليها الحدود التامّة لها و عليها، الحديث».(2)

و رواية اسماعيل بن جعفر (في حديث):

«انّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله دخل بعائشة و هي بنت عشر سنين، و ليس يدخل بالجارية حتّى تكون امرأة».(3)

و موثّقة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«اذا بلغ الغلام ثلاث عشرة سنة كتبت له الحسنة و كتبت عليه السيّئة و عوقب، و اذا بلغت الجارية تسع سنين فكذلك، و ذلك أنّها تحيض لتسع سنين».(4)

و لاتعارضها موثّقة عمّار الساباطي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته عن الغلام متى تجب عليه الصلاة؟ فقال: اذا أتى عليه ثلاث عشرة سنة، فان احتلم قبل ذلك فقد وجبت عليه الصلاة، و جرى عليه القلم، و الجارية مثل ذلك ان أتى لها ثلاث عشرة سنة، أو حاضت قبل ذلك، فقد وجبت عليها الصلاة، و جرى عليها القلم».(5)

لأنّها محمولة على حصول الاحتلام أو الانبات للغلام اذا أتى عليه ثلاث عشرة


1) - وسائل الشيعة 1: 43 / الباب 4 من أبواب مقدّمة العبادات / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 1: 43 / الباب 4 من أبواب مقدّمة العبادات / الحديث 3.

3) - وسائل الشيعة 1: 44 / الباب 4 من أبواب مقدّمة العبادات / الحديث 5.

4) - وسائل الشيعة 19: 364 / الباب 44 من أبواب كتاب الوصايا / الحديث 12.

5) - وسائل الشيعة 1: 45 / الباب 4 من أبواب مقدّمة العبادات / الحديث 12.

سنة، و عدم تعقّل للجارية قبلها، مضافا الى أنّ مفهوم الشرط بالنسبة الى الجارية غير مراد؛ للروايات المتقدّمة المؤيّدة بالاجماع المنقول.

انّ اليأس يحصل ببلوغ ستّين في القرشيّة و خمسين في غيرها؛ و الدليل على ذلك صحيحتان لعبدالرحمن بن الحجّاج، احداهما عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«حدّ التي قد يئست من المحيض خمسون سنة».(1)

و الثانية أيضا عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:

«قلت: التي قد يئست من المحيض و مثلها لاتحيض؟ قال: اذا بلغت ستّين سنة فقد يئست من المحيض و مثلها لاتحيض».(2)

فالأولى تحمل على غير القرشيّة و الثانية تحمل على القرشيّة، و الشاهد على هذا الجمع مرسلة ابن أبي عمير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«اذا بلغت المرأة خمسين سنة لم تر حمرة، الاّ أن تكون امرأة من قريش».(3)

و مرسلة الصدوق قال:

«قال الصادق عليه السلام : المرأة اذا بلغت خمسين سنة لم تر حمرة، الاّ أن تكون امرأة من قريش، و هو حدّ المرأة التي تيأس من الحيض».(4)

و مرسلة الشيخ في المبسوط:

«تيأس المرأة اذا بلغت خمسين سنة الاّ أن تكون امرأة من قريش، فانّه روي أنّها ترى دم الحيض الى ستّين سنة».(5)


1) - وسائل الشيعة 2: 335 / الباب 31 من أبواب الحيض / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 2: 337 / الباب 31 من أبواب الحيض / الحديث 8.

3) - وسائل الشيعة 2: 335 / الباب 31 من أبواب الحيض / الحديث 2.

4) - وسائل الشيعة 2: 336 / الباب 31 من أبواب الحيض / الحديث 7.

5) - وسائل الشيعة 2: 336 / الباب 31 من أبواب الحيض / الحديث 5.

و قد ذهب الى هذا القول - كما في الجواهر -(1)الصدوق في الفقيه و الشيخ في المبسوط و المحقّق في المعتبر و ابن حمزة في الوسيلة و العلاّمة في التذكرة و القواعد و الارشاد و الشهيد في الذكرى و البيان و الدروس.

و في المستمسك: «كما عن الفقيه و المقنعة و الوسيلة و المبسوط و الجامع و المعتبر و التذكرة و كتب الشهيدين و جامع المقاصد بل عن جماعة نسبته الى المشهور، بل عن التبيان و مجمع البيان نسبته الى الأصحاب».(2)

و في التنقيح: «ذهب بعض العامّة الى أنّ حدّ اليأس هو سبعون سنة و حدّده بعض آخر بخمسين أو بخمسة و خمسين، الى غير ذلك من التفاصيل، و قال بعضهم: انّ الحيض لا منتهى له، فكلّ دم تراه المرأة بعد بلوغها يحكم بحيضيّته عند استجماعه الأوصاف و الشرائط. و أمّا أصحابنا فقد ذهب جملة منهم كالشيخ في نهايته و جمله و صاحب السرائر و المحقّق في كتاب الطلاق الى أنّ حدّه خمسون سنة بلا فرق في ذلك بين القرشيّة و غيرها. و في قبال هذا قولان آخران: أحدهما: أنّ حدّ انقطاع الحيض ستّون سنة في القرشيّة و غيرها، و هو قول المحقّق في كتاب الطهارة، و نسب الى العلاّمة في المنتهى و المختلف، و نسب الى الأردبيلي الميل اليه. و ثانيهما: أنّ حدّه في القرشيّة ستّون سنة و في غيرها خمسون، و هذا هو المعروف بين أصحابنا».(3)

قال في المدارك: «و المراد بالقرشيّة من انتسب الى قريش بأبيها، كما هو المختار في نظائره - الى أن قال: - فكلّ امرأة علم انتسابها الى قريش، و هو النضر بن كنانة، أو انتفاؤها عنه فحكمها واضح. و من اشتبه نسبها كما هو الأغلب في هذا الزمان من عدم العلم بنسب غير الهاشميّين فالأصل يقتضي عدم كونها


1) - جواهر الكلام 3: 161.

2) - مستمسك العروة 3: 153.

3) - التنقيح في شرح العروة 7: 67 و 68.

قرشيّة، و يعضده استصحاب التكليف بالعبادة الى أن يتحقّق المسقط».(1)

ثمّ انّ مشكوك البلوغ محكوم بعدمه؛ للاستصحاب، فيحكم بكون الدم مرئيّا قبل بلوغ المرأة تسعا؛ اذ الجزء الأوّل معلوم وجدانا و الثاني محرز بالاستصحاب، فلايكون حيضا و كذا يجري استصحاب عدم اليأس لو شكّ فيه، فيحكم بكون الدم مرئيّا قبل بلوغ الخمسين أو الستّين، فيكون حيضا.

فيما اذا خرج ممّن شكّ في بلوغها دم و كان بصفات الحيض

(مسألة 1): اذا خرج ممّن شكّ في بلوغها دم و كان بصفات الحيض يحكم بكونه حيضا و يجعل علامة على البلوغ، بخلاف ما اذا كان بصفات الحيض و خرج ممّن علم عدم بلوغها فانّه لايحكم بحيضيّته، و هذا هو المراد من شرطيّة البلوغ.

الشرح:

قد تقدّم في الفرع الثالث من هذا الفصل أنّ الدم الذي يخرج من المرأة قبل تسع سنين لايكون حيضا، و تقدّم أيضا في الفرع الرابع أنّ البلوغ يحصل باكمال تسع سنين، فلو خرج الدم ممّن علم عدم بلوغها و كان بصفات الحيض لايحكم بحيضيّته. انّما الكلام في أنّه اذا خرج الدم ممّن شكّ في بلوغها و كان بصفات الحيض فهل يحكم بكونه حيضا و يجعل علامة على البلوغ أم لا؟

قال في التنقيح: «الظاهر لايكون هذا الدم علامة على البلوغ؛ و ذلك لأنّ الحكم بالحيضيّة و البلوغ بالأمارة، امّا أن يكون مع الشكّ في حيضيّة الدم، و امّا أن يكون مع العلم بكونه حيضا. أمّا اذا شكّ في أنّه حيض أو ليس بحيض فلايمكن الحكم بكونه حيضا؛ لاشتراطه بالبلوغ تسعا، و مع الشكّ في تحقّق شرطه بل التعبّد بعدم تحقّقه لاستصحاب عدم البلوغ كيف يمكن الحكم


1) - مدارك الأحكام 1: 322 و 324.

بحيضيّته و بالبلوغ؟ و أمّا مع العلم بكونه حيضا فأيضا لا معنى للأمارة و التعبّد بها بالبلوغ؛ اذ العلم بالحيضيّة يساوق العلم ببلوغ الصبيّة تسعا؛ لأنّه لازم اشتراط الحيض بالبلوغ تسعا، و مع عدم العلم بتحقّقه كيف يعلم أنّ الدم حيض، و مع العلم بهما لا معنى للأماريّة أبدا، فما ذهبوا اليه من أنّ الصفات حينئذ أمارة على الحيضيّة و البلوغ ممّا لا وجه له».(1)

أقول:

انّ الكلام في أنّ هذا الدم يكون بصفات الحيض، فاذا علم بعدم بلوغ الصبيّة تسعا، فنحكم بأنّ هذا الدم لم يكن حيضا؛ للروايات التي تقدّمت في الفرع الثالث، و أمّا اذا شكّ في بلوغها تسعا فأيّ مانع هنا من الحكم بأنّ ذلك علامة على بلوغها تسعا؟ و قد أيّد هذا بل يدلّ عليه ما ورد في مرسلة الصدوق:

«على الصبي اذا احتلم الصيام، و على المرأة اذا حاضت الصيام».(2)

و رواية أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال:

«على الصبيّ اذا احتلم الصيام، و على الجارية اذا حاضت الصيام و الخمار، الحديث».(3)

و صحيحة يونس بن يعقوب أنّه سأل أبا عبداللّه عن الرجل يصلّي في ثوب واحد؟ قال:

«نعم. قال: قلت: فالمرأة؟ قال: لا، و لايصلح للحرّة اذا حاضت الاّ الخمار، الاّ أن لاتجده».(4)

و رواية أبي البختري عن جعفر بن محمّد عن أبيه عن علي عليهم السلام قال:


1) - التنقيح في شرح العروة 7: 77.

2) - وسائل الشيعة 1: 45 / الباب 4 من أبواب مقدّمة العبادات / الحديث 10.

3) - وسائل الشيعة 4: 409 / الباب 29 من أبواب لباس المصلّي / الحديث 3.

4) - وسائل الشيعة 4: 405 / الباب 28 من أبواب لباس المصلّي / الحديث 4.

«اذا حاضت الجارية فلاتصلّي الاّ بخمار».(1)

و هذه الروايات مضافا الى الروايات التي تقدّمت في الفرع الرابع من أنّ البلوغ في المرأة يحصل باكمال تسع سنين تتبع أنّ علامة بلوغها رؤية الحيض أو اكمال تسع سنين. هذا، مع أنّ ذلك قد صرّح في كلام جماعة:

قال في المستمسك: «و المصرّح به في كلام جماعة - بل عن المسالك نفي الخلاف فيه، و عن الذكرى: «لانعلم فيه خلافا»، بل عن صوم الروضة الاجماع عليه - أنّ الحيض دليل على البلوغ. لكنّ المحكي عن حجر المبسوط و صومه و وصايا النهاية، و خمس الوسيلة و نكاحها، و حجر الغنية و صوم السرائر و وصاياها و نوادر قضائها، و صوم الجامع، و حجر التحرير أنّ الحيض بنفسه بلوغ، بل عن الغنية الاجماع عليه».(2)

(مسألة 2): لا فرق في كون اليأس بالستّين أو الخمسين بين الحرّة و الأمة و حارّ المزاج و بارده و أهل مكان و مكان.

الشرح:

لا فرق في تحقّق اليأس بالستّين أو الخمسين بين الحرّة و الأمة و حارّ المزاج و بارده، و أهل مكان و مكان؛ و ذلك لاطلاق الأخبار، و عدم القول بالفرق، ففي المستمسك: «انّي لم أقف على مخالف في ذلك».(3)


1) - وسائل الشيعة 4: 408 / الباب 28 من أبواب لباس المصلّي / الحديث 13.

2) - مستمسك العروة 3: 160.

3) - مستمسك العروة 3: 162.

في أنّ الحيض يجتمع مع الارضاع و في اجتماعه مع الحمل قولان

(مسألة 3): لا اشكال في أنّ الحيض يجتمع مع الارضاع و في اجتماعه مع الحمل قولان، الأقوى أنّه يجتمع معه سواء كان قبل الاستبانة أو بعدها، و سواء كان في العادة أو قبلها أو بعدها. نعم، فيما كان بعد العادة بعشرين يوما الأحوط الجمع بين تروك الحائض و أعمال المستحاضة.

الشرح:

لا اشكال في أنّ الحيض يجتمع مع الارضاع.

قال في التنقيح: «و ذلك للاطلاقات الدالّة على أنّ كلّ دم واجد لصفات الحيض حيض أو أنّ ما تراه المرأة أيّام عادتها فهو حيض، على أنّ المسألة متسالم عليها و قد عدّ بعضهم امكان اجتماع الحيض مع الارضاع من الضروريّات. و أمّا اجتماعه مع الحمل، فالمشهور أنّ الحيض يجتمع مع الحمل، و ذهب جماعة الى عدم جواز اجتماعهما كما عن المفيد و ابن الجنيد و الحلّي و المحقّق في الشرائع، و نسبه في النافع الى أشهر الروايات، و هذا منه قدس سرهعجيب، حيث انّ الأخبار المستدلّ بها على عدم جواز الاجتماع قليلة. انتهى ملخّصا».(1)

قال في المدارك: «اختلف الأصحاب في هذه المسألة فذهب الأكثر الى أنّ الحامل قد تحيض كالحائل، و هو اختيار أبي جعفر بن بابويه و السيّد المرتضى.

و قال الشيخ في النهاية و كتابي الأخبار: «و ما تجده المرأة الحامل في أيّام عادتها يحكم بكونه حيضا، و ما تراه بعد عادتها بعشرين يوما فليس بحيض».

و قال في الخلاف: «انّه حيض قبل أن يستبين الحمل لا بعده». و نقل فيه الاجماع. و قال المفيد رحمه الله و ابن الجنيد رحمه الله: «لايجتمع حيض مع حمل».

الى أن قال: احتجّ الشيخ في كتابي الأخبار على القول الثاني بصحيحة الحسين بن نعيم الصحّاف، و هي مع صحّتها صريحة في المدّعى فيتّجه العمل بها، و ان


1) - التنقيح في شرح العروة 7: 79 و 80.

كان القول الأوّل لايخلو من قوّة. و أمّا القول الثالث فلم أقف له على مستند. احتجّ المفيد رحمه اللهبرواية السكوني و صحيحة حميد بن المثنّى. و الجواب أنّ الرواية الأولى ضعيفة السند، و الثانية في غير موضع النزاع؛ لأنّ الدم المذكور لم يجمع شرائط الحيض. انتهى ملخّصا».(1)

و الأقوى أنّ الحيض يجتمع مع الحبل؛ يدلّ على ذلك روايات:

منها صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام :

«انّه سئل عن الحبلى ترى الدم أتترك الصلاة؟ فقال: نعم، انّ الحبلى ربّما قذفت بالدم».(2)

و منها صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج قال:

«سألت أبا الحسن عليه السلام عن الحبلى ترى الدم و هي حامل كما كانت ترى قبل ذلك في كلّ شهر، هل تترك الصلاة؟ قال: تترك الصلاة اذا دام».(3)

و منها صحيحة صفوان قال:

«سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام عن الحبلى ترى الدم ثلاثة أيّام أو أربعة أيّام، تصلّي؟ قال: تمسك عن الصلاة».(4)

و منها صحيحة أبي المغراء قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الحبلى قد استبان ذلك منها ترى كما ترى الحائض من الدم؟ قال: تلك الهراقة، ان كان دما كثيرا فلاتصلّين، و ان كان قليلاً فلتغتسل عند كلّ صلاتين».(5)


1) - مدارك الأحكام 2: 9 - 12.

2) - وسائل الشيعة 2: 329 / الباب 30 من أبواب الحيض / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 2: 330 / الباب 30 من أبواب الحيض / الحديث 2.

4) - وسائل الشيعة 2: 331 / الباب 30 من أبواب الحيض / الحديث 4.

5) - وسائل الشيعة 2: 331 / الباب 30 من أبواب الحيض / الحديث 5.

بناءً على أنّ المراد من الدم الكثير، الدم الذي يكون في المخرج ثلاثة أيّام أو أكثر، و الدم القليل أقلّ من ثلاثة أيّام بقرينة الروايات الأخر.

و منها موثّقة اسحاق بن عمّار قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن المرأة الحبلى ترى الدم اليوم و اليومين؟ قال: ان كان دما عبيطا فلاتصلّي ذينك اليومين، و ان كان صفرة فلتغتسل عند كلّ صلاتين».(1)

بناءً على أن يكون الدم العبيط علامة كونه حيضا و يستكمل بثلاثة أيّام و أكثر بقرينة سائر الروايات.

و منها صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام قال:

«سألته عن الحبلى ترى الدم كما كانت ترى أيّام حيضها مستقيما في كلّ شهر؟ قال: تمسك عن الصلاة كما كانت تصنع في حيضها، فاذا طهرت صلّت».(2)

و منها صحيحة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته عن الحبلى ترى الدم؟ قال: نعم، انّه ربّما قذفت المرأة الدم و هي حبلى».(3)

و منها صحيحة سليمان بن خالد قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : جعلت فداك الحبلى ربّما طمثت؟ قال: نعم، و ذلك أنّ الولد في بطن أمّه غذاؤه الدم، فربّما كثر ففضل عنه، فاذا فضل دفقته، فاذا دفقته حرمت عليها الصلاة».(4)


1) - وسائل الشيعة 2: 331 / الباب 30 من أبواب الحيض / الحديث 6.

2) - وسائل الشيعة 2: 331 / الباب 30 من أبواب الحيض / الحديث 7.

3) - وسائل الشيعة 2: 332 / الباب 30 من أبواب الحيض / الحديث 10.

4) - وسائل الشيعة 2: 333 / الباب 30 من أبواب الحيض / الحديث 14.

و منها مرسلة حريز عن أبي جعفر و أبي عبداللّه عليهماالسلام في الحبلى ترى الدم قال:

«تدع الصلاة، فانّه ربّما بقي في الرحم الدم و لم يخرج، و تلك الهراقة».(1)

و منها مضمرة سماعة قال:

«سألته عن امرأة رأت الدم في الحبل؟ قال: تقعد أيّامها التي كانت تحيض فاذا زاد الدم على الأيّام التي كانت تقعد استظهرت بثلاثة أيّام ثمّ هي مستحاضة».(2)

قال في المستمسك: «الأقوى أنّ الحيض يجتمع مع الحمل كما عن الفقيه و المقنع و الناصريّات و كثير من كتب العلاّمة و الشهيدين و المحقّق الثاني، بل عن المدارك أنّه مذهب الأكثر، و عن جامع المقاصد أنّه المشهور، و يدلّ عليه كثير من الصحاح و غيرها كالصحاح من ابن سنان و ابن الحجّاج و صفوان».(3)

و بازائها روايات لاتصلح لمعارضة ما تقدّم:

منها صحيحة حميد بن المثنّى قال:

«سألت أبا الحسن الأوّل عليه السلام عن الحبلى ترى الدفقة و الدفقتين من الدم في الأيّام و في الشهر و الشهرين؟ فقال: تلك الهراقة، ليس تمسك هذه عن الصلاة».(4)

فانّها تحمل على ما اذا ترى الدم دفعة ثمّ ينقطع و لم يكن في الداخل مدّة ثلاثة أيّام متواليات.


1) - وسائل الشيعة 2: 332 / الباب 30 من أبواب الحيض / الحديث 9.

2) - وسائل الشيعة 2: 332 / الباب 30 من أبواب الحيض / الحديث 11.

3) - مستمسك العروة 3: 163.

4) - وسائل الشيعة 2: 332 / الباب 30 من أبواب الحيض / الحديث 8.

و منها رواية مقرّن عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سأل سلمان رحمه الله عليّا عليه السلام عن رزق الولد في بطن أمّه؟ فقال: انّ اللّه تبارك و تعالى حبس عليه الحيضة فجعلها رزقه في بطن أمّه».(1)

فانّها مع ضعف سندها تبيّنها صحيحة سليمان بن خالد المتقدّمة، حيث قال عليه السلام فيها:

« ... و ذلك أنّ الولد في بطن أمّه غذاؤه الدم، فربّما كثر ففضل عنه، فاذا فضل دفقته، فاذا دفقته حرمت عليها الصلاة».

فتحمل الرواية على ما اذا لم يفضل عن غذاء الجنين.

و منها رواية السكوني عن جعفر عن أبيه عليهماالسلام أنّه قال:

«قال النبي صلى الله عليه و آله: ما كان اللّه ليجعل حيضا مع حبل، يعني اذا رأت الدم و هي حامل لاتدع الصلاة، الاّ أن ترى على رأس الولد اذا ضربها الطلق و رأت الدم تركت الصلاة».(2)

و هذه الرواية مع ضعف سندها لاتقاوم الروايات الكثيرة المتقدّمة مع موافقتها للعامّة فتطرح.

قال في المستمسك: «و عن الكاتب و المفيد رحمه الله و الشرائع و الوحيد في شرح المفاتيح المنع من اجتماع الحمل مع الحيض، و ربّما نسب الى السرائر، و في محكي النافع الميل اليه؛ لخبر السكوني و صحيح حميد بن المثنّى. ولكنّ الخبرين لايصلحان لمعارضة ما سبق من وجوه كثيرة؛ لكثرة العدد و أصحيّة السند و مخالفة العامّة و موافقة المشهور. ثمّ انّه لا فرق بين كون رؤية الدم قبل الاستبانة أو بعدها، خلافا لما عن طهارة الخلاف و عن السرائر و الاصباح حيث منعوا من حيض المستبينة الحمل، و عن الأوّل الاجماع عليه، و عن الثاني نسبته


1) - وسائل الشيعة 2: 333 / الباب 30 من أبواب الحيض / الحديث 13.

2) - وسائل الشيعة 2: 333 / الباب 30 من أبواب الحيض / الحديث 12.

الى الأكثرين المحصّلين. و هذا القول على ظاهره غير ظاهر الوجه، بل مخالف لاطلاق النصوص المتقدّمة و صريح صحيح حميد بن المثنّى و خبر ابن مسلم الواردين في خصوص المستبينة الحمل، و لو أريد من الاستبانة مضي عشرين يوما من العادة رجع الى القول الآتي و دليله دليله. انتهى ملخّصا».(1)

أقول:

الظاهر أنّ دليل الخلاف و السرائر و الاصباح هو صحيحة أبي المغراء المتقدّمة قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الحبلى قد استبان ذلك منها ترى كما ترى الحائض من الدم؟ قال: تلك الهراقة، ان كان دما كثيرا فلاتصلّين، و ان كان قليلاً فلتغتسل عند كلّ صلاتين».(2)

ولكنّها لم تدلّ على ما ذهب اليه الشيخ و غيره؛ لعدم صلاحيّتها لأن تقيّد المطلقات؛ لأنّه سؤال الراوي.

ثمّ انّه قال المصنّف: «سواء كان في العادة أو قبلها أو بعدها. نعم، فيما كان بعد العادة بعشرين يوما الأحوط الجمع بين تروك الحائض و أعمال المستحاضة». و قد تقدّم عن المدارك أنّ الشيخ قال في النهاية و كتابي الأخبار: «انّ ما تراه المرأة الحامل في أيّام عادتها يحكم بكونها حيضا و ما تراه بعشرين يوما فليس بحيض». فاستدلّ بصحيحة الحسين بن نعيم الصحّاف قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام انّ أمّ ولدي ترى الدم و هي حامل، كيف تصنع بالصلاة؟ قال: فقال لي: اذا رأت الحامل الدم بعد ما يمضي عشرون يوما من الوقت الذي كانت ترى فيه الدم من الشهر الذي كانت تقعد


1) - مستمسك العروة 3: 163 - 165.

2) - وسائل الشيعة 2: 331 / الباب 30 من أبواب الحيض / الحديث 5.

فيه فانّ ذلك ليس من الرحم و لا من الطمث، فلتتوضّأ و تحتشي بكرسف و تصلّي، و اذ رأت الحامل الدم قبل الوقت الذي كانت ترى فيه الدم بقليل أو في الوقت من ذلك الشهر فانّه من الحيضة، فلتمسك عن الصلاة عدد أيّامها التي كانت تقعد في حيضها، فان انقطع عنها الدم قبل ذلك فلتغتسل و لتصلّ، الحديث».(1)

فانّها تحمل على ما اذا لم يكن الدم بعد العشرين بصفات و خصوصيّات الحيض؛ جمعا بينها و بين الأخبار المتضمّنة للتفصيل بين الواجد للصفات فيكون حيضا و الفاقد فيكون استحاضة كما تقدّم.

فيما اذا انصبّ الدم من الرحم الى فضاء الفرج و خرج منه شيء في الخارج

(مسألة 4): اذا انصبّ الدم من الرحم الى فضاء الفرج و خرج منه شيء في الخارج و لو بمقدار رأس ابرة لا اشكال في جريان أحكام الحيض، و أمّا اذا انصبّ و لم يخرج بعد و ان كان يمكن اخراجه بادخال قطنة أو اصبع ففي جريان أحكام الحيض اشكال، فلايترك الاحتياط بالجمع بين أحكام الطاهر و الحائض، و لا فرق بين أن يخرج من المخرج الأصلي أو العارضي.

الشرح:

اذا انصبّ الدم من الرحم الى فضاء الفرج و خرج منه شيء في الخارج و لو بمقدار رأس ابرة لا اشكال في جريان أحكام الحيض، فتشمله الأخبار و المطلقات. و أمّا اذا انصبّ و لم يخرج بعد، فقال المصنّف: « و ان كان يمكن اخراجه بادخال قطنة أو اصبع ففي جريان أحكام الحيض اشكال، فلايترك الاحتياط بالجمع بين أحكام الطاهر و الحائض».

و قال في التنقيح: «الظاهر الحكم بعدم كونه حيضا خلافا لبعضهم حيث جزم


1) - وسائل الشيعة 2: 330 / الباب 30 من أبواب الحيض / الحديث 3.

بحيضيّته؛ و ذلك لأنّ المستفاد من الأخبار الواردة في دم الحيض أنّ الموضوع للأحكام الواردة فيها هو الدم الخارج من المرأة و الطمث أو رؤية الدم، و لايصدق شيء من هذه العناوين عند انصباب الدم من الرحم و عدم خروجه الى خارج الفرج و ان كان بحيث تتمكّن المرأة من اخراجه باصبعها أو القطن أو تتمكّن من أن تمنع خروجه، و لا سيّما عنوان الرؤية حيث لايصدق أنّ المرأة رأت الدم، و بالأخصّ فيما اذا بنينا على أنّ الحيض اسم لنفس الدم، حيث انّ الحائض لايصدق حينئذ الاّ على امرأة خرج منها الدم، و مع عدم خروجه لايصدق أنّها حائض.

و لا وجه للتشبّث بما دلّ على أنّ الحيض انّما يحكم بانقطاعه فيما انقطع من الرحم و لم يبق فيه أو في المخرج دم؛ و ذلك للفرق بين الحدوث و البقاء، فانّ الحيض بعد حدوثه و وجوده لايحكم بارتفاعه و انقطاعه الاّ بانقطاعه من مادّته. و أمّا بحسب الحدوث فليس الأمر كذلك؛ لأنّ الحيض لايصدق الاّ بالخروج الى الخارج. انتهى ملخّصا».(1)

و قال في مهذّب الأحكام: «و اذا انصبّ الدم من الرحم الى داخل الفرج و لم يخرج بعد ففي جريان أحكام الحيض اشكال، من الأصل و أنّ أحكام الحدث - أصغر كان أو أكبر - انّما تترتّب على ما اذا خرج الى خارج الجسد لا على مجرّد الانتقال من محلّ الى آخر، فلا موضوع لجريان أحكام الحيض.

و من أنّ فضاء الفرج خارج بالنسبة الى الرحم، مع الاتّفاق نصّا و فتوىً على أنّه لو انقطع الدم من الخارج و شكّت في البقاء في الفضاء و عدمه تستبرئ على ما يأتي من التفصيل في المسألة الثالثة و العشرين، فيمكن أن يستفاد منه أنّ فضاء الفرج خارج بالنسبة الى الدم الذي يخرج من الرحم مطلقا من حيث الحدوث و الانقطاع، ولكن استفادة هذه الكلّيّة مشكلة في مقابل الأصل».(2)


1) - التنقيح في شرح العروة 7: 91.

2) - مهذّب الأحكام 3: 141.

أقول:

الظاهر أنّ ما ذهب اليه العلمان من الاشكال في صدق الحيض على ما اذا انصبّ الدم من الرحم الى داخل الفرج و لم يخرج بعد في موضعه، و ما نطق به التنقيح من الفرق بين الابتداء و الانقطاع في محلّه و الاحتياط لايترك الاّ أنّه لايبعد جريان أحكام الحيض عليه اذا خرج الدم بادخال قطنة أو اصبعها.

فيما اذا شكّت في أنّ الخارج دم أو غير دم
اشارة

(مسألة 5): اذا شكّت في أنّ الخارج دم أو غير دم أو رأت دما في ثوبها و شكّت في أنّه من الرحم أو من غيره لاتجري أحكام الحيض، و ان علمت بكونه دما و اشتبه عليها فامّا أن يشتبه بدم الاستحاضة أو بدم البكارة أو بدم القرحة، فان اشتبه بدم الاستحاضة يرجع الى الصفات فان كان بصفة الحيض يحكم بأنّه حيض، و الاّ فان كان في أيّام العادة فكذلك و الاّ فيحكم بأنّه استحاضة، و ان اشتبه بدم البكارة يختبر بادخال قطنة في الفرج و الصبر قليلاً ثمّ اخراجها فان كانت مطوّقة بالدم فهو بكارة و ان كانت منغمسة به فهو حيض، و الاختبار المذكور واجب فلو صلّت بدونه بطلت و ان تبيّن بعد ذلك عدم كونه حيضا الاّ اذا حصل منها قصد القربة بأن كانت جاهلة أو عالمة أيضا اذا فرض حصول قصد القربة مع العلم أيضا، و اذا تعذّر الاختبار ترجع الى الحالة السابقة من طهر أو حيض، و الاّ فتبني على الطهارة لكن مراعاة الاحتياط أولى، و لايلحق بالبكارة في الحكم المذكور غيرها كالقرحة المحيطة بأطراف الفرج، و ان اشتبه بدم القرحة فالمشهور أنّ الدم ان كان يخرج من الطرف الأيسر فحيض و الاّ فمن القرحة الاّ أن يعلم أنّ القرحة في الطرف الأيسر، لكن الحكم المذكور مشكل فلايترك الاحتياط بالجمع بين أعمال الطاهرة و الحائض، و لو اشتبه بدم آخر حكم عليه بعدم الحيضيّة الاّ أن يكون الحالة السابقة هي الحيضيّة.

الشرح:

في المسألة فروع:

الفرع الأوّل : فيما اذا شكّت في أنّ الخارج دم أو غير دم

اذا شكّت في أنّ الخارج دم أو غير دم أو رأت دما في ثوبها و شكّت في أنّه من الرحم أو من غيرها لاتجري أحكام الحيض؛ و ذلك لأصالة عدم كون الخارج دما في الأوّل و استصحاب الطهارة. و أصالة عدم كونه دم حيض في الثاني و استصحاب طهرها و ان كان الدم نجسا.

و ان علمت بكونه دما و اشتبه عليها، فامّا أن يشتبه بدم الاستحاضة فحينئذ فيه تفصيل يأتي و قد قال المصنّف هنا: «يرجع الى الصفات فان كان بصفة الحيض يحكم بأنّه حيض، و الاّ فان كان في أيّام العادة فكذلك و الاّ فيحكم بأنّه استحاضة».

و ما أفاده قدس سره في المقام و ان لم يكن كذلك في جميع المقامات - كما في التنقيح - لأنّ المرأة اذا رأت الدم بعد عادتها كخمسة أيّام مثلاً و قبل انقضاء عشرة أيّام من عادتها يحكم بكونه حيضا و ان لم يكن بصفات الحيض كما يأتي في محلّه، و كذا اذا رأته بيوم أو يومين قبل عادتها و استمرّ الى العادة، فانّه حيض أيضا و ان لم يكن بصفاته، كما أنّها اذا رأت الدم بعد أيّام عادتها و بعد انقضاء العشرة من أوّل عادتها و كان أيّام عادتها سبعة مثلاً، و لم يتخلّل بين الدمين أقلّ الطهر و هو عشرة أيّام، لايحكم بكونه حيضا و لو كان بصفات الحيض. و كذلك في المضطربة و المبتدئة فانّهما ترجعان الى نساء مثلهما عند تجاوز الدم العشرة مع عدم كونه بصفات الحيض و لايحكم بعدم كونه حيضا، الاّ أنّ غرضه قدس سره الاشارة الى اجمال التفرقة و المميّز بين دم الحيض و الاستحاضة. و أمّا تفصيلها فيأتي في محلّه ان شاء اللّه تعالى.

قال في التنقيح: «ثمّ انّ الدم اذا خرج في أيّام العادة أو بعدها ولكن كان متّصفا بصفات الحيض فيحكم بكونه حيضا، و أمّا اذا علمنا بعدم كونه حيضا لعدم استمراره ثلاثة أيّام مثلاً فهل يحكم بأنّه استحاضة بمعنى أنّ كلّ دم لم يكن حيضا فهو استحاضة أو ليس كذلك فهو أمر موكول الى بحث الاستحاضة، و لا بدّ من التعرّض هناك لما هو المميّز للاستحاضة، فانّ الكلام في المقام انّما هو فيما يتميّز به دم الحيض».(1)

الفرع الثاني : فيما اذا اشتبه الدم بدم البكارة

ان علمت بأنّ الخارج دم ولكن اشتبه عليها بدم البكارة فقد قال المصنّف: «يختبر بادخال قطنة في الفرج و الصبر قليلاً ثمّ اخراجها، فان كانت مطوّقة بالدم فهو بكارة، و ان كانت منغمسة به فهو حيض، و الاختبار المذكور واجب ... »

و قد دلّ على ما ذهب اليه المصنّف صحيحة خلف بن حمّاد الكوفي (فيحديث) قال:

«دخلت على أبي الحسن موسى بن جعفر عليه السلام بمنى فقلت له: انّ رجلاً من مواليك تزوّج جارية معصرا لم تطمث، فلمّا افتضّها سال الدم، فمكث سائلاً لاينقطع نحوا من عشرة أيّام، و انّ القوابل اختلفن في ذلك فقال بعضهنّ: دم الحيض، و قال بعضهن: دم العذرة، فما ينبغي لها أن تصنع؟ قال: فلتتّق اللّه، فان كان من دم الحيض فلتمسك عن الصلاة حتّى ترى الطهر، و ليمسك عنها بعلها، و ان كان من العذرة فلتتّق اللّه و لتتوضّأ و لتصلّ، و يأتيها بعلها ان


1) - التنقيح في شرح العروة 7: 94.

أحبّ ذلك، فقلت له: و كيف لهم أن يعلموا ما هو حتّى يفعلوا ما ينبغي؟ قال: فالتفت يمينا و شمالاً في الفسطاط مخافة أن يسمع كلامه أحد، قال: ثمّ نهد اليّ فقال: يا خلف، سرّ اللّه سرّ اللّه فلاتذيعوه، و لاتعلّموا هذا الخلق أصول دين اللّه، بل ارضوا لهم ما رضي اللّه لهم من ضلال، قال: ثمّ عقد بيده اليسرى تسعين ثمّ قال: تستدخل القطنة ثمّ تدعها مليّا، ثمّ تخرجها اخراجا رفيقا، فان كان الدم مطوّقا في القطنة فهو من العذرة، و ان كان مستنقعا في القطنة فهو من الحيض، قال خلف: فاستخفّني الفرح فبكيت، فلمّا سكن بكائي قال: ما أبكاك؟ قلت: جعلت فداك، من كان يحسن هذا غيرك؟ قال: فرفع يده الى السماء و قال: انّي واللّه ما أخبرك الاّ عن رسول اللّه صلى الله عليه و آلهعن جبرئيل عن اللّه عزّوجلّ».(1)

و صحيحة زياد بن سوقة قال:

«سئل أبو جعفر عليه السلام عن رجل افتضّ امرأته أو أمته فرأت دما كثيرا لاينقطع عنها يوما كيف تصنع بالصلاة؟ قال: تمسك الكرسف، فان خرجت القطنة مطوّقة بالدم فانّه من العذرة، تغتسل، و تمسك معها قطنة، و تصلّي، فان خرج الكرسف منغمسا بالدم فهو من الطمث، تقعد عن الصلاة أيّام الحيض».(2)

قال في المستمسك: «فان كانت مطوّقة بالدم فهو بكارة بلا خلاف و لا اشكال عدا ما عن الأردبيلي رحمه الله من الرجوع الى الصفات. و هو في غير محلّه بعد ما عرفت من النصوص المعوّل عليها بل الظاهر الاجماع على مضمونها. و ان كانت منغمسة به فهو حيض، كما هو المحكي عن الأكثر. لكن في الشرائع و النافع و القواعد و


1) - وسائل الشيعة 2: 272 / الباب 2 من أبواب الحيض / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 2: 273 / الباب 2 من أبواب الحيض / الحديث 2.

عن البيان و الموجز الاقتصار على الحكم بالعذرة مع التطوّق الظاهر في التوقّف في الحكم بالحيض للانغماس لاحتمال غيره و هو غير ظاهر. انتهى ملخّصا».(1)

ثمّ انّ المقصود من المليّ في كلام المعصوم عليه السلام : «تستدخل القطنة ثمّ تدعها مليّا» و ان كان بحسب اللغة بمعنى الكثير، الاّ أنّ المراد به في الصحيحة هو المدّة التي يمكن فيها اختبار الدم، و لم يرد به تمام مدّة خروج الدم.

و أمّا الاختبار المذكور فليس بواجب نفسي، بل هو طريق محض لمكان الصلاة، فلو صلّت مع عدم العلم بالاختبار و تبيّن كونه دم عذرة لم تبطل صلاته. و أمّا لو علمت أنّ عليها الاختبار و لم تختبر و صلّت ثمّ تبيّن كونه دم عذرة فهل تكون صلاتها باطلة؟ فقد ذهب المصنّف الى بطلان صلاتها و ان تبيّن بعد ذلك عدم كونه حيضا، الاّ اذا حصل منها قصد القربة بأن كانت جاهلة أو عالمة أيضا اذا فرض حصول قصد القربة مع العلم أيضا. فالظاهر أنّه اذا صلّت رجاء عدم كونه حيضا و لم يكن حيضا يحكم بصحّة صلاتها لاتيانها بالصلاة متقرّبة، فلاتجب اعادتها أو قضاؤها؛ لأنّ الاختبار انّما أوجب طريقا الى استكشاف حال الدم لا أنّه شرط في صحّة الصلاة. نعم، اذا صلّت جزما و لم تختبر فيمكن القول ببطلان صلاتها - كما في التنقيح -(2)لكون صلاتها هذه تشريعا محرّما. و هو كذلك؛ لأنّها المأمورة بالاختبار اذا أرادت أن تصلّي جازمة بطهارتها، فصلاتها هذه مع الجزم بدون الاختبار لم تكن مشروعة ففعلها هذا تشريع محرّم يبطل صلاتها.

الفرع الثالث : فيما اذا تعذّر الاختبار

اذا تعذّر الاختبار ترجع الى الحالة السابقة من طهر أو حيض ان كانت لها حالة


1) - مستمسك العروة 3: 176.

2) - التنقيح في شرح العروة 7: 101.

سابقة؛ للاستصحاب و يختصّ الاختبار بما يمكنها. و أمّا لو لم تكن لها حالة سابقة من حيض أو طهارة فالظاهر البناء على الطهارة؛ للبراءة عمّا كلّفت المرأة الحائض بها.

قال في المهذّب: «لأصالة عدم حرمة المحرّمات الحيضيّة بالنسبة اليها، و أصالة بقاء أحكام الطاهرة الثابتة قبل خروج الدم - كما في جميع موارد الشكّ في حدوث الحدث أصغر كان أو أكبر - و لا وجه لاحتمال تبدّل الموضوع؛ لأنّ الموضوع هو الشخص الموجود في الحالتين. و لايصحّ التمسّك بالعمومات و الاطلاقات؛ لأنّه من التمسّك بالدليل في الشبهة الموضوعيّة. و أمّا الأصول الموضوعيّة - فأصالة عدم كون الدم الخارج حيضا - لاتجري؛ لعدم الحالة السابقة و أصالة عدم خروج الدم من الرحم لاتثبت كون الدم من غير الحيض الاّ بناءً على الأصل المثبت الاّ أن يدّعى خفاء الواسطة، كما أنّ اثبات حيضيّة الدم بقاعدة الامكان لا وجه له؛ لأنّ القاعدة تجري فيما اذا علم بخروج الدم من الرحم لا فيما اذا شكّ فيه، فلا أصل في المقام يصحّ الاعتماد عليه، الاّ أصالة بقاء الطهارة الثابتة قبل خروج الدم، و أصالة عدم حدوث خصوص الحدث الأكبر، و لايعارض بأصالة عدم حدوث دم العذرة، اذ لا أثر له بالنسبة الى الحدثيّة و بالنسبة الى النجاسة الخبثيّة فلا وجه لجريان الأصل؛ لأنّها معلومة تفصيلاً. نعم، لو فرض وجود أثر شرعي لخصوص العذرة أيضا يجري الأصل فيه أيضا و يسقطان بالمعارضة».(1)

الفرع الرابع : في دوران الدم بين الحيض و القرحة

قال المصنّف: «و لايلحق بالبكارة في الحكم المذكور غيرها كالقرحة المحيطة


1) - مهذّب الأحكام 3: 148.

بأطراف الفرج، و ان اشتبه بدم القرحة فالمشهور أنّ الدم ان كان يخرج من الطرف الأيسر فحيض و الاّ فمن القرحة الاّ أن يعلم أنّ القرحة في الطرف الأيسر. لكنّ الحكم المذكور مشكل فلايترك الاحتياط بالجمع بين أعمال الطاهرة و الحائض».

و في المستمسك عند قول المصنّف «فالمشهور ... » قال: «كما عن جامع المقاصد و فوائد الشرائع و المسالك و شرح المفاتيح، بل عن الأوّل نسبته الى فتوى الأصحاب. و عن الدروس و الذكرى عكس ذلك، بل في ثانيها حكايته عن الكاتب، و عن كشف الرموز حكايته عن ابن طاووس، و عن المحقّق و ظاهر المسالك و الأردبيلي و تلميذه عدم اعتبار الجانب أصلاً».(1)

مستند المشهور هو ما رواه الشيخ عن محمّد بن يحيى مرفوعا عن أبان بن تغلب قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : فتاة منّا بها قرحة في جوفها، و الدم سائل، لاتدري من دم الحيض أو من دم القرحة؟ فقال: مرها فلتستلق على ظهرها، ثمّ ترفع رجليها، و تستدخل اصبعها الوسطى، فان خرج الدم من الجانب الأيسر فهو من الحيض، و ان خرج من الجانب الأيمن فهو من القرحة».(2)

و مستند الشهيد الأوّل ما رواه الكليني عن محمّد بن يحيى مرفوعا عن أبان بن تغلب قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : فتاة منّا بها قرحة في جوفها، و الدم سائل،


1) - مستمسك العروة 3: 181 و 182.

2) - وسائل الشيعة 2: 307 / الباب 16 من أبواب الحيض / الحديث 2.

لاتدري من دم الحيض أو من دم القرحة؟ فقال: مرها فلتستلق على ظهرها، ثمّ ترفع رجليها، و تستدخل اصبعها الوسطى، فان خرج الدم من الجانب الأيمن فهو الحيض، و ان خرج من الجانب الأيسر فهو من القرحة».(1)

قال في الوسائل: «رواية الشيخ أثبت؛ لموافقتها لما ذكره المفيد و الصدوق و المحقّق و العلاّمة و غيرهم، و قال المحقّق: لعلّ رواية الكليني سهو من الناسخ، انتهى. و قد نقل أنّ رواية الشيخ وجدت في بعض النسخ القديمة موافقة لرواية الكليني، و لايبعد صحّة الروايتين و تعدّدهما، و تكون احداهما تقيّة، أو لها تأويل آخر».(2)

أقول:

الظاهر أنّ العمل بما في التهذيب متعيّن؛ لأنّه قد عمل به المشهور بل في جامع المقاصد نسبه الى الأصحاب. و في المهذّب: «قد عمل بخبر التهذيب جمع من نقّاد الحديث و خبرائه الذين يستبعد عنهم العمل بغير الحجّة المعتبرة فلا مجال لطرحه، و الرجوع الى الاطلاقات و الأصول، و لم يعمل بما في نسخة الكافي الاّ ابن الجنيد. انتهى ملخّصا».(3)

ثمّ انّ العمل بالرواية المذكورة فيما اذا اشتبه الحيض بدم القرحة، فاذا لم يكن هناك اشتباه لايكون الجانب الأيسر علامة للحيض و من مميّزات الحيض، بل لو خرج الدم من الأيمن و كان واجدا لصفات الحيض يحكم بحيضيّته. كما أنّ مورد الرواية و عمل المشهور بها هو العلم بأصل وجود القرحة و الشكّ في محلّها من أنّه الأيمن أو الأيسر. و عليه لو علم بأنّ القرحة في الطرف الأيسر فلا معنى للاختبار أصلاً، بل لا بدّ من الرجوع الى الصفات. و أمّا لو شكّ في أصل وجود


1) - وسائل الشيعة 2: 307 / الباب 16 من أبواب الحيض / الحديث 1.

2) - نفس المصدر.

3) - مهذّب الأحكام 3: 149.

القرحة، فلا بدّ من الرجوع الى الأصول و الصفات، فلا معنى للتمسّك بالرواية؛ لأنّ الحكم الوارد في الرواية في مورد ثبت وجود الموضوع أي القرحة، و لايثبت بها الموضوع.

و لو اشتبه بدم آخر حكم عليه بعدم الحيضيّة؛ لأصالة عدم حدوث حدث الحيض الاّ أن يكون الحالة السابقة هي الحيضيّة، فيحكم بحيضيّته للاستصحاب.

قال في التنقيح: «اذا لم يعلم أنّ الدم يخرج من الرحمأو من عرق آخر فان كانت حالتها السابقة هي الطهارة و عدم كونها حائضا فتستصحب طهارتها، و اذا كانت هي الحيض و كانت حائضا فتستصحب كونها كذلك، و بالاستصحاب بثبت كونها حائضا أو طاهرة، لانحلال العلم الاجمالي بجريان الأصل المثبت في طرف و الأصل النافي في طرف آخر، كاستصحاب بقاء حيضها مع استصحاب عدم طهارتها أو بالعكس.

و أمّا اذا جهلت الحالة السابقة و لم تعلم أنّ الحالة المتّصلة بخروج الدم هي الطهر أو الحيض فلايمكن استصحاب كون المرأة حائضا أو طاهرة؛ لتعارض استصحاب طهارتها باستصحاب كونها حائضا، أو لعدم جريانهما في نفسهما كما بنى عليه صاحب الكفاية قدس سره، و حينئذ فمقتضى العلم الاجمالي بتوجّه تكليف الزامي عليها - حيث انّ لكلّ من الحيض و الطهر أحكاما الزاميّة - هو الاحتياط، الاّ أنّ مقتضى الأصل الجاري في نفس الدم و عدم خروجه من الرحم و عدم اتّصافه بالحيضيّة - أعني استصحاب العدم الأزلي - عدم ترتيب آثار الحيضيّة من أحكام نفس الحيض أو أحكام من يخرج عنه، و هذا الاستصحاب لا معارض له كما هو ظاهر».(1)

في أنّ أقلّ الحيض ثلاثة أيّام و أكثره عشرة
اشارة

(مسألة 6): أقلّ الحيض ثلاثة أيّام و أكثره عشرة فاذا رأت يوما أو يومين أو ثلاثة الاّ ساعة مثلاً لايكون حيضا، كما أنّ أقلّ الطهر عشرة أيّام و ليس لأكثره حدّ، و يكفي الثلاثة الملفّقة فاذا رأت في وسط اليوم الأوّل و استمرّ


1) - التنقيح في شرح العروة 7: 112.

الى وسط اليوم الرابع يكفي في الحكم بكونه حيضا، و المشهور اعتبروا التوالي في الأيّام الثلاثة. نعم، بعد توالي الثلاثة في الأوّل لايلزم التوالي في البقيّة، فلو رأت ثلاثة متفرّقة في ضمن العشرة لايكفي و هو محلّ اشكال، فلايترك الاحتياط بالجمع بين أعمال المستحاضة و تروك الحائض فيها، و كذا اعتبروا استمرار الدم في الثلاثة و لو في فضاء الفرج، و الأقوى كفاية الاستمرار العرفي و عدم مضرّيّة الفترات اليسيرة في البين بشرط أن لاينقص من ثلاثة بأن كان بين أوّل الدم و آخره ثلاثة أيّام و لو ملفّقة، فلو لم تر في الأوّل مقدار نصف ساعة من أوّل النهار و مقدار نصف ساعة في آخر اليوم الثالث لايحكم بحيضيّته؛ لأنّه يصير ثلاثة الاّ ساعة مثلاً و الليالي المتوسّطة داخلة فيعتبر الاستمرار العرفي فيها أيضا بخلاف ليلة اليوم الأوّل و ليلة اليوم الرابع فلو رأت من أوّل نهار اليوم الأوّل الى آخر نهار اليوم الثالث كفى.

الشرح:

في المسألة فروع:

الفرع الأوّل : في أقلّ مدّة الحيض و أكثره و أقلّ الطهر بين الحيضتين

قال في المدارك: «هذه الأحكام عندنا اجماعيّة، و النصوص بها مستفيضة».(1)

يدلّ على أنّ أقلّ الحيض ثلاثة و أكثره عشرة صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«أقلّ ما يكون الحيض ثلاثة أيّام، و أكثره ما يكون عشرة أيّام».(2)

و صحيحة صفوان بن يحيى قال:


1) - مدارك الأحكام 1: 319.

2) - وسائل الشيعة 2: 293 / الباب 10 من أبواب الحيض / الحديث 1.

«سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام عن أدنى ما يكون من الحيض؟ فقال: أدناه ثلاثة و أبعده عشرة».(1)

و صحيحة يعقوب بن يقطين عن أبي الحسن عليه السلام قال:

«أدنى الحيض ثلاثة، و أقصاه عشرة».(2)

و رواية أحمد بن محمّد بن أبي نصر قال:

«سألت أبا الحسن عليه السلام عن أدنى ما يكون من الحيض؟ فقال: ثلاثة أيّام، و أكثره عشرة».(3)

و مرسلة عبداللّه بن المغيرة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«اذا كانت أيّام المرأة عشرة أيّام لم تستظهر، فاذا كانت أقلّ استظهرت».(4)

و رواية الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السلام (في حديث طويل) قال:

«أكثر الحيض عشرة أيّام، و أقلّه ثلاثة أيّام».(5)

و رواية الحسن بن علي بن زياد الخزّاز عن أبي الحسن عليه السلام (في حديث) قال:

«أقلّ الحيض ثلاثة، و أكثره عشرة».(6)

و لاتعارضها صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«انّ أكثر ما يكون الحيض ثمان، و أدنى ما يكون منه ثلاثة».(7)

لأنّها تحمل على حسب العادة و الغالب لا في الشرع، أو تطرح لاعراض


1) - وسائل الشيعة 2: 294 / الباب 10 من أبواب الحيض / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 2: 296 / الباب 10 من أبواب الحيض / الحديث 10.

3) - وسائل الشيعة 2: 294 / الباب 10 من أبواب الحيض / الحديث 3.

4) - وسائل الشيعة 2: 295 / الباب 10 من أبواب الحيض / الحديث 5.

5) - وسائل الشيعة 2: 295 / الباب 10 من أبواب الحيض / الحديث 8.

6) - وسائل الشيعة 2: 296 / الباب 10 من أبواب الحيض / الحديث 12.

7) - وسائل الشيعة 2: 297 / الباب 10 من أبواب الحيض / الحديث 14.

الأصحاب عنها.

قال في الوسائل: «ذكر الشيخ: انّ الطائفة أجمعت على خلاف ما تضمّنه هذا الحديث من أنّ أكثر الحيض ثمان، و أنّ ذلك لم يعتبره أحد من أصحابنا»، ثمّ حمله على امرأة تكون عادتها ثمانية أيّام. و قال صاحب المنتقى: «المتّجه حمله على ارادة الأكثريّة بحسب العادة و الغالب، لا في الشرع، و الأمر كذلك، فانّ بلوغ العشر على سبيل الاعتياد غير معهود»».(1)

قال في المستمسك: «نعم، قد يظهر من مصحّح حميد عن اسحاق بن عمّار قال: «سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن المرأة الحبلى ترى الدم اليوم و اليومين؟ قال عليه السلام : ان كان الدم عبيطا فلاتصلّ ذينك اليومين، و ان كان صفرة فلتغتسل فتقعد عند كلّ صلاتين»، و موثّقة سماعة: «عن الجارية البكر أوّل ما تحيض فتقعد في الشهر يومين و في الشهر ثلاثة يختلف عليها لايكون طمثها في الشهر عدة أيّام سواء؟ قال عليه السلام : فلها أن تجلس و تدع الصلاة مادامت ترى الدم ما لم يجز العشرة»، و مرسلة يونس الطويلة، و فيها: «و كذلك لو كان حيضها أكثر من سبع و كانت أيّامها عشرا أو أكثر»، و صحيح ابن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: «انّ أكثر ما يكون من الحيض ثمان و أدنى ما يكون منه ثلاثة» المنافاة لما ذكر، لكنّها محمولة على غير ظاهرها، أو مطروحة؛ لما عرفت».(2)

و يدلّ على أنّ أقلّ الطهر بين الحيضتين عشرة أيّام صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«لايكون القرء في أقلّ من عشرة أيّام فما زاد، أقلّ ما يكون عشرة من حين تطهر الى أن ترى الدم».(3)


1) - نفس المصدر.

2) - مستمسك العروة 3: 186 و 187.

3) - وسائل الشيعة 2: 297 / الباب 11 من أبواب الحيض / الحديث 1.

و صحيحة ثانية لمحمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«اذا رأت المرأة الدم قبل عشرة أيّام فهو من الحيضة الأولى، و ان كان بعد العشرة فهو من الحيضة المستقبلة».(1)

و مرسلة يونس عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«أدنى الطهر عشرة أيّام - و ذكر الحديث الى أن قال: - و لايكون الطهر أقلّ من عشرة أيّام».(2)

الفرع الثاني : في أنّ ذلك التحديد تحديد شرعي

المدار في أقلّ الحيض و أكثره أو أقلّ الطهر هو اليوم أي ثلاثة أيّام و لو ملفّقة، بمعنى أنّه اذا رأت الدم في أوّل اليوم، و هو طلوع الفجر فالليلتان بين ثلاثة أيّام تحسبان دون الليلة الأخرى بعد ثلاثة أيّام. و كذا لو رأت أوّل ليلة فلاتحسب مع الأيّام فانّ الظاهر من الأخبار هو الأيّام فقط.

قال في التنقيح: «ثمّ انّ ذلك التحديد تحديد شرعي، و المناط فيه صدق رؤية الدم ثلاثة أيّام، و لايدور الحكم بالحيضيّة مدار كثرة الدم أو قلّته بحسب الساعات، بل المدار على صدق الثلاثة، و هي تختلف باختلاف الأزمنة و حالات النساء، فقد تكثر ساعاتها و قد تقلّ؛ و ذلك لأنّ الظاهر من كلمة يوم في الأخبار الواردة في المقام هو مقابل الليل كما هو الحال في جميع الموارد، الاّ أن تقوم قرينة على ارادة الأعمّ من ليلته فاليوم بمعنى بياض النهار - الى أن قال: - و حال المقام حال قصد اقامة العشرة في الحكم بوجوب التمام؛ لأنّ المدار فيه أيضا على صدق


1) - وسائل الشيعة 2: 298 / الباب 11 من أبواب الحيض / الحديث 3.

2) - وسائل الشيعة 2: 298 / الباب 11 من أبواب الحيض / الحديث 2.

قصد عشرة أيّام».(1)

و الظاهر أنّه يكفي أن يكون ثلاثة أيّام ملفّقة، كما هو الحال في قصد اقامة العشرة، حيث انّه قلّما يتّفق أن يرد المسافر بلدة في أوّل طلوع الفجر و انّما يردها في أواسطه، و كذلك الحال في المقام؛ لأنّ المرأة انّما ترى الدم في أواسط الليل أو النهار و قلّ أن تحيض عند طلوع الفجر. فكما أنّه اذا قصد الاقامة من نصف يوم الى نصف اليوم الحادي عشر صدق حقيقة أنّه قصد اقامة عشرة أيّام، كذلك لو رأت المرأة الدم من أوّل الزوال الى زوال اليوم الرابع صدق أنّها رأت الدم ثلاثة أيّام حقيقة، و يحكم على الدم بكونه حيضا.

الفرع الثالث : في اعتبار توالي الأيّام الثلاثة في الحيض

انّ الظاهر من الروايات المتقدّمة في الفرع الأوّل هو اعتبار توالي الأيّام الثلاثة في الحيض، فانّ قوله عليه السلام في صحيحة معاوية بن عمّار: «أقلّ ما يكون الحيض ثلاثة أيّام، و أكثره ما يكون عشرة أيّام»، هو توالي الأيّام الثلاثة عرفا، و لم يدلّ دليل على خلاف هذا الظاهر، و ان دلّ الدليل على عدم اعتبار التوالي بعد الثلاثة الى العشرة.

قال في الشرائع: «و هل يشترط التوالي في الثلاثة أم يكفي كونها في جملة عشرة؟ الأظهر الأوّل».(2)

و قال في المدارك: «اختلف الأصحاب في اشتراط التوالي في الأيّام الثلاثة، فقال الشيخ رحمه الله في الجمل: أقلّه ثلاثة أيّام متواليات، و هو اختيار المرتضى و ابن


1) - التنقيح في شرح العروة 7: 116 و 117

2) - شرائع الاسلام 1: 29.

بابويه و قال في النهاية: ان رأت يوما أو يومين، ثمّ رأت قبل انقضاء العشرة ما يتمّ به ثلاثة فهو حيض، و ان لم تر حتّى تمضي عشرة فليس بحيض. و المعتمد الأوّل.

لنا أنّ الصلاة ثابتة في الذمّة بيقين، فلايسقط التكليف بها الاّ مع تيقّن السبب، و لا يقين بثبوته مع انتفاء التوالي. و لنا أيضا أنّ المتبادر من قولهم: «أدنى الحيض ثلاثة و أقلّه ثلاثة»، كونها متوالية.

و ما استدلّ به الشيخ رحمه الله بمرسلة يونس، فهي ضعيفة بارسالها، و ما رواه في الحسن عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: «اذا رأت المرأة الدم قبل عشرة أيّام فهو من الحيضة الأولى، و ان كان بعد العشرة فهو من الحيضة المستقبلة» غير دالّة على المطلوب صريحا؛ اذ مقتضاها أنّ ما تراه المرأة في العشرة فهو من الحيضة الأولى، و لا نزاع فيه لكن لا بدّ من تحقّق الحيض أوّلاً. انتهى ملخّصا».(1)

و في التنقيح: «المعروف بينهم قدس سرهم اعتبار التوالي و الاستمرار في الثلاثة الأول من الحيض، و أمّا اعتبارهما بعد الثلاثة و عدمه فهو أمر آخر يأتي الكلام فيه. و قد خالف في ذلك صاحب الحدائق قدس سرهو ذهب الى كفاية الثلاثة المتفرّقة، و نقله عن بعض علماء البحرين أيضا، كما نسب ذلك الى الشيخ قدس سرهفي نهايته و استبصاره، و ذهب اليه المحقّق الأردبيلي قدس سره.

و ما ذهب اليه المشهور هو الصحيح. و يستدلّ على اعتبارهما بالأخبار المحدّدة لأقلّ الحيض بثلاثة أيّام بأنّها أوّلاً: ناظرة الى الحيضة الواحدة دون المتعدّدة. و ثانيا: انّ الحيض اسم لنفس الدم. و ثالثا: انّ اتّصال الدم مساوق للوحدة، فمع اتّصال الدم في الثلاثة فهو حيض. انتهى ملخّصا».(2)

فقد تحصّل أنّه يعتبر التوالي في الأيّام الثلاثة التي هي أقلّ الحيض. انّما الكلام


1) - مدارك الأحكام 1: 319 - 321.

2) - التنقيح في شرح العروة 7: 121 - 124.

في أنّه هل يجب أن يكون الدم داخل الفرج مستمرّا و دائما بحيث كان الانقطاع دقيقة مضرّا بالحيض، أو ليس الأمر كذلك؟ فالظاهر أنّ ذلك موكول الى ما هو المتعارف بين النساء.

قال في المهذّب: «الاستمرار تارة: يكون الى الخارج متّصلاً في ثلاثة أيّام، و هو ممّا لا دليل عليه، بل هو مرض و لا بدّ لها من العلاج. و أخرى: يكون في فضاء الفرج كاستمرار بقاء ماء الفم فيه، و اعتباره منفي بالأصل. و ثالثة: عبارة عن استمرار التكوّن في الرحم مع الترشّح العرفي الاعتيادي الى فضاء الفرج أو الخارج، و هو المتيقّن من كلمات الأعيان، و المطابق لما هو المتعارف بين النسوان».(1)

فيما لو رأت الدم يوم التاسع أو العاشر أو الحادي عشر بعد الحيض السابق

(مسألة 7): قد عرفت أنّ أقلّ الطهر عشرة فلو رأت الدم يوم التاسع أو العاشر بعد الحيض السابق لايحكم عليها بالحيضيّة، و أمّا اذا رأت يوم الحادي عشر بعد الحيض السابق فيحكم بحيضيّته اذا لم يكن مانع آخر، و المشهور على اعتبار هذا الشرط أي مضي عشرة من الحيض السابق في حيضيّة الدم اللاحق مطلقا، و لذا قالوا: لو رأت ثلاثة مثلاً ثمّ انقطع يوما أو أزيد ثمّ رأت و انقطع على العشرة انّ الطهر المتوسّط أيضا حيض، و الاّ لزم كون الطهر أقلّ من عشرة، و ما ذكروه محلّ اشكال بل المسلّم أنّه لايكون بين الحيضين أقلّ من عشرة، و أمّا بين أيّام الحيض الواحد فلا، فالأحوط مراعاة الاحتياط بالجمع في الطهر بين أيّام الحيض الواحد كما في الفرض المذكور.

الشرح:

قال في التنقيح: «هذه هي المسألة المعروفة بين الفقهاء من أنّ النقاء الأقلّ من


1) - مهذّب الأحكام 3: 155.

عشرة المتخلّل بين الدمين بحكم الحيض أو أنّه طهر، فعلى الأوّل اذا رأت الدم ثلاثة أيّام و انقطع أربعة ثمّ رأته ثلاثة أيّام يكون حيضها عشرة أيّام، و هذا بخلاف ما اذا قلنا: انّ مدّة النقاء الأقلّ من عشرة أيّام طهر؛ لأنّ الحيض في هذه الصورة ستّة أيّام. و المعروف بينهم أنّ النقاء المتخلّل الأقلّ من العشرة بحكم الحيض، فيجب عليها ما يجب على الحائض و يحرم عليها ما يحرم عليها، و خالف في ذلك قليل، منهم صاحب الحدائق قدس سره، و ذهب الى أنّ النقاء الأقلّ من العشرة طهر، و لا مانع من تخلّله بين حيضة واحدة، و انّما لايتخلّل أقلّ من عشرة أيّام بين حيضتين مستقلّتين؛ اذ يعتبر فيهما تخلّل أقلّ الطهر و هو عشرة أيّام، ولكنّ الماتن قدس سره لم يرجّح أحد القولين على الآخر في المسألة، و من ثمّة احتاط بالجمع بين أحكام الطاهرة و تروك الحائض، و لم يحكم أنّ أيّام النقاء طهر، و بين صدر كلامه و ذيله تهافت».(1)

يدلّ على القول المشهور موثّقة محمّد بن مسلم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«أقلّ ما يكون الحيض ثلاثة، و اذا رأت الدم قبل عشرة أيّام فهو من الحيضة الأولى، و اذا رأته بعد عشرة أيّام فهو من حيضة أخرى مستقبلة».(2)

و دلالتها على القول المشهور واضحة، حيث يظهر منه أنّ الفاصل بين الحيضتين لا بدّ و أن يكون عشرة أيّام و أنّه اذا لم يكن بين الحيضة الأولى و الثانية عشرة أيّام فلاتكون الثانية من حيضة أخرى مستقلّة.

و أيضا استدلّ المشهور بالأخبار الواردة في أنّ أقلّ الطهر عشرة، أو أنّ القرء لايكون أقلّ من العشرة - كما تقدّم في الفرع الثاني من المسألة السابقة - فانّ مقتضى اطلاقها أنّ ما يتخلّل بين الدمين و كان أقلّ من العشرة ليس بطهر، و لازمه


1) - التنقيح في شرح العروة 7: 135 و 136.

2) - وسائل الشيعة 2: 296 / الباب 10 من أبواب الحيض / الحديث 11.

الحكم بكونه حيضا.

و استدلّ صاحب الحدائق رحمه الله على ما ذهب اليه من تخصيص عدم كون الطهر أقلّ من العشرة بالحيضتين المستقلّتين، و جواز تخلّل أقلّه أي أقلّ الطهر بين حيضة واحدة و كونه طهرا برواية يونس عن بعض رجاله عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«أدنى الطهر عشرة أيّام و ذلك أنّ المرأة أوّل ما تحيض ربّما كانت كثيرة الدم فيكون حيضها عشرة أيّام فلاتزال كلّما كبرت نقصت حتّى ترجع الى ثلاثة أيّام فاذا رجعت الى ثلاثة أيّام ارتفع حيضها و لايكون أقلّ من ثلاثة أيّام، فاذا رأت المرأة الدم في أيّام حيضها تركت الصلاة، فان استمرّ بها الدم ثلاثة أيّام فهي حائض، و ان انقطع الدم بعد ما رأته يوما أو يومين اغتسلت و صلّت و انتظرت من يوم رأت الدم الى عشرة أيّام، فان رأت في تلك العشرة أيّام من يوم رأت الدم يوما أو يومين حتّى يتمّ لها ثلاثة أيّام فذلك الذي رأته في أوّل الأمر مع هذا الذي رأته بعد ذلك في العشرة فهو من الحيض، و ان مرّ بها - من يوم رأت الدم - عشرة أيّام و لم تر الدم فذلك اليوم و اليومان الذي رأته لم يكن من الحيض، انّما كان من علّة، امّا قرحة في جوفها، و امّا من الجوف، فعليها أن تعيد الصلاة تلك اليومين التي تركتها؛ لأنّها لم تكن حائضا، فيجب أن تقضي ما تركت من الصلاة في اليوم و اليومين، و ان تمّ لها ثلاثة أيّام فهو من الحيض، و هو أدنى الحيض، و لم يجب عليها القضاء، و لايكون الطهر أقلّ من عشرة أيّام، فاذا حاضت المرأة و كان حيضها خمسة أيّام ثمّ انقطع الدم اغتسلت و صلّت، فان رأت بعد ذلك الدم و لم يتمّ لها من يوم طهرت عشرة أيّام فذلك من الحيض، تدع الصلاة، فان رأت الدم من أوّل ما رأته الثاني الذي رأته تمام العشرة أيّام و دام عليها عدّت

من أوّل ما رأت الدم الأوّل و الثاني عشرة أيّام، ثمّ هي مستحاضة تعمل ما تعمله المستحاضة، و قال: كلّ ما رأت المرأة في أيّام حيضها من صفرة أو حمرة فهو من الحيض و كلّ ما رأته بعد أيّام حيضها فليس من الحيض».(1)

و الرواية مرسلة من جهة السند، و تدلّ على مسلك المشهور و ذلك - كما في التنقيح -(2)لأنّها صرّحت في غير واحدة من جملاتها على أنّ مبدأ احتساب العشرة أوّل يوم رأت المرأة فيه الدم، و عليه فاذا فرضنا أنّها رأت الدم يومين ثمّ انقطع تسعة أيّام و هما أحدعشر يوما و رأت الدم اليوم الثاني عشر فمقتضى هذه الرواية أنّه ليس بحيض؛ لأنّها رأته بعد مضي عشرة أيّام من أوّل يوم رأت الدم، مع أنّه من الحيض على مسلك صاحب الحدائق قدس سره؛ لأنّه لا مانع على مسلكه من أن يتخلّل أقلّ من عشرة بين حيضة واحدة، فعشرة الحيض انّما هي مجموع أيّام رؤية الدم و أيّام النقاء على ما دلّت عليه الرواية.

أقول:

الظاهر أنّ قوله عليه السلام : «فاذا رأت المرأة الدم ... » الى قوله عليه السلام : «مع هذا الذي رأته بعد ذلك في العشرة هو من الحيض» يكون دليلاً لمن لم يعتبر التوالي في أقلّ مدة الحيض. و أمّا معنى قوله عليه السلام : «و ان مرّ بها - من يوم رأت الدم - عشرة أيّام و لم تر الدم ... ». هو مضي عشرة أيّام بعد اليوم أو اليومين ممّا رأت المرأة الدم، ليميّز من الفقرة الأولى.

و أمّا قوله عليه السلام : «فاذا حاضت المرأة و كان حيضها خمسة أيّام ثمّ انقطع الدم - الى قوله عليه السلام - و لم يتمّ لها من يوم طهرت عشرة أيّام فذلك من الحيض ... » فان


1) - أصول الكافي 3: 76 / باب أدنى الحيض / الحديث 5.

2) - التنقيح في شرح العروة 7: 138.

قلنا بأنّ الصحيح «من يوم طمثت»، بدل قوله «من يوم طهرت» كما هو المحكي عن مصباح الفقيه، فهو المطابق للروايات الأخر و سيأتي التعرّض له. و ان لم يقبل هذا فيؤوّل أنّ مراده عليه السلام من قوله: «و لم يتمّ لها من يوم طهرت عشرة أيّام فذلك من الحيض» يكون خمسة أيّام مع التخلّل و الذي رأته بعد التخلّل و انقطاعه يصير عشرة أيّام، لئلاّيكون تهافتا بين العبارات.

في أنّ الحائض امّا ذات العادة أو غيرها

(مسألة 8): الحائض امّا ذات العادة أو غيرها و الأولى امّا وقتيّة و عدديّة أو وقتيّة فقط أو عدديّة فقط، و الثانية امّا مبتدئة و هي التي لم تر الدم سابقا و هذا الدم أوّل ما رأت، و امّا مضطربة و هي التي رأت الدم مكرّرا لكن لم تستقرّ لها عادة، و امّا ناسية و هي التي نسيت عادتها و يطلق عليها المتحيّرة أيضا و قد يطلق عليها المضطربة، و يطلق المبتدأة على الأعمّ ممّن لم تر الدم سابقا و من لم تستقرّ لها عادة أي المضطربة بالمعنى الأوّل.

الشرح:

قال في التنقيح: «انّ المرأة اذا كان الدم الذي تراه أوّل ما رأت الدم و لم تره سابقا فهي مبتدئة، و أمّا اذا تكرّر منها الدم من غير أن تستقرّ لها عادة وقتيّة و عدديّة أو احداهما فهي مضطربة. و أمّا اذا استقرّت لها العادة فقد تكون ذاكرة لعادتها و قد لاتكون، و تسمّى الثانية بالناسية، و قد يطلق عليها المتحيّرة أيضا، كما تسمّى الأولى بذات العادة، و هي قد تكون ذات عادة وقتيّة وعدديّة معا، كما اذا رأت الدم في كلّ من الشهرين خمسة أيّام من أوّله، و قد تكون ذات عادة عدديّة فقط، كما اذا رأت الدم في الشهر الأوّل خمسة أيّام من أوّله و في الشهر الثاني خمسة من خامسه أو سادسه مثلاً. و قد تكون ذات عادة وقتيّة فقط، و هي

على أقسام ثلاثة كما نبيّنها ان شاءاللّه. هذه هي أقسام المرأة الحائض».(1)

فيما تتحقّق به العادة

(مسألة 9): تتحقّق العادة برؤية الدم مرّتين متماثلتين، فان كانتا متماثلتين في الوقت و العدد فهي ذات العادة الوقتيّة و العدديّة كأن رأت في أوّل شهر خمسة أيّام و في أوّل الشهر الآخر أيضا خمسة أيّام، و ان كانتا متماثلتين في الوقت دون العدد فهي ذات العادة الوقتيّة كما اذا رأت في أوّل شهر خمسة و في أوّل الشهر الآخر ستّة أو سبعة مثلاً، و ان كانتا متماثلتين في العدد فقط فهي ذات العادة العدديّة كما اذا رأت في أوّل شهر خمسة و بعد عشرة أيّام أو أزيد رأت خمسة أخرى.

الشرح:

قال في المدارك: «أجمع علماؤنا و أكثر العامّة على أنّ العادة في الحيض انّما تثبت بالمرّتين. و قال بعض العامّة: انّها تثبت بالمرّة الواحدة. و هو باطل؛ لأنّ العادة مأخوذة من العود، و هو لايتحقّق بالمرّة الواحدة قطعا».(2)

يدلّ على ذلك مضافا الى الاجماع موثّقة سماعة بن مهران قال:

«سألته عن الجارية البكر أوّل ما تحيض - الى أن قال: - فاذا اتّفق شهران عدّة أيّام سواء فتلك أيّامها».(3)

و مرسلة يونس الطويلة عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:

« ... فان انقطع الدم لوقته في الشهر الأوّل سواء حتّى توالى عليه حيضتان أو ثلاث فقد علم الآن أنّ ذلك قد صار لها وقتا و خلقامعروفا، تعمل عليه و تدع ما سواه، و تكون سنّتها فيما يستقبل ان


1) - التنقيح في شرح العروة 7: 147 و148.

2) - مدارك الأحكام 1: 325.

3) - وسائل الشيعة 2: 286 / الباب 7 من أبواب الحيض / الحديث 1.

استحاضت قد صارت سنّة الى أن تجلس أقراءها، و انّما جعل الوقت أن توالى عليها حيضتان أو ثلاث لقول رسول اللّه صلى الله عليه و آله للتي تعرف أيّامها: دعي الصلاة أيّام أقرائك، فعلمنا أنّه لم يجعل القرء الواحد سنّة لها، فيقول لها : دعي الصلاة أيّام قرئك، ولكن سنّ لها الأقراء، و أدناه حيضتان فصاعدا، الحديث».(1)

فالمتحصّل من الاجماع و الحديثين المذكورين أنّه تتحقّق العادة برؤية الدم مرّتين متماثلتين، فان كانتا متماثلتين في الوقت و العدد، فهي ذات العادة الوقتيّة و

العدديّة، كما هو ظاهر المرسلة، كأن رأت الدم في أوّل الشهر خمسة أيّام و في أوّل الشهر الآخر أيضا خمسة أيّام. و ان كانتا متماثلتين في الوقت دون العدد فهي ذات العادة الوقتيّة فهو الظاهر من المرسلة، كما اذا رأت في أوّل شهر خمسة و في أوّل الشهر الآخر ستّة أو سبعة مثلاً. و ان كانتا متماثلتين في العدد فقط فهي ذات العادة العدديّة، و هو الظاهر من الموثّقة، كما اذا رأت في أوّل شهر خمسة و بعد عشرة أيّام أو أزيد رأت خمسة أخرى.

قال في المهذّب: «كلّ ذلك لاطلاق المرسل و اطلاقات معاقد الاجماعات. و ذكر الأيّام فيما تقدّم من موثّق سماعة من باب المثال لا التقييد - كما هو واضح - فالمناط كلّه تكرّر الدم متماثلاً في الجملة عددا، أو وقتا، أو هما معا».(2)


1) - وسائل الشيعة 2: 287 / الباب 7 من أبواب الحيض / الحديث 2.

2) - مهذّب الأحكام 3: 162.

فيما اذا رأت صاحبة العادة الدم مرّتين متماثلتين على خلاف العادة الأولى

(مسألة 10): صاحبة العادة اذا رأت الدم مرّتين متماثلتين على خلاف العادة الأولى تنقلب عادتها الى الثانية، و ان رأت مرّتين على خلاف الأولى لكن غير متماثلتين يبقى حكم الأولى. نعم، لو رأت على خلاف العادة الأولى مرّات عديدة مختلفة تبطل عادتها و تلحق بالمضطربة.

الشرح:

ما ذهب اليه المصنّف في هذه المسألة من الفرعين موافق للمرسلة بل الموثّقة؛ لأنّ الحكم على عادتها الفعليّة.

قال في المستمسك: «المسألة اتّفاقيّة كما في المنتهى، بل ظاهره الاتّفاق حتّى من العامّة؛ لأنّه اقتصر على نقل الخلاف عن بعض العامّة بدعواه الانقلاب بالمرّة. و يساعده أدلّة أحكام العادة و لا سيّما ما تقدّم في مرسلة يونس الطويلة، فانّ الظاهر منها الفعليّة و هي الثانية دون العادة السابقة الزائلة. فلا مجال للاشكال بأنّ تطبيق الدليل على العادة الثانية ليس بأولى من تطبيقه على الأولى».(1)

في العادة المركّبة

(مسألة 11): لايبعد تحقّق العادة المركّبة كما اذا رأت في الشهر الأوّل ثلاثة و في الثاني أربعة و في الثالث ثلاثة و في الرابع أربعة، أو رأت شهرين متواليين ثلاثة و شهرين متواليين أربعة ثمّ شهرين متواليين ثلاثة و شهرين متواليين أربعة، فتكون ذات عادة على النحو المزبور لكن لايخلو عن اشكال خصوصا في مثل الفرض الثاني حيث يمكن أن يقال: انّ الشهرين المتواليين على خلاف السابقين يكونان ناسخين للعادة الأولى فالعمل بالاحتياط أولى. نعم، اذا تكرّرت الكيفيّة المذكورة مرارا عديدة بحيث يصدق في العرف أنّ هذه الكيفيّة عادتها و أيّامها لا اشكال في اعتبارها فالاشكال انّما هو في


1) - مستمسك العروة 3: 212.

ثبوت العادة الشرعيّة بذلك و هي الرؤية كذلك مرّتين.

الشرح:

الظاهر أنّ اطلاق الموثّقة و المرسلة شامل لهذه المسألة حيث انّ الامام عليه السلام لم يمثّل لما ذكر في الروايتين مثالاً، و اكتفى بقوله في الموثّقة: «اذا اتّفق شهران عدّة أيّام سواء، فتلك أيّامها»، فانّ الظاهر من كلمة سواء ليس بنحو التحقيق، بل يكون من جهة العرف، فزيادة يوم على الثلاثة أو نقصان يوم من الخمسة أو الأربعة في بعض الشهور لاينافي الموثّقة. و أمّا المرسلة فأمرها أوضح.

و في المستمسك - في ذيل قول المصنّف «لايبعد تحقّق العادة المركّبة ... » - قال: «كما عن المعتبر و المنتهى و التذكرة و نهاية الأحكام و التحرير و حواشي الشهيد و البيان، و في القواعد و غيرها؛ لصدق «أيّامها» على ما تقدّم في تقريب العادة الوقتيّة. و اليه مال شيخنا الأعظم رحمه الله لذلك. و في الجواهر اختار العدم، الاّ اذا تكرّر ذلك مرارا متعدّدة بحيث يثبت بها الاعتياد العرفي فانّه يمكن أن يدّعى ذلك».(1)

و قال في المهذّب: «لصدق معرفة الأيّام - و خلقا معروفا، و أيّام أقرائها، و العادة، و نحو ذلك ممّا ورد في الروايات - عليها أيضا. و ما أشكل عليه رحمه الله من احتمال كون اللاحقة ناسخة للأولى، مخدوش؛ لأنّ النسخ مسلّم فيما اذا لم تعد الأولى بالمرّة و المفروض في المقام عودها ثانية. فما عن جمع منهم العلاّمة و المحقّق و الشهيد، من تحقّق العادة المركّبة وجيه و حسن بعد شمول الأدلّة لها أيضا. نعم، لو كانت في البين قرينة شاهدة على الخلاف فلاتثبت؛ لانصراف الأدلّة عن هذه الصورة».(2)


1) - مستمسك العروة 3: 213.

2) - مهذّب الأحكام 3: 163 و 164.

في حصول العادة بالتمييز

(مسألة 12): قد تحصل العادة بالتمييز كما في المرأة المستمرّة الدم اذا رأت خمسة أيّام مثلاً بصفات الحيض في أوّل الشهر الأوّل ثمّ رأت بصفات الاستحاضة و كذلك رأت في أوّل الشهر الثاني خمسة أيّام بصفات الحيض ثمّ رأت بصفات الاستحاضة فحينئذ تصير ذات عادة عدديّة و وقتيّة، و اذا رأت في أوّل الشهر الأوّل خمسة بصفات الحيض و في أوّل الشهر الثاني ستّة أو سبعة مثلاً فتصير حينئذ ذات عادة وقتيّة، و اذا رأت في أوّل الشهر الأوّل خمسة مثلاً و في العاشر من الشهر الثاني مثلاً خمسة بصفات الحيض فتصير ذات عادة عدديّة.

الشرح:

و في المستمسك قال: «بلا خلاف يعرف، كما في طهارة شيخنا الأعظم رحمه الله و في المنتهى: «لانعرف فيه خلافا»، و يقتضيه اطلاق أدلّة التمييز الدالّة على طريقيّته الى الحيض، نظير طريقيّة العلم اليه، فكما تثبت العادة بالعلم تثبت به. لكن استشكل شيخنا الأعظم رحمه الله فيما لو اختلف التمييز، كما لو رأته في المرّة الأولى أسود و في الثانية أحمر، و نقل عن الذكرى التردّد فيه، و عن التحرير أنّه قرّب العدم. و ليس له وجه ظاهر؛ لأنّ طريقيّة المختلف كطريقيّة المتّفق».(1)

أقول:

الظاهر عدم الاشكال فيما ذهب اليه المصنّف من أنّه قد تحصل العادة بالتمييز، و أنّ موثّقة سماعة و مرسلة يونس لاتخالفانه، بل هما باطلاقهما توافقانه، مع ما قاله في المستمسك من دلالة اطلاق أدلّة التمييز الدالّة على الطريقيّة الى الحيض نظير طريقيّة العلم اليه، فكما تثبت العادة بالعلم تثبت بالتمييز.


1) - مستمسك العروة 3: 215.

قال في المهذّب: «للاطلاقات و العمومات و ظهور الاتّفاق، فالعادة عبارة عن تكرّر الدم متماثلاً بحيث يوجب الاطمئنان العرفي بالحيضيّة، سواء كان ذلك في مستمرّة الدم أو في غيرها، و التماثل في المستمرّة يكون في الصفة لا محالة، و يصحّ التمسّك باطلاق أدلّة التمييز، و بقاعدة الامكان أيضا، فالعادة تثبت فيما تكون في البين جهة وحدة انضباطيّة عرفيّة سواء كانت الوحدة في أوّل الدم أو في وسطه أو آخره أو صفته؛ لصدق الخلق و التماثل و الاستواء في جميع ذلك؛ اذ ليس المراد بهذه صدقها من كلّ حيثيّة و جهة، و الاّ قلّما توجد العادة، و ظاهرهم تحقّق العادة بقاعدة الامكان أيضا. و أمّا ما يأتي في فصل حكم تجاوز الدم عن العشرة من تقدّم العادة على التمييز، فانّما هو في مورد تزاحم العادة الثابتة مع التمييز، فلايشمل صورة أصل حدوث العادة كما في المقام».(1)

(مسألة 13): اذا رأت حيضين متواليين متماثلين مشتملين على النقاء في البين فهل العادة أيّام الدم فقط أو مع أيّام النقاء أو خصوص ما قبل النقاء الأظهر الأوّل، مثلاً اذا رأت أربعة أيّام ثمّ طهرت في اليوم الخامس ثمّ رأت في السادس كذلك في الشهر الأوّل و الثاني فعادتها خمسة أيّام لا ستّة و لا أربعة، فاذا تجاوز دمها رجعت الى خمسة متوالية و تجعلها حيضا لا ستّة و لا بأن تجعل اليوم الخامس يوم النقاء و السادس أيضا حيضا و لا الى الأربعة.

الشرح:

قد تقدّم في المسألة السابعة أنّ الطهر لايكون أقلّ من العشرة و ان تخلّل بين الحيضة الأولى و الثانية النقاء و كان أقلّ من الطهر أي العشرة لايكون طهرا بل قد يلحق بالسابقة و اللاحقة اذا لم يتجاوز الدم الثاني مع الأوّل و النقاء المتخلّل عن


1) - مهذّب الأحكام 3: 165.

العشرة. و أمّا اذا تجاوز فالدم الأوّل حيض و الثاني استحاضة كما سيأتي.

قال في التنقيح: «انّ ظاهر أيّامها التي ترجع اليها المرأة عند تجاوز دمها العشرة هو أيّام قعودها و جلوسها، و هي أعمّ من أيّام الدم و يوم النقاء اذا قلنا بكونه بحكم الحيض».(1)

فيما يعتبر في تحقّق العادة العدديّة

(مسألة 14): يعتبر في تحقّق العادة العدديّة تساوي الحيضين و عدم زيادة احداهما على الأخرى و لو بنصف يوم أو أقلّ، فلو رأت خمسة في الشهر الأوّل و خمسة و ثلث أو ربع يوم في الشهر الثاني لاتتحقّق العادة من حيث العدد. نعم، لو كانت الزيادة يسيرة لاتضرّ، و كذا في العادة الوقتيّة تفاوت الوقت و لو بثلث أو ربع يوم يضرّ، و أمّا التفاوت اليسير فلايضرّ لكن المسألة لاتخلو عن اشكال فالأولى مراعاة الاحتياط.

الشرح:

قد تقدّم في المسألة الحاديه عشرة أنّ الوارد في موثّقة سماعة و مرسلة يونس لم يكن بالدقّة العقليّة و لا الدقّة العرفيّة، بل هو موكول الى عادة النساء، فمن البعيد جدّا أن يكون تساوي الحيضتين في الشهرين بحدّ لم تزد احداهما على الأخرى و لو بنصف يوم أو أقلّ فضلاً عن الساعة و الساعتين، و كذا بالنسبة الى الوقت، و الظاهر من عرف النساء أنّ زيادة نصف اليوم أو أقلّ لايضرّ بالتماثل من جهة العدد، و كذا بالنسبة الى الوقت.

في أنّ صاحبة العادة الوقتيّة تترك العبادة بمجرّد رؤية الدم
اشارة

(مسألة 15): صاحبة العادة الوقتيّة سواء كانت عدديّة أيضا أم لا، تترك العبادة بمجرّد رؤية الدم في العادة أو مع تقدّمه أو تأخّره يوما أو يومين أو


1) - التنقيح في شرح العروة 7: 172.

أزيد على وجه يصدق عليه تقدّم العادة أو تأخّرها و لو لم يكن الدم بالصفات و ترتّب عليه جميع أحكام الحيض، فان علمت بعد ذلك عدم كونه حيضا لانقطاعه قبل تمام ثلاثة أيّام تقضي ما تركته من العبادات، و أمّا غير ذات العادة المذكورة كذات العادة العدديّة فقط و المبتدئة و المضطربة و الناسية فانّها تترك العبادة و ترتّب أحكام الحيض بمجرّد رؤيته اذا كان بالصفات، و أمّا مع عدمها فتحتاط بالجمع بين تروك الحائض و أعمال المستحاضة الى ثلاثة أيّام فان رأت ثلاثة أو أزيد تجعلها حيضا. نعم، لو علمت أنّه يستمرّ الى ثلاثة أيّام تركت العبادة بمجرّد الرؤية و ان تبيّن الخلاف تقضي ما تركته.

الشرح:

صاحبة العادة الوقتيّة سواء كانت عدديّة أيضا أو لا، تترك العبادة بمجرّد رؤية الدم في العادة؛ يدلّ على ذلك صحيحة محمّد بن مسلم قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن المرأة ترى الصفرة في أيّامها؟ فقال: لاتصلّي حتّى تنقضي أيّامها، و ان رأت الصفرة في غير أيّامها توضّأت و صلّت».(1)

و مرسلة يونس عن أبي عبداللّه عليه السلام قال (في حديث):

«و كلّ ما رأت المرأة في أيّام حيضها من صفرة أو حمرة فهو من الحيض، و كلّ ما رأته بعد أيّام حيضها فليس من الحيض».(2)

و رواية اسماعيل الجعفي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«اذا رأت المرأة الصفرة قبل انقضاء أيّام عادتها لم تصلّ، و ان كانت


1) - وسائل الشيعة 2: 278 / الباب 4 من أبواب الحيض / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 2: 279 / الباب 4 من أبواب الحيض / الحديث 3.

صفرة بعد انقضاء أيّام قرئها صلّت».(1)

و رواية علي بن حمزة قال:

«سئل أبو عبداللّه عليه السلام و أنا حاضر عن المرأة ترى الصفرة؟ فقال: ما كان قبل الحيض فهو من الحيض، و ما كان بعد الحيض فليس منه».(2)

و المروي في المبسوط قال:

«و روي عنهم عليهم السلام أنّ الصفرة في أيّام الحيض حيض، و في أيّام الطهر طهر».(3)

و كذلك تترك العبادة بمجرّد رؤية الدم في العادة و ان تقدّم الدم عنها أو تأخّر بيوم أو يومين أو أزيد - على وجه يصدق عليه تقدّم العادة أو تأخّرها - و لم يكن الدم بصفات الحيض، و ترتّب عليه جميع أحكام الحيض؛ يدلّ عليه - مضافا الى ما تقدّم آنفا من الروايات - موثّقة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام في المرأة ترى الصفرة، فقال:

«ان كان قبل الحيض بيومين فهو من الحيض، و ان كان بعد الحيض بيومين فليس من الحيض».(4)

و رواية معاوية بن حكيم قال:

«قال: الصفرة قبل الحيض بيومين فهو من الحيض، و بعد أيّام الحيض ليس من الحيض، و هي في أيّام الحيض حيض».(5)

و صحيحة الحسين بن نعيم الصحّاف عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:


1) - وسائل الشيعة 2: 280 / الباب 4 من أبواب الحيض / الحديث 4.

2) - وسائل الشيعة 2: 280 / الباب 4 من أبواب الحيض / الحديث 5.

3) - وسائل الشيعة 2: 281 / الباب 4 من أبواب الحيض / الحديث 9.

4) - وسائل الشيعة 2: 279 / الباب 4 من أبواب الحيض / الحديث 2.

5) - وسائل الشيعة 2: 280 / الباب 4 من أبواب الحيض / الحديث 6.

«و اذا رأت الحامل الدم قبل الوقت الذي كانت ترى فيه الدم بقليل، أو في الوقت من ذلك الشهر فانّه من الحيضة، الحديث».(1)

و موثّقة سماعة قال:

«سألته عن المرأة ترى الدم قبل وقت حيضها؟ قال: فلتدع الصلاة فانّه ربّما تعجّل بها الوقت».(2)

ثمّ انّه لو علمت بعد ذلك عدم كونه حيضا لانقطاعه قبل تمام ثلاثة أيّام تقضي ما تركته من العبادات؛ و ذلك لقاعدة الاشتغال بعد انكشاف الخلاف في العادة.

و أمّا الناسية و المبتدئة و المضطربة اذا رأين الدم و كان بصفات الحيض فيدعن الصلاة؛ و ذلك لاطلاق أدلّة الرجوع الى الصفات.

و في المستمسك: «كما لعلّه المشهور، لأخبار الصفات».(3)

ففي صحيحة معاوية بن عمّار قال:

«قال أبو عبداللّه عليه السلام : انّ دم الاستحاضة و الحيض ليس يخرجان من مكان واحد، انّ دم الاستحاضة بارد و انّ دم الحيض حارّ».(4)

و صحيحة حفص بن البختري قال:

«دخلت على أبي عبداللّه عليه السلام امرأة فسألته عن امرأة يستمرّ بها الدم، فلاتدري حيض هو أو غيره؟ قال: فقال لها: انّ دم الحيض حارّ عبيط أسود، له دفع و حرارة، و دم الاستحاضة أصفر بارد، فاذا كان للدم حرارة و دفع و سواد فلتدع الصلاة، قال: فخرجت و هي تقول: و اللّه أن لو كان امرأة ما زاد على هذا».(5)


1) - وسائل الشيعة 2: 305 / الباب 15 من أبواب الحيض / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 2: 306 / الباب 15 من أبواب الحيض / الحديث 2.

3) - مستمسك العروة 3: 224.

4) - وسائل الشيعة 2: 275 / الباب 3 من أبواب الحيض / الحديث 1.

5) - وسائل الشيعة 2: 275 / الباب 3 من أبواب الحيض / الحديث 2.

الى غير ذلك من الروايات الواردة في هذا الباب. و احتمال اختصاص الروايات بالتي يستمرّ دمها، أو بمورد السؤال خلاف المتفاهم منها، مع أنّ مورد السؤال لم يكن مخصّصا للحكم الوارد فيه في المحاورات.

و لو لم يكن الدم بصفات الحيض، فقال المصنّف: «تحتاط بالجمع بين تروك الحائض و أعمال المستحاضة الى ثلاثة أيّام فان رأت الدم ثلاثة أو أزيد تجعلها حيضا. نعم، لو علمت أنّه يستمرّ الى ثلاثة أيّام تركت العبادة بمجرّد الرؤية و ان تبيّن الخلاف تقضي ما تركته».

و الظاهر أنّه للعلم الاجمالي بأنّ الدم مردّد بين الحيض و الاستحاضة و لا ثالث على الفرض، و ليس هناك ما يوجب انحلال العلم الاجمالي، و ان كان يمكن أن يقال بأنّ المرأة بمجرّد رؤية الدم تدع الصلاة، و تجري عليه أحكام الحيض؛ و ذلك لاطلاق قوله عليه السلام في موثّقة سماعة:

« ... فلها أن تجلس و تدع الصلاة مادامت ترى الدم ما لم يجز العشرة، الحديث».(1)

و اطلاق قوله عليه السلام في الروايات الواردة(2)في المرأة الصائمة: «انّها تفطر اذا رأت الدم».

ولكن فيه: انّ الظاهر أنّ هذه الروايات تقيّد بما اذا كان الدم بصفة الحيض.

و كيف كان فما ذهب اليه المصنّف من الاحتياط صحيح، و بقي هنا قاعدة الامكان:


1) - وسائل الشيعة 2: 305 / الباب 14 من أبواب الحيض / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 2: 366 و 367 / الباب 50 من أبواب الحيض / الأحاديث 1 و 3 و 5 و 6.

فرع : في قاعدة الامكان

قال في التنقيح: «هذه القاعدة أي كلّ ما أمكن أن يكون الدم حيضا حيض، و ان لم ترد في رواية الاّ أنّها متصيّدة من الروايات و لو بضمّ بعضها الى بعض، و ادّعوا عليها الاجماع. و المراد بهذه القاعدة ليس هو الحكم بالحيضيّة بمجرّد احتمال كون الدم حيضا و لو في الشبهات الحكميّة، فانّ فيها يرجع الى المطلقات الدالّة على وجوب الصلاة على كلّ مكلّف، أو على جواز وط ء الزوجة في أيّ زمان شاء الزوج و نحوهما من المطلقات و العمومات، فانّها و ان خصّت بغير أيّام الحيض الاّ أنّ تخصيصها يكون بالدليل المنفصل و القاعدة في مثله اذا كان المخصّص مجملاً مردّدا بين الأقلّ و الأكثر أن نكتفي في تخصيص العموم و تقييد المطلق بالأقلّ المتيقّن، و يرجع في المقدار الأكثر المشكوك فيه الى العموم و الاطلاق. و مقتضاها الحكم بعدم كون المرأة حائضا في المثال، كما أنّها لاتشمل الشبهات الموضوعيّة اذا استند الشكّ في تحقّق الشرط المعلوم الاشتراط في الحيض كالبلوغ، بل تختصّ القاعدة - كما لعلّه صريح كلام الشهيد قدس سره - بما اذا علمنا بتحقّق جميع شرائط الحيض الاّ أنّا شككنا في حيضيّته من جهة عدم وجدانه للصفات، و لاتجري في غيره، فلا بدّ من النظر الى أدلّة تلك القاعدة. و العمدة من الوجوه المستدلّ بها على هذه القاعدة النصوص:

منها: الأخبار الواردة في أنّ الدم الذي تراه الحبلى عند كونه واجدا للشرائط حيض حيث انّ تعليل ذلك في بعضها بأنّها ربّما قدّمت بالدم - كما في صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام : «انّه سئل عن الحبلى ترى الدم أتترك الصلاة؟ فقال: نعم، انّ الحبلى ربّما قذفت بالدم». - كالصريح في أنّ الدم المحتمل كونه حيضا بعد اجتماع شرائطه حيض. و لايختصّ ذلك بالحبلى لكونه مورد الرواية؛ و ذلك لأنّ الرواية بصدد بيان أنّ الدم المحتمل للحيضيّة اذا كان في الحبلى التي

قلّما ترى الدم حيضا ففي غير الحبلى التي ترى الدم كثيرا حيض بالأولويّة القطعيّة.

و منها: موثّقة يونس بن يعقوب قال: «قلت لأبي عبداللّه عليه السلام المرأة ترى الدم ثلاثة أيّام أو أربعة، قال: تدع الصلاة، قلت: فانّها ترى الطهر ثلاثة أيّام أو أربعة، قال: تصلّي، قلت: فانّها ترى الدم ثلاثة أيّام أو أربعة، قال: تدع الصلاة. قلت: فانّها ترى الطهر ثلاثة أيّام أو أربعة، قال: تصلّي، قلت: فانّها ترى الدم ثلاثة أيّام أو أربعة، قال: تدع الصلاة، تصنع ما بينهما و بين شهر، فان انقطع الدم عنها، و الاّ فهي بمنزلة المستحاضة». فانّ الجملة الواردة في صدرها أعني قوله عليه السلام : «تدع الصلاة» جوابا عن أنّ المرأة ترى الدم ثلاثة أيّام أو أربعة، تدلّ على أنّ الدم المحتمل كونه حيضا أو استحاضة حيض، و لاينافي ذلك ما ورد في الجملات المتأخّرة عن هذه الجملة، فانّها تؤوّل في مقام التعارض بينها و بين الروايات الأخر.

و منها: صحيحة صفوان - التي هي أصرح من الكلّ - قال: «سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام عن الحبلى ترى الدم ثلاثة أيّام أو أربعة تصلّي؟ قال: تمسك عن الصلاة». فانّ الدم المردّد بين الحيض و الاستحاضة اذا حكم عليه بكونه حيضا في الحامل فلا بدّ من الحكم كذلك في غير الحبلى بالأولويّة القطعيّة؛ لأنّ الحيض في الحبلى نادر و في غيرها كثير.

و منها: صحيحة عبداللّه بن المغيرة عن أبي الحسن الأوّل عليه السلام : «في امرأة نفست فتركت الصلاة ثلاثين يوما ثمّ طهرت ثمّ رأت الدم بعد ذلك، قال: تدع الصلاة؛ لأنّ أيّامها أيّام الطهر قد جازت مع أيّام النفاس». حيث دلّ تعليله بأنّ أيّامها قد جازت على أنّ المدار في الحكم بحيضيّة الدم عدم اشتماله على المانع.

و منها الأخبار الدالّة على أنّ المرأة اذا رأت الدم قبل عشرة أيّام فهو من الحيضة الأولى، و ان كان بعد العشرة فهو من الحيضة المستقبلة، كما في صحيحة محمّد بن مسلم و غيرها، فانّها دلّت على أنّ الحيضة الثانية التي يتخلّل بينها و بين

السابقة أقلّ الطهر، كما يحتمل أن يكون استحاضة يحتمل أن يكون حيضا، فيجعل حيضا لامكانه.

فالمتحصّل أنّه اذا شكّ في الحيضيّة و الاستحاضة من جهة فقدانه الصفات لا من جهة الشبهة الحكميّة و لا من جهة الشبهة الموضوعيّة لأجل الشكّ في تحقّق الشرط، محكوم بالحيضيّة بمقتضى النصوص، و هو قاعدة متصيّدة من الأخبار المتقدّمة. وليكن في بالك أنّ المستفاد من الأخبار الواردة في المقام (تمييز الصفات) هو مدخليّة الحمرة في الحكم بالحيضيّة و أنّها كبقيّة الشروط، فكلّ دم لم يكن بأحمر فهو ليس بحيض كما اذا كان أصفر، الاّ الصفرة في أيّام العادة أو قبلها بيوم أو يومين. انتهى ملخّصا».(1)

و قد ذكرناها بطولها لسعيه و دقّته رحمه الله بأن تتّضح قاعدة الامكان التي قد تمسّك بها الأصحاب في موارد.

و أمّا صاحب المدارك قال: «و قال الشارح قدس سره: «المراد بالامكان هنا معناه العامّ، و هو سلب الضرورة عن الجانب المخالف للحكم، فيدخل فيه ما تحقّق كونه حيضا، لاجتماع شرائطه و ارتفاع موانعه، كرؤية ما زاد على الثلاثة في زمن العادة الزائدة عنها بصفة دم الحيض و انقطاعه عليها، و ما احتمله كرؤيته بعد انقطاعه على العادة و مضي أقلّ الطهر متقدّما على العادة، فانّه يحكم بكونه حيضا لامكانه، و يتحقّق عدم الامكان بقصور السنّ عن تسع، و زيادته عن الخمسين أو الستّين، و بسبق حيض محقّق لم يتخلّل بينهما أقلّ الطهر، أو نفاس كذلك، و كونها حاملاً على مذهب المصنّف و غير ذلك». و للتوقّف فيه مجال».(2)

و بنظري القاصر أنّ هذا خلاصة ما حقّقه في التنقيح.

و في المستمسك بعد التفصيل الذي ذكر في بيان القاعدة قال: «و الذي


1) - التنقيح في شرح العروة 7: 192 - 202.

2) - مدارك الأحكام 1: 325.

تحصّل ممّا ذكرنا في القاعدة أمور:

الأوّل: انّ المراد بالامكان فيها الامكان القياسي، بالاضافة الى ما علم اعتباره شرعا، و ما احتمل اعتباره شرعا، ممّا لم يقم دليل على نفي اعتباره.

الثاني: انّ العمدة في دليل القاعدة النصوص المعتبرة الأسناد، المشتملة على التعليل باحتمال الحيض مع عدم المانع الشرعي.

الثالث: انّها تجري في أوّل الرؤية، و ان لم يعلم استمرار الدم الى ثلاثة أيّام اذا كان الدم واجدا للصفات، أمّا اذا كان فاقدا فالتحيّض به للقاعدة لايخلو من اشكال؛ لما أشرنا اليه آنفا من النصوص الدالّة على عدم التحيّض برؤية الدم الفاقد، فانّ الجمع بينها و بين نصوص التعليلات يقتضي التفصيل في التحيّض بالرؤية بينهما. نعم، اذا استمرّ ثلاثة أيّام جرت القاعدة فيه للاجماع، و لا اجماع على التحيّض برؤية الفاقد.

الرابع: انّ القاعدة المذكورة من قبيل الأصل لايرجع اليها مع الدليل.

الخامس: أنّها لاتجري في الشبهة الحكميّة، و تختصّ بالشبهات الموضوعيّة لا غير.

السادس: انّه يكفي في احراز الامكان الأصل الجاري لاثبات الشرط أو عدم المانع كما اذا شكّت في اليأس و رأت الدم فانّ أصالة عدم اليأس كافية في احراز الامكان بلحاظ شرطيّة عدم اليأس، فتجري قاعدة الامكان في الدم المرئي حينئذ. و اللّه سبحانه أعلم. انتهى ملخّصا».(1)

و في المهذّب - في جملة الاستدلالات على قاعدة الامكان - قال: «منها: انّ الحيض دم طبيعي، فهو مقتضى سلام ة الطبيعة، و أصالة السلام ة عند الشكّ فيها من الأصول المعتبرة المتعارفة بين الناس، فمرجع قاعدة الامكان الى أصالة السلام ة الدائرة بين العقلاء المعتبرة لديهم، و الاجماع و الأدلّة الأخرى ارشاد


1) - مستمسك العروة 3: 241 و 242.

اليها، كما يقال: انّ الأصل فيما يخرج من القبل هو البول، و ما يخرج من الفم هو البصاق، و ما يخرج من العين هو الدمع، و كذا الأصل فيما يخرج من الرحم هو الحيض، الاّ مع القرينة المعتبرة على الخلاف في جميع ذلك و هذا كان مغروسا في أذهان الفقهاء، فعبّروا عنه بقاعدة الامكان و الحقّ أنّ هذا حسن متين».(1)

أقول:

الظاهر أنّ قاعدة الامكان على النحو الذي فصّلوها هؤلاء الأعلام لها أصل من الروايات و طبيعة المرأة الاّ أنّ التمسّك بها من دون قرينة ظاهرة من الروايات مشكل، و لذا قال في الجواهر: «توقّف جماعة من متأخّري المتأخّرين كالمحقّق الثاني و صاحب المدارك و غيرهما في هذه القاعدة، و استوجه بعضهم الرجوع الى الصفات في غير ما دلّ الدليل عليه، كالصفرة و الكدرة في أيّام الحيض، و هو لايخلو من وجه.

الى أن قال: لكنّ الجرأة على خلاف ما عليه الأصحاب سيّما بعد نقلهم الاجماع نقلاً مستفيضا معتضدا بتتبّع كثير من كلمات الأصحاب لايخلو من اشكال، و خصوصا بعد ما سمعت من الاشارات المتقدّمة في الروايات، الاّ أنّه ينبغي القطع بعدم ارادة العموم منها على الوجه الذي فهمه بعض متأخّري المتأخّرين حتّى تمسّك بها في نفي الشرائط.

الى أن قال: فالأولى حملها حينئذ على ارادة ما علم امكانيّة حيضه، كأن تراه البالغة غير الآئسة مثلاً ثلاثة أيّام و لم يكن معارضا بامكان حيض آخر فانّه حيض، و أمّا ما لم يعلم حاله أنّه ممكن أو مستحيل لعدم العلم باحراز الشرط فلايحكم بحيضيّته. انتهى ملخّصا».(2)


1) - مهذّب الأحكام 3: 173.

2) - جواهر الكلام 3: 169 و 170.

(مسألة 16): صاحبة العادة المستقرّة في الوقت و العدد اذا رأت العدد في غير وقتها و لم تره في الوقت تجعله حيضا سواء كان قبل الوقت أو بعده.

الشرح:

قال في المستمسك: «اتّفاقا كما هو الظاهر. كذا في كشف اللثام و تقتضيه قاعدة الامكان المتقدّمة و بعض النصوص المتقدّمة دليل عليها. نعم، الاشكال في التحيّض بمجرّد الرؤية في الفاقد للصفة أو انتظار الثلاثة، و الكلام فيه تقدّم في المسألة السابقة».(1)

قد تقدّم في المسألة الخامسه عشرة أنّ صاحبة الوقتيّة تترك العبادة بمجرّد رؤية الدم سواء كانت عدديّة أيضا أو لا و ذكرنا هناك الدليل عليه من الروايات فراجع.

فيما اذا رأت قبل العادة و فيها و لم يتجاوز المجموع عن العشرة

(مسألة 17): اذا رأت قبل العادة و فيها و لم يتجاوز المجموع عن العشرة جعلت المجموع حيضا، و كذا اذا رأت في العادة و بعدها و لم يتجاوز عن العشرة، أو رأت قبلها و فيها و بعدها، و ان تجاوز العشرة في الصور المذكورة فالحيض أيّام العادة فقط و البقيّة استحاضة.

الشرح:

اذا رأت المرأة الدم قبل العادة و فيها و لم يتجاوز المجموع عن العشرة و كان الدم بصفات الحيض جعلت المجموع حيضا؛ و ذلك لما تقدّم من أنّ صاحبة العادة الوقتيّة قد ترى الدم قبلها، و لما تقدّم من أنّ أقلّ الحيض لايكون أقلّ من ثلاثة أيّام و لما تقدّم من أنّ أقلّ الطهر أي الفاصل بين الحيضتين عشرة أيّام، فمع وجود هذه الشرائط و عدم المانع من كون ما سوى العادة حيضا نحكم بحيضيّة


1) - مستمسك العروة 3: 242.

المجموع بقاعدة الامكان. و كذا اذا رأت في العادة و بعدها و لم يتجاوز عن العشرة، أو رأت قبلها و فيها و بعدها و لم يتجاوز عن العشرة. و أمّا ان تجاوز العشرة في الصور المذكورة فالحيض أيّام العادة فقط و البقيّة استحاضة؛ و ذلك لما تقدّم من أنّ أكثر الحيض عشرة أيّام، فلاتجري هنا قاعدة الامكان.

و قال في حاشية التنقيح: «هذا اذا كان التقدّم بيوم أو يومين أو كان الدم بصفات الحيض و أمّا اذا كان التقدّم بأكثر من يومين و لم يكن الدم بصفات الحيض فالحكم بكونه حيضا لايخلو عن اشكال بل منع و ان كان الأولى الاحتياط، و كذا الحال فيما اذا رأت الدم بعد العادة فانّه لايحكم بكونه حيضا اذا لم يكن واجدا للصفات».(1)

أقول:

الظاهر أنّ ما في الرواية من امكان تقدّم الحيض بيوم أو يومين من باب الأغلبيّة، فيمكن أكثر من ذلك و أمّا الصفات فصحيح بأن يكون بصفات الحيض، الاّ اذا اطمأنّ بأنّه حيض.

فيما اذا رأت ثلاثة أيّام متواليات و انقطع ثمّ رأت ثلاثة أيّام أو أزيد

(مسألة 18): اذا رأت ثلاثة أيّام متواليات و انقطع ثمّ رأت ثلاثة أيّام أو أزيد فان كان مجموع الدمين و النقاء المتخلّل لايزيد عن عشرة كان الطرفان حيضا، و في النقاء المتخلّل تحتاط بالجمع بين تروك الحائض و أعمال المستحاضة، و ان تجاوز المجموع عن العشرة فان كان أحدهما في أيّام العادة دون الآخر جعلت ما في العادة حيضا، و ان لم يكن واحد منهما في العادة فتجعل الحيض ما كان منهما واجدا للصفات، و ان كانا متساويين في الصفات فالأحوط جعل أوّلهما حيضا و ان كان الأقوى التخيير، و ان كان


1) - التنقيح في شرح العروة 7: 212

بعض أحدهما في العادة دون الآخر جعلت ما بعضه في العادة حيضا، و ان كان بعض كلّ واحد منهما في العادة فان كان ما في الطرف الأوّل من العادة ثلاثة أيّام أو أزيد جعلت الطرفين من العادة حيضا و تحتاط في النقاء المتخلّل، و ما قبل الطرف الأوّل و ما بعد الطرف الثاني استحاضة، و ان كان ما في العادة في الطرف الأوّل أقلّ من ثلاثة تحتاط في جميع أيّام الدمين و النقاء بالجمع بين الوظيفتين.

الشرح:

في المسألة صور:

الأولى: اذا رأت الدم ثلاثة أيّام متواليات و انقطع ثمّ رأت ثلاثة أيّام أو أزيد، فان كان مجموع الدمين و النقاء المتخلّل لايزيد عن عشرة كان الطرفان والنقاء المتخلّل حيضا، كما تقدّم تفصيله في المسألة السابقة.

الثانية: أن يتجاوز عن العشرة فان كان أحدهما في أيّام العادة دون الآخر جعلت ما في العادة حيضا؛ لأنّ العادة أقوى الأمارات على الحيضيّة مضافا الى الاجماع المحكي، سواء كان الدم واجدا للصفات أو فاقدا لها، بعد أن صارت تلك الأيّام عادة لها بين الشهرين أو أكثر، مع وجود الشرائط. و لايجعل ما في غير أيّام العادة حيضا و ان كان واجدا للصفات؛ لتقدّم العادة مع التعارض، الاّ اذا تغيّرت العادة بتكرار شهرين متواليين.

الثالثة: أن يتجاوز عن العشرة و لم يكن واحد منهما في العادة، بأن كان أحدهما قبل العادة مثلاً و الثاني بعد العادة، و لم تر الدم في العادة ففي هذه الصورة تجعل الحيض ما كان منهما واجدا للصفات دون الآخر؛ لأنّها من علامات التمييز. و ان كانا متساويين في الصفات و كانت ذات عادة وقتيّة سواء كانت عدديّة أو لم تكن، فيتخيّر في جعل أحدهما حيضا، لامكانيّة حيضيّة كلّ منهما. و ان كان بعض أحدهما في العادة دون الآخر جعلت ما بعضه في العادة حيضا؛ لما مرّ آنفا.

و ان كان بعض كلّ واحد منهما في العادة، فان كان ما في الطرف الأوّل ثلاثة أيّام أو أزيد، كما لو كانت عادته ستّة مثلاً، فرأت الدم قبل العادة بيومين و في العادة يوما فصار ثلاثة أيّام ثمّ لم تر الدم أربعة أيّام، ثمّ رأت الدم يوما و ثلاثة أيّام بعد العادة فصار المجموع أحدعشر يوما، فحينئذ تجعل الثلاثة الأول حيضا و الأربعة الأيّام الثانية استحاضة، كما تقدّم في المسألة السابقة.

فيما اذا تعارض الوقت و العدد في ذات العادة الوقتيّة العدديّة

(مسألة 19): اذا تعارض الوقت و العدد في ذات العادة الوقتيّة العدديّة يقدّم الوقت كما اذا رأت في أيّام العادة أقلّ أو أكثر من عدد العادة و دما آخر في غير أيّام العادة بعددها فتجعل ما في أيّام العادة حيضا و ان كان متأخّرا و ربّما يرجّح الأسبق، فالأولى فيما اذا كان الأسبق العدد في غير أيّام العادة الاحتياط في الدمين بالجمع بين الوظيفتين.

الشرح:

اذا رأت المرأة الدم في أيّام العادة أقلّ أو أكثر من عدد العادة، و دما آخر في غير أيّام العادة بعددها فتجعل ما في أيّام العادة حيضا؛ و ذلك لما في صحيحة محمّد الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

« ... فقال أبو جعفر عليه السلام : سئل رسول اللّه صلى الله عليه و آله عن المرأة تستحاض؟ فأمرها أن تمكث أيّام حيضها لاتصلّي فيها ثمّ تغتسل، الحديث».(1)

قال في التنقيح: «يستفاد من مرسلة يونس أنّ العادة الوقتيّة أمارة و طريق الى أنّ الدم حيض. و أمّا العادة العدديّة فلا دليل على أماريّتها على الحيضيّة ليقع بينهما التعارض، و انّما هي معيّنة للعدد المجعول حيضا فيما اذا تجاوز الدم عن العشرة فقط، و مع قيام الأمارة على حيضيّة الدم المرئي في أيّام العادة لايمكن


1) - وسائل الشيعة 2: 283 / الباب 5 من أبواب الحيض / الحديث 3.

الحكم بحيضيّة غيره و لو كان متقدّما، بل يمكن أن يستكشف عدم حيضيّة ما في غير أيّام العادة بالملازمة. و أمّا أخبار الصفات فهي أيضا غير شاملة للمقام؛ لأنّ الترجيح بالصفات انّما هو في غير ذات العادة كما تقدّم».(1)

فيما اذا رأت ذات العادة العدديّة أزيد من العدد و لم يتجاوز العشرة

(مسألة 20): ذات العادة العدديّة اذا رأت أزيد من العدد و لم يتجاوز العشرة فالمجموع حيض، و كذا ذات الوقت اذا رأت أزيد من الوقت.

الشرح:

ذات العادة العدديّة اذا رأت أزيد من العدد و لم يتجاوز العشرة فالمجموع حيض؛ و ذلك لما في صحيحة يونس بن يعقوب قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : امرأة رأت الدم في حيضها حتّى تجاوز وقتها، متى ينبغي لها أن تصلّي؟ قال: تنظّر عدّتها التي كانت تجلس، ثمّ تستظهر بعشرة أيّام، فان رأت الدم دما صبيبا فلتغتسل في وقت كلّ صلاة».(2)

و مرسلة عبداللّه بن المغيرة عن أبي عبداللّه عليه السلام في المرأة التيترى الدم؟ فقال:

«ان كان قرؤها دون العشرة انتظرت العشرة، و ان كانت أيّامها عشرة لم تستظهر».(3)

قال في التنقيح: «ذات العادة العدديّة اذا رأت الدم أزيد من العدد ولم يتجاوز العشرة فالمجموع حيض اذا كان الجميع واجدا للصفات، كما اذا استمرّ الدم سبعة أيّام و كانت عادتها ستّة أيّام. و الظاهر أنّ مراد المصنّف من قوله: «و كذا ذات الوقت اذا رأت أزيد من الوقت» الى العادة الوقتيّة من حيث المنتهى فقط، كما اذا


1) - التنقيح في شرح العروة 7: 224.

2) - وسائل الشيعة 2: 303 / الباب 13 من أبواب الحيض / الحديث 12.

3) - وسائل الشيعة 2: 303 / الباب 13 من أبواب الحيض / الحديث 11.

جرت عادتها على انقطاع دمها في اليوم العاشر مثلاً من كلّ شهر مع الاختلاف في أوّله، الاّ أنّه في بعض الشهور تجاوز عن اليوم العاشر و انقطع في اليوم الحادي عشر مثلاً و كان مجموع أيّام الدم أقلّ من عشرة أيّام. انتهى ملخّصا».(1)

فيما اذا كانت عادتها في كلّ شهر مرّة فرأت في شهر مرّتين

(مسألة 21): اذا كانت عادتها في كلّ شهر مرّة فرأت في شهر مرّتين مع فصل أقلّ الطهر و كانا بصفة الحيض فكلاهما حيض، سواء كانت ذات عادة وقتا أو عددا أو لا، و سواء كانا موافقين للعدد و الوقت أو يكون أحدهما مخالفا.

الشرح:

اذا كانت عادتها في كلّ شهر مرّة فرأت في شهر مرّتين مع فصل أقلّ الطهر، و كانا بصفة الحيض فكلاهما حيض؛ و ذلك - كما في التنقيح(2)- لوجدانهما الصفات و تحقّق ما هو الشرط في حيضيّة الدم الثاني، أعني فصل أقلّ الطهر بينهما، فالمقتضي للحكم بحيضيّة الدمين وجود المقتضي و انتفاء المانع.

ثمّ انّ التسوية بين كون الدمين موافقين للعدد و بين عدمه أمر ظاهر، ولكنّ الكلام في الفرق بين كونهما موافقين في الوقت و عدمه، فكيف يمكن التسوية بين الدمين من جهة الوقت مع فرض المسألة.

(مسألة 22): اذا كانت عادتها في كلّ شهر مرّة فرأت في شهر مرّتين مع فصل أقلّ الطهر، فان كانت احداهما في العادة و الأخرى في غير وقت العادة و لم تكن الثانية بصفة الحيض تجعل ما في الوقت و ان لم يكن بصفة الحيض


1) - التنقيح في شرح العروة 7: 225 و 226.

2) - نفس المصدر 6: 228.

حيضا و تحتاط في الأخرى، و ان كانتا معا في غير الوقت فمع كونهما واجدتين كلتاهما حيض، و مع كون احداهما واجدة تجعلها حيضا و تحتاط في الأخرى، و مع كونهما فاقدتين تجعل احداهما حيضا و الأحوط كونها الأولى و تحتاط في الأخرى.

الشرح:

اذا كانت عادتها في كلّ شهر مرّة، فرأت في شهر مرّتين مع فصل أقلّ الطهر، فان كانت احداهما في العادة و الأخرى في غير وقت العادة و لم تكن الثانية بصفة الحيض تجعل ما في العادة حيضا سواء كان واجدا للصفات أو فاقدا لها و لم تكن الثانية حيضا؛ و ذلك لما دلّ من الروايات على أنّ ما تراه المرأة في أيّام عادتها من صفرة أو حمرة فهو حيض، كصحيحة محمّد بن مسلم قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن المرأة ترى الصفرة في أيّامها؟ فقال: لاتصلّي حتّى تنقضي أيّامها، و ان رأت الصفرة في غير أيّامها توضّأت و صلّت».(1)

و مرسلة يونس عن أبي عبداللّه عليه السلام قال (في حديث):

«و كلّ ما رأت المرأة في أيّام حيضها من صفرة أو حمرة فهو من الحيض، و كلّ ما رأته بعد أيّام حيضها فليس من الحيض».(2)

و ان كانتا معا في غير وقت العادة فمع كونهما واجدتين لصفات الحيض، فكلتاهما حيض؛ لما مرّ من وجود المقتضي و عدم المانع. و أمّا ان كان أحد الدمين واجدا للصفات دون الآخر، فالواجد للصفات حيض بلا اشكال؛ لوجود الشرائط و فقد الموانع. و أمّا الثاني و ان كان يمكن أن يكون حيضا، الاّ أنّ


1) - وسائل الشيعة 2: 279 / الباب 4 من أبواب الحيض / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 2: 279 / الباب 4 من أبواب الحيض / الحديث 3.

الاحتياط لاينبغي تركه. و لو لم يكونا بصفة الحيض، فيجعل أحدهما حيضا مخيّرا، و في الآخر يحتاط بتروك الحائض و أعمال المستحاضة.

فيما اذا انقطع الدم قبل العشرة

(مسألة 23): اذا انقطع الدم قبل العشرة فان علمت بالنقاء و عدم وجود الدم في الباطن اغتسلت و صلّت و لا حاجة الى الاستبراء، و ان احتملت بقاءه في الباطن وجب عليها الاستبراء و استعلام الحال بادخال قطنة و اخراجها بعد الصبر هنيئة فان خرجت نقيّة اغتسلت و صلّت، و ان خرجت ملطّخة و لو بصفرة صبرت حتّى تنقى أو تنقضي عشرة أيّام ان لم تكن ذات عادة أو كانت عادتها عشرة، و ان كانت ذات عادة أقلّ من عشرة فكذلك مع علمها بعدم التجاوز عن العشرة، و أمّا اذا احتملت التجاوز فعليها الاستظهار بترك العبادة استحبابا بيوم أو يومين أو الى العشرة مخيّرة بينها فان انقطع الدم على العشرة أو أقلّ فالمجموع حيض في الجميع و ان تجاوز فسيجيء حكمه.

الشرح:

اذا انقطع الدم قبل العشرة فان علمت بالنقاء و عدم وجود الدم في الباطن اغتسلت و صلّت؛ لأنّها طاهرة و مكلّفة بالغسل و الصلاة، و لا حاجة الى الاستبراء؛ لأنّه يكون مقدّمة للعلم بالنقاء، و مع العلم به فلا معنى للاستبراء. و ان احتملت بقاء الدم في الباطن وجب عليها الاستبراء؛ و ذلك لصحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«اذا أرادت الحائض أن تغتسل فلتستدخل قطنة، فان خرج فيها شيء من الدم فلاتغتسل، و ان لم تر شيئا فلتغتسل، و ان رأت بعد ذلك صفرة فلتتوضّ و لتصلّ».(1)


1) - وسائل الشيعة 2: 308 / الباب 17 من أبواب الحيض / الحديث 1.

ثمّ انّه قد ورد في روايات كيفيّة استبراء الحائض «بأن تقوم قائما و تلزق بطنها بحائط و تستدخل قطنة بيضاء و ترفع رجلها اليمنى» كما في مرسلة يونس و نظير ذلك في موثّقة سماعة و رواية الكندي.(1)

ولكنّ الظاهر أنّ هذه الكيفيّة ليست تعبّديّة، بل هي طريقة الى حصول العلم بالنقاء، كما هو المشهور أيضا.

و أمّا لو خرجت القطنة ملطّخة - و لو بصفرة - صبرت حتّى تنقى أو تنقضي عشرة أيّام ان لم تكن ذات عادة؛ لموثّقة عبداللّه بن بكير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«المرأة اذا رأت الدم في أوّل حيضها فاستمرّ بها الدم بعد ذلك تركت الصلاة عشرة أيّام ثمّ تصلّي عشرين يوما، فان استمرّ بها الدم بعد ذلك تركت الصلاة ثلاثة أيّام و صلّت سبعة و عشرين يوما».(2)

و قوله عليه السلام في موثّقة سماعة بن مهران:

« ... فلها أن تجلس و تدع الصلاة مادامت ترى الدم ما لم يجز العشرة، الحديث».(3)

و هكذا يكون الحال لو كانت عادتها عشرة؛ لمرسلة عبداللّه بن المغيرة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«اذا كانت أيّام المرأة عشرة لم تستظهر، فاذا كانت أقلّ استظهرت».(4)

لوضوح طريقيّة العادة، و الظاهر أنّه لا خلاف في المسألة كما في المستمسك.(5)


1) - وسائل الشيعة 2: 309 / الباب 4 من أبواب الحيض / الأحاديث 2 و 4 و 3.

2) - وسائل الشيعة 2: 291 / الباب 8 من أبواب الحيض / الحديث 6.

3) - وسائل الشيعة 2: 305 / الباب 14 من أبواب الحيض / الحديث 1.

4) - وسائل الشيعة 2: 301 / الباب 13 من أبواب الحيض / الحديث 2.

5) - مستمسك العروة 3: 261.

و كذلك الحال أيضا ان كانت ذات عادة أقلّ من عشرة، مع علمها بعدم تجاوز الدم عن العشرة فيحكم بحيضيّة الجميع؛ لقاعدة الامكان و لما مرّ من الروايات، و للاجماع كما في المستمسك.

و ان كانت ذات عادة أقلّ من عشرة و احتملت التجاوز فعليها الاستظهار بترك العبادة.

قال في المستمسك: «الظاهر أنّه لا خلاف في ثبوته في الجملة و مشروعيّته. قال في جامع المقاصد: «لا خلاف في ثبوته، انّما الخلاف في وجوبه» بل عليه الاتّفاق كما عن المعتبر و التذكرة و المدارك و المفاتيح و شرحها.

و النصوص الدالّة عليه متواترة أو متجاوزة حدّ التواتر على اختلاف مضامينها؛ اذ في بعضها: الأمر بالاستظهار من دون تعرّض لمقداره.

و في آخر: تستظهر بيوم واحد.

و في ثالث: أنّها تستظهر بيومين.

و في رابع: أنّها تستظهر بثلاثة أيّام.

و في خامس: أنّها تستظهر بيوم أو يومين.

و في سادس: أنّها تستظهر بيومين أو ثلاثة.

و في سابع: أنّها تستظهر بيوم أو يومين أو ثلاثة.

و في ثامن: أنّها تستظهر الى تمام العشرة.

نعم، قد يستظهر من جملة أخرى من النصوص عدم ثبوت الاستظهار أصلاً. فالمشهور بين المتأخّرين حمل أخبار الاستظهار على الاستحباب بقرينة أخبار الاقتصار على العادة.

الى أن قال: و المتحصّل ممّا ذكرناه: أنّ النصوص المعدودة معارضة لنصوص الاستظهار، منها ما هو صريح أو ظاهر في وروده لبيان الحكم الواقعي للمستحاضة الواقعيّة، و منها ما هو محتمل لذلك، و منها ما هو ظاهر في الحكم الظاهري

بالاقتصار على أيّام العادة مع أمارة التجاوز، و الأقسام الثلاثة كلّها لا مجال لتوهّم المعارضة بينها و بين أخبار الاستظهار، و لو فرض وجود قسم منها ظاهر في الحكم الظاهري أمكن حمله على الحكم الواقعي، أو على صورة اليأس من الانقطاع؛ حملاً للمطلق على المقيّد. و من ذلك يظهر أنّه لاتنتهي النوبة الى طرح أخبار الاقتصار؛ لموافقتها لمذهب أكثر العامّة، حيث نقل الاقتصار عن الجمهور عدا مالك، فأوجب الاستظهار الى ثلاثة أيّام. مضافا الى كون أخبار الاستظهار أكثر و أشهر، فانّ ذلك انّما يكون بعد تعذّر الجمع العرفي، و قد عرفت سهولته. فتأمّل جيّدا. انتهى ملخّصا».(1)

قال في الشرائع: «و ذات العادة تغتسل بعد يوم أو يومين من عادتها، فان استمرّ الى العاشر و انقطع قضت ما فعلته من صوم، و ان تجاوز كان ما أتت به مجزيا».(2)

قال في المدارك: «أجمع علماؤنا على ثبوت الاستظهار لذات العادة مع استمرار الدم اذا كانت عادتها دون العشرة، قاله في المعتبر. و المراد بالاستظهار طلب ظهور الحال في كون الدم حيضا أو طهرا بترك العبادة بعد العادة يوما أو أكثر ثمّ الغسل بعدها.

و قد وقع الخلاف هنا في موضعين: أحدهما: انّ هذا الاستظهار هل هو على سبيل الوجوب أو الاستحباب؟ ظاهر كلام الشيخ في النهاية و الجمل، و المرتضى في المصباح الوجوب. و قيل بالاستحباب، و اليه ذهب عامّة المتأخّرين. و استدلّ الأوّل بورود الأمر به في عدّة أخبار و هو حقيقة في الوجوب. و استدلّ الثاني بالجمع بينها و بين قوله عليه السلام في مرسلة يونس: «تحيّضي أيّام أقرائك»، و كذا صحيحة معاوية بن عمّار: «المستحاضة تنتظر أيّامها فلاتصلّ فيها و لايقربها بعلها، فاذا جازت أيّامها و رأت دما يثقب الكرسف اغتسلت للظهر و العصر»، و


1) - مستمسك العروة 3: 262 - 270.

2) - شرائع الاسلام 1: 30.

كيف كان فالاستظهار أولى، و ثانيهما في مدّة الاستظهار و المعتمد جواز استظهارها بيوم أو يومين أو ثلاثة؛ لصحيحتي البزنطي و محمّد بن عمرو بن سعيد عن الرضا عليه السلام . انتهى ملخّصا».(1)

أقول:

التأمّل في الروايات التي أوردها صاحب الوسائل في الباب الثالث عشر من أبواب الحيض يعطي أنّ الاستظهار الى عشرة أيّام جائز؛ لصحيحة يونس بن يعقوب قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : امرأة رأت الدم في حيضها حتّى تجاوز وقتها، متى ينبغي لها أن تصلّي؟ قال: تنظر عدّتها التي كانت تجلس، ثمّ تستظهر بعشرة أيّام، فان رأت الدم دما صبيبا فلتغتسل في وقت كلّ صلاة».(2)

و يؤيّدها مرسلة عبداللّه بن مغيرة عن أبي عبداللّه عليه السلام في المرأة التيترى الدم؟ فقال:

«ان كان قرؤها دون العشرة انتظرت العشرة، و ان كانت أيّامها عشرة لم تستظهر».(3)

و يستحبّ الاستظهار الى يوم أو يومين أو ثلاثة؛ و ذلك لصحيحة ابن أبي نصر عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال:

«سألته عن الحائض كم تستظهر؟ فقال: تستظهر بيوم أو يومين أو ثلاثة».(4)


1) - مدارك الأحكام 1: 332 - 335.

2) - وسائل الشيعة 2: 303 / الباب 13 من أبواب الحيض / الحديث 12.

3) - وسائل الشيعة 2: 303 / الباب 13 من أبواب الحيض / الحديث 11.

4) - وسائل الشيعة 2: 302 / الباب 13 من أبواب الحيض / الحديث 9.

و صحيحة محمّد بن عمرو بن سعيد عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال:

«سألته عن الطامث و حدّ جلوسها؟ فقال: تنتظر عدّة ما كانت تحيض، ثمّ تستظهر بثلاثة أيّام، ثمّ هي مستحاضة».(1)

و يؤيّد هذا الذي تقدّم باقي الروايات التي وردت في هذا الباب. فما ذهب اليه المصنّف رحمه الله هو الصحيح.

فيما اذا تجاوز الدم عن مقدار العادة و علمت أنّه يتجاوز العشرة

(مسألة 24): اذا تجاوز الدم عن مقدار العادة و علمت أنّه يتجاوز عن العشرة تعمل عمل الاستحاضة فيما زاد و لا حاجة الى الاستظهار.

الشرح:

اذا تجاوز الدم عن مقدار العادة و علمت أنّه يتجاوز عن العشرة تعمل عمل الاستحاضة فيما زاد و لا حاجة الى الاستظهار؛ لاختصاص الروايات الواردة في الباب بصورة احتمال الانقطاع كما في المستمسك.(2)

فيما اذا انقطع الدم بالمرّة

(مسألة 25): اذا انقطع الدم بالمرّة وجب الغسل و الصلاة و ان احتملت العود قبل العشرة بل و ان ظنّت، بل و ان كانت معتادة بذلك على اشكال. نعم، لو علمت العود فالأحوط مراعاة الاحتياط في أيّام النقاء؛ لما مرّ من أنّ في النقاء المتخلّل يجب الاحتياط.

الشرح:

اذا انقطع الدم بالمرّة وجب الغسل و الصلاة؛ و ذلك لما تقدّم من المسائل و ان احتملت العود قبل العشرة بل و ان ظنّت.


1) - وسائل الشيعة 2: 303 / الباب 13 من أبواب الحيض / الحديث 10.

2) - مستمسك العروة 3: 271.

قال في التنقيح: «للأخبار الدالّة على أنّ ذات العادة أو غيرها اذا انقطع دمها يجب عليها أن تغتسل و تصلّي، و الأخبار المتقدّمة في الاستبراء حيث دلّت على أنّها تستبرئ فاذا خرجت القطنة نقيّة و ظهر أنّ الدم قد انقطع تغتسل، بلا فرق في ذلك بين احتمال عود الدم قبل تجاوز العشرة و عدمه؛ لاطلاقات الأخبار، و كذلك فيما اذا ظنّت العود؛ لأنّ الظنّ لايغني من الحقّ شيئا، و هو و الاحتمال على حدّ سواء».(1)

نعم، لو كانت معتادة بذلك بحيث علمت العود فلاتترك الاحتياط في أيّام النقاء بين تروك الحائض و أعمال المستحاضة أي تعمل الأعمال العباديّة من الصوم و الصلاة و تترك الوط ء و دخول المسجد و غير ذلك ممّا يحرم على الحائض.

(مسألة 26): اذا تركت الاستبراء و صلّت بطلت و ان تبيّن بعد ذلك كونها طاهرة الاّ اذا حصلت منها نيّة القربة.

قد تقدّم شرح هذه المسألة في المسألة الثالثة و العشرين و قلنا بأنّ الاستبراء ليس تعبّديّا بل هو توصّلي، و لذلك لو تركت و صلّت بنيّة القربة ثمّ تبيّن كونها طاهرة صحّت صلاته.


1) - التنقيح في شرح العروة 7: 257.

فيما اذا لم يمكن الاستبراء لظلمة أو عمى

(مسألة 27): اذا لم يمكن الاستبراء لظلمة أو عمى فالأحوط الغسل و الصلاة الى زمان حصول العلم بالنقاء، فتعيد الغسل حينئذ و عليها قضاء ما صامت و الأولى تجديد الغسل في كلّ وقت تحتمل النقاء.

الشرح:

اذا لم يمكن الاستبراء لظلمة أو عمى، و الحال أنّها تكون شاكّة في طهرها أو بقاء حيضها فعليها الاحتياط بالجمع بين تروك الحائض و أعمال المستحاضة؛ للعلم الاجمالي بذلك فتغتسل و تصلّي و تصوم وتترك ما يحرم على الحائض، فاذا حصل لها العلم بالنقاء تعيد الغسل؛ لعدم العلم بكونها طاهرة حين الاغتسال و تقضي ما صامت، و أمّا الصلوات التي صلاّها فلايجب عليها القضاء؛ لأنّها ان كانت حائضة فكانت مرفوعة عنها و ان كانت طاهرة فصلّتها.

و أمّا قول المصنّف: «و الأولى تجديد الغسل في كلّ وقت تحتمل النقاء». فعلى ما تقدّم من أنّ الاستبراء ليس تعبّديّا بل هو طريق الى تحصيل العلم بالنقاء، فلو استمرّ لها عدم التمكّن من الاستبراء فلاتحتاج الى تجديد الغسل في كلّ وقت تحتمل النقاء، بل لها الاكتفاء بذلك الغسل حتّى يحصل العلم به. فعلى هذا ففيما ذهب اليه في التنقيح: «فاذا فرضنا عدم تمكّنها من الاستبراء فمقتضى علمها الاجمالي الاحتياط بالجمع بين أحكام الطاهرة و تروك الحائض في كلّ واحدة من صلاتها».(1)اشكال؛ لعدم المانع من الاكتفاء بالغسل الذي أتت به.


1) - التنقيح في شرح العروة 7: 260.

الفصل الثاني : في حكم تجاوز الدم عن العشرة

فيمن تجاوز دمها عن العشرة
اشارة

(مسألة 1): من تجاوز دمها عن العشرة سواء استمرّ الى شهر أو أقلّ أو أزيد امّا أن تكون ذات عادة أو مبتدئة أو مضطربة أو ناسية.

أمّا ذات العادة فتجعل عادتها حيضا و ان لم تكن بصفات الحيض و البقيّة استحاضة و ان كانت بصفاته اذا لم تكن العادة حاصلة من التمييز بأن يكون من العادة المتعارفة، و الاّ فلايبعد ترجيح الصفات على العادة بجعل ما بالصفة حيضا دون ما في العادة الفاقدة.

و أمّا المبتدئة و المضطربة بمعنى من لم تستقرّ لها عادة فترجع الى التمييز، فتجعل ما كان بصفة الحيض حيضا و ما كان بصفة الاستحاضة استحاضة بشرط أن لايكون أقلّ من ثلاثة و لا أزيد من العشرة و أن لايعارضه دم آخر واجد للصفات، كما اذا رأت خمسة أيّام مثلاً دما أسود و خمسة أيّام أصفر ثمّ خمسة أيّام أسود، و مع فقد الشرطين أو كون الدم لونا واحدا ترجع الى أقاربها في عدد الأيّام بشرط اتّفاقها أو كون النادر كالمعدوم، و لايعتبر اتّحاد البلد، و مع عدم الأقارب أو اختلافها ترجع الى الروايات مخيّرة بين اختيار الثلاثة في كلّ شهر أو ستّة أو سبعة.

و أمّا الناسية فترجع الى التمييز و مع عدمه الى الروايات و لاترجع الى أقاربها و الأحوط أن تختار السبع.

الشرح:

في المسألة فروع:

الفرع الأوّل : في ذات العادة اذا تجاوز دمها عن العشرة

من تجاوز دمها عن العشرة - سواء استمرّ الى شهر أو أقلّ أو أزيد - و كانت ذات عادة فتجعل عادتها حيضا.

قال في المستمسك: «بلا خلاف فيه في الجملة، بل عن ظاهر غير واحد دعوى الاجماع عليه صريحا و ظاهرا، بل عن المعتبر أنّه اجماع العلماء عدا مالك، و عن المنتهى أنّه اجماع أهل العلم. و تدلّ عليه النصوص الدالّة على حيضيّة الدم في العادة. و ما تقدّم في مبحث الاستظهار من نصوص الاستظهار، و نصوص الاقتصار على العادة، و كثير من فقرات مرسلة يونس الطويلة، منها قوله عليه السلام : «فهذه سنّة التي تعرف أيّام أقرائها لا وقت لها الاّ أيّامها قلّت أو كثرت».».(1)

أقول:

في معتبرة يونس عن غير واحد سألوا أبا عبداللّه عليه السلام عن الحيض و السنّة في وقته؟ فقال:

«انّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله سنّ في الحيض ثلاث سنن، بيّن فيها كلّ مشكل لمن سمعها و فهمها، حتّى لايدع لأحد مقالاً فيه بالرأي، أمّا احدى


1) - مستمسك العروة 3: 274.

السنن فالحائض التي لها أيّام معلومة قد أحصتها بلا اختلاط عليها، ثمّ استحاضت فاستمرّ بها الدم، و هي في ذلك تعرف أيّامها و مبلغ عدّتها، فانّ امرأة يقال لها: فاطمة بنت أبي حبيش استحاضت فأتت أمّ سلمة فسألت رسول اللّه صلى الله عليه و آله عن ذلك؟ فقال: تدع الصلاة قدر أقرائها أو قدر حيضها، و قال: انّما هو عرق، فأمرها أن تغتسل و تستثفر بثوب و تصلّي، قال أبو عبداللّه عليه السلام : هذه سنّة النبي صلى الله عليه و آله في التي تعرف أيّام أقرائها، لم تختلط عليها، ألا ترى أنّه لم يسألها كم يوم هي؟! و لم يقل: اذا زادت على كذا يوما فأنت مستحاضة؟! و انّما سنّ لها أيّاما معلومة ما كانت من قليل أو كثير بعد أن تعرفها، و كذلك أفتى أبي عليه السلام . الحديث».(1)

فانّ اطلاق المرسلة يشمل ما لو كان الدم في العادة بصفة الحيض أو لم يكن بل و ان كانت العادة حاصلة من التمييز بشرط أن تكون عادتها من العادة المتعارفة بمعنى أنّها رأت الدم شهرين متساويين من حيث الوقت و العدد. و أمّا اذا رأت الدم مختلفا في كلا الشهرين: الشهر الأوّل و الثاني، الاّ أنّها جعلت خمسة أيّام من كلّ منهما حيضا لكون الدم فيها واجدا للصفات، ففي الشهر الثالث اذا تجاوز دمها العشرة، ففي التنقيح كما في المتن استشكل و قال: «ليس لها أن ترجع الى عادتها، بل لابدّ من أن ترجع الى الصفات، فلاتشملها الأدلّة، فما كان بصفة الحيض حيض، و ما كان فاقدا لها فهو استحاضة، انتهى ملخّصا».(2)

ولكنّ الظاهر أنّ اطلاق المرسلة بل سائر الأدلّة شاملة لهذه الصورة أيضا، و ان كان الاحتياط بالعمل بما في المتن حسن.


1) - وسائل الشيعة 2: 281 / الباب 5 من أبواب الحيض / الحديث 1.

2) - التنقيح في شرح العروة 7: 263.

الفرع الثاني : في غير ذات العادة اذا تجاوز دمها عن العشرة

و أمّا المبتدئة و المضطربة بمعنى من لم تستقرّ لها عادة، اذا تجاوز دمها عن العشرة ترجع الى التمييز، فتجعل ما كان بصفة الحيض حيضا و ما كان بصفة الاستحاضة استحاضة بشرط أن لايكون ما كان بصفة الحيض أقلّ من ثلاثة و لا أزيد من العشرة.

قال في المستمسك: «و هو مذهب فقهاء أهل البيت عليهم السلام كما في محكي المعتبر، و مذهب علمائنا كما في محكي المنتهى، و عن الخلاف و التذكرة الاجماع عليه في المبتدئة، بل استظهر من الأوّل ذلك في المضطربة أيضا».(1)

و يدلّ عليه صحيحة حفص بن البختري قال:

«دخلت على أبي عبداللّه عليه السلام امرأة فسألته عن المرأة يستمرّ بها الدم، فلاتدري حيض هو أو غيره؟ قال: فقال لها: انّ دم الحيض حارّ عبيط(2)أسود له دفع و حرارة، و دم الاستحاضة أصفر بارد، فاذا كان للدم حرارة و دفع و سواد فلتدع الصلاة، قال: فخرجت و هي تقول: و اللّه أن لو كان امرأة ما زاد على هذا».(3)

و موثّقة اسحاق بن جرير قال:

«سألتني امرأة منّا أن أدخلها على أبي عبداللّه عليه السلام ، فاستأذنت لها، فأذن لها، فدخلت - الى أن قال: - فقالت له: ما تقول في المرأة تحيض فتجوز أيّام حيضها؟ قال: ان كان أيّام حيضها دون عشرة أيّام استظهرت بيوم واحد، ثمّ هي مستحاضة، قالت: فانّ الدم يستمرّ بها


1) - مستمسك العروة 3: 277.

2) - العبيط: الطري. هامش الوسائل

3) - وسائل الشيعة 2: 275 / الباب 3 من أبواب الحيض / الحديث 2.

الشهر و الشهرين و الثلاثة كيف تصنع بالصلاة؟ قال: تجلس أيّام حيضها ثمّ تغتسل لكلّ صلاتين، قالت له: انّ أيّام حيضها تختلف عليها، و كان يتقدّم الحيض اليوم و اليومين و الثلاثة، و يتأخّر مثل ذلك فما علمها به؟ قال: دم الحيض ليس به خفاء، هو دم حارّ تجد له حرقة، و دم الاستحاضة دم فاسد بارد، قال: فالتفتت الى مولاتها فقالت: أتراه كان امرأة مرّة؟!».(1)

و لو فقد الشرطان - أي كان الدم الذي بصفة الحيض أقلّ من الثلاثة أو أكثر من العشرة - أو كان الدم لونا واحدا، ترجع الى أقاربها في عدد الأيّام بشرط اتّفاقها أو كون النادر كالمعدوم و لايعتبر اتّحاد البلد.

قال في المستمسك: «على المشهور في المبتدئة، و عن التذكرة: نسبته الى علمائنا. و عن التنقيح و ظاهر السرائر نفي الخلاف فيه».(2)

و الدليل عليه مضمرة سماعة قال:

«سألته عن جارية حاضت أوّل حيضها فدام دمها ثلاثة أشهر و هي لاتعرف أيّام أقرائها؟ فقال: أقراؤها مثل أقراء نسائها، فان كانت نساؤها مختلفات فأكثر جلوسها عشرة أيّام، و أقلّة ثلاثة أيّام».(3)

و مع عدم الأقارب الذين يمكن الرجوع اليهم، أو اختلافها ترجع الى الروايات مخيّرة بين اختيار الثلاثة في كلّ شهر أو ستّة أو سبعة؛ و ذلك للجمع بين موثّقة عبداللّه بن بكير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«امرأة اذا رأت الدم في أوّل حيضها فاستمرّ بها الدم بعد ذلك تركت الصلاة عشرة أيّام، ثمّ تصلّي عشرين يوما، فان استمرّ بها الدم بعد


1) - وسائل الشيعة 2: 275 / الباب 3 من أبواب الحيض / الحديث 3.

2) - مستمسك العروة 3: 285.

3) - وسائل الشيعة 2: 288 / الباب 8 من أبواب الحيض / الحديث 2.

ذلك تركت الصلاة ثلاثة أيّام و صلّت سبعة و عشرين يوما».(1)

و مرسلة يونس عن أبي عبداللّه عليه السلام - الى أن قال - :

«انّ امرأة يقال لها: حمنة بنت جحش، أتت رسول اللّه صلى الله عليه و آله فقالت: انّي استحضت حيضة شديدة؟ فقال: احتشي كرسفا، فقالت: انّه أشدّ من ذلك، انّي أثجّة ثجّا، فقال: تلجّمي و تحيّضي في كلّ شهر في علم اللّه ستّة أيّام أو سبعة أيّام ثمّ اغتسلي غسلاً، و صومي ثلاثة و عشرين يوما أو أربعة و عشرين، و اغتسلي للفجر غسلاً، و أخّري الظهر و عجّلي العصر و اغتسلي غسلاً، و أخّري المغرب و عجّلي العشاء و اغتسلي غسلاً، الحديث».(2)

و أمّا الناسية فترجع الى التمييز ان كان للدم تمييز و لم يكن ما كان بصفة الحيض أقلّ من الثلاثة و أكثر من العشرة، و لوكان الدم لونا واحدا فترجع الى الروايات فحكمه كالمبتدئة و المضطربة من اختيار الثلاثة في كلّ شهر أو ستّة أو سبعة، و لاترجع الى أقاربها، بلا خلاف ظاهر كما في المستمسك.(3)

في المراد من الشهر

(مسألة 2): المراد من الشهر ابتداء رؤية الدم الى ثلاثين يوما و ان كان في أواسط الشهر الهلالي أو أواخره.

الشرح:

يدلّ عليه مرسلة يونس و موثّقة ابن بكير.

و قال في المستمسك: «الظاهر أنّه لا خلاف فيه».(4)


1) - وسائل الشيعة 2: 291 / الباب 8 من أبواب الحيض / الحديث 6.

2) - وسائل الشيعة 2: 288 / الباب 8 من أبواب الحيض / الحديث 3.

3) - مستمسك العروة 3: 292.

4) - نفس المصدر: 293.

و قال في التنقيح: «المراد بالشهر ليس هو الشهر الهلالي، بل المراد مقداره و هو ثلاثون يوما، و أوّل الثلاثين و مبدؤها هو أوّل رؤيتها الدم كان في أوّل الشهر أو وسطه أو آخره. كما تدلّ عليه المرسلة و الموثّقة. و المتعيّن في حقّها جعل العدد من أوّل رؤيتها الدم و الاستحاضة بعد ذلك. انتهى ملخّصا».(1)

(مسألة 3): الأحوط أن تختار العدد في أوّل رؤية الدم الاّ اذا كان مرجّح لغير الأوّل.

الشرح:

ظاهر المرسلة و الموثّقة هو تعيّن اختيار العدد في أوّل رؤية الدم بعنوان الحيض و الاستحاضة بعده. و أمّا قول المصنّف رحمه الله: «الاّ اذا كان مرجّح لغير الأوّل». فقد قال في التنقيح: «لم يظهر لنا المراد بالمرجّح لغير الأوّل؛ لأنّ مفروض الكلام تساوي الدم من حيث الصفات و عدم التمكّن من الرجوع الى الأقارب و معه ما معنى المرجّح للحيضيّة في الأوّل أو غيره، بل الصحيح و المتعيّن أنّ العدد تجعله في الأوّل؛ لدلالة المرسلة و الموثّقة».(2)

(مسألة 4): يجب الموافقة بين الشهور فلو اختارت في الشهر الأوّل أوّله ففي الشهر الثاني أيضا كذلك و هكذا.

قد تقدّم أنّ المتعيّن وضع العدد لعنوان الحيض في الأوّل، و بعده الاستحاضة، و على هذا البناء فلايبقى مورد للمسألة.


1) - التنقيح في شرح العروة 7: 298 و 299.

2) - نفس المصدر: 299.

فيما اذا تبيّن أنّ زمان الحيض غير ما اختارته

(مسألة 5): اذا تبيّن بعد ذلك أنّ زمان الحيض غير ما اختارته وجب عليها قضاء ما فات منها من الصلوات و كذا اذا تبيّنت الزيادة و النقيصة.

الشرح:

اذا تبيّن لغير من يستقيم حيضها بعد ما أدّت تكاليفها، أنّ زمان الحيض كان غير ما اختارته، وجب عليها القضاء؛ لصدق الفوات واقعا، اذ لايمنع منه الحكم الظاهري على خلافه. و كذا اذا تبيّنت الزيادة أو النقيصة.

قال في المستمسك: «هذا اذا كان التبيّن بالعلم، أمّا لو كان بالعادة - كما لو كانت ناسية للعادة فذكرتها - أو بالتمييز، فالحكم كذلك، أمّا في الثاني فظاهر؛ لأنّه ينكشف أنّه المرجع دون العدد، و أمّا في الأوّل فلأنّها و ان لم تخرج عن كونها ناسية للعادة سابقا، الاّ أنّه لايبعد أن يستفاد من النصوص كون العادة الواقعيّة حجّة واقعا حتّى حال النسيان، و يكون النسيان عذرا في الرجوع الى العدد. مضافا الى أنّها بتذكّر العادة صارت هي حجّة لها حتّى فيما مضى، لكونه من مداليلها. و كذا الحال في تبيّن الزيادة و النقيصة. فتأمّل».(1)

(مسألة 6): صاحبة العادة الوقتيّة اذا تجاوز دمها العشرة في العدد حالها حال المبتدئة في الرجوع الى الأقارب و الرجوع الى التخيير المذكور مع فقدهم أو اختلافهم، و اذا علمت كونه أزيد من الثلاثة ليس لها أن تختارها كما أنّها لو علمت أنّه أقلّ من السبعة ليس لها اختيارها.

الشرح:

صاحبة العادة الوقتيّة اذا تجاوز دمها العشرة في العدد، و لم يكن لها شرائط الرجوع الى التمييز، فحالها حال المبتدئة و المضطربة في الرجوع الى الأقارب و


1) - مستمسك العروة 3: 294 و 295.

مع فقدهم الرجوع الى الثلاثة أو الستّة أو السبعة مخيّرة في كلّ شهر كما تقدّم في المسألة الأولى. نعم، اذا علمت كون دم حيضها أزيد من الثلاثة ليس لها أن يختارها، كما أنّها لو علمت أنّه أقلّ من السبعة ليس لها اختيارها.

(مسألة 7): صاحبة العادة العدديّة ترجع في العدد الى عادتها، و أمّا في الزمان فتأخذ بما فيه الصفة، و مع فقد التمييز تجعل العدد في الأوّل على الأحوط و ان كان الأقوى التخيير، و ان كان هناك تمييز لكن لم يكن موافقا للعدد فتأخذه و تزيد مع النقصان و تنقص مع الزيادة.

الشرح:

اذا رأت الدم و لم يزد على عشرة أيّام و هو واجد للصفات فيحكم على الجميع بالحيضيّة؛ لأنّ الدم قبل العشرة من الحيضة الأولى، و أمّا اذا زاد عليها فمن جهة العدد ترجع الى عادتها فتأخذ بها كخمسة أيّام مثلاً و الباقي استحاضة، و أمّا من حيث الوقت و الزمان فترجع فيه الى الصفات فتجعل خمسة أيّام من الدم الواجد للصفات حيضا كما قال في التنقيح.(1)

(مسألة 8): لا فرق في الوصف بين الأسود و الأحمر فلو رأت ثلاثة أيّام أسود و ثلاثة أحمر ثمّ بصفة الاستحاضة تتحيّض بستّة.

الشرح:

انّ التأمّل في الروايات الواردة في الباب يعطي أنّ الأسوديّة و الأحمريّة و ما بينهما تكون من صفات الحيض، كما أنّ الأصفريّة و ما يقاربها يكون من صفات الاستحاضة، فما ذهب اليه المصنّف في هذه المسألة هو الصحيح.


1) - التنقيح في شرح العروة 7: 305.

قال في التنقيح: «اذا راجعنا الروايات رأينا أنّ الأسود يراد به الأعمّ من الأسود و الأحمر؛ و ذلك لأنّ السواد بمفهومه المتعارف كما في سواد الفحم ممّا لايوجد في الدم بوجه، و لو وجد فهو أقلّ قليل و لايمكن حمل الأخبار الواردة في أنّ دم الحيض أسود على المعدوم أو النادر مع كثرة النساء و كثرة حيضهنّ، فمنه يعرف أنّ المراد بالأسود هو اللون المناسب للون الدم، حيث يعبّر عن الدم شديد الحمرة بالأسود حتّى في زماننا، و عليه فالمراد بالأسود هو الأحمر و انّما عبّر عنه بذلك لشدّة حمرته.

و يكشف عن ذلك ما ورد في بعض الأخبار من جعل المقابلة بين الدم و الصفرة حيث ورد أنّها «ترى البياض لا صفرة و لا دما»، أو أنّها «اذا رأت الدم و اذا

رأت الصفر»، حيث يدلّنا على أنّ المراد بالأسود هو ما يقابل الأصفر أحمر كان أم أسود، فانّ الصفرة ليست بدم.

و ما ورد في المرسلة من قوله: «لأنّ السنّة في الحيض أن تكون الصُفرة و الكُدرة فما فوقها في أيّام الحيض اذا عرفت حيضا كلّه ان كان الدم أسود أو غير ذلك»، حيث جعلت السواد و غيره حيضا في قبال الصفرة و الكدرة فما فوقها، فلا ترجيح للسواد على الحمرة و لا للصفرة على الكدرة، فيدلّ ذلك على أنّ المراد بالأسود هو اللون المناسب للون الدم كما بيّناه».(1)

(مسألة 9): لو رأت بصفة الحيض ثلاثة أيّام ثمّ ثلاثة أيّام بصفة الاستحاضة ثمّ بصفة الحيض خمسة أيّام أو أزيد تجعل الحيض الثلاثة الأولى، و أمّا لو رأت بعد الستّة الأولى ثلاثة أيّام أو أربعة بصفة الحيض تجعل الحيض الدمين الأوّل و الأخير و تحتاط في البين ممّا هو بصفة الاستحاضة؛ لأنّه كالنقاء المتخلّل بين الدمين.


1) - التنقيح في شرح العروة 7: 310 و 311.

الشرح:

لو رأت بصفة الحيض ثلاثة أيّام ثمّ ثلاثة أيّام بصفة الاستحاضة ثمّ بصفة الحيض خمسة أيّام أو أزيد فحيث يكون مجموع دمها الذي رأته أحدعشر يوما فتجاوز عن العشرة فلايكون أكثر الحيض أزيد من العشرة، فبحسب الامكان تكون ثلاثة أيّام الأولى حيضا قطعا و حيث لم يفصل بينها و بين خمسة أيّام الثانية أقلّ الطهر و هو عشرة أيّام فلاتكون الثانية أي خمسة أيّام الثانية التي تكون بصفة الحيض حيضا، فبطبيعة الحال، فتجعل الثلاثة الأولى حيضا و باقي الأيّام استحاضة.

و أمّا لو رأت الدم بصفة الحيض ثلاثة أيّام ثمّ رأت الدم ثلاثة أيّام بصفة الاستحاضة فصار ستّة أيّام ثمّ رأت ثلاثة أيّام أو أربعة بصفة الحيض حتّى صار الكلّ عشرة أيّام، فالظاهر أنّ الدمين الأوّل و الأخير حيض؛ لأنّ الدم لم يتجاوز عن العشرة، و ما ذهب اليه المصنّف أخيرا من «أن تحتاط في البين ممّا هو بصفة الاستحاضة؛ لأنّه كالنقاء المتخلّل بين الدمين»، فليس عليه دليل.

(مسألة 10): اذا تخلّل بين المتّصفين بصفة الحيض عشرة أيّام بصفة الاستحاضة جعلتهما حيضتين اذا لم يكن كلّ واحد منهما أقلّ من ثلاثة.

قد تقدّم في أوّل الفصل و قلنا بأنّ الدمين يكونان حيضين؛ لأنّهما واجدان لصفاته، و ما بينهما استحاضة؛ للفصل بينهما بعشرة أيّام.

(مسألة 11): اذا كان ما بصفة الحيض ثلاثة متفرّقة في ضمن عشرة تحتاط في جميع العشرة.

قد تقدّم في المسألة السادسة حكم هذه المسألة و قلنا بأنّ حالها حال المبتدئة و المضطربة.

(مسألة 12): لا بدّ في التمييز أن يكون بعضها بصفة الاستحاضة و بعضها بصفة الحيض، فاذا كانت مختلفة في صفات الحيض فلا تمييز بالشدّة و الضعف أو غيرهما، كما اذا كان في أحدهما وصفان و في الآخر وصف واحد بل مثل هذا فاقد التمييز، و لايعتبر اجتماع صفات الحيض بل يكفي واحدة منها.

الشرح:

قد تقدّم في المسألة الثامنة أنّ الأوصاف المنصوصة في الروايات تتلخّص في اثنتين و هما الدم الأحمر و ما قاربه من الأسود أو العبيط أو غيرهما الذي هو من صفة الحيض و الثاني دم الاستحاضة الذي هو دم أصفر و ما قاربه. فحينئذ لو تمكّنت من الصفات تمييز دم الحيض عن الاستحاضة و كان دم الحيض واجدا للشرائط من كون الأقلّ و الأكثر فتعمل بتكليفها، و أمّا اذا لم يتمكّن و تجاوز الدم عن العشرة أو لم يتجاوز، فقد ظهر حكم كلّ واحد في المسائل السابقة من كونها ذات عادة أو لم تكن و كونها مبتدئة أو مضطربة أو ناسية فراجع.

(مسألة 13): ذكر بعض العلماء الرجوع الى الأقران مع فقد الأقارب ثمّ الرجوع الى التخيير بين الأعداد و لا دليل عليه فترجع الى التخيير بعد فقد الأقارب.

الشرح:

قال في المستمسك: «نسب الى الأكثر، و الى المشهور، و الى ظاهر المتأخّرين الرجوع الى الأقران مع فقد الأقارب ثمّ الرجوع الى التخيير بعد فقد الأقارب، و عن ظاهر السرائر الاجماع عليه. و اعترف غير واحد بأنّه لا دليل عليه. نعم، استدلّ له بموافقته للاعتبار، لغلبة لحوق المرأة في الطبع بأقرانها. و بعموم نسائها - المذكور في موثّق سماعة - للأقران. و بقراءة «أقرائها» في رواية زرارة «أقرانها» بالنون. و الجميع كما ترى، مع أنّه لايصلح لاثبات الترتيب المذكور».(1)

أقول:

قد تقدّم في المسألة الأولى أنّه مع فقد الأقارب ترجع الى التخيير بين الأعداد.

في المراد من الأقارب

(مسألة 14): المراد من الأقارب أعمّ من الأبويني و الأبي أو الأمّي فقط، و لايلزم في الرجوع اليهم حياتهم.

الشرح:

و ذلك لاطلاق مضمرة سماعة.

و في المستمسك: «كما في المعتبر و المنتهى و المسالك، بل قيل: انّه ممّا لا خلاف فيه؛ لصدق نسائها على الجميع. و لايلزم في الرجوع اليهم حياتهم، كما عن المسالك».(2)


1) - مستمسك العروة 2: 304 و 305.

2) - نفس المصدر: 305.

(مسألة 15): في الموارد التي تتخيّر بين جعل الحيض أوّل الشهر أو غيره اذا عارضها زوجها و كان مختارها منافيا لحقّه وجب عليها مراعاة حقّه، و كذا في الأمة مع السيّد، و اذا أرادت الاحتياط الاستحبابي فمنعها زوجها أو سيّدها يجب تقديم حقّهما. نعم، ليس لهما منعها عن الاحتياط الوجوبي.

الشرح:

قد تقدّم في المسألة الثالثة أنّه لا موضوع للتخيير. و أمّا على مبنى المصنّف فهو كما قاله؛ لعموم وجوب اطاعة الزوج على الزوجة و السيّد على أمته. لكن لو اختارت عمدا عصيانا أو سهوا تعيّن كونها حائضا و وجب عليه ترتيب أحكام الحائض عليها. و لا تنافي بين حرمة الاختيار و صحّته، كالبيع وقت النداء، كما في المستمسك.(1)

(مسألة 16): في كلّ مورد تحيّضت من أخذ عادة أو تمييز أو رجوع الى الأقارب أو الى التخيير بين الأعداد المذكورة فتبيّن بعد ذلك كونه خلاف الواقع يلزم عليها التدارك بالقضاء أو الاعادة.

كما تقدّم في المسألة الخامسة.


1) - مستمسك العروة 3: 305.

الفصل الثالث : في أحكام الحائض

«أحدها»: حرمة العبادات المشروطة بالطهارة

و هي أمور: «أحدها»: يحرم عليها العبادات المشروطة بالطهارة كالصلاة و الصوم و الطواف و الاعتكاف.

«الثاني»: حرمة مسّ اسم اللّه و صفاته الخاصّة

«الثاني»: يحرم عليها مسّ اسم اللّه و صفاته الخاصّة بل غيرها أيضا اذا كان المراد بها هو اللّه، و كذا مسّ أسماء الأنبياء و الأئمّة على الأحوط، و كذا مسّ كتابة القرآن على التفصيل الذي مرّ في الوضوء.

«الثالث»: قراءة آيات السجدة بل سورها

«الثالث»: قراءة آيات السجدة بل سورها على الأحوط.

«الرابع»: اللبث في المساجد

«الرابع»: اللبث في المساجد.

«الخامس»: وضع شيء في المساجد اذا استلزم الدخول

«الخامس»: وضع شيء فيها اذا استلزم الدخول.

«السادس»: الاجتياز من المسجدين و المشاهد المشرّفة
اشارة

«السادس»: الاجتياز من المسجدين و المشاهد المشرّفة كسائر المساجد دون الرواق منها و ان كان الأحوط الحاقه بها، هذا مع عدم لزوم الهتك و الاّ حرم، و اذا حاضت في المسجدين تتيمّم و تخرج الاّ اذا كان زمان الخروج أقلّ من زمان التيمّم أو مساويا.

الشرح:

في أحكام الحائض:

الأوّل: لا اشكال في بطلان العبادات المشروطة بالطهارة للحائض، كالصلاة و الصوم و الطواف و الاعتكاف؛ يدلّ على ذلك مضافا الى الاجماع صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«اذا كانت المرأة طامثا فلاتحلّ لها الصلاة، الحديث».(1)

و رواية الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السلام قال:

«اذا حاضت المرأة فلاتصوم و لاتصلّي؛ لأنّها في حدّ نجاسة، فأحبّ اللّه أن لايعبد الاّ طاهرا، و لأنّه لا صوم لمن لا صلاة له، الحديث».(2)

و موثّقة سماعة بن مهران قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن المستحاضة؟ قال: فقال: تصوم شهر رمضان الاّ الأيّام التي كانت تحيض فيها، ثمّ تقضيها بعد».(3)

و في نهج البلاغة:

« ... فأمّا نقصان ايمانهنّ فقعودهنّ عن الصلاة و الصيام في أيّام حيضهنّ ... ».(4)

انّما الكلام في أنّ هذه العبادات و من جملتها الصلاة هل تحرم عليها و ان لم يقصد بها التشريع حتّى تكون حرمتها عليها ذاتيّة أو تحرم الصلاة عليها اذا كان بقصد التشريع؟

توضيح ذلك: انّ الحائض تارة: تأتي بالصلاة بقصد الأمر و أنّها مأمورة بها من


1) - وسائل الشيعة 2: 343 / الباب 39 من أبواب الحيض / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 2: 344 / الباب 39 من أبواب الحيض / الحديث 2.

3) - وسائل الشيعة 2: 344 / الباب 39 من أبواب الحيض / الحديث 3.

4) - نهج البلاغة / الخطبة 79.

اللّه تعالى فهذه تشريع محرّم. و أخرى: تأتي بها بقصد التعليم من دون قصد الأمر أو العبادة، فهذه لا اشكال في عدم حرمتها. و ثالثة: تأتي بها برجاء المطلوبيّة من دون الجزم بالأمر من اللّه تعالى ففي هذه الصورة ان قلنا بحرمتها الذاتيّة فتكون صلاتها هذه محرّمة و ان قلنا بأنّ حرمتها تشريعيّة فلاتكون محرّمة.

فتظهر ثمرتها في الاحتياط في عباداتها فان قلنا بالحرمة الذاتيّة فلاتتمكّن منه؛ لأنّ أمرها يدور بين الوجوب و الحرمة و ان لم نقل بذلك فتتمكّن من الاحتياط، و قد ذهب الى كلّ منهما فريق من العلماء و منهم المصنّف رحمه الله. و استدلّ من قال بالحرمة الذاتيّة بوجوه:

منها قوله صلى الله عليه و آله في مرسلة يونس:

«دعي الصلاة أيّام أقرائك».(1)

بتقريب أنّ معنى: «دعي الصلاة ... » هو النهي عن فعلها للحائض و ان لم تقصد الأمر بها.

ولكن فيه: انّ الظاهر من الرواية هو أنّ العبادة قد وضعت عن الحائض أيّام أقرائها.

و منها الروايات الواردة في الاستظهار بيوم أو يومين أو ثلاثة، فلو لم تكن الصلاة محرّمة ذاتيّة لم تؤمر بتركها، بل أمرت بالاحتياط بفعلها و قضائها مثلاً.

ولكن فيه: انّ المراد بالاستظهار في هذه الروايات هو الاستخبار عن حالها، و ترك ما حرم عليها من الوط ء و دخول المساجد، و لعلّه للاستصحاب أيضا، مضافا الى أنّ في بعضها قد أمرت بالاغتسال و الصلاة فان انكشف بعد ذلك حيضها فتعيد الصلاة.

قال في التنقيح: «الانصاف عدم ثبوت الحرمة الذاتيّة في عبادة الحائض بوجه. و مع عدم حرمة العبادة ذاتا على الحائض تتمكّن من الاحتياط في موارد العلم


1) - وسائل الشيعة 2: 287 / الباب 7 من أبواب الحيض / الحديث 2.

الاجمالي بالحيض أو الاستحاضة أو غيرهما من موارد احتمال الحيض. بل الظاهر أنّ امكان الاحتياط متسالم عليه بينهم».(1)

الثاني: يحرم على الحائض مسّ اسم اللّه تعالى - الأعمّ من اسم الذات كلفظة الجلالة و صفاته أو أسمائه التامّة اذا قصد بها الذات المقدّسة - ؛ يدلّ على ذلك صحيحة داود بن فرقد عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته عن التعويذ يعلّق على الحائض؟ قال: نعم، لا بأس. قال: و قال: تقرأه و تكتبه و لاتصيبه يدها».(2)

و صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته عن التعويذ يعلّق على الحائض؟ فقال: نعم، اذا كان في جلد أو فضّة أو قصبة حديد».(3)

و مرسلة داود عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته عن التعويذ يعلّق على الحائض؟ قال: لا بأس، و قال: تقرأه و تكتبه و لاتمسّه».(4)

و أمّا مسّ أسماء الأنبياء و الأئمّة، فقدّمنا الكلام عنه في بحث الجنابة.

قال في التنقيح: «انّ مسّ الجنب و الحائض أسماء الأنبياء و الأئمّة عليهم السلام انّما يحرم فيما اذا استلزم الهتك، و مع عدم استلزامه ذلك لا دليل على حرمة مسّها».(5)

و كذا يحرم على الحائض مسّ كتابة القرآن، كما يحرم على الجنب و من لم يكن على وضوء، كما قدّمنا في بحث الجنابة أيضا.


1) - التنقيح في شرح العروة 7: 337.

2) - وسائل الشيعة 2: 342 / الباب 37 من أبواب الحيض / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 2: 342 / الباب 37 من أبواب الحيض / الحديث 3.

4) - وسائل الشيعة 2: 343 / الباب 37 من أبواب الحيض / الحديث 4.

5) - التنقيح في شرح العروة 7: 340.

الثالث: قراءة آيات السجدة و قدّمنا تفصيل ذلك في بحث الجنابة و قلنا بأنّ الحرمة مختصّة بقراءة آياتها فقط.

قال في التنقيح: «انّ الحرمة مختصّة بقراءة آية السجدة و لاتعمّ سورتها؛ و ذلك للأخبار الدالّة على أنّ الحائض و الجنب يجوز أن يقرءا القرآن و قد علمنا بتخصيص هذا العموم بما دلّ على حرمة قراءتهما السجدة، و السجدة امّا أن تكون ظاهرة في خصوص آية السجدة فلايحرم قراءة غيرها من الآيات، أو تكون مجملة، و مع الاجمال يكتفى في تخصيص العموم بالمقدار المتيقّن من المخصّص المجمل و هو قراءة آية السجدة، و يرجع في الزائد المشكوك الى عموم العامّ، و هو يقتضي جواز القراءة كما عرفت».(1)

الرابع و الخامس: اللبث في المساجد، و وضع شيء فيها؛ يدلّ على ذلك صحيحة عبداللّه بن سنان قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الجنب و الحائض يتناولان من المسجد المتاع يكون فيه؟ قال: نعم، ولكن لايضعان في المسجد شيئا».(2)

و صحيحة زرارة و محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«الحائض و الجنب لايدخلان المسجد الاّ مجتازين - الى أن قال: - و يأخذان من المسجد و لايضعان فيه شيئا، الحديث».(3)

السادس: يحرم الاجتياز من المسجدين؛ يدلّ على ذلك مرفوعة أبي حمزة قال:

«قال أبو جعفر عليه السلام : اذا كان الرجل نائما في المسجد الحرام أو مسجد الرسول صلى الله عليه و آله فاحتلم فأصابته جنابة فليتيمّم، و لايمرّ في المسجد الاّ


1) - التنقيح في شرح العروة 7: 341.

2) - وسائل الشيعة 2: 213 / الباب 17 من أبواب الجنابة / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 2: 213 / الباب 17 من أبواب الجنابة / الحديث 2.

متيمّما حتّى يخرج منه، ثمّ يغتسل، و كذلك الحائض اذا أصابها الحيض تفعل كذلك، و لا بأس أن يمرّا في سائر المساجد و لايجلسان فيها».(1)

و رواية محمّد بن مسلم قال:

«قال أبو جعفر عليه السلام - في حديث الجنب و الحائض - : و يدخلان المسجد مجتازين و لايقعدان فيه، و لايقربان المسجدين الحرمين».(2)

و ضعفهما ينجبر بعمل المشهور.

و في المستمسك: «كما نسب الى الأصحاب، بل عن بعض دعوى الاجماع عليه. و به يظهر ضعف ما عن جماعة من القدماء و المتأخّرين من اطلاق جواز الجواز في المساجد. انتهى ملخّصا».(3)

و أمّا دخول الحائض و الجنب في حرم الأئمّة المعصومين عليهم السلام فقدّمنا البحث عنه في الجنابة و قلنا بحرمة ذلك، و أمّا الدخول في رواق المشاهد المشرّفة فلايحرم عليها الاّ أن يصدق الهتك. و اذا حاضت في المسجدين فتحتاط بالتيمّم و الخروج كما يدلّ على ذلك مرفوعة أبي حمزة المتقدّمة آنفا، الاّ اذا كان زمان الخروج أقلّ من زمان التيمّم أو مساويا.


1) - وسائل الشيعة 2: 205 / الباب 15 من أبواب الجنابة / الحديث 3.

2) - وسائل الشيعة 2: 209 / الباب 15 من أبواب الجنابة / الحديث 17.

3) - مستمسك العروة 3: 313.

فيما اذا حاضت في أثناء الصلاة

(مسألة 1): اذا حاضت في أثناء الصلاة و لو قبل السلام بطلت، و ان شكّت في ذلك صحّت، فان تبيّن بعد ذلك ينكشف بطلانها، و لايجب عليها الفحص و كذا الكلام في سائر مبطلات الصلاة.

الشرح:

اذا حاضت في أثناء الصلاة و لو قبل السلام بطلت؛ لقاطعيّة الحدث في أثناء الصلاة. و ان شكّت في ذلك صحّت؛ للاستصحاب، فان تبيّن بعد ذلك وقوعه في أثناء الصلاة ينكشف بطلان الصلاة؛ لعدم وجود الشرط و هو الطهارة في الصلاة. و في مورد الشكّ لايجب عليها الفحص؛ لما حرّر في محلّه من عدم الفحص في الشبهات الموضوعيّة.

في سجدة الشكر و سجدة التلاوة و اجتياز غير المسجدين للحائض

(مسألة 2): يجوز للحائض سجدة الشكر، و يجب عليها سجدة التلاوة اذا استمعت بل أو سمعت آيتها، و يجوز لها اجتياز غير المسجدين لكن يكره، و كذا يجوز لها اجتياز المشاهد المشرّفة.

الشرح:

يجوز للحائض سجدة الشكر؛ لاطلاق أدلّة المشروعيّة، و يجب عليها سجدة التلاوة اذا استمعت كما في صحيحة أبي عبيدة الحذّاء قال:

«سألت أبا جعفر عليه السلام عن الطامث تسمع السجدة؟ فقال: ان كانت من العزائم فلتسجد اذا سمعتها».(1)

و موثّقة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال (في حديث):

«و الحائض تسجد اذا سمعت السجدة».(2)


1) - وسائل الشيعة 2: 340 / الباب 36 من أبواب الحيض / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 2: 341 / الباب 36 من أبواب الحيض / الحديث 3.

و الظاهر أنّ المراد من السماع في الروايتين هو الاستماع.

و لاتعارضها صحيحة عبدالرحمن بن أبي عبداللّه عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته عن الحائض، هل تقرأ القرآن و تسجد سجدة اذا سمعت السجدة؟ قال: تقرأ و لاتسجد».(1)

لأنّها تحمل على ما اذا لم تستمع و لم تكن صامتة لذلك، بل قرع سمعها.

و يجوز للحائض اجتياز غير المسجدين كما تقدّم في البحث عن الجنابة ولكن يكره، و كذا يجوز لها اجتياز سائر المشاهد المشرّفة.

في دخول المساجد

(مسألة 3): لايجوز لها دخول المساجد بغير الاجتياز بل معه أيضا في صورة استلزامه تلويثها.

لايجوز لها دخول المساجد بغير الاجتياز كما تقدّم، بل معه أيضا في صورة استلزامه تلويثها؛ لأنّ تلويث المساجد بالنجاسة حرام.


1) - وسائل الشيعة 2: 341 / الباب 36 من أبواب الحيض / الحديث 4.

«السابع»: وطؤها في القبل
اشارة

«السابع»: وطؤها في القبل حتّى بادخال الحشفة من غير انزال بل بعضها على الأحوط و يحرم عليها أيضا و يجوز الاستمتاع بغير الوط ء من التقبيل و التفخيذ و الضمّ. نعم، يكره الاستمتاع بما بين السرّة و الركبة منها بالمباشرة، و أمّا فوق اللباس فلابأس، و أمّا الوط ء في دبرها فجوازه محلّ اشكال، و اذا خرج دمها من غير الفرج فوجوب الاجتناب عنه غير معلوم بل الأقوى عدمه اذا كان من غير الدبر. نعم، لايجوز الوط ء في فرجها الخالي عن الدم حينئذ.

الشرح:

السابع من أحكام الحائض حرمة وطئها في القبل.

قال في المدارك: «أجمع علماء الاسلام على تحريم وط ء الحائض قبلاً، بل صرّح جمع من الأصحاب بكفر مستحلّه ما لم يدّع شبهة محتملة، لانكاره ما علم من الدين ضرورة. و لا ريب في فسق الواطئ بذلك، و وجوب تعزيره بما يراه الحاكم، مع علمه بالحيض و حكمه. - الى أن قال: - و لو جهل الحيض أو نسيه، أو جهل الحكم أو نسيه فلا شيء عليه».(1)

و يدلّ عليه الكتاب و هو قوله تعالى: «فاعتزلوا النساء في المحيض و لاتقربوهنّ حتّى يطهرن فاذا تطهّرن فأتوهنّ»(2).

و السنّة: منها صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«المستحاضة تنظر أيّامها فلاتصلّي فيها و لايقربها بعلها، فاذا جازت أيّامها و رأت الدم يثقب الكرسف و اغتسلت للظهر و العصر - الى أن قال: - و هذه يأتيها بعلها الاّ في أيّام حيضها».(3)


1) - مدارك الأحكام 1: 350.

2) - البقرة 2: 222.

3) - وسائل الشيعة 2: 317 / الباب 24 من أبواب الحيض / الحديث 1.

و منها صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام في المستحاضة - الى أن قال: -

«و لا بأس أن يأتيها بعلها اذا شاء، الاّ أيّام حيضها فيعتزلها زوجها».(1)

و لا فرق في الحرمة بين أن يكون الادخال موجبا للانزال أو لا؛ لاطلاق الآية و الروايات.

و كذا يحرم الوط ء و لو ببعض الحشفة؛ لقوله تعالى: «فاعتزلوا النساء في المحيض و لاتقربوهنّ ... »(2). و لما ورد في الروايات ما يظهر منه ذلك.

و يحرم على الزوجة أيضا تمكين الزوج في أيّام العادة؛ و ذلك لأنّ الظاهر من الكتاب و السنّة أنّ المقاربة و الجماع في هذه الأيّام حرام، و لاتحصل المقاربة و الجماع الاّ من الطرفين الزوج و الزوجة، مضافا الى الروايات الواردة بأنّ مبغض علي عليه السلام يكون من زنا أو نفاق أو الولد الحاصل من هذا الجماع أي ولد الحيض.(3)

و يجوز الاستمتاع بغير الوط ء من التقبيل و التفخيذ و الضمّ؛ يدلّ على ذلك روايات:

منها حسنة عبدالملك بن عمرو قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام ما لصاحب المرأة الحائض منها؟ فقال: كلّ شيء ما عدا القبل منها بعينه».(4)

و منها موثّقة معاوية بن عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته عن الحائض ما يحلّ لزوجها منها؟ قال: ما دون الفرج».(5)


1) - وسائل الشيعة 2: 317 / الباب 24 من أبواب الحيض / الحديث 2.

2) - البقرة 2: 222.

3) - وسائل الشيعة 2: 318 و 319 / الباب 24 من أبواب الحيض / الأحاديث 5 ، 7 ، 8 و 9.

4) - وسائل الشيعة 2: 321 / الباب 25 من أبواب الحيض / الحديث 1.

5) - وسائل الشيعة 2: 321 / الباب 25 من أبواب الحيض / الحديث 2.

و منها رواية عبداللّه بن سنان قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : ما يحلّ للرجل من امرأته و هي حائض؟ فقال: ما دون الفرج».(1)

و منها رواية عبدالملك بن عمرو قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام ما يحلّ للرجل من المرأة و هي حائض؟ قال: كلّ شيء غير الفرج، قال: ثمّ قال: انّما المرأة لعبة الرجل».(2)

و منها مرسلة عبداللّه بن بكير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«اذا حاضت المرأة فليأتها زوجها حيث شاء ما اتّقى موضع الدم».(3)

و منها حسنة هشام بن سالم عن أبي عبداللّه عليه السلام في الرجل يأتي المرأة فيما دون الفرج و هي حائض، قال:

«لا بأس اذا اجتنب ذلك الموضع».(4)

و منها صحيحة عمر بن حنظلة قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : ما للرجل من الحائض؟ قال: ما بين الفخذين».(5)

و منها صحيحة عمر بن يزيد قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : ما للرجل من الحائض؟ قال: ما بين اليتيها و لايوقب».(6)

و منها رواية رواها العيّاشي عن عيسى بن عبداللّه قال:


1) - وسائل الشيعة 2: 321 / الباب 25 من أبواب الحيض / الحديث 3.

2) - وسائل الشيعة 2: 322 / الباب 25 من أبواب الحيض / الحديث 4.

3) - وسائل الشيعة 2: 322 / الباب 25 من أبواب الحيض / الحديث 5.

4) - وسائل الشيعة 2: 322 / الباب 25 من أبواب الحيض / الحديث 6.

5) - وسائل الشيعة 2: 322 / الباب 25 من أبواب الحيض / الحديث 7.

6) - وسائل الشيعة 2: 322 / الباب 25 من أبواب الحيض / الحديث 8.

«قال أبو عبداللّه عليه السلام : المرأة تحيض، يحرم على زوجها أن يأتيها لقول اللّه تعالى: «و لاتقربوهنّ حتّى يطهرن» فيستقيم للرجل أن يأتي امرأته و هي حائض فيما دون الفرج».(1)

قال في المستمسك: «أمّا التقبيل و الضمّ و نحوهما من الاستمتاع بما فوق السرّة و دون الركبة فلا اشكال فيه، بل عليه الاجماع المستفيض النقل، و عن جماعة دعواه من علماء المسلمين و يدلّ عليه النصوص.

و أمّا التفخيذ و نحوه من الاستمتاع بما بين السرّة و الركبة حتّى الوط ء في الدبر فالمشهور فيها ذلك أيضا، بل عن ظاهر مجمع البيان و التبيان الاجماع عليه؛ و يدلّ عليه النصوص - فانّه بعد ما ذكر الروايات المذكورة آنفا، قال: - و من ذلك يظهر ضعف ما عن السيّد رحمه الله في شرح الرسالة من تحريم الاستمتاع بما بين السرّة و الركبة، و عن الأردبيلي الميل اليه؛ لصحيحة الحلبي: «انّه سأل أبا عبداللّه عليه السلام عن الحائض و ما يحلّ لزوجها منها. قال عليه السلام : تتّزر بازار الى الركبتين و تخرج سرّتها، ثمّ له ما فوق الازار»، و نحوه خبر أبي بصير، فانّ الجمع العرفي بين النصوص بالحمل على الكراهة ممكن فيتعيّن.

و أمّا الوط ء في دبرها فمكروه أيضا؛ للجمع بين النصوص الواردة على تحليل ما عدا القبل و ظاهر حسنة عمر بن يزيد. انتهى ملخّصا».(2)

أقول:

و ان كان الأمر بالنسبة الى وط ء الدبر فضلاً عن الاستمتاع بمثل التقبيل و الضمّ، كما ذهب اليه في المستمسك، و استدلّ له في التنقيح ولكنّه ينبغي الاتّقاء حذرا من تدفّق المني و الحمل فيشمله الروايات التي سبقت في أنّ مبغض


1) - وسائل الشيعة 2: 322 / الباب 25 من أبواب الحيض / الحديث 9.

2) - مستمسك العروة 3: 318 - 320.

علي عليه السلام لايكون الاّ منافقا أو ولد الزنا أو ولد الحيض.

و أمّا اذا خرج دمها من غير الفرج فوجوب الاجتناب عن مخرج الدم غير معلوم؛ لما عرفت من النصوص الدالّة على حليّة ما عدا القبل، فاطلاقها محكّم. و موضع الدم في مرسلة ابن بكير يراد به الفرج، فهو مرآة له لا عنوان لموضوع الحكم. نعم، لايجوز الوط ء في فرجها الخالي عن الدم؛ لاطلاق الأدلّة في حرمة الدخول في فرج الحائض.

في أنّها اذا أخبرت بأنّها حائض يسمع منها

(مسألة 4): اذا أخبرت بأنّها حائض يسمع منها كما لو أخبرت بأنّها طاهر.

الشرح:

و في المستمسك: «بلا خلاف و لا اشكال، كما استظهره في الحدائق و جزم به في غيرها، بل قيل: انّه مجمع عليه مع عدم التهمة، كما لو أخبرت بأنّها طاهر فانّ الظاهر أنّه لا خلاف فيه أيضا. انتهى ملخّصا».(1)

اذا أخبرت بأنّها حائض يسمع منها؛ يدلّ على ذلك صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«العدّة و الحيض للنساء اذا ادّعت صدّقت».(2)

نعم لو ادّعت خلاف عادة النساء يجب الفحص؛ لصحيحة اسماعيل بن أبي زياد عن جعفر عن أبيه عليهماالسلام :

«انّ أميرالمؤمنين عليه السلام قال في امرأة ادّعت أنّها حاضت في شهر واحد ثلاث حيض، فقال: كلّفوا نسوة من بطانتها أنّ حيضها كان فيما مضى على ما ادّعت؟ فان شهدن صدّقت، و الاّ فهي كاذبة».(3)


1) - مستمسك العروة 3: 321 و 322.

2) - وسائل الشيعة 2: 358 / الباب 47 من أبواب الحيض / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 2: 358 / الباب 47 من أبواب الحيض / الحديث 3.

(مسألة 5): لا فرق في حرمة وط ء الحائض بين الزوجة الدائمة و المتعة و الحرّة و الأمة و الأجنبيّة و المملوكة، كما لا فرق بين أن يكون الحيض قطعيّا وجدانيّا أو كان بالرجوع الى التمييز أو نحوه، بل يحرم أيضا في زمان الاستظهار اذا تحيّضت، و اذا حاضت في حال المقاربة يجب المبادرة بالاخراج.

الشرح:

لا فرق في حرمة وط ء الحائض بين الزوجة الدائمة و المتعة، و الحرّة و الأمة، و الأجنبيّة و المملوكة؛ و ذلك لاطلاق أدلّة المنع من الكتاب و السنّة، و عدم الخلاف فيه على الظاهر. كما لا فرق بين ما كان حيضها قطعيّا وجدانيّا أو كان بالرجوع الى التمييز و نحوه؛ لأنّ التمييز و العادة و غيرهما يكون طريقا الى حيضيّتها شرعا و يوجب تنجّز الحرمة الواقعيّة على تقدير ثبوتها و الفرض أنّها قد ثبتت بالدليل الشرعي. بل لا فرق في الأيّام التي حكم بحيضيّتها في المبتدئة أو المضطربة أو الناسية، و كذلك التحيّض بقاعدة الامكان، و يلحق بها أيّام الاستظهار.

«الثامن»: وجوب الكفّارة بوطئها

«الثامن»: وجوب الكفّارة بوطئها و هي دينار في أوّل الحيض و نصفه في وسطه و ربعه في آخره اذا كانت زوجة، من غير فرق بين الحرّة و الأمة و الدائمة و المنقطعة، و اذا كانت مملوكة للواطئ فكفّارته ثلاثة أمداد من الطعام يتصدّق بها على ثلاثة مساكين لكلّ مسكين مدّ من غير فرق بين كونها قنّة أو مدبّرة أو مكاتبة أو أمّ ولد. نعم، في المبعّضة و المشتركة و المزوّجة و المحلّلة اذا وطأها مالكها اشكال، و لايبعد الحاقها بالزوجة في لزوم الدينار أو نصفه أو ربعه. و الأحوط الجمع بين الدينار و الأمداد، و لا كفّارة على المرأة و ان كانت مطاوعة. و يشترط في وجوبها العلم و العمد و البلوغ و

العقل فلا كفّارة على الصبي و لا المجنون و لا الناسي و لا الجاهل بكونها في الحيض بل اذا كان جاهلاً بالحكم أيضا و هو الحرمة و ان كان أحوط. نعم، مع الجهل بوجوب الكفّارة بعد العلم بالحرمة لا اشكال في الثبوت.

الشرح:

قد اختلفت الفتاوى بين المتقدّمين بذهابهم الى وجوب الكفّارة، ففي المستمسك: «كما عن الصدوقين و الشيخين و علم الهدى و بني حمزة و زهرة و ادريس و سعيد و غيرهم و عن الخلاف و الانتصار و الفوائد الاجماع عليه».(1)و المشهور بين المتأخّرين - على ما في التنقيح نقلاً عن الحدائق -(2)عدم وجوب الكفّارة على الواطئ في المحيض و منهم صاحب الوسائل رحمه اللهعلى ما يحويه باب استحباب الكفّارة لمن وطأ في الحيض. و الوجه في اختلاف المتقدّمين و المتأخّرين في المسألة هو اختلاف الأخبار، فهناك طائفتان من الأخبار نذكرهما حتّى ينكشف الحال:

الطائفة الأولى: الروايات التي دلّت على وجوب الكفّارة:

منها رواية داود بن فرقد عن أبي عبداللّه عليه السلام في كفّارة الطمث:

«انّه يتصدّق اذا كان في أوّله بدينار، و في وسطه نصف دينار، و في آخره ربع دينار، قلت: فان لم يكن عنده ما يكفّر؟ قال: فليتصدّق على مسكين واحد، و الاّ استغفر اللّه و لايعود، فانّ الاستغفار توبة و كفّارة لكلّ من لم يجد السبيل الى شيء من الكفّارة».(3)

و منها رواية عبدالملك بن عمرو قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل أتى جاريته و هي طامث؟ قال:


1) - مستمسك العروة 3: 323.

2) - التنقيح في شرح العروة 7: 370.

3) - وسائل الشيعة 2: 327 / الباب 28 من أبواب الحيض / الحديث 1.

يستغفر اللّه ربّه، قال عبدالملك: فانّ الناس يقولون: عليه نصف دينار أو دينار، فقال أبو عبداللّه عليه السلام : فليتصدّق على عشرة مساكين».(1)

و منها حسنة محمّد بن مسلم قال:

«سألته عمّن أتى امرأته و هي طامث؟ قال: يتصدّق بدينار و يستغفر اللّه تعالى».(2)

و منها موثّقة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«من أتى حائضا فعليه نصف دينار يتصدّق به».(3)

و منها حسنة عبيداللّه بن علي الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام في الرجل يقع على امرأته و هي حائض ما عليه؟ قال:

«يتصدّق على مسكين بقدر شبعه».(4)

و منها مرسلة علي بن ابراهيم قال:

«قال الصادق عليه السلام : من أتى امرأته في الفرج في أوّل أيّام حيضها فعليه أن يتصدّق بدينار، و عليه ربع حدّ الزاني خمس و عشرون جلدة، و ان أتاها في آخر أيّام حيضها فعليه أن يتصدّق بنصف دينار و يضرب اثنتيعشرة جلدة و نصفا».(5)

و منها مرسلة الصدوق في المقنع قال:

«روي أنّه ان جامعها أوّل الحيض فعليه أن يتصدّق بدينار و ان كان في نصفه فنصف دينار و ان كان في آخره فربع دينار».(6)


1) - وسائل الشيعة 2: 327 / الباب 28 من أبواب الحيض / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 2: 327 / الباب 28 من أبواب الحيض / الحديث 3.

3) - وسائل الشيعة 2: 327 / الباب 28 من أبواب الحيض / الحديث 4.

4) - وسائل الشيعة 2: 328 / الباب 28 من أبواب الحيض / الحديث 5.

5) - وسائل الشيعة 2: 328 / الباب 28 من أبواب الحيض / الحديث 6.

6) - وسائل الشيعة 2: 328 / الباب 28 من أبواب الحيض / الحديث 7.

فهذه الأحاديث كلّها ضعيفة من جهة السند الاّ حسنتي محمّد بن مسلم و الحلبي و موثّقة أبي بصير ففيها أيضا لم يصرّح الامام عليه السلام بوجوب الكفّارة مع أنّ اثنتين منها موافقتان لفتوى جماعة من العامّة. مضافا الى أنّ اختلافها و اجمالها يبعدها عن الوجوب.

الطائفة الثانية: ما تدلّ بظاهرها على عدم الوجوب:

منها صحيحة عيص بن القاسم قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل واقع امرأته و هي طامث؟ قال: لايلتمس فعل ذلك و قد نهى اللّه أن يقربها، قلت: فان فعل أعليه كفّارة؟ قال: لاأعلم فيه شيئا، يستغفر اللّه».(1)

و منها موثّقة زرارة عن أحدهما عليهماالسلام قال:

«سألته عن الحائض يأتيها زوجها؟ قال: ليس عليه شيء، يستغفر اللّه و لايعود».(2)

و منها موثّقة ليث المرادي قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن وقوع الرجل على امرأته و هي طامث خطأ؟ قال: ليس عليه شيء، و قد عصى ربّه».(3)

و الجمع العرفي بين هذه الطائفة و الطائفة الأولى هو الحمل على الاستحباب، و الأفضل العمل وفق رواية داود بن فرقد، كما عمل بها القدماء.

قال في المستمسك: «لكنّ الطائفة الأولى مع قصور دلالة بعضها - كرواية داود - فانّ الكفّارة أعمّ من الواجبة، و ليس الكلام واردا لبيان وجوبها، و مع اختلافها بنحو يصعب الجمع بينها معارضة بصحيح العيص و موثّق زرارة وموثّق


1) - وسائل الشيعة 2: 329 / الباب 29 من أبواب الحيض / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 2: 329 / الباب 29 من أبواب الحيض / الحديث 2.

3) - وسائل الشيعة 2: 329 / الباب 29 من أبواب الحيض / الحديث 3.

ليث. فانّ المراد من الخطأ - في موثّق ليث - بقرينة قوله عليه السلام «و قد عصى ربّه» الخطيئة، و استبعاد ذلك في الجواهر ضعيف و مثله طعنه في الصحيح و الموثّق الآخرين بمخالفتهما للاجماعات التي هي بمنزلة الأخبار الصحيحة، و للأخبار، و موافقتهما لفتوى الشافعي في الجديد، و مالك و أبي حنيفة و أصحابه و غيرهم. وجه الضعف: أنّ الاجماعات ليست حجّة فضلاً عن أن تكون بمنزلة الأخبار الصحيحة. و الموافقة للعامّة على تقدير تماميّتها في المقام لا أثر له مع امكان الجمع العرفي و لذا كان خيرة النهاية و نكاح المبسوط و جملة من كتب الفاضلين و الشهيدين و المحقّق الثاني و غيرهم - على ما حكي عنهم - الاستحباب. و اختاره في الوسائل، و جعله شيخنا الأعظم رحمه الله الأقوى؛ جمعا بين النصوص بالحمل على ذلك و هو في محلّه. و حمل نصوص النفي على نفي غير الكفّارة لايقبله المتفاهم العرفي. انتهى ملخّصا».(1)

و لا كفّارة على المرأة و ان كانت مطاوعة؛ لاختصاص النصوص بالرجل الواطئ و الأصل في المرأة يقتضي العدم.

و من يقول بوجوب الكفّارة يشترط في وجوبها العلم و العمد و البلوغ و العقل؛ لأنّها الشرائط العامّة للتكليف فلا كفّارة على الصبي و المجنون و لا الناسي و لا الجاهل بكونها في الحيض بل مع الجهل بالحكم اذا لم يكن عن تقصير.

(مسألة 6): المراد بأوّل الحيض ثلثه الأوّل و بوسطه ثلثه الثاني و بآخره الثلث الأخير، فان كان أيّام حيضها ستّة فكلّ ثلث يومان، و اذا كانت سبعة فكلّ ثلث يومان و ثلث يوم و هكذا.

كما هو ظاهر رواية داود بن فرقد و مرسلة الصدوق المتقدّمتين. و بعد القول


1) - مستمسك العروة 3: 324 و 325.

بالاستحباب فلا ضرورة الى شرح المسائل الآتية.

(مسألة 7): وجوب الكفّارة في الوط ء في دبر الحائض غير معلوم لكنّه أحوط.

بعد القول بجواز الوط ء في الدبر فلايستحبّ فيه الكفّارة.

(مسألة 8): اذا زنى بحائض أو وطأها شبهة فالأحوط التكفير بل لايخلو عن قوّة.

فانّ الظاهر من رواية داود بن فرقد أنّه تختصّ الكفّارة بالزوجة.

(مسألة 9): اذا خرج حيضها من غير الفرج فوطأها في الفرج الخالي من الدم، فالظاهر وجوب الكفّارة بخلاف وطئها في محلّ الخروج.

الاستحباب فيه في محلّه.

(مسألة 10): لا فرق في وجوب الكفّارة بين كون المرأة حيّة أو ميتة.

الظاهر أنّ الاستحباب مختصّ بحال الحياة؛ لانصراف الرواية اليها.

(مسألة 11): ادخال بعض الحشفة كافٍ في ثبوت الكفّارة على الأحوط.

بعد القول بحرمة ادخال بعض الحشفة فاستحباب الكفّارة ثابت.

(مسألة 12): اذا وطأها بتخيّل أنّها أمته فبانت زوجته، عليه كفّارة دينار و بالعكس كفّارة الأمداد، كما أنّه اذا اعتقد كونها في أوّل الحيض فبان الوسط أو الآخر أو العكس فالمناط الواقع.

لكونه ظاهر الدليل كسائر موضوعات الأحكام.

(مسألة 13): اذا وطأها بتخيّل أنّها في الحيض فبان الخلاف لا شيء عليه.

لانتفاء موضوع الكفّارة.

(مسألة 14): لاتسقط الكفّارة بالعجز عنها فمتى تيسّرت وجبت، و الأحوط الاستغفار مع العجز بدلاً عنها مادام العجز.

انّ الاستحباب مختصّ بصورة القدرة فان عجز فليتصدّق على مسكين أو يستغفر اللّه كما هو ظاهر الرواية.

(مسألة 15): اذا اتّفق حيضها حال المقاربة و تعمّد في عدم الاخراج وجبت الكفّارة.

فالاستحباب في هذا الحال ثابت لاطلاق الدليل.

(مسألة 16): اذا أخبرت بالحيض أو عدمه يسمع قولها، فاذا وطأها بعد اخبارها بالحيض وجبت الكفّارة الاّ اذا علم كذبها بل لايبعد سماع قولها في كونه أوّله أو وسطه أو آخره.

قد تقدّمت حجيّة قولها اذا أخبرت بالحيض أو عدمه، الاّ اذا ظهر كذبها.

(مسألة 17): يجوز اعطاء قيمة الدينار و المناط قيمة وقت الأداء.

يستحبّ اعطاء الدينار أو قيمته أو ما يساويه كما في سائر موارد الكفّارات. و المناط قيمة وقت الأداء.

(مسألة 18): الأحوط اعطاء كفّارة الأمداد لثلاثة مساكين، و أمّا كفّارة الدينار فيجوز اعطاؤها لمسكين واحد، و الأحوط صرفها على ستّة أو سبعة مساكين.

أمّا اعطاء الدينار لمسكين واحد لظاهر الرواية، و كفّارة الأمداد لحسنة الحلبي.

(مسألة 19): اذا وطأها في الثلث الأوّل و الثاني و الثالث فعليه الدينار و نصفه و ربعه، و اذا كرّر الوط ء في كلّ ثلث فان كان بعد التكفير وجب التكرار و الاّ فكذلك أيضا على الأحوط.

الاستحباب ثابت اذا كرّر الوط ء بعد التكفير كما هو ظاهر الرواية.

(مسألة 20): ألحق بعضهم النفساء بالحائض في وجوب الكفّارة و لا دليل عليه. نعم، لا اشكال في حرمة وطئها.

فانّ الدليل مختصّ بالحائض، فانّ الأصل بالنسبة الى النفساء البراءة. نعم، لا اشكال في حرمة وطئها.

«التاسع»: بطلان طلاقها و ظهارها
اشارة

«التاسع»: بطلان طلاقها و ظهارها اذا كانت مدخولة و لو دبرا و كان زوجها حاضرا أو في حكم الحاضر و لم تكن حاملاً، فلو لم تكن مدخولاً بها أو كان زوجها غائبا أو في حكم الغائب بأن لم يكن متمكّنا من استعلام حالها

و ان كانت حاملاً يصحّ طلاقها، و المراد بكونه في حكم الحاضر أن يكون مع غيبته متمكّنا من استعلام حالها.

الشرح:

لايقع طلاق الحائض؛ و ذلك لموثّقة اليسع قال:

«سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: لا طلاق الاّ على السنّة، و لا طلاق الاّ على طهر من غير جماع. الحديث».(1)

و صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام (في حديث) قال:

«أمّا طلاق السنّة، فاذا أراد الرجل أن يطلّق امرأته، فلينتظر بها حتّى تطمث و تطهر، فاذا خرجت من طمثها، طلّقها تطليقة من غير جماع، و يشهد شاهدين، الحديث».(2)

و لايقع الظهار الاّ في طهر لم يجامعها فيه، ففي صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام (في حديث) أنّه سأله كيف الظهار؟ فقال:

«يقول الرجل لامرأته و هي طاهر من غير جماع: أنت عليّ حرام مثل ظهر أمّي، و هو يريد بذلك الظهار».(3)

و لو كانت المرأة غير مدخولة يصحّ طلاقها في حال الحيض؛ و ذلك للروايات المستفيضة كصحيحة اسماعيل بن جابر الجعفي عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«خمس يطلّقن على كلّ حال: الحامل المتبيّن حملها، و التي لم يدخل بها زوجها، و الغائب عنها زوجها، و التي لم تحض، و التي قد جلست عن المحيض».(4)


1) - وسائل الشيعة 22: 24 / الباب 9 من أبواب مقدّمات الطلاق / الحديث 3.

2) - وسائل الشيعة 22: 24 / الباب 9 من أبواب مقدّمات الطلاق / الحديث 4.

3) - وسائل الشيعة 22: 307 / الباب 2 من أبواب كتاب الظهار / الحديث 2.

4) - وسائل الشيعة 22: 54 / الباب 25 من أبواب مقدّمات الطلاق / الحديث 1.

و صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«لا بأس بطلاق خمس على كلّ حال: الغائب عنها زوجها، و التي لم تحض، و التي لم يدخل بها زوجها، و الحبلى، و التي قد يئست من الحيض».(1)

قال في الجواهر: «يحرم بل لايصحّ طلاق الحائض اجماعا من المسلمين في الأوّل كما حكاه في المعتبر و المنتهى و غيرهما، و من الفرقة المحقّة في الثاني، اذا كانت مدخولاً بها و زوجها حاضر معها أو في حكمه لا غائبا أو في حكمه، و كانت حائلاً لا حاملاً اجماعا محصّلاً و منقولاً صريحا في الذكرى و جامع المقاصد و كشف اللثام و غيرها، و ظاهرا في المنتهى و المعتبر و المدارك و غيرها، خلافا للمنقول عن الشافعي و أبي حنيفة و مالك و أحمد من الصحّة و ان حرم. نعم، وقع خلاف بيننا في تحديد الغيبة بشهر أو ثلاثة أو العلم بانتقالها من طهر المواقعة الى طهر آخر بحسب عادتها».(2)

و المستفاد من تلك الروايات و الاجماع أنّه يبطل طلاق الحائض و ظهارها اذا كانت مدخولاً بها و لو دبرا؛ لأنّه أحد المأتيّين فتشمله أدلّة الدخول و كان زوجها حاضرا أو في حكم الحاضر - بأن يكون مع غيبته متمكّنا من استعلام حالها - و لم تكن حاملاً. و أمّا لو لم تكن مدخولاً بها أو كان زوجها غائبا أو في حكم الغائب بأن لم يكن متمكّنا من استعلام حالها أو كانت حاملاً يصحّ طلاقها، و ذلك لما في صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج قال:

«سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل تزوّج امرأة سرّا من أهلها، و هي في منزل أهلها، و قد أراد أن يطلّقها، و ليس يصل اليها، فيعلم طمثها اذا طمثت، و لايعلم بطهرها اذا طهرت، قال: فقال: هذا مثل الغائب عن


1) - وسائل الشيعة 22: 55 / الباب 25 من أبواب مقدّمات الطلاق / الحديث 3.

2) - جواهر الكلام 3: 238.

أهله يطلّقها بالأهلّة و الشهور، الحديث».(1)

فيعلم من هذه الصحيحة أنّ الغائب عن أهله الذي لايتمكّن من استعلام حالها و أنّها خرجت من الحيض أو لا، يتربّص حتّى يظنّ بخروجها من الحيض، و ان لم يتمكّن من الظنّ بخروجها أيضا فيجوز طلاقها.

قال في التنقيح: «الصحيح أنّ الغائب لايشترط في صحّة طلاقه أن لايتمكّن من استعلام حال زوجته، فانّ طلاقه انّما هو بالأهلّة و الشهور، فاذا مضى على غيبته عن زوجته مدّة يعلم فيها بانقلابها عن حالها التي كانت عليها صحّ طلاقه ايّاها، فهذا الاشتراط في الغائب مبني على الاحتياط».(2)

و فيه: انّ الظاهر أنّ الأهلّة و الشهور لمن لم يتمكّن من العلم و هو غائب، و لو لم يتمكّن من الأهلّة و الشهور أيضا سقط الاشتراط.

فيما اذا كان الزوج غائبا و وكّل حاضرا متمكّنا من استعلام حالها

(مسألة 21): اذا كان الزوج غائبا و وكّل حاضرا متمكّنا من استعلام حالها لايجوز له طلاقها في حال الحيض.

الشرح:

اذا كان الزوج غائبا و وكّل حاضرا متمكّنا من استعلام حالها لايجوز له طلاقها في حال الحيض؛ لأنّه يكون في حكم الحاضر سواء كان وكيلاً في اجراء صيغة الطلاق أو وكيلاً في استعلام حال الزوجة من حيض أو طهر. و بالجملة تختصّ نصوص الجواز بمن لم يتمكّن من استعلام حالها غائبا أو في حكم الغائب.


1) - وسائل الشيعة 22: 60 / الباب 28 من أبواب مقدّمات الطلاق / الحديث 1.

2) - التنقيح في شرح العروة 7: 396.

فيما لو طلّقها باعتقاد أنّها طاهرة فبانت حائضا

(مسألة 22): لو طلّقها باعتقاد أنّها طاهرة فبانت حائضا بطل و بالعكس صحّ.

الشرح:

لو طلّقها باعتقاد أنّها طاهرة فبانت حائضا بطل؛ لأنّ الظاهر من الدليل أنّ الطهر شرط واقعي لصحّة الطلاق، كما أنّه لو اعتقد أنّها حائض فطلّقها فبانت طاهرة صحّ؛ لصدور الانشاء منه بقصد الطلاق و هي واجدة لشرائط صحّة طلاقها. غاية الأمر أنّه كان يعتقد عدم كون انشائه ماضيّا شرعا مع كونه ممضى واقعا، و لا أثر لمجرّد الاعتقاد كما في التنقيح.(1)

(مسألة 23): لا فرق في بطلان طلاق الحائض بين أن يكون حيضها وجدانيّا أو بالرجوع الى التمييز أو التخيير بين الأعداد المذكورة سابقا، و لو طلّقها في صورة تخييرها قبل اختيارها فاختارت التحيّض بطل، و لو اختارت عدمه صحّ، و لو ماتت قبل الاختيار بطل أيضا.

الشرح:

تارة: يكون حيض المرأة وجدانيّا فلايصحّ طلاقها في ذلك الحال.

و أخرى: يكون حيضها بالرجوع الى تمييز فلايصحّ طلاقها أيضا؛ لكونها حائضا شرعا و تعبّدا.

و ثالثة: تكون المرأة حرّة في اختيار الأيّام - كالأعداد المذكورة سابقا - لتجعلها حيضا، فان طلّقها بعد الاختيار بطل الطلاق؛ لكونها حائضا شرعا و تعبّدا، و أمّا لو طلّقها قبل الاختيار فاختارت التحيّض و قد وقع الطلاق فيما كان مختارها بطل الطلاق، و لو اختارت مدّة أخرى صحّ. و لو ماتت قبل الاختيار بطل أيضا؛ لعدم


1) - التنقيح في شرح العروة 7: 397.

احراز الشرط لا واقعا و لا ظاهرا تعبّدا، لانحصار الحجّة بالاختيار، و هو منتف.

(مسألة 24): بطلان الطلاق و الظهار و حرمة الوط ء و وجوب الكفّارة مختصّة بحال الحيض، فلو طهرت و لم تغتسل لاتترتّب هذه الأحكام فيصحّ طلاقها و ظهارها و يجوز وطؤها و لا كفّارة فيه، و أمّا الأحكام الأخر المذكورة فهي ثابتة ما لم تغتسل.

الشرح:

ظاهر الكتاب و السنّة أنّ حرمة الوط ء مختصّة بحال الحيض، و كذا ظاهرهما أنّ بطلان الطلاق و الظهار مختصّ بالتي يكون في فرجها دم، فلو طهرت من الدم و لم تغتسل لم يحرم وطؤها و يصحّ طلاقها و ظهارها، و قد ادّعي عليه الاجماع.

و أمّا الكفّارة فقد تقدّم عدم وجوبها.

و أمّا الأحكام الأخر كدخول المسجدين و المكث في المساجد و مسّ الكتاب و العبادات كالصلاة و الصوم و الطواف فهي ثابتة ما لم تغتسل؛ لأنّها مشروطة برفع الحدث، فهي محدثة ما لم تغتسل.

«العاشر»: وجوب الغسل بعد انقطاع الحيض
اشارة

«العاشر»: وجوب الغسل بعد انقطاع الحيض للأعمال الواجبة المشروطة بالطهارة كالصلاة و الطواف و الصوم، و استحبابه للأعمال التي يستحبّ لها الطهارة و شرطيّته للأعمال الغير الواجبة التي يشترط فيها الطهارة.

الشرح:

يجب الغسل بعد انقطاع الدم للصلاة و الصوم و الطواف و غيرها من الواجبات المشروطة بالطهارة، و هو ضروري المذهب بل الدين، و قد دلّت عليه النصوص المتواترة في محلّها، ففي موثّقة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«ان طهرت بليل من حيضتها ثمّ توانت في أن تغتسل في رمضان حتّى أصبحت، عليها قضاء ذلك اليوم».(1)

و موثّقة سماعة عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:

«و غسل الحائض اذا طهرت واجب».(2)

و يستحبّ الغسل للأعمال التي يستحبّ لها الطهارة كصلاة الأموات و زيارة القبور و قراءة القرآن و مناسك الحجّ ماعدا الصلاة و الطواف، و غير ذلك.

و يشترط للأعمال الغير الواجبة التي يشترط فيها الطهارة كالرواتب اليوميّة و الصلوات المستحبّة و غيرها؛ كلّ ذلك للنصوص الواردة في محلّها.

في أنّ غسل الحيض مستحبّ نفسي و كيفيّته مثل غسل الجنابة

(مسألة 25): غسل الحيض كغسل الجنابة مستحبّ نفسي و كيفيّته مثل غسل الجنابة في الترتيب و الارتماس و غيرهما ممّا مرّ، و الفرق أنّ غسل الجنابة لايحتاج الى الوضوء بخلافه فانّه يجب معه الوضوء قبله أو بعده أو بينه اذا كان ترتيبيّا، و الأفضل في جميع الأغسال جعل الوضوء قبلها.

الشرح:

غسل الحيض كغسل الجنابة و الوضوء و التيمّم مستحبّ نفسي؛ و ذلك لقوله تعالى: «انّ اللّه يحبّ التوّابين و يحبّ المتطهّرين»(3)، و الطهارات كلّها مستحبّات نفسيّة شرعا و الغسل من أعظمها، و الدليل عليه أنّ الطهارة من الحدث عبادة و لاتصحّ الاّ للتقرّب الى اللّه، و هو الفاصل بين التوصّلي بل الغيري و بين التعبّدي و النفسي. و كيفيّته مثل غسل الجنابة في الترتيب و الارتماس و غيرهما ممّا مرّ، ففي صحيحة عبيداللّه بن علي الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:


1) - وسائل الشيعة 2: 271 / الباب 1 من أبواب الحيض / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 2: 271 / الباب 1 من أبواب الحيض / الحديث 2.

3) - البقرة 2: 222.

«غسل الجنابة و الحيض واحد».(1)

و رواية محمّد بن علي الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«غسل الجنابة و الحيض واحد، قال: و سألته عن الحائض، عليها غسل مثل غسل الجنب؟ قال: نعم».(2)

و قد تقدّم في الفرع الثاني من المسألة الخامسه عشرة من الفصل الذي يكون في مستحبّات غسل الجنابة أنّ غسل الجنابة لايحتاج الى الوضوء، و كذلك تقدّم في الفرع الخامس من تلك المسألة عدم احتياج مطلق الغسل الى الوضوء، و هنا نذكر طائفتين من الروايات تتميما للكلام:

الطائفة الأولى: ما ورد في أنّ كلّ غسل معه الوضوء الاّ غسل الجنابة:

منها مرسلة ابن أبي عمير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«كلّ غسل قبله وضوء الاّ غسل الجنابة».(3)

و منها ما رواه حمّاد بن عثمان أو غيره عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«في كلّ غسل وضوء الاّ الجنابة».(4)

و منها ما رواه سليمان بن الحسين عن علي بن يقطين عن أبي الحسن الأوّل عليه السلام قال:

«اذا أردت أن تغتسل للجمعة فتوضّأ و اغتسل».(5)

الطائفة الثانية: ما ورد من أنّ كلّ غسل يجزي عن الوضوء:

منها صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:


1) - وسائل الشيعة 2: 315 / الباب 23 من أبواب الحيض / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 2: 316 / الباب 23 من أبواب الحيض / الحديث 5.

3) - وسائل الشيعة 2: 248 / الباب 35 من أبواب الجنابة / الحديث 1.

4) - وسائل الشيعة 2: 248 / الباب 35 من أبواب الجنابة / الحديث 2.

5) - وسائل الشيعة 2: 248 / الباب 35 من أبواب الجنابة / الحديث 3.

«الغسل يجزي عن الوضوء، و أيّ وضوء أطهر من الغسل».(1)

و منها موثّقة عمّار الساباطي قال:

«سئل أبو عبداللّه عليه السلام عن الرجل اذا اغتسل من جنابته أو يوم جمعة أو يوم عيد، هل عليه الوضوء قبل ذلك أو بعده؟ فقال: لا، ليس عليه قبل و لا بعد، قد أجزأه الغسل و المرأة مثل ذلك اذا اغتسلت من حيض أو غير ذلك فليس عليها الوضوء لا قبل و لا بعد، قد أجزأها الغسل».(2)

و منها مرسلة حمّاد بن عثمان عن أبي عبداللّه عليه السلام في الرجل يغتسل للجمعة أو غير ذلك، أيجزيه من الوضوء؟ فقال أبو عبداللّه عليه السلام :

«و أيّ وضوء أطهر من الغسل».(3)

و منها صحيحة سليمان بن خالد عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«الوضوء بعد الغسل بدعة».(4)

فانّ الجمع العرفي بين هاتين الطائفتين من الروايات هو استحباب الوضوء مع كلّ غسل الاّ غسل الجنابة فانّه معه بدعة.

قال في التنقيح: «فانّ الطائفة الأولى من الروايات ضعيفة بحسب السند و الدلالة فالأولى مرسلة، و الثانية لعدم العلم بالراوي المنقول عنه و أنّه هل هو حمّاد بن عثمان أم غيره؟ فالرواية بحكم المرسلة، و الثالثة: ففي سندها سليمان بن الحسن و هو مجهول لم يوثّق في كتب الرجال.

و أمّا بحسب الدلالة، فلأنّ الرواية الثالثة انّما وردت في غسل الجمعة، و هو


1) - وسائل الشيعة 2: 244 / الباب 33 من أبواب الجنابة / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 2: 244 / الباب 33 من أبواب الجنابة / الحديث 3.

3) - وسائل الشيعة 2: 245 / الباب 33 من أبواب الجنابة / الحديث 4.

4) - وسائل الشيعة 2: 245 / الباب 33 من أبواب الجنابة / الحديث 9.

من المستحبّات فلايجري فيها قانون الاطلاق و التقييد، بل يحمل المقيّد منها على أفضل الأفراد.

و أمّا الروايتان الأوليان فتدلاّن على أنّ الوضوء مع غير غسل الجنابة مشروع؛ جمعا بينهما و بين ما دلّ على أنّ الوضوء مع غسل الجنابة بدعة، فلا دلالة لهما على أنّ بقيّة الأغسال لاتغني عن الوضوء.

و أمّا الطائفة الثانية فقابلة للاعتماد عليها، فظاهر الصحيحة الأولى أنّ مطلق الغسل أطهر من الوضوء لا خصوص غسل الجنابة، و الاّ لبيّنه عليه السلام ، و ارادة خصوص غسل الجنابة منه خارجا يستلزم تخصيص الأكثر، و هو مستهجن.

و مع هذه الروايات لا مناص من الحكم بعدم الفرق بين غسل الجنابة و الحيض و غيرهما، و أنّ الغسل باطلاقه يغني عن الوضوء كما ذهب الى ذلك جملة من المحقّقين من متأخّري المتأخّرين. نعم، يستثنى من ذلك غسل الاستحاضة المتوسّطة؛ لدلالة النصّ الخاصّ عليه. انتهى ملخّصا».(1)

ثمّ انّه بعد القول باستحباب الوضوء مع غسل الحيض قال: «فالأفضل تقديمه عليه و في جميع الأغسال الاّ غسل الجنابة، فانّه لا وضوء معه».

في أنّه اذا اغتسلت جاز لها كلّ ما حرّم عليها بسبب الحيض

(مسألة 26): اذا اغتسلت جاز لها كلّ ما حرّم عليها بسبب الحيض و ان لم تتوضّأ، فالوضوء ليس شرطا في صحّة الغسل بل يجب لما يشترط به كالصلاة و نحوها.

الشرح:

اذا اغتسلت جاز لها كلّ ما حرّم عليها بسبب الحيض؛ و ذلك لأنّه على القول باستحباب الوضوء فواضح؛ لزوال الحدث و طهارتها، و يجوز لها فعل ما يشترط


1) - التنقيح في شرح العروة 7: 405 - 408.

فيه الطهارة. و أمّا على القول بوجوب الوضوء فكذلك يجوز لها كلّ ما حرّم عليها بسبب الحيض كالوط ء و دخول المساجد و غيرهما، و أمّا الوضوء فهو شرط لما يشترط فيه الطهارة كالصلاة.

قال في المستمسك: «انّ مقتضى ملاحظة مرتكزات المتشرّعة - و ما يظهر بعد التأمّل في نصوص الطهارة المائيّة - كون كلّ من الوضوء و الغسل طهارة في نفسه، يترتّب عليه أثره بمجرّد وجوده، فلايكون حال الحائض بعد الغسل أو الوضوء قبل فعل الآخر كحالها قبل فعلهما معا، بل اذا فعلت أحدهما كانت على مرتبة من الطهارة، و اذا فعلت الآخر كانت على مرتبة أخرى».(1)

فيما اذا تعذّر الغسل

(مسألة 27): اذا تعذّر الغسل تتيمّم بدلاً عنه، و ان تعذّر الوضوء أيضا تتيمّم، و ان كان الماء بقدر أحدهما تقدّم الغسل.

الشرح:

اذا تعذّر الغسل تتيمّم بدلاً عنه؛ و ذلك للكتاب و السنّة كما يأتي في البحث عن التيمّم. و ان تعذّر الوضوء أيضا تتيمّم أيضا مطلقا، أمّا على القول بوجوب الوضوء فواضح، و كذلك على القول باستحباب ذلك كما يأتي في موضعه. و أمّا ان كان الماء بقدر أحدهما تقدّم الغسل مطلقا، فعلى القول باستحباب الوضوء فلأنّ الحدث لايرتفع الاّ بالغسل أو التيمّم لو فقد الماء و المفروض أنّها وجدت الماء، و أمّا على القول بوجوب الوضوء فلأنّ الظاهر أنّ الوضوء لايفيد الاّ مع ارتفاع حدث الحيض.


1) - مستمسك العروة 3: 348.

في أنّ جواز وطئها لايتوقّف على الغسل
اشارة

(مسألة 28): جواز وطئها لايتوقّف على الغسل لكن يكره قبله و لايجب غسل فرجها أيضا قبل الوط ء و ان كان أحوط بل الأحوط ترك الوط ء قبل الغسل.

الشرح:

هناك طائفتان من الروايات:

الطائفة الأولى: تمنع من اتيان الزوجة المنقطعة عن دم الحيض قبل الاغتسال:

منها صحيحة سعيد بن يسار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«قلت له: المرأة تحرم عليها الصلاة ثمّ تطهر فتوضّأ من غير أن تغتسل، أ فلزوجها أن يأتيها قبل أن تغتسل؟ قال: لا، حتّى تغتسل».(1)

و منها صحيحة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

« ... و سألته عن امرأة حاضت في السفر ثمّ طهرت فلم تجد ماءً يوما و اثنين أيحلّ لزوجها أن يجامعها قبل أن تغتسل؟ قال: لايصلح حتّى تغتسل».(2)

الطائفة الثانية: تجوّز ذلك:

منها صحيحة علي بن يقطين عن أبي الحسن موسى بن جعفر عليه السلام قال:

«سألته عن الحائض ترى الطهر، أيقع بها زوجها قبل أن تغتسل؟ قال: لا بأس، و بعد الغسل أحبّ اليّ».(3)

و منها موثّقة عبداللّه بن بكير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:


1) - وسائل الشيعة 2: 326 / الباب 27 من أبواب الحيض / الحديث 7.

2) - وسائل الشيعة 2: 326 / الباب 27 من أبواب الحيض / الحديث 6.

3) - وسائل الشيعة 2: 325 / الباب 27 من أبواب الحيض / الحديث 5.

«اذا انقطع الدم و لم تغتسل فليأتها زوجها ان شاء».(1)

و منها مرسلة عبداللّه بن المغيرة عن العبد الصالح عليه السلام في المرأة اذا طهرت من الحيض و لم تمسّ الماء، فلايقع عليها زوجها حتّى تغتسل، و ان فعل فلا بأس به، و قال:

«تمسّ الماء أحبّ اليّ».(2)

و منها رواية اسحاق بن عمّار قال:

«سألت أبا ابراهيم عليه السلام عن رجل يكون معه أهله في السفر فلايجد الماء، يأتي أهله؟ فقال: ما أحبّ أن يفعل ذلك الاّ أن يكون شبقا أو يخاف على نفسه».(3)

و منها صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام في المرأة ينقطع عنها الدم دم الحيض في آخر أيّامها، قال:

«اذا أصاب زوجها شبق فليأمرها فلتغسل فرجها، ثمّ يمسّها ان شاء قبل أن تغتسل».(4)

و الجمع العرفي بين هاتين الطائفتين من الروايات، حمل الطائفة الأولى على الكراهة كما حملها الشيخ رحمه الله على ذلك. و صاحب الوسائل رحمه الله حمل أحاديث المنع على التقيّة؛ لأنّها موافقة لأكثر العامّة.(5)

و تقلّ الكراهة فيما اذا أصاب الزوج شبق فليأمرها أن تغسل فرجها ثمّ يمسّها ان شاء قبل أن تغتسل كما في صحيحة محمّد بن مسلم.

قال في المستمسك: «جواز وطئها لايتوقّف على الغسل كما عن الانتصار و


1) - وسائل الشيعة 2: 325 / الباب 27 من أبواب الحيض / الحديث 3.

2) - وسائل الشيعة 2: 325 / الباب 27 من أبواب الحيض / الحديث 4.

3) - وسائل الشيعة 2: 325 / الباب 27 من أبواب الحيض / الحديث 2.

4) - وسائل الشيعة 2: 324 / الباب 27 من أبواب الحيض / الحديث 1.

5) - نفس المصدر.

الخلاف و الغنية و ظاهر التبيان و مجمع البيان و أحكام الراوندي و السرائر و شرح المفاتيح. و يدلّ عليه - مضافا الى عموم ما دلّ على جواز وط ء الزوجة و المملوكة المانع من جريان استصحاب الحرمة الثابتة قبل النقاء - الروايات الدالّة على الجواز.

الى أن قال: و عن الصدوق في الفقيه و الهداية و المقنع: المنع قبل الغسل. لكن ذكر فيها بعد ذلك: «انّه ان كان زوجها شبقا أو مستعجلاً و أراد وطأها قبل الغسل أمرها أن تغسل فرجها ثمّ يجامعها». و ظاهره الكراهة.

الى أن قال: و لايجب غسل فرجها كما عن الفاضلين و الشهيدين، و في الروض نسبته الى أكثر المجوّزين، و عن شرح المفاتيح نسبته الى المشهور؛ للأصل مع عدم الدليل عليه. و ما في صحيح ابن مسلم المتقدّم - من الأمر بغسل الفرج - قيل: محمول على الاستحباب بقرينة خلوّ غيره من النصوص عنه. انتهى ملخّصا».(1)

فرع : في البحث حول المخصّص الكتابي

قال في التنقيح: «أمّا المخصّص الكتابي و هو قوله تعالى: «و يسألونك عن المحيض، قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض، و لاتقربوهنّ حتّى يطهرن فاذا تطهّرن فأتوهنّ من حيث أمركم اللّه»(2)فلايمكن استفادة الحرمة منها الى أيّ زمان؛ و ذلك لأنّ القرّاء السبعة قرأوا لفظة « ... حتّى يطهرن ... » مخفّفة أي حتّى ينقطع دمهنّ، و يساعده صدر الآية المباركة حيث قالت: «هو


1) - مستمسك العروة 3: 350 - 352.

2) - البقرة 2: 222.

أذى»؛ و ذلك لأنّ الأذى انّما هو الحيض الى زمن انقطاعه، و أمّا بعده فليس هناك أذى فتختصّ الحرمة بالمرأة ذات الدم، و اذا انقطع دمها جاز وطؤها بمقتضى الآية الكريمة الى هنا. ولكن ذيلها: « ... فاذا تطهّرن ... » ينافيه، فانّه و ان أمكن أن يكون بمعنى « ... يطهرن ... » بالتخفيف، بأن يستعمل التطهّر في الطهارة؛ اذ قد يستعمل التفعّل في المجرّد و يقال: زيد تمرّض بمعنى مرِض، و عليه يطابق الذيل الصدر، الاّ أنّ ظاهر الذيل هو التفعّل و التطهّر بمعنى الاغتسال، فيدلّنا هذا الذيل بمفهومه على حرمة اتيان المرأة مادامت لم تغتسل و لم تتطهّر، فيتنافى صدر الآية و ذيلها و تصبح الآية مجملة. و لابدّ حينئذ من الأخذ بالقدر المتيقّن من مدلولها، و هو حرمة الوط ء مادام المرأة ذات الدم، و أمّا حرمته بعد انقطاعه فهي مشكوكة يرجع فيها الى مقتضى الاطلاقات و العمومات التي تقتضي الجواز في جميع الأوقات كما مرّ. انتهى ملخّصا».(1)

في أنّ ماء غسل الزوجة و الأمة على الزوج و السيّد

(مسألة 29): ماء غسل الزوجة و الأمة على الزوج و السيّد على الأقوى.

الشرح:

تقدّم البحث عن ذلك في المسألة الحادية و العشرين من فصل أحكام غسل الجنابة.

قال في التنقيح: «تقدّمت المسألة في بحث الجنابة و ذكر قدس سره أنّ ماء الغسل و أجرة التسخين و الاغتسال على الزوج، و علّله بأنّه من النفقات و نفقة الزوجة على الزوج. و ذكرنا في ذاك الموضع أنّ الأخبار الآمرة باعطاء نفقة الزوجة اشتملت على عنوان الاشباع و الاسكان و ما به يقوم صلبها، و الجامع ما تتقوّم به حياة الزوجة و اعاشتها عادة حسب ما يليق بشأنها.


1) - التنقيح في شرح العروة 7: 421 و 422.

و من الظاهر أنّ الأحكام الشرعيّة و الوظائف المتسبّبة منها خارجة عمّا تتقوّم به حياتها، و انّما هي وظائف شرعيّة لا اعاشة و اقامة حياة، و لذا لو أفطرت الزوجة في نهار شهر رمضان لم يجب على الزوج اعطاء الكفّارة و انّما هي واجبة على الزوجة و كذا الاغتسال في المقام، و الشارع قد عيّن للمتمكّنة منها وظيفة و للعاجزة وظيفة أخرى، فان كانت قادرة على الاغتسال فلتغتسل و ان عجزت عنه فلتتيمّم، و لايجب على الزوج اقدار زوجته على الاغتسال باعطاء الماء و أجرة التسخين و نحوهما حتّى تتمكّن الزوجة من الاغتسال ليجب الغسل عليها، و تفصيل الكلام في بحث النفقات».(1)

(مسألة 30): اذا تيمّمت بدل الغسل ثمّ أحدثت بالأصغر لايبطل تيمّمها بل هو باق الى أن تتمكّن من الغسل.

الشرح:

اذا تيمّمت بدل الغسل ثمّ أحدثت بالأصغر لايبطل تيمّمها بل هو باق الى أن تتمكّن من الغسل؛ لأنّه مقتضى البدليّة، فكما لايبطل غسلها به لايبطل ما هو بدل عنه، و سيأتي الكلام عنه في مبحث التيمّم، ان شاء اللّه تعالى.


1) - التنقيح في شرح العروة 7: 424.

«الحادي عشر»: وجوب قضاء ما فات في حال الحيض
اشارة

«الحادي عشر»: وجوب قضاء ما فات في حال الحيض من صوم شهر رمضان و غيره من الصيام الواجب، و أمّا الصلوات اليوميّة فليس عليها قضاؤها بخلاف غير اليوميّة مثل الطواف و النذر المعيّن و صلاة الآيات فانّه يجب قضاؤها على الأحوط بل الأقوى.

الشرح:

الحادي عشر من أحكام الحائض هو وجوب قضاء ما فات في حال الحيض من صوم شهر رمضان، و أمّا الصلوات اليوميّة فليس عليها قضاؤها؛ يدلّ على ذلك روايات:

منها صحيحة أبان بن تغلب عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«انّ السنّة لاتقاس، ألاترى أنّ المرأة تقضي صومها و لاتقضي صلاتها؟ الحديث».(1)

و منها صحيحة زرارة قال:

«سألت أبا جعفر عليه السلام عن قضاء الحائض الصلاة، ثمّ تقضي الصيام؟ قال: ليس عليها أن تقضي الصلاة، و عليها أن تقضي صوم شهر رمضان، ثمّ أقبل عليّ فقال: انّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله كان يأمر بذلك فاطمة عليهاالسلام ، و كان يأمر بذلك المؤمنات».(2)

و غيرهما من الروايات الواردة في الباب.

و أمّا غير صوم شهر رمضان من الصيام الواجب فكذلك يجب عليها قضاؤها؛ و ذلك لاطلاق الأمر بقضاء الصوم كما في صحيحة أبان بن تغلب مضافا الى مطلق الأمر الوارد بقضاء الصوم و الصلاة على من تركهما عمدا أو عن عذر،


1) - وسائل الشيعة 2: 346 / الباب 41 من أبواب الحيض / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 2: 347 / الباب 41 من أبواب الحيض / الحديث 2.

فلايستثنى منه الاّ صلاة الحائض و النفساء. و أمّا الصوم الواجب بالنذر فالظاهر لايسقط عنها مطلقا سواء كان النذر غير معيّن أو معيّنا فصادف أيّام الحيض؛ و ذلك لصحيحة علي بن مهزيار (في حديث) قال:

«كتبت اليه - يعني الى أبي الحسن عليه السلام - يا سيّدي رجل نذر أن يصوم يوما من الجمعة دائما ما بقي، فوافق ذلك اليوم يوم عيد فطر أو أضحى أو أيّام التشريق أو سفر أو مرض، هل عليه صوم ذلك اليوم أو قضاؤه؟ و كيف يصنع يا سيّدي؟ فكتب اليه: قد وضع اللّه عنه الصيام في هذه الأيّام كلّها، و يصوم يوما بدل يوم ان شاء اللّه، الحديث».(1)

و أمّا الصلاة غير اليوميّة كصلاة الآيات و الطواف فيجب عليها قضاؤها؛ لعدم الدليل على سقوط القضاء و الدليل ورد في قضاء الصلوات اليوميّة فقط.

و أمّا الصلاة المنذورة المعيّنة، فالظاهر من الصحيحة المذكورة آنفا هو عدم سقوطها، فعليها أن تأتي بها يوما بدل يوم، بناءً على الغاء الخصوصيّة، كما هو ظاهر.

فيما اذا حاضت بعد دخول الوقت

(مسألة 31): اذا حاضت بعد دخول الوقت فان كان مضى منه مقدار أداء أقلّ الواجب من صلاتها بحسب حالها من السرعة و البط ء و الصحّة و المرض و السفر و الحضر و تحصيل الشرائط بحسب تكليفها الفعلي من الوضوء أو الغسل أو التيمّم و غيرها من سائر الشرائط الغير الحاصلة و لم تصلّ وجب عليها قضاء تلك الصلاة، كما أنّها لو علمت بمفاجأة الحيض وجب عليها المبادرة الى الصلاة، و في مواطن التخيير يكفي سعة مقدار القصر، و لو أدركت من الوقت أقلّ ممّا ذكرنا لايجب عليها القضاء و ان كان


1) - وسائل الشيعة 23: 310 / الباب 10 من كتاب النذر / الحديث 1.

الأحوط القضاء اذا أدركت الصلاة مع الطهارة، و ان لم تدرك سائر الشرائط بل و لو أدركت أكثر الصلاة، بل الأحوط قضاء الصلاة اذا حاضت بعد الوقت مطلقا و ان لم تدرك شيئا من الصلاة.

الشرح:

اذا حاضت بعد دخول الوقت و لم تصلّ وجب عليها قضاء تلك الصلاة؛ تدلّ على ذلك موثّقة يونس بن يعقوب عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«في المرأة دخل عليها وقت الصلاة و هي طاهر فأخّرت الصلاة حتّى حاضت، قال: تقضي اذا طهرت».(1)

و صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج قال:

«سألته عن المرأة تطمث بعد ما تزول الشمس و لم تصلّ الظهر، هل عليها قضاء تلك الصلاة؟ قال: نعم».(2)

فانّ الظاهر من هاتين الروايتين أنّه اذا دخل الوقت فقد وجب على المكلّف اتيان الصلاة و تهيئة شرائطها من الوضوء أو التيمّم، و طهارة اللباس و البدن ان كانا متنجّسين، و تعيين القبلة، و أنّ الواجب عليه الاتيان بواجبات الصلاة، فيعلم كلّ واحد من المكلّفين مقدار الوقت الذي يتمكّن فيه من أداء تكليفه، فعلى هذا لو أخّر الصلاة بذلك المقدار فمنعه مانع كالحيض في المرأة، وجب عليه قضاء صلاته التي فاتت منه. و هو الذي بيّنه المصنّف رحمه الله من أنّه: «اذا حاضت المرأة بعد دخول الوقت فان كان مضى منه مقدار أداء أقلّ الواجب من صلاتها بحسب حالها من السرعة و البط ء و الصحّة و المرض و السفر و الحضر و تحصيل الشرائط بحسب تكليفها الفعلي من الوضوء أو الغسل أو التيمّم و غيرها من سائر الشرائط


1) - وسائل الشيعة 2: 360 / الباب 48 من أبواب الحيض / الحديث 4.

2) - وسائل الشيعة 2: 360 / الباب 48 من أبواب الحيض / الحديث 5.

الغير الحاصلة و لم تصلّ وجب عليها قضاء تلك الصلاة»، و هكذا يكون الحال لو علمت بمفاجأة الحيض وجب عليها المبادرة اليها بحسب حالها.

و لاتعارضها موثّقة الفضل بن يونس عن أبي الحسن الأوّل عليه السلام (في حديث) قال:

«و اذا رأت المرأة الدم بعد ما يمضي من زوال الشمس أربعة أقدام فلتمسك عن الصلاة، فاذا طهرت من الدم فلتقض صلاة الظهر؛ لأنّ وقت الظهر دخل عليها و هي طاهر، و خرج عنها وقت الظهر و هي طاهر، فضيّعت صلاة الظهر فوجب عليها قضاؤها».(1)

لأنّ المراد أنّه اذا خرج وقت الفضيلة فقد استقرّ عليها قضاء صلاة الظهر حتما، و أمّا عدم قضاء صلاة العصر و ان كان يظهر منها الاّ أنّها معارضة بالروايات الأخر التي دلّت على أنّه اذا زالت الشمس فقد دخل الوقتان. و فصّلنا البحث عن ذلك في كتاب الصلاة.

و هكذا يكون حال صحيحة أبي عبيدة عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:

«و اذا طهرت في وقت فأخّرت الصلاة حتّى يدخل وقت صلاة أخرى ثمّ رأت دما كان عليها قضاء تلك الصلاة التي فرّطت فيها».(2)

و كذا لاتعارضها رواية أبي الورد قال:

«سألت أبا جعفر عليه السلام عن المرأة التي تكون في صلاة الظهر و قد صلّت ركعتين ثمّ ترى الدم؟ قال: تقوم من مسجدها و لاتقضي الركعتين، و ان كانت رأت الدم و هي في صلاة المغرب و قد صلّت ركعتين فلتقم من مسجدها، فاذا تطهّرت فلتقض الركعة التي فاتتها من المغرب».(3)


1) - وسائل الشيعة 2: 359 / الباب 48 من أبواب الحيض / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 2: 359 / الباب 48 من أبواب الحيض / الحديث 2.

3) - وسائل الشيعة 2: 360 / الباب 48 من أبواب الحيض / الحديث 3.

فانّها بالنسبة الى صلاة الظهر فتحمل على عدم اهمالها، و أمّا بالنسبة الى المغرب فتحمل على اهمالها، و مراده عليه السلام من قوله: «فلتقض الركعة التي فاتتها من المغرب»، هو تمام الصلاة؛ لاطلاق الركعة على الصلاة مجازا. هذا مع ضعف الرواية سندا.

و هكذا يكون حال موثّقة سماعة قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن امرأة صلّت من الظهر ركعتين ثمّ انّها طمثت و هي جالسة؟ فقال: تقوم من مكانها و لاتقضي الركعتين».(1)

ثمّ انّه لو علمت بمفاجأة الحيض وجب عليها المبادرة الى الصلاة؛ خروجا عن عهدة التكليف.

قال في التنقيح: «لا اشكال و لا خلاف في أنّ المرأة لو علمت و لو من جهة عادتها بأنّها تحيض بعد دخول الوقت وجبت المبادرة عليها الى الصلاة قبل أن تحيض، فلو تركتها حتّى حاضت عصت و فوّتت الصلاة الواجبة في حقّها اختيارا و هو حرام، و هذا ممّا لا اشكال فيه فيما اذا كانت المرأة متمكّنة من الاتيان بالصلاة مع الطهارة المائيّة و سائر الشروط المعتبرة فيها في حال الاختيار. و كذلك لو لم تتمكّن من الشرائط الاختياريّة و كان لها بدل، كالتيمّم و الصلاة مع الثوب النجس. بل لو علم قبل الوقت بأنّها لاتتمكّن من تهيئة المقدّمات بعد الوقت وجب عليها تحصيلها قبل دخول الوقت. انتهى ملخّصا».(2)

و عليه لو كانت في مواطن التخيير و علمت أنّها لاتتمكّن من اقامة أربع ركعات للظهر مثلاً، فقد يجب عليها ركعتان مقدار القصر، و أمّا لو علمت بادراك ركعة فهل يجب عليها الاتيان، الأقوى عدم الوجوب؛ لأنّها كلّفت بتمام الركعات للظهر مثلاً في الحضر، كما في غيرها من المكلّفين، و استثني منه من أدرك آخر


1) - وسائل الشيعة 2: 360 / الباب 48 من أبواب الحيض / الحديث 6.

2) - التنقيح في شرح العروة 7: 433 - 434.

الوقت ركعة من العصر فعليه الاتيان و ان لم يأت بها فعليه القضاء، فهو في غير الطامث.

قال المصنّف: «و لو أدركت من الوقت أقلّ ممّا ذكرنا لايجب عليها القضاء و ان كان الأحوط القضاء اذا أدركت الصلاة مع الطهارة و ان لم تدرك سائر الشرائط».

و في المستمسك: «بل ظاهر الشرائع و القواعد و غيرهما وجوب القضاء حينئذ. بل في كشف اللثام نسبته الى الأكثر.

الى أن قال: اذا أمكنت الصلاة الاختياريّة و لو من جهة تقديم مقدّماتها التي يمكن تقديمها قبل الوقت وجب القضاء، و الاّ فلا، و ان أمكنت الصلاة الاضطراريّة بالتيمّم و غيره من الأبدال. و ما ذكرناه احتمله في محكي نهاية الأحكام و ظاهر من تقدّم على الفاضلين ممّن اقتصر في وجوب القضاء على التمكّن من أداء الصلاة نفسها. انتهى ملخّصا».(1)

و قال المصنّف أيضا: «بل و لو أدركت أكثر الصلاة، بل الأحوط قضاء الصلاة اذا حاضت بعد الوقت مطلقا و ان لم تدرك شيئا من الصلاة».

و في المستمسك - بالنسبة الى صدر كلام المصنّف - قال: «فقد حكي عن الفقيه و المقنع و جمل السيّد وجوب القضاء حينئذ و نسب الى الاسكافي، و كأنّ مأخذه خبر أبي الورد المتقدّم. لكنّه - مع أنّه غير ظاهر الدلالة؛ اذ لم يتعرّض فيه لكون شروعها في الصلاة كان أوّل الوقت - قاصر السند، مخالف لاجماع الخلاف.

و بالنسبة الى ذيل كلام المصنّف قال: فقد حكي عن النهاية و الوسيلة القضاء حينئذ و لم يتّضح مأخذه، مع مخالفته لما دلّ على سقوط القضاء عن الحائض الشامل لما نحن فيه. نعم، قد يتوهّم أنّه مقتضى اطلاق رواية ابن الحجّاج المتقدّمة، لكنّه غير ظاهر».(2)


1) - مستمسك العروة 3: 358 - 360.

2) - نفس المصدر: 360 و 361.

فيما اذا طهرت من الحيض قبل خروج الوقت

(مسألة 32): اذا طهرت من الحيض قبل خروج الوقت فان أدركت من الوقت ركعة مع احراز الشرائط وجب عليها الأداء و ان تركت وجب قضاؤها و الاّ فلا، و ان كان الأحوط القضاء اذا أدركت ركعة مع الطهارة و ان لم تدرك سائر الشرائط بل الأحوط القضاء اذا طهرت قبل خروج الوقت مطلقا، و اذا أدركت ركعة مع التيمّم لايكفي في الوجوب الاّ اذا كان وظيفتها التيمّم مع قطع النظر عن ضيق الوقت، و ان كان الأحوط الاتيان مع التيمّم، و تماميّة الركعة بتماميّة الذكر من السجدة الثانية لا برفع الرأس منها.

الشرح:

اذا طهرت من الحيض قبل خروج الوقت وجب عليها الأداء و ان تركت وجب عليها قضاؤها؛ و ذلك لصحيحة عبيد بن زرارة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«قال: أيّما امرأة رأت الطهر و هي قادرة على أن تغتسل في وقت صلاة ففرّطت فيها حتّى يدخل وقت صلاة أخرى كان عليها قضاء تلك الصلاة التي فرّطت فيها، و ان رأت الطهر في وقت صلاة فقامت في تهيئة ذلك فجاز وقت صلاة و دخل وقت صلاة أخرى فليس عليها قضاء، و تصلّي الصلاة التي دخل وقتها».(1)

و صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«اذا طهرت المرأة قبل غروب الشمس فلتصلّ الظهر و العصر، و ان طهرت من آخر الليل فلتصلّ المغرب و العشاء».(2)

و صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام قال:

«قلت: المرأة ترى الطهر عند الظهر فتشتغل في شأنها حتّى يدخل


1) - وسائل الشيعة 2: 361 / الباب 49 من أبواب الحيض / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 2: 364 / الباب 49 من أبواب الحيض / الحديث 10.

وقت العصر؟ قال: تصلّي العصر وحدها، فان ضيّعت فعليها صلاتان».(1)

أقول:

الظاهر أنّ المراد من وقت العصر هو الوقت المختصّ بها و هو مقدار أدائها قبل الغروب بقرينة الروايات الواردة في الوقت المختصّ بالعصر، و صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«اذا طهرت الحائض قبل العصر صلّت الظهر و العصر، فان طهرت في آخر وقت العصر صلّت العصر».(2)

و صحيحة أبي الصباح الكناني عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«اذا طهرت المرأة قبل طلوع الفجر صلّت المغرب و العشاء، و ان طهرت قبل أن تغيب الشمس صلّت الظهر و العصر».(3)

ثمّ انّه قال المصنّف: «اذا طهرت من الحيض قبل خروج الوقت، فان أدركت من الوقت ركعة مع احراز الشرائط وجب عليها الأداء، و ان تركت وجب قضاؤها».

و في المستمسك: «على المشهور، بل عن غير واحد دعوى الاجماع عليه؛ لما يأتي في المواقيت ان شاء اللّه من أنّ من أدرك ركعة من الوقت فقد أدرك الوقت، فاذا ثبتت مشروعيّة الصلاة لها حينئذ وجب القضاء. - الى أن قال: - و ظاهر الأخبار - كما في مفتاح الكرامة - اعتبار ادراك تمام الفعل في وجوب الأداء و القضاء. و هو في محلّه بناءً على أنّ ادراك الركعة بدل اضطراري؛ لما عرفت. اللّهمّ الاّ أن يقوم اجماع على خلافه».(4)


1) - وسائل الشيعة 2: 363 / الباب 49 من أبواب الحيض / الحديث 5.

2) - وسائل الشيعة 2: 363 / الباب 49 من أبواب الحيض / الحديث 6.

3) - وسائل الشيعة 2: 363 / الباب 49 من أبواب الحيض / الحديث 7.

4) - مستمسك العروة 3: 361 و 362.

أقول:

انّ الظاهر من موثّقة عمّار بن موسى عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:

«فان صلّى ركعة من الغداة ثمّ طلعت الشمس فليتمّ و قد جازت صلاته».(1)

أنّ المناط في عدم فوت الصلاة هو ادراك ركعة منها، و في ذلك لا فرق بين صلاة الغداة و غيرها، فالموثّقة تفسير لصحيحة زرارة قال:

«قال أبو جعفر عليه السلام : أحبّ الوقت الى اللّه عزّوجلّ أوّله حين يدخل وقت الصلاة فصلّ الفريضة فان لم تفعل فانّك في وقت منهما حتّى تغيب الشمس».(2)

فانّ المراد من قوله عليه السلام : «فانّك في وقت منهما حتّى تغيب الشمس»، أي تدرك قبل غيبوبة الشمس خمس ركعات منهما. فلسان الموثّقة لسان التنزيل بمعنى من أدرك ركعة من الصلاة ينزّل منزلة من أدرك تمام الصلاة فلايكون قضاءا و عليه فمن أدرك آخر الوقت خمس ركعات يجب عليه الاتيان بالظهر و العصر. فعلى هذا التنزيل لاتكون القاعدة مختصّة بالمضطرّين بل تشمل من كان مثل الحائض التي أدركت ركعة من الوقت بعد الطهر و الغسل. و الظاهر أنّها شاملة أيضا لمن كان يدرك ركعة أوّل الوقت مع الوضوء ففاتتها بسبب الحيض، و ان كان فيه يناسب الاحتياط. ثمّ انّ الظاهر من الموثّقة أنّ ادراك الركعة يتحقّق بادراك الركعة التامّة حتّى السجدة الأخيرة، كما في المتن.


1) - وسائل الشيعة 4: 217 / الباب 30 من أبواب المواقيت / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 4: 119 / الباب 3 من أبواب المواقيت / الحديث 5.

(مسألة 33): اذا كانت جميع الشرائط حاصلة قبل دخول الوقت يكفي في وجوب المبادرة و وجوب القضاء مضي مقدار أداء الصلاة قبل حدوث الحيض، فاعتبار مضي مقدار تحصيل الشرائط انّما هو على تقدير عدم حصولها.

الشرح:

قد اتّضحت هذه المسألة في بيان المسألتين السابقتين. و الدليل عليها، اطلاق أدلّة التكليف بالأداء و القضاء.

قال في التنقيح: «لوضوح كون الوقت متّسعا بمقدار الصلاة و مقدّماتها انّما هو مع الاحتياج الى تلك المقدّمات بعد الوقت، و مع عدم الحاجة اليها لتحقّقها قبل الوقت لايعتبر الاّ سعة الوقت بمقدار الصلاة، بحيث لو تركتها لصدق أنّها فوّتت الفريضة و فرّطت فيها فيجب عليها قضاؤها».(1)

(مسألة 34): اذا ظنّت ضيق الوقت عن ادراك الركعة فتركت ثمّ بان السعة وجب عليها القضاء.

الشرح:

لصدق الفوت عرفا و أنّها لم تأت بما كانت مكلّفة به، فانّ مناط الفوت عدم الاتيان بما هو واقع لا بما ظنّت به بل العلم به لو انكشف الخطأ بعده. بل قيل بأنّها تعاقب على تركها الصلاة؛ لعدم حجّيّة الظنّ شرعا، ولكنّه بعيد؛ لأنّ الظنّ هذا بمعنى ما يعتني به العقلاء، لا ما يعبّر عنه بالمسامحة.


1) - التنقيح في شرح العروة 7: 451.

(مسألة 35): اذا شكّت في سعة الوقت و عدمها وجبت المبادرة.

الشرح:

و ذلك للاستصحاب، فالمرأة التي طهرت من الحيض و تشكّ في بقاء الوقت، لم يكن شكّه هذا في الشكّ في التكليف حتّى تجري البراءة، بل هناك أصل موضوعي و هو استصحاب بقاء الوقت. نعم، لو كانت قد علمت مقدار الوقت و شكّت في تمكّنها من الاتيان بالصلاة في هذا المقدار، فان كان يمكن رجوعه الى البراءة الاّ أنّ اهتمام الشارع بالصلاة، موجب للمسارعة اليها و لايسقط تكليفها الاّ باحراز العجز عنها.

(مسألة 36): اذا علمت أوّل الوقت بمفاجأة الحيض وجبت المبادرة بل و ان شكّت على الأحوط، و ان لم تبادر وجب عليها القضاء الاّ اذا تبيّن عدم السعة.

الشرح:

لا اشكال في وجوب المبادرة اذا علمت أوّل الوقت بمفاجأة الحيض، كما هو حكم من علم بمفاجأة عذر أوّل الوقت و لم يتمكّن بعده من الأداء. بل و ان شكّت وجبت المبادرة أيضا؛ لما قلنا من عدم كون المورد لاجراء البراءة. هذا مضافا الى استصحاب عدم الحيض بمقدار يسع للصلاة من الوقت، فتجب المبادرة اليها. و ان لم تبادر وجب عليها القضاء لثبوت التكليف و قد فوّتته. نعم، لو ظهر عدم سعة الوقت لم يجب القضاء.

(مسألة 37): اذا طهرت و لها وقت لاحدى الصلاتين صلّت الثانية، و اذا كان بقدر خمس ركعات صلّتهما.

(مسألة 38): في العشاءين اذا أدركت أربع ركعات صلّت العشاء فقط الاّ اذا كانت مسافرة و لو في مواطن التخيير فليس لها أن تختار التمام و تترك المغرب.

قد اتّضح دليل هذه المسألة و المسألة السابقة في شرح المسألة الثانية و الثلاثين.

(مسألة 39): اذا اعتقدت السعة للصلاتين فتبيّن عدمها و أنّ وظيفتها اتيان الثانية وجب عليها قضاؤها، و اذا قدّمت الثانية باعتقاد الضيق فبانت السعة صحّت و وجب عليها اتيان الأولى بعدها، و ان كان التبيّن بعد خروج الوقت وجب قضاؤها.

الشرح:

اذا طهرت آخر وقت الظهر و العصر و اعتقدت السعة للصلاتين فصلّتهما فتبيّن عدمها و أنّ وظيفتها اتيان الثانية لم يجب عليها قضاؤهما؛ و ذلك لأنّ الظهر لم يجب عليها و كان الواجب عليها العصر، ففاتت في وقتها الاّ أنّها أتت بها خارج الوقت فيكون قضاءً لها. نعم، لو لم تأت بهما وجب عليها قضاء العصر فقط؛ لأنّ وظيفتها كانت باتيان العصر. و أمّا اذا قدّمت الثانية باعتقاد الضيق فبانت السعة صحّت و وجب عليها اتيان الأولى بعدها؛ لأنّ وجوب الترتيب منوط بالذكر و قد وقعت الصلاة الثانية في الوقت المشترك فصحّت كما ذكرناها في كتاب الصلاة.(1)و ان كان التبيّن بعد خروج الوقت وجب قضاؤها.


1) - الهادي كتاب الصلاة 1: 298.

(مسألة 40): اذا طهرت و لها من الوقت مقدار أداء صلاة واحدة و المفروض أنّ القبلة مشتبهة تأتي بها مخيّرة بين الجهات و اذا كان مقدار صلاتين تأتي بهما كذلك.

الشرح:

قد مرّ البحث عن هذه المسألة تفصيلاً في القبلة من كتاب الهادي، و قلنا بأنّ المصلّي اذا لم يقدر على الاجتهاد أو لم يحصل له الظنّ بكونها في جهة و كانت الجهات متساوية صلّى الى أي جهة شاء؛ و ذلك لصحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام أنّه قال:

«يجزي المتحيّر أبدا أينما توجّه اذا لم يعلم أين وجه القبلة».(1)

فيما يستحبّ للحائض

(مسألة 41): يستحبّ للحائض أن تتنظّف و تبدّل القطنة و الخرقة و تتوضّأ في أوقات الصلوات اليوميّة بل كلّ صلاة موقّتة و تقعد في مصلاّها مستقبلة مشغولة بالتسبيح و التهليل و التحميد و الصلاة على النبي صلى الله عليه و آله و قراءة القرآن و ان كانت مكروهة في غير هذا الوقت، و الأولى اختيار التسبيحات الأربع و ان لم تتمكّن من الوضوء تتيمّم بدلاً عنه، و الأولى عدم الفصل بين الوضوء أو التيمّم و بين الاشتغال بالمذكورات و لايبعد بدليّة القيام ان كانت تتمكّن من الجلوس، و الظاهر انتقاض هذا الوضوء بالنواقض المعهودة.

الشرح:

يستحبّ للحائض أن تتنظّف و تبدّل القطنة و الخرقة و تتوضّأ في أوقاتالصلوات اليوميّة بل كلّ صلاة موقّتة و تقعد في مصلاّها مستقبلة مشغولة بالتسبيح


1) - وسائل الشيعة 4: 311 / الباب 8 من أبواب القبلة / الحديث 2.

و التهليل و التحميد و الصلاة على النبي و آله صلى الله عليه و آله و قراءة القرآن؛ و الدليل على ذلك كلّه روايات:

منها صحيحة عبيداللّه بن الحلبي عن أبي عبداللّه صلى الله عليه و آله قال:

«و كنّ نساء النبي صلى الله عليه و آله لايقضين الصلاة اذا حضن، ولكن يتحشّين حين يدخل وقت الصلاة، و يتوضّين ثمّ يجلسن قريبا من المسجد، فيذكرن اللّه عزّوجلّ».(1)

و منها صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«اذا كانت المرأة طامثا فلاتحلّ لها الصلاة، و عليها أن تتوضّأ وضوء الصلاة عند وقت كلّ صلاة، ثمّ تقعد في موضع طاهر فتذكر اللّه عزّوجلّ و تسبّحه و تهلّله و تحمده كمقدار صلاتها، ثمّ تفرغ لحاجتها».(2)

و منها صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«تتوضّأ المرأة الحائض اذا أرادت أن تأكل، و اذا كان وقت الصلاة توضّأت و استقبلت القبلة و هلّلت و كبّرت و تلت القرآن و ذكرت اللّه عزّوجلّ».(3)

ثمّ انّ الظاهر من قوله عليه السلام : «عند وقت كلّ صلاة»، عموم الصلوات الموقّتة، و من قوله عليه السلام : «اذا كان وقت الصلاة»، الاطلاق.

أمّا استحباب الصلاة على النبي و آله صلى الله عليه و آله فيظهر من «الذكر» فانّها من اللّه عزّوجلّ. و لو اختارت التسبيحات الأربعة فقد عملت بالروايات؛ لكونها شاملة


1) - وسائل الشيعة 2: 345 / الباب 40 من أبواب الحيض / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 2: 345 / الباب 40 من أبواب الحيض / الحديث 2.

3) - وسائل الشيعة 2: 346 / الباب 40 من أبواب الحيض / الحديث 5.

للتسبيح و التحميد و التهليل و التكبير. و ان لم تتمكّن من الوضوء تتيمّم بدلاً عنه؛ لعموم ما دلّ على البدليّة.

قال في المستمسك: «و ان لم يعثر على قائل به في المقام كما في الجواهر. و في المنتهى و عن المعتبر و جامع المقاصد و المدارك: «العدم؛ لأنّ التيمّم طهارة اضطراريّة و لا اضطرار هنا. و لعدم تناول النصّ له». انتهى. ولكنّه كماترى؛ اذ لو أريد الاضطرار الى أصل الطهارة فالأوّل ممنوع، و لو أريد الاضطرار لفقد الماء، فالثاني ممنوع. و يكفي في اثباته عموم دليل البدليّة و ان لم يكن النصّ متناولاً له. و دعوى اختصاص البدليّة بما لو كان الوضوء رافعا ممنوعة؛ اذ يكفي في البدليّة كونه موجبا للطهارة في الجملة، و هو حاصل مع أنّ بعض أدلّة البدليّة خال عن هذا التقييد».(1)

و الأولى عدم الفصل بين الوضوء أو التيمّم و بين الاشتغال بالمذكورات؛ لأنّ الوضوء أو التيمّم يكون لهذه الأفعال، و ذلك يظهر من الروايات. و الظاهر انتقاض هذا الوضوء بالنواقض المعهودة؛ لعموم أدلّة النواقض، و استشكل في محكي التذكرة فيه لاحتمال انصراف أدلّة النقض الى الوضوء الرافع، لكنّه ليس عليه دليل، بل الدليل على خلافه و هو عموم أدلّة النواقض.

فيما يكره للحائض

(مسألة 42): يكره للحائض الخضاب بالحنّاء أو غيرها و قراءة القرآن و لو أقلّ من سبع آيات و حمله و لمس هامشه و ما بين سطوره ان لم تمسّ الخطّ و الاّ حرم.

الشرح:

يكره للحائض الخضاب بالحنّاء أو غيرها، و الدليل عليه الجمع بين رواية


1) - مستمسك العروة 3: 370 و 371.

أبي بكر الحضرمي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته عن الحائض هل تختضب؟ قال: لا، لأنّه يخاف عليها الشيطان».(1)

و صحيحة أبي المغراء عن العبد الصالح عليه السلام (في حديث) قال:

«قلت: المرأة تختضب و هي حائض؟ قال: ليس به بأس».(2)

و أمّا بالنسبة الى كراهة قراءة القرآن فقد تقدّم أنّه لم يدلّ عليها دليل صالح.

في الأغسال المندوبة و الواجبة في حال الحيض

(مسألة 43): يستحبّ لها الأغسال المندوبة كغسل الجمعة و الاحرام و التوبة و نحوها، و أمّا الأغسال الواجبة فذكروا عدم صحّتها منها و عدم ارتفاع الحدث مع الحيض و كذا الوضوءات المندوبة، و بعضهم قال بصحّة غسل الجنابة دون غيرها و الأقوى صحّة الجميع و ارتفاع حدثها و ان كان حدث الحيض باقيا بل صحّة الوضوءات المندوبة لا لرفع الحدث.

الشرح:

يدلّ على استحباب الأغسال المندوبة للحائض الروايات الواردة في استحباب غسل الاحرام لها بناءً على عدم الخصوصيّة له كصحيحة العيص بن القاسم قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام أتحرم المرأة و هي طامث؟ قال: نعم، تغتسل و تلبّي».(3)

و صحيحة معاوية بن عمّار قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الحائض تحرم و هي حائض؟ قال: نعم،


1) - وسائل الشيعة 2: 353 / الباب 42 من أبواب الحيض / الحديث 3.

2) - وسائل الشيعة 2: 354 / الباب 42 من أبواب الحيض / الحديث 5.

3) - وسائل الشيعة 12: 401 / الباب 48 من أبواب الاحرام / الحديث 5.

تغتسل و تحتشي و تصنع كما تصنع المحرمة و لاتصلّي».(1)

و موثّقة يونس بن يعقوب قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الحائض تريد الاحرام؟ قال: تغتسل و تستثفر و تحتشي بالكرسف، و تلبس ثوبا دون ثياب احرامها، و تستقبل القبلة، و لاتدخل المسجد و تهلّ بالحجّ بغير الصلاة».(2)

و صحيحة منصور بن حازم قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : المرأة الحائض تحرم و هي لاتصلّي؟ قال: نعم، اذا بلغت الوقت فلتحرم».(3)

قال في المستمسك: «كما عن جماعة التصريح به، و في المعتبر: «يجوز لها أن تتوضّأ لتذكر اللّه سبحانه و تعالى، و أن تغتسل لا لرفع الحدث كغسل الاحرام و دخول مكّة»، و في المنتهى: «يستحبّ لها الغسل للاحرام و الجمعة و دخول الحرم و غيرها من الأغسال المستحبّة» و في الجواهر: «لاينبغي الاشكال فيه؛ لاطلاق أدلّة مشروعيّتها»، و في طهارة شيخنا الأعظم: «و هو حسن؛ لعموم الأدلّة». و عن الخلاف و المبسوط العدم. و كأنّه لدعوى عدم ترتّب الأثر عليها. لكنّها خلاف الاطلاق المتقدّم، و لا سيّما بملاحظة ما ورد من النصّ على استحباب غسل الاحرام لها».(4)

و لاتعارضها صحيحة محمّد بن مسلم قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الحائض تطهر يوم الجمعة و تذكر اللّه؟


1) - وسائل الشيعة 12: 400 / الباب 48 من أبواب الاحرام / الحديث 4.

2) - وسائل الشيعة 12: 399 / الباب 48 من أبواب الاحرام / الحديث 2.

3) - وسائل الشيعة 12: 399 / الباب 48 من أبواب الاحرام / الحديث 1.

4) - مستمسك العروة 3: 373.

قال: أمّا الطهر فلا، ولكنّها توضّأ في وقت الصلاة ثمّ تستقبل القبلة و تذكر اللّه».(1)

لأنّها تحمل على أنّ الوضوء و الغسل لايوجبان الطهارة، و هذا لاينافي استحباب ذلك العمل.

و أمّا الأغسال الواجبة فلا بأس بفعلها للحائض كما في موثّقة عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته عن المرأة يواقعها زوجها ثمّ تحيض قبل أن تغتسل؟ قال: ان شاءت أن تغتسل فعلت، و ان لم تفعل فليس عليها شيء، فاذا طهرت اغتسلت غسلاً واحدا للحيض و الجنابة».(2)

و لاتعارضها حسنة عبداللّه بن يحيى الكاهلي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته عن المرأة يجامعها زوجها فتحيض و هي في المغتسل، تغتسل أو لاتغتسل؟ قال: قد جاءها ما يفسد الصلاة فلاتغتسل».(3)

لأنّها تحمل على عدم جواز الصلاة بهذا الغسل، اللّهمّ الاّ أن يقال: انّ الظاهر من الموثّقة و الحسنة عدم تأثير هذا الغسل في رفع الحدث أصلاً؛ لأنّه قال عليه السلام في الموثّقة: «فاذا طهرت اغتسلت غسلاً واحدا للحيض و الجنابة». فالمستفاد من الموثّقة جواز ذلك.

قال في التنقيح: «يجوز للحائض أن تأتي بالأغسال المستحبّة أو الواجبة غير غسل الحيض و الوضوءات المستحبّة؛ لاطلاق ما دلّ على استحباب الأغسال و الوضوءات المستحبّة و ما دلّ على وجوب الأغسال الواجبة، فانّ مقتضاها الجواز و الصحّة حتّى من الحائض».(4)


1) - وسائل الشيعة 2: 314 / الباب 22 من أبواب الحيض / الحديث 3.

2) - وسائل الشيعة 2: 315 / الباب 22 من أبواب الحيض / الحديث 4.

3) - وسائل الشيعة 2: 314 / الباب 22 من أبواب الحيض / الحديث 1.

4) - التنقيح في شرح العروة 476.

الفصل الرابع : في الاستحاضة

في أنّ دم الاستحاضة من الأحداث الموجبة للوضوء و الغسل
اشارة

دم الاستحاضة من الأحداث الموجبة للوضوء و الغسل اذا خرج الى خارج الفرج و لو بمقدار رأس ابرة، و يستمرّ حدثها مادام في الباطن باقيا، بل الأحوط اجراء أحكامها ان خرج من العرق المسمّى بالعاذل الى فضاء الفرج و ان لم يخرج الى خارجه، و هو في الأغلب أصفر بارد رقيق يخرج بغير قوّة و لذع و حرقة بعكس الحيض، و قد يكون بصفة الحيض، و ليس لقليله و لا لكثيره حدّ، و كلّ دم ليس من القرح أو الجرح و لم يحكم بحيضيّته فهو محكوم بالاستحاضة، بل لو شكّ فيه و لم يعلم بالأمارات كونه من غيرها يحكم عليه بها على الأحوط.

الشرح:

قال في المدارك: «الاستحاضة في الأصل استفعال من الحيض، يقال: أستحيضت على وزن أستقيمت بالبناء للمجهول، فهي تستحاض لا تستحيض. اذا استمرّ بها الدم بعد أيّامها فهي مستحاضة. كذا ذكره الجوهري، و مقتضاه عدم سماع المادّة مبنيّة لغير المجهول، ثمّ استعمل لفظ الاستحاضة في دم فاسد يخرج من عرق في أدنى الرحم يسمّى العاذل.

و ما ذكره المصنّف من أنّه «في الأغلب أصفر بارد رقيق يخرج بفتور» مستفاد من الأخبار. أمّا الصفرة و البرودة فمن حسنة حفص بن البختري عن الصادق عليه السلام قال: «و دم الاستحاضة أصفر بارد». و أمّا الرقّة فمن قوله عليه السلام في خبر علي بن يقطين: «تدع الصلاة مادامت ترى الدم العبيط، فاذا رقّ و كانت صفرة اغتسلت».

و أمّا الخروج بفتور أي ضعف و تثاقل فلم أقف له على مستند.

قال المصنّف في المعتبر: «و انّما قيّدنا بالأغلب؛ لأنّه قد يتّفق الأصفر حيضا، كما اذا رأته في العادة». و هو غير جيّد، فانّ القيد انّما تعلّق بدم الاستحاضة، لا بالدم الأصفر. و الأولى أن يقال: انّ فائدته التنبيه على أنّ دم الاستحاضة قد يكون أسود أو أحمر كالموجود بعد أكثر الحيض و النفاس، فانّه يحكم بكونه استحاضة و ان كان بصفة الحيض.

و ينبغي أن يعلم أنّه لمّا ثبت أنّ دم الاستحاضة هو ما كان جامعا للأوصاف المذكورة وجب الاقتصار في الحاق ما عداه به على مورد النصّ خاصّة، و كلام الأصحاب في هذه المسألة غير منقّح».(1)

و لنذكر الروايات الواردة في الاستحاضة و صفاتها:

منها صحيحة معاوية بن عمّار قال:

«قال أبو عبداللّه عليه السلام : انّ دم الاستحاضة و الحيض ليس يخرجان من مكان واحد، انّ دم الاستحاضة بارد، و انّ دم الحيض حارّ».(2)

و منها صحيحة حفص بن البختري قال:

«دخلت على أبي عبداللّه عليه السلام امرأة فسألته عن المرأة يستمرّ بها الدم، فلاتدري حيض هو أو غيره؟ قال: فقال لها: انّ دم الحيض حارّ عبيط


1) - مدارك الأحكام 2: 7 و 8.

2) - وسائل الشيعة 2: 275 / الباب 3 من أبواب الحيض / الحديث 1.

أسود له دفع و حرارة، و دم الاستحاضة أصفر بارد، فاذا كان للدم حرارة و دفع و سواد فلتدع الصلاة، قال: فخرجت و هي تقول: و اللّه أن لو كان امرأة ما زاد على هذا».(1)

و منها موثّقة اسحاق بن جرير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

« ... دم الحيض ليس به خفاء و هو دم حارّ تجد له حرقة، و دم الاستحاضة دم فاسد بارد، الحديث».(2)

و منها صحيحة علي بن يقطين قال:

«سألت أبا الحسن الماضي عليه السلام عن النفساء و كم يجب عليها ترك الصلاة؟ قال: تدع الصلاة مادامت ترى الدم العبيط الى ثلاثين يوما، فاذا رقّ و كانت صفرة اغتسلت و صلّت ان شاء اللّه».(3)

فيستفاد من مجموع هذه الروايات أنّ دم الاستحاضة بارد في الأغلب رقيق أصفر، بخلاف دم الحيض. و قد يكون بصفة الحيض و هو اذا تجاوز من أيّام العادة، أو يكون أقلّ من ثلاثة أيّام، فكلّ ما لم يمكن أن يكون حيضا و لم يكن من القرح و الجرح فهو استحاضة و ان كان بصفة الحيض، كما أنّه كلّ ما كان في أيّام العادة فهو حيض و ان كان بصفة الاستحاضة. و ليس لقليله و لا لكثيره حدّ، بلا خلاف؛ لاطلاق الأدلّة بل ظهور بعضها. و يستمرّ حدثها مادام باقيا في الباطن. و الأحوط استحبابا اجراء أحكامها ان خرج من العرق المسمّى بالعاذل الى فضاء الفرج و ان لم يخرج الى خارج.


1) - وسائل الشيعة 2: 275 / الباب 3 من أبواب الحيض / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 2: 276 / الباب 3 من أبواب الحيض / الحديث 3.

3) - وسائل الشيعة 2: 387 / الباب 3 من أبواب النفاس / الحديث 16.

فرع : فيما اذا شكّ في أنّ الدم استحاضة أو لا

فهنا صور:

الصورة الأولى: فيما اذا شكّ في أنّه دم حيض أو استحاضة، و قد فصّلنا الكلام في ذلك في بحث الحيض، و قلنا بأنّه اذا كان في أيّام العادة و لم يكن أقلّ من ثلاثة أيّام و لم يتجاوز عن عشرة أيّام فهو حيض، و لو لم يكن في أيّام العادة و يمكن أن يكون حيضا بمعنى أنّه كان أيّام طهرها عشرة أيّام أو أكثر و كان الدم بصفة الحيض فهو حيض، و ان لم يكن كذلك فهو استحاضة. و قلنا أيضا: انّ الأصل عدم سقوط التكليف بالصلاة و الصوم عن المرأة الاّ اذا علمت أنّها حائضة فلو شكّت فعليها الصلاة و الصوم الاّ أنّها يجب عليها الغسل، و لو لم تغتسل يعلم بطلان صلاتها؛ لأنّها امّا حائض أو مستحاضة.

الصورة الثانية: فيما اذا تعلم بوجود القرحة أو الجرح في باطنها الاّ أنّها احتملت أن يكون الدم دم القرحة أو الجرح أو دم الاستحاضة، و الأكثر حكموا بأنّه دم الاستحاضة؛ و ذلك لأنّ الأصل هو السلام ة، فاذا ثبت بالأصل سلام تها من القرحة و الجرح فلا محالة يتعيّن كون الدم دم استحاضة.

الصورة الثالثة: فيما اذا علمت بوجود السبب لدم القرح و أنّ في رحمها قرحة الاّ أنّها لم تعلم أنّ هذا الدم منها أو دم استحاضة، فالأصل الحاكم عدم كون دمها استحاضة؛ لأنّها ان كانت متطهّرة و جرى الدم تشكّ في كونها محدثة فالأصل عدمه و بقاء الطهارة، و ان كانت محدثة فشكّت في وجود سبب آخر لطهارتها فالأصل عدمه.

في أقسام الاستحاضة
اشارة

(مسألة 1): الاستحاضة ثلاثة أقسام: قليلة و متوسّطة و كثيرة: فالأولى أن تتلوّث القطنة بالدم من غير غمس فيها، و حكمها وجوب الوضوء لكلّ صلاة - فريضة كانت أو نافلة - و تبديل القطنة أو تطهيرها.

و الثانية: أن يغمس الدم في القطنة و لايسيل الى خارجها من الخرقة و يكفي الغمس في بعض أطرافها، و حكمها مضافا الى ما ذكر غسل قبل صلاة الغداة.

و الثالثة: أن يسيل الدم من القطنة الى الخرقة، و يجب فيها مضافا الى ما ذكر و الى تبديل الخرقة أو تطهيرها غسل آخر للظهرين تجمع بينهما و غسل للعشاءين تجمع بينهما، و الأولى كونه في آخر وقت فضيلة الأولى حتّى يكون كلّ من الصلاتين في وقت الفضيلة، و يجوز تفريق الصلوات و الاتيان بخمسة أغسال، و لايجوز الجمع بين أزيد من صلاتين بغسل واحد. نعم، يكفي للنوافل أغسال الفرائض لكن يجب لكلّ ركعتين منها وضوء.

الشرح:

قال في الشرائع: «دم الاستحاضة امّا أن لايثقب الكرسف، أو يثقبه و لم يسل، أو يسيل. و في الأوّل يلزمها تغيير القطنة و تجديد الوضوء عند كلّ صلاة و لاتجمع بين الصلاتين بوضوء واحد.

و في الثاني يلزمها مع ذلك تغيير الخرقة و الغسل لصلاة الغداة.

و في الثالث يلزمها مع ذلك غسلان غسل للظهر و العصر تجمع بينهما و غسل للمغرب و العشاء تجمع بينهما».(1)

و في المدارك: «المشهور بين الأصحاب أنّ لدم الاستحاضة ثلاث مراتب: القلّة و التوسّط و الكثرة، فيجب على المستحاضة أن تعتبر نفسها، فان لطّخ الدم


1) - شرائع الاسلام 1: 34.

باطن القطنة و لم يثقبها الى ظاهرها فالاستحاضة قليلة، و ان غمسها ظاهرا و باطنا و لم يسل منها الى غيرها فمتوسّطة، و الاّ فكثيرة».(1)

و في المستمسك: «يجب تبديل القطنة كما هو المشهور، بل عن ظاهر الناصريّات و الغنية و التذكرة و جامع المقاصد أنّه اجماع، و في المنتهى: «لا خلاف عندنا في وجوب الابدال»، و ليس عليه دليل ظاهر كما اعترف به غير واحد، قال في كشف اللثام: «لم يذكره الصدوقان و القاضي و لاظفرت بخبر يدلّ عليه»، فالعمدة الاجماع لو تمّ. انتهى ملخّصا».(2)

الأوّل: الاستحاضة القليلة و حكمها:

يدلّ على معنى الاستحاضة القليلة و حكمها موثّقة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«سألته عن الطامث تقعد بعدد أيّامها، كيف تصنع؟ قال: تستظهر بيوم أو يومين، ثمّ هي مستحاضة، فلتغتسل و تستوثق من نفسها، و تصلّي كلّ صلاة بوضوء ما لم ينفذ الدم، فاذا نفذ اغتسلت و صلّت».(3)

و قوله عليه السلام في صحيحة معاوية بن عمّار:

« ... و ان كان الدم لايثقب الكرسف توضّأت و دخلت المسجد و صلّت كلّ صلاة بوضوء، و هذه يأتيها بعلها الاّ في أيّام حيضها».(4)

و قوله عليه السلام في صحيحة الحسين بن نعيم الصحّاف:

« ... فان كان الدم فيما بينها و بين المغرب لايسيل من خلف


1) - مدارك الأحكام 2: 29.

2) - مستمسك العروة 2: 388.

3) - وسائل الشيعة 2: 375 / الباب 1 من أبواب الاستحاضة / الحديث 9.

4) - وسائل الشيعة 2: 371 / الباب 1 من أبواب الاستحاضة / الحديث 1.

الكرسف فلتتوضّأ و لتصلّ عند وقت كلّ صلاة ما لم تطرح الكرسف، فان طرحت الكرسف عنها فسال الدم وجب عليها الغسل، و ان طرحت الكرسف عنها و لم يسل الدم فلتتوضّأ و لتصلّ و لا غسل عليها، الحديث».(1)

و تؤيّدها صحيحة محمّد بن مسلم قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن المرأة ترى الصفرة في أيّامها؟ فقال: لاتصلّي حتّى تنقضي أيّامها، و ان رأت الصفرة في غير أيّامها توضّأت و صلّت».(2)

و رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال:

«سألته عن المرأة ترى الصفرة أيّام طمثها، كيف تصنع؟ قال: تترك لذلك الصلاة بعدد أيّامها التي كانت تقعد في طمثها، ثمّ تغتسل و تصلّي، فان رأت صفرة بعد غسلها فلا غسل عليها، يجزيها الوضوء عند كلّ صلاة تصلّي».(3)

و رواية أخرى له عن أخيه قال:

«سألته عن المرأة ترى الدم في غير أيّام طمثها، فتراها اليوم و اليومين و الساعة (و الساعتين)(4)، و يذهب مثل ذلك، كيف تصنع؟ قال: تترك الصلاة اذا كانت تلك حالها (مادام الدم و تغتسل)(5)كلّما انقطع عنها، قلت: كيف تصنع؟ قال: مادامت ترى الصفرة فلتتوضّأ


1) - وسائل الشيعة 2: 374 / الباب 1 من أبواب الاستحاضة / الحديث 7.

2) - وسائل الشيعة 2: 278 / الباب 4 من أبواب الحيض / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 2: 280 / الباب 4 من أبواب الحيض / الحديث 7.

4) - ليس في المصدر. هامش الوسائل

5) - في المصدر: فاذا دام الدم فتغتسل. هامش الوسائل

من الصفرة و تصلّي، و لا غسل عليها (من صفرة تراها الاّ)(1)في أيّام طمثها، فان رأت صفرة في أيّام طمثها تركت الصلاة كتركها للدم».(2)

فرع : في وجوب الوضوء على المستحاضة القليلة لكلّ صلاة مطلقا

قال في الجواهر: «و أمّا تجديد الوضوء لكلّ صلاة أو فريضة فهو المشهور بين الأصحاب نقلاً و تحصيلاً بل في الناصريّات و الخلاف و الغنية الاجماع عليه، و في المعتبر نسبته الى الخمسة و أتباعهم، و في جامع المقاصد: «انّ الاجماع بعد ابني أبي عقيل و الجنيد على خلافهما»، و في التذكرة نسبته الى علمائنا. قلت: و لعلّه كذلك؛ اذ لم أجد فيه خلافا سوى ما ينقل عن العمّاني من عدم ايجابه وضوءا و لا غسلاً، مع أنّ المنقول من عبارته محتمل لارادة عدم الايجاب عند عدم رؤية شيء، و ما عن ابن الجنيد من ايجابه الغسل في كلّ يوم بليلته. و أمّا ما نقله في المسالك عن المفيد من الاجتزاء بالوضوء الواحد للفرضين فالظاهر أنّه اشتباه كما لايخفى على من لاحظ المقنعة، فانحصر الخلاف في القولين و هما نادران ضعيفان محجوجان بما تقدّم».(3)

أقول:

انّ الظاهر من الروايات المذكورة وجوب الوضوء في كلّ صلاة تريد أن تصلّيها من دون فرق بين الفريضة و النافلة. و قد عرفت ما في الجواهر بالنسبةالى الفريضة من ذهاب المشهور الى ذلك، بل عدم الخلاف في ذلك الاّ ما نقل عن


1) - في المصدر: الاّ من صفرة تراها. هامش الوسائل

2) - وسائل الشيعة 2: 280 / الباب 4 من أبواب الحيض / الحديث 8.

3) - جواهر الكلام 3: 315 و 316.

العمّاني من عدم ايجابه وضوءا و لا غسلاً، و ما عن ابن الجنيد من ايجابه الغسل في كلّ يوم بليلته. فانحصر الخلاف في القولين.

و أمّا بالنسبة الى النافلة فقال في الجواهر: «ثمّ انّ ظاهر المصنّف بل كاد يكون صريحه؛ لقوله «و لاتجمع بين صلاتين بوضوء واحد» مؤكّدا لما سبق من عبارته عدم الفرق في ذلك بين الفرض و النفل، فكما لايجوز جمع فرضين بوضوء كذلك الفريضة و النفل، بل هو ظاهر معقد الشهرات و الاجماعات المتقدّمة عدا الخلاف؛ لتقييده عدم جواز الجمع بالوضوء الواحد للفرضين بخلاف غيره فأوجب الوضوء لكلّ صلاة من غير تقييد، و به صرّح في المعتبر و المنتهى و جامع المقاصد و التذكرة، بل في الأخير: «لاتجمع المستحاضة بين صلاتين في وضوء واحد عند علمائنا، سواء كانا فرضين أو نفلين»، و يدلّ عليه - مضافا الى ذلك و الى أنّها مستمرّة الحدث، فيقتصر على مقدار الضرورة المتيقّن استباحتها له، و هو الفرض الواحد - الموثّق و الصحيح المتقدّمان (تصلّي كلّ صلاة بوضوء).

لكن قال في المبسوط: «انّه اذا توضّأت المستحاضة للفرض جاز أن تصلّي معه ما شاءت من النوافل و تبعه في المهذّب، و ربّما كان قضية من لم يوجب معاقبة الصلاة للوضوء كالعلاّمة في المختلف و تبعه العلاّمة الطباطبائي في مصابيحه، و هو - مع مخالفته لما سمعت - لا دليل عليه سوى بعض اطلاقات في الأمر بالوضوء لاتصلح لمعارضة ما تقدّم، مع أنّه لايقول بمقتضاها بالنسبة للفرضين، اللّهمّ الاّ أن يفرق فيدّعى دخول نوافل كلّ فرض في اسمه، فلاينافيه حينئذ قوله عليه السلام : «كلّ صلاة بوضوء» سيّما بعد احتمال ارادة وقت كلّ صلاة، بل قد يدّعى ظهوره، لكنّه ينبغي حينئذ اختصاص ارادته النوافل لكلّ فرض لا مطلق النوافل، و يؤيّده سهولة الملّة و سماحتها؛ اذ في التجديد لكلّ ركعتين كما يقتضيه التعميم المتقدّم من المشقّة ما لايخفى، و احتمال عدم مشروعيّة النوافل بالنسبة اليها باعتبار أنّ طهارتها اضطراريّة و لا ضرورة بالنسبة اليها ضعيف بل مقطوع

بعدمه، و قد يستأنس له مضافا الى ذلك ببعض ما دلّ في غير هذه الحالة على جواز صلاتها الفريضة و النافلة بغسل واحد، و بما ستسمعه من أنّ المستحاضة متى فعلت ما هو واجب عليها كانت بحكم الطاهر، فتأمّل».(1)

و قال الامام الخميني رحمه الله: «ثمّ انّ مقتضى عموم تلك الأدلّة و اطلاقها عدم الفرق بين الفريضة و النافلة، كانت النافلة من الرواتب أو لا، خصوصا مع تعارف الاتيان بالنوافل في الصدر الأوّل بل تعارف اتيان صلاة التحيّة و نحوها. فحينئذ لا وجه لدعوى انصراف الأدلّة الى الفرائض. و أمّا قضيّة حرجيّة ذلك و بناء الشريعة السهلة على التسامح و التساهل فهي غير جارية في النوافل التي لا الزام في اتيانها، فان أرادت الوصول الى الثواب الجزيل تأتي بها مع ما فيها من المشقّة فتنال فضيلة أحمز الأعمال».(2)

الثاني: الاستحاضة المتوسّطة و حكمها:

علامة الاستحاضة المتوسّطة هي أن يغمس الدم في القطنة و لايسيل الى خارجها من الخرقة، و حكمها مضافا الى ما ذكر من الوضوء لكلّ صلاة و تبديل القطنة غسل قبل صلاة الغداة.

قال في المدارك: «الثانية: أن يثقب الدم الكرسف و لايسيل. و ذكر المصنّف أنّه يجب عليها مع ذلك تغيير الخرقة و الغسل لصلاة الغداة. أمّا تغيير الخرقة فالكلام فيه كما سبق. و أمّا الغسل لصلاة الغداة و الوضوء للصلوات الأربع، فقال في المعتبر: «انّه مذهب شيخنا المفيد رحمه الله في المقنعة و الطوسي في النهاية و المبسوط و الخلاف و المرتضى و ابني بابويه. و نقل عن ابن الجنيد، و ابن أبي عقيل أنّهما سويّا بين هذا القسم و بين الثالث في وجوب ثلاثة أغسال. و به جزم المصنّف في


1) - جواهر الكلام 3: 317 و 318.

2) - كتاب الطهارة 1: 438 و 439.

المعتبر. و رجّحه العلاّمة في المنتهى أيضا. و اليه ذهب شيخنا المعاصر و هو المعتمد، لنا صحيحة معاوية بن عمّار و صحيحة عبداللّه بن سنان و صحيحة صفوان بن يحيى(1). انتهى ملخّصا».(2)

أقول:

يدلّ على وجوب تغيير الخرقة قوله عليه السلام في خبر عبدالرحمن بن أبي عبداللّه:

« ... فلتحتط بيوم أو يومين و لتغتسل و لتستدخل كرسفا، فان ظهر عن الكرسف فلتغتسل، ثمّ تضع كرسفا آخر ثمّ تصلّي، الحديث».(3)

و قوله عليه السلام في خبر الجعفي:

« ... فان هي رأت طهرا اغتسلت، و ان هي لم تر طهرا اغتسلت و احتشت، فلاتزال تصلّي بذلك الغسل حتّى يظهر الدم على الكرسف، فاذا ظهر أعادت الغسل و أعادت الكرسف».(4)

و ينجبر ضعف سندهما بفتوى المشهور، و في الجواهر: «بلا خلاف صريح أجده فيه. بل عن شرح الارشاد لفخر الاسلام اجماع المسلمين عليه. انتهى ملخّصا».(5)

و يدلّ على وجوب غسل واحد لصلاة الغداة مضمرة زرارة قال:

«قلت له: النفساء متى تصلّي؟ فقال: تقعد بقدر حيضها، و تستظهر بيومين، فان انقطع الدم و الاّ اغتسلت و احتشت و استثفرت و صلّت، فان جاز الدم الكرسف تعصّبت و اغتسلت، ثمّ صلّت الغداة


1) - وسائل الشيعة 2: 371 و 372 / الباب 1 من أبواب الاستحاضة / الأحاديث 1 و 4 و 3.

2) - مدارك الأحكام 2: 31 و 32.

3) - وسائل الشيعة 2: 375 / الباب 1 من أبواب الاستحاضة / الحديث 8.

4) - وسائل الشيعة 2: 376 / الباب 1 من أبواب الاستحاضة / الحديث 10.

5) - جواهر الكلام 3: 319.

بغسل و الظهر و العصر بغسل و المغرب و العشاء بغسل، و ان لم يجز الدم الكرسف صلّت بغسل واحد، الحديث».(1)

و رواية سماعة قال:

«قال:المستحاضة اذا ثقب الدم الكرسف اغتسلت لكلّ صلاتين و للفجر غسلاً، و ان لم يجز الدم الكرسف فعليها الغسل لكلّ يوم مرّة و الوضوء لكلّ صلاة، و ان أراد زوجها أن يأتيها فحين تغتسل، هذا ان كان دمها عبيطا، و ان كانت صفرة فعليها الوضوء».(2)

قال في الجواهر: «يجب عليها مع تغيير الخرقة الغسل لصلاة الغداة، كما في الفقيه و الهداية لكنّه مع ضمّ صلاة الليل معها فيهما و المقنعة و الناصريّات و الغنية و الخلاف و المبسوط و الوسيلة و السرائر و الجامع و النافع و القواعد و التحرير و المختلف و الارشاد و الدروس و البيان و الذكرى و اللمعة و الروضة و جامع المقاصد و غيرها، و ظاهر الجميع بل صريحهم عدم وجوب غيره من الأغسال فيكون حينئذ ما في الناصريّات و الخلاف و الغنية من الاجماع حجّة على ما ينقل عن ابني أبي عقيل و الجنيد من وجوب الأغسال الثلاثة، فأدخلوا هذا القسم في الثالث، و ان اختاره المصنّف في المعتبر و العلاّمة في المنتهى، و تبعهما بعض متأخّري المتأخّرين كصاحب المدارك ناقلاً له عن شيخه المعاصر أي الأردبيلي».(3)

ثمّ انّ صريح رواية سماعة وجوب الوضوء لكلّ صلاة. و كذا ظاهر مضمرة زرارة بتقريب أنّ البعيد أن تبقي المستحاضة على طهارتها من أوّل الصبح الى آخر وقت العشاء، هذا مضافا الى أنّ قوله عليه السلام : «صلّت بغسل واحد»، لا نظر له الى عدم وجوب الوضوء مع الغسل، بل هو قبال الأغسال المتعدّدة و أنّه لايجب عليها


1) - وسائل الشيعة 2: 373 / الباب 1 من أبواب الاستحاضة / الحديث 5.

2) - وسائل الشيعة 2: 374 / الباب 1 من أبواب الاستحاضة / الحديث 6.

3) - جواهر الكلام 3: 321 و 322.

تعدّدها. هذا مع ذهاب المشهور اليه.

قال في الجواهر: «يجب الوضوء لكلّ صلاة كما في المقنعة و السرائر، و الجامع و الوسيلة و القواعد و التحرير و الارشاد و اللمعة و الروضة و غيرها، و هو المشهور، بل لعلّه لا خلاف فيه بالنسبة الى غير الغداة، كما يرشد اليه دعوى الاجماع في الناصريّات و الخلاف و الغنية على ما يتناولها».(1)

الثالث: الاستحاضة الكثيرة و حكمها:

الاستحاضة الكثيرة هي أن يسيل الدم من القطنة الى الخرقة و يجب فيها تبديل الخرقة أو تطهيرها، و غسل للغداة، و غسل آخر للظهرين تجمع بينهما، و غسل للعشاءين تجمع بينهما؛ يدلّ على ذلك صحيحة محمّد الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته عن المرأة تستحاض، فقال: قال أبو جعفر عليه السلام : سئل رسول اللّه صلى الله عليه و آله عن المرأة تستحاض، فأمرها أن تمكث أيّام حيضها لاتصلّي فيها، ثمّ تغتسل و تستدخل قطنة و تستثفر بثوب، ثمّ تصلّي حتّى يخرج الدم من وراء الثوب، و قال: تغتسل المرأة الدميّة بين كلّ صلاتين».(2)

قال صاحب الوسائل: «و الاستذفار أن تتطيّب و تستجمر بالدخنة أو غير ذلك، و الاستثفار أن تجعل مثل ثفر الدابّة».

و مضمرة زرارة قال:

«قلت له: النفساء متى تصلّي؟ فقال: تقعد بقدر حيضها، و تستظهر بيومين، فان انقطع الدم و الاّ اغتسلت و احتشت و استثفرت و


1) - جواهر الكلام 3: 320.

2) - وسائل الشيعة 2: 372 / الباب 1 من أبواب الاستحاضة / الحديث 2.

صلّت، فان جاز الدم الكرسف تعصّبت و اغتسلت، ثمّ صلّت الغداة بغسل و الظهر و العصر بغسل و المغرب و العشاء بغسل، و ان لم يجز الدم الكرسف صلّت بغسل واحد، الحديث».(1)

و رواية سماعة قال:

«قال: المستحاضة اذا ثقب الدم الكرسف اغتسلت لكلّ صلاتين و للفجر غسلاً، الحديث».(2)

و قوله عليه السلام في صحيحة الحسين بن نعيم الصحّاف:

« ... و ان كان الدم اذا أمسكت الكرسف يسيل من خلف الكرسف صبيبا لايرقأ فانّ عليها أن تغتسل في كلّ يوم و ليلة ثلاث مرّات و تحتشي و تصلّي، و تغتسل للفجر، و تغتسل للظهر و العصر، و تغتسل للمغرب و العشاء (الآخرة)، قال: و كذلك تفعل المستحاضة، فانّها اذا فعلت ذلك أذهب اللّه بالدم عنها».(3)

و بهذه الأخبار يقيّد اطلاق مثل صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام - الشاملة باطلاقها لغير الكثيرة - قال:

«المستحاضة تغتسل عند صلاة الظهر و تصلّي الظهر و العصر، ثمّ تغتسل عند المغرب فتصلّي المغرب و العشاء، ثمّ تغتسل عند الصبح فتصلّي الفجر، الحديث».(4)

و يجب الجمع بين كلّ صلاتين كما هو ظاهر الروايات المذكورة و صريح صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:


1) - وسائل الشيعة 2: 373 / الباب 1 من أبواب الاستحاضة / الحديث 5.

2) - وسائل الشيعة 2: 374 / الباب 1 من أبواب الاستحاضة / الحديث 6.

3) - وسائل الشيعة 2: 374 / الباب 1 من أبواب الاستحاضة / الحديث 7.

4) - وسائل الشيعة 2: 372 / الباب 1 من أبواب الاستحاضة / الحديث 4.

«المستحاضة تنظر أيّامها فلاتصلّي فيها و لايقربها بعلها، فاذا جازت أيّامها و رأت الدم يثقب الكرسف اغتسلت للظهر و العصر، تؤخّر هذه و تعجّل هذه، و للمغرب و العشاء غسلاً تؤخّر هذه و تعجّل هذه، و تغتسل للصبح، الحديث».(1)

ثمّ انّ الظاهر من الروايات المذكورة كفاية الغسل للصلاة و عدم وجوب الوضوء؛ و ذلك أوّلاً: لكونها في مقام البيان و لم يذكر الوضوء مع الغسل. و ثانيا: التفصيل في بعضها بين الاستحاضة المتوسّطة أو القليلة في ذكر الوضوء، و بين الاستحاضة الكثيرة و لم يذكر فيها الوضوء، كصحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام - فانّه بعد ذكر الاستحاضة الكثيرة و أنّ لكلّ صلاتين غسلاً - قال:

«و ان كان الدم لايثقب الكرسف توضّأت و دخلت المسجد و صلّت كلّ صلاة بوضوء، الحديث».(2)

و في رواية سماعة قال:

«قال: المستحاضة اذا ثقب الدم الكرسف اغتسلت لكلّ صلاتين و للفجر غسلاً، و ان لم يجز الدم الكرسف فعليها الغسل لكلّ يوم مرّة و الوضوء لكلّ صلاة، و ان أراد زوجها أن يأتيها فحين تغتسل، هذا ان كان دمها عبيطا، و ان كانت صفرة فعليها الوضوء».(3)

و موثّقة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«سألته عن الطامث تقعد بعدد أيّامها، كيف تصنع؟ قال: تستظهر بيوم أو يومين ثمّ هي مستحاضة، فلتغتسل و تستوثق من نفسها، و تصلّي


1) - وسائل الشيعة 2: 371 / الباب 1 من أبواب الاستحاضة / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 2: 371 / الباب 1 من أبواب الاستحاضة / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 2: 374 / الباب 1 من أبواب الاستحاضة / الحديث 6.

كلّ صلاة بوضوء ما لم ينفذ الدم، فاذا نفذ اغتسلت و صلّت».(1)

و في الجواهر: «قد ذهب الى وجوب الوضوء في السرائر و الجامع و النافع و القواعد و الارشاد و الذكرى و الروضة و جامع المقاصد و غيرها بل في المدارك: «انّ عليه عامّة المتأخّرين»، و خالف فيه الصدوقان و الشيخ في بعض كتبه و السيّد في الناصريّة و الحلبي و بني حمزة و البرّاج و زهرة على ما نقل من بعضهم، بل لعلّه داخل تحت دعوى الاجماع من بعضها كالناصريّات و الخلاف و الغنية، و مال اليه بعض متأخّري المتأخّرين. انتهى ملخّصا».(2)

ثمّ انّ الظاهر كفاية الغسل للفرضين عن الوضوء للنوافل أيضا اذا صلّتها بلا فصل؛ و ذلك لعدم ذكر الوضوء فيها مع كونها في مقام البيان، و كثرة الابتلاء بها. و أمّا لو انفصلت النوافل عن الفرض يحتاج الى غسل على حدة كما يكون ذلك لو أرادت صلاة غير اليوميّة أو طوافا للحجّ، أو العمرة، بل لكلّ عمل يشترط فيه الطهارة الاّ اذا علمت بانقطاع الدم بعد الغسل الى زمان فعل ما يشترط فيه الطهارة.

فيما اذا حدثت المتوسّطة بعد صلاة الفجر

(مسألة 2): اذا حدثت المتوسّطة بعد صلاة الفجر لايجب الغسل لها، و هل يجب الغسل للظهرين أم لا؟ الأقوى وجوبه، و اذا حدثت بعدهما فللعشاءين، فالمتوسّطة توجب غسلاً واحدا، فان كانت قبل صلاة الفجر وجب لها و ان حدثت بعدها فللظهرين و ان حدثت بعدهما فللعشاءين، كما أنّه لو حدثت قبل صلاة الفجر و لم تغتسل لها عصيانا أو نسيانا وجب للظهرين، و ان انقطعت قبل وقتهما بل قبل الفجر أيضا، و اذا حدثت الكثيرةبعد صلاة الفجر يجب في ذلك اليوم غسلان، و ان حدثت بعد الظهرين


1) - وسائل الشيعة 2: 375 / الباب 1 من أبواب الاستحاضة / الحديث 9.

2) - جواهر الكلام 3: 326 و 327.

يجب غسل واحد للعشاءين.

الشرح:

الظاهر من مضمرة زرارة و رواية سماعة المتقدّمتين في المسألة الأولى كفاية غسل واحد للصلوات الخمس اليوميّة ان حدثت الاستحاضة المتوسّطة قبل صلاة الغداة، و لو حدثت بعد صلاة الفجر لايجب الغسل لها؛ لعدم الموضوع، و يجب الغسل الواحد للظهرين سواء دامت استحاضتها أو انقطعت، كما أنّه يكفي ذلك الغسل للعشاءين أيضا ان دامت الى العشاءين. و اذا حدثت بعد أن صلّت الظهرين فيجب الغسل للعشاءين كما مرّ آنفا للظهرين. و لو حدثت قبل صلاة الفجر و لم تغتسل لها عصيانا أو نسيانا وجب للظهرين؛ لأنّها محدثة سواء دامت استحاضتها أو انقطعت قبل وقت الظهرين بل قبل الفجر أيضا؛ لأنّها محدثة بحدث الاستحاضة المتوسّطة. و اذا حدثت الكثيرة بعد صلاة الفجر يجب في ذلك اليوم غسلان، غسل للظهرين و غسل للعشاءين. و ان حدثت بعد الظهرين يجب غسل واحد للعشاءين، كما تقدّم تفصيله في المسألة الأولى.

قال في المستمسك: «انّ الأدلّة ظاهرة في كون الغسل الواحد شرطا لجميع الصلوات، و أنّ وجوبه لصلاة الغداة ليس لخصوصيّة فيها. و ما ذهب اليه صاحب الجواهر تبعا لما في جامع المقاصد، و الشهيد في الروضة من عدم وجوب الغسل ليس كما ينبغي.

و كذا الحال لو حدثت بعد الظهرين. كما أنّه لو انقطعت قبل وقت الظهرين بل قبل الفجر يجب الغسل الواحد؛ و ذلك لظاهر النصوص من أنّ وجود الدم وقتا ما حدث موجب للوظيفة المقرّرة له في وقت الصلاة، و لايعتبر وجوده في الوقت، و ان حكي عن جماعة منهم الشهيد في الدروس و الذكرى أنّ العبرة بالكثرة و القلّة أوقات الصلاة، لكنّه خلاف ظاهر النصوص. و ما استشهد به من صحيحة الحسين بن نعيم الصحّاف، لايظهر منه بل هو ظاهر في خلاف ذلك، و لذا كان المشهور

• المنسوب الى العلاّمة و الشهيدين في البيان و الروضة و المحقّق الثاني و جماعة من متأخّري المتأخّرين - ما ذكرنا، بل عن شرح الروضة نسبته الى ظاهر النصوص و الفتاوى. انتهى ملخّصا».(1)
فيما اذا حدثت الكثيرة أو المتوسّطة قبل الفجر

(مسألة 3): اذا حدثت الكثيرة أو المتوسّطة قبل الفجر يجب أن يكون غسلهما لصلاة الفجر بعده، فلايجوز قبله الاّ اذا أرادت صلاة الليل فيجوز لها أن تغتسل قبلها.

الشرح:

اذا حدثت الكثيرة أو المتوسّطة قبل الفجر يجب أن يكون غسلهما لصلاة الفجر بعده؛ و ذلك لأنّ الظاهر من الروايات عدم جواز الفصل بين الغسل و الصلاة في الكثيرة، و كذلك الحال في المتوسّطة.

نعم، اذا أرادت صلاة الليل فيجوز لها أن تغتسل قبل الفجر، و يكفي ذلك الغسل في المتوسّطة لصلاة الفجر و بقيّة الصلوات من الفرائض اليوميّة و نوافلها و الاحتياط حسن. و أمّا كفايته في الكثيرة فمنوطة بعدم الفصل بين النوافل و فريضة الصبح كما تقدّم في المسألة الأولى، و ان كان الاحتياط باعادة الغسلين في الفرضين حسنا.


1) - مستمسك العروة 3: 396 و 397.

في أنّه يجب على المستحاضة اختبار حالها و أنّها من أيّ قسم

(مسألة 4): يجب على المستحاضة اختبار حالها و أنّها من أيّ قسم من الأقسام الثلاثة بادخال قطنة و الصبر قليلاً ثمّ اخراجها و ملاحظتها لتعمل بمقتضى وظيفتها، و اذا صلّت من غير اختبار بطلت الاّ مع مطابقة الواقع و حصول قصد القربة كما في حال الغفلة، و اذا لم تتمكّن من الاختبار يجب عليها الأخذ بالقدر المتيقّن الاّ أن يكون لها حالة سابقة من القلّة أو التوسّط فتأخذ بها، و لايكفي الاختبار قبل الوقت الاّ اذا علمت بعدم تغيّر حالها الى ما بعد الوقت.

الشرح:

اذا كان للمستحاضة أقسام ثلاثة و لكلّ قسم منها أحكام على حدة، فاذا علمت المرأة المستحاضة أنّ استحاضتها من أيّ قسم فتعمل بما هو وظيفتها، و أمّا اذا لم تعلم فيجب عليها الاختبار بأن تدخل القطنة و تصبر قليلاً ثمّ تخرجها و تلاحظها حتّى تتيقّن أنّها من أيّ قسم من الأقسام الثلاثة فتعمل بمقتضى وظيفتها. و لو صلّت مع الوضوء لكلّ صلاة بدون الاختبار بطلت صلاتها؛ لأنّها لم تعلم الاتيان بما هو وظيفتها و لم تبرأ ذمّتها؛ لأنّ الاشتغال اليقيني يقتضي البراءة اليقينيّة. نعم، لو أتت بها بقصد القربة و طابقت الواقع تجزيها. و اذا لم تتمكّن من الاختبار فان كانت لها حالة سابقة من القلّة أو غيرها فتأخذ بها الاّ اذا علمت تغيّرها الى حالة أخرى. و لو لم تكن لها حالة سابقة يجب عليها الأخذ بالقدر المتيقّن.

ثمّ انّه لايكفي الاختبار قبل الوقت؛ لعدم التكليف آنذاك و أنّ الحكم للأقسام يكون للوقت الذي تريد أن تصلّي. نعم، اذا علمت بعدم تغيّر حالها الى ما بعد الوقت يجوز الاختبار قبله، الاّ أنّ العمل بالوظيفة يكون حين ارادتها الصلاة كما مرّ في المسألة السابقة.

قال في المستمسك: «يجب على المستحاضة اختبار حالها، كما في المنتهى و الذكرى و عن جامع المقاصد؛ للزوم المخالفة القطعيّة الكثيرة لولاه و للاشارة اليه

في بعض النصوص، ففي صحيح ابن مسلم المروي في المعتبر عن مشيخه ابن محبوب عن أبي جعفر عليه السلام : «في الحائض اذا رأت دما بعد أيّامها التي كانت ترى الدم فيها، فلتقعد عن الصلاة يوما أو يومين، ثمّ تمسك قطنة، فان صبغ القطنة دم لاينقطع فلتجمع ... »، و في رواية عبد الرحمن عن أبي عبداللّه عليه السلام في المستحاضة: «و لتستدخل كرسفا، فان ظهر عن الكرسف فلتغتسل ثمّ تضع كرسفا آخر ثمّ تصلّي، فاذا كان دما ... » و نحوهما غيرهما.

و المحتمل بدوا في النصوص المذكورة امّا الوجوب النفسي فلو تركته أثمت لا غير أو الوجوب الغيري بمعنى كونه شرطا في صحّة العبادة فلو تركته بطلت، أو الارشادي الى طريق معرفة حال الدم بلا زيادة على ذلك، أو بزيادة المنع من الرجوع الى أصل البراءة، و نحوه من الأصول المفرّغة بناءً على أنّ المرجع عند الشكّ في المقام أصل البراءة من الغسل المحتمل، أو بزيادة المنع من الرجوع الى استصحاب الحكم أو الموضوع، أو ذلك مع المنع من العمل بالاحتياط.

و ظاهر الجواهر: الميل الى الرابع قال رحمه الله: «لكن ينبغي القطع بعدم ارادتهم أنّها ان لم تعتبر حالها بطلت صلاتها، و لو كان ما فعلته موافقا للواقع مشتملاً على نيّة التقرّب؛ لعدم وضوح دليل عليه. كما أنّه تشكل دعوى وجوب التعرّف عليها حتّى لو أرادت العمل بأسوأ الاحتمالات. و يشكل أيضا دعوى الوجوب عليها لو كان معها استصحاب يشخّص حالها».».(1)

أقول:

قد تقدّم أنّ الظاهر من الاختبار هو العلم بالموضوع للعمل بوظيفتها، و ما ذهب اليه صاحب الجواهر هو الصحيح.


1) - مستمسك العروة 3: 399 و 400.

في وجوب تجديد الوضوء على المستحاضة لكلّ صلاة و لو نافلة

(مسألة 5): يجب على المستحاضة تجديد الوضوء لكلّ صلاة و لو نافلة، و كذا تبديل القطنة أو تطهيرها، و كذا الخرقة اذا تلوّثت، و غسل ظاهر الفرج اذا أصابه الدم، لكن لايجب تجديد هذه الأعمال للأجزاء المنسيّة و لا لسجود السهو اذا أتى به متّصلاً بالصلاة، بل و لا لركعات الاحتياط للشكوك، بل يكفيها أعمالها لأصل الصلاة. نعم، لو أرادت اعادتها احتياطا أو جماعة وجب تجديدها.

الشرح:

يجب على المستحاضة القليلة الوضوء لكلّ صلاة فريضة أو نافلة كما تقدّم في المسألة الأولى، و تبديل الخرقة ان تلوّثت، و أمّا تبديل القطنة فلايجب؛ لأنّ الفرض أنّ الدم لم يدخل فيها. و في الاستحاضة المتوسّطة يجب مع الغسل الواحد الوضوء لكلّ صلاة و تغيير القطنة و الخرقة ان تلوّثت و كذا غسل ظاهر الفرج اذا أصابه الدم. و في الاستحاضة الكثيرة يجب الغسل لكلّ صلاتين يجمع بينهما و تبديل القطنة و الخرقة و غسل ما أصابه الدم من بدنه، و لايجب الوضوء كما تقدّم في المسألة الأولى و لايجب تجديد هذه الأعمال للأجزاء المنسيّة و لا لسجدة السهو اذا أتى بها متّصلة بالصلاة، بل و لا لركعات الاحتياط للشكوك بل تكفيها الأعمال الواجبة عليها لأصل الصلاة؛ لأنّها من أجزاء الصلاة. نعم، لو أرادت اعادتها احتياطا أو جماعة وجب تجديدها؛ لأنّ الروايات شاملة لها.

في وجوب تجديد الوضوء و الأعمال المذكورة اذا استمرّ الدم

(مسألة 6): انّما يجب تجديد الوضوء و الأعمال المذكورة اذا استمرّ الدم، فلو فرض انقطاع الدم قبل صلاة الظهر يجب الأعمال المذكورة لها فقط و لاتجب للعصر و لا للمغرب و العشاء، و ان انقطع بعد الظهر وجبت للعصر فقط و هكذا، بل اذا بقي وضوؤها للظهر الى المغرب لايجب تجديده أيضا مع فرض انقطاع الدم قبل الوضوء للظهر.

الشرح:

انّ الأعمال المذكورة في المسألة الأولى للاستحاضة القليلة و المتوسّطة و الكثيرة من الوضوء لكلّ صلاة في الأولى و الغسل لكلّ يوم مع الوضوء لكلّ صلاة و تغيير الخرقة للمتوسّطة، و غسل لصلاة الصبح و غسل للظهرين يجمع بينهما و غسل للعشاءين يجمع بينهما مع تطهير الأعضاء و تغيير القطنة و الخرقة للكثيرة، تكون مادام الدم مستمرّا، فاذا انقطع فبعد الانقطاع تعمل ما كانت وظيفتها قبله لأوّل صلاة تصلّي فقط؛ و ذلك لوجود الحدث.

(مسألة 7): في كلّ مورد يجب عليها الغسل و الوضوء يجوز لها تقديم كلّ منهما لكنّ الأولى تقديم الوضوء.

الشرح:

قد تقدّم في المسألة الأولى أنّ المستحاضة المتوسّطة يجب عليها الغسل مرّة واحدة في اليوم و الليلة و الوضوء لكلّ صلاة، فاذا كانت استحاضتها متوسّطة قبل صلاة الصبح فتغتسل للصلاة، و يجوز لها تقديم كلّ من وضوء أو الغسل؛ و ذلك لاطلاق رواية سماعة قال:

«قال: المستحاضة اذا ثقب الدم الكرسف اغتسلت لكلّ صلاتين و للفجر غسلاً، و ان لم يجز الدم الكرسف فعليها الغسل لكلّ يوم مرّة، و الوضوء لكلّ صلاة، الحديث».(1)


1) - وسائل الشيعة 2: 374 / الباب 1 من أبواب الاستحاضة / الحديث 6.

(مسألة 8): قد عرفت أنّه يجب بعد الوضوء و الغسل المبادرة الى الصلاة، لكن لاينافي ذلك اتيان الأذان و الاقامة و الأدعية المأثورة، و كذا يجوز لها اتيان المستحبّات في الصلاة، و لايجب الاقتصار على الواجبات، فاذا توضّأت و اغتسلت أوّل الوقت و أخّرت الصلاة لاتصحّ صلاتها الاّ اذا علمت بعدم خروج الدم و عدم كونه في فضاء الفرج أيضا من حين الوضوء الى ذلك الوقت بمعنى انقطاعه و لو كان انقطاع فترة.

الشرح:

الدليل على صدر المسألة من أنّه لايجب الاقتصار على الواجبات بل يجوز لها الاتيان بالأذان و الاقامة و الأدعية المأثورة و الاتيان بالمستحبّات الواردة في الصلاة، هو اطلاق الأخبار من أنّه يجب عليها الغسل و الصلاة بعده و لم يستثن هذه المذكورات. نعم، اذا اغتسلت و توضّأت أوّل الوقت لايجوز لها تأخير الصلاة بعدهما، و لو أخّرت لاتصحّ صلاتها، الاّ اذا علمت بانقطاع الدم حين الغسل و الوضوء، أو الوضوء وحده و لم يخرج الى حين اقامة الصلاة فلاتحتاج الى تجديد الغسل و الوضوء، و ان كان هذا الانقطاع، انقطاع فترة.

في وجوب التحفّظ من خروج الدم بعد الوضوء و الغسل

(مسألة 9): يجب عليها بعد الوضوء و الغسل التحفّظ من خروج الدم بحشو الفرج بقطنة أو غيرها و شدّها بخرقة فان احتبس الدم، و الاّ فبالاستثفار أي شدّ وسطها بتكّة مثلاً و تأخذ خرقة أخرى مشقوقة الرأسين تجعل احداهما قدّامها و الأخرى خلفها و تشدّهما بالتكّة أو غير ذلك ممّا يحبس الدم، فلو قصّرت و خرج الدم أعادت الصلاة بل الأحوط اعادة الغسل أيضا، و الأحوط كون ذلك بعد الغسل و المحافظة عليه بقدر الامكان تمام النهار اذا كانت صائمة.

الشرح:

يجب على المرأة المستحاضة بعد الوضوء و الغسل أن تستدخل قطنة و تحشيها و تستثفر بثوب؛ و ذلك للأمر به في مضمرة زرارة قال:

«قلت له: النفساء متى تصلّي؟ فقال: تقعد بقدر حيضها، و تستظهر بيومين، فان انقطع الدم و الاّ اغتسلت و احتشت و استثفرت و صلّت، فان جاز الدم الكرسف تعصّبت و اغتسلت، الحديث».(1)

و في صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته عن المرأة تستحاض؟ فقال: قال أبو جعفر عليه السلام : سئل رسول اللّه صلى الله عليه و آله عن المرأة تستحاض، فأمرها أن تمكث أيّام حيضها لاتصلّي فيها، ثمّ تغتسل و تستدخل قطنة و تستثفر بثوب، الحديث».(2)

و في صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«المستحاضة تنظر أيّامها - الى أن قال: - و تغتسل للصبح و تحتشي و تستثفر، الحديث».(3)

و في صحيحة الحسين بن نعيم الصحّاف:

«فلتغتسل ثمّ تحتشي و تستذفر و تصلّي الظهر و العصر».(4)

قال في الوسائل: «الاستذفار أن تتطيّب و تستجمر بالدخنة أو غير ذلك، و الاستثفار أن يجعل مثل ثفر الدابّة».(5)


1) - وسائل الشيعة 2: 373 / الباب 1 من أبواب الاستحاضة / الحديث 5.

2) - وسائل الشيعة 2: 372 / الباب 1 من أبواب الاستحاضة / الحديث 2.

3) - وسائل الشيعة 2: 371 / الباب 1 من أبواب الاستحاضة / الحديث 1.

4) - وسائل الشيعة 2: 374 / الباب 1 من أبواب الاستحاضة / الحديث 7.

5) - وسائل الشيعة 2: 372.

و قد فسّرهما المصنّف بقوله: «حشو الفرج بقطنة أو غيرها و شدّها بخرقة فان احتبس الدم و الاّ فبالاستثفار ... الخ».

ثمّ انّ الظاهر من الروايات و الفهم العرفي منها و المناسبة بين الموضوع و الحكم أنّ الحشو و الاستثفار و الاستذفار ليست بواجبات نفسيّة، بل لايبعد أن يقال: لاتكون بحيث لو لم تفعل ذلك بطل غسلها أو وضوؤها و ان كان الاحتياط في محلّه، بل كان ذلك للتحفّظ عن خروج الدم لئلاّتتنجّس أعضاؤها، و كذا لايبطل صومها، فلو اغتسلت و أتت بوظيفتها في أوقات الصلاة يصحّ صومها و ان خرج الدم طوال النهار.

و عن الامام الخميني رحمه الله: «يجب على المستحاضة الاستظهار في منع خروج الدم قدر الامكان اذا لم تتضرّر بحبسه، و في الجواهر: «لم أجد فيه خلافا، بل لعلّه ممّا يقضي به بعض الاجماعات». و هذا في الجملة ممّا لاينبغي الاشكال فيه. و يدلّ عليه - مضافا الى ذلك، و الى اشتراط طهارة البدن و اللباس من الدم و وجوب تقليله على الظاهر، و الى حدثيّة دم الاستحاضة كما مرّ و لزوم الاقتصار على القدر المتيقّن في العفو أو الغاء السببيّة، و أنّه لو خرج مع التقصير يكون حدثا غير معفوّ عنه، و يجب عليها اعادة الوضوء أو الغسل على الأحوط لو لم يكن أقوى، مع التسامح في الاحتشاء و الاستثفار و نحوهما، أو مع الصلاة لو صلّت بعد الخروج كذلك - الأخبار المتضافرة الآمرة بالاستظهار.

انمّا الكلام في أنّه قبل الوضوء أو الغسل، أو بعدهما، أو قبل الوضوء و بعد الغسل، الأقوى عدم وجوب كونه قبلهما و لا بعدهما. - الى أن قال: - و الانصاف أنّ دعوى القطع بعدم شرطيّة التأخير و عدم وجوبه التعبّدي- و كذا دعوى القطع بعد لزومه مع الامكان - في محلّهما.

و ممّا ذكرنا - من عدم تعبّديّة الاحتشاء و الاستثفار، و كونهما لأجل التحفّظ عن الدم - يعلم أنّه لا كيفيّة خاصّة لهما، فلو أمكنها التحفّظ بكيفيّة أخرى مثلها،

فلا اشكال في كفايتها، فلا داعي الى تحصيل معنى الاستثفار و الاستذفار و التحشّي و الاحتشاء.

كما أنّ الاستذفار ان كان بمعنى التطيّب و الاستجمار بالدخنة و غير ذلك، لايكون واجبا بلا اشكال، بل لايبعد أن يكون الاستذفار بمعنى الاستثفار، و يكون التفسير ب-«التدخين» من الشيخ الكليني كما احتمله في الوافي».(1)

(مسألة 10): اذا قدّمت غسل الفجر عليه لصلاة الليل فالأحوط تأخيرها الى قريب الفجر فتصلّي بلا فاصلة.

كما تقدّم شرحها في المسألة الثانية و الثالثة.

(مسألة 11): اذا اغتسلت قبل الفجر لغاية أخرى ثمّ دخل الوقت من غير فصل يجوز لها الاكتفاء به للصلاة.

الشرح:

قال في المستمسك: «قال شيخنا الأعظم رحمه الله: «الأقوى مشروعيّة العبادة لها قبل دخول الوقت، فتغتسل و يرتفع به حكم حدثها»؛ و ذلك لأنّ نصوص الباب كما تتكفّل لحدثيّة الدم المذكور تتكفّل ببيان رافعه و هو الغسل و الوضوء. و احتمال الاقتصار على خصوص مواردها من الفريضة و الرجوع في غيرها الى أصالة عدم المشروعيّة ممّا لا مجال له؛ لأنّه خلاف المتفاهم العرفي منها؛ اذ المفهوم منها عرفا أنّ حدثيّة الدم ترتفع بالغسل و الوضوء من دون خصوصيّة للفرضيّة اليوميّة».(2)


1) - كتاب الطهارة 1: 483 - 485.

2) - مستمسك العروة 3: 408.

في أنّه يشترط في صحّة صوم المستحاضة اتيانها للأغسال النهاريّة

(مسألة 12): يشترط في صحّة صوم المستحاضة على الأحوط اتيانها للأغسال النهاريّة، فلو تركتها فكما تبطل صلاتها يبطل صومها أيضا علىالأحوط، و أمّا غسل العشاءين فلايكون شرطا في الصوم و ان كان الأحوط مراعاته أيضا، و أمّا الوضوءات فلا دخل لها بالصوم.

الشرح:

قد وردت في هذه المسألة صحيحة علي بن مهزيار قال:

«كتبت اليه عليه السلام : امرأة طهرت من حيضها أو من دم نفاسها في أوّل يوم من شهر رمضان ثمّ استحاضت فصلّت و صامت شهر رمضان كلّه من غير أن تعمل ما تعمل المستحاضة من الغسل لكلّ صلاتين هل يجوز صومها و صلاتها أم لا؟ فكتب عليه السلام : تقضي صومها و لاتقضي صلاتها؛ لأنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله كان يأمر المؤمنات من نسائه بذلك».(1)

الظاهر من هذه الرواية وجوب القضاء للاستحاضة الكثيرة التي لم تغتسل لها، فلو اغتسلت للظهرين و العشاءين و الصبح لم يجب عليها القضاء. أمّا الوضوء و تبديل الخرقة فلايرتبطان بالصوم و لم يذكرا في الرواية. و ان اغتسلت للصبح و الظهرين و لم تغتسل للعشاءين تقضي على الأحوط. و أمّا بالنسبة الى الغسل في الاستحاضة المتوسّطة فالظاهر أنّه كذلك أيضا، أي يشترط في صحّة الصوم اتيانه على الأحوط. و قد نقلنا ما استشكل في الرواية و جوابه و كذا كلام صاحب الحدائق و الشيخ مرتضى الأنصاري و صاحب الجواهر في كتاب الصوم فراجع.(2)


1) - وسائل الشيعة 10: 66 / الباب 18 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث 1.

2) - الهادي كتاب الصوم 1: 134 - 136.

قال الامام الخميني: «و الانصاف أنّ رفع اليد عن رواية صحيحة واضحة الدلالة في فقرة منها - لأجل خلل في فقرتها الأخرى - مع اتّكال الأصحاب عليهاقديما و حديثا غير ممكن.

و أمّا الاحتمالات التي ذكرت في الرواية ممّا ينبو عنها الطبع السليم، فلاينبغي التعرّض لها. فالحكم - على اجماله - ممّا لا اشكال فيه نصّا و فتوى.

و انّما الكلام في أنّ صحّة صومها، هل تتوقّف على جميع الأغسال حتّى غسل الليلة المستقبلة، أو تتوقّف على غير غسل الليلة المستقبلة، أو على الأغسال النهاريّة فقط، أو على غسل الليلة الماضية فقط، أو على غسل من الأغسال في الجملة احتمالات، و لبعضها وجه و قول و لايظهر من النصّ الاّ أنّ تركها للجميع موجب للقضاء، و أمّا أنّ السبب ترك المجموع أو الجميع أو غير ذلك، فلايعلم منه، كما أنّ ما في المتون مثل قوله في الشرائع: «و ان أخلّت بالأغسال لم يصحّ صومها»، و مثله ما في القواعد لم يظهر منه أنّ الاخلال بالمجموع أو الجميع يوجب ذلك. و يحتمل أن يكون مرادهم أنّ الاخلال بشيء منها يوجبه و ان يبعّده اختيار العلاّمة على ما عن التذكرة و المنتهى و الشهيد كما عن البيان و الذكرى و بعض آخر التوقّف على الأغسال النهاريّة، و التردّد في غسل الليلة الماضية، بعد الحكم بعدم التوقّف على غسل الليلة المستقبلة.

ثمّ انّ ما ذكر بالنسبة الى الليلة المستقبلة وجيه؛ لعدم انقداح مؤثّرية الأمر المتأخّر في المتقدّم في ذهن العرف من النصّ و معقد الاجماع المدّعى، فالنصّ و الفتوى منصرفان عنه، و لولا تسالمهم على توقّفه على النهاريّة، و ترديدهم في غسل الليلة الماضية - حيث يظهر منهم أنّ القدر المتيقّن هو النهاريّة - لكان للاشكال في النهاريّة مجال، و للذهاب الى توقّفه على الغسل للعشاءين فقط وجه، لكنّ الأوجه هو التوقّف على النهاريّة؛ لكونها المتيقّنة ظاهرا. و يمكن أن يوجّه ذلك بأنّ المستفاد من النصّ و الفتوى، حدثيّة الاستحاضة الكبرى و منافاتها

للصوم اجمالاً، و احتمال التعبّد في غاية البعد و خلاف المتفاهم من النصّ، فحينئذ مع عدم الغسل يكون الخروج اختياريّا بلا عفو، و مع الغسل يكون معفوّاعنه، فلا محيص عن الأغسال النهاريّة لصحّته. كما يمكن الاستدلال لغسل الليلة الماضية بذلك. و كيف كان فلو تركت غسل العشاءين فالأحوط غسل لصلاة الفجر قبله، أو للصوم قبله.

ثمّ انّ ظاهر النصّ اختصاص الحكم بالكثيرة، و لهذا نقل عن ظاهر كثير من الفقهاء اختصاصه بها، فالمتوسّطة تحتاج الى دليل. و يمكن التقريب المتقدّم فيها بعد البناء على كونها حدثا أكبر بدعوى كون الحكم للحدث الأكبر، و ان لم يخل عن تأمّل و اشكال».(1)

فيما اذا علمت المستحاضة انقطاع دمها بعد ذلك الى آخر الوقت

(مسألة 13): اذا علمت المستحاضة انقطاع دمها بعد ذلك الى آخر الوقت انقطاع برء أو انقطاع فترة تسع الصلاة، وجب عليها تأخيرها الى ذلك الوقت، فلو بادرت الى الصلاة بطلت، الاّ اذا حصل منها قصد القربة و انكشف عدم الانقطاع، بل يجب التأخير مع رجاء الانقطاع بأحد الوجهين حتّى لو كان حصول الرجاء في أثناء الصلاة، لكن الأحوط اتمامها ثمّ الصبر الى الانقطاع.

الشرح:

الظاهر من الروايات الواردة في الاستحاضة، أنّ المرأة المستحاضة حكمها كحكم المسلوس و المبطون و أنّ الطهارة لها في تلك الحال تكون اضطراريّة و لاتبرئ الحدث، و هذا قوله عليه السلام في صحيحة معاوية بن عمّار:

« ... اغتسلت للظهر و العصر، تؤخّر هذه و تعجّل هذه، و للمغرب و


1) - كتاب الطهارة 1: 500 - 502.

العشاء غسلاً تؤخّر هذه و تعجّل هذه، الحديث».(1)

و قوله عليه السلام في صحيحة صفوان بن يحيى:

« ... تغتسل و تستدخل قطنة بعد قطنة و تجمع بين صلاتين بغسل و يأتيها زوجها ان أراد».(2)

و قوله عليه السلام في رواية عبدالرحمن بن أبي عبداللّه:

« ... فاذا كان دما سائلاً فلتؤخّر الصلاة الى الصلاة، ثمّ تصلّي صلاتين بغسل واحد، الحديث».(3)

و قوله عليه السلام في موثّقة فضيل و زرارة:

« ... و تغتسل و تجمع بين الظهر و العصر بغسل، و تجمع بين المغرب و العشاء بغسل، الحديث».(4)

فانّ أمره عليه السلام بالجمع بين صلاتين، يفهم منه أنّ وضعها بالنسبة الى الطهارة يكون اضطراريّا. و كذا من أمره عليه السلام في أكثر هذه الروايات بالاحتشاء و الاستثفار يقرّب هذا النظر. فاذا كان حالها اضطراريّا بمعنى أنّ هذه الطهارة تكون بدلاً عن الطهارة الاختياريّة - كالتيمّم الذي يكون بدلاً عن الغسل و الوضوء - فاذا علم وصولها الى الطهارة الاختياريّة في زمان من الزوال الى الغروب - مثلاً - يجب عليها التوصّل بها، بل اذا كانت ترجو ذلك أيضا الاّ اذا كان نصّا على عدمه، و عليه فما ذهب اليه المصنّف هو الصحيح من أنّه اذا علمت المستحاضة انقطاع دمها بعد ذلك الى آخر الوقت، انقطاع برء أو انقطاع فترة تسع الصلاة، وجب عليها تأخيرها الى ذلك الوقت، فلو بادرت الى الصلاة بطلت، الاّ اذا حصل منها قصد القربة و انكشف عدم الانقطاع، بل يجب التأخير مع رجاء الانقطاع بأحد الوجهين، حتّى لو كان حصول الرجاء في أثناء الصلاة الاّ اذا حصل منها قصد


1) - وسائل الشيعة 2: 371 / الباب 1 من أبواب الاستحاضة / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 2: 372 / الباب 1 من أبواب الاستحاضة / الحديث 3.

3) - وسائل الشيعة 2: 375 / الباب 1 من أبواب الاستحاضة / الحديث 8.

4) - وسائل الشيعة 2: 376 / الباب 1 من أبواب الاستحاضة / الحديث 12.

القربة و انكشف عدم الانقطاع.

في أنّه اذا انقطع دمها فامّا أن يكون انقطاع برء أو فترة

(مسألة 14): اذا انقطع دمها فامّا أن يكون انقطاع برء أو فترة تعلم عوده أو تشكّ في كونه لبرء أو فترة، و على التقادير امّا أن يكون قبل الشروع في الأعمال أو بعده أو بعد الصلاة، فان كان انقطاع برء و قبل الأعمال يجب عليها الوضوء فقط أو مع الغسل و الاتيان بالصلاة، و ان كان بعد الشروع استأنفت، و ان كان بعد الصلاة أعادت الاّ اذا تبيّن كون الانقطاع قبل الشروع في الوضوء و الغسل، و ان كان انقطاع فترة واسعة فكذلك على الأحوط، و ان كانت شاكّة في سعتها أو في كون الانقطاع لبرء أم فترة لايجب عليها الاستئناف أو الاعادة الاّ اذا تبيّن بعد ذلك سعتها أو كونه لبرء.

الشرح:

اذا اتّضحت المسألة السابقة تبنى هذه المسألة عليها، فاذا انقطع دمها بانقطاع برء أو فترة تعلم سعتها للطهارة و الصلاة، فان كان قبل الشروع في الأعمال، يجب عليها الوضوء فقط ان كانت استحاضتها قليلة، و الغسل مع الوضوء ان كانت متوسّطة و الغسل ان كانت كثيرة. و ان كان بعد الطهارة و قبل الشروع في الصلاة، فتعيد الطهارة؛ لأنّها كانت طهارة اضطراريّة، فاذا حصلت الطهارة الاختياريّة و تمكّنت منها بطلت الاضطراريّة، كالتيمّم اذا وجد الماء. و أمّا ان كان الانقطاع بعد الأعمال و الصلاة و لم تعلم به حين الأعمال و الصلاة، فما هو الظاهر من الروايات و تجويزه عليه السلام بالصلاة أوّل الوقت و لو بالاطلاق، عدم اعادة الصلاة.

قال في الجواهر: «و أمّا اذا كان الانقطاع بعد فعل الصلاة فان كان برء احتمل وجوب الاعادة لانكشاف فساد الأوّل، و احتمل العدم لحصول الامتثال و اقتضاء

الأمر الاجزاء و اطلاق الأدلّة و لعلّه الأقوى، و ان كان لفترة فلا اشكال حيث لاتسع الطهارة و الصلاة، و أمّا اذا كانت كذلك فهي كالأوّل، بل عدم الاعادة فيها أولى».(1)

قال الامام الخميني: «و أمّا بالنسبة الى الأعمال الماضية، فان انقطع بعد الصلاة فلاينبغي الاشكال في عدم لزوم الاعادة و صحّة صلاتها؛ لاطلاق الأدلّة، سواء احتملت الانقطاع حين العمل أو قبله، أو كانت قاطعة بعدم الانقطاع، أو ظانّة به، بل و لو كانت ظانّة بالانقطاع. و دعوى الانصراف عمّا اذا انقطع في الوقت مطلقا أو اذا كانت ظانّة في غير محلّها، خصوصا في غير الظانّة. نعم، لو كانت قاطعة بالانقطاع للبرء أو الفترة الواسعة، فالظاهر لزوم الانتظار و عدم جواز البدار؛ لقصور الأدلّة عن اثبات جواز البدار، و عدم اطلاقها من هذه الجهة، بل تكون منصرفة عن الفرض.

و أمّا اذا انقطع في الأثناء، فالظاهر لزوم الاعادة اذا كان الانقطاع لبرء أو فترة واسعة، و في غير الواسعة تأمّل، أمّا الاعادة فيهما فلما مرّ من استفادة سببيّة مطلق الدم، و لم يثبت العفو في غير ما هو مستمرّ الى آخر العمل، فيبقى مقتضى السببيّة على حاله، و لا اطلاق - على الظاهر - للأدلّة بالنسبة الى هذه الصورة، حتّى يقال لأجله بالعفو و صحّة الأعمال. هذا بحسب الثبوت و الواقع.

و أمّا تكليفها في الظاهر، فقد يتشبّث له باستصحاب بقاء الفترة الى زمان يسع العمل بشرائطه، اذا كانت شاكّة في كون الانقطاع للبرء أو الفترة مع الشكّ في سعتها أو عاملة بالثانية، و شاكّة في سعتها.

و فيه: انّ هذا الاستصحاب - مع كونه مثبتا - لا أصل له؛ لعدم كون المستصحب موضوعا لأثر شرعي، بل بعد العلم بوجوب الصلاة و اشتراطها بالطهور، و كون الدم سببا بذاته، و عدم اطلاق في الأدلّة، يحكم العقل بلزوم التأخير الى زمان الفترة الواسعة، و لاتكون الفترة الواسعة موضوعا لحكم شرعي، كما أنّ التشبّث


1) - جواهر الكلام 3: 332.

باستصحاب الصحّة أو الطهارة و أمثالهما في غير محلّه بعد ثبوت حدثيّة الدم و عدم الدليل على العفو و اشتراط الصلاة بالطهور، فيكون الاستصحاب محكومابتلك الأدلّة على فرض الجريان. نعم، لو أنكرنا سببيّة مطلق الدم للغسل كان له مجال، و مع عدمه تكفي أصالة البراءة. لكن ما مرّ هو الأقوى. و ممّا ذكرنا يظهر حال بقيّة الصور، فتدبّر».(1)

فيما اذا انتقلت الاستحاضة من الأدنى الى الأعلى

(مسألة 15): اذا انتقلت الاستحاضة من الأدنى الى الأعلى كما اذا انقلبت القليلة متوسّطة أو كثيرة، أو المتوسّطة كثيرة فان كان قبل الشروع في الأعمال فلا اشكال، فتعمل عمل الأعلى و كذا ان كان بعد الصلاة فلايجب اعادتها، و أمّا ان كان بعد الشروع قبل تمامها فعليها الاستئناف و العمل على الأعلى حتّى اذا كان الانتقال من المتوسّطة الى الكثيرة فيما كانت المتوسّطة محتاجة الى الغسل و أتت به أيضا فيكون أعمالها حينئذ مثل أعمال الكثيرة لكن مع ذلك يجب الاستئناف، و ان ضاق الوقت عن الغسل و الوضوء أو أحدهما تتيمّم بدله، و ان ضاق عن التيمّم أيضا استمرّت على عملها لكن عليها القضاء على الأحوط، و ان انتقلت من الأعلى الى الأدنى استمرّت على عملها لصلاة واحدة ثمّ تعمل عمل الأدنى، فلو تبدّلت الكثيرة متوسّطة قبل الزوال أو بعده قبل صلاة الظهر تعمل للظهر عمل الكثيرة فتتوضّأ و تغتسل و تصلّي، لكن للعصر و العشاءين يكفي الوضوء، و ان أخّرت العصر عن الظهر أو العشاء عن المغرب. نعم، لو لم تغتسل للظهر عصيانا أو نسيانا يجب عليها للعصر اذا لم يبق الاّ وقتها، و الاّ فيجب اعادة الظهر بعد الغسل، و ان لم تغتسل لها فللمغرب، و ان لم تغتسل لها فللعشاء اذا ضاق الوقت و بقي مقدار اتيان العشاء.


1) - كتاب الطهارة 1: 472 و 473.

الشرح:

اذا انتقلت الاستحاضة من الأدنى الى الأعلى كما اذا انقلبت القليلة متوسّطة أو كثيرة أو المتوسّطة كثيرة فان كان قبل الشروع في الأعمال فلا اشكال في أنّه يجب عليها عمل الأعلى؛ لكونه وظيفتها. و أمّا ان كان بعد الصلاة فلايجب اعادتها؛ لأنّ الحدث الحادث شرط في الأعمال اللاحقة لا السابقة كما في المستمسك.(1)نعم، لو كان الانتقال بعد شروع الصلاة و قبل اتمامها، فعليها الاستئناف و العمل على الأعلى؛ لحدوث الحدث الجديد، حتّى اذا كان الانتقال من المتوسّطة الى الكثيرة فيما كانت المتوسّطة محتاجة الى الغسل و أتت به أيضا، فيجب عليها الاستئناف؛ لوجود الحدث الجديد و بطلان الغسل السابق. و ان ضاق الوقت عن الغسل و الوضوء في الانتقال من القليلة الى المتوسّطة أو أحدهما تتيمّم بدله. و ان ضاق عن التيمّم أيضا استمرّت على عملها؛ لكونه وظيفتها و أنّ الصلاة لاتترك على حال، و ان كان الأقوى حكمها حكم فاقد الطهورين؛ لأنّها صارت محدثة و لم يكن لها وقت للطهارة، و الاحتياط لايترك بالأداء في الوقت و القضاء خارج الوقت.

و أمّا اذا انتقلت الاستحاضة من الأعلى الى الأدنى، كما لو تبدّلت الكثيرة أو المتوسّطة قليلة قبل الزوال أو بعده قبل صلاة الظهر تعمل عمل الاستحاضة الكثيرة أو المتوسّطة لصلاة واحدة أي صلاة الظهر فقط، فتتوضّأ ان كانت الأعلى متوسّطة، و تغتسل و تصلّي؛ لأنّها كانت محدثة بالحدث الأعلى، و لكن العصر و العشاءين يكفي لهما الوضوء، و ان أخّرت العصر عن الظهر أو العشاء عن المغرب؛ لأنّ الاستحاضة القليلة لاتحتاج الاّ الى الوضوء. و كذلك يكون الحال اذا تبدّلت الكثيرة متوسّطة. و لو لم تغتسل للظهر عصيانا أو نسيانا فان كان الوقت باقيا لهما فيجب عليها أعمال الأعلى للأولى و تتوضّأ للثانية و ان لم يبق وقت الاّ للعصر


1) - مستمسك العروة 3: 417.

فتعمل أعمال الأعلى لها و تقضي صلاة الظهر. و هكذا يكون الحال في المغرب والعشاء.

(مسألة 16): يجب على المستحاضة المتوسّطة و الكثيرة اذا انقطع عنها بالمرّة الغسل للانقطاع الاّ اذا فرض عدم خروج الدم منها من حين الشروع في غسلها السابق للصلاة السابقة.

الشرح:

قد اتّضح شرح هذه المسألة من المسألة السابقة، فانّ وجوب الغسل للانقطاع بالمرّة هو وجود الحدث أي المستحاضة المتوسّطة أو الكثيرة. و أمّا عدم وجوب الغسل اذا كان الانقطاع منها من حين الشروع في غسلها السابق للصلاة السابقة، فلرفع الحدث، و عدم بقائه و لم يحدث حدث جديد.

في وجوب تجديد الوضوء لكلّ مشروط بالطهارة على المستحاضة القليلة

(مسألة 17): المستحاضة القليلة كما يجب عليها تجديد الوضوء لكلّ صلاة مادامت مستمرّة، كذلك يجب عليها تجديده لكلّ مشروط بالطهارة كالطواف الواجب و مسّ كتابة القرآن ان وجب، و ليس لها الاكتفاء بوضوء واحد للجميع على الأحوط، و ان كان ذلك الوضوء للصلاة فيجب عليها تكراره بتكرارها حتّى في المسّ يجب عليها ذلك لكل مسّ على الأحوط. نعم، لايجب عليها الوضوء لدخول المساجد و المكث فيها بل و لو تركت الوضوء للصلاة أيضا.

الشرح:

قد تقدّم في المسألة الأولى ما يفيد لهذه المسألة، و أنّ المستحاضة القليلة كما يجب عليها تجديد الوضوء لكلّ صلاة مادامت مستمرّة، كذلك يجب عليها لكلّ

مشروط بالطهارة كالطواف و مسّ كتابة القرآن ان وجب الاّ ما قارنها في الوجودكمسّ كتابة القرآن حينها؛ و ذلك لأنّها محدثة مادام الدم في فرجها، و لذلك قد أمرها الامام عليه السلام أن تتوضّأ لكلّ صلاة تصلّي من الفرائض، كما تقدّمت في المسألة الأولى.

هذا كلّه اذا لم تتقارن الغايات المختلفة كما اذا أرادت مسّ كتابة القرآن بعد الصلاة. و أمّا اذا تقارنت كما اذا مسّت الكتابة في حال الصلاة فالظاهر الاكتفاء بالوضوء الواحد.

و هكذا يكون الحال في الاستحاضة المتوسّطة فانّها تحتاج بعد الغسل الواحد الوضوء لكلّ صلاة من الصلوات التي تصلّيها أو طواف تطوفه، بل يلزم الوضوء لصلاة الطواف أيضا على حدة. نعم، لايجب على المستحاضة القليلة بل المتوسّطة بعد اغتسالها غسلاً واحدا، الوضوء لدخول المساجد و المكث فيها بل و لو تركت الوضوء للصلاة أيضا؛ لأنّها لاتكون محدثة بالحدث الأكبر.

في أنّ المستحاضة اذا عملت بما عليها جاز لها جميع ما يشترط فيه الطهارة

(مسألة 18): المستحاضة الكثيرة و المتوسّطة اذا عملت بما عليها جاز لها جميع ما يشترط فيه الطهارة حتّى دخول المساجد و المكث فيها و قراءة العزائم و مسّ كتابة القرآن و يجوز وطؤها، و اذا أخلّت بشيء من الأعمال حتى تغيير القطنة بطلت صلاتها، و أمّا المذكورات سوى المسّ فتتوقّف على الغسل فقط، فلو أخلّت بالأغسال الصلاتية لايجوز لها الدخول و المكث و الوط ء و قراءة العزائم على الأحوط، و لايجب لها الغسل مستقلاًّ بعد الأغسال الصلاتية و ان كان أحوط. نعم، اذا أرادت شيئا من ذلك قبل الوقت وجب عليها الغسل مستقلاًّ على الأحوط، و أمّا المسّ فيتوقّف على الوضوء و الغسل و يكفيه الغسل للصلاة. نعم، اذا أرادت التكرار يجب تكرار الوضوء و الغسل على الأحوط، بل الأحوط ترك المسّ لها مطلقا.

الشرح:

قال في الشرائع: «و اذا فعلت ذلك صارت بحكم الطاهر».(1)

و في المدارك: «الظاهر أنّ المشار اليه بذلك: جميع ما تقدّم من الغسل و الوضوء و تغيير القطنة و الخرقة بحسب اختلاف حال الدم. و المراد من كونها بحكم الطاهر أنّ جميع ما يصحّ من الطاهر من الأمور المشروطة بالطهارة يصحّ منها، فتصحّ صلاتها و صومها و دخولها المساجد مطلقا، و يأتيها زوجها ان شاء. و هذا ممّا لا خلاف فيه بين العلماء.

و الأظهر جواز دخولها المساجد بدون ذلك. و في جواز اتيانها قبله أقوال، أظهرها الجواز مطلقا، و هو خيرة المصنّف في المعتبر؛ لعموم قوله تعالى: «فاذا تطهّرن فأتوهنّ»، و قوله عليه السلام في صحيحة ابن سنان: «و لا بأس أن يأتيها بعلها متى شاء الاّ في أيّام حيضها»، و في صحيحة صفوان بن يحيى: «و يأتيها زوجها اذا أراد». و قيل بتوقّفه على الغسل خاصّة؛ لقوله عليه السلام في رواية عبدالملك بن أعين في المستحاضة: «و لايغشاها حتّى يأمرها بالغسل»، و في السند ضعف، و في المتن احتمال لأن يكون الغسل المأمور به غسل الحيض.

و قيل باشتراط الوضوء أيضا؛ لقوله عليه السلام في رواية زرارة و فضيل: «فاذا أحلّت لها الصلاة حلّ لزوجها أن يغشاها»، و هي مع ضعف سندها و خلوّها من ذكر الوضوء لاتدلّ على المطلوب، بل ربّما دلّت على نقيضه؛ اذ الظاهر أنّ المراد من حلّ الصلاة الخروج من الحيض، كما يقال: لاتحلّ الصلاة في الدار المغصوبة، فاذا خرجت حلّت، فانّ معناه: زوال المانع الغصبي، و ان افتقر بعد الخروج منها الى الطهارة و غيرها من الشرائط».(2)

و في التنقيح: «مقتضى الأخبارالمتقدّمة في جواز وط ء الحائض بعد انقطاع


1) - شرائع الاسلام 1: 35.

2) - مدارك الأحكام 2: 37 و 38.

دمها أنّ الوط ء للزوجة انّما يحرم مادام الحيض باقيا، فاذا انقطع دم الحيض منها وصارت طاهرة منه جاز وطؤها و ان كانت مستحاضة بالمتوسّطة أو الكثيرة، و لا دلالة في تلك الروايات على اشتراط وط ء المستحاضة باغتسالها، الاّ في قوله عليه السلام في موثّقة سماعة: «و ان أراد زوجها أن يأتيها فحين تغتسل». بناءً على معنى بعد الاغتسال. و الموثّقة مرويّة بطريقين و الجملة المذكورة وردت في أحد الطريقين دون الآخر، الاّ أنّ حمل قوله عليه السلام : «حين تغتسل»، على ما بعد الاغتسال خلاف ظاهر الحديث جدّا، و لا وجه للالتزام به، فالاستدلال بها ممّا لا وجه له.

و أمّا قراءة العزائم و الدخول في المسجدين و المكث في المساجد، فلم يقم دليل على حرمتها لها حتّى تغتسل.

نعم، ذهب جماعة الى حرمة تلك الأفعال على المستحاضة ما لم تغتسل لصلاتها أو لتلك الأفعال، و قد حكى شيخنا الأنصاري قدس سرهعن المصابيح أنّه قد تحقّق أنّ مذهب الأصحاب تحريم دخول المساجد و قراءة العزائم على المستحاضة قبل الغسل، و استظهر من ذلك الاجماع على توقّف الأمور المذكورة على غسلها. و فيه: أنّ الاجماع لم يثبت. و أمّا في مورد مسّ المندوب فمقتضى أدلّة اشتراط المسّ بالطهارة عدم جوازه على المستحاضة. انتهى ملخّصا».(1)

أقول:

و لنذكر الروايات الواردة في الباب حتّى ينكشف الحال ففي صحيحة صفوان بن يحيى عن أبي الحسن عليه السلام قال:

«قلت له: اذا مكثت المرأة عشرة أيّام ترى الدم ثمّ طهرت فمكثت ثلاثة أيّام طاهرا، ثمّ رأت الدم بعد ذلك أتمسك عن الصلاة؟ قال: لا هذه مستحاضة، تغتسل و تستدخل قطنة (بعد قطنة) و تجمع بين


1) - التنقيح في شرح العروة 8: 133 - 140.

صلاتين بغسل و يأتيها زوجها ان أراد».(1)

و صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«المستحاضة تغتسل عند صلاة الظهر و تصلّي الظهر و العصر، ثمّ تغتسل عند المغرب فتصلّي المغرب و العشاء، ثمّ تغتسل عند الصبح فتصلّي الفجر، و لا بأس بأن يأتيها بعلها اذا شاء الاّ أيّام حيضها فيعتزلها زوجها. الحديث».(2)

و موثّقة فضيل و زرارة عن أحدهما عليهماالسلام قال:

«المستحاضة تكفّ عن الصلاة أيّام أقرائها و تحتاط بيوم أو اثنين، ثمّ تغتسل كلّ يوم و ليلة ثلاث مرّات، و تحتشي لصلاة الغداة، و تغتسل و تجمع بين الظهر و العصر بغسل، و تجمع بين المغرب و العشاء بغسل، فاذا حلّت لها الصلاة حلّ لزوجها أن يغشاها».(3)

و رواية سماعة قال:

«قال: المستحاضة اذا ثقب الدم الكرسف اغتسلت لكلّ صلاتين و للفجر غسلاً، و ان لم يجز الدم الكرسف فعليها الغسل لكلّ يوم مرّة، و الوضوء لكلّ صلاة، و ان أراد زوجها أن يأتيها فحين تغتسل، هذا ان كان دمها عبيطا، و ان كانت صفرة فعليها الوضوء».(4)

فانّه يمكن أن يستظهر من صحيحتي صفوان بن يحيى و عبداللّه بن سنان عدم اشتراط الوط ء بالأعمال التي تعملها للصلاة الاّ أنّ الظاهر من موثّقة فضيل و زرارة و كذا رواية سماعة أنّ حلّيّة الوط ء لزوجها منوطة بالغسل في الكثيرة، و كذلك


1) - وسائل الشيعة 2: 372 / الباب 1 من أبواب المستحاضة / الحديث 3.

2) - وسائل الشيعة 2: 372 / الباب 1 من أبواب المستحاضة / الحديث 4.

3) - وسائل الشيعة 2: 376 / الباب 1 من أبواب المستحاضة / الحديث 12.

4) - وسائل الشيعة 2: 374 / الباب 1 من أبواب المستحاضة / الحديث 6.

المتوسّطة. فانّ الظاهر من هذه الروايات أنّ حدث المستحاضة في الكثيرة بل المتوسّطة كبيرة و لذا تحتاج الى الغسل، الاّ أنّه اذا عملت أعمالها تكون بحكمالطاهر كما هو قوله عليه السلام في صحيحة الحسين بن نعيم الصحّاف:

« ... فانّها اذا فعلت ذلك أذهب اللّه بالدم عنها».(1)

و يجوز لها الدخول في المسجدين و المكث في المساجد و قراءة العزائم، و أمّا مسّ الكتاب فعليها الوضوء فقط. فالمتحصّل أنّها اذا اغتسلت للصلوات اليوميّة يجوز لزوجها وطؤها و كلّ ما يشترط فيه الغسل، الاّ أنّ الطواف و صلاة الآيات و قضاء الصلوات فتحتاج الى تكرار الأعمال، كما مرّ.

(مسألة 19): يجوز للمستحاضة قضاء الفوائت مع الوضوء و الغسل و سائر الأعمال لكلّ صلاة، و يحتمل جواز اكتفائها بالغسل للصلوات الأدائيّة لكنّه مشكل، و الأحوط ترك القضاء الى النقاء.

كما تقدّم آنفا في المسألة السابقة، و الأحوط ترك القضاء الى النقاء؛ لكون طهارتها اضطراريّة كما تقدّم.

(مسألة 20): المستحاضة تجب عليها صلاة الآيات و تفعل لها كما تفعل لليوميّة و لاتجمع بينهما بغسل و ان اتّفقت في وقتها.

كما تقدّم.


1) - وسائل الشيعة 2: 375 / الباب 1 من أبواب المستحاضة / الحديث 7.

(مسألة 21): اذا أحدثت بالأصغر في أثناء الغسل لايضرّ بغسلها على الأقوى لكن يجب عليها الوضوء بعده و ان توضّأت قبله.

و قد تقدّم شرح هذه المسألة في ما اذا وجد الحدث الأصغر أثناء غسل الجنابة و قلنا بكفاية الوضوء بعده، و كذلك هنا.

(مسألة 22): اذا أجنبت في أثناء الغسل أو مسّت ميّتا استأنفت غسلاً واحدا لهما، و يجوز لها اتمام غسلها و استئنافه لأحد الحدثين اذا لم يناف المبادرة الى الصلاة بعد غسل الاستحاضة و اذا حدثت الكبرى في أثناء غسل المتوسّطة استأنفت للكبرى.

هذه المسألة كما قالها المصنّف، و قد تقدّم شرحها في البحث عن تداخل الأغسال فلانعيد.

في أنّه قد يجب على صاحبة الكثيرة بل المتوسّطة أيضا خمسة أغسال

(مسألة 23): قد يجب على صاحبة الكثيرة بل المتوسّطة أيضا خمسة أغسال، كما اذا رأت أحد الدمين قبل صلاة الفجر ثمّ انقطع، ثمّ رأته قبل صلاة الظهر ثمّ انقطع، ثمّ رأته عند العصر ثمّ انقطع و هكذا بالنسبة الى المغرب و العشاء، و يقوم التيمّم مقامه اذا لم تتمكّن منه، ففي الفرض المزبور عليها خمس تيمّمات، و ان لم تتمكّن من الوضوء أيضا فعشرة، كما أنّ في غير هذه اذا كانت وظيفتها التيمّم ففي القليلة خمس تيمّمات و في المتوسّطة ستّة و في الكثيرة ثمانية اذا جمعت بين الصلاتين و الاّ فعشرة.

الشرح:

قد يجب على صاحبة الكثيرة، بل المتوسّطة أيضا خمسة أغسال، كما اذا رأتأحد الدمين قبل صلاة الفجر ثمّ انقطع قبل الغسل و الصلاة فعليها الغسل للصلاة؛

لأنّها محدثة، ثمّ رأته قبل صلاة الظهر ثمّ انقطع قبل الغسل و الصلاة فعليها الغسل ثانيا؛ لما ذكر، ثمّ رأته عند العصر ثمّ انقطع قبل الغسل و الصلاة فعليها الغسل ثالثا، ثمّ رأته قبل المغرب ثمّ انقطع فعليها الغسل رابعا، ثمّ رأته عند العشاء ثمّ انقطع فعليها الغسل خامسا.

و يقوم التيمّم مقامه اذا لم تتمكّن منه، ففي الفرض المزبور عليها خمسة تيمّمات، و ان لم تتمكّن من الوضوء في المتوسّطة فعليها عشرة تيمّمات، خمسة بدل الأغسال، و خمسة بدل الوضوءات. كما أنّ في غير هذه يعني المستمرّة اذا كانت وظيفتها التيمّم، ففي القليلة خمسة تيمّمات، و في المتوسّطة ستّة، واحد بدل الغسل الواجب للفجر، و خمسة بدل الوضوءات الخمسة. و في الكثيرة ثلاثة بدل الغسل، و عند من يجب لها الوضوء ثمانية تيمّمات اذا جمعت بين الصلاتين، و ان لم تجمع فعشرة؛ لأنّه يجب عليها خمسة أغسال و بدلها خمسة تيمّمات و بدل الوضوءات خمسة أخرى.

الفصل الخامس : في النفاس

اشارة

و هو دم يخرج مع ظهور أوّل جزء من الولد أو بعده قبل انقضاء عشرة أيّام من حين الولادة، سواء كان تامّ الخلقة أو لا، كالسقط و ان لم تلج فيه الروح، بل و لو كان مضغة أو علقة بشرط العلم بكونها مبدأ نشوء الانسان. و لو شهدت أربع قوابل بكونها مبدأ نشوء الانسان كفى، و لو شكّ في الولادة أو في كون الساقط مبدأ نشوء الانسان لم يحكم بالنفاس، و لايلزم الفحص أيضا، و أمّا الدم الخارج قبل ظهور أوّل جزء من الولد فليس بنفاس. نعم، لو كان فيه شرائط الحيض كأن يكون مستمرّا من ثلاثة أيّام فهو حيض و ان لم يفصل بينه و بين دم النفاس أقلّ الطهر على الأقوى، خصوصا اذا كان في عادة الحيض أو متّصلاً بالنفاس و لم يزد مجموعهما من عشرة أيّام كأن ترى قبل الولادة ثلاثة أيّام و بعدها سبعة مثلاً، لكنّ الأحوط مع عدم الفصل بأقلّ الطهر مراعاة الاحتياط خصوصا في غير الصورتين من كونه في العادة أو متّصلاً بدم النفاس.

الشرح:

قال في الشرائع: «النفاس دم الولادة».(1)

و في المدارك: «النفاس - بالكسر - ولادة المرأة، يقال: نفست المرأة، و نفست بضمّ النون و فتحها، و في الحيض، بالفتح لا غير، قاله الهروي في القريبين. و هو مأخوذ امّا من النفس و هو الدم أو الولد، أو من تنفّس الرحم بالدم. و قد نقله الفقهاء عن معناه اللغوي الى معنى آخر، و هو الدم الخارج من الرحم عقيب الولادة أو معها، قاله الشيخ في المبسوط و الخلاف.

و قال المرتضى في المصباح: «النفاس هو الدم الذي تراه المرأة عقيب الولادة». و نحوه كلام الشيخ في الجمل.

و مقتضى ذلك أنّ الخارج مع الولادة لايكون نفاسا. و هو بعيد؛ لحصول المعنى المشتقّ منه و خروجه بسبب الولادة، فيتناوله اطلاق النصوص.

قال المصنّف في المعتبر بعد ايراد القولين: «و التحقيق أنّ ما تراه مع الطلق ليس بنفاس، و كذا ما تراه عند الولادة قبل خروج الولد، أمّا ما يخرج بعد ظهور شيء من الولد فهو نفاس». و كأنّه رحمه الله أراد بذلك رفع الخلاف، و به صرّح في المختلف فانّه قال: «و الظاهر أنّه لا منافاة بينهما؛ فانّ كلام الشيخ في الجمل محمول على الغالب، لا أنّ النفاس يجب أن يكون عقيب الولادة». و هو حسن.

و تصدق الولادة بخروج جزء ممّا يعدّ آدميّا، أو مبدأ نشوء آدمي، و لو كان مضغة مع اليقين، على ما قطع به المصنّف و غيره. أمّا العلقة و النطفة فقد قطع المصنّف في المعتبر و العلاّمة في المنتهى بعدم ترتّب الحكم عليهما.

و قال في الذكرى: «انّه لو فرض العلم بكونه مبدأ نشوء انسان بقول أربع من القوابل كان نفاسا». و توقّف فيه بعض المحقّقين؛ لانتفاء التسمية. و اعترضه جدّي بأنّه لا وجه للتوقّف بعد فرض العلم. و فيه: انّ منشأ التوقّف عدم صدق


1) - شرائع الاسلام 1: 35.

الولادة عرفا، و ان علم أنّه علقة، فالتوقّف في محلّه».(1)

ففي رواية زريق عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّ رجلاً سأله عن امرأة حاملة رأت الدم؟ قال:

«تدع الصلاة، قلت: فانّها رأت الدم و قد أصابها الطلق فرأته و هي تمخض؟ قال: تصلّي حتّى يخرج رأس الصبي، فاذا خرج رأسه لم تجب عليها الصلاة - الى أن قال: - قلت: جعلت فداك، ما الفرق بين دم الحامل و دم المخاض؟ قال: انّ الحامل قذفت بدم الحيض، و هذه قذفت بدم المخاض، الى أن يخرج بعض الولد فعند ذلك يصير دم النفاس. الحديث».(2)

و في رواية السكوني عن جعفر عن أبيه عليهماالسلام أنّه قال:

«قال النبي صلى الله عليه و آله: ما كان اللّه ليجعل حيضا مع حبل، يعني اذا رأت الدم و هي حامل لاتدع الصلاة، الاّ أن ترى على رأس الولد اذا ضربها الطلق و رأت الدم تركت الصلاة».(3)

بناءً على أنّ التفسير من الامام لا من الراوي.

و في موثّقة عمّار بن موسى عن أبي عبداللّه عليه السلام في المرأة يصيبها الطلق أيّاما (أو يوما) أو يومين فترى الصفرة أو دما، قال:

«تصلّي ما لم تلد، فان غلبها الوجع ففاتتها صلاة لم تقدر أن تصلّيها من الوجع فعليها قضاء تلك الصلاة بعد ما تطهر».(4)


1) - مدارك الأحكام 2: 42 و 43.

2) - وسائل الشيعة 2: 334 / الباب 30 من أبواب الحيض / الحديث 17.

3) - وسائل الشيعة 2: 333 / الباب 30 من أبواب الحيض / الحديث 12.

4) - وسائل الشيعة 2: 391 / الباب 4 من أبواب النفاس / الحديث 1.

يستفاد من هذه الروايات و الروايات التي تقدّمت في الحيض و الاستحاضة أمران:

الأوّل: أنّ دم النفاس هو الذي يكون مع خروج أوّل جزء من الولد، سواء كان تامّ الخلقة أو لم يكن، و سواء كان فيه الروح أو لم يكن. و أمّا لو كان مضغة أو علقة، فقد ذهب المصنّف بأنّ الدم الذي يخرج معهما نفاس بشرط العلم بكونهما مبدأ نشوء الانسان. و استشكل فيه العلاّمة الخوئي و قال : «انّ النفاس مترتّب على الولادة و لاتصدق الولادة على اسقاط المضغة و العلقة، و لايقال: انّها ولدت. نعم، يصحّ أن يقال: انّها أسقطت أو وضعت حملها. و يترتّب عليه الحكم بانقضاء العدّة. و ما عن شيخنا المحقّق الهمداني من أنّ موضوع النفاس هو وضع الحمل ممّا لا دليل عليه في الأخبار. و قد ادّعى العلاّمة في التذكرة الاجماع على الحاق اسقاط المضغة بل العلقة بالولادة و ترتّب أحكام النفاس باسقاطهما. انتهى ملخّصا».(1)

و في المستمسك - بعد ادّعاء الاجماع من المدارك و الجواهر و التذكرة و شرح الجعفريّة - قال: «و هو العمدة فيه و لولاه لأشكل؛ لعدم ثبوت صدق النفاس مع اسقاط المضغة و العلقة، و لذا توقّف الكركي في الحاق العلقة، بل عن الأردبيلي الجزم بعدم الحاقهما، لكن لايبعد الصدق، و ان كان لايخلو من خفاء».(2)

و قال الامام الخميني: «ثمّ انّ مقتضى الجمود على عبارة اللغويين و على الروايات في الباب هو عدم الحكم بنفاسيّة الدم الخارج مع المضغة فضلاً عن الخارج مع العلقة أو النطفة المستقرّة؛ لعدم صدق الولادة الاّ مع صدق الولد على الخارج، فالولادة و الولد و المولود من المتضايفات التي لايصدق واحد منها على


1) - التنقيح في شرح العروة 8: 156.

2) - مستمسك العروة 3: 432.

موضوعه الاّ مع صدق غيره على موضوعه. لكنّه جمود غير وجيه لدى العرف، فانّ الظاهر أنّ نظر أهل اللغة من كون النفاس دم الولادة ليس الى ما ذكر، و كذالايستفاد من الروايات ذلك، بل الظاهر أنّ الدم الخارج مع المضغة و العلقة بل النطفة اذا استقرّ في الرحم يكون نفاسا. انتهى ملخّصا».(1)

أقول:

ظاهر الروايات المذكورة و اللغة أنّ الولادة تصدق على ما اذا كان الولد تامّ الخلقة، الاّ أنّ العرف لايعبأ أن يحكم بما يسقط من المرأة بعد أربعة أشهر بل قبلها بالمولود الاّ أنّ الجاري على لسانهم بالمولود الناقص السقط، و لذلك نقول ما ذهب اليه أكثرهم بكون الدم الموجود مع السقط نفاسا صحيح، و لايبعد من الروايات، حتّى بالنسبة الى المضغة و العلقة بل النطفة المستقرّة في الرحم الاّ أنّ الاحتياط بالجمع بين أعمال الاستحاضة و تروك الحائض لايترك.

ثمّ انّه يشترط العلم بكونها مبدأ نشوء الانسان، و قد ذكر في بحث الشهادات أنّ شهادة القابلة الواحدة كافية بكونها مبدأ نشوء انسان و أنّها نفساء اذا لم توجد الاّ واحدة. و لو شكّ في الولادة أو في كون الساقط مبدأ نشوء الانسان لم يحكم بالنفاس و لايلزم الفحص أيضا.

الثاني: الدم الخارج قبل ظهور أوّل جزء من الولد ليس بنفاس. نعم، لو كان فيه شرائط الحيض كأن يكون في أيّام العادة و لم تكن أقلّ من ثلاثة أيّام فهو حيض، و أمّا لو كان أقلّ من ذلك فهو استحاضة، انّما الكلام في أنّه هل يشترط الفصل بين هذا الدم و دم النفاس بأقلّ الطهر أي عشرة أيّام أم لا؟ فالمصنّف ذهب الى عدم اشتراطه فقال: «فهو حيض و ان لم يفصل بينه و بين دم النفاس أقلّ الطهر على الأقوى خصوصا اذا كان في عادة الحيض أو متّصلاً بالنفاس و لم يزد


1) - كتاب الطهارة 1: 519 و 520.

مجموعهما عن عشرة أيّام»، و احتاط مع عدم الفصل بأقلّ الطهر خصوصا في غير الصورتين».

و في المدارك: «و لو رأت قبل الولادة فليس بنفاس اجماعا، و لا حيض عند المحقّق في الشرائع، و من قال بمقالته بعدم اجتماع الحيض مع الحمل، و على ما اخترناه يجب الحكم بكونه حيضا مع امكانه. و في اشتراط تخلّل أقلّ الطهر بينه و بين النفاس قولان أظهرهما العدم و هو خيرة العلاّمة في التذكرة و المنتهى».(1)

قال في مهذّب الأحكام: «المشهور اعتبار فصل أقلّ الطهر بين الحيض المتقدّم و النفاس؛ لاطلاق ما دلّ على أنّ أقلّ الطهر عشرة أيّام، و اطلاق قول الصادق عليه السلام : «تصلّي حتّى يخرج رأس الولد»، و قوله عليه السلام : «تصلّي ما لم تلد»، و ما دلّ على أنّ النفاس حيض محتبس، و أنّ النفساء كالحائض، و أنّه يعتبر تخلّل العشرة في الحيض الواقع بعد النفاس فكذا فيما قبله.

و يردّ الأوّل باختصاصه بما بين الحيضتين. و الثاني: محمول على الغالب من كون الدم في حال الطلق و المخاض غير واجد لصفات الحيض، فلايشمل ما كان واجدا لها. و الثالث: بأنّ التنزيل في الجملة لا من كلّ جهة و يكفي الشكّ فيه في عدم ثبوت العموم، فلايعتبر الاّ فيما اتّفق فيه الأصحاب، و الأخير قياس باطل، مع أنّ المقيس عليه مورد البحث أيضا كما يأتي، و لذا ذهب جمع الى عدم اعتبار فصل أقلّ الطهر بين الحيض المتقدّم و النفاس؛ لاطلاق أدلّة الحيض، و قاعدة الامكان.

و يشكل الأوّل في غير واجد الصفات، مع أنّ مرتكز النساء أنّه دم المخاض. و الأخير بما تقدّم من اختصاصها بالشبهات الموضوعيّة دون الحكميّة و حينئذ فان كان في البين أصل موضوعي يعمل به، و الاّ فان قلنا بأنّ الأصل في دم النساء


1) - مدارك الأحكام 2: 44.

الاستحاضة الاّ ما ثبت الخلاف، فهو استحاضة و الاّ فلابدّ من الاحتياط».(1)

أقول:

اذا كان في الدم الحاصل قبل النفاس شرائط الحيض، كأن يكون في أيّام العادة أو كان بصفات الحيض و لم يكن أقلّ من ثلاثة أيّام، و لم يكن هذا الدم و الدم الخارج بالولادة أكثر من عشرة أيّام فهو حيض. و كذا لو كان بين هذا الدم الذي يكون فيه شرائط الحيض و بين دم النفاس عشرة أيّام أقلّ الطهر، فهو حيض أيضا. و أمّا في غير هاتين الصورتين فالاحتياط بالجمع بين أحكام الاستحاضة و تروك الحائض لايترك.

في أنّه ليس لأقلّ النفاس حدّ

(مسألة 1): ليس لأقلّ النفاس حدّ بل يمكن أن يكون مقدار لحظة بين العشرة، و لو لم تر دما فليس لها نفاس أصلاً، و كذا لو رأته بعد العشرة من الولادة، و أكثره عشرة أيّام و ان كان الأولى مراعاة الاحتياط بعدها أو بعد العادة الى ثمانيه عشر يوما من الولادة، و الليلة الأخيرة خارجة، و أمّا الليلة الأولى ان ولدت في الليل فهي جزء من النفاس و ان لم تكن محسوبة من العشرة، و لو اتّفقت الولادة في وسط النهار يلفّق من اليوم الحادي عشر لا من ليلته، و ابتداء الحساب بعد تماميّة الولادة و ان طالت لا من حين الشروع و ان كان اجراء الأحكام من حين الشروع اذا رأت الدم الى تمام العشرة من حين تمام الولادة.

الشرح:

قال في الشرائع: «و ليس لقليله حدّ، فجاز أن يكون لحظة واحدة. و لو ولدت و لم تر دما لم يكن لها نفاس.


1) - مهذّب الأحكام 3: 307 و 308.

الى أن قال: و أكثر النفاس عشرة أيّام على الأظهر».(1)

و في المدارك - في قول المصنّف ليس لقليله حدّ - قال: «هذا مذهب علمائنا وأكثر العامّة؛ لأنّ الشرع لم يقدّره، فيرجع فيه الى الوجود، و لما رواه علي بن يقطين في الصحيح عن أبي الحسن عليه السلام أنّه سأله عن النفساء، قال: «تدع الصلاة مادامت ترى الدم العبيط». و لو ولدت و لم تر دما في الأيّام المحكوم بكون الدم الموجود فيها نفاسا لم يكن لها نفاس.

و قد أجمع الأصحاب على أنّ النفاس لايكون الاّ مع الدم؛ لأصالة البراءة ممّا لم يقم دليل على ثبوته. و خالف في ذلك بعض العامّة، فأوجب الغسل بخروج الولد، و جعله بعضهم حدثا أصغر. و كلاهما باطل؛ لأنّه ايجاب شيء لا دليل عليه.

و - بالنسبة الى قول المصنّف: و أكثر النفاس عشرة أيّام على الأظهر - قال: اختلف الأصحاب في هذه المسألة، فقال الشيخ في النهاية: «و لايجوز لها ترك الصلاة و لا الصوم الاّ في الأيّام التي كانت تعتاد فيها الحيض - ثمّ قال بعد ذلك: - و لايكون حكم نفاسها أكثر من عشرة أيّام»، و نحوه قال في الجمل و المبسوط. و قال المفيد رحمه الله في المقنعة: «و أكثر النفاس ثمانيه عشر يوما - ثمّ قال: - و قد جاءت الأخبار المعتمدة أنّ أقصى مدّة النفاس عشرة أيّام و عليها أعمل؛ لوضوحها عندي». و قال المرتضى: «أكثر أيّام النفاس ثمانيه عشر يوما». و هو اختيار ابن الجنيد، و ابن بابويه في كتابه. و قال ابن أبي عقيل في كتابه المتمسّك: «أيّامها عند آل الرسول صلى الله عليه و آله أيّام حيضها، و أكثره أحد و عشرون يوما»، - الى أن قال: - و ذهب جماعة منهم العلاّمة في جملة من كتبه، و الشهيد في الذكرى الى أنّ ذات العادة المستقرّة في الحيض تتنفّس بقدر عادتها، و المبتدئة بعشرة أيّام و اختار في المختلف أنّ ذات العادة ترجع الى عادتها و المبتدئة تصبر ثمانيه عشر يوما.

و الأخبار الواردة في هذه المسألة مختلفة جدّا على وجه يشكل الجمع بينها


1) - شرائع الاسلام 1: 35.

• و بعد نقل الأخبار قال: - و كيف كان، فلا ريب في أنّ للمعتادة الرجوع الى العادة؛ لاستفاضة الروايات الواردة بذلك و صراحتها. و انّما يحصل التردّد في المبتدئة خاصّة من الروايات الواردة بالثمانيه عشر، و من أنّ مقتضى رجوع المعتادة الىالعادة كون النفاس حيضا في المعنى فيكون أقصاه عشرة، و طريق الاحتياط بالنسبة اليها واضح. انتهى ملخّصا».(1)

أقول:

ليس لأقلّ النفاس حدّ، بل يمكن أن يكون مقدار لحظة بين العشرة بعد الولادة؛ و ذلك لاطلاقات الأدلّة، حيث لم يقيّد النفاس فيها من حيث القلّة بوقت فيمكن أن يكون النفاس لحظة كما في التنقيح.(2)و يمكن الاستدلال برواية أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته عن النفساء كم حدّ نفاسها حتّى تجب عليها الصلاة؟ و كيف تصنع؟ قال: ليس لها حدّ».(3)

و ضعفها ينجبر بذهاب العلماء اليه كما في المدارك، و قال في الوسائل بالنسبة الى دلالتها: «و الأقرب أنّ المراد ليس لها حدّ في القلّة، فانّ الأحاديث تضمّنت تحديد أكثره و لم يرد تحديد لأقلّه كما ورد في الحيض».(4)

و قد استدلّ صاحب المدارك بصحيحة علي بن يقطين قال:

«سألت أبا الحسن الماضي عليه السلام عن النفساء و كم يجب عليها ترك الصلاة؟ قال: تدع الصلاة مادامت ترى الدم العبيط الى ثلاثين يوما،


1) - مدارك الأحكام 2: 44 - 48

2) - التنقيح في شرح العروة 8: 157.

3) - وسائل الشيعة 2: 382 / الباب 2 من أبواب النفاس / الحديث 1.

4) - نفس المصدر.

فاذا رقّ و كانت صفرة اغتسلت و صلّت ان شاء اللّه».(1)

و أمّا بالنسبة الى أكثرها، فان كانت لها عادة، فنفاسها أيّام عادتها؛ و ذلك لصحيحة يونس بن يعقوب قال:

«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: تجلس النفساء أيّام حيضها التي كانتتحيض، ثمّ تستظهر و تغتسل و تصلّي».(2)

و صحيحة زرارة عن أحدهما عليهماالسلام قال:

«النفساء تكفّ عن الصلاة أيّامها التي كانت تمكث فيها، ثمّ تغتسل و تعمل كما تعمل المستحاضة».(3)

و صحيحة ثانية لزرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«قلت له: النفساء متى تصلّي؟ قال: تقعد قدر حيضها و تستظهر بيومين، فان انقطع الدم و الاّ اغتسلت و احتشت و استثفرت و صلّت، الحديث».(4)

و صحيحة يونس قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن امرأة ولدت فرأت الدم أكثر ممّا كانت ترى؟ قال: فلتقعد أيّام قرئها التي كانت تجلس ثمّ تستظهر بعشرة أيّام، فان رأت دما صبيبا فلتغتسل عند وقت كلّ صلاة، فان رأت صفرة فلتتوضّأ ثمّ لتصلّ».(5)


1) - وسائل الشيعة 2: 387 / الباب 3 من أبواب النفاس / الحديث 16.

2) - وسائل الشيعة 2: 381 / الباب 1 من أبواب النفاس / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 2: 382 / الباب 3 من أبواب النفاس / الحديث 1.

4) - وسائل الشيعة 2: 383 / الباب 3 من أبواب النفاس / الحديث 2.

5) - وسائل الشيعة 2: 383 / الباب 3 من أبواب النفاس / الحديث 3.

و موثّقة زرارة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«تقعد النفساء أيّامها التي كانت تقعد في الحيض و تستظهر بيومين».(1)

و صحيحة يونس بن يعقوب قال:

«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: تجلس النفساء أيّام حيضها التي كانت تحيض، ثمّ تستظهر و تغتسل و تصلّي».(2)

و غيرها من الأخبار. فمن هذه الروايات المعتبرة تستفاد أنّ نفاس صاحب العادة يكون بمقدار عادتها، فان تجاوز عنها تستظهر الى عشرة أيّام فان انقطع فنفاسها عشرة أيّام، و ان تجاوز فنفاسها أيّام عادتها و ما تجاوز عنها فاستحاضة. و ان لم تكن لها عادة، فان انقطع الدم عنها قبل العشرة فهو نفاسها، و ان تجاوز عن العشرة، فحدّ نفاسها العشرة و ما تجاوز عنها يكون استحاضة؛ و ذلك لجعل دم النفاس في الروايات بمثابة دم الحيض و تسوية حكمهما.

بقي هناك طائفتان من الروايات:

الطائفة الأولى: الروايات التي قد حدّ فيها ثلاثين أو أربعين أو خمسين يوما لأكثر النفاس فانّها تحمل على التقيّة؛ لأنّها لايفتي بها الاّ أهل الخلاف.

الطائفة الثانية: الروايات التي تدلّ على أنّ أكثر النفاس ثمانيه عشر يوما، فانّها تحمل على التقيّة أيضا، و قد أوضحها مرفوعة ابراهيم بن هاشم قال:

«سألت امرأة أبا عبداللّه عليه السلام فقالت: انّي كنت أقعد في نفاسي عشرين يوما حتّى أفتوني بثمانيه عشر يوما، فقال أبو عبداللّه عليه السلام : و لم أفتوك بثمانيه عشر يوما؟! فقال رجل: للحديث الذي روي عن


1) - وسائل الشيعة 2: 384 / الباب 3 من أبواب النفاس / الحديث 5.

2) - وسائل الشيعة 2: 385 / الباب 3 من أبواب النفاس / الحديث 8.

رسول اللّه صلى الله عليه و آله أنّه قال لأسماء بنت عميس حيث نفست بمحمّد بن أبي بكر، فقال أبو عبداللّه عليه السلام : انّ أسماء سألت رسول اللّه صلى الله عليه و آله و قد أتى بها ثمانيه عشر يوما، و لو سألته قبل ذلك لأمرها أن تغتسل و تفعل ما تفعل المستحاضة».(1)

و نظيرها ما رواه في منتقى الجمان في رواية عن حمران بن أعين عن أبي جعفر عليه السلام قال:

« ... انّها لو سألت رسول اللّه صلى الله عليه و آله قبل ذلك و أخبرته لأمرها بما أمرهابه، قلت: فما حدّ النفساء؟ قال: تقعد أيّامها التي تطمث فيهنّ أيّام قرئها، الحديث».(2)

و قال الامام الخميني رحمه الله: «انّ الحدّ مطلقا - لذات العادة و غيرها - عشرة أيّام الاّ أنّ تكليف ذات العادة الرجوع الى عادتها ثمّ الاستظهار الى عشرة أيّام ثمّ عمل المستحاضة، و غير ذات العادة تقعد عشرة أيّام و هي أقصى الأيّام».(3)

و أمّا الليلة الأولى ان ولدت في الليل فهي جزء من النفاس و ان لم تكن محسوبة من العشرة، و كذا الليلة الأخيرة - أعني الليلة الحاديه عشرة، أو الليلة السابعة اذا كانت عادتها ستّة أيّام - لاتعدّان من العشرة؛ و ذلك لأنّ المدار على الأيّام، أي أيّام العادة أو عشرة أيّام، الاّ أنّ بين الليلتين فرقا و هو أنّ الدم في الليلة الأولى نفاس؛ لأنّه دم الولادة، أمّا في الليلة الأخيرة فهو دم استحاضة لايترتّب عليه أحكام النفاس كما في التنقيح.(4)

و لو اتّفقت الولادة في وسط النهار يلفّق من اليوم الحادي عشر لا من ليلته؛


1) - وسائل الشيعة 2: 384 / الباب 3 من أبواب النفاس / الحديث 7.

2) - وسائل الشيعة 2: 386 / الباب 3 من أبواب النفاس / الحديث 11.

3) - كتاب الطهارة 1: 539.

4) - التنقيح في شرح العروة 8: 169.

لاقتضاء الأيّام في الروايات ذلك. و ابتداء الحساب بعد تماميّة الولادة و ان طالت، لا من حين الشروع؛ و ذلك لدلالة الروايات من أنّ العشرة أو مقدار أيّام العادة يكون بعد الولادة. و أمّا اجراء أحكام النفاس يكون من حين الشروع اذا رأت الدم؛ لأنّ هذا الدم نفاس لا محالة كما تقدّم في ابتداء الفصل.

فيما اذا انقطع دمها على العشرة أو قبلها

(مسألة 2): اذا انقطع دمها على العشرة أو قبلها فكلّ ما رأته نفاس سواء رأت تمام العشرة أو البعض الأوّل أو البعض الأخير أو الوسط أو الطرفين أو يوما و يوما لا، و في الطهر المتخلّل بين الدم تحتاط بالجمع بين أعمالالنفساء و الطاهر، و لافرق في ذلك بين ذات العادة العشرة أو أقلّ و غير ذات العادة، و ان لم تر دما في العشرة فلا نفاس لها، و ان رأت في العشرة و تجاوزها فان كانت ذات عادة في الحيض أخذت بعادتها سواء كانت عشرة أو أقلّ و عملت بعدها عمل المستحاضة و ان كان الأحوط الجمع الى الثمانيه عشر كما مرّ، و ان لم تكن ذات عادة كالمبتدئة و المضطربة فنفاسها عشرة أيّام و تعمل بعدها عمل المستحاضة مع استحباب الاحتياط المذكور.

الشرح:

تتّضح هذه المسألة بعد ما تقدّم في المسألة السابقة من أنّ دم النفاس و الحيض متماثلان في الجملة، فاذا انقطع دمها على العشرة أو قبلها بعد الولادة فكلّ ما رأته من الدم نفاس، سواء رأت تمام العشرة، أو البعض الأوّل.

و أمّا اذا لم تر دما بعد الولادة على الفرض البعيد ثمّ رأت بعد يوم أو يومين أو أكثر قبل مضي العشرة، فما لم تر دما لم يكن نفاسا؛ لأنّ النفاس هو الدم مع الولادة أو بعدها، فنفاسها الأيّام أو الساعات التي ترى الدم قبل مضي العشرة.

و أمّا لو رأت الدم بعد الولادة ثمّ انقطع ثمّ رأت الدم قبل العشرة فالظاهر أنّ هذا النقاء المتخلّل أيضا بحكم النفاس، و الدليل على ذلك المطلقات الدالّة على

أنّ النفساء تقعد أيّامها التي كانت تقعد فيها في حيضها أو أيّام قرئها.

قال في التنقيح: «انّ مقتضى هذه المطلقات أنّ النفساء لا بدّ من أن تقعد سبعة أيّام مثلاً من يوم رأت الدم اذا كانت عادتها في الحيض سبعة أيّام، بلا فرق في ذلك بين استمرار دمها في تلك الأيّام من غير انقطاع و بين انقطاعه في الوسط يوما أو أقلّ أو أكثر؛ و ذلك لأنّ انقطاع الدم في أيّام العادة ثمّ عوده لو لم يكن أكثريّا في النساء فلا أقلّ من كونه أمرا متعارفا فلا محالة تشمله الاطلاقات و لا سيّما فيما اذا كانت مدّة الانقطاع قليلة كما بين الطلوعين و نحوه. فاذا كان النقاء المتخلّل بحكم النفاس في ذات العادة كان الحكم كذلك في غير ذات العادة؛ لعدمالفرق بينهما من حيث النقاء. انتهى ملخّصا».(1)

و أمّا لو لم تر دما في العشرة فلانفاس لها؛ لأنّ النفاس الدم الذي يكون بعد الولادة و قبل العشرة. ثمّ انّ هذا الدم الذي رأته بعد العشرة ان كان في أيّام عادتها فهو حيض و ان لم يكن في أيّامها فاستحاضة. و ان رأت الدم بعد الولادة في العشرة و تجاوزها، فلو كانت لها عادة أخذت بعادتها - سواء كانت عشرة أو أقلّ - و عملت بعدها عمل المستحاضة؛ و ذلك للروايات الدالّة على أنّ النفساء تقعد أيّامها التي كانت تقعد فيها في حيضها أو أيّام قرئها كصحيحة يونس بن يعقوب قال:

«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: تجلس النفساء أيّام حيضها التي كانت تحيض، ثمّ تستظهر و تغتسل و تصلّي».(2)

و لو لم تكن ذات عادة فنفاسها عشرة أيّام؛ لأنّها تكون أكثر أيّام النفاس كما تقدّم وبعدها استحاضة.


1) - التنقيح في شرح العروة 8: 173 و 174.

2) - وسائل الشيعة 2: 381 / الباب 1 من أبواب النفاس / الحديث 1.

فيما اذا لم تر صاحبة العادة في العادة أصلاً و رأت بعدها و تجاوز العشرة

(مسألة 3): صاحبة العادة اذا لم تر في العادة أصلاً و رأت بعدها و تجاوز العشرة لا نفاس لها على الأقوى، و ان كان الأحوط الجمع الى العشرة بل الى الثمانيه عشر مع الاستمرار اليها، و ان رأت بعض العادة و لم تر البعض من الطرف الأوّل و تجاوز العشرة أتمّها بما بعدها الى العشرة دون ما بعدها، فلو كان عادتها سبعة و لم تر الى اليوم الثامن فلا نفاس لها، و ان لم تر اليوم الأوّل جعلت الثامن أيضا نفاسا، و ان لم تر اليوم الثاني أيضا فنفاسها الى التاسع، و ان لم تر الى الرابع أو الخامس أو السادس فنفاسها الى العشرة و لاتأخذ التتمّة من الحادي عشر فصاعدا، لكنّ الأحوط الجمع فيما بعد العادة الى العشرة بلالى الثمانيه عشر مع الاستمرار اليها.

الشرح:

قد صوّر في التنقيح(1)صورا تطابق ما يستفاد من الروايات من أنّ ذات العادة اذا ولدت قد ترى الدم بعدد أيّامها أو زائدا عليها من غير تجاوزه العشرة، و قد يتجاوز دمها العشرة. فان رأته بعدد أيّامها أو زائدا من غير تجاوز العشرة فتأخذ الجميع نفاسا بمقتضى الأخبار المتقدّمة، و اذا تجاوز العشرة رجعت الى عادتها و تجعله في أيّامها نفاسا و في الزائد استحاضة كما تقدّم. و قد ترى ذات العادة الدم في بعض عادتها لا في تمامها، و هذا قد يكون من الطرف الأوّل و قد يكون من الأخير.

أمّا اذا رأت الدم في أوّل عادتها فانقطع ثمّ عاد بعد ذلك، فان عاد بعد العشرة فلا اشكال في أنّ الدم العائد ليس بنفاس؛ لأنّه دم رأته ذات العادة بعد عادتها و بعد عشرة أيّام، و انّما النفاس هو الدم الأوّل فقط؛ لأنّه دم رأته في أيّامها.

و أمّا اذا عاد قبل انقضاء عادتها و بعده لكن قبل العشرة فكلا الدمين نفاس؛


1) - التنقيح في شرح العروة 8: 177.

لأنّهما دمان رأت ذات العادة أحدهما في عادتها و الآخر قبل العشرة فهما نفاس، و الحكم في النقاء المتخلّل بينهما ما قدّمناه فلانعيد، و هذا لعلّه ظاهر و لم يتعرّض له الماتن قدس سره.

و على هذا فانّ صاحبة العادة تارة: لم تر الدم في العادة - بعد الولادة - و رأت بعد العادة و تجاوز العشرة فالظاهر أنّ نفاسها في تمام رؤية الدم اذا لم يتجاوز الدم العشرة، و الاّ فبمقدار العادة؛ و هذا لما مرّ من تماثل الحيض و النفاس، و ان كان الأحوط بعد تجاوز العشرة من حين الولادة الجمع بين تروك الحائض و أعمال الاستحاضة.

و أخرى: رأت الدم بعد الولادة في البعض الآخر من أيّامها، مثلاً اذا كانت عادتها سبعة و رأت الدم من اليوم الثاني من الولادة و تجاوز العشرة، فالكلّ نفاس، اذا لم يتجاوز الدم من أوّل رؤيته الى آخره العشرة، فان تجاوز العشرة فالنفاس بمقدار العادة، و تجعل الباقي استحاضة. و هذا على ما بنينا عليه من أنّ النفاس دم يظهر مع الولادة أو بعدها الى عشرة أيّام من حين رؤية الدم. و أمّا على مسلكه من أنّ النفاس بعد الولادة فالظاهر عدم تماميّته، و قد أوضحها في التنقيح فراجع.

في فصل أقلّ الطهر بين الحيض المتقدّم و النفاس

(مسألة 4): اعتبر مشهور العلماء فصل أقلّ الطهر بين الحيض المتقدّم و النفاس، و كذا بين النفاس و الحيض المتأخّر، فلايحكم بحيضيّة الدم السابق على الولادة و ان كان بصفة الحيض أو في أيّام العادة اذا لم يفصل بينه و بين النفاس عشرة أيّام، و كذا في الدم المتأخّر، و الأقوى عدم اعتباره في الحيض المتقدّم كما مرّ. نعم، لايبعد ذلك في الحيض المتأخّر لكنّ الأحوط مراعاة الاحتياط.

الشرح:

قد تقدّم أنّه يعتبر أن يكون الفصل بين الحيضتين أقلّ الطهر و هو عشرة أيّام، كما أنّ أقلّ الحيض ثلاثة و أكثره عشرة أيّام. انّما الكلام في اعتبار فصل أقلّ الطهر بين الحيضة المتقدّمة على الولادة و دم النفاس، و المصنّف قال: «اعتبر مشهور العلماء فصل أقلّ الطهر بين الحيض المتقدّم و النفاس، و كذا بين النفاس و الحيض المتأخّر - الى أن قال: - و الأقوى عدم اعتباره في الحيض المتقدّم كما مرّ. نعم، لايبعد ذلك في الحيض المتأخّر، لكنّ الأحوط مراعاة الاحتياط».

و في التنقيح أيضا لم يعتبر ذلك الفصل في الحيض المتقدّم، و قال بعدم الدليل، و أنّ الدليل الدالّ بالفصل بين الحيضتين مختصّ بهما، و لايعمّ الحيض والنفاس.(1)

و قد تقدّم البحث عن هذا في أوّل الفصل في الأمر الثاني فراجع.

و أمّا اعتبار الفصل بين النفاس و الحيض المتأخّر بأقلّ الطهر، فيظهر من صحيحة عبداللّه بن المغيرة عن أبي الحسن الأوّل عليه السلام :

«في امرأة نفست فتركت الصلاة ثلاثين يوما ثمّ طهرت ثمّ رأت الدم بعد ذلك، قال: تدع الصلاة؛ لأنّ أيّامها أيّام الطهر و قد جازت مع أيّام النفاس».(2)

و تعليلها يدلّ على اعتبار مضي أيّام الطهر في حيضيّة الدم المتأخّر كما في التنقيح(3)و المستمسك.(4)


1) - التنقيح في شرح العروة 8: 181.

2) - وسائل الشيعة 2: 393 / الباب 5 من أبواب النفاس / الحديث 1.

3) - التنقيح في شرح العروة 8: 182.

4) - مستمسك العروة 3: 453.

فيما اذا خرج بعض الطفل و طالت المدّة الى أن خرج تمامه

(مسألة 5): اذا خرج بعض الطفل و طالت المدّة الى أن خرج تمامه فالنفاس من حين خروج ذلك البعض اذا كان معه دم و ان كان مبدأ العشرة من حين التمام كما مرّ، بل و كذا لو خرج قطعة قطعة و ان طال الى شهر أو أزيد فمجموع الشهر نفاس اذا استمرّ الدم، و ان تخلّل نقاء فان كان عشرة فطهر، و ان كان أقلّ تحتاط بالجمع بين أحكام الطاهر و النفساء.

الشرح:

اذا خرج بعض الطفل و طالت المدّة الى أن خرج تمامه فالنفاس من حين خروج ذلك البعض اذا كان معه دم و ان كان مبدأ العشرة من حين التمام كما مرّ في المسألة الأولى، بل و كذا لو خرج قطعة قطعة و ان طال الى شهر أو أزيد فمجموعالشهر نفاس اذا استمرّ الدم؛ و ذلك لصدق الولادة مع كلّ قطعة. و ان تخلّل نقاء فان كان عشرة فطهر؛ لأنّ أقلّ الطهر عشرة أيّام بلا فرق بين الحيض و النفاس. و ان كان أقلّ تحتاط بالجمع بين أحكام الطاهر و النفساء، يعني تغتسل و تصلّي و تصوم و تقضي صلاتها و صيامها؛ لأنّها لم تتمّ ولادتها.

فيما اذا ولدت اثنين أو أزيد

(مسألة 6): اذا ولدت اثنين أو أزيد فلكلّ واحد منهما نفاس مستقلّ، فان فصل بينهما عشرة أيّام و استمرّ الدم فنفاسها عشرون يوما لكلّ واحد عشرة أيّام، و ان كان الفصل أقلّ من عشرة مع استمرار الدم يتداخلان في بعض المدّة، و ان فصل بينهما نقاء عشرة أيّام كان طهرا بل و كذا لو كان أقلّ من عشرة على الأقوى من عدم اعتبار العشرة بين النفاسين، و ان كان الأحوط مراعاة الاحتياط في النقاء الأقلّ كما في قطعات الولد الواحد.

الشرح:

اذا ولدت اثنين أو أزيد فلكلّ واحد منهما نفاس مستقلّ؛ لصدق الولادة

المستقلّة مع كلّ واحد منهما فيجري في كلّ منهما أحكام النفاس.

قال في المدارك: «الظاهر أنّ ما تراه المرأة من الدم بعد ولادة كلّ منهما يحكم بكونه نفاسا مستقلاًّ؛ لتعدّد العلّة، فيعطى كلّ نفاس حكمه، فتكون نفساء من وضع الأوّل، و مع ولادة الثاني يتحقّق لها نفاس آخر فيعتبر العدد من وضعه. و يمكن تخلّل الطهر بينهما كما اذا كانت ولادة الثاني بعد مضي أكثر النفاس من وضع الأوّل، و ان كان بعيدا».(1)

فان فصل بينهما عشرة أيّام و استمرّ الدم فنفاسها عشرون يوما لكلّ واحد عشرة أيّام؛ لظاهر الروايات و تطبيقها لكلّ واحد منهما.

قال في المستمسك: «اجماعا فيتّصل النفاسان، و ان منع من اتّصال الحيضين. و به يخرج عن عموم المساواة بين الحيض و النفاس لو تمّ في نفسه».(2)

و كذا لو كان الفصل بين الولادتين أقلّ من عشرة أيّام مع استمرار الدم، فلكلّ منهما نفاس و لايتداخلان - كما ذهب اليه المصنّف -، و ثمرته أنّ الدم المستمرّ بعد الولادة الثانية يكون نفاسا الى عشرة أيّام.

و ان فصل بينهما نقاء عشرة أيّام كان طهرا، بل و كذا لو كان أقلّ من عشرة على الأقوى من عدم اعتبار العشرة بين النفاسين.

و في المستمسك: «في كلام شيخنا الأعظم رحمه اللهو غيره: الاجماع عليه. و به يخرج عن عموم ما دلّ على أنّ الطهر لايكون أقلّ من عشرة أيّام».(3)


1) - مدارك الأحكام 2: 49.

2) - مستمسك العروة 3: 456.

3) - نفس المصدر.

فيما اذا استمرّ الدم الى شهر أو أزيد

(مسألة 7): اذا استمرّ الدم الى شهر أو أزيد فبعد مضي أيّام العادة في ذات العادة و العشرة في غيرها محكوم بالاستحاضة و ان كان في أيّام العادة، الاّ مع فصل أقلّ الطهر عشرة أيّام بين دم النفاس و ذلك الدم، و حينئذ فان كان في العادة يحكم عليه بالحيضيّة و ان لم يكن فيها فترجع الى التمييز بناءً على ما عرفت من اعتبار أقلّ الطهر بين النفاس و الحيض المتأخّر و عدم الحكم بالحيض مع عدمه و ان صادف أيّام العادة لكن قد عرفت أنّ مراعاة الاحتياط في هذه الصورة أولى.

الشرح:

اذا استمرّ الدم الى شهر أو أزيد، فبعد مضي أيّام العادة في ذات العادة و العشرة في غيرها محكوم بالاستحاضة كما تقدّم في المسألة الثانية، وان كان يصادف الدم المستمرّ بعد العشرة مثلاً، أو بعد سبعة أيّام اذا كانت عادتها سبعة، بأيّام عادة نفسها قبل ولادتها (أي العادة الوقتيّة كما أنّ المراد من العادة السابقة العدديّة)، فهو استحاضة؛ و ذلك لما مرّ من أنّ الدم الزائد عن أيّام العادة أو العشرة لمن لم تكن لها عادة، يكون من دم الاستحاضة.

و أمّا اذا انفصل الدم بعد عشرة أيّام من دم النفاس أو بمقدار أيّام العادة - كأن تكون سبعة مثلاً -، ثمّ رأت أقلّ الطهر و هو عشرة أيّام ثمّ رأت الدم، فان كان في أيّام العادة فهو حيض، و كذا لو كان بصفة الحيض.

و أمّا لو لم يكن الطهر بعد عشرة أيّام أو بمقدار أيّام العادة، أو كان بعد عشرة أيّام أي أقلّ الطهر الاّ أنّه لم يكن في العادة أو لم يكن بصفة الحيض فهو استحاضة الاّ أنّ مراعاة الاحتياط في هذه الصورة أولى، بأن تجمع بين تروك الحائض و أعمال المستحاضة.

و في التنقيح: «تدلّ صحيحة عبداللّه بن المغيرة على اعتبار الفصل بأقلّ الطهربين الحيض المتأخّر و النفاس، و مع هذا الاشتراط اذا خرج الدم قبل أقلّ الطهر فيستكشف أنّه ليس بحيض و انّما هو استحاضة، كما أنّ النقاء نقاء بعد النفاس و هو ليس في حكم النفاس. نعم، اذا خرج بعد مضي أقلّ الطهر من النفاس فهو دم قابل لأن يكون حيضا، فان كان في أيّام العادة فهو حيض مطلقا، و اذا لم يكن في أيّامها بنحو كان واجدا للصفات فهو حيض، و الاّ فهو استحاضة؛ لأنّ الصفرة في غير أيّام العادة ليست بحيض كما تقدّم».(1)

في وجوب الاستظهار على النفساء اذا انقطع دمها في الظاهر

(مسألة 8): يجب على النفساء اذا انقطع دمها في الظاهر الاستظهار بادخال قطنة أو نحوها و الصبر قليلاً و اخراجها و ملاحظتها على نحو ما مرّ في الحيض.

الشرح:

اذا انقطع على النفساء دمها في الظاهر، فان علمت بعدم وجود الدم في باطن الفرج فتغتسل و تصلّي، و ان لم تعلم فيجب عليها الاستظهار بادخال قطنة أو نحوها و الصبر قليلاً و اخراجها و ملاحظتها على نحو ما مرّ في الحيض و الاستحاضة.


1) - التنقيح في شرح العروة 8: 188 و 189.

فيما اذا استمرّ الدم الى ما بعد العادة في الحيض

(مسألة 9): اذا استمرّ الدم الى ما بعد العادة في الحيض يستحبّ لها الاستظهار بترك العبادة يوما أو يومين أو الى العشرة على نحو ما مرّ في الحيض.

الشرح:

اذا كانت النفساء ذات عادة و استمرّ دم نفاسها الى ما بعد العادة التي كانت لها في الحيض فيستحبّ لها الاستظهار بيوم أو يومين؛ لقوله عليه السلام في صحيحة محمّد بن مسلم:

« ... و لا بأس بأن تستظهر بيوم أو يومين».(1)

و قوله عليه السلام في صحيحة زرارة:

«النفساء تكفّ عن الصلاة أيّامها التي كانت تمكث فيها ثمّ تغتسل و تعمل كما تعمل المستحاضة».(2)

و رواية مالك بن أعين قال:

«سألت أبا جعفر عليه السلام عن النفساء يغشاها زوجها و هي في نفاسها من الدم؟ قال: نعم، اذا مضى لها منذ يوم وضعت بقدر أيّام عدّة حيضها ثمّ تستظهر بيوم، الحديث».(3)

و قد تقدّم البحث عن ذلك في الحيض.

في أنّ أحكام النفساء كالحائض

(مسألة 10): النفساء كالحائض في وجوب الغسل بعد الانقطاع أو بعد العادة أو العشرة في غير ذات العادة و وجوب قضاء الصوم دون الصلاة و عدم جواز وطئها و طلاقها و مسّ كتابة القرآن و اسم اللّه و قراءة آيات


1) - وسائل الشيعة 2: 387 / الباب 3 من أبواب النفاس / الحديث 15.

2) - وسائل الشيعة 2: 382 / الباب 3 من أبواب النفاس / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 2: 383 / الباب 3 من أبواب النفاس / الحديث 4.

السجدة و دخول المساجد و المكث فيها، و كذا في كراهة الوط ء بعد الانقطاع و قبل الغسل، و كذا في كراهة الخضاب و قراءة القرآن و نحو ذلك، و كذا في استحباب الوضوء في أوقات الصلوات و الجلوس في المصلّى و الاشتغال بذكر اللّه بقدر الصلاة، و ألحقها بعضهم بالحائض في وجوب الكفّارة اذا وطأها و هو أحوط لكنّ الأقوى عدمه.

الشرح:

قال في المستمسك: «النفساء كالحائض، اجماعا كما عن الغنية و شرح المفاتيح و اللوامع، و في المسالك و عن المدارك و الكفاية: أنّه قول الأصحاب، أو مذهبهم، و في المعتبر: «هو مذهب أهل العلم لانعرف فيه خلافا»، و في المنتهى: «لانعلم فيه خلافا بين أهل العلم»، و نحوه عن التذكرة، و عن السرائر نفي الخلاف فيه، بل الظاهر أنّه اجماع عند الكلّ؛ اذ لم نقف على من تعرّض لردّه أو التوقّف فيه. و هذا هو العمدة».(1)

و قال في التنقيح: «الحكم بأنّ النفساء كالحائض ان كان مستندا الى الاجماع فيدفعه أن تحصيل الاجماع التعبّدي غير ممكن في المسألة، و الاجماعات المنقولة لااعتبار بها. و ان كان مستندا الى ما ورد في بعض الأخبار من أنّ الحائض مثل النفساء سواء. ففيه: انّ الرواية الدالّة على ذلك و ان كانت معتبرة من حيث السند، الاّ أن دلالتها على المدّعى قابلة للمناقشة من جهتين:

احداهما: انّها لو دلّت فانّما تدلّ على أنّ الحائض مثل النفساء سواء، فيترتّب على الحائض ما كان يترتّب على النفساء، لا أنّ النفساء مثل الحائض ليترتّب عليها ما يترتّب على الحائض كما هو المدّعى.

ثانيتهما: انّا لو سلّمنا دلالتها على ذلك فغاية ما يستفاد منها أنّهما سواء في


1) - مستمسك العروة 3: 461.

الحكم الذي ورد في الرواية، حيث انّ زرارة سأله عن «النفساء متى تصلّي؟ فقال: تقعد بقدر حيضها و تستظهر بيومين فان انقطع الدم، و الاّ اغتسلت و احتشت و استثفرت (استذفرت) و صلّت، فان جاز الدم الكرسف تعصّبت و اغتسلت ثمّ صلّت الغداة بغسل، و الظهر و العصر بغسل، و المغرب و العشاء بغسل، و ان لم يجز الدم الكرسف صلّت بغسل واحد، قلت: و الحائض؟ قال: مثل ذلك سواء».

فلايستفاد منها سوى اتّحادهما في الحكم المذكور من وجوب الصلاة و الغسل عليها لكلّ صلاتين و للغداة و غير ذلك ممّا ذكرته الرواية، الاّ أنّها لاتدلّ على أنّ أيّ حكم ثبت لأحدهما يثبت للآخر أيضا.

و ان استند في ذلك الى رواية مقرّن عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: «سأل سلمان قدس سره عليّا عليه السلام عن رزق الولد في بطن أمّه، فقال عليه السلام : انّ اللّه تبارك و تعالى حبس عليه الحيضة فجعلها رزقه في بطن أمّه».

ففيه: انّ الرواية - مضافا الى ضعف سندها بغير واحد من رجاله كمقرّن لجهالته، و محمّد بن علي الكوفي و غيرهما - مخدوشة بحسب الدلالة؛ لأنّها دلّت على أنّ الحيض يحبس في بطن المرأة رزقا لولدها، و أمّا أنّ الخارج بعد الولادة حيض فلا دلالة فيها على ذلك بوجه و لو ضعيفا؛ اذ الحيض انّما يحبس في بطنها بمقدار يرتزق به الولد لا الزائد على ذلك حتّى يكون الخارج بعد الولادة حيضا، و انّما هو نفاس مستند الى الولادة. اذن لا دليل على الكبرى المدّعاة من أنّ النفساء كالحائض في أحكامها، و لابدّ في كلّ حكم من التبعيّة لدليله».(1)

أقول:

قد تقدّم أنّ المستفاد من الروايات المجموع من حيث المجموع و لو بالاضافة الى مذهب المشهور هو تماثل النفساء و الحائض في الأحكام، الاّ أنّه


1) - التنقيح في شرح العروة 8: 193 - 195.

يمكن تفريقها في بعضها، و لذا قلنا النفساء كالحائض في الجملة. نعم، النفساء لها أحكام مستقلّة قد ذكرت في الروايات، و تكون مماثلة لأحكام الحيض، كما سنذكر:

يجب على النفساء بعد انقطاع دم نفاسها و طهرها الغسل لما اشترط فيه الطهارة من العبادات؛ و ذلك لقوله عليه السلام في موثّقة سماعة:

«و غسل النفساء واجب».(1)

و صحيحة يونس بن يعقوب قال:

«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: تجلس النفساء أيّام حيضها التي كانت تحيض، ثمّ تستظهر و تغتسل و تصلّي».(2)

و لاتعارضها رواية معاوية بن عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سمعته يقول: ليس على النفساء غسل في السفر».(3)

لأنّها تحمل على تعذّر الغسل، فيجب التيمّم اذا أرادت الصلاة.

و يجب عليها قضاء الصوم؛ لصحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج عن أبي الحسن عليه السلام قال:

«سألته عن النفساء تضع في شهر رمضان بعد صلاة العصر أتتمّ ذلك اليوم أم تفطر؟ فقال: تفطر، ثمّ لتقض ذلك اليوم».(4)

و لايجوز وطؤها قبل انقطاع دمها و يكره قبل الاغتسال؛ للجمع بين موثّقة عبداللّه بن بكير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«اذا انقطع الدم و لم تغتسل فليأتها زوجها ان شاء».(5)


1) - وسائل الشيعة 2: 281 / الباب 1 من أبواب النفاس / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 2: 281 / الباب 1 من أبواب النفاس / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 2: 281 / الباب 1 من أبواب النفاس / الحديث 3.

4) - وسائل الشيعة 2: 394 / الباب 6 من أبواب النفاس / الحديث 1.

5) - وسائل الشيعة 2: 395 / الباب 7 من أبواب النفاس / الحديث 2.

و موثّقة سعيد بن يسار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«قلت له: المرأة تحرم عليها الصلاة ثمّ تطهر فتوضّأ من غير أن تغتسل أفلزوجها أن يأتيها قبل أن تغتسل؟ قال: لا حتّى تغتسل».(1)

و طلاقها في حال النفاس باطل؛ لصحيحة زرارة و محمّد بن مسلم عن أبي جعفر و أبي عبداللّه عليهماالسلام أنّهما قالا:

«اذا طلّق الرجل في دم النفاس، أو طلّقها بعد ما يمسّها فليس طلاقه ايّاها بطلاق».(2)

و يحرم عليها مسّ كتابة القرآن و اسم اللّه تعالى، و يستفاد ذلك ممّا تقدّم في الوضوء، نظير الحائض كما في المستمسك.(3)و يحرم عليها قراءة آيات السجدة و دخول المساجد و المكث فيها؛ لمساواتها للحائض من هذه الجهة.

و يستحبّ لها الوضوء في أوقات الصلوات و الجلوس في مصلاّها و الاشتغال بذكر اللّه بقدر الصلاة كما في الحائض و الدليل عليه دليله.

و أمّا الكفّارة لمن وطأها في حال النفاس فقد تقدّم عدم الدليل على حرمته في الحيض و كذا في النفاس.


1) - وسائل الشيعة 2: 395 / الباب 7 من أبواب النفاس / الحديث 3.

2) - وسائل الشيعة 22: 23 / الباب 9 من أبواب مقدّمات الطلاق / الحديث 1.

3) - مستمسك العروة 3: 463.

في كيفيّة غسل النفاس

(مسألة 11): كيفيّة غسلها كغسل الجنابة الاّ أنّه لايغني عن الوضوء بل يجب قبله أو بعده كسائر الأغسال.

الشرح:

قال في التنقيح: «لأنّ الغسل كالوضوء له طبيعة واحدة لاتختلف بحسب مواردها و أقسامها فكما أنّ الوضوء غسلتان و مسحتان في جميع الموارد كذلك الغسل هو عبارة عن صبّ الماء على الرأس و البدن على الكيفيّة المتقدّمة في غسل الجنابة حسبما يستفاد من الأخبار من دون فرق بين مواردها، فانّ ورود الكيفيّة في غسل الجنابة لايقتضي اختصاص الكيفيّة به؛ لأنّ الغسل أمر معهود في الأذهان».(1)

و أمّا الوضوء فقد تقدّم كفاية الغسل عن الوضوء الاّ في الاستحاضة المتوسّطة، و اذا أراد الاحتياط بالتوضّؤ فالأفضل التوضّؤ قبل الغسل.


1) - التنقيح في شرح العروة 8: 199.

تمّ بعون اللّه تعالى

المجلّد الثاني من شرح كتاب الطهارة من العروة الوثقى

بيد أقلّ العباد سيّد عليمحمّد دستغيب الحسيني

ابن المرحوم سيّد علي أكبر

في شهر رجب المرجّب سنة 1431

و صلّى اللّه على محمّد و آله الطاهرين