ghaemiyeh.com
بحر الفوائد في شرح الفرائد
سایر عناوین: فرائد الاصول. شرح / الرسائل
شارح: آشتیانی، محمدحسن بن جعفر
سایر نویسندگان
نویسنده: انصاری، مرتضی بن محمدامین
زير نظر: عاملی، جعفر مرتضی
محقق: لجنة إحیاء التراث العربی
تعداد جلد: 8
زبان: عربی
ناشر: مؤسسة التاريخ العربي - بیروت - لبنان
سال نشر: 1429 هجری قمری|2008 میلادی
کد کنگره: /الف8 ف40225 1387 159 BP
محرر رقمی میثم حیدری
بحر الفوائد في شرح الفرائد
مؤسسة التاريخ العربي - بیروت - لبنان
بسم الله الرحمن الرحيم
فلو كان الشك في تحقق نفس ما تيقنه سابقا كأن تيقن عدالة زيد في زمان كيوم الجمعة مثلا ثم شك في نفس هذا المتيقن و هو عدالته يوم الجمعة بأن زال مدرك اعتقاده السابق فشك في مطابقته للواقع، أو كونه جهلا مركبا لم يكن هذا من مورد الاستصحاب لغة و لا اصطلاحا، أما الأول فلأن الاستصحاب في اللغة أخذ الشيء مصاحبا فلا بد من إحراز ذلك حتى يأخذه مصاحبا، فإذا شك في حدوثه من أصله فلا استصحاب، و أما اصطلاحا فلأنهم اتفقوا على أخذ الشك في البقاء، أو ما يؤدي هذا المعنى في معنى الاستصحاب.
نعم لو ثبت أن الشك بعد اليقين بهذا المعنى ملغى في نظر الشارع فهي قاعدة أخرى مباينة للاستصحاب سنتكلم فيها بعد دفع توهم من توهم أن أدلة الاستصحاب تشملها و أن مدلولها لا يختص بالشك في البقاء، بل الشك بعد اليقين ملغى مطلقا سواء تعلق بنفس ما تيقنه سابقا أم ببقائه.
و أول من صرح بذلك الفاضل السبزواري في الذخيرة في مسألة من شك في بعض أفعال الوضوء حيث قال: «و التحقيق أنه إن فرغ من الوضوء متيقنا للإكمال، ثم عرض له الشك، فالظاهر عدم وجوب إعادة شيء لصحيحة زرارة: (و لا تنقض اليقين أبدا بالشك)»(1)انتهى.
و لعله قدس سره تفطن له من كلام الحلي في السرائر حيث استدل على
1) ذخيرة المعاد: ص 44.
المسألة المذكورة ب «أنه لا يخرج عن حال الطهارة إلا على يقين من كمالها و ليس ينقض الشك اليقين»(1)انتهى، لكن هذا التعبير من الحلي لا يلزم أن يكون (1) استفادة من أخبار عدم نقض اليقين بالشك.
و يقرب من هذا التعبير عبارة جماعة من القدماء لكن التعبير لا يلزم دعوى شمول الأخبار للقاعدتين على ما توهمه غير واحد من المعاصرين، و إن اختلفوا بين مدع لانصرافها إلى خصوص الاستصحاب و بين منكر له عامل بعمومه.
و توضيح دفعه: أن المناط (2) في القاعدتين مختلف بحيث لا يجمعهما مناط
الشرح
(1) لا يخفى عليك أنّ ما ذكره دام ظلّه هنا مناف لما استظهره في أوّل المسألة من أمثال هذه العبائر من كونها مأخوذة من الأخبار و ظاهرة في استدلال المعبّر عنها بها.
(2) قد عرفت بعض الكلام منّا فيما يتعلّق بالمقام عند التّكلم في الأخبار الواردة في الباب عند تعرّض الأستاذ العلاّمة دام ظلّه له، و نتكلّم فيه بعض الكلام هنا أيضا لعلّه يرفع به الغبار عن وجه المرام.
فنقول: إنّه ذكر جماعة من المتأخّرين أنّه لا إشكال في إمكان الجمع بين القاعدتين فإنّهما و إن اختلفتا في كون المقصود في إحداهما الحكم بالحدوث و في الأخرى الحكم بالبقاء و في كون المناط في إحداهما سبق اليقين بشيء في زمان و لحوق الشّك بنفس ما تعلّق به اليقين و في الأخرى وجود الشّيء سابقا و الشّك في بقائه إلاّ أنّ بينهما قدر مشترك يمكن بإرادته إرادتهما سواء اعتبر بالنّسبة إلى ما دلّ على عدم الاعتداد بالشّك في قبال اليقين، أو عدم نقضه بالشّك، أو وجوب المضي عليه عند الشّك، فإنّ كون اللاّزم من هذا في بعض الموارد
1) السرائر: ص 18.
........
الشرح
الحكم بالحدوث كما إذا سرى الشّك إلى نفس ما تعلّق به اليقين و في بعض آخر الحكم بالبقاء كما إذا تعلّق الشّك بالوجود الثّانوي للشّيء مع كون حدوثه يقينيا في زمان الشّك أيضا لا يوجب عدم الجامع بينهما، فإنّ هذا الاختلاف إنّما حدث بملاحظة خصوص المورد من غير أن يكون مرادا من اللّفظ فعدم الاعتداد بالشّك في كلّ شيء و كذلك عدم نقض اليقين بشيء بالشّك فيه و كذلك المضي و الجري على مقتضى اليقين المتعلّق بكلّ شيء إنّما هو بحسبه فأصل المعنى الّذي استعمل اللّفظ فيه أمر وجداني لا تكثير فيه و إنّما جاء الاختلاف من خصوص النّسبة كما يقال إنّ الصّحة في كلّ شيء بحسبه مثلا، هذا و لكن الّذي اختاره الأستاذ العلاّمة جازما به عدم إمكان الجمع بينهما على القول بعدم جواز استعمال اللّفظ في أكثر من معنى، بل على القول بجوازه أيضا بناء على أحد الوجهين اللّذين ستقف عليهما و استدلّ له في ظاهر كلامه في الكتاب و في مجلس البحث بوجوه:
أحدها: ما أجاب عنه المجوّز في طيّ ما عرفته منه من اختلاف المناط في القاعدتين فلا يمكن الجمع بينهما في إرادة واحدة بناء على عدم جواز استعمال اللّفظ في أكثر من معنى.
توضيح ما ذكره دام ظلّه: هو إنه بعد تسليم تغاير المناط في القاعدتين و أنّ معنى عدم الاعتبار بالشّك في إحداهما و المضي على طبق اليقين غيره في الأخرى و أنّهما سنخان من المعنى لا ربط لأحدهما بالآخر أصلا لا معنى للحكم بوجود قدر مشترك بينهما.
نعم لا إشكال في اشتراك القاعدتين بحسب اللّفظ و جواز إرادة كلّ منهما على الانفراد من لفظ واحد، و لكن من المعلوم أنّ مجرّد هذا لا يجدي شيئا ضرورة أنّ الاشتراك بحسب المعنى لا يعقل أن يلاحظ بحسب اللّفظ الّذي هو من مقولة الأصوات المباين للمعنى، و إلاّ لم يصحّ ما حكموا عليه في كثير من الموارد
........
الشرح
من نفي الجامع بين المعنيين، هذا مع أن مجرّد وجود الجامع بينهما لا يقضي بإرادتهما من حيث مناطهما الّذي هو المناط فيهما فلا يمكن أن يجعل الأخبار دليلا على القاعدتين، بل هي على تقدير تسليم الجامع بينهما يدلّ على معنى عار عن مناطهما بالمرّة، و هذا كما ترى يرجع إلى أنّ الجمع بين القاعدتين يوجب استعمال اللّفظ الدّال على الحكم في المعنيين.
ثانيها: أنّ من المعلوم ضرورة عدم إمكان اجتماع كلّ من اليقين و الشّك في إحدى القاعدتين مع اليقين و الشّك في الأخرى حتّى يحكم بإمكان إرادة الحكم المتعلّق بهما من لفظ واحد، فإنّ عدالة زيد في يوم الجمعة مثلا لا يعقل أن يكون متعلّقا للشّك في الحدوث في يوم السّبت مثلا و للشّك في البقاء ضرورة ثبوت التّضاد بينهما.
ثالثها: ما أشرنا إلى نظيره سابقا في مسألة الأصل المثبت و هو مبنيّ على تسليم إمكان وجود المناط في القاعدتين في مورد واحد على البدل من أنّ من الواضح المعلوم أنّ عموم العام إنّما هو بالقياس إلى الأفراد الواقعيّة لا الاعتباريّة، بمعنى أنّه لو كان ثمّة شخص خارجيّ و جزئيّ حقيقيّ له اعتبارات ينتزع منها أمور لم يجز أن يقال إنّ العام يشمل جميع هذه الأمور ضرورة استحالة إيجاب تعدّد اللّحاظ و الاعتبار تعدّد الشّيء بحسب نفس الأمر و الواقع، و إلاّ لزم انقلاب الشّيء عمّا هو عليه بحسب الواقع و هو محال بالضّرورة من العقل.
فنقول: إذا تطبيقا لما ذكر على المقام أنّ أخذ العدالة في المثال المفروض تارة مقيّدة باليوم الجمعة حتّى يتحقّق من أجله اليقين و الشّك المعتبران في قاعدة الشّك السّاري، و أخرى مطلقة معرّاة عن ملاحظة الزّمان حتّى يتعلّق به اليقين و الشّك المعتبران في الاستصحاب لا يوجب تعدّد اليقين و الشّك بحسب نفس الأمر و الواقع، بل الموجود في الواقع فرد من اليقين و الشّك ليس إلاّ، أو فرد من اليقين
........
الشرح
و إن سلّم تعدّد الشّك واقعا بملاحظة الاعتبارين على ما يتوهّم و إن كنّا لم نتعقّله.
و بالجملة: تعدّد اللّحاظ و الاعتبار في الشّيء الواحد الشّخصي لا يوجب تكثره خارجا الموجب لكثرته الخارجيّة و إنّما يوجب تكثره بحسب اللّحاظ، و من المعلوم أنّ إرادة المتكلّم ليس تابعا لما هو من الموهومات الّتي لا واقعيّة لها بحسب الخارج.
رابعها: أنّ ما ذكر إنّما يجدي بالنّسبة إلى بعض الموارد لا جميعها، فإنّ جميع موارد الاستصحاب لا يشترط فيها سبق اليقين على الشّك كما هو المعتبر في القاعدة، لأنّك قد عرفت أنّ المعتبر في الاستصحاب هو مجرّد الوجود السّابق و الشّك في بقائه بعد الزّمان الّذي وجد فيه الّذي يجامع في بعض الأحيان مع حصول الشّك و اليقين في زمان واحد.
خامسها: أنّ اعتبار قاعدة الشّك السّاري من حيث هي هي على خلاف الإجماع، فإنّ أحدا لم يقل بأنّ الشّك بعد اليقين ملغى و لم يعمل بمقتضى اليقين أصلا و لو حصل الشّك بعد اليقين فورا.
سادسها: وقوع التّدافع من إرادتهما معا و التّعارض الدّائمي الموجب لعدم إمكان إرادتهما كما ستقف على شرح القول فيه هذا ملخّص ما استفدناه من مطاوي كلماته من الكتاب و في مجلس البحث.
و لكنّك خبير بإمكان المناقشة في جميع ما ذكرناه من الوجوه عدا الوجه السّادس.
أمّا الأوّل: فللمنع من كون الجامع بين القاعدتين مجرّد اللّفظ و الصّوت، بل لكلّ من المضي و عدم الاعتناء بالشّك و البقاء على اليقين السّابق و الالتزام بمقتضاه معنى يجامع كلاّ من القاعدتين و استفادة كلّ منهما بمناطه إنّما هي من لوازم النّسبة إلى الموارد الخاص لا أن تكون مرادة من اللّفظ حتّى يقال إنّ إرادتهما
........
الشرح
بمناطهما الملحوظ فيهما من اللّفظ موجب للزوم ما ذكره من المحاذير فتدبّر. و بدونه لا يجدي نفعا.
و أمّا الثّاني: فلأنّ أحدا لم يدّع اجتماع القاعدتين في شخص المقام حتّى يورد عليه بما ذكر في الإيراد الثّاني، بل المدّعى شمول الأخبار للقاعدتين أينما وجد كلّ واحد منهما، فإذا تيقّن الطّهارة و شكّ في بقائها فيحكم بمقتضى الأخبار بوجوب الالتزام بها و إذا شكّ في عدالة زيد بعد اليقين بها في زمان بالشّك السّاري يحكم أيضا بعدم الاعتناء به، و كذا في سائر المقامات.
و بالجملة: لم نر أحدا حكم باجتماع اليقين و الشّك بالمعنيين في مورد واحد و لم يحرز أحد النّزاع فيه، بل من حكم بدلالة الأخبار على اعتبارهم حكم بها أينما وجدتا بحسب الموارد المتعدّدة، و ممّا ذكرنا يندفع الإيراد الثّالث أيضا و الوجه فيه ظاهر.
و أمّا الرّابع: فلأنّ من يقول بدلالتها على اعتبار القاعدتين لا يقول بدلالتها على لزوم تقدّم اليقين على الشّك حتّى يورد عليه بما ذكر، بل يقول بدلالتها على لزوم الأخذ باليقين بالشّيء و عدم الاعتناء بالشّك فيه سواء وجدا معا، أو تقدّم أحدهما على الآخر، مع أن له أن يتمّ المدّعى بالإجماع المركّب فتأمل.
و أمّا الخامس: فلأنّ قيام الإجماع على عدم اعتبار قاعدة الشّك السّاري أينما وجد لا يضرّ بالحكم باعتبارها فيما لم يقم فيه إجماع على عدم اعتبارها، مع أن كلامنا في الإمكان و عدمه لا في الوقوع و عدمه و منه يظهر عدم ورود ما يقال عليه بأنّ الإجماع إنّما انعقد على عدم اعتبار القاعدة من حيث هي مطلقا حتّى في مورد العمل على اليقين السّابق، فإنّ عدم الاعتناء بالشّك في هذه الصّورة إنّما هو من جهة ما دلّ على عدم الاعتناء بالشّك بعد الفراغ، سواء سبق باليقين أولا، هذا ملخّص ما يقال علي ما ذكره دام ظلّه من الإشكالات و بقي بعض إشكالات أخر على خصوصيّات فيه ستقف عليه بعد نقله.
واحد، فإن مناط الاستصحاب هو اتحاد متعلق الشك و اليقين مع قطع النظر عن الزمان لتعلق الشك ببقاء ما تيقن سابقا، و لازمه كون القضية المتيقنة، أعني عدالة زيد يوم الجمعة متيقنة حين الشك أيضا من غير جهة الزمان، و مناط هذه القاعدة اتحاد متعلقيهما من جهة الزمان، و معناه كونه في الزمان اللاحق شاكا فيما تيقنه سابقا بوصف وجوده في السابق.
فإلغاء الشك في القاعدة الأولى عبارة عن الحكم ببقاء المتيقن سابقا من غير تعرض لحال حدوثه حيث إنه متيقن، و في القاعدة الثانية هو الحكم بحدوث ما تيقن حدوثه من غير تعرض لحكم بقائه، فقد يكون بقاؤه معلوما، أو معلوم العدم، أو مشكوكا.
و اختلاف مؤدى القاعدتين (1) و إن لم يمنع من إرادتهما من كلام واحد
الشرح
(1) قد يورد عليه بأنّ اختلاف مؤدّى الإبقاءين إن لم يمنع من إرادتهما من العبارة الّتي ذكرها دام ظلّه فلا يمكن أن يمنع من قوله من كان على يقين فشكّ الحديث و قوله لا تنقض اليقين بالشّك الحديث و غيرهما من الأخبار و العبائر ضرورة أنّه إن لم يكن بين المعنيين جامع يحكم بإرادتهما من إرادته من الكلام فلا يجوز إرادتهما بناء على منع استعمال اللّفظ في أكثر من معنى من أيّ كلام فرض، و إن كان بينهما جامع على الوجه المذكور أمكن إرادتهما من أيّ لفظ فرض ضرورة أنّ خصوصيّات الألفاظ و الأصوات لا يعقل أن يكون لها مدخليّة في الاستحالة و الإمكان غاية الأمر أن يكون بعض الألفاظ ظاهرا، أو نصّا في أحد الفردين و بعضها الآخر ظاهرا في الفرد الآخر و بعضها غير ظاهر في أحدهما، لكن مجرّد هذا لا يعقل أن يكون سببا لاستحالة القدر المشترك حتّى في صورة عدم نصب القرينة فضلا عن صورة نصبها على إرادته.
و بالجملة: ما ذكره ممّا لم يعلم له معنى محصّل، فإن قيل إنّ المراد من إرادتهما
بأن يقول الشارع إذا حصل شك بعد يقين فلا عبرة به، سواء تعلق ببقائه، أو بحدوثه و أحكم بالبقاء في الأول و بالحدوث في الثاني، إلا أنه مانع عن إرادتهما في هذا المقام من قوله عليه السلام فليمض على يقينه، فإن المضي على اليقين السابق المفروض تحققه في القاعدتين، أعني عدالة زيد يوم الجمعة بمعنى الحكم بعدالته في ذلك اليوم من غير تعرض لعدالته فيما بعد كما هو مفاد القاعدة الثانية يغاير المضي عليه، بمعنى عدالته بعد يوم الجمعة
الشرح
من كلام واحد هو إرادتهما من أمرين في كلام واحد ففيه: أنّ هذا لا يحتاج إلى الاستدراك و لم يتأمّل في جوازه جاهل فضلا عن عالم، هذا مضافا إلى كونه خلاف ظاهر ما ذكره دام ظلّه إن لم يكن خلاف نصّه، فإنّ من قوله لا عبرة به لا بدّ من أن يراد المعنيان كما هو واضح، هذا و كان الأستاذ العلاّمة يوجّه ما ذكره بأن المراد من إمكان إرادتهما من كلام واحد ليس هو إرادتهما من حيث المناط المعتبر فيهما بحيث يمكن الاستدلال به على القاعدتين و يجعل مدركا لهما، بل بمعنى إرادة معنى قدر مشترك لا ربط له بالقاعدتين من حيث المناط المتغير فيهما يجتمع معهما بحسب المورد و لو في أغلب الموارد، هذا و لكنك خبير بما فيه أيضا:
أمّا أوّلا: فبأنّه خروج عن الفرض و لا يحتاج إلى الاستدراك و مخالف لظاهر قوله في الكتاب إن لم يكن مخالفا لصريحه.
و أمّا ثانيا: فبأنّ تخصيص الإمكان بهذا المعنى بالعبارة الّتي ذكرها ممّا لا معنى له غاية الأمر أن يكون إرادة هذا المعنى من قوله من كان على يقين فشكّ الحديث و نحوه خلاف الظّاهر، أو الصّريح و هو لا يوجب استحالة الإرادة كما لا يخفى.
و بالجملة: ما ذكره دام ظلّه لا يخلو عن مسامحة.
من غير تعرض لحال يوم الجمعة كما هو مفاد قاعدة الاستصحاب فلا يصح إرادة المعنيين منه.
فإن قلت: إن معنى المضي على اليقين عدم التوقف من أجل الشك العارض و فرض الشك كعدمه، و هذا يختلف باختلاف متعلق الشك فالمضي مع الشك في الحدوث بمعنى الحكم بالحدوث و مع الشك في البقاء بمعنى الحكم به.
قلت: لا ريب في اتحاد متعلقي الشك و اليقين (1) و كون المراد المضي على
الشرح
(1) قد عرفت ما في هذا الجواب في طيّ كلماتنا السّابقة و أنّه إنّما يكون جوابا على تقدير كون المراد من السّؤال هو دعوى وجود القاعدتين في مورد واحد و هو ليس كذلك، بل المراد هو دعوى كون المضي بمقتضى اليقين السّابق أمرا يجامع كلاّ من القاعدتين في وجودها و يكون مفاده بملاحظة التّعلّق بمورد معنى إحدى القاعدتين، و بملاحظة تعلّقه بمورد آخر معنى الأخرى فيكون المضي كلفظ الصّلح له معنى قدر مشترك يحصل منه معاني بحسب التّعلّقات و الإضافات فكما أنّ إفادة الصّلح نقل العين في مورد و نقل المنفعة في مورد آخر و الإبراء في الثّالث إلى غير ذلك لا يوجب تعدّد معنى لفظ الصّلح و الحكم بكونه موضوعا بالاشتراك اللّفظي لمعنى البيع و الإجارة و الإبراء إلى غير ذلك، بل معناه أمر واحد و هو التّسالم الّذي يحصل منه هذه الأمور بحسب التّعلّقات كذلك المراد من وجوب المضي على اليقين السّابق أمر واحد لا تكثر فيه أصلا و إنّما يحصل الاختلاف بحسب الموارد من جهة التّعلّقات بحكم العرف و مثل ما لو قال المولى لعبده إنّ إكرام زيد العالم هكذا و عمرو العالم هكذا و بكر العالم هكذا و هكذا ثمّ قال له أكرم كلّ عالم دخل عليك، فإنه لا يرتاب أحد أنّه لم يستعمل قوله أكرم في أكثر من معنى فيكون الحال في المقام أيضا كذلك، هذا مع أنّه يمكن الجمع
ذلك اليقين المتعلق بما تعلق به الشك، و المفروض أن ليس في السابق إلا يقين واحد و هو اليقين بعدالة زيد و الشك فيها ليس له هنا فردان يتعلق أحدهما بالحدوث و الآخر بالبقاء. و بعبارة أخرى: عموم أفراد اليقين باعتبار الأمور الواقعية بعدالة زيد و فسق عمرو لا باعتبار ملاحظة اليقين بشيء واحد حتى ينحل اليقين بعدالة زيد إلى فردين يتعلق بكل منهما شك، بل المراد الشك في نفس ما و حينئذ فإن اعتبر المتكلم في كلامه الشك في هذا المتيقن من دون تقييده بيوم الجمعة، فالمضي على هذا اليقين عبارة عن الحكم باستمرار هذا المتيقن و إن اعتبر الشك فيه مقيدا بذلك اليوم، فالمضي على ذلك المتيقن الذي تعلق به الشك عبارة عن الحكم بحدوثها من غير تعرض للبقاء كأنه قال من كان على يقين من عدالة زيد يوم الجمعة فشك فيها فليمض على يقينه السابق السابق يعنى يرتب آثار عدالة زيد فيه، فالمضي على عدالة زيد و ترتيب آثاره يكون تارة بالحكم بعدالته في الزمان اللاحق و أخرى بالحكم بعدالته في ذلك الزمان المتيقن و هذان لا يجتمعان في الإرادة، و إن أردت توضيح الحال فافرض أنه قال من كان على يقين من عدالة زيد يوم الجمعة فشك فيها فليمض على يقينه السابق، و المعنى أن من كان على يقين من شيء و شك في ذلك الشيء فليمض على يقينه بذلك الشيء، فإن اعتبر اليقين السابق متعلقا بعدالة زيد من دون تقييدها بيوم الجمعة فالشك اللاحق فيه بهذا الاعتبار شك في بقائها، و إن اعتبر متعلقا بعدالة زيد مقيدة بيوم الجمعة فالشك فيها بهذه الملاحظة شك في حدوثها.
الشرح
بين القاعدتين في مورد واحد، لكن لا على سبيل الفعليّة بالنّسبة إلى كلّ واحد منهما، بل على سبيل التّقدير بالنّسبة إلى الاستصحاب على بعض التقادير فتدبّر.
و قس على هذا سائر الأخبار الدالة على عدم (1) نقض اليقين بالشك، فإن الظاهر اتحاد متعلق الشك و اليقين فلا بد أن يلاحظ المتيقن و المشكوك غير مقيدين بالزمان و إلا لم يجز استصحابه كما تقدم في رد شبهة من قال بتعارض الوجود و العدم في شيء واحد.
و المفروض في القاعدة الثانية كون الشك متعلقا بالمتيقن السابق بوصف وجوده في الزمان السابق، و من المعلوم عدم جواز إرادة الاعتبارين من اليقين و الشك في تلك الأخبار.
و المفروض في القاعدة الثانية أن المتيقن السابق كعدالة زيد يوم الجمعة إن أخذت مقيدة بيوم الجمعة، فمعنى عدم نقضه بالشك عدم نقضه بالشك بذلك اليوم، و إن أخذت مطلقة عارضها الشك في وجودها في الزمان اللاحق.
الشرح
(1) قد عرفت سابقا ظهور الأخبار بأسرها في وحدة متعلّق اليقين و الشّك، بل صراحتها في ذلك، لأنّ الشّك فيما لا دخل له بالمتيقّن السّابق لا يتوهّم كونه ناقضا حتّى يرد الأخبار على نفيه فلو أريد منها الاستصحاب فلا بدّ من أن يجعل متعلّق اليقين و الشّك نفس المتيقّن بقول مطلق معرّاة عن التّقييد بالزّمان السّابق فيه لا المتيقّن السّابق بملاحظة تقييده بالزّمان السّابق، فلا بدّ أن يكون المراد من الشّيء المتيقّن هو ذاته المعرّاة من اعتبار الزّمان السّابق حتّى يرجع الشّك فيه إلى الشّك في البقاء فينطبق على الاستصحاب و أن يجعل المراد منه المتيقّن المقيّد بالزّمان السّابق فيكون الشّك متعلّقا به بهذه الملاحظة، فعلى الأوّل يكون الأخبار مختصّة بالاستصحاب و على الثّاني تكون مختصّة بقاعدة الشّك السّاري كما لا يخفى، فيكون سائر الأخبار كقوله من كان على يقين فشكّ فليمض على يقينه في عدم إمكان إرادة المعنيين منها، هذا و لكنك خبير بأنّ العبارة قاصرة عن إفادة المراد فتدبّر.
و دعوى أن اليقين بكل من الاعتبارين فرد من اليقين و كذلك الشك المتعلق فرد من الشك فكل فرد لا ينقض بشكه مدفوعة بأن تعدد اللحاظ و الاعتبار في المتيقن به السابق بأخذه تارة مقيدا بالزمان السابق و أخرى بأخذه مطلقا لا يوجب تعدد أفراد اليقين و ليس اليقين بتحقق مطلق العدالة في يوم الجمعة و اليقين بعدالته المقيدة بيوم الجمعة فردين من اليقين تحت عموم الخبر، بل الخبر بمثابة أن يقال من كان على يقين من عدالة زيد، أو فسقه، أو غيرهما من حالاته فشك فيه فليمض على يقينه بذلك فافهم، فإنه لا يخلو عن دقة.
ثم إذا ثبت عدم جواز إرادة المعنيين (1) فلا بد أن يخص مدلولها بقاعدة الاستصحاب لورودها في موارد تلك القاعدة كالشك في الطهارة من الحدث و الخبث و دخول هلال شهر رمضان، أو شوال.
هذا كله لو أريد من القاعدة الثانية إثبات نفس المتيقن عند الشك و هي عدالة زيد في يوم الجمعة مثلا أما لو أريد منها إثبات عدالته (2) من يوم الجمعة
الشرح
(1) قد عرفت عند التّمسّك بالأخبار على اعتبار الاستصحاب الكلام في إثبات ظهورها في الاستصحاب لا في غيرها حتّى الأخبار العامّة حتّى قوله من كان على يقين فشكّ فضلا عن غيره ممّا كان واردا في خصوص مورد الاستصحاب فراجع.
(2) قد يورد على ما ذكره دام ظلّه العالي بأنّه إن كان المراد من الحكم بالاستمرار إلى زمان الشّك إنشاء استمرار ما حكم بحدوثه ظاهرا بإنشاء مستقلّ فيكون من الاستصحاب في الحكم الظّاهري كما تقدّم في تمسّك بعض أفاضل من تأخّر بما دلّ على طهارة الأشياء و حليّتها فلا يكون عدم جوازه مبنيّا على عدم جواز استعمال اللّفظ في أكثر من معنى، بل إرادة الإنشاءين من الأمر الواحد محال و لو قيل بجواز استعمال اللّفظ في أكثر من معنى من جهة استلزامه تقدّم الشّيء
مستمرة إلى زمان الشك و ما بعده إلى اليقين بطرو الفسق فيلزم استعمال الكلام في معنيين أيضا، لأن الشك في عدالة زيد يوم الجمعة غير الشك في استمرارها إلى الزمان اللاحق و قد تقدم نظير ذلك في قوله عليه السلام: «كل شيء طاهر حتى تعلم أنه قذر».
ثم لو سلمنا دلالة الروايات على ما يشمل القاعدتين (1) لزم حصول التعارض
الشرح
على نفسه على ما عرفت تفصيل القول فيه سابقا، و إن كان المراد منه الحكم بوجوب الالتزام بآثار وجود الشّيء في الزّمان السّابق و اللاّحق بعد اليقين بوجوده في زمان ما لم يقطع بارتفاعه و لو تعلّق الشّك بأصل حدوثه كما هو الظّاهر من كلامه إن لم يكن صريحه حسب ما ستقف عليه من أنّه أحد معاني القاعدة، ففيه:
أنّ إرادة هذا المعنى لا يوجب استعمال اللّفظ في أكثر من معنى لإمكان أن يراد من جميع الأخبار عدم الاعتناء بالشّك بعد اليقين و وجوب الالتزام بآثار الشّيء الّذي تعلّق به اليقين إلى أن يقطع بخلافه.
(1) لا يخفى عليك وضوح ما ذكره دام ظلّه، لأنه بعد سريان الشّك إلى ما تعلّق به اليقين يتحقّق مورد الاستصحاب و القاعدة معا، فإنّ الشّك فيه من حيث كونه مسبوقا بالقطع بالعدم الأزلي بكون مجرى لاستصحاب العدم الأزلي و من حيث كونه مسبوقا بالاعتقاد بالوجود في زمان تعلّق به الشّك في زمان لاحق عليه بكون مجرى القاعدة، فالشّك في الفرض معارض لفردين من اليقين باعتبار ما فيه من الاحتمالين و الطّرفين فمن حيث احتمال الوجود معارض باليقين بالعدم الأزليّ و من حيث احتمال العدم معارض باليقين بالوجود لا يقال اليقين بالعدم الأزلي قد انتقض باليقين بالوجود في زمان بالفرض فلا مجرى للاستصحاب إذا و يكون القاعدة سليمة عن المعارض و المنافي، لأنّا نقول نمنع من انتقاض اليقين بالعدم الأزلي و منعه عن جريان الاستصحاب، فإنه إن أريد من الحكم بالانتقاض الحكم
في مدلول الرواية المسقط له عن الاستدلال به على القاعدة الثانية، لأنه إذا شك في ما تيقن سابقا أعني عدالة زيد في يوم الجمعة فهذا الشك معارض
الشرح
به حين اليقين بالوجود، ففيه: أنّه لم يحكم أحد بجريان الاستصحاب في حقّ المعتقد حين الاعتقاد كما أنّه لا يمكن لأحد الحكم بجريان القاعدة حين اليقين، فإنّ جريان كلّ منهما لا يمكن بدون الشّك و إن أريد منه الحكم به حين الشّك المتعلّق بنفس ما تيقّن سابقا بطريق السّريان الّذى هو زمان الحكم بجريان الاستصحاب و القاعدة معا، ففيه: أنّه لا وجه للحكم بانتقاض اليقين بالعدم الأزلي، فإنّ الشّك في مطابقة الاعتقاد السّابق عين الشّك في انتقاض العدم الأزلي كما هو واضح ظاهر.
و بالجملة: قد عرفت سابقا أنّ اليقين بالوجود إذا كان مقيّدا بزمان، و إن كان مطابقا للواقع لا ينقض العدم الأزلي بقول مطلق فضلا عمّا يشكّ في كونه مطابقا للواقع أولا.
فإن قلت: ستعرف بعد هذا أنّه على فرض تماميّة القاعدة و قيام الدّليل عليها يكون مقدّما على الاستصحاب إمّا من باب الحكومة كما يقتضيه اعتبارها على أحد الوجهين، أو من باب التّخصيص على ما هو قضيّة اعتبارها على الوجه الآخر، فالحكم باعتبار القاعدة لا يوجب التّعارض بينها و بين الاستصحاب المسقط للقاعدة عن الاعتبار.
قلت: هذا الكلام ممّا لا يصدر عن جاهل فضلا عن العالم، فإنّ الحكم بحكومة القاعدة على الاستصحاب، أو بكونها مخصّصة لعموم ما دلّ على الأخذ بالحالة السّابقة إنّما هو فيما إذا جعل الدّليل على اعتبار القاعدة أمر آخر غير عموم الأخبار النّاهية عن نقض اليقين بالشّك، و إلاّ كما هو المفروض فلا يمكن أن يجعل القاعدة حاكمة، أو مخصّصة كما هو غير مخفيّ على من له أدنى دراية.
لفردين من اليقين أحدهما اليقين بعدالته المقيدة بيوم الجمعة الثاني اليقين بعدم عدالته المطلقة قبل يوم الجمعة فتدل بمقتضى القاعدة الثانية على عدم نقض اليقين بعدالة زيد يوم الجمعة باحتمال انتفائها في ذلك الزمان و بمقتضى قاعدة الاستصحاب على عدم نقض اليقين بعدم عدالته قبل الجمعة باحتمال حدوثها في الجمعة فكل من طرفي الشك معارض لفرد من اليقين.
و دعوى أن اليقين السابق على الجمعة قد انتقض باليقين في الجمعة و القاعدة الثانية تثبت وجوب اعتبار هذا اليقين الناقص لليقين السابق مدفوعة بأن الشك الطارئ في عدالة زيد يوم الجمعة و عدمها عين الشك في انتقاض ذلك اليقين السابق، و احتمال انتقاضه و عدمه معارضان لليقين بالعدالة و عدمها فلا يجوز لنا الحكم بالانتقاض و لا بعدمه.
ثم إن هذا من باب التنزل و المماشاة و إلا فالتحقيق ما ذكرناه من منع الشمول بالتقريب المتقدم، مضافا إلى ما ربما يدعى من ظهور الأخبار (1) في الشك في بقي الكلام في وجود مدرك للقاعدة الثانية غير هذه الأخبار (2)
الشرح
(1) لا يخفى عليك أنّ هذا الكلام منه دام ظلّه يشهد بأنّ ظهور الأخبار في الشّك في البقاء غير مجزوم به عنده و كلامه في هذا المطلب مضطرب فراجع إلى مجموع كلماته و تتبّع فيها حتّى تقف على حقيقة الأمر.
(2) لا يخفى عليك أنّ هذا إشارة إلى أن ما تقدّم من الكلام سابقا في دلالة الأخبار على القاعدة و عدمها إنّما هو بحسب العموم فلا ينافي التّكلّم في دلالتها عليها في المقام من حيث الخصوص و لا يلزم عليه تكرار أصلا، هذا و لكنك خبير بأنّه قد تقدّم منه دام ظلّه الكلام في عدم إمكان دلالة الأخبار على القاعدة ببعض المعاني و لو أريد خصوص القاعدة أيضا لا يخفى عليك أنّ هذا إشارة إلى أن ما تقدّم من الكلام سابقا في دلالة الأخبار على القاعدة و عدمها إنّما هو بحسب
فنقول إن المطلوب من تلك القاعدة إما أن يكون إثبات حدوث المشكوك فيه (1) و بقاؤه مستمرا إلى اليقين بارتفاعه، و أمّا أن يكون مجرد حدوثه في الزمان السابق بدون إثباته بعده بأن يراد إثبات عدالة زيد في يوم الجمعة فقط، و أما أن يراد مجرد إمضاء الآثار التي ترتبت عليها سابقا و صحة الأعمال الماضية المتفرعة عليه، فإذا تيقن الطهارة سابقا و صلى بها ثم شك في طهارته في ذلك الزمان فصلاته ماضية.
فإن أريد الأول (2) فالظاهر عدم دليل يدل عليه إذ قد عرفت أنه لو سلم
الشرح
العموم، فلا ينافي التّكلّم في دلالتها عليها في المقام من حيث الخصوص و لا يلزم عليه تكرار أصلا، هذا و لكنك خبير بأنّه قد تقدّم منه دام ظلّه الكلام في عدم إمكان دلالة الأخبار على القاعدة ببعض المعاني و لو أريد خصوص القاعدة أيضا.
(1) لا يكاد أن يخفى الفرق بين هذه المعاني على من له أدنى دراية أمّا الفرق بين المعنى الأوّل و الأخيرين فظاهر، لأنّ المقصود منه الحكم بترتيب آثار الحدوث و البقاء جميعا و فيهما ليس المقصود الحكم بترتيب آثار البقاء أصلا، و أما الفرق بين المعنى الثّاني و الثّالث فهو إن المقصود في الثّاني هو الحكم بحدوث المشكوك واقعا بالنّسبة إلى جميع ما يترتّب عليه من الآثار حتّى بالنّسبة إلى ما يترتّب عليه في الزّمان اللاّحق، بمعنى أنّه لو كان لحدوث الشّيء أثر رتّب عليه في الزّمان المتأخّر حكم بترتّبه عليه بناء على المعنى الثّاني و هذا بخلاف المعنى الثّالث، فإنّ المقصود منه ليس إلاّ الحكم بصحّة ما يترتّب سابقا على المتيقّن من الأحكام و الآثار، و أما الحكم بحدوث المشكوك بحيث يترتّب عليه ما رتّب شرعا عليه في الزّمان اللاّحق فلا فهذه المعاني كما ترى مترتّبة بحسب العموم و الخصوص، لأنّ كلّ لاحق أخصّ من سابقه.
(2) قد يورد عليه بأنّه إذا فرض عدم إمكان الجمع بين الحكم بالبقاء و الحدوث
اختصاص الأخبار المعتبرة لليقين السابق بهذه القاعدة لم يمكن أن يراد منه إثبات حدوث العدالة و بقائها، لأن لكل من الحدوث و البقاء شكا مستقلا.
نعم لو فرض القطع ببقائها على تقدير الحدوث أمكن أن يقال إنه إذا ثبت حدوث العدالة بهذه القاعدة ثبت بقاؤها للعلم ببقائها على تقدير الحدوث، لكنه لا يتم إلا على الأصل المثبت (1) فهو تقدير على تقدير.
و ربّما يتوهم الاستدلال لإثبات هذا المطلب بما دل على عدم الاعتناء بالشك في الشيء بعد تجاوز محله، لكنه فاسد، لأنه على تقدير الدلالة لا يدل (2) على استمرار المشكوك، لأن الشك في الاستمرار ليس شكا بعد تجاوز المحل.
الشرح
فكيف يستظهر عدم الدّليل عليه، بل ينبغي القطع بعدم إمكان قيام دليل عليه، و لكنك خبير بإمكان التّفصّي عن هذا الإيراد بأنّ عدم إمكان الجمع بين إرادتهما من كلام واحد و إنشاء واحد لا ينافي الحكم بثبوت المعنيين فقيام الدّليلين عليهما أحدهما يدلّ على وجوب الحكم بالحدوث ثانيهما يدلّ على لزوم الحكم بالبقاء كما لا يخفى.
(1) لا يخفى عليك أنّ إثبات البقاء ظاهرا بإثبات الحدوث كذلك من الأصل المثبت فإن ترتب البقاء على الحدوث على تقدير ثبوته ليس من أحكامه الشّرعيّة و الأصل المثبت ليس مختصّا بالاستصحاب، بل كلّ أصل يراد به إثبات واسطة ملازمة لما يترتّب عليها الحكم الشّرعي يسمّى بالأصل المثبت، سواء كان في الأحكام، أو الموضوعات و سواء كان استصحابا، أو غيره من الأصول كما أنّ نفيه عندنا ليس مختصّا بالاستصحاب أيضا لاتّحاد مناط المنع كما هو واضح لمن له أدنى دراية.
(2) لا يخفى عليك صحّة ما ذكره دام ظلّه، فإنّ المفروض كون محلّ الوجود المشكوك في الزّمان الثّاني الّذي يسمّى بالبقاء عين زمان الشّك كما هو واضح فلا يمكن أن يقال بتجاوز محلّه، اللّهمّ إلاّ أن يكون هناك عمل مركّب اشترط فيه شيء يشك في أثناء العمل في بقائه على تقدير الحدوث بحيث يكون محلّ إحرازه حتّى
و أضعف منه الاستدلال (1) له بما سيجيء من دعوى أصالة الصحة في اعتقاد المسلم مع أنه كالأول في عدم إثباته الاستمرار، و كيف كان فلا مدرك لهذه القاعدة بهذا المعنى.
و ربّما فصل بعض الأساطين بين ما إذا علم مدرك الاعتقاد بعد زواله و أنه غير قابل للاستناد إليه و بين ما إذا لم يذكره كما إذا علم أنه اعتقد في زمان بطهارة ثوبه، أو نجاسته ثم غاب المستند و غفل زمانا فشك في طهارته و نجاسته فيبني على معتقده هنا لا في الصورة الأولى و هو و إن كان أجود من الإطلاق لكن إتمامه بالدليل مشكل.
و إن أريد بها الثاني فلا مدرك له بعد عدم دلالة أخبار الاستصحاب إلا ما تقدم من أخبار عدم الاعتناء بالشك بعد تجاوز المحل لكنها لو تمت فإنما تنفع في الآثار المترتبة عليه سابقا فلا يثبت بها إلا صحة ما ترتبت عليها، و أما إثبات نفس ما اعتقده سابقا حتى يترتب عليه بعد ذلك الآثار المترتبة على عدالة زيد يوم الجمعة و طهارة ثوبه في الوقت السابق فلا فضلا عن إثبات مقارناته الغير الشرعية مثل كونها على تقدير الحدوث باقية.
و إن أريد بها الثالث فله وجه بناء على تمامية قاعدة الشك بعد الفراغ و تجاوز المحل، فإذا صلى بالطهارة المعتقدة ثم شك في صحة اعتقاده و كونه متطهرا في ذلك الزمان بنى على صحة الصلاة، لكنه ليس من جهة اعتبار
الشرح
للأجزاء اللاّحقة قبل الدّخول في العمل كالطّهارة للصّلاة فتأمل.
(1) لا يخفى عليك صحّة ما ذكره دام ظلّه إذ لا مستند لهذا الأصل إلاّ دعوى أصالة الصّحة في جميع الموجودات حتّى الاعتقاد على ما ذكره فقيه عصره في كشف الغطاء و ستقف على فساد هذه الدّعوى و عدم مستند لها.
الاعتقاد السابق، و لذا لو فرض في السابق غافلا غير معتقد لشيء من الطهارة و الحدث بنى على الصحة أيضا من جهة أن الشك في الصلاة بعد الفراغ منها لا اعتبار به على المشهور بين الأصحاب خلافا لجماعة من متأخري المتأخرين كصاحب المدارك و كاشف اللثام حيث منعا البناء على صحة الطواف إذا شك بعد الفراغ في كونه مع الطهارة، و الظاهر كما يظهر من الأخير أنهم يمنعون القاعدة المذكورة في غير أجزاء العمل و لعل بعض الكلام في ذلك سيجيء في مسألة أصالة الصحة في الأفعال إن شاء اللّه.
و حاصل الكلام في هذا المقام (1) هو إنه إذا اعتقد المكلف قصورا، أو تقصيرا بشيء في زمان موضوعا كان، أو حكما اجتهاديا، أو تقليديا، ثم زال اعتقاده فلا ينفع اعتقاده السابق في ترتب آثار المعتقد، بل يرجع بعد زوال الاعتقاد إلى ما يقتضيه الأصول بالنسبة إلى نفس المعتقد و إلى الآثار المترتبة عليه سابقا أو لاحقا.
الشرح
(1) حاصل ما ذكره دام ظلّه هو إن المحصّل من جميع ما ذكر عدم دليل على اعتبار مجرّد الاعتقاد بشيء سابقا مع الشّك في مطابقته للواقع و عدمه من حيث هو هو مطلقا، سواء كان في الأحكام، أو الموضوعات حصل عن قصور، أو تقصير و سواء كان في الموضوع الاجتهادي، أو التّقليدي، أو غيرهما، و هذا ما يقال إنّ الشّك السّاري لا اعتبار به.
نعم قد توجد في بعض موارد تلك القاعدة قاعدة أخرى تقتضي البناء على مقتضى تلك القاعدة ببعض معانيها، لكن لا دخل لها بتلك القاعدة، لأنّ مناطها لا تعلّق له بها و هذا ليس معنى اعتبار اليقين السّابق من حيث هو هو و لا دخل له به، و إلاّ لجاز التّمسك على اعتبار كثير من الأمور بوجود بعض ما حكم باعتباره في بعض موارده و هذا حدّ يرغب أهل العلم عنه.
ثمّ إنّ هنا توهّما آخر لم يشر الأستاذ العلاّمة إلى فساده و هو جريان الاستصحاب في الحكم الاعتقادي الظّاهري المتحقّق باليقين السّابق و يسمّى في لسان جماعة ممّن عاصرناه، أو قارب عصرنا بالاستصحاب العرضي و هو كما ترى، فإنّ الحكم الظّاهري الثّابت في صورة الاعتقاد على تقدير ثبوته مترتّب على نفس الاعتقاد فبقاؤه مع ارتفاع الاعتقاد ممّا لا يعقل له معنى، و إلاّ لزم قيام العرض بعد معروضه في غير موضوع و كلاهما ممّا يشهد بداهة العقل باستحالته.
الشرح
(1) لا إشكال في عدم جريان الاستصحاب مع وجود العلم في مورده، سواء كان على طبق الحالة السّابقة أو على خلافها، بل لا يعقل الإشكال في ذلك ضرورة استحالة تعبّد الشارع المكلّف مع علمه على طبق علمه أو على خلافه على ما عرفت تفصيل القول فيه في الجزء الأوّل من التّعليقة سواء في ذلك على القول باعتبار الاستصحاب من باب التّعبّد، أو الظّن و هذا ليس مختصّا بالاستصحاب، بل الموضوع في جميع الأدلّة و الأصول يرتفع بعد حصول العلم في مواردها، لأنها بأسرها مجعولة في موضوع عدم العلم إذ التّعميم محال، فإن شئت قلت: إنّ الشّك مأخوذ في الاستصحاب مطلقا و ارتفاعه بالعلم ضروريّ فالدّليل العلمي مطلقا وارد على الاستصحاب بالضّرورة و لم يتوهّم أحد خلاف ما ذكرنا، و أما ما يتراءى من جمعهم في التّمسّك بين الدّليل العلمي و الاستصحاب كثيرا ما، أو غير الاستصحاب من الأصول و الأدلّة الظنّية فإنّما هو مبنيّ على الإغماض عن وجود الدّليل العلمي في المسألة كما عرفت شرح القول فيه في مطاوي كلماتنا السّابقة فعدم قيام الدّليل العلمي في المسألة مطلقا شرط في جريان الاستصحاب.
فلو علم أحدهما فلا استصحاب و هذا مع العلم بالبقاء، أو الارتفاع واقعا من دليل قطعي واقعي واضح و إنما الكلام فيما أقامه الشارع مقام العلم بالواقع (1)، فإن الشك الواقعي في البقاء و الارتفاع لا يزول معه و لا ريب في العمل به دون الحالة السابقة.
لكن الشأن (2) في أن العمل به من باب تخصيص أدلة الاستصحاب أو من
الشرح
(1) لا يخفى عليك ما في هذا الكلام من التّسامح، لأنّ قيام الشّيء مقام العلم لا يوجب حصول العلم منه بالبقاء و الارتفاع فيما قام عليه و العلم بالحجيّة، أو وجوب العمل ليس له دخل بالعلم بالارتفاع، أو البقاء و منه يظهر فساد ما وقع من بعض من أنّ المراد باليقين، أو العلم في أدلّة الأصول أعمّ من العلم الوجداني و الشّرعي فمفاد الدّليل الظنّي المعتبر و إن لم يكن علما بالمعنى الأوّل، إلاّ أنّه علم بالمعنى الثّاني.
ثمّ إنّ المقصود ممّا أقامه الشّارع مقام العلم بالواقع هو كلّ أمر اعتبره الشارع من حيث كشفه الظّني عن الواقع و لو نوعا لا كلّ ما أمر بوجوب سلوكه و لو لم يكن من الحيثيّة المذكورة، فإنه خارج عن محلّ كلامه هنا.
ثمّ إنّه لا فرق فيما ذكره دام ظلّه بين أن يكون الدّليل قائما على خلاف الحالة السّابقة أو على طبقها، فإنّ التّحقيق عدم جريان الاستصحاب في الثّاني أيضا على ما سبق القول فيه، بل لا معنى للفرق بينهما عند التّأمّل، و إن كان ربّما يتوهّم الفرق بينهما بما ستقف على فساده و ما ذكرنا، و إن كان ربما يقال إنّه لا يظهر من كلام الأستاذ العلاّمة، إلاّ أنّه قد صرّح به في مجلس البحث جازما به.
(2) بل لم يخالف فيه أحد على التّحقيق، فإنه، و إن كان ربما يظهر من جماعة كالسيّد السّند المتقدّم ذكره في طيّ الشّبهات و الفاضل القميّ و غيرهما خلاف ذلك، و أنّه قد يعمل بها دونه إلاّ أنّ مقتضى التّأمّل في كلامهم عدم إرادتهم ما
........
الشرح
ينافي ما نحن فيه على ما عرفت في توجيه كلام السيّد المتقدّم ذكره و ستعرف في توجيه كلام الفاضل القمّي رحمه اللّه، ثمّ إنّ ما يحتمل أن يكون وجها للعمل به دون الحالة السّابقة وجوه ذكرها الأستاذ العلاّمة و ذهب إلى كلّ فريق في الحكم بالتّقديم:
أحدها: أن يكون العمل به من باب تخصيص عموم أدلّة الاستصحاب و هذا يظهر من جماعة.
ثانيها: من باب التّخصّص و هو ارتفاع موضوع الاستصحاب حقيقة لقيام الدّليل المعتبر على خلافه كما في الدّليل العلمي، و لكن تسمية هذا المعنى تخصّصا لا تخلو عن مسامحة، بل المتعيّن تسميته بالورود حسب ما سمّاه به دام ظلّه في غير مورد من كلماته و اعتذر عنه بأنّ المراد من التّخصّص في المقام هو عدم الشّمول و لو بملاحظة الدّليل القائم في المسألة لا عدم الشّمول الذّاتي كما في قوله أكرم العلماء الغير الشّامل للجهّال.
ثالثها: من باب حكومة ما دلّ على اعتباره على أدلّة الاستصحاب.
و الفرق بين هذه الثّلاثة مفهوما لا يكاد يخفى على ذي مسكة، فإنّ الأول: هو رفع الحكم عن الموضوع المندرج تحت ما يشمله بحيث يكون، بلسانه ناظرا إلى رفع الحكم مع بقاء الموضوع على حاله فيحكم العقل بعد التّنافي بينهما و أرجحيّة التّخصيص برفع اليد عن العام و الحكم بأنّ المراد منه غير مورد الخاصّ و لازمه كما ترى وحدة الموضوع حقيقة فهذا لا ينفكّ عن التّعارض بالضّرورة، لكن هذا فيما إذا لم يكن الخاصّ نصّا بحسب الدّلالة، بل كان أظهر، و إلاّ فهو وارد على العام، أو حاكم على ما ستقف على تفصيل القول فيه فإطلاق القول مبنيّ على ما ذكرنا فتدبّر.
و الثّاني: هو الورود و هو كون أحد الدّليلين بوجوده رافعا لموضوع الدّليل الآخر
........
الشرح
على فرض وجوده كالدّليل العلمي في مقابل الأصول، و مثله مطلق ما يكون معتبرا في مقابل أصالة البراءة و أصالة الاحتياط التّخيير على القول باعتبارها من باب العقل إلى غير ذلك من الأمثلة فلازم هذا كما ترى المنع من تحقّق التّعارض، لأنه يشترط فيه وحدة الموضوع و توارد المتعارضين عليه بطريق التّناقض، أو التّضاد.
و الثّالث: كون أحد الدّليلين بمدلوله اللّفظي ناظرا إلى الدّليل الآخر و مفسّرا المقدار دلالته بحيث لو لم يكن المحكوم موجودا لكان الحاكم لغوا. و بعبارة أخرى: ما كان أحد الدّليلين، بلسانه ناظرا إلى إخراج ما يكون داخلا في موضوع دليل و تنزيله منزلة عدمه و الحكم بأنّه ليس داخلا فيه على سبيل الحكومة، أو إدخال ما يكون خارجا عنه حقيقة مثال الأوّل ما دلّ على عدم الاعتناء بكثرة الشّك، فإنه حاكم على أدلّة الشكوك على التّوجيه الأوّل و ما دلّ على اعتبار الظّنون الاجتهاديّة في مورد الأصول المتقدّمة بناء على ما ستقف عليه من حيث اقتضائها تنزيل الشّك منزلة عدمه إلى غير ذلك من الأمثلة، و مثال الثّاني ما دلّ على اعتبارها بالنّسبة إلى تعلّق الحكم فيه باليقين كأدلّة الأصول فإنّها منزّلة منزلة اليقين على خلاف الحالة السّابقة إذا قامت عليه مع أنّها ليست من اليقين.
ثمّ إنّ تطبيق المثال الأوّل على مسألة الحكومة ظاهر، فإنه لو لم يكن هناك ما يدلّ على جعل حكم للشّك في الصّلاة كان ما دل على عدم اعتبار كثرة الشّك لغوا، و أما تطبيق سائر الأمثلة فستقف عليه.
ثمّ إنّه لا فرق في الحكومة بين أن يكون النّسبة بين الحاكم و المحكوم عموما مطلقا كالمثال الأوّل أو من وجه كالمثال الثّاني، فإنه بعد الحكومة لا معنى لملاحظة النّسبة و إنّما النّسبة تلاحظ بين الدّليلين اللّذين يكونان في مرتبة واحدة لا بين الوارد و المورود و الحاكم و المحكوم، بل التّحقيق حسب ما صرّح به الأستاذ العلاّمة في مجلس البحث و عرفت تفصيل القول فيه في طيّ أجزاء التّعليقة
........
الشرح
هو عدم وجود نسبة بين الحاكم و المحكوم أصلا كما أنّه لا معنى لملاحظتها بين الوارد و المورود أصلا، إذ النّسبة بين الشّيئين فرع اجتماعهما في موضوع واحد و المفروض أنّ الحاكم يحكم بمدلوله اللّفظي بعدم وجود الموضوع للدّليل المحكوم، و منه يعلم أنّه لا معارضة بين الحاكم و المحكوم.
ثمّ إنّه لا فرق فيما ذكرنا من الوجوه بين أن يكون الدّليلان اجتهاديّين، أو فقاهيّين، أو مختلفين على ما هو واضح، مضافا إلى ما أشرنا إليه في طيّ أجزاء التّعليقة و ستقف على تفصيل القول فيه.
نعم لازم الدّليل الاجتهادي أن يكون إمّا واردا على الدّليل الفقاهتي، أو حاكما فيما لم يكن الدّليل الفقاهتي أخصّ.
ثمّ إنّك بعد ما عرفت الفرق بين الأمور الثّلاثة، فيقع الكلام في تحقيق الحال في وجه تقديم الأدلّة على الاستصحاب فنقول: إنّ الكلام يقع في مقامين:
أحدهما: في حكم الاستصحاب مع الدّليل الموجود في مورده على القول باعتباره من باب التّعبّد.
ثانيهما: في حكمه معه على القول باعتباره من باب الظّن.
و لنقدّم في كلّ من المقامين حكم صورة قيام الدّليل على خلاف الحالة السّابقة ثمّ نعقّبه بذكر حكم صورة قيام الدّليل على طبق الحالة السّابقة. أمّا المقام الأوّل فملخّص القول فيه: أنّه قد يقال إنّ الدّليل الاجتهادي القائم على خلاف الحالة السّابقة وارد على الاستصحاب بوجوه:
أحدها: من جهة أنّ المراد من الشّك المأخوذ في موضوع الاستصحاب هو التّحير المرتفع بعد قيام الدّليل المعتبر من جانب الشّارع على خلاف الحالة السّابقة في الزّمان اللاّحق.
ثانيها: من جهة أنّ نقض اليقين السّابق بالدّليل القائم على الخلاف بملاحظة
........
الشرح
دليل اعتباره نقض باليقين لا بالشّك، فإنه و إن لم يوجب القطع بالارتفاع واقعا لفرض كونه ظنيّا، إلاّ أنّه لما كان المفروض القطع باعتباره فيكون نقض الحالة السّابقة به نقضا باليقين.
ثالثها: من جهة أنّ الأخبار مسوقة لبيان عدم جواز الرّجوع لما تقرّر عند الشّك من الأصول العمليّة إذا كان له حالة سابقة، و إن كان الشّك لا يرتفع بعد قيام الدّليل.
هذا و لكنك خبير بضعف هذه الوجوه أمّا الأوّل فلما عرفت غير مرّة من أنّ المراد من الشّك في أدلّة الأصول هو خلاف اليقين الموجود في صورة قيام الظّن على الخلاف لا التّحير الّذي هو مجرى التّخيير العقلي، هذا مضافا إلى ما ذكره الأستاذ العلاّمة بقوله: (و فيه أنّه لا يرتفع التّحيّر و لا يصير الدّليل الاجتهادي) إلخ، و إن كان قد يتأمّل فيه بأنّه بعد تسليم كون الموضوع في دليل الاستصحاب هو التّحيّر يكون تقديم الدّليل عليه من باب الورود كما هو الشّأن في تقديم الدّليل على التّخيير العقلي.
و أمّا الثّاني: فلما عرفت غير مرّة أيضا أنّ المراد من اليقين الّذي جوّز الشارع نقض اليقين السّابق به هو اليقين على خلاف الحالة السّابقة لا اليقين بأمر آخر، مضافا إلى أن قطعيّة اعتبار الدّليل في مقابل الاستصحاب مع قطع النّظر عن حديث الحكومة قابلة للمنع و من الغرائب ما ربما يقال، بل قيل من أنّ قيام الدّليل على اعتبار الظّن يدخله في العلم موضوعا.
و أمّا الثّالث: فلمنع الدّعوى المذكورة إذ لا شاهد لها أصلا و مجرّد القول بكون الاستصحاب حاكما على الأصول بناء على اعتبارها من باب التّعبّد الشّرعي لا يوجب كون الأخبار مسوقة لما ذكره كما لا يخفى.
ثمّ إنّه لا يخفى عليك أنّ الوجه الأوّل لا دخل له بهذا الوجه فما ربما يظهر من
........
الشرح
الأستاذ العلاّمة من اتّحادهما لا وجه له، هذا و قد يقال إنّ الدّليل الاجتهادي القائم على خلاف الحالة السّابقة مخصّص لعموم الأخبار النّاهية عن نقض اليقين بالشّك من حيث كون كلّ منهما حاكما بحكم في موضوع الشّك، فإنّ النّسبة بين ما قام على اعتبار الأمارة، بل نفس الأمارة و العموم المذكور و إن كانت عموما من وجه إلاّ أنّ بعد قيام الإجماع على عدم الفرق بين موارد الدّليل يصير في حكم الخاص المطلق من حيث إنّ إخراج مورد الاجتماع منه مستلزم لطرحه كلّية على نحو ما عرفت تقريره في الجزء الثّاني من التّعليقة في بيان توهّم كون الدّليل الاجتهادي مخصّصا لعمومات البراءة، و لكنك خبير بفساده أيضا، لأنّ مفاد ما دلّ على اعتبار الدّليل القائم على خلاف الحالة السّابقة ليس مجرّد العمل به من حيث كون المقوم عليه مشكوكا، بل مفاده تنزيل مفاد الأمارة منزلة الواقع و الحكم بأنّه واقع و البناء على عدم الشّك فيه و هكذا كما ترى معنى الحكومة لا التّخصيص، و منه يظهر الوجه فيما اختاره الأستاذ العلاّمة من حكومة الأدلّة على الاستصحاب من حيث إنّ أدلّة اعتبارها حاكمة بخروج موردها عن مجاري الأصول و مفسّرة لما دلّ على وجوب البناء على الحالة السّابقة، فما اختاره الأستاذ العلاّمة هو المختار و ستقف على تفصيل القول فيه في الجزء الرّابع من التّعليقة، فقد تلخّص ممّا ذكرنا أنّ تقديم الدّليل القائم على خلاف الحالة السّابقة على الاستصحاب من باب الحكومة و أنّه لا مجرى للاستصحاب في مورده، فإنه يحكم بعدم وجود الشّك في مورد وجوده فلا يكون ترك العمل بالأصل طرحا له حتّى يحكم بوجود مورده حسب ما هو الميزان في وجود الموضوع. هذا مجمل القول فيما لو قام الدّليل على خلاف الحالة السّابقة.
و أمّا الكلام فيما لو قام على طبقها فملخّص القول فيه: أنّ حكمه حكم الصّورة السّابقة، فإنّ ما ذكرنا وجها للحكومة فيها يجري بعينه فيه أيضا كما هو ظاهر
........
الشرح
ضرورة أنّه لا يختلف مفاد دليل اعتبار الدّليل من حيث كونه منزّلا المشكوك منزلة الواقع بين قيامه على طبق الأصل، أو خلافه.
نعم القول بالتّخصيص لا يجري في الفرض، و أما القول بالورود فالظّاهر جريانه، هذا مجمل الكلام على القول باعتبار الاستصحاب من باب التّعبّد. و أما بناء على القول باعتباره من باب الظّن فالّذي ينبغي أن يقال هو إن الأمر لا يخلو على هذا التّقدير من أنّه إمّا أن نقول باعتباره من باب الظّن الشّخصي حسب ما هو ظاهر شيخنا البهائي، أو الظّن النّوعي المقيّد بعدم قيام الظّن على الخلاف و لو كان نوعيّا على ما يظهر من بعض، أو الظّن النّوعي المطلق حسب ما هو قضيّة مقالة المشهور.
فإن قلنا: باعتباره من باب الظّن الشّخصي فلا إشكال في كون الدّليل الظنّي القائم على خلاف الحالة السّابقة واردا على الاستصحاب على تقدير منعه عن حصول الظّن من الاستصحاب على ما هو قضيّة تقابلهما لو خلّيا و طبعهما، بل ذلك غير مختصّ بالدّليل المعتبر، بل يجري في الأمارة الغير المعتبرة أيضا، إلاّ أنّه لا يسمّى واردا، لأنّ الورود مختصّ ظاهرا برفع الدّليل المعتبر موضوع الدّليل الآخر لا مطلق رفع الأمارة و لو لم يكن معتبرة، و أما لو فرض عدم رفعه للظّن الحاصل منه، و لكن كان اعتباره من باب الظّن النّوعي المطلق فحكمه حكم الصّورة الثّالثة.
و إن قلنا: باعتباره من باب الظّن النّوعي المقيّد على ما هو قضيّة كلام العضدي على بعض الوجوه فلا إشكال في ورود الدّليل عليه لو حصل منه ظنّ بخلاف الحالة السّابقة، و أما لو لم يحصل منه ظنّ بالخلاف فيدخل في الفرض الثّالث.
و إن قلنا: باعتباره من باب الظّن النّوعي المطلق حسب ما هو قضيّة مقالة المشهور على ما استظهره الأستاذ العلاّمة فيما سبق فتأتي فيه الوجوه الثّلاثة المتقدّمة على تقدير القول باعتبار الاستصحاب من باب التّعبّد فالحقّ هو كون الدّليل حاكما عليه، و إن كان كلّ منهما دليلا اجتهاديّا إذا الحكومة و الورود ليسا
........
الشرح
من خصائص الدّليل الاجتهادي بالنّسبة إلى الأصول، بل قد يوجدان بين الأصلين كما يوجدان بين الدّليلين أيضا على ما عرفت بعض الكلام فيه و ستعرف تفصيله إن شاء اللّه تعالى.
نعم قد يقال: إنّ هذا إنّما هو على القول باعتبار الاستصحاب من باب الغلبة، و أما بناء على اعتباره من باب بناء العقلاء فالحقّ ورود الدّليل عليه كما هو الشّأن في تقديم الخاصّ الظّني السّند النّص بحسب الدّلالة على أصالة العموم في العام بناء على القول باعتبارها من باب بناء العقلاء من حيث الظّهور النّوعي فعدم إناطة اعتباره بالظّن الشّخصي، أو عدم قيام الظّن على الخلاف إنّما ينفع في مقابل الأمارة الغير المعتبرة لا الأمارة المعتبرة، لأنّ بناء العقلاء ليس موجودا مع قيام الدّليل على الخلاف، هذا و لكنك خبير بعدم الفرق بينهما إذ عدم بناء العقلاء على العمل بالاستصحاب في مورد لا يكشف عن عدم جريانه، لأنّ عدم العمل أعمّ من الورود، لأنه يجامع الحكومة أيضا هذا و ستقف على تفصيل القول فيه في محلّه إن شاء اللّه تعالى كما أنّه قد يقال بورود الدّليل الظّني المعتبر على الاستصحاب مطلقا من غير فرق بين كون المدرك فيه الغلبة، أو بناء العقلاء من جهة ملاحظة نفس الحالة السّابقة إذ الغلبة إنّما تلحق المشكوك بالأعمّ الأغلب، و لذا يحكم بعدم جريان غلبة الأعمّ إذا كانت في مقابلها غلبة الأخصّ، و إن كان هذا فاسدا أيضا بأنّ هذا خروج عن الفرض كما هو واضح هذا و ممّا ذكرنا كلّه يعرف ما وقع من الأستاذ العلاّمة في المقام من المسامحة في البيان، فإنّ قوله و إن أخذ من باب الظّن فالظّاهر أنّه لا تأمّل لأحد في أنّ المأخوذ إلى آخره مناقض صريح لما حكاه سابقا من المشهور من كون مناط اعتبار الاستصحاب عندهم هو الظّن النّوعي المجامع لقيام الظّن على خلافه، فكيف يقال مع ذلك كون الدّليل واردا على الاستصحاب، لأنّ عدم تأمّل أحد في اشتراط حصول الظّن الشّخصي من الاستصحاب بعدم قيام
........
الشرح
الظّن على خلافه و لو لم يكن معتبرا، بل كان ممّا قام الدّليل القطعي على عدم اعتباره لا يجدي نفعا بعد كون المناط الظّن النّوعي المجامع للظّن على الخلاف مع أنّه بناء على ما ذكره دام ظلّه لا معنى للفرق بين الظّن الغير المعتبر القائم على الخلاف و الظّن المعتبر القائم عليه مع أنّه كما ترى.
اللّهم إلاّ أن يوجّه ما ذكره بأنّ مراده هو الظّن المعتبر و مراده من إفادته الظّن هو الظّن المعتبر عند العقلاء، و لكن فيه أيضا ما لا يخفى، و أما ما ذكره العضدي فقد عرفت أنّه صرّح دام ظلّه بكونه مخالفا لظاهر كلماتهم إن بقي على حاله، و أما ما ذكره دام ظلّه في تقرير حكم الغلبة القائمة على خلاف الحالة السّابقة من كونها واردة على الاستصحاب كغيرها من الأدلّة الاجتهاديّة فقد عرفت ما في إطلاق القول بكون الدّليل الاجتهادي واردا على الاستصحاب بناء على القول باعتباره من باب الظّن سيّما بالنّسبة إلى الغلبة.
و بالجملة: فلا بدّ إمّا من رفع اليد عمّا جزم به سابقا في أمر الاستصحاب بناء على القول باعتباره من باب الظّن، و أما من رفع اليد من هذه الكلمات المنافية له بطريق الصّراحة، و أما الاستشهاد لما ذكره من حديث ورود الدّليل على الاستصحاب بعدم تقديم أحد من الأصحاب الاستصحاب على الأمارة المعتبرة و لو كانت في غاية الضّعف فلا يخفى ما فيه، لأنّ عدم تقديم الاستصحاب من باب حكومة الأمارة عليه، و قد عرفت أنه لا مجرى للمحكوم بعد وجود الحاكم و لا نسبة بينهما أصلا حتّى يقع التّعارض بينهما فما ذكره دام ظلّه لازم أعمّ لا يمكن الاستشهاد به. نعم الاستشهاد به في قبال من يقول بأن الاستصحاب في عرض سائر الأدلّة و تقديمها عليه يحتاج إلى مرجّح، و إلاّ فقد يقدّم الاستصحاب عليها و قد يحكم بتساقطهما و الرّجوع إلى غيرهما في كمال المتانة و الجودة، لأنّ الظّاهر منها كون تقديمها على الاستصحاب من حيث الذّات لا لمكان المرجّح.
........
الشرح
هذا مجمل الكلام فيما إذا قام الدليل على القول باعتبار الاستصحاب من باب الظّن على خلاف الحالة السّابقة، و أما إذا قام على طبقها بناء على هذا القول فحكمه ما عرفت في الفرض السّابق، لأنّ قضيّة اعتبار الأمارة كون مؤدّاها منزّلة منزلة الواقع و عدم وجود شكّ في موردها بالحكومة و لا يعقل الفرق في هذا المعنى بين الصّورتين، لأنّ اعتبارها ليس مختصّا بما إذا قام على خلاف الأصول و مفاد دليل اعتباره أيضا لا فرق في معناه فقد تلخّص ممّا ذكرنا كلّه أنّ الدّليل الاجتهادي الموجود في مورد الاستصحاب حاكم على ما دلّ على الأخذ بالحالة السّابقة مطلقا و أنّه لا تعارض بينه و بين الدّليل أصلا، هذا و لكن قد خالف فيما ذكرنا جماعة من المتأخّرين على ما يظهر من كلماتهم في بادي النّظر قال المحقّق القميّ رحمه اللّه بعد نقل كلام من اشترط في العمل بالاستصحاب عدم قيام الدّليل في مورده ما هذا لفظه: «أقول: إن أراد من الدّليل ما ثبت رجحانه على معارضه فلا اختصاص لهذا الشّرط بالاستصحاب، بل كلّ دليل عارضه دليل أقوى منه رجّح عليه فلا حجّية فيه و يعمل على الدّليل الرّاجح فلا مناسبة لذكر ذلك في شرائط الاستصحاب و إن أراد من الدّليل ما يقابل الأصل ففيه أنّ الإجماع على ذلك إن سلّم في أصل البراءة و أصل العدم فهو في الاستصحاب ممنوع أ لا ترى أنّ جمهور المتأخّرين قالوا إنّ مال المفقود في حكم ماله حتّى يحصل العلم العادي بموته استصحابا للحال السّابق مع ما ورد من الأخبار المعتبرة بالفحص أربع سنين ثمّ التّقسيم بين الورثة و عمل عليها جماعة من المحقّقين فكيف يدّعى الإجماع على ذلك، و إن أراد أنّ الاستصحاب من حيث إنّه استصحاب لا يعارض الدّليل القطعي من حيث هو هو إجماعا فله وجه كما أنّ العام من حيث إنّه عام لا يعارض الخاصّ من حيث إنّه خاصّ و المفهوم من حيث إنّه مفهوم لا يعارض المنطوق كذلك» انتهى ما أردنا نقله من كلامه، ثمّ اعترض على ما ذكره
........
الشرح
البعض على القول باعتبار الاستصحاب من باب الظّن يقف عليه من راجع إلى القوانين، و قال الفاضل النّراقي في المناهج بعد نقل ما عرفت من المحقّق القميّ رحمه اللّه ما هذا لفظه: «ففيه: أنّا نختار الثّاني و منع الإجماع فاسد كما هو ظاهر على المتتبّع و ما ذكره من مال المفقود فعمل جمهور المتأخّرين بالاستصحاب ليس به نفسه، بل لموافقة أخباره أيضا فعملهم عليها، مضافا إلى ردّهم دلالة الأخبار المخالفة له» انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه.
و أنت بعد التّأمّل فيما ذكرنا تعرف أنّه لا وجه لما ذكر إلى آخره قدّس سرهما، أمّا ما ذكره الفاضل القميّ فلما عرفت من أنّ الدّليل حاكم على الاستصحاب مطلقا سواء طابق الحالة السّابقة، أو خالفها، و سواء على القول باعتبار الاستصحاب من باب التّعبّد، أو الظّن حسب ما اعترف قدس سره به على التّقدير الأخير فكيف يمكن مع ذلك إيقاع التّعارض بينهما فضلا عن ترجيح الاستصحاب ببعض المرجّحات، و منه يظهر ضعف ما سلّمه على التّقدير الثّالث، فإنّ ما ذكره يتمّ على تقدير وجود الاستصحاب موضوعا مع الدّليل حتّى يقال إنّ الدّليل راجح بالذّات على الاستصحاب، مع أنّه قد يقال بمنع ما ذكره على تقدير تسليم وجودهما في موضوع واحد إذ لا مدرك له بعد كون النّسبة بينهما عموما من وجه، اللّهمّ إلاّ أن يتمسّك له بما وجّهنا به القول بكون مخصّصا للاستصحاب فما ذكره رحمه اللّه يرجع إليه عند التّحقيق، و أما ما استشهد لمنع الإجماع من عمل جمهور المتأخّرين ب (الاستصحاب في المفقود) إلخ، ففيه: أنّه لا دخل له بالمقام، فإنّ الكلام فيما إذا قام الدّليل في مورد الاستصحاب و الأخبار المذكورة ليست بأدلّة في مقابل استصحاب حياة المفقود فإنّها تثبت حكما ظاهريّا مثل عموم ما دلّ على عدم جواز نقض اليقين بالشّك فهي أيضا من الأصول كالاستصحاب، فعلى هذا لا بدّ من الاستشهاد بتقديم قاعدة الشّك بعد الفراغ على الاستصحاب و غيرها
........
الشرح
من القواعد و الأصول و إنّما الدّليل المقابل له ما قام على موت زيد كالبيّنة و نحوها فهل ترى أحدا قدم الاستصحاب على البيّنة المعتبرة على الموت. و بالجملة: الأخبار المذكورة أخصّ مطلقا من الاستصحاب من حيث كون مفادها حكما ظاهريّا في بعض موارد عموم لا تنقض فمن بنى على اعتبار الأخبار قدّمها على الاستصحاب من حيث التّخصيص و من لم يبن علي اعتبارها، بل طرحها من حيث ضعفها فيعمل بالعموم المذكور من حيث سلامته عن المخصّص و منه تعرف إيراد آخر على ما ذكره رحمه اللّه، فإنه على فرض تسليم كون الأخبار المذكورة من الأدلّة.
نقول: إنّ وجه عدم عملهم بها ليس من جهة ترجيح العموم عليها عندهم، بل من جهة طرحهم للأخبار المذكورة و منه يعرف فساد ما قد يقال في توجيه ما ذكره المحقّق القميّ من أنّ الظّاهر من الأخبار المذكورة اعتبار الظّن الحاصل من الفحص عند الشارع فيكون الأخبار أدلّة في مقابل الاستصحاب وجه الفساد على فرض تسليم ما ذكر ما عرفت من أنّ عدم تقديمهم إنّما هو لاجل ضعف الأخبار عندهم لا من جهة ترجيح الاستصحاب عليها، هذا فتلخّص ممّا ذكرنا أنّ المختار هو الشّق الثّاني من الشّقوق الّتي ذكرنا و إثباته لا يتوقّف على ثبوت الإجماع مع أنّه لا إشكال في ثبوته هذا، و أما ما أورد عليه الفاضل النّراقي فلما عرفت غير مرّة أنّ الاستصحاب بناء على القول باعتباره من باب الأخبار ليس إلاّ نفس مفاد الأخبار و ليس هو بنفسه دليلا و الأخبار دليل عليه كما زعمه بعض السّادة الأجلاّء فيما عرفت من كلام.
ثمّ على تقدير تسليم تغايرهما كآية النّبإ بالنّسبة إلى آحاد أخبار الآحاد يرد عليه أنّ مفاد أخبار الاستصحاب أيضا مفاد الأصل فلا يمكن أن يعارض دليلا، فإذا فرض ورود أخبار معتبرة على البناء على موت المفقود بعد الفحص أربع سنين لم يكن أيضا حاكمة عليها كما أنّ الاستصحاب لا يكون حاكما عليها، هذا مضافا إلى عدم معنى محصّل لضمّ الأخبار بالاستصحاب.
باب التخصص، الظاهر أنه من باب حكومة أدلة تلك الأمور على أدلة الاستصحاب و ليس تخصيصا بمعنى رفع اليد عن عموم أدلة الاستصحاب في بعض الموارد كما ترفع اليد عنها في مسألة الشك بين الثلاث و الأربع و نحوها بما دل على وجوب البناء على الأكثر و لا تخصصا بمعنى خروج المورد بمجرد وجود الدليل عن مورد الاستصحاب، لأن هذا مختص بالدليل العلمي المزيل وجوده للشك المأخوذ في مجرى الاستصحاب.
و معنى الحكومة على ما سيجيء في باب التعارض و التراجيح أن يحكم الشارع في ضمن دليل بوجوب رفع اليد عما يقتضيه الدليل الآخر لو لا هذا الدليل الحاكم، أو بوجوب العمل في مورد بحكم لا يقتضيه دليله لو لا الدليل الحاكم و سيجيء توضيحه إن شاء اللّه تعالى.
الشرح
و بالجملة: لم يظهر معنى محصّل لما ذكره أيضا، هذا و لكن وجّه الأستاذ العلاّمة دام ظلّه ما ذكره المحقّق القميّ بأنّ ما أورده على من اشترط في العمل بالاستصحاب عدم الدّليل على الخلاف لعلّه كان مبنيّا على ظاهر كلامه في النّظر الابتدائي، فإنّ الظّاهر من التّعارض الّذي ذكره هو التّعارض مع عموم لا تنقض فعليه يكون ما ذكره في غاية الوجاهة كما هو ظاهر لا ما استظهرنا من كون مراده من الدّليل هو القائم على خلاف الحالة السّابقة أي على نفس الواقع لا الواقع المشكوك، هذا و لكنك خبير بأنّ التّأمّل في كلامه يعطي كون مراده ما استظهره الأستاذ العلاّمة لا ما يظهر منه في بادي النّظر فالإيراد متوجّه عليه.
ثمّ إنّه كما يرد النّقض عليهما كذلك يرد النّقض على المشترط أيضا زيادة على ما عرفت في التّوجيه من ظهور كلامه في عدم المعارض لعموم لا تنقض فإنّك قد عرفت أنّه لا معنى للحكم بوجود المعارض في المقام حسب ما هو صريح مقالته بعد ما عرفت من كون الدّليل حاكما على الاستصحاب فتأمل.
و حاصله: تنزيل شيء خارج عن موضوع دليل منزلة ذلك الموضوع في ترتيب أحكامه عليه، أو داخل في موضوع منزلة الخارج منه في عدم ترتيب أحكامه عليه، و قد اجتمع كلا الاعتبارين في حكومة الأدلة الغير العلمية على الاستصحاب مثلا.
ففي ما نحن فيه إذا قال الشارع اعمل بالبينة في نجاسة ثوبك و المفروض أن الشك موجود مع قيام البينة على نجاسة الثوب، فإن الشارع جعل الاحتمال المخالف للبينة كالعدم فكأنه قال
لا تحكم على هذا الشك بحكمه المقرر في قاعدة الاستصحاب و افرضه كالمعدوم.
و ربّما يجعل العمل بالأدلة في مقابل الاستصحاب من باب التخصيص بناء على أن المراد من الشك عدم الدليل و الطريق و التحير في العمل و مع قيام الدليل الاجتهادي لا حيرة، و إن شئت قلت: إن المفروض دليلا قطعي الاعتبار فنقض الحالة السابقة به نقض باليقين.
و فيه: أنه لا يرتفع التحير و لا يصير الدليل الاجتهادي قطعي الاعتبار في خصوص مورد الاستصحاب إلا بعد إثبات كون مؤداه حاكما على مؤدى الاستصحاب، و إلا أمكن أن يقال إن مؤدى الاستصحاب وجوب العمل على الحالة السابقة مع عدم اليقين بارتفاعها، سواء كان هناك الأمارة الفلانية أم لا و مؤدى دليل تلك الأمارة وجوب العمل بمؤداه خالف الحالة السابقة أم لا، و لا يندفع مغالطة هذا الكلام إلا بما ذكرنا من طريق الحكومة كما لا يخفى.
و كيف كان فجعل بعضهم عدم الدليل الاجتهادي على خلاف الحالة السابقة من شرائط العمل بالاستصحاب لا يخلو عن مسامحة، لأن مرجع ذلك بظاهره إلى عدم المعارض لعموم لا تنقض كما في مسألة البناء على الأكثر،
لكنه ليس مراد هذا المشترط قطعا، بل مراده عدم الدليل على ارتفاع الحالة السابقة.
و لعل ما أورده عليه المحقق القمي قدس سره من أن الاستصحاب أيضا أحد من الأدلة فقد يرجح عليه الدليل، و قد يرجح على الدليل، و قد لا يرجح أحدهما على الآخر، (قال قدس سره: و لذا ذكر بعضهم في مال المفقود أنه في حكم ماله حتى يحصل العلم العادي بموته استصحابا لحياته مع وجود الروايات المعتبرة المعمول بها عند بعضهم، بل عند جمع من المحققين الدالة على وجوب الفحص أربع سنين)، مبني على ظاهر كلامه من إرادة العمل بعموم لا تنقض.
و أمّا على ما جزمنا به من أن مراده عدم ما يدل علما، أو ظنا على ارتفاع الحالة السابقة فلا وجه لورود ذلك، لأن الاستصحاب إن أخذ من باب التعبد فقد عرفت حكومة أدلة جميع الأمارات الاجتهادية على دليله و إن أخذ من باب الظن، فالظاهر أنه لا تأمل لأحد في أن المأخوذ في إفادته للظن عدم وجود أمارة في مورده على خلافه، و لذا ذكر العضدي في دليله: «أن ما كان سابقا و لم يظن عدمه فهو مظنون البقاء»(1).
و لما ذكرنا لم نر أحدا من العلماء قدم الاستصحاب على أمارة مخالفة له بعد اعترافه بحجيتها لو لا الاستصحاب لا في الأحكام و لا في الموضوعات.
و أمّا ما استشهد به قدس سره من عمل بعض الأصحاب بالاستصحاب في مال المفقود و طرح ما دل على وجوب الفحص أربع سنين و الحكم بموته بعده فلا دخل له بما نحن فيه، لأن تلك الأخبار ليست أدلة في مقابل استصحاب حياة المفقود و إنما المقابل له قيام دليل معتبر على موته، و هذه
1) شرح مختصر الأصول: ج 2، ص 284.
الأخبار على تقدير تماميتها مخصصة لعموم أدلة الاستصحاب دالة على وجوب البناء على موت المفقود بعد الفحص نظير ما دل على وجوب البناء على الأكثر مع الشك في عدد الركعات فمن عمل بها خصص بها عمومات الاستصحاب و من طرحها لقصور فيها بقي أدلة الاستصحاب عنده على عمومها.
ثم المراد بالدليل الاجتهادي (1) كل أمارة اعتبرها الشارع من حيث إنها تحكي عن الواقع و تكشف عنه بالقوة و تسمى في نفس الأحكام أدلة اجتهادية و في الموضوعات أمارات معتبرة.
الشرح
(1) فيكون الدّليل الفقاهتي على ما ذكره دام ظلّه هو ما انتفى فيه أحد القيدين فالأصول بأسرها أدلّة فقاهتيّة و إن أفادت الظّن في بعض الموارد كالاستصحاب في الشّك في وجود الرّافع، ثمّ إنّه لا إشكال فيما ذكره من الفرق المفهومي بين الدّليلين إلاّ أنّ الكلام يقع في مواضع:
أحدها: في وجه تسمية الأوّل بالدّليل الاجتهادي.
و الثّاني: بالفقاهتي.
فنقول: إنّ الوجه فيها يعلم بالمناسبة الّتي ذكروها في تعريف الاجتهاد بأنّه استفراغ الوسع في تحصيل الظّن بالحكم الشّرعي و تعريف الفقه بأنّه العلم بالأحكام الشّرعيّة الفرعيّة بناء على كون المراد من الأحكام الأعمّ من الأحكام الظّاهريّة، فإنّ تحصيل الظّن المعتبر بالحكم الشّرعي لا ينفكّ عن العلم بالحكم الظّاهري كما هو واضح فالدّليل الاجتهادي لمّا كان ناظرا إلى الواقع و يحصل الظّن منه به و لو نوعا سمّي بالدّليل الاجتهادي، و أما الأصل فلمّا لم يكن مناط اعتباره حصول الظّن منه و إنّما الحاصل ممّا دلّ عليه العلم بالحكم الظّاهري فلذا سمّي بالدّليل الفقاهتي، فإنّ الدّليل الاجتهادي، و إن كان يحصل منه العلم بالحكم
........
الشرح
الظّاهري أيضا، إلاّ أنّه لمّا كان فيه جهة الكشف عن الواقع لا محالة و أرادوا الفرق بينه و بين الأصول في تسمية الدّليل فلذا سمّوا الدّليل بالاجتهادي و الأصل بالفقاهتي. ثانيها: أنّ ما ذكر من التّعريف للدّليل الاجتهادي و الفقاهتي، و إن كان ظاهره الاختصاص بما إذا كان موردهما الحكم النّفس الأمري الفرعي إلاّ أنّ الأمر ليس كذلك قطعا، بل يعمّه و ما إذا كان موردهما الحكم الأصولي فلو قام الدّليل على حجيّة شيء واقعا سمّي دليلا اجتهاديّا كما أنّه لو ثبت حجيّة شيء بالاستصحاب مثلا كان دليلا فقاهتيّا و هذا ظاهر.
ثالثها: أنّ ما ذكر من التّعريف للدّليل الاجتهادي يعمّ الدّليل العلمي و الظّني، لأنّ الاجتهاد على ما هو قضيّة التّحقيق الّذي عليه جمع من المحقّقين أعمّ من تحصيل العلم بالحكم الشّرعي، أو الظّن به، و لذا نقول إنّ القطعيّات من الفقه كالظّنيات. نعم الضّروريّات خارجة، و أما ما ذكرنا سابقا في وجه المناسبة فإنّما كان مبنيّا على تعريف الأكثرين للاجتهاد من العامّة و الخاصّة و مال إليه الأستاذ العلامة بعض الميل في مسألة الاجتهاد و التّقليد من حيث إن تعريفهم للاجتهاد، سواء كان بمعنى الملكة، أو الفعليّة ينطبق عليه و هو كما ترى لا يخلو من وجه.
رابعها: أنّه قد يقال، بل قيل، بل ربما يستفاد من مطاوي كلمات الأستاذ العلاّمة أنّ النّسبة بين الحاكم و المحكوم قد يكون عموما من وجه، و قد يكون عموما مطلقا و أمثلة كلّ منهما كثيرة في الغاية، و لكنه كما ترى على خلاف التّحقيق، لأنّ النّسبة فرع اجتماع الدّليلين في موضوع واحد و الحاكم بمدلوله يرفع موضوع الآخر بالحكومة فكيف يمكن أخذ النّسبة بينهما، و أما ما ربما يستفاد من كلمات الأستاذ العلاّمة فهو مبنيّ على ملاحظة الدّليلين من حيث الواقع مع قطع النّظر عن لسانهما فتدبّر.
خامسها: أنّ ما ذكره الأستاذ العلاّمة هو المناط في الدّليل الاجتهادي و الفقاهتي
........
الشرح
و لا فرق بعد وجوده بين كون الدّليل الدّالّ على حجيّة الدّليل أو الأصل من حكم العقل، أو السّمع و لا بين أن لا يكون الشّك مأخوذا في موضوعه و بين أن يكون مأخوذا فيه فالاستصحاب بناء على القول باعتباره من باب الظّن دليل اجتهادي، و إن كان الشّك مأخوذا في موضوعه.
سادسها: أنّه كما يطلق على ما كان معتبرا من حيث الكشف الدّليل بقول مطلق و الدّليل الاجتهادي في مقابل الأصول كذلك يطلق عليه الأمارة أيضا، لكن ثبوت هذا الإطلاق بالنّسبة إلى الموضوعات أكثر، بل قد يقال إنّه لم يطلق الدّليل عليه بالنّسبة إلى الموضوعات.
سابعها: أنّ من لوازم الدّليل الاجتهادي و الفقاهتي عدم التّعارض بينهما، بل كون الأوّل واردا على الثّاني، أو حاكما عليه، و أما الدّليلان الاجتهاديّان، أو الفقاهتيان فقد يوجد بينهما الورود و الحكومة، إلاّ أنّه لا إشكال في وقوع التّعارض بينهما كما ستقف على تفصيل القول فيه في محلّه.
نعم قد أشرنا إلى أنّ ما ذكرنا من كون الدّليل واردا على الأصل، أو حاكما عليه إنّما هو فيما لم يكن الأصل أخصّ من الدّليل، و إلاّ فلا بدّ من العمل على الأصل و الوجه فيه ظاهر ثامنها أنّ الدّليلين إن علم حالهما من حيث كونهما اجتهاديّين، أو فقاهيّين، أو كون أحدهما اجتهاديّا و الآخر فقاهيّا فهو و إن لم يعلم حالهما و لم يكن هناك ما يرجع إليه من الظّنون المعتبرة المشخّصة فيحدث في المسألة إشكال من حيث إجراء أحكام التّعارض بينهما إلاّ أنّ هذا قليل في الغاية، لأنّ مصاديق الأدلّة و الأصول معلومة غالبا في الأحكام و الموضوعات و إنّما الإشكال و الخلاف وقع بالنّسبة إلى بعضها فلهذا احتيج إلى التّكلّم في تشخيصه و في بيان حكمه على تقدير عدم العلم به.
ثمّ إنّه لا بدّ من أن يعلم أنّ سبب الاشتباه إنّما هو عدم العلم بأنّ الشارع اعتبر
فما كان مما نصبه الشارع غير ناظر إلى الواقع، أو كان ناظرا لكن فرض أن الشارع اعتبره لا من هذه الحيثية، بل من حيث مجرد احتمال مطابقته للواقع فليس اجتهاديا، بل هو من الأصول و إن كان مقدما على بعض الأصول الأخر، و الظاهر أن الاستصحاب و القرعة من هذا القبيل.
و مصاديق الأدلة و الأمارات في الأحكام و الموضوعات واضحة غالبا، و قد تختفي فيتردد الشيء بين كونه دليلا و بين كونه أصلا لاختفاء كون اعتباره من حيث كونه ناظرا إلى الواقع أو من حيث هو كما في كون اليد المنصوبة دليلا على الملك، و كذلك أصالة الصحة عند الشك في عمل نفسه بعد الفراغ و أصالة الصحة في عمل الغير، و قد يعلم عدم كونه ناظرا إلى الواقع و كاشفا عنه و أنه من القواعد التعبدية لكن يختفي حكومته مع ذلك على الاستصحاب، لأنا قد ذكرنا أنه قد يكون الشيء الغير الكاشف منصوبا من حيث تنزيل الشارع الاحتمال المطابق له منزلة الواقع إلا أن الاختفاء في تقديم أحد التنزيلين على الآخر و حكومته عليه.
ثمّ إنه لا ريب في تقديم الاستصحاب على الأصول الثلاثة أعني البراءة و الاحتياط و التخيير إلا أنه قد يختفي وجهه على المبتدئ.
فلا بد من التكلم هنا في مقامات:
الأول: في عدم معارضة الاستصحاب لبعض الأمارات التي يتراءى كونها
الشرح
الشّيء من حيث كونه كاشفا و لو بالنّوع، أو اعتبره لا من حيث كشفه، سواء كان كاشفا أم لا لا عدم العلم بأنّه كاشف أم لا، و إن كان هذا أيضا ممكنا إذا كان المدار على الكشف النّوعي.
من الأصول كاليد و نحوها.
الثاني: في حكم معارضة الاستصحاب للقرعة و نحوها.
الثالث: في عدم معارضة سائر الأصول للاستصحاب.
فيقع في مسائل:
بيان ذلك: أن اليد إن قلنا (2) بكونها من الأمارات المنصوبة دليلا على الملكية
الشرح
(1) لا يخفى عليك أنّه قد يشكل فيما ذكره من إطلاق القول بحكومة اليد على الاستصحاب بعد تكلّمه دام ظلّه في حكم اليد مع الاستصحاب على كلّ من تقدير القول باعتبارها من باب الظّن، أو التّعبّد، ثمّ إنّه ينبغي أن يتكلّم أوّلا في كون اليد من الأمارات ثمّ يتكلّم في حكمها على فرض عدم كونها من الأمارات لا أن يعكس الأمر كما صنعه دام ظلّه في الكتاب.
(2) لا فرق في حكومة اليد على الاستصحاب على القول باعتبارها من باب الظّن على ما صرّح به في مجلس البحث بين القول بكون الاستصحاب من باب التّعبد أو من باب الظّن أمّا على الأوّل فظاهر، و أما على الثّاني فلوجود التّرتّب بين الظّن الاستصحابي و غيره و قد يستشكل ذلك بناء على كون منشإ الظّن فيهما الغلبة و يدفع بأنّ الغلبة الموجودة في اليد أقوى من حيث كونها بمنزلة الأخصّ، و أمّا على القول باعتبارها من باب التّعبّد فيحكم بتقديمها على الاستصحاب و لو قلنا
من حيث كون الغالب في مواردها كون صاحب اليد مالكا، أو نائبا عنه و أن اليد المستقلة الغير المالكية قليلة بالنسبة إليها و أن الشارع إنما اعتبر هذه الغلبة تسهيلا على العباد، فلا إشكال في تقديمها على الاستصحاب على ما عرفت من حكومة أدلة الأمارات على أدلة الاستصحاب.
و إن قلنا بأنها غير كاشفة بنفسها عن الملكية أو إنها كاشفة لكن اعتبار الشارع له ليس من هذه الحيثية، بل جعلها في محل الشك تعبدا لتوقف استقامة نظام معاملات العباد على اعتبارها نظير أصالة الطهارة، كما يشير قوله عليه السلام: في ذيل (1) رواية حفص بن غياث الدالة على الحكم بالملكية على ما في يد المسلمين: «و لو لا ذلك لما قام للمسلمين سوق»، فالأظهر أيضا تقديمها على الاستصحاب (2) إذ لو لا هذا لم يجز التمسك بها في أكثر المقامات فيلزم
الشرح
(1) لا يخفى عليك أنّه قد يورد عليه بأنّه مناف لما سيذكره من كون المراد من الرّواية العمل باليد من باب الظّن من حيث ورودها لإمضاء ما عليه بناء النّاس.
(2) الوجه في تقديم اليد على الاستصحاب، و إن كان معتبرا من باب الظّن بناء على كون اعتبارها من باب التّعبّد هو الحكم بتخصيص أدلّة اعتبارها لأدلّة اعتباره لا كونها حاكمة عليها، أو كونها واردة على ما صرّح به دام ظلّه في أثناء البحث، ثمّ إنّه يستدلّ عليه بوجوه الأوّل كون النّسبة بينهما عموما و خصوصا مطلقا حيث إنّ اليد معارضة في جميع مواردها بالاستصحاب حيث إنّ الملكيّة يحتاج دائما إلى سبب حادث و الأصل عدمه، فإن شئت قلت: إنّ اليد معارضة في غالب الأوقات باستصحاب بقاء الملك في ملك الغير، فإنّ في غالب الموارد يعلم بأنّ ما في يد الغير كان ملكا لغيره و فيما لم يعلم الحالة السّابقة معارضة باستصحاب عدم تحقّق الملك فيخصّص أدلّة الاستصحاب بها حينئذ أمّا على تقدير اعتبارها من باب التّعبّد فظاهر، و أما على تقدير اعتباره من باب الظّن فلأنّه لو بني على تحكيم
........
الشرح
دليل اعتباره على دليل اعتبار اليد لزم طرحه بالمرّة و المفروض ثبوت اعتبارها و منه يعلم أنّ ما ذكرنا من حكومة الدّليل الاجتهادي، أو وروده دائما على ما أسمعناك في مطاوي كلماتنا السّابقة على الأصل إنّما هو فيما إذا لم يكن الأصل أخص هذا، و أما ما يظهر من الأستاذ العلاّمة دام ظلّه من كون النّسبة عموما و خصوصا من وجه فإنّما هو مبنيّ على ملاحظة الاستصحاب الأوّل الثّاني أنّ النّسبة بينهما و إن كانت عموما من وجه إلاّ أنّ اليد بالنّسبة إلى الاستصحاب في حكم الأخصّ مطلقا حيث إنّ مورد افتراقها عن الاستصحاب قليل في الغاية فلو حكم بدخول مورد الاجتماع تحت أدلّة الاستصحاب دون أدلّة اليد لزم الحكم بورودها لبيان حكم الفرد النّادر و هو مستلزم لتخصيص ما لا يجوز ارتكابه و هذا بخلاف العكس، فإنه ليس فيه هذا المحذور فيتعيّن من غير فرق في ذلك بين القول باعتبار الاستصحاب من باب التّعبّد و القول باعتباره من باب الظّن لاتّحاد الوجه الثّالث أنّ قضيّة التّعليل الوارد في رواية الحفص هو تقديم اليد على الاستصحاب في مورد الاجتماع، فإنّ المحذور اللاّزم على تقدير طرح اليد كليّة يلزم على تقدير طرحها في مورد الاجتماع أيضا كما هو واضح الرّابع ورود أكثر أخبار اليد كرواية مسعدة بن صدقة و غيرها في مورد جريان الاستصحاب.
و ممّا ذكرنا كلّه يظهر ضعف ما عن النّراقي في عوائد الأيام و المستند من أنّ اليد كالاستصحاب أصل و مقتضى التّعارض رفع اليد عن المعارض عند عدم المرجّح لا تقديم أحدهما قال في المستند في مسألة تعارض اليد الفعليّة مع الملكيّة السّابقة، و التّحقيق أنّ اقتضاء اليد للملكيّة يعارض استصحاب الملكيّة و لا يبقى لشيء منهما حكم، و لكن أصل اليد لا تعارضها شيء و هو باق بالمشاهدة و العيان و الأصل عدم التّسلّط على انتزاع العين من يده و على منعه من التّصرّفات الّتي كانت له حتّى بيعها إذ غاية الأمر عدم دليل على ملكيّة، و لكن لا دليل على
المحذور المنصوص و هو اختلال السوق و بطلان الحقوق، إذ الغالب العلم بكون ما في اليد مسبوقا بكونه ملكا للغير كما لا، و أمّا حكم المشهور بأنه لو اعترف ذو اليد (1) بكونه سابقا ملكا للمدعي انتزع عنه العين إلا أن يقيم البينة
الشرح
عدم ملكيّته أيضا و أصالة عدم الملكيّة بالنّسبة إليه و إلى غيره سواء فلا يجري فيه ذلك الأصل أيضا إلى أن قال فيبقى أصالة عدم التّسلّط و أصالة جواز تصرّفه خالية عن المعارض انتهى كلامه رفع مقامه و أنت خبير بما يتوجّه عليه من الإشكالات، فإنه يتوجّه عليه:
أوّلا: أنّ اليد الحسّية لا أثر لها بعد عدم اقتضائها الملكيّة من جهة المعارضة على ما قرّره.
و ثانيا: أنّ صحّة تصرّفاته و سلطنته عليها كالبيع و الإجارة و نحوهما موقوفة على الملكيّة، فإذا فرض عدم اقتضاء اليد لها فالأصل الفساد لا الصّحة و لم يعلم معنى محصّل لأصالة عدم التّسلّط إذا فرض إهمال اليد و الاستصحاب مع عدم سبق حالة سابقة للتّسلط و نفوذ التّصرّفات و احتمال الوكالة و الإذن من المالك و نحوهما ممّا يقتضي جواز التّصرّف مدفوعة بالأصل السّليم حيث إنّها حوادث مسبوقة بالعدم.
و ثالثا: أنّ أصالة عدم ملكيّة ذي اليد لا يعارضها أصالة عدم ملكيّة غيره إذا لم يترتّب عليها أثر، بل مع ترتّبه مع عدم حصر الشّبهة فتدبّر، إلى غير ذلك من الإشكالات و الإنصاف أنّ الإشكال في تقديم اليد على الاستصحاب ممّا لا ينبغي لمثل هذا الفاضل سيّما بعد ورود أخبار اليد في مورد الاستصحاب على ما عرفت.
(1) لا يخفى عليك أنّ هذه إشارة إلى دفع ما ربما يستشكل على ما ذكره دام ظلّه من بعض الوجوه، فبالحريّ أوّلا: أن نشير إلى ما يورد على ما ذكره دام ظلّه، ثمّ نشير إلى ما يمكن أن يذبّ به عنه فنقول: أمّا ما يورد عليه فوجوه الأوّل: ما قرّر في
........
الشرح
محلّه و عليه المشهور من أنّه إذا أقرّ ذو اليد في مورد التّداعي بأنّ المال كان سابقا مال المدّعي انتزع من يده إلاّ أن تقوم بيّنة على انتقاله منه إليه من غير فرق بين القول باعتبار الاستصحاب من باب التّعبّد أو من باب الظّن، و هذا معنى تقديم الاستصحاب على اليد فكيف يقال مع ذلك إنّ اليد مقدّمة على الاستصحاب مطلقا الثّاني ما ذكره جماعة و هو الحقّ من أنّه لا يعمل باليد فيما لو علم بأنّ ما في تحتها كان ملكا لشخص معيّن سابقا، بل إن ادّعى الملكيّة و لم يكن لدعواه معارض فيسمع دعواه و يعمل بها لا من جهة اعتبار يده، بل من جهة صحّة الدّعوى إذا لم يكن لها معارض و كونها كالبيّنة في مقابل اليد، و إلاّ فيحكم بتقديم قول من علم بكون المال له سابقا و ليس هذا كلّه إلاّ من جهة تقديم الاستصحاب على اليد.
نعم لو علم إجمالا يكون المال سابقا لغير ذي اليد لم يقدح في اعتبار اليد الثّالث أنّه لا إشكال كما صرّح به جماعة في أنّه إذا حال اليد في زمان و أنّه يد غير ملك بأن علم أنّها يد وديعة، أو عارية، أو وكالة إلى غير ذلك ثمّ شكّ في زمان آخر بعده أنّها يد ملك أم لا لا يعمل باليد فيحكم بكون ما في تحتها ملكا لذي اليد، بل يحكم بمقتضى استصحاب بقاء اليد على حالتها الأوّليّة أنّه ملك لمن كان ملكه فهذا أيضا من موارد تقديم الاستصحاب على اليد.
و بالجملة: موارد تقديم الاستصحاب على اليد كثيرة، هذا ملخّص ما يقال عليه و لكن يمكن الذّب عمّا أورد عليه أمّا عن الأوّل فبالمنع من اعتبار اليد فيما إذا كان في موردها إقرار لذي اليد للمدّعي، فإنه بإقراره بمقتضى ما دلّ على نفوذ إقرار العقلاء على أنفسهم قد أبطل يده و جعل نفسه مدّعيا بمقتضى كلامه من حيث دلالته على انتقال ما في يده من المقرّ له إليه، و أما عدم أخذ ما في يده عنه إذا لم يكن في مقابله مدّع فلا يدلّ على اعتبار يده فيما إذا كان في مقابله مدّع. و بالجملة:
اعتبار دليل اليد لا يشتمل صورة وجود الإقرار حتّى يقال إنّ الحكم بكون المقرّ له
........
الشرح
منكرا من باب تقديم الاستصحاب على اليد، هذا و لكن ظاهر رواية الفدك هو اعتبار اليد حتّى في صورة وجود الإقرار فتأمل.
و أمّا عن الثّاني: فبأنّ الأمر لا يخلو أما أن نقول بعدم شمول اعتبار اليد لصورة وجود العلم التّفصيلي بأنّ ما في يده لغير ذي اليد من جهة أنّ ما تمسّكوا لاعتبارها أمور لا يشمل المقام، فإنّ ما تمسّكوا له يرجع إلى وجوه ثلاثة و معلوم أنّ شيئا منها لا يشمل الفرض أحدها الإجماع. ثانيها: الغلبة و ظهور حال المسلم. ثالثها: جملة من الرّوايات كرواية الحفص و الفدك و نحوهما،
أمّا الأوّل: فظاهر.
و أمّا الثّاني: فلعدم الدّليل على اعتبارها. و أما الثّالث: فلانصرافه إلى غير الفرض مع ما فيه من الإشكال الموجب لسقوط الاستدلال به، أمّا رواية الحفص فلأنّه لا ملازمة بين جواز شراء اليد و الحلف بأنّه ملك المشتري مع الشّهادة بأنّه ملك البائع إذ يكفي في جواز الشّراء و الحلف كون تصرّف ذي اليد صحيحا و هذا لا يستلزم كون ما في تحت اليد ملكا لذي اليد، مع أن عدم الشّهادة لا يستلزم اختلال السّوق كما لا يخفى، فما ذكره الإمام عليه السلام من الملازمة و التّعليل ممّا لا يمكن لنا الإحاطة عليه و هو العالم، و أما رواية الفدك فلأنّ عدم مطالبة البيّنة ممّن كان في يده المال من المسلمين لا يستلزم عدم مطالبة البيّنة من الزهراء عليها السلام حتّى يصير الحكم في حقّ أهل البيت على خلاف الحكم بين المسلمين، و أما أن نقول بشمول بعضها كما هو قضيّة التّحقيق و إن لم نقل بشمول كلّها، فإنّ دعوى انصراف الرّوايات إلى غير صورة العلم التفصيلي فاسدة جدّا إذ لا شاهد لها أصلا و الإشكال في الرّوايتين من حيث عدم فهم ما ذكره الإمام عليه السلام على تقدير عدم القدرة على التّفصّي عنه لا يضرّ في ظهورهما على اعتبار اليد مطلقا كما هو واضح، هذا و إن أردت الوقوف على دفع الإشكال عن الرّوايتين و شرح القول فيهما فارجع إلى ما كتبناه في
........
الشرح
القضاء فإنّا قد شرحنا القول فيه فيما يتعلّق بالمقام غاية الشّرح بحيث لم يسبقنا إليه أحد، فإن قلنا بعدم شمول اعتبار اليد لصورة العلم التّفصيلي في السّابق حسب ما هو ظاهر بعض فلا إشكال، فإنّ أدلّة اعتبار اليد لا يشمل بالذّات صورة العلم حتّى يقال إنّ الرّجوع بمقتضى الاستصحاب تقديم له عليها كما لا يخفى، فإنّ الموجب لسقوط اليد عن الاعتبار على هذا القول عدم شمول دليلها لصورة العلم حتّى لو فرضنا القول بعدم حجيّة الاستصحاب و لازمه عدم الاتكال على اليد حتّى فيما لم يكن في مقابلها دعوى من غير ذيها على خلافها، و لذا قيل بأنّه لا يحكم بالملكيّة في صورة عدم التّداعي إلاّ بعد دعوى الملكيّة من ذي اليد فيكون الدّليل على الملكيّة إذا الدّعوى الغير المعارضة بمثلها حيث إنّ ظاهرهم الاتفاق على كونها حجيّة لكنّها لا يوجب جعل المدّعي منكرا إذا كانت في مقابلها دعوى من غير ذي اليد على خلافها، فإنّ اعتبارها مقيّد بعدم المعارض، و إن كان قد يشكل في ذلك لعدم الدّليل عليه فيكون مقتضى الأصل عدم اعتبارها، و إن قلنا بشمول دليل اعتبارها للفرض فيحكم بتقديمها على الاستصحاب حسب ما هو ظاهر جماعة و لا ينافيه ما هو المعروف الّذي يقتضيه التّحقيق من جواز القضاء بالبيّنة القائمة على الملك للمدّعي في مقابل ذي اليد إذا كانت مستندة إلى الاستصحاب من حيث إنّه إذا فرض وجوب العمل باليد في مقابل الاستصحاب على كلّ أحد فكيف يجوز للشّاهد أن يستند إلى الاستصحاب الّذي هو مرجوح بالنّسبة إليها و يجب الخروج عنه بها و للحاكم أن يقضي بمثل هذه البيّنة، لأنّ عدم جواز اتّكال الشّاهد عليه في تكليف نفسه لا ينافي جواز إخباره بمقتضاه فيتحقّق بعد الإخبار صغرى ميزان القضاء للحاكم فيحكم به فهو لم يحكم بمقتضى الاستصحاب حتّى يورد عليه بما ذكر، بل بمقتضى البيّنة الّتي هي من أحد موازين القضاء، و لذا لا يجوز أن يحكم بمقتضى الاستصحاب إذا فرض علمه بكون الملك للمدّعي في السّابق مثل الشّاهد،
على انتقالها إليه فليس من تقديم الاستصحاب، بل لأجل أن دعواه الملكية في الحال إذا انضمت إلى إقراره بكونه قبل ذلك للمدعي ترجع إلى دعوى انتقالها إليه فينقلب مدعيا، و المدعي منكرا، و لذا لو لم يكن في مقابله مدع لم يقدح هذه الدعوى منه في الحكم بملكيته، أو كان في مقابله مدع لكن أسند الملك السابق إلى غيره كما لو قال في جواب زيد المدعي اشتريته من عمرو، بل يظهر مما ورد في محاجة علي عليه السلام مع أبي بكر (1) في أمر فدك المروية
الشرح
بل يتوقّف على إخبار الشّاهد بالملك حتّى في مورد اشتراكهما في العلم، هذا و لكنك خبير بأنّ هذا لا يخلو عن تأمّل فإن أردت تحقيق القول فيه فارجع إلى ما حرّرناه في كتاب القضاء.
و أمّا عن الثّالث: فبأنّا نسلّم تقديم الاستصحاب على اليد في الفرض إذا كانت في مقابلها دعوى، أو لم يكن و لم يدّع ذو اليد انتقال ما في يده إليه بأحد من الأسباب، بل إطلاق التّقديم مسامحة، فإنّ الاستصحاب الجاري في اليد حاكم على أدلّة اعتبار اليد حتّى على القول باعتبارها من باب الظّن كما في الاستصحاب الجاري في بعض أفراد العام الحاكم عليه، إلاّ أنّه خارج عن محلّ الفرض، فإنه في الاستصحاب الجاري في مقابل اليد لا في الاستصحاب الجاري في نفس اليد.
و بالجملة: لم نرد إطلاق القول بتقديم اليد على الاستصحاب حتّى يرد علينا بهذا الإيراد، بل كلامنا في هذا الفرض، و أما فيه فلا إشكال في حكومة الاستصحاب على اليد إن سلّم شمول أدلّة اعتبار اليد له بالذّات، و إلاّ كما يقتضيه عدم وجود العلّة المعلّلة بها اعتبار اليد في رواية الحفص بناء على حمل العلّة المذكورة فيها على العلّة الحقيقيّة لا التّقريب فلا إشكال أصلا كما لا يخفى.
(1) الأولى نقل ما يتعلّق بما أفاده من الرّواية روي في الاحتجاج عن حمّاد بن عثمان عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال: «لمّا بويع أبو بكر و استقام له الأمر على
........
الشرح
جميع المهاجرين و الأنصار بعث إلى فدك من أخرج وكيل الزهراء عليها السلام بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله منها فجاءت فاطمة عليها السلام إلى أبي بكر فقالت له: يا أبا بكر لم منعتني ميراثي من أبي رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و أخرجت وكيلي من فدك و قد جعلها لي رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله بأمر اللّه تعالى، فقال: هاتي على ذلك بشهود فجاءت بأمّ أيمن، فقالت: لا أشهد يا أبا بكر حتّى أحتجّ عليك بما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله أنشدك باللّه أ لست تعلم أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله قال أمّ أيمن امرأة من أهل الجنّة فقال: بلى، قالت: فأشهد أنّ اللّه تعالى أوحى إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله فَآتِ ذَا اَلْقُرْبىٰ حَقَّهُ فجعل فدك لفاطمة بأمر اللّه تعالى فجاء علي عليه السلام فشهد بمثل ذلك فكتب لها كتابا و دفعه إليها، فدخل عمر فقال: ما هذا الكتاب، فقال: إنّ فاطمة ادّعت في فدك و شهدت لها أمّ أيمن و علي عليه السلام فكتبته لها فأخذ عمر الكتاب من فاطمة فمزّقه، فخرجت الزهراء عليها السلام تبكي فلمّا كان بعد ذلك جاء علي عليه السلام إلى أبي بكر و هو في المسجد و حوله المهاجرون و الأنصار فقال: يا أبا بكر لم منعت فاطمة ميراثها من رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و قد ملكته في حياة رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله فقال: أبو بكر إنّ هذا فيء للمسلمين فإن أقامت شهودا أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله جعله لها، و إلاّ فلا حقّ لها فيه، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: يا أبا بكر أ تحكم فينا بخلاف حكم اللّه في المسلمين، قال: لا، فقال عليه السلام: فإن كان في يد المسلمين شيء يملكونه و ادّعيت أنا فيه من تسأل البيّنة، قال: إيّاك كنت أسأل البيّنة، قال عليه السلام: فما بال الزهراء عليها السلام سألتها البيّنة على ما في يدها و قد ملكته في حياة رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و بعده و لم تسأل المسلمين على ما ادّعوه شهودا كما سألتني على ما ادّعيت عليهم، فسكت أبو
........
الشرح
بكر فقال عمر: يا عليّ دعنا من كلامك فإنّا لا نقوى على حجّتك فإن أتيت بشهود عدول، و إلاّ فهو فيء للمسلمين لا حقّ لك و لا لفاطمة فيها، قال أمير المؤمنين عليه السلام: يا أبا بكر تقرأ كتاب اللّه، قال: نعم، قال: أخبرني عن قول اللّه عزّ و جلّ إِنَّمٰا يُرِيدُ اَللّٰهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ اَلرِّجْسَ أَهْلَ اَلْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً فيمن نزلت فينا أم في غيرنا، قال: بل فيكم، قال عليه السلام: فلو إن شهودا شهدوا على فاطمة بنت رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله بفاحشة ما كنت صانعا بها، قال: كنت أقيم عليها الحدّ كما أقيم على نساء المسلمين، قال علي عليه السلام: كنت إذا عند اللّه من الكافرين، قال: و لم، قال عليه السلام: لأنّك رددت شهادة اللّه لها بالطّهارة و قبلت شهادة النّاس عليها كما رددت حكم اللّه و حكم رسوله أن جعل لها فدك و قبضته في حياته ثمّ قبلت شهادة أعرابي بائل على عقبيه عليها و أخذت منها فدك و زعمت أنّه فيء للمسلمين فقد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله البيّنة على من ادّعى و اليمين على من أنكر فرددت قول رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله البيّنة على من ادّعى و اليمين على من ادّعي عليه، قال: فدمدم النّاس فأنكر بعضهم بعضا و قالوا و اللّه صدق عليّ عليه السلام».
انتهى موضع الحاجة من الحديث الشّريف اللاّئح منه أمارات الصّدق الدّال على حالة من تقدّم عليه عليه السلام ما لا يخفى على النّاظر إليه و لا يخفى ظهوره فيما سيستظهره دام ظلّه منه من عدم قدح تشبّثها عليه السلام باليد و كونها عليه السلام منكرة دعواها تلقّي الفدك من رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله في زمان حياته و جعله صلى اللّه عليه و آله لها عليه السلام بأمر اللّه تعالى بعد نزول الآية الشّريفة وَ آتِ ذَا اَلْقُرْبىٰ حَقَّهُ و هو المراد من الميراث في الرّواية كما يدلّ عليه قولها عليه السلام و قد جعله لي أبي في زمان حياته و شهادة أمير المؤمنين عليه السلام و أمّ أيمن الانتقال بالموت كما هو الظّاهر منه عند الإطلاق، و لا ينافيه محاجّتها عليه
........
الشرح
السلام على أبي بكر في رواية أخرى طويلة بآيات الإرث و قولها عليه السلام له يا ابن أبي قحافة أ في كتاب اللّه ترث إياك و لا أرث أبي لقد جئت شيئا فريّا، فإنه لما ادّعى أنّ النّبي صلى اللّه عليه و آله قال: إنّا معاشر الأنبياء لا نورّث و إنّ تركتنا فيء و صدقة تمسّكا بشهادة بعض من حضر من المنافقين أرادت ردعه عن هذا الحديث الباطل المجعول، و إلاّ فالواقع ما ذكرته عليه السلام في هذه الرّواية من كونه نحلة لها من رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و إن أمكن القول بأنّها في الرّواية الأخرى الطّويلة في مقام الحاجّة أظهرت إبطال دعوى أبي بكر و تمسّك بوجهين:
أحدهما: أنّ ما ادّعاه من عدم توريث الأنبياء و أنّ تركتهم صدقة باطل.
ثانيهما: أنّ انتقال الفدك على تقدير الإغماض و التّسليم لم يكن بعنوان الميراث، بل بعنوان العطية.
و النّحلة و كيف ما كان دعواها صلوات اللّه عليها العطيّة على خلاف الاستصحاب قطعا بناء على صيرورة فدك ملكا للنّبي صلى اللّه عليه و آله و انتقاله منه صلى اللّه عليه و آله إليها عليه السلام بعنوان العطيّة، و هذا بمجرّده و إن لم يكن ممّا استند فيه ذو اليد ملكه إلى تمليك المدّعي و التّلقي عنه فيستظهر منه في بادي النّظر عدم ارتباطه بما أفاده دام ظلّه، إلاّ أنّه بعد ضمّ المقدّمة الباطلة إليه الّتي ادّعاها أبو بكر من كون فدك لو لا العطيّة و النّحلة ملكا للمسلمين و كونه وليّا عليهم و إن أخذه فدكا من وكيلها عليه السلام من باب الولاية عليهم يجعله منه إذ لا فرق في استناد ذي اليد ملكه إلى التّلقي من المدّعي أو من مورّثه، أو ممّن ينتقل الملك منه إلى المدّعي بسبب آخر على تقدير فساد دعوى ذي اليد كما في فرض الرّواية المبني على تسليم مقدّمات واضحة البطلان منها الإغماض عن عصمة الصّديقة الطّاهرة سلام اللّه عليها و على أبيها و بعلها و أبنائها الطّيبين الطّاهرين هذا كلّه بناء على ما ربّما يستظهر من الحديث الشّريف من دعواها عليه السلام العطيّة من رسول اللّه صلى اللّه
........
الشرح
عليه و آله، و أمّا بناء على ما ربما يستظهر منه من كون تملّك الزهراء عليها السلام فدكا بتمليك اللّه تعالى و أنّه مستثنى من الأنفال كما هو أحد الوجهين في قوله و آت ذا القربى حقّه من كونه حقّا لها بجعل اللّه تبارك و تعالى لا بتمليك النّبي صلى اللّه عليه و آله فمفروض الحديث غير منطبق على ما أفاده.
نعم بعد ضمّ مقدّمة أخرى و هي أصالة عدم التّخصيص في عموم آية الأنفال تصير فاطمة عليها السلام مدّعية و إن توقف بعد ملاحظتها أيضا على عدم توريث الأنبياء عليهم السلام و غيره من الأمور الباطلة المشار إليها، لكنه لا تعلّق له بالاستصحاب على هذا التّقدير حتّى ينطبق على ما أفاده أولا ينطبق عليه، بل على تقدير الإغماض عن العموم لم يجز التّمسّك بالاستصحاب و الفرض، هذا لأنّ استصحاب عدم تملّك الصّديقة عليها السلام معارض باستصحاب عدم تملّك النّبي صلى اللّه عليه و آله في الفرض و كيف ما كان دخول المسألة فيما أفاده مبنيّ على دعواها عليه السلام التّلقّي من النّبيّ صلى اللّه عليه و آله، هذا و لكن يمكن أن يقال خروجا عن خلاف المشهور أنّ مقتضى الاستصحاب، و إن كان عدم الانتقال، إلاّ أنّه بمجرّده لا يعارض اليد و دعواها عليه السلام التّلقّي من النّبي صلى اللّه عليه و آله دعوى لا معارض لها، لأنّ أحدا من المسلمين لم يعارضها و لم يدّع خلافها و دعوى أبي بكر إنّما هي من حيث الولاية على المسلمين لا لشخصه، و إلاّ لم يكن معنى لمطالبة البيّنة.
اللّهم إلاّ أن يقال إنّ المراد من المسلم إن كان من كان مؤمنا باللّه و رسوله صلى اللّه عليه و آله مصدّقا لجميع ما جاء به واقعا فما ذكر حقّ لا محيص عنه، إلاّ أنّه لم يكن في ذلك الزّمان إلاّ القليل ممّن رعى الحقّ فيرجع حقيقة إلى إنكار أصل دعوى ولاية أبي بكر و صريح الرّواية الإغماض عن ذلك، و إن كان من يظهر الإيمان باللّه و الرّسول فيمنع من عدم ادّعاء أحد منهم الفدك و إنكاره على
في الاحتجاج أنه لم يقدح في تشبث الزهراء عليها السلام باليد دعواها عليه السلام تلقي الملك من رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله مع أنه قد يقال إنها حينئذ صارت مدعية لا تنفعها اليد.
و كيف كان فاليد على تقدير كونها من الأصول التعبدية أيضا مقدمة على الاستصحاب و إن جعلناها من الأمارات الظنية، لأن الشارع نصبها في مورد الاستصحاب، و إن شئت قلت: إن دليله أخص من عمومات الاستصحاب هذا،
الشرح
الصّديقة الطّاهرة عليها السلام و يكفي في ذلك من يروي الحديث المجعول و أقرّ عليه فتدبّر.
ثمّ إنّ إقدامها عليه السلام على إقامة البيّنة من أوّل الأمر و شهادة أمير المؤمنين عليه السلام لها لا ينافي تخطئته عليه السلام لأبي بكر في مطالبة البيّنة منها عليه السلام، فإنّ إقدامها عليه السلام ربما يكون من باب المماشاة، أو قناعة البيّنة عن اليمين و كفايتها عنها في حقّ ذي اليد كما هو المختار عندنا و جماعة، و أما تعيين البيّنة في حقّها كما هو صريح قول أبي بكر فهو الّذي أبطله الأمير صلوات اللّه عليه بقول رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله البيّنة على المدّعي و اليمين على من ادّعي عليه فلا تنافي بينهما أصلا كما لا يخفى، كما أنّ استشهاده عليه السلام بآية التّطهير على تخطئة أبي بكر في مطالبة البيّنة و عدم جوازها و لزوم تصديقها عليه السلام من حيث العلم بصدقها لا ينافي الإقدام على طيّ الدّعوى بقانون القضاء و ميزان فصل الخصومة، فإنّ مبناه على المماشاة أيضا و بقوله عليه و على أخيه و نجلهما الطّاهرين ألف التّحيّة و السّلام أخيرا أراد بيان مخالفة مطالبة أبي بكر البيّنة من الصّديقة الطّاهرة عليها السلام لآية التّطهير و قول النّبي صلى اللّه عليه و آله في ميزان القضاء فلا تنافي بينهما أصلا هذا و إن أردت شرح القول فيما يتعلّق بالحديث الشّريف و المقام فارجع إلى ما حرّرناه في كتاب القضاء و الشّهادات.
مع أن الظاهر من الفتوى و النص الوارد في اليد مثل رواية حفص بن غياث أن اعتبار اليد أمر كان مبنى عمل الناس في أمورهم و قد أمضاه الشارع، و لا يخفى أن عمل العرف عليه من باب الأمارة (1) لا من باب الأصل التعبدي.
و أمّا تقديم البينة على اليد (2) و عدم ملاحظة التعارض بينهما أصلا فلا يكشف عن كونها من الأصول، لأن اليد إنما جعلت أمارة على الملك عند الجهل بسببها و البينة مبينة لسببها.
و السر في ذلك أن مستند الكشف في اليد هي الغلبة و الغلبة إنما توجب إلحاق المشكوك بالأعم الأغلب، فإذا كان في مورد الشك أمارة معتبرة تزيل الشك فلا يبقى مورد للإلحاق و حال اليد مع البينة (3) حال أصالة الحقيقة في الاستعمال على مذهب السيد مع أمارات المجاز، بل حال مطلق الظاهر و النص فافهم.
الشرح
(1) لا يخفى عليك أنّ ما ذكره في كمال الجودة، فإنّ الحكم بأنّ بناء العرف و العقلاء في أمورهم على التّعبد فاسد جدّا، لأنه مخالف لما نشاهد من أنفسنا معاشر العقلاء، بل قد عرفت في طيّ كلام الأستاذ العلاّمة في السّابق أنّه ممّا لا معنى له، لأنّ التّعبّد بشيء يتوقّف على من يتعبّد به، و إن كان قد يناقش فيه بما لا يخفى.
(2) لا يخفى عليك كمال جودة ما ذكره دام ظلّه من عدم دلالة تقديم البيّنة على اليد على كون اليد من الأصول لا الأمارات فإنّك قد عرفت غير مرّة أنّه قد يوجد الحكومة و الورود بين الدّليلين الاجتهاديّين كما يوجد التّعارض بينهما، و أما ما ذكره في وجه تقديم البيّنة على الاستصحاب فالظّاهر منه كونه من باب ورود البيّنة على اليد من حيث كون اعتبارها من جهة الغلبة الموجبة للحوق المشكوك فيما لم يكن هناك أمارة معتبرة تنجيزيّة على الخلاف و قد تقدّم بعض الكلام في ذلك فراجع إليه.
(3) لا يخفى عليك أنّه كان عليه أن يبدّل الغلبة بالبيّنة و الظّاهر أنّه غلط النّاسخ و سيجيء تحقيق القول في حكم تعارض النّص و الظّاهر في الجزء الرّابع من التّعليقة إن شاء اللّه تعالى.
إمّا لكونها من الأمارات كما يشعر به، قوله صلى اللّه عليه و آله في بعض روايات الأصل: «هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك»(1)، و إمّا، لأنّها و إن كانت من الأصول (1) إلا أن الأمر بالأخذ بها في مورد الاستصحاب يدل على تقديمها عليه و هي خاصة بالنسبة إليه يخصص بأدلتها أدلته و لا إشكال في شيء من ذلك.
إنما الإشكال في تعيين مورد ذلك الأصل من وجهين:
أحدهما: من جهة تعيين معنى الفراغ و التجاوز المعتبر في الحكم بالصحة و أنه هل يكتفى به، أو يعتبر الدخول في غيره و أن المراد بالغير ما هو.
الثاني: من جهة أن الشك في وصف الصحة للشيء ملحق بالشك في أصل الشيء أم لا.
و توضيح الإشكال من الوجهين: موقوف على ذكر الأخبار الواردة في هذه القاعدة ليزول ببركة تلك الأخبار كل شبهة حدثت، أو تحدث في هذا المضمار فنقول مستعينا باللّه.
روى زرارة في الصحيح عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال: «إذا خرجت من شيء و دخلت في غيره فشكك ليس بشيء»(2)، و روى إسماعيل بن جابر
الشرح
(1) لا فرق في ذلك بين القول باعتبار الاستصحاب من باب الظّن أو من باب التّعبّد لما قد عرفت سابقا في وجه تقديم اليد على الاستصحاب بناء على القول باعتبارها من باب التّعبّد و كون اعتباره من باب الظّن فراجع.
عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال: «إن شك في الركوع بعد ما سجد فليمض و إن شك في السجود بعد ما قام فليمض كل شيء شك فيه و قد جاوزه و دخل في غيره فليمض عليه»(1)، و هاتان الروايتان ظاهرتان في اعتبار الدخول في غير المشكوك.
و في الموثقة: «كل ما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو»(2)، و هذه الموثقة ظاهرة في عدم اعتبار الدخول في الغير.
و في موثقة ابن أبي يعفور: «إذا شككت في شيء من الوضوء و قد دخلت في غيره فشكك ليس بشيء إنما الشك إذا كنت في شيء لم تجزه»(3)، و ظاهر صدر هذه الموثقة كالأوليين، و ظاهر عجزها كالثالثة.
هذا تمام ما وصل إلينا من الأخبار العامة.
و ربّما يستفاد العموم من بعض (1) ما ورد في الموارد الخاصة.
الشرح
(1) لا يخفى عليك الوجه في استفادة العموم من الرّواية الأخيرة، فإنّ قوله هو حين يتوضّأ أذكر منه حين يشك في قوّة العلّة المنصوصة و التّعليل بالصّغرى الدّال على الكبرى المسلّمة المفروغ عنها كما لا يخفى، و أما الوجه في استفادته من الرّواية الثّانية فبأن يدّعي أنّها في مقام إعطاء الضّابطة و الحكم باعتبار المضي و التّجاوز عن الشّيء مطلقا بإلقاء خصوصيّة الصّلاة و الطّهور، و إن كان لا يخلو عن إشكال، و أما الوجه في استفادته من الرّواية الأولى فهو دعوى كونها في مقام إلقاء الشّك المتجاوز عن محلّه و المراد من الحائل هو مجرّد الدّخول في حالة مغايرة و الانتقال إليها، و لكنك خبير بأنّ هذه الاستفادة مشكلة.
مثل قوله عليه السلام في الشك في فعل الصلاة بعد خروج الوقت من قوله عليه السلام: «و إن كان بعد ما خرج وقتها فقد دخل حائل فلا إعادة» و قوله عليه السلام: «كل ما مضى من صلاتك و طهورك فذكرته تذكرا فامضه كما هو» و قوله عليه السلام: «فيمن شك في الوضوء بعد ما فرغ هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك»، و لعل المتتبع يعثر على أزيد من ذلك و حيث إن مضمونها لا يختص بالطهارة و الصلاة، بل يجري في غيرها كالحج فالمناسب الاهتمام في تنقيح مضامينها و دفع ما يتراءى من التعارض بينها فنقول مستعينا باللّه، فإنه ولي التوفيق.
إن الكلام يقع في:
أن الشك في الشيء ظاهر لغة (1) و عرفا في الشك في وجوده إلا أن تقييد
الشرح
(1) لا يخفى عليك أنّ الشّك في الشّيء يطلق على ثلاثة معان:
أحدها: كون المشكوك نفس الشّيء الّذي دخلت كلمة في عليه كما هو الظّاهر الغالب في إطلاقه فيكون في إذا للتّعدّي و الصّلة و هي بهذا المعنى تقدّر في المشكوك كما لا يذكر معه لفظه فهذا الإطلاق يكون جاريا على طبق الأصل في الأفعال المتعدّية بالحروف، فعلى هذا يكون المراد من الشّيء الّذي دخلت عليه هو المشكوك، سواء كان المراد منه الشّيء باعتبار وجوده، أو هو باعتبار صحّته، أو نفس الصّحة و الوجود، أو غيرها من الأشياء.
ثانيها: كون مدخول في ظرفا للمشكوك كما يقال شككت في الصّلاة في إتيان السّورة لا نفس المشكوك.
ثالثها: كون مدخولها ظرفا للشّك دون المشكوك باعتبار حصول الشّك فيه في
........
الشرح
المدخول كما يقال شككت في الصّلاة في موت زيد، أو قيام عمرو، أو جلوس بكر إلى غير ذلك و الظّاهر من هذه المعاني عند الإطلاق مجرّدا عن الصّارف هو الأوّل بمقتضى حكم العرف على ما عرفت، بل قد يدّعى كون لفظة في حقيقة فيه و إن كانت هذه الدّعوى لا تخلو عن تأمّل. و بالجملة: ظهورها فيه ممّا لا ينبغي إنكاره، مضافا إلى كونه مطابقا للاعتبار من حيث إنّ احتياج الشّك إلى المشكوك أكثر من احتياجه إلى المشكوك فيه، هذا و لكنك خبير بأنّ مطابقة الاعتبار لا يجدي شيئا، لأنّ المدار في باب الألفاظ على الأقربيّة العرفيّة لا الاعتباريّة، فإنه لا اعتبار بها أصلا كما لا يخفى.
ثمّ إنّ من المعلوم الّذي لا يحتاج إلى البيان كون هذه المعاني للفظة في متضادّة لا يجوز إرادتها من إطلاق واحد و عدم وجود قدر مشترك لها حتّى يحكم بإرادتها من إرادته مع أنّه لو كان لم يجز استعمال اللّفظ فيه حيث إنّ المستعمل فيه في الحروف دائما هو الخصوصيّات لا القدر المشترك بينها كما حقّق مستقصى في محلّه.
و بالجملة: معاني الحروف معان آليّة ربطيّة جزئيّة لا يجوز جمعها في إطلاق واحد و ليست ثمّة وحدة تجمعها حتّى تصير مصحّحة لإرادتها، إذا عرفت ذلك فنقول أمّا المعنى الثّالث فلا نتكلّم فيه إذ لا تعلّق له بالمقام و ليس المراد من الأخبار يقينا و إنّما الأمر دائر بين الحكم بإرادة المعنى الأوّل من الأخبار، أو الثّاني فالكلام يقع في مقامين أحدهما في تعيين ما هو المراد من المعنيين ثانيهما في بيان حكم كلّ من المعنيين و لازمه أمّا الكلام في المقام الأوّل.
فملخّص القول فيه أنّه قد يقال بكون المراد في جملة من الرّوايات هو المعنى الثّاني لا الأوّل حيث إنّ الظّاهر من المضي على المشكوك و تجاوزه و الخروج عنه كون أصل وجوده مفروغا عنه و كون المراد من نسبة وقوع الشّك هو وقوعه فيه
........
الشرح
باعتبار بعض ما يعتبر فيه شرطا، أو شطرا فالأخبار المشتملة على هذه الأمور ظاهرة في المعنى الثّاني لا الأوّل و لا محتملة لإرادة كلّ من المعنيين على حدّ سواء حتّى توجب الإجمال فيها، و قد يقال: إنّ المراد منها المعنى الأوّل، فإنّ إمضاء الشّيء لا يستلزم وجوده يقينا، بل المراد من إمضائه هو الحكم بأنّه كذلك في الواقع و نفس الأمر، و أما الخروج و التّجاوز، فالمراد منهما هو الخروج و التّجاوز عن محلّ المشكوك، و إن كان ظاهرهما التّجاوز عن نفس المشكوك إذ مورد أكثر الأخبار المشتملة عليها هو الشّك في أصل الوجود و تخصيص المورد ممّا لا معنى له و إرادة المعنيين معا أيضا قد عرفت فساده فلا بدّ من أن يراد المعنى الثّاني، هذا و لكنك خبير بأنّ جميع الرّوايات المذكورة حسبما اعترف به الأستاذ العلاّمة دام ظلّه في مجلس البحث و في الكتاب ليس موردها ما يوجب إرادة المعنى الأوّل، بل الّذي ثبت إنّما هو بالنّسبة إلى بعضها و المفروض أنّه لا تعارض بين ما يكون ظاهرا في المعنى الأوّل و بين ما يكون ظاهرا في المعنى الثّاني إذ هما من المثبتين اللّذين لا تعارض بينهما بالذّات و المفروض وجود القول من الأصحاب بكلّ من المعنيين فيحكم بإرادته و القول بأنّ الرّاجع إلى الأخبار المتأمّل فيها يعلم أنّها بأسرها وردت لبيان مطلب واحد فالمتعيّن إذا الأخذ بالمعنى الأوّل لا شاهد له أصلا.
و أمّا الكلام في المقام الثّاني فحاصل القول فيه أنّه بناء على المعنى الأوّل يختصّ الأخبار بالشّك في الوجود بناء على كون الظّاهر من الشّك في الشّيء بالمعنى الأوّل هو الشّك في وجوده من حيث إنّه العنوان الأوّلي له و به يصير الشّيء شيئا و هذا بخلاف الأوصاف الطّارية عليه بعد الوجود، فإنه إذا شك فيها لا يستند الشّك إلى معروضها بالمعنى الأوّل، بل لا بدّ من أن يكون مبنيّا على المعنى الثّاني، و منه يظهر فساد ما قد يقال إنّه لا ضير في إرادة القدر الجامع من الشّك في
ذلك في الروايات بالخروج عنه و مضيه و التجاوز عنه ربما يصير قرينة على إرادة كون وجود أصل الشيء مفروغا عنه، و كون الشك فيه باعتبار الشك في بعض ما يعتبر فيه شرطا، أو شطرا.
نعم لو أريد الخروج و التجاوز عن محله أمكن إرادة المعنى الظاهر من الشك في الشيء، و هذا هو المتعين، لأن إرادة الأعم من الشك في وجود الشيء و الشك الواقع في الشيء الموجود في استعمال واحد غير صحيح، و كذا إرادة خصوص الثاني، لأن مورد غير واحد من تلك الأخبار هو الأول و لكن يبعد ذلك في ظاهر موثقة محمد بن مسلم من جهة قوله فامضه كما هو، بل لا يصح ذلك فى موثقة ابن أبى يعفور (1) كما لا يخفى.
الشرح
الشّيء بأن يراد منه كون الشّك متعلّقا به بنحو من التّعلّق لما قد عرفت أنّه لا جامع بين هذين المعنيين و مطلق التّعلّق ليس من المعنى الحرفي، بل من المعنى الاسمي، و من هنا ذكرنا في الجزء الثّاني من التّعليقة في ردّ من زعم جواز إرادة التّقسيم و التّرديد من قوله كلّ شيء فيه حلال و حرام فهو لك حلال أنّ استعمال قوله عليه السلام منه في المعنيين موجب لاستعمال اللّفظ في أكثر من معنى إذ لا جامع بينهما و اللّه العالم و به الاعتصام، فالرّواية على هذا المعنى تختصّ بالشّك في الوجود و لا يشمل الشّك في الصّحة و على المعنى الثّاني يختصّ بالشّك في الصّحة و لا يشمل الشّك في الوجود، لأنّ المفروض كون المشكوك إذا بعض ما يعتبر في الشّيء شطرا، أو شرطا، و قد عرفت أنّه لا جامع بين الشّك في الشّيء بالمعنى الأوّل و بينه بالمعنى الثّاني.
(1) لا يخفى عليك أنّه قد يورد عليه بأنّ المتعيّن في الموثّقة هو المعنى الأوّل بمقتضى ظاهرها، فإنّ الظّاهر من قوله إذا شككت في شيء من الوضوء كون المراد من الشّيء نفس المشكوك الّذي هو جزء الوضوء لا كون المراد منه الوضوء و كون المشكوك أجزاءه حتّى يتعيّن إرادة المعنى الثّاني، و لا ينافيه كون المراد من الغير غير
لكن الإنصاف إمكان تطبيق (1) موثقة ابن مسلم على ما في الروايات، و أما هذه الموثقة فسيأتي توجيهها على وجه لا يعارض الروايات إن شاء اللّه.
أن المراد بمحل الفعل المشكوك في وجوده (2) هو الموضوع الذي لو أتي
الشرح
الوضوء بالإجماع إذ لا تنافي بينهما فلا يصير دليلا على كون المراد من الشّيء نفس الوضوء، بل ربما قيل بكونه يصير دليلا على كون مرجع الضّمير هو الوضوء فتأمل.
و بالجملة: كلّما نتأمّل لا نفهم وجها لما ذكره أصلا، بل أصل إرادة المعنى الثّاني من الرّواية لا يستقيم بظاهرها لانحصار تصحيحه بجعل قوله و من الوضوء بيانا للشّيء و هو كما ترى فتدبّر.
(1) قد عرفت وجه تطبيقه على وجه يمكن إرادة المعنى الأوّل فراجع، و أما الموثّقة الثّانية فوجه تطبيقها على ما في الرّوايات هو جعل الوضوء أمرا بسيطا في نظر الشّارع لا تركيب له أصلا حتّى يتصوّر فيه المعنى الثّاني و ستقف على شرح القول فيه.
(2) لا يخفى عليك ظهور ما ذكره من التّعميم على القول بكون المناط المستكشف من الأخبار هو مجرّد التّجاوز عن محلّ المشكوك فيلغو الشّك فيه بعده، و أما على القول باعتبار الدّخول في الغير فيمكن الحكم بالتّعميم أيضا فنقول على تقديره إنّ المراد من الغير هو ما كان مترتّبا على المشكوك إمّا ترتّبا شرعيا، أو عقليّا، أو عرفيّا، أو عاديّا فلا فرق في التّعميم بين القولين، ثمّ إنّ الدّليل على هذا التّعميم هو كون التّجاوز عن المحلّ، أو الدّخول في الغير من قبيل غيرهما من الألفاظ الّتي لا بدّ من الرّجوع في المراد منها عموما و خصوصا إطلاقا و تقييدا إلى اللّغة، أو العرف، أو الشّرع على ما هو الشّأن في جميع موارد تعلّق الحكم باللّفظ و المفروض عدم ثبوت الحقيقة الشّرعيّة فيها فتعيّن الرّجوع فيها إلى اللّغة و العرف
به فيه لم يلزم منه اختلاف في الترتيب المقرر. و بعبارة أخرى: محل الشيء هي المرتبة المقررة له بحكم العقل، أو بوضع الشارع، أو غيره و لو كان نفس المكلف من جهة اعتياده بإتيان ذلك المشكوك في ذلك المحل.
فمحل تكبيرة الإحرام قبل الشروع في الاستعاذة لأجل القراءة بحكم الشارع و محل كلمة أكبر قبل تحلل الفصل الطويل بينه و بين لفظ الجلالة بحكم الطريقة المألوفة في نظم الكلام.
و محل الراء من أكبر قبل أدنى فصل (1) يوجب الابتداء بالساكن بحكم العقل و محل غسل الجانب الأيسر، أو بعضه في غسل الجنابة لمن اعتاد الموالاة فيه قبل تخلل فصل يخل بما اعتاده من الموالاة.
هذا كله مما لا إشكال فيه إلا الأخير، فإنه ربما يتخيل انصراف إطلاق الأخبار (2) إلى غيره.
مع أن فتح هذا الباب بالنسبة إلى العادة (3) يوجب مخالفة إطلاقات كثيرة
الشرح
و ليس اختلاف بينهما في المقام حتّى نتكلّم في ترجيح أحدهما على الآخر مع أنّه لا إشكال في ترجيح الثّاني، و من المعلوم حكم العرف بما ذكرنا من التّعميم.
(1) لا يخفى عليك أنّ الرّاء في أكبر ليس من الرّاء السّاكن فلعلّه سهو من قلمه الشّريف فالمتعيّن المثال له بالكاف.
(2) لا يخفى عليك فساد هذا التّخيّل إذ لا وجه له أصلا إذ لو بني على أنّ المراد بالمحلّ هو المحلّ الشّرعي و أنّ المراد بالغير هو الأمر المترتّب شرعا على المشكوك فلا بدّ من أن يبتنى على عدم اعتبار غير المحلّ الشّرعي و الغير الشّرعي و هو كما ترى، مضافا إلى أنّه لا شاهد لهذا الانصراف أصلا كما لا يخفى.
(3) لا يخفى عليك أنّ البناء على اعتبار المحلّ مطلقا و بعمومه يلزم منه فروع لا يلتزم بها الفقيه قطعا، بل لا يبعد كون الالتزام به في بعض الفروض خلاف الضّرورة
........
الشرح
من الفقه و الفرق أيضا ممّا لا معنى له.
نعم ظاهر جماعة حسبما حكى عنهم الأستاذ العلاّمة الالتزام باعتبار العادة في معتاد الموالاة في الغسل، فإذا شكّ وقت الظّهر أنّ الغسل الّذي فعله سابقا كان تامّا من حيث الأجزاء من حيث كونه ترتيبيّا مع اعتياده عدم الفصل بين أجزائه كما هو المتعارف بنى على وقوعه تامّا، و لكن لم يظهر من هؤلاء الالتزام بهذه المقالة في أمثال الفرع ممّا أشار إليه الأستاذ العلاّمة و ممّا لم يشر إليه من الفروع الكثيرة الغير المخفيّة على المتأمّل، و لكن لم يفهم المراد ممّا ذكره الأستاذ العلاّمة من أنّ فتح باب اعتبار العادة يوجب مخالفة إطلاقات كثيرة، فإنه إن أريد به إطلاقات أوامر الأفعال ففيه أنّ الأوامر المتعلّقة بالأفعال لا يقتضي إلاّ وجوب إيجادها في الخارج.
أمّا وجوب الإتيان بها و امتثالها عند الشّك فيها فهو حكم عقلي لا دخل له بحديث الإطلاقات و العمومات من حيث إنّ الاشتغال اليقيني يقتضي البراءة اليقينيّة، بل لا يمكن استفادة هذا المعنى من هذه الأوامر حسبما قرّر تفصيل القول فيه في محلّه و إن أريد به إطلاقات أوامر وجوب الإطاعة ففيه أنّ التّمسك بإطلاقاتها في صورة الشّك أيضا ممّا لا معنى له، لأنّ غاية ما يستفاد منها هو أصل وجوب إطاعة الأمر المتوجّه إلى الشّخص، و أما الإقدام بالفعل في صورة الشّك فلا يمكن أن يستفيد منها، لأنه من التّمسك بالعمومات و الإطلاقات مع الشّك في الموضوع و هو كما ترى هذا مع أن هذه الأوامر إمضاء لما يحكم به العقل فليست في مقام تأسيس حكم حتّى يتمسّك بإطلاقها. و بالجملة: الحكم بإلقاء العادة من جهة الإطلاق و الحكم باعتبارها أيضا مشكل في غاية الإشكال من عمل جماعة به في الجملة و كونه مقتضى قوله في بعض الرّوايات هو حين يتوضّأ أذكر منه حين يشكّ و من كون البناء عليه مستلزم التأسيس فروع جديدة لم يلتزم بها أحد من الفقهاء فالحقّ أنّ الرّجوع إليه بإطلاقه لا يجوز.
فمن اعتاد الصلاة في أول وقتها، أو مع الجماعة فشك في فعلها بعد ذلك فلا يجب عليه الفعل، و كذا من اعتاد فعل شيء بعد الفراغ من الصلاة فرأى نفسه فيه و شك في فعل الصلاة، و كذا من اعتاد الوضوء بعد الحدث بلا فصل يعتد به، أو قبل دخول الوقت للتهيؤ فشك بعد ذلك في الوضوء إلى غير ذلك من الفروع التي يبعد التزام الفقيه بها.
نعم ذكر جماعة من الأصحاب مسألة معتاد الموالاة في غسل الجنابة إذا شك في الجزء الأخير كالعلامة و ولده و الشهيدين و المحقق الثاني و غيرهم قدس اللّه أسرارهم.
و استدل فخر الدين على مختاره في المسألة بعد صحيحة زرارة المتقدمة بأن خرق العادة على خلاف الأصل، و لكن لا يحضرني كلام منهم في غير هذا المقام فلا بد من التتبع و التأمل.
و الذي يقرب في نفسي عاجلا هو الالتفات إلى الشك و إن كان الظاهر من قوله عليه عليه السلام: «فيما تقدم هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك»، أن هذه القاعدة من باب تقديم الظاهر على الأصل فهو دائر مدار الظهور النوعي و لو كان من العادة، لكن العمل بعموم ما يستفاد من الرواية أيضا مشكل فتأمل و الأحوط ما ذكرنا.
الشرح
و أمّا الحكم بمقتضاه في المورد الّذي حكموا به كما في الغسل و معتاد الاستنجاء حيث حكم بعض الأساطين بعدم اعتبار الشّك فيه بعد الخروج عن بيت الخلاء لمن كان الاستنجاء من عادته فلا يخلو عن إشكال أيضا و إن لم يكن بمثابة الالتزام بالإطلاق فإنّا نعلم إنّ حكمهم بعدم الاعتناء بالشّك فيما حكموا به ليس من أجل دليل تعبّدي خاصّ وصل إليهم، بل من أجل نفس عموم الأخبار المتقدّمة.
الدخول في غير المشكوك إن كان محققا (1) للتجاوز عن المحل، فلا إشكال
الشرح
(1) لا يخفى عليك أنّه ربّما يتراءى في بادي النّظر من هذه العبارة كون الدّخول في الغير أعمّ من التّجاوز عن المحلّ مع وضوح فساده، لأنّ الأمر بالعكس و ليس الأمر كذلك، لأنّ المراد من العبارة حسبما يقتضيه التّأمل فيها هو إن الدّخول في الغير إن كان محقّقا للتّجاوز عن المحلّ، بل تحقّق التّجاوز قبله ففيه إشكال و كيف كان الأمر في هذا سهل فبالحريّ أن نصرف عنان القلم إلى بيان تعارض الأخبار و الجمع بينها فنقول قد عرفت أنّ النّسبة بين ما دلّ على اعتبار التّجاوز من الأخبار و ما دلّ على اعتبار الدّخول في الغير عموم و خصوص مطلق، فإنّ التّجاوز في غالب الأوقات و إن تحقّق بالدّخول في الغير، إلاّ أنّه قد يتحقّق أيضا بدون الدخول في الغير كما إذا فرض حرف آخر الكلمة ساكنا شكّ في وجوده بعد أدنى فصل و لا إشكال في وقوع التّعارض بين الأخبار الظّاهرة في اعتبار التّجاوز و الظّاهرة في اعتبار الدّخول في الغير، لأنّ الأولى تدلّ بظاهرها على كفاية التّجاوز عن المحلّ و عدم اعتبار الدّخول في الغير بمقتضى الحصر الموجود في بعضها، و الثّانية تدلّ بالمفهوم على عدم كفاية التّجاوز عن المحلّ و الجمع بينهما يمكن بأحد الوجهين:
أحدهما: حمل الإطلاق في الطّائفة الأولى على التّقييد في الطائفة الثّانية على ما هو الأصل في تعارض المطلق و المقيّد فيحكم بعدم اعتبار التّجاوز إذا تحقّق بغير الدّخول و وجوب الالتفات إلى الشّك.
ثانيهما: حمل التّقييد في الطّائفة الثّانية على كونه واردا مورد الغالب كما في قوله تعالى: وَ رَبٰائِبُكُمُ اَللاّٰتِي فِي حُجُورِكُمْ فليس لها مفهوم حتّى يعارض الإطلاق
........
الشرح
في الطّائفة الأولى، بل يصير إذا من المطلق و المقيّد المثبتين اللّذين لا يحمل المطلق فيهما على المقيّد فيما كان من مقولة الوضع لعدم ثبوت التّنافي بينهما الّذي هو الدّاعي إلى الحمل كما هو واضح على من له أدنى دراية فيحكم إذا باعتبار التّجاوز عن المحلّ و إن انفكّ عن الدّخول في الغير و المسألة بالنّظر إلى ملاحظة نفس الجمعين في غاية الإشكال و الغموض، و إن كان ربما يقال إنّ الجمع الأوّل أولى من حيث إنّ الغلبة إنّما تصلح مصحّحة لذكر القيد و عدم إرادة المفهوم منه و مجرّد هذا لا يصلح معارضا للظّهور اللّفظي المستفاد من القضيّة المقيّدة إلاّ أنّ لكلّ من الجمعين مقرّبا و مبعّدا، فالّذي يقرب الجمع الأوّل وجوه:
أحدها: قوله عليه السلام في موثّقة ابن أبي يعفور: «إنّما الشّك إذا كنت في شيء لم تجزه»، فإنّ الظّاهر منه بمقتضى كونه في مقام الحصر كون المناط مجرّد عدم التّجاوز و هو آب عن التّقييد بالدّخول في الغير.
ثانيها: ظاهر التّعليل الوارد فيما ورد في الوضوء و هو قوله عليه السلام هو حين يتوضّأ أذكر منه حين يشكّ، فإنه لا إشكال في وجود العلّة بعد التّجاوز عن المحلّ و إن لم يدخل في الغير كما هو واضح.
ثالثها: قوله عليه السلام في بعض الأخبار المذكورة في الكتاب كلّما مضى من صلاتك و طهورك الحديث، فإنّ الظّاهر كونه واردا لبيان إعطاء الضّابطة فهو آب عن التّقييد بالدّخول في الغير فهذه وجوه مقرّبة للجمع الأوّل كما أنّها مبعّدة للجمع الثّاني و الّذي يقرب الجمع الثّاني و يعيّنه و يبعّد الجمع الأوّل قوله عليه السلام في رواية إسماعيل بن جابر إن شكّ في الرّكوع بعد ما سجد فليمض و إن شكّ الحديث، فإنّ الظّاهر كونه في مقام التّحديد للقاعدة الكليّة الّتي ذكرها بعدها بقوله كلّ شيء شكّ فيه الحديث و هو يمنع عن حمل القيد على الغالب كما هو واضح ضرورة أنّه لو لم يكن الدّخول في الغير معتبرا في القاعدة، بل كان نفس
........
الشرح
التّجاوز عن المحلّ كافيا لقبح في مقام التّوطئة للقاعدة تحديد عدم الاعتناء بالشّك في الرّكوع بالدّخول في السّجود و الشّك في السّجود بالدّخول في القيام و القول بأن التّحديد بذلك مبنيّ على الغالب مع ما فيه فاسد جدّا إذ ليس أغلب صور الشّك في الرّكوع بعد الدّخول في السّجود، و كذلك ليس أغلب صور الشّك في السّجود القيام كدعوى عدم تحقّق التّجاوز عن المحلّ بالنّسبة إلى الرّكوع قبل السّجود و بالنّسبة إلى السّجود قبل القيام، إذ لا إشكال في تحقّق التّجاوز عن محلّهما بالمعنى الّذي عرفته بمجرّد الهوي للسّجود و النّهوض للقيام فيكشف هذا كلّه عن كون المناط هو الدّخول في الغير لا مجرّد الفراغ و التّجاوز عن محلّ الشّيء كيفما اتّفق، بل يمكن الاستدلال بالرّواية على المدّعى بالأولويّة بيانه أنّه لا إشكال في أنّ الهوي للسّجود غيره و كذلك لا إشكال في أنّ النّهوض للقيام غيره، فإذا لم يعتبرهما الشّارع مع كونهما غير المشكوك فعدم اعتباره لمطلق التّجاوز أولى، اللّهم إلاّ أن يقال إن التّجاوز عن محلّ الرّكوع و السّجود لا يتحقّق إلاّ بالهوي و النّهوض فتدبّر.
هذا مضافا إلى ما ربّما يدّعى من ظهور نفس الذّيل في كون قوله صلى اللّه عليه و آله و دخل في غيره مقيّدا لقوله و جاوزه و مبيّنا للمراد منه فلا بدّ من أن يحكم بأنّ المراد من التّجاوز هو التّجاوز المتحقّق بالدّخول في الغير و الاستدلال بالرّواية على الجمع الثّاني على ما عرفت أولى ممّا بيّنه الأستاذ العلاّمة دام ظلّه في تقريب الاستدلال، فإنّ الظّاهر منه في بادي النّظر كونه في صدد بيان معنى الغير المعتبر بالرّوايات و أنّه مطلق الغير، أو خصوص ما يكون اعتباره في العمل من باب الأصالة لا التّبع و هذا كلام آخر في الغير لا دخل له بالمقام حسبما اعترف به دام ظلّه في مجلس البحث و إن أمكن توجيهه بأنّ مقتضى التّأمّل فيه صدرا و ذيلا إرادة الاستدلال على المدّعى بالأولويّة القطعيّة، و لكن مع هذا كلّه ما ذكروه من
في اعتباره و إلا فظاهر الصحيحتين الأوليين اعتباره، و ظاهر إطلاق موثقة ابن مسلم عدم اعتباره و يمكن حمل التقييد في الصحيحتين على الغالب خصوصا في أفعال الصلاة فإن الخروج من أفعالها يتحقق غالبا بالدخول في الغير، و حينئذ فيلغو القيد و يحتمل ورود المطلق على الغالب فلا يحكم بالإطلاق.
الشرح
البيان لا يخلو عن تأمّل غير مخفيّ على المتأمّل.
و إذ عرفت أنّ لكلّ من الجمعين مقرّبا و مبعّدا فاعلم أنّ المقرّب للجمع الثّاني أقوى من المقرّب للجمع الأوّل، فإنّ الأوّل يمكن حمله على الغالب سيّما بملاحظة صدره و ما يذكره الأستاذ العلاّمة في بيان دفع الإشكال عن الرّواية لا ينافيه كما هو واضح، و أما الثّاني فلا ظهور له بحيث يعارض المقرّب للجمع الثّاني، و أما الثّالث فلأنّ ظهور قوله عليه السلام هو حين يتوضّأ أذكر منه حين يشكّ في العليّة ليس بمثابة يعارض ظهور المقرّب للجمع الثّاني، فإنّ التّأويل فيه غير ممكن، أو في غاية البعد كما هو واضح، و من هنا رجّح شيخنا الأستاذ العلاّمة القول باعتبار الدّخول في الغير.
ثمّ إنّ في رواية إسماعيل إشكالا لا ينبغي أن يخفى على الفطن، فإنّ ظاهر إطلاقها وجوب الالتفات إلى الشّك في السّجود بعد التّشهد أيضا ما لم يقم، مع أن الظّاهر أنّه لا إشكال في عدم الالتفات إليه عند من لا يرى اختصاص الغير بالرّكن، هذا و لكن يمكن أن يقال إنّ المراد من القيام في الرّواية الّذي جعل حدّا لعدم الاعتناء بالشّك في السّجود هو القيام لغير الرّكعة الثّالثة، فإنّ المستكشف من الرّواية هو إلقاء مقدّمات الأفعال لا نفس الأفعال، و من المعلوم أنّ التّشهّد كالسّجود فعل مستقلّ.
و بالجملة: القول بإلقاء الدّخول في التّشهّد لا ينطبق على قول من أقوال المسألة.
و يؤيد الأول ظاهر التعليل المستفاد من قوله: «هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك»، و قوله عليه السلام: «إنما الشك إذا كنت في شيء لم تجزه»، بناء على ما سيجيء من التقريب، و قوله عليه السلام: «كل ما مضى من صلاتك و طهورك الخبر»، لكن الذي يبعده أن الظاهر من الغير في صحيحة إسماعيل بن جابر: «إن شك في الركوع بعد ما سجد و إن شك في السجود بعد ما قام فليمض» بملاحظة مقام التحديد و مقام التوطئة للقاعدة المقررة بقوله بعد ذلك كل شيء شك فيه الخبر كون السجود و القيام حدا للغير الذي يعتبر الدخول فيه، و أنه لا غير أقرب من الأول بالنسبة إلى الركوع، و من الثاني بالنسبة إلى السجود إذ لو كان الهوي للسجود كافيا عند الشك في الركوع و النهوض للقيام كافيا عند الشك في السجود قبح في مقام التوطئة للقاعدة الآتية التحديد بالسجود و القيام و لم يكن وجه لجزم المشهور بوجوب الالتفات إذا شك قبل الاستواء قائما.
و ممّا ذكرنا يظهر أن ما ارتكبه بعض من تأخر من التزام عموم الغير و إخراج الشك في السجود قبل تمام القيام بمفهوم الرواية ضعيف جدا، لأن الظاهر أن القيد وارد في مقام التحديد و الظاهر أن التحديد بذلك توطئة للقاعدة و هي بمنزلة ضابطة كلية كما لا يخفى على من له أدنى ذوق في فهم الكلام فكيف يجعل فردا خارجا بمفهوم الغير عن عموم القاعدة.
فالأولى أن يجعل هذا كاشفا عن خروج مقدمات أفعال الصلاة عن عموم الغير فلا يكفي في الصلاة مجرد الدخول و لو في فعل غير أصلي فضلا عن كفاية مجرد الفراغ.
و الأقوى اعتبار الدخول في الغير و عدم كفاية مجرد الفراغ إلاّ أنّه قد يكون الفراغ عن الشيء ملازما للدخول في غيره كما لو فرغ عن الصلاة
و الوضوء، فإن حالة عدم الاشتغال بها تعد مغايرة لحالهما و إن لم يشتغل بفعل وجودي فهو دخول في الغير بالنسبة إليهما.
و أمّا التفصيل بين الصلاة و الوضوء بالتزام كفاية مجرد الفراغ من الوضوء و لو مع الشك في الجزء الأخير منه فيرده اتحاد الدليل في البابين، لأن ما ورد من قوله عليه السلام: «فيمن شك في الوضوء بعد ما فرغ من الوضوء هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك» عام بمقتضى التعليل لغير الوضوء أيضا، و لذا استفيد منه حكم الغسل و الصلاة أيضا.
و كذلك موثقة ابن أبي يعفور المتقدمة صدرها دال على اعتبار الدخول في الغير في الوضوء و ذيلها يدل على عدم العبرة بالشك بمجرد التجاوز مطلقا من غير تقييد بالوضوء، بل ظاهرها يأبى عن التقييد و كذلك روايتا زرارة و أبي بصير المتقدمتان آبيتان عن التقييد.
و أصرح من جميع ذلك في الإباء عن التفصيل بين الوضوء و الصلاة قوله عليه السلام في الرواية المتقدمة: «كل ما مضى من صلاتك و طهورك فذكرته تذكرا فامضه».
قد خرج من الكلية المذكورة أفعال الطهارات الثلاث فإنهم أجمعوا على أن الشاك في فعل من أفعال الوضوء قبل إتمام الوضوء يأتي به و إن دخل في فعل آخر، و أما الغسل و التيمم فقد صرح بذلك فيهما بعضهم على وجه يظهر منه كونه من المسلمات، و قد نص على الحكم في الغسل (1) جمع ممن تأخر
الشرح
(1) لا يخفى عليك أنّ الحكم بخروج الوضوء عن القاعدة مصرّح به في كلام جمع من الأصحاب منهم ثاني الشّهيدين في تمهيد القواعد حيث حكم بأنّ
........
الشرح
مقتضى القاعدة عدم الالتفات بالشّك في الجزء السّابق من الوضوء بعد الدّخول في الجزء اللاّحق منه إلاّ أنّ مقتضى الرّوايات خروج الوضوء عن القاعدة، و أما إلحاق الغسل التّرتيبي و التّيمّم بالوضوء فمحلّ خلاف بين الأصحاب فعن الأكثر الإلحاق و عن بعض الأساطين عدم الإلحاق، بل في الجواهر لشيخنا الأستاذ في شرحه على الشّرائع: «عدم عثوره على القول بإلحاق الغسل عن غير السّيد في الرّياض قال:
و من العجب ما وقع في الرّياض من جريان حكم الوضوء في الغسل فيلتفت إلى كلّ جزء وقع الشّك فيه مع بقائه على حال الغسل و لم أعثر على مثل ذلك لغيره» انتهى كلامه رفع مقامه، لكن عن قواعد العلاّمة ما يدلّ على الإلحاق حيث قال فيه: «و لو شكّ في شيء من أفعال الطّهارة فكذلك أتى به و بما بعده إن لم تجفّ البلل إن كان على حاله، و إلاّ فلا التفات في الوضوء و المرتمس و المعتاد على إشكال» انتهى كلامه رفع مقامه، و عن ثاني المحقّقين في شرح قوله: «إن كان على حاله فهم التّعميم حيث فسّره بقوله أي في فعل الطّهارة من وضوء و غيره» انتهى كلامه رفع مقامه، و عن بعض من قارب عصرنا التّفصيل في التّيمّم بين ما كان منه بدل الوضوء فلا يعتني بالشّك الواقع فيه في الأثناء و بين ما كان منه بدل الغسل فيعتني بالشّك الواقع فيه في الأثناء كنفس الغسل أمّا دليل الأكثرين فهو تنقيح المناط الّذي أشار إليه الأستاذ العلاّمة في كيفيّة تطبيق حكم الوضوء على القاعدة و حاصله: أنّ حكم الشارع بالالتفات إلى الشّك الواقع في أثناء الوضوء إنّما هو من حيث وحدة مسبّبه المشترك بينه و بين الغسل و التّيمم فلا بدّ من إلحاقهما به في الحكم المذكور.
و أمّا دليل القول بعدم الإلحاق فهو إن أصل الحكم بالالتفات في الوضوء و أخويه على خلاف القاعدة المستفادة من العمومات على ما عرفت من ثاني الشّهيدين، و قد خرجنا عنه في الوضوء من جهة قيام الإجماع و الأخبار فيبقى غيره
عن المحقق كالعلامة و ولده و الشهيدين و المحقق الثاني و نص غير واحد من هؤلاء على كون التيمم كذلك.
و كيف كان فمستند الخروج قبل الإجماع الأخبار الكثيرة المخصصة للقاعدة المتقدمة، إلا أنه يظهر من رواية ابن أبي يعفور (1) المتقدمة و هي قوله:
الشرح
تحت القاعدة لعدم ما يقتضي بالخروج عنه بعد عدم كون القياس من مذهبنا، و أمّا دليل القول بالتّفصيل في التّيمم فهو إن قضيّة البدليّة كون حكم البدل حكم المبدل و هذا يقضي بالتّفصيل بين ما كان من التّيمم بدل الوضوء و ما كان منه بدل الغسل، هذا و لكنك خبير بضعف التّفصيل في التّيمم لوضوح ضعف دليله، و أما القول بإلحاقه مطلقا و إلحاق الغسل لا يخلو عن إشكال، و إن كان هو الأوجه من القول بعدمه، و إن كان الأصل معه.
(1) قد وجّه ظهور كون الحكم في الوضوء على طبق القاعدة من الرّواية لا خارجا عنها بعد ظهور قوله عليه السلام في ذيل الرّواية إنّما الشّك إذا كنت في شيء لم تجزه في التّعليل للحكم المذكور كما هو من الواضحات الغير المحتاجة إلى البيان بأمور:
أحدها: استلزام الحكم بخروج الوضوء تخصيص المورد و هو قبيح فتدبّر.
ثانيها: الاستدلال لما هو خارج عن القاعدة بالقاعدة و هو أمر قبيح برأسه لا دخل له بقبح تخصيص المورد كما هو واضح لمن له أدنى دراية.
ثالثها: لزوم التّناقض بين المفهوم و عموم التّعليل، و لكن يتفصّى عن الإشكال المذكور بوجوه:
أحدها: جعل المراد من قوله إنّما الشّك إذا كنت الحديث إلقاء الشّك الواقع في أثناء الشّيء فيختصّ مدلوله بالأثناء فلا يلزم شيء من المحذورين، لأنه يصير المعنى حينئذ إنّما يعتبر الشّك و يلتفت إليه إذا كانت في أثناء الشّيء فيدلّ بمفهوم
........
الشرح
الحصر على إلقاء الشّك بعد الفراغ عن الشّيء المركّب، و ليس هذا مثل قوله: «إذا شككت في شيء و دخلت في غيره» الحديث الظّاهر في الشّك في الوجود على ما عرفت تفصيل القول فيه، بل قوله في المقام ظاهر في الشّك في الأثناء كما هو واضح، و قد كان الأستاذ العلاّمة يدّعي أنّ إرادة القدر المشترك من الشّك في الأثناء و غيره في المقام ليس فيه محذور أصلا لوجود الجامع بين الكون في الشّيء و هو مطلق الثّبوت على الشّيء و الكون عليه، سواء تحقّق بالكون في أثنائه، أو في محلّه، لأنه قسم من الكون في الشّيء، و لكنك خبير بأنّ ما ذكره دام ظلّه لا يخلو عن تأمّل.
هذا ملخّص هذا الوجه و أورد عليه الأستاذ العلاّمة بأنّ لازم هذا التّوجيه عدم الالتفات إلى الشّك الواقع في غسل جزء من الوجه، أو اليد بعد الفراغ عن غسلهما لعموم الشّيء و شموله لأجزاء الأجزاء كنفس الأجزاء و دعوى اختصاصه بالأجزاء الأصليّة ممّا لا شاهد لها بعد شمول لفظ الشّيء بحسب اللّغة و العرف و عمومه لمطلق الأجزاء إذ لا صارف لهذا العموم من الخارج.
ثانيها: ما ذكره الأستاذ العلاّمة دام ظلّه في مجلس البحث من جعل قوله في ذيل الرّواية إنّما الشّك إذا كنت الحديث تعليلا لمنطوق صدرها فإذا جعلنا مفهوم الذّيل تعليلا لمنطوق الصّدر وحده لا لمنطوقه و مفهومه لم يلزم عليه شيء من المحاذير لعدم كون الشّك في أثناء الوضوء إذا داخلا في عموم التّعليل حتّى يتوجّه عليه خروج المورد القبيح على تقدير لزومه على فرض القول بالتّعميم، أو التّناقض الصّوري الرّاجع إلى تعارض عموم التّعليل مع مفهوم الصّدر بالتّعارض العموم و الخصوص الّذي ليس هو في نفسه محذورا مستقلا، بل لا معنى لجعله محذورا أصلا كما لا يخفى، و لا كون الكلام مسوقا لبيان علّية حكم الشّك في الأثناء حتّى يرد عليه لزوم الاستدلال بما هو خارج عن القاعدة بنفس القاعدة.
........
الشرح
هذا ملخّص ما أفاده دام ظلّه في مجلس البحث، و لكنك خبير بأنّ هذا التّوجيه أيضا لا يخلو من المناقشة، لأنّ الحكم بعدم كون الذّيل تعليلا لمفهوم الصّدر ممّا لا معنى له بعد ظهور الكلام في المفهوم، فإنّ الظّاهر أنّه أراد بيان العلّة لجميع ما حكم به في الرّواية لا لبعضه.
و بالجملة: هذا التّوجيه، و إن كان مستقيما على تقدير تماميّته، إلاّ أنّه خلاف ظاهر الرّواية فيتوقّف ارتكابه على شاهد من الخارج يشهد عليه.
ثالثها: ما أفاده دام ظلّه أيضا في مجلس البحث و في الكتاب من جعل الوضوء في نظر الشارع أمرا بسيطا باعتبار وحدة مسبّبه لا تركيب فيه أصلا حتّى يصدق مفهوم التّعليل على الشّك في غسل عضوين المختلفين و يلزم من الالتزام بعدم ثبوت حكمه فيه بالإجماع المحذور الظّاهر اللّزوم على تقدير تسليم التّركيب عند الشارع على ما عرفت تفصيل القول فيه، و هذا ليس تخصيصا في الشّيء و لا في الغير و لا ارتكاب مجاز فيهما و لا في غيرهما و إن كنّا لو خلّينا و أنفسنا حاكمين بكون الوضوء مركّبا في نظر الشّارع من شرائط و أجزاء كالصّلاة و غيرها حسبما ظهر لنا في أنظارنا من جهة قصورها، فهذا نظير ما حكم به جماعة في الشّك في الكلمات و أجزائها بعد الدّخول في غيرها، بل في الشّك في الآية بعد الدّخول في غيرها، بل في الشّك في الحمد بعد الدّخول في السّورة كما يظهر من بعض الأصحاب من أنّ الشّك في القراءة قبل الدّخول في الرّكوع يلتفت إليه معلّلين ذلك بأنّ هذه الأمور في نظر الشّارع بسيطة و إن كانت في نظرنا مركّبة من أفعال، و إن كان ما ذكروه في محلّ التّأمّل، بل المنع نظرا إلى عدم الدّاعي إلى هذا الكلام بعد القول من جماعة كثيرة بجريان القاعدة بالنّسبة إلى الشّك في حروف الكلمات بعد الدّخول في غيرها فضلا عن جريانها بالنّسبة إلى الشّك في الكلمات و الآيات بعد الدّخول في غيرهما فضلا عن الشّك في الحمد بعد الدّخول في
«إذا شككت في شيء من الوضوء و قد دخلت في غيره فشكك ليس بشيء إنما الشك إذا كنت في شيء لم تجزه» أن حكم الوضوء من باب القاعدة لا خارج عنها بناء على عود ضمير غيره إلى الوضوء لئلا يخالف الإجماع على وجوب الالتفات إذا دخل في غير المشكوك من أفعال الوضوء، و حينئذ فقوله عليه السلام إنما الشك مسوق لبيان قاعدة الشك المتعلق بجزء من أجزاء عمل و أنه إنما يعتبر إذا كان مشتغلا بذلك العمل غير متجاوز عنه هذا.
و لكن الاعتماد على ظاهر ذيل الرواية مشكل من جهة أنه يقتضي بظاهر
الشرح
السّورة و هذا بخلاف الفرض، فإنّ الدّاعي إلى ارتكاب ما ذكر موجود فيه جزما نظرا إلى ما عرفت من لزوم المحذور على تقدير عدمه على ما عرفت تفصيل القول فيه.
فإن قلت: تصحيح كلام الشّارع و دفع المحذور عنه لا ينحصر في ارتكاب ما ذكر حتّى يرتكب دفعا للمحذور المذكور فيبنى على دفعه بالتزام التّوجيه الثّاني.
و بالجملة: احتمال توجيه آخر غير ما ذكر يمنع من جعل الوجه في دفع الإشكال ما ذكر على سبيل الحصر. قلت: احتمال توجيه آخر لا ينفع بعد كونه خلافا لظاهر اللّفظ.
و بالجملة: ما ذكر أخيرا من التّوجيه مع التّوجيه الثّاني نظير دوران الأمر بين المجاز في النّسبة و المجاز في الكلمة، ثمّ إنّ من مؤيّدات هذا التّوجيه ما ذكره الأستاذ العلاّمة دامت إفاضاته من إلحاق جماعة كثيرة الشّك في الغسل و التّبسّم بالوضوء في الحكم المذكور و ليس في ذلك إلاّ من جهة ما استفادوا من كون الحكم في الوضوء من جهة بساطته عند الشّارع من جهة وحدة مسبّبه، و لذا ألحقوا الغسل و التّيمّم بالوضوء في الحكم المذكور فتدبّر.
الحصر أن الشك الواقع في غسل اليد باعتبار جزء من أجزائه لا يعتنى به إذا جاوز غسل اليد، مضافا إلى أنه معارض للأخبار السابقة فيما إذا شك في جزء من الوضوء بعد الدخول في جزء آخر قبل الفراغ منه، لأنه باعتبار أنه شك في وجود شيء بعد تجاوز محله يدخل في الأخبار السابقة، و من حيث إنه شك في أجزاء عمل قبل الفراغ منه يدخل في هذا الخبر.
و يمكن أن يقال لدفع جميع ما في الخبر من الإشكال إن الوضوء بتمامه في نظر الشارع فعل واحد باعتبار وحدة مسببه و هي الطهارة، فلا يلاحظ كل فعل منه بحياله حتى يكون موردا لتعارض هذا الخبر مع الأخبار السابقة، و لا يلاحظ بعض أجزائه كغسل اليد مثلا شيئا مستقلا يشك في بعض أجزائه قبل تجاوزه، أو بعده ليوجب ذلك الإشكال في الحصر المستفاد من الذيل.
و بالجملة: إذا فرض الوضوء فعلا واحدا لم يلاحظ الشارع أجزاءه أفعالا مستقلة يجري فيها حكم الشك بعد تجاوز المحل لم يتوجه شيء من الإشكالين في الاعتماد على الخبر و لم يكن حكم الوضوء مخالفا للقاعدة، إذ الشك في أجزاء الوضوء قبل الفراغ ليس إلا شكا واقعا في الشيء قبل التجاوز عنه، و القرينة على هذا الاعتبار جعل القاعدة ضابطة لحكم الشك في أجزاء الوضوء قبل الفراغ عنه، أو بعده.
ثم إن فرض الوضوء فعلا واحدا لا يلاحظ حكم الشك بالنسبة إلى أجزائه ليس أمرا غريبا فقد ارتكب المشهور مثله في الأخبار السابقة بالنسبة إلى أفعال الصلاة حيث لم يجروا حكم الشك بعد التجاوز في كل جزء من أجزاء القراءة حتى الكلمات و الحروف، بل الأظهر عندهم كون الفاتحة فعلا واحدا، بل جعل بعضهم القراءة فعلا واحدا، و قد عرفت النص في الروايات على عدم اعتبار الهوي للسجود و النهوض للقيام.
و ممّا يشهد لهذا التوجيه إلحاق المشهور الغسل و التيمم بالوضوء في هذا الحكم إذ لا وجه له ظاهرا إلا ملاحظة كون الوضوء أمرا واحدا يطلب منه أمر واحد غير قابل للتبعيض أعني الطهارة.
ذكر بعض الأساطين: «أن حكم الشك في الشروط بالنسبة إلى الفراغ عن المشروط، بل الدخول فيه، بل الكون على هيئة الداخل حكم الأجزاء في عدم الالتفات فلا اعتبار بالشك في الوقت و القبلة و اللباس و الطهارة بأقسامها و الاستقرار و نحوها بعد الدخول في الغاية و لا فرق بين الوضوء و غيره» انتهى، و تبعه بعض من تأخر عنه.
و استقرب في مقام آخر إلغاء الشرط في الشك بالنسبة إلى غير ما دخل فيه من الغايات.
و ما أبعد ما بينه و بين ما ذكره بعض الأصحاب من اعتبار الشك في الشرط حتى بعد الفراغ عن المشروط فأوجب إعادة المشروط.
و الأقوى التفصيل بين الفراغ (1) عن المشروط فيلغو الشك في الشرط بالنسبة
الشرح
(1) لا يخفى عليك جودة ما ذكره دام ظلّه من التّفصيل من الجهتين أي من جهة التّخصيص ببعد الفراغ عن المشروط و التّخصيص بالمشروط الّذي فرغ عنه دون غيره، أمّا الدّليل على التّخصيص من الجهة الأولى فلعدم صدق أخبار القاعدة قبل الفراغ عن المشروط و صدقها على الشّك في الشّرط بعد الفراغ عن المشروط، سواء في ذلك ما دلّ على اعتبار التّجاوز عن المحلّ و ما دلّ على اعتبار الدّخول في الغير.
أمّا الأوّل: فظاهر ضرورة أنّ محل إحراز الشّرط ليس بعد الفراغ عن المشروط، بل قبله. و أما الثّاني: فإنه و إن كان ربما يتوهّم عدم صدقه على الشّك في الشّرط بعد
........
الشرح
الفراغ عن المشروط نظرا إلى أنّ المشروط لا يعدّ مغايرا للشّرط حتّى يحكم بعدم اعتباره، بل المدار على خروج وقت المشروط إلاّ أنّ مقتضى التّحقيق صدقه أيضا من حيث إنّ الفراغ عن المشروط يغاير الشّرط بالمعنى الّذي عرفته سابقا قطعا، و أما الدّليل على التّخصيص من الجهة الثّانية فلاختصاص الأخبار بالدّلالة على الحكم بوجود الشّرط بالنّسبة إلى المشروط الّذي فرغ عنه لاختصاص وجود موضوعها بالنّسبة إليه، بل مقتضاها منطوقا و مفهوما اعتبار الشّك في الشّرط بالنّسبة إلى مشروط آخر كما هو واضح. توضيح ذلك: أنّ الشارع قد يحكم بإلقاء الشّك في الشّرط من حيث إنّه شكّ في الشّرط و بالنّسبة إلى جميع ما هو مشروط له فيرجع حكمه إذا إلى البناء على وجود الشّرط مطلقا و لو قبل الفراغ عن المشروط، بل قبل الدّخول فيه، بل قبل كون المكلّف على هيئة الدّاخل في مشروطه كما إذا وقع الشّك في وجود بعض ما يعتبر في الشّرط بعد الفراغ عنه كالشّك الواقع في غسل بعض الأعضاء في الوضوء، أو الغسل بعد الفراغ عنهما و قد يحكم بوجود الشّرط بعد الفراغ عن مشروطه مطلقا، بمعنى كون الفراغ عنه علّة للحكم بوجوده المطلق حتّى بالنّسبة إلى غيره و قد يحكم بوجوده بعد الفراغ عن المشروط بعنوان يختصّ به بحيث لا يتعدّى إلى غيره و هو عنوان كون الشّك فيه شكّا بعد التّجاوز عن المحلّ، أو بعد الدخول في الغير، أمّا حكمه بإلقاء الشّك في الشّرط على الوجه الأوّل فلا ريب في أنّه يقتضي الحكم بصحّة كلّ ما يعتبر فيه من غير فرق.
و كذلك حكمه بإلقاء الشّك في الشّرط على الوجه الثّاني، فإنه لا إشكال في اقتضائه أيضا الحكم بصحّة كلّ ما يعتبر فيه من الأفعال.
و أمّا حكمه بإلقائه على الوجه الثّالث فلا ريب في عدم اقتضائه إلاّ الحكم بوجوده بالنّسبة إلى المشروط الّذي فرغ المكلّف عنه لا بالنّسبة إلى غيره من غير فرق في ذلك بين القول باعتبار القاعدة من باب التّعبّد و القول باعتبارها من باب الظّن، فإنه و إن لم
........
الشرح
يكن بناء على الثّاني التّفكيك في حصول الظّن بالنّسبة إلى وجود الشّرط، إلاّ أنّه لا بدّ من التّفكيك في اعتباره من حيث اختصاص الدّليل على اعتباره بعنوان مختصّ بالمشروط الّذي وقع الفراغ عنه فهذا نظير الشّك في فعل صلاة الظّهر بعد الدّخول في العصر في إلقاء الشّك فيه بالنّسبة إلى الحكم بصحّة العصر و أنّها وقعت عقيب الظّهر و مترتّبة عليه و عدم إلقائه بالنّسبة إلى أصل وجوده بحيث لا يحكم بوجوب الإتيان بها بعد فعل العصر حيث إنّ الشّك في فعل الظّهر بعنوان ترتّب العصر عليه شكّ في الشّيء بعد الدّخول في الغير و بغير ذلك العنوان ليس شكّا فيه بعد الدّخول في الغير، أو شكّا في الشّيء بعد تجاوز محلّه فلا يحكم بإلقائه، بل يحكم بمقتضى أصالة الاشتغال و الإخبار بعدم إلقائه بالنّسبة إليه، بل المقام أولى بعدم اعتبار الشّك بالنّسبة إلى غير المشروط الّذي وقع الفراغ عنه كما هو واضح.
ثمّ إذا عرفت حكم الأقسام المتصوّرة في المقام لحكم الشارع بإلقاء الشّك في الشّرط المشكوك فيه لم يبق لك إشكال في التّفصيل من الجهة الثّانية ضرورة كون حكم الشارع بإلقاء الشّك في الشّرط في مفروض البحث من القسم الثّالث لا الثّاني و الأوّل و لا فرق فيما ذكرنا على ما عرفت سابقا أيضا بين الشّك في الشّرط قبل الدّخول في المشروط مع كون المكلّف على هيئة الدّاخل، أو بعد الدّخول، أو الشّك في أثنائه فيحكم، بلزوم إحراز الشّرط بالنّسبة إلى ما بقي من العمل إن أمكن، و إلاّ فيحكم بفساد العمل و وجوب إعادته.
نعم قد يقال، بل قيل بالنّسبة إلى ما يكون محلّ إحرازه لتمام العمل قبل الدّخول فيه كالطّهارة بإلقاء الشّك فيه بعد الدّخول في العمل فيلحق بالشّك فيه بعد الفراغ من العمل و يحكم بصحّة العمل المدخول فيه نظرا إلى عموم ما دلّ على لغويّة الشّك بعد التّجاوز عن المحلّ، أو بعد الدّخول في الغير، هذا و لكن يردّ هذا القول ما رواه الأستاذ العلاّمة في الكتاب من صحيحة علي بن جعفر عن أخيه عليه السلام بناء على كون
إليه لعموم لغوية الشك في الشيء بعد التجاوز عنه أما بالنسبة إلى مشروط آخر لم يدخل فيه فلا ينبغي الإشكال في اعتبار الشك فيه، لأن الشرط المذكور من حيث كونه شرطا لهذا المشروط لم يتجاوز عنه، بل محله باق فالشك في تحقق شرط هذا المشروط شك في الشيء قبل تجاوز محله.
و ربّما بنى بعضهم ذلك على أن معنى عدم العبرة بالشك في الشيء بعد تجاوز المحل هو البناء على الحصول، أو يختص بالمدخول.
أقول: لا إشكال في أن معناه البناء على حصول المشكوك فيه لكن بعنوانه الذي يتحقق معه تجاوز المحل لا مطلقا، فلو شك في أثناء العصر في فعل الظهر بنى على تحقق الظهر بعنوان أنه شرط للعصر و لعدم وجوب العدول إليه لا على تحققه مطلقا حتى لا يحتاج إلى إعادتها بعد فعل العصر، فالوضوء المشكوك فيما نحن فيه إنما فات محله من حيث كونه شرطا للمشروط المتحقق لا من حيث كونه شرطا للمشروط المستقبل.
و من هنا يظهر أن الدخول في المشروط أيضا لا يكفي في إلغاء الشك في الشرط، بل لا بد من الفراغ عنه، لأن نسبة الشرط إلى جميع أجزاء المشروط نسبة واحدة و تجاوز محله باعتبار كونه شرطا للأجزاء الماضية، فلا بد من إحرازه للأجزاء المستقبلة. نعم ربما يدعى في مثل الوضوء أن محل إحرازه لجميع أجزاء الصلاة قبل الصلاة لا عند كل جزء.
و من هنا قد يفصل بين ما كان من قبيل الوضوء مما يكون محل إحرازه
الشرح
السّؤال فيه عن حكم الفرض حسبما هو الظّاهر منه لا عن حكم العمل بالاستصحاب، أو غيره، بل لا بدّ من حمل الرّواية على الفرض، لأنّ بما ذكر في الاستصحاب على خلاف الإجماع كما لا يخفى.
قبل الدخول في العبادة و بين غيره مما ليس كذلك كالاستقبال و الستر، فإن إحرازهما ممكن في كل جزء و ليس المحل الموظف لإحرازهما قبل الصلاة بالخصوص بخلاف الوضوء و حينئذ فلو شك في أثناء الصلاة في الستر، أو الساتر وجب عليه إحرازه في أثناء الصلاة للأجزاء المستقبلة.
و المسألة لا تخلو عن إشكال إلا أنه ربما يشهد لما ذكرنا من التفصيل بين الشك في الوضوء في أثناء الصلاة و فيه بعده (صحيحة علي بن جعفر عن أخيه عليه السلام قال: سألته عن الرجل يكون على وضوء ثم يشك على وضوء هو أم لا قال إذا ذكرها و هو في صلاته انصرف و أعادها و إن ذكر و قد فرغ من صلاته أجزأه ذلك)، بناء على أن مورد السؤال الكون على الوضوء باعتقاده ثم شك في ذلك.
أن الشك في صحة الشيء المأتي به حكمه حكم الشك في الإتيان، بل هو هو لان مرجعه إلى الشك في وجود الشيء (1) الصحيح و محل الكلام ما لا
الشرح
(1) لا يخفى عليك إنّ إرجاع الشّك في الصّحة إلى الشّك في الوجود بما ذكره الأستاذ العلاّمة من أخذ المشكوك الشّيء الصّحيح لا ذات الشّيء لا يجدي في الحكم بشمول الأخبار له على تقدير القول بظهورها في الشّك في أصل الوجود ضرورة عدم رجوع الشّك في الصّحة إلى الشّك في الوجود بالاعتبار المذكور من غير فرق في ذلك بين القول بوضع أسماء العبادات للأعمّ حتّى يحتاج إلى اعتبار ما ذكر، أو للصّحيح حتّى لا يحتاج إلى اعتباره، فإنه إذا قيل بأنّ منصرف الأخبار هو الشّك في أصل الفعل بأن شكّ المكلّف في أنّه ركع مثلا أم لا لم ينفع القول بوضع لفظ الرّكوع للصّحيح في شمولها لما إذا وقع الشّك في بعض
يرجع (1) فيه الشك إلى الشك في ترك بعض ما يعتبر في الصحة كما لو شك في
الشرح
ما يعتبر فيه بعد القطع بوجوده و هذا أمر ظاهر لا سترة فيه أصلا، و لذا استشكل الأستاذ العلاّمة في الحكم بالإلحاق.
(1) لا يخفى عليك مراد الأستاذ العلاّمة من هذا الكلام، فإنّ مقصوده منه أنّ ما ذكرنا من الكلام في إلحاق الشّك في الصّحة بالشّك في الوجود فإنّما هو فيما إذا لم يكن الشّك في الصّحة مسبّبا عن الشّك في ترك بعض ما يعتبر في الصّحة من الأمور المعدودة أفعالا برأسها، و إلاّ فلا إشكال في الإلحاق و لا كلام فيه، لأنّ قضيّة جريان القاعدة بالنّسبة إلى المشكوك رفع الشّك عن الصّحة على نحو الحكومة من حيث تسبّبه عنه بقضيّة الفرض، هذا و لكن في المقام سؤال على ما أفاده دام ظلّه و هو إن الشّك في الصّحة دائما مسبّب عن الإتيان ببعض ما يعتبر فيها شطرا، أو شرطا فعلا، أو تركا ضرورة عدم وقوع الشّك في صحّة الموجود البسيط من جميع الجهات، بل استحالته على تقدير تسليم وجود مثله بالنّسبة إلى الأعمال الواقعة في حيّز الطّلب في الشّرع فالشّك في صحّة المأتيّ به لا بدّ من أن يرجع إلى الشّك في إتيان بعض ما يعتبر في صحّة العمل شطرا، أو شرطا فيكون جريان القاعدة بالنّسبة إلى الشّك المسبّبي حاكما على الحكم بالاعتناء بالشّك فيه لمقتضى نفس الأخبار المتقدّمة منطوقا و مفهوما على ما التزمت به فيرتفع إذا ثمرة النّزاع إذ بعد تسليم الفريقين لزوم إلحاق الشّك في الصّحة بالشّك في الوجود لم يكن معنى للنّزاع في أنّه من جهة جريان القاعدة في نفس الشّك المسبّبي، أو في الشّك السّببي فلا معنى محصّل لما ذكره الأستاذ العلاّمة في تحرير محلّ النّزاع، و لكن يمكن التّفصي عن الإشكال المذكور بأنّ الشّك في الصّحة دائما و إن تسبّب من الشّك في إتيان العمل على وجهه المعتبر عند الشّارع الّذي يرجع إلى الشّك في إتيان بعض ما يعتبر في صحّة العمل شطرا، أو شرطا لما ذكر من استحالة وقوع الشّك
في تحقق الموالاة المعتبرة في حروف الكلمة، أو كلمات الآية.
لكن الإنصاف أن الإلحاق لا يخلو عن إشكال لأن الظاهر من أخبار الشك في الشيء أنه مختص بغير هذه الصورة إلا أن يدعى تنقيح المناط، أو يستند فيه إلى بعض ما يستفاد منه العموم مثل موثقة ابن أبي يعفور (1)، أو يجعل أصالة الصحة (2) في فعل الفاعل المريد للصحيح أصلا برأسه و مدركه ظهور حال المسلم.
قال فخر الدين في الإيضاح في مسألة الشك في بعض أفعال الطهارة: «إن
الشرح
في صحّة الأمر البسيط ذهنا و خارجا، إلاّ أنّ ما يعتبر في صحّة العمل على وجهين:
أحدهما: ما يكون وجوده مغايرا لوجود المشروط في الخارج.
ثانيهما: ما يكون متّحدا معه في الوجود بحيث لا مغايرة أصلا.
و وجود القسمين ممّا لا مجال لإنكاره و ما أخرجه الأستاذ العلاّمة من محلّ الكلام هو الأوّل، و من المعلوم أنّ من إلحاقه بالشّك في الوجود لا يلزم إلحاق القسم الثّاني، فإذا قيل بأنّ ظاهر الأخبار هو عدم الاعتناء بالشّك في خصوص أصل الوجود لا معنى للحكم بإلقاء الشّك في الصّحة من جهة القاعدة بالنّسبة إلى القسم الثّاني هذا.
(1) استفادة التّعميم منه ظاهرة على ما أفاده دام ظلّه سابقا من عدم امتناع إرادة الشّك في الوجود و الشّك في الواقع في أثناء الشّيء من الرّواية بخلاف ساير الرّوايات، و قد عرفت بعض الكلام في ذلك، مع أن الحكم بالتّعميم المذكور غير ظاهر اللّزوم لما ذكره فتدبّر.
(2) لا يخفى عليك أنّ مراده دام ظلّه من هذا الكلام مجرّد ذكر وجه للحكم بالتّعميم لا كونه معتقدا بتماميّته حتّى يرد عليه بأنّ الأصل المذكور لا مدرك له لعدم دليل يدلّ على اعتبار ظهور حال المسلم من حيث هو مطلقا.
الأصل في فعل العاقل المكلف الذي يقصد براءة ذمته بفعل صحيح و هو يعلم الكيفية و الكمية الصحة» انتهى.
و يمكن استفادة اعتباره (1) من عموم التعليل المتقدم في قوله هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك، فإنه بمنزلة صغرى لقوله، فإذا كان أذكر فلا يترك ما يعتبر في صحة عمله الذي يريد به إبراء ذمته، لأن الترك سهوا خلاف فرض الذكر و عمدا خلاف إرادة الإبراء.
الظاهر أن المراد بالشك (2) في موضع هذا الأصل هو الشك الطارئ بسبب
الشرح
(1) لا إشكال في إمكان استفادة اعتبار الشّك في الصّحة بعد الدّخول في الغير، بمعنى إيجابه الحكم بوقوع المشكوك و وجوده من التّعليل المذكور، لأنه بمنزلة الكبرى لكلّ ما يكون المكلّف أذكر بالنّسبة إليه، فكما أنّه يدلّ على عدم الاعتناء بالشّك في وجود شيء بعد التّجاوز عن محلّه و الدّخول في غيره من حيث إنّ المكلّف الملتفت الباني على الإتيان بالمأمور به لا يترك من الأفعال ما له دخل فيه فيظنّ بعد التّجاوز عنه و الدّخول في غيره إتيانه إذا شكّ فيه و هذا هو المراد من التّعليل في الرّواية، و يدلّ على عدم الاعتناء بالشّك في صحّة ما أتي به بعد الدّخول في غيره لعين العلّة المذكورة، فإنّ المكلّف الباني على الامتثال لا يترك ما له دخل في صحّة عمله، فإن شئت قلت: إنّ التّعليل يدلّ على اعتبار ظهور حال المسلم بالنّسبة إلى عمله مطلقا سواء تعلّق بنفسه، أو بأجزائه، أو بشرائطه.
(2) لا يخفى عليك أنّه قد يورد عليه بأنّ ما استظهره أوّلا لإيجاب الحكم بعده بأنّ المسألة ذات وجهين لو علم كيفيّة العمل، و لكنك خبير بأنّ هذا الإيراد في غير محلّه، لأنّ استظهار أحد الوجهين في المسألة لا ينافي الحكم بثبوت الوجهين لها
الغفلة عن صورة العمل فلو علم كيفية غسل اليد و أنه كان بارتماسها في الماء لكن شك في أن ما تحت خاتمه ينغسل بالارتماس أم لا، ففي الحكم بعدم الالتفات وجهان: من إطلاق بعض الأخبار و من التعليل بقوله هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك، فإن التعليل يدل على تخصيص الحكم بمورده مع عموم السؤال فيدل على نفيه عن غير مورد العلة. نعم لا فرق بين أن يكون المحتمل ترك الجزء (1) نسيانا، أو تركه تعمدا، و التعليل المذكور بضميمة الكبرى المتقدمة
الشرح
و إنّما المنافي له استشكاله و عدم ترجيحه لأحد الطّرفين بعد ترجيحه له و الأمر ليس كذلك فيما ذكره
كما لا يخفى، ثمّ إنّ ما استظهره دام ظلّه الظّاهر أنّه في كمال الاستقامة لعدم إطلاق للأخبار الواردة في الباب بالنّسبة إلى الفرض بحيث يطمئنّ به النّفس و تركن إليه، و إن كان بعضها ظاهرا في النّظرة الأولى في الإطلاق، مضافا إلى ما ذكره دام ظلّه من تقدّم قضيّة التّعليل على قضيّة المعلول حيث إنّ المعلول عموما و خصوصا تابع بحكم العرف لعموم العلّة و خصوصها كما هو ظاهر لمن له أدنى خبرة بالمحاورات العرفيّة.
(1) قد يستشكل فيما ذكره بأنّ ظاهر التّعليل هو عدم الاعتناء باحتمال عدم الإتيان بشيء من العمل غفلة، أو نسيانا بالاحتمال عدم الإتيان بشيء منه عمدا، لأنّ الأذكريّة حين العمل إنّما يصلح علّة لإلقاء الاحتمال الأوّل لا الاحتمال الثّاني، و لكنك خبير بضعف هذا الإشكال و فساده، لأنّ التّعليل في مقام اعتبار ظهور حال المسلم المريد للامتثال، و لمّا كان هذا الظّهور موقوفا على إحراز التّذكّر، و إلاّ فلا ظهور لحال المسلم في إتيانه بالعمل على وجهه و عدم تركه لما له دخل له من حيث إنّه ليس معصوما من الخطإ و النّسيان، فلذا جعل العلّة أذكريّة المكلّف حين العمل فلا يترك إذا كان أذكر ما له دخل في صحّة عمله عمدا فمع ذلك كيف
يدل على نفي الاحتمالين و لو كان الشك من جهة احتمال وجود الحائل على البدن ففي شمول الأخبار له الوجهان. نعم قد يجري هنا أصالة (1) عدم الحائل فيحكم بعدمه حتى لو لم يفرغ عن الوضوء، بل لم يشرع في غسل موضع احتمال الحائل، لكنه من الأصول المثبتة و قد ذكرنا بعض الكلام في ذلك في بعض الأمور المتقدمة.
و هي في الجملة من الأصول المجمع عليها فتوى و عملا بين المسلمين فلا عبرة في موردها بأصالة الفساد المتفق عليها عند الشك.
إلا أن معرفة مواردها و مقدار ما يترتب عليها من الآثار و معرفة حالها عند مقابلتها لما عدا أصالة الفساد من الأصول يتوقف على بيان مدركها من الأدلة الأربعة.
و لا بد من تقديم ما فيه إشارة إلى هذه القاعدة في الجملة من الكتاب و السنة.
يمكن أن يقال إنّ التّعليل لا يدلّ على التّعميم و عدم الفرق.
الشرح
و بالجملة: فساد الإشكال المذكور ممّا لا يحتاج إلى البيان من جهة كمال وضوحه و ظهوره.
(1) قد تقدّم الكلام في جريان هذا الأصل و أمثاله و أنّه مبنيّ على اعتبار الأصل المثبت مطلقا، أو فيما إذا كانت الواسطة خفيّة على تقدير تسليم خفاء الواسطة في المقام و أنّه لا تعلّق للأصل المذكور بالقاعدة أصلا و أنّه لا فرق في جريانه بين صور الشّك من حيث وقوعه قبل العمل، أو في أثنائه، أو بعده فراجع إليه.
منها: قوله تعالى: وَ قُولُوا لِلنّٰاسِ حُسْناً(1)بناء على تفسيره بما في الكافي من قوله عليه السلام: «لا تقولوا إلا خيرا حتى تعلموا ما هو»(2)، و لعل مبناه على إرادة الظن و الاعتقاد (1) من القول.
و منها: قوله تعالى: اِجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ اَلظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ اَلظَّنِّ إِثْمٌ(3)، فإن ظن السوء أثم و إلا لم يكن شيء من الظن إثما.
و منها: قوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ(4)، بناء على أن الخارج من عمومه ليس إلا ما علم فساده، لأنه المتيقن، و كذا قوله تعالى: إِلاّٰ أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ(5).
و الاستدلال به يظهر من المحقق (2) الثاني حيث تمسك في مسألة بيع الراهن مدعيا بسبق إذن المرتهن و أنكر المرتهن بأن الأصل صحة البيع و لزومه و وجوب الوفاء بالعقد.
الشرح
(1) لا يخفى عليك أنّه يمكن أن يبتني الاستدلال به على وجه آخر و هو إن يراد من القول معناه الحقيقي من حيث كونه منبعثا من ظنّ السّوء فتدبّر.
(2) لا يخفى عليك أنّ ظاهر هذا الكلام هو استدلال المحقّق الثّاني بالآية الثّانية، و لكنه ليس بمراد قطعا كما هو واضح فلا بدّ من أن يجعل مرجع الضّمير الآية الأولى، أو الوجه حيث إنّ المقصود من كون الآيتين بيان الاستدلال بما دلّ على لزوم القصد و صحّته من عموم الآيات، و لعلّ هذا أقرب.
لكن لا يخفى ما فيه من الضعف (1) و أضعف منه (2) دعوى دلالة الآيتين الأوليين.
الشرح
(1) لا يخفى عليك وجه ضعفه فإنّك قد عرفت غير مرّة أنّ التّمسك بالعمومات في الشّبهات الموضوعيّة ممّا لا معنى له ضرورة أنّ محلّ الكلام في هذا الأصل و مجراه كالأصل السّابق أي قاعدة الشّك بعد التّجاوز عن المحلّ. و بعبارة أخرى:
أصالة الصّحة في فعل الغير كفعل النّفس إنّما تجري في الشّبهات الموضوعيّة دون الحكميّة فتوهّم جريانها فيهما لا يخفى ما فيه على من له أدنى خبرة.
(2) لا يخفى عليك وجه أضعفيّة دلالة الآيتين الأخيرتين على فرض دلالتهما على ما هو المقصود بالبحث، و أما الآيتان الأوّلتان على فرض ظهورهما فيما له تعلّق بالمسألة في الجملة، مع أن الأولى لا تعلّق لها بها أصلا فلأنّ المقصود من الحمل على الصّحة هو الحكم بكون الفعل الصّادر عن المسلم ممّا يترتّب عليه الأثر المقصود منه من الملكيّة و الزّوجيّة و غيرهما من الآثار و الأغراض المقصودة لا مجرّد عدم ظنّ السّوء به و أنّه فعل ما لا يجوز له في تكليفه كما هو مدلول الآيتين، فإنه ليس من محلّ الكلام في شيء، لأنه ممّا انعقد الإجماع، بل الضّرورة على عدم جوازه في حقّ خصوص المؤمن مطلقا، أمّا بمعنى عدم جوازه في نفسه بناء على كونه اختياريّا بالنّظر إلى أسبابه على ما ذهب إليه بعض، أو بمعنى عدم ترتّب الأثر عليه و البناء على تحقّقه كما هو قضيّة بعض الأخبار و كلمة الأكثرين و أيّاما كان لا تعلّق له بما هو المقصود بالبحث في المقام.
و الحاصل أنّ محلّ النّزاع في أنّه هل يجب البناء في صورة الشّك على أنّ الفعل الصّادر من المسلم و لو كان من أهل السّنة و الجماعة ممّا يترتّب عليه الحكم الوضعي و الأثر المقصود حتّى عند التّشاح و التّنازع و لو لم يكن البناء على عدمه مستلزما لظنّ السّوء و حمل قوله على كونه محرما أصلا أولا يجب ذلك لا في أنّه
فمنها: ما في الكافي عن أمير المؤمنين عليه السلام: «ضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك ما يقلبك عنه و لا تظنن بكلمة خرجت من أخيك سوء و أنت تجد لها في الخير سبيلا»(1).
و منها: قول الصادق عليه السلام لمحمد بن الفضل: «يا محمد كذب سمعك و بصرك عن أخيك فإن شهد عندك خمسون قسامة أنه قال و قال لم أقل فصدقه و كذبهم»(2).
و منها: ما ورد مستفيضا: «إن المؤمن لا يتهم أخاه و إنه إذا اتهم أخاه انماث الإيمان في قلبه كانمياث الملح في الماء و إن من اتهم أخاه فلا حرمة بينهما و إن من اتهم أخاه فهو ملعون ملعون»، إلى غير ذلك من الأخبار المشتملة على هذه المضامين، أو ما يقرب منها هذا.
و لكن الإنصاف عدم دلالة هذه الأخبار (1) إلا على أنه لا بد من أن يحمل
الشرح
إذا صدر قول من المؤمن و الأخ هل يحرم ظنّ السّوء به و البناء على أنّه فعل حراما أم لا، فإنّ ظنّ السّوء بالمؤمن لم يخالف أحد في عدم جوازه حتّى فيما إذا لم يصدر عنه قول و ستقف على زيادة القول في هذا عن قريب.
(1) أمّا عدم دلالة غير المرويّ في الكافي عن أمير المؤمنين عليه السلام على ما هو المقصود، لأنه في مقام تحريم ظنّ السّوء بالمؤمن القائل بإمامة الأئمة الاثني عشر كما هو ظاهر لمن له أدنى دراية، و قد عرفت أنّه خارج عن محلّ الكلام في
ما يصدر عن الفاعل على الوجه الحسن عند الفاعل و لا يحمله على الوجه القبيح عنده، و هذه غير ما نحن بصدده، فإنه إذا فرض دوران العقد الصادر منه بين كونه صحيحا، أو فاسدا لا على وجه قبيح، بل فرضنا الأمرين في حقه مباحا كبيع الراهن بعد رجوع المرتهن عن الإذن واقعا، أو قبله، فإن الحكم بأصالة عدم ترتب الأثر على البيع مثلا لا يوجب خروجا عن الأخبار المتقدمة الآمرة بحسن الظن بالمؤمن في المقام، خصوصا إذا كان المشكوك فعل غير المؤمن، أو فعل المؤمن الذي يعتقد بصحة ما هو الفاسد عند الحامل.
الشرح
المقام.
و أمّا هو فقد يقال، بل قيل بدلالته على المدّعى، فإنّ الأحسن من قول المؤمن ما يترتّب عليه الأثر شرعا في مقابل ما لا يترتّب عليه الأثر و إن لم يكن محرما، بل كان جائزا للفاضل بحسب تكليفه إلاّ أنّ قضيّة التّحقيق اتّحاد المقصود منه مع ما هو المقصود من ساير الرّوايات و الّذي يدلّ على ذلك أمور:
أحدها: ظهوره فيه بمقتضى السّياق سيّما بعد ملاحظة الإجماع القائم على عدم وجوب حمل فعل الأخ على الأحسن، بمعنى كون التفصيل مقصودا من فعله في الرّواية فتأمل.
ثانيها: ذكر الأخ في الرّواية، فإنه ليس إلاّ من جهة مدخليّة الأخوة في الحمل المذكور، و من المعلوم أنّه ليس لها مدخليّة إلاّ في عدم اتّهامه بحسب تكليفه لا في إتيانه على طبق الواقع الموضوع للآثار و هذا أمر ظاهر لا سترة فيه أصلا.
ثالثها: عطف قوله و لا تظنّن بكلمة إلى آخره لقوله ضع أمر أخيك على أحسنه، فإنه ظاهر كما لا يخفى على من له أدنى دراية في العطف التّفسيري في كون المراد منهما شيئا واحدا.
ثم لو فرضنا أنه يلزم من الحسن ترتيب الآثار (1) و من القبيح عدم الترتيب
الشرح
(1) لا يخفى عليك الفرق بين هذا التّنزّل و سابقه و هو إنه كان الكلام في السّابق أن الرّوايات لا تدلّ إلاّ على عدم جواز اتّهام المؤمن و أنّه فعل ما هو قبيح باعتقاده و حرام شرعا، و أما الدّلالة على أنّ فعله متّصف بصفة الحسن الشّرعي فلا، و في هذا يكون الكلام في أنّه لو فرضنا دلالتها على وجوب حمل فعل الأخ على أنّه فعل حسن و لو في مقام لا تنفك حسنه واقعا عن ترتيب الآثار الوضعيّة عليه لم ينفع في إثبات ترتيب الآثار الوضعيّة عليه لعدم دلالتها على ذلك و عدم كونها مسوقة لبيان إثبات الآثار الوضعيّة.
فتبيّن ممّا ذكرنا كلّه أنّ هنا معاني للصّحة بعضها خارج عن محلّ النّزاع و إن دلّت عليه كثير من الآيات و الأخبار و بعضها داخل في محلّ النّزاع، لكنه ليس من مدلول الأخبار و الآيات المتقدّمة منها حمل فعله على عدم كونه معصية و قبيحا عنده، بمعنى عدم اتّهامه في فعله و هذا المعنى و إن دلّت عليه الآيات و الأخبار الكثيرة، بل عرفت كونه من ضروريّات الفقه إلاّ أنّ الكلام ليس فيه و منها حمله على أنّه حسن واقعا من غير أن يحكم عليه بترتيب الآثار الوضعيّة، و هذا و إن أمكن استفادته من الأخبار أيضا، إلاّ أنّه ليس محلّ الكلام أيضا و منها حمله على أنّه صحيح عند الفاعل، بمعنى ترتيب الآثار الوضعيّة المترتّبة على ما كان صحيحا باعتقاد الفاعل عليه و هذا غير مستفاد من الآيات و الأخبار المذكورة، لكنه ليس خارجا عن محلّ الكلام كما ستقف عليه إن شاء اللّه تعالى، و منها حمله على أنّه صحيح واقعا، بمعنى ترتّب الآثار الشّرعيّة المترتّبة على فعل الصّحيح الواقعي عليه، و إن كان الطّريق إليه يختلف باختلاف اعتقاد الحاملين و بهذه الملاحظة يعبّر عن هذا المعنى بالصّحيح عند الحامل و هذا أيضا غير مستفاد من الآيات و الأخبار المتقدّمة، إلاّ أنّه من محلّ الكلام قطعا.
كالمعاملة المرددة بين الربوية و غيرها لم يلزم من الحمل على الحسن بمقتضى تلك الأخبار الحكم بترتب الآثار، لأن مفادها الحكم بصفة الحسن في فعل المؤمن بمعنى عدم الجرح في فعله لا ترتيب جميع آثار ذلك الفعل الحسن، أ لا ترى أنه لو دار الأمر بين كون الكلام (1) المسموع من مؤمن بعيد
الشرح
(1) لا يخفى عليك أنّه قد يقال إنّ هذا التّشبيه و التّنظير الّذي ذكره في غير محلّه من وجهين:
أحدهما: من جهة ما سيجيء من أنّ أصالة الصّحة بالمعنى المبحوث عنه في الأفعال الصّادرة عن المسلمين لا يقضي بوجوب ردّ السّلام فيما لو شكّ في أنّ الكلام الصّادر عن المسلم كان سلاما، أو شتما و الوجه فيه أنّ أصالة الصّحة لا يقتضي إلاّ الحكم بترتيب آثار الصّحة على الفعل بعنوانه الّذي صار موضوعا للآثار بعد القطع بصدوره معنونا بالعنوان المذكور و المعلوم صدوره من المسلم في الفرض مجرّد الكلام لا السّلام فيجب ترتيب آثار كلام الصّحيح لو كان له أثر لا إثبات كونه سلاما حتّى يجب ردّه على السّامع الّذي توجّه الكلام إليه.
نعم لو قطع بصدور السّلام ثمّ شك في كونه صحيحا بحسب القواعد العربيّة و من حيث كون المقصود منه التّحيّة، أو السّخريّة مثلا، أو فاسدا حكم بوجوب ردّ السّلام عليه.
ثانيهما: من جهة أنّه لا معنى لشمول الأخبار للمشبّه به أصلا حتّى فيما لو قطع بصدور سلام منه شكّ في كونه فاسدا، أو صحيحا حيث إنّ أخبار الباب إنّما ينفي الحرج عن الفعل المردّد بين ما فيه حرج و ما لا حرج فيه و السّلام الفاسد ليس ممّا فيه حرج على المسلّم قطعا حتّى يبنى على عدم صدوره عنه بمقتضى الأخبار.
هذا و لكن يمكن أن يقال إنّ المقصود من الاستشهاد المذكور تقريب منع دلالة الأخبار على المعنى المبحوث عنه من حيث دلالتها على مجرّد نفي الحرج
سلاما، أو تحية، أو شتما لم يلزم من الحمل على الحسن وجوب رد السلام.
و ممّا يؤيد ما ذكرنا جمع الإمام عليه السلام في رواية محمد بن الفضل (1)
الشرح
عن الفعل المردد فكما أنّه لا يحكم في الكلام المردد بين كونه ممّا فيه حرج و بين ما لا حرج فيه إلاّ بنفي الحرج و أنّه كلام حسن و لا يترتّب عليه الآثار الوضعيّة مع كونه ملازما في الواقع لما له أثر كذلك لا يحكم في البيع المردّد بين ما فيه حرج و بين ما لا حرج فيه إلاّ بكونه ممّا لا حرج فيه من حيث إنّه كذلك لا بترتيب الآثار الوضعيّة عليه، و إن كان بينهما فرق بالنّسبة إلى المعنى الرّابع، فإنه بعد البناء على صحّة البيع لم يعقل له معنى إلاّ ترتيب الآثار المترتّبة على البيع الغير الرّبوي من النّقل و الانتقال و هذا بخلاف الكلام المردد بين كونه سلاما و كلاما، فإنه لا يحكم من البناء على صحّته بأنّه سلام فيجب ردّه، فإنه لا يثبت بأصالة الصّحة العنوانات الغير المعلومة حتّى يترتّب عليها الحكم الشّرعي على ما عرفت في بيان الإشكال، هذا حاصل ما يقال في دفع الإشكال الأوّل.
و أمّا الإشكال الثّاني فلا إشكال في دفعه، فإنّ عدم جريان هذا المعنى فيما لو دار الأمر في السّلام بين كونه صحيحا و فاسدا لا يلازم عدم جريانه فيما لو دار أمر الكلام بين كونه سلاما، أو شتما، فإنه لا إشكال في جريانه فيه لكونه دائرا بين ما فيه حرج و ما لا حرج فيه و هذا أمر ظاهر لا سترة فيه أصلا.
(1) القسامة بالفتح في اللّغة اسم من يخبر عن شيء مع الحلف عليه كما عن القاموس و غيره و في عرفهم يطلق على البيّنة العادلة كما ذكره الأستاذ العلاّمة فيصير خمسون قسامة بحسب العدد على هذا مائة شاهد، و ذكر الأستاذ العلاّمة دام ظلّه أنّ عبارة القاموس و إن كانت ظاهرة في مع الحلف، إلاّ أنّه يمكن أن يستفاد منها بالتّأمّل أنّها يطلق على المخبر عن شيء على سبيل الجزم بحيث لا يأبى عن الحلف عليه وجه الاستشهاد بالرّواية على ما ذكره في الكتاب و في مجلس البحث
........
الشرح
هو إنه لو كان المراد من التّصديق هو التّصديق الواقعي، بمعنى ترتيب الآثار المترتّبة على الصّدق الواقعي عليه و المراد من التّكذيب هو الواقعي مع عدم تصديق القسامة بحسب اعتقادهم لزم التّرجيح، بلا مرجّح، بل ترجيح المرجوح كما هو واضح فلا بدّ إذا من أن يكون المراد من التّصديق في الرّواية هو التّصديق الواقعي، بمعنى ترتيب آثار الصّدق على الخبر و من التّكذيب هو التّكذيب الواقعي مع التّصديق بحسب اعتقادهم، بمعنى التّصديق المخبري لا الخبري ضرورة أنّ تصديق المشهود عليه بحسب الواقع يلزمه تكذيب القسامة بهذه الملاحظة لامتناع اجتماع تصديقهما بحسب الواقع و نفس الأمر، إلاّ أنّه لا يلزمه تكذيب القسامة بحسب اعتقادهم فيجب تصديقهم بهذه الملاحظة، هذا و لكنك خبير بأنّ هذا التّقريب في بيان الاستشهاد لا يسمن و لا يغني، فإنّ المراد منه إثبات أن المقصود من تكذيب السّمع و البصر من الأخ ليس إلاّ نفي التّهمة عنه و عدم الحكم بصدور القبيح منه، أو عدم الحكم بكون ما يصدر منه حسنا، بمعنى أنّه لو رأى بصرك فعلا قبيحا منه بظاهره كشرب الخمر مثلا فابن علي كون شربه للتّداوي، أو سمع سمعك قولا قبيحا منه كالشّتم، أو الغيبة أنّه ممّا يجوز له في تكليفه، فالمراد من تكذيب الحواس هو عدم ترتيب أثر الفعل القبيح على المحسوس، فإذا رأى أنّه يشرب الخمر يجب تخطئة البصر في أنّه فعل حراما فيكون تفريع تكذيب خمسين قسامة على صدر الحديث من باب التّفريع بطريق الأولويّة، فإنه يجب حمل ذيل الحديث على ما إذا لم يحصل من شهادة القسامة القطع بصدور القول منه فتدبّر.
و من المعلوم أنّ المناسب لهذا المعنى حمل التّصديق على التّصديق الصّوري أي إظهار التّصديق بحسب اعتقاد المخبر و من التّكذيب هو التّكذيب الواقعي مع تصديق القسامة بحسب اعتقادهم لا ما ذكر من البيان، و لقد أجاد دام ظلّه في أوّل
........
الشرح
كلامه حيث جعل المراد من ذيل الرّواية ما ذكرنا لا ما ذكره في المقام.
فإن قلت: تكذيب القسامة في أخبارهم بحسب اعتقاده يوجب تكذيبهم بحسب اعتقادهم لعدم إمكان اجتماعه مع تصديقهم بحسب اعتقادهم إذا جعل المراد من التّصديق هو التّصديق باعتقاد المخبر.
قلت: هذا الإيراد مشترك الورود، لأنّ التّصديق بحسب الواقع أيضا لا ينفكّ عن التّصديق الصّوري، بمعنى إظهار التّصديق فيلزم المحذور أيضا فلا بدّ على كلّ من التّقديرين من الالتزام بإمكان اجتماعهما إذ ليسا كالتّصديقين الواقعيّين حتّى لا يمكن اجتماعهما.
نعم قد يتأمّل في اجتماعهما إذا كان الخبران على سبيل التّناقض في مجلس واحد فتدبّر.
فإن قلت: حمل الرّواية على هذا المعنى يوجب التّفكيك بين المراد من التّصديق و التّكذيب.
قلت: نسلّم لزوم التّفكيك، إلاّ أنّه ممّا قضى به الدّليل فلا ضير فيه، و لكن يمكن أن يقال أنّ المقصود من التّفريع بيان حكم القول المظنون الصّدور من المسلم من بيان حكم القول المعلوم الصّدور بطريق الأولويّة لا بيان حكم الإخبار الحسّي من المسلم المخبر عليه من حيث هو، و من المعلوم أنّ إلحاقه به إنّما هو بالبناء على عدم صدوره من المسلم و هو عين معنى تكذيب القسامة واقعا و تصديق الأخ واقعا فليس المراد من الرّواية إلاّ ما ذكره دام ظلّه هنا و الاستشهاد إنّما يتمّ بكون المراد من تكذيب القسامة هو التّكذيب الواقعي مع التّصديق المخبري، و إلاّ لزم التّرجيح، بلا مرجّح لا تصديق الأخ و تكذيب القسامة معا فتدبّر. و يمكن استفادة المطلب من صدر الحديث أيضا بقرينة ذكر الأخ حسبما عرفت.
بين تكذيب خمسين قسامة، أعني البينة العادلة و تصديق الأخ المؤمن، فإنه مما لا يمكن إلا بحمل تصديق المؤمن على الحكم بمطابقة الواقع المستلزم لتكذيب القسامة، بمعنى المخالفة للواقع مع الحكم بصدقهم في اعتقادهم، لأنهم أولى بحسن الظن بهم من المؤمن الواحد، فالمراد من تكذيب السمع و البصر تكذيبهما فيما يفهمان من ظواهر بعض الأفعال من القبح كما إذا ترى شخصا ظاهر الصحة يشرب الخمر في مجلس يظن أنه مجلس الشرب، و كيف كان فعدم وفاء الأخبار بما نحن بصدده أوضح من أن يحتاج إلى البيان حتى المرسل الأول بقرينة ذكر الأخ و قوله و لا تظنن الخبر.
و ممّا يؤيد ما ذكرنا أيضا ما ورد في غير واحد من الروايات (1) من عدم جواز الوثوق بالمؤمن كل الوثوق.
الشرح
ثمّ إنّه لا يخفى عليك أنّ الرّواية مخصّصة بما دلّ على اعتبار البيّنة العادلة في التّداعي و في غيره إذا فرض اعتبارها في مقابل تكذيب المخبر عليه و لم يدخل في عنوان التّداعي كما إذا شهد جماعة عند الحاكم أنّ فلانا شرب الخمر مثلا و هذا أمر ظاهر لا سترة فيه أصلا كما أنّه لا يخفى عليك أنّ تكذيب خمسين قسامة فيما يكذب إنّما هو فيما لم يحصل العلم من شهادتهم، و إلاّ فلا إشكال في وجوب تصديقهم و عدم جواز تكذيبهم، و لعلّ هذا التّعبير مع حصول العلم غالبا من شهادة خمسين قسامة إنّما هو من جهة المبالغة فتأمل.
(1) لا يخفى عليك أنّ الرّواية ليس لها كثير ارتباط بالمقام و المراد من الصّرعة بفتح الفاء هو الوقوع و منه المصرع و الصّريع و المراد بالاسترسال استرسال الغير الواقع و إيقاعه في الخطر بحيث يرفع يده عنه و لا يبالي بهلاكه، و منه ما ورد في الأخبار من قوله غبن المسترسل سحت، فالمراد أنّ الوقوع الّذي كان على وجه الاسترسال لا يستقال و لا يرجع فكأنّه عثرة لا إقالة فيه.
مثل رواية عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال: «لا تثقن بأخيك كل الثقة فإن صرعة الاسترسال لا تستقال»(1).
و ما في نهج البلاغة: «إذا استولى الصلاح (1) على الزمان و أهله ثم أساء رجل الظن برجل لم يظهر منه خزية فقد ظلم، و إذا استولى الفساد على الزمان و أهله ثم أحسن رجل الظن برجل فقد غرر»(2)، و في معناه قول أبي الحسن عليه السلام في رواية محمد بن هارون الجلاب: «إذا كان الجور أغلب من الحق لا يحل لأحد أن يظن بأحد خيرا حتى يعرف ذلك منه»(3).
إلى غير ذلك مما يجده المتتبع، فإن الجمع بينها و بين الأخبار المتقدمة (2) يحصل بأن يراد من الأخبار ترك ترتيب آثار التهمة و الحمل على الوجه
الشرح
(1) لا يخفى عليك أنّ ظاهر الرّواية خلاف الإجماع، فإنّ ظنّ السّوء حرام بالإجماع و الآيات المتكاثرة و الأخبار المتواترة على كلّ حال و في كلّ وقت و جعل الفقرة الثّانية، بمعنى ترتيب الأثر، بمعنى أنّه لا يجوز ترتيب الأثر على فعل المؤمن عند غلبة الفساد على الزّمان و إن حرم أصل ظنّ السّوء به بخلاف ما لو غلب الصّلاح عليهما، فإنه يجب ترتيب الأثر أيضا مع كون هذا التّوجيه أيضا خلاف الإجماع ممّا لا يجدي في شيء، بل يدلّ على خلاف المدّعى في الجملة كما لا يخفى، فالمراد من الرّواية و أمثالها و اللّه العالم هو حسن الظّن بالغير بحيث يجعله أمينا و صاحب سرّه فيدلّ على الإرشاد فتدبّر.
(2) قد عرفت أنّه لا يمكن الجمع بين ما في نهج البلاغة و الأخبار المتقدّمة بما ذكره الأستاذ العلاّمة كما هو ظاهر.
الحسن من حيث مجرد الحسن و التوقف فيه من حيث ترتيب سائر الآثار.
و يشهد له ما ورد من: «أن المؤمن (1) لا يخلو عن ثلاثة الظن و الحسد و الطيرة، فإذا حسدت فلا تبغ و إذا ظننت فلا تحقق و إذا تطيرت فامض»(1).
الشرح
(1) المراد من البغي استعمال الحسد و المراد بتحقّق الظّن هو التفحّص عن وقوع المظنون، أو ترتيب آثار الواقع عليه و المراد بالمضي عند الطّيرة هو عدم الاعتناء و التّوكّل على اللّه، و قد ورد في بعض الأخبار ثلث لم يعر منها نبيّ و من دونه الطّيرة و الحسد و الوسوسة في التّفكّر في الخلق و الرّواية بظاهرها منافية للخبر المتقدّم في الجملة بناء على ما ذكره الصّدوق في تفسيرها على ما عرفته في الجزء الثّاني من الكتاب، و كيف كان اضطربت كلمات الأصحاب في كون الحسد بنفسه من المحرّمات أم لا، كما أنّها اضطربت في أنّ ظنّ السّوء بنفسه من المحرّمات أم لا، إلاّ أنّ ظاهر الأكثر، و ظاهر جملة من الأخبار المقيّدة بغيرها عدم التّحريم ما لم يترتّب عليها الأثر.
نعم ظاهرهم الإجماع على أنّ مجرّد الخطور القلبي ممّا لا بأس به، و قد ادّعى الإجماع عليه العلاّمة المجلسي في البحار صريحا.
(2) لا يخفى عليك وضوح تحقّق الإجماع بكلا قسميه على اعتبار أصالة الصّحة بالمعنى المقصود في محلّ البحث، بل صريح بعض أساطين المشايخ في كشفه أنّ اعتبار أصالة الصّحة في جميع الموجودات ممّا قضى به الإجماع، بمعنى أنّ الأصل في جميع الأشياء السّلامة، لأنّ الفساد إنّما هو من جهة الأمر الطّاري على خلاف الطّبيعة الأصليّة بحيث لو لم يكن لوجد الشّيء صحيحا، فإذا شكّ
1) وسائل الشيعة: ج 8، ص 501.
أمّا القولي: فهو مستفاد من تتبع فتاوى الفقهاء في موارد كثيرة فإنهم لا يختلفون في أن قول مدعي الصحة في الجملة مطابق للأصل و إن اختلفوا في ترجيحه على سائر الأصول كما ستعرف.
و أمّا العملي: فلا يخفى على أحد أن سيرة المسلمين في جميع الأعصار على حمل الأعمال على الصحيح و ترتيب آثار الصحة في عباداتهم و معاملاتهم، و لا أظن أحدا ينكر ذلك إلا مكابرة.
الشرح
فالأصل عدمه، و لذا ذكروا في المتاجر أنّه يجوز التّجارة فيما لا يعلم صحّته و فساده قبل الاختبار كالبطّيخ و البيض و نحوهما اتّكالا على أصالة الصّحة و السّلامة، و إن كان ما ذكره قده لا يخلو عن مناقشة ظاهرة سواء جعل المدرك في الأصل المذكور الاستصحاب بتقريره المتقدّم، أو الغلبة.
و بالجملة: قيام الإجماع بكلا قسميه على اعتبار أصالة الصّحة ممّا لا يقبل الإنكار عند المصنف الراجع إلى كلماتهم في باب التّداعي و غيره و سيرة النّاس في معاملاتهم، إلاّ أنّه لا عموم له حتّى ينفع في موارد اختلاف العلماء فيها، اللّهم إلاّ أن يقال إنّهم اتّفقوا بأسرهم على إجراء أصالة الصّحة في جميع الموارد غاية الأمر أنّهم اختلفوا في تقديم بعض الأصول عليها في بعض الموارد، فالإجماع منعقد على اعتبار أصالة الصّحة في كلّ مورد من الموارد هكذا ذكره الأستاذ العلاّمة في توجيه تعميم الإجماع لجميع الموارد، و لكنك خبير بأنّ هذا التّوجيه لا يخلو عن النّظر، فإنّ صريح المحقّق الثّاني، و ظاهر العلاّمة على ما ستقف عليه في الكتاب عدم إجراء أصالة الصّحة قبل إحراز أركان العقد لا لمكان المعارضة، و ظاهر جماعة أيضا تخصيص مفادها بالصّحة عند الفاعل و هي أيضا غير نافع إلاّ في قليل من الموارد، و ظاهر جماعة أخرى معارضتها في كثير من الموارد بأصالة البراءة و نحوها، بل و تقديمها على أصالة الصّحة، و من المعلوم أنّه لا ينفع الحكم بالجريان بعد البناء على تقديم مثل أصالة البراءة عليها فتأمل.
الشرح
(1) لا يخفى عليك أنّ هذا الدّليل مثل السّابق لا اطّراد له، لأنه مختصّ بموارد لزوم الاختلال من ترك العمل بأصالة الصّحة، اللّهم إلاّ أن يقال أنّ العقل مستقلّ بوجوب جعل أصالة الصّحة على الشارع من باب اللّطف من حيث إنّ في تركه إخلالا بالنّظام نوعا و هو يكفي في حكم العقل و لا يشترط لزوم الاختلال الشّخصي في جميع موارد تسرية الحكم، و كذا الرّواية تدلّ على ذلك، و إلاّ لوجب تخصيص اعتبار اليد أيضا بما لو استلزم من عدم اعتباره اختلال النّظام، هذا و لكنك خبير بما في هذا الاستدراك، بل قد يقال: إنّه لا يلزم من ترك العمل بأصالة الصّحة اختلال أصلا بعد فرض اعتبار اليد و كون تصرف المسلم محمولا على الصّحة من جهة ما دلّ على اعتبار اليد من الأدلّة الخاصّة، و لكنك خبير بأنّ هذا التّخصيص و الاعتراض أيضا لا يخلو عن مناقشة ظاهرة، فإنه على تقدير تسليم عدم اختلال نظم المعاش من ترك العمل بها في غير مورد اليد لا ريب في اختلال نظم المعاد منه، فإنه يلزم على تقديره عدم مشروعيّة صلاة الجماعة إلاّ خلف النّبي صلى اللّه عليه و آله، أو الإمام عليه السلام كما هو واضح و هكذا و الالتزام بهذا و نحوه كما ترى، بل يمكن استكشاف حكم العقل في المقام من التّعليل لاعتبار اليد في رواية الحفص حيث إنّ الظّاهر منها التّعليل بما هو مسلّم عند العقلاء بالتّقريب الّذي ذكره في الكتاب، و منه يظهر الوجه فيما أفاده من إشارة دليل نفي الحرج إلى ذلك بناء على كون المراد منه الحرج النّوعي الغائي لا الشّخصي، و إلاّ فلا إشارة فيه.
نعم هو دليل على المدّعى في مورد لزوم الحرج من ترك العمل بالأصل المذكور، اللّهمّ إلاّ أن يتمّ الاستدلال بضميمة عدم الفصل فتأمل.
العقل المستقل الحاكم بأنه لو لم يبن علي هذا الأصل لزم اختلال نظام المعاد و المعاش، بل الاختلال الحاصل من ترك العمل بهذا الأصل أزيد من الاختلال الحاصل من ترك العمل بيد المسلمين.
مع أن الإمام عليه السلام قال لحفص بن غياث بعد الحكم: «بأن اليد دليل الملك و يجوز الشهادة بالملك بمجرد اليد أنه لو لا ذلك لما قام للمسلمين سوق»، فيدل بفحواه على اعتبار أصالة الصحة في أعمال المسلمين مضافا إلى دلالته بظاهر اللفظ أن الظاهر أن كل ما لولاه لزم الاختلال فهو حق، لأن الاختلال باطل و المستلزم للباطل باطل فنقيضه حق و هو اعتبار أصالة الصحة عند الشك في صحة ما صدر عن الغير.
و يشير إليه أيضا ما ورد من نفي الحرج و توسعة الدين و ذم من ضيقوا على أنفسهم بجهالتهم.
و ينبغي التنبيه على أمور(1):
فلو علم أن معتقد الفاعل اعتقادا يعذر فيه صحة البيع، أو النكاح بالفارسي فشك فيما صدر عنه مع اعتقاد الشاك اعتبار العربية فهل يحمل على كونه واقعا بالعربي حتى إذا ادعى عليه أنه أوقعه بالفارسي و ادعى هو إنه أوقعه بالعربي فهل يحكم الحاكم المعتقد لفساد الفارسي بوقوعه بالعربي أم لا وجهان، بل قولان.
ظاهر المشهور الحمل على الصحة الواقعية، فإذا شك المأموم في أن الإمام المعتقد لعدم وجوب السورة قرأها أم لا جاز له الائتمام به و إن لم يكن له ذلك
1) مدارك الأحكام: ص 453.
إذا علم بتركها.
و يظهر من بعض المتأخرين خلافه.
قال في المدارك (1) في شرح قول المحقق: «و لو اختلف الزوجان فادعى أحدهما وقوع العقد في حال الإحرام و أنكر الآخر فالقول قول من يدعي الإحلال ترجيحا لجانب الصحة»، قال: «إن الحمل على الصحة إنما يتم إذا كان المدعي لوقوع الفعل في حال الإحرام عالما بفساد ذلك، أما مع اعترافه بالجهل فلا وجه للحمل على الصحة» انتهى، و يظهر ذلك من بعض من عاصرناه في أصوله و فروعه (2) حيث تمسك في هذا الأصل بالغلبة، بل و يمكن إسناد هذا القول (3) إلى كل من استند في هذا الأصل إلى ظاهر حال المسلم
الشرح
(1) قال به المحقّق القمّي رحمه اللّه في القوانين و يظهر من غيره من المتأخّرين أيضا، و أما ما استظهره دام ظلّه من المدارك فهو من جهة تخصيصه اعتبار أصالة الصّحة بصورة علم المدّعي بالفساد فيحكم حينئذ بوجوب حمل فعله على الصّحة و إن ادّعى خلافه و حكمه بعدم جريانه في صورة جهله مع أنّه لو كان المناط هو الصّحة الواقعيّة لم يكن معنى للتّفصيل المذكور كما لا يخفى، وجهه، هذا و لكني رأيت في موضع آخر من المدارك تصريحه بجريان أصالة الصّحة بالنّسبة إلى الواقع، إلاّ أنّه ليس ببالي حتّى أذكره فراجع إليه حتّى تقف على حقيقة الأمر.
(2) صرّح دام ظلّه في مجلس البحث بأنّ مراده من بعض من عاصره هو الفاضل القمّي و التّوجيه المذكور أيضا ظاهر حيث إنّ المسلمين يفعلون على طبق اعتقادهم في الغالب فمن الغلبة يظنّ في مورد الشّك أنّه عمل على طبق اعتقاده و قد صرّح بذلك في القوانين و هو المراد من الظّهور.
(3) لا يخفى عليك وجه الاستناد المذكور أيضا، لأنّ ظهور حال المسلم لا يقتضي، إلاّ أنّه لا يفعل من حيث كونه مسلما إلاّ ما يعتقد كونه جائزا عند الشارع
كالعلامة و جماعة ممن تأخر عنه، فإنه لا يشمل صورة الصحة خصوصا إذا كان قد أمضاه الشارع لاجتهاد، أو تقليد، أو قيام بينة، أو غير ذلك.
و المسألة محل إشكال من إطلاق الأصحاب و من عدم مساعدة أدلتهم، فإن العمدة الإجماع و لزوم الاختلال و الإجماع الفتوائي مع ما عرفت مشكل و العملي في مورد العلم باعتقاد الفاعل للصحة أيضا مشكل، و الاختلال يندفع بالحمل على الصحة في غير المورد المذكور.
و تفصيل المسألة أن الشاك في الفعل الصادر من غيره إما أن يكون عالما بعلم الفاعل بصحيح الفعل و فاسده، و أما أن يكون عالما بجهله، و أما أن يكون جاهلا بحاله.
فإن علم بعلمه بالصحيح و الفاسد، فأما أن يعلم بمطابقة اعتقاده لاعتقاد الشاك، أو يعلم مخالفته، أو يجهل الحال لا إشكال في الحمل في الصورة الأولى، و أما الثانية فإن لم يتصادق اعتقادهما (1) بالصحة في فعل كأن اعتقد
الشرح
فلا يقتضي الحمل على الصّحة الواقعيّة فيما إذا اعتقد الصّحة على خلاف اعتقاد الحامل بخلاف ما لو كانا موافقين في الاعتقاد، فإنه يقتضي الحمل على الصّحة الواقعيّة الّتي طريقها يختلف باختلاف اعتقاد المكلّفين.
هذا حاصل المراد من العبارة، لكنّك خبير بأنّها لا تخلو عن القصور في البيان، ثمّ إنّك قد عرفت من هذه العبارة أنّ الاستناد المذكور مبنيّ على مجرّد الإمكان، و إلاّ فظاهر كلمات المتمسّكين بهذا الدّليل كما يعلم من الرّجوع إلى كلماتهم في الفروع الفقهيّة الاتّفاق على الحمل على الصّحة الواقعيّة.
(1) لا يخفى عدم الإشكال في وجوب الحمل على الصّحة باعتقاد الفاعل فيما إذا كان مخالفا بحسب الاعتقاد للحامل بالاختلاف التّبايني، لأنه قضيّة الأخبار و لا يعارضها غيرها من الإجماع و السّيرة و لزوم الاختلال و الحاصل أنّه لا ينبغي
أحدهما وجوب الجهر بالقراءة يوم الجمعة و الآخر وجوب الإخفات فلا إشكال في وجوب الحمل على الصحيح باعتقاد الفاعل و إن تصادقا كما في العقد بالعربي و الفارسي، فإن قلنا: إن العقد بالفارسي منه (1) سبب لترتب الآثار عليه من كل أحد حتى المعتقد بفساده فلا ثمرة في الحمل على معتقد الحامل، أو الفاعل، و إن قلنا: بالعدم كما هو الأقوى (2) ففيه الإشكال المتقدم
الشرح
التأمّل في عدم جواز الحمل على الصّحة الواقعيّة باعتقاد الحامل في الفرض.
(1) بأن يكون الصّحة الظّاهريّة عنده موضوعا لترتيب الآثار في حقّ غيره بحسب الواقع كما هو ظاهر بعض الأصحاب نظرا إلى دعوى ظهور ما دلّ على ثبوت الأحكام للموضوعات المضافة إلى الغير كالملكيّة و الزّوجيّة و نحوهما على كفاية تحقّقها في اعتقاده.
ثمّ إنّ الوجه في عدم الثّمرة هو إنه لو حمل على الصّحة باعتقاد الفاعل لزم ترتيب الآثار أيضا فيكون الحمل على الصّحة بحسب الواقع غير محتاج إليه أو مما لا معنى له على وجه، و الحاصل: أنّ دليل وجوب الحمل على الصّحة بحسب الواقع لا يجري في الفرض، و إن كان ربما يتأمّل فيه من لا خبرة له
(2) لا يخفى وجه ما استظهره دام ظلّه، لأنّ المعنى المذكور، و إن كان أمرا ممكنا، إلاّ أنّه خلاف ظاهر الأدلّة على ما سبق شرح القول فيه في مطاوي كلماتنا السّابقة سيّما في الجزء الثّاني من التّعليقة فليرجع إليه، و أما استشكاله دام ظلّه في الحمل على الصّحة بحسب الواقع على هذا التّقدير، فالظّاهر أنّه في غير محلّه لتحقّق السّيرة على الحمل على الصّحة في الفرض من غير ريب و شكّ فهل ترى عدم اقتدائهم بمن يرى استحباب السّورة مع احتمال تركه في الصّلاة مع كونها واجبة عندهم بالتّقليد، أو الاجتهاد حاشا ثمّ حاشا فكذلك الأمر في الحمل على الصّحة في المعاملات، فإنه لا ينبغي الارتياب في استقرار بنائهم على حملها على
من تعميم الأصحاب في فتاويهم و في بعض معاقد إجماعاتهم على تقديم قول مدعي الصحة و من اختصاص الأدلة بغير هذه الصورة.
و إن جهل الحال فالظاهر الحمل لجريان الأدلة (1)، بل يمكن جريان الحمل على الصحة في اعتقاده فيحمل على كونه مطابقا لاعتقاد الحامل، لأنه الصحيح و سيجيء الكلام.
و إن كان عالما بجهله بالحال (2) و عدم علمه بالصحيح و الفاسد ففيه أيضا الإشكال المتقدم خصوصا إذا كان جهله مجامعا لتكليفه بالاجتناب كما إذا علمنا أنه أقدم على بيع أحد المشتبهين بالنجس إلا أنه يحتمل أن يكون قد اتفق المبيع غير نجس.
الشرح
الصّحة مع علمهم إجمالا بوجود المخالفة في المسائل بينهم و الحاملين بما لا يرجع إلى المتباينين في الواقعة الشّخصيّة.
(1) لا يخفى عليك أنّه قد يمنع من جريان جميع الأدلّة في المقام سيّما الإجماع القولي و لزوم الاختلال لو لا اعتبار أصالة الصّحة، إلاّ أنّك خبير بأنّ عدم جريان جميع الأدلّة على تقدير تسليمه لا يفيد بعد جريان بعضها كالسّيرة، فإنّ فيها غنى و كفاية. نعم قد يستشكل في أنّ الّذي يقضي به دليل الحمل على الصّحة هو ترتيب آثار الصّحة الواقعيّة على فعل المسلم، و أما الحكم بأنّ اعتقاده موافق لاعتقاد الحامل عند عدم العلم باعتقاده فلا سيّما إذا لم يكن مرددا بين المتباينين بالنّظر إلى اعتقاد الحامل، لكنّك خبير بأنّه لا يترتّب على الحمل على الموافقة بحسب الاعتقاد ثمرة بعد الحمل على الصّحة الواقعيّة كما قضت به السّيرة القطعيّة الجارية في أبواب المعاملات من البيوع و الإجارات و الأنكحة و غيرها و العبادات، و أما وعده دام ظلّه بالتّكلّم فيما ذكره فهو وعد لم يف به ظاهرا.
(2) قد عرفت حال الإشكال المتقدّم و يمكن القول بجريان أصالة الصّحة في
و كذا إن كان جاهلا بحاله (1) إلا أن الإشكال في بعض هذه الصور أهون منه في بعض فلا بد من التتبع و التأمل.
أن الظاهر من المحقق الثاني أن أصالة الصحة إنما تجري في العقود بعد استكمال العقد للأركان، قال في جامع المقاصد فيما لو اختلف الضامن و المضمون له فقال: «الضامن ضمنت و أنا صبي بعد ما رجح تقديم قول الضامن ما هذا لفظه، فإن قلت: للمضمون له أصالة الصحة في العقود، و ظاهر حال البالغ أنه لا يتصرف باطلا.
قلنا: إن الأصل في العقود الصحة بعد استكمال أركانها لتحقق وجود العقد أما قبله فلا وجود له فلو اختلفا في كون المعقود عليه هو الحر، أو العبد حلف منكر وقوع العقد على العبد، و كذا الظاهر إنما يتم مع الاستكمال المذكور لا مطلقا» انتهى، و قال في باب الإجارة ما هذا لفظه: «لا شك في أنه إذا حصل الاتفاق على حصول جميع الأمور المعتبرة في العقد
الشرح
الفرض أيضا على ما اعترف به دام ظلّه في مجلس البحث من جريان السّيرة بالحمل على الصحّة مطلقا.
نعم جريانها فيما إذا كان جهله مجامعا لتكليفه بالاجتناب لا يخلو عن تأمّل.
(1) لا يخفى عليك عدم الإشكال في جريان أصالة الصّحة في الفرض أيضا نظرا إلى جريان السّيرة قطعا إن سلم منع الإجماع القولي و لزوم الاختلال و لا يضرّ العلم الإجمالي بأنّ كثيرا من العوام سيّما أهل البوادي و القرى جاهلون بالحال إذ ليس هذا العلم الإجمالي أقوى تأثيرا من العلم الإجمالي بأنّ كثيرا من أعمالهم مخالفة للواقع مع عدم قدحه قطعا من حيث عدم الابتلاء دفعة كما هو ظاهر مع أنّك قد عرفت إمكان الحمل على الصّحة مع العلم بجهل الفاعل مع احتمال مطابقة عمله للواقع اتّفاقا.
من الإيجاب و القبول من الكاملين و جريانهما على العوضين المعتبرين و وقع الاختلاف في شرط مفسد فالقول قول مدعي الصحة بيمينه، لأنه الموافق للأصل لأن الأصل عدم ذلك المفسد و الأصل في فعل المسلم الصحة، أما إذا حصل شك في الصحة و الفساد في بعض الأمور المعتبرة و عدمه فإن الأصل لا يثمر هنا، فإن الأصل عدم السبب الناقل و من ذلك ما لو ادعى أني اشتريت العبد فقال بعتك الحر» انتهى، و يظهر هذا من بعض كلمات العلامة رحمه اللّه قال في القواعد: «لا يصح ضمان الصبي و لو أذن له الولي فإن اختلفا قدم قول الضامن لأصالة براءة الذمة و عدم البلوغ و ليس لمدعي الصحة أصل يستند إليه و لا ظاهر يرجع إليه بخلاف ما لو ادعى شرطا فاسدا لأن الظاهر أنهما لا يتصرفان باطلا، و كذا البحث في من عرف له حالة جنون»(1)انتهى، و قال في التذكرة: «لو ادعى المضمون له أن الضامن ضمن بعد البلوغ و قال الضامن، بل ضمنت لك قبله فإن عيّنا له وقتا لا يحتمل بلوغه فيه قدم قول الصبي - إلى أن قال: و إن لم يعيّنا وقتا له فالقول قول الضامن بيمينه، و به قال الشافعي، لأصالة عدم البلوغ، و قال أحمد: القول قول المضمون له، لأن الأصل صحة الفعل و سلامته كما لو اختلفا في شرط مبطل و الفرق أن المختلفين في الشرط المفسد يقدم فيه قول مدعي الصحة لاتفاقهما على أهلية التصرف إذ من له أهلية التصرف لا يتصرف إلا تصرفا صحيحا، فكان القول قول مدعي الصحة، لأنه مدع للظاهر و هنا اختلفا في أهلية التصرف فليس مع من يدعي الأهلية ظاهر يستند إليه و لا أصل يرجع إليه، و كذا لو ادعى أنه ضمن بعد البلوغ و قبل الرشد»(2)انتهى موضع الحاجة، و لكن لم يعلم الفرق بين دعوى الضامن
الصغر و بين دعوى البائع إياه (1) حيث صرح العلامة و المحقق الثاني ب «جريان
الشرح
(1) لا يخفى عليك أنّه أراد دام ظلّه بذلك الكلام الإيراد على العلاّمة و المحقّق الثّاني بأنّ ظاهرهما التّسالم على جريان أصالة الصّحة فيما إذا اختلف البائع و المشتري في الصّغر و عدمه فادّعى البائع الصّغر حال البيع و المشتري البلوغ و إن عارضها العلاّمة بأصالة عدم البلوغ و ضعّفها المحقّق الثّاني بأنّه لا معنى للمعارضة الّتي ذكرها بعد جريان أصالة الصّحة، هذا و لكن ذكر دام ظلّه في مجلس البحث بأنّه لم يظهر من المحقّق الثّاني في باب البيع تسليم جريان أصالة الصّحة و إنّما أراد مجرّد الاعتراض على العلاّمة بأنّه لا معنى للمعارضة المذكورة بعد تسليم جريان أصالة الصّحة، و لكن بزعمي القاصر أنّ كلامه في هذا الباب صريح في جريان أصالة الصّحة قبل إحراز الأركان و هو مناف صريح لما ذكره في الضّمان و الإجارة، و لذا أورد عليه بعض مشايخنا بثبوت التّنافي بين كلامه في هذا الباب و كلامه في باب الضّمان و الإجارة فالمتعيّن إذا نقل كلامهما في باب البيع حتّى يعلم حقيقة الأمر قال العلاّمة في القواعد في الفرض المذكور: «احتمل تقديم قول البائع مع يمينه، لأنه مدّع للصّحة و تقديم قول المشتري لأصالة البقاء» انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه و قال في جامع المقاصد أنّ الاحتمال الثّاني: «في غاية الضّعف، لأنّ أصالة البقاء مندفعة بالإقرار بالبيع المحمول على البيع الصّحيح شرعا، فإنّ صحّته يقتضي عدم بقاء الصّبوة فلا يعدّ معارضا كما لا يعدّ احتمال الفساد معارضا لأصالة الصّحة في مطلق الإقرار بوقوع عقد البيع.
فإن قلت: أصلان قد تعارضا للقطع بثبوت وصف الصّبوة سابقا. قلت: قد انقطع هذا الأصل بالاعتراف بصدور البيع المحمول على الصّحيح كما يحكم بانقطاع أصالة بقاء ملك البائع بالاعتراف بصدور البيع لو اختلفا في صحّته و فساده و لو ثبت في هذه المسألة تعارض الأصلين لثبت تعارضهما فيما لو قالا
أصالة الصحة و إن اختلفا بين من عارضها بأصالة عدم البلوغ و بين من ضعف هذه المعارضة»، و قد حكي عن قطب الدين أنه اعترض على شيخه العلامة في مسألة الضمان ب «أصالة الصحة فعارضها بأصالة عدم البلوغ و بقي أصالة البراءة سليمة عن المعارض».
أقول: و الأقوى بالنظر إلى الأدلة السابقة من السيرة (1) و لزوم الاختلال هو
الشرح
تبايعنا و ادّعى أحدهما الفساد و الفرق غير واضح و كون الصّبوة مستمرة لا دخل له في الفرق» انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه و هو كما ترى مناف صريح لما ذكره في البابين.
(1) لا يخفى عليك أنّ ما اختاره دام ظلّه من التّعميم ممّا لا ريب في استقامته و وضوح صحّته، لأنّ جريان السّيرة على التّعميم و لزوم الاختلال من التّخصيص ممّا لا ينبغي أن يكون محلاّ للإنكار، بل أقول: إنّه يمكن دعوى الإجماع المحقّق قولا على بطلان التّخصيص بما ذكره ثاني المحقّقين، لأنه معنى عدم اعتبار أصالة الصّحة رأسا، فإنه بعد إحراز أركان العقد من المتعاقدين الكاملين من الجهات المعتبرة فيهما و العوضين الجامعين لجميع ما اعتبر فيهما من الشّروط إذا شكّ في وجود ما يبطل العقد و يمنع من صحّته و هو الشّرط المفسد مثل الشّرط المنافي لمقتضى العقد و نحوه لم يكن إشكال في الحكم بالصّحة لا من جهة أصالة الصّحة، بل من جهة أصالة عدم اشتراط هذا الشّرط في ضمن العقد و أصالة عدم وجود المانع من صحّته.
و من المعلوم أنّه لا دخل لها بأصالة الصّحة في فعل المسلم كما هو واضح فالإجماع على اعتبار أصالة الصّحة يقتضي الحكم باعتبارها فيما إذا لم يكن هناك أصل يقتضي الحكم بصحّة العقد إذ دعوى اختصاص الإجماع بما إذا كان هناك أصل على طبقها كما ترى، لأنّ مرجع التّخصيص المذكور حقيقة إلى إلقاء أصالة
التعميم، و لذا لو شك المكلف أن هذا الذي اشتراه هل اشتراه في حال صغره بنى على الصحة، و لو قيل إن ذلك من حيث الشك (1) في تمليك البائع البالغ و أنه كان في محله أم كان فاسدا جرى مثل ذلك في مسألة التداعي أيضا.
ثم إن ما ذكره جامع المقاصد من: «أنه لا وجود للعقد (1) قبل استكمال أركانها»، إن أراد الوجود الشرعي فهو عين الصحة و إن أراد الوجود العرفي فهو يتحقق مع الشك، بل مع القطع بالعدم.
الشرح
الصّحة و عدم اعتبارها رأسا فكيف يمكن أن يراد من الإجماع على اعتبارها و دعوى أنّ الشّك في الصّحة و الفساد، و إن كان مسبّبا عن الشّك في وجود المفسد و المبطل، إلاّ أنّه لا يمكن خلوّ العقد عنه إلاّ على القول بالأصل المثبت فأصالة الصّحة محتاج إليها فاسدة، مضافا إلى منافاتها لمقالة المخصّص بعدم وجود الواسطة أصلا مع أنّه على تقدير وجودها من الوسائط الخفيّة فتدبّر.
(1) لا يخفى عليك أنّه ينبغي للأستاذ العلاّمة أن يجيب عن التّوهّم المذكور ثانيا: بأنّا نفرض الكلام فيما إذا وقع الشّك المذكور مع الشّك في، بلوغ البائع أيضا، فإنّ الظّاهر جريان السّيرة على الحمل على الصّحة كما أنّ الظّاهر عدم الخلاف أيضا في الحمل على الصّحة، اللّهمّ إلاّ أن يقال إنّ ذلك ليس من جهة أصالة الصّحة، بل من جهة قاعدة الشّك بعد الفراغ و التّجاوز عن المحلّ بناء على تعميم القاعدة لما يشمل المقام و لا دخل لها بأصالة الصّحة فاستقرار السّيرة على الحمل على الصّحة مسلّم إلاّ أنّ مستند عمل المسلمين ليس أصالة الصّحة، بل قاعدة الشّك بعد التّجاوز عن المحلّ حتّى لو فرض القطع ببلوغه و شكّ بعد العقد في، بلوغ البائع، فإنه يوجب الشّك في صحّة عمله أيضا، لأنّ العقد قائم بهما معا و بفساد كلّ من الإيجاب و القبول يفسد أصل العقد كما هو واضح فتدبّر.
(2) يرد على ما ذكره زيادة على ما ذكره دام ظلّه النّقض بما سلّم جريان أصالة
و أمّا ما ذكره من: «الاختلاف في كون المعقود عليه (1) هو الحر، أو العبد»،
الشرح
الصّحة فيه، فإنه كما قال بعدم وجود العقد قبل إحراز شرائط المتعاقدين و العوضين كذلك نقول بعدم وجوده قبل إحراز ما هو المبطل له، فإن أجاب بأنّ وجود العقد محرز في هذا الفرض، و إن لم يحرز وجوده شرعا لاستلزامه القطع بالصّحة نجيب عمّا ذكره بأنّ وجود العقد فيما فرضه أيضا محرز عرفا، و الحاصل: أنّ الفرق في صدق العقد عند الشّك في وجود ما هو المعتبر في صحّته، أو عدم ما يعتبر فيه ضعيف جدّا، فإن قال: إنّه يرجع عند الشّك في وجود المبطل إلى الأصل، لأنّ العدم على طبق الأصل و هذا بخلاف الوجود، فإنه على خلاف الأصل نجيب عنه:
أوّلا: بأنّ الأصل المذكور لا يثبت وجود العقد، لأنه ليس من الأحكام الشّرعيّة.
و ثانيا: بما عرفت من أنّه بعد التّمسك بالأصل لا معنى للتمسّك بأصالة الصّحة لارتفاع الشّك عنها بحكم الشّارع بعد البناء على جريان الأصل فهذا لا يكون فارقا أيضا.
(1) لا يخفى عليك ما في العبارة من الإشكال فالأولى أن يذكر أوّلا حكم التّداعي في المعيّن في التّملك المجّاني، أو المعاوضي ثمّ يذكر حكم التّداعي في الكلّي بقسميه، ثمّ إنّ الفرق في جريان أصالة الصّحة بين كون الدّعوى في التّملك المعاوضي و غيره مشكل كما أنّ الفرق بين كون الدّعوى في المعين، أو الكلّي أشكل و إن ذكره في المسالك لكنّا كلّما تأمّلنا لم نفهم الفرق بينهما أصلا قال فيه بعد جملة كلام له متعلّق بقول المصنّف إذا قال بعتك بعبد فقال بحرّ، أو قال فسخت قبل التفرّق و أنكر الآخر فالقول قول من يدعي الصّحة إلخ ما هذا لفظه و ربما استشكل الحكم في الأوّل مع التّعيين كبعتك بهذا العبد فيقول، بل بهذا الحرّ، فإنّ منكر نقل العبد إن كان هو المشتري فهو ينفي ثبوت الثّمن في ذمّته،
فأراد به حرا معينا كزيد و عبدا معينا كسعيد فإن كان الدعوى على مجرد تمليك أحدهما بأن قال أحدهما لمولى العبد ملكتني عبدك و قال المولى ملكتك زيدا الحر فلا إشكال في كون القول قول منكر تمليك العبد، لأن صاحبه يدعي عليه تمليك عبده فيحلف على عدمه، و أما هو فلا يدعي على صاحبه شيئا، لأن دعوى تمليك الحر لا يتضمن مطالبة المدعي بشيء و إن أراد به التداعي في كون أحد العوضين للآخر المملوك حرا، أو عبدا فهو داخل في المسألة المعنونة في كلام القدماء و المتأخرين و هي ما لو قال بعتك بعبد فقال، بل بحر فراجع كتب الفاضلين و الشهيدين و سيأتي الكلام فيه إن شاء اللّه.
و أمّا ما ذكره من: «أن الظاهر إنما يتم مع الاستكمال المذكور لا مطلقا» فهو إنما يتم إذا كان الشك من جهة بلوغ الفاعل و لم يكن هناك طرف آخر معلوم البلوغ يستلزم صحة فعله صحة فعل هذا الفاعل كما لو شك في أن الإبراء، أو الوصية هل صدر منه حال البلوغ أم قبله أما إذا كان الشك في ركن
الشرح
و إن كان هو البائع فهو ينفي انتقال عبده عنه فالأصل معهما في الموضعين و لأنّه يرجع إلى إنكار البيع فيقدّم قول منكره ثمّ قال.
نعم لو لم يناف الصّورتين توجّه ما ذكره انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه، و أنت خبير بأنّ ما ذكره قدس سره من التّعليل لا فرق فيه عند التّحقيق بين كون الدّعوى في تملّك الكلّي، أو الجزئي، فإنّ منكر تملّك العبد الكلّي إن كان المشتري فهو ينفي ثبوت الثّمن في ذمّته، لأنّ المفروض أنّ شراءه الحرّ لا أثر له، و إن كان هو البائع فهو ينفي انتقال عبد كلّي منه إلى المشتري، فالتّحقيق هو الحكم بكون الأصل في الصّورتين مع من يدعي تمليك العبد، لأنّ أصالة الصّحة حاكمة على ما ذكره في المسالك من الأصل على تقدير إثباته وقوع العقد على العبد.
آخر من العقد كأحد العوضين، أو في أهلية أحد طرفي العقد فيمكن أن يقال إن الظاهر من الفاعل في الأول و من الطرف الآخر في الثاني أنه لا يتصرف فاسدا.
نعم مسألة الضمان يمكن أن يكون من الأول إذا فرض وقوعه بغير إذن من المديون و لا قبول من الغريم فإن الضمان حينئذ فعل واحد شك في صدوره من بالغ، أو غيره و ليس له طرف آخر فلا ظهور في عدم كون تصرفه فاسدا.
لكن الظاهر أن المحقق لم يرد خصوص ما كان من هذا القبيل، بل يشمل كلامه الصورتين الأخيرتين فراجع. نعم يحتمل ذلك في عبارة التذكرة.
ثم إن تقديم قول منكر الشرط المفسد (1) ليس لتقديم قول مدعي الصحة، بل لأن القول قول منكر الشرط صحيحا كان، أو فاسدا لأصالة عدم الاشتراط و لا دخل لهذا بحديث أصالة الصحة و إن كان مؤداه صحة العقد فيما كان الشرط المدعى مفسدا هذا و لا بد من التأمل و التتبع.
الشرح
(1) لا يخفى عليك أنّه دام ظلّه أراد بذلك الكلام الإشارة إلى أنّ التّفصيل المذكور راجع في الحقيقة إلى إنكار اعتبار أصالة الصّحة مطلقا، فإنّ الحكم بالصّحة في صورة الاختلاف في وجود الشّرط المفسد للعقد لا يحتاج إلى أصالة الصّحة في الفعل الصّادر من المسلم، بل نفس أصالة عدم وجود الشّرط كافية في الحكم بالصّحة على ما أسمعناك شرح القول فيه و توهّم كون الأصل المذكور من الأصول المثبتة فلا يغني عن أصالة الصّحة فاسد جدّا، مع أن كونه مثبتا غير قادح على ما اختاره المحقّق الثّاني قدس سره فتأمل.
أن هذا الأصل إنما يثبت صحة الفعل إذا وقع الشك (1) في بعض
الشرح
(1) لا يخفى عليك أنّه قد يقال بأنّ مقتضى التّرتيب الطّبيعي هو تقديم الأمر الرّابع على الأمر الثّالث في الذّكر، لأنّ اشتراط وجود الصّحيح و الفاسد للفعل الصّادر من المسلم في حمله على الصّحيح مقدّم على كون الصّحيح في كلّ فعل إنّما هو بحسبه، لأنه متأخّر كما ترى عن وجود القسمين له و كيف كان لا إشكال في استقامة ما ذكره دام ظلّه و وضوح صحّته بحيث لا ينبغي الارتياب فيه، فإنّ معنى حمل فعل المسلم على الصّحيح هو الحكم بأنّ الصّادر و الموجود منه في الخارج هو الفرد المترتّب عليه الأثر الشّرعي، أو العرفي الممضى عند الشارع، بمعنى كونه ممّا يترتّب عليه الأثر المقصود منه عند الشارع، أو العرف و الشّرع معا.
و من المعلوم الواضح عند كلّ أحد أنّ الأثر المقصود من الأفعال عند الشارع و العرف ليس أمرا واحدا، بل يختلف باختلاف الأفعال فقد يكون المقصود من فعل شيئا و من فعل آخر شيئا آخر فلا يعقل إذا معنى لحمل فعل المسلم على الصّحيح إلاّ البناء على كونه ممّا يترتّب عليه الأثر المقصود منه عند الشارع، أو عند العرف و الشّرع فصحّة الجزء في مرتبة جزئيّته، أو الشّرط في مرتبة شرطيّته كونه بحيث لو انضمّ إليه تمام ما يعتبر في وجود الكلّ، أو المشروط، أو في تأثيره فيما وجد في الخارج أثر في مقابل فاسدهما الّذي لا يكون كذلك كما أنّ صحّة السّبب مثلا كونه بحيث لو وجد في الخارج ترتّب عليه المسبّب في مقابل فاسده الّذي لا يكون كذلك على التّسامح في الإطلاق، فإذا شكّ في أنّ الإيجاب الصّادر من المسلم، أو القول الصّادر منه في البيع مثلا وقع، بلفظ الصّريح، أو العربي، أو الماضي بناء على اعتبارها في تأثير الإيجاب و عدم لغويّته على ما عليه بناء المشهور في العقود اللاّزمة بنى على كونه مشتملا للأمور المذكورة، لأنّ الإيجاب مثلا بدونها ليس ممّا يترتّب على العقد المركّب منه و من القبول الجامع لجميع
........
الشرح
الشّرائط المعتبرة في ترتّب الأثر عليه أثر على ما هو قضيّة كلام المشهور.
و أمّا إذا شكّ بعد القطع بوجود الإيجاب من البائع مثلا جامعا لجميع الشّرائط المذكورة و غيرها ممّا له مدخل في تأثيره في مرتبة جزئيّة في تحقّق القبول من المشتري لم يكن معنى للحكم بوجوب البناء على وجود القبول من المشتري من جهة أصالة الصّحة في الإيجاب، لأنّ مع القطع بعدم تحقّق القبول يقطع بصحّة الإيجاب لعدم ارتباط صحّة أحد الجزءين بوجود الآخر، بل لا يعقل معنى لذلك، لأنّ جميع الأجزاء في مرتبة واحدة بالنّسبة إلى تحقّق الكلّ لا يعقل أن يجعل وجود أحدها شرطا في تأثير غيره، و إلاّ لزم الخلف كما هو واضح و كذلك الكلام فيما إذا شك في حصول الشّرط في تحقّق الشّيء مع القطع بوجود مركّب يكون مع الشّرط المذكور علّة تامّة لوجود الشّيء بحيث يكون اعتباره في ترتّب الأثر في عرض الأجزاء لا بأن يكون معتبرا في صحّة الأجزاء في مرتبة جزئيّتها كشرط الجزء كما إذا شكّ في تحقّق القبض في الهبة و الصّرف و السّلم و الوقف بناء على اشتراطه في النّقل و الانتقال بعد القطع بتحقّق العقد الجامع لجميع ما يعتبر في صحّته في مرتبة ذاته من الصّراحة و العربيّة و الماضويّة و الموالاة بين الإيجاب و القبول و التّرتيب بينهما إلى غير ذلك، فإنه لا معنى، لأنّ يحكم بتحقّق الشّرط المزبور بإجراء أصالة الصّحة في المركّب المذكور لمكان القطع بصحّته على فرض القطع بعدم تحقّق الشّرط المذكور فضلا عن صورة الشّك و هكذا الأمر فيما إذا شكّ في حصول النّقل و الانتقال من جهة الشّك في تحقّق الرّضا ممّن يعتبر رضاه في حصولها فأصالة الصّحة في العقد الفضولي فيما شكّ في لحوق الإجازة لا تقتضي بتحقّقها، فالأصل في هذا الشّك الفساد كالشّك في تحقّق القبض فيما يعتبر فيه من العقود و قس على ما ذكر جميع ما يرد عليك من الصّور، فإذا شكّ في تحقّق التّطهير من الغسل الصّادر من المسلم فإن كان الشّك مسبّبا عن الشّك في
الأمور المعتبرة شرعا في صحته بمعنى ترتب الأثر المقصود منه عليه فصحة كل شيء بحسبه.
مثلا: صحة الإيجاب عبارة عن كونه بحيث لو تعقبه قبول صحيح لحصل أثر العقد في مقابل فاسده الذي لا يكون كذلك كالإيجاب بالفارسي بناء على القول باعتبار العربية فلو تجرد الإيجاب عن القبول لم يوجب ذلك فساد الإيجاب.
فإذا شك في تحقق القبول من المشتري بعد العلم بصدور الإيجاب من
الشرح
تحقّق الغسل بالماء المطلق، أو المضاف و نحوه ممّا يعتبر في تحقّق الأثر المقصود من الغسل فلا إشكال في الحمل على الصّحة و الحكم بحصول الطّهارة للمغسول، و إن كان مسبّبا عن الشّك في حصول الغسل مرّتين، أو مرّة بناء على اعتبار التّعدّد، أو حصول العصر و عدمه بناء على اعتباره في حصول الطّهارة فلا إشكال في عدم جواز الحكم بحصول الطّهارة من جهة حمل الغسل الصّادر من المسلم على الصّحة.
ثمّ إنّ هذا الّذي ذكره ممّا لا إشكال فيه أصلا. نعم هنا كلام بالنّسبة إلى أصل البناء على عدم الحكم بتحقّق الطّهارة و نحوها من الآثار المقصود إحرازها بإجراء أصالة الصّحة في الجزء يرجع حاصله إلى أنّ عدم جريان أصالة الصّحة في الجزء و عدم اقتضائها تحقّق الأثر المقصود، و إن كان حقّا، إلاّ أنّه لا يمنع من الحكم بتحقّقه من وجه آخر و هو إجراء أصالة الصّحة في نفس الأمر المردّد بين ترك الجزء و فعله الصّادر من المسلم، أو ترك الشّرط و فعله، فإنّ أصالة الصّحة ليست مختصّة بفعل المسلم، بل مجراها أعمّ منه و هو مطلق الأمر الصّادر منه المردّد بين الفعل و التّرك، و لذا لو شكّ في أنّ الإمام يقرأ السّورة في الصّلاة مثلا يبني على أنّه يقرؤها مع أنّه لم يحرز عنوان فعل له يشكّ في صحّته و فساده فليكن هذا على ما ذكر منك حتّى يأتيك البيان و شرح هذا الكلام منّا بعد هذا إن شاء اللّه تعالى.
البائع فلا يقتضي أصالة الصحة في الإيجاب بوجود القبول لأن القبول معتبر في العقد لا في الإيجاب.
و كذا لو شك في تحقق القبض في الهبة، أو في الصرف، أو السلم بعد العلم بتحقق الإيجاب و القبول لم يحكم بتحققه من حيث أصالة صحة العقد.
و كذا لو شك في إجازة المالك لبيع الفضولي لم يصح إحرازها بأصالة الصحة و أولى بعدم الجريان ما لو كان العقد في نفسه لو خلي و طبعه مبنيا على الفساد بحيث يكون المصحح طارئا عليه كما لو ادعى بائع الوقف وجود المصحح له و كذا الراهن، أو المشتري من الفضولي إجازة المرتهن و المالك.
و ممّا يتفرع على ذلك أيضا أنه لو اختلف المرتهن (1) الآذن في بيع الرهن
الشرح
(1) لا يخفى عليك صحّة ما فرعه دام ظلّه على ما ذكره من القاعدة، لأنّ صحّة كلّ من الإذن و الرّجوع صحّة شأنيّة نظير صحّة الأجزاء و سائر الشّرائط، لأنّ صحّة الرّجوع كونه بمرتبة توجب فساد العقد الواقع بعده في مال الرّاجع عن إذنه في مقابل فاسده الّذي لا يكون كذلك، فإذا لم يقع عقد بعده سواء وقع قبله أم لا فليس هذا ممّا يوجب فساد الرّجوع، بل قد يقال بأنّ مرجع الشّك في المقام إلى الشّك في أصل تحقّق موضوع الرّجوع، لأنّ تحقّقه مفهوما يتوقّف على عدم تحقّق المأذون فتأمل.
و هكذا الكلام بالنّسبة إلى الإذن، لأنّ معنى صحّة الإذن كونه بحيث لو وقع المأذون عقيبه ترتّب عليه الأثر فلو لم يقع عقيبه المأذون فلا توجب هذا فساد الإذن، بل لا معنى لتوهّم جريان أصالة الصّحة بالنّسبة إلى الإذن في الفرض و إن قيل بجريانها بالنّسبة إلى الرّجوع، لأنّ الإذن في حال وجوده قد وجد صحيحا جامعا للشّرائط و إنّما الشّك في ارتفاعه و بقائه فأين مورد جريان أصالة الصّحة في الإذن.
........
الشرح
نعم ذكر الأستاذ العلاّمة دام ظلّه العالي أنّه يمكن إجراء أصالة الصّحة في الرّجوع في مقامات أخر كما إذا اختلف في أنّ الرّجوع وقع قبل انقضاء العدّة، أو بعدها، أو وقع في حال الإحلال، أو الإحرام، فإنّ من شرائط تأثير الرّجوع في مرتبة نفسه عند الشارع و في نظره في الموضعين أن يقع قبل انقضاء العدّة و في حال الإحلال نظير الإيجاب و القبول بالعربي في العقود اللاّزمة على مذهب المشهور و هذا بخلاف الرّجوع في المقام، فإنه لا يتفاوت الأمر في صحّته في نفسه بين أن يقع بعد البيع، أو قبله فتدبّر. و كيف كان لا إشكال في صحّة ما ذكره دام ظلّه بالنّسبة إلى المقام إنّما الإشكال فيما نسبه إلى بعض الأصحاب من إجراء أصالة الصّحة في الإذن كما في الرّجوع، فإنّ الظّاهر أنّ أحدا لم يقل به و إنّما الّذي التزم به بعض مشايخنا في شرحه على الشّرائع جريان أصالة الصّحة في الرّجوع حيث قال بعد جملة كلام له في الرّد على ما ذكره في المسالك ردّا على ثاني المحقّقين ما هذا لفظه: «و ثانيا: أنّه لا ريب في الحكم بحصول الشّرائط بعد وقوع الفعل، و إن كان الأصل يقتضي عدمها كما لو شكّ في الطّهارة، أو الاستقبال، أو التّستر، أو نحو ذلك بعد الصّلاة خصوصا إذا كان أصلها ثابتا كما لو تيقّن الحدث بعد الفراغ من الصّلاة، و لكن لم يعلم سبقه عليها، أو بالعكس فقوله إنّ الشّرائط لا بدّ من إحرازها بيقين، أو استصحاب إن أراد به قبل التّلبس بالفعل فهو مسلّم، و لكنه غير ما نحن فيه، و إن أراد بعده فهو واضح المنع ضرورة اقتضاء أصالة صحّة فعل المسلم ما ذكرنا و ساق الكلام إلى أن قال فقد يتّجه دعوى جريان أصالة صحّة البيع الّتي يكفي فيها احتمال عدم الرّجوع قبله، ففي الحقيقة سقوط حقّه بإذنه لا بأصالة الصّحة، إلاّ أنّه يعارض ذلك أصالة الصّحة في رجوعه ضرورة كونه فعلا من أفعال المسلم الّذي ينبغي على الصّحة الّتي هي هنا الحكم بكونه قبل البيع حتّى يؤثر فسادا فصحيحه ذلك و فاسده
و الراهن البائع له بعد اتفاقهما على رجوع المرتهن عن إذنه في تقديم الرجوع على البيع فيفسد، أو تأخره فيصح فلا يمكن أن يقال كما قيل من أن أصالة صحة الإذن تقضي بوقوع البيع صحيحا و لا أن أصالة صحة الرجوع تقضي بكون البيع فاسدا، لأن الإذن و الرجوع كلاهما قد فرض وقوعهما على الوجه الصحيح و هو صدوره عمن له أهلية ذلك و التسلط عليه.
فمعنى ترتب الأثر عليهما أنه لو وقع فعل المأذون عقيب الإذن ترتب عليه الأثر و لو وقع فعله بعد الرجوع كان فاسدا أما لو لم يقع عقيب الأول
الشرح
الواقع بعد البيع لعدم تأثيره» انتهى ما أردنا نقله من كلامه، و هو كما ترى لا إشعار فيه بجريان أصالة الصّحة في الإذن كما لا إشعار فيما أهملنا نقله، بل الظّاهر من مجموعه عدم جريان أصالة الصّحة في الإذن و إن صرّح بجريان الاستصحاب فيه في الجملة كما صرّح به غيره. و بالجملة: توهّم جريان أصالة الصّحة في الإذن ممّا لا معنى له و لم يتوهّمه أحد، و إن كان ما ذكره شيخنا المتقدّم في شرحه بالنّسبة إلى أصالة الصّحة في الرّجوع محلّ مناقشة من وجه آخر أيضا و هو معارضة أصالة الصّحة في الرّجوع مع أصالة الصّحة في البيع، أو استصحاب الإذن، لأنّ أصالة الصّحة في الرّجوع حاكمة على الأصلين كما لا يخفى، مضافا إلى عدم جريان أصالة الصّحة بالنّسبة إلى البيع أصلا بعد الشّك في رضا من يعتبر رضاه، لأنّ الصّحة الشّأنيّة مفروضة قطعا و غيرها ليس من آثاره، لأنّ الأصل في بيع مال الغير، أو ما يتعلّق به حقّ الغير الفساد مع قطع النّظر عن إذنه كما عرفته عن قريب كما أنّ ما أفاده قدس سره ردّا على المسالك من أنّه لا ريب في الحكم بحصول الشّرائط بعد وقوع الفعل محلّ مناقشة أيضا ضرورة افتراق أصالة الصّحة في فعل النّفس الرّاجعة إلى قاعدة الشّك بعد الفراغ مع أصالة الصّحة في فعل الغير، و قد عرفت تحقيق القول في مقتضى القاعدة عند التّكلّم فيها.
فعل، بل وقع في زمان ارتفاعه ففساد هذا الواقع لا يخل بصحة الإذن و كذا لو فرض عدم وقوع الفعل عقيب الرجوع فانعقد صحيحا فليس هذا من جهة فساد الرجوع كما لا يخفى. نعم بقاء الإذن إلى أن يقع البيع (1) قد يقضي
الشرح
(1) لا يخفى عليك أنّه قد تكرّر في كلماتهم التّمسك باستصحاب الإذن و أصالة عدم البيع قبل الرّجوع و نحوهما في المقام، إلاّ أنّك خبير بأنّ أكثرها، بل كلّها أصول مثبتة لا تعويل عليها عندنا.
نعم ذكر الأستاذ العلاّمة دام ظلّه أنّ استصحاب الإذن فيما لو شكّ المأذون حين إرادة البيع في رجوع الآذن عن إذنه ممّا لا ريب فيه و في إفادته جواز البيع و ترتّب الآثار عليه، لأنه ممّا يترتّب على بقاء الإذن إلى زمان إرادة البيع، بلا توسيط أمر عقليّ، أو عاديّ و هذا بخلاف استصحابه بعد وقوع البيع، فإنه ممّا لا يترتّب عليه صحّة البيع إلاّ بإثبات كونه واقعا عن إذن و هو ليس من الأحكام الشّرعيّة فتدخل بهذا الاعتبار في الأصول المثبتة ثمّ ذكر دام ظلّه أنّه لا غرابة فيما ذكرنا و لا تعجب فيه، فإنه كثيرا ما يختلف حال الأصل قبل الفعل و بعده، أ لا ترى أنّه لو شكّ أحد المتبايعين في، بلوغ صاحبه حين إرادة البيع لم يكن له البيع و ترتيب الآثار عليه بخلاف ما لو شكّ هذا الشّك بعد البيع، فإنه لا يلتفت إلى الشّك المذكور و هكذا الأمر في كثير من المقامات، و لكنك خبير بإمكان المناقشة فيما ذكره دام ظلّه، و إن كان الفرق الّذي ذكره في المثال في المقيس عليه في غاية الاستقامة، إلاّ أنّ القياس في غير محلّه حيث إنّ قضيّة قاعدة الشّك بعد الفراغ، أو أصالة الصّحة في الفعل هو الحكم بصحّة البيع فيما لو شكّ في صحّته و فساده بعد وجوده حيث إنّه لا وجود لهما قبل الفعل و هذا بخلاف المقام الرّاجع إلى التمسّك بالاستصحاب، فإنّ من آثار بقاء الإذن إلى حين وقوع البيع هو الحكم بحصول النّقل و الانتقال شرعا و لو كان الشّك حاصلا بعد البيع و لا يحتاج إلى إثبات واسطة
بصحته و كذا أصالة عدم البيع قبل الرجوع ربما يقال إنها تقضي بفساده لكنهما لو تما لم يكونا من أصالة صحة الإذن بناء على أن عدم وقوع البيع بعده يوجب لغويته و لا من أصالة صحة الرجوع التي تمسك بهما بعض المعاصرين تبعا لبعض.
و الحق في المسألة ما هو المشهور (1) من الحكم بفساد البيع و عدم جريان
الشرح
حتّى يدخل في الأصول المثبتة و لو كانت هناك واسطة لم يفرق بين الصّورتين.
اللّهم إلاّ أن يقال إنّ الأصل في بيع مال الغير، أو ما تعلّق به حقّ الغير المانع من بيعه الفساد كما في بيع الوقف و أشباهه و لا يجوز الحكم بالصّحة إلاّ بعد إثبات وقوع البيع عن إذن مجوّزه فتأمل.
(1) لا يخفى عليك الوجه فيما أفاده دام ظلّه بعد التّأمّل فيما ذكرنا أمّا في الرّجوع و الإذن فواضح، و أما في البيع فلما عرفت من أنّ صحّته في مرتبة ذاته الّتي يعبّر عنها في لسان جمع بالصّحة الشّأنيّة موجودة قطعا و صحّته، بمعنى حصول النّقل و الانتقال عقليّة ليست من آثاره، بل من آثار المجموع المركّب منه و من رضا ذي الحقّ، و لذا لم يقل أحد بجريان أصالة الصّحة في بيع مال الغير، أو المرهون فيما إذا شكّ في تحقّق الرّضا رأسا، و إنّما أوجب التّوهّم في المقام تحقّق الإذن في السّابق فربما يتوهّم من جهة استصحابه أنّه يمكن إجراء أصالة الصّحة في المقام، مع أنّك خبير بأنّ هذا التّوهّم في كمال الظّهور من الفساد، لأنّ الاستصحاب المذكور لو كان جاريا في المقام لاقتضى الصّحة بنفسه و إن قطع النّظر عنه لم يجر أصالة الصّحة أصلا فهي ساقطة على كلّ تقدير، و هذا ما يقال إنّ الأصل الثّانوي في بيع مال الغير و شبهه الفساد و لا يجري فيه أصالة الصّحة، بل لا بدّ في الحكم بصحّته من إحراز الإذن من ذي الحقّ و نحوه.
نعم قد يقع الإشكال، بل الكلام في بعض الموارد من جهة الكلام في تشخيص
أصالة الصحة في المقام لا في البيع كما استظهره الكركي و لا في الإذن و لا في الرجوع.
أمّا في البيع فلأن الشك إنما وقع في رضاء من له الحق و هو المرتهن، و قد تقدم أن صحة الإيجاب و القبول لا يقضي بتحقق الرضا ممن يعتبر رضاه سواء كان مالكا كما في البيع الفضولي أم كان له حق في المبيع كالمرتهن.
و أما في الإذن فلما عرفت من أن صحته تقضي بصحة البيع إذا فرض وقوعه عقيبه لا بوقوعه عقيبه كما أن صحة الرجوع تقضي بفساد ما يفرض وقوعه بعده لا أن البيع وقع بعده و المسألة بعد محتاجة إلى التأمل بعد التتبع في كلمات الأصحاب.
أن مقتضى الأصل ترتيب الشاك (1) جميع ما هو من آثار الفعل
الشرح
المشروط كما في بيع الوقف المشروط صحّته بوجود المسوّغات الشّرعيّة، فإنه إن كان شرطا في أصل تأثير العقد كالقصد و العربيّة و نحوهما كان مقتضى الأصل عند الشّك و وقوع النّزاع بعد البيع الحكم بالصّحة، و إن كان شرطا في النّقل في قبال العقد كما في القبض المعتبر في الوقف و الهبة و نحوهما كان مقتضى الأصل عند الاختلاف و الشّك بعد البيع الحكم بالفساد على ما أسمعناك، و قد ذكرنا ما هو الحقّ عندنا و فصّلنا القول فيه فيما كتبناه في كتاب الوقف من أراد الوقوف عليه فعليه بالمراجعة إليه.
(1) الفعل الصّادر من المسلم قد لا يكون له صحيح و فاسد سواء تعلّق به حكم شرعيّ أم لا كالغسل من حيث هو غسل و التّطهير و نحوهما، و قد يكون له صحيح و فاسد كالغسل بعنوان التّطهير مثلا.
أمّا الأوّل: فلا إشكال في خروجه عن محلّ النّزاع.
و أمّا الثّاني: فهو على وجهين:
........
الشرح
أحدهما: ما ترتّب على صحيحة رفع تكليف عن المكلّف و إسقاطه عنه.
ثانيهما: ما لا يكون كذلك، بل ترتّب عليه آثار أخر و في كلّ منهما قد يترتّب الحكم الشّرعي على ما كان صحيحا و لو عند الفاعل كصحة صلاة المأموم البعيد عن الإمام المترتّبة على صحّة صلاة غيره القريب عنه و لو باعتقاده المخالف لاعتقاد هذا المأموم و هذا بخلاف صحّة صلاة الإمام، فإنّ المعتبر منها الصّحة الواقعيّة و الفرق ما استفيد من الدّليل من أنّ المانع من اقتداء النّائي هو أجنبيّته عن الإمام المرتفعة بتوسّط غيره من المأمومين المشغولين بالصّلاة المحكومة بصحّتها و لو باعتقادهم و هذه بخلاف صلاة الإمام، فإنّ المعتبر فيها ليس ما ذكر و كالصّلاة على الميّت المسقطة للتّكليف عن غير المصلّي من المكلّفين بها على الكفاية و لو كانت صحيحة باعتقاد المصلّي المخالف لاعتقاد غيره من المكلّفين على ما هو قضيّة كلمة جماعة من الأصحاب و قد يترتّب على ما يكون صحيحا واقعيّا و أمثلته كثيرة في كلّ من القسمين.
و قد عرفت حكم القسم الثّاني من القسمين بقسميه مرارا و لا إشكال في القسم الأوّل من أوّلهما أيضا إنّما الكلام في القسم الثّاني منه فنقول إنّ رفعه التّكليف عن الغير قد يكون من حيث كون الفاعل نائبا عنه كالحجّ عن العاجز و كالصّلاة عن الميّت بالنّسبة إليه، و قد يكون من حيث كونه آلة كإعانة العاجز في وضوئه، و قد يكون من حيث كونه سببا، سواء كان بتسبيب من الغير كالصّلاة عن الميّت من جهة استئجار الوليّ، أو لم يكن له مدخل في إقدامه بالفعل كالصّلاة على الميّت، بمعنى كون إقدام المكلّف بمقتضى تكليفه و إتيانه به رافعا للتّكليف عن الغير كما هو الحال في جميع الواجبات الكفائية لا إشكال في القسم الأخير من هذه الأقسام، بل لم يخالف أحد في جريان أصالة الصحّة فيه و اقتضائها رفع التّكليف عن الغير.
........
الشرح
و أمّا غيره من الأقسام المتقدّمة عليه فقد يستشكل فيها بأنّ الفعل فيها ذو جهتين جهة استناد إلى الفاعل و جهة استناد إلى غيره و الّذي يقتضيه أصالة الصّحة في فعل المسلم إنّما هو الحكم بصحّته من الجهة الأولى و ترتيب آثار الفعل الصّحيح عليه من هذه الجهة كوجوب إعطاء الأجرة و نحوه فيما لو فرض وقوع الفعل بعنوان الاستئجار لا الحكم بحصول براءة ذمّة الغير المترتّب على الجهة الأخرى، فإنه لا يكفي فيه أصالة الصّحة، بل لا بدّ من طريق شرعيّ آخر كعدالة الفاعل، أو إخباره و إن لم يكن عادلا بناء على اعتبار خبر الفاسق في المقام و نحوه ممّا لا يعلم غالبا إلاّ من قبل المخبر فتأمل.
و من هنا اشترط جماعة العدالة في المتوضّي غيره و النّائب عن العاجز في الحجّ و من الميّت في صلاته، بل نسب اعتبارها إلى المشهور و أولى بالإشكال القسم الأوّل و هو ما لو كان الفاعل نائبا عن غيره، فإنه إن لوحظ الفعل من حيث قيامه بالفاعل على ما هو قضيّة أصالة الصّحة لم يقتض الحكم بصحّة الحكم ببراءة ذمّة المنوب عنه، لأنه ليس من آثاره فإثباته بها يشبه التّعويل على الأصل المثبت و إن لوحظ من حيث كونه فعل المنوب عنه بالتّنزيل لم يجر فيه أصالة الصّحة، لأنه ليس فعل الغير هذا حاصل ما أفاده دام ظلّه من الإشكال، و إن كان بعض مواضع بيانه غير نقيّ عن الاضطراب، و لكنك خبير بإمكان التّفصّي عن الإشكال المذكور بأنّ الصّحة من الجهة الثّانية من آثار الصّحة من الجهة الأولى إذ لا معنى لحكم الشارع بالبناء على صحّة فعل المتوضي إلاّ البناء على براءة ذمّة العاجز من الوضوء كاستحقاقه الأجرة لو كان فعله بعنوان الاستئجار، و أما حكم بعض باشتراط العدالة في المتوضّي و حكم المشهور باشتراط العدالة في النّائب عن الحيّ و الميّت فليس من جهة عدم كفاية أصالة الصّحة في الحكم بحصول براءة ذمّة العاجز، أو المنوب عنه بعد إحراز كون الفاعل في مقام إبراء ذمّتهما و كون
........
الشرح
صدور الفعل عنه بهذا العنوان و الشّك في إخلاله ببعض الأمور المعتبرة في صحّته شرعا كما يشكّ في إخلاله ببعض الأمور المعتبرة في المكلّف به فيما يأتي به عن نفسه، بل من جهة إحراز كونه في مقام الإبراء بناء على كفاية ما يحصل من عدالته من الظّن في الحكم بحصول المعنى المذكور شرعا على ما ستقف عليه عن قريب إن شاء اللّه و لم يعلم منهم اشتراط العدالة على تقدير إحراز كون الفعل صادرا عن الفاعل بعنوان الإبراء و لو ظهر من بعضهم فلا دليل له أصلا، هذا مجمل القول في التّفصّي عن الإشكال الوارد بقول مطلق.
و أمّا الإشكال الوارد في خصوص القسم الأوّل فيمكن الذّب عنه بأنّ الفعل الصّادر عن الغير بعنوان النّيابة، و إن كان له اعتباران و جهتان إلاّ أنّ اعتبار صدوره بعنوان النّيابة لا يوجب خروجه عن فعل الغير واقعا كيف و هو خلاف الحسّ فللشّارع أن يأمر المنوب عنه بالبناء على صحّة الفعل الصّادر عنه من حيث كونه فعلا صادرا عن مسلم بعنوان النّيابة عنه، و كذا من يستأجر عن الغير كالوصيّ و الولد الأكبر فيما يستأجر عن الموصي، أو والده من العبادات البدنية.
هذا فالحقّ أنّ أصالة الصّحة في نفسها يقضي بعدم الفرق بين الأقسام و الحكم بحصول براءة الذّمة و رفع التّكليف في جميعها، إلاّ أنّ هنا شيئا يمكن أن يحكم بالنّظر إليه بوجوب رفع اليد عن أصالة الصّحة في مواضع الإشكال من الأقسام المذكورة الّتي عرفتها و هو إن قضيّة آية النّبإ بمقتضى التّعليل هو التّبيّن في جميع ما يصدر من الفاسق و التّثبّت فيه، سواء كان قولا، أو فعلا فلو كلّف الشّخص بإيجاد فعل و لو تسبيبا و وجب عليه ذلك لم يجزيه إيجاده ببدن الفاسق و فعله بجعله واسطة في رفع التّكليف المتوجّه إليه لاحتمال عدم إتيانه بالفعل على الوجه المعتبر في الشّرع و المفروض عدم ما يرفع هذا الاحتمال في الفاسق لعدم وجود الملكة الرّادعة له بخلاف العادل، فإنّ ما فيه من الملكة الرّادعة تمنع من إقدامه
........
الشرح
بالمعصية، و من هنا حكموا بعدم جواز جعله وصيّا و قيّما و وليّا في الأوقاف و غيرها لا يقال إنّ مقتضى التّعليل هو التّبيّن في أمر العادل أيضا، لأنّ ملكة العدالة لا توجب عصمته حتّى ينتفي مقتضى التّعليل عنه فالعادل و الفاسق سيّان إذا بالنّظر إلى مقتضى الآية، لأنّا نقول الأمر، و إن كان كما ذكر لو كان المراد من التّبيّن هو التّبيّن العلمي على ما هو قضيّة التّحقيق عندنا من تقديم ظهور التّعليل على ظهور القضيّة الوصفيّة، أو الشّرطيّة في المفهوم لو فرض لها مفهوم في المقام إلاّ أنّ من المحتمل كون المراد من التّبيّن المعنى الأعمّ الشّامل للاطمئنان أيضا، فإنّ ملكة العدالة في العادل توجب بنفسها الاطمئنان بأمره إلاّ أنّ البناء على ذلك في غاية الإشكال.
و تحقيق الكلام فيما يتعلّق بالمقام و تفصيله يطلب ممّا قدّمناه في الجزء الأوّل من التّعليقة عند الكلام على الاستدلال بآية النّبإ هذا ما يقتضيه التّحقيق عندنا، و أما بناء على ما هو المعروف في ألسنتهم من وجود المفهوم للآية فلا إشكال في اندفاع السّؤال المذكور، و من هنا بنوا على كفاية العدالة في النّائب و أمثاله و إن ذكر الأستاذ العلاّمة دام ظلّه أنّ اعتبار العدالة عندهم في هذه المقامات ليس من جهة التّفصيل في جريان أصالة الصّحة عندهم فيها بين فعل العادل و الفاسق، بل من جهة اعتبار قول المخبر عن وجود الفعل عنه على الوجه المعتبر و لو كان بالإخبار الفعلي و الحالي، بمعنى كونه على حال لو سئل منه لا خبر بوجود الفعل على الوجه المعتبر و لو فرض فقد هذا لم يحكم بصحّة عمله و لو كان عادلا فالحجّة إذا غير أصالة الصّحة هذا ملخّص ما أفاده دام ظلّه العالي و هو كما ترى مبني على الإشكال الّذي ذكره في جريان أصالة الصّحة في فعل النّائب و نحوه من حيث الحكم بحصول براءة ذمّة المنوب عنه، و لكنك خبير بإمكان المناقشة فيما أفاده بأنّ حمل كلامهم على ما ذكر لا قرينة له أصلا، مضافا إلى أنّه لا دليل على
........
الشرح
اعتبار خبر العادل بالمعنى المذكور سيّما في الموضوعات الخارجيّة فتدبّر.
لا يقال لو كان الأمر كما ذكرته من كون المستند عندهم في اعتبار العدالة في النّائب و أمثاله هو آية النّبإ لزم الحكم بعدم الفرق بين العادل و الفاسق لو علم بصدور الفعل منه على الوجه الصّحيح، أو ظنّ ذلك بالظّن الاطمئناني بناء على كون المراد من التّبيّن ما يشمل ذلك، لأنّ اعتبار العدالة و مانعيّة الفسق في الآية إنّما هو من حيث الطّريقيّة لا الموضوعيّة، و إلاّ لم يكن معنى لتعليل الحكم فيها بإصابة القوم في النّدم على تقدير عدم التّبيّن، لأنّا نقول مقتضى القاعدة الالتزام بما ذكر على ما هو صريح غير واحد، و إن كان ربما ينافيه كلمات جماعة في بعض هذه المقامات إلاّ أنّها ضعيفة فتدبّر.
لا يقال: لو كانت الآية مانعة من التّعويل على أصالة الصّحة في فعل الفاسق فيما يراد تحصيل البراءة عن التّكليف بفعله و أشباهه ممّا حكمت فيه باشتراط العدالة في الفاعل في إجراء أصالة الصّحة لمنعت من إجرائها في جميع المقامات فلا بدّ من أن يجعل ما دلّ على اعتبار أصالة الصّحة مخصّصا لعموم الآية كما يخصّص بما دلّ على اعتبار قول الفاسق في بعض المقامات، لأنّا نقول نمنع من دلالة الآية على عدم جواز التّعويل على أصالة الصّحة في فعل الفاسق في غير ما حكمنا باشتراط العدالة فيه، لأنّ الآية إنّما تمنع من استئمان الفاسق و إيكال الأمر إليه و تحصيل غرض بواسطته لا عن مجرّد حمل فعله على الصّحيح فتأمل. هذا ملخّص ما قيل، أو يقال في توضيح المرام و بقي بعد هنا خبايا في زوايا لم نتعرّض لها، و ينبغي التّنبيه على أمرين:
أحدهما: أنّ ما ذكره دام ظلّه في صدر هذا الأمر من التّمثيل لما يجري فيه أصالة الصّحة من الغسل بعنوان التّطهير إنّما هو فيما فرض الشّك في حصوله على الوجه المعتبر في الشّرع كما إذا شكّ في إطلاق الماء و إضافته، أو طهارته
الصحيح عنده فلو صلى شخص على ميت سقط عنه، و لو غسل ثوبا بعنوان التطهير حكم بطهارته و إن شك في شروط الغسل من إطلاق الماء و وروده على النجاسة لا إن علم بمجرد غسله، فإن الغسل من حيث هو ليس فيه صحيح و فاسد، و لذا لو شوهد من يأتي بصورة عمل من صلاة، أو طهارة، أو نسك حج و لم يعلم قصده تحقق هذه العبادات لم يحمل على ذلك. نعم لو أخبر بأنه كان بعنوان تحققه أمكن قبول قوله من حيث إنه مخبر عادل أو من حيثية أخرى.
الشرح
و نجاسته، أو ورود النّجاسة على الماء أو وروده عليها فيما كان الماء قليلا إلى غير ذلك من موارد الشّك فيما يوجب لغويّة الغسل بعنوان التّطهير في نظر الشّارع لا فيما إذا شكّ في حصول التّعدد و عدمه، أو العصر و عدمه على القول باعتبارهما كما هو الحقّ في الجملة فلا ينافي ما تقدّم منه من عدم جريان أصالة الصّحة في الغسل للحكم بحصول تمام العدد، أو العصر فتدبّر.
ثانيهما: أنّه ذكر دام ظلّه في طيّ كلماته في مجلس البحث الفرق في إجراء أصالة الصّحة في الواجبات الكفائيّة فحكم بإجراء أصالة الصّحة في مثل الصّلاة على الميّت و نحوها إذا احتمل إخلال المصلّي ببعض الشّروط و إجزائها و بعدم إجرائها في مثل غسل الميّت إذا احتمل ترك الغاسل لبعض الغسلات، أو في كفنه إذا احتمل تركه لبعض ما يعتبر فيه إمّا عن تقصير، أو قصور عن اجتهاد، أو تقليد، أو غيرهما، لأنّ ما صدر منه من الغسل، أو الكفن لا يحتمل فساده و إنّما الشّك في حصول الزّائد عليه من مقدار الغسل، أو الكفن و هذا نظير الشّك في حصول الغسل الثّاني في باب إزالة النّجاسة فيما يعتبر فيه لا نظير الشّك في إطلاق الماء و إضافته، و إن كان الجزم بالفرق المذكور و إن اقتضاه الاحتياط في غاية الإشكال و اللّه العالم بحقيقة الحال.
و قد يشكل الفرق بين ما ذكر من الاكتفاء بصلاة الغير على الميت بحمله على الصحيح و بين الصلاة عن الميت تبرعا، أو بالإجارة فإن المشهور عدم الاكتفاء بها إلا أن يكون و لو فرق بينهما بأنا لا نعلم وقوع الصلاة من النائب في مقام إبراء الذمة و إتيان الصلاة على أنها صلاة لاحتمال تركه بها بالمرة، أو إتيانه بمجرد الصورة لا بعنوان أنها صلاة عنه اختص الإشكال بما إذا علم من حاله كونه في مقام الصلاة و إبراء ذمة الميت إلا أنه يحتمل عدم مبالاته بما يخل بالصلاة كما يحتمل ذلك في الصلاة على الميت إلا أن يلتزم بالعمل على الصحة في هذه الصورة، و لهذا يجب عليه مراعاة الأجزاء و الشروط المعتبرة في المباشر، و لهذا الاعتبار قد حكم بعضهم باشتراط العدالة فيمن توضأ العاجز عن الوضوء إذا لم يعلم العاجز لصدور الفعل عن المتوضئ صحيحا، و لعله لعدم إحراز كونه في مقام إبراء ذمة العاجز لا لمجرد احتمال عدم مبالاته في الأجزاء و الشرائط كما قد لا يبالي في وضوء نفسه.
و يمكن أن يقال فيما إذا كان الفعل الصادر من المسلم على وجه النيابة عن الغير المكلف بالعمل أولا و بالذات كالعاجز عن الحج إن لفعل النائب عنوانين.
أحدهما: من حيث إنه فعل من أفعال النائب و لهذا يجب عليه مراعاة الأجزاء و الشروط، و بهذا الاعتبار يترتب عليه جميع آثار صدور الفعل الصحيح منه مثل استحقاق الأجرة و جواز استئجاره ثانيا بناء على اشتراط فراغ ذمة الأجير في صحة استئجاره ثانيا.
و الثاني: من حيث إنه فعل للمنوب عنه حيث إنه بمنزلة الفاعل بالتسبيب، أو الآلة و كان الفعل بعد قصد النيابة و البدلية قائما بالمنوب عنه، و بهذا الاعتبار يراعى فيه القصر و الإتمام في الصلاة و التمتع و القران في الحج و الترتيب في
الفوائت و الصحة من الحيثية الأولى لا تثبت الصحة من هذه الحيثية الثانية، بل لا بد من إحراز صدور الفعل الصحيح عنه على وجه التسبيب.
و بعبارة أخرى: إن كان فعل الغير يسقط التكليف عنه من حيث إنه فعل الغير كفت أصالة الصحة في السقوط كما في الصلاة على الميت، و كما في فعل الوكيل و الأجير الذي لا يعتبر فيه قصد النيابة.
و إن كان إنما يسقط التكليف عنه من حيث اعتبار كونه فعلا له و لو على وجه التسبيب كما إذا كلف بتحصيل فعل بنفسه، أو ببدل غيره كما في استنابة العاجز للحج لم تنفع أصالة الصحة في سقوطه، بل يجب التفكيك بين أثري الفعل من الحيثيتين، فيحكم باستحقاق النائب الأجرة و عدم براءة ذمة المنوب عنه من الفعل و كما في استئجار الولي للعمل عن الميت.
لكن يبقى الإشكال في استئجار الولي للعمل عن الميت إذ لا يعتبر فيه قصد النيابة عن الولي و براءة ذمة الميت من آثار صحة فعل الغير من حيث هو فعله لا من حيث اعتباره فعلا للولي، فلا بد أن يكتفى فيه بإحراز إتيان صورة الفعل بقصد إبراء ذمة الميت و يحمل على الصحيح من حيث الاحتمالات الأخر.
و لا بد من التأمل في هذا المقام أيضا بعد التتبع التام في كلمات الأعلام.
أن الثابت من القاعدة المذكورة الحكم بوقوع الفعل (1) بحيث
الشرح
(1) لا يخفى عليك صحّة ما ذكره دام ظلّه من عدم إثبات الأصل المذكور إلاّ الآثار الشّرعيّة المترتّبة على الفعل الصّحيح، بلا واسطة أمّا على القول باعتباره من باب التّعبّد فظاهر، لأنّك قد عرفت مرارا أنّ تنزيل الشّارع للأمر الغير المحقّق منزلة المحقّق و أمره بالبناء على تحقّقه لا يراد منه إلاّ الالتزام بما يترتّب عليه من الأحكام
........
الشرح
و جعلها في مرحلة الظّاهر لا جعل ما يترتّب شرعا على غيره، و إن كان لازما عقليّا له و هذا معنى عدم اعتبار الأصل المثبت، فإنه لا اختصاص له بالاستصحاب، بل يشمله و غيره من الأصول كما هو واضح، و أما على القول باعتباره من باب الظّن النّوعي و هو ظهور حال المسلم فلعدم دليل على اعتبار هذا الظّهور إلاّ من حيث كشفه عن صدور الفعل الصّحيح عنه بما هو هو، و أما كشفه عن لوازمه الغير الشّرعيّة المترتّب عليها الأحكام الشّرعيّة فليس ممّا قام الدّليل على اعتباره، و أما ما قرع سمعك من أنّه إذا كان الشّيء معتبرا من باب الظّن و الطّريقيّة فلا فرق في وجوب ترتيب الآثار الشّرعيّة عليه بين ما كان مترتّبا على مورده، بلا واسطة، أو بواسطة فإنّما هو فيما قام الدّليل على اعتبار هذا الشّيء بلسان كشفه و لحاظ طريقيّته المطلقة لا فيما إذا قام على اعتبار كشفه ببعض الاعتبارات و الحيثيّات، فإنه لا معنى حينئذ للتّعدّي عن مورد وجود الدّليل، فإنّ الأصل في الظّن عدم الاعتبار، فإذا قام الدّليل من الإجماع و السّيرة على اعتبار ظهور حال المسلم و الأخذ به في صدور الفعل الصّحيح عنه بالنّسبة إلى ما يترتّب شرعا على الفعل الصّحيح الصّادر من المسلم، فلا معنى للتّعدّي عنه إلى الحكم بوجوب ترتيب غيره ممّا يترتّب على لوازمه و ملزوماته و مقارناته، و هذا أمر ظاهر لا سترة فيه أصلا فلا تغتر بإطلاق القول بعدم الفرق في اعتبار الأصل بين المثبت منه و غيره إذا كان اعتباره من باب الظّن و الظّهور.
و من هنا صرّح جماعة من الأصحاب كالعلاّمة و غيره بعدم اعتبار أصالة الصّحة بالنّسبة إلى غير الآثار الشّرعيّة المترتّبة على الفعل الصّحيح، بلا واسطة في مواضع من كلماتهم مع ذهابهم إلى اعتبار أصالة الصّحة من حيث ظهور حال المسلم منها ما حكى شيخنا دام ظلّه عن العلاّمة في القواعد في كتاب الإجارة و مورد الاستشهاد الفرع الثّاني و هو الاختلاف في تعيين الأجرة، أو العوض لا
........
الشرح
الاختلاف في تعيين المدّة، لأنّ جعله من موارد أصالة الصّحة مبنيّ على القول بفساد الإجارة رأسا كما عليه المشهور، أو بالنّسبة إلى غير الشّهر الأوّل كما اختاره العلاّمة و الشّهيد كما هو صريح قول العلاّمة في هذا الفرع.
و أمّا على القول بالصّحة بالنّسبة إلى التّمام كما عليه بعض الأصحاب فلا تعلّق له بالمقام، بل يدخل في التّداعي ثمّ على القول بالفساد في الفرض يقدّم قول مدّعي الصّحة، لكن لا يثبت بأصالة الصّحة الأجرة المعيّنة على ما أفاده شيخنا دام ظلّه و يحتمله كلام العلاّمة فتأمل.
ثمّ إنّه قد يتوهّم الفرق بين الاستصحاب و أصالة الصّحة حتّى على القول بالتّعبّد فيهما من حيث اعتبار المثبت منهما و عدمه نظرا إلى ابتناء أصالة الصّحة في أغلب مواردها على إثبات الشّروط في الخارج كبلوغ المتعاقدين و نحوه على ما يقع التّصريح به في كلام شيخنا دام ظلّه فيطالب الفرق بينه من جهة و بين الاختلاف في وقوعه على ما يملك حيث حكم بخروج العوضين عن ملك مالكهما في الأوّل و بعدم خروجه عن ملك مالكه في الثّاني، و لكنك خبير بفساد التوهّم المذكور و وضوح الفرق، فإنّا لا نحكم بوجود الشّرط إلاّ من حيث توقّف صحّة المعاملة عليه لا مطلقا فلو فرض ترتّب أثر على وجوده بقول مطلق لا يحكم بترتّبه عليه، فالحكم بوجود البلوغ في زمان العقد إنّما هو من حيث الحكم بصحّة البيع لا مطلقا و معنى الحكم بصحّة العقد و تحقّق البلوغ من الحيثيّة المذكورة خروج العوض عن ملك مالكهما و هذا بخلاف الحكم بصحّة العقد في الثّاني، فإنه ليس معناه وقوعه على الملك المعيّن و إن استلزمه بمقتضى العلم الإجمالي.
و الحاصل: أنّ المناقشة فيما أفاده دام ظلّه من الاعوجاج، فإنه في كمال الوضوح.
نعم قد يقع الاشتباه في بعض الموارد و الصّغريات، و هذا لا تعلّق له بأصل المطلب و يقع مثله في كثير من المطالب المسلّمة بعد عدم وضوح حال الصّغريات
........
الشرح
كما هو ظاهر.
ثمّ إنّ هنا أمورا لم ينبّه عليها الأستاذ العلاّمة، فبالحريّ أن ننبّه عليها، الأوّل: أنّ ظاهر كلماتهم في بيان الأصل المذكور اختصاصه في بادي النّظر بفعل المسلم فلا يجري في فعل الكافر فيما له صحيح و فاسد لو شكّ في صحّته و فساده إلاّ أنّ مقتضى عميق النّظر جريانه فيه، فإنّ بعض أدلّته كالكتاب و السّنة، و إن كان مختصّا بفعل المسلم على إشكال بالنّسبة إلى بعض الأخبار الواردة في الباب على ما ستقف عليه، إلاّ أنّ العقل من حيث لزوم الاختلال و السّيرة قاضيان بعدم الفرق، و منه يعلم إمكان الاستدلال ببعض الأخبار الواردة في الباب أيضا مثل ما دلّ على اعتبار الأصل المذكور من حيث لزوم الاختلال و لا يقدح عدم دلالة الكتاب و أكثر الأخبار، لأنّ فيما ذكرنا غنى و كفاية مع ما عرفت من عدم دلالتهما على المعنى المقصود من الأصل المذكور بالنّسبة إلى فعل المسلم أيضا.
نعم ما يدلاّن عليه من وجوب نفي فعل القبيح و حرمة ظنّ السّوء مختصّ بفعل المسلم على ما عرفت الإشارة إليه في طيّ كلماتنا السّابقة أيضا هذا كلّه، مضافا إلى إمكان دعوى الإجماع قولا من كلماتهم أيضا، و قد صرّح كاشف الغطاء بعدم الفرق في الأصل المذكور بين فعل المسلم و الكافر و أرسله إرسال المسلّمات و لم يشر إلى مخالف فيه أصلا، و إن كان في استدلاله على ذلك بأصالة السّلامة في جميع الموجودات نظر قال قدس سره: «البحث السّادس و الثّلاثون في أنّ الأصل فيما خلقه تعالى من الأعيان من عرض، أو جوهر حيوان، أو غير حيوان صحّته، و كذا ما أوجده الإنسان البالغ العاقل من أقوال، أو أفعال فيبنى فيها على وقوعها على نحو ما وظّفت له و على وفق الطّبيعة الّتي اتخذت لها من مسلم مؤمن، أو مخالف، أو كافر كتابي، أو غير كتابيّ فيبنى إخباره و دعاويه على الصّدق و أفعاله و عقوده و إيقاعاته على الصّحة حتّى يقوم شاهد على الخلاف إلاّ أن يكون في
........
الشرح
مقابلة خصم، و ساق الكلام إلى أن قال و تفصيل الحال أنّ الأصل في جميع الكائنات من جمادات، أو نباتات، أو حيوانات، أو عبادات، أو عقود، أو إيقاعات، أو غيرها من إنشاءات، أو إخبارات أن يكون على نحو ما خلقت عليه حقيقتها من التّمام في الذّات و عدم النّقص في الصّفات و على طور ما وضعت له بارئها على وجه ترتّب آثارها فيها على معانيها من صدق الأقوال و ترتّب الآثار على الأفعال» انتهى كلامه رفع مقامه، ثمّ ذكر وجه افتراق المسلم عن الكافر بوجوه أربعة يرجع حاصل أحدها إلى أنّه لا دليل على نفي القبيح عن الكافر بخلاف المسلم، و حاصل باقيها أنّ الأصل المذكور إنّما هو ثابت بالنّسبة إلى فعل المسلم في الجملة لا مطلقا حتّى فيما ثبت عدم صحّة فعله و ترتّب الأثر عليه، أو يحمل على كونه صحيحا في مذهبنا و أنت خبير بأنّ ما ذكره قدس سره من أنّ الأصل في جميع الموجودات الصّحة مستندا إلى ما يرجع حاصلة إلى أنّ الفساد إنّما يطرأ على الموجود مطلقا، و إلاّ فهو بالنّظر إلى ذاته و طبيعته يقتضي الصّحة و السّلامة عن النّقض و إن لم يكن خاليا عن النّظر، بل المنع على ما ستقف عليه أيضا و صرّح به جماعة إلاّ أنّ المقصود من ذكر كلامه تحقيق ما حكينا عنه الثّاني أنّه صرّح الأستاذ العلاّمة في مجلس البحث بجريان أصالة الصّحة في فعل الغير البالغ أيضا فيما يقسم فعله إلى قسمين و يكون له صحيح و فاسد كهبة من، بلغ عشر سنين و صدقته و وقفه و عتقه على القول بصحّتها منه في الجملة، و الظّاهر أنّ الأمر كما ذكره دام ظلّه و إن كان خلاف ظاهر كلماتهم في بادي النّظر، لكنه غير مناف له بعد التّأمل فيها.
و بالجملة: يدلّ على ما استظهرناه و صرّح به الأستاذ العلاّمة جريان السّيرة على حمل فعله على الصّحيح فيما كان له صحيح عند دوران الأمر بين الصّحيح و الفاسد و هذا ظاهر لا سترة فيه عند التّأمّل إن شاء اللّه، لكن الصّبي مثل الكافر في
........
الشرح
خروجه عن تحت الكتاب و السّنة بالنّسبة إلى ما يستفاد منهما، لأنّ الظّاهر منهما نفي فعل القبيح عن الأخ و المسلم، و من المعلوم أنّ هذا المدلول لا دخل له بالصّبيّ من وجه، أو وجهين فتدبّر.
الثّالث: أنّه لا إشكال في أنّ المستفاد من الأخبار الواردة في الباب هو نفي الأمر القبيح عن المسلم بالمعنى الأعمّ من الفعل و التّرك و المردّد بينهما و حمل مطلق شغله على الحسن و عدم جواز ظنّ السّوء به كذلك فهي يشمل ما إذا صدر عنه فعل مردّد بين الحسن و القبيح، أو ترك كذلك، أو لم يعلم أنّه صدر منه فعل يكون حسنا، أو ترك يكون قبيحا، أو بالعكس فالواجب في كلّ مقام حمل ما يصدر منه على ما هو الجائز له شرعا و إنّما الإشكال في أنّه هل يجب حمل أمره بالمعنى المذكور على الصّحيح بالمعنى المبحوث عنه في المقام أم لا، فإذا تردّد ما صدر منه بين الفعل المترتّب عليه الأثر و التّرك الغير المترتّب عليه الأثر فيحمل على أنّه الفعل أولا وجهان، أوجههما عند الأستاذ العلاّمة دام ظلّه في طيّ بعض كلماته في مجلس البحث الأوّل لجريان السّيرة على ذلك في الجملة حيث إنّه يحكم بقراءة الإمام للسّورة مثلا، أو الإتيان بغيرها من الأجزاء و الشّرائط المعلومة الوجوب عند الإمام و المأموم، أو عند المأموم فقط و بإتيان من يقدم للصّلاة على الميّت بجميع ما كان معتبرا فيها إذا كان هو الملتزم بفعلها و القول بأنّ ذلك من جهة حمل إقدامه إيّاه للصّلاة على الصّحة من حيث كونه مترتّبا على أفعال من الغسل و غيره قبل الصّلاة فاسد جدّا، لأنّ حمله على الصّحة لا يوجب الحكم بوجود تلك الأفعال إلاّ من باب التّعويل على الأصل المثبت و الحكم بعدم صدور الكبيرة ممّن علم أنّ له ملكة يشكّ في صدور الكبيرة عنه بناء على أنّ العدالة هي الملكة المتّصفة بالكف فعلا كما يقتضيه التّحقيق الّذي عليه جماعة من المحقّقين، فإنه لا يمكن الحكم بعدم صدور الكبيرة عنه إذا كان المشكوك ترك واجب إلاّ
يترتب عليه الآثار الشرعية المترتبة على العمل الصحيح، أما ما يلازم الصحة من الأمور الخارجة عن حقيقة الصحيح فلا دليل على ترتبها عليه فلو شك
الشرح
بالبناء على التّعميم المذكور.
نعم لو كان فعل الحرام أمكن دفعه بالأصل، لكن ترك الواجب لا يمكن دفعه إلاّ بأصالة الصّحة، فإنّ مقتضى الأصل هو التّرك لا الفعل إلى غير ذلك من الفروع و لا مصحّح لها إلاّ ما ذكرنا و القول بانتقاضه بعدم بنائهم على الحكم بصدور التّوبة ممّن علم بصدور الكبيرة عنه إذا شكّ في صدور التّوبة عنه فاسد من جهة أنّ تركه التّوبة لا يوجب عقابا زائدا على ما يستحقّه ترك الواجب، أو فعل الحرام، لأنّ وجوب التّوبة عندنا إرشاديّ لا شرعيّ على ما حقّق في محلّه فتدبّر.
و لكنك خبير بأنّ هذا ربما ينافي ما اختاره دام ظلّه سابقا من أنّه إذا شكّ في وجود مركّب من جهة الشّك في وجود بعض أجزائه، أو شرائطه كالغسل إذا شكّ في حصوله مرّة، أو مرّتين، أو مع العصر، أو بدونه لا يحكم بوجود المركّب بتمام ما يعتبر فيه و ترتيب الأثر المقصود منه عليه و المسألة في غاية الإشكال لعدم تعرض الأصحاب لها و عدم عنوانها في كتبهم و دعوى جريان السّيرة على ما ادّعاه الأستاذ العلاّمة على سبيل القطع و الجزم بحيث كانت منطبقة عليه في غاية الإشكال و اللّه العالم بحقيقة الحال.
الرّابع: أنّ من الواضحات الّتي لا يعتريها ريب و شكّ اختصاص القاعدة بالشّك في صحّة فعل المسلم و فساده من حيث الشّبهة الموضوعيّة و عدم جريانها فيما لو شكّ فيه من حيث الشّبهة الحكميّة، إلاّ أنّه ربما يتراءى من كلمات بعضهم كثاني الشّهيدين و من تقدّم عليه و تأخّر عنه خلاف ما ذكرنا، إلاّ أنّه لا بدّ من أن يحمل كلماتهم على قاعدة الصّحة المستفادة من العمومات الاجتهاديّة فتدبّر.
و راجع إلى كلماتهم، فإنّ بعضها آب عن الحمل المذكور، فإنه قد يوجد في كلماتهم الجمع بين التّمسك بالعمومات و أصالة الصّحة.
في أن الشراء الصادر من الغير كان بما لا يملك كالخمر و الخنزير، أو بعين من أعيان ماله فلا يحكم بخروج تلك العين من تركته، بل يحكم بصحة الشراء و عدم انتقال شيء من تركته إلى البائع لأصالة عدمه.
و هذا نظير ما ذكرنا سابقا من أنه لو شك في صلاة العصر أنه صلى الظهر أم لا يحكم بفعل الظهر من حيث كونه شرطا لصلاة العصر لا فعل الظهر من حيث هو حتى لا يجب إتيانه ثانيا إلا أن يجري قاعدة الشك في الشيء بعد التجاوز عنه.
قال العلامة في القواعد في آخر كتاب الإجارة: «لو قال آجرتك كل شهر بدرهم فقال بل سنة بدينار ففي تقديم قول المستأجر نظر، فإن قدمنا قول المالك فالأقوى صحة العقد في الشهر الأول، و كذا الإشكال في تقديم قول المستأجر لو ادعى أجرة مدة معلومة، أو عوضا معينا و أنكر المالك التعيين فيهما، و الأقوى التقديم فيما لم يتضمن دعوى»(1)انتهى.
الشرح
(1) لمّا فرغ دام ظلّه من الكلام في تنقيح أصل القاعدة معنى و موردا أراد التّكلّم فيما كان المقصود بالبحث أصالة و هو بيان حكم تعارض الاستصحاب معها، و من هنا لم يتعرّض لحكم تعارض القاعدة مع غير الاستصحاب من الأدلّة و سائر الأصول إذ المقصود بيان حكم تعارض الاستصحاب للقاعدة لا حكم تعارض القاعدة لغيرها، و إن كان هذا بعد التّأمّل غير محتاج إلى البيان لمن كان له أدنى بضاعة و دراية، فإنّ المعارض لها إن كان من الأمارات كالبيّنة فلا إشكال في حكومتها على القاعدة و إن كانت معتبرة من باب الظّن أيضا، و إن كان من
1) قواعد الأحكام: ص 236.
........
الشرح
الأصول كأصالة البراءة و نحوها فلا إشكال في ورود القاعدة عليها فيما يظهر من جماعة منهم العلاّمة في مواضع من كتبه من ملاحظة التّعارض بين القاعدة و أصالة البراءة فممّا لا إحاطة لنا به فإنّهم أعلم بما أرادوا، و كيف ما كان فالكلام في حكم تعارض الاستصحاب و القاعدة و لو توسّعا في الإطلاق من حيث الأخذ بمقتضى القاعدة و عدمه يقع في مقامين على ما تكلّم فيه الأستاذ العلاّمة دام ظلّه:
أحدهما: في حكم تعارضها مع أصالة الفساد الّتي هي الأصل الأوّلي في المعاملات بالمعنى الأعمّ الشّامل للعقود و الإيقاعات و الأحكام فيما كان له صحيح و فاسد، بل في العبادات أيضا، لأنّ مقتضى الأصل عدم وجود المأمور به على وجهه، أو عدم وجود الجزء المشكوك الوجود، أو الشّرط المشكوك الوجود فيما كان الفاعل الغير كما هو المقصود بالبحث في المقام، و إن كان مقتضى الأصل لا يتفاوت فيه الحال فتدبّر.
و إن كان مقتضى الأصل في العبادات لو شكّ في أصل الجزئية و الشّرطيّة، بمعنى الشّكّ في أصل الحكم الشّرعي البناء على عدمها بمقتضى أصالة البراءة كما أنّ مقتضى الأصل اللّفظي المستفاد من العمومات نفي اعتبار ما يشكّ في اعتباره في العقود من حيث الشّبهة الحكميّة إلاّ أنّ ذلك كلّه لا دخل له بما نحن بصدده من الكلام في الشّبهة الموضوعيّة كما هو واضح ثانيهما في حكم تعارضها مع الاستصحابات الموضوعيّة الّتي تسبّب الشّك في الصّحة و الفساد عن الشّك في مجاريها كاستصحاب عدم البلوغ فيما شكّ في، بلوغ أحد المتعاقدين حين العقد و نحوه، أمّا الكلام في المقام الأوّل و هو حكم تعارضها مع أصالة الفساد الرّاجعة إلى استصحاب عدم ترتّب الأثر المقصود من العقد مثلا الّذي يكون عبارة أخرى عن بقاء كلّ من العوضين في ملك مالكه فلا ريب في كون أصالة الصّحة حاكمة عليه، لأنّ الشّك في ترتّب الأثر المقصود على الفعل الواقع في الخارج و عدمه
........
الشرح
مسبّب عن الشّك في كونه هو الفعل الجامع لما يعتبر فيه شرعا أولا، فإذا قام هناك ما يقضى بكونه هو الفعل الجامع له فيقضى برفع الشّك عن ترتّب الأثر الّذي هو مجرى أصالة الفساد، و هذا هو المراد من الحكومة على ما عرفت سابقا غير مرّة في طيّ أجزاء التّعليقة و ستعرفه أيضا و هذا ليس مختصّا بالمقام، بل كلّ أصل كان مجراه الشّك السّببي فهو حاكم على ما يجري في الشّك المسبّب عنه و لا فرق فيما ذكرنا بين القول باعتبار أصالة الصّحة من باب الظّن و بين القول باعتبارها من باب التّعبّد، لأنّ ما ذكرنا من الوجه في حكومتها على أصالة الفساد يجري على كلا التّقديرين و القولين.
نعم حكومتها على القول باعتبارها من باب الظّن و الظّهور أوضح كما هو واضح و قد أشار إليه الأستاذ العلاّمة أيضا هذا كلّه على القول باعتبار الاستصحاب من باب التّعبّد، و أما على القول باعتباره من باب الظّن فإن قيل باعتبار أصالة الصّحة من باب الظّن أيضا حسبما هو ظاهر جماعة، بل الأكثرين حيث استندوا فيها إلى ظهور حال المسلم فلا إشكال في حكومتها على الاستصحاب أيضا، لأنّ الحكومة ليست مختصّة بالأدلّة و الأمارات بالنّسبة إلى الأصول، بل قد يجري بالنّسبة إلى الأدلّة و الأمارات بعضها مع بعض و الأصول بعضها مع بعض، و لذا نقول بحكومة البيّنة على أصالة الصّحة و إن كانت معتبرة من باب الظّن أيضا فأصالة الصّحة بالنسبة إلى الاستصحاب على القول باعتبارهما من باب الظّن كالبيّنة بالنّسبة إلى أصالة الصّحة على القول باعتبارهما من باب الظّن، و ستقف على تفصيل القول في ذلك في محلّه إن شاء اللّه و إن قيل باعتبار أصالة الصّحة من باب التّعبّد فربما يشكل في حكومتها على الاستصحاب، بل ربما يتوهّم العكس، لكن مقتضى النّظر الدّقيق حكومتها عليه في هذا الفرض أيضا، لأنّ مقتضى سببيّة الشّك في مجرى الاستصحاب عن الشّك في مجرى القاعدة هو حكومتها على الاستصحاب،
........
الشرح
و إن كان معتبرا من باب الظّن، فإنه إنّما يوجب الظّن بالفساد من جهة الشّك في وقوع الفعل جامعا للشّرائط، فإذا قام ثمّة ما يقتضي باستجماعه للشّرائط فيقتضي رفع الشّك عن الصّحة و الفساد الّذي هو مجرى أصالة الفساد، هذا ثمّ إنّ ما ذكرنا إنّما هو في بيان تحقيق حكومة أصالة الصّحة على الاستصحاب على كلّ تقدير، و إلاّ فلا إشكال في إثبات تقديمها عليه على جميع التّقادير من جهة لزوم لغويّة أصالة الصّحة على تقدير عدمه كما هو واضح من حيث أخصّيتها من الاستصحاب و ورودها في مورده، و ممّا ذكرنا كلّه يظهر تسامح شيخنا دام ظلّه في تعبير عنوان المسألة بالورود على من له أدنى دراية، و أما الكلام في المقام الثّاني و هو حكم تعارض القاعدة مع الاستصحابات الموضوعيّة المطابقة لأصالة الفساد فمجمل القول فيه أنّه إن جعلنا أصالة الصّحة من الأمارات و الاستصحاب من الأصول كما هو الظّاهر، فلا إشكال في حكومتها عليه أيضا حسبما بنى عليه الأستاذ العلاّمة، و إن قلنا باعتبارهما من باب التّعبّد الظّاهري أو من باب الظّن، أو اعتبار الاستصحاب من باب الظّن و اعتبار أصالة الصّحة من باب التّعبّد، ففي حكومتها على الاستصحاب كما هو المختار، و يظهر وجهه من إبطال الوجهين الأخيرين، أو العكس، أو تعارضهما و تساقطهما و الرّجوع إلى أصالة الفساد وجوه:
يستدلّ للثّاني بأن الشّك في مجرى أصالة الصّحة و هو الشّك في ترتّب الأثر على الفعل الموجود و عدمه مسبّب بالفرض من الشّك في مجرى الاستصحاب فيحكم بحكومته عليها على ما عرفت سابقا.
و بعبارة أخرى: أصالة الصّحة إنّما يحكم بترتّب الأثر على البيع المشكوك صدوره عن بالغ، أو عن غيره مثلا و يوجب البناء على صحّته إذا لم يكن هناك ما يبيّن حال البيع المذكور و يقضي بكونه صادرا من غير البالغ و المفروض وجوده في المقام و هو استصحاب عدم، بلوغ البائع، فإنه يقضي بكون البيع صادرا عن غير
........
الشرح
البالغ فالاستصحاب يكون حاكما على أصالة الصّحة سيّما على القول باعتبارها من باب التّعبد و اعتباره من باب الظّن، بل أقول: بناء على هذا التّوهّم ينبغي القول بحكومة الاستصحاب على أصالة الصّحة و إن قيل باعتبارها من باب الظّن و اعتباره من باب التّعبّد، لأنه قضيّة تسبّب الشّك في مجراها عن مجراه على ما عرفت في بيان حكومة أصالة الصّحة على أصالة الفساد على القول باعتبارها من باب الظّن و اعتبار أصالة الصّحة من باب التّعبّد، و لعلّ إلى هذا الوجه استند من خصّ جريان أصالة الصّحة في العقود بصورة العلم بكمال المتعاقدين و نحوها كثاني المحقّقين فيما تقدّم من كلامه و إن احتمل الاستناد إلى الوجه الثّالث، و إن كان ظاهر ما يحكى عنه الاستناد إلى غيرهما من عدم صدق العقد بدونه.
هذا ملخّص ما يقال في وجه حكومة الاستصحاب على القاعدة، و لكنك خبير بضعفه، لأنّ أصالة الصّحة معيّنة ظاهريّة للموضوع من حيث ترتّب الصّحة عليه لا أنّها جارية في نفس الأثر و الصّحة. و بعبارة أخرى: أصالة الصّحة تقتضي كون الفعل الموجود هو الفرد الصّحيح منه من حيث هو صحيح، فإذا شكّ في كون العقد الصّادر صادرا عن بالغ، أو غيره فيقضى بأنّه صادر عن البالغ من حيث الحكم بإفادته للنّقل و الانتقال لا وجوب الحكم بصحّته و ترتّب الأثر عليه نظير الأصل الحكمي، فكما أنّ الاستصحاب يقتضي كونه عقدا صادرا من غير البالغ على الزّعم المذكور و معين ظاهري لأحد المحتملين، كذلك أصالة الصّحة يقتضي كونه صادرا من بالغ و معيّنة للمحتمل الآخر فهما في مرتبة واحدة على الزّعم المذكور، هذا كلّه مضافا إلى ما ستعرف عن قريب من فساد الزّعم المذكور و عدم صلاحيّة الاستصحاب لتعيين كون العقد صادرا عن غير البالغ، و للثّالث بأنّ أصالة الصّحة كما تقضي بكون الفعل هو الفرد الصّحيح كذلك أصالة عدم البلوغ مثلا تقضي بكونه هو الفرد الفاسد منه فكلّ منهما معيّن ظاهريّ لأحد
........
الشرح
الموضوعين الضدّين، و هذا بخلاف أصالة الفساد فإنّها إنّما تقتضي مجرّد الفساد و عدم ترتّب الأثر فلا يعيّن حال الفعل الخارجي فهي بالنّسبة إلى أصالة الصّحة من قبيل الأصل الحكمي بالنّسبة إلى الأصل الموضوعي، و هذا بخلاف الاستصحابات الموضوعيّة فإنّها في عرض أصالة الصّحة فيحكم إذا بتعارضهما و الرّجوع إلى أصالة الفساد لا يقال إنّ أصالة عدم البلوغ لا يقتضي كون البيع صادرا عن غير البالغ كما أنّ أصالة الصّحة يقتضي كون البيع صادرا عن البالغ، فإنّ عدم بلوغ العاقد لا يلازم شرعا لكون عقده متّصفا بكونه صادرا عن غير البالغ و إنّما يلازم ذلك عقلا بعد فرض صدور العقد عنه على ما هو المفروض، و إلاّ فلا ملازمة بينهما أصلا كما لا يخفى، و من المعلوم الّذي مرّ الكلام فيه مشروحا عدم جواز التّعويل على الأصول المثبتة فاستصحاب عدم البلوغ لا يقتضي بكون البيع الخارجي صادرا عن غير البالغ حتّى يعارض أصالة الصّحة فينتفي المعارضة إذا بين استصحاب عدم البلوغ من حيث اقتضائه عدم صدور العقد عن البالغ الّذي يرجع في الحقيقة إلى أصالة عدم وجود السّبب الشّرعي و أصالة الصّحة إذ من المعلوم عدم تدافعها لما دلّ على كون الموجود في الخارج سببا و يقتضي سببيّته، لأنّ ما يدلّ على سببيّة الموجود حاكم على ما يدلّ ظاهرا على عدم وجود السّبب الشّرعي نظير حكومة ما يدلّ على مانعيّة المذي مثلا على استصحاب عدم وجود الرّافع للطّهارة لو فرض ثمّة ما يدلّ عليها.
فإن قلت: ما يقضي بعدم وجود السّبب يقضي بعدم سببيّة الموجود أيضا و كونه من أفراد غير السّبب لعدم تعقّل التّفكيك بينهما فهو يعارض بهذا الاعتبار ما يقضي بسببيّته. قلت: عدم التّفكيك بين العدمين، و إن كان مسلّما إلاّ أنّ تلك الملازمة إنّما جاءت من حكم العقل لا من حكم الشّرع فهو كرّ على ما فرّ منه و لا يجوز إجراء الأصل أي استصحاب العدم بالنّسبة إلى نفس الفعل الموجود بأن
........
الشرح
يقال الأصل عدم صدوره من بالغ مثلا، لأنه يرد عليه، مضافا إلى إمكان منع أصل جريانه أنّه لا يقضي بكون البيع المفروض صادرا عن غير البالغ لوجهين:
أحدهما: كونه أصلا مثبتا كما هو واضح.
ثانيهما: كونه معارضا بأصالة عدم صدوره عن غير البالغ.
هذا كلّه مضافا إلى أنّه لو بني على تلك الملاحظة لزم الحكم باقتضاء أصالة الفساد أيضا لكون العقد الخارجي صادرا عن غير البالغ مثلا و هو كما ترى، لأنّا نقول إثبات كون البيع هو البيع الصّادر عن غير البالغ باستصحاب عدم، بلوغ البائع بعد فرض العلم بصدور العقد عنه ليس من التّعويل على الأصل المثبت لعدم واسطة في البين، و لو فرض ثمّة واسطة فلا ريب في كونها من الوسائط الخفيّة الغير المانعة عن التّعويل على الأصل لإثبات الحكم المترتّب عليها على ما عرفت تفصيل القول فيه في طيّ كلماتنا السّابقة.
و بالجملة: ليس التّمسك باستصحاب عدم البلوغ لإثبات كون البيع متّصفا بكونه عن غير البالغ و مقيّدا به إلاّ كالتّمسّك بالاستصحابات العدميّة لإثبات القيود العدميّة للموضوعات الوجوديّة الّتي تكون كلماتهم مشحونة بها كما يعلم من الرّجوع إليها كاستصحاب عدم صدور الكبيرة ممّن علم بوجود ملكة العدالة له بناء على أنّ العدالة هي الملكة مع عدم صدور الكبيرة فعلا، و كأصالة عدم تعلّق حقّ الغير بالمال الّذي يراد صرفه فيما يكون تعلّق حقّ الغير به مانعا عنه إذا شكّ في تعلّقه به، و كأصالة عدم تغيّر الماء بالنّجس فيما شكّ في تغيّره به و كأصالة عدم الفسق في العالم إذا أمر بإكرام العالم الغير الفاسق إلى غير ذلك من الأمثلة و النّظائر، هذا ملخّص ما يقال في توجيه الوجه الثّالث، و لكنّك خبير بما فيه، أمّا أوّلا: فلأنّ دعوى خروج الأصل المذكور عن الأصول المثبتة ممّا لا وجه له أصلا، لأنّ كون العقد صادرا من غير البالغ ليس من الأحكام الشّرعيّة لعدم، بلوغ البائع،
........
الشرح
و قد مرّ الكلام في نظائره في طيّ كلماتنا السّابقة.
و الحاصل: أنّ أصالة عدم البلوغ إنّما يقتضي ترتّب الآثار الشّرعيّة المترتّبة على عدم، بلوغه، بلا واسطة و لا يشخّص حال الموجود الخارجي و كونه مقيّدا بمجراه، و أما تمسّك الأصحاب بأمثال الأصل المذكور و نظائره في أبواب الفقه فإنّما هو من جهة بنائهم على اعتبار الأصول المثبتة في الجملة.
و أمّا ثانيا: فلأنّه و إن سلّم عدم المانع في إثبات كون العقد صادرا عن غير البالغ من جهة استلزامه التّعويل على الأصل المثبت أمّا من جهة منع الواسطة، أو خفائها، و أما من جهة القول باعتبار الأصول المثبتة إلاّ أنّا ندّعي وجود المانع له من جهة أخرى و هو إن الفساد ليس من آثار العقد الصّادر من غير البالغ و من الأحكام المترتّبة عليه حتّى يمكن إثباته لترتّبه عليه و إن فرض له أثر آخر غير الفساد كما أنّ الصّحة من أحكام العقد الصّادر من البالغ، و من المعلوم ضرورة أنّ الموضوع الّذي لا يترتّب عليه الأثر الشّرعي أصلا لا يمكن إثباته بالأصل، لأنّ معنى الحكم بثبوت الموضوع ظاهرا ليس إلاّ جعل أحكامه في الظّاهر على ما عرفت الإشارة إليه غير مرّة، و كذا الموضوع الّذي لا يترتّب عليه أثر خاصّ لا يمكن إثباته لترتيب هذا الأثر لفرض عدم كونه أثرا له فلا يعقل تعلّق الخطاب الشّرعي بالالتزام بثبوت الموضوع بالنّسبة إلى هذا الأثر كما هو واضح، و إن أمكن الحكم بوجوده بالنّسبة إلى الأثر المترتّب عليه لو فرض الأمر كذلك و التّفكيك لا محذور فيه إذا كان مبناه على الظّاهر كما هو ظاهر و هذا هو المراد بما أفاده دام ظلّه، لأنّ عدم المسبّب من آثار عدم السّبب لا من آثار ضدّه و إن فرضنا أنّه يترتّب عليه آثار أخر حيث إنّ عدم جواز إثبات الضّد بناء على اعتبار الأصل المثبت من جهة عدم ترتّب الفساد عليه و إن فرض له أثر شرعيّ غيره حكم به من جهة ترتّب الحكم المذكور بناء على القول المذكور لا مطلقا فما أفاده مبنيّ على الإغماض عن
........
الشرح
مذهب الحقّ من عدم اعتبار الأصل المثبت، و أما الوجه في عدم ترتّب الفساد على العقد الصّادر من غير البالغ فهو إن الفساد عبارة عن عدم ترتّب الأثر كما أنّ الصّحة عبارة عن ترتّبه، فإذا استندت الصّحة إلى شيء فلا بدّ من أن يستند الفساد إلى نقيضه لا إلى ضدّه ضرورة أنّ عدم المسبّب مستند إلى عدم السّبب بناء على القول بكون الأعدام معلّلة لا إلى ضدّه، فإذا استندت الصّحة إلى العقد الصّادر من البالغ فلا بدّ من أن يستند الفساد إلى عدم صدور العقد عن البالغ الّذي هو نقيض صدوره عن البالغ إلى صدوره عن غير البالغ الّذي هو ضدّ صدوره عن البالغ، فإذا لم يترتّب الفساد على العقد الصّادر من غير البالغ فلا معنى لإثباته بالأصل، فإن شئت عبّرت عن المطلب.
بعبارة أخرى فقلت: إنّ النّقل و الانتقال مثلا إنّما هو مسبّب عن العقد التّمام الجامع لجميع الشّرائط المعتبرة فيه فعدمه إنّما هو مسبّب من عدم وجود العقد التّام لا من وجود العقد النّاقص ضرورة أنّ عدم المعلول مستند إلى عدم العلّة التّامة لا إلى العلّة النّاقصة و ليست من إفراد عدم العلّة التّامّة أيضا ضرورة استحالة انطباق المعدوم على الموجود و صدقه عليه حقيقة، و أما قول أهل الميزان إنّ نقيض أحد الضّدين يصدق على عين الآخر كلا إنسان، فإنه يصدق على الحجر و لا حجر، فإنه يصدق على الإنسان فإنّما هو توسّع في الإطلاق و تسامح فيه كما بيّن في محلّه، و إلاّ فالحمل المذكور لا ينطبق على حمل ذي هو من دون تحمل، مع أن كون العلّة النّاقصة من أفراد عدم العلّة التّامة لا يجدي نفعا في المقام، لأنّ من إثباته لا يمكن إثبات انطباقه على العلّة النّاقصة كما هو واضح لمن تأمّل فيما ذكرنا من أوّل التّعليقة إلى هنا.
و بالجملة: إسناد الفساد إلى العقد الصّادر من غير البالغ و حمله عليه كإسناده إلى سائر الأشياء الّتي لا ربط لها بالنّقل و الانتقال أصلا.
........
الشرح
فإن قلت: لو كان الأمر كما ذكرت فما وجه تقسيمهم للعقود إلى الصّحيحة و الفاسدة و عدّهم العقود الفاقدة لبعض الشّرائط الشّرعيّة من الأخيرة، بل مصداق العقد الفاسد منحصر فيها و هذا أمر لا يمكن إنكاره لأحد و لم ينكره أحد إذ كلماتهم مشحونة بنسبة الفساد إلى العقود و لم يسمع من أحدهم نسبته إلى غيرها ممّا لا دخل لها في النّقل و الانتقال.
قلت: نسبة الفساد إلى العقود الفاقدة للشّرائط و عدم نسبته إلى غيرها ممّا لا ربط لها بالنّقل و الانتقال أصلا و إن كانت مسلّمة إلاّ أنّها ليست من جهة استناده إليه واقعا و كونه من محمولاته الواقعيّة، بل إنّما هو من جهة التّوسّع في الإطلاق لاشتمالها على جملة ممّا يعتبر في العقد الصّحيح التّام، و إلاّ في عدم استناد الفساد إليه واقعا لا فرق بينها و بين غيرها من الأشياء، فإذا لم يبق في المقام في مقابل أصالة الصّحة المشخّصة للفعل في ضمن الفرد الصّحيح إلاّ أصالة عدم وجود العقد عن البالغ الّتي يرجع إلى أصالة عدم وجود السّبب الشّرعي الرّاجعة إلى أصالة الفساد حقيقة الّتي قد عرفت حكم مقابلتها لأصالة الصّحة كما إذا شكّ في غير ما يكون مسبوقا بالعدم من الشّرائط بناء على كون عدم الشّرط عين عدم المركّب المشروط به من حيث لحاظ التّركيب معه ذهنا لا مستلزما له بحكم العقل كما أنّ عدم الجزء عين عدم الكلّ، و من المعلوم أن ما يدلّ على عدم وجود السّبب في الظّاهر لا يعارض ما يدلّ على سببيّة الموجود، لأنّ دلالته على عدم وجوده إنّما هو من حيث عدم قيام ما يدلّ على سببيّة الموجود، فإذا قام ثمّة ما يدلّ عليها فلا يعارضه.
فإن قلت: أصالة عدم وجود السّبب الشّرعي و إن لم تعارض في نفسها ما يدلّ على سببيّة الموجود، بل هي نظير أصالة الفساد، إلاّ أنّ الحكم بعدم السّبب من جهة الحكم بعدم وجود الشّرط المشكوك كالبلوغ لا يجامع الحكم ظاهرا بكون
فنقول: أما تقديمه على استصحاب الفساد و نحوه فواضح، لأن الشك في بقاء الحالة السابقة على الفعل المشكوك، أو ارتفاعها ناش عن الشك في سببية هذا الفعل و تأثيره، فإذا حكم بتأثيره فلا حكم لذلك الشك خصوصا إذا جعلنا هذا الأصل من الظواهر المعتبرة فيكون نظير حكم الشارع بكون الخارج قبل الاستبراء بولا الحاكم على أصالة بقاء الطهارة.
الشرح
الموجود مشتملا عليه فيحكم الشّارع بمقتضى استصحاب عدم البلوغ بالبناء على عدم صدور العقد عن البالغ لا يجامع حكمه بالبناء على كون الموجود عقدا من البالغ، كما أنّه لا يجامع حكمه بالبناء على وجود عقد من البالغ فدعوى حكومة أصالة الصّحة على الاستصحابات الموضوعيّة فاسدة.
قلت: نمنع من كون ما يدلّ على عدم وجود صدور العقد عن البالغ في مرتبة ما يدلّ على كون العقد الموجود صادرا عن البالغ كما أنّه في مرتبة ما يدلّ على وجود العقد عن البالغ لو فرض ثمّة ما يدلّ عليه، فإنّ الّذي في مرتبة ما يدلّ على كون العقد الموجود صادرا عن غير البالغ، و قد عرفت أنّه ليس في المقام ما يدلّ عليه هذا ملخّص ما أفاده الأستاذ العلاّمة دام ظلّه و خطر بالبال في بيان حكومة أصالة الصّحة على الاستصحابات الموضوعيّة و فساد الوجه الثّالث، و عليك بالتّأمّل و إمعان النّظر فيه لعلّك تجده حقيقا بالقبول.
ثمّ إنّ هذا كلّه إنّما هو فيما لو أردنا تقديم أصالة الصّحة على الاستصحابات الموضوعيّة من حيث الحكومة، و إلاّ فأصل تقديمها عليها على فرض تسليم تعارضهما و كونهما في مرتبة واحدة ممّا لا ينبغي الإشكال فيه، و لو كان اعتباره من باب الظّن و اعتبارها من باب التّعبّد و أخصيّة ما دلّ على اعتبار أصالة الصّحة ممّا دلّ على الاستصحابات كما هو واضح فلا معنى للرّجوع إذا إلى أصالة الفساد على تقدير التّعارض أيضا.
لأنّ هذا الأصل إن كان من الظواهر المعتبرة فهو كاليد دليل اجتهادي لا يقاومه الاستصحاب، و إن كان أصلا تعبديا فهو حاكم على أصالة الفساد لأن مرجعها إلى استصحاب عدم تحقق الأثر عقيب الفعل المشكوك في تأثيره و إذا ثبت التأثير شرعا بهذا الأصل فيترك العدم السابق، و أما تقديمه على الاستصحابات الموضوعية المترتب عليها الفساد كأصالة عدم البلوغ و عدم اختبار المبيع بالرؤية، أو الكيل، أو الوزن فقد اضطرب فيه كلمات الأصحاب خصوصا العلامة و بعض من تأخر عنه.
و التحقيق: أنه إن جعلنا هذا الأصل من الظواهر كما هو ظاهر كلمات جماعة، بل الأكثر فلا إشكال في تقديمه على تلك الاستصحابات، و إن جعلناه من الأصول فإن أريد بالصحة في قولهم إن الأصل الصحة نفس ترتب الأثر فلا إشكال في تقديم الاستصحاب الموضوعي عليها، لأنه مزيل بالنسبة إليها و إن أريد بها كون الفعل على وجه يترتب عليه الأثر فيكون الأصل مشخصا للموضوع من حيث ثبوت الصحة له لا مطلقا، ففي تقديمه على الاستصحاب الموضوعي نظر، لأنه إذا شك في بلوغ البائع فالشك في كون الواقع البيع الصحيح بمعنى كونه بحيث يترتب عليه الأثر شك في كون البيع صادرا من بالغ، أو غيره، و هذا مرجعه إلى الشك في بلوغ البائع فالشك في كون البيع الصادر من شخص صادرا من بالغ الذي هو مجرى أصالة الصّحة، و الشك في بلوغ الشخص الصادر منه العقد الذي هو مجرى الاستصحاب مرجعهما إلى أمر واحد و ليس الأول مسببا عن الثاني فإن الشك في المقيد باعتبار القيد شك في القيد.
فمقتضى الاستصحاب ترتب أحكام العقد الصادر من غير بالغ و مقتضى هذا الأصل ترتب الحكم الصادر من بالغ، فكما أن هذا الأصل معين ظاهري
للموضوع و طريق جعلي إليه فكذلك استصحاب عدم البلوغ طريق ظاهري للموضوع، فإن أحكام العقد الصادر من غير البالغ لا تترتب عند الشك في البلوغ إلا بواسطة ثبوت موضوعها بحكم الاستصحاب. نعم لو قيل بتقديم المثبت على الثاني عند تعارض الأصلين تعين ترجيح أصالة الصحة، لكنه محل تأمل.
و يمكن أن يقال هنا إن أصالة عدم البلوغ يوجب الفساد لا من حيث الحكم شرعا بصدور العقد من غير بالغ، بل من حيث الحكم بعدم صدور عقد من بالغ فإن بقاء الآثار السابقة للعوضين مستند إلى عدم السبب الشرعي لا إلى عدم السببية شرعا في ما وقع.
نعم لما كان المفروض انحصار الواقع في ما حكم شرعا بعدم سببية تحقق البقاء فعدم سببية هذا العقد للأثر الذي هو مقتضى الاستصحاب لا يترتب عليه عدم الأثر، و إنما يترتب على عدم وقوع السبب المقارن لهذا العقد فلا أثر لأصالة عدم البلوغ المقتضية، لعدم سببية العقد المذكور حتى تعارض أصالة الصحة المقتضية لسببيته و أصالة الصحة تثبت تحقق العقد الصادر عن بالغ، و لا معارضة في الظاهر بين عدم سببية هذا العقد الذي هو مقتضى الاستصحاب و بين وقوع العقد الصادر عن بالغ الذي يقتضيه أصالة الصحة، لأن وجود السبب ظاهرا لا يعارضه عدم سببية شيء و إن امتنع اجتماعهما في الواقع من حيث إن الصادر شيء واحد.
لكن يدفع هذا أن مقتضى أصالة الصحة ليس وقوع فعل صحيح في الواقع، بل يقتضي كون الواقع هو الفرد الصحيح، فإذا فرض نفي السببية عن هذا الواقع بحكم الاستصحاب حصل التنافي، و إن قيل: إن الاستصحاب لا يقتضي نفي السببية لأن السببية ليست من المجعولات، بل يثبت بقاء الآثار السابقة.
قلنا: كذلك أصالة الصحة لا تثبت وقوع السبب و إنما تثبت حدوث آثار السبب و كيف كان فدفع التنافي بين الأصلين و إثبات حكومة أحدهما على الآخر في غاية الإشكال.
أمّا الأقوال: فالصحة فيها تكون من وجوه:
الأول: من حيث كونه حركة من حركات المكلف فيكون الشك من حيث كونه مباحا، أو محرما و لا إشكال في الحمل على الصحة من هذه الحيثية.
الثاني: من حيث كونه كاشفا عن مقصود المتكلم.
و الشك من هذه الحيثية يكون من وجوه:
أحدهما: من جهة أن المتكلم بذلك القول قصد الكشف بذلك عن معنى أم لم يقصد، بل تكلم به من غير قصد لمعنى و لا إشكال في أصالة الصحة من هذه الجهة بحيث لو ادعى كون التكلم لغوا، أو غلطا لم يسمع منه.
الثاني: من جهة أن المتكلم صادق في اعتقاده و معتقد لمؤدى ما يقوله أم هو كاذب في هذا التكلم في اعتقاده و لا إشكال في أصالة الصحة هنا أيضا، فإذا أخبر بشيء جاز نسبة اعتقاد مضمون الخبر إليه و لا يسمع دعوى أنه غير معتقد لما يقوله، و كذا إذا قال افعل كذا جاز أن يسند إليه أنه طالبه في الواقع لا أنه مظهر للطلب صورة لمصلحة كالتوطين، أو لمفسدة، و هذان الأصلان مما قامت عليهما السيرة القطعية مع إمكان إجراء ما سلف من أدلة تنزيه فعل (1) المسلم عن القبيح في المقام لكن المستند فيه ليس تلك الأدلة.
الشرح
(1) لا يخفى عليك أنّ ما ذكره دام ظلّه مناف لما بنى الأمر عليه سابقا في معنى الأخبار الواردة في تنزيه فعل المسلم عن القبيح و القول بأنّ المراد من الأدلّة
الثالث: من جهة كونه صادقا في الواقع، أو كاذبا، و هذا معنى حجية خبر المسلم لغيره فمعنى حجية خبره صدقه، و الظاهر عدم الدليل على وجوب الحمل على الصحيح، و الظاهر عدم الخلاف في ذلك إذ لم يقل أحد بحجية كل خبر صدر من مسلم، و لا دليل يفي بعموم عليه حتى ترتكب دعوى خروج ما خرج بالدليل من الداخل.
و ربّما يتوهم وجود الدليل العام من مثل الأخبار المتقدمة الآمرة بوجوب حمل أمر المسلم على أحسنه، و ما دل على وجوب تصديق المؤمن و عدم اتهامه عموما و خصوصا قوله عليه السلام: «إذا شهد عندك المسلمون فصدقهم» و غير ذلك مما ذكرنا في بحث حجية خبر الواحد، و ذكرنا عدم دلالتها مع أنه لو فرض دليل عام على حجية خبر كل مسلم كان الخارج منه
الشرح
غير الأخبار لا يخفى ما فيه، و بالجملة: المستند في أصالة القصد و اعتقاد مضمون الكلام ليس إلاّ بناء العقلاء في كلام كلّ متكلّم كما أنّ المستند في أصالة الحقيقة ليس إلاّ بناء العرف و العقلاء.
ثمّ إنّه دام ظلّه لم يذكر بعض الأقسام في دوران الأمر في اللّفظ الصّادر من المتكلّم كما إذا دار الأمر بين كونه غلطا بحسب قواعد اللّغة و العربيّة كإرادة المعنى المجازي منه من دون علاقة أو من دون قرينة مع كون المقام مقام الحاجة و نصب القرينة و كما إذا تكلّم، بلفظ في العقود، أو الإيقاعات مردّد بين أن يكون المراد منه ما هو صحيح في الشّرع، أو فاسد، فإنه قد قيل بحمله على ما يكون صحيحا في الشّرع حتّى تعدّى بعض فحكم بذلك حتّى فيما كان اللّفظ ظاهرا في المعنى لكن هذا كلّه خلاف التّحقيق الثّابت عندنا و إن ذكره جمع كثير، فإنه لا مستند للأصل المذكور أصلا إلاّ بناء العرف و العقلاء على ما أسمعناك مرارا و ليس ممّا له تعلّق بالشّرع و إن أمضاه الشارع في محاوراته و خطاباته.
أكثر من الداخل لقيام الإجماع على عدم اعتباره في الشهادات و لا في الروايات، إلا مع شروط خاصة و لا في الحدسيات و النظريات إلا في موارد خاصة مثل الفتوى و شبهها.
نعم يمكن أن يدعى أن الأصل في خبر العدل الحجية (1) لجملة مما ذكرناه في أخبار الآحاد و ذكرنا ما يوجب تضعيف ذلك فراجع.
و أمّا الاعتقادات فنقول إذا كان الشك في أن اعتقاده ناش عن مدرك صحيح من دون تقصير عنه في مقدماته، أو من مدرك فاسد لتقصير منه في مقدماته، فالظاهر وجوب الحمل على الصحيح لظاهر بعض ما مر من وجوب حمل أمور المسلمين على الحسن دون القبيح.
الشرح
(1) لا يخفى أنّ هنا مقامات:
أحدها: أنّ الأصل في خبر المسلم الحجيّة أم لا ذهب ذاهب إلى ثبوت الأصل المذكور، و ربما ينسب إلى الشّيخ رحمه اللّه و النّسبة في غير محلّه و على تقدير ثبوتها فهو من جهة ذهابه إلى أنّ الأصل في المسلم العدالة من حيث ظهور الإسلام فيها لا أنّ الأصل في خبر المسلم الحجّية و إن كان فاسقا، و هذا الأصل لم يثبت عندنا، بل الثّابت بمقتضى آية النّبإ و غيرها عدمه.
ثانيها: أنّ الأصل في خبر العادل الحجيّة أم لا ذهب جماعة إلى ثبوت الأصل المذكور مطلقا في الأحكام و الموضوعات إلى أن يجيء المخرج كما في مقام التّرافع و غيره في الجملة، و الحقّ عدم ثبوت الأصل المذكور أيضا لعدم الدّليل عليه، و قد عرفت تفصيل القول فيه في الجزء الأوّل من التّعليقة.
ثالثها: أنّ الأصل في خبر العدلين الحجيّة أم لا ذهب جماعة كثيرة إلى ثبوته سيّما بالنّسبة إلى الموضوعات و تمسّكوا له بالاستقراء و الإجماع و بجملة من الأخبار المدّعى ظهورها في المدّعى، و الحقّ إمكان الخدشة في الأصل المذكور
و أمّا إذا شك في صحته بمعنى المطابقة للواقع (1) فلا دليل على وجوب الحمل على ذلك و لو ثبت ذلك أوجب حجية كل خبر أخبر به المسلم لما عرفت من أن الأصل في الخبر كونه كاشفا عن اعتقاد المخبر، أما لو ثبت حجية خبره (2) فقد يعلم أن العبرة باعتقاده بالمخبر به كما في المفتي و غيره ممن يعتبر
الشرح
أيضا و ليس المقام مقام بسط القول فيه.
رابعها: أنّ الأصل في خبر أربعة عدول الحجّية أم لا و الظّاهر أنّه لا إشكال في ثبوته بالنّسبة إلى الموضوعات، و أما الأحكام فلا و تفصيل القول في الشّرح المذكور يظهر من الرّجوع إلى ما ذكرناه في الجزء الأوّل من التّعليقة.
(1) لا يخفى عليك أنّ الاعتقاد من هذه الحيثيّة كالإخبار من حيث احتمال الصّدق و الكذب فيه، و من المعلوم أنّ أمره أشكل من أمر الخبر، حيث إنّه توهّم فيه ثبوت بعض ما يدلّ عموما على وجوب الحمل على الصّدق بالنّسبة إليه كقوله إذا شهد عندك المسلمون فصدّقهم و غيره، و القول بأنّ المراد ممّا دلّ على وجوب تصديق المسلم في إخباره هو تصديقه في اعتقاده من أيّ طريق انكشف قولا كان، أو فعلا، أو غيرهما إذ لا مدخليّة لخصوص لفظه لا يخفى ما فيه و ستقف بعض الكلام على هذا فيما بعد إن شاء اللّه تعالى.
(2) لا يخفى عليك وضوح ما ادّعاه الأستاذ العلاّمة دام ظلّه من الملازمة بين حجّية الاعتقاد، سواء كان في الحدسيّات، أو في الحسيّات و حجيّة خبره من غير عكس لما عرفت من قيام الدّليل القطعي على كون الأصل في الخبر أن يكون على طبق اعتقاد المخبر و هو طريق إلى اعتقاده عند العقلاء بحيث لا يلتفتون إلى احتمال خلافه و القول بمنع الملازمة من جهة إمكان اعتبار كاشف آخر غير القول كالكتابة و نحوها ممّا لا يخفى فساده و هذا بخلاف الخبر، فإنه ربما تكون الحجّة في الشّرع تعبّدا خصوص خبره و قوله بحيث لو علم اعتقاده من دون أن يخبر عنه
........
الشرح
لم يترتّب عليه أثر أصلا، بل ربما يقوم الدّليل على اعتبار قسم خاصّ من خبره مثل أن يقوم الدّليل على اعتبار إخباره عن نفس الواقع دون إخباره عن اعتقاده بثبوت الشّيء في الواقع كما ربما يدّعى في باب القضاء بالنّسبة إلى بعض المقامات.
و بالجملة: لا إشكال في ثبوت اعتبار الخبر من حيث إنّه خبر في الجملة في الشّرعيّات دون الاعتقاد بحيث لا مجال لإنكاره كما في باب الشّهادات كما أنّه لا إشكال في ثبوت اعتبار الاعتقاد في الجملة، فإن علم من الدّليل كون المناط هو الاعتقاد كما في اعتقاد المجتهد في خصوص المقلّد، فإنّ المعتبر في حقّه هو خصوص اعتقاده و نظره و إن لم يظهره أصلا، لأنّ الحجّة في حقّه و حقّ مقلّديه أمر واحد فلا إشكال كما أنّه إذا علم من الدّليل خصوصيّة لخصوص الخبر لم يكن إشكال أيضا كما في باب الدّعاوي إنّما الإشكال في صورة الدّوران و عدم قيام دليل بالخصوص على أحدهما فهل قضيّة القاعدة بالنّسبة إلى ما دلّ على حجيّة خبر العادل، أو العدلين عموما الاقتصار على خصوص إخباره، أو يتعدى إلى كلّ ما يكشف عن اعتقاده من الفعل و الكتب الّذي ربما يسمّى إخبارا مسامحة و الإشارة، أو يحكم بأنّ المناط نفس اعتقاده و لو كشف بالإلهام، أو لم يكشف أصلا إذا وقع العمل على طبقه فيما لا يحتاج إلى قصد التّقرّب فيقال بكونه موجبا للبراءة من الواقع وجهان، مقتضى مراعاة قواعد اللّفظ و الأخذ بظواهرها هو الأوّل فيبنى عليه حتّى يعلم من الخارج خلافه ضرورة عدم صدق الخبر على سائر الكواشف و على مجرّد الاعتقاد كما أنّ الأمر كذلك فيما لم يكن ثمّة ظاهر يقتضي ما ذكرنا أيضا، لأنّ المتيقّن هو الاقتصار على الخبر فيرجع إلى أصالة عدم الحجّية عند الشّكّ كما هو واضح، و لكن ذكر الأستاذ العلاّمة أنّه لا يبعد القول بالثّاني سيّما إذا علمنا أنّه بمثابة لو سألناه لأخبر، لأنّ مقتضى الجمود على أدلّة حجيّة الخبر، و إن كان هو القول بعدم اعتبار غير ما يصدق عليه الخبر كائنا ما
........
الشرح
كان، إلاّ أنّ مقتضى التّأمل فيها كون المراد منها إثبات اعتبار اعتقاده على النّحو المذكور بأيّ طريق حصل العلم به و أيّد ما ذكره دام ظلّه بوجوه أحدها ما ذكروه في باب الإقرار من أنّه لو قال شخص بأنّه لو أخبر فلان باشتغال ذمّتي لفلان بكذا مثلا كان قوله حقّا كان إقرارا مع عدم وجود الخبر المعلّق عليه. نعم منع جماعة من العامّة من كونه إقرارا من جهة احتمال كونه من باب التّعليق على المحال فنقول في المقام أيضا أنّه إذا أوجب الشّارع تصديق العادل على تقدير إخباره وجب الحكم بوجوب العمل على خبره التّقديري.
هذا و فيه ما لا يخفى لوضوح فساد قياس المقام بالإقرار، فإنّ الحكم بكون قول المخبر في الفرض المزبور إقرارا إنّما هو من جهة عدم معقوليّة تأثير المعلّق عليه في اشتغال ذمّته، و من هنا يحكم عليه على تقدير تعليقه اشتغال الذّمّة على غير الإخبار أيضا إذا كان ممكن الحصول كمجيء زيد و ركوب عمرو و قيام خالد إلى غير ذلك و هذا بخلاف المقام، فإنّ الحجّة فيه الخبر الغير الصّادق على الفعل قطعا و الحكم بوجوب تصديق العادل على تقدير الإخبار لا يعقل أن يقتضي وجوب تصديقه قبله، و إلاّ لزم انفكاك المحمول عن الموضوع و تقدّمه عليه و هو محال.
و بالجملة: القياس المذكور ممّا لا ريب في عدم استقامته. ثانيها: ما ورد في بعض الأخبار من أنّ من ثمرات العدالة أنّ اللّه تبارك و تعالى جعل من اتّصف بها مقبول القول في الدّنيا و مستحقّ الجنّة في الآخرة، فإنّ الظّاهر منه كون سماع القول في الدّنيا أجرا للعادل من جهة عدالته و من الظّاهر أنّه من جهة احترام العادل الحاصل بالبناء على تصديقه في اعتقاده و لا دخل لخصوص لفظه فيه أصلا هذا و فيه أيضا ما لا يخفى، لأنّ الخبر على تقدير العمل به كسائر ما ادّعي دلالته على حجيّة خبر العادل كآية النّبإ و غيرها و دعوى كون المراد منها إيجاب تصديق العادل في اعتقاده بأيّ طريق انكشف في محلّ المنع. ثالثها: ما عليه اتّفاقهم ظاهرا
........
الشرح
في باب الأجير في الحجّ و غيره من العبادات من أنّه إذا كان عادلا و علم من حاله أنّه يخبر بوقوع الفعل منه صحيحا لو سئل منه اكتفى في براءة ذمّة الوصيّ و الوليّ و غيرهما و لا يشترط الإخبار الفعلي و ليس ذلك إلاّ من جهة كون الإخبار الثّاني منه حجّة لا خصوص الإخبار الفعلي، و ليس هذا إلاّ من جهة وجوب تصديق اعتقاده، و فيه: أنّ حكمهم بذلك لم يعلم كونه من جهة ما ذكر فلعلّه كان من جهة أصالة الصّحة في فعله كأخذه الأجرة و التّصرّف فيها و لو فرض عدم فعل منه أصلا لكان اتّفاقهم في خصوص المقام قاضيا بوجوب الحكم به و لا يجوز التّعدي عنه إلى غيره فتدبّر.
و قد مضى بعض الكلام فيما يتعلّق بالمقام في طيّ كلماتنا السّابقة فتبيّن ممّا ذكرنا كلّه أنّه لا دليل يعتدّ به في إثبات كون الأصل في اعتقاد من ثبت حجيّة خبره الحجيّة بأيّ طريق انكشف.
ثمّ إنّه يتفرّع على ثبوت الأصل المذكور فروع:
أحدها: الحكم بعدالة من اقتدى به الغير في الصّلاة الّتي لا يجوز الاقتداء فيها بغير العادل لا كالصّلاة على الميّت، أو عمل غير الصّلاة بالنّسبة إلى شخص من الأعمال المشروطة بالعدالة، فإنه بناء على الأصل المذكور يحكم بعدالته بمجرّد ذلك، لكن هذا مبنيّ على عدم كون المناط في العدالة حصول الظّن بها من أيّ سبب حصل، و إلاّ فلا إشكال في جواز الاكتفاء به باقتداء من يحصل الظّن من ائتمامه و لو كان فاسقا.
ثانيها: الحكم بدخول الوقت من جهة صلاة عدلين معتقدين بدخول الوقت بناء على اعتبار إخبارهما بالدّخول كما هو الظّاهر.
ثالثها: الحكم باعتبار تعديلات أهل الرّجال كالكشّي و النّجاشي و الشّيخ قدس أسرارهم لرجال الحديث، فإنه بناء على اعتبار كلّ ما يكشف عن الاعتقاد بكون
نظره في المطلب فيكون خبره كاشفا عن الحجة لا نفسها، و قد يعلم من الدليل حجية خصوص إخباره بالواقع حتى لا يقبل منه قوله اعتقد بكذا، و يدل الدليل على حجية خصوص شهادته المتحققة تارة بالإخبار عن الواقع و أخرى بالإخبار بعلمه به و المتبع في كل مورد ما دل عليه الدليل، و قد يشتبه مقدار دلالة الدليل و يترتب على ما ذكرنا قبول تعديلات أهل الرجال المكتوبة في كتبهم و صحة التعويل في العدالة على اقتداء العدلين.
و تفصيل القول فيها يحتاج إلى بسط لا يسعه الوقت (1) و مجمل القول فيها
الشرح
كتابهم مرجعا، بلا إشكال.
نعم قد يدّعى الإجماع على اعتبار تعديلاتهم مع قطع النّظر عن ثبوت الأصل المذكور إلى غير ذلك من الفروع الّتي يستخرجها المتأمّل المتدبّر.
(1) الكلام في القرعة قد يقع في أنّها من الأمارات، أو الأصول و قد يقع على تقدير كونها من الأصول في حكم تقابلها مع الاستصحاب و غيره من الأصول و قد يقع في تشخيص موارد جريانها من حيث عمومها لكلّ مشكل، أو اختصاصها بالمشتبه فلا يجري فيما إذا لم يكن هناك واقع مجهول و من حيث اختصاصها بالشّبهة الموضوعيّة الصّرفة، أو يعمّ كلّ مشتبه و قبل الخوض في المطلب ينبغي الإشارة إلى ما يدلّ على مشروعيّة القرعة فنقول أمّا أصل مشروعيّة القرعة فهو مما لا خلاف فيه بين المسلمين، بل إجماعهم عليه بحيث لا يرتاب فيه ذو مسكة و يكفي في القطع بتحقّق الإجماع ملاحظة الإجماعات المتواترة المنقولة في ذلك من زمان الشّيخين إلى زماننا هذا كما هو واضح لمن راجع إلى كلماتهم، بل يمكن دعوى الضّرورة الفقهائيّة عليه و يدلّ عليه قبل الإجماع الكتاب و السّنة. أمّا
........
الشرح
الكتاب فقد قال اللّه سبحانه في بيان أحوال يونس النّبي عليه السلام: فَسٰاهَمَ فَكٰانَ مِنَ اَلْمُدْحَضِينَ أي فقارع فصار من المغلوبين بالقرعة و أصل المدحض الزّلق روي أنّ يونس لمّا أوعد قومه بالعذاب خرج من بينهم قبل أن يأمره اللّه فركب في السّفينة فوقف السّفينة فقالوا هنا عبد أبق من مولاه فأقرعوا فخرجت القرعة على يونس فرموه و رمى بنفسه في الماء فالتقمه الحوت، و قد ورد في بعض الأخبار احتجاج الإمام عليه السلام بالآية على مشروعيّة القرعة كما ستقف عليه، و قال سبحانه: وَ مٰا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلاٰمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ، و أما السّنّة فقد بلغت حدّ التّواتر إلاّ أنّا نذكر بعضها منها تيمّنا:
فمنها: ما رواه الصّدوق في الفقيه و الشّيخ في التّهذيب عن محمّد بن حكم قال سألت أبا الحسن موسى عليه السلام عن القرعة في أيّ شيء فقال: «كلّ مجهول ففيه القرعة، فقلت له: أنّ القرعة تخطئ و تصيب، فقال: كلّ ما حكم اللّه تعالى به فليس بمخطئ»، قال بعض من قارب عصرنا من الأفاضل بعد نقل الحديث أنّه يحتمل معنيين:
أحدهما: أنّ حكم اللّه تعالى لا يخطئ في القرعة أبدا.
الثّاني: أنّ ما خرج بالقرعة فهو حكم اللّه و إن أخطأت القرعة، فإنّ الحكم ليس بخطاء.
و منها: مرسلة الفقيه عن الصّادق عليه السلام فقال: «ما تقارع قوم ففوّضوا أمرهم إلى اللّه تعالى إلاّ ما خرج سهم الحقّ»، و قال: «أيّ فقيه أعدل من القرعة إذا فوّض أمره إلى اللّه تعالى أ ليس اللّه تعالى يقول فَسٰاهَمَ فَكٰانَ مِنَ اَلْمُدْحَضِينَ».
و منها: ما رواه في التّهذيب صحيحا عن جميل قال: «قال الطّيار لزرارة: ما تقول في المسامهة أ ليس حقّا، قال زرارة: هل هي حقّ؟ فقال الطّيار: أ ليس قد
........
الشرح
ورد أنّه يخرج سهم الحقّ؟ قال: بلى، قال فقال: يقال حتّى ادّعى أنا و أنت شيئا ثمّ تساهم عليه و ينظر هكذا هو، فقال زرارة: إنّما جاء الحديث بأنّه ليس قوم فوّضوا أمرهم إلى اللّه تعالى ثمّ أقرعوا إلاّ ما خرج سهم الحقّ، فأما على التّجارب فلم يوضع على التّجارب، فقال الطّيار: أ رأيت إن كانا جميعا مدّعيين ادّعيا ما ليس لهما من أن يخرج سهم أحدهما، فقال زرارة: إذا كان كذلك جعل معه سهم مبيح فإن كانا ادّعيا ما ليس لهما خرج سهم المبيح»، إلى غير ذلك من الرّوايات، إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى التّكلم في المقامات الثّلاثة فنقول:
أمّا الكلام في المقام الأوّل: فملخّصه أنّه قد يقال، بل قيل إنّ القرعة من الأمارات الجليّة، بمعنى أنّ أماريّتها بجعل الشارع كالاستخارة، فأماريّتها إنّما هي بملاحظة ما وصل من الشّارع في شأنها أنّ اللّه تبارك و تعالى بعد تفويض الأمر إليه يرشد العبد إلى الواقع لا ممّا يكون أماريّتها بالوجدان مع قطع النّظر عن الشّارع كأكثر الأمارات في الأحكام و الموضوعات مستشهدا على ذلك بما ورد في القرعة من الأخبار، فإنّ ظاهر أكثرها كما لا يخفى على من أعطي حقّ النّظر فيها يعطى هذا المعنى، فالقرعة إذا مثل البيّنة في كونها من الأمارات لا مثل أصالة الطّهارة و الحليّة و نحوهما من الأصول، فإنّ تسمية الشّيء دليلا و أمارة في الاصطلاح مبنيّة على كونه ناظرا إلى الواقع بالذّات، أو بجعل الشارع مع كون الوجه في اعتباره جهة نظره إلى الواقع هذا بالنّسبة إلى ما كان له واقع مجهول للمكلّف لا إشكال فيه، أمّا بالنّسبة إلى ما لا يتعيّن له واقع فربما يتراءى في بادي النّظر عدم تصوّر الطّريقيّة الجليّة فيه من حيث عدم وجود واقع مجهول فيه بالفرض، إلاّ أنّه يمكن تصوّر الطّريقيّة فيه بعد التّأمّل أيضا، فإنه و إن لم يكن فيه واقع مجهول، إلاّ أنّه يحتمل أن يكون هناك أمور أوجبت أحقيّة أحد الطّرفين بالتّقديم بالنّسبة إلى الآخر و إن كانت ممّا لا ندركه، اللّهمّ إلاّ أن يدّعى أنّ الأمارة
........
الشرح
في اصطلاح الأصوليّين ما كانت أماريّتها بالذّات مع قطع النّظر عن بيان الشارع و إحداثه القرب فيها فتأمل.
أو يقال: الأولويّة في التّقديم لا تعلّق لها بالطّريقيّة، أو يقال بعدم حصول الظّن من القرعة و لو نوعا بعد ملاحظة ما ورد من الأخبار فيه و هو كما ترى هذا كلّه على تقدير الاستناد في القرعة إلى الأخبار، أمّا لو استند فيها إلى الإجماع فالظّاهر أنّه لا إشكال في عدم دلالته على اعتبارها من باب الطّريقيّة فيلحق بما كان اعتباره من باب التّعبّد في الحكم كما هو قضيّة القاعدة فتأمل.
ثمّ إنّه لا إشكال على تقدير كون اعتبار القرعة من باب التّعبّد و كونها من الأصول في عدم انتقاض الحصر الّذي أفاده دام ظلّه للأصول في أوّل الكتاب من جهتها لما عرفت الإشارة إليه ثمّة من كون الحصر إضافيّا بالنّسبة إلى الأصول الحكميّة و إن جرت في الموضوعات في قبال ما يختصّ بالموضوع.
نعم في انتقاضه بأصالة الطّهارة وجه عرفته في الجزء الأوّل من التّعليقة، هذا مجمل الكلام في المقام الأوّل و لنقدّم الكلام في المقام الثّالث على الكلام في المقام الثّاني لتقدّمه عليه ببعض الاعتبارات، و مجمل القول فيه أنّه قد تكرّر في لسان ثاني الشّهيدين في المسالك و الرّوضة القول باختصاص القرعة بما له تعيّن في الواقع مجهول في نظر المكلّف، و قد استند فيه ظاهرا إلى ظهور الأخبار في ذلك حسبما هو ظاهر لكلّ من راجع إليها، و لكن الّذي يقتضيه النّظر تبعا للأستاذ العلاّمة دام ظلّه و بعض الأجلّة ممّن قارب عصرنا ثبوت الإجماع على عدم الفرق إذ المراد من عدم الخطاء في أخبار القرعة أعمّ من الإيصال إلى الواقع المجهول، أو الّذي أحقّ بالتّقديم في نظر الشارع، هذا مضافا إلى أمر الإمام عليه السلام بالإقراع في كثير من الموارد الّتي ليس فيها واقع مجهول أصلا و الظّاهر عدم التّفصيل.
و بالجملة: كلّ من راجع كلمات الأصحاب يعلم أنّه لا فرق في اعتبار القرعة
........
الشرح
بين الموردين و هو مقتضى بعض الأخبار العامّة أيضا و لا ينافيه اختصاص أكثر أخبارها بما له واقع مجهول ضرورة عدم مفهوم لها يعارض ما يقتضي بعموم اعتبارها، هذا مجمل الكلام في تشخيص مجراها بالنّسبة إلى الموردين بقي الكلام في تشخيص مجراها من حيث اختصاصها بالشّبهات الموضوعيّة الصّرفة، أو شمولها لكلّ مشتبه، سواء كان من الموضوعات الخارجيّة، أو الموضوعات المستنبطة، أو الأحكام الشّرعيّة لا إشكال، بل لا خلاف في اختصاصها بالأولى، بل الإجماع المحقّق على أيضا إلاّ أنّ الكلام في أنّ خروجهما من جهة عدم شمول الأخبار لهما بالذّات، بمعنى خروجهما عنها بالذّات أو من جهة شمولها لهما و قيام الدّليل على تخصيصها بإخراجهما ظاهر بعض من قارب عصرنا الأوّل، إلاّ أنّ الظّاهر من بعض أخبارها الثّاني كما لا يخفى على من راجع إليها.
نعم لو كان المدرك فيها الإجماع فقط صحّ القول بخروجهما موردا عنه، بمعنى عدم دليل لفظيّ يفيد العموم كما لا يخفى، فليكن هذا على ذكر منك لينفعك فيما بعد هذا مجمل الكلام في المقام الثّالث، و أما الكلام في المقام الثّاني فمحصّل القول فيه: أنّه إن قلنا بشمول الأخبار الواردة في القرعة للشّبهة الحكميّة و الشّبهة في الموضوعات المستنبطة و كون خروجهما عنها من باب التّخصيص فلا إشكال في تقديم أخبار الاستصحاب على الأخبار الواردة في القرعة، لأنها أخصّ مطلقا بالنّسبة إليها كما لا يخفى، فإنّ النّسبة بينهما بعد ملاحظة تخصيصها بالشّبهة الموضوعيّة بالإجماع و إن كانت أعمّ من وجه كما هو ظاهر، إلاّ أنّه لا معنى لملاحظة النّسبة بينهما بعد التّخصيص بالإجماع، بل لا بدّ من ملاحظتها قبله، لأنّ عموم أخبار الاستصحاب أخصّ منها كالخاصّ الّذي يقتضي خروج الشّبهة الحكميّة عن تحت أخبار القرعة، و أما ما قرع سمعك من لزوم تقديم الأخصّ في تعارض الأزيد من الدّليلين و إن أوجب انقلاب النّسبة فإنّما هو فيما إذا لم يكن
........
الشرح
معارض العام خاصّا آخر يقضي بتخصيص العام كما إذا كان هناك أدلّة ثلاثة متعارضة كانت النّسبة بين الدّليلين منهما الأعمّ من وجه مع كون الثّالث أخصّ من أحدهما، فإنه يقدّم الخاص و إن أوجب تقديمه انقلاب النّسبة لا في مثل المقام، هذا و ستقف على تفصيل القول فيما يتعلّق بالمقام في الجزء الرّابع من التّعليقة.
و بالجملة: لا إشكال في تقديم الاستصحاب على القرعة على هذا التّقدير و إن لم نقل بشمول أخبار القرعة لغير الشّبهة الموضوعيّة فقد يقال بتقديم الاستصحاب أيضا لا من جهة كونه أخصّ مطلقا كيف و إنّ النّسبة على هذا التّقدير العموم من وجه كما هو واضح، بل من جهة حكومة أخبار الاستصحاب على أخبار القرعة حيث إنّ الاستصحاب، و إن كإن أصلا أيضا كالقرعة على ما هو قضيّة الفرض إلاّ أنّ لأخبار الاستصحاب جهة الطّريقيّة أيضا من حيث كون لسانها البناء على بقاء المتيقّن و أنّه لم يرتفع، و لذا يكون حاكما على أصالة الحلّية الشّرعيّة حسبما ستقف عليه مع كون كلّ منهما أصلا و حكما ظاهريّا في موضع الشّك، هذا و لكن ذكر الأستاذ العلامة دام ظلّه أنّ قياس أخبار القرعة بأخبار أصالة الحلّية ليس في محلّه جدّا، لأنّ لأخبار القرعة أيضا جهة طريقيّة في قبالها كأخبار الاستصحاب فلا وجه إذا للحكم بحكومة الأخبار النّاهية عن نقض اليقين بالشّك على أخبار القرعة فكلّ مورد حكم بجريان القرعة من جهة انجبار أخبارها بالعمل لا بدّ من الحكم بتعارضهما.
نعم أخبار القرعة لا يجري في أكثر موارد جريان الاستصحاب من جهة كون عموماتها من العمومات الموهونة بكثرة الخارج منها المحتاجة إلى الجبر بالعمل، اللّهم إلاّ أن يرجّح أخبار الاستصحاب بورود أكثرها في الشّبهة الموضوعيّة فلا بدّ من العمل بها لعدم إمكان تخصيص المورد و التّفصيل يرفعه عدم الفصل في المسألة فتأمل.
أن ظاهر أخبارها أعم من جميع أدلة الاستصحاب فلا بد من تخصيصها بها فيختص القرعة بموارد لا يجري فيها الاستصحاب. نعم القرعة واردة على
الشرح
هذا كلّه فيما لو استند في اعتبار القرعة إلى الأخبار، و أمّا لو استند فيه إلى الإجماع فلا إشكال في تقديم الاستصحاب عليه لا للتّعارض و التّرجيح، بل من جهة عدم الدّليل على اعتبار القرعة في مقابل الاستصحاب على هذا التّقدير كما هو ظاهر، فتبيّن ممّا ذكرنا كلّه أنّ الاستصحاب يخالف سائر الأصول بالنّسبة إلى مقابلتها مع القرعة، فإنّ القرعة واردة على جميعها إن كان اعتبارها من باب العقل ضرورة ارتفاع موضوعها و هو عدم البيان مطلقا و احتمال العقاب و التّحرير بواسطة قيام القرعة و حاكمة عليها إذا كان اعتبارها من باب الشّرع، إلاّ أنّ التّمسّك بالقرعة في مواردها أيضا يحتاج إلى جبر عموماتها بعمل الأصحاب من جهة تطرّق الوهن بكثرة التّخصيص فيها، و إلاّ فالمتعيّن العمل بالأصول لسلامتها عن الوارد، أو الحاكم هذا ما يقتضيه النّظر الدّقيق، و لكن قد يتوهّم خلاف ما ذكرنا و أنّ القرعة مورودة، أو محكومة بالنّسبة إلى جميع الأصول لارتفاع الاشتباه و الإشكال المأخوذين في موضوعها بقيام الأصول، و لكنك خبير بما فيه و ممّا ذكرنا كلّه يعلم أنّ ما أفاده دام ظلّه من إطلاق القول بأعميّة أخبار القرعة من أخبار الاستصحاب لا بدّ من أن يحمل على القول بعموم أخبار القرعة للشّبهة الحكميّة و إن خرجت عنها بالإجماع، و أما على القول باختصاصها بالشّبهة الموضوعيّة على ما عرفته فقد أسمعناك كون النّسبة بينهما العموم من وجه.
نعم هنا وجه آخر أشرنا إليه للحكم بكونها كالخاص بالنّسبة إلى أخبار القرعة من حيث اختصاص موارد الصّحاح من أخباره و غيرها ممّا كان له مورد بالشّبهة الموضوعيّة فلا يمكن حملها على الشّبهة الحكميّة و منه يعلم أنّه لا بدّ من التّصرف في أخبار القرعة، و إن كان مبناها على الظّن ضرورة استحالة تخصيص المورد كما هو ظاهر فلعلّ ما أفاده من الأعميّة بقول مطلق مبنيّ على هذه الملاحظة.
أصالة التخيير و أصالتي الإباحة و الاحتياط إذا كان مدركهما العقل و إن كان مدركهما تعبد الشارع بهما في مواردهما فدليل القرعة حاكم عليهما كما لا يخفى، لكن ذكر في محله أن أدلة القرعة لا يعمل بها بدون جبر عمومها بعمل الأصحاب، أو جماعة منهم و اللّه العالم.
الشرح
(1) لا يخفى عليك أنّ إطلاق القول بتأخّر أصالة البراءة عن غير الاستصحاب من الأصول على فرض اجتماعها معه كما يجتمع مع الاستصحاب هذا كلّه فيما لو استند في اعتبار القرعة إلى الأخبار، و أما لو استند فيه إلى الإجماع فلا إشكال في تقديم الاستصحاب عليه لا للتّعارض و التّرجيح، بل من جهة عدم الدّليل على اعتبار القرعة في مقابل الاستصحاب على هذا التّقدير كما هو ظاهر فتبيّن ممّا ذكرنا كلّه أنّ الاستصحاب يخالف سائر الأصول بالنّسبة إلى مقابلتها مع القرعة، فإنّ القرعة واردة على جميعها إن كان اعتبارها من باب العقل ضرورة ارتفاع موضوعها و هو عدم البيان مطلقا و احتمال العقاب و التّحرير بواسطة قيام القرعة و حاكمة عليها إذا كان اعتبارها من باب الشّرع إلاّ أنّ التّمسّك بالقرعة في مواردها أيضا يحتاج إلى جبر عموماتها بعمل الأصحاب من جهة تطرّق الوهن بكثرة التّخصيص فيها، و إلاّ فالمتعيّن العمل بالأصول لسلامتها عن الوارد، أو الحاكم هذا ما يقتضيه النّظر الدّقيق، و لكن قد يتوهّم خلاف ما ذكرنا و أنّ القرعة مورودة، أو محكومة بالنّسبة إلى جميع الأصول لارتفاع الاشتباه و الإشكال المأخوذين في موضوعها بقيام الأصول، و لكنك خبير بما فيه و ممّا ذكرنا كلّه يعلم أنّ ما أفاده دام ظلّه من إطلاق القول بأعميّة أخبار القرعة من أخبار الاستصحاب لا بدّ من أن
........
الشرح
يحمل على القول بعموم أخبار القرعة للشّبهة الحكميّة و إن خرجت عنها بالإجماع، و أمّا على القول باختصاصها بالشّبهة الموضوعيّة على ما عرفته فقد أسمعناك كون النّسبة بينهما العموم من وجه.
نعم هنا وجه آخر أشرنا إليه للحكم بكونها كالخاص بالنّسبة إلى أخبار القرعة من حيث اختصاص موارد الصّحاح من أخباره و غيرها ممّا كان له مورد بالشّبهة الموضوعيّة فلا يمكن حملها على الشّبهة الحكميّة و منه يعلم أنّه لا بدّ من التّصرف في أخبار القرعة، و إن كان مبناها على الظّن ضرورة استحالة تخصيص المورد كما هو ظاهر فلعلّ ما أفاده من الأعميّة بقول مطلق مبنيّ على هذه الملاحظة.
1 - لا يخفى عليك أنّ إطلاق القول بتأخّر أصالة البراءة عن غير الاستصحاب من الأصول على فرض في الجملة ممّا لا معنى له سيّما إذا جعلنا المدرك فيها الأخبار و قلنا بأنّ مفادها إثبات الحلّيّة الظّاهريّة في مورد الشّك في الحكم الواقعي كما هو قضيّة قوله عليه السلام: «كلّ شيء مطلق حتّى يرد فيه منهي» و قوله: «كلّ شيء لك حلال حتّى تعلم أنّه حرام بعينه» و غيرهما، فإنه لا إشكال في ورود أصالة البراءة على أصالة التّخيير على هذا الفرض و تعارضها مع أصالة الاشتغال لو كانت شرعيّة، بمعنى دلالة الأخبار على وجوب الاحتياط في مورده بالوجوب الظّاهري الشّرعي لا الإرشادي النّاظر إلى حكم العقل به من باب دفع الضّرر المحتمل، فإنه لا إشكال في ورود ما عرفت من أخبار البراءة عليه على تقدير اجتماع أصالة البراءة مع أصالة الاشتغال كما هو واضح. نعم قضيّة التّحقيق عندنا عدم اجتماعهما موردا، لأنّ مجرى الاشتغال عندنا هو ما إذا ثبت التّكليف بالبيان المعتبر، بمعنى تنجّز الخطاب بالواقع المجهول و لم يكن ثمّة قدر متيقّن كما في الأقلّ و الأكثر و مورد البراءة ما لم يكن كذلك، و أما القول بأنّ مراده دام ظلّه من عدم التّعارض أعمّ من أن يكون من جهة عدم الاجتماع الموردي ففيه ما لا يخفى
........
الشرح
على المتدبّر الفطن.
ثمّ إنّ الكلام في تعارض الاستصحاب قد يقع في تعارضه مع غيره من الأصول العمليّة و قد يقع في تعارضه مع نفسه، بمعنى تعارض فردين منه و المراد بالتّعارض أعمّ من التّعارض الحقيقي ضرورة خروج الورود و الحكومة من أقسام التّعارض كما هو واضح، مضافا إلى ما ستقف على تفصيل القول فيه في الجزء الرّابع من التّعليقة إن شاء اللّه، و لمّا كانت الأصول منحصرة عند الأستاذ العلاّمة في الأربعة فلا محالة انحصر التّكلّم في ثلث مقامات:
الأوّل: في حكم تعارض الاستصحاب مع أصالة البراءة فنقول: إنّه لا ريب في وروده عليها، و إن كان مدركها العقل ضرورة إناطة حكم العقل بالبراءة بعدم وصول البيان من الشّارع للحكم و لو في مرحلة الظّاهر و الجهل و عدم العلم بجميع مراتب الحكم من غير فرق بين الحكم الواقعي و الظّاهري لانقطاع عذر المكلّف بكلّ منهما، هذا مضافا إلى ما عرفت مرارا و ستعرفه من عدم إمكان التّعارض و التخصيص، بل الحكومة بالنّسبة إلى القضايا العقليّة.
نعم هنا فرض يحكم فيه بحكومة البراءة و لو كان مدركها العقل على الاستصحاب و لو كان مبناه على الظّن فضلا عن التّعبّد قد أشرنا إليه في الجزء الثّاني من التّعليقة عند الكلام في مسألة الأقلّ و الأكثر، فإنّا قد حكمنا فيه بتقديم أصالة البراءة عن الأكثر على استصحاب بقاء التّكليف و الشّغل على تقدير الإتيان بالأقلّ على تقدير تسليم جريانه في قبال من تمسّك به للقول بالاشتغال في المسألة من حيث إنّ نفي التّكليف بالأكثر من أوّل الأمر قبل الإتيان بالبراءة في حكم تعيين المكلّف به من أوّل الأمر فلا تردّد فيه حتّى يجري فيه الاستصحاب، لكنه كما ترى خارج عن مفروض البحث من حيث عدم اجتماعهما في موضوع واحد هذا بالنّسبة إلى استصحاب التّكليف المنافي لمقتضى البراءة المبحوث عنه في المقام.
........
الشرح
و أمّا استصحاب الحكم الغير الإلزامي المطابق لمقتضى البراءة فهو أيضا وارد عليها من حيث استلزامه للقطع بعدم العقاب من غير نظر إلى قاعدة قبح العقاب من غير بيان، فإنّ الحاكم باستلزام ترخيص الشّارع لعدم العقاب، و إن كان هو العقل، إلاّ أنّه ليس بالملاحظة المذكورة، بل من جهة العلّة الّتي لا يفرق فيها بين موارد الأصول المرخّصة و الأمارات الشّرعيّة القائمة على الحكم الغير الإلزامي، كما أنّه لا إشكال في وروده عليها أيضا إذا كان مدركها الشرع و استند فيها إلى ما يكون مساقه مساق حكم العقل بها من حيث سوقه لبيان تأكيد حكم العقل و أنّ الشّارع لا يؤاخذ على ما كان مجهولا بقول مطلق كحديث الرّفع و نحوه من أخبار البراءة، و أما إذ استند فيها إلى ما يفيد بظاهره إنشاء الحكم الظّاهري من الشّارع بالإباحة و التّرخيص من غير نظر إلى نفي المؤاخذة و الإخبار عنه و إن استلزمه بحكم العقل على ما هو الشّأن بالنّسبة إلى مطلق الحكم الظّاهري على ما عرفته، فإن كان الموضوع فيه التّكليف الغير المعلوم و لو في مرحلة الظّاهر فلا إشكال في ورود الاستصحاب عليها أيضا ضرورة حصول العلم منه بالتّكليف في مرحلة الظّاهر، و إن كان الموضوع فيه عدم العلم بحكم الشّيء بعنوانه الأوّلي و من حيث هو هو كما هو المستظهر من قوله عليه السلام كلّ شيء مطلق حتّى يرد فيه نهي و كلّ شيء لك حلال حتّى تعلم أنّه حرام و نحوهما من أخبارها فهل يكون الاستصحاب واردا عليها، أو يكونان من المتعارضين، أو يكون حاكما عليها وجوه فقد يتوهّم الوجه الأوّل أي ورود الاستصحاب عليها على هذا التّقدير أيضا إمّا بتوهّم كون المراد من ورود النّهي و العلم بالحرمة و نحوهما من الغايات هو الوجود و التّحقق في الجملة و لو بالنّسبة إلى الزّمان السّابق، أو بتوهّم كون الاستصحاب كاشفا عن إرادة البقاء و الدّوام من دليل المستصحب بالنّسبة إلى الزّمان اللاّحق، أو بتوهّم كون النّهي المستفاد من قوله لا تنقض اليقين بالشّك من أفراد الغاية و لو لم يكن
........
الشرح
ناظرا إلى بيان المراد من دليل المستصحب، لكنّك خبير بفساد التّوهم المذكور استنادا إلى أحد الوجوه المذكورة.
أمّا الوجه الأوّل: فللقطع بعدم إرادة هذا المعنى من أخبار البراءة كيف و لازمها عدم جريان البراءة على تقدير عدم جريان الاستصحاب، أو عدم اعتباره أيضا كما هو ظاهر و هو كما ترى ممّا لا يلتزم به أحد، هذا مضافا إلى خروجه عن ورود الاستصحاب على البراءة كما أنّ لازمها الالتزام بعدم جريان البراءة في كلّ كلّي ورد النّهي عن بعض أنواعه ضرورة عدم الفرق بين كون الاختلاف بحسب الزّمان، أو غيره من العوارض و الخصوصيّات كما هو ظاهر، هذا مضافا إلى أنّ اعتبار هذا المعنى بالنّسبة إلى أخبار البراءة يوجب اعتباره بالنّسبة إلى أخبار الاستصحاب، فإنّ العصير العنبي بعد ذهاب ثلثيه بالهواء مثلا ممّا يتيقّن حلّيته و لو في زمان من الأزمنة فلا يجري استصحاب الحرمة لكونه مغيّا بعدم العلم بالحلّية فتدبّر.
و أمّا الوجه الثّاني: ففساده غنيّ عن البيان ضرورة استحالة صيرورة الاستصحاب قرينة على المراد عن دليل المستصحب و كاشفا عنه بناء على القول به من باب الظّن فضلا عن التّعبّد الّذي ليس من سنخ دليل المستصحب.
و أمّا الوجه الثّالث: فهو أيضا واضح الفساد ضرورة عدم كون النّهي المستفاد من أخبار الاستصحاب نهيا عن الشّيء بعنوانه الأوّلي، و إلاّ خرج عن كونه حكما ظاهريّا كما هو ظاهر.
و قد يتوهّم الوجه الثّاني نظرا إلى إثباتهما الحكمين المتنافيين في الموضوع الواحد، و هذا معنى التّعارض كما هو ظاهر على ما ستقف عليه أيضا حيث إنّ قوله عليه السلام كلّ شيء مطلق مثلا من حيث عدم ورود النّهي في العصير بعد ذهاب ثلثيه بغير النّار مثلا يقتضي حلّيّته و قوله عليه السلام لا تنقض اليقين إلاّ بيقين مثله من حيث عدم اليقين بصيرورة العصير في الفرض حلالا يقتضي حرمته فلا محالة
........
الشرح
يقع التّعارض بينهما، لكنه ضعيف أيضا و إن لم يكن في الضّعف كالوجه الأوّل، فإنّ الاستصحاب و إن لم يكن رافعا لموضوع البراءة في الفرض حسّا حتّى يكون واردا عليها إلا أنّه بمنزلة المعمّم للنّهي الأوّل فيكون شارحا لقوله عليه السلام كلّ شيء مطلق حتّى يرد فيه نهي، فإنّ لسان الاستصحاب بقاء النّهي المتعلّق بالعصير بعد الغليان من حيث هو في حكم الشّارع، و إن كان حكمه ببقائه ظاهريّا و منه ينقدح وجه الوجه الثّالث و كونه وجيها هذا كلّه في الاستصحاب الحكمي.
و أمّا الاستصحاب الموضوعي كاستصحاب عدم ذهاب الثّلثين فيما شكّ فيه فأمره من حيث حكومته على البراءة أظهر حيث إنّ المجعول في الاستصحابات الموضوعيّة على ما أسمعناك مرارا، و إن كان هو الحكم الشّرعي أيضا إلاّ أنّ المستصحب هو الموضوع الخارجي فالمشكوك ذهاب ثلثيه من العصير داخل بحكم الشّارع فيما دلّ على حرمة العصير قبل ذهاب ثلثيه فيكون حاكما على أصالة البراءة المقتضية لحلّيّة المشكوك.
هذا و لكن قد يستشكل فيما ذكرنا من وضوح حكومة الاستصحاب الموضوعي على أصالة البراءة كما في الكتاب بالنّظر إلى الأمثلة المذكورة في الموثقة كلّ شيء لك حلال حتّى تعلم أنّه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك و ذلك مثل الثّوب عليك و لعلّه سرقه الحديث، حيث إنّ ظاهرها كون الحلّيّة في الأمثلة المذكورة فيها مستندا إلى الكلّيّة المذكورة في صدرها، مع أن فيها استصحابات موضوعيّة تقتضي حرمة التّصرف في الأمثلة كأصالة عدم التّملّك و عدم تحقّق الزّوجيّة و نحوهما، فحكم الشارع بالحلّية مع جريان تلك الأصول يكشف عن حكومة البراءة على الاستصحاب ضرورة عدم إمكان رفع اليد عن الموارد الشّخصيّة.
هذا و لكنك خبير بفساد توهّم حكومة البراءة على الاستصحاب و جعل الموثّقة دليلا عليها من حيث استظهار كون المراد من الكلّيّة المستفادة من صدرها هو
........
الشرح
الحكم بحلّية جميع التّصرّفات الموقوفة على الملك و الزّوجيّة و التّذكية و الرّقيّة و نحوها في مرحلة الظّاهر، و إن كان هناك أصول موضوعيّة تقتضي الحرمة نظير قوله تعالى أَحَلَّ اَللّٰهُ اَلْبَيْعَ المقتضي لحلّيّة جميع التّصرّفات في المبيع، و إن كان هناك فرق بينهما من حيث كونه دليلا اجتهاديّا و كون مفاد الموثّقة أصلا عمليّا، لأنّ البناء على هذا المعنى للموثّقة يوجب فقها جديدا على تقدير الالتزام به في جميع الموارد و دعوى الالتزام به مع الخروج عنه بالإجماع في أكثر الموارد كما بنى عليه الأمر بعض السّادة من أعلام عصرنا فيما حكي عنه كما ترى، فلا بدّ من جعل العنوان للأمثلة المذكورة في الرّواية مجرّد التّقريب لا التّمثيل للكلّيّة المذكورة في صدرها فلا ينافي كون الحلّيّة فيها مستندا إلى ما هو حاكم على الاستصحابات الموضوعيّة المذكورة كصحّة التّصرّف فيما كان في يد الغير و أصالة صحّة العقد الصّادر من أهله و أصالة عدم تحقّق النّسب و الرّضاع المحرّمين فإنّها كما ترى حاكمة على تلك الأصول لا إلى مجرّد الشّك في الحلّيّة و الحرمة حتّى ينافي ما ذكرنا.
هذا و قد ذكرنا بعض الكلام فيما يتعلّق بشرح الرّواية و دفع الإشكال عنها في الجزء الثّاني من التّعليقة فراجع إليه هذا شأن قاعدة البراءة بالنّسبة إلى استصحاب التّكليف، و أما استصحاب البراءة المقابل لاستصحاب التّكليف فهو على تقدير إمكانه و تصوّره خارج عن مفروض البحث، لأنه داخل في تعارض الاستصحابين لا تعارض الاستصحاب و البراءة، إلاّ أنّ الشّأن في إمكانه حيث إنّ الحالة السّابقة للشّيء الواحد لا يمكن أن يكون التّكليف و عدمه إلاّ أن يفرض خروجه عن الوحدة و رجوعه إلى تعدّد الموضوع و لو باعتبار من الاعتبارات كما هو مبنى ما تقدّم عن بعض أفاضل مقاربي عصرنا فيما سلكه من إيقاع التّعارض بين استصحابي الوجود و العدم هذا بعض الكلام في حكم تقابل الاستصحاب مع البراءة.
........
الشرح
ثمّ إنّ ما ذكرنا من عدم وقوع التّعارض الحقيقي الاستصحاب و البراءة على كلّ تقدير، و إن كان أمرا ظاهرا لا سترة فيه أصلا إلاّ أنّ كلمات جمع من الأصحاب سيّما الشّيخ و المحقّق و العلاّمة في جملة من كلماتهم لا يساعد عليه كما يظهر بالتّصفح فيها فلعلّ الوجه كون مبنى الأصلين عندهم على الظّنّ النّوعي الحاصل من ملاحظة الحالة السّابقة، أو غيرها فتأمل.
المقام الثّاني: في حكم مقابلته مع أصالة الاحتياط و قاعدة الشّغل فإن استندنا في القاعدة في مواردها إلى حكم العقل بها فلا إشكال في ورود الاستصحاب عليها من حيث إنّ مبنى حكم العقل بها هو حكمه بوجوب دفع العقاب المحتمل على ما عرفته مرارا، و من المعلوم ضرورة بحكم العقل ارتفاع احتمال العقاب بتجويز الشّارع لترك محتمل الوجوب، أو التّحريم و لو في مرحلة الظّاهر، فإذا أجري استصحاب التّمام، أو القصر في موارد دوران الأمر بينهما موضوعا، أو حكما فلا يجري قاعدة الاشتغال الحاكمة بوجوب الجمع بينهما لحصول البراءة القطعيّة عن تبعة مخالفة الواقع على تقدير الاقتصار على المستصحب، و إن كان الخطاب الواقعي بالواقع باقيا على تقدير مخالفة الاستصحاب له فيحكم بوجوب الإعادة و القضاء على تقدير انكشاف الخلاف في الوقت، أو خارجه و إن استندنا فيها إلى أخبار الاحتياط.
فإن قلنا: بأنّ مفادها تأكيد حكم العقل بها و أنّ الموضوع فيها دفع التّهلكة المحتملة في الواقع المردّد المجهول كما بنينا الأمر عليه في مطاوي كلماتنا السّابقة في الجزء الثّاني من التّعليقة على تقدير تسليم دلالتها على خصوص الطّلب الإلزامي الإرشادي لا الطّلب الإرشادي القدر المشترك على ما استظهرناه منها فيما قدّمناه لك ثمّة فحالها حال حكم العقل بها فيكون الاستصحاب واردا عليها. و إن قلنا: بأنّ مفادها التّأسيس و الوجوب الشّرعي الظّاهري المتعلّق بالواقع المردّد
........
الشرح
المحتمل على ما يظهر من بعض الأصحاب فحالها حال ما يستفاد منه التّأسيس و الحلّيّة الشّرعيّة الظّاهريّة المتعلّقة بنفس محتمل التّحريم من أخبار البراءة فيكون الاستصحاب حاكما عليها كيف و في موارد الصّحاح من أخبار الاستصحاب يكون القاعدة على خلافها كما هو ظاهر هذا حال الاستصحاب مع القاعدة، و أما استصحاب الاشتغال في موردها فقد أسمعناك مرارا أنّه لا يجري في مورد القاعدة من حيث إنّ بقاء الاشتغال بحسب الواقع و نفس الأمر لا يترتّب عليه أثر حتّى يجري استصحابه، ثمّ مع الغضّ عن ذلك يدخل في مسألة تقابل الاستصحابين فلا تعلّق له بالمقام، و إن كان يتّضح حكمه ممّا سنوضح لك من حكومة الاستصحاب في الشّك السّببي على الاستصحاب في الشّك المسبّبي حيث إنّ الشّك في بقاء الاشتغال بالواقع مسبّب دائما عن تردّده، فإذا حكم بتعيينه في مرحلة الظّاهر بالاستصحاب فيرتفع التّردّد عنه بحكم الشّارع.
المقام الثالث: في تقابل الاستصحاب مع أصالة التّخيير، و لا إشكال في وروده عليها من حيث انحصار مدركها في حكم العقل المرتفع موضوعة بالوجدان بمجرّد قيام الدّليل على تعيين أحد الاحتمالين و ترجيحه على صاحبه و لو في مرحلة الظّاهر، فإذا حكم بمقتضى الاستصحاب بكون اليوم المردّد بين رمضان و شوّال من رمضان فلا يجري أصالة التّخيير بين احتمالي الوجوب و التّحريم في اليوم المذكور على تقدير القول بكون صوم يوم العيد حراما ذاتا لا تشريعا، و إلاّ فيخرج عن مورد أصالة التّخيير كما هو ظاهر.
هذا كلّه في تقابل الاستصحاب مع أصالة التّخيير، و أما لو فرض هناك مورد وقع التّعارض بين استصحاب التّخيير و استصحاب المختار كما يتّفق كثيرا في مسائل التّقليد و قليلا في غيرها فهو خارج عن مفروض تعارض أصالة التّخيير و الاستصحاب و داخل في مسألة تعارض الاستصحابين مع وضوح حكمه من حيث إنّ استصحاب
أمّا أصالة البراءة: فلا تعارض الاستصحاب و لا غيره من الأصول و الأدلة سواء كان مدركها العقل، أو النقل.
أمّا العقل: فواضح لأن العقل لا يحكم بقبح العقاب إلا مع عدم الدليل على التكليف واقعا، أو ظاهرا.
و أمّا النقل: فما كان منه مساوقا لحكم العقل فقد اتضح أمره و الاستصحاب وارد عليه.
و أمّا مثل: قوله عليه السلام: «كل شيء مطلق حتى يرد فيه نهي» فقد يقال إن مورد الاستصحاب خارج منه لورود النهي في المستصحب و لو بالنسبة إلى الزمان السابق.
و فيه: أن الشيء المشكوك في بقاء حرمته لم يرد نهي عن ارتكابه في هذا الزمان فلا بد من أن يكون مرخصا فيه، فعصير العنب بعد ذهاب ثلثيه بالهواء لم يرد فيه نهي و ورود النهي عن شربه قبل ذهاب الثلثين لا يوجب المنع عنه بعده، كما أن وروده في مطلق العصير باعتبار وروده في بعض أفراده لو كفى في الدخول في ما بعد الغاية لدل على المنع عن كل كلي ورد المنع عن بعض أفراده.
الشرح
التّخيير حاكم دائما على استصحاب المختار فيما كان استصحاب التّخيير جاريا، هذا مع أن استصحاب التّخيير لا تعلّق له باستصحاب التّخيير الّذي هو محلّ الكلام ضرورة عدم تطرّق الشّك إلى حكم العقل فيما يحكم فيه بالتّخيير حتّى يتصوّر فيه الاستصحاب فلا بدّ أن يكون التّخيير المستصحب تخييرا شرعيا يتصوّر فيه الشّك و هو ليس من الأصول كما هو ظاهر.
و الفرق في الأفراد بين ما كان تغايرها بتبدل الأحوال و الزمان دون غيرها شطط من الكلام، و لهذا لا إشكال في الرجوع إلى البراءة مع عدم القول باعتبار الاستصحاب.
و يتلوه في الضعف ما يقال من أن النهي الثابت بالاستصحاب عن نقض اليقين نهي وارد في رفع الرخصة. وجه الضعف: أن الظاهر من الرواية بيان الرخصة في الشيء الذي لم يرد فيه نهي من حيث عنوانه الخاص لا من حيث إنه مشكوك الحكم و إلا فيمكن العكس، بأن يقال: إن النهي عن النقض في مورد عدم ثبوت الرخصة بأصالة الإباحة فيختص الاستصحاب بما لا يجري فيه أصالة البراءة فتأمل.
فالأولى في أن يقال إن دليل الاستصحاب بمنزلة معمم للنهي السابق بالنسبة إلى الزمان اللاحق فقوله لا تنقض اليقين بالشك يدل على أن النهي الوارد لا بد من إبقائه و فرض عمومه و فرض الشيء في الزمان اللاحق مما ورد فيه النهي أيضا، فمجموع الرواية المذكورة و دليل الاستصحاب بمنزلة أن يقول كل شيء مطلق حتى يرد فيه نهي و كل نهي ورد في شيء، فلا بد من تعميمه لجميع أزمنة احتماله فيكون الرخصة في الشيء و إطلاقه مغيا بورود النهي المحكوم عليه بالدوام و عموم الأزمان فكان مفاد الاستصحاب نفي ما يقتضيه الأصل الآخر في مورد الشك لو لا النهي، و هذا معنى الحكومة كما سيجيء في باب التعارض.
و لا فرق فيما ذكرنا بين الشبهة الحكمية و الموضوعية، بل الأمر في الشبهة الموضوعية أوضح لأن الاستصحاب الجاري فيها جار في الموضوع فيدخل في الموضوع المعلوم الحرمة، مثلا: استصحاب عدم ذهاب ثلثي العصير عند الشك في بقاء حرمته لأجل الشك في الذهاب يدخله في العصير قبل ذهاب ثلثيه
المعلوم حرمته بالأدلة فيخرج عن قوله كل شيء حلال حتى تعلم أنه حرام.
نعم هنا إشكال في بعض أخبار أصالة البراءة في الشبهة الموضوعية و هو قوله عليه السلام في الموثقة: «كل شيء حلال حتى تعلم أنه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك، و ذلك مثل الثوب عليك و لعله سرقة و المملوك عندك و لعله حر قد باع نفسه، أو قهر فبيع، أو امرأة تحتك و هي أختك، أو رضيعتك و الأشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غيره، أو تقوم به البينة».
فإنه قد استدل بها جماعة كالعلامة في التذكرة و غيره على أصالة الإباحة، مع أن أصالة الإباحة هنا معارضة باستصحاب حرمة التصرف في هذه الأشياء المذكورة في الرواية كأصالة عدم التملك في الثوب و الحرية في المملوك و عدم تأثير العقد في الامرأة، و لو أريد بالحلية في الرواية ما يترتب على أصالة الصحة في شراء الثوب و المملوك و أصالة عدم تحقق الحل و الرضاع في المرأة كان خروجا عن الإباحة الثابتة بأصالة الإباحة كما هو ظاهر الرواية، و قد ذكرنا في مسألة أصالة البراءة بعض الكلام في هذه الرواية فراجع و اللّه الهادي هذا كله حال قاعدة البراءة.
و أمّا استصحاب البراءة فهو لا يجامع استصحاب التكليف، لأن الحالة السابقة إما وجود التكليف، أو عدمه إلا على ما عرفت سابقا من ذهاب بعض المعاصرين إلى إمكان تعارض استصحابي الوجود و العدم في موضوع واحد و تمثيله لذلك بمثل صم يوم الخميس.
و لا إشكال بعد التأمل في ورود الاستصحاب عليها لأن المأخوذ في موردها بحكم العقل الشك في براءة الذمة بدون الاحتياط، فإذا قطع بها
بحكم الاستصحاب فلا مورد للقاعدة كما لو أجرينا استصحاب وجوب التمام، أو القصر في بعض الموارد التي يقتضي الاحتياط الجمع فيها بين القصر و الإتمام فإن استصحاب وجوب أحدهما و عدم وجوب الآخر مبرئ قطعي لذمة المكلف عند الاقتصار على مستصحب الوجود هذا حال القاعدة.
و أما استصحاب الاشتغال في مورد القاعدة على تقدير الإغماض عما ذكرنا سابقا من أنه غير مجد في مورد القاعدة لإثبات ما يثبته القاعدة فسيأتي حكمها في تعارض الاستصحابين، و حاصله أن الاستصحاب الوارد على قاعدة الاشتغال حاكم على استصحابه.
و لا يخفى ورود الاستصحاب عليه إذ لا يبقى معه التحير الموجب للتخيير فلا يحكم بالتخيير بين الصوم و الإفطار في اليوم المحتمل كونه من شوال مع استصحاب عدم الهلال، و لذا فرع الإمام عليه السلام قوله: «صم للرؤية و أفطر للرؤية» على قوله: «اليقين لا يدخله الشك».
و هي المسألة المهمة (1)
الشرح
(1) المراد من التّعارض في المقام كما في كثير من المسائل المتقدّمة هو مجرّد التّقابل في أوّل الأمر المجامع مع الورود و الحكومة أيضا لا ما هو المراد من ظاهره عند الإطلاق الغير المجامع معهما.
ثمّ إنّ ما أفاده دام ظلّه العالي من كثرة الأقسام المتصوّرة في المقام و عدم تأثير الاختلاف في حكم المتعارضين إلاّ من جهة واحدة جامعة لجميع صور الاختلاف
........
الشرح
و التّعارض أمر واضح لا سترة فيه أصلا كوضوح ما أفاده من عدم تعقّل كون الشّك في كلّ منهما مسبّبا عن الشّك في الآخر ضرورة استحالة كون الشّيء علّة لشيء و معلولا له، و أما ما توهّم من المثال له بالعامين من وجه فهو فاسد جدّا، لأنّ الشّك فيهما بالنّسبة إلى مادّة الاجتماع و التّعارض مسبّب عن سبب العلم بعدم إرادة الظّاهرين كما هو ظاهر.
ثمّ إنّ أمثلة القسم الأوّل كثيرة كاستصحاب كرّية الماء و إطلاقه بالنّسبة إلى استصحاب نجاسة المغسول به و حدث المكلّف و استصحاب طهارة المكلّف بالنّسبة إلى استصحاب اشتغال ذمّته بالصّلاة على القول بجريان استصحاب الشّغل و نحوهما ممّا يعتبر فيه الطّهارة و استصحاب نجاسة الملاقي بالنّسبة إلى استصحاب طهارة الملاقى بالفتح إلى غير ذلك ممّا لا يخفى.
ثمّ إنّ ما أفاده في حكم هذا القسم من لزوم العمل بالاستصحاب في الشّك السّببي و عدم الاعتناء بالاستصحاب في الشّك المسبّب لا لمكان التّرجيح، بل لتقدّمه عليه ذاتا من جهة حكومته عليه، و إن كان أمرا ظاهرا لا سترة فيه أصلا و قد نفى الإشكال عنه جمع من محقّقي المتأخّرين، إلاّ أنّه قد خالف فيه جمع من الأصحاب في جملة من كلماتهم و هم بين من يعامل معهما معاملة المتعارضين كالمحقّق فيما تقدّم من كلامه عند الكلام في حجّية الاستصحاب و غيره كما ستقف عليه و من يعمل بهما في الجملة كالمحقّق القمّي قدس سره في بعض كلماته في القوانين حيث جمع بين استصحاب نجاسة الملاقي و استصحاب طهارة الملاقى بالفتح على ما عرفته و ستعرفه.
ثمّ إنّ الكلام في حكم القسم الأوّل قد يقع بناء على القول باعتبار الاستصحاب من باب التّعبد و الأخبار و كونه من الأصول كما هو المختار المرضي عند أكثر المحقّقين من المتأخّرين، و قد يقع بناء على القول به من باب الظّن و منه
........
الشرح
ينقدح ما في التّمسّك بالإجماع في المقام كما في الكتاب، مضافا إلى وهن دعوى الإجماع بنقله الخلاف عن جماعة إلاّ أن يحمل على الاشتباه في الموضوع و الصّغرى فتدبّر بكون أصل اعتبار الاستصحاب خلافيّا إلاّ أن يحمل على الإجماع التّقديري فتأمل. لم يلاحظ فيه أحد القولين بخصوصه، فإنّ تقديم الاستصحاب في الملزومات على استصحاب عدم لوازمها في الجملة و عدم معاملة المتعارضين معهما كما فيما ذكره من الأمثلة و نحوها ممّا لا يفرق فيه بين القولين فكأنّه في مقام دعوى الإجماع من الفريقين فتدبّر.
و ممّا ذكرنا يظهر أمر التّأييد بالسّيرة و أنّ مبناه على القول باعتبار الاستصحاب من باب التّعبّد و الأخبار، أو مطلقا أمّا على القول باعتبار الاستصحاب من باب التّعبّد و الأخبار فقد تمسّك لتعيين العمل بالاستصحاب في الشّك السّببي بوجوه عمدتها الوجه الأوّل المعبّر عنه في الكتاب بالوجه الثّاني الأوّل دلالة الأخبار بأسرها عليه من حيث دوران الأمر فيها من الحكم بشمولها للشّك السّببي دون الشّك المسبّبي، أو العكس بين التّخصّص بحكم الشّارع و التّخصيص من غير مخصّص يقتضيه، فإنّ المفروض كون ارتفاع المستصحب في الشّك المسبّب من الأحكام و اللّوازم الشّرعيّة للمستصحب في الشّك السّبب، فإذا كان معنى حكم الشّارع بعدم نقض الشّيء و البقاء عليه في الموضوعات جعل آثارها الشّرعيّة في مرحلة الظّاهر لزمه رفع الشّك المسبّب بحكم الشّارع فكأنّه لا شكّ حتّى يشمله الأخبار النّاهية عن نقض اليقين بالشّك، و هذا بخلاف ما لو حكم بشمولها للشّك المسبّب حيث إنّ ارتفاع المستصحب في الشّك المسبّب ليس من أحكام مستصحبه بالفرض فيلزم ما ذكر من طرح عموم الأخبار بالنّسبة إلى الشّك السّبب من غير مخصّص يقتضيه، و هذا ممّا لا يجوّزه العرف المرجع في باب الألفاظ فعموم نفس الأخبار بالملاحظة المذكورة قاض بإرادة الشّك السّبب و عدم إرادة الشّك المسبّب
........
الشرح
فليس هناك طرح لعموم الأخبار بالنّسبة إلى الشّك المسبّب حتّى يتوجّه عليه ما أفاده شيخنا الأستاذ العلاّمة بقوله: (و دعوى أنّ اليقين بالنّجاسة أيضا من أفراد العام فلا وجه لطرحه) إلى آخر ما أفاده كي يحتاج في دفعه إلى النّقض المتوجّه عليه و الحلّ المنظور فيه حيث إنّ الحكم بشمول ما دلّ على حصول الطّهارة للمغسول بالماء الظّاهر مع الشّك في الموضوع في مرحلة الظّاهر بحيث يستدلّ عليه مع الشّك ممّا لا معنى له، و إن كان على تقدير تحقّق الموضوع في مرحلة الواقع مرادا منه في نفس الأمر و فائدة استصحاب الموضوع و مرجعه على ما سمعته مرارا منّا و من شيخنا دام ظلّه ليس جعل الموضوع و إيجاده ثمّ التّمسّك بالدّليل المثبت للحكم، بل مرجعه إلى جعل ما حمل عليه من الأحكام الشّرعيّة في مرحلة الظّاهر فكيف يقال إنّ نقض اليقين بذلك الدّليل لا بالشّك، و إن كان ما أفاده دام ظلّه العالي بالنّسبة إلى العمل باستصحاب نجاسة الثّوب بقوله: (بيان ذلك أنّه لو عملنا باستصحاب النّجاسة) إلخ مستقيما ضرورة عدم كون زوال الطّهارة عن الماء من الأحكام الشّرعيّة لنجاسة الثّوب، و إن كان بقاؤها في الثّوب في مرحلة الواقع كاشفا عن سبق تنجّس الماء قبل غسل الثّوب به، لكنه على ما عرفته مرارا لا يفيد في المقام حتّى على القول باعتبار الأصول المثبتة.
اللّهم إلاّ أن يوجّه ما أفاده بأنّ غرضه ممّا ذكره ليس ما يتراءى من ظاهره من التّمسّك باستصحاب الموضوع أي طهارة الماء في المثال ثمّ التّمسّك بالدّليل المثبت لحكمه، بل غرضه التّمسّك باستصحاب الموضوع بعد الفراغ عن ثبوت حكمه المذكور بالدّليل الاجتهادي و بملاحظته فيرجع إلى ما ذكرنا من البيان لوجه تقديم الاستصحاب في الشّك السّبب على الاستصحاب في الشّك المسبّب.
و من هنا يتوجّه عليه الإشكال المذكور بقوله: (و قد يستشكل بأنّ اليقين بطهارة الماء و اليقين بنجاسة الثّوب المغسول به) إلخ إذ هو صريح في جعل الاستصحاب
........
الشرح
في الشّك السّبب بنفسه دليلا على عدم شمول العام للشّك المسبّب من دون ضمّ شيء آخر إليه، ثمّ إنّ حاصل ما أفاده من الإشكال في وجه التّقديم المذكور أنّ المفروض عدم قيام دليل من الخارج على عدم إرادة الشّك المسبّب من عموم الأخبار حتّى يجعل قرينة على التّخصيص و إنّما الغرض جعل نفس شمول العام للشّك السّبب كاشفا عن عدم إرادته و خروجه عن العموم و هو غير معقول بعد فرض تساويهما في الفرديّة و كون نسبة العموم إليهما نسبة واحدة من دون تفاوت و تقدّم و تأخّر في نسبته إليهما فيكونان كالشّكين المسبّبين عن أمر ثالث من حيث لزوم إجمال العموم بالنّسبة إليهما و عدم جواز جعله دليلا على إرادة شيء منهما بخصوصه، و إلاّ أمكن عكس ذلك و جعل شمول العام للشّك المسبّب مانعا عن شموله للشّك السّبب لامتناع إرادته مع إرادته و لمّا لم يكن ثمّة ترجيح لشيء من الشّمولين حكم بتساويهما، كما هو الشّأن في الشّكين المسبّبين عن أمر ثالث و مجرّد كون أحد الشّكين سببا للآخر لا يوجب التّرجيح بعد فرض وجودهما في الخارج و كون نسبة العموم إليهما نسبة واحدة على ما عرفت، و أما ما أفاده في الدّفع عن الإشكال المذكور فيرجع إلى وجهين:
أحدهما: أنّ تحقّق الشّك السّبب في الخارج و كونه مرادا من العموم في نفسه مع قطع النّظر عن مانعيّة الشّك المسبّب على ما يدّعيها الخصم مفروض لا شبهة فيه أصلا، و أما الشّك المسبّب فجعله من إفراد العموم بحيث يحكم بإرادته منه يتوقّف على الحكم بخروج المفروق فرديّته بالمعنى الّذي عرفته عن العموم حيث إنّ لازم دخوله و معنى عدم الالتفات إليه هو رفع اليد عن الشّك المسبّب حيث إنّه من أحكامه الشّرعيّة بالفرض، فإذا استند في خروجه عنه إلى دخول الشّك المسبّب توجّه عليه الدّور الظّاهر و لا يلزم مثله في العكس، فإنّ رفع اليد عن الشّك السّبب ليس من أحكام عدم النّقض الشّكّ المسبّب على ما هو المفروض. ثانيهما:
........
الشرح
أنّ الشّك المسبّب باعتبار متعلّقه كما يكون معلولا للشّك السّبب كما هو قضيّة السّببيّة و المسببيّة بين الشّيئين مطلقا كذلك يكون حكم المحمول على الشّك السّبب معلولا له في الجملة على ما هو الشّأن في كلّ محمول بالنّسبة إلى موضوعه فيكون نسبتهما إلى الشّك السّبب نسبة واحدة و في مرتبة واحدة فلا يمكن شمول الحكم الّذي هو المحمول للشّك المسبّب المقتضي لتقدّمه عليه مع أنّهما في مرتبة واحدة بالفرض و العموم الأصولي و إن انحلّ إلى محمولات متعدّدة لموضوعات متعدّدة، إلاّ أنّه من لوازم كون المحمول من لوازم وجود الموضوع أينما تحقّق من دون مدخليّة شيء في الحمل فلا يقال إنّ الحكم المحمول على الشّك المسبّب المتأخّر عنه مرتبة غير الحكم المحمول على الشّك السّبب الّذي فرض كونه في مرتبة الشّك المسبّب فتدبّر.
فإن شئت قلت: إنّ معنى حمل العموم على الشّك السّبب المقدّم رتبة على الشّك المسبّب إذا كان رفع اليد عن الشّك المسبّب فلا يمكن حمله عليه أيضا بعد فرض تأخّره عن الشّك السّبب فتأمل.
هذا غاية ما يحرّر في توضيح ما أفاده في بيان هذا الوجه و مع ذلك منه في النّفس شيء.
الثّاني: أنّ لازم القول بعدم تقديم الاستصحاب في الشّك السّبب و المعاملة معه معاملة التّعارض تخصيص الأخبار بالاستصحاب الحكمي و هو مع منافاته لموردها خلاف صريح ما التزم به الخصم بيان ذلك أنّ المجعول بالاستصحاب الموضوعي على ما أسمعناك مرارا الآثار الشّرعيّة المحمولة على الموضوع النّفس الأمري في مرحلة الظّاهر و الغرض إنّما يتعلّق بجعل الآثار المسبوقة بالعدم المترتّبة على بقاء الموضوع في زمان الشّك، لأنّ الآثار المشاركة مع المستصحب في الوجود السّابق يجري الاستصحاب في أنفسها فيغني استصحابها عن استصحاب نفس الموضوع،
........
الشرح
فإذا حكم بالتّعارض بين استصحاب الملزوم و استصحاب اللاّزم فلا محالة يقع التّعارض بين استصحاب الموضوع و استصحاب عدم تلك الآثار، فلا بدّ من تخصيص الأخبار بالشّبهة الحكميّة الّتي لا يراد بالاستصحاب فيها إلاّ جعل نفس المستصحب في مرحلة الظّاهر على ما عرفته مرارا.
و هذا الوجه كما ترى ضعيف بما في الكتاب من أنّ استصحاب الموضوع فيما كان الشّك في الحكم مسبّبا عن الشّك فيه محتاج إليه على تقدير و قول بالنّسبة إلى الآثار المشاركة مع المستصحب في اليقين السّابق، فلو بني على المعارضة بالنّسبة إلى الآثار المسبوقة بالعدم المترتّبة على الوجود اللاّحق لم يلزم منه تخصيص الاستصحاب بالشّبهات الحكميّة مع أنّه لا يظنّ بالقائل بالمعارضة بين الاستصحابين في الفرض العمل به مطلقا حتّى بين الاستصحاب الموضوعي و الحكمي فتدبّر. ثمّ إنّه يمكن الاستدلال بالوجه المذكور كما ترى على القول باعتبار الاستصحاب من باب الظّن أيضا الثّالث دلالة الأخبار النّاهية عن نقض اليقين بالشّك بالصّراحة على إعمال الاستصحاب في الشّك السّبب و إلقائه بالنّسبة إلى الشّك المسبّب حيث إنّ المفروض في مواردها وجود الشّكين أ لا ترى إلى صحيحة زرارة المعلّلة للبناء على الوضوء السّابق بكونه متيقّنا بالطّهارة و إلى صحيحته الأخرى المعلّلة للبناء و المضي على الصّلاة إذا رأى النّجاسة بعدها مع احتمال وقوعها على الثّوب قبل الصّلاة بكونه متيقّنا بطهارة الثّوب في السّابق، مع أن قضيّة استصحاب الشّغل في المثالين على ما يقول به المشهور من جريانه في مورد جريان قاعدة الشّغل عدم القناعة مع الشّك المفروض، و من هنا حكم المحقّق فيما عرفت من كلامه بالتّعارض بين استصحاب الطّهارة و استصحاب الاشتغال هذا مع دلالة العقل الضّروري على ذلك من حيث إنّ تعليل تقديم أحد الشّيئين على الآخر بالعلّة المشتركة قبيح في الغاية و فضيح إلى النّهاية، بل أقبح من
........
الشرح
التّرجيح من غير مرجّح كما هو ظاهر و هذا الوجه كما ترى لا غبار فيه أصلا، إلاّ أنّه لا بدّ أن يكون مبنيّا على مذاق القوم من جريان استصحاب الشّغل على ما عرفت في تقريب هذا الوجه هذا كلّه على القول باعتبار الاستصحاب من باب الأخبار و التّعبّد، و أما على القول باعتباره من باب الظّن فالمستفاد ممّا أفاده شيخنا العلاّمة دام ظلّه في الكتاب كون تقديم الاستصحاب في الشّك السّبب أظهر منه على تقدير القول به من باب التّعبّد مستدلا على ذلك بأنّ الظّن بعدم اللاّزم مع فرض الظّن بالملزوم محال عقلا، فإذا فرض حصول الظّن بطهارة الماء عند الشّك فيلزمه عقلا الظّن بزوال النّجاسة عن الثّوب إلى آخر ما أفاده مستشهدا عليه ببناء العقلاء البانين على الاستصحاب في أمور معاشهم، بل معادهم حيث إنّهم لا يعتنون في موارد وجود الشّكين إلى الاستصحاب في الشّك المسبّب أصلا و أبدا إلى آخر ما أفاده.
و قد يناقش فيه تارة: بأنّ ذلك إنّما يستقيم على القول بإناطة الاستصحاب بالظّن الشّخصي المهجور عند المشهور و عند شيخنا على ما عرفت في محلّه، و أما على القول بإماطته بالظّن النّوعي المطلق الحاصل بملاحظة الحالة السّابقة فلا يستقيم أصلا حيث إنّه على هذا القول لا يدور مدار الظّن الفعلي في الموارد الشّخصيّة فعدم حصول الظّن بعدم اللاّزم فعلا مع الظّن بالملزوم لا يمنع من حجيّته مع إفادته الظّن في نفسه بالنّظر إلى الحالة السّابقة، و أنت خبير بأنّ المناقشة المذكورة مبنيّة على الغفلة عن مراد عبارة الكتاب، فإنه كما يمتنع حصول الظّن بعدم اللاّزم مع فرض حصول الظّن بالملزوم كذلك يمتنع حصول الظّن بالملزوم مع فرض الظّن بعدم لازمه، فإنّ الظّن بعدم المعلول يلازم الظّن بعدم العلّة فكيف يجامع الظّن بوجود العلّة فأينما فرض حصوله في شخص المقام من الظّنين يمتنع معه حصول الظّن الآخر سواء فرض الظّن بالعلّة، أو عدم العلّة فتصديق ما أفاده
في باب تعارض الأصول التي اختلف فيها كلمات العلماء في الأصول و الفروع كما يظهر بالتتبع.
فاعلم أن الاستصحابين المتعارضين ينقسمان إلى أقسام كثيرة من حيث كونهما موضوعيين، أو حكميين، أو مختلفين وجوديين، أو عدميين، أو
الشرح
على القول بابتناء الاستصحاب على الظّن الشّخصي ممّا لا محصّل له أصلا و لا ينبغي التّكلّم فيه، و إنّما الكلام في المقام في مزاحمة السّبب الكاشف عن وجود الملزوم في نفسه و لو خلّي و طبعه للسّبب الكاشف عن عدم المعلول و أنّهما في مرتبة واحدة حتّى يتحقّق المزاحمة أم لا فالغرض ممّا أفاده شيخنا دام ظلّه أنّ السّبب الكاشف عن وجود العلّة لا يمكن أن يكون كاشفا عن عدم معلولة.
و أخرى: بأنّ انتقال الذّهن أوّلا إلى الملزوم ثمّ إلى لازمه على ما هو قضيّة اللّزوم و التّبعيّة إنّما يستقيم فيما لم يكن هناك سبب كاشف عن حال اللاّزم في عرض السّبب الكاشف عن حال الملزوم و في المقام ليس الأمر كذلك، لأنّ المقتضي الظّن بالنّسبة إلى الملزوم هي الحالة السّابقة المتحقّقة بالنّسبة إليه وجودا كما أنّ المقتضي للظّنّ بعدم اللاّزم هي الحالة السّابقة المتحقّقة بالنّسبة إليه عدما فهما في مرتبة واحدة لا ترتيب بينهما أصلا و أنت خبير بضعف هذه المناقشة أيضا، فإنّ للشّك في البقاء مدخلا في حصول الظّن من الاستصحاب جدّا، فإذا كان الشّك في اللاّزم من جهة الشّك في الملزوم على ما هو المفروض كان حال الذّهن في الثّاني تابعا لحاله في الأوّل، فإنّ المفروض عدم الشّك فيه من غير جهة الملزوم.
فإن شئت قلت: إنّ السّبب المقتضي للظنّ بالملزوم نوعا يمنع أن يكون مقتضيا للظّن بعدم لازمه كذلك و المفروض كون السّبب متّحدا نوعا و سنخا و إن تعدّد أشخاصه بالنّسبة إلى الأمور المتحقّقة في السّابق فتدبّر.
مختلفين و كونهما في موضوع واحد، أو موضوعين و كون تعارضهما بأنفسهما، أو بواسطة أمر خارج إلى غير ذلك.
إلا أن الظاهر أن اختلاف هذه الأقسام لا يؤثر في حكم المتعارضين إلا من جهة واحدة و هي أن الشك في أحد الاستصحابين، إما أن يكون مسببا عن الشك في الآخر من غير عكس، و أما أن يكون الشك فيهما مسببا عن ثالث، و أما كون الشك في كل منهما مسببا عن الشك في الآخر فغير معقول.
و ما توهم له من التمثيل بالعامين من وجه و أن الشك في أصالة العموم في كل منهما مسبب عن الشك في أصالة العموم في الآخر مندفع بأن الشك في الأصلين مسبب عن العلم الإجمالي بتخصيص أحدهما.
و كيف كان فالاستصحابان المتعارضان على قسمين:
فإن كان الشك في أحدهما مسببا عن الشك في الآخر فاللازم تقديم الشك السببي و إجراء الاستصحاب فيه و رفع اليد عن الحالة السابقة للمستصحب الآخر، مثاله: استصحاب طهارة الماء المغسول به ثوب نجس فإن الشك في بقاء نجاسة الثوب و ارتفاعها مسبب عن الشك في بقاء طهارة الماء و ارتفاعها فيستصحب طهارته و يحكم بارتفاع نجاسة الثوب خلافا لجماعة.
الأول: الإجماع على ذلك في موارد لا تحصى، فإنه لا يحتمل الخلاف في تقديم الاستصحاب في الملزومات الشرعية كالطهارة من الحدث
و الخبث و كرية الماء و إطلاقه و حياة المفقود و براءة الذمة من الحقوق المزاحمة للحج و نحو ذلك على استصحاب عدم لوازمها الشرعية كما لا يخفى على الفطن المتتبع. نعم بعض العلماء في بعض المقامات يعارض أحدهما بالآخر كما سيجيء و يؤيده السيرة المستمرة بين الناس على ذلك بعد الاطلاع على حجية الاستصحاب كما هو كذلك في الاستصحابات العرفية.
الثاني: أن قوله عليه السلام: «لا تنقض اليقين بالشك» باعتبار دلالته على جريان الاستصحاب في الشك السببي مانع للعام عن قابلية شموله لجريان الاستصحاب في الشك المسببي، يعني أن نقض اليقين له يصير نقضا له بالدليل لا بالشك فلا يشمله النهي في لا تنقض و اللازم من شمول لا تنقض للشك المسببي نقض اليقين في مورد الشك السببي لا لدليل شرعي يدل على ارتفاع الحالة السابقة فيه، فيلزم من إهمال الاستصحاب في الشك السببي طرح عموم لا تنقض من غير مخصص و هو باطل و اللازم من إهماله في الشك المسببي عدم قابلية العموم لشمول المورد و هو غير، و تبيان ذلك أن مقتضى عدم نقض اليقين رفع اليد عن الأمور السابقة المضادة لآثار ذلك المتيقن، فعدم نقض طهارة الماء لا معنى له إلا رفع اليد عن النجاسة السابقة المعلومة في الثوب إذ الحكم بنجاسته نقض لليقين بالطهارة المذكورة بلا حكم من الشارع بطرو النجاسة و هو طرح لعموم لا تنقض من غير مخصص، أما الحكم بزوال النجاسة فليس نقضا لليقين بالنجاسة إلا بحكم الشارع بطرو الطهارة على الثوب.
و الحاصل: أن مقتضى عموم لا تنقض للشك السببي نقض الحالة السابقة لمورد الشك المسببي.
و دعوى أن اليقين بالنجاسة أيضا من أفراد العام فلا وجه لطرحه و إدخال اليقين بطهارة الماء مدفوعة.
أولا: بأن معنى عدم نقض يقين النجاسة أيضا رفع اليد عن الأمور السابقة المضادة لآثار المستصحب كالطهارة السابقة لملاقيه و غيرها فيعود المحذور إلا أن يلتزم هنا أيضا ببقاء طهارة الملاقي و سيجيء فساده.
و ثانيا: أن نقض يقين النجاسة بالدليل الدال على أن كل نجس غسل بماء طاهر فقد طهر و فائدة استصحاب الطهارة إثبات كون الماء طاهرا به بخلاف نقض يقين الطهارة بحكم الشارع بعدم نقض يقين النجاسة.
بيان ذلك: أنه لو عملنا باستصحاب النجاسة كنا قد طرحنا اليقين بطهارة الماء من غير ورود دليل شرعي على نجاسته، لأن بقاء النجاسة في الثوب لا يوجب زوال الطهارة عن الماء بخلاف ما لو عملنا باستصحاب طهارة الماء، فإنه يوجب زوال نجاسة الثوب بالدليل الشرعي و هو ما دل على أن الثوب المغسول بالماء الطاهر يطهر فطرح اليقين بنجاسة الثوب لقيام الدليل على طهارته هذا.
و قد يشكل بأن اليقين بطهارة الماء و اليقين بنجاسة الثوب المغسول به كل منهما يقين سابق شك في بقائه و ارتفاعه، و حكم الشارع بعدم النقض نسبته إليهما على حد سواء، لأن نسبة حكم العام إلى أفراده على حد سواء فكيف يلاحظ ثبوت هذا الحكم لليقين بالطهارة أولا حتى يجب نقض اليقين بالنجاسة، لأنه مدلوله و مقتضاه.
و الحاصل: أن جعل شمول حكم العام لبعض الأفراد سببا لخروج بعض الأفراد عن الحكم، أو عن الموضوع كما في ما نحن فيه فاسد بعد فرض تساوي الفردين في الفردية مع قطع النظر عن ثبوت الحكم.
و يدفع بأن فردية أحد الشيئين إذا توقف على خروج الآخر المفروض الفردية عن العموم وجب الحكم بعدم فرديته و لم يجز رفع اليد عن العموم، لأن رفع اليد حينئذ عنه يتوقف على شمول العام لذلك الشيء المفروض توقف فرديته على رفع اليد عن العموم و هو دور محال. و إن شئت قلت: إن حكم العام من قبيل لازم الوجود للشك السببي كما هو شأن الحكم الشرعي و موضوعه فلا يوجد في الخارج إلا محكوما، و المفروض أن الشك المسببي أيضا من لوازم وجود ذلك الشك فيكون حكم العام، و هذا الشك لازمان لملزوم ثالث في مرتبة واحدة فلا يجوز أن يكون أحدهما موضوعا للآخر لتقدم الموضوع طبعا.
فالأولى أن يقال: إن ثبوت الحكم لكل يقين سابق ينحل إلى رفع اليد عن اليقين السابق بما يضاد لوازمه، لأن الشيء إذا توقف منعه على عدم ثبوت المقتضي للمقتضي بالكسر لم يصلح أن يكون مانعا له للزوم الثالث أنه لو لم يبن علي تقديم الاستصحاب في الشك السببي كان الاستصحاب قليل الفائدة جدا، لأن المقصود من الاستصحاب غالبا ترتيب الآثار الثابتة للمستصحب و تلك الآثار إن كانت موجودة سابقا أغنى استصحابها عن استصحاب ملزومها فينحصر الفائدة في الآثار التي كانت معدومة، فإذا فرض معارضة الاستصحاب في الملزوم باستصحاب عدم تلك اللوازم و المعاملة معها على ما يأتي في الاستصحابين المتعارضين لغا الاستصحاب في الملزوم و انحصرت الفائدة في استصحاب الأحكام التكليفية التي يراد بالاستصحاب إبقاء أنفسها في الزمان اللاحق.
و يرد عليه منع عدم الحاجة إلى الاستصحاب في الآثار السابقة بناء على أن إجراء الاستصحاب في نفس تلك الآثار موقوف على إحراز الموضوع لها
و هو مشكوك فيه، فلا بد من استصحاب الموضوع إما ليترتب عليه تلك الآثار فلا يحتاج إلى استصحاب أنفسها المتوقفة على بقاء الموضوع يقينا كما حققنا سابقا في مسألة اشتراط بقاء الموضوع، و أما لتحصيل شرط الاستصحاب في نفس تلك الآثار كما توهمه بعض فيما قدمناه سابقا من أن بعضهم تخيل أن موضوع المستصحب يحرز بالاستصحاب فيستصحب.
و الحاصل: أن الاستصحاب في الملزومات محتاج إليه على كل تقدير.
الرابع: أن المستفاد من الأخبار عدم الاعتبار باليقين السابق في مورد الشك المسببي.
بيان ذلك: أن الإمام عليه السلام علل وجوب البناء على الوضوء السابق في صحيحة زرارة بمجرد كونه متيقنا سابقا غير متيقن الارتفاع في اللاحق.
و بعبارة أخرى: علل بقاء الطهارة المستلزم لجواز الدخول في الصلاة بمجرد الاستصحاب، و من المعلوم أن مقتضى استصحاب الاشتغال بالصلاة عدم براءة الذمة بهذه الصلاة حتى إن بعضهم جعل استصحاب الطهارة، و هذا الاستصحاب من الاستصحابين المتعارضين فلو لا عدم جريان هذا الاستصحاب و انحصار الاستصحاب في المقام باستصحاب الطهارة لم يصح تعليل المضي على الطهارة بنفس الاستصحاب، لأن تعليل تقديم أحد الشيئين على الآخر بأمر مشترك بينهما قبيح، بل أقبح من الترجيح بلا مرجح.
و بالجملة: فأرى المسألة غير محتاجة إلى إتعاب النظر، و لذا لا يتأمل العامي بعد إفتائه باستصحاب الطهارة في الماء المشكوك في رفع الحدث و الخبث به و بيعه و شرائه و ترتيب الآثار المسبوقة بالعدم عليه، هذا كله إذا عملنا بالاستصحاب من باب الأخبار.
و أمّا لو عملنا به من باب الظن فلا ينبغي الارتياب فيما ذكرنا، لأن الظن
بعدم اللازم مع فرض الظن بالملزوم محال عقلا، فإذا فرض حصول الظن بطهارة الماء عند الشك فيلزمه عقلا الظن بزوال النجاسة عن الثوب و الشك في طهارة الماء و نجاسة الثوب و إن كانا في زمان واحد، إلا أن الأول لما كان سببا للثاني كان حال الذهن في الثاني تابعا لحاله بالنسبة إلى الأول، فلا بد من حصول الظن بعدم النجاسة في المثال فاختص الاستصحاب المفيد للظن بما كان الشك فيه غير تابع لشك آخر يوجب الظن فافهم، فإنه لا يخلو عن دقة.
و يشهد لما ذكرنا أن العقلاء البانين على الاستصحاب في أمور معاشهم، بل معادهم لا يلتفتون في تلك المقامات إلى هذا الاستصحاب أبدا، و لو نبههم أحد لم يعتنوا فيعزلون حصة الغائب من الميراث و يصححون معاملة و كلائه و يؤدون عنه فطرته إذا كان عيالهم إلى غير ذلك من موارد ترتيب الآثار الحادثة على المستصحب.
ثم إنه يظهر الخلاف في المسألة (1) من جماعة منهم الشيخ و المحقق و العلامة في بعض أقواله و جماعة من متأخري المتأخرين.
الشرح
(1) قد تقدّمت الإشارة إلى كون المسألة ممّا اضطربت فيها كلماتهم، بل قد يظهر منها معارضة البراءة للاستصحاب مع أنّها أولى بعدم المعارضة من حيث كون الاستصحاب واردا عليها. قال المحقّق قدس سره في المعتبر في باب الزّكاة:
لو كان له مملوك لا يعلم حياته، قال الشّيخ في الخلاف: «لا يلزم فطرته، و للشّافعي قولان:
أحدهما: يلزمه، لأنّ الأصل بقاؤه و احتجّ آخرون لذلك أيضا بأنّه يصحّ عتقه في الكفّارة إذا لم يعلم موته و احتجّ الشّيخ بأنّه لا يعلم أنّ له مملوكا فلا يجب زكاته عليه و ما ذكره الشّيخ حسن، لأنّ الزّكاة انتزاع مال يتوقّف على العلم
فقد ذهب الشيخ في المبسوط إلى عدم وجوب فطرة العبد إذا لم يعلم خبره.
و استحسنه المحقق في المعتبر مجيبا عن الاستدلال للوجوب بأصالة البقاء بأنها معارضة بأصالة عدم الوجوب، و عن تنظير وجوب الفطرة عنه بجواز عتقه في الكفارة بالمنع عن الأصل تارة، و الفرق بينهما أخرى، و قد صرح في
الشرح
بسبب الانتزاع و لم يعلم، و قولهم إنّ الأصل البقاء معارض بأنّ الأصل عدم الوجوب، و قولهم يصحّ العتق في الكفّارة عنه جوابان:
أحدهما: المنع و لا يلتفت إلى من يقول الإجماع على جواز عتقه، فإنّ الإجماع لا يتحقّق من رواية واحدة و فتوى اثنين، أو ثلاثة، و الجواب الآخر:
الفرق بين الكفّارة و وجوب الزّكاة، لأنّ العتق إسقاط ما في الذّمّة من حقّ اللّه و حقوق اللّه مبنيّة على التّخفيف و الفطرة إيجاب مال على مكلّف لم يثبت سبب وجوبه عليه» انتهى كلامه رفع مقامه، فلو كان مراده من أصالة عدم الوجوب استصحاب عدمه فيدخل في جزئيّات مسألتنا، و لو كان المراد منها البراءة عن الوجوب فيدخل في مسألة معارضة الاستصحاب و البراءة، و لعلّه المراد من استدلال الشّيخ قدس سره، و قد عرفت ضعف المعارضة سيّما الثّانية، و أما ما أفاده المحقق من الجواب الثّاني ففيه ما لا يخفى، فإنه وجه استحسانيّ، فإنّ اشتغال الذّمة بالعتق في باب الكفّارة يقتضي المبرأ اليقيني، فلو لم يكن الاستصحاب كافيا في إثبات الحياة شرعا لم يجز الاكتفاء بعتق المشكوك في باب الكفّارة، و لو كان كافيا لم يكن معنى للمعارضة المذكورة، و أضعف منه في ظاهر النّظر ما أفاده قدس سره من التّعارض بين استصحاب الطّهارة و استصحاب شغل الذّمة بالصّلاة، مع أن المنصوص في صحيحة زرارة عدم الالتفات إليه على ما عرفت بيانه، لكن عذره قدس سره أنّه لا يقول باعتبار الاستصحاب من باب الأخبار.
أصول المعتبر بأن استصحاب الطهارة عند الشك في الحدث معارض باستصحاب عدم براءة الذمة بالصلاة بالطهارة، و قد عرفت أن المنصوص في صحيحة زرارة العمل باستصحاب الطهارة على وجه يظهر منه خلوه عن المعارض و عدم جريان استصحاب الاشتغال.
و حكي عن العلامة في بعض كتبه الحكم بطهارة الماء القليل الواقع فيه صيد مرمي لم يعلم استناد موته إلى الرمي، لكنه اختار في غير واحد من كتبه الحكم بنجاسة الماء.
و تبعه عليه الشهيدان، أو غيرهما و هو المختار بناء على ما عرفت تحقيقه، و أنه إذا ثبت بأصالة عدم التذكية موت الصيد جرى عليه جميع أحكام الميتة التي منها انفعال الماء الملاقي له.
نعم ربما قيل إن تحريم الصيد إن كان (1) لعدم العلم بالتذكية فلا يوجب
الشرح
(1) قد تقدّم أنّ بعض أفاضل المتأخّرين اختار الحكم بتحريم الصّيد المشكوك جريان التّذكية الشّرعيّة عليه من جهة الأخبار الواردة في المنع عن أكل لحمه لا من جهة أصالة عدم التّذكية، و قد عرفت ضعفه بما لا مزيد عليه و أنّ المستظهر من الأخبار الحكم بالحرمة من جهة الحكم بموت الحيوان شرعا لا من جهة كون أصالة الحرمة في باب اللّحوم أصلا برأسه في قبال أصالة عدم التّذكية فيكون في النّهي عن أكله إشارة إلى البناء على موته من جهة الأصل كما أنّ النّهي عن أكل ما لم يذكر اسم اللّه عليه، أو ما انتفى فيه غيره من الأمور إرشاد إلى كون الحيوان ميتة بدونه و إن كانت الاستفادة في الثّاني أظهر منها في الأوّل حيث إنّه لا يحتمل حرمة الحيوان الّذي لم يذكر اسم اللّه عليه مثلا بحسب الواقع في قبال حرمة الميتة في الشّرع.
ثمّ إنّ مراد الفاضل التّوني من قوله و أنكر بعض الأصحاب ثبوت هذا التّلازم
تنجيس الملاقي و إن كان للحكم عليه شرعا بعدمها اتجه الحكم بالتنجيس، و مرجع الأول إلى كون حرمة الصيد مع الشك في التذكية للتعبد من جهة الأخبار المعللة لحرمة أكل الميتة بعدم العلم بتذكيته و هو حسن لو لم يترتب عليه من أحكام الميتة إلا حرمة الأكل و لا أظن أحدا يلتزمه، مع أن المستفاد من حرمة الأكل كونها ميتة لا التحريم تعبدا و إن استفيد بعض ما يعتبر في التذكية من النهي عن الأكل بدونه، ثم إن بعض من يرى التعارض بين الاستصحابين في المقام صرح بالجمع بينهما فحكم في مسألة الصيد بكونه ميتة و الماء طاهرا.
و يرد عليه: أنه لا وجه للجمع في مثل هذين الاستصحابين فإن الحكم بطهارة الماء إن كان بمعنى ترتب آثار الطهارة من رفع الحدث و الخبث به، فلا ريب أن نسبة استصحاب بقاء الحدث و الخبث إلى استصحاب طهارة الماء بعينها نسبة استصحاب طهارة الماء إلى استصحاب عدم التذكية، و كذا الحكم بموت الصيد، فإنه إن كان بمعنى انفعال الملاقي له بعد ذلك و المنع عن استصحابه في الصلاة، فلا ريب أن استصحاب طهارة الملاقي و استصحاب جواز الصلاة معه قبل زهاق روحه نسبتها إليه كنسبة استصحاب طهارة الماء إليه.
و ممّا ذكرنا يظهر النظر فيما ذكره في الإيضاح تقريبا للجمع بين الأصلين
الشرح
إلخ هو ما حكاه دام ظلّه عن بعض معاصريه من نفي التّلازم بحسب الظّاهر فهو موافق في أصل المدّعى للفاضل، إلاّ أنّه مخالف له في طريقه و أنّ النّجس بالاستصحاب ليس منجّسا فكأنّه لم يجعل معنى استصحاب الموضوع جعل آثاره و الفاضل إنّما لم يحكم بالنّجاسة من جهة وقوع التّعارض في زعمه بين الأصل في الملزوم و الأصل في اللاّزم على ما ذهب إليه غير واحد فيما عرفت.
في الصيد الواقع في الماء القليل من أن لأصالة الطهارة حكمين طهارة الماء و حل الصيد، و لأصالة الموت حكمان: «لحوق أحكام الميتة للصيد، و نجاسة الماء، فيعمل بكل من الأصلين في نفسه لأصالته دون الآخر لفرعيته فيه» (1)انتهى.
و ليت شعري هل نجاسة الماء إلا من أحكام الميتة فأين الأصالة و الفرعية و تبعه في ذلك بعض من عاصرناه، فحكم بطهارة الجلد المطروح بأصالة الطهارة و حرمة الصلاة فيه و يظهر ضعف ذلك مما تقدم.
و أضعف من ذلك حكمه في الثوب الرطب المستصحب النجاسة المنشور على الأرض بطهارة الأرض إذ لا دليل على أن النجس بالاستصحاب منجس، و ليت شعري إذا لم يكن النجس بالاستصحاب منجسا و لا الطاهر به مطهرا فكان كل ما ثبت بالاستصحاب لا دليل على ترتيب آثار الشيء الواقعي عليه، لأن الأصل عدم تلك الآثار فأي فائدة في الاستصحاب.
قال في الوافية في شرائط الاستصحاب الخامس: «أن لا يكون هناك استصحاب في أمر ملزوم له بخلاف ذلك المستصحب، مثلا: إذا ثبت في الشرع أن الحكم بكون الحيوان ميتة يستلزم الحكم بنجاسة الماء القليل الواقع ذلك الحيوان فيه فلا يجوز الحكم بنجاسة الماء القليل و لا بطهارة الحيوان في مسألة الصيد المرمي الواقع في الماء، و أنكر بعض الأصحاب ثبوت هذا التلازم و حكم بنجاسة الصيد و طهارة الماء» انتهى.
ثم اعلم أنه قد حكى بعض مشايخنا المعاصرين عن الشيخ علي في حاشية الروضة دعوى الإجماع على تقديم الاستصحاب الموضوعي على الحكمي.
1) إيضاح الفوائد في شرح القواعد: ج 1، ص 24.
و لعلها مستنبطة حدسا من بناء العلماء (1) و استمرار السيرة على ذلك فلا
الشرح
(1) الغرض ممّا أفاده أنّ المسألة غير معنونة في كلماتهم حتّى يدّعى الإجماع من اتفاق فتاويهم فلا بدّ من أن يكون المستند في استنباط الإجماع في كلّي المسألة ما يستنبط من آرائهم في جملة من جزئيّات المسألة و مصاديقها فيحكم بحكم الحدس القطعي كون الجهة الجامع بين جميع الجزئيّات، فلمّا كان مبني دعوى الإجماع على الحدس المذكور لا على إحساس عنوان المسألة في كلماتهم و اتّفاقهم فيها فقد وقع الخطاء فيها بمخالفة من عرفت في المسألة، فهذه الدّعوى في كمال المشابهة لدعوى شيخنا الأستاذ العلاّمة الإجماع على تقديم الاستصحاب في الشّك السّبب على الاستصحاب في الشّك المسبّب المتطرّق إليها المناقشة المتقدّمة في كلماتنا.
ثمّ إنّ محلّ الكلام في المسألة على ما نبّهناك عليه في مطاوي كلماتنا السّابقة الأحكام المترتّبة على وجود المستصحب في زمان الشّك حتّى يتوهّم التّعارض بالنّسبة إليها و يدّعى الإجماع على تقديم الاستصحاب الموضوعي على الحكمي، و أما الأحكام المشاركة مع الموضوع في اليقين السّابق فلا يتوهّم جريان استصحاب عدميّ بالنّسبة إليها يعارض الاستصحاب الموضوعي كما أنّه لا يجري بالنّسبة إليها على ما نبّهناك عليه استصحاب حكميّ أيضا فيما كان الشّك في بقائها مسبّبا عن الشّك في بقاء موضوعها، فإنه قد صرّح شيخنا دام ظلّه فيما تقدّم من كلامه بأنّه قد يشكّ في بقاء المحمول لا من جهة الشّك في بقاء موضوعه و مثّل له بالشّك في بقاء العدالة لا من جهة الشّك في الحياة فيجري في الفرض استصحابان فراجع إليه هذا، و أما ما أفاده دام ظلّه في تضعيف دعوى الإجماع على تقديم الاستصحاب الموضوعي على الحكمي مع كون تقديم الاستصحاب في الشّك السّبب على الاستصحاب في الشّك المسبّب فيما لم يرجعا إلى الموضوعي و الحكمي خلافيّا على ما استظهره من كلام مدّعي الإجماع بقوله: (مع أن الاستصحاب في
........
الشرح
الشّك السّببي دائما من قبيل الموضوعي بالنّسبة إلى الآخر) إلى آخر ما أفاده فهو غير نقيّ عن المناقشة إن أراد كونهما دائما من الموضوعي و الحكمي حقيقة لا كونهما ملحقين في الحكم بالموضوعي و الحكمي، لأنّ النّجاسة مثلا فيما غسل النّجس بماء شكّ في كرّيّته، أو إطلاقه و إضافته مع سبق الكرّيّة و الإطلاق له قائمة بالمغسول فاستصحابها له لا تعلّق له بالاستصحاب الحكمي، و هكذا في كثير من الموارد و إن كانت المطهّرية شرعا من أحكام الكرّية و الإطلاق، فلو أريد الجمع بين استصحابهما و استصحاب المطهريّة كانا من الموضوعي و الحكمي فاستصحاب عدم وجوب الفطرة مع استصحاب حياة المفقود من أمثلة الاستصحاب الموضوعي المقتضي لوجوب الفطرة و جواز عتقه و بيعه في الجملة و الحكمي، و كذا استصحاب حياة الوارث مع موت مورّثه من الاستصحاب الموضوعي بالنّسبة إلى استصحاب عدم انتقال التّركة إلى الوارث الغائب الّذي شكّ في حياته و هكذا. و بالجملة: دعوى رجوع جميع موارد الشّك السّبب و المسبّب إلى الموضوعي و الحكمي بحيث يكون النّسبة بينهما التّسوية كما ترى كيف.
و قد ذكر غير مرّة في الجزء الثّاني من الكتاب عند التّكلم في حكم ملاقي بعض المشتبهين بالشّبهة المحصورة و غيره بأنّه إذا لم يجر الأصل بالنّسبة إلى الشّك السّبب، أو جرى و كان معارضا بما هو في مرتبته جرى الأصل بالنّسبة إلى الشّك المسبّب مع أنّه صرّح في جملة من كلماته المتقدّمة بأنّ الشّك في الحكم إذا كان مسبّبا عن الشّك في موضوعه لم يجر الاستصحاب بالنّسبة إلى الحكم سواء جرى الاستصحاب بالنّسبة إلى الموضوع أم لا، لأنه قضيّة اعتبار بقاء الموضوع في الاستصحاب و هذا الّذي ذكرنا أمر واضح لا غبار فيه أصلا و لا ينافيه ما قضت به كلمات أهل المعقول من كون المعلول من عوارض العلّة و محمولاته باعتبار من الاعتبارات و حيثيّة من الحيثيّات.
يعارض أحد استصحاب كرية الماء باستصحاب بقاء النجاسة فيما يغسل به و لا استصحاب القلة باستصحاب طهارة الماء الملاقي للنجس و لا استصحاب حياة الموكل باستصحاب فساد تصرفات وكيله.
لكنك قد عرفت فيما تقدم من الشيخ و المحقق خلاف ذلك هذا، مع أن الاستصحاب في الشك السببي دائما من قبيل الموضوعي بالنسبة إلى الآخر، لأن زوال المستصحب بالاستصحاب الآخر من أحكام بقاء المستصحب بالاستصحاب السببي فهو له من قبيل الموضوع للحكم، فإن طهارة الماء من أحكام الموضوع الذي حمل عليه زوال النجاسة عن المغسول به، و أي فرق بين استصحاب طهارة الماء و استصحاب كريته.
هذا كله فيما إذا كان الشك في أحدهما مسببا عن الشك في الآخر.
الشرح
و من هنا ذكرنا أن المطهريّة قائمة بالماء، إلاّ أنّ الطّهارة و النّجاسة قائمتان بالثّوب مثلا، و كذا المنجّسية قائمة بالملاقي إلاّ أنّ النّجاسة قائمة بالملاقي بالكسر كيف و هما موضوعان في الحسّ قام بكلّ منهما محمول، و إن كان محمول أحدهما معلولا لمحمول الآخر باعتبار من الاعتبارات، فقد اتّضح ممّا ذكرنا عدم التّسوية بين المسألتين و كون الأصل الموضوعي و الحكمي فيما كان الشّك فيه من جهة الشّك في الموضوع من جزئيّات الأصل في الشّك السّبب و المسبّب و إن افترق هذا الجزئي من غيره في بعض الأحكام حيث إنّك عرفت عدم جريان الأصل الحكمي في الفرض مطلقا و جريان الأصل في الشّك المسبّب مع عدم جريان الأصل في الشّك السّبب، أو معارضته بمثله في غير الموضوعي و الحكمي.
و من هنا بنينا تبعا للمشهور و الأستاذ العلاّمة على جريان الأصل في ملاقي أحد المشتبهين لمكان عدم جريان الأصل في الملاقي، أو سقوطه لمكان المعارضة مع الأصل في الطّرف الآخر على ما تقدّم من الوجهين في محلّه.
فمورده ما إذا علم ارتفاع أحد الحادثين لا بعينه و شك في تعيينه، فأما أن يكون العمل بالاستصحابين مستلزما لمخالفة قطعية عملية لذلك العلم الإجمالي كما لو علم إجمالا بنجاسة أحد الطاهرين، و أما أن لا يكون.
و على الثاني فأما أن يقوم دليل عقلي، أو نقلي على عدم الجمع كما في الماء النجس المتمم كرا بماء طاهر حيث قام الإجماع على اتحاد حكم الماءين أولا.
و على الثاني إما أن يترتب أثر شرعي على كل من المستصحبين في الزمان اللاحق كما في استصحاب بقاء الحدث و طهارة البدن في من توضأ غافلا بمائع مردد بين الماء و البول و مثله استصحاب طهارة المحل في كل واحد من واجدي المني في الثوب المشترك، و أما أن يترتب الأثر على أحدهما دون الآخر كما في دعوى الموكل التوكيل في شراء العبد و دعوى الوكيل التوكيل في شراء الجارية.
أمّا الأوليان: فيحكم فيهما بالتساقط دون الترجيح و التخيير، فهنا دعويان:
أحدهما: عدم الترجيح بما يوجد مع أحدهما من المرجحات (1) خلافا
الشرح
(1) لا ريب في أنّ كلام ثاني الشّهيدين مبنيّ على ما بنى أكثر الأصحاب عليه من اعتبار الأصول من باب الظّن كما عرفت القول فيه مرارا، و حاصل القول في
........
الشرح
المقام: أنّه إمّا أن نقول باعتبار الاستصحاب من باب الظّن، أو نقول باعتباره من باب التّعبّد و الأخبار من غير ملاحظة إفادته الظّن أصلا لا نوعا و لا شخصا، و على الأوّل إمّا أن نقول بإناطة اعتباره بالظّن النّوعي المطلق، أو نقول بإناطته بالظّن النّوعي المقيّد، أو نقول بإناطته بالظّن الشّخصي و على كلّ تقدير لا يجوز التّرجيح بين المتعارضين من الاستصحابين على القاعدة و الأصل و إن تعيّن العمل بالرّاجح على بعض التّقادير، إلاّ أنّه ليس لمكان التّرجيح. توضيح ذلك: أنّه على التّقدير الأوّل يكون مقتضى القاعدة الأوّليّة على ما ستقف عليه مشروحا في الجزء الرّابع من التّعليقة تساقط المتعارضين بالنّسبة إلى مورد التّعارض و الرّجوع إلى أصل لا يكون في مرتبتهما إن كان هناك أصل على طبق أحدهما، و إلاّ فيحكم بالتّخيير العقلي بينهما نظير التّخيير بين الاحتمالين، و هذا معنى التّوقّف في قبال التّساقط المطلق الّذي يلزمه الرّجوع إلى الأصل مطلقا، سواء طابق أحد المتعارضين، أو خالفهما، و هذا جار في تعارض كلّ ما أنيط اعتباره بالطّريقيّة المطلقة من غير فرق بين الأخبار و غيرها.
نعم لو كان هناك إجماع على وجوب العمل بالرّاجح من الدّليلين المتعارضين مطلقا كما ادّعاه العلاّمة و غيره خرجنا به عن القاعدة كما خرجنا بالإجماع و الأخبار عنها في تعارض الأخبار، هذا و ستقف على شرح القول فيما يتعلّق بالمقام في الجزء الرّابع و على التّقدير الثّاني يؤخذ بالرّاجح و يطرح المرجوح لا لمكان التّرجيح، بل لوجود مناط الحجيّة في الأوّل دون الثّاني، و كذا على التّقدير الثّالث، ففي الحقيقة يخرج الفرض عن مسألة التّعارض على التّقديرين.
و من هنا ذكرنا في أواخر الجزء الأوّل من التّعليقة و سنفصّل القول فيها في الجزء الرّابع أنّ التّعارض لا يتصوّر على القول بإناطة اعتبار الأمارات بإفادتها الظّن الشّخصي في المسائل الفرعيّة كما هو لازم من خصّ نتيجة مقدّمات الانسداد
لجماعة، قال في محكي تمهيد القواعد: «إذا تعارض أصلان عمل بالأرجح منهما لاعتضاده بما يرجحه، فإن تساويا خرج في المسألة وجهان غالبا ثم مثل له بأمثلة منها الصيد الواقع في الماء» إلى آخر ما ذكره.
و صرح بذلك جماعة من متأخري المتأخرين.
و الحق على المختار من اعتبار الاستصحاب من باب التعبد هو عدم الترجيح بالمرجحات الاجتهادية، لأن مؤدى الاستصحاب هو الحكم الظاهري فالمرجح الكاشف عن الحكم الواقعي لا يجدي في تقوية الدليل
الشرح
بالفروع مع كون النّتيجة حجّية الظّن الشّخصي فالتّرجيح بالظّن ساقط في تعارض الأصول على القول باعتبارها من باب الظّن أيضا فضلا عن القول به من باب التّعبّد الظّاهري كما أنّ التّرجيح بالأصول ساقط في تعارض الأصول على القول باعتبارها من باب الظّن أيضا فضلا عن القول به من باب التّعبّد الظّاهري، كما أنّ التّرجيح بالأصول ساقط في تعارض الأمارات الاجتهاديّة على القول بها من باب الأخبار و التّعبّد كما ستقف على تفصيل القول فيه من حيث عدم حصول مزيّة لما وافقها أصلا، و أما على الثّاني أي على القول باعتبار الاستصحاب من باب التّعبّد فلا ريب في عدم جواز ترجيح ما وافق بعض الأمارات الخارجيّة من الاستصحابين المتعارضين. أمّا أوّلا: فلعدم سنخيّة بين الأصل و الأمارة الموافقة له حتّى يرجّح بها، و من هنا قلنا بعدم جواز ترجيح الأمارات المتعارضة بالأصول التّعبديّة.
و أمّا ثانيا: فلأنّ التّرجيح فرع التّعارض و شمول دليل الاعتبار لكلّ من المتعارضين في نفسه، لأنّ ما لا يشمله دليل الاعتبار من التّعارضين يحكم بتساقطهما بهذا المعنى فلا معنى لتوهّم التّرجيح بينهما كما هو ظاهر و الاستصحابات المتعارضان في الصّورتين الأوّلتين لا يشملهما الأخبار النّاهية عن نقض اليقين بالشّك على ما ستقف عليه في إثبات الدّعوى الثّانية في كلام شيخنا الأستاذ العلاّمة.
الدال على الحكم الظاهري لعدم موافقة المرجح لمدلوله حتى يوجب اعتضاده.
و بالجملة: فالمرجحات الاجتهادية غير موافقة في المضمون للأصول حتى تعاضدها، و كذا الحال بالنسبة إلى الأدلة الاجتهادية فلا يرجح بعضها على بعض لموافقة الأصول التعبدية.
نعم لو كان اعتبار الاستصحاب من باب الظن النوعي أمكن الترجيح بالمرجحات الاجتهادية بناء على ما يظهر من عدم الخلاف في إعمال التراجيح بين الأدلة الاجتهادية كما ادعاه صريحا بعضهم.
لكنك عرفت فيما مضى عدم الدليل على الاستصحاب من غير جهة الأخبار الدالة على كونه حكما ظاهريا فلا ينفع و لا يقدح فيه موافقة الأمارات الواقعية و مخالفتها.
هذا كلّه مع الإغماض عما سيجيء من عدم شمول لا تنقض للمتعارضين و فرض شمولها لهما من حيث الذاتية نظير شمول آية النبإ من حيث الذات للخبرين المتعارضين و إن لم يجب العمل بهما فعلا لامتناع ذلك بناء على المختار في إثبات الدعوى الثانية فلا وجه لاعتبار الراجح أصلا، لأنه إنما يكون مع التعارض و قابلية المتعارضين في أنفسهما للعمل.
الدعوى الثانية أنه إذا لم يكن مرجح فالحق التساقط (1) دون التخيير لا لما ذكره بعض
الشرح
(1) الوجه فيما أفاده على ما ستقف عليه في باب التّعارض أن الحكم في تعارض غير الأصول من الأدلّة بالنّظر إلى الأصل الأوّلي هو التّخيير الّذي هو نتيجة وجوب العمل بكلّ من المتعارضين تعيينا بعد تقييد ذلك بحكم العقل بالقدرة على
........
الشرح
تقدير كون حجّيّة الأدلّة من باب السّببيّة فيدخل المتعارضان في الواجبين المتزاحمين، و قد تقرّر أنّ الحكم فيهما التّخيير بالمعنى الّذي عرفته إذا لم يكن أحدهما أهمّ من الآخر و التّوقّف بالمعنى الّذي أشرنا إليه عن قريب على تقدير كون حجّيّتها من باب الطّريقيّة المطلقة، فالتّساقط بالمعنى الّذي زعمه بعض أفاضل من تأخّر ليس مطابقا للأصل على كلّ تقدير.
و أمّا الاستصحابان المتعارضان في الفرض فلا يمكن شمول الأخبار لشيء منهما، و كذا غيرهما من الأصول المتعارضة من جهة العلم الإجمالي، فإنه إمّا أن يشمل كلاّ منهما، أو أحدهما المعيّن، أو أحدهما المخيّر لا سبيل إلى شيء من هذه الوجوه فتعيّن ما ذكرنا من عدم شمولها لشيء منهما.
أمّا الوجه الأوّل: فلأنّه مناف لليقين بانتقاض الحالة السّابقة بالنّسبة إلى أحد المستصحبين الّذي دل الأخبار على وجوب النّقض به بناء على تعميم اليقين بالنّسبة إلى الإجمالي على ما هو لازم تعارضهما كما هو ظاهر. و أما الثّاني: فلأنّه لا و لا مرجّح في نفس الأمر لتساويهما من كلّ وجه، لأنّ اليقين السّابق مفروض بالنّسبة إلى كلّ منهما و الشّك اللاّحق متحقّق أيضا بالنّسبة إلى كلّ منهما في نفسه و اليقين بانتقاض الحالة السّابقة من أحدهما نسبته إليهما نسبة واحدة و دعوى شمول الأخبار لما كان باقيا في نفس الأمر من الحالتين و خروج ما كان منتقضا منهما كذلك فاسدة جدّا، لأنّ ما كان باقيا في نفس الأمر لا يمكن تعلّق الحكم الظّاهري به بهذا العنوان و إن تعلّق الحكم الظّاهري به فيما كان المشكوك منطبقا عليه في نفس الأمر فليس هنا عنوان ينطبق على أحدهما المعيّن يصلح لتعلّق الحكم به و لا يقاس المقام بالخبر الصّحيح المشتبه بين الخبرين حيث إنّه يجب العمل بهما احتياطا، فإنّ هذا العنوان المردّد المشتبه ممّا تعلّق به الحكم الشّرعي الظّاهري فيجب الاحتياط فيه عند تردّده، و هذا بخلاف المقام حيث إنّه يستحيل
........
الشرح
تعلّق الحكم الظّاهريّ الاستصحابي بالباقي الواقعي من الحالتين، و إلاّ لأمكن تعلّقه به مع العلم به و هو محال ضرورة ارتفاع موضوع الحكم الظّاهري مع العلم بالواقع، و أما الثّالث فلأنّه مفهوم منتزع من الخصوصيّتين لا يمكن تعلّق الحكم به بعد عدم إمكان تعلّقه بهما و خروجهما عن العموم كما هو ظاهر فلا يقاس المقام بموارد التّخير الواقعي، أو الظّاهري الشّرعيّين، فإنّ كلاّ من الخصوصيّتين في موارد التّخيير قابل لتعلّق الحكم الشّرعي به، بل الواقع ذلك حيث إنّ الحكم في موارد التّخيير متعلّق عند التّحقيق بنفس الأفراد و الخصوصيّات لا بالمفهوم المنتزع منها من حيث هذا المفهوم.
فإن قلت: لم لا تجعل عموم قوله عليه السلام لا تنقض اليقين بالشّك بالنّسبة إلى الأفراد المزاحمة المتعارضة من الاستصحاب نظير أنقذ كلّ غريق و أكرم كلّ عالم و نحوهما فيما اتّفق عدم قدرة المكلّف على امتثال الخطاب التّعييني بالنّسبة إلى فردين من هذا العنوان العام مع قدرته على امتثاله بالنّسبة إلى أحدهما بشرط الانفراد و كذلك قوله صدق كلّ خبر عدل مع فرض تعارض فردين من خبر العدل.
و من هنا ذكروا أنّ الحكم في تزاحم الواجبات الشّرعيّة مع عدم أهميّة بعضها التّخيير، و كذا الأصل في تعارض الخبرين مع عدم التّرجيح بينهما التّخيير و أيّ فرق بين المقام و هذه الموارد.
قلت: قياس المقام بتزاحم الواجبين المتكافئين من حيث المصلحة قياس فاسد حيث إنّ المصلحة المقتضية للوجوب التّعييني بالنّسبة إلى كلّ فرد موجودة فيهما لا قصور فيهما من حيث المصلحة أصلا غاية الأمر عجز المكلّف من امتثال الخطاب التّعييني المتعلّق بكلّ منهما بعنوان الاجتماع فلا يجب بحكم العقل و نتيجة ذلك كما ترى التّخيير و هذا بخلاف المقام، فإنّ المفروض العلم بانتقاض
........
الشرح
الحالة السّابقة بالنّسبة إلى أحد المستصحبين و عدم إمكان شمول الخطاب لشيء من الخصوصيّتين، و أمّا قياسه بالخبرين المتعارضين حال الواجبين المتزاحمين، و إن كان القول بها في غاية الضّعف و خلاف ما يستفاد من أدلّة حجّيّة الأخبار و ما ورد في علاج تعارضها و على الطّريقيّة يحكم بتساقطهما بالنّسبة إلى جهة تعارضهما و إن لزم الأخذ بهما في نفي الثّالث عن مدلولهما فعلى كلّ تقدير يشملهما ما دلّ على وجوب العمل بهما.
و هذا بخلاف الاستصحابين المتعارضين، فإنّك قد عرفت عدم إمكان شمول الأخبار لشيء من الاستصحابين فلا يقال إنّ حال الاستصحابين المتعارضين على القول باعتبار الاستصحاب من باب الأخبار حال الخبرين المتعارضين على السّببيّة المحضة، إذ المفروض على هذا القول سببيّة نفس اليقين السّابق و الشّك في بقاء المتيقّن لحرمة النّقض من دون ملاحظة الكشف عن الواقع لما عرفت من وجود المصلحة المقتضية للعمل في كلّ من الخبرين على هذا القول و إن لم يتمكّن المكلّف من الجمع بينهما.
و هذا بخلاف الاستصحابين المتعارضين من حيث إنّه لا يمكن شمول الأخبار لشيء منهما بعد فرض انتقاض الحالة السّابقة قطعا بالنّسبة إلى أحد المستصحبين، فإنه لا يبقى هناك عنوان يتعلّق به الحكم المستفاد من الأخبار نظير ما فرضنا لك سابقا من اشتباه الخبر الصّحيح بين الخبرين، أو اشتباه الفرد الخارج من العام يقينا في قوله أكرم العلماء بين فردين، أو إفراد من هذا العنوان حيث إنّه يجب الاحتياط في المثالين عملا بالحكم المتعلّق بالعنوان الواقعي المردّد مع إمكان الاحتياط و التّخيير فيما فرض عدم إمكانه، و أما في المقام فليس هناك عنوان يتعلّق الحكم الظّاهري الاستصحابي به في نفس الأمر يجب مراعاته و لو بالامتثال الاحتمالي، لأنّ المفروض بقاء إحدى الحالتين و انتقاض الأخرى لا بوصف زائد
........
الشرح
و إن أمكن فرض مثل ذلك في غير باب تعارض الاستصحابين مثل أن يكون هناك استصحابان بشكّين مستقلّين ورد المنع تعبّدا من الجمع بينهما كما ذكره في الكتاب، لكن الفرض كما ذكره خارج عن مفروض البحث، أو يكون هناك استصحابان بشكّين و كان أحدهما ممّا نقول بحجّيّته و الآخر ممّا لا نقول بحجيّته و اشتبه الأمر علينا في تمير عنوانهما المنوط به الحكم من غير تعارض بينهما، لكنه خارج عن مفروض البحث أيضا فاللاّزم في المقام بعد عدم جريان شيء من الاستصحابين الرّجوع إلى قواعد أخر كما لم يكن هناك حالة سابقة و هي تخلف بحسب الموارد فقد توجب القاعدة الاحتياط كما في مستصحبي الطّهارة مع العلم بزوال الطّهارة عن أحدهما و قد توجب الحكم بعدمه و الرّجوع إلى قاعدة الطّهارة كما في مسألة المتمّم و المتمّم.
نعم لو كانت الحالة السّابقة فيهما النّجاسة و علم بزوالها عن أحد المستصحبين فقد يقال بجريان الاستصحابين، بل رجّحناه في بعض كلماتنا السّابقة في طيّ الأجزاء وفاقا لشيخنا دام ظلّه العالي في مجلس البحث في المقام و في باب البراءة من حيث إنّ العمل بهما لا يوجب طرح خطاب إلزاميّ متوجّه إلى المكلّف، و من هنا يحكم بنجاسة ملاقي أحدهما، و هذا بخلاف ما لو حكمنا بوجوب الاحتياط عنهما في الفرض، فإنه لا يحكم بوجوب الاجتناب عنه على ما أسمعناك في الجزء الثّاني من التّعليقة.
نعم لو فرض هناك تعلّق خطاب إلزاميّ بالطّاهر المردّد بينهما لم يجر الاستصحابان جزما فلو علم ببقاء الحالة السّابقة في أحدهما دخل الفرض في الشّبهة المحصورة، هذا و لكن في الكتاب في الحكم بعدم جريان الاستصحابين و الإرجاع إلى قواعد أخر في حكم المسألة التّصريح بعدم الفرق بين كون الحالة السّابقة في المشتبهين الطّهارة، أو النّجاسة قال، و لذا لا يفرق في حكم الشّبهة
........
الشرح
المحصورة بين كون الحالة السّابقة في المشتبهين هي الطّهارة، أو النّجاسة و بين عدم حالة سابقة معلومة، فإنّ مقتضى القاعدة الاحتياط فيهما، و لكن المستفاد من إفاداته في مجلس البحث الميل إلى الفرق كما اخترناه و كلامه في الجزء الأوّل من الكتاب عند البحث عن دليل الانسداد لا يأبى من الحمل على كلّ من الوجهين، و إن كان محتملا لوجه ثالث قد أشرنا إليه ثمّة فراجع.
ثمّ إنّ توضيح الوجه فيما ذكرنا ما أسمعناك مرارا من أنّ الغاية الرّافعة للأصول أعمّ من العلم التّفصيلي و الإجمالي المتعلّق بالخطاب الإلزامي المنجّز المتوجّه إلى مكلّف خاصّ لا الأعمّ من العلم الإجمالي بقول مطلق، و هذا التّقييد و إن كان يأباه الجمود على ظواهر الأخبار النّاهية عن نقض اليقين بغير اليقين.
و من هنا ربما توهّم الفرق بين الاستصحاب و أصالة البراءة، إلاّ أنّه لا مناص عنه بعد التّأمّل، و من هنا اختار شيخنا في الصّورة الثّالثة العمل بالاستصحابين معا مع فرض العلم بارتفاع الحالة السّابقة في أحدهما فليس مطلق اليقين بارتفاع الحالة السّابقة إجمالا مانعا عن جريان الاستصحابين ما لم يستلزم من أعمالهما طرح الخطاب التّكليفي المنجّز فكلامه في المقام ربما ينافي ما أفاده في الصّورة الثّالثة هذا كلّه فيما لو علم ببقاء إحدى الحالتين و ارتفاع الأخرى فيما كانت الحالة السّابقة فيهما النّجاسة، و أما لو علم بارتفاع إحدى الحالتين مع عدم العلم ببقاء الأخرى فلازم ما أفاده في المقام من عدم جريان الاستصحابين الرّجوع إلى قاعدة الطّهارة لا الحكم بوجوب الاحتياط، و إن كان لازم ما ذكرنا العمل بالاستصحابين في الفرض أيضا كما هو ظاهر فكأنّ هذا الفرض خارج عن مورد كلامه، و لازم ما أفاده في المقام من انتقاض الاستصحابين بالعلم الإجمالي مطلقا هو الرّجوع إلى قاعدة الطّهارة في الفرض بالنّسبة إلى كلّ من المشتبهين لعدم العلم بنجاسة شيء منهما و عدم جريان استصحاب النّجاسة فيه أيضا للعلم بعروض الطّهارة لأحدهما
........
الشرح
و دعوى جريان استصحاب النّجاسة بالنّسبة إلى أحد المشتبهين في الفرض، فيجب الاجتناب منهما احتياطا في امتثال الحكم الظّاهري الاستصحابي المتعلّق بأحدهما كما هو أحد محتملات الكتاب، بل أظهرها فيما تقدّم عند الكلام في حجيّة الظّن المطلق إذا ليس العلم الإجمالي بعروض الطّهارة لأحد المشتبهين في الفرض أولى من العلم التّفصيلي بعروض الطّهارة لأحدهما المعيّن فاسدة بما عرفت شرحه من أنّ تعلّق حكم العموم بالفرد، سواء كان واقعيّا، أو ظاهريّا كما في المقام لا بدّ له من عنوان صالح لتعلّق الحكم به الّذي هو الموضوع للحكم حقيقة و ليس في الفرض ما يصلح لذلك، لأنّ عنوان مشكوك الزّوال بخصوصه صادق على كلّ من المشتبهين و ليس هنا علم بالبقاء بالنّسبة إلى أحدهما بالفرض مع أنّه على تقديره لا يصلح لتعلّق الحكم الظّاهري به على ما تقدّم تفصيل القول فيه و قياس ذلك بالعلم التّفصيلي بزوال الحالة السّابقة بالنّسبة إلى أحد المشتبهين بالخصوص قياس مع الفارق، لأنه لا مانع من جريان الاستصحاب بالنّسبة إلى غير معلوم الزّوال تفصيلا أصلا كما لا يخفى، فتلخّص ممّا ذكرنا كلّه أنّه لا محصّل لفرض جريان استصحاب واقعيّ مردّد موردا بين المشتبهين حتّى يجب الاحتياط بمراعاته.
ثمّ إنّ ما أفاده في ذيل المقام من نفي الفرق في الحكم بتساقط الأصول في الصّورتين بقوله: (و ممّا ذكرنا يظهر أنّه لا فرق في التّساقط بين أن يكون في كلّ من الطّرفين أصل واحد) إلى آخر ما أفاده ممّا لا سترة و لا غبار فيه أصلا بعد البناء على التّساقط، لأنّ الترجيح مبنيّ على عدمه، إلاّ أنّه لا بدّ من أن يعلم أنّ جريان أزيد من أصل واحد لا يمكن بالنّسبة إلى شيء واحد إذا كان الأصلان في مرتبة.
نعم يمكن فيما كان أحدهما في طول الآخر كاستصحاب الطّهارة و قاعدتها. نعم يمكن ذلك في تعارض الأمارات و وجه الفرق لا يخفى، و أما ما وجهه من التّرجيح بكثرة الأصول من باب الظّن فهو مبنيّ على ما عرفت من تسليم قيام
المعاصرين من: «أن الأصل في تعارض الدليلين التساقط لعدم تناول دليل حجيتهما لصورة التعارض لما تقرر في باب التعارض من أن الأصل في المتعارضين التخيير إذا كان اعتبارهما من باب التعبد لا من باب الطريقية»، بل لأن العلم الإجمالي هنا بانتقاض أحد الضدين يوجب خروجهما عن مدلول لا تنقض، لأنّ قوله: «لا تنقض اليقين بالشك و لكن تنقضه بيقين مثله» يدل على حرمة النقض بالشك و وجوب النقض باليقين، فإذا فرض اليقين بارتفاع الحالة السابقة في أحد المستصحبين فلا يجوز إبقاء كل منهما تحت عموم حرمة النقض بالشك، لأنه مستلزم لطرح الحكم بنقض اليقين بمثله و لا إبقاء أحدهما المعين لاشتراك الآخر معه في مناط الدخول من غير مرجح، و أما أحدهما المخير فليس من أفراد العام إذ ليس فردا ثالثا غير الفردين المتشخصين في الخارج، فإذا خرجا لم يبق شيء و قد تقدم نظير ذلك في الشبهة المحصورة، و أن قوله عليه السلام: «كل شيء حلال حتى تعرف أنه حرام» لا يشمل شيئا من المشتبهين.
و ربّما يتوهم أن عموم دليل الاستصحاب نظير قوله أكرم العلماء و أنقذ كل غريق و اعمل بكل خير في أنه إذا تعذر العمل بالعام في فردين متنافيين لم يجز طرح كليهما، بل لا بد من العمل بالممكن و هو أحدهما تخييرا و طرح الآخر، لأن هذا غاية المقدور، و لذا ذكرنا في باب التعارض أن الأصل
الشرح
الإجماع على التّرجيح بين الأمارات المتعارضة المعتبرة من حيث الظّن النّوعي المطلق من غير اختصاص بالأخبار المتعارضة كما هي مورد الأخبار العلاجيّة و كون اعتبار الأصل المرجح من باب الظّن أيضا و إن لم تخل عن مناقشة، بل منع ستقف عليهما في الجزء الرّابع من التعليقة.
في الدليلين المتعارضين مع فقد الترجيح التخيير بالشرط المتقدم لا التساقط و الاستصحاب أيضا أحد الأدلة فالواجب العمل باليقين السابق بقدر الإمكان، فإذا تعذر العمل باليقين من جهة تنافيهما وجب العمل بأحدهما و لا يجوز، و يندفع هذا التوهم بأن عدم التمكن من العمل بكلا الفردين إن كان لعدم القدرة على ذلك مع قيام المقتضي للعمل فيهما، فالخارج هو غير المقدور و هو العمل بكل منهما مجامعا مع العمل بالآخر، و أما فعل أحدهما المنفرد عن الآخر فهو مقدور فلا يجوز تركه و في ما نحن فيه ليس كذلك إذ بعد العلم الإجمالي لا يكون المقتضي لحرمة نقض كلا اليقينين موجودا منع عنهما عدم القدرة.
نعم مثال هذا في الاستصحاب أن يكون هناك استصحابان بشكين مستقلين امتنع شرعا، أو عقلا العمل بكليهما من دون علم إجمالي بانتقاض أحد المستصحبين بيقين الارتفاع، فإنه يجب حينئذ العمل بأحدهما المخير و طرح الآخر فيكون الحكم الظاهري مؤدى أحدهما.
و إنما لم نذكر هذا القسم في أقسام تعارض الاستصحابين لعدم العثور على مصداق له، فإن الاستصحابات المتعارضة يكون التنافي بينهما من جهة اليقين بارتفاع أحد المستصحبين، و قد عرفت أن عدم العمل بكلا الاستصحابين ليس مخالفة لدليل الاستصحاب سوغها العجز، لأنه نقض اليقين باليقين فلم يخرج عن عموم لا تنقض عنوان ينطبق على الواحد التخييري و أيضا فليس المقام من قبيل ما كان الخارج من العام فردا معينا في الواقع غير معين عندنا ليكون الفرد الآخر الغير المعين باقيا تحت العام، كما إذا قال أكرم العلماء و خرج فرد واحد غير معين عندنا فيمكن هنا أيضا الحكم بالتخيير العقلي في الأفراد إذ لا استصحاب في الواقع حتى يعلم
بخروج فرد منه و بقاء فرد آخر لأن الواقع بقاء إحدى الحالتين و ارتفاع الأخرى.
نعم نظيره في الاستصحاب ما لو علمنا بوجوب العمل بأحد الاستصحابين المذكورين و وجوب طرح الآخر بأن حرم نقض أحد اليقينين بالشك و وجب نقض الآخر به و معلوم أن ما نحن فيه ليس كذلك، لأن المعلوم إجمالا في ما نحن فيه بقاء أحد المستصحبين لا بوصف زائد و ارتفاع الآخر لا اعتبار الشارع لأحد الاستصحابين و إلقاء الآخر.
فتبين أن الخارج من عموم لا تنقض ليس واحدا من المتعارضين لا معينا و لا مخيرا، بل لما وجب نقض اليقين باليقين وجب ترتيب آثار الارتفاع على المرتفع الواقعي و ترتيب آثار البقاء على الباقي الواقعي من دون ملاحظة الحالة السابقة فيهما فيرجع إلى قواعد أخر غير الاستصحاب كما لو لم يكونا مسبوقين بحالة سابقة، و لذا لا نفرق في حكم الشبهة المحصورة بين كون الحالة السابقة في المشتبهين هي الطهارة، أو النجاسة و بين عدم حالة سابقة معلومة فإن مقتضى الاحتياط فيهما و فيما تقدم من مسألة الماء النجس المتمم كرا الرجوع إلى قاعدة الطهارة و هكذا.
و ممّا ذكرنا يظهر أنه لا فرق في التساقط بين أن يكون في كل من الطرفين أصل واحد و بين أن يكون في أحدهما أزيد من أصل واحد فالترجيح بكثرة الأصول بناء على اعتبارها من باب التعبد لا وجه له، لأن المفروض أن العلم الإجمالي يوجب خروج جميع مجاري الأصول عن مدلول لا تنقض على ما عرفت. نعم يتجه الترجيح بناء على اعتبار الأصول من باب الظن النوعي.
فهو ما كان العلم الإجمالي بارتفاع أحد المستصحبين فيه غير مؤثر شيئا فمخالفته لا توجب مخالفة عملية لحكم شرعي كما لو توضأ اشتباها بمائع مردد بين البول و الماء، فإنه يحكم ببقاء الحدث و طهارة الأعضاء استصحابا لهما و ليس العلم الإجمالي بزوال أحدهما مانعا من ذلك إذ الواحد المردد بين الحدث و طهارة اليد لا يترتب عليه حكم شرعي حتى يكون ترتيبه مانعا عن العمل بالاستصحابين و لا يلزم من الحكم بوجوب الوضوء و عدم غسل الأعضاء مخالفة عملية لحكم شرعي أيضا. نعم ربما يشكل ذلك في الشبهة الحكمية و قد ذكرنا ما عندنا في المسألة في مقدمات حجية الظن عند التكلم في حجية العلم.
الشرح
(1) ضابط هذه الصّورة ما إذا ترتّب أثر شرعيّ على مجرى كلّ من الاستصحابين بحيث لا يلزم من العمل بهما مخالفة قطعيّة عمليّة لخطاب منجّز متوجّه إلى المكلّف كما يلزم ذلك من العمل بهما في الصّورتين الأوّلتين و إن لزم منهما مخالفة الخطاب الواقعي من حيث الالتزام في مرحلة الظّاهر الّتي قد عرفت مرارا أنّها ليست مخالفة التزاميّة حقيقة و لا إشكال فيما أفاده في حكم الصّورة بعد تقييد اليقين النّاقض بالأعمّ من التّفصيلي و الإجمالي في جانب الإجمالي بما عرفته في شرح حكم الصّورتين، و إن كان مقتضى ما أفاده هناك التّصريح بالإطلاق و التّعميم، و لكن الحقّ ما أفاده في المقام المبنيّ على التّقييد المذكور كما هو مقتضى صريح كلامه في المقام، و في الصّورة الرّابعة و إن استصعبت استفادته على الأوائل من أخبار الباب و الّذي يهوّن الخطب في ذلك أنّ الحاكم، بلزوم مراعاة العلم الإجمالي و تقييد الأخبار هو العقل فيلزم الاقتصار على ما يحكم به العقل من
لزوم مراعاة العلم الإجمالي الخاصّ فيرجع في غيره إلى ظهور الأخبار في اعتبار العلم التّفصيلي في ناقض اليقين السّابق كما يسلك هذا المسلك بالنّسبة إلى غير الاستصحاب من البراءة و أصل الطّهارة.
الشرح
و من هنا حكمنا في مسألة الشّبهة المحصورة بأنّ مطلق العلم بوجود النّجس، أو الحرام بين المشتبهين لا يوجب المنع عن الرّجوع إلى أصالة الحلّ و الطّهارة ما لم يكن هناك علم بخطاب إلزاميّ منجّز على كلّ تقدير على ما عرفت شرح القول فيه ثمّة.
نعم حكم العلم الإجمالي في الشّبهة الحكميّة غير حكمه في الشّبهة الموضوعيّة حيث إنّه يلزم من الرّجوع إلى الأصل دائما الإذن في المخالفة القطعيّة العمليّة في واقعتين في الشّبهة الحكميّة، و إن لم يلزم ذلك في واقعة واحدة و العقل يحكم بقبحها أيضا ما لم يلتزم في كلّ واقعة بحكم ظاهريّ على ما أسمعناك في الجزء الأوّل من التّعليقة تبعا لما ألحقه شيخنا بالكتاب في أواخر زمانه، و إن كان كلامه في باب البراءة يخالفه فراجع و إشكاله في المقام مبنيّ على إجمال القول في ذلك و أنّ المسألة ذات وجهين فتدبّر.
(1) ضابط هذه الصّورة ما ترتّب أثر شرعيّ، بلا واسطة على مجرى أحد الاستصحابين دون الآخر إمّا مطلقا، أو في بعض التّقادير فيدخل في الصّورة فيما لم يترتّب عليه الأثر و في الصّورة السّابقة فيما ترتّب عليه الأثر، و في الحقيقة هذه الصّورة كالصّورة الثّالثة خارجة عن مسألة تعارض الاستصحابين، و إن كان هناك فرقا بين الصّورتين مع خروجهما عن مسألة التّعارض من حيث جريان الاستصحابين في الصّورة الثّالثة مع عدم معارضة بينهما و جريان استصحاب واحد في هذه الصّورة
........
الشرح
لما أسمعناك مرارا من عدم جريان الاستصحاب الموضوعي فيما لا يترتّب عليه أثر شرعيّ، بلا واسطة، فإذا أجري من علم إجمالا بطرو النّجاسة عليه أو على غيره و استصحب الطّهارة لم يعارض باستصحاب الطّهارة في حقّ الغير إلاّ فيما كان تكليفه إحراز طهارة غيره كما في مسألة الاقتداء و مثله ما لو علم بوقوع النّجاسة على ثوبه أو على ماء لا ينفعل بمجرّد ملاقاة النّجاسة أو على ثوب غيره مع عدم ابتلائه به عادة بعارية و نحوها، فإنه لا معنى لحكم الشارع بالبناء على طهارة ما لا يبتلى به المكلّف كما أنّه مع العلم بنجاسة تفصيلا لا يصحّ توجيه الخطاب التّنجيزي بالاجتناب عنه.
نعم يصحّ مع التّعليق بالابتلاء و صيرورته واقعة للمكلّف على ما عرفت تفصيل القول فيه في الشّبهة المحصورة من مسائل أصالة البراءة و من أمثلة الصّورة أيضا ما لو علم إجمالا بحصول التّوكيل و ادّعى الوكيل الوكالة في شيء خاصّ كشراء العبد مثلا و أنكر الموكّل توكيله في ذلك و ادّعى توكيله في شراء الجارية مثلا، فإنه لا يعارض أصالة عدم توكيله في شراء العبد بأصالة عدم توكيله في شراء الجارية إلاّ على القول باعتبار الأصول المثبتة حتّى يثبت بنفي التّوكيل في شراء الجارية التّوكيل في شراء العبد فيتعارضان، لكنه نفى الخلاف في الكتاب عن عدم المعارضة عندهم و أنّ القول قول الموكّل، إلاّ أنّه مع المعارضة أيضا يكون القول قول الموكّل أيضا بشرح مذكور في باب التّداعي و القضاء من حيث كون قوله بعد التّعارض أيضا مطابقا للأصل الأوّلي في المعاملات، و هكذا الأمر في نظائر المثال مثل ما لو علم إجمالا بوقوع عقد التّزويج و اختلف الزّوجان، أو ورثة أحدهما مع الآخر، أو ورثتهما في كونه دائما أو منقطعا فادّعى الزّوج الانقطاع و ادّعت الزّوجة الدّوام، فإنه لا يعارض نفي الدّوام بالأصل بنفي الانقطاع بالأصل كما هو الشّأن في جميع موارد العلم الإجمالي بحدوث أحد الحادثة مع عدم
........
الشرح
ترتيب أثر شرعيّ على أحدهما بالخصوص، ففي المثال القول قول مدّعي الانقطاع لا بمعنى إثباته بنفي الدّوام حتّى يعارض بالمثل، مضافا إلى كونه أصلا مثبتا، بل بمعنى نفي الدّوام بالأصل من حيث كون الدّوام ممّا يترتّب عليه الآثار من التّوريث و القسم و النّفقة و الكسوة إلى غير ذلك و لا ينافي ذلك ما قضت به كلمات غير واحد من الفقهاء من أنّه لو لم يذكر مريدا لانقطاع الأجل و لو بنسيان ذكره انقلب دائما، فإنه بظاهره في بادي النّظر ينافي ما ذكرنا من حيث اقتضائه كون التّقابل بين الدّوام و الانقطاع بالإيجاب و السّلب فالانقطاع يحتاج إلى قيد وجودي و هو الأجل، فإذا دار الأمر بينهما فيحكم بمقتضى نفي ذكر الأجل بالدّوام فالدّوام موافق للأصل لا مخالف له.
و من هنا قد توهّم كون قول مدّعي الدّوام موافقا للأصل في باب التّداعي، لأنّ ذلك مفروض فيما كان من قصده الانقطاع، لكن أوجد النّكاح و أنشأه باللّفظ الّذي يحصل به كلّ من إنشاء الدّوام و الانقطاع المشترك بينهما مع عدم ذكر الأجل عقيب الإنشاء فيحكم بتحقّق الدّوام و أنّه المنشأ المقصود من الإنشاء، و إن كان غرضه و قصده قبل العقد تعلّق بإيجاد الانقطاع و مثل هذا كثير في باب العقود، فإنّ الأغراض المقصودة للعاقد في باب الوقف و غيره لا يوجب تقييد متعلّق العقد ما لم تنشأ بألفاظ دالّة عليها في ضمن العقد، بل التّباني على خصوصيّة و شرط قبل العقد لا تفيد في صرف العقد إليه ما لم يذكر في طيّ العقد فليس الغرض من كلماتهم حصول الدّوام قهرا من حيث كونه نقيض الانقطاع لا ضدّه، بل المراد استكشاف إنشاء الدّوام الّذي هو ضدّ الانقطاع من اللّفظ، فالمراد من الانقلاب هو الانقلاب بحسب القصد، بمعنى عدم وقوع المقصود لا الانقلاب بحسب الإنشاء، بمعنى عدم وقوع المنشأ و وقوع غيره حتّى يكون منافيا للقاعدة المسلّمة عندهم من تبعيّة العقود للقصود بعد حملها على ما فصّلنا القول فيه في
........
الشرح
باب المكاسب من تبعيّتها للقصود الإنشائيّة فلا تنافي عدم وقوع مقصود لم ينشأ بألفاظ العقود مع وقوع ما تعلّق القصد الغير الإنشائي بغيره، و إن كان مقصودا بالإنشاء فتدبّر.
هذا كلّه مع أن البحث عن المثال المذكور في الفرض لا ينحصر فيما ذكر من الفرض من العلم بإيجاد العقد باللّفظ الّذي يحصل به كلّ من الأمرين فيفرض البحث فيما دار الأمر بينهما بين لفظ لا يحصل به الانقطاع كمتّعت و لفظ لا يحصل به إلاّ الدّوام كأنكحت، هذا و أما ما أفاده بقوله: (و لك أن تقول بتساقط الأصلين في هذه المقامات) إلى آخر ما أفاده فهو مبنيّ على القول باعتبار الأصول المثبتة الّذي قد عرفت فساده بما لا مزيد عليه، فإنه على هذا القول يتعارض الأصلان بالنّسبة إلى الحادثين المردّدين و يتعيّن الرّجوع إلى الأصل بالنّسبة إلى آثار ما له أثر منهما فيتّحد حكما مع القول باختصاص الأصل بما له أثر كما عرفت الإشارة إليه في مطاوي كلماتنا السّابقة، لكنه لمّا لم يكن متّحدا حكما معه بالنّسبة إلى جميع الصّور حيث إنّ المرجع على تقدير تساقط الأصلين بالنّسبة إلى واجدي المني قاعدة الاشتغال و يحصل الجزم بالطّهارة استدركه بقوله: (إلاّ أنّ ذلك إنّما يتمشّى) إلخ.
فالمراد من أصالة الطّهارة هو استصحابها من الحدث و النّجاسة معا بالنّسبة إلى النّفس و البدن.
ثمّ إنّك قد عرفت من مطاوي كلماتنا أنّه فيما لو علم بوجود أحد الحادثين مع عدم ترتّب أثر شرعيّ على مجرى أحد الأصلين فيه لا يكون مطّردا فقد لا يترتّب عليه الأثر في حال و يترتّب عليه في حالة أخرى كما مثّلناه لك بواجدي المني فيما لو أراد أحدهما الائتمام بالآخر، أو أراد ثالث الائتمام بهما في صلاتين مع كون طهارة الإمام شرطا واقعيّا الصلاة المأموم، فإنّ استصحاب الطّهارة في حقّ الإمام
فهو ما كان أحد المستصحبين المعلوم ارتفاع أحدهما مما يكون موردا لابتلاء المكلف دون الآخر بحيث لا يتوجه على المكلف تكليف منجز يترتب أثر شرعي عليه و في الحقيقة هذا خارج عن تعارض الاستصحابين، إذ قوله لا تنقض اليقين لا يشمل اليقين الذي لا يترتب عليه في حق المكلف أثر شرعي بحيث لا تعلق له به أصلا، كما إذا علم إجمالا بطرو الجنابة عليه أو على غيره و قد تقدم أمثلة ذلك.
و نظير هذا كثير مثل أنه علم إجمالا بحصول التوكيل من الموكل، إلا أن الوكيل يدعي وكالته في شيء و الموكل ينكر توكيله في ذلك الشيء، فإنه لا خلاف في تقديم قول الموكل لأصالة عدم توكيله فيما يدعيه الوكيل و لم يعارضه أحد بأن الأصل عدم توكيله فيما يدعيه الموكل أيضا.
و كذا لو تداعيا في كون النكاح دائما أو منقطعا فإن الأصل عدم النكاح الدائم من حيث إنه سبب للإرث و وجوب النفقة و القسم و يتضح ذلك بتتبع كثير من فروع التنازع في أبواب الفقه.
الشرح
في كلّ من الصّورتين سليم عن المعارض و في حقّ المأموم معارض لا يجوز له الأخذ بشيء منهما فلا يجوز له الائتمام أصلا و لو بأحدهما فضلا عن الائتمام بهما و عليك بعرض جميع ما يرد عليك من صور الشّك في تعيين الحادث على الصّور المذكورة الّتي ذكرناها لك من باب الضّابطة الكلّيّة لأحكام الجزئيّات و قد أشار شيخنا الأستاذ العلاّمة إلى ما ذكرنا بقوله: (ثمّ لو فرض في هذه الأمثلة أثر لذلك الاستصحاب الآخر) إلى آخر ما أفاده، فإنه محمول على ما ذكرنا من الشّرح و البيان كما أنّ قوله و لا عبرة بغير المعتبر كما في الشّبهة الغير المحصورة محمول على القول بجواز المخالفة القطعيّة فيها لا على ما اختاره فيها من عدم جريان الأصل فيها غاية ما هناك قيام الإجماع على عدم وجوب الموافقة القطعيّة فيها.
و لك أن تقول بتساقط الأصلين في هذه المقامات و الرجوع إلى الأصول الأخر الجارية في لوازم المشتبهين إلا أن ذلك إنما يتمشى في استصحاب الأمور الخارجية أما مثل أصالة الطهارة في كل من واجدي المني، فإنه لا وجه للتساقط هنا.
ثم لو فرض في هذه الأمثلة أثر لذلك الاستصحاب الآخر دخل في القسم الأول إن كان الجمع بينه و بين الاستصحاب مستلزما لطرح علم إجمالي معتبر في العمل، و لا عبرة بغير المعتبر كما في الشبهة الغير المحصورة و في القسم الثاني إن لم يكن هناك مخالفة عملية لعلم إجمالي معتبر.
فعليك بالتأمل في موارد اجتماع يقينين سابقين مع العلم الإجمالي من عقل، أو شرع، أو غيرهما بارتفاع أحدهما و بقاء الآخر.
و العلماء و إن كان ظاهرهم الاتفاق (1) على عدم وجوب الفحص في إجراء
الشرح
(1) الأمر كما أفاده من ظهور اتّفاقهم على عدم وجوب الفحص في أعمال الاستصحاب و غيره من الأصول في الشّبهات الموضوعيّة في غير ما يكون بيانه من الشّارع من جهة اختصاص علمه به كالمسوخات، بل الأمر كذلك في أعمال الأمارات فيها، و قد تقدّم شرح القول فيه في أواخر الجزء الثّاني من التّعليقة و هو المستظهر من ظواهر أخبار الأصول، بل تصريح بعضها و لازم ذلك كما صرّح به في الكتاب جواز أعمال العامي لها من دون أخذ جزئيّاتها من المجتهد و من دون فحص عن الواقع الأوّلي و عن الأمارات الحاكمة، أو الواردة على الأصول فضلا عن الأصول الحاكمة بعضها على بعض، إلاّ أنّه إذا اتّفق له مورد يجري فيه الأصلان لا يعلم حالهما من حيث دخولهما فيما ذكرنا لك من الصّور فلا بدّ له من الرّجوع إلى المجتهد، فإنه حقيقة من الرّجوع إليه في تحصيل الحكم الشّرعي لا الموضوع الخارجي فلو اشتبه عليه الحاكم من الاستصحابين، فلا بدّ له من الرّجوع
الأصول في الشبهات الموضوعية، و لازمه جواز إجراء المقلد لها بعد أخذ فتوى جواز الأخذ بها من المجتهد إلا أن تشخيص سلامتها من الأصول الحاكمة عليها ليس وظيفة كل أحد فلا بد إما من قدرة المقلد على تشخيص الحاكم من الأصول على غيره منها، و أمّا من أخذ خصوصيات الأصول السليمة عن الحاكم من المجتهد و إلا فربما يلتفت إلى الاستصحاب المحكوم من دون التفات إلى الاستصحاب الحاكم، و هذا يرجع في الحقيقة إلى تشخيص الحكم الشرعي نظير تشخيص حجية أصل الاستصحاب و عدمها، عصمنا اللّه و إخواننا من الزلل في القول و العمل بحق محمد و آله المعصومين صلوات اللّه عليهم أجمعين إلى يوم الدين.
كتب في النجف الأشرف على مشرّفها آلاف التحيّة و السّلام، على يد
الشرح
إلى المجتهد لا أنّه يجب عليه تحصيل الحاكم من الخارج و تحقيق وجوده و تثبيته بالفحص مع علمه بالحكم، فإذا أراد الرّجوع إلى قاعدة الطّهارة في مشكوك الطّهارة فكما لا يجب عليه الفحص عن الواقع كذلك لا يجب عليه الفحص عن الحالة السّابقة لهذا الشّيء.
و هذا الّذي ذكرنا ينبغي أن يكون مرادا من العبارة لا ما يتراءى من ظاهرها في بادي النّظر، ثمّ إنّ ما ذكرنا في حكم الأصول الموضوعيّة يجري بعينه في الأمارات القائمة على الموضوعات الصّرفة الخارجيّة، فإنه بعد قيام الأمارة على موضوع، كما لا يجب الفحص عن الواقع لا يجب الفحص عن وجود معارض لها.
و أمّا لو تحقّقت المعارضة بين الأمارتين فلا بدّ له من معرفة الحاكم، أو الوارد منهما نوعا بالرّجوع إلى المجتهد، و كذا معرفة حكم المتعارضين من الأمارات إذا كانت في مرتبة واحدة، فإنّ هذه كلّها من معرفة الحكم الشّرعي الكلّي الإلهي و لا تعلّق لها بمسألة الفحص في العمل بالأمارة كما هو واضح لمن له أدنى دراية.
أحقر عباد اللّه و أقلّ الطلاب محمّد صالح بن محمّد قاسم الخراساني مشهديّ المسكن و دولابيّ المولد من قراه بلوك الدر داب في شهر ربيع الثاني في 1269.
اللّهم اغفر له و لوالديه بجاه محمّد و آله (1).
الشرح
(1) هذا آخر ما أردنا تحريره من هذا الجزء مع تشتّت البال و اختلال الأحوال، و يتلوه الجزء الرّابع في مسألة تعارض الأدلّة إن شاء اللّه تعالى، و الحمد للّه أوّلا و آخرا، و له الشّكر دائما سرمدا، و صلّى اللّه على محمّد و آله الطّاهرين صلاة كثيرة لا غاية لعددها و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين أبد الآبدين و دهر الدّاهرين إلى يوم الدّين.
و حيث إن موردهما الدليلان المتعارضان (2)،
فلا بد من تعريف التعارض
الشرح
(2) بالحريّ قبل التّكلّم في حقيقة التّعارض و بيان مورده و حكمه أن نشرح حال المسألة من حيث كونها من مسائل العلم فنقول: لا إشكال في كونها منها نظرا إلى شهادة جميع ما جعلوه ميزانا لتمايز مسائل العلوم من الموازين الخمسة على دخولها في مسائل علم الأصول، و تطابقها بأسرها عليها بعد جعل موضوع البحث و المسألة الدّليل القائم على الحكم الشّرعي الكلّي كما هو واضح، و إن قام على بيان الموضوع الكلّي للحكم، حيث إنّه راجع إلى الدّليل على الحكم كما ستقف عليه لا الأعمّ منه، و ممّا قام على تشخيص الموضوع الخارجي، و إن أطلق الدّليل عليه، فإن مجرّد الإطلاق لا يجدي مع وضوح المراد. أ لا ترى استدلالهم فيما سيجيء على نفي التّرجيح في الأخبار بنفيه في البيّنات و الجواب عنه بكونه قياسا مع الفارق و غيره ممّا ستقف عليه، فإن في هذا الاستدلال و الجواب شهادة واضحة على خروج الأمارات الموضوعيّة عن حريم البحث.
أمّا صدق التّعريف فواضح، سواء عرّف بأنّه العلم بالقواعد الممهّدة لاستنباط الأحكام الشّرعيّة، أو العلم الباحث عن أحوال الأدلّة، كوضوح كون البحث في المسألة بحثا عن عوارض موضوع علم الأصول، أي الأدلّة، و إن جعل للوصف العنواني مدخلا في موضوعيّته ضرورة كون البحث في المسألة عن تعارض ما فرغنا عن دليليّته، و إن حكم بسقوط أحدهما عن الحجيّة الفعليّة تعيينا، أو
........
الشرح
تخييرا، أو كلاهما بالتّعارض، إن لم يرجع النّزاع في التّساقط إلى النّزاع في شمول دليل الحجيّة للمتعارضين، بحيث يرجع إلى البحث عن الحجّيّة فتأمل.
فإنّ هذا غير عدم حجّيّتهما شأنا، أو عدم حجّيّة أحدهما كذلك، و لو من جهة إناطته بالظّن، أو بعدم الظّن على الخلاف، فإنه خارج عن موضوع المسألة يقينا كما ستقف عليه، و ظهور وجود خواصّ المسألة الأصوليّة فيها ضرورة عدم انتفاع العامي بها، و عدم حظّ له فيها، و اختصاصها بالمجتهد و المستنبط، و إن كان بالعرض من جهة اختفاء وليّ اللّه و حجّته و غيبته عن الأنظار، كما هو الشّأن بالنّسبة إلى جميع مسائل هذا العلم، و إلا فحكم اللّه الأصولي كالفقهي مشترك في نفسه بين المجتهد و العامي.
و من هنا كان يعمل من أدرك فيوضات حضور الأئمّة عليهم السلام بالأخبار، و يعالج معارضاتها بما ورد منهم عليهم السلام في التّرجيح و التّخيير، إن كان عامّيا و إن جاز له الأخذ بالفتوى أيضا.
هذا و أمّا تدوين المسألة في علم الأصول و تصريح مهرة الفنّ بكونها من مسائل العلم فأوضح من أن يخفى، بل أقول: كون المسألة من مسائل هذا العلم هو المتيقّن من بين مسائله لتطرّق المناقشة إلى أكثرها، بل كلّها، إلاّ ما شذّ و ندر من حيث دخولها في مسائل العلم، نظرا إلى كون مباحث الألفاظ بأسرها من المبادي اللّغويّة، حيث إنّ الموضوع فيها نفس الألفاظ لا ما ورد في خصوص الكتاب و السّنة، و إن كان الغرض متعلّقا بمعرفة كثير منها، مثل مسألة وجوب المقدّمة، و حرمة الضّدّ، و امتناع اجتماع الأمر و النّهي، و مسألة التّحسين و التّقبيح و أمثالها من المبادي الأحكاميّة.
و من هنا وقع التّكلّم في أكثر كلمات القدماء، بل المتقدّمين من الخاصّة و العامّة في علم الأصول في القسمين من المبادي حتّى شيخنا البهائي قدس سره
........
الشرح
في الزّبدة، و ذكروا مباحث الألفاظ في القسم الأوّل، و ما عرفت من المسائل و غيرها في القسم الثّاني، و مسائل حجّيّة الأدلّة كحجّيّة الكتاب و الأخبار و الإجماع و نقله من المبادي التّصديقيّة من حيث كون العنوان مأخوذا في موضوعيّة الأدلّة، فإن رجع البحث في مسائل الحجّيّة إلى البحث عن وجود ذات الدّليل كما هو الشّأن بالنّسبة إلى بعضها، فرجوعه إلى البحث عن المبادي أوضح من أن يحتاج إلى البيان، و إن رجع إلى البحث عن حجيّتها و دليليّتها بعد الفراغ عن وجود ذاته، فلا إشكال في دخولها في المبادي أيضا بعد الفرض المزبور، و إن تكلّف شيخنا الأستاذ العلاّمة قدس سره في إدراج جملة منها في المسائل من حيث إرجاع البحث فيها إلى البحث عن ثبوت ما هو المفروغ عن حجّيّة، كمسألة حجّيّة أخبار الآحاد، و نقل الإجماع و نحوهما على ما عرفت من كلامه في الجزء الأوّل من الكتاب.
إذا عرفت ذلك فنقول: التّعارض في الأصل تفاعل من العرض و يطلق على المعنى الاسمي و هو أحد الأبعاد الثّلاثة و المعنى الوصفي، أي الظّهور و الغلبة كما في القاموس، قال:
«عرض له كذا يعرض ظهر عليه»، و قال: «في مادّة ظهر ظهر عليه غلبه».
و المقابلة كما عن المجمع.
و المنع كما عن غيرهما، و الورود كما ذكره بعض مع المعنى الأوّل.
و يمكن إرجاع بعض المعاني الوصفيّة إلى بعضها الآخر كما ذكره الأستاذ العلاّمة قدس سره في مجلس البحث و المذاكرة.
و أمّا المعنى الاسمي، فلا يمكن إرجاعه إلى المعنى الوصفي، فلا بدّ أن يكون اللّفظ مشتركا بينهما إن لم يكن مجازا في المعنى الاسمي، و هذا لا يختصّ بالمقام، فإن جملة من الألفاظ يطلق على العين، و المعنى كألفاظ الزّكاة
........
الشرح
و الهبة و الرّهن و الوقف و نحوها.
ثمّ إنّ لفظ العرض يستعمل متعدّيا و لازما ككثير من الألفاظ على ما يشهد له موارد استعماله في الكتاب و العرف، كقوله تعالى: إِنّٰا عَرَضْنَا اَلْأَمٰانَةَ عَلَى اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضِ الآية، و قوله تعالى: ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى اَلْمَلاٰئِكَةِ الآية، و عرضت النّاقة على الحوض إلى غير ذلك، و لا بدّ أن يكون المبدأ المشتقّ منه الفعل المتعدّي غير ما يشتقّ منه اللاّزم، و يكونان مختلفين بحسب المعنى كما هو ظاهر، هذا بالنّسبة إلى المجرّد. و أما المزيد من هذه المادّة كالتّفاعل و الإفعال فلم يستعمل إلاّ لازما كما قيل، و من هنا يستعمل باب الإفعال مع كلمة عن فيقال أعرض عنه، هذا كلّه بحسب اللّغة.
و أمّا في العرف العام فلم يعهد له معنى يغاير اللّغة، و أما في العرف الخاصّ فظاهر غير واحد و صريح آخرين كونه منقولا منه في خصوص التّفاعل إلى ما ذكروه في بيانه بالوضع التّعييني، أو التّعيّني كما يظهر ممّا أفاده شيخنا الأستاذ العلاّمة قدس سره على ما يشهد له قولهم بعد ذكر المعنى اللّغوي، و في الاصطلاح كذا، سواء جعل توصيف الدّليلين بالتّعارض و حمله عليهما توصيفا و حملا أوّليا و إن كان المدلول ملحوظا، أو جعل توصيفا ثانويّا من حيث كون الوصف قائما بالمدلول و المقتضي أوّلا و بالذّات، كما يظهر من تعريف جماعة فتعارض الدّليلين تنافي مدلوليهما، أو مقتضاهما، و إن كان الظّاهر على ما صرّح به شيخنا قدس سره في مجلس البحث عدم اتّصاف المدلول به عندهم، و كون هذا التّعريف مبنيّا على الإشارة إلى كون تنافي الدّليلين إنّما هو باعتبار مدلوليهما، كما أنّ حمل عنوان الدّليليّة على الدّليل إنّما هو باعتبار كونه معرّفا إلى المدلول فيتّحد المراد من التّعريفين، و يرتفع الاختلاف من البين على ما هو الظّاهر من كلام شيخنا قدس سره في الكتاب أيضا، و من هنا قال: بعد تعريف
........
الشرح
التّعارض بتنافي الدّليلين، و لذا ذكروا أنّ التّعارض تنافي مدلولي الدّليلين. هذا، و لكن يمكن أن يقال بعدم ثبوت اصطلاح لهم في المقام أصلا، و إن تعريف تعارض الدّليلين بما ذكروه إنّما هو من جهة اقتضاء إضافته إليهما مع بقائه على المعنى اللّغوي و العرفي، فإن حمل التّقابل و التّمانع على الدّليلين ينتج إرادة تنافيهما، فلا حاجة إلى الالتزام بالنّقل، كما أنّ إرادة التّنافي و ذكره يعني عن ذكر قولهم على وجه التّناقض، أو التّضاد، إذ التّنافي لا يتحقّق إلاّ بأحد الوجهين، اللّهمّ إلا أن يكون المراد من ذكره مجرّد التّوضيح لا الاحتراز، و هذا هو الأظهر.
ثمّ إنّ الوجه في تنافي الضّدين و استحالة اجتماعهما لمّا كان من جهة أول اجتماعهما إلى اجتماع النّقيضين حقيقة فيصحّ من جهته القول باشتراط الوحدات الثّمانية الرّاجعة إلى وحدة الموضوع و لو بالعنوان التّقييدي في استحالة اجتماع الضّدين أيضا، و إن كان القول باشتراط وحدة المحمول بالنّسبة إلى اجتماع الضّدّين بظاهره ظاهر الفساد ضرورة تغاير المحمول في اجتماع الضّدين، فتنافي وجوب الشّيء و حرمته مع كونهما محمولين من جهة أنّ وجوبه يقتضي عدم حرمته، كما أنّ حرمته يقتضي عدم وجوبه، فاجتماعهما يقتضي اجتماع كلّ من الوجوب و الحرمة مع عدمه، كما أنّ اجتماع السّواد و البياض يقتضي اجتماع كلّ منهما مع عدمه، و هذا الّذي ذكرنا و إن كان أمرا واضحا، إلا أن التباس الأمر على بعض المعاصرين دعانا إلى التّنبيه عليه، و ليكن في ذكر منك لعلّه ينفعك في بعض ما سيتلى عليك، و ممّا ذكرنا كلّه يظهر استقامة ما أفاده قدس سره في الكتاب بقوله: و كيف كان فلا يتحقّق إلاّ بعد اتّحاد الموضوع، و إلا لم يمتنع اجتماعهما ضرورة اقتضاء التّنافي بأحد الوجهين، امتناع اجتماع المتنافيين الّذي لا يتحقّق إلاّ بعد اتّحاد الموضوع الجامع للوحدات،
........
الشرح
ثمّ إنّ المراد من المدلول كما هو ظاهر و صرّح به غير واحد أعمّ من المطابقي و التّضمّني و الالتزامي بأقسامه حتّى الالتزام الشّرعي، فإذا دلّ دليل على وجوب القصر في أربعة فراسخ و دلّ دليل على وجوب الصّوم فيها، فلا محالة يقع التّعارض بينهما بملاحظة ما دلّ على التّلازم بين القصر و الإفطار شرعا و الصّوم و الإتمام، فالخبر الدّالّ على القصر يدلّ على وجوب الإفطار بالالتزام الشّرعي، كما أنّ الخبر الدّال على الصّوم يدلّ على وجوب الإتمام، كذلك فيقع التّعارض بينهما من حيث الالتزام الشّرعي، كما أنّه إذا دلّ دليل على وجوب شيء يدلّ على وجوب ما يتوقّف عليه بالالتزام العقلي، فإذا ورد ما يدلّ على عدم وجوب ما يتوقّف عليه يدلّ على عدم وجوب ذلك الشّيء لا محالة مع فرض بقاء التّوقّف فيتعارضان من حيث الدّلالة الالتزاميّة العقليّة، و من التّعارض من جهة الالتزام الشّرعي أيضا ما إذا دلّ دليل على بطلان الصّلاة بنقص جزء منها سهوا، و دلّ دليل آخر على عدم بطلان الصّلاة بزيادة هذا الجزء، فإنه لا تعارض بينهما إلاّ بملاحظة ما دلّ على التّلازم بين النّقيصة و الزّيادة صحّة و بطلانا. و منه أيضا: ما إذا دلّ دليل على انفعال القليل بشيء من النّجاسات و دلّ دليل آخر على عدم انفعاله بنجس آخر غيره، فيقع التّعارض بينهما بملاحظة ما دلّ على عدم التفصيل بين النّجاسات الواردة على القليل و هكذا، و هذا هو المراد ممّا ذكره بعض أفاضل مقاربي عصرنا من كون التّعارض بين الدّليلين قد يكون بأنفسهما، و قد يكون بواسطة أمر خارج عنهما، هذا و قد يجعل الواسطة إذا لم يكن قطعيّة طرفا للمتعارضين و يحكم بهذه الملاحظة باندراج الفرض في تعارض أزيد من الدّليلين. و لعلّنا نتكلّم في تحقيق المقام فيما يتلى عليك في طيّ مطالب المسألة.
ثمّ إنّ قصر موضوع المسألة على تعارض الدّليلين إنّما هو بالنّظر إلى ما يقع غالبا لا من جهة اختصاص التّعارض، أو حكمه بتعارض الدّليلين، و إلا فقد يقع
و بيانه و هو لغة من العرض بمعنى الإظهار و غلب في الاصطلاح على تنافي الدليلين و تمانعهما باعتبار مدلولهما، و لذا ذكروا أن التعارض تنافي مدلولي الدليلين على وجه التناقض، أو التضاد، و كيف كان فلا يتحقق إلا بعد اتحاد الموضوع، و إلا لم يمتنع اجتماعهما.
و منه يعلم أنه لا تعارض بين الأصول و ما يحصله المجتهد من الأدلة الاجتهادية (1)، لأن موضوع الحكم في الأصول الشيء بوصف أنه مجهول الحكم و الدليل المفروض إن كان بنفسه يفيد العلم صار المحصل له عالما بحكم العصير، فلا يقتضي الأصل حليته، لأنه إنما اقتضى حلية مجهول الحكم.
الشرح
التّعارض بين الثّلاثة و الأزيد، كما ستقف على شرح القول في حكم تعارض أزيد من الدّليلين في طيّ الكتاب و التّعليقة.
(1) بعد التّعرّض لتعريف التّعارض و بيان المراد منه أراد التّعرض لتشخيص ما يوجد فيه هذا المعنى من حيث وجوده بين مطلق الدّليلين، أو الدّليلين المأخوذين بخصوصيّة و قيد، فإنّهما قد يكونان اجتهاديّين، و قد يكونان فقاهيّين، و قد يكونان مختلفين، و أيضا قد يكونان قطعيّين، و قد يكونان ظنّيين، و قد يكونان تعبّديّين، و قد يكونان مختلفين، فهذا الكلام في مبادي المسألة بعد الفراغ عن بيان حقيقة التّعارض فنقول: إنّ تحقيق القول في المقام و توضيحه يقتضي التّكلّم في موضعين: أحدهما: في بيان الحال من جهة التّقسيم الأوّل فنقول: المراد من الدّليل الاجتهادي ما أنيط اعتباره بالكشف عن الواقع ظنّا، و لو نوعا بناء على اختصاص الاجتهاد عندهم، كما حقّقناه في بحث الاجتهاد و التّقليد، سواء كان بمعنى الفعليّة على ما يقتضيه كلمات الأكثرين من الخاصّة و العامّة، أو الملكة بتحصيل الظّن بالحكم الشّرعي، أو ملكته، فتحصيل القطع
........
الشرح
بالحكم الشّرعي خارج عن الاجتهاد موضوعا، و إن كان العلم بالحكم الشّرعي الفرعيّ الحاصل من المقدّمات النّظريّة داخلا في الفقه عندهم على ما ينادي به تعريفهم للفقه. و المراد من الدّليل الفقاهتي: الّذي يسمّى بالأصل في كلماتهم، و يطلق عليه الدّليل مقيّدا، كما أنّ الأوّل يطلق عليه الدّليل مطلقا و مقيّدا ما لم ينط اعتباره بالكشف، سواء لم يكن كاشفا أصلا، أو كان كاشفا و لم يلحظ في اعتباره، فالمعتبر في الدّليل الاجتهادي أمران ينتفي بانتفاء أحدهما، فالاستصحاب على القول بعدم إناطة اعتباره بالظّن داخل في الأصل، و إن قيل بإفادته للظّنّ، و منه يظهر أنّ الأمارات الموضوعيّة خارجة عن الدّليل الاجتهادي موضوعا، و المؤسّس لهذا الاصطلاح على ما وقفنا عليه المحقّق الطّبري في شرح الزّبدة، و شاع في لسان الفريد البهبهاني قدّس سرّه و تلامذته، و من هنا نسبه شيخنا الأستاذ العلاّمة دام ظلّه إلى الفريد البهبهاني، و قد تقدّم وجه المناسبة في الجزء الثّاني من التّعليقة.
ثمّ إنّ الأصل قد يكون شرعيا صرفا كالاستصحاب، و قد يكون عقليّا، كذلك كالتّخيير بين الاحتمالين، و قد يكون ذا وجهين و جهتين كالبراءة في وجه و الاحتياط، كذلك على ما أسمعناك شرح القول فيه في الجزء الثّاني من التّعليقة.
أمّا الدّليلان الاجتهاديّان، فلا إشكال في وقوع التّعارض بينهما في الجملة، لأنه إن كان اعتبارهما منوطا بالظّن النّوعي المطلق من دون اشتراط حصول الظّن منهما في القضايا الشّخصيّة و من دون اعتبار عدم قيام الظّن على الخلاف، فلا إشكال في وقوع التّعارض بينهما، و إن كان اعتبارهما منوطا بحصول الظّن منهما في الوقائع شخصا، فلا إشكال في عدم تصور التّعارض بينهما لاستحالة حصول الظّن بالنّقيضين، أو الضدّين كما هو ظاهر، فإن ارتفع الظّن منهما، فلا يكونان دليلين و حجّتين، و إن بقي في أحدهما فيعود سليما عن المعارض.
........
الشرح
و من هنا تبيّن أنّه لا يمكن التّعارض بين الأمارات على القول باعتبارها من باب الظّن المطلق على القول باختصاص نتيجة الدّليل لحجّيّة الظّن في الفروع، مع القول بكون النّتيجة هي حجّيّة الظّن الشّخصي، إلاّ إذا فرض ارتفاع الظّن الشّخصي من إحدى الأمارتين لا من جهة المعارضة، بل من جهة القياس القائم على خلافها، أو سائر الظّنون المعتبرة بالخصوص بناء على القول بحجيّتها فيما إذا ارتفع الظّن منها من جهة المقابلة المزبورة على ما أسمعناك في الجزء الأوّل من التّعليقة، فإن النّتيجة حينئذ الظّن الشّأني و النّوعي فيعارض مع الأمارة المفيدة للظّن في الشّخصي في المسألة فيما إذا لم يستند حصول الظّن منها بالقياس و لو بالاستناد النّاقص بأن يكون جزءا للسّبب المفيد للظّن فتأمّل.
نعم على القول بتعميم النّتيجة من الجهتين، أو إحداهما فضلا عن القول باختصاص النّتيجة بالمسائل الأصوليّة يقع التّعارض بينهما جدّا، فإطلاق القول بعدم إمكان وقوع التّعارض على القول باعتبار الأمارات من باب الظّن المطلق في كلام غير واحد منظور فيه، اللّهمّ إلا أن يحمل على الصّورة الأولى فإنّها المعروفة المعهودة من كلماتهم فتدبّر.
و ممّا ذكرنا تبيّن أنّه لا يمكن التّعارض بين الدّليلين اللّفظيّين إذا قلنا باشتراط اعتبار الظّواهر بحصول الظّن بالمراد منها شخصا على ما بنى عليه الأمر بعض أفاضل من تأخّر في باب الألفاظ على القول باعتبارها من باب الظّن الخاصّ كما أسمعناك في الجزء الأوّل من التّعليقة، و إن كان اعتبارهما منوطا بعدم قيام الظّن على الخلاف، فإن أخذ القيد على وجه الإطلاق، فلا إشكال في عدم إمكان التّعارض، و إن أخذ على وجه التّقييد بالظّن الشّخصي، فإن ارتفع الظّن منهما بالتّقابل فيقع التّعارض بينهما لا محالة، و إن بقي الظّن في أحدهما عاد سليما لانتفاء شرط الاعتبار في الآخر كما هو المفروض، و إن كان الدّليلان الاجتهاديّان مختلفين
........
الشرح
من حيث عنوان الاعتبار من الجهات المسطورة فالنّوعي المطلق يعارض القسمين الأخيرين، و النّوعي المقيّد لا يعارض الشّخصي مطلقا، سواء فرض حصول الظّن منه على ما هو المفروض، أو عدمه كما هو ظاهر، هذا و أما الأصلان، فلا يقع التّعارض بينهما على ما هو التّحقيق عندنا في الأصلين الحكميّين، سواء كانا من جنسين، أو من جنس واحد كالاستصحابين، فإن الاستصحاب وارد على الأصول العقليّة و حاكم على الأصول الشّرعيّة، و لا يتصوّر اجتماع البراءة موردا مع الاحتياط و التّخيير، كما لا يتصوّر اجتماع فردين من هذه الأصول.
نعم قد يتوهّم التّعارض بين أصالة الاشتغال، أو استصحابه و أصالة البراءة في دوران الأمر في المكلّف به بين الأقلّ و الأكثر، و كذا بينهما في مسألتي النّقض السّهوي و الزّيادة بين قيام الإجماع على اتّحاد حكمهما من حيث الإبطال و الصّحة بناء على عدم جواز الفصل ظاهرا فيما لا فصل فيه واقعا، لكن تقدّم فساد التّوهّم المزبور بما لا مزيد عليه في الجزء الثّاني من التّعليقة، و أما الاستصحابان، فلا يتصوّر اجتماعهما في الشّبهة الحكميّة إلاّ في مسألة المتمّم و المتمّم و أشباهها بناء على عدم اعتبار سبق الكرّيّة في الاعتصام بعد قيام الإجماع على اتّحاد حكم الماء الواحد طهارة و نجاسة، فقد يتوهّم في المسألة تعارض استصحابي الطّهارة و النّجاسة و الرّجوع إلى قاعدة الطّهارة بعد تساقطهما، أو التّرجيح بها، و لكنّه فاسد أيضا بعد جعل النّاقض في باب الاستصحاب الأعمّ من اليقين التّفصيلي و الإجمالي بارتفاع الحالة السّابقة عن مجرى أحد الاستصحابين، مع أن القول بالتّساقط في تعارض الأصول فيما يحكم فيه بالتّساقط لا بدّ و إن يرجع إلى عدم شمول الدّليل لصورة التّعارض، كما هو الشّأن في كلّ ما يحكم فيه بالتّساقط، فإنه لا بدّ و إن يرجع إلى ما ذكرنا في تساقط الأصول على ما ستقف عليه عن قريب، هذا في الأصول الحكميّة.
........
الشرح
و أمّا الأصول الموضوعيّة و إن كان الكلام فيها خارجا عن محلّ البحث، فيتصوّر فيها التّعارض كما يتصوّر الورود و الحكومة و لو بين الجنسين منها، فإن قاعدة الشّك في التّجاوز و بعد الفراغ و بعد خروج الوقت أخصّ من الاستصحاب، و كذا البناء على الأكثر في الشّك في الرّكعات على القول بكون مقتضى الأصل البناء على الأقلّ و إن كان فاسدا عندنا على ما أوضحنا القول فيه في باب الخلل، فإذا لم يكن المخصّص قطعيا فيقع التّعارض بينهما لا محالة على ما ستقف عليه، و إن تعيّن العمل بالخاصّ من باب التّرجيح.
نعم لا يتصوّر التّعارض بينهما إذا كانت من جنس واحد على ما هو التّحقيق عندنا من كون الغاية في الأصول العلم بالخطاب المنجّز الأعمّ من الإجمالي و التّفصيلي، بل على القول بكون الغاية فيها خصوص العلم التّفصيلي لا يتصوّر التّعارض بينهما أيضا كما هو ظاهر، فالاستصحابان الجاريان في الموضوعات مثلا إمّا أن يكون الشّك في مستصحب أحدهما مسبّبا عن الشّك في مستصحب الآخر، أو يكون الشّك فيهما مسبّبا عن ثالث، و على الأوّل لا إشكال في عدم تعارضهما و حكومة الثّاني على الأوّل، و على الثّاني يعمل بكلّ منهما إذا ترتّب عليهما أثر شرعيّ لا يلزم من ترتيبه مخالفة عمليّة للخطاب المعلوم بالإجمال، فلا مورد للتّعارض في هذا الفرض و بما له أثر إن لم يترتّب الأثر على كلّ واحد منهما، بل على أحدهما، فلا يفرض التّعارض في الفرض أيضا و لا يعمل بشيء منهما فيما لو عمل بهما مع ترتّب الأثر عليهما لزم طرح الخطاب المعلوم إجمالا من جهة حصول الغاية و هو اليقين و العلم.
هذا و قد مضى شطر من الكلام فيما يتعلّق بالمقام في الجزء الثّالث من التّعليقة فراجع، هذا بعض الكلام في الاجتهاديّين و الفقاهيّين.
و أمّا المختلفان، أعني الدّليل و الأصل، فلا يتصوّر التّعارض بينهما فضلا عن تقديم الثّاني على الأوّل في الشّبهة الحكميّة على ما هو المقصود بالبحث و الكلام.
........
الشرح
و أمّا الأمارات القائمة على الموضوعات الخارجيّة مع الأصول الجارية فيها فنتكلّم فيها بعد الفراغ عن بيان حكم الدّليل و الأصل في الأحكام، و الوجه فيما ذكرنا من عدم تصوّر التّعارض بينهما في الأحكام بعنوان الأصل الجاري في المسألة، إن كان عقليّا محضا كالتّخيير بين الاحتمالين و البراءة و الاحتياط على ما هو الحقّ عندنا المبرهن عليه في الجزء الثّاني من التّعليقة من رجوع ما ورد فيهما في الشّرع من الأدلّة النّقليّة إلى تأكيد حكم العقل بهما في مواردهما، فلا إشكال في عدم تصوّر التّعارض بينه و بين الدّليل الموجود في مورده ضرورة ارتفاع موضوع حكم العقل فيها بوجود الدّليل و إن كان ظنيا، لأن الموضوع في التّخيير هو عدم ترجيح أحد الاحتمالين على الآخر، و في البراءة عدم البيان الواصل إلى المكلّف من الشّارع بحيث يرجع العقاب معه إلى العقاب من دون حجّة من الشّارع، و في الاحتياط احتمال العقاب و المؤاخذة على الواقع المحتمل لا عدم العلم بالواقع و الشّكّ فيه.
و من المعلوم ضرورة ارتفاع تلك الموضوعات العقليّة بعد قيام الدّليل الشّرعي على الحكم في المسألة، و هذا هو المراد من الورود في كلام شيخنا الأستاذ العلاّمة دام ظلّه العالي، و إن أطلق عليه الحكومة في لسان غير واحد من المتأخّرين من جهة عدم الفرق عندهم بينهما، و لا مشاحة و يطلق عليه التّخصّص في لسان شيخنا أيضا، و إن كان التّخصّص عنده أعمّ من الورود من حيث شموله لما لا يشمل مورد الدّليل الآخر في نفسه و ابتداء، و إن كان منظورا فيه، إلا أنه لا مشاحة، فالدّليل و الأصل العقلي لا يجتمعان في مورد و موضوع واحد حتّى يتصوّر التّعارض بينهما، و إن كان الأصل شرعيا كالاستصحاب بناء على التّمسّك فيه بالأخبار النّاهية عن نقض اليقين بالشّك و عدم تنزيلها على صورة حصول الظّن كما زعمه بعض، إذ على التّمسّك فيه بالعقل يخرج عن الأصول و يدخل
........
الشرح
في الأدلّة، و إن كان تعليقيّا بالنّسبة إلى غالب الأدلّة الظّنيّة، فلا يتصوّر التّعارض بينهما من حيث كون دليل اعتبار الأمارة القائمة في المسألة شارحا لما أثبته الأصل، و دلّ عليه و مفسرا له و حاكيا عنه من حيث دلالته على عدم الاعتناء باحتمال كونه مخالفا للواقع و ترتيب آثار الواقع عليه، فمؤدّاه واقع بنائي بمقتضى دليل اعتباره، فكلّما ترتّب شرعا على احتمال مخالفة الدّليل للواقع لو لا اعتباره و هو الرّجوع إلى الأصل يحكي دليل اعتباره عن كونه ملغى في نظر الشّارع، كما يدلّ على ترتيب الآثار الشّرعيّة المترتّبة على الواقع على مؤدّى الأمارة فهو بمنزلة الواقع، كما أنّ الاحتمال بمنزلة عدمه في حكم الشّارع فيكون دليل اعتبار الأمارة ناظرا إلى دليل الأصل و شارحا عنه، و هذا هو المراد بالحكومة، و لا يعتبر فيها تأخّر الحاكم عن المحكوم، كما ربما يتوهّم من بيان شيخنا في الكتاب.
و من المعلوم أنّ الحاكم بالمعنى المذكور لا يعدّ في العرف معارضا للمحكوم و منافيا له فيكون تقدّمه عليه في نظر العرف تقدّما ذاتيا لا لمكان التّرجيح، و إن كان أضعف الظّنون المعتبرة، و من هنا يقدّمون ما دلّ على نفي الحرج و الضّرر على أدلّة الأحكام من غير ملاحظة تعارض و ترجيح، و هذا يكشف عن التّقدّم الذّاتي، و إن زعم بعض خلاف ما ذكرناه، هذا فيما كان الدّليل ظنيا، و لو كان قطعيا فتقديمه على الأصل من باب الورود مطلقا، ثمّ إنّ الحكومة بالمعنى المذكور إنّما هو فيما لوحظ فيه حال الدّليلين، و إلا فالحكومة قد توجد بين فردين من جنس واحد كالاستصحابين في الشّك السّببي و المسبّبي، فلا يكون هناك دليلان يكشف أحدهما عن الآخر كما هو ظاهر، ثمّ إنّ افتراق الحكومة عن الورود لا يكاد يخفى على أحد، و أما افتراقها عن التّخصيص فيما كان الخاصّ ظنيا من جميع الجهات فإنّما هو في مجرّد التّرتّب و التّعبير، و إلا فهو تخصيص في المعنى و رافع لحكم الموضوع واقعا، و من هنا
........
الشرح
ذكر شيخنا الأستاذ العلاّمة في الكتاب أنّها تخصيص في المعنى بعبارة التّفسير، فكلامه هذا منزّل على الخاصّ الظّني من جميع الجهات حتّى لا ينافي ما يفيده بعد ذلك في شأن العامّ و الخاصّ. فقد تبيّن ممّا ذكرنا كلّه أنّ الدّليل و الأصل لا يتصوّر التّعارض بينهما في الشّبهة الحكميّة و إن كان الدّليل ظنيا، و هذا يقال على سبيل الموجبة الكلّيّة، و أما الأدلّة الظّنية بعضها مع بعض و الأصول كذلك، فقد يوجد بينهما الورود، كما أنّه قد يوجد بينهما الحكومة فيما إذا كان أحدهما تنجيزيّا و الآخر تعليقيّا كما في العام و الخاصّ مثلا، فإن أصالة العموم معتبرة فيما إذا لم يكن هناك قرينة على التّخصيص كما هو الشّأن في جميع الظّواهر، فإنّها مشروطة بعدم قيام القرينة على الخلاف، فإن كان الخاصّ قطعيا من جميع الجهات فيكون واردا على أصالة العموم، كما هو شأن القرينة القطعيّة بالنّسبة إلى جميع الظّواهر فإنّها تعليقيّة بأسرها، و إن كان قطعيا بحسب الدّلالة و ظنّيّا بحسب الصّدور فيكون حاكما على أصالة العموم بالنّظر إلى دليل اعتبار صدوره، فإن مقتضاه عدم الاعتناء باحتمال عدم الصّدور و الرّجوع إلى أصالة العموم و البناء على عدم القرينة لو لا دليل التّعبّد بالصّدور، فيكون الدّليل المذكور شارحا لما دلّ على اعتبار أصالة العموم، فلا يكون الخاصّ معارضا للعام إلاّ فيما كان ظنيا بحسب الدّلالة كالعام، و إن كان راجحا عليه إذا لوحظا بأنفسهما من غير ملاحظة الخصوصيّات، و إلا فقد يكون العام أقوى دلالة من الخاصّ بملاحظتها، كما ستقف على شرح القول فيه، هذا و في الكتاب جعل النّص الظّني الصّدور واردا أيضا على أصالة العموم إذا كان مستند اعتبار أصالة العموم الظّن النّوعي بإرادة الحقيقة الحاصل من الغلبة من حيث استظهار تقيّد اعتباره بعدم قيام الدّليل المعتبر على الخلاف، و لو كان ظنيا ثمّ استكشف ذلك بقوله: و يكشف عمّا ذكرنا أنّا لم نجد و لا نجد من أنفسنا إلخ، و هو كما ترى محلّ
........
الشرح
مناقشة، لأن ما أفاده في الكاشف لازم أعمّ من الورود و الحكومة، بل من التّرجيح أيضا لما عرفت من قوّة الخاصّ الظّني بحسب الدّلالة بالنّسبة إلى العام إذا لوحظا بالنّظر إلى أنفسهما مع تصريحه بكونهما متعارضين بقوله: (نعم لو فرض الخاصّ ظاهرا) إلخ، فإنه صريح في كون محلّ كلامه في ورود الخاصّ على العام، أو حكومته فيما كان الخاصّ نصّا و قطعيّا بحسب الدّلالة.
فقد تبيّن ممّا ذكرنا أنّ ما أفاده في الكتاب في الفرق بين الحاكم و المخصّص بجعل الأوّل خارجا عن عنوان المعارض و الثّاني داخلا فيه بقوله:
و الفرق بينه و بين المخصّص إلخ، منزّل على الخاصّ الظّني الصّدور و الدّلالة، لأن تصريحه بجريان الورود و الحكومة بالنّسبة إلى الأصل اللّفظي بعد ما ذكره بقوله: ثمّ إنّ ما ذكرنا من الورود و الحكومة جار في الأصول اللّفظيّة أيضا إلخ، أقوى شاهد على التّنزيل المذكور، سيّما الاستدراك بقوله: (نعم لو فرض الخاصّ ظاهرا خرج عن النّص و صار من باب تعارض الظّاهرين) إلخ، هذا و قد وقفت على ما ينافي ما سلكه شيخنا الأستاذ العلاّمة في المقام من كلام بعض أفاضل تلامذته و هو غريب. هذا بعض الكلام في حكم المختلفين في الأحكام الشرعيّة.
و أمّا إذا قاما في الموضوعات الخارجيّة، فلا يتصوّر التّعارض بينهما أيضا إذا فرض اعتبار الظّاهر فضلا عن تقديم الأصل على الأمارة، فما أفاده ثاني الشّهيدين في تقديم الأصل على الظّاهر في تمهيده في صور كثيرة لا بدّ أن ينزّل على الظّواهر الغير المعتبرة، كما أنّ إشكاله في تقديم أحدهما في صور مذكورة فيه لا بدّ أن ينزّل على الإشكال في اعتبار الظّاهر المقابل للأصل، و إن كان من حقّه عدم الإشكال بعد عدم العلم باعتبار الظّاهر، و إن كان الخلاف موجودا من جهة الاختلاف في اعتبار الظّاهر فتدبّر.
أمّا حكم بعضهم بتقديم قول من كان قوله موافقا للظّاهر و إن لم يكن معتبرا
........
الشرح
و كان مخالفا للأصل فهو من جهة ذهابه إلى كون المدّعي في العرف من كان قوله مخالفا للظّاهر و إن كان موافقا للأصل، و المدّعى عليه و المنكر في العرف من كان قوله موافقا للظّاهر و إن كان مخالفا للأصل، و هذا كما ترى يرجع إلى الاجتهاد في تشخيص الموضوع العرفي، و لا تعلّق له بالمقام أصلا.
نعم يستثنى عمّا ذكرنا الأصل الأخصّ بالنّسبة إلى الظّاهر المعتبر الأعمّ كأصالة الصّحة في عمل النّفس بعد الفراغ، أو عمل الغير على القول باعتبار الاستصحاب من باب الظّن، فإنه لا بدّ من الأخذ بالأصل بعد الفراغ عن ثبوته، و إلا لزم طرحه رأسا.
فإن شئت قلت: إنّ الأصل الوارد في بعض موارد الأمارة المعتبرة لا بدّ من الأخذ به، لكن لا من باب الحكومة ضرورة امتناع شرح الأصل عن الأمارة، و الدّليل فما يذكر من كلمات شيخنا الأستاذ العلاّمة قدس سره في الأصول و الفروع من حكومة استصحاب الشّرائط كاستصحاب الطّهارة مثلا على الدّليل المثبت للشّرط كقوله: لا صلاة إلاّ بطهور منظور فيه لعدم اتّحاد الأصل و الدّليل من حيث المرتبة، فكيف يمكن جعل الأصل مفسّرا و شارحا له.
و إن شئت قلت: إنّ الدّليل المثبت للحكم الواقعي ساكت عن حكم الشّك في الموضوع، فكيف يمكن جعل استصحاب الموضوع حاكما عليه ضرورة أنّ قوله لا صلاة إلاّ بطهور لا دلالة على حكم الشّك في الطّهارة و الحدث، و إن كان الحكم عدم جواز الدّخول في الصّلاة مع الشّك في وجود الشّرط الواقعي من جهة قاعدة الشّغل، فلا يمكن جعل الاستصحاب المتكفّل لحكم الشّك حاكما عليه فهو وارد على أصالة الشّغل لا حاكم على دليل الشّرط فافهم.
و من هنا لا يفرق بين كون دليل الشّرط ظنيا، أو قطعيا من جميع الجهات، فإن ثبوت الشّرط على وجه القطع لا يمنع من الشّك في وجوده الخارجي كما
........
الشرح
هو واضح، فلا بدّ من أن يحمل ما أفاده شيخنا العلاّمة قدس سره على غير الحكومة بالمعنى الّذي عرفته بجعل الاستصحاب كاشفا عن إرادة الطّهارة بالمعنى الأعمّ من الواقعيّة و الظّاهريّة من دليل اشتراط الطّهارة الّذي قد عرفت استحالته فتأمّل.
فقد تبيّن ممّا ذكرنا كلّه أنّ التّنافي المعتبر في التّعارض موضوعا إنّما هو بعد إمكان اجتماع المتعارضين في موضوع واحد، فلا يتحقّق بين الوارد و المورود و لا بين الحاكم و المحكوم بعد ملاحظة تنزيل الشّارع، و من هنا ذكر شيخنا الأستاذ العلاّمة ما عرفته بقوله: (و منه يعلم أنّه لا تعارض) إلخ، فعدم التّعارض مستند إلى إلى عدم اجتماع الدّليل و الأصل لا إلى عدم اجتماع مدلولهما، فإنه لا تنافي بين كون شيء حراما في الواقع و حلالا في الظّاهر مثلا و هكذا، و قد صرّح بذلك في أوّل الجزء الثّاني من الكتاب، و الظّاهر أنّه من المسلّمات عندهم و قد بنوا عليه الأمر في مسألة اجتماع الأمر و النّهي على ما نبّهناك عليه في الجزء الثّاني من التّعليقة، لكن قد تقدّم منّا الإشكال في ذلك على القول بالتّخطئة و ثبوت الحكم المشترك بين العالم و الجاهل و عدم اختصاص كلّ من العالم و الجاهل بحكم في مرحلة الواقع و إن كانت فعليّة الأحكام الإلزاميّة و لحوق استحقاق المؤاخذة في حكم العقل تابعة في حقّ القاصر لما يدلّ على ثبوتها، فإنه لا محيص بناء عليه عن الالتزام باجتماع الضّدّين، فإن العلم و الجهل و قيام الدّليل على الحكم و عدمه لا يوجب اختلافا في حقيقة الحكم، فإن كانت الأحكام متضادّة كما قضت به ضرورة العقل و كان التّضاد بين أنفسها من غير مدخليّة لقيام الدّليل عليها أو عدمه، و إنّما يؤثّران في أمر عقلي خارج عن حقيقة الحكم و إن سلّم عدم صدق عنوان التّكليف عليها قبل ثبوتها و قيام الدّليل عليها، فإن الضّديّة تتبع المعنون لا العنوان و هو أمر ظاهر، هذا و قد تقدّم ما يدفع به هذا
........
الشرح
الإشكال و ما يزيّفه في الجزء الثّاني من التّعليقة، و لم أقف إلى الآن على ما يدفع به هذا الإشكال.
نعم في كلام بعض أفاضل من عاصرناه من حاضري مجلس بحث شيخنا ابتناء الإشكال على القول بالامتناع في مسألة اجتماع الأمر و النّهي و دفعه مع اضطراب كلامه في المقام كغيره بكون الحكم الظّاهري راجعا إلى الإخبار بالمعذوريّة و نفي العقاب و هو كما ترى في كمال الغرابة، فإن الابتناء المذكور لا محصّل له أصلا، حيث إنّ الاجتماع في المقام يرجع إلى الاجتماع الآمري لا المأموري كما هو ظاهر، و جواز الاجتماع على القول به مبنيّ على الثّاني كما بيّن في محلّه، فكيف يبتني الإشكال المذكور على القول بالامتناع، و أما دفع الإشكال بإرجاع الحكم الظّاهري إلى الإخبار عن نفي المؤاخذة فهو أشدّ ضعفا، إذ كيف يستقيم إرجاع القضايا الشّرعيّة الصّريحة في إنشاء الحكم الشّرعي كأخبار الاستصحاب و الحلّيّة و نحوهما إلى القضيّة الخبريّة المذكورة، هذا مع أن الحكم الظّاهري قد يكون إلزاميّا و الحكم الواقعي غير الإلزاميّ و قد يكونان متوافقين إلزاميّين، أو غير إلزاميّين. نعم يمكن الالتزام بذلك بالنّسبة إلى بعض أخبار البراءة، أو حكم العقل بها، مع أن هذا الوجه لا يستقيم بالنّسبة إلى الاحتياط و التّخيير، فلا بدّ أن يلتزم فيهما بأنّ مرجعهما إلى الإخبار عن المؤاخذة على تقدير المصادفة و الإخبار عنها على تقدير عدم الالتزام بأحد الحكمين، هذا و إن شئت الوقوف على شرح فساد هذا الوجه و غيره فارجع إلى ما ذكرنا في الجزء الثّاني من التّعليقة، فلا حاجة إلى إعادة الكلام و تطويل القول في المقام هذا بعض الكلام فيما يتعلّق بالتّقسيم الأوّل، و قد اتّضح لك من مطاوي ما ذكرنا المراد من كلّ من التّعارض و الورود و الحكومة و التّخصيص مفهوما، فإن المراد من الأوّل ما عرفت في أوّل عنوان المسألة، و من الثّاني رفع موضوع أحد الدّليلين
........
الشرح
حقيقة بوجود الآخر، و من الثّالث شرح أحد الدّليلين و تفسيره للآخر، و من الرّابع قصر الحكم المستفاد من أحد الدّليلين الثّابت للموضوع العام على بعض أفراد موضوعه من غير أن يكون شارحا له و ناظرا إليه، و أما من حيث الخارج و المصداق فلا يقع الاشتباه في الورود أصلا، إلاّ إذا فرض الشّك فيما أخذ في موضوع أحد الدّليلين شرعا، أو عرفا، و أما الحكومة فلها أمثلة واضحة غاية الوضوح و أمثلة خفيّة نظريّة بحيث يقع الاشتباه فيها كثيرا و الميزان و إن كان ما ذكرنا، إلا أنه لا ينفع لرفع الاشتباه في جميع الموارد الشّخصيّة، فلا مناص من إيكال التّشخيص و التّطبيق إلى نظر المستنبط، فإن بقي الاشتباه، فإن كان الدّوران بين ورود أحد الدّليلين و حكومته، فلا ثمرة غالبا، فإنه يحكم بتقديمه ذاتا، سواء كان من جهة الورود، أو الحكومة و إن كان بينهما و التّعارض، أو بين أحدهما و التّعارض و لم يكن للمردّد أمره رجحان على صاحبه، فإجراء حكم التّعارض عليه مشكل، كما أنّ إجراء حكم الوارد، أو الحاكم عليه إشكال، اللّهمّ إلا أن يقال بوجوب الأخذ بالمردّد أمره من حيث كونه متيقّن الاعتبار على كلّ تقدير، غاية ما هناك تردّد أمره بين الحجّيّة التّعيينيّة و التّخييريّة، و هذا بخلاف الآخر، فإنه مشكوك الاعتبار فعلا من حيث احتمال كونه مورودا، أو محكوما فافهم.
لكنه كما ترى مبنيّ على كون حكم التّعادل و لو في غير الأخبار من المتعارضين التّخيير كما ربما يستظهر من بعض على ما ستقف عليه، و إلا فلا دوران بين الحجّيّة التّعيينيّة و التّخييريّة فيبقى الإشكال على حاله فتدبّر.
ثمّ إنّ الورود على ما عرفت في بيان مفهومه لا يختصّ بالأدلّة اللّفظيّة، و أما الحكومة فلا تجري في الأدلّة اللّبيّة، بل لا بدّ من أن يكون كلّ من الحاكم و المحكوم دليلا لفظيّا على ما بيّنه في الكتاب في حقيقتها، و عرفت منّا أنّ تقديم الأمارات المعتبرة اللّبيّة الغير المنتهية إلى اللّفظ على الأصول ليس من باب الحكومة
........
الشرح
الاصطلاحيّة و إن كان في حكمها، كما أنّ تقديم الاستصحاب في الشّك السّببي على الاستصحاب في الشّك المسبّب إذا كان مبنيّا على الظّن إنّما هو بحكم الحكومة، بل الأمر في الفرض المزبور، و كذلك بناء على التعبّد و الأخبار أيضا على ما عرفت الإشارة إليه في مطاوي كلماتنا لفقد موضوع الدّليلين، فالتّقدّم فيما ذكر و إن كان ذاتيّا إلا أنه خارج عن عنوان الحكومة الحقيقيّة، و أمّا التّخصيص فلا يتحقّق إلاّ فيما كان هناك عام لفظيّ و إن كان الخاصّ لبّيّا.
و أمّا الكلام في التّقسيم الثّاني فملخّصه أنّه ذكر غير واحد أنّ التّعارض إنّما يكون بين الظّنّيين دون القطعيّين و المختلفين و عدم تعرّضهم لحكم التّعبّديين، أو المختلفين من التّعبّدي و غيره إنّما هو من جهة عدم وجود ما يكون دليلا في الشّرعيّات من غير اعتبار الكشف فيه أصلا لا نوعا و لا شخصا عندهم غير الأصول و إن أمكن وجوده، مع أنه على تقدير وجوده أولى بجريان التّعارض فيه من الظّنّيين كما هو ظاهر، كما أنّه مثل الظّني فيما قابل القطعي في عدم الإمكان من حيث استحالة التّعبّد على خلاف القطع و فيما قابل الظّني في الإمكان كما هو ظاهر، و هذا مع كمال وضوحه و ظهوره بالنّظر إلى ما عرفت من معنى التّعارض و معنى الدّليل القطعي عندهم و حكم العقل الضّروري بعدم اجتماع القطعيّين المتنافيين الموجب لاجتماع النّقيضين، أو الضّدّين، و المراد من الدّليل الظّني الأعمّ ممّا يعتبر فيه الظّن فعلا كما هو المشاهد بالنّسبة إلى أكثر الأدلة الظّنية مع عدم تقيّدها بعدم قيام الظّن على الخلاف، و كون مرادهم الإهمال بالنّسبة إلى الظّنّيين في مقابل القطعيّين و المختلفين لا الكلّيّة و التّعميم بالنّسبة إلى جميع أقسام الظّنّيين كما هو واضح لا سترة فيه أصلا، بل هو من القضايا الّتي قياساتها معها فتعرّضهم له حقيقة كما في كلام جماعة من الخاصّة و العامّة من المتقدّمين و المتأخّرين من باب مجرّد التّنبيه و أداء وظيفة الصّناعة العلميّة، و إلا فليس مطلبا
........
الشرح
نظريّا محتاجا إلى إقامة البرهان عليه، و مع ذلك قد ناقشهم فيه غير واحد ممّن قارب عصرنا فلعلّ المناقشة من جهة التباس مرادهم من الدّليل القطعي و الظّني عليهم، و إلا فلا يظنّ بمن دونهم التّأمّل فيه مع تبيّن المراد، و لا بأس بنقل كلمات جماعة من الخاصّة و العامّة في المقام لحصول العلم بمرادهم ممّا ذكروه بملاحظتها و إن كان واضحا بزعمي القاصر.
قال: الشّيخ قدس سره في محكيّ الإستبصار: «المتواتر من الأخبار ما أوجب العلم فما هذا سبيله يجب العمل به من غير توقّع شيء يضاف إليه، و لا أمر يقوى به و ما يجري هذا المجرى لا يقع فيه التّعارض و لا التّضادّ في أخبار النّبي و الأئمّة عليهم السّلام» انتهى كلامه رفع مقامه.
و في محكي النّهاية: «الإجماع على أنّه لا يجوز تعادل الأدلّة القطعيّة المقابلة بالنّفي و الإثبات لوجوب حصول المدلول عند حصول الدّليل و هو يستلزم اجتماع النّقيضين» انتهى كلامه.
و قال في محكي التهذيب: «الدّليلان إمّا أن يكونا يقينيّين فالتّعارض بينهما محال» انتهى.
و قال في شرح المبادي تبعا للمصنّف على ما حكي: «لا يتعارض دليلان قطعيّان لاستلزامه اجتماع النّقيضين» انتهى كلامه.
و قال في محكيّ المنية: «الأدلّة القطعيّة عقليّة كانت، أو نقليّة لا يجوز تعادل دليلين متقابلين منها بالنّفي و الإثبات، أمّا العقليّة فلوجوب حصول المدلول عند حصول دليله، فلو تحقّق دليلان على نقيضين لزم اجتماعهما و هو محال بالضّرورة، و أما النّقليّة فلأنه يلزم إمّا اجتماع النّقيضين، أو الكذب على الشّارع و هما محالان، و قال بعد جملة كلام له: الثّالث أن يكون أحدهما يقينيّا و الآخر ظنيا فيتعيّن العمل باليقيني ضرورة استلزامه العلم بكذب الظّن المقابل لليقين
........
الشرح
اللاّزم للدّليل» انتهى.
و قال في مقام آخر: «التّعارض في اليقينيّات محال، إذ الدّليل اليقيني لا يتحقّق إلاّ مع كون مقدّماته ضروريّة، أو لازمة للضّروريّة و منتهية إليها» إلى آخر ما ذكره.
و قال في محكي غاية المأمول: «بعد الحكم باستحالة تعارض القطعيّين من حيث استلزامه اجتماع النّقيضين، و لا يتحقّق بين القطعي و الظّني لانتفاء الظّن عند حصول القطع و إنّما يتحقّق بين الظّنّيين» انتهى.
و في محكيّ غاية البادي: «وقع الاتّفاق على امتناع التّعارض بين الأدلّة العقليّة، و أما النّقليّة فليست قطعيّة و على تقدير إفادتها اليقين، فالدّليل القائم في العقليّات قائم في سائر القطعيّات» انتهى.
و في محكيّ الزّبدة: «و لا تعارض في قطعيّين لاجتماع النّقيضين و لا في قطعيّ و ظنّي» انتهى كلامه.
و في محكيّ غاية المأمول بعد جملة كلام له في تحقيق مورد التّعارض ما هذا لفظه: «و هو لا يتحقّق بين قطعيّين، و إلا ثبت مقتضاهما فيلزم اجتماع النّقيضين و هو محال» انتهى كلامه.
و في محكيّ الأحكام: «لا يتصوّر التّعارض في القطعيّ، لأنه إمّا أن يعارضه قطعيّ، أو ظنّي، و الأوّل محال، إلى أن قال: و الثّاني أيضا محال لامتناع ترجيح الظّني على القطعي فلم يبق سوى الطّرق الظّنية» انتهى كلامه.
و قال العضدي في شرح المختصر عند شرح قول الماتن: «لا تعارض في قطعيّين الدّليلان إمّا قطعيّان، أو أحدهما قطعيّ و الآخر ظنّي، أو هما ظنّيّان، و لا تعارض في قطعيّين، و إلا ثبت مقتضاهما و هما نقيضان و لا بين قطعيّ و ظنّي، لأن الظّن ينتفي بالقطع بالنّقيض، و أما الظّنيّان فيتعارضان» انتهى ما حكي عنه إلى غير ذلك من كلماتهم الصّريحة في التّفصيل الّذي عرفته من شرح المختصر.
........
الشرح
و الغرض من نقلها: ليس مجرّد الوقوف عليها، بل الوقوف على مرادهم من التّفصيل المذكور، و إن الدّليل القطعي عندهم ما لا ينفك عن إفادة القطع بمدلوله بخلاف الظّني، و هذا كما ترى لا يقبل المناقشة، فلا بدّ أن يكون مبنى المناقشة التباس مرادهم من الدّليل القطعي و الظّني على المناقش على ما عرفت الإشارة إليه.
قال الفاضل النّراقي في المناهج: قالوا التّعارض بين القطعيّين و القطعي و الظّني محال، و استدلّوا على الأوّل باستلزامه التّناقض، لأن القطعي ما ثبت تحقّق مدلوله قطعا، فلو عارضه مثله لحصل القطع بتحقّق مدلوله أيضا، و المفروض تناقض المدلولين و لا فرق في ذلك بين كونهما متساويين، أو بينهما عموم و خصوص مطلق، أو من وجه، و على الثّاني بأن الظّني لا يقاوم القطعي، فلا يمكن أن يعارضه و بأنّ الظّن ينتفي عند قيام القطع.
أقول: إن كان المراد من القطعي ما ذكر فعدم تعارضهما واضح، و أما إن كان المراد ما كان الدّالّ قطعيا كما يظهر من تمثيلهم للقطعيّين بالمتواترين و الإجماعين القطعيّين، فقد يمكن التّعارض بجواز صدور خبرين متناقضين لمصلحة تقيّة و نحوها متواترا، أو انعقد الإجماع على حكم في زمان تقيّة و على خلافه في زمان آخر، و أما ما ذكروه دليلا للثّاني فيتوجّه على الأوّل منهما أنّ التّقاوم مناط التّعادل دون التّعارض، فإن الظّنّيين اللّذين اقترن أحدهما بمرجّح متعارضان مع فقد التّقاوم و على الثّاني بأنّ مناط التّعارض هو تنافي المدلولين دون بقاء الظّن، فإن المراد بالظّني ليس ما أفاده بالفعل، و إلا لزم عدم التّعارض بين الظّنّيين أيضا لاستحالة تعلّق الظّن بطرفي النّقيض، بل ما من شأنه أن يفيد الظّن و إن لم يفده بالفعل و ذلك متحقّق في الظّني و القطعي، فالحقّ إمكان التّعارض بين القطعي و الظّني، بل التّحقيق إمكان تعارض القطعيّين بهذا المعنى
........
الشرح
أيضا انتهى كلامه رفع مقامه، و هو كما ترى غير نقيّ عن النّظر من وجوه، لأن ما ذكره بالنّسبة إلى القطعيّين يتوجّه عليه أنّ مرادهم من القطعي ليس إلاّ ما ذكره أوّلا، فإن الدّليل القطعي عندهم في مقابل الظّني ما يكون اعتباره ذاتيّا، و من جهة حصول القطع منه كما ذكره شيخنا الأستاذ العلاّمة في بيان مرادهم، و كون الدّالّ قطعيا، لأن المدلول كما ذكره لا محصّل له أصلا، إذ اتّصاف الدّال بالقطعيّة إنّما هو باعتبار مدلوله، و إلا فمجرّد القطع بصدور كلام من الشّارع مع عدم قطعيّة مدلوله و عنوان صدوره لا يوجب اتّصاف الدّال بالقطعيّة ضرورة كون النّتيجة تابعة لأخسّ مقدّمتيها، و من هنا لا يعدّ الكتاب و السّنة القطعيّة مع ظنّيّة دلالتهما من الأدلّة القطعيّة و تمثيلهم بالمتواترين و الإجماعين للقطعيّين لا يدلّ على ما توهّمه، لأن الغرض من التّواتر ليس مجرّد التّواتر اللّفظي مع ظنّيّة متنه وجهة صدوره، و كذا المراد من الإجماع القطعي على الحكم ليس مجرّد الإجماع على مجرّد صدور اللّفظ من الإمام عليه السلام، كما قد يتّفق على مذهب القدماء في باب الإجماع و صدور خبرين متواترين متناقضين لمصلحة تقيّة و نحوها، و كذا انعقاد الإجماع على حكم في زمان تقيّة و على خلافه زمان آخر لا يجديه في شيء، لأنه إن أراد من التّقيّة التّقيّة في العمل كالوضوء تقيّة على طبق مذهب العامّة مثلا عند الضّرورة و الابتلاء فيتوجّه عليه أنّ مضمون الخبر على هذا الفرض حكم واقعيّ إلهيّ، إلا أنه واقعيّ اضطراريّ كسائر الواقعيّات الاضطراريّة كالصّلاة في حالة الخوف، أو المرض إذا لم يتمكّن من الإتيان بالقيام مثلا فهل يتوهّم أحد التّعارض بين حديثين دلّ أحدهما على وجوب الصّلاة قائما على الصّحيح و الآخر على وجوبها قاعدا على المريض الغير المتمكّن من القيام، فكذا بين حديثين دلّ أحدهما على وجوب الوضوء على طبق مذهب الشّيعة في حالة الاختيار و عدم التّقيّة، و دلّ الآخر على وجوبه على طبق مذهب العامّة عند الابتلاء
........
الشرح
بهم حاشا ثمّ حاشا، و إن أراد منها التّقيّة في مجرّد القول، فإن جوّزنا الكذب على الإمام عليه السلام عند الخوف و التّقيّة من الأعداء كما نجوّزه لغيره من جهة الضّرورة فيتوجّه عليه أنّ مضمون الخبر على هذا ليس حكما أصلا و إن كان صدوره واجبا على الإمام عليه السلام، فلا يتعارض مع غيره و إن لم نجوّزه له و أوجبنا عليه التّورية كما هو الحقّ و إن جوّزناه لغيره، فالمراد من الخبر الصّادر تقيّة و خوفا على هذا التّقدير أيضا حكم إلهيّ واقعيّ، بل ربما يكون واقعيا اختياريّا، فكيف يقع التّعارض بينه و بين غيره، فإذا ورد عن الإمام عليه السلام ما دلّ على حرمة التّمتّع و كان مراده حرمته بدون رضا الزّوجة مثلا، فلا يعارض ما دلّ على جوازه مع اجتماع ما يعتبر في العقود من رضا المتعاقدين و غيره، و أمّا ما أورده على الوجه الأوّل لعدم إمكان التّعارض في المختلفين فيتوجّه عليه بأنّ عدم التّقاوم في الفرض ليس من جهة ترجيح القطعي على الظّني مع تعارضهما، بل من جهة عدم إمكان التّعارض بينهما، لأن أصل الكشف الظّني و لو نوعا على ما هو التّحقيق، أو اعتباره على ما تقضي به ضرورة العقل و الوجدان مقيّد بعدم القطع على الخلاف فليستا في مرتبة واحدة حتّى يمكن التّعارض بينهما، و أمّا ما أورده على الوجه الثّاني فيتوجّه عليه أيضا ما يتوجّه على إيراده على الوجه الأوّل، و أما قياسه المقام بالظّنيين و استكشاف حكمه منهما فيتوجّه عليه بأنّ إرادة الشّأني منهما، أو الفعلي و الشّأني ممّا لا غبار عليه أصلا، لأن الغرض من حصر التّعارض في الظّنيين ليس إمكانه في جميع صوره، بل تحقّقه فيهما في مقابل القطعيّين و المختلفين من القطعي و الظّني، و ممّا ذكرنا كلّه يظهر تطرّق المناقشة إلى التّرقي الّذي ذكره أخيرا بقوله: (بل التّحقيق إمكان التّعارض بين القطعيّين بهذا المعنى أيضا لما صرّح به شيخنا الأستاذ العلاّمة قدس سره في الكتاب من أنّ اعتبار القطعي بهذا المعنى على تقدير وجوده في الشّرعيّات لا بدّ فيه من
........
الشرح
التماس قيام الدّليل عليه، فإنه كالظّني كما هو ظاهر و اعتبار الأدلّة القطعيّة عندهم على ما عرفت مستند إلى نفس إفادتها القطع لا إلى شيء آخر).
و ممّا ذكرنا يظهر تطرّق المناقشة إلى ما أفاده في حكم المقام في الفصول، فإنه قريب إلى ما أفاده الفاضل المتقدّم ذكره في المناهج، قال: «و لا يقع التّعارض بين الدّليلين القطعيّين، أعني المفيدين للقطع بمؤدّاهما بالفعل، سواء كانا عقليّين، أو سمعيّين، أو كان أحدهما عقليّا و الآخر سمعيّا لأدائه إلى الجمع بين المتنافيين بحسب المعتقد، إلا أن يكون المعتقد جاهلا بالتّنافي فيخرج الكلام بالنّسبة إليه عن محلّ البحث، إذ لا تعارض عنده حقيقة و لو فسّر الدّليل القطعي بالفعلي نظرا إلى أنّه لا حكم للقطع الشّأني و الدّليل الظّني بما يعمّ الفعلي و الشّأني لوقوع التّعويل على كلّ منهما.
و في الجملة: صحّ في تحرير المقام أن يقال: الدّليلان إن كانا قطعيّين امتنع وقوع التّعارض بينهما، و إن كان أحدهما قطعيا و الآخر ظنيا رجّح القطعي، و إن كانا ظنّيين ففيه التّفصيل الآتي و الفاضل المعاصر بعد أن حكم بامتناع التّعارض بين الدّليلين القطعيّين، قال: و كذلك لا يكون في قطعيّ و ظنّي لانتفاء الظّن عند حصول القطع، فالتّعارض إنّما يكون بين دليلين ظنّيين و يشكل عليه بأنّ الظّن، كما لا يجامع القطع بالخلاف، كذلك لا يجامع الظّن به، إلا أن يريد بالظّني في الأوّل الفعلي و في الثّاني ما يعمّ الشّأني، لكن يشوّش معه نظم التّحرير و ساق الكلام إلى أن قال: و أما القطعيّان بالقوّة، أعني ما من شأنهما إفادة القطع و لو مع قطع النّظر عن معارضة الآخر، فيمكن وقوع التّعارض بينهما كما نبّهنا عليه في دفع شبهة الجبريّة و حكم هذا التّعارض أن يلاحظ أحدهما مع الآخر، فإن سقطا عن إفادة القطع سقط اعتبارهما في الموارد الّتي يطلب فيها القطع، و إن سقط أحدهما عن إفادته فقط تعيّن التّعويل على الآخر، و ممّا قرّرنا يظهر
........
الشرح
الكلام في تعارض الدّليل القطعيّ مع الظّني» انتهى ما أردنا نقله من كلامه رفع مقامه، و أنت بعد الإحاطة بما ذكرنا ينكشف لك وجوه المناقشة فيه، لأن الحكم بترجيح القطعي إذا عارض الظّني قد عرفت ما فيه من عدم إمكان التّعارض بينهما حتّى يحكم بالتّرجيح، و منه يظهر أنّ الظّني بأيّ معنى يراد، سواء أريد منه الظّن الفعلي، أو الشّأني لا يمكن أن يعارض القطعي على ما أسمعناك في طيّ المناقشة على ما ذكره الفاضل النّراقي، فإذا أريد من إثبات التّعارض في الظّنّيين أنّه لا يتحقّق إلاّ فيهما على ما عرفت و لو بأن يتحقّق في الشّأنيّين منهما، أو الشّأني و الفعلي في مقابل القطعيّين و القطعيّ و الظّنّي، فليس فيه تفكيك حتّى يختلّ معه نظم التّحرير و يتشوّش كما هو ظاهر، و كذا الحكم بتعارض القطعيّين الشّأنيّين مع الالتزام بما أفاده في حكم تعارضهما يرجع حقيقة إلى عدم التّعارض بينهما، إلاّ بحسب صورة البرهان فهو خارج عن حقيقة التّعارض كما هو ظاهر، و هو ليس محلاّ لإنكار أحد، لأن التّعارض الصّوري بين البراهين ممّا لا يمكن إنكاره، لكن لا تعلّق به بالتّعارض المبحوث عنه في المقام إلى غير ذلك ممّا يقف عليه التأمّل في أطراف كلامه.
و قال: بعض السّادة ممّن تأخّر بعد جملة كلام له في معنى التّعارض ثمّ إنّهم قالوا إنّ التّعارض لا يكون إلاّ بين الظّنيين، و أما القطعيّان، أو المختلفان، فلا يمكن حصول المعارض بينهما.
و فيه: أنّ المراد من القطعي و الظّني إن كان القطعيّة و الظّنّية في الصّدور، فلا ريب في جواز التّعارض في كلّ الصّور الثّلاث من القطعيّين و الظّنّيين و المختلفين و إن كان القطعيّة و الظّنّية في اللّب و الدّلالة، فإن كان المراد قطعيّة الدّليلين، أو ظنّيتهما، بمعنى أنه لو لا أحدهما لأفاد الآخر القطع، أو الظّن و إن لم يكن بعد ملاحظة التّعارض قطع و لا ظنّ، فلا ريب في جواز التّعارض بهذا
........
الشرح
المعنى بين الكلّ أيضا و إن كان المراد قطعيّة الدّليلين، أو ظنّيتهما شخصا، أي فعلا، فلا ريب في عدم جواز التّعارض في الكلّ ففي الفرضين الأوّلين لا وجه لقولهم بعدم الإمكان في القطعيّين و المختلفين، و في الفرض الأخير لا وجه لقولهم بالإمكان في الظّنيين، و إن كان في القطعيّين أو المختلفين الشّخصيّين و في الظّنّيين أحد الفرضين الأوّلين فهو تفكيك خال عن الوجه، لكن الظّاهر منهم الأخير لزعمهم أنّ ما سوى الشّخصي لا يمكن في القطع، لأن العلّة التّامّة في القطع بعد حصولها لا يمكن التخلّف عنه بالتّعارض.
و فيه: أنّه يمكن أن يكون انتفاء أحد الدّليلين شرطا لإفادة الآخر القطع فيكونان قطعيّين طبعا و لا دليل على عدم جواز ذلك عقلا، بل هو واقع في الخبر كالوارد في دية إصبع المرأة، فإن العقل بعد سماع أنّ دية ثلاثة من إصبعها ثلاثون يقطع بأنّ دية الأربع لا تنقص عن دية ثلاث لو لا الإجماع على الرّجوع إلى عشرين، أو السّماع عن الإمام عليه السلام، كما أنّ أبان توحّش عن حكم الإمام عليه السلام، و ساق الكلام إلى أن قال: «و ظهر من ذلك جواز تعارض القطعيّين عقليّين بالطّبع إذا كان حكم العقل تبعيّا لا أصليّا فتلك العلّة الّتي زعموها لعدم إمكان التّعارض في القطعيّين فاسدة، و أما العقليّان القطعيّان بالطّبع المستقلاّن في الحكم، و كذا النّقليّان، فلا دليل اجتهاديّا فيه على الجواز عقلا، و لكن أصالة الجواز و الإمكان عقلا يثبته ما لم يقم دليل على عدم الجواز عقلا، ثمّ إنّهم قالوا بجواز تعارض الظّنّيين و عدم جواز تعارض ما عداهما، و لا ريب أنّ التّعارض له فردان أحدهما التّعادل و الآخر التّرجيح، فإن كان مرادهم من جواز تعارض الظّنيين جوازه بكلا قسميه، و من عدم الجواز في القطعيّين و المختلفين عدم جوازه، كذلك ففيه أنّ التّعارض على وجه التّرجيح يمكن في المختلفين، فإن القطع يترجّح على الظّن عند التّعارض، و إن سلّمنا عدم جواز
........
الشرح
التعارض مطلقا في القطعيّين للزم خروج العلّة التّامّة عن كونها علّة تامّة في الصّورتين من التّعارض، أي التّعادل و التّرجيح، إذ في الأوّل يلزم خروج كلتا العلّتين في الدّليلين عن العلّيّة التّامّة، و في الثّاني يلزم خروج علّة المرجوح عن العلّيّة، و أما المختلفان، فلا يلزم إبطال العلّة عند التّرجيح القطعي، و إن كان مرادهم من جواز التّعارض في الظّنيين المصرّح به التّعادل لكون جواز التّرجيح في الظّنيين بديهيّا و واقعيّا، فلا حاجة إلى التّصريح به و من عدم جوازه في غيرهما كذلك، أي عدم جوازه بطريق التّعادل ففيه أنّ في القطعيّين لا يجوز على مذاقهم التّرجيح أيضا، و كذا لا يجوز في المختلفين بترجيح المقطوع على المظنون فلم صرّحوا بعدم جواز التّعادل في غير الظّنيين و لم يصرّحوا بعدم جواز التّرجيح مطلقا في القطعيّين، و في الجملة في المختلفين و ما الوجه في حصرهم عدم جواز التّعارض في غير الظّنّيين» انتهى كلامه رفع مقامه.
و لا يخفى أنّ فيه مواقع للنّظر و التّأمّل: أمّا أوّلا: فلأنّ التّرديد في الدّليل القطعي بين كونه قطعيا باعتبار بعض الجهات، أو كونه قطعيا باعتبار المفاد و المدلول ممّا لا معنى له، لأن الدّليل القطعي لا يكون قطعيا على ما أسمعناك إلاّ بالاعتبار الثّاني الّذي لا ينفكّ عن قطعيّة جميع جهاته من الصّدور و جهته و الدّلالة.
و أمّا ثانيا: فلأنه لا معنى لقوله فهو تفكيك خال عن الوجه بعد وضوح الوجه، حيث إنّ الدّليل القطعي عندهم ما كان اعتباره ذاتيّا لأجل حصول القطع منه، و هو الّذي قضى البرهان العقلي بعدم إمكان تعلّق الجعل به على ما أسمعناك في طيّ مباحث القطع، و أما ما يفيد القطع نوعا و إن انفكّ عنه في خصوصيّات المقامات من جهة الموانع فقد عرفت أنّ اعتباره يتوقّف على قيام الدّليل الشّرعي عليه في مورد الانفكاك، فيصير حينئذ كالدّليل الظّني في توقّف اعتباره على قيام
........
الشرح
الدّليل عليه، و مثل هذا كما ترى غير متحقّق لنا في الأدلّة، مع أنه على فرض وجوده لا بدّ أن يتقيّد بصورة انفكاك القطع منه، إذا الجعل على وجه الإطلاق لا يجامع عدم إمكان تعلّق الجعل بالقطع، و هذا بخلاف الدّليل الظّني، فإن أكثر الأدلّة الظّنية، بل كلّها معتبرة عند المشهور من باب الظّن النّوعي المطلق، فلا ضير في إطلاق القول بأنّ التّعارض في الظّنّيين، هذا مضافا إلى ما أسمعناك في المراد من وقوع التّعارض فيهما و من وقوعه في الظّنّيين في الجملة في قبال القطعيّين و المختلفين و كون محلّه منحصرا فيهما، و هذا كما ترى لا يلازم وقوعه في جميع أقسام الظّنيين و عليه لا يلزم تفكيك أصلا.
و أمّا ثالثا: فلأنه لا معنى لقوله في الاستدراك، لكن الظّاهر منهم الأخير لزعمهم إلخ، إذ الزّعم المذكور لم يعهد من أحد، إذ لم يدّع أحد أنّ كلّما يفيد القطع لا بدّ و إن يفيده دائما، كيف و قد أطبقوا على اشتراط عدم سبق ذهن السّامع بالشّبهة في حصول القطع من التّواتر فليس الوجه إلاّ ما عرفت في بيان التّفكيك.
و أمّا رابعا: فلأنه لا معنى لما ذكره من وقوع التّعارض في الجملة بين القطعي و الظّني لما عرفت من تقييد الدّليل الظّني ظنّا، أو اعتبارا بعدم قيام الدّليل القطعي على الخلاف و التّرجيح فرع التّعارض الغير المجامع عقلا مع أخذ أحد القيدين المذكورين كما هو واضح إلى غير ذلك ممّا يتوجّه عليه ممّا يقف عليه المتأمّل فيما ذكرنا و في أطراف ما ذكره.
و قال سيّد مشايخنا في المفاتيح بعد نقل جملة من كلماتهم المتعلّقة بالمقام ما هذا لفظه: «و التّحقيق في المسألة عندي أن يقال إن كان مراد القائلين بجواز وقوع تعادل الظّنين المتعارضين أنّه يصحّ أن يتعارض الدّليلان الظّنيّان بحيث لا يترجّح أحدهما على الآخر بوجه من الوجوه و يكون كلّ منهما مؤثّرا في
........
الشرح
حصول الظّن بالفعل، بحيث يحصل له في زمان واحد ظنّان يتعلّق كلّ واحد بأحد الضّدّين فهو باطل قطعا لاستحالة ذلك عقلا، لأن الظّن من الكيفيّات النّفسانيّة و يستحيل التّكليف بالمتضادّين في آن واحد، و لذا لا يمكن وقوع التّعارض بين القطعيّين و حصول القطعيّين المتنافيين في آن واحد، و إن كان مرادهم جواز وقوع تعادل الدّليلين اللّذين من شأنهما إفادة الظّن و إن لم يفيداه حين التّعارض فهو جيّد، لكن يمكن أن يقال بمثل هذا في القطعيّين، إلا أن يقال الدّليل القطعي لا يمكن فرض وجوده منفكّا عن إفادة القطع، لأنه علّة لها و لازمة لذاته كالزّوجيّة و الأربع كما أشار إليه في المنية و هو في غاية الوضوح في الدّلائل القطعيّة البرهانيّة كالأشكال الأربعة، و لذا لا يجوز تعارضها، و لا كذلك الدّلائل الظّنية، فإنه يجوز وجودها منفكّة عن إفادة الظّن، لأنها إنّما يفيد الظّن بمحض العادة لا بغيرها، و لذا يجوز تعارضها و هو حسن في كثير من الأدلّة المفيدة للقطع، و أما ما يفيد القطع بحسب العادة كالحدسيات و التّجربيّات، فلا توجّه فيه ما ذكر فينبغي الحكم بجواز وقوع التّعارض بين الدّليلين منه فتأمّل» انتهى كلامه رفع مقامه.
و قال بعد ذلك ما هذا لفظه: و هل يجوز للشّارع أن ينصب للمكلّف دليلين ظنّيين متكافئين من جميع الجهات فيه إشكال انتهى كلامه. و الإشكال الّذي ذكره أخيرا مبنيّ على ما ذكره بعض في التّعادل من منعه بين الظّنيين بعد قبول وقوع التّعارض بينهما، و هو و إن كان ضعيفا، لأن حكم الشّارع بالتّخيير بين الخبرين المتكافئين على ما هو المسلّم عند المستشكل، و كذا حكمه بتخيير العامي في تقليد المتكافئين من المجتهدين ينافي الإشكال المذكور كما هو واضح، إلا أن الكلام فيه متعلّق بالتّعادل، و لعلّنا نتكلّم فيه إن شاء اللّه تعالى فقد تبيّن من مطاوي ما ذكرنا كلّه من أوّل المسألة إلى هنا أنّ مورد التّعارض الدّليلان الظّنّيان
........
الشرح
إذا كانا في مرتبة واحدة، سواء كانا آيتين، أو سنّتين، أو خبرين، أو مختلفين إذا لم يكن التّعارض على وجه يوجب عدم حجّيّة أحدهما بالخصوص، كما في الخبر المخالف للكتاب و السّنة على وجه التّباين الكلّي، فإنه ليس بحجّة نصّا و فتوى كما أسمعناك عند التّكلّم في حجّيّة الأخبار و سنشير إليه، اللّهمّ إلا أن يقال بخروج الفرض عن تعارض الظّنيين، فإنه إن لم يحتمل التّأويل في الآية فيما خالفها الخبر فيكون نصّا و قطعيّا من جميع الجهات بالفرض، و إن احتمل التّأويل فيها و إرادة ما يجامع ظاهر الخبر المخالف لها فيدخل في عنوان تعارض الخبر لظاهر الكتاب، و لا دليل على عدم حجّيّته و إن كانت النّسبة المنطقيّة التّباين فتأمّل.
ثمّ إنّك قد عرفت من مطاوي ما ذكرنا المراد من قول شيخنا في الكتاب و الفرق بينه و بين المخصّص إلى آخره، و إن محلّ هذا الكلام فيما كان الخاص ظنيا بحسب الدّلالة حتّى يدخل الفرض في تعارض الظّاهرين لكي يكون تقديم الخاصّ على العامّ من باب التّرجيح بضميمة حكم العقل بعدم جواز صدور المتنافيين عن الحكيم، فلا بدّ من التّصرّف في أحد القولين و جعل الآخر قرينة له إذا كان صالحا للقرينيّة، و من هنا قد يقدّم العامّ على الخاصّ إذا كان أقوى منه فقرينيّة الخاصّ بحكم العقل بملاحظة الدّوران و التّرجيح، و هذا بخلاف الحاكم، فإن تقديمه على المحكوم ذاتي غير مستند إلى الدّوران و التّرجيح، فلا ينافي قوله بعد ذلك، ثمّ إنّ ما ذكرنا من الحكومة و الورود إلى آخره، فإن مورده و محلّه الخاصّ القطعي بحسب الدّلالة.
و بعبارة أخرى: الخاصّ الّذي يكون نصّا و إن كان ظنيا من سائر الجهات كما يفصح عنه كلماته، فلا تنافي بين الكلامين أصلا، كما أنّك عرفت من مطاويه الوجه فيما أفاده بقوله: (ثمّ إنّ ما ذكرنا من الورود و الحكومة جار في الأصول
........
الشرح
اللّفظيّة أيضا فإن حال الأصول اللّفظيّة من حيث كونها تعليقيّة و يعمل بها عند الشّك في المراد و عدم قيام القرينة على خلافها حال الأصول العمليّة، و إن فارقتها من حيث جريانها في كلام الشّارع) و قوله الّذي هو دليل على حكمه، و من هنا تكون مقدّمة عليها و إن قيل بكون مبناها على التّعبّد، كما ربما يظهر من بعضهم في باب الاستصحاب حيث عمّمه للأصول اللّفظيّة كأصالة عدم التّخصيص و التّقييد و القرينة مع ابتنائه على الأخبار و التّعبّد و إن كان ضعيفا على ما عرفته في الجزء الثّالث من التّعليقة، و من هنا قد يقال بتقديمها على الأصول العمليّة و إن قيل بها من باب الظّن كما يظهر من صاحبي المعالم و الزّبدة قدّس أسرارهما على القول بالأصول اللّفظيّة من باب التّعبّد على أحد الوجهين، و إن كان القول به مطلقا و خصوص التّعبّد العقلائي في غاية الضّعف و السّقوط، فإذا كانت حال الظّواهر حال الأصول العمليّة من الجهة المزبورة، فلا إشكال في ورود ما يقابلها عليها إذا كان قطعيا، سواء كان من مقولة اللّب كالإجماع مثلا، أو اللّفظ كالخاصّ اللّفظي القطعي صدورا وجهة و دلالة مثلا، فإن العمل به و رفع اليد عن أصالة العموم من باب وروده عليها على جميع الأقوال في مبنى اعتبار الظّواهر، فالعمل بالنّص القطعي في مقابل الظّاهر من باب الورود لا محالة، و أما إذا لم يكن قطعيا و كان نصّا بحسب الدّلالة و ظنّيّا بحسب إحدى الجهتين الآخرتين، أعني الصّدور، أو جهته، فإن كان مبنى اعتبار الظّاهر المقابل على الظّن الشّخصي على ما ذهب إليه بعض الأفاضل ممّن تأخّر حسبما عرفت في الجزء الأوّل من التّعليقة، فلا إشكال في خروجه عن موضوع التّعارض على ما أسمعناك سابقا، فإن عدم حصول الظّن الشّخصي بالمراد من الظّاهر، أو ارتفاعه و لو من جهة قيام الأمارة الغير المعتبرة على خلافه موجب لعدم حجّيّة من جهة عدم وجود مناط حجّيّته و اعتباره، و لو جعل مجرّد ارتفاعه بواسطة قيام النّص على الخلاف ورودا
........
الشرح
مسامحة لم يكن به بأس، و كذا إذا كان مبناه على الظّن النّوعي المقيّد بعدم قيام مطلق الظّن على الخلاف و لو لم يكن معتبرا، أو التّعبّد المقيّد كذلك، و إن كان مبناه على أحدهما مقيّدا بعدم قيام الدّليل المعتبر على الخلاف، و لو لم يكن قطعيا فيكون النّص واردا عليه و إن كان مبناه على الظّن النّوعي، أو الظّهور العرفي الأخصّ من الظّن النّوعي المطلق، و الأعمّ من المقيّد منه و من الظّن الشّخصي على ما عرفت في الجزء الأوّل من التّعليقة عند الكلام في حجّيّة الظّواهر، أو التّعبّد من غير تقييد بشيء لا وجودا و لا اعتبارا، لا عرفا و لا شرعا في شيء من هذه الوجوه فيكون مناط الاعتبار هو الكشف عن المراد لو خلّي و طبعه عند الشّك في إرادة الظّاهر و خلافه على القول بإناطة الاعتبار بالكشف و الظّن، سواء كان مستندا إلى الوضع من حيث غلبة إرادة المعنى الموضوع له من الألفاظ، أو إليه بملاحظة عدم قيام القرينة المعتبرة على الخلاف من حيث إنّ الثّابت كون الوضع مقتضيا للظّهور لا علّة تامّة له فيكون الوضع جزءا للسّبب، بل على القول بكون القرينة مانعة لا بدّ من دخل عدمها في العلّة التّامّة للظّهور فتدبّر.
فيكون النّص حاكما عليه في هذه الصّورة من حيث إنّ الأخذ بالظّاهر في هذا الفرض، أي مع قيام النّص على إرادة خلاف الظّاهر الصّالح للقرينيّة لا بدّ أن يستند إلى احتمال عدم الصّدور مثلا، فإذا حكم الشّارع بالصّدور و عدم الاعتناء باحتمال عدم صدوره، فلا محالة يكون دليل التّعبّد بالصّدور حاكما و شارحا لما دلّ على وجوب العمل بالظّاهر عند احتمال إرادته، و عدم قيام القرينة على خلافه فهو حاكم على الدّليل الشّرعي الدّال على حجّيّة الظّواهر و لو بعنوان إمضاء الطّريقة و بمنزلته بالنّسبة إلى بناء أهل العرف و اللّسان.
و إن شئت قلت: إنّ معنى حكم الشّارع بعدم الاعتناء باحتمال عدم صدور
فالحكم بالحرمة ليس طرحا للأصل، بل هو بنفسه غير جار و غير مقتض، لأن موضوعه مجهول الحكم و إن كان بنفسه لا يفيد العلم، بل هو محتمل الخلاف، لكن ثبت اعتباره بدليل علمي، فإن كان الأصل مما كان مؤداه بحكم العقل كأصالة البراءة العقلية و الاحتياط و التخيير العقليين فالدليل أيضا وارد عليه و رافع لموضوعه، لأن موضوع الأول عدم البيان و موضوع الثاني احتمال العقاب و مورد الثالث عدم الترجيح لأحد طرفي التخيير و كل ذلك
الشرح
النّص جعله قرينة للظّاهر، و عدم الاعتناء باحتمال عدم وجود القرينة و هو الرّجوع إلى الظّاهر في حكم الشّارع لو لا حكمه بعدم الاعتناء، فتقديم النّص على الظّاهر في الفرض ليس كتقديم الأظهر على الظّاهر عند العرف من حيث رجوعه إلى التّرجيح بقوّة الظهور مع وجود التّعارض، و إن كان لبنائهم موضوعيّة في حقّنا، بل جهته الحكومة و التّقدم الذّاتي فيخرج عن موضوع التّعارض و التّنافي على ما عرفت من عدم صدق المعارض على الشّارح للدّليل الآخر، فيكون تقديم النّص على الظّاهر كتقديم الدّليل الاجتهادي الظّني على الأصل الشّرعي المعمول به عند الشّك في الواقع و الاحتمال، و إن زعم بعض معاصرينا فيما أملاه في المسألة الفرق بينهما فجعل الأوّل من التّعارض و الثّاني خارجا عنه، بزعم اختلاف المحمول في الأصل و الدّليل، لكنّك قد عرفت ضعفه، و لعلّنا نتكلّم فيه زيادة على ما عرفت بعد ذلك إن شاء اللّه تعالى.
و ممّا ذكرنا كلّه يظهر لك الوجه في قول شيخنا قدس سره، هذا كلّه على تقدير كون أصالة الظّهور من حيث أصالة عدم القرينة، و أما إذا كان من جهة الظّن النّوعي الحاصل إلخ، فإن إثبات قرينيّة النّص إنّما هو بحكم الشّارع الرّاجع إلى إيجابه عدم الاعتناء باحتمال عدم الصّدور المسبّب عنه الشّك في قرينيّة النّص، و هذا بخلاف كون حجّيّة الظّهور النّوعي مقيّدا بحسب الاعتبار عند العرف و العقلاء بعدم وجود الظّن المعتبر على الخلاف.
مرتفع بالدليل العلمي المذكور.
و إن كان مؤداه من المجعولات الشرعية كالاستصحاب و نحوه كان ذلك الدليل حاكما على الأصل، بمعنى أنه يحكم عليه بخروج مورده عن مجرى الأصل فالدليل العلمي المذكور و إن لم يرفع موضوعه، أعني الشك، إلا أنه يرفع حكم الشك، أعني الاستصحاب.
و ضابط الحكومة أن يكون أحد الدليلين بمدلوله اللفظي متعرضا لحال الدليل الآخر و رافعا للحكم الثابت بالدليل الآخر عن بعض أفراد موضوعه فيكون مبينا لمقدار مدلوله مسوقا لبيان حاله عليه، نظير الدليل الدال على أنه لا حكم للشك في النافلة، أو مع كثرة الشك، أو مع حفظ الإمام، أو المأموم، أو بعد الفراغ من العمل، فإنه حاكم على الأدلة المتكفلة لأحكام هذه الشكوك، فلو فرض أنه لم يرد من الشارع حكم الشكوك لا عموما و لا خصوصا لم يكن مورد للأدلة النافية لحكم الشك في هذه الصور.
و الفرق بينه و بين التخصيص أن كون التخصيص بيانا للعام بحكم العقل الحاكم بعدم جواز إرادة العموم مع القرينة الصارفة، و هذا بيان بلفظه للمراد و مفسر للمراد من العام فهو تخصيص في المعنى بعبارة التفسير.
ثم الخاص إن كان قطعيا تعين طرح عموم العام و إن كان ظنيا دار الأمر بين طرحه و طرح العموم، و يصلح كل منهما لرفع اليد بمضمونه على تقدير مطابقته للواقع عن الآخر، فلا بد من الترجيح بخلاف الحاكم، فإنه يكتفى به في صرف المحكوم عن ظاهره، فلا يكتفى بالمحكوم و صرف الحاكم عن ظاهره، بل يحتاج إلى قرينة أخرى كما يتضح ذلك بملاحظة الأمثلة المذكورة.
فالثمرة بين التخصيص و الحكومة تظهر في الظاهرين حيث لا يقدم
المحكوم و لو كان الحاكم أضعف منه، لأن صرفه عن ظاهره لا يحسن بلا قرينة أخرى هي مدفوعة بالأصل، و أما الحكم بالتخصيص فيتوقف على ترجيح ظهور الخاص، و إلا أمكن رفع اليد عن ظهوره و إخراجه عن الخصوص بقرينة صاحبه، فلنرجع إلى ما نحن بصدده من ترجيح حكومة الأدلة الظنية من الأصول فنقول: قد جعل الشارع للشيء المحتمل للحل و الحرمة حكما شرعيا، أعني الحل ثم حكم بأن الأمارة الفلانية كخبر العادل الدال على حرمة العصير حجة، بمعنى أنه لا يعبأ باحتمال مخالفة مؤداه للواقع فاحتمال حلية العصير المخالف للأمارة بمنزلة العدم لا يترتب عليه حكم شرعي كأن يترتب عليه لو لا هذه الأمارة و هو ما ذكرنا من الحكم بالحلية الظاهرية، فمؤدى الأمارات بحكم الشارع كالمعلوم لا يترتب عليه الأحكام الشرعية المجعولة للمجهولات.
ثم إن ما ذكرنا من الورود و الحكومة جار في الأصول اللفظية أيضا فإن أصالة الحقيقة، أو العموم معتبرة إذا لم يكن هناك قرينة على المجاز.
فإن كان المخصص مثلا دليلا علميا كان واردا على الأصل المذكور، فالعمل بالنص القطعي في مقابل الظاهر كالعمل بالدليل العلمي في مقابل الأصل العملي، و إن كان المخصص ظنيا معتبرا كان حاكما على الأصل، لأن معنى حجية الظن جعل احتمال مخالفة مؤداه للواقع بمنزلة العدم في عدم ترتب ما كان يترتب عليه من الأثر لو لا حجية هذه الأمارة و هو وجوب العمل بالعموم، فإن الواجب عرفا و شرعا العمل بالعموم عند احتمال وجود المخصص و عدمه، فعدم العبرة باحتمال عدم التخصيص إلغاء للعمل، فثبت أن النص وارد على أصالة الحقيقة في الظاهر إذا كان قطعيا من جميع الجهات و حاكم عليه إذا كان ظنيا في الجملة كالخاص الظني السند مثلا،
و يحتمل أن يكون الظن أيضا واردا بناء على كون العمل بالظاهر عرفا و شرعا معلقا على عدم التعبد بالتخصيص، فحالها حال الأصول العقلية فتأمل.
هذا كله على تقدير كون أصالة الظهور من حيث أصالة عدم القرينة.
و أمّا إذا كان من جهة الظن النوعي الحاصل بإرادة الحقيقة الحاصل من الغلبة، أو من غيرها، فالظاهر أن النص وارد عليها مطلقا و إن كان النص ظنيا، لأن الظاهر أن دليل حجية الظن الحاصل بإرادة الحقيقة الذي هو مستند أصالة الظهور مقيد بصورة عدم وجود ظن معتبر على خلافه.
فإذا وجد ارتفع موضوع ذلك الدليل نظير ارتفاع موضوع الأصل بالدليل.
و يكشف عما ذكرنا أنا لم نجد و لا نجد من أنفسنا موردا يقدم فيه العام من حيث هو على الخاص و إن فرض كونه أضعف الظنون المعتبرة، فلو كان حجية ظهور العام غير معلق على عدم الظن المعتبر على خلافه لوجد مورد نفرض فيه أضعفية مرتبة الظن الخاص من الظن العام حتى يقدم عليه، أو مكافأته له حتى يتوقف، مع أنا لم نسمع موردا يتوقف في مقابلة العام من حيث هو و الخاص فضلا عن أن يرجح عليه.. نعم لو فرض الخاص ظاهرا أيضا خرج عن النص و صارا من باب تعارض الظاهرين و ربما يقدم العام.
و هذا نظير ظن الاستصحاب على القول به، فإنه لم يسمع مورد يقدم الاستصحاب على الأمارة المعتبرة المخالفة له فيكشف عن أن إفادته للظن، أو اعتبار ظنه النوعي مقيد بعدم قيام ظن آخر على خلافه فافهم.
ثم إن التعارض على ما عرفت من تعريفه لا يكون في الأدلة القطعية، لأن حجيتها إنما هي من حيث صفة القطع و القطع بالمتنافيين، أو بأحدهما مع الظن بالآخر غير ممكن.
و منه يعلم عدم وقوع التعارض بين الدليلين يكون حجيتهما باعتبار صفة
الظن الفعلي، لأن اجتماع الظنين بالمتنافيين محال، فإذا تعارض سببان للظن الفعلي، فإن بقي الظن في أحدهما فهو المعتبر، و إلا تساقطا، و قولهم إن التعارض لا يكون إلا في الظنين يريدون به الدليلين المعتبرين من حيث إفادة نوعهما الظن.
و إنّما أطلقوا القول في ذلك، لأن أغلب الأمارات، بل جميعها عند جل العلماء، بل ما عدا جمع ممن قارب عصرنا معتبرة من هذه الحيثية لا لإفادة الظن الفعلي بحيث يناط الاعتبار به.
و مثل هذا في القطعيات غير موجود، إذ ليس هنا ما يكون اعتباره من باب إفادة نوعه للقطع.
لأن هذا يحتاج إلى جعل الشارع فيدخل حينئذ في الأدلة الغير القطعية، لأن الاعتبار في الأدلة القطعية من حيث صفة القطع فهي في المقام منتفية فيدخل في الأدلة الغير القطعية لا أن المراد من الدليل هو ما يكون اعتباره بجعل الشارع، و إذا عرفت ما ذكرنا فاعلم أن الكلام في أحكام التعارض يقع في مقامين، لأن المتعارضين إما أن يكون لأحدهما مرجح على الآخر، و أما أن لا يكون، بل يكونان متعادلين متكافئين.
و قبل الشروع في بيان حكمهما لا بد من الكلام في القضية المشهورة (1)
الشرح
(1) الكلام في المقام يقع في موضعين: أحدهما: في المراد من القاعدة و شرح الألفاظ الواقعة فيها.
ثانيهما: في مدركها فنقول المراد من الجمع حسبما يفصح عنه كلماتهم الأخذ بجميع جهات المتعارضين و إن أوجب التّصرّف في الدّلالة، و إلا لم يكونا متعارضين، فإن مرجع الجمع حقيقة إلى تحكيم دليل الجهتين و ترجيحه على دليل اعتبار الظّاهر فطرح الظّاهر بقرينة الأظهر داخل في الجمع، و منه يظهر عدم جريان
........
الشرح
القاعدة في الآيتين المتعارضتين و لا في السّنتين النّبويّين و لا في الخبرين القطعيّين من حيث الصّدور و الجهة، إذ لا دوران بين الأمرين في هذه الموارد، فيتعيّن الحكم بإرادة خلاف الظّاهر منهما، أو من أحدهما على التّعيين إذا كان هناك معيّن من الدّاخل، أو الخارج، أو لا على التّعيين إذا لم يكن فيحكم إجمالا بإرادة ما يجامع الواقع من المتعارضين و إن لم نعلمه بعينه، و منه يعلم تطرّق المناقشة إلى ما ذكره بعض أفاضل من عاصرناه من جريان القاعدة في الكتاب و السّنة حيث قال في طيّ الأمور الّتي ذكرها في المقام الثّالث: أنّ الجمع كما يأتي في أخبار الآحاد الظّنية، كذلك يأتي في قطعي الصّدور، بل في آيات الكتاب أيضا من غير فرق و في الموضعين يحتاج إلى الدّليل، لأن الأصل في المتعارضين التّساقط انتهى كلامه و هو كما ترى، اللّهمّ إلا أن يكون مراده جريان نفس الجمع لا القاعدة المختصّة بالأخبار الظّنية فتدبّر.
كما أنّه يظهر منه عدم جريانها في النّصين ضرورة عدم إمكان التّصرف فيهما من حيث الظّهور و التّأويل، و إن أمكن الجمع بمعنى آخر و هو التّبعيض من حيث العمل بأدلّة الصّدور مثلا، كما يراد من الجمع بين البيّنتين في الموضوعات و الطّراح في العامّين من وجه في أدلّة الأحكام ترجيحا، أو تخييرا، فإن لازم الأخذ بهما في مادّتي الافتراق مع الطّرح الصّدوري هو التّبعيض في الحكم بالصّدور و في العمل بدليل حجيّتهما صدورا، فيكون كالجمع بين البيّنتين كما ستقف على شرح القول فيه، و قد وقع التّصريح بما ذكرنا في المراد من الجمع مع كمال ظهوره في الكتاب و في كلام غير واحد، فلا تغرّنك ما تراه في كلام بعض هذا بعض الكلام في الجمع، و أما الإمكان فكلماتهم غير نقيّة عن التّشويش و الاختلاف في المراد منه، و قد صرّح شيخنا الأستاذ العلاّمة قدس سره في الكتاب بأنّ المراد منه الإمكان العرفي في مقابل الامتناع عندهم، حيث إنّ الحكم بإرادة خلاف الظّاهر من اللّفظ من دون قرينة و شاهد ممتنع عند العرف و العقلاء و أهل اللّسان، و إلا لم
........
الشرح
يكن الظّهور معتبرا عندهم و هو خلف و وافقه في ذلك غير واحد، بل استظهره من كلام صاحب الغوالي المدّعي للإجماع على تقديم الجمع على الطّرح، إذ لو لا إرادة هذا المعنى لم يبق مورد للعمل بالمرفوعة، مع أنه صرّح بوجوب الرّجوع إليها فيما لم يمكن الجمع بين الخبرين المتعارضين، إذ على تقدير إرادة الإمكان العقلي و حمل المتعارضين، أو أحدهما على معنى لا شاهد له أصلا بمجرّد إمكان إرادته و احتماله بضرب من التّأويل لم يبق مورد للعمل بالحديث، و حاصل هذا المعنى كما ترى بعد خروج فرض وجود الشّاهد من الخارج على إرادة خلاف الظّاهر من المتعارضين عن محلّ الكلام، و خروج النّص و الظّاهر عن عنوان المتعارضين على ما عرفت و ستعرف يرجع إلى بيان لزوم تقديم التّرجيح من حيث الدّلالة و قوّة الظّهور على سائر وجوه التّراجيح، كتقديمه و تقديمها على التّخيير اتّفاقا في قبال من أوهم كلامه تقديمها عليه كالشّيخ قدس سره في بعض كلماته على ما ستقف عليه. و لو جعل تقابل النّص و الظّاهر من التّعارض مسامحة أمكن التّعميم له، فتكون القاعدة مسوّقة لبيان تأخّر مرتبة سائر وجوه التّراجيح عمّا كان في المتعارضين من الشّاهد على التّصرّف، سواء كان بالنّصوصيّة، أو قوّة الظّهور و الدّلالة.
هذا و الظّاهر من غير واحد هو الإمكان العقلي تحكيما لدليل الصّدور مثلا على دليل اعتبار الظّهور، فيحكم لأجله بإرادة ما لا يساعده ظاهر المتعارضين منهما، أو من أحدهما، فيحكم بإرادة عذرة غير المأكول ممّا دلّ على كون ثمن العذرة سحتا، و بإرادة خرء المأكول و بوله ممّا نفى البأس عن خرء الطّير و بوله جمعا، و هكذا إذا لم نقل بتيقّن إرادة غير المأكول من الحديث الأوّل و المأكول من الثّاني فيكون كلّ منهما نصّا من جهة و ظاهرا من أخرى، فيدفع ظاهر كلّ منهما بنصّ الآخر، أو قلنا بذلك مع الالتزام بعدم تأثير متيقّن الإرادة في النّصوصيّة بحسب اللّفظ كما ستقف على شرح القول فيه، و مثله ما إذا ورد في العرف من
........
الشرح
المولى الأمر بإكرام العلماء و النّهي عن إكرامهم، فيحمل الأوّل على إرادة العدول و الثّاني على إرادة الفسّاق منهم جمعا، و بهذا سلك جماعة في الفقه منهم ثاني الشّهيدين في مواضع من كتبه و المتصوّر المعقول من هذا الوجه ما إذا أمكن حمل المتعارضين، أو أحدهما على خلاف الظّاهر بضرب من التّأويل و التّصرّف من غير قرينة من الدّاخل و الخارج كما عرفته في المثالين، و أما مجرّد الحكم بإرادة خلاف الظّاهر على سبيل الإجمال و إن لم يحكم بتعيينه أصلا، كما يسلك فيما كان ظاهره من الآيات و السّنة خلاف الدّليل القطعي من العقل و الإجماع حتّى يصير نتيجة الجمع هي مجرّد الحكم بإجمالهما و الرّجوع إلى الأصول العمليّة، فالظّاهر أنّه ليس مرادا من القاعدة اتفاقا، لأنه يوجب سدّ باب التّرجيح و التّخيير و الهرج و المرج و فقها جديدا قطعا، و إن أوهمه بعض كلمات شيخنا في الكتاب على ما ستقف عليه.
ثمّ إنّ الجمع الّذي ارتكبه الشّيخ قدس سره في الأخبار المتعارضة في كتابيه يمكن أن يكون مبناه على هذا المعنى الثّاني على أضعف الاحتمالين و إن يكون مبنيّا على مجرّد رفع التّعارض و الاختلاف الواقعي بين الأخبار المتعارضة مع كثرتها من غير أن يكون العمل عليه، صونا لحفظ إيمان العامة و عدم خروجهم عن هذا الدّين من جهة مشاهدة كثرة الاختلاف بين الأخبار كما ذكره في أوّل كتابه، و من هنا سمّي بالجمع التّبرعي في كلماتهم.
ثمّ إنّ المتّبع الدّليل الّذي أقيم على الجمع، فلا فائدة في إتعاب النّظر في تحقيق المراد بعد ظهور الاختلاف فنتكلّم في المقام الثّاني في كلّ من المعنيين، فإذا لم يساعد الدّليل على المعنى الثّاني، فلا نقول به و إن كان مرادا من القاعدة هذا، و أما الأولويّة، فالمراد بها كما صرّح به غير واحد هو التّعيين كما هو شايع من استعمالها كما في آية أولي الأرحام و لم يخالف فيه أحد ظاهرا، فإن بعض الأخباريّين و إن ذهب إلى رجحان التّرجيح و كونه أفضل و الأولى دفعا للتّعارض
........
الشرح
بين الأخبار العلاجيّة على ما ستقف عليه، إلا أن من أوجبه قدّم الجمع عليه و هو الّذي يقتضيه دليله أيضا، و أما الطّرح، فلا إشكال في كون المراد منه الأعمّ من القسمين، أي الطّرح معيّنا للتّرجيح و لا على التّعيين للتّخيير كما هو صريح كلام ابن أبي جمهور و غيره و هو الّذي يقتضيه دليله أيضا، و إن كان في كلام الشّيخ و المحقّق القمّي قدس أسرارهما في باب حمل العامّ على الخاصّ ما يتوهّم منه خلافه كما ستقف عليه هذا بعض الكلام في المراد من القاعدة.
و أمّا الكلام في مدركها فحاصله: أنّه استدلّ لها بوجوه: الأوّل: الإجماع ادّعاه ابن أبي جمهور في غواليه و يظهر من غيره أيضا.
الثّاني: أنّ دلالة اللّفظ على تمام معناه أصليّة و على جزئه تبعيّة و إهمال الثّاني اللاّزم على تقدير الجمع أولى من إهمال الأوّل اللاّزم على تقدير الطّرح ذكره العلاّمة قدس سره في محكيّ النّهاية.
الثّالث: أنّ الأصل في الدّليلين الإعمال فيجب الجمع مهما أمكن لاستحالة التّرجيح من غير مرجّح ذكره ثاني الشّهيدين قدس أسرارهما و غيره في الاستدلال على القاعدة.
و أنت خبير بما في هذه الوجوه من وجوه المناقشة، بل الفساد:
أمّا الأوّل: فلأنه إن أريد من الجمع في كلام مدّعي الإجماع الجمع في الجملة على سبيل القضيّة المهملة، أعني بعض أفراده.
و بعبارة أخرى: المعنى الأوّل من الجمع الّذي يساعد عليه العرف و أهل اللّسان عند عرض المتعارضين عليهم، ففيه: أنّ الإجماع عليه بحسب الظّاهر و إن كان مسلّما بعد البناء على عدم قدح مخالفة ما يتراءى من الشّيخ و المحقّق القمّي قدس أسرارهما فيه، إلا أنه لا يجدي في دعوى الكليّة، كما ربما يستظهر من كلام المدّعي و إن أريد منه الكليّة، أي المعنى الثّاني الّذي عرفته فتطرّق المنع إليه واضح جلي و إن كان ظاهر جماعة في الفقه عند الاستدلال بالقاعدة، بل ذكر
........
الشرح
شيخنا قدس سره أنّه لو ادّعي الإجماع على فساد هذا المعنى، كما عن الفريد البهبهاني قدس سره فيما أملاه في القاعدة كان أولى بالتّصديق.
و أمّا الثّاني: فلأنه يتوجّه عليه: أوّلا: أنّ هذا الدّليل على فرض تماميّة أخصّ من المدعى، إذ ليس الكلام في الجمع في خصوص ما يتوقّف الجمع فيه على التّصرف في المتعارضين كما هو ظاهر، و إثبات المدّعى بضميمة الإجماع المركّب خروج عن الاستدلال بنفس الدّليل المذكور، اللّهمّ إلا أن يقال إنّ الغرض دوران الأمر بين طرح الدّليلين من غير نظر إلى تعدّده و وحدته، أو يقال إنّ الغرض من هذا الدّليل هو إثبات المدّعى في بعض صور المسألة في قبال السّلب الكلّي كما ذكره بعض أفاضل من تأخّر.
و ثانيا: نمنع من لزوم طرح الدّلالة الأصليّة، بل مطلق الدّلالة على تقدير الطّرح، بل اللاّزم هو طرح السّند ليس إلاّ على تقديره كما ستقف على شرح القول فيه عن قريب.
و ثالثا: أنّ دلالة العام على أفراده ليست بالتّضمّن على ما يقتضيه التّحقيق عند المحقّقين، لأن العموم الموضوع له أمر بسيط وحداني لا تركيب و لا تجزية فيه أصلا، و لا ينافيه ظهور العام في إرادة الباقي بعد ورود التّخصيص عليه إن لم يكن دليلا عليه فتأمّل. و التّفصيل يطلب من مسألة العموم و الخصوص.
و رابعا: بعد الإغماض عمّا ذكر يلزم على تقدير الجمع أيضا طرح الدّلالة الأصليّة و الأخذ بالتبعيّة و إليه يرجع ما عن العلاّمة قدس سره في النّهاية في الاعتراض على الدّليل المذكور ب «أنّ العمل بكلّ منهما من وجه عمل بالدّلالة التّابعة من الدّليلين و العمل بأحدهما دون الآخر عمل بالدّلالة الأصليّة، و التّابعة في أحد الدّليلين و إبطالهما في الآخر، و لا شكّ في أولويّة العمل بأصل و تابع من العمل بتابعين و إبطال الأصلين» انتهى كلامه رفع مقامه، و هو كما ترى لا بدّ أن
........
الشرح
يكون مبنيّا على الإغماض و المماشاة، و إلا فقد عرفت أنّه على الطّرح لا يلزم إبطال الدّلالة أصلا.
هذا و قد ناقش فيما أفاد قدس سره السيّد عميد الدّين في محكيّ شرح التّهذيب: ب «أنّ العمل بأصل و تابع إنّما يكون راجحا بالنّسبة إلى العمل بتابعين إذا كانا من دليلين لا ما إذا كانا من دليل واحد و كان التّابعان من دليلين، لأن فيه تعطيلا للّفظ و إلغاء له بالكلّية، و من المعلوم أن التّأويل أولى من التّعطيل» انتهى كلامه.
و أنت خبير بما فيه، فإنه في مقام الاعتراض على الدّليل المذكور و لا يتوجّه عليه ما أورده عليه، و إن كان التّحقيق عندنا حسبما ستقف عليه عدم أولويّة لأحدهما على الآخر بالنّظر إلى دليل حجيّة الصّدور و الظّهور، و يظهر ما في كلام السيّد ممّا سنذكره إن شاء اللّه تعالى.
و خامسا: أنّ هذا الوجه مجرّد استحسان لا يجوز الاعتماد عليه و المعتمد هو الدّليل القاضي بترجيح أحدهما على الآخر من الخارج فتدبّر.
و أما الثّالث: فلأنه غير محصّل المراد بظاهره كما صرّح به المحقّق القمّي و غيره، فإن في الطّرح ليس ترجيحا من غير مرجّح أصلا، فإن طرح أحدهما معيّنا لمكان رجحانه ليس فيه ترجيحا من غير مرجّح ضرورة كونه من جهة المرجّح بالفرض، و لا على التّعيين الّذي هو مرجع التّخيير لا ترجيح فيه أصلا حتّى يتكلّم أنّه مع المرجّح، أو لا معه، و أما اختيار أحدهما بحسب الدّواعي الّذي ليس من مقولة الحكم أصلا، فلا ينفكّ عن المرجّح النّفساني فأين التّرجيح بلا مرجّح؟
قال: في القوانين بعد نقل الوجه المذكور عن التّمهيد ما هذا لفظه: «و لم أتحقّق معنى قوله لاستحالة التّرجيح من غير مرجّح، إذ المفروض عدم ملاحظة المرجّح، و إلا فقد يوجد المرجّح لأحدهما» انتهى كلامه رفع مقامه.
........
الشرح
و وجّهه في القوانين بعد الاعتراض الّذي عرفته بما هذا لفظه و توجيهه أن يقال:
إنّه مراده إذا أمكن العمل بكلّ منهما و لو كان بإرجاع التّوجيه إلى كليهما فمع ذلك لو عمل بأحدهما و ترك الآخر فيلزم التّرجيح من غير مرجّح، إذ المفروض أنّ موضوع الحكمين مغاير في الدّليلين، فلا معنى لملاحظة التّرجيح بينهما، لأن كلّ واحد من الدّليلين حينئذ دليل على حكم شيء آخر، فضعف أحدهما بالنّسبة إلى الآخر لا يصير منشأ لترك مدلوله إلى آخر ما ذكره قدس سره.
و حاصله كما ترى: أنّه بعد الجمع و التّأويل يكون الموضوع في كلّ منهما مغايرا لموضوع الآخر، فإن عمل بأحدهما دون صاحبه حينئذ لزم التّرجيح بلا مرجّح، هذا و فيه ما لا يخفى، إذ مجرّد إمكان التّأويل لا يوجب اختلاف الموضوعين، و إنّما الموجب له فعليّة التّأويل و الكلام فيها فهو كما ترى أيضا غير محصّل المراد، كما صرّح به غير واحد و وجّهه بعض من قارب عصرنا بعد الاعتراض عليه أيضا بما هذا لفظه: «أقول و يمكن توجيهه إمّا بجعله تعليلا لكون الأصل في كلّ منهما الإعمال، أو للجمع بما أمكن من غير اختصاص ببعض وجوه الجمع، أو لما يفهم من كلامه من وجوب الجمع لا مجرّد الجواز، أو الأولويّة» انتهى كلامه رفع مقامه.
و أنت خبير بما في الأخير، و أما الأوّلان، فلا بأس بهما في مقام التّوجيه و إن كان الأوّل أظهر، و المراد منه أنّ بعد تساوي المتعارضين فيما هو المعتبر في حجيّتهما الذّاتيّة ككونهما خبر واحد عدل مثلا، فلا بدّ من الالتزام بشمول الدّليل لهما من غير فرق، إذ لو قيل بشمول الدّليل لأحدهما دون الآخر بعد فرض تساويهما بالنّظر إليه لزم التّرجيح من غير مرجّح، و المراد من الأصل في كلامه القاعدة، أو الظّاهر المستفاد من دليل اعتبار المتعارضين، و حاصله جعل نسبة دليل الاعتبار بالنّسبة إلى المتعارضين كنسبته بالنّسبة إلى الأفراد الغير المتعارضة من
........
الشرح
حيث الحكم بالشّمول الذّاتي و الشّأني.
فإن شئت قلت على تقدير الطّرح: إمّا أن نقول بعدم شمول دليل الاعتبار للمطروح مع كونه مساويا للمأخوذ في شرائط العمل و الحجيّة، و أما أن نقول بوجود المقتضي للعمل فيهما، إلا أن التّعارض مانع له فيجب رفع اليد عن العمل بأحدهما لعدم إمكان العمل بهما، و الأوّل ترجيح بلا مرجّح، و الثّاني لا يصلح مانعا بعد إمكان التّأويل، و العمل بهما في الجملة و لو بالحمل على إرادة خلاف الظّاهر، و لعلّه راجع إلى تحكيم دليل الصّدور على دليل الظّاهر على ما أسمعناك سابقا إجمالا، و سنتكلّم فيه تفصيلا.
و قال في المناهج: «قوله لاستحالة التّرجيح من غير مرجّح يريد به أنّا إن عملنا بأحد المتعارضين و طرحنا الآخر مع إمكان الجمع لزم التّرجيح من غير مرجّح، إذ ليس طرح أحدهما و العمل بالآخر أولى من العكس لا يقال قد يتحقّق لأحدهما مرجّح من حيث المتن، أو الخارجيّة، فكيف يصحّ نفيهما، لأنّا نقول لا يصلح تلك المرجّحات للتّرجيح مع إمكان الجمع بحمل الظّاهر على الصّريح، مثلا إذا تعارض العامّ و الخاصّ و كان الأوّل أقوى سندا فقوّة سنده لا تصلح مرجحا لتقديمه على الخاصّ لضعف دلالة الأوّل و قوّة دلالة الثّاني، فتقديمه عليه ترجيح من غير مرجّح، و لا يذهب عليك أنّ هذا التّعليل قاصر عن إفادة المقصود، لأنه إنّما يقضي ببطلان تعيين أحدهما للحجيّة و هو غير متعيّن على تقدير ترك الجميع لإمكان ترجيحهما معا، أو البناء على التّخيير» انتهى كلامه. و هو كما ترى مبنيّ على حمل كلام المستدلّ على صورة وجود الشّاهد الدّاخلي للجمع، سواء كان بنصوصيّة أحدهما، أو قوّة في دلالته، فيخرج عن مسألة التّعارض في بعض الصّور، بل جميعها في وجه ستقف عليه فيتوجّه عليه السّؤال الّذي أشار إليه بقوله: (لا يقال) و ما نبّه عليه بقوله: (و لا يذهب عليك)، فالأولى في توجيه هذا الوجه التّشبّث
........
الشرح
بالوجه الأوّل المذكور في كلام بعض أفاضل مقاربي عصرنا، ثمّ إنّ المذكور في كلام بعض فضلاء العصر كون الأصل في المسألة عدم الجمع و بطلانه فيلزم على مدّعيه إقامة الدّليل عليه، سواء على القول بالطّريقيّة في المتعارضين، أو السّببيّة، فإن لازم الأوّل تساقطهما، فلا يجوز الأخذ بواحد منهما فضلا عن الأخذ بكليهما و لازم الثّاني بحكم العقل التّخيير، فلا معنى للأخذ بهما، و لكنّك خبير بما فيه، فإن للقائل بالجمع أن يقول بأنّ مورد التّساقط و التّخيير فيما لا يمكن العمل بالدّليلين بحسب أدلّة الصّدور، و إلا فلا تعارض في الحقيقة، فالمانع من الجمع حقيقة هو دليلي التّعبّد بالظّهور كما ستقف عليه.
إذا عرفت ذلك فنقول تحقيقا للمقام و توضيحا للمرام: أنّ صور التّعارض لا يخلو من أربعة، لأنه إمّا أن يكون لأحدهما قوّة بحسب الدّلالة، أو لا، و على الثّاني أمّا أن يحصل الجمع بالتّصرّف في أحدهما محمولا، أو موضوعا، أو يتوقّف على التّصرف فيهما كذلك، و على الأوّل، أي حصول الجمع بالتّصرف في أحدهما، إما أن يكون النّسبة بينهما العموم من وجه، أو غيره من العموم و الخصوص، أو التّباين، فالصّور أربعة و الكلام في حكم الصّور قد يقع فيما يقتضيه القاعدة بملاحظة دليلي اعتبار الصّدور و الظّهور و إن مقتضاهما تقديم الجمع على الطّرح، أو العكس، أو لا اقتضاء لهما أصلا، فلا أولويّة لأحدهما على الآخر، و قد يقع فيما يقتضيه الدّليل الخارجي، و الكلام من الجهة الأولى، أي فيما يقتضيه القاعدة إنّما هو في غير الصّورة الأولى، و أما هي فلا إشكال في أنّ مقتضاها تقديم الجمع على الطّرح كما ستقف عليه، و تفصيل القول من الجهة الأولى أنّك قد عرفت أنّ ظاهر غير واحد كون مقتضى القاعدة تقديم الجمع على الطّرح و أولويّته بالنّسبة إليه مطلقا، و قد يقال إنّ مقتضاها العكس مطلقا، و قد يقال إنّ مقتضاها التّسوية بينهما و عدم أولويّة لأحدهما على الآخر مطلقا، و قد يقال إنّ مقتضاها التّفصيل و تقديم
........
الشرح
الطّرح فيما يتوقّف الجمع على التّصرّف في المتعارضين دون ما لا يتوقّف على التّصرف فيهما، و قد يقال بالتّفصيل فيما يحصل الجمع بالتّصرف في أحدهما بين ما كانت النّسبة بينهما العموم من وجه و غيرها فيقال بتقديم الجمع على الطّرح في الأوّل دون الثّاني، و قد يقال بالعكس.
و الّذي يقتضيه التّحقيق عدم أولويّة لأحدهما على الآخر بالنّظر إلى القاعدة مطلقا نظرا إلى عدم تحكيم و تقديم ذاتي لما دلّ على البناء على صدور المتعارضين على ما دلّ على البناء على اعتبار ظهورهما فيما لم يجعل العرف أحدهما صارفا و قرينة على رفع اليد عن ظاهر الآخر، كما هو المفروض، كما أنّه لا تحكيم للعكس أيضا، لأن الشّك في شيء منهما ليس مسبّبا عن الشّك في الآخر، غاية ما هناك حصول العلم الإجمالي بملاحظة عدم صدور المتنافيين واقعا عن الشّارع بحكم العقل لبيان الحكم الواقعي و باختلال جهة من الجهات المعتبرة في المتعارضين من الصّدور، أو جهته، أو دلالته، فلا يمكن جعل دليل اعتبار بعض الجهات الثّلث حاكما على غيره و بمنزلة الدّليل بالنّسبة إليه، فكما لا يمكن أن يجعل دليل اعتبار ظاهر قوله مثلا أكرم العلماء حاكما على دليل صدور قوله لا تكرم العلماء مثلا فيحكم لأجله برفع اليد عمّا دلّ على التّعبد بصدوره و البناء عليه، كذلك لا يمكن جعل دليل التّعبّد بصدوره حاكما على ما دلّ على اعتبار ظاهر قوله أكرم العلماء و قرينة صارفة عن ظهوره بإرادة بعضهم، و كذا جعل دليل اعتبار صدوره حاكما على دليل ظاهر قوله لا تكرم بإرادة البعض الآخر بحيث يرفع التّعارض بينهما، و كذا فيما يحصل الجمع برفع اليد عن ظاهر أحدهما، كما إذا ورد اغسل للجمعة و ينبغي غسل الجمعة، فإنه يحصل الجمع برفع اليد عن ظاهر أحد المحمولين، لا يقال إنّ المعتبر ظاهر ما فرغ صدوره عن الحجّة نبيّا كان، أو وصيّا فاعتبار الظّهور متفرّع على الصّدور، فلا يكون في مرتبته حتّى يزاحمه و يعارضه، لأنّا
........
الشرح
نقول ما ذكر و إن كان مسلّما، إلا أن التقدّم و التّأخّر بحسب المرتبة إنّما يلاحظان بالنّسبة إلى كلّ قول و حديث صدورا و دلالة لا بالنّسبة إلى حديثين، فاعتبار ظاهر قوله أكرم العلماء متفرّع على صدوره، فلا يمكن المزاحمة بينهما لا على صدور قوله لا تكرم العلماء لعدم الارتباط بينهما أصلا، بل لا يمكن تفرّع صدور حديث على صدور الحديث الآخر كما هو ظاهر.
و من هنا لو كان هناك حديث ظاهره خلاف الإجماع، أو العقل يؤخذ بدليل التّعبّد بصدوره و يرفع اليد عن ظاهره و لا يزاحم بدليل اعتبار ظاهره فيحكم بعدم صدوره و المفروض ليس من هذا، فإن المزاحمة فيه إنّما يلاحظ بين الظّاهر من أحد المتعارضين و الصّدور من الآخر، فأين الأصليّة و الفرعيّة؟، و منه يظهر فساد قياس المقام و استنباط حكمه من حديث ظاهره خلاف الإجماع، حيث إنّ المسلّم عندهم على ما عرفت الحكم بصدوره و التّصرف في ظاهره، لا يقال إنّ الأصل اللّفظي و إن كان معتبرا من باب الظّن، إلا أنه تعليقيّ يعمل به عند الشّك في وجود القرينة و دليل اعتبار الصّدور تنجيزيّ فيكون حالهما حال الأصل العملي و الدّليل الاجتهادي، فيكون دليل التّعبّد بالصّدور حاكما على دليل اعتبار الظّهور من حيث إنّ مفاده جعله قرينة للظّاهر، بل يمكن تنظير المقام و قياسه بالأصل و الدّليل على القول بكون الأصل من باب الظّن أيضا، فإن المعهود تقديم الدّليل الاجتهادي على الأصل على هذا القول أيضا، فإن الاستصحاب مثلا على القول بكونه من باب الظّن أيضا لا يعارض غيره من الأدلّة الاجتهاديّة التنجيزيّة و إن كان على هذا القول دليلا اجتهاديّا أيضا، و ليس ذلك إلاّ من جهة كونه تعليقيّا بالنّسبة إلى غيره من الأدلّة، لأنّا نقول كون الأصل اللّفظي تعليقيّا مسلّم، إلا أن الكلام في كون دليل الصّدور تنجيزيّا بالنّسبة إليه في الفرض مع ما عرفت من عدم كون الشّك فيه مسبّبا عنه، إذ كما يجعل دليل الصّدور المشكوك بمنزلة الصّادر، كذلك يجعل
........
الشرح
دليل اعتبار ظاهر الظّهور بمنزلة النّص.
و من المعلوم عدم جواز تصديق الخبر الظّني في مقابل النّص، لكون دليل الظّاهر المفروغ عن صدوره مانعا عن تصديق صدور الآخر، فلو استند مع صلاحيّته إلى دليل الصّدور لزم الدّور كما هو ظاهر، هذا مع أن دليل الصّدور قد يستند إلى الأصل اللّفظي كعموم آية النّبإ مثلا لا يقال ما دلّ على التّعبد بالصّدور يجعل مشكوك الصّدور في حكم معلوم الصّدور و بمنزلته، و كما يجعل المعلوم صدوره دليلا على رفع اليد عن ظاهر غيره فيما وقع التّعارض بينهما، فكذلك يجعل ما في حكمه دليلا عليه فيثبت ما ذكرنا من الأصليّة و الفرعيّة، لأنّا نقول ما ذكر توهّم فاسد و تمحّل بارد، لأن دليل التّعبّد بالصّدور يجعل المشكوك بمنزلة الصّادر الواقعي فيما يترتّب عليه من الأحكام الشّرعيّة، لا بمنزلة المعلوم من حيث هذا العنوان و عدم المزاحمة فيما ذكر، إنّما هو من جهة عدم صلاحيّة المشكوك للمزاحمة مع المعلوم إذا لوحظ بهذا العنوان بحكم العقل هذا.
فإن شئت قلت: إنّ تنزيل المشكوك بمنزلة المعلوم فيما يترتّب عقلا على العلم لا معنى له، فإذا فرض المتعارضان معلومي الصّدور، أو أحدهما معلوم الصّدور على وجه و انحصر التّصرف في الدّلالة كآيتين مثلا كان التّصرف في الدّلالة بحكم العقل لا بحكم الشّرع، و هذا بخلاف المقام، فإن دليل التّعبّد بصدور المشكوك و إن كان مقتضاه بعد ملاحظة عدم اجتماعه مع إرادة الظّاهر من الآخر رفع اليد عن ظهوره، إلا أن دليل التّعبّد بظاهر الآخر المفروغ عن صدوره يقتضي أيضا كونه مرادا للشارع المنافي لصدور الآخر فيلزمه رفع اليد عن صدوره و هما في مرتبة واحدة، لأن هذا اللّزوم و الاقتضاء من الطّرفين مستند إلى العلم بعدم صدور المتنافيين من الشّارع فيحكم لأجله بعد ملاحظة دليل التّعبّد بالصّدور و الدّلالة في المتعارضين برفع اليد عن أحدهما على ما عرفت سابقا، فالأمر دائر
........
الشرح
بين التّصرّف في أحد الدّليلين و رفع اليد عن مقتضاه من غير فرق بينهما أصلا، هذا مع إمكان دفع التّوهم المذكور بالمعارضة بأن يقال إنّ دليل التّعبّد بالظّاهر يجعل كلاّ من الظّاهرين بمنزلة النّص.، و من المعلوم رفع اليد عن الصّدور فيما تعارض النصّان بحسب الدّلالة، اللّهمّ إلا أن يدفع المعارضة بأن التّنزيل المذكور يرجع نتيجته عند التأمّل برفع اليد عن الصدور بالدّلالة مع عدم إمكان المزاحمة بينهما، اللّهم إلا أن يجعل المزاحمة بالنّسبة إلى ما هو محلّ الكلام من الأمرين لا مطلقا، فلا يلزم المحذور المذكور فتدبّر.
فإن قلت: لو لم يكن لدليل التّعبّد بالصّدور حكومة على دليل التّعبّد بالظّهور لزم الحكم بإجراء حكم التّعارض فيما كان أحدهما نصّا، أو أظهر بالنّسبة إلى الآخر من الرّجوع إلى المرجّحات، أو التّخيير، مع أن المسلّم عندهم على ما عرفت و ستعرف الحكم بصدوره و جعله قرينة للظّاهر تحكيما لدليل الصّدور.
قلت: قياس الظّاهرين بمورد النّقض قياس مع الفارق، حيث إنّ الشّك في المقيس عليه في الظّاهر مسبّب عن الشّك في صدور الآخر من حيث صلاحيّته للقرينيّة و الصّارفيّة في نفسه فيكون التأمّل في جعله صارفا من جهة احتمال عدم صدوره، فحكم الشّارع بعدم الاعتناء بهذا الاحتمال في معنى حكمه بجعله صارفا للظّاهر، و لا معنى له غيره على ما أسمعناك سابقا، و هذا بخلاف المقام، فإن رفع اليد عن الظّاهر لا بدّ و إن يكون بانضمام مقدّمة متساوية النّسبة بكلّ من دليلي اعتبار الصّدور و الظّهور، فكيف يجعل أحدهما مقدّما على الآخر ذاتا.
فإن قلت: لازم ما ذكر كون الطّرح أولى من الجمع بالنّظر إلى القاعدة فيما يتوقّف الجمع على التّصرف فيهما، حيث إنّ اللاّزم من الطّرح مجرّد مخالفة دليل التّعبّد بالصّدور في المطروح و ليس فيه مخالفة دليل التعبّد بظاهره من جهة عدم كون المطروح كلام المعصوم حتّى يجب الأخذ بظاهره بناء على ما أسمعناك من
........
الشرح
كون موضوع دليل اعتبار الظّاهر الكلام المفروغ صدوره عن الحجّة، و هذا بخلاف الجمع، فإن المفروض فيه الحكم بصدور المتعارضين فيصير ظاهرهما موضوعا لدليل التّعبّد به فيلزم مخالفته بالنّسبة إلى كلا الظّاهرين و نتيجته مخالفة الأصلين.
نعم فيما يحصل الجمع بالتّصرف في ظاهر أحدهما يكونان، أي الجمع و الطّرح في مرتبة قاعدة.
قلت: ما ذكر من أولويّة الطّرح في الصّورة المذكورة نظرا إلى ما ذكر في وجهه توهّم، حيث إنّ الجمع في الفرض و إن توقّف على رفع اليد عن ظاهر كلا المتعارضين، إلا أن ظاهر غير المفروغ عن الأخذ بصدوره ليس مشمولا لدليل التّعبّد بالظّواهر حتّى يكون طرحه خلافا للأصل، فإن المتوهّم اعترف بتفرّع اعتبار الظّاهر بمقتضى دليله على الأخذ بصدوره، و من هنا قال: بأنّ طرح ظاهر المطروح ليس محرّما من جهة عدم شمول دليل التّعبّد بالظّاهر له، فإذا كان لازم الأخذ بصدور المردّد هو رفع اليد عن ظهوره كما هو المفروض، فكيف يكون ظهوره مانعا عنه، مع أنه تابع له فيكون محالا.
توضيح ذلك: أنّ المتعارضين في الفرض مشتملان على سندين و ظاهرين و الصّدور من أحدهما مأخوذ على كلّ تقدير فيكون ظاهره مشمولا لدليل اعتبار الظّواهر، كما أنّ ظاهر الآخر غير مشمول لدليل اعتبار الظّواهر للقطع بعدم إرادته على تقدير البناء على صدوره و عدم شمول الدّليل له ما لم يبن علي صدوره فيبقى صدوره و هو مشمول لدليل التّعبد بالصّدور، كما أنّ ظاهر الآخر مشمول لدليل التّعبّد بالظّهور فيكون التّقابل بينهما ليس إلاّ، فيدور الأمر من جهة رفع التّعارض بين رفع اليد عن الأوّل، أو الثّاني من غير تقدّم لأحدهما على الآخر، و هذا معنى ما ذكرنا من عدم الأولويّة بالنّظر إلى القاعدة و دليل اعتبار الصّدور و الظّهور لشيء
........
الشرح
منهما، فلا فرق بين صور التّعارض فيما ذكرنا أصلا هذا.
فإن شئت قلت: إنّ مرجع التّوهم المذكور إلى جعل اعتبار ظاهر الحديث مانعا عن الأخذ بصدوره و مرجعه بعد التّسالم على قضيّة الأصليّة و الفرعيّة كما ترى إلى لزوم الدّور و هو ما أشرنا إليه من الاستحالة، هذا كلّه فيما إذا كان هناك معنى يحمل الظّاهران، أو الظّاهر عليه على تقدير الجمع، و أما إذا تعدّد المعنى المحتمل بحيث يحتمل إرادة كلّ واحد من غير فرق فلازم الجمع و الأخذ بصدور المتعارضين الحكم بالإجمال و الرّجوع إلى الأصل الغير المخالف لهما، فقد يجعل هذا كما في الكتاب من حيث إنّ نفي الثّالث اللاّزم من الأخذ بهما صدورا عمل بهما مسوّغا و مجوّزا للحكم بصدورهما، فإن الأخذ بالدّلالة الالتزاميّة نوع من العمل بالحديث و قول المعصوم عليه السلام.
لكنّه كما ترى لا يخلو عن مناقشة من حيث إنّ نفي الثّالث ليس لازما للجمع و الأخذ بصدورهما معا، بل لازم الأخذ بالصّدور في الجملة المسلّم بين الفريقين، فلا معنى لجعله ثمرة عمليّة للأخذ بهما بعنوان الجمع و المعيّة فلم يبق ممّا يمكن أن يترتّب على الجمع إلاّ الإجمال الّذي هو في معنى ترك العمل، فإنه كما يكون الأخذ بالظّهور متفرّعا على الأخذ بالصّدور، كذلك يكون شمول دليل الصّدور موقوفا على وجود أثر عمليّ هناك، حيث إنّ معنى لزوم التّصديق هو الالتزام بالآثار المترتّبة على المخبر به، فكيف يجعل الإجمال من آثاره الّذي هو في معنى ترك العمل به على ما عرفت، و من هنا لا يحكم بشمول دليل الصّدور لما تعيّن حمله على التّقيّة على تقدير الصّدور، فعلى ما ذكر من المناقشة يكون الطّرح أولى من الجمع بالنّظر إلى القاعدة في الصّورة المسطورة و القول بكون الرّجوع إلى الأصل بعد الحكم بإجمال المتعارضين نوع عمل، كما لا يأبى عنه بعض عبائر الكتاب كما ترى، فإن العمل بالأصل متفرّع على عدم وجود الدّليل، فكيف يجعل
........
الشرح
عملا به، و من هنا يحمل موارد جمعهم بين التمسّك بالأصل و الدّليل في حكم المسألة على إرادة التّنزل و الإغماض عن وجود الدّليل، فمورد الدّوران ما إذا كانت هناك احتمالات متفاوتة في القوّة و الضّعف بعد رفع اليد عن الظّاهر بمقتضى الجمع بأن يكون بعض المحتملات أقرب المجازات مثلا لا متيقّن الإرادة على تقدير الصّدور، إلاّ إذا قلنا بأن تيقن الإرادة لا يوجب نصوصيّة الكلام بالنّسبة إلى المراد، فإذا ورد أكرم العلماء ثمّ ورد لا تكرم العلماء مثلا و كان العادل متيقن الإرادة من الأوّل و الفاسق من الثّاني لم يحكم بكون كلّ منهما نصّا من جهة و ظاهرا من جهة فيرفع اليد عن ظاهر كلّ منهما بنصّ الآخر فيخرج عن تعارض الظّاهرين، هذا و ستقف على تحقيق الحقّ من الوجهين و المسلكين عن قريب، فالصّور ثلاثة عرفت حكمها هذا فيما كانت النّسبة بين المتعارضين التّباين، أو العموم و الخصوص مع التّكافؤ من حيث الدّلالة من جهة اشتمال العام بما يوجب مكافئته ظهورا مع الخاصّ.
و أمّا إذا كانت النّسبة العموم من وجه مع تكافؤ العامّين من حيث الدّلالة كما هو المفروض، فقد يقال في الصّورة بخصوصها على ما عرفت الإشارة إليه بأولويّة الجمع من الطّرح بقسميه ترجيحا و تخييرا من حيث إنّ الطّرح من حيث الصّدور بالنّسبة إلى مورد التّعارض بخصوصه كما هو لازم النّسبة موجب للتّبعيض في الصّدور الآبي منه دليل التّعبد به، لأن الكلام الواحد لا يحمل عليه النّقيضان و ليس مثله مثل الحديث الواحد المشتمل على فقرات و أحكام لموضوعات متعدّدة، حيث إنّه يجوز الأخذ بالحديث بالنّسبة إلى بعض الفقرات مع طرحه بالنّسبة إلى بعضها، لأنه بمنزلة أحاديث متعدّدة، و هذا بخلاف المقام، فإن المفروض فيه الإخبار عن قضيّة واحدة، فلا يحمل عليه الصّدور و العدم هذا و لكنّك خبير بكونه مجرّد الاستبعاد، إذ المستحيل عقلا الصّدور و عدمه الواقعيّان لا الظّاهريّان مع تعدّد
........
الشرح
مورد الحكم، و من هنا كان ظاهرهم الاتّفاق على اندراجه في الأخبار العلاجيّة، فلا مناص من الالتزام بالتّبعيض الحكمي و البنائي بحسب الآثار كما هو الشّائع في الشّرعيّات، هذا و قد يقال فيها بخصوصها بأولويّة الطّرح من حيث إنّ لازم الجمع فيه هو الحكم بالإجمال في مورد التّعارض فيلزمه حقيقة ترك العمل بهما فينافيه التّعبّد بالصّدور، فكيف يكون دليله دليلا عليه و القول بكون ثمرته الإجمال و نفي الثّالث و الرّجوع إلى الأصل الموافق لأحدهما، و إلا فالتّخيير العقلي نظير دوران الأمر بين المحذورين واقعا في المسألة الفقهيّة قد عرفت ما فيه، هذا و قد أشرنا إلى أنّ عبارة الكتاب غير خالية عن الإجمال من حيث الحكم بأولويّة الجمع في خصوص الصّورة، أو الطّرح و إن كان ظاهرا في اختيار عدم أولويّة لأحدهما على الآخر أخيرا فقد ظهر ممّا ذكرنا كلّه الوجه للقول بعدم ترجيح لأحد من الجمع و الطّرح على صاحبه بالنّظر إلى القاعدة، كما أنّه ظهر منه وجوه سائر الاحتمالات و الوجوه، فلا حاجة إلى إطالة الكلام بإفراد كلّ بعنوان هذا بعض الكلام فيما يقتضيه القاعدة بالنّظر إلى دليل كلّ من التّعبّد بالصّدور و الدّلالة.
و أمّا الكلام فيما يقتضيه الدّليل الخارجي في الصّورة المذكورة و هو الموضع الثّاني، فملخّصه: أنّه ليس هناك دليل عام يقضي بأولويّة الجمع، فلا بدّ أن يتّبع الشّاهد الخارجي في الموارد الشخصيّة و التّشخيص بنظر الفقيه المستنبط، و أما الطّرح فالدّليل عليه ما دلّ على لزوم التّرجيح و التّخيير كلّ في مورده في جميع صور التّعارض الّتي ليس فيها شاهد داخلي و لا خارجي على التّصرّف في أحدهما، أو كليهما كما هو المفروض.
و بعبارة أخرى: فيما كان الدّليلان متعارضين و متنافيين بنظر العرف، و هذا ما أفاده بقوله في الكتاب، بل الظّاهر هو الطّرح إلخ.
و حاصل ما يستفاد من الكتاب و غيره في ترجيح الطّرح على الجمع من جهة
........
الشرح
الدّليل الخارجي يرجع إلى وجوه الأوّل سؤال الرّواة عن حكم المتعارضين من الأخبار فيما ورد في باب العلاج بالتّرجيح و التّخيير مع ما هو المركوز في أذهانهم، بل ذهن كلّ أحد من وجوب العمل بالدّليل الشّرعي مهما أمكن، فلو لم يفهموا عدم الإمكان لم يكن معنى لتحيّرهم المحوج إلى السّؤال، سيّما بلفظة، أي الظّاهرة في عدم كون المورد ممّا يعمل بهما معا و حمل مورد السّؤال على عدم إمكان الجمع عقلا و لو بضرب من التّأويل كما ترى، فإنه حمل على النّادر إن لم يكن حملا على المعدوم الثّاني الأجوبة الّتي وردت في الأخبار المذكورة، فإنه لم يقع فيها إلاّ الجواب بالطّرح تعيينا، أو تخييرا، و أما قولهم عليهم السلام في بعض الأخبار أنتم أفقه النّاس إذا عرفتم معاني كلامنا إلخ، أو إن أمر النّبي صلى اللّه عليه و آله كأمر القرآن فيه ناسخ و منسوخ و محكم و متشابه الحديث فليس منافيا لما ذكر إن لم يكن مؤيّدا، فإن الغرض منه الحثّ و التّأكيد على التّأمّل في وجوه دلالة الكلام من الدّاخل و الخارج و عدم حمله على ما يفهم منه في بادي النّظر، أو قبل ملاحظة القرائن الخارجيّة، و هذا ليس محلا لإنكار واحد، فلو دلّ على الجمع كما ستقف عليه فإنّما يدلّ عليه في الفرض الخارج عن محلّ الكلام الثّالث الإجماع العملي من الخاصّة، بل جميع علماء الإسلام من زمن الصّحابة إلى زماننا هذا فإنّهم لم يزالوا يطرحون أحد المتعارضين تعيينا، أو تخييرا، فلو كان الجمع و لو بضرب من التّأويل البعيد مقدّما على الطّرح لما سلكوا هذا المسلك و اضطراب كلام الشّيخ لا يقدح فيه مع كون عمله على طبق عملهم، بل و لو لم يكن بعد انتهاء عملهم إلى زمان الحجّة، فإن الإجماع العملي ليس كالإجماع القولي حتّى يقدح فيه مطلق الخلاف على بعض وجوه تقريره كاللّطف، أو الحدس في وجه، أو مخالفة مجهول النّسب على طريقة الدّخول بعد فرض انتهاء العمل إلى زمان المعصوم و اجتماع شروط التّقرير.
........
الشرح
نعم فيما يجعل الإجماع العملي كاشفا عن الإجماع القولي و اتّفاق المجمعين في الآراء جرى فيه ما يجري في الإجماع القولي، و أما جمع الشّيخ رحمه اللّه بين الأخبار المتعارضة على وجه يقتضي ابتناءه على مجرّد الإمكان العقلي فليس مبنى عمله قطعا، بل الوجه فيه ما ذكره في أوّل كتابه من ابتنائه على مجرّد الاحتمال بحسب الواقع لئلاّ يشكل الأمر على ضعفاء النّفوس من كثرة ما يشاهدون من التّعارض بين الأخبار، و أما ما ذكره الشّيخ ابن أبي جمهور من دعوى الإجماع على تقديم الجمع على الطّرح مهما أمكن فقد عرفت منع ظهوره في الإمكان العقلي، مع أنه على تقدير الظّهور لا يصدّق في دعواه، إذ غاية ما يسلم كون المسألة خلافيّة، و أما الإجماع على تقديم الجمع بقول مطلق على الطّرح فممنوع جدّا فتأمّل.
الرّابع: لزوم الهرج و المرج في الفقه و إحداث فقه جديد يعلم بعدم ثبوته من الشّارع و اللّزوم بعد ملاحظة كثرة المتعارضات و فتاوى الأصحاب في مواردها ظاهر لا يحتاج إلى البيان فضلا عن البرهان فتدبّر. هذا بعض الكلام في غير الصّورة الأولى من الصّور المتقدّمة.
و أمّا الصّورة الأولى و هي ما كان لأحد المتعارضين قوّة على الآخر فحاصل القول فيها: أنّ القوّة لو كانت بالنّصوصيّة، سواء كان بالعموم و الخصوص و الإطلاق و التّقييد فيما كان الخاص، أو المقيّد نصّين بحسب الدّلالة، أو غيرهما، فلا إشكال في أولويّة الجمع في الفرض، بل خروجه عن عنوان التّعارض حقيقة لما أسمعناك فيما سبق من كون النّصّ الظّني حاكما على الظّاهر و إن كان قطعيا من الجهات الأخر، فالتّعرض له في المقام و إدراجه في باب التّعارض و جعله من أقسام الجمع كما في الكتاب من باب التّسامح و التّوسع حقيقة و لو كانت بالظّهور فظاهر المشهور، بل صريحهم كما هو الحقّ تقديم الجمع و التّصرّف في دلالة الظّاهر
........
الشرح
بقرينة الأظهر على التّرجيح و التّخيير و إن كان الجمع على الوجه المزبور راجعا إلى نوع من التّرجيح و هو التّرجيح بحسب الدّلالة، و مرجع تقديمه حقيقة إلى ما سيتلى عليك من تقديم التّرجيح بحسب الدّلالة على سائر وجوه التّراجيح، إلا أن المطلب لا يوهن بتغيير العنوان و ظاهر الشّيخ قدس سره في العدّة في بيان التّرتيب بين المرجّحات إنكار ذلك و إن تسالم على تقديمه على التّخيير، و ربما يستظهر من المحقّق القمّي قدس سره أيضا في باب حمل العام على الخاص، بل الجمود على ظاهر كلام الشّيخ قدس سره يعطي ذهابه إلى تقدّم التّرجيح في القسم الأوّل أيضا، أي النّصّ و الظّاهر، لكن لا بدّ من حمله على مفروض البحث، حيث إنّ جلالة شأنه و علوّ مقامه في العلم يمنع من المخالفة في القسم الأوّل فأرجع إلى كلامه المنقول في الكتاب في المقام الثّاني، أي التّرجيح، و كذا إلى ما يحكيه عن المحقّق القمّي قدس سره و إن أمكن توجيه كلام المحقّق القمّي رحمه اللّه بما لا يخالف المشهور في مفروض البحث على ما ستقف عليه إن شاء اللّه تعالى في ذلك المقام.
ثمّ إنّ الوجه في تقديم التّصرّف في الظّاهر بقرينة الأظهر على طرح الأظهر صدورا للتّرجيح، أو التّخيير مع عدم كونه كالنصّ الظنّي الصدور و من حيث إمكان التصرّف في دلالته و إبقاء الظّاهر على ظهوره بخلاف النّص، حيث إنّه لا معنى للتّعبّد بصدوره إلاّ جعله قرينة للظّاهر هو حكم العرف و بنائهم على خروج الفرض عن الأخبار العلاجيّة من جهة عدم التّحيّر الموجب للسّؤال بعد بنائهم على جعل الأظهر قرينة للظّاهر فهو ملحق بالنّص حكما، و من هنا ذكر شيخنا الأستاذ العلاّمة فيما علّقه على المقام أنّه بعد إحراز التّرجيح العرفي للأظهر يصير كالنّص و يعامل معه معاملة الحاكم، لأنه يمكن أن يصير قرينة للظّاهر و لا يصلح الظّاهر أن يصير قرينة له، بل لو أريد التّصرف فيه احتيج إلى قرينة أخرى من الخارج فيدفع
........
الشرح
بالأصل فالتّعبد بصدور الأظهر بعد هذه الملاحظة لا معنى له إلاّ رفع اليد به عن الظّاهر كما عرفته في معنى التّعبّد بالنّص.
فإن شئت قلت: إنّ التّصرف في الأظهر بعد فرض عدم قيام القرينة عليه من الخارج غير ممكن عرفا فيصير كالحاكم بالنّسبة إلى المحكوم كدليل نفي الحرج بالنّسبة إلى أدلّة تشريع الأحكام العامّة، هذا و يمكن اقتباس حكم المقام ممّا عرفت الإشارة إليه ممّا ورد في الحثّ على التّأمّل فيما يرد عنهم عليهم السلام و عدم الجمود على ما يفهم من كلماتهم في ابتداء النّظر إليها، هذا و ستقف على زيادة توضيح لذلك منّا و من شيخنا قدس سره عند الكلام في باب التّراجيح.
ثمّ إنّ الوجه فيما أفاده قدس سره في حكم ما يحصل الجمع بالتّصرف في أحدهما مع تساويهما في الظّهور في ذيل التّحقيق الّذي عليه أهله بقوله، و أما لو لم تكن لأحد الظّاهرين مزيّة على الآخر، فالظّاهر أنّ الدّليل في الجمع إلخ الظّاهر في كون الجمع فيما يتوقّف على التّصرّف فيهما و تأويلهما أولى منه في المقام هو إن حاصل الجمع في المقام هو الحكم بإجمال المتعارضين و الرّجوع إلى الأصل غالبا، أو دائما من جهة عدم تعيّن وجه التّصرّف، و من المعلوم عدم كونه عملا بشيء منهما، فلا معنى للتعبّد بصدورهما لترك العمل بهما على ما أسمعناك سابقا، و هذا بخلاف الجمع فيما يتوقّف على تأويلهما معا، فإن الغالب فيه تعيّن بعض الاحتمالات من حيث كونه أقرب فيرجع إلى العمل بهما و لو بالأخذ بخلاف ظاهرهما، فإنه نوع عمل بالخبر جزما، و بما ذكرنا ينبغي تحرير وجه الأولويّة، بل تحرير المقام مطلقا لا بما أفاده في الكتاب، فإنه لا يخلو عن مناقشة، فإن العمل بالأصل المطابق لأحدهما ليس عملا بشيء منهما، و إلا كان العمل بالخبر المطابق للقياس عملا بالقياس أيضا و هو كما ترى ضرورة أنّ العمل بالشّيء عبارة عن الاستناد إليه و العمل بالأصل المطابق استناد إلى الأصل لا إلى الخبر، اللّهم إلا من
........
الشرح
باب التّوسّع و المسامحة على ما أسمعناك مرارا في مطاوي كلماتنا، و كذا ما أفاده بالنّسبة إلى العمل بأصالتي الحقيقة تخييرا، فإن معناه على القول به و إن كان فاسدا كما ضعّفه هو جواز الأخذ بكلّ من الظّاهرين و جعل المأخوذ قرينة للمطروح فهو عمل بالنّسبة إلى دليل التّعبّد بالصّدور حقيقة في كلا الخبرين، فأين الطّرح حتّى يجعل مرجع الجمع إلى الطّرح فتدبّر.
و أمّا الاستدراك بقوله. نعم يظهر الثّمرة في أعمال المرجّحات السّنديّة إلخ، فالغرض منه بعد الحكم بأول الجمع إلى الطّرح و نفي الثّمرة بينهما من هذه الجهة إثبات الثّمرة بين الجمع و الطّرح لا إثبات الثّمرة لدليل التّعبّد بالصّدور على تقدير الجمع، كيف و التّرجيح بالصّدور ينافي الجمع كما هو واضح.
نعم ينبغي جعل الثّمرة بينهما الرّجوع إلى المرجّحات مطلقا لا خصوص ما أفاده من المرجّحات السّنديّة، إلا أن يحمل ذكره على المثال، أو على المفروض في كلامه في المقام و إن كان الفرض مبنيّا على المثال أيضا فتأمّل.
و أمّا ما أفاده من الاستدراك في مقام توهين الرّجوع إلى الأخبار العلاجيّة و الحكم بتقديم الطّرح بعد ثبوت التّلازم في مفاد الأخبار بين التّرجيح و التّخيير موردا و إن افترقا بوجود المرجّح و عدمه، فيكون الجمع بهذه الملاحظة أولى من الطّرح في هذا القسم من الجمع فيما يتوقّف على التّصرّف فيهما بقوله قدس سره:
(لكن يوهنه أنّ اللاّزم حينئذ بعد فقد المرجّحات) إلخ، فربما يناقش فيه أيضا بأنّه على تقدير تسليمه يسلّم فيما كانت النّسبة العموم من وجه أو العموم و الخصوص في الجملة لا فيما كانت التّباين، فإنه لم يعهد من أحد نفي التّخيير من أحد مع فقد المرجّح في الفرض مع إثباته فيما يتوقّف الجمع على تأويلهما.
و منه يظهر أنّ التّفصيل المبنيّ على الاستبعاد حقيقة يجري في العموم و الخصوص أيضا، إذ على تقدير التّكافؤ من حيث الدّلالة لو بني على الطّرح
........
الشرح
ترجيحا، أو تخييرا مع كون المأخوذ الخاصّ لزم منه طرح العامّ من حيث الصّدور، أو جهته في الجملة لا مطلقا فيلزم التّبعيض لا محالة كما هو ظاهر.
و ينبغي التّنبيه على أمور و إن تقدّمت الإشارة إليها: الأوّل: أنّ عدّ تقديم الأظهر على الظّاهر من أقسام الجمع لا ينافي ما تسالموا عليه من كونه من التّرجيح بحسب الدّلالة فيكون نوعا من الطّرح بقول مطلق، حيث إنّ المراد من الجمع على ما عرفت الإشارة إليه هو الأخذ بدليل الصّدور من المتعارضين و إن استلزم الطّرح من حيث الدّلالة لمكان التّرجيح، فلا تنافي بينهما أصلا.
الثّاني: هل المراد بالنّصوصيّة في المقام و غيره هو خصوص كون اللّفظ صريحا في المراد بحسب الذّات، أو يعمّه و ما كان، كذلك بملاحظة الأمر الخارجي ككون بعض إفراد العام متيقّن الإرادة بملاحظة الخارج على تقدير صدور العام كالعدول من قوله أكرم العلماء و الفسّاق من قوله لا تكرم العلماء، فإن نسبة العام في المثال إلى أفراده متساوية من حيث الذّات لا فرق بينهما بحسب وضع العام المذكور، و إلا لم يعقل الفرق بينها بحسب تعلّق الأمر بالإكرام و النّهي عنه، و إنّما حصل الفرق من تعلّق الأمر الخاص و النّهي المضادّ له بحسب الملاحظة الخارجيّة و عذرة المأكول من قوله عليه السلام لا بأس ببيع العذرة و غير المأكول من قوله عليه السلام ثمن العذرة سحت، فإن الفرق بينهما إنّما هو بملاحظة اختلاف المحمول و الخارج لا من حيث الذّات، و من هذا القبيل تيقّن إرادة الجواز من الأمر و الكراهة من النّهي و هكذا وجهان، بل قولان كما يظهر لمن راجع كلماتهم في الفقه من حيث إنّ تيقّن الإرادة من الخارج على تقدير الصّدور لا يجدي صارفا عن ظهور اللّفظ و قرينة على إرادة خلاف الظّاهر منه بحكم العرف، بل يحتاج إلى قرينة أخرى فيدخل في تعارض الظّاهرين فيتوقّف رفع اليد عن ظاهر كلّ منهما بنصّ الآخر على ثبوت حكومة دليل الصّدور على دليل الظّهور
........
الشرح
بقول مطلق و يؤيّده، بل يدلّ عليه ما ورد في باب علاج تعارض الأخبار بالتّرجيح، أو التّخيير، فإن حمله على غير المفروض يوجب خروج كثير من الموارد منه، بل الأكثر ضرورة قلّة ما لا يوجد فيه هذا المعنى من المتعارضين، و من حيث إنّ الأخذ بصدورهما في الفرض لا يوجب رفع اليد عن الظّاهر من غير قرينة بعد تيقّن الإرادة و نصوصيّة كلّ منهما و لو بملاحظة الخارج، فكلّ من العامّين بمنزلة الخاصّ بالنّسبة إلى الآخر فيما هو نصّ فيه فيندرج في الجمع المقبول لا المردود و الّذي اختاره شيخنا الأستاذ العلاّمة قدس سره في مكاسبه و مال إليه في مجلس البحث هو الأوّل و لا يخلو عن قوّة من حيث إنّ العلم بالإرادة، إنّما حصل بملاحظة دليل الصّدور و التّنافي لا من اللّفظ بنفسه، و لعلّنا نتكلّم فيه زيادة على هذا بعد ذلك، و منه يظهر النّظر فيما أفتى به بعض الأصحاب تبعا للشّيخ قدس سره من جواز بيع عذرة المأكول جمعا بين ما دلّ على جواز بيع العذرة و ما دلّ على المنع منه.
الثّالث: أنّك قد عرفت خروج مورد وجود الشّاهد للجمع عن محلّ الكلام في القاعدة المشهورة من غير فرق بين ما يتوقّف الجمع على تأويل المتعارضين، أو تأويل أحدهما فقد يقوم هذا الشّاهد من الخارج و قد يحصل بملاحظة النّسبة بين المتعارضين في بيان إجراء قاعدة الجمع في البيّنات بين أزيد من دليلين، فإنه إذا وقع التّعارض بين العامّين المتباينين كقوله أكرم العلماء و لا تكرم العلماء مثلا و ورد ما يوجب تخصيص أحدهما من حيث كونه أخصّ منه كقوله لا تكرم فسّاق العلماء، لأنه أخصّ من العامّ الأوّل يصير العام المخصّص أخصّ من العام الغير المخصّص فيجب الجمع بينهما بالتّخصيص فيحكم بإرادة خصوص الفسّاق من قوله لا تكرم العلماء، و هذا مع وضوحه نشرح لك القول فيه عند الكلام في تعارض أزيد من دليلين إن شاء اللّه تعالى.
و هي أن الجمع بين الدليلين مهما أمكن أولى من الطرح. و المراد بالطرح على الظاهر المصرح به في كلام بعضهم، و في معقد إجماع بعض آخر أعم من طرح أحدهما لمرجح في الآخر، فيكون الجمع مع التعادل أولى من التخيير و مع وجود المرجح أولى من الترجيح.
قال الشيخ ابن أبي جمهور الأحسائي في عوالي اللئالي على ما حكي عنه:
«إن كل حديثين ظاهرهما التعارض يجب عليك أولا البحث عن معناهما و كيفية دلالة ألفاظهما، فإن أمكنك التوفيق بينهما بالحمل على جهات التأويل و الدلالات فاحرص عليه و اجتهد في تحصيله، فإن العمل بالدليلين مهما أمكن خير من ترك أحدهما و تعطيله بإجماع العلماء، فإذا لم تتمكن من ذلك، أو لم يظهر لك وجهه فارجع إلى العمل بهذا الحديث و أشار بهذا إلى مقبولة عمر بن حنظلة» انتهى)(1).
و استدل عليه تارة بأن الأصل في الدليلين الإعمال، فيجب الجمع بينهما مهما أمكن لاستحالة الترجيح من غير مرجح، و أخرى بأن دلالة اللفظ على تمام معناه أصلية و على جزئه تبعية، و على تقدير الجمع يلزم إهمال دلالة تبعية و هو أولى مما يلزم على تقدير عدمه و هو إهمال دلالة أصلية.
و لا يخفى أن العمل بهذه القضية على ظاهرها يوجب سد باب الترجيح و الهرج في الفقه كما لا يخفى و لا دليل عليه، بل الدليل على خلافه من الإجماع و النص.
أمّا عدم الدليل عليه فلأن ما ذكر من أن الأصل في الدليل الإعمال مسلم، لكن المفروض عدم إمكانه في المقام، فإن العمل بقوله عليه السلام: «ثمن
1) عوالي اللئالي: ج 4، ص 136.
العذرة سحت»(1)و قوله: «لا بأس ببيع العذرة»(2)على ظاهرهما غير ممكن، و إلا لم يكونا متعارضين.
و إخراجهما عن ظاهرهما بحمل الأول على عذرة غير مأكول اللحم، و الثاني على عذرة مأكول اللحم ليس عملا بهما، إذ كما يجب مراعاة السند في الرواية و التعبد بصدورها إذا اجتمعت شرائط الحجية، كذلك يجب التعبد بإرادة المتكلم ظاهر الكلام المفروض وجوب التعبد بصدوره إذا لم يكن هنا قرينة صارفة، و لا ريب أن التعبد بصدور أحدهما المعين إذا كان هناك مرجح و المخير إذا لم يكن ثابت على تقدير الجمع و عدمه، فالتعبد بظاهره واجب كما أن التعبد بصدور الآخر أيضا واجب.
فيدور الأمر بين عدم التعبد بصدور ما عدا الواحد المتفق على التعبد به و بين عدم التعبد بظاهر الواحد المتفق على التعبد به و لا أولوية للثاني.
بل قد يتخيل العكس فيه من حيث إن في الجمع ترك التعبد بظاهرين، و في طرح أحدهما ترك التعبد بسند واحد.
لكنه فاسد من حيث إن ترك التعبد بظاهر ما لم يثبت التعبد بصدوره و لم يحرز كونه صادرا عن المتكلم و هو ما عدا الواحد المتيقن العمل به ليس مخالفا للأصل، بل التعبد غير معقول، إذ لا ظاهر حتى يتعبد به فليس مخالفا للأصل و تركا للتعبد بما يجب التعبد به.
و ممّا ذكرنا يظهر فساد توهم أنه إذا عملنا بدليل حجية الأمارة فيهما و قلنا بأن الخبرين معتبران سندا فيصيران كمقطوعي الصدور، و لا إشكال و لا خلاف في أنه إذا وقع التعارض بين ظاهري مقطوعي الصدور كآيتين، أو
متواترين وجب تأويلهما و العمل بخلاف ظاهرهما فيكون القطع بصدورهما عن المعصوم عليه السلام قرينة صارفة لتأويل كل من الظاهرين.
و توضيح الفرق و فساد القياس: أن وجوب التعبد بالظواهر لا يزاحم القطع بالصدور، بل القطع بالصدور قرينة على إرادة خلاف الظاهر، و فيما نحن فيه يكون وجوب التعبد بالظاهر مزاحما لوجوب التعبد.
و بعبارة أخرى: العمل بمقتضى أدلة اعتبار السند و الظاهر بمعنى الحكم بصدورهما و إرادة ظاهرهما غير ممكن، و الممكن من هذه الأمور الأربعة اثنان لا غير. إما الأخذ بالسندين، و أما الأخذ بظاهر و سند من أحدهما فالسند الواحد منهما متيقن الأخذ به.
و طرح أحد الظاهرين و هو ظاهر الآخر الغير المتيقن الأخذ بسنده ليس مخالفا للأصل، لأن المخالف للأصل ارتكاب التأويل في الكلام بعد الفراغ عن التعبد بصدوره، فيدور الأمر بين مخالفة أحد أصلين، إما مخالفة دليل التعبد بالصدور في غير المتيقن التعبد، و أما مخالفة الظاهر في متيقن التعبد و أحدهما ليس حاكما على الآخر، لأن الشك فيهما مسبب عن ثالث فيتعارضان.
و منه يظهر فساد قياس ذلك بالنص الظني السند مع الظاهر حيث يوجب الجمع بينهما بطرح ظهور الظاهر لا سند النص.
توضيحه: أن سند الظاهر لا يزاحم دلالته و لا سند النص و لا دلالته. أما دلالته فواضح، إذ لا يبقى مع طرح السند مراعاة للظاهر، و أما سند النص و دلالته فإنما يزاحمان ظاهره لا سنده و هما حاكمان على ظهوره، لأن من آثار التعبد به رفع اليد عن ذلك الظهور، لأن الشك فيه مسبب عن الشك في التعبد بالنص.
و أضعف مما ذكر توهم قياس ذلك بما إذا كان خبر بلا معارض، لكن ظاهره مخالف للإجماع، فإنه يحكم بمقتضى اعتبار سنده بإرادة خلاف الظاهر من مدلوله، لكن لا دوران هناك بين طرح السند و العمل بالظاهر و بين العكس، إذ لو طرحنا سند ذلك الخبر لم يبق مورد للعمل بظاهره بخلاف ما نحن فيه، فإن إذا طرحنا سند أحد الخبرين أمكننا العمل بظاهر الآخر و لا مرجح لعكس ذلك، بل الظاهر هو الطرح، لأن المرجح و المحكم في الإمكان الذي قيد به وجوب العمل بالخبرين هو العرف، و لا شك في حكم العرف و أهل اللسان بعدم إمكان العمل بقوله أكرم العلماء و لا تكرم العلماء..
نعم لو فرض علمهم بصدور كليهما حملوا أمر الأمر بالعمل بهما على إرادة ما يعم العمل بخلاف ما يقتضيانه بحسب اللغة و العرف.
و لأجل ما ذكرنا وقع من جماعة من أجلاء الرواة السؤال عن حكم الخبرين المتعارضين مع ما هو مركوز في ذهن كل أحد من أن كل دليل شرعي يجب العمل به مهما أمكن، فلو لم يفهموا عدم الإمكان في المتعارضين لم يبق وجه للتحير الموجب للسؤال، مع أنه لم يقع الجواب في شيء من تلك الأخبار العلاجية بوجوب الجمع بتأويلهما معا، و حمل مورد السؤال على صورة تعذر تأويلهما و لو بعيدا تقييد بفرد غير واقع في الأخبار المتعارضة.
و هذا دليل آخر على عدم كلية هذه القاعدة، هذا كله مضافا إلى مخالفتها للإجماع، فإن علماء الإسلام من زمن الصحابة إلى يومنا هذا لم يزالوا يستعملون المرجحات في الأخبار المتعارضة بظواهرها ثم اختيار أحدهما و طرح الآخر من دون تأويلهما معا لأجل الجمع.
و أمّا ما تقدم من عوالي اللئالي فليس نصا، بل و لا ظاهرا في دعوى تقديم
الجمع بهذا النحو على التخيير و الترجيح، فإن الظاهر من الإمكان في قوله، فإن أمكنك التوفيق بينهما هو الإمكان العرفي في مقابل الامتناع العرفي بحكم أهل اللسان، فإن حمل اللفظ على خلاف ظاهره بلا قرينة غير ممكن عند أهل اللسان بخلاف حمل العام و المطلق على الخاص و المقيد.
و يؤيده قوله أخيرا، فإذا لم تتمكن من ذلك و لم يظهر لك وجهه فارجع إلى العمل بهذا الحديث، فإن مورد عدم التمكن نادر جدا.
و بالجملة، فلا يظن بصاحب العوالي و لا بمن هو دونه أن يقتصر في الترجيح على موارد لا يمكن تأويل كليهما فضلا عن دعواه الإجماع على ذلك.
و التحقيق الذي عليه أهله أن الجمع بين الخبرين المتنافيين بظاهرهما على أقسام ثلاثة: أحدها: ما يكون متوقفا على تأويلهما معا.
و الثاني: ما يتوقف على تأويل أحدهما المعين.
و الثالث: ما يتوقف على تأويل أحدهما لا بعينه.
أمّا الأول: فهو الذي تقدم أنه مخالف للدليل و النص و الإجماع.
و أمّا الثاني: فهو تعارض النص و الظاهر الذي تقدم أنه ليس بتعارض في الحقيقة.
و أمّا الثالث: فمن أمثلته العام و الخاص من وجه حيث يحصل الجمع بتخصيص أحدهما مع بقاء الآخر على ظاهره، و مثل قوله اغتسل يوم الجمعة بناء على أن ظاهر الصيغة الوجوب، و قوله ينبغي غسل الجمعة بناء على ظهور هذه المادة في الاستحباب، فإن الجمع يحصل برفع اليد عن ظاهر أحدهما.
و حينئذ فإن كان لأحد الظاهرين مزية و قوة على الآخر بحيث لو اجتمعا في كلام واحد نحو رأيت أسدا يرمي، أو اتصلا في كلامين لمتكلم واحد
تعين العمل بالأظهر و صرف الظاهر إلى ما لا يخالفه كان حكم هذا حكم القسم الثاني في أنه إذا تعبد بصدور الأظهر يصير قرينة صارفة للظاهر من دون عكس.
نعم الفرق بينه و بين القسم الثاني أن التعبد بصدور النص لا يمكن إلا بكونه صارفا عن الظاهر و لا معنى له غير ذلك، و لذا ذكرنا دوران الأمر فيه بين طرح دلالة الظاهر و طرح سند النص.
و فيما نحن فيه يمكن التعبد بصدور الأظهر و إبقاء الظاهر على حاله و صرف الأظهر، لأن كلا من الظهورين مستند إلى أصالة الحقيقة، إلا أن العرف يرجحون أحد الظهورين على الآخر، فالتعارض موجود و الترجيح بالعرف بخلاف النص و الظاهر.
و أمّا لو لم يكن لأحد الظاهرين مزية على الآخر، فالظاهر أن الدليل المتقدم في الجمع و هو ترجيح التعبد بالصدور على أصالة الظهور غير جار هنا، إذ لو جمع بينهما و حكم باعتبار سندهما، و بأن أحدهما لا بعينه مؤول لم يترتب على ذلك أزيد من الأخذ بظاهر أحدهما، إما من باب عروض الإجمال لهما بتساقط أصالتي الحقيقة في كل منهما لأجل التعارض فيعمل بالأصل الموافق لأحدهما، و أما من باب التخيير في الأخذ بواحد من أصالتي الحقيقة على أضعف الوجهين في حكم تعارض الأحوال إذا تكافأت و على كل تقدير يجب طرح أحدهما.
نعم يظهر الثمرة في إعمال المرجحات السندية في هذا القسم، إذ على العمل بقاعدة الجمع يجب أن يحكم بصدورهما و إجمالهما كمقطوعي الصدور، بخلاف ما إذا أدرجناه فيما لا يمكن الجمع، فإنه يرجع فيه إلى المرجحات، و قد عرفت أن هذا هو الأقوى، و أنه لا محصل للعمل بهما على
أن يكونا مجملين، و يرجع إلى الأصل الموافق لأحدهما ليكون حاصل الأمر بالتعبد بهما ترك الجمع بينهما و الأخذ بالأصل المطابق لأحدهما.
و يؤيد ذلك، بل يدل عليه أن الظاهر من العرف دخول هذا القسم في الأخبار العلاجية الآمرة بالرجوع إلى المرجحات.
لكن يوهنه أن اللازم حينئذ بعد فقد المرجحات التخيير بينهما كما هو صريح تلك الأخبار، مع أن الظاهر من سيرة العلماء عدا ما سيجيء من الشيخ رحمه اللّه في النهاية و الإستبصار في مقام الاستنباط التوقف و الرجوع إلى الأصل المطابق لأحدهما.
إلا أن يقال إن هذا من باب الترجيح بالأصل فيعملون بمطابق الأصل منهما لا بالأصل المطابق لأحدهما، و مع مخالفتهما للأصل فاللازم التخيير على كل تقدير، غاية الأمر أن التخيير شرعي إن قلنا بدخولهما في عموم الأخبار، و عقلي على القول به في مخالفي الأصل إن لم نقل.
و قد يفصل بين ما إذا كان لكل من الظاهرين مورد سليم عن المعارض كالعامين من وجه، حيث إن مادة الافتراق في كل منهما سليم عن المعارض، و بين غيره كقوله اغتسل للجمعة و ينبغي غسل الجمعة، فيرجح الجمع على الطرح في الأول لوجوب العمل بكل منهما في الجملة، فيستبعد الطرح في مادة الاجتماع بخلاف الثاني، و سيجيء تتمة الكلام إن شاء اللّه تعالى.
بقي في المقام أن شيخنا الشهيد الثاني رحمه اللّه فرع (1) في تمهيده على
الشرح
(1) أراد قدس سره بهذا التّكلّم في القاعدة المعروفة في البيّنات و بيان حالها بالنّسبة إليها بعد الفراغ عن التّكلّم فيها في الأخبار و إن كان خارجا عن محلّ الكلام تبعا لثاني الشّهيدين قدس أسرارهما، حيث إنّه عمّمها لتعارض البيّنات، بل
........
الشرح
جعل جريانها فيه من فروع القاعدة، ثمّ إنّه لا إشكال، بل لا خلاف ظاهرا إلاّ عن بعض في كون التّنصيف ميزانا للقضاء في الجملة كالبيّنة و اليمين و النّكول و القرعة في الجملة إنّما الكلام في أنّ مقتضى القاعدة فيما يقبل التّنصيف بعد فقد ما اتّفقوا على كونه ميزانا من البيّنة السّليمة، أو الرّاجحة و اليمين و النّكول هو الرّجوع إلى القرعة، أو التّنصيف، كما أنّه لا إشكال في أنّ محلّ الكلام فيما أقام كلّ من المتداعيين بيّنة على طبق دعواه، و إلا فيخرج عن مفروض البحث و مورد التّفريع و كلام الشّهيد رحمه اللّه دار تداعياها و هي في يدهما، أو لا يد لأحد عليها فأقاما بيّنة و كلامه و إن كان مطلقا، إلا أن من الواضح كون محلّ كلامه فيما تعادلتا من حيث المرجّحات المعتبرة في باب تعارض البيّنات و لا يعمّ صورة وجود المرجّح كما هو شأن القاعدة في تعارض الأخبار على ما عرفت من شمولها لصورة وجود المرجّح، فلا يحتاج إلى التّقييد الّذي ذكره في القوانين معترضا عليه حيث، قال:
فيه بعد نقل كلام الشّهيد ما هذا لفظه و التّحقيق فيه أنّ ذلك يصحّ بعد ملاحظة التّراجيح في البيّنتين و انتفائها و تعادلهما، و كيف كان يمكن العلاج في ذلك التّفريع لإمكان استناد التّنصيف إلى ترجيح بيّنة الدّاخل فيعطي كلّ منهما ما في يده بترجيح، أو بيّنة الخارج فيعطي كلّ منهما ما في يد الآخر، إذ دخول اليد و خروجها أعمّ من الحقيقي و الاعتباري و يمكن استناده إلى التّعارض و التّساقط و التّحالف فينصف بعد التّحالف فيجري مجرى ما لو ثبت يداهما عليها و لم يكن هناك بيّنة كما هو المشهور انتهى كلامه رفع مقامه.
و أنت خبير بأنّ ما أورده على تفريعه من المناقشة في محلّه بالنّسبة إلى الفرض الأوّل، سواء قلنا بالتّرجيح الحقيقي بالدّخول و الخروج، أو المسامحي من حيث كون بيّنة الدّاخل بمنزلة الأصل بالنّسبة إلى بيّنة الخارج، أو قلنا بعدم سماع البيّنة من الدّاخل أصلا، فلا يعارض بيّنة الخارج و إن كان صريح فرض الشّهيد و ظاهر
........
الشرح
المحقّق القمّي قدس أسرارهما، و من هنا ذكر شيخنا الأستاذ العلاّمة قدس سره أنّه لو خصّ المثال بالفرض الأخير لم يرد عليه ما ذكره المحقّق القمّي و إن لم يخل عن مناقشة.
نعم لو قيل بأنّ يد كلّ منهما على تمام الدّار كما اختاره شيخنا قدس سره في جواهر الكلام و بعض أفاضل معاصرينا لم يتوجّه عليه ما ذكره المحقّق القمّي، لكنه بمعزل عن التّحقيق عندنا و عند الأستاذ العلاّمة دام ظلّه العالي و عند المحقّق القمّي كما فصّلنا القول فيه في باب القضاء و الغصب في غير تعاقب الأيادي كما هو المفروض، فإن المعقول هو اليد التّامّة الواحدة على مجموع الدّار المتقوّمة بهما فيلزم أن يكون لكلّ منهما يد على النّصف المشاع، ثمّ إنّ المراد من المناقشة الّتي ذكرها الأستاذ العلاّمة دام ظلّه في الفرض الأخير على ما صرّح به في مجلس البحث هو كون التّنصيف فيه من جهة تساقط البيّنتين بعد التّكافؤ و عدم المناص عن التّنصيف لا من جهة الجمع بين البيّنتين بالتّبعيض في أدلّة التّصديق فيكون الفرض، كما إذا لم يكن بيّنة أصلا، هذا و قد يتوهّم متوهّم أنّ ما ذكره المحقّق القمّي قدس سره من المناقشة بقوله و يمكن استناد التّنصيف إلخ هو بالنّسبة إلى الفرض الأخير فيورد على شيخنا من حيث لا يشعر، و لكنّك خبير بفساد التّوهم المذكور، فإن كلامه صريح في اختصاص ما ذكره بوجود اليد منهما كما يدلّ عليه ما وجه التّنصيف به بعد تساقط البيّنتين، و كيف كان لا إشكال في توجّه المناقشة إلى كلّ من المثالين و إن كان المثال الثّاني من حيث كونه أبعد عن الإيراد و المناقشة أولى، و من هنا ذكر شيخنا دام ظلّه أنّ الأولى التّمثيل به و بما أشبهه.
نعم ربما يتوهّم المتوهّم كون الدّعوى بنفسها أمارة شرعيّة على الملكية فيكون الدّعويان بمنزلة يدين، فلا فرق بين وجود اليد و عدمه فالتّرجيح بالدّخول
........
الشرح
و الخروج على تقدير عدم اليد أيضا فيورد على الأستاذ العلاّمة دام ظلّه بهذه الملاحظة، و أنت خبير بوضوح فساده، فإن الدّعوى فيما يكون أمارة شرعيّة على ما حقّق في باب القضاء هي الدّعوى المأخوذة بشرط لا، أي بشرط عدم المعارض لا الدّعوى لا بشرط و بأيّ وجه كانت، هذا مضافا إلى عدم تعقّل معنى للدّخول و الخروج بهذه الملاحظة كما هو واضح.
و كيف كان لا بدّ من صرف الكلام إلى أصل المطلب فنقول قد عرفت أنّ ظاهر ثاني الشّهيدين، بل صريحه بعد التّأمّل بملاحظة التّفريع و صريح بعض من تأخّر اتّحاد الجمع حكما، بل مدركا في الأخبار و البيّنات، و لكنّك خبير بأنّ ما ذكروه دليلا للقاعدة بالنّسبة إلى الأخبار من تحكيم أدلّة التّعبّد بالصّدور على دليل التّعبّد بالظّهور غير جار بالنّسبة إلى البيّنات جزما ضرورة عدم جواز جعل إحدى البيّنتين بملاحظة دليل اعتبارها قرينة للأخرى و صارفة عنها و كاشفة عن مرادها من غير فرق بين كونهما نصّين، أو ظاهرتين و إن كان المفروض عدم الشّك في مراد البيّنتين و قيام كلّ واحد على طبق الدّعوى على سبيل الجزم و اليقين، و هذا بخلاف الخبرين فإنّهما و إن حكيا و صدرا عن حجّتين إلاّ أنّهما بمنزلة كلامين لشخص واحد لا يحتمل في حقّه السّهو و النّسيان و الغفلة و الخطاء و التّناقض في القول، و إلا فالشّخص الواحد أيضا قد يرجع عن قوله بأحد الأسباب المجوّزة في حقّ غير الحجّة، و من هنا يصحّ جعل أحد الخبرين صارفا عن ظاهر الآخر و قرينة للمراد عنه بعد البناء على صدورهما كما في قطعيّ الصّدور، فالجمع في البيّنات لا بدّ من أن يلاحظ بالنّسبة إلى أدلّة التّصديق و اعتبارها فيصدّق كلّ من البيّنتين بالنّسبة إلى بعض ما شهدت عليه من جهة مزاحمتها مع الأخرى فهو بمنزلة الطّرح في العامّين من وجه على ما عرفت الإشارة إليه، و من هنا يجري الجمع بهذا المعنى في النّصين أيضا على ما سبق القول فيه في معنى الجمع عند الكلام في المراد من
........
الشرح
الألفاظ الواقعة في القاعدة، فإذا لا بدّ من التماس وجه آخر للجمع في البيّنات غير ما عرفته في وجه الجمع في الأخبار لاختلاف المراد من الجمع في الموضعين، و من هنا ذهب غير واحد إلى عدم ثبوت القاعدة في الأخبار و يقال بثبوت الجمع في البيّنات بمقتضى القاعدة و إن قيل بعدم ثبوته في الأخبار فالمسألة ذات وجوه، و كيف كان يستدلّ للجمع في البيّنات بوجهين:
أحدهما: استفادته من جملة من الأخبار الحاكمة بالتّنصيف في الموارد الخاصّة بمعونته تنقيح المناط منها.
ثانيهما: كون التّنصيف في البيّنات و العمل بكلّ من البيّنتين في بعض ما شهدت به و أخبرت عنه جمع بين الحقّين من غير ترجيح بالدّواعي النّفسانيّة الغير المرجّحة شرعا و تخيير لا دليل عليه في وجه و مناف لشرع الفقهاء في وجه آخر.
فإن شئت قلت: إنّ الأمر دائر بين أمور كلّها باطلة سوى التّنصيف، لأن الأمر لا يخلو من أنّه إمّا أن يحكم بترك العمل بالبيّنتين، أو يحكم بالعمل بإحداهما المعيّن، أو يحكم بإحداهما لا على التّعيين بمعنى التّخيير، أو يحكم بالتّصنيف بالمعنى الّذي عرفته و غير الأخير باطل فيتعيّن، إذ لا وجه آخر بعد فرض تعارضهما و عدم إمكان العمل بكلّ واحدة في تمام المشهود به.
أمّا بطلان الأوّل: فلأنه مناف لتشريع القضاء و موجب لإبطال الحقوق.
و أمّا بطلان الثّاني: فلفرض مساواة البيّنتين من حيث المرجّحات المعتبرة شرعا و بطلان التّرجيح بغيرها بعد فرض عدم اعتبارها فيئول الأمر حقيقة إلى التّرجيح و التّعيين من غير مرجّح و معيّن و هو واضح البطلان.
و أمّا الثّالث: فلأنّ تخيير الحاكم لا دليل عليه في المقام لعدم كون التّعارض و الاشتباه في الحكم الشّرعي و لو في طريق فصل الخصومة و القضاء و تخيير المتخاصمين مناف لتشريع القضاء و نقض لغرضه و موجب للهرج و المرج، بل أشدّ
........
الشرح
منه، لأن كلاّ من المتخاصمين يختار العمل ببيّنته هذا.
و أنت خبير بما في الوجهين أمّا الأوّل فلأنه قياس لا نقول به، فإن القطعي منه ممنوع و الظّني منه على تقدير تسليمه يرجع إلى القياس الممنوع، و أما الثّاني فلأنه استحسان و اعتبار محض فيرجع إلى ما يمنع منه، و أما ما ذكر في تقريبه من قضيّة التّرديد و الدّوران، ففيه: أنّ الحكم بتساقطهما و الرّجوع إلى ميزان آخر من اليمين و غيرها لا يوجب محذورا أصلا، مع أن هنا أمرا آخر غير ما ذكر و هو الرّجوع إلى القرعة بمقتضى عموم ما قضي بها لكلّ أمر مشكل. و ممّا ذكرنا كلّه يظهر أنّه يمكن القول بالجمع بين البيّنات بالنّظر إلى الوجهين و إن قيل بعدمه في الأخبار نظرا إلى ما عرفت من تضعيف تحكيم أدلّة الصّدور على دليل الظّهور، كما أنّه يمكن العكس، و أما توهين الجمع في البيّنات بلزوم التّبعيض في الصّدق و الكذب بالنّسبة إلى خبر واحد فقد عرفت أنّه استبعاد محض، فلو كان هناك دليل عليه لقلنا به كما قلنا فيما قام الدّليل فيه على التّنصيف و قلنا به في العامّين من وجه أيضا في تعارض الأخبار فيما لم يكن هناك قوّة لأحد العامّين، فإن المختار وفاقا للمشهور الحكم بالطّرح في مادّة التّعارض ترجيحا، أو تخييرا، بل في العام و الخاصّ أيضا فيما كانا متكافئين بحسب الدّلالة إذا اختار العمل بالخاصّ لأحد الوجهين و لا يتوجّه عليه ما توهم من التّبعيض في الصّدق و الكذب، بل اللاّزم هو التّبعيض في الأخذ بدليل التّصديق الظّاهري كما عرفته في الطّرح في العامّين من وجه، بل قد يقال بكون الطّرح فيما عرفت أسوأ حالا من الجمع في المقام من حيث إنّ المخبر به للعادل هو قول الإمام عليه السلام و هو أمر بسيط و إن كان ما صدر عن الإمام عليه السلام قابلا للتّجزية، و هذا بخلاف خبر الشّاهد، فإن مرجع شهادته بكون الدّار لزيد مثلا إلى كون كلّ جزء منها لزيد فيصدّق في بعض ما يخبر به فكأنّه ينحلّ إلى أخبار متعدّدة، و من هنا قيل بالتّفصيل في القاعدة بين العامّين من وجه
........
الشرح
و غيره في الأخبار على ما عرفت و لا يقاس بالحديث الواحد المشتمل على قضايا متعدّدة و فقرات كثيرة، فإن مرجعه إلى أحاديث حقيقة و إن كان هذا القول ضعيفا، فإنه إذا فرض المحكي عن الإمام عليه السلام مشتملا على أجزاء كان أخبار الرّاوي في ظرف التّحليل راجعا إلى أخبار متعدّدة كما في البيّنات، كيف و قد يحكم بالتّفكيك في التّصديق بما هو أشكل من ذلك، أ لا ترى أنّه لو كان الخبر مشتملا على مسألة لغويّة، أو أصوليّة كلاميّة اعتقاديّة يحكم بتصديقه فيما يتفرّع على المخبر به من المسألة الفرعيّة و لا يصدق في نفس المخبر به، و هكذا في الإقرار بأمر واحد متعلّق بالنّفس و الغير من وجهين، و هكذا و الحاصل أنّ التّفكيك بحسب الحكم الظّاهري بين المتلازمين، بل الجمع بين النّقيضين بحسبه ممّا لا غبار عليه أصلا كما وقع كثيرا في الشّرعيّات، كيف و قد عرفت وقوعه في الشّرعيّات في أخبار الأحكام أيضا عند شيخنا قدس سره، بل المشهور في العامّين من وجه و شبههما بعد البناء على ترجيح الطّرح على الجمع، بل قد عرفت إمكان الجمع في أخبار الأحكام بهذا المعنى أيضا و إن كان المتعارضان نصّين بحسب الدّلالة، إلا أن الحقّ فيها لمّا كان للشّارع، فلا يفرق بحسب الاعتبار بينه و بين الطّرح، و هذا بخلاف الأخبار في الموضوعات و البيّنات، فإن الحقّ فيها مردّد بين شخصين فكان إيصال الحقّ إلى صاحبه في الجملة أولى من حرمانه الرّأسي فيكون الجمع بحسب الاعتبار أولى من الطّرح فيها، و من هنا يمكن التّفكيك في القاعدة بين المقام و البيّنات إذا لوحظ الجمع بهذا المعنى، إلا أنه لمّا لم يكن دليل عليه بهذا المعنى بقول مطلق فيتبع المورد الخاصّة و لم يحكم بكونه على طبق القاعدة و الأصل، و من هنا قلنا بأنّ مقتضى القاعدة عند فقد الموازين الخاصّة القرعة بعد الحكم بتساقط البيّنتين المتعارضتين بناء على عدم التّرجيح في البيّنات إلاّ بالمرجّحات الخاصّة المنصوصة كأعدليّة الشّهود و أكثريّتها كما هو المختار
قضية أولوية الجمع: «الحكم بتنصيف دار تداعياها و هي في يدهما، أو لا يد لأحدهما و أقاما بينة» انتهى المحكي عنه.
و لو خص المثال بالصورة الثانية لم يرد عليه ما ذكره المحقق القمي رحمه اللّه و إن كان ذلك أيضا لا يخلو عن مناقشة يظهر بالتأمل، و كيف كان فالأولى التمثيل بها و بما أشبهها مثل حكمهم بوجوب العمل بالبينات في تقويم المعيب و الصحيح.
الشرح
و المشهور، أو عدم صلاحيّة القرعة للتّرجيح بها من حيث بنائها على التّعبّد فيكون مرجعا لا مرجحا. نعم فيما أعرضوا عنها و لم يحكموا بها لا نضايق من القول به، كما أنّه لما لم يكن دليل على الجمع بالمعنى المعروف في أدلّة الأحكام عندنا بقول مطلق دار الحكم به مدارك الشّاهد عليه من الدّاخل، أو الخارج و بما حرّرنا كلّه يظهر لك التّوفيق بين كلمات شيخنا الأستاذ العلاّمة دام ظلّه في تحرير المقام و عدم التّدافع بينها كما توهّم. نعم قوله: (و هذا النّحو غير ممكن في الأخبار) إلخ قد يناقش فيه بأنّ الجمع الّذي بني عليه في البيّنات على تقدير القول به هو التّصديق البنائي الظّاهري، و إلا فقد يعلم بكذب إحدى البيّنتين و صدق الأخرى فيعلم بخطاء التّبعيض كما هو الغالب فالمثبت في البيّنات هو الّذي استدركه بقوله.
نعم قد يتصوّر التّبعيض في ترتيب الآثار إلخ و إليه يرجع الطّرح في العامّين من وجه فصدور القول الخاص من الإمام عليه السلام و عدمه و إن كانا غير ممكنين بحسب الواقع لامتناع اجتماع النّقيضين إلاّ أنّهما ممكنان بحسب الظّاهر، كما أنّه يمكن التّفكيك في الزّوجيّة و النّسب بهذا المعنى أيضا.
نعم شركة المتداعيين في العين الواحدة ممكنة بحسب الواقع بخلاف صدور القول الواحد و عدمه و عليه بنى كلامه دام ظلّه العالي في الفرق و الإنصاف أنّ ما أفاده في تحرير المقام لا يخلو عن تشويش و إن أمكن الجمع بين كلماته.
و كيف كان فالكلام في مستند أولوية الجمع بهذا النحو، أعني العمل بكل من الدليلين في بعض مدلولهما المستلزم للمخالفة القطعية لمقتضى الدليلين، لأن الدليل الواحد لا يتبعض في الصدق و الكذب و مثل هذا غير جار في أدلة الأحكام الشرعية.
و التحقيق أن العمل بالدليلين بمعنى الحركة و السكون على طبق مدلولهما غير ممكن مطلقا، فلا بد على القول بعموم القضية المشهورة من العمل على وجه يكون فيه جمع بينهما من جهة و إن كان طرحا من جهة أخرى في مقابل طرح أحدهما رأسا، و الجمع في أدلة الأحكام عندهم بالعمل بهما من حيث الحكم بصدقهما و إن كان فيه طرح لهما من حيث ظاهرهما.
و في مثل تعارض البينات لما لم يمكن ذلك لعدم تأتي التأويل في ظاهر كلمات الشهود، فهي بمنزلة النصين المتعارضين انحصر وجه الجمع في التبعيض فيهما من حيث التصديق بأن يصدق كل من المتعارضين في بعض ما يخبر به.
فمن أخبر بأن هذا كله لزيد فصدقه في نصف الدار و كذا من شهد بأن قيمة هذا الشيء صحيحا كذا و معيبا كذا، فصدقه في أن قيمة كل نصف منه منضما إلى نصفه الآخر نصف القيمة.
و هذا النحو غير ممكن في الأخبار، لأن مضمون خبر العادل، أعني صدور هذا القول الخاص من الإمام عليه السلام غير قابل للتبعيض، بل هو نظير تعارض البينات في الزوجة، و النسب.
نعم قد يتصور التبعيض في ترتيب الآثار على تصديق العادل إذا كان كل من الدليلين عاما ذا أفراد فيؤخذ بقوله في بعضها، و بقول الآخر في بعضها فيكرم بعض العلماء و يهين بعضهم فيما إذا ورد أكرم العلماء و ورد أيضا أهن
العلماء، سواء كانا نصين بحيث لا يمكن التجوز في أحدهما، أو ظاهرين، فيمكن الجمع بينهما على وجه التجوز و على طريق التبعيض.
إلا أن المخالفة القطعية في الأحكام الشرعية لا ترتكب في واقعة واحدة، لأن الحق فيها للشارع و لا يرضى بالمعصية القطعية مقدمة للعلم بالإطاعة، فيجب اختيار أحدهما و طرح الآخر بخلاف حقوق الناس، فإن الحق فيها لمتعدد فالعمل بالبعض في كل منهما جمع بين الحقين من غير ترجيح لأحدهما على الآخر بالدواعي النفسانية، فهو أولى من الإهمال الكلي لأحدهما، و تفويض تعيين ذلك إلى اختيار الحاكم و دواعيه النفسانية الغير المنضبطة في الموارد، و لأجل هذا يعد الجمع بهذا النحو مصالحة بين الخصمين عند العرف و قد وقع التعبد به في بعض النصوص أيضا.
فظهر مما ذكرنا أن الجمع في أدلة الأحكام بالنحو المتقدم من تأويل كليهما لا أولوية له أصلا على طرح أحدهما و الأخذ بالآخر، بل الأمر بالعكس.
و أمّا الجمع بين البينات في حقوق الناس فهو و إن كان لا أولية فيه على طرح أحدهما بحسب أدلة حجية البينة، لأنها تدل على وجوب الأخذ بكل منهما في تمام مضمونه، فلا فرق في مخالفتهما بين الأخذ لا بكل منهما، بل بأحدهما، أو بكل منهما لا في تمام مضمونه، بل في بعضه.
إلا أن ما ذكره من الاعتبار لعله يكون مرجحا للثاني على الأول.
و يؤيده ورود الأمر بالجمع بين الحقين بهذا النحو في رواية السكوني المعمول بها فيمن أودعه رجل درهمين و آخر درهما فامتزجا بغير تفريط و تلف أحدهما هذا.
و لكن الإنصاف أن الأصل في موارد تعارض البينات و شبهها هي القرعة.
نعم يبقى الكلام في كون القرعة مرجحة للبينة المطابقة لها، أو مرجعا بعد تساقط البينتين، و كذا الكلام في عموم موارد القرعة، أو اختصاصها بما لا يكون هناك أصل عملي كأصالة الطهارة مع إحدى البينتين و للكلام مورد آخر.
فلنرجع إلى ما كنا فيه فنقول حيث تبين عدم تقدم الجمع على الترجيح و لا على التخيير، فلا بد من الكلام في المقامين اللذين ذكرنا أن الكلام في أحكام التعارض يقع فيهما فنقول: إن المتعارضين إمّا أن لا يكون مع أحدهما مرجح فيكونان متكافئين متعادلين، و أمّا أن يكون مع أحدهما مرجح.
و الكلام فيه أولا (1) في أن الأصل في المتكافئين التساقط و فرضهما كأن لم يكونا أولا، ثم اللازم بعد عدم التساقط الاحتياط، أو التخيير، أو التوقف و الرجوع إلى الأصل المطابق لأحدهما دون المخالف لهما، لأنه معنى تساقطهما فنقول و باللّه المستعان.
الشرح
(1) الكلام في التّعادل و إن وقع في كلماتهم في مواضع في مفهومه و إمكانه و وقوعه و حكمه، بل أطال القول غير واحد في مفهومه و إمكانه و حكي عن غير واحد منعه، إلا أن وضوح الأمر فيها يغني عن التّكلّم في غير حكمه، لأن مفهومه بحسب اللّغة و العرف العام، سواء أخذ من العدل بالكسر أو منه بالفتح معروف و بحسب العرف الخاصّ إن بني على النّقل معلوم و إن اختلفت عباراتهم في بيانه، إلا أنه لا اختلاف فيه بحسب المعنى، لأنه تكافؤ الأمارتين المتعارضتين في النّظر بحسب ما يوجب ترجيح إحداهما في حكم الشّارع، فلا معنى لأخذ النّسبة و الثّمرة بين التّعاريف، مع أنه يمكن القول بعدم النّقل من حيث كونه مأخوذا من
........
الشرح
العدل بالكسر بمعنى الشّوق و الميل، أو من العدل بالفتح من التّساوي و إمكانه بحسب كلّ من الواقع و النّظر لا محذور فيه أصلا، مع أن التّعرض لحكمه في أخبار الباب يغني عن التكلّم في الإمكان، بل الوقوع، فلا بدّ من صرف العنان إلى التّكلّم في حكمه، و الكلام فيه قد يقع فيما يقتضيه الأصل و القاعدة الأولويّة مع قطع النّظر عن مقتضى الدّليل الوارد و قد يقع فيما يقتضيه الدّليل في المتعارضتين بقول مطلق، أو خصوص المتعارضين من الأخبار، كما أنّ مقتضى الأصل لا يلاحظ بالنّسبة إلى خصوص عنوان التعادل فربما يستفاد حكمه من مقتضى الأصل في عنوان التّعارض نظرا إلى كونه من أفراده و انطباقه عليه.
ثمّ إنّ الكلام من الجهة الأولى يقع تارة من حيث اقتضاء الأصل التّساقط و عدمه، و أخرى في بيان ما يقتضيه على الثّاني من الوجوه المذكورة في الكتاب فنقول:
قد يقال: بل قيل بأنّ مقتضى الأصل التّساقط بمعنى عدم شمول دليل اعتبار الأدلّة و الأمارات المعتبرة لصورة التّعارض، سواء كان مستندا إلى المانع عن الشّمول فيما كان من الأدلّة اللّفظيّة بالتّقريب المذكور في الكتاب، أو إلى عدم المقتضي له فيما كان من الأدلّة اللّبيّة كالإجماع بقسميه من القولي و العملي و إن زيّفه في الكتاب بما يرجع حاصله إلى إثبات اتّحاد مفاد الدّليلين في المقام، و إلا لم يكن معنى للتعارض فإنّا لا نعني به إلاّ تنافي الدّليلين مع بقائهما على هذا العنوان في مورد التّعارض بحيث لا يكون المانع عن العمل بهما إلاّ تعارضهما فتأمّل.
و المختار عند شيخنا الأستاذ العلاّمة دام ظلّه فساد ما زعموه، سواء على القول بالسّببيّة في حجيّة الأمارات، أو الطّريقيّة فقد أطال الكلام في تقريب المرام على كلّ من القولين و الوجهين لخفاء المطلب و دقّته، و حاصل ما أفاده على الوجه
........
الشرح
الأوّل: أنّ المستعمل فيه و المراد أمر وحداني لا يختلف حاله بحسب التّعارض و عدمه، فإن المراد من دليل الحجيّة و وجوب العمل هو الوجوب التّعييني مطلقا، إلا أن التّكليف بجميع أقسامه لمّا كان في حكم العقل مشروطا بالقدرة من غير فرق بين الحكم الأصولي و الفرعي، و كان المكلّف قادرا على العمل بكلّ من المتعارضين مع عدم العلم بالآخر بحكم الوجدان، كما أنّه غير قادر على العمل به مع العمل بالآخر، كان الحاصل وجوب العمل بكلّ واحد مع ترك العمل بالآخر فالنّتيجة التّخيير، لكن لا من جهة استعمال اللّفظ فيه حتّى يتوجّه عليه محذور استعمال اللّفظ في معنيين و لا من جهة إنشاء العقل حتّى يكون عقليّا، كما في دوران الأمر بين الوجوب و التّحريم ضرورة امتناع اجتماع وجوبي التّخييري و التّعييني، و إن كان أحدهما عقليّا و الآخر شرعيا مضافا إلى كونه خلاف الواقع و الوجدان.
و من هنا قلنا في محلّه بأنّ ما اشتهر من حكم العقل بالوجوب التّخييري بين الأفراد فيما تعلّق الأمر بإيجاد الطّبيعة، أو بين أجزاء الزّمان في الواجبات الموسعة ليس على ما يتراءى من ظاهره ضرورة أنّ ما يوجد في الخارج من الحصّة يتّصف بالوجوب التّعييني لا محالة، لأنه عين الطّبيعة المطلوبة بالوجوب التّعييني، فكيف يتّصف بالوجوب التّخييري، فالمراد من التّخيير العقلي هو مجرّد تسوية الأفراد في وجدان العقل في انطباق الطّبيعة عليها، و من هنا يظهر فساد توهّم التّخيير الإنشائي في الواجب الموسّع بالنّسبة إلى أجزاء الزّمان أيضا، فالتّخيير في المقام يشبه التّعيين في الواجب التّخييري إذا تعذّر بعض أفراده، فإن نتيجة الوجوب التّخييري المتعلّق بشيئين، أو أشياء عند تعذّر أحد الفردين، أو الأفراد هو الوجوب التّعييني فيما تيسّر لا أن يحدث إنشاء آخر من الشّارع عند التّعذر و العينيّة الحاصلة في الواجب الكفائي عند انحصار من به الكفاية في شخص، فإنه لم يحدث في حقّه من الشّارع خطاب آخر غير الخطاب الكفائي، فالحاصل من الوجوب التعييني المتعلق
........
الشرح
بطبيعة، أو طبيعتين عند تزاحم الفردين منها، أو منهما هو الوجوب التّخييري لا بإنشاء آخر من الشّارع و لا بإنشاء من العقل، و هذا ما ذكرنا من أنّ نتيجة الوجوب التّعييني المتعلّق بطبيعة واحدة عند تزاحم الفردين منها، أو طبيعتين عند تزاحم الفردين منهما بملاحظة اشتراط جميع التّكاليف، بل الأحكام بالقدرة في حكم العقل هو الوجوب التّخييري فكلّ ما اختاره المكلّف من المتزاحمين يتّصف في الخارج بما يتّصف به عند عدم المزاحمة بحسب الحقيقة، لأن الوجوب التّعييني تابع للمصلحة الكامنة في الفعل على وجه التّعيين غاية ما هناك عجز المكلّف و قصوره عن إدراكها، و هذا الوجوب التّخييري كما ترى لا يضادّ التّعيين، بل هو عينه و إن اختلف التّعبير، فلا يلزم اجتماع الحكمين.
ثمّ إنّ هذا الذي عرفت مطّرد في جميع موارد تزاحم الواجبات إذا كانت في مرتبة واحدة و لم يكن بعضها أهمّ و أقوى و آكد مصلحة كتزاحم صلاتين إذا كانتا في مرتبة واحدة و إنقاذ غريقين بالشّرط المذكور إذا لم يتمكّن المكلّف من الجمع و لو بحسب ضيق الوقت كما في صلاتين، و قد يتصوّر التّزاحم في المحرّمات أيضا عند الاضطرار و حكمه حكم التّزاحم، فيجب على المكلّف تخييرا امتثال أحد النّهيين إذا كانا في مرتبة واحدة فالحكم في جميع موارد التّزاحم بعد إحراز وجود المصلحة الفعليّة في المتزاحمين كما هو مناط التّزاحم على ما عرفت، إذ لو فرض عدم تعيّن الإتيان ببعضها مع عدم الإتيان ببعضها الآخر لزم الاشتراط بشيء آخر غير القدرة و هو خلف و إلى ما ذكرنا يرجع ما أفاده بقوله فوجوب الأخذ بأحدهما نتيجة وجوب الامتثال و العمل بكلّ منهما بعد تقييد وجوب الامتثال بالقدرة.
نعم فيما كان أحدهما أهمّ يتعيّن الإتيان به مطلقا و لا يجوز الإتيان بغيره، كذلك لا من جهة تعلّق النّهي، بل من جهة عدم تعلّق الطّلب فيكون فاسدا إذا كان
........
الشرح
من العبادات خلافا لفقيه عصره في كشفه و من تبعه ممّن قال بالتّرتّب في المقام و في مسألة الضدّ كما أشرنا إليه و إلى ما فيه في الجزء الثّاني من التّعليقة، هذا حاصل ما استفدناه من إفاداته في الكتاب و مجلس المذاكرة بتوضيح منّا حسبما يساعده فهمي القاصر على تقدير كون الأمر بالعمل بالأخبار و غيرها من الأمارات من باب السّببيّة و الموضوعيّة، و أمّا حاصل ما أفاده في وجه فساده توهّم التّساقط على الطّريقيّة و لو من جهة قيامها بالسّبب الخاص المعبّر عنه بالظّن الخاصّ فهو إن مناط الحجيّة و وجوب العمل و إن كان مرتفعا عن كلام المتعارضين، و لو كان الملحوظ في مقام الجعل هو الظّن النّوعي و الكشف الغالبي و غلبة المطابقة للواقع لا الظّن الشّخصي ضرورة ارتفاع المناط المذكور عنهما مع العلم بعدم مطابقة أحدهما للواقع و امتناع قيامه بهما، أو بأحدهما المعيّن في الواقع، أو عندنا، أو بأحدهما المردّد، أي بهذا المفهوم، إذ الصّالح المتوهّم من الوجوه المذكورة ليس إلاّ الثّاني بتوهّم جعل الحجّة ما طابق الواقع من الخبرين في نظر الشّارع، و إن تردّد عندنا كما في موارد اشتباه الحجّة بما ليس بحجّة كالصّحيح المردّد بين الخبرين و هو غير صالح جزما، لاستحالة تعلّق الجعل ظاهرا و واقعا بالعنوان المذكور بعد فرض امتناع جعل العلم و لزوم صلاحيّة العنوان المأخوذ في موضوع الحكم لتعلّق الحكم به مع العلم به تفصيلا كما عرفته في الصّحيح المردّد، إلا أن ارتفاعه إنّما هو بالنّسبة إلى ما تعارضا فيه لا بالنّسبة إلى غيره فضلا عمّا تعاضدا على إثباته، فبالنّسبة إلى نفي الثّالث لا مانع من الأخذ بهما لكونهما متعاضدين في الدّلالة عليه و نتيجته كما ترى الرّجوع إلى الأصل العملي المطابق لأحدهما إن كان و لو على القول بالتّرجيح بالأصل الفاسد عندنا، لأن البحث فيما يقتضيه الأصل و القاعدة مع قطع النّظر عمّا يقتضيه الدّليل الوارد، و منه يظهر المناقشة فيما أفاده شيخنا في الكتاب من التّقييد بقول إن لم نرجّح بالأصل و إن لم يكن هناك أصل على طبق
........
الشرح
أحدهما فيحكم بالتّخيير و الأخذ بمفادهما، كما لو علم بعدم الثّالث فهو تخيير عقليّ بين الاحتمالين من سنخ التّخيير في دوران الأمر بين الوجوب و التّحريم، فإن مسألتنا أعمّ من تلك المسألة من جهات و إن كانت تلك المسألة أعمّ من مسألتنا من جهة، فالنّتيجة إذا التّوقف البرزخ بين التّساقط عن رأس و بقول مطلق و الحجّية بالنّسبة إلى مورد التّعارض، كما هو الثّابت على السّببيّة المحضة على ما عرفت شرح القول فيه، فالعمل بالتّساقط ساقط على كلّ وجه و قول.
فإن قلت: نفي الثّالث على ما ذكرت إنّما هو من باب اللّزوم و دلالة كلّ من المتعارضين على ما ينافيه و ليس مدلولا مستقلا لهما يراعى، مع انتفاء ما يلزمه، و من المعلوم ضرورة قضاء التّبعيّة و اللّزوم انتفاء اللاّزم، مع انتفاء الملزوم، فلا مناص من القول بالتّساقط و الرّجوع إلى الأصل مطلقا و لو كان هو التّخيير في المسألة الفرعيّة إذا فرض دوران الأمر بين المحذورين.
قلت: ما ذكر من كون الدّلالة على نفي الثّالث بالدّلالة التّبعيّة و اللّزوم مسلّم لا شبهة فيه، إلا أن الدّلالة التبعيّة تابعة للدّلالة الأصليّة بحسب الوجود لا بحسب الاعتبار و الحكم من جهتها بثبوت المدلول، و من هنا يحكم بالمسألة الفرعيّة ممّا دلّ على المسألة الأصوليّة الاعتقاديّة، أو اللّغويّة على القول بعدم حجيّة خبر الواحد فيهما.
و الحاصل: أنّ التّفكيك بحسب الاعتبار ممّا لا غبار فيه أصلا بعد فرض وجود الدّلالتين على ما أسمعناك مرارا في بحث حجيّة أخبار الآحاد، كما أنّه قد ينعكس الأمر و يؤخذ بالدّلالة الأصليّة و يطرح التّبعيّة كالخبر الحاكي عن المسألة الفرعيّة المتفرّعة على المسألة الكلاميّة مثل ما دلّ على نجاسة المجسّمة.
فإن قلت: ما ذكر في المقام من التّفكيك في الاعتبار بين الدّلالتين ينافي ما تقرّر في باب الإجماع المركّب و التّواتر الإجمالي من اعتبار كون نفي الثّالث، أو
........
الشرح
إثبات القدر المشترك مقصودا مستقلا للمجمعين و المخبرين، و عدم كفاية لزومهما للإفتاء بالخصوصيّات و الإخبار عنها على ما تقدّم تفصيل القول فيه في الجزء الأوّل من التّعليقة.
قلت: لا تنافي بين ما ذكرنا في المقام و ما ذكر هناك أصلا ضرورة توقّف تحقّق الإجماع و التّواتر على وجود الفتوى و الخبر و مجرّد اللّزوم لا يوجب تحقّقهما، و ليس ما ذكر في المقام مبنيّا على تعدّد الخبر بالنّسبة إلى الملزوم و اللاّزم، بل على مجرّد الكشف و الطّريقيّة المطلقة بناء على ما أسمعناك في بحث حجيّة الأخبار، بل مطلق الطّرق الظّنية من أنّ مقتضى دليل اعتبارها هو الأخذ بما لها من الكشف بقول مطلق و ترتيب جميع ما يترتّب من اللّوازم الشّرعيّة على تقدير العلم بثبوت مدلولها و لو بوسائط عديدة غير شرعيّة، ثمّ إنّ هذا الّذي ذكرنا فيما لم يعلم بثبوت مدلول أحد المتعارضين، و إلا فلا حاجة إلى الكلفة المذكورة في نفي الثّالث كما هو واضح.
ثمّ إنّه لو علم حال المتعارضين من حيث الموضوعيّة و الطّريقيّة و بني على إحداهما كان الحكم على كلّ وجه ما بنى عليه شيخنا الأستاذ العلاّمة دام ظلّه و بيّن حكمه و لو جهل الحال من جهة الوجهين لم يكن إشكال في عدم التّساقط أيضا و بني من حيث الحكم على الطّريقيّة، لأن نفي الثّالث مدلول لهما على كلّ تقدير و رفع اليد عن الأصل المطابق لم يعلم جوازه للشّك في حجيّة المتعارضين بالنّسبة إلى مدلولهما من جهة عدم العلم بالسّببيّة، و مقتضى الأصل المقرّر في مطلق الشّك في الحجيّة الحكم بعدمها بالمعنى الّذي عرفته غير مرّة و ستعرفه أيضا، و كذا البناء على التّخيير العذري فيما لم يكن هناك أصل على طبق أحدهما لا يجوز رفع اليد عنه لما عرفت، فإنه قسم من الأصل أيضا.
ثمّ إنّه قدس سره بعد بيان لازم الوجهين بنى على الوجه الثّاني نظرا إلى ظهور
........
الشرح
أدلّة حجيّة الأمارات، سيّما الأخبار فيه و ظهور ما ورد في علاج المتعارضين من الأخبار بالمرجّحات المذكورة، سيّما على القول بالتّسرية و التّعدّي من المرجّحات المنصوصة كما هو المشهور و المختار على ما ستقف عليه، بل يمكن دعوى نصوصيّة أخبار العلاج في ذلك مضافا إلى الإجماع المدّعى على وجوب الأخذ بأقرب الدّليلين و أقواهما، و لا تعارض أخبار التّرجيح بأخبار التّخيير من حيث إنّ مقتضاها لازم السّببيّة فيكشف عنها، إذ لو كان مبنى حجيّة الأخبار على الطّريقيّة لوجب الحكم في هذه الأخبار بالتّوقّف و الرّجوع إلى الأصل عند فقد المرجّح كما هو لازم الطّريقيّة.
أمّا أوّلا: فلأنه على السّببيّة لا بدّ من أن يحكم بالتّخيير من أوّل الأمر ضرورة منافات لزوم التّرجيح بها مع السّببيّة، إذ التّرجيح عليها لا يجوز إلاّ بالأهميّة على ما أسمعناك لا بالأقربيّة.
و أمّا ثانيا: فلاحتمال كون مبنى التّخيير في المقام على التّخيير العذري الّذي بنينا عليه على الطّريقيّة، فلا يكشف عن السّببيّة.
فإن قلت: أخبار التّخيير ظاهرة في السّببيّة من وجهين أحدهما أنّها ظاهرة في كون المأخوذ و المستند المختار من المتعارضين فينافي الطّريقيّة و التّخيير العذري الثّابت في الاحتمالين ثانيهما أنّ مدلولها التّخيير على كلّ تقدير، سواء كان هناك أصل على طبق أحدهما أولا، و هو ينافي الطّريقيّة أيضا فإن الثّابت على الطّريقيّة على ما عرفت التّخيير عند عدم أصل على طبق أحدهما لا مطلقا.
فإن شئت قلت: إنّ العلاج بالتّخيير ظاهر في التّخيير بين الحجّتين لا الاحتمالين، فيحمل العلاج بالتّرجيح الظّاهر في الطّريقيّة على كون الرّاجح أقوى مصلحة و آكدها في نظر الشارع فيكون أهمّ فينطبق على الموضوعيّة و السّببيّة.
قلت: لو أغمض عمّا ذكرنا من كون ما دلّ على التّرجيح نصّا في الطّريقيّة،
........
الشرح
سيّما بملاحظة التّعليل الوارد فيها لم يكن إشكال في كونه أظهر و أقوى دلالة على الطّريقيّة، فلا بدّ من رفع اليد عن ظهور ما دلّ على التّخيير حملا للظّاهر على الأظهر، فلا بدّ من أن يلتزم بكون هذا التّخيير العذري مقدّما في نظر الشّارع على الأصل، و إلى ما ذكرنا أشار قدس سره بقوله، ثمّ إنّ حكم الشّارع بالتّخيير في تلك الأخبار إلخ.
فالمراد من تعليل عدم الدّلالة المستندة إلى التّوهم المذكور بقوله لقوّة احتمال كون التّخيير إلى آخره هي قوّته بملاحظة مجموع أخبار العلاج بعد العلاج بينها بما عرفت لا بملاحظة نفس أخبار التّخيير، و إن كانت العبارة ربما تأبى عن ذلك، لأن التّرقي بقوله، بل الأخبار إلى آخره ربما يشهد بأنّ المراد الاستشهاد بنفس أخبار التّخيير فتدبّر.
هذا ما يستفاد ممّا أفاده شيخنا العلاّمة لكنّك خبير بأنّ احتمال السّببيّة و إدراج المقام في باب التّزاحم غير متطرّق في باب التّعارض حتّى يقع البحث عن مقتضاه و يتمسّك لنفيه بظهور أدلّة حجيّة الأخبار، أو أخبار التّرجيح حتّى يعارض بظهور أخبار التّخيير و يقع من جهة العلاج بينهما في حيص و بيص، لأن السّببيّة المتوهّمة إن لوحظت بالنّسبة إلى الحكم الواقعي حتّى ينطبق على التّصويب الباطل عند الإماميّة، كما ربما يتوهّم من بعض كلمات شيخنا العلاّمة قدس سره مثل قوله المتقدّم في مقام دفع توهّم دلالة حكم الشّارع بالتّخيير على السّببيّة لقوّة احتمال أن يكون التّخيير حكما ظاهريا عمليا في مورد التّوقّف لا حكما واقعيا ناشئا عن تزاحم الواجبين، فيتوجّه عليه مضافا إلى بطلان التّصويب عندنا بأنّه كيف يتصوّر التزاحم بين الخبر الدّال على وجوب شيء و الخبر الدّالّ على حرمته مثلا مع امتناع اشتمال الشّيء الواحد على جهتي الوجوب و الحرمة و اجتماع الحكمين مع تضادّهما و لو على القول بجواز اجتماع الأمر و النّهي لانتفاء الحيثيّة التّقييديّة
........
الشرح
المجوّزة على القول بالجواز كما هو واضح، و قد عرفت أنّ التّخيير بين المتزاحمين راجع إلى التّعيين حقيقة.
فإن شئت قلت: إنّ عدم إمكان الاجتماع في مورد التّعارض ليس مستندا إلى قصور المكلّف، بل مستند إلى المتعارضين، فلا معنى لإلحاق المقام بالمتزاحمين و إن لوحظت بالنّسبة إلى الحكم الظّاهري، كما هو مقتضى قوله قدس سره هذا كلّه على تقدير أن يكون العمل بالخبرين من باب السّببيّة بأن يكون قيام الخبر على وجوب شيء واقعا سببا شرعيا لوجوبه ظاهرا على المكلّف إلى آخر ما أفاده، فيتوجّه عليها أنّ مرجع السّببيّة بهذا المعنى كما ترى إلى القول بحجيّة الأخبار من باب التّعبّد الشّرعي كالأصول العمليّة فيلحقها حكم الأصول.
و من المعلوم الّذي قد سبق القول فيه منّا و من شيخنا العلاّمة قدس سره في أجزاء الكتاب و أجزاء التّعليقة مرارا أنّه لا مقتضي للسّببيّة بالمعنى المذكور مع العلم الإجمالي بالمخالفة للواقع لشيء من المتعارضين، فلا معنى للتّخيير الّذي عرفته في المتزاحمين، كما أنّه لا معنى للتّخيير بين الأصلين المتعارضين فيما يفرض تعارضهما على ما أسمعناك في تحقيق محلّ التّعارض.
فإن شئت قلت: إنّ كلّ حكم ثبت لموضوع، سواء فرض واقعيا، أو ظاهريا من لوازم الموضوع و مقتضياته في ظاهر القضيّة و إنّما الكلام في تحقّق موضوع الدّليل و الأصل مع العلم بالخلاف، فلا فرق بين السّببيّة و الطّريقيّة من هذه الجهة و هذا بخلاف التّزاحم في الواجبات الواقعيّة المستند إلى قصور المكلّف، فإنه لا يفرض هناك تعارض بين الواجبين و علم بمخالفة أحدهما للواقع هذا بعض الكلام فيما يتوجّه على السّببيّة، مضافا إلى أنّ الالتزام بثبوت الحكمين و لو ظاهرا لشيء واحد و لو من جهتين تقييديّتين، فضلا عن تعليليّتين كما في المقام موجب لاجتماع الضّدين و هو محال، و لا ينافي ذلك ما عرفت من جواز اجتماع النّقيضين بحسب
........
الشرح
الحكم الظّاهري فضلا عن الضّدين، لأن الاجتماع هناك بمعنى آخر و هو الحكم ببعض أحكام وجود الشّيء في مرحلة الظّاهر و الحكم ببعض أحكام عدمه كذلك، و هذا هو المراد بالتّفكيك الّذي عرفته، و أين هذا من اجتماع الحكمين المبحوث عنه في المقام، كيف و لو لا ذلك خرج الفرض عن التّعارض كما هو ظاهر، و أمّا ما أفاده على الطّريقيّة الّتي بنى عليها وفاقا للمشهور في عنوان حجيّة الأخبار و غيرها من الأمارات، فيتوجّه عليه بعد تسليم عدم انفكاك التّعارض عن العلم الإجمالي بمخالفة أحدهما للواقع و تسليم قدحه في الطّريقيّة و لو بمعنى الظّن النّوعي، و إلا فقد يمنع عنه لاحتمال صدق المتعارضين و صدورهما من الشّارع غاية ما هناك ثبوت العلم الإجمالي باختلال جهة من جهات أحد المتعارضين من الصّدور، أو وجهه، أو الدّلالة، اللّهمّ إلا أن يقال بكفاية ذلك في القدح أيضا فإنه من الشّبهة المحصورة مع الابتلاء بجميع أطرافها إن حكم الشّارع بالتّرجيح، فضلا عن التّخيير ينافي ما ذكر من الطّريقيّة، فإن لازمها سقوط المتعارضين عن الحجيّة، فلا يفرض ترجيح و لا تخيير بين الحجّتين كما هو ظاهر الأخبار، فلا بدّ من الالتزام بأحد شيئين على الطّريقيّة أحدهما رجوع حكم الشّارع بالتّرجيح و التّخيير إلى حكمه الابتدائي التّأسيسي لحجيّة أحد المتعارضين تعيينا، أو تخييرا مع سقوطهما عن الحجيّة بالنّظر إلى دليل الحجيّة نظرا إلى عدم قابليّته لشمول مورد التّعارض، فحكم الشّارع بلزوم الأخذ بالرّاجح مثل حكمه بلزوم الأخذ بخبر العادل، فلا يحتاج إلى جعل التّخيير حكما عذريّا كالتّخيير بين الاحتمالين حتّى يتوجّه إشكال رفع اليد عن الأصل المطابق لأحدهما على ما عرفت.
ثانيهما: منع بطلان الطّريقيّة النّوعيّة في مورد التّعارض و كون تعيين الأخذ بالرّاجح من جهة قوّة مناط الحجيّة فيه بعد عدم إمكان الأخذ بهما لمكان التّعارض، فيكون التّخيير إذا على طبق القاعدة كما في المتزاحمين و الوجه الأوّل
........
الشرح
و إن كان خلاف ظاهر أخبار العلاج، إلا أنه لا مناص عنه بعد بطلان الوجه الثّاني و يظهر الثّمرة بين الوجهين في تعارض غير الأخبار كما ستعرفه.
و حاصل ما ذكرنا: أنّ باب التّزاحم يغاير باب التّعارض و لا دخل لأحدهما بالآخر أصلا، فإن الأوّل إنّما يتحقّق و يفرض بعد الفراغ عن ثبوت حكمين لموضوعين و لو بالضّرورة من الدّين بحيث لا إشكال في أصل ثبوتهما، ثمّ اتفق ابتلاء المكلّف بهما و صيرورتهما واقعة له بحيث لا يقدر على الجمع بينهما و امتثالهما بجهة من الجهات فيحكم في حقّ المكلّف بالتّعيين، أو التّخيير كلّ في مورد على ما عرفت، و هو قد يكون في الواجبات، و قد يكون في المحرّمات، و قد يكون في المختلفات، و المثال لكلّ واحد كثير، و الثّاني إنّما يفرض فيما ورد هناك دليلان مختلفي المفاد على ثبوت الحكم لموضوع واحد بحيث لا يمكن ثبوت مقتضاهما من جهة التّنافي و التّعارض، و عدم إمكان قيام مدلولهما بالموضوع من غير مدخليّة لعجز المكلّف و قصوره، و لأجل ذلك أبطلوا القول بالتّصويب بوقوع التّعارض بين الأمارات و الأدلّة، فإن مبناه على عدم تصوّر التّزاحم بين المتعارضين، و إلا كان ما ذكروه في غير محلّه، كما لا يخفى، هذا و قد أشرنا في مطاوي ما ذكرنا إلى تحقيق ذلك، فالكلام في باب التّعارض إنّما هو في أصل ثبوت أحد الحكمين بعد الفراغ عن عدم إمكان ثبوتهما و شتّان بينهما، فكيف يمكن اندراج أحدهما في الآخر و اقتباس حكمه منه و الحال هذه، و لا يختلف الحكم المذكور كما هو ظاهر من جهة الأقوال في وجه حجيّة الأخبار، بل يجري على القول بالتّصويب أيضا، و من هنا ذكرنا في مسألة اجتماع الأمر و النّهي في قبال من أدرج المسألة في باب التّعارض مع قوله بجواز الاجتماع كالمحقّق القمّي قدس سره قائلا: بأنّه على تقدير تسليم المنع لا نسلّم تعيين التّصرّف في ظهور الأمر لم لا يتصرّف في ظهور النّهي بأنّ المسألة لا تعلّق لها بمسألة التّعارض، إذ لا
........
الشرح
شكّ في حرمة الغصب و وجوب الصّلاة، و على تقدير التّسليم يتعيّن التّصرّف في الأمر، فإن الوجوب التّخييري لا يقاوم الحرمة التّعيينيّة الّتي هي مفاد النّهي من حيث إنّ دلالة الأمر بالإطلاق و دلالة النّهي بالعموم فهو أظهر.
ثمّ إنّ لبعض فضلاء معاصرينا كلاما متعلّقا بالمقام فيما أملاه في المسألة في تعارض الأصلين لا بأس بالإشارة إليه و إلى ما فيه، قال رحمه اللّه بعد جملة كلام له في الفرق بين الأدلّة و الأصول: و إن مقتضى الأصل في الأوّل التّوقّف و في الثّاني التّساقط ما هذا لفظه.
فإن قلت: إذا ثبت التّوقف و التّخيير على الطّريقيّة و السّببيّة فهذا يقتضي البناء على التّخيير في الأصلين المتعارضين، لأن الأصل ليس طريقا إلى الواقع و مرآة له، بل مرجعه إلى الحكم التّعبدي للشّاك من حيث كونه شاكّا فينبغي أن يكون حالها كحال الأسباب و الواجبات النّفسيّة في الحكم بالتّخيير.
قلت: أوّلا: لقائل أن يقول بأنّ الأصول أيضا معتبرة من حيث كونها طرقا إلى الواقع بناء على علم الشّارع بمطابقة الأصل المبني عليه العمل للواقع غالبا كعلمه بغلبة مطابقة الظّنون النّوعيّة للواقع فيأتي هنا ما ذكرنا هناك.
و ثانيا: أنّ العبرة في الحكم بالتّخيير بعد البناء على خروج المتعارضين عن تحت الدّليل مطلقا في الأسباب و الطّرق حسبما بيّناه باستقلال العقل، أو قيام الإجماع على وجود مقتضي الامتثال في كلّ منهما بحيث لو تمكّن المكلّف منه لوجب و العقل إنّما يستقلّ بذلك في الأسباب و الأحكام الواقعيّة النّفسيّة، و أما ما عداها من الأحكام الظّاهريّة العذريّة، فلا استقلال فيها بوجود المقتضي عند التّعارض و ما قام الإجماع أيضا على ذلك، فإذا لم يحكم العقل بوجود المقتضي في كلّ منهما، و المفروض عدم شمول الخطاب لهما معا للتّنافي و التّعارض، فالمرجع هو الأصل القاضي بعدم الاعتبار، سواء كان ذلك الحكم الظّاهري من
........
الشرح
الطّرق، أو الأصول انتهى كلامه رفع مقامه.
و أنت خبير بتطرّق المناقشة إلى ما ذكره، فإن ما ذكره أوّلا في الجواب عن السّؤال يتوجّه عليه: أوّلا: بأنّه ينافي عنوان الأصل المقابل للدّليل و خروج عن الفرض ضرورة أنّ الأصل الملحوظ في اعتباره في نظر الشّارع غلبة مطابقته للواقع يكون من الأدلّة على ما عرفت مرارا و اعترف به الفاضل المعاصر أيضا في مواضع من كلماته، و من هنا ذكرنا أنّ عدّ الاستصحاب من الأصول إنّما هو على القول به من باب التّعبّد لا الظّن، و إلا خرج عن الأصول و لو على القول بإناطته بالظّن النّوعي.
نعم مجرّد إفادة الظّن من دون ملاحظة الشّارع له لا يوجب الخروج عن عنوان الأصل على ما عرفت شرح القول فيه في الجزء الثّالث من التّعليقة و صرّح به شيخنا العلاّمة قدس سره في مواضع من الكتاب.
و ثانيا: بعدم إمكان ما ذكره بالنّسبة إلى بعض الأصول كأصالة التّخيير عند دوران الأمر بين المحذورين.
و ثالثا: بمنافاته للواقع على تقدير الإمكان، فإن بعض الأصول يعلم بمخالفته للواقع كثيرا كأصالة الطّهارة في الشّبهات الموضوعيّة، و كذا أصالة الحليّة و نحوهما، إلا أن يقال بأنّ المفروض في كلامه خصوص الأصول الحكميّة فتأمّل.
هذا بعض الكلام فيما ذكره أوّلا.
و أمّا ما ذكره ثانيا فيتوجّه عليه: بأنّ الفرق بين تعارض الأصول و الأدلّة و إن كان ثابتا عندنا بما عرفت شرح القول فيه في أوّل التّعليقة و إن مقتضى القاعدة في تعارض الأدلّة التّوقّف و في تعارض الأصول لو اتّفق التّساقط نظرا إلى عدم دلالة التزاميّة معتبرة للأصل و إن باب التّعارض لا يجامع باب التّزاحم، إلا أن الوجه في التّخيير في التّزاحم فيما يفرض ليس مجرّد إحراز المصلحة لكلّ من المتزاحمين،
........
الشرح
و حكم العقل بوجوب الامتثال إحراز للمصلحة المقتضية للتّكليف، مع انتفاء التّكليف، بل شمول الخطاب و التّكليف لهما على نحو شموله لصورة عدم التّزاحم بحسب الحقيقة و إن عبّر عن صورة التّزاحم بالتّخيير حسبما عرفت شرح القول فيه، كما يعبّر عن الواجب المشروط بالمطلق عند وجود الشّرط مع عدم إمكان اختلاف الحقيقة، و عن الواجب المخيّر بالمعيّن عند تعذّر أحد الفردين مع عدم اختلاف الحقيقة على ما عرفت سابقا.
ثمّ إنّ مقتضى كلمات شيخنا العلاّمة قدس سره و إن كان ظاهرا في ابتداء النّظر في كون التّخيير عنده في المتزاحمين في حكم العقل بوجوب الامتثال، إلا أن المستفاد منه بعد التّأمّل و تعميق النّظر، سيّما بملاحظة كلماته الأخر ما عرفت شرح القول فيه، هذا بعض الكلام فيما يقتضيه الأصل الأوّلي في تعارض الدّليلين من غير فرق بين الأخبار و غيرها كعدم الفرق بين وجود مزيّة لأحد المتعارضين على صاحبه و عدمه، و مرجعه إلى التّساقط في الجملة و الأخذ بهما كذلك.
و أمّا الكلام فيما يقتضيه الدّليل الوارد و هو المقام الثّاني فيقع أوّلا: في تعادل المتعارضين من الأخبار، ثمّ يتبعه الكلام في تعادل المتعارضين من سائر الأمارات، أو منها و من غيرها فنقول المشهور فتوى و عملا هو التّخيير بين المتعارضين بحسب الدّليل الوارد و لو فيما أمكن التّوقّف و الاحتياط، أو كان أحدهما موافقا للاحتياط، بل في المعالم أنّه لا يعلم خلاف فيه كما صرّح به بعض و هو المشهور بين أهل الخلاف أيضا، فلعلّ المراد من نفي الخلاف نفيه بين المجتهدين فما عن المنية من نسبة القول بالتّخيير إلى الجبّائيّين خاصّة كما ترى، و عن الأخباريّين كما في المفاتيح و غيره التّوقف و عن الأسترآبادي التّفصيل بين حقّ اللّه فالتّخيير و حقّ النّاس فالتّوقّف، و نسبه إلى الشّيخ في الوسائل أيضا، و عن الشّيخ ابن أبي جمهور التّفصيل بين ما لا بدّ فيه من العمل فالتّخيير و بين غيره فالتّوقف، و عن بعض
........
الشرح
التّفصيل بين المحذورين فالتّخيير و بين غيره فالتّوقف و هو راجع كما ترى إلى القول بالتّوقف مطلقا، فإن القائل به لا يقول به إلاّ فيما أمكن الاحتياط، فإنه راجع إلى الاحتياط حقيقة، اللّهمّ إلا أن يكون المراد منه التّوقّف في الفتوى كما قيل و عليه لا بدّ من أن يجعل القول بالاحتياط قولا آخرا في المسألة.
ثمّ إنّ جريان الأقوال المذكورة على القول بالظّن الخاصّ ممّا لا شبهة فيه، و أما على القول بالظّن المطلق فقد صرّح بجريانها على هذا القول في القوانين و الفصول، و هو كما ترى في كمال الوجاهة في ظاهر النّظر على القول بحجيّة الظّن بالطّريق و إن قيل بحجّيّته في الفروع أيضا.
نعم على القول بالتّخصيص بالفروع مع كون النّتيجة الظّن الشّخصي لا يجري الأقوال المذكورة، لأن التّخيير بين المتعارضين فرع التّعارض و حجيّة المتعارضين و هو غير معقول على هذا القول على ما عرفت توضيحه في أوّل التّعليقة.
و قال الفاضل المعاصر بعد الحكم بابتناء الأقوال على الظّن الخاصّ و نفي الوجه لما ذكره في القوانين و الفصول من حيث ارتفاع الظّن منهما بالتّعارض فيتعيّن الرّجوع إلى الأصل في المسألة ما هذا لفظه.
«نعم بناء على مذاق صاحب القوانين قدس سره من عدم وجوب الاحتياط عند العلم الإجمالي بالتّكليف و إعمال الأصل إلى أن يلزم المخالفة القطعيّة يتّجه القول بالتّخيير، لأن المتعارضين يفيدان الظّن بنفي الثّالث فيجب العمل به و البناء عليه عملا بالظّن المطلق، و لكن الظّن لا يزيد على العلم في مقتضاه فكما لا يجب الاحتياط مع العلم، بل له التّخيير في اختيار أحدهما فكذلك مع الظّن، و هذا مع كون كلّ منهما مخالفا للأصل و لو كان أحدهما موافقا للأصل فالتّخيير أوضح فينتفي المؤاخذة على الآخر حيث نقول بوجوب الاحتياط، فكيف يقول قضيّة دليل الانسداد التّخيير حتّى جعله مؤيّدا لما استدلّ به عليه من الأخبار» انتهى
........
الشرح
كلامه رفع مقامه و هو كما ترى، حيث إنّ نفي الثّالث بالظّن حتّى في مخالفي الأصل لا يوجب التّخيير بين الخبرين بمعنى البناء على حجيّة المتعارضين تخييرا فضلا عمّا وافق أحدهما الأصل الّذي جعل التّخيير فيه أولا، لأن عدم وجوب الاحتياط لا يقتضي التّخيير بين الخبرين بالمعنى المبحوث عنه.
نعم لو كان المراد من التّخيير مجرّد البناء على مفاد أحد الخبرين من دون استناد إليه استقام الحكم بالتّخيير في مخالفي الأصل خاصّة، لكنه خلاف مفاد الأخبار و الأقوال هذا ما يقتضيه النّظر الجليّ و الّذي يقتضيه النّظر الدّقيق على تقدير الاستناد في التّخيير إلى الأخبار تطرّق المناقشة إلى ما ذكرنا من التّعميم في الجملة على القول بالظّن المطلق، لأن مفاد أخبار العلاج ترجيحا و تخييرا إثبات الحكم لخصوص الأخبار من حيث كونها حجّة في نظر الشّارع، و من هنا جعلت دليلا على حجيّة الأخبار من حيث الخصوص.
نعم على القول بعدم حجيّة أخبار العلاج من حيث الخصوص و ابتناء حجيّتها على الظّن المطلق استقام الحكم بالتّخيير كالتّرجيح لأجلها بناء على تعميم نتيجة دليل الانسداد للمسألة الأصوليّة فيصير حال أخبار العلاج حينئذ حال المتعارضين، بل الاستناد إليها لا معنى له إلاّ على هذا القول، كما لا يخفى.
ثمّ إنّ العمدة في وجوه الأقوال و مستندها غير القول بالتّساقط المحكي عن غير واحد مستندا إلى ما عرفت من الأصل لعدم شمول دليل الحجيّة للمتعارضين الأخبار الواردة في العلاج، أو مطلقا، فنذكر أوّلا ما يدلّ على التّخيير، ثمّ نشير إلى مدرك سائر الأقوال فنقول:
إنّ ما دلّ على التّخيير على ضربين:
أحدهما: ما دلّ عليه بعنوان الإطلاق مثل ما في رواية الحسن بن الجهم عن الرّضا عليه السلام، فقلت: يجيئنا الرّجلان و كلاهما ثقة بحديثين منافيين، فلا نعلم
........
الشرح
أيّهما الحقّ، فقال عليه السلام: إذا لم تعلم فموسّع عليك بأيّهما أخذت.
و مثل ما عن الكافي في الموثق عن أبي عبد اللّه عليه السلام، قال: سألته عن رجل اختلف عليه رجلان من أهل دينه في خبر أمر كلاهما يرويه أحدهما يأمره و الآخر ينهاه كيف يصنع، قال: يرجئه حتّى يلقى من يخبره فهو في سعة حتّى يلقاه، ثم قال: فيه. و في رواية بأيّهما أخذت من باب التّسليم وسعك.
و مثل ما في الاحتجاج في مكاتبة الحميري المعروفة إلى صاحب الزّمان عجّل اللّه فرجه بعد ذكر السّؤال عن التّكبير بعد القيام عن التّشهّد الأوّل و اختلاف الأصحاب في ذلك الجواب في ذلك حديثان أمّا أحدهما، فإنه إذا انتقل من حالة إلى أخرى فعليه التّكبير، و أما الحديث الآخر، فإنه روي إذا رفع رأسه من السّجدة الثّانية و كبّر ثمّ جلس فليس عليه في القيام بعد القعود تكبير و التّشهّد الأوّل يجري هذا المجرى، و بأيّهما أخذت من باب التّسليم كان صوابا، و قد تقدّم في الجزء الثّاني من التّعليقة ما يتوجّه عليه من الإشكال و دفعه فراجع إلى غير ذلك.
ثانيهما، ما دلّ عليه بعنوان التّقييد مثل ما في ذيل مرفوعة زرارة و سيمرّ عليك في باب التّرجيح، فإنه خصّ التّخيير بما لا يكون أحدهما موافقا للاحتياط و مثل ما في الاحتجاج عن الصّادق عليه السلام، قال: إذا سمعت من أصحابك الحديث و كلّهم ثقة فموسع عليك حتى ترى القائم فرد إليه، فإنه خصّ التّخيير بزمان عدم لقاء القائم عجّل اللّه فرجه و هو زمان غيبته كما هو الظّاهر، أو مطلق الإمام عليه السلام على أضعف الوجهين و الاحتمالين، لأن جميع الأئمّة عليهم السّلام قائمون بالحقّ.
و مثل ما في العيون عن الرّضا عليه السلام أنّه قال عليه السلام: في حديث طويل فما ورد عليكم من حديثين مختلفين فأعرضوهما على كتاب اللّه فما كان في كتاب اللّه موجودا حلالا، أو حراما فاتّبعوا ما وافق الكتاب و ما لم يكن في
........
الشرح
الكتاب فأعرضوهما على بيان رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله فما كان في السّنة موجودا منهيّا عنه نهي حرام، أو مأمورا به عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله أمر إلزام فاتّبعوا ما وافق نهي النّبي صلى اللّه عليه و آله و أمره، و ما كان في السّنة نهي إعافة و كراهة و كان الخبر الآخر خلافه فذلك رخصة فيما عافه رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و كرهه و لم يحرمه فذلك الّذي يسع الأخذ بهما جميعا، أو بأيّهما شئت وسعك الاختيار من باب التّسليم و الاتباع و الرّد إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله الحديث هذا ما وقفت عليه من الأخبار الدّالّة على التّخيير.
و مقتضى العلاج بعد حمل الطّائفتين على صورة فقد المرجّحات المنصوصة الخاصّة، أو مطلق التّرجيح على ما ستقف عليه من القولين أمّا بالتّخصيص، أو التّقييد، أو بحملهما على فرض الرّاوي تعادل الخبرين على الوجهين اللّذين ستقف عليهما و إن كان الوجه الثّاني نظرا إلى ورودهما في مقام العمل، هذا مضافا إلى التّنصيص في بعضها بتأخّر مرتبة التّخيير عن التّرجيح و إن أمكن حمل الطّائفة الأولى على الثّانية في بادي النّظر فيؤخذ بمجمع القيود فيحمل جميعها عليه، إلا أن المتعيّن بعد التّأمّل إبقاء المطلقات على حالها، فإن المرفوعة مضافا إلى ضعفها معارضة بالنّصوصيّة و التّباين لرواية الحميري لورودها مورد موافقة أحد الخبرين للاحتياط، فلا بدّ من حمل الأمر في المرفوعة على الاستحباب و إن كان خلاف الظّاهر لفظا و سياقا لما عرفت من ورود المكاتبة في مورد موافقة أحد الخبرين للاحتياط، و رواية الاحتجاج ظاهرة بعد التّأمّل فيما لا ينافي الأخبار المطلقة، فإنّها ظاهرة في أنّ الحكم في زمان الفرج الأعظم على نسق آخر من حيث ارتفاع الحكم الظّاهري المبنيّ على التّحيّر، و من هنا ورد أنّه عليه السلام يحكم بالواقع و ببطون القرآن فحال التّخيير حال التّرجيح من حيث الاختصاص بزمان النّبي صلى اللّه عليه و آله و الأئمّة عليهم السلام و غيبة الحجّة عجل اللّه فرجه، و هذا المقدار
........
الشرح
من التّقييد ممّا لا بدّ منه بالنّظر إلى الأخبار الكثيرة الواردة في هذا الباب و التّعبير بالقائم لا يخلو عن إشارة إلى هذا المعنى و جعل المراد الاحتمال الثّاني ينافيه أخبار العلاج ترجيحا و تخييرا، إذ حملها على صورة عدم التّمكّن من الوصول إلى خدمتهم صلوات اللّه عليهم كما ترى، بل بعضها، بل كلّها ورد في زمان التّمكن من الوصول.
نعم التّحديد بعدم وضوح الحقّ و العلم به ممّا لا بدّ منه، فإنه قيد لجميع الأحكام الظّاهريّة من غير فرق بين مفاد الأصول و الأدلّة الظّنّية، و عليه يحمل ما في الكافي و رواية العيون ممّا لم يلتزم به أحد، فتعيّن الأخذ بالمطلقات و لا يقاومها ما دلّ على التّوقّف و الإرجاء و الاحتياط، فإن ما ورد منه في مطلق الشّبهة قد عرفت حاله في الجزء الثّاني من التّعليقة مضافا إلى أخصيّة أخبار التّخيير بل حكومتها عليه إن لم نقل بورودها عليه من حيث اختصاصه بمورد الشّبهة و عدم وجود الدّليل الزّائل حكما، أو حقيقة بأخبار التّخيير الدّالة على حجيّة أحد المتعارضين كأخبار التّرجيح من غير فرق بينهما و ما ورد في المتعارضين كالمقبولة و نحوها، فلا مناص من حمل الطّلب فيه على ما يحمل عليه الأخبار العامّة، فإنه و إن كان مختصا بصورة التّمكّن من إزالة الشّبهة و أخبار التّخيير أعمّ منها، إلا أن تخصيصها بصورة عدم التّمكّن و اليأس عن الوصول ممّا لا يتحمّله لورودها في حقّ المتمكّنين فهذا التّخصيص أشبه شيء بإخراج المورد عن العموم، فهذا الحمل و إن كان خلاف الظاهر لفظا و سياقا أيضا من حيث ورود الأمر بالتّوقّف فيه مساق الأمر بالتّرجيح المحمول على الوجوب عند المشهور، إلا أنه متعيّن بالملاحظة المذكورة و إليه يرجع ما عن المجلسي رحمه اللّه من حمل أخبار التّوقّف على الاستحباب و أخبار التّخيير على الجواز، ثمّ إنّ هنا جمعين آخرين:
أحدهما: ما في الكتاب و غيره من كتب المتأخّرين من حمل أخبار التّخيير على صورة عدم التّمكن من إزالة الشّبهة نظرا إلى اختصاص المقبولة و غيرها
........
الشرح
بصورة التّمكن، و قد عرفت ضعفه و إن هذا الجمع ممّا لا يتحمّله أخبار التّخيير.
ثانيهما: ما ذكره غير واحد أيضا من حمل التّوقّف فيها على التّوقّف من حيث الإفتاء بالحكم الواقعي لا التّوقّف من حيث الحكم الظّاهري و العمل بأحد الخبرين في مقام الحيرة و الجهالة، و يتوجّه عليه أنّ المقبولة و أشباهها نصّ في ترك العمل بالخبرين من حيث عدم وجود التّرجيح لأحدهما، فالمراد من المقبولة و نحوها اختصاص الحجيّة و العمل بصورة وجود المرجّح هذا، مع أن العامل بأحد الخبرين يفتي بمضمونه كالعامل بأحدهما من جهة التّرجيح من غير فرق بينهما، إذ ليس التّخيير في المسألة الأصوليّة كالتّخيير في المسألة الفرعيّة و سائر الأصول.
و بالجملة: هذا الجمع أيضا لا يساعده الأخبار مضافا إلى ما عرفت في الجزء الثّاني من التّعليقة من أنّ لازم التّوقف الاحتياط بحسب العمل فيما أمكن.
نعم ظاهر المقبولة و نحوها ترك العمل بالخبرين و الإرجاء إلى السؤال، لكنه محمول على ما عرفت من رجحان ذلك لا لزومه.
ثمّ إنّ هنا جمعا رابعا و هو: حمل أخبار التّخيير على ما لا يمكن فيه الاحتياط كدوران الأمر بين المحذورين و ما دلّ على التّوقّف على صورة إمكان الاحتياط من حيث كونه نصّا فيها ذكره غير واحد و هو ضعيف، لورود بعض أخبار التّخيير فيما أمكن فيه الاحتياط كضعف حمل أخبار التّوقّف على حقوق النّاس و أخبار التّخيير على حقوق اللّه، كما عن الأسترآبادي في الفوائد المدنيّة و غيره من جهة توهّم ورود المقبولة في حقوق النّاس، أو حملها على ما لا يضطرّ إلى العمل و حمل أخبار التّخيير على ما يضطرّ إلى العمل كما عن ابن أبي جمهور لإباء الأخبار عن الجمعين، مضافا إلى منافاة الأخير لمورد بعض أخبار التّخيير.
فتبيّن ممّا ذكرنا كلّه ما ينبغي سلوكه في الجمع بين الأخبار الواردة في الباب و عدم صلاحيّة أخبار التّوقّف لمعارضة أخبار التّخيير، كما أنّه تبيّن منه وجوه سائر
........
الشرح
الأقوال في المسألة فإنّها مبنيّة على وجوه الجمع بينها بما عرفت الإشارة إليها، فلا حاجة إلى ذكر كلّ واحد و ردّه، و في الفصول بعد اختيار أحد الوجهين الأوّلين المزيّفين عندنا في الجمع بين الأخبار رجّح أخبار التّخيير على تقدير التّكافؤ بالشّهرة من جهة أخبار العلاج حيث قال: و لو سلّم تكافئهما من حيث الدّلالة، فلا ريب أنّ أخبار التّخيير معتضدة بالشّهرة فيتعيّن بالتّرجيح كما نطقت به الأخبار المذكورة، مضافا إلى قضاء قاعدة انسداد باب العلم بذلك انتهى كلامه رفع مقامه.
و فيه: ما سيجيء من الكلام في جواز علاج تعارض أخبار العلاج بأنفسها فيما لم يرجع إلى التّرجيح من حيث الدّلالة، مضافا إلى ما سيجيء من كون المراد من الشّهرة في الأخبار الشّهرة من حيث الرّواية لا الفتوى، و أما التّمسك بقاعدة الانسداد في المقام الكلام فيه أيضا هذا بعض الكلام فيما يقتضيه الدّليل في تعادل الخبرين، و أما تعادل غيرهما، سواء كانا قطعيّين من حيث الصّدور بحيث ينحصر التّصرّف في دلالتهما و ظنّيين، أو مختلفين، أو كان أحدهما خبرا و الآخر غيره، فحاصل القول فيه أنّ حكمه بحسب الأصل الأوّلي حكم تعادل الخبرين، و أما حكمه بحسب الدّليل الوارد فقد اختلفت فيه كلماتهم فعن غير واحد موافقة شيخنا العلاّمة قدس سره في الحكم بمخالفته له و عدم ثبوت التّخيير فيه، و عن جماعة منهم ثاني الشّهيدين قدس سره و صاحب الوافية موافقته له فحكم تعارض غير الأخبار ترجيحا و تخييرا حكم تعارض الأخبار عندهم، سيّما في تعارض إجماعي المنقول، فإنه ملحق عند القائلين بحجيّته من حيث الخصوص بنقل الخبر في حكم التّعارض، كما هو المصرّح به في كلماتهم على ما أسمعناك في محلّه.
و الحقّ ما اختاره شيخنا من عدم إلحاق تعادل غير الأخبار بتعادلها حتّى في تعادل إجماعي المنقول، بل تعادل نقل الخبر و الإجماع فضلا عن تعادل سائر الأمارات ضرورة كون الموضوع في الأسئلة و الأجوبة فيما دلّ على التّخيير تعارض
........
الشرح
الرّوايات و الأحاديث و الأخبار الحسّية المرويّة عنهم في بيان الأحكام و لا عموم لها لفظا لغيره جزما، و تنقيح المناط على وجه القطع بدعوى كون الموضوع حقيقة تعارض الحجّتين و لو كانا من مقولة الظّواهر، أو تعارض النّقلين و إن لم يصدق عليهما، أو على أحدهما الحديث و الرّواية مع صدق مطلق النّبإ و الخبر كما في نقل الإجماع، سيّما على طريقة الدّخول فممنوع و على وجه الظّن قياس لا نقول به، و منه يظهر فساد توهّم شمول الأخبار لتعارض نقلي الإجماع من كون الموضوع فيها تعارض الأخبار و صدق النّبإ و الخبر على نقل الإجماع يقينيّ فيشمله الأخبار، فإن مجرّد صدق الخبر لا يجدي مع كون الموضوع الخبر الخاصّ المعهود عند الرّواة.
فقد تبيّن ممّا ذكرنا أنّ ما تسالم عليه القائلون بحجيّة نقل الإجماع من لحوق تمام أحكام الخبر له من حيث كونه من أفراده لا وجه له، و أشكل من ذلك كلّه إلحاق القطعيّين من حيث الصّدور و لو كانا من الأخبار، لأن مصبّ العلاج بالتّخيير و مفاده هو الحكم بصدور أحد المتعارضين دون الآخر تخييرا، و هذا المعنى كيف يتصوّر في القطعيّين، فإذا حكم من جهة التّعارض بإجمال الآيتين، أو السّنّتين من جهة العلم الإجمالي بإرادة خلاف الظّاهر من أحدهما، فكيف يحكم بحجيّة أحدهما مخيرا، بل التّحقيق على ما عرفت الإشارة إليه و ستعرفه عدم شمول أخبار العلاج للقطعيّين من الأخبار فضلا عن غيرها و إن تصوّر التّرجيح من غير جهة الصّدور في القطعيّين في الجملة، لأن مصبّ أخبار العلاج في تعارض الأخبار الظّنيّة، فلا يشمل غير الظّنيّة، كما لا يشمل تعارض غير الأخبار.
نعم لو كان هناك دليل على التّرجيح في غيرها يحكم به كالإجماع المدّعى في كلام جماعة على وجوب الأخذ بأقوى الدّليلين و غيره ممّا ستقف عليه هذا بعض الكلام في تعادل غير الأخبار من الأدلّة و الأمارات القائمة على الحكم
........
الشرح
الشّرعي بالمعنى الأعمّ من الماهيّات الشّرعيّة، و أما تعادل الأمارات القائمة على الموضوعات، سواء كانت من مقولة الخبر، أو غيره، فإن قامت على الموضوعات اللّغوية كتعادل قولي اللّغوي فيما فرض اعتبارهما و تعارضهما، و إلا فأكثر موارد الاختلاف لا يرجع إلى التّعارض حقيقة بعد ثبوت الاشتراك في اللّغة و وقوعه، لأنه إمّا من قبيل الإثبات و النّفي الرّاجع إلى لا ندري، أو من قبيل الإثباتيّين الرّاجعين إلى الاشتراك و عدم التّعارض حقيقة كالإثبات و النّفي، فلا يحكم بالتّخيير فيه لما عرفت من خروجه عن مورد أخبار التّخيير و دعوى التّنقيح فيه أوهن، و إن قيل بثبوت التّخيير فيه أيضا و إن قامت على الموضوعات الرّجاليّة فيما لو فرض تعارضها، و إلا فيخرج عن موضوع البحث كما في أكثر موارد الاختلاف في الجرح و التّعديل الرّاجع إلى أدري و لا أدري، فلا يحكم بالتّخيير فيه أيضا لما عرفت و إن كان لها تعلّق بالحكم الشّرعي من حيث كونها في طريقه كسابقتها، و من هنا نفى شيخنا العلاّمة قدس سره التّخيير في المسألتين بقوله: (ثمّ إنّ التّعادل في الأمارات المنصوبة في غير الأحكام) إلى آخر ما أفاده و إن قامت على الموضوعات الخارجيّة الصّرفة كالقبلة و الوقت و الهلال و نحوها فيما تعارضت حقيقة فأولى بعدم الإلحاق، و لم يعهد من القائلين بإلحاق مطلق الأمارات الحكميّة بالأخبار بإلحاق الأمارات الموضوعيّة بها حتّى فيما لو كانت من قبيل الخبر و الشّهادة هذا كلّه في حقّ المجتهد، أو الأعمّ منه و من العامي في الموضوعات الصّرفة من جهة اعتبار الأمارات و الأصول فيها للعامي أيضا.
و أمّا تعادل المفتيين المختلفين في المسألة، فلا إشكال في انعقاد الإجماع على تخيير العامي في الرّجوع إليهما و إن لم يدلّ عليه أخبار الباب، و أمّا إذا تعادل النّاقلان عن مجتهد فيما إذا رجع اختلافهما إلى التّعارض، و إلا فقد لا يكون بينهما تعارض من حيث جعل أحدهما رجوعا كاختلاف الفتوى فهل يحكم بالتّخيير أم
........
الشرح
لا وجهان، أوجههما الثّاني لعدم الدّليل بعد كون التّخيير الرّاجع إلى حجّيّة أحد المتعارضين على خلاف الأصل، و قد يوجّه الأوّل بعموم المنزلة في دليل النّيابة، فإنه كما يحكم بالتّخيير فيما تعادل النّقل المختلف عن المنوب عنه، كذلك يحكم به فيما تعادل النّقلان المختلفان عن النّائب ذكره بعض أفاضل معاصرينا، و فيه ما لا يخفى من الضّعف، هذا بعض الكلام فيما يتعلّق بحكم التّعادل و لو لم نقل بالتّرجيح في غير تعارض الأخبار فيدخل مورد وجود المزيّة في التّعادل حكما، بل موضوعا فيعامل معه معاملة عدمه، هذا و قد يستظهر من الاستدراك الّذي ذكره شيخنا قدس سره في الكتاب عقيب نفي التّخيير في تعادل أقوال أهل اللّغة فيما اجتمع شرائط الحجّيّة و أهل الرّجال و الحكم بالتّوقف و الرّجوع إلى الأصل بقوله، إلا أنه إن جعلنا الأصل من المرجّحات إلخ التّفكيك بين حكم صورتي وجود المزيّة و عدمه، و سنوقفك على ما هو الحقّ و الصّواب في باب التّرجيح و إن كان مقتضى الأصل فيما لم يقم هناك دليل على التّرجيح إجراء حكم التّعادل فافهم.
و ينبغي التّنبيه على أمور:
الأوّل: أنّه قال العلاّمة قدس سره في محكي التّهذيب و غيره في غيره: بل نسب إلى الأكثر، بل إلى المشهور إذا اتّفق تعادل الخبرين للمجتهد يفتي بما اختاره و لا يفتي بالتّخيير للعامي، و كذا إذا اتّفق التّعادل للقاضي في الشّبهة الحكميّة، أو في طريق فصل الخصومة الرّاجع إلى الحكم الشّرعي حقيقة يقتضي بما اختاره و لا يجوز له تخيير المتخاصمين، هذا ما حكي عنه و عن غيره.
أمّا ما أفاده بالنّسبة إلى القاضي فممّا لا إشكال، بل لا خلاف فيه، بل لا يعقل الخلاف، لأن تخيير المتخاصمين نقض لغرض تشريع القضاء و فصل الخصومة بين النّاس، لأن كلا من المتداعيين يختار ما ينفعه و يطابق دعواه، فإذا وقع النّزاع
........
الشرح
في منجّزات المريض، أو الحبوة، أو مقدارها مثلا و تعادلت الأخبار الواردة في هذه في نظر المجتهد المرجع للمتداعيين و فوّض حكمه باختيارهما، فكلّ يختار ما يطابق دعواه فيبقى الخصومة بحالها و هو من هذه الجهة نظير تخيير المجتهد في عمل نفسه، فإنه بعد مشروعيّة التّخيير و الفراغ عن ثبوته في الشّرع كان ثبوته في حقّه متيقّنا من دليل الثّبوت، فلا يعقل الإنكار لكون عدمه خلفا حقيقة، و من هنا قد يناقش فيما أفاده شيخنا العلاّمة في تحرير حكم المسألة و بيانه بقوله: ثمّ إنّ المحكي عن جماعة، بل قيل إنّه ممّا لا خلاف فيه أنّ التّعادل إن وقع للمجتهد كان مخيرا في عمل نفسه، فإنه يوهم كون الحكم نظريّا قابلا للخلاف، و أما ما أفاده بالنّسبة إلى المجتهد في مقام الإفتاء فيوجّه بما في الكتاب و غيره بأنّ التّخيير بين الخبرين تخيير في المسألة الأصوليّة و في طريق الاستنباط فهو يغاير التّخيير في المسألة الفرعيّة كالتّخيير الواقعي بين القصر و التّمام في المواطن الأربعة و الظّاهري كدوران الأمر بين الوجوب و التّحريم، أو خصال الكفارة إذا اقتضى الجمع بين الأخبار التّخيير بين الكفّارات ظاهرا و هكذا، حيث يفتي بالتّخيير في هذه و الفرق أنّ الخطاب في المسألة الأصوليّة متوجّه بالمستنبط و المجتهد كخطاب الحدود المتوجّه إلى الحكّام و خطاب الأمر بالمعروف و النّهي عن المنكر المتوجّه إلى النّبي صلى اللّه عليه و آله و الإمام عليه السلام في زعم بعض، فلا تعلّق لهذا الحكم المستنبط من أخبار العلاج بالعامي، و هذا بخلاف الحكم الفرعي، فإن موضوعه فعل المكلّف الأعمّ من المجتهد و العامي فالخطاب مشترك بينهما.
فإن شئت قلت: إنّ الخطاب بالتّخيير كالخطاب بالتّرجيح فكما أنّ الثّاني مختصّ بمن يعالج تعارض الأخبار و لا يشمل غيره، كذلك الأوّل مختصّ به، لأنه نوع من العلاج أيضا، و من هنا يحكم بتقديم نظر المجتهد فيما لو خالفه العامي في التّرجيح فزعم مرجوحيّة ما زعم المجتهد رجحانه، كأفضليّة من زعمه المفتي
........
الشرح
مفضولا من حيث صفات الرّاوي و لو كان المقلّد من أهل الخبرة بالرّجال و هكذا، و ليس هذا إلاّ من جهة ما ذكر من اختصاص الخطاب بالتّرجيح بالمجتهد لا يقال إنّ الخطاب الأصولي كالفرعي متعلّق بنوع المكلّفين من غير فرق بين المجتهد و العامي، و من هنا يرجع العوام في إعصار النّبي المختار صلى اللّه عليه و آله و الأئمّة الأطهار عليهم السلام إلى الأخبار المرويّة عنهم عليهم السلام و يعملون بها و يعالجون متعارضاتها بما ورد عنهم عليهم السلام كما يعمل بها المجتهدون و يعالجون متعارضاتها بما ورد في باب العلاج، و دعوى اختصاص ما دلّ على العمل بأخبار الآحاد و ما ورد في علاج ما تعارض منها بالمجتهد مصادمة للضّرورة، بل المخاطب في كثير منها العوام بحيث لا مجال لإنكاره.
نعم كان لهم طريق آخر أيضا و هو التّقليد كما هو الحقّ و دلّ عليه الأخبار و ذلك لا ينفي جواز العمل لهم بالرّواية، بل قد يقال بثبوت الطّريقين للمجتهد أيضا، فإن عمله بالأخبار الواضحة السّليمة ليس من حيث الاستناد إلى رأيه و نظره العلمي و ملكته الرّاسخة، بل من حيث الاستناد إلى حسّه المشترك مع العامي في ذلك، فالخطاب بالعمل بالطّرق عام للعالم و العامي لا فرق بينهما من هذه الجهة أصلا، غاية ما هناك أنّ العامي لا يقدر في زماننا هذا و أشباهه على تشخيص مدلول الخبر و إحراز شرائط العمل به و دفع معارضاته من جهة عروض السّوانح و اختفاء وليّ الأمر و طول غيبته و كثرة الأفكار و اختلاف الأنظار و تشتّت الآراء و غير ذلك و المجتهد يقدر على ذلك كلّه، فكأنّ المجتهد نائب عن العامي في ذلك، و إلا فأصل العمل بمضمون الخبر مشترك بين المجتهد و العامي فهذا الاختصاص و التّعين عرضيّ لا يمنع من الحكم بعموم أصل الحكم بحسب الورود في الشّرع و هو من هذه الجهة نظير استنباط الحكم الفرعي من الأدلّة، فإنه مختصّ بالمجتهد و إن كان الحكم المستنبط يعمّ المجتهد و العامي، لأنّا نقول ما ذكرا خيرا
........
الشرح
من عدم كون الاختصاص ذاتيّا، بل عرضيّا من جهة طروّ العجز للعامي و إن عوام زمان الحضور يعملون بالأخبار كما يعملون بالفتاوى أمر مسلّم، و يكفي فارقا بين المسألتين هذا الاختصاص العرضي، و أما تنظير المقام بالحكم الفرعي المستنبط فهو فاسد جدّا، فإنه إذا عرض على العامي الحكم الأصولي المستنبط من الأدلّة كوجوب العمل بخبر العادل مثلا، أو لزوم تقديم الرّاجح من المتعارضين، أو التّخيير بين المتعادلين لا يقدر على العمل به، و هذا بخلاف الحكم الفرعي المستنبط من الأدلة، كالتّخيير بين الحمد و التّسبيحات في الأخيرتين مثلا، أو كفاية تسبيحة واحدة في الرّكوع و السّجود، أو البناء على الأكثر في الشّك في الرّباعيّة و فعل الاحتياط بعد الصّلاة على التّفصيل المذكور في محلّه، فإن العمل به مشترك بين العالم و العامي.
نعم بعد تشخيص معنى الخبر الخاصّ و ترجمته للعامي و دفع معارضاته بعد الفحص يجوز للمجتهد أن يأمر العامي بالعمل به، إلا أنه في الحقيقة راجع إلى التّقليد في الفروع، لأن الحكم الأصولي هو الحكم الكلّي المتعلّق بخبر العادل كلّية مثلا.
و الحاصل: أنّه لا بدّ من أن يلاحظ الحكم الشّرعي الكلّي المستنبط من الدّليل، فإن انتفع به العامي فهو فرعيّ، و إلا فأصوليّ مختصّ بالمجتهد بالعرض، هذا حاصل ما يقال في توجيه ما ذهب إليه المشهور مع توضيح منّا، و ربما يقال بلزوم الإفتاء بالتّخيير من حيث انسداد باب الطّريق إلى الحكم الواقعي في مورد تعارض الخبرين مع تعادلهما، كما هو المفروض و الحكم الظّاهري المستنبط من الأدلّة في الفرض ليس إلاّ التّخيير فتعيّن الإفتاء به، و اختيار المجتهد إنما هو من جهة الدّواعي النّفسانيّة لا الشّرعيّة، و إلا خرج الفرض عن التّعادل و لا يجوز للعامي متابعة المجتهد فيما ينبعث عن دواعيه النّفسانيّة.
........
الشرح
فإن شئت قلت: إنّ الإفتاء بالحكم المعيّن مع عدم تعيّنه بالفرض إفتاء بغير حكم اللّه، فلا يجوز للمجتهد حتّى يقلّده العامي، و منه يظهر فساد قياس المقام باختلاف العامي مع المجتهد في باب التّرجيح، حيث إنّ نظر العامي ملغى في نظر الشّارع، فكيف يمكن الاعتماد عليه فيما خالف نظر المجتهد.
نعم لو فرض قطع العامي بخطاء المجتهد فيما استند إليه لا يجوز له تقليده في هذه المسألة، كما لا يجوز له تقليده فيما لو علم بخطائه بالنّسبة إلى الواقع و إن كان مصيبا في طريق الاستنباط و إن كان بينهما فرق وضوحا و خفاء، و من هنا قد يقال بجواز تقليد من يعلم بخطائه في مقدّمات الاجتهاد مع احتمال إصابته بالنّسبة إلى الواقع، و إن كان الحقّ ما عرفت من عدم الفرق فيما تحقّق الاستناد إلى ما يعلم خلافه، و إلا فمجرّد ذكره في خلال وجوه المسألة في كلامه لا يجدي في ذلك.
و بالجملة: فرق بين ظنّ العامي على خلاف ظنّ المجتهد بالنّسبة إلى الحكم، أو طريقه و بين قطعه على خلافه بالنّسبة إلى أحدهما، فإن الأوّل ملغى في نظر الشّارع، و الثّاني يمنع من تقليد هذا المجتهد المخطي في نظره فافهم.
و قد عرفت أنّ التّخيير بين المتعادلين من الأخبار المتعارضة الّذي هو حكم أصولي لا يجدي العامي أصلا و الطّريق إلى الحكم العرفي ما يختاره المجتهد من المتعادلين، فكما أنّ مفاده حكم اللّه في حقّه، كذلك يكون حكم اللّه في حقّ مقلّديه، سيّما على القول بكون الاختيار معيّنا لا يجوز معه العدول إلى غير ما اختاره، و منه يظهر فساد قياس المقام بالتّخيير الواقعي بين الفعلين كالقصر و التّمام و العتق و الصّوم و الإطعام، فإنه الحكم الفرعي المستنبط من الأدلّة في حقّه و حقّ مقلّديه، فلا يجوز له الإفتاء بغيره، و من هنا لا يتعيّن أحد الفردين باختياره الثّاني أنّ التّخيير في المقام هل هو ابتدائي، فلا يجوز العدول عمّا اختاره إلى الخبر الآخر في
........
الشرح
الواقعة الأخرى، أو استمراري فيجوز له العدول وجهان، بل قولان نسب الثّاني إلى المحقّقين، بل إلى المشهور و في المفاتيح التّفصيل بين التّخيير في مقام الحاجة فبدويّ، و إلا فاستمراريّ، و في التّهذيب عنوان المسألة في القاضي، فإنه قال: لو اختار القاضي أحد الخبرين في واقعة جاز له العدول إلى الآخر في واقعة أخرى، و استدلّ له في محكي النّهاية بأنّه ليس في العقل ما يدلّ على خلاف ذلك، و لا يستبعد وقوعه كما لو تغيّر اجتهاده، إلا أن يدل دليل شرعيّ على عدم جوازه، كما روي أنّ النّبي صلى اللّه عليه و آله قال لأبي بكر: لا تقض في الشّيء الواحد بحكمين مختلفين، و لعلّ مراده قدس سره من هذا الاستدلال بعدم المانع من حكم العقل بعد إحراز المقتضي في حكم الشّارع و لو باستصحاب التّخيير، أو حجيّة الخبر الآخر الرّاجع إلى الاستصحاب الأوّل حقيقة، و إلا فمجرّد الإمكان و عدم المانع في حكم العقل، و عدم استبعاد الوقوع بالنّظر إلى نوع العدول و إن لم يكن من سنخ المقام لا يجدي شيئا مع كون مقتضى الأصل الثّابت بالأدلّة الأربعة عند الشّك في الحجيّة الحكم بعدمها حسبما عرفت في مطاوي أجزاء التّعليقة، سيّما الجزء الأوّل و ستعرفه من غير فرق بين الشّك في الحجيّة الشأنيّة، أو الفعليّة كما في المقام، ثمّ إنّ مقتضى الأصل الأوّلي في المسألة على ما عرفت الإشارة إليه هو التّخيير الابتدائي إنّما الكلام فيما يكون واردا عليه من الأصول، أو الأدلّة فنقول قد يقال: بل قيل، بل هو المعروف أنّ مقتضى الأصل الثّانوي الوارد على الأصل المذكور في وجه، أو الحاكم عليه في وجه آخر عرفتهما عند الكلام في تأسيس الأصل فيما لم يعلم حجيّته في الجزء الأوّل من الكتاب و التّعليقة هو التّخيير الاستمراري نظرا إلى استصحاب التّخيير الثّابت في أوّل الأمر، أو استصحاب حجيّة المطروح، فإنه كان حجّة كمعارضة قبل الأخذ قطعا كما هو مقتضى التّخيير بينهما و الأصل بقاؤها و إن كان الشّك فيها مسبّبا عن الشّك في بقاء التّخيير،
........
الشرح
بل راجعا إليه باعتبار فتأمّل.
و لا يعارضه استصحاب الحكم المدلول المختار، فإن الشّك في صيرورته حكما للمكلّف بقول مطلق، و على كلّ تقدير مسبّب عن الشّك في جواز العدول و بقاء التّخيير، فلا يعارض الأصل المقتضي لبقائه.
فإن شئت قلت: إنّ المستصحب إن كان تعيين المأخوذ بالأخذ فالشّك في حدوثه لا بقائه، و إن كان الحكم الفرعي الظّاهري المترتّب الأخذ فالشّك في بقائه مسبّب عن الشّك في بقاء التّخيير و استصحابه حاكم على استصحابه.
نعم ربما يناقش في الأصلين برجوع الشّك فيهما إلى الشّك في المقتضي، أو بأنّ الموضوع غير معلوم البقاء فيهما فالمرجع هو الأصل الأوّلي، و من هنا قال: في الكتاب و استصحاب التّخيير غير جار، لأن الثّابت سابقا ثبوت الاختيار لمن لم يختر إلى آخر ما أفاده، اللّهمّ إلا أن نقول بكفاية المسامحة في إحراز موضوع المستصحب و معروضه، و قد تقدّم الكلام و شرح القول فيه في الجزء الثّالث من التّعليقة فراجع إليه، هذا حاصل ما قيل في بيان الأصل الثّانوي.
و أما الكلام في الدّليل المقتضي لأحدهما فملخّصه: أنّه قد استدلّ للاستمرار بإطلاق ما دلّ على التّخيير، فإنه يشمل بعد الأخذ و ناقشه شيخنا الأستاذ العلاّمة في الكتاب بكونها مسوقة لبيان وظيفة المتحيّر في ابتداء الأمر، فلا إطلاق لها بالنّسبة إلى الأخذ.
و بعبارة أخرى: المسئول عنه في الأخبار حكم من اتّفق له التّعادل و إن وظيفته ما هي؟ فالجواب بأنّه مخيّر في الأخذ بأيّهما شاء لا تعلّق له بصورة بعد الأخذ، فإنه موضوع آخر لا تعلّق له بالموضوع المسئول عنه كما هو ظاهر، و هذه المناقشة كما ترى في كمال الجودة و الاستقامة و المناقشة فيها بأنّ المناط و الموضوع للتّخيير هو الجهل و التّحيّر هو باق بعد الأخذ، لأن الأخذ لا يوجب رفع موضوعة
........
الشرح
ناشئة عن الجهل بمراده دام ظلّه، لأن جهل الرّاوي الموجب للسّؤال هو عدم علمه بحكمه الظّاهري عند التّعادل و أنّه التّخيير، أو شيء آخر، فإذا تبيّن له الحكم ارتفع جهله و علم بالحكم الظّاهري لهذا الموضوع، و أما أنّه بعد الأخذ بأحدهما ما ذا يكون حكمه من حيث وجوب البقاء، أو جواز العدول فهو حكم آخر لموضوع مسكوت عنه.
نعم ما أفاده في الكتاب بعد الإشكال في جواز بقاء التّخيير في مورد كلام العلاّمة قدس سره من جهة عدم الدّليل، و كون الأصل عدم الحجّيّة و نفي دلالة أخبار التّخيير بقوله، و أما العقل الحاكم إلخ كأنّه خروج عن الفرض، لأن الكلام بعد البناء على ثبوت التّخيير.
نعم ما أفاده في الفرق بين التّخيير العقلي في باب التّزاحم و التّخيير الظّاهري الشّرعي بناء على الطّريقيّة في كمال الاستقامة نظرا إلى عدم طروّ الشّك في حكم العقل و عدم الفرق في حكمه بين الحالتين و إن أمر بالتّأمّل فيه نظرا إلى احتمال تعيين المأخوذ في حكم الشّارع، كما في التّخيير الشّرعي فيوجب توقّف العقل عن حكمه فيرجع إلى أصالة عدم الحجّيّة على القول بالتّخيير العقلي أيضا و إن كان قدحه في حكمه محلّ تأمّل إن لم يكن محلّ منع. هذا و استدلّ للابتداء بكون الاستمرار موجبا للمخالفة القطعيّة و لو في واقعتين و هي قبيحة عقلا، و نوقش بأنّ المخالفة القطعيّة في واقعتين لا قبح فيها عقلا و التّحقيق التّفصيل في ذلك بما أسمعناك مرارا من عدم قبحها فيما إذا التزم في كلّ واقعة بحكم ظاهريّ من الشّارع كما في المقام، فكان ما تقدّم عن النّهاية من أنّه ليس في العقل ما يدلّ على خلاف ذلك و لا يستبعد وقوعه إلخ، إشارة إلى ردّ هذا الدّليل و التّمسّك بالوقوع على هذا فيما فرضه و إن كان خارجا عن حريم البحث في كمال الجودة، كما لا يخفى، حيث إنّ الدّليل العقلي لا يقبل التّخصيص و إليه يرجع ما في
........
الشرح
المفاتيح من الاستدلال بكون العدول موجبا لترك الواجب لا إلى بدل، و هذا بخلاف التّخيير الواقعي في موارده، فإن جواز العدول فيه لا يلزمه المحذور المذكور، و الجواب عنه ظاهر لمنع الملازمة فهذا الوجه ضعيف كضعف التّوجيه بأنّ جواز العدول يوجب لغويّة التّخيير ضرورة منع إيجاب العدول لذلك، فإنه لازم التّعيين لا التّخيير، كما لا يخفى، ثمّ إنّ الفرق بين مواضع التّخيير في الحكم المذكور بما حكاه شيخنا العلاّمة قدس سره عن بعض معاصريه لا وجه له أصلا.
نعم لو قيل بالفرق بين التّخيير في المقام و مسألة العدول على تقدير تسليم الإطلاق لأخبار التّخيير كان صحيحا لما عرفت من انحصار دليل التّخيير في باب الفتوى بالإجماع، و أما التّفصيل الّذي ذكره في المفاتيح فمبنيّ على أنّ مجرّد البناء على الأخذ بأحد الخبرين ليس ملزما و هو خروج عن الفرض حقيقة كما ستقف عليه عن قريب إن شاء اللّه تعالى.
الثّالث: أنّه ذكر في المفاتيح هل معنى التّخيير الأخذ بأحد الخبرين و العمل بجميع مقتضياته و لوازمه كما لو لم يعارضه خبر آخر، أو التّخيير في الحكم المستفاد منهما و الثّمرة تظهر فيما لو كان لأحدهما دلالة التزاميّة خاصّة بمحلّ التّعارض انتهى كلامه رفع مقامه، و هو كما ترى غير محصّل المراد، إذ معنى التّخيير ليس إلاّ العمل بأحد الخبرين على أنّه حجّة شرعا، و طريق إلى الواقع فيترتّب عليه جميع آثار الواقع و لوازمه الشّرعيّة و لو بوسائط غير شرعيّة على ما هو الفرق بين الأصول و الأمارات الشّرعيّة المعتبرة بعنوان الطّريقيّة المطلقة من غير فرق بين مورد التّعارض و غيره إذا التّعارض لا يوجب الفرق في معنى اعتبار أحد المتعارضين تعيينا، أو تخييرا، كما أنّه لا يوجب الفرق في معنى اعتبار الأصل فيما لو فرض تعارض الأصلين مع العمل بأحدهما.
الرّابع: أنّه لا إشكال في كون المراد من الأخذ بأحد الخبرين كما في أخبار
قد يقال: بل قيل إن الأصل في المتعارضين عدم حجية أحدهما، لأن دليل الحجية مختص بغير صورة التعارض، أما إذا كان إجماعا فلاختصاصه بغير المتعارضين و ليس فيه عموم، أو إطلاق لفظي يفيد العموم ليكون مدعي الاختصاص محتاجا إلى المخصص و المقيد، و أما إذا كان لفظا فلعدم إمكان إرادة المتعارضين من عموم ذلك اللفظ، لأنه يدل على وجوب العمل عينا بكل خبر مثلا، و لا ريب أن وجوب العمل عينا بكل من المتعارضين ممتنع.
و العمل بكل منهما تخييرا لا دليل عليه، إذ لا يجوز إرادة الوجوب العيني
الشرح
الباب ليس هو البناء و العزم على العمل به كما ربما يتوهّم بالنّظر إلى الجمود على لفظ الأخذ، بل العمل عليه و ترتيب الآثار على مقتضاه و ليس مثل التّقليد حتّى يتوهّم فيه ما توهّم مع كونه فاسدا أيضا على ما حقّقناه في مسألة الاجتهاد و التّقليد من كون المراد متابعة المجتهد في رأيه لا مجرّد البناء على العمل به بعد تعلّمه، و الثّمرة بين الوجهين يظهر في مسألة العدول عمّا بني على العمل عليه مع عدم العمل.
الخامس: أنّه قد قيل بأنّ البحث في حكم التّعادل قليل الجدوى، بل عادمها، لأن كلّ ما حكموا فيه بالتّخيير في موارد تعارض الأخبار كما في باب الكفّارات و ذكر سجود السّهو و منزوحات البئر، فقد حكموا به من جهة الجمع بصرف ظهور كلّ واحد في التّعيين بنصّ الآخر فهو من التّخيير الواقعي بين الفردين و لا تعلّق له بالتّخيير الظّاهري، هذا و أنت خبير بما فيه، فإن مورد التّعارض قد لا ينافيه الجمع المذكور كالأخبار الواردة في مسألة الجهر بالتّسمية و إخفاتها، بل ظاهرهم في جملة من موارد إمكان الجمع أيضا هو التّخيير الظّاهري، فإن من قال بالتّخيير بين القصر و التّمام فيما زاد على الأربع و لم يبلغ الثّمانية مع عدم الرّجوع في يومه، أو ليلته إذا لم يقصد الإقامة في المقصد ظاهره التّخيير الظّاهري من جهة الأخبار المتعارضة.
بالنسبة إلى غير المتعارضين و التخييري بالنسبة إلى المتعارضين من لفظ واحد.
و أمّا العمل بأحدهما الكلي عينا فليس من أفراد العام، لأن أفراده هي المشخصات الخارجية و ليس الواحد على البدل فردا آخر، بل هو عنوان منتزع منها غير محكوم عليه بحكم نفس المشخصات بعد الحكم بوجوب العمل بها عينا هذا.
لكن ما ذكره من الفرق بين الإجماع و الدليل اللفظي لا محصل و لا ثمرة له فيما نحن فيه، لأن المفروض قيام الإجماع على أن كلا منهما واجب العمل لو لا المانع الشرعي و هو وجوب العمل بالآخر، إذ لا نعني بالمتعارضين إلا ما كان كذلك.
و أمّا ما كان وجود أحدهما مانعا عن وجوب العمل بالآخر فهو خارج عن موضوع التعارض، لأن الأمارة الممنوعة لا وجوب للعمل بها و الأمارة المانعة إن كانت واجبة العمل تعين العمل بها لسلامتها عن معارضة الأخرى، فهي بوجودها تمنع وجوب العمل بتلك و تلك لا تمنع وجوب العمل بهذه لا بوجودها و لا بوجوبها فافهم.
و الغرض من هذا التطويل حسم مادة الشبهة التي توهمها بعضهم من أن القدر المتيقن من أدلة الأمارات التي ليس لها عموم لفظي هو حجيتها مع الخلو عن المعارض،
و حيث اتضح عدم الفرق في المقام بين كون أدلة الأمارات من العمومات، أو من قبيل الإجماع فنقول: إن الحكم بوجوب الأخذ بأحد المتعارضين في الجملة و عدم تساقطهما ليس لأجل شمول العموم اللفظي لأحدهما على البدل من حيث هذا المفهوم المنتزع، لأن ذلك غير ممكن كما تقدم وجهه في بيان الشبهة، و إنما هو حكم عقلي يحكم به
العقل بعد ملاحظة وجوب كل منهما في حد نفسه، بحيث لو أمكن الجمع بينهما وجب كلاهما لبقاء المصلحة في كل منهما، غاية الأمر أنه يفوته إحدى المصلحتين و يدرك الأخرى.
و لكن لما كان امتثال التكليف بالعمل بكل منهما كسائر التكاليف الشرعية و العرفية مشروطا بالقدرة، و المفروض أن كلا منهما مقدور في حال ترك الآخر و غير مقدور مع إيجاد الآخر، فكل منهما مع ترك الآخر مقدور يحرم تركه و يتعين فعله، و مع إيجاد الآخر يجوز تركه و لا يعاقب عليه، فوجوب الأخذ بأحدهما نتيجة أدلة وجوب الامتثال و العمل بكل منهما بعد تقييد وجوب الامتثال بالقدرة.
و هذا مما يحكم به بديهة العقل كما في كل واجبين اجتمعا على المكلف و لا مانع من تعيين كل منهما على المكلف بمقتضى دليله إلا تعيين الآخر عليه كذلك.
و السر في ذلك أنا لو حكمنا بسقوط كليهما مع إمكان أحدهما على البدل لم يكن وجوب كل واحد منهما ثابتا بمجرد الإمكان، و لزم كون وجوب كل منهما مشروطا بعدم انضمامه مع الآخر، و هذا خلاف ما فرضنا من عدم تقييد كل منها في مقام الامتثال بأزيد من الإمكان، سواء كان وجوب كل واحد منهما بأمرين، أو كان بأمر واحد يشمل واجبين، و ليس التخيير في القسم الأول لاستعمال الأمر في التخيير.
و الحاصل: أنه إذا أمر الشارع بشيء واحد استقل العقل بوجوب إطاعته في ذلك الأمر بشرط عدم المانع العقلي و الشرعي، و إذا أمر بشيئين و اتفق امتناع إيجادهما في الخارج استقل العقل بوجوب إطاعته في أحدهما لا بعينه، لأنها ممكنة فيقبح تركها.
لكن هذا كله على تقدير أن يكون العمل بالخبر من باب السببية بأن يكون قيام الخبر على وجوب فعل واقعا سببا شرعيا لوجوبه ظاهرا على المكلف فيصير المتعارضان من قبيل السببين المتزاحمين، فيلغى أحدهما مع وجود وصف السببية فيه لإعمال الآخر كما في كل واجبين متزاحمين.
أمّا لو جعلناه من باب الطريقية كما هو ظاهر أدلة حجية الأخبار، بل غيرها من الأمارات بمعنى أن الشارع لاحظ الواقع و أمر بالتوصل إليه من هذا الطريق لغلبة إيصاله إلى الواقع، فالمتعارضان لا يصيران من قبيل الواجبين المتزاحمين للعلم بعدم إرادة الشارع سلوك الطريقين معا، لأن أحدهما مخالف للواقع قطعا، فلا يكونان طريقين إلى الواقع، و لو فرض محالا إمكان العمل بهما، كما يعلم إرادته لكل من المتزاحمين في نفسه على تقدير إمكان الجمع.
مثلا: لو فرضنا أن الشارع لاحظ كون الخبر غالب الإيصال إلى الواقع فأمر بالعمل به في جميع الموارد لعدم المائز بين الفرد الموصل منه و غيره، فإذا تعارض خبران جامعان لشرائط الحجية لم يعقل بقاء تلك المصلحة في كل منهما بحيث لو أمكن الجمع بينهما أراد الشارع إدراك المصلحتين، بل وجود تلك المصلحة في كل منهما بخصوصه مقيد بعدم معارضته بمثله.
و من هنا يتجه الحكم حينئذ بالتوقف لا بمعنى أن أحدهما المعين واقعا طريق و لا نعلمه بعينه، كما لو اشتبه خبر صحيح بين خبرين، بل بمعنى أن شيئا منهما ليس طريقا في مؤداه بالخصوص و مقتضاه الرجوع إلى الأصول العملية إن لم يرجح بالأصل الخبر المطابق له، و إلا فيكون مورد الكلام غير التكافؤ مختصا بما إذا لم يكن أحدهما مطابقا للأصل فيتساقطان من....
و إن قلنا: بأنه مرجح خرج عن مورد الكلام، أعني التكافؤ، فلا بد من
فرض الكلام فيما لم يكن هناك أصل مع أحدهما فيتساقطان من حيث جواز العمل بكل منهما لعدم كونهما طريقين، كما أن التخيير مرجعه إلى التساقط من حيث وجوب العمل.
هذا ما يقتضيه القاعدة في مقتضى وجوب العمل بالأخبار من حيث الطريقية، إلا أن الأخبار المستفيضة، بل المتواترة قد دلت على عدم التساقط مع فقد المرجح.
و حينئذ فهل يحكم بالتخيير، أو العمل بما طابق منهما الاحتياط، أو بالاحتياط و لو كان مخالفا لهما، كالجمع بين الظهر و الجمعة مع تصادم أدلتهما و كذا بين القصر و الإتمام وجوه.
المشهور و هو الذي عليه جمهور المجتهدين الأول للأخبار المستفيضة، بل المتواترة الدالة عليه و لا يعارضها عدا ما في مرفوعة زرارة الآتية المحكية عن عوالي اللئالي الدالة على الوجه الثاني من الوجوه و هي ضعيفة جدا، و قد طعن في ذلك التأليف و في مؤلفه المحدث البحراني قدس سره في مقدمات الحدائق.
و أمّا أخبار التوقف الدالة على الوجه الثالث من حيث إن التوقف في الفتوى يستلزم الاحتياط في العمل كما في ما لا نص فيه، فهي محمولة على صورة التمكن من الوصول إلى الإمام عليه السلام كما يظهر من بعضها، فيظهر منها أن المراد ترك العمل و إرجاء الواقعة إلى لقاء الإمام عليه السلام لا العمل فيها بالاحتياط.
ثم إن حكم الشارع في تلك الأخبار بالتخيير في تكافؤ الخبرين لا يدل على كون حجية الأخبار من باب السببية، و يتوهم أنه لو لا ذلك لأوجب التوقف لقوة احتمال أن يكون التخيير حكما ظاهريا عمليا في مورد التوقف
لا حكما واقعيا ناشئا من تزاحم الواجبين، بل الأخبار المشتملة على الترجيحات و تعليلاتها أصدق شاهد على ما استظهرناه من كون حجية الأخبار من باب الطريقية، بل هو أمر واضح و مراد من جعلها من باب الأسباب عدم إناطتها بالظن الشخصي كما يظهر من صاحب المعالم رحمه اللّه في تقرير دليل الانسداد.
ثم المحكي عن جماعة، بل قيل إنه مما لا خلاف فيه أن التعادل إن وقع للمجتهد في عمل نفسه كان مخيرا في عمل نفسه و إن وقع للمفتي لأجل الإفتاء فحكمه أن يخير المستفتي فيتخير في العمل كالمفتي.
و وجه الأول واضح، و أما وجه الثاني فلأن نصب الشارع للأمارات و طريقيتها يشمل المجتهد و المقلد، إلا أن المقلد عاجز عن القيام بشروط العمل بالأدلة من حيث تشخيص مقتضاها و دفع موانعها، فإذا أثبت ذلك المجتهد جواز العمل بكل من الخبرين المتكافئين المشترك بين المقلد و المجتهد تخير المقلد كالمجتهد، و لأن إيجاب مضمون أحد الخبرين على المقلد لم يقم عليه دليل فهو تشريع، و يحتمل أن يكون التخيير للمفتي فيفتي بما اختار، لأنه حكم للمتحير و هو المجتهد.
و لا يقاس هذا بالشك الحاصل للمجتهد في بقاء الحكم الشرعي، مع أن حكمه و هو البناء على الحالة السابقة مشترك بينه و بين المقلد، لأن الشك هناك في نفس الحكم الفرعي المشترك و له حكم مشترك و التحير هنا في الطريق إلى الحكم فعلاجه بالتخيير مختص بمن يتصدى لتعيين الطريق، كما أن العلاج بالترجيح مختص به، فلو فرضنا أن راوي أحد الخبرين عند المقلد أعدل و أوثق من الآخر، لأنه أخبر و أعرف به مع تساويهما عند المجتهد، أو انعكاس الأمر عنده، فلا عبرة بنظر المقلد، و كذا لو فرضنا تكافؤ قول
اللغويين في معنى لفظ الرواية، فالعبرة بتحير المجتهد لا تحير المقلد بين حكم يتفرع على أحد القولين و آخر يتفرع على آخر، و المسألة محتاجة إلى التأمل و إن كان وجه المشهور أقوى هذا حكم المفتي.
و أمّا الحاكم و القاضي فالظاهر كما عن جماعة أنه يتخير أحدهما فيقضي به، لأن القضاء و الحكم عمل له لا للغير فهو المخير و لما عن بعض من أن تخير المتخاصمين لا يرفع معه الخصومة و لو حكم على طبق إحدى الأمارتين في واقعة، فهل له الحكم على طبق الأخرى في واقعة أخرى المحكي عن العلامة رحمه اللّه و غيره الجواز، بل حكي نسبته إلى المحققين لما عن النهاية من أنه: «ليس في العقل ما يدل على خلاف ذلك و لا يستبعد وقوعه، كما لو تغير اجتهاده، إلا أن يدل دليل شرعي خارج على عدم جوازه كما روي أن النبي صلى اللّه عليه و آله، قال: (لأبي بكر: لا تقض في الشيء الواحد بحكمين مختلفين)».
أقول: يشكل الجواز لعدم الدليل عليه، لأن دليل التخيير إن كان الأخبار الدالة عليه فالظاهر أنها مسوقة لبيان وظيفة المتحير في ابتداء الأمر، فلا إطلاق فيها بالنسبة إلى حال المتحير بعد الالتزام بأحدهما، و أما العقل الحاكم بعدم جواز طرح كليهما فهو ساكت من هذه الجهة، و الأصل عدم حجية الآخر بعد الالتزام بأحدهما، كما تقرر في دليل عدم جواز العدول عن فتوى مجتهد إلى مثله.
نعم لو كان الحكم بالتخيير في المقام من باب تزاحم الواجبين كان الأقوى استمراره، لأن المقتضي له في السابق موجود بعينه بخلاف التخيير الظاهري في تعارض الطريقين، فإن احتمال تعيين ما التزمه قائم بخلاف التخيير الواقعي فتأمل و استصحاب التخيير غير جار، لأن الثابت سابقا ثبوت
الاختيار لمن لم يتخير فإثباته لمن اختار و التزم إثبات للحكم في غير موضوعه الأول.
و بعض المعاصرين رحمه اللّه استجود هنا كلام العلامة رحمه اللّه، مع أنه منع عن العدول عن أمارة إلى أخرى و عن مجتهد إلى آخر فتدبر.
ثم إن حكم التعادل في الأمارات المنصوبة في غير الأحكام كما في أقوال أهل اللغة و أهل الرجال يوجب التوقف، لأن الظاهر اعتبارها من حيث الطريقية إلى الواقع لا السببية المحضة و إن لم يكن منوطا بالظن الفعلي، و قد عرفت أن اللازم في تعادل ما هو من هذا القبيل التوقف
و الرجوع إلى ما يقتضيه الأصل في ذلك المقام، إلا أنه إن جعلنا الأصل من المرجحات كما هو المشهور، و سيجيء لم يتحقق التعادل بين الأمارتين إلا بعد عدم موافقة شيء منهما للأصل، و المفروض عدم جواز الرجوع إلى الثالث، لأنه طرح للأمارتين فالأصل الذي يرجع إليه هو الأصل في المسألة المتفرعة على مورد التعارض، كما لو فرضنا تعادل أقوال أهل اللغة في معنى الغناء، أو الصعيد، أو الجذع من الشاة في الأضحية، فإنه يرجع إلى الأصل في المسألة الفرعية.
خاتمة (1) للتخيير و مقدمة للترجيح و هو إن
الشرح
(1) الكلام في المقام قد يقع في أصل وجوب الفحص، و قد يقع في مقداره، أمّا الكلام من الجهة الأولى فحاصله أنّه بعد تعلّق التّخيير بتعادل الخبرين و تكافؤهما من حيث المزايا المعتبرة في التّرجيح من خصوص المزايا المنصوصة، أو مطلق المزايا على الخلاف لا إشكال في كون مقتضى الأصل الأوّلي إذا شكّ في التّعادل من الحيثيّة المذكورة عدم جواز العمل من جهة الشّك في الحجّيّة، و هل هنا أصل آخر ثانويّ يقضي بوجود التّعادل أم لا؟ قد يقال بوجوده نظرا إلى
........
الشرح
كون المزيّة حادثة فتنتفي به مزيّة كلّ واحد منهما على صاحبه و هو معنى تعادلهما، و لكنّك خبير بعدم اطّراد هذا الأصل في جميع موارد الشّك، إذ ربما تكون المزيّة المحتملة صفة في الخبر لا يوجد إلاّ معها، فالحالة السّابقة لعدمها إنّما هي باعتبار عدم وجود الخبر، مع أنه إذا فرض احتمال وجود المزيّة لكلّ منهما فهو معنى تعادلهما بالوجدان، فلا معنى لإجراء الأصل في إثبات التّعادل كما هو الشّأن بعد الفحص أيضا.
نعم فيما احتمل وجوده في أحدهما خاصّة لم يحكم بالتّعادل، فعلى ما ذكر لا بدّ من إقامة الدّليل على وجوب الفحص، اللّهمّ إلا أن يمنع من جريان الأصل المذكور قبل الفحص من حيث رجوع الشّك إلى الشّك في طريق الحكم الرّاجع إلى الشّك في الحكم حقيقة الّذي قام الدّليل على عدم جريانه إلاّ بعد الفحص، هذا مع أنه إذا فرض احتمال وجود المزيّة في كلّ منهما الّذي يوهم تحقّق التّعادل معه فيشك في حجّيّة كلّ منهما أيضا قبل الفحص و الأصل عدم حجّيّته، أو يمنع ترتّب الحكم على مطلق التّعادل فتدبّر. و لا يجوز التّمسّك بإطلاقات التّخيير بعد تقييدها بأخبار التّرجيح لرجوع الشّك إلى الشّك في الموضوع من هذه الجهة، كما لا يجوز التّمسّك بأخبار التّرجيح لإثبات وجوب الفحص، لأن وجوب التّرجيح بشيء لا يقتضي بنفسه وجوب الفحص عنه عند الشّك في وجوده و لو كان المرجّح وجوده الواقعي لا العلمي فما في ظاهر الكتاب من الاستدلال لوجوب الفحص عن المرجّح بوجوب التّرجيح به من حيث توقّف التّرجيح به على الفحص عنه محلّ مناقشة، اللّهمّ إلا أن يقال إنّ حصول العلم عادة بوجود المرجّح لما توقّف على الفحص عنه فإيجاب التّرجيح به إذا كان واجبا مطلقا يقتضي الفحص عنه فتأمّل حتّى لا يختلط عليك الأمر و يذهب وهمك إلى قوله قدس سره بثبوت الملازمة بين تعلّق الوجوب بالشّيء النّفس الأمري و وجوب الفحص عنه
........
الشرح
على وجه الموجبة الكلّية.
نعم تعلّق الوجوب بالشّيء المعلوم يمنع عن وجوب الفحص عنه فمورد وجوب الفحص و محلّه على سبيل القضيّة الكلّيّة ما إذا تعلّق الخطاب بالشّيء الواقعي، لا أنّ مجرّد تعلّقه به يقتضي وجوب الفحص عنه، فقد تبيّن ممّا ذكرنا كلّه أنّ التّعلّق في المقام بإطلاق أخبار التّخيير لا مساسة له أصلا، و إنّما يجوز التّعلّق به فيما شكّ في أصل وجوب التّرجيح، فإن الكلام في وجوب الفحص عمّا قيّد به الإطلاق بحسب الخارج، فلا يجوز التّمسّك بشيء منهما نفيا و إثباتا إلاّ بضميمة ما أشرنا إليه على تقدير تسليمه، كما أنّه لا مساسة للتّعلّق بحكم العقل بالتّخيير في المقام حتّى يجاب عنه بما في الكتاب من عدم حكمه به إلاّ بعد إحراز التّسوية، فلا جدوى للأصل في المقام مضافا إلى كونه من الأصل في الشّبهة الحكميّة و إن كان شكّا في الموضوع ابتداء لما أسمعناك من مغايرة باب التّزاحم لباب التّعارض الّذي يعتبر فيه التّرجيح، مضافا إلى ما عرفت من كون التّخيير في الأوّل راجعا إلى حكم الشّرع حقيقة لا إلى حكم العقل كما في التّخيير بين دوران الأمر بين المحذورين.
نعم هنا كلام في أنّه إذا شكّ في أهميّة أحد المتزاحمين بخصوصه هل يحكم بالتّخيير أم لا؟ أقواهما الثّاني نظرا إلى عدم العلم بوجود الخطاب المزاحم و سيجيء شرح القول فيه، لكنه لا دخل له بالشّك في وجود المرجّح لأحد المتعارضين المفروض في محلّ البحث، و كيف كان يستدلّ لوجوب الفحص كما في الكتاب بعد الأصل بالتّقرير الّذي عرفته بوجوه:
الأوّل: ما دلّ على وجوب التّرجيح بالتّقريب الّذي ذكره شيخنا العلاّمة قدس سره في الكتاب بانضمام المقدّمة الّتي عرفتها.
الثّاني: الإجماع على وجوبه على ما قرّر في الكتاب.
الرجوع إلى التخيير غير جائز إلا بعد الفحص التام عن المرجحات، لأن مأخذ التخيير إن كان هو العقل الحاكم بأن عدم إمكان الجمع في العمل لا يوجب إلا طرح البعض فهو لا يستقل بالتخيير في المأخوذ و المطروح، إلا بعد عدم مزية في أحدهما اعتبرها الشارع في العمل و الحكم بعدمها لا يمكن إلا بعد القطع بالعدم، أو الظن المعتبر، أو إجراء أصالة العدم التي لا تعتبر فيما له دخل في الأحكام الشرعية الكلية إلا بعد الفحص التام، مع أن أصالة العدم لا تجدي في استقلال العقل بالتخيير كما لا يخفى.
و إن كان مأخذه الأخبار فالمتراءى منها من حيث سكوت بعضها عن
الشرح
الثّالث: لزوم الهرج و المرج و اختلال أمر الاجتهاد و الاستنباط من ترك الفحص عنه و الاقتصار في التّرجيح على ما يعلم من دون فحص من جهة العلم الإجمالي بوجود مرجّحات كثيرة لما تعارض من الأخبار، بحيث لا يحصل الوقوف عليها عادة إلاّ بعد الفحص نظير العلم بوجود الأدلّة في مجاري الأصول و المعارض للأدلّة و الصّوارف و القرائن المنفصلة للظّواهر من العمومات و الإطلاقات و غيرهما من الظّواهر، هذا بعض الكلام في أصل وجوب الفحص.
و أمّا الكلام في مقداره فملخّصه: أن حدّه الفحص عنه بحيث يحصل له اليأس عن الاطّلاع عليه على تقدير زيادة الفحص من جهة اطمئنانه بعدم وجوده فيما بأيدينا من كتاب اللّه و السّنة و كتب الأخبار و الفتاوى من العامّة و الخاصّة و لا يعتبر تحصيل العلم بعدمه، بل ربما يكون ممنوعا من جهة تأديته إلى سدّ باب استنباط غالب الأحكام، كما لا يخفى و إن كان الأولى، بل الأحوط الاقتصار على العمل بما يحتمل رجحانه بخصوصه، بل لو عمل على هذا الوجه من أوّل الأمر فيما احتمل رجحان أحدهما بالخصوص سقط الفحص عنه لكونه مطلوبا بالعرض لا بالذّات.
جميع المرجحات و إن كان جواز الأخذ بالتخيير ابتداء، إلا أنه يكفي في تقييدها دلالة بعضها الآخر على وجوب الترجيح ببعض المرجحات المذكورة فيها المتوقف على الفحص عنها المتممة فيما لم يذكر فيها من المرجحات المعتبرة بعدم القول بالفصل بينها منها، هذا مضافا إلى لزوم الهرج و المرج نظير ما يلزم من العمل بالأصول العملية و اللفظية قبل الفحص.
هذا مضافا إلى الإجماع القطعي، بل الضرورة من كل من يرى وجوب العمل بالراجح من الأمارتين، فإن الخلاف و إن وقع من جماعة في وجوب العمل بالراجح من الأمارتين و عدم وجوبه لعدم اعتبار الظن في أحد الطرفين، إلا أن من أوجب العمل بالراجح أوجب الفحص عنه و لم يجعله واجبا مشروطا بالاطلاع عليه، و حينئذ فيجب على المجتهد الفحص التام عن وجود المرجح لإحدى الأمارتين.
الترجيح تقديم إحدى الأمارتين على الأخرى (1) في العمل لمزية لها
الشرح
(1) التّرجيح في اللّغة و العرف جعل الشّيء راجحا و قد اختلفت كلماتهم في المراد منه، فعن الأكثر هو اقتران الأمارة بما يتقوّى على معارضها، و عن بعض تبعا لشيخنا البهائي في الزّبدة و تلميذه الشّارح في شرحها أنّه تقديم إحدى الأمارتين على الأخرى لمزيّة من المزايا، و هذا التّعريف كما ترى أنسب بالنّسبة إلى المعنى اللّغوي و العرفي، و لذا اختاره شيخنا العلاّمة قدس سره و نوقش في الأوّل كما عن شرح الزّبدة و غيره بأنّ مقتضى وضع التّرجيح كونه فعل المجتهد لا صفة الأمارة و أجيب عن المناقشة بأنّ التّعريف مبنيّ على الاصطلاح و لا مشاحة فيه مضافا إلى مناسبته للتّعارض و التّعادل فإنّهما صفتان للأمارة، و الأمر في ذلك سهل إنّما المهمّ
عليها بوجه من الوجوه، و فيه مقامات:
الأول: في وجوب ترجيح لأحد الخبرين بالمزية الداخلية، أو الخارجية الموجودة فيه.
الثاني: في ذكر المزايا المنصوصة و الأخبار الواردة.
الثالث: في وجوب الاقتصار عليها، أو التعدي إلى غيرها.
الرابع: في بيان المرجحات من الداخلية و الخارجية.
فالمشهور فيه وجوب الترجيح، و حكي عن جماعة منهم الباقلاني و الجبائيان عدم الاعتبار بالمزية و جريان حكم التعادل، و يدل على المشهور مضافا إلى الإجماع المحقق (1) و السيرة القطعية و المحكية عن الخلف و السلف
الشرح
التّكلّم فيما رتّبه من المقامات.
(1) قيام الإجماع بقسميه على وجوب التّرجيح في الجملة، و كذا دلالة الأخبار المستفيضة، بل المتواترة معنى، أو إجمالا عليه ممّا لا شبهة تعتريه و لا إشكال فيه أصلا. أمّا قيام الإجماع فظاهر بعد عدم الاعتناء بمخالفة من ذهب إلى القول بإيجاب التّرجيح كالسّيّد الصّدر، بل لو ادّعي إجماع المسلمين عليه نظرا إلى عدم قدح مخالفته مثل الجبائيين كان في محلّه، و أما دلالة الأخبار فلأنّ ظهورها غاية الظّهور بنفسها في وجوب التّرجيح ممّا لا يقبل الإنكار و لا يعارضها أخبار التّخيير بعد تسليم كونها في مقام الإطلاق و البيان بعد كون التّقييد أولى من المجاز، مضافا إلى شواهد و قرائن فيها من التّعليلات و غيرها يمنع من الجمع بالحمل على الاستصحاب، هذا مضافا إلى أنّ الاستصحاب لا مناسبة له في باب الطّريق كما هو
........
الشرح
ظاهر، و أما وهن الظّهور بما زعمه السيّد من تعارض أخبار التّرجيح بعضها مع بعض من وجوه فيحمل على الاستصحاب فموهون بما سنوقفك عليه إن شاء اللّه تعالى من عدم التّعارض بينها أصلا، و إن زعمه غير واحد منهم المحقّق القمّي قدس سره و جعله دليلا على حجّيّة مطلق الظّنّ في باب التّرجيح، بل مطلقا كما ستقف عليه إنّما الإشكال فيما أفاده من اقتضاء الأصل لذلك، مع أن الثّابت عنده كما صرّح به مرارا في أجزاء الكتاب و يعترف به بعد ذلك و عندهم اقتضاء الأصل عدم التّرجيح، كما أنّ مقتضاه عدم الحجّيّة، و قد أطال الكلام في تحرير المقام بما لا يخلو عن مناقشات نشير إلى بعضها، مع أن تأديته كانت ممكنة بتحرير مختصر مفيد نقيّ عن الإشكال، فإنه بعد البناء على الطّريقيّة في حجّيّة الأخبار و الغضّ عن لزوم تقييد إطلاق أخبار التّخيير و تسليم دوران الأمر بين التّقييد و تصرّف آخر يبقى معه الإطلاق، كحمل أوامر التّرجيح على الاستصحاب من غير ترجيح بين التّصرفين كما هو مبنى الرّجوع إلى الأصل أمكن تحرير المدّعى بأنّ حجّيّة الرّاجح قطعيّته في الفرض، و إنّما الشّك في حجّيّة المرجوح فعلا و إن كان حجّة شأنا، و الأصل المقرّر في هذا الشّك بالأدلّة الأربعة عدم الحجّيّة كما هو الأصل المقرّر عند الشّك في الحجّيّة الشّأنيّة من غير فرق بينهما، إلا أنه قدّس اللّه نفسه الزّكيّة أراد تحرير المقام على كلّ وجه، و بسط الكلام على كلّ قول تشريحا للمطلوب و ترغيبا للطّالب، فلا بدّ من اقتفاء أثره فنقول:
إنّ الدّوران قد يفرض بين موارد التّخيير العقلي في المسألة الفرعيّة كدوران الأمر بين المحذورين كالوجوب و التّحريم مع رجحان أحدهما، و قد يفرض بين موارد التّخيير العقلي في المسألة الأصوليّة على القول بالطّريقيّة في اعتبار الأمارات المتعارضة مع عدم مطابقة أحد المتعارضين للأصل مع فرض مزيّة لأحد المتعارضين مع قطع النّظر عن أخبار التّخيير الواردة في علاج تعارض الأخبار، أو
........
الشرح
فرض الكلام في تعارض سائر الأمارات، و قد يفرض في موارد تزاحم الواجبين، و منه تعارض الأمارتين على القول بالسّببيّة و إن تقدّم فساده بما لا مزيد عليه، و قد يفرض في موارد التّخيير الشّرعي في الواجبات الشّرعيّة الفرعيّة كالدّوران في خصال الكفّارة مثلا.
فالكلام يقع في مواضع أربعة:
الموضع الأوّل: في دوران الأمر في موارد التّخيير العقلي في المسألة الفرعيّة كدوران الأمر بين المحذورين حكما، أو موضوعا كدوران الأمر بين الواجب و الحرام مع رجحان أحدهما فنقول: إنّ لزوم الأخذ بالرّاجح منهما إذا لم يكن مظنونا بظنّ معتبر من حيث الخصوص مبنيّ على مقدّمات دليل الانسداد، و إن كانت النّتيجة التّبعيض في الاحتياط على ما أسمعناك في الجزء الأوّل من التّعليقة، و إلا فالرّاجح و المرجوح متساويان في حكم العقل بعد قيام الدّليل القطعي على حرمة العمل بغير العلم، فإن مرجع الأخذ بالرّاجح في الفرض إلى حجّيّة الظّن مع عدم دليل عليها بالفرض، و منه يظهر الكلام في الموضع الثّاني و هو دوران الأمر في التّخيير العقلي في المسألة الأصوليّة على القول بالطّريقيّة في الأمارات مع عدم أصل على طبق أحد المتعارضين، حيث إنّه مع وجوده يتعيّن الرّجوع إليه و لا مورد للتّخيير حينئذ، و ممّا ذكرنا يظهر ما في الكتاب من التّشويش في المقام بقوله و مرجع التّوقّف أيضا إلى التّخيير إذا لم يجعل الأصل من المرجّحات إلخ، فإن الكلام إنّما هو في تأسيس الأصل في حكم التّرجيح، فلا محلّ لهذا التّعليق و الاشتراط، كما أنّ ما أفاده بقوله فالحكم التّخيير على تقدير فقده، أو كونه مرجعا لا يخلو عن مناقشة ظاهرة، إذ على تقدير وجود الأصل و كونه مرجعا لا يبقى مجال للتّخيير و إن أراد توجيه ما أفاده بإلحاق قوله بناء على أنّ الحكم في المتعادلين مطلقا التّخيير، إذ البناء المذكور إنّما هو بملاحظة أخبار التّخيير و الكلام
........
الشرح
في المقام مع قطع النّظر عنها، و إلا فحقّ التّحرير أن يقال بدل ما حرّره أنّ حكم المتعارضين التّخيير مطلقا غاية ما هناك كون التّخيير عقليّا على السّببيّة و شرعيّا على الطّريقيّة، و إن كان مقتضى القاعدة على الطّريقيّة الحكم بالتّوقّف و الرّجوع إلى الأصل إن كان على طبق أحدهما، و إلا فالتّخيير العقلي نظير التّخيير بين المحذورين في المسألة الفرعيّة، و إن كان قوله بعد النّقل المذكور و التّخيير، أمّا بالنّقل إلى آخره ربما يشهد على الإلحاق المذكور، إلا أن فيه أيضا نوع تشويش، و إلا فحقّ التّعبير أن يقال فالتّخيير أمّا بالنّقل إلخ.
فإن قلت: حكم العقل بالتّخيير في الموضعين مبنيّ على تسوية الاحتمالين و عدم ترجيح أحدهما على الآخر ضرورة كونه مبنيّا على قاعدة بطلان التّرجيح بلا مرجّح و مقتضى ذلك كما ترى، الحكم بلزوم الأخذ بالرّاجح و ترك المرجوح و لو من جهة كونه متيقّنا على كلّ تقدير، كما يقتضيه ما أفاده في الكتاب في طيّ الجواب عن السّؤال بقوله نظير الاحتياط بالتزام ما دلّ أمارة غير معتبرة على وجوبه مع احتمال الحرمة، أو العكس.
قلت: قد عرفت أنّ مرجع لزوم الأخذ بالرّاجح في الموضعين حقيقة إلى حجّيّة الظّن، فإذا قام البرهان القاطع على عدم حجّيّته في حكم الشّرع، بل العقل أيضا كان الرّاجح و المرجوح متساويين في نظر العقل فيحكم بالتّخيير بينهما هذا بعض الكلام في حكم الموضعين الأوّلين.
و أمّا الموضع الثّالث: فقد أسمعناك أنّ المانع عن الحكم بالتّخيير فيه ليس إلاّ أهميّة أحد المتزاحمين و أقوائيتهما بحسب المصلحة الملزمة في نظر الشّارع، فإذا فرضنا اعتبار المتعارضين من باب السّببيّة الموجبة لدخولهما في عنوان المتزاحمين، و إن كان هذا مجرّد فرض يمنع تحقّقه عندنا على ما أسمعناك شرح القول فيه، و إن التّعارض لا يجامع التّزاحم و كان أحدهما مشتملا على ما يوجب
........
الشرح
أقربيّته إلى الواقع لم يكن إشكال في عدم تأثيره في رفع الحكم بالتّخيير بالمعنى الّذي عرفته سابقا بعد مساواتهما من حيث المصلحة و عدم أهميّة أحدهما كما هو المفروض، لأن القرب إلى الواقع غير ملحوظ في الأمر بالعمل بالمتعارضين، فكيف يصلح القرب إلى الواقع الحاصل من المزيّة لتعيين ذيها و ترجيحه على غيره، فلا دوران هنا من جهة المزيّة المزبورة أصلا، كما لا يخفى.
نعم هنا كلام في ثبوت التّخيير مع الظّن بأهميّة أحد المتزاحمين، أو احتمالها صريح شيخنا العلاّمة في الكتاب و في مجلس المذاكرة عدم ثبوته في صورة احتمال الأهميّة، فعدم ثبوته في صورة احتمال الأهميّة فعدم ثبوته في صورة الظّن بها أولى، كما لا يخفى، حيث إنّ التّخيير عنده مترتّب على موضوع العلم بالمساواة، فإذا لم يعلم بها و احتمل الأهميّة فيحكم بلزوم اختيار ما يحتملها من الواجبين و لا يجدي الحكم بعدمها من جهة الأصل على تقدير تسليم جريانه، مع أنه ممنوع لعدم الحالة السّابقة المعلومة حتّى يحكم ببقائها، لأن التّرتّب عقليّ، فلا يجدي حكم الشّارع بعدمه أصلا، مضافا إلى كونه من الأصول المثبتة الّتي لا اعتبار بها عندنا، هذا و لكنّك خبير بإمكان التّفصيل في المقام بين كون التّخيير في موارد التّزاحم بحكم الشّرع على ما عرفت شرح القول في بيانه، أو بحكم العقل بجعل احتمال الأهميّة على الأوّل مانعا عن التّخيير نظرا إلى عدم العلم بوجود المزاحم لما احتملت أهميّة، فلا يجوز رفع اليد عنه، و على الثّاني غير مانع عنه نظرا إلى حصر المانع في حكم العقل بعد ملاحظة وجود المصلحة الملزمة في الواجبين في علمه بوجود الأهميّة لا الأهميّة الواقعيّة، فلا ينفع احتمالها فتأمّل.
و أمّا الموضع الرّابع: فالدّوران فيه من حيث التّخيير و التّعيين لا تعلّق له برجحان أحدهما و مرجوحيّة الآخر من حيث الأمارات الدّاخليّة و الخارجيّة، بل مستند في الشّبهة الحكميّة إلى أحد أسباب اشتباه الحكم، و قد تقدّم الكلام فيه في
........
الشرح
الجزء الثّاني من الكتاب و التّعليقة و إن المختار، بل المشهور عدم جواز الرّجوع إلى البراءة فيه، بل المتعيّن الرّجوع إلى قاعدة الاشتغال فراجع و إن كان كلام شيخنا العلاّمة في الجزء الثّاني من الكتاب لا يخلو عن ميل إلى البراءة على خلاف ما صرّح به في المقام بقوله: ففيه: أنّه لا ينفع بعد ما اخترنا في تلك المسألة وجوب الاحتياط و عدم جريان قاعدة البراءة.
نعم ربما يجعل المقام من جزئيّاته نظرا إلى أنّ احتمال التّرجيح بالمزيّة في معنى احتمال تعيين الأخذ بذيها، فإذا فرض الإهمال في قضيّة دليل التّخيير فيدور الأمر بين التّخيير و التّعيين في المسألة الأصوليّة، و من هنا قد يبتني الأصل في المسألة على الأصل في تلك المسألة، و من هنا أورد في الكتاب على ما أفاده من لزوم الأخذ بالرّاجح بمقتضى الأصل بقوله: و ثانيا: أنّه إذا دار الأمر بين وجوب أحدهما على التّعيين إلخ، و هو كما ترى صريح فيما ذكرنا من جعل مسألتنا هذه من جزئيّات تلك المسألة زعما من السّائل أنّه يوجب انقلاب الأصل و فساد ما بنى عليه شيخنا العلاّمة، لكنه في كمال الوضوح من الفساد، و من هنا أجاب عنه في الكتاب بعدم تعلّق المقام بتلك المسألة أصلا بعد الجواب عنه بأنّ الاعتراض المذكور لا يفيد بعد البناء في تلك المسألة على الاشتغال على ما عرفت بقوله و الأولى منع اندراجها في تلك المسألة، لأن مرجع الشّك في المقام إلى الشّك في جواز العمل بالمرجوح إلخ، و مراده من الأولويّة ليس ما يتراءى من ظاهرها في بادي النّظر، بل المتعيّن كما يشهد له قوله بعد ذلك.
و التّحقيق: أنّا إن قلنا بأنّ العمل بأحد المتعارضين إلخ من حيث إنّ الشّك في المسألة يرجع إلى الشّك في الطّريق، و من المعلوم ضرورة لزوم الاقتصار في حكم العقل على ما علم طريقيّته لعدم تجويزه سلوك المشكوك في مقام الإطاعة و الامتثال و ليس الشّك في أصل متعلّق حكم الشّارع من حيث دورانه بين شيء
........
الشرح
معيّن، أو أحد الشّيئين حتّى يجوز في حكمه نفي التّعيين من حيث إنّه كلفة زائدة فيتوقّف على البيان.
ثمّ إنّ ما أفاده من تقرير الأصل في المسألة لمّا كان نظريّا توجّه عليه السّؤال بقوله: فإن قلت: أوّلا: إنّ كون الشّيء مرجحا مثل كون الشّيء دليلا إلخ و التّرقّي بقوله، بل العمل به مع الشّك يكون تشريعا كالتّعبّد بما لم يعلم حجّيّته مبنيّ على ما أفاده مرارا، سيّما في الجزء الأوّل من الكتاب عند الكلام في تأسيس الأصل في الظّن من أنّ حرمة العمل بغير العلم تشريعيّة مترتّبة واقعا على مجرّد عدم العلم و الشّك في الحجّيّة، فلا معنى لإجراء أصل العدم المختصّ كسائر الاستصحابات الوجوديّة و العدميّة بما إذا ترتّب الحكم الشّرعي على مجراه واقعا، و إن تقدّم منّا كلام في ذلك في الجزء الأوّل من التّعليقة من جهة الكلام في موضوع التّشريع فراجع إليه.
ثمّ إنّ حاصل ما أفاده في السّؤال الأوّل يرجع إلى أنّ نتيجة الأصل المذكور يرجع إلى الحكم بمرجّحية المزيّة مع الشّكّ فيها، مع أن مقتضى نفس الأصل المذكور بعد تعميمه بالنّسبة إلى الشّك في الحجّيّة و المرجّحيّة البناء على عدم مرجّحيّتها و حاصل الجواب عنه بقوله قلت: كون التّرجيح كالحجّيّة أمرا يجب ورود التّعبّد به من الشّارع إلخ يرجع إلى أنّ الأخذ بالرّاجح ليس من حيث إنّ رجحانه أوجب الأخذ به، و بعنوان كونه راجحا حتّى يدخل في مسألة التّشريع و التّديّن بغير العلم، بل من حيث كونه متيقّن الاعتبار و الحجّيّة على كلّ تقدير و غيره مشكوك الحجّيّة، فالأخذ بالرّاجح و طرح المرجوح إنّما هو من حيث الاحتياط، و من المعلوم ضرورة عدم صدق التّشريع على الأخذ بعنوان الاحتياط و عدم اجتماعهما موضوعا، فإذا اقتضى الدّليل وجوب الاحتياط من جهة حكم العقل في مورد تردّد الطّريق بين المتيقّن و المشكوك لم يكن معنى لمنعه تمسّكا
........
الشرح
بما دلّ على حرمة التّشريع من العقل و النّقل فهو نظير حكم العقل بلزوم الاقتصار على الرّاجح من المحتملين في مسألة دوران الأمر بين الوجوب و التّحريم في المسألة الفرعيّة احتياطا، فإنه لا يمنع منه ما دلّ على حرمة التّشريع و التّديّن بغير العلم هذا حال ما دلّ على حرمة العمل بالظّن من باب التّشريع، و أما ما دلّ على حرمته من حيث إيجابه طرح العمل بالأصل المعتبر الجاري في المسألة و إن لم يكن بعنوان التّشريع على ما عرفته في الجزء الأوّل من التّعليقة من كونه جهة مستقلّة لتحريم العمل بغير العلم، فلا يمنع من العمل المذكور قطعا، لأن المفروض عدم جريان الأصل في المسألة الّتي تعارض فيها الخبران بعد وجود الدّليل في المسألة و إن كان مردّدا بين الرّاجح و المرجوح و إن كان على طبق أحدهما، كما هو ظاهر و المفروض أنّ قضيّة التّخيير أيضا قضيّة مهملة، فلا يتوهّم أن الأخذ بالرّاجح موجب لطرح دليل التّخيير و إن لم يوجب طرح الأصل في المسألة الفرعيّة لا يقال الشّك في حجّيّة المرجوح فعلا الموجب للرّجوع إلى الأصل بالنّسبة إليه مسبّب عن الشّك في اعتبار المزيّة عند الشّارع، فإذا حكم الشّارع في طيّ ما دلّ على عدم الاعتناء بغير العلم بجعله حجّة، أو مرجحا ارتفع الشّك عن الحجّيّة الفعليّة للمرجوح فيحكم بتسوية الرّاجح و المرجوح في نظر الشّارع فالتّرجيح يتوقّف على قيام دليل عليه، إذ الأصل على هذا يقتضيه أ لا ترى أنّ الدّليل القائم على حرمة القياس يمنع من جعله مرجحا، كما يمنع من جعله حجّة على ما تقدّم القول فيه في الجزء الأوّل و ستقف عليه أيضا، مع أن مفاده ليس إلاّ حرمة العمل بالقياس بعنوان التّشريع و لا فرق عند التّحقيق بين مفاده و مفاد دليل حرمة العمل بغير العلم إلاّ بالخصوص و العموم، لأنّا نقول دليل حرمة العمل بغير العلم إنّما يمنع من الحكم بمرجحيّة الظّن و التّديّن بمقتضاه لا من الاحتياط في مورد قيام الظّن و العمل بالرّاجح مستند إلى تيقّن اعتباره و ترك العمل بالمرجوح
........
الشرح
مستند إلى الاحتياط في الطّريق لا إلى رجحان الرّاجح لا يقال دليل حرمة العمل بغير العلم و إن لم يرفع حسن الاحتياط، إلا أنه يمنع من وجوبه قطعا، لأن وجوبه مبنيّ على احتمال الضّرر و العقاب المرتفع بدليل الحرمة جزما فهو وارد على الاحتياط اللاّزم من حيث ارتفاع موضوعه به فهو من هذه الجهة نظير دليل حرمة القياس و أشباهه، فإنه أيضا لا يمنع من حسن الاحتياط في مورده، إلا أنه يمنع من وجوب الاحتياط في مورده فيما جعل المقتضي له نفس قيام القياس في المسألة الفقهيّة و المدّعى هو وجوب الاحتياط في المسألة لا مجرّد رجحانه، لأنّا نقول دليل حرمة العمل بغير العلم لا يمنع إلاّ من الاستناد إليه، و قد عرفت أنّ الاستناد في المسألة إلى العلم، أي ما يعلم اعتباره على كلّ تقدير و المنع عن العمل بالمرجوح بعد إهمال قضيّة التّخيير كما هو المفروض من جهة الشّك في اعتباره و دليل حرمة العمل بالمشكوك لا يوجب اعتبار المشكوك، و منه يظهر فساد قياس المقام بموارد وجود القياس و أشباهه، فإنه بعد قيام الدّليل الخاص على عدم حجّيّته لا يمكن الحكم بوجوب الاحتياط لأجله، و هذا بخلاف المقام، فإن المفروض فيه وجود ما تيقّن اعتباره، فإذا حكم بحرمة العمل بالمرجوح من جهة الأصل فيؤخذ بالرّاجح من حيث كونه متيقّن الحجّيّة، فلزوم الأخذ به إنّما هو من هذه الجهة لا من جهة المزيّة الغير المعتبرة و الأصل الجاري فيها لا ينفي حكم الاحتمال و إنّما ينفي حكم المحتمل.
و بعبارة أخرى: ينفي البناء على كونه مرجحا لا ما يترتّب عقلا على احتمال كونه مرجحا لا يقال إذا كان الشّك في اعتبار المرجوح مسبّبا عن الشّك في اعتبار المزيّة كان أصالة عدم اعتبار المزيّة حاكمة على أصالة عدم اعتبار المرجوح، إذ المفروض عدم الشّك فيه إلاّ من الجهة المسطورة فالمستند للحكم باعتباره ليس دليل حرمة العمل بغير العلم حتّى يتوجّه عليه ما ذكر، بل نفس حكم الشّارع بحجّيّة
........
الشرح
المتعارضين، لأنّا نقول إن كان المراد من حكم الشّارع مدلول أدلّة حجّيّة الأخبار فيتوجّه عليه ما عرفت مرارا من أنّه على الطّريقيّة لا اقتضاء لها إلاّ بالنّسبة إلى نفي الثّالث و إن كان مدلول ما قضى بالتّخيير بين المتعارضين فيتوجّه عليه ما عرفت من فرض الإهمال في قضيّة التّخيير، و إلا لم يكن مورد للرّجوع إلى الأصل و إثبات إطلاق الأخبار و بيانها بالأصل المذكور كما ترى، فالحجّة الفعليّة مستندة إلى نفس الأصل المذكور فيلزمه المحذور المزبور.
نعم لو بني على الموضوعيّة و السّببيّة في اعتبار الأدلّة لم يكن معنى للأصل المذكور لعدم الإهمال في حكم الشّارع، أو العقل و عدم مدخليّة رجحان أحدهما فيما أوجب مزاحمة المتعارضين، فالكلام في تأسيس الأصل مبنيّ على الطّريقيّة و قيام الدّليل على التّخيير و إهمال ما دلّ عليه، أو فرض إهماله كما يفصح عنه ما أفاده شيخنا العلاّمة قدس سره في طيّ التّحقيق الّذي ذكره في حكم المقام.
نعم ما أفاده من تنظير المقام بدوران الأمر بين المحذورين في المسألة الفقهيّة مع رجحان أحد الاحتمالين ربما يناقش فيه بأنّ التّخيير فيه إذا كان بحكم العقل، فلا معنى لتردّده في موضوع حكمه حتّى يرجع إلى الاحتياط، اللّهم إلا أن يكون المراد المقايسة من حيث الحكم بوجوب الأخذ بالرّاجح لا في عنوان الحكم و جهته، لكنه ينافي تصريحه بالعنوان مضافا إلى عدم ارتباطه بالمقام إذا كان الحكم فيه بعنوان آخر كما هو ظاهر، هذا كلّه فيما أوجب رجحان أحد المتعارضين من المزايا، سواء ظنّ التّرجيح به، أو شكّ فيه، أو احتمل ذلك موهوما، و أما ما لا يوجب رجحان أحدهما مع احتمال التّرجيح به كالأصل مثلا فحكمه من حيث الأصل حكم القسم الأوّل، و من هنا ذكر في الكتاب، بل الأصل فيما يحتمل كونه مرجحا التّرجيح به و يمكن حمله بعيدا على ما يوجب قلّة الاحتمال في أحد المتعارضين، أو بعده بالإضافة و إن لم يبلغ مرتبة الظّن على ما ستقف عليه من كونه
........
الشرح
مرجحا أيضا حسبما يستفاد من التّعليل الوارد في أخبار التّرجيح، كما يقع الكلام فيه إن شاء اللّه تعالى.
و ممّا ذكرنا في شرح كلامه يظهر صحّة ما أفاده من الاستدراك بقوله، إلا أن يرد عليه إطلاقات التّخيير و فساد ما أورد عليه من عدم إمكان اجتماع الإهمال و الإطلاق، فإن الغرض منه ليس التّفكيك بحسب الأصل و فرض الإهمال و الإطلاق، بل الغرض منه كما هو صريح العبارة عند التّأمّل التّفكيك من حيث الأخبار المقيّدة المفيدة لعموم التّرجيح بكلّ مزيّة مع الالتزام بإطلاق أخبار التّخيير بقول مطلق، فحاصله أنّه لا فرق بين القسمين بحسب الأصل و إن أمكن الفرق بينهما بحسب دليل التّرجيح مع الالتزام بإطلاق قضيّة التّخيير بقول مطلق كما يشهد له قوله بناء على الاقتصار إلخ.
و المراد من قوله على ما علم كونه مرجحا العلم بالرّجحان الوجداني لا العلم بالحكم عند الشّارع، فإنه في كمال الوضوح من الفساد بحيث لا يحتمل صدوره في حقّ من دونه بمراتب كما هو ظاهر.
نعم التّعرض للفرق بين القسمين بحسب الأدلّة بالعبارة المذكورة ربما يوجب اشتباه الأمر على النّاظر، هذا حاصل ما استفدناه من الكتاب مع ما فيه من الاضطراب و من إفاداته في مجلس البحث مع ما فيه من التّأمّل، لأن الجمع بين كون مقتضى الأصل عدم التّرجيح و إن مقتضاه مساواة المرجّحيّة للحجّيّة و كون مقتضى الأصل لزوم التّرجيح، و تسميته بالأصل الثّانوي و الأوّل بالأصل الأوّلي كما يفصح عنه قوله فصار الأصل وجوب العمل بالمرجّح و هو أصل ثانوي مع كون المراد من الأصلين أصالة حرمة العمل بغير العلم كما ترى لا يخلو عن مناقشة.
ثمّ إنّ لبعض فضلاء المعاصرين كلاما في المقام فيما أملاه في المسألة لا بأس بنقله و الإشارة إلى ما فيه، قال رحمه اللّه في الجواب عن السّؤال: بأنّ الشّك في
........
الشرح
حجّيّة المرجوح مسبّب عن الشّك في اعتبار الرّجحان في نظر الشّارع و الأصل فيه حاكم على الأصل في المرجوح ما هذا لفظه: قلت: أوّلا: أنّا لا نقول بالحكومة في أفراد أصل واحد و لو مع التّسبّب، فلا يقدم الأصل الجاري في السّبب على الأصل الجاري في المسبّب، بل نحكم بتعارضهما، إلى أن قال: و ثانيا: أنّ التّسبب لا بدّ من أن يكون بين المشكوكين لا الشّكين و الأمر هنا ليس كذلك، لأن سبب عدم جواز العمل بالمرجوح عند الشّارع ليس هو وجوب العمل بالرّاجح، بل هما في مرتبة واحدة، و إلا لكان عدم اعتبار الظّنون الغير المعتبرة مسبّبا و معلولا لحجّيّة الظّنون المعتبرة و هو كما ترى، بل الرّاجح و المرجوح ظنّان تعارضا و نحن جازمون بحجّيّة الرّاجح و شاكّون في حجّيّة المرجوح، فإن لم يكن حجّة فإنّما هو وجود المقتضي لها لا لوجود المانع و هو حجّيّة الرّاجح، فإن الشّك في وجوب العمل بالرّاجح عينا ليس شكّا في أمر زائد على جواز العمل به بعد إحرازه، كما قلنا في المتزاحمين حتّى يدفع بالأصل، بل العينيّة على فرض ثبوتها إنّما نشأت من عدم حجّيّة معارضه، فالشّك في وجوب العمل بالرّاجح عينا و جواز العمل بالمرجوح كلاهما نشئا من الشّك في أنّ الحكم الشّرعي في المرجوح هل هو الحجّيّة أيضا مثل الرّاجح أم لا، فلا سببيّة و لا حكومة، و لو قلنا بها في تعارض الأصلين و ساق الكلام، إلى أن قال: إذا تحقّق ذلك فنقول: إنّ الأدلّة إن كان اعتبارها من باب السّببيّة و الموضوعيّة كان الحكم في المتعارضين منهما مثل ما في المتزاحمين فالأصل فيه قاض بعدم اعتبار المرجّح حسبما مرّ تفصيلا، إلاّ إذا قلنا بأنّ احتمال الأهميّة مانع عن التّخيير و قاض بالتّرجيح في باب التّزاحم كما هو ظاهر الرّسالة، فإن قضيّة الأصل حينئذ وجوب العمل بمعلوم الرّجحان، بل و محتمله خلافا للرّسالة حيث صرّح بعدم وجوب العمل بذي المزيّة بناء على أنّ المزيّة إنّما توجب الأقربيّة إلى الواقع و لا مدخليّة لها في مطلوبيّة العمل بالطّريق على تقدير
........
الشرح
السّببيّة قطعا، فلا يحتمل الأهميّة حتّى يجب مراعاتها و لو كان أقرب إلى الواقع و فيه أنّ القطع بذلك من العجائب، فإن الأقرب إلى الواقع لو لم ندّع الظّن بتأكّد مطلوبيّته و كون العمل به أهمّ عند الشّارع، فلا أقلّ من الاحتمال. نعم على التّصويب الباطل من دوران الأحكام الواقعيّة مدار الطّرق و الأمارات الشّرعيّة و أنّه ليس للواقع حكم شرعيّ عند اللّه يكشف عنه الأمارة، بل يحدث بحدوثها و ينتفي بانتفائها أمكن القطع بعدم الأهميّة، إلى أن قال: و أما بناء على ثبوت الأحكام الواقعيّة و كون الأمارات كاشفة عنها، فإن خالفت يتداركها بالأمارة و إن صادفت يتأكّد مصلحة الواقع بمصلحة الأمارة كما هو المراد بالسّببيّة الدّائرة على السّنة العلماء في الأصول و الفقه دون الأوّل الّذي تطابق العقل و النّقل على فساده، فلا وجه لإنكار احتمال الأهميّة في ذي المزيّة انتهى كلامه رفع مقامه.
و فيه ما لا يخفى من وجوه المناقشة و النّظر: أمّا أوّلا: فلأنّ منع جريان الحكومة في أفراد أصل واحد بظاهر معنى الحكومة لا بأس به، إلاّ أنّك قد عرفت جريانها حكما فيها كيف و أخبار الاستصحاب بحسب المورد على ما عرفت شرح القول فيه في تعارض الاستصحابين ناطقة بتقديم الاستصحاب في الشّك السّببي على الاستصحاب في الشّك المسبّب، مضافا إلى ما عرفت هناك من سائر الوجوه المقتضية لذلك فراجع إليه حتّى تقف على حقيقة الأمر.
و أمّا ثانيا: فلأنّ ما ذكره من كون المدار في التّحكيم على السّببيّة و المسبّبيّة بالنّسبة إلى المشكوك لا الشّك و إن كان مستقيما، و قد اعتبرهما شيخنا العلاّمة قدس سره بالنّسبة إليه أيضا في الجزء الثّالث من الكتاب و صرّح بذلك فيه، و إنّما اعتبر بالنّسبة إلى الشّك من جهة انطباق موارد سببيّة الشّك غالبا في الشّرعيّات على سببيّة المشكوك لا أن يكون المدار عليها من حيث هي، إلا أن منع تحقّق الضّابط المذكور في المقام نظرا إلى ما ذكره في غير محلّه، لأن الجزم بحجّيّة الرّاجح
........
الشرح
المردّدة بين التّعيين و التّخيير و الشّك في حجّيّة المرجوح إنّما هما من جهة وصفي الرّجحان و المرجوحيّة لا من جهة ذاتي الرّاجح و المرجوح، و إلا لم يعقل تردّد الحجّيّة في الرّاجح بين التّعيين و التّخيير، بل كان الرّاجح معلوم الحجّيّة على التّعيين و على كلّ تقدير، سواء كان المرجوح معتبرا أم لا، كما هو الشّأن بالنّسبة إلى الظّنون المعتبرة و الظّنون الغير المعتبرة كما ذكره، و لم يكن معنى للتّعارض على التّقدير المزبور كما هو الشّأن بالنّسبة إلى الظّنون المعتبرة و الظّنون الغير المعتبرة، و منه يظهر فساد قياس المقام بهما و عدم ارتباط بينهما أصلا فعدم حجّيّة المرجوح في الفرض لو كان ثابتا في نفس الأمر معلول لحجّيّة الرّاجح على سبيل التّعيين على تقدير الثّبوت في نفس الأمر، إذ المفروض مساواتهما بحسب الحجّيّة الشّأنيّة، و إلا لما تعارضا و هو خلف و ليس المؤثر في هذا التّعيين إلاّ رجحان الرّاجح جزما فينتهي الأمر بالأخرة إليه.
و يدلّ على ما ذكرنا مضافا إلى وضوحه كلماتهم في باب التّراجيح و الأخبار الواردة فيه، سيّما التّعليلات المذكورة فيها فإنّها صريحة في أنّ تقديم الرّاجح على المرجوح إنّما هو من جهة رجحانه.
و أمّا ثالثا: فلأنّ ما ذكره من كون الأقربيّة إلى الواقع الحاصلة من رجحان إحدى الأمارتين موجبا للأهميّة جزما، أو ظنّا، أو احتمالا على السّببيّة و التّزاحم بالتّقريب المذكور في كلامه الّذي يرجع عند التّأمّل إلى أنّ الظّن الحاصل بمطابقة الأمارة للواقع يوجب الظّن بتدارك مصلحة سلوك الطّريق و الواقع الملحوظ في جعل الطّريق فيكون الرّاجح في نظر العقل بهذه الملاحظة أهمّ لا محصّل له أصلا، كما لا يخفى، فإنه كما ترى راجع إلى الالتزام بجعل الأمارات من باب الطّريقية لا السّببيّة المحضة، فإن مبنى الطّريقيّة كما عرفته غير مرّة على ملاحظة الواقع في جعل الأمارة في نظر الشّارع، سواء كان هناك مصلحة في الأمر
........
الشرح
بالعمل بها أم لا، فملاحظة الكشف و الطّريقيّة موجب لتساقط الأمارتين بالمعنى الّذي عرفته لا الطّريقيّة المحضة كما هو ظاهر و التّصويب و إن كان باطلا عندنا، إلا أن فرض كونه حقّا لا يجدي في المقام شيئا، لأن التّعارض لا يجامع التّزاحم على كلّ قول إلاّ على فرض جواز الاجتماع الأمري الّذي اتّفقت كلمتهم على بطلانه، و من هنا يتوجّه على ما ذكره مناقشة أخرى، فإنه مسلم التّزاحم بمعنى عدم ملاحظة مصلحة الواقع أصلا على القول بالتّصويب إلى غير ذلك ممّا يتوجّه عليه هذا بعض الكلام فيما يقتضيه الأصل في المسألة.
ثمّ إنّ في كلماتهم جملة من الوجوه للقول بوجوب التّرجيح غير الأخبار و الإجماع و الأصل لا بأس بالتّعرض لها و الإشارة إلى ما يتوجّه عليها:
فمنها: ما عن النّهاية و الأحكام من تقرير النّبي صلى اللّه عليه و آله معاذا لمّا بعثه قاضيا إلى اليمن في ترتيب الأدلّة و تقديم بعضها على بعض.
و منها: دلالة الكتاب على ذلك، فإن لازم ترك التّرجيح التّخيير و التّسوية بين خبر الفاسق و العادل و العالم و الجاهل و هو منفيّ بقوله تعالى: أَ فَمَنْ كٰانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كٰانَ فٰاسِقاً، و قوله تعالى: هَلْ يَسْتَوِي اَلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ اَلَّذِينَ لاٰ يَعْلَمُونَ.
و منها: أنّه لو لم يجب العمل بالرّاجح و جاز التّخيير لم يجب تخصيص عامّ بخاصّ و لا تقييد مطلق بمقيّد و لا تأويل ظاهر بالأظهر، و ذلك هدم للدّين و تضييع لشريعة سيّد المرسلين صلى اللّه عليه و آله و إبطال لمنهاج الأئمّة المعصومين صلوات اللّه عليهم أجمعين، لأن معظم الأدلّة الشّرعيّة متعارضة فيلزم من ترك التّرجيح المحظور المذكور و بطلان التّالي من جهة وضوحه لا يحتاج إلى البيان، و هذا هو المراد ممّا ذكره جماعة من لزوم الهرج و المرج و الفقه الجديد من ترك التّرجيح كما في الكتاب، و إلا فالقائل بعدم وجوب التّرجيح لا يعترف بثبوت التّرجيح في الشّرع حتّى يلزم من تركه بطلان الدّين.
........
الشرح
نعم لمّا كان التّرجيح بالمرجّحات المذكورة ممّا لا يقبل الإنكار استدلّ به على لزومه، و من هنا أجاب شيخنا العلاّمة عن هذا الوجه في الكتاب بأنّ الظّاهر خروج هذا النّحو من المتعارضات عن محلّ الكلام، فإن التّرجيح بينها من الجمع الّذي تقدّم تقديمه على الطّرح ترجيحا و تخييرا عندهم، فلا يلزم من ترك التّرجيح التّخيير بين المتعارضات المذكورة حتّى يلزمه المحظور المذكور.
و منها: ما في كتب جماعة من الخاصّة منهم العلاّمة في النّهاية و التّهذيب و العامّة من أنّه لو لم يجب ترجيح الرّاجح يلزم إمّا ترجيح المرجوح، أو التّسوية بينهما و هما قبيحان بضرورة العقل، و من هنا ذكر في محكيّ الأحكام أنّه إذا كان أحد الدّليلين راجحا، فالعقلاء يقدّمونه و يرجّحونه بعقولهم و في محكيّ شرح المبادي أنّه لو لم يجب العمل بالرّاجح، فإمّا يعمل بالمرجوح، أو بهما معا، أو لا يعمل بشيء منهما و الكلّ باطل، فيتعيّن العمل بالرّاجح.
و منها: ما تمسّك به في محكيّ النّهاية و غاية البادي من أنّه إذا وقع التّعارض بين الظّنين و ترجّح أحدهما كان العمل به متعيّنا عرفا فيجب شرعا لقوله صلى اللّه عليه و آله ما رآه المسلمون حسنا فهو عند اللّه حسن، و في محكيّ الأحكام الأصل تنزيل التّصرّفات الشّرعيّة منزلة التّصرّفات العرفيّة، و لهذا قال: صلى اللّه عليه و آله ما رآه المسلمون حسنا فهو عند اللّه حسن.
و منها: أنّه لو وجب التّخيير، أو التّوقف لزم ارتكاب تخصيصات كثيرة لا تحصى فيما دلّ من العمومات على حجّيّة الظّنون كآية النّبإ و غيرها، و هو مع كونه خلاف الأصل في غاية البعد و الفساد، لأدائه إلى سقوط فائدة تلك العمومات لا يقال تلك العمومات كما تدلّ على حجّيّة الرّاجح، كذلك تدلّ على حجّيّة المرجوح من غير فرق، فإن آية النّبإ تدلّ على قبول خبر الأعدل و العادل بدلالة واحدة، لأنّا نقول إذا فسد احتمال التّخيير و التّوقّف بما بيّناه لزم التّخصيص في تلك
........
الشرح
العمومات قطعا، و لا يمكن إخراج الرّاجح إلاّ بتعيّن العمل بالمرجوح و هو مع قبحه عقلا مجمع على بطلانه، فتعيّن إخراج المرجوح و إبقاء الرّاجح فيجب العمل به إلى غير ذلك ممّا ذكره في المفاتيح ممّا يقرب من تلك الوجوه، أو يرجع إليها و الإنصاف تطرّق المناقشة إلى جميعها حتّى قاعدة بطلان ترجيح المرجوح من حيث قبحه في مقام و امتناعه في مقام آخر و إن جمع بين القبح و الامتناع بعض فقال بقبحه، بل امتناعه مع عدم إمكان اجتماعهما، فإنه في مقام التّشريع قبيح لا محال و في مقام التّكوين محال لا قبيح كما هو ظاهر، فإن المكلّف لا يختار الموهوم و لا المظنون إلاّ لمرجّح و غرض، و إلا امتنع اختياره و الشّارع لا يحكم بالموهوم إلاّ لمرجّح عنده فالصّغرى ممنوعة على كلّ تقدير.
فلو قام هناك دليل على كون المظنون راجحا عند الشّارع فهو يغني عن القاعدة جدّا، و من هنا ورد في الشّرع النّهي عن اتّباع الظّن، و كذا لو قام هناك دليل عقلا عليه، كما إذا قلنا بتماميّة مقدّمات الانسداد المنتجة لحجّيّة مطلق الظّن حسبما عرفت شرح القول فيه في الجزء الأوّل من التّعليقة و الإنصاف أنّ صرف الوقت في بيان فساد الوجوه المذكورة ممّا لا ينبغي، فإن العمدة ما عرفت من الوجوه الثّلاثة و فيها غنى و كفاية، لأن الأخبار على ما ستقف عليه واضحة الدّلالة عليه، و كذا انعقاد الإجماع عليه قولان و عملا ممّا لا شبهة فيه و لو لم يكن إلاّ الإجماعات المنقولة البالغة حدّ التّواتر كفت في حصول القطع منها بتحقّق الإجماع و لا يقدح مخالفة قليل ممّن لا يعتنى به، كما أنّه لا يقدح عدم تمسّك كثير في المقام بالأخبار مع بلوغها حدّ التّواتر، مع أن فيها الأخبار المعتبرة فيشبه المقام من هذه الجهة بالاستصحاب، فإنه مع ورود الأخبار الكثيرة و فيها الصّحاح و غيرها لم يتمسّكوا له بالأخبار فكأنّهم أرادوا في المقامين النّسج على طريقة العامّة، ثمّ إنّ كلماتهم و إن كانت مختلفة من حيث مورد الإجماع من جهة أنّه
........
الشرح
خصوص الأخبار، أو مطلق الظّنين، إلا أنه لا يقدح فيما نحن بصدده من وجوب التّرجيح في الجملة.
قال في محكي المبادي: «أنّ إجماع الصّحابة وقع على ترجيح بعض الأخبار على بعض انتهى. و في غاية البادي أجمع الصّحابة على العمل بالتّرجيح عند التّعارض» انتهى كلامه. و في محكي النّهاية في مقام الاستدلال: «لنا الإجماع على التّرجيح و المصير إلى الرّاجح من الدّليلين» انتهى كلامه رفع مقامه. و في محكيّ غاية المأمول: «أنّ التّرجيح متى حصل وجب العمل به، لأن المعهود من العلماء كالصّحابة و من خلفهم من التّابعين أنّه متى تعارضت الأمارات اعتمدوا على الرّاجح و رفضوا المرجوح» انتهى كلامه. و في محكي الأحكام: «أمّا أنّ العمل بالدّليل الرّاجح واجب، فيدلّ عليه ما نقل و علم من إجماع الصّحابة و السّلف في الوقائع المختلفة على وجوب تقديم الرّاجح من الظّنين» انتهى. و في كلام غير واحد قطع الصّحابة و غيرهم به و عملهم عليه في الوقائع المتكرّرة المتكثّرة بحيث لا يقبل الإنكار. و في محكي النّهاية و غيرها أنّهم قدّموا خبر التقاء الختانين على خبر أبي هريرة إنّما الماء من الماء و خبر أبي هريرة من أصبح جنبا، فلا صوم له، على خبر عائشة أنّه صلى اللّه عليه و آله كان يصبح جنبا و هو صائم إلى غير ذلك، هذا بعض الكلام فيما تمسّكوا به على وجوب التّرجيح.
و أمّا القول بعدم وجوبه فقد يتمسّك له أيضا مضافا إلى الأصل، أي أصالة عدم اعتبار المزيّة بالتّقريب الّذي عرفته، أو أصالة البراءة بناء عليها في دوران الأمر بين التّخيير و التّعيين حسبما أسمعناك عن قريب و إطلاق أخبار التّخيير، أو التّوقف على القول به بوجوه:
منها: ما عن النّهاية من احتجاج المنكرين بقوله تعالى فَاعْتَبِرُوا يٰا أُولِي اَلْأَبْصٰارِ و أجاب عنه بأنّه دليل ظنّي، فلا يعارض الدّليل القطعي القائم على وجوب التّرجيح،
........
الشرح
هذا مع أن الآية لا تنفي التّرجيح، فإن وجوب النّظر و الاعتبار لا ينافي التّرجيح و منها ما عنها أيضا من الاحتجاج بقوله عليه السلام نحن نحكم بالظّاهر، فإن مقتضاه عدم وجوب الأخذ بالرّاجح، فإن المرجوح أيضا ظاهر و أجاب عنه بأنّ الخبر يدلّ على وجوب الأخذ بالظّاهر و الظّاهر ما يرجّح أحد طرفيه على الآخر و مع وجود الرّاجح لا يكون المرجوح ظاهرا فهو يدلّ على وجوب التّرجيح.
و منها: ما عنها أيضا فقال: احتجّ المنكرون أيضا بأنّه لو اعتبر التّرجيح في الأمارات اعتبر في البيّنات المتعارضة في الحكومات، و التّالي باطل لعدم تقدّم شهادة الأربعة على الاثنين فالمقدّم مثله.
بيان الشّرطيّة: أنّ العلّة و هي ترجيح الأظهر على الظّاهر موجودة هنا، ثمّ أجاب عنه بمنع نفي التّرجيح في الشّهادات، فإنه يقدّم عندنا شهادة الأربعة على الاثنين سلّمنا، لكن عدم التّرجيح في الشّهادة ربما كان مذهب أكثر الصّحابة و لم يخالفوا في اعتبار التّرجيح في تعارض الأدلّة انتهى ما حكي عنه، و ظاهره كما ترى أنّه لو لا الاتّفاق على التّرجيح في الأدلّة و كان أمرها أمر البيّنات من وقوع الاختلاف في التّرجيح فيها لحكمنا بعدم التّرجيح في الأدلّة أيضا نظرا إلى الأصل.
هذا و قد استفاد شيخنا العلاّمة قدس سره خلاف ما ذكرنا فقال: بعد نقله في الكتاب و مرجع الأخير إلى أنّه لو لا الإجماع لحكمنا بالتّرجيح في البيّنات أيضا، و يظهر ما فيه ممّا ذكرنا سابقا فإنا لو بنينا على أنّ حجّيّة البيّنة من باب الطّريقيّة فاللاّزم مع التّعارض التّوقّف إلى آخر ما أفاده.
نعم لو كان مذهب أكثر الصّحابة إجماعا عندهم، أو ملحقا به حكما أمكن استظهار ما استظهره من النّهاية، لكنه لم يثبت و إن ذهب إلى اعتباره بعضهم، اللّهمّ إلا أن يقال إنّ بطلان التّالي لمّا كان موقوفا على قيام الإجماع و التّسالم عليه، و إلا كان ممنوعا، فلا بدّ أن يكون مراد العلاّمة قدس سره ما استظهره.
و تواتر الأخبار بذلك أن حكم المتعارضين من الأدلة على ما عرفت بعد عدم جواز طرحهما معا، إما التخيير لو كانت الحجية من باب الموضوعية و السببية، و أمّا التوقف لو كانت حجيتها من باب الطريقية و مرجع التوقف أيضا إلى التخيير إذا لم نجعل الأصل من المرجحات، أو فرضنا الكلام في مخالفي الأصل، إذ على تقدير الترجيح بالأصل يخرج صورة مطابقة أحدهما للأصل عن مورد التعادل، فالحكم بالتخيير على تقدير فقده، أو كونه مرجعا بناء على أن الحكم في المتعادلين مطلقا التخيير لا الأصل المطابق و التخيير إمّا بالنقل،
الشرح
و حاصله: أنّ عدم التّرجيح في الشّهادات إذا كان لقيام الدّليل، فلا يقاس عليه الأدلّة إذا كان مقتضى الأصل التّرجيح في المقامين، اللّهمّ إلا أن يقال إنّ غرض المستدلّ نقض ما تمسّك به المستدلّ ممّا يأبى التّخصيص، فلا يجدي قيام الدّليل عليه بعد اتّحاد المناط، إلا أنه كما ترى مضافا إلى منافاته لظاهر الاستدلال إيراد على الجواب، و لا تعلّق له بالمراد، ثمّ إنّه لا إشكال في توجّه ما أفاده على ما ذكره على تقدير إرادته، لأن التّرجيح إنّما يكون مطابقا للأصل فيما قام هناك دليل على التّخيير و كانت قضيّة مهملة و مبنى الشّهادة و إن كان على الطّريقيّة، إلا أنه لا يحتمل التّخيير في مورد تعارض البيّنات، ثمّ لا يخفى عليك أنّ الوجوه المذكورة للقول بعدم التّرجيح حالها من حيث الضّعف و السّقوط حال ما عرفت من الوجوه المذكورة، للقول بوجوب التّرجيح كحال ما دعا السيّد الصّدر إلى حمل أخبار التّرجيح على الفضل و الأولويّة على ما عرفت الإشارة إليه، و إن كان ردّه بإباء عدم الالتفات إلى حكم غير الأفقه و الأعدل في المقبولة عن الحمل المذكور كما في الكتاب ربما يناقش فيه بأنّ صدر المقبولة على ما أفاده لا تعلّق له بالمقام، و كذا ما أفاده بقوله: (مع أن في سياق تلك المرجّحات) إلخ، فإنه لا فرق فيما يكون موافقة الكتاب و السّنة مرجّحة بينها و بين غيرها من المرجّحات، و من هنا أمر بالتّأمّل فيما أفاده.
و أمّا بالعقل.
أمّا النقل: فقد قيد فيه التخيير بفقد المرجح و به يقيد ما أطلق فيه التخيير.
و أمّا العقل: فلا يدل على التخيير بعد احتمال اعتبار الشارع للمزية و تعيين العمل بذيها، و لا يندفع هذا الاحتمال بإطلاق أدلة العمل بالأخبار، لأنها في مقام تعيين العمل بكل من المتعارضين مع الإمكان، لكن صورة التعارض ليست من موارد إمكان العمل بكل منهما، و إلا لتعين العمل بكليهما، و العقل إنما يستفيد من ذلك الحكم المعلق بالإمكان عدم جواز طرح كليهما لا التخيير بينهما، و إنما يحكم بالتخيير بضميمة أن تعيين أحدهما ترجيح بلا مرجح، فإن استقل بعدم المرجح حكم بالتخيير، لأنه نتيجة عدم إمكان الجمع و عدم جواز الطرح و عدم وجود المرجح لأحدهما، و إن لم يستقل بالمقدمة الثالثة توقف عن التخيير، فيكون العمل بالراجح معلوم الجواز و العمل بالمرجوح مشكوكة.
فإن قلت: أولا: إن كون الشيء مرجحا مثل كون الشيء دليلا يحتاج إلى دليل، لأن التعبد بخصوص الراجح إذا لم يعلم من الشارع كان الأصل عدمه، بل العمل به مع الشك يكون تشريعا كالتعبد بما لم يعلم حجيته. و ثانيا: إذا دار الأمر بين وجوب أحدهما على التعين و أحدهما على البدل فالأصل براءة الذمة عن خصوص الواحد المعين، كما هو مذهب جماعة في مسألة دوران الأمر بين التخيير و التعيين.
قلت: أما كون الترجيح كالحجية أمرا يجب ورود التعبد به من الشارع فمسلم، إلا أن الالتزام بالعمل بما علم جواز العمل به من الشارع من دون استناد الالتزام إلى إلزام الشارع احتياط لا يجري فيه ما تقرر في وجه حرمة العمل بما وراء العلم فراجع. نظير الاحتياط بالتزام ما دل أمارة غير معتبرة على
وجوبه مع احتمال الحرمة، أو العكس.
و أمّا إدراج المسألة في مسألة دوران المكلف به بين أحدهما المعين و أحدهما على البدل ففيه: أنه لا ينفع بعد ما اخترنا في تلك المسألة وجوب الاحتياط و عدم جريان قاعدة البراءة و الأولى منع إدراجها في تلك المسألة، لأن مرجع الشك في المقام إلى الشك في جواز العمل بالمرجوح و لا ريب أن مقتضى القاعدة المنع عما لم يعلم جواز العمل به من الأمارات و هي ليست مختصة بما إذا شك في أصل الحجية ابتداء، بل تشمل ما إذا شك في الحجية الفعلية مع إحراز الحجية الشأنية، فإن المرجوح و إن كان حجة في نفسه، إلا أن حجيته فعلا مع معارضة الراجح بمعنى جواز العمل به فعلا غير معلوم فالأخذ به و الفتوى بمؤداه تشريع محرم بالأدلة الأربعة هذا.
و التحقيق أنا إن قلنا: بأن العمل بأحد المتعارضين في الجملة مستفاد من حكم الشارع به بدليل الإجماع و الأخبار العلاجية كان اللازم الالتزام بالراجح و طرح المرجوح.
و إن قلنا: بأصالة البراءة عند دوران الأمر في المكلف به بين التعيين و التخيير لما عرفت من أن الشك في جواز العمل بالمرجوح فعلا و لا ينفع وجوب العمل به عينا في نفسه مع قطع النظر عن المعارض فهو كأمارة لم يثبت حجيتها أصلا.
و إن لم نقل بذلك، بل قلنا: باستفادة العمل بأحد المتعارضين من نفس أدلة العمل بالأخبار، فإن قلنا: بما اخترناه من أن الأصل التوقف بناء على اعتبار الأخبار من باب الطريقية و الكشف الغالبي عن الواقع، فلا دليل على وجوب الترجيح بمجرد قوة في أحد الخبرين، لأن كلا منهما جامع لشرائط الطريقية و التمانع يحصل بمجرد ذلك، فيجب الرجوع إلى الأصول الموجودة
في تلك المسألة إذا لم يخالف كلا المتعارضين، فرفع اليد عن مقتضى الأصل المحكم في كل ما لم يكن طريق فعلي على خلافه بمجرد مزية لم يعلم اعتبارها لا وجه له، لأن المعارض المخالف بمجرده ليس طريقا فعليا لابتلائه بالمعارض الموافق للأصل و المزية الموجودة لم يثبت تأثيرها في دفع المعارض.
و توهم استقلال العقل بوجوب العمل بأقرب الطريقين إلى الواقع و هو الراجح مدفوع بأن ذلك إنما هو فيما كان بنفسه طريقا كالأمارات المعتبرة لمجرد إفادة الظن، و أما الطرق المعتبرة شرعا من حيث إفادة نوعها الظن و ليس اعتبارها منوطا بالظن فالمتعارضان المفيدان منها بالنوع للظن في نظر الشارع سواء، و ما نحن فيه من هذا القبيل، لأن المفروض أن المعارض المرجوح لم يسقط من الحجية الشأنية كما يخرج الأمارة المعتبرة بوصف الظن عن الحجية إذا كان معارضها.
و بالجملة: فاعتبار قوة الظن في الترجيح في تعارض ما لم ينط اعتباره بإفادة الظن، أو بعدم الظن على الخلاف لا دليل عليه.
و إن قلنا: بالتخيير بناء على اعتبار الأخبار من باب السببية و الموضوعية، فالمستفاد بحكم العقل من دليل وجوب العمل بكل من المتعارضين مع الإمكان كون وجوب العمل بكل منهما عينا مانعا عن وجوب العمل بالآخر، كذلك و لا تفاوت بين الوجوبين في المانعية قطعا و مجرد مزية أحدهما على الآخر بما يرجع إلى أقربيته إلى الواقع لا يوجب كون وجوب العمل بالراجح مانعا عن وجوب العمل بالمرجوح دون العكس، لأن المانع بحكم العقل هو مجرد الوجوب، و المفروض وجوده في المرجوح و ليس في هذا الحكم العقلي إهمال و إجمال و واقع مجهول حتى يحتمل تعيين الراجح و وجوب
طرح المرجوح.
و بالجملة: فحكم العقل بالتخيير نتيجة وجوب العمل بكل منهما في حد ذاته، و هذا الكلام مطرد في كل واجبين متزاحمين.
نعم لو كان الوجوب في أحدهما آكد و المطلوبية فيه أشد استقل العقل عند التزاحم بوجوب ترك غيره، و كون وجوب الأهم مزاحما لوجوب غيره من دون عكس، و كذا لو احتمل الأهمية في أحدهما دون الآخر، و ما نحن فيه ليس كذلك قطعا، فإن وجوب العمل بالراجح من الخبرين ليس آكد من وجوب العمل بغيره هذا.
و قد عرفت فيما تقدم أنا لا نقول بأصالة التخيير في تعارض الأخبار، بل و لا غيرها من الأدلة بناء على أن الظاهر من أدلتها و أدلة حكم تعارضها كونها من باب الطريقية و لازمه التوقف و الرجوع إلى الأصل المطابق لأحدهما، أو أحدهما المطابق للأصل، إلا أن الدليل الشرعي دل على وجوب العمل بأحد المتعارضين في الجملة و حيث كان ذلك بحكم الشرع فالمتيقن من التخيير هو صورة تكافؤ الخبرين.
أمّا مع مزية أحدهما على الآخر من بعض الجهات فالمتيقن هو جواز العمل بالراجح.
و أمّا العمل بالمرجوح فلم يثبت، فلا يجوز الالتزام فصار الأصل وجوب العمل بالمرجح و هو أصل ثانوي، بل الأصل فيما يحتمل كونه مرجحا الترجيح به، إلا أن يرد عليه إطلاقات التخيير بناء على وجوب الاقتصار في تقييدها على ما علم كونه مرجحا.
و قد يستدل على وجوب الترجيح بأنه لو لا ذلك لاختل نظم الاجتهاد، بل نظام الفقه من حيث لزوم التخيير بين الخاص و العام و المطلق و المقيد
و غيرهما من الظاهر و النص المتعارضين.
و فيه أن الظاهر خروج مثل هذه المعارضات عن محل النزاع، فإن الظاهر لا يعد معارضا للنص، إما لأن العمل به لأصالة عدم الصارف المندفعة بوجود النص، و أما لأن ذلك لا يعد تعارضا في العرف و محل النزاع في غير ذلك.
و كيف كان فقد ظهر ضعف القول المزبور و ضعف دليله المذكور له و هو عدم الدليل على الترجيح بقوة الظن.
و أضعف من ذلك ما حكي عن النهاية من احتجاجه ب «أنه لو وجب الترجيح بين الأمارات في الأحكام لوجب عند تعارض البينات و التالي باطل لعدم تقديم شهادة الأربعة على الاثنين، و أجاب عنه في محكي النهاية و المنية بمنع بطلان التالي و أنه يقدم شهادة الأربعة على الاثنين سلمنا، لكن عدم الترجيح في الشهادة ربما كان مذهب أكثر الصحابة، و الترجيح هنا مذهب الجميع» انتهى، و مرجع الأخير إلى أنه لو لا الإجماع حكمنا بالترجيح في البينات أيضا، و يظهر ما فيه مما ذكرنا سابقا فإنا لو بنينا على أن حجية البينة من باب الطريقية فاللازم مع التعارض التوقف و الرجوع إلى ما يقتضيه الأصول في ذلك المورد من التحالف، أو القرعة، أو غير ذلك.
و لو بني على حجيتها من باب السببية و الموضوعية فقد ذكرنا أنه لا وجه للترجيح بمجرد أقربية أحدهما إلى الواقع لعدم تفاوت الراجح و المرجوح في الدخول فيما دل على كون البينة سببا للحكم على طبقها و تمانعهما مستند إلى مجرد سببية كل منهما كما هو المفروض، فجعل أحدهما مانعا دون الآخر لا يحتمله، ثم إنه يظهر من السيد الصدر الشارح للوافية الرجوع في المتعارضين من الأخبار إلى التخيير، أو التوقف و الاحتياط، و حمل أخبار الترجيح على الاستحباب حيث قال بعد إيراد إشكالات على العمل بظاهر
الأخبار: «إن الجواب عن الكل ما أشرنا إليه من أن الأصل التوقف في الفتوى و التخيير في العمل إن لم يحصل من دليل آخر العلم بعدم مطابقة أحد الخبرين للواقع و إن الترجيح هو الأفضل و الأولى»، و لا يخفى بعده عن مدلول أخبار الترجيح، و كيف يحمل الأمر بالأخذ بمخالف العامة و طرح ما وافقهم على الاستحباب خصوصا مع التعليل بأن الرشد في خلافهم، و إن قولهم في المسائل مبني على مخالفة أمير المؤمنين عليه السلام فيما يسمعونه منه، و كذا الأمر بطرح الشاذ النادر و بعدم الاعتناء و الالتفات إلى حكم غير الأعدل و الأفقه من الحكمين.
مع أن في سياق تلك المرجحات موافقة الكتاب و السنة و مخالفتهما و لا يمكن حمله على الاستحباب، فلو حمل غيره عليه لزم التفكيك فتأمل.
و كيف كان فلا شك أن التفصي عن الإشكالات الداعية له إلى ذلك أهون من هذا الحمل لما عرفت من عدم جواز الحمل على الاستحباب.
ثم لو سلمنا دوران الأمر بين تقييد أخبار التخيير و بين حمل أخبار الترجيح على الاستحباب، فلو لم يكن الأول أقوى وجب التوقف فيجب العمل بالترجيح لما عرفت من أن حكم الشارع بأحد المتعارضين إذا كان مرددا بين التخيير و التعيين وجب التزام ما احتمل تعيينه.
الأول: ما رواه المشايخ الثلاثة بإسنادهم عن عمر بن حنظلة:
«قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السلام عن رجلين من أصحابنا يكون بينهما منازعة في دين، أو ميراث فتحاكما إلى السلطان، أو إلى القضاة أ يحل
ذلك؟، قال: عليه السلام: من تحاكم إليهم في حق، أو باطل فإنما تحاكم إلى الطاغوت، و ما يحكم له فإنما يأخذه سحتا و إن كان حقه ثابتا، لأنه أخذ بحكم الطاغوت، و إنما أمر اللّه أن يكفر به، قال: اللّه تعالى: يَتَحٰاكَمُوا إِلَى اَلطّٰاغُوتِ وَ قَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ، قلت: فكيف يصنعان؟ قال: ينظران إلى من كان منكم ممن قد روى حديثنا، و نظر في حلالنا و حرامنا، و عرف أحكامنا، فليرضوا به حكما فإني قد جعلته عليكم حاكما، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنما بحكم اللّه استخف و علينا قد رد، و الراد علينا الراد على اللّه و هو على حد الشرك باللّه، قلت: فإن كان كل رجل يختار رجلا من أصحابنا فرضيا أن يكونا الناظرين في حقهما فاختلفا في ما حكما و كلاهما اختلفا في حديثكم؟ قال: الحكم ما حكم به أعدلهما و أفقههما و أصدقهما في الحديث و أورعهما و لا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر، قلت: فإنهما عدلان مرضيان عند أصحابنا لا يفضل واحد منهما على الآخر؟ قال: ينظر إلى ما كان من روايتهم عنا في ذلك الذي حكما به المجمع عليه بين أصحابك فيؤخذ به من حكمهما، و يترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند أصحابك، فإن المجمع عليه لا ريب فيه، و إنما الأمور ثلاثة: أمر بين رشده فيتبع، و أمر بين غيّه فيجتنب، و أمر مشكل يردّ حكمه إلى اللّه، قال: رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله: حلال بيّن، و حرام بيّن، و شبهات بين ذلك، فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات، و من أخذ بالشبهات وقع في المحرمات و هلك من حيث لا يعلم، قال: قلت: فإن كان الخبران عنكم مشهورين قد رواهما الثقات عنكم؟ قال: ينظر ما وافق حكمه حكم الكتاب و السنة و خالف العامة فيؤخذ به، و يترك ما خالف الكتاب و السنة و وافق العامة، قلت: جعلت فداك أ رأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب و السنة فوجدنا أحد الخبرين موافقا
للعامة و الآخر مخالفا بأي الخبرين يؤخذ؟ قال: ما خالف العامة ففيه الرشاد، فقلت: جعلت فداك، فإن وافقهم الخبران جميعا؟ قال: ينظر إلى ما هم أميل إليه حكامهم و قضاتهم فيترك و يؤخذ بالآخر، قلت: فإن وافق حكامهم الخبرين جميعا؟ قال: إذا كان ذلك فأرجه حتى تلقى إمامك، فإن الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات»(1).
و هذه الرواية الشريفة و إن لم تخل عن الإشكال (1)، بل الإشكالات من
الشرح
(1) في ورود الرّواية صدرا في الحكومة ممّا لا ينبغي الإشكال فيه أصلا، و من هنا تمسّك بها الفقهاء رضوان اللّه عليهم في كتاب القضاء في مسائل:
منها: عدم جواز التّرافع إلى غير الفقيه الإمامي، إلاّ فيما توقف أخذ الحقّ بالرّجوع إليه، و منها كون المأخوذ بحكمه سحتا و حراما و إن كان الآخذ محقّا.
و منها: عدم جواز التّرافع إلى العامي، بل المتجزّي نظرا إلى ظهور قوله نظر في حلالنا و حرامنا و عرف أحكامنا فيمن له الملكة المطلقة بمعرفة جميع الأحكام.
و منها: لزوم تنفيذ الحاكم و كون ردّه كفرا إلى غير ذلك، إلا أنه لا يتوجّه عليه شيء من الإشكالات المذكورة في الكتاب و غيرها من الإشكالات، حيث إنّ المراد من المنازعة في الدّين و الميراث في السّؤال هو النّزاع و الاختلاف من جهة الجهل في الحكم و الشّبهة الحكميّة كما قد يتّفق بالنّسبة إلى الدّين و الميراث ضرورة عدم مناسبة لاختلاف الحكمين من جهة الاختلاف في الحديث مع كون النّزاع في الشّبهة الموضوعيّة، و من المعلوم أنّ رفع الجهل في الشّبهة الحكميّة بالرّجوع إلى الفقيه قد يكون بعنوان التّرافع، كما قد يتّفق بالنّسبة إلى العارفين بالحكم أيضا مع الاختلاف، فإن رفعه منحصر في الرّجوع إلى الفقيه بعنوان التّرافع و إن كان المتداعيان مجتهدين كما هو واضح، فلا يناسبه تعدّد المرجع، بل لا
1) أصول الكافي: ج 1، ص 67.
........
الشرح
معنى له على هذا التّقدير و إن رضي به المتداعيان و إن كانت الحكومة بتراضيهما، كما قد يتّفق في زمان الحضور قبل ورود المقبولة فإنّها دليل نصب جميع من اجتمع فيه شرائط الحكومة، فلا يفرض بعدها قاضي التّحكيم، و منه يظهر تطرّق المناقشة إلى ما قيل في دفع الإيراد المذكور، بل يستفاد ممّا أفاده شيخنا العلاّمة في دفع الإشكال المذكور بعد ذلك من جواز تعدّد المرجع في قاضي التّحكيم، و قد يكون بعنوان الاستفتاء و أخذ المسألة و التّقليد فيجوز التّراضي على الاستفتاء عن فقيهين و تقليدهما في المسألة على ما فصّلنا القول فيه في باب التّقليد من جواز الاستناد إلى رأي أزيد من فقيه مع الاتّفاق في الرّأي، فإذا رضيا بذلك و اتّفق اختلاف الفقيهين في الرّأي و أرادا رفع الجهل بالتّقليد فالمتعيّن الرّجوع إلى الرّاجح من حيث الصّفات المذكورة، أو بعضها كما فهمه السّائل و قرّره الإمام عليه السلام و إن تساويا فالحكم التّخيير في غير مورد النّزاع في أمثال زماننا من أزمنة عدم التمكّن من العمل بالحديث للعامي، و أما في أعصار الأئمّة عليهم السلام فيمكن رفع الجهل بالعمل بالحديث للعامي كما يمكن له التّقليد، فإذا فرض الاختلاف بين الفقيهين المرجعين من جهة الاختلاف فيما ركنا إليه في المسألة من الحديث كما هو صريح الرّواية انحصر رفع الاختلاف و النّزاع في إرجاع الجاهلين إلى الرّاجح من مدرك الفقيهين، فالتّرجيح بالأوصاف على هذا إنّما هو في باب التّقليد لا الحكومة، و الرّواية فيما جعل المستند المقبولة.
نعم يستفاد منها بعنوان العموم كما ستقف عليه التّرجيح بكلّ مزيّة فيستفاد منها التّرجيح بالأوصاف بهذا العنوان لا بعنوان الخصوص حتّى يدخل التّرجيح بها في التّرجيح بالمرجّحات المنصوصة، و إن لم يكن هناك ثمرة على القول بالتّعدّي حسبما ستقف عليه.
نعم التّرجيح بالأصدقيّة ربما ينافي ما ذكرنا من حمل التّرجيح بالأوصاف على
........
الشرح
مسألة التّقليد، اللّهم إلا أن تدفع المنافاة بما أفاده شيخنا العلاّمة قدس سره في الرّسالة الّتي صنّفها في مسألة التّقليد من أنّ ملكة الصّدق في أعصار الأئمّة عليهم السلام لها مدخل كثير في باب الفتوى كالعلم و العدالة من حيث رجوع الاستنباط غالبا إلى الحديث، ثمّ إنّه إذا بني على إناطة التّرجيح بمطلق المزيّة على ما هو مقتضى العلّة المنصوصة في ترجيح المشهور على الشّاذ و ترجيح المخالف للعامّة على الموافق لهم كما في المقبولة و غيرها، فلا مناص من حمل ما نصّ على التّرجيح به في أخبار العلاج على التّمثيل، و ذكر بعض الخصوصيّات المتداولة الغالبة للكلّيّة المستفادة من التّعليل ضرورة منافاة التّعليل للاقتصار على المزايا الخاصّة في اعتبار اجتماعها و تقديم ما ذكر مقدّما على ما ذكر مؤخّرا، و هكذا اعتبار سائر الخصوصيّات و لم يكن فرق بينها و بين غيرها ممّا لم يذكر، كما لا يقدح ذكر أكثرها، بل كلّها في بعض الأخبار و ذكر واحد منها في بعضها الآخر و العطف بالواو الظّاهر في الجمع، مع أن في بعضها التّصريح بكفاية الواحد مع العطف بالواو، كما لا يقدح الاختلاف بحسب التّقديم و التّأخير بين الأخبار في ذكرها، بل هذه الاختلافات تؤيّد الإناطة على الكلّيّة إن لم يكن من الأدلّة عليها، فلا يدلّ على إرادة الاستصحاب كما زعمه السّيد الصّدر و لا على حجيّة مطلق الظّن في الأحكام كما زعمه المحقّق القمّي قدس سره، فيندفع بما ذكر جميع الإشكالات المتطرّقة حتّى على زعم من جعل التّرجيح بالأوصاف في المقبولة من التّرجيح من حيث الرّواية، مع أنك قد عرفت أنّ التّرجيح بالأوصاف في المقبولة من ترجيح الفتوى لا الرّواية و لا الحكومة المتعارفة كما في الكتاب في مقام الجمع بين المقبولة و المرفوعة في موضع آخر، إذ لا تعارض بين الأخبار على هذا التّقدير حتّى يتشبّث بذيل ما أفاده مع تطرّق المناقشة إلى تمامه، أو أكثره، فإن تعارض المستندين لا يلازم غفلة الحاكم عن معارض مستنده لإمكان وقوفه عليه
........
الشرح
و ترجيح مستنده بضرب من التّرجيح، و كذا عدم السّؤال عن صورة وجود بعض الصّفات، أو تعارضها لا يلازم فهم استقلال كلّ صفة بالتّرجيح، إذ مع استفادة الاجتماع على ما يقتضيه ظاهر العطف بالواو لا معنى للسّؤال عن صورة وجود بعض الصّفات، أو تعارضها، بل الأنسب على تقدير فهم الاستقلال السّؤال عن صورة تعارض الصّفات.
نعم على ما ذكرنا من استفادة إناطة التّرجيح بكلّ مزيّة ربما لا يحتاج إلى السّؤال عن حكم تعارضها، فإن التّرجيح عند التّعارض منوط بنظر العامل بالحديث كما في تعارض سائر المزايا من المنصوصة و غيرها و على تقدير التّكافؤ يعامل معهما معاملة المتكافئين، لأنهما على التّقدير المذكور من مصاديقهما حقيقة.
و بالجملة: بعد إناطة التّرجيح بمطلق المزيّة و التّعدّي عن المرجّحات المنصوصة و حمل قوله في المقبولة و إن اختار كلّ منهما رجلا إلخ، و جوابه بالتّرجيح من حيث الصّفات على مسألة الاستفتاء و طلب الحكم اللّغوي لا على المعنى المعروف عند الفقهاء، كما يشهد له استدلالهم بالمقبولة على وجوب تقليد الأفقه و الأعدل و الأوثق عند الاختلاف بالدّلالة الأصليّة المطابقيّة لا بفحوى دلالتها على تعيين الأفقه و الأعدل في باب القضاء، كما زعمه بعض لا يتوجّه إشكال على المقبولة أصلا لا ما أفاده قبل قوله: (نعم يرد عليه بعض الإشكالات في ترتيب المرجّحات) إلخ المبني على حمل المذكور سؤالا و جوابا على الحكومة عند الفقهاء، و لا ما أفاده في ذيل قوله المذكور، مع أن تصديق ورود ما ذكره مع دفعه بما ذكره بعده و عدم قدحه في ظهور الرّواية، بل صراحتها على ما أفاده ربما ينافي ما أفاده قبل ذلك في بيان الإشكال، سيّما مع عدم دفعه و إن جزم بعدم قدحه في ظهور الرّواية، بل صراحتها في التّرجيح بما ذكر فيها، إلا أن يحمل كلامية على النّظرة الأولى و الثّانية فتأمّل.
حيث ظهور صدرها في التحكيم لأجل فصل الخصومة و قطع المنازعة، فلا يناسبها التعدد و لا غفلة الحكمين عن التعارض الواضح لمدرك حكمه، و لا اجتهاد المترافعين و تحريهما في ترجيح مستند أحد الحكمين على الآخر، و لا جواز الحكم من أحدهما بعد حكم الآخر مع بعد فرض وقوعهما دفعة، مع أن الظاهر حينئذ تساقطهما و الحاجة إلى حكم ثالث ظاهرة، بل صريحة
الشرح
و الحاصل: أنّ تحرير المقام بما في الكتاب لا يخلو عن تشويش فكأن ما أفاده في تحريره مبني على الاقتصار على المرجّحات المنصوصة على ما رآه الأخباريّون من أصحابنا و بعض الأقدميّين من المجتهدين مع الجمود على ظاهر لفظ الحكومة، ثمّ إنّ الوجه فيما أفاده من عدم قدح الإشكالات و إن بقيت على حالها و لم تدفع في ظهور الرّواية، بل صراحتها في وجوب التّرجيح و لو باجتماع الصّفات و موافقة الكتاب و السّنة و مخالفة العامّة ظاهر لا يخفى، ضرورة أنّ المدّعى إذا كان إثبات التّرجيح في الجملة في مقابل السّلب الكلّي لم يقدح إجمال الرّواية و عدم ظهورها في إثبات تمام المدّعى، مع أن منها التّرجيح بالشّهرة و نحوها المنطبق على المدّعى، هذا مضافا إلى أنّ التّصريح فيها بكفاية مخالفة العامّة في التّرجيح عقيب السّؤال عن موافقة الخبرين للكتاب و السّنة مع عطف المخالفة على موافقتهما قبل ذلك شاهد قويّ على عدم إرادة الجمع من العطف بالنّسبة إلى جميع الفقرات، ضرورة عدم الفرق فبملاحظة نفس الرّواية يدفع الإشكال المذكور، و أمّا الإشكالات المتعلّقة بالحكومة من جهة صدر الرّواية فعدم اندفاعها لا يقدح جزما، إذ لا تعلّق لها بما يظهر منه لزوم التّرجيح من فقرات الرّواية أصلا، فالرّواية من هذه الجهة نظير حديثين يكون أحدهما مجملا و الآخر مبنيّا مع عدم تعلّق أحدهما بالآخر أصلا، فلعلّ هذا الفرق بين هذه الإشكالات المتعلّقة بصدر الرّواية و الإشكال المذكور بعد قوله. نعم أوجب الفرق في التّعبير فتأمّل.
في وجوب الترجيح بهذه المرجحات بين المتعارضين، فإن تلك الإشكالات لا تدفع هذا الظهور، بل الصراحة.
نعم يرد عليه بعض الإشكالات في ترتب المرجحات، فإن ظاهر الرواية تقديم الترجيح من حيث صفات الراوي على الترجيح بالشهرة و الشذوذ، مع أن عمل العلماء قديما و حديثا على العكس على ما يدل عليه المرفوعة الآتية، فإن العلماء لا ينظرون عند تعارض المشهور و الشاذ إلى صفات الراوي، اللهم إلا أن يمنع ذلك، فإن الراوي إذا فرض كونه أفقه و أصدق و أورع لم يبعد ترجيح روايته و إن انفرد بها على الرواية المشهورة بين الرواة لكشف اختياره إياها مع فهمه و ورعه عن اطلاعه على قدح في الرواية المشهورة، مثل صدورها عن تقية، أو تأويل لم يطلع عليه غيره لكمال فقاهته و تنبهه لدقائق الأمور و جهات الصدور.. نعم مجرد أصدقية الراوي و أورعيته لا يوجب ذلك ما لم ينضم إليه الأفقهية هذا.
و لكن الرواية مطلقة فتشمل الخبر المشهور روايته بين الأصحاب حتى بين من هو أفقه من هذا المتفرد برواية الشاذ و إن كان هو أفقه من صاحبه المرضي بحكومته، مع أن أفقهية الحاكم بإحدى الروايتين لا تستلزم أفقهية جميع رواتها فقد يكون من عداه مفضولا بالنسبة إلى رواة الأخرى، إلا أن ينزل الرواية على غير هاتين الصورتين.
و بالجملة فهذا الإشكال أيضا لا يقدح في ظهور الرواية، بل صراحتها في وجوب الترجيح بصفات الراوي و بالشهرة من حيث الرواية و بموافقة الكتاب و مخالفة العامة. نعم المذكور في الرواية الترجيح باجتماع صفات الراوي من العدالة و الفقاهة و الصداقة و الورع، لكن الظاهر إرادة بيان جواز الترجيح بكل منها، و لذا لم يسأل الراوي عن صورة وجود بعض الصفات دون بعض، أو
تعارض الصفات بعضها مع بعض، بل ذكر في السؤال أنهما معا عدلان مرضيان لا يفضل أحدهما على صاحبه، فقد فهم أن الترجيح بمطلق التفاضل.
و كذا يوجه الجمع بين موافقة الكتاب و السنة و مخالفة العامة مع كفاية واحدة منها إجماعا.
الثاني: ما رواه ابن أبي جمهور الأحسائي في عوالي اللئالي عن العلامة مرفوعا إلى زرارة قال: «سألت أبا جعفر عليه السلام فقلت: جعلت فداك يأتي عنكم الخبران و الحديثان المتعارضان فبأيهما آخذ، فقال: عليه السلام:
يا زرارة خذ بما اشتهر بين أصحابك و دع الشاذ النادر، فقلت: يا سيدي إنهما معا مشهوران مأثوران عنكم، فقال:: خذ بما يقول أعدلهما عندك و أوثقهما في نفسك، فقلت: إنهما معا عدلان مرضيان موثقان، فقال: انظر ما وافق منهما العامة فاتركه و خذ بما خالف، فإن الحق فيما خالفهم، قلت:
ربما كانا موافقين لهم، أو مخالفين فكيف أصنع، قال: إذن فخذ بما فيه الحائطة لدينك و اترك الآخر، قلت: فإنهما معا موافقان للاحتياط، أو مخالفان له فكيف أصنع، فقال: إذن فتخير أحدهما و تأخذ به ودع الآخر»(1).
الثالث: ما رواه الصدوق بإسناده عن أبي الحسن الرضا عليه السلام في حديث طويل، قال: فيه: «فما ورد عليكم من حديثين مختلفين فاعرضوهما على كتاب اللّه فما كان في كتاب اللّه موجودا حلالا، أو حراما فاتبعوا ما وافق الكتاب، و ما لم يكن في الكتاب فاعرضوهما على سنن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله فما كان في السنة موجودا منهيا عنه نهي حرام، أو مأمورا به عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله أمر إلزام، فاتبعوا ما وافق نهي
1) عوالي اللئالي: ج 4، ص 133.
النبي صلى اللّه عليه و آله و أمره، و ما كان في السنة نهي إعافة، أو كراهة، ثم كان الخبر خلافه فذلك رخصة في ما عافه رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و كرهه و لم يحرمه، فذلك الذي يسع الأخذ بهما جميعا، و بأيهما شئت وسعك الاختيار من باب التسليم و الاتباع و الرد إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله، و ما لم تجدوه في شيء من هذه الوجوه فردوا إلينا علمه فنحن أولى بذلك، و لا تقولوا فيه بآرائكم و عليكم بالكف و التثبت و الوقوف، و أنتم طالبون باحثون حتى يأتيكم البيان من عندنا»(1).
الرابع: ما عن رسالة القطب الراوندي بسنده الصحيح عن الصادق عليه السلام: «إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فاعرضوهما على كتاب اللّه فما وافق كتاب اللّه فخذوه و ما خالف كتاب اللّه فذروه، فإن لم تجدوه في كتاب اللّه فاعرضوهما على أخبار العامة، فما وافق أخبارهم فذروه و ما خالف أخبارهم فخذوه»(2).
الخامس: «ما بسنده أيضا عن الحسين السري، قال: أبو عبد اللّه عليه السلام: إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فخذوا بما خالف القوم»(3).
السادس: ما بسنده أيضا عن الحسن بن الجهم في حديث: «قلت له - يعني العبد الصالح عليه السلام -: يروي عن أبي عبد اللّه عليه السلام شيء، و يروي عنه أيضا خلاف ذلك فبأيهما نأخذ، قال: خذ بما خالف القوم و ما وافق القوم فاجتنبه».
السابع: ما بسنده أيضا عن محمد بن عبد اللّه: قال: «قلت: للرضا عليه
السلام كيف نصنع بالخبرين المختلفين، قال: إذا ورد عليكم خبران مختلفان فانظروا ما خالف منهما العامة فخذوه و انظروا ما يوافق أخبارهم فذروه».
الثامن: ما عن الاحتجاج بسنده عن سماعة بن مهران: «قال: قلت: لأبي عبد اللّه عليه السلام يرد علينا حديثان واحد يأمرنا بالأخذ به و الآخر ينهانا، قال: لا تعمل بواحد منهما حتى تلقى صاحبك فتسأل، قلت: لا بد أن نعمل بواحد منهما، قال: خذ بما خالف العامة».
التاسع: ما عن الكافي بسنده عن المعلى بن خنيس: قال: قلت: لأبي عبد اللّه عليه السلام إذا جاء حديث عن أولكم و حديث عن آخركم بأيهما نأخذ، قال: خذوا به حتى يبلغكم عن الحي، فإن بلغكم عن الحي فخذوا بقوله، قال: ثم قال: أبو عبد اللّه عليه السلام إنا و اللّه لا ندخلكم إلا فيما يسعكم».
العاشر: ما عنه بسنده إلى الحسين بن المختار عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال: «يا أبا عمرو أ رأيت لو حدثتك بحديث، أو أفتيتك بفتيا ثم جئت بعد ذلك تسألني عنه فأخبرتك بخلاف ما كنت أخبرتك، أو أفتيتك بخلاف ذلك بأيهما كنت تأخذ، قلت: بأحدثهما و أدع الآخر، قال:
قد أصبت يا أبا عمرو أبى اللّه إلا أن يعبد سرا، أما و اللّه لئن فعلتم ذلك إنه لخير لي و لكم، أبى اللّه لنا في دينه إلا التقية».
الثاني عشر: ما عنه بسنده الموثق عن محمد بن مسلم: قال: «قلت: لأبي عبد اللّه عليه السلام ما بال أقوام يروون عن فلان عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله لا يتهمون بالكذب فيجيء منكم خلافه، قال: إن الحديث ينسخ كما ينسخ القرآن»(1).(2)
الثالث عشر: ما بسنده الحسن عن أبي حيون مولى الرضا عليه السلام: «إن في أخبارنا محكما كمحكم القرآن و متشابها كمتشابه القرآن فردوا متشابهها إلى محكمها و لا تتبعوا متشابهها دون محكمها فتضلوا»(1).
الرابع عشر: ما عن معاني الأخبار بسنده عن داود بن فرقد قال: «سمعت أبا عبد اللّه عليه السلام يقول: أنتم أفقه الناس إذا عرفتم معاني كلامنا إن الكلمة لتنصرف على وجوه، فلو شاء إنسان لصرف كلامه كيف شاء و لا يكذب». و في هاتين الروايتين الأخيرتين دلالة على وجوب الترجيح بحسب قوة الدلالة.
هذا ما وقفنا عليه من الأخبار (1) الدالة على التراجيح.
إذا عرفت ما تلوناه عليك من الأخبار، فلا يخفى عليك أن ظواهرها متعارضة (2)، فلا بد من علاج ذلك و الكلام في ذلك يقع في مواضع.
الشرح
(1) ذكر غير واحد في عداد ما ورد في العلاج بالتّرجيح ما عرفت نقله في الجزء الأوّل من الكتاب ممّا ورد في باب عرض مطلق الأخبار على الكتاب بعد حمله على مورد تعارض الأخبار جمعا بينه، و بين ما دلّ على حجّيّة أخبار الآحاد على ما عرفت ثمّة من أنّه أحد وجوه الجمع بينها، و بين الأخبار الغير المذكورة هناك، و في المقام ما عن البحار عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: إذا حدّثتم عنّي الحديث فانحلوا في أهنأه و أسهله و أرشده، فإن وافق كتاب اللّه فأنا قلته، و إن لم يوافق كتاب اللّه فلم أقله، و قد اختلفوا في تفسير هذا الحديث و أقرب احتمالاته جعل ميزان أسماء التّفضيل فيه موافقة الكتاب كسائر الأخبار الواردة في هذا الباب.
(2) قد عرفت أنّ المتعارض بين أخبار العلاج في ابتداء النّظر إنّما هو على
1) عيون أخبار الرضا: ج 1، ص 290.
........
الشرح
القول بلزوم الاقتصار على المرجّحات الخاصّة المنصوصة و عدم التّعدّي إلى مطلق المزيّة، و إلا فلا تعارض بينها أصلا، ثمّ إنّ العلاج بين المقبولة و المرفوعة بما أفاده من الوجوه لا يخلو عن مناقشة، فإن تقديم المقبولة على المرفوعة بمقتضى المرفوعة على تقدير تسليم شمول ما ورد في باب علاج تعارض الأخبار لعلاج تعارض أنفسها و لو بتنقيح المناط، مع أنه في حيّز المنع كما ترى فإنّها من حيث اقتضائها تقديم المشهور على الشّاذ يقتضي عدم العمل بها رأسا بالنّسبة إلى هذه الفقرة، و هو كما ترى لا يصدر عمّن دون الإمام عليه السلام، فإن التّعبير عن المقصود بما يقتضي ضدّه مستهجن جدّا و قبيح إلى النّهاية و لو قيل بعدم قبح استغراق التّخصيص، أو التّخصيص إلى الواحد، و هذا نظير الاعتراض على من استدلّ بآية النّبإ على حجّيّة خبر العدل بأنّها تشمل نقل السيّد علم الهدى رحمه اللّه الإجماع على عدم حجّيّة خبر الواحد، و قد تقدّم نقله في الجزء الأوّل من الكتاب مع الجواب عنه بما عرفت في العلاج المذكور، ثمّ إنّ هذا على تقدير اعتبار المرفوعة و عدم قدح انعقاد الشّهرة على خلاف المقبولة في اعتبارها، و إلا فلا يقع التّعارض بينهما، كما لا يخفى.
نعم ما أفاده من عدم شمولهما للشّهرة العمليّة ممّا لا إشكال فيه على ما عرفت في الجزء الأوّل من الكتاب و التّعليقة، و أمّا منع كون العمل على طبق المرفوعة بقوله، مع أنا نمنع أنّ عمل المشهور إلخ فيتوجّه عليه بأنّ ذلك على تقدير تسليمه إنّما هو على تقدير اعتبار اجتماع الصّفات في التّرجيح و قد منعه قدس سره قبل ذلك، فكيف يبنى في المقام عليه؟ فما أفاده لا يخلو عن مناقشة مثل الوجه الأخير الّذي ذكره في الجمع بين الحديثين بقوله: (و يمكن أن يقال إنّ السّؤال) إلخ، فإنّك قد عرفت أنّ التّرجيح بالأوصاف في المقبولة و إن لم يكن من حيث ترجيح الرّواية، إلا أنه لا تعلّق له بالتّرجيح من حيث الحكومة المتعارفة، بل من حيث
........
الشرح
ترجيح الفتوى، و منه يظهر المناقشة فيما أفاده في تقريب ما ذكره بقوله، و من هنا اتّفق الفقهاء إلخ، لأن لازم ما أفاده من الحمل التّرجيح بتمام الأوصاف المذكورة في المقبولة في باب الحكومة، و لم يعهد منهم كالمناقشة في التّفصّي عن الإيراد الّذي ذكره بقوله: (نعم يرد على هذا الوجه أنّ اللاّزم) إلى آخره بقوله: (و يمكن التّفصي) إلى آخره، لأنّك قد عرفت أنّ الرّواية لا تعلّق لها بقاضي التّحكيم، بل لا معنى له بعد دلالتها على نصب جميع من اجتمع فيه شرائط الحكومة من الإيمان و معرفة الأحكام و غيرهما و ليس فيها ما يشعر بذلك إلاّ قول السّائل قلت، فإن كان كلّ رجل يختار رجلا من أصحابنا فرضيا أن يكونا ناظرين في حقّهما إلى آخره، و قد عرفت المراد منه بحيث لا تعلّق له بالحكومة المتعارفة و قاضي التّحكيم أصلا.
نعم فيما يفرض فيه قاضي التّحكيم لا معنى لجريان ما تسالم عليه المشهور فيه من و وكول أمر تعيين محضر الحاكمين المتساويين إلى المدّعي و عدم اعتبار رضا المنكر أصلا ضرورة منافاة جريانه في قاضي التّحكيم لمعناه، فإن المراد من قاضي التّحكيم ما تراضى الخصمان على الرّجوع إليه مع عدم نصبه للقضاء من جانب الولي للقضاء لا خصوصا و لا عموما بشرط أهليّته لذلك و اجتماع جميع الشّروط عدا النّصب فيه، ثمّ إنّ المقبولة و المرفوعة على تقدير اعتبارها و إن كانتا متعارضتين من جهات أخر أيضا في ظاهر النّظر، إلا أن تعارضهما من جهتها لما ترجع إلى الإطلاق و التّقييد فقد تعرّض قدس سره لحكمه في طيّ الموضع الثّالث بالعنوان الكلّي بقوله الثّالث أنّ مقتضى القاعدة إلخ.
نعم ذيلاهما متعارضان لا بالعنوان المذكور فقد زعم بعض على ما عرفت الإشارة إليه في مطاوي كلماتنا السّابقة الجمع بينهما بحمل ذيل المقبولة على ما أمكن فيه الاحتياط و حمل ذيل المرفوعة على ما لا يمكن فيه الاحتياط، فلا تعارض
الأول: في علاج تعارض مقبولة ابن حنظلة و مرفوعة زرارة، حيث إن الأولى صريحة في تقديم الترجيح بصفات الراوي على الترجيح بالشهرة و الثانية بالعكس، و هي و إن كانت ضعيفة السند إلا أنها موافقة لسيرة العلماء في باب الترجيح، فإن طريقتهم مستمرة على تقديم المشهور على الشاذ و المقبولة و إن كانت مشهورة بين العلماء حتى سميت مقبولة، إلا أن عملهم على طبق المرفوعة و إن كانت شاذة من حيث الرواية، حيث لم توجد مروية في شيء من جوامع الأخبار المعروفة و لم يحكها إلا ابن أبي جمهور عن العلامة مرفوعا إلى زرارة، إلا أن يقال إن المرفوعة تدل على تقديم المشهور رواية على غيره و هي هنا المقبولة و لا دليل على الترجيح بالشهرة العملية، مع أنا نمنع أن عمل المشهور على تقديم الخبر المشهور رواية على غيره إذا كان الغير أصح منه من حيث صفات الراوي، خصوصا صفة الأفقهية.
و يمكن أن يقال إن السؤال لما كان عن الحكمين كان الترجيح فيهما من حيث الصفات فقال عليه السلام: (الحكم ما حكم به أعدلهما إلخ)، مع أن السائل ذكر أنهما اختلفا في حديثكم، و من هنا اتفق الفقهاء على عدم الترجيح بين الحكام إلا بالفقاهة و الورع، فالمقبولة نظير رواية داود بن الحصين الواردة في اختلاف الحكمين من دون تعرض الراوي، لكون منشإ
الشرح
بينهما أصلا، و قد عرفت فساده، و إن عدم موافقة أحد المتعارضين للاحتياط لا يلازم عدم إمكان الاحتياط في المسألة، فإنه إذا تعارض الخبران في القصر و التّمام مثلا في بعض المسائل فليس شيء منهما موافقا للاحتياط مع إمكان الاحتياط بالجمع بينهما، و هكذا الأمر في جميع موارد تعارض الخبرين في الشّك في المكلّف به في صور المتباينين فالمتعيّن الجمع بينهما بما أسمعناك سابقا من حمل الأمر بالتّوقّف على الأولويّة و الإرشاد، كما يرشد إليه التّعليل المذكور بعده.
اختلافهما الاختلاف في الروايات حيث قال عليه السلام: «ينظر إلى أفقههما و أعلمهما و أورعهما فينفذ حكمه»، و حينئذ فيكون الصفات من مرجحات الحكمين.
نعم لما فرض الراوي تساويهما أرجعه الإمام عليه السلام إلى ملاحظة الترجيح في مستنديهما، و أمره بالاجتهاد و العمل في الواقعة على طبق الراجح من الخبرين مع إلغاء حكومة الحكمين كليهما، فأول المرجحات الخبرية هي الشهرة بين الأصحاب فينطبق على المرفوعة.
نعم قد يورد على هذا الوجه أن اللازم على قواعد الفقهاء الرجوع مع تساوي الحاكمين إلى اختيار المدعي.
و يمكن التقصي عنه بمنع جريان هذا الحكم في قاضي التحكيم و كيف كان فهذا التوجيه غير بعيد.
الثاني: أن الحديث الثامن (1) و هي رواية الاحتجاج عن سماعة يدل على
الشرح
(1) ظهور الحديث الثّامن من فيما أفاده بضميمة عدم القول بالفصل مضافا إلى وحدة السّياق ممّا لا ينبغي إنكاره، إلا أنه لا يتعيّن طرحه بعد إمكان حمله على الأولويّة و الإرشاد العقلي، حيث إنّ العقل مستقلّ بأولويّة تحصيل الواقع علما بالرّجوع إلى الإمام عليه السلام من الرّجوع إلى الطّرق المعتبرة، و ليس الحديث نصّا في لزوم تقديم التّحصيل حتّى يتعيّن طرحه من جهة معارضة، مع ما هو نصّ في جواز التّرجيح مع التّمكن من تحصيل العلم كالمقبولة.
نعم من ذهب إلى كون المرجّحات المنصوصة من الظّنون الخاصّة المقيّدة، كما يظهر من كلام بعضهم في أصل حجّيّة الأخبار أيضا يلزمه العمل بظاهر الحديث و تقييد المقبولة صدرا و طرحها ذيلا، كما هو ظاهر و لا محذور في هذا التّبعيض عقلا إذا ساعده الدّليل و إن كان مستبعدا جدّا، إلا أن القول به ضعيف
وجوب التوقف أولا، ثم مع عدم إمكانه يرجع إلى الترجيح بموافقة العامة و مخالفتهم، و أخبار التوقف على ما عرفت و ستعرف محمولة على صورة التمكن من العلم، فتدل الرواية على أن الترجيح بمخالفة العامة، بل غيرها من المرجحات إنما يرجع إليها بعد العجز عن تحصيل العلم في الواقعة بالرجوع إلى الإمام عليه السلام كما ذهب إليه بعض.
و هذا خلاف ظاهر الأخبار الآمرة بالرجوع إلى المرجحات ابتداء بقول مطلق، بل بعضها صريح في ذلك حتى مع التمكن من العلم كالمقبولة الآمرة بالرجوع إلى المرجحات، ثم بالإرجاء حتى يلقى الإمام فيكون وجوب الرجوع إلى الإمام بعد فقد المرجحات، و الظاهر لزوم طرحها لمعارضتها بالمقبولة الراجحة عليها فيبقى إطلاقات الترجيح سليمة.
الثالث: أن مقتضى القاعدة تقييد إطلاق (1) ما اقتصر فيها على بعض
الشرح
قطعا و خلاف ما يقتضيه قاعدة الجمع بين النّص و الظّاهر كطرح الحديث على ما استظهره شيخنا العلاّمة قدس سره بقوله: و الظّاهر لزوم طرحها لمعارضتها بالمقبولة الرّاجحة عليها فيبقى إطلاقات التّرجيح تسليمة.
(1) مبني ما أفاده على كون المقبولة أجمع و أشمل من غيرها في بيان المرجحات و ليس الأمر، كذلك بناء على حمل صدرها على التّرجيح من حيث الحكومة على ما بني عليه الأمر سابقا في الجمع بينها و بين المرفوعة، اللّهمّ إلا أن يكون ما أفاده في المقام إغماضا عمّا ذكره سابقا، و مع ذلك لا بدّ من الالتزام بتقييد في المقبولة بناء على العمل بما اشتمل على التّرجيح بالأحدثيّة، ثمّ إنّ الوجه فيما أفاده ظاهر، حيث إنّ حمل المطلق على المقيّد ممّا هو مركوز في الأذهان لا يحتاج إلى بيان و توظيف من الشّارع، فلا يطالب الدّليل عليه و إن لم يبعد ما أفاده أخيرا بقوله، إلا أنه قد يستبعد ذلك إلخ.
المرجحات بالمقبولة، إلا أنه قد يستبعد ذلك لورود تلك المطلقات في مقام الحاجة، فلا بد من جعل المقبولة كاشفة عن قرينة متصلة فهم منها الإمام عليه السلام أن مراد الراوي تساوي الروايتين من سائر الجهات، كما يحمل إطلاق أخبار التخيير على ذلك.
الرابع: أن الحديث الثاني عشر (1) الدال على نسخ الحديث بالحديث على
الشرح
(1) لا يبعد شمول الحديث للرّوايات الإماميّة بعد حمل قوله فيجيء منكم خلافه على مجيء الخلاف من الأئمّة عليهم السلام لا بعنوان النّقل و الرّواية من النّبي صلى اللّه عليه و آله، مضافا إلى أنّ نسخ حديث النّبي صلى اللّه عليه و آله بحديثه كان أمرا شائعا معهودا، فلا يحتاج إلى التّنبيه و البيان فتأمّل. و إن كان هذا النّحو من النّسخ، أي كشف الحديث عن نسخ النّبي صلى اللّه عليه و آله و إيداعه عند الإمام عليه السلام كإيداع القرائن للظّواهر عنده عليه السلام مع عدم بيانها في زمانه صلى اللّه عليه و آله أصلا نادرا، إلا أنه لا بأس به بعد ظهور الرّواية فيه و لا إشكال، بل و لا كلام في تقديم سائر التّصرّفات في الدّلالة على النّسخ عند الدّوران، كما تبيّن في محلّه و يبيّن في الكتاب عن قريب إنّما الكلام في تقديم الطّرح من حيث الصّدور، أو جهته لمكان التّرجيح على النّسخ و لو فيما روى المتعارضان عن النّبي صلى اللّه عليه و آله، أو تقديم النّسخ عليه، و قد أشار إلى وجهي المسألة في الكتاب و ظاهر عنوانه و إن كان مقتضيا لتخصيص محلّ الكلام بما يرد عن الأئمّة عليهم السلام على خلاف حديث النّبي صلى اللّه عليه و آله، إلا أن وجهي المسألة كما ترى جاريان في مطلق دوران الأمر بين التّرجيح و النّسخ و أولى بالكلام و الإشكال ما دار الأمر فيه بين النّسخ و التّخيير، اللّهم إلا أن يلتزم بتقييد الحديث بما دلّ على التّرجيح و تقييد إطلاق التّخيير بالحديث بناء على عدم التّلازم بين التّرجيح و التّخيير بحسب المورد فيجوز التّفكيك بينهما فتأمّل.
تقدير شموله للروايات الإمامية بناء على القول بكشفهم عليهم السلام عن الناسخ الذي أودعه رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله عندهم، هل هو مقدّم على باقي الترجيحات، أو مؤخّر؟ وجهان: من أن النسخ من جهات التصرف في الظاهر، لأنه من قبيل تخصيص الأزمان، و لذا ذكروه في تعارض الأحوال، و قد مر و سيجيء تقديم الجمع بهذا النحو على الترجيحات الأخر و من أن النسخ على فرض ثبوته في غاية القلة، فلا يعتنى به في مقام الجمع و لا يحكم به العرف، فلا بد من الرجوع إلى المرجحات الأخر كما إذا امتنع الجمع و سيجيء بعض الكلام في ذلك.
الخامس: أن الروايتين الأخيرتين ظاهرتان في وجوب الجمع بين الأقوال الصادرة عن الأئمة صلوات اللّه عليهم برد المتشابه إلى المحكم، و المراد
الشرح
ثمّ إنّ هنا أمرا ينبغي التّنبيه عليه و هو إن الحديث العاشر و الحادي عشر دلاّ على التّرجيح بالأحدثيّة من جهة كشف اللاّحق عن ورود السّابق بعنوان التّقيّة كما هو صريح الأخير، و قد استشكل شيخنا قدس سره فيه في مجلس البحث من وجهين:
أحدهما: من جهة طرح الأصحاب لهما حتّى في مقابل و فقد جميع المرجّحات، إلاّ ما حكي عن بعض القدماء.
ثانيهما: من جهة المناقشة في الكشف المذكور، إذ التّقيّة لا يلزم أن يكون في زمان ورود المتقدّم، اللّهمّ إلا أن يقال إنّ مورد الحديثين خصوص الأحاديث المسموعة عنهم عليهم السلام، فلعلّ عند معاصريهم عليهم السلام ما يدلّهم على ذلك كما يكشف عن ذلك ملاحظة الحديثين، لأن الأخذ بالأحدث كان مركوزا عندهم بمقتضى الحديثين و قد قرّرهم الإمام عليه السلام على ذلك، فلا يعمّان الأخبار المرويّة عنهم عليهم السلام فتدبّر.
بالمتشابه بقرينة قوله (1) و لا تتبعوا متشابهها فتضلوا هو الظاهر الذي أريد منه خلافه، إذ المتشابه إما المجمل، و أما المؤول، و لا معنى للنهي عن اتباع المجمل، فالمراد إرجاع الظاهر إلى النص، أو إلى الأظهر.
و هذا المعنى لما كان مركوزا في أذهان أهل اللسان و لم يحتج إلى البيان في الكلام المعلوم الصدور عنهم، فلا يبعد إرادة ما يقع من ذلك في الكلمات المحكية عنهم بإسناد الثقات التي نزلت منزلة المعلوم الصدور.
فالمراد أنه لا يجوز المبادرة إلى طرح الخبر المنافي لخبر آخر أرجح منه إذا أمكن رد المتشابه منها إلى المحكم، و إن الفقيه من تأمل في أطراف الكلمات المحكية عنهم و لم يبادر إلى طرحها لمعارضتها بما هو أرجح منها.
و الغرض من الروايتين الحث على الاجتهاد و استفراغ الوسع في معاني الروايات و عدم المبادرة إلى طرح الخبر بمجرد مرجح لغيره عليه.
الشرح
(1) لا بأس باستظهار ما استفاده من الحديثين، إلا أن تعليله بما أفاده بقوله و لا معنى لاتباع المجمل، قد يناقش فيه: بأنّه قد يختار التّشخيص أحد المعاني للمجمل من جهة موافقته لأغراضه النّفسانيّة كما يدلّ عليه قوله تبارك و تعالى، فَأَمَّا اَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ الآية، كما أنّه قد يناقش فيما أفاده بقوله: (و هذا المعنى لمّا كان مركوزا في أذهان أهل اللّسان) إلخ بأنّ ظاهر قوله عليه السلام في الحديث: «أنتم أفقه النّاس إذا عرفتم معاني كلامنا» يشمل كلامهم القطعي يقينا، مع أنه بعد لزوم البناء على صدور الظّني عنهم عليهم السلام يعامل معه معاملة القطعي عند العقلاء جدّا فالغرض من الحديثين الحثّ و التّأكيد على التّأمّل في أطراف ما صدر عنهم و لو بنقل الثّقات و الرّدع عمّا جرت عليه طريقة أهل الخلاف من الأخذ بالظّواهر من دون تأمّل و نظر إلى ما يصرفها عن ظاهرها فالحديثان يعمّان المتعارضين و غيرهما فتدبّر.
فنقول: اعلم أن حاصل ما يستفاد (1) من مجموع الأخبار بعد الفراغ عن تقديم الجمع المقبول على الطرح، و بعد ما ذكرنا من أن الترجيح بالأعدلية و أخواتها إنما هو بين الحكمين مع قطع النظر عن ملاحظة مستندهما، هو إن
الشرح
(1) قد يناقش فيما أفاده نظرا إلى أنّ الاستدلال للتّعدّي عن المرجّحات المنصوصة بالأصدقيّة في المقبولة فيما يأتي من كلامه ينافيه جدّا، اللّهمّ إلا أن يحمل كلامه في إثبات التّعدي على ملاحظة المقبولة بنفسها مع قطع النّظر عن الجمع بينها و بين المرفوعة فتأمّل. كما أنّه قد يناقش فيما أفاده بقوله: (و أما التّرجيح بموافقة الكتاب و السّنة) إلخ المبنيّ على كون الاعتضاد عنوانا آخر غير التّرجيح و إن التّقديم من جهته ممّا لا ينبغي التّأمّل فيه.
أوّلا: بأنّ الأخذ بما يوافق عمومات الكتاب و السّنة يحتاج إلى دليل كالأخذ بما يوافق غيرهما من المزايا الغير المعتبرة.
نعم الرّجوع إلى تلك العمومات على تقدير التّوقف، أو التّساقط ممّا لا كلام فيه و شتّان بين المقامين.
و ثانيا: بأنّ عطف التّرجيح بالأصل ينافي تصريحه في مواضع من كلامه بعدم كونه مرجحا، اللّهمّ إلا أن يحمل على القول بكونه من باب الظّن، أو على التّعبّد على القول بكون الأمر التّعبّدي مرجحا، أو على مقتضى الأصل بناء على كون مقتضاه التّرجيح بكلّ ما يحتمل كونه مرجحا على ما صرّح به فيما تقدّم فتأمّل.
أو على المعنى الأعمّ من المرجعيّة على تقدير التّوقف، أو التّساقط على ما عرفت في التّرجيح بموافقة الكتاب و السّنة فتأمّل.
الترجيح أولا بالشهرة و الشذوذ، ثم بالأعدلية و الأوثقية، ثم بمخالفة العامة، ثم بمخالفة ميل الحكام.
و أمّا الترجيح بموافقة الكتاب و السنة فهو من باب اعتضاد أحد الخبرين بدليل قطعي الصدور، و لا إشكال في وجوب الأخذ به، و كذا الترجيح بموافقة الأصل، و لأجل ما ذكر لم يذكر (1) ثقة الإسلام رضوان اللّه عليه في
الشرح
(1) الوجه في عدم ذكر ثقة الإسلام التّرجيح بالأوصاف إنّما هو من جهة ما عرفت تحقيقه من كون التّرجيح بها في المقبولة في مسألة الفتوى لا الرّواية، و أما المرفوعة فهي و إن كانت صريحة في التّرجيح بها من حيث الرّواية إلاّ أنّها غير معتبرة عنده، و أما ما أفاده في وجهه من عدم الحاجة نظرا إلى كون التّرجيح بها مركوزا في الأذهان، فلا يتوقّف على التّوقيف من الشّرع فربما يناقش فيه بعد منعه، و من هنا ورد التّرجيح بها في الأخبار و لو في باب الحكومة و الفتوى ضرورة عدم الفرق بأنّه بناء عليه كان عدم ذكر موافقة الكتاب و السّنة على ما أفاده قدس سره من كون التّرجيح بها من الأمور المركوزة في الأذهان بحيث لا يحتاج إلى التّوقيف أولى، ثمّ إنّه بناء على الاقتصار على المرجّحات المنصوصة كما هو مبنى كلام ثقة الإسلام و انسداد باب العلم التّفصيلي بها لم يجز التّمسك بشيء من أخبار التّرجيح و التّخيير فيكون الشّبهة بالنّسبة إلى كليهما من الشّبهة الموضوعيّة، فلو تمّ التّمسك بدليل الانسداد لإثبات حجّيّة الظّن بها في أحد الخبرين فهو، و إلا كان الظّن بها كالشّك في الحكم.
نعم يمكن أن يقال فيما لم يكن هناك ظنّ، أو كان و لم يقم دليل على حجّيّته يتعيّن الحكم بالتّخيير بعد العلم بعدم جواز الرّجوع إلى الأصل مطلقا من حيث العلم بوجود الحجّة، و الدّليل في المسألة و عدم المعيّن لأحد المتعارضين كما هو المفروض، و المفروض أنّ احتماله، بل ظنّه لا يجدي من حيث كونه متعلّقا
مقام الترجيح في ديباجة الكافي سوى ما ذكر فقال: «اعلم يا أخي أرشدك اللّه أنه لا يسع أحدا تمييز شيء مما اختلفت الرواية فيه من العلماء عليهم السلام برأيه، إلا على ما أطلقه العالم عليه السلام بقوله: (اعرضوهما على كتاب اللّه عزّ و جلّ فما وافق كتاب اللّه عزّ و جل فخذوه و ما خالف كتاب اللّه عزّ و جل فذروه)، و قوله عليه السلام: (دعوا ما وافق القوم، فإن الرشد في خلافهم)، و قوله عليه السلام: (خذوا بالمجمع عليه، فإن المجمع عليه مما لا ريب فيه)، و نحن لا نعرف من جميع ذلك إلا أقله، و لا نجد شيئا أحوط و لا أوسع من رد علم ذلك كله إلى العالم عليه السلام، و قبول ما وسع من الأمر فيه بقوله: (بأيهما أخذتم من باب التسليم وسعكم)»(1)انتهى.
و لعله ترك الترجيح بالأعدلية و الأوثقية، لأن الترجيح بذلك مركوز في أذهان الناس غير محتاج إلى التوقيف.
الشرح
بالموضوع الخارجي فيتخيّر بين الخبرين، كما يتخيّر بين الوجوب و التّحريم في المسألة الفرعيّة فليس هذا التّخيير مدلولا لأخبار التّخيير، كما أنّه يمكن أن يقال في الصّورتين فيما إذا كان احتمال وجود المرجّح في أحد الخبرين بخصوصه بالتّعيين من جهة دوران الحجّة الإجماليّة بينه على سبيل التّعيين و صاحبه تخييرا فيكون متيقّن الحجّيّة على كلّ تقدير و صاحبه مشكوك الحجّيّة، إلا أنه كما ترى لا تعلّق له بالتّمسك بأخبار التّرجيح، كما أنّه لا تعلّق لما ذكرنا كلّه في المقام بكلام ثقة الإسلام و لا بكلام الأخباري، بل و لا بكلام شيخنا العلاّمة عند التّأمّل، لأن المستفاد من كلام ثقة الإسلام غير ما فهمه الأخباري و شيخنا العلاّمة، اللّهمّ إلا أن يكون كلام شيخنا في مقام الاعتراض على الأخباري إغماضا عما أراده ثقة الإسلام قدس سره بزعمه قدس سره فتأمّل.
1) أصول الكافي: ج 1، ص 8.
و حكي عن بعض الأخباريين أن وجه إهمال هذا المرجح كون أخبار كتابه كلها صحيحة، و قوله: و لا نعلم من ذلك إلا أقله إشارة إلى أن العلم بمخالفة الرواية للعامة في زمن صدورها، أو كونها مجمعا عليها قليل و التعويل على الظن بذلك عار عن الدليل.
و قوله: (لا نجد شيئا أحوط و لا أوسع) إلخ أما أوسعية التخيير فواضح، و أما وجه كونه أحوط، مع أن الأحوط التوقف و الاحتياط في العمل، فلا يبعد أن يكون من جهة أن في ذلك ترك العمل بالظنون التي لم يثبت الترجيح بها و الإفتاء بكون مضمونها هو حكم اللّه لا غير، و تقييد إطلاقات التخيير و التوسعة من دون نص مقيد، و لذا طعن غير واحد من الأخباريين على رؤساء المذهب مثل المحقق و العلامة بأنهم يعتمدون في الترجيحات على أمور اعتمدها العامة في كتبهم مما ليس في النصوص منه عين و لا أثر.
قال المحدث البحراني قدس سره في هذا المقام من مقدمات الحدائق:
«إنه قد ذكر علماء الأصول من الترجيحات في هذا المقام ما لا يرجع أكثرها إلى محصول، و المعتمد عندنا ما ورد من أهل بيت الرسول صلى اللّه عليه و آله من الأخبار المشتملة على وجوه الترجيحات»(1)انتهى.
أقول: قد عرفت أن الأصل بعد ورود التكليف الشرعي بالعمل بأحد المتعارضين هو العمل بما يحتمل أن يكون مرجحا في نظر الشارع، لأن جواز العمل بالمرجوح مشكوك حينئذ.
نعم لو كان المرجع بعد التكافؤ هو التوقف و الاحتياط كان الأصل عدم الترجيح إلا بما علم كونه مرجحا، لكن عرفت أن المختار مع التكافؤ هو التخيير فالأصل هو العمل بالراجح، إلا أن يقال إن إطلاقات التخيير حاكمة
1) الحدائق الناضرة: ج 1، ص 90.
على هذا الأصل، فلا بد للمتعدي من المرجحات الخاصة المنصوصة (1) من أحد أمرين: إما أن يستنبط من النصوص و لو بمعونة الفتاوى وجوب العمل بكل مزية توجب أقربية ذيها إلى الواقع، و أما أن يستظهر من إطلاقات التخيير الاختصاص بصورة التكافؤ من جميع الوجوه.
الشرح
(1) يستدلّ للتّعدي عن المرجّحات المنصوصة على ما هو المشهور بوجوه:
الأوّل: الأصل بالتّقرير الّذي عرفت الكلام فيه بعد البناء على وجوب العمل بأحد المتعارضين، و إهمال أخبار التّخيير.
الثّاني: كون أخبار التّخيير مسوقة لبيان حكم علاج المتعارضين المتكافئين من جميع الوجوه المتساويين من حيث تمام المزايا من المنصوصة و غيرها، و الفرق بين الوجهين لا يكاد أن يخفى، لأن الثّاني نظر إلى دلالة أخبار التّخيير على لزوم التّرجيح بكلّ مزيّة و هو الظّاهر ممّا أفاده بقوله: (و أمّا أن يستظهر من إطلاقات التّخيير الاختصاص) إلى آخره و إن كان محلّ مناقشة إن لم يكن محلّ منع، لأن غاية ما يظهر منها الاختصاص بصورة التّكافؤ من جهة جميع المزايا الّتي قد حكم الشّارع بلزوم التّرجيح بها، و أمّا أنّه حكم به على سبيل القضيّة الكليّة، أو الجزئيّة، فلا يستفاد منها جدّا.
الثّالث: الإجماع عليه بقسميه قولا و عملا من الصّحابة و التّابعين و غيرهم من العامّة و الخاصّة، كما يظهر لمن راجع إلى كلماتهم في الأصول و الفروع في موارد الاستدلال و التّرجيح و لو لم يكن إلاّ نقله المتواتر، سيّما من العلاّمة في كتبه الأصوليّة و أضرابه قدّس اللّه أسرارهم كفى في حصول القطع به و يرشد إليه كلامهم، سيّما المحقّق في باب التّرجيح بالقياس.
و الحاصل: أنّ تسالم الفريقين عليه ممّا لا يكاد أن يخفى، و قد مضى شطر من الكلام في ذلك فيما أسمعناك في مسألة وجوب التّرجيح و لا يقدح فيه مخالفة الأخباريّين، بل بعض المجتهدين كثقة الإسلام، سيّما على طريق الحدس في باب
........
الشرح
الإجماع و المسألة و إن كانت أصوليّة، إلاّ أنّها لمّا كانت عمليّة لا يتوهّم عدم كفاية الإجماع فيها، ثمّ إنّ المتيقّن من هذا الإجماع و إن كان تعارض الأخبار، إلا أن يكفي دليلا في المقام، لأن كلامنا ليس في التّعدّي من الأخبار، بل في التّعدي عن المرجّحات المنصوصة.
الرّابع: دلالة الأخبار العلاجيّة عليه و هي من وجوه منها التّرجيح بالأصدقيّة في المقبولة و الأوثقيّة في المرفوعة على ما في الكتاب من جهة عدم احتمال الموضوعيّة في التّرجيح بالأقربيّة الحاصلة منهما، سيّما الأوّل كما يحتمل في التّرجيح بالأفقهيّة و الأعدليّة، حيث إنّه كما يحتمل الموضوعيّة للعدالة و الفقاهة، كذلك يحتمل الموضوعيّة للأعدليّة و الأفقهيّة، فلا يمكن استفادة الكبرى الكلّية من التّرجيح بهما، و هذا بخلاف التّرجيح بالأصدقيّة و الأوثقيّة فيستفاد من التّرجيح بهما التّرجيح بكلّ ما يوجب الأقربيّة، و هذا الاحتمال و إن كان راجحا في التّرجيح بالأفقهيّة و الأعدليّة، إلا أنه لمّا لم يكن من مداليل اللّفظ لم يحكم بمقتضاه و إن كان صالحا للتّأييد و أيّد ما أفاده في الكتاب من استفادة الكبرى الكلّيّة من التّرجيح بالوصفين بقوله: و يؤيّد ما ذكرنا أنّ الرّاوي بعد سماع التّرجيح إلى آخره و لا يتوجّه على ما استفادة أنّه بناء على استفادة الكلّيّة من التّرجيح بهما، كما فهمه الرّاوي أيضا و قرّره الإمام عليه السلام كما ذكره في التّأييد لا يبقى وجه لسؤال الرّاوي عن صورة مساواتهما من حيث الصّفات، كما أنّه لا يبقى وجه لإرجاع الإمام عليه السلام إلى التّرجيح بغيرها من المرجّحات، لأنه يمكن أن يكون الوجه في السّؤال استعلام الصّغريات مع احتمال كون الوجه حصول الاطمئنان بالكلّيّة و تأكيدا لاستفادتها سؤالا و جوابا، كما هو الوجه في السّؤال و الجواب بعد التّرجيح بالشّهرة و الشّذوذ و مخالفة العامّة مع التّعليل في التّرجيح بهما الّذي لا إشكال في دلالته على الكبرى الكلّيّة على ما ستقف عليه.
........
الشرح
هذا ملخّص ما يستفاد من إفادته قدس سره في الكتاب و في مجلس البحث في وجه دلالة التّرجيح بالوصفين على الكلّيّة، و لكنّك خبير بعدم خلوّه عن المناقشة، إذ كما يحتمل الموضوعيّة في التّرجيح بالأفقهيّة و الأعدليّة كذلك يحتمل في التّرجيح بالوصفين أيضا، لأن التّرجيح بخصوص القرب الحاصل من شدّة ملكة الوصفين محتمل جدّا، و من هنا لا يستفاد كلّيّة حجّيّة الظّن ممّا دلّ على حجّيّة خبر الثّقة و الصّادق، هذا مضافا إلى أنّه قدس سره جعل التّرجيح بالأوصاف في المقبولة راجعا إلى ترجيح الحكمين لا الرّوايتين، فكيف يمكن جعله دليلا على كلّيّة الكبرى في باب ترجيح الرّوايات مع إلقاء الكلّيّة في المورد كما هو ظاهر فتأمّل.
و أمّا ما أفاده تأييدا لما استفاده فيتوجّه عليه أنّ استفادة الكلّية لا تغني عن السّؤال عن حكم صورة تعارض الصّفات كما هو ظاهر.
نعم بعد استفادة استقلال كلّ واحد من الصّفات في التّرجيح لا يحتاج إلى السّؤال عن صورة وجود بعضها و لو لم نقل بالكلّية، هذا مع قرب احتمال كون مراد السّائل من قوله لا يفضل أحدهما على صاحبه عدم المزيّة من جهة خصوص الصّفات المذكورة، و منها: تعليل التّرجيح بالشّهرة بقوله صلى اللّه عليه و آله، فإن المجمع عليه لا ريب فيه، فإن المراد من الرّيب المنفي في المشهور رواية هو الرّيب المثبت في الشّاذ من حيث تفرّد بعض بروايته و عدم معروفيّته عند الرّواة لا نفي الرّيب في صدوره من جهة قطعيّته فضلا عن نفي الرّيب في جميع جهاته حتّى يلزم كونه قطعيا من جميع الجهات، لأن شهرة الرّواية لا تصلح للأوّل فضلا عن الثّاني، فكيف يمكن التّعليل به ضرورة كون مقتضاه وجود العلّة بحسب الوجدان في موردها و الوجه في عدم صلاحيّتها ظاهر بعد الاطّلاع على المراد من الشّهرة من حيث الرّواية، هذا مضافا إلى أنّ إرادة غير ما ذكرنا ينافي الإرجاع إلى
........
الشرح
سائر المرجّحات قبل التّرجيح بالشّهرة في المقبولة فتأمّل.
و بعد التّرجيح بها و تثليث الأمور و الاستشهاد بتثليث النّبي صلى اللّه عليه و آله ضرورة كون الغرض منه بيان حكم الشّاذ من حيث كونه داخلا في المشكل و المشتبه لا بيان الغيّ و الحرام البيّن، فإن المكلّف مجبول على عدم الأخذ بما كان هذا شأنه، فلا يحتاج إلى ترتيب ما رتّبه عليه السلام في الحديث لعدم الأخذ به، و التّعليل بعدم الرّيب في تقديم المشهور إنّما هو من التّعليل بالصّغرى و لازمه كما ترى كون الكبرى و هي لزوم تقديم كلّ ما انتفى فيه الرّيب المثبت في معارضة من المتعارضين أمرا مسلّما مفروغا عنه، و إلا لم يكن معنى للتّعليل بالصّغرى كما هو ظاهر، و هذا معنى دلالة التّعليل بنفي الرّيب الإضافي على الكبرى الكلّيّة، بل مقتضاه كما ترى عدم لزوم الظّن الشّخصي بخلل في الشّاذ على ما ستقف على شرح القول فيه من عدم اعتبار إناطة التّرجيح بالظّن و كفاية مجرّد الأبعديّة عن الباطل و دعوى احتمال كون العلّة عدم الرّيب الحاصل من خصوص شهرة الرّواية هدم لما تسالموا عليه من عدم جواز الاقتصار على مورد العلّة المنصوصة في قبال السيّد قدس سره، كما أنّ توهين ما ذكر بأنّه بناء عليه لا معنى لسؤال الرّاوي بعد الاطلاع على التّعليل المذكور ضعيف بما نبّهناك عليه كضعف توهينه باقتصار غير واحد على المرجّحات المنصوصة مع كون الدّلالة على ما ذكر من الأمور الواضحة الظّاهرة في أوّل النّظر إلى التّعليل و منها تعليل تقديم المخالف للقوم بكون الرّشد في خلافهم و التّقريب، كما في التّعليل السّابق لعدم إمكان حمل القضيّة على الدّوام و إن كانت ظاهرة فيه في ابتداء النّظر، حيث إنّ ما خالفهم ليس قطعيا من جميع الجهات، كما أنّ ما وافقهم ليس قطعيّ البطلان، و إلا خرج الفرض عن التّعارض مع كونه خلاف الإجماع، حيث إنّه لم يقل أحد بعدم حجّيّة الخبر الموافق للعامة مضافا إلى كونه خلاف الواقع، إذ كثير من أحكامهم موافق
........
الشرح
للواقع غاية ما يسلم غلبة الباطل في أحكامهم، و هذا التّعليل لمّا كان نظريّا بيّن وجهه في بعض الأخبار بكون مبنى دينهم على مخالفة أمير المؤمنين عليه السلام فيما يسألونه إذا جهلوا بحكم المسألة، و لا يمكن حمل القضيّة على خصوص مورد التّعارض كما هو ظاهر لمن له أدنى دراية فمخالفتهم أمارة نوعيّة للحقّ، كما أنّ موافقتهم أمارة نوعيّة للباطل على تقدير تسليم الغلبة المذكورة، فهذا التّعليل أخصّ من التّعليل السّابق، لكنه لا ينافيه جدّا كما هو ظاهر.
نعم على تقدير منع الغلبة و كون القضيّة كثيريّة لا غالبيّة ينطبق على التّعليل المذكور من حيث الصّغرى و الكبرى إلاّ من حيث مورد العلّة فيكون مدار التّرجيح على الوجهين على مجرّد الأبعديّة، بل يمكن الحكم بالانطباق على تقدير تسليم الغلبة أيضا، إذ ما خالفهم ليس منحصرا في الغالب بما دلّ عليه الخبر الغير الموافق فيكون من محتملات الأقرب إلى الواقع و لازمه كما ترى ما ذكرنا من كون المخالف أبعد عن الباطل، هذا و قد يجعل من قبيل ما اشتمل على التّعليل في الدّلالة على الكلّيّة كما في ظاهر الكتاب قوله عليه السلام ما سمعت عنّي يشبه قول النّاس ففيه التّقيّة بناء على حمله على مورد التّعارض و كون المشابه محمولا على التّقيّة من جهة كون المشابهة أمارة عليها، أو كون غير المشابه أبعد عن التقيّة و قوله عليه السلام ما جاءكم عنّا من حديثين مختلفين فأعرضوهما على كتاب اللّه الحديث كما في الكتاب أيضا، لكنه كما ترى لا يخلو عن مناقشة، فإن المراد من الشّباهة في الحديث الأوّل هو التّفريع على قواعدهم الباطلة و أصولهم السّخيفة، فلا داعي لحمله على صورة تعارض الخبرين الّتي يأبى عنها الحديث جدّا، مضافا إلى ما في العمل على ما يقتضيه التّعليل من التّكلّف الرّكيك، و منه يظهر المراد من الحديث الثّاني أيضا، فإن المراد من المشابهة فيه أيضا هو التّفرع على الأصول المسلّمة المدلول عليها بالكتاب و الأحاديث الصّادرة عن الأئمّة عليهم السلام، هذا
........
الشرح
مضافا إلى ما يتوجّه عليهما من منع الدّلالة على الكلّيّة، اللّهمّ إلا أن يكون الغرض من الاستدلال بهما مجرّد إناطة التّرجيح بالأبعديّة نظرا إلى دلالة لفظ المشابهة و لو بالنّسبة إلى المورد الخاصّ لا الكلّيّة فتأمّل.
نعم أخبار الباب لا تخلو عن الإيماء إلى إناطة التّرجيح بمطلق القرب و البعد، سيّما بملاحظة اختلافها في بيان المرجّحات و تعدادها، فإن أقرب الوجوه في محمل الاختلاف هو رجوعها بأسرها إلى بيان الصّغرى للكبرى المفروغ عنها و إعطاء القاعدة بالمثال على ما حكي عن المحدّث الجزائري فتدبّر.
الخامس: قوله عليه السلام في بعض الأخبار: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك»، حيث إنّ المستفاد منه أنّه عند الدّوران بين الأمرين، سواء كانا الخبرين المتعارضين، أو الاحتمالين يلزم الأخذ بما انتفى فيه الرّيب الموجود في صاحبه فينطبق على ما استفيد من تعليل تقديم المشهور على ما عرفت، بل دلالته من وجه أوضح، حيث إنّ الكلّيّة مصرّح بها في الحديث.
نعم الفرق بينهما كونه أعمّ من الحديثين المتعارضين، هذا حاصل ما يستفاد من الكتاب و استفدناه ممّا أفاده في مجلس المذاكرة في تقريب دلالة الحديث و لكنّك خبير بما يتطرّق إلى ما أفاده من المناقشة، فإن حمل الرّيب المنفيّ في الحديث على الرّيب الإضافي لا داعي له أصلا مع كونه خلاف الظّاهر جدّا، هذا مضافا إلى عدم كون العموم المذكور معمولا به قطعا حتّى على المعنى الظّاهر منه غاية الأمر رجحان ذلك على ما أسمعناك في الجزء الثّاني من التّعليقة في مسألة وجوب الاحتياط في الشّبهة التّحريميّة الحكميّة، فلعلّ ذكره في الكتاب من باب مجرّد التّأييد و تكثير الوجوه و الاعتضاد لا الاعتماد عليه مستقلا فتدبّر.
هذا ما قيل، أو يقال في وجه التّعدّي عمّا نصّ عليه من المرجّحات في أخبار العلاج و العمدة على ما أسمعناك هو التّعليل المنصوص عليه فيها، سيّما التّعليل
........
الشرح
المذكور في ترجيح المشهور رواية، و قد عرفت أنّ مقتضاه إناطة التّرجيح بمطلق عدم الرّيب الإضافي الشّامل لبعد أحد الاحتمالين بالنّسبة إلى الآخر، فشموله لقلّة الاحتمال فضلا عن الظّن الشّخصي بطريق أولى، و هذا التّعميم و إن لم يساعد عليه كلمات أكثر من تعدّى عن المرجّحات المنصوصة، حيث إنّ ظاهرهم الاقتصار على الظّن و لو نوعا، إلا أنه يساعده التّعليل فالمدار عليه، ثمّ إنّ المقتصر على المرجّحات المنصوصة لا بدّ أن يجعل مقتضى الأصل عدم التّرجيح بالتّقريب الّذي عرفت الإشارة إليه في مطاوي كلماتنا السّابقة و يذهب إلى عدم تماميّة الأدلّة المذكورة بالمنع بالنّسبة إلى بعضها كالإجماع و المناقشة بالنّسبة إلى بعضها الآخر كغيره بما عرفت الإشارة إليه و يزعم عدم كون ما يستفاد منه التّعليل في مقام ذكر العلّة، بل في مقام بيان حكمة الحكم و مجرّد التّقريب، فإن حمل كلامه على ما زعمه السيّد علم الهدى قدس سره من عدم التّعدّي عن العلّة المنصوصة كما ترى.
تنبيه: لا إشكال في اعتبار الظّن بوجود المرجّحات، بل احتماله في أحد المتعارضين بناء على ما بنينا عليه في مناط التّرجيح، و أمّا بناء على القول بالاقتصار على المرجّحات المنصوصة فهل يكون الظّن المطلق بوجودها بعد الفحص معتبرا أم لا وجهان: أقواهما الأوّل إذا علم بوجودها فيما بأيدينا و لم يتمكّن من تحصيلها بالعلم التّفصيلي و لا بالظّن الخاصّ القائم مقامه لعدم جواز نفيها بالأصل لمكان العلم الإجمالي و قيام الإجماع ظاهرا على عدم وجوب الاحتياط في موارد احتمال وجودها في أحد المتعارضين.
نعم لو منع من قيام الإجماع تعيّن المصير إلى الاحتياط، لأنه مقتضى القاعدة الأوّليّة في موارد العلم الإجمالي فيحكم بأنّ مجرّد احتمال وجود المرجّح كاف في التّرجيح على هذا القول أيضا و إن افترق ما ذكرنا بحسب عنوان التّرجيح، فإن
و الحق أن تدقيق النظر في أخبار الترجيح يقتضي التزام الأول، كما أن التأمل الصادق في أخبار التخيير يقتضي التزام الثاني، و لذا ذهب جمهور المجتهدين إلى عدم الاقتصار على المرجحات الخاصة، بل ادعى بعضهم ظهور الإجماع و عدم ظهور الخلاف على وجوب العمل بالراجح من الدليلين بعد أن حكى الإجماع عليه من جماعة. و كيف كان فما يمكن استفادة هذا المطلب منه فقرات من الروايات:
منها: الترجيح بالأصدقية في المقبولة و بالأوثقية في المرفوعة، فإن اعتبار هاتين الصفتين ليس إلا لترجيح الأقرب إلى مطابقة الواقع في نظر الناظر في المتعارضين من حيث إنه أقرب من غير مدخلية خصوصية سبب و ليستا كالأعدلية و الأفقهية تحتملان لاعتبار الأقربية الحاصلة من السبب الخاص.
الشرح
الاحتمال على ما ذكره مرجّح بدلالة نفس الأخبار العلاجيّة و على القول المذكور مرجّح من جهة حكم العقل لكنّهما لا يفترقان بحسب الثّمرة العمليّة في المقام و أشباهه كما هو ظاهر، و قد مرّت الإشارة إلى بعض ما ذكرنا هنا في مطاوي كلماتنا السّابقة إيقاظ تقديم المشهور على الشّاذ فيما كانا متكافئين من سائر الوجوه و الجهات على ما هو المفروض في جميع وجوه التّراجيح إنّما يكون من باب التّرجيح فيما لم يبلغ الشّذوذ مرتبة توجب سقوط الشّاذ عن الحجّيّة، و إلا فيخرج عن عنوان التّرجيح و التّعارض كما هو ظاهر و إن لم يكن هناك ثمرة عمليّة بين الأمرين فيما كانا متكافئين من سائر الجهات.
نعم تثمر فيما وجد هناك مرجّح آخر غير الشّهرة و الشّذوذ، فإنه فيما كان التّقديم بعنوان التّرجيح لا بدّ من ملاحظة النّسبة بين ذلك المرجّح و الشّهرة من حيث القوّة و الضّعف، و أما إذا كان من حيث الخروج عن عنوان الحجّيّة، فلا معنى لملاحظة النّسبة.
و حينئذ فنقول إذا كان أحد الراويين أضبط من الآخر، أو أعرف بنقل الحديث بالمعنى، أو شبه ذلك، فيكون أصدق و أوثق من الراوي الآخر و نتعدى من صفات الراوي المرجحة إلى صفات الرواية الموجبة لأقربية صدورها، لأن أصدقية الراوي و أوثقيته لم تعتبر في الراوي إلا من حيث حصول صفة الصدق و الوثاقة في الرواية، فإذا كان أحد الخبرين منقولا باللفظ و الآخر منقولا بالمعنى كان الأول أقرب إلى الصدق و أولى بالوثوق.
و يؤيد ما ذكرنا أن الراوي بعد سماع الترجيح بمجموع الصفات لم يسأل عن صورة وجود بعضها و تخالفها في الروايتين، و إنما سأل عن حكم صورة تساوي الراويين في الصفات المذكورة و غيرها حتى قال: لا يفضل أحدهما على صاحبه يعني بمزية من المزايا أصلا، فلو لا فهمه أن كل واحد من هذه الصفات و ما يشبهها مزية مستقلة لم يكن وقع للسؤال عن صورة عدم المزية فيهما رأسا، بل ناسبه السؤال عن حكم عدم اجتماع الصفات فافهم.
و منها: تعليله عليه السلام الأخذ بالمشهور بقوله: «فإن المجمع عليه لا ريب فيه».
توضيح ذلك: أن معنى كون الرواية مشهورة كونها معروفة عند الكل كما يدل عليه فرض السائل كليهما مشهورين، و المراد بالشاذ ما لا يعرفه إلا القليل، و لا ريب أن المشهور بهذا المعنى ليس قطعي المتن و الدلالة حتى يصير مما لا ريب فيه، و إلا لم يمكن فرضهما مشهورين و لا الرجوع إلى صفات الراوي قبل ملاحظة الشهرة و لا الحكم بالرجوع مع شهرتهما إلى المرجحات الأخر، فالمراد بنفي الريب نفيه بالإضافة إلى الشاذ و معناه أن الريب المحتمل في الشاذ غير محتمل فيه، فيصير حاصل التعليل ترجيح المشهور على الشاذ بأن في الشاذ احتمالا لا يوجد في المشهور، و مقتضى
التعدي عن مورد النص في العلة وجوب الترجيح بكل ما يوجب كون أحد الخبرين أقل احتمالا لمخالفة الواقع.
و منها: تعليلهم عليهم السلام لتقديم الخبر المخالف للعامة: «بأن الحق و الرشد في خلافهم، و إن ما وافقهم فيه التقية» فإن هذه كلها قضايا غالبية لا دائمية فيدل بحكم التعليل على وجوب ترجيح كل ما كان معه أمارة الحق و الرشد و ترك ما فيه مظنة خلاف الحق و الصواب.
بل الإنصاف أن مقتضى هذا التعليل كسابقه وجوب الترجيح بما هو أبعد عن الباطل من الآخر و إن لم يكن عليه أمارة المطابقة، كما يدل عليه (قوله عليه السلام: «ما جاءكم عنا من حديثين مختلفين فقسهما على كتاب اللّه و أحاديثنا، فإن أشبههما فهو حق و إن لم يشبههما فهو باطل»(1).
فإنه لا توجيه لهاتين القضيتين إلا ما ذكرنا من إرادة الأبعدية عن الباطل و الأقربية إليه.
و منها: قوله عليه السلام: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك»، دل على أنه إذا دار الأمر بين أمرين في أحدهما ريب ليس في الآخر ذلك الريب يجب الأخذ به، و ليس المراد نفي مطلق الريب كما لا يخفى، و حينئذ فإذا فرض أحد المتعارضين منقولا بلفظه و الآخر منقولا بالمعنى وجب الأخذ بالأول، لأن احتمال الخطإ في النقل بالمعنى منفي فيه، و كذا إذا كان أحدهما أعلى سندا لقلة الوسائط إلى غير ذلك من المرجحات النافية للاحتمال الغير المنفي في طرف المرجوح.
1) تفسير العياشي: ج 1، ص 8، ح 7.
و هي على قسمين:
أحدهما: ما يكون داخليا (1) و هي كل مزية غير مستقلة في نفسه، بل متقومة بما فيه.
و ثانيهما: ما يكون خارجيا بأن يكون أمرا مستقلا بنفسه و لو لم يكن هناك خبر، سواء كان معتبرا كالأصل و الكتاب، أو غير معتبر في نفسه كالشهرة و نحوها.
الشرح
(1) قد يناقش فيما أفاده في بيان المراد من الدّاخلي و الخارجي بجعل مخالفة العامّة، أو عمل سلطانهم من المرجّح الدّاخلي الرّاجع إلى مرجّح وجه الصّدور كما صنعه بعد ذلك في تقسيم المرجّح الدّاخلي بناء على كشفهما عن صدور الموافق لهما بعنوان التّقيّة، كما هو أحد الوجوه في التّرجيح بهما على ما ستقف عليه، فإنه إن جعل المرجّح عنوان الموافقة و المخالفة الّذي يتقوّم بالخبر لا محالة و لا يوجد بدونه فهو صفة في الخبر لا يتصوّر له وجود بدونه فيتوجّه عليه النّقض بجميع المرجّحات الخارجيّة، فإن المرجّح فيها موافقة الخبر لها لا أنفسها كموافقة الكتاب و السّنة و الأصل و نحوها و إن جعل المرجّح نفس فتوى العامّة لا ما ذكر من العنوان المتقوّم بالخبر فيتوجّه عليه عدم استقامة ما ذكره بعد ذلك من عدّهما من المرجّحات الدّاخليّة، هذا و لكنّك خبير بعدم توجّه المناقشة المذكورة، فإن وجود الأمور الخارجيّة لا تعلّق له بالخبر و إن كان عنوان التّرجيح بملاحظة موافقة الخبر لها، و هذا بخلاف الأمور الدّاخليّة كصفات الرّاوي و قوّة الدّلالة و الفصاحة و نحوها، فإن وجودها لا يتصوّر بدون الخبر و الأمر في التّرجيح بمخالفة العامّة من هذا القبيل، فإن فتوى العامّة لا تعلّق لها بالخبر أصلا إلاّ أنّها ليست من المرجّحات، بل من الموهنات و إنّما المرجّح مخالفتهم المتقوّمة بالخبر لا محالة، و هذا بخلاف الكتاب و الأصل و الشّهرة بحسب الفتوى مثلا فإنّها أمارات للحقّ و كواشف عنه فافهم.
ثم المعتبر إما أن يكون مؤثرا في أقربية أحد الخبرين إلى الواقع كالكتاب و الأصل بناء على إفادة الظن، أو غير مؤثر ككون الحرمة أولى بالأخذ من الوجوب، و الأصل بناء على كونه من باب التعبد الظاهري و جعل المستقل المعتبر مطلقا خصوصا ما لا يؤثر في الخبر من المرجحات لا يخلو عن مسامحة.
لأنه إما أن يكون راجعا إلى الصدور فيفيد المرجح كون الخبر أقرب إلى
الشرح
(1) تقسيم الدّاخلي إلى الأقسام المذكورة ظاهر في عدم جريان التّقسيم المذكور بالنّسبة إلى الخارجي و الأمر كذلك، فإن التّرجيح بالمرجّح الخارجي يرجع إلى تقوية المضمون دائما، ثمّ إنّ الكلام في الأقسام المذكورة للمرجّح يعني المرجّح بحسب الصّدور و جهته و المضمون و الدّلالة قد يقع في بيان موردها فإنّها تختلف بحسب المورد في الجملة، كما أشار إليه في الكتاب و قد يقع في بيان مرتبة بعضها مع بعض.
أمّا الكلام من الجهة الأولى فحاصله: أنّ المرجّح من حيث الصّدور، سواء كان مورده السّند، أي رجال الحديث، أو المتن لا يتحقّق إلاّ في الأخبار الظّنيّة و إن كانت نبويّة و المرجّح من حيث وجه الصّدور يتحقّق في الأخبار القطعيّة أيضا إن كانت من الأخبار الإماميّة، و لا يتحقّق في الأحاديث النّبويّة ضرورة عدم تصوّر التّقيّة في حقّ النّبي صلى اللّه عليه و آله في بيان الأحكام و إن وجب عليه حفظ نفسه الشّريفة المباركة، و المرجّح من حيث المضمون و الدّلالة يوجد في مطلق الأحاديث و إن كانت قطعيّة و من الأحاديث النّبويّة كما هو ظاهر.
نعم يعتبر في المرجّح المضموني، سواء كان داخليّا، أو خارجيا بناء على ما أفاده
........
الشرح
شيخنا العلاّمة قدس سره كما ستقف عليه من رجوعه إلى تقوية إحدى جهات الخبر، أعني الصّدور و جهته و دلالته إجمالا ظنّيّة الرّاجح في الجملة كما هو واضح، بل التّحقيق اعتبار ذلك مطلقا و لو لم نقل بهذه المقالة لعدم تصوّر التّعارض مع قطعيّة جميع الجهات الثّلاثة.
و أمّا الكلام من الجهة الثّانية فحاصله: أنّه لا إشكال في اختلاف مرتبة المرجّحات من حيث التّقديم و التّأخير عند اجتماعها و اختلافها من حيث وجود بعضها في أحد المتعارضين و بعضها في الآخر إذا اختلفا جنسا، فإن تقديم بعضها على بعض مع الاتّحاد جنسا، كما إذا كانا من المرجّحات الصّدوريّة مثلا موكول إلى نظر الفقيه، إلا أن شيخنا العلاّمة قدس سره يتكلّم في تعارض المرجّحات من حيث الدّلالة كما ستقف عليه بحسب المرجّحات النّوعيّة من جهة انضباطها بخلاف غيرها من المرجّحات كما ستقف عليه.
و الكلام من الجهة المزبورة قد يقع في نسبة المرجّح من حيث الدّلالة مع غيره من المرجّحات الثّلاثة، و قد يقع في نسبة سائر المرجّحات بعضها مع آخر.
فالكلام يقع في موضعين:
أمّا الموضع الأوّل: فملخّص القول فيه: أنّه لا إشكال، بل لا خلاف عند بعض، بل الإجماع عليه عند آخر في تقديم المرجّح من حيث الدّلالة على سائر المرجّحات على ما هو مقتضى الأخبار أيضا كما عرفت الإشارة إليه، فإن مصبّ التّرجيح بها في الأخبار العلاجيّة المذكورة في الكتاب سؤالا و جوابا، كما لا يخفى على من أعطى حقّ النّظر فيها فيما لم يمكن رفع التّعارض بين الخبرين بجعل أحدهما بالخصوص قرينة على المراد من الآخر بحكم العرف حتّى يتحقّق هناك التّحيّر المحوج إلى السّؤال بلفظة أي، هذا مضافا إلى قوله عليه السلام فيما مرّ عليك من الأخبار أنتم أفقه النّاس إذا عرفتم معاني كلامنا الحديث بالتّقريب
........
الشرح
الّذي عرفت الإشارة إليه، و قوله عليه السلام إنّ أمر النّبي صلى اللّه عليه و آله كما مر القرآن فيه عام و خاصّ و محكم و متشابه و ناسخ و منسوخ الحديث، و قوله عليه السلام إنّ في كلامنا محكما و متشابها فردّوا متشابهها إلى محكمها الحديث بناء على إرادة المؤوّل من المتشابه، و هذا كما ترى من إقرار الجمع الّذي عرفت تقديمه على الطّرح مطلقا و إن كان من التّرجيح بحسب الدّلالة حقيقة لعدم التّنافي بينهما أصلا على ما أسمعناك شرح القول فيه في المراد من القاعدة.
و إن شئت قلت: في تقريب المدّعى إنّ وجوه التّراجيح لا يجعل الرّاجح أعلى ممّا يقطع بصدوره إذا عارضه ما كان أقوى منه دلالة كالخبر المتواتر اللّفظي و الكتاب إذا كانا عامّين، أو مطلقين و كان هناك ما يوجب تخصيصهما، أو تقييدهما و إن كان موافقا للعامّة إذا كان طريقه من الآحاد الغير المحفوف بالقرينة القطعيّة على ما بنينا عليه الأمر في مسألة حمل العام على الخاصّ من جواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد، و إلا فيخرج عن مسألة التّعارض كما هو ظاهر، ثمّ إنّ المخالف في المسألة كالشّيخ قدس سره في الإستبصار و العدّة لما كانت كلماته مختلفة في باب التّعارض و بناء العام على الخاصّ ككلام المحقّق القمّي قدس سره لم ينظر إلى مخالفته، فلا يوهن الإجماع المدّعى في كلام غير واحد على تقديم التّرجيح من حيث الدّلالة على سائر وجوه التّراجيح بملاحظته كيف و كلام الشّيخ قدس سره يشمل تعارض النّص و الظّاهر، مع أنك قد عرفت خروجه عن مسألة التّعارض حقيقة، و لك أن تقول في تقريب المدّعى مرّة أخرى أنّ الأخذ بدليل التّعبّد بالصّدور مثلا بالنّسبة إلى الظّاهر و الأظهر ليس هناك ما يزاحمه أصلا، فإن رفع اليد عن أصالة الظّهور في الظّاهر إذا كان مستندا إلى ما هو القرينة الصّارفة عن الظّهور بحكم العرف و هو الأظهر، فليس هناك طرح لأصالة الظّهور ضرورة كونها تعليقية بالنّسبة إلى القرينة، فلا دوران حقيقة بين طرح الظّهور في
........
الشرح
الظّاهر و طرح دليل الصّدور في الأظهر كما هو الشّأن في الظّاهرين، فحال الأظهر حال النّص الظّني بحسب الصّدور من حيث رجوع معنى دليل التّعبّد بصدوره إلى جعله قرينة للظّاهر و إن افترقا من حيث إمكان التّصرّف في الأظهر بخلاف النّص، و من هنا حكمنا فيما أسمعناك في شرح قاعدة أولويّة الجمع على الطّرح بثبوت الأولويّة فيما كان أحد الدّليلين صالحا لصيرورته قرينة للآخر بحكم العرف و أهل اللّسان و منعها في غيره كما في الظّاهرين، و إن حكمنا بعدم أولويّة للطّرح على الجمع أيضا بالنّظر إلى دليلي التّعبّد بالصّدور و الدّلالة من غير فرق بين صور تعارض الظّاهرين حتّى فيما يحصل الجمع بالتّصرف في أحدهما و لو فيما كان لكلّ من المتعارضين مادّة سليمة كما في العامّين من وجه، حيث إنّ الطّرح فيه يوجب التّبعيض الظّاهري في الصّدور، و من هنا توهّم تقديم الجمع فيه على الطّرح، بل لم يستبعد أولويّة الطّرح في الظّاهرين مطلقا فيما آل الجمع إلى الحكم بالإجمال و الرّجوع إلى الأصل من حيث إنّه يؤول إلى طرح دليل التّعبّد بالصّدور و الدّلالة معا فراجع إلى ما ذكرنا ثمّة حتّى تقف على حقيقة الأمر.
و ممّا ذكرنا كلّه في المقام و فيما تقدّم في شرح قاعدة الجمع يظهر تطرّق المناقشة إلى ما أفاده شيخنا قدس سره من الإشكال فيما يحصل الجمع بالتّصرّف في أحدهما بقوله.
نعم يبقى الإشكال في الظّاهرين اللّذين إلخ، فإنه يظهر منه كون جريان قاعدة الجمع فيه مطلقا أولى من جريانها فيما يتوقّف الجمع على التّصرف في المتعارضين، مع أنك قد عرفت مساواتهما من حيث جريانها، هذا و قد وقفت بعد ما أسمعناك في تحقيق المقام تبعا للقوم على كلام لبعض أفاضل العصر فيما أملاه في المسألة يخالف فيه كلام القوم من تقديم المرجّح من حيث الدّلالة على غيره من المرجّحات مطلقا في خصوص المرجّح من حيث جهة الصّدور فحكم بتقدّمه
........
الشرح
على المرجّح من حيث الدّلالة بحسب المرتبة، بل زعم ذهاب الأكثر، بل المعظم إلى ذلك في الفروع في موارد تعارض الأخبار و علاجه، بل صرّح في طيّ كلامه على المعاملة المذكورة بين النّص و الظّاهر أيضا فضلا عن الأظهر و الظّاهر لا بأس بنقله و الإشارة إلى ما يتوجّه عليه، قال رحمه اللّه بعد الإشارة إلى ما اختاره سابقا في طيّ بيان قاعدة الجمع من تقديم المرجّح من حيث الدّلالة على المرجّح من حيث الجهة ما هذا لفظه: و لكن في النّفس الآن منه شيء و التّحقيق هو أنّهما إمّا قطعيّان، أو ظنيّان، أو مختلفان، فإن كانا قطعيّين قدّم ترجيح الدّلالة، فلو تعارض العام و الخاصّ و كان الثّاني موافقا للعامّة عمل بالخاصّ كأخبار بطلان الصّلاة بزيادة الرّكعة و أخبار صحّتها إذا جلس بعد الرّابعة بقدر التّشهّد فإنّها موافقة لمذهب العامّة، لأن المدار في التّرجيح على الظّن و لا شكّ أنّ التّخصيص أغلب و أظهر من التّقيّة في الأخبار هذا إذا قطعنا النّظر عن النّص و مشينا على موجب القاعدة، و أما بعد ملاحظة كون موافقة العامّة أمارة تعبّديّة على التّقيّة، أو جاريا مجرى القرينة العامّة حسبما شرحنا مفصّلا فيما سبق فمقتضى القاعدة أن يكون الأمر بالعكس فيجب حمل الخاصّ على التقيّة و لو كان قطعيّ السّند و الدّلالة، لأن الشّك في التّخصيص بعد قطعيّة الخاص مسبّب عن الشّك في صدوره تقيّة و بعد قيام الدّليل على صدور الخاصّ تقيّة كان حاكما على أصالة العموم، و هذا التّسبّب و إن كان موجودا مع قطع النّظر عن الأخبار، إلا أن أصالة عدم التقيّة لا مانع من العمل به حينئذ و لا يعارضه أصالة العموم للتسبّب القاضي بالتّقديم و الحاصل أنّ قضيّة التّسبّب العمل بما يقتضيه الأصل السّببي، فإن كان الأصل عدم التقيّة عمل بالخاصّ و إن كان هي التقيّة عمل بالعام، ففي المثال المذكور ينبغي حمل أخبار الصّحة بعد الجلوس على التّقيّة كما فعله صاحب الرّياض، و هذا هو الأصحّ و عليه عمل غير واحد في الكتب الفقهيّة، كما لا يخفى على أهل الخبرة.
........
الشرح
فإن قلت: ما ذكرت من القاعدة من تقديم الأصل الجاري في السّبب على الأصل الجاري في المسبّب لا يتمّ على ما أنت عليه من إنكار هذه القاعدة في بابها.
قلت: بناؤنا على معارضة الأصلين دون التّحكيم إنّما هو في الأصول التّعبّدية، و أمّا الأصول الجارية في الألفاظ فهي طرق عقلائيّة أمضاها الشّارع و ليست من الأصول الظّاهريّة التّعبديّة كأصالة الطّهارة مثلا، و قد نبّهنا في محلّه على أنّه لا بدّ من إجراء قاعدة التّسبّب و العمل بالأصل الجاري في السّبب المسمّى بالمزيل في ألسنة المتقاربين لعصرنا في الأصول اللّفظيّة و ما يجري مجراها من الأصول العقلائيّة المعتبرة طريقا إلى الواقع و تمام الكلام في محلّه، هذا و لو تعارض الأصل اللّفظي مع الأصل المعمول في الجهة غير التّقيّة كأصالة عدم السّهو و عدم المزاح و عدم الإكراه و عدم الكناية و عدم التّعريض و عدم القصد و التّصوّر و أشباهها من الأصول الجارية في الألفاظ من غير أن يرجع إلى حقيقة، أو مجاز في غير أدلّة الأحكام قدّم الأصل اللّفظي، فلو توقّف رفع التّناقض و التّنافي في كلام متكلّم على ارتكاب أحد الأمرين إمّا التّخصيص، أو حمل الخاصّ على المزاح مثلا تعيّن التّخصيص، لأنه أغلب و أظهر.
فإن قلت: مقتضى القاعدة التّوقف و الإجمال، لأن التّرجيح على خلاف الأصل، إذ الأصل في الطّرق و الأصول المتعارضة التّوقف دون الأخذ بالرّاجح و القدر الخارج منه العمل بالأقوى و الأرجح في أدلّة الأحكام دون غيرها.
قلت: الظّاهر أنّه لا إشكال، بل لا خلاف في أنّ تقديم النّص على الظّاهر، أو تقديم الأظهر على الظّاهر في الأصول اللّفظيّة المتعارضة بعضها مع بعض الرّاجعة إلى تعارض الأحوال في كلام، أو كلامين لا اختصاص له بأدلّة الأحكام، و الظّاهر أنّ حكم تعارض بعض الأصول اللّفظيّة مع الأصل في جهات الكلام حكم تعارض
........
الشرح
الأصول اللّفظيّة بعضها مع بعض، فكما ثبت التّرجيح و وجوب العمل بالأرجح هناك فكذلك هنا انتهى كلامه رفع مقامه.
و يتوجّه عليه: أوّلا: النّقض بالمرجّح من حيث الصّدور، فإنه إذا فرض تسبّب الشّك في التّخصيص مع صلاحيّة الخاصّ له عن الشّك في صدوره و حكمنا بمقتضى دليل التّرجيح فيما كان الخاصّ مرجوحا كما هو المفروض بعدم صدوره فيرتفع الشّك بحكم الشّارع.
و ثانيا: بالحلّ، حيث إنّ مصبّ التّرجيح بالمرجّحات على ما أسمعناك مرارا فيما لم يمكن الجمع بين الدّليلين بصرف أحدهما عن ظاهره بحكم العرف حتّى يتحقّق هناك التّحيّر المحوج إلى السّؤال بلفظة أي، فإذا كان الخاصّ نصّا بحسب الدّلالة، أو أظهر، فلا يتحقّق هناك تحيّر أصلا، فلا يدخل الفرض في مورد الأخبار العلاجيّة لكي يجري فيه ما ذكره من قاعدة التّسبّب فأمارة التّقيّة إنّما تجدي فيما دار الأمر بين الحكم بصدور الموافق تقيّة، أو المخالف لا فيما لم يكن هناك دوران بحكم العرف أصلا، كما لا يخفى.
فالفرق بين أصالة عدم التّقيّة و الحكم بها من جهة الأخبار العلاجيّة لا يجدي في الفرض أصلا.
نعم يستثنى ممّا ذكرنا الخاصّ الّذي فهم من الخارج كون وروده للتّقيّة كالخبر الوارد في عدم قدح زيادة الرّكعة إذا جلس في الرّابعة بقدر التّشهّد، فإن حملهم له على التّقيّة ليس من جهة مجرّد موافقته للعامّة، و إلا لسلكوا هذا المسلك في جميع موارد تعارض العامّ و الخاصّ.
و ثالثا: أنّ ما ذكره من الفرق في قاعدة التّحكيم بين الأصل اللّفظي و شبهه و بين الأصل التّعبدي لا محصّل له أصلا على ما عرفت شرح القول فيه مرارا.
و رابعا: أنّ ما ذكره أخيرا من تقديم التّرجيح من حيث الدّلالة على سائر
........
الشرح
الأصول الجارية في الجهة و إن كان مسلّما في الجملة، إلا أنه غير مسلّم على إطلاقه، فإنه إذا كان العام و الخاصّ في كلام غير المعصوم و لم يكن الخاص متّصلا بالعام حمل على كونه رجوعا كما في الفتاوي و الوصايا إلى غير ذلك ممّا يتوجّه عليه، ثمّ إنّ المدار على قوّة الدّلالة و ضعفها في التّقديم من غير فرق بين أن يكونا بالخصوص و العموم، أو التّقييد أو غيرهما، كما أنّ المدار في تقديم النّص على النّصوصيّة في ضمن، أي شيء حصلت ضرورة عدم اعتبار خصوصيّة في التّقديم و دورانه مدار النّصوصيّة و قوّة الدّلالة، و منه يظهر جودة ما أفاده شيخنا العلاّمة قدس سره في تضعيف ما تخيّله بعض المحدّثين من الفرق و التّفصيل و يحتمل أن يكون مبنى تخيّله على اشتباه الأمر عليه في تشخيص الصّغرى، ثمّ إنّ القوّة و الضّعف كما ذكر في الكتاب قد يكونان بحسب خصوصيّات المقامات، و هذا القسم لا يدخل تحت ضابطة، بل موكول إلى نظر الفقيه لعدم إمكان جعل ضابطة له قطعا، و من هنا قد يقدّم العام على الخاصّ و المطلق على المقيّد و المفهوم على المنطوق، و هكذا الأمر في كلّ ما يكون بحسب النّوع، أو الصّنف أقوى من غيره بحسب الدّلالة مع كونه أضعف منه في خصوص المقام بنظر الفقيه، بل ربما لا يكون للّفظ ظهور نوعا أصلا في معنى و يكون له الظّهور فيه في خصوص المقام بنظره، أ لا ترى إلى ما أفاده المحقّق القمّي قدس سره في دلالة آية النّبإ باعتبار التّعليق على الوصف على المفهوم في خصوص الآية مع قوله بعدم دلالة التّعليق المذكور نوعا على المفهوم عكس ما ذكره غير واحد من أنّه على تقدير القول بدلالته على المفهوم نوعا لا دلالة له في خصوص المقام على ما أسمعناك في الجزء الأوّل من التّعليقة، و قد يكون بحسب الصّنف كألفاظ العموم و التّعليقات الدّالة على المفهوم، فإن لفظة كلّ و نحوه أقوى دلالة على العموم من النّكرة في سياق النّفي و هي أقوى دلالة عليه من الجمع المحلّى و هو أقوى دلالة عليه من
........
الشرح
الجمع المضاف و هو أقوى دلالة عليه من المفرد المحلّى و هو أقوى دلالة عليه من المفرد المضاف، و من هنا وقع الاختلاف في غير لفظة كلّ شدّة و ضعفا بحسب ما عرفت و هكذا الأمر فيما دلّ على المفهوم، فإن ألفاظ الحصر أقوى دلالة من جميع ما دلّ عليه، و من هنا قيل بكون دلالتها بالمنطوق و التّعليق بالغاية أقوى دلالة على المفهوم من التّعليق على الشّرط، و كذا أدوات الشّرط بعضها بالنّسبة إلى بعض كإن بالنّسبة إلى إذا و هكذا و الحروف بالنّسبة إلى الأسماء المتضمّنة لمعنى الشّرط، و التّعليق بالشّرط أقوى دلالة عليه من التّعليق بالوصف و هو أقوى دلالة من العدد و هو أقوى دلالة من اللّقب على القول بثبوت المفهوم لها، و هكذا الأمر في المجازات قربا و بعدا، و كذا الأمر في الألفاظ الدّالّة على التّأبيد و العموم الزّماني هذا كلّه في الصّنفين المختلفين، و قد يوجد الاختلاف في الصّنف الواحد بحسب جزئياته الكلّية كالعام الغير المخصّص بالنّسبة إلى المخصّص مع وحدة اللّفظ الدّال على الجمع كالجمع المحلّى مثلا و العام الّذي ما يكون أقلّ أفرادا بالنّسبة إلى ما يكون أكثر أفرادا و إن كان الدّال واحدا و العام الّذي ورد عليه التّخصيص كثيرا بالنّسبة إلى ما ورد عليه قليلا و هكذا، و قد يكون بحسب النّوع و قد عقدوا لذلك بابا و سمّوه بتعارض الأحوال، و هذا العنوان و إن لم يكن من خصائص تعارض الأدلّة، فإنه قد يتحقّق بالنّسبة إلى دليل واحد كما هو ظاهر، إلا أن تحقّقه بالنّسبة إلى الدّليلين المتعارضين أوجب عنوانه و البحث عنه في المقام و لو على سبيل الإجمال، و من هنا تعرّض له شيخنا العلاّمة قدس سره في الكتاب، ثمّ إنّ قوّة الدّلالة قد يستند إلى الوضع كالألفاظ الموضوعة للعموم بالنّسبة إلى الألفاظ المطلقة على مذهب السّلطان القائل بكون لفظ المطلق موضوعا للماهيّة المهملة، و من هنا ذهب إلى كون التّقييد حقيقة إذا لم ترد الخصوصيّة من اللّفظ، حيث إنّ ظهوره في الإطلاق و الانتشار مستند إلى الحكمة نظير دلالة المفرد المحلّى على
........
الشرح
العموم على مذهب الشّيخ قدس سره، و قد يستند إلى الظّهور الوضعي مع كون دلالة المقابل بالوضع أيضا كألفاظ العموم بالنّسبة إلى لفظ المطلق على ما ذهب إليه المشهور من كونه موضوعا للحصّة المنتشرة بحيث يكون الانتشار قيدا للموضوع له، و من هنا ذهبوا إلى كون التّقييد مجازا، و قد يستند إلى المطابقة بالنّسبة إلى ما كانت دلالته بحسب الالتزام كالمنطوق بالنّسبة إلى المفهوم مع كون الدّلالة في كلّ منهما وضعيّة، و قد يستند إلى قلّة إرادة خلاف الظّاهر كاللّفظ الدّال على دوام الحكم بدوام الشّرع بالنّسبة إلى ما دلّ على العموم الأفرادي، و من هنا قالوا بكون التّخصيص أولى من ارتكاب النّسخ عند الدّوران، حيث إنّ النّسخ بالنّسبة إلى كلّ شريعة قليل في الغاية و إن ورد النّسخ على جميع الشّرائع إلاّ شريعة واحدة، و اللّفظ الدّال بالوضع على معنى مع ألفاظ العموم و إن كانت الدّلالة في كلّ منهما مستندة إلى الوضع، و من هنا قالوا بأنّ التّخصيص أولى من المجاز و لو لم نقل بكون التّخصيص مجازا، حيث إنّ إرادة خلاف الظّاهر من اللّفظ كثيرا يوجب وهن الظّهور، بل قد يوجب الإجمال في بعض مراتبه، و من هنا ذهب المشهور إلى التّوقف في المجاز المشهور كيف و قد تبلغ كثرة إرادة المعنى المجازي إلى حدّ الوضع كما في الوضع التّعيّني، ثمّ إنّه لا فرق فيما ذكرنا من الالتزام بالتّخصيص عند دوران الأمر بينه و بين النّسخ كما يلتزم بارتكاب خلاف جميع الظّواهر عند الدّوران بينه و بين النّسخ بين أن يكون احتمال النّاسخيّة في الخاصّ، كما إذا تأخّر عن العام، أو في العام، كما إذا تأخّر عن الخاص لاتّحاد الوجه.
نعم لو كان هناك مانع عن الالتزام بالتّخصيص مثل لزوم تأخير البيان عن وقت الحاجة، كما إذا ورد الخاصّ بعد العمل بالعام في مدّة تعيّن فيه الالتزام بالنّسخ لو لم يحتمل ورود الخاصّ وقت الحاجة و اختفائه و لم نقل بجواز تأخير البيان عن
........
الشرح
وقت الحاجة فيما كانت هناك مصلحة مجوّزة، و إلا لم يتعيّن ارتكاب النّسخ أيضا هذا في المخصّصات الواردة في كلام النّبي صلّى اللّه عليه و آله بعد العمل بالعمومات، و أما المخصّصات الواردة في كلام بعض الأئمّة عليهم السلام بعد العمومات الواردة في كلام النّبي صلى اللّه عليه و آله، أو بعض الأئمّة المتقدّمة عليه السلام، أو الإمام الوارد في كلامه الخاصّ بعد مضي زمان العمل بالعام ففيها وجوه و احتمالات مذكورة في الكتاب:
أحدها: جعلها ناسخة بالتزام إيداع النّبي صلى اللّه عليه و آله النّاسخ عند الإمام عليه السلام حتّى لا ينافي تكميل الدّين في زمان النّبي صلى اللّه عليه و آله الّذي قضى به العقل و النّقل، حيث إنّ الوصيّ حافظ لما بلغه الرّسول صلى اللّه عليه و آله من اللّه تعالى إلى الخلق.
ثانيها: الالتزام بكونها مخصّصة بمعنى كونها كاشفة عن المخصّصات المتّصلة المختفية من جهة العوارض.
ثالثها: جعلها مخصّصة من دون التزام بالاختفاء، و هكذا الكلام في المقيّدات الواردة في كلام بعض الأئمّة عليهم السلام بعد العمل بالمطلقات الواردة في كلام النّبي صلى اللّه عليه و آله، أو الأئمّة عليهم السلام، فإنه يجري فيها الوجوه المذكورة و خير هذه الوجوه الأخير منها، فإن الوجه الأوّل و إن كان متصوّرا معقولا من حيث الكشف عن نسخ النّبي صلى اللّه عليه و آله و إيداعه عند الوصيّ عليه السلام على ما عرفت، إلا أنه يبعده منتهى البعد كثرة هذه التّخصيصات و التّقييدات غاية الكثرة مع كون أصل النّسخ قليلا غاية القلّة، فلا معنى لحملها عليه و الوجه الثّاني يبعده أيضا، بل يحيله العادة بعد ملاحظة عموم الابتلاء بها علما و عملا و كثرتها و انتفاء دواعي الاختفاء و مقتضياته، و أما الوجه الأخير فهو و إن كان منافيا لقاعدة قبح تأخير البيان عن وقت الحاجة في ظاهر النّظر، إلا أنه بعد
........
الشرح
التّأمّل يعلم بعدم التّنافي بينهما أصلا، لأن القاعدة كما برهن عليها في محلّه إنّما يقتضي البيان فيما لم يقتض المصلحة تأخيره، و إلا فلا قبح في تأخيره أصلا فيكون تكليف المخاطبين بتلك الخطابات المشتملة على الظّواهر، أو المطّلعين عليها ما يقتضيه ظواهرها ظاهرا اتّكالا على الأصول اللّفظيّة المعتبرة عند العقلاء و أهل اللّسان و لا بعد فيه أصلا، فإنه، كما إذا اقتضت المصلحة بيان الأحكام تدريجا و الرّجوع إلى الأصول العقليّة قبل البيان حتّى أنّه ورد عدم تكليف المكلّفين في أوائل البعثة في مدّة عشر سنين إلاّ بالتّوحيد و الاعتقاد بالرّسالة، كذلك اقتضت تأخير بيان الصّوارف عن زمان العمل بالظّواهر، بل التّأمّل في الآثار و الأخبار الواردة عن النّبي المختار و الأئمّة الأبرار سلام اللّه عليهم يوجب القطع بكون مبنى البيانات المتأخّرة على ما ذكرنا، سيّما ما ورد في بيان معاملة الحجّة المنتظر عجّل اللّه فرجه و سلامه عليه و على آبائه الطّاهرين في زمان ظهوره و أنّه يحكم ببطون كلام اللّه تعالى، و ما انطوت عليه الصّحيفة الفاطميّة سلام اللّه عليها كما يظهر من رواية جابر و غيرها، و ما ورد في بيان إخفاء الأمير سلام اللّه عليه ما جمعه من آيات الكتاب بعد رحلة النّبي صلى اللّه عليه و آله ضرورة عدم نسخ الدّين في زمان ظهور الحجّة، فليس الوجه إلا أن الأئمّة عليهم السلام كانوا مكلّفين بإظهار ما أمروا بإظهاره في أزمنتهم كلّ بحسب ما يقتضيه تكليفه حسب المصلحة لا يقال ما ذكر ينافي شأن النّبي صلى اللّه عليه و آله، سيّما بملاحظة ما ثبت عنه في حجّة الوداع كما في الكتاب و غيره من بيانه جميع ما يحتاج إليه الأمّة و أنّه أكمل الدّين و بلّغ جميع ما أمر بتبليغه، لأنّا نقول ما ذكرنا لا ينافي كونه رسولا مبلّغا تمام الدّين إلى الأمّة، فإن بيانه جميع الأحكام لا ينافي إيداعه جملة من الأحكام عند الأوصياء يبيّنونها للأمّة حسب اقتضاء المصلحة في مرور الأعصار.
فإن قلت: ما ذكر يوجب سدّ باب التّمسك بالظّواهر للمخاطبين و غيرهم، إذ
........
الشرح
بعد تجويز تأخير البيان عن وقت الحاجة ليس هنا ما يقضي بإرادة المتكلّم ظاهر كلامه فيوجب ذلك إجمال جميع الخطابات، بل الألفاظ، إذ غاية ما يدفع بالأصول العقلائية هو احتمال السّهو و الخطاء و الاشتباه و نحوها، و أما احتمال التّعمّد في ترك نصب القرينة و الصّارف فليس هناك ما يدفعه و ليس مرجوحا أيضا بعد كثرة وقوعه، و هذا ما ذكرنا من أداء ذلك إلى إجمال الألفاظ بأسره.
قلت: إيجاب ما ذكرنا لسدّ باب التّمسك بالظّواهر توهّم فاسد، إذ التّعمّد في ترك نصب القرينة لرعاية المصلحة في اختفاء المراد على خلاف ما يقتضيه الأصول و وضع التّخاطب و المحاورات، فلا يعتنى باحتماله عند أهل اللّسان فهو نظير التّورية فيما كان هناك ما يقتضي إخفاء المراد، مع أن تجويزها لا يوجب التّوقّف و الإجمال و سدّ باب التّمسّك بالظّواهر عند احتمالها، و هذا هو المراد بما أفاده شيخنا العلاّمة في الجواب عن السّؤال المذكور بقوله: (قلت: المستند في إثبات أصالة الحقيقة (إلخ، ثمّ إنّ ما ذكرنا لا يختصّ بالمخصّصات و المقيّدات المتأخّرة الواردة بعد العمل بالعمومات و المطلّقات، بل يجري في جميع الصّوارف المتأخّرة عن أزمنة العمل بالظّواهر، فإنه و إن احتمل كونها كاشفة عن القرينة المختفية عن أهل زمان الاطّلاع على الصّوارف، إلا أن المتعيّن على ما عرفت جعلها قرينة بأنفسها مختفية عن أهالي أزمنة ورود الظّواهر في حقّهم، أو مخاطبتهم بها و كون تكليفهم ظاهرا العمل بتلك الظّواهر، ثمّ إنّا و إن أشرنا إلى جملة من المرجّحات الصّنفيّة و النّوعيّة بحسب الدّلالة في مطاوي كلماتنا، إلا أنه لا بأس في شرح القول في بعضها اقتفاء لأثر شيخنا الأستاذ العلاّمة.
فمنها: ما إذا ورد هناك عام و مطلق تعارضا في بعض مصاديقهما، كقوله يجب إكرام العلماء و يستحبّ إكرام الشّاعر بناء على القول بظهور الجمع المحلّى في العموم و المفرد المحلّى في الإطلاق، و قوله أكرم عالما و لا تكرم شاعرا، فإنّهما
........
الشرح
كما ترى يتعارضان في مادّة الاجتماع منهما و هو العالم الشّاعر بالعموم و الإطلاق و لا إشكال في ترجيح العموم على الإطلاق نوعا و جعله صارفا عن الإطلاق و قرينة للتّقييد، و هذا معنى قولهم إنّ التّقييد أولى من التّخصيص فيحكم في المثال الأوّل بوجوب إكرام العالم الشّاعر، و في الثّاني بحرمته.
أمّا على ما اختاره سلطان العلماء في حقيقة المطلق من كونه موضوعا للماهيّة المهملة و كون التّقييد حقيقة إذا لم يكن باستعمال المطلق فيه فواضح، لأن ظهوره على هذا القول في الإطلاق بعد اجتماع الشّرائط ليس مستندا إلى الوضع، بل إلى الحكمة و عدم بيان القيد فيما كان المقام مقام البيان فأصالة الإطلاق أصل تعليقي بالنّسبة إلى ما يدلّ على التّقييد و لا تكون في مرتبته، و هذا بخلاف العموم، فإنه مستند إلى الوضع فيكون الدّال عليه نفس اللّفظ فيكون دليلا على التّقييد و بيانا له بحكم العرف و الشّرع من حيث كونه دليلا تنجيزيّا بالنّسبة إلى أصل الإطلاق و إن كان تعليقيّا بالنّسبة إلى الخاصّ أيضا، فلو جعل نفس الإطلاق مانعا عن العمل بالعموم و الحال هذه لزم الدّور جزما، حيث إنّ ظهور اللّفظ في الإطلاق المعلّق على عدم العموم موقوف على عدم العموم المستندة إلى الإطلاق بالفرض فيلزمه ما ذكر من الدّور نظير جعل قاعدة لزوم دفع الضّرر المحتمل مانعا عن العمل بقاعدة قبح العقاب بلا بيان في موارد البراءة العقليّة على ما نبّهناك عليه في الجزء الثّاني من التّعليقة.
فإن قلت:، كما أنّ الحكم بمقتضى الإطلاق موقوف على نفي ما يصلح للتّقييد، كذلك الحكم بالعموم موقوف على نفي التّخصيص و لو بالأصل ضرورة أنّ الوضع ليس علّة تامّة للظّهور و إنّما هو مقتض له فيتوقّف ظهور اللّفظ على نفي القرينة الصّارفة فكما أنّ الإطلاق يتوقّف على نفي التّقييد و لو بالأصل، كذلك العموم يتوقّف على نفي المخصّص و لو بالأصل فظهور اللّفظ في المراد في كلّ
........
الشرح
منهما يتوقف على الإطلاق، غاية ما هناك كون عدم القيد جزءا للمقتضي على مذهب السّلطان و عدم التّخصيص معتبرا في ظهور العام من حيث عدم المانع، و هذا المقدار لا يؤثّر في التّوقف قطعا، فإذا أريد التّمسّك بالعموم فيما كان هناك مطلق لا يجامع إطلاقه مع إرادة العموم، فلا بدّ من رفع إطلاقه، فإذا استند إلى نفس العموم فيتوجّه عليه لا محالة لزوم الدّور من حيث توقّف رفع الإطلاق على العموم المتوقّف على رفعه، و هذا معنى ما يقال من تعاكس الدّور في المقام، فلا بدّ من الحكم بكونهما في مرتبة واحدة، فلا ترجيح للعموم على الإطلاق و لا للإطلاق ترجيح عليه.
قلت: ما ذكر من لزوم الدّور في جانب العكس توهّم فاسد، فإن التمسّك بالعموم في الفرض لا يتوقّف على رفع الإطلاق، حيث إنّه لا مقتضى لوجوده حتّى يتشبّث في رفعه إلى العموم لما عرفت من كون التّمسّك به دوريّا كما هو الشّأن في التّمسّك بكلّ تعليقي في مقابل التّنجيزي فالإطلاق و إن كان من الظّواهر المعتبرة، إلا أنه بمنزلة الأصل بالنّسبة إلى العموم و هو بمنزلة الدّليل بالنّسبة إليه هذا كلّه على ما اختاره سلطان العلماء في حقيقة المطلق، و أما على ما ذهب إليه المعظم في حقيقة من كون الانتشار و العموم البدلي جزءا من مدلوله و مدلولا عليه بالدّلالة اللّفظيّة الوضعيّة، و من هنا التزموا بكون التّقييد مجازا كالتّخصيص و إن لم يستعمل لفظ المطلق في المقيّد، بل أريد من الخارج فلأنّ دلالة لفظ العام على العموم أقوى من دلالة لفظ المطلق على المعنى الإطلاقي و إن كان كلّ من الدّلالتين مستندا إلى الوضع، و من هنا ذكرنا أنّ ألفاظ العموم مختلفة في الدّلالة عليه قوّة و ضعفا مع استناد الدّلالة في الجميع إلى الوضع، و كذا دلالة اللّفظ بالمنطوق أقوى من دلالته بالمفهوم مع كونهما بالدّلالة الوضعيّة، و كذا الحال في اختلاف مراتب المفاهيم من حيث القوّة و الضّعف مع استناد الدّلالة في الجميع
........
الشرح
إلى الوضع و هكذا.
نعم لو كان العموم مستندا إلى الحكمة كالمفرد المحلّى على ما ذهب إليه الشّيخ رحمه اللّه كان الإطلاق على مذهب المشهور أقوى من العموم المذكور، كما أنّهما على مذهب السّلطان في مرتبة واحدة، هذا و قد يستدلّ لتقديم العموم على مذهب المشهور في المطلق بكون التّقييد أغلب من التّخصيص و إن بلغ ما بلغ حتّى قيل ما فيه ما من عام إلاّ و قد خصّ، و يضعّف بمنع كون التّقييد بالمقيّدات المنفصلة كما هو محلّ الكلام أغلب و أكثر من التّخصيص، و من هنا تأمّل فيه في الكتاب و جعل الوجه فيه في حاشيته ما عرفته من منع الأغلبيّة.
و منها: تعارض العموم مع غير الإطلاق من الظّواهر المعتبرة و المعروف بينهم تقديمها هي العموم من جهة قوّتها و ضعفه من جهة كثرة التّخصيص نوعا فيوجب ضعف دلالة العام جدّا ضرورة تطرّق الوهن إلى الدّلالة الوضعيّة إذا أريد خلافها كثيرا، هذا و قد يتأمّل في بعضها كظهور صيغته افعل في الوجوب، فإن استعمالها في الاستحباب أيضا شائع كما ذكره في المعالم، بل ذكر كون استعمالها في الاستحباب من المجازات المشهورة و لم يقل بذلك بالنّسبة إلى استعمال العام في الخاصّ و إن أمر بالتّأمّل فيه في الكتاب نظرا إلى ما أفاده في مجلس المذاكرة من أنّ شيوع استعمال الأمر في النّدب نوعا لا يجدي بالنّسبة إلى الأمر الّذي وقع في حيّز العام على ما هو محلّ الكلام فتدبّر.
ثمّ إنّ تحصيل القوّة و التّرجيح بحسب الدّلالة فيما كان التّعارض بين بحسب المرجّحات الشّخصيّة الموكولة بنظر الفقيه، أو النّوعيّة، أو الصّنفيّة ممّا يسهل للفقيه و لا يحتاج إلى إتعاب النّظر و إن كان بعض صغرياته نظريّة، بل محلاّ للاختلاف، و أما إذا كان التّعارض بين أزيد من الدّليلين فقد يصعب تحصيلها للفقيه، إذ قد يختلف النّسبة بين دليلين منهما بملاحظة العلاج مع الثّالث، فلا بدّ
........
الشرح
من التّعرض له و بسط القول في قسم منه و هو التّعارض الثّلاثي منه لكي يعرف منه حكم سائر الأقسام و الصّور و المراد من التّعارض الثّلاثي أعمّ من أن يكون بين كلّ واحد مع غيره، أو يكون بين اثنين مع واحد منها و إن لم يكن بينهما تعارض أصلا، كما إذا كان هناك عامّ و خاصّان لا تعارض بينهما، أو كان هناك عامّ و خاصان متعارضان، ثمّ إنّ الكلام في حكم التّعارض الثّلاثي من الجهة المبحوث عنها في المقام لا في حكمه بقول مطلق، فإنه واضح لا خفاء فيه، فإن الحكم مع عدم التّرجيح أصلا هو التّخيير بين الأخذ بكلّ واحد من الثّلاثة و طرح الآخرين رأسا، أو في مادّة التّعارض إن كانت لهما مادّة سليمة كما في نسبة العموم من وجه، و مع ترجيح بعضها على الباقي مع مساواته تقديمه عليه و طرحهما، و مع ترجيح الاثنين على الواحد مع مساواتهما، كما إذا كان موافقا للعامّة و كانا مخالفين لهم مع مساواتهما من سائر الجهات هو طرحه و التّخيير بينهما و إن كان الحكم نظريّا في بعض صوره على ما سنوقفك عليه.
فنقول: إنّ النّسبة بين المتعارضات إمّا أن يكون نسبة واحدة، أو مختلفة، فإن كانت واحدة، فلا يخلو أما أن يكون بالتّباين، أو بالعموم و الخصوص، أو بالعموم من وجه، فإن كانت بالتّباين، فإن لم يكن بين الألفاظ الدّالة على المحمول تفاوت من حيث القوّة و الضّعف بحيث يمكن الجمع، فلا إشكال في لزوم الرّجوع إلى سائر المرجّحات، أو التّخيير بين الأخذ بكلّ واحد إن لم يكن على ما عرفت الإشارة إليه، كما إذا ورد يجب إكرام العلماء و يستحبّ إكرامهم و يحرم إكرامهم، و إن كان بينها تفاوت لزم الأخذ بالأقوى دلالة و جعله صارفا لغيره، كما إذا ورد أكرم العلماء و يستحبّ إكرامهم و يجوز إكرامهم، فإن مادّة الاستحباب أقوى من ظهور الصّيغة في الوجوب و ظهور الجواز في الإباحة الخاصّة على تقدير تسليم ظهوره فيها فيجعل صارفا عن الظّهورين و يحكم باستصحاب إكرامهم و إن
........
الشرح
كانت بالعموم و الخصوص و لم يكن بين الخاصّين تعارض أصلا، فإن لم يلزم من العمل بالخاصّين محذور و لا من ملاحظة تقديم علاج أحدهما انقلاب النّسبة فيخصّص العام بهما، كما إذا ورد أكرم العلماء و ورد لا تكرم زيدا و لا تكرم عمرا و فيما كانا عالمين و إن لزم محذور من العمل بالخاصّين و هو طرح العام رأسا و بقاؤه بلا مورد من العمل بهما، فلا يجوز العلاج بالتّخصيص، لأن التّخصيص بهما معا موجب للطّرح السّندي و بأحدهما موجب للتّرجيح بلا مرجّح، كما إذا ورد أكرم العلماء و ورد أيضا لا تكرم فسّاق العلماء و لا تكرم عدول العلماء، فلا بدّ من العلاج بالتّرجيح بسائر المرجّحات إن وجدت، أو التّخيير إن لم يوجد، فإن كان العام راجحا عليهما، فلا بدّ من العمل به و طرحهما و إن كانا راجحين عليه، فلا إشكال أيضا فإنه يجب الأخذ بهما و طرحه و إن كان راجحا على أحدهما و مرجوحا بالنّسبة إلى الآخر، أو كانا متكافئين فربما يشكل الأمر في الصّورتين، لكن الّذي يظهر في النّظر عاجلا طرح المرجوح من الخاصّين و المعاملة مع الخاصّ الرّاجح، أو المتكافئ معاملة العام و الخاص بارتكاب التّخصيص في العام و العمل بالخاصّ في الصّورتين و إن كانت متكافئة فيحكم بالتّخيير بين الأخذ بالعامّ و طرح الخاصّتين و بين العكس و إن لم يلزم محذور من تخصيص العام بهما، و لكن لو خصّص العام بأحدهما أوّلا ثمّ لوحظت النّسبة بين العام بعد التّخصيص به مع الآخر انقلبت النّسبة بينهما بالعموم من وجه، كما إذا كان أحد الخاصّين أخصّ من الآخر مثل ما إذا ورد أمر بإكرام العلماء ثمّ ورد نهي مثلا عن إكرام فسّاق النّحويّين و ورد نهي آخر عن إكرام مطلق فسّاق العلماء، فإنه إذا خصّص العام بالخاصّ الأوّل أوّلا ثمّ لوحظت النّسبة بينه بعد ملاحظة تخصيصه به مع الخاصّ الآخر، فلا محالة ينقلب النّسبة إلى العموم من وجه ضرورة صيرورة المخرج بالخاص الأوّل مادّة الافتراق للخاصّ الآخر الأعمّ كما هو ظاهر، فإن كان
........
الشرح
الخاصّ الأخصّ من المخصّصات المتّصلة كالوصف و الغاية و الشّرط و نحوها، فلا إشكال في لزوم رعاية ما ذكر من تقديم العلاج من حيث كون الخاصّ المتّصل جزء للكلام، و من متعلّقاته فيكون للمجموع من العام و الخاصّ ظهور ثانويّ في كون الباقي بعد التّخصيص مرادا، سواء قلنا بكون العام المخصّص بالمخصّص المتّصل حقيقة كما هو الأقوى على ما حقّقناه في مسألة التّخصيص، أو مجازا و يعارضه الخاص الأعمّ، فلا محالة يكون النّسبة هي العموم من وجه و إن كان من المخصّصات المنفصلة و لو كان قطعيا كالإجماع و العقل، فلا إشكال عندنا في عدم. جواز رعاية ما ذكر و لزوم تخصيص العامّ بالخاصّ الأعمّ كتخصيصه بالخاصّ الأخصّ، فإن الخاصّ المنفصل إنما هو قرينة محضة لصرف العامّ عن العموم و ليس معيّنة لإرادة تمام الباقي كالخاصّ المتّصل، فالمراد من العام بعد التّخصيص مردّد بين بعض الباقي و تمامه و إنّما يحكم بإرادة التّمام بضميمة أصالة عدم تخصيص غير المخرج بعد ملاحظة جميع ما ورد على العام من المخصّصات، فإذا وجد هناك خاصّ آخر و لو كان أعمّ من الخاصّ الّذي خصّص به العام، فلا معنى للرّجوع إلى الأصل المذكور، فإنه تعليقي بالنّسبة إلى دليل التّخصيص و إن كان مبناه على الظّهور النّوعي العرفي كما هو شأن مطلق أصالة الحقيقة و العموم بالنّسبة إلى القرينة و الخاصّ.
فإن شئت قلت: إن العامّ إمّا أن يلاحظ بحسب وضعه مع الخاصّ الأعمّ، و أما أن يلاحظ بحسب ظاهره و ما أريد منه بعد التّخصيص بالخاصّ الأخصّ فعلى الأوّل لا إشكال في عدم مكافأته مع الخاصّ، و على الثّاني لا ظهور له بعد التّخصيص إلاّ بضميمة أصالة عدم تخصيص آخر، و من المعلوم أنّها لا يقاوم دليل التّخصيص، ثمّ إنّ ما ذكرنا مع كمال وضوحه قد أشبعنا الكلام فيه في بحث العام و الخاصّ، بل أثبتنا فيه كون التّخصيص بالمتّصل حقيقة، ثمّ إنّ ما ذكرنا فيما
........
الشرح
يتحقّق كون التّخصيص به من التّخصيص بالمتّصل ممّا لا إشكال فيه و قد يستشكل في بعض الموارد من جهة الإشكال في تميز المخصّص من حيث الاتّصال و الانفصال، فتحقيقه موكول بنظر الفقيه كما في التّخصيص بالاستثناء، سيّما بالأفعال و إن كان الظّاهر كون التّخصيص به من المتّصل مطلقا، سواء كان بالحروف، أو الأسماء، أو الأفعال، فإن الاتّصال و الانفصال إنّما يلاحظان بحسب المعنى لا بحسب اللّفظ كما في أكرم العلماء و لا تكرم زيدا إذا ذكر عقيبه بلا فصل، فإنه من المنفصل، و هذا بخلاف الاستثناء، فإنه إذا لوحظ بعنوان الاستثناء يكون مربوطا بالمستثنى منه لا محالة، فلا يستقلّ بالتّصوّر، و من هنا ذكر شيخنا الأستاذ العلاّمة قدس سره في الكتاب أنّه يصحّ أن يقال النّسبة بين قوله ليس في العارية ضمان إلاّ الدّينار و الدّرهم و ما دلّ على ضمان الذّهب و الفضّة عموم من وجه كما قوّاه غير واحد من متأخّري المتأخّرين فيرجّح الأوّل، لأن دلالته بالعموم و دلالة الثّاني بالإطلاق، أو يرجع إلى عمومات نفي الضّمان توضيح ما أفاده قدس سره هو إن التّعارض بين ما دلّ على نفي الضّمان في العارية بعد ملاحظة إخراج الدّرهم و الدّينار عنه و ما أثبته في مطلق الجنسين، أي الذّهب و الفضّة مع نفيه عن غيره إنّما يلاحظ بين العقد السّلبي من الأوّل و الإيجابي من الثّاني.
و من المعلوم كون نسبة عارية غير الدّرهم و الدّينار مع عارية الذّهب و الفضّة هي العموم من وجه من حيث افتراق الأوّل في غير الجنسين، و الثّاني في الدّرهم و الدّينار و تعارضهما في غير المسكوك من الجنسين، فربما قيل بكون الأوّل أقوى دلالة من حيث إنّ دلالته بالعموم المستفاد من النّفي، فلا يقاومه ظهور الثّاني و إن كان بالعموم أيضا من جهة الحكمة، أو القول بظهور المفرد المحلّى في العموم وضعا فضلا عمّا إذا كان بالإطلاق، هذا مضافا إلى اعتضاده بما دلّ على نفي الضّمان في العارية مطلقا، بل في مطلق اليد المأذونة فتأمّل. و يكون الثّاني أقوى
........
الشرح
دلالة من حيث قلّة أفراده فيكون بمنزلة الخاص المطلق، هذا مضافا إلى أنّ التّخصيص بالنّقدين يوجب التّخصيص، أو التّقييد بالفرد النّادر، هذا مضافا إلى وهن الأوّل بإخراج الدّرهم عن أحد الحديثين و الدّينار عن الآخر، حيث إنّ استثناءهما وقع في حديثين، فإنه يوجب الوهن في العموم المستفاد من الحصر جدّا و إن لم يوجبه بالنّسبة إلى تخصيص سائر العمومات، هذا مضافا إلى اقتضاء اليد الضّمان مطلقا و إن كان منفيّا بالنّظر إلى الأصل الأوّلي هذا بعض ما وقع في كلماتهم.
و إن شئت شرح القول في ذلك فاستمع لما يتلى عليك، فنقول: لا إشكال في أنّ مقتضى أصالة البراءة عدم الضّمان مطلقا، كما أنّه لا إشكال في أنّ مقتضى قوله على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي بناء على شموله لليد المأذونة الضّمان مطلقا غاية ما هناك منافاة الضّمان للوديعة، و مقتضى جملة من الصّحاح كصحيحة الحلبي عن الصّادق عليه السلام ليس على مستعير عارية ضمان و صاحب العارية و الوديعة مؤتمن و صحيحة محمّد بن مسلم هي الّتي قريبة من صحيحة الحلبي عدم الضّمان في العارية مطلقا، و من المعلوم ارتفاع الأصل بالدّليل كلزوم رفع اليد عن قاعدة اليد بالصّحيحتين، و هذا معنى قولهم إنّ الأصل في الأمانات عدم الضّمان فمرادهم به القاعدة المستفادة من الأخبار، لكن ورد في باب العارية ما هو أخصّ من القاعدة فيقتضي تخصيصها و الحكم بالضّمان، فلا بدّ من الخروج عنها كما خرجنا عنها مع شرط الضّمان بما دلّ عليه و النّصوص الواردة في هذا الباب على أربعة أضرب و وجوه أحدها ما نفى الضّمان عن العارية من دون استثناء.
ثانيها: ما نفي الضّمان عن العارية مع استثناء الذّهب و الفضّة.
ثالثها: ما نفى الضّمان عنها مع استثناء الدّرهم.
رابعها: ما نفى الضّمان عنها مع استثناء الدّينار، و هذه كما ترى غير القسم الأوّل
........
الشرح
مشتملة على عقد سلبيّ و إيجابي، و من المعلوم ضرورة عدم التّعارض بين العقود السّلبيّة فيها كعدم التّعارض بين العقود الإيجابيّة فيها، و إنّما التّعارض بين العقد السّلبي من الأوّل و الإيجابي من الأخيرين، كالتّعارض بين العقد السّلبي من كلّ من الأخيرين مع الإيجابي من صاحبه.
و الضّرب الأوّل جملة من الرّوايات: منها: ما عن ابن أبي عمير عن حمّاد عن الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال: «صاحب الوديعة و البضاعة مؤتمنان، و قال: ليس على مستعير عارية ضمان و صاحب العارية و الوديعة مؤتمن».
و الثّاني: أيضا جملة من الرّوايات: منها: ما عن ابن أبي عمير عن جميل عن زرارة قال: «قلت: لأبي عبد اللّه عليه السّلام العارية مضمونة فقال: جميع ما استعرته فتوى، فلا يلزمك تواه إلاّ الذّهب و الفضّة فإنّهما يلزمان، إلا أن تشرط عليه أنّه متى توى لم يلزمك تواه، و كذلك جميع ما استعرت فاشترط عليك لرحمك و الذّهب و الفضّة لازم لك و إن لم يشترط عليك».
و الثّالث: ما رواه محمّد بن أبي عمير أيضا عن جميل بن صالح عن عبد الملك عمرو عن أبي عبد اللّه عليه السلام، قال: «ليس على صاحب العارية ضمان، إلا أن يشترط صاحبها إلاّ الدّراهم فإنّها مضمونة اشترط صاحبها، أو لم يشترط».
و الرّابع: ما عن محمّد بن يعقوب بسنده عن عبد اللّه بن سنان قال: قال أبو عبد اللّه عليه السلام: «لا يضمن العارية، إلا أن يكون قد اشترط فيها ضمان إلاّ الدّنانير فإنّها مضمونة و إن لم يشترط فيها ضمانا»، و النّسبة بين هذه الأخبار المتصلة كما ترى بعد جعل الاستثناء من المخصّص المتّصل و إن كانت عموما من وجه، إلا أن ما ذكرنا من الموهنات لارتكاب التّخصيص في الذّهب و الفضّة يوجب التّصرف في العقد السّلبي، و جعل الحصر إضافيّا بالنّسبة إلى غير الذّهب و الفضّة، كما يجعل إضافيّا بالنّسبة إلى حديثي الدّرهم و الدّينار، و ثاني الشّهيدين قدس أسرارهما
........
الشرح
في المسالك و إن أجاد في شرح المقام كما يظهر من كلامه المحكيّ في الكتاب، إلا أنه ما أجاده في جعل النّسبة العموم و الخصوص و معاملة الخاصّ المنفصل مع الاستثناء مضافا إلى بعض مناقشات أخر يتطرّق إليه كما يظهر للمتأمّل فيه.
هذا كلّه فيما لو كان التّعارض بين المتعارضات بنسبة واحدة بالعموم و الخصوص و إن كانت النّسبة بينها بالعموم من وجه، كما إذا ورد مثلا أكرم العلماء و لا تكرم الفسّاق و يستحبّ إكرام الشّعراء، فيتعارض الكلّ في العالم الفاسق الشّاعر كما يتعارض الأوّلان في العالم الفاسق الغير الشّارع و الأوّل مع الأخير في العالم العادل الشّاعر و الثّاني معه في الفاسق الشّاعر الغير العالم، فإن لم يكن هناك مرجّح أصلا بوجه من الوجوه فيحكم بالتّخيير في مادّة التّعارض مطلقا من غير فرق بين التّعارض الثّلاثي، أو الثّنائي على ما اخترناه وفاقا للمشهور، أو إجمال المتعارضات، أو المتعارضين فيها في وجه قد عرفت ضعفه في مطاوي كلماتنا و الرّجوع إلى القواعد إن كانت و الأصول العمليّة إن لم يكن، فإن كان هناك مرجّح من غير جهة الدّلالة فيؤخذ بالرّاجح فقط في مادّة التّعارض من غير فرق بين التّعارض الثّلاثي، أو الثّنائي و إن كان هناك مرجّح من حيث الدّلالة بقول مطلق، كما إذا كان العلماء في المثال المتقدّم أقلّ أفرادا من الفسّاق و الشّعراء فيجب تخصيص دليلهما بدليله، لأنه بمنزلة الخاص المطلق بالنّسبة إليهما فيحكم بوجوب إكرام العالم الفاسق الشّاعر كما يحكم بوجوب إكرام العالم الفاسق و العالم الشّاعر و إن كان هناك مرجّح بحسب الدّلالة لبعض العمومات على غيره في الجملة لا مطلقا، كما إذا كان العلماء في المثال أقلّ أفرادا من الفسّاق فيجب تخصيص ما دلّ على حكم الفسّاق بدليله فيحكم بعدم حرمة إكرام مادّة اجتماع الكلّ، و إن تردّد بين الوجوب و الاستحباب كما يحكم بوجوب إكرام العالم الفاسق الغير الشّاعر.
........
الشرح
نعم لو فرض كون الفسّاق أقلّ فردا من الشّعراء بعد إخراج العلماء منه و الشّعراء أقلّ فردا من العلماء بعد إخراج الشّاعر الفاسق منه حكم بأنّ مادّة اجتماع الكلّ، أعني العالم الفاسق الشّاعر مستحبّ الإكرام نظرا إلى لزوم إعمال قوانين العلاج و إن لزم منه انقلاب النّسبة، و هذا هو المراد ممّا أفاده شيخنا العلاّمة قدس سره في الكتاب بقوله: و قد ينقلب النّسبة فيحدث التّرجيح في المتعارضات بنسبة واحدة إلخ، لا ما ذكرناه أوّلا من ترجيح البعض على الباقي بقول مطلق، كما لا يخفى، هذا كلّه فيما إذا كانت النّسبة بين المتعارضات متّحدة، و أما إذا كانت مختلفة، فلا بدّ من تقديم ما هو حقّه التّقديم لمكان النّصوصيّة، أو الأظهريّة، أو مرجّح آخر و إن ترتّب عليه انقلاب النّسبة بين الباقي و حدوث التّرجيح على ما عرفته في المتعارضات بنسبة واحدة عن قريب، كما إذا ورد أكرم العلماء و لا تكرم فسّاق العلماء و يستحبّ إكرام العدول، فإنه يجب تخصيص الأوّل بالثّاني حملا للعام على الخاصّ و الثّالث بالأوّل من حيث صيرورته أخصّ بالنّسبة إليه بعد إخراج الفسّاق منه كما هو ظاهر، أو ورد يجب إكرام الشّعراء و يحرم إكرامهم و يستحبّ إكرام العدول إذا فرض العدول أقلّ فردا من الشّعراء، فإنه يجب تخصيص الأوّلين بالأخير فيتعارضان في الشّاعر الفاسق و إن انعكس الحال من حيث القلّة و الكثرة انعكس الحكم أيضا فيجب تخصيص العدول بغير الشّعراء، و إن تردّد حكم العادل الشّاعر بين الوجوب و الحرمة كالشّاعر الفاسق من حيث كون كلّ منهما بمنزلة الخاصّ بالنّسبة إليه و إن كانت النّسبة بينه و بينهما العموم من وجه و لا ينافي ما ذكر تعارض الأوّلين بالنّظر إلى أنفسهما فإنّهما متوافقان على نفي الأخير فتأمّل.
هذا كلّه فيما إذا كان هناك مرجّح بحسب الدّلالة، و أمّا إذا تكافأت بحسبها فيقدّم الرّاجح من سائر الجهات على غيره إن كان هناك راجح فيحكم بمقتضاه
........
الشرح
ففي المثال الأخير يحكم باستحباب مادّة التّعارض بين الكلّ إن كان الأخير راجحا عليهما سندا مثلا عملا عليه، و في الشّاعر الفاسق يحكم بالتّخيير على تقدير تكافئهما، أو تقديم أحد الحديثين على تقدير رجحانه و بمقتضى أحد الأوّلين في مورد تعارضهما و مورد تعارض الثّلاثة إن كان راجحا فيحكم بالوجوب، أو التّحريم فيهما، و إلا فيحكم بالتّخيير في مادّة تعارض الكلّ و الأوّلين فقط كما هو ظاهر، و ممّا ذكرنا كلّه في حكم تعارض الزّائد على الدّليلين يعلم علاج ما ورد من الأخبار في حكم الخلل الواقع سهوا في أجزاء الصّلاة زيادة و نقيصة كقوله عليه السلام تسجد سجدتي السّهو لكلّ زيادة و نقيصة تدخل عليك، و قوله عليه السلام إذا استيقن أنّه زاد في صلاته فليستقبل و قوله عليه السلام لا تعاد إلاّ من خمسة، فإنه بعد تخصيص الأوّل بالأخير من حيث كونه أخصّ منه بناء على عدم ظهوره بالنّسبة إلى الزّيادة السّهوية يجب تخصيص الثّاني به أيضا بناء على ثبوت الملازمة بين النّقص السّهوي و الزّيادة السّهويّة حكما في أجزاء الصّلاة، هذا و قد أسمعناك شرح القول في ذلك في الجزء الثّاني من التّعليقة عند الكلام في فروع دوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر فراجع إليه، و مثل ذلك كثير في الأخبار المتعارضة في المسائل الفقهيّة، فلا بدّ للفقيه من سلوك ما ذكرنا على سبيل الضّابطة في علاجها، ثمّ إنّ ما ذكرنا في مرتبة المرجّح من حيث الدّلالة بالنّسبة إلى سائر المرجّحات و تقديمه عليها بالنّسبة إلى غير المرجّح المضموني ممّا لا إشكال فيه، و أما بالنّسبة إليه فالأمر كذلك عند التّحقيق، و إن قلنا بتقديمه على المرجّح الصّدوري و جهته على ما ستقف عليه حتّى على ما بنى عليه الأمر شيخنا العلاّمة قدس سره و يقتضيه التّحقيق من رجوع المرجّح المضموني إلى تقوية إحدى جهات الموافق له، أعني الصّدور و جهته و دلالته على سبيل الإجمال، فإن القوّة الاحتماليّة من حيث الدّلالة لا تزاحم القوّة المحقّقة.
........
الشرح
نعم لو أثّر المرجّح الخارجي و هنا في المرجوح الأظهر دلالة بحيث أوجب سقوطه عن الحجّيّة لو لا المعارض كالخاصّ الّذي أعرض المشهور عنه مثلا بناء على عدم شمول دليل حجّيّة الخبر لمثله، كما هو المشهور خرج عن عنوان التّعارض حقيقة، فلا تعلّق له بالمقام، أعني التّرجيح أصلا، لأنه يدخل في الموهن و لو لم يكن هناك معارض، هذا بعض الكلام في بيان حكم المرجّح من حيث الدّلالة و مرتبته بالنّسبة إلى المرجّحات الثّلاثة.
و أمّا الكلام في الموضع الثّاني: أعني بيان نسبة سائر المرجّحات من حيث التّقدّم و التّأخّر فيما وجد بعضها في أحد الخبرين و الآخر في الآخر فيقع في مقامات و الكلام ليس في تعارض بعضها مع بعض إذا اتّحدا نوعا، كما إذا وجد في أحد المتعارضين بعض المرجّحات الصّدوريّة و في الآخر بعض الآخر منها، بل في بيان مرتبة بعض الثّلاثة مع غيره المغاير له، فإن التّرجيح في الأوّل موكول إلى نظر الفقيه بعد حمل الأخبار العلاجيّة على ما عرفت و ليس كالتّرجيح بحسب الدّلالة من حيث وجود نوع، أو صنف مضبوط له حتّى يقع الكلام فيه الأوّل في بيان مرتبة المرجّح الصّدوري بالنّسبة إلى المرجّح من حيث جهة الصّدور الثّاني في بيان مرتبته بالنّسبة إلى المرجّح المضموني، سواء كان داخليّا، أو خارجيا الثّالث في بيان مرتبة المرجّح من جهة الصّدور بالنّسبة إلى المرجّح المضموني.
أمّا الكلام في المقام الأوّل فحاصله: أنّ قضيّة صريح الكتاب بعد ذلك استظهار تقديمه على المرجّح من حيث الجهة نظرا إلى تأخّر عنوان صدور الخبر عن صدوره مرتبة، فإذا حكم بعدم صدور المرجوح صدورا و بنى عليه بمقتضى دليل التّرجيح من حيث الصّدور فليس هناك خبر صادر عن الحجّة حتّى يحكم بأنّ صدوره لبيان الحكم الواقعي من جهة الأمارة القائمة عليه في قبال الآخر المرجوح من حيث جهة الصّدور، و مرجع هذا كما ترى إلى تحكيم التّرجيح
........
الشرح
الصّدوري على التّرجيح الجهتي، و إليه يرجع ما أفاده في الكتاب بعد ذلك في تقريبه بقوله، لأن هذا التّرجيح ملحوظ في الخبرين بعد فرض صدورهما قطعا إلخ، هذا مضافا إلى دلالة المقبولة على ذلك فتأمّل لا يقال مقتضى دليل التّعبد بصدور الخبرين مهما أمكن هو الحكم بصدورهما و إن أوجب حمل أحدهما على التّقيّة و التّصرّف في جهة صدوره لمكان المرجّح كما يلتزم بذلك في تعارض الظّاهر و الأظهر، سيّما على القول بلزوم التّورية على الإمام عليه السلام في مقام التّقيّة و إرادة خلاف الظّاهر و إن لم نقل بلزومها على غيره و جواز الكذب له كما سيصرّح به في الكتاب، لأنّا نقول معنى التّعبّد بالصّدور هو العمل بالخبر و ترتيب الآثار عليه، و هذا المعنى لا يمكن تحقّقه مع حمل الخبر على التّقيّة حتّى على القول بلزوم التّورية على الإمام عليه السلام، فإن مجرّد الحكم بإرادة خلاف الظّاهر من الخبر مع عدم تبيّن المراد منه لا يجدي في التّصديق بمعنى ترتيب الأثر، و من هنا لا يحكم بشمول دليل التّصديق لما يتعيّن حمله على التّقيّة من الأخبار الظّنية الغير المتعارضة.
نعم فيما يعلم بصدوره يتعيّن حمله على التّقيّة إذا لم يمكن التّصرف في دلالته من جهة كونه نصّا من غير فرق بين الأخبار المتعارضة، أو السّليمة، لكنه لا تعلّق له بالمقام من حيث إنّ الحكم بالصّدور في الفرض من جهة العلم لا من جهة حكم الشّارع حتّى يحمل على ما ذكرنا و ليس معنى التّعبّد بالصّدور ترتيب آثار القطع بالصّدور، بل و ترتيب آثار الواقع، هذا مع أن الأثر المذكور من اللّوازم العقليّة للعلم بالصّدور، فلا يقبل التنزيل الشّارع كما هو ظاهر، و ممّا ذكرنا يظهر فساد قياس المقام بالظّاهر و الأظهر، حيث إنّه يبنى فيهما على الأخذ بصدورهما و جعل الأظهر قرينة للظّاهر، فإن مرجع التّصديق فيهما إلى العمل بكلّ منهما في الجملة، و هذا بخلاف الخبر الّذي يتعيّن حمله على التّقيّة على تقدير تصديقه، فإن الحمل
........
الشرح
على التّقيّة ينافي دليل التّصديق حقيقة، فكيف يجعل موجبا له و إلى ما ذكرنا يرجع ما أفاده في الفرق بينهما فيما سيجيء من كلامه بقوله: و الفرق بين هذا و التّرجيح في الدّلالة المتقدّم على التّرجيح بالسّند إلخ، و هذا الّذي أفاده قدس سره هو الحقّ الّذي لا محيص عنه و لازم بعض أفاضل العصر ممّا تقدّم من كلامه في المناقشة في تقديم المرجّح من حيث الدّلالة على المرجّح من حيث جهة الصّدور خلاف ما ذكرنا، لكنه بمعزل عن التّحقيق، و أمّا الكلام في المقام الثّاني و هو تقديم المرجّح من حيث الصّدور على المرجّح من حيث المضمون، أو تأخيره عنه فقد اختار في الكتاب تقديم المرجّح من حيث المضمون من حيث إنّ التّرجيح بحسب الصّدور إنّما هو من حيث كون الرّاجح صدورا أقرب إلى حكم اللّه الواقعي كما هو الشّأن بالنّسبة إلى العمل بالخبر الصّادر يقينا عن الحجّة، فإنه من حيث كونه طريقا إلى الواقع حقيقة و كاشفا عنه ضرورة كون وجوب إطاعة ولي اللّه في أحكامه من حيث كونها إطاعة اللّه تبارك و تعالى لا من حيث ذاتها، و من هنا لا يترتّب ثواب آخر على إطاعته و لا عقاب آخر على معصيته، فإذا كان الوجه في التّرجيح من حيث الصّدور كون الرّاجح أقرب إلى الواقع نوعا من المرجوح، فلا يزاحم القرب الشّخصي الحاصل للمرجوح بالنّسبة إلى الواقع من جهة الأمارة الكاشفة عنه و إليه يرجع ما أفاده في الكتاب في تقريب ذلك بقوله، لأن رجحان السّند إنّما اعتبر لتحصيل الأقرب إلى الواقع إلخ هذا كلّه فيما لم يوجب الأمارة الخارجيّة سقوط المرجوح عن الحجّيّة لو لا المعارض، و إلا خرج الأخذ بالرّاجح عن عنوان التّرجيح كما هو ظاهر، و هذا الّذي ذكر و إن لم يساعده المقبولة، بل ظاهرها في بادي النّظر خلافه كما هو ظاهر، حيث إنّه قدّم فيها التّرجيح الصّدوري على التّرجيح المضموني إلاّ أنّك عرفت غير مرّة عدم إرادة التّرتيب منها بعد استفادة الكلّيّة منها لعدم إمكان الجمع بينهما هذا، و أما الكلام في
الصدور و أبعد عن الكذب، سواء كان راجعا إلى سنده كصفات الراوي، أو إلى متنه كالأفصحية، و هذا لا يكون إلا في أخبار الآحاد، و أما أن يكون راجعا إلى وجه الصدور ككون أحدهما مخالفا للعامة، أو لعمل سلطان الجور، أو قاضي الجور بناء على احتمال كون مثل هذا الخبر صادرا لأجل التقية، و أما أن يكون راجعا إلى مضمونه كالمنقول باللفظ بالنسبة إلى المنقول بالمعنى، إذ يحتمل الاشتباه في التعبير فيكون مضمون المنقول باللفظ أقرب إلى الواقع، و كمخالفة العامة بناء على أن الوجه في الترجيح بها في أكثر الروايات من أن خلافهم أقرب إلى الحق و كالترجيح بشهرة الرواية و نحوها.
و هذه الأنواع الثلاثة كلها متأخرة عن الترجيح باعتبار قوة الدلالة، فإن الأقوى دلالة مقدم على ما كان أصح سندا و موافقا للكتاب و مشهور الرواية بين الأصحاب، لأن صفات الرواية لا تزيده على المتواتر و موافقة الكتاب لا تجعله أعلى من الكتاب، و قد تقرر في محله تخصيص الكتاب و المتواتر
الشرح
المقام الثّالث و هو تقدّم المرجّح من حيث جهة الصّدور على المرجّح المضموني، أو تأخّره عنه فحاصله أنّه لا إشكال في تأخّره عنه بناء على تأخّر المرجّح الصّدوري عنه مع تقدّمه على المرجّح الجهتي حسبما عرفت في المقام الأوّل، ثمّ إنّه لو وجد لمرجّح عنوانان كالتّرجيح من حيث الصّدور و المضمون كما في الأفقهيّة و شهرة الرّواية فيما كشفت عن شهرة العمل، أو المضمون و جهة الصّدور على تقدير إمكان اجتماعهما، كمخالفة القوم روعي في مقام التّعارض العنوان الأقوى الأعلى، و وجهه ظاهر لا يحتاج إلى البيان أصلا.
بأخبار الآحاد، فكل ما يرجع التعارض إلى تعارض الظاهر و الأظهر، فلا ينبغي الارتياب في عدم ملاحظة المرجحات الأخر.
و السرّ في ذلك ما أشرنا إليه سابقا: من أن مصب الترجيح بها هو ما إذا لم يمكن الجمع بوجه عرفي يجري في كلامين مقطوعي الصدور على غير جهة التقية، بل في جزئي كلام واحد.
و بتقرير آخر: إذا أمكن فرض صدور الكلامين على غير جهة التقية و صيرورتهما كالكلام الواحد على ما هو مقتضى دليل وجوب التعبد بصدور الخبرين فيدخل في قوله عليه السلام: «أنتم أفقه الناس إذا عرفتم معاني كلامنا»، إلى آخر الرواية المتقدمة، و قوله عليه السلام: «إن في كلامنا محكما و متشابها فردوا متشابهها إلى محكمها».
و لا يدخل ذلك في مورد السؤال عن علاج المتعارضين، بل موارد السؤال عن العلاج مختص بما إذا كان المتعارضان لو فرض صدورهما، بل اقترانهما تحير السائل فيهما و لم يظهر المراد منهما إلا ببيان آخر لأحدهما، أو لكليهما. نعم يقع الكلام في ترجيح بعض الظواهر على بعض و تعيين الأظهر، و هذا خارج عما نحن فيه.
و ما ذكرناه مما لا خلاف فيه كما استظهر بعض مشايخنا المعاصرين و يشهد له ما يظهر من مذاهبهم في الأصول و طريقتهم في الفروع.
نعم قد يظهر من عبارة الشيخ قدس سره في الإستبصار خلاف ذلك، بل يظهر منه أن الترجيح بالمرجحات يلاحظ بين النص و الظاهر فضلا من الظاهر و الأظهر، فإنه قدس سره بعد ذكر حكم الخبر الخالي عما يعارضه قال: «و إن كان هناك ما يعارضه فينبغي أن ينظر في المتعارضين فيعمل على أعدل الرواة في الطريق، و إن كانا سواء في العدالة عمل على أكثر الرواة
عددا، و إن كانا متساويين في العدالة و العدد و كانا عاريين عن القرائن التي ذكرناها ينظر، فإن كان متى عمل بأحد الخبرين أمكن العمل بالآخر على بعض الوجوه، و ضرب من التأويل كان العمل به أولى من العمل بالآخر الذي يحتاج مع العمل به إلى طرح الخبر الآخر، لأنه يكون العامل به عاملا بالخبرين معا و إن كان الخبران يمكن العمل بكل منهما كما في العموم من وجه و حمل الآخر على بعض الوجوه من التأويل و كان لأحد التأويلين خبر يعضده، أو يشهد به على بعض الوجوه صريحا لفظا، أو دليل الخطاب و كان الآخر عاريا عن ذلك كان العمل به أولى من العمل بما لا يشهد له شيء من الأخبار، و إذا لم يشهد لأحد التأويلين خبر آخر و كانا متحاذيين كان العامل مخيرا في العمل بأيهما شاء انتهى موضع الحاجة»(1)، و قال في العدة: «و أما الأخبار إذا تعارضت و تقابلت، فإنه يحتاج في العمل ببعضها إلى ترجيح و الترجيح يكون بأشياء منها أن يكون أحد الخبرين موافقا للكتاب، أو السنة المقطوع بها و الآخر مخالفا، فإنه يجب العمل بما وافقهما و ترك ما خالفهما، و كذلك إن وافق أحدهما إجماع الفرقة المحقة و الآخر يخالفه وجب العمل بما يوافقه و ترك ما يخالفهم، فإن لم يكن مع أحد الخبرين شيء من ذلك و كانت فتيا الطائفة مختلفة نظر في حال رواتهما، فإن كان رواته عدلا وجب العمل به و ترك غير العدل، و سنبين القول في العدالة المرعية في هذا الباب، فإن كان رواتهما جميعا عدلين نظر في أكثرهما رواه و عمل به و ترك العمل بقليل الرواة، فإن كان رواتهما متساويين في العدد و العدالة عمل بأبعدهما من قول العامة و ترك العمل بما يوافقهم، و إن كان الخبران موافقين للعامة، أو مخالفين لهم نظر في حالهما، فإن كان متى عمل بأحد الخبرين أمكن العمل
1) الاستبصار: ج 1، ص 4.
بالآخر على وجه من الوجوه و ضرب من التأويل، و إذا عمل بالخبر الآخر لا يمكن العمل بهذا الخبر وجب العمل بالخبر الذي يمكن مع العمل به العمل بالخبر الآخر، لأن الخبرين جميعا منقولان مجمع على نقلهما و ليس هنا قرينة تدل على صحة أحدهما و لا ما يرجح أحدهما على الآخر، فينبغي أن يعمل بهما إذا أمكن و لا يعمل بالخبر الذي إذا عمل به وجب إطراح العمل بالآخر، و إن لم يمكن العمل بهما جميعا لتضادهما و تنافيهما، أو أمكن حمل كل واحد منهما على ما يوافق الآخر على وجه كان الإنسان مخيرا في العمل بأيهما شاء» انتهى(1)، و هذا كله كما ترى يشمل حتى تعارض العام و الخاص مع الاتفاق فيه على الأخذ بالنص، و قد صرح في العدة في باب بناء العام على الخاص بأن الرجوع إلى الترجيح و التخيير إنما هو في تعارض العامين دون العام و الخاص، بل لم يجعلهما من المتعارضين أصلا.
و استدل على العمل بالخاص بما حاصله أن العمل بالخاص ليس طرحا للعام، بل حمل له على ما يمكن أن يريده الحكيم و إن العمل بالترجيح و التخيير فرع التعارض الذي لا يجري فيه الجمع و هو مناقض صريح لما ذكره هنا من أن الجمع من جهة عدم ما يرجح أحدهما على الآخر.
و قد يظهر ما في العدة من كلام بعض المحدثين حيث أنكر حمل الخبر الظاهر في الوجوب، أو التحريم على الاستحباب، أو الكراهة لمعارضته خبر الرخصة زاعما أنه طريق جمع لا إشارة إليه في أخبار الباب، بل ظاهرها تعين الرجوع إلى المرجحات المقررة.
ربما يلوح هذا أيضا من كلام المحقق القمي في باب بناء العام على الخاص، فإنه بعد ما حكم بوجوب البناء قال: «و قد يستشكل بأن الأخبار قد
1) عدة الأصول: ص 60.
وردت في تقديم ما هو مخالف للعامة، أو موافق للكتاب، أو نحو ذلك، و هذا يقتضي تقديم العام لو كان هو الموافق للكتاب، أو المخالف للعامة، أو نحو ذلك.
و فيه: أن البحث منعقد لملاحظة العام و الخاص من حيث العموم و الخصوص لا بالنظر إلى المرجحات الخارجية، إذ قد يصير التجوز في الخاص أولى من التخصيص في العام من جهة مرجح خارجي و هو خارج عن المتنازع» انتهى(1).
و التحقيق أن هذا كله خلاف ما يقتضيه الدليل، لأن الأصل في الخبرين الصدق و الحكم بصدورهما فيفرضان كالمتواترين، و لا مانع عن فرض صدورهما حتى يحصل التعارض، و لهذا لا يطرح الخبر الواحد الخاص بمعارضة العام المتواتر.
و إن شئت قلت: إن مرجع التعارض بين النص و الظاهر إلى التعارض بين أصالة الحقيقة في الظاهر و دليل حجية النص، و من المعلوم ارتفاع الأصل بالدليل، و كذا الكلام في الظاهر و الأظهر فإن دليل حجية الأظهر يجعل قرينة صارفة عن إرادة الظاهر، و لا يمكن طرحه لأجل أصالة الظهور و لا طرح ظهوره لظهور الظاهر، فتعين العمل به و تأويل الظاهر منهما، و قد تقدم في إبطال الجمع بين الدليلين ما يوضح ذلك.
نعم يبقى الإشكال في الظاهرين اللذين يمكن التصرف في كل واحد منهما بما يرفع منافاته لظاهر الآخر، فيدور الأمر بين الترجيح من حيث السند و طرح المرجوح و بين الحكم بصدورهما و إرادة خلاف الظاهر في أحدهما.
فعلى ما ذكرنا من أن دليل حجية المعارض لا يجوز طرحه لأجل أصالة
1) القوانين المحكمة: ج 1، ص 315.
الظهور في صاحبه، بل الأمر بالعكس، لأن الأصل لا يزاحم الدليل يجب الحكم في المقام بالإجمال لتكافؤ أصالتي الحقيقة في كل منهما مع العلم إجمالا بإرادة خلاف الظاهر من أحدهما، فيتساقط الظهوران من الطرفين فيصيران مجملين بالنسبة إلى مورد التعارض فهما، كظاهري مقطوعي الصدور، أو ككلام واحد تصادم فيه، و يشكل بصدق التعارض بينهما عرفا و دخولهما في الأخبار العلاجية، إذ تخصيصها بخصوص المتعارضين اللذين لا يمكن الجمع بينهما إلا بإخراج كليهما عن ظاهريهما خلاف الظاهر، مع أنه لا محصل للحكم بصدور الخبرين و التعبد بكليهما لأجل أن يكون كل منهما مسببا لإجمال الآخر، فيتوقف في العمل بهما فيرجع إلى الأصل، إذ لا يترتب حينئذ ثمرة على الأمر بالعمل بهما.
نعم كلاهما دليل واحد على نفي الثالث كما في المتباينين، و هذا هو المتعين، و لذا استقرت طريقة العلماء على ملاحظة المرجحات السندية في مثل ذلك، إلا أن اللازم من ذلك وجوب التخيير بينهما عند فقد المرجحات كما هو ظاهر آخر عبارتي العدة و الإستبصار المتقدمتين، كما أن اللازم على الأول التوقف من أول الأمر و الرجوع إلى الأصل إن لم يكن مخالفا لهما، و إلا فالتخيير من جهة العقل بناء على القول به في دوران الأمر بين احتمالين مخالفين للأصل كالوجوب و الحرمة.
و قد أشرنا سابقا إلى أنه قد يفصل في المسألة بين ما إذا كان لكل من المتعارضين مورد سليم عن التعارض، كما في العامين من وجه حيث إن الرجوع إلى المرجحات السندية فيها على الإطلاق يوجب طرح الخبر المرجوح في مادة الافتراق، و لا وجه له و الاقتصار في الترجيح بها في خصوص مادة الاجتماع التي هي محل المعارضة، و طرح المرجوح بالنسبة
إليها مع العمل به في مادة الافتراق بعيد عن ظاهر الأخبار العلاجية، و بين ما إذا لم يكن لهما مورد سليم، مثل قوله: اغتسل للجمعة الظاهر في الوجوب، و قوله: ينبغي غسل الجمعة الظاهر في الاستحباب فيطرح الخبر المرجوح رأسا لأجل بعض المرجحات.
لكن الاستبعاد المذكور في الأخبار العلاجية إنما هو من جهة أن بناء العرف في العمل بأخبارهم من حيث الظن بالصدور، فلا يمكن التبعض في صدور العامين من وجه من حيث مادتي الافتراق و مادة الاجتماع، كما أشرنا سابقا إلى أن الخبرين المتعارضين من هذا القبيل.
و أمّا إذا تعبدنا الشارع بصدور الخبر الجامع للشرائط، فلا مانع من تعبده ببعض مضمون الخبر دون بعض، و كيف كان فترك التفصيل أوجه منه و هو أوجه من إطلاق إهمال المرجحات.
و أمّا ما ذكرنا في وجهه من عدم جواز طرح دليل حجية أحد الخبرين لأصالة ظهور الآخر فهو إنما يحسن إذا كان ذلك الخبر بنفسه قرينة على خلاف الظاهر في الآخر، و أما إذا كان محتاجا إلى دليل ثالث يوجب صرف أحدهما، فحكمهما حكم الظاهرين المحتاجين في الجمع بينهما إلى شاهدين في أن العمل بكليهما مع تعارض ظاهريهما يعد غير ممكن، فلا بد من طرح أحدهما معينا للترجيح، أو غير معين للتخيير و لا يقاس حالهما على حال مقطوعي الصدور في الالتجاء إلى الجمع بينهما، كما أشرنا إلى دفع ذلك عند الكلام في أولوية الجمع على الطرح و المسألة محل الإشكال.
و قد تلخص ممّا ذكرنا: أن تقديم النص على الظاهر خارج عن مسألة الترجيح بحسب الدلالة، إذ الظاهر لا يعارض النص حتى يرجح النص عليه.
نعم النص الظني السند يعارض دليل سنده لدليل حجية الظهور، لكنه حاكم
على دليل اعتبار الظاهر فينحصر الترجيح بحسب الدلالة في تعارض الظاهر و الأظهر نظرا إلى احتمال خلاف الظاهر في كل منهما بملاحظة نفسه، غاية الأمر ترجيح الأظهر.
و لا فرق في الظاهر و النص بين العام و الخاص المطلقين إذا فرض عدم احتمال في الخاص يبقى معه ظهور العام لئلا يدخل في تعارض الظاهرين، أو تعارض الظاهر و الأظهر، و بين ما يكون التوجيه فيه قريبا، و بين ما يكون التوجيه فيه بعيدا، مثل: صيغة الوجوب مع دليل نفي البأس عن الترك، لأن العبرة بوجود احتمال في أحد الدليلين لا يحتمل ذلك في الآخر و إن كان ذلك الاحتمال بعيدا في الغاية، لأن مقتضى الجمع بين العام و الخاص بعينه موجود، و قد يظهر خلاف ما ذكرنا في حكم النص، و الظاهر من بعض الأصحاب في كتبهم الاستدلالية، مثل: حمل الخاص المطلق على التقية لموافقته لمذهب العامة.
منها: ما يظهر من الشيخ رحمه اللّه في مسألة من زاد في صلاته ركعة، حيث حمل ما ورد في صحة صلاة من جلس في الرابعة بقدر التشهد على التقية، و عمل على عمومات إبطال الزيادة و تبعه بعض متأخري المتأخرين، لكن الشيخ رحمه اللّه كأنه بنى على ما تقدم عن العدة و الإستبصار من ملاحظة المرجحات قبل حمل أحد الخبرين على الآخر، أو على استفادة التقية من قرائن أخر غير موافقة مذهب العامة.
و منها: ما تقدم عن بعض المحدثين من مؤاخذة حمل الأمر و النهي على الاستحباب و الكراهة.
و قد يظهر من بعض الفرق بين العام و الخاص و الظاهر في الوجوب و النص الصريح في الاستحباب و ما يتلوهما في قرب التوجيه، و بين غيرهما
مما كان تأويل الظاهر فيه بعيدا حيث (قال: بعد نفي الإشكال عن الجمع بين العام و الخاص و الظاهر في الوجوب و الصريح في الاستحباب.
استشكل الجمع في مثل ما إذا دل الدليل على أن القبلة، أو مس باطن الفرج لا ينقض الوضوء و دل دليل آخر على أن الوضوء يعاد منها، و قال: «إن الحكم بعدم وجوب الوضوء في المقام مستند إلى النص المذكور، و أما الحكم باستحباب الوضوء فليس له مستند ظاهر، لأن تأويل كلامهم لم يثبت حجيته، إلا إذا فهم من الخارج إرادته و الفتوى و العمل به محتاج إلى مستند شرعي و مجرد أولوية الجمع غير صالح».
أقول: بعد ما ذكرنا من أن الدليل الدال على وجوب الجمع بين العام و الخاص و شبهه بعينه جار فيما نحن فيه، و ليس الوجه في الجمع شيوع التخصيص، بل المدار على احتمال موجود في أحد الدليلين مفقود في الآخر، مع أن حمل ظاهر وجوب إعادة الوضوء على الاستحباب أيضا شائع على ما اعترف به سابقا، و ليت شعري ما الذي أراد بقوله تأويل كلامهم لم يثبت حجيته إلا إذا فهم من الخارج إرادته.
فإن بنى على طرح ما دل على وجوب إعادة الوضوء و عدم البناء على أنه كلامهم عليه السلام، فأين كلامهم حتى يمنع من تأويله إلا بدليل، و ليس.
و هل هو إلا طرح السند لأجل الفرار عن تأويله و هو غير معقول.
و إن بنى على عدم طرحه و على التعبد بصدوره ثم حمله على التقية فهذا أيضا قريب من الأول، إذ لا دليل على وجوب التعبد بخبر يتعين حمله على التقية على تقدير الصدور، بل لا معنى لوجوب التعبد به، إذ لا أثر في العمل يترتب عليه.
و بالجملة إن الخبر الظني إذا دار الأمر بين طرح سنده و حمله و تأويله، فلا
ينبغي التأمل في أن المتعين تأويله و وجوب العمل على طبق التأويل و لا معنى لطرحه، أو الحكم بصدوره تقية فرارا عن تأويله، و سيجيء زيادة توضيح ذلك إن شاء اللّه.
فلنرجع إلى ما كنا فيه من بيان المرجحات في الدلالة و مرجعها إلى ترجيح الأظهر على الظاهر و الأظهرية قد تكون بملاحظة خصوص المتعارضين من جهة القرائن الشخصية، و هذا لا يدخل تحت ضابطة، و قد تكون بملاحظة نوع المتعارضين كأن يكون أحدهما ظاهرا في العموم، و الآخر جملة شرطية ظاهرة في المفهوم فيتعارضان كتعارض مفهوم إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شيء، و منطوق عموم خلق اللّه الماء طهورا، فيقع الكلام في ترجيح المفهوم على العموم و كتعارض التخصيص و النسخ في بعض أفراد العام و الخاص و التخصيص و التقييد، و قد تكون باعتبار الصنف كترجيح أحد العامين، أو المطلقين على الآخر لبعد التخصيص و التقييد فيه.
و لنشر إلى جملة من هذه المرجحات النوعية لظاهر أحد المتعارضين في مسائل.
منها: لا إشكال في تقديم ظهور الحكم الملقى من الشارع في مقام التشريع في استمراره باستمرار الشريعة على ظهور العام في العموم الأفرادي، و يعبر عن ذلك بأن التخصيص أولى من النسخ من غير فرق بين أن يكون احتمال المنسوخية في العام، أو في الخاص و المعروف تعليل ذلك بشيوع التخصيص و ندرة النسخ، و قد وقع الخلاف في بعض الصور و تمام ذلك في بحث العام و الخاص من مباحث، و كيف كان فلا إشكال في أن احتمال التخصيص مشروط بعدم ورود الخاص بعد حضور وقت العمل بالعام، كما أن احتمال النسخ مشروط بورود الناسخ بعد الحضور فالخاص الوارد بعد
حضور وقت العمل بالعام يتعين فيه النسخ.
و أما ارتكاب كون الخاص كاشفا عن قرينة كانت مع العام و اختفت فهو خلاف الأصل.
و الكلام في علاج المتعارضين من دون التزام وجود شيء زائد عليهما.
نعم لو كان هناك دليل على امتناع النسخ وجب المصير إلى التخصيص مع التزام اختفاء القرينة حين العمل، أو جواز إرادة خلاف الظاهر من المخاطبين واقعا مع مخاطبتهم بالظاهر الموجبة لعملهم بظهوره.
و بعبارة أخرى: تكليفهم ظاهرا هو العمل بالعموم.
و من هنا يقع الإشكال في تخصيص العمومات المتقدمة في كلام النبي، أو الوصي، أو بعض الأئمة عليهم السلام بالمخصصات الواردة بعد ذلك بمدة عن باقي الأئمة عليهم السلام، فإنه لا بد أن يرتكب فيه النسخ، أو كشف الخاص عن قرينة مع العام مختفية، أو كون المخاطبين بالعام تكليفهم ظاهرا العمل بالعموم المراد به الخصوص واقعا، أما النسخ فبعد توجيه وقوعه بعد النبي صلى اللّه عليه و آله بإرادة كشف ما بينه النبي صلى اللّه عليه و آله للوصي عن غاية الحكم الأول، و ابتداء الحكم الثاني مدفوع بأن غلبة هذا النحو من التخصيصات يأبى عن حملها على ذلك، مع أن الحمل على النسخ يوجب طرح ظهور كلا الخبرين في كون مضمونهما حكما مستمرا من أول الشريعة إلى آخرها، إلا أن يفرض المتقدم ظاهرا في الاستمرار و المتأخر غير ظاهر بالنسبة إلى ما قبل صدوره.
فحينئذ يوجب طرح ظهور المتقدم لا المتأخر كما لا يخفى، و هذا لا يحصل في كثير من الموارد، بل أكثرها، و أما اختفاء المخصصات فيبعده، بل يحيله عادة عموم البلوى بها من حيث العلم و العمل، مع إمكان دعوى العلم
بعدم علم أهل العصر المتقدم و عملهم بها، بل المعلوم جهلهم بها، فالأوجه هو الاحتمال الثالث، فكما أن رفع مقتضى البراءة العقلية ببيان التكليف كان على التدريج، كما يظهر من الأخبار و الآثار مع اشتراك الكل في الأحكام الواقعية، فكذلك ورود التقييد و التخصيص للعمومات و المطلقات، فيجوز أن يكون الحكم الظاهري للسابقين الترخيص في ترك بعض الواجبات، و فعل بعض المحرمات الذي يقتضيه العمل بالعمومات، و إن كان المراد منها الخصوص الذي هو الحكم المشترك.
و دعوى الفرق بين إخفاء التكليف الفعلي و إبقاء المكلف على ما كان عليه من الفعل و الترك بمقتضى البراءة العقلية، و بين إنشاء الرخصة له في فعل الحرام و ترك الواجب ممنوعة، غاية الأمر أن الأول من قبيل عدم البيان، و الثاني من قبيل بيان العدم و لا قبح فيه بعد فرض المصلحة، مع أن بيان العدم قد يدعى وجوده في الكل بمثل قوله صلى اللّه عليه و آله في خطبة الغدير في حجة الوداع: «معاشر الناس ما من شيء يقربكم إلى الجنة و يباعدكم عن النار إلا و قد أمرتكم به، و ما من شيء يباعدكم من الجنة و يقربكم إلى النار إلا و قد نهيتكم عنه»(1).
بل يجوز أن يكون مضمون العموم و الإطلاق هو الحكم الإلزامي و اختفاء القرينة المتضمنة لنفي الإلزام فيكون التكليف حينئذ لمصلحة فيه لا في المكلف به.
فالحاصل: أن المستفاد من التتبع في الأخبار و الظاهر من خلو العمومات و المطلقات عن القرينة أن النبي صلى اللّه عليه و آله جعل الوصي عليه السلام مبينا لجميع ما أطلقه و أطلق في الكتاب الكريم و أودعه علم ذلك و غيره،
1) الكافي: ج 2، ص 74.
و كذلك الوصي بالنسبة إلى من بعده من الأوصياء صلوات اللّه عليهم أجمعين فبينوا ما رأوا فيه المصلحة و أخفوا ما رأوا المصلحة في إخفائه.
فإن قلت: اللازم من ذلك عدم جواز التمسك بأصالة عدم التخصيص في العمومات بناء على اختصاص الخطاب بالمشافهين، أو فرض الخطاب في غير الكتاب، إذ لا يلزم من عدم المخصص لها في الواقع إرادة العموم، لأن المفروض حينئذ جواز تأخير المخصص عن وقت العمل بالخطاب.
قلت: المستند في إثبات أصالة الحقيقة بأصالة عدم القرينة قبح الخطاب بالظاهر المجرد و إرادة خلافه بضميمة أن الأصل الذي استقر عليه طريقة التخاطب هو إن المتكلم لا يلقي الكلام إلا لأجل إرادة تفهيم معناه الحقيقي، أو المجازي، فإذا لم ينصب قرينة على إرادة تفهيم المجاز تعين إرادة الحقيقة فعلا، و حينئذ فإن اطلعنا على التخصيص المتأخر كان هذا كاشفا عن مخالفة المتكلم لهذا الأصل لنكتة، و أما إذا لم نطلع عليه و نفيناه بالأصل فاللازم الحكم بإرادة تفهيم الظاهر من المخاطبين فيشترك الغائبون معهم.
و منها: تعارض الإطلاق و العموم فيتعارض تقييد المطلق و تخصيص العام، و لا إشكال في ترجيح التقييد على ما حققه سلطان العلماء من كونه حقيقة، لأن الحكم بالإطلاق من حيث عدم البيان و العام بيان، فعدم البيان للتقييد جزء من مقتضى الإطلاق و البيان للتخصيص مانع عن اقتضاء العام للعموم.
فإذا دفعنا المانع عن العموم بالأصل و المفروض وجود المقتضي له ثبت بيان التقييد و ارتفع المقتضي للإطلاق، فالمطلق دليل تعليقي و العام دليل تنجيزي و العمل بالتعليقي موقوف على طرح التنجيزي لتوقف موضوعه على عدمه، فلو كان طرح التنجيزي متوقفا على العمل بالتعليقي و مسببا عنه لزم
الدور، بل هو يتوقف على حجة أخرى راجحة عليه فالمطلق دليل تعليقي و العام دليل تنجيزي.
و أمّا على القول بكونه مجازا فالمعروف في وجه تقديم التقييد كونه أغلب من التخصيص و فيه تأمل.
نعم إذا استفيد العموم الشمولي من دليل الحكمة كانت الإفادة غير مستندة إلى الوضع كمذهب السلطان في العموم البدلي، و مما ذكرنا يظهر حال التقييد مع سائر المجازات.
و منها: تعارض العموم مع غير الإطلاق من الظواهر و الظاهر المعروف تقديم التخصيص لغلبة شيوعه، و قد يتأمل في بعضها مثل ظهور الصيغة في الوجوب، فإن استعمالها في الاستحباب شائع أيضا، بل قيل بكونه مجازا مشهورا و لم يقل ذلك في العام المخصص فتأمل.
و منها: تعارض ظهور بعض ذوات المفهوم من الجمل مع بعض، و الظاهر تقديم الجملة الغائية على الشرطية و الشرطية على الوصفية.
و منها: تعارض ظهور الكلام في استمرار الحكم مع غيره من الظهورات فيدور الأمر بين النسخ و ارتكاب خلاف ظاهر آخر و المعروف ترجيح الكل على النسخ لغلبتها بالنسبة إليه.
و قد يستدل على ذلك بقولهم عليهم السلام: «حلال محمد صلى اللّه عليه و آله حلال إلى يوم القيامة و حرامه حرام إلى يوم القيامة»(1).
و فيه: أن الظاهر سوقه لبيان استمرار أحكام محمد صلى اللّه عليه و آله نوعا من قبل اللّه جل ذكره إلى يوم القيامة في مقابل نسخها بدين آخر لا بيان استمرار أحكامه الشخصية إلا ما خرج بالدليل، فالمراد أن حلاله صلى اللّه
1) أصول الكافي: ج 1، ص 58.
عليه و آله حلال من قبل اللّه جل ذكره إلى يوم القيامة لا أن الحلال من قبله صلى اللّه عليه و آله حلال من قبله إلى يوم القيامة ليكون المراد استمرار حليته.
و أضعف من ذلك التمسك باستصحاب عدم النسخ في المقام، لأن الكلام في قوة أحد الظاهرين و ضعف الآخر، فلا وجه لملاحظة الأصول العملية في هذا المقام، مع أنا إذا فرضنا عاما متقدما و خاصا متأخرا فالشك في تكليف المتقدمين بالعام و عدم تكليفهم فاستصحاب الحكم السابق لا معنى له، فيبقى ظهور الكلام في عدم النسخ معارضا بظهوره في العموم. ثم إن هذا التعارض إنما هو مع عدم ظهور الخاص في ثبوت حكمه في الشريعة ابتداء و إلا تعين التخصيص. نعم لا يجري في مثل العام المتأخر عن الخاص.
و منها: ظهور اللفظ في المعنى الحقيقي مع ظهوره مع القرينة في المعنى المجازي و عبروا عنه بتقديم الحقيقة على المجاز و رجحوها عليه.
فإن أرادوا أنه إذا دار الأمر بين طرح الوضع اللفظي بإرادة المعنى المجازي و بين طرح مقتضى القرينة في الظهور المجازي بإرادة المعنى الحقيقي فلا أعرف له وجها، لأن ظهور اللفظ في المعنى المجازي إن كان مستندا إلى قرينة لفظية، فظهوره مستند إلى الوضع و إن استند إلى حال، أو قرينة منفصلة، فلا يقصر عن الوضع، و إن كان ظنا معتبرا فينبغي تقديمه على الظهور اللفظي المعارض كما يقدم على ظهور اللفظ المقرون به، إلا أن يفرض ظهوره ضعيفا يقوى عليه بخلاف ظهور الدليل المعارض، فيدور الأمر بين ظاهرين أحدهما أقوى من الآخر.
و إن أرادوا به معنى آخر، فلا بد من التأمل فيه هذا بعض الكلام في تعارض النوعين المختلفين من الظهور.
أمّا الصنفان المختلفان من نوع واحد، فالمجاز الراجح الشائع مقدم على غيره، و لذا يحمل الأسد في أسد يرمي على الرجل الشجاع دون الرجل الأبخر و يحمل الأمر المصروف عن الوجوب على الاستحباب دون الإباحة.
و أمّا تقديم بعض أفراد التخصيص على بعض فقد يكون بقوة عموم أحد العامين على الآخر، إمّا لنفسه كتقديم الجمع المحلى باللام على المفرد المعرف و نحو ذلك، و أمّا بملاحظة المقام، فإن العام المسوق لبيان الضابط أقوى من غيره و نحو ذلك، و قد يكون لقرب أحد التخصيصين و بعد الآخر كما يقال إن تخصيص الأقل أفرادا مقدم على غيره، فإن العرف يقدم عموم يجوز أكل كل رمان على عموم النهي عن أكل كل حامض، لأنه أقل فردا فيكون أشبه بالنص، و كما إذا كان التخصيص في أحدهما تخصيصا لكثير من الأفراد بخلاف الآخر.
و هو إن ما ذكرنا من حكم التعارض من أن النص يحكم على الظاهر و الأظهر على الظاهر لا إشكال في تحصيله في المتعارضين، و أما إذا كان التعارض بين أزيد من دليلين فقد يصعب تحصيل ذلك، إذ قد يختلف حال التعارض بين اثنين منها بملاحظة أحدهما مع الثالث، مثلا: قد يكون النسبة بين الاثنين العموم و الخصوص من وجه و ينقلب بعد تلك الملاحظة إلى العموم المطلق، أو بالعكس، أو إلى التباين.
و قد وقع التوهم في بعض المقامات فنقول توضيحا لذلك: إن النسبة بين المتعارضات المذكورة إن كانت نسبة واحدة فحكمها حكم المتعارضين.
فإن كانت النسبة العموم من وجه وجب الرجوع إلى المرجحات مثل
قوله يجب إكرام العلماء و يحرم إكرام الفساق و يستحب إكرام الشعراء فيعارض الكل في مادة الاجتماع.
و إن كانت النسبة عموما مطلقا، فإن لم يلزم محذور من تخصيص العام بهما خصص بهما مثل المثال الآتي و إن لزم محذور مثل قوله يجب إكرام العلماء و يحرم إكرام فساق العلماء و ورد و يكره إكرام عدول العلماء، فإن اللازم من تخصيص العام بهما بقاؤه بلا مورد فحكم ذلك كالمتباينين، لأن مجموع الخاصين مباين للعام.
و قد توهم بعض من عاصرناه فلاحظ العام بعد تخصيصه ببعض الأفراد بإجماع و نحوه مع الخاص المطلق الآخر، فإذا ورد أكرم العلماء و دل من الخارج دليل على عدم وجوب إكرام فساق العلماء و ورد أيضا لا تكرم النحويين كانت النسبة على هذا بينه و بين العام بعد إخراج الفساق عموما من وجه، و لا أظن يلتزم بذلك فيما إذا كان الخاصان دليلين لفظيين، إذ لا وجه لسبق ملاحظة العام مع أحدهما على ملاحظته مع العام الآخر.
و إنما يتوهم ذلك في العام المخصص بالإجماع، أو العقل لزعم أن المخصص المذكور يكون كالمتصل فكان العام استعمل فيما عدا ذلك الفرد المخرج، و التعارض إنما يلاحظ بين ما استعمل فيه لفظ كل من الدليلين لا بين ما وضع اللفظ له، و إن علم عدم استعماله فكان المراد بالعلماء في المثال المذكور عدولهم و النسبة بينه و بين النحويين عموم من وجه.
و يندفع: بأن التنافي في المتعارضين إنما يكون بين ظاهري الدليلين و ظهور الظاهر، إما أن يستند إلى وضعه، و أما أن يستند إلى قرينة المراد، و كيف كان فلا بد من إحرازه حين التعارض و قبل علاجه، إذ العلاج راجع إلى دفع المانع لا إلى إحراز المقتضي.
و العام المذكور بعد ملاحظة تخصيصه بذلك الدليل العقلي إن لوحظ بالنسبة إلى وضعه للعموم مع قطع النظر عن تخصيصه بذلك الدليل، فالدليل المذكور و المخصص اللفظي، سواء في المانعية عن ظهوره في العموم فيرفع اليد عن الموضوع له بهما و إن لوحظ بالنسبة إلى المراد منه بعد التخصيص بذلك الدليل، فلا ظهور له في إرادة العموم باستثناء ما خرج بذلك الدليل إلا بعد إثبات كونه تمام المراد و هو غير معلوم، إلا بعد نفي احتمال مخصص آخر و لو بأصالة عدمه، و إلا فهو مجمل مردد بين تمام الباقي و بعضه، لأن الدليل المذكور قرينة صارفة عن العموم لا معينة لتمام الباقي و أصالة عدم المخصص الآخر في المقام غير جارية مع وجود المخصص اللفظي، فلا ظهور له في تمام الباقي حتى يكون النسبة بينه و بين المخصص اللفظي عموما من وجه.
و بعبارة أوضح: تعارض العلماء بعد إخراج فساقهم مع النحويين إن كان قبل علاج دليل النحويين و رفع مانعيته، فلا ظهور له حتى يلاحظ النسبة بين ظاهرين، لأن ظهوره يتوقف على علاجه و رفع تخصيصه بلا تكرم النحويين و إن كان بعد علاجه و دفعه فلا دافع له، بل هو كالدليل الخارجي المذكور دافع عن مقتضى وضع العموم.
نعم لو كان المخصص متصلا بالعام من قبيل الصفة و الشرط و بدل البعض كما في أكرم العلماء العدول أو إن كانوا عدولا، أو عدولهم صحت ملاحظة النسبة بين هذا التركيب الظاهر في تمام الباقي و بين المخصص اللفظي المذكور. و إن قلنا: بكون العام المخصص المتصل مجازا، إلا أنه يصير حينئذ من قبيل أسد يرمي، فلو ورد مخصص منفصل آخر كان مانعا لهذا الظهور.
و هذا بخلاف العام المخصص بالمنفصل، فإنه لا يحكم بمجرد وجدان
مخصص منفصل بظهوره في تمام الباقي إلا بعد إحراز عدم مخصص آخر، فالعام المخصص بالمنفصل لا ظهور له في المراد منه، بل هو قبل إحراز جميع المخصصات مجمل مردد بين تمام الباقي و بعضه و بعده يتعين إرادة الباقي بعد جميع ما ورد عليه من التخصيص.
و أمّا المخصص بالمتصل فلما كان ظهوره مستندا إلى وضع الكلام التركيبي على القول بكونه حقيقة، أو بوضع لفظ القرينة بناء على كون لفظ العام مجازا صح اتصاف الكلام بالظهور لاحتمال إرادة خلاف ما وضع له التركيب، أو لفظ القرينة، و الظاهر أن التخصيص بالاستثناء من قبيل المتصل، لأن مجموع الكلام ظاهر في تمام الباقي، و لذا يفيد الحصر، فإذا قال: لا تكرم العلماء إلا العدول، ثم قال: أكرم النحويين فالنسبة عموم من وجه، لأن إخراج غير العادل من النحويين مخالف لظاهر الكلام الأول.
و من هنا يصح أن يقال إن النسبة بين (قوله: ليس في العارية ضمان إلا الدينار، أو الدرهم)، و بين ما دل على ضمان الذهب و الفضة عموم من وجه كما قواه غير واحد من متأخري المتأخرين فيرجح الأول، لأن دلالته بالعموم و دلالة الثاني بالإطلاق، أو يرجع إلى عمومات نفي الضمان خلافا لما ذكره بعضهم من أن تخصيص العموم بالدرهم، أو الدينار لا ينافي تخصيصه أيضا بمطلق الذهب و الفضة.
و ذكره صاحب المسالك و أطال الكلام في توضيح ذلك فقال ما لفظه: «لا خلاف في ضمانهما يعني الدراهم و الدنانير، و إنما الخلاف في غيرهما من الذهب و الفضة كالحلي المصوغة، فإن مقتضى الخبر الأول و نحوه دخولهما و مقتضى تخصيص الثاني بالدراهم و الدنانير خروجهما.
و من الأصحاب من نظر إلى أن الذهب و الفضة مخصصان من عدم
الضمان مطلقا و لا منافاة بينهما و بين الدراهم و الدنانير، لأنهما بعض أفرادهما و يستثنى الجميع و يثبت الضمان في مطلق الجنسين، و منهم من التفت إلى أن الذهب و الفضة مطلقان، أو عامان بحسب إفادة الجنس المعرف العموم و عدمه و الدراهم و الدنانير مقيدان، أو مخصصان فيجمع بين النصوص بحمل المطلق على المقيد، أو العام على الخاص.
و التحقيق في ذلك أن نقول: إن هنا نصوصا على ثلاثة أضرب: أحدها:
عام في عدم الضمان من غير تقييد كصحيحة الحلبي عن الصادق عليه السلام: (ليس على مستعير عارية ضمان و صاحب العارية و الوديعة مؤتمن)، و قريب منها صحيحة محمد بن مسلم عن الباقر عليه السلام.
و ثانيها: بحكمها، إلا أنه استثنى مطلق الذهب و الفضة.
و ثالثها: بحكمها، إلا أنه استثنى الدنانير و الدراهم و حينئذ، فلا بد من الجمع فإخراج الدراهم و الدنانير لازم لخروجهما عن الوجهين الأخيرين، فإذا خرجا من العموم بقي العموم فيما عداهما بحاله، و قد عارضه التخصيص بمطلق الجنسين، فلا بد من الجمع بينهما بحمل العام على الخاص.
فإن قيل: لما كان الدراهم و الدنانير أخص من الذهب و الفضة وجب تخصيصهما بهما عملا بالقاعدة، فلا يبقى المعارضة بين العام الأول و الخاص الآخر.
قلنا: لا شك أن كلا منهما مخصص لذلك العام، لأن كلا منهما مستثنى و ليس هنا إلا أن أحد المخصصين أعم من الآخر مطلقا و ذلك غير مانع فيخصص العام الأول بكل منهما، أو يقيد مطلقه، لأن أحدهما يخصص بالآخر لعدم المنافاة بين إخراج الذهب و الفضة في لفظ و الدراهم و الدنانير في لفظ حتى يوجب الجمع بينهما بالتخصيص، أو التقييد.
و أيضا فإن العمل بالخبرين الأخصين لا يمكن، لأن أحدهما لم يخصص إلا الدنانير و أبقي الباقي على حكم عدم الضمان صريحا، و الآخر لم يستثن إلا الدراهم و أبقي الباقي على حكم عدم الضمان، كذلك فدلالتهما قاصرة و العمل بظاهر كل منهما لم يقل به أحد بخلاف الخبر المخصص بالذهب و الفضة.
فإن قيل: التخصيص إنما جعلناه بهما معا لا بكل واحد منهما، فلا يضر عدم دلالة أحدهما على الحكم المطلوب منه.
قلنا: هذا أيضا لا يمنع قصور كل واحد من الدلالة، لأن كل واحد مع قطع النظر عن صاحبه قاصر و قد وقعا في وقتين في حالتين مختلفتين.
فظهر أن إرادة الحصر من كل منهما غير مقصود و إنما المستثنى فيهما من جملة الأفراد المستثناة و على تقدير الجمع بينهما بجعل المستثنى مجموع ما استفيد منهما لا يخرجان عن القصور في الدلالة على المطلوب، إذ لا يعلم منهما إلا أن الاستثناء ليس مقصورا على ما ذكر في كل واحد.
فإن قيل: إخراج الدراهم و الدنانير خاصة ينافي إخراج جملة الذهب و الفضة، فلا بد من الجمع بينهما بحمل الذهب و الفضة على الدراهم و الدنانير كما يجب الجمع بين عدم الضمان لمطلق العارية و الضمان لهذين النوعين لتحقق المنافاة بين الأمرين.
قلنا: نمنع تحقق المنافاة بين الأمرين، فإن استثناء الدراهم و الدنانير اقتضى بقاء العموم في حكم عدم الضمان في ما عداهما، و قد عارضه الاستثناء الآخر فوجب تخصيصه به أيضا، فلا وجه لتخصيص أحد المخصصين بالآخر.
و أيضا فإن حمل العام على الخاص استعمال مجازي و إبقاؤه على عمومه حقيقة و لا يجوز العدول إلى المجاز مع إمكان الاستعمال على وجه الحقيقة
و هو هنا ممكن في عموم الذهب و الفضة فيتعين، و إنما صرنا إلى التخصيص في الأول لتعينه على كل تقدير.
فإن قيل: إذا كان التخصيص يوجب المجاز وجب تقليله ما أمكن، لأن كل فرد يخرج يوجب زيادة المجاز في الاستعمال حيث كان حقه أن يطلق على جميع الأفراد.
و حينئذ فنقول: قد تعارض هنا مجازان: أحدهما: في تخصيص الذهب و الفضة بالدنانير و الدراهم، و الثاني: في زيادة تخصيص العام الأول بمطلق الذهب و الفضة على تقدير عدم تخصيصهما بالدنانير و الدراهم فترجيح أحد المجازين على الآخر ترجيح من غير مرجح، بل يمكن ترجيح تخصيص الذهب و الفضة، لأن فيه مراعاة قوانين التعارض بينه و بين ما هو أخص منه.
قلنا: لا نسلم التعارض بين الأمرين، لأن استعمال العام الأول على وجه المجاز حاصل على كل تقدير إجماعا و زيادة التجوز في الاستعمال لا يعارض به أصل التجوز في المعنى الآخر، فإن إبقاء الذهب و الفضة على عمومهما استعمال حقيقي فكيف يكافئه مجرد تقليل التجوز مع ثبوت أصله، و بذلك يظهر بطلان الترجيح بغير مرجح، لأن المرجح حاصل في جانب الحقيقة هذا ما يقتضيه الحال من الكلام على هذين الوجهين و بقي فيه مواضع تحتاج إلى تنقيح» انتهى.
أقول: الذي يقتضيه النظر أن النسبة بين روايتي الدرهم و الدينار بعد جعلهما كرواية واحدة و بين ما دل على استثناء الذهب و الفضة من قبيل العموم من وجه، لأن التعارض بين العقد السلبي من الأولى و العقد الإيجابي من الثانية، إلا أن الأول عام و الثاني مطلق و التقييد أولى من التخصيص.
و بعبارة أخرى: يدور الأمر بين رفع اليد عن ظاهر الحصر في الدرهم
و الدينار و رفع اليد عن إطلاق الذهب و الفضة و تقييدهما أولى، إلا أن يقال إن الحصر في كل من روايتي الدرهم و الدينار موهون من حيث اختصاصهما بأحدهما فيجب إخراج الآخر عن عمومه، فإن ذلك يوجب الوهن في الحصر و إن لم يكن الأمر، كذلك في مطلق العام و يؤيد ذلك أن تقييد الذهب و الفضة بالنقدين مع غلبة استعارة المصوغ بعيد جدا.
و ممّا ذكرنا يظهر النظر في مواضع مما ذكره صاحب المسالك في تحرير وجهي المسألة و إن كانت النسبة بين المتعارضات مختلفة، فإن كان فيها ما يقدم على بعض آخر منها، إما لأجل الدلالة كما في النص و الظاهر، أو الظاهر و الأظهر، و أما لأجل مرجح آخر قدم ما حقه التقديم ثم لوحظ النسبة مع باقي المعارضات.
فقد تنقلب النسبة و قد يحدث الترجيح كما إذا ورد أكرم العلماء و لا تكرم فساقهم و يستحب إكرام العدول، فإنه إذا خص العلماء بعدولهم يصير أخص مطلقا من العدول فيخصص العدول بغير علمائهم و السر في ذلك واضح، إذ لو لا الترتيب في العلاج لزم إلغاء النص، أو طرح الظاهر المنافي له رأسا و كلاهما باطل.
و قد لا تنقلب النسبة فيحدث الترجيح في المتعارضات بنسبة واحدة كما لو ورد أكرم العلماء و لا تكرم الفساق و يستحب إكرام الشعراء، فإذا فرضنا أن الفساق أكثر فردا من العلماء خص بغير العلماء فيخرج العالم الفاسق عن الحرمة و يبقى الفرد الشاعر من العلماء الفساق مرددا بين الوجوب و الاستحباب.
ثم إذا فرض أن الفساق بعد إخراج العلماء أقل فردا من الشعراء خص الشعراء به فالفاسق الشاعر غير مستحب الإكرام، فإذا فرض صيرورة الشعراء
بعد التخصيص بالفساق أقل موردا من العلماء خص دليل العلماء بدليله فيحكم بأن مادة الاجتماع بين الكل، أعني العالم الشاعر الفاسق مستحب الإكرام. و قس على ما ذكرنا صورة وجود المرجح من غير جهة الدلالة لبعضها على بعض.
و الغرض من إطالة الكلام في ذلك التنبيه على وجوب التأمل في علاج الدلالة عند التعارض، لأنا قد عثرنا في كتب الاستدلال على بعض الزلات و اللّه مقيل العثرات.
و حيث فرغنا عن بعض الكلام في المرجحات من حيث الدلالة التي هي مقدمة على غيرها فلنشرع في مرجحات الرواية من الجهات الأخر فنقول و من اللّه التوفيق للاهتداء: قد عرفت أن الترجيح إما من حيث الصدور، بمعنى جعل صدور أحد الخبرين أقرب من صدور غيره بحيث لو دار الأمر بين الحكم بصدوره و صدور غيره لحكمنا بصدوره، و مورد هذا المرجح قد يكون في السند كأعدلية الراوي، و قد يكون في المتن ككونه أفصح.
و أمّا أن يكون من حيث جهة الصدور، فإن صدور الرواية قد يكون لجهة بيان الحكم الواقعي و قد يكون لبيان خلافه لتقية، أو غيرها من مصالح إظهار خلاف الواقع فيكون أحدهما بحسب المرجح أقرب إلى الصدور لأجل بيان الواقع.
و أمّا أن يكون من حيث المضمون بأن يكون مضمون أحدهما أقرب في النظر إلى الواقع، و أما تقسيم الأصوليين المرجحات إلى السندية و المتنية فهو باعتبار مورد الترجح لا باعتبار مورد الرجحان، و لذا يذكرون في المرجحات
المتنية مثل الفصيح و الأفصح و النقل باللفظ و المعنى، بل يذكرون المنطوق و المفهوم و الخصوص و العموم و أشباه ذلك، و نحن نذكر إن شاء اللّه نبذا من القسمين، لأن استيفاء الجميع تطويل لا حاجة إليه بعد معرفة أن المناط كون أحدهما أقرب من حيث الصدور عن الإمام عليه السلام لبيان الحكم الواقعي.
منها: كون أحد الراويين عدلا و الآخر غير عدل مع كونه مقبول الرواية من حيث كونه متحرزا عن الكذب.
و منها: كونه أعدل و تعرف الأعدلية إما بالنص عليها، و أما بذكر فضائل فيه لم تذكر في الآخر.
و منها: كونه أصدق مع عدالة كليهما و يدخل في ذلك كونه أضبط.
و في حكم الترجيح بهذه الأمور أن يكون طريق ثبوت مناط القبول في أحدهما أوضح من الآخر و أقرب إلى الواقع من جهة تعدد المزكي، أو رجحان أحد المزكيين على الآخر، و يلحق بذلك التباس اسم المزكي بغيره من المجروحين و ضعف ما يميز المشترك به.
و منها: علو الإسناد، لأنه كلما قلت: الواسطة كان احتمال الكذب أقل، و قد يعارض في بعض الموارد بندرة ذلك و استبعاد الإسناد لتباعد أزمنة الرواة فيكون مظنة الإرسال و الحوالة على نظر المجتهد.
و منها: أن يرسل أحد الراويين فيحذف الواسطة و يسند الآخر روايته، فإن المحذوف يحتمل أن يكون توثيق المرسل له معارضا بجرح جارح، و هذا الاحتمال منفي في الآخر، و هذا إذا كان المرسل ممن تقبل مراسيله، و إلا فلا يعارض المسند رأسا، و ظاهر الشيخ في العدة تكافؤ المرسل المقبول و المسند
و لم يعلم وجهه.
و منها: أن يكون الراوي لإحدى الروايتين متعددا و راوي الأخرى واحدا، أو يكون رواة إحداهما أكثر، فإن المتعدد يرجح على الواحد و الأكثر على الأقل كما هو واضح، و حكي عن بعض العامة عدم الترجيح قياسا على الشهادة و الفتوى، و لازم هذا القول عدم الترجيح بسائر المرجحات أيضا و هو ضعيف.
و منها: أن يكون طريق تحمل أحد الراويين أعلى من طريق تحمل الآخر كأن يكون أحدهما بقراءته على الشيخ و الآخر بقراءة الشيخ عليه و هكذا غيرهما من أنحاء التحمل.
هذه نبذة من المرجحات السندية التي توجب القوة من حيث الصدور (1) و عرفت أن معنى القوة كون أحدهما أقرب إلى الواقع من حيث اشتماله على
الشرح
(1) لا يخفى عليك أنّ عمدة الدّاعي على التّعرض لأقسام المرجّحات مع ابتناء التّرجيح على الكلّيّة المستفادة من أخبار العلاج و غيرها المغنية عن التّعرّض للصّغريات هو تشخيصها و تمييزها حتّى يترتّب عليه ما أسمعناك عن قريب من ثمرة التّقديم و التّأخير بحسب المرتبة، فإنه كثيرا ما يشتبه أمر المرجّح من حيث كونه راجعا إلى ترجيح الدّلالة، أو الصّدور، أو جهته، أو المضمون و إن ترتّب عليه بعض ثمرات آخر كالتّنبيه على أصل المرجّح و الصّغرى، فإنه ممّا تمسّ الحاجة إليه، و من هنا وقع ذكر جملة منها في الأخبار العلاجيّة مع التّصريح فيها بما يدلّ على إناطة التّرجيح بمطلق الأقربيّة كتعليل التّرجيح بالشّهرة و مخالفة القوم، لكن عمدة الثّمرة ما عرفت و قد عدّ بعض أفاضل مقاربي عصرنا بعض المرجّحات الصّدوريّة كالفصاحة في عداد مرجّحات الدّلالة على ما حكاه عنه شيخنا العلاّمة في الكتاب مع كونه و هما ظاهرا، و قد عدّ شيخنا في جملة كلمات
........
الشرح
له الشّهرة من حيث الرّواية من المرجّحات المضمونيّة مع كونها عند التّحقيق من المرجّحات الصّدوريّة، إلاّ إذا كشفت عن الشّهرة العمليّة فيكون لها جهتان حينئذ، فإن تقوية الصّدور لا ينفكّ عنها أصلا فيراعى في مقام التّعارض حينئذ الجهة الأعلى و هي التّرجيح من حيث المضمون على ما أسمعناك من تقديمه على التّرجيح من حيث الصّدور و جهته، ثمّ إنّ المناط في المرجّحات السّندية الرّاجعة إلى المرجّح الصّدوري كما هو الشّأن بالنّسبة إلى سائر المرجّحات على ما أسمعناك في مطاوي كلماتنا السّابقة هو اشتمال السّند على ما يوجب قربه إلى الصّدور بالإضافة إلى صاحبه و إن لم يفد الظّن بالصّدور فعلا، بل و لا نوعا و شأنا كما يقتضيه تعليل تقديم المشهور على الشّاذ على ما عرفت من كون مقتضاه التّرجيح بقوّة الاحتمال و ضعفه و قلّة الاحتمال و كثرته، و إلى ما ذكرنا يشير ما أفاده في الكتاب بقوله: (و الغرض من إطالة الكلام هنا أنّ بعضهم تخيّل) إلى آخره، فإنه في كمال الجودة و إن أوهم منه كون المدار في التّرجيح على الظّن و لو شأنا، إلا أنه يعلم بعد التّأمّل فيه كون مراده ما ذكرنا كما صرّح به في غير موضع من كلماته.
نعم ما أفاده بقوله و لو فرض شيء منها كان في نفسه موجبا للظّن بكذب الخبر إلى آخره، قد يناقش فيه بعدم استقامته على سبيل الموجبة الكلّيّة، إلاّ بناء على القول بدوران الحجّيّة في الأخبار على الظّن الشّأني المقيّد بعدم الظّن على الخلاف، أو الظّن الشّخصي بالصّدور حتّى يصحّ ما أفاده على سبيل الموجبة الكلّيّة، و إن كان الثّاني في كمال الضّعف و الأوّل ضعيفا على ما عرفت شرح القول فيه منه قدس سره و منّا في الجزء الأوّل من الكتاب و التّعليقة، و قد وافق فيه بعض أفاضل من تأخّر و إن خالف سيّد مشايخه في المفاتيح و هو المراد من البعض في كلامه المتقدّم ذكره، و قد وقفت بعد هذا على كلام بعض أفاضل العصر
........
الشرح
فيما أملاه في المسألة يخالف فيه شيخنا و شيخه لا بأس بنقله و الإشارة إلى ما يتوجّه عليه.
قال رحمه اللّه بعد نقل كلام شيخنا العلاّمة المتقدّم ذكره ما هذا لفظه:
«و حاصل ما أفاده هنا و قبل ذلك أنّ الظّن بالواقع غير القرب منه، أو البعد عن الخطاء و معنى كون الشّيء مرجحا هو كونه سببا للمعنى الثّاني دون الأوّل، و هذا المعنى موجود في هذه المزيّة، إلى أن قال: و يقرب من ذلك ما صرّح به بعض الأفاضل، و قال بعد نقل كلام بعض الأفاضل، قلت: و يشكل ذلك بعدم الدّليل على الخروج عن أصالة التّخيير، أو أصالة التّساقط بمجرّد وصف تعبّدا من دون إفادته الظّن لقصور الإجماعات و الأخبار عن ذلك، و أما الإجماع فواضح لتصريح الكلّ بأنّ الاعتماد في وجوه التّراجيح إنّما هو لأجل إفادته الظّن فراجع كلماتهم و لاحظ.
إلى أن قال: و أما الأخبار فلما عرفت من المباحث الواردة عليها لو دلّت على صرف التعبّد و لم ينزل على ما يقتضيه قاعدة الجمع و العمل بأقوى الدّليلين، لأنها لا تفيد سوى العمل بالظّن في التّرجيح كما سيجيء ذلك في المقام الثّالث، حيث تبيّن فيه أنّ المستفاد منها قاعدة كلّية و إن المرجّحات المنصوصة لا خصوصيّة لها و لا ريب في ظهورها في المعنى الأوّل القاضي باعتبار الظّن ففي صورة عدم الظّن لا ترجيح و إن كان الرّاجح أقرب إلى الواقع، و أبعد عن الخطاء عند الدّوران بين كذب أحدهما عملا بالأصل القاضي بالاقتصار على القدر المتيقّن بعد عدم نهوض الأدلّة بالعموم، إذ من الواضح أنّ الغرض من إعمال المرجّحات هنا هو استكشاف الواقع دون التّعبّد الصّرف المبني على الموضوعيّة كالمرجّحات المرعيّة في أئمّة الجماعة، أو القاضي، أو الشّاهد مثل الحرّيّة، أو الهاشميّة و أمثالهما، و سيأتي في بعض المرجّحات الخارجيّة كمخالفة العامّة التّصريح بعدم ابتنائه على صرف التّعبّد» انتهى ما أردنا نقله، و قد أطال في النّقض و الإبرام سؤالا و جوابا بما يطول المقام بذكره من
مزية غير موجودة في الآخر، بحيث لو فرضنا العلم بكذب أحدهما و مخالفته للواقع كان احتمال مطابقة ذي المزية للواقع أرجح و أقوى من مطابقة الآخر، و إلا فقد لا يوجب المرجح الظن بكذب الخبر المرجوح، لكنه من جهة احتمال صدق كل الخبرين، فإن الخبرين المتعارضين لا يعلم غالبا كذب أحدهما، و إنما التجأنا إلى طرح أحدهما بناء على تنافي ظاهريهما و عدم إمكان الجمع بينهما لعدم الشاهد، فيصيران في حكم ما لو وجب طرح أحدهما لكونه كاذبا فيؤخذ بما هو أقرب إلى الصدق من الآخر.
و الغرض من إطالة الكلام هنا أن بعضهم تخيل أن المرجحات المذكورة في كلماتهم للخبر من حيث السند، أو المتن بعضها يفيد الظن القوي، و بعضها يفيد الظن الضعيف، و بعضها لا يفيد الظن أصلا، فحكم بحجية الأولين و استشكل في الثالث من حيث إن الأحوط الأخذ بما فيه المرجح، و من إطلاق أدلة التخيير و قوى ذلك بناء على أنه لا دليل على الترجيح بالأمور التعبدية في مقابل إطلاقات التخيير.
و أنت خبير بأن جميع المرجحات المذكورة مفيدة للظن الشأني بالمعنى
الشرح
أراده راجع إلى ما أعمله في المسألة و يتوجّه عليه بأنّ الإجماعات المنقولة و إن لم يساعد على التّعميم و لم نقل بأنّ الإجماع على وجوب الأخذ بأقوى الدّليلين يقضي بوجوب الأخذ بكلّ ما يكون أقرب بالنّسبة إلى صاحبه و إن لم يفد الظّن بالواقع في نفسه، إلا أن التّعليلات المذكورة في الأخبار العلاجيّة على ما أشبعنا القول فيه يقضي بالتّعميم جدّا، و أين هذا من التّعبّد الصّرف الآبي عنه أخبار العلاج نظير مرجّحات أئمّة الجماعة و القاضي، فإن اعتبار القرب الإضافي ينافي التّعبّد قطعا و قد عرفت انطباق التّعليل في تقديم مخالف القوم على الضّابط المذكور، و لعلّنا نتكلّم فيه بعد ذلك إن شاء اللّه تعالى.
الذي ذكرنا و هو أنه لو فرض القطع بكذب أحد الخبرين كان احتمال كذب المرجوح أرجح من صدقه، و إذا لم يفرض العلم بكذب أحد الخبرين فليس في المرجحات المذكورة ما يوجب الظن بكذب أحد الخبرين، و لو فرض أن شيئا منها كان في نفسه موجبا للظن بكذب الخبر كان مسقطا للخبر عن درجة الحجية و مخرجا للمسألة عن التعارض فيعد ذلك الشيء موهنا لا مرجحا، إذ فرق واضح عند التأمل بين ما يوجب في نفسه مرجوحية الخبر و بين ما يوجب مرجوحيته بملاحظة التعارض و فرض عدم الاجتماع.
منها: الفصاحة فيقدم الفصيح على غيره، لأن الركيك أبعد من كلام المعصوم عليه السلام، إلا أن يكون منقولا بالمعنى.
و منها: الأفصحية ذكره جماعة خلافا للآخرين، و فيه تأمل. لعدم كون الفصيح بعيدا عن كلام المعصوم الإمام، و لا الأفصح أقرب إليه في مقام بيان الأحكام الشرعية.
و منها: اضطراب المتن كما في بعض روايات عمار.
و منها: كون أحدهما منقولا باللفظ و الآخر منقولا بالمعنى، إذ يحتمل في المنقول بالمعنى أن يكون المسموع من الإمام عليه السلام لفظا مغايرا لهذا اللفظ المنقول إليه.
و مرجع الترجيح بهذه إلى كون متن أحد الخبرين أقرب صدورا من متن الآخر.
و علل بعض المعاصرين الترجيح لمرجحات المتن بعد أن عد هذه منها بأن مرجع ذلك إلى الظن بالدلالة و هو مما لم يختلف فيه علماء الإسلام و ليس
مبنيا على حجية مطلق الظن المختلف فيه، ثم ذكر في مرجحات المتن النقل باللفظ و الفصاحة و الركاكة و المسموع من الشيخ بالنسبة إلى المقروء عليه و الجزم بالسماع من المعصوم عليه السلام على غيره، و كثيرا من أقسام مرجحات الدلالة كالمنطوق و المفهوم و الخصوص و العموم و نحو ذلك، و أنت خبير بأن مرجع الترجيح بالفصاحة و النقل باللفظ إلى رجحان صدور أحد المتنين بالنسبة إلى الآخر، فالدليل عليه هو الدليل على اعتبار رجحان الصدور و ليس راجعا إلى الظن في الدلالة المتفق عليه بين علماء الإسلام.
و أمّا مرجحات الدلالة فهي من هذا الظن المتفق عليه و قد عدها من مرجحات المتن جماعة كصاحب الزبدة و غيره.
و الأولى ما عرفت من أن هذه من قبيل النص و الظاهر و الأظهر و لا تعارض بينهما و لا ترجيح في الحقيقة، بل هي من موارد الجمع المقبول فراجع.
بأن يكون أحد الخبرين مقرونا بشيء يحتمل من أجله أن يكون الخبر صادرا على وجه المصلحة المقتضية لبيان خلاف حكم اللّه الواقعي من تقية، أو نحوها من المصالح، و هي و إن كانت غير محصورة في الواقع، إلا أن الذي بأيدينا أمارة التقية و هي مطابقة ظاهر الخبر لمذهب أهل الخلاف، فيحتمل صدور الخبر تقية عنهم احتمالا غير موجود في الخبر الآخر.
قال في العدة: «إذا كان رواة الخبرين متساويين في العدد عمل بأبعدهما من قول العامة و ترك العمل بما يوافقه»(1)انتهى، و قال المحقق في المعارج
1) عدة الأصول: ص 60.
بعد نقل العبارة المتقدمة عن الشيخ: «و الظاهر أن احتجاجه في ذلك برواية رويت عن الصادق عليه السلام و هو إثبات مسألة علمية بخبر الواحد و لا يخفى عليك ما فيه، مع أنه قد طعن فيه فضلاء من الشيعة كالمفيد و غيره.
فإن احتج بأن الأبعد لا يحتمل إلا الفتوى و الموافق للعامة يحتمل التقية فوجب الرجوع إلى ما لا يحتمل.
قلنا: لا نسلم أنه لا يحتمل إلا الفتوى، لأنه كما جاز الفتوى لمصلحة يراها الإمام عليه السلام، كذلك يجوز الفتوى بما يحتمل التأويل لمصلحة يعلمها الإمام عليه السلام و إن كنا لا نعلم ذلك.
فإن قال: إن ذلك يسد باب العمل بالحديث. قلنا: إنما نصير إلى ذلك على تقدير التعارض و حصول مانع يمنع من العمل لا مطلقا، فلا يلزم سد باب العمل»(1)انتهى كلامه رفع مقامه.
أقول توضيح المرام في هذا المقام: أن ترجيح أحد الخبرين (1) بمخالفة العامة يمكن أن يكون بوجوه: أحدها: مجرد التعبد كما هو ظاهر كثير من أخباره، و يظهر من المحقق استظهاره من الشيخ قدس سرهما.
الشرح
(1) لا يخفى عليك أنّ التّرجيح بمخالفة العامّة مع دلالة أكثر الأخبار العلاجيّة المتقدّمة عليه و إن اختلفت من حيث عنوان التّرجيح بها قد اختلفت فيه كلماتهم، فعن غير واحد نفيه و لعلّه لما عرفت الإشارة إليه من عدم تماميّة الأخبار عندهم، أو عدم وقوفهم عليها على أضعف الاحتمالات، أو عدم إمكان تحصيل هذا المرجّح بحسب العادة بعد ابتنائه على مخالفة الخبر للعامّة في زمان صدوره لا مطلقا إلى غير ذلك ممّا ذكر، أو يذكر، و عن المحقّق في المعارج بعد نقل القول
1) معارج الأصول: ص 156.
........
الشرح
بثبوت التّرجيح بها عن الشّيخ قدس سره كما في الكتاب ردّه بأنّ مستنده ظاهرا رواية رويت عن الصّادق عليه السلام و هو إثبات مسألة علميّة بخبر واحد و لا يخفى عليك ما فيه، مع أنه قد طعن فيه فضلاء من الشّيعة كالمفيد و غيره إلى آخر ما حكاه عنه في الكتاب و قوله، مع أنه قد طعن إلخ راجع إلى جواب آخر و قوله بعد ذلك و إن احتجّ إلى آخره ناظر إلى منع حصول الظّن منها، فلا تدخل في الكلّية المسلّمة عنده، و من هنا أورد عليه في المعالم بغلبة التقيّة بالنّسبة إلى التّأويل و إن منعها غير واحد و المصرّح به في كلام غير واحد منهم الشّيخ و صاحب المعالم قدس أسرارهما، بل الأكثر ثبوته و هو الحقّ كما صرّح به في الكتاب لدلالة أكثر الأخبار عليه و إن اختلفت من حيث بيان عنوان التّرجيح بها، لكنه لا يقدح في أصل ثبوت التّرجيح في قبال السّلب الكلّي مضافا إلى كفاية الكلّيّة المستفادة من الأخبار.
و أمّا ما أفاده في المعارج فيتوجّه عليه أوّلا: عدم الفرق في حجّيّة خبر الواحد بين المسألة الأصوليّة العمليّة و الفرعيّة كما ذكر في المعالم و غيره.
نعم المسألة العلميّة المجرّدة لا يثبت بخبر الواحد على ما أسمعناك في الجزء الأوّل من التّعليقة.
و ثانيا: بأنّ التّرجيح بها ممّا دلّ عليه الأخبار المستفيضة من المقبولة و الصّحاح و غيرها و ليس المستند فيه مجرّد رواية عبيدة بن زرارة عن الصّادق عليه السلام ما سمعت منّي يشبه قول النّاس ففيه التّقيّة الحديث حتّى يتوجّه عليه طعن فضلاء الشّيعة كالمفيد و غيره، مع أن في أصل دلالة الرّواية إشكالا قد أشرنا إليه في مطاوي كلماتنا السّابقة، فلا يتوجّه ما ذكره ثانيا.
و ثالثا: بأنّ احتمال التّأويل مشترك، فلا يقدح في التّرجيح بها من جهة رعاية التّقيّة و إن لم يحصل الظّن بها نظرا إلى ما عرفت من الكلّيّة المستفادة من الأخبار
........
الشرح
و هي كفاية مطلق القرب الإضافي في التّرجيح كما صرّح به في الكتاب و هامش المعالم لسلطان العلماء، فلا يحتاج إلى دعوى غلبة التّقيّة كما صنعه في المعالم حتّى يتوجّه عليه المنع، مضافا إلى ما ذكر من اشتراك احتمال التّأويل، فلا يصلح للمعارضة، فإن غرض المحقّق معارضة احتمال التقيّة في الموافق باحتمال التّأويل في المخالف، فإذا كان الاحتمال المذكور متطرّقا في الموافق أيضا، فلا يصلح للمعارضة و التّأويل، سواء كان قليلا، أو كثيرا يحتمل فيهما فيبقى احتمال التّقيّة سليما فيصلح للتّرجيح لعدم مانع منه، إلاّ المعارضة على ما يظهر من هذا الكلام.
و الحاصل: أنّ الكلّيّة المستفادة من أخبار الباب تغنينا عن التّكلّم في إثبات كون مرجّح مخصوص ممّا نصّ عليه أم لا من غير فرق بين أقسام المرجّح صدورا، أو جهة، أو مضمونا، ثمّ لا يخفى عليك استقامة ما أفاده في الكتاب من ضعف الوجه الأوّل و الثّالث عنوان التّرجيح بمخالفة العامّة أمّا الثّالث فظاهر، لأنه مضافا إلى منافاته لمقام التّرجيح، بل اعتبار المتعارضين من حيث الطّريقيّة كما هو ظاهر لا يدلّ عليه شيء من الأخبار، فإن الغرض من أمثال ما حكاه في الكتاب الحثّ على متابعة طريقة الأئمّة الهداة صلوات اللّه عليهم قولا و عملا، و الإعراض عمّا عليه المذبذبون من الميل إلى طريقة المخالفين و يشهد له مساقها عند التّأمّل، فإنه لا تعلّق لها بالمتعارضين أصلا فالغرض منها الحثّ على ترك التّسنن و طريقة العامّة ليس إلاّ، و أما الأوّل فلأنه يتوجّه عليه مضافا إلى بعده عن مقام التّرجيح و مساق أخبار العلاج و إن دلّ عليه أكثر ما دلّ على التّرجيح بمخالفة العامّة في ابتداء النّظر كما في الكتاب، بل ذكر فيه أنّه ممّا استظهره المحقّق من الشّيخ قدّس أسرارهما، مع أن كلامه صريح في استظهار الوجه الرّابع منه على ما عرفت منّا و من الكتاب، حيث إنّ مفاد الرّواية المرويّة عن الصّادق عليه السلام هو الوجه الرّابع كون دليله محكوما بما دلّ على كون عنوان التّرجيح بمخالفة القوم الطّريقيّة، حيث
........
الشرح
إنّ سكوت كثير من الأخبار عن عنوان التّرجيح لا ينافي ما بيّن فيه عنوانه، فلا تعارض بينهما حقيقة فيبقى الوجهان الآخران المبنيان على الطّريقيّة، و يضعّف الوجه الرّابع أيضا من حيث استفادته من الأخبار لعدم دليل عليه منها إلاّ رواية عبيدة بن زرارة المضعفة، و إن قيل بعدم قدح ضعفها من حيث انجبارها بالعمل و الظّاهر منها بعد التّأمّل ما احتمله شيخنا بقوله: لاحتمال أن يكون المراد من شباهة أحد الخبرين إلى آخره، فلا تعلّق لها بمسألة التّعارض، إذ على هذا المعنى الظّاهر منها يحكم بالتقيّة في الخبر الجاري على أصولهم الباطلة و عدم حجّيّته، فلا معنى لما قيل من أنّه لا بدّ من حمل الخبر على صورة التّعارض، لكون إطلاقها على خلاف الإجماع و لا لما قيل فيما يتوجّه على الاستدلال بها من اختصاصها بالأخبار المسموعة من أنّ مقتضى دليل حجّيّة الخبر الظّني تنزيله منزلة المسموع، مضافا إلى عدم القول بالفصل حتّى يتوجّه عليه بقصور دليل التّنزيل عن ذلك من حيث إنّ الأثر المزبور مترتّب على المعلوم بعنوان السّماع و إن كان محلاّ للتّأمّل.
نعم لا ريب في إثباته من حيث الكلّية المستفادة من أخبار العلاج على ما أسمعناك غير مرّة و ليس بين التّنصيص و الاستفادة من العموم ثمرة عمليّة حتّى يتعب النّظر في إثبات التّنصيص، و من هنا قال: شيخنا في الكتاب بعد تضعيف الوجه المذكور، و يمكن توجيه الوجه الرّابع بعدم انحصار دليله في الرّواية المذكورة إلى آخره فيتعيّن إذا الوجه الثّاني من الوجوه المذكورة في الكتاب بالنّظر إلى التّنصيص، و إن استشكل فيه أيضا في الكتاب بأنّ التّعليل المذكور في الأخبار بظاهره غير مستقيم إلى آخر ما أفاده بقوله فيرجع الأمر بالأخرة إلى التّعبد بعلّة الحكم و هو أبعد من التّعبّد بنفس الحكم، و لكنّك خبير بما يتوجّه على الإشكال المذكور و اندفاعه بعد تسليم غلبة البطلان في أحكامهم كما يشهد به الوجدان و الأخبار الكثيرة و إن رماه في الكتاب بكونه خلاف الوجدان في تقريب
........
الشرح
الإشكال مع رجوعه بعد ذلك لما أفاده في دفعه بقوله: و يمكن دفع الإشكال في الوجه الثّاني وفاقا للسيّد الكاظمي في شرح الوافية، بل، لأن غلبة البطلان توجب صيرورة المخالف أقرب إلى الحقّ و أبعد عن الباطل كما اعترف قدس سره به بقوله: نعم ينفع في الأبعديّة عن الباطل، و هذا المقدار يكفي في التّرجيح كما عرفت استفادته عن تعليل ترجيح المشهور على الشّاذ فينطبق التّعليل المذكور على ذلك التّعليل، هذا و قد دفع بعض أفاضل معاصرينا الإشكال بعد تسليم الغلبة بأنّ الخبر المخالف في الفرض و إن لم يظنّ مطابقته للواقع بعد منع الغلبة المدّعاة في كلام شيخنا العلاّمة وفاقا للسيّد المحقّق الكاظمي قدس أسرارهما في دفع الإشكال، إلا أن الخبر الموافق لهم يصير موهونا من جهة الظّن بكونه على خلاف الواقع فيسقط عن الحجّيّة، هذا حاصل كلامه بعد طوله، لكنه كما ترى، إذ مقتضاه طرح الخبر الموافق لهم و إن كان سليما عن المعارض و هو كما ترى خلاف الإجماع، هذا مضافا إلى أنّ المستفاد من أخبار الباب وجوب الأخذ بالمخالف من حيث كونه راجحا لا من حيث كون الموافق مرجوحا.
نعم هنا كلام لا في جواز جعل المخالفة من المرجّحات و إن لم يحمل التّعليل الوارد في الأخبار على الغلبة بأن يكون المراد من كون الرّشد في خلافهم كون خلافهم في معرض الحقّ من حيث كثرة البطلان في أحكامهم و إن لم تبلغ مبلغ الأكثريّة فضلا عن الغلبة، فلا يحمل التّعليل على التّعبد حتّى يكون أسوأ من التعبّد في أصل الحكم بالتّقديم و التّرجيح، لأن فيه نوعا من الطّريقيّة أيضا فينطبق على التّعليل المستفاد من الأخبار في تقديم المشهور على الشّاذّ، و هذا الكلام كما ترى يفيد في دفع الإشكال أيضا بالتّقريب الّذي عرفته على تقدير حمل القضيّة على الغلبة.
فقد تحصل ممّا ذكرنا كلّه أنّ مخالفة القوم يجتمع فيها عنوانان من المرجّح:
أحدهما: مرجّح الجهة، و إن لم يقع التّصريح به في الأخبار بناء على منع دلالة خبر
الثاني: كون الرشد في خلافهم كما صرح به في غير واحد من الأخبار المتقدمة و رواية علي بن أسباط قال: «قلت: للرضا عليه السلام يحدث الأمر لا أجد بدا من معرفته و ليس في البلد الذي أنا فيه أحد أستفتيه من مواليك فقال: ائت فقيه البلد و استفته في أمرك، فإذا أفتاك بشيء فخذ بخلافه، فإن الحق فيه»(1)، و أصرح من ذلك كله خبر أبي إسحاق الأرجاني قال: «قال أبو عبد اللّه عليه السلام: أ تدري لم أمرتم بالأخذ بخلاف ما يقوله العامة؟ فقلت: لا أدري، فقال: إن عليا صلوات اللّه عليه لم يكن يدين اللّه بشيء إلا خالف عليه العامة إرادة لإبطال أمره، و كانوا يسألونه صلى اللّه عليه و آله عن الشيء الذي لا يعلمونه، فإذا أفتاهم بشيء جعلوا له ضدا من عندهم ليلبسوا على الناس»(2).
الثالث: حسن مجرد المخالفة لهم فمرجع هذا المرجح ليس الأقربية إلى الواقع، بل هو نظير ترجيح دليل الحرمة على الوجوب و دليل الحكم الأسهل على غيره، و يشهد لهذا الاحتمال بعض الروايات مثل قوله عليه السلام في
الشرح
عبيدة بن زرارة عليه على ما عرفت.
ثانيهما: مرجّح المضمون كما نصّ عليه في الأخبار فيجوز التّرجيح بها في الأخبار النّبويّة القطعيّة نظرا إلى الجهة الثّانية و إن لم يجز بالنّظر إلى الجهة الأولى، كما أنّ التّرجيح بها مقدّم على المرجّحات الصّدوريّة نظرا إلى الجهة الثّانية و إن لم يتقدّم عليها بالنّظر إلى الأولى على ما عرفت من تقديم المرجّح المضموني على الصّدوري و تأخير الجهتي عنه.
مرسلة داود بن الحصين: «إن من وافقنا خالف عدونا و من وافق عدونا في قول، أو عمل فليس منا، و لا نحن منه».
و رواية الحسين بن خالد: «شيعتنا المسلمون لأمرنا الآخذون بقولنا المخالفون لأعدائنا فمن لم يكن كذلك فليس منا، فيكون حالهم حال اليهود الوارد فيهم قوله صلى اللّه عليه و آله خالفوهم ما استطعتم»(1).
الحكم بصدور الموافق تقية و يدل عليه قوله عليه السلام في رواية: «ما سمعته مني يشبه قول الناس ففيه التقية، و ما سمعته مني لا يشبه قول الناس، فلا تقية فيه»(2).
بناء على أن المحكي عنه عليه السلام مع عدالة الحاكي كالمسموع منه، و إن الرواية مسوقة لحكم المتعارضين و إن القضية غالبية لكذب. أما الوجه الأول: فمع بعده عن مقام ترجيح أحد الخبرين المبني اعتبارهما على الكشف النوعي ينافيه التعليل المذكور في الأخبار المستفيضة المتقدمة.
و منه يظهر ضعف الوجه الثالث مضافا إلى صريح رواية أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال: «ما أنتم و اللّه على شيء مما هم فيه و لا هم على شيء مما أنتم فيه فخالفوهم فإنهم ليسوا من الحنفية على شيء»(3)، فقد فرع الأمر بمخالفتهم على مخالفة أحكامهم للواقع لا مجرد حسن المخالفة.
فتعين الوجه الثاني لكثرة ما يدل عليه من الأخبار، أو الوجه الرابع للخبر المذكور و ذهاب المشهور.
إلا أنه يشكل الوجه الثاني بأن التعليل المذكور في الأخبار بظاهره غير
مستقيم، لأن خلافهم ليس حكما واحدا حتى يكون هو الحق و كون الحق و الرشد فيه بمعنى وجوده في محتملاته لا ينفع في الكشف عن الحق.
نعم ينفع في الأبعدية عن الباطل لو علم، أو احتمل غلبة الباطل على أحكامهم و كون الحق فيها نادرا، و لكنه خلاف الوجدان و رواية أبي بصير المتقدمة و إن تأكد مضمونها بالحلف، لكن لا بد من توجيهها فيرجع الأمر إلى التعبد بعلة الحكم و هو أبعد من التعبد بنفس الحكم.
و الوجه الرابع: بأن دلالة الخبر المذكور عليه لا يخلو عن خفاء لاحتمال أن يكون المراد من شباهة أحد الخبرين بقول الناس كونه متفرعا على قواعدهم الباطلة مثل تجويز الخطإ على المعصومين من الأنبياء و الأئمة عليهم السلام عمدا، أو سهوا و الجبر و التفويض و نحو ذلك، و قد أطلق الشباهة على هذا المعنى في بعض أخبار العرض على الكتاب و السنة حيث (قال: فإن أشبههما فهو حق و إن لم يشبههما فهو باطل)، و هذا الحمل أولى من حمل القضية على الغلبة لا الدوام بعد تسليم الغلبة.
و يمكن دفع الإشكال في الوجه الثاني عن التعليل في الأخبار بوروده على الغالب من انحصار القوي في المسألة على الوجهين، لأن الغالب أن الوجوه في المسألة إذا كثرت كانت العامة مختلفين و مع اتفاقهم لا يكون في المسألة وجوه متعددة.
و يمكن أيضا الالتزام بما ذكرنا سابقا من غلبة الباطل في أقوالهم على ما صرح به في رواية الأرجاني المتقدمة، و أصرح منها ما حكي عن أبي حنيفة من قوله: «خالفت جعفرا في كل ما يقول إلا أني لا أدري أنه يغمض عينيه في الركوع و السجود، أو يفتحهما»، و حينئذ فيكون خلافهم أبعد من الباطل.
و يمكن توجيه الوجه الرابع بعدم انحصار دليله في الرواية المذكورة، بل
الوجه فيه هو ما تقرر في باب التراجيح، و استفيد من النصوص و الفتاوى من حصول الترجيح بكل مزية في أحد الخبرين يوجب كونه أقل، أو أبعد احتمالا لمخالفة الواقع من الآخر. و معلوم أن الخبر المخالف لا يحتمل فيه التقية كما يحتمل في الموافق على ما تقدم من المحقق قدس سره، فمراد المشهور من حمل الخبر الموافق على التقية ليس كون الموافقة أمارة على صدور الخبر تقية، بل المراد أن الخبرين لما اشتركا في جميع الجهات المحتملة لخلاف الواقع عدا احتمال الصدور تقية المختص بالخبر الموافق تعين العمل بالمخالف و انحصر محمل الخبر الموافق المطروح في التقية.
و أمّا ما أورده المحقق من: «معارضة احتمال التقية باحتمال الفتوى على التأويل»، ففيه: أن الكلام فيما إذا اشترك الخبران في جميع الاحتمالات المتطرقة في السند و المتن و الدلالة فاحتمال الفتوى على التأويل مشترك كيف و لو فرض اختصاص الخبر المخالف باحتمال التأويل، و عدم تطرقه في الخبر الموافق كان اللازم ارتكاب التأويل في الخبر المخالف لما عرفت من أن النص و الظاهر لا يرجع فيهما إلى المرجحات.
و أمّا ما أجاب به صاحب المعالم عن الإيراد ب «أن احتمال التقية في كلامهم أقرب و أغلب»، ففيه: مع إشعاره بتسليم ما ذكره المحقق من معارضة احتمال التقية في الموافق باحتمال التأويل، مع ما عرفت من خروج ذلك عن محل الكلام منع أغلبية التقية في الأخبار من التأويل.
و من هنا يظهر أن ما ذكرنا من الوجه (1) في رجحان الخبر المخالف مختص
الشرح
(1) قد أسمعناك مرارا عدم الفرق في جريان المرجّحات بين أقسام المتعارضين فيما لم يكن هناك قوّة لأحدهما بحسب الدّلالة، فالمتباينان و العامّان
بالمتباينين، و أما في ما كان من قبيل العامين من وجه بأن كان لكل واحد منهما ظاهر يمكن الجمع بينهما بصرفه عن ظاهره دون الآخر، فيدور الأمر بين حمل الموافق منهما على التقية و الحكم بتأويل أحدهما ليجتمع مع الآخر. مثلا: إذا ورد الأمر بغسل الثوب من أبوال ما لا يؤكل لحمه و ورد كل شيء يطير لا بأس بخرئه و بوله فدار الأمر بين حمل الثاني على التقية و بين الحكم بتخصيص أحدهما لا بعينه، فلا وجه لترجيح التقية لكونها في كلام الأئمة عليهم السلام أغلب من التخصيص، فالعمدة في الترجيح بمخالفة العام بناء على ما تقدم من جريان هذا المرجح و شبهه في هذا القسم من المتعارضين هو ما تقدم من وجوب الترجيح لكون مزية في أحد المتعارضين، و هذا موجود فيما نحن فيه، لأن احتمال مخالفة الظاهر قائم في كل منهما و المخالفة للعامة مختص بمزية مفقودة في الآخر و هو عدم احتمال الصدور.
فتلخص مما ذكرنا: أن الترجيح بالمخالفة من أحد وجهين على ما يظهر من الأخبار: أحدهما: كونه أبعد عن الباطل و أقرب إلى الواقع فيكون مخالفة
الشرح
من وجه متساويان من حيث الرّجوع فيهما إلى المرجّحات من غير فرق بين المرجّح الصّدوري و الجهتي و المضموني، فكما أنّ ما أفاده في المعالم لا يستقيم بالنّسبة إلى العامّين من وجه، كذلك لا يستقيم بالنّسبة إلى المتباينين و الوجه القاضي بوجوب الأخذ بمخالف القوم و طرح ما يوافقهم لا يفرق فيه بين القسمين.
نعم الحكم بصدور الموافق تقيّة بالنّسبة إلى خصوص مورد التّعارض في العامّين من وجه مستبعد جدّا، كالحكم بطرح أصل صدور المرجوح منهما في مادّة التّعارض، لكنه استبعاد قد يقال بالفرق من جهة بقول مطلق من غير فرق بين أقسام المرجّحات على ما عرفت شرح القول فيه.
الجمهور نظير موافقة المشهور من المرجحات المضمونية على ما يظهر من أكثر أخبار هذا الباب.
و الثاني: من جهة كون المخالف ذا مزية لعدم احتمال التقية و يدل عليه ما دل على الترجيح بشهرة الرواية، معللا بأنه لا ريب فيه بالتقريب المتقدم سابقا، و لعل الثمرة بين هذين الوجهين يظهر لك في ما يأتي إن شاء اللّه تعالى.
أن الخبر الصادر تقية (1) يحتمل أن يراد به ظاهره فيكون من الكذب المجوز لمصلحة، و يحتمل أن يراد منه تأويل مختف على المخاطب فيكون من قبيل التورية، و هذا أليق بالإمام عليه السلام، بل هو اللائق له إذا
الشرح
(1) لمّا كان المراد من حمل الخبر على التقيّة في المقام هو حمله على التّقيّة من حيث القول لا العمل، لأنه يرجع إلى بيان الحكم الواقعي الاضطراري و لا تعلّق له بمسألة التّعارض على ما أشرنا إليه في أوائل المسألة عند البحث عن حقيقة التّعارض، فلا محالة يرجع التّقيّة إلى الكذب لمصلحة إن لم يقصد التّورية من القول الصّادر تقيّة فلمّا كان الكذب قبيحا عقلا و حراما شرعا جوّز في حقّ غير الإمام عليه السلام من جهة الاضطرار من جهة عدم إمكان التّورية في حقّه غالبا من جهة الغفلة و أداء التّورية في حقّه غالبا إلى العلم بالحال، و من هنا جوّز الشّارع له ذلك مطلقا من جهة الوقوع في محذور خلاف المقصود و الحرج، و هذا بخلاف الإمام عليه السلام، فإنه لا محذور لاختيار التّورية في حقّه فيلزم عليه في مقام التّقيّة كما يظهر ممّا رواه في الكتاب من الأخبار و غيره، إلا أنه لا يخرج عن المرجّح الجهتي على ما أشرنا إليه سابقا.
قلنا بحرمة الكذب مع التمكن من التورية.
أن بعض المحدثين كصاحب الحدائق و إن لم يشترط في التقية موافقة الخبر لمذهب العامة لأخبار تخيلها دالة على مدعاه سليمة عما هو صريح في خلاف ما ادعاه، إلا أن الحمل على التقية في مقام الترجيح لا يكون إلا مع موافقة أحدهما، إذ لا يعقل حمل أحدهما بالخصوص على التقية إذا كانا مخالفين لهم.
فمراد المحدث المذكور ليس الحمل على التقية مع عدم الموافقة في مقام الترجيح، كما أورده عليه بعض الأساطين في جملة المطاعن على ما ذهب إليه من عدم اشتراط الموافقة في الحمل على التقية، بل المحدث المذكور لما أثبت في المقدمة الأولى من مقدمات الحدائق خلو الأخبار عن الأخبار المكذوبة لتنقيحها و تصحيحها في الأزمنة المتأخرة بعد أن كانت مغشوشة مدسوسة صح للقائل أن يقول فما بال هذه الأخبار المتعارضة التي لا تكاد تجتمع، فبين في المقدمة الثانية دفع هذا السؤال بأن معظم الاختلاف من جهة اختلاف كلمات الأئمة عليهم السلام مع المخاطبين و إن الاختلاف إنما هو منهم عليهم السلام و استشهد على ذلك بأخبار زعمها دالة على أن التقية كما تحصل ببيان ما يوافق العامة، كذلك تحصل بمجرد إلقاء الخلاف بين الشيعة كيلا يعرفوا فيؤخذ برقابهم، و هذا الكلام ضعيف، لأن الغالب اندفاع الخوف بإظهار الموافقة مع الأعداء، و أمّا الاندفاع بمجرد رؤية الشيعة مختلفين مع اتفاقهم على مخالفتهم فهو و إن أمكن حصوله أحيانا، لكنه نادر جدا، فلا يصار إليه في جل الأخبار المختلفة، مضافا إلى مخالفته لظاهر قوله عليه السلام في الرواية المتقدمة: «ما سمعت مني يشبه قول الناس ففيه التقية، و ما سمعت مني لا يشبه قول الناس فلا تقية فيه».
فالذي يقتضيه النظر على تقدير القطع بصدور جميع الأخبار التي بأيدينا على ما توهمه بعض الأخباريين و الظن بصدور جميعها إلا قليل في غاية القلة، كما يقتضيه الإنصاف ممن اطلع على كيفية تنقيح الأخبار و ضبطها في الكتب هو إن يقال إن عمدة الاختلاف إنما هي كثرة إرادة خلاف الظواهر في الأخبار، إما بقرائن متصلة اختفت علينا من جهة تقطيع الأخبار، أو نقلها بالمعنى، أو منفصلة مختفية من جهة كونها حالية معلومة للمخاطبين، أو مقالية اختفت بالانطماس، و أما بغير القرينة لمصلحة يراها الإمام عليه السلام من تقية على ما اخترناه من أن التقية على وجه التورية، أو غير التقية من المصالح الأخر.
و إلى ما ذكرنا ينظر ما فعله الشيخ قدس سره في الإستبصار من إظهار إمكان الجمع بين متعارضات الأخبار بإخراج أحد المتعارضين، أو كليهما عن ظاهره إلى معنى و ربما يظهر من الأخبار محامل و تأويلات أبعد بمراتب مما ذكره الشيخ تشهد بأن ما ذكره الشيخ من المحامل غير بعيد عن مراد الإمام عليه السلام و إن بعدت عن ظاهر الكلام، إلا أن يظهر فيه قرينة عليها فمنها: ما روي عن بعضهم صلوات اللّه عليهم: «لما سأله بعض أهل العراق و قال كم آية تقرأ في صلاة الزوال فقال: عليه السلام ثمانون و لم يعد السائل، فقال: عليه السلام هذا يظن أنه من أهل الإدراك، فقيل له عليه السلام: ما أردت بذلك و ما هذه الآيات؟ فقال: أردت منها ما يقرأ في نافلة الزوال، فإن الحمد و التوحيد لا يزيد على عشر آيات، و نافلة الزوال ثمان ركعات».
و منها: ما روي من: «أن الوتر واجب فلما فزع السائل و استفسر، قال:
عليه السلام إنما عنيت وجوبها على النبي صلى اللّه عليه و آله».
و منها: تفسير قولهم عليهم السلام: «لا يعيد الصلاة فقيه بخصوص الشك
بين الثلاث و الأربع)(1)، و مثله تفسير وقت الفريضة في قولهم عليهم السلام:
«لا تطوع في وقت الفريضة»(2)بزمان قول المؤذن قد قامت الصلاة إلى غير ذلك مما يطلع عليه المتتبع.
و يؤيد ما ذكرنا من أن عمدة تنافي الأخبار ليس لأجل التقية ما ورد مستفيضا من عدم جواز رد الخبر و إن كان مما ينكر ظاهره، حتى إذا قال:
للنهار إنه ليل و لليل إنه نهار معللا ذلك بأنه يمكن أن يكون له محمل لم يتفطن السامع له فينكره فيكفر من حيث لا يشعر، فلو كان عمدة التنافي من جهة صدور الأخبار المنافية بظاهرها لما في أيدينا في الأدلة تقية لم يكن في إنكار كونها من الإمام عليه السلام مفسدة فضلا عن كفر الراد.
أن التقية قد تكون من فتوى العامة و هو الظاهر من إطلاق موافقة العامة في الأخبار، و أخرى من حيث أخبارهم التي رووها و هو المصرح به في بعض الأخبار، لكن الظاهر أن ذلك محمول على الغالب من كون الخبر مستندا للفتوى، و ثالثة من حيث عملهم و يشير إليه قوله عليه السلام في المقبولة المتقدمة: (ما هم إليه أميل قضاتهم و حكامهم)، و رابعة بكونه أشبه بقواعدهم و أصول دينهم و فروعه كما يدل عليه الخبر المتقدم، و عرفت سابقا قوة احتمال التفرع على قواعدهم الفاسدة و يخرج الخبر حينئذ عن الحجية و لو مع عدم المعارض كما يدل عليه عموم الموصول.
أن ظاهر الأخبار كون المرجح موافقة جميع الموجودين في زمان الصدور، أو معظمهم على وجه يصدق الاستغراق العرفي، فلو وافق بعضهم بلا مخالفة الباقين فالترجيح به مستند إلى الكلية المستفادة من الأخبار من
الترجيح بكل مزية.
و ربّما يستفاد من قول السائل في المقبولة (1)، قلت: يا سيدي هما معا موافقان للعامة أن المراد بما وافق العامة، أو خالفهم في المرجح السابق يعم ما وافق البعض، أو خالفه و يرده أن ظهور الفقرة الأولى في اعتبار الكل أقوى من ظهور هذه الفقرة في كفاية موافقة البعض، فيحمل على إرادة صورة عدم وجود هذا المرجح في شيء منهما و تساويهما من هذه الجهة لا صورة وجود المرجح في كليهما و تكافؤهما من هذه الجهة.
الشرح
(1) وجه الاستفادة ظاهر من حيث إنّ مخالفة المتعارضين لهم، و كذا موافقتهما لهم لا يمكن إلاّ بإرادة البعض، اللّهمّ إلا أن يكون مراد السّائل من التّعبير المذكور عدم وجود هذا المرجّح رأسا كما يحمل على هذا المعنى قوله بعد ذلك، قلت:
جعلت فداك كلاهما موافقان للاحتياط، أو مخالفان له، فإنه لا معنى لهذا السّؤال إلاّ بإرادة المعنى المذكور ضرورة عدم إمكان موافقة الخبرين للاحتياط، و من هنا أورد عليه في الكتاب بقوله: (و يردّه أن ظهور الفقرة الأولى) إلى آخره.
نعم لا إشكال في كون موافقة البعض في الفرض من المرجّحات بالنّظر إلى الكلّيّة المستفادة من أخبار الباب، و قد أسمعناك مرارا عدم الثّمرة بين التّنصيص و الاستفادة من الكلّيّة في مسألة التّرجيح، ثمّ إنّه يتقوّى التّرجيح الجهتي فيما كان البعض من المعروفين منهم، سيّما إذا كان مرجعا لهم في عصر الإمام عليه السلام المحكي عنه الحديث، ثمّ إنّ الظّاهر من وصفي المخالفة و الموافقة المضافتين الظّاهرين فيما أفاده من اعتبار الإضافة إلى الجميع، أو الجمع العرفيّ المتحقّق بذهاب المعظم، أو الأكثر، أو الكثير لا يختصّ بعصر الإمام عليه السلام، بل يعمّه و غيره من الأعصار، و من هنا يشكل تحصيله إلاّ في المسائل الإجماعيّة عندهم في الجملة، إذ لا يعتبر في الإجماع اتّفاق أهالي جميع الأعصار، و من هنا قيل بكون
و كيف كان، فلو كان كل واحد موافقا لبعضهم مخالفا لآخرين منهم وجب الرجوع إلى ما يرجح في النظر ملاحظة التقية منه.
و ربّما يستفاد ذلك من أشهرية فتوى أحد البعضين في زمان الصدور و يعلم ذلك بمراجعة أهل النقل و التاريخ، (فقد حكي عن تواريخهم أن عامة أهل الكوفة كان عملهم على فتاوى أبي حنيفة و سفيان الثوري و رجل آخر و أهل مكة على فتاوى ابن جريح و أهل المدينة على فتاوى مالك و أهل البصرة على فتاوى عثمان و سوار و أهل الشام على فتاوى الأوزاعي و الوليد و أهل مصر على فتاوى الليث بن سعيد و أهل خراسان على فتاوى عبد اللّه بن المبارك الزهري، و كان فيهم أهل الفتاوى من غير هؤلاء كسعيد بن المسيب
الشرح
المراد من الوصفين المضافين أعمّ من البعض من حيث لزوم اعتبار الجميع سدّ باب هذا التّرجيح مع مزيد الاهتمام بشأنه من بين المرجّحات المنصوصة من حيث ذكره في أكثر أخبار الباب، كما جزم به بعض أفاضل عصرنا.
نعم فيما لم يعلم به يمكن الحكم بحجّيّة الظّن المطلق القائم عليه بإجراء دليل الانسداد في خصوص هذه المسألة الشّخصيّة، أو كثير من المرجّحات على ما أسمعناك سابقا هذا على تقدير اعتبار المرجّحات المنصوصة، و أما بناء على اعتبار الكلّيّة المستفادة من الأخبار فيتسرى الحكم إلى الظّن بوجود المرجّح، بل شكّه بمقتضى نفس الأخبار العلاجيّة فينتفي مورد الرّجوع إلى دليل الانسداد ضرورة كون المظنون مخالفته للقوم أقرب إلى الواقع بالنّسبة إلى ما ظنّ موافقته لهم و هكذا الأمر بالنّسبة إلى المشكوك و المحتمل منهما و ليس مبنى ما ذكر كما عرفت على التّمسّك بالنّص على التّرجيح بالوصفين حتّى يمنع منه نظرا إلى الشّك في الموضوع، بل على التّمسّك بالكلّيّة الصّادقة مع العلم و الظّن بهما، بل مع احتمالهما فافهم. و قد أشرنا إلى ما ذكرنا في مطاوي كلماتنا السّابقة.
و عكرمة و ربيعة الرأي و محمد بن شهاب الزهري إلى إن استقر رأيهم بحصر المذاهب في الأربعة سنة خمس و ستين و ثلاثمائة)، كما حكي(1).
و قد يستفاد ذلك من الأمارات الخاصة مثل: قول الصادق عليه السلام حين حكي له فتوى ابن أبي ليلى في بعض مسائل الوصية: «أما قول ابن أبي ليلى فلا أستطيع رده»(2).
و قد يستفاد من ملاحظة أخبارهم المروية في كتبهم، و لذا أنيط الحكم في بعض الروايات بموافقة أخبارهم.
قد عرفت أن الرجحان بحسب الدلالة لا يزاحمه الرجحان بحسب الصدور، و كذا لا يزاحمه هذا الرجحان أي الرجحان من حيث جهة الصدور، فإذا كان الخبر الأقوى دلالة موافقا للعامة قدم على الأضعف المخالف لما عرفت من أن الترجيح بقوة الدلالة من الجمع المقبول الذي هو مقدم على الطرح، أما لو زاحم الترجيح بالصدور الترجيح من حيث جهة الصدور بأن كان الأرجح صدورا موافقا للعامة، فالظاهر تقديمه على غيره، و إن كان مخالفا للعامة بناء على تعليل الترجيح بمخالفة العامة باحتمال التقية في الموافق، لأن هذا الترجيح ملحوظ في الخبرين بعد فرض صدورهما قطعا كما في المتواترين، أو تعبدا كما في الخبرين بعد عدم إمكان التعبد بصدور أحدهما و ترك التعبد بصدور الآخر، و فيما نحن فيه يمكن ذلك بمقتضى أدلة الترجيح من حيث الصدور.
فإن قلت: إن الأصل في الخبرين الصدور، فإذا تعبدنا بصدورهما اقتضى ذلك الحكم بصدور الموافق تقية كما يقتضي ذلك الحكم بإرادة خلاف
الظاهر في أضعفهما دلالة، فيكون هذا المرجح نظير الترجيح بحسب الدلالة مقدما على الترجيح بحسب الصدور.
قلت: لا معنى للتعبد بصدورهما مع وجوب حمل أحدهما المعين على التقية، لأنه إلقاء لأحدهما في الحقيقة، و لذا لو تعين حمل خبر غير معارض على التقية على تقدير الصدور لم يشمله أدلة التعبد بخبر العادل. نعم لو علم بصدور خبرين لم يكن بد من حمل الموافق على التقية و إلغائه، و أما إذا لم يعلم بصدورهما كما في ما نحن فيه من المتعارضين فيجب الرجوع إلى المرجحات الصدورية، فإن أمكن ترجيح أحدهما و تعينه من حيث التعبد بالصدور دون الآخر تعين، و إن قصرت اليد عن هذا الترجيح كان عدم احتمال التقية في أحدهما مرجحا، فمورد هذا المرجح تساوي الخبرين من حيث الصدور، إما علما كما في المتواترين، أو تعبدا كما في المتكافئين من الآحاد.
و أمّا ما وجب فيه التعبد بصدور أحدهما المعين دون الآخر، فلا وجه لإعمال هذا المرجح فيه، لأن جهة الصدور متفرع على أصل الصدور.
و الفرق بين هذا الترجيح و الترجيح في الدلالة المتقدم على الترجيح بالسند أن التعبد بصدور الخبرين على أن يعمل بظاهر أحدهما و بتأويل الآخر بقرينة ذلك الظاهر ممكن غير موجب لطرح دليل، أو أصل بخلاف التعبد بصدورهما ثم حمل أحدهما على التقية الذي هو في معنى الغاية و ترك التعبد به.
هذا كله على تقدير توجيه الترجيح بالمخالفة باحتمال التقية، أما لو قلنا بأن الوجه في ذلك كون المخالف أقرب إلى الحق و أبعد عن الباطل كما يدل عليه جملة من الأخبار، فهي من المرجحات المضمونية و سيجيء حالها مع غيرها.
المقام الثالث: في
فقد أشرنا إلى أنها على قسمين: الأول: ما يكون غير معتبر بنفسه. و الثاني:
ما يعتبر بنفسه بحيث لو لم يكن هناك دليل كان هو المرجع.
فمن الأول شهرة أحد الخبرين، إمّا من حيث رواته (1) بأن اشتهر روايته بين الرواة بناء على كشفها عن شهرة العمل، أو اشتهار الفتوى به و لو مع العلم بعدم استناد المفتين إليه.
الشرح
(1) قد أسمعناك أنّ الشّهرة من حيث الرّواية من المرجّحات الدّاخليّة الموجبة لرجحان صدور المشهور غاية ما هناك ترجيحها للمظنون أيضا إذا اتّفق عمل المشهور به فيكون لها جهتان من التّرجيح التّرجيح من حيث الصّدور و التّرجيح من حيث المضمون، كما أنّا أسمعناك أنّ مخالفة العامّة من المرجّحات الدّاخليّة، سواء كانت من المرجّحات المضمونيّة، أو الجهتيّة، أو منهما معا كما هو الصّواب فالتّفكيك في جعل مخالفة العامّة من المرجّح الدّاخلي بين كونها من المرجّح المضموني، أو الجهتي كما يظهر من كلامه في المقام و بعد ذلك كما ترى، و كذا حال الأفقهيّة فإنّها من المرجّحات الدّاخليّة الصّدوريّة كالأعدليّة و إن ترجّح المضمون بها، إذا قارنت فتوى الأفقه بالخبر فما أفاده من الأمثلة للمرجّح الخارجي محلّ مناقشة و إن كانت المناقشة في المثال هيّنة، ثمّ إنّ ما أفاده قدس سره في الاستدلال على لزوم التّرجيح بالمرجّح الخارجي من الكلّيّة المستفادة من أخبار العلاج ممّا لا شبهة فيه أصلا على ما نبّهناك عليه مرارا، كما أنّ ما أفاده في تقريب الاستدلال بالإجماع المدّعى في كلام جماعة على وجوب العمل بأقوى
و منه: كون الراوي له أفقه من راوي الآخر في جميع الطبقات، أو في بعضها بناء على أن الظاهر عمل الأفقه به.
و منه: مخالفة أحد الخبرين للعامة بناء على ظاهر الأخبار المستفيضة الواردة في وجه الترجيح بها.
و منه: كل أمارة مستقلة غير معتبرة وافقت مضمون أحد الخبرين إذا كان عدم اعتبارها لعدم الدليل لا لوجود الدليل على العدم كالقياس.
ثم الدليل على الترجيح بهذا النحو من المرجح ما يستفاد من الأخبار من
الشرح
الدّليلين من حيث رجوع المرجّح الخارجي إلى المرجّح الدّاخلي، و عدم الفرق بينهما إلاّ بالإجمال و التّفصيل ممّا لا يعتريه ريب و إن كان تخصيص المردّد في كلامه بالصّدور وجهته محلّ نظر، لأن التّحقيق تردّد الأمر بين ثلاثة جهات الصّدور و جهته و الدّلالة كالاستدلال للمدّعى بترجيح الأوثق في أخبار الباب لمنع كون المراد من الأوثق مجرّد الأقرب إلى الواقع على ما عرفت في مطاوي كلماتنا السّابقة، و هذا نظير الاستدلال للمدّعى في الجواب عن السّؤال فيما سيذكره بعموم قوله دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإنّك قد عرفت فيما قدّمناه لك عدم تعلّق الرّواية بباب التّرجيح أصلا مضافا إلى عدم دلالتها و إن كان مستقيما على تقدير عمومها للمقام.
نعم الاستدلال على المدّعى بعموم كلمات العلماء و معاقد الإجماعات لمطلق الأمارة المطابقة لمضمون أحد الخبرين، و إن لم ترجع إلى المرجّح الخارجي ممّا لا شبهة في استقامته كالاستدلال بالأصل بالتّقريب المتقدّم في كلام شيخنا العلاّمة قدس سره في مسألة وجوب التّرجيح فلعلّ عدم ذكره في عداد الوجوه في المقام من جهة ابتناء كلامه قدس سره على ذكر الأدلّة لا مطلق الوجه. نعم قد مرّ منّا فيما تقدّم التّأمّل في الأصل المذكور في مطلق التّرجيح.
الترجيح بكل ما يوجب أقربية أحدهما إلى الواقع و إن كان خارجا عن الخبرين، بل يرجع هذا النوع إلى المرجح الداخلي، فإن أحد الخبرين إذا طابق أمارة ظنية فلازمه الظن بوجود خلل في الآخر إما من حيث الصدور، أو من حيث جهة الصدور فيدخل الراجح فيما لا ريب فيه و المرجوح فيما فيه الريب، و قد عرفت أن المزية الداخلية قد تكون موجبة لانتفاء احتمال في ذيها موجود في الآخر كقلة الوسائط و مخالفة العامة بناء على الوجه السابق، و قد توجب بعد الاحتمال الموجود في ذيها بالنسبة إلى الاحتمال الموجود في الآخر كالأعدلية و الأوثقية و المرجح الخارجي من هذا القبيل، غاية الأمر عدم العلم تفصيلا بالاحتمال القريب في أحدهما البعيد في الآخر، بل ذو المزية داخل في الأوثق المنصوص عليه في الأخبار.
و من هنا يمكن أن يستدل على المطلب بالإجماع المدعى في كلام جماعة على وجوب العمل بأقوى الدليلين بناء على عدم شمولها للمقام، من حيث إن الظاهر من أقواهما أقواهما في نفسه، و من حيث هو لا مجرد كون مضمونه أقرب إلى الواقع لموافقة أمارة خارجية، فيقال في تقريب الاستدلال إن الأمارة موجبة لظن خلل في المرجوح مفقود في الراجح فيكون الراجح أقوى إجمالا من حيث نفسه.
فإن قلت: إن المتيقن من النص و معاقد الإجماع اعتبار المزية الداخلية القائمة بنفس الدليل، و أما الأمارة الخارجية التي دل الدليل على عدم العبرة بها من حيث دخولها في ما لا يعلم، فلا اعتبار بكشفها عن الخلل في المرجوح و لا فرق بينه و بين القياس في عدم العبرة بها في مقام الترجيح كمقام الحجية هذا، مع أنه لا معنى لكشف الأمارة عن خلل في المرجوح، لأن الخلل في الدليل من حيث إنه دليل قصور في طريقيته، و المفروض
تساويهما في جميع ما له مدخل في الطريقية، و مجرد الظن بمخالفة خبر للواقع لا يوجب خللا في ذلك، لأن الطريقية ليست منوطة بمطابقة الواقع، قلت: أما النص، فلا ريب في عموم التعليل في قوله عليه السلام: «لأن المجمع عليه لا ريب فيه»، و قوله: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» لما نحن فيه، بل قوله: «فإن الرشد فيما خالفهم»، و كذا التعليل في رواية الأرجاني لم أمرتم بالأخذ بخلاف ما عليه العامة وارد في المرجح الخارجي، لأن مخالفة العامة نظير موافقة المشهور.
و أمّا معقد الإجماعات فالظاهر أن المراد منه الأقرب إلى الواقع و الأرجح مدلولا و لو بقرينة ما يظهر من العلماء قديما و حديثا من إناطة الترجيح بمجرد الأقربية إلى الواقع كاستدلالهم على الترجيحات بمجرد الأقربية إلى الواقع، مثل ما سيجيء من كلماتهم في الترجيح بالقياس، و مثل الاستدلال على الترجيح بموافقة الأصل بأن الظن في الخبر الموافق له أقوى، و على الترجيح بمخالفة الأصل بأن الغالب تعرض الشارع لبيان ما يحتاج إلى البيان و استدلال المحقق على ترجيح أحد المتعارضين بعمل أكثر الطائفة بأن الكثرة أمارة الرجحان و العمل بالراجح واجب و غير ذلك مما يجده المتتبع في كلماتهم، مع أنه يمكن دعوى حكم العقل (1) بوجوب العمل بالأقرب إلى الواقع في ما كان حجيتها من حيث الطريقية فتأمل.
الشرح
(1) دعوى حكم العقل بوجوب العمل بالأقرب إلى الواقع إنّما يستقيم على القول بحجّيّة الأمارات من باب الظّن المطلق و القول به لا يجامع التّعارض على ما أسمعناك عن قريب، و أما على القول باعتبارها من باب الظّن الخاصّ فمقتضاه على ما عرفت في صدر المسألة هو التّوقّف و الرّجوع إلى الأصل المطابق لأحدهما إن كان، و إلا فالتّخيير العقلي، و من هنا أمر قدس سره بالتّأمّل فيما أفاده.
ظاهر المعظم العدم كما يظهر من طريقتهم في كتبهم الاستدلالية في الفقه و حكى المحقق في المعارج عن بعض القول بكون القياس مرجحا، قال: «و ذهب ذاهب إلى أن الخبرين إذا تعارضا و كان القياس موافقا لما تضمنه أحدهما كان ذلك وجها يقتضي ترجيح ذلك الخبر، و يمكن أن يحتج لذلك بأن الحق في أحد الخبرين، فلا يمكن العمل بهما و لا طرحهما فتعين العمل و إذا كان التقدير تقدير التعارض، فلا بد في العمل بأحدهما من مرجح و القياس يصلح أن يكون مرجحا لحصول الظن به، فتعين العمل بما طابقه.
لا يقال أجمعنا على أن القياس مطروح في الشريعة، لأنا نقول بمعنى أنه ليس بدليل لا بمعنى أنه لا يكون مرجحا لأحد الخبرين، و هذا لأن فائدة كونه مرجحا كونه رافعا للعمل بالخبر المرجوح، فيعود الراجح كالخبر السليم عن المعارض فيكون العمل به لا بذلك القياس و فيه نظر انتهى»(1).
الشرح
نعم مقتضى الأصل بعد البناء على التّخيير في المتعارضين و إهمال ما دلّ عليه من أخباره وجوب التّرجيح بكلّ سواء كانت داخليّة، أو خارجيّة على ما بنى عليه الأمر سابقا، لكنه لا تعلّق له بحكم العقل بوجوب العمل بالأقرب إلى الواقع كما هو ظاهر.
1) معارج الأصول: ص 186.
و مال إلى ذلك بعض سادة مشايخنا المعاصرين (1).
الشرح
(1) مراده قدس سره السيّد طيّب اللّه رمسه الشّريف في المفاتيح حيث، قال:
بعد نقل كلام المعارج ما هذا لفظه و التّحقيق أن يقال إن كان القياس الموافق لأحد الخبرين من القياس بالطّريق الأولى، أو المنصوص العلّة، فلا إشكال في صحّة التّرجيح به، لأن هذين القياسين من الأدلّة الشّرعيّة المعتبرة و قد بيّنا أنّ أحد الخبرين المتعارضين إذا اعتضد بدليل شرعيّ كان اللاّزم ترجيحه و إن كان من القياس المستنبط العلّة الّذي ليس بحجّة شرعا، فلا يخلو أما أن لا يقتضي الظّن بصدق مضمون الخبر الّذي يوافقه، أو يقتضيه، فإن كان الأوّل، فلا إشكال في عدم صحّة التّرجيح به للأصل السّليم عن المعارض و ما سيأتي إليه الإشارة و إن كان الثّاني ففي صحّة التّرجيح به إشكال من الأصل و عموم كثير من الأخبار الواردة في المنع من العمل بالقياس، فإن التّرجيح به عمل به و عموم الأخبار الدّالة على التّخيير بين الخبرين المتعارضين إمّا مطلقا، أو بعد فقد مرجّحات ليس منها محلّ البحث و إن القياس لو كان مرجحا لاشتهر، بل تواتر لتوفّر الدّواعي و أنّه لو كان مرجحا للزم معرفة مسائل القياس و تنقيحها و ضبطها، كما لا يخفى و ذلك قد يكون منافيا لحكمة حرمة القياس، كما لا يخفى و من أصالة حجّيّة الظّن خصوصا في مقام التّرجيح و فحوى ما دلّ على اعتبار كثير من المرجّحات المنصوصة و غلبة حجّيّة مرجّحات ظنّية غير منصوصة فيلحق بها محلّ الشّك و هو محلّ البحث، و لا يعارض ما ذكر عموم الأخبار المانعة عن العمل بالقياس لإمكان دعوى انصرافه إلى المنع من التّمسّك به على حكم شرعي و لو سلّم شمول بعضها لمحلّ البحث فيتوقّف على اعتبار سنده، و لو سلّم فغايته إفادة الظّن بأنّ هذا الظّن لا يكون حجّة في هذا المقام و في صلاحيّة هذا لمعارضة أصالة حجّيّة الظّن إشكال فتأمّل.
و كذلك لا يصلح لمعارضة ذلك عموم الأخبار الدّالة على التّخيير للمنع عن ظهورها في المنع عن التّرجيح بالمفروض سلّمنا، و لكن لم يعلم اعتبار سندها و لو
و الحق خلافه، لأن رفع الخبر المرجوح بالقياس عمل به حقيقة كرفع العمل بالخبر السليم عن المعارض، و الرجوع معه إلى الأصول و أي فرق بين رفع القياس لوجوب العمل بالخبر السليم عن المعارض و جعله كالمعدوم حتى
الشرح
سلّم اعتبار سند بعضها ففي صلاحيّته لمعارضة أصالة حجّيّة الظّن إشكال، و مع ذلك فبعضها معارض مع بعض فيبقى الرّجوع هنا إلى المرجّح الظّني و لا يمكن التّمسّك بها، كما لا يخفى فتأمّل. و أما دعوى ظهور اتّفاق الأصحاب على المنع من التّرجيح به فمحلّ إشكال، إذ ليس بناء معظمهم على ضبط جميع المرجّحات و الإشارة إليها و لو سلّم ذلك فغايته الظّن و في صلاحيّته لمعارضة الأصل المذكور إشكال، و كيف كان فالأحوط الأخذ بالخبر الموافق له حيث يدور الأمر بينه و بين التّخيير و بينه و بين معارضه، و أما إذا وجد للمعارض مرجّح معتبر، فإن كان القياس أضعف منه، فلا إشكال، و كذا إذا كان مساويا فتأمّل، و أمّا إذا كان القياس أقوى ففيه إشكال عظيم فتأمّل انتهى كلامه رفع مقامه.
و فيه أنظار غير مخفيّة، سيّما في تكرّر ذكر أصالة حجّيّة الظّن، فإنه إن كان المراد من الأصل المذكور أصالة حجّيّة الظّن في أحكام اللّه تعالى الّتي بين الأمر عليها جمع من المتأخّرين فيتوجّه عليه ما أسمعناك في بيان محلّ التّعارض أنّ القول بحجّيّة مطلق الظّن ينافي باب التّعارض في الجملة، مضافا إلى رجوع الإشكال على تقديره إلى إشكال خروج القياس عن الدّليل العقلي القاضي بحجّيّة الظّن مطلقا، هذا مضافا إلى أنّ الإشكال مع تسليم اعتبار سند الأخبار المانعة بقول مطلق لا معنى له أصلا، لأنه من تعارض الظّن الخاصّ و المطلق إلى غير ذلك ممّا يتوجّه عليه على هذا التّقدير و إن كان المراد أصالة اعتبار الظّن في خصوص باب التّرجيح في قبال التّخيير على ما بنى عليه شيخنا العلاّمة قدس سره فيما تقدّم من كلامه ففيه أنّ الأصل المذكور ربما نقول به عند الشّك، فكيف يصلح لمعارضة ما دلّ على حرمة إعمال القياس في الدّين مطلقا كما قضى به صريح كلامه.
يرجع إلى الأصل، و بين رفعه لجواز العمل بالخبر المكافئ لخبر آخر و جعله كالمعدوم حتى يتعين العمل بالخبر الآخر.
ثم إن الممنوع هو الاعتناء بالقياس مطلقا، و لذا استقرت طريقة أصحابنا على هجره في باب الترجيح، و لم نجد موضعا منهم يرجحونه به و لو لا ذلك لوجب تدوين شروط القياس في الأصول ليرجح به في الفروع.
فنقول: أما الرجحان من حيث الدلالة فقد عرفت غير مرة تقدمه على جميع المرجحات. نعم لو بلغ المرجح الخارجي إلى حيث يوهن الأرجح دلالة فهو يسقطه عن الحجية و يخرج الفرض عن تعارض الدليلين، و من هنا قد يقدم العام المشهور و المعتضد بالأمور الخارجية الأخر على الخاص.
و أمّا الترجيح من حيث السند فظاهر مقبولة ابن حنظلة تقديمه على المرجح الخارجي، لكن الظاهر أن الأمر بالعكس، لأن رجحان السند إنما اعتبر لتحصيل الأقرب إلى الواقع، فإن الأعدل أقرب إلى الصدق من غيره، بمعنى أنه لو فرض العلم بكذب أحد الخبرين كان المظنون صدق الأعدل و كذب العادل، فإذا فرض كون خبر العادل مظنون المطابقة للواقع و خبر الأعدل مظنون المخالفة، فلا وجه لترجيحه بالأعدلية و كذلك الكلام في الترجيح بمخالفة العامة بناء على أن الوجه فيه هو نفي احتمال التقية.
و أمّا القسم الثاني: و هو ما كان مستقلا باعتبار و لو خلي المورد عن الخبرين، فقد أشرنا إلى أنه على قسمين الأول ما يكون معاضدا لمضمون أحد الخبرين، و الثاني ما لا يكون كذلك.
و استدل في المعارج على ذلك بوجهين: «أحدهما: أن الكتاب دليل مستقل فيكون دليلا على صدق مضمون الخبر.
ثانيهما: أن الخبر المنافي لا يعمل به لو انفرد عن المعارض فما ظنك به معه»(1)انتهى.
و غرضه الاستدلال على طرح الخبر المنافي، سواء قلنا بحجيته مع معارضته لظاهر الكتاب، أم قلنا بعدم حجيته، فلا يتوهم التنافي بين دليليه.
ثم إن توضيح الأمر في هذا المقام يحتاج إلى تفصيل أقسام ظاهر الكتاب، أو السنة المطابق لأحد المتعارضين، فنقول: إن ظاهر الكتاب إذا لوحظ مع الخبر المخالف، فلا يخلو عن صور ثلاث الأولى أن يكون على وجه لو خلي الخبر المخالف له عن معارضة المطابق له كان مقدما عليه لكونه نصا بالنسبة إليه لكونه أخص منه، أو غير ذلك بناء على تخصيص الكتاب بخبر الواحد فالمانع عن التخصيص حينئذ ابتلاء الخاص بمعارضة مثله، كما إذا تعارض أكرم زيدا العالم و لا تكرم زيدا العالم و كان في الكتاب عموم يدل على وجوب إكرام العلماء.
و مقتضى القاعدة في هذا المقام أن يلاحظ أولا جميع ما يمكن أن يرجح به الخبر المخالف للكتاب على المطابق له، فإن وجد شيء منها رجح المخالف به و خصص به الكتاب، لأن المفروض انحصار المانع عن تخصيصه به في ابتلائه بمزاحمة الخبر المطابق للكتاب، لأنه مع الكتاب من
1) معارج الأصول: ص 145.
قبيل النص و الظاهر، و قد عرفت أن العمل بالنص ليس من باب الترجيح، بل من باب العمل بالدليل و القرينة في مقابلة أصالة الحقيقة حتى لو قلنا بكونها من باب الظهور النوعي، فإذا عولجت المزاحمة بالترجيح صار المخالف كالسليم عن المعارض فيصرف ظاهر الكتاب بقرينة الخبر السليم و لو لم يكن هناك مرجح.
فإن حكمنا في الخبرين المتكافئين بالتخيير، إما لأنه الأصل في المتعارضين، و أما لورود الأخبار بالتخيير، كان اللازم التخيير و إن له أن يأخذ بالمطابق و إن يأخذ بالمخالف فيخصص به عموم الكتاب لما سيجيء من أن موافقة أحد الخبرين للأصل لا يوجب رفع التخيير، و إن قلنا بالتساقط، أو التوقف كان المرجح هو ظاهر الكتاب.
فتلخص: أن الترجيح بظاهر الكتاب لا يتحقق بمقتضى القاعدة في شيء من فروض هذه الصورة.
الثانية: أن يكون على وجه لو خلي الخبر المخالف له عن معارضه لكان مطروحا لمخالفة الكتاب كما إذا تباين مضمونهما كلية، كما لو كان ظاهر الكتاب في المثال المتقدم وجوب إكرام زيد العالم، و اللازم في هذه الصورة خروج الخبر المخالف عن الحجية رأسا لتواتر الأخبار ببطلان الخبر المخالف للكتاب و السنة، و المتيقن من المخالفة هذا الفرد فيخرج الفرض عن تعارض الخبرين، فلا مورد للترجيح في هذه الصورة أيضا، لأن المراد به تقديم أحد الخبرين لمزية فيه لا لما يسقط الآخر عن الحجية، و هذه الصورة عديمة المورد فيما بأيدينا من الأخبار الثالثة أن يكون على وجه لو خلي المخالف له عن المعارض لخالف الكتاب، لكن لا على وجه التباين الكلي، بل يمكن الجمع بينهما بصرف أحدهما عن ظاهره، و حينئذ فإن قلنا بسقوط
الخبر المخالف بهذه المخالفة عن الحجية كان حكمها حكم الصورة الثانية، و إلا كان الكتاب مع الخبر المطابق بمنزلة دليل واحد عارض الخبر المخالف و الترجيح حينئذ بالتعاضد و قطعية سند الكتاب فالترجيح بموافقة الكتاب منحصر في هذه الصورة الأخيرة.
لكن هذا الترجيح مقدم على الترجيح بالسند، لأن أعدلية الراوي في الخبر المخالف لا تقاوم قطعية سند الكتاب الموافق للخبر الآخر و على الترجيح بمخالفة العامة، لأن التقية غير متصورة في الكتاب الموافق للخبر الموافق للعامة و على المرجحات الخارجية، لأن الأمارة المستقلة المطابقة للخبر الغير المعتبرة لا تقاوم الكتاب المقطوع الاعتبار، و لو فرضنا الأمارة المذكورة مسقطة لدلالة الخبر و الكتاب المخالفين لها عن الحجية لأجل القول بتقييد اعتبار الظواهر بصورة عدم قيام الظن الشخصي على خلافها خرج المورد عن فرض التعارض.
و لعل ما ذكرنا هو الداعي للشيخ قدس سره في تقديم الترجيح بهذا المرجح على جميع ما سواه من المرجحات و ذكر الترجيح بها بعد فقد هذا المرجح.
إذا عرفت ما ذكرنا علمت توجه الإشكال (1) فيما دل من الأخبار العلاجية
الشرح
(1) تقديم التّرجيح بموافقة الكتاب بأقسامها، و كذا السّنة على التّرجيح بسائر المرجّحات الرّاجعة إلى غير الدّلالة في غير ما يوجب سقوط المخالف عن الحجّيّة ممّا لا إشكال فيه أصلا و لا يتوجّه الإشكال القطعيّة من جهته فيما دلّ من الأخبار العلاجيّة على تقديم بعض المرجّحات عليهما بعد البناء على كون ذكرها من باب مجرّد التّمثيل و عدم إرادة التّرتيب منها، و إلا لم يجامع إناطة التّرجيح بالكلّيّة المستفادة منها، فلا داعي لدفع الإشكال إلى التّكلف الّذي ارتكبه بقوله:
(و أمّا الإشكال المختصّ بالمقبولة) إلى آخره، مع أن الالتزام بتقديم التّرجيح
على تقديم بعض المرجحات على موافقة الكتاب كمقبولة ابن حنظلة، بل و في غيرها مما أطلق فيها الترجيح بموافقة الكتاب و السنة من حيث إن الصورة الثالثة قليلة الوجود في الأخبار المتعارضة و الصورة الثانية أقل وجودا، بل معدومة، فلا يتوهم حمل تلك الأخبار عليها و إن لم تكن من باب ترجيح أحد المتعارضين بسقوط المخالف عن الحجية مع قطع النظر عن التعارض، و يمكن التزام دخول الصورة الأولى (1) في الأخبار التي أطلق فيها الترجيح بموافقة الكتاب، فلا يقل موردها.
و ما ذكر من ملاحظة الترجيح بين الخبرين المخصص أحدهما لظاهر الكتاب ممنوع، بل نقول إن ظاهر تلك الأخبار و لو بقرينة لزوم قلة المورد، بل عدمه و بقرينة بعض الروايات الدالة على رد بعض ما ورد في الجبر و التفويض
الشرح
بالشّهرة على التّرجيح بموافقة الكتاب و السّنة كما ترى، هذا مضافا إلى أنّ الالتزام بالتّرتيب المستفاد من الأخبار لا يجامع البناء على الكلّيّة على ما عرفت، فلو كان هناك ترتيب بين المرجّحات كما في بين جملة منها، فلا تعلّق له بالأخبار أصلا.
(1) لا ينبغي التّأمّل في شمول الأخبار للصّورة الأولى من الموافقة للكتاب و السّنة لا من جهة كون الاختصاص بالصّورة الأخيرة موجبا لقلّة مورد الأخبار، بل من جهة عموم الأخبار بأنفسها لها من غير تأمّل في ذلك، سواء فرض هناك مرجّح للخبر المخالف للكتاب و السّنة القطعيّة أم لا، لأن تقديم الخبر المخالف لو لا المعارض لا يجدي فيما لو كان له معارض قد قضى الدّليل بتقديم ما وافق الكتاب و السّنة بعنوان العموم، هذا كلّه مضافا إلى اقتضاء الكلّيّة المستفادة من أخبار العلاج للتّرجيح في الصّورة الأولى ضرورة كونها أولى من الأمارة الغير المعتبرة و قد عرفت أنّه بناء على الكلّيّة ليس هنا ثمرة عمليّة بين المرجّحات المنصوصة و غيرها.
بمخالفة الكتاب، مع كونه ظاهرا في نفيهما أن الخبر المعتضد بظاهر الكتاب لا يعارضه الخبر الآخر، و إن كان لو انفرد رفع اليد به عن ظاهر الكتاب.
و أمّا الإشكال المختص بالمقبولة من حيث تقديم بعض المرجحات على موافقة الكتاب، فيندفع بما أشرنا إليه سابقا من أن الترجيح بصفات الراوي منها من حيث كونه حاكما و أول المرجحات الخبرية فيه هي شهرة إحدى الروايتين و شذوذ الأخرى و لا بعد في تقديمه على موافقة الكتاب.
ثم إن الدليل المستقل المعاضد (1) لأحد الخبرين حكمه حكم الكتاب
الشرح
(1) بعد ابتناء باب التّعارض و التّرجيح على اعتبار الظّنون الخاصّة ليس هنا عند التّحقيق ما يعاضد أحد المتعارضين غير الكتاب و السّنة القطعيّة النّبويّة، اللّهمّ إلا أن يكون المراد خصوص الأخبار، لكنه غير مراد ظاهرا و إن جرى الحكم المذكور بالنّسبة إلى الأخبار أيضا فإن ما يمكن من غير الأخبار أن يقع موردا للكلام المذكور ليس إلاّ نقل الإجماع و قد عرفت الكلام على حجّيّته من حيث الخصوص، أو الإجماع المحقّق فيما لو انكشف عن وجود حديث معتبر عند الكلّ، أو الإجماع على القاعدة بحيث يكشف قطعا عن صدور لفظ عامّ عن المعصوم عليه السلام.
نعم على القول بحجّيّة الشّهرة، أو الأولويّة الاعتباريّة من حيث الخصوص جرى فيهما ما أفاده في الجملة، لكن القول باعتبارهما من حيث الخصوص ضعيف، و أما الحكم العقلي القطعي في المسألة الفرعيّة، و كذا الإجماع القائم عليها و نحوهما ممّا يفيد القطع بالواقع، فلا يصحّ جعله معاضدا و مرجّحا لما يوافقه من المتعارضين ضرورة انتفاء موضوع الدّليل الظّني مع القطع بالواقع و إن كانا متوافقين فما يظهر من غير واحد ممّن قارب عصرنا من ذكر الدّليل القطعي المطابق لأحد المتعارضين من المعاضد و المرجّح لا بدّ من أن يحمل على المسامحة في
و السنة في الصورة الأولى، و أما في الصورتين الأخيرتين فالخبر المخالف له يعارض مجموع الخبر الآخر و الدليل المطابق له و الترجيح هنا بالتعاضد لا غير.
منها: الأصل بناء على كون مضمونه حكم اللّه الظاهري، إذ لو بني على إفادة الظن بحكم اللّه الواقعي كان من القسم الأول، و لا فرق في ذلك بين الأصول الثلاثة، أعني أصالة البراءة و الاحتياط و الاستصحاب.
لكن يشكل الترجيح بها من حيث إن مورد الأصول (1) ما إذا فقد الدليل
الشرح
التّعبير، قال في الفصول في عداد المرجّحات: «الخامس: التّرجيح باعتبار معاضد خارجي فيرجّح ما يوافقه دليل معتبر من كتاب، أو سنّة، أو إجماع، أو عقل على ما لا يوافقه لا يقال فالحجّة إذن في الدّليل المعتبر لا في الخبر المعتضد به لأنّا نقول تعدّد الدّليل ممّا لا غبار عليه و الاعتضاد موجب للوثوق بصحّة أحد المتعارضين فيضعف معارضه» انتهى كلامه رفع مقامه، و هو كما ترى لا يخلو عن إجمال، ثمّ إنّ الدّليل على اعتبار التّرجيح بالتّعاضد في غير موافقة الكتاب و السّنة هو ما عرفت من الكلّيّة المستفادة من أخبار العلاج، و إلا فمجرّد عنوان التّعاضد لا يصلح علّة لتقديم المتعاضدين على الخبر المجرّد كما هو ظاهر، كما أنّه يعلم ممّا ذكرنا في حكم تعارض المرجّحات من سنخ، أو سنخين حكم تعارض المعاضدات أيضا حتّى فيما كان أحدهما موافقا للكتاب و الآخر موافقا للسّنة و حكم تعارض المعاضدات و المرجّحات، فلا حاجة إلى بسط القول في ذلك كلّه.
(1) قد يناقش فيما أفاده بأنّ الأصل، سواء كان شرعيا محضا، أو عقليّا كذلك، أو له جهتان تعليقي بالنّسبة إلى الدّليل الاجتهادي و إن قيل باعتبار الأصل
........
الشرح
من باب الظّن، فإنه لم يعهد على هذا القول أيضا توهّم معارضة الأصل للدّليل الاجتهادي، فالأولى استناد منع التّرجيح بالأصل إلى عدم شمول الكلّيّة المستفادة من أخبار الباب لما لا يوجب نفي الرّيب بالإضافة، فلا يشمل التّرجيح بالأصل و لا بغيره من الأمور التّعبديّة، هذا مضافا إلى أنّ تخصيص أخبار التّخيير بما إذا كان مقتضى الأصل العملي هو التّخيير في معنى طرح أخبار التّخيير رأسا، هذا مضافا إلى ورود جملة منها في مورد جريان الأصل مثل المكاتبتين المرويّتين في الكتاب، هذا كلّه مضافا إلى أنّ الدّليل القاضي بالتّخيير في المقام الّذي يرجع إلى التّخيير في المسألة الأصوليّة يقتضي حجّيّة الخبر المخالف للأصل، فكيف يزاحمه الأصل، و أما توهّم اقتضاء الأصل التّرجيح بموافقة الأصل من حيث كون الموافق له متيقّن الحجّيّة ففاسد جدّا من حيث ذهاب غير واحد إلى تقديم المخالف للأصل، أ لا ترى إلى عنوانهم لمسألة المقرّر و النّاقل و الاختلاف فيها فتأمّل. هذا مضافا إلى ما عرفت من استلزام التّرجيح به لطرح أخبار التّخيير مع ورود جملة منها في مورد جريان الأصل، و ممّا ذكرنا يظهر ضعف ما حكاه شيخنا العلاّمة قدس سره في الكتاب عن بعض معاصريه في تقريب التّرجيح بالأصل، سيّما ما حكم به أخيرا من تساقط المتعارضين و الرّجوع إلى الأصل المنافي للتّرجيح به، كما أنّه يظهر منه ضعف ما أفاده الشّيخ الفاضل في الفصول بعد جملة كلام له في ترجيح ما وافق الأصل، أو خالفه حيث قال: و لا يذهب عليك أنّ الخبر المعتضد بالأصل يخرج عن كونه دليلا اجتهاديّا على الحكم و يصير من الأدلّة الظّاهريّة الّتي يعبّر عنها بالأدلّة الفقاهيّة كالأصل، و مثله الخبر المعتضد بالاحتياط لو قلنا بتقديمه على غيره، و هذا بخلاف ما لو اعتضد أحد الخبرين بسائر المرجّحات كالشّهرة و موافقة الكتاب و مخالفة العامّة و نحو ذلك و ذلك، لأن هذه المرجّحات تفيد في أنفسها الظّن بصحّة الصّدور، أو المراد، أو المطابقة للواقع بخلاف المعتضد
الاجتهادي المطابق، أو المخالف، فلا مورد لها إلا بعد فرض تساقط المتعارضين لأجل التكافؤ، و المفروض أن الأخبار المستفيضة دلت على التخيير مع فقد المرجح، فلا مورد للأصل في تعارض الخبرين رأسا، فلا بد من التزام عدم الترجيح بها، و إن الفقهاء إنما رجحوا بأصالة البراءة و الاستصحاب في الكتب الاستدلالية من حيث بنائهم على حصول الظن النوعي بمطابقة الأصل، و أما الاحتياط فلم يعلم منهم الاعتماد عليه لا في مقام الإسناد لا في مقام الترجيح، و قد يتوهم أن ما دل على ترجيح التخيير مع
الشرح
بالأصل و الاحتياط فوزان هذين المرجّحين وزان أخبار العمل بأحد المتكافئين، إلى أن قال: و يمكن أن يقال حينئذ بأنّا نطرح الخبرين و نعمل بالأصل المطابق لأحدهما و فيه بعد انتهى كلامه رفع مقامه.
و أنت خبير بأنّ حقيقة الدّليل لا يختلف من جهة موافقته للأصل، بل الأمر في التّخيير أيضا كذلك، فإنه بعد الاختيار يكون المختار دليلا اجتهاديّا، فلعلّ غرضه من هذا الكلام بيان تأخّر مرتبة هذا المرجّح من غيره و إن تقديم الخبر الموافق له ليس من جهة تفاوت حال الموافق بملاحظته من حيث العنوان المأخوذ في حجّيّته فيكون الأخذ به نظير الأخذ بأحد الخبرين عند التّخيير، فكيف كان لا ينبغي الإشكال في عدم مرجّحيّة الأصل على القول بالتّعبد، كما لا ينبغي الإشكال في عدم مرجّحية مخالفه و إن ذكر هنا وجوه، بل أقوال في المسألة في كتب الخاصّة و العامّة، لكن صرف الوقت في تحقيق ما هو أهمّ أولى.
نعم لا ينبغي الإشكال في التّرجيح بالأصل على القول باعتباره من باب الظّن على ما يستفاد من الأخبار و كلماتهم من الكلّيّة و إن كان منافيا لبعض أخبار التّخيير موردا، بل جميع أخبار التّخيير من حيث لزوم تخصيصها بما لم يكن هناك أصل على طبق أحدهما و هو إخراج لأكثر موارد الأخبار.
تكافؤ الخبرين معارض بما دل على الأصول الثلاثة، فإن مورد الاستصحاب عدم اليقين بخلاف الحالة السابقة و هو حاصل مع تكافؤ الخبرين.
و يندفع بأن ما دل على التخيير حاكم على الأصل، فإن مؤداه جواز العمل بالخبر المخالف للحالة السابقة و الالتزام بارتفاعها.
فكما أن ما دل على تعيين العمل بالخبر المخالف للحالة السابقة مع سلامته عن المعارض حاكم على دليل الاستصحاب، كذلك يكون الدليل الدال على جواز العمل بالخبر المخالف للحالة السابقة المكافئ لمعارضه حاكما عليه من غير فرق أصلا، مع أنه لو فرض التعارض المتوهم كان أخبار التخيير أولى بالترجيح و إن كانت النسبة عموما من وجه، لأنها أقل موردا فيتعين تخصيص أدلة الأصول، مع أن التخصيص في أخبار التخيير يوجب إخراج كثير مواردها، بل أكثرها بخلاف تخصيص أدلة الأصول، مع أن بعض أخبار التخيير ورد في مورد جريان الأصول، مثل مكاتبة عبد اللّه بن محمد الواردة في فعل ركعتي الفجر في المحمل، و مكاتبة الحميري المروية في الاحتجاج الواردة في التكبير في كل انتقال من حال إلى حال من أحوال الصلاة.
و ممّا ذكرنا ظهر فساد ما ذكره بعض من عاصرناه في تقديم الموافق للأصل على المخالف من أن العمل بالموافق موجب للتخصيص فيما دل على حجية المخالف، و العمل بالمخالف مستلزم للتخصيص فيما دل على حجية الموافق و تخصيص الآخر فيما دل على حجية الأصول، و إن الخبر الموافق يفيد ظنا بالحكم الواقعي و العمل بالأصل يفيد الظن بالحكم الظاهري فيتقوى به الخبر الموافق، و إن الخبرين يتعارضان و يتساقطان فيبقى الأصل سليما عن المعارض.
و هو: أنهم اختلفوا في تقديم المقرر و هو الموافق للأصل على الناقل و هو الخبر المخالف له و الأكثر من الأصوليين منهم العلامة قدس سره و غيره على تقديم الناقل، بل حكي هذا القول عن جمهور الأصوليين معللين ذلك بأن الغالب فيما يصدر من الشارع الحكم بما يحتاج إلى البيان و لا يستغنى عنه بحكم العقل، مع أن الذي عثرنا عليه في الكتب الاستدلالية الفرعية الترجيح بالاعتضاد بالأصل، لكن لا يحضرني الآن مورد لما نحن فيه، أعني المتعارضين الموافق أحدهما للأصل، فلا بد من التتبع.
و من ذلك كون أحد الخبرين متضمنا للإباحة و الآخر مفيدا للحظر، فإن المشهور تقديم الحاظر على المبيح، بل يظهر من محكي عن بعضهم عدم الخلاف فيه و ذكروا في وجهه ما لا يبلغ حد الوجوب ككونه متيقنا في العمل استنادا إلى (قوله صلى اللّه عليه و آله: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)(1)، (و قوله: ما اجتمع الحلال و الحرام إلا غلب الحرام الحلال)(2)، و فيه: أنه لو تم هذا الترجيح لزم الحكم بأصالة الحرمة عند دوران الأمر بينها و بين الإباحة، لأن وجود الخبرين لا مدخل له في هذا الترجيح، فإنه من مرجحات أحد الاحتمالين، مع أن المشهور تقدم الإباحة على الحظر.
فالمتجه ما ذكره الشيخ قدس سره في العدة (1) من ابتناء المسألة على أن
الشرح
(1) لا يخفى عليك أنّ ما أفاده من اتّجاه ما ذكره الشّيخ قدس سره مبنيّ على القول بالتّرجيح بالأصل، حيث إنّه على هذا القول يقدّم الحاظر على المبيح بناء على أصالة الحضر في الأشياء قبل الاطلاع على الشّرع، و أمّا ما أفاده في الاستدلال
الأصل في الأشياء الإباحة، أو الحظر، أو التوقف حيث قال: «و أما ترجيح أحد الخبرين على الآخر، من حيث إن أحدهما يتضمن الحظر و الآخر الإباحة و الأخذ بما يقتضي الحظر، أو الإباحة، فلا يمكن الاعتماد عليه على ما نذهب إليه من الوقف، لأن الحظر و الإباحة جميعا عندنا مستفادان من الشرع و لا ترجيح بذلك و ينبغي لنا الوقف بينهما جميعا، أو يكون الإنسان مخيرا في العمل بأيهما شاء»(1)انتهى.
و يمكن الاستدلال لترجيح الحظر بما دل على وجوب الأخذ بما فيه الاحتياط من الخبرين و إرجاع ما ذكروه من الدليل في ذلك فالاحتياط و إن لم يجب الأخذ به في الاحتمالين المجردين عن الخبر، إلا أنه يجب الترجيح به عند تعارض الخبرين.
و ما ذكره الشيخ قدس سره إنما يتم لو أراد الترجيح بما يقتضيه الأصل لا بما ورد التعبد به من الأخذ بأحوط الخبرين، مع أن ما ذكره من استفادة الحظر، أو الإباحة من الشرع لا ينافي ترجيح أحد الخبرين بما دل من الشرع على أصالة الإباحة، مثل: قوله عليه السلام: «كل شيء مطلق حتى يرد فيه
الشرح
على تقديم الحاظر بقوله: (و يمكن الاستدلال لترجيح الحظر بما دلّ على وجوب الأخذ) إلخ، فتوجّه عليه مضافا إلى ما ناقشه فيه في طيّ كلماته السّابقة و سيصرّح به عن قريب من اختصاص الرّواية بصورة التّمكّن من تحصيل العلم بأنّ الأخذ بما وافق الاحتياط من الخبرين مطلوب استحبابا تحكيما لأخبار التّخيير عليه من حيث كونه نصّا بالنّسبة إليه على ما أسمعناك في الجمع بينها و بينه و إن لم يكن هذا الجمع مرضيّا عند شيخنا قدس سره، بل عند الأكثر.
1) عدّة الأصول: ص 62.
نهي»(1)، أو على أصالة الحظر مثل: (قوله: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)، مع أن مقتضى التوقف على ما اختاره لما كان وجوب الكف عن الفعل على ما صرح به هو و غيره كان اللازم بناء على التوقف العمل بما يقتضيه الحظر، و لو ادعى ورود أخبار التخيير على ما يقتضيه التوقف جرى مثله على القول بأصالة الحظر.
ثم إنه يشكل الفرق بين ما ذكروه من الخلاف في تقدم المقرر على الناقل، و إن حكي عن الأكثر تقدم الناقل و عدم ظهور الخلاف في تقدم الحاظر على المبيح.
و يمكن الفرق بتخصيص المسألة الأولى بدوران الأمر بين الوجوب و عدمه، و لذا رجح بعضهم الوجوب على الإباحة و الندب لأجل الاحتياط، لكن فيه مع جريان بعض أدلة تقديم الحظر فيها إطلاق كلامهم فيها و عدم ظهور التخصيص في كلماتهم، و لذا اختار بعض سادة مشايخنا المعاصرين تقديم الإباحة على الحظر لرجوعه إلى تقديم المقرر على الناقل الذي اختاره في تلك المسألة هذا.
مع أن الاتفاق على تقديم الحظر غير ثابت و إن ادعاه بعضهم و التحقيق هو ذهاب الأكثر، و قد ذهبوا إلى تقديم الناقل أيضا في المسألة الأولى، بل حكي عن بعضهم تفريع تقديم الحاظر على تقديم الناقل.
و من جملة هذه المرجحات تقديم دليل الحرمة على دليل الوجوب عند تعارضهما، و استدلوا عليه بما ذكرناه مفصلا في مسائل أصالة البراءة عند تعارض احتمالي الوجوب و التحريم.
1) عوالي اللئالي: ج 3، ص 166.
و الحق هنا التخيير (1) و إن لم نقل به في الاحتمالين، لأن المستفاد من الروايات الواردة في تعارض الأخبار على وجه لا يرتاب فيه هو لزوم التخيير مع تكافؤ الخبرين و تساويهما من جميع الوجوه التي لها مدخل في رجحان أحد الخبرين، خصوصا مع عدم التمكن من الرجوع إلى الإمام عليه السلام الذي يحمل عليه أخبار التوقف و الإرجاء، بل لو بنينا على طرح أخبار التخيير في هذا المقام أيضا بعد الترجيح بموافقة الأصل لم يبق لها مورد يصلح لحمل الأخبار الكثيرة الدالة على التخيير عليه كما لا يخفى على المتأمل الدقيق.
الشرح
(1) مقتضى المرفوعة الّتي هي أخصّ من جميع أخبار التّخيير ثبوت التّخيير في الفرض، هذا مضافا إلى أنّ مورد بعض أخبار التّخيير سؤالا ما إذا ورد هناك أمر و نهي، و ليس في الفرض أصل في المسألة الفرعيّة يرجّح به أحد المتعارضين فالحكم بالتّخيير في المقام ممّا لا مناص عنه و إن قيل بتقديم احتمال التّحريم على الوجوب عند فقد النّص، أو إجماله، أو قيل بلزوم التّوقّف و الاحتياط في تكافؤ النّصّين مطلقا ضرورة عدم إمكان الاحتياط في الفرض، و من هنا ذهب غير واحد ممّن اختار الاحتياط في غير الفرض من صور تعارض النّصين المتكافئين إلى التّخيير في المقام، و إن كان المختار ثبوت التّخيير مطلقا وفاقا للمحقّقين على ما أسمعناك في مسألة التّعادل.
و الحاصل: أنّه كما إذا تعادل الخبران من حيث المرجّحات الأربعة لا ينظر إلى موافقة أحدهما للأصول العمليّة و يحكم بالتّخيير بينهما، كذلك لا ينظر إلى مضمونهما من حيث الوجوب و التّحريم، أو غيرهما من الأحكام الثّلاثة، أو أحدهما مع واحد من الأحكام الثّلاثة فيحكم بالتّخيير مطلقا و إن خالف فيما ذكرنا غير واحد من الخاصّة و العامّة، فإن من يقدّم الخبر الدّال على الحظر على ما يدلّ على الوجوب يقدّمه على ما يدلّ على غيره من الأحكام بطريق أولى، إلاّ بالنّسبة
فالمعتمد وجوب الحكم بالتخيير إذا تساوى الخبران من حيث القوة و لم يرجح أحدهما بما يوجب أقربيته إلى الواقع.
و لا يلتفت إلى المرجحات الثلاث الأخيرة الراجعة إلى ترجيح مضمون أحد الخبرين مع قطع النظر عن كونه مدلولا له لحكومة أخبار التخيير على جميعها و إن قلنا بها في تكافؤ الاحتمالين.
نعم يجب الرجوع إليها في تعارض غير الخبرين (1) من الأدلة الظنية إذا
الشرح
إلى ما يدلّ على الإباحة من حيث كونه موافقا للأصل، و من هنا أفرد غير واحد من الأصوليّين لكلّ واحد من الصّور المذكورة عنوانا كما في المفاتيح و غيره، قال في محكيّ الأحكام في عداد مرجّحات المدلولي: «الثّالث: أن يكون حكم أحدهما الحرمة و الآخر الكراهة فالحاظر أولى لمساواته للكراهة في طلب التّرك و زيادته عليه إلى آخر ما ذكره من الوجوه، و قال في محكيّ النّهاية و غيره: (الآمر مقدّم على المبيح للاحتياط و لانتفاء الضّرر بمخالفة المبيح) إلى آخر ما ذكره من الوجوه، و قال في محكيّ شرح المختصر: (و الأحكام يقدّم الحظر على النّدب، لأن الحظر لدفع المفسدة و النّدب طلب المنفعة)، و قال في محكيّه أيضا: (يقدّم الوجوب على النّدب، لأنه أحوط)» انتهى، بل عن غير واحد منهم الحكم بالتّرجيح من حيث المدلول من غير جهة ما عرفت من الأحكام كالحكم التّكليفي بالنّسبة إلى الوضعي و ما دلّ على الأخفّ بالنّسبة إلى ما دلّ على الأثقل لدليل نفي الحرج، و هذا كلّه منحرف عن الصّواب و إن أشير إلى الأخير في بعض ما تقدّم من الأخبار العلاجيّة.
(1) قد أسمعناك فيما قدّمناه لك في تعارض ما كان مبناه على الطّريقيّة أنّ قضيّة القاعدة فيه هو الحكم بالتّوقّف الّذي يرجع إلى التّساقط في الجملة و الرّجوع إلى الأصل العملي المطابق لأحدهما إن كان، و إلا فالتّخيير العقلي نظير التّخيير بين
قلنا بحجيتها من حيث الطريقية المستلزمة للتوقف عند التعارض، لكن ليس هذا من الترجيح في شيء.
نعم لو قيل بالتخيير في تعارضها من باب تنقيح المناط كان حكمها حكم الخبرين كما في إجراء التراجيح المتقدمة في تعارض الأخبار، و إن كان الظاهر من بعضهم عدم التأمل في جريان جميع أحكام الخبرين من الترجيح
الشرح
المحظورين من غير فرق بين أن يكون هناك مرجّح أم لا، فما أفاده من الرّجوع إلى المرجّحات المذكورة في غير تعارض الخبرين نظرا إلى حكومة أخبار التّخيير عليها في تعارض الخبرين مبنيّ على القول بصلاحيّة تلك المرجّحات للتّرجيح، و إلا فقد عرفت عدم صلاحيّتها له، و من هنا قال: «لكن ليس هذا من التّرجيح في شيء، و بالجملة لا فرق بين تلك المرجّحات و المرجّحات الجارية في الأخبار في عدم الالتفات إليها في غير تعارض الأخبار.
نعم ما كان منها مرجعا كالأصل يرجع إليه في تعارض غير الأخبار على الطّريقيّة على القول بعدم إجراء التّخيير فيه بملاحظة تنقيح المناط، و إلا فيحكم بالتّخيير أيضا كما في تعارض الأخبار كما أشار إليه في الكتاب، لكن التّنقيح على وجه القطع غير مسلّم و الاتّفاق على اتّحاد الحكم في باب التّعارض غير معلوم، بل الأمر، كذلك بالنّسبة إلى التّرجيح أيضا و إن كان أمره أظهر لاستفاضة الإجماع على وجوب الأخذ بأقوى الدّليلين و أرجحهما من غير فرق بين الخبرين و غيرهما، مضافا إلى وجوه أخر قاضية بالتّعميم على ما عرفت الإشارة إليها و إلى ما يتوجّه عليها و دعوى عدم الفصل بين التّخيير و التّرجيح كما ترى، قال: في المفاتيح إذا وقع التّعارض بين أقسام الأدلّة الظّنّية غير الخبر وجب أيضا الرّجوع إلى المرجّحات، و الظّاهر أنّه ممّا لا خلاف فيه» انتهى كلامه رفع مقامه.
و هو المراد بالبعض في كلام شيخنا قدس سره الّذي استظهر عدم الخلاف في جريان التّرجيح في تعارض غير الأخبار.
فيها بأقسام المرجحات مستظهرا عدم الخلاف في ذلك.
فإن ثبت الإجماع على ذلك، أو أجرينا ذلك في الإجماع المنقول من حيث إنه خبر فيشمله حكمه فهو، و إلا ففيه تأمل، لكن التكلم في ذلك قليل الفائدة (1)، لأن الطرق الظنية غير الخبر ليس فيها ما يصح للفقيه دعوى حجيته من حيث إنه ظن مخصوص سوى الإجماع المنقول بخبر الواحد.
الشرح
(1) توضيح المقام و ما أفاده في تنقيحه هو أنّه لا إشكال على ما نبّهناك عليه مرارا، و عن قريب في أنّ كلاّ من التّرجيح و التّخيير الثّابتين في تعارض الأخبار على خلاف الأصل و القاعدة، و إنّما خرجنا عنهما لمكان الأخبار العلاجيّة الواردة في تعارض خصوص الأحاديث و الرّوايات الظّنية، فلا يشمل تعارض غير الأخبار، كما لا يشمل تعارض الأخبار و غيرها و لا يشمل تعارض ما علم صدوره من الأخبار أيضا عند التّحقيق في الجملة، فلو تعارضت آيتان، أو سنّتان، أو إحداهما مع الأخرى، أو إحداهما مع الخبر الظّنّي، فلا يشملها الأخبار العلاجيّة و إن جرى التّرجيح من حيث الدّلالة في جميعها، فإن التّرجيح من الحيثيّة المذكورة ليس لمكان التّعبّد، و كذا الحكم فيما لو تعارض الإجماعان المنقولان، أو أحدهما مع الخبر الظّنّي على القول بحجّيّة نقل الإجماع من حيث الخصوص من جهة آية النّبإ و غيرها لعدم ظهوره من الأخبار العلاجيّة و دعوى تسرية الحكم إليه من جهة العلّة المنصوصة في الأخبار العلاجيّة كما في الكتاب كما ترى، فإن الكلّيّة الكبرى المستفادة من التّعليل هو تقديم ما ليس فيه الرّيب الموجود في صاحبه من الأخبار لا مطلقا و هو أمر ظاهر لا ريب فيه عند التّأمّل أصلا فقوله قدس سره، و أما التّرجيح من حيث الصّدور فالظّاهر أنّه كذلك إلخ، منظور فيه، و من هنا لم يستدلّ أحد فيما أعلم على حجّيّة نقل الإجماع بالأخبار العلاجيّة، مع أنهم استدلّوا على حجّيّة الأخبار في الجملة بالأخبار العلاجيّة.
........
الشرح
نعم من قال: بحجّيّة نقل الإجماع من حيث الخصوص كما يظهر من المعالم و غيره أجرى حكم تعارض الأخبار في تعارض نقلي الإجماع، فإن كان هناك إجماع فهو، و إلا فللنّظر فيه مجال واسع هذا كلّه على القول بحجّيّته من حيث الخصوص، و أما على القول بحجّيّته من حيث العموم من جهة اندراجه تحت مطلق الظّن فسيجيء حكمه هذا في نقل الإجماع، و أما غيره كالشّهرة و الأولويّة الاعتبارية و غيرهما لو قيل بحجّيّتها من حيث الخصوص كما عن الشّهيد قدس سره بالنّسبة إلى الأوّل و ثاني الشّهيدين و صاحب المعالم قدس أسرارهما بالنّسبة إلى الثّاني، كما يظهر من الأوّل في المسالك في مسألة الشّياع الظّني و من الثّاني في مسألة استحالة النّجاسات فتأمّل. فلا يجري حكم تعارض الأخبار بالنّسبة إليها قطعا، كما لا يجري في تعارض الأخبار معها و إن كان ظاهر نقل الإجماع و غيره في لزوم الأخذ بأقوى الدّليلين تسرية الحكم بالنّسبة إليها أيضا هذا فيما قيل بحجّيّته من الأمارات من حيث الخصوص، و أما على القول بحجّيتها من باب الظّن المطلق، فلا إشكال في عدم تصوّر التّعارض بينها على القول باختصاص النّتيجة بالفروع على ما يقتضيه التّحقيق من كون النّتيجة حجّيّة الظّن الشّخصي. نعم على القول بالتّخصيص بالأصول، أو التّعميم يتصوّر التّعارض جدّا، إلا أن في جريان حكم تعارض الأخبار في تعارضها منعا ظاهرا.
نعم لا يبعد القول بلزوم متابعة الأقوى لا لمكان التّرجيح، بل لمكان وجود مناط الحجّيّة فيه ليس إلاّ نظير ما أسمعناك في الجزء الأوّل من التّعليقة في الظّن المانع و الممنوع فهو خارج عن حقيقة التّرجيح أيضا فتأمّل.
هذا و إن شئت شرح القول في ذلك فارجع إلى ما ذكرنا من القول في ذلك في مطاوي كلماتنا السّابقة، و إنّما تكلّمنا في ذلك في المقام اقتضاء لأثر شيخنا العلاّمة قدس سره و بما ذكرنا كلّه يظهر حكم تعارض الظّن الخاص و المطلق، فإن الأوّل
........
الشرح
بمنزلة الدّليل بالنّسبة إلى الثّاني، فلا يقع التّعارض بينهما.
نعم لو فرض في مقام ورد حكم الشّارع فيه بحجّيّة مطلق الظّن لا من جهة الانسداد وقع التّعارض بينه و بين الظّن الخاصّ، لكن الحكم فيه بالتّرجيح و التّخيير يظهر ممّا ذكرنا في حكم غيره من الصّور فتدبّر.
و لنختم الكلام في المسألة بذكر أمور:
الأوّل: أنّا ذكرنا مطاوي كلماتنا أنّ المدار في التّرجيح على مطلق المزيّة الدّاخليّة، أو الخارجيّة الرّاجعة إليها و إن ما ذكر في الأخبار و كلمات العلماء من المرجّحات الأربعة راجعة إلى تشخيص جملة من مصاديقها و أكثر اشتمالا من الكتب عليها، سيّما المرجّحات السّنديّة الرّاجعة إلى الصّدور كتاب المفاتيح لسيّد مشايخ شيخنا العلاّمة قدس أسرارهما، لكن لا بدّ للفقيه من الرّجوع إلى الكتب الرّجاليّة لتحصيل المصاديق و تشخيصها كتشخيص العادل و غيره و العادل و الأعدل و الفقيه و الأفقه و الضّابط و الأضبط و الورع و الأورع إلى غير ذلك، كما أنّه لا بدّ له من الرّجوع إليها لتحصيل ما هو مناط أصل الحجّيّة و إن كان هذا العلم كأكثر ما له دخل في الاستنباط من العلوم متروكا عند كثير من محصّلي أهل عصرنا، و قد اتّخذوا الاجتهاد أسهل الأمور، مع أنه أشقّها و نسأل اللّه تعالى التّوفيق لتحصيله كما وفّق له علماءنا الماضين رضوان اللّه عليهم أجمعين.
الثّاني: أنّا قد ذكرنا لك في مطاوي كلماتنا الكلام في إلحاق غير الأخبار من الظّنون الخاصّة بالأخبار في أحكام التّعارض ترجيحا و تخييرا، و على القول بعدم الإلحاق لا بدّ أن يراعي الفقيه ما يقتضيه القاعدة في تعارض الطّرق، فإن الحكم المذكور ترجيحا و تخييرا على خلاف الأصول و القواعد، فإذا تعارض من غير الأخبار أمارتان و كان إحداهما موافقة للكتاب، أو السّنة، فلا بدّ من الأخذ بهما من حيث كونهما مرجعا لا مرجحا، فلا يرجع إلى الأصل المطابق لإحداهما إلاّ فيما
........
الشرح
لم يكن هناك أحدهما، و كذا الحكم فيما إذا وقع التّعارض بين الأخبار و غيرها على القول المذكور ضرورة عدم جواز الرّجوع إلى الأصل العملي مع وجود الدّليل في المسألة و لو كانا متوافقين.
الثّالث: أنّا قد أشرنا في أوّل المسألة عند التّكلّم في بيان حقيقة التّعارض إلى أنّه لا يقع التّعارض غالبا بين الأصول فيما حكموا بوقوع التّعارض بينها و إذا فرض وقوعه بينها في مورد، فلا معنى للحكم بالتّرجيح، أو التّخيير بينها، بل لا بدّ من الرّجوع إلى أصل ليس في مرتبة المتعارضين لما أسمعناك من كونهما على خلاف الأصول، و إن قلنا بكون الأصل التّرجيح فيما قام هناك دليل على حجّيّة المتعارضين في الجملة مع إهماله، فإذا وقع التّعارض بين الاستصحابين في الماء النّجس المتمّم كرّا بطاهر فيحكم بالرّجوع إلى أصالة طهارة الماء، كما أنّا قد أشرنا مرارا في طيّ أجزاء التّعليقة إلى عدم وقوع التّعارض بين الأصول و الظّواهر المعتبرة فما في كلام ثاني الشّهيدين قدس أسرارهما في التّمهيد و غيره في غيره من بيان صور تعارض الأصل و الظّاهر، و أنّه قد يقدّم الأصل، و قد يقدّم الظّاهر، و قد يظهر الإشكال في صور و ذكر أمثلة لكلّ قسم من الأقسام الثّلاثة ليس الغرض منه ما يتراءى منه في ابتداء النّظر، بل الغرض مجرّد التّعارض الصّوري، كما أنّ الغرض من التّقديم ليس هو التّقديم لمكان التّرجيح بعد فرض التّعارض، بل الغرض من تقديم الأصل هو العمل به دون الظّاهر المقابل له فيما لم يكن معتبرا، كما أنّ الغرض من تقديم الظّاهر هو تعيّن الأخذ به إذا كان معتبرا في مقابل الأصل فموارد الإشكال ترجع حقيقة إلى الإشكال في اعتبار الظّاهر و إن كان مقتضى القاعدة عند اشتباه الأمر الرّجوع إلى الأصل من دون تأمّل كما هو ظاهر.
الرّابع: أنّه إذا وجد لأحد المتعارضين ما يوجب تقديمه على صاحبه، فإن احتمل انقلاب الأمر، أو حصول التّعادل بالفحص وجب عليه النّظر و الفحص، و إلا
فإن قيل بحجيتها فإنما هي من باب مطلق الظن، و لا ريب أن المرجع في تعارض الأمارات المعتبرة على هذا الوجه إلى تساقط المتعارضين إن ارتفع الظن من كليهما، أو سقوط أحدهما عن الحجية و بقاء الآخر بلا معارض إن ارتفع الظن عنه.
الشرح
لم يجب و إن احتمل الوقوف على ما يوجب مزيد الرّجحان بعد الفحص و الوجه فيما ذكرنا واضح.
هذا آخر ما وفّقنا لإيراده في المقام بتوفيق اللّه الملك العلاّم و دلالة أهل الذّكر عليهم ألف الصّلاة و السّلام، و كان الفراغ منه في اليوم التّاسع من شعبان من سنة ألف و ثلاثمائة و خمسة عشر من الهجرة النّبويّة على هاجرها ألف السّلام و التّحيّة، مع تشتّت البال، و تجرّع الغصص، و تراكم الغموم، و الحمد للّه أوّلا و آخرا، و له الشّكر الدّائم سرمدا و صلّى اللّه على خاتم النّبيّين و آله الطّيبين الطّاهرين صلاة لا تنقطع أبدا، و أرجو من إخواني المؤمنين النّاظرين إلى ما كتبت في هذه الأوراق مع ما فيه من الخلل و القصور أن يذكروني بطلب المغفرة و الدّعاء، و إن يعفوا عمّا يجدوا فيه من السّهو و الخطاء و الاشتباه، فإن العصمة مختصّة بأهلها، مع أني قد أتبعت فيه كثيرا فإنّي قد عملته بعد فقد كثير من أجزائه ممّا عملته في سالف الزّمان و أعترف بأنّي ما أتيت بشيء عجيب، فإن كان فهي رشحة من رشحات بحر إفادات شيخنا الأستاذ العلاّمة قدّس اللّه نفسه الزّكيّة جزاه اللّه و جميع علمائنا عنّا و عن الإسلام خيرا و رضوانه، بل سلامه عليهم أجمعين أبد الآبدين و دهر الدّاهرين، و حشرنا و إيّاهم مع الأئمّة الطّاهرين صلوات اللّه عليهم أجمعين، و قد جرى القلم بما جرى في بلدة طهران المشحونة بالهموم و الأحزان قد فرغ من مقابلة تمام الأجزاء و تصحيحها إلاّ بعض أجزاء حجّيّة القطع بقدر ما وسعه الحال و اقتضاه المجال العبد المذنب العاصي محمّد رضا الطّبرسي النّوري وفّقه اللّه لتحصيل مرضاته.
و أمّا الإجماع المنقول فالترجيح بحسب الدلالة من حيث الظهور و النصوصية جار فيه لا محالة، و أما الترجيح من حيث الصدور، أو جهة الصدور، فالظاهر أنه كذلك، و إن قلنا بخروجه عن الخبر عرفا، فلا يشمله أخبار علاج تعارض الأخبار و إن شمله لفظ النبإ من آية النبأ لعموم التعليل المستفاد من (قوله: فإن المجمع عليه لا ريب فيه)، و (قوله: لأن الرشد في خلافهم)، فإن خصوص المورد لا يخصصه و من هنا يصح إجراء جميع التراجيح المقررة في الخبرين في الإجماعين المنقولين، بل غيرهما من الأمارات التي يفرض حجيتها من باب الظن الخاص، و مما ذكرنا يظهر حال الخبر مع الإجماع المنقول، أو غيره من الظنون الخاصة لو وجد.
و الحمد للّه على ما تيسر لنا من تحرير ما استفدناه بالفهم القاصر من الأخبار، و كلمات علمائنا الأبرار في باب التراجيح رجح اللّه ما نرجو التوفيق له من الحسنات على ما مضى من السيئات بجاه محمد و آله السادة السادات عليهم أفضل الصلوات و أكمل التحيات، و على أعدائهم أشد اللعنات و أسوأ العقوبات آمين آمين آمين، إلى هنا كتبه سلّمه اللّه عن الآفات و العاهات بحقّ محمّد و آله أشرف السادات، قد فرغت من تحريرها يوم الثلاثاء الثامن من شهر الرجب سنة ألف و مائتين و سبعين و أربعة من الهجرة 1274.
الأمر الثاني مما يعتبر في تحقق الاستصحاب أن يكون في حال الشك متيقنا بوجود المستصحب في السابق حتى يكون شكه في البقاء 8
في الوجوه التي استدل بها على عدم إمكان الجمع بين القاعدة و الاستصحاب 9
في بيان المناقشة في الوجوه المذكورة عدا السادس 11
في تتميم ما تقدم عدم جواز إرادة القاعدتين من الأخبار 17
في تتميم ما تقد من عدم إمكان الجمع بين القاعدتين في كلام واحد 19
الأمر الثالث ان يكون كل من البقاء ما أحرز حدوثه سابقا و ارتفاعه غير معلوم 26
في أ، وجود العلم في مورد الاستصحاب يمنع عن جريانه مطلقا 27
في تحقيق الفرق بين الحكومة و الورود و التخصيص 28
في حكم الاستصحاب مع الدليل الموجود في مورده 30
في نسبة الاستصحاب بناء على الظن مع الدليل الاجتهادي 33
نقل كلام الفاضل القمي و النراقي قدس سرهما فيما يتعلق بالمقام و الذب عنهما 36
في وجه توصيف الدليل بالاجتهاد و الأصل بالفقاهة 42
في وجوه الفرق بين الدليل الاجتهادي و الفقاهتي 42
البحث في عدم معارضة الاستصحاب لبعض الأمارات فيقع في مسائل 46
المسألة الأولى في حكم تعارض اليد مع الاستصحاب 46
في الاستدلال على تقديم اليد على الاستصحاب بوجوه 47
إشارة إجمالية إلى الإشكال الوارد و إلى دفعه 49
في الذب عن الإشكالات المذكورة الواردة في المقام 50
نقل بعض فقرات رواية الفدك مما يتعلق بالمقام 53
في بيان بعض ما يتعلق بالحديث الشريف 55
المسألة الثانية في أن أصالة الصحة في العمل بعد الفراغ عنه لا يعارض بها الاستصحاب 60
في أن الشك في الشيء يطلق على ثلاثة معان 62
الكلام في المقام الأول في تعيين ما هو المراد من المعنيين 63
الكلام في المقام الثاني في بيان حكم كل من المعنيين و لازمه 64
في أن المراد من المحل في الأخبار ليس هو المحل العادي 66
في بيان تعارض الأخبار و كيفيته 70
في أن مقتضى الروايات خروج الوضوء عن تلك القاعدة 75
في توجيه كون الحكم في الوضوء على طبق القاعدة بوجوه و الإيراد عليها 77
في أن حكم الشك في الشرط حكم الشك في الجزء أم لا 82
في أن الشك في الصحة هل هو ملحق بالشك في الوجود أم لا 86
المسألة الثالثة في أصالة الصحة في فعل الغير 92
في بيان مدرك حمل فعل المسلم على الصحة و مقدار دلالته 92
في أن للصحة معان بعضها خارج عن محل النزاع و بعضها داخل فيه 96
في أن التنظر المذكور في غير محله لوجهين 97
في وجه الاستشهاد بالرواية على ما ذكره قدس سره في الكتاب و في مجلس البحث 98
الدليل الثالث على اعتبار أصالة الصحة 103
الدليل الرابع على اعتبار أصالة الصحة 105
في أن فعل الغير يحمل على الصحة الواقعية أو على الصحة باعتقاد الفاعل 107
في جريان أصالة في المقام بالنظر إلى الأدلة السابقة 112
في معنى حمل فعل المسلم على الصحيح و أن الآثار المطلوبة تختلف باختلاف الأفعال 119
في أن ما فرعه قدس سره على القاعدة صحيح لا غبار عليه 122
في أن استصحاب الإذن و أصالة عدم البيع قبل الرجوع و نحوهما من الأصول المثبتة 125
في التنبيه الرابع من تنبيهات أصالة الصحة في فعل الغير 127
في أن مقتضى التعليل وجوب التبين في خبر العادل أيضا بناء على كونه علميا 131
في الفرق بين الاستصحاب أو أصالة الصحة بناء على اعتبارهما من باب الظن النوعي 135
في التنبيه على ما لم ينبه عليه الأستاذ قدس سره 138
نقل كلام ككاشف الغطاء قدس سره 138
في التنبيه الثاني و الثالث 139
التنبيه السادس في بيان حكم تعارض الاستصحاب مع القاعدة 142
في حكم تعارض القاعدة مع الاستصحابات الموضعية 145
في أن الأصل المذكور غير خارج عن الأصل المثبت 148
في تتميم ما تقدم من حكومة أصالة الصحة على الاستصحاب بالموضوعية 151
في إثبات الملازمة بين حجية الاعتقاد و حجية خبره 158
في تأييد ما ذكره المصنف قدس سره بوجوه 160
الكلام في القرعة و شرح القول فيها 162
الكلام في المقام الأول من المقامات الثلاثة 164
الكلام في المقام الثالث منهما 165
الكلام في المقام الثاني 166
في تعارض الاستصحاب مع ما عداه من الأصول 169
في حكم تعارض الاستصحاب مع أصالة البراءة 169
في حكومة الاستصحاب الحكمي و الموضوع على أصالة البراءة 173
في الإشارة الإجمالية إلى ما هو المراد من الموثقة 174
في حكم تعارض الاستصحاب مع الاحتياط 176
في حكم تعارض الاستصحاب مع قاعدة التخيير 177
في حكم تعارض الاستصحاب و تقابلهما 181
في بيان دلالة الأخبار على تقديم الأصل في الشك المسبب 183
في تقريب تقدم الأصل في الشك السبب على الأصل في الشك المسبب 186
نقل بعض ما يدل على معارضة البراءة للاستصحاب 195
في بيان تقديم الاستصحاب الموضوعي على الاستصحاب الحكمي 200
في أنه لا يجوز الترجيح بين المتعارضين من الاستصحاب على كل تقدير 203
في الفرق بين الاستصحاب المردد بين الاستصحاب و الخبر المردد بين الخبرين 208
في بيان حكم الاستصحاب المردد بين الاستصحابين 210
في بيان حكم الصورة الرابعة التي يعمل فيها بأحد الاستصحابين 217
في بيان الحال الفراغ المعروف و هو أنه لو أخل مريد الانقطاع بذكر المدة انقلب دائما 218
في أن إعمال أصل في الشبهات الموضوعية لا يتوقف على الفحص إلا في بعض الموارد 222
في شهادة تمام الموازين على كون المسألة من مسائل علم الأصول 225
في بيان معنى التعارض و ما هو المراد منه في المسألة 227
في بيان المراد من الدليل الاجتهادي و الفقاهتي و وجه النسبة بينهما 231
في بيان حكم تعارض الدليلين الاجتهاديين و الفقاهتيين 234
في بيتم أن الدليل حاكم على الأصل أو وارد عليه و تحقيق معنى الحكومة و الورود 236
في الإشارة إلى التدقيقات المتعلقة بمسألة الحكومة و الورود التي خلت عنها زبر الأولين و الآخرين كما لا يخفى على البصير المنصف 239
في الإشارة إلى الإشكال الذي لا ينحل و هو تعارض الحكم الظاهري مع الحكم الواقعي 242
الكلام في التقسيم الثاني 244
نقل الكلمات المصرحة بعدم تصور التعارض بين الأدلة القطعية 245
نقل كلام الفاضل النراقي في المسألة و الاعتراض على ما أفاده قدس سره 247
نقل كلام صاحب فصول و الإشارة إلى ما فيه 249
نقل كلام صاحب الضوابط على بسطه و طوله 251
في أن الكلام المذكور من الضوابط محل نظر وجوه 253
نقل كلام السيد في المفاتيح 254
في بيان كيفية جريان الورود و الحكومة في الأصول اللفظية 256
في المراد من قاعدة الجمع و شرح الألفاظ الواقعة فيها 263
في الاستدلال على القاعدة بوجوه 267
نقل كلمات جمع من الأعلام في بيان المراد من قاعدة الجمع 268
في عدم خلو صدر التعارض عن الأربع 272
في أن أدلة الصدور حاكمة على أدلة الظهور أم لا 274
في أن مقتضى القاعدة عدم ترجيح لأحد من الجمع و الطرح على صاحبه 277
في أن ما يقتضيه الدليل الخارجي من ترجيح الطرح على الجمع يرجع إلى وجوه 280
في بيان وجه تقديم التصرف في الظاهر على التصرف في الأظهر 283
في التنبيه على أمور تقدمت للإشارة إليها 286
في بيان إجراء قاعدة الجمع في البينات 294
في أن تحكيم أدلة الصدور على أدلة الظواهر غير جار في البينات 297
في المناقشة على الوجهين اللذين استدل بهما للجمع في البينات 299
المقام الأول في المتكافئين 304
في بيان ما يقتضيه الأصل و القاعدة الأولية في حكم المتعادلين 305
في بين لازم الطريقية و السببية 310
في أن احتمال السببية غير متطرق في باب التعارض 312
في بيان الفرق بين التزاحم و التعارض 313
نقل كلام بعض المعاصرين 316
في المناقشة فيما أفاده بعض الأفاضل المعاصر 317
الكلام في المقام الثني 318
في الإشارة إلى ما هو مدرك التخيير من الأخبار 320
في الجمع بين الأخبار الواردة في الباب 322
في حكم تعادل الخبرين من الأمارات 325
في التنبيهات المتعلقة بتعادل الخبرين 328
التنبيه الثاني في أن التخيير هنا بدوي أو استمراري 332
التنبيه الثالث 336
التنبيه الرابع 336
الكلام في أصل وجوب الفحص عن المرجح ثم في مقداره 344
المقام الثاني في التراجيح 348
في إقامة البرهان على وجوب الترجيح في الجملة 348
في أن الكلام في المقام يقع في مواضع أربعة 350
الكلام في الموضع الثالث من المواضع المتقدمة 352
الكلام في الموضع الرابع 353
في أن الأصل عدمه الترجيح بالظن كما أن مقتضاه عدم حجية الظن 355
في تتميم ما تقدم من تأسيس الأصل في المسألة 357
نقل كلام بعض الفضلاء المعاصرين 359
في ذكر وجوه أخر غير ما تقدم للقول بوجوب الترجيح 363
في الوجوه التي يستدل بها للقول بعدم وجوب الترجيح 366
في التعرض لجملة من الإشكالات المتوجهة على ظاهر المقبولة و الذب عنها 376
في أن العلاج الذي أفاده قدس سره من المقبولة و المرفوعة محل مناقشة 385
في التعرض لحال سائر الأخبار الواردة في الباب و التوفيق بينهما بقدر الإمكان 389
في الاستدلال التعدي من المرجحات المنصوصة بوجوه 398
في تقريب دلالة بعض فقرات أخبار العلاج على التعدي عن المرجحات المنصوصة 399
في الاستشهاد بفقرات أخر من الأخبار للتعدي عن المرجحات المنصوصة 402
في أن الأقوى اعتبار الظن بوجود المرجح 404
في تقسيم المرجحات إلى الداخلي و الخارجي 408
في بيان تقديم الترجيح من حيث الدلالة على سائر وجوه التراجيح 411
نقل كلام بعض أفاضل العصر و ما يتوجه عليه 412
في أن القوة و الضعف بحسب خصوصيات المقامات لا يدخلان تحت ضابطة 416
في بيان حال النواسخ المودعة عند الأئمة عليهم السلام و تصويرها 419
في حكم ما لو دار الأمر بين تخصيص العام و تقييد الإطلاق 421
تحقيق الكلام في حكم تعارض أزيد من الدليلين 424
في دفع ما يتوهم من التعارض بين الأخبار الواردة في عارية الذهب و الفضة 427
في بيان نسبة سائر المرجحات غير الدلالة 434
في تتميم ما تقدم من البحث عن المرجحات و كيفية ترتبيها 462
في الترجيح بمخالفة العامة و كيفيته 468
تحقيق الكلام في الوجوه المحتملة في الترجيح بمخالفة العامة 470
بعض الكلام في جملة المرجحات 478
نقل كلام السيد في المفاتيح في الترجيح بالقياس و ما يتوجه عليه 491
في حكم الدليل المستقل المعاضد لأحد المتعارضين 498
نقل كلام صاحب الفصول و ما يتوجه عليه 500
في الإشارة إلى حكم تعارض غير الأخبار من الأدلة 509
ختم الكلام في المسألة بذكر أمور 511