ghaemiyeh.com
الهادي إلی طريقة الوسطی في شرح العروة الوثقی
المجلد الأول
کتاب الإجتهاد والتقليد
کتاب الطهارة
الجزء الأول
لمؤلفة المحقق والفقيه المدقق
سماحة آية الله سيد علي محمد دستغيب الحسيني الشيرازي
محرّر الرقمي: روح الله قاسمي
بسم اللّه الرحمن الرحيم
عنوان
شناسنامه و پيش انتشار
مقدّمة / 27
كتاب الاجتهاد و التقليد / 31
في جواز العمل بالاحتياط مجتهدا كان أو لا ... 32
في أنّ الاحتياط قد يكون في الفعل و قد يكون في الترك ... 33
في جواز الاحتياط و لو كان مستلزما للتكرار و أمكن الاجتهاد أو التقليد ... 34
في لزوم الاجتهاد أو التقليد في مسألة جواز الاحتياط ... 35
في عدم الحاجة الى التقليد في الضروريّات ... 36
في عمل العامّي بلا تقليد و لا احتياط ... 36
في معنى التقليد ... 37
في تقليد الميّت ... 38
في العدول عن الحيّ الى الحيّ ... 40
في تقليد الأعلم ... 41
فيما اذا كان هناك مجتهدان متساويان في الفضيلة ... 43
في عمل الجاهل ... 44
فيما هو المراد من الأعلم ... 45
في معرفة اجتهاد المجتهد ... 46
فيما يشترط في المجتهد ... 47
في معنى العدالة ... 51
فيما اذا عرض للمجتهد ما يوجب فقده للشرائط ... 53
في وجوب العلم بأجزاء العبادات و شرائطها و موانعها و مقدّماتها على المكلّف ... 55
في وجوب تعلّم مسائل الشكّ و السهو بالمقدار الذي هو محلّ الابتلاء غالبا ... 55
في وجوب التقليد في المستحبّات و المكروهات و المباحات ... 56
فيما اذا تبدّل رأي المجتهد ... 57
فيما اذا توقّف أو تردّد المجتهد بعد الفتوى ... 57
في تساوي المجتهدين في العلم ... 58
فيما اذا قلّد من يقول بحرمة العدول ... 58
في طرق العلم بفتوى المجتهد ... 59
فيما اذا كان الأعلم منحصرا في شخصين ... 60
فيما اذا قلّد مجتهدا ثمّ شكّ في أنّه جامع للشرائط أم لا ... 62
في حرمة الافتاء لمن ليس أهلاً للفتوى ... 63
في وجوب تقليد الأعلم في مسألة وجوب تقليد الأعلم أو عدمه ... 67
فيما اذا نقل شخص فتوى المجتهد خطأً ... 68
فيما اذا اتّفق في أثناء الصلاة مسألة لايعلم حكمها ... 69
في انعزال المأذون و الوكيل عن المجتهد بموته ... 70
في وجوب عمل الوكيل بمقتضى تقليد الموكّل ... 72
في أنّ اختيار تعيين الحاكم في المرافعات بيد المدّعي ... 73
في عدم جواز نقض حكم الحاكم الجامع للشرائط ... 74
في تساقط النقلين اذا تعارض الناقلان في نقل الفتوى ... 75
فيما اذا عرضت مسألة لايعلم حكمها و لم يكن الأعلم حاضرا ... 76
في كفاية أخذ الرسالة و الالتزام بالعمل في تحقّق التقليد ... 77
في محلّ التقليد و مورده ... 79
في عدم اعتبار الأعلميّة فيما أمره راجع الى المجتهد ... 81
في أنّه اذا تبدّل رأي المجتهد هل يجب عليه اعلام المقلّدين أم لا؟ ... 81
في اجراء المقلّد الأصول العمليّة في الشبهات الحكميّة و الموضوعيّة ... 82
في الظنّ بفتوى المجتهد ... 83
كتاب الطهارة / 85
المبحث الأوّل: في المياه / 85
المقدّمة / 87
في أنّ الماء المضاف طاهر لكنّه غير مطهّر ... 89
في أنّ الماء المطلق لايخرج بالتصعيد عن اطلاقه ... 92
في أنّ المطلق أو المضاف النجس يطهر بالتصعيد ... 93
فيما اذا شكّ في مائع أنّه مضاف أو مطلق ... 93
في أنّ المضاف النجس يطهر بالاستهلاك في الكرّ أو الجاري ... 94
في أنّ الماء المطلق بأقسامه ينجس اذا تغيّر بالنجاسة ... 96
الفرع الأوّل في كيفيّة تنجّس الماء المطلق غير القليل ... 96
الفرع الثاني في التغيّر بمجاورة النجاسة ... 97
الفرع الثالث في اشتراط كون التغيّر بأوصاف النجاسة ... 98
الفرع الرابع في اشتراط كون التغيّر حسّيّا ... 99
فيما لو تغيّر الماء بما عدا أوصاف النجاسة ... 100
في عدم الفرق بين زوال الوصف الأصلي للماء أو العرضي ... 101
فيما لو تغيّر طرف من الحوض ... 102
فيما اذا شكّ في التغيّر و عدمه أو في كونه للمجاورة أو بالملاقاة ... 103
الفصل الأوّل في الماء الجاري / 105
في الماء الجاري على الأرض من غير مادّة نابعة أو راشحة ... 107
في اعتبار الاتّصال بالمادّة في عدم تنجّس الجاري ... 107
في اعتبار الدوام في المادّة ... 108
فيما اذا تغيّر بعض الجاري دون بعضه الآخر ... 109
الفصل الثاني في الماء الراكد / 111
في مقدار الكرّ ... 113
في جريان حكم القليل على الماء اذا كان أقلّ من الكرّ ... 116
فيما اذا لم يتساو سطوح القليل ... 117
فيما اذا جمد بعض ماء الحوض و الباقي لايبلغ كرّا ... 117
في الماء المشكوك كرّيّته ... 118
في الكرّ المسبوق بالقلّة ... 119
فيما اذا حدثت الكرّيّة و الملاقاة في آنٍ واحد ... 120
فيما اذا كان ماءان أحدهما كرّ و الآخر قليل و لم يعلم أنّ أيّهما كرّ ... 121
في القليل النجس المتمّم كرّا بطاهر أو نجس ... 122
الفصل الثالث في ماء المطر / 125
فيما اذا تقاطر المطر على الثوب أو الفراش النجس ... 127
فيما اذا تقاطر المطر على الاناء المتروس بماء نجس ... 128
في أنّ الأرض النجسة تطهر بوصول المطر اليها ... 129
في أنّ الحوض النجس تحت السماء يطهر بالمطر ... 130
فيما اذا تقاطر على عين النجس فترشّح منها على شيء آخر ... 131
فيما اذا كان السطح نجسا فوقع عليه المطر و نفذ و تقاطر من السقف ... 131
في أنّ التراب النجس يطهر بنزول المطر عليه اذا وصل الى أعماقه ... 132
في أنّ الحصير النجس يطهر بالمطر ... 133
في أنّ الاناء النجس يطهر اذا أصاب المطر جميع مواضع النجس منه ... 133
الفصل الرابع في ماء الحمّام / 135
الفصل الخامس في ماء البئر / 139
في أنّ ماء البئر المتّصل بالمادّة اذا تنجّس بالتغيير فطهرُه بزواله ... 141
في طهارة الكوز المملوّ من الماء النجس اذا غمس في الحوض ... 143
فيما اذا ألقي الكرّ على الماء المتغيّر فزال تغيّره به ... 143
فيما تثبت به نجاسة الماء ... 144
فيما اذا أخبر ذو اليد بنجاسته و قامت البيّنة على الطهارة ... 148
فيما تثبت به الكرّيّة ... 149
في حرمة شرب الماء النجس الاّ في الضرورة ... 150
الفصل السادس في الماء المستعمل في الوضوء و الغسل / 153
فيما يشترط في طهارة ماء الاستنجاء ... 158
في عدم الفرق في ماء الاستنجاء بين الغسلة الأولى و الثانية ... 160
فيما اذا شكّ في ماء أنّه غسالة الاستنجاء أو غسالة سائر النجاسات ... 161
فيما اذا شكّ في وصول نجاسة من الخارج أو مع الغائط ... 162
فيما لو أجري الماء على المحلّ النجس زائدا على مقدار يكفي في طهارته ... 163
في أنّ غسالة ما يحتاج الى تعدّد الغسل اذا لاقت شيئا لايعتبر فيها التعدّد ... 163
الفصل السابع في الماء المشكوك نجاسته / 165
فيما اذا اشتبه نجس أو مغصوب في محصور ... 167
فيما لو اشتبه مضاف في محصور ... 168
فيما اذا علم اجمالاً أنّ هذا الماء امّا نجس أو مضاف ... 169
فيما لو أريق أحد الاناءين المشتبهين من حيث النجاسة أو الغصبيّة ... 170
في حكم ملاقي الشبهة المحصورة ... 171
فيما اذا انحصر الماء في المشتبهين ... 171
فيما اذا استعمل أحد المشتبهين بالغصبيّة ... 175
الفصل الثامن في الأسآر / 177
المبحث الثاني: في النجاسات / 181
الفصل الأوّل في عدادها / 183
«الأوّل و الثاني»: البول و الغائط ... 183
الفرع الاوّل في بول الطيور المحرّمة و خرئها ... 185
الفرع الثاني في البول و الخرء ممّا عرض له الحرمة ... 186
الفرع الثالث في البول و الغائط من مأكول اللحم ... 188
في أنّ ملاقاة الغائط في الباطن لاتوجب النجاسة ... 190
في بيع البول و الغائط ... 192
فيما اذا لم يعلم كون حيوان معيّن أنّه مأكول اللحم أو لا ... 194
«الثالث»: المني ... 195
فرع في المذي و الودي و الوذي ... 197
«الرابع»: الميتة ... 199
الفرع الأوّل في أجزاء الميتة التي لاتحلّه الحياة ... 201
الفرع الثاني في شرائط طهارة البيضة ... 202
الفرع الثالث في الانفحة و اللبن في الضرع ... 203
الفرع الرابع في الانفحة و اللبن في ميتة غير مأكول اللحم ... 205
في الأجزاء المبانة من الحيّ ممّا تحلّه الحياة ... 206
فرع في الأجزاء الصغار المبانة من البدن ... 207
في فأرة المسك المبانة من الحيّ ... 208
في ميتة ما لا نفس له ... 210
فيما اذا شكّ في شيء أنّه من أجزاء الحيوان أم لا ... 212
فيما هو المراد من الميتة ... 212
فيما يؤخذ من يد المسلم من اللحم أو الشحم أو الجلد ... 213
فرع فيما يوجد في أرض المسلمين ... 215
فيما يؤخذ من يد الكافر أو يوجد في أرضهم ... 216
في أنّ جلد الميتة لايطهر بالدبغ ... 217
في السقط قبل ولوج الروح ... 219
في ملاقاة الميتة بلا رطوبة مسرية ... 220
في أنّه يشترط في نجاسة الميتة خروج الروح من جميع جسده ... 221
في أنّ مجرّد خروج الروح يوجب النجاسة ... 222
في المضغة و المشيمة و قطعة اللحم التي تخرج حين الوضع مع الطفل ... 223
في الجند المعروف كونه خصية كلب الماء ... 225
فيما اذا وجد عظما مجرّدا و شكّ في أنّه من نجس العين أو من غيره ... 226
في بيع الميتة ... 227
«الخامس»: الدم ... 228
الفرع الأوّل في طهارة دم ما لا نفس له ... 229
الفرع الثاني في الدم المتخلّف في الذبيحة ... 231
في العلقة المستحيلة من المني ... 232
في أنّ الدم المتخلّف في الذبيحة و ان كان طاهرا لكنّه حرام ... 233
في حكم الدم الأبيض ... 234
في الجنين الذي يخرج من بطن المذبوح ... 235
في ما تخلّف في الصيد الذي ذكاته بآلة الصيد ... 236
في الدم المشكوك في كونه من الحيوان أو لا ... 237
فيما اذا خرج من الجرح أو الدمل شيء أصفر يشكّ في أنّه دم أم لا ... 239
في الدم المراق في الأمراق حال غليانها ... 240
فيما اذا استهلك الدم الخارج من بين الأسنان في ماء الفم ... 242
في الدم المنجمد تحت الأظفار أو تحت الجلد من البدن ... 243
«السادس و السابع»: الكلب و الخنزير البرّيان ... 245
الفرع الأوّل في نجاسة جميع أجزاء الكلب و الخنزير و رطوباتهما ... 248
الفرع الثاني فيما لو اجتمع أحدهما مع الآخر أو مع ثالث فتولّد ولد ... 250
الفرع الثالث في الكلب و الخنزير البحريّين ... 250
«الثامن»: الكافر ... 252
الفرع الأوّل في أهل الكتاب من اليهود و النصارى و المجوس ... 252
الفرع الثاني في المشركين و عبدة الأصنام و الناصب ... 256
الفرع الثالث في المراد بالكافر ... 258
الفرع الرابع في تبعيّة ولد الكافر له في الكفر و النجاسة ... 260
في ولد الزنا من المسلمين ... 262
في الغلاة و الخوارج و النواصب ... 264
في غير الاثني عشرية من فرق الشيعة ... 270
فيمن شكّ في اسلامه و كفره ... 275
«التاسع»: الخمر ... 275
في العصير العنبي اذا غلى قبل أن يذهب ثلثاه ... 282
الفرع الأوّل في حرمة العصير العنبي اذا غلى ... 282
الفرع الثاني في طهارة العصير العنبي اذا غلى ... 283
الفرع الثالث في العصير العنبي المغلي بعد ذهاب الثلثين ... 286
الفرع الرابع في التمر و النبيذ و عصيرهما بالغليان ... 287
الفرع الخامس في عصير الزبيب اذا غلى ... 290
فيما اذا صار العصير دبسا بعد الغليان قبل أن يذهب ثلثاه ... 293
في أكل الزبيب و الكشمش و التمر في الأمراق و الطبيخ و ان غلت ... 295
«العاشر»: الفقّاع ... 295
في ماء الشعير الذي يستعمله الأطبّاء في معالجاتهم ... 299
«الحادي عشر»: عرق الجنب من الحرام ... 300
فيما اذا أجنب من حرام ثمّ من حلال أو من حلال ثمّ من حرام ... 304
فيما اذا تيمّم المجنب من حرام لعدم التمكّن من الغسل ... 305
فيما اذا أجنب الصبي الغير البالغ من حرام ... 306
«الثاني عشر»: عرق الابل الجلاّلة ... 307
في الثعلب و الأرنب و الوزغ و العقرب و الفأر ... 309
في أنّ كلّ مشكوك طاهر ... 312
في غسالة الحمّام ... 315
في استحباب رشّ الماء اذا أراد أن يصلّي في معابد اليهود و النصارى ... 317
في عدم وجوب الفحص عند الشكّ في الطهارة و النجاسة ... 317
الفصل الثاني في طرق ثبوت النجاسة / 319
فيما يثبت به النجاسة أو التنجّس ... 319
فرع في حكم العمل على طبق الوسوسة ... 323
في عدم الاعتبار بعلم الوسواسي في الطهارة و النجاسة ... 325
في العلم الاجمالي بالنجاسة ... 326
فيما اذا شهدا بالنجاسة و اختلف مستندهما ... 328
في كفاية الشهادة بالاجمال ... 328
فيما اذا أخبرت الزوجة أو الخادمة أو المملوكة بنجاسة ما في يدها ... 331
في قول صاحب اليد اذا كان صبيّا ... 333
الفصل الثالث في كيفيّة تنجّس المتنجّسات / 335
فيما يشترط في تنجّس الملاقي للنجس أو المتنجّس ... 335
الفرع الأوّل في اشتراط الرطوبة المسرية في تنجّس الملاقي للنجس ... 336
الفرع الثاني في الفرق بين ملاقاة المائع و الجامد بالنجس ... 337
الفرع الثالث في ملاقاة بعض الشيء المرطوب بالنجاسة ... 339
فيما اذا شكّ في رطوبة أحد المتلاقيين أو علم وجودها و شكّ في سرايتها ... 340
فيما اذا وقع بعر الفأر في الدهن أو الدبس الجامدين ... 341
في الثوب أو الفراش الملطّخ بالتراب النجس ... 344
في عدم تنجّس المتنجّس ... 345
في منجّسيّة المتنجّس ... 348
فيما لايتأثّر بالرطوبة ... 360
الفصل الرابع فيما يشترط فيه الطهارة من الخبث / 363
في وضع الجبهة على محلّ بعضه طاهر و بعضه نجس ... 370
في وجوب ازالة النجاسة عن المساجد ... 371
الفرع الأوّل في وجوب ازالة النجاسة عن كلّ ما يصدق عليه المسجد ... 373
الفرع الثاني في ادخال عين النجاسة في المساجد ... 374
في أنّ وجوب ازالة النجاسة عن المساجد كفائي ... 375
فيما اذا رأى نجاسة في المسجد و قد دخل وقت الصلاة ... 375
فيما اذا تبيّن بعد الصلاة كون المسجد نجسا ... 376
فيما لو توقّف تطهير المسجد على حفر أرضه ... 377
فيما اذا تنجّس حصير المسجد ... 378
فيما اذا توقّف تطهير المسجد على تخريبه أجمع ... 379
في تنجيس المسجد الذي صار خرابا ... 380
فيما اذا توقّف تطهيره على تنجيس بعض المواضع الطاهرة ... 380
فيما اذا توقّف التطهير على بذل مال ... 381
فيما اذا تغيّر عنوان المسجد ... 381
فرع في حكم تخريب المسجد المتروك ... 382
في تنجيس مساجد اليهود و النصارى ... 383
فيما اذا علم اجمالاً بنجاسة أحد المسجدين ... 384
في أنّه هل يجب اعلام الغير اذا لم يتمكّن من الازالة ... 385
في أنّ المشاهد المشرّفة كالمساجد ... 386
في وجوب الازالة عن المصحف الشريف ... 387
في حرمة كتابة القرآن بالمركّب النجس ... 388
في وجوب ازالة النجاسة عن التربة الحسينيّة ... 389
في أنّ وجوب تطهير المصحف كفائيّ ... 390
في وجوب ازالة النجاسة عن المأكول و عن ظروف الأكل و الشرب ... 392
في الانتفاع بالأعيان النجسة ... 393
في حرمة التسبّب لأكل الغير أو شربه النجس ... 394
الفرع الأوّل في ارتكاب الحرام بتدخّل شخص آخر ... 395
الفرع الثاني في ارتكاب الحرام من غير تدخّل شخص آخر ... 396
في عدم جواز سقي المسكرات للأطفال ... 397
في اعلام الضيف بنجاسة البيت أو الفرش ... 398
الفصل الخامس في الصلاة في النجس / 401
في الصلاة في النجس عن علم و عمد أو جهل أو نسيان ... 401
الفرع الأوّل في الصلاة في النجس عن علم و عمد ... 402
الفرع الثاني في الصلاة في النجس مع الجهل بالحكم ... 402
الفرع الثالث في الصلاة في النجس اذا كان جاهلاً بالموضوع ... 404
الفرع الرابع في العلم بالنجاسة في أثناء الصلاة ... 406
الفرع الخامس في الصلاة في النجس اذا نسي النجاسة ... 408
في أنّ ناسي الحكم تكليفا أو وضعا كجاهله ... 413
فيما اذا تبيّن بقاء النجاسة بعد غسل الثوب النجس و العلم بطهارته ... 415
فيما لو علم بنجاسة شيء فنسي و لاقاه بالرطوبة و صلّى، ثمّ تذكّر ... 417
فيما اذا انحصر ثوبه في نجس ... 418
فيما اذا كان عنده ثوبان يعلم بنجاسة أحدهما ... 422
فيما اذا كان أطراف الشبهة ثلاثة ... 423
فيما اذا تنجّس موضعان من بدنه أو لباسه و لم يمكن ازالتهما ... 425
فيما اذا كان عنده مقدار من الماء لايكفي الاّ لرفع الحدث أو الخبث ... 426
فيما اذا صلّى مع النجاسة اضطرارا ... 427
فيما اذا اضطرّ الى السجود على محلّ نجس ... 428
فيما اذا سجد على الموضع النجس جهلاً أو نسيانا ... 429
الفصل السادس فيما يعفى عنه في الصلاة / 431
«الأوّل»: دم الجروح و القروح ... 431
في القيح المتنجّس الخارج مع الدم ... 434
في دم البواسير ... 435
في دم الرعاف ... 436
فيما اذا شكّ في دم أنّه من الجروح أو القروح أم لا ... 438
«الثاني»: الدم الأقلّ من الدرهم ... 439
الفرع الأوّل في عدم الفرق بين الثوب و البدن في العفو ... 441
الفرع الثاني في حكم الدماء الثلاثة في العفو و عدمه ... 442
الفرع الثالث فيما اذا كان الدم المعفوّ متفرّقا ... 444
الفرع الرابع في تحقيق سعة الدرهم البغلي ... 445
فيما اذا تفشّى من أحد طرفي الثوب الى الآخر ... 446
فيما اذا شكّ في أنّ الدم من المستثنيات أم لا ... 447
«الثالث»: ما لاتتمّ فيه الصلاة من الملابس ... 451
الفرع الأوّل في الصلاة في أجزاء الميتة و نجس العين ... 453
الفرع الثاني في اشتراط العفو بعدم امكان الستر به ... 455
«الرابع»: المحمول المتنجّس الذي لاتتمّ فيه الصلاة ... 456
فرع فيما يستثنى من المحمول المتنجّس ... 457
«الخامس»: ثوب المربّية للصبي ... 458
«السادس»: النجاسة في حال الاضطرار ... 460
المبحث الثالث في المطهّرات / 461
الفصل الأوّل في عدادها / 463
«أحدها»: الماء ... 463
في أنّه يشترط في التطهير طهارة الماء قبل الاستعمال ... 467
في تطهير الثوب أو البدن بالماء القليل ... 468
الفرع الأوّل في تطهير بول الرضيع ... 470
الفرع الثاني في تطهير سائر النجاسات عدا الولوغ ... 471
في تطهير الأواني اذا تنجّست بغير الولوغ أو به ... 473
في ولوغ الخنزير ... 476
في تطهير ظروف الخمر ... 477
في اشتراط طهارة التراب الذي يعفّر به ... 478
في عدم تكرار التعفير بتكرّر الولوغ ... 479
فيما اذا غسل الاناء بالماء الكثير ... 480
في غسل الاناء بالماء القليل ... 481
في اشتراط انفصال الغسالة في الغسل بالماء القليل ... 482
في عدم اعتبار العصر ... 485
فيما اذا شكّ في نفوذ الماء النجس في الباطن ... 486
فيما اذا تنجّس الأرز أو الماش أو نحوهما ... 487
في اللحم المطبوخ بالماء النجس أو المتنجّس ... 488
في الطحين و العجين النجس ... 489
في تطهير الأرض الصلبة أو المفروشة بالآجرّ أو الحجر ... 490
في عدم لزوم التوالي فيما يعتبر فيه التعدّد ... 491
في تطهير النعل المتنجّسة ... 492
في تطهير النبات المتنجّس ... 493
في تطهير الكوز الذي صنع من طين نجس ... 494
في تطهير الظروف الكبار التي لايمكن نقلها ... 494
في وصول الماء الجاري على المحلّ النجس الى المحلّ الطاهر ... 496
فيما اذا أكل طعاما نجسا ... 497
في تطهّر آلات التطهير بالتبع ... 498
«الثاني»:الأرض ... 499
فيما اذا سرت النجاسة الى داخل النعل ... 504
في طهارة ما بين أصابع الرجل ... 504
في كفاية المسح على الحائط ... 504
فيما اذا كان في الظلمة ... 506
«الثالث»: الشمس ... 507
في طهارة باطن الأرض المتّصل بالظاهر ... 510
فيما اذا كانت الأرض جافّة و أريد تطهيرها بالشمس ... 511
في الحصى و التراب و الطين و الأحجار ... 512
في تطهير الحصير باشراق الشمس ... 513
«الرابع»: الاستحالة ... 514
«الخامس»: الانقلاب ... 515
فيما اذا صبّ في الخمر ما يزيل سكره ... 518
في بخار البول أو الماء المتنجّس ... 519
في أنّ الانقلاب غير الاستحالة ... 520
فيما اذا تنجّس العصير بالخمر ... 521
في تفرّق الأجزاء بالاستهلاك ... 521
«السادس»: ذهاب الثلثين في العصير العنبي ... 523
اذا قطرت قطرة العصير بعد الغليان على الثوب أو البدن ... 526
فيما اذا كان في الحصرم حبّة أو حبّتان من العنب ... 526
فيما اذا صبّ العصير الغالي قبل ذهاب ثلثيه في الذي ذهب ثلثاه ... 527
فيما اذا ذهب ثلثا العصير من غير غليان ... 528
فيما اذا شكّ في أنّه حصرم أو عنب ... 529
في جعل الباذنجان أو الخيار أو نحو ذلك في الحبّ ... 529
فيما اذا زالت حموضة الخلّ العنبي ... 530
في السيلان ... 530
«السابع»: الانتقال ... 531
فيما اذا وقع البقّ على جسد الشخص فقتله ... 531
«الثامن»: الاسلام ... 532
في عدم الفرق بين الكافر الأصلي و المرتدّ ... 533
في كفاية اظهار الشهادتين في الحكم باسلام الكافر ... 537
في قبول اسلام الصبي المميّز ... 538
في أنّه لايجب على المرتدّ الفطري بعد التوبة تعريض نفسه للقتل ... 539
«التاسع»: التبعيّة ... 540
«العاشر»: زوال عين النجاسة أو المتنجّس ... 546
فيما اذا شكّ في كون شيء من الباطن أو الظاهر ... 549
مطبق الشفتين من الباطن و كذا مطبق الجفنين ... 549
«الحادي عشر»: استبراء الحيوان الجلاّل ... 550
«الثاني عشر»: حجر الاستنجاء ... 553
«الثالث عشر»: خروج الدم من الذبيحة ... 553
«الرابع عشر»: نزح المقادير المنصوصة عن البئر ... 553
«الخامس عشر»: تيمّم الميّت ... 553
«السادس عشر»: الاستبراء ... 554
«السابع عشر»: زوال التغيير في الجاري و البئر ... 554
«الثامن عشر»: غيبة المسلم ... 555
فيما يتوهّم أنّه من المطهّرات و ليس منها ... 557
في أنّه يجوز استعمال جلد الحيوان الذي لايؤكل لحمه بعد التذكية ... 558
فيما يؤخذ من الجلود من أيدي المسلمين أو من أسواقهم ... 559
في قابليّة التذكية فيما عدا الكلب و الخنزير من الحيوانات ... 560
في استحباب غسل الملاقي في جملة من الموارد مع عدم تنجّسه ... 561
الفصل الثاني في طرق ثبوت التطهير بعد ثبوت النجاسة / 567
فيما اذا تعارض البيّنتان ... 569
فيما اذا علم بنجاسة شيئين فقامت البيّنة على تطهير أحدهما ... 570
فيما اذا شكّ بعد التطهير و علمه بالطهارة في أنّه هل أزال العين أم لا؟ ... 571
فيما اذا علم بنجاسة شيء و شكّ في أنّ لها عينا أم لا ... 572
في حكم الوسواسي ... 572
الفصل الثالث في حكم الأواني / 573
في أواني المشركين و سائر الكفّار ... 574
في استعمال أواني الخمر بعد غسلها ... 575
في استعمال أواني الذهب أو الفضّة في الأكل و الشرب ... 578
في الصفر الملبّس بأحدهما ... 581
في المفضّض و المطلّى و المموّه بأحدهما ... 582
في استعمال ما كان ممتزجا منهما ... 583
في غير الأواني اذا كان من أحدهما ... 583
في المراد من الأواني ... 586
في عدم الفرق في الحرمة بين مباشرتهما لفمه أو أخذ اللقمة منها ... 587
فيما اذا انحصر ماء الوضوء أو الغسل في أحد الاناءين ... 589
في عدم الفرق بين الجيّد و الرديء من الذهب و الفضّة ... 591
فيما اذا توضّأ أو اغتسل من اناء الذهب أو الفضّة مع الجهل ... 591
فيما اذا اضطرّ الى استعمال أواني الذهب أو الفضّة ... 592
في وجوب الكسر على صاحبهما ... 593
فيما اذا شكّ في آنية أنّها من أحدهما أم لا ... 594
الفصل الرابع في أحكام التخلّي / 597
في وجوب ستر العورة ... 597
في عدم الفرق بين عورة المسلم و الكافر ... 602
في المراد من الناظر المحترم ... 603
في ستر الفخذين و الأليتين ... 604
في عدم الفرق بين أفراد الساتر ... 606
في عدم وجوب الستر في الظلمة المانعة عن الرؤية ... 606
في النظر الى عورة الغير من وراء الشيشة ... 607
في الوقوف في مكان يعلم بوقوع نظره على عورة الغير ... 607
في الشكّ في وجود الناظر المحترم ... 608
فيما لو رأى عورة مكشوفة و شكّ في جواز النظر اليه ... 609
في النظر الى عورتي الخنثى ... 610
فيما لو اضطرّ الى النظر الى عورة الغير ... 610
في حرمة استقبال القبلة و استدبارها في حال التخلّي ... 611
في اقعاد الطفل للتخلّي على وجه يكون مستقبلاً أو مستدبرا ... 616
في اشتباه القبلة بين الأربع ... 618
في التخلّي في ملك الغير ... 619
في التخلّي في مثل المدارس التي لايعلم كيفيّة وقفها ... 620
الفصل الخامس في الاستنجاء / 621
في غسل مخرج البول و الغائط ... 621
الفرع الأوّل في اعتبار عدم التعدّي عن المخرج في الاستنجاء بغير الماء ... 625
الفرع الثاني في أنّ الحدّ في الاستنجاء النقاء لا التعدّد ... 626
الفرع الثالث في الاجزاء بكلّ قالع في الاستنجاء ... 627
الفرع الرابع في اعتبار ازالة العين و الأثر في الاستنجاء بالماء ... 627
في الاستنجاء بالمحترمات ... 627
في الاستنجاء بالمسحات ... 628
فيما اذا خرج مع الغائط نجاسة أخرى ... 629
فيما اذا خرج من بيت الخلاء ثمّ شكّ في أنّه استنجى أم لا ... 629
في عدم وجوب الدلك باليد في مخرج البول ... 631
الفصل السادس في الاستبراء / 633
في كيفيّة الاستبراء ... 633
فيمن قطع ذكره ... 636
فيما اذا ترك الاستبراء ... 637
في عدم اعتبار المباشرة في الاستبراء ... 637
فيما اذا بال و لم يستبرئ ثمّ خرجت منه رطوبة مشتبهة بين البول و المني ... 639
الفصل السابع في مستحبّات التخلّي و مكروهاته / 641
في المستحبّات ... 641
الفرع الأوّل في التباعد عن الناس عند التخلّي ... 642
الفرع الثاني في طلب المكان المرتفع للبول ... 643
الفرع الثالث في الدخول بالرجل اليسرى و الخروج باليمنى ... 644
الفرع الرابع في تغطية الرأس و التقنّع عند التخلّي ... 644
الفرع الخامس في التسمية و الاستعاذة و الدعاء بالمأثور ... 645
الفرع السادس في الاتّكاء على الرجل اليسرى و تفريج الرجل اليمنى ... 646
الفرع السابع في الاستبراء ... 646
الفرع الثامن في تقديم الاستنجاء من الغائط و الاستنجاء باليد اليسرى ... 647
الفرع التاسع في الاعتبار و التفكير حين التخلّي ... 647
في المكروهات ... 648
الفرع الأوّل في استقبال الشمس و القمر بالبول و الغائط ... 648
الفرع الثاني في الجلوس لقضاء الحاجة على شطوط الأنهار و نحوها ... 649
الفرع الثالث في مواضع كراهة البول ... 650
الفرع الرابع في التغوّط على القبور و استعجال المتغوّط ... 651
الفرع الخامس في الاستنجاء مع استصحاب الخاتم بيده ... 652
الفرع السادس في الكلام عند التخلّي الاّ بذكر اللّه تعالى ... 652
في حبس البول أو الغائط ... 654
في موارد استحباب البول ... 655
فيما اذا وجد لقمة خبز في بيت الخلاء ... 655
بسم اللّه الرحمن الرحيم
الحمد للّه ربّ العالمين و الصلاة و السلام على خير خلقه
محمّد و آله الطيّبين الطاهرين
أمّا بعد، فاعلم أنّ علم الفقه بعد علم التوحيد و علم الأخلاق من أشرف العلوم و أفضلها و تعلّمه و تعليمه يكون واجبا كفائيّا؛ لئلاّتندرس آثار دين خاتم الأنبياء صلى الله عليه و آله و أوصيائه عليهم السلام الذين هم مفسّروا الشريعة و مبيّنوها.
و أنت اذا تأمّلت في الروايات الواردة عنهم عليهم السلام في تعيين تكليف الأمّة زمن الغيبة تجد ارجاعهم ايّانا الى رواة أحاديثهم في الحوادث الواقعة و ترى أنّهم حجج المعصوم و المعصوم حجّة اللّه؛ الاّ أنّه يجب أن تكون للفقيه ملكة العدالة و التقوى بحيث يقال له فقيه صائن لنفسه، حافظ لدينه، مخالف على هواه، مطيع لأمر مولاه؛ و هذا أقوى دليل على رفعة الفقه و محبوبيّته و بهذا أيضا يظهر ما للفقهاء و المجتهدين من الفضل و الكرامة عند اللّه تعالى مضافا الى أنّهم أمناء الرسل و أولياء أيتام آل محمّد عليهم السلام و هم مراجع الخلق كما هو المشاهد من المجتهد و المجدّد آية اللّه العظمى الامام الخميني قدس سره المحيي للاسلام في عصرنا هذا، فحريّ للمؤمنين المحبّين لآل محمّد عليهم السلام أن يقضوا أوقاتهم أو أغلبها في طلب الفقه و التفحّص في الأخبار الواردة عنهم في الأحكام و غيرها.
و أنا بتوفيق الملك العلاّم و تأييد أجدادي الطاهرين و اشارة بعض الاخوان اشتغلت بمذاكرة الفقه مع أصدقائي الطلاّب و كتبت هذه المذاكرات بحيث صارت كتابا فسمّيته «الهادي الى الطريقة الوسطى في شرح العروة الوثقى»، فأسأل اللّه الاخلاص و القبول فانّه كريم منّان؛ و بزعمي القاصر لاتكون هذه الأبحاث تكرارا للمكرّرات و لا مملّة للخواطر بل ببركة زملائي الطالبين لمحبّة اللّه تعالى و معرفته تكون منوّرة للقلوب و الأفكار و لاأجد من نفسي سوى بضاعة مزجاة و أنّها محلّ للأخطاء و الزلاّت فأسأل اللّه المغفرة و الرضوان و أسأله الدرجات المتعالية لشيخنا الأستاذ الفاضل المقداد العارف النحرير و المجتهد البصير العلاّمة آية اللّه العظمى الشيخ حسنعلي نجابت قدّس سرّه الشريف بحقّ محمّد و آله الأخيار صلوات اللّه عليهم أجمعين.
سيّد عليمحمّد دستغيب الحسيني
شيراز - رجب المرجّب 1430
بسم اللّه الرحمن الرحيم
الحمد للّه ربّ العالمين
و صلّى اللّه على محمّد خير خلقه و آله الطاهرين،
و بعد، فيقول المعترف بذنبه المفتقر الى رحمة ربّه
محمّد كاظم الطباطبائي:
هذه جملة مسائل ممّا تعمّ به البلوى، و عليها الفتوى
جمعت شتاتها و أحصيت متفرّقاتها عسى أن ينتفع بها اخواننا المؤمنون
و تكون ذخرا ليوم لاينفع فيه مال و لا بنون
و اللّه ولي التوفيق
(مسألة 1): يجب على كلّ مكلّف في عباداته و معاملاته أن يكون مجتهدا أو مقلّدا أو محتاطا.
الشرح:
من كان يؤمن باللّه و رسوله و الأئمّة المعصومين عليهم السلام و هو مكلّف، يعلم أنّ اللّه قد أمره بأمور و نهاه عن أمور أخر بحيث لو لم يأتمر بأوامره و ينته عن نواهيه لم يشكر نعمه تعالى عليه، و عقله يرشده بوجوب شكر المنعم، و كذا يرشده بأنّ ترك أوامر المولى و مخالفة نواهيه موجب للمذمّة و العقاب. و هذا الذي يرشده العقل قد نزل به الكتاب. و بعد علمه هذا يذكّر كيفيّة طاعته و أنّه من أين يطلب أوامر اللّه و نواهيه؟ و من المعلوم أنّ القرآن الذي أنزله اللّه الى رسوله صلى الله عليه و آله يكون: «تبيانا لكلّ شيء و هدىً و رحمة و بشرى للمسلمين»(1)الاّ أنّه يحتاج الى بيان من رسوله صلى الله عليه و آله كما قال اللّه تعالى: «و أنزلنا اليك الذكر لتبيّن للناس ما نزّل اليهم و لعلّهم يتفكّرون»(2). و بعد الرسول قد أمر اللّه تعالى خلقه بالسؤال من
أهل الذكر كما قال: «فاسألوا أهل الذكر ان كنتم لاتعلمون»(1)و الذكر هو الرسول صلى الله عليه و آله كما قال اللّه تعالى: «قد أنزل اللّه اليكم ذكرا * رسولاً يتلوا عليكم آيات اللّه»(2)و أهل بيته عليهم السلامأهل الذكر، فانّهم عليهم السلام قد بيّنوا ما في الكتاب و سنّة الرسول صلى الله عليه و آله ممّا يحتاج اليه الناس الى يوم القيامة، فالمكلّف يجب عليه أن يتمسّك بالقرآن و سنّة الرسول و أهل بيته الذين هم مبيّنون و مفسّرون للقرآن، الاّ أنّه يحتاج الى السعي البليغ ليستخرج و يستنبط من الكتاب و السنّة تكاليفه، فان وفّق لذلك فهو مجتهد- على ما بيّن معناه و ما يحتاج اليه في محلّه - و ان لم يكن له توفيق فالعقل يرشده الى الرجوع الى من كان من أهل الخبرة و المعرفة بالأحكام من الكتاب و السنّة، أي الرجوع الى المجتهد أو أن يصير عالما بأقوال المجتهدين و يعمل فيها بالاحتياط كما سترد عليك كيفيّته.
(مسألة 2): الأقوى جواز العمل بالاحتياط مجتهدا كان أو لا، لكن يجب أن يكون عارفا بكيفيّة الاحتياط بالاجتهاد أو بالتقليد.
الشرح:
الأقوى جواز العمل بالاحتياط مجتهدا كان أو لا؛ و ذلك لأنّ المهمّ هو العلم بأداء ما كلّف به حتّى يأمن العقوبة أو الظنّ به ممّا يعتبره الشارع.
فالاجتهاد و التقليد هما الطريقان اللذان قد اعتبرهما الشارع و كذا العقل. و الاحتياط موجب للعلم بأداء ما كلّف به؛ لأنّ الاحتياط عبارة عن العمل بما يحتمله من الأعمال الواجبة عليه و ترك ما يحتمله من النواهي. نعم، يجب أن يكون عالما بكيفيّة الاحتياط بالاجتهاد أو التقليد ليأمن العقوبة.
قال في المستمسك: «خلافا لما عن المشهور، من بطلان عبادة تارك طريقي
الاجتهاد و التقليد معا، بل لعلّ ظاهر المحكي عن السيّد المرتضى و أخيه الرضي دعوى الاتّفاق عليه. لكنّه لا دليل عليه بعد ما عرفت من أنّ العمل الموافق للاحتياط موجب للعلم بمطابقة الواقع. و الاجماع المدّعى على المنع غير واضح الحجّيّة. كما أنّ اعتبار الاطاعة في صحّة العبادة لايقتضي ذلك؛ لتحقّق الاطاعة عند العقلاء بنفس الفعل الصادر عن داعي الأمر و لو كان محتملاً، و التمييز ممّا لايعتبر عندهم فيها قطعا. انتهى ملخّصا».(1)
(مسألة 3): قد يكون الاحتياط في الفعل كما اذا احتمل كون الفعل واجبا و كان قاطعا بعدم حرمته، و قد يكون في الترك كما اذا احتمل حرمة فعل و كان قاطعا بعدم وجوبه، و قد يكون في الجمع بين أمرين مع التكرار كما اذا لم يعلم أنّ وظيفته القصر أو التمام.
الشرح:
ففي التنقيح: «قد يكون الاحتياط في الفعل كما في الدعاء عند رؤية الهلال؛ لاحتمال وجوبه مع القطع بعدم حرمته. و قد يكون في الترك كما في شرب التتن لاحتمال حرمته مع القطع بعدم وجوبه. و قد يكون في الجمع بين أمرين كما مثّل به المصنّف في القصر و الاتمام. و كما في صلاة الظهر و الجمعة اذا لم يعلم أنّ أيّهما وظيفته. و قد يكون في عمل واحد كما اذا دار الأمر بين وجوب الجهر و الاخفات في صلاة الظهر يوم الجمعة للأمر بالاجهار فيها في جملة من الأخبار، و مقتضى الاحتياط فيها أن يكرّر القراءة تارة اخفاتا و أخرى جهرا ناويا في احداهما القراءة المأمور بها و في ثانيتهما عنوان القرآنيّة؛ لجواز قراءة القرآن في الصلاة. و قد يكون الاحتياط في الجمع في الترك كما اذا علم بحرمة أحد الفعلين، فانّ
1) - مستمسك العروة 1: 6 و 7.
الاحتياط يقتضي تركهما معا. و قد يكون في الجمع بين الاتيان بأحد الفعلين و ترك الآخر كما اذا علم اجمالاً بوجوب الأوّل أو حرمة الثاني. انتهى ملخّصا».(1)
(مسألة 4): الأقوى جواز الاحتياط و لو كان مستلزما للتكرار و أمكن الاجتهاد أو التقليد.
الشرح:
قد يكون الاحتياط مستلزما للتكرار، كما لو تردّد الواجب بين القصر و التمام، فلو أمكن له العلم التفصيلي بما يجب عليه من القصر أو الاتمام بالاجتهاد أو التقليد، فهل يجوز له الاحتياط بأن يكرّر صلاته و يصلّي تارة قصرا و أخرى تماما؟ مثاله: اذا كان أوّل الوقت في السفر و آخره في الحضر و لم يصلّ و لم يعلم أنّ قضاءها يكون قصرا أو تماما فهل يجوز له تكرارها بالقصر و التمام؟
فالأقوى جوازه؛ لعدم المنع من ذلك الاّ من حيث النيّة و من جهة كونه لعبا و عبثا.
ولكنّه مدفوع أوّلاً بأنّ النيّة الاجماليّة كافية؛ لأنّ العمدة أن يكون فعله بقصد الاطاعة و الامتثال و هو حاصل.
و ثانيا: كلّيّة كونه لعبا و عبثا و استلزام ذلك دائما ممنوع.
قال في المستمسك: «و عن جماعة منعه، بل هو الذي أصرّ عليه بعض الأعاظم. و قد يستدلّ له أوّلاً بأنّ فيه فوات نيّة الأمر؛ لأنّ الفعل حينئذٍ يكون بداعي
احتمال الأمر، لا بداعي نفس الأمر. و ثانيا بأنّه لعب أو عبث بأمر المولى. و كلا الأمرين ممنوعان. أمّا الأوّل، فلأنّ فعل كلّ واحد من الأطراف ناشئ عن داعي الأمر بفعل الواجب. و الاحتمال دخيل في داعويّة الأمر، لا أنّه الداعي اليه. و أمّا
1) - التنقيح في شرح العروة 1: 53.
الثاني، فلأنّه قد يكون في الفحص بالاجتهاد أو التقليد من العناء و المشقّة ما لايكون بالاحتياط. مع أنّه لو سلّم فكونه عبثا بأمر المولى ممنوع، و يمكن أن يكون في كيفيّة الاطاعة، و هو ممّا لايقدح في حصولها. انتهى ملخّصا».(1)
(مسألة 5): في مسألة جواز الاحتياط يلزم أن يكون مجتهدا أو مقلّدا؛ لأنّ المسألة خلافيّة.
الشرح:
قد تقدّم أنّ المهمّ للمكلّف هو العلم أو ما يسدّ مسدّ العلم بأداء تكليفه بحيث يأمن العقوبة، و يؤدّي شكر الربّ، و العمل بالاحتياط موجب للعلم بأداء تكليفه، و هذا ممّا يرشد اليه العقل و هو الاجتهاد.
قال في المستمسك: «لا ريب في أنّ الاكتفاء بالاحتياط في نظر العقل انّما هو لكونه موجبا للعلم بأداء الواقع المؤدّي الى الأمن من تبعة مخالفته. فاذا أدرك عقل المكلّف ذلك كان مجتهدا في مسألة جواز الاحتياط حينئذٍ و لزم الاكتفاء به، و الاّ امتنع الاكتفاء به، الاّ أن يدرك عقله حجّيّة رأي الغير، فيفتي له بجواز الاحتياط فيكتفي به».(2)
(مسألة 6): في الضروريّات لا حاجة الى التقليد كوجوب الصلاة و الصوم و نحوهما و كذا في اليقينيّات اذا حصل له اليقين. و في غيرهما يجب التقليد ان لم يكن مجتهدا اذا لم يمكن الاحتياط، و ان أمكن تخيّر بينه و بين التقليد.
الشرح:
كاشفيّة العلم عن الواقع ذاتيّة ليست بجعل جاعل فاذا علم المكلّف بما كلّف به من الواجبات و المحرّمات فيجب العمل به و لا معنى لتقليده أو اجتهاده، فانّ التقليد أو الاجتهاد و كذلك الاحتياط، للعلم أو الظنّ المعتبر بأداء التكليف، فمن حصل له اليقين في اليقينيّات فضلاً عن الضروريّات كوجوب الصلاة و الصوم و نحوهما، فلا حاجة له الى التقليد.
و في غيرهما يجب التقليد ان لم يكن مجتهدا و لم يمكن له الاحتياط؛ لما دلّ على حجّيّة رأي المجتهد لغيره من الكتاب و السنّة. و ان أمكن له الاحتياط تخيّر بينه و بين التقليد.
(مسألة 7): عمل العامّي بلا تقليد و لا احتياط باطل.
الشرح:
قد تقدّم أنّ المكلّف يجب عليه التفحّص عمّا كلّف به لأداء شكر المنعم و الأمن من العقاب، و تقدّم أيضا أنّ الطرق الى تحصيل الأمن أربعة: العلم و الاجتهاد و الاحتياط و التقليد. فمن لم يكن له علم بتكليفه و لم يكن مجتهدا، و عمل بلا تقليد و لا احتياط، لم يكن له الأمن من العقاب، و ليس له أثر يترتّب عليه حتّى يكشف مطابقته للواقع أو الدليل.
و في المستمسك: «بمعنى عدم الاكتفاء به في نظر العقل في حصول الأمن من العقاب؛ لاحتمال عدم مطابقته للواقع. فلو علم بعد العمل بصحّته واقعا أو ظاهر
المطابقته لرأيه أو رأي من يجب عليه تقليده حال النظر، اكتفى به في نظر العقل حينئذٍ».(1)
(مسألة 8): التقليد هو الالتزام بالعمل بقول مجتهد معيّن و ان لم يعمل بعد بل و لو لم يأخذ فتواه، فاذا أخذ رسالته و التزم بالعمل بما فيها كفى في تحقّق التقليد.
الشرح:
قال في مجمع البحرين: «قلّدته قلاّدة: جعلتها في عنقه. و في حديث الخلافة: «فقلّدها رسول اللّه صلى الله عليه و آله عليّا عليه السلام» أي ألزمه بها أي جعلها في رقبته و ولاّه أمرها. و التقليد في اصطلاح أهل العلم قبول قول الغير من غير دليل، سمّي بذلك لأنّ المقلّد يجعل ما يعتقده من قول الغير من حقّ و باطل قلاّدة في عنق من يقلّده».
التقليد هو العمل بقول المجتهد و قبول قوله، و هذا المعنى ممّا يوافق اللغة و العرف و كذا الكتاب و ان لم يستعمل فيه بهذا اللفظ الاّ أنّ معناه قد نزل في القرآن و هو التبعيّة للآباء و الأجداد و الأسلاف من دون بيّنة و لا برهان، و كذا في الأخبار.
قال في المستمسك: «انّ التقليد عبارة عن العمل اعتمادا على رأي الغير و هو المناسب جدّا لمعناه اللغوي، كما في الفصول. و يعبّر عنه في العرفيّات بقوله: انّى أعمل كذا و يكون ذلك في رقبتك - مخاطبا من يشير عليه بالفعل - و الالتزام أجنبي عنه. و أمّا التعبير بالأخذ في كلام الجماعة، فالظاهر أنّ المراد منه العمل، و كذا في الأخبار، مثل الأخذ بما وافق الكتاب، و الأخذ بما خالف العامّة، و الأخذ بقول أعدلهما. انتهى ملخّصا».(2)
(مسألة 9): الأقوى جواز البقاء على تقليد الميّت و لا يجوز تقليد الميّت ابتداءً.
الشرح:
قد عنون المصنّف في المسألة عنوانين:
الأوّل: جواز البقاء على تقليد الميّت.
الثاني: تقليد الميّت ابتداءً.
و لنذكر أوّلاً جواز تقليد الميّت ابتداءً و عدمه:
قال في التنقيح: «ذهبت العامّة الى جواز تقليد الميّت ابتداءً و من ثمّة قلّدوا أشخاصا معيّنين من أموات علمائهم و وقع ذلك عند أصحابنا رحمهم الله مورد الكلام، و المشهور بل المتسالم عليه عندهم عدم الجواز، و نسب القول بالجواز الى المحدّثين و الى الميرزا القمّي قدس سره».(1)
استدلّ المانعون على عدم جواز تقليد الميّت ابتداءً بوجوه:
الأوّل: دعوى الاجماع على عدم الجواز، و أنّ ذلك ممّا امتازت به الشيعة عن أهل الخلاف.
و فيه: انّ الاجماع المدّعى على تقدير تحقّقه ليس اجماعا تعبّديّا قابلاً لاستكشاف قول المعصوم عليه السلام.
الثاني: انّ الأدلّة الدالّة على حجّيّة فتوى الفقيه ظاهرة الدلالة على اعتبار الحياة في جواز الرجوع اليه كقوله تعالى: «و لينذروا قومهم اذا رجعوا اليهم»(2)و كذا: «فاسألوا أهل الذكر ان كنتم لاتعلمون»(3)، و قوله عليه السلام: «فأمّا من كان من
الفقهاء صائنا لنفسه، الحديث».(1)
و فيه: انّ الدلائل المذكورة و ان كانت ظاهرة في الأحياء، الاّ أنّها لاتدلّ على منع الرجوع الى الميّت.
و استدلّ المثبتون أوّلاً باطلاق الآيات و الروايات، و ثانيا بالسيرة، و ثالثا بالاستصحاب.
و استشكل عليها بعدم الاطلاق و أنّ السيرة لاتنفع هنا، و عدم تماميّة أركان الاستصحاب بالنسبة الى التقليد الابتدائي.
أقول:
قد تقدّم أنّه يجب على المكلّف أن يأتمر بأمر المولى و ينتهي عن نهيه؛ قضاءً لحقّ المولى على عباده، و لأن يأمن من عقاب المخالفة، و كان عليه تحصيل العلم بأداء ما كلّف به أو تحصيل ما يكون كالعلم و هو العمل بالحجّة و الطريق المنصوب من قبل الشارع و هو يحصل بالاجتهاد أو الرجوع الى من نصبه الشارع، و هم رواة الأحاديث و العارفون بأحكامهم عليهم السلام و الناظرون في حلالهم و حرامهم، كما في مقبولة عمر بن حنظلة. و العلماء الذين هم أمناء الرسل و حصون الاسلام و خلفاء رسول اللّه صلى الله عليه و آله و ورثة علمه و علمهم عليهم السلام.
و بعد ذلك نقول: في المسائل الاتّفاقيّة لا اشكال في تقليد الميّت ابتداءً؛ و ذلك للعمل بالحجّة المنصوبة من قبل الشارع.
و أمّا المسائل الخلافيّة ففيما تكون معارضة، فلو قلّد الميّت ابتداءً لم يكن له دليل على البراءة و الحجّة على الأمن من العذاب، فلا أقلّ من الشكّ فهو لايغني من الحقّ شيئا. فيجب عليه تقليد الحيّ ابتداءً.
و أمّا جواز البقاء على تقليد الميّت فبالنسبة الى المسائل التي عمل بها في
1) - وسائل الشيعة 27: 131 / الباب 10 من أبواب صفات القاضي / الحديث 20.
زمان حياة المجتهد التي صارت حجّة و دليلاً له، فلا اشكال في استصحابها؛ لتماميّة أركانه فيجوز البقاء و لايجب.
و أمّا بالنسبة الى المسائل التي يحدث له بعد فوته فعليه الرجوع الى المجتهد الحيّ و الدليل على ذلك هو ما دلّ على عدم جواز تقليد الميّت ابتداءً.
(مسألة 10): اذا عدل عن الميّت الى الحيّ لايجوز له العود الى الميّت.
الشرح:
اذا عدل عن الميّت الى الحيّ ففي المسائل التي يتّفق نظرهما فيها، فلا مانع من العود اليه ثانيا، و أمّا في المسائل التي يختلف نظرهما بالبطلان و الصحّة أو الوجوب و الحرمة، فاذا عمل بفتوى الحيّ فلايجوز له العود الى الميّت؛ لأنّ الحجّة مع البقاء على الحيّ، و العود الى الميّت يكون من التقليد الابتدائي.
(مسألة 11): لايجوز العدول عن الحيّ الى الحيّ الاّ اذا كان الثاني أعلم.
الشرح:
قد تقدّم أنّ التقليد من الميّت لا بأس به في المسائل الاتّفاقيّة، و يجوز فيها العدول عن الحيّ الى الميّت أيضا و هكذا يجوز العدول عن الحيّ الى الحيّ.
انّما الكلام في المسائل الخلافيّة التي يكون فيها بين فتواهما تعارض، فالظاهر جواز العدول فيما اذا كان فتوى الثاني بالنسبة الى المسائل التي عمل بها موافقة للاحتياط، و كذا فيما اذا لم يكن فتوى الثاني بالنسبة الى عباداته و معاملاته و نحوهما ممّا عمل فيها، بطلانها، و في غير ذلك فلايجوز العدول مطلقا؛ للشكّ في حجّيّته.
قال في المستمسك: «لايجوز العدول عن الحيّ الى الحيّ، اجماعا في الجملة حكاه غير واحد، و يقتضيه الأصل العقلي المتقدّم؛ للشكّ في حجّيّة فتوى من
يريد العدول اليه، و العلم بحجّيّة فتوى من يريد العدول عنه و في مثله يبنى على عدم حجّيّة مشكوك الحجّيّة. و ليس ما يوجب سقوط هذا الأصل العقلي من دليل أو أصل شرعي».(1)
و فيه: ما تقدّم آنفا من التفصيل.
(مسألة 12): يجب تقليد الأعلم مع الامكان على الأحوط و يجب الفحص عنه.
الشرح:
قد علمنا من الشارع أنّه أرجع السائلين عن الأحكام - اذا لم يتمكّنوا من الوصول الى الامام عليه السلام - الى المحدّثين و الرواة لأخبارهم، من غير تفضيل بين الأعلم منهم و غيره. نعم، في مقبولة عمر بن حنظلة لمّا سأل الراوي - بعد ارجاعه الامام عليه السلام الى الراوي لأحاديثهم و العارف بأحكامهم والناظر في حلالهم و حرامهم - عمّا اذا اختلف الراويان في حديثهم، قال عليه السلام:
«الحكم ما حكم به أعدلهما و أفقههما و أصدقهما في الحديث و أورعهما».(2)
الاّ أنّ الظاهر أنّ هذا الاختلاف و الارجاع الى الأفقه و الأعدل و غيرهما كان في مقام رفع الخصومة التي لاترفع بتعارض الحكمين و لذلك أوضح الطريق لقطع النزاع. و حيث انّ ارجاعه عليه السلام الى الثقات مطلق و كذا اطلاق مثل قوله عليه السلام: «أمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الى رواة حديثنا».(3)و كذا قوله عليه السلام: «فأمّا من
كان من الفقهاء صائنا لنفسه ... فللعوامّ أن يقلّدوه»(1)، فيجوز تقليد من كان قادرا على استنباط الأحكام من الكتاب و السنّة، و يجب الفحص عنه.
و استشكل أوّلاً بأنّ اطلاق تلك الأخبار لايشمل ما اذا كان أحد المجتهدين أفضل من الآخر في المسائل الخلافيّة التي كانت فتواهما متعارضة.
و فيه: لماذا لايشمل الاطلاقات هذه المسائل حتّى يتعيّن للمقلّد الرجوع الى الأعلم منهما؟ فان كان لأنّ فتوى الأعلم أقرب الى الواقع ففيه: انّ الفرض أنّ الواقع لم يكن معلوما لهما، فما هو بيديهما هو الطرق المنصوبة من الشارع الى الواقع، و لعلّ الواقع لم يكن مطابقا لفتوى كليهما أو كان مطابقا لفتوى غير الأعلم.
و ان كان لأنّ فتواهما كالخبرين المتعارضين ليلزم تساقطهما و الرجوع الى الأصل أو الترجيح، ففيه: انّ فتوى المجتهد و ان كان يستنبط من الأدلّة - الكتاب و السنّة - و هي الحجّة، الاّ أنّها لم تكن عين الرواية حتّى يشملها الأخبار العلاجيّة.
و ثانيا بما عن المحقّق الثاني من دعوى الاجماع على عدم جواز الرجوع الى غير الأعلم.
و فيه: انّ ذلك من الاجماعات المنقولة و قد بيّنّا في محلّه أنّ الاجماعات المنقولة لا اعتبار بها و لايستكشف بها رأي المعصوم عليه السلام.
و ثالثا بالسيرة العقلائيّة فانّها قد جرت على الرجوع الى الأعلم عند العلم بالمخالفة و لم يردع عنها الشارع، فهي ممضاة عنده.
و فيه: انّها تدلّ على الجواز لا على الوجوب، بحيث يقيّد اطلاقات أخبار الرجوع الى الفقيه أو الراوي و المحدّث.
و رابعا بالروايات الدالّة على ذلك.
و فيه: انّها امّا ضعيفة السند أو ضعيفة الدلالة، فراجع تنقيح العروة.(2)
فالمتحصّل أنّ تقليد الأعلم ليس واجبا و ان كان أحوط، و يجوز تقليد غير الأعلم.
(مسألة 13): اذا كان هناك مجتهدان متساويان في الفضيلة يتخيّر بينهما الاّ اذا كان أحدهما أورع فيختار الأورع.
الشرح:
لو قلنا بوجوب تقليد الأعلم فاذا كان هناك مجتهدان متساويان في الفضيلة يتخيّر بينهما. و لو كان أحدهما أورع، فان كان الدليل مقبولة عمر بن حنظلة فالأحوط ان لم يكن أقوى اختيار الأورع، و ان كان السيرة فالأفضل اختيار الأورع.
قال في المستمسك: «ذهب الى اختيار الأورع الشيخ في النهاية و التهذيب و الشهيدان في الذكرى و الدروس و المسالك، و يقتضيه أصالة التعيين الجارية عند الدوران بينه و بين التخيير. و لايظهر على خلافها دليل؛ اذ الاطلاقات الدالّة على الحجّيّة - لو تمّت - لاتشمل صورة الاختلاف. اللّهمّ الاّ أن يكون بناء العقلاء على التخيير بين المتساويين في الفضل و ان كان أحدهما أورع، فيتّبع اتّباعه في حجّيّة رأي العالم. لكن هذا البناء غير ظاهر مع الاختلاف. و لو كان أحد المجتهدين أفضل و الآخر أورع قدّم الأفضل؛ لما عرفت من بناء العقلاء على تعيّنه».(1)
(مسألة 14): اذا لم يكن للأعلم فتوىً في مسألة من المسائل يجوز في تلك المسألة الأخذ من غير الأعلم و ان أمكن الاحتياط.
الشرح:
ان قلنا بوجوب تقليد الأعلم، فان لم يكن للأعلم فتوىً في مسألة من المسائل
1) - مستمسك العروة 1: 31 و 32.
فيجب الرجوع الى الأعلم من بعده. و أمّا الاحتياط فلايجب؛ لأنّ الفرض أنّه عامّي و لو أمكن الاحتياط لم يجب لوجود الدليل على تقليد الفقيه.
(مسألة 15): اذا قلّد مجتهدا كان يجوّز البقاء على تقليد الميّت فمات ذلك المجتهد لايجوز البقاء على تقليده في هذه المسألة بل يجب الرجوع الى الحيّ الأعلم في جواز البقاء و عدمه.
الشرح:
قد تقدّم أنّ البقاء على تقليد الميّت جائز في المسائل التي عمل بها، و أمّا غيرها فيجب الرجوع الى الحيّ و من المعلوم أنّ هذه المسألة لم يقلّده و لم يتّفق له
فيجب الرجوع الى المجتهد الحيّ. و لو قلنا بجواز البقاء على تقليد الميّت مطلقا، ففي هذه المسألة يجب الرجوع الى المجتهد الحيّ؛ لأنّه أوّلاً من المسائل الخلافيّة، و ثانيا: تقليده في هذه المسألة يشبه بالتقليد الابتدائي فلايجوز.
(مسألة 16): عمل الجاهل المقصّر الملتفت باطل و ان كان مطابقا للواقع و أمّا الجاهل القاصر أو المقصّر الذي كان غافلاً حين العمل و حصل منه قصد القربة، فان كان مطابقا لفتوى المجتهد الذي قلّده بعد ذلك كان صحيحا و الأحوط مع ذلك مطابقته لفتوى المجتهد الذي كان يجب عليه تقليده حين العمل.
الشرح:
اذا عمل العامّي عملاً رجاء موافقته للواقع سواء كان عباديّا أو غير عبادي فان طابق الواقع يجزي مطلقا سواء كان جاهلاً قاصرا أو مقصّرا ملتفتا أو غافلاً؛ و ذلك لأنّ التقليد و الاجتهاد و الاحتياط يكون لدرك الواقع و العمل بما كلّف به و الفرض أنّه أدركه، و أمّا قصد القربة في العبادات فيكفي رجاء موافقتها و احتمال امتثالها.
انّما الكلام في كيفيّة مطابقته للواقع، فان كانت أعماله من المسائل التي تكون اتّفاقيّة فلا اشكال فيها. و أمّا ان كانت اختلافيّة فان كانت مطابقة لفتوى المجتهد الذي قلّده بعد ذلك كان صحيحا، و ان كان لايبعد اجزاء مطابقته لفتوى المجتهد الذي كان يجب عليه تقليده حين العمل.
(مسألة 17): المراد من الأعلم من يكون أعرف بالقواعد و المدارك للمسألة و أكثر اطّلاعا لنظائرها و للأخبار و أجود فهما للأخبار، و الحاصل أن يكون أجود استنباطا و المرجع في تعيينه أهل الخبرة و الاستنباط.
الشرح:
الفقيه و المجتهد الذي يجوز تقليده هو الذي يقدر على استنباط الأحكام الفرعيّة الشرعيّة من أدلّتها التفصيليّة و هي الكتاب و السنّة و الاجماع و العقل. و يحتاج في استنباطه هذا الى علم الصرف و النحو و اللغة و المنطق و تفسير آيات الأحكام و أصول الفقه و قواعده و الأخبار و المهمّ بعد كسب هذه العلوم هو الممارسة الدائميّة الطويلة بحيث يقدر على كيفيّة استعمال الأصول و القواعد الممهّدة عنده في استنباط الأحكام، و المعرفة و الأنس بمذاق الشارع من الأخبار حتّى تكون نتيجة تلك الممارسة ملكة يقتدر بها على الاستنباط. و بناءً عليه فالأعلم - كما في المتن - من يكون أعرف بالقواعد و المدارك للمسألة و أكثر اطّلاعا لنظائرها و للأخبار و أجود فهما لها.
(مسألة 18): الأحوط عدم تقليد المفضول حتّى في المسألة التي توافق فتواه فتوى الأفضل.
تقدّم في المسألة الثانية عشرة ما يفيد لهذه المسألة.
(مسألة 19): لايجوز تقليد غير المجتهد و ان كان من أهل العلم كما أنّه يجب على غير المجتهد التقليد و ان كان من أهل العلم.
الشرح:
لايجوز تقليد غير المجتهد و ان كان من أهل العلم؛ لأنّ الدليل المؤمّن من العقاب ورد على تقليد الفقيه و المجتهد و الفرض أنّه لم يبلغ تلك المرتبة، كما أنّ الذي لم يبلغ تلك الدرجة يجب عليه التقليد.
(مسألة 20): يعرف اجتهاد المجتهد بالعلم الوجداني كما اذا كان المقلّد من أهل الخبرة و علم باجتهاد شخص و كذا يعرف بشهادة عدلين من أهل الخبرة اذا لم تكن معارضة بشهادة آخرين من أهل الخبرة ينفيان عنه الاجتهاد و كذا يعرف بالشياع المفيد للعلم و كذا الأعلميّة تعرف بالعلم أو البيّنة الغير المعارضة أو الشياع المفيد للعلم.
الشرح:
يعرف المجتهد بالعلم الوجداني؛ لأنّ كاشفيّة العلم ذاتيّة لاتكون بجعل جاعل، فمن أيّ سبب حصل كان حجّة، و منها ما اذا كان المقلّد من أهل الخبرة و علم باجتهاد شخص. و كذا يعرف بشهادة عدلين من أهل الخبرة، و ذلك لعموم ما دلّ على حجّيّة البيّنة من القرآن و السنّة بل العدل الواحد، بل كون المخبر ثقة كما هو ظاهر الروايات التي أرجع الامام عليه السلام أصحابه الى من كان ثقة من الرواة. هذا اذا لم تكن معارضة بشهادة عدلين آخرين، ينفيان عنه الاجتهاد و الاّ تساقطا. و كذا يعرف بالشياع المفيد للعلم، و هذا يكون سببا من أسباب العلم. و يعرف الأعلميّة أيضا بما يعرف به المجتهد و سيأتي البحث تفصيلاً - ان شاء اللّه - عن ذلك في مبحث المياه.
(مسألة 21): اذا كان مجتهدان لايمكن تحصيل العلم بأعلميّة أحدهما و لا البيّنة، فان حصل الظنّ بأعلميّة أحدهما تعيّن تقليده بل لو كان في أحدهما احتمال الأعلميّة يقدّم، كما اذا علم أنّهما امّا متساويان أو هذا المعيّن أعلم و لايحتمل أعلميّة الآخر، فالأحوط تقديم من يحتمل أعلميّته.
الشرح:
قد تقدّم عدم وجوب كون المجتهد المقلَّد أعلم من سائر المجتهدين. فان قلنا بوجوبه و كان هناك مجتهدان لايمكن تحصيل العلم بأعلميّة أحدهما و لا البيّنة، فان حصل الظنّ بأعلميّة أحدهما تعيّن و ان كان «الظنّ لايغني من الحقّ شيئا» الاّ أنّ ذلك لدوران الأمر بين التعيين و التخيير و أنّ ما يحصل به القطع بامتثال التكليف هو الرجوع الى مظنون الأعلميّة، و كذلك يكون الحال في احتمال الأعلميّة لأحدهما معيّنا دون الآخر.
(مسألة 22): يشترط في المجتهد أمور: البلوغ و العقل و الايمان و العدالة و الرجوليّة و الحرّيّة - على قول - و كونه مجتهدا مطلقا فلايجوز تقليد المتجزّي، و الحياة فلايجوز تقليد الميّت ابتداءً. نعم، يجوز البقاء كما مرّ و أن يكون أعلم فلايجوز على الأحوط تقليد المفضول مع التمكّن من الأفضل و أن لايكون متولّدا من الزنى و أن لايكون مقبلاً على الدنيا و طالبا لها مكبّا عليها مجدّا في تحصيلها ففي الخبر: «من كان من الفقهاء صائنا لنفسه حافظا لدينه مخالفا لهواه مطيعا لأمر مولاه فللعوامّ أن يقلّدوه».
الشرح:
قد تقدّم في المسألة الأولى أنّه يجب على المكلّف أن يكون في عباداته و معاملاته امّا مجتهدا أو مقلّدا أو محتاطا؛ لأنّ المؤمن باللّه و رسوله صلى الله عليه و آله و الأئمّة عليهم السلام يعلم أنّ اللّه تعالى قد جعل له تكاليف من الأوامر و النواهي و العقل
يرشده الى تعلّمها لشكره تعالى، مضافا الى أنّ اعتقاده باللّه و الرسول صلى الله عليه و آله و الأئمّة عليهم السلام يلزمه بالعمل بأوامر اللّه و نواهيه، مع انحصار الطريق اليه في هذه الثلاثة عقلاً، و قد دلّ عليه النقل. و هكذا يكون الحال في شرائطه.
أمّا البلوغ فانّه و ان لم يصرّح به في الروايات الاّ أنّ ظاهر قوله عليه السلام:
«فأمّا من كان من الفقهاء صائنا لنفسه حافظا لدينه مخالفا على هواه مطيعا لأمر مولاه فللعوامّ أن يقلّدوه»(1).
هو اعتبار كون الفقيه بالغا و كذا سائر الروايات الواردة في هذا الباب.
و أمّا العقل فقال في اعتباره في المستمسك: «فأمره ظاهر عند العقلاء فضلاً عن المتشرّعة، فقد قيل: انّه ممّا أجمع عليه الخلف و السلف».(2)
فاعتباره أظهر من الشمس فمن كان عاقلاً مكلّفا يعلم بحكم عقله أنّ الرجوع الى المجنون لايليق الاّ لمن كان مجنونا.
و في التنقيح: «يدلّ على اعتباره جميع الأدلّة المستدلّ بها على حجّيّة فتوى الفقيه من الآيات و الأخبار و السيرة العقلائيّة، و ذلك لوضوح أنّ الموضوع في الأدلّة اللفظيّة هو الفقيه و العالم و العارف و نحوها، و لاينبغي الارتياب في عدم صدق شيء منها على غير العاقل، فانّه لا ميزان لفهمه و لا لشيء من أعماله و أقواله».(3)
و أمّا اعتبار الايمان - بمعنى كونه ممّن يعتقد بامامة الأئمّة الاثنيعشر عليهم السلام - فيدلّ على اعتباره الأدلّة الأربعة:
فمن الكتاب قوله تعالى: «فاسألوا أهل الذكر ان كنتم لاتعلمون».(4)فانّ
أهل الذكر هم الأئمّة عليهم السلام و من يحذو حذوهم في العلم و العمل. و كذا يدلّ عليه غيرها من الآيات.
و من السنّة قوله عليه السلام في المقبولة بعد نهيه عليه السلام عن المراجعة الى حكّام الجور و قضاتهم:
«ينظران من كان منكم ممّن قد روى حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا و عرف أحكامنا فليرضوا به حكما فانّي قد جعلته عليكم حاكما».(1)
و العقل يحكم بالرجوع الى من يعلم أوامر اللّه و نواهيه من القرآن و السنّة و لايفتي على هواه من القياس و الاستحسان و غيرهما. و قد ثبت الاجماع من فقهاء الشيعة على ذلك سلفا و خلفا.
و أمّا اعتبار العدالة فقد دلّ عليه قوله تعالى: «و جعلنا منهم أئمّة يهدون بأمرنا»(2)فانّ المقلّد يهدي مقلّده الى أوامر اللّه و نواهيه، فمن كان في الضلالة لتخلّفه عن أوامر اللّه و نواهيه لايكون هاديا.
و من السنّة، قوله عليه السلام:
«فأمّا من كان من الفقهاء صائنا لنفسه، حافظا لدينه، مخالفا على هواه، مطيعا لأمر مولاه، فللعوامّ أن يقلّدوه».(3)
و قد تقدّم آنفا. و العقل يرشد الى ذلك. و الاجماع كما حكاه غير واحد.
و أمّا اعتبار الرجوليّة فقد دلّنا عليه الكتاب بأنّ اللّه تعالى لم يبعث نبيّا و لم يعيّن وصيّا من النساء و أنّه تعالى جعل القيموميّة و القيادة للرجال كما قال اللّه تعالى:
«الرجال قوّامون على النساء»(1). و من السنّة أنّه لم يعهد منهم عليهم السلامأنّهم أرجعوا الأمّة الى النساء لتعلّم الأحكام، مع أنّ في نساء الأمّة فقيهات، عالمات بالكتاب و السنّة.
هذا مضافا الى أنّه قد ادّعى الاجماع على ذلك غير واحد.
و الحرّيّة فيمكن أن يستدلّ على اعتباره بقوله تعالى: «عبدا مملوكا لايقدر على شيء»(2)بتقريب أنّ الفقيه و المجتهد له زعامة دينيّة، فمن لم يكن مالكا لأوقاته و أمواله و كان محجورا عليه فكيف يرضى الشارع أن يكون متولّيا لأمور المسلمين. و يؤيّده أنّ الأدلّة منصرفة عن العبيد كما هو ظاهر.
و أمّا كونه مجتهدا مطلقا فيمكن أن يقال بعدم اعتباره و اجزاء تقليد المتجزّي؛ و ذلك لأنّ الاجتهاد قوّة يقتدر بها على استنباط الأحكام الشرعيّة الفرعيّة عن أدلّتها التفصيليّة، و هذه القوّة تحصل بالممارسة كما هو واضح، و من المعلوم أنّ أبواب الأحكام ليست متساوية من حيث سهولة الاستنباط و صعوبته، بل بعضها سهلة و بعضها موجبة للمشقّة بل المشقّة العظيمة، مضافا الى أنّ بعض الأفراد يتقوّى باستنباط أحكام الصلاة أو العبادات كلّها و لايقدر على استنباط أحكام المعاملات كاملاً و النتيجة أنّ التجزّي في أبواب الفقه ممكن، و من أمعن النظر في الروايات التي أرجع الامام عليه السلام شيعته الى الثقات يجد صحّة ما قلنا. و عليه فلايبعد أن يقال بجواز تقليد المجتهد المتجزّي في المسائل التي اجتهد، كما أنّ نتيجة ذلك جواز تبعيض التقليد. اللّهمّ الاّ أن يقال: انّ الظاهر من المقبولة هو المجتهد المطلق فالاحتياط لايترك.
و أمّا تقليد الميّت ابتداءً و بقاءً فقد مرّ البحث عنه في المسألة التاسعة و قلناهناك بعدم جواز تقليد الميّت ابتداءً و جواز البقاء بالنسبة الى المسائل التي قلّدها.
و كذا مرّ البحث عن تقليد الأعلم في المسألة الثانيه عشرة و قلنا بعدم وجوب تقليد الأعلم وان كان أحوط.
و أمّا اعتبار طهارة المولد، فان كان مشهورا بأنّه مولود من الزنا، فلايجوز تقليده؛ و ذلك أوّلاً للاجماع المدّعى عن غير واحد، و ثانيا لكونه منقصة، فلايرضى الشارع أن يكون المرجع الديني متّصفا بهذه النقيصة.
ثمّ انّ المصنّف رحمه الله قال: «و أن لايكون مقبلاً على الدنيا و طالبا لها مكبّا عليها مجدّا في تحصيلها ... » فان كانت هذه الخصوصيّة مضرّة بعدالته؛ فلا محيص عن اعتبارها، و أمّا ان لم تكن كذلك - و ان كان بعيدا - فهذه الصفات لاتكون لائقة بمن يدّعي النيابة عن الامام المعصوم عليه السلام الذي كان سيرته الادبار عن الدنيا و رفضها، و نظره اليها نظر الغاضب منها، و ان كان يسعى في طلب رزقه من الحلال.
والأقوى اعتباره كما ذهب اليه المصنّف رحمه الله.
(مسألة 23): العدالة عبارة عن ملكة اتيان الواجبات و ترك المحرّمات و تعرف بحسن الظاهر الكاشف عنها علما أو ظنّا و تثبت بشهادة العدلين و بالشياع المفيد للعلم.
الشرح:
قد شرحنا العدالة في المجلّد الخامس من كتاب الهادي في البحث عن شرائط امام الجماعة مع ذكر الروايات الواردة في الباب.(1)
و خلاصته أنّ العدالة هي الملكة المنبعثة عن الدين الذي هو الحبّ للّه و للرسول و للأئمّة الاثنيعشر أي علي و أولاده المعصومين عليهم السلام و البغض لأعدائهم، فهذا الحبّ يبعث الانسان الى الطاعة للّه و للرسول و لأولي الأمر، كما
1) - الهادي 8 (كتاب الصلاة الجزء الخامس): 259 - 276
قال اللّه تعالى: «قل ان كنتم تحبّون اللّه فاتّبعوني يحببكم اللّه».(1)فانّ ما ينبعث منه فعل الواجب و ترك الحرام هو الملكة التي يعبّر عنها بالتقوى، و قد كسبها بتكرار فعل الواجب و ترك الحرام، فاذا كان الرجل ملتزما باتيان الأعمال الواجبة التي من جملتها و أهمّها الصلاة، و اهتمّ بما كان يهتمّ به الرسول و أوصياؤه عليهم السلام من الحضور في صلاة الجماعة و لم نره يرتكب ذنبا من كذب أو غيبة أو ظلم، فبحسن ظاهره هذا نحكم بعدالته. ففي صحيحة عبداللّه بن أبي يعفور قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: بم تعرف عدالة الرجل بين المسلمين حتّى تقبل شهادته لهم و عليهم؟ فقال: أن تعرفوه بالستر و العفاف و كفّ البطن و الفرج و اليد و اللسان، و يعرف باجتناب الكبائر، الحديث».(2)
فانّ «الستر و العفاف» في كلامه عليه السلام عبارة أخرى عن التقوى التي هي ملكة فعل الواجبات و ترك المحرّمات. فانّ من يكفّ نفسه عن فعل الحرام و ترك الواجب و يستر عيوبه التي منها الطغيان و العصيان و الفجور بعدم ارتكاب الخبائث، نعرفه بالستر و العفاف.
و حسن الظاهر هو الساتريّة من جميع العيوب فيتوقّف احرازه على المعاشرة و هو كاشف تعبّدي عن العدالة و في الأغلب يوجب الاطمئنان. و تثبت العدالة بشهادة عدلين بل عدل واحد بل لو شهد ثقة بعدالة شخص كفى في ثبوتها. و تثبت أيضا بالشياع المفيد للعلم. و اطلب تفصيل ذلك من كتاب الصلاة.(3)
(مسألة 24): اذا عرض للمجتهد ما يوجب فقده للشرائط يجب على المقلّد العدول الى غيره.
الشرح:
قال في التنقيح: «اذا عرض للمجتهد ما يوجب فقده للشرائط، فالأصل و ان كان يقتضي جواز البقاء على تقليده - كما لو مات - بناءً على حجّيّة الاستصحاب في الشبهات الحكميّة، و كذا اطلاق أدلّة حجّيّة فتوى الفقيه، و السيرة العقلائيّة التي جرت على رجوع الجاهل الى العالم سواء في ذلك أن يكون العالم باقيا على علمه و خبرويّته بعد الرجوع أو لايكون، الاّ أنّ مقتضى ما ارتكز في أذهان المتشرّعة حسبما استكشفته من مذاق الشارع من عدم رضاه أن يكون المتصدّي للزعامة الكبرى للمسلمين من به منقصة دينيّة أو دنيويّة يعاب بها عليه و تسقطه عن أنظار العقلاء المراجعين اليه فلايحتمل أن يرضى بكونه جاهلاً أو منحرفا عن الشريعة التي يدعو الناس الى سلوكها فضلاً عن أن يكون راضيا بكونه مجنونا أو كافرا أو غير ذلك من الأوصاف الرذيلة. انتهى ملخّصا».(1)
أقول:
ما أفاده رحمه الله بالنسبة الى ما كان مرتكزا في أذهان المتشرّعة صحيح بل لا اشكال فيه، الاّ أنّ الانصاف أنّ أدلّة حجّيّة فتوى الفقيه من الكتاب و السنّة منصرفة عمّن سقط عن أهليّة الفتوى و عرض به ما يوجب فقده للشرائط كالجنون والنسيان و الفسق و الكفر.
1) - التنقيح في شرح العروة 1: 198 - 200.
(مسألة 25): اذا قلّد من لم يكن جامعا و مضى عليه برهة من الزمان كان كمن لم يقلّد أصلاً، فحاله حال الجاهل القاصر أو المقصّر.
الشرح:
قد تقدّم شرح هذه المسألة في المسألة السادسه عشرة، و قلنا بصحّة عمل الجاهل اذا كان عمله مطابقا للواقع، أو كان مطابقا لفتوى المجتهد الذي يجب عليه تقليده حين الرجوع.
قال في التنقيح: «الجاهل القاصر كمن قلّد المجتهد بشهادة البيّنة مثلاً على عدالته أو اجتهاده ثمّ علم خطأها. و قد بيّنّا سابقا أنّ الجاهل القاصر و المقصّر في صحّة عملهما عند المطابقة للواقع على حدّ سواء، و قد مرّ أنّ طريق استكشاف المطابقة للواقع انّما هو مطابقة العمل لفتوى من يجب الرجوع اليه بالفعل. انتهى ملخّصا».(1)
(مسألة 26): اذا قلّد من يحرّم البقاء على تقليد الميّت فمات، و قلّد من يجوّز البقاء، له أن يبقى على تقليد الأوّل في جميع المسائل الاّ مسألة حرمة البقاء.
الشرح:
لايجوز تقليد الميّت ابتداءً و قد بيّنّا الدليل عليه، و أمّا في مسألة جواز البقاء على تقليد الميّت أو عدم جوازه فيجب الرجوع الى المجتهد الحيّ، و لايجوز تقليد الميّت في هذه المسألة؛ لأنّه يكون من التقليد الابتدائي، فان أفتى المجتهد الحيّ بجواز البقاء فيبقى على تقليده و ان كان فتوى الميّت حرمة البقاء.
1) - التنقيح في شرح العروة 1: 244.
(مسألة 27): يجب على المكلّف العلم بأجزاء العبادات و شرائطها و موانعها و مقدّماتها و لو لم يعلمها لكن علم اجمالاً أنّ عمله واجد لجميع الأجزاء و الشرائط و فاقد للموانع صحّ و ان لم يعلمها تفصيلاً.
الشرح:
يجب على المكلّف العلم بأجزاء العبادات و شرائطها و موانعها و مقدّماتها؛ لأنّه اذا علم اشتغال ذمّته بها يجب عليه فراغ ذمّته منها و هو لايحصل الاّ بالعلم باتيانها و لايوجد العلم بالاتيان الاّ بأن يعلم أوّلاً كلّ ما له دخل في هذه العبادة. نعم، اذا علم اجمالاً أنّ عمله واجد لجميع الأجزاء و الشرائط و فاقد للموانع صحّ و ان لم يعلمها تفصيلاً، و ذلك للعلم ببراءة ذمّته عمّاكانت مشغولة به.
(مسألة 28): يجب تعلّم مسائل الشكّ و السهو بالمقدار الذي هو محلّ الابتلاء غالبا. نعم، لو اطمأنّ من نفسه أنّه لايبتلى بالشكّ و السهو صحّ عمله و ان لم يحصل العلم بأحكامها.
الشرح:
يجب تعلّم مسائل الشكّ و السهو بالمقدار الذي هو محلّ الابتلاء غالبا كما تقدّم في المسألة السابقة، و هذا الوجوب مقدّمي ولو لم يتعلّم و لم يبتل بها لم يكن
عاصيا، و أمّا لو لم يتعلّم و ابتلي بها فان عمل بما يخطر بباله رجاءً و صادف الواقع صحّ عمله و لم يعص، و لو لم يطابق الواقع أو فتوى المجتهد الذي يجب عليه تقليده فيعيد عمله.
(مسألة 29): كما يجب التقليد في الواجبات و المحرّمات يجب في المستحبّات و المكروهات و المباحات، بل يجب تعلّم حكم كلّ فعل يصدر منه سواء كان من العبادات أو المعاملات أو العاديّات.
الشرح:
قد بينّا سابقا أنّ المكلّف اذا التفت الى أنّ اللّه تعالى قد أوجب عليه أشياء و حرّم عليه أشياء أخر، فالعقل و الشرع يأمره بتعلّمها ليعمل بالواجبات و يترك المحرّمات و طرق تعلّمها ثلاثة: الاجتهاد و الاحتياط و التقليد، و لو لم يتعلّم و لم يعمل لم يكن معذورا. و كذا يجب عليه تعلّم المستحبّات و المكروهات لئلاّيعمل من تلقاء نفسه أعمالاً أو يترك أعمالاً بعنوان أنّها من الشارع فانّه تشريع محرّم. و أمّا وجوب تعلّم أحكام المعاملات، فلئلاّيقع في المحرّمات من حيث لايعلم. و كذا المباحات و العاديّات لذلك أو للتشريع المحرّم.
و في التنقيح قال: «اذا احتمل حكما الزاميّا من الوجوب أو الحرمة، فلا بدّ له من تحصيل المؤمّن، و لا مؤمّن سوى الاجتهاد و التقليد و الاحتياط، و أمّا لو جزم بالجواز و ان لم يعلم أنّه مباح أو مستحبّ أو مكروه فلا حاجة فيه الى التقليد و لا الى قرينيه، الاّ أن يريد الاتيان بأنّه مستحبّ فانّه محتاج اليها و الاّ يكون من التشريع المحرّم. و العامّي اذا احتمل الوجوب و شيئا من الأحكام غير الالزاميّة فلا حاجة فيه الى التقليد لامكان الاحتياط بفعله. و كذا لو احتمل الحرمة و شيئا من الأحكام الثلاثة مع القطع بعدم الوجوب، يمكن له الاحتياط بتركه. نعم، اذا احتمل وجوب شيء و حرمته و اباحته، أو هما و كراهته أو استحبابه تعيّن التقليد في حقّه لعدم امكان الاحتياط فيه. انتهى ملخّصا».(1)
1) - التنقيح في شرح العروة 1: 255 و 256.
(مسألة 30): اذا علم أنّ الفعل الفلاني ليس حراما و لم يعلم أنّه واجب أو مباح أو مستحبّ أو مكروه يجوز له أن يأتي به لاحتمال كونه مطلوبا و برجاء الثواب و اذا علم أنّه ليس بواجب و لم يعلم أنّه حرام أو مكروه أو مباح، له أن يتركه لاحتمال كونه مبغوضا.
قد اتّضح حال هذه المسألة ممّا نقلناه من التنقيح في المسألة السابقة.
(مسألة 31): اذا تبدّل رأي المجتهد لايجوز للمقلّد البقاء على رأيه الأوّل.
الشرح:
اذا تبدّل رأي المجتهد لايجوز للمقلّد البقاء على رأيه الأوّل؛ و ذلك لأنّ تبدّل رأيه يكشف عن عدم حجّيّة رأيه الأوّل في حقّه و في حقّ مقلّديه.
قال في المستمسك: «هذا ينبغي أن يكون من الواضحات، لاختصاص أدلّة جواز رجوع الجاهل الى العالم بصورة عدم اعترافه بخطأ الواقع».(1)
(مسألة 32): اذا عدل المجتهد عن الفتوى الى التوقّف و التردّد يجب على المقلّد الاحتياط أو العدول الى الأعلم بعد ذلك المجتهد.
الشرح:
اذا عدل المجتهد عن الفتوى الى التوقّف و التردّد يجب على المقلّد الاحتياط أو العدول الى مجتهد آخر؛ و ذلك لأنّ معنى العدول الى التوقّف و التردّد هو الشكّ في رأيه الأوّل، و لم يكن ذلك حجّة في حقّه و في حقّ مقلّديه. و أمّا العدول الى الأعلم فقد تقدّم في المسألة الثانيه عشرة عدم وجوب تقليد الأعلم.
1) - مستمسك العروة 1: 61.
(مسألة 33): اذا كان هناك مجتهدان متساويان في العلم كان للمقلّد تقليد أيّهما شاء، و يجوز التبعيض في المسائل. و اذا كان أحدهما أرجح من الآخر في العدالة أو الورع أو نحو ذلك فالأولى بل الأحوط اختياره.
الشرح:
قد تقدّم جواز تقليد غير الأعلم في المسألة الثانيه عشرة و في المسألة الثانية و العشرين. و أمّا حكم جواز التبعيض فيكون كحكم جواز العدول الذي تقدّم في المسألة الحاديه عشرة.
(مسألة 34): اذا قلّد من يقول بحرمة العدول حتّى الى الأعلم ثمّ وجد أعلم من ذلك المجتهد فالأحوط العدول الى ذلك الأعلم و ان قال الأوّل بعدم جوازه.
الشرح:
قد تقدّم في المسألة الحاديه عشرة حكم العدول من المجتهد الحيّ الى الحيّ. و أمّا اذا قلّد من يقول بحرمة العدول حتّى الى الأعلم، ثمّ وجد أعلم من ذلك المجتهد، فبناءً على ما قلنا من عدم وجوب الرجوع الى الأعلم، فلايجوز حينئذٍ العدول. وأمّا لو قلنا بوجوب الرجوع الى الأعلم و لو احتياطا، فالأحوط العدول اليه و ان قال الأوّل بعدم جوازه؛ و ذلك لأنّه لا أثر لفتوى المجتهد بحرمة العدول عند وجود من هو أعلم منه، و الوجه فيه أنّ المقلّد انّما جاز له تقليد المجتهد المفتي بحرمة العدول من جهة فتوى الأعلم بجواز تقليد غير الأعلم، فمعنى فتواه بجوازه هو الجواز حدوثا و بقاءً أي جواز العدول الى الأعلم في المسائل الخلافيّة، و لايمكن أن يفتي الأعلم بجواز الرجوع الى غير الأعلم ثمّ يحصل من هذه الفتوى حرمة تقليد الأعلم أي حرمة تقليد نفسه.
(مسألة 35): اذا قلّد شخصا بتخيّل أنّه زيد فبان عمروا فان كانا متساويين في الفضيلة و لم يكن على وجه التقييد صحّ و الاّ فمشكل.
الشرح:
قال في المستمسك: «ان قلنا بأنّ التقليد هو العمل بفتوى المجتهد و قد كان المجتهدان متّفقين في الفتوى فيشكل فرضه. نعم، مع الاختلاف فيها أو القول بأنّه الالتزام يكون الفرض ظاهرا.انتهى ملخّصا».(1)
أقول:
اذا قلّد شخصا بتخيّل أنّه زيد فبان عمروا فبالنسبة الى المسائل الاتّفاقيّة بينهما صحّ، و ان كان على وجه التقييد كما تقدّم في أوائل البحث. و أمّا بالنسبة الى المسائل الخلافيّة، فان كان على وجه التقييد و لم يكن فتوى زيد ابطال أعماله فلا اشكال أيضا، و في غير ذلك اشكال.
(مسألة 36): فتوى المجتهد يعلم بأحد أمور: «الأوّل»: أن يسمع منه شفاها. «الثاني»: أن يخبر بها عدلان. «الثالث»: اخبار عدل واحد، بل يكفي اخبار شخص موثّق يوجب قوله الاطمئنان و ان لم يكن عادلاً. «الرابع»: الوجدان في رسالته، و لابدّ أن تكون مأمونة من الغلط.
الشرح:
تعلم فتوى المجتهد بأحد أمور:
الأوّل: أن يسمع منه شفاها فانّه حجّة بلا اشكال.
الثاني: أن يخبر بها عدلان بل عدل واحد بل يكفي اخبار شخص موثّق يوجب قوله الاطمئنان و ان لم يكن عادلاً.
1) - مستمسك العروة 1: 64.
الثالث: الوجدان في رسالته اذا كان بخطّه،و ان كتب رسالته غيره فلا بأس اذا كان ثقة أو أيّده المجتهد.
(مسألة 37): اذا قلّد من ليس له أهليّة الفتوى ثمّ التفت، وجب عليه العدول و حال الأعمال السابقة حال عمل الجاهل الغير المقلّد و كذا اذا قلّد غير الأعلم وجب على الأحوط العدول الى الأعلم، و اذا قلّد الأعلم ثمّ صار بعد ذلك غيره أعلم وجب العدول الى الثاني على الأحوط.
الشرح:
قال في المستمسك - في ذيل كلام المصنّف وجب عليه العدول - : «بل هو في الحقيقة تقليد ابتدائي لا عدول»(1)، و قد تقدّم حال عمل الجاهل غير المقلّد في المسألة السادسه عشرة. و تقدّم أيضا جواز تقليد غير الأعلم.
(مسألة 38): ان كان الأعلم منحصرا في شخصين و لم يمكن التعيين فان أمكن الاحتياط بين القولين فهو الأحوط و الاّ كان مخيّرا بينهما.
الشرح:
ان كان الأعلميّة منحصرة في شخصين و لم يمكن التعيين، فعلى القول بجواز تقليد غير الأعلم يتخيّر في العمل بفتوى أيّهما شاء. و أمّا على القول بوجوب تقليد الأعلم، ففي المسائل التي تختلف فتواهما يحتاط ان أمكن الاحتياط؛ لأنّ الحجّة أحدهما الغير المعلوم، و ان لم يمكن الاحتياط فيتخيّر.
1) - مستمسك العروة 1: 66.
(مسألة 39): اذا شكّ في موت المجتهد أو في تبدّل رأيه أو عروض ما يوجب عدم جواز تقليده يجوز له البقاء الى أن يتبيّن الحال.
الشرح:
اذا شكّ في موت المجتهد يجوز له البقاء الى أن يتبيّن الحال؛ للاستصحاب و لعدم وجوب الفحص في الشبهات الموضوعيّة، و كذا لو شكّ في عروض ما يوجب عدم جواز تقليده أو شكّ في تبدّل رأيه و في كلّ ذلك يستصحب عدم تبدّل رأيه و عدم عروض ما يوجب عدم جواز تقليده.
(مسألة 40): اذا علم أنّه كان في عباداته بلا تقليد مدّة من الزمان و لم يعلم مقداره فان علم بكيفيّتها و موافقتها للواقع أو لفتوى المجتهد الذي يكون مكلّفا بالرجوع اليه فهو و الاّ فيقضي المقدار الذي يعلم معه بالبراءة على الأحوط و ان كان لايبعد جواز الاكتفاء بالقدر المتيقّن.
الشرح:
اذا علم أنّه كان في عباداته بلا تقليد مدّة من الزمان، فان علم بكيفيّتها و موافقتها للواقع أو لفتوى المجتهد الذي يكون مكلّفا بالرجوع اليه فلا اشكال فيها و تصحّ عباداته؛ و ذلك لأنّ التقليد وسيلة لدرك الواقع و المفروض أنّه قد حصل له الواقع أو كان مطابقا للحجّة و هي فتوى المجتهد الذي يكون مكلّفا بالرجوع اليه. و أمّا ان لم يعلم بكيفيّتها و موافقتها للواقع أو لفتوى المجتهد، فان علم مقداره فيقضي ذلك المقدار؛ لأنّ ذمّته كانت مشغولة و لم يعلم براءتها، فالاشتغال اليقيني يقتضي البراءة اليقينيّة. و ان لم يعلم مقداره فيجوز الاكتفاء بالمقدار الذي يتيقّن، للقاعدة المذكورة، و يحتاط باتيان عباداته حتّى يتيقّن بالبراءة.
(مسألة 41): اذا علم أنّ أعماله السابقة كانت مع التقليد لكن لايعلم أنّها كانت عن تقليد صحيح أم لا بنى على الصحّة.
الشرح:
اذا علم أنّ أعماله السابقة كانت مع التقليد، لكن لايعلم أنّها كانت عن تقليد صحيح أم لا، بنى على الصحّة لقاعدة الفراغ و التجاوز، و هذا جارٍ في أعماله السابقة اذا لم يعلم أنّها كانت صحيحة أم لا.
هذا اذا لم يعلم خصوصيّات أعماله السابقة، و أمّا اذا علم كيفيّتها فيجب عليه الفحص حتّى يتبيّن الحال .
(مسألة 42): اذا قلّد مجتهدا ثمّ شكّ في أنّه جامع للشرائط أم لا، وجب عليه الفحص.
الشرح:
اذا قلّد مجتهدا كان جامعا للشرائط ثمّ شكّ في زواله بنى على بقائه؛ للاستصحاب. و أمّا اذا قلّد مجتهدا ثمّ شكّ في أنّه كان جامعا للشرائط من الابتداء أم لا، وجب الفحص؛ لأنّه لا فرق بين الابتداء و البقاء، فكما يجب الفحص عن حال المقلّد بالنسبة الى وجود الشرائط اللازمة فيه اذا أراد أن يقلّد ابتداءً، كذا يجب عليه الفحص بقاءً ان لم يكن ملتفتا اليه.
(مسألة 43): من ليس أهلاً للفتوى يحرم عليه الافتاء و كذا من ليس أهلاً للقضاء يحرم عليه القضاء بين الناس، و حكمه ليس بنافذ، و لايجوز الترافع اليه و لا الشهادة عنده. و المال الذي يؤخذ بحكمه حرام و ان كان الآخذ محقّا الاّ اذا انحصر استنقاذ حقّه بالترافع عنده.
الشرح:
قد يراد ممّن ليس أهلاً للفتوى من ليست له ملكة الاجتهاد، و قد يراد به من لا أهليّة له للفتوى لكونه فاقدا لسائر الشرائط من الايمان و العدالة و الرجوليّة و غيرها.
أمّا الأوّل أي من ليس له ملكة الاجتهاد فيحرم عليه الافتاء و الحكم؛ و ذلك لأنّ معنى الافتاء و الحكم هو الفتوى و الحكم بحكم اللّه و من لم يكن له علم بالكتاب و السنّة التي تكون بيانا له، فيكون فتواه و حكمه افتراءً على اللّه كما قال اللّه تبارك وتعالى: «قل آللّه أذن لكم أم على اللّه تفترون»(1)و قد وردت روايات بعدم جواز الافتاء بغير علم بورود الحكم عن المعصومين عليهم السلام كصحيحة أبي عبيدة قال:
«قال أبو جعفر عليه السلام: من أفتى الناس بغير علم، و لا هدىً من اللّه لعنته ملائكة الرحمة و ملائكة العذاب، و لحقه وزر من عمل بفتياه».(2)
وصحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج قال:
«قال لي أبو عبداللّه عليه السلام: ايّاك و خصلتين ففيهما هلك من هلك، ايّاك أن تفتي الناس برأيك أو تدين بما لاتعلم».(3)
وصحيحة هشام بن سالم قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: ما حقّ اللّه على خلقه؟ قال: أن يقولوا ما يعلمون، و يكفّوا عمّا لايعلمون، فاذا فعلوا ذلك فقد أدّوا الى اللّه حقّه».(1)
و كذا قال اللّه تبارك وتعالى:«و من لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الفاسقون »(2)ومن لم يعلم حكم اللّه و حكم من غير علم فقد حكم بغير ما أنزل اللّه. و كذا الروايات التي وردت في الباب الأوّل و الرابع والخامس من أبواب صفات القاضي في المجلّد السابع والعشرين من الوسائل.
و أمّا الثاني أي من كان له ملكة الاجتهاد و لم تكن له الأهليّة من سائر الجهات، فلا يجوز له التقليد بل يجب عليه امّا الاحتياط أو الاجتهاد، و ما استنبطه من الأحكام فهو حكم اللّه في حقّه. و أمّا سائر الناس فلا يجوز لهم الرجوع اليه لفقده الشرائط المقرّرة للتقليد. نعم، اذا علم أحد أنّ ما استنبطه هو حكم اللّه فيجوز أخذه لا من جهة جواز تقليده بل من جهة علمه بحكم اللّه.
ثمّ انّه هل يجوز له اخبار الناس بفتواه؟
تارة: يكون نظره الاجتهادي عدم اعتبار شرطيّة ما يكون مفقودا فيه كالمرأة المجتهدة أو ولدالزنا أو العبد، ففي هذه الصورة يجوز الاخبار بفتواه؛ و ذلك لأنّه يرى نفسه أهلاً و واجدا لشرائط الافتاء.
و أخرى: يعتبر مثل العدالة في المقلّد الاّ أنّه لايرى - مثلاً - حلق اللحية معصية و يحلق لحيته، ففي هذه الصورة أيضا يجوز الاخبار بفتواه.
و ثالثة: يعتبر العدالة و يعلم أنّه لايكون عادلاً، فحينئذٍ لايجوز له أن يعرّض نفسه للافتاء لعلمه بعدم صلاحيته و لأنّه نوع تغرير. نعم، لو سأله عن رأيه في مسألة أو مسائل يجوز له اعلام نظره.
ثمّ انّه من لم يكن له أهليّة للقضاء لعدم الاجتهاد أو العدالة يحرم عليه القضاء و الحكم بين الناس كما تقدّم و لما في صحيحة سليمان بن خالد عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اتّقوا الحكومة فانّ الحكومة انّما هي للامام العالم بالقضاء العادل في المسلمين لنبي أو وصي نبي».(1)
فانّها تدلّ على أنّ القضاء من المناصب المختصّة بالنبي صلى الله عليه و آله و الوصي عليه السلام فلايشرع لغيرهما الاّ بالأذن من قبلهما خصوصا أو عموما و هو العالم بالكتاب و السنّة كما في مقبولة عمر بن حنظلة و صحيحة أبي خديجة(2)، و ظاهر الصحيحة أنّ ولاية القضاء لم تثبت لغيرهما في عرضهما لا أنّها لم تثبت لغيرهما حتّى اذا أذنا في القضاء. و على كلّ حال و لو حكم لم ينفذ حكمه لفرض عدم أهليّته للقضاء، و لايجوز الترافع اليه؛ لأنّه امضاء عملي لقضاء من تصدّى لها ممّن لا أهليّة له للقضاء و هو حرام، و لا الشهادة عنده لما ذكر.
و أمّا المال الذي يؤخذ بحكمه، فظاهر مقبولة عمر بن حنظلة حرمته لأنّه عليه السلام قال:
«من تحاكم اليهم في حقّ أو باطل، فانّما تحاكم الى طاغوت، و ما يحكم له فانّما يأخذ سحتا و ان كان حقّه ثابتا، لأنّه أخذه بحكم الطاغوت، و قد أمر اللّه أن يكفر به، قال اللّه تعالى:«يريدون أن يتحاكموا الى الطاغوت و قد أمروا أن يكفروا به»».(3)
الاّ أنّ بازائها موثّقة الحسن بن علي بن فضّال قال:
«قرأت في كتاب أبي الأسد الى أبي الحسن الثاني عليه السلام، و قرأته بخطّه،
سأله ما تفسير قوله تعالى: «و لاتأكلوا أموالكم بينكم بالباطل و تدلوا بها الى الحكّام» فكتب بخطّه: الحكّام القضاة، ثمّ كتب تحته: هو أن يعلم الرجل أنّه ظالم، فيحكم له القاضي، فهو غير معذور في أخذه ذلك الذي قد حكم له، اذا كان قد علم أنّه ظالم». (1)
فالمستفاد منها أنّ التحاكم الى الطاغوت مع علمه بأنّه ظالم - و قد يجد طريقا عدلاً للتحاكم اليه - حرام، و أخذ حقّه منه حرام الاّ أنّ ماله ليس بحرام لأنّه ماله. نعم، لو انحصر أخذ حقّه بأن يتحاكم اليه فلايحرم. والروايتان و ان كان موردهما القضاة المنصوبين من قبل الحكّام الغاصبين لحقّ الأئمّة عليهم السلام الاّ أنّه لايبعد اسراء الحكم الى الحاكم الذي ليس له شرائط الحكم؛ لأنّ افتاءه و قضاءه حرام و الترافع اليه يكون امضاءً لفعله الحرام و الحال أنّ عليه النهي عن المنكر و من موارده عدم الترافع اليه.
(مسألة 44): يجب في المفتي و القاضي العدالة و تثبت العدالة بشهادة عدلين و بالمعاشرة المفيدة للعلم بالملكة، أو الاطمئنان بها و بالشياع المفيد للعلم.
الشرح:
قد تقدّم الكلام عن هذه المسألة في المسألة الثانية و العشرين و الثالثة و العشرين. فاذا ثبت في المفتي ففي القاضي بالأولويّة لأنّ الحكم بعد اللّه للنبي و الوصي اللذين هما في أعلى درجة العدالة فلا بدّ ممّن يدّعي النيابة عنهما أن يكون عادلاً في أعماله و صفاته، و في غير ذلك كيف يعلم بأنّ حكمه هذا حكم عدل، بل هو ظالم لنفسه،«و لاينال عهدي الظالمين».(2)
(مسألة 45): اذا مضت مدّة من بلوغه و شكّ بعد ذلك في أنّ أعماله كانت عن تقليد صحيح أم لا، يجوز له البناء على الصحّة في أعماله السابقة و في اللاحقة يجب عليه التصحيح فعلاً.
الشرح:
اذا مضت مدّة من بلوغه و شكّ بعد ذلك في أنّ أعماله كانت عن تقليد صحيح أم لا، يجوز له البناء على الصحّة في أعماله السابقة، كما تقدّم في المسألة الواحدة و الأربعين. و أمّا بالنسبة الى أعماله اللاحقة فيجب عليه الرجوع الى المجتهد الجامع للشرائط؛ لعدم التلازم بين البناء على صحّة الأعمال السابقة و صحّة الأعمال اللاحقة. فالمقام - كما في المستمسك(1)- نظير ما لو شكّ في الطهارة بعد الفراغ من الصلاة فانّ قاعدة الفراغ الجارية في الصلاة لاتثبت جواز الدخول في الصلاة الثانية بدون الطهارة.
(مسألة 46): يجب على العامّي أن يقلّد الأعلم في مسألة وجوب تقليد الأعلم أو عدم وجوبه، و لايجوز أن يقلّد غير الأعلم اذا أفتى بعدم وجوب تقليد الأعلم، بل لو أفتى الأعلم بعدم وجوب تقليد الأعلم يشكل جواز الاعتماد عليه فالقدر المتيقّن للعامّي تقليد الأعلم في الفرعيّات.
الشرح:
قد تقدّم عدم وجوب تقليد الأعلم في المسألة الثانيه عشرة. و في هذه المسألة أي مسألة وجوب تقليد الأعلم و عدم وجوبه فحيث أنّها اختلافيّة فالاحتياط يقتضي الرجوع الى الأعلم. و لو أفتى الأعلم بعدم وجوب تقليد الأعلم فلا اشكال في جواز الاعتماد عليه؛ لاطلاق دليل التقليد الشامل لهذه المسألة أيضا.
1) - مستمسك العروة 1: 74.
قال في المستمسك: «لو كان هناك اشكال في جواز الاعتماد على فتوى الأعلم بجواز تقليد غير الأعلم، لكان في تقليد الحيّ في جواز البقاء على تقليد الميّت اشكال - و قد سبق منه قدس سره الجزم به - مع أنّه أيضا في حكم التقليد كمفروض المسألة، على أنّ وجوب تقليد الأعلم و عدمه، كجواز البقاء على تقليد الميّت، من المسائل الفرعيّة لعدم وقوعها في طريق استنباط الأحكام لتكون من المسائل الأصوليّة. انتهى ملخّصا».(1)
(مسألة 47): اذا كان مجتهدان أحدهما أعلم في أحكام العبادات و الآخر أعلم في المعاملات، فالأحوط تبعيض التقليد و كذا اذا كان أحدهما أعلم في بعض العبادات مثلاً و الآخر في البعض الآخر.
الشرح:
قد تقدّم جواز تقليد غير الأعلم و التبعيض في المسائل في المسألة الثانية و العشرين و المسألة الثانيه عشرة.
(مسألة 48): اذا نقل شخص فتوى المجتهد خطأً يجب عليه اعلام من تعلّم منه و كذا اذا أخطأ المجتهد في بيان فتواه يجب عليه الاعلام.
الشرح:
اذا نقل شخص فتوى المجتهد خطأً يجب عليه اعلام من تعلّم منه؛ و ذلك لأنّ الناقل ثقة و أمين، و ما هو مقتضى الأمانة في النقل صحّة ما نقل و عدم الخطأ، و لو كان معذورا عند اللّه لخطئه حين النقل فأمانته تقتضي اصلاحه عند رفع الخطأ. و أمّا المجتهد فما يفتي من الأحكام فهو حجّة بينه و بين اللّه و بينه و بين مقلّديه عند
1) - مستمسك العروة 1: 75.
اللّه، فاذا أخطأ فخطؤه معفوّ عند اللّه و أمّا اعلامه بعد الذكر و رفع الخطأ هو مقتضى اعلام ما هو حجّة، فيجب.
(مسألة 49): اذا اتّفق في أثناء الصلاة مسألة لايعلم حكمها يجوز له أن يبني على أحد الطرفين بقصد أن يسأل عن الحكم بعد الصلاة، و أنّه اذا كان ما أتى به على خلاف الواقع يعيد صلاته، فلو فعل ذلك و كان ما فعله مطابقا للواقع لايجب عليه الاعادة.
الشرح:
حكم هذه المسألة كما أفتى به المصنّف؛ و ذلك لأنّ المهمّ مطابقة العمل للواقع أو الحجّة مع كون قصده منه الاطاعة للّه تعالى، و لايعتبر قصد الوجه. و لو كان الوقت واسعا يجوز له قطع صلاته و السؤال عن حكم المسألة؛ و ذلك لأنّ حرمة قطع الصلاة فيما اذا كان عبثا و لعبا بأمر المولى، و المقام لايكون كذلك. و قد تقدّم في المسألة السادسه عشرة بأنّه اذا عمل العامّي أعمالاً رجاء موافقتها للواقع، فان طابقت الواقع تجزئ.
(مسألة 50): يجب على العامّي في زمان الفحص عن المجتهد أو عن الأعلم أن يحتاط في أعماله.
الشرح:
يجب على العامّي في زمان الفحص عن المجتهد الذي يجوز تقليده أن يحتاط في أعماله و أن يأخذ بأحوط القولين أو الأقوال؛ و ذلك لعدم الأمن من العقاب بدونه و أنّه يجب عليه اطاعة المولى عقلاً و نقلاً و لاتحصل حينئذٍ الاّ بالعمل بالاحتياط. و لو لم يعلم كيفيّة الاحتياط فيعمل برجاء المطابقة للواقع، كما تقدّم في المسألة السادسه عشرة.
(مسألة 51): المأذون و الوكيل عن المجتهد في التصرّف في الأوقاف أو في أموال القصّر ينعزل بموت المجتهد، بخلاف المنصوب من قبله كما اذا نصبه متولّيا للوقف أو قيّما على القصّر فانّه لاتبطل توليته و قيمومته على الأظهر.
الشرح:
المأذون و الوكيل عن المجتهد في التصرّف في الأوقاف أو في أموال القصّر و في كلّ ما يكون تصرّفه من شؤون المجتهد كأموال الامام عليه السلام، ينعزل بموت المجتهد؛ لأنّ الوكالة تبطل بموت الموكّل لخروجه عن أهليّة التصرّف بالموت. و أمّا اذا نصبه متولّيا للوقف أو قيّما على القصّر، أو نصبه واليا، فلاتبطل توليته و
قيموميّته و ولايته بموت المجتهد؛ و ذلك لأنّ المجتهد منصوب من قبل الامام عليه السلام في الولاية الشرعيّة و يكون وليّا على المسلمين بما للامام عليه السلام من الولاية، فاذا نصب المجتهد الجامع للشرائط المنصوب من قبل الامام عليه السلام شخصا لائقا على أمر من الأمور، فلاينعزل بموت المجتهد، الاّ اذا عرض له عارض موجب لفقد الولاية فينعزل، أو عزله مجتهد آخر بعد موت المجتهد الأوّل لمصلحة يراها. و أمّا الدليل على ولاية المجتهد في الشؤون المتعلّقة بالامام عليه السلام فقد ذكر في بحث القضاء.
(مسألة 52): اذا بقي على تقليد الميّت من دون أن يقلّد الحيّ في هذه المسألة كان كمن عمل من غير تقليد.
الشرح:
اذا بقي على تقليد الميّت من دون أن يقلّد الحيّ في هذه المسألة كان كمن عمل من غير تقليد؛ و ذلك لأنّ مسألة جواز البقاء من المسائل الاختلافيّة فيجب فيها الرجوع الى المجتهد الحيّ كما تقدّم في المسألة التاسعة. و أمّا صحّة أعماله
فمنوطة بأن يرجع الى الحيّ و يفتي بجواز البقاء، أو يصير مجتهدا و يكون نظره جواز البقاء.
(مسألة 53): اذا قلّد من يكتفي بالمرّة مثلاً في التسبيحات الأربع و اكتفى بها أو قلّد من يكتفي في التيمّم بضربة واحدة ثمّ مات ذلك المجتهد فقلّد من يقول بوجوب التعدّد لايجب عليه اعادة الأعمال السابقة. و كذا لو أوقع عقدا أو ايقاعا بتقليد مجتهد يحكم بالصحّة ثمّ مات و قلّد من يقول بالبطلان يجوز له البناء على الصحّة. نعم، فيما سيأتي يجب عليه العمل بمقتضى فتوى المجتهد الثاني و أمّا اذا قلّد من يقول بطهارة شيء كالغسالة ثمّ مات و قلّد من يقول بنجاسته فالصلوات و الأعمال السابقة محكومة بالصحّة و ان كانت مع استعمال ذلك الشيء و أمّا نفس ذلك الشيء اذا كان باقيا فلايحكم بعد ذلك بطهارته و كذا في الحلّيّة و الحرمة، فاذا أفتى المجتهد الأوّل بجواز الذبح بغير الحديد مثلاً فذبح حيوانا كذلك فمات المجتهد و قلّد من يقول بحرمته فان باعه أو أكله حكم بصحّة البيع و اباحة الأكل و أمّا اذا كان الحيوان المذبوح موجودا فلايجوز بيعه و لا أكله و هكذا.
الشرح:
اذا قلّد مجتهدا و عمل بفتواه مدّة طويلة في عباداته و معاملاته و في الأمور المتعلّقة بالطهارة و النجاسة و الحلّية و الحرمة كالأمثلة المذكورة في المتن، ثمّ مات ذلك المجتهد و قلّد مجتهدا يقول خلاف ما أفتى به المجتهد الأوّل، ففي المسألة صورتان: فتارة مضت الأعمال السابقة و ليس لها آثار فكلّها محكومة بالصحّة و لايجب عليه اعادة العبادات السابقة و ليست ذمّته مشغولة بالمعاملات السابقة؛ و ذلك لأنّه عمل على ما هو الحجّة بينه وبين اللّه تعالى من الرجوع الى نظر الفقيه الجامع لشرائط الفتوى.
و أخرى تكون آثار الأعمال السابقة باقية، كما لو أوقع عقدا، أو باع متاعا، أو غسل ثوبا، أو اغتسل و توضّأ و هما باقيان أو ذبح حيوانا بغير الحديد و الذبيحة باقية، ثمّ قلّد من يقول ببطلان العقد و المعاملة، و نجاسة الثوب، وبطلان الغسل و الوضوء، و حرمة الذبيحة، فالظاهر أيضا صحّة العقد و المعاملة و كذا يصحّ الغسل و الوضوء و طهارة الثوب؛ لأنّها قد وقعت بفتوى الحجّة.
(مسألة 54): الوكيل في عمل عن الغير كاجراء عقد أو اعطاء خمس أو زكاة أو كفّارة أو نحو ذلك يجب أن يعمل بمقتضى تقليد الموكّل لا تقليد نفسه اذا كانا مختلفين و كذلك الوصي في مثل ما لو كان وصيّا في استئجار الصلاة عنه يجب أن يكون على وفق فتوى مجتهد الميّت.
الشرح:
الوكيل في العمل عن الغير:
تارة يكون عمله على طبق فتوى مقلّده أو نظره - ان كان مجتهدا - باطلاً عند الموكّل كاجراء عقد أو ايقاع بالفارسيّة أو اعطاء خمس أو زكاة أو كفّارة لمن كان متجاهرا بالفسق مع أنّه لو أجرى العقد أو الايقاع بالعربيّة أو أعطى الخمس و الزكاة و الكفّارة لمن لم يكن فاسقا كان صحيحا عند الموكّل و الوكيل أيضا فحينئذٍ يجب على الوكيل أن يعمل بمقتضى تقليد الموكّل لا تقليد نفسه و نظره.
و أخرى يكون بالعكس فحينئذ لا معنى لرعاية تقليد الموكّل؛ لأنّ العمل على طبق تقليده يكون باطلاً عنده فكيف يجري العقد بالفارسيّة و يقصد به الانشاء مع أنّه عنده باطل. و المتحصّل أنّ على الوكيل أن يعمل بالأحوط فيما بينهما.
(مسألة 55): اذا كان البائع مقلّدا لمن يقول بصحّة المعاطاة مثلاً أو العقد بالفارسي و المشتري مقلّد لمن يقول بالبطلان لايصحّ البيع بالنسبة الى البائع
أيضا؛ لأنّه متقوّم بطرفين فاللازم أن يكون صحيحا من الطرفين و كذا في كلّ عقد كان مذهب أحد الطرفين بطلانه و مذهب الآخر صحّته.
الشرح:
انّ العقد الذي يكون سببا للتمليك امّا أن يكون صحيحا يوجب التمليك و التملّك، و امّا أن يكون فاسدا لايوجبه و هكذا في النكاح و لايبعد أن يقال بما في المستمسك: «بأنّه يمكن التفكيك في حكمه الظاهري، فيكون صحيحا في حقّ أحدهما فاسدا في حقّ الآخر، و تختلف الآثار بالنسبة اليهما. و لا مانع من مثل هذا التفكيك فانّ الماء الواحد يمكن أن يكون طاهرا في حقّ أحد المكلّفين و نجسا في حقّ الآخر. نعم، ربّما يؤدّي ذلك الى النزاع و المخاصمة فيتعيّن الرجوع الى الحاكم في حسمهما».(1)
(مسألة 56): في المرافعات اختيار تعيين الحاكم بيد المدّعي، الاّ اذا كان مختار المدّعى عليه أعلم. بل مع وجود الأعلم و امكان الترافع اليه الأحوط الرجوع اليه مطلقا.
الشرح:
اذا ترافع المدّعي الى الحاكم و طلب منه الحكم بينه وبين خصمه، فان لم يحضر المدّعى عليه أحضره الحاكم، فاختيار تعيين الحاكم بيد المدّعي؛ لأنّه الذي يكون أصل الدعوى بحيث لو انصرف لم يكن هناك دعوى. و قد قلنا في بحث القضاء أنّ من شرائط القاضي علمه بأحكام القضاء من أدلّتها التفصيليّة، و لايجب أن يكون أعلم.
قال في التنقيح: «انّ الأعلميّة غير معتبرة في حجّيّة القضاء و نفوذ حكم الحاكم
1) - مستمسك العروة 1: 88 و 89.
في المترافعين، بل الأعلم و غيره سيّان. اذن اختيار تعيين الحاكم بيد المدّعي سواء كان مختار المنكر أعلم أم لم يكن».(1)
(مسألة 57): حكم الحاكم الجامع للشرائط لايجوز نقضه و لو لمجتهد آخر الاّ اذا تبيّن خطؤه.
الشرح:
قد فصّلنا في بحث القضاء عدم جواز نقض حكم الحاكم و لو لمجتهد آخر الاّ اذا تبيّن خطؤه لنفسه، فيجب عليه نقضه و الحكم ثانيا، أو لمجتهد آخر اذا ظهر خطؤه عنده في الواقع و عن علم.
قال في التنقيح: «من تأمّل في الروايات الواردة في المقام لايكاد يشكّ في أنّ حكم الحاكم غير مغيّر للواقع عمّا هو عليه، بل الواقع باق بحاله و حكم الحاكم قد يطابقه و قد يخالفه، كيف و قد صرّح بذلك في صحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: «انّما أقضي بينكم بالبيّنات و الأيمان، و بعضكم ألحن بحجّته من بعض، فأيّما رجل قطعت له من مال أخيه شيئا فانّما قطعت له به قطعة من النار». فانّها صريحة كماترى في أنّ القضاء غير مبدّل للواقع و أنّ من حكم له الحاكم بشيء اذا علم أنّ الواقع خلافه لم يجز له أخذه».(2)
(مسألة 58): اذا نقل ناقل فتوى المجتهد لغيره، ثمّ تبدّل رأي المجتهد في تلك المسألة، لايجب على الناقل اعلام من سمع منه الفتوى الأولى و ان كان أحوط، بخلاف ما اذا تبيّن له خطؤه في النقل فانّه يجب عليه الاعلام.
الشرح:
قد تقدّم في المسألة الثامنة و الأربعين حكم خطأ الناقل لفتوى المجتهد و كذا خطأ المجتهد في فتواه، و في هذه المسألة عنون المصنّف رحمه الله حكم ما لو نقل فتوى المجتهد لغيره ثمّ تبدّل رأي المجتهد في تلك المسألة و قال: «لايجب على الناقل اعلام من سمع منه الفتوى الأولى»؛ و ذلك لأنّه بلّغ الحكم صحيحا و أدّى الأمانة و لم يخن و لم يخطأ فاعلام هذا الحكم لايرتبط بما بلّغه أوّلاً، فان سأله عن حكم المجتهد في الوقت الحاضر فعليه اعلامه.
(مسألة 59): اذا تعارض الناقلان في نقل الفتوى تساقطا و كذا البيّنتان و اذا تعارض النقل مع السماع عن المجتهد شفاها قدّم السماع و كذا اذا تعارض ما في الرسالة مع السماع و في تعارض النقل مع ما في الرسالة قدّم ما في الرسالة مع الأمن من الغلط.
الشرح:
اذا تعارض الناقلان في نقل الفتوى فاذا كان لأحدهما ترجيح من كونه أصدق أو أوثق و نحوهما فهو المقدّم، و ان لم يكن فيه جهة ترجيح فالأصل التساقط. و هكذا يكون الحال في البيّنتين. و اذا تعارض النقل مع السماع من المجتهد شفاها قدّم السماع؛ و ذلك لأنّ النقل واسطة لفتوى المجتهد، و السماع يكون من غير واسطة، و الخطأ و الاشتباه في السماع بالنسبة الى النقل أقلّ. و اذا تعارض ما في الرسالة مع السماع من المجتهد شفاها قدّم السماع لما ذكر. و اذا تعارض النقل مع ما في الرسالة، فالظاهر تقدّم ما هو أوثق في نظره.
(مسألة 60): اذا عرضت مسألة لايعلم حكمها و لم يكن الأعلم حاضرا فان أمكن تأخير الواقعة الى السؤال يجب ذلك، و الاّ فان أمكن الاحتياط تعيّن. و ان لم يمكن يجوز الرجوع الى مجتهد آخر الأعلم فالأعلم، و ان لم يكن هناك مجتهد آخر و لا رسالته يجوز العمل بقول المشهور بين العلماء اذا كان هناك من يقدر على تعيين قول المشهور. و اذا عمل بقول المشهور ثمّ تبيّن له بعد ذلك مخالفته لفتوى مجتهده فعليه الاعادة أو القضاء، و اذا لم يقدر على تعيين قول المشهور يرجع الى أوثق الأموات و ان لم يمكن ذلك أيضا يعمل بظنّه و ان لم يكن له ظنّ بأحد الطرفين يبني على أحدهما و على التقادير بعد الاطّلاع على فتوى المجتهد ان كان عمله مخالفا لفتواه فعليه الاعادة أو القضاء.
الشرح:
اذا عرضت للمقلّد مسألة لايعلم حكمها فبناءً على ما قلنا من جواز تقليد غير الأعلم يجوز له الرجوع الى مجتهد آخر. و ان لم يكن هناك مجتهد فيحتاط في عمله، و ان كان الاحتياط يجوز ابتداءً. و ان لم يمكن له الاحتياط عمل بالقول المشهور كما في المتن و ان لم يقدر على تعيين القول المشهور فيعمل بقول أحد المجتهدين الذين ماتوا و ان لم يمكن ذلك يعمل بظنّه، و ان لم يكن له ظنّ يبني على أحد الطرفين و في الموارد الثلاثة الأخيرة ان كان عمله مخالفا لفتوى مجتهده أو المجتهد الحيّ فعليه الاعادة أو القضاء ان كان عبادة.
(مسألة 61): اذا قلّد مجتهدا ثمّ مات، فقلّد غيره ثمّ مات، فقلّد من يقول بوجوب البقاء على تقليد الميّت أو جوازه، فهل يبقى على تقليد المجتهد الأوّل أو الثاني؟ الأظهر الثاني، و الأحوط مراعاة الاحتياط.
الشرح:
اذا قلّد مجتهدا و عمل بفتواه ثمّ مات، فقلّد غيره ثمّ مات، فقلّد من يقول بوجوب البقاء على تقليد الميّت أو جوازه، فالظاهر هو البقاء على تقليد المجتهد الثاني و ذلك لأنّه لم يكن مقلّدا للأوّل حين الرجوع الى المجتهد الثالث الحيّ بل كان مقلّدا للثاني. فالرجوع الى الأوّل بعد تقليد الثاني ليس من البقاء على التقليد بل هو من التقليد الابتدائي.
(مسألة 62): يكفي في تحقّق التقليد أخذ الرسالة و الالتزام بالعمل بما فيها، و ان لم يعلم ما فيها و لم يعمل فلو مات مجتهده يجوز له البقاء. و ان كان الأحوط مع عدم العلم بل مع عدم العمل و لو كان بعد العلم، عدم البقاء و العدول الى الحيّ بل الأحوط استحبابا- على وجه - عدم البقاء مطلقا و لو كان بعد العلم و العمل.
الشرح:
قد تقدّم في المسألة الثامنة أنّ التقليد عبارة عن العمل بفتوى المجتهد الحيّ و لايكفي أخذ الرسالة و الالتزام بالعمل بما فيها و ان علم بما فيها. و قد تقدّم أيضا في المسألة التاسعة جواز البقاء على تقليد الميّت في المسائل التي عمل بها.
(مسألة 63): في احتياطات الأعلم اذا لم يكن له فتوى يتخيّر المقلّد بين العمل بها و بين الرجوع الى غيره الأعلم فالأعلم.
الشرح:
يتخيّر المقلِّد في احتياطات مقلَّده بين العمل بها - لأنّها العمل بالاحتياط فيكون في عرض التقليد - و بين الرجوع الى المجتهد الآخر لأنّه لم يكن له في هذه المسألة فتوى و يكفي أن يكون مجتهدا كما مرّ سابقا.
(مسألة 64): الاحتياط المذكور في الرسالة امّا استحبابي و هو ما اذا كان مسبوقا أو ملحوقا بالفتوى و امّا وجوبي و هو ما لم يكن معه فتوى و يسمّى بالاحتياط المطلق و فيه يتخيّر المقلّد بين العمل به و الرجوع الى مجتهد آخر و أمّا القسم الأوّل فلايجب العمل به و لايجوز الرجوع الى الغير، بل يتخيّر بين العمل بمقتضى الفتوى و بين العمل به.
و هذا واضح لا اشكال فيه.
(مسألة 65): في صورة تساوي المجتهدين يتخيّر بين تقليد أيّهما شاء كما يجوز له التبعيض حتّى في أحكام العمل الواحد حتّى أنّه لو كان مثلاً فتوى أحدهما وجوب جلسة الاستراحة و استحباب التثليث في التسبيحات الأربع و فتوى الآخر بالعكس، يجوز أن يقلّد الأوّل في استحباب التثليث و الثاني في استحباب الجلسة.
الشرح:
التبعيض في التقليد يجوز في الجملة، و تفصيله ما تقدّم في المسألة الحاديه عشرة في العدول من الحيّ الى الحيّ.
(مسألة 66): لايخفى أنّ تشخيص موارد الاحتياط عسر على العامّي اذ لابدّ فيه من الاطّلاع التامّ، و مع ذلك قد يتعارض الاحتياطان فلابدّ من الترجيح، و قد لايلتفت الى اشكال المسألة حتّى يحتاط، و قد يكون الاحتياط في ترك الاحتياط، مثلاً: الأحوط ترك الوضوء بالماء المستعمل في رفع الحدث الأكبر لكن اذا فرض انحصار الماء فيه الأحوط التوضّؤ به بل يجب ذلك بناء على كون احتياط الترك استحبابيّا و الأحوط الجمع بين التوضّؤ به و التيمّم، و أيضا الأحوط التثليث في التسبيحات الأربع، لكن اذا كان في ضيق الوقت و يلزم من التثليث وقوع بعض الصلاة خارج الوقت فالأحوط ترك هذا الاحتياط، أو يلزم تركه، و كذا التيمّم بالجصّ خلاف الاحتياط لكن اذا لم يكن معه الاّ هذا فالأحوط التيمّم به و ان كان عنده الطين مثلاً فالأحوط الجمع و هكذا.
المسألة كما ذكره المصنّف.
(مسألة 67): محلّ التقليد و مورده هو الأحكام الفرعيّة العمليّة، فلايجري في أصول الدين و في مسائل أصول الفقه و لا في مبادي الاستنباط من النحو و الصرف و نحوهما و لا في الموضوعات المستنبطة العرفيّة أو اللغويّة و لا في الموضوعات الصرفة، فلو شكّ المقلّد في مائع أنّه خمر أو خلّ مثلاً و قال المجتهد انّه خمر، لايجوز له تقليده. نعم، من حيث انّه مخبر عادل يقبل قوله كما في اخبار العامّي العادل و هكذا، و أمّا الموضوعات المستنبطة الشرعيّة كالصلاة و الصوم و نحوهما فيجري التقليد فيها كالأحكام العمليّة.
الشرح:
يجب على المكلّف أن يسعى في تحصيل العلم و اليقين بأنّ اللّه تعالى أحد
بلا ندّ و أنّ محمّدا رسول اللّه صلى الله عليه و آله و أنّ القرآن كتاب من اللّه تعالى، و أنّ اللّه يبعث من في القبور و أنّ علي بن أبي طالب عليه السلام أميرالمؤمنين و الأحدعشر من ولده عليهم السلام أوصياء رسول اللّه صلى الله عليه و آله و خلفاؤه، و أنّ له تعالى صفات حسنة و أنّه منزّه من الصفات السيّئة و الخصوصيّات البشريّة. و الدليل على ذلك العقل كما برهن في محلّه. و من المعلوم أنّ العلم و اليقين لايحصلان الاّ تدريجا، الاّ أنّ البراهين الواضحة على الأصول المذكورة موجودة و هذا المقدار كافٍ ليحرّكه على العمل بما أمره اللّه تعالى بلسان النبيّ الأكرم و علّمه النبيّ الأعظم أوصياءه و خلفاءه، فاذا ائتمر بأوامر المولى و انتهى عن نواهيه هداه اللّه الى نور العلم و اليقين. و لايخفى أنّ اللّه تعالى قد أودع الحقّ في فطرة البشر، فاذا صادف الحقّ من والديه أو معلّمه أو العلماء العاملين يجده مطابقا لما في ذاته فيقبله، وهذا غير التقليد بل هو سنخ من البرهان و الدليل.
ولايجري التقليد في مسائل أصول الفقه، فانّها مسائل اجتهاديّة تقع نتيجتها في كبرى استنباط الحكم الفرعي فلايكون محلّ ابتلاء العوامّ. و كذا ما كان من مبادئ الاستنباط من النحو و الصرف و نحوهما، الاّ ما كان يرجع الى المسائل الفرعيّة كتصحيح القراءة و الذكر، و الأذان و الاقامة، و صيغ العقود و الايقاعات، و في مثل الادغام و المدّ و الوقف على الساكن و التحريك في الدرج و نحوها.
و لايجري التقليد في الموضوعات الخارجيّة ككون هذا المائع خمرا أو خلاًّ، و لو قال المجتهد أنّه خمر مع أنّ المقلّد يعلم أنّه خلّ لايجوز تقليده، الاّ من حيث انّه مخبر عادل فيما اذا شكّ أنّه خمر أو خلّ.
وأمّا الموضوعات المستنبطة كالصلاة و الصيام و الصعيد و الغناء و الجذع و الثنيّ و نحوها، تحتاج الى التقليد.
(مسألة 68): لايعتبر الأعلميّة فيما أمره راجع الى المجتهد الاّ في التقليد و أمّا الولاية على الأيتام و المجانين و الأوقاف التي لا متولّي لها و الوصايا التي لا وصيّ لها و نحو ذلك فلايعتبر فيها الأعلميّة. نعم، الأحوط في القاضي أن يكون أعلم من في ذلك البلد أو في غيره ممّا لا حرج في الترافع اليه.
الشرح:
قد تقدّم أنّه يجوز تقليد من كان مجتهدا و ان لم يكن أعلم أهل زمانه؛ وذلك لاطلاق الأدلّة. و من كان مجتهدا له الولاية على الأيتام و المجانين و الصغار و الأوقاف التي لا متولّي لها و الوصايا التي لا وصيّ لها و نحو ذلك. نعم، الظاهر أنّ الولاية الشرعيّة التامّة كانت لمن هو أقرب الى الامام المعصوم عليه السلام من حيث العلم و العمل.
(مسألة 69): اذا تبدّل رأي المجتهد هل يجب عليه اعلام المقلّدين أم لا؟ فيه تفصيل، فان كانت الفتوى السابقة موافقة للاحتياط فالظاهر عدم الوجوب و ان كانت مخالفة فالأحوط الاعلام، بل لايخلو عن قوّة.
الشرح:
اذا تبدّل رأي المجتهد هل يجب عليه اعلام المقلّدين؟
اذا علم بخطأ فتواه لاطّلاعه -مثلاً- على رواية جديدة قد خفيت عنه، أو خطئه في مسألة أصوليّة و نحوهما، فحينئذ فان كانت الفتوى السابقة موافقة للاحتياط، فالظاهر عدم الوجوب، و ان كانت مخالفة فيجب الاعلام.
(مسألة 70): لايجوز للمقلّد اجراء أصالة البراءة أو الطهارة أو الاستصحاب في الشبهات الحكميّة و أمّا في الشبهات الموضوعيّة فيجوز بعد أن قلّد مجتهده في حجّيّتها. مثلاً اذا شكّ في أنّ عرق الجنب من الحرام نجس أم لا ليس له اجراء أصل الطهارة، لكن في أنّ هذا الماء أو غيره لاقته النجاسة أم لا، يجوز له اجراؤها بعد أن قلّد المجتهد في جواز الاجراء.
الشرح:
لايجوز للمقلّد اجراء أصالة البراءة؛ لأنّها تجري في ما شكّ في وجوبه أو حرمته بعد الفحص عن الدليل و عدم وجدان ما يدلّ على الوجوب أو الحرمة، و لايقدر العامّي على ذلك. و كذا قاعدة الطهارة و الاستصحاب، مضافا الى أنّها من أصول الفقه التي تحتاج الى البحث و النظر حولها و في موارد اجرائها، و هي مختصّة بمن له ملكة الاجتهاد. و أمّا في الشبهات الموضوعيّة فيجوز اجراء مثل قاعدة الطهارة بعد أن قلّد مجتهده في حجّيّتها كما مثّل به في المتن.
(مسألة 71): المجتهد الغير العادل أو مجهول الحال لايجوز تقليده، و ان كان موثوقا به في فتواه ولكن فتاواه معتبرة لعمل نفسه. و كذا لاينفذ حكمه و لا تصرّفاته في الأمور العامّة و لا ولاية له في الأوقاف و الوصايا و أموال القصّر و الغيّب.
الشرح:
تقدّم الكلام في شرح هذه المسألة في المسألة الثانية و العشرين و في المسألة الثالثة و الأربعين. و قلنا بأنّ من شرائط نفوذ حكم المجتهد و ولايته و جواز تقليده للغير احراز عدالته، فاذا فقد الشرط أو لم يحرز فقد المشروط. نعم، فتاواه معتبرة لعمل نفسه؛ لأنّه عالم بالأحكام.
(مسألة 72): الظنّ بكون فتوى المجتهد كذا لايكفي في جواز العمل، الاّ اذا كان حاصلاً من ظاهر لفظه شفاها أو لفظ الناقل أو من ألفاظه في رسالته. و الحاصل أنّ الظنّ ليس حجّة، الاّ اذا كان حاصلاً من ظواهر الألفاظ منه أو من الناقل.
الشرح:
تقدّم في المسألة السادسة و العشرين كيفيّة أخذ فتوى المجتهد. و هنا نقول: انّ الظنّ ليس حجّة الاّ في موارد خاصّة، و منها الظنّ الحاصل من ظواهر الكلام، و عليه يجوز العمل بالظنّ بفتوى المجتهد الحاصل من ظاهر لفظه شفاها. و كذا من لفظ الناقل اذا كان ثقة، و من ظاهر ألفاظ رسالته اذا كانت مأمونة من الغلط.
لقد تمّ بعون اللّه الملك العلاّم
مباحث الاجتهاد و التقليد في الشرح على العروة الوثقى
و له المنّة عليّ و الحمد للّه ربّ العالمين
«الجزء الأوّل»
و فيه مباحث:
و يشتمل على مقدّمة و فصول:
الفصل الأوّل: في الماء الجاري
الفصل الثاني: في الماء الراكد
الفصل الثالث: في ماء المطر
الفصل الرابع: في ماء الحمّام
الفصل الخامس: في ماء البئر
الفصل السادس: في الماء المستعمل في الوضوء و الغسل
الفصل السابع: في الماء المشكوك نجاسته
الفصل الثامن: في الأسآر
الماء امّا مطلق أو مضاف كالمعتصر من الأجسام أو الممتزج بغيره ممّا يخرجه عن صدق اسم الماء.
و المطلق أقسام: الجاري و النابع غير الجاري و البئر و المطر و الكرّ و القليل و كلّ واحد منها مع عدم ملاقاة النجاسة طاهر مطهّر من الحدث و الخبث.
الشرح:
الماء امّا مطلق أو مضاف. و المطلق عبارة عمّا يصحّ اطلاق لفظ الماء عليه من غير اضافة، و لاتجوّز. و المضاف عبارة عمّا لايصحّ اطلاق لفظ الماء عليه من غير اضافة، و في بعض الموارد يطلق عليه مجازا.
و في المستمسك: «مفهوم الماء جامع حقيقيّ بين أفراده، و مفهوم الماء المضاف جامع انتزاعيّ بين أفراده، فانّها حقائق متباينة».(1)
و قد قسّم المصنّف رحمه اللهالماء المطلق الى أقسام ستّة. و في الشرائع قال: «باعتبار وقوع النجاسة فيه ينقسم الى جار و محقون و ماء بئر». و قسّم المحقون الى الكرّ و القليل.
1) - مستمسك العروة 1: 109.
و كلّ واحد من أقسام الماء المطلق طاهر مطهّر من الحدث و الخبث، و الدليل على ذلك الكتاب و السنّة:
فمن الأوّل: قوله تعالى:«و أنزلنا من السماء ماءً طهورا».(1)
و في مجمع البحرين: «الطهور أي طاهرا نظيفا يطهّر من توضّأ منه و اغتسل من جنابة. و قيل: «هو مبالغته و أنّه بمعنى طاهر». و الأكثر أنّه لوصف زائد. فعن تغلب: «الطهور» هو الطاهر في نفسه المطهّر لغيره. و عن الأظهري: الطهور في اللغة هو الطاهر المطهّر، و فعول في كلام العرب لمعان، منها: فعول لما يفعل به مثل الطهور لما يتطهّر به، و الوضوء لما يتوضّأ به، و الفطور لما يفطر عليه، و الغسول لما يغسل به. قال الزمخشري: «الطهور هو البليغ في الطهارة». قال بعض العلماء: «و يفهم من قوله تعالى:«و أنزلنا من السماء ماءً طهورا» أنّه طاهر في نفسه مطهّر لغيره؛ لأنّ قوله «ماءً» يفهم منه أنّه طاهر؛ لأنّه ذكره في معرض الامتنان على العباد و لايكون ذلك الاّ فيما ينتفع به فيكون طاهرا في نفسه و قوله «طهورا» يفهم منه صيغة زائدة على الطهارة و هي الطهوريّة. و انكار أبي حنيفة استعمال الطهور بمعنى الطاهر المطهّر غيره و أنّه لمعنى الطاهر فقط و أنّ المبالغة في فعول انّما هي زيادة لمعنى المصدري كالأكول لكثير الأكل، لايلتفت اليه بعد مجيء النصّ من أكثر أهل اللغة، - الى أن قال: - و لو كان طهور بمعنى طاهر مطلقا لقيل ثوب طهور و خشب طهور و نحو ذلك و هو ممتنع». انتهى كلام بعض العلماء و هو في غاية الجودة».
و نحن نقول أيضا و هو في غاية الجودة. أضف الى ذلك: لا معنى للمبالغة في الطاهر الاّ بالنسبة الى ماء آخر، فهل يكون معنى قوله تعالى الماء المنزل من السماء طهارته أشدّ من ماء البحر، أو من الماء الكرّ و الجاري و أمثال ذلك؟ فهو في غاية البعد. مع أنّ الماء النازل من السماء أي ماء المطر هو البخار المتصاعد من
1) - الفرقان 25: 48.
البحر، و أنّ الغالب في الماء الجاري ما نزّل من السماء و كذا ماء البئر. فالآية باطلاقها تدلّ على مطهّريّة الماء من الحدث و الخبث.
و من السنّة قوله عليه السلام في صحيحة داود بن فرقد:
« ... قد وسّع اللّه عليكم بأوسع ما بين السماء و الأرض، و جعل لكم الماء طهورا، فانظروا كيف تكونون».(1)
و صحيحة جميل بن درّاج عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:
«انّ اللّه جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا».(2)
فالأولى تدلّ على مطهّريّة الماء من الخبث و الثانية من الحدث. و سيأتي أحاديث أخر في المسائل الآتية.
(مسألة 1): الماء المضاف مع عدم ملاقاة النجاسة طاهر، لكنّه غير مطهّر لا من الحدث و لا من الخبث، و لو في حال الاضطرار، و ان لاقى نجسا تنجّس و ان كان كثيرا، بل و ان كان مقدار ألف كرّ، فانّه ينجس بمجرّد ملاقاة النجاسة و لو بمقدار رأس ابرة في أحد أطرافه فينجس كلّه. نعم، اذا كان جاريا من العالي الى السافل و لاقى سافله النجاسة لاينجس العالي منه، كما اذا صبّ الجلاّب من ابريق على يد كافر، فلاينجس ما في الابريق و ان كان متّصلاً بما في يده.
الشرح:
الماء المضاف مع عدم ملاقاة النجاسة طاهر؛ لأنّ الأشياء النجسة معلومة و مضبوطة، و ليس منها الماء المضاف، و المتنجّسة ما تلاقى النجاسة، و سيأتي في محلّه أنّ كلّ شيء طاهر حتّى تعلم أنّه قذر و نجس. هذا، مضافا الى أنّه
لم يستشكل أحد في أنّ الماء المضاف في نفسه طاهر اذا كان ما أضيف اليه طاهرا. لكنّه غير مطهّر لا من الحدث و لا من الخبث. و الدليل على أنّ المضاف لايرفع الحدث و لو في حال الاضطرار قوله تعالى:«اذا قمتم الى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ... فلم تجدوا ماءً فتيمّموا صعيدا طيّبا»(1)حيث حصر سبحانه الطهور في الماء و التراب فلا طهور غيرهما. وكذا الروايات الدالّة على تعيّن الوضوء و الغسل بالماء و وجوب التيمّم على تقدير فقدانه. و يدلّ عليه أيضا صحيحة عبداللّه بن المغيرة عن بعض الصادقين قال:
«اذا كان الرجل لايقدر على الماء و هو يقدر على اللبن فلايتوضّأ باللبن، انّما هو الماء أو التيمّم، الحديث».(2)
و رواية أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام:
«عن الرجل يكون معه اللبن أيتوضّأ منه للصلاة؟ قال: لا، انّما هو الماء و الصعيد».(3)
و قال في الوسائل في ذيلها: «يدلّ على ذلك أكثر أحاديث كتاب الطهارة المتفرّقة في أبواب الماء و النجاسات و التيمّم و الوضوء و الغسل و غير ذلك. و ما يوهم خلاف ذلك سيأتي و نبيّن وجهه، و كلّه موافق للعامّة».
و في التنقيح: «و الصدوق خالف المشهور في ذلك و ذهب الى جواز الوضوء و الغسل بماء الورد، و وافقه على ذلك الكاشاني».(4)
و استدلّ على ذلك برواية رواها محمّد بن يعقوب عن علي بن محمّد عن سهل بن زياد عن محمّد بن عيسى عن يونس عن أبي الحسن عليه السلام قال:
«قلت له: الرجل يغتسل بماء الورد، و يتوضّأ به للصلاة؟ قال: لابأس بذلك».
و قال الشيخ: «هذا خبر شاذّ، أجمعت العصابة على ترك العمل بظاهره، قال: و يحتمل أن يكون المراد بماء الورد الماء الذي وقع فيه الورد، فانّ ذلك يسمّى ماء ورد، و ان لم يكن معتصرا منه».(1)
و لا ريب أنّ ما أشار اليه الشيخ لم يخرج عن اطلاق الاسم، فتجوز الطهارة به أي بالماء الذي لم يكن مضافا.
ثمّ قال المصنّف: «و ان لاقى نجسا تنجّس و ان كان كثيرا، بل و ان كان مقدار ألف كرّ فانّه ينجس بمجرّد ملاقاة النجاسة و لو بمقدار رأس ابرة في أحد أطرافه فينجس كلّه».
و في المستمسك قال: «كما يقتضيه اطلاق معاقد الاجماعات و الكلمات. لكنّه لايخلو من تأمّل؛ لعدم السراية عرفا في مثله، نظير ما يأتي من عدم السراية الى العالي الجاري الى السافل. و النصوص الواردة في السمن و المرق و نحوهما غير شاملة لمثله. وثبوت الاجماع على السراية في الكثرة المفرطة غير ظاهر و من هنا يسهل الأمر في عيون النفط المستخرج في عصرنا، المعلوم غالبا مباشرة الكافر له بالرطوبة المسرية».(2)
أقول:
فمن البعيد جدّا أن يقال بسراية مقدار رأس ابرة من الدم أو غيره من النجاسات و تنجيس ألف كرّ أو أزيد من مخازن النفط التي كالبحر تحت الأرض، فلو قلنا بانصراف الأخبار عن مثل هذه المخازن لم نخطأ و اللّه الهادي الى الصواب. و أمّا اذا كان الماء جاريا من العالي الى السافل و لاقى سافله النجاسة
لاينجس العالي منه؛ و ذلك بشهادة العرف و بهذا ينصرف اطلاق الروايات، و مثله الكلام في سراية النجاسة من العالي الى السافل مع تدافع السافل عليه كما في الفوّارة.
(مسألة 2): الماء المطلق لايخرج بالتصعيد عن اطلاقه. نعم، لو مزج معه غيره و صعّد كماء الورد يصير مضافا.
الشرح:
الماء المطلق لايخرج بالتصعيد عن اطلاقه، الاّ أنّه مادام بخارا لايكون مطهّرا من الخبث و الحدث؛ لأنّ البخار غير الماء عرفا. نعم، اذا صار ماءً يكون مطهّرا.
و أمّا الماء الممزوج بغيره كالورد اذا غلى و صار بخارا فمادام بخارا لايصدق عليه الماء المطلق و لا المضاف، فاذا صار ماءً فالمناط بكونه مضافا أو مطلقا صدق الاسم. و بهذا ينكشف حال المسألة الثالثة.
(مسألة 3): المضاف المصعّد مضاف.
الشرح:
قد تقدّم أنّ المناط في كون الماء مضافا أو مطلقا صدق الاسم، فالمضاف المتصاعد اذا صار ماءً بعد كونه بخارا و لم يصدق عليه الماء بدون الاضافة و صحّ سلب اسم الماء منه، فهو مضاف.
(مسألة 4): المطلق أو المضاف النجس يطهر بالتصعيد، لاستحالته بخارا ثمّ ماءً.
الشرح:
المطلق أو المضاف النجس اذا صار بخارا لايطلق عليه النجس مادام بخارا، الاّ اذا صار ماءً، فالقول بأنّه نجس دائر مدار صدقه حينئذٍ هو الماء الأوّلي و عدمه، فاذا صدق عليه أنّه هو عند العرف فهو نجس. و الظاهر صدقه، و لذا الخمر المصعّد اذا صار مائعا بعد كونه بخارا لايشكّ العرف في أنّه خمر. فاذا لم يكن هناك شكّ لم تصل النوبة الى الاستصحاب ليقال بعدم جريانه لتعدّد الموضوع، و ينتج بأنّ حكمه هنا أصالة الطهارة، كما في المستمسك.(1)
(مسألة 5): اذا شكّ في مائع أنّه مضاف أو مطلق، فان علم حالته السابقة أخذ بها. و الاّ فلايحكم عليه بالاطلاق و لا بالاضافة، لكن لايرفع الحدث و الخبث و ينجس بملاقاة النجاسة ان كان قليلاً، و ان كان بقدر الكرّ لاينجس لاحتمال كونه مطلقا، و الأصل الطهارة.
الشرح:
اذا شكّ في مائع أنّه مضاف أو مطلق، فان علم أنّه كان مضافا فتستصحب اضافته، و ان علم أنّه كان مطلقا فيستصحب اطلاقه، مثاله ما لو كان لنا ماء مطلق فجعلنا فيه الملح و شككنا في أنّه صار مضافا أو لا، فنستصحب اطلاقه، و كذا لو كان لنا ماء مضاف فصببنا عليه الماء و شككنا في صيرورته ماءً مطلقا، فنستصحب اضافته.
و أمّا لو لم تكن لهذا الماء المشكوك اطلاقه و اضافته حالة سابقة، فلانحكم
1) - مستمسك العروة 1: 115 و 116.
عليه بالاطلاق و لا بالاضافة اذ لا موجب للحكم بذلك من دليل أو أصل. و لايرفع الحدث و لا الخبث؛ لأنّ مطهّريّته منوطة بكونه مطلقا و لو بالأصل و الفرض عدمه. و ينجس بملاقاة النجاسة ان كان قليلاً؛ لأنّه متأثّر بالنجاسة في حال كونه قليلاً سواء كان مضافا أو مطلقا. و ان كان بقدر الكرّ لاينجس؛ لأنّه ان كان مطلقا فلاينجّسه شيء الاّ ما غيّر لونه أو طعمه أو ريحه، و أمّا ان كان مضافا فينجس ولكن نشكّ في اضافته و نشكّ في تنجّسه فنستصحب طهارته.
(مسألة 6): المضاف النجس يطهر بالتصعيد - كما مرّ - و بالاستهلاك في الكرّ أو الجاري.
الشرح:
قد تقدّم حكم المضاف النجس بعد التصعيد. و أمّا لو استهلك في الكرّ أو الجاري و لم ينقلبا مضافا فلا اشكال في طهارته. و كذا لا اشكال في نجاسته لو انقلب المضاف النجس مطلقا من عنده أو بعلاج؛ للاستصحاب اذ لا دليل على مطهّريّة الانقلاب كلّيّة. انّما الكلام فيما لو اتّصل المضاف النجس بالكرّ أو الجاري و لم يستهلك فيهما.
ففي المستمسك: «عن العلاّمة رحمه الله القول بطهر المضاف بمجرّد الاتّصال بالكثير، لكن لا دليل عليه. و قول الامام علي عليه السلام: «الماء يطهّر و لايطهّر». لا عموم له لكلّ متنجّس، مع أنّ العموم غير كافٍ في ذلك؛ اذ لا اطلاق له في كيفيّة التطهير، و ليس بناء العرف على كفاية مجرّد الاتّصال في مثل ذلك».(1)
1) - مستمسك العروة 1: 117.
(مسألة 7): اذا ألقي المضاف النجس في الكرّ فخرج عن الاطلاق الى الاضافة تنجّس، ان صار مضافا قبل الاستهلاك. و ان حصل الاستهلاك و الاضافة دفعة لايخلو الحكم بعدم تنجّسه عن وجه، لكنّه مشكل.
الشرح:
بناءً على اعتبار استهلاك المضاف النجس في الكرّ في طهارته، فلا اشكال في صدر المسألة. و أمّا ان حصل الاستهلاك و الاضافة دفعة، فحيث انّ العرف لم يكن له نظر، فالأصل استصحاب النجاسة و تنجّس الكلّ.
(مسألة 8): اذا انحصر الماء في مضاف مخلوط بالطين ففي سعة الوقت يجب عليه أن يصبر حتّى يصفو و يصير الطين الى الأسفل، ثمّ يتوضّأ على الأحوط، و في ضيق الوقت يتيمّم؛ لصدق الوجدان مع السعة دون الضيق.
الشرح:
الأقوى وجوب تحصيل الماء في سعة الوقت مع رجاء الوصول اليه، و من المعلوم أنّ من مصاديق التحصيل تصفية الماء المخلوط بالطين. نعم، لو ضاق الوقت يتيمّم؛ لعدم صدق الوجدان مع الضيق.
(مسألة 9): الماء المطلق بأقسامه حتّى الجاري منه ينجس اذا تغيّر بالنجاسة في أحد أوصافه الثلاثة من الطعم و الرائحة و اللون بشرط أن يكون بملاقاة النجاسة فلايتنجّس اذا كان بالمجاورة كما اذا وقعت ميتة قريبا من الماء فصار جائفا و أن يكون التغيّر بأوصاف النجاسة دون أوصاف المتنجّس فلو وقع فيه دبس نجس فصار أحمر أو أصفر لاينجس الاّ اذا صيّره مضافا. نعم، لايعتبر أن يكون بوقوع عين النجس فيه، بل لو وقع فيه متنجّس حامل لأوصاف النجس فغيّره بوصف النجس تنجّس أيضا و أن يكون التغيير حسّيّا فالتقديريّ لايضرّ، فلو كان لون الماء أحمر أو أصفر فوقع فيه مقدار من الدم كان يغيّره لو لم يكن كذلك لم ينجس، و كذا اذا صبّ فيه بول كثير لا لون له بحيث لو كان له لون غيّره و كذا لو كان جائفا فوقع فيه ميتة كانت تغيّره لو لم يكن جائفا و هكذا، ففي هذه الصور ما لم يخرج عن صدق الاطلاق محكوم بالطهارة على الأقوى.
الشرح:
في المسألة فروع:
الماء المطلق من الجاري و الكرّ و البئر و المطر ينجس اذا تغيّر بالنجاسة في أحد أوصافه الثلاثة من الطعم و الرائحة و اللون. و يدلّ على ذلك صحيحة حريز بن عبداللّه عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال:
«كلّما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضّأ من الماء و اشرب، فاذا تغيّر الماء و تغيّر الطعم، فلاتوضّأ منه و لاتشرب».(1)
1) - وسائل الشيعة 1: 137 / الباب 3 من أبواب الماء المطلق / الحديث 1.
و صحيحة محمّد بن اسماعيل بن بزيع عن الرضا عليه السلام قال:
«ماء البئر واسع لايفسده شيء الاّ أن يتغيّر ريحه أو طعمه فينزح حتّى يذهب الريح و يطيب طعمه لأنّ له مادّة».(1)
و مرسلة جعفر بن الحسن بن سعيد المحقّق في المعتبر قال:
«قال عليه السلام: خلق اللّه الماء طهورا لاينجّسه شيء الاّ ما غيّر لونه أو طعمه أو ريحه».
و رواها ابن ادريس مرسلاً في أوّل السرائر و نقل أنّه متّفق على روايته.(2)
قال في الجواهر: «أمّا نجاسة الجاري بذلك بل جميع المياه فلاأعلم فيه خلافا بل عليه الاجماع محصّلاً و منقولاً كاد يكون متواترا، بل في المعتبر: «انّه مذهب أهل العلم كافّة»، و في المنتهى: «انّه قول كلّ من يحفظ عنه العلم». و هو الحجّة، مضافا الى النبويّ المشهور المرويّ عند الطرفين بل في السرائر: «انّه من المتّفق على روايته»، و عن ابن أبي عقيل أنّه تواتر عن الصادق عليه السلام عن آبائه عليهم السلام«خلق اللّه الماء طهورا لاينجّسه شيء الاّ ما غيّر لونه أو طعمه أو ريحه». و في الذخيرة: «انّه عمل الأمّة بمدلوله و قبلوه». انتهى».(3)
انّ الظاهر من الروايات المتقدّمة آنفا أنّ حصول تنجّس الماء منوط بتغيّره بملاقاة النجاسة، و لو تغيّر بمجاورتها لايتنجّس. بل هو ظاهر الروايات الكثيرةالدالّة على تنجّس شيء بالنجاسة.
قال في الجواهر: «ثمّ اعلم أنّه قد يظهر من قول صاحب الشرائع «لاينجس الاّ باستيلاء النجاسة على أحد أوصافه» أنّ التغيّر لا بدّ و أن يكون بعد ملاقاة النجاسة. فلو تغيّر أحد أوصاف الماء بالمجاورة لم ينجس، و لعلّه لا خلاف فيه بل مجمع عليه للأصل بل الأصول و العمومات، و لا شمول في النبويّ المتقدّم و نحوه لظهور تبادره في الملاقاة كما هو واضح».(1)
و كذا أنّ الظاهر من الحصر في النبويّ و الروايتين المتقدّمتين أنّ التغيّر الموجب للتنجّس هو تغيّر الطعم و الريح و اللون.
و لذلك قال في الجواهر: «لاينبغي الاشكال في عدم التنجيس بسبب حصول التغيّر في غير الصفات الثلاث كالحرارة و الرقّة و الخفّة و نحوها، بلا خلاف أجده في ذلك؛ للأصل و ظهور الأخبار في حصر النجاسة بالأوصاف الثلاثة».(2)
يعتبر في تغيّر الماء بملاقاة النجاسة أن يكون التغيّر بأوصاف النجاسة لا بأوصاف المتنجّس. فلو وقع فيه دبس نجس فصار أحمر أو أصفر لاينجس الاّ اذا صيّره مضافا. و الدليل على ذلك ظاهر الروايات المتقدّمة، فانّ ظاهر قوله عليه السلامفي صحيحة حريز: «كلّما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضّأ من الماء و اشرب، فاذا تغيّر الماء و تغيّر الطعم فلاتوضّأ منه و لاتشرب»، هو التغيّر بسبب الجيفة النجسة. و كذا قوله عليه السلامفي المرسلة: «خلق اللّه الماء طهورا لاينجّسه شيء الاّ ماغيّر لونه أو طعمه أو ريحه»؛ فانّ الظاهر من قوله عليه السلام: «لاينجّسه شيء» هو ملاقاة الماء
بالنجاسة و ما ذيّله بقوله عليه السلام: «الاّ ما غيّر ... » يظهر منه أنّه لا بدّ و أن يكون التغيير بأوصاف النجاسة. و لذلك قال في الجواهر: «انّ مقتضى قول المصنّف ككثير من الأصحاب مضافا الى تصريح الفاضل و الشهيدين و الكركي و غيرهم لذلك، للتعبير بالنجاسة، أنّه لاينجس لو تغيّر الماء بأحد أوصاف المتنجّس كما لو تغيّر بدبس نجس و نحوه».(1)
نعم، اذا كان التغيّر به ولكن بالصفات المكتسبة من النجاسة، كما لو تنجّس الماء أو اللبن بدم و نحوه، فتلاقى الماء الكرّ أو الجاري به فتغيّرا بصفة الدم بحيث أسند التغيّر الى الدم الداخل في اللبن مثلاً، نجس الماء حينئذٍ.
يشترط في تنجّس الماء بتغيّره بملاقاة النجاسة أن يكون تغيّره حسّيّا، فالتغيّر التقديري لايضرّ. فلو كان لون الماء أحمر أو أصفر فوقع فيه مقدار من الدم كان يغيّره لو لم يكن كذلك لم ينجس، و كذا اذا صبّ فيه بول كثير لا لون له بحيث لو كان له لون غيّره، و كذا لو كان جائفا فوقع فيه ميتة كانت تغيّره لو لم يكن جائفا، ففي هذه الصور ما لم يخرج عن صدق الاطلاق محكوم بالطهارة؛ و ذلك لأنّ المستفاد من الروايات المذكورة عرفا هو التغيّر الحسّي.
قال في الجواهر: «صريح أكثر من تأخّر عن العلاّمة كما هو ظاهر من تقدّمه أنّه يشترط في التغيّر أن يكون حسّيّا، لتعبيرهم بالتغيّر الظاهر في الحسّي، و من هنا نسبه بعضهم الى الأكثر و المشهور و المعظم و نحو ذلك. و في الذكرى و عن الروضة نسبته الى ظاهر المذهب. و ظاهر العلاّمة و بعض من تأخّر عنه كالمحقّق
1) - جواهر الكلام 1:83.
الثاني و غيره، الثاني. و الأقوى في النظر الأوّل؛ للأصل، بل الأصول، و لتبادر الحسّي من التغيير الذي هو مدار النجاسة شرعا و لصحّة السلب عن غيره و عدم صحّة السلب فيه، فيكون حقيقة فيه مجازا في غيره، فيدخل حينئذٍ تحت الاجماع المنقول و غيره ممّا دلّ على عدم نجاسة غير المتغيّر».(1)
(مسألة 10): لو تغيّر الماء بما عدا الأوصاف المذكورة من أوصاف النجاسة مثل الحرارة و البرودة و الرقّة و الغلظة و الخفّة و الثقل لم ينجس ما لم يصر مضافا.
الشرح:
لو تغيّر الماء بما عدا الطعم و الريح و اللون من أوصاف النجاسة كالحرارة و غيرها ممّا هو مذكور في المتن لم ينجس الماء؛ و ذلك للنصّ و هو صحيحتا حريز و محمّد بن اسماعيل بن بزيع و المرسلة المذكورة في المعتبر، ففيها لم يذكر الامام عليه السلام للتغيّر الدالّ على تنجّس الماء بملاقاة النجاسة الاّ هذه الثلاثة من أوصاف النجاسة. و قد تقدّم في الفرع الأوّل من المسألة السابقة.
قال في المستمسك - تأييدا لما في المتن - : «اجماعا محكيّا عن غير واحد و يقتضيه الحصر المستفاد من النبوي و غيره».(2)
(مسألة 11): لايعتبر في تنجّسه أن يكون التغيّر بوصف النجس بعينه، فلو حدث فيه لون أو طعم أو ريح غير ما بالنجس - كما لو اصفرّ الماء مثلاً بوقوع الدم - تنجّس. و كذا لو حدث فيه بوقوع البول أو العذرة رائحة أخرى غير
رائحتهما، فالمناط تغيّر أحد الأوصاف المذكورة بسبب النجاسة و ان كان من غير سنخ وصف النجس.
الشرح:
ما ذهب اليه المصنّف من أنّه لايعتبر أن يكون التغيّر بوصف النجس بعينه هو الصحيح؛ و ذلك لأنّ المستفاد عرفا من الروايات من اسناد التغيّر بالنجس هو ذلك، مضافا الى أنّ الغالب لايكون تغيّر لون الماء بعين لون الدم و صيرورته أحمر، و كذا تغيّره بطعم البول أو ريح الجيفة. فالمناط هو أن يكون تغيّر هذه الثلاثة بالنجاسة.
(مسألة 12): لا فرق بين زوال الوصف الأصلي للماء أو العرضي، فلو كان الماء أحمر أو أسود لعارض فوقع فيه البول حتّى صار أبيض تنجّس و كذا اذا زال طعمه العرضي أو ريحه العرضي.
الشرح:
لايمكن المساعدة على ما ذهب اليه المصنّف في هذه المسألة، فانّ الظاهر من قوله عليه السلام في المرسلة المتّفق على العمل بها: «خلق اللّه الماء طهورا لاينجّسه شيء الاّ ما غيّر لونه أو طعمه أو ريحه»، تغيّر الماء بوصف النجاسة، فلو لم يتغيّر الماء أصلاً لخصوصيّة كان في الماء بحيث لولا تلك الخصوصيّة لتغيّر، لم يحكم بنجاسة الماء، كما تقدّم في المسألة التاسعة، و كذا لو تغيّر بغير هذه الثلاثة - أي اللون و الطعم و الريح - لم ينجس الماء، كما تقدّم. و لا فرق بينهما و بين هذه المسألة من أنّ التغيّر يكون بزوال الوصف العارضي للماء، فلو كان الماء أحمر أو أسود لعارض، فوقع فيه البول حتّى صار أبيض لم ينجس. و كذا اذا زال طعمه العرضي أو ريحه العرضيّة، الاّ اذا صار مضافا فينجس.
(مسألة 13): لو تغيّر طرف من الحوض - مثلاً - تنجّس، فان كان الباقي أقلّ من الكرّ تنجّس الجميع و ان كان بقدر الكرّ بقي على الطهارة و اذا زال تغيّر ذلك البعض طهر الجميع و لو لم يحصل الامتزاج على الأقوى.
الشرح:
أمّا تنجّس الجميع ان كان الباقي أقلّ من الكرّ؛ فلانفعاله بملاقاة الماء المتغيّر بالنجاسة. و أمّا ان كان الباقي بقدر الكرّ بقي على الطهارة، فان زال تغيّر ذلك البعض طهر لاتّصاله بالكرّ و لايحتاج الى الامتزاج كما مرّ.
و في المستمسك: «كما نسب الى الأكثر، و عن المحقّق و الشهيد الثانيين و أكثر من تأخّر عنهما التصريح به. بل قيل: «لم يعرف القول بالامتزاج من قبل المحقّق في المعتبر»، - الى أن قال: - ظاهر صحيحة ابن بزيع عن الرضا عليه السلام: «ماء البئر واسع لايفسده شيء الاّ أن يتغيّر ريحه أو طعمه، فينزح حتّى يذهب الريح و يطيب طعمه؛ لأنّ له مادّة»، رجوع التعليل الى الدفع و الرفع معا، فكما أنّ الاتّصال بالمادّة موجب لاعتصام الماء حدوثا كذلك يوجب ارتفاع النجاسة عند زوال التغيّر الموجب للنجاسة».(1)
(مسألة 14): اذا وقع النجس في الماء فلم يتغيّر، ثمّ تغيّر بعد مدّة فان علم استناده الى ذلك النجس تنجّس، و الاّ فلا.
الشرح:
قد تقدّم في المسائل السابقة أنّ الماء المطلق طاهر الاّ أن يتغيّر ريحه أو طعمه أو لونه بملاقاة النجاسة، فلو تغيّرت الأوصاف الثلاثة للماء بنفسها و من دون ملاقاة النجاسة فأصالة الطهارة فيه جارية، و كذا لو تغيّر و شكّ بأنّ تغيّره كان
1) - مستمسك العروة 1: 125 - 127.
لملاقاته بالنجاسة، فالأصل الطهارة. و فيما نحن فيه اذا وقع النجس في الماء فلم يتغيّر ثمّ تغيّر بعد مدّة فان علم استناده الى ذلك النجس تنجّس، و الاّ فلايتنجّس؛ لأصالة الطهارة الجارية فيه.
(مسألة 15): اذا وقعت الميتة خارج الماء و وقع جزء منها في الماء و تغيّر بسبب المجموع من الداخل و الخارج تنجّس بخلاف ما اذا كان تمامها خارج الماء.
الشرح:
الظاهر أنّ العرف لايرى تفاوتا بين كون الميتة بتمامها داخل الماء فغيّرته أو بعضها المعتنى به داخل الماء فغيّرته، فلو قلنا انّ الماء الكثير تنجّس بتغيّره بملاقاة النجاسة فلا فرق بين الموردين. نعم، لو كانت الجيفة خارج الماء و بعضها اليسير كذنبه مثلاً داخل الماء، فالظاهر عدم نجاسته؛ لأنّ التغيّر الحاصل يكون بسبب المجاورة.
(مسألة 16): اذا شكّ في التغيّر و عدمه أو في كونه للمجاورة أو بالملاقاة، أو كونه بالنجاسة أو بطاهر، لم يحكم بالنجاسة.
الشرح:
اذا شكّ في التغيّر لم يحكم بالنجاسة؛ لاستصحاب عدم التغيّر.
و لو شكّ في كون التغيّر للمجاورة أو بالملاقاة فاستصحاب عدم الملاقاة جارٍ، فيكون طاهرا.
و لو شكّ في أنّ التغيّر بالنجاسة أو بطاهر فاستصحاب عدم التغيّر بالنجس جارٍ، و لامعارض له؛ فانّ هذا الاستصحاب يكون ذا أثر.
(مسألة 17): اذا وقع في الماء دم و شيء طاهر أحمر فاحمرّ بالمجموع لم يحكم بنجاسته.
الشرح:
و ذلك لأنّ الماء المطلق الكثير لايتنجّس الاّ ما تغيّر لونه أو طعمه أو ريحه بالنجاسة، فاذا علم أنّ تغيّره كان بملاقاة النجاسة فيكون نجسا، و أمّا اذا تغيّر لونه لملاقاته بالدم و شيء طاهر أحمر فعلم أنّه تغيّر بالمجموع، و لم يعلم أنّه لو كان الملاقاة بالدم فقط كان يغيّره أو لا؟ لم يحكم بنجاسته.
(مسألة 18): الماء المتغيّر اذا زال تغيّره بنفسه من غير اتّصاله بالكرّ أو الجاري لم يطهر. نعم، الجاري و النابع اذا زال تغيّره بنفسه طهر؛ لاتّصاله بالمادّة، و كذا البعض من الحوض اذا كان الباقي بقدر الكرّ كما مرّ.
الشرح:
الماء المتغيّر اذا زال تغيّره بنفسه من غير اتّصاله بالكرّ أو الجاري لم يطهر؛ و ذلك لأنّه تنجّس و الماء المتنجّس لايطهر الاّ بملاقاة الماء الكثير الطاهر مثل الكرّ أو الجاري أو بملاقاة المطر، كما في المتن.
الماء الجاري و هو النابع السائل على وجه الأرض فوقها أو تحتها كالقنوات، لاينجس بملاقاة النجس ما لم يتغيّر، سواء كان كرّا أو أقلّ، و سواء كان بالفوران أو بنحو الرشح و مثله كلّ نابع و ان كان واقفا.
الشرح:
يستدلّ على أنّ الماء الجاري كالماء الكرّ لاينجس بملاقاة النجس ما لم يتغيّر، سواء كان كرّا أو أقلّ بروايات:
منها صحيحة الفضيل عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لا بأس بأن يبول الرجل في الماء الجاري، و كره أن يبول في الماء الراكد».(1)
و منها موثّقة ابن بكير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لا بأس بالبول في الماء الجاري».(2)
و منها مضمرة سماعة قال:
«سألته عن الماء الجاري يبال فيه؟ قال: لا بأس به».(3)
و منها رواية عنبسة بن مصعب قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يبول في الماء الجاري؟ قال: لابأس به اذا كان الماء جاريا».(1)
قال الشيخ في التهذيب: «فهذه الأخبار كلّها دالّة على أنّ الماء الجاري لايحتمل شيئا من النجاسة حكما».(2)
بناءً على أنّ قوله عليه السلام في هذه الروايات من عدم البأس بالبول في الماء الجاري، هو عدم تنجّسه به؛ لأنّه لو كان الماء الجاري يتنجّس بالنجاسة كالماء القليل فعلى الامام عليه السلام بيانه، مع أنّه لم يذكر هنا و لا في مكان آخر ممّا يكون مناسبا للذكر.
و منها صحيحة داود بن سرحان قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: ما تقول في ماء الحمّام؟ قال: هو بمنزلة الماء الجاري».(3)
فيستفاد منها أنّ الجاري باطلاقه معتصم، سواء كان قليلاً أو كثيرا.
و منها صحيحة ابن بزيع عن الرضا عليه السلام قال:
«ماء البئر واسع لايفسده شيء الاّ أن يتغيّر ريحه أو طعمه فينزح حتّى يذهب الريح و يطيب طعمه؛ لأنّ له مادّة».(4)
و منها قوله عليه السلام:
«اذا كان الماء قدر كرّ لاينجّسه شيء».(5)
فاذا كان للماء الجاري مادّة كماء البئر، و المادّة كرّ أو أكرار، فلاينجّسه شيء، سواء كان جاريا أو لم يكن، و سواء كان كرّا أو أقلّ، و سواء كان بالفوران أو بنحو الرشح.
1) - وسائل الشيعة 1: 143 / الباب 5 من أبواب الماء المطلق / الحديث 2.
2) - تهذيب الأحكام 1: 43.
3) - وسائل الشيعة 1: 148 / الباب 7 من أبواب الماء المطلق / الحديث 1.
4) - وسائل الشيعة 1: 141 / الباب 3 من أبواب الماء المطلق / الحديث 12.
5) - وسائل الشيعة 1: 158 و 159 / الباب 9 من أبواب الماء المطلق / الحديث 1، 2 و 5.
(مسألة 1): الجاري على الأرض من غير مادّة نابعة أو راشحة اذا لم يكن كرّا ينجس بالملاقاة. نعم، اذا كان جاريا من الأعلى الى الأسفل لاينجس أعلاه بملاقاة الأسفل للنجاسة و ان كان قليلاً.
الشرح:
الدليل على تنجّس الجاري من غير مادّة نابعة بملاقاة النجاسة اذا لم يكن كرّا، عدم شمول التعليل في صحيحة ابن بزيع له، و هو قوله عليه السلام «لأنّ له مادّة». و أمّا الدليل على ذيل المسألة و هو قوله رحمه الله: «نعم، اذا كان ... » قد تقدّم في المسألة الأولى من الفصل السابق.
(مسألة 2): اذا شكّ في أنّ له مادّة أم لا و كان قليلاً ينجس بالملاقاة.
الشرح:
و ذلك لأنّ القليل ينجس بملاقاة النجس الاّ اذا أحرز أنّ له مادّة، فاذا لم يحرز فهو قليل بلا مادّة.
(مسألة 3): يعتبر في عدم تنجّس الجاري اتّصاله بالمادّة فلو كانت المادّة من فوق تترشّح و تتقاطر فان كان دون الكرّ ينجس. نعم، اذا لاقى محلّ الرشح للنجاسة لاينجس.
الشرح:
قال في المستمسك: «هذا ممّا لا ريب فيه، فانّه منصرف الدليل، لمطابقته للمرتكز العرفي».(1)
1) - مستمسك العروة 1: 137.
فانّ المستفاد عرفا من أخبار الماء الجاري في اعتصامه اذا كان له مادّة، اتّصال الماء الجاري بالمادّة، و أمّا اذا تقاطر من المادّة في الماء القليل سواء كان جاريا أو لم يكن، فان كان دون الكرّ ينجس بملاقاة النجاسة. نعم، اذا لاقى محلّ التقاطر أو الرشح للنجاسة لاينجس و هو واضح.
(مسألة 4): يعتبر في المادّة الدوام، فلو اجتمع الماء من المطر أو غيره تحت الأرض و يترشّح اذا حفرت لايلحقه حكم الجاري.
الشرح:
يعتبر في الماء الجاري المتّصل بالمادّة أن يصدق عليه ذلك عرفا. فالماء الذي يجري بعد المطر و بعد مدّة قليلة ينقطع لايصدق عليه الماء الجاري المتّصل بالمادّة.
(مسألة 5): لو انقطع الاتّصال بالمادّة كما لو اجتمع الطين فمنع من النبع كان حكمه حكم الراكد، فان أزيل الطين لحقه حكم الجاري و ان لم يخرج من المادّة شيء فاللازم مجرّد الاتّصال.
الشرح:
قال في المستمسك: «لما عرفت من ظهور دليل الاعتصام بالمادّة في اعتبار الاتّصال بها، فاذا انقطع الاتّصال لايدخل المورد تحت ذلك الدليل، و يتعيّن الرجوع الى عموم انفعال القليل».(1)
1) - مستمسك العروة 1: 139.
(مسألة 6): الراكد المتّصل بالجاري كالجاري فالحوض المتّصل بالنهر بساقية يلحقه حكمه و كذا أطراف النهر و ان كان ماؤها واقفا.
الشرح:
و ذلك لشمول الدليل المتقدّم لهذه المسألة، و يصدق أنّ له مادّة.
(مسألة 7): العيون التي تنبع في الشتاء مثلاً و تنقطع في الصيف يلحقها الحكم في زمان نبعها.
الشرح:
و ذلك لصدق كونها جارية لها مادّة عرفا.
(مسألة 8): اذا تغيّر بعض الجاري دون بعضه الآخر فالطرف المتّصل بالمادّة لاينجس بالملاقاة و ان كان قليلاً و الطرف الآخر حكمه حكم الراكد ان تغيّر تمام قطر ذلك البعض المتغيّر و الاّ فالمتنجّس هو المقدار المتغيّر فقط؛ لاتّصال ما عداه بالمادّة.
الشرح:
الدليل على صدر المسألة و عدم تنجّس الطرف المتّصل بالمادّة، هو اتّصاله بالمادّة و ان كان قليلاً؛ لما عرفت من عدم اعتبار الكرّيّة في اعتصام المتّصل بالمادّة. و أمّا الطرف الآخر حكمه حكم الراكد ان تغيّر تمام قطر ذلك البعض فان كان قليلاً تنجّس مادام الحال هذا، و ان لم يكن قليلاً بل كان كثيرا بمقدار الكرّ فلاينجس. و أمّا ان لم يتغيّر تمام القطر حتّى ينقطع طرفا الماء، بل تنجّس بعضه و كان الطرف الآخر متّصلاً بالطرف الأوّل، فالمتنجّس هو المقدار المتغيّر فقط، كما في المتن.
الراكد بلا مادّة ان كان دون الكرّ ينجس بالملاقاة من غير فرق بين النجاسات حتّى برأس ابرة من الدم الذي لايدركه الطرف، سواء كان مجتمعا أو متفرّقا مع اتّصالها بالسواقي. فلو كان هناك حفر متعدّدة فيها الماء و اتّصلت بالسواقي، و لم يكن المجموع كرّا، اذا لاقى النجس واحدة منها تنجّس الجميع، و ان كان بقدر الكرّ لاينجس، و ان كان متفرقا على الوجه المذكور، فلو كان ما في كلّ حفرة دون الكرّ و كان المجموع كرّا و لاقى واحدة منها النجس لم تنجّس؛ لاتّصالها بالبقيّة.
الشرح:
الراكد بلا مادّة ان كان دون الكرّ ينجس بالملاقاة من غير فرق بين النجاسات. يدلّ على ذلك روايات:
منها صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال:
«سألته عن رجل رعف فامتخط، فصار بعض ذلك الدم قطرا صغارا، فأصاب اناءه، هل يصلح له الوضوء منه؟ فقال: ان لم يكن شيئا يستبين في الماء فلا بأس و ان كان شيئا بيّنا فلاتتوضّأ منه. قال: و
سألته عن رجل رعف و هو يتوضّأ، فتقطر قطرة في انائه، هل يصلح الوضوء منه؟ قال: لا».(1)
أقول:
و الذي يفهم من أوّل الحديث اصابة الدم الاناء، و الشكّ في اصابة الماء، كما يظهر من السؤال و الجواب، كما فهمه صاحب الوسائل.
و منها موثّقة سماعة قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل معه اناءان فيهما ماء، وقع في أحدهما قذر لايدري أيّهما هو، و ليس يقدر على ماء غيره؟ قال: يهريقهما جميعا و يتيمّم».(2)
و منها موثّقة أبي بصير، عنهم عليهم السلام قال:
«اذا أدخلت يدك في الاناء قبل أن تغسلها فلا بأس، الاّ أن يكون أصابها قذر بول أو جنابة، فان أدخلت يدك في الماء و فيها شيء من ذلك فأهرق ذلك الماء».(3)
قال في المستمسك: «اجماعا صريحا و ظاهرا، حكاه جماعة كثيرة من القدماء و المتأخّرين و متأخّريهم. و عن صاحب المعالم و العلاّمة المجلسي و المحقّق البهبهاني: أنّ الأخبار بذلك متواترة، و في الرياض: «جمع منها بعض الأصحاب مائتي حديث»، و عن العلاّمة الطباطبائي رحمه الله - في أثناء تدريسه في الوافي - أنّها تزيد على ثلاثمأة رواية، منها المتضمّنة قولهم عليهم السلام «اذا كان الماء قدر كرّ لم ينجّسه شيء». انتهى ملخّصا».(4)
ثمّ انّ باقي المسألة كما قال في المتن، و الدليل عليه هو اطلاق الأدلّة، و دعوى الانصراف على تقدير ثبوته بدوي لايرفع الاطلاق.
(مسألة 1): لا فرق في تنجّس القليل بين أن يكون واردا على النجاسة أو مورودا.
الشرح:
لاطلاق الأدلّة، و لأنّ سبب التنجّس الملاقاة و هي حاصلة، فلا فرق بين كون الماء مورودا أو واردا على النجاسة.
(مسألة 2): الكرّ بحسب الوزن ألف و مائتا رطل بالعراقي و بالمساحة ثلاثة و أربعون شبرا الاّ ثمن شبر، فبالمنّ الشاهي و هو ألف و مائتان و ثمانون مثقالاً يصير أربعة و ستين منّا الاّ عشرين مثقالاً.
(مسألة 3): الكرّ بحقّة الاسلامبول - و هي مائتان و ثمانون مثقالاً - ، مائتا حقّة و اثنتان و تسعون حقّة و نصف حقّة.
الشرح:
الكرّ بحسب الوزن ألف و مائتا رطل؛ لما في مرسلة ابن أبي عمير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«الكرّ من الماء الذي لاينجّسه شيء ألف و مائتا رطل».(1)
و نقل في ذيلها في الوسائل عن المحقّق في المعتبر: «و على هذا عمل الأصحاب و لا أعرف منهم رادّا لها».
و لاتعارضها صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:
1) - وسائل الشيعة 1: 167 / الباب 11 من أبواب الماء المطلق / الحديث 1.
«و الكرّ ستّمائة رطل».(1)
و مرسلة أخرى لابن أبي عمير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«انّ الكرّ ستّمائة رطل».(2)
لأنّ الأولى تحمل على الرطل العراقي و الثانية على الرطل المكّي؛ فانّ الرطل المكّي يطابق رطلان بالعراقي.
قال في مجمع البحرين: «و الرطل المكّي عبارة عن رطلين بالعراقي».
و فيه أيضا: «الكرّ بالضمّ أحد أكرار الطعام، و هو ستّون قفيزا، و القفيز ثمانية مكاكيل، و المكول صاع و نصف، فانتهى ضبطه الى اثنيعشر وسقا و الوسق ستّون صاعا. و في الشرع عبارة عن ألف و مائتي رطل بالعراقي».
و في المستمسك: «يكون الكرّ مائة و ستّة و خمسين ألف درهم. و مقتضى ما ذكروه من أنّ العشرة دراهم سبعة مثاقيل شرعيّة، يكون الكرّ مائة ألف و تسعة آلاف و مائتين مثقالاً شرعيّا. و مقتضى أنّ المثقال الشرعي ثلاثة أرباع المثقال الصيرفي، يكون الكرّ واحدا و ثمانين ألفا و تسعمائة مثقال صيرفي. و يصير الكرّ - بحسب المنّ - أربعة و ستّين منّا الاّ عشرين مثقالاً؛ لأنّه اذا ضرب عدد الأمنان في عدد المثاقيل المذكورة، يكون الحاصل زائدا على مقدار الكرّ من المثاقيل الصيرفيّة بعشرين مثقالاً. و منه يعلم ما ذكر في المسألة الآتية».(3)
و أمّا بحسب المساحة فالأقوال فيه مختلفة كالروايات، ففي بعضها تقدّر مساحته بستّة و ثلاثين شبرا تقريبا كصحيحة اسماعيل بن جابر قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: الماء الذي لاينجّسه شيء؟ قال: ذراعان عمقه
في ذراع و شبر سعته».(1)
و في بعضها تقدّر بسبعة و عشرين شبرا كصحيحة أخرى لاسماعيل بن جابر عن أبي عبداللّه عليه السلام:
«قلت: و ما الكرّ؟ قال: ثلاثة أشبار في ثلاثة أشبار».(2)
و في بعضها تقدّر بثلاثة و أربعين شبرا الاّ ثمن شبر، كصحيحة أبي بصير قال:
«سألت أباعبداللّه عليه السلام عن الكرّ من الماء، كم يكون قدره؟ قال: اذا كان الماء ثلاثة أشبار و نصف في مثله ثلاثة أشبار و نصف في عمقه في الأرض، فذلك الكرّ من الماء».(3)
و كرواية الحسن بن صالح الثوري عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا كان الماء في الركي كرّا لم ينجّسه شيء، قلت: و كم الكرّ؟ قال: ثلاثة أشبار و نصف عمقها في ثلاثة أشبار و نصف عرضها».(4)
فالظاهر من هذه الروايات المتفاوتة و جمعها، اختيار تقديرالكرّ بسبعة و عشرين شبرا؛ لصحيحة ثانية لاسماعيل بن جابر بناءً على أنّ قوله عليه السلام: «ثلاثة أشبار في ثلاثة أشبار»، هو الاكتفاء من العرض بذكر الطول أي ثلاثة أشبار في ثلاثة أشبار في ثلاثة أشبار، كما هو المتعارف، و حمل صحيحة أبي بصير و رواية الحسن بن صالح على الاحتياط و الاستحباب.
و في التنقيح - بعد نقل الأقوال الخمسة و ردّها و اختيار هذه الصحيحة - قال: «و يؤيّد ما ذكرناه أنّا وزنّا الكرّ ثلاث مرّات و وجدناه موافقا لسبعة و عشرين فالوزن مطابق للمساحة التي اخترناها».(5)
1) - وسائل الشيعة 1: 164 / الباب 10 من أبواب الماء المطلق / الحديث 1.
2) - وسائل الشيعة 1: 165 / الباب 10 من أبواب الماء المطلق / الحديث 4.
3) - وسائل الشيعة 1: 166 / الباب 10 من أبواب الماء المطلق / الحديث 6.
4) - وسائل الشيعة 1: 160 / الباب 9 من أبواب الماء المطلق / الحديث 8.
5) - التنقيح في شرح العروة 2: 162.
و قد أيّدها بالصحيحة الأولى لاسماعيل بن جابر و فصّلها بطريق حسن، و أخيرا أجاب عمّا يعارض هاتين الصحيحتين، فراجع.(1)
(مسألة 4): اذا كان الماء أقلّ من الكرّ و لو بنصف مثقال، يجري عليه حكم القليل.
الشرح:
قال في الجواهر: «انّ التحديد بالأشبار أو الوزن على المشهور و غيره، هل هو على التحقيق أو التقريب، فمتى نقص منه قليل لايقدح في كونه كرّا؟ الظاهر هو الأوّل؛ لتعليق الحكم فيه على هذا المقدار فلا تسامح فيه. و دعوى احتمال الصدق مع النقصان، يدفعه أنّه من المسامحات العرفيّة لا من الحقائق.- الى أن قال: - ثمّ انّه لو كان هناك ما أختبر بالوزن فبلغ المقدار المعلوم ولكنّه بالمساحة لايبلغ و بالعكس فهل تجري عليه أحكام الكرّيّة أو لا؟ و التحقيق أنّ الكرّ مكيال معروف، الاّ أنّه لمّا كان غير موجود في كلّ وقت، أراد الشارع ضبطه بالوزن لكونه الأصل و بالمساحة تسهيلاً للخلق. انتهى ملخّصا».(2)
أقول:
اذا ثبت أنّ الدليل دلّ على أنّ الكرّ بحسب الوزن ألف و مائتا رطل بالعراقي و حسب الرطل بحسب المثقال و الجرام، فيكون دليلاً على أنّ هذا المقدار يكون على التحقيق و لذا نقول اذا صار الكرّ أقلّ من هذا المقدار و لو بنصف مثقال يجري عليه حكم القليل. و الظاهر أنّ المساحة أيضا تطابق هذا المقدار من الوزن كما شهد به العلاّمة الخوئي رحمه الله في التنقيح.
قال في المستمسك: «ظاهر أدلّة التقدير بالوزن أو المساحة كونه تحقيقيّا لا تقريبيّا، فلا مجال للمسامحة فيه حينئذ».(1)
(مسألة 5): اذا لم يتساو سطوح القليل ينجس العالي بملاقاة السافل كالعكس. نعم، لو كان جاريا من الأعلى الى الأسفل لاينجس العالي بملاقاة السافل من غير فرق بين العلوّ التسنيمي و التسريحي.
الشرح:
اذا لم يتساو سطوح القليل و لم يكن جاريا من الأعلى الى الأسفل عدّ في العرف ماءً واحدا قابلاً لسراية بعضه الى بعض آخر، فحينئذٍ فكما اذا لاقى أعلاه النجاسة ينجس السافل من غير ترديد، كذلك ينجس العالي بملاقاة السافل للنجاسة. و أمّا اذا كان جاريا من الأعلى الى الأسفل لاينجس العالي بملاقاة السافل؛ لعدم السراية عند العرف.
(مسألة 6): اذا جمد بعض ماء الحوض و الباقي لايبلغ كرّا ينجس بالملاقاة و لايعصمه ما جمد بل اذا ذاب شيئا فشيئا ينجس أيضا و كذا اذا كان هناك ثلج كثير فذاب منه أقلّ من الكرّ فانّه ينجس بالملاقاة و لايعتصم بما بقي من الثلج.
الشرح:
الظاهر أنّ الماء اذا أطلق لايصدق على الماء الجامد، و الروايات الكثيرة الواردة في الماء في الأبواب المختلفة تنصرف الى ماء فيه السيلان كما هو المتفاهم عرفا. و عليه فما ذهب اليه المصنّف في هذه المسألة صحيح، و لذا
1) - مستمسك العروة 1: 162.
لانقول بتنجّس كلّ ما جمد من الماء اذا لاقى بعض أطرافه النجس.
قال في المستمسك: «انّ السيلان معتبر في مفهوم الماء عرفا، فمع الجمود لايصدق. لا أقلّ من انصراف مفهوم الماء عنه، فلايدخل في اطلاق أدلّة أحكام الماء. و منه يظهر ضعف ما عن المنتهى من الحاق الجامد بالمائع، و عن حواشي الشهيد: أنّه الأقوى، و ما في القواعد و عن التحرير من التوقّف فيه».(1)
(مسألة 7): الماء المشكوك كرّيّته مع عدم العلم بحالته السابقة في حكم القليل على الأحوط و ان كان الأقوى عدم تنجّسه بالملاقاة. نعم، لايجري عليه حكم الكرّ، فلايطهّر ما يحتاج تطهيره الى القاء الكرّ عليه و لايحكم بطهارة متنجّس غسل فيه. و ان علم حالته السابقة يجري عليه حكم تلك الحالة.
الشرح:
الماء المشكوك كرّيّته مع العلم بحالته السابقة يجري عليه حكم تلك الحالة، فان كان قليلاً فقليل و ان كان كرّا فكرّ. و ان لم تعلم حالته السابقة فلايجري عليه
حكم الكرّ لعدم احراز كرّيّته، فلايطهّر ما يحتاج تطهيره الى القاء الكرّ عليه. و أمّا لو لاقى نجسا لايحكم بنجاسته؛ للشكّ في قلّته و استصحاب طهارته، كما أنّه لو غسل فيه شيء متنجّس لايحكم بطهارته للشكّ في كرّيّته و استصحاب تنجّسه.
1) - مستمسك العروة 1: 163.
(مسألة 8): الكرّ المسبوق بالقلّة اذا علم ملاقاته للنجاسة و لم يعلم السابق من الملاقاة و الكرّيّة، ان جهل تاريخهما أو علم تاريخ الكرّيّة حكم بطهارته و ان كان الأحوط التجنّب، و ان علم تاريخ الملاقاة حكم بنجاسته. و أمّا القليل المسبوق بالكرّيّة الملاقي لها، فان جهل التاريخان أو علم تاريخ الملاقاة حكم فيه بالطهارة مع الاحتياط المذكور، و ان علم تاريخ القلّة حكم بنجاسته.
الشرح:
الكرّ المسبوق بالقلّة اذا علم ملاقاته للنجاسة و لم يعلم السابق من الملاقاة و الكرّيّة، فتارة: جهل تاريخهما فيحكم بطهارته؛ و ذلك لأنّ استصحاب عدم الملاقاة قبل الكرّيّة معارض باستصحاب عدم الكرّيّة حين الملاقاة، فنشكّ في نجاسة الماء فنستصحب طهارته.
و أخرى: علم تاريخ الكرّيّة، فيحكم بطهارته أيضا؛ لاستصحاب عدم الملاقاة الى هذا التاريخ بلا معارض.
و ثالثة: علم تاريخ الملاقاة، فيحكم بنجاسته؛ لاستصحاب عدم الكرّيّة الى هذا التاريخ بلا معارض.
و أمّا القليل المسبوق بالكرّيّة الملاقي لها، فتارة: جهل التاريخان فيحكم بطهارته؛ و ذلك لأنّ استصحاب عدم الملاقاة حين الكرّيّة معارض باستصحاب عدم القلّة حين الملاقاة فالمحكّم طهارته.
و أخرى: علم تاريخ الملاقاة فيحكم بطهارة الماء أيضا؛ لاستصحاب الكرّيّة الى هذا التاريخ بلا معارض.
و ثالثة: علم تاريخ القلّة فيحكم بنجاسته؛ لاستصحاب عدم الملاقاة الى هذا التاريخ بلا معارض.
(مسألة 9): اذا وجد نجاسة في الكرّ و لم يعلم أنّها وقعت فيه قبل الكرّيّة أو بعدها، يحكم بطهارته الاّ اذا علم تاريخ الوقوع.
الشرح:
هذه المسألة مثل المسألة السابقة، و قدتقدّم الحكم بطهارته فيما لم يعلم تاريخ الوقوع لتعارض الاستصحابين و تساقطهما و بقاء طهارة الماء، و الحكم بنجاسته اذا علم تاريخ الوقوع و كان القليل مسبوقا بالكرّيّة، و الحكم بطهارته اذاكان عكس ذلك.
(مسألة 10): اذا حدثت الكرّيّة و الملاقاة في آنٍ واحد حكم بطهارته و ان كان الأحوط الاجتناب.
الشرح:
الظاهر أنّه اذا حدثت الكرّيّة و الملاقاة في آن واحد يحكم بطهارة الماء؛ و ذلك لقوله عليه السلام:
«اذا كان الماء قدر كرّ لم ينجّسه شيء».(1)
فالعرف لايفرق بين كون الملاقاة بعد الكرّيّة أو معها. نعم، لو كان لسان الدليل هكذا- كما في المستمسك(2)- : «كلّ ماء ينفعل بملاقاة النجاسة الاّ ما كان كرّا قبل الملاقاة»، يحكم بنجاسة الماء؛ لعدم احراز كونها بعد الكرّيّة.
(مسألة 11): اذا كان هناك ماءان أحدهما كرّ و الآخر قليل و لم يعلم أنّ أيّهما كرّ، فوقعت نجاسة في أحدهما معيّنا أو غير معيّن لم يحكم بالنجاسة و ان كان الأحوط في صورة التعيّن الاجتناب.
الشرح:
اذا وقعت النجاسة في أحدهما غير معيّن لم يحكم بالنجاسة و لايجب الاجتناب عنهما؛ و ذلك لأنّه ان وقعت في الكرّ فلم تنجّسه، و لو وقعت في القليل و ان تنجّسه الاّ أنّ وقوعها فيه مشكوك فيه، فالأصل عدم وقوعها فيه و عدم تنجّسه. و كذا لو وقعت في أحدهما معيّنا لم تنجّسه؛ لاحتمال كونه هو الكرّ فيشكّ في تنجّسه فالأصل عدم تنجّسه. و لو قيل بمعارضة الأصل بجريانه في الطرف الآخر، فاستصحاب الطهارة يجري بلا معارض بعد الشكّ في نجاسته.
(مسألة 12): اذا كان ماءان أحدهما المعيّن نجس فوقعت نجاسة لم يعلم وقوعها في النجس أو الطاهر لم يحكم بنجاسة الطاهر.
الشرح:
و ذلك لأنّه ان وقعت في النجس فالماء الطاهر باق على طهارته، و ان وقعت في الطاهر و ان تنجّسه الاّ أنّ وقوعها فيه مشكوك فيه فالأصل عدمه فيحكم بطهارته. و في هذا أيضا لو قيل بتعارضه بجريان الأصل في الطرف الآخر، فينحلّ العلم الاجمالي بنجاسة أحدهما المردّد بالعلم التفصيلي بنجاسة أحدهما المعيّن، فلا مانع من الرجوع الى استصحاب الطهارة - كمافي المستمسك(1)- .
1) - مستمسك العروة 1: 169.
(مسألة 13): اذا كان كرّ لم يعلم أنّه مطلق أو مضاف فوقعت فيه نجاسة لم يحكم بنجاسته و اذا كان كرّان أحدهما مطلق و الآخر مضاف و علم وقوع النجاسة في أحدهما و لم يعلم على التعيين يحكم بطهارتهما.
الشرح:
و ذلك لأنّه في الأوّل يشكّ في نجاسته لاحتمال كونه مطلقا، فتستصحب طهارته. و في الثاني ينحلّ العلم الاجمالي فلا مانع من استصحاب طهارة المضاف، كما مرّ في المسألة الثانيه عشرة.
(مسألة 14): القليل النجس المتمّم كرّا بطاهر أو نجس، نجس على الأقوى.
الشرح:
قال في المستمسك - تأييدا لقول المصنّف - : «كما هو المشهور، كما عن جماعة. و عن الوسيلة الطهارة ان تمّم بطاهر. و نسبه في المبسوط الى بعض الأصحاب و قال: «انّه قوي». أمّا اذا تمّم بنجس ففي المبسوط: «لا شكّ أنّه ينجس الكلّ». لكن عن رسيات السيّد و المراسم و جواهر القاضي و غيرها الطهارة أيضا، و هو صريح السرائر. و العمدة من أدلّتهم المرسل في المبسوط من قولهم عليهم السلام: «اذا بلغ الماء كرّا لم يحمل نجاسة». و في السرائر: «قول الرسول صلى الله عليه و آلهالمجمع عند المخالف و المؤالف: «اذا بلغ الماء كرّا لم يحمل خبثا»».(1)
أقول:
لا اشكال في مطهّريّة الكرّ القليل النجس اذا ألقي عليه؛ لقوله عليه السلام:
1) - مستمسك العروة 1: 170.
«اذا كان الماء قدر كرّ لم ينجّسه شيء».(1)
و أمّا اذا ألقي على القليل النجس الماء الطاهر الذي يكون أقلّ من الكرّ حتّى يتمّم معا كرّ فلا دليل على طهارة القليل النجس بل ظاهر الروايات أنّ الماء الوارد عليه ينجس بملاقاة القليل النجس. ففي موثّقة سماعة قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل معه اناءان فيهما ماء، وقع في أحدهما قذر لايدري أيّهما هو، و ليس يقدر على ماء غيره؟ قال: يهريقهما جميعا و يتيمّم».(2)
و أمّا المرسلة التي نقلها في المبسوط و كذا التي نقلها في السرائر من قولهم عليهم السلام«اذا بلغ الماء كرّا لم يحمل نجاسة» أو «لم يحمل خبثا» فالظاهر منهما أنّ الماء الذي يكون كرّا بالفعل لم تنجّسه نجاسة، فهما نظير قوله عليه السلام: «اذا بلغ الماء قدر كرّ لم ينجّسه شيء».
و لو كان المتمّم كرّا نجسا فلا شكّ في أنّه ينجس الكلّ كما في المبسوط.
ماء المطر حال تقاطره من السماء كالجاري، فلاينجس ما لم يتغيّر و ان كان قليلاً، سواء جرى من الميزاب أو على وجه الأرض أم لا، بل و ان كان قطرات بشرط صدق المطر عليه و اذا اجتمع في مكان و غسل فيه النجس طهر و ان كان قليلاً، لكن مادام يتقاطر عليه من السماء.
الشرح:
ماء المطر حال نزوله لاينجس بمجرّد ملاقاة النجاسة و ان كان قليلاً، سواء جرى من الميزاب أو على وجه الأرض أم لا. و الدليل عليه من الكتاب قوله تعالى: «و أنزلنا من السماء ماءً طهورا».(1)أي طاهرا و مطهّرا.
ومن السنّة صحيحة هشام بن سالم:
« أنّه سأل أبا عبداللّه عليه السلام عن السطح يبال عليه فتصيبه السماء، فيكفّ فيصيب الثوب؟ فقال: لابأس به، ما أصابه من الماء أكثر منه».(2)
و صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه السلام قال:
«سألته عن البيت يبال على ظهره، و يغتسل من الجنابة ثمّ يصيبه المطر، أيؤخذ من مائه فيتوضّأ به للصلاة؟ فقال: اذا جرى فلا بأس به. قال: و سألته عن الرجل يمرّ في ماء المطر و قد صبّ فيه خمر، فأصاب ثوبه، هل يصلّي فيه قبل أن يغسله؟ فقال: لايغسل ثوبه و لا رجله و يصلّي فيه و لا بأس به».(1)
و صحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبداللّه عليه السلام:
«في ميزابين سالا أحدهما بول و الآخر ماء المطر فاختلطا، فأصاب ثوب رجل، لم يضرّه ذلك».(2)
و مفاد هذه الروايات عدم تنجّس ماء المطر بملاقاة النجاسة و ان كان قطرات حال نزوله بشرط صدق المطر عليه، و كذا مطهّريته، فاذا اجتمع في مكان و غسل فيه النجس طهر و ان كان قليلاً، مادام يتقاطر عليه من السماء، كما دلّت عليه الآية المتقدّمة أيضا.
و يؤيّده مرسلة الكاهلي عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:
«قلت: يسيل عليّ من ماء المطر أرى فيه التغيّر و أرى فيه آثار القذر، فتقطر القطرات عليّ و ينتضح عليّ منه، و البيت يتوضّأ على سطحه، فيكفّ على ثيابنا؟ قال: ما بذا بأس، لاتغسله، كلّ شيء يراه ماء المطر فقد طهر».(3)
بناءً على أنّ القطرات و ما وصل الى الثياب من غير الناحية التي فيها التغيّر و آثار القذر، أو أنّ التغيّر بغير النجاسة و القذر بمعنى الوسخ و يختصّ بغير النجاسة؛
لما مرّ من أنّ الماء الجاري أو الكرّ اذا تغيّر طعمه أو ريحه أو لونه بالنجاسة ينجس.
قال في الشرائع: «و ماء الغيث لاينجس في حال وقوعه و لا حال جريانه من الميزاب و شبهه الاّ أن يتغيّر بالنجاسة».(1)
و قال في الجواهر: «ماء الغيث لاينجس في حال وقوعه و تقاطره على المشهور بين الأصحاب نقلاً و تحصيلاً شهرة عظيمة، و لا حال جريانه من الميزاب، مع اتّصاله بالنازل من السماء و عدم انقطاعه عنه بلا خلاف أجده فيه بل هو مجمع عليه، كما أنّه المتيقّن من الأدلّة».(2)
(مسألة 1): الثوب أو الفراش النجس اذا تقاطر عليه المطر و نفذ في جميعه طهر و لايحتاج الى العصر أو التعدّد و اذا وصل الى بعضه دون بعض طهر ما وصل اليه. هذا اذا لم يكن فيه عين النجاسة و الاّ فلايطهر الاّ اذا تقاطر عليه بعد زوال عينها.
الشرح:
الدليل على المسألة اطلاق ما مرّ من الكتاب و السنّة من طهوريّة ماء المطر و أنّه طاهر و لاينجّسه شيء كالماء الكرّ، و مطهّر ما أصابته نجاسة اذا زالت عنه عين النجاسة و ان كانت الازالة بماء المطر. و يؤيّده قوله عليه السلام في مرسلة الكاهلي:
«كلّ شيء يراه ماء المطر فقد طهر».(3)
ان قلت: تقيّد الاطلاقات بما دلّ على اعتبار العصر أو التعدّد، و كذا يعارض المرسلة بالعموم من وجه فيرجع الى استصحاب النجاسة.
قلت: أوّلاً: الظاهر أنّ العصر و التعدّد يعتبر في الغسل بالماء القليل، لا بما له اعتصام.
و ثانيا: لو تمّ اطلاق دليل العصر أو التعدّد - كما في المستمسك(1)- بنحو يشمل المقام، فرفع اليد عن اطلاق المرسلة و تقييدها بدليلهما يوجب الغاء خصوصيّة المطر، و ذلك خلاف ظاهر الكتاب و السنّة و المرسلة فيتعيّن العكس أعني تقييد دليلي العصر و التعدّد و الأخذ باطلاقها.
(مسألة 2): الاناء المتروس بماء نجس كالحبّ و الشربة و نحوهما اذا تقاطر عليه طهر ماؤه و اناؤه بالمقدار الذي فيه ماء و كذا ظهره و أطرافه ان وصل اليه المطر حال التقاطر و لايعتبر فيه الامتزاج بل و لا وصوله الى تمام سطحه الظاهر و ان كان الأحوط ذلك.
الشرح:
اذا كان هناك اناء متروس من الماء المتنجّس سواء كان بقدر الكرّ أو أقلّ أو أكثر فتقاطر عليه المطر يطهر، و لايعتبر فيه الامتزاج بل و لا وصوله الى تمام سطحه الظاهر؛ و ذلك لاطلاق دليل مطهّريّة المطر و أنّه طاهر مطهّر و أنّه «كلّ شيء يراه ماء المطر فقد طهر»، كما في مرسلة الكاهلي. و هذا يكون حكم كلّ ماء عاصم له مادّة كالجاري و الكرّ.
و استشكل في المستمسك: «بأنّه ليس في نصوص الباب ما هو ظاهر في ذلك ( الذي ذهب اليه المصنّف) و دعوى صدق الرؤية الواردة في المرسلة بمجرّد التقاطر، غير ظاهرة الاّ بالاضافة الى السطح الملاقي للقطرات لا غير. و ما في الجواهر من أنّه لاينبغي الاصغاء الى هذه الدعوى غير واضح. فالعمدة اذا في
1) - مستمسك العروة 1: 180.
طهارة الماء المتنجّس بتقاطر المطر عليه الاجماعات المستفيضة على أنّه بحكم الجاري. انتهى ملخّصا».(1)
و فيه: اذا كان ماء المطر عاصما فحكمه حكم الماء الكرّ و الجاري و قلنا بأنّ الماء المتنجّس سواء كان قليلاً أو كثيرا يطهر بملاقاة الكرّ و الجاري و لايلزم فيه الامتزاج - كما هو الحقّ - فلم لانسلّم هذا بالنسبة الى ماء المطر اذا تقاطر عليه المطر بحيث يقال عرفا أنّه أصابه المطر، لا بمثل قطرة أو قطرات عديدة يشكّ العرف في اصابته ماء المطر.
هذا، مضافا الى أنّ الظاهر أنّ مدرك الاجماعات المدّعاة ليس الاّ ما فهمه العرف من نصوص الباب.
(مسألة 3): الأرض النجسة تطهر بوصول المطر اليها بشرط أن يكون من السماء و لو باعانة الريح و أمّا لو وصل اليها بعد الوقوع على محلّ آخر كما اذا ترشّح بعد الوقوع على مكان فوصل مكانا آخر لايطهر. نعم، لو جرى على وجه الأرض فوصل الى مكان مسقّف بالجريان اليه طهر.
الشرح:
لو وصل المطر الى الأرض النجسة بعد الوقوع على محلّ آخر، كما اذا ترشّح بعد الوقوع على مكان فوصل الى مكان آخر متنجّس، لايطهّر الأرض أو المكان المتنجّس؛ لأنّ الظاهر من مطهّريّة المطر من الكتاب و السنّة وصول المطر الى الشيء المتنجّس مستقيما و من غير واسطة شيء. نعم، اذا وصل اليه باعانة الريح أو جرى على وجه الأرض فوصل الى مكان مسقّف بالجريان اليه طهر لصدق اصابة المطر اليه عرفا.
1) - مستمسك العروة 1: 181 و 182.
و في المستمسك - في ذيل كلام المصنّف: «و أمّا لو وصل اليها بعد الوقوع ... » - قال: «للشكّ في ذلك من دون دليل عليه. بل عموم انفعال القليل يقتضي انفعال الماء الواصل اليه، و قد عرفت أنّ هذا العموم مقدّم على استصحاب الاعتصام الثابت له حال النزول».(1)
(مسألة 4): الحوض النجس تحت السماء يطهر بالمطر و كذا اذا كان تحت السقف و كان هناك ثقبة ينزل منها على الحوض بل و كذا لو أطارته الريح حال تقاطره فوقع في الحوض و كذا اذا جرى من ميزاب فوقع فيه.
الشرح:
قد تقدّم في المسألة الثانية حكم الحوض النجس تحت السماء اذا نزل عليه المطر و قلنا بطهارته، و كذا يطهر الحوض النجس أو الاناء المتروس من الماء النجس تحت السقف اذا نزل المطر من ثقبة هناك على الحوض أو الاناء بشرط صدق نزول المطر عليه عرفا، و كذا يطهر لو أطارته الريح حال تقاطره فوقع في الحوض بالشرط المذكور، و كذا اذا جرى من ميزاب فوقع فيه حال تقاطره من السماء.
(مسألة 5): اذا تقاطر من السقف لايكون مطهّرا، بل و كذا اذا وقع على ورق الشجر ثمّ وقع على الأرض. نعم، لو لاقى في الهواء شيئا كورق الشجر أو نحوه حال نزوله لايضرّ اذا لم يقع عليه ثمّ منه على الأرض فمجرّد المرور على الشيء لايضرّ.
1) - مستمسك العروة 1: 183.
الشرح:
اذا تقاطر من السقف لايكون مطهّرا؛ لما تقدّم في المسألة الثالثة. و كذا اذا وقع على ورق الشجر ثمّ وقع على الأرض. نعم، لو كان يجري من الواسطة الى غيرها مع توالي التقاطر عليه كان معتصما و مطهّرا؛ لأنّ الأدلّة شاملة له.
(مسألة 6): اذا تقاطر على عين النجس فترشّح منها على شيء آخر لم ينجس اذا لم يكن معه عين النجاسة و لم يكن متغيّرا.
الشرح:
اذا تقاطر على عين النجس حال نزول المطر من السماء، فترشّح منها على شيء آخر لم ينجس للأدلّة المتقدّمة. نعم، لو كان معه عين النجاسة أو تغيّر طعمه أو ريحه أو لونه بالنجس يتنجّس؛ لما تقدّم في الماء الكرّ.
(مسألة 7): اذا كان السطح نجسا فوقع عليه المطر و نفذ و تقاطر من السقف لاتكون تلك القطرات نجسة و ان كان عين النجاسة موجودة على السطح و وقع عليها لكن بشرط أن يكون ذلك حال تقاطره من السماء و أمّا اذا انقطع ثمّ تقاطر من السقف مع فرض مروره على عين النجس فيكون نجسا و كذا الحال اذا جرى من الميزاب بعد وقوعه على السطح النجس.
الشرح:
قد تقدّم في ابتداء هذا الفصل الروايات الدالّة على عدم تنجّس ماء المطر اذا تقاطر على السطح الذي يبال عليه، كصحيحة هشام بن سالم:
«أنّه سأل أبا عبداللّه عليه السلام عن السطح يبال عليه فتصيبه السماء فيكفّ
فيصيب الثوب؟ فقال: لا بأس به، ما أصابه من الماء أكثر منه».(1)
فبناءً عليه اذا كان السطح نجسا فوقع عليه المطر و نفذ و تقاطر من السقف لاتكون تلك القطرات نجسة الى آخر ما في المتن.
(مسألة 8): اذا تقاطر من السقف النجس يكون طاهرا اذا كان التقاطر حال نزوله من السماء سواء كان السطح أيضا نجسا أم طاهرا.
قد تقدّم دليله في المسألة السابقة.
(مسألة 9): التراب النجس يطهر بنزول المطر عليه اذا وصل الى أعماقه حتّى صار طينا.
الشرح:
قال في المستمسك: «يدلّ على ذلك اطلاق ما دلّ على مطهّريّته، مضافا الى المرسل عن أبي الحسن عليه السلام في طين المطر: «أنّه لا بأس به أن يصيب الثوب ثلاثة أيّام، الاّ أن يعلم أنّه قد نجّسه شيء بعد المطر». فتأمّل».(2)
هذا، مضافا الى مرسلة الصدوق قال:
«سئل - يعني الصادق عليه السلام - عن طين المطر يصيب الثوب، فيه البول و العذرة و الدم؟ فقال: طين المطر لاينجّس».(3)
(مسألة 10): الحصير النجس يطهر بالمطر و كذا الفراش المفروش على الأرض و اذا كانت الأرض التي تحتها أيضا نجسة تطهر اذا وصل اليها. نعم، اذا كان الحصير منفصلاً عن الأرض يشكل طهارتها بنزول المطر عليه اذا تقاطر منه عليها نظير ما مرّ من الاشكال فيما وقع على ورق الشجر و تقاطر منه على الأرض.
الشرح:
الحصير النجس يطهر بالمطر و كذا الفراش المفروش على الأرض، و اذا كانت الأرض تحته أيضا نجسة تطهر اذا وصل اليها؛ و ذلك لاصابة المطر، و خصوص قوله عليه السلامفي مرسلة الكاهلي المتقدّمة: «كلّ شيء يراه ماء المطر فقد طهر». و أمّا اذا كان الحصير منفصلاً عن الأرض، فقد تقدّم في المسألة الخامسة حكمه.
(مسألة 11): الاناء النجس يطهر اذا أصاب المطر جميع مواضع النجس منه. نعم، اذا كان نجسا بولوغ الكلب يشكل طهارته بدون التعفير، لكن بعده اذا نزل عليه يطهر من غير حاجة الى التعدّد.
الشرح:
اذا كان الاناء متنجّسا بولوغ الكلب فالظاهر يحتاج طهارته الى التعفير فاذا نزل عليه المطر بعده يطهر من غير حاجة الى التعدّد؛ و ذلك لتقييد قوله عليه السلام: «كلّ شيء يراه المطر فقد طهر»، بلزوم التعفير في الولوغ.
قال في المستمسك: «انّ قوله عليه السلام: «كلّ شيء يراه المطر فقد طهر» ليس بأقوى ممّا دلّ على اعتبار التعفير؛ لقرب دعوى ظهوره في تميّز ماء المطر عن سائر أفراد الماء، فلايعتبر في مطهّريّته ما يعتبر في مطهّريّة غيره لا جعله مطهّرا لما لايطهّره
الماء كالتراب، فاطلاق ما دلّ على اعتبار التعفير محكّم، لا أقلّ من تساويهما في الظهور، فيرجع بعد المعارضة الى استصحاب النجاسة».(1)
1) - مستمسك العروة 1: 185.
ماء الحمّام بمنزلة الجاري بشرط اتّصاله بالخزانة فالحياض الصغار فيه اذا اتّصلت بالخزانة لاتنجّس بالملاقاة. اذا كان ما في الخزانة وحده أو مع ما في الحياض بقدر الكرّ، من غير فرق بين تساوي سطحها مع الخزانة أو عدمه. و اذا تنجّس ما فيها يطهر بالاتّصال بالخزانة بشرط كونها كرّا و ان كانت أعلى و كان الاتّصال بمثل المزمّلة. و يجري هذا الحكم في غير الحمّام أيضا فاذا كان في المنبع الأعلى مقدار الكرّ أو أزيد و كان تحته حوض صغير نجس و اتّصل بالمنبع بمثل المزمّلة يطهر و كذا لو غسل فيه شيء نجس فانّه يطهر مع الاتّصال المذكور.
الشرح:
قد كانت في قديم الأيّام خزانة للحمّامات قد استقرّت في مكان عال، فيها أكرار من الماء و كانت في السطح أيضا حياض صغار متّصلة بالخزانة، و كان الناس يسألون الامام عليه السلام عن حكم هذه الحياض الصغار فأجاب عليه السلام بأنّها بمنزلة الجاري اذا كانت لها مادّة متّصلة بها، فلاتتنجّس بملاقاة النجاسة. ففي صحيحة داود بن سرحان قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: ما تقول في ماء الحمّام؟ قال: هو بمنزلة الماء الجاري».(1)
و رواية ابن أبي يعفور عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قلت: أخبرني عن ماء الحمّام، يغتسل منه الجنب و الصبي و اليهودي و النصراني و المجوسي؟ فقال: انّ ماء الحمّام كماء النهر، يطهّر بعضه بعضا».(2)
و صحيحة حنان قال:
«سمعت رجلاً يقول لأبي عبداللّه عليه السلام: انّي أدخل الحمّام في السحر و فيه الجنب و غير ذلك فأقوم فأغتسل فينتضح عليّ - بعد ما أفرغ - من مائهم؟ قال: أ ليس هو جار؟ قلت: بلى. قال: لا بأس».(3)
و رواية بكر بن حبيب عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«ماء الحمّام لا بأس به اذا كانت له مادّة».(4)
و صحيحة محمّد بن مسلم قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: الحمّام يغتسل فيه الجنب و غيره، أغتسل من مائه؟ قال: نعم، لا بأس أن يغتسل منه الجنب و لقد اغتسلت فيه، ثمّ جئت فغسلت رجليّ و ما غسلتهما الاّ ممّا لزق بهما من التراب».(5)
و لاتعارضها صحيحة ثانية لمحمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلامقال:
«سألته عن ماء الحمّام؟ فقال: أدخله بازار و لاتغتسل من ماء آخر، الاّ
1) - وسائل الشيعة 1: 148 / الباب 7 من أبواب الماء المطلق / الحديث 1.
2) - وسائل الشيعة 1: 150 / الباب 7 من أبواب الماء المطلق / الحديث 7.
3) - أصول الكافي 3: 14 / باب ماء الحمّام / الحديث 3.
4) - وسائل الشيعة 1: 149 / الباب 7 من أبواب الماء المطلق / الحديث 4.
5) - وسائل الشيعة 1: 148 / الباب 7 من أبواب الماء المطلق / الحديث 2.
أن يكون فيهم جنب أو يكثر أهله فلايدرى فيهم جنب أم لا».(1)
لأنّها تحمل على جواز الاغتسال بغير مائه حينئذٍ، و زوال مرجوحيّة الاغتسال بماء آخر، كما في الوسائل.(2)
ثمّ انّه اذا كانت مادّة الحمّام أي الماء الذي في الخزانة كرّا أو أكثر - كما هو المفروض - فلا اشكال في عدم تنجّس ما في الحياض الصغار بملاقاة النجاسة اذا كان ما في المادّة جاريا عليه، و كذا سطح الحمّام. و هكذا يكون الحكم اذا كان مجموع ما في المادّة و الحياض الصغار كرّا بشرط الاتّصال.
و الظاهر أنّ عنوان ماء الحمّام لم يكن له حكم غير حكم ماء الكرّ و لذلك لو لم يكن ما في الحوض الصغير متّصلاً بالمادّة يتنجّس بملاقاة النجاسة. و لعلّ ما في قول الامام عليه السلام: «و هو بمنزلة الجاري» أو «كماء النهر»، لاتّصاله بالمادّة التي كانت في خفاء غالبا، كما أنّ علّة سؤال الناس منهم لكون ما في الحياض الصغار لم يكن كرّا، و لذلك أجابوا عليهم السلام بأنّها نظير الجاري حتّى يفهم السائل بأنّ اتّصالها بالمادّة صيّرها كالجاري و النهر.
ماء البئر النابع بمنزلة الجاري، لاينجس الاّ بالتغيّر سواء كان بقدر الكرّ أو أقلّ. و اذا تغيّر ثمّ زال تغيّره من قبل نفسه طهر؛ لأنّ له مادّة و نزح المقدّرات في صورة عدم التغيّر مستحبّ. و أمّا اذا لم يكن له مادّة نابعة فيعتبر في عدم تنجّسه الكرّيّة و ان سمّي بئرا كالآبار التي يجتمع فيها ماء المطر و لا نبع لها.
الشرح:
ماء البئر بمنزلة الجاري اذا كان له مادّة و كان نابعا، فلاينجس بملاقاة النجاسة، سواء كان بقدر الكرّ أو أقلّ الاّ اذا تغيّر طعمه أو لونه أو ريحه - كما تقدّم في الكرّ - و الدليل على ذلك صحيحة محمّد بن اسماعيل بن بزيع عن الرضا عليه السلام قال:
«ماء البئر واسع لايفسده شيء الاّ أن يتغيّر به».(1)
و صحيحة زرارة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن الحبل يكون من شعر الخنزير يستقى به الماء من البئر، هل يتوضّأ من ذلك الماء؟ قال: لا بأس».(2)
بناءً على أنّ المراد ب- «ذلك الماء»، في سؤال الراوي ماء البئر لا ماء الدلو.
و صحيحة ثانية لمحمّد بن اسماعيل عن الرضا عليه السلام قال:
«ماء البئر واسع لايفسده شيء الاّ أن يتغيّر ريحه أو طعمه، فينزح حتّى يذهب الريح و يطيب طعمه؛ لأنّ له مادّة».(1)
و صحيحة أبي بصير قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: بئر يستقى منها و يتوضّأ به و غسل منه الثياب و عجن به، ثمّ علم أنّه كان فيها ميّت. قال: لا بأس و لايغسل منه الثوب و لاتعاد منه الصلاة».(2)
و صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال:
«سألته عن بئر ماء وقع فيها زبيل(3)من عذرة رطبة أو يابسة، أو زبيل من سرقين، أيصلح الوضوء منها؟ قال: لا بأس».(4)
و صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سمعته يقول: لايغسل الثوب و لاتعاد الصلاة ممّا وقع في البئر، الاّ أن ينتن، فان أنتن غسل الثوب و أعاد الصلاة و نزحت البئر».(5)
و غير ذلك من الروايات الكثيرة الدالّة على عدم تنجّس ماء البئر بالنجاسة اذا كان له مادّة نابعة، الاّ اذا تغيّر طعمه أو لونه أو ريحه كما في صحيحتي محمّد بن اسماعيل. و قد وردت روايات دالّة على نزح ماء البئر بقدر معلوم اذا وقع فيها بعض الحيوانات فمات أو وقع فيها بعض الأعيان النجسة كالدم و الكلب و الخمر و أمثالها، فهي تحمل على الاستحباب؛ جمعا بينها و بين ما تقدّم.
1) - وسائل الشيعة 1: 172 / الباب 14 من أبواب الماء المطلق / الحديث 6.
2) - وسائل الشيعة 1: 171 / الباب 14 من أبواب الماء المطلق / الحديث 5.
3) - الزبيل: وعاء يحمل فيه.
4) - وسائل الشيعة 1: 172 / الباب 14 من أبواب الماء المطلق / الحديث 8.
5) - وسائل الشيعة 1: 173 / الباب 14 من أبواب الماء المطلق / الحديث 10.
ثمّ اذا لم يكن للبئر مادّة نابعة و قد جمع فيها ماء المطر مثلاً - و ان سمّيت بئرا - يعتبر في عدم تنجّسه بملاقاة النجاسة أن يكون كرّا، و الاّ تنجّس بالنجاسة.
(مسألة 1): ماء البئر المتّصل بالمادّة اذا تنجّس بالتغيير فطهره بزواله و لو من قبل نفسه، فضلاً عن نزول المطر عليه أو نزحه حتّى يزول، و لايعتبر خروج ماء من المادّة في ذلك.
الشرح:
ماء البئر المتّصل بالمادّة اذا تنجّس بالتغيّر فطهره بزواله و لو من قبل نفسه؛ و ذلك لما تقدّم من قوله عليه السلام في الصحيحة الثانية لمحمّد بن اسماعيل:
«ماء البئر واسع لايفسده شيء الاّ أن يتغيّر ريحه أو طعمه، فينزح حتّى يذهب الريح و يطيب طعمه؛ لأنّ له مادّة».
فما هو الظاهر من هذه الرواية أنّ مادّته كافية لتطهيره اذا زال تغيّره، و لايحتاج الى اتّصاله بالكرّ أو الجاري أو ماء المطر، و لايعتبر خروج الماء من المادّة في ذلك لاطلاق الرواية.
(مسألة 2): الماء الراكد النجس كرّا كان أو قليلاً يطهر بالاتّصال بكرّ طاهر أو بالجاري أو النابع غير الجاري و ان لم يحصل الامتزاج على الأقوى و كذا بنزول المطر.
الشرح:
الماء الراكد النجس سواء كان كرّا أو قليلاً يطهر بالاتّصال بكرّ طاهر أو بالجاري أو النابع غير الجاري و الدليل على ذلك صحيحة محمّد بن اسماعيل المتقدّمة؛ فانّ من تعليله عليه السلام - لطهره بزوال تغيّره - بقوله عليه السلام: «لأنّ له مادّة» يستفاد أنّ كلّ ماء عاصم لايتنجّس بملاقاة النجاسة يكون مطهّرا لكلّ شيء تنجّس و منه
الماء الراكد النجس، و اطلاق التعليل يدلّ على عدم الاحتياج بالامتزاج. و كذا يطهر هذا الماء المتنجّس بنزول المطر عليه؛ لأنّ المطر عاصم، و لما مرّ من قوله عليه السلام في مرسلة الكاهلي:
«كلّ شيء يراه ماء المطر فقد طهر».(1)
(مسألة 3): لا فرق بين أنحاء الاتّصال في حصول التطهير، فيطهّر بمجرّده و ان كان الكرّ المطهّر مثلاً أعلى و النجس أسفل، و على هذا فاذا ألقي الكرّ لايلزم نزول جميعه، فلو اتّصل ثمّ انقطع كفى. نعم، اذا كان الكرّ الطاهر أسفل و الماء النجس يجري عليه من فوق لايطهر الفوقاني بهذا الاتّصال.
الشرح:
يدلّ على ما في المتن من عدم الفرق بين أنحاء الاتّصال في حصول التطهير اطلاق تعليل الامام عليه السلام في الصحيحة المتقدّمة و أخبار ماء الحمّام.
نعم، اذا كان الكرّ الطاهر أسفل و الماء النجس يجري عليه من فوق لايطهر الأعلى بهذا الاتّصال كما في المتن؛ و ذلك لعدم صدق الاتّصال بالمادّة عرفا- و قد تقدّم في المسألة الأولى من فصل الماء المضاف و كذا في المسألة الأولى من فصل الماء الجاري - فانّ الماء المضاف اذا كان جاريا من العالي الى السافل و لاقى سافله النجاسة لاينجس العالي منه، و كذا الماء القليل؛ و ذلك لأنّ العرف بحسب ارتكازاته يرى الماء متعدّدا فلاتسري النجاسة من أحدهما الى الآخر و كذلك ما نحن فيه لايطهّر الكرّ السافل الماء النجس العالي اذا كان العالي جاريا الى السافل؛ لأنّ العرف لايراهما ماءً واحدا و لذلك قلنا بعدم صدق اتّصال الماء العالي بالمادّة.
1) - وسائل الشيعة 1: 146 / الباب 6 من أبواب الماء المطلق / الحديث 5.
(مسألة 4): الكوز المملوّ من الماء النجس اذا غمس في الحوض يطهر و لايلزم صبّ مائه و غسله.
الشرح:
فانّه اذا غمس الكوز المذكور في الكرّ، اتّصل ماؤه بالمادّة فيطهر ما فيه و يطهر أيضا الكوز لغسله في الكرّ.
قال في التنقيح: «فلايلزم تعدّد غسله؛ و ذلك لما يأتي في محلّه من اختصاص موثّقة عمّار الآمرة بغسل الأواني و الكوز ثلاث مرّات بالماء القليل، و معه يبقى التطهير بالكثير تحت اطلاقات غسل المتنجّسات بالماء و هي تقتضي كفاية الغسل مرّة واحدة».(1)
(مسألة 5): الماء المتغيّر اذا ألقي عليه الكرّ فزال تغيّره به يطهر و لا حاجة الى القاء كرّ آخر بعد زواله، لكن بشرط أن يبقى الكرّ الملقى على حاله من اتّصال أجزائه و عدم تغيّره. فلو تغيّر بعضه قبل زوال تغيّر النجس، أو تفرّق بحيث لم يبق مقدار الكرّ متّصلاً باقيا على حاله تنجّس و لم يكف في التطهير. و الأولى ازالة التغيّر أوّلاً ثمّ القاء الكرّ أو وصله به.
الشرح:
الدليل على صدر المسألة اطلاق قوله عليه السلام في صحيحة محمّد بن اسماعيل بن بزيع المتقدّمة: «فينزح حتّى يذهب الريح و يطيب طعمه؛ لأنّ له مادّة»، فاذا زال تغيّر الماء المتغيّر بالنجاسة، بالقاء كرّ عليه يطهر الماء و لا حاجة الى القاء كرّ آخر بعد زواله. و الدليل على الشرط المذكور في المتن هو صدق زوال التغيّر بالكرّ، و هو يحصل ببقاء الكرّ الملقى على الحالة الكرّيّة من اتّصال أجزائه حين زوال تغيّر
1) - التنقيح في شرح العروة 2: 257.
الماء النجس و عدم تغيّره. فلو كان الكرّ الملقى بمقدارالكرّ فأجري على الماء النجس و حين جريانه عليه تغيّر ذلك المقدار بالباقي لايكون كرّا حتّى يطهّر الماء النجس، و كذا لو جرى عليه و انقطع و بعد مدّة زال تغيّره لم يكف في التطهير؛ لعدم صدق زوال التغيّر بالمادّة.
(مسألة 6): تثبت نجاسة الماء كغيره بالعلم و بالبيّنة و بالعدل الواحد على اشكال لايترك فيه الاحتياط و بقول ذي اليد و ان لم يكن عادلاً و لاتثبت بالظنّ المطلق على الأقوى.
الشرح:
تثبت نجاسة الماء - كغيره - بالعلم؛ لأنّ العلم كاشف عن الواقع و كاشفيّته ذاتيّة.
و تثبت أيضا بالبيّنة أي العدلين؛ و الدليل على ذلك أوّلاً: الروايات الكثيرة الواردة في كتاب القضاء و الشهادات و كتاب الحدود و غيرهما، فاذا كان حكم القاضي يجري في الأموال و النفوس و الحدود بشهادة عدلين، فاثبات نجاسة الأشياء - فيما لم يكن هناك علم - بشهادة عدلين أولى.
و ثانيا: الآيات التي نزلت في اعتبار شهادة العدلين عند الطلاق، كقوله تعالى: «و أشهدوا ذوي عدل منكم».(1)و في كفّارة الصيد حال الاحرام في كون النعم مثل ما قتل عمدا، و هو قوله تعالى: «فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم».(2)و في حال الموت حين الوصيّة، و هو قوله تعالى: «يا أيّها الذين آمنوا شهادة بينكم اذا حضر أحدكم الموت حين الوصيّة اثنان ذوا
عدل منكم».(1)و يستفاد من هذه الآيات اعتبار اخبار عدلين عند الشارع الحكيم و من جملة الموارد اخبارهما بنجاسة الماء و غيره.
و ثالثا: رواية مسعدة بن صدقة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سمعته يقول: كلّ شيء هو لك حلال حتّى تعلم أنّه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك، و ذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته و هو سرقة، أو المملوك عندك و لعلّه حرّ قد باع نفسه أو خدع فبيع قهرا، أو امرأة تحتك و هي أختك أو رضيعتك، و الأشياء كلّها على هذا حتّى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البيّنة».(2)
و قد عمل بها المشهور في موردها، فيجبر السند به، و يستفاد منها أنّ اخبار البيّنة أي العدلين معتبر عند الشارع حين فقد العلم و من جملة الموارد اخبارهما بنجاسة الماء و غيره. و مثلها رواية عبداللّه بن سليمان عن أبي عبداللّه عليه السلام في الجبنّ قال:
«كلّ شيء لك حلال حتّى يجيئك شاهدان يشهدان أنّ فيه ميتة».(3)
قال في الجواهر: «و ينبغي القطع بقبول البيّنة في ذلك كما صرّح به في بعض الكتب السابقة، بل لا أجد فيه خلافا الاّ ما يحكى عن القاضي و ظاهر عبارة الكاتب و الشيخ، و لا ريب في ضعفه؛ لظهور تنزيلها منزلة العلم في الشرع».(4)
و يثبت بالعدل الواحد.
قال في الجواهر: «قد يستفاد من الأخبار تنزيله منزلة العلم، مثل ما دلّ على ثبوت عزل الوكالة به مع اشتراط الأصحاب حصوله بالعلم، و ما دلّ على جواز
وط ء الأمة اذا كان البائع عدلاً قد أخبر بالاستبراء، و ما دلّ على دخول الوقت المشروط بالعلم بأذان العدل العارف، و غير ذلك، بل ثبوت الأحكام الشرعيّة به أكبر شاهد على ذلك».(1)
و قد وردت روايات كثيرة في الباب الحادي عشر من أبواب صفات القاضي قبول قول الثقة في اخباره عن الأحكام الشرعيّة فضلاً عن الموضوعات، كصحيحة أحمد بن اسحاق عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته و قلت: من أعامل؟ و عمّن آخذ؟ و قول من أقبل؟ فقال: العمري ثقتي، فما أدّى اليك عنّي فعنّي يؤدّي، و ما قال لك عنّي فعنّي يقول، فاسمع له و أطع، فانّه الثقة المأمون».(2)
و صحيحة عبدالعزيز بن المهتدي و الحسن بن علي بن يقطين جميعا عن الرضا عليه السلام قال:
«قلت: لا أكاد أصل اليك أسألك عن كلّ ما أحتاج اليه من معالم ديني، أفيونس بن عبدالرحمن ثقة، آخذ عنه ما أحتاج اليه من معالم ديني؟ فقال: نعم».(3)
و قد استشكل عن الدلائل القائمة على حجّيّة خبر العدل الواحد في المستمسك(4)و أجاب عنه في التنقيح، فراجع.(5)
و يثبت أيضا بقول ذي اليد و ان لم يكن عادلاً.
قال في المستمسك: «على المشهور بين المتأخّرين و عن الحدائق أنّ ظاهر
الأصحاب الاتّفاق عليه، و يشهد له السيرة و هي العمدة فيه».(1)
و قال في التنقيح: «اعتبار قول ذي اليد في طهارة ما بيده و نجاسته على ما ذكره صاحب الحدائق رحمه الله أمر اتّفاقي بين الأصحاب و لا خلاف فيه عندهم و انّما الكلام في مدركه، و المستند في ذلك هو السيرة العقلائيّة القطعيّة، و لعلّ منشأها أنّ ذا اليد أعرف بطهارة ما في يده و أدرى بنجاسته».(2)
و يمكن أن يستدلّ على اعتبار اخباره بالروايات الواردة في وجوب الحكم بملكيّة صاحب اليد حتّى يثبت خلافها(3)، بتقريب أنّ من بيده شيء أعرف بنجاسته و طهارته. و كذا بالروايات الناهية عن بيع الدهن المتنجّس للمشتري الاّ مع الاعلام بنجاسته ليستصبح به تحت السماء.(4)
و لايثبت بالظنّ المطلق على الأقوى؛ لعدم حجّيّة الظنّ المطلق و هو المشهور المعروف.
قال في المستمسك: «بل لاينقل فيه خلاف الاّ عن ظاهر النهاية و صريح الحلبي؛ لابتناء أكثر الأحكام على الظنون، و امتناع ترجيح المرجوح، و لما في بعض النصوص من الأمر بغسل الثوب المأخوذ من يد الكافر، و لما تضمّن القاء السجّاد عليه السلام الفراء اذا أراد الصلاة؛ لأنّ أهل العراق يستحلّون الميتة بالدباغ. و الجميع كماترى؛ لمنع الأوّل ان أريد مطلق الظنّ - كما هو محلّ الكلام - كمنع الثاني اذا كان لحجّة شرعيّة من أصل الطهارة أو استصحابها. و معارضة الثالث بما دلّ على جواز الصلاة فيما يعمله الكافر و عدم وجوب غسله. و القاء الامام سجّاد عليه السلامأعمّ من الوجوب، مع أنّ في لبسه دلالة على خلاف المطلوب، مع أنّه لو
بني على حجّيّة الظنّ بالنجاسة لزم الهرج و المرج؛ اذ قلّ ما ينفكّ مورد عن الظنّ بالنجاسة و لو للسراية».(1)
(مسألة 7): اذا أخبر ذو اليد بنجاسته و قامت البيّنة على الطهارة قدّمت البيّنة و اذا تعارض البيّنتان تساقطتا اذا كانت بيّنة الطهارة مستندة الى العلم، و ان كانت مستندة الى الأصل تقدّم بيّنة النجاسة.
الشرح:
اذا أخبر ذو اليد بنجاسته، و قامت البيّنة - شهادة عدلين - على الطهارة، قدّمت البيّنة؛ لأنّ البيّنة قد اعتبرها الشارع في جميع الموارد و أهمّها في الخصومات و المرافعات و من المعلوم أنّ من جملتها ما نحن فيه. و أمّا اخبار ذي اليد فيكون من امضاء الشارع للسيرة العقلائيّة لئلاّينتهي المجتمع الى الهرج و المرج. مضافا الى أنّ أغلب الدعاوي يكون في الملكيّة، فيدّعي شخص على من بيده الدار - مثلاً - و غيرها. و الظاهر أنّ اخبار العدل الواحد ليس كذلك.
و أمّا اذا تعارضت البيّنتان، فان كان مستندهما العلم تساقطتا؛ لامتناع كون الشيء الواحد طاهرا و نجسا في آن واحد. و ان كان مستند احداهما العلم و الأخرى الأصل - ان جوّزنا ذلك في البيّنة - فيقدّم ما كان مستنده العلم؛ لأنّ الأصل جارٍ فيما يكون فيه الشكّ و مع البيّنة لا شكّ. و ان كان مستندهما الأصل فتقدّم التي مستندها استصحاب النجاسة؛ لأنّه مقدّم على أصالة الطهارة، و ان كان مستند كلتيهما الاستصحاب فتساقطتا.
1) - مستمسك العروة 1: 208 و 209.
(مسألة 8): اذا شهد اثنان بأحد الأمرين و شهد أربعة بالآخر يمكن بل لايبعد تساقط الاثنين بالاثنين و بقاء الآخرين.
الشرح:
حكم هذه المسألة يكون كالمسألة السابقة فيما اذا تعارضت البيّنتان، فلايتفاوت كثرة عدد البيّنات في ذلك؛ لأنّ المناط اقامة البيّنة و هي شهادة عدلين، كما لايتفاوت في حكم الحاكم كثرة عدد العدول.
قال في المستمسك: «دليل حجّيّة البيّنة كدليل حجّيّة الخبر نسبته الى الواحد و الكثير واحدة، و انطباقه على الجميع في رتبة واحدة، فاذا امتنع انطباق الدليل على المتعارضين كان مقتضاه سقوط الطرفين عن الحجّيّة».(1)
(مسألة 9): الكرّيّة تثبت بالعلم و البيّنة و في ثبوتها بقول صاحب اليد وجه، و ان كان لايخلو عن اشكال كما أنّ في اخبار العدل الواحد أيضا اشكالاً.
الشرح:
تثبت الكرّيّة بالعلم؛ لأنّ حجّيّته ذاتيّة، و بالبيّنة لعموميّة حجّيّتها كما تقدّم في المسألة السادسة، و تثبت أيضا بقول صاحب اليد اذا علم ماهيّة الكرّ، و كذا باخبار العدل الواحد بل الثقة و قد تقدّم عموميّة دليلهما.
قال في المستمسك - في وجه اشكال المصنّف في ثبوت الكرّيّة بقول صاحب اليد - :« هو لندرة الابتلاء بالسؤال عن الكرّيّة في عصر المعصومين عليهم السلام، فلم تحرز سيرة على قبول خبر ذي اليد فيه، أو لعدم دليل بالخصوص فيه بخلاف السؤال عن النجاسة، فقد ورد فيه بعض النصوص و ادّعي الاتّفاق عليه. و فيه: انّ
1) - مستمسك العروة 1: 214.
العمدة في الدليل على القبول في النجاسة هو السيرة الارتكازيّة عند المتشرّعة - و ان كانت السيرة العمليّة غير ثابتة -، من دون فرق بين الجميع، و السيرة الارتكازيّة حجّة كالعمليّة. انتهى ملخّصا».(1)
(مسألة 10): يحرم شرب الماء النجس الاّ في الضرورة و يجوز سقيه للحيوانات بل و للأطفال أيضا و يجوز بيعه مع الاعلام.
الشرح:
يحرم شرب الماء النجس للروايات المتظافرة كصحيحة حريز(2)و رواية أبي خالد القمّاط(3)الناهيتين عن شرب الماء الذي تغيّر بريح الجيفة أو بغيرها من النجاسات. و نظيرهما موثّقة سماعة(4)، و صحيحة علي بن جعفر(5)و موثّقة سعيد الأعرج(6)الناهيتان عن شرب ماء الجرّة التي فيها ألف رطل وقع فيه أوقية بول أو التي تسع مائة رطل يقع فيها أوقية من دم و موثّقتا سماعة(7)و عمّار الساباطي(8)الآمرتان باهراق الماءين الذين وقع في أحدهما قذر لايدري أيّهما هو و التيمّم بعد ذلك، و موثّقة أبي بصير(9)حيث ورد في ذيلها: «فان أدخلت يدك في الماء و فيها شيء من ذلك (قذر بول أو جنابة) فأهرق ذلك الماء»، و نظيرها
1) - مستمسك العروة 1: 214 و 215.
2) - وسائل الشيعة 1: 137 / الباب 3 من أبواب الماء المطلق / الحديث 1.
3) - وسائل الشيعة 1: 138 / الباب 3 من أبواب الماء المطلق / الحديث 4.
4) - وسائل الشيعة 1: 139 / الباب 3 من أبواب الماء المطلق / الحديث 6.
5) - وسائل الشيعة 1: 156 / الباب 8 من أبواب الماء المطلق / الحديث 16.
6) - وسائل الشيعة 1: 153 / الباب 8 من أبواب الماء المطلق / الحديث 8.
7) - وسائل الشيعة 1: 151 / الباب 8 من أبواب الماء المطلق / الحديث 2.
8) - وسائل الشيعة 1: 155 / الباب 8 من أبواب الماء المطلق / الحديث 14.
9) - وسائل الشيعة 1: 152 / الباب 8 من أبواب الماء المطلق / الحديث 4.
صحيحة ابن أبي نصر(1)و موثّقة سماعة(2)فانّ الماء النجس لو جاز شربه لم يكن لأمره عليه السلامبالاهراق في تلك الروايات وجه، الى غير ذلك من الأخبار.
و يجوز سقيه للحيوانات لعدم الدليل على الحرمة. نعم، يمكن استفادة الكراهة من رواية أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن البهيمة البقرة و غيرها تسقى أو تطعم ما لايحلّ للمسلم أكله أو شربه أيكره ذلك؟ قال: نعم، يكره ذلك».(3)
و يجوز سقيه للأطفال اذا لم يكن فيه ضرر؛ و ذلك للأصل و عدم الدليل على الحرمة، و لايقاس هذا بالمنع عن سقي الخمر للأطفال؛ و ذلك لأنّ الشارع لايرضى بايجاد بعض المحرّمات و ان كان من الصبي و من هذا البعض شرب الخمر. و لايستفاد المنع أيضا من أمر الامام عليه السلام باهراق الماء المتنجّس؛ اذ لعلّه لعدم انتفاعه. نعم، الاحتياط حسن.
و يجوز بيعه اذا كان له منفعة محلّلة مقصودة بشرط اعلامه للمشتري؛ لقول الصادق عليه السلام في صحيحة معاوية بن وهب - الواردة في بيع الزيت المتنجّس - :
«يبيعه و يبيّنه لمن اشتراه ليستصبح به».(4)
الماء المستعمل في الوضوء طاهر مطهّر من الحدث و الخبث و كذا المستعمل في الأغسال المندوبة و أمّا المستعمل في الحدث الأكبر فمع طهارة البدن لا اشكال في طهارته و رفعه للخبث. و الأقوى جواز استعماله في رفع الحدث أيضا و ان كان الأحوط مع وجود غيره التجنّب عنه. و أمّا المستعمل في الاستنجاء و لو من البول فمع الشروط الآتية طاهر و يرفع الخبث أيضا، لكن لايجوز استعماله في رفع الحدث و لا في الوضوء و الغسل المندوبين. و أمّا المستعمل في رفع الخبث غير الاستنجاء فلايجوز استعماله في الوضوء و الغسل و في طهارته و نجاسته خلاف. و الأقوى ماء الغسلة المزيلة للعين نجس و في الغسلة الغير المزيلة الأحوط الاجتناب.
الشرح:
الماء المستعمل له أقسام:
الأوّل: الماء المستعمل في الوضوء فانّه طاهر مطهّر من الحدث و الخبث؛ يدلّ على ذلك اطلاقات الماء المطلق و خصوص قوله عليه السلام في ذيل رواية عبداللّه بن سنان:
«و أمّا الماء الذي يتوضّأ الرجل به، فيغسل به وجهه و يده في شيء نظيف، فلا بأس أن يأخذه غيره و يتوضّأ به».(1)
و رواية زرارة عن أحدهما عليهماالسلام قال:
«كان النبي صلى الله عليه و آلهاذا توضّأ أخذ ما يسقط من وضوئه فيتوضّؤون به».(2)
و مرسلة الصدوق قال:
«سئل علي عليه السلام أيتوضّأ من فضل وضوء جماعة المسلمين أحبّ اليك أو يتوضّأ من ركو أبيض مخمّر؟ قال: لا، بل من فضل وضوء جماعة المسلمين، فانّ أحبّ دينكم الى اللّه الحنيفيّة السمحة السهلة».(3)
قال في المستمسك: «طهارة الماء المستعمل في الوضوء و مطهّريّته من الحدث و الخبث اجماعيّ، بل ادّعي على طهارته ضرورة المذهب، و يكفي فيه الأصل، و في مطهّريته اطلاقات مطهّرية الماء و بعض النصوص الآتية. نعم، في المستدرك عن أبي حنيفة: أنّه نجس نجاسة مغلّظة».(4)
الثاني: الماء المستعمل في الأغسال المندوبة فانّه أيضا طاهر مطهّر من الحدث و الخبث، و الدليل عليه كالدليل على القسم الأوّل، مضافا الى الأصل و ادّعاء الاجماع عن القواعد و التذكرة و غيرهما، و في الحدائق نفى الخلاف فيها عن جملة من المتأخّرين كما في المستمسك.
الثالث: الماء المستعمل في الحدث الأكبر، فمع طهارة البدن لا اشكال في طهارته و رفعه الخبث؛ للأصل و اطلاقات طهارة الماء المطلق، و للروايات
المستفيضة بل المتواترة في ذلك كصحيحة الفضيل قال:
«سئل أبوعبداللّه عليه السلام عن الجنب يغتسل فينتضح من الأرض في الاناء؟ فقال: لا بأس، هذا ممّا قال اللّه تعالى:«ما جعل عليكم في الدين من حرج»».(1)
و صحيحة شهاب بن عبد ربّه عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال:
«في الجنب يغتسل فيقطر الماء عن جسده في الاناء و ينتضح الماء من الأرض، فيصير في الاناء، أنّه لا بأس بهذا كلّه».(2)
و أمّا استعماله في رفع الحدث، فقد ورد المنع عنه في رواية عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لا بأس بأن يتوضّأ بالماء المستعمل؟ فقال: الماء الذي يغسل به الثوب، أو يغتسل به الرجل من الجنابة لايجوز أن يتوضّأ منه و أشباهه، و أمّا الماء الذي يتوضّأ الرجل به، فيغسل به وجهه و يده في شيء نظيف، فلا بأس أن يأخذه غيره و يتوضّأ به».(3)
لكنّها أوّلاً ضعيفة من حيث السند، حيث انّ فيه أحمد بن هلال و لم يوثّق في كتب الرجال. و ثانيا من حيث دلالتها؛ لأنّه من المحتمل قويّا أن يكون علّة المنع نجاسة البدن و كذا الثوب بالمنيّ. و ثالثا هي موافقة لقول العامّة كما في الوسائل. و رابعا معارضتها بصحيحة محمّد بن مسلم قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: الحمّام يغتسل فيه الجنب و غيره، أغتسل من مائه؟ قال: نعم، لا بأس أن يغتسل منه الجنب و لقد اغتسلت فيه، ثمّ
جئت فغسلت رجليّ و ما غسلتهما الاّ ممّا لزق بهما من التراب».(1)
و صحيحة علي بن جعفر عن أبي الحسن الأوّل عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل يصيب الماء في ساقية أو مستنقع أيغتسل منه للجنابة، أو يتوضّأ منه للصلاة؟ اذا كان لايجد غيره و الماء لايبلغ صاعا للجنابة و لا مدّا للوضوء و هو متفرّق فكيف يصنع، و هو يتخوّف أن تكون السباع قد شربت منه؟- الى أن قال: - و الاّ اغتسل من هذا و من هذا و ان كان في مكان واحد و هو قليل لايكفيه لغسله فلا عليه أن يغتسل، و يرجع الماء فيه، فانّ ذلك يجزيه».(2)
فتحصّل أنّ الأقوى جواز استعماله في رفع الحدث أيضا، و ان كان الأحوط مع وجود غيره التجنّب عنه؛ خروجا عن مخالفة من ذهب الى الاجتناب عنه.
الرابع: الماء المستعمل في الاستنجاء، فاستدلّ على طهارته بالشروط الآتية بروايات:
منها صحيحة محمّد بن النعمان قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: أخرج من الخلاء فأستنجي بالماء فيقع ثوبي في ذلك الماء الذي استنجيت به؟ فقال: لا بأس به».(3)
و منها صحيحة عبدالكريم بن عتبة الهاشمي قال:
«سألت أباعبداللّه عليه السلام عن الرجل يقع ثوبه على الماء الذي استنجى به أينجّس ذلك ثوبه؟ قال: لا».(4)
و منها مرسلة يونس بن عبدالرحمن عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث):
«الرجل يستنجي فيقع ثوبه في الماء الذي استنجى به؟ فقال: لا بأس. الحديث».(1)
و منها معتبرة محمّد بن النعمان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قلت له: أستنجي ثمّ يقع ثوبي فيه و أنا جنب؟ فقال: لا بأس به».(2)
و منها مرسلة الكاهلي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قلت: أمرّ في الطريق فيسيل عليّ الميزاب في أوقات أعلم أنّ الناس يتوضّؤون؟ قال: ليس به بأس لاتسأل عنه».(3)
الظاهر أنّ المراد بالوضوء الاستنجاء.
ثمّ انّ الظاهر من الروايات و ان كان المراد من الاستنجاء غسل موضع النجو و هو الغائط الاّ أنّ النصّ مطلق شامل للبول أيضا. و قد صرّح به جماعة - كما في المستمسك(4)- بل لايعرف فيه خلاف، و في جامع المقاصد نسبته الى الأصحاب، وفي المدارك و عن الذخيرة: أنّه مقتضى النصّ و كلام الأصحاب.
ولكنّ الأقوى عدم طهارة الماء المستعمل في الاستنجاء؛ لملاقاة الماء القليل بالنجاسة، و الظاهر من هذه الروايات عدم منجّسيّة الماء المستعمل في الاستنجاء اذا لم تكن فيه ذرّات النجاسة و لم يتغيّر طعمه أو ريحه أو لونه، و بناءً عليه لايرفع به الخبث و لا الحدث.
و يلحق به الماء المستعمل في رفع الخبث، فحكمه في الغسلة المزيلة للعين حكم الماء المستعمل في الاستنجاء اذا لم تكن فيه ذرّات النجاسة و لم يتغيّر، فهو متنجّس غير منجّس، فلايرفع الخبث و لا الحدث، و أمّا الغسلة الغير المزيلة، فلا بأس بها.
(مسألة 1): لا اشكال في القطرات التي تقع في الاناء عند الغسل و لو قلنا بعدم جواز استعمال غسالة الحدث الأكبر.
قد تقدّم شرح هذه المسألة في القسم الثاني من المياه المستعملة.
(مسألة 2): يشترط في طهارة ماء الاستنجاء أمور: «الأوّل»: عدم تغيّره في أحد الأوصاف الثلاثة، «الثاني»: عدم وصول نجاسة اليه من خارج، «الثالث»: عدم التعدّي الفاحش على وجه لايصدق معه الاستنجاء، «الرابع»: أن لايخرج مع البول أو الغائط نجاسة أخرى مثل الدم. نعم، الدم الذي يعدّ جزءا من البول أو الغائط لابأس به. «الخامس»: أن لايكون فيه الأجزاء من الغائط بحيث يتميّز. أمّا اذا كان معه دود أو جزء غير منهضم من الغذاء أو شيء آخر لايصدق عليه الغائط فلا بأس به.
الشرح:
لو قلنا بطهارة ماء الاستنجاء فيشترط فيه الأمور المذكورة في المتن.
يدلّ على الأوّل قوله عليه السلام في صحيحة محمّد بن اسماعيل بن بزيع:
«ماء البئر واسع لايفسده شيء الاّ أن يتغيّر ريحه أو طعمه. الحديث».(1)
و على الثاني: الروايات المتواترة الدالّة على نجاسة الماء القليل بملاقاة النجاسة، كموثّقة سماعة قال:
«سألت أباعبداللّه عليه السلام عن رجل معه اناءان فيهما ماء، وقع في أحدهما قذر لايدري أيّهما هو، و ليس يقدر على ماء غيره؟ قال: يهريقهما جميعا و يتيمّم».(2)
و على الثالث: أنّ الموضوع في الحكم بالطهارة هو ماء الاستنجاء و مع التعدّي الفاحش لايصدق الاستنجاء، فلاتشمله الروايات.
و على الرابع: أنّ الأصل تنجّس الماء القليل بملاقاة النجاسة فخرج عن هذا الأصل ماء الاستنجاء و هو الماء الذي يستعمل في طهارة ما يخرج من الغائط، فلايشمله مثل الدم. نعم، الدم الذي يعدّ جزءا من الغائط أو البول لا بأس به.
و على الخامس: الروايات الدالّة على نجاسة الماء القليل بملاقاة النجاسة و قد تقدّمت آنفا.
هذا على القول بطهارة ماء الاستنجاء. و أمّا على القول بتنجّسه الاّ أنّه لم يكن منجّسا، فيشترط فيه عدم تغيّره في أحد الأوصاف الثلاثة و أن لايكون فيه الأجزاء من الغائط و غيره من النجاسات.
(مسألة 3): لايشترط في طهارة ماء الاستنجاء سبق الماء على اليد و ان كان أحوط.
الشرح:
و ذلك لاطلاق الروايات.
و في المستمسك: «لجريان العادة بسبق كلّ منهما، فترك الاستفصال يقتضي المساواة في الحكم»(1).
(مسألة 4): اذا سبق بيده بقصد الاستنجاء ثمّ أعرض ثمّ عاد لابأس الاّ اذا عاد بعد مدّة ينتفي معها صدق التنجّس بالاستنجاء فينتفي حينئذٍ حكمه.
1) - مستمسك العروة 1: 238.
الشرح:
الدليل على عدم البأس من صدر المسألة هو اطلاق الروايات، و على ذيلها عدم صدق التنجّس بالاستنجاء بل نجاسة الماء باليد النجسة.
قال في المستمسك:«فانّ موضوع نصوص الطهارة صدق التنجّس بالاستنجاء، فبالنسبة الى صدر المسألة يصدق دون ذيلها. انتهى ملخّصا».(1)
(مسألة 5): لا فرق في ماء الاستنجاء بين الغسلة الأولى و الثانية في البول الذي يعتبر فيه التعدّد.
الشرح:
فعلى القول بطهارة ماء الاستنجاء لا فرق بينهما لاطلاق الروايات. و أمّا على القول المختار من تنجّسه و عدم منجّسيّته فالماء في الغسالة الأولى في البول و هي الغسلة المزيلة متنجّس دون الغسالة الثانية.
(مسألة 6): اذا خرج الغائط من غير المخرج الطبيعي فمع الاعتياد كالطبيعي و مع عدمه حكمه حكم سائر النجاسات في وجوب الاحتياط من غسالته.
الشرح:
اذا خرج الغائط من غير المخرج الطبيعي فمع الاعتياد كالطبيعي، فانّ الروايات شاملة له من غير انصراف. نعم، تنصرف عمّا اذا خرج من غير المخرج الطبيعي اتّفاقا، فلايصدق عليه غسالة الاستنجاء. و قد تقدّم ما هو حكم المختار.
1) - مستمسك العروة 1: 239.
(مسألة 7): اذا شكّ في ماء أنّه غسالة الاستنجاء أو غسالة سائر النجاسات يحكم عليه بالطهارة و ان كان الأحوط الاجتناب.
الشرح:
اذا شكّ في ماء أنّه غسالة الاستنجاء أو غسالة سائر النجاسات، فالمصنّف قال: «يحكم عليه بالطهارة»؛ و لعلّه لأنّ الأصل في الماء الطهارة، فان استعمل في الاستنجاء لم يتنجّس، و ان استعمل في غسل سائر النجاسات فيكون متنجّسا، و حيث يشكّ في نجاسته فتستصحب طهارته. و يمكن أن يقال: انّ هذا الماء قد لاقى النجاسة يقينا الاّ أنّه لو استعمل في الاستنجاء يكون طاهرا و حيث يشكّ في تخصيص العامّ فتستصحب نجاسته، و لعلّه لذلك احتاط بالاجتناب عنه.
و أمّا على المختار فالماء متنجّس الاّ أنّه لاينجّس، فلايزيل خبثا و لا حدثا كما مرّ.
(مسألة 8): اذا اغتسل في الكرّ كخزانة الحمّام أو استنجى فيه، لايصدق عليه غسالة الحدث الأكبر أو غسالة الاستنجاء أو الخبث.
الشرح:
الماء المستعمل في رفع الحدث الأكبر - على القول بالمنع - لايشمل الماء الكثير مثل الاغتسال في خزانة الحمّام، فهذه رواية عبداللّه بن سنان التي هي مدرك هذا القول:
«فقال: الماء الذي يغسل به الثوب أو يغتسل به الرجل من الجنابة لايجوز أن يتوضّأ منه و أشباهه».(1)
فما يفهم من هذا الحديث عرفا هو الماء القليل. و كذا لايصدق على ماء
1) - وسائل الشيعة 1: 215 / الباب 9 من أبواب الماء المضاف / الحديث 13.
الحمّام غسالة الاستنجاء اذا استنجي في خزانته، كما لايصدق عليه غسالة الخبث اذا غسل فيه الثوب النجس.
(مسألة 9): اذا شكّ في وصول نجاسة من الخارج أو مع الغائط يبني على العدم.
الشرح:
قد تقدّم في المسألة الثانية أنّ من شرائط طهارة ماء الاستنجاء عدم وصول نجاسة اليه من الخارج و عدم خروج نجاسة مثل الدم مع الغائط. فلو شكّ في وصول النجاسة اليه أو معه، فالأصل الجاري هنا الاستصحاب أي استصحاب العدم.
(مسألة 10): سلب الطهارة و الطهوريّة عن الماء المستعمل في رفع الحدث الأكبر أو الخبث استنجاءً أو غيره انّما يجري في الماء القليل دون الكرّ فما زاد كخزانة الحمّام و نحوها.
قد تقدّم شرح هذه المسألة في المسألة الثامنة.
(مسألة 11): المتخلّف في الثوب بعد العصر من الماء طاهر، فلو أخرج بعد ذلك لايلحقه حكم الغسالة و كذا ما يبقى في الاناء بعد اهراق ماء غسالته.
(مسألة 12): تطهر اليد تبعا بعد التطهير فلا حاجة الى غسلها و كذا الظرف الذي يغسل فيه الثوب و نحوه.
و سيوافيك الكلام في هاتين المسألتين في الطهارة بالتبعيّة في مبحث المطهّرات، ان شاء اللّه تعالى.
(مسألة 13): لو أجري الماء على المحلّ النجس زائدا على مقدار يكفي في طهارته، فالمقدار الزائد بعد حصول الطهارة طاهر و ان عدّ تمامه غسلة واحدة و لو كان بمقدار ساعة ولكن مراعاة الاحتياط أولى.
الشرح:
قد تقدّم أنّ الغسلة المزيلة للنجاسة متنجّسة غير منجّسة اذا لم يكن فيها ذرّات النجاسة و لم يتغيّر أوصافه الثلاثة، و أمّا اذا زالت النجاسة فالمقدار الزائد الجاري عليه لم يكن من الغسلة المزيلة و ان عدّ تمامه غسلة واحدة، فلو ألقي في مكان على حدة من الغسلة المزيلة يكون طاهرا مطهّرا.
قال في المستمسك: «لأنّ ظاهر الدليل كون الغسل المطهّر بنحو صرف الوجود الصادق على الحدوث، فاذا تحقّق طهر المحلّ فما يلاقيه من الماء المنصبّ طاهر لعدم ملاقاته للنجس».(1)
(مسألة 14): غسالة ما يحتاج الى تعدّد الغسل كالبول مثلاً اذا لاقت شيئا لايعتبر فيها التعدّد و ان كان أحوط.
الشرح:
لا فرق بين غسالة ما يحتاج الى تعدّد الغسل كالبول و ما لايحتاج، فالمتنجّس هو الغسلة المزيلة، فاذا زالت النجاسة فالمقدار الزائد الجاري عليه طاهر.
قال في المستمسك: «قد اختلفوا في ملاقي الغسالة بناءً على نجاستها، و أنّه
1) - مستمسك العروة 1: 242.
كالمحلّ بعدها أو كالمحلّ قبلها، أو كالمحلّ قبل الغسل. و قد ذكروا وجوها لاتخلو من تأمّل؛ لكونها مبنيّة على ظنّ و تخمين - الى أن قال: - كما يرجع الى العرف في كيفيّة التنجيس يرجع اليهم في كيفيّة التطهير. و من المعلوم أنّ الكيفيّة عند العرف هي الغسل مرّة ما لم يقم دليل على التعدّد. انتهى ملخّصا».(1)
(مسألة 15): غسالة الغسلة الاحتياطيّة استحبابا يستحبّ الاجتناب عنها.
قد تقدّم أنّ الغسلة غير المزيلة لاتكون متنجّسة.
1) - مستمسك العروة 1: 243.
الماء المشكوك نجاسته طاهر الاّ مع العلم بنجاسته سابقا. و المشكوك اطلاقه لايجري عليه حكم المطلق الاّ مع سبق اطلاقه. و المشكوك اباحته محكوم بالاباحة الاّ مع سبق ملكيّة الغير أو كونه في يد الغير المحتمل كونه له.
الشرح:
الماء المشكوك نجاسته طاهر؛ و ذلك لقوله عليه السلام في مرسلة الصدوق:
«كلّ ماء طاهر الاّ ما علمت أنّه قذر».(1)
و رواية حمّاد بن عثمان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«الماء كلّه طاهر حتّى يعلم أنّه قذر».(2)
و موثّقة عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:
«كلّ شيء نظيف حتّى تعلم أنّه قذر، فاذا علمت فقد قذر، و ما لم تعلم فليس عليك».(3)
و أمّا الماء الذي كان نجسا و شكّ في طهارته فيحكم بنجاسته؛ للاستصحاب الجاري في المقام، فانّه مقدّم على قاعدة الطهارة، كما حقّق في الأصول.
و أمّا الماء المشكوك اطلاقه لايجري عليه حكم المطلق الاّ مع العلم بكونه مطلقا سابقا؛ وذلك لأنّه لايكون هناك دليل يتمسّك باطلاقه.
قال في التنقيح: «لأنّ الشكّ في اطلاق مائع و اضافته بعينه هو الشكّ في أنّه ماء أو ليس بماء، فلا بدّ في ترتيب الآثار المرغوبة من الماء عليه من رفع الحدث أو الخبث من اثبات أنّه ماء، فان أحرزنا ذلك و لو بالاستصحاب فهو، و الاّ فلايمكننا ترتيب شيء من آثار الماء عليه».(1)
و أمّا الماء المشكوك اباحته، فمباح الاّ مع سبق ملكيّة الغير أو كونه في يد الغير المحتمل كونه له. و الدليل على الاباحة صحيحة عبداللّه بن سليمان قال:
«سألت أبا جعفر عليه السلام عن الجبنّ؟ فقال: لقد سألتني عن طعام يعجبني، ثمّ أعطى الغلام درهما، فقال: يا غلام ابتع لنا جبنّا، ثمّ دعا بالغداء، فتغدّينا معه، فأتي بالجبنّ، فأكل و أكلنا، فلمّا فرغنا من الغداء، قلت: ما تقول في الجبنّ؟ قال: أ و لم ترني آكله؟ قلت: بلى، ولكنّي أحبّ أن أسمعه منك. فقال: سأخبرك عن الجبنّ و غيره، كلّ ما كان فيه حلال و حرام فهو لك حلال، حتّى تعرف الحرام بعينه فتدعه».(2)
و قوله عليه السلام في مرسلة معاوية بن عمّار:
«كلّ شيء فيه الحلال و الحرام فهو لك حلال حتّى تعرف الحرام، فتدعه بعينه».(3)
و قريب منهما صحيحة عبداللّه بن سنان و رواية مسعدة بن صدقة.(1)
قال في التنقيح: «لاينبغي الاشكال في جواز الانتفاعات و التصرّفات الواقعة فيه؛ لقوله عليه السلام: «كلّ شيء لك حلال حتّى تعلم أنّه حرام». و قد يقال: بأنّ الأصل في الأموال حرمة التصرّف حتّى يعلم حلّيّته؛ للاجماع و لرواية محمّد بن زيد الطبري: «لايحلّ مال الاّ من وجه أحلّه اللّه». و فيه: انّ الاجماع المدّعى لانطمئنّ بكونه تعبّديّا كاشفا عن رأي الامام. و أمّا الرواية فيدفعها ضعف سندها و قصور دلالتها. و الأصل الحاكم الاباحة و الحلّيّة. انتهى ملخّصا».(2)
ثمّ انّه لو كان مسبوقا بملكيّة الغير و شكّ في اعراضه عنه - مثلاً - تستصحب الملكيّة و لايحلّ الاّ بطيب نفس المالك.
و لو شكّ في رضا المالك فالأصل عدمه. و لو كان في يد الغير المحتمل كونه له يجري عليه حكم معلوم الملكيّة؛ لأنّ اليد حجّة عليها.
(مسألة 1): اذا اشتبه نجس أو مغصوب في محصور كاناء في عشرة يجب الاجتناب عن الجميع و ان اشتبه في غير المحصور كواحد في ألف - مثلاً - لايجب الاجتناب عن شيء منه.
الشرح:
اذا اشتبه نجس أو مغصوب في محصور يجب الاجتناب عن الجميع؛ و ذلك للعلم الاجمالي الذي يكون كالعلم التفصيلي فهو منجّز، و لقوله عليه السلام في موثّقة سماعة في اناءين يكون أحدهما نجسا فاشتبها، قال:
«يهريقهما جميعا و يتيمّم».(3)
و ان اشتبه في غير المحصور فلايجب الاجتناب عن شيء منه للعقل و النقل. و المعيار لغير المحصور هو نظر العرف، فانّهم في حياتهم الدنيا لايهتمّون بالاجتناب عن كثير من الأشياء اذا كان عدد منها لازم الاجتناب. نعم، لايقدمون على ارتكاب كلّها، و كذلك لايهتمّون بانجاز أعمال عديدة اذا كان عدد منها لازم الاجراء، و هكذا يكون الحال في المحرّمات و الواجبات. و هذا الأمر يختلف باختلاف الأزمنة و الأمكنة بل الأشخاص و الأشياء. و المعيار في المحصور أيضا نظر العرف كما في غير المحصور. و الظاهر لايكون المعيار الحرج و المشقّة و الضرر غالبا.
(مسألة 2): لو اشتبه مضاف في محصور يجوز أن يكرّر الوضوء أو الغسل الى عدد يعلم استعمال مطلق في ضمنه، فاذا كانا اثنين يتوضّأ بهما، و ان كانت ثلاثة أو أزيد يكفي التوضّؤ باثنين اذا كان المضاف واحدا، و ان كان المضاف اثنين في الثلاثة يجب استعمال الكلّ، و ان كان اثنين في أربعة تكفي الثلاثة. و المعيار أن يزاد على عدد المضاف المعلوم بواحد. و ان اشتبه في غير المحصور جاز استعمال كلّ منها، كما اذا كان المضاف واحدا في ألف. و المعيار أن لايعدّ العلم الاجمالي علما و يجعل المضاف المشتبه بحكم العدم، فلايجري عليه حكم الشبهة البدويّة أيضا ولكنّ الاحتياط أولى.
الشرح:
لا اشكال في جواز تعدّد التوضّؤ من الاناءين المشتبه أحدهما بالمضاف؛ و ذلك لعدم حرمته و لايكون مثل المشتبه بالمغصوب الذي يحرم استعماله، أو النجس الذي قد ورد النصّ باهراقها و التيمّم بعده.
انّما الكلام في وجوب التعدّد، و لايبعد وجوبه لاحراز التوضّؤ بالماء المطلق، و الماء المشكوك اطلاقه لايكون مطلقا، اللّهمّ الاّ أن يقال بكونه نظير الاناءين
المشتبه أحدهما بالنجس حيث قال الامام عليه السلام باهراقهما و التيمّم. ولكنّ القاعدة المستفادة من الأخبار خلاف ذلك، و النصّ مختصّ بمورده، و عليه يجب الوضوء المتعدّد - كما في المتن - حتّى يعلم بالامتثال الاّ أن يكون ذلك حرجا أو ضررا، فيتكرّر ما لم يكن حرجيّا، و الاّ يتيمّم. هذا بالنسبة الى المحصور، و أمّا الماء المضاف في غير المحصور فلايلزم التكرار؛ لعدم الاعتناء به عرفا.
(مسألة 3): اذا لم يكن عنده الاّ ماء مشكوك اطلاقه و اضافته و لم يتيقّن أنّه كان في السابق مطلقا يتيمّم للصلاة و نحوها، و الأولى الجمع بين التيمّم و الوضوء به.
الشرح:
الدليل على عدم وجوب الجمع بين التيمّم و الوضوء بالماء المشكوك اطلاقه اذا لم يعلم حاله السابق، هو عدم وجود الماء عنده، فاذا وظيفته التيمّم. و الأولى الجمع بين التيمّم و الوضوء به، لعلّه كان مطلقا.
(مسألة 4): اذا علم اجمالاً أنّ هذا الماء امّا نجس أو مضاف، يجوز شربه ولكن لايجوز التوضّؤ به، و كذا اذا علم أنّه امّا مضاف أو مغصوب. و اذا علم أنّه امّا نجس أو مغصوب فلايجوز شربه أيضا كما لايجوز التوضّؤ به و القول بأنّه يجوز التوضّؤ به ضعيف جدا.
الشرح:
اذا علم اجمالاً أنّ هذا الماء امّا نجس أو مضاف يجوز شربه؛ لأنّ حرمة الشرب تختصّ بالماء النجس فالماء المشكوك نجاسته يجري فيه أصالة الطهارة. ولكن لايجوز التوضّؤ به؛ لأنّه ان كان نجسا يبطل الوضوء به و ان كان مضافا فكذلك، و لايخرج الأمر عن هذين.
و اذا علم أنّ هذا الماء امّا مضاف أو مغصوب، يجوز شربه؛ لأنّه ان كان مضافا فلا اشكال في جوازه، و بالنسبة الى احتمال غصبيّته فالأصل الجاري في حلّيّته أو حرمته هو الحلّيّة. ولكن لايجوز التوضّؤ به؛ لأنّه امّا مضاف فلايجوز التوضّؤ به و امّا مغصوب فكذلك.
و اذا علم أنّه امّا نجس أو مغصوب، فلايجوز شربه أيضا؛ لأنّ الأصل الجاري في طرفيها مخالف للعلم الاجمالي. و أمّا عدم جواز التوضّؤ به فواضح.
(مسألة 5): لو أريق أحد الاناءين المشتبهين من حيث النجاسة أو الغصبيّة لايجوز التوضّؤ بالآخر و ان زال العلم الاجمالي و لو أريق أحد المشتبهين من حيث الاضافة لايكفي الوضوء بالآخر بل الأحوط الجمع بينه و بين التيمّم.
الشرح:
ان حصل العلم الاجمالي بأنّ أحدهما نجس أو مغصوب بعد اراقة أحد الاناءين، فلا اشكال في التوضّؤ بالآخر؛ لأنّ الشبهة فيه بدويّة و أنّ العلم الاجمالي لم يتنجّز، فالأصل الجاري فيه الطهارة أو الحلّيّة. و ان حصل قبل اراقة أحد الاناءين و علم بأنّ أحدهما نجس أو مغصوب، فالعلم منجّز و يجب الاجتناب عنهما، و ان أريق أحدهما فلايجوز التوضّؤ بالآخر.
و أمّا لو أريق أحد الاناءين المشتبهين من حيث الاضافة، فلايكفي الوضوء بالآخر مطلقا؛ لأنّه ان كانت الاراقة بعد العلم فهو منجّز الاّ أنّ الواجب عليه التوضّؤ منهما ليتيقّن بالطهارة، و ان كان العلم الاجمالي بعد الاراقة فلايكفي الوضوء به؛ لعدم أصل هنا يقتضي صحّته، و الأحوط الجمع بينه و بين التيمّم.
(مسألة 6): ملاقي الشبهة المحصورة لايحكم عليه بالنجاسة لكن الأحوط الاجتناب.
الشرح:
اذا كان هناك اناءان من الماء و كانا متنجّسين بملاقاة النجاسة، فلو لاقى شيء طاهر بهما فعلى المختار من أنّ المتنجّس لايكون منجّسا، لايتنجّس الملاقي. و أمّا على القول الآخر اذا كان أحد الاناءين متنجّسا أو نجسا - بأن كان بولاً مثلاً - و اشتبها فلاقى شيء طاهر بأحدهما، لايحكم عليه بالنجاسة؛ لأنّ الشبهة بالنسبة اليه بدويّة، فوجوب الاجتناب من أطراف الشبهة المحصورة للعلم الاجمالي المنجّز ولكن لايحكم لكلّ واحد منهما أنّه نجس.
(مسألة 7): اذا انحصر الماء في المشتبهين تعيّن التيمّم، و هل يجب اراقتهما أو لا؟ الأحوط ذلك و ان كان الأقوى العدم.
الشرح:
اذا انحصر الماء في المشتبهين تعيّن التيمّم؛ لموثّقة سماعة عن أبي عبداللّه عليه السلام في رجل معه اناءان فيهما ماء وقع في أحدهما قذر و لايدري أيّهما هو و ليس يقدر على ماء غيرهما؟ قال:
«يهريقهما جميعا و يتيمّم».(1)
و رواية عمّار الساباطي عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:
«سئل عن رجل معه اناءان فيهما ماء وقع في أحدهما قذر لايدري أيّهما هو، و حضرت الصلاة و ليس يقدر على ماء غيرهما؟ قال: يهريقهما جميعا و يتيمّم».(2)
و لايجب اراقتهما؛ لأنّ الأمر به في الروايتين للارشاد بعدم الفائدة فيهما و وجوب الاجتناب عنهما.
قال في المستمسك: «ظاهر جماعة الاجماع على العمل بالروايتين المذكورتين. قال شيخنا الأعظم رحمه اللهفي طهارته: «لا اشكال في وجوب التيمّم مع انحصار الماء في المشتبهين؛ لأجل النصّ و الاجماع المتقدّمين». و في القواعد أوجب اراقتهما، الاّ أنّه لايجب؛ لأنّ الظاهر من الأمر بالاراقة الارشاد الى عدم الانتفاع بهما كما هو كذلك في أمثاله من الموارد. انتهى ملخّصا».(1)
(مسألة 8): اذا كان اناءان أحدهما المعيّن نجس و الآخر طاهر، فأريق أحدهما و لم يعلم أنّه أيّهما، فالباقي محكوم بالطهارة و هذا بخلاف ما لو كانا مشتبهين و أريق أحدهما، فانّه يجب الاجتناب عن الباقي. و الفرق أنّ الشبهة في هذه الصورة بالنسبة الى الباقي بدويّة بخلاف الصورة الثانية؛ فانّ الماء الباقي كان طرفا للشبهة من الأوّل، و قد حكم عليه بوجوب الاجتناب.
الشرح:
فاذا أريق أحد الاناءين في الصورة الأولى و لم يعلم أنّه كان الماء النجس أو الطاهر، فالشكّ بالنسبة الى الاناء الباقي بدويّ؛ لأنّه كما يحتمل أن يكون هو الاناء النجس يحتمل أيضا أن يكون الطاهر. و أمّا الصورة الثانية فحيث أنّه قبل الاراقة قد علم اجمالاً بنجاسة أحدهما فقد وجب الاجتناب عنهما؛ لمنجّزيّة العلم الاجمالي، فاذا أريق أحدهما فوجوب الاجتناب بالنسبة الى الاناء الآخر باقٍ.
1) - مستمسك العروة 1: 262.
(مسألة 9): اذا كان هناك اناء لايعلم أنّه لزيد أو لعمرو و المفروض أنّه مأذون من قبل زيد فقط في التصرّف في ماله لايجوز له استعماله. و كذا اذا علم أنه لزيد مثلاً لكن لايعلم أنّه مأذون من قبله أو من قبل عمرو.
الشرح:
و الدليل على عدم جواز استعمال الاناء في الصورة الأولى، هو عدم العلم بحلّيّة التصرّف في الاناء مع كونه مملوكا؛ لأنّه ان كان لزيد فيحلّ استعماله؛ لاذنه من قبله و أمّا ان كان لعمرو فلايحلّ؛ لعدم اذنه منه و حيث لايعلم أنّه لزيد أو لعمرو فلايعلم حلّيّة التصرّف فيه. و هكذا يكون الحكم في الصورة الثانية، فاذا علم أنّه لزيد - مثلاً - ولكن لايعلم أنّه مأذون من قبله أو من قبل عمرو، فيشكّ في جواز استعماله، فلايجوز استعماله؛ لأنّ جواز الاستعمال منوط بالعلم بطيب نفس المالك و هو مشكوك فيه هنا.
(مسألة 10): في المائين المشتبهين اذا توضّأ بأحدهما أو اغتسل و غسل بدنه من الآخر ثمّ توضّأ به أو اغتسل صحّ وضوؤه أو غسله على الأقوى، لكن الأحوط ترك هذا النحو مع وجدان ماء معلوم الطهارة، و مع الانحصار الأحوط ضمّ التيمّم أيضا.
الشرح:
قد تقدّم في المسائل السابقة أنّ الامام عليه السلام أمر باهراق الماءين المشتبهين و التيمّم اذا انحصر الماء فيهما، فالظاهر أنّ الاهراق للارشاد الى عدم الانتفاع بهما، و يكون التيمّم وظيفة من لم يجد الماء. و اذا لم ينحصر الماء في الماءين المشتبهين فهو واجد للماء و عليه الوضوء بالماء الطاهر. و أمّا لو توضّأ بأحدهما أو اغتسل و صلّى ثمّ غسل بدنه من الآخر ثمّ توضّأ به أو اغتسل و صلّى ثانيا صحّ وضوؤه و غسله و صلاته، و ان كان يجب عليه غسل بدنه ثانيا بالماء الطاهر؛ لوجوب
الاجتناب عنهما؛ لمنجّزيّة العلم الاجمالي.
هذا اذا كان أحد الماءين مشتبها بالنجس، و لو كانا مشتبهين بالاضافة و توضّأ بأحدهما أو اغتسل لايلزم غسل بدنه من الآخر، بل يجوز التوضّؤ به و الصلاة بعدهما. و بذلك يظهر النظر فيما ذهب اليه المصنّف اذا اكتفى بصلاة واحدة.
(مسألة 11): اذا كان هناك ماءان توضّأ بأحدهما أو اغتسل، و بعد الفراغ حصل له العلم بأنّ أحدهما كان نجسا و لايدري أنّه هو الذي توضّأ به أو غيره، ففي صحّة وضوئه أو غسله اشكال؛ اذ جريان قاعدة الفراغ هنا محلّ اشكال. و أمّا اذا علم بنجاسة أحدهما المعيّن و طهارة الآخر فتوضّأ و بعد الفراغ شكّ في أنّه توضّأ من الطاهر أو من النجس، فالظاهر صحّة وضوئه؛ لقاعدة الفراغ. نعم، لو علم أنّه كان حين التوضّي غافلاً عن نجاسة أحدهما يشكل جريانها.
الشرح:
اذا كان هناك ماءان توضّأ بأحدهما أو اغتسل و بعد الفراغ حصل له العلم بأنّ أحدهما كان نجسا و لايدري أنّه هو الذي توضّأ به أو غيره، فالأظهر صحّة وضوئه أو غسله؛ و ذلك لأنّه لم يكن مخاطبا بخطاب الاجتناب؛ لعدم علمه حين ذاك و قد جاز له استعمال الماءين، فاذا استعمل أحدهما و بعد الوضوء حصل له العلم بأنّ أحدهما كان نجسا، فيشكّ في أنّ وضوءه كان صحيحا أو لا؟ فلا محظور في اجراء قاعدة الفراغ. نعم، لو علم أنّه لم يكن ملتفتا حين العمل و أنّه لو كان ملتفتا لحصل له العلم الاجمالي بنجاسة أحدهما، فيشكل جريان قاعدة الفراغ.
و هكذا يكون حكم الصورة الثانية، فاذا علم بنجاسة أحدهما المعيّن و طهارة الآخر فتوضّأ، و بعد الفراغ شكّ في أنّه توضّأ من الطاهر أو من النجس، فالظاهر جريان قاعدة الفراغ الاّ اذا علم أنّه كان حين التوضّؤ غافلاً عن نجاسة أحدهما.
(مسألة 12): اذا استعمل أحد المشتبهين بالغصبيّة لايحكم عليه بالضمان الاّ بعد تبيّن أنّ المستعمل هو المغصوب.
الشرح:
قد تقدّم بأنّه اذا علم بغصبيّة أحد الشيئين يجب الاجتناب عنهما و يحرم التصرّف في كلّ منهما؛ و ذلك لمنجّزيّة العلم الاجمالي. و أمّا لو ارتكب الحرام و استعمل أحدهما و أتلفه، فهل يكون ضامنا؟ الظاهر عدم ضمانه؛ لأنّ الضمان يترتّب على اتلاف مال الغير و هو مشكوك، فالأصل براءة ذمّته من الضمان. نعم، اذا تبيّن بعد الاتلاف بأنّه كان هو المغصوب يضمن مثله أو قيمته.
سؤر نجس العين كالكلب و الخنزير و الكافر نجس، و سؤر طاهر العين طاهر و ان كان حرام اللحم، أو كان من المسوخ، أو كان جلاّلاً. نعم، يكره سؤر حرام اللحم ما عدا المؤمن، بل و الهرّة على قول و كذا يكره سؤر مكروه اللحم كالخيل و البغال و الحمير، و كذا سؤر الحائض المتّهمة، بل مطلق المتّهم.
الشرح:
السؤر في اللغة بمعنى بقيّة الماء من الشارب أو بقيّة الطعام من الآكل، كما في مجمع البحرين.
يدلّ على نجاسة سؤر الخنزير صحيحة علي بن جعفر عن موسى بن جعفر عليه السلام (في حديث) قال:
«و سألته عن خنزير شرب من اناء كيف يصنع به؟ قال: يغسل سبع مرّات».(1)
و على نجاسة سؤر الكلب صحيحة محمّد - يعني ابن مسلم - عن
1) - وسائل الشيعة 1: 225 / الباب 1 من أبواب الأسآر / الحديث 2.
أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن الكلب يشرب من الاناء؟ قال: اغسل الاناء. الحديث».(1)
و أمّا نجاسة سؤر الكافر، فيأتي في أقسام النجاسات ما يدلّ على ذلك.
و يدلّ على طهارة سؤر طاهر العين و ان كان حرام اللحم أو مسوخا، صحيحة الفضل أبي العبّاس،قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن فضل الهرّة و الشاة و البقرة و الابل و الحمار و الخيل و البغال و الوحش و السباع، فلم أترك شيئا الاّ سألته عنه؟ فقال: لا بأس به، حتّى انتهيت الى الكلب؟ فقال: رجس نجس لاتتوضّأ بفضله و اصبب ذلك الماء، و اغسله بالتراب أوّل مرّة ثمّ بالماء».(2)
و يدلّ على كراهة سؤر حرام اللحم و منه سؤر الجلاّل، مرسلة الوشّاء عن أبي عبداللّه عليه السلام:
«أنّه كان يكره سؤر كلّ شيء لايؤكل لحمه».(3)
و الدليل على طهارة سؤر الجلاّل اذا كان موضع أكله و شربه خاليا من النجاسة، اطلاق ما دلّ على طهارة سؤر طاهر العين، مضافا الى موثّقة عمّار بن موسى عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سئل عمّا تشرب منه الحمامة؟ فقال: كلّ ما أكل لحمه فتوضّأ من سؤره و اشرب. و عن ماء شرب منه باز أو صقر أو عقاب؟ فقال: كلّ شيء من الطير يتوضّأ ممّا يشرب منه، الاّ أن ترى في منقاره دما، فان
رأيت في منقاره دما فلاتتوضّأ منه و لاتشرب».(1)
و الدليل على عدم كراهة سؤر الهرّة و ان كان حرام اللحم، صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام في الهرّة:
«أنّها من أهل البيت و يتوضّأ من سؤرها».(2)
و صحيحة زرارة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«في كتاب علي عليه السلام: انّ الهرّ سبع، و لابأس بسؤره و انّي لأستحيي من اللّه أن أدع طعاما لأنّ الهرّ أكل منه».(3)
و أمّا سؤر الحائض طاهر ولكن يكره الوضوء منه اذا لم تكن مأمونة، كما يدلّ عليهما الجمع بين صحيحتي عنبسة و علي بن يقطين. ففي الأوّل عن أبي عبداللّه عليه السلامقال:
«اشرب من سؤر الحائض و لاتتوضّ منه».(4)
و في الثاني عن أبي الحسن عليه السلامفي الرجل يتوضّأ بفضل الحائض قال:
«اذا كانت مأمونة فلا بأس».(5)
و يستحبّ سؤر المؤمن. ففي صحيحة عبداللّه بن سنان قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام: في سؤر المؤمن شفاء من سبعين داء».(6)
و في المرسلة عن علي عليه السلام (في حديث الأربعمائة) قال:
«سؤر المؤمن شفاء».(7)
1) - وسائل الشيعة 1: 230 / الباب 4 من أبواب الأسآر / الحديث 2.
2) - وسائل الشيعة 1: 227 / الباب 2 من أبواب الأسآر / الحديث 1.
3) - وسائل الشيعة 1: 227 / الباب 2 من أبواب الأسآر / الحديث 2.
4) - وسائل الشيعة 1: 236 / الباب 8 من أبواب الأسآر / الحديث 1.
5) - وسائل الشيعة 1: 237 / الباب 8 من أبواب الأسآر / الحديث 5.
6) - وسائل الشيعة 25: 263 / الباب 18 من أبواب الأشربة المباحة / الحديث 1.
7) - وسائل الشيعة 25: 263 / الباب 18 من أبواب الأشربة المباحة / الحديث 3.
قال في الشرائع: «الأسآر كلّها طاهرة، عدا سؤر الكلب و الخنزير و الكافر. و في سؤر المسوخ تردّد، و الطهارة أظهر، و من عدا الخوارج و الغلاة من أصناف المسلمين طاهر الجسد و السؤر. و يكره سؤر الجلاّل و سؤر ما أكل الجيف اذا خلا موضع الملاقاة من عين النجاسة و الحائض التي لاتؤمن و سؤر البغال و الحمر و الفأرة و الحيّة و ما مات فيه الوزغ و العقرب».(1)
1) - شرائع الاسلام 1: 16.
و فيه فصول:
الفصل الأوّل: في عدادها
الفصل الثاني: في طرق ثبوت النجاسة
الفصل الثالث: في كيفيّة تنجّس المتنجّسات
الفصل الرابع: فيما يشترط فيه الطهارة من الخبث
الفصل الخامس: في الصلاة في النجس
الفصل السادس: فيما يعفى عنه في الصلاة
النجاسات اثنتا عشرة: «الأوّل و الثاني»: البول و الغائط من الحيوان الذي لايؤكل لحمه، انسانا أو غيره، برّيّا أو بحريّا، صغيرا أو كبيرا، بشرط أن يكون له دم سائل حين الذبح. نعم، في الطيور المحرّمة الأقوى عدم النجاسة، لكن الأحوط فيها أيضا الاجتناب، خصوصا الخفّاش و خصوصا بوله. و لا فرق في غير المأكول بين أن يكون أصليّا كالسباع و نحوها، أو عارضيّا كالجلاّل و موطوء الانسان و الغنم الذي شرب لبن خنزيرة. و أمّا البول و الغائط من حلال اللحم فطاهر حتّى الحمار و البغل و الخيل. و كذا من حرام اللحم الذي ليس له دم سائل كالسمك المحرّم و نحوه.
الشرح:
قال في الشرائع: «القول في النجاسات و هو عشرة أنواع: الأوّل و الثاني البول و الغائط ممّا لايؤكل لحمه، اذا كان للحيوان نفس سائلة، سواء كان جنسه حراما كالأسد أو عرض له التحريم كالجلاّل. و في رجيع ما لا نفس له سائلة و بوله تردّد. و كذا في ذرق الدجاج الجلاّل، و الأظهر الطهارة».(1)
و في المدارك: «أجمع علماء الاسلام على نجاسة البول و الغائط ممّا لايؤكل
1) - شرائع الاسلام 1: 51.
لحمه، سواء كان ذلك من الانسان أو غيره اذا كان ذ نفس سائلة، قاله في المعتبر. و المراد بالنفس السائلة الدم الذي يجتمع في العروق و يخرج اذا قطع شيء منها بقوّة و دفع. و يقابله ما لا نفس له و هو الذي يخرج دمه ترشّحا كالسمك».(1)
تدلّ على نجاسة بول الانسان الروايات المستفيضة، نكتفي بصحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام قال:
«سألته عن البول يصيب الثوب؟ فقال: اغسله مرّتين».(2)
و يدلّ على نجاسة بول ما لايؤكل لحمه صحيحة عبداللّه بن سنان قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام: اغسل ثوبك من أبوال ما لايؤكل لحمه».(3)
و رواية عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اغسل ثوبك من بول كلّ ما لايؤكل لحمه».(4)
و في المستمسك - بعد ذكر الروايتين المذكورتين الأخيرتين - قال: «و يتمّ الحكم في الغائط بالاجماع على عدم الفصل بينه و بين البول، مضافا الى الاجماع عليه بالخصوص، و الى النصوص الواردة في الموارد الخاصّة، مثل ما ورد في الاستنجاء من الغائط، و في القذرة يطؤها الرجل من الأمر بمسحها حتّى يذهب أثرها أو بغسل ما أصابه، و في خرء الفأر يصيب الدقيق من الأمر بالقائه. و مقتضى اطلاق النصوص و معاقد الاجماع عدم الفرق بين أنواع ما لايؤكل لحمه، انسانا أو غيره، برّيا أو بحريّا، صغيرا أو كبيرا. انتهى ملخّصا».(5)
و يشترط في نجاسة البول و الغائط من مطلق الحيوان الذي لايؤكل لحمه أن يكون له دم سائل حين الذبح، كما سيأتي - ان شاء اللّه - وجهه.
هنا فروع:
الأقوى أنّه لا بأس بالبول و الخرء من الطيور المحرّمة؛ و ذلك لصحيحة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«كلّ شيء يطير فلا بأس ببوله و خرئه».(1)
فانّها تخصّص صحيحة عبداللّه بن سنان قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام: اغسل ثوبك من أبوال ما لايؤكل لحمه».(2)
فانّ هذه الصحيحة عامّة تشمل ما يطير و ما لايطير و صحيحة أبي بصير خاصّة شاملة لما يطير فقط.
هذا مضافا الى ما نقل في المستمسك عن جامع البزنطي عن أبي بصير عنه عليه السلام قال: «خرء كلّ شيء يطير و بوله لا بأس به»، و عن المقنع - مرسلاً - : «أنّه لا بأس بخرء ما طار و بوله»، ثمّ قال: «و دعوى كون التعارض بينها و بين رواية ابن سنان بالعموم من وجه، اللازم في مثله الرجوع في مورد المعارضة الى حجّة أخرى، و هي في المقام الأخبار الآمرة بغسل الثوب من البول مرّتين الدالّة على نجاسته مطلقا، مضافا الى ما عن المختلف عن كتاب عمّار من قول الصادق عليه السلام: «خرء الخطّاف لا بأس به، هو ممّا يؤكل لحمه، ولكن كره أكله ... »، بناءً على ظهوره في كون العلّة في نفي البأس في خرء الخطّاف كونه ممّا يؤكل لحمه، لا الطيران؛ اذ لو كان الطيران دخيلاً في الطهارة كان اللازم التعليل به، مندفعة بأنّ الرجوع في مورد التعارض العامّين من وجه الى حجّة أخرى موقوف على عدم امكان الجمع
العرفي بينهما، بأن لايكون أحدهما أقوى دلالة من الآخر في مورد المعارضة، و ليس كذلك في المقام؛ فانّ رواية أبي بصير أقوى فيه؛ لندرة الابتلاء ببول الطير المأكول اللحم لو فرض وجوده، و لاشعارها بكون وصف الطيران دخيلاً في الحكم، فيكون حملها على الطير المأكول حملاً على فرد نادر، أو غير معلوم التحقّق، و موجبا لالغاء خصوصيّة الطيران عن الدخل في الحكم بالمرّة. بل ادّعى السيّد المحقّق البغدادي قدس سره العلم بعدم البول لغير الخفّاش. و عليه فالرواية نصّ في الطير غير المأكول اللحم، و روايتا ابن سنان ظاهرتان فيه، فلا مجال لاعمال المعارضة بينهما فيه، بل لا بدّ من تخصيص الثانية بالأولى. و أمّا رواية الخطّاف - فمع أنّها معارضة برواية الشيخ رحمه الله لها باسقاط لفظ الخرء - أنّها لم يظهر منها التعليل بمأكوليّة اللحم بنحو يصحّ الاعتماد عليه».(1)
و الاحتياط بالاجتناب عن بولها و خرئها - لذهاب جمع من الأصحاب الى نجاستهما و خصوصا الخفّاش - حسن؛ لرواية داود الرقّي قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن بول الخشاشيف يصيب ثوبي فأطلبه فلاأجده؟ قال: اغسل ثوبك».(2)
و الرواية ضعيفة و معارضة برواية غياث عن جعفر عن أبيه عليه السلامقال:
«لا بأس بدم البراغيث و البقّ و بول الخشاشيف».(3)
الحيوان المأكول لحمه اذا صار جلاّلاً يحرم لحمه حتّى يستبرأ؛ و ذلك لما في
صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لاتأكلوا لحوم الجلاّلات، و ان أصابك من عرقها فاغسله».(1)
و كذا اذا صار موطوء الانسان يحرم لحمه؛ و ذلك لما في صحيحة محمّد بن عيسى عن الرجل عليه السلام أنّه سئل عن رجل نظر الى راع نزا على شاة؟ قال:
«ان عرفها ذبحها و أحرقها، و ان لم يعرفها قسمها نصفين أبدا حتّى يقع السهم بها، فتذبح و تحرق و قد نجت سائرها».(2)
و موثّقة سماعة قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يأتي بهيمة أو شاة أو ناقة أو بقرة؟ فقال عليه السلام: عليه أن يجلّد حدّا غير الحدّ ثمّ ينفى من بلاده الى غيرها، و ذكروا أنّ لحم تلك البهيمة محرّم و لبنها».(3)
فاذا صار غير مأكول اللحم يكون بوله و خرؤه نجسا كما مرّ.
و كذا يكون الحال في الحيوان الذي أكل لحمه اذا شرب مثل الخمر أو لبن الخنزير أو الدم حتّى نبت لحمه و اشتدّ عظمه، ففي صحيحة حنان بن سدير قال:
«سئل أبو عبداللّه عليه السلام - و أنا حاضر عنده - عن جدي رضع من لبن خنزيرة حتّى شبّ و كبر و اشتدّ عظمه، ثمّ انّ رجلاً استفحله في غنمه، فخرج له نسل؟ فقال: أمّا ما عرفت من نسله بعينه فلاتقربنّه، و أمّا ما لم تعرفه فكله، فهو بمنزلة الجبنّ، و لاتسأل عنه».(4)
يدلّ على طهارة البول و الروث من الحيوان المأكول لحمه صحيحة زرارة، أنّهما قالا:
«لاتغسل ثوبك من بول شيء يؤكل لحمه».(1)
و موثّقة عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«كلّ ما أكل لحمه فلا بأس بما يخرج منه».(2)
و موثّقة زرارة عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:
«ان كان ممّا يؤكل لحمه فالصلاة في وبره و بوله و شعره و روثه و ألبانه و كلّ شيء منه جائز، اذا علمت أنّه ذكيّ».(3)
و بازائها الروايات الواردة في الأمر بالغسل من أبوال الدوابّ و البغال و الحمير، كصحيحة محمّد بن مسلم قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن ألبان الابل و البقر و الغنم و أبوالها و لحومها؟ فقال: لاتوضّ منه ان أصابك منه شيء أو ثوبا لك فلاتغسله الاّ أن تتنظّف. قال: و سألته عن أبوال الدوابّ و البغال و الحمير؟ فقال: اغسله، فان لم تعلم مكانه فاغسل الثوب كلّه، فان شككت فانضحه».(4)
و صحيحة الحلبي قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن أبوال الخيل و البغال؟ فقال: اغسل ما أصابك منه».(5)
1) - وسائل الشيعة 3: 407 / الباب 9 من أبواب النجاسات / الحديث 4.
2) - وسائل الشيعة 3: 409 / الباب 9 من أبواب النجاسات / الحديث 12.
3) - وسائل الشيعة 3: 408 / الباب 9 من أبواب النجاسات / الحديث 6.
4) - وسائل الشيعة 3: 407 / الباب 9 من أبواب النجاسات / الحديث 5.
5) - وسائل الشيعة 3: 409 / الباب 9 من أبواب النجاسات / الحديث 11.
فتحمل على استحباب الغسل و قذارة بولها؛ جمعا و ذلك أوّلاً لما ورد في حلّيّة لحوم الأنعام في الكتاب و السنّة، فالأوّل: قوله تعالى: «و الأنعام خلقها لكم فيها دف ء و منافع و منها تأكلون».(1)
فعن تفسير العيّاشي عن زرارة عن أحدهما عليهماالسلامقال:
«سألته عن أبوال الخيل و البغال و الحمير؟ قال: فكرهها، قلت: أليس لحمها حلالاً؟ قال: فقال: أليس قد بيّن اللّه لكم «و الأنعام خلقها لكم فيها دف ء و منافع و منها تأكلون». و قال: «و الخيل و البغال و الحمير لتركبوها و زينة». فجعل للأكل الأنعام التي قصّ اللّه في الكتاب و جعل للركوب الخيل و البغال و الحمير، و ليس لحومها بحرام و لكنّ الناس عافوها».(2)
و الثاني رواية معلّى بن خنيس و عبداللّه بن أبي يعفور قالا:
«كنّا في جنازة و قدّامنا حمار، فبال فجاءت الريح ببوله حتّى صكّت وجوهنا و ثيابنا، فدخلنا على أبي عبداللّه عليه السلام فأخبرناه، فقال: ليس عليكم بأس».(3)
و صحيحة علي بن رئاب قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الروث يصيب ثوبي و هو رطب؟ قال: ان لم تقذره فصلّ فيه».(4)
(مسألة 1): ملاقاة الغائط في الباطن لايوجب النجاسة كالنوى الخارج من الانسان أو الدود الخارج منه اذا لم يكن معها شيء من الغائط، و ان كان ملاقيا له في الباطن. نعم، لو أدخل من الخارج شيئا فلاقى الغائط في الباطن كشيشة الاحتقان ان علم ملاقاتها له فالأحوط الاجتناب عنه، و أمّا اذا شكّ في ملاقاته فلايحكم عليه بالنجاسة، فلو خرج ماء الاحتقان و لم يعلم خلطه بالغائط و لا ملاقاته له لايحكم بنجاسته.
الشرح:
الصور المتصوّرة في المسألة أربع:
الأولى: اذا لاقى شيء بعض الأجزاء الداخليّة التي كان يجري فيها النجاسة و حين الملاقاة لم يكن بها عين النجاسة، كمجرى البول بعد البول و الاستبراء، فما يترشّح منه الودي أو المذي يكون طاهرا، و كذا الوذي بعد المني و الاستبراء منه و من البول. و كمخرج الغائط بعد التغوّط و الغسل، فالرطوبات الجارية منه طاهرة. و هكذا يكون الفم و الأنف و السمع و البصر اذا جرى الدم ثمّ زال، فالرطوبات الجارية منها طاهرة. و لايتنجّس ما لاقاها بعده؛ يدلّ على ذلك صحيحة ابراهيم بن أبي محمود قال:
«سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام عن المرأة وليها قميصها أو ازارها يصيبه من بلل الفرج و هي جنب، أتصلّي فيه؟ قال: اذا اغتسلت صلّت فيهما».(1)
و رواية عبدالرحمن بن أبي عبداللّه عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن رجل مسّ فرج امرأته؟ قال: ليس عليه شيء، و ان شاء غسل يده».(2)
و صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام قال:
«سألته عن المذي يصيب الثوب؟ فقال: ينضحه بالماء ان شاء. الحديث».(1)
و رواية أبي بصير قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن المذي يصيب الثوب؟ قال: ليس به بأس».(2)
الثانية: أن يلاقي الأجزاء الداخليّة كالفم و الأنف نجاسة خارجيّة، فاذا زالت النجاسة طهرت الأجزاء و لاتحتاج الى الغسل؛ يدلّ على ذلك - مضافا الى الروايات الدالّة على طهارة الباطن بمجرّد زوال النجاسة عنه - رواية عبدالحميد بن أبي الديلم قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: رجل يشرب الخمر فبصق فأصاب ثوبي من بصاقه؟ قال: ليس بشيء».(3)
و رواية الحسين بن موسى الحنّاط قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يشرب الخمر ثمّ يمجّه من فيه فيصيب ثوبي؟ فقال: لا بأس».(4)
الثالثة: اذا لاقى الباطن شيء طاهر فخرج نقيّا من النجاسة كالابرة، و زجاجة الحقنة، و يلحق به النوى الخارج منه أو الدود الخارج من الغائط، فالظاهر طهارة الابرة و زجاجة الحقنة و النوى أو الدود الخارج من المخرج اذا لم تكن في هذه الأشياء ذرّات النجاسة، و ان علم ملاقاتها بالنجاسة في الباطن؛ و ذلك لأنّ الأمر
بغسل ما لاقى النجاسة منصرف عمّا لاقى الباطن، بلا فرق بين كون الباطن ممّا يمكن مشاهدته كالفم و الأنف أو لايمكن، فلو كان في أنفه دم فأدخل اصبعه فيه فخرج نقيّا لايتنجّس و كذا في فيه.
الرابعة: اذا كان شيء نجسا كالابرة و زجاجة الحقنة أو اصبعه، فأدخله في الباطن فخرج نقيّا فنجاسته باقية، فعليه غسله لاستعماله فيما يشترط فيه الطهارة؛ و ذلك لعدم كون الباطن من المطهّرات.
(مسألة 2): لا مانع من بيع البول و الغائط من مأكول اللحم، و أمّا بيعهما من غير المأكول فلايجوز. نعم، يجوز الانتفاع بهما في التسميد و نحوه.
الشرح:
الأقوى جواز الانتفاع بالبول و الغائط من غير المأكول لحمه فيما يجوز الانتفاع به، فضلاً عن البول و الغائط من مأكول اللحم، و كذا يجوز بيعهما للانتفاع بهما في الأمور المحلّلة المقصودة. و قد فرغنا من البحث فيه تفصيلاً في المكاسب المحرّمة و خلاصته:
انّ الشيخ الأعظم قدس سره استدلّ على حرمة المعاوضة على أبوال غير مأكول اللحم بالاجماع و النجاسة و عدم الانتفاع بها و بما ورد في رواية تحف العقول.
أمّا الاجماع ففيه: أنّ الكاشف منه عن رأي الامام غير محصّل و المنقول منه ليس بحجّة.
و استدلّ بالنجاسة بأنّها اذا كانت نجسة كانت محرّمة و اذا كانت محرّمة كانت المعاملة عليها حراما و باطلة؛ لما في الآيات المتعدّدة من القرآن كقوله تعالى: «يا أيّها الذين آمنوا لاتأكلوا أموالكم بينكم بالباطل الاّ أن تكون تجارة عن
تراض»(1)، ففيه في تفسير الصافي: «معنى بالباطل أي بما لم يبحه الشرع»، فانّ كون المعاملة على النجاسات مطلقا - و ان كانت لها منفعة محلّلة مقصودة - ممّا لم يبحها الشرع أوّل الكلام.
و أمّا عدم الانتفاع بها الموجب لخروجها عن الماليّة، ففيه: أنّ فرض الكلام فيما يمكن الانتفاع بها منفعة محلّلة و ان كان عند المتبايعين، فانّ الانتفاع غير منحصر في الأكل.
و أمّا رواية تحف العقول، ففيه أوّلاً: أنّها مرسلة لم يعلم عمل المشهور بها. و ثانيا: العلّة التي ذكرت في الرواية لحرمة بيع النجس هي الفساد و مفروض الكلام فيما لو كان في أبوال ما لايؤكل لحمه جهة صلاح و كان لها منفعة محلّلة و لهذه الجهة تباع و تشترى.
فالمتحصّل أنّه لا دليل على حرمة المعاوضة على أبوال ما لايؤكل لحمه اذا كان لها منفعة محلّلة مقصودة، بل يجوز ذلك؛ للعمومات و اطلاقات الكتاب و السنّة مثل:«أحلّ اللّه البيع»(2)و «الاّ أن تكون تجارة عن تراض»(3)و «أوفوا بالعقود»(4).
و كذا يجوز بيع العذرة النجسة من كلّ حيوان و الانتفاع بها اذا كانت ذات منفعة محلّلة مقصودة؛ للأصل و عمومات الكتاب و السنّة، و ضعف ما استدلّ به للحرمة امّا من جهة السند أو الدلالة، و امّا من كليهما. و قد ذكرنا البحث عنها تفصيلاً في المكاسب المحرّمة، فراجع.(5)
(مسألة 3): اذا لم يعلم كون حيوان معيّن أنّه مأكول اللحم أو لا، لايحكم بنجاسة بوله و روثه، و ان كان لايجوز أكل لحمه بمقتضى الأصل. و كذا اذا لم يعلم أنّ له دما سائلاً أم لا. كما أنّه اذا شكّ في شيء أنّه من فضلة حلال اللحم أو حرامه أو شكّ في أنّه من الحيوان الفلاني حتّى يكون نجسا أو من الفلاني حتّى يكون طاهرا كما اذا رأى شيئا لايدري أنّه بعرة فأر أو بعرة خنفساء، ففي جميع هذه الصور يبني على طهارته.
الشرح:
في المسألة صورتان:
الأولى: اذا شكّ في طهارة بول حيوان أو روثه، يحكم بطهارتهما؛ لقاعدة الطهارة، سواء كان الشكّ من جهة الشبهة الحكميّة، كما اذا لم يعلم أنّ حيوانا معيّنا مأكول اللحم أو لا - مثل ما اذا تولّد حيوان من لقاح سبع و شاة و لم يسمّ باسم أحدهما - ، أو كان الشكّ من جهة الشبهة الموضوعيّة، كما اذا علم أنّ حيوانا معيّنا حرام أكله، و لم يعلم أنّ له دما سائلاً ليكون بوله و روثه نجسا أو لم يكن له دم سائل ليكون بوله و روثه طاهرا. و من الشبهة الموضوعيّة ما اذا شكّ في شيء أنّه من فضلة حلال اللحم أو حرامه. و كذا اذا شكّ أنّه من الحيوان الفلاني - الشاة مثلاً - حتّى يكون طاهرا، أو من الحيوان الفلاني - كالأسد مثلاً - حتّى يكون نجسا.
الثانية: اذا شكّ في حلّيّة أكل لحم للشكّ في أنّه من الحيوان المأكول اللحم أو من الحيوان غير مأكول اللحم - سواء كان من الشبهة الحكميّة كالمثال المتقدّم في الصورة الأولى أو من الشبهة الموضوعيّة، كما اذا لم يعلم أنّ هذا اللحم من الشاة حتّى يحلّ أكله أو من السبع الفلاني حتّى يحرم أكله - فالظاهر عدم جواز الأكل؛ و ذلك لرجوعه الى الشكّ في قبوله التذكية اذا ذكّي، أو أصل التذكية اذا شكّ فيها، و هذا الأصل مقدّم على أصالة الحلّيّة؛ لأنّ جواز الأكل منوط باحراز التذكية.
(مسألة 4): لايحكم بنجاسة فضلة الحيّة؛ لعدم العلم بأنّ دمها سائل. نعم، حكي عن بعض السادة أنّ دمها سائل و يمكن اختلاف الحيّات في ذلك. و كذا لايحكم بنجاسة فضلة التمساح؛ للشكّ المذكور و ان حكي عن الشهيد أنّ جميع الحيوانات البحريّة ليس لها دم سائل الاّ التمساح، لكنّه غير معلوم، و الكلّيّة المذكورة أيضا غير معلومة.
قد اتّضح حال هذه المسألة من المسألة السابقة.
«الثالث»: المني من كلّ حيوان له دم سائل، حراما كان أو حلالاً، برّيّا أو بحريّا. و أمّا المذي و الوذي و الودي فطاهر من كلّ حيوان الاّ نجس العين. و كذا رطوبات الفرج و الدبر ما عدا البول و الغائط.
الشرح:
الثالث من النجاسات المني من الانسان و من كلّ حيوان له دم سائل، حراما كان أو حلالاً، برّيّا كان أو بحريّا.
و الدليل على نجاسة المني من الانسان الروايات المستفيضة، كصحيحة محمّد بن مسلم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«ذكر المني و شدّده و جعله أشدّ من البول، ثمّ قال: ان رأيت المني قبل أو بعد ما تدخل في الصلاة فعليك اعادة الصلاة، و ان أنت نظرت في ثوبك فلم تصبه ثمّ صلّيت فيه ثمّ رأيته بعد فلا اعادة عليك، و كذلك البول».(1)
و صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
1) - وسائل الشيعة 3: 424 / الباب 16 من أبواب النجاسات / الحديث 2.
«اذا احتلم الرجل فأصاب ثوبه شيء فليغسل الذي أصابه، فان ظنّ أنّه أصابه شيء و لم يستيقن و لم ير مكانه فلينضحه بالماء و ان استيقن أنّه قد أصابه مني و لم ير مكانه فليغسل ثوبه كلّه، فانّه أحسن».(1)
و موثّقة سماعة قال:
«سألته عن المني يصيب الثوب؟ قال: اغسل الثوب كلّه اذا خفي عليك مكانه قليلاً كان أو كثيرا».(2)
و لاتعارضها صحيحة زرارة قال:
«سألته عن الرجل يجنب في ثوبه، أيتجفّف فيه من غسله؟ فقال: نعم، لا بأس به الاّ أن تكون النطفة فيه رطبة، فان كانت جافّة فلا بأس».(3)
و موثّقة زيد الشحّام قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الثوب تكون فيه الجنابة فتصيبني السماء حتّى يبتلّ عليّ؟ قال: لا بأس».(4)
لأنّ الأولى تحمل على ما اذا أصاب المني الثوب و هو جافّ، و الثانية على ما اذا زالت العين فيطهر الثوب باصابة المطر.
قال في التنقيح: «لاينبغي الاشكال في نجاسة المني من الانسان، رجلاً كان أو امرأة، بل نجاسته ممّا قامت عليه ضرورة الاسلام و لم يخالف فيه أحد من أصحابنا. وقد ذهب بعض العامّة الى طهارة المني، امّا مطلقا كما ذهب اليه
الشافعي، و امّا خصوص المني من الانسان و من سائر الحيوانات المحلّلة دون ما لايؤكل لحمه كما التزم به الحنابلة».(1)
ثمّ انّه يلحق به المني من كلّ حيوان ذي نفس سائلة.
قال في المدارك: «باجماع علمائنا سواء في ذلك الآدمي و غيره، الذكر و الأنثى. حكى ذلك العلاّمة في التذكرة صريحا، و في المنتهى ظاهرا. و الأصل فيه الأخبار المستفيضة كحسنة الحلبي و صحيحة محمّد بن مسلم و رواية ابن أبي يعفور. لكن ليس في هذه الروايات و لا غيرها ممّا وقفت عليه دلالة على ما ذكره الأصحاب من التعميم، و انّما الموجود فيها اطلاق لفظ المني و المتبادر منه أنّه مني الانسان، الاّ أنّ الحكم مقطوع به في كلام الأصحاب، مدّعى عليه الاجماع، فلا مجال للتوقّف. انتهى ملخّصا».(2)
المذي و الودي و الوذي طاهر من كلّ حيوان الاّ نجس العين.
أمّا المذي فهو الذي يخرج عقيب الملاعبة و الملامسة، و الودي بالدال المهملة هو الذي يخرج عقيب البول.
يدلّ على طهارة المذي صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام قال:
«سألته عن المذي يصيب الثوب؟ فقال: ينضحه بالماء ان شاء، الحديث».(3)
و صحيحة بريد بن معاوية قال:
«سألت أحدهما عليهماالسلام عن المذي؟ فقال: لاينقض الوضوء، و لايغسل منه ثوب و لا جسد، انّما هو بمنزلة المخاط و البصاق».(1)
و يدلّ على طهارة المذي و الودي صحيحة زرارة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«ان سال من ذكرك شيء من مذي أو ودي، و أنت في الصلاة، فلاتغسله و لاتقطع له الصلاة، و لاتنقض له الوضوء و ان بلغ عقبيك، فانّما ذلك بمنزلة النخامة، و كلّ شيء خرج منك بعد الوضوء فانّه من الحبائل أو من البواسير و ليس بشيء، فلاتغسله من ثوبك الاّ أن تقذره».(2)
و مرسلة ابن رباط عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«يخرج من الاحليل المني و المذي و الوذي و الودي، فأمّا المني فهو الذي يسترخي له العظام و يفتر منه الجسد، و فيه الغسل. و أمّا المذي يخرج من شهوة و لا شيء فيه، و أمّا الودي فهو الذي يخرج بعد البول. و أمّا الوذي فهو الذي يخرج من الأدواء و لا شيء فيه».(3)
و تدلّ أيضا على الثلاثة المذكورة من المذي و الودي و الوذي و كذا الرطوبات المخرجة من الفرج و الدبر ما عدا البول و الغائط صحيحة ابراهيم بن أبي محمود قال:
«سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام عن المرأة وليها قميصها أو ازارها يصيبه من بلل الفرج و هي جنب، أتصلّي فيه؟ قال: اذا اغتسلت صلّت فيهما».(4)
و تدلّ على الرطوبات أيضا صحيحة زرارة المتقدّمة من قوله عليه السلام: «و كلّ شيء خرج منك بعد الوضوء فانّه من الحبائل أو من البواسير و ليس بشيء، فلاتغسله من ثوبك الاّ أن تقذره».
«الرابع»: الميتة من كلّ ما له دم سائل، حلالاً كان أو حراما، و كذا أجزاؤها المبانة منها و ان كانت صغارا، عدا ما لاتحلّه الحياة منها كالصوف، و الشعر، و الوبر، و العظم، و القرن، و المنقار، و الظفر، و المخلب، و الريش، و الظلف، و السنّ، و البيضة اذا اكتست القشر الأعلى، سواء كانت من الحيوان الحلال أو الحرام، و سواء أخذ ذلك بجزّ أو نتف أو غيرهما. نعم، يجب غسل المنتوف من رطوبات الميتة. و يلحق بالمذكورات الانفحة و كذا اللبن في الضرع، و لاينجس بملاقاة الضرع النجس، لكن الأحوط في اللبن الاجتناب خصوصا اذا كان من غير مأكول اللحم. و لابدّ من غسل ظاهر الانفحة الملاقي للميتة. هذا في ميتة غير نجس العين. و أمّا فيها فلايستثنى شيء.
الشرح:
الرابع من النجاسات الميتة من كلّ ما له دم سائل، حلالاً كان أو حراما.
و تدلّ عليها طوائف من الأخبار:
منها ما ورد من الأمر باعادة الوضوء و غسل الثوب فيما اذا توضّأ من الماء القليل ثمّ وجد فيه ميتة، كموثّقة عمّار بن موسى الساباطي:
«انّه سأل أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل يجد في انائه فأرة، و قد توضّأ من ذلك الاناء مرارا، أو اغتسل منه، أو غسل ثيابه، و قد كانت الفأرة متسلّخة؟ فقال: ان كان رآها في الاناء قبل أن يغتسل أو يتوضّأ أو يغسل ثيابه، ثمّ فعل ذلك بعد ما رآها في الاناء، فعليه أن يغسل ثيابه
و يغسل كلّ ما أصابه ذلك الماء و يعيد الوضوء و الصلاة، و ان كان انّما رآها بعد ما فرغ من ذلك و فعله، فلايمسّ من ذلك الماء شيئا، و ليس عليه شيء؛ لأنّه لايعلم متى سقطت فيه، ثمّ قال: لعلّه أن يكون انّما سقطت فيه تلك الساعة التي رآها».(1)
و منها ما ورد في نزح ماء البئر اذا وقعت فيها الميتة فتغيّر ريحها، كموثّقة سماعة قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الفأرة تقع في البئر أو الطير؟ قال: ان أدركته قبل أن ينتن نزحت منها سبع دلاء، و ان كانت سنّورا أو أكبر منه نزحت منها ثلاثين دلوا، أو أربعين دلوا، و ان أنتن حتّى يوجد ريح النتن في الماء نزحت البئر حتّى يذهب النتن من الماء».(2)
و منها ما ورد في أنّ الفأرة و نحوها اذا ماتت في الزيت أو السمن أو نحوهما و كان مائعا حرم أكله و جاز الاستصباح به، كصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلامقال:
«اذا وقعت الفأرة في السمن فماتت فيه، فان كان جامدا فألقها و ما يليها، و كل ما بقي، و ان كان ذائبا فلاتأكله، و استصبح به، و الزيت مثل ذلك».(3)
و صحيحة الحلبي قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الفأرة و الدابّة تقع في الطعام و الشراب، فتموت فيه؟ فقال: ان كان سمنا أو عسلاً أو زيتا فانّه ربّما يكون بعض هذا، فان كان الشتاء فانزع ما حوله و كله، و ان كان الصيف فارفعه حتّى تسرج به، و ان كان ثردا فاطرح الذي كان عليه، و
لاتترك طعامك من أجل دابّة ماتت عليه».(1)
قال في التنقيح: «و الانصاف أنّه لم ترد في شيء من أعيان النجاسات بمقدار ما ورد في نجاسة الميتة من الأخبار كما اعترف بذلك المحقّق الهمداني قدس سره، و من العجيب ما نسب الى صاحب المعالم قدس سره من أنّ العمدة في نجاسة الميتة هو الاجماع و قصور الأخبار عن اثبات نجاستها. و أعجب من ذلك ما حكي عن صاحب المدارك قدس سره من المناقشة في نجاسة الميتة بدعوى انحصار مدرك القول بنجاستها في الاجماع و استظهر عدم تماميّة الاجماع في المسألة».(2)
و كذا أجزاؤها المبانة من الميتة و ان كانت صغارا تكون نجسة؛ و ذلك لأنّه اذا ورد الدليل بنجاسة الميتة فالفهم العرفي يشهد بنجاسة أجزائها المبانة منها و ان كانت صغارا بل و ان كانت ممّا لاتحلّه الحياة، الاّ أنّ الدليل ورد في طهارة ما لاتحلّه الحياة.
فروع:
يدلّ على ذلك صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لا بأس بالصلاة فيما كان من صوف الميتة؛ انّ الصوف ليس فيه روح».(3)
و رواية الحسين بن زرارة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«الشعر و الصوف و الريش و كلّ نابت لايكون ميتا. قال: و سألته عن
البيضة تخرج من بطن الدجاجة الميتة؟ فقال: يأكلها».(1)
و صحيحة حريز قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام لزرارة و محمّد بن مسلم: اللبن و اللباء و البيضة و الشعر و الصوف و القرن و الناب و الحافر و كلّ شيء يفصل من الشاة و الدابّة فهو ذكي، و ان أخذته منه بعد أن يموت فاغسله و صلّ فيه».(2)
اشترط الأصحاب رحمهم الله - على ما في التنقيح - في الحكم بطهارة البيضة الخارجة عن الميتة أن تكون مكتسية بالقشر الغليظ، و استدلّوا على ذلك بموثّقة غياث بن ابراهيم عن أبي عبداللّه عليه السلام في بيضة خرجت من أست دجاجة ميتة قال عليه السلام:
«ان كانت اكتست البيضة الجلد الغليظ فلا بأس بها».(3)
و الظاهر أنّ اشتراطهم بذلك صحيح؛ لأنّه مادام لم تكتس بالجلد الغليظ كانت متّصلة ببطن الدجاجة، فتكون من أجزاء الميتة. و بهذه الموثّقة نقيّد اطلاق قوله عليه السلام في صحيحة حريز من البيضة، فيكون المراد منها ما اذا اكتست بالجلد الغليظ. و عليه فلا فرق بين أن تكون البيضة من الحيوان الحلال أو الحرام من حيث الطهارة و النجاسة. نعم، يجب غسل ظاهرها؛ لملاقاتها برطوبات الميتة،كما أنّه اذا أخذ من الميتة الشعر و الصوف و غيرهما بالنتف يجب غسل المنتوف من رطوبات الميتة.
قال في التنقيح: «الانفحة بكسر الهمزة و فتح الفاء و تشديد الحاء و تخفيفها و هي المعروف عند العامّة بالمجبنة و يقال لها بالفارسيّة: «پنير مايه» و لا اشكال في طهارتها على ما دلّ عليه غير واحد من الأخبار. و انّما الكلام في موضوعها و معناها، فهل هي عبارة عن المظروف فحسب، و هو المائع المتمائل الى الصفرة يخرج من بطن الجدي حال ارتضاعه، أو أنّها اسم لخصوص الظرف، أو أنّها اسم لمجموعهما».(1)
أقول:
الظاهر من صحيحة أبي حمزة الثمالي أنّ الانفحة يكون مثل البيضة الخارجة من الدجاجة اذا اكتساها القشر الغليظ، ففي صحيحة أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر عليه السلام (في حديث) انّ قتادة قال له:
«أخبرني عن الجبنّ. فقال: لابأس به، فقال: انّه ربّما جعلت فيه انفحة الميّت، فقال: ليس به بأس، انّ الانفحة ليس لها عروق، و لا فيها دم، و لا لها عظم، انّما تخرج من بين فرث و دم، و انّما الانفحة بمنزلة دجاجة ميتة، أخرجت منها بيضة، فهل تأكل تلك البيضة؟ قال قتادة: لا، و لا آمر بأكلها، قال أبو جعفر عليه السلام: و لِمَ؟ قال: لأنّها من الميتة. قال: فان حضنت تلك البيضة فخرجت منها دجاجة، أتأكلها؟ قال: نعم. قال: فما حرّم عليك البيضة و أحلّ لك الدجاجة؟! ثمّ قال: فكذلك الانفحة مثل البيضة، فاشتر الجبنّ من أسواق المسلمين من أيدي
1) - التنقيح في شرح العروة 2: 427.
المصلّين، و لاتسأل عنه الاّ أن يأتيك من يخبرك عنه».(1)
و صحيحة زرارة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن الانفحة تخرج من الجدي الميّت، قال: لا بأس به. الحديث».(2)
و رواية يونس، عنهم عليهم السلام قالوا:
«خمسة أشياء ذكيّة ممّا فيه منافع الخلق: الانفحة، و البيض، و الصوف، و الشعر، و الوبر، و لابأس بأكل الجبنّ كلّه ما عمله مسلم و غيره، و انّما كره أن يؤكل سوى الانفحة ممّا في آنية المجوس و أهل الكتاب؛ لأنّهم لايتوقّون الميتة و الخمر».(3)
و رواية الحسين بن زرارة قال:
«كنت عند أبي عبداللّه عليه السلام و أبي يسأله عن السنّ من الميتة، و البيضة من الميتة، و انفحة الميتة، فقال: كلّ هذا ذكي. الحديث».(4)
و كذا يكون اللبن في ضرع الميّت طاهر، دلّ على ذلك صحيحة حريز قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام لزرارة و محمّد بن مسلم: اللبن و اللباء(5)و البيضة و الشعر و الصوف و القرن و الناب و الحافر و كلّ شيء يفصل من الشاة و الدابّة فهو ذكي، و ان أخذته منه بعد أن يموت فاغسله، و صلّ فيه».(6)
و صحيحة زرارة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
1) - وسائل الشيعة 24: 179 / الباب 33 من أبواب الأطعمة المحرّمة / الحديث 1.
2) - وسائل الشيعة 24: 182 / الباب 33 من أبواب الأطعمة المحرّمة / الحديث 10.
3) - وسائل الشيعة 24: 179 / الباب 33 من أبواب الأطعمة المحرّمة / الحديث 2.
4) - وسائل الشيعة 24: 180 / الباب 33 من أبواب الأطعمة المحرّمة / الحديث 4.
5) - اللباء: أوّل اللبن بعد الولادة و هو بعد لزج ثخين القوام. صحاح اللغة
6) - وسائل الشيعة 24: 180 / الباب 33 من أبواب الأطعمة المحرّمة / الحديث 3.
«سألته عن الانفحة تخرج من الجدي الميّت؟ قال: لا بأس به، قلت: اللبن يكون في ضرع الشاة، و قد ماتت؟ قال: لا بأس به. الحديث».(1)
و لاتعارضها رواية وهب عن جعفر عن أبيه عليه السلام:
«انّ عليّا عليه السلام سئل عن شاة ماتت، فحلب منها لبن؟ فقال علي عليه السلام: ذلك الحرام محضا».(2)
لأنّها - كما في التنقيح(3)- ضعيفة جدّا، فانّ وهب بن وهب عامّي و آية في الكذب، بل قيل: انّه أكذب البريّة فلايعتمد على روايته، أو تحمل على التقيّة على تقدير صدورها،؛ لذهاب أكثر العامّة الى نجاسة اللبن و الانفحة و غيرهما ممّا يخرج من الميتة. نعم، لاينبغي ترك الاحتياط في اللبن.
انّ الظاهر من الروايات المذكورة الدالّة على طهارة الانفحة و اللبن من الميتة خاصّة بالحيوان المأكول لحمه و لاتشمل الحيوانات الغير المأكول لحمها؛ و ذلك أوّلاً: لكون السؤال و الجواب في بعضها عن الجدي أو الشاة، و بهذا يخصّ اطلاق بعضها الآخر. و ثانيا: انّ الكلام في أكل الانفحة و شرب اللبن، و هما من غير الحيوان المأكول لحمه لايجوز. و ثالثا: انّ القاعدة الأوّليّة نجاسة الميتة، فما يخرج من هذه القاعدة ما يكون من مثل الجدي و الشاة من الحيوان المأكول لحمه و بقي فيها غيره.
و الحاصل أنّ الانفحة و اللبن من الميتة اذا كانا من غير المأكول لحمه يكونان
نجسان. و كذا يكون الحال فيما كان في ميتة نجس العين بطريق أولى؛ فانّ الأدلّة الدالّة على نجاسة مثل الكلب و الخنزير تدلّ على نجاسة جميع أجزاء نجس العين حتّى ما لاتحلّه الحياة كما يأتي في محلّه.
(مسألة 1): الأجزاء المبانة من الحيّ ممّا تحلّه الحياة كالمبانة من الميتة الاّ الأجزاء الصغار كالثالول و البثور و كالجلدة التي تنفصل من الشفة أو من بدن الأجرب عند الحكّ و نحو ذلك.
الشرح:
الأجزاء المبانة من الحيّ ممّا تحلّه الحياة تكون كالمبانة من الميتة، فتكون نجسة. تدلّ على ذلك صحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«قال أميرالمؤمنين عليه السلام: ما أخذت الحبالة من صيد فقطعت منه يدا أو رجلاً فذروه، فانّه ميّت، و كلوا ما أدركتم حيّا و ذكرتم اسم اللّه عليه».(1)
و موثّقة عبدالرحمن بن أبي عبداللّه عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«ما أخذت الحبالة فقطعت منه شيئا فهو ميت، و ما أدركت من سائر جسده حيّا، فذكّه، ثمّ كل منه».(2)
و حسنة عبداللّه بن يحيى الكاهلي قال:
«سأل رجل أبا عبداللّه عليه السلام - و أنا عنده - عن قطع اليات الغنم؟ فقال: لا بأس بقطعها اذا كنت تصلح بها مالك، ثمّ قال: انّ في كتاب علي عليه السلام: انّ ما قطع منها ميّت، لاينتفع به».(3)
ثمّ انّه اذا انقطع الروح عن جزء و أنتن الاّ أنّه لم ينفصل عن البدن فلايحكم بنجاسته؛ لعدم الدليل على ذلك.
ذهب المصنّف الى طهارة الأجزاء الصغار المبانة من بدن الانسان كالثالول و البثور و كالجلدة التي تنفصل من الشفة أو من بدن الأجرب عند الحكّ و نحو ذلك. و استدلّ على ذلك بصحيحة علي بن جعفر:
«انّه سأل أخاه موسى بن جعفر عليه السلام عن الرجل يكون به الثالول أو الجرح هل يصلح له أن يقطع الثالول و هو في صلاته، أو ينتف بعض لحمه من ذلك الجرح و يطرحه؟ قال: ان لم يتخوّف أن يسيل الدم فلا بأس، و ان تخوّف أن يسيل الدم فلايفعله».(1)
و تقريب ذلك على ما في التنقيح: «انّه عليه السلام بصدد بيان عدم مانعيّة الفعل المذكور في الصلاة من جميع الجهات؛ لأنّه عليه السلام لو كان بصدد بيان عدم قادحيّة الفعل المذكور بما هو فعل يسير في الصلاة لم يكن وجه لاشتراطه بعدم سيلان الدم حينئذٍ؛ لأنّ الفعل اليسير غير قادح لها، سواء أ سال منه الدم أم لم يسل. و عليه فالرواية تدلّ على طهارة الثالول؛ لأنّه قد يقطعه بيده و هو في الصلاة ثمّ يطرحه، فلو كان الثالول ميتة كان حمله في الصلاة بأخذه بيده و لو آنا قليلاً مبطلاً للصلاة، كما أنّ يده قد تلاقي الثالول و هي رطبة، فلو كان ميتة لأوجب نجاسة يده، و نجاسة البدن تبطل الصلاة، مع أنّه عليه السلام نفى البأس عنه مطلقا من غير استفصال».
و قد ردّه فيه و قال: «انّ الرواية و ان لم تكن خالية عن الاشعار بالمدّعى الاّ أنّها
1) - وسائل الشيعة 3: 504 / الباب 63 من أبواب النجاسات / الحديث 1.
عارية عن الدلالة عليه و ان أصرّ شيخنا الأنصاري قدس سره على دلالتها».(1)
ولكنّ الظاهر أنّه لا بأس بالاستدلال على ذلك بهذه الرواية؛ لأنّه لو كانت هذه الأجزاء ميتة لكان على الامام عليه السلام أن يذكرها كما في نظائرها من الموارد، و من جملتها حسنة عبداللّه بن يحيى الكاهلي المتقدّمة آنفا.
و في المستمسك - بعد الاشكال على دلالة الرواية - قال: «اللّهمّ الاّ أن يكون تعرّض الامام عليه السلام لسيلان الدم قرينة على كونه عليه السلام في مقام بيان الجواز من جميع الجهات التي هي في معرض الابتلاء، و منها نجاسة الجزء الموجبة لنجاسة اليد المماسّة له مع الرطوبة. و لذلك استحسن شيخنا الأعظم رحمه الله الاستدلال به على المقام، كما عن نهاية الأحكام و المعالم و لأجل ذلك يظهر وجه طهارة الثالول».(2)
(مسألة 2): فأرة المسك المبانة من الحيّ طاهرة على الأقوى، و ان كان الأحوط الاجتناب عنها. نعم، لا اشكال في طهارة ما فيها من المسك. و أمّا المبانة من الميّت ففيها اشكال. و كذا في مسكها. نعم، اذا أخذت من يد المسلم يحكم بطهارتها، و لو لم يعلم أنّها مبانة من الحيّ أو الميّت.
الشرح:
لا اشكال في طهارة الفأرة المذكّاة؛ لأنّها كبقيّة أجزاء الظبي عند تذكيته. و أمّا الفأرة المبانة من الحيّ، فقد وقع الخلاف في طهارتها كما في الفأرة المبانة من الميّت:
ففي المستمسك: «فالمعروف المشهور الطهارة مطلقا و في كشف اللثام: أنّها نجسة مطلقا. و في المنتهى: الطهارة اذا انفصلت عن الحيّ. و الأقرب النجاسة اذا
انفصلت من الميّت. و كان الوجه في الطهارة - على ما يظهر من كلماتهم - أحد الوجوه: امّا عدم كونها جزءا من الظبي، أو عدم كونها ممّا تحلّه الحياة، أو الاجماع و النصّ على طهارة المسك الدالّ على طهارة الجلدة بالالتزام».(1)
أقول:
ان كانت الفأرة المبانة من الحيّ مثل الدجاجة و الانفحة، و يكون قطعها من الظبي الحيّ متعارفا كما لعلّه كذلك، فهي طاهرة و تدلّ عليها الروايات المتقدّمة في طهارة الانفحة و الدجاجة بل اللبن في الضرع، بل لايبعد استفادة طهارتها اذا كانت منفصلة عن الميتة من تلك الروايات. و يؤيّد طهارة الفأرة مطلقا صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه السلام قال:
«سألته عن فأرة المسك تكون مع من يصلّي و هي في جيبه أو ثيابه؟ فقال: لا بأس بذلك».(2)
بناءً على أن يكون الامام عليه السلام بصدد بيان طهارة فأرة المسك مطلقا، لا أنّه من حيث كونها محمولة للمصلّي. و لاتقيّدها صحيحة عبداللّه بن جعفر قال:
«كتبت اليه يعني أبا محمّد عليه السلام يجوز للرجل أن يصلّي و معه فأرة المسك؟ فكتب: لا بأس به اذا كان ذكيّا».(3)
بناءً على أن يكون المراد من قوله عليه السلام: «اذا كان ذكيّا» أي ذكيّا من الدم.
و الحاصل أنّ القول المشهور من طهارة الفأرة مطلقا، سواء كانت مبانة من الحيّ أو الميّت هو الأقوى.
(مسألة 3): ميتة ما لا نفس له طاهرة كالوزغ و العقرب و الخنفساء و السمك و كذا الحيّة و التمساح، و ان قيل بكونهما ذا نفس؛ لعدم معلوميّة ذلك مع أنّه اذا كان بعض الحيّات كذلك لايلزم الاجتناب عن المشكوك كونه كذلك.
الشرح:
يدلّ على طهارة ميتة ما لا نفس له روايات:
منها موثّقة عمّار الساباطي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سئل عن الخنفساء و الذباب و الجراد و النملة و ما أشبه ذلك يموت في البئر و الزيت و السمن و شبهه، قال: كلّ ما ليس له دم فلا بأس».(1)
و منها موثّقة حفص بن غياث عن جعفر بن محمّد عن أبيه عليه السلام قال:
«لايفسد الماء الاّ ما كانت له نفس سائلة».(2)
و منها صحيحة ابن مسكان قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام: كلّ شيء يسقط في البئر ليس له دم - مثل العقارب و الخنافس و أشباه ذلك - فلا بأس».(3)
قال في التنقيح: «لم يستشكل أحد فيما نعلمه من الأصحاب في طهارة الميتة من كلّ حيوان محكوم بالطهارة حال حياته اذا لم تكن له نفس سائلة، و نسب القول بنجاسة الوزغ الى الشيخ و الصدوق و ابن زهرة و سلاّر و غيرهم قدس سرهم و اعتمدوا في ذلك على روايات ثلاث، اثنتان منها ضعيفة السند، و احديها صحيحة معاوية بن عمّار قال: «سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الفأرة و الوزغة تقع في البئر، قال:
ينزح منها ثلاث دلاء»؛ بتقريب أنّ الأمر بالنزح ظاهر في وجوبه، و وجوب النزح ظاهره الارشاد الى نجاسة الوزغ و الفأرة؛ لبعد كونه تعبّدا صرفا. ولكنّها معارضة بصحيحة علي بن جعفر عن أخيه عليه السلام قال: «سألته عن العظاية و الحيّة و الوزغ يقع في الماء فلايموت، أيتوضّأ منه للصلاة؟ قال: لا بأس به. الحديث». انتهى ملخّصا».(1)
أقول:
أضف الى ذلك، أوّلاً أنّها معارضة بصحيحة ابن مسكان قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام: كلّ شيء يسقط في البئر ليس له دم - مثل العقارب و الخنافس و أشباه ذلك - فلا بأس».(2)
و غيرها ممّا تقدّم. و ثانيا ما تقدّم في صحيحة ابن بزيع من قوله عليه السلام:
«ماء البئر واسع لايفسده شيء الاّ أن يتغيّر ريحه أو طعمه. الحديث».(3)
فتحمل صحيحة معاوية بن عمّار على الاستحباب كما أجمع على نظائرها المتأخّرون.
(مسألة 4): اذا شكّ في شيء أنّه من أجزاء الحيوان أم لا، فهو محكوم بالطهارة. و كذا اذا علم أنّه من الحيوان، لكن شكّ في أنّه ممّا له دم سائل أم لا.
الشرح:
اذا شكّ في شيء أنّه من أجزاء الحيوان أم لا، فهو محكوم بالطهارة؛ لأصالة الطهارة الجارية في الأشياء كلّها حتّى يعلم أنّها قذر، أو قام على نجاستها بيّنة. وكذا اذا علم أنّه من الحيوان لكن شكّ في أنّه ممّا له دم سائل أم لا، فيحكم بطهارته؛ للأصل المذكور.
قال في المستمسك: «لأصالة الطهارة، و لا أصل موضوعي على خلافها، و لا حكمي، و الشبهة موضوعيّة في الفرضين».(1)
(مسألة 5): المراد من الميتة أعمّ ممّا مات حتف أنفه أو قتل أو ذبح على غير الوجه الشرعي.
الشرح:
المراد من الميتة أعمّ ممّا مات حتف أنفه أو قتل، و الشاهد على ذلك العرف. و كذا ما ذبح على غير الوجه الشرعي كما دلّ عليه قوله تعالى: «حرّمت عليكم الميتة و الدم و لحم الخنزير و ما أهلّ لغير اللّه به و المنخنقة و الموقوذة و المتردّية و النطيحة و ما أكل السبع الاّ ما ذكّيتم»(2)بتقريب أنّ المراد من المستثنى منه الحيوان الذي اذا ذكّي يحلّ أكله فلايكون ميتة و لو لم يذكّ يحرم أكله، فيجري مجرى الميتة في الشرع، فتكون نجسة، كما تقدّم الدليل على نجاسة
الميتة. و سيأتي في المسألة الآتية ما يفيد لهذه المسألة.
(مسألة 6): ما يؤخذ من يد المسلم من اللحم أو الشحم أو الجلد محكوم بالطهارة، و ان لم يعلم تذكيته. و كذا ما يوجد في أرض المسلمين مطروحا اذا كان عليه أثر الاستعمال لكن الأحوط الاجتناب.
الشرح:
ما يؤخذ من المسلم أو سوق المسلمين من الجلد محكوم بالطهارة.
يدلّ على ذلك صحيحة الحلبي قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الخفاف التي تباع في السوق؟ فقال: اشتر و صلّ فيها حتّى تعلم أنّه ميّت(1)بعينه».(2)
و كذلك كلّ ما يكون من أجزاء الحيوان القابل للتذكية و شكّ في تذكيته يكون طاهرا، اذا كان مأخوذا من يد المسلم أو سوق المسلمين.
يدلّ على ذلك صحيحة أحمد بن محمّد بن أبي نصر قال:
«سألته عن الرجل يأتي السوق فيشتري جبّة فراء، لايدري أذكيّة هي أم غير ذكيّة، أيصلّي فيها؟ قال: نعم، ليس عليكم المسألة، انّ أبا جعفر عليه السلام كان يقول: انّ الخوارج ضيّقوا على أنفسهم بجهالتهم، انّ الدين أوسع من ذلك».(3)
و صحيحة ثانية لأحمد بن محمّد بن أبي نصر عن الرضا عليه السلام قال:
«سألته عن الخفّاف يأتي السوق فيشتري الخفّ، لايدري أذكي أم لا، ما تقول في الصلاة فيه و هو لايدري أيصلّي فيه؟ قال: نعم، أنا
أشتري الخفّ من السوق و يصنع لي و أصلّي فيه و ليس عليكم المسألة».(1)
بتقريب أنّ عموم قوله عليه السلام: «ليس عليكم المسألة ... الخ»، و كذا قوله عليه السلام: «انّ الدين أوسع من ذلك»، يشمل اللحم و الشحم. و خصوص صحيحة فضيل و زرارة و محمّد بن مسلم، أنّهم سألوا أبا جعفر عليه السلام عن شراء اللحوم من الأسواق و لايدري ما صنع القصّابون، فقال:
«كل اذا كان ذلك في سوق المسلمين و لاتسأل عنه».(2)
و في بعض الأخبار الحثّ و الترغيب على معاملة الطهارة و الذكاة مع ما يؤخذ من أسواق المسلمين، كما في رواية الحسن بن الجهم قال:
«قلت لأبي الحسن عليه السلام: أعترض السوق فأشتري خفّا لاأدري أذكيّ هو أم لا؟ قال: صلّ فيه. قلت: فالنعل. قال: مثل ذلك، قلت: انّي أضيق من هذا. قال: أترغب عمّا كان أبو الحسن عليه السلام يفعله؟!».(3)
قال في التنقيح: «هذا هو الذي جرت عليه سيرة المسلمين؛ لأنّه لم يعهد منهم السؤال عن كفر البائع و اسلامه في شيء من أسواقهم، و عليه فلا وجه للمناقشة في اعتبارها كما عن بعضهم. ثمّ انّ أمارية السوق لايعتبر فيها الايمان؛ لأنّ الأسواق في تلك الأزمنة كان أهلها من العامّة الذين يرون طهارة الميتة بالدبغ لقلّة الشيعة و تخفّيهم في زمانهم عليهم السلام و مع هذا حكموا باعتبارها».(4)
و لايعارض الروايات المتقدّمة آنفا، رواية أبي بصير قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الصلاة في الفراء؟ فقال: كان علي بن
الحسين عليه السلام رجلاً صردا(1)لايدفئه فراء الحجاز؛ لأنّ دباغها بالقرظ(2)، فكان يبعث الى العراق فيؤتى ممّا قبلكم بالفرو فيلبسه، فاذا حضرت الصلاة ألقاه و ألقى القميص الذي يليه. فكان يسأل عن ذلك؟ فقال: انّ أهل العراق يستحلّون لباس الجلود الميتة، و يزعمون أنّ دباغه ذكاته».(3)
و رواية عبدالرحمن بن الحجّاج قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: انّي أدخل سوق المسلمين - أعني هذا الخلق الذين يدّعون الاسلام - فأشتري منهم الفراء للتجارة فأقول لصاحبها: أليس هي ذكيّة؟ فيقول: بلى، فهل يصلح لي أن أبيعها على أنّها ذكيّة؟ فقال: لا، ولكن لابأس أن تبيعها و تقول: قد شرط لي الذي اشتريتها منه أنّها ذكيّة. قلت: و ما أفسد ذلك؟ قال: استحلال أهل العراق للميتة و زعموا أنّ دباغ جلد الميتة ذكاته. الحديث».(4)
لأنّهما تحملان على استحباب الاجتناب جمعا، مضافا الى أنّهما ضعيفتان من حيث السند.
ما يوجد في أرض المسلمين مطروحا اذا كان عليه أثر الاستعمال من اللحم أو الشحم أو الجلد محكوم بالطهارة. يدلّ على ذلك موثّقة اسحاق بن عمّار عن
العبد الصالح عليه السلام، أنّه قال:
«لا بأس بالصلاة في الفراء اليماني و فيما صنع في أرض الاسلام. قلت: فان كان فيها غير أهل الاسلام؟ قال: اذا كان الغالب عليها المسلمين فلا بأس».(1)
و يؤيّدها رواية السكوني عن أبي عبداللّه عليه السلام:
«انّ أميرالمؤمنين عليه السلام سئل عن سفرة وجدت في الطريق مطروحة كثير لحمها و خبزها و جبنها و بيضها و فيها سكّين؟ فقال أميرالمؤمنين عليه السلام: يقوّم ما فيها، ثمّ يؤكل؛ لأنّه يفسد و ليس له بقاء، فاذا جاء طالبها غرموا له الثمن. قيل له: يا أميرالمؤمنين عليه السلام لايدرى سفرة مسلم أم سفرة مجوسي؟ فقال: هم في سعة حتّى يعلموا».(2)
بناءً على أن يكون مورد السؤال الأرض التي كان أغلب أهلها مسلمين. و ان أنكرها في المستمسك(3)و قال بقصور دلالتها على ذلك؛ لعدم مناسبة السؤال و الجواب له، و أنّه من المحتمل أنّ السؤال فيها من جهة النجاسة العرضيّة للأمور المذكورة من جهة مساورة المجوسي، لا من جهة الشكّ في التذكية.
(مسألة 7): ما يؤخذ من يد الكافر أو يوجد في أرضهم محكوم بالنجاسة، الاّ اذا علم سبق يد المسلم عليه.
الشرح:
ما يؤخذ من يد الكافر أو يوجد في أرضهم من اللحوم و الشحوم و الجلود من الحيوان الذي يقبل التذكية، محكوم بعدم التذكية؛ لأصالة عدم التذكية، الاّ اذا
علم سبق يد المسلم، فانّه محكوم بالطهارة؛ لأنّ يد المسلم كسوق المسلمين أمارة على التذكية. هذا بالنسبة الى الأكل و الصلاة فيه؛ لأنّها مقتضى أصالة عدم التذكية.
و أمّا بالنسبة الى الطهارة و النجاسة فيمكن أن يقال: انّ الأصل الجاري هو أصالة الطهارة؛ لأنّ أصالة عدم التذكية التي هي مقتضى يد الكافر لاتثبت أنّه ميتة. و كذلك كلّ ما يشكّ في تذكيته و عدمها، و ان لم يكن مأخوذا من يد الكافر كاللقطة في البرّ و نحوها في غير بلاد المسلمين، اللّهمّ الاّ أن يقال: انّه لا واسطة بين عدم التذكية و الميتة، الاّ أن يكون هناك احتمال سبق يد المسلم عليها، و ان كان فيه اشكال أيضا. فالحكم بالنجاسة ان لم يكن أقوى فهو أحوط.
(مسألة 8): جلد الميتة لايطهر بالدبغ و لايقبل الطهارة شيء من الميتات سوى ميّت المسلم، فانّه يطهر بالغسل.
الشرح:
قال في التنقيح: «لم يستشكل أحد من الأصحاب في طهارة ميّت المسلم بعد غسله، كما لا خلاف في أنّ ميتة غير الآدمي غير قابلة للطهارة بشيء - في غير جلدها - . فهذان حكمان اتّفاقيّان بينهم، و انّما النزاع و الخلاف في جلد ميتة غير الآدمي، و أنّه هل يقبل الطهارة بالدبغ؟ ذهب أكثر العامّة الى أنّ ذكاة الجلد دباغته و لم ينقل ذلك من أحد من أصحابنا سوى ابن الجنيد، و عن المحدّث الكاشاني الميل اليه، و أيضا نسب ذلك الى الصدوق قدس سره نظرا الى أنّ فتاواه تتّحد غالبا مع الفقه الرضوي و قد ورد التصريح فيه بطهارة الجلد بالدبغ».(1)
تدلّ على عدم طهارة جلد الميتة بالدباغ عدّة روايات:
منها صحيحة محمّد بن مسلم قال:
1) - التنقيح في شرح العروة 2: 455 و 456.
«سألته عن جلد الميتة يلبس في الصلاة اذا دبغ؟ قال: لا، و ان دبغ سبعين مرّة».(1)
و يؤيّدها رواية أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث):
«انّ علي بن الحسين عليه السلام كان يبعث الى العراق فيؤتى ممّا قبلكم بالفرو فيلبسه، فاذا حضرت الصلاة ألقاه و ألقى القميص الذي يليه، فكان يسأل عن ذلك، فقال: انّ أهل العراق يستحلّون لباس الجلود الميتة و يزعمون أنّ دباغه ذكاته».(2)
و نحوها رواية عبدالرحمن بن الحجّاج المتقدّمة في المسألة السابقة و في ذيلها:
«و زعموا أنّ دباغ جلد الميتة ذكاته».(3)
و احتجّ الصدوق و ابن الجنيد بمرسلة الصدوق قال:
«سئل الصادق عليه السلام عن جلود الميتة يجعل فيها اللبن و الماء و السمن، ماترى فيه؟ فقال: لا بأس بأن تجعل فيها ما شئت من ماء أو لبن أو سمن، و تتوضّأ منه و تشرب، ولكن لاتصلّي فيها».(4)
و فيه: انّها - مضافا الى معارضتها بما سبق من صحيحة محمّد بن مسلم و ضعف سندها - تحمل على التقيّة، كما يظهر بالتأمّل من ذيلها.
و أمّا طهارة ميّت المسلم بالغسل، فيدلّ عليه اتّفاق الأصحاب كما تقدّم. و يدلّ عليه أيضا رواية ابراهيم بن ميمون قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل يقع ثوبه على جسد الميّت؟ قال: ان
كان غسل فلاتغسل ما أصاب ثوبك منه، و ان كان لم يغسل فاغسل ما أصاب ثوبك منه - يعني اذا برد الميّت - ».(1)
(مسألة 9): السقط قبل ولوج الروح نجس، و كذا الفرخ في البيض.
الشرح:
قال في المستمسك: «السقط قبل ولوج الروح نجس اتّفاقا، كما عن شرح المفاتيح، و بلا خلاف كما عن لوامع النراقي. لكن الدليل عليه غير ظاهر؛ اذ هو امّا لأنّه ميتة؛ لأنّ الموت يقابل الحياة تقابل العدم و الملكة، و لايعتبر في صدقه سبق الحياة. أو لأنّه من قبيل القطعة المبانة من الحيّ، فيشمله دليل نجاستها. أو لأنّ قوله عليه السلام: «ذكاة الجنين ذكاة أمّه»، يقتضي كونه ميتة بموت أمّه، فاذا ثبت نجاسته من الميتة ثبت نجاسته من الحيّة؛ لعدم القول بالفصل. أو لأنّه قبل ولوج الروح فيه حيّ بحياة أمّه لا بحياة مستقلّة، فاذا انفصل عنها صار ميتة، فيلحقه حكمها. و الجميع لايخلو من نظر؛ اذ لو سلّم كونه ميتة فلا اطلاق لأدلّة نجاستها يشمله. و القطعة المبانة مختصّة بالجزء، و ليس هو منه. و قوله عليه السلام: «ذكاة الجنين ذكاة أمّه»، لا اطلاق له في موضوع الذكاة؛ لوروده في مقام بيان الاكتفاء بذكاة الأمّ في تحقّق ذكاة الجنين، فيمكن اختصاصه بما ولجته الروح. و دعوى الاتّفاق و عدم الخلاف غير ظاهرة؛ لعدم تعرّض الأكثر للحكم المذكور. انتهى ملخّصا».(2)
أقول:
الظاهر نجاسة السقط قبل ولوج الروح؛ لأنّه بنظر العرف ميتة آدمي، فيشمله اطلاق الروايات الواردة في نجاسة ميتة ما له نفس سائلة. و من ذلك يظهر حكم
الفرخ في البيض؛ لأنّه أيضا من الميتة عرفا.
قال في التنقيح: «انّ الجنين من مصاديق الميتة حقيقة؛ لأنّ التقابل بين الموت و الحياة تقابل العدم و الملكة، فلايتوقّف صدق الموت على سبق الحياة، و انّما يعتبر فيه قابليّة المحلّ فحسب، و عليه فتصدق الميتة على الجنين؛ لأنّه من شأنه أن يكون ذاحياة».(1)
(مسألة 10): ملاقاة الميتة بلا رطوبة مسرية لاتوجب النجاسة على الأقوى، و ان كان الأحوط غسل الملاقي خصوصا في ميتة الانسان قبل الغسل.
الشرح:
ذهب المشهور الى نجاسة الميتة مطلقا آدميا كان أم غيره، و منجّسيّتها فيما اذا كانت الملاقاة حال رطوبتها، دون ما اذا كانت في حالة الجفاف.
أمّا الدليل على نجاسة الميتة مطلقا ما تقدّم من الروايات في البحث عن الميتة و أنّها من النجاسات. و أمّا الدليل على نجاسة خصوص ميتة الآدمي صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:
«سألته عن الرجل يصيب ثوبه جسد الميّت؟ فقال: يغسل ما أصاب الثوب».(2)
و رواية ابراهيم بن ميمون قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل يقع ثوبه على جسد الميّت؟ قال: ان كان غسل فلاتغسل ما أصاب ثوبك منه، و ان كان لم يغسل فاغسل ما
أصاب ثوبك منه - يعني اذا برد الميّت - ».(1)
فانّ ظاهرهما الارشاد الى نجاسة الميّت الموجبة لنجاسة ما تلاقيه، و القول بأنّ الأمر فيهما للتعبّد لا النجاسة و المنجّسيّة، غير مسموع.
ثمّ انّ العلّة من اطلاق الأمر بالغسل في هاتين الروايتين و في غيرهما من دون الاشارة الى رطوبة الملاقي أو الملاقى هو الفهم العرفي بأنّ الغسل مترتّب على المسّ مع الرطوبة. كما أنّ الفهم العرفي من صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل يقع ثوبه على حمار ميّت، هل تصلح له الصلاة فيه قبل أن يغسله؟ قال: ليس عليه غسله و ليصلّ فيه و لا بأس».(2)
هو كونه يابسا و لذلك ورد في رواية ابن بكير قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: الرجل يبول و لايكون عنده الماء، فيمسح ذكره بالحائط؟ قال: كلّ شيء يابس ذكيّ».(3)
(مسألة 11): يشترط في نجاسة الميتة خروج الروح من جميع جسده، فلو مات بعض الجسد و لم تخرج الروح من تمامه لم ينجس.
الشرح:
يدلّ على عدم نجاسة بعض الجسد لو خرجت الروح منه و لم تخرج من تمامه، هو عدم صدق الميتة عليه و لم يشمله اطلاقات نجاسة الميتة.
قال في التنقيح: «و الوجه في ذلك أنّ أدلّة نجاسة الميتة انّما تقتضي نجاستهافيما اذا صدق أنّ الحيوان أو الانسان قد مات، و هذا لايكون الاّ بخروج الروح عن
تمام بدنه كما هو ظاهر ما ورد في نجاسة مثل الفأرة اذا وقعت في ماء أو بئر و ماتت، و عليه فلو كنّا نحن و هذه الأخبار التزمنا بطهارة الأجزاء المبانة من الحيّ؛ لأنّها ليست بحيوان خرج روحه عن تمام جسده، الاّ أنّ الأدلّة اقتضت نجاستها، حيث نزّلتها منزلة الميتة، كما قدّمناها في محلّها. و أمّا اذا خرج الروح من بعض أعضاء الانسان أو الحيوان و هو متّصل بهما فلايحكم بنجاسته؛ لعدم كونه ميتة و لم يقم دليل على نجاسته».(1)
(مسألة 12): مجرّد خروج الروح يوجب النجاسة، و ان كان قبل البرد، من غير فرق بين الانسان و غيره. نعم، وجوب غسل المسّ للميّت الانساني مخصوص بما بعد برده.
الشرح:
اختلفوا في نجاسة جسد الميّت بمجرّد خروج الروح و قبل البرد؛ فعن صريح المبسوط و التذكرة و الذخيرة و ظاهر غيرها النجاسة و عن الجامع و نهاية الأحكام و الدروس و الذكرى و جامع المقاصد و المدارك و غيرها الطهارة.(2)بل نسب الى الأكثر، بل عن الشيخ الاجماع عليه؛ للاستصحاب، و للمنع من تحقّق الموت قبل البرد، و للتلازم بين الغسل - بالضمّ - و الغسل - بالفتح - و الأوّل لايكون قبل البرد فكذا الثاني. و لما دلّ على أنّه لا بأس بالمسّ مع الحرارة، مع أنّ حمله على بيان الحكم التكليفي خلاف الظاهر.
و الأقوى نجاسة جسد الميّت بمجرّد خروج الروح و ان لم يبرد بعد. و الدليل عليه اطلاقات أدلّة نجاسة الميتة من الحيوان و الانسان، و خصوص صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:
«سألته عن الرجل يصيب ثوبه جسد الميّت؟ فقال: يغسل ما أصاب الثوب».(1)
و لاتعارضها رواية ابراهيم بن ميمون قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل يقع ثوبه على جسد الميّت؟ قال: ان كان غسل فلاتغسل ما أصاب ثوبك منه، و ان كان لم يغسل فاغسل ما أصاب ثوبك منه - يعني اذا برد الميّت - ».(2)
بناءً على أن يكون ذيل الحديث: «يعني اذا برد الميّت»، من الراوي كما هو المظنون؛ لأنّه لو كان من الامام عليه السلام لقال: «اذا برد الميّت».
وكذا لاتعارضها صحيحة اسماعيل بن جابر قال:
«دخلت على أبي عبداللّه عليه السلام حين مات ابنه اسماعيل الأكبر، فجعل يقبّله و هو ميّت، فقلت: جعلت فداك، أليس لاينبغي أن يمسّ الميّت بعد ما يموت، و من مسّه فعليه الغسل؟! فقال: أمّا بحرارته فلا بأس، انّما ذاك اذا برد».(3)
لأنّ السؤال و الجواب عن الغسل لمسّ الميّت لا عن النجاسة و الطهارة.
(مسألة 13): المضغة نجسة، و كذا المشيمة و قطعة اللحم التي تخرج حين الوضع مع الطفل.
الشرح:
قال في التنقيح: «ليس الوجه في نجاستها كونها من الأجزاء المبانة من الحيّ؛ و ذلك لأنّها مخلوقة مستقلّة و غير معدودة من أجزاء الحيوان أو الانسان كما مرّ في
الجنين و البيضة، بل الوجه الصحيح في ذلك عموم ما دلّ على نجاسة الجيفة و قد خرجنا عنه في المذكّى و ميتة ما لا نفس له بالنصّ، و ما عداهما باق تحت العموم. و هذه المسألة عين المسألة المتقدّمة أعني نجاسة السقط و الفرخ في البيض».(1)
أقول:
ما كان مبدأ خلقة الانسان أو الحيوان كالمضغة، فهو ملحق بما سقط قبل ولوج الروح، و الدليل على نجاسته هو الدليل الذي ذكرناه في المسألة التاسعة. و أمّا مثل قطعة اللحم التي تخرج حين الوضع مع الطفل، فان كان مبدأ خلقة انسان آخر، فهو كما ذكر، و أمّا ان لم يكن كذلك فيكون كالقطعة المبانة من الحيّ فهو أيضا نجس، و هكذا يكون المشيمة التي فيها الولد، فانّها نجسة؛ لكونها جزء حيوان انفصل منه.
(مسألة 14): اذا قطع عضو من الحيّ و بقي معلّقا متّصلاً به طاهر مادام الاتّصال، و ينجس بعد الانفصال. نعم، لو قطعت يده مثلاً و كانت معلّقة بجلدة رقيقة، فالأحوط الاجتناب.
الشرح:
العضو المقطوع من الحيّ اذا بقي معلّقا متّصلاً، فان كان اتّصاله بحيث يعدّ عرفا من أعضائه - و ان لم يكن فيه روح - فهو طاهر مادام الاتّصال، و ينجس بعد الانفصال. و أمّا لو كان اتّصاله بحيث لم يعدّ من أعضائه كما لو كان معلّقا بجلدة رقيقة، فالاحتياط بالاجتناب عنه في محلّه؛ لاحتمال دخوله في القطعة المبانة من الحيّ، و ان كان الشكّ كافيا في الرجوع الى أصل الطهارة، كما في المستمسك.(2)
(مسألة 15): الجند المعروف كونه خصية كلب الماء ان لم يعلم ذلك و احتمل عدم كونه من أجزاء الحيوان فطاهر و حلال، و ان علم كونه كذلك فلا اشكال في حرمته لكنّه محكوم بالطهارة؛ لعدم العلم بأنّ ذلك الحيوان ممّا له نفس سائلة.
الشرح:
قال في التنقيح: «يقال: انّ الجند مادّة تستعمل في طبخ بعض الحلويّات، فان لم يعلم أنّه خصية الكلب حقيقة و ان سمّي بهذا الاسم، كما في ورد لسان الثور، فلا اشكال في حلّيته و طهارته، و أمّا اذا علمنا أنّه خصية كلب الماء حقيقة فيحكم بطهارته أيضا؛ لما تقدّم من أنّ ميتة الحيوانات البحريّة طاهرة؛ لأنّها ممّا لا نفس له، و لا أقلّ من الشكّ في أنّ لكلب الماء نفسا سائلة، و لا مناص معه من الحكم بطهارة ميتته. نعم، يحرم أكلها حينئذٍ؛ لأنّ كلب الماء محرّم الأكل و لا سيّما الخصية منه؛ فانّها محرّمة و ان كانت ممّا يؤكل لحمه».(1)
فحكم هذه المسألة كما قال في التنقيح، ففي الفرض الأوّل يجري أصالة الطهارة و الحلّ، و في الفرض الثاني يحكم بطهارته و حرمة أكله.
(مسألة 16): اذا قلع سنّه أو قصّ ظفره فانقطع معه شيء من اللحم، فان كان قليلاً جدّا فهو طاهر، و الاّ فنجس.
الشرح:
قد تقدّم حكم الأجزاء الصغيرة كالثالول و نحوه المنفصلة من البدن و قلنا بعدم نجاستها، و هنا فان كان المقطوع من اللحم مع قلع سنّه أو قصّ ظفره صغيرا جدّا فهو طاهر، و الاّ فلا؛ و ذلك أوّلاً لانصراف أدلّة نجاسة القطعة المبانة من
1) - التنقيح في شرح العروة 2: 469.
الحيّ عن الجزء الصغير، و ثانيا لدعوى سيرة المتشرّعة عليه، و قد استشكل في كليهما في المستمسك(1). ولكن الظاهر أنّ هذين الدليلين مؤيّدان لما تقدّم في المسألة الأولى لصحيحة علي بن جعفر، فلانعيد.
(مسألة 17): اذا وجد عظما مجرّدا و شكّ في أنّه من نجس العين أو من غيره يحكم عليه بالطهارة، حتّى لو علم أنّه من الانسان و لم يعلم أنّه من كافر أو مسلم.
الشرح:
اذا وجد عظما مجرّدا و شكّ في أنّه من نجس العين أو غيره يحكم عليه بالطهارة؛ لقاعدة الطهارة الجارية في كلّ شيء شكّ في طهارته و نجاسته، و هذه القاعدة أيضا جارية فيما لو علم أنّه من الانسان و لم يعلم أنّه من كافر أو مسلم، نعم، اذا وجد أمارة على طهارته أو نجاسته كما اذا وجد في دار الاسلام أو دار الكفر ففيه ما تقدّم في اللحم.
و استشكل في المستمسك - بالنسبة الى الفرض الثاني - و قال: «اذا كان التقابل بين الكفر و الاسلام تقابل العدم و الملكة - الكفر العدم و الاسلام الملكة - فأصل عدم الاسلام الجاري في الانسان يثبت الكفر، فيحكم بنجاسة العظم و هو - لكونه أصلاً موضوعيّا - حاكم على أصل الطهارة الذي هو أصل حكمي».(2)
و فيه : انّ التقابل بين الكفرو الاسلام تقابل بين أمرين ضدّين، الاسلام الاقرار بالتوحيد و الرسالة، و الكفر ضدّه، و لكلّ منهما أحكام و معلوم أنّ اثبات أحد الضدّين بنفي الآخر من الأصل المثبت.
و ثانيا: اجراء الاستصحاب فيما اذا علم حالته السابقة بالكفر، و ما لم يعلم لم يجر الاستصحاب.
(مسألة 18): الجلد المطروح ان لم يعلم أنّه من الحيوان الذي له نفس أو من غيره كالسمك مثلاً، محكوم بالطهارة.
الشرح:
ما ذهب اليه المصنّف في الحكم بطهارة الجلد المذكور صحيح؛ و ذلك لأنّ موضوع نجاسة ذلك الجلد هو احراز كونه من الحيوان الذي له نفس سائلة، فاذا شكّ فيه من جهة التردّد بين ما له نفس سائلة و غيره فالأصل الجاري هو الطهارة حتّى تثبت نجاسته.
(مسألة 19): يحرم بيع الميتة. لكن الأقوى جواز الانتفاع بها فيما لايشترط فيه الطهارة.
الشرح:
قد ذكرنا في المكاسب المحرّمة أنّ الظاهر جواز المعاوضة على الميتة و أجزائها اذا كانت لها منفعة محلّلة مقصودة، و قد ذكرنا الدليل على ذلك و أجبنا عن دليل المخالف تفصيلاً. و قلنا بأنّ الدليل على الجواز - مضافا الى العمومات و أصالة الاباحة - الروايات الخاصّة. فمن جملتها صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الفراء أشتريه من الرجل الذي لعلّي لاأثق به، فيبيعني على أنّها ذكيّة، أبيعها على ذلك؟ فقال: ان كنت لاتثق به،
فلاتبعها على أنّها ذكيّة، الاّ أن تقول: قد قيل لي: انّها ذكيّة».(1)
تقريب الاستدلال بها: أنّه عليه السلام لم يمنعه من البيع و الشراء عمّا شكّ في ذكاته، بل جاز بيعها ان لم يستعمل فيما يشترط فيه الطهارة كالصلاة بشرط أن يقول: قد قيل لي: انّها ذكيّة.
«الخامس»: الدم من كلّ ما له نفس سائلة انسانا أو غيره، كبيرا أو صغيرا، قليلاً كان الدم أو كثيرا. و أمّا دم ما لا نفس له فطاهر، كبيرا كان أو صغيرا كالسمك و البقّ و البرغوث. و كذا ما كان من غير الحيوان كالموجود تحت الأحجار عند قتل سيد الشهداء أرواحنا فداه. و يستثنى من دم الحيوان المتخلّف في الذبيحة بعد خروج المتعارف، سواء كان في العروق أو في اللحم أو في القلب أو الكبد فانّه طاهر. نعم، اذا رجع دم المذبّح الى الجوف لردّ النفس أو لكون رأس الذبيحة في علوّ كان نجسا. و يشترط في طهارة المتخلّف، أن يكون ممّا يؤكل لحمه على الأحوط، فالمتخلّف من غير المأكول نجس على الأحوط.
الشرح:
قال في الشرائع: «الخامس: الدماء و لاينجس منها الاّ ما كان من حيوان له عرق».(2)
و في المدارك: «مذهب الأصحاب عدا ابن الجنيد رحمه الله نجاسة الدم كلّه قليله و كثيره، عدا دم ما لا نفس له سائلة، قاله في المعتبر. و قال العلاّمة رحمه الله في التذكرة: «الدم من ذي النفس السائلة نجس و ان كان مأكولاً بلا خلاف». و قال في المنتهى:«قال علماؤنا: الدم المسفوح من كلّ حيوان ذينفس سائلة - أي يكون خارجا
بدفع من عرق - نجس و هو مذهب علماء الاسلام». و المراد بالمسفوح هنا مطلق الخارج من ذيالنفس، كما يدلّ عليه كلامه في سائر كتبه».(1)
تدلّ على نجاسة الدم من كلّ ما له نفس سائلة روايات:
منها صحيحة علي بن جعفر عن أخيه أبي الحسن عليه السلام (في حديث) قال:
«و سألته عن رجل رعف و هو يتوضّأ فتقطر قطرة في انائه، هل يصلح الوضوء منه؟ قال: لا».(2)
ومنها موثّقة عمّار الساباطي عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:
«كلّ شيء من الطير يتوضّأ ممّا يشرب منه، الاّ أن ترى في منقاره دما، فان رأيت في منقاره دما فلاتتوضّأ منه و لاتشرب».(3)
و منها صحيحة محمّد بن مسلم قال:
«سألت أبا جعفر عليه السلام عن الرجل يأخذه الرعاف و القيء في الصلاة، كيف يصنع؟ قال: ينفتل فيغسل أنفه و يعود في صلاته، و ان تكلّم فليعد صلاته، و ليس عليه وضوء».(4)
و الظاهر من هذه الروايات نجاسة الدم من كلّ ما له نفس سائلة مطلقا، انسانا كان أو غيره، كبيرا أو صغيرا، قليلاً كان الدم أو كثيرا.
فرعان:
قال في المستمسك: «يدلّ على ذلك الاجماع المحكي في كلام السيّدين، و
الحلّي، و المحقّق، و العلاّمة في جملة من كتبه، و الشهيدين و السيّد في المدارك - على ما حكي عنهم - و كفى به دليلاً على الطهارة. مع أنّه مقتضى الأصل؛ لفقد العموم الدالّ على نجاسة الدم الشامل لما نحن فيه».(1)
يدلّ على ذلك أيضا صحيحة عبداللّه بن أبي يعفور قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: ما تقول في دم البراغيث؟ قال: ليس به بأس. قلت: انّه يكثر و يتفاحش. قال: و ان كثر. الحديث».(2)
و رواية السكوني عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«انّ عليّا عليه السلام كان لايرى بأسا بدم ما لم يذكّ يكون في الثوب، فيصلّي فيه الرجل يعني دم السمك».(3)
و صحيحة الحلبي قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن دم البراغيث يكون في الثوب، هل يمنعه ذلك من الصلاة؟ قال: لا، و ان كثر».(4)
و رواية غياث عن جعفر عن أبيه عليه السلام قال:
«لابأس بدم البراغيث و البقّ و بول الخشاشيف».(5)
و هذه الروايات و ان وردت في موارد خاصّة الاّ أنّ الظاهر منها طهارة الدم من مثل البقّ و البراغيث من الحشرات، و طهارة الدم من مثل السمك الذي لا نفس سائلة له؛ و لذا ورد في رواية محمّد بن الريّان قال:
«كتبت الى الرجل عليه السلام: هل يجري دم البقّ مجرى دم البراغيث؟ و هل يجوز لأحد أن يقيس بدم البقّ على البراغيث، فيصلّي فيه؟ و
أن يقيس على نحو هذا فيعمل به؟ فوقّع عليه السلام: تجوز الصلاة و الطهر منه أفضل».(1)
هذا بضميمة الاتّفاق و الاجماع المحكي في ذلك يتمّ المطلوب.
و أمّا الدم الذي يكون آية من عند اللّه العظيم الذي يكون من غير الحيوان، كالدم المشاهَد تحت الأحجار عند قتل سيّد الشهداء أو رئي في التربة المجاورة ببدنه الشريف يوم عاشوراء و سائر ما يكون آية من اللّه، و ان كان في كلّ شيء له آية، فهو طاهر؛ لانصراف الأخبار عنه قطعا.
يستثنى من دم الحيوان، المتخلّف في الذبيحة بعد خروج المتعارف، سواء كان في العروق، أو في اللحم، أو في القلب أو الكبد، فانّه طاهر و الدليل عليه الاجماع و الأصل و السيرة.
قال في المستمسك: «اجماعا كما عن المختلف، و آيات الجواد، و كنز العرفان، و الحدائق و بلا خلاف كما عن البحار، و الذخيرة، و الكفاية و غيرها».(2)
و الظاهر أنّه لم يدلّ عليه دليل بخصوصه في الروايات، الاّ أنّه من المتسالم عليه بين الأصحاب و لم يقع في ذلك خلاف - كما في التنقيح(3)- مضافا الى سيرة المتشرّعة المتّصلة بزمان المعصومين عليهم السلام، فانّهم لايتجنّبون عن الدم المتخلّف في الذبيحة من العروق و اللحوم و القلب و الكبد.
و لقد أحسن في ترسيم ذلك في التنقيح؛ فانّه رحمه الله قال فيه: «يدلّ عليه سيرة
المتشرّعة المتّصلة بزمان المعصومين عليهم السلام على عدم الاجتناب عمّا يتخلّف في الذبيحة من الدم، كان تابعا للحمها أم لم يكن، مع كثرة ابتلائهم بالذبائح من الابل و الغنم و البقر، و لا سيّما في الصحاري و القفار الخالية عن الماء، فانّهم غير ملتزمين بتطهير لحمها و ما يلاقيه من أثوابهم و أبدانهم، بل و لايمكن تطهيره بتجريده من الدم الاّ بجعله في الماء مدّة ثمّ غسله و عصره و نحو ذلك ممّا نقطع بعدم لزومه شرعا، و مع هذا لو كان الدم المتخلّف في الذبيحة نجسا لبان و ذاع، و بهذه السيرة نخرج عن عموم ما دلّ على نجاسة الدم [لو قلنا به]. نعم، بناءً على عدم نجاسة مطلق الدم [كما هو المختار]؛ لعدم تماميّة العموم، لا مانع من التمسّك بقاعدة الطهارة في الحكم بطهارة الدم المتخلّف».(1)
و أمّا الدم المتخلّف من غير المأكول و ان لم يشمله الاجماع و السيرة، الاّ أنّ اجراء قاعدة الطهارة لا مانع منه؛ لأنّ المتيقّن انّما هو نجاسة الدم المسفوح أعني الخارج بالذبح، و غيره مشكوك النجاسة و مقتضى القاعدة طهارته. نعم، حيث انّ الدليل هو الاجماع و السيرة فالقدر المتيقّن منه الدم المتخلّف في المأكول اللحم، و عليه فالاحتياط التجنّب عنه.
(مسألة 1): العلقة المستحيلة من المني نجسة، من انسان كان أو من غيره، حتّى العلقة في البيض. و الأحوط الاجتناب عن النقطة من الدم الذي يوجد في البيض، لكن اذا كانت في الصفار و عليه جلدة رقيقة لاينجس معه البياض الاّ اذا تمزّقت الجلدة.
الشرح:
نجاسة العلقة المستحيلة من المني من الانسان أو الحيوان، و العلقة في البيض
1) - التنقيح في شرح العروة 3: 10.
و النقطة من الدم الذي يوجد في البيض موقوفة على القول بأنّ الأصل في الدماء النجاسة الاّ ما خرج بالدليل، والحقّ أنّه لا عموم يدلّ على ذلك. و لذا اخترنا بأنّ الأصل في الدماء الطهارة الاّ ما خرج بالدليل، و عليه لايكون هناك دليل على نجاسة الثلاثة المذكورة من الدم.
قال في التنقيح: «ما أفاد المصنّف قدس سره في الموارد الثلاثة انّما يتمّ عند من يرى تماميّة العموم؛ لأنّ اللازم حينئذٍ أن يحكم بنجاسة كلّ ما صدق عليه أنّه دم، سواء كان من أجزاء الحيوان أم لم يكن، و أمّا اذا ناقشنا في العموم و لم نحكم بنجاسة مطلق الدم، فلا مناص من الاقتصار على المقدار المتيقّن منه، و هو الدم المسفوح الذي يعدّ من أجزاء الحيوان أو الانسان. و أمّا العلقة التي لاتعدّ من أجزائهما لاستقلالها و هما ظرف لتكوّنها، فللتردّد في الحكم بنجاستها كما عن الأردبيلي و الشهيد و كاشف اللثام قدس سرهم مجال واسع، بل جزم صاحب الحدائق قدس سرهبطهارتها، وعليه فان تمّ الاجماع على أنّ المتكوّن في الحيوان كأجزائه فهو، و الاّ فلا بدّ من الحكم بطهارة العلقة في مثل الحيوان و الانسان، و كذا العلقة في البيض و النقطة من الدم الموجودة في صفار البيض. انتهى ملخّصا».(1)
(مسألة 2): المتخلّف في الذبيحة و ان كان طاهرا، لكنّه حرام، الاّ ما كان في اللحم ممّا يعدّ جزءا منه.
الشرح:
الدم المتخلّف في الذبيحة و ان كان طاهرا - كما تقدّم دليله في المسألة السابقة - ، لكنّه حرام. يدلّ عليه الكتاب و السنّة.
فمن الأوّل: قوله تعالى في سورة البقرة: «انّما حرّم عليكم الميتة و الدم و
1) - التنقيح في شرح العروة 3: 13 و 14.
لحم الخنزير و ما أهلّ به لغير اللّه ... ».(1)و في سورة المائدة: «حرّمت عليكم الميتة و الدم و لحم الخنزير و ما أهلّ لغير اللّه به ... ».(2)و في سورة النحل: «انّما حرّم عليكم الميتة و الدم و لحم الخنزير و ما أهلّ لغير اللّه به ... ».(3)
و من الثاني الروايات التي رواها الحرّ العاملي رحمه الله في الباب الأوّل من أبواب الأطعمة المحرّمة. فمن جملتها الرواية الأولى التي رواها بأسناد مختلفة عن أبي عبداللّه عليه السلامفي علّة تحريم الخمر و الميتة و لحم الخنزير:
« ... و أمّا الدم فانّه يورث أكله الماء الأصفر ... و القسوة في القلب، و قلّة الرأفة و الرحمة. الحديث».(4)
و لايحرم من الدم الذي كان في اللحم ممّا يعدّ جزءا منه، بأن يكون مستهلكا عرفا في اللحم، بل الأظهر حلّيّة ما جرت السيرة على أكله مع اللحم تبعا، ممّا يحتاج في تخليصه من اللحم الى عمل و عناية، من غسل و عصر و نحوهما، و ان لم يكن مستهلكا في اللحم، كما في المستمسك.(5)
(مسألة 3): الدم الأبيض اذا فرض العلم بكونه دما نجس، كما في خبر فصد العسكري عليه السلام و كذا اذا صبّ عليه دواء غيّر لونه الى البياض.
الشرح:
قد تقدّم أنّ الدم من الحيوان ذينفس سائلة نجس الاّ ما استثني، فاذا علم بأنّه ذلك الدم و لم يعلم بانقلابه شيئا آخر حكم بنجاسته و ان غيّر لونه من الأحمر الى
الأصفر أو الأبيض كما ورد في بعض الأخبار:
«انّ الامام العسكري عليه السلام فصد و خرج منه دم أبيض كأنّه الملح».(1)
و في بعضها الآخر: «فخرج مثل اللبن الحليب».(2)
و لقد أحسن بعض المحشّين بأنّه لو عبّر بعدم جواز الصلاة فيه و نحوها لكان أجود؛ احتراما لمقام الامامة.
(مسألة 4): الدم الذي قد يوجد في اللبن عند الحلب نجس و منجّس للّبن.
لو قلنا بأنّه كالدم الذي كان في البيض فلم نحكم بنجاسته فليس ببعيد، و الاحتياط في محلّه.
(مسألة 5): الجنين الذي يخرج من بطن المذبوح و يكون ذكاته بذكاة أمّه تمام دمه طاهر، ولكنّه لايخلو عن اشكال.
الشرح:
قال في التنقيح: «تبع الماتن قدس سره في حكمه هذا ثمّ الاستشكال فيه صاحب الجواهر قدس سره؛ فانّه أيضا بعد أن نفى البعد من الحاق ما حكم الشارع بتذكيته بذكاة أمّه و الحكم بطهارة تمام دمه استشكل فيه. و الاشكال في محلّه؛ لأنّ مدرك طهارة الدم المتخلّف منحصر في السيرة كما عرفت، و المتيقّن من موارد قيامها انّما هو طهارة الدم المتخلّف في الحيوان بعد ذبحه و خروج المقدار المتعارف من دمه. و أمّا تمام دم الجنين بعد ذبح أمّه فقيام السيرة على طهارته غير معلوم، فلا مناص
من الحكم بنجاسته بمقتضى عموم ما دلّ على نجاسة الدم، اللّهمّ الاّ أن يذبح ثانيا».(1)
و فيه: اذا قلنا بأنّ تذكية الجنين بذكاة أمّه فيجري فيه كلّ حكم حُكِم في أمّه و ان كان بالسيرة الممضاة من الامام عليه السلام، و منها طهارة الدم المتخلّف في بدنه.
(مسألة 6): الصيد الذي ذكاته بآلة الصيد، في طهارة ما تخلّف فيه بعد خروج روحه اشكال، و ان كان لايخلو عن وجه. و أمّا ما خرج منه فلا اشكال في نجاسته.
الشرح:
قال في التنقيح: «لا اشكال في الدم المتخلّف فيما صاده الكلب المعلّم أو صيد بآلة الصيد؛ لعين ما قدّمناه في طهارة الدم المتخلّف في الذبيحة من قيام السيرة القطعيّة على طهارته، فانّ المتشرّعة يعاملون مع الدم المتخلّف في كلّ من الصيد و الذبيحة معاملة الطهارة و لايجتنبون عنه، و لم يسمع الى الآن أحد ذبح ما صاده من الحيوانات ذبحا شرعيّا ليخرج منه المقدار المتعارف من الدم و لم يردع الشارع عن عملهم هذا، و بذلك نخرج عن عموم ما دلّ على نجاسة الدم مطلقا».(2)
أقول:
الأمر كما ذهب اليه في التنقيح، و قد تقدّم في المسألة السابقة أنّ الشارع اذا أمضى تذكية الحيوان بالكلب المعلّم أو بآلة الصيد، فيجري فيه حكم الذبيحة بالنسبة الى الدم المتخلّف فيه.
(مسألة 7): الدم المشكوك في كونه من الحيوان أو لا، محكوم بالطهارة، كما أنّ الشيء الأحمر الذي يشكّ في أنّه دم أم لا كذلك. و كذا اذا علم أنّه من الحيوان الفلاني ولكن لايعلم أنّه ممّا له نفس أم لا كدم الحيّة و التمساح. و كذا اذا لم يعلم أنّه دم شاة أو سمك، فاذا رأى في ثوبه دما لايدري أنّه منه أو من البقّ أو البرغوث، يحكم بالطهارة. و أمّا الدم المتخلّف في الذبيحة اذا شكّ في أنّه من القسم الطاهر أو النجس، فالظاهر الحكم بنجاسته؛ عملاً بالاستصحاب، و ان كان لايخلو عن اشكال. و يحتمل التفصيل بين ما اذا كان الشكّ من جهة احتمال ردّ النفس فيحكم بالطهارة؛ لأصالة عدم الردّ، و بين ما كان لأجل احتمال كون رأسه على علوّ فيحكم بالنجاسة؛ عملاً بأصالة عدم خروج المقدار المتعارف.
الشرح:
الدم المشكوك في كونه من الحيوان أو لا، محكوم بالطهارة؛ لما تقدّم من أنّ الدم الذي يكون نجسا هو الدم من الحيوان الذي له نفس سائلة، و أمّا غيره فأصالة الطهارة محكمة. و كذلك الشيء الأحمر الذي يشكّ في أنّه دم أم لا.
قال في المستمسك: «قد عرفت أنّه لا عموم لفظي يدلّ على عموم نجاسة الدم، و أنّ العمدة فيه الاجماعات المدّعاة على عموم نجاسة دم الحيوان من ذيالنفس السائلة في الجملة، فاذا شكّ في الدم أنّه دم حيوان أو غيره، أو علم أنّه دم حيوان و شكّ في أنّه دم ذينفس سائلة أو غيره، فلمّا لم يحرز عنوان العامّ الذي هو شرط في التمسّك به - اجماعا - كان المرجع فيه أصالة الطهارة. و أولى منه بذلك ما شكّ في كونه دما أو صبغا».(1)
و هكذا يحكم بطهارة الدم الذي يعلم أنّه من الحيوان الفلاني ولكن لايعلم أنّه ممّا له نفس أم لا، كدم الحيّة و التمساح، و الدم الذي لايعلم أنّه دم شاة أو سمك،
1) - مستمسك العروة 1: 356.
و الدم الذي رأى في ثوبه و لايعلم أنّه منه أو من البقّ و البرغوث. و الدليل على طهارة هذه الموارد الثلاثة ما تقدّم في صدر المسألة بالنسبة الى الدم الذي يشكّ أنّه من الحيوان أم لا.
و أمّا الدم المتخلّف في الذبيحة فهو طاهر مطلقا كما تقدّم، و الاشكال بالشكّ بأنّه من الدم الطاهر أو النجس، لا مورد له هنا؛ لأنّ الدم المتخلّف - بعد ما خرج من الذبيحة المقدار المتعارف - محكوم بالطهارة كما تقدّم، و على هذا فلا مجال للتفصيل الذي ذكره المصنّف رحمه الله.
قال في التنقيح: «الشكّ في ذلك امّا من ناحية الشكّ في رجوع الدم الخارج الى جوف الذبيحة لردّ النفس، و امّا من ناحية الشكّ في خروج المقدار المتعارف من الدم بالذبح لاحتمال كون رأسه على علوّ. أمّا اذا شككنا في نجاسته من ناحية رجوع الدم فلا اشكال في الحكم بطهارته. و هذا لا لأصالة عدم ردّ النفس كما اعتمد عليها الماتن قدس سره؛ لوضوح أنّه ليس بحكم شرعي و لا هو موضوع له، و استصحابه ممّا لايترتّب عليه أثر الاّ على القول بالأصول المثبتة؛ لأنّ استصحاب عدم ردّ النفس و عدم الرجوع لايثبت أنّ الباقي من الدم المتخلّف طاهر الاّ بالتلازم العقلي، بل الوجه في ذلك هو استصحاب بقاء الدم المشكوك فيه في الجوف و عدم خروجه الى الخارج حين الذبح فيحكم بطهارته و طهارة ما لاقاه من الدم المتخلّف، و على تقدير الاغماض فيرجع الى استصحاب الطهارة أو الى أصالة الطهارة».(1)
و الظاهر أنّ استصحاب عدم ردّ النفس اذا كان الشكّ من جهة احتمال ردّ النفس، لا اشكال فيه و ليس من الأصل المثبت، فانّ واسطته خفيّة. و أمّا اذا كان لأجل احتمال كون رأسه على علوّ، فهذا منوط بمقدار العلوّ و حكم العرف، فان لم يعتن العرف به فلا اشكال فيه.
1) - التنقيح في شرح العروة 3: 19 و 20.
(مسألة 8): اذا خرج من الجرح أو الدمل شيء أصفر يشكّ في أنّه دم أم لا، محكوم بالطهارة. و كذا اذا شكّ من جهة الظلمة أنّه دم أم قيح و لايجب عليه الاستعلام.
الشرح:
الحكم بالطهارة الذي ذهب اليه المصنّف بالنسبة الى كون الماء الأصفر الخارج من الجرح أو الدمل دما أو لا، و كذا بالنسبة الى ما شكّ فيه من أنّه دم أو قيح من جهة الظلمة صحيح لا اشكال فيه؛ لقاعدة الطهارة. و لايجب الاستعلام؛ لعدم وجوب الفحص في الشبهات الموضوعيّة.
(مسألة 9): اذا حكّ جسده فخرجت رطوبة يشكّ في أنّها دم أو ماء أصفر يحكم عليها بالطهارة.
قد تقدّم ملاك حكم هذه المسألة في المسألة السابقة و هو قاعدة الطهارة.
(مسألة 10): الماء الأصفر الذي ينجمد على الجرح عند البرء طاهر الاّ اذا علم كونه دما أو مخلوطا به، فانّه نجس الاّ اذا استحال جلدا.
الشرح:
الظاهر أنّ الماء الأصفر الذي ينجمد على الجرح عند البرء طاهر؛ لأنّه استحال جلدا، و كذا لو كان مخلوطا به أو كان أحمر، ففي هاتين الحالتين يعدّ جلدا عند العرف و يعامل معه معاملة الجلد.
(مسألة 11): الدم المراق في الأمراق حال غليانها نجس منجّس، و ان كان قليلاً مستهلكا. و القول بطهارته بالنار لرواية ضعيفة ضعيف.
الشرح:
قد ادّعى بعض الفقهاء أنّ النار من جملة المطهّرات، و ما يمكن أن يستدلّ به عليها جملة من الأخبار:
منها مرسلة ابن أبي عمير عن الصادق عليه السلام، في عجين عجن و خبز ثمّ علم أنّ الماء كانت فيه ميتة، قال:
«لا بأس أكلت النار ما فيه».(1)
و منها رواية أحمد بن محمّد بن عبداللّه بن الزبير عن جدّه قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن البئر يقع فيها الفأرة أو غيرها من الدوابّ فتموت، فيعجن من مائها، أيؤكل ذلك الخبز؟ قال: اذا أصابته النار فلا بأس بأكله».(2)
و منها رواية زكريّا بن آدم قال:
«سألت أبا الحسن عليه السلام عن قطرة خمر أو نبيذ مسكر قطرت في قدر فيه لحم كثير و مرق كثير؟ قال: يهراق المرق، أو يطعمه أهل الذمّة أو الكلب، و اللحم اغسله و كله. قلت: فانّه قطر فيه الدم؟ قال: الدم تأكله النار، ان شاء اللّه. الحديث».(3)
و منها صحيحة سعيد الأعرج قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن قدر فيها جزور، وقع فيها قدر أوقيّة من دم،
أيؤكل؟ قال: نعم، فانّ النار تأكل الدم».(1)
و منها صحيحة علي بن جعفر في كتابه عن أخيه قال:
«سألته عن قدر فيها ألف رطل ماء فطبخ فيها لحم، وقع فيها أوقيّة دم، هل يصلح أكله؟ فقال: اذا طبخ فكل، فلا بأس».(2)
و قد تصدّى في التنقيح(3)للجواب عن هذه الروايات الثلاث الأخيرة بأنّ الامام عليه السلام لم يكن بصدد بيان مطهّريّة النار و طهارة ما أصابته النار من المرق و غيره، و لو كان ذلك لكان المتعيّن أن يجيب بأنّ النار مطهّرة أو ليست بمطهّرة، و انّما أجاب عليه السلام عن حلّيّة أكل الدم الذي أصابته النار، و حيث انّ الدم منجّس فلا محيص الاّ أن نقول: بأنّ الدم الواقع في المرق و غيره كان من القسم الطاهر. و أجاب عن الروايتين الأوليين بحمل الميتة على ميتة ما لا نفس له، و أنّ ماء البئر واسع لم ينجّسه شيء، فالغرض من نفي البأس عن أكل ما أصابته النار في الرواية الثانية انّما هو دفع الاستقذار المتوهّم في الماء.
و في المستمسك - بعد توجيه الروايات بمثل ما ذكر في التنقيح - قال: «فالروايات المذكورة - لو صحّ سندها و تمّت دلالتها - لا مجال للعمل بها؛ لأنّ مضمونها من المستنكرات الواضحة عند المتشرّعة، و هذا هو العمدة في سقوطها عن الحجّيّة».(4)
الظاهر أنّ هذه الروايات معارضة لما مرّ من نجاسة الدم و حرمة أكله، فان تمكّن من توجيهها و الاّ يردّ علمها اليهم عليهم السلام؛ لمخالفتها للروايات الكثيرة و الشهرة العظيمة و السيرة المتشرّعة.
(مسألة 12): اذا غرز ابرة أو أدخل سكّينا في بدنه أو بدن حيوان فان لم يعلم ملاقاته للدم في الباطن فطاهر، و ان علم ملاقاته لكنّه خرج نظيفا، فالأحوط الاجتناب عنه.
قد تقدّم الكلام فيها في المسألة الأولى من نجاسة البول.
(مسألة 13): اذا استهلك الدم الخارج من بين الأسنان في ماء الفم فالظاهر طهارته، بل جواز بلعه. نعم، لو دخل من الخارج دم في الفم فاستهلك فالأحوط الاجتناب عنه. و الأولى غسل الفم بالمضمضة أو نحوها.
الشرح:
اذا استهلك الدم الخارج من بين الأسنان في الفم فالظاهر طهارته، بل جواز بلعه؛ لما تقدّم في المسألة الأولى من نجاسة البول في الصورة الثانية، و قلنا بأنّ الدليل على ذلك الروايات الدالّة على طهارة الباطن بمجرّد زوال النجاسة، و هكذا يكون الحال لو دخل من الخارج دم في الفم فاستهلك.
و في التنقيح استشكل في ذيل كلام المصنّف، و قال: «كأنّه قدس سره يريد بذلك التفرقة بين النجاسة الداخليّة و الخارجيّة بالحكم بطهارة ماء الفم بملاقاة الأولى دون الثانية الاّ أنّ التفصيل بينهما في غير محلّه؛ لما ذكرناه في المسألة الأولى من أحكام البول و الغائط من أنّه لا دليل على تنجّس الأجزاء الداخليّة بملاقاة شيء من النجاسات الداخليّة و الخارجيّة. و يدلّ عليه ما رواه عبدالحميد بن أبي الديلم، قال: «قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: رجل يشرب الخمر فيبصق، فأصاب ثوبي من بصاقه؟ قال: ليس بشيء»».(1)
1) - التنقيح في شرح العروة 3: 26.
(مسألة 14): الدم المنجمد تحت الأظفار أو تحت الجلد من البدن ان لم يستحل و صدق عليه الدم نجس، فلو انخرق الجلد و وصل الماء اليه تنجّس و يشكل معه الوضوء أو الغسل، فيجب اخراجه ان لم يكن حرج. و معه يجب أن يجعل عليه شيئا مثل الجبيرة فيتوضّأ أو يغتسل هذا اذا علم أنّه دم منجمد، و ان احتمل كونه لحما صار كالدم من جهة الرضّ - كما يكون كذلك غالبا - فهو طاهر.
الشرح:
لا اشكال في طهارة الدم المنجمد اذا استحال و صار لحما أو جلدا بحيث لم يصدق عليه الدم، و أمّا اذا لم يستحل و صدق عليه الدم فهو نجس؛ لأنّ الانجماد ليس من المطهّرات. فلو انخرق الجلد و وصل الماء اليه تنجّس و يشكل معه الوضوء أو الغسل، فيجب اخراجه ان لم يكن عليه حرج، و اذا كان عليه حرج فعليه الجبيرة كما يأتي في محلّه. هذا اذا علم أنّه دم منجمد، و ان احتمل كونه لحما صار كالدم من جهة الرضّ، فهو طاهر.
و لا بأس بالاشارة الى بعض المسائل المستحدثة الراجعة الى الدم، و قد عنونه في مهذّب الأحكام(1):
الأولى: يجوز أخذ الدم و حقنه ان لم يكن في البين ما يوجب الحرمة من ضرر و نحوه، و تصحّ المبادلة عليه بالمال؛ لفرض المنفعة المحلّلة، بلا فرق فيه بين دم المسلم و الكافر، و الأجنبي و الأجنبيّة و الأرحام و غيرهم. و الأحوط عدم جعل المال في مقابل خصوص الدم خروجا عن خلاف من أبطل المعاملة عليه مطلقا، كما يجوز ايداع الدم و اهداؤه و التبرّع به، خصوصا بالنسبة الى ذوي الحاجة و المسكنة، و فيه الأجر و الثواب.
1) - مهذّب الأحكام 2: 102 و 103.
الثانية: لايجوز التصرّف في دم الغير الاّ باذنه، و يضمن ان كان بدونه؛ لفرض اعتبار الماليّة العرفيّة.
الثالثة: لو غصب دم الغير و جعل في بدن شخص، فلا اشكال في الضمان و الاثم بالنسبة الى الغاصب. و هل تبطل صلاة من جعل في بدنه مع العلم بالغصبيّة، أم لا؟ ظاهر الفقهاء الثاني في كل ما دخل في الباطن مع عدم امكان الردّ و صيرورته كالتلف.
الرابعة: لو جنى على أحد بما خرج منه الدم، فلا ريب في وجوب الدية ان كان للجناية مقدّر شرعي، أو أرش الجناية ان لم يكن لها مقدّر. فهل يضمن الدم التالف بجنايته، خصوصا ان كانت قيمة الدم أكثر من الدية أو أرش الجناية، فيه تفصيل.
الخامسة: ليس لكلّ أحد أن يأذن في اخراج الدم منه ما لم يطمئنّ بعدم الضرر، كما أنّه ليس لولي الطفل أن يأذن في اخراج دم الطفل الاّ بعد الاطمئنان بعدم التضرّر.
السادسة: يجري الربا في بيع الدم بمثله مع التفاضل.
السابعة: يضمن العامل لاخراج الدم و حقنه ان حدث بفعله ضرر.
الثامنة: قد يجب بذل الدم، كما اذا أشرف مؤمن على الهلاك و توقّف حفظ نفسه عليه، و قد يكون وجوبه عينيّا، و قد يكون كفائيّا، كما للحاكم الشرعي أن يأخذ الدم من صاحبه و يعطيه لمن يحتاج اليه من الفقراء و المساكين، و يحتسب له من الحقوق الشرعيّة مع تحقّق الشرائط.
التاسعة: لو أخذ دم الصبي و المجنون يكون للولي حقّ مطالبة العوض، و هو للمولّى عليه، دون الولي.
العاشرة: تجري جميع أحكام البيع و أقسامه في بيع الدم.
«السادس و السابع»: الكلب و الخنزير البرّيان دون البحري منهما. و كذا رطوباتهما و أجزاؤهما و ان كانت ممّا لاتحلّه الحياة كالشعر و العظم و نحوهما. و لو اجتمع أحدهما مع الآخر أو مع آخر فتولّد منهما ولد، فان صدق عليه اسم أحدهما تبعه، و ان صدق عليه اسم أحد الحيوانات الأخر أو كان ممّا ليس له مثل في الخارج كان طاهرا، و ان كان الأحوط الاجتناب عن المتولّد منهما اذا لم يصدق عليه اسم أحد الحيوانات الطاهرة، بل الأحوط الاجتناب عن المتولّد من أحدهما مع طاهر اذا لم يصدق عليه اسم ذلك الطاهر. فلو نزا كلب على شاة أو خروف على كلبة و لم يصدق على المتولّد منهما اسم الشاة فالأحوط الاجتناب عنه و ان لم يصدق عليه اسم الكلب.
الشرح:
قد دلّ على نجاسة الكلب روايات:
منها صحيحة الفضل أبي العبّاس قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن فضل الهرّة و الشاة و البقرة و الابل و الحمار و الخيل و البغال و الوحش و السباع؟ فلم أترك شيئا الاّ سألته عنه؟ فقال: لا بأس به، حتّى انتهيت الى الكلب، فقال: رجس نجس. الحديث».(1)
و منها صحيحة ثانية عن الفضل أبي العبّاس (في حديث):
«انّه سأل أبا عبداللّه عليه السلام عن الكلب؟ فقال: رجس نجس، لايتوضّأ بفضله، و اصبب ذلك الماء، و اغسله بالتراب أوّل مرّة ثمّ بالماء».(2)
و منها موثّقة ابن أبي يعفور عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث):
« ... فانّ اللّه تبارك و تعالى لم يخلق خلقا أنجس من الكلب، و انّ
الناصب لنا أهل البيت لأنجس منه».(1)
و منها صحيحة معاوية بن شريح عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث):
«انّه سئل عن سؤر الكلب، يشرب منه أو يتوضّأ؟ قال: لا، قلت: أليس سبع؟ قال: لا واللّه انّه نجس، لا واللّه انّه نجس».(2)
و منها صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن الكلب يشرب من الاناء؟ قال: اغسل الاناء، الحديث».(3)
و منها صحيحة ثالثة عن الفضل أبي العبّاس قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام: ان أصاب ثوبك من الكلب رطوبة فاغسله، و ان مسّه جافّا فاصبب عليه الماء، قلت لم صار بهذه المنزلة؟ قال: لأنّ النبى صلى الله عليه و آله أمر بقتلها (بغسلها خ ل)».(4)
و منها صحيحة ثانية لمحمّد بن مسلم قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الكلب يصيب شيئا (من جسد الرجل)؟ قال: يغسل المكان الذي أصابه».(5)
و منها موثّقة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:
«لايشرب سؤر الكلب الاّ أن يكون حوضا كبيرا يستقى منه».(6)
و منها صحيحة ثالثة لمحمّد بن مسلم قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الكلب السلوقي؟ فقال: اذا مسسته فاغسليدك».(7)
1) - وسائل الشيعة 1: 220 / الباب 11 من أبواب الماء المضاف / الحديث 5.
2) و 3 - وسائل الشيعة 3: 415 / الباب 12 من أبواب النجاسات / الحديث 6 و 3.
4) - وسائل الشيعة 3: 414 / الباب 12 من أبواب النجاسات / الحديث 1.
5) - وسائل الشيعة 3: 416 / الباب 12 من أبواب النجاسات / الحديث 8.
6) - وسائل الشيعة 3: 416 / الباب 12 من أبواب النجاسات / الحديث 7.
7) - وسائل الشيعة 3: 416 / الباب 12 من أبواب النجاسات / الحديث 9.
و لاتعارض هذه الروايات المستفيضة بل المتواترة، صحيحة ابن مسكان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن الوضوء ممّا ولغ الكلب فيه، و السنّور، أو شرب منه جمل أو دابّة أو غير ذلك، أيتوضّأ منه؟ أو يغتسل؟ قال: نعم الاّ أن تجد غيره فتنزّه عنه».(1)
و ذلك لأنّها تحمل على ما اذا كان الماء قدر كرّ؛ جمعا بينها و بين الروايات المتقدّمة، و الشاهد على هذا الجمع موثّقة أبي بصير المتقدّمة آنفا. و يمكن أن يحمل الكلب في هذه الرواية على السبع العقور، كما قال في القاموس: «الكلب كلّ سبع عقور و غلب على هذا النابح».
قال في التنقيح: «لا اشكال في نجاسة الكلب عند الاماميّة في الجملة،- الى أن قال: - و ان نسب الى الصدوق رحمه الله القول بطهارة كلب الصيد. و تدفعه النصوص المتقدّمة الظاهرة في نجاسة الكلب على وجه الاطلاق مضافا الى صحيحة محمّد بن مسلم في الكلب السلوقي»(2)
و أمّا نجاسة الخنزير، فقد دلّ عليها صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل يصيب ثوبه خنزير فلم يغسله، فذكر و هو في صلاته، كيف يصنع به؟ قال: ان كان دخل في صلاته فليمض، و ان لم يكن دخل في صلاته فلينضح ما أصاب من ثوبه، الاّ أن يكون فيه أثر فيغسله. قال: و سألته عن خنزير يشرب من اناء، كيف يصنع به؟ قال: يغسل سبع مرّات».(3)
فيحمل صدر الحديث على ما اذا أصاب ثوبه خنزير و هو جافّ؛ بدلالة ذيله و بقرينة قوله عليه السلام: «الاّ أن يكون فيه أثر فيغسله»، بناءً على أن يكون المراد من الأثر هو الرطوبة المسرية، لا مثل بصاقه و ماء أنفه.
و يؤيّده رواية خيران الخادم قال:
«كتبت الى الرجل عليه السلام أسأله عن الثوب يصيبه الخمر و لحم الخنزير، أيصلّي فيه أم لا؟ فانّ أصحابنا قد اختلفوا فيه، فقال بعضهم: صلّ فيه فانّ اللّه انّما حرّم شربها، و قال بعضهم: لاتصلّ فيه. فكتب عليه السلام: لاتصلّ فيه، فانّه رجس، الحديث».(1)
و يدلّ عليه صحيحة سليمان الاسكاف قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن شعر الخنزير يخرز به؟ قال: لا بأس به، ولكن يغسل يده اذا أراد أن يصلّي».(2)
و أمّا ما في بعض الروايات ممّا ظاهره طهارة شعر الخنزير أو جلده فيأتي الجواب عنه قريبا ان شاء اللّه تعالى.
هنا فروع:
و الدليل على ذلك مطلقات النصوص و معاقد الاجماعات. و لم يعرف الخلاف في ذلك الاّ من السيّد و جدّه الناصر، فذهبا الى طهارتهما، و عن البحار متابعتهما في ذلك - كما في المستمسك(3)- مستدلاًّ بأنّ ما لاتحلّه الحياة كالشعر و
العظم و نحوهما لايكون من أجزاء الحيوان الحيّ و أيّد كلامه بدعوى اجماع الأصحاب عليه، كما في التنقيح.
و يدفعه شهادة العرف بأنّ ما لاتحلّه الحياة يكون أيضا من أجزاء الحيوان الحيّ. و الاجماع منعقد على خلاف ما ذهب اليه. نعم، هناك أخبار لاتخلو عن الاشعار بطهارة شعر الخنزير و جلده، ولكن دلالتها غير تامّة، فلاتعارض المطلقات. منها صحيحة زرارة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن الحبل يكون من شعر الخنزير يستقى به الماء من البئر، هل يتوضّأ من ذلك الماء؟ قال: لابأس».(1)
و قد حملها في الوسائل على أنّ المراد بذلك الماء ماء البئر لا ماء الدلو، و ان أريد به ماء الدلو فانّ الحبل لايلاقيه بعد الانفصال عن البئر، و يحتمل كون الدلو كرّا، كما كان بعض الدلاء في السابق. و هكذا تكون الروايتان الآتيتان. منها رواية الحسين بن زرارة عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:
«قلت له: شعر الخنزير يعمل حبلاً و يستقى به من البئر التي يشرب منها أو يتوضّأ منها؟ فقال: لا بأس».(2)
و الشاهد على أنّ الظاهر أنّ المراد من «ذلك الماء» في الصحيحة هو ماء البئر، أنّ الراوي سأل عن ماء البئر في هذه الرواية.
و رواية ثانية لزرارة قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن جلد الخنزير يجعل دلوا يستقى به الماء؟ قال: لا بأس».(3)
لو اجتمع الكلب مع الخنزير فتولّد منهما ولد، فان صدق عليه اسم أحدهما تبعه؛ لأنّه كلب أو خنزير. و ان صدق عليه اسم أحد من الحيوانات الأخر كان طاهرا؛ لأنّ الأحكام المترتّبة على الكلب و الخنزير و على غيرهما تابعة للاسم الذي هو موضوع الحكم. و ان لم يصدق عليه اسم أحد من الحيوانات، فان كان بحيث يشبه الكلب أو الخنزير أو كليهما، فهو أيضا نجس؛ لصدق الاسم عليه عرفا. و ان لم يشبه أحدهما و لا أحدا من الحيوانات الأخر كان طاهرا أيضا؛ لأنّ الحيوانات كلّها طاهرة الاّ ما دلّ الدليل على نجاستها، و هو يتوقّف على صدق الاسم.
و في التنقيح: «عن الشهيدين في الذكرى و الروض الحكم بنجاسة المتولّد من النجسين و ان باينهما في الاسم. و لايمكن المساعدة عليه؛ و ذلك لأنّ الوجه في ذلك ان كان تبعيّة الولد لأبويه، فيدفعه أنّه لا ملازمة بين نجاسة الأبوين و نجاسة ولدهما؛ لعدم الدليل على التبعيّة مطلقا».(1)
يدلّ على طهارة الكلب و الخنزير البحريّين صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج قال:
«سأل أبا عبداللّه عليه السلام رجل و أنا عنده عن جلود الخزّ؟ فقال: ليس بها بأس، فقال الرجل: جعلت فداك انّها علاجي و انّما هي كلاب تخرج
1) - التنقيح في شرح العروة 3: 35.
من الماء، فقال أبو عبداللّه عليه السلام: اذا خرجت من الماء تعيش خارجة الماء؟ فقال الرجل: لا، قال: ليس به بأس».(1)
فيستفاد من هذا الحديث أنّ المراد من الكلب و الخنزير في الروايات الصادرة عنهم عليهم السلام و ما حكموا بنجاستها هو الكلب و الخنزير البرّيّان. هذا مضافا الى أنّ الحيوانات البحريّة كلّها أسماك، و تسمية بعضها بالكلب و الخنزير أو البقرة و الفرس و الحيّة بل الانسان لمشابهتها بهذه الحيوانات، و لذا لايصدق عليها الكلب و الخنزير و غيره واقعا و لايجري عليها أحكام هذه الحيوانات البرّيّة.
قال في التنقيح: «قد ذهب المشهور الى طهارة الكلب و الخنزير البحريّين و خالفهم في ذلك الحلّي قدس سره و التزم بنجاسة البحري منهما أيضا بدعوى صدق عنوانهما على البحريّين كالبرّيّين، الاّ أنّ ما ذهب اليه المشهور هو الصحيح؛ و ذلك لأنّ الكلب و الخنزير البحريّين يكونان خارجين عن حقيقتهما واقعا، و ان عبّر عنهما لمشابهتهما بالبرّيّين. انتهى ملخّصا».(2)
«الثامن»: الكافر بأقسامه حتّى المرتدّ بقسميه، و اليهود و النصارى و المجوس. و كذا رطوباته و أجزاؤه، سواء كانت ممّا تحلّه الحياة أو لا. و المراد بالكافر من كان منكرا للألوهيّة أو التوحيد أو الرسالة أو ضروريّا من ضروريّات الدين مع الالتفات الى كونه ضروريّا بحيث يرجع انكاره الى انكار الرسالة. و الأحوط الاجتناب عن منكر الضروري مطلقا و ان لم يكن ملتفتا الى كونه ضروريّا. و ولد الكافر يتبعه في النجاسة الاّ اذا أسلم بعد البلوغ أو قبله مع فرض كونه عاقلاً مميّزا و كان اسلامه عن بصيرة على الأقوى. و لا فرق في نجاسته بين كونه من حلال أو من الزنا و لو في مذهبه. و لو كان أحد الأبوين مسلما فالولد تابع له اذا لم يكن عن زنىً، بل مطلقا على وجه مطابق لأصل الطهارة.
الشرح:
في المسألة فروع:
قد وردت روايات تدلّ على طهارتهم:
منها صحيحة عيص بن القاسم قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن مؤاكلة اليهودي و النصراني و المجوسي؟ فقال: اذا كان من طعامك و توضّأ فلا بأس».(1)
و منها صحيحة ابراهيم بن أبي محمود قال:
«قلت للرضا عليه السلام: الجارية النصرانيّة تخدمك و أنت تعلم أنّها نصرانيّة
1) - وسائل الشيعة 3: 497 / الباب 54 من أبواب النجاسات / الحديث 1.
لاتتوضّأ و لاتغتسل من جنابة! قال: لا بأس، تغسل يديها».(1)
و منها رواية زكريّا بن ابراهيم قال:
«دخلت على أبي عبداللّه عليه السلام، فقلت: انّي رجل من أهل الكتاب، و انّي أسلمت و بقي أهلي كلّهم على النصرانيّة، و أنا معهم في بيت واحد، لم أفارقهم بعد، فآكل من طعامهم؟ فقال لي: يأكلون الخنزير؟ فقلت: لا، ولكنّهم يشربون الخمر، فقال لي: كل معهم و اشرب».(2)
و منها موثّقة عمّار الساباطي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل هل يتوضّأ من كوز أو اناء غيره اذا شرب منه على أنّه يهودي؟ فقال: نعم. فقلت: من ذلك الماء الذي شرب منه؟ قال: نعم».(3)
و بازائها روايات تدلّ بظاهرها على نجاستهم:
منها صحيحة أبي بصير عن أحدهما عليهماالسلام في مصافحة المسلم اليهودي و النصراني قال:
«من وراء الثوب، فان صافحك بيده فاغسل يدك».(4)
و منها صحيحة علي بن جعفر عن أخيه أبي الحسن موسى عليه السلام قال:
«سألته عن مؤاكلة المجوسي في قصعة واحدة، و أرقد معه على فراش واحد، و أصافحه؟ قال: لا».(5)
و منها حسنة سعيد الأعرج قال:
1) - وسائل الشيعة 3: 497 / الباب 54 من أبواب النجاسات / الحديث 2.
2) - وسائل الشيعة 24: 211 / الباب 54 من أبواب الأطعمة المحرّمة / الحديث 5.
3) - وسائل الشيعة 1: 229 / الباب 3 من أبواب الأسآر / الحديث 3.
4) - وسائل الشيعة 3: 420 / الباب 14 من أبواب النجاسات / الحديث 5.
5) - وسائل الشيعة 3: 420 / الباب 14 من أبواب النجاسات / الحديث 6.
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن سؤر اليهودي و النصراني؟ فقال: لا».(1)
و منها صحيحة هارون بن خارجة قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: انّي أخالط المجوس فآكل من طعامهم؟ قال: لا».(2)
و منها صحيحة محمّد بن مسلم قال:
«سألت أبا جعفر عليه السلام عن آنية أهل الذمّة و المجوس؟ فقال: لاتأكلوا في آنيتهم و لا من طعامهم الذي يطبخون، و لا في آنيتهم التي يشربون فيها الخمر».(3)
و منها حسنة الكاهلي قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن قوم مسلمين يأكلون و حضرهم رجل مجوسي أيدعونه الى طعامهم؟ فقال: أمّا أنا فلا أواكل المجوسي، و أكره أن أحرّم عليكم شيئا تصنعونه في بلادكم».(4)
و منها صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام في رجل صافح رجلاً مجوسيّا قال:
«يغسل يده و لايتوضّأ».(5)
و منها صحيحة أخرى لعلي بن جعفر، أنّه سأل أخاه موسى بن جعفر عليه السلام عن النصراني يغتسل مع المسلم في الحمّام؟ قال:
«اذا علم أنّه نصراني اغتسل بغير ماء الحمّام، الاّ أن يغتسل وحده على الحوض فيغسله ثمّ يغتسل. و سأله عن اليهودي و النصراني
1) - وسائل الشيعة 3: 421 / الباب 14 من أبواب النجاسات / الحديث 8.
2) - وسائل الشيعة 3: 420 / الباب 14 من أبواب النجاسات / الحديث 7.
3) - وسائل الشيعة 3: 517 / الباب 72 من أبواب النجاسات / الحديث 2.
4) - وسائل الشيعة 3: 419 / الباب 14 من أبواب النجاسات / الحديث 2.
5) - وسائل الشيعة 3: 419 / الباب 14 من أبواب النجاسات / الحديث 3.
يدخل يده في الماء أيتوضّأ منه للصلاة؟ قال: لا، الاّ أن يضطرّ اليه».(1)
و منها صحيحة ثالثة لعلي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال:
«سألته عن فراش اليهودي و النصراني ينام عليه؟ قال: لا بأس، و لايصلّي في ثيابهما، و قال: لايأكل المسلم مع المجوسي في قصعة واحدة، و لايقعده على فراشه و لا مسجده و لايصافحه».(2)
أقول:
الظاهر أنّه يمكن الجمع بينهما بحمل الطائفة الثانية على نجاستهم العرضيّة؛ لأنّهم لايحترزون عن شرب الخمر، و أكل الخنزير، و يشهد لذلك الجمع بين صحيحة محمّد بن مسلم من هذه الطائفة، و صحيحة العيص بن القاسم و رواية زكريّا بن ابراهيم من الطائفة الأولى. و بعضها يحمل على الاحتراز عن معاشرتهم و الاختلاط معهم كما يعاشر المسلمين و يخالطهم، و الشاهد على ذلك قوله عليه السلام في الصحيحة الثانية لعلي بن جعفر: «الاّ أن يضطرّ اليه»؛ فانّ التوضّؤ بالماء النجس لايجوز و لايصحّ، فاذا اضطرّ و لم يكن ماء يتبدّل بالتيمّم، و على أيّ حال يظهر من الطائفة الأولى بل من الطائفة الثانية ما يدلّ على طهارتهم.
قال في التنقيح: «مقتضى الجمع العرفي بين الطائفتين حمل أخبار النجاسة على الكراهة؛ لأنّ الطائفة الأولى صريحة أو كالصريحة في طهارتهم، و الطائفة الثانية ظاهرة في نجاسة أهل الكتاب - الى أن قال: - و من هنا ذهب صاحب المدارك و السبزواري الى طهارتهم و حملا الطائفة الثانية على الكراهة و استحباب التنزّه. انتهى ملخّصا».(3)
قال في التنقيح: «لا اشكال و لا شكّ في نجاسة المشركين بل نجاستهم من الضروريّات عند الشيعة و لانعهد فيها مخالفا من الأصحاب. نعم، ذهب العامّة الى طهارتهم و لم يلتزم منهم بنجاسة المشرك الاّ القليل، و كذا لا خلاف في نجاسة الناصب بل هو أنجس من المشرك على بعض الوجوه. كما أنّه ينبغي الجزم بنجاسة الذين كان حالهم أسوأ و أشدّ من المشركين و هم المنكرون لوجود الصانع رأسا. انتهى ملخّصا».(1)
استدلّوا على نجاسة المشركين بالكتاب و هو قوله تعالى: «انّما المشركون نجَس فلايقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا».(2)بتقريب أنّ اللّه سبحانه حكم بنجاسة المشركين و فرّع عليها حرمة اقترابهم من المسجد الحرام؛ و ذلك لأنّ النَجَس هو النَجِس المصطلح عليه عند المتشرّعة. و أجيب عنه بأنّ النجَس في الآية بمعنى القذارة المعنويّة، و لم يثبت كون اصطلاح النجِس متداولاً بين المسلمين عند نزول الآية. و الدليل على ذلك هو قول بعض أهل اللغة، ففي المفردات قال: «نَجَس: النجاسة القذارة و ذلك ضربان: ضرب يدرك بالحاسّة و ضرب يدرك بالبصيرة، و الثاني وصف اللّه تعالى به المشركين فقال: «انّما المشركون نجَس». و يقال: نجّسه أي جعله نجسا و نجّسه أيضا أزال نجسه و منه تنجيس العرب و هو شيء كانوا يفعلونه من تعليق عوذة على الصبي ليدفعوا عنه نجاسة الشيطان و الناجس و النجيس داء خبيث لا دواء له».
و في مجمع البيان: «كلّ مستقذر نجس و اذا استعملت هذه اللفظة مع الرجس
قيل: رجس نجس بكسر النون».
قال في المدارك: «النجس لغة المستقذر، قال الهروي في تفسير الآية: «يقال لكلّ مستقذر نجس». و المستقذر أعمّ من النجس بالمعنى المصطلح عليه عند الفقهاء، و الواجب حمل اللفظ على الحقيقة اللغويّة عند انتفاء المعنى الشرعي، و هو غير ثابت هنا، سلّمنا أنّ المراد بالنجس المعنى المصطلح عليه عند الفقهاء، لكن اللازم من ذلك نجاسة المشرك خاصّة و هو أخصّ من المدّعى اذ من المعلوم أنّ من أفراد الكافر ما ليس بمشرك قطعا، فلايصلح لاثبات الحكم على وجه العموم».(1)
فتحصّل أنّ ما هو المتيقّن من النَجَس في الآية - على كون معنى النجس النجاسة العينيّة - هو المشركون و عبدة الأصنام و منكروا الألوهيّة، و يلحق بهم الناصبون لأهل البيت عليهم السلام و قد ورد في موثّقة ابن أبي يعفور:
«فانّ اللّه تبارك و تعالى لم يخلق خلقا أنجس من الكلب، و انّ الناصب لنا أهل البيت لأنجس منه».(2)
ثمّ انّ المرتدّ اذا ارتدّ عن الاسلام الى أهل الكتاب فهو مثلهم في كون نجاسته عرضيّة، و ان صار مشركا أو منكر الألوهيّة فهو نجس. و حيث حكمنا بنجاسة هذا القسم من الكفّار، تكون رطوباته و أجزاؤه نجسة، سواء كانت ممّا تحلّه الحياة أو لا؛ و ذلك لاطلاق الآية، و تحقّق الشهرة بذهاب الأصحاب الى نجاستهم على وجه الاطلاق.
الكافر من كان منكرا للألوهيّة أو التوحيد أو الرسالة، أو منكرا لضروريّ من ضروريّات الدين بحيث يرجع انكاره الى انكار الرسالة. و الدليل على ذلك الكتاب و السنّة و الاجماع.
فمن الكتاب الآيات الكثيرة الواردة مخاطبة لمنكري الألوهيّة و التوحيد و الرسالة بالكفر و الشرك، و من جملتها قوله تعالى: «كيف تكفرون باللّه و كنتم أمواتا فأحياكم ثمّ يميتكم ثمّ يحييكم ثمّ اليه ترجعون».(1)و قوله تعالى: «و الذين كفروا و كذّبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون».(2)و قوله تعالى: «و آمنوا بما أنزلت مصدّقا لما معكم و لاتكونوا أوّل كافر به و لاتشتروا بآياتي ثمنا قليلاً و ايّاى فاتّقون».(3)و قوله تعالى: «و ان كنتم في ريب ممّا نزّلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله و ادعوا شهداءكم من دون اللّه ان كنتم صادقين * فان لم تفعلوا و لن تفعلوا فاتّقوا النار التي وقودها الناس و الحجارة أعدّت للكافرين».(4)
و من السنّة: صحيحة محمّد بن مسلم قال:
«سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: كلّ شيء يجرّه الاقرار و التسليم فهو الايمان، و كلّ شيء يجرّه الانكار و الجحود فهو الكفر».(5)
و صحيحة ثانية لمحمّد بن مسلم قال:
«كنت عند أبي عبداللّه عليه السلام جالسا عن يساره و زرارة عن يمينه فدخل عليه أبو بصير فقال: يا أبا عبداللّه ما تقول فيمن شكّ في اللّه؟ فقال: كافر يا أبا محمّد. قال: فشكّ في رسول اللّه؟ فقال: كافر. قال: ثمّ التفت الى زرارة فقال: انّما يكفر اذا جحد».(1)
و رواية أبي عمرو الزبيري عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قلت له: أخبرني عن وجوه الكفر في كتاب اللّه عزّوجلّ. قال: الكفر في كتاب اللّه على خمسة أوجه: فمنها كفر الجحود، و الجحود على وجهين، و الكفر بترك ما أمر اللّه، و كفر البراءة، و كفر النعم. فأمّا كفر الجحود فهو الجحود بالربوبيّة و هو قول من يقول: لا ربّ و لا جنّة و لا نار. و هو قول صنفين من الزنادقة يقال لهم الدهريّة، و هم الذين يقولون: «و ما يهلكنا الاّ الدهر». و هو دين وضعوه لأنفسهم - الى أن قال: - و أمّا الوجه الآخر من الجحود على معرفة و هو أن يجحد الجاحد و هو يعلم أنّه حقّ، قد استقرّ عنده و قد قال اللّه عزّوجلّ: «و جحدوا بها و استيقنتها أنفسهم ظلما و علوّا». الحديث».(2)
و حسنة داود بن كثير الرقّي قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: سنن الرسول صلى الله عليه و آله كفرائض اللّه عزّوجلّ؟ فقال: انّ اللّه عزّوجلّ فرض فرائض موجبات على العباد فمن ترك فريضة من الموجبات فلم يعمل بها و جحدها كان كافرا و أمر رسول اللّه بأمور كلّها حسنة فليس من ترك بعض ما أمر اللّه عزّوجلّ به عباده من الطاعة بكافر،
ولكنّه تارك للفضل، منقوص من الخير».(1)
أمّا الاجماع، فقال في المستمسك: «و المراد بالكافر من كان منكرا للألوهيّة، أو التوحيد، أو الرسالة، أو ضروريّا من ضروريّات الدين، بلا خلاف و لا اشكال. فانّ الجميع داخل في معاقد الاجماعات و لكون الثاني هو المشرك، و الأوّل أسوأ منه، و أكثر أفراد الثالث موضوع نصوص النجاسة، و لا خلاف ظاهر في الرابع - في الجملة - بل ظاهر جماعة من الأعيان كونه من المسلّمات، و ظاهر مفتاح الكرامة حكاية الاجماع عليه في كثير من كتب القدماء و المتأخّرين. بل عن التحرير: «الكافر كلّ من جحد ما يعلمه من الدين ضرورة، سواء كانوا حربيّين أو أهل كتاب أو مرتدّين و كذا النواصب و الغلاة و الخوارج»»(2)
فليعلم أوّلاً: انّ البحث في تبعيّة أولاد الكفّار في الكفر و النجاسة يتعلّق بغير المميّزين منهم بحيث كان كلامه و فعله تبعا لوالديه، و كذا المميّزين الذين عقولهم و رشدهم كالأطفال. و أمّا من كان من أولادهم عاقلاً و رشيدا و ان لم يكن بالغا فهو تابع لاظهاره الكفر أو الايمان. و لاينافي ذلك في عدم تكليفهم و كونهم غير معاقبين.
و ثانيا: انّ البحث في نجاسة أولاد من حكمنا بنجاستهم من المنكرين للألوهيّة أو التوحيد أو الناصبين، و أمّا غيرهم كمن كان من أهل الكتاب وان كانواكافرين ولكنّهم محكومون بالطهارة، و هكذا الغلاة و الخوارج و ان كانوا كافرين.
و استدلّ لتبعيّة ولد الكافر والديه بوجوه كاستصحاب نجاسة الولد الثابتة قبل ولوج الروح فيه، بناءً على كونه جزءا من الأمّ، و تنقيح المناط عند المتشرّعة، فانّهم يتعدّون من نجاسة الأبوين الى نجاسة الولد، نظير ما تقدّم في المتولّد بين الكلب و الخنزير.
و في الأوّل: ما تقدّم من كون الولد ليس جزءا من الأمّ، و لم يتمّ أركان الاستصحاب. و أمّا الثاني فان كان المراد هو السيرة فسيأتي، و الاّ ففيه اشكال.
و استدلّ أيضا بروايات كصحيحة ابن سنان قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن أولاد المشركين يموتون قبل أن يبلغوا الحنث. قال عليه السلام: كفّار، و اللّه أعلم بما كانوا عاملين. يدخلون مدخل آبائهم».(1)
و في المستمسك: «لكنّ الظاهر منها حكمهم في الآخرة، و مضمونها مخالف لقواعد العدليّة، فلا بدّ من حملها على بعض المحامل الموافقة للقواعد».(2)
قال في التنقيح: «لا دليل على نجاسة ولد الكافر سوى الاجماع و التسالم القطعيّين المنقولين عن أصحابنا، الاّ أنّ هذا الاجماع ان تمّ و حصل لنا منه القطع و الاطمئنان على أنّهم كانوا في زمان الأئمّة عليهم السلام يعاملون مع ولد الكافر معاملة الكفر و النجاسة فهو، و الاّ فللتوقّف و المناقشة في نجاسة ولد الكافر مجال واسع. انتهى ملخّصا».(3)
و الظاهر أنّ هذا الاجماع بل السيرة قد انعقدت عمّا يستنبط من الوجوه التي ذكرت و غيرها و يكون مدركيّا، و عليه لم يكن هناك دليل يطمئنّ به للحكم بنجاسة ولد الكافر المنكر للألوهيّة أو التوحيد أو الناصب لأهل بيت العصمة و الطهارة عليهم السلام.
ثمّ انّه يلحق بولد الكافر الولد المولود من الكافرين الزناة و لو في مذهبه؛ لاطلاق الولد عليه لغة و عرفا.
(مسألة 1): الأقوى طهارة ولد الزنا من المسلمين، سواء كان من طرف أو طرفين، بل و ان كان أحد الأبوين مسلما كما مرّ.
الشرح:
قال في المستمسك: «الأقوى طهارة ولد الزنا من المسلمين، كما هو المشهور شهرة عظيمة، بل لم يعرف الخلاف فيها الاّ من الصدوق و السيّد و الحلّي - بناءً منهم على كفره - بل عن الأخير نفي الخلاف فيه».(1)
و استدلّ على نجاسة ولد الزنا بأربع روايات كلّها ضعاف من جهة السند و الدلالة:
منها رواية حمزة بن أحمد عن أبي الحسن الأوّل عليه السلام قال:
«سألته أو سأله غيري عن الحمّام، قال: أدخله بمئزر و غضّ بصرك، و لاتغتسل من البئر التي يجتمع فيها ماء الحمّام، فانّه يسيل فيها ما يغتسل به الجنب، و ولد الزنا و الناصب لنا أهل البيت، و هو شرّهم».(2)
فانّ سندها ضعيف بحمزة بن أحمد، و دلالتها ضعيفة بأنّ الاغتسال من غسالة الحمّام فيها قذارة و موجبة للأمراض.
و منها رواية ابن أبي يعفور عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لاتغتسل من البئر التي تجتمع فيها غسالة الحمّام فانّ فيها غسالة ولد الزنا، و هو لايطهر الى سبعة آباء، و فيها غسالة الناصب و هو
شرّهما، انّ اللّه لم يخلق خلقا شرّا من الكلب و انّ الناصب أهون على اللّه من الكلب».(1)
فسندها - مضافا الى ارسالها - ضعيف بابن جمهور بارسالها.
ومنها مرسلة علي بن الحكم عن أبي الحسن عليه السلام (في حديث) أنّه قال:
«لاتغتسل من غسالة ماء الحمّام، فانّه يغتسل فيه من الزنا، و يغتسل فيه ولد الزنا، و الناصب لنا أهل البيت و هو شرّهم».(2)
و منها رواية محمّد بن علي بن جعفر عن أبي الحسن الرضا عليه السلام (في حديث) قال:
«من اغتسل من الماء الذي قد اغتسل فيه، فأصابه الجذام فلايلومنّ الاّ نفسه. فقلت لأبي الحسن عليه السلام: انّ أهل المدينة يقولون: انّ فيه شفاء من العين، فقال: كذبوا يغتسل فيه الجنب من الحرام، و الزاني، و الناصب الذي هو شرّهما و كلّ من خلق اللّه، ثمّ يكون فيه شفاء من العين؟!».(3)
و في سندها رجال ضعاف. و أمّا الدلالة فالظاهر أنّ حكمة النهي الوارد في هذه الروايات هي القذارة المعنويّة، فانّ المنهي عنه هو غسالة ماء الحمّام، يعني غسالة ما يغتسل فيه الجنب من الحرام، و ولد الزنا، و الناصب لأهل البيت عليهم السلام.
و هناك روايتان معتبرتان من حيث السند الاّ أنّهما ضعيفتا الدلالة. احداهما موثّقة زرارة قال:
«سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: لا خير في ولد الزنا و لا في بشره، و لا في
شعره، و لا في لحمه، و لا في دمه و لا في شيء منه يعني ولد الزنا».(1)
و ثانيتها حسنة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«لبن اليهوديّة و النصرانيّة و المجوسيّة أحبّ اليّ من ولد الزنا. الحديث».(2)
ففي الأولى: انّ نفي الخير عنه لايلازم النجاسة. و في الثانية: كون لبن اليهوديّة و النصرانيّة و المجوسيّة خيرا من ولد الزنا لايقتضي نجاسته و انّما هو من جهة خباثته و تأثيرها في لبنها.
فتحصّل أنّ ولد الزنا محكوم بالطهارة؛ لقاعدة الطهارة، سواء كان من مسلمين أو من مسلم و غير مسلم. و هو الذي ذهب اليه المشهور، كما في التنقيح.(3)
(مسألة 2): لا اشكال في نجاسة الغلاة و الخوارج و النواصب، و أمّا المجسّمة و المجبّرة و القائلين بوحدة الوجود من الصوفيّة اذا التزموا بأحكام الاسلام فالأقوى عدم نجاستهم الاّ مع العلم بالتزامهم بلوازم مذاهبهم من المفاسد.
الشرح:
قال في المستمسك: «لا اشكال في نجاسة الغلاة، بلا كلام - كما عن جامع المقاصد - و عن ظاهر جماعة، و صريح روض الجنان و الدلائل، الاجماع عليه. و هو واضح جدّا لو أريد منهم من يعتقد الربوبيّة لأميرالمؤمنين عليه السلام أو أحد الأئمّة عليهم السلام - كما في كشف الغطاء - لأنّه انكار للّه تعالى، و اثبات لغيره، فيكون كفرا
بالذات فيلحقه حكمه من النجاسة».(1)
أقول:
الغلاة على طوائف:
فمنهم من يعتقد الربوبيّة لأميرالمؤمنين عليه السلام أو أحد الأئمّة عليهم السلام فيعتقد بأنّه الربّ الجليل و أنّه الاله المجسّم الذي نزل الى الأرض، و أنّه اللّه القديم الأزلي و الأبدي، و أنّه الذي نزّل القرآن و الانجيل و التوراة و سائر الكتب السماويّة و أنّه الخالق و المبدع و الفاطر لجميع الموجودات أجمعين، بلا توجيه في ذلك و لا تأويل، و لو صحّ و ثبت اعتقادهم بذلك فلا اشكال في كفرهم و نجاستهم؛ لأنّه انكار لألوهيّته سبحانه، و - كما في التنقيح(2)- لبداهة أنّه لا فرق في انكارها بين دعوى ثبوتها لزيد أو للأصنام و بين دعوى ثبوتها لأميرالمؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام؛ لاشتراكهما في انكار ألوهيّته تعالى، و هو من أحد الأسباب الموجبة للكفر.
و منهم من ينسب اليه الاعتراف بألوهيّته سبحانه الاّ أنّه يعتقد أنّ الأمور الراجعة الى التشريع و التكوين كلّها بيد أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام أو أحد الأئمّة الطاهرين عليهم السلام، فيرى أنّه المحيي و المميت و أنّ اللّه تعالى فوّض الأمور كلّها من الأوّلين و الآخرين الى أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، و قد عزل نفسه عن التدخّل في الأمور الراجعة الى التشريع و التكوين، فهذه العقيدة ان كانت لهم بلا توجيه و لا تأويل فهي صريحة في المخالفة للقرآن فيرجع الى انكار الآيات النازلة بأنّ الأمور كلّها بيد اللّه تعالى و يرجع الى انكار الرسالة فهو كافر أيضا. و ان صدق عليه المرتدّ فقد تقدّم نجاسته أيضا. و الظاهر أنّ هاتينالعقيدتين بلا توجيه و لا تأويل لا مصداق لهما، و اللّه العالم بوقائع الأمور.
قال في التنقيح: «و منهم من لايعتقد بربوبيّة أميرالمؤمنين عليه السلام و لا بتفويض الأمور اليه و انّما يعتقد أنّه عليه السلام و غيره من الأئمّة الطاهرين عليهم السلام ولاة الأمر و أنّهم عاملون للّه سبحانه و أنّهم أكرم المخلوقين عنده، فينسب اليهم الرزق و الخلق و نحوهما، لا بمعنى اسنادها اليهم عليهم السلام حقيقة؛ لأنّه يعتقد أنّ العامل فيها حقيقة هو اللّه، بل كاسناد الموت الى ملك الموت و المطر الى ملك المطر، و الاحياء الى عيسى عليه السلام كما ورد في الكتاب العزيز: «و أحي الموتى باذن اللّه» و غيرها ممّا هو من اسناد فعل من أفعال اللّه سبحانه الى العاملين له بضرب من الاسناد. و مثل هذا الاعتقاد غير مستتبع للكفر و لا هو انكار للضروري، فعدّ هذا القسم من أقسام الغلوّ نظير ما نقل عن الصدوق قدس سره عن شيخه ابن الوليد: «انّ نفي السهو عن النبي صلى الله عليه و آله أوّل درجة الغلوّ». و الغلوّ بهذا المعنى الأخير ممّا لا محذور فيه بل لا مناص عن الالتزام به في الجملة».(1)
و أمّا نجاسة الخوارج و كفرهم فهما - كما في المستمسك(2)عن جامع المقاصد - لا كلام فيهما. و عن ظاهر جماعة و صريح روض الجنان و الدلائل، الاجماع عليه. و المراد بهم من يعتقد ما تعتقده الطائفة الملعونة التي خرجت على أميرالمؤمنين عليه السلام في صفّين، فاعتقدت كفره و استحلّت قتاله. هذا و كذا من يحذو حذوهم ممّن يعتقد اعتقادهم و يمضي على ما كانوا عليه من الآن الى يوم خروج المهدي عليه السلام، و الذين هم يمهّدون أنفسهم لقتال المهدي عليه السلام و أصحابه فهم ليسوا بمسلم و لا من المسلمين.
و أمّا النواصب و هم الذين يظهرون العداوة لعلي بن أبي طالب أميرالمؤمنين عليه السلام و أولاده المعصومين المطهّرين المنتجبين عليهم السلام، فهم رجس و نجس و كفّار، بقايا بني أميّة لعنهم اللّه، و الدليل على كفرهم و نجاستهم أنّهم
ينكرون و يكذّبون آيات اللّه التي أكبرها و أعظمها علي أميرالمؤمنين عليه السلام و أولاده المعصومون عليهم السلام فان كان الارتداد يحصل بتكذيب آية الحجاب - مثلاً - أو حرمة الخمر و الخنزير، أو سائر الآيات النازلة في الأحكام، فهم كذّبوا الآيات الكثيرة النازلة في مدح أهل بيت النبي صلى الله عليه و آله و طهارتهم و أمر المسلمين بمودّتهم و ولايتهم. و في موثّقة عبداللّه بن أبي يعفور عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:
«و ايّاك أن تغتسل من غسالة الحمّام، ففيها تجتمع غسالة اليهودي و النصراني و المجوسي و الناصب لنا أهل البيت و هو شرّهم، فانّ اللّه تبارك و تعالى لم يخلق خلقا أنجس من الكلب، و انّ الناصب لنا أهل البيت لأنجس منه».(1)
و أمّا المجسّمة، فان كانوا يعتقدون أنّ اللّه تعالى جسم كسائر الأجسام، فله يد، و رجل، و أذن، و عين، و لسان، و يأكل و ينام و يمشي و غيره من العوارض، فهم كفّار نجس مثل الطائفة الأولى من الغلاة الذين تقدّم حكمهم بالكفر و النجاسة الاّ أن يكونوا من عوامّ الناس و المستضعفين. و أمّا ان كانوا يدّعون أنّه تعالى جسم ولكن لا كسائر الأجسام، كما ورد: «هو شيء لا كالأشياء»، و يعتقدون بقدمه و غنائه فليسوا بكفّار، و ان كانوا قليل الفهم و المعرفة بذات اللّه تبارك و تعالى.
أمّا المجبّرة، فان لم يلتزموا بما كان يستلزم اعتقادهم من ابطال التكاليف و الثواب و العقاب، بل و اسناد الظلم الى اللّه تعالى، فليسوا من الكافرين. و ان التزموا بها و علموا أنّ ذلك مستلزم لانكار النصوص من الكتاب و السنّة فهم كفّار نجس، الاّ أن يأتوا بتوجيه الآيات و الروايات، فعند ذلك فالحكم بكفرهم و نجاستهم مشكل.
و كذلك يكون حال المفوّضة في الالتزام بما يلزم مذهبهم من اعطاء السلطان للعبد في قبال سلطانه تعالى، فان علموا أنّه مخالف لنصّ الكتاب و السنّة و انكار
1) - وسائل الشيعة 1: 220 / الباب 11 من أبواب الماء المضاف / الحديث 5.
لضروري الدين، فهم كفّار نجس، الاّ أن يأتوا بتوجيه الآيات والروايات كما في المجبّرة.
و لنذكر بعض الروايات المعتبرة تيمّنا. ففي صحيحة هشام عن الصادق عليه السلام (في حديث) قال:
«انّ محمّدا صلى الله عليه و آله لم ير الربّ على مشاهدة العيان، فمن عنى بالرؤية رؤية القلب فهو مصيب، و من عنى بها رؤية البصر فهو كافر باللّه و بآياته؛ لقول رسول اللّه صلى الله عليه و آله: من شبّه اللّه بخلقه فقد كفر- الى أن قال: - و من شبّهه بخلقه فقد اتّخذ معه شريكا».(1)
و في صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«قلت له: أرأيت من جحد اماما منكم ما حاله؟ فقال: من جحد اماما من الأئمّة و برئ منه و من دينه، فهو كافر و مرتدّ عن الاسلام؛ لأنّ الامام من اللّه، و دينه دين اللّه، و من برئ من دين اللّه فدمه مباح في تلك الحالة، الاّ أن يرجع أو يتوب الى اللّه ممّا قال».(2)
و حسنة أبي مسروق قال:
«سألني أبو عبداللّه عليه السلام عن أهل البصرة، فقال لي: ما هم؟ قلت: مرجئة و قدريّة و حروريّة، فقال: لعن اللّه تلك الملل الكافرة المشركة التي لاتعبد اللّه على شيء».(3)
و أمّا القائلون بوحدة الوجود، فليعلم أنّ الوجود في الفرض و الواقع على ثلاثة أقسام: فهي واجب الوجود فهو اللّه تعالى سبحانه، و ممكن الوجود فهو الموجودات و ما سوى اللّه، و ممتنع الوجود، فهو ما لا وجود له في الخارج
كاجتماع النقيضين و ارتفاعهما. فالمراد بوحدة الوجود أنّ وجود الموجودات بأسرها للّه تعالى و منه تعالى و اليه تعالى: «انّا للّه و انّا اليه راجعون»(1)و هو المراد من قوله تعالى: «نحن أقرب اليه من حبل الوريد»(2)و «هو معكم أينما كنتم»(3)و «و اعلموا أنّ اللّه يحول بين المرء و قلبه»(4). و انّما المهمّ كيفيّة ربط وجود الممكن الى الواجب، و أنّه هل يكون بنحو الاشراق، أو الظهور، و مثل البحر و موجه، أو مثل المصباح و شعاعه، فالظاهر كلّ هذا ليس كما ينبغي. و كيفيّة ربطه منوطة بفهم العارف باللّه، الحاصل بالتبعيّة الكاملة من الكتاب و السنّة، و حصول حقيقة العبوديّة، و لذا نقل عن الصادق عليه السلام في حديث عنوان البصري:
«ليس العلم بالتعلّم انّما هو نور يقع في قلب من يريد اللّه تبارك و تعالى أن يهديه».(5)
و التعبيرات المختلفة عن وحدة الوجود بحسب فهم هذه الطائفة، و تعبير القرآن أحسن التعبيرات حيث قال: «هو الأوّل و الآخر و الظاهر و الباطن»(6)و كلام مولانا أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: «المتجلّي لخلقه بخلقه».(7)و «يا من دلّ على ذاته بذاته».(8)و قد قال مولانا زين العابدين و سيّد الساجدين عليه السلام:
«بك عرفتك و أنت دللتني عليك و دعوتني اليك و لولا أنت لم أدر ما أنت».(1)و كذا كلام مولانا سيّدالشهداء حسين بن علي عليه السلام في دعاء عرفة: «عميت عين لاتراك عليها رقيبا» و «كيف يستدلّ عليك بما هو في وجوده مفتقر اليك».
و الحاصل بنظري القاصر، أنّ مراد القائلين بوحدة الوجود من الصوفيّة و العرفاء بجميع مراتبهم و منازلهم ليس أنّ هذا الوجود بفردها اللّه تعالى، و أنّ كلّ
موجود هو اللّه تعالى نعوذ باللّه و نستجيره، و ليس المراد من قوله:
به دريا بنگرم دريا تو بينم *** به صحرا بنگرم صحرا تو بينم
به هر جا بنگرم كوه و در و دشت *** نشان از قامت رعنا تو بينم
هو أنّ البحر و الصحراء و الجبال و الخضراء، اللّه تعالى. بل مراده ما كان مراد القرآن: «أينما تولّوا فثمّ وجه اللّه»(2)، فما هو المراد من «الوجه» هو مراد الشاعر المعروف المشتهر ب «بابا طاهر». و أنّه رحمه اللهقد رأى بحقيقة الايمان و نور القلب، و يتوجّه الى اللّه بالتوجّه الى آياته تعالى. فنعوذ باللّه من أن ينسب الكفر الى القائلين بوحدة الوجود مع أنّ فيهم العلماء العاملين، و الفقهاء الكاملين في العبوديّة.
(مسألة 3): غير الاثني عشرية من فرق الشيعة اذا لم يكونوا ناصبين و معادين لسائر الأئمّة و لا سابّين لهم طاهرون. و أمّا مع النصب أو السبّ للأئمّة الذين لايعتقدون بامامتهم، فهم مثل سائر النواصب.
الشرح:
قال في المستمسك: «أمّا الفرق المخالفة للشيعة فالمشهور طهارتهم. و يحكى عن السيّد القول بنجاستهم، و عليه بعض متأخّري المتأخّرين كصاحب الحدائق، و حكاه عن المشهور في كلمات أصحابنا المتقدّمين. فاستدلّوا على
النجاسة تارة: بالاجماع المحكي عن الحلّي على كفرهم. و أخرى: بالنصوص المتجاوزة عن حدّ الاستفاضة، بل قيل: انّها متواترة، المتضمّنة كفرهم. و ثالثة: بأنّهم من الذين أنكروا ضروري الدين كما في محكي المنتهى في مسألة اعتبار الايمان في مستحقّ الزكاة. و رابعة: بما دلّ على نجاسة الناصب من الاجماع المتقدّم و غيره بضميمة ما دلّ على أنّهم نواصب، - الى أن قال: - و في الجميع خدش ظاهر؛ اذ الكفر المدّعى عليه الاجماع في كلام الحلّي و غيره، ان كان المراد منه ما يقابل الاسلام فهو معلوم الانتفاء، فانّ المعروف بين أصحابنا اسلام المخالفين، و ان كان المراد به ما يقابل الايمان - كما هو الظاهر بقرينة نسبة القول بفسق المخالفين الى بعض أصحابنا - لم يجد في اثبات النجاسة.
و أمّا النصوص، فالذي يظهر منها أنّها في مقام اثبات الكفر للمخالفين بالمعنى المقابل للايمان. و أمّا النصوص الدالّة على نصبهم، فمع عدم صحة أسانيدها و مخالفتها للمشهور بين الأصحاب، و تعارضها فيما بينها، و الاشكال في مضامينها في نفسها يشكل الاعتماد عليها. انتهى ملخّصا».(1)
يدلّ على عدم كفر من شهد بأن لا اله الاّ اللّه و أنّ محمّدا رسول اللّه صلى الله عليه و آله و عدم نجاستهم روايات:
منها موثّقة سماعة قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: أخبرني عن الاسلام و الايمان أهما مختلفان؟ فقال: انّ الايمان يشارك الاسلام و الاسلام لايشارك الايمان، فقلت: فصفهما لي، فقال: الاسلام شهادة أن لا اله الاّ اللّه و التصديق برسول اللّه صلى الله عليه و آله، به حقنت الدماء و عليه جرت المناكح و المواريث و على ظاهره جماعة الناس، و الايمان الهدى و ما يثبت في القلوب».(2)
و منها صحيحة فضيل بن يسار قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: انّ الايمان يشارك الاسلام و لايشاركه الاسلام انّ الايمان ما وقر في القلوب و الاسلام ما عليه المناكح و المواريث و حقن الدماء، و الايمان يشرك الاسلام و الاسلام لايشرك الايمان».(1)
و منها صحيحة حمران بن أعين عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«سمعته يقول: الايمان ما استقرّ في القلب و أفضى به الى اللّه عزّوجلّ و صدّقه العمل بالطاعة للّه و التسليم لأمره، و الاسلام ما ظهر من قول أو فعل و هو الذي عليه جماعة الناس من الفرق كلّها، و به حقنت الدماء و عليه جرت المواريث و جاز النكاح و اجتمعوا على الصلاة و الزكاة و الصوم و الحجّ، فخرجوا بذلك من الكفر و أضيفوا الى الايمان. الحديث».(2)
و منها رواية سفيان بن السمط قال:
«سأل رجل أبا عبداللّه عليه السلام عن الاسلام و الايمان، ما الفرق بينهما؟ فلم يجبه ثمّ سأله فلم يجبه، ثمّ التقيا في الطريق، و قد أزف من الرجل الرحيل، فقال له أبو عبداللّه: كأنّه قد أزف منك رحيل؟ فقال: نعم، فقال: فالقني في البيت، فلقيه فسأله عن الاسلام و الايمان ما الفرق بينهما، فقال: الاسلام هو الظاهر الذي عليه الناس: شهادة أن لا اله الاّ اللّه وحده لا شريك له و أنّ محمّدا عبده و رسوله و اقام الصلاة و ايتاء الزكاة و حجّ البيت و صيام شهر رمضان فهذا الاسلام، و قال: الايمان معرفة هذا الأمر مع هذا فان أقرّ بها و لم يعرف هذا
الأمر كان مسلما و كان ضالاًّ».(1)
و بازائها الروايات الدالّة على أنّهم كافرون، كرواية أبي سلمة عن أبي عبداللّه عليه السلام(في حديث) قال:
«من عرفنا كان مؤمنا، و من أنكرنا كان كافرا، و من لم يعرفنا و لم ينكرنا كان ضالاًّ».(2)
و رواية محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام (في حديث) قال:
«من أصبح من هذه الأمّة لا امام له من اللّه أصبح تائها متحيّرا ضالاًّ، ان مات على هذه الحال مات ميتة كفر و نفاق».(3)
و رواية ابن أبي يعفور قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: ثلاثة لايكلّمهم اللّه يوم القيامة و لايزكّيهم و لهم عذاب أليم: من ادّعى امامة من اللّه ليست له، و من جحد اماما من اللّه، و من زعم أنّ لهما في الاسلام نصيبا».(4)
و رواية يحيى بن القاسم عن جعفر بن محمّد عليهماالسلام عن آبائه عليهم السلام عن النبي صلى الله عليه و آله قال:
«الأئمّة من بعدي اثناعشر: أوّلهم علي بن أبي طالب و آخرهم القائم - الى أن قال: - المقرّ بهم مؤمن و المنكر لهم كافر».(5)
و رواية مروان بن مسلم قال:
«قال الصادق جعفر بن محمّد عليهماالسلام: الامام علم فيما بين اللّه عزّوجلّ و
1) - أصول الكافي 2: 48 / باب أنّ الاسلام يحقن به الدم / الحديث 4.
2) - وسائل الشيعة 28: 352 / الباب 10 من أبواب حدّ المرتدّ / الحديث 43.
3) - وسائل الشيعة 28: 350 / الباب 10 من أبواب حدّ المرتدّ / الحديث 37.
4) - وسائل الشيعة 28: 349 / الباب 10 من أبواب حدّ المرتدّ / الحديث 34.
5) - وسائل الشيعة 28: 347 / الباب 10 من أبواب حدّ المرتدّ / الحديث 27.
بين خلقه، فمن عرفه كان مؤمنا و من أنكره كان كافرا.»(1)
و رواية المفضّل بن عمر عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قال أبو جعفر عليه السلام: انّ اللّه جعل عليّا علما بينه و بين خلقه، ليس بينه و بينهم علم غيره، فمن تبعه كان مؤمنا، و من جحده كان كافرا، و من شكّ فيه كان مشركا».(2)
و رواية أبي حمزة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«منّا الامام المفروض طاعته، من جحده مات يهوديّا أو نصرانيّا. الحديث».(3)
و رواية أبي المالك الجهني قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: ثلاثة لايكلّمهم اللّه يوم القيامة و لاينظر اليهم و لايزكّيهم و لهم عذاب أليم: من ادّعى اماما ليست امامته من اللّه، و من جحد اماما امامته من عند اللّه، و من زعم أنّ لهما في الاسلام نصيبا».(4)
و قد تقدّمت حسنة أبي مسروق و صحيحة محمّد بن مسلم في المسألة السابقة و الجمع بين هذه الروايات و نظائرها و بين الروايات المتقدّمة في الفرق بين الاسلام و الايمان، يكون بحمل الكفر في هذه الروايات على عدم الايمان، و بعضها على من كان عدوّا للأئمّة المعصومين عليهم السلام.
و قد ظهر أنّ من كان ناصبا و عدوّا لعلي عليه السلام و أولاده المعصومين عليهم السلام أو سابّا لهم من جهة عداوته و بغضه فهو كافر و نجس.
(مسألة 4): من شكّ في اسلامه و كفره طاهر و ان لم يجر عليه سائر أحكام الاسلام.
الشرح:
من شكّ في اسلامه و كفره و لم يعلم حالته السابقة من الكفر و الاسلام فهو طاهر؛ لقاعدة الطهارة، و لايجري عليه سائر أحكام الاسلام من جواز مناكحته و حلّ ذبيحته و حكم الميّت المسلم. و أمّا لو علم حالته السابقة فان علمنا باسلامه و شككنا في ارتداده، فنستصحب اسلامه و نجري عليه أحكام الاسلام و كذا بالنسبة الى أولاده.
«التاسع»: الخمر بل كلّ مسكر مائع بالأصالة و ان صار جامدا بالعرض، لا الجامد كالبنج و ان صار مائعا بالعرض.
الشرح:
يدلّ على نجاسة الخمر روايات:
منها صحيحة عبداللّه بن سنان قال:
«سأل أبي أبا عبداللّه عليه السلام عن الذي يعير ثوبه لمن يعلم أنّه يأكل الجري أو يشرب الخمر، فيردّه أيصلّي فيه قبل أن يغسله؟ قال: لايصلّي فيه حتّى يغسله».(1)
و صحيحة ثانية لعبداللّه بن سنان قال:
«سأل أبي أبا عبداللّه عليه السلام و أنا حاضر: انّي أعير الذمّي ثوبي و أنا أعلم أنّه يشرب الخمر و يأكل لحم الخنزير فيردّه عليّ، فأغسله قبل أن أصلّي فيه؟ فقال أبو عبداللّه عليه السلام: صلّ فيه و لاتغسله من أجل ذلك؛
1) - وسائل الشيعة 3: 468 / الباب 38 من أبواب النجاسات / الحديث 1.
فانّك أعرته ايّاه و هو طاهر و لم تستيقن أنّه نجّسه، فلا بأس أن تصلّي فيه حتّى تستيقن أنّه نجّسه».(1)
و رواية عمر بن حنظلة قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: ماترى في قدح من مسكر يصبّ عليه الماء حتّى تذهب عاديته و يذهب سكره؟ فقال: لا واللّه، و لا قطرة قطرت في حبّ الاّ أهريق ذلك الحبّ».(2)
و موثّقة عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لاتصلّ في بيت فيه خمر و لا مسكر؛ لأنّ الملائكة لاتدخله، و لاتصلّ في ثوب قد أصابه خمر أو مسكر حتّى يغسل».(3)
و موثّقة ثانية لعمّار بن موسى عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن الدنّ، يكون فيه الخمر هل يصلح أن يكون فيه خلّ أو ماء كامخ أو زيتون؟ قال: اذا غسل فلا بأس. و عن الابريق وغيره يكون فيه خمر، أيصلح أن يكون فيه ماء؟ قال: اذا غسل فلا بأس. و قال: في قدح أو اناء يشرب فيه الخمر، قال: تغسله ثلاث مرّات. و سئل أيجزيه أن يصبّ فيه الماء؟ قال: لايجزيه حتّى يدلكه بيده و يغسله ثلاث مرّات».(4)
و رواية زكريّا بن آدم قال:
«سألت أبا الحسن عليه السلام عن قطرة خمر أو نبيذ مسكر قطرت في قدر فيه لحم كثير و مرق كثير، قال: يهراق المرق، أو يطعمه أهل الذمّة، أو
الكلب و اللحم اغسله و كله. قلت: فانّه قطر فيه الدم، قال: الدم تأكله النار ان شاء اللّه. قلت: فخمر أو نبيذ قطر في عجين أو دم؟ قال: فقال: فسد. قلت: أبيعه من اليهود و النصارى و أبيّن لهم؟ قال: نعم، فانّهم يستحلّون شربه، قلت: و الفقّاع هو بتلك المنزلة اذا قطر في شيء من ذلك؟ قال: فقال: أكره أن آكله اذا قطر في شيء من طعامي».(1)
و صحيحة ثانية لعبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«ان سقط في البئر دابّة صغيرة، أو نزل فيها جنب، نزح منها سبع دلاء، فان مات فيها ثور، أو صبّ فيها خمر، نزح الماء كلّه».(2)
و بازاء تلك الروايات، روايات تدلّ على طهارة الخمر، كصحيحة علي بن رئاب قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الخمر و النبيذ المسكر يصيب ثوبي، أغسله أو أصلّي فيه؟ قال: صلّ فيه الاّ أن تقذّره فتغسل منه موضع الأثر، انّ اللّه تعالى انّما حرّم شربها».(3)
و صحيحة الحسن أبي سارة قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: ان أصاب ثوبي شيء من الخمر، أصلّي فيه قبل أن أغسله؟ قال: لا بأس، انّ الثوب لايسكر».(4)
و صحيحة الحسين بن موسى الحنّاط قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يشرب الخمر ثمّ يمجّه من فيه فيصيب ثوبي؟ فقال: لا بأس».(5)
1) - وسائل الشيعة 3: 470 / الباب 38 من أبواب النجاسات / الحديث 8.
2) - وسائل الشيعة 1: 179 / الباب 15 من أبواب الماء المطلق / الحديث 1.
3) - وسائل الشيعة 3: 472 / الباب 38 من أبواب النجاسات / الحديث 14.
4) - وسائل الشيعة 3: 471 / الباب 38 من أبواب النجاسات / الحديث 10.
5) - وسائل الشيعة 3: 473 / الباب 39 من أبواب النجاسات / الحديث 2.
الظاهر أنّ الطائفتين من الروايات متعارضتان، و القاعدة في غير هاتين حمل الطائفة الأولى على الاستحباب أو حمل الطائفة الثانية على التقيّة، الاّ أنّ الجمع بالطريق الأوّل يأباه بعضها، بل لعلّه نصّ أو كالنصّ في النجاسة، مضافا الى أنّه مخالف لفتوى المشهور، و الحمل الثاني و ان كان فيه أيضا اشكال من جهة ذهاب أكثرهم الى النجاسة الاّ أنّه لا بأس به بل هو الصحيح؛ لأنّه أوّلاً: كان شربه متعارفا بين أمراء بني أميّة و بني العبّاس و سلاطينهم، و قضيّة معاملة يزيد اللعين مع الرأس المطهّر بعد العاشوراء مكتوبة في التاريخ.
و ثانيا: يشهد بترجيح الطائفة الأولى صحيحة علي بن مهزيار قال:
«قرأت في كتاب عبداللّه بن محمّد الى أبي الحسن عليه السلام: جعلت فداك، روى زرارة عن أبي جعفر و أبي عبداللّه عليهماالسلام في الخمر يصيب ثوب الرجل أنّهما قالا: لا بأس بأن يصلّي فيه، انّما حرّم شربها. و روي عن زرارة عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال: اذا أصاب ثوبك خمر أو نبيذ - يعني المسكر - فاغسله ان عرفت موضعه، و ان لم تعرف موضعه فاغسله كلّه، و ان صلّيت فيه فأعد صلاتك، فأعلمني ما آخذ به؟ فوقّع عليه السلام بخطّه و قرأته: خذ بقول أبي عبداللّه عليه السلام».(1)
و يؤيّدها رواية خيران الخادم قال:
«كتبت الى الرجل عليه السلام أسأله عنه الثوب يصيبه الخمر و لحم الخنزير أيصلّي فيه أم لا؟ فانّ أصحابنا قد اختلفوا فيه، فقال بعضهم: صلّ فيه فانّ اللّه انّما حرّم شربها، و قال بعضهم: لاتصلّ فيه، فكتب عليه السلام: لاتصلّ فيه؛ فانّه رجس. الحديث».(2)
و قد مرّ أنّ المشهور ذهبوا الى نجاسة الخمر بل كلّ مسكر مائع بالأصالة، و
ادّعى جماعة الاجماع عليه.
قال في المستمسك: «الخمر نجس بل كلّ مسكر مائع بالأصالة، على المشهور شهرة عظيمة، بل عن جماعة الاجماع عليه صريحا أو ظاهرا، منهم السيّدان و الشيخ و المحقّق. بل الظاهر أنّه اجماع في جملة من الطبقات؛ اذ لم ينقل الخلاف الاّ عن جماعة من القدماء، كالصدوق و أبيه في الرسالة و الجعفي، و العماني، و جماعة من متأخّري المتأخّرين أوّلهم المقدّس الأردبيلي و تبعه عليه جماعة ممّن تأخّر عنه. و عن الحبل المتين أنّه قال: «أطبق علماء الخاصّة و العامّة على نجاسة الخمر، الاّ شرذمة منّا و منهم لم يعتدّ الفريقان بمخالفتهم»».(1)
يدلّ على نجاسة كلّ مسكر مائع بالأصالة قوله عليه السلام في صحيحة علي بن مهزيار المتقدّمة آنفا:
« ... اذا أصاب ثوبك خمر أو نبيذ - يعني المسكر - فاغسله ان عرفت موضعه، و ان لم تعرف موضعه فاغسله كلّه، و ان صلّيت فيه فأعد صلاتك. الحديث».(2)
و مرسلة يونس عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا أصاب ثوبك خمر أو نبيذ مسكر فاغسله ان عرفت موضعه، و ان لم تعرف موضعه فاغسله كلّه، و ان صلّيت فيه فأعد صلاتك».(3)
و موثّقة عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لاتصلّ في بيت فيه خمر و لا مسكر؛ لأنّ الملائكة لاتدخله، و لاتصلّ في ثوب قد أصابه خمر أو مسكر حتّى يغسل».(4)
و قوله عليه السلام في رواية زكريّا بن آدم المتقدّمة في جواب سؤال السائل - عن قطرة خمر أو نبيذ مسكر قطرت في قدر فيه لحم كثير و مرق كثير - :
«يهراق المرق أو يطعمه أهل الذمّة، أو الكلب، و اللحم اغسله و كله».(1)
و رواية عمر بن حنظلة قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: ماترى في قدح من مسكر يصبّ عليه الماء حتّى يذهب عاديته و يذهب سكره؟ فقال: لا واللّه و لا قطرة قطرت في حبّ الاّ أهريق ذلك الحبّ».(2)
قال في المستمسك: «و مورد نصوص النجاسة و ان كان هو الخمر و النبيذ، لكن يتعدّى منهما الى كلّ مسكر؛ للتنصيص على العموم في معاقد الاجماعات الصريحة و الظاهرة، فعن الناصريّات: «كلّ من قال: بأنّه - أي المسكر - محرّم الشرب ذهب الى أنّه نجس كالخمر - الى أن قال: - لا خلاف في نجاسته تابعة لتحريم شربه». و نحوه كلام غيره».(3)
ثمّ اعلم أنّ المسكر المائع بالأصالة حرام و نجس و ان صار جامدا بعارض؛ لاطلاق الأدلّة و استصحاب نجاسته.
قال في المستمسك: «كما نصّ عليه العلاّمة و الشهيد و غيرهما. بل الظاهر التسالم عليه، كما يظهر من عدم عدّ الجمود من المطهّرات. و يقتضيه اطلاق أدلّة النجاسة، و لو فرض الشكّ في صدق الموضوع مع الجمود أو انصراف الأدلّة عنه فالاستصحاب كاف في اثبات النجاسة».(4)
و أمّا المسكر الجامد بالأصالة كالبنج فهو طاهر و ان صار مائعا بالعرض، و ان كان حراما قطعا؛ لازالته العقل، و لما ورد في جملة من الأخبار من:
«انّ اللّه عزّوجلّ لم يحرّم الخمر لاسمها ولكن حرّمها لعاقبتها ... ».(1)
و غيرها من الأخبار الواردة في حرمة المسكر على اطلاقه.
و الدليل الوحيد على طهارة المسكر الجامد، هو أنّ المسألة اتّفاقيّة و لم يذهب أحد الى نجاسة المسكر الجامد، كما في التنقيح فانّه قال فيه:
«و لو قلنا بنجاسة المسكرات المائعة من جهة أنّها خمر حقيقة؛ لأنّها اسم و حقيقة شرعيّة لكلّ ما يخامر العقل و يستره كما ادّعاه صاحب الحدائق قدس سره، فأيضا لا سبيل الى الحكم بنجاسة المسكر الجامد؛ للقطع الوجداني بعدم كونه خمرا؛ لأنّها على تقدير كونها اسما لكلّ مسكر لا لمسكر خاصّ فانّما تختصّ بالمسكرات المشروبة دون المأكولة؛ فانّ البنج لاتطلق عليه الخمر أبدا - الى أن قال: - انّ المسألة اتّفاقيّة و لم يذهب أحد الى نجاسة المسكر الجامد».(2)
(مسألة 1): ألحق المشهور بالخمر العصير العنبي اذا غلى قبل أن يذهب ثلثاه و هو الأحوط و ان كان الأقوى طهارته. نعم، لا اشكال في حرمته سواء غلى بالنار أو بالشمس أو بنفسه و اذا ذهب ثلثاه صار حلالاً، سواء كان بالنار أو بالشمس أو بالهواء، بل الأقوى حرمته بمجرّد النشيش و ان لم يصل الى حدّ الغليان و لا فرق بين العصير و نفس العنب فاذا غلى نفس العنب من غير أن يعصر كان حراما. و أمّا التمر و الزبيب و عصيرهما، فالأقوى عدم حرمتهما أيضا بالغليان و ان كان الأحوط الاجتناب عنهما أكلاً، بل من حيث النجاسة أيضا.
الشرح:
في المسألة فروع:
يحرم العصير العنبي اذا غلى. يدلّ على ذلك روايات:
منها صحيحة حمّاد بن عثمان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لايحرم العصير حتّى يغلي».(1)
و منها رواية حمّاد عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن شرب العصير، قال: تشرب ما لم يغل، فاذا غلى فلاتشربه، قلت: أيّ شيء الغليان؟ قال: القلب».(2)
و منها موثّقة ذريح قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: اذا نشّ العصير أو غلى حرم».(1)
و منها صحيحة محمّد بن عاصم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لا بأس بشرب العصير ستة أيّام. قال ابن أبي عمير: معناه ما لم يغل».(2)
و المستفاد من هذه الروايات حرمة شرب العصير العنبي اذا غلى، و انّما حملنا العصير فيها على العصير العنبي؛ لأنّه المتبادر منه. و المستفاد من اطلاق الغليان هو ما اذا غلى بالنار أو بالشمس أو بالهواء أو بنفسه، بل بمجرّد النشيش و ان لم يصل الى حدّ الغليان، كما في موثّقة ذريح.
ثمّ انّ المصنّف رحمه الله قال: «لا فرق بين العصير و نفس العنب، فاذا غلى نفس العنب من غير أن يعصر كان حراما». و فيه اشكال، من أنّ الحرمة جعل على العصير و هو غير ما في نفس العنب.
الأقوى طهارة العصير العنبي اذا غلى.
قال في المستمسك: «حكي عن جماعة نجاسة العصير العنبي اذا غلى، بل عن كنز العرفان دعوى الاجماع، و عن أطعمة التنقيح الاتّفاق على أنّه بحكم المسكر. و كيف كان، فمستند النجاسة وجوه:
الأوّل: الاجماعات المذكورة، فهي معارضة بما عن الذكرى؛ فانّه - بعد ما حكى القول بالنجاسة عن ابن حمزة و المحقّق و حكى توقّف العلاّمة في النهاية -
قال: «و لم نقف لغيرهم على قول بالنجاسة».
و في مفتاح الكرامة - بعد ما حكى عن المختلف نسبة النجاسة الى أكثر علمائنا كالمفيد و الشيخ و السيّد و أبي الصلاح و سلاّر و ابن ادريس - قال: «و لعلّه ظفر به في كتبهم، و لم نظفر به».
و في المستند قال: «الذي يظهر لي أنّ المشهور بين الطبقة الثالثة - يعني طبقة متأخّري المتأخّرين - الطهارة، و بين الثانية - أي المتأخّرين - النجاسة. و أمّا الأولى - يعني القدماء - فالمصرّح منهم بالنجاسة امّا قليل أو معدوم. و كيف كان فلا مجال للاعتماد على دعوى الاجماع مع شهرة الخلاف».
الوجه الثاني لنجاسة الخمر ما دلّ على نجاسة المسكر - بناءً على أنّه منه - أو الأخبار الدالّة على أنّ العصير العنبي من الخمر، بضميمة ما دلّ على نجاسة الخمر.
ففيه: أمّا كونه مسكرا، فهو خلاف ظاهر القائلين بالطهارة و النجاسة؛ حيث جعلوه مقابلاً للخمر و سائر المسكرات، و مع الشكّ في الاسكار به لا مجال للرجوع الى عموم نجاسة المسكر. و أمّا عدّ العصير من أنواع الخمر فلايجدي؛ لاجمال المراد به.
الوجه الثالث: الأخبار المتضمّنة لنزاع آدم و نوح عليهماالسلام مع ابليس لعنه اللّه تعالى، و قد تضمّنت هذه أنّ الثلث لآدم و نوح عليهماالسلام، و الثلثين لابليس لعنه اللّه. أو صحيحة معاوية بن عمّار المرويّة في التهذيب قال: «سألت أبا عبداللّه عليه السلامعن الرجل من أهل المعرفة بالحقّ يأتيني بالبختج و يقول: قد طبخ على الثلث. و أنا أعرف أنّه يشربه على النصف، أفأشربه بقوله و هو يشربه على النصف؟ فقال عليه السلام: خمر لاتشربه ... ».
ففيه: انّ الأخبار أجنبيّة عن الدلالة على النجاسة، و ليس فيها أقلّ اشارة الى ذلك، و انّما تدلّ على الحرمة التكليفيّة - في الجملة - و ليست في مقام بيان حدود الموضوع و قيوده. و أمّا صحيحة معاوية بن عمّار فهي مرويّة في الكافي خالية
عن ذكر الخمر، و هو أضبط كما اشتهر. انتهى ملخّصا».(1)
أقول:
فالمهمّ في الاستدلال على نجاسة العصير العنبي - كما في التنقيح(2)- صحيحة معاوية بن عمّار المذكورة آنفا. و نوقش في الرواية بأنّها غير مشتملة على لفظة «خمر» في الكافي، و انّما تشتمل على قوله عليه السلام: «لاتشربه»، و عليه فلا دلالة لها على نجاسة العصير، و انّما تدلّ على حرمة شربه فحسب. و على هذا فرواية الشيخ معارضة برواية الكليني. و أصالة عدم الزيادة و ان كانت تتقدّم على أصالة عدم النقيصة، الاّ أنّ أضبطيّة الكليني في نقل الحديث تمنعنا عن ذلك. هذا مضافا الى أنّ صاحبي الوافي و الوسائل اللذين هما من مهرة فنّ الحديث و من أهل الخبرة فيه لم يكن نقلهما هذه الرواية مشتملاً على لفظة «خمر» فلا محالة يكون ذلك كاشفا عن أنّ الكتاب المذكور غير مشتمل عليها و ان اشتمل عليها بعض نسخه، و هذا الاحتمال حسن للتأييد. فالمهمّ أضبطيّة نقل الكافي. و في التنقيح جعل الروايتين متعارضتين و قال:
«لا مناص من الحكم بتساقطهما و الرجوع الى قاعدة الطهارة و هي تقتضي الحكم بطهارة العصير».(3)
و نوقش في الرواية أيضا بأنّ التنزيل لم يعلم كونه من جميع الجهات، و لعلّ قوله عليه السلام: «خمر لاتشربه»، منزّل على حرمة العصير المغلى، لا أنّها مضافة الى كونه نجسا.
يدلّ على حلّيّة العصير العنبي المغلى اذا ذهب ثلثاه روايات:
منها صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«كلّ عصير أصابته النار فهو حرام، حتّى يذهب ثلثاه و يبقى ثلثه».(1)
و صحيحة زرارة (في حديث) عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«فاذا أخذت عصيرا فطبخته حتّى يذهب الثلثان نصيب الشيطان فكل و اشرب».(2)
و موثّقة سعيد بن يسار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«انّ ابليس نازع نوحا في الكرم، فأتاه جبرئيل، فقال له: انّ له حقّا، فأعطاه الثلث، فلم يرض ابليس، ثمّ أعطاه النصف، فلم يرض فطرح جبرئيل نارا، فأحرقت الثلثين، و بقي الثلث، فقال: ما أحرقت فهو نصيبه و ما بقي فهو لك يا نوح حلال».(3)
و مرسلة محمّد بن الهيثم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن العصير يطبخ بالنار، حتّى يغلي من ساعته، أيشربه صاحبه؟ فقال: اذا تغيّر عن حاله و غلى فلا خير فيه، حتّى يذهب ثلثاه و يبقى ثلثه».(4)
و صحيحة ابن أبي يعفور عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا زاد الطلاء على الثلث فهو حرام».(1)
ففي مجمع البحرين:«في الحديث: «اذا زاد الطلاء على الثلث فهو حرام». الطلاء: ككساء ما طبخ من عصير العنب حتّى ذهب ثلثاه و يبقى ثلثه».
فالمحصّل من هذه الروايات أنّ حلّيّة العصير العنبي اذا غلى و كذا طهارته - على القول بنجاسته بالغليان - موقوفة على ذهاب ثلثيه، و ظاهر الروايات عدم الفرق بين كون الذهاب بالنار أو بالشمس أو بالهواء.
قال في المستمسك: «على المشهور شهرة عظيمة بالنسبة الى اباحة التمر و عصيره المغلى، و في الحدائق: «كاد أن يكون اجماعا، بل هو اجماع في الحقيقة». و عن غير واحد حكاية نفي الخلاف فيه عن بعضهم. نعم، في حدود الشرائع: «و أمّا التمر اذا غلى و لم يبلغ حدّ الاسكار ففي تحريمه تردّد، و الأشبه بقاؤه على التحليل حتّى يبلغ». و نحوه عن القواعد. و هذا قد يشعر بوجود الخلاف. و في الدروس: «أمّا عصير التمر فقد أحلّه بعض الأصحاب ما لم يسكر». ثمّ ذكر رواية عمّار الآتية، و ظاهره الميل الى الحرمة. و في الحدائق: «انّه حدث القول بالحرمة في الأعصار المتأخّرة». و هو ظاهر الوسائل و حكي عن ظاهر التهذيب و الشيخ سليمان البحراني، و السيّد الجزائري، و الشيخ أبي الحسن، و الأستاذ الأكبر، فانّهم اعتبروا في حلّه ذهاب الثلثين».(2)
استدلّ من ذهب الى تحريم عصير التمر و الزبيب بالغليان بروايات:
منها قوله عليه السلام في صحيحة عبداللّه بن سنان المتقدّمة:
«كلّ عصير أصابته النار فهو حرام، حتّى يذهب ثلثاه و يبقى ثلثه».(1)
و فيه: انّ الظاهر من قوله عليه السلام: «كلّ عصير»، هو كلّ فرد من أفراد عصير العنب كما فهمه الفحول من الفقهاء، و الاّ يلزم تخصيص الأكثر.
و موثّقة عمّار بن موسى عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث):
«انّه سئل عن النضوح المعتق، كيف يصنع به حتّى يحلّ؟ قال: خذ ماء التمر فأغله حتّى يذهب ثلثا ماء التمر».(2)
و موثّقة ثانية لعمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن النضوح؟ قال: يطبخ التمر، حتّى يذهب ثلثاه، و يبقى ثلثه، ثمّ يمتشطن».(3)
و في مجمع البحرين: «النضوح: طيب مائع ينقعون التمر و السكَّر و القرنقل و التفّاح و الزعفران و أشباه ذلك في قدورة فيها قدر مخصوص من الماء و يشدّ رأسها و يصبرون أيّاما حتّى ينشّر و يتخمّر، و هو شائع بين نساء الحرمين الشريفين، و كيفيّة تطيّب المرأة به أن تحطّ الأزهار بين شعر رأسها ثمّ ترشوش به الأزهار لتشتدّ رائحتها. قال: و في أحاديث أصحابنا أنّهم نهوا نساءهم عن التطيّب به، بل أمر عليه السلام باهراقه في البالوعة».
الظاهر من الروايتين بقرينة التفصيل الذي ذكر عن مجمع البحرين، أنّ النضوح المعتق هو ماء التمر الذي يكون فيه رائحة السكر، و يشهد على ذلك رواية عيثمة قال:
«دخلت على أبي عبداللّه عليه السلام و عنده نساؤه. قال: فشمّ رائحة
النضوح، فقال: ما هذا؟ قالوا: نضوح يجعل فيه الضياح. قال: فأمر به فأهريق في البالوعة».(1)
الضياح: اللبن الرقيق الممزوج بالماء.(2)
و أوضح من ذلك ما ورد في صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج قال:
«استأذنت لبعض أصحابنا على أبي عبداللّه عليه السلام فسأله عن النبيذ فقال: حلال، فقال: انّما سألتك عن النبيذ الذي يجعل فيه العكر، فيغلي ثمّ يسكن(3)، فقال أبو عبداللّه عليه السلام: قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: كلّ مسكر حرام».(4)
و في رواية محمّد بن جعفر عن أبيه (في حديث) أنّ وفد اليمن بعثوا وفدا لهم يسألون عن النبيذ، فقال لهم رسول اللّه عليه السلام:
«و ما النبيذ؟ صفوه لي. قال: يؤخذ التمر فينبذ في اناء، ثمّ يصبّ عليه الماء حتّى يمتلئ، ثمّ يوقد تحته حتّى ينطبخ، فاذا انطبخ أخرجوه فألقوه في اناء، ثمّ صبّوا عليه ماء، ثمّ مرس، ثمّ صفّوه بثوب، ثمّ ألقي في اناء، ثمّ صبّ عليه من عكر ما كان قبله، ثمّ هدر و غلى، ثمّ سكن على عكره، فقال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: يا هذا قد أكثرت عليّ، أفيسكر؟ قال: نعم. فقال: كلّ مسكر حرام، فرجع القوم، فقالوا: يا رسول اللّه انّ أرضنا أرض دوّيّة و نحن قوم نعمل الزرع، و لانقوى على ذلك(5)الاّ بالنبيذ. فقال: صفوه لي، فوصفوه كما وصفه أصحابهم، فقال
رسول اللّه صلى الله عليه و آله: فيسكر(1)؟ قالوا: نعم. قال: كلّ مسكر حرام، و حقّ على اللّه أن يسقي كلّ شارب مسكر من طينة خبال، أتدرون ما طينة خبال؟ قالوا: لا. قال: صديد أهل النار».(2)
فتحصّل أنّ التمر اذا غلى يكون طاهرا و حلالاً الاّ أن يصير مسكرا و كذا النبيذ يكون طاهرا و حلالاً الاّ أن يصير مسكرا.
قال في المستمسك: «أمّا عصير الزبيب فالمعروف فيه الحلّ و في الحدائق: «الظاهر أنّه لا خلاف فيه»، و عن جماعة حكاية الشهرة على ذلك، بل قيل: لم نعثر على قائل بالتحريم. و ان نسبه الشهيد الى بعض مشايخه، و الى بعض فضلائنا المتقدّمين، لكنّه غير معروف. و عن جماعة من المتأخّرين الحرمة قبل ذهاب الثلثين، و اختاره العلاّمة الطباطبائي قدس سره في مصابيحه، ناسبا ذلك الى الشهرة بين الأصحاب، و أنّها بين القدماء كشهرة الحلّ بين المتأخّرين. ولكن في الجواهر: «فيه نظر و تأمّل»».(3)
و استدلّ لحرمة العصير الزبيبي بجملة من الروايات:
منها رواية زيد النرسي قال:
«سئل أبو عبداللّه عليه السلام عن الزبيب يدقّ و يلقى في القدر ثمّ يصبّ عليهالماء و يوقد تحته، فقال: لاتأكله حتّى يذهب الثلثان و يبقى الثلث، فانّ النار قد أصابته، قلت: فالزبيب كما هو في القدر و يصبّ عليه
الماء ثمّ يطبخ و يصفّى عنه الماء؟ فقال: كذلك هو سواء، اذا أدّت الحلاوة الى الماء فصار حلوا بمنزلة العصير ثمّ نشّ من غير أن تصيبه النار فقد حرم، و كذلك اذا أصابته النار فأغلاه فقد فسد».(1)
و فيه: انّ الرواية ضعيفة من حيث السند؛ و ذلك لضعف زيد النرسي؛ فانّه لم يوثّق في كتب الرجال. و لو قلنا باعتباره لرواية محمّد بن أبي عمير عنه و هو من أصحاب الاجماع، فتكون ضعيفة أيضا؛ لأنّه لم تثبت صحّة أصله و كتابه الذي أسندوا الرواية اليه؛ لأنّ الصدوق و شيخه - محمّد بن الحسن بن الوليد - قد ضعّفا هذا الكتاب و قالا: «انّه موضوع». و ضعّفه محمّد بن موسى الهمداني، - على ما في التنقيح(2)- .
و منها رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى أبي الحسن عليه السلام قال:
«سألته عن الزبيب، هل يصلح أن يطبخ حتّى يخرج طعمه ثمّ يؤخذ الماء فيطبخ حتّى يذهب ثلثاه و يبقى ثلثه ثمّ يرفع فيشرب منه السنة؟ فقال: لا بأس به».(3)
و فيه: انّ الرواية أيضا ضعيفة سندا لسهل بن زياد، و دلالة لأنّ مفهوم «لا بأس» أو «به بأس» لايدلّ على الحرمة.
و منها موثّقة عمّار الساباطي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سئل عن الزبيب كيف يحلّ طبخه حتّى يشرب حلالاً؟ قال: تأخذ ربعا من زبيب فتنقّيه ثمّ تطرح عليه اثنيعشر رطلاً من ماء ثمّ تنقعه ليلة، فاذا كان من غد نزعت سلافته ثمّ تصبّ عليه من الماء بقدر ما
يغمره ثمّ تغليه بالنار غلية، ثمّ تنزع ماءه فتصبّه على الأوّل ثمّ تطرحه في اناء واحد، ثمّ توقد تحته النار حتّى يذهب ثلثاه و يبقى ثلثه و تحته النار. الحديث».(1)
و منها رواية أخرى لعمّار بن موسى الساباطي(2)، و الظاهر اتّحاد الروايتين و اختلاف نقلهما.
و منها رواية اسماعيل بن الفضل الهاشمي، و رواية اسحاق بن عمّار، و رواية عبداللّه بن سنان.(3)
و الاشكال فيها كلّها - مع ضعف سندها الاّ الموثّقة - أنّ الظاهر من مضمون هذه الروايات من حيث المجموع أنّ نظره عليه السلام صنع معجونة طبّيّة، دواءً لأمراض مختلفة و منها ما ذكر في رواية اسماعيل بن الفضل الهاشمي. و كذا نظره الشريف أنّ طبخه بالنحو الذي ذكره يمنع العصير من أن يصير مسكرا. و بالجملة لو كان عصير الزبيب مثل عصير العنب يحرم بمجرّد غليانه لكان عليه أن يقول: «لايحرم عصير الزبيب حتّى يغلى»، و نحو ذلك كما قال عليه السلام في عصير العنب.
و أمّا الاستدلال بالاستصحاب التعليقي بتقريب أنّ الزبيب حينما كان رطبا و عنبا كان عصيره اذا غلى يحرم فاذا جفّفته الشمس أو الهواء و شككنا في بقائه على حالته السابقة و عدمه فمقتضى الاستصحاب أنّه الآن كما كان، فيحكم بحرمة مائه على تقدير غليانه بل بنجاسته أيضا اذا قلنا بنجاسة العصير العنبي.
و فيه: ما يجاب به في التنقيح: «انّ الأخبار الواردة في المقام كلّها أثبتت الحرمة و كذا النجاسة - على القول بها - على عنوان العصير المتّخذ من العنب و لم يترتّبا على نفس العنب و لا على أمر آخر، و الظاهر أنّ الزبيب ليس بعصير حتّى يقال: اذا
شككنا في بقاء حكمه لجفافه و صيرورته زبيبا نستصحب بقاءه؛ لأنّ مغايرة العصير و الزبيب ممّا لايكاد يخفى على أحد، كما أنّ النبيذ - أعني الماء الذي نبذ فيه شيء من الزبيب و اكتسب حلاوته - كذلك؛ لأنّه ماء الفرات أو بئر أو مطر و انّما جاور الزبيب مقدارا من الزمان و اكتسب حلاوته و لايصدق عليه العصير العنبي أبدا، و مع التعدّد و ارتفاع الموضوع المترتّب عليه الحكم و الأثر لا مجال لاجراء الاستصحاب بوجه. نعم، لو كان العنب بنفسه موضوعا للحكم بحرمته أو بنجاسته لحكمنا بجريان استصحابهما عند صيرورة العنب زبيبا؛ لأنّ الجفاف و الرطوبة تعدّان من الحالات الطارئة على الموضوع لا من مقوّماته، فلانضايق من القول باستصحاب الأحكام المترتّبة على نفس العنب عند تبدّله بالزبيب كاستصحاب ملكيّته و نحوها. فالمتحصّل أنّ الاستصحاب التعليقي ممّا لا أصل له».(1)
و الذي ذهب اليه العلاّمة الخوئي رحمه اللهلا اشكال فيه الاّ أنّ الذي أضاف اليه بقوله: «نعم، لو كان ... »، ففيه: أنّه لو كان العنب بنفسه موضوعا للحكم أيضا لانحكم بجريان استصحاب الحكم؛ لأنّ ما يقرب الى الذهن أنّ الحكم على العنب لمائه، فاذا صار زبيبا ذهب ماؤه، فتغيّر الموضوع، و لايكون الجفاف والرطوبة من الحالات الطارئة عليه، بل من مقوّماته، بلا فرق بين عصيره و نفسه.
(مسألة 2): اذا صار العصير دبسا بعد الغليان قبل أن يذهب ثلثاه، فالأحوط حرمته و ان كان لحلّيّته وجه. و على هذا فاذا استلزم ذهاب ثلثيه احتراقه فالأولى أن يصبّ عليه مقدار من الماء فاذا ذهب ثلثاه حلّ بلا اشكال.
1) - التنقيح في شرح العروة 3: 116 و 117.
الشرح:
اذا غلى العصير يحرم كما تقدّم و لايحلّ الاّ أن يذهب ثلثاه، سواء أصبح بعد الغليان دبسا أو لم يصبح.
قال في المسالك: «لا فرق مع عدم ذهاب ثلثيه في تحريمه بين أن يصير دبسا و عدمه؛ لاطلاق النصوص باشتراط ذهاب الثلثين - الى أن قال: - و يحتمل الاكتفاء بصيرورته دبسا قبل ذلك - على امكانه - لانتقاله عن اسم العصير، كما يطهر بصيرورته خلاًّ لذلك».(1)
واستشكل في المستمسك و قال: «انّ الطهارة بالانقلاب خلاف الاطلاق، و ثبوتها بالانقلاب خلاًّ كان بالاجماع، و هو غير حاصل هنا. و يحتمل أن يكون الوجه دعوى كون المقصود من ذهاب الثلثين حاصلاً بصيرورته دبسا. و ضعفها ظاهر؛ لعدم وضوح ذلك، و اطلاق الأدلّة ينفيه. و أما دعوى انصراف مطهّريّة ذهاب الثلثين الى ما لم يصر دبسا، فلاتجدي في اثبات الطهارة بصيرورته دبسا؛ لأنّ الانصراف المذكور و ان أوجب سقوط الاطلاق الدالّ على النجاسة عن الحجّيّة، لكنّ الاستصحاب كاف في اثبات النجاسة».(2)
فالصحيح أنّ الحرمة الطارئة على العصير بغليانه لاترتفع الاّ بذهاب ثلثيه، الاّ أن يصبّ عليه مقدار من الماء فيغلي، فاذا ذهب ثلثاه نحكم بحلّيّته.
قال في التنقيح: «لايفرق في ارتفاع الحرمة بذهاب الثلثين بين غليان العصير في نفسه و بين غليانه بالماء الخارجي المصبوب عليه، فاذا فرضنا أنّ العصير عشرة كيلوات و قد أغلي و صار دبسا بعد ذهاب نصفه بالغليان، فلا مانع من أن يصبّ عليه الماء بمقدار خمسة كيلوات آخر حتّى اذا غلى و ذهب منه نصفه و هو خمسة
كيلوات، يحكم بحلّيّته؛ لأنّ الباقي ثلث المجموع المركّب من الماء و العصير».(1)
(مسألة 3): يجوز أكل الزبيب و الكشمش و التمر في الأمراق و الطبيخ و ان غلت. فيجوز أكلها بأيّ كيفيّة كانت على الأقوى.
الشرح:
و ذلك لما مرّ من عدم حرمة عصير الزبيب و الكشمش و التمر اذا غلت. بل يمكن أن يقال: يحلّ و ان قلنا بحرمة عصير الزبيب و الكشمش؛ لعدم صدق العصير على المرق و الطبيخ و الدهن الذي يغلي فيه المذكورات.
و في التنقيح: «و أمّا اذا قلنا بحرمة عصيرهما الحاقا له بالعصير العنبي في المرق أو في غيره فلا كلام أيضا في حلّيّة أكلهما؛ لأنّ الغليان لايتحقّق في غير المائعات التي تؤخذ من العنب و الزبيب. و لو فرض غليان الزبيب و الكشمش و لو بالماء أو الدهن و فرضنا صدق عنوان العصير ولو مع المقدار القليل ممّا حولهما من الدهن و المرق فأيضا لانلتزم بحرمة أكلهما في الأغذية؛ و ذلك لأنّ المحرّم حينئذٍ انّما هو المقدار القليل الذي في حولهما الاّ أنّه لمّا كان مستهلكا في بقيّة المرق و الطبيخ جاز أكله لانعدام موضوع الحرمة عرفا. انتهى ملخّصا».(2)
«العاشر»: الفقّاع و هو شراب متّخذ من الشعير على وجه مخصوص و يقال: انّ فيه سكرا خفيّا. و اذا كان متّخذا من غير الشعير فلا حرمة و لا نجاسة الاّ اذا كان مسكرا.
الشرح:
قال في المدارك: «قال في القاموس: «الفقّاع كرمّان هذا الذي يشرب، سمّي بذلك لما يرتفع في رأسه من الزبد». و ذكر المرتضى في الانتصار: «انّ الفقّاع هو الشراب المتّخذ من الشعير». و ينبغي أن يكون المرجع فيه الى العرف؛ لأنّه المحكّم فيما لم يثبت فيه وضع شرعي و لا لغوي. و الحكم بنجاسته مشهور بين الأصحاب، و به رواية ضعيفة السند جدّا. نعم، ان ثبت اطلاق الخمر عليه حقيقة كما ادّعاه المصنّف في المعتبر كان حكمه حكم الخمر».(1)
استدلّ على حرمة الفقّاع بروايات:
منها صحيحة الوشّاء قال:
«كتبت اليه - يعني الرضا عليه السلام - أسأله عن الفقّاع؟ قال: فكتب حرام، و هو خمر. الحديث».(2)
و منها موثّقة ابن فضّال قال:
«كتبت الى أبي الحسن عليه السلامأسأله عن الفقّاع؟ فقال: هو الخمر، و فيه حدّ شارب الخمر».(3)
و منها صحيحة ثانية للحسن بن علي الوشّاء عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال:
«كلّ مسكر حرام، و كلّ مخمّر حرام، و الفقّاع حرام».(4)
و منها موثّقة عمّار بن موسى قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الفقّاع؟ فقال: هو خمر».(5)
و منها موثّقة ثانية لابن فضّال قال:
1) - مدارك الأحكام 2: 293.
2) - وسائل الشيعة 25: 359 / الباب 27 من أبواب الأشربة المحرّمة / الحديث 1.
3) - وسائل الشيعة 25: 360 / الباب 27 من أبواب الأشربة المحرّمة / الحديث 2.
4) - وسائل الشيعة 25: 360 / الباب 27 من أبواب الأشربة المحرّمة / الحديث 3.
5) - وسائل الشيعة 25: 360 / الباب 27 من أبواب الأشربة المحرّمة / الحديث 4.
«كتبت الى أبي الحسن عليه السلامأسأله عن الفقّاع؟ فكتب ينهاني عنه».(1)
و منها صحيحة محمّد بن اسماعيل قال:
«سألت أبا الحسن عليه السلامعن شرب الفقّاع؟ فكرهه كراهة شديدة».(2)
و منهارواية زكريّا أبي يحيى قال:
«كتبت الى أبي الحسن عليه السلامأسأله عن الفقّاع و أصفه له. فقال: لاتشربه. فأعدت عليه كلّ ذلك أصفه له: كيف يصنع؟ قال: لاتشربه، و لاتراجعني فيه».(3)
و منها رواية الحسين القلانسي قال:
«كتبت الى أبي الحسن الماضي عليه السلام أسأله عن الفقّاع؟ فقال:لا تقربه؛ فانّه من الخمر».(4)
و منها رواية محمّد بن سنان قال:
«سألت أبا الحسن الرضا عليه السلامعن الفقّاع؟ فقال:هي الخمر بعينها».(5)
و منها رواية هشام بن الحكم، أنّه سأل أبا عبداللّه عليه السلام عن الفقّاع؟ فقال:
«لاتشربه، فانّه خمر مجهول، و اذا أصاب ثوبك فاغسله».(6)
الظاهر من هذه الروايات أنّ حرمة الفقّاع من جهة كونه خمرا، و الظاهر أنّ تنزيله منزلة الخمر لكونه مسكرا، كما دلّ عليه الصحيحة الثانية للوشّاء، و موثّقة ابن فضّال، و بناءً عليه يكون الفقّاع المسكر حراما و نجسا، و يؤيّد نجاسته قوله عليه السلامفي رواية هشام بن الحكم المتقدّمة آنفا: «و اذا أصاب ثوبك فاغسله».
1) - وسائل الشيعة 25: 362 / الباب 27 من أبواب الأشربة المحرّمة / الحديث 10.
2) - وسائل الشيعة 25: 362 / الباب 27 من أبواب الأشربة المحرّمة / الحديث 12.
3) - وسائل الشيعة 25: 360 / الباب 27 من أبواب الأشربة المحرّمة / الحديث 5.
4) - وسائل الشيعة 25: 361 / الباب 27 من أبواب الأشربة المحرّمة / الحديث 6.
5) - وسائل الشيعة 25: 361 / الباب 27 من أبواب الأشربة المحرّمة / الحديث 7.
6) - وسائل الشيعة 25: 361 / الباب 27 من أبواب الأشربة المحرّمة / الحديث 8.
و يظهر من صحيحة مرازم قال:
«كان يعمل لأبي الحسن عليه السلام الفقّاع في منزله، قال ابن أبي عمير: و لم يعمل فقّاع يغلي».(1)
أنّ الفقّاع قسمان: قسم منه حلال و قسم منه حرام، و القسم الحرام هو الذي يتّخذ من الشعير بنحو خاصّ و له اسكار، و حالته حالة الخمر، و لعلّه صنعه يزيد و سلاطين بني أميّة، ليشتبه أنّه لايشرب الخمر، و قد افتضحه الامام عليه السلام في ما رواه عنه الفضل بن شاذان قال:
«سمعت الرضا عليه السلام يقول: لمّا حمل رأس الحسين بن علي عليهماالسلام الى الشام أمر يزيدلعنه اللّه، فوضع و نصبت عليه مائدة، فأقبل هو و أصحابه يأكلون و يشربون الفقّاع، فلمّا فرغوا أمر بالرأس فوضع في طشت تحت سريره و بسط عليه رقعة الشطرنج و جلس يزيد لعنه اللّه يلعب بالشطرنج - الى أن قال: - و يشرب الفقّاع، فمن كان من شيعتنا فليتورّع من شرب الفقّاع و الشطرنج و من نظر الى الفقّاع و الى الشطرنج فليذكرالحسين عليه السلام، و ليلعن يزيد و آل زياد، يمحواللّه عزّوجلّ بذلك ذنوبه ولو كانت بعدد النجوم».(2)
و في رواية عبدالسلام بن صالح الهروي قال:
«سمعت أبا الحسن الرضا عليه السلام يقول: أوّل من اتّخذ له الفقّاع، في الاسلام بالشام يزيد بن معاوية لعنهما اللّه، فأحضر و هو على المائدة، و قد نصبها على رأس الحسين عليه السلام فجعل يشربه و يسقي أصحابه - الى أن قال: - فمن كان من شيعتنا فليتورّع عن شرب الفقّاع، فانّه شراب أعدائنا. فان لم يفعل فليس منّا، و لقد حدّثني أبي عن
آبائه عن علي بن أبي طالب عليهم السلام قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: لاتلبسوا لباس أعدائي، و لاتطعموا مطاعم أعدائي، و لاتسلكوا مسالك أعدائي فتكونوا أعدائي كما هم أعدائي».(1)
قال في التنقيح: «انّ المائع اذا كان مسكرا فلا اشكال في حرمته كما يحكم بنجاسته - ان تمّ ما استدلّ به على نجاسة مطلق المسكر - و أمّا اذا لم يكن مسكرا فالحكم بنجاسته و حرمته يحتاج الى دليل، و هو انّما قام عليهما في الشراب المتّخذ من الشعير، فيرجع في المتّخذ من غيره الى مقتضى الأصول».(2)
أقول:
و ان لم يكن مسكرا، فان كان يسمّى عندالعرف فقّاعا فيحرم؛ لاطلاق الروايات المتقدّمة و الاجماع المدّعى، و ان تقدّم أنّه ان لم يكن مسكرا فالحكم بحرمته مشكل بل الأقوى عدمه و الاحتياط حسن.
(مسألة 4): ماء الشعير الذي يستعمله الأطبّاء في معالجاتهم ليس من الفقّاع، فهو طاهر حلال.
الشرح:
قد تقدّم أنّ الفقّاع، شراب مخصوص يتّخذ من الشعير بنحو خاصّ و هو بمنزلة المسكر و بمنزلة الخمر ان كان مسكرا، و أما ماء الشعير الذي يستعمله الأطبّاء في معالجاتهم ليس من الفقّاع، فهو طاهر حلال، كما صرّح به جماعة - على ما في المستمسك(3)- منهم كاشف الغطاء، معلّلاً بأنّ الظاهر أنّه يحصل منه فتور لايبلغ حدّ السكر، و ليس ذلك في ماء الشعير.
«الحادي عشر»: عرق الجنب من الحرام، سواء خرج حين الجماع أو بعده، من الرجل أو المرأة، سواء كان من زنا أو غيره كوط ء البهيمة أو الاستمناء أو نحوها ممّا حرمته ذاتيّة، بل الأقوى ذلك في وط ء الحائض و الجماع في يوم الصوم الواجب المعيّن أو في الظهار قبل التكفير.
الشرح:
قال في الشرائع: «و في عرق الجنب من الحرام و عرق الابل الجلاّلة و المسوخ خلاف، و الأظهر الطهارة. و ما عدا ذلك فليس بنجس في نفسه و انّما تعرض له النجاسة».(1)
و في المدارك: «والمراد من عرق الجنب من الحرام مايعمّ عرقه حال الفعل و بعده، و قد اختلف الأصحاب في حكمه. فذهب الشيخان و أتباعهما و ابن بابويه الى نجاسته. و قال ابن ادريس و سلاّر، و عامّة المتأخّرين بالطهارة و هو المعتمد».(2)
و استدلّ على نجاسة عرق الجنب من الحرام بما رواه في البحار مرسلاً عن علي بن مهزيار قال:
«وردت العسكر و أنا شاكّ في الامامة، فرأيت السلطان قد خرج الى الصيد في يوم من الربيع الاّ أنّه صائف، و الناس عليهم ثياب الصيف و على أبي الحسن عليه السلاملبّادة و على فرسه تجفاف لبود، و قد عقد ذنب الفرسة و الناس يتعجّبون منه، و يقولون: ألاترون الى هذا المدني و ما قد فعل بنفسه؟ فقلت في نفسي: لو كان هذا اماما ما فعل هذا. فلمّا خرج الناس الى الصحراء لم يلبثوا أن ارتفعت سحابة عظيمة هطلت فلم يبق أحد الاّ ابتلّ حتّى غرق بالمطر، و عاد عليه السلام و
هو سالم من جميعه. فقلت في نفسي: يوشك أن يكون هو الامام، ثمّ قلت: أريد أن أسأله عن الجنب اذا عرق في الثوب، فقلت في نفسي: ان كشف وجهه فهو الامام، فلمّا قرب منّي كشف وجهه ثمّ قال: ان كان عرق الجنب في الثوب و جنابته من حرام لاتجوز الصلاة فيه، و ان كان جنابته من حلال فلا بأس. فلم يبق في نفسي بعد ذلك شبهة».(1)
و بما رواه الشهيد في الذكرى قال:
«روى محمّد بن همّام باسناده الى ادريس بن يزداد الكفرثوثي(2)أنّه كان يقول بالوقف، فدخل سرّ من رأى في عهد أبي الحسن عليه السلامفأراد أن يسأله عن الثوب الذي يعرق فيه الجنب أيصلّى فيه؟ فبينما هو قائم في طاق باب لانتظاره، اذ حرّكه أبوالحسن عليه السلامبمقرعة و قال مبتدئا: ان كان من حلال فصلّ فيه، و ان كان من حرام فلاتصلّ فيه».(3)
و رواية الفقه الرضوي:
« ... و ان عرقت في ثوبك و أنت جنب و كانت الجنابة من الحلال فتجوز الصلاة فيه و ان كانت حراما فلاتجوز الصلاة فيه حتّى تغتسل. الحديث».(4)
و روى في المبسوط مرسلاً، فقال:
«ان كانت الجنابة عن حرام روى أصحابنا أنّه لا تجوز الصلاة فيه».(5)
قال في المستمسك: «لكنّ المنسوب الى أكثر المتأخّرين - بل المشهور بينهم - الطهارة، بل عن الحلّي رحمه الله دعوى الاجماع عليها، و أنّ من قال بالنجاسة في كتاب رجع عنه في كتاب آخر. انتهى؛ و كأنّه لقصور سند الروايات المذكورة عن الحجّيّة بنحو يجوز لأجلها رفع اليد عن عموم ما دلّ على طهارة عرق الجنب. و فيه: ما عرفت من انجبار الضعف بالعمل. نعم، هي قاصرة الدلالة على النجاسة، اذ هي انّما تضمّنت المنع من الصلاة في الثوب الذي أصابه عرق الجنب من الحرام، و هو أعمّ من النجاسة، بل هو ظاهر عبارة الفقيه، و رسالة ابن بابويه، و حينئذٍ تشكل نسبة القول بالنجاسة اليهم.- الى أن قال - انّ الظاهر من السؤال في الروايات المذكورة - بمناسبة الارتكاز العرفي -، السؤال عن النجاسة و الطهارة لعرق الجنب، كما يظهر ذلك من الروايات الواردة في نفي البأس عن عرق الجنب. انتهى ملخّصا».(1)
و بازاء ما في المستمسك، قال في التنقيح: «أمّا الرواية الأولى و الثانية، فهما ضعيفتان، و الشهرة الفتوائيّة غير جابرة لسندهما - على القول بالجبر - لما نقلنا عن الحلّي قدس سرهو- هو من أعلام المحقّقين - من أنّ من ذهب الى نجاسة عرق الجنب من الحرام في كتاب ذهب الى طهارته في كتاب آخر. فالمشهور حينئذٍ هو طهارة العرق دون نجاسته.
و أما بحسب الدلالة فلأنّ الروايتين انّما تدلاّن على المنع من الصلاة في ثوب أصابه عرق الجنب من الحرام و لا دلالة له على نجاسته؛ لأنّه لازم أعمّ للنجاسة. و ممّا يبعّد نجاسة عرق الجنب من الحرام أو مانعيّته عن الصلاة أنّ السؤال في الأخبار المتقدّمة انّما هو عن عرق الجنب و لم يقع السؤال عن عرق الجنب من الحرام، و هذا كاشف عن عدم معهوديّة نجاسته الى زمان العسكري عليه السلام، و التفصيل في نجاسته أو مانعيّته بين كون الجنابة من الحلال و بين كونها من الحرام
1) - مستمسك العروة 1: 435 و 436.
انّما صدر منه عليه السلام، مع أنّه من البعيد أن تخفى نجاسته أو مانعيّته عند المسلمين الى عصر العسكري عليه السلام؛ لكثرة ابتلائهم به في تلك الأزمنة؛ لكثرة الفجرة من السلاطين و الأمراء، و بالأخصّ اذا عمّمنا الحرام الى الحرام بالعرض كوط ء الزوجة أيّام حيضها أو في نهار شهر رمضان.
كيف و قد ورد في جملة من الأخبار عدم البأس بعرق الجنب و أنّ الثوب و العرق لايجنبان، فلو كان عرق الجنب من الحرام نجسا أو مانعا عن الصلاة لورد مايدلّنا على نجاسته أو مانعيّته الى زمان العسكري عليه السلام، فمن هذا كلّه يظهر أنّه لا مناص من حمل الأخبار المانعة على التنزّه و الكراهة لاستقذار عرق الجنب من الحرام و بهذا المقدار أيضا تثبت كرامته عليه السلام و اعجازه حيث أجاب عمّا في ضمير السائل من غير أن يسبقه بالسؤال - الى أن قال: - و أمّا الاستدلال بمرسلة الشيخ فانّها غير قابلة للاعتماد؛ لضعف سندها، و ضعف دلالتها، أمّا السند فانّها من المراسيل، و أمّا الدلالة حيث انّها تقتضي نجاسة بدن الزاني و ولد الزنا، و الحال طهارة بدنهما كما تقدّم. انتهى ملخّصا».(1)
أقول:
انّ ما ذهب اليه في التنقيح من الدليل على عدم نجاسة عرق الجنب من الحرام و كذا مانعيّته عن الصلاة فيه حسن، الاّ أنّ القول بأنّ الروايتين المرويّتين عن الهادي العسكري عليه السلام مزيّفتان، و لم تصدرا عنه عليه السلام قطعا، بل ظنّا مشكل، خصوصا أنّ فيهما قرائن الصدق كما جرى على لسان العلاّمة المرحوم، و ان لم تكونا حجّة شرعيّة؛ لضعف سندهما و عدم انجبارهما بعمل المشهور، و كيف كان فالاحتياط بعدم الصلاة في الثوب الذي فيه آثار العرق بعد الجفاف أو حين ما كان رطبا لازم، الاّ أنّه لايكون نجسا. و لا فرق في ذلك العرق من كونه خرج حين الجماع أو
1) - التنقيح في شرح العروة 3: 132 و 133.
بعده؛ لصدقه بأنّه عرق الجنب من الحرام، و كذا لا فرق بين كونه خارجا من الرجل أو المرأة؛ لاطلاق الرواية. ولا فرق أيضا في كونه من زنا أو غيره كوط ء البهيمة أو الاستمناء أو نحوهما ممّا حرمته ذاتيّة. و أمّا الحرمة العرضيّة كوط ء زوجته الحائض أو الجماع في يوم الصوم الواجب المعيّن أو في الظهار قبل التكفير، فالظاهر انصراف قوله عليه السلام: «ان كان عرق الجنب في الثوب و جنابته من حرام لاتجوز الصلاة فيه، و ان كانت جنابته من حلال فلا بأس»، الى ما كان حرمته ذاتيّة. والاحتياط حسن فيه أيضا.
(مسألة 1): العرق الخارج منه حال الاغتسال قبل تمامه نجس، و على هذا فليغتسل في الماء البارد، و ان لم يتمكّن فليرتمس في الماء الحارّ و ينوي الغسل حال الخروج، أو يحرّك بدنه تحت الماء بقصد الغسل.
الشرح:
قد تقدّم أنّ العرق الخارج من الجنب من الحرام لايكون نجسا، و لذا لا بأس باغتساله في الماء الحارّ و ان خرج منه العرق حال الاغتسال. و أمّا على القول بنجاسته فعليه أن يغتسل في الماء البارد. و ان لم يتمكّن فليرتمس في الماء الحارّ اذا كان كرّا أو جاريا، و أمّا اذا كان أقلّ من الكرّ فيشكل الحكم بصحّة غسله، الاّ اذا تيقّن بل اذا شكّ في خروج العرق حين احاطة الماء بتمام بدنه.
(مسألة 2): اذا أجنب من حرام ثمّ من حلال أو من حلال ثمّ من حرام فالظاهر نجاسة عرقه أيضا خصوصا في الصورة الأولى.
الشرح:
اذا أجنب من حرام ثمّ من حلال يصدق عليه أنّه جنب من الحرام، و أنّ عرقه من الجنابة عن الحرام. و أمّا اذا أجنب من حلال ثمّ من حرام، فالمصنّف ذهب الى
أنّ الظاهر نجاسة عرقه على رأيه الشريف. و في المستمسك قال: «لايخلو من اشكال؛ لعدم الدليل على تحقّق الجنابة من الحرام بالوط ء الحرام، و ظاهر أدلّة تحقّق الجنابة بالوط ء أو الانزال كونهما ملحوظين بنحو صرف الوجود، لا الطبيعة السارية، و لذا لايظنّ الالتزام بتحقّق جنابتين من حلال أو من حرام. اللّهمّ الاّ أن يتمسّك باطلاق أدلّة السببيّة مع الاختلاف في الآثار و الأحكام، كما في المقام».(1)
أقول:
الظاهر صدق عنوان الجنب من الحرام على من أجنب أوّلاً من الحلال ثمّ أجنب من الحرام عرفا.
(مسألة 3): المجنب من حرام اذا تيمّم لعدم التمكّن من الغسل فالظاهر عدم نجاسة عرقه، و ان كان الأحوط الاجتناب عنه ما لم يغتسل. و اذا وجد الماء و لم يغتسل بعد، فعرقه نجس؛ لبطلان تيمّمه بالوجدان.
الشرح:
قال في التنقيح: «لا اشكال و لا كلام في أنّ المتيمّم متطهّر؛ لقوله عزّ من قائل في آية التيمّم: «ما يريد اللّه ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهّركم»، فانّ مسح الوجه أو الرأس بالأرض و التراب كان من الأمور المستصعبة في تلك الأزمنة؛ لأنّه نهاية الذلّ و غاية الخضوع، فبيّن سبحانه أنّه لايريد بأمره هذا أن يجعلهم في مشقّة و حرج، و انّما أراد أن يطهّرهم، فقد أطلقت الطهارة على التيمّم كماترى. و في الرواية: «انّ التيمّم أحد الطهورين»، و لولا كونه طهارة لزم التخصيص فيما دلّ على اشتراط الطهارة في الصلاة لصحّة صلاة المتيمّم و هو
1) - مستمسك العروة 1: 437.
غير متطهّر و هو آبٍ عن التخصيص، فكون التيمّم طهورا ممّا لا اشكال فيه. و انّما الكلام في أنّ الطهارة الحاصلة بالتيمّم رافعة للجنابة حقيقة الى زمان التمكّن من الماء و تعود الجنابة بعده و أنّ رافعيّته موقّتة بوقت و محدودة بحدّ، أو أنّ الطهارة الحاصلة بالتيمّم مبيحة للدخول في الصلاة فحسب. انتهى ملخّصا».(1)
أقول:
ظاهر الآية و الرواية أنّ الطهارة الحاصلة بالتيمّم رافعة لحدث الجنابة الى زمان التمكّن من استعمال الماء، و عليه فالمجنب من الحرام اذا تيمّم لعدم التمكّن من الغسل، فالظاهر عدم نجاسة عرقه - على القول بنجاسته - ، و يجوز له أن يصلّي في ثوب أصابه عرقه. و اذا وجد الماء و لم يغتسل بعد فعرقه نجس - على القول به - و لايجوز أن يصلّي في عرقه اذا كان رطبا أو وجد أثر منه عليه على الأحوط.
(مسألة 4): الصبي الغير البالغ اذا أجنب من حرام ففي نجاسة عرقه اشكال. و الأحوط أمره بالغسل اذ يصحّ منه قبل البلوغ على الأقوى.
الشرح:
اذا قلنا بنجاسة عرق الجنب من الحرام و مانعيّته للصلاة، فلا فرق بين كونه من البالغ و غير البالغ؛ لأنّ ذلك أثر وضعي له، كنفس الجنابة، و لا ربط له بالتكليف.
لايقال: انّ الصبي رفع عنه القلم و لا تكليف له و لايحتمل في حقّه العقاب الذي هو جزاء ارتكاب الحرام، و لايصدق على هذه الجنابة أنّها من حرام.
فانّه يقال: ظاهر رفع القلم عن الصبي أنّه لايكتب له الحرام ليعاقب عليه و لايدلّ على أنّ هذا الفعل ليس بحرام؛ فانّه أجنب من الحرام، فعرقه يكون نجسا و مانعا من الصلاة على القول بهما. و كيف كان لو اغتسل صحّ غسله؛ لشرعيّة عباداته.
1) - التنقيح في شرح العروة 3: 138 و 139.
«الثاني عشر»: عرق الابل الجلاّلة بل مطلق الحيوان الجلاّل على الأحوط.
الشرح:
استدلّ على نجاسة عرق الابل الجلاّلة بصحيحة حفص بن البختري عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لاتشرب من ألبان الابل الجلاّلة، و ان أصابك شيء من عرقها فاغسله».(1)
و صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لاتأكل اللحوم الجلاّلة، و ان أصابك من عرقها فاغسله».(2)
بتقريب أنّ الأمر بغسل عرق الابل الجلاّلة ظاهر في الارشاد الى نجاسته، كما في نظائر المسألة من قوله عليه السلام:
«اغسل ثوبك من أبوال ما لايؤكل لحمه».(3)
قال في المستمسك: «عرق الابل الجلاّلة نجس، كما عن الشيخين و القاضي و المنتهى، و عن الأردبيلي و تلميذه في المدارك و تلميذه في الذخيرة الميل اليه، بل نسب الى مشهور القدماء؛ للصحيحتين المذكورتين. و المحكي عن المتأخّرين الكراهة؛ لما دلّ على طهارتها و طهارة سؤرها الملازم لطهارة عرقها المؤيّد باستبعاد الفرق بينها و بين سائر ما لايؤكل لحمه، بل بين سائر الحيوانات الجلاّلة؛ لعدم الخلاف في طهارة عرقها الاّ ما حكي عن نزهة ابن سعيد. بل بين باقي فضلات نفسه عدا البول و الغائط. هذا ولكنّ العموم مخصّص، و الاستبعاد لايدخل في أدلّة الأحكام الشرعيّة - الى أن قال: - فالعمل بصحيحة الحفص متعيّن. انتهى ملخّصا».(4)
و في التنقيح قال: «انّ الابل الجلاّلة بل سائر الحيوانات الجلاّلة صارت كالحيوانات غير المأكول لحمها عرضا مادام لم يرفع الجلل عنها، و حيث انّ أجزاء الحيوانات غير المأكول لحمها ممنوعة عن الصلاة فيها، فكذلك الابل الجلاّلة بل الحيوانات الجلاّلة المأكولة لحمها. و الأمر بغسل عرقها ارشاد الى مانعيّته للصلاة، و تسمية العرق بالخصوص من بين سائر الأجزاء للابتلاء بها. و القرينة على هذا الحمل قوله عليه السلام في ابتداء الحديث الأوّل: «لاتشرب من ألبان الابل الجلاّلة»، و في الحديث الثاني: «لاتأكل اللحوم الجلاّلة ... ». انتهى ملخّصا».(1)
أقول:
يلزم ممّا ذهب اليه في التنقيح مانعيّة أجزاء الحيوان المأكول لحمها اذا صار جلاّلاً في الصلاة كما تكون أجزاء الحيوانات غير المأكول لحمها ممنوعة في الصلاة. و فيه: لو كان الأمر كذلك لم يمنعه عليه السلام شيء من أن يقول: «لاتصلّ في أجزاء الابل الجلاّلة بل سائر الحيوانات الجلاّلة مادامت لم تستبرأ»، كما قال: «لاتأكل من ألبان الابل الجلاّلة» و «لاتأكل اللحوم الجلاّلة». و كما مضى في الروايتين المنسوبتين الى العسكري عليه السلاممن قوله: «ان كان عرق الجنب في الثوب و جنابته من حرام لاتجوز الصلاة فيه». فلا بدّ امّا من حمل الأمر في قوله عليه السلام: «اغسله»، على الاستحباب كما فعله المتأخّرون، أو على ظاهره من الوجوب و يكون دليلاً على نجاسته، و الثاني ان لم يكن أقوى فهو أحوط. و أمّا بالنسبة الى عرق مطلق الحيوان الجلاّل فالاحتياط فيه حسن و هو - كما قال في المستمسك(2)- يكفي في وهن صحيحة هشام بن سالم اعراض القدماء عن ظاهرها؛ لأنّها توجب ارتفاع الوثوق المعتبر في حجّيّتها.
(مسألة 1): الأحوط الاجتناب عن الثعلب و الأرنب و الوزغ و العقرب و الفأر بل مطلق المسوخات و ان كان الأقوى طهارة الجميع.
الشرح:
قال في المستمسك: «ظاهر المحكي عن المقنعة في لباس المصلّي و مكانه نجاسة الثعلب و الأرنب، و في موضع آخر منها نجاسة الفأرة و الوزغة. و كذا عن النهاية و الوسيلة في الأربعة كلّها. و عن مصباح السيّد: النجاسة في الأرنب. و عن الحلبيّين ذلك فيه و في الثعلب. و عن القاضي ذلك فيهما و في الوزغ. و عن موضع من الفقيه و المقنع ذلك في الفأرة - الى أن قال: - فعن أطعمة الخلاف نجاسة المسوخات كلّها. و كذا عن بيعه، و بيع المبسوط و في الجواهر: «لم نعرف له دليلاً على النجاسة بالمعنى المعروف». و المشهور طهارة الجميع، بل الظاهر اجماع المتأخّرين عليه».(1)
الظاهر طهارة الثعلب و الأرنب و الوزغ و العقرب و الفأر، بل مطلق المسوخات؛ و الدليل على ذلك روايات:
منها صحيحة الفضل أبي العبّاس قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن فضل الهرّة و الشاة و البقرة، و الابل و الحمار و الخيل، و البغال و الوحش و السباع، فلم أترك شيئا الاّ سألته عنه؟ فقال: لا بأس به، حتّى انتهيت الى الكلب؟ فقال: رجس نجس لاتتوضّأ بفضله و اصبب ذلك الماء، و اغسله بالتراب أوّل مرّة ثمّ بالماء».(2)
منها صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام (في حديث) قال:
«سألته عن العظاية، و الحيّة و الوزغ يقع في الماء، فلايموت،
أيتوضّأ منه للصلاة؟ قال: لا بأس به، و سألته عن فأرة وقعت في حبّ دهن، و أخرجت قبل أن تموت، أيبيعه من مسلم؟ قال: نعم، و يدهن منه».(1)
و منها موثّقة اسحاق بن عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام، أنّ أبا جعفر عليه السلام كان يقول:
«لا بأس بسؤر الفأرة اذا شربت من الاناء، أن يشرب منه، و يتوضّأ منه».(2)
و رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليهماالسلام قال:
«سألته عن العقرب و الخنفساء، و أشباههنّ تموت في الجرّة، أو الدنّ(3)يتوضّأ منه للصلاة؟ قال: لا بأس به».(4)
و بازائها روايات تدلّ بظاهرها على النجاسة:
منها مرسلة يونس عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته هل يحلّ أن يمسّ الثعلب و الأرنب أو شيئا من السباع حيّا أو ميّتا؟ قال: لايضرّه ولكن يغسل يده».(5)
و منها صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال:
«سألته عن الفأرة الرطبة قد وقعت في الماء فتمشي على الثياب، أيصلّي فيها؟ قال: اغسل ما رأيت من أثرها، و ما لم تره انضحه بالماء».(6)
و منها صحيحة ثانية لعلي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال:
1) - وسائل الشيعة 1: 238 / الباب 9 من أبواب الأسآر / الحديث 1.
2) - وسائل الشيعة 1: 239 / الباب 9 من أبواب الأسآر / الحديث 2.
3) - الدنّ أصغر من الحبّ. هامش الوسائل
4) - وسائل الشيعة 1: 242 / الباب 10 من أبواب الأسآر / الحديث 5.
5) - وسائل الشيعة 3: 462 / الباب 34 من أبواب النجاسات / الحديث 3.
6) - وسائل الشيعة 3: 460 / الباب 33 من أبواب النجاسات / الحديث 2.
«سألته عن الفأرة و الكلب اذا أكلا من الخبز أو شمّاه، أيؤكل؟ قال: يطرح ما شمّاه و يؤكل ما بقي».(1)
و منها موثّقة عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام، أنّه سئل عن الكلب و الفأرة أكلا من الخبز و شبهه؟ قال:
«يطرح منه و يؤكل الباقي».(2)
و منها رواية هارون بن حمزة الغنوي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن الفأرة و العقرب و أشباه ذلك يقع في الماء فيخرج حيّا، هل يشرب من ذلك الماء و يتوضّأ منه؟ قال: يسكب منه ثلاث مرّات، و قليله و كثيره بمنزلة واحدة، ثمّ يشرب منه، و يتوضّأ منه، غير الوزغ، فانّه لاينتفع بما يقع فيه».(3)
و منها رواية الحسين بن زيد عن جعفر بن محمّد عن آبائه عليهم السلام(في حديث المناهي):
«انّ النبيّ صلى الله عليه و آله نهى عن أكل سؤر الفأر».(4)
و منها موثّقة سماعة قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن جرّة وجد فيها خنفساء قد ماتت؟ قال: ألقها و توضّأ منه، و ان كان عقربا فأرق الماء، و توضّأ من ماء غيره».(5)
فيحمل ظاهرها على الاستحباب؛ جمعا بينها و بين ما تقدّم من صحيحتي الفضل و علي بن جعفر و موثّقة اسحاق بن عمّار و رواية علي بن جعفر.
1) - وسائل الشيعة 3: 465 / الباب 36 من أبواب النجاسات / الحديث 1.
2) - وسائل الشيعة 3: 465 / الباب 36 من أبواب النجاسات / الحديث 2.
3) - وسائل الشيعة 1: 240 / الباب 9 من أبواب الأسآر / الحديث 4.
4) - وسائل الشيعة 1: 240 / الباب 9 من أبواب الأسآر / الحديث 7.
5) - وسائل الشيعة 1: 240 / الباب 9 من أبواب الأسآر / الحديث 6.
و في التنقيح: «انّ الأخبار الواردة في نجاسة الحيوانات المذكورة معارضة. و معها امّا أن نأخذ بمعارضاتها - لأنّها أقوى - و امّا أن نحكم بتساقطهما و الرجوع الى أصالة الطهارة و هي تقضي بطهارة الجميع. هذا، بل يمكن استفادة طهارتها من صحيحة البقباق (الفضل أبي العبّاس) المتقدّمة حيث تدلّنا على طهارة جميع الحيوانات سوى الكلب مع أنّ أكثرها ممّا حرّم اللّه أكله و من المسوخ. هذا كلّه في طهارة بدن الحيوانات المذكورة، و أمّا بولها و روثها فقد تقدّم أنّهما محكومان بالنجاسة من كل حيوان محرّم أكله».(1)
(مسألة 2): كلّ مشكوك طاهر، سواء كانت الشبهة لاحتمال كونه من الأعيان النجسة أو لاحتمال تنجّسه مع كونه من الأعيان الطاهرة. و القول بأنّ الدم المشكوك كونه من القسم الطاهر أو النجس محكوم بالنجاسة ضعيف. نعم، يستثنى ممّا ذكرنا الرطوبة الخارجة بعد البول قبل الاستبراء بالخرطات أو بعد خروج المني قبل الاستبراء بالبول فانّها مع الشكّ محكومة بالنجاسة.
الشرح:
كلّ مشكوك طاهر، سواء كانت الشبهة لاحتمال كونه من الأعيان النجسة، أو لاحتمال تنجّسه مع كونه من الأعيان الطاهرة. و الدليل على ذلك موثّقة عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث):
«كلّ شيء نظيف حتّى تعلم أنّه قذر، فاذا علمت فقد قذر، و ما لم تعلم فليس عليك».(2)
و رواية حفص بن غياث عن جعفر عن أبيه عن علي: قال:
«ما أبالي أ بول أصابني أو ماء اذا لم أعلم».(1)
و موثّقة عمّار بن موسى الساباطي، أنّه سأل أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل يجد في انائه فأرة، و قد توضّأ من ذلك الاناء مرارا، و اغتسل منه، أو غسل ثيابه، و قد كانت الفأرة متسلّخة، فقال:
«ان كان رآها في الاناء قبل أن يغتسل أو يتوضّأ أو يغسل ثيابه ثمّ فعل ذلك بعد ما رآها في الاناء، فعليه أن يغسل ثيابه و يغسل كلّ ما أصابه ذلك الماء و يعيد الوضوء و الصلاة، و ان كان انّما رآها بعد ما فرغ من ذلك و فعله فلايمسّ من ذلك الماء شيئا، و ليس عليه شيء؛ لأنّه لايعلم متى سقطت فيه. ثمّ قال: لعلّه أن يكون انّما سقطت فيه تلك الساعة التي رآها».(2)
قال في التنقيح: «طهارة ما يشكّ في طهارته و نجاسته من الوضوح بمكان و لم يقع فيها خلاف لا في الشبهات الموضوعيّة و لا في الشبهات الحكميّة. و هذا الحكم ثابت مادام لم يكن هناك أصل موضوعي يقتضي نجاسة المشكوك فيه. انتهى ملخّصا».(3)
أقول:
مراده من الشبهات الحكميّة ما اذا كانت الشبهة لاحتمال كونه من الأعيان النجسة، لا ما اذا لم يعلم حكمه كما سيأتي منه رحمه الله. و أمّا الدم المشكوك كونه من القسم الطاهر أو النجس محكوم بالطهارة، كما تقدّم في المسألة السابقة من بحث الدم. نعم، الدم الذي يرى في منقار الطيورالجوارح يكون نجسا؛ لموثّقة عمّار بن موسى عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سئل عمّا تشرب منه الحمامة؟ فقال: كلّ ما أكل لحمه فتوضّأ من سؤره و اشرب. و عن ماء شرب منه باز، أو صقر، أو عقاب؟ فقال: كلّ شيء من الطير يتوضّأ ممّا يشرب منه، الاّ أن ترى في منقاره دما، فان رأيت في منقاره دما فلاتوضّأ منه و لاتشرب».(1)
و الظاهر أنّ قوله عليه السلام: «الاّ أن ترى في منقاره دما ... » ليس من باب التعبّد، بل من جهة الغلبة و أنّ الجوارح من الطيور كالصقر و العقاب و الباز، يأكلون الجيفة. نعم، لو شكّ أنّ الدم الذي في منقاره الدم النجس أو الدم الطاهر أي دم الحيوان الذي لم يكن له نفس سائلة فنحكم بطهارته؛ للأصل.
ثمّ انّ الرطوبة الخارجة بعد البول قبل الاستبراء بالخرطات، أو بعد خروج المني قبل الاستبراء بالبول، فانّها - مع الشكّ - محكومة بالنجاسة - و ان كان مقتضى الأصل الطهارة - للنصوص الآتية في محلّها.
(مسألة 3): الأقوى طهارة غسالة الحمّام و ان ظنّ نجاستها لكن الأحوط الاجتناب عنها.
الشرح:
اختلفوا في طهارة غسالة الحمّام و نجاسته، فعن المنتهى و جامع المقاصد و مجمع البرهان، و المعالم، و الدلائل، و روض الجنان الطهارة. و عن الارشاد و بعض آخر النجاسة. و الأقوى طهارة غسالة ماء الحمّام الاّ اذا علم ملاقاته للنجاسة و لم يكن متّصلاً بالكرّ؛ و قد دلّ على طهارتها موثّقة زرارة قال:
«رأيت أبا جعفر عليه السلام يخرج من الحمّام فيمضي كما هو، لايغسل رجليه حتّى يصلّي».(2)
و صحيحة محمّد بن مسلم قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: الحمّام يغتسل فيه الجنب و غيره، أغتسل من مائه؟ قال: نعم، لا بأس أن يغتسل منه الجنب، و لقد اغتسلت فيه ثمّ جئت، فغسلت رجليّ، و ما غسلتهما الاّ ممّا لزق بهما من التراب».(1)
و موثّقة حنان قال:
«سمعت رجلاً يقول لأبي عبداللّه عليه السلام: انّي أدخل الحمّام في السحر، و فيه الجنب و غير ذلك، فأقوم، فأغتسل فينتضح عليّ بعد ما أفرغ من مائهم؟ قال: أليس هو جار؟ قلت: بلى. قال: لا بأس».(2)
و مرسلة أبي يحيى الواسطي عن أبي الحسن الماضي عليه السلام قال:
«سئل عن مجتمع الماء في الحمّام من غسالة الناس يصيب الثوب؟ قال: لا بأس».(3)
و لا تعارضها رواية حمزة بن أحمد عن أبي الحسن الأوّل عليه السلام قال:
«سألته أو سأله غيري عن الحمّام، قال: أدخله بمئزر و غضّ بصرك، و لا تغتسل من البئر التي يجتمع فيها ماء الحمّام، فانّه يسيل فيها ما يغتسل به الجنب، و ولد الزنا و الناصب لنا أهل البيت، و هو شرّهم».(4)
و مرسلة علي بن الحكم عن أبي الحسن عليه السلام (في حديث) أنّه قال:
«لاتغتسل من غسالة ماء الحمّام؛ فانّه يغتسل فيه من الزنا، و يغتسل
فيه ولد الزنا و الناصب لنا أهل البيت و هو شرّهم».(1)
و رواية ابن أبي يعفور عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لاتغتسل من البئر التي تجتمع فيها غسالة الحمّام فانّ فيها غسالة ولد الزنا و هو لايطهر الى سبعة آباء، و فيها غسالة الناصب و هو شرّهما؛ انّ اللّه لم يخلق خلقا شرّا من الكلب، و انّ الناصب أهون على اللّه من الكلب».(2)
و ذلك لأنّ هذه الروايات ضعيفة من جهة السند، و أمّا من جهة الدلالة فلم يعلم أوّلاً: أنّ المراد من البئر التي يجتمع فيها ماء الحمّام ماذا؟ فلعلّه كان في زمن المعصوم تلك البئر التي أشار اليها الامام عليه السلام.
و ثانيا: فلعلّ مراد الامام من المنع عن الاغتسال فيها من جهة القذارة المعنويّة كما لعلّه يشهد بذلك رواية محمّد بن علي بن جعفر عن أبي الحسن الرضا عليه السلام (في حديث) قال:
«من اغتسل من الماء الذي قد اغتسل فيه فأصابه الجذام فلايلومنّ الاّ نفسه. فقلت لأبي الحسن عليه السلام: انّ أهل المدينة يقولون: انّ فيه شفاء من العين. فقال: كذبوا يغتسل فيه الجنب من الحرام، و الزاني و الناصب الذي هو شرّهما و كلّ من خلق اللّه، ثمّ يكون فيه شفاء من العين؟!».(3)
و ثالثا: تحمل هذه الروايات على الكراهة جمعا بينها و بين الطائفة الأولى الناطقة بعدم البأس بغسالة ماء الحمّام.
(مسألة 4): يستحبّ رشّ الماء اذا أراد أن يصلّي في معابد اليهود و النصارى مع الشكّ في نجاستها و ان كانت محكومة بالطهارة.
الشرح:
يستحبّ رشّ الماء عند الصلاة في معابد اليهود و النصارى و كذلك بيوتهم و بيوت المجوس و ان لم يكن له شاكّا في نجاستها؛ لصحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن الصلاة في البيع و الكنائس و بيوت المجوس؟ فقال: رشّ و صلّ».(1)
و قد قيّد الماتن استحباب رشّ الماء بالشكّ في نجاستها، و النصّ خال من هذا القيد كما ترى، و كذا في صحيحتين أخريين عن عبداللّه بن سنان الواردتين بعين الرواية المذكورة. و لعلّه نوع من التنزّه عن اليهود و النصارى و المجوس بفعل ما يشعر به و الاّ فليس رشّ الماء رافعا للنجاسة لو كان المكان نجسا بل موجبا للسراية ان صار رطبا.
(مسألة 5): في الشكّ في الطهارة و النجاسة لايجب الفحص بل يبني على الطهارة اذا لم يكن مسبوقا بالنجاسة. و لو أمكن حصول العلم بالحال في الحال.
الشرح:
قد تقدّم في المسألة الثانية من مبحث عرق الابل الجلاّلة عدم وجوب الفحص عن الشبهات الموضوعيّة و كذا الدليل عليه.
قال في التنقيح: «الشبهة قد تكون حكميّة كما اذا شككنا في نجاسة الخمر أو
1) - وسائل الشيعة 5: 138 / الباب 13 من أبواب مكان المصلّي / الحديث 2.
المسكر أو عرق الجنب من الحرام أو عرق الجلاّل و نحوها ممّا وقع الشكّ في نجاسته و طهارته، و لا اشكال حينئذٍ في وجوب الفحص و النظر و أنّه ليس للمجتهد أن يفتي بطهارة شيء أو بنجاسته الاّ بعد الفحص و اليأس عن الظفر بالدليل؛ و ذلك لأنّ أدلّة اعتبار قاعدة الطهارة و غيرها من الأصول و ان كانت مطلقة الاّ أنّ مقتضى الأدلّة العقليّة و النقليّة المذكورتين في محلّهما عدم جريانها قبل الفحص عن الدليل، فبهما نقيّد اطلاقاتها بما بعد الفحص عن الدليل. و قد تكون الشبهة موضوعيّة ففي جميع الشبهات الموضوعيّة تجري أصالة الطهارة من غير فحص. انتهى ملخّصا».(1)
1) - التنقيح في شرح العروة 3: 153 و 154.
طريق ثبوت النجاسة أو التنجّس العلم الوجداني أو البيّنة العادلة و في كفاية العدل الواحد اشكال فلايترك مراعاة الاحتياط، و تثبت أيضا بقول صاحب اليد بملك أو اجارة أو اعارة أو أمانة، بل أو غصب. و لا اعتبار بمطلق الظنّ و ان كان قويّا، فالدهن و اللبن و الجبنّ المأخوذ من أهل البوادي محكوم بالطهارة و ان حصل الظنّ بنجاستها بل قد يقال بعدم رجحان الاحتياط بالاجتناب عنها بل قد يكره أو يحرم اذا كان في معرض حصول الوسواس.
الشرح:
قد تقدّم في المسألة السادسة في الفصل المتعرّض فيه لأحكام البئر أنّ حجّيّة العلم و كاشفيّته ذاتيّة ليست بجعل جاعل. و قد دلّ على اعتبار البيّنة العادلة بمعنى
شهادة الشاهدين في جميع الموضوعات الاّ ما خرج بالدليل، الكتاب و السنّة، كقوله تعالى: «و أشهدوا ذوي عدل منكم»(1)للشهادة حين الطلاق. و قوله
1) - الطلاق 65: 2.
تعالى في سورة المائدة: «يا أيّها الذين آمنوا شهادة بينكم اذا حضر أحدكم الموت حين الوصيّة اثنان ذوا عدل منكم »(1)و قوله تعالى: «يا أيّها الذين آمنوا لاتقتلوا الصيد و أنتم حرم و من قتله منكم متعمّدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة».(2)
و من السنّة رواية عبداللّه بن سليمان عن أبي عبداللّه عليه السلام في الجبنّ قال:
«كلّ شيء لك حلال، حتّى يجيئك شاهدان يشهدان أنّ فيه ميتة».(3)
و رواية مسعدة بن صدقة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سمعته يقول: كلّ شيء هو لك حلال حتّى تعلم أنّه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك، و ذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته و هو سرقة، أو المملوك عندك و لعلّه حرّ قد باع نفسه، أو خدع فبيع قهرا، أو امرأة تحتك و هي أختك أو رضيعتك، و الأشياء كلّها على هذا حتّى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البيّنة».(4)
و قد ثبت في كتاب القضاء أنّ المدّعي اذا أقام بيّنة أي شاهدين عدلين لدعواه يحكم القاضي له. و هذا أي القبول من الشاهدين العدلين في الموضوعات كلّها و اثباتها بهما ممّا لاينكر الاّ في موارد معيّنة من الحدود.
و أمّا بالنسبة الى خبر العدل الواحد والثقة، فقد قال في التنقيح: «التحقيق أنّ خبر العدل الواحد كالبيّنة يعتبر في الموضوعات الخارجيّة كما يعتبر في الأحكام. و الوجه فيه أنّ عمدة الدليل على حجّيّة خبر العدل في الأحكام انّما هي السيرة العقلائيّة القائمة على الأخذ بأقوال الموثّقين فيما يرجع الى معاشهم و معادهم، و
قد أمضاها الشارع بعدم الردع عنها، و من الظاهر عدم اختصاص سيرتهم هذه بباب دون باب؛ لأنّ حال الموضوعات الخارجيّة و الأحكام عندهم على حدّ سواء، و قد جرت سيرتهم على الركون و الاعتماد على أخبار الثقات في جميع ما يرجع الى معاشهم و معادهم و بها يثبت اعتبار خبره في الموضوعات التي منها بوليّة مائع أو تنجّسه و نحوهما».(1)
أقول:
انّ السيرة العقلائيّة القائمة على الأخذ بأقوال الموثّقين، هي أحد الدلائل التي استدلّ على حجّيّة قول العدل الواحد بل الثقة، و ثانيها الروايات الواردة عن المعصوم في الأخذ بقول الثقة - حينما سئل عنه عليه السلام عمّن آخذ معالم ديني؟ - كما مرّت الاشارة الى بعضها في المسألة السادسة في الفصل المتعرّض لأحكام البئر. و كذا الآيات التي استدلّ بها على الأخذ بقول العدل الواحد أو الثقة التي ذكرت في الدلائل على حجّيّة الخبر الواحد.
و تثبت أيضا بقول صاحب اليد بملك أو اجارة أو اعارة أو أمانة، بل أو غصب كما تقدّم في المسألة السادسة في أحكام البئر.
قال في التنقيح: «بعد البناء على ثبوت النجاسة باخبار الثقة لايبقى مجال للبحث عن ثبوتها باخبار ذي اليد اذا كان ثقة، فلابدّ حينئذٍ من فرض الكلام فيما اذا لم يعلم وثاقته، فنقول: لا اشكال في اعتبار اخباره عمّا بيده سواء أ كان مالكا لعينه أم لمنفعته أو للانتفاع أو لم يكن مالكا له أصلاً كما اذا غصبه؛ و هذا للسيرة العقلائيّة حيث جرت من لدن آدم عليه السلامالى زماننا هذا. على أنّ من أخبر ممّا هو تحت سلطانه أو عن شؤونه و كيفيّاته يعتمد على اخباره و يعامل معه معاملة العلم بالحال، و من جملة شؤونه و كيفيّاته نجاسته و طهارته، و لم يرد ردع عنها في
1) - التنقيح في شرح العروة 3: 156.
الشريعة المقدّسة، فبذلك يثبت اعتبار قوله و اخباره. انتهى ملخّصا».(1)
و أمّا بالنسبة الى عدم اعتبار مطلق الظنّ، و ان كان قويّا اذا لم يبلغ مرتبة الاطمئنان المعبّر عنه بالعلم العاديّ العقلائي الذي يكون احتمال خلافه موهونا، فلقوله تعالى: «انّ الظنّ لايغني من الحقّ شيئا»(2)بناءً على أنّ اطلاقه يشمل الظنّ بالنجاسة، و كذا قوله تعالى:«و لاتقف ما ليس لك به علم»(3)، فالظنّ المطلق ليس بحجّة كما برهن في الأصول، فهو كالشكّ، فان كان له حالة سابقة من الطهارة أو النجاسة فتستصحب، و الاّ كان موردا لأصالة الطهارة.
و أمّا قول المصنّف: «بل قد يقال بعدم رجحان الاحتياط بالاجتناب عنها، بل قد يكره، أو يحرم اذا كان في معرض حصول الوسواس»، فالظاهر أنّ مراده أنّ الاحتياط حسن على كلّ حال في أيّ موضوع كان كما هو جار في الأحكام، الاّ اذا عرض عليه عارض موجب لأن يحكم عليه بالكراهة أو الحرمة بالعنوان الثانوي، فمثاله - كما في التنقيح - اذا شكّ في طهارة ماء و نجاسته، فانّ الاحتياط بعدم التوضّؤ منه انّما يحسن فيما اذا كان عنده ماء آخر، و أمّا اذا كان الماء منحصرا فيه؛ فانّ الاحتياط حينئذٍ بعدم التوضّؤ منه ممّا لا اشكال في حرمته و مرجوحيّته؛ لأنّ ذلك الماء محكوم بالطهارة لأصالة الطهارة، و يجب عليه الوضوء فيحرم عليه اهراقه، و لو كان و الحال هذه لايصحّ منه التيمّم؛ لوجدان الماء. نعم، لو أهرقه و لم يكن بعد ذلك ماء و ان ارتكب الحرام الاّ أنّ عليه التيمّم للصلاة ان لم يجد الماء.
هل يكون العمل على طبق الوسوسة محرّما شرعيّا، فاذا توضّأ ثمّ توضّأ و هكذا، أو غسل ثوبه مرّة بعد مرّة، أو بدنه كذلك، هل فعل حراما بحيث نحكم بفسقه و سقوطه بذلك عن العدالة، فيما اذا التفت الى وسوسته التي هي مرتبة ضعيفة من الوسواس دون ما اذا لم يلتفت اليها و اعتقد صحّة عمله و بطلان عمل غيره الذي هو مرتبة أعلى منه؟
قال في التنقيح: «الظاهر عدم حرمة الجري على طبق الوسوسة و ان التزم بعضهم بحرمته؛ و ذلك لعدم الدليل على حرمته في نفسه، الاّ أن يستلزم عنوانا محرّما كما اذا استلزم تأخير الصلاة عن وقتها - و هو الذي يتّفق في حقّ الوسواسي -، أو موجبا لتفويت واجب آخر، أو لاستلزامه اختلال النظام أو الهلاكة و نحوهما. انتهى ملخّصا».(1)
أقول:
قد وردت روايات عن المعصوم و نهى فيها عن اطاعة الشيطان في الوسوسة كصحيحة عبداللّه بن سنان قال:
«ذكرت لأبي عبداللّه عليه السلام رجلاً مبتلى بالوضوء و الصلاة، و قلت: هو رجل عاقل، فقال أبوعبداللّه عليه السلام: و أيّ عقل له و هو يطيع الشيطان؟ فقلت له: و كيف يطيع الشيطان؟ فقال: سله، هذا الذي يأتيه من أيّ شيء هو؟ فانّه يقول لك: من عمل الشيطان».(2)
و قوله عليه السلام في ذيل صحيحة زرارة:
«انّما يريد الخبيث أن يطاع، فاذا عصي لم يعد الى أحدكم».(1)
و قوله عليه السلام في رواية علي بن أبي حمزة - في عدم الاعتناء بالشكّ - :
«فليمض في صلاته و يتعوّذ من الشيطان فانّه يوشك أن يذهب عنه».(2)
فما هو الظاهر من الروايتين الأخيرتين الارشاد و الحذر من أن يقع في كيد الشيطان بحيث لايمكنه الخروج منه، كما أنّ الصحيحة الأولى تكون في حال من وقع في كيده و لايتمكّن من الخروج أو يتعسّر عليه.
فالمتحصّل أنّ الحكم بحرمة الجري على طبق الوسوسة مشكل، الاّ اذا كان جريه عليه بنحو لا بدّ من الوقوع فيه، فحينئذ لايبعد الحكم بحرمته بل هو حرام في بعض الموارد.
ففي المستمسك - في ذيل قول المصنّف: «يحرم اذا كان في معرض حصول الوسواس» - قال: «مجرّد المعرضيّة للمقدّميّة للحرام لاتوجب حرمة المقدّمة، الاّ أن يكون الحرام بالغا في الاهتمام حدّا يستوجب الحذر من الوقوع فيه، و منه الضرر في النفس، فانّ الظاهر التسالم على حرمة ما يظنّ ترتّب الضرر عليه فلاحظ كلماتهم في كتاب الصوم. بل ظاهر صحيحة حريز: «الصائم اذا خاف على عينه من الرمد أفطر»، وجوب الافطار بمجرّد احتمال الضرر، احتمالاً معتدّا به بنحو يصدق معه الخوف. اللّهمّ الاّ أن يكون الأمر بالافطار للرخصة؛ لكون المورد من موارد توهّم الحرمة؛ فلا تدلّ الصحيحة على الوجوب. هذا، و ثبوت الأهمّيّة لحرمة الوسواس على نحو يستوجب الحذر غير ظاهر. كما أنّ كون الوسواس من قبيل الضرر على النفس الذي يحرم الوقوع فيه لايخلو من تأمّل».(3)
أقول:
الظاهر أنّ المبتلى بالوسواس مريض، و هذا المرض يوجب الضرر على النفس غالبا، و الاسراف في استعمال الماء و تضييع الوقت المنجرّ الى تفويت تحصيل القوت و النفقة لواجبي النفقة، و أذيّة والديه و زوجته و غيرهم ممّن يعاشرهم و يستلزم سوء الظنّ بالمؤمنين، و تفويت وقت الصلاة و غيرها ممّا يكون حراما أو مستلزما للحرام، و مع هذه الأمور فلا يبعد أن يقال بحرمة الجري على طبق الوسواس اذا كان منجرّا الى سقوطه في هذه الدركات.
(مسألة 1): لا اعتبار بعلم الوسواسي في الطهارة و النجاسة.
الشرح:
قد تقدّم آنفا أنّ المبتلى بالوسواس مريض، فان كان وسواسه بالنسبة الى النجاسة و الطهارة، بأن يتخيّل كلّ شيء نجسا، الاّ ما طهّره بمرّات عديدة في الكرّ أو الجاري، و مع ذلك قد لايطمئنّ بطهارته، فقول هذا المريض المبتلى لا اعتبار به اذا قال: انّي أعلم بنجاسة هذا الشيء. نعم، لايبعد اعتباره اذا قال بطهارة شيء. و أمّا بالنسبة الى نفسه، فأيضا لا اعتبار به و ان ادّعى العلم بنجاسة شيء، فيجب عليه ترك الوسواس و مخالفة علمه بتخيّله أنّه علم، و يستعمل الثياب و الأواني و ان علمها نجسة، و لايتحرّز عن الأمكنة و الأشخاص و ان علم أنّ الأمكنة نجسة و الأشخاص أنجاس، و مادام في هذا الحال فهو مطيع للشيطان و تابع له، و نستجير باللّه العظيم و نستعيذه من الشيطان الرجيم.
(مسألة 2): العلم الاجمالي كالتفصيلي، فاذا علم بنجاسة أحد الشيئين يجب الاجتناب عنهما الاّ اذا لم يكن أحدهما محلاًّ لابتلائه، فلايجب الاجتناب عما هو محلّ الابتلاء أيضا.
الشرح:
العلم الاجمالي كالعلم التفصيلي؛ و ذلك لأنّه علم حقيقة و يكون حجّة للمولى على العبد و بالعكس، فاذا علم بنجاسة أحد الشيئين يجب الاجتناب عنهما، و لو ارتكب أحدهما و صادف الواقع لم يكن معذورا، كما أنّه لو كان هناك ماءان علم بنجاسة أحدهما، فلا يجوز له التوضّؤ بأحدهما و لو توضّأ بطل وضوؤه؛ لأنّ من شرائط الوضوء احراز طهارة الماء، و لذلك اذا كان الماء منحصرا فيهما فورد عن المعصوم عليه السلام: «يهريقهما جميعا و يتيمّم». نعم، اذا لم يكن أحد الانائين أو أحد الشيئين المذكورين محلاًّ لابتلائه، لايجب الاجتناب عن هذا؛ لأنّه يكون من الشكّ البدوي، فكأنّه شكّ في نجاسة هذا الشيء و طهارته فتجري أصالة الطهارة، فلايكون الآخر الخارج عن محلّ ابتلائه معارضا؛ لأنّ العرف لايراه عدلاً لهذا حتّى يكون موردا لاجراء الأصل.
(مسألة 3): لايعتبر في البيّنة حصول الظنّ بصدقها. نعم، يعتبر عدم معارضتها بمثلها.
الشرح:
قال المصنّف: «لايعتبر في البيّنة حصول الظنّ بصدقها»؛ و لعلّه لأنّ الدليل على اعتبارها من الكتاب و السنّة مطلق و لم يقيّد بحصول الظنّ بصدقها، فاذا علم عدالة الشاهدين و شهدا على نجاسة شيء فهو المتّبع، كما يكون العدل الواحد هكذا، بل الثقة، فاذا علم أنّه ثقة فلايلزم حصول الظنّ بصدقه؛ و يشكل بأنّه اذا علم عدالة البيّنة فلا معنى لعدم حصول الظنّ بصدقها. اللّهمّ الاّ اذا شكّ في
عدالتهما بعد ما كانا عادلين فتستصحب.
ثمّ انّه اذا ابتليت البيّنة بالمعارض فلاتكون حجّة؛ لتكاذبهما، و رجحان أحدهما يكون من الترجيح بلا مرجّح فتتساقطان.
(مسألة 4): لايعتبر في البيّنة ذكر مستند الشهادة. نعم، لو ذكرا مستندها و علم عدم صحّته لم يحكم بالنجاسة.
الشرح:
لايعتبر في البيّنة ذكر مستند الشهادة - بأن يقولا مثلاً انّ هذا الحيوان ميتة - اذا احتمل خطؤهما؛ لأصالة عدم الخطأ. نعم، لو كان الشيء الفلاني محلاًّ للخلاف بين الفقهاء من جهة الحكم، فيحتمل أن يكون شهادتهما بطهارته من جهة نظرهما ان كانا مجتهدين أو مقلّدهما - لا من جهة الموضوع - و الحال أن نظر المشهود له أو مقلّده نجاسته فحينئذ لايكون شهادتهما حجّة له الاّ اذا ذكرا مستند الشهادة؛ لانصراف الدليل عن هذا. ثمّ انّه في الصورة الأولى لو ذكرا مستندهما، و علم المشهود له عدم صحّته لم يحكم بالنجاسة؛ لعلمه بالخطأ.
(مسألة 5): اذا لم يشهدا بالنجاسة بل بموجبها كفى و ان لم يكن موجبا عندهما أو عند أحدهما، فلو قالا: انّ هذا الثوب لاقى عرق المجنب من حرام أو ماء الغسالة، كفى عند من يقول بنجاستهما و ان لم يكن مذهبهما النجاسة.
الشرح:
اذا لم يشهدا بالنجاسة بل بموجبها كما لو قالا: انّ هذا الثوب لاقى عرق المجنب من الحرام:
فتارة: يكون عندهما نجسا اجتهادا أو تقليدا، فلا كلام و لا اشكال في كفاية ذلك اذا كان عرق المجنب من الحرام نجسا عند المشهود له، و كأنّهما شهدا
بنجاسة الثوب.
و أخرى: لم يكن عرق المجنب من الحرام نجسا عندهما أو أحدهما، فالظاهر أيضا كفاية كونه نجسا عند المشهود له فتثبت نجاسته بشهادتهما؛ و ذلك لأنّ المهمّ عند المشهود له اثبات نجاسة الثوب بالبيّنة و قد حصل.
(مسألة 6): اذا شهدا بالنجاسة و اختلف مستندهما كفى في ثبوتها و ان لم تثبت الخصوصيّة، كما اذا قال أحدهما: انّ هذا الشيء لاقى البول، و قال الآخر: انّه لاقى الدم، فيحكم بنجاسته. لكن لايثبت النجاسة البوليّة و لا الدميّة، بل القدر المشترك بينهما، لكن هذا اذا لم ينف كلّ منهما قول الآخر بأن اتّفقا على أصل النجاسة. و أمّا اذا نفاه كما اذا قال أحدهما: انّه لاقى البول، و قال الآخر: لا بل لاقى الدم، ففي الحكم بالنجاسة اشكال.
الشرح:
اذا شهدا بالنجاسة و اختلف مستندهما:
فتارة: ينفي كلّ منهما قول الآخر، سواء كان ذلك بالقول كأن يقول أحدهما: انّه لاقى البول، و قال الآخر: لا بل لاقى الدم، أو علم ذلك من حالهما، فذهب المصنّف الى أنّ في الحكم بالنجاسة اشكالاً؛ و لعلّه لتعارضهما. و الظاهر أنّه اذا اتّفقا في أصل النجاسة لم يكن هناك اشكال، الاّ أنّ ذلك فيما اذا شكّ أحدهما أو كلاهما في أنّ موجبها البول أو الدم، و في غير هذه فالاشكال بحاله، فلا بأس باجراء أصالة الطهارة.
و أخرى: شهد أحدهما بأنّ هذا لاقى البول، و شهد ثانيهما بأنّه لاقى الدم، و لم يكن مثل الصورة الأولى بأن ينفي موجب الآخر بالقول أو الحال، فان احتمل اشتباه أحدهما بالموجب، و ظاهر قولهما نجاسة ذلك الشيء عندهما فتثبت النجاسة الاّ أنّه كما قال المصنّف لاتثبت النجاسة البوليّة و لا الدميّة، بل القدر المشترك بينهما.
(مسألة 7): الشهادة بالاجمال كافية أيضا كما اذا قالا: أحد هذين نجس فيجب الاجتناب عنهما. و أمّا لو شهد أحدهما بالاجمال و الآخر بالتعيين كما اذا قال أحدهما: أحد هذين نجس، و قال الآخر: هذا معيّنا نجس، ففي المسألة وجوه: وجوب الاجتناب عنهما، و وجوبه عن المعيّن فقط و عدم الوجوب أصلاً.
الشرح:
لو شهد شاهدان على نجاسة شيء بالاجمال، كما اذا قالا: أحد هذين نجس، فيجب الاجتناب عنهما؛ لأنّ البيّنة كالعلم، و قد ثبت في محلّه أنّ العلم الاجمالي حجّة كالتفصيلي، فكذا البيّنة التي تقوم مقامه.
و أمّا لو شهد أحدهما بالاجمال و قال: أحد هذين نجس، و قال الآخر: هذا معيّنا نجس، فالظاهر عدم وجوب الاجتناب عنهما؛ لأنّ شهادتهما هذه لاترجع الى وجه مشترك.
أمّا القول بأنّ هذا المعيّن نجس على قولهما لأنّه نجس امّا على التفصيل أو على الاجمال، فمدفوع بأنّ الشهادة في المقام على التعيين واحدة و على الاجمال أيضا واحدة، فلا اعتبار بهما.
نعم، اذا علم من بيده الاناء بنجاسته امّا معيّنا و امّا مردّدا بينه و بين غيره أو شهد شاهدان على ذلك بأن شهدا على أنّه نجس امّا معيّنا أو مردّدا بينه و بين غيره فالمرجع هو الدوران بين التعيين و الترديد الذي يقدّم فيه جانب التعيين كما لايخفى.
(مسألة 8): لو شهد أحدهما بنجاسة الشيء فعلاً، و الآخر بنجاسته سابقا مع الجهل بحاله فعلاً، فالظاهر وجوب الاجتناب. و كذا اذا شهدا معا بالنجاسة السابقة لجريان الاستصحاب.
الشرح:
لو شهد أحدهما بنجاسة الشيء فعلاً و الآخر بنجاسته سابقا مع الجهل بحاله فعلاً، فقال المصنّف: «فالظاهر وجوب الاجتناب». و في المستمسك: «كأنّ وجهه أنّ لازم شهادة الثاني نجاسته فعلاً بالاستصحاب، و مؤدّى شهادة الأوّل نجاسته واقعا فعلاً، فيكون مجموع الشهادتين حاكيا عن أحد الأمرين من النجاسة الفعليّة الواقعيّة و الظاهريّة، و اللازم المشترك بينهما وجوب الاجتناب. هذا اذا لم يعلم ببقاء نجاسته فعلاً على تقدير ثبوت نجاسته سابقا، و الاّ كان لازم شهادة الثاني نجاسته فعلاً، فتكون النجاسة في الحال مشهودا بها لهما لأحدهما بالمطابقة، و للآخر بالالتزام».(1)
أقول:
الظاهر عدم وجوب الاجتناب ان لم نقل بكفاية شهادة العدل الواحد؛ و ذلك لأنّ الشهادة تجب أن تكون عن حسّ لا عن حدس، أو اجراء أصل. و أمّا لو شهدا معا بالنجاسة السابقة، فان قلنا بأنّ البيّنة تكون قائمة مقام العلم و اليقين في قوله عليه السلام: «لاتنقض اليقين أبدا بالشكّ و انّما تنقضه بيقين آخر»(2)، كما هو الحقّ فيجري في المشهود له الاستصحاب، فيحكم بنجاسة ذلك الشيء، و ان لم نقل كذلك، فلايجري الاستصحاب.
قال في التنقيح: «انّ الأمارة اذا قامت على طهارة ما علمنا بنجاسته بالوجدان
سابقا، كما أنّه يمنع عن جريان استصحاب النجاسة فيه؛ لأنّه من نقض اليقين باليقين، كذلك اذا قامت على نجاسة شيء أو طهارته حدوثا؛ لأنّها علم تعبّدي فلايجوز نقضه بالشكّ فيستصحب حكمها؛ لبداهة أنّه لا فرق في اليقين السابق بين الوجداني و التعبّدي، فانّ اطلاق اليقين يشملهما، فاذا أخبرت البيّنة عن نجاسته سابقا فلا مانع من استصحابهما؛ لأنّها يقين تعبّدي».(1)
(مسألة 9): لو قال أحدهما: انّه نجس، و قال الآخر: انّه كان نجسا و الآن طاهر، فالظاهر عدم الكفاية و عدم الحكم بالنجاسة.
الشرح:
قد تقدّم في المسألة السابقة أنّه لو شهد أحدهما بأنّه نجس فعلاً، و قال الآخر: انّه كان نجسا و أظهر الجهل بالنسبة الى الحال، فلايحكم بنجاسته. و بعد ذلك اذا قال أحدهما: انّه نجس، و قال الآخر: انّه كان نجسا و الآن طاهر فبطريق أولى لانحكم بنجاسته. و لو قلنا بكفاية العدل الواحد، فتتعارض شهادتهما، فتتساقطان، فتجري أصالة الطهارة.
(مسألة 10): اذا أخبرت الزوجة أو الخادمة أو المملوكة بنجاسة ما في يدها من ثياب الزوج أو ظروف البيت كفى في الحكم بالنجاسة. و كذا اذا أخبرت المربّية للطفل أو المجنون بنجاسته أو نجاسة ثيابه، بل و كذا لو أخبر المولى بنجاسة بدن العبد أو الجارية أو ثوبهما مع كونهما عنده أو في بيته.
قد تقدّم في مبحث المياه في المسألة السادسة من الفصل المتعرّض لأحكام البئر، الدليل على حجّيّة اخبار ذي اليد بما في يده و كذا في ابتداء هذا الفصل. و
1) - التنقيح في شرح العروة 3: 176.
الظاهر أنّه لا فرق بين المربّية و غيرها من أمّه و أبيه و سائر من في البيت الذي هو فيه كما في المستمسك.(1)
(مسألة 11): اذا كان الشيء بيد شخصين كالشريكين يسمع قول كلّ منهما في نجاسته. نعم، لو قال أحدهما: انّه طاهر، و قال الآخر: انّه نجس، تساقطا كما أنّ البيّنة تسقط مع التعارض. و مع معارضتها بقول صاحب اليد تقدّم عليه.
الشرح:
اذا كان الشيء بيد شخصين كالشريكين يسمع قول كلّ منهما في نجاسته؛ لصدق أنّ قوله قول ذي اليد، فيشمل دليل حجّيّة قول ذياليد لكلّ منهما. نعم، لو قال أحدهما: انّه نجس، و قال الآخر: انّه طاهر، يسقط قولاهما بتعارضهما كما تسقط البيّنتان مع التعارض، فالمرجع حينئذٍ أصالة الطهارة. و لو تعارضت البيّنة قول صاحب اليد، تقدّمت البيّنة - كما تقدّم في الفصل المتعرّض لأحكام البئر - ؛ لقصور دليل حجّيّة قول المالك عن صورة التعارض المذكور؛ فانّ دليل البيّنة الكتاب و السنّة و دليل اليد السيرة، و هي دليل لبّي لايشمل المورد. مضافا الى ما يستفاد ممّا دلّ على القضاء بالبيّنة في مقابل دعوى ذياليد الملكيّة لنفسه أو لغيره.
(مسألة 12): لا فرق في اعتبار قول ذي اليد بالنجاسة بين أن يكون فاسقا أو عادلاً، بل مسلما أو كافرا.
الشرح:
قال في التنقيح: «انّ عدالة صاحب اليد و فسقه و كذلك اسلامه و كفره على
1) - مستمسك العروة 1: 463.
حدّ سواء بالاضافة الى السيرة العقلائيّة؛ لأنّها قائمة على قبول قوله مطلقا من غير فرق بين اسلامه و كفره، و لا بين فسقه و عدالته. و أمّا ما ورد من عدم قبول قول الكافر بل الفاسق في الاخبار عن طهارة شيء ممّا بيده بعد نجاسته - لاعتبار الاسلام بل الورع و العدالة فيه كما في نصوص البختج - فهو أجنبي عمّا نحن بصدده؛ اذ الكلام انّما هو في ثبوت النجاسة بقول صاحب اليد، و قد عرفت أنّها تثبت باخباره بمقتضى السيرة العقلائيّة. و أمّا اعتبار قوله في ثبوت الطهارة و عدمه فيأتي التعرّض له عند التكلّم على موجبات الطهارة و أسبابها، ان شاء اللّه».(1)
أقول:
انّ الدليل على اعتبار قول ذي اليد و هو السيرة التي لم يردع عنها الامام عليه السلام، عامّ - كما قال في التنقيح - يشمل الفاسق و العادل، و المسلم و الكافر، الاّ اذا كان متّهما بالكذب، فيبعد شمولها له.
(مسألة 13): في اعتبار قول صاحب اليد اذا كان صبيّا اشكال، و ان كان لايبعد اذا كان مراهقا.
الشرح:
لا فرق في اعتبار قول صاحب اليد بين البالغ و غيره، اذا كان بحيث يميّز بين الطهارة و النجاسة؛ و ذلك لأنّ للسيرة عموميّة تشمل المورد، و انّما فرّق الشارع بينهما من حيث التكاليف و هو أمر آخر.
قال في المستمسك: «لايبعد القبول اذا كان مميّزا كاملاً؛ لعموم السيرة التي بها يخرج عن أصالة عدم الحجّيّة».(2)
(مسألة 14): لايعتبر في قبول قول صاحب اليد أن يكون قبل الاستعمال كما قد يقال، فلو توضّأ شخص بماء مثلاً و بعده أخبر ذو اليد بنجاسته يحكم ببطلان وضوئه. و كذا لايعتبر أن يكون ذلك حين كونه في يده فلو أخبر بعد خروجه عن يده بنجاسته حين كان في يده، يحكم عليه بالنجاسة في ذلك الزمان، و مع الشكّ في زوالها تستصحب.
الشرح:
الظاهر عموميّة دليل قبول قول صاحب اليد بما قبل الاستعمال أو بعده، فلو توضّأ شخص بماء - مثلاً - و بعده أخبر ذو اليد بنجاسته يحكم ببطلانه، و كذلك لايعتبر أن يكون حين الاخبار صاحبه، فلو كان شيء في يده سابقا، ثمّ خرج عن يده، فأخبر بنجاسته في ذاك الوقت قبل قوله، و ان شكّ في طهارته تستصحب نجاسته. نعم، لو طال زمان كونه ذا اليد عن زمان اخباره، بحيث لايعتنى به عرفا، فلايشمله الدليل.
يشترط في تنجّس الملاقي للنجس أو المتنجّس أن يكون فيهما أو في أحدهما رطوبة مسرية، فاذا كانا جافّين لم ينجس، و ان كان ملاقيا للميتة. لكن الأحوط غسل ملاقي ميّت الانسان قبل الغسل و ان كانا جافّين. و كذا لاينجس اذا كان فيهما أو في أحدهما رطوبة غير مسرية.
ثمّ ان كان الملاقي للنجس أو المتنجّس مائعا تنجّس كلّه كالماء القليل المطلق، و المضاف مطلقا، و الدهن المائع و نحوه من المائعات. نعم، لاينجس العالي بملاقاة السافل اذا كان جاريا من العالي، بل لاينجس السافل بملاقاة العالي اذا كان جاريا من السافل كالفوّارة، من غير فرق في ذلك بين الماء و غيره من المائعات. و ان كان الملاقي جامدا اختصّت النجاسة بموضع الملاقاة، سواء كان يابسا كالثوب اليابس اذا لاقت النجاسة جزءا منه أو رطبا كما في الثوب المرطوب أو الأرض المرطوبة، فانّه اذا وصلت النجاسة الى جزء من الأرض أو الثوب لايتنجّس ما يتّصل به و ان كان فيه رطوبة مسرية، بل النجاسة مختصّة بموضع الملاقاة. و من هذا القبيل الدهن و الدبس الجامدين.
نعم، لو انفصل ذلك الجزء المجاور ثمّ اتّصل تنجّس موضع الملاقاة منه، فالاتّصال قبل الملاقاة لايؤثّر في النجاسة و السراية، بخلاف الاتّصال بعد الملاقاة. و على ما ذكر فالبطّيخ و الخيار و نحوهما ممّا فيه رطوبة مسرية اذا لاقت النجاسة جزءا منها لاتتنجّس البقيّة، بل يكفي غسل موضع الملاقاة الاّ اذا انفصل بعد الملاقاة ثمّ اتّصل.
الشرح:
في المسألة فروع:
يشترط في تنجّس الملاقي للنجس الرطوبة المسرية؛ يدلّ على ذلك صحيحة محمّد بن مسلم (في حديث):
«انّ أبا جعفر عليه السلام وطئ على عذرة يابسة، فأصاب ثوبه فلمّا أخبره قال: أليس هي يابسة؟ فقال: بلى، فقال: لا بأس».(1)
و صحيحة الفضل أبي العبّاس قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام: اذا أصاب ثوبك من الكلب رطوبة فاغسله، و ان مسّه جافّا فاصبب عليه الماء، الحديث».(2)
و مرسلة حريز عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا مسّ ثوبك كلب، فان كان يابسا فانضحه، و ان كان رطبا فاغسله».(3)
و رواية علي بن جعفر عن موسى بن جعفر عليه السلام (في حديث):
«و سألته عن الرجل يمشي في العذرة و هي يابسة فتصيب ثوبه و رجليه، هل يصلح له أن يدخل المسجد فيصلّي و لايغسل ما أصابه؟ قال: اذا كان يابسا فلا بأس».(1)
و غيرها ممّا ورد في هذا الباب و الأبواب المناسبة لذلك.
هذا مضافا الى الارتكاز العرفي من أنّ تأثير النجس على الأشياء الطاهرة و تأثّرها منه هو بالرطوبة المسرية، و ينزّل عليها الخطابات و الاطلاقات الواردة في غسل الأشياء اذا أصابها شيء من وجوه النجس.
قال في المستمسك: «اجماعا محكيّا عن المختلف، و كشف اللثام، و الذخيرة، و الدلائل. و في الجواهر: بل قد يدّعى تحصيله».(2)
و الحاصل أنّه اذا كان الملاقي الطاهر و الملاقي النجس جافّين لم ينجس الطاهر و ان كان ملاقيا للميتة، بل و ان كانت ميتة انسان قبل أن يغسل. كما مرّ الكلام فيه في المسألة العاشرة من فصل النجاسات.
ان كان الملاقي للنجس مائعا تنجّس كلّه، كالماء القليل المطلق و المضاف مطلقا، و الدهن المائع، و نحوه من المائعات؛ و يدلّ على ذلك النصوص الواردة في الماء القليل الملاقي للنجاسة - و قد تقدّم التعرّض لها في أوائل فصل الماء الراكد - ، و رواية زكريّا بن آدم قال:
«سألت أبا الحسن عليه السلام عن قطرة خمر أو نبيذ مسكر قطرت في قدر فيه لحم كثير و مرق كثير، قال: يهراق المرق، أو يطعمه أهل الذمّة، أو الكلب، و اللحم اغسله و كله. الحديث».(1)
و يدلّ عليه و على عدم نجاسة الجامد صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«اذا وقعت الفأرة في السمن فماتت فان كان جامدا فألقها و ما يليها، و كل ما بقي، و ان كان ذائبا فلاتأكله، و استصبح به، و الزيت مثل ذلك».(2)
و صحيحة الحلبي قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الفأرة و الدابّة تقع في الطعام و الشراب، فتموت فيه، فقال: ان كان سمنا أو عسلاً أو زيتا فانّه ربّما يكون بعض هذا، فان كان الشتاء فانزع ما حوله و كله، و ان كان الصيف فارفعه حتّى تسرج به، و ان كان ثردا فاطرح الذي كان عليه، و لاتترك طعامك من أجل دابّة ماتت عليه».(3)
و موثّقة سماعة قال:
«سألته عن السمن تقع فيه الميتة؟ فقال: ان كان جامدا فألق ما حوله، و كل الباقي، فقلت: الزيت؟ فقال: أسرج به».(4)
اذا لاقت النجاسة بجزء من الثوب المرطوب أو الأرض المرطوبة أو غيرهما لايتنجّس ما يتّصل به، و ان كان فيه رطوبة مسرية بل النجاسة مختصّة بموضع الملاقاة؛ و ذلك لأنّ العرف لايرى سراية النجاسة ببقيّة الأجزاء؛ لضعف الرطوبة. و الأدلّة اللفظيّة قاصرة عن اثباتها، فتبقى أصالة الطهارة، فالعمل بها متعيّن.
قال في المستمسك: «لو بني على سراية النجاسة الى جميع أجزاء الجسم بتوسّط الرطوبة لزم نجاسة جميع الأرض المبتلّة بنزول المطر بمجرّد ملاقاة جزء منها للنجس، فتنجس أرض جزيرة العرب - مثلاً - بمجرّد وقوع قطرة من البول في موضع منها، و هو كماترى. مضافا الى النصوص الواردة في السمن و الزيت و العسل اذا كانت جامدة، الدالّة على اختصاص النجاسة بموضع الملاقاة منها لاغير».(1)
و على ما ذكر فالبطّيخ و الخيار و نحوهما ممّا فيه رطوبة مسرية، اذا لاقت النجاسة جزءا منها، لاتتنجّس البقيّة، بل يكفي غسل موضع الملاقاة، الاّ اذا انفصل بعد الملاقاة ثمّ اتّصل.
1) - مستمسك العروة 1: 469.
(مسألة 1): اذا شكّ في رطوبة أحد المتلاقيين أو علم وجودها و شكّ في سرايتها لم يحكم بالنجاسة. و أمّا اذا علم سبق وجود المسرية و شكّ في بقائها فالأحوط الاجتناب، و ان كان الحكم بعدم النجاسة لايخلو عن وجه.
الشرح:
اذا شكّ في رطوبة الملاقي للنجس مع كون الملاقى يابسا، أو بالعكس شكّ في رطوبة النجس مع كون الملاقي يابسا أو علم وجود الرطوبة فيهما أو في أحدهما و شكّ في كون الرطوبة مسرية، ففي جميع هذه الصور لم يحكم بالنجاسة؛ للشكّ في السراية التي هي شرط في تنجّس الشيء الطاهر، فتجري قاعدة الطهارة. و أمّا اذا علم سبق وجود الرطوبه المسرية لهما أو لأحدهما، فيمكن أن يقال باستصحاب الرطوبة المسرية لتثبت النجاسة الاّ أنّ هذا الاستصحاب مثبت. اللّهمّ الاّ أن يقال بخفاء الواسطة، فالاحتياط بالاجتناب - كما ذهب اليه المصنّف - في محلّه، و ان كان الحكم بعدم النجاسة لايخلو من وجه.
(مسألة 2): الذباب الواقع على النجس الرطب اذا وقع على ثوب أو بدن شخص، و ان كان فيهما رطوبة مسرية لايحكم بنجاسته، اذا لم يعلم مصاحبته لعين النجس، و مجرّد وقوعه لايستلزم نجاسة رجله؛ لاحتمال كونها ممّا لاتقبلها. و على فرضه فزوال العين يكفي في طهارة الحيوانات.
الشرح:
الذباب الواقع على النجس الرطب اذا وقع على ثوب أو بدن شخص:
فتارة: نشكّ في مصاحبته لعين النجس، فلايحكم بنجاسة ما لاقاه من الثوب أو البدن؛ للشكّ في تنجّسهما، فقاعدة الطهارة جارية.
و أخرى: نشكّ في كون الرطوبة - بعد العلم بمصاحبته لعين النجس - مسرية أو لا، فلايحكم أيضا بنجاسة ما لاقاه؛ لكون الاستصحاب هنا من الأصل المثبت.
و ثالثة: لانشكّ في وجود الرطوبة المسرية الاّ أنّه نشكّ في زوال العين النجسة، فحينئذ نحكم بنجاسته؛ لأصالة عدم زوال العين. و حيث لانعلم بمصاحبته لعين النجس لانحكم بنجاسة ما لاقته رجلاه.
(مسألة 3): اذا وقع بعر الفأر في الدهن أو الدبس الجامدين يكفي القاؤه و القاء ما حوله و لايجب الاجتناب عن البقيّة. و كذا اذا مشى الكلب على الطين؛ فانّه لايحكم بنجاسة غير موضع رجله الاّ اذا كان وحلاً. و المناط في الجمود و الميعان أنّه لو أخذ منه شيء، فان بقي مكانه خاليا حين الأخذ - و ان امتلأ بعد ذلك - ، فهو جامد، و ان لم يبق خاليا أصلاً فهو مائع.
الشرح:
قد تقدّم البحث عن نظير هذه المسألة في ابتداء هذا الفصل، و مع ذلك نذكر كلام السيّد الحكيم للتيمّن.
قال في المستمسك: «قد ذكر الجمود و الذوبان موضوعين لسراية النجاسة الى جميع أجزاء الجسم في صحيح زرارة المتقدّم. ولكن في صحيحة معاوية بن وهب عن أبي عبداللّه عليه السلام: «قلت: جرذ مات في زيت أو سمن أو عسل. فقال: أمّا السمن و العسل فيؤخذ الجرذ و ما حوله، و الزيت يستصبح به». و نحوه صحيح سعيد الأعرج، و موثّق سماعة. و في صحيحة الحلبي في الفأرة و الدابّة تموت في الطعام و الشراب، قال عليه السلام: «ان كان سمنا أو عسلاً أو زيتا - فانّه ربّما يكون بعض هذا - فان كان الشتاء فانزع ما حوله و كله، و ان كان الصيف فارفعه حتّى تسرج به، و ان كان بردا فاطرح الذي كان عليه، و لاتترك طعامك من أجل دابّة ماتت عليه». و يمكن ارجاع الأخير الى الأوّل؛ لغلبة الجمود في أيّام الشتاء و الذوبان في أيّام الصيف. كما لعلّ الوجه في مثل صحيحة معاوية أنّ السمن أو العسل يغلب فيهما الغلظة و الثخانة، بخلاف الزيت فانّ الغالب فيه الرقّة. و على هذا يكون هو المعيار
في السراية و عدمها لا الجمود و الذوبان و الظاهر أنّ ذلك هو المرتكز العرفي في سراية القذارة و عدمها، و حينئذٍ يتعيّن حمل الأوّل عليه. و يشير اليه ما في صحيح الحلبي من ذكر الشتاء و البرد، فانّهما لايوجبان مطلقا الجمود في العسل، بل و لا في السمن. و انّما يوجبان الغلظة و الكثافة. و بالجملة: اختلاف النصوص يستوجب حملها - بقرينة الارتكاز العرفي - على كون المعيار مرتبة خاصّة من الغلظة و الكثافة، فان حصلت انتفت السراية، و ان انتفت حصلت السراية».(1)
(مسألة 4): اذا لاقت النجاسة جزءا من البدن المتعرّق لايسري الى سائر أجزائه الاّ مع جريان العرق.
الشرح
اذا لاقت النجاسة جزءا من البدن المتعرّق لايسري الى سائر أجزائه؛ لما تقدّم من أن الجوامد لاتسري نجاسة جزء منها الى جميع أجزائها و لو مع الرطوبة المسرية - كما في التنقيح -(2)، اللّهمّ الاّ أن يسيل العرق من الموضع المتنجّس؛ لأنّه يوجب نجاسة كلّ ما أصابه.
(مسألة 5): اذا وضع ابريق مملوّ ماءً على الأرض النجسة و كان في أسفله ثقب يخرج منه الماء فان كان لايقف تحته بل ينفذ في الأرض أو يجري عليها فلايتنجّس ما في الابريق من الماء. و ان وقف الماء بحيث يصدق اتّحاده مع ما في الابريق بسبب الثقب تنجّس. و هكذا الكوز و الكأس و الحبّ و نحوها.
الشرح:
لا اشكال في صدر المسألة، و أنّه اذا كان الماء لايقف تحت الابريق بل ينفذ في الأرض أو يجري عليها فلايتنجّس ما في الابريق؛ لعدم اتّحاد ما في الابريق مع الخارج الجاري من الثقب في أسفله. و أمّا ان وقف الماء، فان صدق عرفا اتّحاده مع ما في الابريق تنجّس. فالاتّحاد مع ضيق الثقب مشكل. نعم، لوكان الثقب واسعا و استوى سطح الماء الخارج مع ما في الابريق أو الكوز و الكأس و الحبّ و نحوها، فالظاهر صدق الاتّحاد.
(مسألة 6): اذا خرج من أنفه نخاعة غليظة و كان عليها نقطة من الدم لم يحكم بنجاسة ما عدا محلّه من سائر أجزائها، فاذا شكّ في ملاقاة تلك النقطة لظاهر الأنف لايجب غسله و كذا الحال في البلغم الخارج من الحلق.
المسألة كما في المتن؛ لما تقدّم من عدم السراية أو الشكّ في السراية، فتجري أصالة الطهارة.
(مسألة 7): الثوب أو الفراش الملطّخ بالتراب النجس يكفيه نفضه و لايجب غسله و لايضرّ احتمال بقاء شيء منه بعد العلم بزوال القدر المتيقّن.
الشرح:
الثوب أو الفراش الملطّخ بالتراب النجس اذا لم يكن ذا رطوبة مسرية يكفيه نفضه و لايجب غسله؛ و ذلك لعدم سراية النجس من الملاقى النجس الى الملاقي الطاهر اذا لم يكونا ذوي رطوبة مسرية أو أحدهما كما تقدّم. و اذا نفض الثوب أو الفراش بمقدار شهد العرف بعدم بقاء شيء منه كفى، و لا بأس بوجود بعض الذرّات فيه كالغبار؛ لأنّ العرف لايرى منجّسيّة تلك الذرّات بل نجاستها و الحاصل لايعتنى باحتمال بقاء شيء منه بعد العلم بزول المقدار المذكور.
(مسألة 8): لايكفي مجرّد الميعان في التنجّس بل يعتبر أن يكون ممّا يقبل التأثّر. و بعبارة أخرى يعتبر وجود الرطوبة في أحد المتلاقيين، فالزيبق اذا وضع في ظرف نجس لا رطوبة له لاينجس و ان كان مائعا، و كذا اذا أذيب الذهب أو غيره من الفلزّات في بوطقة نجسة أو صبّ بعد الذوب في ظرف نجس لاينجس الاّ مع رطوبة الظرف أو وصول رطوبة نجسة اليه من الخارج.
الشرح:
قد تقدّم أنّ المعيار في منجّسيّة النجس للشيء الملاقي له هو اذا كان فيهما أو في أحدهما رطوبة مسرية؛ فاذا لم تكن موجودة أو شكّ في وجودها لم ينجّسه النجس. و الفرض أنّ مثل الزئبق أو الذهب أو غيره من الفلزّات اذا أذيب لم تكن لها رطوبة مسرية. نعم، اذا كان الظرف نجسا و مرطوبا برطوبة مسرية و صبّ فيه الزئبق أو الفلزّات المذابة ينجس ظاهرها، فتطهر بغسل ظاهرها.
(مسألة 9): المتنجّس لايتنجّس ثانيا و لو بنجاسة أخرى، لكن اذا اختلف حكمهما يرتّب كلاهما، فلو كان لملاقي البول حكم و لملاقي العذرة حكم آخر يجب ترتيبهما معا، و لذا لو لاقى الثوب دم ثمّ لاقاه البول يجب غسله مرّتين، و ان لم يتنجّس بالبول بعد تنجّسه بالدم و قلنا بكفاية المرّة في الدم، و كذا اذا كان في اناء ماء نجس ثمّ ولغ فيه الكلب يجب تعفيره و ان لم يتنجّس بالولوغ، و يحتمل أن يكون للنجاسة مراتب في الشدّة و الضعف، و عليه فيكون كلّ منهما مؤثّرا و لا اشكال.
الشرح:
المتنجّس لايتنجّس ثانيا، فلو تنجّس شيء بالبول الذي يجب غسله مرّتين بالماء القليل، فتنجّس ثانيا قبل غسله، لاتزداد مرّتان أخريان على الغسل مرّتين . نعم، لو تنجّس شيء بالدم فزالت عينه يطهر بالغسل مرّة فلو لاقاه البول ثانيا قبل غسله، يجري عليه حكم البول و لايطهر الاّ بغسله مرّتين. و قد يكون لبعض النجاسات حكم آخر غير الغسل فحينئذ يلزم اجراء الحكمين عليه، فلو كان في اناء ماء نجس فولغ فيه الكلب يجب تعفيره قبل غسله؛ و ذلك لاطلاق دليل التعفير، فاذا ولغ الكلب في الظرف يجب تعفيره، سواء كان مسبوقا بنجاسة أخرى أو لم يكن. و كذلك اذا أصاب البول شيئا يجب غسله مرّتين بالماء القليل سواء كان مسبوقا بنجاسة أخرى أو لم يكن. نعم، تتداخل الغسلتان فيجري عليه غسله مرّتين. و هو الذي يكون مقتضى الجمع بين الروايات الآمرة بغسل ما أصابه النجس. و لعلّ الاتّفاق المحكي في المستمسك عن المدارك و الذخيرة و اللوامع و الجواهر و شيخنا الأعظم و المستند يكون لذلك.
(مسألة 10): اذا تنجّس الثوب مثلاً بالدم ممّا يكفي فيه غسله مرّة و شكّ في ملاقاته للبول أيضا ممّا يحتاج الى التعدّد يكتفى فيه بالمرّة و يبنى على عدم ملاقاته للبول. و كذا اذا علم نجاسة اناء و شكّ في أنّه ولغ فيه الكلب أيضا أم لا، لايجب فيه التعفير و يبنى على عدم تحقّق الولوغ. نعم، لو علم تنجّسه امّا بالبول أو الدم، أو امّا بالولوغ أو بغيره، يجب اجراء حكم الأشدّ من التعدّد في البول و التعفير في الولوغ.
الشرح:
اذا تنجّس شيء بنجاسة ممّا يكفي في تطهيره غسله مرّة، و شكّ في ملاقاته للبول الذي يجب في تطهيره غسله مرّتين بالماء القليل، أو شكّ في ولوغ الكلب فيه ان كان اناءا تنجّس بالدم مثلاً، فالأصل عدم ملاقاته للبول و عدم ولوغ الكلب فيطهر الشيء المذكور بغسله مرّة بعد زوال عين النجاسة لو كانت لها عين. و أمّا لو علم تنجّسه امّا بالبول أو الدم، أو امّا بالولوغ أو بغيره يجب عليه اجراء حكم الأشدّ من التعدّد في البول، والتعفير في الولوغ؛ و ذلك لأنّه اذا غسله مرّة واحدة شكّ في طهارته بعد ما كان متنجّسا فتستصحب نجاسته. و كذلك في التعفير.
قال في المستمسك - بالنسبة الى صدر المسألة - : «لأصالة عدمها، و لا مجال لاستصحاب النجاسة الثابتة قبل الغسل مرّة؛ لأنّه من الاستصحاب الجاري في القسم الثالث من أقسام استصحاب الكلّي؛ للعلم بارتفاع النجاسة المعلومة الثبوت - و هي المستندة الى ملاقاة الدم - و الشكّ في مقارنة نجاسة أخرى لها، و المحقّق في محلّه عدم جريانه.
فان قلت: اذا غسل مرّة لايعلم بزوال النجاسة المستندة الى ملاقاة الدم؛ اذ مع احتمال طروء نجاسة البول يحتمل أن يكون الغسل مرّة مزيلاً للشدّة الآتية من ملاقاة البول لا لنجاسة الدم، و أصالة عدم ملاقاة البول لاتصلح لاثبات ذلك،
فيكون الاستصحاب من قبيل الجاري في القسم الأوّل من أقسام استصحاب الكلّي.
قلت: بعد ما كان المستفاد من الأدلّة أنّ نجاسة الدم تزول بالغسل مرّة، لا بدّ من البناء على زوالها في المقام بالغسل مرّة، فيكون الشكّ في ثبوت غيرها و الأصل يقتضي عدمه.
و قال - بالنسبة الى ذيل المسألة - : لاستصحاب بقاء النجاسة حتّى يعلم بارتفاعها باجراء حكم الأشدّ. نعم، لو كان الأثر في المقام للفرد امتنع جريان الاستصحاب، بناءً على التحقيق من عدم جريانه في الفرد المردّد بين فردين أحدهما معلوم الارتفاع و الآخر معلوم البقاء».(1)
1) - مستمسك العروة 1: 478 و 479.
(مسألة 11): الأقوى أنّ المتنجّس منجّس كالنجس، لكن لايجري عليه جميع أحكام النجس، فاذا تنجّس الاناء بالولوغ يجب تعفيره، لكن اذا تنجّس اناء آخر بملاقاة هذا الاناء أو صبّ ماء الولوغ في اناء آخر لايجب فيه التعفير، و ان كان الأحوط خصوصا في الفرض الثاني، و كذا اذا تنجّس الثوب بالبول وجب تعدّد الغسل، لكن اذا تنجّس ثوب آخر بملاقاة هذا الثوب لايجب فيه التعدّد و كذا اذا تنجّس شيء بغسالة البول بناءً على نجاسة الغسالة لايجب فيه التعدّد.
الشرح:
ينبغي أن نبسط البحث في منجّسيّة المتنجّس:
قال في مصباح الفقيه ما ملخّصه: «المشهور بين أصحابنا قدس سرهم أنّ كلّ ما حكم بنجاسته شرعا يؤثّر في تنجيس ما يلاقيه برطوبة مسرية عدا الماء الكثير و شبهه، فينجّس مايلاقيه و هكذا بلغ ما بلغ. و قد خالف في ذلك ابن ادريس في السرائر. و قد اختار هذا القول - أي عدم سراية النجاسة من المتنجّسات الخالية من أعيان النجاسات الى ما يلاقيها - المحدّث الكاشاني، و بالغ في نصرته و أكثر الطعن - في جملة من كلماته - على المشهور القائلين بالسراية. و ربّما يلوح هذا المعنى - أي دوران حكم النجاسات مدار عينها - من السيّد في بعض كلماته المحكيّة عنه. فالذي يمكن أن يستدلّ به للسراية أمور:
الأوّل: اجماع العلماء عليها خلفا عن سلف، كما يكشف عن ذلك ارسالهم ارسال المسلّمات التي لايشوبها شائبة انكار، مع تصريح جملة منهم بكونها اجماعيّة.
الثاني: معروفيّتها لدى المتشرّعة، و مغروسيّتها في أذهانهم على وجه
يزعمونها من ضروريّات المذهب، فيستكشف بها وصول الحكم اليهم يدا بيد عن الأئمّة عليهم السلام.
الثالث: الأخبار المستفيضة الدالّة عليها:
فمنها ما يدلّ على وجوب الاجتناب عن ملاقي النجس، و حرمة الانتفاع به ان كان مائعا و لو مع خلوّه من عين النجاسة كالمستفيضة الدالّة على نجاسة الماء القليل الواقع فيه شيء من النجاسات. و الأخبار الدالّة على نجاسة السمن و الزيت و غيرها من المائعات التي مات فيها الفأرة و نحوها. و ما دلّ على جواز الاستصباح بأليات الغنم، المقطوعة من الحيّ، معلّلاً «بأنّه يصيب الثوب و البدن و هو حرام». و هذه الطائفة من الأخبار انّما تنهض حجّة على من أنكر السراية رأسا و قال بدوران النجاسة مدار عينها، كما ربّما يستشعر من عباره السيّد، و بعض عبائر المحدّث المتقدّم.
و منها موثّقة عمّار. و منها الأخبار الدالّة على وجوب غسل الاناء الذي شرب منه الكلب و الخنزير. انتهى ملخّصا».(1)
استدلّ على عدم منجّسيّة المتنجّس بروايات:
منها موثّقة حنان بن سدير قال:
«سمعت رجلاً سأل أبا عبداللّه عليه السلام، فقال: انّي ربّما بلت فلاأقدر على الماء و يشتدّ ذلك عليّ؟ فقال: اذا بلت و تمسّحت فامسح ذكرك بريقك، فان وجدت شيئا فقل: هذا من ذاك».(2)
و تقريب الاستدلال بها على ما في التنقيح: «يكون وجه الاشتداد على السائل خروج البلل منه بعد بوله و تمسّحه و قبل استبرائه؛ فانّه يحتمل أن يكون بولاً حينئذٍ و هو يوجب تنجّس ثوبه بل بدنه و انتقاض طهارته؛ لأنّه من البلل الخارج
قبل الاستبراء و به يقع في الشدّة لا محالة، فعلّمه عليه السلام طريقا يتردّد بسببه في أنّ الرطوبة من البلل أو من غيره، و هو أن يمسح موضع البول من ذكره بريقه حتّى اذا وجد رطوبة يقول: انّها من ريقه لا من البلل الخارج منه بعد بوله، فعلى هذا تدلّ الموثّقة على عدم تنجيس المتنجّس أعني موضع البول المتنجّس به».(1)
و استشكل التنقيح فيه: «أوّلاً: بأنّه عليه السلام انّما أمره بأن يمسح ذكره بريقه و لم يأمره بمسح موضع البول من ذكره فلا وجه لتقييده بموضع البول أبدا. و ثانيا: أنّ المتنجّس اذا لم يكن منجّسا فلماذا لم يعلّم السائل طريقة الاستبراء التي توصله الى القطع بعدم كون الرطوبة بولاً منجّسا و ناقضا لطهارته».(2)
ولكنّ الظاهر أنّ الاشكال غير وارد؛ و ذلك أوّلاً: أنّ المراد بمسح الذكر بريقه هو موضع البول أو الأعمّ منه، و لو كان ذلك مانعا لكان عليه أن يذكره. و ثانيا: قد يكون الانسان على حالة لايمكنه الاستبراء.
و منها صحيحة حكم بن حكيم ابن أخي خلاّد أنّه سأل أبا عبداللّه عليه السلام، فقال له:
«أبول فلاأصيب الماء و قد أصاب يدي شيء من البول فأمسحه بالحائط و التراب، ثمّ تعرق يدي فأمسح وجهي، أو بعض جسدي، أو يصيب ثوبي، فقال: لا بأس به».(3)
واستشكل التنقيح فيه: «بأنّ السائل لم يفرض في كلامه أنّ مسح وجهه أو بعض جسده كان بالموضع المتنجّس من يده».(4)
ولكنّ الظاهر أنّ السائل بال و لم يصب الماء فمسح ذكره بيده ثمّ مسحه بالحائط أو التراب، فتعرّق يده المتنجّسة بالبول، فمسح وجهه أو بعض جسده، أو
ثوبه، فسأل عن تنجّس الممسوح بيده، فأجاب الامام عليه السلام بعدم البأس.
و منها رواية سماعة قال:
«قلت لأبي الحسن موسى عليه السلام: انّي أبول ثمّ أتمسّح بالأحجار فيجيء منّي البلل ما يفسد سراويلي؟ قال: ليس به بأس».(1)
و استشكل التنقيح فيه: «أوّلاً: بضعف السند لحكم بن مسكين، و ثانيا: باحتمال أنّها ناظرة الى طهارة محلّ البول بالتمسّح بشيء كما هو كذلك في موضع الغائط».(2)
و فيه: انّ الضعف في السند صحيح، ولكنّ الاحتمال خلاف الظاهر».
و منها صحيحة العيص بن القاسم قال:
«سألت أبا عبدللّه عليه السلام عن رجل بال في موضع ليس فيه ماء فمسح ذكره بحجر و قد عرق ذكره و فخذه، قال: يغسل ذكره و فخذيه. الحديث».(3)
« ... و سألت أبا عبداللّه عمّن مسح ذكره بيده ثمّ عرقت يده فأصاب ثوبه، يغسل ثوبه؟ قال: لا».(4)
و استشكل التنقيح فيه: «أوّلاً: انّ الرواية لم يفرض في ذيلها مسح موضع البول من الذكر بيده حتّى تتنجّس به يده و لعلّه مسح غير ذلك المحلّ، الاّ أنّه توهّم أنّ مسح الذكر يوجب نجاسة اليد. و ثانيا: لو سلّم، فانّ صدرالرواية يقيّده. انتهى ملخّصا».(5)
و فيه: انّ الظاهر أنّ الذيل دليل على المدّعى، و التوهّم خلاف الظاهر. و ظاهر
الصدر أنّ الذكر و الفخذ تنجّسا بالبول بسبب العرق قبل مسح الذكر بالحجر. و لو سلّم ظهوره في غير ما ذكر فلمَ لايقيّد صدره بالذيل و لا أقلّ من الاجمال.
و منها صحيحة ابن مسكان قال:
«حدّثني (ثقة) محمّد بن ميسّر قال: سألت أبا عبدللّه عليه السلام عن الرجل الجنب ينتهي الى الماء القليل في الطريق، و يريد أن يغتسل منه، و ليس معه اناء يغرف به، و يداه قذرتان؟ قال: يضع يده، ثمّ يتوضّأ، ثمّ يغتسل، هذا ممّا قال اللّه عزّوجلّ: «ما جعل عليكم في الدين من حرج»».(1)
بناءً على أن لايكون في يده آثار النجاسة، و استشهاده عليه السلام بالآية، فلعلّه لدفع الوحشة، و رفع الاحتياط عنه.
و موثّقة سماعة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«ان أصاب الرجل جنابة، فأدخل يده في الاناء فلا بأس، اذا لم يكن أصاب يده شيء من المني».(2)
بناءً على أنّ المراد من ذيل الحديث أن لايكون بيده آثار المني و عينه. و لو سلّم أنّ المراد من قوله عليه السلام: «اذا لم يكن أصاب يده شيء من المني»، هو عدم اصابة يده المني أصلاً فمفهومه اذا كان أصاب يده شيء من المني به بأس، فتنجّسه يكون بسبب عين المني.
و لايعارضها الروايات التي استدلّوا بها على تنجيس المتنجّس كموثّقة عمّار بن موسى الساباطي، أنّه سأل أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل يجد في انائه فأرة، و قد توضّأ من ذلك الاناء مرارا، أو اغتسل منه، أو غسل ثيابه، و قد كانت الفأرة متسلّخة، فقال:
«ان كان رآها في الاناء قبل أن يغتسل أو يتوضّأ أو يغسل ثيابه، ثمّ فعل ذلك بعد ما رآها في الاناء، فعليه أن يغسل ثيابه و يغسل كلّ ما أصابه ذلك الماء و يعيد الوضوء و الصلاة، و ان كان انّما رآها بعد ما فرغ من ذلك و فعله فلا يمسّ من ذلك الماء شيئا، و ليس عليه شيء؛ لأنّه لايعلم متى سقطت فيه، ثمّ قال: لعلّه أن يكون انّما سقطت فيه تلك الساعة التي رآها».(1)
لأنّها بالنسبة الى بطلان الوضوء و الصلاة؛ فانّ الماء المتوضّأ به كان متنجّسا، و لايطهر ما غسل من ثيابه؛ لعدم كون الماء طاهرا. نعم، بالنسبة الى قوله عليه السلام: «و يغسل كل ما أصابه ذلك الماء»، نسلّم ظهوره في تنجيس المتنجّس بالنسبة الى الواسطة الأولى.
و موثّقة أخرى لعمّار الساباطي قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن البارية يبلّ قصبها بماء قذر، هل تجوز الصلاة عليها؟ فقال: اذا جفّت فلا بأس بالصلاة عليها».(2)
و فيه: انّ دلالتها بالمفهوم، أي اذا لم تجفّ ففيه بأس، فالبأس أعمّ من وجوب الاتّقاء.
و رواية معلّى بن خنيس قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الخنزير يخرج من الماء فيمرّ على الطريق فيسيل منه الماء، أمرّ عليه حافيا، فقال: أليس وراءه شيء جافّ؟ قلت: بلى. قال: فلا بأس؛ انّ الأرض يطهّر بعضها بعضا».(3)
و فيه: انّها كالرواية التي قبلها و دلالتها بالمفهوم و هو أعمّ، مضافا الى أنّ
موضوع الحكم في هذه الرواية في مطهّريّة الأرض.
و صحيحة الفضل أبي العبّاس قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن فضل الهرّة و الشاة والبقرة، و الابل، والحمار، والخيل، و البغال و الوحش و السباع، فلم أترك شيئا الاّ سألته عنه؟ فقال: لا بأس به، حتّى انتهيت الى الكلب، فقال: رجس نجس لاتتوضّأ بفضله و اصبب ذلك الماء، و اغسله بالتراب أوّل مرّة ثمّ بالماء».(1)
و فيه: انّ فضل الكلب متنجّس لايجوز التوضّؤ به، و لا كلام فيه. و أين هذا من تنجيس المتنجّس.
و من الدلائل التي أقاموها على منجّسيّة المتنجّس أنّه أمر ظاهر يعرفه المتشرّعة و جميع المسلمين من عوامّهم و علمائهم من غير اختصاصه بطائفة دون طائفة، و عليه فمنجّسيّة المتنجّس أمر ضروري لا خلاف فيه بين المسلمين.
و أجاب عنه في التنقيح: «انّه ان أريد بذلك أنّ تنجيس المتنجّس نظير وجوب الصلاة و حرمة الخمر و غيرهما من الأحكام التي ثبتت من الدين بالضرورة المستتبع انكارها انكار النبوّة و الموجبة للحكم بكفر منكرها، ففساده ممّا لايحتاج الى البيان؛ لأنّ تنجيس المتنجّس أمر نظري و لا تلازم بين انكاره و انكار النبوّة بوجه فكيف يمكن قياسه بسائر الأحكام الضروريّة من الدين.
و ان أريد أنّه أمر واضح معروف لدى المتشرّعة و ان لم يصل مرتبة الضرورة الموجبة للكفر منكرها.
ففيه: أنّه و ان كان معروفا عندهم الاّ أنّ ذلك لايكشف عن ثبوته في الشريعة المقدّسة؛ لعدم احراز اتّصال الحكم بزمانهم عليهم السلام؛ لأنّ أيّ حكم اذا أفتى به المقلّدون في عصر و أتبعهم مقلّدوهم برهة من الزمان فلا محالة يكون معروفا
1) - وسائل الشيعة 1: 226 / الباب 1 من أبواب الأسآر/ الحديث 4.
عندهم و مغروسا في أذهانهم بحيث يزعمون أنّه ضروري في الشريعة المقدّسة، مع أنّه أمر قد حدث في عصر متأخّر عن عصرهم عليهم السلام. و بالجملة أنّ الحكم اذا لم يحرز اتّصاله بزمان الأئمّة عليهم السلاملايستكشف باشتهاره أنّه ثابت في الشريعة أبدا».(1)
و منها: أنّ تنجيس المتنجّس اجماعي حيث أفتوا بذلك خلفا عن سلف و عصرا بعد عصر و لم ينكر ذلك أحد.
و أجاب عنه في التنقيح: «أوّلاً: أنّ دعوى الاجماع في المسألة انّما تتمّ لو قلنا بحجّيّته بقاعدة اللطف - كما اعتمد عليها الشيخ قدس سره -فانّ الحكم بتنجيس المتنجّس قد وقع الاتّفاق عليه في عصر مثلاً و لم يظهر خلافه الامام عليه السلام في ذلك العصر فمنه يستكشف أنّه مرضي عنده، ولكنّه باطل كما ذكرنا في محلّه.
و أمّا على طريقة المتأخّرين في حجّيّة الاجماع أعني الحدس بقوله عليه السلاممن اجماع المجمعين، فلا تتمّ دعوى الاجماع في المسألة مع ذهاب الحلّي قدس سره و نظرائه الى عدم تنجيس المتنجّسات، بل ظاهر كلامه أنّ عدم تنجيس المتنجّس كان من الأمور المسلّمة في ذلك الزمان.
و ثانيا: أنّ دعوى الاجماع في المسألة لو تمّت فانّما تتمّ في حقّ المتأخّرين، و أمّا علماؤنا المتقدّمون فلا تعرّض في شيء من كلماتهم الى تلك المسألة، و لم يفت أحد منهم بتنجيس المتنجّس مع كثرة الابتلاء به في اليوم و الليلة و في القرى و البلدان و معه كيف تتمّ دعوى الاجماع على تنجيس المتنجّسات.
و من هنا ذكر المرحوم الآغا رضا الاصفهاني قدس سره في رسالة وجّهها الى العلاّمة البلاغي قدس سرهما مضمونه: انّا لم نجد أحدا من المتقدّمين يفتي بتنجيس المتنجّس فضلاً عن أن يكون موردا لاجماعهم، فلئن ظفرتم على فتوى بذلك من المتقدّمين فلتخبروا بها و الاّ لبدّلنا ما في منظومة الطباطبائي قدس سره:
1) - التنقيح في شرح العروة 3: 205 - 206.
و الحكم بالتنجيس اجماع السلف *** و شذّ من خالفهم من الخلف
و قلنا:
و الحكم بالتنجيس احداث الخلف *** و لم نجد قائله من السلف
أضف الى ذلك كلّه أنّ الاجماع على تقدير تحقّقه ليس من الاجماع التعبّدي في شيء؛ لأنّا نحتمل استنادهم في ذلك الى الأخبار أو غيرها من الوجوه المستدلّ بها في المقام. انتهى ملخّصا».(1)
ثمّ اعلم أنّ العلاّمة الخوئي رحمه الله بعد الجواب عن الاجماع و سيرة المتشرّعة، قال بأنّ العمدة في تنجيس المتنجّس بعد جفافه و قبله روايات وردت في الأمر بغسل الأواني الملاقية للخمر أو الخنزير أو الكلب أو موت الجرذ أو غير ذلك من النجاسات المتضمّنة لوجوب غسلها من اصابة الخنزير و غيره:
منها موثّقة عمّار بن موسى عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن الدنّ، يكون فيه الخمر، هل يصلح أن يكون فيه خلّ أو ماء كامخ أو زيتون؟ قال: اذا غسل فلا بأس. و عن الابريق و غيره يكون فيه خمر، أيصلح أن يكون فيه ماء؟ قال: اذا غسل فلا بأس. و قال: في قدح أو اناء يشرب فيه الخمر. قال: تغسله ثلاث مرّات. و سئل أيجزيه أن يصبّ فيه الماء؟ قال: لايجزيه حتّى يدلكه بيده و يغسله ثلاث مرّات».(2)
و فيه: لعلّ أمر الامام عليه السلام بغسل الدنّ و الابريق و القدح و غيرها، لما يكون فيها من آثار الخمر، و رطوبته، و يؤيّد ذلك رواية حفص الأعور قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: الدنّ يكون فيه الخمر ثمّ يجفّف، يجعل فيه الخلّ؟ قال: نعم».(1)
و منها موثّقة عمّار الساباطي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سئل عن الكوز والاناء يكون قذرا، كيف يغسل؟ و كم مرّة يغسل؟ قال: يغسل ثلاث مرّات، يصبّ فيه الماء فيحرّك فيه، ثمّ يفرغ منه ثمّ يصبّ فيه ماء آخر فيحرّك فيه، ثم يفرغ ذلك الماء ثمّ يصبّ فيه ماء آخر فيحرّك فيه ثمّ يفرغ منه و قد طهر - الى أن قال: - و قال: اغسل الاناء الذي تصيب فيه الجرذ ميّتا سبع مرّات».(2)
و فيه: يمكن أن يقال: انّ الغسل بهذه الكيفيّة ليس تعبّدا بل لخروج ما ينفذه من القذر في الكوز و الاناء مثله، و لعلّ المراد من القذر هو الخمر بقرينة ما رواه هذا الراوي و قد ذكرناها قبل هذه.
و منها صحيحة الفضل أبي العبّاس عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) أنّه سأله عن الكلب؟ فقال:
«رجس نجس لايتوضّأ بفضله، و اصبب ذلك الماء و اغسله بالتراب أوّل مرّة، ثمّ بالماء».(3)
و فيه: لعلّ الغسل بالتراب لجهة خاصّة من لطع الكلب و بالماء ليخرج أثر النجاسة.
ثمّ انّ العلاّمة الخوئي رحمه الله(4)قد ذكر كلام المحقّق الهمداني بطوله و اعترف بصحّته على القول بتنجيس المتنجّس مطلقا و لو مع ألف واسطة حيث قال: انّ
القول بتنجيس المتنجّس مطلقا يستلزم العلم القطعي بنجاسة جميع الدور و البقاع بل و جميع أهل البلد و البلاد و نجاسة ما في أيدي المسلمين و أسواقهم؛ و ذلك أنّ النجاسة مسرية و لايمكن قياسها بالطهارة؛ لأنّ الطاهر اذا لاقى جسما آخر لاتسري طهارته اليه ولو مع الرطوبة المسرية، و هذا بخلاف النجاسة فانّها موجبة لسراية النجس من أحد المتلاقيين الى الآخر. و عليه فاذا فرضنا أنّ اناءا أو أواني متعدّدة قد وضعت في مكان يساورها أشخاص مختلفون فيباشرها الصغير و الكبير و الرجال و النساء و المبالون بأمور دينهم و غير المبالين - كما في الحباب الموضوعة في الصحن الشريف سابقا - فنقطع بالضرورة بنجاسة تلك الآنية أو الأواني للقطع بملاقاتها مع المتنجّس من يد أو شفة و نحوهما، كما هو الشاهد المحسوس في أوقات الكثرة و الازدحام - كأيّام الزيارات و نحوها - فانّ من لاحظ كيفيّة حركات النساء و الصبيان و سكناتهم و عدم اجتنابهم عن النجاسات فضلاً عن المتنجّسات لم يحتج في الاذعان بذلك الى أزيد ممّا سردناه، فاذا جزمنا في أوقات الازدحام بنجاسة الاناء أو الأواني المتعدّدة لعلمنا بنجاسة جميع من باشرها؛ اذ يتنجّس بذلك بدنه و ثيابه فاذا مضى على ذلك زمن غير طويل لأوجب تنجّس داره، و بما أنّه يخالط الناس و يساورهم فتسري النجاسة الى جميع البلاد بمرور الأيّام و الدهور كما لايخفى وجهه على من ابتلي بنجاسة في واقعة و غفل عن تطهيرها الاّ بعد أن خالط الناس.
و كذلك الحال في أدوات البنّائين و آلاتهم حيث لايزالون يستعملونها في جميع البقاع و الأمكنة مع القطع بنجاسة بعضها بالبول أو باصابة متنجّس - كالكنيف - لوضوح أنّ الدور و البقاع لايطرأ عليها مطهّر، كما أنّ عادتهم لم تجر على غسل أدواتهم و تطهيرها بعد استعمالها في الكنيف فبذلك تتنجّس جميع أبنية البلاد.
و كذلك الحال في المقاهي و المطاعم حيث يدخلها كلّ وارد و خارج و هو
يوجب القطع بنجاسة الأواني المستعملة فيها؛ للقطع بأنّ بعض الواردين عليها نجس أو في حكمه كما في اليهود و النصارى و فسقة المسلمين و غير المبالين منهم بالنجاسة، حيث يدخلونها و يشربون فيها الماء و الشاي مع نجاسة أيديهم أو شفاههم و هذا يوجب القطع بسراية النجاسة الى جميع البلاد.
و الانصاف أنّ ما أفاده من استلزام القول بمنجّسيّة المتنجّس على وجه الاطلاق القطع بنجاسة أكثر الأشياء و الأشخاص بل الجميع متين غايته، و لا سيّما في أمثال بغداد و طهران من البلاد الاسلاميّة التي تشتمل على المسلم و الكافر بأقسامهما؛ اذ الأماكن العامّة في أمثالهما كالمقاهي لا تنفكّ عن القطع باصابة نجس أو متنجّس لها، فلو كان المتنجّس منجّسا لاستلزم ذلك القطع بنجاسة جميع ما في العالم، والأمر بالاجتناب عن الجميع أمر غير قابل للامتثال، فبه يصبح الحكم بمنجّسيّة المتنجّس و الأمر بالاجتناب عن الجميع لغوا ظاهرا.
و دعوى عدم حصول القطع بملاقاة النجس أو المتنجّس في أمثال الأواني الموضوعة في الأماكن العامّة عهدتها على مدّعيها.
بل ذكر المحقّق الهمداني قدس سره في طيّ كلامه: «انّ من زعم أنّ هذه الأسباب غير مؤثّرة في حصول القطع لكلّ أحد بابتلائه في طول عمره بنجاسة موجبة لتنجّس ما في بيته من الأثاث مع اذعانه بأنّ اجماع العلماء على حكم يوجب القطع بمقالة المعصوم عليه السلام لكونه سببا عاديّا لذلك، فلاأراه الاّ مقلّدا محضا لايقوى على استنتاج المطالب من المبادئ المحسوسة فضلاً عن أن يكون من أهل الاستدلال. فانكار حصول العلم بالنجاسة خلاف الوجدان».
و الجواب عن ذلك: انّ هذه المناقشة انّما ترد فيما اذا قلنا بتنجيس المتنجّس على وجه الاطلاق، و أمّا اذا اكتفينا بمنجّسيّة المتنجّس بلا واسطة - في كلّ من الجوامد و المائعات - دون المتنجّس مع واسطة أو واسطتين أو أكثر، أو قلنا بتنجيس المتنجّس من غير واسطة و المتنجّس معها في خصوص المائعات دون
غيرها من الجوامد، فأين يلزم العلم بنجاسة جميع ما في العالم من الأشخاص و الأبنية و الأثاث؛ لانقطاع الحكم بالمنجّسيّة في المتنجّس مع الواسطة، و قد أشرنا أنّا لانلتزم بمنجّسيّة المتنجّس في غير الواسطة الأولى في الجوامد بوجه، الاّ أنّا لانحكم بعدم منجّسيّته مخافة الاجماع المدّعى على تنجيس المتنجّس مطلقا و الوقوع في خلاف الشهرة المتحقّقة في المسألة.
فتحصّل أنّ الحكم بتنجيس المتنجّس مطلقا و لو مع ألف واسطة مشكل و ينبغي الاحتياط في الواسطة الأولى بل لايترك حدّ مهما أمكن.
ثمّ انّه لايجري عليه جميع أحكام النجس؛ لأنّ أدلّة تلك الأحكام جعل موضوعها النجس الخاصّ، فلا موجب لثبوتها لما تنجّس به؛ لعدم ثبوت انطباقه عليه - كما في المستمسك(1)- فاذا تنجّس الاناء بالولوغ يجب تعفيره، لكن اذا تنجّس اناء آخر بملاقاة هذا الاناء، أو صبّ ماء الولوغ في اناء آخر لايجب فيه التعفير. و كذا اذا تنجّس الثوب بالبول وجب تعدّد الغسل، لكن اذا تنجّس ثوب آخر بملاقاة هذا الثوب لايجب فيه التعدّد. و كذا اذا تنجّس شيء بغسالة البول - بناءً على نجاسة الغسالة - لايجب فيه التعدّد.
(مسألة 12): قد مرّ أنّه يشترط في تنجّس الشيء بالملاقاة تأثّره، فعلى هذا لو فرض جسم لايتأثّر بالرطوبة أصلاً، كما اذا دهّن على نحو اذا غمس في الماء لايتبلّل أصلاً، يمكن أن يقال: انّه لايتنجّس بالملاقاة و لو مع الرطوبة المسرية، و يحتمل أن يكون رجل الزنبور و الذباب و البقّ من هذا القبيل.
الشرح:
قال في التنقيح: «أمّا كبرى ما أفاده فلما قدّمناه و عرفت من أنّ السراية معتبرة
1) - مستمسك العروة 1: 486.
في تنجيس المتنجّسات بالارتكاز، فانّ العرف لايرى ملاقاة النجس مؤثّرة في ملاقياته مع الجفاف، فلا مناص في تأثيرها من اعتبار السراية و هي لاتتحقّق الاّ اذا
كانت في كلا المتلاقيين أو في أحدهما رطوبة مسرية، و أمّا الصغريات الواقعة في كلامه فلايمكن المساعدة على عدم تأثّرها بالرطوبة بوجه؛ و ذلك لأنّ الدهن بنفسه يتأثّر بالماء مادام فيه فكيف لايتأثّر الجسم بالرطوبة بسببه حال كونه في الماء، و احتمال أن رجل الزنبور و أخويه ممّا لايتأثّر بالرطوبة - حال كونها في الماء - خلاف الوجدان، كما ذكرناه في تعليقتنا على المتن».(1)
أقول:
اذا شككنا في أنّ الملاقي للنجس هل يتأثّر بالنجاسة أو لا، فالمرجع حينئذٍ العرف كما ذكره المحقّق المزبور، فلايجري هنا أصالة عدم التأثّر كما هو واضح.
(مسألة 13): الملاقاة في الباطن لاتوجب التنجيس، فالنخامة الخارجة من الأنف طاهرة و ان لاقت الدم في باطن الأنف. نعم، لو أدخل فيه شيء من الخارج و لاقى الدم في الباطن فالأحوط فيه الاجتناب.
الشرح:
قد تقدّم الكلام في الصورتين من هذه المسألة في المسألة الأولى من مبحث نجاسة البول و الغائط.
و في التنقيح: «قدّمنا الكلام في محلّه و قلنا: انّ الملاقاة لا أثر لها في الباطن و ان كان الملاقي أمرا خارجيّا، كما اذا دخل شيء من الخارج الى الجوف و لاقى فيه الدم أو غيره من النجاسات».(2)
يشترط في صحّة الصلاة واجبة كانت أو مندوبة ازالة النجاسة عن البدن حتّى الظفر و الشعر و اللباس، ساترا كان أو غير ساتر عدا ما سيجيء من مثل الجورب و نحوه ممّا لاتتمّ الصلاة فيه. و كذا يشترط في توابعها من صلاة الاحتياط و قضاء التشهّد و السجدة المنسيّين. و كذا في سجدتي السهو على الأحوط. و لايشترط فيما يتقدّمها من الأذان و الاقامة و الأدعية التي قبل تكبيرة الاحرام، و لا فيما يتأخّرها من التعقيب. و يلحق باللباس على الأحوط اللحاف الذي يتغطّى به المصلّي مضطجعا ايماءً، سواء كان متستّرا به أو لا، و ان كان الأقوى في صورة عدم التستّر به بأن كان ساتره غيره عدم الاشتراط. و يشترط في صحّة الصلاة أيضا ازالتها عن موضع السجود دون المواضع الأخر، فلابأس بنجاستها الاّ اذا كانت مسرية الى بدنه أو لباسه.
الشرح:
يشترط في صحّة الصلاة واجبة كانت أو مندوبة ازالة النجاسة عن البدن حتّى الظفر و الشعر و اللباس؛ يدلّ على ذلك روايات:
منها صحيحة عبداللّه بن سنان قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل أصاب ثوبه جنابة أو دم؟ قال: ان كان علم أنّه أصاب ثوبه جنابة قبل أن يصلّي ثمّ صلّى فيه و لم يغسله فعليه أن يعيد ما صلّى، و ان كان لم يعلم به فليس عليه اعادة، و ان كان يرى أنّه أصابه شيء فنظر فلم ير شيئا، أجزأه أن ينضحه بالماء».(1)
و منها صحيحة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«ان أصاب ثوب الرجل الدم فصلّى فيه و هو لايعلم فلا اعادة عليه، و ان هو علم قبل أن يصلّي فنسي و صلّى فيه فعليه الاعادة».(2)
و صحيحة زرارة قال:
«قلت: أصاب ثوبي دم رعاف أو غيره أو شيء من مني فعلّمت أثره الى أن أصيب له الماء، فأصبت و حضرت الصلاة،و نسيت أنّ بثوبي شيئا و صلّيت، ثمّ انّي ذكرت بعد ذلك؟ قال: تعيد الصلاة و تغسله. الحديث».(3)
و صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال:
«سألته عن رجل ذكر - و هو في صلاته - أنّه لم يستنج من الخلاء؟ قال: ينصرف، و يستنجي من الخلاء، و يعيد الصلاة».(4)
و صحيحة ميسّر قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: آمر الجارية فتغسل ثوبي من المني فلاتبالغ في غسله فأصلّي فيه، فاذا هو يابس. قال: أعد صلاتك، أما انّك لو
كنت غسلت أنت لم يكن عليك شيء».(1)
و صحيحة ابن مسكان قال:
«بعثت بمسألة الى أبي عبداللّه عليه السلام مع ابراهيم بن ميمون. قلت: سله عن الرجل يبول فيصيب فخذه قدر نكتة من بوله فيصلّي و يذكر بعد ذلك أنّه لم يغسلها به؟ قال: يغسلها و يعيد صلاته».(2)
و منها موثّقة سماعة عن أبي عبداللّه عليه السلامقال:
«ان أصاب الثوب شيء من بول السنّور فلاتصحّ الصلاة فيه حتّى يغسله».(3)
و لا فرق في كون الصلاة واجبة أو مندوبة؛ لاطلاق الروايات كما لا فرق في أعضاء البدن بين كونه ممّاتحلّه الحياة أو لاتحلّه مثل الظفر و الشعر؛ و ذلك أيضا لاطلاق الروايات. و كذا لا فرق في اللباس بين كونه ساترا أو غير ساتر، عدا ما سيجيء من مثل الجورب و نحوه ممّا لاتتمّ الصلاة فيه.
و كذا يشترط طهارة اللباس و البدن في صحّة ما كان من توابع الصلاة، كصلاة الاحتياط؛ لأنّها صلاة أيضا فيشملها اطلاق النصوص، و قضاء التشهّد و السجدة المنسييّن؛ لأنّ قضاءهما متّحد مع المقضي في جميع الشرائط و الموانع. و قد ادّعي عليه الاجماع كما في المستمسك.
و أمّا في سجدتي السهو فقد قال المصنّف بأنّه الأحوط.
و في المستمسك: «بل عن السرائر و النهاية و الألفيّة و غيرها أنّه الأقوى؛ للاحتياط و انصراف دليلهما الى ذلك، و أنّها جابرة لما يعتبر فيه الطهارة و لغير ذلك ممّا لايخفى ضعفه. و لذا حكي عن التحرير و جواهر القاضي العدم، بل لعلّه
ظاهر كلّ من لم يتعرّض لذكرها في شرائطها، كالمحقّق و غيره».(1)
و قد ذكرنا ذلك في فصل موجبات سجود السهو تفصيلاً و قلنا: انّ الحقّ هو وجوب الطهارة، و ذلك مضافا الى أثر سجدتي السهو جبران نقص الصلاة فلا بدّ أن يراعى فيهما ما يراعى في الصلاة؛ يستفاد ذلك من قوله عليه السلام في صحيحة عبداللّه بن سنان:
« ... فاسجد سجدتي السهو بعد تسليمك ثمّ سلّم بعدهما».(2)
و قوله عليه السلامفي صحيحة زرارة:
« ... فليسجد سجدتين و هو جالس. الحديث».(3)
و قوله عليه السلامفي موثّقة عبداللّه بن ميمون:
«سجدتا السهو بعد التسليم و قبل الكلام».(4)
فانّ المتفاهم عرفا من هذه الروايات النهي عن فعل المنافي و بهذا يردّ القول بعدم الوجوب و دليلهم اطلاق الأدلّة و الأصل؛ فانّ الدليل على اشتراط الطهارة في سجدتي السهو موجود، فراجع ما فصّلناه في الفصل المذكور.(5)
و لايشترط في صحّة الأذان و الاقامة و الأدعية التي وردت قبل تكبيرة الاحرام طهارة البدن و اللباس من الخبث؛ و ذلك أوّلاً لأنّ الروايات التي وردت في اشتراط طهارتهما قيّدت بالصلاة كما قدّمناها، و الأذان و الاقامة و الأدعية التي وردت قبل تكبيرة الاحرام ليست من الصلاة بل هي خارجة عن الصلاة، كما ورد في رواية ابن القدّاح عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: افتتاح الصلاة الوضوء، و تحريمها التكبير و
تحليلها التسليم».(1)
نعم، سيأتي في بحث الأذان و الاقامة أنّ الطهارة من الحدث شرط في صحّة الاقامة، الاّ أنّه لا لكونها من الصلاة بل للنهي عن الاقامة بدون الطهارة من الحدث، كما نهي عن التكلّم حينها. و لايشترط الطهارة من الخبث عن البدن و الثوب فيما يتأخّرها من التعقيب؛ لما ذكر من أنّ الطهارة من الخبث مقيّدة بالصلاة. و ثانيا لاطلاق الروايات الدالّة على الأذان و الاقامة و الأدعية التي قبل تكبيرة الاحرام، و الأدعية الواردة بعد الصلاة بعنوان التعقيب؛ فانّها خالية عن قيد طهارة اللباس و البدن من الخبث.
انّما الكلام في الحاق اللحاف الذي يتغطّى به المصلّي مضطجعا ايماءً، فانّه تارة يكون له ثوب يتستّر به، ففي الرجل سروال يستر عورته، و في المرأة ثوب يستر جميع بدنه، فألقي عليه اللحاف أو غيره، فالظاهر أنّه لاتشترط طهارة هذا اللحاف و ان كان أحوط. و أخرى يكون ساتره هذا اللحاف، كالمرضى في المستشفيات فحينئذ تشترط طهارته، بناءً على أنّ ذكر الثوب في الروايات محمول على الغالب، و ان كان صدق الثوب على هذا اللحاف ليس ببعيد. نعم، لو لم يحتج الى هذا الساتر، و يمكن له تهيئة الثوب الطاهر لستر عورته، يجب و لايكفيه التستّر به على الأحوط.
و يشترط في صحّة الصلاة ازالة النجاسة عن موضع السجود؛ و ذلك لصحيحة زرارة قال:
«سألت أبا جعفر عليه السلام عن البول يكون على السطح أو في المكان الذي يصلّى فيه؟ فقال: اذا جفّفته الشمس فصلّ عليه، فهو طاهر».(2)
قال في المستمسك: «اجماعا كما عن ابن زهرة، و الفاضلين و الشهيد، و
المحقّق الثاني، و الأردبيلي، و غيرهم».(1)
ثمّ انّه لا بأس بنجاسة المواضع الأخر من مواضع السجود غير موضع السجدة، اذا لم تكن لها رطوبة مسرية الى بدنه و لباسه، كما في صحيحة علي بن جعفر:
«انّه سأل أخاه موسى بن جعفر عليه السلام عن البيت و الدار لاتصيبهما الشمس و يصيبهما البول، و يغتسل فيهما من الجنابة، أيصلّى فيهما اذا جفّا؟ قال: نعم».(2)
و صحيحة ثانية له عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال:
«سألت عن البواري يبلّ قصبها بماء قذر، أيصلّى عليه؟ قال: اذا يبست فلا بأس».(3)
و موثّقة عمّار الساباطي قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن البارية يبلّ قصبها بماء قذر، هل تجوز الصلاة عليها؟ فقال: اذا جفّت فلا بأس بالصلاة عليها».(4)
و رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال:
«سألته عن رجل مرّ بمكان قد رشّ فيه خمر قد شربته الأرض و بقي نداه، أيصلّى فيه؟ قال: ان أصاب مكانا غيره فليصلّ فيه، و ان لم يصب فليصلّ و لا بأس».(5)
و صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«سألت عن الشاذكونة يكون عليها الجنابة، أيصلّى عليها في
المحمل؟ قال: لا بأس».(1)
و رواية محمّد بن أبي عمير قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: أصلّي على الشاذكونة و قد أصابتها الجنابة؟ فقال: لا بأس».(2)
و لاتعارضها موثّقة عبداللّه بن بكير قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن شاذكونة يصيبها الاحتلام، أيصلّى عليها؟ فقال: لا».(3)
لأنّها تحمل على خصوص موضع السجود، أو على الكراهة جمعا.
ففي المستمسك: «يجوز وضع مواضع السجود غير الجبهة على الأرض أو الفراش النجسة ان لم تكن ذات رطوبة مسرية، على المشهور، كما عن جماعة. و عن السيّد اعتبار طهارة مايلاقيه بدن المصلّي. و عن الحلبي اعتبار طهارة مساقط الأعضاء السبعة؛ و لعلّه لموثّقة ابن بكير المذكورة. ولموثّق عمّار الساباطي عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال: «سئل عن الموضع القذر يكون في البيت أو غيره فلاتصيبه الشمس، ولكنّه قد يبس الموضع القذر؟ قال عليه السلام: لايصلّى عليه، و أعلم موضعه حتّى تغسله». لكنّ الأوّل معارض بصحيحة زرارة و رواية محمّد بن أبي عمير. والثاني معارض بصحيحة علي بن جعفر. فيتعيّن امّا الحمل على الكراهة، أو على خصوص موضع السجود بقرينة الاجماع. انتهى ملخّصا».(4)
(مسألة 1): اذا وضع جبهته على محلّ بعضه طاهر و بعضه نجس صحّ اذا كان الطاهر بمقدار الواجب، فلايضرّ كون البعض الآخر نجسا و ان كان الأحوط طهارة جميع ما يقع عليه، و يكفي كون السطح الظاهر من المسجد طاهرا و ان كان باطنه أو سطحه الآخر أو ما تحته نجسا، فلو وضع التربة على محلّ نجس و كانت طاهرة و لو سطحها الظاهر صحّت الصلاة.
الشرح:
اذا وضع جبهته على محلّ بعضه طاهر و بعضه نجس صحّ اذا كان الطاهر بمقدار الواجب؛ و ذلك لأنّ القدر المتيقّن من الاجماع بل الصحيحة المتقدّمة هو طهارة مايصدق عليه السجود من موضع السجدة.
و أمّا قول المصنّف: «الأحوط طهارة جميع مايقع عليه الجبهة»، فلعلّه لاطلاق معاقد الاجماعات على اشتراط طهارة محلّ الجبهة.
و فيه - كما في المستمسك -(1): انّ الظاهر من معاقد الاجماعات المقدار المعتبر، اذ المقام نظير وضع الجبهة على مايصحّ السجود عليه. و يكفي كون السطح الظاهر من المسجد طاهرا و ان كان باطنه أو سطحه الآخر أو ما تحته نجسا؛ و ذلك لظاهر قوله عليه السلام في صحيحة زرارة المتقدّمة: «اذا جفّفته الشمس فصلّ عليه». مع كون الغالب أنّ الشمس تجفّف ظاهر الأرض و بعد مدّة باطنه، فاطلاق الرواية يشهد بكفاية ذلك. فلو وضعت التربة على محلّ نجس و كانت طاهرة و لو سطحها الظاهر، صحّت الصلاة.
1) - مستمسك العروة 1: 492.
(مسألة 2): يجب ازالة النجاسة عن المساجد داخلها و سقفها و سطحها و الطرف الداخل من جدرانها بل و الطرف الخارج على الأحوط، الاّ أن لايجعلها الواقف جزءا من المسجد، بل لو لم يجعل مكانا مخصوصا منها جزءا لايلحقه الحكم. و وجوب الازالة فوري، فلايجوز التأخير بمقدار ينافي الفور العرفي. و يحرم تنجيسها أيضا بل لايجوز ادخال عين النجاسة فيها و ان لم تكن منجّسة اذا كانت موجبة لهتك حرمتها، بل مطلقا على الأحوط. و أمّا ادخال المتنجّس فلا بأس به ما لم يستلزم الهتك.
الشرح:
يجب ازالة النجاسة عن المساجد؛ و ذلك لقوله تعالى:«و عهدنا الى ابراهيم و اسماعيل أن طهّرا بيتي للطائفين و العاكفين و الركّع السجود»(1)و كذا قوله تعالى: «و اذ بوّأنا لابراهيم مكان البيت أن لاتشرك بي شيئا و طهّر بيتي للطائفين و القائمين و الركّع السجود»،(2)بناءً على أنّ ازالة النجاسة من البيت من جملة مصاديق التطهير كما هو الظاهر، و بناءً على أنّ الخطاب أعمّ من ابراهيم عليه السلامو أنّه لا خصوصيّة للكعبة بل يشمل المساجد الأخر؛ فانّها بيوت اللّه في الأرض. و قوله تعالى: «يا أيّها الذين آمنوا انّما المشركون نجس فلايقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا»،(3)بناءً على أنّ المراد بالنجس أعمّ من النجاسة الظاهريّة و الباطنيّة.
و من السنّة الروايات الواردة في أنّ الكنيف أو المكان المتلوّث بالنجاسة اذا ألقي عليه التراب ليواريه يجوز أن يتّخذ مسجدا، ففي صحيحة عبيداللّه بن علي الحلبي(في حديث) أنّه قال لأبي عبداللّه عليه السلام:
«فيصلح المكان الذي كان حشّا زمانا أن ينظّف و يتّخذ مسجدا؟ فقال: نعم، اذا ألقي عليه من التراب مايواريه فانّ ذلك ينظّفه و يطهّره».(1)
فانّ الظاهر من هذه الروايات، أنّ النجاسة تنافي محلّ العبادة و المحلّ الذي يتّخذ مسجدا، فلا بدّ من ازالتها أو مواراتها بحيث لايظهر له أثر، كما في قوله عليه السلام في رواية مسعدة بن صدقة:
«اذا ألقي عليه من التراب ما يواري ذلك، و يقطع ريحه فلا بأس؛ و ذلك لأنّ التراب يطهّره، و به مضت السنّة».(2)
و كذا رواية عبداللّه بن ميمون القدّاح عن جعفر بن محمّد عن أبيه عليه السلام قال:
«قال النبيّ صلى الله عليه و آله: تعاهدوا نعالكم عند أبواب مساجدكم. الحديث».(3)
و روي عن جماعة من أصحابنا في كتب الاستدلال عن النبي صلى الله عليه و آله أنّه قال:
«جنّبوا مساجدكم النجاسة».(4)
قال في المستمسك: «عن جماعة نقل الاجماع عليه، كالشيخ، و الحلّي، و الفاضلين، و الشهيد و غيرهم - الى أن قال: - و قد يستدلّ أيضا بما رواه في السرائر عن نوادر البزنطي عن محمّد الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام: «قلت له عليه السلام: انّ طريقي الى المسجد في زقاق يبال فيه، فربّما مررت فيه و ليس عليّ حذاء فيلصق برجلي من نداوته. فقال عليه السلام: أليس تمشي بعد ذلك في أرض يابسة؟ قلت: بلى. قال عليه السلام: فلا بأس؛ انّ الأرض يطهّر بعضها بعضا»».(5)
قال في التنقيح: «لا اشكال في وجوب ازالة النجاسة عن المساجد و حرمة
1) - وسائل الشيعة 5: 209 / الباب 11 من أبواب أحكام المساجد / الحديث 1.
2) - وسائل الشيعة 5: 210 / الباب 11 من أبواب أحكام المساجد / الحديث 5.
3) - وسائل الشيعة 5: 229 / الباب 24 من أبواب أحكام المساجد / الحديث 1.
4) - وسائل الشيعة 5: 229 / الباب 24 من أبواب أحكام المساجد / الحديث 2.
5) - مستمسك العروة 1: 493.
تنجيسها؛ لارتكازهما في أذهان المتشرّعة، حيث انّ المساجد بيوت اللّه المعدّة لعبادته فلاتجتمع مع النجاسة؛ لمكان أهمّيّتها و عظمتها و للاجماع القطعي المنعقد في المسألة. و لاينافي ذلك ما عن صاحب المدارك قدس سره من الميل الى جواز تنجيسها؛ و ذلك لشذوذه و ان وافقه صاحب الحدائق قدس سره لأنّ موافقته لاتخرج المخالفة عن الشذوذ و لايضرّ في الحكم؛ لقطعيّته. - الى أن قال: - انّ حرمة تنجيس المساجد و وجوب ازالة النجاسة عنها حكمان قطعيّان و أمران ارتكازيّان في أذهان المتشرّعة».(1)
فرعان:
انّ الظاهر من الروايات التي تقدّم بعضها في جواز اتّخاذ الكنيف مسجدا بعد مواراته بالتراب هو أنّ الممنوع من تنجيس المسجد و وجوب ازالة النجاسة عنه هو ظاهر المسجد دون باطنه، بناءً على أنّ الروايات لم تكن مخصوصة بموردها و هو المسجد المتّخذ من الكنيف و ما يشبهه، و ان كان الظاهر أنّها مخصوصة بموردها. نعم، لو عدّ عرفا من تنجيس المسجد فلايجوز، كما لو اتّخذ في المسجد حشّا. فتنجيس كلّ جزء من أبنية المسجد اذا عدّ من تنجيس المسجد عرفا يحرم تنجيسه و يجب ازالته، فيشمله جدرانه و سقفه و سطحه و الطرف الداخل من جدرانه، أمّا الطرف الخارج فلاينبغي ترك الاحتياط بالنسبة اليه.
ثمّ انّ ظاهر الأمر بالتطهير في الكتاب و السنّة يدلّ على الفور؛ لأنّ بقاء النجاسة فيه هتك، الاّ أنّ فوريّته تكون بحسب العرف.
1) - التنقيح في شرح العروة 3: 251 و 252.
لايجوز ادخال عين النجاسة في المسجد اذا كان موجبا لهتك حرمته؛ لأنّ هتك حرمة المسجد حرام اجماعا. و أمّا اذا لم يكن موجبا لهتك حرمة المسجد ففيه خلاف:
قال في المستمسك: «عند جماعة أنّه الأقوى، و عن اللوامع نسبته الى الحلبيّين، وعن الكفاية نسبته الى المشهور؛ لظاهر الآية الشريفة. و اختصّ المحقّق الثاني و غيرهم بل الأكثر كما عن روض الجنان بكونها متعدّية؛ للاجماع على جواز دخول الصبيان و عبور الحائض مع عدم انفكاكهم عن النجاسة غالبا. و قد ذكر الأصحاب قدس سرهم جواز دخول المسلوس و المستحاضة مع أمن التلويث، و جواز القصاص في المسجد للمصلحة مع فرش مايمنع التلويث، بل السيرة على دخول المجروح و المقروح و نحوهما ممّن تلوّث بدنه أو لباسه بشيء من عين النجاسة. انتهى ملخّصا».(1)
أقول:
لا دليل من الكتاب و السنّة و الاجماع على حرمة ادخال عين النجس في المسجد مطلقا و ان لم يكن هناك هتك. فانّ قوله تعالى: «انّما المشركون نجس فلايقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا»(2)، لو كان دالاًّ على حرمة دخول المشركين لكونهم أعيانا نجسة، فهو يختصّ بالمسجد الحرام، و عموميّته لجميع المساجد قابلة للتأمّل، و لو سلّم عدم اختصاصه به، فهو مختصّ بالمشركين و عبدة الأصنام و من لايعتقد بربوبيّة الخالق العالم القادر الحيّ، لا مثل أهل الكتاب.
و الظاهر أنّ عدم جواز ادخال عين النجاسة في المسجد اذا لم يكن ملوّثا مختصّ بما يوجب الهتك. و عليه يجوز دخول أهل الكتاب بل غيرهم من أصناف الكفّار اذا لم يكونوا ملوّثين للمسجد، و الميّت الذي لم يغسّل، و غيرها ممّا لايوجب هتكا للمسجد، فضلاً عن ادخال المتنجّس.
(مسألة 3): وجوب ازالة النجاسة عن المساجد كفائي و لا اختصاص له بمن نجّسها أو صار سببا، فيجب على كلّ أحد.
الشرح:
قد تقدّم أنّ الحكمة في حرمة تنجيس المسجد و وجوب تطهيره من النجاسة هي كون المساجد أماكن للعبادة و تطهير الباطن من الأقذار و الأرجاس؛ فانّه مباين للنجاسة التي تكون مكانا للشياطين، فعليه لايختصّ تطهيرها بمن نجّسها أو صار سببا، و ان كان تكليفه أشدّ بالنسبة الى غيره عرفا.
(مسألة 4): اذا رأى نجاسة في المسجد و قد دخل وقت الصلاة يجب المبادرة الى ازالتها مقدّما على الصلاة مع سعة وقتها، و مع الضيق قدّمها. و لو ترك الازالة مع السعة و اشتغل بالصلاة عصى لترك الازالة، لكن في بطلان صلاته اشكال، و الأقوى الصحّة. هذا اذا أمكنه الازالة. و أمّا مع عدم قدرته مطلقا أو في ذلك الوقت فلا اشكال في صحّة صلاته. و لا فرق في الاشكال في الصورة الأولى بين أن يصلّي في ذلك المسجد أو في مسجد آخر. و اذا اشتغل غيره بالازالة لا مانع من مبادرته الى الصلاة قبل تحقّق الازالة.
الشرح:
اذا رأى نجاسة في المسجد و قد دخل وقت الصلاة يجب المبادرة الى ازالتها؛ لأنّه كما يحرم تنجيس المسجد يجب تطهيره، و الأمر بالتطهير فوري و مقدّم على
الواجبات الأخر حتّى على الصلاة التي هي عمود الدين - مع سعة وقتها - و لو ضاق وقت الصلاة اليوميّة أو الآيات أو أيّ واجب يكون أهمّ أو يفوت بمضيّ وقته قدّمه. و لو ترك الازالة مع السعة و اشتغل بالصلاة أثم و الأقوى صحّة صلاته؛ لعدم الدليل على البطلان، فانّ الأمر بالشيء لايقتضي النهي عن ضدّه - كما حقّق في محلّه - فالمصلّي و ان كان آثما لتركه الازالة عن المسجد الاّ أنّه أطاع الأمر بالصلاة. ولو علم بالنجاسة في أثناء الصلاة، أو تنجّس المسجد في أثناء صلاته يجب قطعها - لأنّ حرمة القطع مختصّة بمورد يكون القطع عبثا - لاسيّما ان قلنا بأنّ وجوب الازالة فوري حقيقي.
هذا اذا تمكّن من الازالة. و أمّا اذا لم يتمكّن من الازالة منفردا و احتاج الى معين يجب تحصيله؛ للعلم بأنّ الشارع لايرضى ببقاء النجاسة و هو يريد ازالتها بأيّ نحو كان. و لو لم يكن هناك معين و لم يتمكّن بنفسه يسقط الوجوب فعلاً. فلو قلنا بفساد صلاته مع القدرة على الازالة، فلا فرق بين أن يصلّي في ذلك المسجد أو في مسجد آخر. و اذا اشتغل غيره بالازالة لا مانع من مبادرته الى الصلاة قبل تحقّق الازالة؛ لرفع تكليفه بفعل الغير.
(مسألة 5): اذا صلّى ثمّ تبيّن له كون المسجد نجسا كانت صلاته صحيحة. و كذا اذا كان عالما بالنجاسة ثمّ غفل و صلّى. و أمّا اذا علمها أو التفت اليها في أثناء الصلاة، فهل يجب اتمامها ثمّ الازالة، أو ابطالها و المبادرة الى الازالة وجهان أو وجوه، و الأقوى وجوب الاتمام.
الشرح:
لو قلنا بأنّ الاشتغال بالصلاة - في سعة الوقت - و ترك الازالة موجب لبطلان الصلاة فهذا يختصّ بما اذا كان عالما بالنجاسة و ملتفتا اليها حين ترك الازالة و الاشتغال بالصلاة. و أمّا لو لم يعلم بنجاسة المسجد فلمّا صلّى تبيّن له، أو كان
غافلاً حين الصلاة أو نسي الازالة حتّى أتمّ الصلاة، فلا موجب لبطلان صلاته؛ لعدم كون تكليف الازالة منجّزا في حقّه؛ لجهله و غفلته و نسيانه. نعم، لو علم في الأثناء أو التفت أو تذكّر، فان لم يكن الوقت ضيقا فعليه قطع الصلاة و المبادرة الى الازالة؛ لما تقدّم في المسألة السابقة. اللّهمّ الاّ أن يكون اتمام الصلاة مخفّفا لايضرّ بالفوريّة عرفا.
(مسألة 6): اذا كان موضع من المسجد نجسا لايجوز تنجيسه ثانيا بما يوجب تلويثه، بل و كذا مع عدم التلويث اذا كانت الثانية أشدّ و أغلظ من الأولى، و الاّ ففي تحريمه تأمّل، بل منع اذا لم يستلزم تنجيسه ما يجاوره من الموضع الطاهر، لكنّه أحوط.
الشرح:
قد تقدّم في المسألة التاسعة من الفصل السابق أنّ المتنجّس لايتنجّس ثانيا، الاّ اذا كان حكم النجاسة الثانية متفاوتا مع حكم النجاسة الأولى. و أمّا فيما نحن فيه فلايجوز مطلقا، أي سواء كان تنجيسه ثانيا يوجب تلويثه أو لم يكن، و سواء كانت النجاسة الثانية أشدّ و أغلظ أو لم تكن؛ و ذلك للهتك عرفا. نعم، لو لم يعدّ هتكا ففي تحريحه تأمّل بل منع اذا لم تكن النجاسة الثانية أشدّ و أغلظ، اذا لم يستلزم تنجيس ما يجاوره من الموضع الطاهر.
(مسألة 7): لو توقّف تطهير المسجد على حفر أرضه جاز بل وجب. و كذا لو توقّف على تخريب شيء منه، و لايجب طمّ الحفر و تعمير الخراب. نعم، لو كان مثل الآجرّ ممّا يمكن ردّه بعد التطهير وجب.
الشرح:
لو توقّف تطهير المسجد على حفر أرضه جاز بل وجب كما لو كان فرشه ترابا و لم يمكن اجراء الماء الجاري أو الماء المتّصل بالكرّ عليه، فيجوز حفره و اخراج ترابه، وكذا لو توقّف على تخريب شيء منه؛ وذلك لأنّ اخراج الحصى أو التراب الذي يكون فرشا للمسجد أو تخريب شيء منه، و ان كان حراما، الاّ أنّ هيهنا تطهير المسجد يكون أهمّ في نظر الشارع من تخريب شيء منه.
هذا اذا لم ينجرّ الى هدم المسجد بحيث لم يتمكّن المصلّون من الصلاة فيه، و الاّ فلايجب بل في بعض الموارد لايجوز. انّما الكلام في وجوب طمّ الحفر و عمارة الخراب، فالظاهر عدم وجوب شيء من ذلك و لايضمن؛ لأنّه محسن، و «ما على المحسنين من سبيل»(1). نعم، لو كان مثل الآجرّ ممّا يمكن ردّه بعد التطهير وجب؛ لأنّه وقف «فانّ الوقوف على حسب ما يقفها أهلها» كما في الخبر.
(مسألة 8):اذا تنجّس حصير المسجد وجب تطهيره أو قطع موضع النجس منه اذا كان ذلك أصلح من اخراجه و تطهيره كما هو الغالب.
الشرح:
قال في المستمسك: «اذا تنجّس حصير المسجد أو آلاته وجب تطهيره. ذكره كثير، و لم ينقل فيه خلاف، بل عن مجمع البرهان والمدارك ما يشعر بالاتّفاق عليه؛ و كأنّه للبناء على المنع من ادخال النجاسة غير المتعدّية اذا كانت من هذا القبيل، كما يقتضيه اطلاق الآية الشريفة من دون مخرج عنه، من سيرة أو غيرها؛ لاختصاصهما - على تقدير ثبوتهما - بغيرذلك.
لكن يشكل ذلك هنا بما عرفت من اختصاص الآية بالنجاسة العينيّة فلاتشمل
1) - التوبة 9: 91.
المتنجّس. مضافا الى أنّ غاية ما تقتضيه الآية حرمة التنجيس مادام في المسجد فاذا أخرج من المسجد لايجب تطهيره. نعم، لو ثبت وجوب ردّه وجب تطهيره حينئذٍ، فرارا من لزوم ادخال النجاسة الى المسجد».(1)
أقول:
الظاهر أنّ قوله تعالى: «انّما المشركون نجس فلايقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا»،(2)على فرض عموميّته لجميع المساجد و على فرض أن يكون المراد من النجس هوالنجاسة المصطلحة، و أيضا عموميّته لجميع الأعيان النجسة، يختصّ بالنجاسة العينيّة، و ببناء المسجد لا مثل حصيره وآلاته. نعم، لو كان تنجّسه موجبا لهتك المسجد يحرم و يجب تطهيره أو قطع موضع النجس اذا كان ذلك أصلح من اخراجه و تطهيره.
(مسألة 9): اذا توقّف تطهير المسجد على تخريبه أجمع كما اذا كان الجصّ الذي عمّر به نجسا أو كان المباشر للبناء كافرا، فان وجد متبرّع بالتعمير بعد الخراب جاز، و الاّ فمشكل.
الشرح:
اذا توقّف تطهير المسجد على تخريبه أجمع كما مثّل به في المتن، فان كان تنجّسه موجبا لهتك المسجد و وجد متبرّع بالعمارة بعد الخراب جاز - و من المعلوم أنّ المورد نادر - ، و الاّ يشكل الحكم بالجواز؛ لأنّ تخريب المسجد حرام أيضا. و يمكن أن يقال - كما في التنقيح(3)- : يكفي تطهير ظاهره دون الباطن، و قد تقدّم في ابتداء الفصل ما يفيد لهذه المسألة.
(مسألة 10): لايجوز تنجيس المسجد الذي صار خرابا و ان لم يصلّ فيه أحد، و يجب تطهيره اذا تنجّس.
الشرح:
اذا خرب المسجد و كان عنوان المسجديّة باقيا عليه لايجوز تنجيسه و يجب تطهيره اذا تنجّس؛ لما دلّ على ذلك ممّا تقدّم.
قال في التنقيح: «اذا كان المسجد خرابا لايصلّى فيه لكثرة ما فيه من التراب و الزبالات، الاّ أنّه معنون بعنوان المسجد بالفعل بحيث يقال: انّه مسجد خراب، و لايقال: انّه كان مسجدا سابقا و ليس كذلك بالفعل فلاينبغي الاشكال فيها في أنّ المسجد يحرم تنجيسه، كما تجب الازالة عنه؛ لعين الأدلّة المتقدّمة القائمة على وجوب الازالة عن المسجد و حرمة تنجيسه؛ لعدم التفصيل فيها بين المساجد العامرة و الخربة».(1)
(مسألة 11): اذا توقّف تطهيره على تنجيس بعض المواضع الطاهرة لا مانع منه ان أمكن ازالته بعد ذلك، كما اذا أراد تطهيره بصبّ الماء و استلزم ما ذكر.
الشرح:
اذا توقّف تطهير المسجد على تنجيس بعض المواضع الطاهرة لا مانع منه ان أمكن ازالته بعد ذلك؛ لأنّ الأدلّة الدالّة على حرمة تنجيس المسجد منصرفة عن هذا المورد. و أمّا اذا لم يمكن ازالته فاذا كان وجود النجس موجبا لهتك المسجد دون ما اذا جرت غسالته على الموضع الطاهر، بناءً على كونها متنجّسة بوجود ذرّات النجس - مثل الدم - فيه أو كان أقلّ هتكا بالنسبة الى الأوّل فيجوز ذلك، و الاّ فلا.
1) - التنقيح في شرح العروة 3: 275 و 276.
(مسألة 12): اذا توقّف التطهير على بذل مال وجب، و هل يضمن من صار سببا للتنجّس وجهان، لايخلو ثانيهما من قوّة.
الشرح:
اذا توقّف التطهير على بذل مال فتارة للمسجد مال كالموقوفات التي وقفت لتصرف فائدتها في مصاريف المسجد، فيجب بذل المال لتطهيره.
و أخرى ليس للمسجد مال ولكن يبذله متبرّع فيجب تطهيره ببذله أيضا.
و ثالثة ليس هناك موقوفة للمسجد و لايوجد متبرّع، فهل يجب على المؤمنين بذل المال لذلك؟
الظاهر أنّه يجب على كلّ من يتمكّن من البذل، فان لم يتمكّنوا أو لم يبذلوا، فيجب على الذي صار سببا للتنجيس؛ لأنّه أيضا من المكلّفين المخاطبين بخطاب طهّر المسجد، و قد انحصر فيه، فانّ العرف يراه مكلّفا بالبذل حينئذ.
(مسألة 13): اذا تغيّر عنوان المسجد بأن غصب و جعل دارا أو صار خرابا بحيث لايمكن تعميره و لا الصلاة فيه و قلنا بجواز جعله مكانا للزرع ففي جواز تنجيسه و عدم وجوب تطهيره كما قيل اشكال، و الأظهر عدم جواز الأوّل بل وجوب الثاني أيضا.
الشرح:
الظاهر أنّ مناط حرمة تنجيس المساجد هتكها؛ لأنّها جعلت محلاًّ محضا للعبادة و السجود للّه تعالى، كما أنّ وجوب تطهيرها هو الاعتناء بما يضاف الى اللّه، ويقال: انّها بيوت اللّه بمعنى الأعمّ كما أنّ الكعبة بيت اللّه بمعنى الأخصّ. و هذا الوصف موجود قطعا مادام يصدق عليها عنوان المسجد، أمّا اذا تغيّر العنوان بأن غصب و جعل دارا أو صار خرابا بحيث لايمكن عمارته و لا الصلاة فيه، فلا يصدق عليه الهتك كما لايصدق عليه المسجد، بل يقال: انّه كان مسجدا. و لو
شكّ في حرمة تنجيسه و وجوب طهارته فلا مورد للاستصحاب؛ لأنّ مناط الحكم هو هتك المسجد، و من المعلوم أنّه لايصدق عليه هذا العنوان، بل يقال: انّه كان مسجدا. نعم لو يقال: انّه مسجد خراب، فيثبت حرمة التنجيس و الاّ فلا، و مع ذلك كلّه لايترك الاحتياط بالنسبة الى تنجيسه.
اذا صار المسجد متروكا بحيث لم يسكن أحد قريبا منه، فهل يجوز تخريبه و استعمال موادّه لمسجد آخر، و تتّخذ أرضه للزراعة أو الحديقة أو غيرهما ممّا شابههما؟
قد يقال بعدم جواز ذلك لقوله عليه السلام:
«الوقوف على حسب ما يقفها أهلها».(1)
ولكنّه من البعيد أنّ الشارع لم يرتض باستفادة ذلك المكان بنحو آخر و يقال بأنّ المسجد غير الأمكنة الموقوفة الأخر التي يجوز تبديلها اذا لم يمكن الاستفادة منها، الظاهر أنّه لا فرق بينه و بينها. و لذلك لو كان هناك شارع و احتاج المسلمون الى تعريض الشارع و كانوا في مشقّة لضيق مكان مرورهم، و احتاجوا الى تخريب المسجد كلّه أو جزء منه لتعريض الطريق، فلا يبعد أن يقال بجواز ذلك، الاّ أنّ الاحتياط لايترك بالاذن من الحاكم الجامع للشرائط.
1) - وسائل الشيعة 19: 175 / الباب 2 من أبواب الوقوف / الحديث 2.
(مسألة 14): اذا رأى الجنب نجاسة في المسجد فان أمكنه ازالتها بدون المكث في حال المرور وجب المبادرة اليها، و الاّ فالظاهر وجوب التأخير الى ما بعد الغسل، لكن يجب المبادرة اليه حفظا للفوريّة بقدر الامكان. و ان لم يمكن التطهير الاّ بالمكث جنبا فلايبعد جوازه بل وجوبه، و كذا اذا استلزم التأخير الى أن يغتسل هتك حرمته.
الشرح:
أمّا التطهير في حال المرور ان أمكنه؛ فلأنّه للجمع بين وجوب فوريّة التطهير و حرمة مكث الجنب في المسجد. و لو لم يمكنه، فان لم يكن هتك المسجد في التأخير الى أن يغتسل فليفعل، فان طالت المدّة لاغتساله، فيجب المبادرة الى تطهيره؛ لكونه أهمّ من مفسدة لبث الجنب في المسجد.
(مسألة 15): في جواز تنجيس مساجد اليهود و النصارى اشكال. و أمّا مساجد المسلمين فلا فرق فيها بين فرقهم.
الشرح:
فى جواز تنجيس مساجد اليهود و النصارى اشكال. و لايجوز ذلك اذا كانوا أهل ذمّة الاسلام، فلذمّتهم لايجوز هتكهم و سرقة أموالهم و ارعابهم، و من أعظمه هتك معابدهم و كتبهم و مقدّساتهم.
و ليعلم أنّ الظاهر أنّ الكفّار الحربي من أهل الكتاب في زماننا هذا ينحصرون في رؤسائهم غالبا دون شعوبهم ان قلنا: انّ الحربي من يكون متهيّئا لحرب الاسلام و المسلمين و يسعى في الصدّ عن سبيل اللّه.
و أمّا مساجد المسلمين من أيّ فرق كانوا فلايجوز تنجيسها، بل يجب تطهيرها.
(مسألة 16): اذا علم عدم جعل الواقف صحن المسجد أو سقفه أو جدرانه جزءا من المسجد لايلحقه الحكم من وجوب التطهير و حرمة التنجيس، بل و كذا لو شكّ في ذلك و ان كان الأحوط اللحوق.
الشرح:
الدليل على حكم صدر المسألة، هو عدم الموضوع، فاذا علم عدم كون الصحن أو السقف أو جدرانه جزءا من المسجد فلا موضوع لحرمة التنجيس و وجوب التطهير، فانّهما واردان على المسجد و الفرض أنّها ليست من المسجد. و أمّا لو شكّ في شيء من المذكورات أنّه جزء من المسجد، فالأصل الجاري البراءة من حرمة التنجيس و وجوب التطهير. نعم، الاحتياط حسن على كلّ حال.
هذا اذا لم تكن هناك أمارة على كونه جزءا من المسجد، و أمّا على فرض وجود الأمارة عليه و لو كانت هي شاهد الحال و جريان يد المسلمين عليه بما أنّه مسجد فلا محالة يحكم عليه بالمسجديّة.
و في التنقيح: «لولا كفاية أمثالهما من الأمارات في ذلك لم يمكننا اثبات المسجديّة في أكثر المساجد اذ من أين يعلم أنّه مسجد مع عدم العلم بكيفيّة وقف الواقف».(1)
(مسألة 17): اذا علم اجمالاً بنجاسة أحد المسجدين أو أحد المكانين من مسجد وجب تطهيرهما.
الشرح:
و ذلك لأنّ العلم منجّز للتكليف، سواء كان تفصيلاً أو اجمالاً، فاذا علم بأنّه مكلّف بتطهير أحد المسجدين، فلو طهّر أحدهما لم يعلم ببراءة ذمّته الاّ أن يطهّر
1) - التنقيح في شرح العروة 3: 285.
الثاني منهما أيضا؛ فانّ الاشتغال اليقيني يستدعي البراءة اليقينيّة.
(مسألة 18): لا فرق بين كون المسجد عامّا أو خاصّا، و أمّا المكان الذي أعدّه للصلاة في داره فلايلحقه الحكم.
الشرح:
المكان الذي يعدّ للصلاة لايكون محكوما بأحكام المسجد، فلا يحرم تنجيسه، كما لايجب تطهيره. و أمّا ظاهر كلام المصنّف في كون المسجد على قسمين خاصّ و عامّ، فلايكون بازائهما في الخارج مصداق؛ فانّ المسجد عبارة عن مكان كان له مالك فوقفه للعبادة للّه تعالى؛ و لايكون مثل المدارس و غيرها بأن يوقف على طائفة خاصّة. و لعلّ مراد المصنّف من الخاصّ هو أن يقف لنفسه و أهله مكانا من داره للمسجد و يجري صيغة الوقف، ولكنّه لايجعله خاصّا.
و في المستمسك: «و أمّا المكان الذي أعدّه للصلاة في داره فلايلحقه الحكم؛ لعدم كونه مسجدا، و لاخارجا عن الملكيّة. و في خبر علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام: «عن رجل كان له مسجد في بعض بيوته أو داره هل يصلح أن يجعله كنيفا؟ قال عليه السلام: لا بأس». و نحوه صحيح البزنطي المروي في مستطرفات السرائر».(1)
(مسألة 19): هل يجب اعلام الغير اذا لم يتمكّن من الازالة؟ الظاهر العدم، اذا كان ممّا لايوجب الهتك، و الاّ فهو الأحوط.
الشرح:
اذا لم يتمكّن من ازالة النجاسة عن المسجد بنفسه، و تمكّن من اعلام الغير
1) - مستمسك العروة 1: 514.
لاعانته وجب الاعلام؛ لأنّه من مقدّماتها كما مرّ في المسائل السابقة. و أمّا قول المصنّف: «الظاهر العدم اذا كان ممّا لايوجب الهتك»، فلايمكن المساعدة عليه صغرى و كبرى؛ لوجوب اعلام الغير كما ذكر، و أنّ الفرض أنّ تنجيس المسجد موجب لهتكه.
نعم، لو لم يتمكّن من الازالة لا بنفسه و لا باعانة غيره فلايجب الاعلام خصوصا اذا لم يكن النجاسة موجبة لهتك المسجد.
(مسألة 20): المشاهد المشرّفة كالمساجد في حرمة التنجيس بل وجوب الازالة اذا كان تركها هتكا بل مطلقا على الأحوط. لكنّ الأقوى عدم وجوبها مع عدمه و لا فرق فيها بين الضرائح و ما عليها من الثياب و سائر مواضعها الاّ في التأكّد و عدمه.
الشرح:
المشاهد المشرّفة لقبور الأنبياء و الأئمّة عليهم السلام بل العلماء و قبور المؤمنين كالمساجد في حرمة التنجيس؛ لحرمة الهتك و الاهانة لصاحبها و لكلّ ما يتعلّق بمشاهدهم ممّا يعدّ هتكا و اهانة لهم. و كما يحرم تنجيسها، يجب تطهيرها؛ و هذا أي هتك حرمتها أدلّ دليل على وجوب رفع ذلك؛ لأنّ تنجيس مشاهدهم ممّا يصدق عليه الهتك عرفا.
ثمّ اعلم أنّ مشاهد الأئمّة عليهم السلام كبيوتهم التي قال اللّه تعالى فيها: «في بيوت أذن اللّه أن ترفع و يذكر فيها اسمه يسبّح له فيها بالغدوّ و الآصال».(1)
و في تفسير الصافي: «في الكافي عن الصادق عليه السلام: «هي بيوت النبي صلى الله عليه و آله». و فيه عن الباقر عليه السلام: «هي بيوتات الأنبياء و الرسل و الحكماء و أئمّة الهدى». و عنه عليه السلام:
1) - النور 24: 36.
«هي بيوت الأنبياء و بيت علي عليه السلاممنها». و فيه أيضا عن الباقر عليه السلام: «انّ قتادة قال له: و اللّه لقد جلست بين يدي فقهاء و قدّامهم فما اضطرب قلبي قدّام واحد منهم ما اضطرب قدّامك. فقال له: أتدري أين أنت؟ بين يدي بيوت أذن اللّه أن ترفع الى آخر الآية فأنت ثمّة و نحن أولئك. فقال له قتادة: صدقت واللّه، جعلني اللّه فداك و اللّه ما هي بيوت حجارة و لا طين»».(1)
(مسألة 21): يجب الازالة عن ورق المصحف الشريف و خطّه بل عن جلده و غلافه مع الهتك، كما أنّه معه يحرم مسّ خطّه أو ورقه بالعضو المتنجّس و ان كان متطهّرا من الحدث. و أمّا اذا كان أحد هذه بقصد الاهانة فلا اشكال في حرمته.
الشرح:
تنجيس المصحف الشريف من ورقه و خطّه حرام؛ لأنّه هتك و اهانة و يجب الازالة عنه، بل يجب الازالة عن جلده و غلافه ان عدّ في نظر العرف هتكا كما لايبعد في بعض الأعيان النجسة.
و أمّا مسّ خطّه أو ورقه بالعضو المتنجّس اذا كان متطهّرا من الحدث، فان كان بقصد الاهانة فلا اشكال في حرمته. و أمّا ان لم يكن بهذا القصد فتختلف الموارد. و قد دلّ على حرمة هتك القرآن و اهانته مضافا الى أنّه من الأمور الارتكازيّة للمتشرّعة، موثّقة اسحاق بن غالب قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام: اذا جمع اللّه عزّوجلّ الأوّلين و الآخرين اذا هم بشخص قد أقبل لم ير قطّ أحسن صورة منه، فاذا نظر اليه المؤمنون و هو القرآن، قالوا: هذا منّا، هذا أحسن شيء رأينا، فاذا انتهى اليهم
1) - تفسير الصافي 3: 436 و 437.
جازهم - الى أن قال: - حتّى يقف عن يمين العرش فيقول الجبّار عزّوجلّ: و عزّتي و جلالي و ارتفاع مكاني لأكرمنّ اليوم من أكرمك و لأهيننّ من أهانك».(1)
(مسألة 22): يحرم كتابة القرآن بالمركّب النجس، و لو كتب جهلاً أو عمدا وجب محوه كما أنّه اذا تنجّس خطّه و لم يمكن تطهيره يجب محوه.
الشرح:
الدليل على حرمة كتابة القرآن بالمركّب النجس هو الهتك و الاهانة كما تقدّم في المسألة السابقة، و عليه لو كتب جهلاً أو عمدا وجب محوه، كما أنّه اذا تنجّس خطّه و لم يمكن تطهيره يجب محوه.
(مسألة 23): لايجوز اعطاؤه بيد الكافر و ان كان في يده يجب أخذه منه.
الشرح:
اذا كان اعطاء القرآن بيد الكافر يعدّ هتكا و اهانة فلايجوز اعطاؤه و يجب أخذه منه، الاّ أنّ في اطلاقه تأمّلاً؛ فانّ بعضهم يأخذونه لينظروا فيه بعنوان التحقيق و الاستهداء، و بعضهم يعظّمون القرآن و ان كانوا كفّارا.
(مسألة 24): يحرم وضع القرآن على العين النجسة كما أنّه يجب رفعها عنه اذا وضعت عليه و ان كانت يابسة.
تقدّم وجهه في المسألة الحادية و العشرين.
1) - وسائل الشيعة 6: 169 / الباب 2 من أبواب قراءة القرآن / الحديث 1.
(مسألة 25): يجب ازالة النجاسة عن التربة الحسينيّة بل عن تربة الرسول و سائر الأئمّة عليهم السلام المأخوذة من قبورهم و يحرم تنجيسها و لا فرق في التربة الحسينيّة بين المأخوذة من القبر الشريف أو من الخارج اذا وضعت عليه بقصد التبرّك و الاستشفاء و كذا السبحة و التربة المأخوذة بقصد التبرّك لأجل الصلاة.
الشرح:
اذا أخذ التراب من قبورهم عليهم السلام أو قريب منها بقصد التبرّك و الاستشفاء أو السجدة عليه لما في الرواية من أنّ السجدة على التربة الحسينيّة يرفع الحجب، فلايجوز تنجيسها و يجب تطهيرها؛ لكون ذلك هتكا و اهانة. و أمّا لو أخذ التراب من أطراف قبورهم لصنع آجرّ أو خزف أو نحوهما، فلاتجري عليه تلك الأحكام.
(مسألة 26): اذا وقع ورق القرآن أو غيره من المحترمات في بيت الخلاء أو بالوعته وجب اخراجه و لو بأجرة. و ان لم يمكن فالأحوط و الأولى سدّ بابه و ترك التخلّي فيه الى أن يضمحلّ.
الشرح:
قال في التنقيح: «التحقيق أنّ ذلك واجب لا محيد عنه؛ لا أنّه أولى و أحوط؛ و ذلك لأنّ المناط في الحكم بوجوب الازالة و حرمة التنجيس هو لزوم الهتك و المهانة من تنجيسها. و عليه فلو أمكن اخراجها من البالوعة وجب و لو ببذل الأجرة عليه الاّ أن يكون عسرا أو ضرريّا، و مع عدم التمكّن من اخراجها فلا محيد من سدّ البالوعة الى أن تضمحلّ. انتهى ملخّصا».(1)
1) - التنقيح في شرح العروة 3: 295 و 296.
أقول:
انّ حكم المسألة يكون كما في التنقيح من وجوب الاخراج و لو ببذل أجرة، أو سدّ بابه و ترك التخلّي فيه الى أن يضمحلّ.
(مسألة 27): تنجيس مصحف الغير موجب لضمان نقصه الحاصل بتطهيره.
الشرح:
اذا كان مصحف لزيد - مثلاً - و صار عمرو سببا لتنجيسه، فيجب تطهيره على كلّ مكلّف. فان أوجب تطهيره نقصا للمصحف، فتارة: قد غصبه عمرو ففي يده تنجّس فضمانه عليه، سواء كان تنجيسه عمدا أو غير عمد؛ لأنّه غاصب يؤخذ بأشقّ الأعمال.
و أخرى: يكون في يده أمانة أو اجارة أو عارية، فهو أمين الاّ اذا كشفت خيانته و تسامحه في حفظه فيصير ضامنا في هذا الحال.
ثمّ انّه اذا صار ضامنا للنقص الحاصل بتطهيره أعني فيما اذا كان غاصبا أو خرج عن كونه أمينا، لا فرق بين تطهيره بنفسه أو غيره باذنه. و أمّا لو طهّره غيره بلا اذن منه أو من صاحبه، فقد يقال بأنّ الغير ضامن لكونه مباشرا للنقص، و لايبعد أن يقال بكونه محسنا، و « ما على المحسنين من سبيل»،(1)و ان كان الأقوى ضمانه اذا لم يتمكّن من الاذن من صاحبه لتطهيره.
(مسألة 28): وجوب تطهير المصحف كفائيّ لايختصّ بمن نجّسه. و لو استلزم صرف المال وجب و لايضمنه من نجّسه اذا لم يكن لغيره، و ان صار
1) - التوبة 9: 91.
هو السبب للتكليف بصرف المال. و كذا لو ألقاه في البالوعة، فانّ مؤونة الاخراج الواجب على كلّ أحد ليس عليه؛ لأنّ الضرر انّما جاء من قبل التكليف الشرعي. و يحتمل ضمان المسبّب كما قيل، بل قيل باختصاص الوجوب به و يجبره الحاكم عليه لو امتنع، أو يستأجر آخر ولكن يأخذ الأجرة منه.
الشرح:
يجب تطهير المصحف على كلّ مكلّف علم بنجاسته و لايختصّ بمن نجّسه، فلو أقدم شخص على تطهيره سقط عن الباقين، و لو استلزم صرف المال وجب على كلّ من يقدر عليه، و ان لم يكن هناك من يقدر على صرف المال، و كان للذي نجّسه سهوا مال وجب عليه عينا؛ لانحصار التكليف فيه، كما تقدّم في المسألة الثانيه عشرة. و كذا لو سقط من يده في البالوعة، فانّ مؤونة الاخراج الواجب تكون على كلّ مكلّف كفاية، الاّ أن ينحصر فيه كما قلنا آنفا. و أمّا لو نجّسه عمدا أو ألقاه في البالوعة عامدا، فان كان بقصد الاهانة و الهتك فهو مرتدّ، يجب عليه التوبة و ان كان من جهة الغضب فلا، و على التقديرين يجب عليه تطهيره و لو امتنع يجبره الحاكم بتطهيره أو اخراجه من البالوعة أو استئجار آخر و يأخذ الأجرة منه؛ لأنّ خطاب التطهير أوّلاً متوجّه اليه. و لو لم يفعل لايسقط عن الباقين.
(مسألة 29): اذا كان المصحف للغير ففي جواز تطهيره بغير اذنه اشكال، الاّ اذا كان تركه هتكا و لم يمكن الاستئذان منه، فانّه حينئذٍ لايبعد وجوبه.
الشرح:
اذا كان زيد مالكا للمصحف فتنجّس يجب عليه تطهيره؛ لأنّه ملكه و لايجوز لغيره التصرّف في ملكه، و لو لم يقدم على تطهيره يجب على غيره تطهيره الاّ أنّه يأذن
منه. و لو لم يأذن أو كان الاذن منه يطول و يوجب هتكه فيجب تطهيره بغير اذنه.
(مسألة 30): يجب ازالة النجاسة عن المأكول و عن ظروف الأكل و الشرب اذا استلزم استعمالها تنجّس المأكول و المشروب.
الشرح:
يحرم أكل المأكول المتنجّس و شرب المشروب المتنجّس؛ للنهي الوارد عنهما، و يجب ازالة النجاسة عن المأكول و تطهيره مقدّمة للأكل. و كذا يجب ازالة النجاسة عن ظروف الأكل و الشرب اذا استلزم استعمالها تنجّس المأكول و المشروب، و هذا الوجوب ليس نفسيّا بحيث لو تركه صار عاصيا بل المعصية تكون لأكل المتنجّس و شربه.
قال في التنقيح: «وجوب الازالة عن المأكول و المشروب و ان لم يكن خلافيّا عندهم، الاّ أنّ وجوبها شرطي و ليست بواجب نفسي؛ لوضوح أنّ غسل المأكول عند تنجّسه اذا لم يرد أكله ليس بواجب في الشريعة المقدّسة، و انّما يجب اذا أريد أكله، و كذلك الحال في ظروف الأكل و الشرب؛ و ذلك لأنّه لا دليل عليه عدا حرمة أكل المتنجّس و شربه المستفادة ممّا ورد في مثل اللحم المتنجّس و أنّه يغسل و يؤكل، و ما ورد في مثل المياه و غيرها من المائعات المتنجّسة و أنّها تهراق و لاينتفع بها فيما يشترط فيه الطهارة، و ما ورد في السمن و الزيت و نحوهما من أنّها اذا تنجّست لايجوز استعمالها فيما يعتبر فيه الطهارة، و غير ذلك من المتنجّسات. و عليه فيكون تطهير الأواني أو المأكول و المشروب واجبا شرطيّا كما مرّ».(1)
1) - التنقيح في شرح العروة 3: 303.
(مسألة 31): الأحوط ترك الانتفاع بالأعيان النجسة خصوصا الميتة، بل و المتنجّسة اذا لم تقبل التطهير الاّ ما جرت السيرة عليه من الانتفاع بالعذرات و غيرها للتسميد و الاستصباح بالدهن المتنجّس، لكن الأقوى جواز الانتفاع بالجميع حتّى الميتة مطلقا في غير ما يشترط فيه الطهارة. نعم، لايجوز بيعها للاستعمال المحرّم، و في بعضها لايجوز بيعه مطلقا كالميتة و العذرات.
الشرح:
قد فصّلنا البحث في المكاسب المحرّمة(1)في جواز بيع الأعيان النجسة و المتنجّسة و اشترائها و الانتفاع بها اذا كانت لها منفعة محلّلة مقصودة، و قلنا بأنّ الروايات الواردة في الباب الظاهرة في المنع مؤوّلة أو منصرفة الى ما لو بيع و اشتري لمنافعها المحرّمة و الانتفاع بها أو فيما اذا لم تكن لها منفعة محلّلة. و أمّا لو كانت لها منفعة محلّلة و بيعت أو اشتريت لتلك المنفعة، أو انتفع بمنفعته المحلّلة فلا بأس. و لنشر الى قسم من تلك المباحث:
الظاهر أنّ الشيخ الأعظم رحمه الله قائل بجواز الانتفاع بالأعيان النجسة الاّ ماخرج بالدليل الاّ أنّه منع عن بيع الأعيان النجسة حيث قال: «ثمّ انّ منفعة النجس المحلّلة - للأصل أو للنصّ - قد تجعله مالاً عرفا، الاّ أنّه منع الشرع عن بيعه، كجلد الميتة اذا قلنا بجواز الاستقاء به لغير الوضوء»، الاّ أنّ الظاهر من قوله: «الاّ أنّه منع الشرع عن بيعه»، أنّ الاصل جواز البيع الاّ ما خرج بالدليل. و هذا ظاهر ما تقدّم منه من أنّ جواز البيع في الأشياء المتنجّسة دائر مدار جواز الانتفاع بها.
و أمّا نحن فقد تقدّم منّا مرارا من أوّل بحث الاكتساب بالأعيان النجسة أنّ الأصل حلّيّة الانتفاع بالأشياء النجسة فضلاً عن المتنجّسة الاّ ما خرج بالدليل و كذا أنّ الأصل جواز بيعها الاّ ما خرج بالدليل. و قلنا بأنّ جواز بيع تلك الأشياء
1) - الهادي الى المكاسب المحرّمة 1: 137.
يدور مدار وجود المنفعة المحلّلة المقصودة فيها، و أجبنا عمّا استدلّ به لحرمة الانتفاع أو حرمة البيع الاّ ما خرج بالدليل. و قد عرفت أنّ الشيخ أيضا مال اليه بل ظهر منه ذلك.
(مسألة 32): كما يحرم الأكل و الشرب للشيء النجس، كذا يحرم التسبّب لأكل الغير أو شربه، و كذا التسبّب لاستعماله فيما يشترط فيه الطهارة، فلو باع أو أعار شيئا نجسا قابلاً للتطهير يجب الاعلام بنجاسته. و أمّا اذا لم يكن هو السبب في استعماله بأن رأى أنّ ما يأكله شخص أو يشربه أو يصلّي فيه نجس، فلايجب اعلامه.
الشرح:
كما يحرم الأكل و الشرب للشيء النجس كذا يحرم التسبّب لأكل الغير و شربه. و الدليل على ذلك صحيحة معاوية بن وهب عن أبي عبداللّه عليه السلام في جرذ مات في زيت، ما تقول في بيع ذلك؟ فقال:
«بعه و بيّنه لمن اشتراه ليستصبح به».(1)
و موثّقة أبي بصير قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الفأرة تقع في السمن أو في الزيت فتموت فيه، فقال: ان كان جامدا فتطرحها و ما حولها و يؤكل ما بقي، و ان كان ذائبا فأسرج به و أعلمهم اذا بعته».(2)
و خبر زكريّا بن آدم قال:
«سألت أبا الحسن عليه السلام عن قطرة خمر أو نبيذ مسكر قطرت في قدر فيه لحم كثير و مرق كثير؟ قال: يهراق المرق أو يطعمه أهل الذمّة أو الكلب. الحديث».(1)
فرعان:
انّ ارتكاب الحرام أو ترك الواجب الذي يكون بتدخّل شخص آخر له صورتان:
الأولى: يكرهه على فعل حرام أو ترك واجب، فالمكره - بالكسر - يكون عاصيا بلا اشكال دون المكره - بالفتح - و ان كان عالما، الاّ فيما اذا أكرهه على قتل مسلم محقون الدم، فيحرم على المكرَه قتله و ان كان هو نفسه في معرض القتل.
الثانية: يهيّئ له مقدّمات المعصية من فعل الحرام أو ترك الواجب فهذا على ثلاثة أنحاء:
تارة: يضيّفه و يقدّم له طعاما متنجّسا أو لحما حراما، فالآكل لم يرتكب حراما لجهله بل المضيّف ارتكب الحرام، و كذا لو أشغله بأمور موجبة لفوات وقت الصلاة حتّى يخرج الوقت، و هذا أيضا كسابقه.
و أخرى: يرغّبه على فعل الحرام أو ترك الواجب.
و ثالثة: يلقي العداوة بين اثنين حتّى يقع أحدهما في المعصية، و الظاهر حرمة هاتين الصورتين أيضا.
1) - وسائل الشيعة 3: 470 / الباب 38 من أبواب النجاسات / الحديث 8.
ارتكاب الحرام أو ترك الواجب الذي لايكون بتدخّل شخص آخر له أربع صور:
الأولى: المرتكب يكون جاهلاً بالحكم و الموضوع كما لو شرب الخمر و لايعلم حكمه كما لايعلم أنّه خمر، ففي هذه الصورة يجب على العالم ارشاده وتعليمه؛ لوجوب تبليغ الأحكام لتستمرّ الى الأبد بتبليغ الشاهد الغائب، فالعالم في الحقيقة مبلّغ عن اللّه و الرسول و الأئمّة الاثنيعشر ليتمّ الحجّة على الجاهل، و لئلاّيندرس أحكام اللّه و لايمحو آثار الأنبياء.
الثانية: يكون عالما بالحكم و الموضوع فيجب على العالم بحاله أن يأمره بالمعروف و ينهاه عن المنكر مع وجود شرائطه.
الثالثة: العالم بالحكم الجاهل بالموضوع، فلم يدلّ دليل على وجوب ردعه.
الرابعة: الصورة الثالثة مع كون الحرام الصادر منه ممّا لايرضى الشارع بوجوده ففي هذه الصورة يجب دفع الحرام بترك السكوت، كما لو اطّلع على عدم اباحة دم من يريد الجاهل قتله، فانّه يجب عليه الاعلام و الردع لو لم يرتدع بالاعلام.
(مسألة 33): لايجوز سقي المسكرات للأطفال، بل يجب ردعهم، و كذا سائر الأعيان النجسة اذا كانت مضرّة لهم بل مطلقا. و أمّا المتنجّسات فان كان التنجّس من جهة كون أيديهم نجسة، فالظاهر عدم البأس به، و ان كان من جهة تنجّس سابق، فالأقوى جواز التسبّب لأكلهم، و ان كان الأحوط تركه، و أمّا ردعهم عن الأكل أو الشرب مع عدم التسبّب، فلايجب من غير اشكال.
الشرح:
لايجوز سقي المسكرات للأطفال بل يجب ردعهم؛ فانّه من المنكرات التي لايرضى الشارع بوقوعه في الخارج، و قد تقدّم في الفرع الثاني من المسألة السابقة. و لا بأس بذكر بعض الروايات الواردة في عدم جواز سقي المسكرات للأطفال، فعن أبي الربيع الشامي قال:
«سئل أبو عبداللّه عليه السلام عن الخمر، فقال: قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: انّ اللّه عزّوجلّ بعثني رحمة للعالمين، و لأمحق المعازف و المزامير و أمور الجاهليّة و الأوثان، و قال: أقسم ربّي، لا يشرب عبد لي خمرا في الدنيا، الاّ سقيته مثل ما يشرب منها من الحميم معذّبا أو مغفورا له، و لايسقيها عبد لي صبيّا صغيرا أو مملوكا، الاّ سقيته مثل ما سقاه من الحميم يوم القيامة معذّبا بعد، أو مغفورا له».(1)
و عن عجلان أبي صالح قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: يقول اللّه عزّوجلّ: من شرب مسكرا أو سقاه صبيّا لايعقل، سقيته من ماء الحميم مغفورا له أو معذّبا، و من ترك المسكر ابتغاء مرضاتي أدخلته الجنّة، و سقيته من الرحيق المختوم، و فعلت به من الكرامة ما فعلت بأوليائي».(2)
و أمّا سائر الأعيان النجسة،فاذا كان أكلها أو شربها مضرّا بحالهم فالمباشرة بل التسبيب لأكلهم و شربهم حرام؛ لأنّ الاضرار بالمؤمن و من تبعه كالاضرار بالنفس حرام، بل يجب ردعهم عن ذلك في بعض الموارد. و يلحق به الاضرار بأهل الذمّة و من تبعهم. و أمّا لو لم يكن مضرّا لهم فلايجوز بالنسبة الى أطفال المسلمين لأنّه و ان كان الأطفال غير مكلّفين بالنسبة الى أكلها و شربها الاّ أنّه لايجوز للبالغين المباشرة و التسبيب لشربها؛ لاطلاق الأدلّة التي تقدّمت في المسألة الثانية و الثلاثين.
و أمّا المتنجّسات فان كان التنجّس من جهتهم كأن يكون أيديهم نجسة، فالظاهر عدم ردعهم ان لم يكن مضرّا لهم؛ و ذلك للسيرة و عدم شموله الاطلاقات. و ان لم يكن التنجّس من قبلهم، فالمباشرة بل التسبّب لأكلهم و شربهم مشكل، و الأحوط تركه؛ للدلائل المتقدّمة آنفا و ان كان في شمولها له اشكال. و أمّا ردعهم عن الأكل أو الشرب مع عدم التسبّب فلايجب من غير اشكال ان لم يكن مضرّا لهم.
(مسألة 34): اذا كان موضع من بيته أو فرشه نجسا، فورد عليه ضيف و باشره بالرطوبة المسرية، ففي وجوب اعلامه اشكال، و ان كان أحوط بل لايخلو عن قوّة. و كذا اذا أحضر عنده طعاما ثمّ علم بنجاسته، بل و كذا اذا كان اطعام للغير و جماعة مشغولون بالأكل فرأى واحد منهم فيه نجاسة، و ان كان عدم الوجوب في هذه الصورة لايخلو عن قوّة؛ لعدم كونه سببا لأكل الغير، بخلاف الصورة السابقة.
الشرح:
اذا كان موضع من بيته أو فرشه نجسا فورد عليه ضيف و باشره بالرطوبة المسرية، فتارة: يرجع الى تنجيس شيء يأكله أو يشربه، فعلى المضيّف اعلامه؛
لأنّه يكون كالسبب في ذلك.
و أخرى: يرجع الى تنجيس ثوبه أو بدنه، فان كان بقاؤه موجبا للضرر عليه فعليه اعلامه، و ان لم يكن ضررا فلا دليل على وجوب اعلامه.
و أمّا اذا أحضر عند الضيف طعاما ثمّ علم بنجاسته فيجب عليه اعلامه؛ لأنّه المسبّب في أكله المتنجّس. و أمّا اذا كان الطعام للغير و جماعة مشغولون بالأكل فرأى واحد منهم فيه نجاسة فلا دليل على وجوب اعلامهم؛ لعدم كونه سببا لأكل الغير الغذاء المتنجّس.
(مسألة 35): اذا استعار ظرفا أو فرشا أو غيرهما من جاره فتنجّس عنده هل يجب عليه اعلامه عند الردّ، فيه اشكال و الأحوط الاعلام، بل لايخلو عن قوّة اذا كان ممّا يستعمله المالك فيما يشترط فيه الطهارة.
الشرح:
قد اتّضح حكم هذه المسألة من المسألة السابقة و المسائل التي قبلها.
نعم، اذا لم نقل بمنجّسيّة المتنجّس فالحكم بوجوب الاعلام مشكل.
و في التنقيح قال: «لعلّ المصنّف أراد بالتعرّض لهذه المسألة الاشارة الى أنّ حرمة التسبيب الى الحرام غير مختصّة بمالك العين؛ لأنّه كما يحرم عليه كذلك يحرم على مالك المنفعة من المستأجر و المستعير و المباح له التصرّف، و من استولى على المال غصبا، فعلى هذا أنّ المال اذا تنجّس عند هؤلاء ثمّ أرادوا ارجاعه الى مالكه أو غيره و لم يبيّنوا نجاسته كان سكوتهم تسبيبا منهم الى أكل النجس أو شربه و هو حرام. انتهى ملخّصا».(1)
1) - التنقيح في شرح العروة 3: 314.
اذا صلّى في النجس فان كان عن علم و عمد بطلت صلاته، و كذا اذا كان عن جهل بالنجاسة من حيث الحكم بأن لم يعلم أنّ الشيء الفلاني مثل عرق الجنب من الحرام نجس، أو عن جهل بشرطيّة الطهارة للصلاة.
و أمّا اذا كان جاهلاً بالموضوع بأن لم يعلم أنّ ثوبه أو بدنه لاقى البول مثلاً، فان لم يلتفت أصلاً أو التفت بعد الفراغ من الصلاة صحّت صلاته و لايجب عليه القضاء، بل و لا الاعادة في الوقت و ان كان أحوط.
و ان التفت في أثناء الصلاة، فان علم سبقها و أنّ بعض صلاته وقع مع النجاسة بطلت مع سعة الوقت للاعادة و ان كان الأحوط الاتمام ثمّ الاعادة، و مع ضيق الوقت ان أمكن التطهير أو التبديل و هو في الصلاة من غير لزوم المنافي فليفعل ذلك و يتمّ و كانت صحيحة، و ان لم يمكن أتمّها و كانت صحيحة و ان علم حدوثها في الأثناء مع اتيان شيء من أجزائها مع النجاسة، أو علم بها و شكّ في أنّها كانت سابقا أو حدثت فعلاً فمع سعة الوقت و امكان التطهير أو التبديل يتمّها بعدهما، و مع عدم الامكان يستأنف، و مع
ضيق الوقت يتمّها مع النجاسة و لا شيء عليه. و أمّا اذا كان ناسيا فالأقوى وجوب الاعادة أو القضاء مطلقا، سواء تذكّر بعد الصلاة أو في أثنائها، أمكن التطهير أو التبديل أم لا.
الشرح:
في المسألة فروع:
اذا صلّى في النجس فان كان عن علم و عمد بطلت صلاته.
يدلّ عليه صحيحة عبداللّه بن سنان قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل أصاب ثوبه جنابة أو دم؟ قال: ان كان علم أنّه أصاب ثوبه جنابة قبل أن يصلّي، ثمّ صلّى فيه و لم يغسله فعليه أن يعيد ما صلّى، و ان كان لم يعلم به فليس عليه اعادة، و ان كان يرى أنّه أصابه شيء فنظر فلم ير شيئا، أجزأه أن ينضحه بالماء».(1)
اذا صلّى في النجس مع الجهل بالحكم، كما اذا لم يعلم بأنّ الشيء الفلاني كالخمر مثلاً نجس أو لم يعلم بأنّ الصلاة في أجزاء غير المأكول لحمه باطلة، ففي هذه الصورة كانت صلاته باطلة؛ لاطلاق صحيحة عبداللّه بن سنان، فانّ قوله عليه السلام: «ان كان علم أنّه أصاب ثوبه جنابة قبل أن يصلّي، ثمّ صلّى فيه و لم يغسله فعليه
1) - وسائل الشيعة 3: 475 / الباب 40 من أبواب النجاسات / الحديث 3.
أن يعيد ما صلّى»، يشمل هذه الصورة.
لايقال بانتفاء التكليف بالطهارة في حقّه؛ لقبح تكليف الغافل عقلاً، و انّ المأتي به مع النجاسة لابدّ أن يكون مجزيا؛ لأنّه مأمور به شرعا، بشهادة استحقاق العقاب على تركه اختيارا.
لأنّه يقال: أوّلاً: انّ العالم و الجاهل بالنسبة الى التكليف سواء، فلا فرق بينه و بين من صلّى بدون الوضوء، فانّ معنى شرطيّة الوضوء للصلاة، أنّ الصلاة بدون الوضوء باطلة و كأنّه لا صلاة، سواء علم بذلك أو لم يعلم، و سواء كان جهله عن قصور أو عن تقصير.
و ثانيا: لا مورد للقول بقبح تكليف الغافل،فانّه كما على العالم العمل بعلمه فعلى الجاهل رفع الجهل عن نفسه و تعلّم تكاليفه، فالمأمور به هو الصلاة المشروطة بالوضوء و الشرائط الأخر لا مطلقا. نعم، لو كان تركه التعلّم عن قصور و عذر لايستحقّ العقاب على ترك الصلاة؛ فانّ الصلاة مع النجاسة ليست بصلاة.
لايقال: انّ مقتضى اطلاق حديث «لا تعاد الصلاة الاّ من خمسة الطهور و ... » عدم وجوب الاعادة، و هو حاكم على أدلّة الجزئيّة و الشرطيّة.
فانّه يقال: الظاهر عدم حكومة الحديث على أدلّة الجزئيّة و الشرطيّة، و الدليل على ذلك أوّلاً: قضاء السجدة المنسيّة، و التشهّد. و ثانيا: لو ترك التشهّد أو السلام أو الأجزاء الواجبة للصلاة غير الخمسة عامدا ولكن عن جهل بالحكم و لو عن قصور يكون صلاته باطلة، فتأمّل. فسيأتي البحث عن ذلك في المسألة الأولى - أي ناسي الحكم - . نعم، لو كان مجتهدا و تفحّص عن دليل حكم - كنجاسة عرق الجنب عن الحرام مثلاً - و لم يجد ما يطمئنّ به و أفتى بطهارته، و صلّى فيه هو و مقلّدوه فصلواته اللواتي أتى بها صحيحة لو تبدّل رأيه بعد ذلك، و لايجب عليه الاعادة؛ لأنّه عمله كان عن حجّة؛ و أين هذا من هذا البحث.
اذا صلّى في النجس و كان جاهلاً بالموضوع، بأن لم يعلم أنّ ثوبه أو بدنه لاقى البول مثلاً، فان لم يلتفت أصلاً أو التفت بعد الفراغ من الصلاة صحّت صلاته و لايجب عليه القضاء؛ و يدلّ على ذلك قوله عليه السلام في صحيحة عبداللّه بن سنان المتقدّمة: « ... و ان كان لم يعلم به فليس عليه اعادة».
و صحيحة عبدالرحمن بن أبي عبداللّه قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يصلّي و في ثوبه عذرة من انسان أو سنّور أو كلب، أيعيد صلاته؟ قال: ان كان لم يعلم فلايعيد».(1)
و صحيحة ابن مسكان عن أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام:
«في رجل صلّى في ثوب فيه جنابة ركعتين ثمّ علم به، قال: عليه أن يبتدئ الصلاة. قال: و سألته عن رجل صلّى و في ثوبه جنابة أو دم حتّى فرغ من صلاته ثمّ علم؟ قال: مضت صلاته، و لا شيء عليه».(2)
و صحيحة العيص بن القاسم قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل صلّى في ثوب رجل أيّاما، ثمّ انّ صاحب الثوب أخبره أنّه لايصلّى فيه؟ قال: لايعيد شيئا من صلاته».(3)
و صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام قال:
«سألته عن الرجل يرى في ثوب أخيه دما و هو يصلّي؟ قال: لايؤذنه حتّى ينصرف».(1)
و صحيحة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«ان أصاب ثوب الرجل الدم، فصلّى فيه و هو لايعلم فلا اعادة عليه. الحديث».(2)
و صحيحة زرارة (في حديث) قال:
«قلت: فان ظننت أنّه قد أصابه و لم أتيقّن ذلك فنظرت فلم أر فيه شيئا ثمّ صلّيت فرأيت فيه؟ قال: تغسله و لا تعيد الصلاة. الحديث».(3)
و صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«ذكر المني فشدّده فجعله أشدّ من البول، ثمّ قال: ان رأيت المني قبل أو بعد ما تدخل في الصلاة فعليك اعادة الصلاة. و ان أنت نظرت في ثوبك فلم تصبه ثمّ صلّيت فيه ثمّ رأيته بعد فلا اعادة عليك و كذلك البول».(4)
و لايعارضها صحيحة وهب بن عبد ربّه عن أبي عبداللّه عليه السلام في الجنابة تصيب الثوب و لايعلم بها صاحبه فيصلّي فيه ثمّ يعلم بعد ذلك؟ قال:
«يعيد اذا لم يكن علم».(5)
و رواية أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
1) - وسائل الشيعة 3: 474 / الباب 40 من أبواب النجاسات / الحديث 1.
2) - وسائل الشيعة 3: 476 / الباب 40 من أبواب النجاسات / الحديث 7.
3) - وسائل الشيعة 3: 477 / الباب 41 من أبواب النجاسات / الحديث 1.
4) - وسائل الشيعة 3: 478 / الباب 41 من أبواب النجاسات / الحديث 2.
5) - وسائل الشيعة 3: 476 / الباب 40 من أبواب النجاسات / الحديث 8.
«سألته عن رجل صلّى و في ثوبه بول أو جنابة؟ فقال: علم به أو لم يعلم، فعليه اعادة الصلاة اذا علم».(1)
لأنّه أوّلاً: انّ الأولى مضطربة المتن، فانّ الجواب الصحيح أن يقال: «يعيد اذا علم»، مضافا الى أنّ مفهوم قوله عليه السلام: «يعيد اذا لم يكن علم» هو لا يعيد اذا كان يعلم. و ثانيا: تحملان على استحباب الاعادة في الوقت جمعا بينهما و بين صحيحة ابن مسكان و زرارة فانّهما صريحتان في عدم الاعادة في الوقت فضلاً عن خارجه.
اذا علم بالنجاسة أثناء الصلاة، فتارة: علم أنّه كان من ابتداء الصلاة، فعليه أن ينقض صلاته و يبتدئ؛ و ذلك لصحيحة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام:
«في رجل صلّى في ثوب فيه جنابة ركعتين ثمّ علم به، قال: عليه أن يبتدئ الصلاة. الحديث».(2)
و يلحق به ما اذا علم بالنجاسة و نسي غسلها كما سيأتي.
و أخرى: يشكّ في أنّه كان من ابتداء صلاته أو حدث في الأثناء، ففي هذا الحال، ان كان يقدر على الطهارة أثناء الصلاة من دون المنافي فليفعل و يتمّ صلاته، و الاّ ينقضها و يتطهّر و يبتدئ الصلاة؛ و ذلك لصحيحة زرارة قال:
«قلت: أصاب ثوبي دم رعاف أو شيء من مني - الى أن قال: - ان رأيته في ثوبي و أنا في الصلاة؟ قال: تنقض الصلاة و تعيد اذا شككت في
موضع منه ثمّ رأيته، و ان لم تشكّ ثمّ رأيته رطبا قطعت و غسلته ثمّ بنيت على الصلاة؛ لأنّك لاتدري لعلّه شيء أوقع عليك، فليس ينبغي أن تنقض اليقين بالشكّ».(1)
و لا تعارضها ما في مستطرفات السرائر من صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«ان رأيت في ثوبك دما و أنت تصلّي و لم تكن رأيته قبل ذلك فأتمّ صلاتك، فاذا انصرفت فاغسله، قال: و ان كنت رأيت قبل أن تصلّي فلم تغسله ثمّ رأيته بعد و أنت في صلاتك فانصرف فاغسله و أعد صلاتك».(2)
فانّ صدرها يحمل على ضيق الوقت مع كونه لم ير في ثوبه دما قبل الصلاة، و ذيلها على ضيق الوقت أيضا ولكنّه رءاه و نسي أن يغسله، فانّ عليه اعادة الصلاة أو قضاءه؛ جمعا بينها و بين ماتقدّم.
و كذا موثّقة داود بن سرحان عن أبي عبداللّه عليه السلام:
«في الرجل يصلّي فأبصر في ثوبه دما، قال: يتمّ».(3)
فانّها تحمل على ضيق الوقت مع عدم علمه بالدم قبل الصلاة، أو تحمل على ما اذا كان الدم أقلّ من مقدار الدرهم؛ جمعا بينها و بين ما تقدّم و ما سيأتي.
اذا كانت في ثوبه أو بدنه نجاسة فنسي أن يغسله فصلّى، ثمّ ذكر فعليه اعادة الصلاة مطلقا، سواء كان في الوقت أو خارجه، و سواء كان في أثناء الصلاة أو بعدها.
و الدليل على ذلك صحيحة زرارة قال:
«قلت: أصاب ثوبي دم رعاف أو غيره أو شيء من مني فعلّمت أثره الى أن أصيب له الماء، فأصبت و حضرت الصلاة، و نسيت أنّ بثوبي شيئا و صلّيت، ثمّ انّي ذكرت بعد ذلك؟ قال: تعيد الصلاة و تغسله. الحديث».(1)
و صحيحة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«ان أصاب ثوب الرجل الدم فصلّى فيه و هو لايعلم فلا اعادة عليه، و ان هو علم قبل أن يصلّي فنسي و صلّى فيه فعليه الاعادة».(2)
و صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال:
«سألته عن رجل ذكر - و هو في صلاته - أنّه لم يستنج من الخلاء؟ قال: ينصرف، و يستنجي من الخلاء و يعيد الصلاة».(3)
و موثّقة سماعة قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يرى بثوبه الدم فينسى أن يغسله حتّى يصلّي؟ قال: يعيد صلاته كي يهتمّ بالشيء اذا كان في ثوبه،
عقوبة لنسيانه. قلت: فكيف يصنع من لم يعلم؟ أيعيد حين يرفعه؟ قال: لا، ولكن يستأنف».(1)
و رواية ابن مسكان قال:
«بعثت بمسألة الى أبي عبداللّه عليه السلام مع ابراهيم بن ميمون، قلت: تسأله عن الرجل يبول فيصيب فخذه قدر نكتة من بوله فيصلّي و يذكر بعد ذلك أنّه لم يغسلها؟ قال: يغسلها و يعيد صلاته».(2)
و رواية حسن بن زياد قال:
«سئل أبو عبداللّه عليه السلام عن الرجل يبول فيصيب فخذه قدر نكتة من بوله فيصلّي ثمّ يذكر بعد أنّه لم يغسله؟ قال: يغسله و يعيد صلاته».(3)
و لاتعارضها صحيحة العلاء عن أبي عبداللّه عليه السلامقال:
«سألته عن الرجل يصيب ثوبه الشيء ينجّسه فينسى أن يغسله فيصلّي فيه، ثمّ يذكر أنّه لم يكن غسله، أيعيد الصلاة؟ قال: لايعيد، قد مضت الصلاة و كتبت له».(4)
لأنّها تحمل على ما اذا كان الشيء متنجّسا - فتدلّ على عدم كون المتنجّس منجّسا - و القرينة على هذا الحمل ذكر عين النجس في الروايات المتقدّمة، و في هذه الرواية ذكر الشيء فقط.
قال في المستمسك في ذيل كلام المصنّف: «و أمّا اذا كان ناسيا فالأقوى وجوب الاعادة»: «على المشهور، بل حكي عليه الاجماع عن الغنية، و شرح
الجمل للقاضي. و عن السرائر نفي الخلاف فيه ممّن عدا الشيخ في الاستبصار خاصّة. و النصوص به مستفيضة - الى أن قال: - و ربّما نسب الى الشيخ القول بالصحّة و نفي الاعادة، و ظاهر المعتبر الميل اليه، و في المدارك الجزم به، و وافقه عليه غيره؛ لصحيح العلاء، و نحوه جملة واردة في ناسي الاستنجاء، فمقتضى الجمع العرفي حمل النصوص السابقة على الاستحباب. و يشكل باباء تلك النصوص عن الحمل على ذلك كما يظهر من ملاحظة التعليل في الموثّق؛ اذ العقوبة لاتكون بالأمر الاستحبابي. و اعمال قواعد التعارض بينها يوجب الأخذ بالنصوص السابقة؛ لأنّها أصحّ سندا و أشهر مضمونا، و كأنّه لذلك قال في محكي التهذيب: «انّ رواية العلاء شاذّة لاتعارض الأخبار التي ذكرناها». انتهى ملخّصا».(1)
ثمّ انّه حكى في المستمسك عن الشيخ في الاستبصار و الفاضل في بعض كتبه نفي القضاء في من نسي أن يغسل ثوبه النجس و صلّى ثمّ تذكّر بعد الوقت؛ حملاً لنصوص نفي الاعادة عليه، و استشهدا على ذلك بصحيحة ابن مهزيار قال:
«كتب اليه سليمان بن رشيد يخبره أنّه بال في ظلمة الليل و أنّه أصاب كفّه برد نقطة من البول لم يشكّ أنّه أصابه و لم يره، و أنّه مسحه بخرقة ثمّ نسي أن يغسله و تمسّح بدهن فمسح به كفّيه و وجهه و رأسه، ثمّ توضّأ وضوء الصلاة فصلّى؟ فأجابه بجواب قرأته بخطّه: أمّا ما توهّمت ممّا أصاب يدك فليس بشيء الاّ ما تحقّق، فان حقّقت ذلك كنت حقيقا أن تعيد الصلوات اللواتي كنت صلّيتهنّ بذلك الوضوء بعينه ما كان منهنّ في وقتها، و ما فات وقتها فلا اعادة عليك لها؛ من قبل أنّ الرجل اذا كان ثوبه نجسا لم يعد الصلاة الاّ ما كان في وقت، و اذا كان جنبا أو صلّى على غير وضوء فعليه اعادة
1) - مستمسك العروة 1: 537 و 538.
الصلوات المكتوبات اللواتي فاتته؛ لأنّ الثوب خلاف الجسد، فاعمل على ذلك ان شاء اللّه».(1)
قال في المستمسك: «لكن يشكل، بأنّ ذيله و ان كان صريحا في التفصيل بين الوقت و خارجه، لكنّه غير ظاهر في الناسي، و مورده و ان كان هو الناسي، لكنّه لايظهر منه كون الذيل حكما له؛ لما فيه من الاضطراب في المتن، فانّ ظاهر صدره أنّ الخلل كان من الوضوء، لا من مجرّد النجاسة، و ذيله ظاهر في كون الخلل من جهة النجاسة، و مع هذا الاضطراب لايحصل الوثوق النوعي بعدم طروء الخلل من جهة الزيادة أو النقيصة. بل قيل: انّه يشبه أن يكون وقع فيه غلط من النسّاخ. و حينئذٍ يشكل الاعتماد عليه في الشهادة على التفصيل المذكور».(2)
و في التنقيح أجاب عن المستمسك و قال: «انّ اجمال جملة من جملات الرواية و اضطراب بعضها من حيث الدلالة لايكاد يسري الى جملاتها الصريحة بوجه، فالقاعدة أن يؤخذ بصريحها و تطرح مجملاتها و متشابهاتها، و قوله: «لم يعد الصلاة الاّ ما كان في وقت» لانرى فيه أيّ اجمال أو اضطراب فلا اجمال في دلالته.
و أمّا ثانيا: فلما قدّمناه في بحث تنجيس المتنجّس من أنّ الرواية غير مجملة و لا أنّها مضطربة المتن في شيء. نعم، هي من جملة الأدلّة القائمة على عدم تنجيس المتنجّس و بذلك يرتفع الاضطراب المتوهّم عن الحديث، فانّ الوجه في قوله «أن تعيد الصلوات اللواتي كنت صلّيتهن بذلك الوضوء بعينه» انّما هو نجاسة بدنه أعني كفّه لا بطلان وضوئه؛ فانّه بناءً على عدم تنجيس المتنجّس محكوم بصحّته، حيث انّ كفّه المتنجّسة التي يبست بالتمسّح بالخرقة لاتنجّس ما يلاقيها من الماء أو غيره، و مع طهارة الماء يحكم بصحّة الوضوء و ان كان بعض أعضائه
نعم، اذا توضّأ مرّة ثانية و لم يكتف بذلك الوضوء بعينه طهرت كفّه المتنجّسة؛ لتعدّد غسلها فلاتبطل صلواته اللواتي صلاّهنّ بغير الوضوء الأوّل. نعم، الرواية مخدوشة السند بسليمان بن رشيد حيث لم يظهر أنّه من هو، و لم يعلم حاله و لعلّه قاض من قضاة الجمهور و من أحد حكّامهم. فالصحيح ما ذهب اليه المشهور من أنّ الناسي يعيد صلاته مطلقا في الوقت و خارجه. انتهى ملخّصا».(1)
أقول:
الظاهر أنّ في توجيهه رحمه الله تأمّلاً، بناءً على شرطيّة طهارة أعضاء الوضوء و الغسل قبل الوضوء و الغسل، مضافا الى أنّ عبارته المذكورة ليست ظاهرة في صحّة الوضوء بل لعلّ الظاهر منها عدم صحّة ذلك الوضوء. و الانصاف أنّ جملات ذيل المكتوبة مشوّشة. نعم، نظره الشريف رحمه اللهمن جهة السند و أنّه لا اعتبار به صائب.
1) - التنقيح في شرح العروة 3: 348 و 349.
(مسألة 1): ناسي الحكم تكليفا أو وضعا كجاهله في وجوب الاعادة و القضاء.
الشرح:
قد تقدّم في ابتداء هذا الفصل أنّ الجاهل بالحكم يجب عليه الاعادة و القضاء، و قلنا بأنّ حكم الجاهل بالحكم، كالعالم بها و هنا نقول: انّ الجاهل بالحكم عن قصور كناسيه يشمله قوله عليه السلام في صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام:
«لا تعاد الصلاة الاّ من خمسة: الطهور و الوقت و القبلة و الركوع و السجود».(1)
و الحديث و ان كان معارضا لأدلّة الأجزاء و الشرائط الخارج عنها الناسي قطعا؛ لأنّه مورد الحديث، الاّ أنّه لايأبى أن يشمل الجاهل القاصر بحكومته عليها بالنسبة الى الجاهل القاصر.
ان قلت: انّ الحديث و ان كان شاملاً للجاهل القاصر باطلاقه الاّ أنّه مخصّص و مقيّد بالناسي؛ و ذلك لصحيحة زرارة عن أحدهما عليهماالسلامقال:
«انّ اللّه تبارك و تعالى فرض الركوع و السجود و القراءة سنّة فمن ترك القراءة متعمّدا أعاد الصلاة و من نسي فلا شيء عليه».(2)
بناءً على أنّ الجاهل متعمّد.
و صحيحة منصور بن حازم قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: انّي صلّيت المكتوبة فنسيت أن أقرأ في صلاتي كلّها. فقال: أليس قد أتممت الركوع و السجود؟ قلت: بلى، قال: قد تمّت صلاتك اذا كان نسيانا».(3)
فانّها دلّت بمقتضى مفهوم الشرط على عدم الصحّة فيما عدا صورة النسيان.
قلت: انّ الأولى - أي كون الجاهل متعمّدا - عين المتنازع فيه.
و دعوى أنّ الامام عليه السلامقسّم التارك قسمين المتعمّد و الناسي و لا ثالث، و الجاهل ليس بناسٍ فيكون عامدا.
مردودة؛ لاحتمال أنّ الامام عليه السلام كان بصدد بيان التارك عامدا و ناسيا فقط دون الجاهل.
و أمّا الثانية ففيها: الظاهر أنّ قوله عليه السلام: «اذا كان نسيانا»، متعلّق بسؤال الراوي حيث قال: «فنسيت أن أقرأ»، فلعلّه بيّن حكم تارك القراءة عامدا و ناسيا فقط دون الجاهل.
فالمتحصّل ممّا ذكرنا أنّ الحديث غير قاصر الشمول للجاهل القاصر كما هو شامل للناسي، فلم تجب الاعادة على الناسي و الجاهل للجزء الغير الركني، أو شرط كذلك، أو الفاعل لما يمنع عنه في الصلاة.
نعم، اذا دلّ الدليل صريحا في مورد على اعادة الصلاة كما دلّ على اعادة صلاة من صلّى في ثوبه النجس ناسيا أو كبّر في حال الجلوس ناسيا فهو.
و ان ترد تحقيق المسألة فراجع المجلّد الخامس من كتاب صلاة الهادي.(1)
1) - الهادي 8 (كتاب الصلاة الجزء الخامس): 344.
(مسألة 2): لو غسل ثوبه النجس و علم بطهارته، ثمّ صلّى فيه و بعد ذلك تبيّن له بقاء نجاسته، فالظاهر أنّه من باب الجهل بالموضوع، فلايجب عليه الاعادة أو القضاء. و كذا لو شكّ في نجاسته، ثمّ تبيّن بعد الصلاة أنّه كان نجسا. و كذا لو علم بنجاسته فأخبره الوكيل في تطهيره بطهارته أو شهدت البيّنة بتطهيره، ثمّ تبيّن الخلاف. و كذا لو وقعت قطرة بول أو دم مثلاً و شكّ في أنّها وقعت على ثوبه أو على الأرض، ثمّ تبيّن أنّها وقعت على ثوبه. و كذا لو رأى في بدنه أو ثوبه دما و قطع بأنّه دم البقّ أو دم القروح المعفوّ أو أنّه أقلّ من الدرهم أو نحو ذلك، ثمّ تبيّن أنّه ممّا لايجوز الصلاة فيه. و كذا لو شكّ في شيء من ذلك ثمّ تبيّن أنّه ممّا لايجوز، فجميع هذه من الجهل بالنجاسة لايجب فيها الاعادة أو القضاء.
الشرح:
في المسألة صور:
الأولى: لو غسل ثوبه النجس و علم بطهارته ثمّ صلّى فيه و بعد ذلك تبيّن له بقاء نجاسته، فالظاهر أنّه من باب الجهل بالموضوع، فلايشمله قوله عليه السلام في صحيحة عبداللّه بن سنان المتقدّمة(1): «ان كان علم أنّه أصاب ثوبه جنابة قبل أن يصلّي ثم صلّى فيه و لم يغسله فعليه أن يعيد ما صلّى»؛ لأنّ المراد به العلم حين الصلاة، بل يشمله قوله في هذه الصحيحة: «و ان كان لم يعلم به فليس عليه اعادة».
و لاينافيه وجوب الاعادة على الناسي؛ لأنّه لقيام الدليل عليه بالخصوص، و يدلّ عليه صحيحة ميسّر الآتية أيضا.
و يلحق بهذه الصورة لو شكّ في نجاسته، ثمّ تبيّن بعد الصلاة أنّه كان نجسا. و هو قوله عليه السلام في صحيحة زرارة المتقدّمة:
1) - وسائل الشيعة 3: 475 / الباب 40 من أبواب النجاسات / الحديث 3.
« ... قلت: فان ظننت أنّه قد أصابه و لم أتيقّن ذلك فنظرت فلم أر فيه شيئا ثمّ صلّيت فرأيت فيه؟ قال:تغسله و لاتعيد الصلاة. الحديث».(1)
الثانية: لو علم بنجاسته فأخبره الوكيل في تطهيره بطهارته أو شهدت البيّنة بتطهيره ثمّ تبيّن الخلاف، فلاتجب عليه الاعادة؛ لأنّه لم يصدق عليه أنّه صلّى مع العلم بنجاسة ثوبه، بل يصدق عليه أنّه صلّى في ثوبه الطاهر؛ لأنّ اخبار البيّنة و ذياليد جار مجرى العلم.
و لاتعارضه صحيحة ميسّر قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: آمر الجارية فتغسل ثوبي من المني فلاتبالغ في غسله فأصلّي فيه فاذا هو يابس. قال: أعد صلاتك، أما انّك لو كنت غسلت أنت لم يكن عليك شيء».(2)
لأنّه قد علم أنّ الجارية لم تبالغ في غسله، و أنّ ثوبه كان يحتاج الى الغسل الشديد لمكان الجنابة، فصلّى فيه مع كونه شاكّا، و مورده استصحاب نجاسة الثوب بعد كون الجارية مسامحة في الغسل المناسب له.
الثالثة: لو وقعت قطرة بول أو دم مثلاً و شكّ في أنّها وقعت على ثوبه أو على الأرض، ثمّ تبيّن أنّها وقعت على ثوبه، فلاتجب عليه اعادة الصلاة في هذه الصورة أيضا؛ لأنّه و ان كان علم بالعلم الاجمالي بنجاسة ثوبه أو الأرض فعليه أن يتجنّب عنهما، الاّ أنّ الأرض لم تكن موردا لابتلائه للصلاة، و لذا ينحلّ العلم الاجمالي بالنسبة الى ثوبه الذي يريد أن يصلّي فيه الى الشكّ البدوي. نعم، لو كان له ثوب آخر، و علم بنجاسة أحدهما، لايجوز له أن يصلّي في أحدهما؛ للعلم الاجمالي.
الرابعة: لو رأى في ثوبه أو بدنه دما و قطع بأنّه دم البقّ أو دم القروح المعفوّ عنه أو أنّه أقلّ من الدرهم أو نحو ذلك و صلّى فيه ثمّ تبيّن أنّه ممّا لاتجوز الصلاة فيه، فصلاته صحيحة؛ لأنّه صلّى مع عدم العلم بالنجاسة التي كانت مبطلة للصلاة.
قال في المستمسك: «لأنّ موضوع النصوص النجاسة التي يجب ازالتها على تقدير العلم و هي ممّا لم تعلم في الأمثلة المذكورة. لكن قال في كشف الغطاء: «و في الحاق الجهل بموضوع العفو - لزعم القلّة فيما يعفى عن قليله، أو زعم أنّه ممّا يعفى عن قليله أو ممّا يعفى عن أصله، أو يعفى عن محلّه، أو عن أهله كالمربّية، أو لزعم اضطراره، أو لزعم أنّه من بول الطفل مع الاتيان بالصبّ عليه، أو في تغذيته كذلك - أو الجهل بالمحصوريّة - بزعم أنّه من غير المحصور، أو أنّه من المشتبه الخارج بعد أحد الاستبراءين - اشكال، و يقوى الافساد؛ عملاً بأصل بقاء شغل الذمّة». و يظهر ضعفه ممّا عرفت من عموم أدلّة العفو، فلا مجال لقاعدة الاشتغال».(1)
(مسألة 3): لو علم بنجاسة شيء فنسي و لاقاه بالرطوبة و صلّى، ثمّ تذكّر أنّه كان نجسا و أنّ يده تنجّست بملاقاته، فالظاهر أنّه أيضا من باب الجهل بالموضوع لا النسيان؛ لأنّه لم يعلم نجاسة يده سابقا و النسيان انّما هو في نجاسة شيء آخر غير ما صلّى فيه. نعم،لو توضّأ أو اغتسل قبل تطهير يده و صلّى كانت باطلة من جهة بطلان وضوئه أو غسله.
الشرح:
الظاهر أنّ حكم المسألة كما في المتن؛ و الدليل عليه هو الجهل بالنجاسة و قد تقدّم عدم وجوب الاعادة و القضاء على من صلّى في النجس جاهلاً. و ليس هذا
1) - مستمسك العروة 1: 542.
من مورد نسيان النجاسة ليجب عليه الاعادة أو القضاء؛ لأنّه - كما في المتن - لم يعلم نجاسة يده سابقا حتّى يصدق عليه اسم الناسي، و النسيان انّما هو في نجاسة شيء آخر غير ما صلّى فيه، و موضوع الدليل الذي ورد على اعادة صلاة ناسي النجاسة، هو الثوب أو بدنه الذي كان نجسا و علم به، ثمّ نسي أن يطهّره. نعم، لو توضّأ أو اغتسل قبل تطهير يده، و صلّى كانت باطلة من جهة بطلان وضوئه أو غسله، بناءً على أنّه يجب أن يكون أعضاء الوضوء و الغسل طاهرة و سيأتي الاّ اذا طهرت يده بواسطة ماء الوضوء أو الغسل فيمكن أن يقال بصحّة وضوئه و غسله و صلاته.
(مسألة 4): اذا انحصر ثوبه في نجس، فان لم يمكن نزعه حال الصلاة لبرد أو نحوه صلّى فيه، و لايجب عليه الاعادة أو القضاء. و ان تمكّن من نزعه ففي وجوب الصلاة فيه أو عاريا أو التخيير وجوه، الأقوى الأوّل، و الأحوط تكرار الصلاة.
الشرح:
اذا انحصر ثوبه في نجس فان لم يمكن نزعه حال الصلاة لبرد أو نحوه صلّى فيه، بلا خلاف و لا اشكال، بل قولاً واحدا كما في المستمسك عن الجواهر(1)، و لأنّ القدر المتيقّن من الروايات التي سنذكرها هو هذه الصورة، و خصوص رواية محمّد الحلبي قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يجنب في الثوب أو يصيبه بول و ليس معه ثوب غيره؟ قال: يصلّي فيه اذا اضطرّ اليه».(2)
و لايجب الاعادة أو القضاء اذا استوعب عذره تمام الوقت، أو صلّى آخر
الوقت، و أمّا اذا تيقّن أنّ عذره يكون باقيا الى آخر فصلّى ثمّ تمكّن من الصلاة في ثوب آخر، فالظاهر عدم وجوب الاعادة و القضاء أيضا؛ لاطلاق الروايات و لاتعارضها موثّقة عمّار الساباطي عن أبي عبداللّه عليه السلام:
«انّه سئل عن رجل ليس عليه الاّ ثوب و لاتحلّ الصلاة فيه، و ليس يجد ماءً يغسله، كيف يصنع؟ قال: يتيمّم و يصلّي، فاذا أصاب ماءً غسله و أعاد الصلاة».(1)
لأنّها تعاد لجهة التيمّم جمعا.
و أمّا اذا تمكّن من نزعه ففي وجوب الصلاة فيه أو عاريا أو التخيير وجوه، فذهب المصنّف الى أنّ الأقوى الأوّل. و هناك طائفتان من الروايات:
الطائفة الأولى: ما ورد في أداء الصلاة في الثوب المتنجّس، كصحيحة محمّد بن علي الحلبي قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلامعن رجل أجنب في ثوبه و ليس معه ثوب غيره؟ قال: يصلّي فيه فاذا وجد الماء غسله».(2)
و صحيحة عبدالرحمن بن أبي عبداللّه:
«انّه سأل أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يجنب في ثوب ليس معه غيره، و لايقدر على غسله؟ قال: يصلّي فيه».(3)
و صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه السلام قال:
«سألته عن رجل عريان و حضرت الصلاة، فأصاب ثوبا نصفه دم أو كلّه دم يصلّي فيه أو يصلّي عريانا؟ قال: ان وجد ماءً غسله، و ان
لم يجد ماءً صلّى فيه و لم يصلّ عريانا».(1)
و رواية عبدالرحمن بن أبي عبداللّه عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل يجنب في ثوب و ليس معه غيره و لايقدر على غسله؟ قال: يصلّي فيه».(2)
الطائفة الثانية: ما ورد من الأمر بطرح الثوب النجس و الصلاة بالايماء عاريا قائما مع عدم الناظر، و جالسا مع وجوده، كموثّقة سماعة قال:
«سألته عن رجل يكون في فلاة من الأرض و ليس عليه الاّ ثوب واحد و أجنب فيه و ليس عنده ماء، كيف يصنع؟ قال: يتيمّم، و يصلّي عريانا قاعدا يومئ ايماءً».(3)
و رواية الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام، في رجل أصابته جنابة و هو بالفلاة و ليس عليه الاّ ثوب واحد، و أصاب ثوبه مني؟ قال:
«يتيمّم و يطرح ثوبه و يجلس مجتمعا فيصلّي فيومئ ايماءً».(4)
و موثّقة أخرى لسماعة قال:
«سألته عن رجل يكون في فلاة من الأرض فأجنب، و ليس عليه الاّ ثوب فأجنب فيه وليس يجد الماء؟ قال: يتيمّم، و يصلّي عريانا قائما يومئ ايماءً».(5)
و يمكن أن يقال: انّ الطائفة الأولى من الروايات تحمل على ما اذا كان مضطرّا الى لبس الثوب النجس بقرينة رواية محمّد الحلبي قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يجنب في الثوب أو يصيبه بول و
1) - وسائل الشيعة 3: 484 / الباب 45 من أبواب النجاسات / الحديث 5.
2) - وسائل الشيعة 3: 485 / الباب 45 من أبواب النجاسات / الحديث 6.
3) - وسائل الشيعة 3: 486 / الباب 46 من أبواب النجاسات / الحديث 1.
4) - وسائل الشيعة 3: 486 / الباب 46 من أبواب النجاسات / الحديث 4.
5) - وسائل الشيعة 3: 486 / الباب 46 من أبواب النجاسات / الحديث 3.
ليس معه ثوب غيره؟ قال: يصلّي فيه اذا اضطرّ اليه».(1)
ولكن فيه اشكال، أوّلاً: انّ الرواية ضعيفة بالقاسم بن محمّد. و ثانيا: انّ صحيحة علي بن جعفر آبية عن التقييد؛ فانّ قوله عليه السلام: «و ان لم يجد ماءً صلّى فيه و لم يصلّ عريانا»، نصّ في عدم جواز الصلاة عريانا و ان لم يضطرّ الى لبسه.
ثمّ انّ الظاهر أنّ الطائفة الأولى من الروايات راجحة على الطائفة الثانية، من حيث السند و الدلالة؛ لأنّ فيها صحاحا و بعضها كصحيحة علي بن جعفر نصّ في وجوب الصلاة في الثوب النجس. و بازائها موثّقتا سماعة مضمرتان، و لايبعد أن يكون المسؤول عنه غير الامام عليه السلام اذ سماعة و ان كان ثقة الاّ أنّه واقفي، مع أنّ بين المضمرتين تهافتا في الجملة، ففي الأولى: «يصلّي عريانا قاعدا»، و في الثانية: «يصلّي عريانا قائما»، مضافا الى أنّ الصحيحة مقدّمة على الموثّقة. و لايبعد أيضا أن تكون الموثّقتان واحدة بل قريب. و أمّا رواية الحلبي فأيضا ضعيفة، أو ضعفها محتمل؛ لمكان محمّد بن عبدالحميد، فانّه - على ما قاله العلاّمة الخوئي - مشكوكة وثاقته.
فالمتحصّل، وجوب الصلاة في النجس اذا لم يجد ثوبا آخر و لا ماءً يغسله.
و في المستمسك - بعد الجمع بين الطائفتين من الروايات و حمل المطلق أي الطائفة الأولى على المضطرّ الى لبس الثوب النجس بالطائفة الثانية و يشهد على هذا الحمل و الجمع رواية محمّد الحلبي - قال: «ولكن يشكل التفصيل، بأنّ الاضطرار في رواية الحلبي غير ظاهر في كونه من جهة البرد و نحوه، بل من الجائز أن يكون من جهة الصلاة (و أنّها لايجوز أن يصلّي عريانا) و مع اجماله من هذه الجهة لايصلح للشهادة على الجمع و لاسيّما و أنّ نصوص الصلاة فيه لو كان موردها الاضطرار بالمعنى المذكور كان المتعيّن ذكره في السؤال، فانّه ممّا له مزيد دخل في الحكم، فاهماله يدلّ على خلاف ذلك. و لا سيّما مثل صحيح ابن جعفر،
1) - وسائل الشيعة 3: 485 / الباب 45 من أبواب النجاسات / الحديث 7.
فانّ قول السائل: «أو يصلّي عريانا»، كالصريح في عدم الاضطرار الى ذلك لا عرفا و لا شرعا. و أيضا فانّ أحد موثّقي سماعة المتضمّن للايماء قاعدا لا بدّ أن يكون مورده عدم الأمن من الناظر، و هو من موارد الاضطرار، فكيف يمكن حملها على غير الاضطرار؟! فالأقوى اذا ما في المتن، ترجيحا لنصوصه على معارضها».(1)
(مسألة 5): اذا كان عنده ثوبان يعلم بنجاسة أحدهما يكرّر الصلاة، و ان لم يتمكّن الاّ من صلاة واحدة يصلّي في أحدهما لا عاريا، و الأحوط القضاء خارج الوقت في الآخر أيضا ان أمكن، و الاّ عاريا.
الشرح:
اذا كان عنده ثوبان يعلم بنجاسة أحدهما يكرّر الصلاة؛ و ذلك لصحيحة صفوان بن يحيى أنّه كتب الى أبي الحسن عليه السلام يسأله عن الرجل معه ثوبان فأصاب أحدهما بول، و لم يدر أيّهما هو، و حضرت الصلاة، و خاف فوتها و ليس عنده ماء كيف يصنع؟ قال:
«يصلّي فيهما جميعا».(2)
هذا اذا كان الوقت موسّعا، و أمّا اذا لم يكن لديه وقت لتكرار الصلاة، فيصلّي في أحدهما؛ و ذلك للروايات المتقدّمة في المسألة السابقة من أنّه اذا لم يكن له الاّ ثوب واحد متنجّس فيصلّي فيه و «لم يصلّ عريانا» - كما في صحيحة علي بن جعفر - فاذا جازت الصلاة في ثوب واحد اذا لم يكن له ثوب طاهر غيره، فالجواز في الثوب المشتبه بالنجس أولى. و لايحتاج الى الاحتياط بالقضاء خارج الوقت في الآخر؛ لأنّ القضاء متفرّع على فوت الصلاة في الوقت، و الفرض أنّه أتى بما هو وظيفته.
(مسألة 6): اذا كان عنده مع الثوبين المشتبهين ثوب طاهر لايجوز أن يصلّي فيهما بالتكرار بل يصلّي فيه. نعم،لو كان له غرض عقلائي في عدم الصلاة فيه لا بأس بها فيهما مكرّرا.
الشرح:
اذا كان عنده مع الثوبين المشتبهين ثوب طاهر لايجوز أن يصلّي فيهما بالتكرار؛ لأنّه عبث و لعب بالصلاة و هو لايجوز. نعم، لو كان له غرض عقلائي في عدم الصلاة فيه لا بأس بالصلاة فيهما مكرّرا؛ لعدم الوجوب باحراز الامتثال حين العمل بل يكفي برجائه، و المهمّ اليقين ببراءة التكليف الواقع عليه، و هو يحصل بتكرار الصلاة.
(مسألة 7): اذا كان أطراف الشبهة ثلاثة يكفي تكرار الصلاة في اثنين، سواء علم بنجاسة واحد و بطهارة الاثنين أو علم بنجاسة واحد و شكّ في نجاسة الآخرين أو في نجاسة أحدهما؛ لأنّ الزائد على المعلوم محكوم بالطهارة و ان لم يكن مميّزا. و ان علم في الفرض بنجاسة الاثنين يجب التكرار باتيان الثلاث. و ان علم بنجاسة الاثنين في أربع يكفي الثلاث. و المعيار كما تقدّم سابقا التكرار الى حدّ يعلم وقوع أحدها في الطاهر.
الشرح:
قد تقدّم في المسألة الخامسة الدليل على تكرار الصلاة فيما اذا كان له ثوبان يعلم بنجاسة أحدهما اجمالاً، و قد عنون المصنّف في هذه المسألة ما اذا كان أطراف الشبهة ثلاثة، و علم بنجاسة أحدها اجمالاً فيكفي أن يكرّر الصلاة في ثوبين منها. و ألحق به ما اذا علم بنجاسة واحد و شكّ في نجاسة الآخرين، أو في نجاسة أحدهما. و قد استدلّ على ذلك بأنّ الزائد على المعلوم محكوم بالطهارة و ان لم يكن مميّزا.
و قال في التنقيح: «و الضابط أن يزيد عدد المأتي به على عدد المعلوم بالاجمال بواحد؛ فانّه بذلك يقطع باتيان الصلاة في الثوب الطاهر أو بغيره ممّا يعتبر في صحّتها من أجزاء الصلاة و شرائطها».(1)
(مسألة 8): اذا كان كلّ من بدنه و ثوبه نجسا و لم يكن له من الماء الاّ ما يكفي أحدهما فلايبعد التخيير، و الأحوط تطهير البدن. و ان كانت نجاسة أحدهما أكثر أو أشدّ لايبعد ترجيحه.
الشرح:
اذا كان كلّ من بدنه و ثوبه نجسا و لم يكن له من الماء الاّ ما يكفي لأحدهما، فيصرف الماء في تطهير بدنه؛ لأنّه ان قلنا بجواز الصلاة في الثوب النجس اذا لم يكن له ماء يغسله - كما هو الحقّ - فهو المتعيّن. و ان قلنا بالصلاة عاريا مع عدم الثوب الطاهر، فتعيينه أظهر. بلا فرق بين أن تكون نجاسة أحدهما أكثر أو أشدّ أو لاتكون.
قال في المستمسك: «ان قلنا بوجوب الصلاة عاريا مع الانحصار، فلاينبغي الاشكال في وجوب تطهير البدن - عملاً بمانعيّة النجاسة - ؛ لأنّه اذا طهر بدنه و صلّى عاريا لم يصلّ في النجاسة، بخلاف ما لو طهر الثوب و صلّى فيه؛ لأنّه صلّى و بدنه نجس قطعا. أمّا بناءً على وجوب الصلاة في الثوب رعاية لشرطيّة التستّر و ان لزمت المخالفة لمانعيّة النجاسة؛ فلأجل أنّ النجاسة المأخوذة موضوعا للمانعيّة ملحوظة بنحو الطبيعة السارية، فكما أنّ نجاسة البدن مانعة كذلك نجاسة الثوب، فيجب عليه رفع احداهما مع الامكان، فيتخيّر بينهما. الاّ أن يقال: نجاسة البدن ممّا يحتمل أولويّتها في المانعيّة، فيدور الأمر بين التعيين و التخيير، و الأصل
1) - التنقيح في شرح العروة 3: 372.
يقتضي التعيين هنا. و ان قلنا بالتخيير اذا دار الواجب بين التعيين و التخيير؛ لأنّ الشكّ في المقام في السقوط؛ للعلم بمانعيّة نجاسة البدن، و الشكّ في كون العجز المفروض مسقطا، بخلاف ذلك المقام، فانّ الشكّ فيه في الثبوت، و من هذا يظهر وجوب تطهير البدن على كلّ من القولين».(1)
(مسألة 9): اذا تنجّس موضعان من بدنه أو لباسه و لم يمكن ازالتهما فلايسقط الوجوب و يتخيّر الاّ مع الدوران بين الأقلّ و الأكثر، أو بين الأخفّ و الأشدّ، أو بين متّحد العنوان و متعدّده، فيتعيّن الثاني في الجميع، بل اذا كان موضع النجس واحدا و أمكن تطهير بعضه لايسقط الميسور، بل اذا لم يمكن التطهير لكن أمكن ازالة العين وجبت، بل اذا كانت محتاجة الى تعدّد الغسل و تمكّن من غسلة واحدة فالأحوط عدم تركها؛ لأنها توجب خفّة النجاسة الاّ أن يستلزم خلاف الاحتياط من جهة أخرى، بأن استلزم وصول الغسالة الى المحلّ الطاهر.
الشرح:
اذا تنجّس موضعان من بدنه أو لباسه و لم يمكن ازالتهما، بل أمكنه أحدهما فيجب عليه الازالة بمايمكنه؛ لأنّه مأمور بازالة النجاسة عن بدنه و لباسه الى أن لايتمكّن، و يتخيّر في ازالة أيّ الموضعين من بدنه أو لباسه المتنجّس الاّ مع الدوران بين تطهير الأقلّ و الأكثر، بحيث لو شرع في ازالة الأقلّ لم يمكنه ازالة الأكثر فحينئذ يجب عليه ازالة الأكثر؛ لأنّه بالنسبة الى أحدهما مضطرّ و أمّا بالنسبة الى الأكثر ليس مضطرّا فيجب عليه ازالته أوّلاً. و كذا بين الأخفّ كالدم الزائل عينه، و بين الأشدّ كالبول، فعليه ازالة البول، و كذا لو دار أمر الازالة بين متّحد العنوان
1) - مستمسك العروة 1: 551 و 552.
كالدم من الحيوان المأكول لحمه، و بين متعدّد العنوان كالدم من الحيوان غير المأكول لحمه، فيتعيّن ازالة الثاني؛ لأنّه نجس من حيث كونه دما و لايجوز فيه الصلاة من حيث كونه من أجزاء ما لايؤكل لحمه. و يلحق به اذا أمكن تطهير بعضه دون بعض آخر فيجب تطهير ذلك البعض؛ لما قلنا و لقوله عليه السلام:
«لا يسقط الميسور بالمعسور».(1)
و هكذا لو أمكن ازالة العين وجبت بل اذا كانت محتاجة الى أغسال متعدّدة و تمكّن من غسلة واحدة بحيث تنفصل عن المحلّ يجب ذلك أيضا.
و أمّا ما ذهب اليه المصنّف من احتياط تركه لاستلزام وصول الغسالة الى المحلّ الطاهر، ففيه: انّ الغسالة اذا جرت و انفصلت لايتنجّس الموضع الذي جرت فيه فاذا انفصلت فان لم يكن فيها ذرّات النجاسة لاتكون منجّسة.
(مسألة 10): اذا كان عنده مقدار من الماء لايكفي الاّ لرفع الحدث أو لرفع الخبث من الثوب أو البدن تعيّن رفع الخبث، و يتيمّم بدلاً عن الوضوء أو الغسل. و الأولى أن يستعمله في ازالة الخبث أوّلاً ثمّ التيمّم؛ ليتحقّق عدم الوجدان حينه.
الشرح:
اذا كان عنده مقدار من الماء لايكفي الاّ لرفع الحدث أو لرفع الخبث من الثوب أو البدن، تعيّن رفع الخبث و يتيمّم بدلاً عن الوضوء أو الغسل؛ لأنّ رفع الحدث له بدل دون رفع الخبث.
قال في المستمسك - في تقديم رفع الخبث على رفع الحدث - : «اجماعا صريحا و ظاهرا، محكيّا عن المعتبر و المنتهى و التذكرة و الذخيرة و حاشية
1) - عوالي اللئالي 4: 171.
الارشاد. قال في المعتبر: «و لو كان على جسده نجاسة و معه ماء يكفيه لازالتها أو للوضوء أزالها به و تيمّم بدلاً من الوضوء، و لاأعلم في هذه خلافا بين أهل العلم؛ لأنّ للطهارة بدلاً هو التيمّم و لا كذلك ازالة النجاسة». و في المنتهى: «لو كان على بدنه نجاسة و معه من الماء ما يكفي احداهما صرفه الى الازالة لا الى الطهارة؛ لأنّ الطهارة واجب لها بدل بخلاف ازالة النجاسة. لانعرف فيه خلافا. و كذا لو كانت النجاسة على ثوبه. و قال أحمد: انّه يتوضّأ و يدع الثوب؛ لأنّه واجد للماء. و هو ضعيف؛ اذ المراد بالوجدان التمكّن من الاستعمال و هذا غير متمكّن منه شرعا»».(1)
(مسألة 11): اذا صلّى مع النجاسة اضطرارا لايجب عليه الاعادة بعد التمكّن من التطهير. نعم، لو حصل التمكّن في أثناء الصلاة استأنف في سعة الوقت و الأحوط الاتمام و الاعادة.
الشرح:
قد تقدّم في المسألة الرابعة بيان هذه المسألة، و قلنا بأنّه تارة: يكون اضطراره مستوعبا لتمام الوقت فلايجب عليه القضاء بعد التمكّن من التطهير، و يلحق بها اذا صلّى في آخر الوقت مع النجاسة اضطرارا.
و أخرى: يتيقّن بأنّه لايتمكّن من التطهير الى آخر الوقت فيصلّي مع النجاسة اضطرارا، فلايجب عليه الاعادة و القضاء في هذه الصورة أيضا؛ لاطلاق الروايات المتقدّمة.
و ثالثة: شكّ في بقاء اضطراره الى آخر الوقت فضلاً عن يقينه بالتمكّن من التطهير فعليه الاعادة أو القضاء اذا صلّى مع النجاسة ثمّ تمكّن من التطهير؛ و ذلك
1) - مستمسك العروة 4: 351.
لعدم صدق الاضطرار عليه في هذه الصورة. و لو حصل التمكّن في أثناء الصلاة و الوقت متّسع يستأنف.
(مسألة 12): اذا اضطرّ الى السجود على محلّ نجس لايجب اعادتها بعد التمكّن من الطاهر.
الشرح:
قال في المستمسك: «لأنّ العمدة في دليل اعتبار طهارة المسجد الاجماع، و المتيقّن منه حال الاختيار، فالمرجع في حال الاضطرار أصل البراءة. و عليه فلا مانع من جواز البدار».(1)
قد تقدّم في فصل اشتراط ازالة النجاسة عن الثوب و البدن للصلاة و قلنا بأنّه يشترط أن يكون موضع السجود طاهرا و ذكرنا هناك الروايات الواردة في الباب، و هنا نقول: اذا اضطرّ الى السجود على محلّ نجس فيأتي فيه الصور المذكورة في المسألة السابقة.
(مسألة 13): اذا سجد على الموضع النجس جهلاً أو نسيانا لايجب عليه الاعادة، و ان كانت أحوط.
الشرح:
اذا سجد على الموضع النجس جهلاً أو نسيانا لايجب عليه الاعادة؛ لقوله عليه السلام:
«لا تعاد الصلاة الاّ من خمسة: الطهور و الوقت و القبلة و الركوع و السجود».(2)
الاّ أنّه اذا لم يكن في السجدتين، و الاّ فيحتاط بالاعادة أو القضاء؛ لاحتمال أنّ المراد من السجود في الحديث مع شرائطه، و ان كان الظاهر منه نفس السجود، أي وضع الجبهة على الأرض، فاذا نسي السجدتين و لم يأت بهما حتّى دخل في الركوع بطلت صلاته.
و هو أمور: «الأوّل»: دم الجروح و القروح ما لم تبرأ، في الثوب أو البدن، قليلاً كان أو كثيرا، أمكن الازالة أو التبديل بلا مشقّة أم لا. نعم، يعتبر أن يكون ممّا فيه مشقّة نوعيّة، فان كان ممّا لا مشقّة في تطهيره أو تبديله على نوع الناس فالأحوط ازالته أو تبديل الثوب. و كذا يعتبر أن يكون الجرح ممّا يعتدّ به، و له ثبات و استقرار، فالجروح الجزئيّة يجب تطهير دمها. و لايجب فيما يعفى عنه منعه عن التنجيس. نعم، يجب شدّه اذا كان في موضع يتعارف شدّه، و لايختصّ العفو بما في محلّ الجرح فلو تعدّى عن البدن الى اللباس أو الى أطراف المحلّ كان معفوّا لكن بالمقدار المتعارف في مثل ذلك الجرح، و يختلف ذلك باختلافها من حيث الكبر و الصغر و من حيث المحلّ، فقد يكون في محلّ لازمه بحسب المتعارف التعدّي الى الأطراف كثيرا، أو في محلّ لايمكن شدّه، فالمناط المتعارف بحسب ذلك الجرح.
الشرح:
لنذكر في البداية الروايات الواردة في القروح و الجروح.
فمنها صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام قال:
«سألته عن الرجل تخرج به القروح فلاتزال تدمي كيف يصلّي؟ فقال: يصلّي و ان كانت الدماء تسيل».(1)
و صحيحة ليث المرادي قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: الرجل تكون به الدماميل و القروح فجلده و ثيابه مملوّة دما و قيحا، و ثيابه بمنزلة جلده، فقال: يصلّي في ثيابه و لايغسلها و لا شيء عليه».(2)
و صحيحة عبدالرحمن بن أبي عبداللّه قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: الجرح يكون في مكان لايقدر على ربطه فيسيل منه الدم و القيح فيصيب ثوبي، فقال: دعه فلا يضرّك أن لاتغسله».(3)
و موثّقة سماعة بن مهران عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا كان بالرجل جرح سائل فأصاب ثوبه من دمه فلايغسله حتّى يبرأ و ينقطع الدم».(4)
و موثّقة عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن الدمل يكون بالرجل فينفجر و هو في الصلاة؟ قال: يمسحه ويمسح يده بالحائط أو بالأرض، و لايقطع الصلاة».(5)
و صحيحة اسماعيل الجعفي قال:
«رأيت أبا جعفر عليه السلام يصلّي و الدم يسيل من ساقه».(6)
1) - وسائل الشيعة 3: 434 / الباب 22 من أبواب النجاسات / الحديث 4.
2) - وسائل الشيعة 3: 434 / الباب 22 من أبواب النجاسات / الحديث 5.
3) - وسائل الشيعة 3: 435 / الباب 22 من أبواب النجاسات / الحديث 6.
4) - وسائل الشيعة 3: 435 / الباب 22 من أبواب النجاسات / الحديث 7.
5) - وسائل الشيعة 3: 435 / الباب 22 من أبواب النجاسات / الحديث 8.
6) - وسائل الشيعة 3: 434 / الباب 22 من أبواب النجاسات / الحديث 3.
و موثّقة ثانية لسماعة قال:
«سألت عن الرجل به القرح و الجرح و لايستطيع أن يربطه و لايغسل دمه؟ قال: يصلّي و لايغسل ثوبه كلّ يوم الاّ مرّة؛ فانّه لايستطيع أن يغسل ثوبه كلّ ساعة».(1)
و موثّقة أبي بصير قال:
«دخلت علي أبي جعفر عليه السلام و هو يصلّي، فقال لى قائدي: انّ في ثوبه دما، فلمّا انصرف قلت له: انّ قائدي أخبرني أنّ بثوبك دما، فقال لي: انّ لي دماميل و لست أغسل ثوبي حتّى تبرأ».(2)
فانّ الظاهر من هذه الأحاديث هو العفو عن دم القروح و الجروح مالم تبرأ، في الثوب أو البدن، قليلاً كان أو كثيرا، أمكن الازالة أو التبديل بلا مشقّة أم لا، كان في ازالته أو تبديله مشقّة نوعيّة أم لا. و لايختصّ العفو بما في محلّ الجرح فلو تعدّى عن البدن الى اللباس أو الى أطراف المحلّ كان معفوّا. نعم، يعتبر أن يكون الجرح ممّا يعتدّ به و له استقرار و ثبات فالجروح الجزئيّة يجب تطهير الدم منها، لكن العفو يكون بالمقدار المتعارف في مثل ذلك الجرح و يختلف ذلك باختلافها من حيث الكبر و الصغر و من حيث المحلّ - كما قال المصنّف رحمه الله - فقد يكون في محلّ يكون بحسب المتعارف التعدّي الى الأطراف كثيرا، أو في محلّ لايمكن شدّه، فالمناط المتعارف بحسب ذلك الجرح.
و يستحبّ أن يزيله اذا كان في الصلاة فينفجر الدمل؛ لموثّقة عمّار، و يستحبّ أيضا أن يغسل ثوبه كلّ يوم مرّة و لايجب؛ جمعا بين مضمرة سماعة و صحيحتي ليث المرادي و عبدالرحمن و موثّقة سماعة.
(مسألة 1): كما يعفى عن دم الجرح كذا يعفى عن القيح المتنجّس الخارج معه، و الدواء المتنجّس الموضوع عليه و العرق المتّصل به في المتعارف. أمّا الرطوبة الخارجيّة اذا وصلت اليه و تعدّت الى الأطراف فالعفو عنها مشكل فيجب غسلها اذا لم يكن فيه حرج.
الشرح:
يدلّ على عفو القيح المتنجّس الخارج معه صريح صحيحتي ليث المرادي و عبدالرحمن المتقدّمتين، و ظاهر غيرهما. و يدلّ على عفو الدواء المتنجّس الموضوع عليه، و العرق المتّصل به اطلاق الروايات المتقدّمة مع أنّ وضع الدواء عليه متعارف و معمول به و كذا العرق المتّصل به، فانّه كثيرا ما يتّفق ذلك. و أمّا الرطوبة الخارجيّة اذا وصلت اليه و تعدّت الى الأطراف، - فكما ذهب اليه المصنّف رحمه الله - فالعفو عنها مشكل فيجب غسلها اذا لم يكن فيه حرج؛ و ذلك لعموم وجوب ازالة النجاسة عن البدن و الثوب، و عدم ظهور الروايات المتقدّمة للعفو عن ذلك الرطوبة.
(مسألة 2): اذا تلوّثت يده في مقام العلاج غسلها و لا عفو، كما أنّه كذلك اذا كان الجرح ممّا لايتعدّى فتلوّثت أطرافه بالمسح عليها بيده أو بالخرقة الملوّثتين على خلاف المتعارف.
الشرح:
الصحيح ما ذهب اليه المصنّف رحمه الله؛ لعموم وجوب ازالة النجاسة عن البدن و الثوب، و لايشمل اطلاق الروايات المتقدّمة يده اذا تلوّثت في مقام العلاج، و أطرافه اذا تلوّثت بالمسح عليها بيده أو الخرقة المتلوّثتين على خلاف المتعارف.
(مسألة 3): يعفى عن دم البواسير خارجة كانت أو داخلة، و كذا كلّ قرح أو جرح باطني خرج دمه الى الظاهر.
الشرح:
قال في المستمسك: «عموم الحكم للجروح الباطنة غير ظاهر؛ فانّ اطلاق لفظ الجرح ظاهر في الجرح الظاهر، و الجرح الباطن يحتاج الى التقييد بالباطن، و لايفهم من قول القائل: «زيد فيه جرح أو قرح»، الاّ الجرح و القرح الظاهران، و لايتوهّم عموم الأدلّة للدم الخارج من الصدر أو المعدة، أو دم الاستحاضة، أو نحوها ممّا يكون من الجروح أو القروح الباطنيّة، مع أنّ في دخول البواسير في القرح اشكالاً؛ فانّها منابع للدم، فتأمّل».(1)
ففيما ذهب اليه السيّد الحكيم رحمه الله اشكال؛ و لعلّه لذلك أمر بالتأمّل، و وجه الاشكال أنّه اذا صدق القرح و الجرح على دم البواسير أو غيره فتشمله الاطلاقات. نعم، الظاهر أنّ الدم الخارج من الصدر و الحلق لايصدق عليه القرح و الجرح.
قال في التنقيح: «دم البواسير علّة و قروح باطنيّة في أطراف المقعدة قد تنفجر و تسيل دمه، في مقابل النواسير التي هي قروح خارجيّة حوالي المقعدة أو غيرها، و دم القروح و الجروح معفوّ عنه في الصلاة، بلا فرق في ذلك بين الداخليّة و الخارجيّة، فانّ المدار على صدق أنّ الرجل به جرح أو قرح، و لا اشكال في صدق ذلك في البواسير حقيقة؛ لصحّة أن يقال: انّ للمبسور قرحة فلا وجه لتخصيص الجرح بالخارجي. نعم، يمكن أن يقال بعدم العفو في بعض القروح الداخليّة كما في جرح الكبد و الحلق و الصدر - أعاذنا اللّه منه و من نظائره - و ذلك لأنّ الدم الخارج منه و ان كان يصدق أنّه دم القرحة أو الجرح حقيقة الاّ أنّ العفو انّما ثبت
1) - مستمسك العروة 1: 561.
لخصوص الدم الذي يصيب الثوب أو البدن عادة و لايعفى عمّا لم تتعارف اصابته البدن و الثوب، و الدم الخارج من الجروح المذكورة ممّا لايصيبهما عادة».(1)
(مسألة 4): لايعفى عن دم الرعاف و لايكون من الجروح.
الشرح:
لا يعفى عن دم الرعاف؛ للأخبار الكثيرة الآمرة بالتطهير منه اذا حدث في أثناء الصلاة، و بقطعها ان لم يمكن.
فمن تلك الروايات صحيحة محمّد بن مسلم قال:
«سألت أبا جعفر عليه السلام عن الرجل يأخذه الرعاف و القيء في الصلاة، كيف يصنع؟ قال: ينفتل، فيغسل أنفه، و يعود في صلاته، و ان تكلّم فليعد صلاته، و ليس عليه وضوء».(2)
و صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:
«سألته عن رجل رعف فلم يرقأ رعافه حتّى دخل وقت الصلاة؟ قال: يحشو أنفه بشيء ثمّ يصلّي، و لايطيل ان خشي أن يسبقه الدم».(3)
و موثّقة أبي بصير قال:
«سمعته يقول: اذا قاء الرجل و هو على طهر فليتمضمض، و اذا رعف و هو على وضوء فليغسل أنفه؛ فانّ ذلك يجزيه، و لايعيد وضوءه».(4)
و صحيحة عمر بن أذينة عن أبي عبداللّه عليه السلام، أنّه سأله عن الرجل يرعف و هو في الصلاة و قد صلّى بعض صلاته؟ فقال:
«ان كان الماء عن يمينه أو عن شماله أو عن خلفه فليغسله من غير أن يلتفت، و ليبن على صلاته، فان لم يجد الماء حتّى يلتفت فليعد الصلاة، قال: و القيء مثل ذلك».(1)
و صحيحة ثانية للحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل يصيبه الرعاف و هو في الصلاة؟ فقال: ان قدر على ماء عنده يمينا و شمالاً أو بين يديه و هو مستقبل القبلة فليغسله عنه ثمّ ليصلّ ما بقي من صلاته، و ان لم يقدر على ماء حتّى ينصرف بوجهه أو يتكلّم فقد قطع صلاته».(2)
و صحيحة زرارة الطويلة الواردة في الباب الثاني و الأربعين من أبواب النجاسات، مضافا الى قصور نصوص العفو عن ذلك.
(مسألة 5): يستحبّ لصاحب القروح و الجروح أن يغسل ثوبه من دمهما كلّ يوم مرّة.
كما تقدّم في ابتداء هذا الفصل، فراجع.
(مسألة 6): اذا شكّ في دم أنّه من الجروح أو القروح أم لا، فالأحوط عدم العفو عنه.
الشرح:
يدلّ على عدم العفو عن دم شكّ في أنّه من الجروح أو القروح، العمومات التي دلّت على نجاسة الدم، خرج منها دم الجروح و القروح، فاذا أحرز أنّه دم القروح و الجروح يشمله العفو عنه، و اذا لم يحرز فيبقى تحت العمومات، و ليس هذا من موارد التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة؛ لأنّه لم يكن هناك شكّ في دَمَويّته بل الشكّ في معفويّته، فالأصل عدمه.
قال في المستمسك: «جزم بعضهم بعدم العفو عن الدم المشكوك فيه من القروح أو الجروح؛ لأصالة عدم كون الدم منهما، بناءً على ما هو الظاهر من أنّ نفي عنوان الخاصّ بالأصل يكفي في ثبوت حكم العامّ له. و جزم بعضهم بالعفو؛ و كأنّه لأنّ الأصل المذكور من قبيل الأصل الجاري في العدم الأزلي، الممنوع حجّيّته عند جماعة من المحقّقين و لمّا كانت الشبهة مصداقيّة لايجوز الرجوع فيها الى العامّ، و كان المرجع أصالة البراءة من المانعيّة. و فيه: انّ كون الدم من جرح أو قرح ليس من عوارض الوجود حال حدوثه، بل من عوارضه حال بقائه؛ فانّ الدم الموجود في بدن الانسان ان خرج من الجرح أو القرح كان دم الجرح أو القرح المعفوّ عنه و الاّ فلا، فأصالة عدم الخروج من الجرح أو القرح بلا مانع؛ و كأنّه لعدم وضوح ما ذكرنا في نظر المصنّف توقّف عن الجزم».(1)
1) - مستمسك العروة 1: 562.
(مسألة 7): اذا كانت القروح أو الجروح المتعدّدة متقاربة بحيث تعدّ جرحا واحدا عرفا جرى عليه حكم الواحد، فلو برئ بعضها لم يجب غسله بل هو معفوّ عنه حتّى يبرأ الجميع. و ان كانت متباعدة لايصدق عليها الوحدة العرفيّة، فلكلّ حكم نفسه فلو برئ البعض وجب غسله و لايعفى عنه الى أن يبرأ الجميع.
الشرح:
يدلّ على صدر المسألة الروايات التي مرّت عليك في ابتداء هذا الفصل. و أمّا ان كانت القروح أو الجروح متباعدة لايصدق عليها الوحدة العرفيّة فلكلّ حكم نفسه، فلو برئ البعض وجب غسله و لايعفى عنه الى أن يبرأ الجميع. و لايدلّ على عفو ذلك قوله عليه السلام في موثّقة أبي بصير المتقدّمة: «انّ لى دماميل و لست أغسل ثوبي حتّى تبرأ»؛ اذ لعلّه كانت الدماميل متقاربة بحيث تعدّ جرحا واحدا عرفا.
«الثاني»: ممّا يعفى عنه في الصلاة الدم الأقلّ من الدرهم، سواء كان في البدن أو اللباس، من نفسه أو غيره عدا الدماء الثلاثة من الحيض و النفاس و الاستحاضة، أو من نجس العين أو الميتة، بل أو غير المأكول ممّا عدا الانسان على الأحوط، بل لايخلو عن قوّة. و اذا كان متفرّقا في البدن أو اللباس أو فيهما و كان المجموع بقدر الدرهم فالأحوط عدم العفو. و المناط سعة الدرهم لا وزنه، و حدّه سعة أخمص الراحة. و لمّا حدّه بعضهم بسعة عقد الابهام من اليد، و آخر بعقد الوسطى، و آخر بعقد السبّابة فالأحوط الاقتصار على الأقلّ و هو الأخير.
الشرح:
و لنذكر الروايات الواردة في الباب حتّى يتّضح الحال:
فمنها صحيحة عبداللّه بن أبي يعفور (في حديث) قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام الرجل يكون في ثوبه نقط الدم لايعلم به، ثمّ يعلم فينسى أن يغسله فيصلّي، ثمّ يذكر بعد ما صلّى، أيعيد صلاته؟ قال: يغسله و لايعيد صلاته، الاّ أن يكون مقدار الدرهم مجتمعا فيغسله و يعيد الصلاة».(1)
و صحيحة اسماعيل الجعفي عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«في الدم يكون في الثوب ان كان أقلّ من قدر الدرهم فلايعيد الصلاة، و ان كان أكثر من قدر الدرهم و كان رآه فلم يغسله حتّى صلّى فليعد صلاته، و ان لم يكن رآه حتّى صلّى فلايعيد الصلاة».(2)
و صحيحة محمّد بن مسلم قال:
«قلت له: الدم يكون في الثوب عليّ و أنا في الصلاة. قال: ان رأيته و عليك ثوب غيره فاطرحه و صلّ، و ان لم يكن عليك ثوب غيره فامض في صلاتك و لا اعادة عليك ما لم يزد على مقدار الدرهم و ما كان أقلّ من ذلك فليس بشيء، رأيته قبل أو لم تره، و اذا كنت قد رأيته و هو أكثر من مقدار الدرهم فضيّعت غسله و صلّيت فيه صلاة كثيرة فأعد ما صلّيت فيه».(3)
و صحيحة علي بن جعفر في كتابه عن أخيه قال:
«سألته عن الدمل يسيل منه القيح كيف يصنع؟ قال: ان كان غليظا أو فيه خلط من دم فاغسله كلّ يوم مرّتين غدوة و عشيّة، و لاينقض ذلك الوضوء، و ان أصاب ثوبك قدر دينار من الدم فاغسله و
لاتصلّ فيه حتّى تغسله».(1)
الظاهر من هذه الروايات هو العفو عن الدم في الثوب اذا كان أقلّ من الدرهم؛ و أمّا اذا كان أكثر منه فلايعفى عنه. انّما الكلام فيما اذا كان بقدر الدرهم.
قال في التنقيح: «لا اشكال و لا خلاف في ثبوت العفو عمّا دون الدرهم من الدم كما لا شبهة في وجوب ازالة ما زاد عنه، و انّما الخلاف فيما اذا كان بقدره بلا زيادة و نقصان - و بعد ذكر الروايات و بيانها قال: - و الذي يسهّل الخطب أنّ في المقام رواية ثالثة تقتضي مانعيّة ما كان بقدر الدرهم من الدم و هي قرينة على صحيحتي الجعفي و محمّد بن مسلم، و معها لابدّ من الحكم بوجوب ازالة الدم بقدر الدرهم و هي صحيحة عبداللّه بن أبي يعفور».(2)
أقول:
اذا تعيّن مقدار الدرهم، و حصل اليقين بأنّ الدم بمقداره فالأمر كما قال في التنقيح، الاّ أنّ تعيينه بالدقّة و اليقين بأنّ الدم قدره غير يسير؛ و لعلّه لذلك قال عليه السلام بالعفو اذا كان أقلّ من الدرهم، و عدم العفو اذا كان أكثر منه في صحيحتي الجعفي و محمّد بن مسلم.
فروع:
انّه لا فرق بين الثوب و البدن في ذلك الحكم و ان كانت الروايات واردة في الثوب؛ و ذلك للاجماع بعدم الفرق بينهما. و لم يخالف فيه الاّ الصدوق رحمه الله؛ و لعلّهلرواية مثنّى بن عبدالسلام عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قلت له: انّي حككت جلدي فخرج منه دم، فقال: ان اجتمع قدر حمّصة فاغسله، و الاّ فلا».(1)
ولكنّها غير قابلة للاعتماد سندا و دلالة. أمّا بحسب السند فلأجل مثنّى بن عبدالسلام حيث لم تثبت وثاقته. و أمّا بحسب الدلالة فلأنّ ظاهرها طهارة ما دون الحمّصة من الدم دون العفو عنه مع نجاسته، فالرواية تدلّ على نجاسة ما زاد عن مقدار الحمّصة و طهارة ما دونها، و هذا ممّا لم ينسب الى أحد من الأصحاب عدا الصدوق، فالرواية متروكة، فلا خصوصيّة للثوب بل قد عفي عن الدم الأقلّ من الدرهم مطلقا، و يؤيّده عمل الأصحاب و فتاواهم.
قد ورد في عدم العفو عن دم الحيض رواية أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام أو أبي جعفر عليه السلام قال:
«لاتعاد الصلاة من دم تبصره غير دم الحيض، فانّ قليله و كثيره في الثوب ان رآه أو لم يره سواء».(2)
و هذه الرواية مخدوشة سندا و دلالة؛ أمّا السند فلسعيد المكاري فانّه - كما قال في التنقيح - لم يرد توثيق في حقّه، بل له مكالمة مع الرضا عليه السلام لو صحّت و ثبتت لدلّت على أنّه كان مكاريا حقيقة حيث لم يعتقد بامامته عليه السلام و أساء معه الأدب في كلامه، و دعا الرضا عليه السلام عليه بقوله: «أطفأ اللّه نور قلبك و أدخل اللّه الفقر بيتك». و ابتلي بالفقر و البلاء بعد خروجه من عنده. نعم، ابنه الحسين أو الحسن
ممّن وثّقه النجاشي و غيره. و بالجملة الرواية ضعيفة لايمكن الاعتماد عليها. و من حيث الدلالة فانّ فيها دم الحيض، فالحاق النفاس و الاستحاضة به ليس في الرواية.
قال في المدارك: «و هذه النصوص كماترى متناولة باطلاقها لدم الحيض و غيره الاّ أنّ الأصحاب قطعوا باستثناء دم الحيض من ذلك و أوجبوا ازالة قليله و كثيره عن الثوب و البدن. و ربّما كان المستند فيه ما رواه أبو سعيد عن أبي بصير، قال: «لا تعاد الصلاة من دم لم تبصره الاّ دم الحيض، فانّ قليله و كثيره في الثوب ان رآه أو لم يره سواء»، و هي مع - ضعف سندها - موقوفة على أبي بصير، و ليس قوله حجّة، لكن قال في المعتبر: «انّ الحجّة عمل الأصحاب بمضمونها و قبولهم لها». و ألحق الشيخ به دم الاستحاضة و النفاس، و لعلّه نظر الى تساويها في ايجاب الغسل، و أنّ النفاس حيض في المعنى و الاستحاضة مشتقّة منه. و ألحق القطب الراوندي رحمه اللهبهذه الدماء الثلاثة دم نجس العين؛ نظرا الى أنّه يلاقي جسده، و نجاسة جسده غير معفوّ عنها، فكان كما لو أصاب الدم المعفوّ عنه نجاسة غير الدم، و الحقّ أنّه ان ثبت عموم الدم المعفوّ عنه كان شاملاً للدماء الثلاثة و دم نجس العين، و شموله لدم نجس العين يجري مجرى النطق به، و مع النطق به يسقط اعتبار نجاسته قطعا. و حينئذٍ فيتوقّف استثناء هذه الدماء الأربعة على ثبوت المخصّص. و ان لم يثبت العموم وجب القول باستثناء جميع ذلك؛ لعموم ما دلّ على اشتراط طهارة الثوب و الجسد».(1)
أقول:
ما ذهب اليه في المدارك من قوله: «و الحقّ أنّه ان ثبت عموم الدم المعفوّ عنه ... »، حقّ الاّ أنّه رحمه الله لم يختر أحد طرفي الترديد. و الظاهر أنّ الروايات المذكورة
1) - مدارك الأحكام 2: 315 و 316.
في ابتداء البحث مطلقة و باطلاقها تشمل جميع الدماء، و ما هو مقطوع به خروجه دم الحيض؛ لرواية أبي بصير المنجبر ضعفها بعمل المشهور من القدماء و المتأخّرين، و يلحق به دم النفاس و الاستحاضة؛ لأنّ الثلاثة من واد واحد، كما اعترف به. و أمّا دم نجس العين و الميتة و غير المأكول لحمه غير الانسان يشملها اطلاق الروايات. و الاحتياط بالتحرّز عن هذه الدماء لاينبغي تركه بل لايترك في خصوص نجس العين.
قال في الشرائع: «و ان كان متفرّقا، قيل: هو عفو، و قيل: تجب ازالته، و قيل: لا تجب الاّ أن يتفاحش، و الأوّل أظهر».(1)
و في المدارك: «اختلف الأصحاب في وجوب ازالة الدم المتفرّق على الثوب أو البدن اذا كان بحيث لو جمع بلغ الدرهم، فقال ابن ادريس؛: «الأحوط للعبادة وجوب ازالته، و الأقوى و الأظهر في المذهب عدم الوجوب». و نحوه قال الشيخ في المبسوط، و هو خيرة المصنّف؛ هنا و في النافع. و قال الشيخ في النهاية: «لاتجب ازالته ما لم يتفاحش». و هو خيرة المصنّف؛ في المعتبر. و قال سلاّر بن حمزة: «تجب ازالته». و اختاره العلاّمة في جملة من كتبه. و المعتمد الأوّل. لنا التمسّك بمقتضى الأصل، و ما رواه عبداللّه بن أبي يعفور في الصحيح قال: «قلت لأبي عبداللّه 7: الرجل يصلّي و في ثوبه نقط الدم، فينسى أن يغسله، فيصلّي ثمّ يذكر، قال: يغسله و لايعيد صلاته الاّ أن يكون مقدار الدرهم مجتمعا فيغسله و يعيد الصلاة»».(2)
أقول:
الظاهر أنّ ما فهم صاحب المدارك من الصحيحة هو أنّ نقط الدم المتفرّقة في الثوب معفوّ عنها و ان بلغ ما بلغ، و أمّا اذا اجتمعت فالمعفوّ عنه ما كان أقلّ من الدرهم. و كأنّه الظاهر من السرائر و المبسوط و المصنّف. ولكنّه خلاف ظاهر الصحيحة، بل المراد منها أنّ النقط المتفرّقة من الدم اذا كان اجتماعها بقدر الدرهم لايعفى عنها، و المعفوّ عنها ما لو كان اجتماعها أقلّ من الدرهم، و لو بقرينة اطلاق الصحاح المتقدّمة من محمّد بن مسلم و الجعفي و علي بن جعفر.
قال في المستمسك: «المحكي عن المتقدّمين تفسير الدرهم المعفوّ عمّا دونه بالوافي، و عن الانتصار و الخلاف و الغنية: الاجماع عليه. و عن كثير تفسيره بالبغلي. و هو امّا بفتح الباء و الغين المعجمة و تشديد اللام، كما نسب الى المتأخّرين، و امّا باسكان الغين و تخفيف اللام، كما عن جماعة التصريح به. و الظاهر رجوع التفسيرين الى أمر واحد. و المحكي عن أكثر عبارات الأصحاب تحديدها بأخمص الراحة. و قال ابن أبي عقيل: «ما كان سعة الدينار». و قال ابن الجنيد: «ما كان سعته سعة العقد الأعلى من الابهام». و الكلّ متقارب فانّ أخمص الراحة يبعد عن العقد الأعلى من الابهام كثيرا. و القائل بأنّ سعته عقد الوسطى أو عقد السبّابة غير معروف. انتهى ملخّصا».(1)
و في التنقيح: «انّ الدراهم المتعارفة في زمان الصادقين عليهماالسلام- وافيا كانت أم بغليّا - كانت مختلفة من حيث السعة و الضيق. و قد شاهدنا هذا الاختلاف في القرانات العجميّة المضروبة قبيل عصرنا. فاذا كانت مختلفة كذلك فلايمكن
1) - مستمسك العروة 1: 567 - 572.
أن تكون العبرة بأجمعها، فانّ لازمه العفو عن مقدار خاصّ، فلابدّ من أن تكون العبرة ببعضها دون غيرها، و حيث لم تقم قرينة على ارادة أكثرها سعة و لا على متوسطها فلا مناص من الاقتصار على أقلّها سعة من الأفراد المتعارضة الدارجة في عصر الصادقين عليهماالسلام، على ما تقتضيه القاعدة عند دوران المخصّص المجمل بين الأقلّ و الأكثر. و حيث لم يرد في الروايات تحديد الدرهم، فمقتضى القاعدة الاقتصار على أقلّ التحديدات المتقدّمة، و هو تحديد سعته بسعة عقد السبّابة؛ لأنّه المقدار المتيقّن في البين، و يرجع فيما زاد على هذا المقدار الى عموم ما دلّ على مانعيّة النجس في الصلاة. انتهى ملخّصا».(1)
أقول:
و الحقّ أنّ القاعدة - بعد عدم ورود الدليل على قدر سعة الدراهم - هي الاقتصار على القدر المتيقّن و هو سعة عقد السبّابة.
(مسألة 1): اذا تفشّى من أحد طرفي الثوب الى الآخر فدم واحد، و المناط في ملاحظة الدرهم أوسع الطرفين. نعم، لو كان الثوب طبقات فتفشّى من طبقة الى أخرى فالظاهر التعدّد، و ان كانتا من قبيل الظهارة و البطانة، كما أنّه لو وصل الى الطرف الآخر دم آخر لا بالتفشّي يحكم عليه بالتعدّد و ان لم يكن طبقتين.
الشرح:
قال في المدارك: «لو أصاب وجهي الثوب، فان كان بالتفشّي فدم واحد، و الاّ فدمان. و اعتبر الشهيد رحمه الله في الذكرى رقّة الثوب، و هو حسن».(2)
انّ مناط كون الدم واحدا أو متعدّدا في تفشّيه من أحد طرفي الثوب الى الآخر هو العرف، فالظاهر اذا كان الثوب رقيقا فتفشّى الدم من أحد طرفيه الى الآخر، يراه العرف دما واحدا. و لو كان الثوب طبقات فتفشّى من طبقة الى أخرى فالظاهر تعدّد الدم عنده، و أمّا اذا كان ضخيما و لم يكن طبقتين، فقد يشكّ العرف في ذلك، فالأصل الحاكم وحدته و ما تفشّى هو عينه.
(مسألة 2): الدم الأقلّ اذا وصل اليه رطوبة من الخارج فصار المجموع بقدر الدرهم أو أزيد لا اشكال في عدم العفو عنه و ان لم يبلغ الدرهم، فان لم يتنجّس بها شيء من المحلّ بأن لم تتعدّ عن محلّ الدم فالظاهر بقاء العفو، و ان تعدّى عنه ولكن لم يكن المجموع بقدر الدرهم ففيه اشكال، و الأحوط عدم العفو.
الشرح:
الدم الأقلّ اذا وصل اليه رطوبة من الخارج فصار المجموع بقدر الدرهم أو أزيد لا اشكال في عدم العفو عنه؛ و ذلك لأنّ الزائد ان كان دما فالمعفوّ عنه ما كان أقلّ من الدرهم، و ان كان متنجّسا بالدم فلا يعفى عنه. و أمّا ان لم يبلغ الدرهم فان لم يتجاوز من محلّ الدم فالظاهر بقاء العفو؛ لاطلاق الروايات. و ان تعدّى عنه ولكن لم يكن المجموع بقدر الدرهم ففيه اشكال؛ لأنّ القدر المتيقّن من عفو الدم، هو ما كان دما خالصا، و الدم الممزوج بالماء مشكوك عفوه فالأحوط عدم العفو.
(مسألة 3): اذا علم كون الدم أقلّ من الدرهم، و شكّ في أنّه من المستثنيات أم لا، يبنى على العفو و أمّا اذا شكّ في أنّه بقدر الدرهم أو أقلّ فالأحوط عدم العفو الاّ أن يكون مسبوقا بالأقلّيّة و شكّ في زيادته.
الشرح:
اذا علم كون الدم أقلّ من الدرهم و شكّ أنّه من الدماء الثلاثة أم لا يبنى على العفو عنه؛ لشمول العمومات له، و خروجه عنها يحتاج الى احراز أنّه من الدماء الثلاثة. اللّهمّ الاّ أن يقال: انّه من التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة، فسيأتي ما عن المستمسك. و أمّا اذا شكّ في أنّه بقدر الدرهم أو أقلّ، فان كان مسبوقا بالأقلّيّة و شكّ في زيادته فيستصحب. و أمّا ان لم يكن مسبوقا بها، فالظاهر عدم العفو عنه؛ لأنّ الدم مانع عن الصلاة فيه الاّ ما كان منه أقلّ من الدرهم، فهو مشكوك فيه.
قال في المستمسك: «اذا علم كون الدم أقلّ من الدرهم، و شكّ في أنّه من المستثنيات أم لا، يبنى على العفو، كما عن الدروس، و الموجز، و شرحه، و غيرها، بل قيل: انّ عليه بناء الفقهاء. لا لعموم العفو عمّا دون الدرهم؛ لأنّه تمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة، و التحقيق عدم جوازه. بل امّا لأصالة عدم كون الدم من غير المعفوّ عنه - دم حيض أو نفاس أو غيرهما - بناءً على صحّة جريان الأصل في العدم الأزلي - الى أن قال: - و امّا لأصالة البراءة عن مانعيّة الدم المشكوك مانعيّته. و دعوى أنّ المرجع في مشكوك الحيضيّة أو النفاسيّة - مثلاً - عموم مانعيّة الدم الحاكم على أصالة البراءة، أو الوارد عليها، مندفعة: بأنّ عموم المنع مخصّص بعموم العفو عمّا دون الدرهم، ممّا لم يكن حيضا أو نفاسا - مثلاً - فان بني على جواز التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة، كان المرجع عموم العفو؛ لأنّه أخصّ من عموم المنع عن الدم، و ان لم يبن على ذلك لايجوز الرجوع الى كلّ واحد منهما، بل يرجع الى الأصل المقتضي للبراءة».(1)
1) - مستمسك العروة 1: 575.
(مسألة 4): المتنجّس بالدم ليس كالدم في العفو عنه اذا كان أقلّ من الدرهم.
الشرح:
قال في المستمسك: «كما عن المنتهى و البيان و الذخيرة و غيرها، خلافا لما عن الذكرى و روض الجنان و المعالم و المدارك؛ لأنّ الفرع لايزيد على أصله. و قد تقدّم أنّه لا دليل على هذه القاعدة».(1)
اذا امتزج الدم بالماء، فأصاب الثوب أو البدن لايعفى عنه و ان كان أقلّ من الدرهم؛ لأنّ المعلوم عفوه هو الدم المحض.
(مسألة 5): الدم الأقلّ اذا أزيل عينه فالظاهر بقاء حكمه.
الشرح:
الدم الأقلّ اذا أزيلت عينه فالظاهر بقاء حكمه؛ لأنّ المعفوّ نجاسة الدم التي تكون مانعة عن الصلاة، فلا فرق بين بقاء عينه أو زوالها. و في المستمسك: «كما عن شرح الموجز، و النهاية، و المدارك؛ لاستصحاب العفو عنه الثابت له حال وجود الدم».(2)
(مسألة 6): الدم الأقلّ اذا وقع عليه دم آخر أقلّ و لم يتعدّ عنه أو تعدّى و كان المجموع أقلّ لم يزل حكم العفو عنه.
الشرح:
لاطلاق الروايات المتقدّمة في ابتداء هذا الفصل. و هكذا المسألة اللاحقة.
(مسألة 7): الدم الغليظ الذي سعته أقلّ عفو، و ان كان بحيث لو كان رقيقا صار بقدره أو أكثر.
الشرح:
ما ذهب اليه المصنّف هو الصحيح؛ لاطلاق الأدلّة.
قال في التنقيح: «لأنّ المدار في كون الدم بقدر الدرهم فما زاد على كونه بهذا المقدار بالفعل. و أمّا كونه كذلك بالتقدير و أنّه لو كان رقيقا لكان بقدره أو أكثر فغير كاف في الحكم بالمانعيّة».(1)
(مسألة 8): اذا وقعت نجاسة أخرى كقطرة من البول مثلاً على الدم الأقلّ بحيث لم تتعدّ عنه الى المحلّ الطاهر و لم يصل الى الثوب أيضا هل يبقى العفو أم لا، اشكال فلايترك الاحتياط.
الشرح:
الظاهر عدم العفو عن الدم الأقلّ من الدرهم اذا وقعت عليه نجاسة أخرى كقطرة من البول - مثلاً - بحيث لم تتعدّ عنه الى المحلّ الطاهر و لم يصل الى الثوب أيضا؛ و ذلك لأنّ المعلوم عفوه هو الدم الخالص، و أمّا الممزوج بنجاسة أخرى فلم يرد العفو عنه، سواء كان امتزاجه قبل الاصابة أو حينها. نعم، لو صار جافّا يمكن أن يقال بالعفو؛ لأنّ البول قد انعدم و أنّ النجس لايتنجّس ثانيا.
1) - التنقيح في شرح العروة 3: 427.
«الثالث»: ممّا يعفى عنه ما لاتتمّ فيه الصلاة من الملابس، كالقلنسوة و العرقجين و التكّة و الجورب و النعل و الخاتم و الخلخال و نحوها، بشرط أن لايكون من الميتة، و لا من أجزاء نجس العين كالكلب و أخويه. و المناط عدم امكان الستر بلا علاج فان تعمّم أو تحزّم بمثل الدستمال ممّا لايستر العورة بلا علاج، لكن يمكن الستر به بشدّه بحبل أو بجعله خرقا لا مانع من الصلاة فيه. و أمّا مثل العمامة الملفوفة التي تستر العورة اذا فلت فلايكون معفوّا الاّ اذا خيطت بعد اللفّ بحيث تصير مثل القلنسوة.
الشرح:
قال في الشرائع: «و يجوز الصلاة فيما لايتمّ الصلاة فيه منفردا و ان كان فيه نجاسة لم يعف عنها في غيره».(1)
قد وردت روايات بالعفو عن نجاسة ما لاتتمّ فيه الصلاة من الملابس:
منها موثّقة زرارة عن أحدهما عليهماالسلام قال:
«كلّ ما كان لاتجوز فيه الصلاة وحده فلا بأس بأن يكون عليه الشيء، مثل القلنسوة و التكّة و الجورب».(2)
و مرسلة حمّاد بن عثمان عن أبي عبداللّه عليه السلام في الرجل يصلّي في الخفّ الذي قد أصابه القذر، فقال:
«اذا كان ممّا لاتتمّ فيه الصلاة فلا بأس».(3)
و مرسلة ابراهيم بن أبي البلاد عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لا بأس بالصلاة في الشيء الذي لاتجوز الصلاة فيه وحده يصيب
القذر، مثل القلنسوة والتكّة و الجورب».(1)
و مرسلة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال:
«كلّ ما كان على الانسان أو معه ممّا لاتجوز الصلاة فيه وحده فلا بأس أن يصلّي فيه، و ان كان فيه قذر مثل القلنسوة و التكّة و الكمرة و النعل و الخفّين و ما أشبه ذلك».(2)
و رواية زرارة قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: انّ قلنسوتي وقعت في بول فأخذتها فوضعتها على رأسي ثمّ صلّيت، فقال: لا بأس».(3)
قال في المستمسك: «اجماعا صريحا و ظاهرا محكيّا عن الانتصار و الخلاف، و السرائر، و التذكرة، و الكفاية، و الذخيرة و غيرها».(4)
قال في المدارك: «لم يكن هناك فرق بين أن يكون ممّا لاتتمّ فيه الصلاة، من الملابس و غيرها، و ذلك لأصالة البراءة من التكليف بازالة النجاسة عن هذه الأشياء الى أن يثبت ما يخرج عنه، و غاية ما يستفاد من النصّ و الاجماع اشتراط طهارة الثوب و البدن، أمّا المنع من حمل النجاسة في الصلاة اذا لم تتّصل بشيء من ذلك فلا دليل عليه، و يؤيّده الروايات. و الروايات و ان كانت ما بين ضعيف و مرسل الاّ أنّ ما تضمّنته من العفو عن نجاسة هذه الأشياء مطابق لمقتضى الأصل و فتوى الأصحاب، فلا بأس بالعمل بمضمونها. انتهى ملخّصا».(5)
أقول:
في الروايات المذكورة موثّقة زرارة، و الباقية منها و ان كانت مرسلة أو ضعيفة الاّ أنّ المشهور عمل بها، بل ادّعي الاجماع على المسألة، و الظاهر عدم الخلاف فيها في الجملة و ان كان الخلاف في غير ما ذكر في الروايات، و من المعلوم أنّها للمثال. و ما ذهب اليه المصنّف و صاحب الشرائع و المدارك و غيرهم من عدم البأس فيما لاتتمّ فيه الصلاة من الملابس و غيرها و من كونها في الرواية أو لا، وجيه.
فرعان:
لاتجوز الصلاة في أجزاء الميتة و لا في أجزاء نجس العين؛ يدلّ على ذلك صحيحة ابن أبي عمير عن غير واحد عن أبي عبداللّه عليه السلام في الميتة قال:
«لاتصلّ في شيء منه و لاشسع».(1)
و مفهوم صحيحة محمّد بن عبدالجبّار قال:
«كتبت الى أبي محمّد عليه السلام أسأله هل يصلّى في قلنسوة عليها وبر ما لايؤكل لحمه أو تكّة حرير محض أو تكّة من وبر الأرانب؟ فكتب: لاتحلّ الصلاة في الحرير المحض، و ان كان الوبر ذكيّا حلّت الصلاة فيه، ان شاء اللّه».(2)
و كذا مفهوم صحيحة الحلبي قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الخفاف التي تباع في السوق؟ فقال: اشتر و
صلّ فيها، حتّى تعلم أنّه ميّت بعينه».(1)
و لاتعارضها موثّقة اسماعيل بن الفضل قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن لباس الجلود و الخفاف والنعال، و الصلاة فيها، اذا لم تكن من أرض المصلّين؟ فقال: أمّا النعال والخفاف فلا بأس بها».(2)
و رواية الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«كلّ ما لاتجوز الصلاة فيه وحده فلا بأس بالصلاة فيه، مثل التكّة الابريسم و القلنسوة و الخفّ و الزنّار يكون في السراويل و يصلّى فيه».(3)
لأنّ الأولى تحمل على أنّ المانع من الصلاة فيما لاتتمّ الصلاة فيه العلم بكونه ميتة فاذا شكّ فيه فلا بأس به جمعا. و الثانية مقيّدة بالصحاح المتقدّمة؛ لأنّها مطلقة و هنّ مقيّدات.
قال في المستمسك: «بشرط أن لايكون من الميتة؛ لأنّ مورد النصوص المتقدّمة المتنجّس، و التعدّي الى النجس محتاج الى دليل مفقود، فعموم المنع من الصلاة في النجس محكم. مضافا الى النصوص الواردة في المنع عن الصلاة في الخفّ اذا كان من الميتة. و لاتعارضها رواية الحلبي و موثّقة اسماعيل بن الفضل؛ لأنّ الأولى مطلقة شاملة للنجس و المتنجّس، فتحمل على خصوص المتنجّس جمعا بينها و بين نصوص المنع. و لايبعد جريان ذلك في الموثّقة. و من هذا يظهر لك وضوح استثناء ما كان من نجس العين، فانّه - مع أنّه ميتة؛ لعدم
قبول نجس العين للتذكية - نجس أيضا قبل الموت فأولى بالمانعيّة. انتهى».(1)
المناط في العفو عمّا لاتتمّ فيه الصلاة عدم امكان الستر بلا علاج؛ فانّه ظاهر روايات المنع، و أمّا لو أمكن ستر العورة به مثل العمامة الملفوفة التي تستر العورة
اذا فلتت فلا يكون معفوّة الاّ اذا خيطت بعد اللفّ بحيث تصير مثل القلنسوة. و دليل المنع عدم كون العمامة الملفوفة المذكورة ممّا لاتتمّ فيه الصلاة بل تكون ممّا تتمّ فيه الصلاة.
قال في المدارك: «قال ابن بابويه في من لايحضره الفقيه: «و من أصاب قلنسوته، أو عمامته، أو تكّته، أو جوربه، أو خفّه مني، أو بول، أو دم، أو غائط، فلا بأس بالصلاة فيه؛ و ذلك أنّ الصلاة لاتتمّ في شيء من هذا وحده». و يشكل بأنّ العمامة قد تتمّ الصلاة فيها وحدها اذا كانت كبيرة بحيث يمكن ستر العورة بها، فلايتمّ اطلاق جعلها من أفراد ما لاتتمّ الصلاة فيه. و لعلّ المراد: أنّ الصلاة لاتتمّ فيها وحدها مع بقائها على تلك الكيفيّة المخصوصة، أو تحمل على العمامة الصغيرة التي لايمكن ستر العورة بها، كالعصابة، كما ذكره القطب الراوندي رحمه الله».(2)
«الرابع»: المحمول المتنجّس الذي لاتتمّ فيه الصلاة مثل السكّين و الدرهم و الدينار و نحوها. و أمّا اذا كان ممّا تتمّ فيه الصلاة كما اذا جعل ثوبه المتنجّس في جيبه مثلاً ففيه اشكال و الأحوط الاجتناب. و كذا اذا كان من الأعيان النجسة، كالميتة و الدم و شعر الكلب و الخنزير، فانّ الأحوط اجتناب حملها في الصلاة.
الشرح:
المحمول المتنجّس الذي لاتتمّ فيه الصلاة مثل السكّين و الدرهم و الدينار و نحوها، لايكون مبطلاً للصلاة؛ و الدليل على ذلك الروايات المتقدّمة مثل موثّقة زرارة عن أحدهما عليهماالسلام قال:
«كلّ ما كان لاتجوز فيه الصلاة وحده فلا بأس بأن يكون عليه الشيء، مثل القلنسوة و التكّة و الجورب».(1)
فعمومها شامل للمحمول المتنجّس.
قال في المستمسك: «كما عن الذكرى، و الدروس و جامع المقاصد، و المسالك، و المدارك و الذخيرة و غيرها و ظاهر الشرائع؛ لاطلاق النصوص المتقدّمة الشامل للحمل و اللبس. و بازائها عن السرائر و النهاية و المنتهى و البيان و الموجز: عدم العفو، و نسب الى ظاهر الأكثر؛ لعموم ما دلّ على المنع عن الصلاة في النجس الشامل للمحمول. انتهى ملخّصا».(2)
و استدلّ للمنع برواية خيران الخادم:
«كتبت الى الرجل عليه السلام أسأله عن الثوب يصيبه الخمر و لحم الخنزير أيصلّى فيه أم لا؟ فانّ أصحابنا قد اختلفوا فيه، فقال بعضهم: صلّ فيه فانّ اللّه تعالى انّما حرّم شربها. و قال بعضهم: لا تصلّ فيه فكتب عليه السلام:
لاتصلّ فيه؛ فانّه رجس. الحديث».(1)
و قوله عليه السلام في رواية موسى بن أكيل:
« ... لاتجوز الصلاة في شيء من الحديد فانّه نجس ممسوخ».(2)
و فيه: انّ الأولى مضافا الى ضعف سندها وردت في اللباس المتنجّس. و الثانية أيضا مع ضعف سندها مخدوشة من حيث الدلالة.
استثنى المصنّف عن المحمول المتنجّس موردين: أحدهما: اذا كان ممّا تتمّ فيه الصلاة، كما اذا جعل ثوبه المتنجّس في جيبه.
ثانيهما: اذا كان من الأعيان النجسة كالميتة و الدم و شعرالكلب و الخنزير، ثمّ احتاط بالاجتناب عنهما.
أقول:
ظاهر الأدلّة المانعة عن الصلاة في النجس أو المتنجّس هو ما صدق عليه الصلاة فيه مثل الثوب، و ما يعفى عنه ممّا لاتتمّ فيه الصلاة هو الذي صدق عليه الصلاة فيه، و أمّا المحمول سواء كان متنجّسا أو نجسا فلا دليل على كونه مانعا في الصلاة، و سواء كان ممّا تتمّ فيه الصلاة أو لم يكن. و ان كان الاحتياط حسنا؛ لذهاب جمع من الفقهاء الى مانعيّتهما.
(مسألة 1): الخيط المتنجّس الذي خيط به الجرح يعدّ من المحمول بخلاف ما خيط به الثوب و القياطين و الزرور و السفائف فانّها تعدّ من أجزاء اللباس لا عفو عن نجاستها.
الشرح:
الخيط المتنجّس الذي خيط به الجرح يعدّ من المحمول؛ لأنّه لايصدق عليه الصلاة فيه، و بعد مدّة يخرجه عن الجرح. و أمّا ما خيط به الثوب و القياطين و الزرور و السفائف، فكما قال المصنّف رحمه الله يعدّ من أجزاء اللباس، فلا عفو عن نجاسته.
«الخامس»: ثوب المربّية للصبي، أمّا كانت أو غيرها، متبرّعة أو مستأجرة، ذكرا كان الصبي أو أنثى، و ان كان الأحوط الاقتصار على الذكر، فنجاسته معفوّة بشرط غسله في كلّ يوم مرّة مخيّرة بين ساعاته، و ان كان الأولى غسله آخر النهار لتصلّي الظهرين و العشاءين مع الطهارة، أو مع خفّة النجاسة و ان لم يغسل كلّ يوم مرّة فالصلوات الواقعة فيه مع النجاسة باطلة. و يشترط انحصار ثوبها في واحد، أو احتياجها الى لبس جميع ما عندها و ان كان متعدّدا. و لا فرق في العفو بين أن تكون متمكّنة من تحصيل الثوب الطاهر بشراء أو استئجار أو استعارة أم لا، و ان كان الأحوط الاقتصار على صورة عدم التمكّن.
الشرح:
قال في الشرائع: «و المربّية للصبي اذا لم يكن لها ثوب الاّ واحد غسلته في كلّ يوم مرّة. و ان جعلت تلك الغسلة في آخر النهار أمام صلاة الظهر كان حسنا».(1)
1) - شرائع الاسلام 1: 54.
و في المدارك: «هذا الحكم ذكره الشيخ في النهاية و المبسوط، و وافقه عليه المتأخّرون، و مستنده رواية أبي حفص عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: «سئل عن امرأة ليس لها الاّ قميص و لها مولود فيبول عليها، كيف تصنع؟ قال: تغسل القميص في اليوم مرّة». و هي ضعيفة السند باشتراك أبي حفص بين الثقة و الضعيف، و بأنّ من جملة رجالها محمّد بن يحيى المعاذي و قد ضعّفه العلاّمة في الخلاصة. و الأولى وجوب الازالة مع الامكان و سقوطها مع المشقّة الشديدة دفعا للحرج».(1)
أقول:
قد ذكر الشيخ هذه المسألة في النهاية و المبسوط، و الصدوق ذكرها في المقنع والفقيه. فقال الشيخ في النهاية: «و المرأة المربّية للصبي اذا كان عليها ثوب لاتملك غيره، و تصيبه النجاسة في كلّ وقت، و لايمكنها التحرّز من ذلك، و لاتقدر على غسله في كلّ حال، فلتغسل ثوبها في كلّ يوم مرّة واحدة و تصلّي فيه، و ليس عليها شيء».(2)
و في المبسوط مثل ذلك الاّ أنّه أسقط «و لاتقدر على غسله في كلّ حال».(3)
و قال الصدوق في المقنع: «و روي في امرأة ليس لها الاّ قميص واحد، و لها مولود يبول عليها، أنّها تغسل القميص في اليوم مرّة».(4)
و قال في الفقيه: «و سئل عليه السلام عن امرأة ليس لها الاّ قميص واحد و لها مولود فيبول عليها كيف تصنع؟ قال: تغسل القميص في اليوم مرّة».(5)
و لم أر من تعرّض لهذه المسألة من القدماء غير الشيخ رحمه اللهو الصدوق رحمه الله كما
ذكر. و قد تعرّض لها المحقّق في الشرائع و العلاّمة و الشهيدان و من تأخّر عنهما. و بعضهم أدرجها في باب الحرج و المشقّة. و كيف كان، حيث تكون الرواية ضعيفة و لم يظهر عمل القدماء بها، و لعلّ الشيخ و الصدوق عملا من حيث انّ هذا الحكم بمقتضى القاعدة، فالأحوط الاقتصار في العفو في المربّية و غيرها على موارد الحرج الشخصي و بذلك يظهر الحال في الفروع المعنونة في هذه المسألة والمسألتين الآتيتين.
(مسألة 1): الحاق بدنها بالثوب في العفو عن نجاسته محلّ اشكال و ان كان لايخلو عن وجه.
(مسألة 2): في الحاق المربّي بالمربّية اشكال، و كذا من تواتر بوله.
قد تقدّم أنّ الحكم في هاتين المسألتين و سابقتهما منوط بالعسر و الحرج.
«السادس»: يعفى عن كلّ نجاسة في البدن أو الثوب في حال الاضطرار.
الشرح:
يعفى عن كلّ نجاسة في البدن أو الثوب في حال الاضطرار، و قد مرّ في تضاعيف المسائل الدليل على ذلك و قد تعرّضنا أنّ الشرط في العفو بقاء الاضطرار الى آخر الوقت، فانّ الضرورات تقدّر بقدرها. و من المعلوم أنّ الاضطرار لايصدق مع كون المصلّي قادرا على ازالة النجاسة عن بدنه أو ثوبه الى آخر الوقت.
و يشتمل على فصول:
الفصل الأوّل: في عدادها
الفصل الثاني: في طرق ثبوت التطهير بعد ثبوت النجاسة
الفصل الثالث: في حكم الأواني
الفصل الرابع: في أحكام التخلّي
الفصل الخامس: في الاستنجاء
الفصل السادس: في الاستبراء
الفصل السابع: في مستحبّات التخلّي و مكروهاته
و هي أمور: «أحدها»: الماء و هو عمدتها؛ لأنّ سائر المطهّرات مخصوصة بأشياء خاصّة بخلافه، فانّه مطهّر لكلّ متنجّس حتّى الماء المضاف بالاستهلاك، بل يطهّر بعض الأعيان النجسة كميّت الانسان، فانّه يطهر بتمام غسله. و يشترط في التطهير به أمور، بعضها شرط في كلّ من القليل و الكثير، و بعضها مختصّ بالتطهير بالقليل. أمّا الأوّل فمنها زوال العين و الأثر بمعنى الأجزاء الصغار منها، لا بمعنى اللون و الطعم و نحوهما، و منها عدم تغيّر الماء في أثناء الاستعمال، و منها طهارة الماء و لو في ظاهر الشرع، و منها اطلاقه بمعنى عدم خروجه عن الاطلاق في أثناء الاستعمال. و أمّا الثاني فالتعدّد في بعض المتنجّسات كالمتنجّس بالبول و كالظروف و التعفير كما في المتنجّس بولوغ الكلب و العصر في مثل الثياب و الفرش و نحوها ممّا يقبله و الورود أي ورود الماء على المتنجّس دون العكس على الأحوط.
الشرح:
الماء طاهر في نفسه و مطهّر لغيره؛ تدلّ على ذلك الكتاب و السنّة:
فمن الكتاب قوله تعالى: «و أنزلنا من السماء ماءً طهورا».(1)
و من السنّة صحيحة داود بن فرقد عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«كان بنو اسرائيل اذا أصاب أحدهم قطرة بول قرضوا لحومهم بالمقاريض، و قد وسّع اللّه عليكم بأوسع ما بين السماء و الأرض، و جعل لكم الماء طهورا، فانظروا كيف تكونون».(2)
فانّ المراد من قوله عليه السلام: «اذا أصاب أحدهم ... » أي أصاب أحدهم قطرة بول من الخارج.
و رواية السكوني عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: الماء يطهّر و لايطهّر».(3)
فانّه مطهّر لكلّ متنجّس حتّى الماء المضاف بالاستهلاك، كما اذا ألقي مقدار من الدبس المتنجّس في الكرّ، فاذا استهلك فيه و لم يتغيّر الماء فيصير طاهرا. الاّ أنّ في قوله رحمه الله: «الماء مطهّر للماء المضاف بالاستهلاك»، مسامحة؛ لأنّ طهارة المضاف المتنجّس موقوفة على الاستهلاك فلايبقى حينئذ موضوع - و هو المضاف - حتّى يقال: طهّره الماء.
بل يطهّر بعض الأعيان النجسة كميتة الانسان؛ فانّه يطهّر بتمام غسله كما سيأتي في غسل ميتة الانسان المسلم.
و يشترط في التطهير بالماء أمور: بعضها شرط في كلّ من القليل و الكثير، و بعضها مختصّ بالتطهير بالقليل.
أمّا الأوّل: فمنها زوال العين و الأثر بمعنى الأجزاء الصغار منها؛ يدلّ على ذلك أنّ معنى غسل الثوب المتنجّس بالدم - مثلاً - بالماء الطاهر، هو زوال عين الدم و
أثره، فمادام الأجزاء الصغار في الثوب، لم يتحصّل الغسل المأمور به. نعم، اذا زالت العين و الأثر حتّى الأجزاء الصغار فهو طاهر و ان بقي لون النجاسة أو ريحها؛ لأنّ اللون و الريح أو الطعم قد يبقى في الشيء المتنجّس مع العلم بزوال العين. مضافا الى ورود الدليل على عدم البأس بالريح؛ ففي صحيحة ابن المغيرة عن أبي الحسن عليه السلام قال:
«قلت له: للاستنجاء حدّ؟ قال: لا، ينقّى ما ثمّة، قلت: فانّه ينقّى ما ثمّة و يبقى الريح؟ قال: الريح لاينظر اليها».(1)
و منها عدم تغيّر الماء في أثناء الاستعمال، و هنا صور:
الأولى: يلقى الشيء المتنجّس بالبول أو الدم مثلاً في الكرّ فيشترط في طهارته أن لايتغيّر لونه أو طعمه أو ريحه بالنجاسة - أي البول أو الدم مثلاً - و قد تقدّم الدليل على ذلك و منه قوله عليه السلام في صحيحة ابن بزيع:
«ماء البئر واسع لايفسده شيء الاّ أن يتغيّر به».(2)
الثانية: يلقى الشيء المتنجّس بالبول في الكرّ كثوب أحمر - مثلاً - فيتغيّر لون الكرّ بلون الثوب، فان صار مضافا فلايطهّر و ان لم يصر مضافا يطهّر الثوب.
الثالثة: يغسل الشيء المتنجّس بالماء القليل فيصبّ الماء عليه و تخرج غسالته، فان تغيّر الماء بالنجاسة حين لم ينفصل منه أو صار مضافا فلايطهّر، و أمّا اذا انفصل منه و بعد الانفصال صار متغيّرا فلا دليل على عدم تطهير الشيء به بشرط أن لايبقى في الشيء المتنجّس عين و لا أثر من النجاسة.
و منها اطلاقه بمعنى عدم خروجه عن الاطلاق حين الاستعمال، و قد تقدّم آنفا.
أمّا الثاني: أي بعض الشروط التي تختصّ بالتطهير بالقليل، فالتعدّد في بعض
المتنجّسات كالمتنجّس بالبول و كالظروف، و التعفير كما في المتنجّس بولوغ الكلب، و العصر في مثل الثياب و الفرش و نحوها ممّا يقبله فسيأتي الدليل عليها في المسائل الآتية.
و الورود أي ورود الماء على المتنجّس دون العكس كما عليه المشهور، و الدلائل التي أقاموها هي استصحاب النجاسة، و انصراف أدلّة الغسل، و السيرة، و المستفيضة الدالّة على صبّ الماء على البول، و نجاسة الماء القليل اذا ورد النجس عليه. و ان ناقشوا فيها بمحكوميّة الاطلاقات و بدويّة الانصراف و أنّها كانت لقلّة الماء، و الصبّ من باب الغالب و التسهيل و الآخر مسلّم لما قبل الاستعمال، دون الحاصلة بنفس الاستعمال، الاّ أنّ المجموع من حيث المجموع يكون دليلاً لشرطيّة الطهارة بورود الماء على المتنجّس دون العكس.
و لاتعارضها صحيحة محمّد بن مسلم قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الثوب يصيبه البول؟ قال: اغسله في المركن مرّتين، فان غسلته في ماء جار فمرّة واحدة».(1)
لأنّ المراد منه، وضع الثوب في المركن و صبّ الماء عليه مرّة و افراغه، ثمّ صبّ الماء عليه مرّة أخرى و افراغه منه، كما تغسل الأواني و سيأتي الدليل عليه.
(مسألة 1): المدار في التطهير زوال عين النجاسة دون أوصافها فلو بقيت الريح أو اللون مع العلم بزوال العين كفى الاّ أن يستكشف من بقائهما بقاء الأجزاء الصغار، أو يشكّ في بقائها، فلايحكم حينئذ بالطهارة.
و وجهه يظهر ممّا تقدّم في المسألة السابقة.
1) - وسائل الشيعة 3: 397 / الباب 2 من أبواب النجاسات / الحديث 1.
(مسألة 2): انّما يشترط في التطهير طهارة الماء قبل الاستعمال، فلايضرّ تنجّسه بالوصول الى المحلّ النجس، و أمّا الاطلاق فاعتباره انّما هو قبل الاستعمال و حينه، فلو صار بعد الوصول الى المحلّ مضافا لم يكف كما في الثوب المصبوغ، فانّه يشترط في طهارته بالماء القليل بقاؤه على الاطلاق حتّى حال العصر، فمادام يخرج منه الماء الملوّن لايطهر الاّ اذا كان اللون قليلاً لم يصر الى حدّ الاضافة. و أمّا اذا غسل في الكثير فيكفي فيه نفوذ الماء في جميع أجزائه بوصف الاطلاق و ان صار بالعصر مضافا، بل الماء المعصور المضاف أيضا محكوم بالطهارة. و أمّا اذا كان بحيث يوجب اضافة الماء بمجرّد وصوله اليه و لاينفذ فيه الاّ مضافا، فلايطهر مادام كذلك. و الظاهر أنّ اشتراط عدم التغيّر أيضا كذلك فلو تغيّر بالاستعمال لم يكف مادام كذلك و لايحسب غسلة من الغسلات فيما يعتبر فيه التعدّد.
الشرح:
انّما يشترط في التطهير طهارة الماء قبل الاستعمال فلايضرّ تنجّسه بالوصول الى المحلّ النجس، لاقتضاء الأمر بالغسل بالماء القليل، فانّه لاينفكّ ذلك عن تنجّسه. نعم، لو كان الماء متّصلاً بالكرّ أو الجاري لايتنجّس بالوصول الى المحلّ النجس كما هو واضح.
و أمّا الاطلاق: فيشترط أن يكون الماء مطلقا قبل الاستعمال؛ لأنّ الماء المضاف لايكون مطهّرا، و كذا حين الاستعمال، فلو صار بعد الوصول الى المحلّ مضافا لم يكف؛ لعدم صدق الغسل بالماء المطلق، بل لو خرج من الثوب حال العصر الماء المضاف كالماء الملوّن الخارج من الثوب المصبوغ لم يكف أيضا. نعم، لو كان اللون رقيقا و لم يبلغ حدّ الاضافة فلا بأس به. و لو غسل الثوب المصبوغ في الكثير فيكفي فيه نفوذ الماء في جميع أجزائه بوصف الاطلاق، و ان خرج منه الماء المضاف بعده حين العصر.
(مسألة 3): يجوز استعمال غسالة الاستنجاء في التطهير على الأقوى و كذا غسالة سائر النجاسات على القول بطهارتها. و أمّا على المختار من وجوب الاجتناب عنها احتياطا فلا.
قد تقدّم الكلام عنه في مبحث الماء المستعمل.
(مسألة 4): يجب في تطهير الثوب أو البدن بالماء القليل من بول غير الرضيع الغسل مرّتين. و أمّا من بول الرضيع الغير المتغذّي بالطعام فيكفي صبّ الماء مرّة و ان كان المرّتان أحوط، و أمّا المتنجّس بسائر النجاسات عدا الولوغ فالأقوى كفاية الغسل مرّة بعد زوال العين فلاتكفي الغسلة المزيلة لها الاّ أن يصبّ الماء مستمرّا بعد زوالها، و الأحوط التعدّد في سائر النجاسات أيضا بل كونهما غير الغسلة المزيلة.
الشرح:
قال في الشرائع: «و يغسل الثوب و البدن من البول مرّتين».(1)
و في المدارك: «هذا هو المشهور بين الأصحاب و أسنده في المعتبر الى علمائنا مؤذنا بدعوى الاجماع عليه. و الأصل فيه: الأخبار المستفيضة. و استقرب العلاّمة في المنتهى الاكتفاء فيه بما تحصل به الازالة و لو بالمرّة. و به جزم الشهيد رحمه اللهفي البيان، فانّه اكتفى بالانقاء في جميع النجاسات. و هو مشكل؛ لأنّ فيه اطراحا للأخبار الصحيحة من غير معارض. نعم، لو قيل باختصاص المرّتين بالثوب و الاكتفاء في غيره بالمرّة المزيلة للعين كان وجها قويّا؛ للأصل، و حصول الغرض من الازالة، و اطلاق الأمر بالغسل المتناول للمرّة، و ضعف الأخبار
1) - شرائع الاسلام 1: 54.
المتضمّنة للمرّتين في غير الثوب. انتهى ملخّصا».(1)
فلنذكر أوّلاً الروايات الواردة في الباب:
منها صحيحة محمّد عن أحدهما عليهماالسلام قال:
«سألته عن البول يصيب الثوب؟ فقال: اغسله مرّتين».(2)
و منها صحيحة ابن أبي يعفور قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن البول يصيب الثوب؟ قال: اغسله مرّتين».(3)
و منها صحيحة أبي اسحاق النحوي (ثعلبة بن ميمون) عن أبي عبداللّه عليه السلامقال:
«سألته عن البول يصيب الجسد؟ قال: صبّ عليه الماء مرّتين».(4)
و منها حسنة الحسين بن أبي العلاء قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن البول يصيب الجسد؟ قال: صبّ عليه الماء مرّتين، فانّما هو ماء. و سألته عن الثوب يصيبه البول؟ قال: اغسله مرّتين».(5)
و منها رواية رواها في السرائر عن البزنطي قال:
«سألته عن البول يصيب الجسد؟ قال: صبّ عليه الماء مرّتين، فانّما هو ماء. و سألته عن الثوب يصيبه البول؟ قال: اغسله مرّتين».(6)
فانّ الظاهر من هذه الروايات وجوب تطهير الثوب أو البدن بالماء القليل مرّتين. و الروايات الواردة في الجسد معتبرة أيضا.
1) - مدارك الأحكام 2: 336 و 337.
2) - وسائل الشيعة 3: 395 / الباب 1 من أبواب النجاسات / الحديث 1.
3) - وسائل الشيعة 3: 395 / الباب 1 من أبواب النجاسات / الحديث 2.
4) - وسائل الشيعة 3: 395 / الباب 1 من أبواب النجاسات / الحديث 3.
5) - وسائل الشيعة 3: 395 / الباب 1 من أبواب النجاسات / الحديث 4.
6) - وسائل الشيعة 3: 396 / الباب 1 من أبواب النجاسات / الحديث 7.
فرعان:
يكفي صبّ الماء مرّة في بول الرضيع.
قال في المدارك: «هذا مذهب الأصحاب لانعلم فيه مخالفا. و الظاهر من المعتبر عدم الخلاف. و عن الشيخ في الخلاف اجماع الفرقة. و المستند فيه: الأصل السالم عمّا يصلح للمعارضة؛ لانتفاء العموم في البول الذي يجب غسل الثوب منه. و يعتبر في الصبّ الاستيعاب لما أصابه البول لا الانفصال. و حكى العلاّمة في التذكرة قولاً بالاكتفاء فيه بالرشّ. و المشهور بين الأصحاب اختصاص الحكم بالصبي، و وجوب الغسل من بول الصبيّة كالبالغ. و نقل عن ابن بابويه مساواتها مع بول الصبي. انتهى ملخّصا».(1)
يدلّ على كفاية صبّ الماء في بول الصبي أو الصبيّة غير المتغذّية صحيحة الحلبي قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن بول الصبي؟ قال: تصبّ عليه الماء، فان كان قد أكل فاغسله بالماء غسلاً، و الغلام و الجارية (في ذلك) شرع سواء».(2)
و لاتعارضها رواية السكوني عن جعفر عن أبيه عليهماالسلام أنّ عليّا عليه السلام قال:
«لبن الجارية و بولها يغسل منه الثوب قبل أن تطعم؛ لأنّ لبنها يخرج من مثانة أمّها، و لبن الغلام لايغسل منه الثوب و لا بوله قبل أن يطعم؛ لأنّ لبن الغلام يخرج من العضدين و المنكبين».(3)
لأنّها تحمل على الاستحباب جمعا.
و كذا موثّقة سماعة قال:
«سألته عن بول الصبي يصيب الثوب؟ فقال: اغسله، قلت: فان لم أجد مكانه؟ قال: اغسل الثوب كلّه».(1)
لأنّها تحمل على الاستحباب أيضا.
و لايحتاج الى العصر، كما هو ظاهر صحيحة الحلبي، و لاتعارضها حسنة الحسين بن أبي العلاء (في حديث) قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الصبي يبول على الثوب؟ قال: تصبّ عليه الماء قليلاً ثمّ تعصره».(2)
لأنّها تحمل على الاستحباب جمعا. و الظاهر أنّ صحيحة الحلبي آبية عن التقييد.
قال في المدارك: «قد اختلف كلام الأصحاب في حكم تطهير ما يتنجّس بغير البول من النجاسات. فنقل عن الشيخ في المبسوط أنّه قال: لايراعى العدد في شيء من النجاسات الاّ في الولوغ. و مقتضى كلامه الاكتفاء بالمرّة المزيلة للعين، و به قطع الشهيد رحمه الله في البيان، و مال اليه في الذكرى؛ لاطلاق الأمر بالغسل المتناول للمرّة. و اعتبر في المعتبر المرّة بعد ازالة العين أخذا بالاطلاق، و أوجب العلاّمة في التحرير المرّتين فيما له قوام و ثخن - كالمني - دون غيره. و قال في المنتهى:
النجاسات التي لها قوام و ثخن - كالمني - أولى بالتعدّد في الغسلات - الى أن قال: - و ذهب الشهيد رحمه الله في اللمعة و الرسالة، و المحقّق الكركي رحمه الله الى وجوب المرّتين في الجميع. والمعتمد الاجتزاء بالمرّة المزيلة للعين مطلقا؛ لأنّ امتثال أمر الشارع بغسل ما أصابته النجاسة يتحقّق بالمرّة. انتهى ملخّصا».(1)
أقول:
الظاهر أنّ الروايات الواردة في غسل الأشياء المتنجّسة لم يكن في واحد منها الأمر بالغسل مرّتين الاّ في البول كما تقدّم. و الروايات المذكورة وردت في أبواب مختلفة من النجاسات و قد أمر الامام عليه السلام في تطهير ما تنجّس بها بغسله من دون اضافة مرّتين. منها صحيحة محمّد عن أحدهما عليهماالسلام(في حديث) في المني يصيب الثوب:
«فان عرفت مكانه فاغسله، و ان خفي عليك فاغسله كلّه».(2)
و منها صحيحة عبداللّه بن سنان قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام: اغسل ثوبك من أبوال ما لايؤكل لحمه».(3)
و منها صحيحة الفضل أبي العبّاس قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام: ان أصاب ثوبك من الكلب رطوبة فاغسله. الحديث».(4)
و منها صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لاتأكل اللحوم الجلاّلة، و ان أصابك من عرقها فاغسله».(5)
ففي هذه الروايات و نظائرها قد أمر المكلّفين بغسل ما تنجّس بالنجاسة، و أمّا كيفيّته فموكولة الى العرف، و من المعلوم أنّ العرف يفهم من هذه الأوامر أنّ مراد الشارع ازالة النجاسة بالماء، فيصبّ الماء على الموضع النجس حتّى يزيل النجاسة عنه، و بحسب اختلاف النجاسات و الشيء المتنجّس يختلف الغسل، فبعضها يحتاج الى الدلك و بعضها يحتاج الى العصر مرّتين، و بعضها لايحتاج الى شيء سوى قليل من الماء يجري عليه. فعلى أيّ حال فاذا زالت عين النجاسة فقد عمل بوظيفته. فبهذا البيان لايبقى موضع للاستصحاب حتّى يقال: لا تكفي الغسلة المزيلة، أو القول بالتعدّد و كونها غير الغسلة المزيلة. فالحقّ كفاية المرّة؛ لاطلاق الأدلّة و اقتضاء سهولة الشريعة خصوصا في مثل هذا الأمر العامّ البلوى.
(مسألة 5): يجب في الأواني اذا تنجّست بغير الولوغ الغسل ثلاث مرّات في الماء القليل. و اذا تنجّست بالولوغ التعفير بالتراب مرّة و بالماء بعده مرّتين، و الأولى أن يطرح فيها التراب من غير ماء و يمسح به، ثمّ يجعل فيه شيء من الماء و يمسح به، و ان كان الأقوى كفاية الأوّل فقط بل الثاني أيضا و لا بدّ من التراب، فلايكفي عنه الرماد و الأشنان و النورة و نحوها. نعم، يكفي الرمل، و لا فرق بين أقسام التراب. و المراد من الولوغ شربه الماء أو مائعا آخر بطرف لسانه، و يقوى الحاق لطعه الاناء بشربه، و أمّا وقوع لعاب فمه فالأقوى فيه عدم اللحوق و ان كان أحوط، بل الأحوط اجراء الحكم المذكور في مطلق مباشرته و لو كان بغير اللسان من سائر الأعضاء حتّى وقوع شعره أو عرقه في الاناء.
الشرح:
يجب في الأواني اذا تنجّست بغير الولوغ الغسل ثلاث مرّات في الماء القليل. يدلّ على ذلك موثّقة عمّار الساباطي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سئل عن الكوز و الاناء يكون قذرا، كيف يغسل؟ و كم مرّة يغسل؟ قال: يغسل ثلاث مرّات، يصبّ فيه الماء فيحرّك فيه، ثمّ يفرغ منه، ثمّ يصبّ فيه ماء آخر فيحرّك فيه، ثمّ يفرغ ذلك الماء، ثمّ يصبّ فيه ماء آخر فيحرّك فيه ثمّ يفرغ منه و قد طهر - الى أن قال: - و قال: اغسل الاناء الذي تصيب فيه الجرذ ميّتا سبع مرّات».(1)
و اذا تنجّست بولوغ الكلب، يجب تعفيرها بالتراب ثمّ غسلها بالماء؛ و ذلك لصحيحة الفضل أبي العبّاس عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) أنّه سأله عن الكلب؟ فقال:
«رجس نجس لايتوضّأ بفضله، و اصبب ذلك الماء و اغسله بالتراب أوّل مرّة، ثمّ بالماء».(2)
قال في المدارك: «ولوغ الكلب: شربه ممّا في الاناء بطرف لسانه، قاله الجوهري، و في معناه لطعه الاناء بلسانه. و قد اختلف الأصحاب في كيفيّة طهارة الاناء من ذلك، فذهب الأكثر الى أنّه انّما يطهر بغسله ثلاثا أولاهنّ بالتراب. و قال المفيد في المقنعة: «يغسل ثلاثا وسطاهنّ بالتراب، ثمّ يجفّف»، و أطلق المرتضى في الانتصار، و الشيخ في الخلاف أنّه يغسل ثلاث مرّات احداهنّ بالتراب، و قال الصدوق في من لايحضره الفقيه: «يغسل مرّة بالتراب و مرّتين بالماء». و قال ابن الجنيد: «يغسل سبعا احداهنّ بالتراب». و المعتمد الأوّل».(3)
و الظاهر أنّ ما ذهب اليه الأكثر وجيه؛ و ذلك للجمع بين صحيحة أبي العبّاس، و موثّقة عمّار، فانّه عليه السلام أمر في موثّقة عمّار بغسل الاناء ثلاث مرّات، و في الصحيحة أمر بغسله بالتراب أوّل مرّة ثمّ بالماء؛ فالغسل الأوّل بالماء في الموثّقة
تبدّل بالغسل بالتراب و بقي غسل مرّتين بالماء، فيقيّد قوله عليه السلام في الصحيحة: «ثمّ بالماء»، بقوله عليه السلام في الموثّقة.
و ينبغي التنبيه على أمور:
الأوّل: انّ الظاهر من قوله عليه السلام: «اغسله بالتراب»، هو دلك الاناء بالتراب من دون مزجه بالماء، و لعلّ تعبيره بالغسل للالتفات بأنّ الأمر بثلاث غسلات في تطهير الاناء المتنجّس، تبدّلت أولاهنّ بالتراب في ولوغ الكلب و بقيت مرّتان. و أمّا مزجه بالماء - كما حكاه في المدارك عن ابن ادريس والعلاّمة في المنتهى - تحصيلاً لحقيقة الغسل و هي جريان المائع على المحلّ المغسول أو لكونه أقرب الى حقيقة الغسل من الدلك بالتراب الجافّ، خلاف الظاهر، فلا بدّ من بقاء التراب بحقيقته و هو كونه جافّا.
الثاني: اعتبر العلاّمة في المنتهى(1)طهارة التراب؛ لأنّ المطلوب منه التطهير، و هو غير مناسب بالنجس. و يشكل باطلاق النصّ و حصول الانقاء بالطاهر و النجس، ولكنّ المستفاد عرفا من مناسبة الحكم و الموضوع اعتبار طهارة التراب.
الثالث: قال في المدارك: «قال الشيخ رحمه الله: «لو لم يوجد التراب و وجد ما يشبهه - كالأشنان، و الصابون، و الجصّ و نظائرها - أجزأ، و به قطع العلاّمة في جملة من كتبه، و الشهيد في البيان، و ألحق بفقد التراب خوف فساد المحلّ باستعماله. و الأصحّ خلافه؛ لاختصاص التعبّد بالتراب، و عدم العلم بحصول المصلحة المطلوبة منه في غيره. و لو لم يوجد فلايطهر المحلّ بدونه كما لو عدم الماء».(2)
ويمكن أن يقال: انّه لو تعذّر التراب سقط اعتباره، و رجع الى مبدّله و هو الماء فيجب غسله بالماء ثلاث مرّات ولكنّ الأقوى خلافه كما سيأتي.
الرابع: هذا الحكم مختصّ بالولوغ فلو أصاب الكلب الاناء بيده أو برجله
كان كغيره من النجاسات. كما أنّه لو أصاب الثوب أو الجسد أو الاناء ماء الولوغ أو ماء غسالة الولوغ لايعتبر فيه التراب و لا العدد، اقتصارا بالحكم على موضع النصّ، و خالف فيه المحقّق الكركي بالنسبة الى غسالة الاناء قبل التعفير لو أصابت اناءً - كما في المدارك(1)- و فيه: عدم شموله النصّ.
الخامس: اذا ولغ الكلب في اناء ثمّ وقع ذلك الاناء في الماء الكثير، فلو كان بعد التعفير فيطهر و لايحتاج الى التكرار، و لو كان قبل التعفير، فلا يبعد القول بعدم احتياجه الى التعفير الاّ أنّ الأحوط تعفيره.
و في المدارك: «قال الشيخ في الخلاف و المبسوط: «لايطهر الاناء بوقوعه في الكثير، بل اذا تمّت غسلاته»، و مقتضاه وجوب التعدّد في الكثير أيضا، و به قطع في المعتبر، الاّ أنّه اكتفى في تحقّق التعدّد في الجاري بتعاقب الجريتين عليه. و الأظهر أنّه انّما يحسب له بوقوعه في الكثير غسلة أو غسلتان مع سبق التعفير، و الاّ لم يحصل له من الغسلات شيء. و استوجه العلاّمة في المختلف طهارة الاناء بوقوعه في الكثير، و ظاهره عدم اعتبار التعفير فيه».(2)
و الوجه ما ذهب اليه العلاّمة، و ان كان الأحوط التعفير.
السادس: ليس الخنزير كالكلب في الولوغ.
و في المدارك: «قال الشيخ في الخلاف: «الحكم واحد؛ لأنّه يسمّى كلبا». و فيه: لانسلّم أنّ الخنزير يسمّى كلبا، و لو سمّي كان مجازا، و اللفظ انّما ينصرف الى الحقيقة. و الأجود غسل الاناء من ولوغ الخنزير سبعا؛ لما رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه السلام، قال: «سألته عن خنزير يشرب من اناء كيف يصنع به؟ قال: يغسل سبع مرّات». قال في المعتبر: «و نحن نحمله
على الاستحباب»، و هو مشكل؛ لانتفاء المعارض».(1)
(مسألة 6): يجب في ولوغ الخنزير غسل الاناء سبع مرّات و كذا في موت الجرذ، و هو الكبير من الفأرة البرّيّة، و الأحوط في الخنزير التعفير قبل السبع أيضا لكن الأقوى عدم وجوبه.
الشرح:
قال في المستمسك: «كما في المختلف، و قال فيه: «انّه اختاره في أكثر كتبه»، و حكي عن الموجز، و الروضة و المدارك؛ لصحيح ابن جعفر عليه السلام: «سألته عن خنزير يشرب من اناء كيف يصنع به؟ قال عليه السلام: يغسل سبع مرّات». و عن المبسوط، و الخلاف و غيرهما: الحاقه بالكلب، و عن الثاني الاستدلال له بأنّه يسمّى كلبا. و فيه: انّه مجاز لايحمل عليه اللفظ بدون قرينة».(2)
أقول:
كيفيّة تطهير الاناء الذي ولغ فيه الخنزير، غسله سبع مرّات كما في الصحيح، و الظاهر منه تطهيره بالماء القليل، أمّا في الكرّ و الجاري تكفي غسلة واحدة؛ لعمومات تطهير المتنجّس في الكرّ و الجاري باكتفاء غسلة واحدة. و كذا في موت الجرذ لموثّقة عمّار التي تقدّمت في المسألة السابقة.
(مسألة 7): يستحبّ في ظروف الخمر الغسل سبعا، و الأقوى كونها كسائر الظروف في كفاية الثلاث.
الشرح:
يشترط في طهارة الاناء الذي يشرب فيه الخمر، الغسل بالماء القليل ثلاث مرّات مع الدلك باليد؛ و ذلك لموثّقة عمّار (في حديث) عن أبي عبداللّه عليه السلامقال:
« ... و قال: في قدح أو اناء يشرب فيه الخمر، قال: تغسله ثلاث مرّات، سئل: يجزيه أن يصبّ فيه الماء؟ قال: لا يجزيه حتّى يدلكه بيده، و يغسله ثلاث مرّات».(1)
و يستحبّ غسله سبع مرّات؛ لما في ذيل الموثّقة المرويّة في التهذيب:
«و زاد أنّه سأله عن الاناء يشرب فيه النبيذ؟ فقال: تغسله سبع مرّات، و كذلك الكلب».(2)
جمعا بين الصدر و الذيل بناءً على أن يكون المراد من النبيذ مطلق الخمر.
(مسألة 8): التراب الذي يعفّر به يجب أن يكون طاهرا قبل الاستعمال.
قد تقدّم في التنبيه الثاني من المسألة الخامسة أنّه يجب أن يكون التراب الذي يعفّر به طاهرا؛ لمناسبة الحكم و الموضوع.
(مسألة 9): اذا كان الاناء ضيّقا لايمكن مسحه بالتراب فالظاهر كفاية جعل التراب فيه و تحريكه الى أن يصل الى جميع أطرافه، و أمّا اذا كان ممّا لايمكن فيه ذلك فالظاهر بقاؤه على النجاسة أبدا الاّ عند من يقول بسقوط التعفير في الغسل بالماء الكثير.
قد تقدّم في التنبيه الثالث من المسألة الخامسة أنّه اذا لم يوجد التراب أو
لم يمكن فيه التعفير لايبعد كفاية غسله بالماء الكثير و ان كان الأقوى عدمها.
(مسألة 10): لايجري حكم التعفير في غير الظروف ممّا تنجّس بالكلب، و لو بماء ولوغه أو بلطعه. نعم، لا فرق بين أقسام الظروف في وجوب التعفير حتّى مثل الدلو لو شرب الكلب منه، بل و القربة و المطهرة و ما أشبه ذلك.
الشرح:
قد تقدّم في التنبيه الرابع من المسألة الخامسة أنّ هذا الحكم مختصّ بولوغ الكلب من الاناء، و لايجري في غير الظروف، و لا فرق بين أقسام الظروف في وجوب التعفير؛ لاطلاق الدليل. و ان كان اطلاق الاناء على مثل الدلو أو القربة بل و المطهرة مشكلاً. و الاحتياط في محلّه.
(مسألة 11): لايتكرّر التعفير بتكرّر الولوغ من كلب واحد أو أزيد، بل يكفي التعفير مرّة واحدة.
الشرح:
و ذلك لاطلاق الدليل. قال في المستمسك: «ففي محكي الخلاف: «جميع الفقهاء لم يفرّقوا بين الواحد و المتعدّد الاّ من شذّ من العامّة، فأوجب لكلّ واحد العدد بكماله»، و مثله كلام غيره».(1)
(مسألة 12): يجب تقديم التعفير على الغسلتين، فلو عكس لم يطهر.
الشرح:
يمكن أن يقال بكفاية التعفير بأيّ نحو اتّفق و ان كان بعد الغسلتين؛ و ذلك
1) - مستمسك العروة 2: 31.
لأنّه بدل عن غسلة من الغسلات الثلاث بالماء الاّ أنّ الرواية ظاهرة بما أفتى به في المتن، و هو الأظهر.
(مسألة 13): اذا غسل الاناء بالماء الكثير لايعتبر فيه التثليث، بل يكفي مرّة واحدة حتّى في اناء الولوغ. نعم، الأحوط عدم سقوط التعفير فيه، بل لايخلو عن قوّة، و الأحوط التثليث حتّى في الكثير.
الشرح:
قال في المستمسك: «و في الذكرى: «لاريب في عدم اعتبار العدد في الجاري و الكثير في غير الولوغ»، و قال قبل ذلك في الولوغ: «و لايشترط فيهما العدد». و كأنّه لانصراف أدلّته الى القليل؛ لأنّه المتعارف في عصر الصدور و لاطلاق مطهّريّة الكثير و لاطلاق بعض أدلّة التطهير، و كأنّه لذا و نحوه اكتفى العلاّمة في القواعد و غيرها و الشهيدان و المحقّق الثاني بالمرّة. انتهى ملخّصا».(1)
هذا مضافا الى قوله عليه السلام في مرسلة الكاهلي:
«كلّ شيء يراه ماء المطر فقد طهر».(2)
بناءً على عدم القول بالفصل بينه و بين الكثير و الجاري كما هو كذلك. و مضافا الى قوله عليه السلام في موثّقة عمّار المتقدّمة في المسألة الخامسة: «يغسل ثلاث مرّات يصبّ فيه الماء فيحرّك فيه ثمّ يفرغ منه ... »، فانّ الظاهر منه اختصاص الغسلات الثلاث بالماء القليل. و قد تقدّم سقوط التعفير و الاحتياط حسن.
(مسألة 14): في غسل الاناء بالماء القليل يكفي صبّ الماء فيه و ادارته الى أطرافه، ثمّ صبّه على الأرض ثلاث مرّات كما يكفي أن يملأه ماءً ثمّ يفرغه ثلاث مرّات.
الشرح:
يدلّ على كفاية صبّ الماء في الاناء و ادارته الى أطرافه ثمّ صبّه على الأرض ثلاث مرّات موثّقة عمّار المتقدّمة في المسألة الخامسة. و أمّا ملؤه ماءً ثمّ افراغه
ثلاث مرّات، فقد ذكره جماعة من الأصحاب؛ اذ المفهوم عرفا من التحريك في الموثّقة وصول الماء الى الجزء المتنجّس، و هو حاصل في الفرض. فاستشكال الجواهر فيه غير ظاهر كما في المستمسك.(1)
(مسألة 15): اذا شكّ في متنجّس أنّه من الظروف حتّى يعتبر غسله ثلاث مرّات، أو غيره حتّى يكفي فيه المرّة فالظاهر كفاية المرّة.
الشرح:
اذا شكّ في متنجّس أنّه من الظروف حتّى يعتبر غسله ثلاث مرّات أو غيرها حتّى يكفي فيه المرّة، فالظاهر كفاية المرّة كما في المتن؛ و ذلك لأنّ القاعدة المستفادة من الروايات في تطهير ما تنجّس، هي صبّ الماء عليه حتّى يزيل العين النجسة ان كانت، و في الثوب عصره أيضا، و استثني من تلك القاعدة الظروف فانّه يعتبر فيها ثلاث مرّات؛ لموثّقة عمّار، فهذا الحكم متوقّف على احراز الموضوع، فلو شكّ في الموضوع و أنّه من الظروف أو لا فتشمله القاعدة.
1) - مستمسك العروة 2: 34.
(مسألة 16): يشترط في الغسل بالماء القليل انفصال الغسالة على المتعارف، ففي مثل البدن و نحوه ممّا لاينفذ فيه الماء يكفي صبّ الماء عليه و انفصال معظم الماء، و في مثل الثياب و الفرش ممّا ينفذ فيه الماء لا بدّ من عصره أو ما يقوم مقامه، كما اذا داسه برجله أو غمزه بكفّه أو نحو ذلك، و لايلزم انفصال تمام الماء، و لايلزم الفرك و الدلك الاّ اذا كان فيه عين النجس أو المتنجّس، و في مثل الصابون و الطين و نحوهما ممّا ينفذ فيه الماء و لايمكن عصره فيطهر ظاهره باجراء الماء عليه، و لايضرّه بقاء نجاسة الباطن على فرض نفوذها فيه. و أمّا في الغسل بالماء الكثير فلايعتبر انفصال الغسالة و لا العصر و لا التعدّد و غيره، بل بمجرّد غمسه في الماء بعد زوال العين يطهر، و يكفي في طهارة أعماقه ان وصلت النجاسة اليها نفوذ الماء الطاهر فيه في الكثير و لايلزم تجفيفه أوّلاً. نعم، لو نفذ فيه عين البول مثلاً مع بقائه فيه يعتبر تجفيفه بمعنى عدم بقاء مائيّته فيه، بخلاف الماء النجس الموجود فيه فانّه بالاتّصال بالكثير يطهر، فلا حاجة فيه الى التجفيف.
الشرح:
يشترط في الغسل بالماء القليل انفصال الغسالة على المتعارف كما دلّ عليه قوله عليه السلام في موثّقة عمّار المتقدّمة، قال:
«سئل عن الكوز و الاناء يكون قذرا، كيف يغسل؟ و كم مرّة يغسل؟ قال: يغسل ثلاث مرّات يصبّ فيه الماء فيحرّك فيه ثمّ يفرغ منه. الحديث».(1)
و في صحيحة أبي اسحاق النحوي (ثعلبة بن ميمون) عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن البول يصيب الجسد؟ قال: صبّ عليه الماء مرّتين».(2)
فالمستفاد من هاتين الروايتين عرفا انفصال الغسالة على المتعارف، و لايضرّ بقاء مقدار منه كرطوبة أو قطرات كما يبقى منه عادتا بعد غسل البدن أو الظرف أو ما شابههما ممّا لاينفذ فيه الماء. و لا بدّ في مثل الثياب و الفرش ممّا ينفذ فيه الماء من عصره، كما يدلّ عليه صحيحة الحسين بن أبي العلاء (في حديث) قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الصبي يبول على الثوب؟ قال: تصبّ عليه الماء قليلاً ثمّ تعصره».(1)
و ان قلنا - كما مرّ في المسائل السابقة - بأنّه يحمل على الاستحباب، فالمفهوم العرفي من غسل الثياب كاف، فانّ العرف يفهم من الأمر بغسل الثياب اذا تنجّس، أن يعصرها بعد صبّ الماء عليها حتّى يخرج ما نفذ فيها من النجاسة. و لعلّه لذلك لم يذكر العصر في الروايات الآمرة بغسل الثوب مع كثرتها؛ لأنّ العرف ينتقل اليه اذا قيل له: «اغسل ثوبك ممّا أصابه البول أو غيره من النجاسات».
ثمّ في مثل الفرش و ما يصعب فيه العصر أو لايمكن، فيدوسه برجله أو يغمزه بكفّه أو نحو ذلك ممّا يقوم مقامه و لايلزم انفصال تمام الماء و لايلزم الفرك و الدلك الاّ اذا كان فيه عين النجس أو المتنجّس، فيدلك حتّى تخرج الغسالة المزيلة كما سبق.
أمّا مثل الصابون و الطين و نحوهما ممّا ينفذ فيه الماء و لايمكن عصره، فيكفي صبّ الماء عليه فيطهر ظاهره باجراء الماء الطاهر عليه و لايضرّه تنجّس باطنه على فرض نفوذ الماء المتنجّس فيه. و كيفيّة طهارة باطن كلّ ما كان مثل الصابون و الطين ممّا نفذ الماء المتنجّس فيه أن يجعله في الماء الكثير من الكرّ أو الجاري حتّى ينفذ فيه الماء الطاهر فيطهر حينئذ باطنه.
و أمّا الغسل في الماء الكثير فيكفي القاء الشيء المتنجّس فيه حتّى يحيط الماء به ظاهرا و باطنا و لايحتاج الى تكرار الغسل و ان كان مثل الأواني، و
1) - وسائل الشيعة 3: 397 / الباب 3 من أبواب النجاسات / الحديث 1.
لايحتاج الى العصر، و لايعتبر فيه انفصال الغسالة عنه، بل بمجرّد غمسه في الماء و زوال العين يطهر؛ و الدليل عليه صحيحة محمّد بن مسلم قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الثوب يصيبه البول؟ قال: اغسله في المركن مرّتين، فان غسلته في ماء جار فمرّة واحدة».(1)
و الروايات التي دلّت على أنّه: «اذا كان الماء قدر كرّ لم ينجّسه شيء».(2)
مضافا الى قوله تعالى: «و أنزلنا من السماء ماءً طهورا»(3). و الطهور بمعنى الطاهر في نفسه و المطهّر لغيره.
و كذلك الروايات الواردة في ماء البئر كقوله عليه السلامفي صحيحة ابن بزيع:
«ماء البئر واسع لايفسده شيء الاّ أن يتغيّر به».(4)
مضافا الى ما ورد في صحيحة محمّد بن حمران و جميل بن درّاج عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:
«انّ اللّه جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا».(5)
بناءً على أنّ معنى الطهور هو الطاهر في نفسه و المطهّر لغيره من الحدث و الخبث.
و صحيحة داود بن فرقد عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«كان بنو اسرائيل اذا أصاب أحدهم قطرة بول قرضوا لحومهم بالمقاريض، و قد وسّع اللّه عليكم بأوسع ما بين السماء و الأرض، و جعل لكم الماء طهورا، فانظروا كيف تكونون».(6)
1) - وسائل الشيعة 3: 397 / الباب 2 من أبواب النجاسات / الحديث 1.
2) - وسائل الشيعة 1: 158 / الباب 9 من أبواب الماء المطلق/ الحديث 1.
3) - الفرقان 25: 48.
4) - وسائل الشيعة 1: 170 / الباب 14 من أبواب الماء المطلق/ الحديث 1.
5) - وسائل الشيعة 1: 133 / الباب 1 من أبواب الماء المطلق/ الحديث 1.
6) - وسائل الشيعة 1: 133 / الباب 1 من أبواب الماء المطلق/ الحديث 4.
فانّ المراد من قوله عليه السلام: «اذا أصاب أحدهم ... »، أي أصاب أحدهم قطرة بول من الخارج.
و قوله عليه السلام: «قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: الماء يطهّر و لايطهّر».(1)
أي لايطهّره الاّ الماء.
(مسألة 17): لايعتبر العصر و نحوه فيما تنجّس ببول الرضيع و ان كان مثل الثوب و الفرش و نحوهما، بل يكفي صبّ الماء عليه مرّة على وجه يشمل جميع أجزائه، و ان كان الأحوط مرّتين لكن يشترط أن لايكون متغذّيا معتادا بالغذاء و لايضرّ تغذّيه اتّفاقا نادرا و أن يكون ذكرا لا أنثى على الأحوط، و لايشترط فيه أن يكون في الحولين، بل هو كذلك مادام يعدّ رضيعا غير متغذّ و ان كان بعدهما، كما أنّه لو صار معتادا بالغذاء قبل الحولين لايلحقه الحكم المذكور بل هو كسائر الأبوال، و كذا يشترط في لحوق الحكم أن يكون اللبن من المسلمة، فلو كان من الكافرة لم يلحقه و كذا لو كان من الخنزيرة.
الشرح:
قد تقدّم البحث عن هذه المسألة في الفرع الأوّل من المسألة الرابعة من هذا الفصل. و هنا نقول: انّ الرواية الواردة في ذلك هي صحيحة الحلبي قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن بول الصبي قال: تصبّ عليه الماء و ان كان قد أكل فاغسله بالماء غسلاً، و الغلام و الجارية (في ذلك) شرع سواء».(2)
و يشترط أن لايكون متغذّيا معتادا بالغذاء، كما هو ظاهر قوله عليه السلام: «و ان كان
قد أكل فاغسله». و لايضرّ تغذّيه اتّفاقا نادرا كما هو المستفاد من الجملة المذكورة. و لا فرق بين الذكر و الأنثى، للنصّ في الرواية، و لاتعارضها رواية السكوني المتقدّمة المذكورة في المسألة الرابعة. و لايشترط فيه أن يكون في الحولين بل هو كذلك مادام يعدّ رضيعا غير متغذّ و ان كان بعدهما، كما هو ظاهر الرواية. و لو صار معتادا بالغذاء قبل الحولين لايلحقه الحكم المذكور بل هو كسائر الأبوال، كما هو مفهوم الرواية. و كذا يشترط في لحوق الحكم أن لايكون اللبن من الخنزيرة و لا من الكافرة غير الكتابيّة، و هكذا الكتابيّة بناءً على القول بنجاسة الكافر مطلقا.
(مسألة 18): اذا شكّ في نفوذ الماء النجس في الباطن في مثل الصابون و نحوه بني على عدمه، كما أنّه اذا شكّ بعد العلم بنفوذه في نفوذ الماء الطاهر فيه بني على عدمه فيحكم ببقاء الطهارة في الأوّل، و بقاء النجاسة في الثاني.
الشرح:
الدليل على صدر المسألة استصحاب عدم نفوذ الماء النجس في الباطن؛ لقوله عليه السلام: «لا تنقض اليقين بالشكّ»، و كذا يدلّ على حكم الذيل استصحاب عدم نفوذ الماء الطاهر فيه بعد العلم بنفوذ الماء النجس في الباطن، فيحكم بنجاسة باطنه حتّى يتيقّن بنفوذ الماء الطاهر في باطنه؛ لقوله عليه السلام: «لاتنقض اليقين بالشكّ بل أنقضه بيقين آخر».
(مسألة 19): قد يقال بطهارة الدهن المتنجّس اذا جعل في الكرّ الحارّ بحيث اختلط معه ثمّ أخذ من فوقه بعد برودته، لكنّه مشكل؛ لعدم حصول العلم بوصول الماء الى جميع أجزائه و ان كان غير بعيد اذا غلى الماء مقدارا من الزمان.
الشرح:
لايبعد القول بطهارة الدهن المتنجّس في الماء الحارّ الغزير اذا غلى مقدارا من الزمان و تفرّقت أجزاؤه في الماء بشرط أن لايصير الماء مضافا، ثمّ أخذ من فوقه بعد برودته. كما هو المحكي عن العلاّمة في المنتهى. و ان استشكل فيه في الجواهر و المستند على ما في المستمسك.(1)
(مسألة 20): اذا تنجّس الأرز أو الماش أو نحوهما يجعل في وصلة و يغمس في الكرّ و ان نفذ فيه الماء النجس يصبر حتّى يعلم نفوذ الماء الطاهر الى المقدار الذي نفذ فيه الماء النجس، بل لايبعد تطهيره بالقليل، بأن يجعل في ظرف و يصبّ عليه ثمّ يراق غسالته و يطهر الظرف أيضا بالتبع، فلا حاجة الى التثليث فيه و ان كان هو الأحوط. نعم، لو كان الظرف أيضا نجسا فلا بدّ من الثلاث.
الشرح:
الحكم في هذه المسألة كما ذهب اليه المصنّف، و الدليل عليه هو الدليل على طهارة الأشياء المتنجّسة اذا غمست في الماء الغزير، و طهارة باطنه اذا نفذ فيه الماء الطاهر. بل لايبعد تطهيره بالقليل كما في المتن، و يطهر الظرف بالتبع كما يأتي ان شاء اللّه في التاسع من المطهّرات. و لا حاجة الى التثليث الاّ أن يكون الظرف نجسا فلا بدّ من الثلاث.
1) - مستمسك العروة 2: 48.
(مسألة 21): الثوب النجس يمكن تطهيره بجعله في طشت و صبّ الماء عليه ثمّ عصره و اخراج غسالته و كذا اللحم النجس و يكفي المرّة في غير البول، و المرّتان فيه اذا لم يكن الطشت نجسا قبل صبّ الماء و الاّ فلا بدّ من الثلاث و الأحوط التثليث مطلقا.
الشرح:
قد تقدّم في المسائل السابقة من كفاية تطهير الثوب بغسله في طشت و صبّ الماء عليه ثمّ عصره و اخراج غسالته و قلنا انّه بكفي المرّة في غير البول، و المرّتان في البول. و الدليل عليه صحيحة محمّد بن مسلم قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الثوب يصيبه البول؟ قال: اغسله في المركن مرّتين، فان غسلته في ماء جار فمرّة واحدة».(1)
(مسألة 22): اللحم المطبوخ بالماء النجس أو المتنجّس بعد الطبخ يمكن تطهيره في الكثير، بل و القليل اذا صبّ عليه الماء و نفذ فيه الى المقدار الذي وصل اليه الماء النجس.
الشرح:
يدلّ على ذلك رواية السكوني عن جعفر عن أبيه عليهماالسلام عن علي عليه السلام:
«سئل عن قدر طبخت و اذا في القدر فأرة؟ قال: يهراق مرقها، و يغسل اللحم و يؤكل».(2)
قال في المستمسك: «فانّ ظاهرها كون الفأرة واقعة حال الطبخ أو قبله، الموجب لسراية الرطوبة النجسة الى أعماق اللحم و توابعه».(3)
و مثلها رواية زكريّا بن آدم قال:
«سألت أباالحسن عليه السلام عن قطرة خمر أو نبيذ مسكر قطرت في قدر فيه لحم كثير و مرق كثير، قال: يهراق المرق أو يطعمه أهل الذمّة أو الكلب، و اللحم اغسله و كله. الحديث».(1)
(مسألة 23): الطين النجس اللاصق بالابريق يطهر بغمسه في الكرّ و نفوذ الماء الى أعماقه و مع عدم النفوذ يطهر ظاهره فالقطرات التي تقطر منه بعد الاخراج من الماء طاهرة، و كذا الطين اللاصق بالنعل، بل يطهر ظاهره بالماء القليل أيضا بل اذا وصل الى باطنه بأن كان رخوا طهر باطنه أيضا به.
قد تقدّم شرح هذه المسألة في المسائل السابقة فراجع.
(مسألة 24): الطحين و العجين النجس يمكن تطهيره بجعله خبزا ثمّ وضعه في الكرّ حتّى يصل الماء الى جميع أجزائه، و كذا الحليب النجس بجعله جبنا و وضعه في الماء كذلك.
الشرح:
الظاهر امكان تطهير الطحين و العجين بالطريقة التي ذكرها المصنّف على تقدير نفوذ الماء فيه، و النصوص المتقدّمة دالّة عليه، و قد عرفت امكان تطهيره بالقليل على تقدير نفوذه في باطنه، و انفصاله بتوالي الصبّ. و كذلك يكون كيفيّة تطهير الحليب النجس بجعله جبنا و وضعه في الماء كذلك.
1) - وسائل الشيعة 3: 470 / الباب 38 من أبواب النجاسات/ الحديث 8.
(مسألة 25): اذا تنجّس التنّور يطهر بصبّ الماء في أطرافه من فوق الى تحت، و لا حاجة فيه الى التثليث؛ لعدم كونه من الظروف فيكفي المرّة في غير البول و المرّتان فيه، و الأولى أن يحفر فيه حفيرة يجتمع الغسالة فيها و طمّها بعد ذلك بالطين الطاهر.
قد اتّضح حكم هذه المسألة من المسائل السابقة، و ما ذهب اليه المصنّف هو الصحيح.
(مسألة 26): الأرض الصلبة أو المفروشة بالآجرّ أو الحجر تطهر بالماء القليل اذا أجري عليها لكن مجمع الغسالة يبقى نجسا، و لو أريد تطهير بيت أو سكّة فان أمكن اخراج ماء الغسالة بأن كان هناك طريق لخروجه فهو، و الاّ يحفر حفيرة ليجتمع فيها، ثمّ يجعل فيها الطين الطاهر كما ذكر في التنّور و ان كانت الأرض رخوة بحيث لايمكن اجراء الماء عليها فلاتطهر الاّ بالقاء الكرّ أو المطر أو الشمس. نعم، اذا كانت رملاً يمكن تطهير ظاهرها بصبّ الماء عليها و رسوبه في الرمل فيبقى الباطن نجسا بماء الغسالة و ان كان لايخلو عن اشكال من جهة احتمال عدم صدق انفصال الغسالة.
الشرح:
قد اتّضح حكم هذه المسألة من المسائل السابقة أيضا، و ما استشكل المصنّف في ذيلها من عدم تطهير ظاهر الرمل بصبّ الماء على الأرض و رسوبه في الرمل، من جهة احتمال عدم صدق انفصال الغسالة، ففيه: انّ العرف يراه طاهرا بطهارة ظاهره و يصدق عليه الغسل بصبّ الماء عليها و رسوبه في الرمل. نعم، لو لم يرسب في الرمل و بقي عليه و لم يكن هناك طريق لاخراج الغسالة فالاشكال في محلّه.
(مسألة 27): اذا صبغ ثوب بالدم لايطهر مادام يخرج منه الماء الأحمر. نعم، اذا صار بحيث لايخرج منه طهر بالغمس في الكرّ أو الغسل بالماء القليل بخلاف ما اذا صبغ بالنيل النجس فانّه اذا نفذ فيه الماء في الكثير بوصف الاطلاق يطهر و ان صار مضافا أو متلوّنا بعد العصر كما مرّ سابقا.
قد تقدّم شرح هذه المسألة في المسألة الثانية من هذا الفصل.
(مسألة 28): فيما يعتبر فيه التعدّد لايلزم توالي الغسلتين أو الغسلات، فلو غسل مرّة في يوم و مرّة أخرى في يوم آخر كفى. نعم، يعتبر في العصر الفوريّة بعد صبّ الماء على الشيء المتنجّس.
الشرح:
يدلّ على عدم لزوم توالي الغسلتين أو الغسلات فيما يعتبر فيه التعدّد، اطلاق الدليل الدالّ عليه، و لاينكره العرف، و أمّا اعتبار الفوريّة في العصر بعد صبّ الماء
على الشيء المتنجّس، فلا دليل عليه. بل يمكن أن يقال: انّ حكمة العصر خروج ماء الغسالة منه - كما هو المتفاهم عرفا - ، فلو علّق الثوب بعد غسله و خرج الماء منه تدرّجا حتّى يجفّ كفى.
(مسألة 29): الغسلة المزيلة للعين بحيث لايبقى بعدها شيء منها تعدّ من الغسلات فيما يعتبر فيه التعدّد فتحسب مرّة بخلاف ما اذا بقي بعدها شيء من أجزاء العين فانّها لاتحسب، و على هذا فان أزال العين بالماء المطلق فيما يجب فيه مرّتان كفى غسله مرّة أخرى، و ان أزالها بماء مضاف يجب بعده مرّتان أخريان.
الشرح:
قد تقدّم في المسألة الرابعة ما يناسب صور هذه المسألة. و هنا نقول: اذا بقي بعد صبّ الماء على الشيء المتنجّس شيء من أجزاء العين النجسة، فانّ الصبّ المذكور لايحسب من الغسلات في صورة التعدّد، و لايعدّ من الغسلة المزيلة على ما تقدّم في صورة عدم التعدّد؛ لأنّه مع بقاء العين لا وجه للطهارة ولو بأدنى مراتبها. و على هذا فان أزال العين بالماء المطلق فيما يجب فيه مرّتان كفى غسله مرّة أخرى، و ان أزالها بماء مضاف يجب بعده مرّتان أخريان؛ لاطلاق ما دلّ على الغسل بالماء مرّتين الشامل لما اذا أزيلت العين بغير الماء أيضا.
(مسألة 30): النعل المتنجّسة تطهر بغمسها في الماء الكثير، و لا حاجة فيها الى العصر، لا من طرف جلدها و لا من طرف خيوطها، و كذا البارية، بل في الغسل بالماء القليل كذلك؛ لأنّ الجلد و الخيط ليسا ممّا يعصر و كذا الحزام من الجلد كان فيه خيط أو لم يكن.
الشرح:
حكم هذه المسألة كما قال المصنّف، و الدليل على صدرها ما تقدّم من أنّ غسل الشيء المتنجّس - بعد ازالة عين النجس ان كانت - في الماء الكثير و غمسه فيه لايحتاج الى العصر بلا فرق من طرف الجلد أو غيره. و الدليل على ذيلها هو أنّ الشيء المتنجّس اذا لم يكن ممّا يقبل العصر فيكفي صبّ الماء عليه، ففي البول مرّتين، و في غيره مرّة، و في الظروف ثلاث مرّات كما تقدّم.
(مسألة 31): الذهب المذاب و نحوه من الفلزّات اذا صبّ في الماء النجس أو كان متنجّسا فأذيب ينجس ظاهره و باطنه، و لايقبل التطهير الاّ ظاهره، فاذا أذيب ثانيا بعد تطهير ظاهره تنجّس ظاهره ثانيا. نعم، لو احتمل
عدم وصول النجاسة الى جميع أجزائه و أنّ ما ظهر منه بعد الذوبان الأجزاء الطاهرة يحكم بطهارته. و على أي حال بعد تطهير ظاهره لا مانع من استعماله و ان كان مثل القدر من الصفر.
الشرح:
اذا علم ملاقاة الأجزاء المذابة من الذهب و نحوه بالماء النجس فلا بدّ من الحكم بنجاسة ظاهره و باطنه، الاّ أنّ العلم بسرايتها كذلك مشكل؛ لأنّ شدّة الحرارة في الفلزّات المذابة تمنع من السراية، و لا أقلّ من الشكّ. و كيف كان فلو علم تنجّس باطنه فاذا انجمد فغسل ظاهره يحكم بطهارته و لا مانع من استعماله و ان كان مثل القدر من الصفر.
(مسألة 32): الحليّ الذي يصوغه الكافر اذا لم يعلم ملاقاته له مع الرطوبة يحكم بطهارته و مع العلم بها يجب غسله و يطهر ظاهره و ان بقي باطنه على النجاسة اذا كان متنجّسا قبل الاذابة.
قد اتّضح حكم هذه المسألة في المسألة السابقة.
(مسألة 33): النبات المتنجّس يطهر بالغمس في الكثير، بل و الغسل بالقليل اذا علم جريان الماء عليه بوصف الاطلاق و كذا قطعة الملح. نعم، لو صنع النبات من السكّر المتنجّس أو انجمد الملح بعد تنجّسه مائعا لايكون حينئذ قابلاً للتطهير.
الشرح:
حكم هذه المسألة كما ذكره المصنّف، صدرا و ذيلاً؛ لعدم نفوذ الماء في باطنه بوصف الاطلاق. نعم، لو استهلك في الماء الكثير بحيث لم يصر مضافا يطهر و لو جمع بعد ذلك بنحو يكون طاهرا.
(مسألة 34): الكوز الذي صنع من طين نجس أو كان مصنوعا للكافر يطهر ظاهره بالقليل، و باطنه أيضا اذا وضع في الكثير فنفذ الماء في أعماقه.
الشرح:
الكوز الذي صنع من طين نجس يطهر ظاهره بصبّ الماء عليه؛ لاطلاق أدلّة مطهّريّة الماء و لعدم سراية باطنه الى ظاهره. و أمّا طهارة باطنه فموقوفة على وضعه في الكثير و العلم بنفوذ الماء في أعماقه.
(مسألة 35): اليد الدسمة اذا تنجّست تطهر في الكثير و القليل اذا لم يكن لدسومتها جرم و الاّ فلا بدّ من ازالته أوّلاً، كذا اللحم الدسم و الألية فهذا المقدار من الدسومة لايمنع من وصول الماء.
حكم هذه المسألة كما ذكره المصنّف و الدليل هو الدليل.
(مسألة 36): الظروف الكبار التي لايمكن نقلها كالحبّ المثبت في الأرض و نحوه اذا تنجّست يمكن تطهيرها بوجوه: «أحدها»: أن تملأ ماءً ثمّ تفرغ ثلاث مرّات. «الثاني»: أن يجعل فيها الماء ثمّ يدار الى أطرافها باعانة اليد أو غيرها، ثمّ يخرج منها ماء الغسالة ثلاث مرّات. «الثالث»: أن يدار الماء الى أطرافها مبتدئا بالأسفل الى الأعلى ثمّ يخرج الغسالة المجتمعة ثلاث مرّات. «الرابع»: أن يدار كذلك، لكن من أعلاها الى الأسفل ثمّ يخرج ثلاث مرّات، لايشكل بأنّ الابتداء من أعلاها يوجب اجتماع الغسالة في أسفلها قبل أن يغسل، و مع اجتماعها لايمكن ادارة الماء في أسفلها؛ و ذلك لأنّ المجموع يعدّ غسلاً واحدا، فالماء الذي ينزل من الأعلى يغسل كلّما جرى عليه الى الأسفل و بعد الاجتماع يعدّ المجموع غسالة، و لايلزم تطهير آلة
اخراج الغسالة كلّ مرّة و ان كان أحوط، و يلزم المبادرة الى اخراجها عرفا في كلّ غسلة، لكن لايضرّ الفصل بين الغسلات الثلاث، و القطرات التي تقطر من الغسالة فيها لا بأس بها، و هذه الوجوه تجري في الظروف الغير المثبتة أيضا و تزيد بامكان غمسها في الكرّ أيضا. و ممّا ذكرنا يظهر حال تطهير الحوض أيضا بالماء القليل.
الشرح:
الدليل على كيفيّة طهارة الظروف الكبيرة موثّقة عمّار التي تقدّمت في المسألة الخامسة، و ان كان الوجه الثاني أوفق بمتن الموثّقة. و يمكن أن يقال - كما ذكر بعض الأعلام - : انّ هذه الوجوه من الأمور التي يساعدها العرف في كيفيّة رفع القذارات و النجاسات عن الظروف الكبار، و ان كان يبعد الاطمئنان بطهارتها شرعا من دون ورود دليل شرعي.
ثمّ انّه قال المصنّف: «و لايلزم تطهير آلة اخراج الغسالة كلّ مرّة»، و لايبعد ذلك كما يساعده الارتكاز العرفي في كيفيّة التطهير، و ان استشكل بعض الفقهاء منهم الشهيد الثاني في الروضة، فالاحتياط لاينبغي تركه. و كذلك يحتاط بالنسبة الى القطرات التي تقطر من الغسالة فيها، و ان كان الوجه عدم البأس بها.
(مسألة 37): في تطهير شعر المرأة و لحية الرجل لا حاجة الى العصر و ان غسلا بالقليل؛ لانفصال معظم الماء بدون العصر.
الشرح:
هذا موكول الى العرف و قد يرى حاجة بعض الشعور الى العصر كما يكون في الشعور الكثيفة.
(مسألة 38): اذا غسل ثوبه المتنجّس ثمّ رأى بعد ذلك فيه شيئا من الطين أو من دقاق الأشنان الذي كان متنجّسا لايضرّ ذلك بتطهيره، بل يحكم بطهارته أيضا؛ لانغساله بغسل الثوب.
الشرح:
حكم هذه المسألة كما قال المصنّف و الدليل هو الدليل. و الظاهر أنّ الطين و غيره ممّا يغسل الثوب به لايكون مانعا من وصول الماء الى الثوب.
(مسألة 39): في حال اجراء الماء على المحلّ النجس من البدن أو الثوب اذا وصل ذلك الماء الى ما اتّصل به من المحلّ الطاهر على ما هو المتعارف لايلحقه حكم ملاقي الغسالة حتّى يجب غسله ثانيا، بل يطهر المحلّ النجس بتلك الغسلة، و كذا اذا كان جزء من الثوب نجسا فغسل مجموعه، فلايقال: انّ المقدار الطاهر تنجّس بهذه الغسلة فلاتكفيه، بل الحال كذلك اذا ضمّ مع المتنجّس شيئا آخر طاهرا و صبّ الماء على المجموع، فلو كان واحد من أصابعه نجسا فضمّ اليه البقيّة و أجرى الماء عليها بحيث وصل الماء الجاري على النجس منها الى البقية ثمّ انفصل تطهر بطهره، و كذا اذا كان زنده نجسا فأجري الماء عليه فجرى على كفّه ثمّ انفصل فلايحتاج الى غسل الكفّ لوصول ماء الغسالة اليها و هكذا. نعم، لو طفر الماء من المتنجّس حين غسله على محلّ طاهر من يده أو ثوبه يجب غسله بناءً على نجاسة الغسالة، و كذا لو وصل بعد ما انفصل عن المحلّ الى طاهر منفصل و الفرق أنّ المتّصل بالمحلّ النجس يعدّ معه مغسولاً واحدا بخلاف المنفصل.
الشرح:
الصور المتصوّرة في المسألة أربع:
فتارة: لايكون في المحلّ المتنجّس ذرّات النجاسة، فحينئذ فما ينفصل من
صبّ الماء الطاهر القليل عليه لايكون منجّسا، الاّ أنّه يشترط في تطهيره انفصال الغسالة و خروجها من البدن أو الثوب كما هو ظاهر الروايات و يشهده العرف. هذا في غير المتنجّس بالبول، و كذا المتنجّس به اذا كان جافّا، بلا فرق بين الغسلة الأولى أو الثانية.
و أخرى: تكون في المكان المتنجّس ذرّات النجاسة أو يكون البول رطبا، فحينئذ فملاقى الغسلة المزيلة من البدن يتنجّس و ان انفصل الاّ أنّه اذا استمرّت الغسلة في الأولى - من غير البول - أو صبّ الغسلة الثانية من البول يتطهّر الملاقى كما يتطهّر الموضع المتنجّس.
و ثالثة: لو طفر الماء من الغسلة المزيلة لذرّات النجاسة على محلّ طاهر من يده أو ثوبه يجب غسله.
و رابعة: اذا كان جزء من الثوب نجسا فغسل مجموعه، أو ضمّ اليه شيئا آخر طاهرا فغسلا معا، فاذا صار مغسولاً يطهر جميع الثوب في الأوّل، و يطهر كلاهما في الثاني.
(مسألة 40): اذا أكل طعاما نجسا فما يبقى منه بين أسنانه باق على نجاسته، و يطهر بالمضمضة. و أمّا اذا كان الطعام طاهرا فخرج دم من بين أسنانه، فان لم يلاقه لايتنجّس، و ان تبلّل بالريق الملاقي للدم؛ لأنّ الريق لايتنجّس بذلك الدم، و ان لاقاه ففي الحكم بنجاسته اشكال من حيث انّه لاقى النجس في الباطن لكن الأحوط الاجتناب عنه؛ لأنّ القدر المعلوم أنّ النجس في الباطن لاينجّس ما يلاقيه ممّا كان في الباطن، لا ما دخل اليه من الخارج، فلو كان في أنفه نقطة دم لايحكم بتنجّس باطن أنفه، و لايتنجّس رطوبته بخلاف ما اذا أدخل اصبعه فلاقته فانّ الأحوط غسله.
الشرح:
اذا أكل طعاما نجسا فما يبقى منه بين أسنانه باق على نجاسته؛ للاستصحاب و يطهر بالمضمضة كما يطهر الشيء المتنجّس بالماء القليل. و أمّا اذا كان الطعام طاهرا فخرج دم من بين أسنانه فان لم يلاقه لايتنجّس و ان تبلّل بالريق الملاقي للدم؛ لأنّ الريق لايتنجّس بذلك الدم؛ لعدم سراية النجاسة من الداخل الى الداخل، كما تقدّم وجهه في مبحث نجاسة البول. و أمّا بالنسبة الى تتمّة المسألة ففي الحكم بنجاسته اشكال، و وجه الاشكال كما ذكره المصنّف. و الأحوط الاجتناب عنه كما في المتن.
(مسألة 41): آلات التطهير كاليد و الظرف الذي يغسل فيه تطهر بالتبع فلا حاجة الى غسلها و في الظرف لايجب غسله ثلاث مرّات بخلاف ما اذا كان نجسا قبل الاستعمال في التطهير، فانّه يجب غسله ثلاث مرّات كما مرّ.
الشرح:
قال في المستمسك: «الدليل على أنّ آلات التطهير كاليد و الظرف الذي يغسل فيه تطهر بالتبع هو السيرة، و الاتكاز العرفي، و الاطلاق المقامي لأدلّة التطهير المتضمّنة للأمر بالغسل، و لاسيّما في الظرف، فانّ دلالة صحيح ابن مسلم على طهارته بالتبع، و عدم احتياجه الى التطهير بعد الغسلة الأولى أو الثانية ممّا لا مجال للتأمّل فيها، كما أشرنا اليه سابقا. و الظاهر عدم الاحتياج في الحكم بطهارة اليد الى صبّ الماء عليها مع الثوب، فانّ ذلك خلاف المرتكز العرفي. بل لايبعد عدم اعتبار اتّصالها بالثوب حين صبّ الماء عليه. بل لايبعد الحاق يد غير الغاسل بيد الغاسل نفسه في ذلك، كما لوصبّ الماء على الثوب، و ناوله لخادمه ليعصره و مثلها الحجر و الخشبة المتّخذان لفصل ماء الغسالة بالتثقيل و الدقّ. و اللّه سبحانه أعلم».(1)
1) - مستمسك العروة 2: 61 و 62.
أقول:
مراده رحمه الله من الصحيحة هو صحيحة بن مسلم قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الثوب يصيبه البول؟ قال: اغسله في المركن مرّتين، فان غسلته في ماء جار فمرّة واحدة».(1)
و قد سكت الامام عليه السلام عن التعرّض لتطهير المركن بعد الغسلة الأولى و الثانية، و هو دليل على تطهيره بالتبع.
«الثاني»: من المطهّرات الأرض و هي تطهّر باطن القدم و النعل بالمشي عليها أو المسح بها، بشرط زوال عين النجاسة ان كانت و الأحوط الاقتصار على النجاسة الحاصلة بالمشي على الأرض النجسة دون ما حصل من الخارج، و يكفي مسمّى المشي أو المسح، و ان كان الأحوط المشي خمس عشرة خطوة و في كفاية مجرّد المماسّة من دون مسح أو مشي اشكال، و كذا في مسح التراب عليها. و لا فرق في الأرض بين التراب و الرمل و الحجر الأصلي، بل الظاهر كفاية المفروشة بالحجر بل بالآجرّ و الجصّ و النورة.
نعم، يشكل كفاية المطلّى بالقير، أو المفروش باللوح من الخشب ممّا لايصدق عليه اسم الأرض، و لا اشكال في عدم كفاية المشي على الفرش و الحصير و البواري، و على الزرع و النباتات الاّ أن يكون النبات قليلاً بحيث لايمنع عن صدق المشي على الأرض، و لايعتبر أن تكون في القدم أو النعل رطوبة، و لا زوال العين بالمسح أو المشي و ان كان أحوط، و يشترط طهارة الأرض و جفافها.
نعم، الرطوبة الغير المسرية غير مضرّة و يلحق بباطن القدم و النعل
1) - وسائل الشيعة 3: 397 / الباب 2 من أبواب النجاسات / الحديث 1.
حواشيهما بالمقدار المتعارف ممّا يلتزق بهما من الطين و التراب حال المشي، و في الحاق ظاهر القدم أو النعل بباطنهما اذا كان يمشي بهما لاعوجاج في رجله وجه قوي، و ان كان لايخلو عن اشكال، كما أنّ الحاق الركبتين و اليدين بالنسبة الى من يمشي عليهما أيضا مشكل، و كذا نعل الدابّة و كعب عصا الأعرج و خشبة الأقطع، و لا فرق في النعل بين أقسامها من المصنوع من الجلود و القطن و الخشب و نحوها ممّا هو متعارف، و في الجورب اشكال الاّ اذا تعارف لبسه بدلاً عن النعل.
و يكفي في حصول الطهارة زوال عين النجاسة و ان بقي أثرها من اللون و الرائحة، بل و كذا الأجزاء الصغار التي لاتتميّز كما في ماء الاستنجاء، لكنّ الأحوط اعتبار زوالها كما أنّ الأحوط زوال الأجزاء الأرضيّة اللاصقة بالنعل و القدم و ان كان لايبعد طهارتها أيضا.
الشرح:
الثاني من المطهّرات الأرض و هي تطهّر باطن القدم و النعل بالمشي عليها أو المسح بها بشرط زوال عين النجاسة ان كانت؛ يدلّ على ذلك روايات:
منها موثّقة محمّد الحلبي قال:
«نزلنا في مكان بيننا و بين المسجد زقاق قذر، فدخلت على أبي عبداللّه عليه السلام فقال: أين نزلتم؟ فقلت: نزلنا في دار فلان، فقال: انّ بينكم و بين المسجد زقاقا قذرا، أو قلنا له: انّ بيننا و بين المسجد زقاقا قذرا، فقال: لا بأس، الأرض تطهّر بعضها بعضا. قلت: فالسرقين الرطب أطأ عليه، فقال: لايضرّك مثله».(1)
و صحيحة زرارة بن أعين قال:
1) - وسائل الشيعة 3: 458 / الباب 32 من أبواب النجاسات / الحديث 4.
«قلت لأبي جعفر عليه السلام: رجل وطئ على عذرة فساخت رجله فيها، أينقض ذلك وضوءه؟ و هل يجب عليه غسلها؟ فقال: لايغسلها الاّ أن يقذرها، ولكنّه يمسحها حتّى يذهب أثرها و يصلّي».(1)
و رواية المعلّى بن خنيس قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الخنزير يخرج من الماء فيمرّ على الطريق فيسيل منه الماء، أمرّ عليه حافيا؟ فقال: أليس وراءه شيء جافّ؟ قلت: بلى، قال: فلا بأس، انّ الأرض يطهّر بعضها بعضا».(2)
و رواية حفص بن أبي عيسى قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: انّي وطئت عذرة بخفّي و مسحته حتّى لم أر فيه شيئا، ما تقول في الصلاة فيه؟ قال: لا بأس».(3)
و موثّقة عمّار بن موسى عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) أنّه سأله عن الرجل يتوضّأ و يمشي حافيا و رجله رطبة؟ قال:
«ان كانت أرضكم مبلّطة أجزأكم المشي عليها، فقال: أمّا نحن فيجوز لنا ذلك؛ لأنّ أرضنا مبلّطة - يعني مفروشة بالحصى - ».(4)
و صحيحة محمّد الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قلت له: انّ طريقي الى المسجد في زقاق يبال فيه، فربّما مررت فيه و ليس عليّ حذاء فيلصق برجلي من نداوته، فقال: أليس تمشي بعد ذلك في أرض يابسة؟ قلت: بلى، قال: فلا بأس، انّ الأرض يطهّر بعضها بعضا. قلت: فأطأ على الروث الرطب، قال: لا بأس، أنا واللّه
ربّما وطئت عليه ثمّ أصلّي و لاأغسله».(1)
و صحيحة الأحول، - محمّد بن علي بن النعمان - عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«في الرجل يطأ على الموضع الذي ليس بنظيف ثمّ يطأ بعده مكانا نظيفا، فقال: لا بأس اذا كان خمسه عشر ذراعا أو نحو ذلك».(2)
و صحيحة محمّد بن مسلم قال:
«كنت مع أبي جعفر عليه السلام اذ مرّ على عذرة يابسة فوطئ عليها فأصابت ثوبه، فقلت: جعلت فداك، قد وطئت على عذرة فأصابت ثوبك، فقال: أليس هي يابسة؟ فقلت: بلى فقال: لا بأس، انّ الأرض يطهّر بعضها بعضا».(3)
فما هو المستفاد من هذه الروايات أوّلاً: انّ الأرض تطهّر باطن القدم و النعل بالمشي عليها أو المسح بها بشرط زوال عين النجاسة ان كانت، و لايلزم المشي خمسه عشر؛ لأنّ قوله عليه السلام في صحيحة الأحول: «لا بأس اذا كان خمسه عشر ذراعا أو نحو ذلك»، ليس تعبّدا ولو بقرينة الروايات المتقدّمة، بل ليطمئنّ بازالة عين النجاسة اذا كانت أو صدق المشي. و ان كان المشي أيضا غير معتبر في تطهير النعل و باطن القدم بل يكفي المسح؛ لصحيحة زرارة بن أعين و رواية حفص المتقدّمتين. و في كفاية مجرّد المماسّة اشكال بل منع؛ لعدم اليقين بتطهيره و لو تيقّن بازالة العين؛ لأنّ الظاهر أنّ المشي أو المسح معتبر في تطهيره شرعا.
و ثانيا: لا فرق في الأرض بين التراب و الرمل و الحجر الأصلي؛ لصدق الأرض عليها، بل المفروشة بالحجر بل بالآجرّ و الجصّ و النورة؛ لصدق الأرض عليها عرفا، و تؤيّده موثّقة عمّار بن موسى المتقدّمة. و في كفاية المطلّى بالقير أو
المفروش باللوح من الخشب اشكال، اللّهمّ الاّ أن يقال بصدق الأرض على المطلّى بالقير في زماننا هذا. و لا اشكال في عدم كفاية المشي على الحصائر و البواري و الفرش. و أمّا على الزروع و النباتات فان كان النبات قليلاً بحيث لايمنع عن صدق المشي على الأرض فيكفي.
و ثالثا: لايعتبر أن تكون في القدم أو النعل رطوبة؛ لصحيحة محمّد بن مسلم المتقدّمة آنفا، و لايعتبر زوال العين بالمشي أو المسح، بل لو زالت العين بنحو آخر غير المشي و المسح ثمّ مشى أو مسح تطهّرها، كما يستفاد ذلك من الروايات.
و رابعا: يشترط طهارة الأرض و يبوستها الاّ أن تكون رطوبة غير مسرية. و الأوّل مفاد الروايات عرفا و لو بمناسبة الحكم و الموضوع، و الثاني ظاهر بعضها.
و خامسا: يلحق بباطن القدم و النعل حواشيهما بالمقدار المتعارف ممّا يلتزق بهما من الطين و التراب حال المشي. و كذا يلحق بهما ظاهر القدم أو النعل اذا كان يمشي بهما لاعوجاج في رجله، بل تلحق الركبتان و اليدان بالنسبة الى من يمشي عليها؛ لعدم خصوصيّة في باطن القدم و النعل، بل الظاهر أنّ الأرض مطهّرة لما يمشي عليها عادتا و حيث انّ الغالب أنّ المشي يكون بباطن القدم و النعل سئل عنهما و لذا لايبعد الحاق مثل نعل الدابّة و كعب عصا الأعرج و خشبة الأقطع بهما.
و سادسا: لا فرق في النعل بين أقسامها من المصنوع من الجلود و القطن و الخشب و نحوها ممّا هو متعارف، و كذا الجورب اذا تعارف لبسه بدلاً عن النعل، و الاّ ففيه اشكال.
و يكفي في حصول الطهارة زوال عين النجاسة و ان بقي أثرها من اللون و الرائحة، فاذا لم ير الأجزاء الصغار من النجاسة تصير طاهرة.
(مسألة 1): اذا سرت النجاسة الى داخل النعل لاتطهر بالمشي، بل في طهارة باطن جلدها اذا نفذت فيه اشكال، و ان قيل بطهارته بالتبع.
الشرح:
اذا سرت النجاسة الى داخل النعل لاتطهر بالمشي؛ لأنّ الظاهر من الروايات أنّ الأرض تطهّر ما لاصقها من ظاهر القدم و النعل بالمشي، و لو شكّ في طهارة داخل النعل فالأصل عدمه. كما أنّ الأصل عدم طهارة باطن جلدها اذا نفذت فيه.
(مسألة 2): في طهارة ما بين أصابع الرجل اشكال، و أمّا أخمص القدم فان وصل الى الأرض يطهر و الاّ فلا، فاللازم وصول تمام الأجزاء النجسة الى الأرض فلو كان تمام باطن القدم نجسا و مشى على بعضه لايطهر الجميع بل خصوص ما وصل الى الأرض.
الشرح:
ما هو الظاهر من الروايات أنّه يعتبر في مطهّريّة الأرض أن يمسّ باطن القدم الأرض حين المشي فلاتطهّر ما لايمسّها عادتا ممّا بين أصابع الرجل، الاّ اذا كانت الأرض ترابا بحيث اذا وضع قدمه عليه يحيط التراب بما بين أصابعه فيزيل الأجزاء عنه، كما يكون كذلك أخمص القدم؛ لأنّ اللازم وصول تمام الأجزاء النجسة الى الأرض، فلو كان تمام باطن القدم نجسا و مشى على بعضه لايطهر الجميع بل خصوص ما وصل الى الأرض.
(مسألة 3): الظاهر كفاية المسح على الحائط و ان كان لايخلو عن اشكال.
الشرح:
قال في التنقيح: «لا منشأ للاستشكال في كفاية المسح على الحائط؛ لأنّه من
الأجزاء الأرضيّة و غاية ما هناك أنّها أجزاء مرتفعة عن الأرض بالجعل، ولكن الارتفاع بالجعل كالارتفاع الأصلي في الجبال غير مانع عن كفاية المسح بوجه. فاذا مسح رجله على الحائط صدق أنّه مسح رجله على الأرض، فما ربّما يتوهّم من انصراف الأدلّة عنه ممّا لا وجه له. انتهى ملخّصا».(1)
و فيه: انّ الظاهر من الروايات و فتوى الفقهاء مطهّريّة الأرض ممّا يتعارف المشي عليه من باطن القدم و النعل و غيرهما كما تقدّم، و أمّا قوله عليه السلام في صحيحة زرارة: «ولكنّه يمسحها حتّى يذهب أثرها»، و رواية حفص: «و مسحته حتّى لم أر فيه شيئا»، و ان كان اطلاقها كفاية المسح على الحائط بل مطلق ما يمكن أن يمسح عليه، الاّ أنّ الظاهر منهما و لو بقرينة صدرهما هو المسح على الأرض، و ان كان الأظهر ما ذهب اليه في التنقيح.
(مسألة 4): اذا شكّ في طهارة الأرض يبني على طهارتها فتكون مطهّرة الاّ اذا كانت الحالة السابقة نجاستها، و اذا شكّ في جفافها لاتكون مطهّرة الاّ مع سبق الجفاف فيستصحب.
الشرح:
اذا شكّ في طهارة الأرض يبني على طهارتها؛ لقاعدة الطهارة، فتكون مطهّرة، الاّ اذا كانت الحالة السابقة النجاسة فيستصحب حتّى يتيقّن بالطهارة. و اذا شكّ في جفافها لاتكون مطهّرة؛ لأنّ مطهّريّتها مشروطة بجفافها فيعتبر احرازها. نعم، لو كانت جافّة فشكّ في بقاء جفافها حين كان يمشي عليها فيحكم بجفافها؛ للاستصحاب.
1) - التنقيح في شرح العروة 4: 120.
(مسألة 5): اذا علم وجود عين النجاسة أو المتنجّس لا بدّ من العلم بزوالها، و أمّا اذا شكّ في وجودها فالظاهر كفاية المشي و ان لم يعلم بزوالها على فرض الوجود.
الشرح:
اذا علم وجود عين النجاسة أو المتنجّس الحاصل من الأرض في المشي، فلا بدّ من أن يمشي أو يمسح بها حتّى يحصل العلم بزوالها. و أمّا اذا شكّ في وجودها فالظاهر الطهارة؛ للأصل. نعم، لو علم بنجاسة نعله أو رجله و لم يدر بوجود عين النجس، فان شكّ في وجودها من الابتداء، فالظاهر كفاية المشي و ان لم يعلم بزوالها على فرض الوجود؛ لاستصحاب عدم الوجود. و أمّا ان علم بوجود العين و احتمل انفصالها عن نعله أو رجله بعد الاتّصال و الملاقاة، فعليه المشي أو المسح حتّى يعلم بزوالها.
(مسألة 6): اذا كان في الظلمة و لايدري أنّ ما تحت قدمه أرض أو شيء آخر من فرش و نحوه، لايكفي المشي عليه فلا بدّ من العلم بكونه أرضا بل اذا شكّ في حدوث فرش أو نحوه بعد العلم بعدمه يشكل الحكم بمطهّريّته أيضا.
الشرح:
يشترط احراز كون ما تحته أرضا حتّى يكون مطهّرا لباطن القدم أو النعل، فلو شكّ في أرضيّة ما تحته لايكون مطهّرا. بل لو كان أرضا و احتمل افتراشه بالحصير و نحوه فيشكل الحكم بطهارة نعل المتنجّس أو قدمه بالمشي عليه؛ لأنّ استصحاب عدم افتراشه لايثبت أرضيّته، اللّهمّ الاّ أن يقال بخفاء الواسطة. و الاحتياط في محلّه.
(مسألة 7): اذا رقّع نعله بوصلة طاهرة فتنجّست تطهر بالمشي. و أمّا اذا رقّعها بوصلة متنجّسة ففي طهارتها اشكال؛ لما مرّ من الاقتصار على النجاسة الحاصلة بالمشي على الأرض النجسة.
الشرح:
اذا رقّع نعله بوصلة طاهرة فتنجّست تطهر بالمشي على الأرض؛ لأنّها صارت جزءا للنعل. و أمّا اذا رقّعها بوصلة متنجّسة ففي طهارتها اشكال؛ للاقتصار على النجاسة الحاصلة بالمشي على الأرض النجسة كما هو ظاهر الروايات المتقدّمة.
«الثالث»: من المطهّرات الشمس و هي تطهّر الأرض و غيرها من كلّ ما لاينقل كالأبنية و الحيطان و ما يتّصل بها من الأبواب و الأخشاب و الأوتاد و الأشجار، و ما عليها من الأوراق و الثمار و الخضراوات و النباتات، ما لم تقطع و ان بلغ أوان قطعها، بل و ان صارت يابسة مادامت متّصلة بالأرض أو الأشجار و كذا الظروف المثبتة في الأرض أو الحائط، و كذا ما على الحائط و الأبنية ممّا طلي عليها من جصّ و قير و نحوهما عن نجاسة البول، بل سائر النجاسات و المتنجّسات، و لاتطهّر من المنقولات الاّ الحصر و البواري فانّها تطهّرهما أيضا على الأقوى، و الظاهر أنّ السفينة و الطرّادة من غير المنقول و في الكاري و نحوه اشكال، و كذا مثل الجلاّبيّة و القفّة، و يشترط في تطهيرها أن يكون في المذكورات رطوبة مسرية و أن تجفّفها بالاشراق عليها بلا حجاب عليها كالغيم و نحوه و لا على المذكورات، فلو جفّت بها من دون اشراقها و لو باشراقها على ما يجاورها أو لم تجفّ أو كان الجفاف بمعونة الريح لم تطهر. نعم، الظاهر أنّ الغيم الرقيق أو الريح اليسير على وجه يستند التجفيف الى الشمس و اشراقها لايضرّ، و في كفاية اشراقها على المرآة مع وقوع عكسه على الأرض اشكال.
الشرح:
الثالث من المطهّرات الشمس و الدليل عليه روايات:
منها صحيحة زرارة قال:
«سألت أبا جعفر عليه السلام عن البول يكون على السطح أو في المكان الذي يصلّى فيه؟ فقال: اذا جفّفته الشمس فصلّ عليه، فهو طاهر».(1)
و منها صحيحة أخرى لزرارة و حديد بن حكيم الأزدي جميعا قالا:
«قلنا لأبي عبداللّه عليه السلام: السطح يصيبه البول أو يبال عليه أيصلّى في ذلك المكان؟ فقال: ان كان تصيبه الشمس و الريح و كان جافّا فلا بأس به الاّ أن يكون يتّخذ مبالاً».(2)
و منها موثّقة عمّار الساباطي عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:
«سئل عن الموضع القذر يكون في البيت أو غيره فلاتصيبه الشمس، ولكنّه قد يبس الموضع القذر؟قال: لايصلّى عليه، و أعلم موضعه حتّى تغسله. و عن الشمس هل تطهّر الأرض؟ قال: اذا كان الموضع قذرا من البول أو غير ذلك فأصابته الشمس، ثمّ يبس الموضع فالصلاة على الموضع جائزة، و ان أصابته الشمس و لم ييبس الموضع القذر و كان رطبا فلاتجوز الصلاة عليه حتّى ييبس، و ان كانت رجلك رطبة أو جبهتك رطبة أو غير ذلك منك ما يصيب ذلك الموضع القذر فلاتصلّ على ذلك الموضع حتّى ييبس، و ان كان غير الشمس أصابه حتّى يبس فانّه لايجوز ذلك».(3)
و رواية أبي بكر الحضرمي عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«يا أبابكر ما أشرقت عليه الشمس فقد طهر».(1)
و صحيحة محمّد بن اسماعيل بن بزيع قال:
«سألته عن الأرض و السطح يصيبه البول و ما أشبهه، هل تطهّره الشمس من غير ماء؟ قال: كيف يطّهّر من غير ماء».(2)
بناءً على أنّه اشارة الى عدم طهارته اذا طلعت عليه الشمس جافّا، و اشتراط رشّ الماء مع عدم الرطوبة وقت الاشراق.
أقول:
الشمس تطهّر الأرض النجسة بالبول و شبهه اذا كانت رطبة و أشرقت الشمس عليها و جفّفتها، و كذا السطح، فانّ تطهيرها الأرض و السطح يكون نصّ صحيحتي زرارة و موثّقة عمّار و رواية أبي بكر الحضرمي و كذا صحيحة ابن بزيع. فانّ الظاهر من صحيحتي زرارة و الموثّقة أنّ الأرض و السطح لا خصوصيّة فيهما، بل تطهير الشمس شاملة لكلّ ما يشبههما من الأبنية و الحيطان و ما يتّصل بها من الأبواب و الأخشاب بل المسامير. بل بمناسبة الحكم و الموضوع يمكن أن يقال: بل الظاهر من الروايات أنّ الشمس مطهّرة لكلّ ما يشبه الأرض أي ما كان ثابتا فيها كالأشجار و ما عليها من الأوراق و الثمار، و الخضراوات و النباتات ما لم تقطع و ان بلغ أوان قطعها، و ان صارت يابسة مادامت متّصلة بالأرض و كذا كلّ ما أثبته الانسان في الأرض أو الحيطان كالظروف المثبتة في الأرض أو الحائط و كذا ما على الحائط ممّا طلي عليه من جصّ أو قير أو نحوهما.
و أمّا الحصير و البواري فيمكن استفادة تطهيرهما بالشمس من قوله عليه السلامفي موثّقة عمّار: «و ان أصابته الشمس و لم ييبس الموضع القذر و كان رطبا فلا تجوز الصلاة عليه حتّى ييبس».
و يؤيّد ذلك كلّه قوله عليه السلام في رواية أبي بكر الحضرمي: «ما أشرقت عليه الشمس فقد طهر».
و أمّا النجاسة، فالظاهر أنّه لا خصوصيّة في البول، فانّ الشمس تطهّر كلّ ما أصابته و جفّفته، نعم؛ يشترط أوّلاً ازالة عين النجاسة عنه، و ثانيا: أن يكون رطبا، و لعلّ المثال بالبول لكونه رطبا، و لأنّه لو جفّ لم يبق له أثر.
و يشترط في مطهّريّة الشمس للأشياء المذكورة أن يكون اشراقها عليها من دون حجاب. فاذا كان اشراقها من وراء الغيم فلاتطهّرها و كذا لو جفّت الأشياء المتنجّسة بواسطة الحرارة من دون اشراق الشمس عليها، فلاتطهر على الأقوى. و يشترط أيضا أن يكون جفافها بالاشراق فقط، و لو كان الجفاف بالريح فلاتطهّر الاّ اذا كانت الغلبة بالاشراق. و في كفاية اشراقها على المرآة مع وقوع عكسها على الأرض اشكال، اللّهمّ الاّ أن يقال عرفا: قد أشرقت الشمس عليها.
(مسألة 1): كما تطهّر ظاهر الأرض كذلك باطنها المتّصل بالظاهر النجس باشراقها عليه و جفافه بذلك بخلاف ما اذا كان الباطن فقط نجسا، أو لم يكن متّصلاً بالظاهر بأن يكون بينهما فصل بهواء أو بمقدار طاهر أو لم يجفّ أو جفّ بغير الاشراق على الظاهر أو كان فصل بين تجفيفها للظاهر و تجفيفها للباطن، كأن يكون أحدهما في يوم و الآخر في يوم آخر فانّه لايطهّر في هذه الصور.
الشرح:
انّ الشمس كما تطهّر ظاهر الأرض باشراقها عليها و جفافها، كذلك تطهّر باطنها المتّصل بالظاهر النجس، فانّه المستفاد من الروايات الواردة في تطهير الشمس عرفا. بخلاف ما اذا كان الباطن فقط نجسا أو لم يكن متّصلاً بالظاهر بأن يكون بينهما فصل بهواء أو بمقدار طاهر؛ و ذلك لما قلنا في اشتراط مطهّريّة
الشمس بأنّه لا بدّ أن يكون اشراقها على الشيء من دون حجاب، و لا أقلّ من الشكّ فتستصحب نجاسة الباطن. و أمّا لو أشرقت على الظاهر النجس فجفّفته و لم يجفّ الباطن أو جفّ بغير الاشراق على الظاهر، لم يطهر الباطن كما تقدّم. و لو كان فصل بين تجفيف الشمس للظاهر و تجفيفها للباطن كأن يكون أحدهما في يوم و الآخر في يوم آخر لاتطهّره أيضا؛ لأنّ الباطن قد جفّف و كان ما بينه و بين اشراق الشمس حجاب الظاهر.
(مسألة 2): اذا كانت الأرض أو نحوها جافّة و أريد تطهيرها بالشمس يصبّ عليها الماء الطاهر أو النجس أو غيره ممّا يورث الرطوبة فيها حتّى تجفّفها.
الشرح:
انّ الظاهر من صحيحة ابن بزيع المتقدّمة كفاية تطهير الشمس باشراقها على المتنجّس المرطوب و جفافه بها و ان صار المكان جافّا ثمّ صبّ عليه الماء ليكون رطبا، بل لاتأباه الروايات الأخر.
(مسألة 3): ألحق بعض العلماء البيدر الكبير بغير المنقولات و هو مشكل.
الشرح:
الاشكال في محلّه؛ لأنّه و ان كان ظاهر رواية الحضرمي المتقدّمة ذلك الاّ أنّه بالنظر الى الروايات الأخر التي تفسّرها، خلاف ذلك.
(مسألة 4): الحصى و التراب و الطين و الأحجار و نحوها مادامت واقعة على الأرض هي في حكمها و ان أخذت منها لحقت بالمنقولات و ان أعيدت عاد حكمها، و كذا المسمار الثابت في الأرض أو البناء مادام ثابتا يلحقه الحكم، و اذا قلع يلحقه حكم المنقول، و اذا أثبت ثانيا يعود حكمه الأوّل و هكذا فيما يشبه ذلك.
الشرح:
ما ذهب اليه المصنّف في حكم هذه المسألة هو الصحيح؛ و ذلك لأنّ الحصى و التراب و الطين و الأحجار و نحوها مادامت واقعة على الأرض تصدق عليها الأرض فتشملها الروايات المتقدّمة، و ان أخذت منها لحقت بالمنقولات كما هو الظاهر، و كذا المسمار الثابت في الأرض أو البناء. نعم، يشترط صدق الأرض على ما قلع من الأرض و الحيطان ثمّ أعيدت اليها، و أمّا مثل الجصّ المقلوع مثلاً، أو الحجر، و ان ألقيت على الأرض فقد لايصدق أنّه من أجزاء الأرض.
(مسألة 5): يشترط في التطهير بالشمس زوال عين النجاسة ان كان لها عين.
الشرح:
يشترط في التطهير بالشمس زوال عين النجاسة ان كان لها عين؛ و ذلك لأنّ ازالة العين تكون مقدّمة للتطهير.
(مسألة 6): اذا شكّ في رطوبة الأرض حين الاشراق أو في زوال العين بعد العلم بوجودها أو في حصول الجفاف أو في كونه بالشمس أو بغيرها أو بمعونة الغير، لايحكم بالطهارة، و اذا شكّ في حدوث المانع عن الاشراق من ستر و نحوه يبنى على عدمه على اشكال تقدّم نظيره في مطهّريّة الأرض.
الشرح:
الدليل على صدر المسألة هو استصحاب النجاسة حتّى يحرز ما يشترط في تطهير الشمس. و أمّا الشكّ في حدوث المانع عن الاشراق من ستر و نحوه فيبنى على عدمه على اشكال من كون استصحاب العدم لايثبت الاشراق الاّ على الأصل المثبت، اللّهمّ الاّ أن يقال بأنّ واسطته خفيّة، فلايرى العرف بين استصحاب عدم المانع و الاشراق واسطة.
(مسألة 7): الحصير يطهر باشراق الشمس على أحد طرفيه، طرفه الآخر و أمّا اذا كانت الأرض التي تحته نجسة، فلاتطهر بتبعيّته و ان جفّت بعد كونها رطبة، و كذا اذا كان تحته حصير آخر الاّ اذا خيط به على وجه يعدّان معا شيئا واحدا. و أمّا الجدار المتنجّس اذا أشرقت الشمس على أحد جانبيه فلايبعد طهارة جانبه الآخر اذا جفّ به و ان كان لايخلو عن اشكال، و أمّا اذا أشرقت على جانبه الآخر أيضا فلا اشكال.
الشرح:
قد تقدّم في المسألة الأولى ما يفيد لهذه المسألة، و الدليل على تطهير الشمس طرفه الآخر من الحصير اذا أشرقت على أحد طرفيه، هو ظاهر الروايات و ما يستفاد منها عرفا. و الدليل على عدم تطهير الأرض النجسة تحته بالتبعيّة، هو عدم اشراق الشمس عليه بلا واسطة و هكذا يكون الحال في باقي المسألة.
«الرابع»: الاستحالة و هي تبدّل حقيقة الشيء و صورته النوعيّة الى صورة أخرى، فانّها تطهّر النجس بل و المتنجّس، كالعذرة تصير ترابا و الخشبة المتنجّسة اذا صارت رمادا، و البول أو الماء المتنجّس بخارا، و الكلب ملحا، و هكذا كالنطفة تصير حيوانا، و الطعام النجس جزءا من الحيوان. و أمّا تبدّل الأوصاف و تفرّق الأجزاء فلا اعتبار بهما، كالحنطة اذا صارت طحينا أو عجينا أو خبزا، و الحليب اذا صار جبنا. و في صدق الاستحالة على صيرورة الخشب فحما تأمّل و كذا في صيرورة الطين خزفا أو آجرّا، و مع الشكّ في الاستحالة لايحكم بالطهارة.
الشرح:
الظاهر أنّه لايكون هناك دليل خاصّ بعنوان الاستحالة، بل عمدة الدليل على تطهير النجس و المتنجّس بالاستحالة، هو تبدّل الموضوع و تغيير موضوع الى موضوع آخر، كما مثّل بالعذرة تصير ترابا و الخشبة المتنجّسة تصير رمادا و الكلب ملحا و النطفة تصير حيوانا، و الطعام النجس جزءا من الحيوان، فمن المعلوم أنّ الأحكام معلّقة على الموضوعات فبتغيير الموضوعات تتغيّر الأحكام. فانّ العذرة موضوع لحكم النجاسة، و كذا سائر الأعيان النجسة، و أمّا التراب و الرماد و الملح و الأنعام لاتكون من الأعيان النجسة فيحكم بطهارتها.
و في المدارك - في شرح كلام المحقّق في الشرائع حيث قال: «و تطهّر النار ما أحالته - قال: «أي أخرجته عن الصورة الأولى من الأعيان النجسة بالذات أو بالعرض، بأن صيّرته رمادا أو دخانا، و قد قطع الشيخ في الخلاف، و أكثر الأصحاب بطهارة الأعيان النجسة بذلك، و تردّد فيه المصنّف رحمه الله في كتاب الأطعمة من هذا الكتاب. و نقل عن الشيخ في المبسوط أنّه حكم بنجاسة دواخن الأعيان النجسة مع أنّه نقل في الخلاف اجماع الفرقة على طهارة الأعيان النجسة بصيرورتها رمادا. و المعتمد الطهارة؛ لأنّها الأصل في الأشياء، و لأنّ الحكم
بالنجاسة معلّق على الاسم فيزول بزواله، و لما نقله المصنّف رحمه الله في المعتبر من اجماع الناس على عدم توقّي دواخن السراجين النجسة، و لو لم يكن طاهرا بالاستحالة لتورّعوا منه».(1)
ثمّ انّه قد تبيّن أنّ المعتبر في الاستحالة تبدّل الموضوع، أو تبدّل الاسم، فما لم يتغيّر الموضوع عند العرف و ان تبدّلت أوصافه و تفرّقت أجزاؤه بحيث يراه العرف من جنس الأوّل لايطهر و لايقال له: استحال، و هذا كالحنطة اذا صارت طحينا أو عجينا أو خبزا، و الحليب اذا صار جبنا. و في صيرورة الطين خزفا أو آجرّا، أو الخشب فحما و ان تأمّل المصنّف في الثلاثة الأخيرة؛ لذهاب جمع من الفقهاء الى طهارتها، ولكنّ الظاهر أنّ العرف لايرى تفاوتا فاحشا بينها و بين أصلها. و لا أقلّ من الشكّ في الاستحالة فلايحكم بطهارتها؛ لاستصحاب بقاء النجاسة. و ان استشكل في الاستصحاب فالمعتبر في الاستحالة تبدّل الموضوع عند العرف بحيث لايرى الثاني من جنس الأوّل، فلو شكّ في ذلك فقد شكّ في ركن الاستحالة.
«الخامس»: الانقلاب كالخمر ينقلب خلاًّ، فانّه يطهر سواء كان بنفسه أو بعلاج كالقاء شيء من الخلّ أو الملح فيه، سواء استهلك أو بقي على حاله، و يشترط في طهارة الخمر بالانقلاب عدم وصول نجاسة خارجيّة اليه، فلو وقع فيه حال كونه خمرا شيء من البول أو غيره أو لاقى نجسا لم يطهر بالانقلاب.
الشرح:
الدليل على مطهّريّة الانقلاب روايات:
منها صحيحة زرارة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
1) - مدارك الأحكام 2: 367 و 368.
«سألته عن الخمر العتيقة تجعل خلاًّ؟ قال: لا بأس».(1)
و موثّقة عبيد بن زرارة قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يأخذ الخمر فيجعلها خلاًّ؟ قال: لا بأس».(2)
و موثّقة أبي بصير قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الخمر تجعل خلاًّ؟ قال: لا بأس. الحديث».(3)
و موثّقة ثانية لأبي بصير قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الخمر يصنع فيها الشيء حتّى تحمض؟ قال: ان كان الذي صنع فيها هو الغالب على ما صنع فيه فلا بأس».(4)
و موثّقة ثانية لعبيد بن زرارة عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال:
«في الرجل اذا باع عصيرا، فحبسه السلطان حتّى صار خمرا، فجعله صاحبه خلاًّ، فقال: اذا تحوّل عن اسم الخمر فلا بأس به».(5)
و صحيحة جميل قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: يكون لي على الرجل الدراهم، فيعطيني بها خمرا، فقال: خذها ثمّ أفسدها. قال علي: واجعلها خلاًّ».(6)
و صحيحة علي بن جعفر عن أخيه قال:
«سألته عن الخمر يكون أوّله خمرا، ثمّ يصير خلاًّ؟ قال: اذا ذهب
1) - وسائل الشيعة 3: 525 / الباب 77 من أبواب النجاسات / الحديث 1.
2) - وسائل الشيعة 3: 526 / الباب 77 من أبواب النجاسات / الحديث 2.
3) - وسائل الشيعة 3: 526 / الباب 77 من أبواب النجاسات / الحديث 3.
4) - وسائل الشيعة 3: 526 / الباب 77 من أبواب النجاسات / الحديث 4.
5) - وسائل الشيعة 25: 371 / الباب 31 من أبواب الأشربة المحرّمة / الحديث 5.
6) - وسائل الشيعة 25: 371 / الباب 31 من أبواب الأشربة المحرّمة / الحديث 6.
سكره فلا بأس. (قلت:) أيؤكل؟ قال: نعم».(1)
و صحيحة عبدالعزيز بن المهتدي، قال:
«كتبت الى الرضا عليه السلام: جعلت فداك، العصير يصير خمرا، فيصبّ عليه الخلّ، و شيء يغيّره، حتّى يصير خلاًّ، قال: لا بأس».(2)
و رواية أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلامأنّه سئل عن الخمر تعالج بالملح و غيره
لتحوّل خلاًّ، قال:
«لا بأس بمعالجتها، قلت: فانّي عالجتها، و طيّنت رأسها، ثمّ كشفت عنها، فنظرت اليها قبل الوقت، فوجدتها خمرا، أيحلّ لي امساكها؟ قال: لا بأس بذلك، انّما ارادتك أن تتحوّل الخمر خلاًّ، و ليس ارادتك الفساد».(3)
و رواية أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام، قال:
«سئل عن الخمر يجعل فيها الخلّ؟ فقال: لا، الاّ ما جاء من قبل نفسه».(4)
حملها الشيخ على استحباب تركها حتّى تصير خلاًّ، من غير أن يطرح فيها ملح أو غيره؛ لما مضى، و لما يأتي.
فانّ الظاهر من تلك الروايات، أنّ الخمر اذا انقلبت خلاًّ تطهر سواء كان انقلابها بنفسها، كما هو ظاهر رواية أبي بصير و صحيحة علي بن جعفر أو كان بعلاج كالقاء شيء من الملح و غيره فيها كما هو ظاهر الروايات الأخر، و سواء استهلكت أو بقيت على حالها. و يشترط مع انقلابها خلاًّ عدم وصول نجاسة
1) - وسائل الشيعة 25: 372 / الباب 31 من أبواب الأشربة المحرّمة / الحديث 9.
2) - وسائل الشيعة 25: 372 / الباب 31 من أبواب الأشربة المحرّمة / الحديث 8.
3) - وسائل الشيعة 25: 372 / الباب 31 من أبواب الأشربة المحرّمة / الحديث 11.
4) - وسائل الشيعة 25: 371 / الباب 31 من أبواب الأشربة المحرّمة / الحديث 7.
خارجيّة اليها، فلو وقع فيها حال كونها خمرا شيء من البول أو غيره أو لاقت نجسا لم تطهر بالانقلاب؛ لاستصحاب النجاسة، و لا دليل على الطهارة؛ لاختصاص النصوص بالخمر.
(مسألة 1): العنب أو التمر المتنجّس اذا صار خلاًّ لم يطهر و كذا اذا صار خمرا ثمّ انقلب خلاًّ.
لما تقدّم من استصحاب النجاسة و عدم الدليل على الطهارة؛ لاختصاص دليل الطهارة بالخمر اذا انقلبت خلاًّ من دون تنجّسها بشيء آخر.
(مسألة 2): اذا صبّ في الخمر ما يزيل سكره لم يطهر و بقي على حرمته.
الشرح:
قال في المستمسك - بعد قوله: «لاطلاق أدلّة حرمته و نجاسته» - : «نعم، قد يستفاد الطهارة و الحلّ من خبر ابن جعفر عليه السلام المتقدّم لقوله عليه السلام: «اذا ذهب سكره فلا بأس». ويعضده خبر أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام: «أمّا الخمر فكلّ مسكر من الشراب». كما أنّه يستفاد من موثّق عبيد المتقدّم المتضمّن لقوله عليه السلام: «اذا تحوّل عن اسم الخمر فلا بأس»: أنّ انقلاب الخمر الى غير الخلّ أيضا موجب لحلّيّتها و طهارتها. لكن الظاهر عدم عملهم بهذه الظواهر، و بناؤهم على تخصيص طهارة الخمر بالانقلاب خلاًّ لاغير، كما اعترف بذلك في الجواهر و غيرها، و يقتضيه ظاهر كلامهم في مطهّريّة الانقلاب. و لولا ذلك لكان العمل بهذه النصوص في محلّه».(1)
1) - مستمسك العروة 2: 100.
أقول:
الظاهر عدم طهارتها بذلك؛ لعدم صدق الانقلاب.
(مسألة 3): بخار البول أو الماء المتنجّس طاهر، فلا بأس بما يتقاطر من سقف الحمّام الاّ مع العلم بنجاسة السقف.
الشرح:
قال في التنقيح: «انّ بخار البول و الماء المتنجّس غير البول و غير الماء المتنجّس لدى العرف، فاذا استحال البول أو الماء المتنجّس بخارا حكم بطهارته. فلو انقلب البخار ماءً فهو ماء جديد قد تكوّن من البخار المحكوم بطهارته، فلا مناص من الحكم بطهارته؛ لوضوح أنّه ماء آخر غير الماء الأوّل المتبدّل بالبخار. انتهى ملخّصا».(1)
أقول:
الظاهر أنّ البخار غير الماء، و أنّ الماء تبدّل بشيء آخر عند العرف و لذا لايجري على البخار حكم الماء، فلا يجوز التوضّؤ و الغسل بالبخار، و لايكون البخار مطهّرا. و هكذا يكون حكم العرف بالنسبة الى بخار البول و الماء المتنجّس فلو لقي بخار البول أو بخار الماء المتنجّس الثوب أو البدن لايحكم بنجاستهما. نعم، اذا صار بخار الماء ماءً يحكم العرف بأنّه ماء و يجري عليه أحكام الماء، و هذا بخلاف بخار البول و الماء المتنجّس اذا صار ماءً؛ فانّ العرف لايحكم بأنّه ماء بدون قيد البول و المتنجّس، و لا أقلّ من الشكّ و لذلك لايترك الاحتياط.
1) -التنقيح في شرح العروة 3: 167.
(مسألة 4): اذا وقعت قطرة خمر في حبّ خلّ و استهلكت فيه، لم يطهر و تنجّس الخلّ الاّ اذا علم انقلابها خلاًّ بمجرّد الوقوع فيه.
الشرح:
اذا وقعت قطرة خمر في حبّ خلّ تنجّس الخلّ و ان استهلكت بعد فيه؛ لأنّ الخمر نجس و منجّسة فلا فرق بينها و بين سائر النجاسات فكأنّه وقع فيه قطرة بول. نعم، انّ الخمر اذا انقلبت خلاًّ تطهر، فحينئذ لو علم انقلاب القطرة خلاًّ بمجرّد الوقوع فيه فلايتنجّس الخلّ و تطهر قطرة الخمر بالانقلاب، و أنّى لنا هذا العلم؟
(مسألة 5): الانقلاب غير الاستحالة اذ لايتبدّل فيه الحقيقة النوعيّة بخلافها، و لذا لايطهر المتنجّسات به و تطهر بها.
الشرح:
و في المستمسك - في ذيل كلام المصنّف: «و لذا لايطهر المتنجّسات به و تطهر بها» - قال: «و كذا النجاسات عدا الخمر؛ لجريان الاستصحاب معه بلا مانع، و خروج الخمر بالدليل الحاكم على الاستصحاب».(1)
أقول:
قد تقدّم أنّ الدليل على مطهّريّة الاستحالة تبدّل الموضوع، و أمّا الدليل على مطهّريّة الانقلاب فهو النصّ الوارد في ذلك، و لذا لايتجاوز عن مورد النصّ، الاّ اذا صدق عليه الاستحالة.
1) - مستمسك العروة 2: 103.
(مسألة 6): اذا تنجّس العصير بالخمر ثمّ انقلب خمرا و بعد ذلك انقلب الخمر خلاًّ لايبعد طهارته؛ لأنّ النجاسة العرضيّة صارت ذاتيّة بصيرورته خمرا؛ لأنّها هي النجاسة الخمريّة بخلاف ما اذا تنجّس العصير بسائر النجاسات فانّ الانقلاب الى الخمر لايزيلها و لايصيّرها ذاتيّة فأثرها باق بعد الانقلاب أيضا.
الشرح:
اذا لاقى العصير الخمر تنجّس العصير، فلو انقلب خمرا، فلايكون حينئذ من العصير المتنجّس، و يمكن أن يقال: انّه موضوع آخر و هو المسمّى بالخمر التي هي من الأعيان النجسة، فيكون لها أحكام غير ما حكم على العصير المتنجّس، فمن جملة أحكامها أنّه لو انقلبت خلاًّ تطهر، الاّ أنّ الظاهر عدم الفرق بينه و بين ما اذا تنجّس العصير بالبول أو الدم أو غيرهما ثمّ صار خمرا.
و في التنقيح - في آخر كلامه - قال: «و على الجملة لانرى وجها صحيحا للتفصيل بين التنجّس بالخمر و التنجّس بغيرها فامّا أن نلتزم بالطهارة بالانقلاب في كليهما؛ لما ذكرناه و امّا أن نلتزم بعدم حصول الطهارة في كليهما؛ لما ذكره قدس سره».(1)
(مسألة 7): تفرّق الأجزاء بالاستهلاك غير الاستحالة و لذا لو وقع مقدار من الدم في الكرّ و استهلك فيه يحكم بطهارته، لكن لو أخرج الدم من الماء بآلة من الآلات المعدّة لمثل ذلك عاد الى النجاسة، بخلاف الاستحالة فانّه اذا صار البول بخارا ثمّ ماءً لايحكم بنجاسته؛ لأنّه صار حقيقة أخرى. نعم، لو فرض صدق البول عليه يحكم بنجاسته بعد ما صار ماءً. و من ذلك يظهر
1) - التنقيح في شرح العروة 4: 171.
حال عرق بعض الأعيان النجسة أو المحرّمة مثل عرق لحم الخنزير أو عرق العذرة أو نحوهما، فانّه ان صدق عليه الاسم السابق و كان فيه آثار ذلك الشيء و خواصّه يحكم بنجاسته أو حرمته و ان لم يصدق عليه ذلك الاسم بل عدّ حقيقة أخرى ذات أثر و خاصّيّة أخرى يكون طاهرا و حلالاً، و نجاسة عرق الخمر فمن جهة أنّه مسكر مائع و كلّ مسكر نجس.
الشرح:
قد تقدّم أنّ الدليل على مطهّريّة الاستحالة، هو تغيّر موضوع الى موضوع آخر طاهر قطعا عند العرف، فمن المعلوم أنّ الدم الخارج من الماء الكرّ بآلة من الآلات المعدّة لمثل ذلك يقال له: الدم، فيعود حكم النجاسة اليه بعد ما صار طاهرا؛ لتفرّق أجزائه و استهلاكه في الكرّ، بخلاف البول اذا صار بخارا ثمّ ماءً فانّه لايحكم بنجاسته؛ لأنّ العرف يرى أنّه حقيقة أخرى غير ما كان. نعم، لو فرض صدق البول عليه عرفا أو شكّ في كونه ماءً مطلقا يحكم بنجاسته بعد ما صار ماءً. و أمّا عرق بعض الأعيان النجسة مثل عرق الخنزير فما كان منه قبل تبدّله بالبخار فهو نجس بلا اشكال و كذلك عرق العذرة و غيرها. و ما كان منه بعد تبدّله بخارا ثمّ ماءً فان صدق عليه عرق الخنزير أو العذرة فهو نجس و ان صدق عليه الماء المطلق فطاهر. و هكذا يكون الحال في حكم عرق بعض الأعيان المحرّمة كالعصير المغلى لو قلنا بحرمته دون نجاسته. و كذلك عرق الخمر. و ما تعرّض المصنّف له من وجود بعض خواصّ الشيء المذكور و آثاره في العرق بعد ما صار بخارا ثمّ ماءً هو الصحيح، فانّ العرف لو رأى أنّ عرق الخمر يكون مسكرا يحكم بأنّه خمر فحكمه النجاسة و الحرمة.
(مسألة 8): اذا شكّ في الانقلاب بقي على النجاسة.
و هذا للاستصحاب، كما تقدّم في المسائل السابقة.
«السادس»: ذهاب الثلثين في العصير العنبي على القول بنجاسته بالغليان، لكن قد عرفت أنّ المختار عدم نجاسته و ان كان الأحوط الاجتناب عنه، فعلى المختار فائدة ذهاب الثلثين تظهر بالنسبة الى الحرمة، و أمّا بالنسبة الى النجاسة فتفيد عدم الاشكال لمن أراد الاحتياط، و لا فرق بين أن يكون الذهاب بالنار أو بالشمس أو بالهواء، كما لا فرق في الغليان الموجب للنجاسة على القول بها بين المذكورات، كما أنّه في الحرمة بالغليان التي لا اشكال فيها و الحلّيّة بعد الذهاب كذلك، أي لا فرق بين المذكورات و تقدير الثلث و الثلثين بالوزن أو بالكيل أو بالمساحة و يثبت بالعلم و بالبيّنة و لايكفي الظنّ، و في خبر العدل الواحد اشكال الاّ أن يكون في يده و يخبر بطهارته و حلّيّته و حينئذ يقبل قوله و ان لم يكن عادلاً اذا لم يكن ممّن يستحلّه قبل ذهاب الثلثين.
الشرح:
قد تقدّم في المسألة الأولى في البحث عمّا يلحق بالخمر، أي العصير العنبي اذا غلى، و ذكرنا ما يتناسب به من الفروع و قلنا في الفرع الثاني بحرمة العصير اذا غلى و لم يذهب ثلثاه دون نجاسته. و قلنا أيضا في الفرع الثالث باباحته اذا ذهب ثلثاه، و أنّه لا فرق بين كون الذهاب بالشمس أو بالهواء فقط و هنا نقول: لا فرق في تعيين ذهاب الثلثين بين أن يكون بالوزن أو بالكيل أو بالمساحة؛ لاطلاق الدليل.
قال في مهذّب الأحكام: «المدار على احراز ذهاب الثلثين بأيّ وجه تحقّق، و يمكن أن يعلم بغير ذلك كالغلظة و اللون و نحوهما، و ربّما كان العامّي الذي يكون من أهل الخبرة بهذه الصناعة أبصر من الفقيه بطرق العلم بذهاب الثلثين. و ما ورد في خبر عمّار من الكيل و في خبر ابن أبي يعفور من الوزن ليس لأمر تعبّدي حتّى يبحث عنه، بل ارشاد الى ما يصلح أن يكون طريقا لاذهاب الثلثين، و
ما يلزم على الشارع انّما هو بيان ما له دخل في الحلّيّة من حيث الحكم الكلّي، و هو ذهاب الثلثين، و أمّا تشخيص الموارد الجزئيّة الخارجيّة فليس ذلك من وظيفة الشارع، و لا بدّ من ايكاله المتعارف. نعم، هنا اشكال، و هو أنّ التحديد الوزني أخصّ من غيره، فكيف يصحّ أن يجعل الأعمّ معرّفا حينئذ. و يدفع: بأنّه يمكن أن يكون التفاوت بما يتسامح فيه و هو ممّا لا بدّ منه في مثل هذه التحديدات، كما في تحديد الكرّ بالأشبار. و لو كان التفاوت بما لايتسامح فيه فلا بدّ من التحديد الوزني».(1)
أقول:
ما ذهب اليه في احراز ذهاب الثلثين بأيّ وجه تحقّق، هو الصحيح. و كذا تفسيره من مرسلة ابن أبي يعفور و رواية عمّار من أنّهما ارشاد الى ما يصلح أن يكون طريقا لاذهاب الثلثين، وجيه. و تذكّر أنّ الفرق بين ما نحن فيه و بين تحديد الكرّ، أنّ تعيين الكرّ حكم شرعي و قلنا بأنّه لايتسامح فيه. و الحكم الشرعي هنا هو ذهاب الثلثين، فعلينا أنّ نحرز ذلك بأيّ وجه تحقّق.
قال في المهذّب: «أمّا الثبوت بالعلم فهو من الضروريّات، و أمّا بالبيّنة؛ فلعموم دليل اعتبارها. و أمّا عدم الثبوت بالظنّ، فلأصالة عدم اعتباره، و أمّا الاشكال في العدل الواحد فقد تقدّم مكرّرا. أمّا اعتبار قول ذياليد، فلبناء العقلاء، و لصحيح معاوية، و أمّا عدم الاعتبار به في المقام اذا استحلّه، فلسقوط قوله بذلك، مع أنّه منصوص بالخصوص».(2)
قد تقدّم مرارا أنّ قول العدل الواحد بل الثقة معتبر. و قد تقدّم الدليل على اعتبار قول ذي اليد، اذا لم يكن ممّن يستحلّه قبل الذهاب؛ لصحيحة معاوية بن عمّار، قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل من أهل المعرفة بالحقّ يأتيني بالبختج و يقول: قد طبخ على الثلث، و أنا أعرف أنّه يشربه على النصف، أفأشربه بقوله، و هو يشربه على النصف؟ فقال: لاتشربه، قلت: فرجل من غير أهل المعرفة ممّن لانعرفه يشربه على الثلث، و لايستحلّه على النصف، يخبرنا أنّ عنده بختجا على الثلث، قد ذهب ثلثاه، و بقي ثلثه، يشرب منه؟ قال: نعم».(1)
و نحوها رواية ابن أبي يعفور عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا شرب الرجل النبيذ المخمور، فلاتجوز شهادته في شيء من الأشربة، و ان كان يصف ما تصفون».(2)
و لاتعارضهما صحيحة علي بن جعفر عن أخيه، قال:
«سألته عن الرجل يصلّي الى القبلة لايوثق به، أتى بشراب يزعم أنّه على الثلث، فيحلّ شربه؟ قال: لايصدّق الاّ أن يكون مسلما عارفا».(3)
لأنّها تحمل على ما اذا كان متّهما بالكذب، فمن لم يكن عارفا لم يوثق به غالبا من جهات، بخلاف من كان عارفا.
و هكذا تكون رواية عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام(في حديث):
«انّه سئل عن الرجل يأتي بالشراب فيقول: هذا مطبوخ على الثلث، قال: ان كان مسلما ورعا مؤمنا فلا بأس أن يشرب».(4)
(مسألة 1): بناءً على نجاسة العصير اذا قطرت منه قطرة بعد الغليان على الثوب أو البدن أو غيرهما يطهر بجفافه أو بذهاب ثلثيه، بناءً على ما ذكرنا من عدم الفرق بين أن يكون بالنار أو بالهواء، و على هذا فالآلات المستعملة في طبخه تطهر بالجفاف و ان لم يذهب الثلثان ممّا في القدر، و لايحتاج الى اجراء حكم التبعيّة، لكن لايخلو عن اشكال من حيث انّ المحلّ اذا تنجّس به أوّلاً لاينفعه جفاف تلك القطرة أو ذهاب ثلثيها، و القدر المتيقّن من الطهر بالتبعيّة المحلّ المعدّ للطبخ مثل القدر و الآلات لا كلّ محلّ كالثوب و البدن و نحوهما.
الشرح:
قد تقدّم أنّ ذهاب الثلثين مطهّر للعصير المغلى سواء كان الذهاب بالنار أو بالشمس أو بالهواء، و يعتبر أن يصدق عليه ذهاب ثلثيه عرفا، فالقطرة التي قطرت من العصير المغلى - على تقدير نجاسته - على الثوب أو البدن أو غيرهما اذا جفّت لايصدق عليها أنّها ذهب ثلثاها، و كذلك الآلات المستعملة في طبخه لاتطهر بالجفاف. و أمّا التبعيّة فيمكن أن يقال بأنّها مختصّة بما يرتبط بالطبخ مثل القدر و الآلات لا كلّ محلّ كالثوب و البدن و نحوهما؛ لأنّه القدر المتيقّن من ذلك؛ لأنّ دليل التبعيّة لبّي - الاجماع أو السيرة أو العسر و الحرج - و سيأتي التعرّض له.
(مسألة 2): اذا كان في الحصرم حبّة أو حبّتان من العنب، فعصر و استهلك لاينجس و لايحرم بالغليان، أمّا اذا وقعت تلك الحبّة في القدر من المرق أو غيره فغلى يصير حراما و نجسا على القول بالنجاسة.
الشرح:
الدليل على صدر المسألة، عدم صدق غليان العصير العنبي؛ لأنّ الفرض أنّ الحبّة و الحبّتين بل الأكثر من ذلك قد عصرت و استهلت في الحصرم، و الذي
غلى هو الحصرم. و أمّا اذا وقعت تلك الحبّة في القدر من المرق أو غيره فغلى فيمكن أن يقال: انّه يصير حراما و نجسا على القول بالنجاسة اللّهمّ الاّ أن يقال بأنّ الحرمة و النجاسة وقعت على العصير، و لايقال للحبّة المغلاة: انّها عصير العنب، كما تقدّم.
(مسألة 3): اذا صبّ العصير الغالي قبل ذهاب ثلثيه في الذي ذهب ثلثاه يشكل طهارته و ان ذهب ثلثا المجموع. نعم، لو كان ذلك قبل ذهاب ثلثيه و ان كان ذهابه قريبا فلا بأس به. و الفرق أنّ في الصورة الأولى ورد العصير النجس على ما صار طاهرا فيكون منجّسا له بخلاف الثانية فانّه لم يصر بعد طاهرا فورد نجس على مثله هذا، و لو صبّ العصير الذي لم يغل على الذي غلى فالظاهر عدم الاشكال فيه، و لعلّ السرّ فيه أنّ النجاسة العرضيّة صارت ذاتيّة و ان كان الفرق بينه و بين الصورة الأولى لايخلو عن اشكال و محتاج الى التأمّل.
الشرح:
الصور التي قد صوّرها الماتن بناءً على نجاسة العصير بالغليان ثلاث:
الأولى: اذا صبّ العصير الغالي قبل ذهاب ثلثيه في الذي ذهب ثلثاه، فقال بنجاسته و عدم طهارته و ان ذهب ثلثا المجموع. ففيه: انّه و ان صار مجموعهما نجسا، الاّ أنّ العرف يستظهر من الروايات الدالّة بأنّ اذهاب ثلثي العصير المغلى موجب لتطهيره عدم الفرق بين هذه و الصورة الثانية التي قال المصنّف بطهارته. و كذلك الصورة الثالثة التي قال بأنّها لاتخلو عن اشكال، و ان كان الاحتياط في محلّه.
الثانية: اذا صبّ العصير المغلى قبل ذهاب ثلثيه في الذي غلى و لم يذهب ثلثاه بعد، فقال بطهارته اذا غلى و ذهب ثلثا مجموعه.
الثالثة: اذا صبّ العصير الذي لم يغل على الذي غلى، فلا اشكال في طهارة المجموع اذا ذهب ثلثا مجموعه؛ لما تقدّم. و قال المصنّف بأنّ السرّ في طهارته أنّ النجاسة العرضيّة صارت ذاتيّة، ثمّ قال: و ان كان الفرق بينه و بين الصورة الأولى لايخلو عن اشكال.
(مسألة 4): اذا ذهب ثلثا العصير من غير غليان لاينجس اذا غلى بعد ذلك.
الشرح:
الظاهر أنّ الروايات الواردة في العصير دالّة على أنّ العصير العنبي اذا غلى حرم شربه و على قول آخر ينجس أيضا، و لايحلّ و كذا لايطهر على ذلك القول الاّ اذا ذهب ثلثاه بالنار أو الشمس أو الهواء - على ما ذكر - و الحاصل أنّ ذهاب ثلثي العصير يكون مطهّرا للعصير المغلى، و أمّا العصير الذي لم يغل و ذهب ثلثاه فان كان باقيا على العصيريّة فلايتغيّر حكمه بمعنى أنّه اذا غلى يحرم و ينجس - على قول - و لايطهر الاّ بذهاب ثلثيه، و ان صار دبسا و لم يكن باقيا على العصيريّة، فهو موضوع آخر.
(مسألة 5): العصير التمري أو الزبيبي لايحرم و لاينجس بالغليان على الأقوى بل مناط الحرمة و النجاسة فيهما هو الاسكار.
كما تقدّم في مبحث النجاسات.
(مسألة 6): اذا شكّ في الغليان يبنى على عدمه كما أنّه لو شكّ في ذهاب الثلثين يبنى على عدمه.
الشرح:
اذا شكّ في الغليان يبنى على عدمه؛ لاستصحاب عدم الغليان. كما أنّه لو شكّ في ذهاب الثلثين يبنى على عدمه؛ لاستصحاب عدم ذهاب ثلثيه.
(مسألة 7): اذا شكّ في أنّه حصرم أو عنب، يبنى على أنّه حصرم.
الشرح:
اذا كان هناك ماء فشكّ في أنّه ماء الحصرم أو ماء العنب و عصيره، فاذا غلى لم يحكم بحرمته و نجاسته - على القول الآخر - و ذلك لأنّ الحرمة قد جعلت على العصير العنبي اذا غلى، فلو شكّ في الموضوع لم يترتّب عليه الحرمة.
قال في المستمسك: «لاستصحاب حصرميّته أو، عدم عنبيّته، أو استصحاب حلّيّته و طهارته».(1)
(مسألة 8): لا بأس بجعل الباذنجان أو الخيار أو نحو ذلك في الحبّ مع ما جعل فيه من العنب أو التمر أو الزبيب ليصير خلاًّ أو بعد ذلك قبل أن يصير خلاًّ و ان كان بعد غليانه أو قبله و علم بحصوله بعد ذلك.
الشرح:
اذا جعل الباذنجان أو الخيار أو نحو ذلك في الحبّ الذي جعل فيه العنب سواء كان بعد غليانه أو قبله ثمّ غلى فعلى المبنى من حرمة العصير العنبي بالغليان دون نجاسته فلا اشكال في ذلك؛ لأنّ حرمة شرب العصير المغلى لايوجب حرمة
1) - مستمسك العروة 2: 112.
ما يجاوره، فاذا صار خلاًّ يحلّ شربه و أكل ما جعل فيه. و أمّا على القول بنجاسة العصير بالغليان و قبل صيرورته خلاًّ، فما جعل فيه من الباذنجان و غيره، فيمكن أن يقال: اذا صار خلاًّ يطهر ما جعل فيه بالتبعيّة، كما يطهر الحبّ و ما يتعلّق به بالتبعيّة، الاّ أنّ الظاهر انصراف دليل التبعيّة عن مثل ذلك، فطهارة ما جعل فيه بعد غليانه و قبل صيرورته خلاًّ مشكلة.
(مسألة 9): اذا زالت حموضة الخلّ العنبي و صار مثل الماء لا بأس به الاّ اذا غلى فانّه لا بدّ حينئذ من ذهاب ثلثيه أو انقلابه خلاًّ ثانيا.
الشرح:
اذا زالت حموضة الخلّ العنبي، فتارة يصدق عليه أنّه العصير العنبي فلا بأس به الاّ اذا غلى فانّه لا بدّ حينئذ من ذهاب ثلثيه أو انقلابه خلاًّ ثانيا. و أخرى لايصدق عليه أنّه العصير العنبي، فلا بأس به، فان غلى لايحرم و لاينجس.
(مسألة 10): السيلان و هو عصير التمر أو ما يخرج منه بلا عصر لا مانع من جعله في الأمراق و لايلزم ذهاب ثلثيه كنفس التمر.
الشرح:
قال في التنقيح: «و الوجه في حلّيّته و طهارته أنّ العصير التمري لا دليل على حرمته أو نجاسته بالغليان مادام غير مسكر، و اذا أسكر فهو حرام كما ورد في جملة من الأخبار، و في بعضها: «يا هذا قد أكثرت عليّ أفيسكر؟ قال: نعم، قال: كلّ مسكر حرام». و الروايات الدالّة على حرمة العصير أو نجاسته بالغليان مختصّة بالعصير العنبي دون التمري، فلئن تعدّى أحد فانّما يتعدّى الى الزبيبي أو يحتاط فيه، و أمّا
التمري أو غيره فالالتزام بحرمته أو نجاسته بالغليان بلا موجب يقتضيه».(1)
و الأمر كما ذهب اليه المصنّف و استدلّ له في التنقيح.
«السابع»: الانتقال كانتقال دم الانسان أو غيره ممّا له نفس الى جوف ما لا نفس له كالبقّ و القمّل و كانتقال البول الى النبات و الشجر و نحوهما و لا بدّ من كونه على وجه لايسند الى المنتقل عنه، و الاّ لم يطهر كدم العلق بعد مصّه من الانسان.
الشرح:
قد تقدّم أنّ الدم ممّا لا نفس له كدم البقّ و القمّل طاهر، فعليه فاذا انتقل دم الانسان أو غيره ممّا له نفس سائلة الى جوف ما لا نفس له كالبقّ و القمّل و صار دمه يكون طاهرا، و هذا نظير انتقال البول الى النبات و الشجر و نحوهما، و هذا معنى الانتقال. فالظاهر أنّ دليل مطهّريّة الانتقال أوّلاً و بالذات هو بتبدّل الموضوع كما ذكر. و قد نقل الاجماع و عدم الخلاف في ذلك، و أنّه السيرة المتشرّعة التي لم يردع من الشارع ردع، فلا بدّ من كونه على وجه لايسند الى المنتقل عنه، و الاّ لم يطهر كدم العلق بعد مصّه من الانسان، كما ذكر.
(مسألة 1): اذا وقع البقّ على جسد الشخص فقتله و خرج منه الدم لم يحكم بنجاسته الاّ اذا علم أنّه هو الذي مصّه من جسده بحيث أسند اليه لا الى البقّ فحينئذ يكون كدم العلق.
1) - التنقيح في شرح العروة 4: 191.
الشرح:
و كلّ ذلك لأنّ الدم ممّا لا نفس له طاهر، فلو شكّ أنّ هذا الدم الخارج منه له أو للانسان، فيحكم أنّه منه، لأصالة عدم كونه من غيره. نعم، اذا علم أنّه هو الذي مصّه من جسد الانسان بحيث أسند الى الانسان لا الى البقّ فحينئذ يكون كدم العلق.
«الثامن»: الاسلام و هو مطهّر لبدن الكافر و رطوباته المتّصلة به من بصاقه و عرقه و نخامته و الوسخ الكائن على بدنه، و أمّا النجاسة الخارجيّة التي زالت عينها ففي طهارته منها اشكال و ان كان هو الأقوى. نعم، ثيابه التي لاقاها حال الكفر مع الرطوبة لاتطهر على الأحوط، بل هو الأقوى فيما لم يكن على بدنه فعلاً.
الشرح:
الثامن من المطهّرات الاسلام، و قد تقدّم في مبحث النجاسات أنّ الكافر غير أهل الكتاب نجس و أمّا أهل الكتاب من اليهود و النصارى و المجوس الذي له شبهة الكتاب طاهر، فاذا أسلم الكافر النجس يصير طاهرا. و الدليل على مطهّريّة الاسلام الاجماع الكاشف عن رأي المعصوم، و السيرة المستمرّة من زمن النبي صلى الله عليه و آله، و قد عدّه بعضهم أنّه من الضروريّات. و من الدلائل على ذلك تبدّل الموضوع، فالموضوع للنجاسة الكافر، فاذا أسلم تغيّر الموضوع فيتغيّر الحكم.
ثمّ انّه اذا أسلم الكافر يطهر بدنه و رطوباته المتّصلة ببدنه من بصاقه و عرقه و نخامته و الأوساخ الموجودة على بدنه؛ لأنّها من عوارض البدن اللازمة له غالبا. انّما الاشكال في النجاسة الخارجيّة الواقعة على بدنه حال الكفر و قد زالت عينها، كما لو أصاب بدنه الدم أو الخمر أو البول و الغائط و غيرها فزال أثرها، فهل يطهر بدنه باقراره الشهادتين، فقال المصنّف: «انّ الأقوى الطهارة»، و قال بعض
باستصحاب النجاسة. لكن الظاهر أنّه لا وجه للاستصحاب، فانّها من التبعيّة، فلم يورد في رواية أنّ الكفّار الذين أسلموا أمروا بغسل أبدانهم التي لم يخل من النجاسة الخارجيّة غالبا، و ان كان في الحكم بتبعيّة مثل ذلك اشكال فلايترك الاحتياط.
و أمّا ثيابه التي لبسها و التي لم يلبسها حال الاسلام و لاقتها الرطوبة في حالة الكفر، و كذا أثاث بيته التي تكون كذلك، كلّ ذلك مشمول للتبعيّة، كما هو واضح من السيرة المستمرّة من زمن الرسول صلى الله عليه و آله و الأئمّة الطاهرين عليهم السلام الى زماننا هذا، و الاشكال في هذه كلّها لا وجه له.
(مسألة 1): لا فرق في الكافر بين الأصلي و المرتدّ الملّي بل الفطري أيضا على الأقوى من قبول توبته باطنا و ظاهرا أيضا فتقبل عباداته و يطهر بدنه. نعم، يجب قتله ان أمكن و تبين زوجته و تعتدّ عدّة الوفاة و تنتقل أمواله الموجودة حال الارتداد الى ورثته، و لاتسقط هذه الأحكام بالتوبة، لكن يملك ما اكتسبه بعد التوبة، و يصحّ الرجوع الى زوجته بعقد جديد حتّى قبل خروج العدّة على الأقوى.
الشرح:
لا فرق في الكافر بين الأصلي و المرتدّ الملّي؛ لظهور الاجماع و السيرة بل الضرورة. و أمّا قبول توبة الفطري باطنا و ظاهرا فلما ورد في الكتاب و السنّة من قبول توبة من تاب الى اللّه تعالى و هو آب عن التقييد و التخصيص من هذه الجهة. فهذا قوله تعالى:
« ... و من يرتدد منكم عن دينه فيمت و هو كافر فأولئك حبطت أعمالهم
في الدنيا و الآخرة و أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون».(1)فمعناها: اذا مات المرتدّ و لم يتب فهو في النار. و مفهومها: اذا تاب بعد ارتداده و لم يمت في حال ارتداده، فليس من أصحاب النار. فلاحظ هذه الآية:
«انّ الذين آمنوا ثمّ كفروا ثمّ آمنوا ثمّ كفروا ثمّ ازدادوا كفرا لم يكن اللّه ليغفر لهم و لا ليهديهم سبيلاً».(2)فظاهر هذه الآية امكان الايمان من المرتدّ و قبول توبته. و ظاهرهما أيضا أنّ المرتدّ مكلّف بالرجوع الى الايمان و التوبة الى اللّه تعالى، بلا فرق بين المرتدّ الملّي و الفطري.
و لايعارض الكتاب و السنّة القطعيّة قول أبي جعفر عليه السلامفي صحيحة محمّد بن مسلم:
«من رغب عن الاسلام و كفر بما أنزل على محمّد صلى الله عليه و آله بعد اسلامه فلا توبة له و قد وجب قتله و بانت منه امرأته و يقسّم ما ترك على ولده».(3)
لأنّها تحمل أوّلاً على المرتدّ الفطري، و ثانيا لايستتاب و لاتقبل توبته بالنسبة الى القتل و تقسيم أمواله و بينونة زوجته و اعتدادها عدّة المتوفّى عنها زوجها. و هذا الحمل بقرينة صحيحة علي بن جعفر عن أخيه عليه السلام قال:
«سألته عن مسلم تنصّر، قال عليه السلام: يقتل و لايستتاب، قلت: فنصراني أسلم ثمّ ارتدّ، قال: يستتاب فان رجع، و الاّ قتل».(4)
و موثّقة عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: كلّ مسلم بين مسلمين ارتدّ عن
الاسلام و جحد محمّدا صلى الله عليه و آله نبوّته و كذّبه، فانّ دمه مباح لمن سمع ذلك منه و امرأته بائنة منه يوم ارتدّ، و يقسّم ماله على ورثته، و تعتدّ امرأته عدّة المتوفّى عنها زوجها، و على الامام أن يقتله و لايستتيبه».(1)
و نحوهما غيرهما.
و المتحصّل أنّ المرتدّ الفطري لو تاب تقبل توبته عند اللّه، و يكون جسده طاهرا، و يحلّ له الزواج بمسلمة، و لو كانت امرأته فبعقد جديد حتّى قبل الخروج من العدّة؛ لأنّه مسلم و لم يكن الارتداد من المحرّمات الأبديّة لزوجة المرتدّ، و لو بناءً على قبول توبته. و لو اكتسب يملك ما اكتسبه بعد التوبة؛ لعموم أدلّة التملّك بالأسباب الموجبة للملك و ينتقل الى ورثته.
و هنا فروع قد أشار اليها في مهذّب الأحكام:(2)
الأوّل: يعتبر في ترتّب أحكام الارتداد البلوغ، و العقل، و الاختيار، و القصد من فاعله اجماعا، بل ضرورة في بعضها فلا عبرة بما يصدر من الصبي، والمجنون، و المكره، والغافل.
الثاني: لو كان في حالة لا يملك نفسه من غضب و نحوه و صدر منه ما يوجب الارتداد، فمقتضى الأصل عدم كفره، و لما ورد عن علي بن عطيّة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«كنت عنده و سأله رجل عن رجل يجيء منه الشيء على جهة غضب، يؤاخذه اللّه به؟ فقال: اللّه أكرم من أن يستغلق عبده».(3)
الثالث: لا فرق في الارتداد الموجب لما تقدّم من الأحكام بين ما اذا علم به
غيره أم لا، طال زمانه أم لا؛ لاطلاق الأخبار الواردة في ذلك. و كذا لا فرق بين الارتداد الدائمي أو الموقّت في الحكم.
الرابع: اذا شكّ في حصول الارتداد و عدمه، فمقتضى الأصل عدمه، سواء حصل الشكّ له أو لغيره أو لهما.
الخامس: الكافر الأصلي من انعقدت نطفته في حال كفر والديه و بلغ كافرا. والملّي من انعقدت نطفته في حال كفر والديه و بلغ كافرا ثمّ أسلم، ثمّ ارتدّ. و الفطري من انعقدت نطفته في حال اسلام والديه أو أحدهما و بلغ مسلما ثمّ ارتدّ.
ثمّ انّ مقتضى الأصل عدم الحكم بالارتداد مع الاسلام الحكمي.
قال في الجواهر في كتاب الحدود: «ليس في النصوص اطلاق يوثق به على الاكتفاء بصدق الارتداد مع الاسلام الحكمي و لعلّه لايخلو عن قوّة».(1)
السادس: لاتقتل المرأة على الارتداد، و لو فطريّا، بل تحبس دائما على ما يأتي تفصيله في كتاب الحدود.
السابع: لا فرق في حكم الارتداد بين ما اذا انتحل بعد الارتداد نحلة من النحل الباطلة أم لا، لاطلاق ما تقدّم من الأخبار.
الثامن: لو ادّعى المرتدّ الاكراه، أو الشبهة، أو عدم القصد أو نحوها يقبل منه؛ لما سيجيء في محلّه من أنّ الحدود تدرأ بالشبهة، و لأنّ المنساق من أدلّة المقام غيره.
التاسع: لو اضطرّ الى ما يوجب الارتداد، لخوف على النفس أو العرض يجوز، بل قد يجب، و ينبغي التورية مع الامكان، و لايجب عليه تجديد الاسلام بعد رفع العذر.
العاشر: لو كان معتقدا بالاسلام حقّا، و صدر منه ما يوجب الارتداد و كان مخالفا لاعتقاده، فمقتضى الأصل عدم حصول الارتداد، و الظاهر من العمومات و
1) - جواهر الكلام 41: 603.
الاطلاقات الدالّة على حصول الارتداد بما يوجبه انّما هو فيما اذا لم يكن معتقدا بالاسلام، و مع الشكّ لايصحّ التمسّك بها؛ لأنّه تمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة.
الحادي عشر: يعتبر في حصول الارتداد القصد الجدّي، فلو كان عن هزل أو لغو، فمقتضى الأصل عدم حصول الارتداد و ان تحقّق منه القصد الاستعمالي. نعم، لا ريب في الاثم. و على هذا فلو لقّن ما يوجب الارتداد، و قال كما يقول الملقّن بلا جزم منه في ذلك، فالأصل بقاء اسلامه، و عدم كفره.
(مسألة 2): يكفي في الحكم باسلام الكافر اظهاره الشهادتين و ان لم يعلم موافقة قلبه للسانه، لا مع العلم بالمخالفة.
الشرح:
يكفي في الحكم باسلام الكافر اظهاره الشهادتين، و الدليل على ذلك السيرة المستمرّة من زمن الرسول صلى الله عليه و آله و زمن الأئمّة عليهم السلام الى زماننا هذا، و لعلّه من الضروريّات، و للروايات الواردة في الكافي في: «انّ الاسلام الشهادة بأنّه لااله الاّ اللّه و أنّ محمّدا صلى الله عليه و آله رسوله»، و هو الذي عليه عامّة الناس، و به جرت المناكح و المواريث و حرّمت الدماء. و قد تقدّم بعضها في مبحث النجاسات، و انّ منها الكافر.
و الحاصل أنّ الكافر اذا أظهر الشهادتين يحكم باسلامه و ان لم يعلم موافقة قلبه للسانه، بل مع العلم بالمخالفة ان لم يظهر انكاره كما في صحيحة محمّد بن مسلم قال:
«كنت عند أبي عبداللّه عليه السلام جالسا عن يساره، و زرارة عن يمينه، فدخل عليه أبو بصير فقال: يا أبا عبداللّه عليه السلام ما تقول فيمن شكّ في اللّه؟ قال: كافر يا أبا محمّد. فقال: فشكّ في رسول اللّه صلى الله عليه و آله؟ فقال:
كافر. ثمّ التفت الى زرارة، فقال: انّما يكفر اذا جحد».(1)
و في معتبرة زرارة عن أبي عبداللّه عليه السلام:
«لو أنّ العباد اذا جهلوا وقفوا و لم يجحدوا لم يكفروا».(2)
مضافا الى السيرة القطعيّة في زمن الرسول صلى الله عليه و آله من معاملة الاسلام مع المنافقين الذين لم يعتقدوا برسالته. و أيضا قوله تعالى: «قالت الأعراب آمنّا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا و لمّا يدخل الايمان في قلوبكم».(3)
و لاتعارضها صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«من شكّ في اللّه أو في رسوله صلى الله عليه و آله فهو كافر».(4)
و صحيحة منصور بن حازم، قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: من شكّ في رسول اللّه صلى الله عليه و آله؟ قال: كافر، قلت: فمن شكّ في كفر الشاكّ فهو كافر؟ فأمسك عنّي، فرددت عليه ثلاث مرّات، فاستبنت في وجهه الغضب».(5)
لأنّهما تحملان على ما اذا أظهر شكّه، أو على عدم قراره في الايمان؛ جمعا بينهما و بين الروايات المتقدّمة.
(مسألة 3): الأقوى قبول اسلام الصبي المميّز اذا كان عن بصيرة.
الشرح:
قد تقدّم منّا في كتاب الطهارة و في كتاب الصلاة و في كتاب الارث و غيرها
1) - وسائل الشيعة 28: 356 / الباب 10 من أبواب حدّ المرتدّ / الحديث 56.
2) - وسائل الشيعة 1: 32 / الباب 2 من أبواب مقدّمة العبادات / الحديث 8.
3) - الحجرات 44: 14.
4) - وسائل الشيعة 28: 355 / الباب 10 من أبواب حدّ المرتدّ / الحديث 52.
5) - وسائل الشيعة 28: 355 / الباب 10 من أبواب حدّ المرتدّ / الحديث 53.
أنّ عبادات الصبي المميّز شرعيّة، و اسلامه مقبول اذا كان عن بصيرة.
و في المستمسك: «قد أشرنا في مواضع متعدّدة من هذا الشرح الى أنّ مقتضى اطلاق أدلّة التشريع هو شرعيّة عباداته، و جريان عامّة الأحكام عليها. و حديث رفع القلم ظاهر في رفع قلم السيّئات عنه، الحاصل برفع الالزام لا غير، فلايقتضي لغويّة اسلامه، كما لايقتضي لغويّة سائر عباداته».(1)
(مسألة 4): لايجب على المرتدّ الفطري بعد التوبة تعريض نفسه للقتل بل يجوز له الممانعة منه، و ان وجب قتله على غيره.
الشرح:
لايجب على المرتدّ الفطري بعد التوبة تعريض نفسه للقتل؛ لعدم الدليل على ذلك بل الدليل على خلافه و هو الروايات الدالّة على أنّ الأفضل من تعريض نفسه للحدّ هو التوبة فيما بينه و بين اللّه، كما عن علي عليه السلام في رواية:
«ما أقبح بالرجل منكم أن يأتي بعض هذه الفواحش فيفضح نفسه على رؤوس الملأ، أفلا تاب في بيته، فواللّه لتوبته فيما بينه و بين اللّه أفضل من اقامتي عليه الحدّ».(2)
بل يجوز له الممانعة منه؛ لأنّ عدم الممانعة نحو تعريض نفسه للقتل فلايجب. و يمكن أن يقال: انّه يجوز بل يجب عليه الدفاع اذا لم يثبت ارتداده عند الحاكم و لم يحكم بقتله، بناءً على المبنى من أنّ جواز قتله لكلّ أحد قبل اثبات ارتداده عند الحاكم موجب للهرج و المرج، و حينئذ - أي اذا وجب الدفاع عن نفسه - لو توقّف ذلك على ضرب القاتل و جرحه يجوز بل يجب.
ثمّ اعلم أنّه اذا أقرّ شخص بالشهادتين، لايجوز لأحد الفحص عن كون
شهادته موافقة لاعتقاده أو لا؛ لأنّه خلاف سيرة النبي صلى الله عليه و آله و أوصيائه المعصومين عليهم السلام، كما أنّه من تولّد في دار الاسلام و كان من المسلمين و كمل و لم يظهر منه انكاره للاسلام لايجوز لأحد الفحص عن اعتقاده، أمّا السؤال منه في الدوائر التي تحتاج اليه فيجوز.
ثمّ انّه من ارتدّ و له أولاد صغار، فمقتضى الأصل عدم نجاسة أولاده، الاّ اذا صاروا مميّزين و أظهروا الكفر.
و تذكّر أنّه لا أثر لمجرّد القصد و النيّة في الارتداد، بل يحتاج الى مبرز خارجي دالّ على جحوده من غير اكراه و اضطرار و من غير شبهة، و من غير ادّعائه لغوا أو غضبا، أو جهلاً؛ كلّ ذلك للشبهة الدارئة.
«التاسع» التبعيّة و هي في موارد: «أحدها»: تبعيّة فضلات الكافر المتّصلة ببدنه كما مرّ. «الثاني»: تبعيّة ولد الكافر له في الاسلام أبا كان أو جدّا أو أمّا
أو جدّة. «الثالث»: تبعيّة الأسير للمسلم الذي أسره اذا كان غير بالغ و لم يكن معه أبوه أو جدّه. «الرابع»: تبعيّة ظرف الخمر له بانقلابه خلاًّ. «الخامس»: آلات تغسيل الميّت من السدّة و الثوب الذي يغسله فيه، و يد الغاسل دون ثيابه، بل الأولى و الأحوط الاقتصار على يد الغاسل. «السادس»: تبعيّة أطراف البئر و الدلو و العدّة و ثياب النازح على القول بنجاسة البئر، لكنّ المختار عدم تنجّسه بما عدا التغيّر، و معه أيضا يشكل جريان حكم التبعيّة. «السابع»: تبعيّة الآلات المعمولة في طبخ العصير على القول بنجاسته، فانّها تطهر تبعا له بعد ذهاب الثلثين. «الثامن»: يد الغاسل و آلات الغسل في تطهير النجاسات و بقيّة الغسالة الباقية في المحلّ بعد انفصالها. «التاسع»: تبعيّة ما يجعل مع العنب و التمر للتخليل كالخيار و الباذنجان و نحوهما، كالخشب و
العود فانّها تنجس تبعا له عند غليانه على القول بها و تطهر تبعا له بعد صيرورته خلاًّ.
الشرح:
التاسع من المطهّرات التبعيّة، و هي في موارد:
الأوّل: تبعيّة فضلات الكافر المتّصلة ببدنه بل ثيابه و أثاثه اذا مسّها حال كفره، كما تقدّم و تقدّم وجهه.
قال في التنقيح: «لأنّ نجاسة فضلاته كطهارتها انّما هي من جهة التبعيّة لبدنه و لأجل اضافتها اليه، فاذا أسلم انقطعت اضافتها الى الكافر و تبدّلت بالاضافة الى المسلم. فلايصدق بعد اسلامه أنّ الشعر شعر كافر أو الوسخ وسخه، بل يقال: انّه شعر مسلم و وسخه، كما تقدّم».(1)
الثاني: تبعيّة ولد الكافر في الاسلام أبا كان أو جدّا أو أمّا أو جدّة، بلا خلاف فيه و لا اشكال، كما عن المستمسك.(2)
و يدلّ عليه رواية حفص بن غياث، قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل من أهل الحرب اذا أسلم في دار الحرب فظهر عليهم المسلمون بعد ذلك؟ فقال: اسلامه اسلام لنفسه و لولده الصغار و هم أحرار، و ولده و متاعه و رقيقه له. فأمّا الولد الكبار فهم فيء للمسلمين الاّ أن يكونوا أسلموا قبل ذلك. فأمّا الدور و الأرضون فهي فيء و لاتكون له؛ لأنّ الأرض هي أرض جزية لم يجر فيها حكم الاسلام، و ليس بمنزلة ما ذكرناه؛ لأنّ ذلك يمكن احتيازه و اخراجه الى دار الاسلام».(3)
قال في الجواهر: «و يتّبعه ولده في الطهارة بالاسلام، سواء كان أبا أو أمّا؛ الحاقا بأشرف الأبوين، بل أو أحد الجدّين القريبين كما في كشف الأستاذ، كما أنّ فيه أيضا التصريح بالطهارة تبعا للسابي المسلم، لكن قيّده بعدم وجود أحد الأبوين أو الأجداد معه».(1)
قال في التنقيح: «مدركهم في ذلك: القاعدة المعروفة بتبعيّة الولد لأشرف الأبوين، و ليس مدركهم في تلك القاعدة رواية حفص لكي يرد عدم شمولها للجدّ و الجدّة على أنّها ضعيفة السند، بل المدرك في ذلك - كما أشرنا اليه سابقا - أنّه لا دليل على نجاسة ولد الكافر غير الاجماع، و عدم القول بالفصل بين المميّز المظهر للكفر و غيره، و لا اجماع على نجاسة ولد الكافر اذا أسلم أحد أبويه أو جدّه أو غير ذلك من الأصول، فدليل النجاسة قاصر الشمول للمقام رأسا، لا أنّ طهارة ولد الكافر مستندة الى دليل رافع لنجاسته. انتهى ملخّصا».(2)
و في موضع آخر من الجواهر: «و حكم الطفل ذكرا أو أنثى تابع لأبويه في الاسلام و الكفر و ما يتبعهما من الأحكام كالطهارة و النجاسة و غيرهما بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا الى امكان القطع به من السنّة، ففي الصحيح: «عن أولاد المشركين يموتون قبل أن يبلغوا الحنث؟ قال: كفّار»، و في الخبر: «أولاد المشركين مع آبائهم في النار، و أولاد المسلمين مع آبائهم في الجنّة»، و في المرسل: «أطفال المؤمنين يلحقون بآبائهم، و أولاد المشركين يلحقون بآبائهم»، مضافا الى قول اللّه تعالى: «ألحقنا بهم ذرّيّتهم»، و الى خصوص ما ورد في المواضع المتفرّقة كجواز اعطاء أطفال المؤمنين من الزكاة و الكفّارات و جواز العقد عليهم مطلقا مع اشتراط الاسلام في جميع ذلك، و الى
تغسيلهم و الصلاة عليهم و غيرهما ممّا لايحتاج الى بيان».(1)
أقول:
لا بأس في أن تكون رواية حفص من الدلائل على تبعيّة الولد لأبويه المسلمين في الاسلام، و الاشكال بضعف السند يرفع بعمل الأصحاب بها، و عدم ذكر الجدّ و الجدّة لايدلّ على عدم الاعتناء بهما، فانّ الحاق الجدّ و الجدّة يفهم من موارد مختلفة و كذا عدم القول بالفصل بينهما و بين الأب و الأمّ في المقام. هذا في غير أهل الكتاب و أمّا أهل الكتاب فقد تقدّم أنّ الأقوى طهارتهم. ثمّ انّه لو أظهر الصبيّ المميّز الاسلام فهو مسلم و ان كان أبواه و جدّاه كفّارا، كما أنّه لو أظهر الكفر فهو كافر كذلك.
الثالث: تبعيّة الأسير للمسلم الذي أسره اذا كان غير بالغ و لم يكن معه أبوه أو جدّه.
قال في التنقيح: «انّ الدليل على نجاسة ولد الكافر منحصر بالاجماع، و من الواضح عدم تحقّق الاجماع على نجاسته اذا كان أسيرا للمسلم، اذا كان غير بالغ و لم يكن معه أبوه أو جدّه؛ لذهاب المشهور الى طهارته، فالمقتضي للنجاسة قاصر في نفسه و هو كاف في الحكم بطهارته. و لو كان الأسير بالغا يكون موضوعا مستقلاًّ لما هو موجب للنجاسة. و كذا لو كان معه أبوه أو جدّه تبعهما في نجاستهما و لم يمكن الحكم بطهارته بالتبعيّة؛ للاجماع القطعي على نجاسة ولد الكافر. انتهى ملخّصا».(2)
قال في الجواهر: «و أمّا ان سبي الطفل منفردا عن أبويه الكافرين، قيل و القائل الاسكافي و الشيخ و القاضي فيما حكي عنهم و اختاره الشهيد: يتّبع السابي فيالاسلام كما هو المحكي عن المخالفين أجمع؛ لأنّ الدين في الأطفال يثبت تبعا،
و قد انقطعت تبعيّته لأبويه بانقطاعه عنهما و اخراجه عن دارهما، و مصيره الى دار الاسلام تبعا لسابيه المسلم، فكان تبعا له في الدين، و لقوله عليه السلام: «كلّ مولود يولد على الفطرة، و انّما أبواه يهوّدانه و ينصّرانه و يمجّسانه» أي و هما معه، فاذا انقطع عنهما و زالت المعيّة انتفى المقتضي لكفره فيرجع الى الفطرة، معتضدا ذلك بنفي الحرج و نحوه، ولكنّهما معا كماترى، و لذا كان ظاهر المصنّف و غيره التوقّف، بل صرّح غير واحد بعدم التبعيّة في الاسلام؛ للأصل و اطلاق ما سمعته من التبعيّة التي لا دليل على انقطاعها بانقطاعه عنهما، و اخراجه عن دارهما و مصيره الى دار الاسلام».(1)
الرابع: تبعيّة ظرف الخمر لها بانقلابها خلاًّ، و لو لم يكن ظرف الخمر بانقلابها خلاًّ طاهرا، لكان الحكم بطهارة الخمر بالانقلاب لغوا. و لعلّ طهارة ظرف الخمر بانقلابها خلاًّ من الضروريّات سواء كان من الأجزاء الملاصقة حين الانقلاب أو كان من الأجزاء الفوقانيّة الملاصقة قبل الانقلاب؛ كلّ ذلك للسيرة العمليّة في زمن الأئمّة عليهم السلام، من أنّهم كانوا يأخذون الخلّ بعد الانقلاب من الظروف بنحو ما يأخذون الماء و غيره من سائر الظروف، و كانوا يعاملون معها كما يعاملون مع الأخرى. فالحكم بكسر الاناء أو ثقبه من تحته حتّى يخرج الخلّ من تلك الثقبة كما نقله في التنقيح عن بعض المتقدّمين من المعاصرين لا مأخذ له.
قال في المستمسك: «انّ تبعيّة ظرف الخمر لها بانقلابها خلاًّ، من ضروريّات ما يستفاد من نصوص الطهارة بالانقلاب».(2)
الخامس: تبعيّة آلات تغسيل الميّت من السدّة و الثوب الذي يغسله فيه، و يد الغاسل بل ثيابه لتغسيل الميّت؛ يدلّ على ذلك كلّه السيرة القطعيّة، من عدم تطهير
الباب الذي يغسل فيه الميّت، و كذا عدم تطهير الكيس، و الثوب الساتر لعورته بعد تمام الأغسال و يد الغاسل أيضا. و لايبعد الحاق ثوب الغاسل و سائر بدنه ممّا يترشّح ماء الغسل عليه و ان كان فيه اشكال، فالأظهر عدم الالحاق.
السادس: تبعيّة أطراف البئر و الدلو و العدّة و ثياب النازح؛ للاطلاق المقامي، فانّ سكوت النصوص عن التعرّض لتطهيرها يكون قرينة على الطهارة. و الحكم في الدلو و الرشا و الجوانب ينبغي أن يكون من ضروريّات الفقه، - كما في المستمسك -(1)، هذا على القول بنجاسة البئر، ولكنّ المختار عدم تنجّسه بما عدا التغيّر، و مع التغيّر فلايبعد جريان حكم التبعيّة فيه؛ لعدم تعرّض الامام عليه السلام في صحيحة محمّد بن اسماعيل بن بزيع لذلك حيث قال عليه السلام:
« ... فينزح حتّى يذهب الريح و يطيب طعمه ... ».(2)
و يمكن استفادة ذلك من الرابع و الخامس المتقدّمين بل السابع الآتي.
السابع: تبعيّة الآلات المعتادة في طبخ العصير - على القول بنجاسته - فانّها تطهر تبعا له بعد ذهاب الثلثين، كما تقدّم.
الثامن: يد الغاسل و آلات الغسل في تطهير النجاسات و بقيّة الغسالة الباقية في المحلّ بعد انفصالها تكون كما تقدّم في محلّها.
التاسع: ذهب المصنّف الى طهارة ما يجعل مع العنب أو التمر للتخليل كالخيار و الباذنجان و نحوهما كالخشب و العود الاّ أنّه قد تقدّم الاشكال فيه. و الذي يسهّل الخطب ما مرّ من أنّ العصير لاينجس بالغليان.
قال في المهذّب: «ظهر ذلك ممّا تقدّم. و عمدة الوجه في ذلك كلّه التمسّك بالاطلاق الحالي و المقامي في المطهّرات، و سهولة الشريعة المقدّسة فيها».(3)
قال في الجواهر: «و من المطهّرات: طهارة بدن مغسل الميّت و آلات التغسيل و ثياب الميّت التي غسل فيها و خرقته التي وضعت عليه بل قيل: و ثياب المغسل نفسه، و منها ما عرفته من رطوبات الكافر و ولده، و اناءات الخمر المخلّلة و الأجسام المطروحة فيها».(1)
«العاشر»: من المطهّرات زوال عين النجاسة أو المتنجّس عن جسد الحيوان غير الانسان بأيّ وجه كان، سواء كان بمزيل أو من قبل نفسه، فمنقار الدجاجة اذا تلوّث بالعذرة يطهر بزوال عينها و جفاف رطوبتها، و كذا ظهر الدابّة المجروح اذا زال دمه بأيّ وجه، و كذا ولد الحيوانات الملوّث بالدم عند التولّد الى غير ذلك، و كذا زوال عين النجاسة أو المتنجّس عن بواطن الانسان كفمه و أنفه و أذنه، فاذا أكل طعاما نجسا يطهر فمه بمجرّد بلعه. هذا اذا قلنا: انّ البواطن تتنجّس بملاقاة النجاسة و كذا جسد الحيوان، ولكن يمكن أن يقال بعدم تنجّسهما أصلاً، و انّما النجس هو العين الموجودة في الباطن أو على جسد الحيوان، و على هذا فلا وجه لعدّه من المطهّرات و هذا الوجه قريب جدّا. و ممّا يترتّب على الوجهين أنّه لو كان في فمه شيء من الدم فريقه نجس مادام الدم موجودا على الوجه الأوّل فاذا لاقى شيئا نجّسه بخلافه على الوجه الثاني، فانّ الريق طاهر و النجس هو الدم فقط، فان أدخل اصبعه مثلاً في فمه و لم يلاق الدم لم ينجس، و ان لاقى الدم ينجس اذا قلنا بأنّ ملاقاة النجس في الباطن أيضا موجب للتنجّس، و الاّ فلاينجس أصلاً الاّ اذا أخرجه و هو ملوّث بالدم.
1) - جواهر الكلام 6: 299.
الشرح:
قال في المستمسك: «العاشر من المطهّرات: زوال عين النجاسة أو المتنجّس عن جسد الحيوان غير الانسان، على المشهور، كما عن الحدائق في خصوص الهرّة، و حكى فيها عن جملة من المتأخّرين الحاق كلّ حيوان غير آدمي بها. و العمدة فيه السيرة القطعيّة على مباشرة الحيوانات المعلوم تلوّثها بالنجاسة، كدم الولادة و الجروح، و كالمني الخارج منها بالسفاد، و كالميتة، و العذرة، و المياه النجسة عند الأكل و الشرب منها، و كالمواضع القذرة عند التمرّغ فيها، و النوم عليها الى غير ذلك من الموارد التي لاتحصى مع العلم بعدم ورود المطهّر عليها. و كأنّه لوضوح الحكم لم يقع موردا للسؤال من المسلمين، و لا للبيان من المعصومين عليهم السلام.
و لأجل ذلك لايحتاج الى الاستدلال عليه باجماع الخلاف على طهارة سؤر الهرّة أو بالنصوص الكثيرة الدالّة على طهارة سؤر الهرّة، و الوحش و السباع، و الباز و الصقر، و العقاب، و نحوها، ممّا يغلب تلوّثه بالنجاسة بتقريب أنّها و ان كانت في مقام اثبات الطهارة الذاتيّة لسؤرها في قبال النجاسة الذاتيّة لسؤر مثل الكلب الاّ أنّ عدم التعرّض فيها للتنبيه على تخصيص الحكم بصورة عدم تلوّثها بالنجاسة وقتا ما، مع غلبة التلوّث بها، أمارة على الطهارة و لو في الصورة المذكورة. و لا بمثل صحيح ابن جعفر عليه السلام: «عن فأرة وقعت في حبّ دهن، و أخرجت قبل أن تموت، أيبيعه من مسلم؟ قال عليه السلام: نعم، و يدهن منه»، بتقريب أنّ الحكم بطهارة الدهن يدلّ على طهارة موضع بول الفأرة و بعرها. و دعوى اختصاص السيرة بصورة احتمال ورود المطهّر غريبة، كما يظهر ذلك من ملاحظة سيرة المسلمين الذين يندر جدّا وجود المياه الكثيرة أو الجارية في بلادهم، كأهل الحجاز و نجد.
و منه يظهر ضعف قوله رحمه الله: «اذا زال دمه بأيّ وجه، و كذا ولد الحيوانات
الملوّث بالدم عند التولّد الى غير ذلك، و كذا زوال عين النجاسة أو المتنجّس عن بواطن الانسان»».(1)
أقول:
لا اشكال في السيرة القطعيّة من معاملة المتشرّعة معاملة التطهير مع زوال عين النجاسة أو المتنجّس عن جسد الحيوان غير الانسان، الاّ أنّ هذه السيرة قد ظهرت من هذه الروايات الكثيرة التي أشار اليها السيّد الحكيم رحمه الله و ملاحظة معاملة الأئمّة عليهم السلام مع هذه الحيوانات معاملة الطهارة بعد زوال عين النجاسة عن جسدها، و لم ير أنّ الأئمّة عليهم السلام أو الذين من خواصّهم يغسلون الحيوان الذي قد تنجّس جسده فزال عنه النجاسة. و كيف كان فاستدلاله لا اشكال فيه.
و أمّا زوال عين النجاسة أو المتنجّس عن بواطن الانسان كفمه و أنفه و أذنه، فقد تقدّم البحث عنه و عن الصور المتصوّرة فيه في المسألة الأولى من مبحث نجاسة البول. و هنا نقول: كلّ ما دخل في جوف الانسان من الأعيان النجسة كالخمر و لحم الخنزير و الأشياء المتنجّسة لايوجب ذلك تنجّس جسد الانسان حتّى لا يجوز أن يصلّي مثلاً مادام في بطنه خمر أو لحم خنزير، بل لعلّ البحث عن ذلك لغو. و أمّا بالنسبة الى فمه، فاذا زالت النجاسة عنه يطهر فمه و لايحتاج الى التطهير. و كذا لو ظهر في فمه دم ثمّ زال فقد طهر فمه و لايحتاج الى التطهير و كذلك أنفه. و لنذكر بعض الروايات الواردة المناسبة هنا:
منها موثّقة عمّار قال:
«سئل أبو عبداللّه عليه السلام عن رجل يسيل من أنفه الدم، هل عليه أن يغسل باطنه يعني جوف الأنف؟ فقال: انّما عليه أن يغسل ما ظهر منه».(2)
و منها رواية عبدالحميد بن أبي الديلم قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: رجل يشرب الخمر فبصق فأصاب ثوبي من بصاقه، قال: ليس بشيء».(1)
و منها رواية الحسين بن موسى الحنّاط قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يشرب الخمر ثمّ يمجّه من فيه فيصيب ثوبي، فقال: لا بأس».(2)
(مسألة 1): اذا شكّ في كون شيء من الباطن أو الظاهر يحكم ببقائه على النجاسة بعد زوال العين على الوجه الأوّل من الوجهين و يبنى على طهارته على الوجه الثاني؛ لأنّ الشكّ عليه يرجع الى الشكّ في أصل التنجّس.
الشرح:
اذا تنجّس بعض جسد الانسان و شكّ أنّ هذا البعض من الباطن أو الظاهر، فان قلنا بأنّ الباطن يتنجّس بالنجاسة الخارجيّة فيكون تطهيره بزواله، فاذا زالت العين يبنى على نجاسته؛ للاستصحاب. و ان قلنا: انّ الباطن لا يتنجّس، فاذا زالت العين يبنى على طهارته، لأنّ الشكّ فيه يرجع الى الشكّ في أصل التنجّس.
(مسألة 2): مطبق الشفتين من الباطن و كذا مطبق الجفنين، فالمناط في الظاهر فيهما ما يظهر منهما بعد التطبيق.
الشرح:
انّ العرف يقضي بأنّ ما يظهر من الشفتين أو الجفنين بعد التطبيق فهو من الظاهر و ما لايظهر منها فهو من الباطن، فانّ المرجع في تشخيص أمثال ذلك هو العرف.
«الحادي عشر»: استبراء الحيوان الجلاّل فانّه مطهّر لبوله و روثه، و المراد بالجلاّل مطلق ما يؤكل لحمه من الحيوانات المعتادة بتغذّي العذرة و هي غائط الانسان، و المراد من الاستبراء منعه من ذلك و اغتذاؤه بالعلف الطاهر حتّى يزول عنه اسم الجلل، و الأحوط مع زوال الاسم مضيّ المدّة المنصوصة في كلّ حيوان بهذا التفصيل: في الابل الى أربعين يوما، و في البقر الى ثلاثين و في الغنم الى عشرة أيّام و في البطّة الى خمسة أو سبعة و في الدجاجة الى ثلاثة أيّام و في غيرها يكفي زوال الاسم.
الشرح:
في المسألة جهات من البحث:
الجهة الأولى: يحرم لحوم الحيوانات المأكول لحمها اذا صارت جلاّلة؛ و ذلك لصحيحة هشام بن سالم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لاتأكل اللحوم الجلاّلة، و ان أصابك من عرقها فاغسله».(1)
و صحيحة حفص بن البختري عن أبي عبداللّه عليه السلامقال:
«لاتشرب من ألبان الابل الجلاّلة، و ان أصابك شيء من عرقها فاغسله».(2)
الجهة الثانية: انّ بول الحيوانات الجلاّلة و مدفوعها محكومان بالنجاسة. و ذلك لما ورد من نجاسة البول و الغائط ممّا لايؤكل لحمه كصحيحة عبداللّه بن سنان قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام: اغسل ثوبك من أبوال ما لايؤكل لحمه».(3)
و صحيحة ثانية لعبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اغسل ثوبك من بول كلّ ما لايؤكل لحمه».(1)
فانّ اطلاق ما لايؤكل لحمه يشمل ما لايؤكل لحمه ذاتا و ما لايؤكل لحمه بالعارض. و يلحق ببوله مدفوعه؛ لعدم خصوصيّة للبول و عدم القول بالفصل.
الجهة الثالثة: انّ المراد بالجلاّل - كما قال المصنّف: - «مطلق ما يؤكل لحمه من الحيوانات المعتادة بتغذّي العذرة، و هي غائط الانسان».
و في المستمسك: «على المشهور؛ لمرسل موسى بن أكيل عن أبي جعفر عليه السلام: «في شاة شربت بولاً ثمّ ذبحت، فقال عليه السلام: يغسل ما في جوفها، ثمّ لا بأس به. و كذلك اذا اعتلفت العذرة، ما لم تكن جلاّلة، و الجلاّلة هي التي يكون ذلك غذاءها». فانّ الظاهر من العذرة غائط الانسان لا أقلّ من الانصراف اليه. و عن الحلبي الحاق سائر النجاسات بها. و لا وجه له ظاهرا، فاستصحاب الحلّ أو قاعدته محكّمة، و في تعيين المدّة التي يحصل بها الجلل اشكال؛ لعدم تعرّض النصوص لذلك، كما اعترف به غير واحد. فما عن بعضهم من تقدير المدّة بيوم و ليلة، و عن آخر من تقديرها بما يظهر النتن في لحمه و جلده، و عن ثالث بأنّه ما ينمو ذلك في بدنه و يصير جزءا منه، غير واضح. فالمرجع مع الشكّ استصحاب الحلّ».(2)
أقول:
اذا لم تكن في الرواية - غير العذرة المنصرفة الى غائط الانسان - اشارة الى سائر النجاسات، فلا وجه لسرايتها اليها و الحال أنّ قاعدة الحلّيّة و الطهارة محكّمة. و أيضا اذا لم يعيّن في الروايات المدّة التي يحصل بها الجلل فهو موكول الى العرف، فاذا قيل عرفا بأنّ هذا الحيوان الذي يتغذّى من العذرة جلاّل يكون لحمه حراما و بوله و مدفوعه نجسا، كما أنّه بعد منعه من أكل العذرة و تغذّيه غذاءً
طاهرا اذا قيل عرفا: رفع جلله، يكون لحمه حلالاً و بوله و مدفوعه طاهرا.
و أمّا ما ورد في الروايات من تعيين المدّة لرفع الجلل بالنسبة الى الحيوانات المختلفة فمع ضعف سندها، فالظاهر أنّه يكون ارشادا الى ما فهمه العرف. فلايكون تعبّدا. فمن تلك الروايات رواية السكوني عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قال أميرالمؤمنين عليه السلام: الدجاجة الجلاّلة لايؤكل لحمها حتّى تقيّد ثلاثة أيّام، و البطّة الجلاّلة بخمسة أيّام، و الشاة الجلاّلة عشرة أيّام، و البقرة الجلاّلة عشرين يوما و الناقة الجلاّلة أربعين يوما».(1)
و رواية مسمع عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قال أميرالمؤمنين عليه السلام: الناقة الجلاّلة لايؤكل لحمها، و لايشرب لبنها حتّى تغذّى أربعين يوما، و البقرة الجلاّلة لايؤكل لحمها، و لايشرب لبنها حتّى تغذّى ثلاثين يوما، و الشاة الجلاّلة لايؤكل لحمها و لايشرب لبنها حتّى تغذّى عشرة أيّام، و البطّة الجلاّلة لايؤكل لحمها حتّى تربّى خمسة أيّام، و الدجاجة ثلاثة أيّام».(2)
و غيرها من الأخبار. و لم يكن في الروايات الثماني الواردة اختلاف في استبراء الناقة بأربعين يوما و الدجاجة بثلاثة أيّام، و السمكة بيوم و ليلة. و انّما الاختلاف في البقرة بثلاثين أو عشرين، و الشاة بعشرة أو أربعه عشر أو سبعة، و البطّة بثلاثة أو خمسة أو ستّة أو سبعة أيّام. و الجمع بين هذه الروايات المختلفة التخيير اذا كان العمل بها تعبّدا. و أمّا اذا كان ارشادا، فيكفي أيّ الأيّام يرفع فيها الجلل. و فائدة تعيين الأيّام في هذه الروايات هي أنّ العرف غالبا لايقطع برفع الجلل، و أمّا لو رأى أنّ الامام عليه السلام قد أرشده الى كيفيّة الاستبراء بحسب الأيّام يقطع. و أسناد الروايات و ان كان كلّها ضعيفة الاّ أنّ عمل المشهور بها يجبرها.
«الثاني عشر»: حجر الاستنجاء على تفصيل آتي.
«الثالث عشر»: خروج الدم من الذبيحة بالمقدار المتعارف فانّه مطهّر لما بقي منه في الجوف.
كما تقدّم في نجاسة الدم.
«الرابع عشر»: نزح المقادير المنصوصة لوقوع النجاسات المخصوصة في البئر على القول بنجاستها و وجوب نزحها.
الشرح:
هذا على القول بنجاسة البئر و ان لم يتغيّر طعمها أو ريحها أو لونها بالنجاسة. و أمّا على المختار من عدم تنجيس البئر بالقاء النجاسة فيها الاّ أن يتغيّر أوصافها الثلاثة، فالأمر في الروايات الواردة في نزح المقادير المقدّرة لوقوع النجاسات المخصوصة في البئر يحمل على الاستحباب.
«الخامس عشر»: تيمّم الميّت بدلاً عن الأغسال عند فقد الماء فانّه مطهّر لبدنه على الأقوى.
الشرح:
الظاهر أنّ رفع نجاسة بدن الميّت منوط بالأغسال الثلاثة، فرفع الحدث هنا يوجب رفع الخبث أيضا، فاذا ثبت هذه الملازمة، و من جهة أخرى يكون التيمّم أحد الطهورين، فتيمّم الميّت بدلاً عن الأغسال عند فقد الماء مطهّر لبدنه.
«السادس عشر»: الاستبراء بالخرطات بعد البول و بالبول بعد خروج المني، فانّه مطهّر لما يخرج منه من الرطوبة المشتبهة لكن لايخفى أنّ عدّ هذا من المطهّرات من باب المسامحة و الاّ ففي الحقيقة مانع عن الحكم بالنجاسة أصلاً.
الشرح:
فسيأتي الكلام في أنّ الاستبراء بالخرطات بعد البول و بالبول بعد خروج المني موجب للحكم بطهارة الرطوبة المشتبهة؛ للنصّ و الاجماع.
و أمّا علّة أنّ الاستبراء لايكون من المطهّرات حقيقة بل يكون مانعا عن الحكم بالنجاسة، فلأنّه اذا شكّ في نجاسة الرطوبة المشتبهة فتجري قاعدة الطهارة فيحكم بالطهارة الظاهريّة. فلا وجه لتسمية الاستبراء مطهّرا. و أمّا الطهارة الواقعيّة فيكفي فيها تحقّق موضوعها الواقعي، و لا وجه لكون الاستبراء مطهّرا أيضا.
و في المهذّب: «يمكن أن يقال: انّ الاستبراء موضوع لحكم الشارع واقعا بطهارة البلل، كما أنّ الذبح الشرعي موضوع لحكم الشارع لطهارة الدم المتخلّف».(1)
«السابع عشر»: زوال التغيير في الجاري و البئر بل مطلق النابع بأيّ وجه كان و في عدّ هذا منها أيضا مسامحة و الاّ ففي الحقيقة المطهّر هو الماء الموجود في المادّة.
الشرح:
السابع عشر من المطهّرات زوال التغيّر في الجاري و البئر بل مطلق النابع بأيّ
1) - مهذّب الأحكام 2: 126.
وجه كان و لو بالقاء كرّ عليه، أو اتّصاله بالنابع. و في عدّ هذا من المطهّرات أيضا مسامحة بل زوال التغيّر من قبيل عدم المانع و في الحقيقة المطهّر هو اتّصاله بالمادّة.
«الثامن عشر»: غيبة المسلم، فانّها مطهّرة لبدنه أو لباسه أو فرشه أو ظرفه أو غير ذلك ممّا في يده بشروط خمسة: «الأوّل»: أن يكون عالما بملاقاة المذكورات النجس الفلاني. «الثاني»: علمه بكون ذلك الشيء نجسا أو متنجّسا اجتهادا أو تقليدا. «الثالث»: استعماله لذلك الشيء فيما يشترط فيه الطهارة على وجه يكون أمارة نوعيّة على طهارته من باب حمل فعل المسلم على الصحّة. «الرابع»: علمه باشتراط الطهارة في الاستعمال المفروض. «الخامس»: أن يكون تطهيره لذلك الشيء محتملاً و الاّ فمع العلم بعدمه لا وجه للحكم بطهارته، بل لو علم من حاله أنّه لايبالي بالنجاسة و أنّ الطاهر و النجس عنده سواء، يشكل الحكم بطهارته و ان كان تطهيره ايّاه محتملاً. و في اشتراط كونه بالغا أو يكفي و لو كان صبيّا مميّزا وجهان، و الأحوط ذلك. نعم، لو رأينا أنّ وليّه مع علمه بنجاسة بدنه أو ثوبه يجري عليه بعد غيبته آثار الطهارة لايبعد البناء عليها، و الظاهر الحاق الظلمة و العمى بالغيبة مع تحقّق الشروط المذكورة. ثمّ لايخفى أنّ مطهّريّة الغيبة انّما هي في الظاهر، و الاّ فالواقع على حاله، و كذا المطهّر السابق و هو الاستبراء بخلاف سائر الأمور المذكورة، فعدّ الغيبة من المطهّرات من باب المسامحة و الاّ فهي في الحقيقة من طرق اثبات التطهير.
الشرح:
قال في الجواهر: «يحكم بطهارة بدن المسلم منه المكلّف مع الغيبة عنه و علمه بالنجاسة و تلبّسه بما يشترط فيه الطهارة بلا خلاف معتدّ به أجده فيه، بل
حكى الاجماع عليه بعض شرّاح منظومة الطباطبائي، بل لعلّه كذلك نظرا الى السيرة القاطعة المعتضدة باطلاق ما دلّ على طهارة سؤر المسلم، و ان كان هو غير مساق لذلك، و بتعارف عدم السؤال عن ازالة النجاسات مع القطع بعروضها، بل قد يعدّ السؤال من المنكرات كالانكار على مخالفة الضروريّات المرجّحة للعمل بظاهر حال المسلم من عدم عصيانه و سهوه و نسيانه على الأصل. - الى أن قال: - فالعمدة السيرة القاطعة المعتضدة بما عرفت، و لعلّها كذلك أيضا بالنسبة الى غير بدنه من ثيابه أو فرشه و أوانيه و غيرها مع القيود السابقة. و قد حكى هذه السيرة القاطعة التي هي أعظم من الاجماع، السيّد الطباطبائي في منظومته فقال:
و احكم على الانسان بالطهارة *** مع غيبة تحتمل الطهارة
و هكذا ثيابه و ما معه *** لسيرة ماضية متّبعة
انتهى ملخّصا».(1)
قال في التنقيح: «و الوجه في الحكم بالطهارة معها استمرار سيرتهم القطعيّة المتّصلة بزمان المعصومين عليهم السلامعلى المعاملة مع المسلمين و ألبستهم و ظروفهم و غيرها ممّا يتعلّق بهم معاملة الأشياء الطاهرة عند الشكّ في طهارتها، مع العلم العادي بتنجّسها في زمان لا محالة، و لا سيّما في الجلود و اللحوم و السراويل؛ للعلم بتنجّسها حين الذبح أو في وقت ما من غير شكّ و مع هذا كلّه لايبنون على نجاستها بالاستصحاب و هذا ممّا لا شبهة فيه».(2)
أقول:
ما نراه فيما يجري بيننا هو الذي ذكره الماتن، من أنّه اذا رأينا نجاسة - مثل الدم - على بدن مؤمن أو مؤمنة فنقول له: هذا دم على بدنك، فيقول: أعلم، ثمّ غاب عنّا غيبة نحتمل فيها طهارته ثمّ ظهر و لم نر ذلك الدم على بدنه، و لم يكن لنا علم
بسهوه و نسيانه عن تطهيره و لم يكن غير مبال في دينه فنعامل معه معاملة الطهارة، و هذه هي السيرة التي قد جرت بيننا و كانت مستمرّة من زمن المعصومين عليهم السلام الى زماننا هذا. و نعامل هذه المعاملة مع ثيابه و ما يتعلّق به من أمتعته التي يستعملها فيما يشترط فيه الطهارة. نعم، لو علمنا بعدم طهارته أو علمنا بعدم مبالاته بالنسبة الى النجاسات أو يكون الشيء ممّا لايستعمل فيما يشترط فيه الطهارة أو لم يعلم و لم يلتفت الى نجاسة بدنه أو ما يتعلّق به أو علمنا بنسيانه، فيبعد لنا أن نعامل معه معاملة الطهارة بعد ظهوره مع غيبته و ان لم نر أثرا من تلك النجاسة. و عليه فالحاق الصبي المميّز بالمكلّف مشكل، و ان كان الأظهر الالحاق ان كانت الشرائط المذكورة موجودة. و أمّا الحاق الظلمة و العمى بالغيبة ففيه تأمّل.
ثمّ انّ ما ذكره المصنّف في ذيل المسألة من أنّ مطهّريّة الغيبة انّما هي في الظاهر، و الاّ فالواقع على حاله كالاستبراء، و انّ عدّ الغيبة من المطهّرات من باب المسامحة، و الاّ فهي في الحقيقة من طرق اثبات التطهير هو الصحيح.
(مسألة 1): ليس من المطهّرات الغسل بالماء المضاف و لا مسح النجاسة عن الجسم الصيقلي كالشيشة و لا ازالة الدم بالبصاق و لا غليان الدم في المرق و لا خبز العجين النجس و لا مزج الدهن النجس بالكرّ الحارّ و لا دبغ جلد الميتة و ان قال بكلّ قائل.
الشرح:
ليس من المطهّرات الغسل بالماء المضاف و ان حكي عن المفيد و السيّد، و لا مسح النجاسة عن الجسم الصيقلي كالزجاج، لما تقدّم من الروايات الكثيرة بأنّ الماء مطهّر للأشياء المتنجّسة الاّ ما خرج بالدليل في موارد خاصّة و الشرائط الخاصّة كمطهّريّة الشمس و الأرض و غيرهما، فما هو المحكي عن السيّد و
المفاتيح من مطهّريّة المسح المذكور ضعيف مخالف لتلك النصوص، و لا دليل يعتمد عليه، و الأصل حاكم ببقاء النجاسة.
و لا ازالة الدم بالبصاق و ان نسب الى السيّد رحمه الله القول به؛ لرواية غياث عن أبي عبداللّه عن أبيه عن عليّ عليه السلام قال:
«لا بأس أن يغسل الدم بالبصاق».(1)
فانّها مخالفة للمشهور و لم يعمل بها، فتحمل على التقيّة.
و لا غليان الدم في المرق، كما تقدّم الكلام فيه في المسألة الحاديه عشرة عند البحث عن نجاسة الدم. و لا خبز العجين النجس كما تقدّم في البحث عن الاستحالة، و أمّا مزج الدهن النجس بالكرّ الحارّ فقد تقدّم في المسألة التاسعه عشرة من الفروع المتعلّقة بالتطهير بالماء من فصل المطهّرات، من أنّه لايبعد التطهير كذلك، اذا لم يصر الماء مضافا. و لاتطهر الميتة بالدبغ، و ان ورد في بعض الأخبار ما يدلّ على طهارة جلد الميتة المدبوغ الاّ أنّها غير قابلة للاستناد اليها؛ لضعفها و معارضتها مع الأخبار الكثيرة و موافقتها للعامّة، و قد تعرّضنا لتفصيلها عند التكلّم عن نجاسة الميتة، في المسألة الثامنة.
(مسألة 2): يجوز استعمال جلد الحيوان الذي لايؤكل لحمه بعد التذكية و لو فيما يشترط فيه الطهارة و ان لم يدبغ على الأقوى. نعم، يستحبّ أن لايستعمل مطلقا الاّ بعد الدبغ.
الشرح:
يجوز استعمال جلد الحيوان الذي لايؤكل بعد التذكية و لو فيما يشترط فيه الطهارة و ان لم يدبغ؛ و ذلك لاطلاق موثّقة سماعة قال:
1) - وسائل الشيعة 1: 205 / الباب 4 من أبواب الماء المضاف / الحديث 2.
«سألته عن جلود السباع، أينتفع بها؟ فقال: اذا رميت، و سمّيت، فانتفع بجلده، و أمّا الميتة فلا».(1)
و الفرض حصول الطهارة لها بالتذكية، بناءً على قبولها كما تقدّم في أواخر مبحث نجاسة البول و سيأتي، و هو مقتضى الأصل. فما عن الشيخ و السيّد و غيرهما من المنع من استعماله قبل الدبغ بل عن الذكرى نسبته الى المشهور - كما حكاه في المستمسك عنهم - ليس له دليل ظاهر، سواء كان ذلك منهم للبناء على توقّف الطهارة على الدبغ أو على وجوب الدبغ تعبّدا؛ لأنّ الطهارة قد حصلت بالتذكية، مع أنّه مخالف للأصل و اطلاق الموثّقة.
(مسألة 3): ما يؤخذ من الجلود من أيدي المسلمين أو من أسواقهم محكوم بالتذكية و ان كانوا ممّن يقول بطهارة جلد الميتة بالدبغ.
الشرح:
قد تقدّم البحث عنه في نجاسة الميتة، و قلنا بأنّ ما يؤخذ من أيدي المسلمين أو من أسواقهم و كذا اللحوم و الشحوم محكوم بالتذكية و ان كانوا ممّن يقولون بطهارة جلد الميتة بالدبغ؛ و ذلك للروايات الكثيرة الدالّة على ذلك، ففي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام (في حديث) قال:
«واللّه انّي لأعترض السوق، فأشتري بها اللحم و السمن و الجبنّ، واللّه ما أظنّ كلّهم يسمّون هذه البربر و هذه السودان».(2)
و في صحيحة البزنطي قال:
«سألته عن الرجل يأتي السوق فيشتري جبّة فراء، لايدري أذكيّة هي أم غير ذكيّة، أيصلّي فيها؟ فقال: نعم، ليس عليكم المسألة، انّ
أبا جعفر عليه السلام كان يقول: انّ الخوارج ضيّقوا على أنفسهم بجهالتهم، انّ الدين أوسع من ذلك».(1)
و في رواية اسماعيل بن عيسى قال:
«سألت أباالحسن عليه السلام عن الجلود الفراء يشتريها الرجل في سوق من أسواق الجبل، أيسأل عن ذكاته اذا كان البائع مسلما غير عارف؟ قال: عليكم أنتم أن تسألوا عنه اذا رأيتم المشركين يبيعون ذلك، و اذا رأيتم يصلّون فيه فلاتسألوا عنه».(2)
(مسألة 4): ما عدا الكلب و الخنزير من الحيوانات التي لايؤكل لحمها قابل للتذكية فجلده و لحمه طاهر بعد التذكية.
الشرح:
قد تقدّم البحث عن ذلك في أواخر مبحث نجاسة البول، و قد ورد في ذيل موثّقة ابن بكير عن أبي عبداللّه عليه السلاممخاطبا لزرارة قال:
«يا زرارة، هذا عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله فاحفظ ذلك يا زرارة، فان كان ممّا يؤكل لحمه فالصلاة في وبره و بوله و شعره و روثه و ألبانه و كلّ شيء منه جائز اذا علمت أنّه ذكي قد ذكّاه الذبح، و ان كان غير ذلك ممّا قد نهيت عن أكله و حرّم عليك أكله فالصلاة في كلّ شيء منه فاسد، ذكّاه الذبح أو لم يذكّه».(3)
فانّ المستفاد من قوله عليه السلام: «ذكّاه الذبح أو لم يذكّه»، قبول تذكية الحيوانات التي لايؤكل لحمها، عدا الكلب و الخنزير، فجلده و لحمه طاهر بعد التذكية.
(مسألة 5): يستحبّ غسل الملاقي في جملة من الموارد مع عدم تنجّسه كملاقاة البدن أو الثوب لبول الفرس و البغل و الحمار، و ملاقاة الفأرة الحيّة مع الرطوبة مع ظهور أثرها، و المصافحة مع الناصبي بلا رطوبة، و يستحبّ النضح أي الرشّ بالماء في موارد كملاقاة الكلب و الخنزير و الكافر بلا رطوبة و عرق الجنب من الحلال و ملاقاة ما شكّ في ملاقاته لبول الفرس و البغل و الحمار، و ملاقاة الفأرة الحيّة مع الرطوبة اذا لم يظهر أثرها، و ما شكّ في ملاقاته للبول أو الدم أو المني، و ملاقاة الصفرة الخارجة من دبر صاحب البواسير، و معبد اليهود و النصارى و المجوس اذا أراد أن يصلّي فيه، و يستحبّ المسح بالتراب أو بالحائط في موارد كمصافحة الكافر الكتابي بلا رطوبة و مسّ الكلب و الخنزير بلا رطوبة و مسّ الثعلب و الأرنب.
الشرح:
في المسألة فروع:
الأوّل: يستحبّ غسل الملاقي في جملة من الموارد مع عدم تنجّسه كملاقاة البدن أو الثوب لبول الفرس و البغل و الحمار؛ للجمع بين صحيحة عبدالرحمن بن أبي عبداللّه قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل يمسّه بعض أبوال البهائم، أيغسله أم لا؟ قال: يغسل بول الحمار و الفرس و البغل، فأمّا الشاة و كلّ ما يؤكل لحمه فلا بأس ببوله».(1)
و بين صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال:
«سألته عن الثوب يوضع في مربط الدابّة على بولها أو روثها؟ قال: ان علق به شيء فليغسله، و ان أصابه شيء من الروث أو الصفرة
1) - وسائل الشيعة 3: 409 / الباب 9 من أبواب النجاسات/ الحديث 9.
التي يكون معه فلاتغسله من صفرة».(1)
و رواية معلّى بن خنيس و ابن أبي يعفور قالا:
«كنّا في جنازة و قدّامنا حمار، فبال، فجاءت الريح ببوله حتّى صكّت وجوهنا و ثيابنا، فدخلنا على أبي عبداللّه عليه السلام فأخبرناه، فقال: ليس عليكم بأس».(2)
الثاني: يستحبّ غسل ملاقي الفأرة الحيّة مع الرطوبة مع ظهور أثرها؛ للجمع بين صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال:
«سألته عن الفأرة الرطبة قد وقعت في الماء فتمشي على الثياب، أيصلّى فيها؟ قال: اغسل ما رأيت من أثرها، و ما لم تره انضحه بالماء».(3)
و بين الأخبار المعتبرة الدالّة على طهارتها و عدم وجوب الغسل من أثرها.
الثالث: يستحبّ الغسل اذا صافح الناصبي بلا رطوبة؛ لرواية خالد القلانسي قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: ألقى الذمّي فيصافحني؟ قال: امسحها بالتراب و بالحائط، قلت: فالناصب؟ قال: اغسلها».(4)
و حيث انّ المصافحة تقع بلا رطوبة فتحمل الروايات على الاستحباب؛ لعدم السراية مع الجفاف.
الرابع: يستحبّ النضح أي الرشّ بالماء في موارد كملاقاة الكلب و الخنزير و الكافر بلا رطوبة و عرق الجنب من الحلال؛ و الدليل على ذلك كلّه حسب ترتيب
ما في المتن، صحيحة البقباق قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام: اذا أصاب ثوبك من الكلب رطوبة فاغسله، و ان مسّه جافّا فاصبب عليه الماء. الحديث».(1)
بناءً على عدم سراية النجس مع الجفاف.
و صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل يصيب ثوبه خنزير فلم يغسله فذكر و هو في صلاته كيف يصنع به؟ قال: ان كان دخل في صلاته فليمض، فان لم يكن دخل في صلاته فلينضح ما أصاب من ثوبه الاّ أن يكون فيه أثر فيغسله».(2)
بناءً على عدم الاصابة بالرطوبة و لذلك قال عليه السلام: «ان كان دخل في صلاته فليمض».
و موثّقة أبي بصير قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن القميص يعرق فيه الرجل و هو جنب حتّى يبتلّ القميص؟ فقال: لا بأس، و ان أحبّ أن يرشّه بالماء فليفعل».(3)
و صحيحة محمّد بن مسلم قال:
« ... و سألته عن أبوال الدوابّ و البغال و الحمير؟ فقال: اغسله، فان لم تعلم مكانه فاغسل الثوب كلّه، فان شككت فانضحه».(4)
و قد تقدّمت آنفا صحيحة علي بن جعفر حيث قال عليه السلام في ذيلها بالنسبة الى السؤال عن الفأرة: «فان لم تر أثرها فانضحه بالماء».
الخامس: يستحبّ رشّ ما شكّ في ملاقاته للبول أو الدم أو المني بالماء؛ لصحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج قال:
«سألت أبا ابراهيم عليه السلام عن رجل يبول بالليل فيحسب أنّ البول أصابه فلايستيقن، فهل يجزيه أن يصبّ على ذكره اذا بال و لايتنشّف؟ قال: يغسل ما استبان أنّه قد أصابه و ينضح ما يشكّ فيه من جسده و ثيابه و يتنشّف قبل أن يتوضّأ».(1)
و صحيحة عبداللّه بن سنان قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل أصاب ثوبه جنابة أو دم؟ قال: ان كان علم أنّه أصاب ثوبه جنابة قبل أن يصلّي ثمّ صلّى فيه و لم يغسله فعليه أن يعيد ما صلّى، و ان كان لم يعلم به فليس عليه اعادة، و ان كان يرى أنّه أصابه شيء فنظر فلم ير شيئا، أجزأه أن ينضحه بالماء».(2)
السادس: يستحبّ الرشّ بالماء لملاقاة الصفرة الخارجة من دبر صاحب البواسير؛ و ذلك لصحيحة البزنطي قال:
«سأل رجل أبا الحسن عليه السلام و أنا حاضر، فقال: انّ بي جرحا في مقعدتي، فأتوضّأ ثمّ أستنجي ثمّ أجد بعد ذلك الندى و الصفرة تخرج من المقعدة، أفأعيد الوضوء؟ قال: قد أنقيت؟ قال: نعم، قال: لا، ولكن رشّه بالماء، و لاتعد الوضوء».(3)
و فيها و ان سأل عن الجرح، الاّ أنّه يعمّ البواسير و غيرها.
السابع: يستحبّ الرشّ في معبد اليهود و النصارى و المجوس اذا أراد
أن يصلّي فيه؛ لصحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن الصلاة في البيع و الكنائس و بيوت المجوس؟ فقال: رشّ و صلّ».(1)
الثامن: يستحبّ المسح بالتراب أو بالحائط في موارد، كمصافحة الكافر الكتابي بلا رطوبة و مسّ الكلب و الخنزير بلا رطوبة و مسّ الثعلب و الأرنب.
قال في المستمسك: «و ليس له دليل ظاهر - كما عن جماعة الاعتراف به - و ان حكي عن الوسيلة و ظاهر المقنعة و النهاية الوجوب، بل عن الأوّلين زيادة مسّ الثعلب و الأرنب، الذي لم يعثر على ذكر له في النصوص. و كأنّ المصنّف رحمه الله اعتمد على فتوى الجماعة تسامحا منه في أدلّة السنن، لكن كان عليه ذكر مسّ الفأرة و الوزغة؛ لذكره في الكتب الثلاثة، بل عن المبسوط استحبابه لمسّ كلّ نجاسة يابسة. ثمّ انّ وجه الحكم باستحباب الغسل أو المسح أو النضح في جميع ما ذكر مع أنّ ظاهر بعض أدلّته الوجوب هو الاجماع المدّعى، أو القرينة القطعيّة على عدم الوجوب».(2)
اذا علم نجاسة شيء يحكم ببقائها ما لم يثبت تطهيره. و طريق الثبوت أمور: «الأوّل»: العلم الوجداني. «الثاني»: شهادة العدلين بالتطهير أو بسبب الطهارة و ان لم يكن مطهّرا عندهما أو عند أحدهما، كما اذا أخبرا بنزول المطر على الماء النجس بمقدار لايكفي عندهما في التطهير مع كونه كافيا عنده، أو أخبرا بغسل الشيء بما يعتقدان أنّه مضاف و هو عالم بأنّه ماء مطلق و هكذا. «الثالث»: اخبار ذي اليد و ان لم يكن عادلاً. «الرابع»: غيبة المسلم على التفصيل الذي سبق. «الخامس»: اخبار الوكيل في التطهير بطهارته. «السادس»: غسل مسلم له بعنوان التطهير و ان لم يعلم أنّه غسله على الوجه الشرعي أم لا؛ حملاً لفعله على الصحّة. «السابع»: اخبار العدل الواحد عند بعضهم، لكنّه مشكل.
الشرح:
اذا علم نجاسة شيء يحكم ببقائها ما لم يثبت طهارته؛ لاستصحاب النجاسة و عدم نقض اليقين بالشكّ بل بيقين آخر. و طرق ثبوت الطهارة بعد ثبوت النجاسة أمور:
الأوّل: العلم الوجداني؛ لأنّه حجّة بذاته و هو أقوى الحجج و الطرق كما في المستند.
الثاني: شهادة العدلين بالطهارة، فلا شبهة في حجّيّة البيّنة و قد بيّنا تفصيلاً في مباحث المياه و عند البحث عمّا تثبت به النجاسة. انّما الكلام في أنّه تارة: تخبر البيّنة بسبب الطهارة، و كان السبب عند المخبر - بالفتح - موجبا للطهارة فلا اشكال في حجّيّته، و ان لم يكن مطهّرا عندهما أو عند أحدهما، كما ذكره في المتن، بأن أخبرا بنزول المطر على الماء النجس بمقدار لايكفي عندهما في التطهير مع كونه كافيا عنده، أو أخبرا بغسل الشيء بما يعتقدان أنّه مضاف و هو عالم بأنّه ماء مطلق، وهكذا. و أخرى: يشهدان بالتطهير من دون ذكر السبب، فعموم حجّيّة البيّنة يشملها، الاّ أن يعلم المشهود له بأنّ شهادتهما تكون بالسبب الذي ليس عنده مطهّرا.
الثالث: اخبار ذي اليد - كما تقدّم - ؛ لقيام السيرة القطعيّة على المعاملة مع الأشياء المعلومة نجاستها السابقة معاملة الأشياء الطاهرة لدى الشكّ اذا أخبر ذو اليد بطهارتها - كما في المستند - .
الرابع: غيبة المسلم على التفصيل الذي سبق.
الخامس: اخبار الوكيل في التطهير بطهارته.
قال في الجواهر - بالنسبة الى اخبار ذي اليد و الوكيل - : «الدليل على حجّيّة اخبار ذي اليد بتطهير ما في يده، هو السيرة المستقيمة القطعيّة في الأمصار و الأعصار المأخوذة يدا عن يد في تطهير الجواري و النساء و نحوهم ثياب ساداتهنّ و رجالهنّ، بل لعلّ ذلك من الضروريّات التي هي بمعزل عن التشكيكات. هذا مضافا الى أنّ تتبّع الأخبار بعين الانصاف و الاعتبار يورث القطع بالاكتفاء بنحو ذلك، و بأنّ كلّ ذي عمل مؤتمن على عمله، كالأخبار الواردة في القصّارين و الجزّارين و الجارية المأمورة بتطهير ثوب سيّدها، و أنّ الحجّام
مؤتمن في تطهير موضع الحجامة و نحو ذلك فضلاً عن عموم أدلّة الوكالة و تصديق الوكيل فيما وكّل فيه».(1)
السادس: غسل مسلم له بعنوان التطهير و ان لم يعلم أنّه غسله على الوجه الشرعي أم لا؛ حملاً لفعله على الصحّة.
السابع: اخبار العدل الواحد؛ لأنّ السيرة الجارية على اعتباره في الأحكام هي التي تقتضي اعتباره في الموضوعات. و قد بيّنّا ذلك تفصيلاً في مبحث اثبات النجاسة، و في مبحث الصلاة.
(مسألة 1): اذا تعارض البيّنتان أو اخبار صاحبي اليد في التطهير و عدمه تساقطا، و يحكم ببقاء النجاسة، و اذا تعارض البيّنة مع أحد الطرق المتقدّمة ما عدا العلم الوجداني تقدّم البيّنة.
الشرح:
اذا تعارضت البيّنتان، أو تعارض اخبار صاحبي اليد في التطهير و عدمه بأن أخبرت احدى البيّنتين أو أحد صاحبي اليد بالتطهير و أخبرت البيّنة الأخرى أو صاحب اليد الآخر بعدم التطهير و بقاء النجاسة، فتساقطا و يحكم ببقاء النجاسة؛ و ذلك لأنّ تصديقهما موجب للتضادّ و التناقض.
و أمّا اذا تعارضت البيّنة مع العلم الوجداني فالعلم مقدّم؛ لأنّ حجّيّته ذاتيّة و كاشفيّته عن الواقع ذاتيّة لا بجعل جاعل بخلاف البيّنة. و لو تعارضت البيّنة مع أحد الطرق المتقدّمة ما عدا العلم الوجداني، كاخبار صاحب اليد أو اخبار الوكيل أو اخبار العدل الواحد أو الثقة فتقدّم البيّنة؛ لأقوائيّة دليل البيّنة و البحث فيه موكول الى محلّه.
1) - جواهر الكلام 6: 181.
(مسألة 2): اذا علم بنجاسة شيئين فقامت البيّنة على تطهير أحدهما الغير المعيّن أو المعيّن و اشتبه عنده، أو طهّر هو أحدهما ثمّ اشتبه عليه، حكم عليهما بالنجاسة عملاً بالاستصحاب، بل يحكم بنجاسة ملاقي كلّ منهما، لكن اذا كانا ثوبين و كرّر الصلاة فيهما صحّت.
الشرح:
اذا علم بنجاسة شيئين فقامت البيّنة على تطهير أحدهما الغير المعيّن أو المعيّن و اشتبه عنده أو طهّر هو أحدهما ثمّ اشتبه عليه يجب عليه الاجتناب عنهما؛ للعلم الاجمالي بنجاسة أحدهما. و أمّا ملاقي أحدهما فان كانا متنجّسين فحيث لم يكن المتنجّس منجّسا فلايحكم بنجاسة ملاقيهما فضلاً عن أحدهما. و أمّا على القول الآخر و أنّ المتنجّس يكون منجّسا، فاذا لاقى شيء أحدهما فشكّ في تنجّسه، فأصالة الطهارة بل استصحابها محكّم.
و أمّا ما ذهب اليه المصنّف و أيّده بعض الفحول، بالحكم عليهما بالنجاسة عملاً بالاستصحاب. ففيه: انّ اجراء الاستصحاب في كلّ منهما و ان كان جائزا؛ لأنّ كلّ واحد من الشيئين كان نجسا يقينا و شكّ في طهارته فيشمله: «لاتنقض اليقين بالشكّ بل انقضه بيقين آخر»، الاّ أنّ الحكم بنجاستهما مخالف للعلم الاجمالي بطهارة أحدهما، و اليقين بنقض اليقين السابق بأنّ أحدهما صار طاهرا. فيمكن أن يقال: انّ الاستصحاب هنا موافق للروايات الصادرة باراقة الانائين المشتبهين و الاجتناب عنهما، و لاتكون نتيجة الاستصحاب هنا عمليّة، ولكنّه اذا حكم عليهما بالنجاسة بحكم الاستصحاب فنتيجته الحكم بنجاسة ملاقي أحدهما بخلاف ما لو قلنا بالاجتناب عنهما للعلم الاجمالي بنجاسة أحدهما، فانّ حكم الملاقي لأحدهما الطهارة؛ للاستصحاب.
ثمّ انّه اذا كان هناك ثوبان متنجّسان و طهر أحدهما و اشتبه الطاهر، يجوز له تكرار الصلاة فيهما؛ للاكتفاء بالامتثال الاجمالي.
(مسألة 3): اذا شكّ بعد التطهير و علمه بالطهارة في أنّه هل أزال العين أم لا، أو أنّه طهّره على الوجه الشرعي أم لا، يبني على الطهارة الاّ أن يرى فيه عين النجاسة، و لو رأى فيه نجاسة و شكّ في أنّها هي السابقة أو أخرى طارئة، بنى على أنّها طارئة.
الشرح:
اذا شكّ بعد التطهير و علمه بالطهارة في أنّه هل أزال العين أم لا، أو أنّه طهّره على الوجه الشرعي أم لا، يبني على الطهارة؛ و ذلك لأنّ شكّه هذا يرجع الى الشكّ في صحّة العمل أو فساده بعد العلم باتيان العمل، فالمورد من اجراء قاعدة الصحّة بعد تمام العمل. كما اذا أدّى الصلاة و شكّ بعدها في صحّتها و أنّه قد أتى بالركوع في الركعة الأولى مثلاً أم لا؟ بنى على الصحّة؛ لقاعدة الفراغ.
و في التنقيح قال: «انّ المورد ليس من موارد اجراء أصالة الصحّة و قاعدة التجاوز؛ لأنّ الشكّ في أنّه أزال العين أم لا يرجع الى أنّه غسل الشيء المتنجّس أم لا؟ فيكون الشكّ في أصل العمل لا في صحّة العمل، و الأصل الجاري عدم الاتيان. انتهى ملخّصا».(1)
و فيه: انّ الفرض أنّه قد علم بالطهارة، و بعد علمه هذا طرأ عليه هذا الشكّ بلا فرق بين الشكّ في أنّه طهّره على الوجه الشرعي أم لا، الذي هو الشكّ عن الصحّة و الفساد، و بين الشكّ بأنّه هل أزال العين أم لا؟ فيرجع شكّه هذا الى الصحّة و الفساد. الاّ أن يرى فيه عين النجاسة فحينئذ كشف عن كون علمه بالطهارة لم يكن علما.
ثمّ انّه لو رأى فيه نجاسة و شكّ في أنّها هي السابقة أو أخرى طارئة، بنى على أنّها طارئة؛ لأنّ المورد من موارد استصحاب الطهارة أو استصحاب عدم كون هذه سابقة.
1) - التنقيح في شرح العروة 4: 259.
(مسألة 4): اذا علم بنجاسة شيء و شكّ في أنّ لها عينا أم لا، له أن يبني على عدم العين، فلايلزم الغسل بمقدار يعلم بزوال العين على تقدير وجودها، و ان كان أحوط.
الشرح:
ما ذهب اليه المصنّف في هذه المسألة صحيح؛ لأنّه اذا شكّ في أنّ هذا الشيء المتنجّس كان فيه للنجاسة عين أم لا، يستصحب عدم العين لها. فلايلزم الغسل بمقدار يعلم بزوال العين على تقدير وجودها.
قال في المستمسك: «لأنّ وجود العين من موانع التطهير شرعا، و يمكن احراز عدمها بالأصل، كسائر الموانع. نعم، لو كانت العين حاجبة عن وصول الماء الى المحلّ فأصالة عدمها لاتثبت وصوله اليه الاّ بناءً على الأصل المثبت أو يدّعى قيام السيرة بالخصوص، كما ادّعي في التطهير من الحدث».(1)
(مسألة 5): الوسواسي يرجع في التطهير الى المتعارف و لايلزم أن يحصل له العلم بزوال النجاسة.
الشرح:
الوسواسي يرجع في التطهير الى المتعارف و لايلزم أن يحصل له العلم بزوال النجاسة؛ لأنّه لايحصل له العلم غالبا، و من جانب آخر لايسقط عنه التطهير فلا بدّ من الرجوع الى المتعارف، فهذا حكم تطهير بدنه و ثوبه و متاعه، وان لم يحصل له العلم.
1) - مستمسك العروة 2: 153.
(مسألة 1): لايجوز استعمال الظروف المعمولة من جلد نجس العين أو الميتة فيما يشترط فيه الطهارة من الأكل و الشرب و الوضوء و الغسل، بل الأحوط عدم استعمالها في غير ما يشترط فيه الطهارة أيضا، و كذا غير الظروف من جلدهما، بل و كذا سائر الانتفاعات غير الاستعمال، فانّ الأحوط ترك جميع الانتفاعات منهما، و أمّا ميتة ما لا نفس له كالسمك و نحوه فحرمة استعمال جلده غير معلوم، و ان كان أحوط، و كذا لايجوز استعمال الظروف المغصوبة مطلقا، و الوضوء و الغسل منها مع العلم باطل مع الانحصار بل مطلقا. نعم، لو صبّ الماء منها في ظرف مباح فتوضّأ أو اغتسل صحّ، و ان كان عاصيا من جهة تصرّفه في المغصوب.
الشرح:
لايجوز الأكل و الشرب و الوضوء و الغسل من الظروف المصنوعة من جلد نجس العين أو الميتة؛ لتنجّس المظروف بملاقاتها. و أمّا استعمال تلك الظروف فيما لايشترط فيه الطهارة فيجوز؛ لجواز الانتفاع بها. و أمّا ميتة ما لا نفس له كالسمك و نحوه، فلاتكون نجسة فيجوز استعماله مطلقا. و أمّا التصرّف في
الظروف المغصوبة فلايجوز مطلقا؛ لقوله صلى الله عليه و آلهفي موثّقة سماعة:
«من كانت عنده أمانة فليؤدّها الى من ائتمنه عليها، فانّه لايحلّ دم امرئ مسلم و لا ماله الاّ بطيبة نفسه».(1)
و كذا قوله عليه السلام في التوقيع المروي عن الاحتجاج و اكمال الدين:
«فلايحلّ لأحد أن يتصرّف في مال غيره بغير اذنه».(2)
و لايجوز الوضوء و الغسل من الظروف المغصوبة أو فيها اذا عدّ تصرّفا، سواء كان غير منحصر أو منحصرا، بل يجب عليه التيمّم.
و أمّا صحّة وضوئه و غسله أو بطلانهما و الصور المتصوّرة فيه فستأتي في المسألة الرابعه عشرة في البحث عن أواني الذهب و الفضّة و استعمالهما في الوضوء و الغسل. نعم، لو صبّ الماء في ظرف مباح فتوضّأ أو اغتسل صحّ؛ لعدم صدق التصرّف بعنوان الوضوء أو الغسل في الاناء المغصوب. نعم، لو صدق التصرّف على هذا الفعل يعدّ عاصيا من هذه الجهة، و أمّا وضوؤه و غسله حيث كان من ظرف مباح فصحيح.
(مسألة 2): أواني المشركين و سائر الكفّار محكومة بالطهارة ما لم يعلم ملاقاتهم لها مع الرطوبة المسرية بشرط أن لاتكون من الجلود، و الاّ فمحكومة بالنجاسة الاّ اذا علم تذكية حيوانها أو علم سبق يد مسلم عليها، و كذا غير الجلود و غير الظروف ممّا في أيديهم ممّا يحتاج الى التذكية كاللحم و الشحم و الألية، فانّها محكومة بالنجاسة الاّ مع العلم بالتذكية أو سبق يد المسلم عليه، و أمّا ما لايحتاج الى التذكية فمحكوم بالطهارة الاّ مع العلم بالنجاسة، و لايكفي الظنّ بملاقاتهم لها مع الرطوبة، و المشكوك في كونه من
جلد الحيوان أو من شحمه أو أليته محكوم بعدم كونه منه فيحكم عليه بالطهارة و ان أخذ من الكافر.
الشرح:
قد تقدّم الكلام حول طهارة بدن الكفّار من أهل الكتاب في البحث عن النجاسات، فتكون ألبستهم و أوانيهم طاهرة الاّ أن يعلم ملاقاتها مع الخمر و الميتة و الخنزير و غيرها من النجاسات. و أمّا سائر الكفّار و المشركين الذين يكون أبدانهم نجسة فأوانيهم و ألبستهم محكومة بالطهارة؛ لقاعدة الطهارة الاّ اذا علم ملاقاتهم لها مع الرطوبة المسرية و لايكفي الظنّ بالملاقاة؛ لعدم حجّيّته. نعم، اذا كانت أوانيهم من الجلود فان علم تذكية حيوانها أو علم سبق يد مسلم عليها، فكأوانيهم الأخر، و الاّ فمحكومة بالنجاسة، و كذا اللحم و الشحم و الألية؛ وذلك لأنّ ما في أيديهم ممّا يحتاج الى التذكية محكوم بعدم التذكية فيكون نجسا الاّ ما علم تذكيته بالشرائط أو علم سبق يد مسلم عليه. و المشكوك في كونه من جلد الحيوان أو من شحمه أو الميتة فيحكم عليه بالطهارة و ان أخذ من الكافر؛ لأصالة عدم كونه من الحيوان فتجري عليه أصالة الطهارة.
(مسألة 3): يجوز استعمال أواني الخمر بعد غسلها، و ان كانت من الخشب أو القرع أو الخزف الغير المطلّى بالقير أو نحوه، و لايضرّ نجاسة باطنها بعد تطهير ظاهرها داخلاً و خارجا بل داخلاً فقط. نعم، يكره استعمال ما نفذ الخمر الى باطنه الاّ اذا غسل على وجه يطهر باطنه أيضا.
الشرح:
يجوز استعمال أواني الخمر بعد غسلها و ان كانت من الخشب أو القرع أو الخزف الغير المطلّى بالقير أو نحوه؛ و ذلك لموثّقة عمّار بن موسى عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن الدنّ يكون فيه الخمر، هل يصلح أن يكون فيه خلّ أو ماء كامخ(1)أو زيتون؟ قال: اذا غسل فلا بأس. و عن الابريق و غيره يكون فيه خمر، أيصلح أن يكون فيه ماء؟ قال: اذا غسل فلا بأس. و قال: في قدح أو اناء يشرب فيه الخمر، قال: تغسله ثلاث مرّات. و سئل أيجزيه أن يصبّ فيه الماء؟ قال: لايجزيه حتّى يدلكه بيده و يغسله ثلاث مرّات».(2)
و لاتعارضها صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام قال:
«سألته عن نبيذ قد سكن غليانه - الى أن قال: - و سألته عن الظروف؟ فقال: نهى رسول اللّه صلى الله عليه و آله عن الدبّاء و المزفّت، و زدتم أنتم الحنتم - يعني الغضار - و المزفّت يعني الزفت الذي يكون في الزقّ و يصبّ في الخوابي ليكون أجود للخمر، قال: و سألته عن الجرار الخضر والرصاص؟ فقال: لا بأس بها».(3)
و الدبّاء هو الظروف المصطنعة من القرع، و المزفّت من الأوعية هو الاناء الذي طلي بالزفت و هو القير. و الحنتم هي الجرار الصلبة المصنوعة من الخزف و قد يعبّر عنها بالجرار الخضر.
و رواية أبي الربيع الشامي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«نهى رسول اللّه صلى الله عليه و آله عن كلّ مسكر، فكلّ مسكر حرام. قلت: فالظروف التي يصنع فيها منه؟ فقال: نهى رسول اللّه صلى الله عليه و آله عن الدبّاء و المزفّت و الحنتم و النقير، قلت: و ما ذلك؟ قال: الدباء: القرع. و المزفّت: الدنان. و الحنتم: جرار خضر. و النقير: خشب كان أهل
الجاهليّة ينقرونها حتّى يصير لها أجواف ينبذون فيها».(1)
و ذلك لحملهما على الكراهة جمعا.
قال في المستمسك: «و عن النهاية و ابن البرّاج المنع عن استعمال غير الصلب منها، و ربّما نسب الى ابن الجنيد أيضا؛ لما في الخمر من الحدّة و النفوذ، و لصحيحة محمّد بن مسلم، و رواية أبي الربيع الشامي. و فيه: انّ نفوذ الخمر كنفوذ الماء، فلو منع مثله عن التطهير لامتنع تطهير الاناء المتنجّس بالماء النجس الموضوع فيه، و أمّا الروايتان، فالأولى منهما غير ظاهرة في خصوص ظروف الخمر، و أنّ متنه لايخلو من اضطراب. و الثانية منهما ضعيفة السند. و أنّهما مشتملان على المزفت الذي هو من الصلب. فهما معارضتان بموثّقة عمّار التي تأبى عن التقييد، و لا سيّما مع التصريح فيها بالدنّ الذي هو الحبّ. فلأجل ذلك حملنا على المنع من الانتباذ فيها - كما هو الظاهر منهما - أو على الكراهة. انتهى ملخّصا».(2)
(مسألة 4): يحرم استعمال أواني الذهب أو الفضّة في الأكل و الشرب و الوضوء و الغسل و تطهير النجاسات و غيرها من سائر الاستعمالات، حتّى وضعها على الرفوف للتزيين، بل يحرم تزيين المساجد و المشاهد المشرّفة بها، بل يحرم اقتناؤها من غير استعمال، و يحرم بيعها و شراؤها و صياغتها و أخذ الأجرة عليها، بل نفس الأجرة أيضا حرام؛ لأنّها عوض المحرّم، و اذا حرّم اللّه شيئا حرّم ثمنه.
الشرح:
و لنذكر أوّلاً الروايات الواردة في الباب:
منها صحيحة محمّد بن اسماعيل بن بزيع قال:
«سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام عن آنية الذهب و الفضّة فكرهها، فقلت: قد روى بعض أصحابنا أنّه كان لأبي الحسن عليه السلام مرآة ملبّسة فضّة، فقال: لا - والحمدللّه - انّما كانت لها حلقة من فضّة، و هي عندي. الحديث».(1)
و منها موثّقة سماعة بن مهران عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لاينبغي الشرب في آنية الذهب و الفضّة».(2)
و منها صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«لاتأكل في آنية ذهب و لا فضّة».(3)
و منها صحيحة عبيداللّه بن علي الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام:
«أنّه كره آنية الذهب و الفضّة و الآنية المفضّضة».(4)
و منها صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لاتأكل في آنية من فضّة، و لا في آنية مفضّضة».(1)
و منها صحيحة ثانية لمحمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام:
«انّه نهى عن آنية الذهب و الفضّة».(2)
و منها رواية موسى بن بكر عن أبي الحسن موسى عليه السلام قال:
«آنية الذهب و الفضّة متاع الذين لايوقنون».(3)
و منها رواية داود بن سرحان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لاتأكل في آنية الذهب و الفضّة».(4)
و قد دلّت الروايات على حرمة الأكل و الشرب في آنية الذهب و الفضّة. و الظاهر أنّ هذا متسالم عليه بين الأصحاب.
قال في المستمسك: «يحرم استعمال أواني الذهب و الفضّة في الأكل و الشرب اجماعا، حكاه جماعة كثيرة، كالعلاّمة والشهيد، والأردبيلي، و السيّد في المدارك، و غيرهم. بل عن المنتهى: «انّه اجماع كلّ من يحفظ عنه العلم، الاّ ما نقل عن داود، فانّه حرّم الشرب خاصّة، و الشافعي من أنّ النهي نهي تنزيه».(5)
قال في المدارك: «أجمع الأصحاب على تحريم استعمال أواني الذهب و الفضّة في الأكل و الشرب و غيرهما، قاله في التذكرة و غيرها».(6)
و أمّا حرمة استعمال آنية الذهب و الفضّة في غير الأكل و الشرب فان لم يكن هناك اجماع كاشف عن رأي الامام، ففيه اشكال؛ فانّ الروايات الواردة في الباب
1) - وسائل الشيعة 3: 509 / الباب 66 من أبواب النجاسات / الحديث 1.
2) - وسائل الشيعة 3: 506 / الباب 65 من أبواب النجاسات / الحديث 3.
3) - وسائل الشيعة 3: 507 / الباب 65 من أبواب النجاسات / الحديث 4.
4) - وسائل الشيعة 3: 506 / الباب 65 من أبواب النجاسات / الحديث 2.
5) - مستمسك العروة 2: 164.
6) - مدارك الأحكام 2: 379.
تنهى عن الأكل و الشرب، الاّ أنّ في صحيحة عبيداللّه الحلبي و صحيحة ابن بزيع عن الصادق و الرضا عليهماالسلام أنّهما كرها آنية الذهب و الفضّة، و كذا في صحيحة محمّد بن مسلم النهي من آنية الذهب و الفضّة، فيمكن حملها على الأكل و الشرب بقرينة سائر الروايات. و لا صراحة في هذه الروايات الثلاث لحرمة استعمالهما مطلقا. و الاجماع المذكور يكون مدركه هذه الروايات بالظنّ القوي بل الاطمئنان، و لايكون دليلاً غير الروايات. فبناءً عليه الحكم بالحرمة مشكل الاّ أنّ الاحتياط لايترك؛ لذهاب المشهور الى الحرمة، بل ادّعي عليه الاجماع.
و في التنقيح - بعد الاحتمالات الأربعة في الروايات - قال: «أظهرها أنّ المقدّر منهما هو الأكل و الشرب فحسب؛ لأنّ النهي عن كلّ شيء انّما هو بحسب الأثر المرغوب منه، و قد تقدّم أنّ الأثر المرغوب منه في الآنية هو الأكل و الشرب منها، و على ذلك تتّحد الصحيحتان مع الأخبار الناهية عن الأكل و الشرب من آنية الذهب و الفضّة، و لايبقى دليل على المنع عن مطلق الاستعمال».(1)
و قد اتّضح حكم الفروع التي عنونها المصنّف من حرمة مطلق الاستعمال من الوضوء و الغسل و تطهير النجاسات، حتّى وضعها على الرفوف للتزيين، و تزيين المساجد و المشاهد المشرّفة بها و اقتنائها، و بيعها و شرائها و صياغتها و أخذ الأجرة عليها، فكلّ من هذه الفروع ليس على حرمتها دليل، و لعلّ المصنّف استفاد الحرمة من تلك الروايات المذكورة.
و لايترك الاحتياط بعدم استعمال آنية الذهب و الفضّة مطلقا. و أمّا سائر الموارد المذكورة في المتن فلا اشكال فيها، و لا حرمة.
ثمّ انّه بناءً على حرمة استعمال آنية الذهب و الفضّة فالوضوء و الغسل منها و ان كان حراما من جهة الاستعمال الاّ أنّه لايبطل الوضوء و الغسل. نعم، لو توضّأ الوضوء الارتماسي فيها فلايبعد البطلان؛ لاتّحاد الغسل الحرام مع الاستعمال. و
1) - التنقيح في شرح العروة 4: 284.
الاحتياط لايترك. كما أنّه لايحرم المأكول و المشروب الواقعين في آنية الذهب و الفضّة؛ لأنّ الحرام استعمال تلك الظروف.
(مسألة 5): الصفر أو غيره الملبّس بأحدهما يحرم استعماله اذا كان على وجه لو انفصل كان اناءً مستقلاًّ، و أمّا اذا لم يكن كذلك فلايحرم، كما اذا كان الذهب أو الفضّة قطعات منفصلات لبس بهما الاناء من الصفر داخلاً أو خارجا.
الشرح:
الصفر أو غيره الملبّس بأحدهما لايحرم استعماله؛ لأنّ المحرّم هو استعمال آنية الذهب و الفضّة لا آنية الصفر أو غيره الملبّس بهما، نعم، لو كان على وجه لو انفصل كان اناءً مستقلاًّ من ذهب أو فضّة يحرم استعماله. و كذلك لايحرم استعمال آنية من الصفر و غيره قد لبست بقطعات منفصلات من الذهب و الفضّة سواء كانت في القسم الداخلي للظرف أو الخارجي، ففي صحيحة معاوية بن وهب قال:
«سئل أبوعبداللّه عليه السلام عن الشرب في القدح فيه ضبّة من فضّة؟ قال: لا بأس، الاّ أن تكره الفضّة فتنزعها».(1)
و صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لا بأس أن يشرب الرجل في القدح المفضّض، و اعزل فمك عن موضع الفضّة».(2)
(مسألة 6): لا بأس بالمفضّض و المطلّى و المموّه بأحدهما. نعم، يكره استعمال المفضّض، بل يحرم الشرب منه اذا وضع فمه على موضع الفضّة بل الأحوط ذلك في المطلّى أيضا.
الشرح:
لا بأس بالمفضّض و المطلّى و المموّه بأحدهما؛ لأنّ النهي قد ورد عن استعمال آنية الذهب والفضّة، و قد دلّ على عدم المنع بالخصوص صحيحة عبداللّه بن سنان المتقدّمة في المسألة السابقة. نعم، يكره استعمال المفضّض؛ للجمع بين الصحيحة المذكورة، و صحيحة عبيداللّه الحلبي:
«عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه كره آنية الذهب و الفضّة و الآنية المفضّضة».(1)
و صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لاتأكل في آنية من فضّة، و لا في آنية مفضّضة».(2)
و لايضع فمه على موضع الفضّة؛ لصحيحة عبداللّه بن سنان المتقدّمة و رواية الصدوق مثلها. و زاد:
«فان لم يجد بدّا من الشرب في القدح المفضّض عدل بفمه عن موضع الفضّة».(3)
(مسألة 7): لايحرم استعمال الممتزج من أحدهما مع غيرهما اذا لم يكن بحيث يصدق عليه اسم أحدهما.
الشرح:
اذا امتزج اناء من الصفر و الذهب أو الفضّة، فان كان بحيث يصدق عليه اسم الفضّة أو الذهب فيقال: انّه اناء الذهب أو اناء الفضّة، فيحرم استعماله، و ان لم يصدق عليه اسم أحدهما فلايحرم استعماله.
(مسألة 8): يحرم ما كان ممتزجا منهما و ان لم يصدق عليه اسم أحدهما، بل و كذا ما كان مركّبا منهما بأن كان قطعة منه من ذهب و قطعة منه من فضّة.
الشرح:
يحرم الأكل و الشرب من الآنية الممتزجة من الذهب و الفضّة، و ان لم يصدق أحدهما عليها، و كذا من الآنية التي قطعة منها من الذهب و قطعة أخرى من الفضّة؛ و ذلك و ان كان المنع ورد في الروايات عن آنية الذهب أو آنية الفضّة و لم يصدق أحدهما على تلك الآنية الاّ أنّ المستفاد عرفا المنع منها أيضا، فانّ الشيئين المحرّمين اذا امتزجا يحكم العرف بأنّه محرّم أيضا كالميتة و الدم و ان لم يقل بأنّه دم أو لم يقل بأنّه ميتة.
(مسألة 9): لا بأس بغير الأواني اذا كان من أحدهما كاللوح من الذهب أو الفضّة و الحلي كالخلخال و ان كان مجوفا، بل و غلاف السيف و السكّين و امامة الشطب، بل و مثل القنديل، و كذا نقش الكتب و السقوف و الجدران بهما.
الشرح:
قد عرفت في المسألة الرابعة حرمة استعمال أواني الذهب والفضّة في الأكل و الشرب بل مطلقا، و الدليل على المنع قد ورد في الأواني، و لا بأس بغير الأواني اذا كان من الذهب أو الفضّة، كاللوح من الذهب أو الفضّة و الحلي كالخلخال و غيرها
من الأمثلة المذكورة في المتن. و قد دلّ على جواز ذلك روايات:
منها صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال:
«سألته عن المرآة هل يصلح امساكها اذا كان لها حلقة فضّة؟ قال: نعم، انّما كره استعمال ما يشرب به».(1)
و منها صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن التعويذ يعلّق على الحائض؟ قال: نعم، اذا كان في جلد أو فضّة أو قصبة حديد».(2)
ومنها صحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«انّ اسم النبي صلى الله عليه و آله في صحف ابراهيم الماحي - الى أن قال: - و كانت له عمامة تسمّى السحاب، و كان له درع تسمّى ذات الفضول لها ثلاث حلقات فضّة: حلقة بين يديها، و حلقتان خلفها. الحديث».(3)
و منها رواية أحمد بن عبداللّه قال:
«سألت أبا الحسن عليه السلام عن ذي الفقار سيف رسول اللّه صلى الله عليه و آله من أين هو؟ قال: هبط به جبرئيل من السماء و كان عليه حلية من فضّة، و هو عندي».(4)
و منها صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«ليس بتحلية السيف بأس بالذهب و الفضّة».(5)
و منها رواية داود بن سرحان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
1) - وسائل الشيعة 3: 511 / الباب 67 من أبواب النجاسات / الحديث 5.
2) - وسائل الشيعة 3: 511 / الباب 67 من أبواب النجاسات / الحديث 2.
3) - وسائل الشيعة 3: 512 / الباب 67 من أبواب النجاسات / الحديث 7.
4) - وسائل الشيعة 3: 512 / الباب 67 من أبواب النجاسات / الحديث 8.
5) - وسائل الشيعة 5: 104 / الباب 64 من أبواب أحكام الملابس / الحديث 1.
«ليس بتحلية المصاحف و السيوف بالذهب و الفضّة بأس».(1)
و لاتعارضها صحيحة علي بن جعفر قال:
«سألته عن السرج واللجام فيه الفضّة، أيركب به؟ قال: ان كان مموّها لايقدر على نزعه فلا بأس، و الاّ فلا يركب به».(2)
و صحيحة محمّد بن اسماعيل بن بزيع قال:
«سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام عن آنية الذهب و الفضّة فكرهها، فقلت: قد روى بعض أصحابنا أنّه كان لأبي الحسن عليه السلام مرآة ملبّسة فضّة فقال: لا - و الحمدللّه - انّما كانت لها حلقة من فضّة، و هي عندي، ثمّ قال: انّ العبّاس حين عذر عمل له قضيب ملبّس من فضّة من نحو ما يعمل للصبيان تكون فضّة نحوا من عشرة دراهم، فأمر به أبوالحسن عليه السلام فكسر».(3)
و رواية الفضيل بن يسار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن السرير فيه الذهب أيصلح امساكه في البيت؟ فقال: ان كان ذهبا فلا و ان كان ماء الذهب فلا بأس».(4)
لأنّها تحمل على الكراهة جمعا، مع ما في دلالة هذه الروايات على المنع من الخدشة كما في التنقيح.(5)
1) - وسائل الشيعة 5: 105 / الباب 64 من أبواب أحكام الملابس / الحديث 3.
2) - وسائل الشيعة 3: 510 / الباب 67 من أبواب النجاسات / الحديث 6.
3) - وسائل الشيعة 3: 505 / الباب 65 من أبواب النجاسات / الحديث 1.
4) - وسائل الشيعة 3: 510 / الباب 67 من أبواب النجاسات / الحديث 1.
5) - التنقيح في شرح العروة 4: 292 - 294.
(مسألة 10): الظاهر أنّ المراد من الأواني ما يكون من قبيل الكأس و الكوز و الصيني و القدر و السماور و الفنجان و ما يطبخ فيه القهوة و أمثال ذلك مثل كوز القليان، بل و المصفّاة و البشقاب و النعلبكي، دون مطلق ما يكون ظرفا، فشمولها لمثل رأس القليان و رأس الشطب و قراب السيف و الخنجر و السكّين و قاب الساعة و ظرف الغالية و الكحل و العنبر و المعجون و الترياك و نحو ذلك غير معلوم و ان كانت ظروفا؛ اذ الموجود في الأخبار لفظ الآنية و كونها مرادفا للظرف غير معلوم بل معلوم العدم، و ان كان الأحوط في جملة من المذكورات الاجتناب. نعم، لا بأس بما يصنع بيتا للتعويذ اذا كان من الفضّة بل الذهب أيضا. و بالجملة فالمناط صدق الآنية و مع الشكّ فيه محكوم بالبراءة.
الشرح:
قد عرفت أنّ ما كان حراما استعماله في الأكل و الشرب هو الاناء، فانّ معناه و ان كان في كتب اللغة متفاوتا ففي بعضها قد فسّر بالأعمّ الاّ أنّ من القرينة المذكورة في الروايات التي هي الأكل و الشرب منه يعرف أنّ الاناء غير الوعاء و غير الظرف بل هو ظرف خاصّ يستطيع الانسان أن يستعمله في الشرب كما في قوله عليه السلام في ذيل صحيحة علي بن جعفر المتقدّمة في المسألة السابقة: «انّما كره استعمال ما يشرب منه»، أو الأكل كما في الروايات الأخر، فما مثّل به في المتن يقال له الاناء، و أمّا مثل رأس القليان و رأس الشطب (رأس السيف) و قراب السيف (جفنه، و هو وعاء السيف) و غيرها ممّا أتى بها في المتن لايصدق عليها اسم الاناء. و مع الشكّ فيه محكوم بالبراءة؛ للشكّ في التكليف.
(مسألة 11): لا فرق في حرمة الأكل و الشرب من آنية الذهب و الفضّة بين مباشرتهما لفمه أو أخذ اللقمة منها و وضعها في الفم، بل و كذا اذا وضع ظرف الطعام في الصيني من أحدهما، و كذا اذا وضع الفنجان في النعلبكي من أحدهما، و كذا لو فرغ ما في الاناء من أحدهما في ظرف آخر لأجل الأكل و الشرب لا لأجل نفس التفريغ، فانّ الظاهر حرمة الأكل و الشرب؛ لأنّ هذا يعدّ أيضا استعمالاً لهما فيهما، بل لايبعد حرمة شرب الشاي في مورد يكون السماور من أحدهما، و ان كان جميع الأدوات ما عداه من غيرهما. و الحاصل أنّ في المذكورات كما أنّ الاستعمال حرام كذلك الأكل و الشرب أيضا حرام. نعم، المأكول و المشروب لايصير حراما، فلو كان في نهار رمضان لايصدق أنّه أفطر على حرام، و ان صدق أنّ فعل الافطار حرام، و كذلك الكلام في الأكل و الشرب من الظرف الغصبي.
الشرح:
قد عرفت من الروايات الواردة في الباب أنّ استعمال آنية الذهب و الفضّة في الأكل و الشرب حرام و يستفاد من اطلاق الروايات عدم الفرق في حرمة الأكل و الشرب من آنية الذهب و الفضّة بين مباشرتهما لفمه أو أخذ اللقمة منها و وضعها في الفم، و كذا اذا وضع ظرف الطعام في الصيني من أحدهما، و كذا ما كان في المتن من الأمثلة، فانّها تعدّ استعمالاً لآنية الذهب و الفضّة في الأكل و الشرب عرفا. نعم، كما قال المصنّف لايصير المأكول و المشروب حراما، فلو كان في نهار رمضان لايصدق أنّه أفطر على حرام و ان صدق أنّ فعل الافطار حرام. و كذلك الكلام في الأكل و الشرب من الظرف الغصبي، فانّ استعمال الظرف الغصبي حرام الاّ أنّ المأكول و المشروب منه لايصير حراما، كما أنّ الافطار بالمأكول والمشروب منه لايعدّ من الافطار بالحرام؛ كلّ ذلك بشهادة العرف.
(مسألة 12): ذكر بعض العلماء أنّه اذا أمر شخص خادمه فصبّ الشاي من القوري من الذهب أو الفضّة في الفنجان الفرفوري و أعطاه شخصا آخر فشرب، فكما أنّ الخادم و الآمر عاصيان كذلك الشارب لايبعد أن يكون عاصيا، و يعدّ هذا منه استعمالاً لهما.
الشرح:
اذا أمر شخص خادمه أن يصبّ الشاي من اناء من الذهب أو الفضّة في الكأس غير الذهب و الفضّة و يعطيه شخصا آخر ليشرب، فالخادم عاص ان لم يكن مكرها لاستعماله آنية الذهب أو الفضّة في الشرب بلا فرق بين شرب نفسه أو غيره؛ للاطلاق. و الآمر أيضا عاص ؛للأمر بالمعصية، و أمّا الشارب فالظاهر أنّه لايكون عاصيا؛ لعدم كون مثل هذا الشرب استعمالاً منه لهما فلا أقلّ من الشكّ في ذلك، فالأصل عدم صدور الاثم منه.
(مسألة 13): اذا كان المأكول أو المشروب في آنية من أحدهما ففرّغه في ظرف آخر بقصد التخلّص من الحرام لا بأس به و لايحرم الشرب أو الأكل بعد هذا.
الشرح:
اذا كان المأكول أو المشروب في آنية من أحدهما فأفرغه في ظرف آخر بقصد التخلّص من الحرام لا بأس به؛ لأنّه لايعدّ من الاستعمال لهما عرفا. والفرق بين هذا و بين ما لو صبّ الماء من السماور في الابريق واضح؛ فانّه يعدّ استعمالاً دون الأوّل. و قد مثّل في المهذّب(1)لعدم صدق استعمال الذهب و الفضّة بناءً على حرمة استعمالهما مطلقا، ما لو دقّ بآنية الذهب على الباب - مثلاً - ليعلم من
1) - مهذّب الأحكام 2: 161.
في الدار و يفتح له الباب، فانّه لايعدّ ذلك استعمالاً للآنية عرفا؛ لأنّ المتفاهم عرفا ممّا دلّ على حرمة استعمالهما انّما هو الاستعمالات المتعارفة بالنسبة الى الاناء، فوضعها على ورق لئلاّيذهب به الريح، أو كسر الجوز بالاناء من أحدهما - مثلاً - يشكّ في شمول الدليل له. و بالجملة مطلق الانتفاع أعمّ من الاستعمال المعهود.
(مسألة 14): اذا انحصر ماء الوضوء أو الغسل في أحد الاناءين، فان أمكن تفريغه في ظرف آخر وجب، و الاّ سقط وجوب الوضوء أو الغسل و وجب التيمّم، و ان توضّأ أو اغتسل منهما بطل، سواء أخذ الماء منهما بيده أو صبّ على محلّ الوضوء بهما أو ارتمس فيهما، و ان كان له ماء آخر أو أمكن التفريغ في ظرف آخر، و مع ذلك توضّأ أو اغتسل منهما فالأقوى أيضا البطلان؛ لأنّه و ان لم يكن مأمورا بالتيمّم الاّ أنّ الوضوء أو الغسل حينئذ يعدّ استعمالاً لهما عرفا، فيكون منهيّا عنه، بل الأمر كذلك لو جعلهما محلاًّ لغسالة الوضوء؛ لما ذكر من أنّ توضّيه حينئذ يحسب في العرف استعمالاً لهما. نعم، لو لم يقصد جعلهما مصبّا للغسالة لكن استلزم توضّيه ذلك أمكن أن يقال: انّه لايعدّ الوضوء استعمالاً لهما، بل لايبعد أن يقال: انّ هذا الصبّ أيضا لايعدّ استعمالاً فضلاً عن كون الوضوء كذلك.
الشرح:
الصور المتصوّرة في المسألة بناءً على حرمة مطلق استعمال آنية الذهب و الفضّة، أربع:
الأولى: اذا انحصر ماء الوضوء أو الغسل في آنية الذهب أو الفضّة و أمكن تفريغه في ظرف آخر، فيجب عليه التفريغ ثمّ التوضّؤ أو الغسل، فانّ هذا لايعدّ استعمالاً لهما بناءً على مبنى المصنّف في الصورة الثانية.
الثانية: الصورة الأولى مع عدم امكان التفريغ، فقد ذهب المصنّف الى
سقوط وجوب الوضوء أو الغسل و وجوب التيمّم، و ان توضّأ أو اغتسل منهما بطل، سواء أخذ الماء منهما بيده أو صبّ على محلّ الوضوء بهما أو ارتمس فيهما. و الظاهر كما قال المصنّف عدم الفرق بين أخذ الاناء بيده و الصبّ منه على وجهه و يديه أو الارتماس فيه، و بين أخذ الماء منه و الصبّ على وجهه و يديه فانّ أخذ الاناء بيده و صبّ الماء منه على وجهه و يديه و كذا الارتماس فيه يعدّ استعمالاً له عرفا و كذا أخذ الماء منه. و لو لم يمكن له الوضوء أو الغسل الاّ بأخذ الاناء و صبّ الماء منه على وجهه و يديه في الوضوء و على بدنه في الغسل أو الارتماس فيه أو الأخذ منه يجب التفريغ و ان لم يمكن يتيمّم؛ لأنّه اذا كان مقدّمة الواجب يكون حراما و للواجب بدل - نظير ما نحن فيه - فلايجوز ارتكاب مقدّمة الحرام و يجب الرجوع الى بدله أي التيمّم. ولو توضّأ أو اغتسل في هذا الحال فقد فعل حراما، أمّا بطلان الوضوء أو الغسل فلا؛ لأنّ الوضوء و الغسل ليسا عين الاستعمال عرفا الاّ في الارتماس. و لو لم يكن للواجب بدل كما لو لم يمكن التيمّم، فيرجع الى الأهمّ و المهمّ، فعليه الوضوء أو الغسل لكونهما أهمّ بجهة الصلاة.
الثالثة: اذا لم ينحصر ماء الوضوء أو الغسل في أحد الاناءين، فلو انحصر امكان وضوئه أو غسله على أخذ الاناء و صبّ الماء منه على يديه أو بدنه، أو الارتماس منه، فيجب عليه الوضوء أو الغسل من ماء آخر، فان لم يفعل فيعدّ عاصيا ولكن وضوؤه و غسله لايكون باطلاً في غير الارتماس كما تقدّم.
الرابعة: اذا جعل اناء الذهب أو الفضّة محلاًّ لغسالة الوضوء أو الغسل، فذهب المصنّف الى أنّه استعمال لهما فيحرم ذلك الجعل. و الظاهر أنّه كذلك الاّ أنّه لايضرّ بوضوئه أو غسله، فيجب عليه التجنّب منه.
ثمّ اعلم أنّ تلك الصور آتية بعينها في استعمال الظروف الغصبيّة.
(مسألة 15): لا فرق في الذهب و الفضّة بين الجيّد منهما و الرديء، و المعدني و المصنوعي، و المغشوش و الخالص اذا لم يكن الغشّ الى حدّ يخرجهما عن صدق الاسم و ان لم يصدق الخلوص. و ما ذكره بعض العلماء من أنّه يعتبر الخلوص و أنّ المغشوش ليس محرّما و ان لم يناف صدق الاسم كما في الحرير المحرّم على الرجال حيث يتوقّف حرمته على كونه خالصا لا وجه له و الفرق بين الحرير و المقام أنّ الحرمة هناك معلّقة في الأخبار على الحرير المحض بخلاف المقام، فانّها معلّقة على صدق الاسم.
الشرح:
انّ حكم استعمال آنية الذهب و الفضّة في الأكل و الشرب أو مطلقا ورد على آنيتهما، فاذا لم يعيّن الشارع أنّ المراد من الآنية منهما الخالصة من الذهب و الفضّة أو الأعمّ فيرجع الى العرف، فاذا صدق أنّ هذه آنية الذهب أو الفضّة يحرم استعمالها. و الفرق بينها و بين الحرير المحرّم على الرجال حيث يتوقّف حرمته على كونه خالصا، أنّ الحرمة بالنسبة الى الحرير معلّقة في الأخبار على الحرير المحض بخلاف المقام فانّها معلّقة على صدق الاسم.
(مسألة 16): اذا توضّأ أو اغتسل من اناء الذهب أو الفضّة مع الجهل بالحكم أو الموضوع صحّ.
الشرح:
لو توضّأ بنحو الارتماس من آنية الذهب أو الفضّة أو أخذ الآنية و صبّ الماء على وجهه و رأسه و سائر أعضائه في الغسل و كذا في الوضوء، و لم يعلم بأنّ الآنية من الذهب أو الفضّة لم يبطل وضوؤه و غسله - و لو بناءً على حرمة استعمال آنية الذهب و الفضّة مطلقا، أو في الصورة التي قلنا ببطلان الوضوء فيها - ؛لأنّه مع الجهل بالموضوع فلا حرمة، و لم يجتمع الأمر و النهي في واحد. و كذا لو علم بأنّ
الآنية من الذهب أو الفضّة ولكن لم يعلم حكمها عن قصور تقليدا أو اجتهادا، فيصحّ وضوؤه و غسله؛ لحديث الرفع.
(مسألة 17): الأواني من غير الجنسين لا مانع منها و ان كانت أعلى و أغلى، حتّى اذا كانت من الجواهر الغالية كالياقوت و الفيروزج.
الشرح
الأواني من غير الجنسين أي الذهب و الفضّة لا مانع منها و ان كانت أغلى ثمنا و أعلى جوهرة كالياقوت و الفيروزج؛ و ذلك لأنّ الأصل في الأشياء الاباحة الاّ ما ورد النهي عنه، و قد ورد النهي عن استعمال آنية الذهب و الفضّة في الأكل و الشرب أو مطلقا.
(مسألة 18): الذهب المعروف بالفرنكي لا بأس بما صنع منه؛ لأنّه في الحقيقة ليس ذهبا، و كذا الفضّة المسمّاة بالورشو فانّها ليست فضّة، بل هي صفر أبيض.
الشرح
قد تقدّم أنّ الحرمة جعلت على استعمال آنية الذهب والفضّة في الأكل و الشرب أو مطلقا، و أمّا الأواني غير الذهب و الفضّة حقيقة لاتحرم و ان سمّيت آنية الذهب أو الفضّة خطأً بعد العلم بحقيقته كما مثّل في المتن.
(مسألة 19): اذا اضطرّ الى استعمال أواني الذهب أو الفضّة في الأكل و الشرب و غيرهما جاز، و كذا في غيرهما من الاستعمالات. نعم، لايجوز التوضّؤ و الاغتسال منهما بل ينتقل الى التيمّم.
الشرح:
اذا اضطرّ الى استعمال أواني الذهب أو الفضّة في الأكل و الشرب و غيرهما على فرض حرمة مطلق الاستعمال جاز؛ لحديث الرفع و هو قوله صلى الله عليه و آله:
«رفع عن أمّتي تسعة و عدّ منها ما اضطرّوا اليه».(1)
نعم، لايجوز التوضّؤ و الاغتسال منهما على الصورتين اللتين تقدّمتا في المسألة الرابعه عشرة؛ و ذلك لبدليّة التيمّم عنهما، و ينتقل حينئذ الى التيمّم.
(مسألة 20): اذا دار الأمر في حال الضرورة بين استعمالهما أو استعمال الغصبي قدّمهما.
الشرح
اذا دار الأمر في حال الضرورة بين استعمال آنية الذهب و الفضّة، و استعمال الغصبي، قدّم استعمال آنية الذهب و الفضّة؛ و ذلك لشدّة توصية الشارع بالاجتناب عن التصرّف في أموال المسلمين بغير اذنهم، المستكشف منها أنّه اذا اضطرّ الشخص بين فعل المحذورين المذكورين قدّم الفعل غير الغصبي.
(مسألة 21): يحرم اجارة نفسه لصوغ الأواني من أحدهما، و أجرته أيضا حرام كما مرّ.
الشرح:
الأقوى عدم حرمة صوغ الأواني من الذهب و الفضّة، و كذا لايحرم اجارة نفسه له و لايحرم الأجرة عليه؛ لعدم انحصار انتفاعها في الاستعمال للشرب و الأكل أو مطلقا، فانّ اقتناءها أو التزيين بها لايصدق عليه الاستعمال و لايحرم.
1) - وسائل الشيعة 15: 369 / الباب 56 من أبواب جهاد النفس / الحديث 1.
(مسألة 22): يجب على صاحبهما كسرهما، و أمّا غيره فان علم أنّ صاحبهما يقلّد من يحرّم اقتناءهما أيضا و أنّهما من الأفراد المعلومة في الحرمة يجب عليه نهيه، و ان توقّف على الكسر يجوز له كسرهما، و لايضمن قيمة صياغتهما. نعم، لو تلف الأصل ضمن و ان احتمل أن يكون صاحبهما ممّن يقلّد جواز الاقتناء أو كانتا ممّا هو محلّ الخلاف في كونه آنية أم لا، لايجوز له التعرّض له.
الشرح:
لايجوز استعمال آنية الذهب و الفضّة في الأكل و الشرب أو مطلقا، و لايجب على صاحبهما كسرهما. نعم، لو قيل بحرمة اقتنائهما يجب على صاحبهما كسرهما، و أمّا غير صاحبهما فان علم أنّ صاحبهما يقلّد من يحرّم اقتناء آنية الذهب و الفضّة و أنّ هذه الآنية من آنية الذهب و الفضّة يقينا، يجب على هذا الغير نهيه، و ان لم ينته الاّ بالكسر يجوز له كسرهما ان أمن الضرر على نفسه و ماله و عرضه و كذا عن الضرر على مؤمن أو مؤمنة أخرى، و لايضمن قيمة صياغتهما؛ لأنّ صوغها لم يكن جائزا و لا قيمة لها شرعا - على مبنى المصنّف و مثله - . نعم، لو تلف الأصل ضمن و لا منافاة بينهما، بل لو علم أنّ كسرهما موجب لتلف الأصل يشكل جواز الكسر. و ان احتمل أن يكون صاحبهما ممّن يقلّد من يقول بجواز الاقتناء أو كانتا ممّا هو محلّ الخلاف في كونهما آنية أم لا، لايجوز له التعرّض لهما؛ لأنّ وجوب النهي عن المنكر بل جوازه معلّق على تعيين المورد علما و أنّه يحرم فعله حتّى يكون منكرا.
(مسألة 23): اذا شكّ في آنية أنّها من أحدهما أم لا، أو شكّ في كون شيء ممّا يصدق عليه الآنية أم لا، لا مانع من استعمالها.
الشرح:
اذا شكّ في آنية أنّها من الذهب أو الفضّة أم كانت من الصفر و غيره لا مانع من استعمالها. و كذا لو كانت الآنية ممتزجة من الذهب أو الفضّة و غيرهما كالصفر و الحديد و شكّ في صدق اسم آنية الذهب و الفضّة عليها عرفا فلا مانع من استعمالها فهو من الشكّ في الشبهة الموضوعيّة.
و أمّا لو شكّ في أنّ الآنية منهما حرام فقط أو مطلق الظرف و الوعاء - كما عرفت في المسألة العاشرة - فعليه أن يرجع الى مقلَّده، فانّها من الشبهات المفهوميّة، و الموضوعات المستنبطة التي لا بدّ فيها من رجوع الجاهل الى العالم، كالصعيد، و الكرّ، و السفر الشرعي و نحوها.
(مسألة 1): يجب في حال التخلّي بل في سائر الأحوال ستر العورة عن الناظر المحترم، سواء كان من المحارم أم لا، رجلاً كان أو امرأة، حتّى عن المجنون و الطفل المميّز، كما أنّه يحرم على الناظر أيضا النظر الى عورة الغير و لو كان مجنونا أو طفلاً مميّزا، و العورة في الرجل القبل و البيضتان و الدبر، و في المرأة القبل و الدبر و اللازم ستر لون البشرة دون الحجم، و ان كان الأحوط ستره أيضا، و أمّا الشبح و هو ما يتراءى عند كون الساتر رقيقا فستره لازم و في الحقيقة يرجع الى ستر اللون.
الشرح:
يجب في حال التخلّي بل في سائر الأحوال ستر العورة عن الناظر المحترم سواء كان من المحارم أو لا، رجلاً كان أو امرأة، حتّى عن المجنون و الطفل المميّز، و الدليل على ذلك الكتاب و السنّة والاجماع و العقل.
أمّا الكتاب، فقوله تعالى: «قل للمؤمنين يغضّوا من أبصارهم و يحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم و قل للمؤمنات يغضضن من أبصارهنّ و يحفظن فروجهنّ».(1)و غيرها من الآيات المتّحدة معها في المفاد، كقوله تعالى: «و
1) - النور 24: 30 و 31.
الذين هم لفروجهم حافظون الاّ على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فانّهم غير ملومين».(1)و قوله تعالى: « ... والحافظين فروجهم و الحافظات».(2)و قال في التنقيح: «قد دلّت هذه الآيات على وجوب حفظ الفرج عن كلّ ما يترقّب منه من الاستلذاذات، اذ الاستلذاذ به قد يكون بلمسه و قد يكون بالنظر اليه؛ و ذلك لأنّ حفظ الفرج في تلك الآيات الكريمة غير مقيّد بجهة دون جهة. و معه لا حاجة في تفسير الآية الأولى الى مرسلة الصدوق قدس سره: «سئل الصادق عليه السلام عن قول اللّه عزّوجلّ: «قل للمؤمنين يغضّوا من أبصارهم و يحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم». فقال: كلّ ما كان في كتاب اللّه من ذكر حفظ الفرج فهو من الزنا الاّ في هذا الموضع فانّه للحفظ من أن ينظر اليه»، حتّى يرد بارسالها».(3)
أمّا السنّة، فروايات:
منها صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام قال:
«سألته عن ماء الحمّام؟ فقال: أدخله بازار. الحديث».(4)
و منها صحيحة رفاعة بن موسى عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: من كان يؤمن باللّه و اليوم الآخر فلايدخل الحمّام الاّ بمئزر».(5)
و منها صحيحة حريز عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لاينظر الرجل الى عورة أخيه».(6)
1) - المؤمنون 23: 5 و 6. المعارج 70: 29 و 30.
2) - الأحزاب 33: 35.
3) - التنقيح في شرح العروة 4: 316.
4) - وسائل الشيعة 2: 38 / الباب 9 من أبواب آداب الحمّام / الحديث 1.
5) - وسائل الشيعة 2: 39 / الباب 9 من أبواب آداب الحمّام / الحديث 5.
6) - وسائل الشيعة 2: 32 / الباب 3 من أبواب آداب الحمّام / الحديث 1.
و منها رواية حمزة بن أحمد عن أبي الحسن الأوّل عليه السلام قال:
«سألته أو سأله غيري عن الحمّام؟ قال: أدخله بمئزر، و غضّ بصرك. الحديث».(1)
و منها رواية عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«من دخل الحمّام فغضّ طرفه عن النظر الى عورة أخيه آمنه اللّه من الحميم يوم القيامة».(2)
و منها مرسلة الحسن بن علي بن شعبة (في تحف العقول) عن النبي صلى الله عليه و آله أنّه قال:
«يا علي عليه السلام، ايّاك و دخول الحمّام بغير مئزر، ملعون الناظر و المنظور اليه».(3)
و منها صحيحة ابن أبي يعفور قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام أيتجرّد الرجل عند صبّ الماء ترى عورته، أو يصبّ عليه الماء؟ أو يرى هو عورة الناس؟ قال: كان أبي يكره ذلك من كلّ أحد».(4)
و الكراهة هنا بمعنى المبغوضيّة.
و منها صحيحة عبيداللّه بن علي الحلبي قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يغتسل بغير ازار حيث لايراه أحد؟ قال: لا بأس».(5)
و منها رواية أبي بصير قال:
1) - وسائل الشيعة 2: 33 / الباب 3 من أبواب آداب الحمّام / الحديث 2.
2) - وسائل الشيعة 2: 33 / الباب 3 من أبواب آداب الحمّام / الحديث 4.
3) - وسائل الشيعة 2: 33 / الباب 3 من أبواب آداب الحمّام / الحديث 5.
4) - وسائل الشيعة 2: 33 / الباب 3 من أبواب آداب الحمّام / الحديث 3.
5) - وسائل الشيعة 2: 42 / الباب 11 من أبواب آداب الحمّام / الحديث 1.
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: يغتسل الرجل بارزا؟ فقال: اذا لم يره أحد فلا بأس».(1)
و منها رواية حنان بن سدير عن أبيه قال:
«دخلت أنا و أبي و جدّي و عمّي حمّاما بالمدينة، فاذا رجل في بيت المسلخ، فقال لنا: ممّن القوم؟ - الى أن قال: - ما يمنعكم من الأزر؟! فانّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله قال: عورة المؤمن على المؤمن حرام، قال: فبعث أبي الى كرباسة، فشقّها بأربعة، ثمّ أخذ كلّ واحد منّا واحدا، ثمّ دخلنا فيها - الى أن قال: - سألنا عن الرجل، فاذا هو علي بن الحسين عليه السلام».(2)
و رواية الحسين بن زيد عن الصادق عليه السلام عن آبائه عليهم السلام عن النبي صلى الله عليه و آله (في حديث المناهي) قال:
«اذا اغتسل أحدكم في فضاء من الأرض فليحاذر على عورته. و قال: لايدخلنّ أحدكم الحمّام الاّ بمئزر، و نهى أن ينظر الرجل الى عورة أخيه المسلم، و قال: من تأمّل عورة أخيه المسلم لعنه سبعون ألف ملك، و نهى المرأة أن تنظر الى عورة المرأة، و قال: من نظر الى عورة أخيه المسلم، أو عورة غير أهله متعمّدا، أدخله اللّه مع المنافقين، الذين كانوا يبحثون عن عورات الناس، و لم يخرج من الدنيا حتّى يفضحه اللّه الاّ أن يتوب».(3)
و رواية علي بن الحسين المرتضى عن علي عليه السلام في قوله عزّوجلّ: «قل للمؤمنين يغضّوا من أبصارهم و يحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم»:
«معناه لاينظر أحدكم الى فرج أخيه المؤمن، أو يمكّنه من النظر الى
فرجه، ثمّ قال: «قل للمؤمنات يغضضن من أبصارهنّ و يحفظن فروجهنّ»، أي ممّن يلحقهنّ النظر، كما جاء في حفظ الفروج، فالنظر سبب ايقاع الفعل من الزنا و غيره».(1)
فمن هذه الروايات الكثيرة تطمئنّ النفس أنّها في الجملة صادرة عن الامام عليه السلام و ان كان فيها ضعاف. و من اطلاق الآيات و الروايات يظهر صحّة ما في المتن من أنّه يجب ستر العورة عن الناظر المحترم، سواء كان من المحارم أو لا، رجلاً كان أو امرأة، حتّى عن المجنون و الطفل المميّز، كما أنّه يحرم على الناظر أيضا النظر الى عورة الغير و ان كان مجنونا أو طفلاً مميّزا.
و قد ورد في خصوص حرمة النظر الى عورة الطفل المميّز مرسلة محمّد بن جعفر عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: لايدخل الرجل مع ابنه الحمّام فينظر الى عورته، و قال: ليس للوالدين أن ينظرا الى عورة الولد، و ليس للولد أن ينظر الى عورة الوالد. الحديث».(2)
و أمّا الاجماع، فقال في المستمسك: «يجب في حال التخلّي بل في سائر الأحوال ستر العورة عن الناظر المحترم. باجماع علماء الاسلام، كما عن المعتبر، و المنتهى، و التحرير، و جامع المقاصد، و روض الجنان، و في الجواهر ادّعى الاجماع عليه محصّلاً ومنقولاً، بل ضرورة الدين في الجملة».(3)
و أمّا العقل: فينظر الانسان بعقله أنّ من جملة المفاسد في المجتمع التي قد نهى عنها الشارع نهيا شديدا من الزنا و اللواط، و منشؤهما الشهوة التي لم تلجم بلجام الشرع، ومن الأمور التي موجبة لتهييج الشهوة كشف العورة و النظر اليها،
فمن لم يهيّج بها امّا مريض، أو في سنّ الكهولة ناظرا و منظورا اليه. و عليه كيف يعقل أن يجوّز الشارع أن يكشف المسلم عورته عند الناظر المحترم أي انسان مثله غير البهائم و الطفل الغير المميّز، فمن توهّم تلك النسبة الى الشارع، فلم يدرك علل الأحكام التي بمرحلة من الدرك لمن تأمّل و تنظّر مذاق الشارع في هذه الأمور.
ثمّ اعلم أنّ العورة في الرجل القبل و البيضتان و الدبر، و في المرأة القبل و الدبر، و اللازم ستر لون البشرة دون الحجم، و ان كان الأحوط ستره أيضا. و أمّا الشبح و هو ما يتراءى عند كون الساتر رقيقا فستره لازم و في الحقيقة يرجع الى ستر اللون. و أمّا الدليل على حدّ العورة في الرجل و المرأة و ما يترتّب عليه من ستر لون البشرة و الشبح، فقد ذكرناه تفصيلاً في المجلّد الأوّل من كتاب الهادي في الصلاة(1)في البحث عن الستر و الساتر.
(مسألة 2): لا فرق في الحرمة بين عورة المسلم و الكافر على الأقوى.
الشرح:
لايبعد جواز النظر الى عورة غير المسلم اذا لم يكن عن شهوة؛ لصحيحة ابن أبي عمير عن غير واحد عن أبي عبداللّه عليه السلام، قال:
«النظر الى عورة من ليس بمسلم مثل نظرك الى عورة الحمار».(2)
و مرسلة الصدوق قال:
«روي عن الصادق عليه السلام أنّه قال: انّما كره النظر الى عورة المسلم، فأمّا النظر الى عورة من ليس بمسلم مثل النظر الى عورة الحمار».(3)
هذا مضافا الى أنّ الآيات الواردة في الكتاب و الروايات المأثورة تدلّ على حرمة النظر الى عورة المؤمن و المؤمنة أو المسلم و المسلمة و الظاهر أنّه لا اطلاق لها، و لو كان في بعضها اطلاق يقيّد بالمؤمن و المؤمنة و المسلم و المسلمة. و ما في المستمسك(1)من أنّ الروايتين المذكورتين مهجورتان و هجرهما مانع عن الاستمساك بهما ففيه منع ظاهر، و ان كان الأحوط الترك. هذا اذا لم يكن النظر عن شهوة و ان كان عن شهوة فيحرم بلا اشكال.
(مسألة 3): المراد من الناظر المحترم من عدا الطفل الغير المميّز، و الزوج و الزوجة، و المملوكة بالنسبة الى المالك، و المحلّلة بالنسبة الى المحلّل له، فيجوز نظر كلّ من الزوجين الى عورة الآخر، و هكذا في المملوكة و مالكها و المحلّلة و المحلّل له، و لايجوز نظر المالكة الى مملوكها أو مملوكتها و بالعكس.
الشرح:
المراد من الناظر المحترم من عدا الزوج و الزوجة و المملوكة بالنسبة الى المالك؛ لقوله تعالى في سورتي المؤمنون و المعارج كما تقدّم، على أنّ جواز النظر في الزوج و الزوجة من اللوازم العاديّة للوط ء الجائز لهما و كذلك الحال في المالك و مملوكته. و أمّا المحلّلة بالنسبة الى المحلّل له ؛لجواز الوط ء و عدم وجوب التحفّظ على فرج في حقّهما، و من لوازمه و لوازم المسّ الجائزين لهما جواز النظر لأحدهما الى عورة الآخر. و لايجوز نظر المالكة الى مملوكها أو مملوكتها و بالعكس؛ لعدم ورود جواز النظر لهما بالنسبة الى عورة الآخر، و بقاء اطلاق الروايات الدالّة على وجوب التحفّظ على الفرج و حرمة النظر الى عورة الغير.
1) - مستمسك العروة 2: 189.
(مسألة 4): لايجوز للمالك النظر الى عورة مملوكته اذا كانت مزوّجة أو محلّلة أو في العدّة، و كذا اذا كانت مشتركة بين مالكين لايجوز لواحد منهما النظر الى عورتها و بالعكس.
الشرح:
ما ذهب اليه المصنّف مطابق للقاعدة؛ لأنّه اذا كانت المملوكة مزوّجة أو محلّلة فقد حلّل فرجها لزوجها و للمحلّل له، ومن المعلوم أنّ جواز النظر الى عورة الغير ينحصر لمن يجوز له وطؤها، فاذا حرم على المالك وط ء مملوكته فلا معنى لجواز نظره الى عورتها. و كذا اذا كانت مشتركة بين مالكين، فانّه يحرم لكلّ واحد منهما وطؤها الاّ اذا حلّل للآخر نصيبه، فمادام التحليل باقيا لايحلّ لهذا الشريك المحلّل سهمه منها وطؤها و بتبعه لايحلّ النظر الى عورتها.
(مسألة 5): لايجب ستر الفخذين و لا الأليتين و لا الشعر النابت أطراف العورة. نعم، يستحبّ ستر ما بين السرّة الى الركبة، بل الى نصف الساق.
الشرح:
انّ حدّ العورة هو القبل و البيضتان والدبر في الرجل، و في المرأة هو القبل و الدبر، و لايجب للرجل في مقابل الرجل ستر الفخذين و لا الأليتين و لا الشعر النابت أطراف العورة.
و في مفتاح الكرامة: «قد ادّعي في السرائر، و الخلاف، و جامع المقاصد و الكفاية و المعتبر و المنتهى أنّ الركبة ليست من العورة. و ادّعى في التحرير و جامع المقاصد و ظاهر التذكرة الاجماع على أنّ السرّة و الركبة خارجتان عن
العورة، و المشهور بل الأشهر على أنّ القبل هو القضيب و البيضتان. انتهى».(1)
و في المختلف قال: «العورة التي يجب على الرجل سترها في الصلاة القبل و الدبر، ذهب اليه أكثر علمائنا».(2)
و يدلّ عليه مرسلة أبي يحيى الواسطي عن أبي الحسن الماضي عليه السلام قال:
«العورة عورتان: القبل و الدبر، و الدبر مستور بالأليتين فاذا سترت القضيب و البيضتين فقد سترت العورة».(3)
و رواية محمّد بن حكيم، قال الميثمي:
«لاأعلمه الاّ قال: رأيت أبا عبداللّه عليه السلام أو من رآه متجرّدا و على عورته ثوب، فقال: انّ الفخذ ليست من العورة».(4)
و مرسلة الكليني قال في رواية أخرى:
«فأمّا الدبر فقد سترته الأليتان، و أمّا القبل فاستره بيدك».(5)
و مرسلة الصدوق قال:
«قال الصادق عليه السلام: الفخذ ليس من العورة».(6)
نعم، يستحبّ ستر الركبة و السرّة و ما بينهما؛ لرواية بشير النبّال قال:
«سألت أبا جعفر عليه السلام عن الحمّام؟ فقال: تريد الحمّام؟ قلت: نعم، فأمر باسخان الماء، ثمّ دخل فاتّزر بازار، فغطّى ركبتيه و سرّته - الى أن قال: - ثمّ قال: هكذا فافعل».(7)
1) - مفتاح الكرامة 2: 165.
2) - مختلف الشيعة 2: 95.
3) - وسائل الشيعة 2: 34 / الباب 4 من أبواب آداب الحمّام / الحديث 2.
4) - وسائل الشيعة 2: 34 / الباب 4 من أبواب آداب الحمّام / الحديث 1.
5) - وسائل الشيعة 2: 34 / الباب 4 من أبواب آداب الحمّام / الحديث 3.
6) - وسائل الشيعة 2: 35 / الباب 4 من أبواب آداب الحمّام / الحديث 4.
7) - وسائل الشيعة 2: 35 / الباب 5 من أبواب آداب الحمّام / الحديث 1.
ثمّ انّه بالنسبة الى محرمه كذلك أي ليس عليه الاّ ستر العورتين الاّ اذا علم أنّه موجب لتهييج محرمه من أولاده و محارمه، فيجب عليه ستر ما بين السرّة الى الركبة؛ للنهي عن المنكر.
و أمّا المرأة فيجب عليها ستر تمام بدنها عن غير الزوج و المحارم الاّ الوجه و الكفّين، و قد ذكرنا دليله في كتاب الصلاة في البحث عن الستر و الساتر.
و أمّا بالنسبة الى محارمها و ان كان يجب عليها ستر عورتيها من القبل والدبر، الاّ أنّه يجب ستر بدنها من السرّة الى الركبة اذا علم نظرهم اليها بشهوة من جهة النهي عن المنكر، بل يجب مطلقا على الأحوط؛ لأنّه موجب للفساد غالبا، و الأحوط الأفضل أن يستر جميع بدنها الاّ ما يظهر غالبا من الرأس و الوجه و مقدار من صدرها و ساقيها.
(مسألة 6): لا فرق بين أفراد الساتر، فيجوز بكلّ ما يستر، و لو بيده أو يد زوجته أو مملوكته.
الشرح:
انّما يجب على الرجل ستر عورتيه - في غير الصلاة - بكلّ ما يسترهما و لو بيده أو يد زوجته أو مملوكته، أو بالوحل أو الدخول في الحظيرة أو الماء، أو غير ذلك ممّا يمنع من وقوع النظر الى البشرة؛ لأنّ الغرض من الستر ذلك. و أمّا الستر للصلاة فلايصحّ الاّ بالثوب و قد ذكر دليله في كتاب الصلاة في البحث عن الستر و الساتر.
(مسألة 7): لايجب الستر في الظلمة المانعة عن الرؤية، أو مع عدم حضور شخص، أو كون الحاضر أعمى، أو العلم بعدم نظره.
الشرح:
انّ الغرض من ستر العورتين المنع عن وقوع النظر الى البشرة كما تقدّم في المسألة السابقة، فاذا لم يكن هناك ناظر أو كان أعمى أو يعلم بعدم نظره أو كان هناك ظلمة مانعة عن الرؤية و أمثال ذلك فلايجب الستر؛ لحصول الغرض منه.
(مسألة 8): لايجوز النظر الى عورة الغير من وراء الشيشة، بل و لا في المرآة أو الماء الصافي.
الشرح:
لايجوز النظر الى عورة الغير من وراء الزجاج؛ لعدم الفرق بينه و بين غيره عرفا، فيصدق عليه النظر الى العورة. و أمّا النظر الى عورة الغير في المرآة أو الماء الصافي، و ان لم يكن نظير النظر من وراء الزجاج، الاّ أنّ العرف يشهد بأنّه نظر الى عورتيه، و يصدق عليه. اللّهمّ الاّ أن يقال: انّها صورتها لا نفسها، فنقول: نعم، ولكنّ الغرض من المنع عن النظر الوقوع في الفتنة، و هو يحصل من النظر في المرآة أو الماء الصافي. اللّهمّ الاّ أن يقال: انّ النظر الى العورة حرام بنفسه و ان لم يكن هناك خوف الوقوع في الفتنة. و مع ذلك يقوّى في النظر أنّ النظر اليها في المرآة أو الماء الصافي كالنظر الى العورة مستقيما عند العرف بنحو من التأمّل، فلايجوز، و يلحق به التلفزيون. و أمّا الصورة فهي دائرة مدار تهييج الشهوة.
(مسألة 9): لايجوز الوقوف في مكان يعلم بوقوع نظره على عورة الغير، بل يجب عليه التعدّي عنه أو غضّ النظر. و أمّا مع الشكّ أو الظنّ في وقوع نظره فلابأس، ولكنّ الأحوط أيضا عدم الوقوف أو غضّ النظر.
الشرح:
هيهنا ثلاث صور:
فتارة: يعلم أنّه لو وقف في هذا المكان يقع نظره على عورة الغير بلا اختيار، فهذا لايجوز له الوقوف فيه، كمن كان صائما و يعلم أن لو ذهب الى المكان الفلاني يجبر بالافطار بلا اختيار، فلايجوز له الذهاب اليه.
و أخرى: يعلم أنّه لو وقف في ذلك المكان يقع نظره باختيار منه، ففي هذه الصورة ليس وقوفه بحرام بل يكون نظره حراما؛ لأنّ مقدّمة الحرام ليست بحرام في هذه الصورة.
و ثالثة: يشكّ أو يظنّ في وقوع نظره بلا اختيار، فلايحرم الوقوف أيضا؛ لعدم حجّيّتهما، و الأصل الحاكم البراءة، و في صورة الظنّ فالاحتياط حسن.
نعم، لاينبغي الشكّ في حسن الاحتياط في صورة الظنّ.
(مسألة 10): لو شكّ في وجود الناظر أو كونه محترما فالأحوط الستر.
الشرح:
ذهب المحقّق الهمداني قدس سره(1)الى أنّ وجوب الستر على المكلّف موقوف على علمه بوجود ناظر بالفعل، أو بتجدّده حال انكشاف عورته، فمع الشكّ في وجوده أو الظنّ به يجوز كشف العورة؛ لأصالة البراءة عن حرمته.
و لم يساعده في التنقيح و قال: «انّ قوله تعالى: «و يحفظوا فروجهم»، انّما تعلّق بالمحافظة، و قد أخذ في مفهوم المحافظة احتمال ما ينافي صدقها، بحيث لو لم يعتن بالاحتمال صدق ترك المحافظة لدى العرف و هذا نظير المحافظة على الأمانة. انتهى ملخّصا».(2)
ولكنّ الظاهر أنّه ليس الأمر بحفظ العورة، كالأمر بحفظ الوديعة و في الوديعة قد دلّ الدليل على ضمانها لو تعدّى أو فرّط في حفظه، بخلاف ما نحن فيه، فانّ الأمر بحفظ العورة هو الحفظ عمّا يقع عليها نظر الناظر المحترم، فاذا شكّ أو ظنّ في وجوده فالأصل عدمه.
(مسألة 11): لو رأى عورة مكشوفة و شكّ في أنّها عورة حيوان أو انسان فالظاهر عدم وجوب الغضّ عليه، و ان علم أنّها من انسان و شكّ في أنّها من صبي غير مميّز أو من بالغ أو مميّز فالأحوط ترك النظر، و ان شكّ في أنّها من زوجته أو مملوكته أو أجنبيّة فلايجوز النظر و يجب الغضّ عنها؛ لأنّ جواز النظر معلّق على عنوان خاصّ و هو الزوجيّة أو المملوكيّة، فلا بدّ من اثباته، و لو رأى عضوا من بدن انسان لايدري أنّه عورته أو غيرها من أعضائه جاز النظر، و ان كان الأحوط الترك.
الشرح:
في المسألة صور:
فتارة: رأى عورة مكشوفة و شكّ في أنّها عورة حيوان أو انسان فالظاهر عدم وجوب الغضّ عليه؛ لأنّ حرمة النظر و وجوب الغضّ قد تعلّق بعورة الانسان لا مطلق العورة، فمع الشكّ في ذلك فالأصل الجاري البراءة.
و أخرى: علم أنّها لانسان و شكّ في أنّها لصبي غير مميّز أو لبالغ أو مميّز، فلو قلنا بوجوب الغضّ فيكون من التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة، اللّهمّ الاّ أن يقال بأنّ المخصّص هو الدليل اللبّي، فالقدر المتيقّن منه العلم به فمع الشكّ أو الظنّ يجب الغضّ، و لايجري استصحاب عدم البلوغ؛ لأنّ الفرض ليس من مورده. فكيف كان فالاحتياط بالترك حسن.
و ثالثة: علم أنّها عورة انسان بالغ، الاّ أنّه شكّ في أنّها لزوجته أو مملوكته أو
أجنبيّة، فحينئذ لايجوز النظر و يجب الغضّ عنها؛ لأنّه - كما قال المصنّف - جواز النظر معلّق على عنوان خاصّ و هو الزوجيّة أو المملوكيّة فلا بدّ من اثباته. و ليس المقام من التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة، بل قد أحرز هيهنا وجوب الغضّ عن النظر الى العورة، و قد جوّز الشارع النظر الى عورة الزوجة أو المملوكة، فانّه منوط باحراز الموضوع فمع الشكّ فيه لم يكن حكم الجواز فعليّا.
و رابعة: رأى عضوا من بدن انسان لايدري أنّه عورته أو غيرها من أعضائه فحينئذ يجوز النظر اليه؛ للشكّ في التكليف، فالأصل البراءة.
(مسألة 12): لايجوز للرجل و الأنثى النظر الى دبر الخنثى، و أمّا قبلها فيمكن أن يقال بتجويزه لكلّ منهما؛ للشكّ في كونه عورة لكنّ الأحوط الترك، بل الأقوى وجوبه؛ لأنّه عورة على كلّ حال.
الشرح:
لايجوز للرجل و الأنثى النظر الى دبر الخنثى؛ لأنّه عورة مطلقا. و كذلك قبلها؛ لأنّه امّا عورة الرجل أو عورة المرأة؛ لأنّ الفرض أنّه مشكوك أمره بين الرجل و المرأة، فلايكون ثالثا. نعم، لو شكّ في أنّ هذا الشيء الزائد أو الحفرة الزائدة عورة أم لا، و شكّ في الموضوع فيمكن أن يقال بجواز النظر لكلّ منهما، ولكنّ الظاهر كما مرّ أنّه عورة على كلّ حال فيجب الغضّ عنها.
(مسألة 13): لو اضطرّ الى النظر الى عورة الغير كما في مقام المعالجة فالأحوط أن يكون في المرآة المقابلة لها ان اندفع الاضطرار بذلك، و الاّ فلا بأس.
الشرح:
اذا قلنا بأنّ النظر الى العورة في المرآة حرام أيضا فاذا اضطرّ الى النظر الى عورة الغير كما في مقام المعالجة، فالأحوط أن يكون في المرآة؛ لأنّ النظر في المرآة ليس نفس النظر الى العورة و لا أقلّ من الاحتمال و هو كاف للاحتياط. و أمّا اذا قلنا بأنّ الحرمة و وجوب الغضّ منحصران في نفس العورة، فما هو في المرآة أو الماء الصافي يكون صورة لها فيتعيّن النظر اليها ان اندفع الاضطرار بذلك، و الاّ فلا بأس.
(مسألة 14): يحرم في حال التخلّي استقبال القبلة و استدبارها بمقاديم بدنه، و ان أمال عورته الى غيرهما، و الأحوط ترك الاستقبال و الاستدبار بعورته فقط، و ان لم يكن مقاديم بدنه اليهما، و لا فرق في الحرمة بين الأبنية و الصحاري، و القول بعدم الحرمة في الأوّل ضعيف، و القبلة المنسوخة كبيت المقدّس لايلحقها الحكم، و الأقوى عدم حرمتهما في حال الاستبراء و الاستنجاء، و ان كان الترك أحوط. و لو اضطرّ الى أحد الأمرين تخيّر، و ان كان الأحوط الاستدبار، و لو دار أمره بين أحدهما و ترك الستر مع وجود الناظر وجب الستر، و لو اشتبهت القبلة لايبعد العمل بالظنّ، و لو تردّدت بين جهتين متقابلتين اختار الأخريين، و لو تردّد بين المتّصلتين فكالترديد بين الأربع، التكليف ساقط، فيتخيّر بين الجهات.
الشرح:
يحرم في حال التخلّي استقبال القبلة و استدبارها، و الدليل على ذلك روايات:
منها مرفوعة علي بن ابراهيم قال:
«خرج أبو حنيفة من عند أبي عبداللّه عليه السلام و أبو الحسن موسى عليه السلام
قائم، و هو غلام، فقال له أبو حنيفة: ياغلام، أين يضع الغريب ببلدكم؟ فقال: اجتنب أفنية المساجد، و شطوط الأنهار، و مساقط الثمار، و منازل النزّال، و لاتستقبل القبلة بغائط و لا بول، و ارفع ثوبك، و ضع حيث شئت».(1)
و مرفوعة محمّد بن يحيى قال:
«سئل أبوالحسن عليه السلام: ما حدّ الغائط؟ قال: لاتستقبل القبلة، و لاتستدبرها، و لاتستقبل الريح و لاتستدبرها».(2)
و رواية الحسين بن زيد عن الصادق عليه السلام عن آبائه عليهم السلام أنّ النبي صلى الله عليه و آله قال (في حديث المناهي):
«اذا دخلتم الغائط فتجنّبوا القبلة».(3)
و مرسلة الصدوق قال:
«و نهى رسول اللّه صلى الله عليه و آله عن استقبال القبلة ببول، أو غائط».(4)
و رواية الهاشمي عن علي عليه السلام قال:
«قال النبي صلى الله عليه و آله: اذا دخلت المخرج فلاتستقبل القبلة و لاتستدبرها، ولكن شرّقوا، أو غرّبوا».(5)
و مرفوعة عبدالحميد بن أبي العلاء أو غيره، قال:
«سئل الحسن بن علي عليه السلام: ما حدّ الغائط؟ قال: لاتستقبل القبلة، و لاتستدبرها، و لاتستقبل الريح، و لاتستدبرها».(6)
1) - وسائل الشيعة 1: 301 / الباب 2 من أبواب أحكام الخلوة / الحديث 1.
2) - وسائل الشيعة 1: 301 / الباب 2 من أبواب أحكام الخلوة / الحديث 2.
3) - وسائل الشيعة 1: 302 / الباب 2 من أبواب أحكام الخلوة / الحديث 3.
4) - وسائل الشيعة 1: 302 / الباب 2 من أبواب أحكام الخلوة / الحديث 4.
5) - وسائل الشيعة 1: 302 / الباب 2 من أبواب أحكام الخلوة / الحديث 5.
6) - وسائل الشيعة 1: 302 / الباب 2 من أبواب أحكام الخلوة / الحديث 6.
و رواية محمّد بن اسماعيل قال:
«دخلت على أبي الحسن الرضا عليه السلام و في منزله كنيف مستقبل القبلة، و سمعته يقول: من بال حذاء القبلة ثمّ ذكر، فانحرف عنها اجلالاً للقبلة، و تعظيما لها، لم يقم من مقعده ذلك حتّى يغفر له».(1)
و في المستمسك: «هو المشهور كما عن جماعة، بل الظاهر من المذهب كما عن السرائر بل هو اجماع كما عن الخلاف و الغنية».(2)
و قال في التنقيح: «حرمة استقبال القبلة و استدبارها حال التخلّي من المسائل المتسالم عليها عند الأصحاب، حيث لم ينقل فيها الخلاف الاّ عن جماعة من متأخّري المتأخّرين منهم صاحب المدارك قدس سرهحيث ذهب الى كراهتهما، فان اعتمدنا على التسالم القطعي و اجماعهم بأن كان اتّفاق المتقدّمين و المتأخّرين مدركا لاثبات حكم شرعي - كما هو غير بعيد - فلا كلام، و الاّ فما قوّاه في المدارك من القول بالكراهة وفاقا لجملة من متأخّري المتأخّرين هو الصحيح؛ و ذلك لأنّ الأخبار المستدلّ بها على حرمة استقبال القبلة و استدبارها في المقام ساقطة عن الاعتبار، و هي بين ضعيفة و مرفوعة و مرسلة، و لايمكننا الاعتماد على شيء منها في الاستدلال».(3)
و قال في المدارك: «اختلف الأصحاب في تحريم الاستقبال و الاستدبار على المتخلّي، فذهب الشيخ و ابن البرّاج و ابن ادريس الى تحريمهما في الصحاري و البنيان. و قال ابن الجنيد: يستحبّ اذا أراد التغوّط في الصحراء أن يتجنّب استقبال القبلة. و لم يتعرّض للاستدبار. و نقل عن سلاّر الكراهة في البنيان. و يلزم منه الكراهة في الصحاري أيضا أو التحريم. و قال المفيد رحمه الله في المقنعة: و لاتستقبل
القبلة و لاتستدبرها. ثمّ قال بعد ذلك: فان دخل دارا قد بني فيها مقعد الغائط على استقبال القبلة و استدبارها لم يكره الجلوس عليه، و انّما يكره ذلك في الصحاري و المواضع التي يتمكّن فيها من الانحراف عن القبلة. قال العلاّمة رحمه الله في المختلف بعد حكاية ذلك: و هذا يعطي الكراهة في الصحاري و الاباحة في البنيان. و هو غير واضح. - ثمّ انّه بعد نقل الأخبار قال: - و هذه الأخبار كلّها مشتركة في ضعف السند، فحملها على الكراهة متعيّن؛ لقصورها عن اثبات التحريم».(1)
و في مصباح الفقيه بعد نقل الأخبار قال: «والمناقشة فيها- بضعف السند بعد استفاضتها و عمل الأصحاب بها قديما و حديثا حتّى لم ينقل عن أحد طرحها رأسا - ممّا لاينبغي الالتفات اليها، - الى أن قال: - فما في المدارك من تقوية القول بالكراهة نظرا الى ضعف الاسناد و اشعار بعضها بالكراهة، ضعيف».(2)
أقول:
يحرم استقبال القبلة و استدبارها في حال التخلّي بلا فرق بين الأبنية و الصحاري، و ذلك للروايات المتقدّمة المنجبر ضعف سندها أو دلالة بعضها بعمل المشهور، بل لعلّه لم ينقل القول صريحا بالجواز الاّ ابن الجنيد و صاحب المدارك و لعلّه يظهر من عبارة المفيد و سلاّر، هذا مضافا الى شرافة القبلة. فبعد وجوب الصلاة تجاه القبلة و الذبح أيضا تجاهها، و استحباب استقبالها في حال الدعاء و تلاوة القرآن و الذكر، لايبقى تردّد في حرمة الاستقبال الى القبلة حال التخلّي من البول أو الغائط؛ لمنافاة الاستقبال بل الاستدبار للاحترام.
ثمّ انّ المستفاد من الأخبار عرفا، هو الاستقبال و الاستدبار بمقاديم البدن و ان أمال عورته الى غيرهما، و كذا يحرم الاستقبال و الاستدبار بعورته و ان انحرف مقاديم بدنه عنهما؛ لما يتفاهم العرف من الروايات. و أمّا الاستقبال و الاستدبار
حال الاستبراء أو الاستنجاء فلا يحرم، و الأحوط الترك. ولو اضطرّ الى أحد الأمرين يختار الاستدبار. و لو دار أمره بين أحدهما و ترك الستر مع وجود الناظر، يختار أحدهما و يجب عليه الستر؛ لأنّ الستر أهمّ في نظر الشارع من الاستقبال و الاستدبار الى القبلة، كما يستكشف ذلك من مذاق المتشرّعة الدالّة على كونه كذلك عند الشارع. مضافا الى عدم الخلاف في الستر و الخلاف في الجملة في الاستقبال و الاستدبار، و يشهد على وجوب الستر الكتاب دونهما. و لو اشتبهت القبلة فان كان له ظنّ الى جهة يعمل به احتياطا و لو تخلّف لم يأثم؛ لأنّ الاثم مترتّب على تخلّف الأمر و النهي القطعيّين، و ان لم يكن له ظنّ تخيّر. و لو تردّد بين جهتين متقابلتين اختار الأخريين كما هو واضح.
فروع:
الأوّل: لو كان هناك أمكنة للتخلّي، و علم اجمالاً بأنّ أحدهما مستقبل القبلة، فان كان بعض الأطراف خارجا عن مورد الابتلاء لمانع يجوز في البعض الآخر؛ لعدم تنجّز العلم الاجمالي. و لو لم يكن كذلك فان كان هناك مكان آخر للتخلّي يجب عليه اختياره، و ان لم يكن فلايحرم عليه الاستقبال أو الاستدبار، كالعلم التفصيلي في صورة الاضطرار.
الثاني:الظاهر جواز التخلّي في المكان الذي أعدّ للتخلّي في بلاد الكفر من غير فحص؛ لعدم العلم التفصيلي بكونه مستقبلاً أو مستدبرا. و العلم الاجمالي بوجود محلّ كذلك فيها غير منجّز؛ لكون الأطراف غير محصورة. و كذلك الحال في البلاد التي أكثر أهلها من الجماعة.
الثالث: الحكم مختصّ بصورة العلم و العمد و الاختيار، و لايحرم في صورة الجهل بالموضوع أو الحكم، و الاكراه و الاضطرار؛ لسقوط الحرمة.
الرابع: لا فرق في الحكم بين بلاد الاسلام و غيرها. كما لا فرق بين الحدوث و البقاء، و لو علم حين التخلّي بكونه مستقبل القبلة أومستدبرها يجب عليه
أن ينحرف عنها. كما لا فرق بين المحلّ الساكن و المتحرّك، و بين القيام و القعود، و الاستلقاء و الاضطجاع، و الصحّة و المرض؛ لاطلاق الأدلّة.
الخامس: لو توقّفت معرفة القبلة على الفحص أو بذل المال وجب ما لم يكن هناك حرج، كما يجب الاستغفار لو استقبل أو استدبر فيهما عمدا.
السادس: من يعلم حال نفسه أنّه لو نام يبول في نومه، فلاينم مضطجعا بنحو يكون مستقبلاً أو مستدبرا احتياطا.
(مسألة 15): الأحوط ترك اقعاد الطفل للتخلّي على وجه يكون مستقبلاً أو مستدبرا، و لايجب منع الصبي و المجنون اذا استقبلا أو استدبرا عند التخلّي، و يجب ردع البالغ العاقل العالم بالحكم و الموضوع من باب النهي عن المنكر، كما أنّه يجب ارشاده ان كان من جهة جهله بالحكم، و لايجب ردعه ان كان من جهة الجهل بالموضوع، و لو سئل عن القبلة فالظاهر عدم وجوب البيان. نعم، لايجوز ايقاعه في خلاف الواقع.
الشرح:
الظاهر من الأدلّة و القدر المتيقّن من الاجماع حرمة المباشرة حين التخلّي لاستقبال القبلة أو استدبارها، و لاتكونان شاملتين للتسبيب هنا، الاّ أنّ الاحتياط في محلّه، خصوصا لو ظهر من هذا الفعل شائبة الهتك، فلايترك الاحتياط حينئذ. و لايجب منع الصبي و المجنون اذا استقبلا أو استدبرا عند التخلّي؛ لعدم التكليف لهما حتّى يجب النهي عن المنكر، و يجب ردع البالغ العاقل العالم بالحكم و الموضوع من باب النهي عن المنكر، كما أنّه يجب ارشاده ان كان من جهة جهله بالحكم؛ لوجوب ارشاد الجاهل في الجملة؛ للآيات و الروايات. و لايجب ردعه ان كان من جهة الجهل بالموضوع؛ لعدم التحريم بالنسبة اليه الاّ أن يكون ترك ردعه هتكا للقبلة و احترامها.
و لو سئل عن القبلة فالظاهر عدم وجوب البيان؛ للأصل، و لايجوز ايقاعه في خلاف الواقع، كما لو عيّن القبلة في غير جهتها ليبول الى القبلة، نظير ما اذا قدّم طعاما نجسا للجاهل ليأكله، فانّ الظاهر أنّ ايقاعه في خلاف الواقع حرام، أوّلاً: من جهة الكذب كما أنّ تقديم الطعام النجس للجاهل ليأكله خدعة، و ثانيا: من جهة أنّ ذلك هتك للقبلة، و اهانة للمؤمن. و ثالثا: عدم الفرق في ذلك بين الايجاد بالمباشرة و ايجاده بالتسبيب في الجملة.
(مسألة 16): يتحقّق ترك الاستقبال و الاستدبار بمجرّد الميل الى أحد الطرفين، و لايجب التشريق أو التغريب و ان كان أحوط.
الشرح:
يتحقّق ترك الاستقبال و الاستدبار بمجرّد الميل الى أحد الطرفين بنحو لايصدق الاستقبال أو الاستدبار الى القبلة و لايجب التشريق أو التغريب، فانّ قوله صلى الله عليه و آله في رواية الهاشمي المتقدّمة: «ولكن شرّقوا أو غرّبوا»، يكون للنهي عن الاستقبال أو الاستدبار و لا خصوصيّة بعنوان التشريق أو التغريب. و الاحتياط حسن على كلّ حال.
(مسألة 17): الأحوط فيمن يتواتر بوله أو غائطه مراعاة ترك الاستقبال و الاستدبار بقدر الامكان، و ان كان الأقوى عدم الوجوب.
الشرح:
لايصدق استقبال القبلة و لا استدبارها عند التخلّي فيمن يتواتر بوله أو غائطه، الاّ أنّ الاحتياط حسن بقدر الامكان.
(مسألة 18): عند اشتباه القبلة بين الأربع لايجوز أن يدور ببوله الى جميع الأطراف. نعم، اذا اختار في مرّة أحدها لايجب عليه الاستمرار عليه بعدها، بل له أن يختار في كلّ مرّة جهة أخرى الى تمام الأربع، و ان كان الأحوط ترك ما يوجب القطع بأحد الأمرين و لو تدريجا، خصوصا اذا كان قاصدا ذلك من الأوّل، بل لايترك الاحتياط في هذه الصورة.
الشرح:
عند اشتباه القبلة بين أربع جهات لايجوز أن يدور ببوله الى جميع الأطراف؛ للعلم الاجمالي بوقوع الاستقبال و الاستدبار عند التخلّي حينئذ. نعم، اذا اختار في مرّة احداها لايجب عليه الاستمرار عليها بعدها؛ لأنّه في كلّ مرّة له تكليف على حدة غير مرتبط بما قبله، بل له أن يختار في كلّ مرّة جهة الى تمام الأربع؛ لأنّه في كلّ مرّة لم يرتكب حراما و لم يكن احداها مرتبطة بالأخرى حتّى يقال بأنّه يعلم اجمالاً بالاستقبال أو الاستدبار. نعم، لو كان قاصدا ذلك من الأوّل، بأن كان قصده أن يبول أو يتغوّط أوّلاً الى هذه الجهة و ثانيا الى جهة أخرى الاّ أنّه يكون قاطعا من الأوّل بوقوعه في استقبال القبلة أو استدبارها في احدى تلك الحالات فالاحتياط تركه؛ للظنّ بصدق الاستقبال أو الاستدبار عرفا و ان كان «الظنّ لايغني من الحقّ شيئا».(1)
(مسألة 19): اذا علم ببقاء شيء من البول في المجرى يخرج بالاستبراء فالاحتياط بترك الاستقبال أو الاستدبار في حاله أشدّ.
الشرح:
اذا علم ببقاء شيء من البول في المجرى يخرج بالاستبراء فان صدق عليه
1) - يونس 10: 36.
التخلّي بالبول الى القبلة مستقبلاً أو مستدبرا فيترك، و ان لم يصدق أو يشكّ لم يجب الترك، و ان كان الاحتياط في صورة الشكّ حسن.
(مسألة 20): يحرم التخلّي في ملك الغير من غير اذنه حتّى الوقف الخاصّ، بل في الطريق الغير النافذ بدون اذن أربابه، و كذا يحرم على قبور المؤمنين اذا كان هتكا لهم.
الشرح:
يحرم التخلّي في ملك الغير من غير اذنه؛ لصدق التصرّف في ملكه و لايجوز الاّ باذنه، و يلحق به الوقف الخاصّ؛ لأنّ التصرّف فيه بغير اذن متولّيه لايجوز. و مثله التخلّي في الطريق الغير النافذ بدون اذن أربابه؛ لأنّه متعلّق بهم و التصرّف فيه منوط باذن كلّهم. و كذا يحرم على قبور المؤمنين بل حواليها ان كان هتكا لهم.
(مسألة 21): المراد بمقاديم البدن الصدر و البطن و الركبتان.
الشرح:
ما ورد في الروايات و يكون معقد الاجماع هو حرمة الاستقبال أو الاستدبار، و المرجع فيه العرف، فلايشكّ العرف - اذا كانت مقاديم البدن مستقبلة القبلة أو مستدبرتها - في شمول النهي له، و من المعلوم أنّ مقاديم البدن هي الصدر و البطن و الركبتان كما قاله المصنّف.
(مسألة 22): لايجوز التخلّي في مثل المدارس التي لايعلم كيفيّة وقفها من اختصاصها بالطلاّب، أو بخصوص الساكنين منهم فيها، أو من هذه الجهة أعمّ من الطلاّب و غيرهم، و يكفي اذن المتولّي اذا لم يعلم كونه على خلاف الواقع، و الظاهر كفاية جريان العادة أيضا بذلك، و كذا الحال في غير التخلّي من التصرّفات الأخر.
الشرح:
لايجوز التصرّف في الوقف لغير الجهة التي وقف عليها؛ للنصّ، و لو علم أنّ المكان الفلاني كالمدرسة وقف على الطلاّب و لايعلم أنّ التخلّي فيها خاصّ بهم أو أعمّ منهم و من غيرهم، لايجوز التخلّي فيها حتّى يعلم، و يكفي اذن المتولّي - اذا لم يعلم كونه على خلاف الواقع - أو جرت العادة بأنّ غير الطلاّب يتخلّى فيها بالشرط المذكور. و هكذا يكون الحال في غير التخلّي من التصرّفات الأخر.
قال في التنقيح: «و الظاهر كفاية جريان العادة كما اذا جرت العادة على التصرّف في الوقف يدا بيد من دون مخالف و نكير؛ و ذلك لأنّ يدهم يد عامّة نوعيّة و هي كاليد الشخصيّة في الاعتبار، و هذا هو الحال في الخانات الشاه عبّاسيّة الموجودة في بعض الطرق، فانّ المسافرين يدخلونها للتخلّي و لسائر التصرّفات و لاينكر ذلك في زمان، و به يستكشف أنّ الوقف عامّ».(1)
1) - التنقيح في شرح العروة 4: 350.
يجب غسل مخرج البول بالماء مرّتين و الأفضل ثلاث بما يسمّى غسلاً، و لايجزي غير الماء، و لا فرق بين الذكر و الأنثى و الخنثى، كما لا فرق بين المخرج الطبيعي و غيره معتادا أو غير معتاد. و في مخرج الغائط مخيّر بين الماء و المسح بالأحجار أو الخرق ان لم يتعدّ عن المخرج على وجه لايصدق عليه الاستنجاء، و الاّ تعيّن الماء. و اذا تعدّى على وجه الانفصال كما اذا وقع نقطة من الغائط على فخذه من غير اتّصال بالمخرج يتخيّر في المخرج بين الأمرين، و يتعيّن الماء فيما وقع على الفخذ، و الغسل أفضل من المسح بالأحجار، و الجمع بينهما أكمل. و لايعتبر في الغسل تعدّد، بل الحدّ النقاء و ان حصل بغسلة، و في المسح لا بدّ من ثلاث و ان حصل النقاء بالأقلّ، و ان لم يحصل بالثلاث فالى النقاء، فالواجب في المسح أكثر الأمرين من النقاء و العدد. و يجزي ذو الجهات الثلاث من الحجر، و بثلاثة أجزاء من الخرقة الواحدة، و ان كان الأحوط ثلاثة منفصلات، و يكفي كلّ قالع و لو من الأصابع، و يعتبر فيه الطهارة و لايشترط البكارة، فلايجزي النجس و يجزي المتنجّس بعد غسله. و لو مسح بالنجس أو المتنجّس لم يطهر بعد ذلك الاّ بالماء، الاّ اذا لم يكن لاقى البشرة، بل لاقى عين النجاسة. و يجب في الغسل
بالماء ازالة العين و الأثر بمعنى الأجزاء الصغار التي لاترى، لا بمعنى اللون و الرائحة، و في المسح يكفي ازالة العين و لايضرّ بقاء الأثر بالمعنى الأوّل أيضا.
الشرح:
يجب غسل مخرج البول بالماء و لايطهر بغيره؛ يدلّ على ذلك صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«لا صلاة الاّ بطهور، و يجزيك من الاستنجاء ثلاثة أحجار، بذلك جرت السنّة من رسول اللّه صلى الله عليه و آله، و أمّا البول فانّه لا بدّ من غسله».(1)
و رواية بريد بن معاوية عن أبي جعفر عليه السلام أنّه قال:
«يجزي من الغائط المسح بالأحجار، و لايجزي من البول الاّ الماء».(2)
و موثّقة يونس بن يعقوب قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: الوضوء الذي افترضه اللّه على العباد لمن جاء من الغائط، أو بال؟ قال: يغسل ذكره، و يذهب الغائط ثمّ يتوضّأ مرّتين مرّتين».(3)
و يجب غسل مخرج البول بالماء مرّتين؛ يدلّ على ذلك صحيحة الحسين بن أبي العلاء قال:
«سألت أبا عبداللّه صلى الله عليه و آله وسلم عن البول يصيب الجسد؟ قال: صبّ عليه الماء مرّتين».(4)
و رواية أبي اسحاق النحوي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن البول يصيب الجسد؟ قال: صبّ عليه الماء مرّتين».(1)
و صحيحة البزنطي قال:
سألته عن البول يصيب الجسد؟ قال: صبّ عليه الماء مرّتين، فانّما هو ماء».(2)
و رواية نشيط بن صالح عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته كم يجزي من الماء في الاستنجاء من البول؟ فقال: مثلا ما على الحشفة من البلل».(3)
و صحيحة زرارة قال:
«كان يستنجي من البول ثلاث مرّات و من الغائط بالمدر و الخرق».(4)
و قد دلّتنا على أنّه لا بدّ في البول من غسله بالماء صحيحة زرارة الأولى و تؤيّدها رواية بريد بن معاوية و موثّقة يونس بن يعقوب، و قد دلّتنا أيضا على أنّه لا بدّ في تطهير ما مسّه البول غسله بالماء مرّتين، صحيحة الحسين بن أبي العلاء و تؤيّدها رواية أبي الاسحاق و صحيحة البزنطي. و أمّا صحيحة زرارة الثانية من أنّه: «كان يستنجي من البول ثلاث مرّات»، بناءً على أنّ معناه ثلاث مرّات بالماء، فتحمل على الاستحباب؛ جمعا بينها و بين صحيحة البزنطي. و أمّا قوله عليه السلام في رواية نشيط بن صالح، في الاستنجاء من البول: «مثلا ما على الحشفة من البلل»، فالظاهر أنّ المراد أنّ أقلّ ما يصبّ من الماء على الحشفة مثلا ما على الحشفة من
البلل. الاّ أنّها ضعيفة من جهة السند، فأقلّ ما يصبّ من الماء على مخرج البول، ما يصدق به الغسل، و من المعلوم أنّه يصدق بمقدار غرفة من الماء أو أقلّ منها، فاذا غسل موضع البول بغرفتين كفى في تطهيره.
ثمّ انّه لا فرق في ذلك بين الذكر و الأنثى و الخنثى؛ لاطلاق الروايات، كما لا فرق بين المخرج الطبيعي و غيره، معتادا أو غير معتاد، فاذا خرج منه البول فلا بدّ من غسله بالماء مرّتين؛ و ذلك أيضا لاطلاق الروايات.
أمّا الكلام في تطهير مخرج الغائط، فانّه مخيّر بين الماء و المسح بالأحجار أو الخرق؛ و الدليل على ذلك روايات:
منها صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«لا صلاة الاّ بطهور، و يجزيك من الاستنجاء ثلاثة أحجار، بذلك جرت السنّة من رسول اللّه صلى الله عليه و آله، و أمّا البول فانّه لا بدّ من غسله».(1)
و موثّقة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام فقال:
«سألته عن التمسّح بالأحجار؟ فقال: كان الحسين بن علي عليه السلاميمسح بثلاثة أحجار».(2)
و صحيحة بريد بن معاوية عن أبي جعفر عليه السلام أنّه قال:
«يجزي من الغائط المسح بالأحجار، و لايجزي من البول الاّ الماء».(3)
و مرسلة أحمد بن محمّد عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«جرت السنّة في الاستنجاء بثلاثة أحجار أبكار، و يتبع بالماء».(4)
و قد دلّتنا على اجزاء الماء موثّقة عمّار عن أبي عبداللّه (في حديث) قال:
«اذا بال الرجل، و لم يخرج منه شيء غيره فانّما عليه أن يغسل احليله وحده، و لايغسل مقعدته، و ان خرج من مقعدته شيء، و لم يبل، فانّما عليه أن يغسل المقعدة وحدها، و لايغسل الاحليل».(1)
و صحيحة ابراهيم بن أبي محمود قال:
«سمعت الرضا عليه السلام يقول - في الاستنجاء - : يغسل ما ظهر منه على الشرج، و لايدخل فيه الأنملة».(2)
و دلّ على التخيير بين الماء و التمسّح بالأحجار أو الخرق الجمع بين ما دلّ على اجزاء الماء و الروايات المتقدّمة آنفا الدالّة باجزاء الاستنجاء بثلاثة أحجار مضافا الى صحيحة ثانية لزرارة قال:
«سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: كان الحسين بن علي عليه السلام يتمسّح من الغائط بالكرسف و لايغسل».(3)
هنا فروع:
ما تقدّم من اجزاء الاستنجاء بالأحجار أو الخرق مختصّ بما اذا لم يتعدّ عن المخرج، فلو تعدّى فتارة يطفر و تصيب ذرّة من الغائط فخذه - مثلاً - أو سائر أعضائه، فلا بدّ من ازالتها و غسلها بالماء؛ لأصالة عدم تطهير الشيء المتنجّس الاّ
بالماء؛ للنصّ. و أمّا لو تعدّى الغائط عن المخرج و وصل الى أليتيه فلا بدّ أيضا من غسل أليتيه؛ لأنّ الشيء المتنجّس لايطهّره الاّ الماء، الاّ ما خرج بالدليل، و الدليل دلّ على تطهير موضع النجو فقط بالأحجار أو الخرق، و ما خرج عن ذلك الموضع فلاتشمله الروايات الناطقة باجزاء التطهير بالأحجار و الخرق. و حينئذ لو غسل ما خرج عن موضع النجو تخيّر في تطهير الموضع المذكور بين الغسل و التمسّح، و الغسل أحوط.
لايعتبر في الغسل التعدّد بل الحدّ النقاء؛ لصحيحة عبداللّه بن المغيرة عن أبي الحسن عليه السلام قال:
«قلت له: للاستنجاء حدّ؟ قال: لايبقى ما ثمّة. الحديث».(1)
أمّا التمسّح بالأحجار أو الخرق، فالظاهر عدم التعبّد بثلاثة أحجار أو ثلاث خرق، بل الحدّ في ذلك أيضا النقاء، و لو لم ينق المخرج بثلاثة أحجار فيزيد عليها حتّى ينقى، و لو نقي بما دون الثلاثة كفى. و الظاهر أنّ ذكر الثلاثة في صحيحة زرارة و موثّقته و كذا في مرسلة أحمد بن محمّد لأنّ الأغلب ينقى المخرج بهذا العدد، و لذا لم يذكرها في صحيحة بريد بن معاوية و الصحيحة الثانية لزرارة. و لذلك يصحّ التمسّح بحجر كان ذا جهات، أو بأطراف خرقة واحدة.
1) - وسائل الشيعة 1: 358 / الباب 35 من أبواب أحكام الخلوة / الحديث 6.
بعد ما تقدّم من أنّ الظاهر من الروايات المتقدّمة في الاستنجاء تطهير موضع النجو بغير الماء فيجزي بكلّ ما يكون قالعا، و ان لم يكن حجرا و لا خرقة، كالخشب و القرطاس و غيرهما، و لو من الأصابع. و يعتبر فيه الطهارة، فلو كان من الأعيان النجسة أو كان متنجّسا لم يطهّر، و لو استعمله و لاقى البشرة فلايطهّره حينئذ الاّ الماء.
اذا غسل موضع النجو بالماء فيجب ازالة العين و الأثر أي الذرّات الصغار التي لاترى بالعين؛ لما يظهر من الروايات الدالّة على طهارة الأشياء المتنجّسة بالماء. و
أمّا التمسّح بالأحجار أو الخرق أو غيرهما فيجب ازالة العين، و أمّا الأثر أي الأجزاء الصغار التي لاترى بالعين فلايجب رفعه؛ لأنّه لايزول غالبا الاّ بالماء.
(مسألة 1): لايجوز الاستنجاء بالمحترمات و لا بالعظم و الروث، و لو استنجى بها عصى، لكن يطهر المحلّ على الأقوى.
الشرح:
لايجوز الاستنجاء بالمحترمات؛ لوجوب احترامها و في بعضها قد يؤدّي الى الكفر. ولكن يطهر المحلّ؛ لأنّ الطهارة أمر وضعي و ان عصى فاعله أو يكون كافرا مع العلم و القصد.
و أمّا الاستنجاء بالعظم و الروث، فقد ورد فيه روايتان:
احداهما رواية ليث المرادي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن استنجاء الرجل بالعظم أو البعر، أو العود؟ قال: أمّا العظم و الروث، فطعام الجنّ، و ذلك ممّا اشترطوا على رسول اللّه صلى الله عليه و آله فقال: لايصلح بشيء من ذلك».(1)
و ثانيتهما رواية الحسين بن زيد عن الصادق عليه السلام عن آبائه عليهم السلام عن النبي صلى الله عليه و آله (في حديث المناهي) قال:
«و نهى أن يستنجي الرجل بالروث و الرمّة(2)».(3)
ولكنّهما ضعيفتان سندا و دلالة، أمّا ضعف السند في الأولى فلعدّة ممّن لم يوثّقوا في الرجال، و ضعف الدلالة فلقوله: «لايصلح»، الظاهر في الكراهة. و في الثانية للحسين بن زيد، و الغالب أنّ النهي في تلك الروايات للكراهة. و الظاهر أنّ مدرك الاجماع المحكي هو الروايتان، و كيف كان يطهر المحلّ بهما.
(مسألة 2): في الاستنجاء بالمسحات اذا بقيت الرطوبة في المحلّ يشكل الحكم بالطهارة فليس حالها حال الأجزاء الصغار.
الشرح:
الظاهر أنّ الرطوبة في المحلّ دالّة على وجود النجاسة فليس حالها حال الأجزاء الصغار التي لاترى بالعين، و لذلك يلزم التمسّح مكرّرا حتّى تزول الرطوبة من المحلّ.
(مسألة 3): في الاستنجاء بالمسحات يعتبر أن لايكون في ما يمسح به رطوبة مسرية، فلايجزي مثل الطين و الوصلة المرطوبة. نعم، لاتضرّ النداوة التي لاتسري.
الشرح:
لأنّها موجبة لتنجّس المحلّ بها؛ لأنّه لو كان بما يمسح به رطوبة فبعد الملاقاة بالنجاسة تنجّس، فكيف يكون مطهّرا بعد ما يتنجّس.
(مسألة 4): اذا خرج مع الغائط نجاسة أخرى كالدم أو وصل الى المحلّ نجاسة من خارج يتعيّن الماء، و لو شكّ في ذلك يبنى على العدم فيتخيّر.
الشرح:
اذا خرج مع الغائط نجاسة أخرى كالدم أو وصل الى المحلّ نجاسة من الخارج يتعيّن الماء؛ و ذلك لأنّ المزيل للنجاسة هو الماء، و استثني منها الاستنجاء بالأحجار و الخرق في موضع الغائط. و غير الغائط كالدم أو النجاسة الخارجة الموصلة اليه يتعيّن تطهيره بالماء. نعم، لو شكّ في ذلك يبنى على العدم فيتخيّر.
(مسألة 5): اذا خرج من بيت الخلاء ثمّ شكّ في أنّه استنجى أم لا، بنى على عدمه على الأحوط و ان كان من عادته، بل و كذا لو دخل في الصلاة ثمّ شكّ. نعم، لو شكّ في ذلك بعد تمام الصلاة صحّت، ولكن عليه الاستنجاء للصلوات الآتية لكن لايبعد جريان قاعدة التجاوز في صورة الاعتياد.
الشرح:
اذا خرج من بيت الخلاء ثمّ شكّ في أنّه استنجى أم لا، بنى على عدمه؛
لاستصحاب عدم الاستنجاء و بقاء النجاسة. و لايكون المورد من موارد قاعدة التجاوز؛ لأنّها جارية في مثل الصلاة التي تكون مركّبة من الأجزاء المتّصلة، و قد ورد فيها روايات. و أمّا جريانها في مثل المقام فمشكوك فيه و ان احتمله المصنّف.
قال في المهذّب: «يحتمل جريان القاعدة هنا بدعوى: أنّها امتنانيّة تشمل التجاوز عن مطلق المحلّ الذي جعل الشارع فيه سننا و آدابا، فكأنّ بيت الخلاء محلّ شرعي للسنن و الآداب الشرعيّة التي منها الاستنجاء، فالتجاوز عنها تجاوز عن المحلّ، فتجري القاعدة حينئذ، كما اذا خرج أحد من المسجد و شكّ بعد ذلك في اتيان السنن المسجديّة أم لا؟ فيبني على الاتيان؛ للقاعدة. و ليس المراد بالمحلّ الشرعي ما لايصحّ التعدّي عنه، بل المراد ما ذكرناه، و هذا احتمال حسن خصوصا على ما يأتي عند التعرّض للقاعدة من أنّها من صغريات أصالة عدم الغفلة و السهو. و على هذا لا فرق بين الاعتياد و غيره، و ان كان خلاف ما نسب الى المشهور من عدم جريان القاعدة في نظائر المقام. و لعلّ تردّده قدس سره من هذه الجهة، و على هذا الاحتمال لا فرق بين الاعتياد و عدمه».(1)
و لو دخل في الصلاة ثمّ شكّ في أنّه استنجى أم لا، بنى على عدمه أيضا؛ للاستصحاب، و لاتجري قاعدة التجاوز؛ لأنّهما عملان منفصلان، و لا قاعدة الفراغ؛ لأنّه حين العمل، فمثله كمثل الذي في الصلاة فشكّ أنّه توضّأ بعد الخروج من بيت الخلاء أم لا. نعم، لو شكّ في ذلك بعد الفراغ من الصلاة صحّت؛ لقاعدة الفراغ، كما لو شكّ بعد الصلاة في أنّه توضّأ أم لا، فعليه الاستنجاء و التوضّؤ ثانيا للصلوات الآتية.
1) - مهذّب الأحكام 2: 205.
(مسألة 6): لايجب الدلك باليد في مخرج البول عند الاستنجاء، و ان شكّ في خروج مثل المذي بنى على عدمه، لكن الأحوط الدلك في هذه الصورة.
الشرح:
لايجب الدلك باليد في مخرج البول عند الاستنجاء؛ لاطلاق الروايات الواردة في تطهير مخرج البول بل مطلقا. و في مرسلة الكافي:
«انّه يجزي أن يغسل بمثله من الماء اذا كان على رأس الحشفة و غيره».
قال: «و روي أنّه ماء ليس بوسخ فيحتاج أن يدلك».(1)
(مسألة 7): اذا مسح مخرج الغائط بالأرض ثلاث مرّات كفى مع فرض زوال العين بها.
الشرح:
قد تقدّم في الفرع الثالث من المسألة الأولى اجزاء مسح مخرج الغائط بأيّ شيء يزيل ما عليه، و لذلك كفى مسحه بالأرض. و تقدّم في الفرع الثاني أيضا أنّه ليس في ثلاثة أحجار أو ثلاث خرق تعبّد بل لأنّ الغالب يكون التطهير بها، و لذلك لو نقي المحلّ بمسح واحد كفى.
1) - وسائل الشيعة 1: 343 / الباب 26 من أبواب أحكام الخلوة / الحديث 2 و 3.
(مسألة 8): يجوز الاستنجاء بما يشكّ في كونه عظما أو روثا أو من المحترمات و يطهر المحلّ، و أمّا اذا شكّ في كون مائع ماءً مطلقا أو مضافا لم يكف في الطهارة، بل لا بدّ من العلم بكونه ماءً.
الشرح:
يجوز الاستنجاء بما شكّ في كونه من المحترمات و يطهر المحلّ، و كذا بما يشكّ في كونه عظما أو روثا بناءً على عدم جواز الاستنجاء بهما كما هو فتوى المصنّف؛ و ذلك لأصل البراءة؛ لأنّ الاستنجاء بالمحترمات حرام فاذا شكّ في حرمة ذلك الفعل فالأصل عدمها بعد أنّ التطهير يحصل به و ان فعل حراما. و أمّا اذا شكّ في كون مائع ماءً مطلقا أو مضافا لم يكف في الطهارة، بل لا بدّ من العلم بكونه مطلقا؛ و ذلك لأنّ الشيء المتنجّس لايطهر الاّ بالماء المطلق، فلو شكّ فيه، فاستصحاب النجاسة حاكم.
و الأولى في كيفيّاته أن يصبر حتّى تنقطع دريرة البول، ثمّ يبدأ بمخرج الغائط فيطهّره، ثمّ يضع اصبعه الوسطى من اليد اليسرى على مخرج الغائط، و يمسح الى أصل الذكر ثلاث مرّات، ثمّ يضع سبّابته فوق الذكر و ابهامه تحته، و يمسح بقوّة الى رأسه ثلاث مرّات، ثمّ يعصر رأسه ثلاث مرّات. و يكفي سائر الكيفيّات مع مراعاة ثلاث مرّات. و فائدته الحكم بطهارة الرطوبة المشتبهة و عدم ناقضيّتها، و يلحق به في الفائدة المذكورة طول المدّة على وجه يقطع بعدم بقاء شيء في المجرى بأن احتمل أنّ الخارج نزل من الأعلى، و لايكفي الظنّ بعدم البقاء، و مع الاستبراء لايضرّ احتماله، و ليس على المرأة استبراء. نعم، الأولى أن تصبر قليلاً و تتنحنح و تعصر فرجها عرضا، و على أيّ حال الرطوبة الخارجة منها محكومة بالطهارة و عدم الناقضيّة ما لم تعلم كونها بولاً.
الشرح:
لنذكر ابتداءً الروايات الواردة في الاستبراء:
منها رواية عبدالملك بن عمرو عن أبي عبداللّه عليه السلام في الرجل يبول، ثمّ
يستنجي ثمّ يجد بعد ذلك بللاً، قال:
«اذا بال فخرط ما بين المقعدة و الأنثيين ثلاث مرّات و غمز ما بينهما، ثمّ استنجى، فان سال حتّى يبلغ السوق فلا يبالي».(1)
و صحيحة حفص بن البختري عن أبي عبداللّه عليه السلام في الرجل يبول قال:
«ينتره ثلاثا، ثمّ ان سال حتّى يبلغ السوق فلا يبالي».(2)
و صحيحة محمّد بن مسلم قال:
«قلت لأبي جعفر عليه السلام: رجل بال و لم يكن معه ماء؟ قال: يعصر أصل ذكره الى طرفه ثلاث عصرات، و ينتر طرفه، فان خرج بعد ذلك شيء فليس من البول، ولكنّه من الحبائل».(3)
و رواية محمّد بن عيسى قال:
«كتب اليه رجل: هل يجب الوضوء ممّا خرج من الذكر بعد الاستبراء؟ فكتب: نعم».(4)
بيان اللغات:
النَتر: جذب الشيء بجفوة، و منه نتر الذكر في الاستبراء.
و استنتر من بوله: اجتذبه و استخرج بقيّته من الذكر.
الغمز في «غمز رجليها»: العصر و الكبس باليد.
الخَرط: هو أن تقبض على أعلاه ثمّ تمرّ يدك عليه الى أسفله، و منه: «فخرط ما بين المقعدة و الأنثيين».
فانّ الجمع بين هذه الروايات و حمل مطلقها على مقيّدها، هو الذي ذهب اليه
المشهور: «اذا بال و انقطع قطرات البول، تمسّح ما بين المقعدة و الأنثيين ثلاث مرّات، كما في رواية عبدالملك، و يعصر أصل ذكره الى الحشفة ثلاث مرّات كما في صحيحة محمّد بن مسلم بأيّ نحو يمكن و من جملته ما قاله المصنّف، ثمّ يعصر حشفته ثلاث مرّات كما في صحيحة محمّد بن مسلم». و لايبعد جمع هذه الأعمال كما في صحيحة حفص الاّ أنّها مطلقة، فتقيّد برواية عبدالملك و صحيحة محمّد بن مسلم. فاذا فعل هذه الأعمال التسعة فقد استبرأ و فائدتها كما في الروايات المذكورة و خصوص رواية محمّد بن عيسى هي أنّه لو خرج من الذكر بعد الاستبراء رطوبة فهي طاهرة.
و يلحق بالاستبراء في الفائدة المذكورة مضيّ مدّة لايبقى في المخرج بول عادة؛ و ذلك لصحيحة ابن أبي يعفور قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل بال ثمّ توضّأ، ثمّ قام الى الصلاة، ثمّ وجد بللاً؟ قال: لايتوضّأ، انّما ذلك من الحبائل(1)».(2)
و رواية اسماعيل بن عبدالخالق قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام قلت: الرجل يبول، و ينتفض، و يتوضّأ، ثمّ يجد البلل بعد ذلك؟ قال: ليس ذلك شيئا، انّما ذلك من الحبائل».(3)
فلا تعارضهما صحيحة محمّد بن مسلم قال:
«قال أبو جعفر عليه السلام: من اغتسل و هو جنب قبل أن يبول، ثمّ يجد بللاً، فقد انتقض غسله، و ان كان بال ثمّ اغتسل، ثمّ وجد بللاً، فليس ينقض غسله ولكن عليه الوضوء؛ لأنّ البول لم يدع شيئا».(4)
لأنّها تحمل على عدم مضي تلك المدّة.
ثمّ انّه ليس على المرأة استبراء؛ لعدم الدليل عليه، و ما ذهب اليه المصنّف من أنّ الأولى الصبر قليلاً، و التنحنح و عصر فرجها عرضا، فليس عليه دليل الاّ قول بعض عن ابن الجنيد، و الصبر قد ذكره في نجاة العباد كما في المستمسك.(1)
و في المنتهى: «انّ الرجل و المرأة سواء، و البكر و الثيّب سواء»(2)، لم يكن عليه دليل ظاهر.
فبناءً عليه فالرطوبة الخارجة منها محكومة بالطهارة و عدم الناقضيّة ما لم تعلم كونها بولاً.
(مسألة 1): من قطع ذكره يصنع ما ذكر فيما بقي.
الشرح:
لأنّ الاستبراء لنقاء المحلّ عن البول، فالخرطات لاتسقط عمّن قطع ذكره، بل يعمل بما بقي من ذكره. بل لو علم أنّه ليس في المحلّ بول لم يكن هناك حاجة الى الخرطات، فان خرج شيء من البلل فهو من الحبائل لا من البول. و كذا لو علم أنّه ليس فيما بين المقعدة و الأنثيين شيء من البول لم يحتج الى الخرطات و احتاج الى باقي الأعمال.
(مسألة 2): مع ترك الاستبراء يحكم على الرطوبة المشتبهة بالنجاسة و الناقضيّة، و ان كان تركه من الاضطرار و عدم التمكّن منه.
الشرح:
كما تقدّم في آخر الفصل و ان كان تركه من الاضطرار و عدم التمكّن منه؛ لأنّ حديث رفع الاضطرار لايصلح للحكومة على الأدلّة المذكورة.
(مسألة 3): لايلزم المباشرة في الاستبراء فيكفي في ترتّب الفائدة ان باشره غيره كزوجته أو مملوكته.
الشرح:
لأنّ المقصود من الاستبراء نقاء المحلّ، و هو حاصل بفعل غيره، فلو باشرته زوجته أو مملوكته يكفي في ترتّب الفائدة.
(مسألة 4): اذا خرجت رطوبة من شخص و شكّ شخص آخر في كونها بولاً أو غيره فالظاهر لحوق الحكم أيضا من الطهارة ان كان بعد استبرائه، و النجاسة ان كان قبله، و ان كان نفسه غافلاً بأن كان نائما مثلاً فلايلزم أن يكون من خرجت منه هو الشاكّ، و كذا اذا خرجت من الطفل و شكّ وليّه في كونها بولاً فمع عدم استبرائه يحكم عليها بالنجاسة.
الشرح:
اذا خرجت من شخص رطوبة و شكّ شخص آخر في كونها بولاً أو غيره، فان كان قد استبرأ صاحب البول فيحكم عليها بالطهارة، و ان كان قبل استبرائه فيحكم عليها بالنجاسة؛ لأنّ ذلك حكم وضعي للاستبراء و عدمه بلا فرق بين صاحبه و غيره. بل لو كان صاحبه غافلاً عن البلل الخارج منه، ولكن شكّ غيره فحكمه كما
مرّ. و كذا يكون الحال اذا خرجت رطوبة من الطفل و شكّ وليّه في كونها بولاً أم لا، فمع عدم استبرائه يحكم عليها بالنجاسة.
(مسألة 5): اذا شكّ في الاستبراء يبني على عدمه و لو مضت مدّة، بل و لو كان من عادته. نعم، لو علم أنّه استبرأ و شكّ بعد ذلك في أنّه كان على الوجه الصحيح أم لا بنى على الصحّة.
الشرح:
اذا شكّ في الاستبراء يبني على عدمه؛ للأصل، و أمّا اذا كان يعلم بالاستبراء و شكّ في صحّته بنى على الصحّة؛ لأصالة الصحّة.
(مسألة 6): اذا شكّ من لم يستبرئ في خروج الرطوبة و عدمه بنى على عدمه و لو كان ظانّا بالخروج، كما اذا رأى في ثوبه رطوبة و شكّ في أنّها خرجت منه أو وقعت عليه من الخارج.
الشرح:
اذا شكّ من لم يستبرئ في خروج الرطوبة و عدمه بنى على عدمه؛ للأصل، و ان كان ظانّا بالخروج، فانّ اليقين السابق لاينقضه الاّ اليقين اللاحق، فلو رأى في ثوبه رطوبة و شكّ في أنّها خرجت منه أو وقعت عليه من الخارج، فان خرجت منه يكون ثوبه نجسا و ان وقعت عليه من الخارج كترشّح الماء يكون ثوبه طاهرا، فالأصل عدم خروجها منه، فيكون ثوبه طاهرا.
(مسألة 7): اذا علم أنّ الخارج منه مذي لكن شكّ في أنّه هل خرج معه بول أم لا، لايحكم عليه بالنجاسة الاّ أن يصدق عليه الرطوبة المشتبهة، بأن يكون الشكّ في أنّ هذا الموجود هل هو بتمامه مذي أو مركّب منه و من البول.
الشرح:
اذا علم أنّ الخارج منه مذي لكن شكّ في أنّه هل خرج معه بول أو لا، لايحكم عليه بالنجاسة؛ لأصالة عدم خروج البول معه، و أمّا ان شكّ في أنّ هذا الموجود هل هو بتمامه مذي أو مركّب منه و من البول، فلايحكم عليه بالطهارة؛ لأنّه من الرطوبة المشتبهة.
(مسألة 8): اذا بال و لم يستبرئ ثمّ خرجت منه رطوبة مشتبهة بين البول و المني يحكم عليها بأنّها بول، فلايجب عليه الغسل بخلاف ما اذا خرجت منه بعد الاستبراء، فانّه يجب عليه الاحتياط بالجمع بين الوضوء و الغسل؛ عملاً بالعلم الاجمالي، هذا اذا كان ذلك بعد أن توضّأ، و أمّا اذا خرجت منه قبل أن يتوضّأ فلايبعد جواز الاكتفاء بالوضوء؛ لأنّ الحدث الأصغر معلوم، و وجود موجب الغسل غير معلوم، فمقتضى الاستصحاب وجوب الوضوء و عدم وجوب الغسل.
الشرح:
هنا صور:
فتارة: بال و لم يستبرئ ثمّ خرجت منه رطوبة مشتبهة بالبول أو المني يحكم عليها بأنّها بول؛ لأنّه قد بال و لم يكن لشبهة المني محلّ.
و أخرى: قد أجنب فبال و لم يستبرئ و اغتسل ثمّ خرج منه البلل المشتبه بالبول أو المني فيحكم عليه بأنّه بول فلايجب الغسل؛ لأنّه قد استبرأ من المني،
فعليه الوضوء خاصّة كما تقدّم في صحيحة ابن مسلم.
و ثالثة: قد أجنب فبال و استبرأ ثمّ اغتسل، ثمّ خرج منه البلل المشتبه بالبول أو المني، فعليه الاحتياط بالجمع بين الوضوء و الغسل؛ للعلم الاجمالي.
اللّهمّ الاّ أن يقال بأنّ صحيحة محمّد بن مسلم صريحة في عدم وجوب الغسل، ففيها قال عليه السلام: «و ان كان بال ثمّ اغتسل ثمّ وجد بللاً فليس ينقض غسله ولكن عليه الوضوء؛ لأنّ البول لم يدع شيئا»، ولكنّ الفرض أنّه استبرأ من البول و الرواية لم يفرض فيها الاستبراء من البول.
و رابعة: لم يكن جنبا قبل خروج البلل، فبال و استبرأ ثمّ خرج منه البلل المشتبه بالبول أو المني، ففي هذه الصورة قال المصنّف: «ان توضّأ ثمّ خرج منه البلل المذكور فيجب عليه الاحتياط بالجمع بين الوضوء و الغسل؛ عملاً بالعلم الاجمالي. و أمّا اذا خرج منه قبل أن يتوضّأ فلايبعد جواز الاكتفاء بالوضوء؛ لأنّ الحدث الأصغر معلوم و وجود موجب الغسل غير معلوم فمقتضى الاستصحاب وجوب الوضوء و عدم وجوب الغسل».
أقول:
الظاهر أنّ ما ذهب اليه المصنّف هو الصحيح؛ لأنّه اذا كان قد توضّأ ثمّ رأى البلل المشتبه فانّه محدث قطعا امّا بالأصغر أو الأكبر، فان توضّأ يستصحب كلّي الحدث فيبقى عليه الغسل، فان اغتسل فكذلك يبقى عليه الوضوء. و أمّا ان لم يكن قد توضّأ فانّ الحدث الأصغر معلوم و وجود موجب الغسل غير معلوم، فمقتضى الاستصحاب وجوب الوضوء و عدم وجوب الغسل.
أمّا الأوّل فأن يطلب خلوة أو يبعد حتّى لايرى شخصه، و أن يطلب مكانا مرتفعا للبول، أو موضعا رخوا، و أن يقدّم رجله اليسرى عند الدخول في بيت الخلاء، و رجله اليمنى عند الخروج، و أن يستر رأسه، و أن يتقنّع و يجزي عن ستر الرأس. و أن يسمّي عند كشف العورة، و أن يتّكئ في حال الجلوس على رجله اليسرى، و يفرّج رجله اليمنى، و أن يستبرئ بالكيفيّة التي مرّت، و أن يتنحنح قبل الاستبراء، و أن يقرأ الأدعية المأثورة بأن يقول عند الدخول: «اللّهمّ انّي أعوذ بك من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم» أو يقول: «الحمد للّه الحافظ المؤدّي»، و الأولى الجمع بينهما، و عند خروج الغائط: «الحمد للّه الذي أطعمنيه طيّبا في عافية و أخرجه خبيثا في عافية»، و عند النظر الى الغائط: «اللّهمّ ارزقني الحلال و جنّبني عن الحرام»، و عند رؤية الماء: «الحمد للّه الذي جعل الماء طهورا و لم يجعله نجسا» و عند الاستنجاء: «اللّهمّ حصّن فرجي و أعفّه و استر عورتي و حرّمني على النار و وفّقني لما يقرّبني منك يا ذا الجلال و الاكرام»، و عند الفراغ من الاستنجاء: «الحمد للّه الذي عافاني من البلاء و أماط عنّي الأذى»، و عند القيام عن محلّ الاستنجاء يمسح يده اليمنى على بطنه و يقول: «الحمد
للّه الذي أماط عنّي الأذى و هنّأني طعامي و شرابي و عافاني من البلوى»، و عند الخروج أو بعده: «الحمد للّه الذي عرّفني لذّته و أبقى في جسدي قوّته و أخرج عنّي أذاه يا لها نعمة، يا لها نعمة، يا لها نعمة لايقدر القادرون قدرها». و يستحبّ أن يقدّم الاستنجاء من الغائط على الاستنجاء من البول، و أن يجعل المسحات ان استنجى بها وترا، فلو لم ينق بالثلاثة و أتى برابع يستحبّ أن يأتي بخامس ليكون وترا و ان حصل النقاء بالرابع، و أن يكون الاستنجاء و الاستبراء باليد اليسرى، و يستحبّ أن يعتبر و يتفكّر في أنّ ما سعى و اجتهد في تحصيله و تحسينه كيف صار أذيّة عليه و يلاحظ قدرة اللّه تعالى في رفع هذه الأذيّة عنه و اراحته منها.
الشرح:
فروع في مستحبّات التخلّي
يستحبّ التباعد عن الناس عند التخلّي؛ لما روى الشهيد الثاني (في شرح النفليّة) عن النبي صلى الله عليه و آله:
«انّه لم ير على بول و لا غائط».(1)
و في صحيحة حمّاد بن عيسى عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قال لقمان لابنه: اذا سافرت مع قوم فأكثر استشارتهم - الى أن قال: - و اذا أردت قضاء حاجتك فأبعد المذهب(2)في الأرض».(3)
و مرسلة الفضل بن الحسن الطبرسي (في مجمع البيان) عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«ما أوتي لقمان الحكمة لحسب، و لا مال، و لا بسط في جسم، و لا جمال، ولكنّه كان رجلاً قويّا في أمر اللّه متورّعا في اللّه ساكنا سكّيتا - و ذكر جملة من أوصافه و مدائحه الى أن قال: - و لم يره أحد من الناس على بول و لا غائط قطّ، و لا اغتسال؛ لشدّة تستّره و تحفّظه في أمره - الى أن قال: - فبذلك أوتي الحكمة و منح القضيّة».(1)
يستحبّ أن يطلب مكانا مرتفعا للبول أو موضعا رخوا؛ لرواية السكوني عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: من فقه الرجل أن يرتاد(2)موضعا لبوله».(3)
و صحيحة عبداللّه بن مسكان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله أشدّ الناس توقّيا عن البول،كان اذا أراد البول يعمد الى مكان مرتفع من الأرض أو الى مكان من الأمكنة يكون فيه التراب الكثير كراهية أن ينضح عليه البول».(4)
يستحبّ أن يقدّم رجله اليسرى عند الدخول و رجله اليمنى عند الخروج؛ لما ادّعي عليه من الاجماع كما في مهذّب الأحكام.(1)
يستحبّ تغطية الرأس و التقنّع عند قضاء الحاجة؛ ففي مرسلة محمّد بن محمّد بن النعمان المفيد (في المقنعة) قال:
«انّ تغطية الرأس ان كان مكشوفا عند التخلّي سنّة من سنن النبي صلى الله عليه و آله».(2)
و مرسلة علي بن أسباط عن أبي عبداللّه عليه السلام:
«انّه كان يعمله اذا دخل الكنيف يقنّع رأسه، و يقول سرّا في نفسه: بسم اللّه و باللّه، تمام الحديث».(3)
و رواية رواها أبوذرّ عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله - في وصيّته له - قال:
«يا أبا ذرّ استحي من اللّه، فانّي و الذي نفسي بيده لأظلّ حين أذهب الى الغائط متقنّعا بثوبي استحياءً من الملكين اللذين معي، يا أبا ذرّ أتحبّ أن تدخل الجنّة؟ فقلت: نعم، فداك أبي و أمي، قال: فاقصر
الأمل و اجعل الموت نصب عينك، و استحي من اللّه حقّ الحياء».(1)
يستحبّ أن يسمّي عند كشف العورة، و الاستعاذة، و الدعاء بالمأثور عند دخول المخرج و الخروج منه و الفراغ و النظر الى الماء و الوضوء؛ و ذلك لما في صحيحة معاوية بن عمّار قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: اذا دخلت المخرج فقل: بسم اللّه، اللّهمّ انّي أعوذ بك من الخبيث المخبث، الرجس النجس، الشيطان الرجيم، فاذا خرجت فقل: بسم اللّه الحمدللّه الذي عافاني من الخبيث المخبث، و أماط عنّي الأذى، و اذا توضّأت فقل: أشهد أن لا اللّه الاّ اللّه، اللّهمّ اجعلني من التوّابين، و اجعلني من المتطهّرين، و الحمدللّه ربّ العالمين».(2)
و رواية الصدوق عن النبي صلى الله عليه و آله قال:
«اذا انكشف أحدكم لبول، أو غير ذلك، فليقل: بسم اللّه، فانّ الشيطان يغضّ بصره».(3)
يستحبّ أن يتّكئ على رجله اليسرى و يفرّج رجله اليمنى.
و في التنقيح: «كما في الذكرى و كشف الغطاء و اللمعتين و منظومة الطباطبائي و لم يرد في أخبارنا ما يدلّ عليه. نعم، في السنن الكبرى للبيهقي عن سراقة بن جشعم: «علّمنا رسول اللّه صلى الله عليه و آله اذا دخل أحدنا الخلاء أن يعتمد اليسرى و ينصب اليمنى، و أشار اليه الشهيد في الذكرى و العلاّمة في النهاية. انتهى ملخّصا».(1)
يستحبّ أن يستبرئ بالكيفيّة التي مرّت، و المحكي عن بعض المتقدّمين الوجوب، الاّ أنّ الأخبار للارشاد، و يستفاد منها الاستحباب. و أضاف اليه بعض كالعلاّمة و الشهيد و البهائي و غيرهم - كما في التنقيح(2)- التنحنح ثلاثا، و ليس عليه دليل.
ثمّ انّ ما ذكره المصنّف من الأدعية، قد أوردها صاحب الوسائل في أبواب مختلفة.(3)
و يستحبّ أن يقدّم الاستنجاء من الغائط على الاستنجاء من البول؛ كما في موثّقة عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل اذا أراد أن يستنجي بالماء يبدأ بالمقعدة أو بالاحليل؟ فقال: بالمقعدة ثمّ بالاحليل».(1)
و يستحبّ أن يستنجي باليد اليسرى؛ ففي مرسلة يونس عن أبي عبداللّه عليه السلامقال:
«نهى رسول اللّه صلى الله عليه و آله أن يستنجي الرجل بيمينه».(2)
و في مرسلة الصدوق قال:
«قال عليه السلام: الاستنجاء باليمين من الجفاء. قال: و قد روي أنّه لا بأس اذا كانت اليسار معتلّة».(3)
و يستحبّ أن يعتبر و يتفكّر، ففي مرسلة الصدوق قال:
«كان علي عليه السلام يقول: ما من عبد الاّ و به ملك موكّل يلوي عنقه حتّى ينظر الى حدثه ثمّ يقول له الملك: يابن آدم، هذا رزقك فانظر من أين أخذته و الى ما صار، فينبغي للعبد عند ذلك أن يقول: اللّهمّ ارزقني الحلال، و جنّبني الحرام».(4)
«و أمّا المكروهات»: فهي استقبال الشمس و القمر بالبول و الغائط، و ترتفع بستر فرجه و لو بيده أو دخوله في بناء أو وراء حائط، و استقبال الريح بالبول بل بالغائط أيضا، و الجلوس في الشوارع أو المشارع، أو منزل القافلة، أو درب المساجد أو الدور، أو تحت الأشجار المثمرة و لو في غير أوان الثمر، و البول قائما، و في الحمّام، و على الأرض الصلبة، و في ثقوب الحشرات، و في الماء خصوصا الراكد، و خصوصا في الليل، و التطميح بالبول أي البول في الهواء، و الأكل و الشرب حال التخلّي بل في بيت الخلاء مطلقا، و الاستنجاء باليمين و باليسار اذا كان عليه خاتم فيه اسم اللّه، و طول المكث في بيت الخلاء، و التخلّي على قبر المؤمنين اذا لم يكن هتكا، و الاّ كان حراما، و استصحاب الدراهم البيض بل مطلقا اذا كان عليه اسم اللّه أو محترم آخر، الاّ أن يكون مستورا، و الكلام في غير الضرورة الاّ بذكر اللّه أو آية الكرسي أو حكاية الأذان أو تسميت العاطس.
الشرح:
فروع في المكروهات:
يكره استقبال الشمس و القمر بالبول و الغائط؛ ففي رواية السكوني عن جعفر عن أبيه عن آبائه عليهم السلام قال:
«نهى رسول اللّه صلى الله عليه و آله أن يستقبل الرجل الشمس و القمر بفرجه و يبول».(1)
و هكذا رواية الكاهلي و حديث المناهي.
1) - وسائل الشيعة 1: 342 / الباب 25 من أبواب أحكام الخلوة / الحديث 1.
و موضوعها الاستقبال بالفرج لا بالبول كما في المتن، و لم يذكر فيها الغائط. ثمّ انّها و ان كان ظاهرها الحرمة، الاّ أنّها ضعيفة السند و قد أعرض المشهور عن العمل بها. نعم، تصلح سندا للكراهة بناءً على قاعدة التسامح.
يكره الجلوس لقضاء الحاجة على شطوط الأنهار، و الآبار، و الطرق النافذة، و تحت الأشجار المثمرة وقت وجود الثمر، و على أبواب الدور، و أفنية المساجد، و منازل النزّال، و الحدث قائما. و مواضع اللعن؛ و الدليل على ذلك صحيحة عاصم بن حميد عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قال رجل لعلي بن الحسين عليه السلام: أين يتوضّأ الغرباء؟ قال:يتّقي شطوط الأنهار، و الطرق النافذة، و تحت الأشجار المثمرة، و مواضع اللعن، فقيل له: و أين مواضع اللعن؟ قال: أبواب الدور».(1)
و مرفوعة علي بن ابراهيم قال:
«خرج أبو حنيفة من عند أبي عبداللّه عليه السلام و أبو الحسن موسى عليه السلام قائم - و هو غلام - فقال له أبو حنيفة: يا غلام، أين يضع الغريب ببلدكم؟ فقال: اجتنب أفنية المساجد، و شطوط الأنهار، و مساقط الثمار، و منازل النزّال، و لاتستقبل القبلة بغائط و لا بول، و ارفع ثوبك، و ضع حيث شئت».(2)
و في رواية الحسين بن مخلوق عن الصادق عليه السلام عن آبائه عليهم السلام:
«انّ النبي صلى الله عليه و آلهنهى أن يتغوّط الرجل على شفير بئر يستعذب منها، أو على شفير نهر، يستعذب منه أو تحت شجرة فيها ثمرها».(1)
و زاد في رواية أخرى: «و كره أن يحدث الرجل و هو قائم».(2)
يكره البول في الحمّام و في ثقوب الحشرات و في الماء و البول في الهواء؛ و الدليل على ذلك رواية قد ذكرها في المستمسك عن جامع الأخبار عن النبي صلى الله عليه و آله:
«أنّه عدّ من الخصال الموجبة للفقر البول في الحمّام».(3)
و في رواية رواها في المستمسك عن كنز العمّال عن النبي صلى الله عليه و آله:
«انّه نهى أن يبال في الحجر».(4)
و في مرسلة حكم عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:
«قلت له: يبول الرجل في الماء؟ قال عليه السلام: نعم، ولكن يتخوّف عليه من الشيطان».(5)
و في صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
« ... و لاتبل في ماء نقيع، فانّه من فعل ذلك فأصابه شيء فلايلومنّ الاّ نفسه. الحديث».(6)
1) - وسائل الشيعة 1: 326 / الباب 15 من أبواب أحكام الخلوة / الحديث 6.
2) - وسائل الشيعة 1: 327 / الباب 15 من أبواب أحكام الخلوة / الحديث 9.
3) - مستدرك الوسائل 1: 284 / الباب 29 من أبواب أحكام الخلوة / الحديث 7.
4) - مستمسك العروة 2: 244.
5) - وسائل الشيعة1: 341 / الباب 24 من أبواب أحكام الخلوة / الحديث 2.
6) - وسائل الشيعة1: 341 / الباب 24 من أبواب أحكام الخلوة / الحديث 6.
و في رواية السكوني عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«نهى النبي صلى الله عليه و آله أن يطمح الرجل ببوله من السطح و من الشيء المرتفع في الهواء».(1)
يكره التغوّط على القبر و بين القبور، اذا لم يكن هتكا و الاّ يحرم، و أن يستعجل المتغوّط؛ و الدليل على ذلك و على كراهة جملة من المكروهات صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«من تخلّى على قبر، أو بال قائما، أو بال في ماء قائم، أو مشى في حذاء واحد، أو شرب قائما، أو خلا في بيت وحده، و بات على غمر(2)، فأصابه شيء من الشيطان لم يدعه الاّ أن يشاء اللّه، و أسرع ما يكون الشيطان الى الانسان و هو على بعض هذه الحالات. الحديث».(3)
و في رواية الأربعمأة، قال:
«لاتعجّلوا الرجل عند طعامه حتّى يفرغ، و لا عند غائطه حتّى يأتي على حاجته».(4)
يكره الاستنجاء و بيده خاتم عليه اسم اللّه، و استصحابه عند التخلّي و عند الجماع، و كذا خاتم عليه شيء من القرآن و كذا درهم و دينار عليه اسم اللّه تعالى؛ يدلّ على ذلك موثّقة عمّار الساباطي عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال:
«لايمسّ الجنب درهما، و لا دينارا، عليه اسم اللّه تعالى، و لايستنجي و عليه خاتم فيه اسم اللّه، و لايجامع و هو عليه، و لايدخل المخرج و هو عليه».(1)
و رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل يجامع، و يدخل الكنيف، و عليه الخاتم فيه ذكر اللّه، أو الشيء من القرآن، أيصلح ذلك؟ قال: لا».(2)
يكره الكلام على الخلاء الاّ بذكر اللّه و آية الكرسي أو حكاية الأذان، أو الحمد عند العطسة، و كذا يكره الاستنجاء باليمين، و مسّ الذكر باليمين، و طول الجلوس على الخلاء و السواك حاله. يدلّ عليه رواية صفوان عن أبي الحسن الرضا عليه السلام أنّه قال:
«نهى رسول اللّه صلى الله عليه و آله أن يجيب الرجل آخر و هو على الغائط، أو يكلّمه حتّى يفرغ».(3)
و رواية السكوني عن جعفر بن محمّد عليه السلام عن آبائه عليهم السلام عن النبي صلى الله عليه و آله قال:
«البول قائما من غير علّة من الجفاء، والاستنجاء باليمين من الجفاء».(1)
و مرسلة الصدوق قال:
«و قال أبو جعفر عليه السلام: اذا بال الرجل فلايمسّ ذكره بيمينه».(2)
و صحيحة محمّد بن مسلم قال:
«سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: قال لقمان لابنه: طول الجلوس على الخلاء يورث الباسور، قال: فكتب هذا على باب الحشّ».(3)
و مرسلة الصدوق عن موسى بن جعفر عليه السلام (في حديث) قال:
«و السواك في الخلاء يورث البخر».(4)
و رواية عمر بن يزيد قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن التسبيح في المخرج، و قراءة القرآن؟ قال: لم يرخّص في الكنيف في أكثر من آية الكرسي، و يحمد اللّه، و آية».(5)
و صحيحة عبداللّه بن علي الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام، قال:
«سألته: أتقرأ النفساء، و الحائض، و الجنب، و الرجل يتغوّط، القرآن؟ فقال: يقرؤون ما شاؤوا».(6)
و رواية مسعدة بن صدقة عن جعفر عن أبيه عليهماالسلام قال:
1) - وسائل الشيعة 1: 322 / الباب 12 من أبواب أحكام الخلوة / الحديث 7.
2) - وسائل الشيعة 1: 322 / الباب 12 من أبواب أحكام الخلوة / الحديث 6.
3) - وسائل الشيعة 1: 336 / الباب 20 من أبواب أحكام الخلوة / الحديث 1.
4) - وسائل الشيعة 1: 337 / الباب 21 من أبواب أحكام الخلوة / الحديث 1.
5) - وسائل الشيعة 1: 312 / الباب 7 من أبواب أحكام الخلوة / الحديث 7.
6) - وسائل الشيعة 1: 313 / الباب 7 من أبواب أحكام الخلوة / الحديث 8.
«كان أبي يقول: اذا عطس أحدكم و هو على خلاء فليحمد اللّه في نفسه».(1)
(مسألة 1): يكره حبس البول أو الغائط، و قد يكون حراما اذا كان مضرّا، و قد يكون واجبا كما اذا كان متوضّئا و لم يسع الوقت للتوضّي بعدهما و الصلاة، و قد يكون مستحبّا كما اذا توقّف مستحبّ أهمّ عليه.
الشرح:
يكره حبس البول. قال في التنقيح: «و في الرسالة الذهبيّة: «و من أراد أن لايشتكي مثانته فلايحبس البول و لو على ظهر الدابّة». و في الفقه الرضوي: «و اذا هاج بك البول فبل». هذا كلّه في البول، و أمّا الغائط فلم نعثر على رواية تدلّ على كراهة حبسه».(2)
و قد يكون حبس البول أو الغائط حراما اذا كان يؤدّي الى هلاك النفس أو مرض شديد، و أمّا الضرر اليسير فيحتاط في تركه. و أمّا اذا كان متوضّئا و كان لو بال أو تغوّط لم يسع الوقت للتوضّي بعدهما و الصلاة، فهل يجب حبس البول و الغائط اذا لم يكن مضرّا بحاله، و لم يكن بحيث لو شرع في الصلاة بال من غير اختيار؟ الظاهر ذلك؛ لأنّ تفويت وقت الصلاة حرام، و هذا من التفويت، و سيأتي تفصيل ذلك في المسألة الثالثه عشرة في البحث عن التيمّم. و لايبعد القول باستحباب الحبس اذا توقّف مستحبّ أهمّ عليه، و ان كان في اطلاق القول به اشكال.
(مسألة 2): يستحبّ البول حين ارادة الصلاة و عند النوم و قبل الجماع، و بعد خروج المني، و قبل الركوب على الدابّة اذا كان النزول و الركوب صعبا عليه، و قبل ركوب السفينة اذا كان الخروج صعبا.
الشرح:
يستحبّ البول عند النوم لما روي عن علي عليه السلام:
«و اذا نمت فاعرض نفسك على الخلاء».(1)
و بعد الجماع؛ لما روي عن النبي صلى الله عليه و آله:
«اذا جامع الرجل فلايغتسل حتّى يبول مخافة أن يتردّد بقيّة المني فيكون منه داء لا دواء له».(2)
و أمّا استحباب البول حين ارادة الصلاة و قبل الركوب على الدابّة و السفينة اذا كان النزول و الخروج صعبا عليه، فيمكن استفادته من أبواب أخر.
(مسألة 3): اذا وجد لقمة خبز في بيت الخلاء يستحبّ أخذها و اخراجها و غسلها ثمّ أكلها.
الشرح:
اذا وجد لقمة خبز في بيت الخلاء يستحبّ أخذها و اخراجها و غسلها ثمّ أكلها؛ للرواية الواردة في ذلك.(3)
و الظاهر منها كثرة العناية بالخبز من جهات و هي رزق أفراد البشر من اللّه تعالى، و الحذر من الاسراف و الوسواس و غيرها.
الى هنا تمّ بعون اللّه تعالى
الجزء الأوّل من شرح كتاب الطهارة
من العروة الوثقى الى آخر مبحث المطهّرات
بيد أقلّ العباد
سيّد عليمحمّد دستغيب الحسيني
ابن المرحوم سيّد علي أكبر
في شهر رجب المرجّب سنة 1430
و صلّى اللّه على محمّد و آله الطاهرين