ghaemiyeh.com
بحر الفوائد في شرح الفرائد
سایر عناوین: فرائد الاصول. شرح / الرسائل
شارح: آشتیانی، محمدحسن بن جعفر
سایر نویسندگان
نویسنده: انصاری، مرتضی بن محمدامین
زير نظر: عاملی، جعفر مرتضی
محقق: لجنة إحیاء التراث العربی
تعداد جلد: 8
زبان: عربی
ناشر: مؤسسة التاريخ العربي - بیروت - لبنان
سال نشر: 1429 هجری قمری|2008 میلادی
کد کنگره: /الف8 ف40225 1387 159 BP
محرر رقمی میثم حیدری
بحر الفوائد في شرح الفرائد
مؤسسة التاريخ العربي - بیروت - لبنان
بسم الله الرحمن الرحيم
في أنّه إذا بني على تعميم الظن فإن كان التعميم على تقرير الكشف بأن يكون مقدمات الانسداد كاشفة عن حكم الشارع بوجوب العمل بالظن في الجملة ثم تعميمه بإحدى المعممات المتقدمة، فلا إشكال من جهة العلم بخروج القياس عن هذا العموم لعدم جريان المعمم فيه بعد وجود الدليل على حرمة العمل به، فيكون التعميم بالنسبة إلى ما عداه كما لا يخفى على من راجع المعممات المتقدمة.
و أمّا على تقرير الحكومة بأن يكون مقدمات الدليل موجبة (1) لحكومة
الشرح
(1) توجّه الإشكال في خروج القياس و أمثاله على تقرير الحكومة بالمعنى الّذي ذكر له في الكتاب في هذا المقام و في غيره من كلماته في الأمر الثّاني و غيره ممّا لا إشكال فيه، ضرورة أنّ حكم العقل بحجيّة مطلق الظّن أو خصوص الاطمئناني منه بحيث لا دخل للأسباب فيه أصلا كحكمه في سائر القضايا و الموارد مبنيّ على علّة و مناط لا يمكن انفكاك حكمه عنه، فلو تخلّف في مورد فيلزم أن لا يكون حاكما و هو خلف فلا بدّ أن يكون خروج الخارج خروجا موضوعيّا بمعنى عدم انطباق المناط الّذي هو الموضوع في القضية العقليّة عليه، و هذا معنى عدم إمكان تطرّق التّخصيص في القضايا العقليّة و الأمر في القضايا الشّرعيّة و إن كان كذلك بمعنى عدم انفكاك ما هو المناط و العلّة في حكم الشارع عن حكمه، إلاّ أنّه لا يلزم الشارع أن يجعل المناط الأولى موضوعا دائما في القضايا اللفظيّة الكاشفة عن مراد الشارع فيجوز طرو التّخصيص و النسخ الّذي هو
........
الشرح
يؤول إليه و غيرهما بالنّسبة إلى القضيّة اللّفظيّة لا اللبيّة و إن كانت منطبقة عليها بالنّظر إلى ظاهر اللفظ
و من هنا يحكم بالعموم إلى استكشاف عموم العلّة من اللّفظ، إلاّ أنّه إذا ورد التّخصيص و القرينة الكاشفة عن المراد يحكم بأنّ المراد من أوّل الأمر غير ما خرج عن العموم من جهة عدم وجود المناط فيه، و في الحقيقة لا تنافي بينهما أصلا، و إن حكموا بتنافيهما بالنّظر إلى ظاهر اللّفظ هذا بالنّسبة إلى المعنى المعروف التقرير الحكومة، و أمّا على ما بني عليه الأمر عند الإشكال في تماميّة المقدّمات و في طيّ الأمر الثّاني عند المنع عن تعميم النّتيجة بالنّسبة إلى المراتب، فالظّاهر عدم الإشكال في توجّه الإشكال أيضا، حيث إنّه إذا استقلّ العقل في حكمه بتعيين الأخذ بالظّن القوي أو مطلق الظّن في مخالفة الاحتياط و فرض حصولهما من القياس القائم على عدم التّكليف مثلا، فيجري فيه ما جرى في حكمه بحجيّة مطلق الظّن و في حكمه في سائر المقامات من عدم إمكان طرو التّخصيص عليه هذا.
و أمّا ما يقال من أنّ حكم العقل بوجوب العمل بالظّن القوي أو مطلق الظّن في امتثال الأحكام الشّرعيّة، أو في اختيار مخالفة الاحتياط إنّما لا يقبل لورود نهي الشارع عن بعض أفراد الظّن و إخراجه عن حكمه إذا كان على وجه الإطلاق من غير تقييد بعدم ورود النّهي عن الشارع بالنّسبة إلى بعض أفراده، و أمّا إذا كان على وجه التّقييد فلا يتوجّه هناك إشكال أصلا لورود النّهي عن العمل بالظّن القياسي و أشباهه، ضرورة ارتفاع موضوع حكم العقل حينئذ بوروده و نحن ندّعي أنّ العقل إنّما يحكم به على وجه التّقييد نظير حكمه بحرمة العمل بالظّن عند التّمكن من تحصيل العلم بالواقع، فإنّه مقيّد أيضا بعدم أمر الشارع بسلوكه، و إلاّ كان ما ورد في شأن الظّنون الخاصّة منافيا لحكم العقل و موجبا لتخصيصه و لم يقل به أحد فيكشف ذلك عن أنّ العقل يحكم بالعنوان التّقييدي، و من هنا اتّفق القائلون
........
الشرح
بحجيّة مطلق الظّن بجواز حكم الشارع بحجيّة أمور لا تفيد الظّن أصلا في زمان الانسداد و نهيه عن العمل بالظّن، إلاّ أنّه لمّا لم يثبت ذلك في الشّرعيّات عندهم حكموا بحجيّة مطلق الظّن، و لا يتوجّه عليه أنّه بناء على ذلك يلزم عدم حكم العقل بحجيّة الظّن أصلا إذ احتمال النّهي موجود في جميع أفراد الظّن، إذ المفروض عدم حجة على الحكيم تعالى و بتقرير آخر إذا فرض أخذ عدم نهي الشارع في موضوع حكم العقل بحجيّة الظّن من حيث تعلّق حكمه بالعنوان التّقييدي، فلا بدّ من إحراز عدم النّهي عند إرادة الحكم بحجيّة ظنّ من الظّنون و إحرازه مستلزم للعلم بحجيّته عند الشارع، ضرورة عدم الواسطة بين عدم النّهي و الأمر في المقام فيلزم عدم حكم العقل بحجيّته أو موضوعيّة الظّن الّذي لم يعلم حجيّته، فكما أنّ احتمال النّهي مانع عن حكمه كذلك العلم بالحجية شرعا مانع عن حكمه إذ المأخوذ في حكم العقل عدم العلم بالنّهي لا عدم النّهي الواقعي حتّى يكون احتماله مانعا عن حكم العقل، ضرورة عدم إمكان دخل الأمور النّفس الأمريّة الواقعيّة في حكم العقل من حيث الاقتضاء أو المانعيّة و ترتّب حكمه على العنوانات المعلومة من غير فرق بين حكمه الغيري و النّفسي كحكمه بوجوب ردّ الوديعة و حسن التّأديب و حسن الصّدق و قبح الكذب و نحوها، فإنّه و إن كان هناك مزاحمات لأحكامه في الموضوعات المذكورة، إلاّ أنّه ثابت ما لم يعلم بها، فالصّدق المجامع لعنوان الإضرار و المفسدة في علم العقل لا يتّصف بحسن كما أنّ الكذب المجامع لعنوان المصلحة الملزمة في علمه لا يتّصف بقبح لا أنّ الصّدق المجامع للمفسدة في نفس الأمر و الكذب المجامع للمصلحة كذلك لا يتصفان بحسن و قبح هذا، و قد مضى شطر من الكلام في ذلك فيما قدّمنا لك من الكلام في فروع المقصد الأوّل من الكتاب.
و إن شئت قلت: في تقرير التّوهّم المذكور إنّ حكم العقل في جميع مراتب
........
الشرح
طريق الإطاعة حكم تعليقيّ بالنّسبة إلى حكم الشارع بسلوك غير ما حكم العقل به و ليس كحكمه بأصل وجوب الإطاعة من حيث كونه تنجيزيّا غير قابل لحكم الشارع بخلافه، فيتوجّه عليه أنّ نهي الشارع إن كان كاشفا عن انتفاء المناط العقلي في حكمه بحجيّة الظّنّ أو وجود المزاحم له، الّذي يرجع إلى انتفاء المناط حقيقة، فيرجع إلى ما سيجيء من وجوه التّفصّي عن الإشكال المذكور، و سيأتي شرح القول فيه، و إلاّ فيكون قبيحا في حكم العقل كما أنّ أمره بسلوك الظّن مع التّمكن من تحصيل الواقع إنّما يجوز بهذا العنوان، و إلاّ كان قبيحا.
و أمّا ما قرع سمعك من كون حكم العقل في باب الطّريق من حيث كونه تعليقيّا يخالف حكمه في باب أصل وجوب الإطاعة من حيث كونه تنجيزيا فيراد به ما يرجع إلى ما ذكرنا من كون حكم العقل في باب الطّريق مترتّبا على عنوان يرتفع بملاحظة نهي الشارع أو يتحقق فيما أمر الشارع بسلوكه فافهم و انتظر لتمام الكلام في ذلك فيما سيتلى عليك، و ممّا ذكرنا كلّه يظهر لك استقامة ما أفاده قدس سره في توجيه الإشكال و تقريره بقوله: (فإنّ المنع عن العمل بما يقتضيه العقل من الظّن أو خصوص الاطمئناني لو فرض ممكنا جرى في غير القياس، فلا يكون العقل مستقلا، إذ لعلّه نهى عن أمارة مثل ما نهى عن القياس، بل و أزيد و اختفى علينا و لا دافع لهذا الاحتمال إلاّ قبح ذلك على الشارع) إلى آخره، و فساد ما أورد عليه بأنّ مجرّد احتمال نهي الشارع عن سائر الظّنون كنهيه عن القياس لا يمنع من حكم العقل بالحجيّة لدوران الأمر مع هذا الاحتمال في موارد الظّنون بين الإطاعة الظّنية و الإطاعة الوهميّة، و المفروض استقلال العقل في الحكم في هذا الدّوران بتقديم الأولى و قد اعترف قدس سره بذلك فيما تقدّم من الكلام في طيّ مقدّمات الانسداد و استند إليه في ردّ من أبطل المقدّمات بإبداء احتمال كون المرجع عند الشارع في زمان الانسداد غير الظّن كالفاضل النّراقي و غيره، فإنّ مراده قدس سره
........
الشرح
من الاحتمال الّذي جعله مانعا عن حكم العقل هو احتمال نهي الشارع عن العمل بالظّن و ترجيح الوهم عليه من حيث هما كذلك، و معلوم أنّ احتمال حكم الشارع في قضيّة على خلاف ما حكم به العقل فيها لا يجامع حكم العقل لا مطلق الاحتمال، فإنّ احتمال نهيه عن الظّن و إيجابه الأخذ بخلافه من جهة مصلحة غالبة فيه أو مفسدة في العمل بالظّن لا ينافي حكمه أصلا، و لا يمنع منه جزما توضيح ذلك أنّ نهي الشارع عن العمل بالظّنّ في زمان الانسداد قد يكون على وجه الطّريقيّة، و هذا هو الّذي يحكم العقل بقبحه من الشارع مع تعلّق الغرض بالواقع من حيث استلزامه لنقض الغرض، و لا يجامع حكم العقل بحجيّة الظّن، فكما أنّ القطع بصدوره على هذا الوجه، لا يجامع حكم العقل كذلك احتماله لا يجامعه و قد يكون من جهة وجود مصلحة غالبة في الأخذ بخلافه أو وجود مفسدة غالبة في الأخذ به على تقدير مطابقته للواقع، و هذا لا ينافي حكم العقل بوجوب الأخذ بالظّن في زمان الانسداد، حيث إنّ حكم العقل به إنّما هو من حيث كونه أقرب إلى إدراك مصلحة الواقع الغير المزاحمة بالمفسدة الغالبة عليها، فإذا علم بأنّ سلوك الظّن الفلاني ليس فيه هذه الجهة بإخبار الشارع أو كشفه عن نهيه، فلا يحكم بحجيّته من جهة انتفاء مناط حكمه فيه فلا يلزمه تخصيص في حكم العقل أصلا.
و أمّا إذا لم يعلم بذلك و احتمله فيحكم حكما قطعيّا بوجوب سلوك الظّن و عدم الاعتناء بالاحتمال المذكور، و هذا هو الاحتمال الّذي لا يمنع من حكم العقل بل يجامع حكمه، بل قد أسمعناك في مطاوي ما ذكرنا لك أنّ الظّن الّذي يكون موضوعا لحكم العقل بالحجيّة في زمان الانسداد لا ينفك عن هذا الاحتمال، إلاّ أن يكون احتمال عدم حجيّته الغير المنفك عن الشّكّ في الحجيّة من جهة إلقائه مع التّمكن من تحصيل العلم أو الظّنون الخاصّة، لا إلقائه مطلقا، حتّى في زمان الانسداد الملازم لكونه كالقياس، فإن احتمال عدم الحجيّة واقعا عند
العقل بقبح إرادة الشارع ما عدا الظن، و قبح اكتفاء المكلف على ما دونه، فيشكل توجيه خروج القياس، و كيف يجامع حكم العقل بكون الظن كالعلم مناطا للإطاعة و المعصية و يقبح عن الأمر و المأمور التعدي عنه، و مع ذلك يحصل الظن أو خصوص الاطمئنان من القياس، و لا يجوز الشارع العمل به، فإن المنع عن العمل بما يقتضيه العقل من الظن أو خصوص الاطمئنان لو فرض ممكنا جرى في غير القياس، فلا يكون العقل مستقلا، إذ لعله نهي عن أمارة مثل ما نهي عن القياس، بل و أزيد و اختفى علينا و لا دافع لهذا الاحتمال، إلاّ قبح ذلك على الشارع إذ احتمال صدور الممكن بالذات عن الحكيم لا يرتفع إلاّ بقبحه.
و هذا من أفراد ما اشتهر من أن الدليل العقلي لا يقبل التخصيص و منشؤه لزوم التناقض، و لا يندفع إلاّ بكون الفرد الخارج عن الحكم خارجا عن الموضوع و هو التخصص و عدم التناقض في تخصيص العمومات اللفظية إنما هو لكون العموم صوريا، فلا يلزم إلا التناقض الصوري.
أحدهما: في خروج مثل القياس و أمثاله مما نقطع بعدم اعتباره.
الثاني: في حكم الظن الذي قام على عدم اعتباره ظن آخر، حيث إن الظن المانع و الممنوع متساويان في الدخول تحت دليل الانسداد، و لا يجوز العمل بهما فهل يطرحان أو يرجح المانع أو الممنوع منه، أو يرجع إلى الترجيح وجوه بل أقوال.
الشرح
الشارع لا بدّ أن يستند إلى أحد الاحتمالين على سبيل منع الخلوّ كما هو ظاهر، إلاّ أنّ إرجاع النّهي عن العمل بالقياس و أشباهه إلى هذا الوجه يرجع إلى بعض الوجوه الآتية في التفصّي عن إشكال خروج القياس و ليس الكلام فيه.
فقد قيل: في توجيهه أمور:
الأول: ما مال إليه أو قال به (1) بعض من منع حرمة العمل بالقياس في
الشرح
(1) قد ينسب الميل إلى المنع المذكور أو القول به في زمان الانسداد إلى المحقّق القميّ قدس سره في القوانين، و الموجود فيه إمكان منع دعوى كون حرمة العمل به ضروريّا، حتّى في زمان الانسداد، لا منع ثبوت الحرمة حيث قال قدس سره في بحث حجيّة أخبار الآحاد في طيّ وجوه التّفصّي عن إشكال خروج القياس ما هذا لفظه: «و يمكن أن يقال إنّ في مورد القياس لم يثبت انسداد باب العلم بالنّسبة إلى مقتضاه، فإنّا نعلم بالضّرورة من المذهب حرمة العمل على مؤدّى القياس فيعلم أنّ حكم اللّه تعالى غيره و إن لم يعلم أنّه أيّ شيء هو فنفي تعيينه يرجع إلى سائر الأدلة و إن كان مؤدّاها عين مؤدّاه فليتأمّل، فإنّه يمكن منع دعوى بداهة حرمة القياس حتّى في موضع لا سبيل له إلى الحكم إلاّ به» انتهى كلامه رفع مقامه.
فإنّه كما ترى ظاهر في منع دعوى البداهة المذكورة في وجه التفصّي اللّهم، إلاّ أن يكون الدّليل العلميّ عنده منحصرا في المقام في ضرورة المذهب، و إلاّ لم يكن منعها بخصوصها مفيدا في الإيراد على وجه التّفصّي، فإنّ الإيراد يرجع إلى دعوى انفتاح باب العلم في مورد العمل بالقياس و منع دعوى بداهة حرمة العمل به لا يلازم منع حصول العلم بالحرمة، إلاّ بعد فرض انحصار الدّليل العلمي فيه كما يظهر من التّوضيح الّذي ذكره شيخنا قدس سره، ثمّ إنّه على تقدير ظهور كلامه هذا في إمكان منع قيام الدّليل العلمي على الحرمة مطلقا في زمان الانسداد
أمثال زماننا و توجيهه بتوضيح منا أن الدليل على الحرمة إن كان هي الأخبار المتواترة معنى في الحرمة، فلا ريب أن بعض تلك الأخبار في مقابله معاصري الأئمة صلى اللّه عليه و آله من العامة التاركين للثقلين، حيث تركوا الثقل الأصغر الذي عنده علم الثقل الأكبر و رجعوا إلى اجتهاداتهم و آرائهم، فقاسوا و استحسنوا و ضلوا و أضلوا و إليهم أشار النبي صلى اللّه عليه و آله في بيان من يأتي من بعده من الأقوام فقال: «برهة يعملون بالقياس»، و الأمير صلوات اللّه عليه بما معناه: «إن قوما تفلتت عنهم الأحاديث أن يحفظوها
الشرح
و في مورد انحصار الدّليل فيه ليس مذهبا له بالقطع و اليقين، فإنّ كلماته في هذا المبحث و في بحث الاجتهاد و التّقليد و غيرهما تنادي بصراحتها بذهابه إلى حرمة العمل به في كلّ زمان و أنّه من المسلّمات عنده، و إنّما ذكر ما ذكره وجها في المسألة لا اعتقادا، فلا تغفل و لا تنظر إلى بعض كلماته الموهم ميله إلى الجواز، نعم في كشف الغطاء ما يظهر منه نفي البعد عن القول بحجيّته عند الاضطرار و انحصار الطّريق في مطلق الظّنّ حيث قال في البحث الرّابع و الأربعين في تعداد الأدلّة ما هذا لفظه: «الأدلّة إمّا أن تكون مثبتة لذاتها من غير جعل كالطّرق المفيدة للعلم بالحكم من عقل أو نقل متواترا و إجماع معنويّين إلى أن قال، و أمّا أن تكون جعليّة بحكم الشّارع لا بمقتضى الذّات و ساق الكلام في تعداد الأدلّة الظّنيّة المعتبرة من حيث الخصوص إلى أن قال: و أمّا أن يكون ممّا انسدّت فيه الطّرق في معرفة الواجب مع العلم باشتغال الذّمّة و انسداد طريق الاحتياط، و هذا يجري في المجتهد إذا فقد الأدلة و في غيره عند اضطرار لضرورة بقاء التّكليف و انسداد طريق العلم و الظّن القائم مقامه، فيرجع كلّ منهما إلى الرّوايات الضّعيفة و الشّهرة و أقوال الموتى و الظّنون المكتسبة سوى ما دخل تحت القياس المردود على أنّ القول به في مثل هذه الصّورة غير بعيد» انتهى كلامه رفع مقامه.
و أعوزتهم النصوص أن يعوها فتمسكوا بآرائهم» إلى آخر الرواية.
و بعض منها إنما يدلّ على الحرمة من حيث إنّه ظن لا يغني من الحق شيئا.
و بعض منها يدلّ على الحرمة من حيث استلزامه لإبطال الدين و محق السنة لاستلزامه الوقوع غالبا في خلاف الواقع.
و بعض منها يدلّ على الحرمة و وجوب التوقف إذا لم يوجد ما عداه، و لازمه الاختصاص بصورة التمكن من إزالة التوقف لأجل العمل بالرجوع إلى أئمة الهدى عليهم السلام، أو بصورة ما إذا كانت المسألة من غير العمليات أو نحو ذلك.
و لا يخفى أن شيئا من الأخبار الواردة (1) على أحد هذه الوجوه المتقدمة،
الشرح
(1) لا يخفى عليك أنّ كثيرا من الأخبار الدّالة على حرمة العمل بالقياس تدلّ على حرمته بالنّسبة إلى زمان الانسداد أيضا بحيث لا يفرق في دلالتها بالنّسبة إلى الزّمانين و الحالات أصلا مثل ما دلّ على حرمته من حيث استلزامه لإبطال الدّين المحمول على القضيّة الغالبية، لا الدّائميّة تصحيحا لكلام الشارع، فإنّه ليس المراد منه رفع اليد بسببه عن السّنة المتمكن من الرّجوع إليها، حتّى يختصّ بزمان الانفتاح، بل المراد منه أنّ إعمال القياس في تحصيل السّنة و قول النّبي صلّى اللّه عليه و آله موجب لإبطال الشّريعة و الدّين، و أنّ هذا لازم له من غير فرق بين الزّمانين سواء حمل على الدّوام أو الغلبة فهو نظير قولهم عليهم السلام: «إنّ دين اللّه لا يصاب بالعقول» و نحوه ممّا على النّهي عن العمل به من حيث الطّريقيّة و الإرشاد إلى كون العقول النّاقصة الظّنية المستعملة في استنباط الأحكام الشّرعيّة كثير الخطإ، و ما دلّ على حرمته من حيث الموضوعيّة مثل قوله عليه السلام: «ليس من ديني من استعمل القياس في ديني» و ما ورد في مشاركة المقايس لإبليس،
لا يدلّ على حرمة العمل بالقياس الكاشف عن صدور الحكم عموما أو خصوصا عن النبي صلى اللّه عليه و آله، أو أحد أمنائه صلوات اللّه عليهم أجمعين مع عدم التمكن من تحصيل العلم به و لا الطريق الشرعي و دوران الأمر بين العمل بما يظن أنّه صدر منهم عليهم السلام و العمل بما يظن أن خلافه صدر منهم عليهم السلام كمقتضى الأصول المخالفة للقياس في موارده، أو الأمارات المعارضة له، و ما ذكرنا واضح على من راعى الإنصاف و جانب الاعتساف.
و إن كان الدليل هو الإجماع بل الضرورة عند علماء المذهب كما ادعي، فنقول: إنّه كذلك، إلاّ أن دعوى الإجماع و الضرورة على الحرمة في كل زمان ممنوعة، أ لا ترى أنه لو فرض و العياذ باللّه (1) انسداد باب الظن من الطرق
الشرح
حيث إنّه أوّل من قاس و إن كان ظاهر بعض أخباره كون الحكمة في ذمّ إبليس على قياسه في ترك السجود المأمور به لأبينا آدم عليه السلام خطائه في قياسه بقوله: خَلَقْتَنِي مِنْ نٰارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ، و بالجملة لا ينبغي الإشكال في دلالة كثير من أخبار الباب على حرمة العمل به في محلّ البحث، بل يمكن دعوى التّواتر المعنوي فيما دلّ عليه، فلا يتوجّه أنّ الخصم لا يسلّم حجيّة ظواهر الألفاظ الصّادرة عن الحجّة من حيث الخصوص، غاية ما هناك على تقدير حصول الظّن الشّخصي منها على حرمة العمل بالقياس دخول المسألة في الظّن المانع و الممنوع.
(1) لا يخفى عليك أنّه قد يناقش فيما أفاده بأنّ دعوى الإجماع، بل الضّرورة على حرمة العمل بالقياس و أشباهه في صورة انفتاح باب الأمارات لا يلازم دعواه في صورة انسداد بابها، نعم دعوى الإجماع على الإطلاق ممّا يفيد الالتزام بالحرمة فيما فرضه، مع أنّه قد يقال إنّه لا ضير في الالتزام بها في الفرض أيضا مع كون التّكليف وجوب الاحتياط بالنّسبة إلى الواقع فيما كان القياس مقتضيا للإلزام
السمعية لعامة المكلفين أو لمكلف واحد باعتبار ما سنح له من العبد عن بلاد الإسلام، فهل تقول إنّه يحرم عليه العمل بما يظن بواسطة القياس أنّه الحكم الشرعي المتداول بين المتشرعة، و أنه مخير بين العمل به و العمل بما يقابله من الاحتمال الموهوم، ثم تدعي الضرورة على ما ادعيته من الحرمة حاشاك.
و دعوى الفرق بين زماننا هذا و زمان انطماس جميع الأمارات السمعية ممنوعة، لأنّ المفروض أن الأمارات السمعية الموجودة بأيدينا لم يثبت كونها متقدمة في نظر الشارع على القياس، لأنّ تقدمها على القياس إن كان لخصوصية فيها، فالمفروض بعد انسداد باب الظن الخاص عدم ثبوت خصوصية فيها و احتمالها، بل ظنها لا يجدي، بل نفرض الكلام فيما إذا قطعنا بأن الشارع لم ينصب تلك الأمارات بالخصوص، و إن كان لخصوصية في القياس أوجبت كونه دونها في المرتبة، فليس الكلام إلاّ في ذلك.
و كيف كان فدعوى الإجماع و الضرورة في ذلك في الجملة مسلمة، و أمّا كليته فلا، و هذه الدعوى ليست بأولى من دعوى السيد ضرورة المذهب على حرمة العمل بأخبار الآحاد.
لكن الإنصاف أن إطلاق بعض الأخبار و جميع معاقد الإجماعات يوجب الظن المتاخم للعلم، بل العلم بأنه ليس مما يركن إليه في الدين مع وجود الأمارات السمعية فهو حينئذ مما قام الدليل على عدم حجيته، بل العمل بالقياس المفيد للظن في مقابل الخبر الصحيح كما هو لازم القول بدخول
الشرح
و الأخذ بخلافه فيما كان على خلاف الإلزام ففي الحقيقة هذا نوع من الاحتياط و إن كان قد يورد عليه بأنّه موجب للحرج، فيعود المحذور، مع أنّ الكلام بعد الفراق عن بطلان وجوب الاحتياط، و إلاّ لم يحكم بحجيّة الظّن أصلا.
القياس (1) في مطلق الظن المحكوم بحجيته ضروري البطلان في المذهب.
الثاني: منع إفادة القياس (2) للظن خصوصا بعد ملاحظة أن الشارع جمع في الحكم
بين ما يتراءى متخالفة و فرق بين ما يتخيل متآلفة.
الشرح
(1) ما أفاده من الملازمة إنّما هو على تقدير كون حجيّة الخبر الصّحيح من باب الظّن المطلق كما يظهر من المحقّق القمّي قدس سره، حيث إنّه بنى على عدم وجود الظّن الخاص فيما بأيدينا من الأمارات، و أمّا على تقدير كون حجيّته من باب الظّن الخاصّ حسبما يظهر من جماعة من أهل الظّنون المطلقة حيث اعترفوا بحجيّة من حيث الخصوص و بنوا على التّعدي عنه من جهة عدم كفايته في استنباط غالب الأحكام، فالملازمة غير ظاهرة بل ممنوعة لما أسمعناك مرارا من كون الظّن المطلق في مقابل الظّن الخاصّ كالأصل في مقابل الدّليل، فلازم هذا القول عدم جواز الأخذ بالظّن المطلق في مقابل الخبر الصحيح و إن كان غير القياس فضلا عنه، إلاّ على القول باعتبار حصول الظّن الشّخصي منه في حجيّته أو عدم قيام الظّن بالخلاف فافهم.
(2) يظهر هذا الوجه من المحقّق القمّي قدس سره في القوانين أيضا و إن حكى عن غيره أيضا حيث قال في التّفصّي عن خروج القياس و خبر الفاسق من حيث صراحة آية النّبإ في وجوب التّبيّن فيه المقتضي لعدم حجيّته من غير فرق بين الأزمنة ما هذا لفظه: «و ذلك إمّا لأنّهما لا يفيدان الظّن و ذلك علّة منع الشارع عنهما أو لأنّهما مستثنيان من الأدلّة المفيدة للظّن لا أنّ الظّن الحاصل منهما مستثنى من مطلق الظّن» انتهى كلامه رفع مقامه، و ذكره في كلامه و إن كان وجها في المسألة، إلاّ أنّه يتوجّه عليه ما ذكره شيخنا قدس سره من أنّ ملاحظة ما ورد في شأن العمل بالرّأي و القياس و العقول الظّنيّة من حيث الطّريقيّة و غلبة الخطاء فيها كما هو الظّاهر من أكثرها، و إن كانت يرفع الظّن الحاصل منها في ابتداء النّظر و قبل ملاحظتها و يمنع من حصول الظّن منها إن كانت ملحوظة عند الرّجوع إليها
و كفاك في هذا عموم ما ورد من: «أن دين اللّه لا يصاب بالعقول»، «و أن السنة إذا قيست محق الدين»، و أنه: «لا شيء أبعد عن عقول الرجال من دين اللّه»، و غيرها ممّا دلّ على غلبة مخالفة الواقع في العمل بالقياس، و خصوص رواية أبان بن تغلب الواردة في دية أصابع الرجل و المرأة الآتية.
و فيه أنّ منع حصول الظن من القياس في بعض الأحيان مكابرة مع الوجدان، و أمّا كثرة تفريق الشارع بين المؤتلفات و تأليفه بين المختلفات، فلا يؤثر في منع الظن، لأنّ هذه الموارد بالنسبة إلى موارد الجمع بين المؤتلفات أقل قليل.
نعم الإنصاف أنّ ما ذكر من الأخبار في منع العمل بالقياس موهن قوي يوجب غالبا ارتفاع الظن الحاصل منه في بادي النظر، و أما منعه عن ذلك دائما فلا، كيف و قد يحصل من القياس القطع و هو المسمى عندهم بتنقيح المناط القطعي، و أيضا فالأولوية الاعتبارية من أقسام القياس و من المعلوم إفادتها للظن، و لا ريب أن منشأ الظن فيها هو الاستنباط المناط ظنا، و أمّا آكديته في الفرع فلا مدخل له في حصول.
الثالث: أن باب العلم في مورد القياس (1) و مثله مفتوح للعلم بأن الشارع أرجعنا في هذه الموارد إلى الأصول اللفظية أو العملية، فلا يقتضي دليل
الشرح
فهي رافعة باعتبار و دافعة باعتبار أخرى في الغالب، إلاّ أنّها لا يؤثّر في ذلك دائما كما هو المشاهدة بالوجدان، و من هنا قد يحصل من القياس القطع بالحكم فيحتمل الظّان الّذي استقرّ له الظّن في مورد اطمئنانه بإصابته مورد حصول الظّن له على كونه من الموارد الّتي تخلّفت عن الغالب، فلا تنافي تلك الأخبار النّاطقة بكثرة الخطاء في العمل بالعقول النّاقصة الظّنيّة.
(1) الوجه في هذا الجواب ما أسمعناك مرارا من أنّ الانسداد الشّخصي علّة لحكم العقل بحجيّة الظّن فيدور حكمه مداره، فكما لا يحكم العقل بحجيّته أيّ
لانسداد اعتبار ظن القياس في موارده.
و فيه أنّ هذا العلم إنما حصل من جهة النهي عن القياس، و لا كلام في وجوب الامتناع عنه بعد منع الشارع إنّما الكلام في توجيه صحة منع الشارع عن العمل به، مع أن موارده و موارد سائر الأمارات متساوية، فإنّ أمكن منع الشارع عن العمل بالقياس أمكن ذلك في أمارة أخرى، فلا يستقل العقل بوجوب العمل بالظن و قبح الاكتفاء بغيره من المكلف، و قد تقدم أنه لو لا ثبوت القبح في التكليف بالخلاف لم يستقل العقل بتعين العمل بالظن، إذ لا مانع عقلا عن وقوع الفعل الممكن ذاتا من الحكيم إلاّ قبحه.
و الحاصل أن الانفتاح المدعى إن كان مع قطع النظر عن منع الشارع فهو خلاف المفروض و إن كان بملاحظة منع الشارع، فالإشكال في صحة المنع و مجامعته مع استقلال العقل بوجوب العمل بالظن، فالكلام هنا في توجيه المنع لا في تحققه.
الرابع: أن مقدمات دليل الانسداد أعني انسداد باب العلم مع العلم ببقاء التكليف إنما توجب جواز العمل بما يفيد الظن في نفسه، و مع قطع النظر عما يفيد ظنا أقوى، و بالجملة هي تدلّ على حجية الأدلة الظنية دون مطلق الظن
الشرح
ظنّ كان في قبال ما قام الدّليل القطعيّ على اعتباره من الأمارات و الأصول مطلقا كذلك لا يحكم بحجيّة الظّن إذا كان هناك دليل قطعي على إلغاء ما يقابل الأمارات و الأصول، فهو خارج عن موضوع الانسداد الّذي دار حكم العقل مداره و هو كما ترى بمكان من الضّعف و السّقوط، لما أشار إليه شيخنا قدس سره في الكتاب من أنّه لا كلام في الانفتاح المدّعى بعد فرض وقوع النّهي، و إنّما الكلام في توجيه النّهي بحيث لا يقدح في حكم العقل و يجامع معه، فلا يقاس المقام بما إذا كان هناك دليل قطعيّ على اعتبار الأمارات و الأصول، لأنّه قياس مع الفارق فافهم.
النفس الأمري و الأول أمر قابل للاستثناء، إذ يصح أن يقال:
الشرح
(1) هذا أحد الوجهين اللّذين عرفتهما ممّا تقدّم عن المحقّق القميّ قدس سره، و قد تكرّر هذا الوجه في كلامه في هذا المبحث و في بحث الاجتهاد و التّقليد بحيث يظهر منه اعتماده عليه، و هو كما ترى مشتبه المراد كما اعترف به كثير ممّن وقف عليه كالمحقّق المحشّي و أخيه في الفصول و غيرهما قدّس اللّه أسرارهم، و من هنا أورد عليه تارة بما في الكتاب من أنّه ليس لذات الأمارة مدخليّة في الحكم بالحجيّة في لحاظ العقل، حيث إنّ حكمه يلحق نفس الانكشاف الظّني من غير مدخليّة للسّبب فيه أصلا، و أخرى بأنّ ما ذكره كرّ على ما فرّ منه حيث إنّه إذا استقلّ العقل بحجيّة كلّ ما يفيد الظّن على وجه الإيجاب الكلّي كيف يجوز في حكمه نهي الشارع عن بعض ما يفسده، إذ عدم إمكان التّخصيص في الدّليل العقلي لا يختصّ ببعض أفراده، فاختلاف التّعبير و التّقرير مع كونه خلاف الواقع لا يفيد في التّفصّي عن إشكال ورود التّخصيص في الحكم العقلي.
هذا و قد يدفع الإشكالان بأنّ مراده قدس سره ممّا أفاده الإشارة إلى تقرير الكشف و الحكومة، و أنّه على الأوّل يستكشف العقل من جهة مقدّمات الانسداد عن حكم الشارع بحجيّة المقدار الوافي من الأمارات الظّنيّة على سبيل الإهمال و بعد خروج ما خرج يحكم بملاحظة بطلان التّرجيح بلا مرجّح على كون الحجّة عند الشارع جميع الأمارات، و من المعلوم أنّ التّعميم من جهة هذا المعمّم و سائر المعمّمات على ما عرفت، لا يجري بالنّسبة إلى القياس و أشباهه ممّا علم عدم حجيّته و على الثّاني يحكم العقل بحجيّة مطلق الظّن على سبيل القضيّة الكليّة من غير مدخل للسّبب عنده في الحكم، فيشكل الأمر بخروج القياس و أشباهه لا محالة، و لمّا كان المختار عنده تقرير الكشف و مفاده استكشاف الحجيّة بالنّسبة
........
الشرح
إلى الأسباب و الأمارات على سبيل الإهمال على ما عرفت تفصيله و تحقيقه فقال في مقام التّفصّي إنّ القياس مستثنى من الأدلّة الظّنيّة، لا أنّ الظّن القياسي مستثنى من مطلق الظّن، فليس مقصوده أنّ القضيّة العقليّة الكليّة تختلف حالها بالنّظر إلى الأسباب و المسبّبات حتّى يتوجّه عليه ما عرفت و أضعافه، بل المراد أنّ الحجّة على تقرير الكشف هي الأمارات على سبيل الإهمال و التّعميم إنّما هو بملاحظة أمر خارج لا يجري بالنّسبة إلى القياس، فالمراد من الاستثناء في كلامه ليس ما يظهر منه بالنّظر إلى قضيّة اللّفظ بل المراد منه الحكم بخروج ما لولاه لكان قابلا للدّخول و محتملا له، فهذا الكلام منه قدس سره مبنيّ على ما هو الحقّ و الواقع عنده، لا أنّ نتيجة المقدّمات تختلف بحسب الأسباب و المسبّبات.
و هذا التّوجيه و إن لم يساعده بعض كلماته، بل ينافيه ما عرفت استظهار شيخنا قدس سره منه من إجراء المقدّمات في كلّ مسألة، إلاّ أنّه لا مناص عنه في مقام التّوجيه سيّما بعد مساعدة بعض كلماته عليه و إن كان أصل تقرير المقدّمات على الكشف باطلا عندنا على ما عرفت تفصيله في مطاوي كلماتنا السّابقة، فقد تبيّن ممّا ذكرنا من أنّ المراد من الكليّة في قوله المحكيّ في الكتاب، إذ لا يصحّ أن يقال: (أنّه يجوز العمل بكلّ ما يفيد الظّن بنفسه) إلخ، هو الكليّة المستفادة من مجموع المقدّمات و المعمّمات لا المستفادة من نفس المقدّمات، و ممّا ذكرنا كلّه في شرح مراد المحقّق القميّ قدس سره يظهر لك عدم توجّه ما أفاده شيخنا قدس سره في الاعتراض عليه بعد توجيهه بما يقرب إلى ما عرفت بقوله: (و فيه أنّ نتيجة المقدّمات المذكورة لا تتغيّر بتقريرها على وجه دون وجه، فإنّ مرجع ما ذكره من الحكم بوجوب الرّجوع إلى الأمارات الظّنية في الجملة إلى العمل بالظّن في الجملة) إلخ، فإنّه يمكن أن يقال إنّ التّرديد و الدّوران في المهملة بين الكليّة و الجزئيّة إنّما هو بحسب الأسباب حقيقة، إذ لا دوران في النّتيجة بحسب الموارد
........
الشرح
و المراتب على التّقريرين حقيقة على ما عرفت تفصيل القول فيه فإذا احتمل العقل أن يكون المجعول مطلقا أو في خصوص زمان الانسداد الظّن الحاصل من السّبب الخاصّ من حيث إنّه حاصل منه فيكون المجعول حقيقة السّبب الفلاني بشرط حصول الظّنّ، فللسّبب مدخل في الحجيّة حقيقة، فلا يلزم هناك إشكال بخروج القياس أصلا، فالإيراد المتوجّه عليه حقيقة هو بطلان تقرير الكشف سواء فرض بالنّسبة إلى الأسباب أو المسبّبات، و إلاّ فعدم توجّه الإشكال على هذا التّقرير ممّا لا ريب فيه على كلّ تقرير، إلاّ أنّ المحقّق القميّ قدس سره زعم أنّ المستكشف من المقدّمات على تقرير الكشف هو حجيّة الأمارات الظّنية بشرط حصول الظّن الشّخصي منها على سبيل الإهمال فتأمل.
ممّا ذكرنا كلّه يظهر لك أنّ مراد المحقّق من التّعارض في كلامه المحكيّ في الكتاب ليس هو التّعارض الحقيقي، بل مجرّد التّقابل، فيكون الحجّة السّليمة فيما يقابل فيه الأمارات ما يفيد الظّن الشّخصي من جهة قوّته، أو معاضدته بغيره و يطرح غيره من جهة عدم وجود مناط الحجيّة فيه سواء كان أصلا على القول باعتباره من باب الظّنّ كما بني الأمر عليه في محلّه أو غيره، و ما أفاده قدس سره كما هو صريح كلامه بعد الحكم بتعميم النّتيجة من الخارج مع كونها مهملة من حيث الذّات مبنيّ على إهمال النّتيجة جزما فقول: شيخنا قدس سره في مقام شرح مراده و هذه القضيّة يمكن أن يكون مهملة منظور فيه، لأنّه لا يحتمل الإهمال، بل مبنيّ عليه، نعم قد عرفت أنّ هذا التّوجيه لا يجامع ما استفاده قدس سره منه من تقرير المقدّمات في كلّ مسألة، فلعلّ هذا الكلام من المحقّق المذكور قرينة و شاهد على عدم إرادته ما استظهره من إجراء المقدّمات في كلّ مسألة و كيف يجامع هذا الاستظهار مع هذا التوجيه فتأمل، و قد مضى شطر من الكلام فيما يتعلّق بالمقام فيما علّقناه على التّنبيه الثّاني فراجع إليه.
«إنّه يجوز العمل بكل ما يفيد الظن بنفسه، و يدلّ على مراد الشارع ظنا إلا الدليل الفلاني و بعد إخراج ما خرج عن ذلك يكون باقي الأدلة المفيدة للظن حجة معتبرة، فإذا تعارضت تلك الأدلة لزم الأخذ بما هو الأقوى و ترك ما هو الأضعف، فالمعتبر حينئذ هو الظن بالواقع و يكون مفاد الأقوى حينئذ ظنا و الأضعف و هما، فيؤخذ بالظن و يترك غيره»(1)، انتهى.
أقول: كان غرضه بعد فرض جعل الأصول من باب الظن و عدم وجوب العمل بالاحتياط أن انسداد باب العلم في الوقائع مع بقاء التكليف فيها يوجب عقلا الرجوع إلى طائفة من الأمارات الظنية، و هذه القضية يمكن أن تكون مهملة و يكون القياس خارجا عن حكمها، لا أن العقل يحكم بعمومها و يخرج الشارع القياس، لأنّ هذا عين ما فر منه من الإشكال، فإذا علم بخروج القياس عن هذا الحكم فلا بدّ من إعمال الباقي في مواردها، فإذا وجد في مورد أصل و أمارة، و المفروض أن الأصل لا يفيد الظن في مقابل الأمارة وجب الأخذ بها، و إذا فرض خلو المورد عن الأمارة أخذ بالأصل، لأنّه يوجب الظن بمقتضاه.
و بهذا التقرير يجوز منع الشارع عن القياس بخلاف ما لو قررنا دليل الانسداد على وجه يقتضي الرجوع في كل مسألة إلى الظن الموجود فيها، فإنّ هذه القضية لا تقبل الإهمال و لا التخصيص، إذ ليس في كل مسألة إلاّ ظن واحد.
و هذا معنى قوله في مقام آخر إن القياس مستثنى من الأدلة الظنية، لا أن الظن القياسي مستثنى من مطلق الظن، و المراد بالاستثناء هنا إخراج ما لولاه لكان قابلا للدخول، لا داخلا بالفعل، و إلاّ لم يصح بالنسبة إلى المهملة، هذا
1) القوانيني المحكمة، ج 2، ص 217.
غاية ما يخطر بالبال في كشف مراده.
و فيه أن نتيجة المقدمات المذكورة لا تتغير بتقريرها على وجه دون وجه، فإنّ مرجع ما ذكر من
الحكم بوجوب الرجوع إلى الأمارات الظنية في الجملة إلى العمل بالظن في الجملة، إذ ليس لذات الأمارة مدخلية في الحجية في لحاظ العقل و المناط هو وصف الظن سواء اعتبر مطلقا أو على وجه الإهمال.
و قد تقدم: أن النتيجة على تقدير الحكومة ليست مهملة، بل هي معينة للظن الاطمئناني مع الكفاية و مع عدمها، فمطلق الظن و على كلا التقديرين لا وجه لإخراج القياس، و أمّا على تقرير الكشف فهي مهملة لا يشكل معها خروج القياس، إذ الإشكال مبني على عدم الإهمال و عموم النتيجة كما عرفت.
الخامس: أن دليل الانسداد إنما يثبت حجية الظن الذي لم يقم على عدم حجيته دليل (1)، فخروج القياس على وجه التخصص دون التخصيص.
الشرح
(1) قد تكرّر هذا الوجه للتّفصّي عن إشكال خروج القياس في كلام الشيخ المحقّق المحشي في هداية المسترشدين المعلّقة على المعالم في كلام أخيه الشّيخ الفاضل في فصوله قدس سرهما، و اعتمدا عليه كمال الاعتماد من حيث إنّ نتيجة دليل الانسداد عندهما سواء كان جاريا في الفروع أو الأصول هي حجيّة الظّن القائم على حجيّة الأمارات القائمة على المسائل الفرعيّة و إن لم يحصل ظنّ منها بها، و بعبارة أخرى الحجّة عندهم بمقتضى دليل الانسداد الأمارات الّتي ظنّ حجيّتها و إن لم تفد الظّن الشّخصي في المسألة الفرعيّة، و من المعلوم أنّ خروج القياس و أشباهه من هذه الكليّة ليس بعنوان التّخصيص، بل التّخصّص و الخروج عن موضوع حكم العقل، حيث إنّه ممّا يعلم عدم حجيّته نعم يشكل الأمر عليهما
........
الشرح
فيما فرض قيام القياس المفيد للظّن على المسألة الأصوليّة كما قيل إنّ الشّهرة المحقّقة يحصل منها الظّن الأقوى من الظّن الحاصل من خبر العادل، فإذا فرض قيام الدّليل الظّني على حجيّته فيظنّ منها حجيّة الشّهرة من جهة القياس المذكور، و هكذا و دعوى أنّ القياس لا يحصل منه الظّن في المسألة الأصوليّة و إن سلم حصول الظّن منه في المسألة الفرعيّة شطط من الكلام، لا ينبغي صدوره عن جاهل فضلا عن مثل هؤلاء الأعلام فالإشكال متوجّه عليهما لا محالة، فلا بدّ من دفعه.
قال المحقّق المحشيّ قدس سره بعد نفي الخلاف في الطّريق إلى الأحكام الشّرعيّة و أنّه الظّن المطلق أو الظّنون الخاصّة و جملة كلام له في ذلك و اختيار الثّاني ما هذا لفظه: «و قد يشكل في القول الأوّل بأنّه إذا كانت قضيّة حكم العقل بعد انسداد سبيل العلم حجيّة مطلق الظّن و قيامه مقام العلم لزوم القول به على الإطلاق، فلا وجه لتخصيص بعض الظّنون و إخراجه عن العموم لقيام الدّليل عليه لما تقرّر من عدم ورود التّخصيص على القواعد العقليّة، و إنّما يرد على العمومات اللّفظيّة و القواعد الشّرعيّة، فكما أن لا تخصيص في الحكم بحجيّة العلم كذا ينبغي أن يكون الحال هذه في الظّن القائم مقامه بعد انسداد سبيله، و أنت خبير بأنّ الإشكال المذكور مشترك الورود بين القولين، فإنّ القائل بحجيّة الظّنون الخاصّة يقول بأصالة عدم حجيّة الظّن، و إنّه لا يقوم شيء من الظّنون حجّة في حكم العقل، إلاّ ما قام الدّليل على حجيّته ففي ذلك أيضا التزام بالتّخصيص في القاعدة العقليّة، و قد عرفت الجواب عنه ممّا مرّ و إنّه ليس ذلك من التّخصيص في شيء و إنّما هو اختصاص في حكم العقل، فإنّ مفاد حكم العقل هو عدم حجيّة كلّ ظنّ لم يقم دليل على حجيّته، فالمحكوم عليه بحكم العقل هو الظّن الخالي عن الدّليل لا مطلقا، و كذا الحال في القول الأوّل، فإنّ
........
الشرح
المحكوم عليه بالحجيّة هو الظّن الّذي لم يقم دليل على عدم حجيّته، و الظّن الّذي قام الدّليل على عدم حجيّته خارج عن الموضوع لا أنّه يخرج عنه بعد حكم العقل بحجيّة الظّن مطلقا، حتّى يخصّص في حكم العقل، نعم هو تخصيص بالنّسبة إلى ظاهر التّعبير حيث يعبّر بلفظ ثمّ يخرج عنه ذلك كما هو الحال في التّخصيصات الواردة على العمومات النّقليّة أيضا، إذ ليس ذلك، إلاّ بحسب ظاهر التّعبير دون الواقع، إلاّ ما كان من التّخصيص البدائي، فإنّه تخصيص بحسب الواقع و لا يجري في حكم العقل و لا في شيء من التخصيصات الواردة في الشّرع، فظهر ممّا ذكرنا أنّ ما ذكر من امتناع التّخصيص في الأحكام العقليّة إنّما يراد التّخصيص الواقعي و هو أيضا مستحيل في العمومات الشّرعيّة، و التّخصيص في التعبير جائز في الصّورتين» انتهى ما أردنا نقله من كلامه رفع مقامه.
و قال الشّيخ الفاضل في الفصول بعد حكاية الوجوه الأربعة للتفصّي عن إشكال خروج القياس و أشباهه و النّظر فيها ما هذا لفظه: «أقول: بل التّحقيق في الجواب أن يقال: انسداد باب العلم و بقاء التّكليف إنّما يقتضي حجيّة الظّنون الّتي لا دليل على عدم حجيّتها، و هذا مطّرد في جميع موارده، و بالجملة فالعقل إنّما يحكم على العنوان الخاص، لا أنّه يحكم على العنوان العام، ثمّ يطرأ عليه التّخصيص، فالّذي يكشف عن ذلك أنّ العقل لا يحكم بمجرّد انسداد باب العلم و بقاء التّكليف بجواز العمل بكلّ ظنّ حتّى بالظّنون الّتي علم عدم جواز التّعويل عليها و لو بعد انسداد باب العلم، بل بما عدا ذلك من الظّنون المحتمل الحجيّة، و من هنا يظهر أنّ القائل بحجيّة الظّن المطلق إنّما ينبغي له أن يقول بحجيّة مطلق الظّن الّذي لا دليل على عدم حجيّته، فيعتمد على كلّ ما لم يدلّ دليل على عدم حجيّته ممّا يفيد الظّن الفعلي بعد قطع النّظر عن معارضة ما ثبت عدم الاعتداد
........
الشرح
بمعارضته».
ثمّ قال في شرح القول فيما أجمله و لخصّه ما هذا لفظه: «و اعلم أنّا لو التزمنا بانسداد باب العلم مع بقاء التّكليف بها، فلا يخلو أن نقول بأنّ قضيّة ذلك عقلا وجوب العمل بالظّن فيها واقعا، و حينئذ فيمتنع المنع من العمل ببعض الظّنون كالظّن القياسي و شبهه و إن قلنا بأنّ قضيّة ذلك وجوب العمل بالظّن ظاهرا لم يمتنع المنع من العمل ببعض الظّنون لقيام دليل على المنع كسائر الأحكام الظّاهريّة كالبراءة و شبهها، و قد عرفت ممّا حقّقنا أنّ حكم العقل بحجيّة الظّن هنا حكم ظاهريّ، فلا إشكال في المنع عن العمل بالقياس و شبهه فيرجع في مورده بحكم العقل إلى الأقرب إلى الواقع من بعده و لو مع قطع النّظر عن القياس مثلا و إن لم يكن ظنّا فعليّا، و يظهر من استشكال الفاضل المعاصر في إخراج الظّن القياسي و التحائه إلى منع حصول الظّن به تارة و منع بطلان حجيّة أخرى و نحو ذلك من الوجوه المتقدّمة توهّمه للوجه الأوّل و هو كما ترى، و كيف كان فالمعتبر على الأوّل كلّ أمارة مفيدة للظّن و على الثّاني كلّ أمارة من الأمارات الّتي لا دليل على عدم حجيّتها، و لا أقرب منها في النّظر إلى إصابة الواقع بعد الإغماض عمّا ثبت عدم حجيّته سواء أفاد الظّن أو لا و الفرق بين أن يعتبر الأمارات على أحد هذين الوجهين، و بين أن يعتبر على وجه التّقييد أنّ الأمارات المعتبرة على وجه التّقييد لا يعتبر فيها إفادتها للظّن، و لا كونها أقرب في النّظر إلى الواقع و إن فرض حصوله فليس الحكم بالحجيّة منوطا به، بل كان من المقارنات الاتفاقيّة كما في العمل بأصل البراءة و الاستصحاب بخلاف الأمارات المعتبرة على أحد هذين الوجهين، فإنّ حجيّتها منوطة المعتبر فيها من الظّن و الأقربيّة»، انتهى كلامه رفع مقامه، و مراده من القسم الأوّل أي كون وجوب العمل بالظّن حكما واقعيّا ليس ما جرى عليه الاصطلاح في الفرق بين الحكم
........
الشرح
الواقعي و الظّاهري بقول مطلق، بل مراده كون وجوب العمل من لوازمه بحيث لا يتخلّف عنه مطلقا، كما هو الشّأن في العلم عنده و عند أخيه المحقّق المتقدّم ذكره، حيث إنّهما التزما بكون العلم واجب العمل بحكم الشارع، و كون وجوب العمل به من هذا القسم كما صرّح به الشّيخ المحقّق المحشّي فيما عرفت من كلامه المتقدّم و إن كان لهذا الفاضل كلام في قطع القطّاع يظهر منه كون حجيّة العلم مشروطة بعدم منع الشارع عنه كالظّن عرفته فيما حكاه شيخنا عنه في فروع العلم، و توضيح ما أفاده أنّ حكم العقل بلزوم الأخذ بالظّن الشّخصي و عدم جواز العدول عنه إلى غيره من الظّنون النّوعيّة و الشّك و الوهم عند انسداد باب العلم كحكمه بلزوم الأخذ بالعلم، و عدم جواز العدول عنه إلى غيره مطلقا و لو كان هو الظّن الشّخصي الاطمئناني عند التّمكن من تحصيل العلم بالواقع، فكما أنّ حكم الشارع بجواز العدول عن تحصيل العلم و الأخذ بغيره عند التّمكن من تحصيل العلم، لا يكون تخصيصا لحكم العقل بحرمة العمل بغير العلم في زمان الانفتاح، فكذا حكمه بإلغاء بعض الظّنون كالقياس و وجوب الأخذ بغيره اللاّزم من حكمه بإلغائه ليس تخصيصا لحكم العقل و إن حكم بعد حكم الشارع بإلغاء الظّن بوجوب تعيين الأخذ بما هو أقرب من غيره من الأمارات الكاشفة عن الواقع نوعا و إن ارتفع الكشف الفعلي عنها من جهة مقابلتها بالقياس و إن كان حكمه على وجه التّنجيز و الإطلاق في الموضعين امتنع حكم الشارع بخلافه، فلا بدّ أن يكون حكمه في الموضعين على وجه التّعليق و التّقييد، حتّى لا ينافيه حكم الشارع.
فإنّ شئت قلت: إنّ الظّن في زمان الانسداد كالعلم في زمان الانفتاح في حكم العلق، فإنّ لم يجز حكم الشارع بخلافه لم يجز في المقامين و إن جاز جاز فيهما، فالتّفكيك لا معنى له، هذا كلّه في حكم العقل بحرمة العمل بالظّن عند التّمكّن من تحصيل العلم من حيث لزوم تحصيل الواقع عند الإمكان، فيكون حكمه بالحرمة
توضيح ذلك أن العقل إنما يحكم باعتبار الظن و عدم الاعتناء بالاحتمال الموهوم في مقام الامتثال، لأنّ البراءة الظنية تقوم مقام العلمية، أمّا إذا حصل بواسطة منع الشارع القطع بعدم البراءة بالعمل بالقياس، فلا يبقى براءة ظنية
الشرح
إرشاديّا من حيث كون العمل بالظّن في معرض فوت الواقع، و أمّا حكمه بالحرمة من حيث قبح التشريع و الافتراء على الشارع فهو و إن لم يكن إرشاديا، إلا أنّه ليس ملازما لذات الظّن، بل هو تابع لعنوان عدم العلم بورود التّعبّد من الشارع، فيكون ترخيص الشارع للعمل رافعا لموضوع حكم العقل جدّا، فلا يكون هناك تخصيص أصلا فليس العمل بالظّن من حيث هو قبيحا ذاتا في حكم العقل، حتّى يكون حكم الشارع بحجيّته تخصيصا في حكم العقل نعم يتوجّه عليهما على الوجه الأوّل أنّهما لم يتعرّضا لوجه أخذ القيد الّذي ذكراه في موضوع حكم العقل في الموضعين، فلا بدّ أن يكون حكمهما بجواز سلوك الطّريق الظّن مع التّمكن من تحصيل الواقع لأحد أمرين: أمّا دوام مطابقة الأمارة للواقع، أو ملاحظة مصلحة في الأمر بسلوك الأمارة يتدارك بها ما يفوت من جهة سلوكها من مصلحة الواقع على تقدير الخطاء لئلاّ يكون الأمر بسلوكها نقضا للغرض و تفويتا للواقع، نعم علم التكلّف بالأمر الأوّل مانع عن جعلها كما هو ظاهر، و من هنا يحكم بحجيّة بعض الأمارات دون بعض مع الانفتاح، و أمّا حكمه بعدم الحجيّة و إلغاء ظنّ في زمان الانسداد، فلا بدّ أن يستند إلى أحد أمرين أيضا أحدهما غلبة مخالفته للواقع ثانيهما اشتمال سلوكه على مفسدة غالبة على مصلحة إدراك الواقع من سلوكه أحيانا، فلا يلاحظ في حكمه على الأوّل إلاّ الإرشاد، و لمّا كان حكم العقل بلزوم العمل بالظّن في زمان الانسداد و تقديمه على غيره من حيث كونه أقرب إلى إدراك الواقع و مصلحته، فلا محالة يكون الظّن المخالف للواقع غالبا أو المشتمل على المفسدة خارجا عن موضوع حكم العقل، فلا يكون خروجه تخصيصا في الدّليل العقلي، هذا و ستقف على شرح بعض ما ذكرناه فيما نذكره بعد ذلك.
حتى يحكم العقل بوجوبها، و استوضح ذلك من حكم العقل بحرمة العمل بالظن (1) و طرح الاحتمال الموهوم عند انفتاح باب العلم في المسألة كما تقدم نظيره في تقرير أصالة حرمة العمل بالظن، فإذا فرض قيام الدليل من الشارع على اعتبار ظن و وجوب العمل به، فإنّ هذا لا يكون تخصيصا في حكم العقل بحرمة العمل بالظن، لأنّ حرمة العمل بالظن مع التمكن إنّما هو لقبح الاكتفاء بما دون الامتثال العلمي مع التمكن من العلمي، فإذا فرض الدليل على اعتبار ظن و وجوب العمل به صار الامتثال في العمل بمؤداه علميا، فلا يشمله حكم العقل بقبح الاكتفاء بما دون الامتثال العلمي فما نحن فيه على العكس من ذلك.
و فيه أنّك قد عرفت عند التكلم في مذهب ابن قبة أن التعبد بالظن مع التمكن من العلم على وجهين:
أحدهما: على وجه الطريقية بحيث لا يلاحظ الشارع في أمره عدا كون الظن انكشافا ظنيا للواقع بحيث لا يترتب على العمل به عدا مصلحة الواقع على تقدير المطابقة.
الشرح
(1) و استوضح ذلك أيضا من الظّن الّذي علم اعتباره في زمان الانسداد، لا من جهة دليل الانسداد، بل من جهة قيام دليل عليه بالخصوص إذا فرض عدم كفايته في الفقه، فيكون من الظّن الخاصّ، إذ كما أنّ دليل الانسداد لا يشمل لهذا الظّن لحصول القطع بالبراءة من العمل به، و لا يكون خروجه تخصيصا في الدّليل العقلي، بل تخصّصا و خروجا عن الموضوع كذلك لا يشمل الظّن الّذي علم عدم اعتباره من جهة قيام الدّليل عليه لحصول القطع بعدم البراءة من العمل به، فلا يكون هناك ظنّ بالبراءة، فلا يكون خروجه تخصيصا أيضا، بل هو خروج عن الموضوع فتأمل.
و الثاني: على وجه يكون في سلوكه مصلحة يتدارك بها مصلحة الواقع الفائتة على تقدير مخالفة الظن للواقع.
و قد عرفت أن الأمر بالعمل بالظن مع التمكن من العلم على الوجه الأول قبيح جدا، لأنّه مخالف لحكم العقل بعدم الاكتفاء في الوصول إلى الواقع بسلوك طريق ظني يحتمل الإفضاء إلى خلاف الواقع، نعم إنما يصح التعبد على الوجه الثاني.
فنقول: إنّ الأمر فيما نحن فيه كذلك، فإنّه بعد ما حكم العقل بانحصار الامتثال عند فقد العلم في سلوك الطريق الظني.
فنهي الشارع عن العمل ببعض الظنون (1) إن كان على وجه الطريقية بأن
الشرح
(1) قد يناقش فيما أفاده قدس سره بأنّه على إطلاقه غير مستقيم لما ستعرف من كلامه طيّب اللّه رمسه في الوجه السّابع من جواز النّهي عن بعض الظّنون على وجه الطّريقيّة إذا كان في علم الشارع أغلب مخالفة من الطّرف الموهوم، بل يحكم العقل بعدم جواز سلوكه بعدم الاطّلاع على حاله بإخبار الشارع، و ليس في هذا تخصيصا في الدّليل العقلي أصلا حسبما بني عليه الأمر قدس سره و جعله من وجوه خروج القياس و الشباهة ممّا نهى الشارع عنه من هذه الجهة عن الدّليل العقلي موضوعا، و بعنوان التّخصّص، و الوجه فيه أنّ لحوق الحجيّة للظّن في حكم العقل ليس لذاته أو لأمر راجع إليها، بل من جهة أقربيّته إلى الواقع بالنّسبة إلى ما قابله و غلبة مطابقته له، فإذا فرض علمه بفقدان هذه الجهة و العنوان الموجب لحكمه في بعض الظّنون من جهة كشف الشّارع العالم بالغيب عن حاله، فلا محالة يكون خارجا موضوعا عن حكم العقل بحجيّة الظّن، لأنّ المفروض لحوق الحجيّة في حكمه للأقرب إلى الواقع الغير الصّادق على ما نهى الشارع عنه المنطبق على ما يقابله، فيكون سلوكه ممنوعا في حكم العقل، فظهر ممّا ذكرنا
نهي عند فقد العلم عن سلوك هذا الطريق من حيث إنّه ظن يحتمل فيه الخطأ فهو قبيح، لأنّه معرض لفوات الواقع فينتقض به الغرض، كما كان يلزم ذلك من الأمر بسلوكه على وجه الطريقية عند التمكن من العلم، لأنّ حال الظن عند الانسداد من حيث الطريقية حال العلم مع الانفتاح لا يجوز النهي عنه من هذه الحيثية في الأول، كما لا يجوز الأمر به في الثاني، فالنهي عنه و إن كان مخرجا للعمل به عن ظن البراءة إلى القطع بعدمها، إلاّ أن الكلام في جواز هذا النهي لما عرفت من أنه قبيح.
و إن كان على وجه يكشف النهي عن وجود مفسدة في العمل بهذا الظن يغلب على مفسدة مخالفة الواقع اللازمة عند طرحه، فهذا و إن كان جائزا حسنا نظير الأمر به على هذا الوجه مع الانفتاح، فهذا يرجع إلى ما السادس و هو الذي اخترناه سابقا و حاصله أن النهي يكشف عن وجود مفسدة غالبة (1) على المصلحة الواقعية المدركة على تقدير العمل به، فالنهي عن
الشرح
كلّه أنّ توجيه ما أفاده الشّيخ المحقّق المحشّي و أخوه قدّس سرهما من الوجه في التّفصي عن خروج ما علم عدم اعتباره مطلقا ليس منحصرا في أن يجعل النّهي عنه، حتّى في زمان الانسداد كاشفا عن وجود مفسدة في سلوكه غالبة على مصلحة إدراك الواقع أحيانا على تقدير مطابقته له أو عن وجود مصلحة فيما قابله لجبر مفسدة فوت الواقع على التّقدير المزبور، بل يمكن توجيهه على تقدير حمل النّهي على الطّريقيّة أيضا كما عرفته فافهم.
(1) قد عرفت الإشارة إلى رجوع ما أفاده إلى التّخصّص و الخروج الموضوعي أيضا، و الوجه فيه أنّ حكم العقل بلزوم اتّباع الظّن في زمان الانسداد إنّما هو من جهة كونه أقرب إلى إدراك مصلحة الواقع من مقابله مع سلامته عن مزاحمة المفسدة الغالبة، ضرورة أنّ المصلحة المزاحمة لا يوجب تكليفا فعليّا على
........
الشرح
المكلّف و إن كان من شأنها الاقتضاء لو لا المزاحمة، فالظّن الفاقد للجهة المذكورة و العنوان المزبور من حيث فرض المزاحمة فيه من جهة كشف النّهي الصّادر عن الشارع عنه خارج موضوعا عن العنوان التّقييدي الّذي لحقه حكم العقل بوجوب الاتّباع، إذ كما أنّ أمر الشارع بالعمل بالظّن في زمان الانفتاح من حيث ملاحظة المصلحة المتداركة لمفسدة فوت الواقع على تقدير مخالفته له ليس تخصيصا في حكم العقل بحرمة العمل به من حيث الطّريقيّة في ذلك الزّمان بل تخصّصا من جهة كون حكمه عليه بالحرمة مبنيّا على ما يترتّب عليه من الوقوع في مفسدة فوت الواقع أحيانا مع تمكّن المكلّف من الفرار عنها بتحصيل العلم بالواقع، فإذا فرض هناك ظنّ ليس في العمل به على تقدير الخطاء هذه الجهة جاز العمل به في نظر العقل و لم يكن فيه تخصيص في حكمه بالحرمة أصلا، ضرورة عدم لزوم الاحتراز عن المفسدة المتداركة كذلك نهيه عن العمل ببعض الظّنون في زمان الانسداد من جهة ملاحظة مفسدة غالبة على مصلحة الواقع على تقدير المصادفة، أو وجود مصلحة في مقابله غالبة على مفسدة مخالفة الواقع ليس تخصيصا في حكم العقل بوجوب العمل بالظّن بالملاحظة المذكورة أصلا.
نعم الفرق بينهما من وجه لا ينافي ما ذكرنا من عدم لزوم التّخصيص على كلّ تقدير، حيث إنّ حكم الشّارع بالعمل بالظّن في زمان الانفتاح يرجع إلى التّرخيص في الأخذ به و العمل عليه في قبال تحصيل العلم الّذي كان متعيّنا عليه في حكم العقل لو لا ترخيص الشارع الكاشف عن المصلحة المتداركة، فيجوز له تحصيل العلم و رفع موضوع حكم الشارع بجواز العمل بالظّن، و أمّا حكمه بترك سلوك الظّن، فليس بعنوان التّرخيص و تجويز ترك العمل به، بل بعنوان العزيمة و الإيجاب حيث إنّه لا يتميّز عند المكلّف مورد خطاء الأمارة عن مورد صوابها، فأخذه بما يقابلها ليس فيه محذور أصلا على تقدير خطاء الأمارة و صوابها، أمّا على الأوّل فلإدراك
........
الشرح
الواقع، لأنّ المفروض خطاء الظّن، و أمّا على الثّاني فلفرض وجود المصلحة المتداركة، و هذا بخلاف أخذه بالظّن المنهيّ عنه، فإنّه على تقدير الخطاء ليس هناك ما يتدارك به مفسدة فوت الواقع، و من هنا صار الأخذ به حراما، و أمّا العمل بالظّن في زمن، فلا يمكن أن يصير واجبا تعيينيّا، لأنّه يوجب الإعراض عن نفس الواقع، حيث إنّ المفروض تمكّن المكلّف عن تحصيله.
فإن شئت قلت: إنّه كما لا يجوز للشارع النّهي عن العمل بالعلم بعد حصوله كذلك لا يجوز له النّهي عن تحصيله بعد فرض إرادة الواقع عن المكلّف، و هذا مع وضوحه و عدم السترة فيه قد يناقش فيه من جهة ما أسمعناك مرارا في طيّ كلماتنا السّابقة من أنّ العلّة الباعثة لحكم العقل بوجوب إطاعة المولى فيما أمر به أو نهى عنه ليست، إلاّ دفع خوف المؤاخذة و العقوبة المترتّبة على المخالفة فالباعث المحرّك للإطاعة هو دفع الضّرر المترتّب على المخالفة، و أمّا إدراك الجهة الباعثة على أمر المولى و العنوان الّذي أوجب عليه إيجاب الفعل على العباد الّتي يعبّر عنها بالمصلحة أو اللّطف أو القرب أو غير ذلك من الغايات فليست موجبة في حكم العقل بوجوب الإطاعة بحيث يكون المطلوب في حكمه بوجوبها التّوصل إلى تلك الغايات، فإذا كان الموجب لحكم العقل بوجوب الإطاعة هو ما ذكرنا من دفع العقاب و إسقاط التكليف و تحصيل فراغ الذّمّة، فيكون حكمه بتعيين الإطاعة الظّنيّة فيما دار الأمر بينها و بين غيرها من الإطاعة الشّكيّة و الوهميّة من جهة كون الأولى أقرب إلى إسقاط التّكليف و تحصيل الفراغ، فحديث إدراكه المصلحة الكامنة في نفس الأفعال أو في العنوانات العارضة عليها أجنبيّ عن المقام لا تعلّق له به أصلا، هذا و لكن يدفعه أنّ الموجب لإيجاب العقل إطاعة أمر المولى و الباعث على حكمه الإلزامي في باب الإطاعة و إن كان هو دفع العقاب و إسقاط التّكليف و تحصيل الفراغ، و لا يحكم بوجوب
الظنون الخاصة في مقابل حكم العقل بوجوب العمل بالظن مع الانسداد نظير الأمر بالظنون الخاصة في مقابل حكم العقل بحرمة العمل بالظن مع الانفتاح.
الشرح
تحصيل أزيد من ذلك ممّا كان داعيا لإطاعة الأجراء أو الأحرار، إلاّ أنّ إدراك مصلحة الواقع لمّا استحال انفكاكه عقلا عن إدراك الواقع، كما أنّ إدراك الواقع يستحيل انفكاكه في حكم العقل عن سقوط العقاب و فراغ الذّمّة مع فرض العلم يتعلّق الخطاب من الشارع، فيصحّ أن يقال إن حكم العقل بوجوب الأخذ بالظّن في زمان الانسداد إنّما هو من جهة إدراك مصلحة الواقع ظنّا المستلزم للظّن بالبراءة عقلا، فلا تنافي إذا بين ما ذكرنا في هذا المقام في بيان وجه التّخصص و الخروج الموضوعي لما تعلّق النّهي به من الظّنون في زمان الانسداد، و ما أسمعناك في كلماتنا السّابقة في وجه حكم العقل بوجوب الإطاعة فتدبّر،. لا يقال ما ذكرته من المفسدة الغالبة محتمل في غير ما ورد النّهي عنه بالخصوص من الظّنون، فلا يستقلّ العقل بحجيّته، فيعود الإشكال من كون خروج بعض الظّنون موجبا لتوقّف العقل عن الحكم بوجوب الأخذ بجميعها، فيكون في هذا كرّ على ما فرّ، لأنّا نقول مجرّد احتمال وجود المزاحمات لا يوجب وقوف العقل عن حكمه الإنشائي و إنّما الموجب له علمه بها لا مجرّد احتمالها، لأنّ الأمر مع هذا الاحتمال أيضا دائر بين الإطاعة الظّنيّة و الشّكيّة و الوهميّة بحسب اختلاف مراتب الاحتمال قوّة و ضعفا، نعم لو فرض كون وجود المفسدة الغالبة مظنونا دخل في مسألة الظّن المانع و الممنوع و ستقف على حكمها فيما سيأتي، و هذا أمر واضح لا إشكال فيه أصلا قد نبّهنا عليه غير مرّة.
و ممّا ذكرنا تعرف استقامة ما أفاده قدس سره في الجواب عن السّؤال بتطرّق احتمال المفسدة في كلّ ظنّ، فلا يستقلّ العقل في الحكم بحجيّته، فيعود المحذور بقوله: (نعم و لكن احتمال المفسدة لا يقدح في حكم العقل) إلى آخره.
فإن قلت: إذا بني على ذلك، فكل ظن من الظنون يحتمل أن يكون في العمل به مفسدة كذلك.
قلت: نعم و لكن احتمال المفسدة لا يقدح في حكم العقل بوجوب سلوك طريق يظن معه بالبراءة عند الانسداد، كما أن احتمال وجود المصلحة المتداركة لمصلحة الواقع في ظن لا يقدح في حكم العقل بحرمة العمل بالظن مع الانفتاح، و قد تقدم في آخر مقدمات الانسداد أن العقل مستقل بوجوب العمل بالظن مع انسداد باب العلم و لا اعتبار باحتمال كون شيء آخر هو المتعبد به غير الظن، إذ لا يحصل من العمل بذلك المحتمل سوى الشك في البراءة أو توهمها و لا يجوز العدول عن البراءة الظنية إليهما.
و هذا الوجه و إن كان حسنا، و قد اخترناه سابقا، إلاّ أن ظاهر أكثر الأخبار الناهية عن القياس أنه لا مفسدة فيه، إلاّ الوقوع في خلاف الواقع و إن كان بعضها ساكتا عن ذلك و بعضها ظاهرا في ثبوت المفسدة الذاتية، إلاّ أن دلالة الأكثر أظهر فهي الحاكمة على غيرها كما يظهر لمن راجع الجميع، فالنهي راجع إلى سلوكه من باب الطريقية، و قد عرفت الإشكال في النهي على هذا الوجه، إلاّ أن يقال إن النواهي اللفظية (1) عن العمل بالقياس من حيث
الشرح
(1) لا يخفى عليك أنّ الاستدراك المذكور مبنيّ على الإغماض عن الوجه السّابع و انحصار المصحح للنّهي في زمان الانسداد في ملاحظة المفسدة و المصلحة و إن كانت الطّريقيّة ملحوظة أيضا، ضرورة عدم استقامته مع صحّة النّهي على وجه الطّريقيّة أيضا.
هذا و قد يناقش فيما أفاده قدس سره بأنّه إذا بني على التّصرّف في أكثر الأخبار الظّاهرة في ابتناء النّهي على الطّريقيّة الصّرفة من جهة وجود الصّارف
الطريقية لا بد من حملها في مقابل العقل المستقل على صورة انفتاح باب العلم بالرجوع إلى الأئمة عليهم السلام و الأدلة القطعية منها كالإجماع المنعقد على حرمة العمل به حتى مع الانسداد لا وجه له غير المفسدة الذاتية، كما أنّه إذا قام دليل على حجية الظن مع التمكن من العلم نحمله على وجود المصلحة المتداركة لمخالفة الواقع، لأنّ حمله على العمل من حيث الطريقية مخالف لحكم العقل بقبح الاكتفاء بغير العلم مع تيسره.
الشرح
العقلي، فلا يتعيّن حملها على زمان الانفتاح لإمكان التّصرف فيها على وجه لا ينافي حكم العقل مع شمولها للزّمانين كما هو الظّاهر منها بأنّ المقصود منها الإرشاد إلى غلبة خلاف الواقع في القياس، و بيان هذا الأمر المخفيّ و إن لم يكن علّة النّهي منحصرة فيها، بل مركّبة منها و من ملاحظة المفسدة كما نطقت به سائر الأخبار ففيه نوع من الجمع بين الأخبار مع إبقائها على ظاهرها و هو شمولها للزّمانين، هذا و قد يتفصّى عن المناقشة المذكورة بأنّ ظهور الأخبار في حصر علّة النّهي في الطّريقيّة و كثرة الخطاء في العمل بالعقول الظّنيّة أقوى من ظهورها في العموم، فارتكاب التّخصيص أولى من التّصرّف في الحصر مضافا إلى ما ذكر في محلّه من أنّ ارتكاب التّخصيص في العام عند دوران الأمر بينه و بين ارتكاب خلاف ظاهر آخر أوهن.
اللّهم إلاّ أن يقال إنّها ظاهرة في القضيّة الطّبيعيّة الآبية عن التّخصيص، أ لا ترى إلى قوله عليه السلام في رواية أبان بن تغلب: «يا أبان إنّك قد أخذتني بالقياس، و إن السّنة إذا قيست محق الدّين»، و إلى قوله عليه السلام في رواية أخرى: «إنّ دين اللّه لا يصاب بالعقول» و غيرهما، فهل يجوز حملها على زمان الانفتاح حاشا ثمّ حاشا، فلا بدّ من الالتزام بأنّ اللاّزم المذكور و هو كون العمل بالقياس في معرض خلاف الواقع لا ينفكّ عن العمل به و إن كان الملحوظ في نهي الشارع هو مع شيء آخر و هو اشتمال سلوكه على مفسدة غالبة كما يكشف عنه سائر الأخبار فافهم.
الوجه السابع: هو أن خصوصية القياس (1) من بين سائر الأمارات هي غلبة مخالفتها للواقع كما يشهد به قوله عليه السلام: «إن السنة إذا قيست محق الدين»، و قوله: «كان ما يفسده أكثر مما يصلحه»، و قوله: «ليس
الشرح
(1) ما أفاده في كمال الوضوح لمن راجع أخبار الباب، كما أنّ كون عنوان حكم العقل بحجيّة الظّن و تقديمه على الشّك و الوهم ليس من حيث كونه ظنّا، بل من حيث كونه غالب المطابقة و الإيصال بالنّسبة إلى الواقع من الواضحات الّتي لا يحتاج إلى البيان، فإذا فرض انكشاف فقد العنوان المزبور بالنّسبة إلى القياس و أشباهه بملاحظة الأخبار الكاشفة عن حالهما، فلا محالة يحكم بخروجهما موضوعا عن حكم العقل بحجيّة الظّن، فلا يلزم هناك تخصيص أصلا، و من هنا يحكم بعدم حجيّة جملة من الظّنون الّتي علمت غلبة مخالفتها بالنّسبة إلى الأحكام الشّرعيّة كالقرعة و الاستخارة و الرّمل و النّوم و ظنّ غير أهل الخبرة و نحوها، فإنّها بأسرها خارجة موضوعا عن حكم العقل.
ثمّ إنّ رفع اليد عن الواقع أحيانا، و في بعض الموارد و القضايا من جهة حفظ أكثر الوقائع عند الدّوران لما كان حسنا في حكم العقل نظير ارتكاب أقلّ القبيحين عند الدّوران، فلا محالة يجوّز العقل نهي الشارع عن العمل بجميع جزئيّات الأمارة المخالفة للواقع كثيرا و لو بالنّسبة إلى الجزئي الّذي يظنّ كونه مطابقا للواقع من جهة الظّن بكون موارد المخالفة غير ما حصل الظّن فيه من الأمارة كما فيما ذكره من المثال في الكتاب، فلا يتوهّم أنّ ملاحظة هذا المعنى نوع من ملاحظة المصلحة في النّهي كمصلحة التّسهيل، فيرجع هذا الوجه إلى سابقه، حيث إنّ ملاحظة حفظ الواقع في موارد الأمارة المنهيّ عنها عين الطّريقيّة كما لا يخفى و ليس ما يقابل الأمارة المنهيّ عنها أمرا واحدا دائما حتّى يقال بأنّ ارتفاع الظّن منها غالبا من جهة كثرة الخطاء يوجب حصول الظّن ممّا يقابلها، مع أنّه لا يقدح فيما نحن فيه بصدده من القول بحرمة العمل به حتّى في مورد حصول الظّن منه.
شيء أبعد عن عقول الرجال من دين اللّه» و غير ذلك.
و هذا المعنى لما خفي على العقل الحاكم بوجوب سلوك الطرق الظنية عند فقد العلم فهو إنما يحكم بها لإدراك أكثر الواقعيات المجهولة بها، فإذا كشف الشارع عن حال القياس و تبين عند العقل حال القياس، فيحكم حكما إجماليا بعدم جواز الركون إليه.
نعم إذا حصل الظن منه في خصوص مورد لا يحكم بترجيح غيره عليه في مقام البراءة عن الواقع لكن يصح للشارع المنع عنه تعبدا بحيث يظهر منه أني ما أريد الواقعيات التي تضمنها، فإن الظن ليس كالعلم في عدم جواز تكليف الشخص بتركه و الأخذ بغيره، و حينئذ فالمحسن لنهي الشارع عن سلوكه على وجه الطريقية كونه في علم الشارع مؤديا في الغالب إلى مخالفة الواقع.
و الحاصل: أن قبح النهي عن العمل بالقياس على وجه الطريقية، إمّا أن يكون لغلبة الوقوع في خلاف الواقع مع طرحه فينا في الغرض، و إمّا أن يكون لأجل قبح ذلك في نظر الظان، حيث إن مقتضى القياس أقرب في نظره إلى الواقع، فالنهي عنه نقض لغرضه في نظر الظان.
أمّا الوجه الأول: فهو مفقود في المقام، لأنّ المفروض غلبة مخالفته للواقع.
و أمّا الوجه الثاني: فهو غير قبيح بعد إمكان حمل الظان النهي في ذلك المورد الشخصي على عدم إرادة الواقع منه في هذه المسألة و لو لأجل اطراد الحكم.
أ لا ترى أنّه يصح أن يقول الشارع (1) للوسواسي القاطع بنجاسة ثوبه ما
الشرح
(1) قد يتوهّم التّدافع بين ما أفاده و ما ذكره قبل ذلك عن قريب بقوله: (فإنّ الظّن ليس كالعلم) إلخ، بل بينه و بين ما أفاده من أوّل الكتاب إلى هذا المقام مرارا
........
الشرح
من عدم إمكان نهي الشارع عن العمل بالعلم، فإنّ مقتضى ما أفاده في المقام إمكان نهي الشارع عن العمل بالعلم بإظهار عدم إرادة المعلوم عن العالم و مقتضى ما ذكره سابقا عدم إمكان ذلك كما هو قضيّة صريحة.
هذا و يمكن دفعه بأنّ المراد ممّا أفاده سابقا من عدم الجواز إنّما هو بالنّظر إلى الواقع و المكلّف الملتفت بأنّ اللّه تعالى يريد الواقع منه، و من كلّ أحد و المراد ممّا أفاده في المقام إنّما هو بالنّسبة إلى المكلّف الّذي لم يلتفت إلى ما هو المركوز في العقول من عدم جواز عدم إرادة الواقع منه، و قد صرّح قدس سره بما يستفاد منه هذا التّفصيل في أوّل الكتاب في فروع اعتبار العلم، فراجع هذا و لكن قد يناقش فيما أفاده من الفرق بين العلم و الظّن حيث لا يجوز تكليف المكلّف على خلاف مقتضى الأوّل واقعا، و يجوز تكليفه على خلاف مقتضى الثّاني واقعا بإظهار عدم إرادة الواقع منه بأنّه إن جوّز في حكم العقل إعراض الشارع عن الواقع في مادّة من المواد لأجل يرجع إلى المكلّف، فلا يفرق فيه بين أن يعلم المكلّف بالواقع أو ظنّ به و إن لم يجوّزه، فلا يفرق فيه أيضا بين أن يعلم به أو يظنّه حيث إنّ الظّن كالعلم في زمان الانسداد في نظر العقل حسبما صرّح به قدس سره في غير موضع من كلامه، فالتّفصيل لا وجه له و أنت خبير بفساد المناقشة المذكورة لوضوح الفرق بين العلم و الظّن في التّجويز المذكور، لأنّ نهي الشارع عن العمل بالعلم يكون مناقضا لما جعله في الواقعة المعلومة و هذا بخلاف الظّن، فإنّ النّهي عن العمل به لا يكون مناقضا لما جعله في الواقعة في نظر الظّان أصلا، غاية ما هناك حكم العقل بحجيّة الظّن عند انسداد باب العلم كحكم الشارع بها عند الانفتاح، و هذا لا يوجب اعتباره الذّاتي حتّى يمنع نهي الشارع عن العمل به كالعلم، فالمراد من كون الظّن في زمان الانسداد كالعلم في حكم العقل كونه ملحقا به في الحجيّة من غير فرق بين خصوصيّاته لا كونه ملحقا به في كيفيّة الحجيّة.
........
الشرح
و الحاصل أنّا ذكرنا غير مرّة أنّه لا يجوز الشارع النّهي عن العمل بالعلم فيما يترتّب الحكم الشّرعي على المعلوم لرجوعه إلى التّناقض في نظر العالم، لأنّه بمجرّد العلم بالواقع مع ثبوت الحكم له يرتّب قياسا، فيقطع منه بحكم الشارع، فيكون النّهي عن العمل به مناقضا له في نظره لا محالة، و هذا بخلاف الظّن فإن المكلّف لا يتمكن معه من ترتيب القياس و القطع بالنّتيجة حتّى يكون النّهي عن العمل به مناقضا له، غاية الأمر أنّه إذا قام هناك دليل على اعتباره يحكم بوجوب الأخذ به و متابعته من غير فرق بين أن يكون دليل الانسداد أو غيره، و من هنا جعلنا الأصل فيه عدم الحجيّة و الاعتبار.
فإن شئت قلت: إنّ إلحاق الظّن بالقطع فيما يترتّب عقلا على صفة القطع من الاعتبار الذّاتي النّفسي غير معقول و إن كان ملحقا به في عدم الفرق بين خصوصيّاته إذا دكّ دليل اعتباره عليه و بعبارة أوضح نهي الشارع عن العمل بظنّ في زمان الانسداد كإذنه في ارتكاب بعض أطراف الشّبهة المحصورة و نهيه عن العمل بالعلم التّفصيلي كإذنه في ارتكاب جميع الأطراف فيها، فكما أنّ الأوّل لا إشكال في جوازه كذلك الثّاني لا إشكال في عدم جوازه، بل العلم التفصيلي أولى بعدم جواز النّهي عنه من العلم الإجمالي كما هو ظاهر.
ثمّ إنّ معنى إعراض الشارع عن الواقع في مورد الظّن ليس رفع يده عن الحكم الواقعي أو رفعه في نفس الأمر كما أنّ حكمه بحجيّته ليس معناه إثبات الواقع في مورده في نفس الأمر، بل معذوريّة المكلّف في مخالفة الواقع على تقدير مصادفة الظّن له فالحكم الواقعي باق على حاله و إنّما المرتفع بحكم العقل الحكم الفعلي و تنجّز الخطابات الواقعيّة الّذي ليس من مجعولات الشارع حقيقة فإذنه في مخالفة الظّن نظير إذنه في ارتكاب الشّبهات الابتدائية، فكما أنّ إذنه هناك ظاهرا لا يلازم رفع الحكم الواقعي و إنّما يلازم المعذوريّة في مخالفته على
........
الشرح
تقدير وجود الحكم الإلزامي في مورده كذلك إذنه في المقام فافهم.
ثمّ إنّ رجوع ما ذكره من الوجه إلى التّخصّص على ما عرفت الإشارة إليه ظاهر، ضرورة أنّ وجوب العمل بالظّن في حكم العقل و تقديمه على غيره إنّما هو من حيث كونه أقرب إلى الواقع و غالب الإيصال بالنّسبة إليه، فإذا فرض انتفاء هذا المناط و العنوان الّذي يكون موضوعا في حكم العقل بالحجيّة في ظنّ و لو من جهة انكشاف حاله من إخبار الشارع العالم بالغيب، فلا محالة يكون خروجه خروجا موضوعيّا و هو معنى التخصص و القول بتطرّق احتمال هذا المناط و العنوان في سائر الظّنون من جهة احتمال غلبة مخالفة الواقع فيها، فلا يستقلّ العقل بحجيّتها قد عرفت فساده مرارا.
ثمّ إنّه قد يستشكل فيما أفاده أيضا بأنّه كيف يجامع العلم الإجمالي بغلبة مخالفة القياس بالنّسبة إلى الواقع من بين الأمارات القائمة عليه مع حصول الظّن منه بالواقع كثيرا، فإن فرض مورد العلم بغلبة مخالفة الواقع الأفراد الّتي لا يحصل الظّن منها فهو لا يوجب رفع اليد عمّا يحصل الظّن منه لوجود المناط العقلي فيه كما هو المفروض و إن فرض مورده تمام الأفراد أو خصوص ما يحصل الظّن منه، فكيف يجامع حصول الظّن منه و لكنّك خبير بعدم توجّه هذا الإشكال عند التّأمل، لأنّا نقول: إنّ العلم الحاصل من الأخبار بغلبة مخالفة الواقع في القياس إنّما هو بالنّسبة إلى جميع أفراده و هي كانت مفيدة للظّن من دون ملاحظة الأخبار الكاشفة عن حال القياس، و أمّا بملاحظتها فيرتفع الظّن من كثيرها، و من هنا ذكر قدّس سرّه سابقا أنّ هذه الأخبار و إن لم يوجب ارتفاع الظّن الحاصل من القياس دائما، إلاّ أنّها موهنة قوية توجب ارتفاع الظّن الحاصل منها في ابتداء النّظر و الأمر غالبا و أمّا إذا حصل الظّن منه في مورد أو موارد قليلة، فيحكم ظنّا بأنّ القياس المخالف للواقع هو غيره نظير الظّن الحاصل من الغلبة مع العلم الإجمالي بالمخالفة، و من هنا
أريد منك الصلاة بطهارة الثوب و إن كان ثوبه في الواقع نجسا حسما لمادة وسواسه.
و نظيره: أن الوالد إذا أقام ولده الصغير في دكانه في مكانه و علم منه أنه يبيع أجناسه بحسب ظنونه القاصرة صح له منعه عن العمل بظنه و يكون منعه في الواقع لأجل عدم الخسارة في البيع و يكون هذا النهي في نظر الصبي الظان بوجود النفع في المعاملة الشخصية إقداما منه و رضا بالخسارة و ترك العمل بما يظنه نفعا لئلا يقع في الخسارة في مقامات أخر فإن حصول الظن الشخصي بالنفع تفصيلا في بعض الموارد لا ينافي علمه بأن العمل بالظن القياسي منه و من غيره في هذا المورد و في غيره يوجب الوقوع غالبا في مخالفة الواقع و لذا علمنا ذلك من الأخبار المتواترة معنى مع حصول الظن
الشرح
يحصل الظّن من الأمارات الشّرعيّة مع العلم بمخالفة بعضها للواقع في الجملة فافهم.
ثمّ إنّه بقي هنا شيء ينبغي التّنبيه عليه و هو أنّ ما أفاده قدس سره بالنّسبة إلى الوسواسيّ العالم على ما عرفت توضيحه و شرحه إنّما هو فيما إذا قلنا بمانعيّة النّجاسة مثلا بالنّسبة إليه، و أما إذا قلنا بارتفاع مانعيّتها في حقّه، فليس هنا تكليف بخلاف الواقع أصلا، و هكذا بالنّسبة إلى جميع ما له دخل في العبادة شطرا أو شرطا، فإنّه لا مضايقة من القول بعدم اعتباره في حقّ الوسواسي فيه حسما لمادّة وسواسه و رفع مرضه المضرّ بحاله، فلا مضايقة من القول بأنّ الوسواسيّ في القراءة لا يعتبر في حقّه القراءة المعتبرة في حقّ غيره من الأصحّاء كما لا يعتبر في حقّ من لا يحسن القراءة لخلل في مخارج حروفه أو عجزه عن تحصيله مع ضيق الوقت و هكذا، فليس تكليفه بخلاف الواقع حتّى لا يمكن النّهي في حقّه، إلاّ مع فرض غفلته عن استحالة الأمر بخلاف الواقع فتدبّر.
الشخصي في الموارد منه إلا أنه كل مورد حصل الظن نقول بحسب ظننا أنه ليس من موارد التخلف فنحمل عموم نهي الشارع الشامل لهذا المورد على رفع الشارع يده عن الواقع و إغماضه عن الواقع في موارد مطابقة القياس لئلا يقع في مفسدة تخلفه عن الواقع في أكثر الموارد. هذه جملة ما حضرني من نفسي و من غيري في دفع الإشكال و عليك بالتأمل في هذا المجال و اللّه العالم بحقيقة الحال
فيخرج مثل الشهرة القائمة على عدم حجية الشهرة، لأنّ مرجعها إلى انعقاد الشهرة على عدم الدليل على حجية الشهرة و بقائها تحت الأصل.
و في وجوب العمل بالظن الممنوع، أو المانع، أو الأقوى منهما، أو التساقط وجوه، بل أقوال.
ذهب بعض مشايخنا إلى الأول (1) بناء منه على ما عرفت سابقا من بناء
الشرح
(1) الكلام في هذا المقام قد يقع في أنّه كيف يمكن حصول الظّن بعدم حجيّة ما قضى الدّليل العقلي القطعي بحجيّته، ضرورة عدم إمكان اجتماع احتمال عدم الحجيّة مع حكم العقل القطعي و لو كان موهوما فضلا عمّا إذا كان مظنونا، و قد يقع في أنّه على فرض الإمكان بأحد الوجوه المتقدّمة في مسألة القياس كيف يتأمّل في المسألة و هل الحقّ أيّ وجه من الوجوه الّتي أشار إليها في الكتاب أمّا الكلام فيه من الجهة الأولى، فملخّصه أنّه إذا فرض إمكان اجتماع القطع بعدم
........
الشرح
الحجيّة مع حكم العقل بحجيّة الظّن فاجتماع الظّن بعدم الحجيّة معه أولى بالإمكان و التّصور فيتصور إمكان اجتماعهما بأحد الوجوه المتصوّرة في التّفصي عن إشكال خروج القياس و النّهي عن العمل به في الشّرعيّات، حتّى في زمان الانسداد و قضاء العقل بحجيّة الظّن على سبيل القضيّة الكليّة، و أمّا الكلام فيه من الجهة الثّانية، فحاصله أنّ الكلام فيها إنّما يقع على تقدير القول بتعميم النّتيجة بالنّسبة إلى المسائل الأصوليّة و الفقهيّة، إذ على التّخصيص بالأولى لا يحكم، إلاّ بحجيّة ما قام الدّليل الظّني على حجيّته فما لم يقم على حجيّته دليل ظنّي خارج عن تحت الدّليل العقلي و باق تحت الأصل الأوّلي سواء ظنّ عدم حجيّته أو شكّ فيه، فإلقاء ما ظنّ عدم حجيّته ليس مستندا إلى الظّن بعدم حجيّته حتّى يتوجّه عليه بأنّ العلم الإجمالي بوجود الحجج الشّرعيّة لا يقتضي في حكم العقل بحجيّة الظّن القائم بعدم الحجيّة و إن كان ظنّا بأحد طرفي المسألة الأصوليّة، حيث إنّ مقتضى الدّليل المذكور إذا جرى في مسألة أيّ مسألة كانت هو حجيّة الظّن القائم بتعيين الحكم المعلوم بالإجمال في تلك المسألة و إن كان بناء القائلين بحجيّة مطلق الظّن على خلاف ذلك، نعم يقع الإشكال على هذا القول فيما إذا قام القياس أو أمارة ظنّ إلحاقها به على حجيّة أمارة لا يفيد الظّن بالمسألة الفقهيّة، فيتفصّى عنه بما عرفت الكلام فيه مفصّلا بالنّسبة إلى ما قام القياس على حجيّته، فيحكم بخروجه موضوعا عن حكم العقل بما عرفت تفصيله.
و أمّا بالنّسبة إلى ما قام عليه ما ظنّ إلحاقه بالقياس، فربّما يقع الكلام في الأخذ به من حيث عدم حصول الظّن بالبراءة من سلوكه مع فرض الظّن بحجيّته ممّا يظنّ إلحاقه بالقياس فتدبّر.
و أمّا على التّخصيص بالثّانية أي المسائل الفقهيّة الّذي ذهب إليه المحقّق الشّريف شيخ شيخنا الأستاذ العلاّمة قدس سرهما، فقد اختار تعيّن العمل بالممنوع
........
الشرح
من جهة عدم اقتضاء دليل الانسداد حجيّة المانع حتّى يشكل الأمر من جهة الأخذ به، و الممنوع بعد عدم إمكان الأخذ بهما و تدافعهما على ما ما هو الشّأن على القول بتعميم النّتيجة، هذا و لكن قد يناقش فيه بأنّ المانع و إن لم يكن على هذا القول مشمولا لدليل الانسداد إلاّ أنّه يوجب انتفاء مناط الحجيّة عن الممنوع، حيث إنّ حكم العقل بحجيّة الظّن ليس من حيث إنّه ظنّ و إلاّ استحال اجتماعه مع الظّن بعدم الحجيّة، بل من حيث غلبة مطابقته للواقع أو من حيث إدراك المصلحة الأوّليّة بسلوكه على الوجهين اللّذين عرفت شرح القول فيهما، فإذا ظنّ بعدم حجيّة ظنّ، فلا محالة يظنّ بغلبة مخالفته للواقع أو وجود المفسدة في سلوكه، فلا يحصل منه الظّن بإدراك الواقع و مصلحته في غالب الموارد، فيلزم من المانع انتفاء مناط الحجيّة من الممنوع فيكون ملحقا بالقياس حكما، غاية ما هناك حصول الظّن من الممنوع بإدراك المصلحة لكن مع الظّن بمزاحمته بالمفسدة المظنونة لو لم يمنع المانع من الظّن بغلبة إدراك الواقع، و إلاّ لم يحصل منه الظّن بإدراك الواقع غالبا في موارد وجوده، فلا يحصل منه الظّن بإدراك مصلحة الواقع فافهم.
هذا كلّه على القول بتخصيص النّتيجة بإحدى المسألتين، و أمّا على القول بالتّعميم كما اختاره شيخنا قدس سره وفاقا لجمع من المحقّقين فهل يحكم بتقديم المانع بمعنى دخوله تحت الدّليل و خروج الممنوع منه، أو الممنوع بالمعنى الّذي عرفته أو التّساقط بمعنى عدم شمول الدّليل لشيء منهما، أو الأخذ بالأقوى منهما و لو بحسب الموارد إن كان هناك قوّة لأحدهما، و إلاّ فيحكم بالتّساقط بالمعنى الّذي عرفته وجوه أوجهها و أقواها عند شيخنا قدس سره الأخير و يظهر من الكتاب أنّ محلّ الوجوه الّتي ذهب إلى كلّ منها فريق مجموع الأقوال و الوجوه بالنّسبة إلى دليل الانسداد من حيث اختصاصها بالمسائل الفقهيّة، أو الأصوليّة، أو التّعميم و عدم الاختصاص بشيء من المسألتين، فيستفاد منه أنّه لا يجري تمام
غير واحد منهم على أن دليل الانسداد لا يثبت اعتبار الظن في المسائل الأصولية التي منها مسألة حجية الممنوع.
و لازم بعض المعاصرين الثاني بناء على ما عرفت منه من أن اللازم بعد الانسداد تحصيل الظن بالطريق، فلا عبرة بالظن بالواقع ما لم يقم على اعتباره ظن.
و قد عرفت ضعف كلا البناءين و أن نتيجة مقدمات الانسداد هو الظن بسقوط التكاليف الواقعية في نظر الشارع الحاصل بموافقة نفس الواقع و بموافقة طريق رضا الشارع به عن الواقع.
نعم بعض من وافقنا واقعا أو تنزلا في عدم الفرق في النتيجة بين الظن بالواقع و الظن بالطريق اختار في المقام وجوب طرح الظن الممنوع نظرا إلى
الشرح
الوجوه على القول بالتّعميم، و لكنّك خبير بإمكان جريان الوجوه بأسرها على القول بالتّعميم أمّا التّساقط من حيث تنافي الفردين و عدم إمكان الحكم بشمول الدّليل لأحدهما معيّنا لأجل انتفاء المرجّح، فيلزم الحكم بخروجهما عنه، و أمّا الأخذ بالأقوى فظاهر.
و أمّا تعيّن الأخذ بالمانع فلما حكاه في الكتاب عن بعض من وافقه في القول بتعميم النّتيجة حقيقة أو مماشاة من حكومته على الممنوع من حيث كونه دليلا على عدم حجيّته، حيث إنّه مفاده بخلاف الأخذ بالممنوع، (فإنّه موجب لطرح المانع من دون دليل) إلى آخر ما ذكره، و أمّا تعيّن الأخذ بالممنوع و عدم جواز الأخذ بالمانع من حيث إن الأخذ بالظّن في المسألة الأصوليّة إنّما هو فيما قام على حجيّته شيء و حصول البراءة عن الواقع بسلوكه، لا فيما إذا قام على عدم حجيّة شيء، فإنّه لا يوجب الظّن بالبراءة أصلا، و دعوى كون الظّن بعدم الحجيّة ملازما للظّن بحجيّة ما يقابل الممنوع من الأصول و الأمارات قد عرفت فسادها فتأمل.
أن مفاد دليل الانسداد كما عرفت في الوجه الخامس من وجوه دفع إشكال خروج القياس هو اعتبار كل ظن لم يقم على عدم اعتباره دليل معتبر.
و الظن الممنوع مما قام على عدم اعتباره دليل معتبر و هو الظن المانع، فإنّه معتبر حيث لم يقم دليل على المنع منه، لأنّ الظن الممنوع لم يدل على حرمة الأخذ بالظن المانع، غاية الأمر أن الأخذ به مناف للأخذ بالمانع، لا أنه يدل على وجوب طرحه بخلاف الظن المانع، فإنّه يدلّ على وجوب طرح الظن الممنوع.
فخروج الممنوع من باب التخصص لا التخصيص، فلا يقال: إن دخول أحد المتنافيين تحت العام لا يصلح دليلا لخروج الآخر مع تساويهما في قابلية الدخول من حيث الفردية.
و نظير ما نحن فيه: ما تقرر في الاستصحاب من أن مثل استصحاب طهارة الماء المغسول به الثوب النجس دليل حاكم على استصحاب نجاسة الثوب و إن كان كل من طهارة الماء و نجاسة الثوب، مع قطع النظر عن حكم الشارع بالاستصحاب متيقنة في السابق مشكوكة في اللاحق و حكم الشارع بإبقاء كل متيقن في السابق مشكوك في اللاحق متساويا بالنسبة إليهما، إلاّ أنّه لما كان دخول يقين الطهارة في عموم الحكم بعدم النقض و الحكم عليه بالبقاء يكون دليلا على زوال نجاسة الثوب المتيقنة سابقا فيخرج عن المشكوك لاحقا بخلاف دخول يقين النجاسة و الحكم عليها بالبقاء، فإنّه لا يصلح للدلالة على طرو النجاسة للماء المغسول به قبل الغسل و إن كان منافيا لبقائه على الطهارة.
و فيه أولا: أنّه لا يتم فيما إذا كان الظن المانع (1) و الممنوع من جنس
الشرح
(1) قد يناقش فيما أفاده قدس سره بأنّه أيّ فرق في مفاد الدّليل الّذي أقامه على لزوم الأخذ بالمانع بين متّحدي الجنس و مختلفيه، فإنّه إن تمّ ما ذكر لم يكن فرق بينهما، و إلاّ فلا فرق أيضا، حيث إنّ الأمارتين و إن كانتا متحدتين من حيث الجنس إلاّ أنّ المورد مختلف متعدّد فيمكن التّفكيك بحسب الاعتبار و إن كان الوجه فيما أفاده استبعاد التّفصيل و الفرق ففيه أنّ مجرد الاستبعاد على تقدير تسليمه لا يجدي مانعا للفرق و إن كان الوجه فيه عدم الاطّلاع على قول من الأصحاب بالتّفصيل و الفرق، بل عدم تفصيلهم بينهما من حيث الظّن الخاصّ، ففيه أنّه لا يمنع أيضا بعد قضاء الدّليل العقليّ القاضي بحجيّة مطلق الظّن بالفرق و التّفصيل و إن كان الوجه فيه حكم العقل بعدم إمكان الفرق و التّفصيل في الفرض من حيث إنّ حجيّة المانع في الفرض مستلزمة لعدمها و هو محال في حكم العقل ضرورة استحالة تأثير الشيء وجودا في عدمه، ففيه أنّ هذا الوجه و إن كان له وجه و قد صرّح به قدس سره في مجلس البحث و جعله وجها لما أفاده من الجواب الأوّل، لكنّه خلاف ظاهر العبارة، لأنّ الظّاهر منها نفي الفرق بين المانع و الممنوع في الحكم فيما كانتا متّحدي الجنس لا إثبات الفرق و الحكم باعتبار الممنوع ليس إلاّ إذ لازم الاستناد إلى الوجه المذكور ثبوت الفرق المزبور، ضرورة أنّه بعد الحكم باستحالة شمول دليل الانسداد للظّن المانع من حيث إنّ شموله موجب لعدم تعيّن الحكم بدخول الممنوع تحت الدّليل، حيث إنّه لا مانع لشمول الدّليل له بعد فرض خروج المانع عنه لانحصار المانع فيه، و هذا معنى ما ذكرنا من استلزام الوجه المذكور للفرق من جانب العكس و لا يساعده العبارة قطعا.
هذا مع أنّ الحكم بتقديم الظّن الممنوع في الفرض بقول مطلق على ما هو لازم الوجه المزبور على ما عرفت مناف لما سيذكره في طيّ الجواب عن الوجه
أمارة واحدة كأن يقوم الشهرة مثلا على عدم حجية الشهرة، فإنّ العمل ببعض أفراد الأمارة و هي الشهرة في المسألة الأصولية دون البعض الآخر و هي الشهرة في المسألة الفرعية كما ترى.
و ثانيا: أنّ الظن المانع (1) إنما يكون على فرض اعتباره دليلاً على عدم اعتبار الممنوع، لأن الامتثال بالممنوع حينئذ مقطوع العدم كما تقرر في توضيح الوجه الخامس من وجوه دفع إشكال خروج القياس، و هذا المعنى موجود في الظن الممنوع مثلا إذا فرض صيرورة الأولوية مقطوعة الاعتبار بمقتضى
الشرح
الثّاني للقول بعدم اعتبار الظّن في المسائل الأصوليّة من حيث استلزام وجوده عدمه من جهة أنّ المشهور، بل المنقول عليه الإجماع عدم حجيّة الظّن في المسألة الأصوليّة و هو ظنّ في المسألة الأصوليّة، فلو كان الظّنّ في المسألة الأصوليّة حجّة لزم ما ذكرنا من الأمر المحال من استلزام الوجود للعدم من أنّ الشّهرة على فرض تحقّقها و حصول الظّن منها لا تصير دليلا على عدم اعتبار الظّن في المسألة الأصوليّة، غاية الأمر دخول الظّن الحاصل منها مع الظّن الممنوع في الظّن المانع و الممنوع، فلا بدّ من أن يراعى حكمه من تقديم الأقوى لا تقديم المانع، فإنّه كما ترى مناف لما أفاده في المقام و إن كان منظورا فيه من حيث إنّ الظّن الحاصل من الشّهرة بعدم اعتبار الظّن في المسألة الأصوليّة و إن كان ظنّا في المسألة الأصوليّة لكن لا يمكن شمول الدّليل له، لأنّ من اعتباره يستلزم عدم اعتباره، فلا يصلح مانعا لاعتبار الظّن في المسألة الأصوليّة فيدخل تحت الدّليل فبمثله ينبغي أن يجاب لا بما أفاده فافهم و تأمّل و انتظر لتمام الكلام فيما يتلى عليك بعد هذا إن شاء اللّه.
(1) تحقيق المقام و توضيحه على وجه يظهر منه اندفاع توهّم الفرق الّذي توهّمه البعض المتقدّم ذكره لشمول الدّليل للظّن المانع دون الممنوع بناء على
........
الشرح
الوجه الخامس من وجوه التفصّي عن إشكال خروج القياس و أشباهه من دليل الانسداد من كون الموضوع فيه الظّن الّذي لم يقم دليل على عدم حجيّته بحيث يظهر منه فساد قياس المقام بالحاكم و المحكوم من الاستصحابين هو أنّ الظّن الممنوع مع قطع النّظر عن دليل الانسداد ليس ممّا قام دليل على عدم حجيّته قطعا و إن كان ممّا قام ظنّ غير معتبر على عدم حجيّته و هو الظّن المانع باعتراف الخصم المتوهّم للفرق و إنّما يدخل فيما قام دليل على عدم حجيّته بملاحظة دليل الانسداد حسبما توهمه، فإذا لم يدخل في العنوان المذكور مع قطع النّظر عنه، بل دخل فيما لم يقم دليل على عدم حجيّته، فيشمله الدّليل كما يشمل الظّن المانع أيضا من حيث وجود مناط حكم العقل بحجيّته و عنوانه في كلّ منهما و شموله لهما جميعا غير ممكن من حيث تنافيهما و لو من حيث شمول الدّليل و إن كان الممنوع ليس له تعرّض في نفسه للمانع، فإنّ شموله للمانع يلازم عدم شموله للممنوع، حيث إنّ مدلوله عدم حجيّة الممنوع و شموله للممنوع أيضا يلازم عدم شموله للمانع من حيث استلزام شموله لعدم حجيّة ما يمنع عنه، فيلزم عدم شموله و مجرّد كون مدلول المانع عدم حجيّة الممنوع مطابقة، و كون مدلول الممنوع عدم حجيّة المانع التزاما بملاحظة دليل الانسداد، لا يجدي فرقا بعد فرض كون الدّليل عقليّا تابعا لوجود مناط الحكم في أفراد موضوعه كما هو ظاهر، فلا بدّ أن يتبع حكمه في المتنافيين من الفردين عنوانا صادقا على أحدهما كالأقوى على تقدير وجود القوّة لأحدهما، و إلاّ فيحكم بتساقطهما بمعنى عدم شمول الدّليل لشيء منهما، فكما أنّ شموله للمانع يوجب دخول الممنوع فيما قام الدّليل القطعي على عدم حجيّته بالنّظر إلى قضاء الدّليل لحجيّة مطلق الظّن و إن تعلّق بالمسألة الأصوليّة، كذلك شموله للممنوع موجب لدخول المانع في العنوان المذكور نظرا إلى ما عرفت من الاستلزام و لا ترتّب في الشّمول أصلا و لا دوران، لأنّ حكم
........
الشرح
العقل من لوازم وجود موضوعة و المفروض كون كلّ منهما ظنّا لم يقم دليل على عدم حجيّته مع قطع النّظر عن دليل الانسداد.
هذا فإن شئت قلت: إنّ جعل دليل الانسداد مانعا عن شموله للممنوع دوريّ، حيث إنّ عدم شموله له يتوقّف على كونه ممّا قام الدّليل على عدم حجيّته و تحقّق العنوان المذكور بالنّسبة إليه يتوقّف على نفس الدّليل المذكور، لأنّ المفروض انحصار الدّليل فيه، فيلزم ما ذكرنا من الدّور الباطل، و لا يقاس المقام بما إذا كان الشّك في مجرى أحد الأصلين مسبّبا عن الشّك في مجرى الآخر كما في على ما عرفته من المتوهّم من قياس المقام به.
أمّا أوّلا: فلأنّ الشّك في حجيّة الممنوع ليس مسبّبا عن الشّك في حجيّة المانع بل مسبّب عن الشّك في قيام الدّليل على حجيّته، غاية الأمر كون القطع بحجيّة المانع موجبا للقطع بعدم حجيّته، كما أنّ القطع بحجيته موجب للقطع بعدم حجيّة المانع فتأمل.
و أمّا ثانيا: فلأنّ الحكم بتعيين دخول الحاكم تحت عموم حرمة النّقض و خروج المحكوم عنه إنّما هو من جهة دوران الأمر بين التّخصيص و التّخصّص في العموم اللّفظي، فيكون نفس العموم القاضي بإرادة تمام الإفراد عن العام اللّفظي ما لم يقم هناك قرينة على الخلاف قاضيا بتعيّن الثّاني و هذا بخلاف المقام، فإنّه ليس هنا عموم لفظيّ شك في المراد منه حتّى يتعيّن بملاحظة الدّوران المذكور، بل التّحقيق أنّه على القول باعتبار الاستصحاب من باب الظّن أيضا بتعيين القول بحجيّة الحاكم نظرا إلى كون الحالة السّابقة في المحكوم من جهة كون شكّه معلولا للشّك في الحاكم غير مؤثّر في الظّن أصلا بعد فرض وجود ما يوجب بالخلاف في طرف الحاكم على ما ستقف على تفصيل القول فيه في باب الاستصحاب إن شاء اللّه تعالى.
........
الشرح
و ممّا ذكرنا كلّه يظهر ما في الاستدراك الّذي أفاده قدس سره بقوله: (إلاّ أن يقال إنّ القطع بحجيّة المانع عين القطع بعدم حجيّة الممنوع) إلى آخره، فإنّه يتوجّه عليه مضافا إلى كونه عين ما ذكره الخصم و استند إليه، فلا مورد للاستدراك أنّ هذا المقدار من الفرق و هو كون القطع بحجيّة المانع عين القطع بعدم حجيّة الممنوع، حيث إنّه مدلوله بالفرض و كون القطع بحجيّة الممنوع مستلزما للقطع بعدم حجيّة المانع و إن كان مسلّما، إلاّ أنّه لا يجدي في المقام بحيث يحكم من أجله بدخول المانع تحت الدّليل و خروج الممنوع عنه موضوعا من حيث قيام الدّليل القطعيّ على عدم حجيّته، فإنّ الظّن المانع من حيث هو ليس دليلا قطعيّا حتّى يوجب القطع بعدم حجيّة الممنوع و إنّما هو دليل بملاحظة شمول دليل الانسداد له و الممنوع بهذه الملاحظة أيضا دليل على عدم حجيّة المانع، فيدخل فيما قام الدّليل على عدم حجيّته، فيخرج عن دليل الانسداد كما توهّم في جانب العكس، و قد عرفت بما لا مزيد عليه أنّ الدّليل المخرج للظّن عن موضوع دليل الانسداد لا بدّ أن يكون أمرا خارجا عنه قائما عليه مع قطع النّظر عنه، و إلاّ فيلزم الدّور الّذي لا محيص عنه على ما أسمعناك مفصّلا فإن شئت قلت إن الدّليل القطعي الّذي يخرج الظّن موضوعا عن دليل الانسداد، لا يمكن أن يثبت قطعيّته من نفس هذا الدّليل لاستحالة التّرجيح بلا مرجّح، بل لا بدّ أن يثبت قطعيّته من دليل آخر كالإجماع القائم على حرمة العمل بالقياس مثلا.
هذا مضافا إلى ما أفاده قدس سره من أنّه لا معنى للتّرديد و الدّوران في حكم العقل ضرورة أنّ الحاكم لا يمكن أن يكون مردّدا في حكمه لا يدري بأيّ شيء يحكم، و إلاّ لم يكن حاكما، فلا بدّ من أن يعيّن مورد حكمه من أوّل الأمر، لا أن يعيّنه بملاحظة التّرديد و الدّوران الموجب للتّرديد في الحكم و إنّما يتصوّر التّرديد و الدّوران بالنّسبة إلى غير الحاكم كترديدنا فيما أراده الشارع من ألفاظه العامّة،
دخولها تحت دليل الانسداد لم يعقل بقاء الشهرة المانعة عنها على إفادة الظن بالمنع.
و دعوى: أن بقاء الظن من الشهرة بعدم اعتبار الأولوية دليل على عدم حصول القطع من دليل الانسداد بحجية الأولوية، و إلاّ لارتفع الظن بعدم حجيتها، فيكشف ذلك عن دخول الظن المانع تحت دليل الانسداد معارضة بأنّا لا نجد من أنفسنا القطع بعدم تحقق الامتثال بسلوك الطريق الممنوع، فلو كان الظن المانع داخلا لحصل القطع بذلك.
و حل ذلك أن الظن بعدم اعتبار الممنوع إنّما هو مع قطع النظر عن ملاحظة دليل الانسداد و لا نسلم بقاء الظن بعد ملاحظته.
ثمّ إنّ الدليل العقلي يفيد القطع بثبوت الحكم بالنسبة إلى جميع أفراد موضوعه، فإذا تنافي دخول فردين: فإمّا أن يكشف عن فساد ذلك الدليل، و إمّا أن يجب طرحهما لعدم حصول القطع من ذلك الدليل العقلي بشيء منهما، و إمّا أن يحصل القطع بدخول أحدهما فيقطع بخروج الآخر، فلا معنى للترديد بينهما و حكومة أحدهما على الآخر.
فما مثلنا به المقام من استصحاب طهارة الماء و استصحاب نجاسة الثوب مما لا وجه له، لأنّ مرجع تقديم الاستصحاب الأول إلى تقديم التخصص
الشرح
فإنّه يمكن استخراج مراده و استنباطه بملاحظة التّرديد و الدّوران بين التّخصيص و التخصّص على ما عرفت الإشارة إليه في شأن الحاكم و المحكوم من الاستصحابين، فيتمسّك بعموم قوله: «لا تنقض اليقين بالشّك» على خروج الثّاني و دخول الأوّل، كما يستكشف حال زيد في قول المولى لا تكرم زيدا إذا كان مردّدا بين العالم و الجاهل من قول المولى: (أكرم كلّ عالم)، فافهم فليته أبدل قوله فافهم عقيب ما أفاده بقوله فتأمل.
على التخصيص و يكون أحدهما دليلا رافعا لليقين السابق بخلاف الآخر، فالعمل بالأول تخصص و بالثاني تخصيص و مرجعه كما تقرر في مسألة تعارض الاستصحابين إلى وجوب العمل بالعام تعبدا إلى أن يحصل الدليل على التخصيص.
إلاّ أنّ يقال إن القطع بحجية المانع عين القطع بعدم حجية الممنوع، لأنّ معنى حجية كل شيء وجوب الأخذ بمؤداه لكن القطع بحجية الممنوع التي هي نقيض مؤدى المانع مستلزم للقطع بعدم حجية المانع، فدخول المانع لا يستلزم خروج الممنوع، و إنّما هو عين خروجه، فلا ترجيح و لا تخصيص بخلاف دخول الممنوع، فإنّه يستلزم خروج المانع فيصير ترجيحا من غير مرجح فافهم.
و الأولى أن يقال: إن الظن بعدم حجية الأمارة (1) الممنوعة لا يجوز كما عرفت سابقا في الوجه السادس أن يكون من باب الطريقية، بل لا بدّ أن يكون من جهة اشتمال الظن الممنوع على مفسدة غالبة على مصلحة إدراك الواقع.
و حينئذ فإذا ظن بعدم اعتبار ظن فقد ظن بإدراك الواقع لكن مع الظن بترتب مفسدة غالبة، فيدور الأمر بين المصلحة المظنونة و المفسدة المظنونة
الشرح
(1) الظّن بعدم حجيّة الممنوع كما يمكن أن يكون على وجه الموضوعيّة و اشتمال سلوكه على مفسدة غالبة على ما عرفت في الوجه السّادس من وجوه التّفصّي عن إشكال خروج القياس و أشباهه، كذلك يمكن أن يكون على وجه الطّريقيّة و كشف المانع ظنّا عن غلبة مخالفته للواقع على ما عرفته في الوجه السّابع من وجوه التّفصّي عن إشكال خروج القياس، فلا ينحصر إمكان تعلّق الظّن بعدم الحجيّة في زمان الانسداد في الوجه الأوّل فافهم.
فلا بد من الرجوع إلى الأقوى.
فإذا ظن بالشهرة نهي الشارع عن العمل بالأولوية فيلاحظ مرتبة هذا الظن، فكل أولوية في المسألة كان أقوى مرتبة من ذلك الظن الحاصل من الشهرة أخذ به و كل أولوية كان أضعف منه وجب طرحه و إذا لم يتحقق الترجيح بالقوة حكم بالتساقط لعدم استقلال العقل بشيء منهما حينئذ.
هذا إذا لم يكن العمل بالظن المانع سليما عن محذور (1) ترك العمل بالظن الممنوع، كما إذا خالف الظن الممنوع الاحتياط اللازم في المسألة، و إلاّ تعين العمل به لعدم التعارض.
أنّه لا فرق في نتيجة مقدمات دليل الانسداد بين الظن الحاصل أولا من الأمارة بالحكم الفرعي الكلي كالشهرة، أو نقل الإجماع على حكم و بين الحاصل به من أمارة متعلقة بألفاظ الدليل كأن يحصل الظن من قوله تعالى:
الشرح
(1) المراد أنّ محل الأخذ بالأقوى من المانع أو الممنوع أو التّساقط في مورد التّساوي إنّما هو فيما أوجب الأخذ بالمانع ترك العمل بالممنوع، كما إذا خالف الممنوع الاحتياط في المسألة الفقهيّة، و أمّا إذا لم يوجبه كما إذا وافق الاحتياط في المسألة الفقهيّة، كما إذا فرض قيامه على جزئيّة ما شكّ في جزئيّته على القول بوجوب الاحتياط فيما تردّد المكلّف به بين الأقلّ و الأكثر فهو خارج عن محلّ الكلام المزبور، حيث إنّ نتيجة الأخذ بكلّ واحد منهما واحدة، فإنّ الأخذ بالمانع معناه في الفرض الأخذ بالاحتياط، فيتّحد مع الأخذ بالممنوع فتأمل.
فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً بجواز التيمم بالحجر مع وجود التراب الخالص بسبب قول جماعة من أهل اللغة إن الصعيد هو مطلق وجه الأرض.
ثمّ إنّ الظن المتعلق بالألفاظ على قسمين ذكرناهما في بحث حجية الظواهر (1).
أحدهما: ما يتعلق بتشخيص الظواهر مثل الظن من الشهرة بثبوت الحقائق الشرعية، و بأن الأمر ظاهر في الوجوب لأجل الوضع، و أن الأمر عقيب الحظر
الشرح
(1) المراد من ذكر القسمين المذكورين في المقام في بحث حجيّة الظّواهر هو ذكرهما في ذلك المبحث نوعا، لا ذكرهما شخصا، كيف لا يكون كذلك و الحال أنّ الظّن بالمراد الّذي ذكره سابقا في ذلك المبحث هو الّذي كان حاصلا من نفس اللّفظ بضميمة أصالة عدم القرينة، و قد حكم بكونه معتبرا من حيث الخصوص من جهة قيام إجماع العلماء و العقلاء و أهل اللّسان عليه قديما و حديثا من غير نكير بينهم و إن كانت الحكمة في بنائهم عليه انسداد باب العلم بالمراد من الألفاظ في غالب المحاورات، بل اعتباره من حيث الخصوص ممّا تسالم عليه كلّ فريق حتّى القائلين بانفتاح باب العلم في غالب الأحكام على ما عرفت تفصيل القول فيه في محلّه.
و من هنا ذكرنا عدم اعتبار حصول الظّن بالمراد في اعتبار الأصول اللّفظيّة، و أين هذا من الظّن بالمراد الحاصل من غير اللّفظ كتفسير الرّاوي و نحوه، من هنا ذكر قدس سره: (و حاصل القسمين الظّنون الغير الخاصّة المتعلّقة بتشخيص الظّواهر) إلى آخره كما أنّ مراده قدس سره من قوله: (أو من جهة كون مذهبه مخالفا لظاهر الرّواية حسبما صرّح به في مجلس البحث) ما إذا علم استناد الرّاوي في مذهبه إلى تلك الرّواية الظّاهرية في خلاف مذهبه، فيظنّ أنّه فهم و لو من جهة القرائن الخارجيّة من الرّواية خلاف ظاهرها، لا مجرّد نقله للرّواية الظّاهرة في خلاف مذهبه، إذ مجرّد النّقل لا يكشف عن استناد الرّاوي إلى المنقول.
ظاهر في الإباحة الخاصة، أو في مجرد رفع الحظر و هكذا.
و الثاني: ما يتعلق بتشخيص إرادة الظواهر و عدمها كأن يحصل ظن بإرادة المعنى المجازي، أو أحد معاني المشترك لأجل تفسير الراوي مثلا، أو من جهة كون مذهبه مخالفا لظاهر الرواية.
و حاصل القسمين الظنون غير الخاصة المتعلقة بتشخيص الظواهر أو المرادات، و الظاهر حجيتها عند كل من قال بحجية مطلق الظن (1) لأجل الانسداد.
الشرح
(1) لا يخفى عليك أنّ هذا الكلام بإطلاقه غير مقصود، لأنّ كلّ من قال بحجيّة مطلق الظّن في الأحكام لا يلزمه أن يقول بحجيّة الظّن بالظّهور إذا انفكّ عن الظّن بالمراد، بل لا معنى له على ما أسمعناك مرارا من كون نتيجة دليل الانسداد هي حجيّة الظّنون الشخصيّة، لا الأعمّ منها و من النّوعية و القول بأنّ الظّن بالظّهور مستلزم للظّن بالمراد شخصا شطط من الكلام، لأنّ القطع بالظّهور لا يلازم الظّن بالمراد شخصا في خصوصيّات الاستعمالات فضلا عن الظّن بالظّهور و هو أمر واضح لا سترة فيه أصلا، كما لا يخفى، فالظّن بالظّهور إن كان موجبا للظّن بالمراد لم يكن مناص من القول باعتباره لما عرفت في محلّه من كون نتيجة المقدّمات على تقرير الحكومة الّذي بنينا عليه الأمر هي حجيّة الظّن بالبراءة و سقوط الأحكام المجعولة من أيّ سبب حصل، فهذا الظّن كالعلم في حكم العقل، لا معنى للفرق بين أسبابه، و منه يظهر أنّ الظّنّ بالمراد المستند إلى الظّن بالظّهور حجّة على القول بحجيّة مطلق الظّن في الأحكام من غير حاجة إلى انسداد باب العلم في الألفاظ و اللّغات، لأنّ نفس انسداد باب العلم في الأحكام الشّرعيّة علّة تامّة للحكم بحجيّة الظّن القائم بها من غير مدخليّة لشيء آخر.
و منه يظهر أيضا أنّ الظّن بالمراد المسبّب من الظّن بالظّهور إذا لم يكن متعلّقا
........
الشرح
بالحكم الكلّي المنسدّ فيه باب العلم، لا يكون حجّة من هذه الجهة، لأن المقدّمات المذكورة لم يقتض حجيّة الظّن بالمراد من حيث أنّه ظنّ به، بل من حيث إنّه ظنّ بالحكم الشّرعي الكلّي و إيجابه الظّن بالبراءة منه، و هذا أمر واضح لا غبار عليه أصلا، و حاصل هذا الأمر أنّ قضيّة المقدّمات السّابقة على تقدير تماميّتها حجيّة كلّ ظنّ تولّد منه الظّن بالبراءة عن الحكم الكلّي الإلهي سواء كان متعلّقا بالحكم الفرعيّ أو الأصوليّ، و سواء كان تعلّقه على الأوّل بلا واسطة أو مع الواسطة، و سواء كان الواسطة على الثّاني هو الظّن بالموضوع المستنبط وضعا أو مرادا أو الظّن بالموضوع الصّرف كالظّن بعدالة الرّاوي، أو كون زرارة في رواية خاصّة هو ابن أعين لا ابن لطيفة.
فقد ظهر من ذلك كلّه أن كلّ من قال بحجيّة مطلق الظّن في الأحكام الشّرعيّة يلزم القول بحجيّة مطلق الظّن بالموضوعات الرّجاليّة من الحيثيّة المذكورة سواء حصل من قول من اجتمع فيه شرائط الشّهادة أو لا، و سواء حصل من قول أهل الخبرة كالكشي و النّجاشي أو غيره، كلّ ذلك لما عرفت من استقلال العقل في حكمه بعدم الفرق بين أسباب الظّنّ بالبراءة، بل التّحقيق على القول بتقرير الكشف و إهمال النّتيجة من جهة احتمال مدخليّة بعض الخصوصيّات في نظر الشارع سواء بني على التّعميم من جهة المعمّم الخارجي، أو التّخصيص من جهة الأخذ بالقدر المتيقّن أو غيره عدم الفرق بين الظّن الحاصل من الأمارة بالحكم الفرعي الواقعي بلا واسطة أو معها سواء كان موردها الموضوع المستنبط، أو الموضوع الخارجي الواقع في طريق الحكم كالموضوعات الرّجاليّة، فقد ظهر ممّا ذكرنا أنّه لا مناص عن القول بحجيّة مطلق الظّن بالموضوعات الرّجاليّة من حيث التّوليد للظّن بالحكم الفرعي الكلّي، كما أنّك عرفت أنّه لا مناص عن القول بحجيّة مطلق الظّن في اللّغات على هذا القول من الحيثيّة المذكورة، هذا و لكن المحكيّ عن بعض
و لا يحتاج إثبات ذلك إلى إعمال دليل الانسداد في نفس الظنون المتعلقة بالألفاظ بأن يقال إن العلم فيها قليل، فلو بني الأمر على إجراء الأصل لزم كذا و كذا، بل لو انفتح باب العلم في جميع الألفاظ، إلاّ في مورد واحد وجب العمل بالظن الحاصل بالحكم الفرعي عن تلك الأمارة المتعلقة بمعاني الألفاظ عند انسداد باب العلم في الأحكام.
و هل يعمل بذلك الظن في سائر الثمرات المترتبة على تعيين معنى اللفظ في غير مقام تعيين الحكم الشرعي الكلي كالوصايا و الأقارير و النذور فيه
الشرح
المتأخّرين و المسموع عن آخر دعوى الإجماع على حجيّة مطلق الظّنّ في الموضوعات الرّجاليّة على القول بالظّن الخاصّ في الأحكام، و عدم التّعدي عن طرق خاصّة، و هذا نظير دعوى بعضهم الإجماع على حجيّة مطلق الظّن في اللّغات حتّى على القول بالظّنون الخاصّة، فلا يعتبر على هذا الزّعم ملاحظة الحيثيّة المذكورة لكن الدّعويين ضعيفتان بما عرفته سابقا و بالرّجوع إلى كلماتهم في مسألة التّعديل المختلفة من حيث اعتبار التّعدد في المعدّل و عدمه المبتنى في صريحها على كونه شهادة أو رواية، فإنّها شاهد صدق على فساد دعوى الإجماع على حجيّة مطلق الظّن في الرّجال، نعم على القول بحجيّة مطلق الظّن في خصوص العدالة من جهة جريان شبه دليل الانسداد في نظائرها من الموضوعات الخارجيّة المتعلّقة للأحكام الكثيرة الّتي فرض انسداد باب العلم فيها كالضّرر و النّسب و الوقف و أشباهها يلزم القول بحجيّة مطلق الظّن في خصوص العدالة و إن كان المسلك الظّن الخاصّ في الأحكام فتأمّل، كما أنّه على القول بحجيّة مطلق مظنون الصّدور أو الموثوق به من باب الظّن الخاصّ يلزم القول بحجيّة مطلق الظّن أو الاطمئناني منه بالموضوعات الرّجاليّة في طريق الأحكام الموجبة لتحقّق أحد المصداقين كما هو ظاهر.
إشكال و الأقوى العدم، لأنّ مرجع العمل بالظن فيها إلى العمل بالظن في الموضوعات الخارجية المرتبة عليها الأحكام الجزئية الغير المحتاجة إلى بيان الشارع، حتى يدخل فيما انسد فيه باب العلم و سيجيء عدم اعتبار الظن فيها نعم من جعل الظنون المتعلقة بالألفاظ من الظنون الخاصة مطلقا لزمه الاعتبار في الأحكام و الموضوعات، و قد مر تضعيف هذا القول عند الكلام في الظنون الخاصة.
و كذا لا فرق بين الظن الحاصل بالحكم الفرعي الكلي من نفس الأمارة أو عن أمارة متعلقة بالألفاظ، و بين الحاصل بالحكم الفرعي الكلي من الأمارة المتعلقة بالموضوع الخارجي ككون الراوي عادلا أو مؤمنا حال الرواية، و كون زرارة هو ابن أعين لا ابن لطيفة، و كون علي بن الحكم هو الكوفي بقرينة رواية أحمد بن محمد عنه، فإن جميع ذلك و إن كان ظنا بالموضوع الخارجي، إلاّ أنّه لما كان منشأ للظن بالحكم الفرعي الكلي الذي انسد فيه باب العلم عمل به من هذه الجهة و إن لم نعمل به من سائر الجهات المتعلقة بعدالة ذلك الرجل، أو بتشخيصه عند إطلاق اسمه المشترك.
و من هنا تبين أن الظنون الرجالية معتبرة بقول مطلق عند من قال بمطلق الظن في الأحكام و لا يحتاج إلى تعيين أن اعتبار أقوال أهل الرجال من جهة دخولها في الشهادة أو في الرواية، و لا يقتصر على أقوال أهل الخبرة، بل يقتصر على تصحيح الغير للسند و إن كان من آحاد العلماء إذا أفاد قوله الظن بصدق الخبر المستلزم للظن بالحكم الفرعي الكلي.
و ملخص هذا الأمر الثالث أن كل ظن تولد منه الظن بالحكم الفرعي الكلي فهو حجة من هذه الجهة سواء كان الحكم الفرعي واقعيا أو كان ظاهريا كالظن بحجية الاستصحاب تعبدا و بحجية الأمارة الغير المفيدة للظن
الفعلي بالحكم و سواء تعلق الظن أولا بالمطالب العلمية أو غيرها، أو بالأمور الخارجية من غير استثناء في سبب هذا الظن.
و وجهه واضح فإن مقتضى النتيجة هو لزوم الامتثال الظني و ترجيح الراجح على المرجوح في العمل، حتى أنه لو قلنا بخصوصية في بعض الأمارات بناء على عدم التعميم في نتيجة دليل الانسداد لم يكن فرق بين ما تعلق تلك الأمارة بنفس الحكم أو بما يتولد منه الظن بالحكم، و لا إشكال في ذلك أصلا، إلاّ أن يغفل غافل عن مقتضى دليل الانسداد، فيدعي الاختصاص بالبعض دون البعض من حيث لا يشعر.
و ربما تخيل بعض أن العمل بالظنون المطلقة في الرجال غير مختص بمن يعمل بمطلق الظن في الأحكام، بل المقتصر على الظنون الخاصة في الأحكام أيضا عامل بالظن المطلق في الرجال.
و فيه نظر يظهر للمتتبع لعمل العلماء في الرجال، فإنّه يحصل القطع بعدم بنائهم فيها على العمل بكل أمارة.
نعم لو كان الخبر المظنون الصدور مطلقا أو بالظن الاطمئناني من الظنون الخاصة لقيام الأخبار أو الإجماع عليه لزم القائل به العمل بمطلق الظن، أو الاطمئناني منه في الرجال كالعامل بالظن المطلق في الأحكام.
ثمّ إنّه قد ظهر بما ذكرنا أن الظن في المسائل الأصولية العملية حجة بالنسبة إلى ما يتولد منه من الظن بالحكم الفرعي الواقعي أو الظاهري.
و ربّما منع منه غير واحد من مشايخنا رضوان اللّه عليهم، و ما استند إليه أو يصح الاستناد إليه للمنع أمران:
أحدهما أصالة الحرمة، و عدم شمول دليل الانسداد لأنّ دليل الانسداد إما أن يجري في خصوص المسائل الأصولية كما يجري في خصوص الفروع، و إمّا أن يقرر دليل الانسداد بالنسبة إلى جميع الأحكام الشرعية، فيثبت حجية الظن في الجميع و يندرج فيها المسائل الأصولية، و إمّا أن يجري في خصوص المسائل الفرعية، فيثبت به اعتبار الظن في خصوص الفروع لكن الظن بالمسألة الأصولية يستلزم الظن بالمسألة الفرعية التي تبتنى عليها.
و هذه الوجوه بين ما لا يصح و بين ما لا يجدي.
أمّا الأول: فهو غير صحيح، لأنّ المسائل الأصولية التي ينسد فيها باب العلم ليست في أنفسها من الكثرة بحيث يستلزم من إجراء الأصول فيها محذور كان يلزم من إجراء الأصول في المسائل الفرعية التي انسد فيها باب العلم، لأنّ ما كان من المسائل الأصولية يبحث فيها عن كون شيء حجة (1)
الشرح
(1) يمكن الإيراد على هذا التّعليل بأنّ معلوميّة جملة من المسائل الأصوليّة أو انفتاح باب العلم في جملة أخرى كما فيها يبحث فيها عن حجيّة ما يوجب الظّن بالحكم الفرعي إنّما هو بإجراء دليل الانسداد أوّلا في الفروع، و بملاحظته لا من حيث هو، لأنّه خلاف الفرض و اعترف به المستدلّ في صريح كلامه، بل مبنى جريان دليل الانسداد في الفروع على انسداد باب العلم في الأصول كما هو ظاهر فقلّة المسائل المنسدّ فيها باب العلم المجوّزة للرّجوع فيها إلى أصالة الحرمة على ما هو صريح كلامه إنّما هي بملاحظة إجراء دليل الانسداد أوّلا في الفروع، فإذا كان الانفتاح المدّعى في الأصول بالملاحظة المذكورة، فللخصم أن يقلّب المطلب و الاستدلال بأن يجري الدّليل أوّلا في الأصول لكثرة ما انسدّ فيها باب
........
الشرح
العلم من المسائل مع قطع النّظر عن إجرائه في الفروع، و إثبات حجيّة الظّن في المسائل الأصوليّة يعني عن إجرائه في الفروع لوجود ما ثبت حجيّته بالملاحظة المذكورة في أكثر المسائل الفرعيّة، و ما لا يوجد فيه ليس، إلاّ قليل من المسائل فيرجع فيه إلى الأصول الجارية في مجاريها، و لا يلزم منه محذور أصلا لقلّة ما يرجع فيه إلى الأصول حرفا بحرف و حذوا بحذو.
و من هنا يرجع القائل بحجيّة الظّن بالطّريق إلى الأصول فيما خلت عن الطّريق المعتبر عنده، و لم يورد عليه أحد بأنّ الرّجوع إلى الأصل موجب للمخالفة الكثيرة و ليس لهذا مدفع أصلا، إلاّ منع جريان المقدّمات فيها مع قطع النّظر عن الانفتاح المذكور و هو خلاف صريح الاستدلال المذكور.
هذا و ذكر شيخنا الأستاذ العلاّمة قدس سره بعد ما عرضت الاعتراض عليه بما عرفته في مجلس البحث أنّ الإيراد المذكور غير متوجّه على المستدلّ.
أمّا أوّلا: فلأنّ انفتاح باب العلم في المسائل الأصوليّة لا يستلزم الانفتاح في الفروع، لأنّ الانفتاح في الأصول أعمّ من حصول العلم بحجيّة جملة من الأمارات الكافية و من العلم بعدمها و الّذي يستلزم الانفتاح في الفروع هو الأوّل، و المفروض عدم العلم بحجيّة جملة من الأمارات الخاصّة الكافية في الفقه.
و أمّا ثانيا: فلأنّا نمنع من إجراء مقدّمات الانسداد في الأصول في نفسها و مع قطع النّظر عن إجرائها في الفروع، لأنّه مبنيّ على العلم الإجمالي بجعل الشارع لجملة من الأمارات الكافية في الفقه بحيث لا يلزم من الرّجوع إلى الأصول في موارد فقدها محذور أصلا و العلم الإجمالي المذكور ممنوع على ما أسمعناك مفصّلا في ردّ القائلين بحجيّة الظّن في الطريق عكس هذا القول فقلب الدّليل المذكور فاسد.
هذا و لكنّك خبير فيما أفاده من المناقشة أمّا فيما ذكره أوّلا: فلأنّ الانفتاح
........
الشرح
بقول مطلق و إن كان أعمّ من الحجّة الكافية على ما أفاده، إلاّ أنّ الانفتاح المدّعى من إجراء دليل الانسداد في الأصول هو ثبوت العلم بحجيّة جملة من الأمارات الظّنية في الفقه، بل كلّها إن لم يكن بينها تفاوت و أين هذا من عدم ثبوت الحجّة الكافية.
فإن شئت قلت: إنّ نتيجة دليل الانسداد الجاري في الأصول هي حجيّة الأمارات الّتي ظنّ اعتبارها و الانفتاح المدّعى إنّما هو هذا، و أين هذا من عدم العلم بالحجّة الكافية و الّذي فرض انتفاؤه و يكون الدّليل مبنيّا عليه هو العلم بحجيّة جملة من الأمارات الكافية في الفقه من حيث الخصوص، لا بالنّظر إلى دليل الانسداد فما أفاده أخيرا من الفرض لا تعلّق له بالمقام، اللّهم إلاّ أن يدعي مدّع قلّة ما ظنّ اعتباره من الأمارات و هو كما ترى بمكان من الضّعف و خلاف مفروض المستدلّ أيضا.
و أمّا فيما ذكره ثانيا فلأنّ منع العلم بحجيّة جملة من الأمارات الكافية في الفقه و إن كان صحيحا لكنّه لا تعلّق له بكلام المستدلّ، فإنّه إنّما استند في منع إجراء دليل الانسداد في الأصول إلى الانفتاح الحاصل من إجراء المقدّمات في الفروع، لا إلى منع جريان الدّليل في الأصول مع قطع النّظر عنه، هذا مضافا إلى ما يرد على المستدلّ من أنّ بقاء قليل من المسائل لا يوجب جواز الرّجوع إلى أصالة الحرمة على تقدير تسليم وجود العلم الإجمالي فيه، و ليس ذلك من قبيل المسائل الفرعيّة حتّى يرجع إلى الشّبهة الغير المحصورة، اللّهم إلاّ أن يقال إنّ المسلم العلم الإجمالي بالحجيّة في مجموع المسائل الّتي منها ما يرجع فيها إلى الأصول بعد الانفتاح فتدبّر.
هذا و قد يقال: في دفع الإشكال في قلب الدّليل إنّ المستدلّ لمّا بنى على تقرير الكشف و إهمال النّتيجة، فكلامه مبنيّ على عدم إجراء المقدّمات في
كمسألة حجية الشهرة و نقل الإجماع و أخبار الآحاد أو عن كونه مرجحا فقد انفتح فيها باب العلم، و علم الحجة منها من غير الحجة و المرجح منها من غيره بإثبات حجية الظن في المسائل الفرعية، إذ بإثبات ذلك المطلب حصل الدلالة العقلية على أن ما كان من الأمارات داخلة في نتيجة دليل الانسداد فهو حجة.
و قس على ذلك معرفة المرجح فإنا قد علمنا بدليل الانسداد أن كلا من المتعارضين إذا اعتضد بما يوجب قوته على غيره من جهة من الجهات فهو راجح على صاحبه مقدم عليه في العمل.
الشرح
خصوص الأصول مع قطع النّظر عن إجرائها في الفروع، و يكون مراده من الإجراء في الأصول بملاحظة العلم الإجمالي الحاصل بحجيّة جملة من الأمارات بملاحظة دليل الانسداد الجاري في الفروع كما يفصح عنه كلامه بعد ذلك، و لكنّك خبير بفساده أيضا، لأنّ كلامه بعد ذلك و إن كان صريحا في إهمال النّتيجة إلاّ أنّ كلامه في المقام صريح في إطلاقها، حيث إنّه حكم بأنّ قضيّة المقدّمات الجارية في الفروع هي حجيّة كلّ ما يفيد الظّن بها و من هنا حكم بانفتاح باب العلم في جملة من المسائل الأصوليّة، و إلاّ لم يكن معنى للحكم المذكور أصلا، ضرورة عدم اقتضاء المهملة لذلك، اللّهم إلاّ أن يكون حكمه بذلك بملاحظة المعمّم الخارجي لا بملاحظة نفس المقدّمات، و هو ممّا لا يساعد عليه كلامه المحكيّ في الكتاب محصّلا في جملة من مواضعه منها قوله: (إذ بإثبات ذلك المطلب حصلت الدّلالة العقليّة على أنّ ما كان) إلخ، و قوله: (لما عرفت من أنّ مقتضى دليل الانسداد في الفروع حجيّة الظّن الحاصل بها إلى غير ذلك) ممّا هو ظاهر في إطلاق النّتيجة بنفسها فتأمّل.
هذا كلّه مضافا إلى إباء كلامه عن الحمل المذكور و عدم مساعدته عليه كما هو ظاهر فتدبّر.
و ما كان منها يبحث فيها عن الموضوعات الاستنباطية و هي ألفاظ الكتاب و السنة من حيث استنباط الأحكام عنهما كمسائل الأمر و النهي و أخواتهما من المطلق و المقيد و العام، و الخاص و المجمل، و المبين إلى غير ذلك، فقد علم حجية الظن فيها من حيث استلزام الظن بها الظن بالحكم الفرعي الكلي الواقعي، لما عرفت من أن مقتضى دليل الانسداد في الفروع حجية الظن الحاصل بها من الأمارة ابتداء و الظن المتولد من أمارة موجودة في مسألة لفظية.
و يلحق بهما بعض المسائل العقلية مثل وجوب المقدمة و حرمة الضد و امتناع اجتماع الأمر و النهي و الأمر مع العلم بانتفاء شرطه و نحو ذلك ممّا يستلزم الظن به الظن بالحكم الفرعي، فإنّه يكفي في حجية الظن فيها بإجراء دليل الانسداد في خصوص الفروع، و لا يحتاج إلى إجرائه في الأصول.
و بالجملة فبعض المسائل الأصولية صارت معلومة بدليل الانسداد و بعضها صارت (1) حجية الظن فيها معلومة بدليل الانسداد في الفروع، فالباقي منها
الشرح
(1) الفرق بين ما ذكره من الأقسام، و لحوق كلّ قسم بما ذكره من الحكم لا يكاد أن يخفى، لأنّ ما يبحث فيها عن حجيّة أمارة موجبة للظّن الشّخصي في الفروع كمسألة حجيّة الشّهرة، و نقل الإجماع و أخبار الآحاد و نحوها من المسائل من حيث إفادتها للظّن الشّخصي تصير معلومة بدليل الانسداد المثبت للعلم بحجيّة الظّن في الفروع من أيّ سبب كان فيشمل الأمارات المذكورة، نعم البحث عنها لا من الحيثيّة المذكورة يعلم حكمه بملاحظة مشرب المتمسّك بدليل الانسداد، فإنّ جعل نتيجة حجيّة الظّن الشّخصي، فلا يحكم بحجيّتها و إن جعل النّتيجة الأعم من الظّن الشّخصي و النّوعي، فيحكم بحجيّتها مطلقا.
و أمّا مسألة التّرجيح بما يوجب الظّن الشّخصي و رجحان أحد المتعارضين
الذي يحتاج في إثبات حجية الظن فيها إلى إجراء دليل الانسداد في خصوص الأصول ليس في الكثرة بحيث يلزم من العمل بالأصول و طرح الظن الموجود فيها محذور، و إن كانت في أنفسها كثيرة مثل المسائل الباحثة عن حجية بعض الأمارات كخبر الواحد و نقل الإجماع، لا بشرط الظن الشخصي و كالمسائل الباحثة عن شروط أخبار الآحاد على مذهب من يراها ظنونا خاصة و الباحثة عن بعض المرجحات التعبدية و نحو ذلك، فإنّ هذه المسائل لا تصير معلومة بإجراء دليل الانسداد في خصوص الفروع، لكن هذه المسائل بل و أضعافها ليست في الكثرة بحيث لو رجع مع حصول الظن
الشرح
على الآخر و مزيّته عليه بحسب الموارد الشّخصيّة، فهي تصير معلومة أيضا بالملاحظة المذكورة، إلاّ أنّه ليس من التّعارض و التّرجيح حقيقة، فإنّ من يجري دليل الانسداد في الفروع، و يزعم كون النّتيجة حجيّة الظّن الشّخصي لا يتصوّر في حقّه تعارض و ترجيح أصلا، كما لا يخفى و ما يبحث فيها عن مسألة يوجب الظّن بها و لو مع عدم المزاحم و الصّارف في القضايا الشّخصيّة الظّن بالحكم الفرعيّ كمسائل الاستلزامات و مسألة اجتماع الأمر و النّهي، بل تمام المسائل العقليّة المحرّرة في الأصول على تقدير تصوّر تعلّق الظّن بها و مسائل الموضوعات الاستنباطيّة و المبادي اللّغويّة مع الملاحظة المذكورة لا يصير نفسها معلومة إذا صارت مظنونة، بل المعلوم حجيّة الظّن بها من حيث تولّد الظّن بالحكم الفرعي من الظّن بها و ما يبحث فيها عن أمور تعبّديّة، أو عن أمور مفيدة للظّن نوعا من غير اعتبار حصول الظّن الشّخصي منه في خصوصيّات المقامات، فلا يعلم حاله من دليل الانسداد أصلا كما لا يخفى، فيتوقّف الحكم بحجيّة الظّن فيها على زعم المستدلّ على إجراء دليل الانسداد فيها و إجراؤه، لا يتمّ إلاّ بإثبات العلم الإجمالي و هو في حيّز المنع فافهم.
بأحد طرفي المسألة إلى الأصول، و طرح ذلك الظن لزم محذور كان يلزم في الفروع.
و أمّا الثاني: و هو إجراء دليل الانسداد في مطلق الأحكام الشرعية فرعية كانت أو أصلية فهو غير مجد (1)، لأن النتيجة و هو العمل بالظن لا يثبت
الشرح
(1) مبنى ما ذكره كما هو قضيّة صريحة على تسليم صحّة جريان المقدّمات في مطلق الأحكام الشّرعيّة بحيث يكون الحكم الأصولي موردا للدّليل في ضمن مطلق الأحكام، إلاّ أنّه استند في منع حجيّة الظّن بالنّسبة إلى الحكم الأصولي إلى الأصل من جهة إهمال النّتيجة، و عدم معمّم من الخارج يقضي بالتّعميم بالنّسبة إليه كما فرض وجوده بالنّسبة إلى الحكم الفرعي من الإجماع أو عدم المرجّح.
و من هنا يعلم أنّ حكمه بالتّعميم بالنّسبة إلى الظّن بالحكم الفرعيّ المولّد من الظّن بالحكم الأصولي إنّما هو بالنّظر إلى المعمّم، لا بالنّظر إلى نفس المقدّمات حتّى ينافي تصريحه في المقام لكن يتوجّه عليه أنّ المعمّم على زعم المستدلّ ليس منحصرا في الإجماع و بطلان التّرجيح بلا مرجّح، بل قاعدة الاشتغال و الاحتياط من المعمّمات عنده على ما عرفت تفصيل القول فيه و إن كان التّعميم بهما ضعيفا عندنا و هي كما يقتضي التّعميم بالنّسبة إلى المسائل الفرعيّة من حيث الأسباب و الموارد و المراتب كذلك يقتضي التّعميم بالنّسبة إلى المسائل الأصوليّة أيضا، إذ يحتمل حجيّة الظّن في تشخيص الحكم الأصولي كما يحتمل بالنّسبة إلى الحكم الفرعي، و التّعميم على هذا الوجه نظير التّعميم بالنّسبة إلى أحكام الصّلاة و الصّوم مثلا من غير فرق بينهما أصلا بعد التّسالم على جريان الدّليل بالنّسبة إلى مطلق الأحكام الشّاملة للفرعيّة و الأصوليّة، و لا دافع لهذا الإيراد على مذهبه من التّعميم بقاعدة الاشتغال أصلا كما اعترف به شيخنا قدس سره في مجلس البحث بعد ما عرضته عليه، إلاّ بمنع جريان الدّليل في مطلق الأحكام بالمعنى الأعمّ الشّامل
عمومه من حيث موارد الظن، إلاّ بالإجماع المركب أو الترجيح بلا مرجح بأن يقال إن العمل بالظن في الطهارات دون الديات مثلا ترجيح بلا مرجح و مخالف للإجماع.
و هذان الوجهان مفقودان في التعميم و التسوية بين المسائل الفرعية و المسائل الأصولية، أمّا فقد الإجماع فواضح لأن المشهور كما قيل على عدم اعتبار الظن في الأصول، و أمّا وجود المرجح، فلأنّ الاهتمام بالمطالب الأصولية أكثر لابتناء الفروع عليها، و كلما كانت المسألة مهمة كان الاهتمام فيها أكثر و التحفظ عن الخطإ فيها آكد، و لذا يعبرون في مقام المنع عن ذلك بقولهم إن إثبات مثل هذا الأصل بهذا مشكل، أو إنّه إثبات أصل بخبر و نحو ذلك.
و أمّا الثالث: و هو اختصاص مقدمات الانسداد و نتيجتها بالمسائل الفرعية، إلاّ أنّ الظن بالمسألة الفرعية قد يتولد من الظن في المسألة الأصولية، فالمسألة الأصولية بمنزلة المسائل اللغوية يعتبر الظن بها من حيث كونه منشأ للظن بالحكم الفرعي.
ففيه: أن الظن بالمسألة الأصولية إن كان منشأ للظن بالحكم الفرعي الواقعي كالباحثة عن الموضوعات المستنبطة، و المسائل العقلية مثل وجوب المقدمة، و امتناع اجتماع الأمر و النهي فقد اعترفنا بحجية الظن فيها، و أمّا ما لا
الشرح
للأصوليّة مع العلم الإجمالي بجعل الحكم الأصولي و إن كان محتملا، إلاّ أنّه لا يصير موجبا لجعلها موردا للدّليل بعد فرض العلم بجعل الأحكام الفرعيّة، و الشّك في جعل الحكم الأصولي كما هو واضح، إلاّ بضمّ كلّ مشكوك إلى معلوم و يجعل طرفا للعلم الإجمالي و هو كما ترى لكن كلامه قدس سره مبنيّ على ما عرفت على تسليمه لجريان الدّليل في مطلق الأحكام فتدبّر.
يتعلق بذلك و تكون باحثة عن أحوال الدليل من حيث الاعتبار في نفسه أو عند المعارضة و هي التي منعنا عن حجية الظن فيها، فليس يتولد عن الظن فيها الظن بالحكم الفرعي الواقعي، و إنّما ينشأ منه الظن بالحكم الفرعي الظاهري و هو مما لم يقتض انسداد باب العلم بالأحكام الواقعية العمل بالظن فيه، فإنّ انسداد باب العلم في حكم العصير العنبي إنّما يقتضي العمل بالظن في ذلك الحكم المنسد، لا في حكم العصير من حيث أخبر عادل بحرمته، بل أمثال هذه الأحكام الثابتة للموضوعات، لا من حيث هي بل من حيث قيام الأمارة الغير المفيدة للظن الفعلي عليها إن ثبت انسداد باب العلم فيها على وجه يلزم المحذور من الرجوع فيها إلى الأصول عمل فيها بالظن، و إلاّ فانسداد باب العلم في الأحكام الواقعية و عدم إمكان العمل فيها بالأصول، لا يقتضي العمل بالظن في هذه الأحكام، لأنّها لا تغني عن الواقع المنسد فيه العلم.
هذا غاية توضيح ما قرره أستاذنا الشريف قدس سره اللطيف في منع نهوض دليل الانسداد، لإثبات حجية الظن في المسائل الأصولية.
الثاني من دليل المنع هو أن الشهرة المحققة، و الإجماع المنقول على عدم حجية الظن في مسائل أصول الفقه و هي مسألة أصولية، فلو كان الظن فيها حجة وجب الأخذ بالشهرة، و نقل الإجماع في هذه المسألة.
و الجواب، أمّا عن الوجه الأول (1) فبأن دليل الانسداد وارد على أصالة حرمة العمل بالظن و المختار في الاستدلال به للمقام هو الوجه الثالث، و هو إجراؤه في الأحكام الفرعية و الظن في المسائل الأصولية مستلزم للظن في المسألة الفرعية.
و ما ذكر من كون اللازم منه هو الظن بالحكم الفرعي الظاهري صحيح، إلاّ أنّ ما ذكر من أن انسداد باب العلم في الأحكام الواقعية و بقاء التكليف بها و عدم جواز الرجوع فيها إلى الأصول لا يقتضي، إلاّ اعتبار الظن بالحكم الفرعي الواقعي ممنوع، بل المقدمات المذكورة كما عرفت غير مرة إنما تقتضي اعتبار الظن بسقوط تلك الأحكام الواقعية، و فراغ الذمة منها، فإذا فرضنا مثلا أنا ظننا بحكم العصير لا واقعا، بل من حيث قام عليه ما لا يفيد الظن الفعلي بالحكم الواقعي، فهذا الظن يكفي في الظن بسقوط الحكم الواقعي للعصير، بل لو فرضنا أنه لم يحصل ظن بحكم واقعي أصلا، و إنّما حصل الظن بحجية أمور لا تفيد الظن، فإنّ العمل بها يظن معه سقوط
الشرح
(1) الوجه فيما أفاده من ورود دليل الحجيّة على أصالة الحرمة على كلّ تقرير لها ظاهر، حيث إنّه بجميع وجوهها يعمل عند الشّك في الحجيّة، فإذا قام الدّليل القطعي عليها فيرتفع الشّك قهرا، ثمّ إنّك قد عرفت شرح القول في كون نتيجة دليل الانسداد على تقرير الحكومة هي حجيّة الظّن في المسألة الأصوليّة أيضا فيما علّقناه على التّنبيه الأوّل و الثّاني فراجع إليه، كما أنّك قد عرفت أنّه لا فرق فيما إذا قلنا بالتّعميم بين أن يتعلّق الظّن بحجيّة أمور يفيد الظّن نوعا في المسائل الفقهيّة أو تعلّق بحجيّة ما لا يفيد الظّن بالنّسبة إلى الواقع أصلا كالأمور التعبّدية و هو المراد بقوله قدس سره (بل لو فرضنا أنّه لم يحصل ظنّ بحكم واقعي أصلا) إلخ.
الأحكام الواقعية عنّا، لما تقدم من أنه لا فرق في سقوط الواقع بين الإتيان بالواقع علما أو ظنا و بين الإتيان ببدله كذلك، فالظن بالإتيان بالبدل كالظن بإتيان الواقع و هذا واضح.
و أمّا الجواب عن الثاني أولا: فبمنع الشهرة و الإجماع (1) نظرا إلى أن المسألة من المستحدثات فدعوى الإجماع فيها مساوقة لدعوى الشهرة.
الشرح
(1) لا يخفى عليك أنّ ما أفاده مبنيّ على ما استفاده من كلام المستدلّ من ادّعائه ذهاب المشهور، أو نقل الإجماع على كون نتيجة دليل الانسداد مختصّة بالمسائل الفرعيّة فيورد عليه بأنّ المسألة من المستحدثات، فدعوى الشّهرة كنقل الإجماع في غير محلّها فهما مساويان و مساوقان من حيث القطع بخطاء المدّعي و ليس الأمر كما ذكر، بل المستدلّ يدّعي أنّ الظّن في المسألة الأصوليّة كالظّن في المسألة الاعتقاديّة عند المشهور يلحق بالقياس، و من هنا قالوا إنّ هذا أصل و لا يمكن إثباته بالخبر و هذا لا تعلّق له ببيان قضيّة مقدّمات الانسداد، و إنّها حجيّة الظّن مطلقا أو في خصوص الفروع حتّى يتوجّه عليه كون المسألة من المستحدثات، فلا معنى لنقل الإجماع فيها بعد عدم وجودها في كلماتهم، كما أنّه لا معنى لدعوى الشّهرة، و هذه الدّعوى من المستدلّ و إن كانت فاسدة من جهات أخر مذكورة في الكتاب، إلاّ أنّها غير ما أفاده في المقام، ثمّ إنّ مرجع ما أفاده في الجواب ثانيا إلى منع حصول الظّن من الشّهرة في المقام بعدم حجيّة الظّن في المسألة الأصوليّة، حيث أنّ استناد المشهور إلى عدم وجدان دليل قضى بحجيّة الظّنون الخاصّة يقتضي بحجيّتها في الأصول أيضا، و أين هذا من الشّهرة القائمة على كون الظّن في المسألة كالقياس، و ممّا ذكرنا يظهر المناقشة فيما أفاده ثالثا، فإن مراد المستدل
و ثانيا: لو سلمنا الشهرة لكنّه لأجل بناء المشهور على الظنون الخاصة كأخبار الآحاد و الإجماع المنقول، و حيث إن المتبع فيها الأدلة الخاصة و كانت أدلتها كالإجماع و السيرة على حجية أخبار الآحاد مختصة بالمسائل الفرعية بقيت المسائل الأصولية تحت أصالة حرمة العمل بالظن و لم يعلم، بل و لم يظن من مذهبهم الفرق بين الفروع و الأصول بناء على مقدمات الانسداد و اقتضاء العقل كفاية الخروج الظني عن عهدة التكاليف الواقعية.
و ثالثا: سلمنا قيام الشهرة و الإجماع المنقول على عدم الحجية على تقدير
الشرح
ليس تعلّق الظّن بمفاد الدّليل العقلي بل حصول الظّن من الشّهرة بكون الظّن في المسألة الأصوليّة محرّم العمل كالقياس على ما عرفت، فلا يتوجّه عليه ما أفاده أصلا، كما أنّه يظهر ممّا ذكرنا في المقام و في مسألة المانع و الممنوع المناقشة في باقي الأجوبة و الّذي يقتضيه التّحقيق بعد تسليم الشّهرة، و نقل الإجماع الجواب بما عرفت القول فيه في مسألة المانع و الممنوع من عدم إمكان شمول دليل الانسداد على تقدير التّعميم لهذا الظّن، لا لمجرّد لزوم كون الشّمول لغوا، و لا لمجرّد كون الحاصل على هذا التّقدير عدم الحجيّة و هو خلاف الفرض و إن كان كلّ منهما محذورا مستقلا من حيث إنّ شمول الدّليل لهما موجب لعدم شموله لهما، فإنّهما ظنّ في المسألة الأصوليّة و ما يستلزم وجوده عدمه فهو محال على ما عرفت مفصّلا، و قد اختار قدس سره هذا الجواب و ارتضاه بعد ما عرضته عليه في مجلس المذكورة.
فإن شئت قلت: إنّ حكم العقل بحجيّة الظّن و إنّه كالعلم في زمان الانسداد و إن تعلّق بالمسألة الأصوليّة، لا يمكن أن يجعل دليلا على عدم حجيّة مطلق الظّن في المسألة الأصوليّة، نعم لو قام هناك ظنّ على عدم حجيّة ظنّ خاصّ أمكن جعله دليلا على عدم حجيّة ذلك الظّن المقوم عليه من حيث شمول الدّليل للقائم كما تقدّم تفصيل القول فيه في مسألة المانع و الممنوع.
الانسداد لكن المسألة أعني كون مقتضى الانسداد هو العمل بالظن مطلقا، أو في خصوص الفروع عقلية و الشهرة و نقل الإجماع إنّما تفيدان الظن في المسائل التوقيفية دون العقلية.
و رابعا: أن حصول الظن بعدم الحجية مع تسليم دلالة دليل الانسداد على الحجية لا يجتمعان فتسليم دليل الانسداد يمنع من حصول الظن.
و خامسا: سلمنا حصول الظن لكنّ غاية الأمر دخول المسألة فيما تقدم من قيام الظن على عدم حجية ظن، و قد عرفت أن المرجع فيه إلى متابعة الظن الأقوى فراجع.
أن الثابت بمقدمات دليل الانسداد هو الاكتفاء بالظن في الخروج عن عهدة الأحكام المنسد فيها باب العلم بمعنى أن المظنون إذا خالف حكم اللّه الواقعي لم يعاقب، بل يثاب عليه فالظن بالامتثال إنما يكفي في مقام تعيين الحكم الشرعي الممتثل.
و أمّا في مقام تطبيق العمل الخارجي على ذلك المعين، فلا دليل على الاكتفاء فيه بالظن مثلا إذا شككنا في وجوب الجمعة أو الظهر جاز لنا تعيين الواجب الواقعي بالظن، فلو ظننا وجوب الجمعة، فلا نعاقب على تقدير وجوب الظهر واقعا لكن لا يلزم من ذلك حجية الظن في مقام العمل على طبق ذلك الظن، فإذا ظننا بعد مضي مقدار من الوقت بأنّا قد أتينا بالجمعة في هذا اليوم لكن احتمل نسيانها، فلا يكفي الظن بالامتثال من هذه الجهة بمعنى
أنّه إذا لم نأت بها في الواقع و نسيناها قام الظن بالإتيان مقام العلم به، بل يجب بحكم الأصل وجوب الإتيان بها و كذلك لو ظننا بدخول الوقت و أتينا بالجمعة، فلا يقتصر على هذا الظن بمعنى عدم العقاب على تقدير مخالفة الظن للواقع بإتيان الجمعة قبل الزوال.
و بالجملة إذا ظن المكلف بالامتثال و براءة ذمته و سقوط الواقع فهذا الظن إن كان مستندا إلى الظن في تعيين الحكم الشرعي كان المكلف فيه معذورا مأجورا على تقدير المخالفة للواقع و إن كان مستندا إلى الظن بكون الواقع في الخارج منه منطبقا على الحكم الشرعي، فليس معذورا، بل يعاقب على ترك الواقع، أو ترك الرجوع إلى القواعد الظاهرية التي هي المعول لغير العالم.
و ممّا ذكرنا تبين أن الظن بالأمور الخارجية عند فقد العلم بانطباقها على المفاهيم الكلية التي تعلق بها الأحكام الشرعية، لا دليل على اعتباره و أن دليل الانسداد إنّما يعذر الجاهل فيما انسد فيه باب العلم لفقد الأدلة المنصوبة من الشارع أو إجمال ما وجد منها، و لا يعذر الجاهل بالامتثال من غير هذه الجهة، فإنّ المعذور فيه هو الظن بأن قبلة العراق ما بين المشرق و المغرب أمّا الظن بوقوع الصلاة إليه، فلا يعذر فيه.
فظهر اندفاع توهم أنّه إذا بني على الامتثال الظني (1) للأحكام الواقعية،
الشرح
(1) و نظير التّوهم المذكور الّذي توهّمه بعض المتأخّرين، و يستفاد من كلام المحقّق القميّ قدس سره في القوانين ما توهّمه بعض في ردّ تمسّكه للاحتياط في مسألة الأقلّ و الأكثر عند الشّكّ في الجزئيّة و الشّرطيّة بقاعدة الشّغل بأنّ تحصيل البراءة اليقينيّة بفعل ما شكّ مدخليّته في العبادة شطرا أو شرطا غير ممكن في
........
الشرح
العبادات بعد فرض ثبوت أكثر إجزائها و شرائطها بالأدلّة الظّنية، ضرورة كون النّتيجة تابعة لأخسّ مقدمتها و ما توهّمه آخر في ردّ اعتبار حصول الظّن بصدور الخبر على تقدير الحكم بحجيّته من جهة دليل الانسداد، كما بنى عليه غير واحد من المتأخّرين بأنّ حصول الظّن الشّخصي بصدور الخبر، لا يترتّب عليه حصول البراءة الظّنية بعد فرض عدم اعتبار الظّن الشّخصي بجهة صدور الخبر و دلالته، فأيّ فائدة في اعتبار حصول الظّن الشّخصي بالصّدور مع عدم حصول الظّن بالواقع منه من جهة إعمال الأصول اللّفظيّة و غيرها ممّا، لا يعتبر في اعتبار حصول الظّن الشّخصي إلى غير ذلك ممّا توهّم في نظائر المقام و الجواب عن الكلّ ما أفاده قدس سره و حاصله أنّه لا ريب في أنّه إذا تعدّد الظّن في جهات القياس و مقدّماته، فلا محالة يتعدّد احتمال الخطاء في النّتيجة بتعدّد الظّن، فإذا قام الدّليل القطعيّ على عدم الاعتناء بالخطاء من جهة بعض الاحتمالات إمّا من العقل كما في المقام، و إمّا من الشّرع كما في مسألة الظّهور اللّفظي، و أنّ المكلّف معذور من جهته على تقدير عدم مصادفته للواقع لم يلزم منه عدم الاعتناء باحتمال الخطاء من جهة غيره من الاحتمالات المتطرّقة في المقدّمات و إلغائها بالمرّة كما يحكم به ضرورة العقل، و بعد فرض التّعدّد ففي المقام إذا ظنّ المكلّف ببراءة ذمّته من حيث تعيّن الحكم الشّرعي الكلّي إمّا من جهة تعلّق الظّن به ابتداء، أو ثانيا و بالعرض من جهة تعلّقه باعتبار ما قام عليه ممّا لا يفيد الظّن به في خصوصيّات المقامات، فهو معذور من هذه الجهة بحكم العقل المستقلّ بمعنى أنّه إذا لم يصادف الظّن للواقع لم يكن معاقبا من جهته بل كان مأجورا تفضّلا نظرا إلى ما دلّ على ثبوت الأجر للمخطئ في الاجتهاد.
أمّا إذا ظنّ بانطباق ما عيّنه بالظّن الّذي يسمّى بالظّنّ في الموضوع الصّرف و الخارجي، فلا يكون معذورا من جهته بمعنى أنّه لو لم يصادف الواقع استحقّ العقاب على
........
الشرح
مخالفته، بل التحقق بثبوت الاستحقاق على تقدير المصادفة أيضا لكن لا على الواقع لفرض المصادفة، بل على التزامه و تديّنه، بل التّحقيق استحقاقه العقاب من جهتين على هذا التّقدير على القول بحرمة التّجري، بل من جهات على تقدير القول باستحقاق العقاب على مخالفة الأصول الظّاهريّة الّتي أمر بالرّجوع إليها في الفرض على تقدير عدم اعتبار الظّن كما هو المفروض لما عرفت من أنّ الاعتبار من الجهة الأولى، لا يلازم الاعتبار من الجهة الثّانية إذا لم يحكم العقل بكفاية الظّن بالبراءة و السّقوط مطلقا، بل إنّما حكم بكفايته في مقام تشخيص الحكم الكلّي المنسدّ فيه باب العلم.
ثمّ إنّ الكلام إلى هنا في بيان أنّ اعتبار الظّن في الحكم الكلّي الإلهي الصّادر من الشّارع سواء كان بالدّليل العقلي أو الشّرعي، لا يلازمه اعتباره في الموضوع الخارجي المنطبق عليه الحكم، بل لا بدّ فيه من تحصيل العلم إن أمكن أو الاحتياط في تحصيله، كما أنّه إذا فرض اعتباره في الموضوع الخارجي من جهة قيام دليل خاصّ عليه في بعض الموارد لم يلازم اعتباره في الحكم و لا في موضوع آخر غيره، فلا ملازمة من الجانبين، و هنا كلام آخر غير ما وقع الكلام فيه من قضيّة توهّم التّلازم المتوهّم و هو أنّه هل قام دليل آخر على اعتبار مطلق الظّن في مطلق الموضوعات الخارجيّة، إلاّ ما خرج بالدّليل أم لا، الّذي يقتضيه التّحقيق أن يقال إنّه لا يظنّ بأحد القول بذلك، بل لو ادّعى أحد الإجماع على عدم اعتبار مطلق الظّن في مطلق الموضوعات لكان صادقا مصدّقا فهل يمكن مع ذلك إجراء دليل الانسداد في خصوص الموضوعات بقول مطلق أم لا الّذي يقتضيه التّحقيق أن يقال: إنّه لا معنى لإجرائه في مطلق الموضوعات لعدم تماميّة مقدّماته، لعدم إمكان دعوى انسداد باب العلم بعد عدم انحصار سببه في أمور خاصّة، و لا انسداد باب الظّن الخاصّ، و لا المخالفة الكثيرة من الرّجوع إلى الأصل بعد فرض، عدم كون جميعها واقعة للمكلّف، و لا وجود العلم الإجمالي في الوقائع إلى غير ذلك
........
الشرح
نعم ربما يجري على لسان شيخنا اعتبار الظّن الاطمئناني بقول مطلق في جميع موارده و كونه ملحقا بالعلم حكما، بل موضوعا لكنّك قد عرفت ضعفه بما لا مزيد عليه إن كان المراد ظاهره.
نعم قد أصرّ على ذلك بعض مشايخنا قدس سره في جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، و لعمري إنّه من غرائب الكلام و إن أوهمه ظاهر كلام بعض الأعلام، بل كلام شيخنا قدس سره فيما تقدّم في مسألة حجيّة الأخبار.
ثمّ إذا عرفت فساد توهّم القول بحجيّة مطلق الظّن في مطلق الموضوعات الخارجيّة فهل قام هناك شيء من دليل الانسداد أو غيره على اعتبار مطلق الظّن في بعض الموضوعات الخارجيّة أم لا، و ملخّص القول فيه أنّه ادّعى بعض المحقّقين (شيخ محمّد تقي) الإجماع على اعتبار الظّن في الأمور المستقبلة، و هذا الكلام بإطلاقه لا معنى، لأن يكون مرادا نعم هو مستقيم في الجملة، و قد يستظهر من كلام ثاني الشّهيدين في باب الشّياع الظّني القول بحجيّته مطلقا نظرا إلى كون الظّن الحاصل منه أقوى من الظّن الحاصل من البيّنة العادلة في غالب مواردها، و قد عرفت المناقشة فيه في مطاوي ما قدّمنا لك عند الكلام في الظّنون الخاصّة و يظهر من شيخنا الأستاذ العلاّمة قدس سره في الكتاب في هذا المقام إمكان إجراء دليل الانسداد في جملة من الموضوعات كالضّرر و العدالة و النّسب و الوقف و أشباهها من الموضوعات المتعلّقة للأحكام الكثيرة مع فرض انسداد باب العلم في غالب مواردها، فالرّجوع إلى الأصل يوجب طرح تلك الأحكام، و من هنا يعتبر الظّن عندهم في باب الضّرر و النّسب، و من هنا يكتفى بظنّ السّيادة و الإلحاق بالهاشم في باب الخمس و غيره و ما أفاده قدس سره و إن كان مسلّما مستقيما في الجملة، إلاّ أنّه بإطلاقه محلّ مناقشة توضيح ذلك أنّ الظّن في باب الضّرر و إن كان حجّة اتّفاقا و عليه العمل من العلماء و العقلاء في أمور معادهم و معاشهم، و الحكمة فيه و إن
........
الشرح
كانت انسداد باب العلم في غالب موارده، إلاّ أنّه يمكن منع جريان شبه دليل الانسداد فيه لأنّ جميع الوقائع الّتي يظنّ الضّرر فيها لا يتّفق عادة واقعة للمكلّف دفعة واحدة بحيث يصير محلا لابتلائه حتّى يلزم من الرّجوع إلى الأصل طرح الخطاب المتوجّه إلى المكلّف منجّزا على ما هو المناط و المدار في منع الرّجوع إلى الأصل في الشّبهة المحصورة كما ستقف على تفصيل القول فيه في محلّه.
و أمّا القول باعتبار مطلق الظّن في باب العدالة و النّسب و الوقف و أشباهها بحيث يكون حجّة حتّى في مقابل المدّعي خلافها فلم يدلّ عليه دليل، بل ربّما يكون القول به بإطلاقه حتّى في مقابل المدّعي و المتصرّف خلاف الإجماع، نعم لا إشكال في اعتبار بعض الأمارات شرعا في باب النّسب كالفراش، فإنّه كالبيّنة و الإقرار في هذا الباب و إن لم يحصل الظّن الشّخصي منه، و هذا لا دخل له بحجيّة مطلق الظّن في باب النّسب، و هذا مثل القول بحجيّة الظّن في دخول الوقت أو الشّهر في الجملة لمن كان متعذّرا من الفحص أو القبلة لمن كان متحيّرا في الجملة و إن كان بينهما فرق من جهة أخرى، فإنّ اعتبار الفراش من باب الظّن الخاصّ لا الظّن المطلق، و بالجملة القول بحجيّة مطلق الظّن في بعض الموضوعات مطلقا كما في باب الضّرر أو في الجملة ممّا لا نمنعه لكنّه لا دخل له بحجيّة مطلق الظّن في مطلق الموضوعات، فالمرجع فيها الأمارات المعتبرة بقول مطلق كالبيّنة و نحوها و مع فقدها، فالمرجع الأصول العمليّة، و لا يلزم من الرّجوع إليها محذور أصلا، و من هنا لا يجب الفحص عن الموضوعات المشتبهة فافهم و ليكن هذا في ذكر منك عسى ينفعك في كثير من الموارد.
ثمّ من الواضحات كون الكلام في حجيّة الظّن في باب الضّرر متوقّفا على تعلّق الحكم الشّرعي بالضّرر الواقعي لا بخوفه، و إلاّ لم يكن معنى الكلام في اعتباره، لأنّ صدق الخوف مع الشّك وجداني فضلا عن الظّن بالضّرر فلو قيل
فلا يجدي إحراز العلم بانطباق الخارج على المفهوم، لأنّ الامتثال يرجع بالأخرة إلى الامتثال الظني، حيث إن الظان بكون القبلة ما بين المشرق و المغرب امتثاله للتكاليف الواقعية ظني علم بما بين المشرق و المغرب أو ظن.
و الحاصل: أن حجية الظن في تعيين الحكم بمعنى معذورية الشخص مع المخالفة لا تستلزم حجيته في الانطباق بمعنى معذوريته لو لم يكن الخارج منطبقا على ذلك الذي عين، و إلاّ لكان الإذن في العمل بالظن في بعض شروط الصلاة أو أجزائها يوجب جوازه في سائرها و هو بديهي البطلان.
فعلم أن قياس الظن بالأمور الخارجية على المسائل الأصولية و اللغوية و استلزامه الظن بالامتثال قياس مع الفارق، لأنّ جميع هذه يرجع إلى شيء واحد هو الظن بتعيين الحكم.
ثمّ من المعلوم عدم جريان دليل الانسداد في نفس الأمور الخارجية لأنها غير منوطة بأدلة و أمارات مضبوطة حتى يدعى طرو الانسداد فيها في هذا الزمان، فيجري دليل الانسداد في أنفسها، لأنّ مرجعها ليس إلى الشرع و لا إلى مرجع آخر منضبط.
نعم قد يوجد في الأمور الخارجية ما لا يبعد إجراء نظير دليل الانسداد فيه كما في موضوع الضرر الذي أنيط به أحكام كثيرة من جواز التيمم و الإفطار و غيرهما، فيقال: إن باب العلم بالضرر منسد غالبا إذ لا يعلم غالبا إلاّ بعد تحققه، فإجراء أصالة عدمه في تلك الموارد يوجب المحذور و هو
الشرح
بتعلّق الحكم في باب التّيمم و الإفطار كما هو مقتضى بعض الأخبار و ذهب إليه بعض الأصحاب بموضوع الخوف لحق الحكم مع الشّك في الضّرر أيضا، و لا دخل له بمسألة حجيّة الظّن في باب الضّرر أصلا كما أشار إليه في الكتاب.
الوقوع في الضرر غالبا فتعين إناطة الحكم فيه بالظن.
هذا إذا أنيط الحكم بنفس الضرر، و أمّا إذا أنيط بموضوع الخوف، فلا حاجة إلى ذلك، بل يشمل حينئذ الشك أيضا.
و يمكن أن يجري مثل ذلك في مثل العدالة و النسب و شبههما من الموضوعات التي يلزم من إجراء الأصول فيها مع عدم العلم الوقوع في مخالفة الواقع كثيرا فافهم.
و الأقوال المستفادة من تتبع كلمات العلماء في هذه المسألة من حيث وجوب مطلق المعرفة، أو الحاصلة من خصوص النظر و كفاية الظن مطلقا أو في الجملة ستة.
الأول: اعتبار العلم فيها من النظر و الاستدلال و هو المعروف عن الأكثر و ادعى عليه العلامة في الباب الحادي عشر من مختصر المصباح إجماع العلماء كافة و ربّما يحكى دعوى الإجماع من العضدي لكن الموجود منه في مسألة عدم جواز التقليد في العقليات من أصول الدين دعوى إجماع الأمة على وجوب معرفة اللّه.
الثاني: اعتبار العلم و لو من التقليد و هو المصرح به في كلام بعض و المحكي عن آخرين.
الثالث: كفاية الظن مطلقا و هو المحكي عن جماعة منهم المحقق الطوسي في بعض الرسائل المنسوبة إليه، و حكي نسبته إليه في فصوله و لم أجده فيه و عن المحقق الأردبيلي و تلميذه صاحب المدارك، و ظاهر شيخنا
البهائي و العلامة المجلسي و المحدث الكاشاني و غيرهم قدس اللّه أسرارهم.
الرابع: كفاية الظن المستفاد من النظر و الاستدلال دون التقليد حكي عن شيخنا البهائي رحمه اللّه في بعض تعليقاته على شرح المختصر أنّه نسبه إلى بعض.
الخامس: كفاية الظن المستفاد من أخبار الآحاد و هو الظاهر مما حكاه العلامة قدس سره في النهاية عن الأخباريين من أنّهم لم يعولوا في أصول الدين و فروعه، إلاّ على أخبار الآحاد و حكاه الشيخ في عدته في مسألة حجية أخبار الآحاد عن بعض غفلة أصحاب الحديث، و الظاهر أن مراده حملة الأحاديث الجامدون على ظواهرها المعرضون عمّا عداها من البراهين العقلية المعارضة لتلك الظواهر.
السادس: كفاية الجزم بل الظن من التقليد مع كون النظر واجبا مستقلا لكنه معفو عنه كما يظهر من عدة الشيخ قدس سره في مسألة حجية أخبار الآحاد و في أواخر العدة.
ثمّ إنّ محل الكلام في كلمات هؤلاء الأعلام غير منقح، فالأولى ذكر الجهات التي يمكن أن نتكلم فيها و تعقيب كل واحدة منها بما يقتضيه النظر من حكمها فنقول: مستعينا باللّه إن مسائل أصول الدين و هي التي لا يطلب فيها أولا و بالذات، إلاّ الاعتقاد باطنا و التدين ظاهرا و إن ترتب على وجوب ذلك بعض الآثار العملية على قسمين:
أحدهما: ما يجب على المكلف الاعتقاد و التدين به (1) غير مشروط
الشرح
(1) لا يخفى عليك أنّ ظاهر ما أفاده في المقام، بل صريحه كون التّصديق العلمي مغايرا للاعتقاد، و من هنا جعله مقدّمة وجوديّة له تارة و مقدّمة وجوبيّة له
........
الشرح
أخرى، و هو الّذي يظهر من غير واحد منهم المحقّق القمّي قدس سره في القوانين في بيان حقيقة الإيمان بالنّسبة إلى القلب و الجوارح حيث قال ما هذا لفظه: «قيل:
إنّه فعل القلب فقط، و قيل: إنّه فعل الجوارح، و قيل: إنّه فعلهما معا و ذهب إلى الأوّل المحقّق الطّوسي في بعض أقواله و جماعة من أصحابنا و الأشاعرة و التّحقيق أنّه لا يكفي فيه مجرّد حصول العلم، بل لا بدّ من عقد القلب على مقتضاه و جعله دينا له و عازما على الإقرار به في غير حال الضّرورة و الخوف بشرط أن لا يظهر منه ما يدلّ على الكفر، و الحاصل أنّ محض العلم لا يكفي، و إلاّ لزم إيمان المعاندين من الكفار الّذين كانوا يجحدون ما استيقنت به أنفسهم كما نطقت به الآيات» انتهى كلامه رفع مقامه.
و ربّما يستدلّ على كون الاعتقاد الّذي هو عبارة عن عقد القلب مغايرا للتّصديق العلمي و زائدا عليه و منفكّا عنه بجملة من الرّوايات مثل قوله عليه السلام:
«فرض اللّسان القول و التّعبير عن القلب بما عقد عليه و أقربه» الحديث و ما رواه الزّبيري عن أبي عبد اللّه عليه السلام: «و أمّا ما فرض على القلب من الإيمان و الإقرار و المعرفة و العقد» الحديث و في آخره: «و ذلك ما فرض اللّه عزّ و جلّ على القلب من الإقرار و المعرفة» و هو عمله و هو رأس الإيمان، فإنّ كون المعرفة مغايرة لعقد القلب كما هو مقتضى العطف و حمله على التّفسير و البيان كما يقتضيه ذيل الرّواية حيث اقتصر على ذكر المعرفة فقط خلاف الظّاهر إلى غير ذلك ممّا يستظهر منه كون الإيمان و الاعتقاد غير مجرّد العلم و القطع بالمعارف، و قد استدلّ قدس سره عليه في مجلس البحث بعد الإصرار على تغايرهما بأنّهما لو كانا متّحدين لم يمكن تعلّق الوجوب بالاعتقاد و صيرورته معروضا له، لأنّ الاعتقاد بمعنى العلم من الأوصاف الاضطراريّة بعد حصول المقدّمات لا الأفعال فلا يعقل أن يعرضها الوجوب، فيكون المطلوب حقيقة هو مقدّمات تحصيله الّتي هي من
........
الشرح
قبيل الأفعال الاختياريّة و هو خلاف ظاهر جميع كلماتهم، بل خلاف ظاهر الآيات و الأخبار الواردة في باب الإيمان و المعرفة، فلا بدّ من أن يلتزم بكون الاعتقاد أمرا اختياريّا و فعلا للقلب غير مجرّد التّصديق العلمي حتّى يمكن اتّصافه بالوجوب و يقع في حيّز أمر الشارع، لا يقال: إنّ العلم و إن لم يكن مقدورا بالذّات، إلاّ أنّه مقدور بالواسطة، و معلوم أنّ القدرة الّتي هي مناط صحّة التّكليف و مداره هو الأعمّ، و إلاّ لارتفع أكثر التّكاليف إن لم يرتفع كلّها و هو كما ترى، لأنّا نقول ما ذكر من إناطة التّكليف بالقدرة بالمعنى الأعمّ و إن كان أمرا مسلّما مفروغا عنه، إلاّ أنّ متعلّق المقدور بالواسطة لا بدّ من أن يكون من مقولة الأفعال بالمعنى الأعمّ من فعل القلب و الجوارح و لا يجدي تعلّقها بالصّفة، فإنّ المكلّف به حقيقة حينئذ هو الأسباب و لو تعلّق في ظاهر القضيّة اللّفظيّة بالأوصاف، فلا بدّ من صرفها ضرورة انحصار متعلّق الأحكام الشّرعيّة في أفعال المكلّفين و بالجملة الاعتقاد يغاير العلم، و من هنا حكم في الشّرع كتابا و سنّة بكفر من لم يعتقد بالحقّ و إن كان عالما به سواء كان مصرّا في ترك الاعتقاد أو لا.
هذا و لكن قد يناقش فيما أفاده قدس سره مضافا إلى منافاته لما سيجيء من كلامه من الإشكال في منع حجيّة الخبر في الأصول بقوله قدس سره: (و لكن يمكن أن يقال إنّه إذا حصل الظّن من الخبر) إلى آخره إذ لا فرق بين الظّن و العلم في الحكم المذكور كما هو ظاهر بأنّا كلّما نتأمّل لا نعقل الاعتقاد أمرا زائدا على التّصديق الحاصل في القلب و لا نرى فيه بعد التّصديق العلمي شيئا آخر أصلا يعبّر عنه بالاعتقاد و فعل القلب، فالتّصديق المذكور عين عقد القلب على المعلوم لا تغاير بينهما أصلا، فإن كان اختياريّا فهو أيضا اختياريّ و إن كان اضطراريّا فهو أيضا اضطراري، فإن كان من فعل القلب فهو أيضا من أفعاله و إن كان من الأوصاف فهو أيضا من الأوصاف فظهر من ذلك اندفاع ما أفاده قدس سره: (من
........
الشرح
أنّه لو كانا متّحدين لم يمكن تعلّق الوجوب بالاعتقاد و صيرورته معروضا له على ما هو المطلوب في العقائد أوّلا و بالذّات)، لأنّ التّصديق كما هو الحقّ المعروف عبارة عن فعل القلب فإن فرض اختياريّا ابتداء و بالذّات كما قد يتوهّم فلا إشكال، لأنّ الفعل الّذي يعتبر تعلّق التّكليف به أعمّ من أن يكون من أفعال القلب أو الجوارح و إن فرض اضطراريّا كما هو الحقّ و عليه المحقّقون من كون جميع الإدراكات اضطراريّا فكذلك، لأنّ المقدور بالواسطة مقدور و يصحّ تعلّق التّكليف به سواء كان من أفعال القلب أو الجوارح، و بالجملة تعلّق الأمر و التّكليف بالعلم و التّصديق ممّا لا مجال لإنكاره فإن كان العلم من الأفعال فهو و إن كان انفعالا للقلب، فلا بدّ من إرجاع الأمر به إلى الأمر بمقدّماته، و ليس فيه إلاّ مخالفة ظاهر كلماتهم و هي ممّا لا يوجب رفع اليد عمّا قضت به الضّرورة من عدم تعلّق التّكليف بما لا يكون من مقولة الفعل، فالاستدلال على كون العلم مغايرا للاعتقاد من حيث تعلّق التّكليف به محلّ نظر بل منع و أمّا الحكم بكفر جماعة ممّن كانوا عالمين بالحقّ كفرعون و أضرابه فليس من جهة عدم اعتقادهم مع علمهم بالحقّ، بل من جهة إنكارهم للحقّ و عدم التزامهم به إذا الإيمان ليس مجرّد الاعتقاد ضرورة اعتبار أمر آخر وراءه فيه.
نعم لا إشكال في أنّ هنا شيئا آخر وراء العلم و هو الرّضا و طيب النّفس في مقابل الاستنكاف و الاستكبار القلبي، و قد اعتبر الرّضا و التّسليم في رواية الزّبيري بعد الإقرار و المعرفة و عقد القلب و هو ظاهر قوله عليه السلام في بعض الأدعية: « رضيت باللّه ربّا و بالقرآن كتابا و بالكعبة قبلة» لكنّ الظّاهر عدم إرادة التّسليم و الرّضا من الاعتقاد في كلامه قدس سره و إن كان لا يأباه ما أفاده في مجلس المذاكرة بل ربما يصرّح به في خلال إفاداته، مع أنّ القول باعتبار ذلك في الإيمان خلاف ظاهر أكثر الأخبار الواردة في تفسير الإيمان كما ستقف عليه ممّا ذكره
........
الشرح
قدس سره بعد ذلك، نعم لا إشكال في اعتباره في بعض مراتب الإيمان و عدم تحقّقه بدون الرّضا و التّسليم، حيث إنّه ذو مراتب و درجات كثيرة لا يوجد بعضها، إلاّ في الخصّيصين من الأولياء و المرسلين و الصّديقين، و أمّا اعتباره في الإيمان بقول مطلق في مقابل الكفر الموجب للخلود في النّار و الأحكام الدّنيويّة و الآثار البرزخيّة، فلا يظنّ القول به من أحد فضلا عن مثله العديم في عصره، بل غالب الأعصار.
ثمّ إنّ ما ذكرنا من المناقشة فيما أفاده من مغايرة العلم للاعتقاد لا تعلّق له بما أفاده في بيان تقسيم العقائد إلى القسمين، فإنّه صحيح لا محيص عنه أصلا فيقال علي المناقشة المزبورة إنّ ما يكون من مقولة الاعتقاديّات لا يخلو إمّا أن يجب تحصيل معرفته أو لا يجب، بل إن حصلت المعرفة حصل الاعتقاد قهرا و وجب الالتزام و التّدين بمقتضاه و إن لم يحصل، فلا يجب تحصيل المعرفة الظّنّية، و لا التّدين بمقتضاها لو فرض حصولها كما لم يجب تحصيل المعرفة العلميّة، بل على تقدير حصول المعرفة الظّنية يحرم التّديّن و الالتزام بها لما دلّ على حرمة التّدين بغير العلم.
ثمّ إنّه يعلم ممّا ذكرنا كلّه فساد ما قيل أو يقال من أنّ هنا شيئا آخر معتبرا في الإيمان غير مجرّد العلم و هو الحبّ في قبال العناد و العزم على الإقرار و غير ذلك، فإنّ اعتبار هذه الأمور في الإيمان على القول به لا تعلّق له بمغايرة العلم للاعتقاد و إن عقد القلب بشيء غير العلم به، فإنّ وجود أمور قلبيّة غير العلم سواء اعتبرت في الإيمان أو بعض مراتبه أو لا ممّا لا ننكره أصلا كما أنّه يظهر منه فساد الاستشهاد بالآيات و الأخبار الظّاهرة في اعتبار القول و الإقرار زائدا على الاعتقاد في الإيمان و الإيجاب الإنكار و الجحود للكفر مثل قوله تعالى: وَ لَمّٰا يَدْخُلِ اَلْإِيمٰانُ فِي قُلُوبِكُمْ، و قوله تعالى: قُولُوا آمَنّٰا بِاللّٰهِ وَ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْنٰا، إلى غير ذلك من
بحصول العلم كالمعارف قُولُوا آمَنّٰا بِاللّٰهِ وَ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْنٰا فيكون تحصيل العلم من مقدمات الواجب المطلق فيجب.
الثاني: ما يجب الاعتقاد و التدين به إذا اتفق حصول العلم به كبعض تفاصيل المعارف.
أمّا الثاني: فحيث كان المفروض عدم وجوب تحصيل المعرفة العلمية كان الأقوى القول بعدم وجوب العمل فيه بالظن لو فرض حصوله و وجوب التوقف فيه للأخبار الكثيرة الناهية عن القول بغير علم و الآمرة بالتوقف، و أنّه:
«إذا جاءكم ما تعلمون فقولوا به»، «و إذا جاءكم ما لا تعلمون فها و أهوى
الشرح
الآيات و الأخبار الّتي ستمرّ عليك.
ثمّ إنّ هنا قسما ثالثا لما أفاده من القسمين للعقائد الحقّة ليس ممّا يجب التّدين به و لو بعد العلم بثبوته من النّبي صلى اللّه عليه و آله إخباره به على سبيل الجزم و اليقين و إن كان إنكاره بعد العلم بثبوته من النّبي صلى اللّه عليه و آله موجبا للكفر من حيث رجوعه إلى إنكار النّبوة و تكذيب النّبي صلى اللّه عليه و آله، فإنّ تكذيبه و لو في أخباره العادية موجب للكفر قطعا و هو ما يرجع إلى بيان أمور واقعيّة لا تعلّق لها بالدّين مثل بيان مبدإ خلق السّماء و الأرض و حور العين و الفصل بين كلّ سماء إلى غير ذلك ممّا يرجع إلى بيان خلقة المخلوقات، فإنّه ليس أمرا دينيّا اعتقاديّا بحيث يجب التّدين به و الإقرار به و إن لم يجز إنكاره بعد العلم بثبوته من صاحب الشّرع، هذا و توهّم كون جميع ما بيّنه النّبي صلى اللّه عليه و آله من الدّين فاسد كما سننبّه عليه.
بيده إلى فيه»، و لا فرق في ذلك بين أن يكون الأمارة الواردة في تلك المسألة خبرا صحيحا أو غيره، قال شيخنا الشهيد الثاني في المقاصد العلية بعد ذكر أن المعرفة بتفاصيل البرزخ و المعاد غير لازم: «و أمّا ما ورد عنه صلى اللّه عليه و آله في ذلك من طريق الآحاد، فلا يجب التصديق به مطلقا و إن كان طريقه صحيحا، لأنّ الخبر الواحد ظني، و قد اختلف في جواز العمل به في الأحكام الشرعية الظنية فكيف بالأحكام الاعتقادية العلمية» انتهى.
و ظاهر الشيخ في العدة أن عدم جواز التعويل في أصول الدين على أخبار الآحاد اتفاقي إلا عن بعض غفلة أصحاب الحديث(1).
و ظاهر المحكي في السرائر عن السيد المرتضى عدم الخلاف فيه أصلا (2)و هو مقتضى كلام كل من قال بعدم اعتبار أخبار الآحاد في أصول الفقه.
لكن يمكن أن يقال: إنّه إذا حصل الظن من الخبر (1)، فإن أرادوا بعدم
الشرح
(1) لا يخفى عليك انحصار الأمر فيما أفاده بعد البناء على اتّحاد الاعتقاد الظّني للظّن على ما عرفت تحقيقه، و إلاّ فيوجد هنا وجه آخر أهمل ذكره في الكتاب بملاحظة تخيّل أمر الحصر فيما أفاده كما أنّ مبناه على كون وجوب الإظهار و الإقرار من الأحكام الشّرعيّة المترتّبة على نفس المعتقد أي الأمور الثّابتة الدّينيّة النّفس الأمريّة، لا من الأحكام المترتّبة على خصوص الاعتقاد الجزمي بها، ضرورة عدم قابليّتها لتعلّق الجعل الظّاهر بها على التّقدير المزبور و توهّم كون إظهار المخبر به ممّا يقتضيه نفس دليل وجوب التّعبد بخبر العادل، فلا يحتاج إلى جعله من آثار المخبر به في نفس الأمر مع قطع النّظر عن الأخبار، و من هنا ورد
........
الشرح
الأمر البليغ بنقل الأخبار المأثورة عن الأئمّة عليهم السلام و الحثّ على كتبها و إيداعها في الكتب حتّى ينتفع بها الغائبون، بل المعدومون و من في أصلاب الرّجال كما ترى ضرورة أنّ مجرّد نقل الخبر من دون اعتقاد بثبوت مضمونه الّذي هو الموضوع في تلك الأخبار، لا يفيد في مسألة حجيّة خبر الواحد في العقائد أصلا لأنّ مجرّد النّقل غير إظهار النّاقل الاعتقاد بثبوته و لو في مرحلة الظّاهر، الّذي هو المقصود بالبحث في المقام، و لأجل ما ذكرنا يناقش فيما أفاده قدس سره كما يظهر من قوله بعد ذلك أيضا بأنّ الإقرار باللّسان و إن كان ممكنا مع الظّن الحاصل من الخبر، بل مع الشّك، بل مع القطع بالعدم أيضا، إلاّ أنّ وجوبه مترتّب على الاعتقاد العلمي بالعقائد الحقّة كما يدلّ عليه قوله عليه السلام: «فرض اللّسان التّعبير عمّا عقد عليه القلب» الحديث، فلا يمكن ثبوته مع فرض زوال الاعتقاد المزبور هذا و إن أردت تفصيل القول في المقام، فاستمع لما يتلى عليك.
فنقول: و باللّه الاستعانة إنّ المعارف بالمعنى الأعمّ على قسمين:
أحدهما: ما لا يكون من الدّين و لا دخل له بشريعة سيّد المرسلين صلى اللّه عليه و آله مثل كيفيّة خلق السّماء و الأرض و الحور و القصور و غير ذلك ممّا عرفت الإشارة إليه عن قريب.
ثانيهما: ما يكون من الدّين لا يقال لا معنى للتّقسيم المذكور، لأنّ كلّ ما بيّنه النّبي صلى اللّه عليه و آله يكون من الدّين لا محالة، و إلاّ لم يبيّنه لأنّا نقول هذا غلط واضح و خلط ظاهر، فإنّ الرّسول صلى اللّه عليه و آله قد يخبر عن الشّيء من حيث كونه شارعا و مبلّغا عن اللّه تعالى و مأمورا بتبليغه إلى العباد، و قد يخبر عن الشّيء لا من الحيثيّة المذكورة، بل من حيث كونه عالما بالغيب بإفاضة اللّه سبحانه، و من المعلوم أنّ هذا لا يرجع إلى الإخبار عن الأمر الدّيني، ثمّ الثّاني أي ما يكون من الدّين و شريعة سيّد المرسلين ينقسم على قسمين:
........
الشرح
أحدهما: ما يتعلّق بالعمل بالمعنى الأعمّ من التّعلّق الأوّلي الّذي يسمّى بالحكم الفرعي و التّعلق الثّانوي و بالواسطة الّذي يسمّى بالحكم الأصولي العملي.
ثانيهما: ما يكون المقصود منه و الغرض الأصلي الأوّلي المطلوب منه الاعتقاد و إن ترتّب عليه عمل أحيانا.
أمّا الأوّل: أي ما لا دخل له بالدّين أصلا، فلا إشكال في أنّه لا يجب التّدين به بعد حصول العلم به فضلا عن الظّن به، نعم لا يجوز إنكاره بعد ثبوته من حيث إيجابه لتكذيب النّبي صلى اللّه عليه و آله فيكون كفرا.
و أمّا الثّاني: فما يتعلّق منه بالعمل و لو بالواسطة، فلا إشكال في إمكان التّعبد فيه بغير العلم بل وقوعه في الجملة على ما عرفت مفصّلا و إن كان مقتضى الأصل الأوّلي البناء فيه على عدم وقوع التّعبد و ما يتعلّق منه بالاعتقاد فقد عرفت سابقا أنّه على قسمين:
أحدهما: ما يجب الاعتقاد به مطلقا فيجب تحصيل المعرفة به.
ثانيهما: ما لا يجب فيه ذلك، بل إن حصلت المعرفة به حصل الاعتقاد به قهرا و يجب التّديّن بمقتضاه.
و المعتقد في المقامين قد يكون أمرا إجماليّا بمعنى أنّه قد يجب الاعتقاد بشيء و التّدين به إجمالا سواء كان وجوبا مطلقا أو مشروطا بالمعنى الّذي عرفته، فلا يجب تحصيل تفصيله نعم لو حصل العلم به وجب التّديّن به من حيث كونه عين ما وجب الاعتقاد و التّدين به إجمالا، ضرورة كون المفصّل عين المجمل و إن افترقا من حيث الإجمال و التّفصيل و قد يكون أمرا تفصيليّا، ثمّ إنّ التّكلّم في حكم الظّن في القسمين على نحو التّكلّم في حكم العلم فيهما، ففي القسم الأوّل يتكلّم فيه من حيث وجوب تحصيله و التّدين به بعد الحصول كالعلم، و في القسم الثّاني يتكلّم فيه من حيث وجوب التّديّن به بعد الحصول، ضرورة عدم مزيّة للظّن على
........
الشرح
العلم، فإذا لم يجب تحصيله في مقام لم يجب تحصيل الظّن بالأولويّة القطعيّة فالتكلّم فيه في كلّ من القسمين حقيقة من حيث قيامه مقام العلم و عدمه.
أمّا القسم الأوّل: فملخّص القول فيه أنّه لا دليل على قيام الظّن مقام العلم عند العجز عنه مطلقا من غير فرق بين أقسام الظّن بالنّسبة إلى الآثار المترتّبة على العلم، فلا يجب تحصيله عند العجز عنه، و لا التّدين بمقتضاه بعد الحصول، نعم له أحكام خاصّة يقع التّكلّم فيها عند تعرّض شيخنا الأستاذ العلاّمة لها و أمّا القسم الثّاني و هو أنّه هل يجب فيه العمل بالظّن، و التّدين بمقتضاه بعد الحصول و عدم حصول العلم أم لا فالحقّ فيه أيضا عدم الوجوب، فلا يقوم مقام العلم و إن كان ظاهر بعض، بل غير واحد خلافه لعدم دليل عليه أصلا، و تفصيل القول فيه أنّ الظّن الحاصل لا يخلو أمره إمّا أن يكون ممّا ثبت اعتباره من أجل دليل الانسداد أو غيره مما أقاموه بحجية الظن المطلق أو ثبت اعتباره من حيث الخصوص، و على الثّاني لا يخلو أيضا، إمّا أن يكون لما دلّ على اعتباره عموم أو إطلاق يمكن التّمسك به في الأصول أو لا سواء كان من غير الألفاظ أو الألفاظ الّتي ليست لها عموم أو إطلاق، و على الأوّل و الثّاني من قسمي الثّاني لا إشكال في عدم وجوب التّدين بمقتضاه، بل لا يجوز لما دلّ من الأدلّة القطعيّة على حرمة التّديّن بغير العلم بل أكثر الآيات و الأخبار الواردة في هذا الباب يختصّ بالأصول موردا أو المفروض عدم المخرج عن مقتضاها لعدم جريان دليل الحجيّة و مقدّماته أو عدم العموم و الظّهور له كما في الثّاني، و أمّا على الأوّل من قسمي الثّاني فقد يتوهّم بل توهّم وجوب التّدين بمقتضاه، لأنّه نوع عمل به فيشمله ما دلّ بعمومه على حجيّته و وجوب اتباعه لكنّك قد عرفت سابقا فساد التّوهم المزبور، لأنّ التديّن بالظّن و إن سلم كونه نوع عمل به متفرّع على حجيّته، إلاّ أنّ ما دلّ على حجيّته و اعتباره إنّما يفيد بالنّسبة إلى الآثار المترتّبة على المظنون لا من حيث وصف الظّن لا الآثار
........
الشرح
المترتّبة عليه بشرط العلم به، و بعبارة أخرى الآثار المترتّبة على المعلوم من حيث هذا الوصف، و قد عرفت سابقا أنّ التّدين في الأصول من آثار الاعتقاد الجزمي بالواقع، لا من آثار نفس الواقع من حيث هو، نعم لو كان هناك أثر فرعيّ متفرّع على الواقع من حيث هو غير وجوب التّدين المترتّب على الاعتقاد لم يكن إشكال عندنا في ترتّبه على الظّن الثّابت حجيّته، فلو دلّ خبر على كفر المجسّمة حكم بنجاستهم و ترتيب سائر الأحكام الفرعيّة المترتّبة على الكفر و إن لم يحكم بوجوب التّدين بمقتضاه و كون التّجسم مثلا من أسباب الكفر، بل لا فرق فيما ذكرنا من حجيّة الظّن بالنّسبة إلى تلك الآثار بين كون حجيّته من حيث الخصوص أو من أجل دليل الانسداد نظرا إلى ما عرفت تحقيقه سابقا من عدم الفرق بين أسباب الظّن في المسألة الفرعيّة، فراجع فلو دلّ خبر واحد مثلا على أفضليّة بعض الأنبياء أو الأوصياء على بعض أو تفويض الأحكام إلى نبيّنا صلى اللّه عليه و آله كما في جملة من الأخبار، فلا يحكم بوجوب التّديّن بمقتضاه و لكن لو ترتّب عليه حكم فرعيّ عمليّ فرضا غير وجوب التّديّن يحكم بوجوب ترتّبه عليه، و لا يلزم التّفكيك بين دلالتي المطابقة و الالتزام من حيث الوجود و إن التزم من حيث الاعتبار و لا ضير فيه أصلا إذا ساعده الدّليل كما برهن عليه في محلّه.
هذا و أمّا ما ترى في كلماتهم من التمسّك بالظّن في الأصول فليس من باب الاعتماد و الاستدلال به مستقلا، بل إمّا من باب التّأييد و إمّا من باب التّعاضد الموجب للعلم حيث إنّ توارد الظّنون و تراكمها قد يوجب العلم كما لا يخفى، و لا فرق فيما ذكرنا من عدم حجيّة الظّنّ بين الظّن الخبري و غيره حتّى ظواهر الكتاب و السّنة المتواترة، و ما يتوهّم من الفرق بينهما، بل توهّم من حيث إنّ مبنى حجيّة الخبر و أمثاله على تعبّد الشّارع أوّلا و بالذّات و مبنى حجيّة الظّواهر على بناء العرف و أهل اللّسان و العقلاء و إن كان اعتباره في الشّرعيّات باعتبار كشفه عن
........
الشرح
تقرير الشارع أو إمضائه له من جهة ما دلّ عليه من الآيات و الأخبار و لا فرق في بنائهم بين التّدين بمقتضى الظّواهر و سائر الآثار المترتّبة على المظنون فاسد جدّا، لأنّ بنائهم إنّما يسلّم فيما لم يعلم كون الأثر من آثار العلم و إلاّ فلا معنى لبنائهم على عدم الفرق.
ثمّ إنّ هذا الّذي ذكرنا في حكم القسمين ممّا لا ينبغي الإشكال فيه إنّما الإشكال في تميز أحدهما عن الآخر و بالحريّ قبل الخوض في بيان ما يصلح أن يكون مميّزا أن نذكر ما هو قضيّة الأصل الأوّلي عند الدّوران بين القسمين حتّى يكون مرجعا عند الشّك، فنقول: إنّه لا ريب في اختلافها بحسب اختلاف الشّك في حكم المعرفة من حيث كونها واجبا نفسيّا و مطلوبا ذاتيّا كما يظهر من الشّيخ قدس سره أو واجبا شرطيّا و غيريّا على تقدير وجوب التّحصيل و إن كانت له جهة نفسيّة أيضا بمعنى كونها شرطا في تحقّق الإسلام أو الإيمان كما عليه غير واحد من الأصحاب، بل أكثرهم فإن كان الشّك في حكمها من الحيثيّة الأولى، فلا إشكال في أنّ قضيّة الأصل الأوّلي الثّابت بالعقل و الشّرع هو عدم الوجوب، ضرورة أنّه لا فرق في حكم العقل و الشّرع في باب البراءة بين الحكم الأصولي و الفرعي، هذا مضافا إلى ما ورد في خصوص الأصول مثل قوله عليه السلام إذا جاءكم ما تعلمون فقولوا به و إذا جاءكم ما لا تعلمون فها و أهوى بيده إلى فيه، فيكون مقتضى الأصل الأوّلي عند الدّوران بهذا المعنى بعد نفي الأوّل القسم الثّاني فلا عنه إلاّ بدليل و إن كان الشّكّ في حكمها من الحيثيّة الثّانية فقضيّة الأصل الأوّلي هي الشّرطيّة بالنّسبة إلى الآثار المترتّبة على المشروط من حيث هو مشروط، لأنّ الأصل عدم تحقّقه بدون ما شكّ في اعتباره و شرطيّته و إن كان مقتضى الأصل بالنّسبة إلى ما يترتّب على عصيان التّكاليف المعلومة من المؤاخذة و استحقاق العقوبة هو العدم و لا تنافي بينهما أصلا، و على ما ذكرنا ينزّل ما ذكره
........
الشرح
المحقّق القمّي قدس سره في أوائل القوانين من أنّ قضيّة دوران الأمر بين شرطيّة شيء للمأمور به و عدمها هي الشّرطيّة، لأنّ الأصل عدم تحقّقه بدونه، فلا يتوجّه عليه ما أورد عليه في الفصول من أنّ هذا الكلام منه ينافي ما بنى عليه الأمر في مسألة الشّك في الشّرطيّة من الرّجوع إلى البراءة من غير إشكال فيه أصلا، لأنّ مبنى ما ذكره في أوّل الكتاب من أنّ قضيّة الدّوران هي الشّرطيّة إنّما هو بالنّسبة إلى الآثار و الأحكام المترتّبة على المشروط ممّا هو من قبيل الوضع.
و قد عرفت أنّه حسن لا محيص عنه، بل عليه بناء العقلاء و العلماء، إذ لا يتوهّم أحد كون الأصل وجود المشروط و ترتيب آثاره عليه مع الشّكّ في وجود الشّرط و هذا لا ينافي الحكم بالبراءة في المسألة المذكورة من جهة استقلال العقل في الحكم بقبح العقاب من دون بيان كما هو الحقّ، و عليه المحقّقون لأنّ الحكم بالبراءة و الاشتغال في المسألة المذكورة ليس مبنيّا على جواز إحراز الماهيّة بالأصل و عدمه كما بنى عليه الأمر في الفصول، بل هو مبنيّ على أنّ مجرّد العلم الإجمالي بالتّكليف و لو كان المكلّف به مردّدا بين الأقلّ و الأكثر يمنع من حكم العقل بالبراءة و يوجب حكمه بالاحتياط و وجوب الإتيان بالأكثر من جهة احتمال الضّرر في تركه أو لا يمنع من ذلك لرجوع الأمر بالنّسبة إلى الأكثر إلى الشّك في أصل التّكليف النّفسي المستقلّ فيفرق مع المتباينين، فكما أنّ وجوب الاحتياط و الإتيان بالأكثر ليس مبنيّا على إثبات كون المأمور به هو الأكثر على القول به، بل على احتماله من جهة لزوم دفع الضّرر المحتمل كما هو مبنى الاشتغال في جميع موارده كذلك الحكم بالبراءة ليس مبنيّا على إثبات كون المأمور به الأقلّ، بل على احتماله فيؤول الشّك بالنّسبة إلى الزائد إلى الشّك في أصل التّكليف فيقبح العقاب عليه من دون بيان فليست البراءة من أحكام عدم شرطيّة المشكوك واقعا حتّى ينافي ما أفاده في باب البراءة لما أفاده في أوّل الكتاب بل من أحكام عدم
........
الشرح
العلم بالشّرطيّة و إن كان في الواقع شرطا، فأصالة عدم المشروط إنّما ينفع بالنّسبة إلى الآثار المترتّبة على وجود المشروط فينتفي وجوده بالأصل و إن كان الشّك فيه مسبّبا عن الشّك في شرطيّة شيء له، و لا ينفع بالنّسبة إلى الآثار المترتّبة على الشّك في شرطيّة شيء له و إن كان موجبا للشّك في وجود المشروط فإن شئت قلت إنّ مبنى الرّجوع إلى البراءة و الاشتغال إلى حكمي العقل في قاعدتي قبح العقاب من غير بيان و وجوب دفع الضّرر المحتمل، لا إلى تحقّق الماهيّة في ضمن الأقلّ و الأكثر فلو ترتّب حكم على كون المأمور به هو الأقلّ لم يترتّب على مجرّد الحكم بالبراءة بإتيان الأقلّ، فكلّ عنوان شكّ في حصوله من جهة الشّك في مدخلية شيء فيه لم يحكم بحصوله مع الشّك، بل يحكم بعدمه معه و لا معنى للحكم بعدم الشّرطيّة من جهة أصالة العدم حتّى يرتفع الشّك من وجود المشروط من جهة كونه مسبّبا عنه نظرا إلى عدم الحالة السّابقة لها، إلاّ قبل جعل الماهيّة و إن صحّ البناء على عدم كون تركه سببا للعقاب على ترك المشروط المسبّب عنه، اللّهم إلاّ أن يريد بالأصل المذكور ما ذكرنا من الرّجوع إلى البراءة لكنّه ليس مراد المتمسّك به في المقام يقينا.
و هذا الّذي ذكرنا كلّه مع كونه أمرا واضحا منتهى الوضوح سنوضح القول فيه في الجزء الثّاني من التّعليقة عند التّكلّم في مسألة الأقلّ و الأكثر من صور الشّك في المكلّف به هذا بعض الكلام فيما يقتضيه الأصل الأوّلي عند الدّوران بين القسمين.
و أمّا الكلام في المخرج عنه فقد يقع في وجوب المعرفة مستقلا و قد يقع في وجوبها شرطا للإسلام و الإيمان، فنقول: إنّ المخرج عنه إن كان دليلا قطعيّا، فلا إشكال في اعتباره في مقام الخروج عن مقتضى الأصل الأوّلي مطلقا لارتفاع موضوعه بعد قيام الدّليل القطعي في المسألة، و أمّا لو كان المخرج ظنيّا فهل يكون
........
الشرح
حجّة في مقام تميز أحد القسمين عن الآخر و واردا على الأصل الأوّلي المذكور أم لا وجهان أوجههما الأوّل من غير فرق بين أقسام الظّن فلو دلّ دليل ظنّي على وجوب المعرفة و الاعتقاد مطلقا حكمنا بمقتضاه و بكونه من القسم الأوّل فيجب على المكلّف الفحص و البحث في تحصيل المعرفة و الاعتقاد بما دلّ على وجوب الاعتقاد به، فإنّ حصل الاعتقاد فهو، و إلاّ فيكشف ذلك عن عدم توجّه الخطاب إليه من أوّل الأمر لفرض عجزه عن تحصيل العلم في الواقع و في علم اللّه تعالى كما هو الشّأن في سائر الواجبات المطلقة في مرحلة الظّاهر الغير المقدورة بحسب الواقع من غير علم المكلّف بعدم القدرة من أوّل الأمر المستكشف في ثاني الحال و بعد التّبيّن و لو دلّ على عدم وجوبه حكمنا بكونه من القسم الثّاني فيترتّب أحكام الإيمان على تارك تحصيل الاعتقاد و إن احتمل وجوبه الشّرطي هذا و لكن قد يتوهّم عدم حجيّة الظّن في مقام تشخيص أحد القسمين و تميزه عن الآخر مطلقا سواء كان من الظّن الخاصّ أو المطلق إذا كان الشّك في وجوب معرفة المشكوك من حيث دخلها في الإسلام.
نعم لو كان الشّك في وجوبها النّفسي لم يكن إشكال في اعتباره لكونه ظنّا بالمسألة الفرعيّة حقيقة و هذا بخلاف الظّن في الأوّل، فإنّه يرجع إلى الظّن في المسألة الأصوليّة الاعتقاديّة سواء دلّ بالمطابقة على وجوب الاعتقاد بشيء و كونه من الدّين أو بالالتزام كما إذا دلّ على وجوب تحصيل المعرفة و الفحص في مظانّ حصول الاعتقاد، فإنّه و إن كان ظنّا في العمليّات ابتداء، إلاّ أنّه لا معنى للحكم بحجيّة الظّن، لأنّ العمل المتعلّق للوجوب في الفرض إنّما يكون مقدّمة للمسألة الأصوليّة، فإذا لم يكن الظّن حجّة فيها لم يعقل الحكم بحجيّته بالنّسبة إلى تلك المسألة أيضا لقضيّة الاستتباع و التّلازم بين وجوب المقدّمة و ذيها.
فإن شئت قلت: إنّما يكون الظّن في حكم المقدّمة حجّة إذا أمكن استكشاف
........
الشرح
حكم ذي المقدّمة منه بأن كانا عمليّين، و أمّا إذا لم يكن الاستكشاف المذكور كما في المقام، فلا معنى للحكم بحجيّة الظّن بالنّسبة إلى حكم المقدمة لعدم إمكان التّفكيك بين الحكمين في حكم العقل كما هو ظاهر، هذا و لكنّك خبير بأنّه توهّم فاسد و تمحّل بارد، لأنّ ما قدّمنا من الحكم بعدم حجيّة الظّن في الاعتقاديّات و ذكره الأكثر إنّما هو بالنّسبة إلى التّدين بمتعلّق الاعتقاد مع عدم العلم به كالتّديّن بتفويض الأحكام إلى النّبي صلى اللّه عليه و آله و تفضيل بعض الأنبياء أو الأوصياء على بعض أو كيفيّة علمهم بالأشياء من حيث كونه حصوليّا أو إراديّا أو حضوريّا إلى غير ذلك بمجرّد قيام الظّن بالمذكورات، و هذا لا تعلّق له بإمكان إثبات وجوب الاعتقاد و تحصيل العلم بالظّن أصلا كما لا يخفى سواء فرض تعلّقه بنفس الاعتقاد الّذي يسمّى بالمسألة الأصوليّة أو بمقدّماتها، لأنّ المانع من الحكم بحجيّة الظّن في الأصول لم يكن، إلاّ كون الأثر من آثار الاعتقاد كما في التّدين، و هذا لا دخل له بالمقام و قد عرفت أنّه لو لم يكن التّديّن بالواقعيّات في الأصول من آثار الاعتقاد بها لم يكن مانع من الحكم بوجوبه فقد ظهر ممّا ذكرنا دفع التّوهم على كلّ من تقدير دلالة الظّن على وجوب تحصيل المعرفة أو الاعتقاد.
هذا و قد يتوهّم في الدّفع عن التّوهم المذكور جواب آخر و هو أنّه إذا فرض الشّك في مدخليّة شيء للإيمان، فيحكم العقل بوجوب تحصيله دفعا للخوف و احتمال الضّرر في تركه و لا يجري في المقام قاعدة قبح العقاب من غير بيان حتّى يوجب الأمن من الضّرر لكونه من قبيل النّظر في المعجزة، و هذا حال الشّك فيه و يثبت منه حكم وجوب العمل بالظّن بالأولويّة القطعيّة، ضرورة كون الظّن بذلك أولى بالحكم من الشّك فيه.
هذا و لكنّك خبير بأنّه توهّم فاسد أمّا أوّلا: فلأنّ قياس المقام بمسألة النّظر في
........
الشرح
المعجزة قياس مع الفارق لا دخل له بها أصلا، لأنّ العلم بوجوب النّظر في المعجزة لا يمكن أن يحصل بدونها بمقتضى جريان العادة من اللّه تعالى و هذا بخلاف المقام لإمكان العلم بوجوب تحصيل العلم و الاعتقاد مع عدم حصولهما أصلا فيرجع إلى البراءة فيه بعد الفحص التّام من الدّليل الدّال عليه و اليأس عنه كما في غيره ممّا يرجع فيه إلى البراءة بعد الفحص من الشّبهات الحكميّة.
فإن شئت قلت: الرّجوع إلى البراءة في مسألة النّظر في المعجزة يوجب إقحام الأنبياء فلا معنى لجوازه و هذا بخلاف المقام، فلا يقاس أحدهما بالآخر و بعبارة أخرى الرّجوع إلى البراءة في كلّ حكم إلهي يتوقّف على الفحص عنه بالإجماع و العقل، بل بالأدلّة الأربعة حيث إنّ وجوب المسألة على الجاهل بالحكم الثّابت بالكتاب و السّنة قاض بوجوب الفحص عليه كما هو ظاهر و في مسألة النّظر، لا يحصل الفحص إلاّ بالنّظر فيجب و بعده يرتفع الشّك المقتضي للرّجوع إلى البراءة و هذا بخلاف المقام فلا يجوز القياس.
و أمّا ثانيا: فلأنّه على تقدير تسليم كون المقام من قبيل المسألة المذكورة لا دخل له بمسألة حجيّة الظّن، لأنّ حكم العقل على تقدير تسليمه حسبما قرّره في التّوهّم مبنيّ على مجرّد الاحتمال من غير مدخليّة للظّن من حيث هو ظنّ أصلا، ثمّ إنّ ما ذكرناه و إن كان متعيّنا على تقدير قيام دليل على وجوب تحصيل المعرفة و لو عموما بأيّ المعنيين و الوجهين، إلاّ أنّ الظّاهر عدم قيام دليل كذلك على وجوب تحصيل المعرفة بمعنى اشتراطه في الإيمان، بل مقتضى الأخبار المستفيضة إن لم تكن متواترة خلافه كما ستعرف ممّا أفاده قدس سره.
هذا كلّه ممّا لا إشكال فيه و إنّما الإشكال فيما استدلّ به قدس سره لعموم وجوب المعرفة نفسا من غير أن يكون شرطا للإيمان، فلا بدّ من صرف الكلام إليه، فنقول إنّ الاستدلال بما ذكره على وجوب معرفة تفاصيل العقائد نفسا و إن
........
الشرح
كان من الأدلّة الظّنيّة باعتبار الصّدور أو الدّلالة و إن كان مستقيما على تقدير تسليم دلالته نظرا إلى كون المسألة من الفروع حقيقة على ما عرفت من مطاوي كلماتنا، فلا تغتر بما قيل من أنّ الاستدلال به تعلّق بالظّن في المسألة الأصوليّة الاعتقادية، فلا يجوز كما اعترف به المصنف، إلاّ أنّ الكلام في دلالته على المدّعى، فإنّ الآية الشّريفة و هو قوله تعالى: وَ مٰا خَلَقْتُ اَلْجِنَّ وَ اَلْإِنْسَ الآية، على تقدير دلالتها على وجوب المعرفة و الإغماض عمّا يقال من كونها و ما خلقت الجنّ و الإنس غاية لفعل اللّه تعالى شأنه فيترتّب عليه قهرا من حيث كونها فطريّا إلهاميّا إلهيّا و لو في الجملة لا عموم لها بالنّسبة إلى جميع مراتب معرفة اللّه تعالى ممّا يمكن تحصيله للبشر لم لا يكون المراد المعرفة في الجملة الّتي هي شرط للإيمان و معتبرة فيه يقينا، هذا كلّه مضافا إلى أنّ دلالتها على وجوب جميع مراتب معرفة اللّه تعالى الممكنة للعباد لا يثبت المدّعى و هو وجوب معرفة جميع تفاصيل المعارف الحقّة و القول برجوعها إلى معرفة اللّه تعالى كما ترى و ما خلقت الجنّ و الإنس اللّهم إلاّ أن يتمسّك للتعميم بعدم القول بالفصل فتأمّل.
هذا بالنّسبة إلى الآية الشّريفة، و أمّا قوله صلى اللّه عليه و آله: «لا أعلم بعد المعرفة شيئاً» الحديث ففيه بعد الغضّ عمّا يقال من أنّ الأفضليّة بمعنى الأكثرية أجرا و ثوابا لا يلازم الوجوب، و من هنا كان السّلام أفضل من الجواب مع كون التحيّة مستحبّة و الرّد واجبا منع دلالته على العموم، إذ الظّاهر منه معرفة اللّه تعالى المعهودة الواجبة على كلّ أحد من حيث كونها شرطا للإيمان، فيحمل على المعرفة الإجماليّة، هذا مضافا إلى ما عرفت من أنّ دلالته على وجوب تحصيل التّفاصيل بالنّسبة إلى معرفة اللّه تعالى لا يثبت الكليّة، و أمّا آية الإنذار و التّفقّه في الدّين و ما يساوقها، فلا دلالة لها على المدّعى أصلا، فإنّ حملها على الوجوب العيني كما هو المدّعى مضافا إلى منافاته لظاهرها، بل صريحها خلاف ما اتّفق
........
الشرح
عليه الكلّ من الاستدلال بها على الوجوب الكفائي، هذا مضافا إلى أنّ شمول آيات التّفقه و أخباره للفروع مسلّم مفروغ عنه و لم يقل أحد بوجوب المعرفة العينيّة على كلّ مكلّف بالنّسبة إلى الفروع، اللّهمّ إلاّ على تقدير حمل التّفقّه على ما يشمل التّقليد و هو خلاف المدّعى كما لا يخفى، و أمّا ما دلّ من الآيات و الأخبار على طلب العلم أو كونه فريضة على كلّ مكلّف فلا بدّ من أن يحمل على الوجوب الكفائي أو المهملة أو يلتزم بإخراج الفروع عنه، بل غير الأصول فإنّ العلم لا اختصاص له بخصوص الأحكام الشّرعيّة، ضرورة شموله لغيرها، اللّهم إلاّ أن يستظهر إرادة خصوص العلوم الشّرعيّة بقرينة تعلّق الأمر به من الشّارع إلى غير ذلك من المحامل المنافية للمدّعى كما لا يخفى، و من هنا ذكر المطلب في الكتاب على سبيل الاحتمال و الإمكان لا على سبيل الجزم و الظّهور مضافا إلى ما أفاده في ردّ توهّم من زعم كون الاشتغال بالعلم المتكفّل لمعرفة اللّه تعالى و معرفة أوليائه صلى اللّه عليه و آله أهمّ من الاشتغال بعلم المسائل العمليّة بل كونه متعيّنا من حيث إنّ العمل يصحّ عن تقليد فلا يكون الاشتغال بعلمه، إلاّ كفائيّا و هذا بخلاف المسائل الاعتقاديّة بقوله قدس سره: (و لكن الإنصاف عمّن جانب الاعتساف يقتضي الإذعان بعدم التّمكّن من ذلك إلاّ للأوحدي من النّاس) إلى آخر ما أفاده، و المستفاد منه و ممّا أفاده في مجلس البحث في ردّ التّوهم المذكور يرجع إلى وجوه:
أحدها: عدم إمكان الاجتهاد و تحصيل المعرفة في تفاصيل الأصول من دون تحصيل ملكة الاجتهاد في الفروع، لأنّ أكثر التّفاصيل إن لم يكن كلّها تثبت إمّا بالنّقل محضا، و إمّا بالنّقل بضميمة العقل، و معلوم أنّ الشّخص إن قدر على تحصيل الحكم من الدّليل النّقلي، فلا معنى للفرق بين الحكمين فهو قادر على تحصيل الحكم الفرعي أيضا و إن لم يقدر عليه، فلا فرق بينهما أيضا، فإنّ فهم
........
الشرح
الحكم من الآيات و الأخبار و دفع معارضاتها بالتّرجيح أو بغيره مشترك بين الحكمين، بل ربما كان استفادة الحكم الأصولي محتاجة إلى مزيد قوّة لئلاّ يأخذ بالنّقل المخالف لحكم العقل، فالقول بأنّه لا يجوز الاشتغال بتحصيل ملكة الاستنباط في الفروع، إلاّ بعد الاجتهاد في تفاصيل المعارف فاسد جدّا لعدم تعقّل الانفكاك، و هذا معنى قوله: في الكتاب و مثل هذا الشّخص مجتهد في الفروع قطعا.
ثانيها: تسليم الانفكاك، لكن نقول إنّ في زماننا و أشباهه لا يمكن تحصيل تفاصيل المعارف، لأنّ الآيات و الأخبار الواردة فيها الّتي يمكن استفادتها منها ظنيّة أو متعارضة، فلا يجوز التّعويل عليها بناء على ما عرفت تفصيل القول فيه من عدم اعتبار الظّن مطلقا في العقائد.
ثالثها: أنّه على تقدير إمكان الانفكاك إمّا مطلقا أو فيما كان الدّال على الحكم الأصولي المفصّل العقل فقط و إمكان تحصيل العلم من الآيات و الأخبار أو نقول بحجيّة الظّن الحاصل منها بالنّسبة إلى الأصول كالفروع على ما زعم نقول: إنّه لا دليل على تعيّن الاجتهاد في الأصول في حقّ من يقدر على الاجتهاد فيهما على ما هو المفروض، فإنّ الاجتهاد في الفروع و إن كان له بدل بالنّسبة إلى العمل حسبما ذكره المتوهّم، إلاّ أنّه لا بدل له بالنّسبة إلى الإفتاء و الحكم و سائر ما يحتاج إليه النّاس من تصرّفات المجتهد و القول بأنّه يكفي وجود جمع من المجتهدين لرفع جميع الحوائج لجميع من في البلاد و القرى شطط من الكلام، لأنّ أهل كلّ بلدة يحتاجون إلى جمع من المجتهدين و أكثر القرى يحتاج إلى مجتهد.
هذا كلّه إذا لم نقل بوجوب الاجتهاد عينا على من يجد في نفسه القوّة القريبة و إلاّ كما اختاره شيخنا قدس سره نظرا إلى توقّف بقاء هذا النّوع الّذي يرفع به حوائج النّاس على اشتغال هذا النّوع دائما في كلّ زمان و عصر، بل و أدون منه
........
الشرح
فالأمر أوضح لأنّه يجب على القادرين الاشتغال بالتّحصيل عينا لئلاّ يخلو الزّمان من المجتهدين ممّن به الكفاية في زمان فوت الموجودين.
نعم لو فرض حصول القطع لشخص بوجود من به الكفاية في كلّ زمان بحيث لا يحتاج إليه أصلا حكم بوجوب تحصيل تفاصيل المعارف الحقّة في حقّه على ما ذكره المتوهّم، لكن هذا مجرّد فرض غير واقع سيّما في أمثال زماننا، هذا كلّه مضافا إلى أنّ العمل المبتني على التّقليد و عدم المعرفة بالأحكام الإلهيّة ربما يمنع من حصول المعارف الحقّة كما أشار إليه قدس سره في الكتاب هذا و لكن يمكن المناقشة فيما أفاده أمّا في الوجه الأوّل الرّاجع إلى عدم التّفكيك بين الاجتهادين فبأنّ علم الأصول و الفروع متغايران، لا دخل لأحدهما بالآخر و مجرّد كون مدرك تفاصيل المعارف الكتاب و السّنة لا يوجب كون القادر على تحصيلها منهما من جهة كثرة مزاولته بالمسائل الأصوليّة قادرا على الاجتهاد في الفروع كيف و استنباط الفروع منهما يحتاج مضافا إلى معرفة الألفاظ و أحكام التّعارض إلى ممارسة تامّة و الأنس بالفروع و الاطّلاع على الفتاوى و غير ذلك هذا على القول بعدم إمكان التّجزي في الفروع، و إلاّ فالأمر أوضح فإنّه إذا أمكن التّجزي في الفروع كان التّجزي بين العلمين أولى بالإمكان كما هو واضح، و أمّا في الوجه الثّاني فبأنّ منع حصول المعرفة من الدّليل النّقلي و لو بواسطة العقل على سبيل الكليّة خلاف الإنصاف، بل خلاف الفرض و أمّا في الوجه الثّالث، فبأنّ الكفاية و إن لم يحصل بمجتهد واحد في الفروع لمسيس الحاجة إلى أزيد منه على القول بعدم جواز المقلّد كما هو المشهور حتّى في الشّبهات الموضوعيّة، إلاّ أنّ كلّ من يقدر على تحصيل تفاصيل المعارف ليس ممّن يقوم به الكفاية يقينا فتأمّل و أمّا ما أفاده أخيرا في منع حصول المعرفة مع استناد العمل إلى التّقليد، فيتوجّه عليه أنّ الإفاضة الإلهيّة الرّبانيّة عامّة شاملة كلّ محل قابل لها، و لا دخل للاجتهاد في
........
الشرح
الفروع في قابليّة المحلّ لها، كما أنّه لا يمنع عنها التّقليد و الّذي له دخل تامّ فيها تهذيب النّفس من الأخلاق الرّديّة و الخلوص في النّية و العمل من غير فرق بين كون طريق العمل الاجتهاد أو التّقليد، بل ربما يكون اطمئنان المقلّد بصحّة عمله أقوى من اطمئنان المجتهد بها هذا و يستفاد ممّا أفاده قدس سره بعد الفراغ عن نقل الأخبار المفسّرة للإيمان، و بيان ما يستفاد منها الاستدلال لوجوب المعرفة بالوجوب النّفسي المستقلّ بالنّسبة إلى مراتب النّبي صلى اللّه عليه و آله و الأئمّة سلام اللّه عليهم أجمعين مضافا إلى الكتاب و السّنة بحكم العقل بذلك، فإنّه قال فيما سيأتي من كلامه: «نعم يمكن أن يقال إنّ معرفة ما عدا النّبوّة واجبة بالاستقلال على من هو متمكن منه بحسب الاستعداد، و عدم الموانع لما ذكرنا من عمومات وجوب التّفقّه و كون المعرفة أفضل من الصّلاة الواجبة، و أنّ الجهل بمراتب سفراء اللّه جلّ ذكره مع تيسّر العلم بها تقصير في حقّهم و تفريط في جهنّم و نقص يحكم العقل برفعه بل من أعظم النّقائص» انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه، و يمكن المناقشة فيه أيضا بأنّه لا شبهة في أنّ الإحاطة بمراتبهم و حدودهم و صفاتهم و ما هم عليه غير مقدور للمخلوق، و إنّما هي حاصلة لخالقهم و صانعهم و المقدور من المعرفة بمراتبهم المستفادة من الأخبار و لو بانضمام العقل زائدا على ما يعتبر في تحقّق الإيمان و لا إشكال في اعتباره في كمال الإيمان، حيث إنّه ذو مراتب متعدّدة و درجات متدرّجة كما سيأتي الكلام فيه، و من هنا اعتبر فعل الصّلاة و الزّكاة في جملة من الأخبار المفسّرة للإيمان، إلاّ أنّ حكم العقل بوجوبه في حيّز المنع، فقد ظهر ممّا ذكرنا كلّه أنّه لا دليل على وجوب معرفة التّفاصيل على سبيل الاستقلال بل ربما يستفاد ممّا سيأتي في بيان الإيمان من الأخبار نظرا إلى سكوتها عن بيان وجوب معرفة التّفاصيل عدم وجوب الزّائد على ما ذكر فيها مطلقا، و إن كانت الاستفادة المذكورة محلّ للمنع.
وجوب التصديق بمقتضى الخبر عدم تصديقه علما أو ظنا، فعدم حصول الأول كحصول الثاني قهري لا يتصف بالوجوب و عدمه.
و إن أرادوا التدين به الذي ذكرنا وجوبه في الاعتقاديات و عدم الاكتفاء فيها بمجرد الاعتقاد كما يظهر عن بعض الأخبار الدالة على أن فرض اللسان القول، و التعبير عمّا عقد عليه القلب و أقر به مستشهدا على ذلك بقوله تعالى:
قُولُوا آمَنّٰا بِاللّٰهِ وَ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْنٰا (1)إلخ، فلا مانع من وجوبه في مورد خبر الواحد بناء على أن هذا نوع عمل بالخبر، فإنّ ما دلّ على وجوب تصديق العادل لا يأبى الشمول لمثل ذلك.
نعم لو كان العمل بالخبر لا لأجل الدليل الخاص على وجوب العمل به بل من جهة الحاجة إليه لثبوت التكليف و انسداد باب العلم لم يكن وجه للعمل به في مورد لم يثبت التكليف فيه بالواقع كما هو المفروض، أو يقال إن عمدة أدلة حجية الأخبار الآحاد و هي الإجماع العملي لا تساعد على ذلك.
و ممّا ذكرنا يظهر الكلام في العمل بظاهر الكتاب و الخبر المتواتر في أصول الدين، فإنّه قد لا يأبى دليل حجية الظواهر عن وجوب التدين بما تدل عليه من المسائل الأصولية التي لم يثبت التكليف بمعرفتها، لكن ظاهر كلمات كثير عدم العمل بها في ذلك.
و لعل الوجه في ذلك أن وجوب التدين المذكور إنما هو من آثار العلم بالمسألة الأصولية لا من آثار نفسها و اعتبار الظن مطلقا أو الظن الخاص، سواء كان من الظواهر أو غيرها معناه ترتيب الآثار المتفرعة على نفس الأمر المظنون لا على العلم به.
1) سورة البقرة، آية: 136.
و أمّا ما يتراءى من التمسك بها أحيانا لبعض العقائد فلاعتضاد مدلولها بتعدد الظواهر و غيرها من القرائن و إفادة كل منها الظن، فيحصل من المجموع القطع بالمسألة و ليس استنادهم في تلك المسألة إلى مجرد أصالة الحقيقة التي قد لا تفيد الظن بإرادة الظاهر فضلا عن العلم.
ثمّ إنّ الفرق بين القسمين المذكورين، و تمييز ما يجب تحصيل العلم به عمّا لا يجب في غاية الإشكال.
و قد ذكر العلامة في الباب الحادي عشر فيما يجب معرفته على كل مكلف من تفاصيل التوحيد و النبوة و الإمامة و المعاد أمورا لا دليل على وجوبها كذلك مدعيا: «أن الجاهل بها عن نظر و استدلال خارج عن ربقة الإيمان مستحق للعذاب الدائم(1)و هو في غاية الإشكال».
نعم يمكن أن يقال إن مقتضى عموم وجوب المعرفة مثل قوله تعالى:
وَ مٰا خَلَقْتُ اَلْجِنَّ وَ اَلْإِنْسَ إِلاّٰ لِيَعْبُدُونِ (2)، أي ليعرفون، و قوله صلى اللّه عليه و آله: «ما أعلم شيئا بعد المعرفة أفضل من هذه الصلوات الخمس»(3)، بناء على أن الأفضلية من الواجب خصوصا مثل الصلاة تستلزم الوجوب، و كذا عمومات وجوب التفقه في الدين الشامل للمعارف بقرينة استشهاد الإمام عليه السلام بها لوجوب النفر لمعرفة الإمام بعد موت الإمام السابق عليه السلام، و عمومات طلب العلم هو وجوب معرفة اللّه جل ذكره و معرفة النبي صلى اللّه عليه و آله و الإمام عليه السلام، و معرفة ما جاء به النبي صلى اللّه عليه و آله على كل قادر يتمكن من تحصيل العلم، فيجب الفحص حتى يحصل
اليأس فإن حصل العلم بشيء من هذه التفاصيل اعتقد و تدين، و إلا توقف و لم يتدين بالظن لو حصل له.
و من هنا قد يقال إن الاشتغال بالعلم المتكفل لمعرفة اللّه و معرفة أوليائه صلى اللّه عليه و آله أهم من الاشتغال بعلم المسائل العملية، بل هو المتعين لأنّ العمل يصح عن تقليد، فلا يكون الاشتغال بعلمه إلاّ كفائيا بخلاف المعرفة هذا.
و لكن الإنصاف ممن جانب الاعتساف يقتضي الإذعان بعدم التمكن من ذلك إلا للأوحدي من الناس، لأن المعرفة المذكورة لا تحصل، إلاّ بعد تحصيل قوة الاستنباط المطالب من الأخبار و قوة نظرية أخرى لئلا يأخذ بالأخبار المخالفة للبراهين العقلية، و مثل هذا الشخص مجتهد في الفروع قطعا فيحرم عليه التقليد.
و دعوى جوازه له للضرورة ليس بأولى من دعوى جواز ترك الاشتغال بالمعرفة التي لا تحصل غالبا بالأعمال المبتنية على التقليد، هذا إذا لم يتعين عليه الإفتاء و المرافعة لأجل قلة المجتهدين، و أمّا في مثل زماننا فالأمر واضح.
فلا تغتر حينئذ بمن قصر استعداده أو همته عن تحصيل مقدمات استنباط المطالب الاعتقادية الأصولية و العملية عن الأدلة العقلية و النقلية فيتركها مبغضا لها، لأنّ الناس أعداء ما جهلوا و يشتغل بمعرفة صفات الرب جل ذكره و أوصاف حججه صلوات اللّه عليهم أجمعين بنظر في الأخبار لا يعرف به من ألفاظها الفاعل من المفعول فضلا عن معرفة الخاص من العام و بنظر في المطالب العقلية لا يعرف به البديهيات منها و يشتغل في خلال ذلك بالتشنيع على حملة الشريعة العملية و استهزائهم بقصور الفهم و سوء النية فسيأتيهم أنباء ما كانوا يستهزءون، هذا كله حال وجوب المعرفة، و أمّا اعتبار ذلك في
الإسلام أو الإيمان، فلا دليل عليه، بل يدلّ على خلافه الأخبار الكثيرة المفسرة لمعنى الإسلام و الإيمان.
ففي رواية محمد بن سالم عن أبي جعفر عليه السلام المروية في الكافي:
«إن اللّه عزّ و جلّ بعث محمدا صلى اللّه عليه و آله و هو بمكة عشر سنين و لم يمت بمكة في تلك العشر سنين أحد يشهد أن لا إله إلا اللّه و أن محمدا رسول اللّه إلا أدخله اللّه الجنة بإقراره»(1).
و هو إيمان التصديق، فإنّ الظاهر أن حقيقة الإيمان التي يخرج الإنسان بها عن حد الكفر (1) الموجب للخلود في النار لم تتغير بعد انتشار الشريعة.
الشرح
(1) هنا توهّمات و مناقشات فيما أفاده قدس سره من عدم تغيير حقيقة الإيمان بعد انتشار الشّريعة و أنّ حدّ الإيمان في كلّ عصر و زمان هو التّوحيد و التّصديق بنبوّة النّبي صلى اللّه عليه و آله على ما في الكافي:
أحدها: أنّ التّصديق بالمعاد و بالإمامة كما في جملة من الأخبار الّتي ذكرها في الكتاب بعد رواية الكافي معتبر في الإيمان، بل التّصديق بجميع الضّروريّات معتبر فيه بعد انتشار الشّريعة مع عدم اعتباره في أوائل البعثة على ما في رواية الكافي.
ثانيها: أنّه قد ثبت في الأزمنة المتأخّرة عن أوائل البعثة أنّ فعل جملة من الأمور مثل ما يرجع إلى توهين الشّرع و تخفيفه و الهتك بالنّسبة إلى ما ثبت وجوب احترامه موجب للكفر الموجب للخلود و لو كان عن عصيان بحيث يعتقد بثبوت حرمته في الشّرع و أنّ النّبي صلى اللّه عليه و آله بالغ في حقّه، إلاّ أنّه يختار فعله لبعض الأغراض و الدّواعي النّفسانيّة عصيانا، فلا يرجع إلى إنكار النّبي صلى اللّه
1) الكافي، ج 2، ص 29.
........
الشرح
عليه و آله، و أمّا إنكار الضّروري كإلقاء بعض الأدعية و أوراق كتاب العزيز في بيت التّخلية مثلا نعوذ باللّه تعالى منه لبعض الأغراض النّفسانيّة مع الاعتراف بحرمته، فإنّه موجب للكفر الموجب للخلود عندهم و قد أفردوا له بابا فيما يوجب الكفر في قبال إنكار الضّروري و تكذيب النّبي صلى اللّه عليه و آله.
ثالثها: أنّ المنافق المظهر للشّهادتين و المقرّ بالتّوحيد و النّبوّة في مرحلة الظّاهر مع عدم الاعتقاد باطنا كأن يعامل معه معاملة المؤمن في أوائل البعثة مع كون حكمه في الأزمنة المتأخّرة على خلاف ذلك، فإنّه يعامل معه معاملة الكفر و ليس ذلك إلاّ من جهة اختلاف حقيقة الإيمان بحسب الأزمنة.
هذا و لكنّك خبير بعدم توجيه شيء ممّا ذكر على ما أفاده قدس سره أمّا الأوّل: فإنّ التّصديق بأن النّبي صلى اللّه عليه و آله رسول عن اللّه تعالى صادق في جميع ما يبلّغ عن اللّه تعالى على وجه الإجمال عين التّصديق بما ثبت عنه صلى اللّه عليه و آله على التّفصيل في الأزمنة المتأخّرة كالمعاد الجسماني، و الإمامة الخاصّة للأئمّة الاثني عشر سلام اللّه عليهم أجمعين و نحوهما، و إن كانت المصلحة مقتضية للسّكوت عن بيانها في أوائل البعثة للمداهنة و نضج الشّريعة، و من هنا كان تبليغ الأحكام الفرعيّة من نبيّنا صلى اللّه عليه و آله بل كلّ نبيّ على التّدريج حسبما يقتضيه حال كلّ عصر و زمان، و من هنا يعلم أنّ اعتبار عدم إنكار ما ثبت بالضّرورة عن النّبي صلى اللّه عليه و آله في الأزمنة المتأخّرة، بل اعتبار عدم إنكار كلّ ما ثبت عنه صلى اللّه عليه و آله و لو بغير الضّرورة في الإيمان ليس من جهة ثبوت موضوعيّة لعدم الإنكار، بل من جهة منافاته لتصديق النّبي صلى اللّه عليه و آله المعتبر فيه، فإنّ الإنكار التّفصيلي لما ثبت عنه صلى اللّه عليه و آله ينافي التّصديق الإجمالي، فإنّ اختلاف الإجمال و التّفصيل إنّما هو بهذه الملاحظة، و إلاّ فهما متّحدان كما عرفت فالمعتبر في الإيمان حقيقة التّصديق بما
نعم ظهر في الشريعة أمور صارت ضرورية الثبوت من النبي صلى اللّه عليه و آله، فيعتبر في الإسلام عدم إنكارها، لكن هذا لا يوجب التغيير، فإنّ المقصود أنه لم يعتبر في الإيمان أزيد من التوحيد و التصديق بالنبي صلى اللّه عليه و آله و بكونه رسولا صادقا فيما يبلغ.
و ليس المراد معرفة تفاصيل ذلك، و إلاّ لم يكن من آمن بمكة من أهل الجنة أو كان حقيقة الإيمان بعد انتشار الشريعة غيرها في صدر الإسلام.
الشرح
ثبت عن النّبي صلى اللّه عليه و آله لا عدم إنكاره و إن كانت عبارة الكتاب موهمة لخلاف ذلك.
هذا و سيأتي تمام الكلام في تحقيق ذلك إن شاء اللّه تعالى، نعم ظاهرهم كون التّصديق بالمعاد معتبرا في الإيمان مستقلا و كونه أصلا برأسه في قبال التّوحيد و النّبوة مع خلوّ الأخبار الواردة في تفسير الإيمان عن التّعرض له لكنّه لا تعلّق له بما أفاده قدس سره، فإنّ ظاهرهم كونه معتبرا في الإيمان في جميع الأزمنة مستقلا في قبال الأصلين و سيأتي الكلام في بيان ذلك و شرح القول فيه.
هذا و أمّا الثّاني: فلأنّ إيجاب ما ذكر للكفر مع عدم رجوعه إلى تكذيب النّبي صلى اللّه عليه و آله كما هو المفروض، فيكون تركه معتبرا في الإيمان في الأزمنة المتأخّرة إنّما هو من جهة عدم تبليغ النّبي صلى اللّه عليه و آله حرمته في أوائل البعثة لا من جهة الاختلاف في حقيقة الإيمان بحسب اختلاف الأزمنة فلو قيل بكون ترك الصّلاة عمدا موجبا للكفر كذا فعل اللّواط كما هو مقتضى بعض الأخبار بعد ثبوت وجوبها و حرمته لم يكن ذلك موجبا للاختلاف في حقيقة الإيمان بعد عدم ثبوت الوجوب و الحرمة في أوائل البعثة فتدبّر و أمّا الثّالث فلأنّ المنافق كافر مطلقا غاية الأمر اقتضاء المصلحة لمعاملة الإسلام معه في الصّدور الأوّل و هذا لا دخل له بالاختلاف في حقيقة الإيمان بحسب الأزمنة و هذا أمر واضح لا شبهة فيه أصلا.
و في رواية سليم بن قيس عن أمير المؤمنين عليه السلام: «إن أدنى ما يكون به العبد مؤمنا أن يعرفه اللّه تبارك و تعالى إياه فيقر له بالطاعة و يعرفه نبيه فيقر له بالطاعة، و يعرفه إمامه و حجته في أرضه و شاهده على خلقه فيقر له بالطاعة، فقلت له: يا أمير المؤمنين و إن جهل جميع الأشياء إلاّ ما وصفت قال نعم»(1)و هي صريحة في المدعى.
و في رواية أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال: «جعلت فداك أخبرني عن الدين الذي افترضه اللّه تعالى على العباد ما لا يسعهم جهله و لا يقبل منهم غيره ما هو فقال أعده علي فأعاد عليه فقال شهادة أن لا إله إلا اللّه و أن محمدا رسول اللّه و إقام الصلاة و إيتاء الزكاة و حج البيت من استطاع إليه سبيلا و صوم شهر رمضان ثم سكت قليلا ثم قال و الولاية و الولاية مرتين ثم قال هذا الذي فرض اللّه عزّ و جل على العباد لا يسأل الرب العباد يوم القيامة فيقول أ لا زدتني على ما افترضت عليك و لكن من زاد زاده اللّه إن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله سن سنة حسنة ينبغي للناس الأخذ بها (2)(و نحوها) رواية عيسى بن السري: «قلت: لأبي عبد اللّه عليه السلام حدثني عمّا بنيت عليه دعائم الإسلام، التي إذا أخذت بها زكى عملي و لم يضرني جهل ما جهلت بعده، فقال: شهادة أن لا إله إلاّ اللّه، و أن محمدا رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله، و الإقرار بما جاء من عند اللّه، و حق في الأموال الزكاة، و الولاية التي أمر اللّه بها، ولاية آل محمد صلى اللّه عليه و آله، فإنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله، قال: من مات و لم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية، و قال اللّه تعالى: أَطِيعُوا اَللّٰهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَ أُولِي
اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ، فكان علي، ثم صار من بعده الحسن، ثم من بعده الحسين، ثم من بعده من علي بن الحسين، ثم من بعده محمد بن علي، ثم هكذا يكون الأمر إن الأرض لا تصلح إلاّ بإمام»(1)الحديث.
و في رواية أبي اليسع قال: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السلام أخبرني عن دعائم الإسلام التي لا يسع أحدا التقصير عن معرفة شيء منها، التي من قصر عن معرفة شيء منها فسد عليه دينه و لم يقبل منه عمله و من عرفها و عمل بها صلح دينه و قبل عمله و لم يضق به مما هو فيه لجهل شيء من الأمور جهله، فقال: شهادة أن لا إله إلا اللّه و الإيمان بأنّ محمدا رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و الإقرار بما جاء به من عند اللّه و حق في الأموال الزكاة و الولاية التي أمر اللّه عزّ و جل بها، ولاية آل محمد صلى اللّه عليه و آله»(2).
و في رواية إسماعيل قال: «سألت أبا جعفر عليه السلام عن الدين الذي لا يسع العباد جهله، فقال الدين واسع و إن الخوارج ضيقوا على أنفسهم بجهلهم، فقلت: جعلت فداك أمّا أحدثك بديني الذي أنا عليه، فقال: بلى، قلت: أشهد أن لا إله إلا اللّه و أن محمدا عبده و رسوله، و الإقرار بما جاء به من عند اللّه و أتولاكم و أبرأ من عدوكم، و من ركب رقابكم و تأمر عليكم و ظلمكم حقكم، فقال: ما جهلت شيئا، فقال: هو اللّه الذي نحن عليه فقلت فهل يسلم أحد لا يعرف هذا الأمر، قال: لا إلاّ المستضعفين، قلت: من هم نساؤكم و أولادكم، قال: أ رأيت أم أيمن فإني أشهد أنها من أهل الجنة، و ما
كانت تعرف ما أنتم عليه»(1).
فإن في قوله ما جهلت شيئا دلالة واضحة على عدم اعتبار الزائد في أصل الدين.
و المستفاد من الأخبار المصرحة (1) بعدم اعتبار معرفة أزيد مما ذكر فيها
الشرح
(1) لا يخفى عليك اختلاف الأخبار الواردة في تحديد الإيمان و تفسيره و شرحه و بيان أقلّ ما يكتفى به من مراتبه ممّا نقله شيخنا قدس سره في الكتاب، و ما طوى ذكره ممّا هو قريب منه، بل لعلّها متعارضة بظواهرها في ابتداء النّظر، فلا بدّ من التكلّم فيه و رفعه و لا بدّ من أن يعلم، أوّلا: أنّ الإيمان لمّا كان موضوعا للأحكام الشّرعية الدّنيوية و الآثار الأخرويّة و لم يكن للعقل و لا لغيره مدخل فيه فلا بدّ من أن يرجع في تحقيق المراد منه إلى بيانات الشّارع، و من هنا وقع السّؤال عنه في الأخبار إذا عرفت ذلك، فأقول: إنّ اختلاف الأخبار أمر ظاهر لا يحتاج إلى البيان أصلا لمن راجعها حيث إنّ في بعضها اقتصر على معرفة اللّه تعالى و معرفة النّبي صلى اللّه عليه و آله و الشّهادة بالتّوحيد و النّبوة و في بعضها أضاف معرفة الإمام عليه السلام كما في رواية قيس و جملة منها، و المراد بالإقرار بالطّاعة فيها الإشارة إلى عدم كفاية مجرّد المعرفة القبليّة و اعتبار الإقرار اللّساني بما اعتقده في الإيمان و يحتمل ضعيفا إرادة الإذعان بلزوم الطّاعة الّذي هو لازم المعرفة و في آخر اعتبار الإقرار بما جاء به النّبي صلى اللّه عليه و آله من عند اللّه كما في غير واحد منها، و في ثالث اعتبار البراءة من أعداء آل محمّد صلوات اللّه عليهم كما في رواية إسماعيل و في رابع اعتبار إقامة الصّلاة و إيتاء الزّكاة و صوم شهر رمضان و الحجّ كما في رواية أبي بصير و مقتضى العلاج و إن كان الأخذ بما كان مشتملا
1) الكافي، ج 2، ص 405.
........
الشرح
على ما لا يشتمل عليه غيره لرجوع التّعارض إلى العموم و الخصوص أو الإطلاق و التّقييد، إلاّ أنّ من الواضح إباءها عن الجمع المذكور لورودها في مقام البيان و التّحديد، فيلزم تأخير البيان اللاّزم، فلا بدّ من الجمع بوجه آخر بحيث يرفع الاختلاف و التّعارض بينها فنقول أمّا عدم ذكر معرفة الإمام عليه السلام في رواية الكافي، فإنّما هو من جهة عدم تبليغ النّبي صلى اللّه عليه و آله هذا الحكم الأصولي في الصّدر الأوّل لما رآه من المصلحة في ترك البيان على ما عرفت الإشارة إليه سابقا، و هذا بخلاف سائر الأخبار فإنّ ورودها بعد تعريف الولاية و تبليغ الإمامة و إن كان الإقرار بالنّبوّة و تصديق النّبي صلى اللّه عليه و آله ملازما للإقرار بكلّ ما جاء به و يجيء به على سبيل الإجمال و أمّا اعتبار الإقرار بما جاء به النّبي صلى اللّه عليه و آله في غير واحد من الأخبار، فلا ينافي ما لا يشتمل عليه لعدم انفكاك تصديق النّبي صلى اللّه عليه و آله في نبوّته عن الإقرار بما جاء به، فإنّ المراد من الإقرار بما جاء به من عند اللّه كونه صادقا فيما يخبر به من عند اللّه و هو معنى تصديقه في نبوّته و يحتمل قريبا أن يراد منه الإقرار
بنفس ما جاء به أصولا و فروعا و كونه من عند اللّه تعالى على وجه التّفصيل بعد ثبوته، فيرجع إلى الاعتقاد بالنّبوة و الإقرار بها و إن اختلفا بالإجمال و التّفصيل على ما عرفت الإشارة إليه كما هو واضح، و أمّا اعتبار البراءة من أعدائهم في السّؤال في رواية إسماعيل الّذي قرّره الإمام عليه السلام، فإنّما هو من جهة مزيد الاهتمام بها، و إلاّ فليست أصلا مستقلا، بل هي لازم الولاية الخاصّة و عليه يحمل كلام المفيد قدس سره في أوائل المقنعة حيث جعلها في ظاهر كلامه أصلا مستقلا كما صنعه بعض ممّن تأخّر عنه فتدبّر.
و أمّا اعتبار فعل العبادات الأربعة كما في رواية أبي بصير فيحمل على إرادة
........
الشرح
اعتباره في الدّين بالمعنى الأعمّ من الأصول و الفروع، فذكر خصوص الأربع إنّما هو من جهة مزيد الاهتمام بشأنها و يشهد له ذيل الرّواية و إن توهّم منافاته للسؤال في الرّواية بقوله: (ما لا يسعهم جهله) أو يحمل على إرادة المرتبة الكاملة من الإيمان أو غير ذلك حتّى لا ينافي الأخبار الصّريحة، بل الإجماع الظّاهر بقي في المقام أمور يجب التّعرض لها:
الأوّل: أنّ ظاهرهم الاتّفاق على كون المعاد بل المعاد الجسماني أصلا مستقلا في قبال سائر أصول الدّيانات، لا أن يكون اعتباره في الإيمان كاعتبار الاعتقاد بسائر الأمور الثّابتة من النّبي صلى اللّه عليه و آله أصولا و فروعا و لا ينافي ذلك ما تسالموا عليه من كون الاعتقاد بالمبدإ ملازما للاعتقاد بالمعاد، فإنّه لا ينافي جعله أصلا مستقلا و عدم ذكره في خبر من أخبار الباب ربما يشهد على عدم كونه أصلا مستقلا، و كونه من فروع تصديق النّبي صلى اللّه عليه و آله كما يظهر من بعض الأصحاب، بل ربما يستظهر من كلام شيخنا قدس سره فيما سيجيء من كلامه و إن كان الاستظهار في غير محلّه، لأنّ كلامه بالنّسبة إلى غير المعاد الجسماني و يمكن إرادته بالخصوص من قوله و الإقرار بما جاء به في رواية عيسى فتأمّل، و القول بكون السّكوت عنه من جهة وضوح أمره و عدم الاختلاف فيه و كونه معتبرا في الإيمان بالاتّفاق شطط من الكلام، إذ ليس أمره أوضح من أمر التّوحيد و النّبوّة مع التّصريح باعتبار الاعتقاد و الإقرار بهما في جميع الأخبار، نعم في غير واحد من الآيات إشارة إلى كونه أصلا مستقلا، بل في بعضها دلالة على ذلك و إن كان في أكثر الآيات الواردة في هذا الباب ما يدلّ على كونه كسائر الضّروريّات الدّينيّة كالصّلاة و الزّكاة فراجع إليها، بل يستفاد من الآيات الكثيرة مزيد اهتمام بشأنه و أنّ كلّ نبيّ كان مأمورا بتبليغه و أنّ إنكار النّبوات في غالب
........
الشرح
الأعصار كان مستندا إلى إنكار المعاد و البعث، بل ربما كان إنكار الصانع مستندا إليه كما يظهر لمن راجع الآيات الواردة في هذا الباب و تأمّل فيها، و أمّا القول بأنّ الأخبار ليست في مقام بيان تمام ما يعتبر في الإيمان، فلا ينافي عدم التّعرض للمعاد ففاسد جدّا و لا يصدر ممّن له أدنى دراية بعد الرّجوع إلى تلك الأخبار.
الثّاني: أنّه لا إشكال في دلالة الأخبار على كون الاعتقاد و الإقرار بالإمامة و الولاية الخاصّة إلى ولاية آل محمد صلوات اللّه عليهم معتبرا في الإيمان بالمعنى الأخصّ و كونه أصلا مستقلا لكن المستفاد من غير واحد منها كون المعتبر معرفة إمام الزّمان لا بعد زمان، و أمّا قبل زمانه فالظّاهر أنّه لا إشكال في اعتباره، لأنّ الحصر المستفاد من قوله صلى اللّه عليه و آله من مات و لم يعرف إمام زمانه إضافي، نعم لا إشكال في اعتبار الاعتقاد بإمامة من بعده في حقّ من علم به بإعلام النّبي صلى اللّه عليه و آله و الوصيّ عليه السلام لكنّه ليس واجبا مطلقا و شرطا في الإيمان كذلك، كما أنّ الاعتقاد بأنّ الزمان لا يخلو عن حجّة كما هو مدلول الأخبار، بل العقل و يعبّر عنه بالنّبوة الكليّة و الولاية المطلقة الظّاهر عدم اعتباره في الإيمان بعد الاعتقاد بالنّبوة الخاصّة و الولاية الجزئيّة فتدبّر.
الثّالث: أنّه لا إشكال في التّرتيب في إمامة الأئمّة الاثني عشر عليه السلام و هو مدلول أكثر الأخبار الواردة في النّص عليهم، فهل يعتبر في الإيمان الاعتقاد بالتّرتيب المذكور، أو يكفي الاعتقاد بإمامتهم و لو لم يعلم التّرتيب الظّاهر لزوم العلم بالتّرتيب، فإنّه لازم اعتبار العلم بنسبهم المعروف اللاّزم في معرفة الإمامة مع العلم بكون وفاة الحسن الزّكي عليه السلام قبل شهادة الحسين عليه السلام، هذا بعض الكلام فيما يتعلّق بدلالة الأخبار، و بقي هنا مطالب كثيرة و مسائل جلية ليس الفنّ محلّ التّعرض لها و قد وقع الكلام في بعضها في الكتاب.
في الدين و هو الظاهر أيضا من جماعة من علمائنا الأخيار كالشهيدين في الألفية و شرحها و المحقق الثاني في الجعفرية و شارحها و غيرهم هو أنه يكفي في معرفة الرب (1) التصديق بكونه موجودا و واجب الوجود لذاته و التصديق بصفاته الثبوتية الراجعة إلى صفتي العلم و القدرة و نفي الصفات الراجعة إلى الحاجة و الحدوث، و أنّه لا يصدر منه القبيح فعلا أو تركا.
و المراد بمعرفة هذه الأمور ركوزها في اعتقاد المكلف بحيث إذا سألته عن شيء ممّا ذكر أجاب بما هو الحق فيه و إن لم يعرف التعبير عنه بالعبارات المتعارفة على السنة الخواص.
و يكفي في معرفة النبي صلى اللّه عليه و آله معرفة شخصه بالنسب المعروف المختص به و التصديق بنبوته و صدقه، فلا يعتبر في ذلك الاعتقاد بعصمته (2) أعني كونه معصوما بالملكة من أول عمره إلى قال في المقاصد
الشرح
(1) استفادة ما أفاده في معرفة الرّب جلّ شأنه من الأخبار في غاية الإشكال، اللّهم إلاّ أن يستفاد من معرفة اللّه تعالى المعتبرة في الإيمان أو الشّهادة بالتّوحيد المعتبرة في الإيمان بمقتضى الأخبار المتقدّمة اعتبار ما أفاده و الاستفادة المذكورة يحتاج إلى مزيد تأمّل، نعم لا إشكال في عدم اعتبار الزّائد على ما ذكره قدس سره في الإيمان كما أنّ ما أفاده قدس سره بقوله: (و المراد بمعرفة هذه الأمور كونها في اعتقاد المكلّف) إلخ، لا إشكال في استقامته، لأنّ المعتبر بمقتضى الأخبار المتقدّمة الشّهادة و المعرفة و نحوهما و يكفي في تحقّقها الاعتقاد الجزمي من غير فرق بين إمكان التّعبير عن المطلب بالعبارات المتعارفة بين الخواص و أهل العلم و عدم إمكانه كما هو واضح.
(2) اعتبار الاعتقاد بعصمة النّبي صلى اللّه عليه و آله بالمعنى الّذي ذكره قدس سره و إن لم يصرّح به في الأخبار المتقدّمة مع ثبوتها على مذهب الإماميّة، إلاّ أنّ
........
الشرح
اعتبار عصمته و لو عن السّهو و الخطاء و النّسيان فضلا عن المعصية في الجملة ممّا لا ينفكّ عن الاعتقاد بالنّبوة و كونه صادقا في كلّ ما يخبر به عن اللّه تعالى و ذهاب الصّدوق قدس سره و الأخباريّين إلى تجويز الإسهاء من اللّه تعالى في حقّه صلى اللّه عليه و آله في بعض الموضوعات كما دلّ عليه بعض الأخبار لا ينافي ما ذكرنا و إن أخطئوا فيما ذهبوا إليه كما حقّق في محلّه، و أمّا القول بوجوب الاعتقاد المزبور و الاعتقاد بسائر صفات النّبي صلى اللّه عليه و آله و ملكاته و مراتبه بالاستقلال في حقّ القادر على تحصيل العلم به و إن لم يكن شرطا في الإيمان كما احتمله في الكتاب على ما يظهر من قوله قدس سره: (نعم يمكن أن يقال) إلى آخره، وفاقا لما احتمله سابقا فقد عرفت الكلام فيه، و أنّه لا دليل عليه و إن كان واجبا شرطيّا و مستحسنا جدّا، حيث إنّك قد عرفت أنّ الإيمان ذو مراتب متعدّدة متدرّجة حصول كلّ مرتبة منه مشروط بحصول بعض مراتب المعرفة بل حصول بعض مراتبه مشروط بالعمل بالأركان زائدا على الاعتقاد بالجنان فطوبى، ثمّ طوبى لمن حصل له كمال الإيمان بحسب الطّاقة البشريّة فإنّ له مراتب لا يصل إليها أيدي البشر إلاّ من خصّه اللّه تعالى بخلقه من نور قدسه و جلاله، مع أنّه قال أيضا ما عرفناك حقّ معرفتك، و أمّا إيماء النّبي صلى اللّه عليه و آله إلى وجوب المعرفة بالتّفاصيل على سبيل الاستقلال في الرّواية المعروفة فقد يناقش فيه أيضا بأنّ الإشارة أو الدّلالة على وجوب المعرفة في الجملة مسلّمة لكنّهما على وجه العموم ممنوعان، فلا بدّ إذا من نقل الرّواية حتّى يتّضح حقيقة الأمر، فنقول قد روي عن الكافي في باب صفة العلم و فضله بسنده عن أبي الحسن موسى عليه السلام قال: «دخل رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله المسجد، فإذا جماعة قد أطافوا برجل فقال صلى اللّه عليه و آله ما هذا فقيل علاّمة، فقال صلى اللّه عليه و آله: و ما العلاّمة، فقيل: أعلم النّاس بأنساب العرب و وقائعها و أيّام الجاهليّة
العلية: «و يمكن اعتبار ذلك، لأن الغرض المقصود من الرسالة، لا يتمّ إلا به فينتفي الفائدة التي باعتبارها وجب إرسال الرسل و هو ظاهر بعض كتب العقائد المصدرة بأن من جهل ما ذكروه فيها، فليس مؤمنا مع ذكرهم ذلك و الأول غير بعيد عن الصواب» انتهى.
أقول: و الظاهر أن مراده ببعض كتب العقائد هو الباب الحادي عشر للعلامة قدس سره حيث ذكر تلك العبارة، بل ظاهره دعوى إجماع العلماء عليه.
نعم يمكن أن يقال إن معرفة ما عدا النبوة واجبة بالاستقلال على من هو
الشرح
و الأشعار و العربيّة قال فقال النّبي صلى اللّه عليه و آله ذاك علم لا يضرّ من جهله و لا ينفع من علمه، ثمّ قال النّبي صلى اللّه عليه و آله: إنّما العلم ثلاثة آية محكمة، أو فريضة عادلة، أو سنّة قائمة، و ما خلاهنّ فهو فضل» و هي كما ترى لا دلالة لها على العموم بل و لا إيماء فيها إليه، لأنّ المستفاد منها حصر العلم الموصوف بالصّفتين في الثّلاثة، و أمّا أنّ الواجب من الثّلاثة هو العموم أو بعض أفرادها فالرّواية ساكتة عنه فتدبّر.
ثمّ إنّ المراد بالآية المحكمة يحتمل أن يكون العقائد الحقّة و أصول الدّيانات و أن يكون الآيات المحكمات من الأنفس و الآفاق الّتي تكون دلائل على وجود الصّانع جلّ شأنه و حكمته أو من القرآن، إذ في غير موضع منه إنّ في ذلك لآيات حيث يذكر دلائل المبدإ و المعاد و بالفريضة العادلة علم الأخلاق الّتي محاسنها من جنود العقل و مساويها من جنود الجهل و النّفس، فإنّ التحلّي و التخلّي عن الثّانية فريضة شرعيّة في الجملة و واجبة خلقيّة مطلقا و عدالتها كناية عن توسيطها بين طرفي الإفراط و التّفريط، و بالسّنة القائمة شرائع الأحكام و مسائل الحلال و الحرام و انحصار العلوم الدّينيّة في الثّلاثة و كون ما سواها فضلا أو فضولا واضح على ما عرفت من الوجه في المعاني الثّلاثة.
متمكن منه بحسب الاستعداد و عدم الموانع، لما ذكرنا من عمومات وجوب التفقه و كون المعرفة أفضل من الصلوات الواجبة، و أن الجهل بمراتب سفراء اللّه جل ذكره مع تيسر العلم بها تقصير في حقهم، و تفريط في حبهم، و نقص يجب بحكم العقل رفعه، بل من أعظم النقائص.
و قد أومأ النبي صلى اللّه عليه و آله إلى ذلك حيث قال مشيرا إلى بعض العلوم الخارجة من العلوم الشرعية: «إن ذلك علم لا يضر جهله، ثم قال: إنما العلوم ثلاثة آية محكمة و فريضة عادلة و سنة قائمة و ما سواهن فهو فضل»(1)، و قد أشار إلى ذلك رئيس المحدثين في ديباجة الكافي حيث قسم الناس: «إلى أهله الصحة و السلامة و أهل المرض و الزمانة و ذكر وضع التكليف عن الفرقة الأخيرة».
و يكفي في معرفة الأئمة صلوات اللّه عليهم معرفتهم بنسبهم المعروف و التصديق بأنهم أئمة يهدون بالحق، و يجب الانقياد إليهم و الأخذ منهم، و في وجوب الزائد على ما ذكر من عصمتهم الوجهان (1).
الشرح
(1) المراد من العصمة في كلامه ما ذكره قبل ذلك في النّبوة من العصمة بالملكة من زمان تولّدهم صلوات اللّه عليهم إلى زمان ارتحالهم عن النّشأة الدّنيويّة عمّا يكون عصيانا في حقّ المكلّفين، و الخطاء و النّسيان و السّهو الّتي قد عرفت أنّه لا إشكال في ثبوت العصمة عنها عند الإماميّة، لا العصمة في الجملة، فإنّه لا إشكال في اعتبارها في الإيمان بالمعنى الأخصّ كما يحكم بثبوتها ضرورة العقل، فإنّ الحجّة من اللّه تعالى على الخلق و شاهده عليهم و الدّليل لهم كيف يمكن أن يكون غير معصوم، و إلاّ لزم التّرجيح من غير مرجّح، إذ لا يبقى بعد عدم اعتبار العصمة مزيّة للحجّة على الرّعيّة فافهم.
1) الكافي، ج 1، ص 32، مع اختلاف يسير.
و قد ورد في بعض الأخبار تفسير معرفة حق الإمام (1) بمعرفة كونه إماما مفترض الطاعة.
و يكفي في التصديق بما جاء به النبي صلى اللّه عليه و آله (2) التصديق بما
الشرح
(1) روى في محكيّ الكافي في باب فرض طاعة الأئمّة عليهم السلام بسنده عن إسماعيل بن جابر قال: «قلت: لأبي جعفر عليه السلام أعرض عليك دين اللّه عزّ و جلّ، قال، فقال: هات فقلت أشهد أن لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له و أنّ محمّدا عبده و رسوله و الأبرار بما جاء به من عند اللّه و أنّ عليّا كان إماما فرض اللّه طاعته، ثمّ كان من بعده الحسن إماما فرض اللّه طاعته، ثمّ كان من بعده الحسين إماما فرض اللّه طاعته، ثمّ كان عليّ بن الحسين إماما فرض اللّه طاعته بعدهم حتّى انتهى الأمر إليه، ثمّ قلت: أنت يرحمك اللّه، قال: فقال عليه السلام هذا دين اللّه و دين ملائكته».
(2) الكلام في المقام يقع في موضعين:
أحدهما: في أنّه بعد العلم بثبوت شيء من النّبي تفصيلا سواء حصل العلم من التّواتر أو خبر الواحد المحفوف بالقرينة القطعيّة أو الإجماع أو الضّرورة الدّينيّة سواء كان من الأصول مطلقا، أو الفروع من الأحكام الواقعيّة أو الظّاهريّة فهل يجب على العالم به الإقرار به و التّصديق به، و يكون إنكاره كفرا في حقّ العالم به أم لا.
ثانيهما: في أنّه إذا ثبت شيء من النّبي صلى اللّه عليه و آله في الدّين من الضّرورة أو التّواتر أو غيرهما فهل يجب على كلّ مكلّف الإقرار به و تصديقه، و يكون إنكاره كفرا و لو في حقّ الجاهل به مطلقا، و إذا ثبت من النّبي صلى اللّه عليه و آله بطريق الضّرورة أو لا يكون كذلك.
أمّا الكلام في الموضع الأوّل: فملخّصه أنّه لا إشكال في لزوم التّصديق
........
الشرح
و التّديّن بكلّ ما علم ثبوته من النّبي صلى اللّه عليه و آله في حقّ العالم به مطلقا، لأنّه من فروع تصديق النّبي صلى اللّه عليه و آله، فيكون إنكار العالم به كفرا و هذا ممّا لم يخالف فيه أحد بل لا يعقل الخلاف فيه لأنّه إنكار للنّبوّة.
و أمّا الموضع الثّاني: فالّذي يقتضيه التّحقيق و عليه المحقّقون و يستفاد من كلام شيخنا الأستاذ العلاّمة قدس سره عدم لزوم التّصديق و الإقرار بما ثبت عن النّبي صلى اللّه عليه و آله في حقّ الجاهل به بمعنى الحكم بكفره مع عدم الإقرار أو الإنكار بالنّسبة إلى غير المعاد الجسماني الّذي هو أصل مستقلّ عندهم كالتّوحيد، بل الكلّ بالنّسبة إلى غير إنكار الضّروري، بل لا معنى عند التّأمّل للقول بالكليّة المذكورة و أنّ كلّ غير مقرّر بما ثبت عن النّبي صلى اللّه عليه و آله واقعا أو منكر له و لو مع العلم بخلافه يحكم بكفره، نعم كلماتهم في مسألة خصوص إنكار الضّروري مضطربة من حيث إنّ له سببيّة و موضوعيّة في الحكم بكفر منكره أو طريقيّة من حيث أدائه إلى إنكار النّبوة، و من هنا اعتبر غير واحد، بل الأكثر عدم احتمال الشّبهة في حقّ المنكر، فيكون الحكم بالكفر عندهم من حيث إنّ الضّرورة طريق لعلمنا إلى علم المنكر حقيقة، و هذا هو الفارق بين الضّروري و غيره ممّا ثبت من النّبي صلى اللّه عليه و آله، و من هنا يحكم بإيجاب إنكار ضروري المذهب لكفر منكره إذا كان من أهل المذهب لا مطلقا و الحقّ ما عرفت من أنّ الحكم بالكفر حتّى بالنّسبة إلى الضّروري في غير المعاد مشروط بالعلم، و أمّا مع الشّك و الجهل البسيط فضلا عن المركّب، فلا يجب الالتزام و التّديّن تكليفا، بل لا يجوز و لا يؤثر بحسب الحكم الوضعي أيضا بمعنى أنّه لا يحكم بكفر غير المستلزم بما ثبت عن النّبي صلى اللّه عليه و آله و لو في الضّروريات مع علمنا بشكّه و جهله، بل لا يضرّ إنكاره مع الالتزام الإجمالي بما جاء به النّبي صلى اللّه عليه و آله و إن كان ظاهر بعض الأخبار إيجاب الجحود للكفر مطلقا لكنّه
........
الشرح
محمول على الإهمال بقرينة الأخبار سيّما ما ذكره في الكتاب، فإنّ المراد من الإقرار بما جاء به على ما عرفت هو الإقرار الإجمالي أو التّفصيلي بعد العلم بما جاء به، و هذا معنى ما أفاده قدس سره في الكتاب بقوله: (و أمّا التّدين بسائر الضّروريّات ففي اشتراطه أو كفاية عدم إنكارها أو عدم اشتراطه أيضا، فلا يضرّ إنكارها، إلاّ مع العلم بكونها من الدّين وجوه أقواها الأخير، ثمّ الأوسط) و غلط بعض النّسخ بإسقاط كلمة الاستثناء أوقع غير واحد في حيص و بيص، بل إساءة الأدب مع وضوح الغلط و السّقط، فإنّه إذا لم يوجب إنكار الضّروري مع العلم بكونه عن النّبي صلى اللّه عليه و آله الكفر، فأيّ شيء يوجبه، و هذا لا يظنّ صدوره عن جاهل فضلا عن مثله قدس سره الّذي صرف عمره في علم الشّريعة مع ما عليه من التفرّد في دقّة النّظر و استقامة الرّأي و الاطّلاع على فتاوى الفقهاء رضوان اللّه عليهم في عصره فجزاه اللّه عن الإسلام خيرا و حشره في حظيرة قدسه مع نبيّه و آله الطّيبين الطّاهرين سلام اللّه عليهم أجمعين، ثمّ إنّه يدلّ على ثبوت الواسطة مضافا إلى ما رواه في الكتاب و كون الكفر مترتّبا على الجحود و الإنكار كثير من الأخبار البالغة حدّ الاستفاضة ففي الكافي في باب فرض طاعة الأئمّة عليهم السلام أنّ أبا عبد اللّه عليه السلام يقول: «نحن الّذين فرض اللّه طاعتنا لا يسع النّاس إلاّ معرفتنا، و لا يعذر النّاس بجهالتنا، من عرفنا كان مؤمنا، و من أنكرنا كان كافرا، و من لم يعرفنا و لم ينكرنا كان ضالا، حتّى يرجع إلى الهدى الّذي افترض اللّه تعالى عليه من طاعتنا الواجبة، فإن يمت على ضلالته يفعل اللّه به ما يشاء»، و في الكافي أيضا في باب الكفر بسنده عن أبي جعفر عليه السلام قال: «إنّ اللّه عزّ و جلّ نصب عليّا عليه السلام علما بينه و بين خلقه، فمن عرفه كان مؤمنا، و من أنكره كان كافرا، و من جهله كان ضالا، و من نصب معه شيئا كان مشركا، و من جاء بولايته دخل الجنّة، و من جاء بعداوته دخل النّار» إلى غير ذلك من الأخبار،
علم مجيئه به متواترا من أحوال المبدإ و المعاد كالتكليف بالعبادات و السؤال في القبر و عذابه، و المعاد الجسماني، و الحساب، و الصراط، و الميزان، و الجنة، و النار إجمالا، مع تأمل في اعتبار معرفة ما عدا المعاد الجسماني من تلك الأمور في الإيمان المقابل للكفر الموجب للخلود في النار للأخبار المتقدمة المستفيضة و السيرة المستمرة، فإنّا نعلم بالوجدان جهل كثير من الناس بها من أول البعثة إلى يومنا هذا.
و يمكن أن يقال: إن المعتبر هو عدم إنكار هذه الأمور و غيرها من الضروريات لا وجوب الاعتقاد بها على ما يظهر من بعض الأخبار من أن الشاك إذا لم يكن جاحدا فليس بكافر.
ففي رواية زرارة عن أبي عبد اللّه عليه السلام: «لو أن العباد إذا جهلوا وقفوا و لم يجحدوا لم يكفروا»(1)، و نحوها غيرها.
و يؤيدها ما عن كتاب الغيبة للشيخ قدس سره بإسناده عن الصادق عليه السلام: «إن جماعة يقال لهم الحقية، و هم الذين يقسمون بحق علي، و لا يعرفون حقه و فضله، و هم يدخلون الجنة».
الشرح
و يمكن حمل ما دلّ على كفر المنكر و لو عن جهل على مثل التّوحيد و النّبوة، فلا يشمل الضّروريات الدّينيّة مع الإذعان و التّدين و الإقرار الإجمالي، و يشهد له ما رواه محمّد بن مسلم الوارد في كفر الشّاك في اللّه و النّبي صلى اللّه عليه و آله، فإنّ الإمام قال بعد الحكم بكفره في جواب السّائل مشيرا إلى زرارة إنّما يكفر إذا جحد و سيجيء نقله في الكتاب.
1) الكافي، ج 2، ص 388.
و بالجملة فالقول بأنه يكفي (1) في الإيمان الاعتقاد بوجود الواجب الجامع للكمالات المنزه عن النقائص و بنبوة محمد صلى اللّه عليه و آله و بإمامة الأئمة عليهم السلام، و البراءة من أعدائهم و الاعتقاد بالمعاد الجسماني الذي لا ينفك غالبا عن الاعتقادات السابقة غير بعيد بالنظر إلى الأخبار و السيرة المستمرة، و أمّا التدين بسائر الضروريات ففي اشتراطه أو كفاية عدم إنكارها أو عدم اشتراطه أيضا، فلا يضر إنكارها، إلاّ مع العلم بكونها من الدين وجوه أقواها الأخير ثم الأوسط.
و ما استقربناه في ما يعتبر في الإيمان وجدته بعد ذلك في كلام محكي عن المحقق الورع الأردبيلي في شرح الإرشاد(1).
ثمّ إنّ الكلام إلى هنا في تمييز القسم الثاني و هو ما لا يجب الاعتقاد به إلاّ بعد حصول العلم به عن القسم الأول و هو ما يجب الاعتقاد به مطلقا
الشرح
(1) ظاهر ما أفاده كون البراءة من أعداء الأئمّة عليهم السلام معتبرا بالأصالة في الإيمان بالمعنى الأخصّ كما هو ظاهر بعض الأخبار، لا من جهة كونها من لوازم الولاية كما هو ظاهر غير واحد من الأخبار و في بعض الأخبار بمضمون من والانا فقد برئ من عدوّنا، كما أنّه يظهر منه في معرفة اللّه تبارك و تعالى مضافا إلى الاعتقاد بوجوده و توحيده الاعتقاد بكونه جامعا لجميع الكمالات و منزّها عن جميع النّقائص الخلقية كما ذكره سابقا أيضا، فإنّ كان المراد اعتبار ذلك على سبيل الإجمال بمعنى الاعتقاد بكونه تعالى ليس من جنس المخلوق فله وجه، و إلاّ فاستفادة اعتبار ذلك من الأخبار المتقدّمة في غاية الإشكال و اللّه العالم بحقيقة الحال.
1) مجمع الفائدة و البرهان في شرح إرشاد الأذهان، ج 3، ص 220.
فيجب تحصيل مقدمته أعني الأسباب المحصلة للاعتقاد، و قد عرفت أن الأقوى عدم جواز العمل بغير العلم في القسم الثاني.
و أمّا القسم الأول الذي يجب فيه النظر لتحصيل الاعتقاد، فالكلام فيه يقع تارة بالنسبة إلى القادر على تحصيل العلم، و أخرى بالنسبة إلى العاجز فهنا مقامان:
و الكلام في جواز عمله بالظن يقع في موضعين الأول في حكمه التكليفي و الثاني في حكمه الوضعي من حيث الإيمان و عدمه، فنقول: أمّا حكمه التكليفي، فلا ينبغي التأمل في عدم جواز اقتصاره على العمل بالظن فمن ظن بنبوة نبينا محمد صلى اللّه عليه و آله أو بإمامة أحد من الأئمة صلوات اللّه عليهم، فلا يجوز له الاقتصار فيجب عليه مع التفطن لهذه المسألة زيادة النظر، و يجب على العلماء أمره بزيادة النظر ليحصل له العلم إن لم يخافوا عليه الوقوع في خلاف الحق، لأنّه حينئذ يدخل في قسم العاجز عن تحصيل العلم بالحق، فإنّ بقاءه على الظن بالحق أولى من رجوعه إلى الشك أو الظن بالباطل فضلا عن العلم به.
و الدليل على ما ذكرنا جميع الآيات و الأخبار الدالة على وجوب الإيمان و التفقه و العلم و المعرفة و التصديق و الإقرار و الشهادة و التدين و عدم الرخصة في الجهل و الشك و متابعة الظن و هي أكثر من أن تحصى.
و أمّا الموضع الثاني فالأقوى فيه بل المتعين الحكم بعدم الإيمان للأخبار المفسرة للإيمان
بالإقرار و الشهادة و التدين و المعرفة و غير ذلك من العبائر الظاهرة في العلم و هل هو كافر مع ظنه بالحق فيه وجهان: من إطلاق (1) ما دلّ على أن الشاك
الشرح
(1) ممّا يدلّ على الوجه الأوّل ما رواه في الكافي في باب الكفر عن عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليه السلام: «من شكّ في اللّه و في رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله فهو كافر» و عن منصور بن حازم، قال: «قلت: لأبي عبد اللّه عليه السلام من شكّ في رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله، قال: كافر، قلت: من شكّ في كفر الشّاك فهو كافر فأمسك عنّي، فرددت عليه ثلاث مرّات، فاستبنت في وجهه الغضب»، و في باب دعائم الكفر عن سليم بن قيس الهلالي عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: «بني الكفر على أربع دعائم الفسق و الغلوّ و الشّك و الشّبهة»، و في باب الشّك عن أبي إسحاق الخراساني قال: «كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول في خطبته: لا ترتابوا فتشكوا، و لا تشكوا فتكفروا» إلى غير ذلك.
و ممّا يدلّ على الوجه الثّاني: ما رواه في الكافي في باب الكفر أيضا عن محمّد بن مسلم قال: «سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول كلّ شيء يجرّه الإقرار و التّسليم فهو إيمان، و كلّ شيء يجرّ الإنكار و الجحود فهو الكفر» بناء على دلالته على الحصر، و في هذا الباب أيضا ما رواه عن زرارة عن أبي عبد اللّه عليه السلام:
«لو أنّ العباد إذا جهلوا أوقفوا و لم يجحدوا لم يكفروا»، و فيه في باب الشّك أيضا عن محمّد بن مسلم قال: «كنت عند أبي عبد اللّه عليه السلام جالسا عن يساره و زرارة عن يمينه، فدخل عليه أبو بصير، فقال: يا أبا عبد اللّه ما تقول فيمن شكّ في اللّه فقال: كافر يا أبا محمّد، قال: فشكّ في رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله،
........
الشرح
فقال: كافر، قال: ثمّ التفت إلى زرارة فقال: إنّما يكفر إذا جحد» إلى غير ذلك و لا ريب أنّ مقتضى العلاج بين الطّائفتين من الأخبار بعد تعارضهما بالإطلاق و التّقييد و لو باعتبار المنطوق و المفهوم في البعض هو الأخذ بما دلّ على الوجه الثّاني حملا للمطلق على المقيّد كما هو واضح.
هذا مضافا إلى ما ذكره قدس سره في الكتاب من دلالة الأخبار المستفيضة على ثبوت الواسطة بين الكفر و الإيمان: (و قد أطلق عليه في الأخبار الضّلال لكن أكثر الأخبار الدّالة على الواسطة مختصّة بالإيمان بالمعنى الأخصّ) إلى آخر ما أفاده.
فبالحريّ أن نذكر جملة ممّا أشار إليه تيمّنا، فمنها: ما رواه في الكافي في باب المرجون لأمر اللّه عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام في قول اللّه عزّ و جلّ:
وَ آخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اَللّٰهِ، «قال: قوم كانوا مشركين فقتلوا مثل حمزة و جعفر و أشباههما من المؤمنين، ثمّ إنّهم دخلوا في الإسلام، فوحّدوا اللّه و تركوا الشّرك و لم يعرفوا الإيمان بقلوبهم، فيكونوا من المؤمنين، فيجب لهم الجنّة و لم يكونوا على جحودهم فيكفروا فيجب لهم النّار، فهم على تلك الحال إمّا يعذّبهم و إمّا يتوب عليهم»، و هذه تدلّ على ثبوت الواسطة بين الإسلام و الكفر، و منها ما رواه أيضا في باب أصحاب الأعراف، «فقلت ما هم إلاّ مؤمنون أو كافرون إن دخلوا الجنّة فهم مؤمنون، و إن دخلوا النّار فهم كافرون، فقال: و اللّه ما هم بمؤمنين و لا كافرين و لو كانوا مؤمنين دخلوا الجنّة كما دخلها المؤمنون، و لو كانوا كافرين لدخلوا النّار كما دخلها الكافرون، و لكنّهم قوم استوت حسناتهم و سيّئاتهم فقصرت بهم الأعمال، و إنّهم كما قال اللّه عزّ و جلّ، فقلت: أ من أهل الجنّة هم أو من أهل النّار فقال اتركهم حيث تركهم اللّه، قلت: أ فترجئهم قال: أرجئهم كما أرجأهم اللّه إن شاء أدخلهم الجنّة برحمته و إن شاء ساقهم إلى النّار بذنوبهم
........
الشرح
و لم يظلمهم»، و هذه مثل السّابقة في الدّلالة، و منها: ما في الكافي في باب الضّال عن هاشم صاحب البريد قال: «كنت أنا و محمد بن مسلم و أبو الخطّاب مجتمعين فقال أبو الخطّاب ما تقولون فيمن لم يعرف هذا الأمر، فقلت: من لم يعرف هذا الأمر فهو كافر، فقال أبو الخطّاب ليس بكافر حتّى يقوم عليه الحجّة، فإذا قامت عليه الحجّة و لم يعرف فهو كافر، فقال: له محمّد بن مسلم سبحان اللّه ما له إذا لم يعرف و لم يجحد يكفر ليس بكافر إذا لم يجحد، قال: فلمّا حججت دخلت على أبي عبد اللّه عليه السلام، فأخبرته بذلك، فقال: إنّك قد حضرت دعابا، و لكن موعدكم اللّيلة عند الجمرة الوسطى بمنى، فلمّا كانت اللّيلة اجتمعنا عنده و أبو الخطّاب و محمد بن مسلم فتناول و سادة، فوضعها في خدره، فقال: أمّا ما تقولون في خدمكم و نسائكم و أهلكم أ ليس يشهدون أن لا إله إلاّ اللّه، قلت: بلى قال: أ ليس يصلّون و يصومون و يحجّون، قلت: بلى، قال: و يعرفون ما أنتم عليه، قلت: لا، قال: فما هم عندكم، قلت: من لم يعرف هذا الأمر فهو كافر، قال سبحان اللّه أمّا رأيت أهل الطريق و أهل الماء، قلت: بلى، قال: أ ليس يصلّون و يصومون و يحجّون أ ليس يشهدون أن لا إله إلاّ اللّه و أنّ محمّدا صلى اللّه عليه و آله رسول اللّه، قلت: بلى، قال: أ يعرفون ما أنتم عليه، قلت: لا، قال: فما هم عندكم، قلت: من لم يعرف فهو كافر، قال: سبحان اللّه أ ما رأيت الكعبة و أهل اليمن و تعلّقهم بأستار الكعبة، قلت: بلى، قال عليه السلام أ ليس يشهدون أن لا إله إلاّ اللّه و أنّ محمّدا رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله، و يصلّون و يصومون و يحجّون، قلت: بلى، قال: فيعرفون ما أنتم عليه، قلت: لا، قال: فما تقولون فيهم، قلت: من لم يعرف فهو كافر، قال سبحان اللّه هذا قول الخوارج، ثمّ قال إن شئتم أخبرتكم، فقلت: بلى، فقال: أمّا إنّه شرّ عليكم أن تقولوا بشيء ما لم تسمعوه منّا، قال: فظننت أنّه يريد ما على قول محمّد بن مسلم» الحديث، و لعلّ
........
الشرح
المراد من ذيله أنّه ظنّ من قول الإمام أخيرا إرادة قول محمد بن مسلم حيث حكم بكفر من لم يعرف مع عدم سماعه من الإمام عليه السلام، و هذه تدلّ على ثبوت الواسطة بين المؤمن بالمعنى الأخصّ و الكافر.
و منها: ما رواه في الكافي أيضا عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام في حديث طويل إلى أن قال في مقام جواز التّزويج: «و لكن العوائق اللّواتي لا ينصبن كفرا، و لا يعرفن ما تعرفون، قال: زرارة قلت: و هل تعدو أن تكون مؤمنة أو كافرة، فقال تصوم و تصلّي و تتقي اللّه و لا تدري ما أمركم، فقلت: قد قال اللّه عزّ و جلّ: هُوَ اَلَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كٰافِرٌ وَ مِنْكُمْ مُؤْمِنٌ، لا و اللّه لا يكون أحد من النّاس ليس بمؤمن و لا كافر، قال: فقال: أبو جعفر عليه السلام قول اللّه أصدق من قولك يا زرارة أ رأيت قول اللّه عزّ و جلّ: خَلَطُوا عَمَلاً صٰالِحاً وَ آخَرَ سَيِّئاً عَسَى اَللّٰهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ، فلمّا قال: عسى، فقلت: ما هم إلاّ بمؤمنين أو كافرين، قال: فقال: عليه السلام فما تقول في قول اللّه عزّ و جلّ: إِلاَّ اَلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ اَلرِّجٰالِ وَ اَلنِّسٰاءِ وَ اَلْوِلْدٰانِ لاٰ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَ لاٰ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً إلى الإيمان، فقلت: ما هم إلاّ بمؤمنين أو كافرين، فقال: و اللّه ما هم بمؤمنين و لا كافرين، ثمّ أقبل علي، فقال: ما تقول في أصحاب الأعراف، فقلت ما هم إلاّ مؤمنين أو كافرين إن دخلوا الجنّة فهم مؤمنون و إن دخلوا النّار فهم كافرون، فقال: و اللّه ما هم بمؤمنين و لا كافرين» الحديث.
و هذه الرّواية كما ترى تدلّ على الواسطتين صدرا و ذيلا، و منها ما رواه في الكافي أيضا في باب المستضعف عن عمر بن أبان قال: «سألت أبا عبد اللّه عليه السلام عن المستضعفين فقال عليه السلام: هم أهل الولاية، فقلت: أيّ ولاية، فقال:
أمّا إنّها ليست بالولاية في الدّين، و لكنّها الولاية في المناكحة و الموارثة و المخالطة، و هم ليسوا بالمؤمنين و ليسوا بالكفّار، و منهم المرجون لأمر اللّه عزّ و جلّ» إلى غير ذلك من الأخبار.
........
الشرح
ثمّ إنّ الواسطة بين الإيمان بالمعنى الأعم و هو الإسلام و الكفر لا يترتّب عليه حكم كلّ من الكافر و المسلم فمثل النّجاسة لا يترتّب عليه، بل يحكم بطهارته، لأنّ النّجاسة من أحكام الكفر كما أنّ جواز النّكاح و التّوارث من أحكام الإسلام و هل يحكم بصحّة عباداته أم لا وجهان أوجههما الثّاني، لأنّ ظاهرهم اعتبار الإسلام في صحّة العبادات لا مانعيّة الكفر نعم لا يجوز استرقاقه قطعا، لأنّه من أحكام الكفر، كما أنّه يحكم بسقوط القضاء عنه بعد الإسلام فإنّه من أحكامه.
و بالجملة لا بدّ من تشخيص كون الحكم مترتّبا على الكفر أو الإسلام و هو بنظر الفقيه، و أمّا الواسطة بين المؤمن بالمعنى الأخصّ و الكافر فيجري عليه حكم المسلم القائل بالإيمان الأخصّ و لا يترتّب عليه حكم كلّ من الكافر و المؤمن فمثل حقن الدّماء و الميراث و جواز النّكاح فيما كانت الواسطة امرأة و أراد المؤمن نكاحها يترتّب عليه، و أمّا نكاحها المؤمنة و نحوه ممّا رتّب في الشّرع على الإيمان بالمعنى الأخصّ، فلا يترتّب عليه و يدلّ على ما ذكرنا الأخبار السّابقة و كثير من الأخبار الأخر، منها ما رواه في الكافي في باب أنّ الإيمان يشرك الإسلام و الإسلام لا يشرك الإيمان عن حمزة بن أعين عن أبي جعفر عليه السلام قال: «سمعته يقول الإيمان ما استقرّ في القلب و أفضى به إلى اللّه عزّ و جلّ، و صدقه العمل بالطّاعة للّه و التّسليم لأمره، و الإسلام ما ظهر من قول أو فعل و هو الّذي عليه جماعة النّاس كلّها و به حقنت الدّماء، و عليه جرت المواريث و جاز النّكاح و اجتمعوا على الصّلاة و الزّكاة و الصّوم و الحجّ و خرجوا بذلك عن الكفر و اطلعوا إلى الإيمان، و الإسلام لا يشرك الإيمان، و الإيمان يشرك الإسلام، و هما في الفعل و القول يجتمعان كما صارت الكعبة في المسجد و المسجد ليس في الكعبة، و كذلك الإيمان يشرك الإسلام و الإسلام لا يشرك الإيمان و قد قال اللّه عزّ و جلّ: قٰالَتِ اَلْأَعْرٰابُ آمَنّٰا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَ لٰكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنٰا وَ لَمّٰا يَدْخُلِ اَلْإِيمٰانُ فِي
........
الشرح
قُلُوبِكُمْ، فقول اللّه عزّ و جلّ أصدق القول، قلت: فهل للمؤمن فضل على المسلم في شيء من الفضائل و الأحكام و الحدود و غير ذلك، فقال: لا هما يجريان في ذلك مجرى واحد، و لكن للمؤمن فضل على المسلم في أعمالهما و ما يتقرّبان به إلى اللّه عزّ و جلّ، قلت: أ ليس اللّه عزّ و جل: مَنْ جٰاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثٰالِهٰا، و زعمت أنّهم مجتمعون على الصّلاة و الزّكاة و الصّوم و الحجّ مع المؤمن، قال: أ ليس قد قال اللّه عزّ و جلّ فَيُضٰاعِفَهُ لَهُ أَضْعٰافاً كَثِيرَةً فالمؤمنون هم الّذين يضاعف اللّه عزّ و جل: حسناتهم لكلّ حسنة سبعين ضعفا، فهذا فضل المؤمن و يزيده اللّه في حسناته على قدر صحّة إيمانه أضعافا كثيرة و يفعل بالمؤمنين ما يشاء من الخير، قلت: أ رأيت من دخل في الإسلام ليس هو داخلا في الإيمان، قال: لا، و لكنّه قد أضيف إلى الإيمان و خرج عن الكفر، و سأضرب لك مثلا تعقل به فضل الإيمان على الإسلام أ رأيت لو أبصرت رجلا في المسجد أ كنت تشهد أنّك رأيته في الكعبة، قلت: لا يجوز لي ذلك، قال: فلو أبصرت رجلا في الكعبة أ كنت شاهدا أنّه قد دخل المسجد الحرام، قلت: نعم، قال: و كيف ذلك، قلت: لا يصل إلى دخول الكعبة حتّى يدخل المسجد، قال: أصبحت و أحسنت، ثمّ قال: كذلك الإيمان و الإسلام».
و بمضمونه جملة من الرّوايات و ظاهره و إن كان ترتّب الثّواب على أعمال جميع الفرق من المسلمين، إلاّ أنّه مطلب آخر لا دخل له بما كنا نحن في صدد بيانه مع كونه معارضا بأظهر منه يدلّ على إناطة الثّواب بالإيمان بالمعنى الأخصّ مثل ما رواه في الكافي في باب دعائم الإسلام عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال زرارة قال أبو جعفر عليه السلام: «ذروة الأمر و سنامه و مفتاحه و باب الأشياء و رضى الرّحمن الطّاعة للإمام عليه السلام بعد معرفة أنّ اللّه عزّ و جل يقول: مَنْ يُطِعِ اَلرَّسُولَ فَقَدْ أَطٰاعَ اَللّٰهَ وَ مَنْ تَوَلّٰى فَمٰا أَرْسَلْنٰاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً، أما لو أنّ رجلا قام ليله و صام نهاره و تصدّق بجميع ماله و حجّ جميع دهره و لم يعرف
و غير المؤمن كافر و ظاهر ما دل من الكتاب و السنة على حصر المكلف في المؤمن و الكافر و من تقييد كفر الشاك في غير واحد من الأخبار بالجحود، فلا يشمل ما نحن فيه و دلالة الأخبار المستفيضة على ثبوت الواسطة بين الكفر و الإيمان، و قد أطلق عليه في الأخبار الضلال لكن أكثر الأخبار الدالة على الواسطة مختصة بالإيمان بالمعنى الأخص فيدل على أن من المسلمين
الشرح
ولاية وليّ اللّه فيواليه و يكون جميع أعماله بدلالته إليه ما كان له على اللّه حقّ في ثوابه، و لا كان من أهل الإيمان، ثمّ قال: و أولئك المحسن منهم يدخل اللّه الجنّة بفضل رحمته» و مثله ما رواه في الكافي بعد باب دعائم الإسلام عن القاسم بن الصيرفي قال سمعت أبا عبد اللّه عليه السلام يقول: «الإسلام يحقن به الدّم و تؤدى به الأمانة و يستحلّ به الفروج و الثّواب على الإيمان» إلى غير ذلك من الأخبار الدّالة على ذلك، و إن كان هناك أخبار أخر تدلّ على استحقاق غير المستبصر الثّواب على الإطاعة و كون الثّواب للمؤمن من حيث إنّ اختلاط طينته بطينة المؤمن أوجب اختيار الطّاعة، كما أنّ اختلاط طينته بطينة غيره أوجب المعصية فثوابه يعود إلى المؤمن كما أنّ عقابه يعود إليه و كيف كان لتحقيق المسألة محلّ آخر لا دخل لها حقيقة بمسائل الفقه و لا بأصول الفقه.
نعم هنا كلام آخر و هو أنّه على القول بعدم الثّواب على عباداتهم كما هو الأظهر فهل هو من جهة كون الإيمان بالمعنى الأخصّ شرطا في صحّة العبادة كما أنّ الإسلام شرط فيها إجماعا أو من جهة حبطها و لا ينافي الوجه الأوّل حكمهم بأنّه إذا استبصر المخالف لا يجب عليه قضاء العبادات البدنيّة إذا فرض إيقاعها على طبق مذهبه الباطل، فإنّه حكم تعبّدي و إلاّ فربما يكون ما أوقعه على طبق مذهبه باطلا عندنا و مخالفا للواقع يقينا، فكيف يمكن الحكم بصحّته بمقتضى القواعد و لتحقيق هذا المطلب أيضا محلّ آخر، لأنّ شرح القول فيه ينافي وضع التّعليقة.
من ليس بمؤمن و لا بكافر لا على ثبوت الواسطة بين الإسلام و الكفر، نعم بعضها قد يظهر منه ذلك و حينئذ فالشاك في شيء مما يعتبر في الإيمان بالمعنى الأخص ليس بمؤمن و لا كافر، فلا يجري عليه أحكام الإيمان.
و أمّا الشاك في شيء مما يعتبر في الإسلام بالمعنى الأعم كالنبوة و المعاد فإن اكتفينا في الإسلام بظاهر الشهادتين (1) و عدم الإنكار ظاهرا و إن لم يعتقد باطنا فهو مسلم و إن اعتبرنا في الإسلام الشهادتين مع احتمال الاعتقاد على طبقهما حتى يكون الشهادتان أمارة على الاعتقاد الباطني، فلا إشكال في عدم إسلام الشاك لو علم منه الشك، فلا يجري عليه أحكام المسلمين من جواز المناكحة و التوارث و غيرهما و هل يحكم بكفره و نجاسته حينئذ فيه إشكال من تقييد كفر الشاك في غير واحد من الأخبار بالجحود، هذا كله في الظان بالحق و أما الظان بالباطل فالظاهر كفره.
بقي الكلام في أنّه إذا لم يكتف بالظن و حصل الجزم من تقليد فهل يكفي ذلك أو لا بدّ من النظر و الاستدلال ظاهر الأكثر الثاني، بل ادعى عليه
الشرح
(1) ظاهر بعض الأخبار المتقدّمة و إن كان كفاية مجرّد الإقرار في الإسلام بل ظاهر جملة من الأخبار، بل الكتاب العزيز الاكتفاء به مع العلم بعدم الاعتقاد باطنا لكنّ الأظهر كما يقتضيه جملة من النّصوص كون كفاية الإقرار من حيث كشفه عن الاعتقاد و لا ينافي ذلك كون مقتضى المصلحة ترتيب أحكام الإسلام في صدر الإسلام على المنافق فضلا عن الشّاك على ما عرفت الإشارة إليه سابقا، ثمّ على التّقدير الثّاني، لا فرق في الحكم بعدم إسلامه بين كونه ظانّا بالحقّ أو بالباطل، كما أنّه لا فرق في الحكم بكفره على تقدير عدم الواسطة و الحكم بعدمه على تقدير الواسطة بين القسمين من الظان، فالفرق الّذي استظهره قدس سره في الكتاب بقوله: أمّا الظّان بالباطل، فالظّاهر كفره محلّ مناقشة فافهم.
العلامة قدس سره في الباب الحادي عشر الإجماع حيث قال: «أجمع العلماء على وجوب معرفة اللّه و صفاته الثبوتية و ما يصح عليه و ما يمتنع عنه و النبوة و الإمامة و المعاد بالدليل لا بالتقليد»(1)، فإن صريحه أن المعرفة بالتقليد غير كافية، و مثلها عبارة الشهيد الأول و المحقق الثاني، و أصرح منهما عبارة المحقق في المعارج حيث استدل على بطلان التقليد: «بأنّه جزم في غير محله».
لكن مقتضى استدلال العضدي على منع التقليد بالإجماع على وجوب معرفة اللّه، و أنّها لا تحصل بالتقليد هو أن الكلام في التقليد الغير المفيد للمعرفة.
و هو الذي يقتضيه أيضا ما ذكره شيخنا في العدة كما سيجيء كلامه و كلام الشهيد في القواعد من: «عدم جواز التقليد في العقليات و لا في الأصول الضرورية من السمعيات و لا في غيرها مما لا يتعلق به عمل و يكون المطلوب فيها العلم كالتفاضل بين الأنبياء السابقة»، و يعضده أيضا ظاهر ما عن شيخنا البهائي في حاشية الزبدة من: «أن النزاع في جواز التقليد و عدمه يرجع إلى النزاع في كفاية الظن و عدمها».
و يؤيده أيضا اقتران التقليد في الأصول في كلماتهم بالتقليد في الفروع حيث يذكرون في أركان الفتوى أن المستفتى فيه هي الفروع دون الأصول.
لكن الظاهر عدم المقابلة التامة بين التقليدين، إذ لا يعتبر في التقليد في الفروع حصول الظن، فيعمل المقلد مع كونه شاكا، و هذا غير معقول في أصول الدين التي يطلب فيها الاعتقاد حتى يجري فيه الخلاف.
و كذا ليس المراد من كفاية التقليد هنا كفايته عن الواقع مخالفا كان في
1) النافع يوم الحشر في الباب الحادي عشر، ص 4.
الواقع أو موافقا كما في الفروع، بل المراد كفاية التقليد في الحق و سقوط النظر به عنه، إلاّ أن يكتفى فيها بمجرد التدين ظاهرا و إن لم يعتقد لكنه بعيد.
ثمّ إنّ ظاهر كلام الحاجبي و العضدي اختصاص الخلاف بالمسائل العقلية.
و هو في محله بناء على ما استظهرنا منهم (1) من عدم حصول الجزم من التقليد، لأنّ الذي لا يفيد الجزم من التقليد إنما هو في العقليات المبتنية على الاستدلالات العقلية، و أمّا النقليات فالاعتماد فيها على قول المقلد كالاعتماد على قول المخبر الذي قد يفيد الجزم بصدقه بواسطة القرائن و في الحقيقة يخرج هذا عن التقليد.
و كيف كان فالأقوى كفاية الجزم الحاصل من التقليد لعدم الدليل على اعتبار الزائد على المعرفة و التصديق و الاعتقاد، و تقييدها بطريق خاص لا دليل عليه.
مع أنّ الإنصاف: أن النظر و الاستدلال بالبراهين (2) العقلية للشخص
الشرح
(1) قد يناقش فيما أفاده بأنّ منشأ حصول القطع إذا كان حسن الظّن بالمقلّد بالفتح مع انضمام الأمارات و القرائن الخارجة لم يفرق بين المسائل العقليّة المحضة و غيرها ممّا يكون المرجع فيها النّقل.
(2) كلامه قدس سره في المتمكّن من تحصيل العلم محمول على ما يشمل حصول العلم من التّقليد، فلا يتوجّه عليه كون مقتضى الإنصاف خروجه عن محلّ الكلام فإنّ البحث في المتمكّن عن تحصيل العلم، كما أنّ مراده فيما ذكره بيان ما هو الغالب، و إلاّ فبعض المسائل مبنيّ على براهين واضحة، لا يوجب النّظر و الاستدلال الوقوع في الشّبهة و الضّلالة كيف و إنّ اللّه عزّ و جل أرشد المكلّفين
........
الشرح
في كتابه العزيز إلى التمسّك بالآيات الباهرات و البراهين الواضحات على وجوده و وحدته و حكمته و غير ذلك من صفاته مع أنّ البرهان و الدّليل الإجمالي على جملة من الأمور ممّا هو مركون في النّفوس و من فطريّاتها، نعم الأمر في كثير من المسائل المشكلة ممّا يحتاج في إقامة البرهان عليها على تعلّمها من الحكمة الإلهيّة أو الطّبيعيّة كما ذكره قدس سره،
و بالجملة لا إشكال في اختلاف المسائل و الأشخاص فيما أفاده، و ليس مراده الكليّة بل المراد بيان القضيّة الغالبيّة بالنّسبة إلى ما يحتاج إلى الاكتساب، و أمّا ما يكون من قبيل القضايا الّتي قياساتها معها فهو خارج عن محلّ كلامه، لأنّ حصول العلم من البرهان الإجمالي للمتفطّن بالنّسبة إليه ضروريّ فكيف يعتمد على قول الغير في حصول الجزم، ثمّ إنّه لا ينافي ما استقربه قدس سره وفاقا لمن ذكره في كفاية الجزم الحاصل من التّقليد و هو الحقّ الّذي لا محيص عنه عند التّأمّل الآيات النّاهية عن التّقليد و إن كانت واردة في الأصول، ضرورة كون المراد من التّقليد فيها هو الّذي لا يفيد الجزم، كما أنّه لا ينافي ما أمر فيها بالنّظر و الاستدلال من الآيات و الأخبار مثل قوله عليه السلام: «عليكم بدين العجائز»، فإنّ الأمر بالنّظر و الاستدلال إنّما هو من جهة عدم حصول المعرفة و العلم بالتّقليد غالبا، لا من جهة عدم كفاية العلم بالحقّ الحاصل من غيره فهو إرجاع إلى ما يتيسّر غالبا سيّما بالنّسبة إلى وجود الصّانع للعالم الّذي دلّ عليه تمام ما في الآفاق و الأنفس و يكون حصول العلم به ضروريّا إن لم يكن فطريّا بل التّحقيق كونه أظهر الظّواهر.
و من هنا دلّ على ذاته بذاته و به عرفناه فكيف يرجع فيه إلى التّقليد أو يلتمس البرهان الفلسفي و على ما ذكرنا يحمل منعهم عن التّقليد في الأصول مضافا إلى قرائن مذكورة في الكتاب و دعوى كون المطلوب في العقائد اليقين، و لا يمكن حصوله من
المتفطن لوجوب النظر في الأصول لا يفيد بنفسه الجزم لكثرة الشبه الحادثة في النفس و المدونة في الكتب، حتى أنهم ذكروا شبها يصعب الجواب عنها للمحققين الصارفين لأعمارهم في فن الكلام، فكيف حال المشتغل به مقدارا من الزمان لأجل تصحيح عقائده ليشتغل بعد ذلك بأمور معاشه و معاده خصوصا و الشيطان يغتنم الفرصة لإلقاء الشبهات و التشكيك في البديهيات، و قد شاهدنا جماعة قد صرفوا أعمارهم و لم يحصلوا منها شيئا إلاّ القليل.
و الكلام فيه تارة في تحقق موضوعه في الخارج، و أخرى في أنه يجب عليه مع اليأس من العلم تحصيل الظن أم لا، و ثالثة في حكمه الوضعي قبل الظن و بعده.
أمّا الأول: فقد يقال فيه بعدم وجود العاجز (1) نظرا إلى العمومات الدالة
الشرح
التّقليد نظرا إلى زوال الجزم الحاصل منه بتشكيك المشكّك فاسدة.
أوّلا: بعدم الدّليل على اعتبار غير الجزم و الاعتقاد و المعرفة في العقائد، و لا شبهة في حصول هذه العنوانات بالتّقليد كما تحصل بالنّظر و الاستدلال.
و ثانيا: بأنّ زوال الجزم بالتّشكيك مشترك الورود، إذ كثيرا ما يزول الجزم الحاصل من النّظر أيضا.
(1) و قد يستدلّ على ذلك مضافا إلى ما في الكتاب بوجوه:
أحدها: قوله تبارك و تعالى: وَ اَلَّذِينَ جٰاهَدُوا فِينٰا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنٰا، فإنّ مقتضاه كون كلّ من لم يعرف الحق مقصّرا من حيث تركه المجاهدة، و إلاّ كان مهديا إلى الحقّ و واصلا إليه بمقتضى الآية.
ثانيها: حكم العقل بذلك بعد عرفان كون الغرض من الخلق المعرفة و لو
........
الشرح
بملاحظة قوله تبارك و تعالى: وَ مٰا خَلَقْتُ اَلْجِنَّ وَ اَلْإِنْسَ إِلاّٰ لِيَعْبُدُونِ، أي ليعرفون كما هو مقتضى التّفسير و الحديث القدسي كنت كنزا مخفيّا، فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لكي أعرف، فلو كان بعض المكلّفين قاصرا و عاجزا عن المعرفة لزم كون خلقته عبثا و لغوا.
ثالثها: قوله تعالى: فِطْرَتَ اَللّٰهِ اَلَّتِي فَطَرَ اَلنّٰاسَ عَلَيْهٰا، و مثله قوله عليه السلام:
«كلّ مولود يولد على الفطرة إلاّ أنّ أبواه يهوّدانه و ينصّرانه و يمجّسانه»، فإنّ مقتضاهما كون معرفة اللّه عزّ و جل و أوليائه من الودائع الرّبانيّة و الإلهامات الإلهيّة في النّفوس البشريّة، لا تزول عنها إلاّ بصارف قويّ، فإذا فرض كون المعرفة مكنونة في النّفوس بحسب التّكوين الإلهي فكيف يفرض العجز عنها.
هذا و الجواب عن الأوّل ظاهر إذا المفروض كون العاجز عاجزا عن المجاهدة بل ربما يكون غافلا صرفا فكيف يتصوّر في حقّه المجاهدة و الهداية في الآية مترتّبة على المجاهدة، و أمّا عن الثّاني فبأنّ المراد بيان الغرض من خلق نوعي الجنّ و البشر و أنّه لتكميل النّفوس بمعرفة باريهم و خالقهم، حتّى يترتّب عليها التّشبّه به بكسب الأخلاق الحميدة و الأعمال المحمودة، و لا ينافي ذلك عجز بعض الأشخاص، و إلاّ لزم عدم وجود المجنون في العالم، أو عدم موت أحد في صغره للزوم العبث في الخلق كما توهّم و منه يظهر المراد من الحديث الشّريف أيضا، فإنّ ترتب المعرفة على الخلق المتعلّق لإرادة اللّه عزّ و جلّ لا يلازم عدم وجود العاجز، و أمّا عن الثّالث فبأنّ المراد من الآية و الرّواية كون آيات المعرفة موجودة في الأنفس، كما أنّها موجودة في الآفاق و لا ينافي ذلك عروض الحجاب عن النّظر إليها و التّأمّل فيها بقصر قاصر و لو بالاكتساب القهري عن الآباء و الأمّهات فافهم.
و الإنصاف وجود العاجز كما نشاهد بالوجدان مضافا إلى ما ورد في حقّ
على حصر الناس في المؤمن و الكافر مع ما دلّ على خلود الكافرين بأجمعهم في النار بضميمة حكم العقل بقبح عقاب الجاهل القاصر، فيكشف ذلك عن تقصير كل غير مؤمن و أن من تراه قاصرا عاجزا عن العلم قد تمكن من تحصيل العلم بالحق و لو في زمان ما و إن صار عاجزا قبل ذلك أو بعده و العقل لا يقبح عقاب مثل هذا الشخص، و لهذا ادعى غير واحد في مسألة التخطئة و التصويب الإجماع على أن المخطئ في العقائد غير معذور.
لكن الذي يقتضيه الإنصاف شهادة الوجدان بقصور بعض المكلفين و قد تقدم عن الكليني ما يشير إلى ذلك، و سيجيء من الشيخ قدس سره في العدة:
«من كون العاجز عن التحصيل بمنزلة البهائم»، هذا مع ورود الأخبار المستفيضة بثبوت الواسطة بين المؤمن و الكافر و قضية مناظرة زرارة و غيره مع الإمام عليه السلام في ذلك مذكورة في الكافي، و مورد الإجماع على أن المخطئ آثم هو المجتهد الباذل جهده بزعمه، فلا ينافي كون الغافل و الملتفت العاجز عن بذل الجهد معذورا غير آثم.
و أمّا الثاني: فالظاهر فيه عدم وجوب تحصيل الظن عليه، لأنّ المفروض عجزه عن الإيمان و التصديق المأمور به و لا دليل آخر على عدم جواز الوقف، و ليس المقام من قبيل الفروع في وجوب العمل بالظن مع تعذر العلم، لأنّ المقصود فيها العمل، و لا معنى للتوقف فيه لا بد عند انسداد باب العلم من العمل على طبق أصل أو ظن و المقصود فيما نحن فيه الاعتقاد، فإذا عجز عنه، فلا دليل على وجوب تحصيل الظن الذي لا يغني عن الحق شيئا
الشرح
المستضعف و إلى الأخبار الدّالة على ثبوت الواسطة ممّا عرفت جملة منها سيّما ما عرفته في قضيّة مناظرة الإمام عليه السلام مع زرارة و غيرها كما ذكره قدس سره في الكتاب.
فيندرج في عموم: «قولهم عليهم السلام: إذا جاءكم ما لا تعلمون فها»(1).
نعم لو رجع الجاهل بحكم هذه المسألة إلى العالم (1) و رأى العالم منه
الشرح
(1) قد يناقش فيما أفاده قدس سره بأنّ تكليف العالم بعد رجوع الجاهل إليه فيما يجب عليه البيان، و الدّلالة و الإرشاد هو بيان ما استفاده من الأدلّة في حكم الموضوعات و أدّى إليه نظره الاجتهادي القطعي أو الظّني فيما كان الظّن حجّة، فإذا استفاد من الأدلّة العقليّة و النّقليّة عدم حجيّة الظّن في المقام و كون الاعتقاد الظّني كالشّك، و أنّه يحرم الالتزام بمقتضاه نظرا إلى كون التّدين الظّاهري في العقائد من آثار العلم، لا المعلوم و لا الاعتقاد بالمعنى الأعمّ، فكيف يجوز له تجويز الجاهل العمل بالظّن و تحصيله فضلا عن أن يجب على العالم إلزامه بتحصيل الظّن.
و ما يقال في دفع المناقشة أنّ وجوب إلزامه بتحصيل الظّن إنّما هو من جهة حكم عقله بلزومه إذا احتمل قيامه مقام الاعتقاد العلمي من باب الإرشاد و إزالة الخوف الحاصل للنّفس من جهة احتمال تعيين الظّن في حقّه، و لا ينافي ذلك كون حكم الظّن في الواقع و في نفس الأمر عدم الحجيّة، أ لا ترى أنّهم اختلفوا في وجوب تقليد الأعلم و الأورع أو جواز البقاء على تقليد الميّت مع اتّفاقهم على وجوب رجوع العامي الجاهل بحكم المسألتين إلى الحيّ الأعلم من جهة حكم عقله بذلك من حيث كونه متيقّن الاعتبار و غيره مشكوك الاعتبار فالحيثيّتان مختلفتان، فإذا دار أمر الجاهل في المقام بين البقاء على الشّك و تحصيل الظّن و احتمل تعيين الثّاني و لو من جهة ذهاب بعض إليه، فلا محالة يحكم عقله بلزوم تحصيل الظّن من باب الاحتياط، فيجب على العالم من باب الإرشاد إلزامه بتحصيل الظّن بهذه الملاحظة و الحيثيّة و إن كان الحكم الإلهيّ الواقعي في الموضوع المذكور هو عدم حجيّة الظّن و حرمة العمل به في نفس الأمر فاسد جدّا.
1) الكافي، ج 1، ص 57.
........
الشرح
أمّا أوّلا: فلأنّ حكم العقل المذكور إنّما يتبع احتمال تعيين سلوك الطّريق الظّني إذا لم يحتمل حرمته كما في تقليد الحيّ الأعلم، و إلاّ فأمره دائر بين المحذورين.
و أمّا ثانيا: فلمنافاة ما ذكره لما اتّفق عليه الكلّ من استقلال العقل بعدم حجيّة ما شكّ في اعتباره و أنّه يجب التّوقف فيه.
و أمّا ثالثا: فلأنّ الّذي يحكم به عقل الجاهل بالمسألة المفروضة سواء احتمل كون تحصيل الظّن واجبا شرطيّا و معتبرا في الإيمان أو واجبا نفسيّا مستقلا الرّجوع إلى العالم ليس إلاّ من حيث كون الشّبهة حكميّة و اللاّزم على العالم بيان الحكم الإلهيّ، الّذي أدّى إليه نظره و استنبطه من الأدلّة، فإذا فرض أداء نظره إلى عدم حجيّة الظّن و حرمة التّدين به في العقائد مطلقا حتّى في حقّ الغير المتمكّن من العلم كما هو المفروض، فكيف يصير الواجب في حقّه إلزامه بتحصيل ما ليس حجّة في حقّه في نظره فالقياس في غير محلّه فتدبّر.
و لنختم الكلام فيما يتعلّق بالمقام بذكر أمرين:
الأوّل: أنّك قد عرفت في طيّ ما قدّمنا لك أنّ مقتضى الأخبار المتقدّمة في تفسير الإيمان، و تحديد المقدار الواجب منه أنّ معرفة التّفاصيل غير واجبة على من يتمكن منها بحسب تكليف نفسه عينا من حيث توقّف الإيمان عليها أو وجوبها بالاستقلال، فهل يجب بالوجوب الكفائي من حيث حفظ نوع ما ورد في الشّرع و ثبت فيه مضافا إلى كونه أداء الحقّ أولياء النّعم الظّاهريّة و الباطنيّة و الوسائط الخلقيّة و العلل الغائية، و ربّما يحتاج إليها لردع المبطل لها و الزّاعم خلاف الحقّ فيها هذا بالنّسبة إلى غير صفات الباري تعالى من صفات حججه عليه السلام أو الأمور الدّينيّة الاعتقاديّة الثّابتة من جهتهم و بياناتهم، و أمّا بالنّسبة إلى صفاته عزّ و جلّ من أن يوصف بصفات المخلوقين فالأمر أوضح، و من هنا قيل
التمكن من تحصيل الظن بالحق و لم يخف عليه إفضاء نظره الظني إلى الباطل، فلا يبعد وجوب إلزامه بالتحصيل، لأنّ انكشاف الحق و لو ظنا أولى من البقاء على الشك فيه.
الشرح
بوجوب تحصيل علم الكلام لحفظه عن الاندراس و ليس ذلك بأدون من تحصيل الأحكام الغير الإلزاميّة في فروع الدّيانات من حيث لزوم حفظ أحكام الشّرع عن الاندراس و إن لم يحتج إليها غالب المكلّفين أو لا يجب وجهان أوجههما في النّظر عاجلا الأوّل و لا ينافي ذلك ما قدّمنا أصلا كما لا يخفى.
الثّاني: أنّه كما لا إشكال في مطلوبيّة معرفة التّفاصيل بحسب الإمكان في حقّ كلّ من يقدر عليها بقدر ميسوره و مقدوره من حيث اختلاف مراتب الإيمان، فيختلف بحسب الآثار و العقل و اللّوازم الأخرويّة على ما نبّهنا عليه سابقا كذلك لا إشكال في مطلوبيّة تكميل المرتبة الخاصّة من المعرفة الحاصلة للمكلّف بحسب مقدوره من حيث اختلاف مرتبة المعرفة شدّة و ضعفا، و من هنا سأل الخليل على نبيّنا و آله و عليه الصّلاة و السّلام و على سائر أنبيائه و رسله شهود إحياء الموتى مع يقينه بالبعث و المعاد حتّى يحصل له مرتبة الاطمئنان و كمال اليقين، و من هنا ورد ترجيح تفكّر ساعة على عبادة سبعين سنة و ترجيح مقام الأئمّة عليهم السلام على مقامات الأنبياء و الأولياء، حتّى الخليل و تفضيلهم عليهم لحصول كمال المعرفة المقدور لهم صلوات اللّه عليهم، و لذا قال مولانا و مولى العالمين أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه و على أخيه و زوجته و أولاده الطاهرين: «لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا» فهم أفضل من جميع الأنبياء و المرسلين، حتّى أولي العزم منهم غير خاتم النّبيّين صلوات اللّه عليهم من حيث الصّفة المذكورة كما فضّلوا عليهم بسائر الصّفات النّفسانيّة و الأخلاق الرّبانيّة الرّوحانيّة، و من هنا كانوا عللا لوجود جميع المخلوقات حتّى الأنبياء و الأولياء صلوات عليهم و السّابقون في الخلق في العوالم الرّوحانية و الملكوتيّة بما شاء اللّه تعالى.
و أمّا الثالث: فإنّ لم يقر في الظاهر بما هو مناط الإسلام، فالظاهر كفره و إن أقر به مع العلم بأنّه شاك باطنا فالظاهر عدم إسلامه بناء على أن الإقرار الظاهري مشروط باحتمال اعتقاده لما يقر به.
و في جريان حكم الكفر عليه حينئذ إشكال من إطلاق بعض الأخبار بكفر الشاك و من تقييده في غير واحد من الأخبار بالجحود.
مثل رواية محمد بن مسلم قال سأل أبو بصير أبا عبد اللّه عليه السلام قال:
«ما تقول فيمن شك في اللّه، قال: كافر يا أبا محمد، قال: فشك في رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله، قال: كافر، ثم التفت إلى زرارة، فقال: إنّما يكفر إذا جحد»(1)، و في رواية أخرى: «لو أن الناس إذا جهلوا وقفوا و لم يجحدوا لم يكفروا»(2).
ثم إن جحود الشاك يحتمل أن يراد به إظهار عدم الثبوت و إنكار التدين به لأجل عدم الثبوت، و يحتمل أن يراد به الإنكار الصوري على سبيل الجزم و على التقديرين، فظاهرها أن المقر ظاهرا الشاك باطنا الغير المظهر لشكه غير كافر.
و يؤيد هذا رواية زرارة الواردة في تفسير قوله تعالى: وَ آخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اَللّٰهِ(3)، عن أبي جعفر عليه السلام قال: «قوم كانوا مشركين فقتلوا مثل حمزة و جعفر و أشباههما من المؤمنين، ثمّ إنهم دخلوا الإسلام فوحدوا اللّه و تركوا الشرك و لم يعرفوا الإيمان بقلوبهم، فيكونوا مؤمنين، فيجب لهم الجنة و لم يكونوا على جحودهم، فيكفروا فيجب لهم النار فهم على تلك
الحالة، إمّا يعذبهم، و إمّا يتوب عليهم»(1)و قريب منها غيرها.
و لنختم الكلام بذكر كلام السيد الصدر (1) الشارح للوافية في أقسام
الشرح
(1) ما ذكره في شرح الوافية من أقسام المقلّد على تقدير القول بجواز التّقليد في العقائد و القول بعدمه مطابق لما حكاه قدس سره في الكتاب، إلاّ أنّ الأقسام تزيد على أربعة عشر على القول بعدم جواز التّقليد كما هو ظاهر، نعم ما حكاه شيخنا قدس سره في ذيل كلامه يخالفه في الجملة، فإنّه قال في الشّرح الثّامن:
«هذه الصّورة من غير عناد و لا إصرار بعدم العلم بالوجوب، فهذا كافر أيضا إن مات و لم يرجع من اعتقاده الباطل التّاسع هذه الصّورة من غير علم بالوجوب، و هذا أيضا كافر، و كذا العاشر يعني هذه الصّورة من غير عناد الحادي عشر المقلّد للباطل إن كان معاندا مع العلم و الإصرار، و الثّاني عشر بلا إصرار، و الثّالث عشر بلا علم، و الرّابع عشر بلا عناد و الحكم في الجميع يظهر ممّا» سبق انتهى كلامه رفع مقامه.
ثمّ إنّ المراد من القول بجواز التّقليد كما صرّح به شيخنا قدس سره فيما سبق في الكتاب في مقام الفرق بين التّقليد في الأصول و بينه في الفروع: «ليس ما يتراءى من ظاهره في بادئ النّظر، بل المراد أنّ المطلوب في العقائد الحقّة معرفتها و الوصول إليها من أيّ طريق كان فليس النّظر واجبا شرطيّا و لا نفسيّا في قبال القول بوجوبه على أحد الوجهين، فإذا كان المقلّد مخطئا لا يكون معذورا مع الالتفات و هذا بخلاف ما لو كان المكلّف مجتهدا في الأصول، فإنّه يكون معذورا على تقدير الخطاء في الآخرة، إلاّ إذا كان مقصّرا في المقدّمات، و هذا الّذي ذكرنا مع وضوحه قد صرّح به المحقّق الورع مولانا أحمد الأردبيلي قدس سره كما حكاه في الشّرح المذكور، فإنّه قال: و ظنّ أنّه يكفي في الأصول
1) الكافي، ج 2، ص 407.
........
الشرح
التّوصّل إلى المطلوب» انتهى كلامه قدس سره.
ثمّ إنّ ما أفاده شيخنا قدس سره في ردّ الشّارح في المقلّد للحقّ على القول بعدم جواز التّقليد بقوله أقول: (الحكم بإيمان هؤلاء لا يجامع فرض القول) إلخ في غاية الاستقامة، فإنّ ظاهره ذكر الأقسام للمقلّد على القول بعدم الجواز المستظهر من المشهور من كون النّظر واجبا شرطيّا و إن كانت كلماته مضطربة، فإنّ تمسّكه بالأصل لنفي وجوب النّظر قد يستظهر منه الوجوب النّفسي نظرا إلى عدم معنى للرجوع إلى أصالة البراءة، أو أصالة العدم في نفي الوجوب الشّرطي قال قدس سره بعد نقل ما عرفت من المحقق الأردبيلي طيّب اللّه رمسه ما هذا لفظه: «هاهنا ثلاث مقامات:
الأوّل: أنّه هل يجوز التّقليد في الأصول أو لا الحقّ، نعم لأنّ الأصل عدم الوجوب و لا صارف، إذ أدلّة وجوب النّظر مدخولة مثل قولهم ممّا لا يتمّ دفع الضّرر الّذي هو واجب، إلاّ به و كلّ ما لا يتمّ الواجب، إلاّ به فهو واجب أمّا تحقّق الضّرر، فإنّ من رأي عليه نعما متوافرة باطنة و ظاهرة مع علمه، ضرورة بأنّها من جانب الغير و رأى الاختلاف في وجود الصّانع و صفاته جوّز وجود منعم طلب منه معرفته و شكر تلك النّعم، فيحصل له خوف زوال النّعمة، بل حلول النّقمة بترك معرفته و شكره و الجواب أوّلا منع استلزام مجرّد التجويز الخوف، إلاّ مع اقترانه بدعوى مدّعي الرسالة المقرونة بالمعجزة و أمر المكلّف بالإصغاء إليه و النّظر إلى معجزته إذ حينئذ يحصل الخوف لاحتمال صدق المدّعي إلى أن قال.
و ثانيا: أنّ المدّعى عموم الوجوب للمكلّفين و الدّليل لا يفيده على تقدير تسليمه، لأنّ منهم من لا يحصل له الخوف حتّى يجب عليه عقلا دفعه كمن قلّد محقّا و جزم به، فإنّه بعده ما اعتقد تقليدا اعتقادا جازما أنّ له صانعا منعما،
المقلد في أصول الدين بناء على القول بجواز التقليد و أقسامه بناء على عدم جوازه قال: «إن أقسام المقلد على القول بجواز التقليد ستة، لأنّه إما أن يكون مقلدا في مسألة حقة أو في باطل و على التقديرين إمّا أن يكون جازما بها أو ظانا و على تقديري التقليد في الباطل إمّا أن يكون إصراره على التقليد مبتنيا على عناد و تعصب بأن حصل له طريق علم إلى الحق فما سلكه، و إمّا لا فهذه أقسام ستة.
فالأول: و هو من قلد في مسألة حقة جازما بها مثلا قلد في وجود الصانع و صفاته و عدله، فهذا مؤمن و استدل عليه بما تقدم حاصله من أن التصديق معتبر من أي طريق حصل إلى أن قال:
الثاني: من قلد في مسألة حقة ظانا بها من دون جزم فالظاهر إجراء حكم المسلم عليه في الظاهر إذ ليس حاله بأدون من حال المنافق سيما إذا كان طالبا للجزم مشغولا بتحصيله فمات قبل ذلك».
أقول: هذا مبني على أن الإسلام مجرد الإقرار الصوري و إن لم يحتمل مطابقته للاعتقاد و فيه ما عرفت من الإشكال و إن دل عليه غير واحد من الأخبار.
الثالث: من قلد في باطل مثل إنكار الصانع أو شيء مما يعتبر في الإيمان و جزم به من غير ظهور حق و لا عناد.
الرابع: من قلد في باطل و ظن به كذلك و الظاهر في هذين إلحاقهما بمن
الشرح
فشكره بموجب اعتقاده لقضاء ما يجب عليه، فكيف يحصل له الخوف و إن جوّز أن يكون اكتفاؤه بالتّقليد مذموما إلى آخر ما ذكره بطوله».
فإنّه كما ترى ينفي الوجوب الشّرطي للنّظر، فإنّ الوصول إلى الحقّ لا ينافي الوجوب النّفسي أصلا كما لا يخفى.
يقام عليه الحجة في يوم القيامة، و أمّا في الدنيا فيحكم عليهما بالكفر إن اعتقدا ما يوجبه و بالإسلام إن لم يكونا كذلك، فالأول كمن أنكر النبي صلى اللّه عليه و آله مثلا، و الثاني كمن أنكر إماما.
الخامس: من قلد في باطل جازما مع العناد.
السادس: من قلد في باطل ظانا كذلك و هذان يحكم بكفرهما مع ظهور الحق و الإصرار.
ثمّ ذكر أقسام المقلد على القول بعدم جواز التقليد، قال: «إنه إما أن يكون مقلدا في حق أو في باطل و على التقديرين مع الجزم أو الظن و على تقديري التقليد في الباطل بلا عناد، أو به و على التقادير كلها دل عقله على الوجوب أو بين له غيره و على الدلالة أصر على التقليد، أو رجع و لم يحصل له كمال الاستدلال بعد أو لا فهذه أقسام أربعة عشر:
الأول: التقليد في الحق جازما مع العلم بوجوب النظر و الإصرار فهذا مؤمن فاسق لإصراره على ترك الواجب»،
الثاني: هذه الصورة مع ترك الإصرار و الرجوع، فهذا مؤمن غير فاسق.
الثالث: المقلد في الحق الظان مع الإصرار، و الظاهر أنه مؤمن مرجي في الآخرة و فاسق للإصرار.
الرابع: هذه الصورة مع عدم الإصرار فهذا مسلم ظاهرا غير فاسق.
الخامس و السادس: المقلد في الحق جازما أو ظانا مع عدم العلم بوجوب الرجوع، فهذان كالسابق بلا فسق.
أقول: الحكم بإيمان هؤلاء لا يجامع فرض القول بعدم جواز التقليد، إلاّ أن يريد بهذا القول قول الشيخ قدس سره من وجوب النظر مستقلا، لكن ظاهره إرادة قول المشهور، فالأولى الحكم بعدم إيمانهم على المشهور كما
يقتضيه إطلاق معقد إجماع العلامة في أول الباب الحادي عشر، لأنّ الإيمان عندهم المعرفة الحاصلة عن الدليل لا التقليد.
ثم قال السابع: المقلد في الباطل جازما معاندا مع العلم بوجوب النظر و الإصرار عليه فهذا أشد الكافرين.
الثامن: هذه الصورة من غير عناد و لا إصرار فهذا أيضا كافر.
ثم ذكر الباقي، و قال إن حكمها يظهر مما سبق».
أقول مقتضى هذا القول الحكم بكفرهم، لأنّهم أولى به من السابقين.
بقي الكلام فيما نسب إلى الشيخ في العدة من القول بوجوب النظر مستقلا مع العفو فلا بدّ من نقل عبارة العدة فنقول: قال في باب التقليد بعد ما ذكر استمرار السيرة على التقليد في الفروع و الكلام في عدم جواز التقليد في الأصول مستدلا: «بأنه لا خلاف في أنّه يجب على العامي معرفة الصلاة و أعدادها و إذا كان لا يتم ذلك، إلاّ بعد معرفة اللّه و معرفة عدله و معرفة النبوة وجب أن لا يصح التقليد في ذلك.
ثمّ اعترض بأن السيرة كما جرت له على تقرير المقلدين في الفروع كذلك جرت على تقرير المقلدين في الأصول و عدم الإنكار عليهم.
فأجاب بأن على بطلان التقليد في الأصول أدلة عقلية و شرعية من كتاب و سنة و غير ذلك و هذا كاف في النكير».
ثمّ قال: «إن المقلد للحق في أصول الديانات و إن كان مخطئا في تقليده غير مؤاخذ به و إنه معفو عنه، و إنّما قلنا ذلك لمثل هذه الطريقة التي قدمناها لأني لم أجد أحدا من الطائفة، و لا من الأئمة عليهم السلام قطع موالاة من يسمع قولهم و اعتقد مثل اعتقادهم و إن لم يستند ذلك إلى حجة من عقل أو شرع.
ثمّ اعترض على ذلك بأن ذلك لا يجوز، لأنّه يؤدي إلى الإغراء بما لا يأمن أن يكون جهلا.
و أجاب بمنع ذلك لأنّ هذا المقلد لا يمكنه أن يعلم سقوط العقاب عنه فيستديم الاعتقاد، لأنه إنما يمكنه معرفة ذلك إذا عرف الأصول، و قد فرضنا أنه مقلد في ذلك كله فكيف يكون إسقاط العقاب مغريا و إنّما يعلم ذلك غيره من العلماء الذين حصل لهم العلم بالأصول و سبروا أحوالهم و أن العلماء لم يقطعوا موالاتهم و لا أنكروا عليهم و لا يسوغ ذلك لهم، إلاّ بعد العلم بسقوط العقاب عنهم، و ذلك يخرجه من باب الإغراء و هذا القدر كاف في هذا الباب إن شاء اللّه.
و أقوى مما ذكرنا أنّه لا يجوز التقليد في الأصول إذا كان للمقلد طريق إلى العلم به إمّا على جملة أو تفصيل، و من ليس له قدرة على ذلك أصلا فليس بمكلف و هو بمنزلة البهائم التي ليست مكلفة بحال»(1)انتهى.
و ذكر عند الاحتجاج على حجية أخبار الآحاد ما هو قريب من ذلك قال:
«و أما ما يرويه قوم من المقلدة، فالصحيح الذي اعتقده أن المقلد للحق و إن كان مخطئا معفو عنه و لا أحكم فيه بحكم الفساق، فلا يلزم على هذا ترك ما نقلوه»(2)، انتهى.
أقول: ظاهر كلامه قدس سره في الاستدلال على منع التقليد (1) بتوقف
الشرح
(1) لا يخفى عليك أنّ كلام الشّيخ قدس سره في العدّة في هذا المقام لا يخلو عن اضطراب و التباس، بل مناقشة من وجوه، أمّا عدم وضوحه في إفادة المراد من
........
الشرح
حيث إنّ محلّه المقلّد الغير الجازم أو الجازم، فإنّ ظاهر استدلاله أوّلا على بطلان التّقليد في الأصول من حيث توقّف معرفة الموضوع الشّرعي حكما و موضوعا على معرفة جاعله و الواسطة في تبليغ جعله و إن كان كاشفا عن كون محلّ كلامه في المقلّد الغير الجازم نظرا إلى ظهوره في لزوم الدّور على تقدير كفاية التّقليد في الأصول من حيث توقّف الكفاية على ثبوت الشّرع المتوقّف على التّقليد على الفرض، فلا بدّ من اعتبار المعرفة العلميّة الغير المتوقّف اعتبارهما على شيء من حيث كونها معتبرة بذاتها سواء كان حاصلا عن الدّليل أو التقليد، و هذا بخلاف المعرفة الغير العلميّة و إن كان لزوم الدّور غير متوقّف على كفاية التّقليد الغير المفيد للعلم على المقدّمة المذكورة في كلامه كما هو ظاهر، فإنّ لزومه على القول باكتفاء التّقليد في الأصول إنّما هو من حيث توقّف جواز التّقليد على ثبوت الشّرع الّذي فرض توقّفه عليه من غير دخل لتوقّف معرفة الصّلاة و أعدادها لكنّه ظاهر فيما استظهره شيخنا قدس سره منه، فلا بدّ أن يكون مراده من المعرفة بالنّسبة إلى الصّلاة هي المعرفة الغير الجزميّة الحاصلة من التّقليد من حيث قيام الدّليل الشّرعي على كفايته و ظاهر كلامه في إثبات العفو بقوله: (لأني لم أجد أحدا من الطائفة و لا من الأئمّة قطع موالاة من يسمع قولهم و اعتقد مثل اعتقادهم) إلى آخره كون محلّ الإثبات هو التّقليد المفيد للجزم لكن لا بدّ من حمل كلامه على ما استظهره شيخنا قدس سره لشهادة مجموع كلماته في المقام فيما ذكره في بحث حجيّة الأخبار فإنّه ذكر بعد ما حكى عنه في الكتاب ما هذا لفظه: «على أنّ من أشاروا إليهم لا نسلّم أنّهم كلّهم مقلّدة، بل لا يمتنع أن يكونوا عالمين بالدّليل على سبيل الجملة كما يقوله جماعة أهل العدل في كثير من أهل الأسواق و العامّة و ليس من حيث يتعذّر عليهم إيراد الحجج ينبغي أن يكونوا غير عالمين، لأنّ إيراد الحجج و المناظرة صناعة ليس يقف حصول المعرفة على
........
الشرح
حصولها» انتهى ما أردنا نقله و هو كما ترى صريح في كون المراد من المقلّد في كلامه هو المقلّد الغير الجازم فلا بدّ أن يكون المراد من الاعتقاد في كلامه الأعمّ من الظّني، بل يمكن أن يقال: إنّ مراده من الاعتقاد هو إظهار العقائد الحقّة من جهة التّقليد، بل يمكن أن يقال: إن كلامه هذا ظاهر بنفسه فيما ذكر من حيث ظهور المماثلة المذكورة في كلامه في ذلك فافهم.
أمّا المناقشات فإنّه يرد عليه أوّلا: أنّ المعتبر بمقتضى ما عرفت من الأخبار و غيرها هو الاعتقاد الجزمي بالعقائد الحقّة، نعم في ترتيب آثار الكفر على الشّاك المظهر للحقّ عن تقليد كلام مبنيّ على ثبوت الواسطة قد عرفت بعض الكلام فيه و هو لا تعلّق له بالمقام من كفاية التّقليد في تحقّق الإيمان.
و ثانيا: أنّه بعد البناء على كفاية مجرّد إظهار الحقّ و لو عن تقليد في تحقّق الإيمان مع الشّك أو الظّن في مقام الوضع لا دليل على وجوب النّظر و الاستدلال مستقلا، بل لا دليل على وجوب تحصيل العلم و اليقين بالوجوب النّفسي المستقلّ، فإنّ وجوب تحصيل العلم إنّما هو من حيث توقّف حصول المعرفة المعتبرة في تحقّق الإيمان على العلم، فإذا قيل بكفاية مجرّد إظهار الحقّ في تحقّق الإيمان فيسقط وجوب تحصيل العلم، كما أنّا نقول بسقوط النّظر و الاستدلال بعد حصول العلم من التّقليد من حيث إنّ اعتبار النّظر إنّما هو من جهة توقّف حصول العلم غالبا عليه فإذا حصل التّوصّل بغيره أحيانا فيسقط وجوبه.
و ثالثا: أنّه بعد البناء على وجوب تحصيل المعرفة العلميّة لا دليل على العفو عنه بعد البناء على إمكانه و الإغماض عمّا قيل من عدم إمكانه من حيث كونه منافيا للّطف الواجب على الحكيم تعالى، بل منافيا لغرضه من جعل التّكليف و بعث بالرّسل و إنزال الكتب من جهة كون العفو الحتمي عن المعصية موجبا للإقدام عليها من غالب النّفوس الضّعيفة، فإنّ عدم قطع المعاشرة لا يدلّ على ما
........
الشرح
استظهره، لأنّه أعمّ من ذلك لم لا يكون من جهة حمل كلام من قال بمثل قولهم على كونه معتقدا جازما و لو من جهة طريقيّة كلامه إليه بالنّظر إلى ظهوره.
نعم هذا الاحتمال لا يجري في حقّ الأئمّة صلوات اللّه عليهم لانكشاف الواقعيّات لهم و عدم إمكان جعل الحكم الظّاهري في حقّهم، فلا بدّ أن يقال إنّ عدم قطع المعاشرة عن الأئمّة عليهم السلام كما يحتمل أن يكون من جهة علمهم بشكّهم في الواقع على ما يقوله الشّيخ كذلك يحتمل أن يكون من جهة علمهم بعلمهم، فلا يكون دليلا على العفو على ما استظهره قدس سره، بل يعلم أنّ سكوت العلماء و عدم ردعهم للعوام و عدم قطع المعاشرة معهم لا بدّ من أن يكون من جهة الحمل المذكور، و كذا معاملة الأئمّة معهم معاملة المؤمنين إنّما هو من جهة علمهم بعلمهم بالحقّ و إن لم يستندوا إلى دليل و برهان، فإنّه بعد حصول المعرفة العلميّة يسقط النّظر و الاستدلال، إذ لا محلّ له بعد حصولها و كون المقصود منه التوصّل إليها على ما عرفت، إذ على تقدير علمهم بشكّهم و كون النّظر واجبا نفسيّا مستقلاّ أو كون تحصيل العلم واجبا، كذلك من غير توقّف حصول الإيمان على حصوله لا يجوز السّكوت قطعا من باب إرشاد الجاهل إلى حكم اللّه تعالى و إن لم يكن مغيرا على ما ذكره قدس سره من حيث كون العامي جاهلا بمسألة قبح الإغراء الّتي هي مسألة أصوليّة، فإنّ دليل وجوب إرشاد الجاهل بالحكم الشّرعي العامل على خلافه ليس منحصرا في قبح إغراء الجاهل، بل الدّليل العامّ الجاري في جميع الموارد هو حكم العقل من باب وجوب اللّطف و لزوم نقض الغرض من تشريع الأحكام و لو عمّم المعروف و المنكر بالنّسبة إلى ما كان معروفا و منكرا بحسب الواقع و نفس الأمر و لو كان الفاعل جاهلا بهما لجاز التّمسّك بما دلّ على الأمر بالمعروف و النّهي عن المنكر من الأدلّة الأربعة، و من هنا وقع التمسّك به في الكتاب من شيخنا قدس سره في المقام و إن كان الأولى تحرير المقام بما عرفت
........
الشرح
كما أنّ الأولى، بل المتعيّن تحرير وجه سكوت الأئمّة عليهم السلام بما عرفت لا بما في الكتاب، لأنّه لا يخلو عن مناقشة ظاهرة لمن راجع إلى ما أفاده في وجهه و ما ذكرنا.
فإن شئت قلت: إنّ علم المقلّد الغير الجازم في مسألة اعتقاديّة حقّة بعدم وجوب تحصيل العلم عليه مستندا إلى سكوت الأئمّة عليهم السلام و العلماء و عدم قطعهم المعاشرة معهم و أنّه لولاه لوجب عليهم الرّدع و ترك المعاشرة، فيلزم على تقدير الوجوب، مع هذا الفرض الإغراء بالجهل و إن كان منافيا لفرض تقليده في الأصول كلّها، إلاّ أنّ دليل وجوب تعليم الجاهل ليس منحصرا في قاعدة قبح الإغراء بالجهل.
هذا كلّه فيما لو كان مراد الشّيخ قدس سره من المقلّد هو الغير الجازم منه كما استظهرناه، و أمّا لو أريد منه الجازم منه فيستدلّ على عدم قطع المعاشرة على ما اخترناه في المسألة من عدم وجوب النّظر، إلاّ من باب المقدّمة فيسقط عند حصول العلم و المعرفة، فقد تبيّن ممّا ذكرنا كلّه أنّ المقلّد للحقّ على أقسام فإن لم يكن جازما لم يكن إشكال في عدم ترتيب حكم المؤمن عليه سواء كان ملتفتا بوجوب تحصيل العلم عليه أو غافلا ذاهلا عنه غاية الأمر كونه عاصيا على تقدير الالتفات بجميع أقسامه و في جريان حكم الكفر عليه مطلقا بحسب الآثار الدّنيوية كلام عرفته و إن كان جازما لم يكن إشكال في إيمانه و عدم عصيانه أصلا، غاية الأمر كونه متجريا لو اعتقد وجوب النّظر عليه شرطا أو نفسا و كان مطلقا بحسب اعتقاده الباطل بما يقتضيه اعتقاده، و هذا هو المراد من الاستدراك بقوله قدس سره في الكتاب: (اللّهم إلاّ أن يفهم هذا الشّخص منها كون النّظر و الاستدلال واجبا) إلخ فيكون على تقدير اعتقاده خلاف الواقع مكلّفا في زعمه بالنّظر و كون تركه عصيانا في حقّه، نعم على تقدير استفادته ذلك من الآيات و الأخبار اعتمادا على
معرفة الصلاة و أعدادها على معرفة أصول الدين أن الكلام في المقلد الغير الجازم و حينئذ فلا دليل على العفو.
و ما ذكره من عدم قطع العلماء و الأئمة موالاتهم مع المقلدين بعد تسليمه و الغض عن إمكان كون ذلك من باب الحمل على الجزم بعقائدهم لعدم العلم بأحوالهم، لا يدلّ على العفو، و إنّما يدلّ على كفاية التقليد.
و إمساك النكير عليهم في ترك النظر و الاستدلال إذا لم يدلّ على عدم وجوبه عليهم، لما اعترف به قبل ذلك من كفاية النكير المستفاد من الأدلة الواضحة على بطلان التقليد في الأصول لم يدلّ على العفو من هذا الواجب المستفاد من الأدلة، فلا دليل على العفو من هذا الواجب المعلوم وجوبه.
و التحقيق أن إمساك النكير لو ثبت و لم يحتمل كونه لحمل أمرهم على الصحة و لعملهم بالأصول دليل على عدم الوجوب، لأنّ وجود الأدلة لا يكفي في إمساك النكير من باب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و إن كفى فيه من حيث الإرشاد و الدلالة على الحكم الشرعي، لكنّ الكلام في ثبوت التقرير و عدم احتمال كونه لاحتمال العلم في حق المقلدين.
فالإنصاف: أن المقلد الغير الجازم المتفطن لوجوب النظر عليه فاسق مؤاخذ على تركه للمعرفة الجزمية بعقائده، بل قد عرفت احتمال كفره لعموم
الشرح
الظّهور اللّفظي يكون مكلّفا في الظّاهر بالنّظر و الاستدلال و إن كان التّحقيق عندنا كون المخالف للحكم الظّاهري متجريا، فيكون استحقاقه المؤاخذة مبنيّا على استحقاق المتجرّي و إن كان الحكم الظّاهري مخالفا للواقع كما في الفرض على ما عرفت من كون وجوب النّظر من المقدّمات العقليّة الغالبيّة، فيسقط بعد حصول العلم و المعرفة بغيره كما هو المفروض خلافا لمن زعم استحقاق العقوبة على مخالفة الحكم الظّاهري من حيث هو.
أدلة كفر الشاك، و أمّا الغير المتفطن لوجوب النظر لغفلته أو القاصر عن تحصيل الجزم فهو معذور في الآخرة و في جريان حكم الكفر احتمال تقدم و أمّا الجازم، فلا يجب عليه النظر و الاستدلال و إن علم من عمومات الآيات و الأخبار وجوب النظر و الاستدلال، لأنّ وجوب ذلك توصلي لأجل حصول المعرفة، فإذا حصلت سقط وجوب تحصيلها بالنظر، اللهم إلاّ أنّ يفهم هذا الشخص منها كون النظر و الاستدلال واجبا تعبديا مستقلا أو شرطا شرعيا للإيمان، لكنّ الظاهر خلاف ذلك فإن الظاهر كون ذلك من المقدمات العقلية.
إذا بنينا على عدم حجية ظن، أو على عدم حجية الظن المطلق، فهل يترتب عليه آثار أخر غير الحجية بالاستقلال مثل كونه جابرا لضعف سند، أو قصور دلالة، أو كونه موهنا لحجة أخرى، أو كونه مرجحا لأحد المتعارضين على الآخر، و مجمل القول في ذلك أنّه كما يكون الأصل في الظن (1) عدم الحجية كذلك الأصل فيه عدم ترتب الآثار المذكورة من الجبر و الوهن و الترجيح.
الشرح
(1) لا إشكال فيما أفاده من عدم الفرق في قضيّة الأصل الأوّلي في الظّن بين جعله حجّة مستقلّة أو موجبا لحجيّة ما لا يكون معتبرا في نفسه لولاه أو موجبا لسقوط ما يكون معتبرا في نفسه من الاعتبار، أو موجبا لتقديم إحدى الحجّتين
........
الشرح
على الأخرى مع الشّك في ترتيب هذه الآثار و الأحكام عليه، لأنّ كلاّ من هذه يلازم الالتزام و التّدين بحكم لم يعلم ثبوته من الشارع، و من هنا يستدلّ بما ورد في شأن القياس و أشباهه على عدم جواز ترتيب شيء من الآثار المذكورة عليه و يجعل حاكما و شارحا، لما دلّ على حجيّة المجبور مثلا فيما كان مدلوله حجيّة الخبر المظنون الصّدور مثلا و لو حصل الظّن من الخارج و يفرق بينه و بين الظّن المشكوك الاعتبار، حيث إنّ دليل اعتبار الخبر المظنون الصّدور مطلقا و لو حصل الظّن بصدوره من غير صفات الرّاوي يوجب العلم بجواز التّدين بالخبر المظنون صدوره بواسطة مطابقته للأمارة الخارجيّة، و هذا بخلاف ما لو حصل الظّن بصدوره بواسطة القياس و أشباهه، فإنّ ما دلّ على وجوب إلقائه و كون مستعمله خارجا عن الدّين و أنّ أوّل من قاس إبليس مفسّر و شارح لدليل اعتبار الخبر المظنون الصّدور مطلقا، و أنّ اعتباره مقيّد بما إذا حصل الظّن بصدوره من غير القياس، و لا يمكن عكس ذلك بجعل دليل اعتبار الخبر المظنون الصّدور حاكما على دليل حرمة القياس و أنّ المراد منه جعله حجّة مستقلّة، لا ما يعمّه و جعله موجبا لتحقّق موضوع الحجّة بالوجدان لعدم الفرق بين الأمرين في صدق موضوع استعمال القياس و ما هو المناط في حرمته، و أمّا ما ربّما يتوهّم من أنّ جعله جابرا راجع إلى توسيطه لوجود قيد وجداني، فالعمل حقيقة على المجبور لا بالقياس، و هذا بخلاف جعله حجّة، فإنّ العمل عليه حقيقة ففاسد جدّا، و إلاّ أمكن أن يقال علي القول بحجيّة الظّن مطلقا فيما حصل الظّن من القياس إنّ العمل ليس بالقياس، بل بالظّن الحاصل منه وجدانا و قهرا و هو كما ترى.
فإن شئت قلت: إنّه لا فرق في صدق مناط الحرمة بين جعل القياس تمام العلّة أو جزئها، هذا و لعلّه نتكلّم في شرح هذا بعد ذلك إن شاء اللّه تعالى و بالجملة لا ينبغي الإشكال في أنّ قضيّة الأصل الأوّلي عدم جواز التّدين و الالتزام بمقتضى
........
الشرح
الظّن مطلقا، فكلّما حكمنا بترتّب شيء من الآثار المذكورة عليه، فلا بدّ من أن يستند إلى قيام دليل عليه من جانب الشّارع أن يرجع حقيقة إلى عدم التّدين بمقتضاه، فيخرج عن موضوع الحرمة حقيقة مثلا إذا قيل بحجيّة شيء بشرط عدم قيام الظّن على خلافه و فرض في مورد وجود هذه الأمارة المعلّقة قيام ما شكّ في اعتباره من الظّنون على خلافها، فإنّه يحكم بعدم حجيّتها حينئذ استنادا إلى دليل حجيّتها نظرا إلى التّعليق المعتبر فيه لا إلى الظّن القائم على خلافها حقيقة و مثله ما لو فرض التّعليق في أصل إفادتها الظّن نوعا أو شخصا بعدم قيام الظّن على خلافها مع إناطة اعتبارها بإفادة الظن بل ربما يكون أمره أظهر ففي مورد وجود هذا الظّن لا يعمل به أصلا، و إنّما يعمل بالأصل في المسألة الفرعيّة من جهة عدم وجود الدّليل فيها نظرا إلى التّعليق المذكور بقسميه.
نعم هنا كلام في أنّه كيف يجامع ما سلكه قدس سره من تأسيس الأصل في المقامات الثّلاثة مع ما يسلكه بعد ذلك عند الاستدلال على التّرجيح بالظّن من قاعدة الاشتغال و أنّ مقتضى الأصل وجوب الأخذ بالرّاجح من المتعارضين، و سنتكلّم فيه في محلّه إن شاء اللّه تعالى ثمّ إنّ تحقيق الكلام في المقامات الثّلاثة أعني الجبر و الوهن و التّرجيح بالظّن الغير المعتبر بقسميه إنّما هو من جهة وضوح حكم الظّن المعتبر بالنّسبة إليها، فإنّ في مورد وجود الظّن المعتبر يعمل به و إن كان هناك ما يوجد ضعف في اعتباره بحيث لا يعمل به بدون الجابر و إن كان العمل و الاستناد حقيقة بالظّن المعتبر من دون مدخليّة الأمارة الضّعيفة، إلاّ فيما كان حاكيا عن حالها كالظّن المعتبر الحاكي عن إرادة المفهوم من التّعليق بالوصف مثلا فيما قلنا بإشعاره بالمفهوم و عدم ظهوره فيه، و كذلك يوجب الوهن بدون تأمّل فيما كان اعتباره مشروطا بحصول الظّن منه أو بعدم قيام الظّن على الخلاف، فإنّه أولى ممّا حكم بعدم اعتباره من جهة الأصل، كما أنّه مبنيّ على ملاحظة التّرجيح بينه و بين ما كان
و أمّا تفصيل الكلام في ذلك، فيقع في مقامات ثلاثة:
فنقول: عدم اعتباره إمّا أن يكون من جهة ورود النهي عنه بالخصوص كالقياس و نحوه، و إمّا من جهة دخوله تحت عمومات أصالة حرمة العمل بالظن.
و أمّا الأول: فلا ينبغي التأمل في عدم كونه مفيدا للجبر لعموم ما دلّ على عدم جواز الاعتناء به و استعماله في الدين.
و أمّا الثاني: فالأصل فيه و إن كان ذلك، إلاّ أن الظاهر أنّه إذا كان المجبور محتاجا إليه من جهة إفادته للظن بالمضمون كالخبر إذا قلنا بكونه حجة بالخصوص لوصف كونه مظنون الصدور، فأفاد تلك الأمارة الغير المعتبرة الظن بصدور ذلك الخبر انجبر قصور سنده به، إلاّ أن يدعى أن الظاهر اشتراط حجية ذلك الخبر بإفادته للظن بالصدور، لا مجرد كونه مظنون الصدور و لو حصل الظن بصدوره من غير سنده، و بالجملة فالمتبع هو ما يفهم من دليل حجية المجبور.
و من هنا لا ينبغي التأمل في عدم انجبار قصور الدلالة (1) بالظن المطلق
الشرح
اعتباره على وجه الإطلاق، و أمّا التّرجيح بالظّن المعتبر فهو خارج عن عنوان التّرجيح إن كان المأخوذ فيه عدم اعتبار المزيّة، و إلاّ فالحكم فيه أي لزوم التّرجيح به لما كان مسلّما لم يكن هناك كلام فيه خصّ الكلام بالظّن الغير المعتبر فتدبّر.
(1) قد عرفت الكلام عند البحث في حجيّة الظّن المتعلّق بالألفاظ من حيث الخصوص فيما هو المناط و المدار في حجيّة الظّواهر، و أنّه ليس التعبّد المطلق و لا
........
الشرح
المقيّد لا من جانب الشّارع، و لا من جانب العقلاء و أهل اللّسان، و لا الظّن الشّخصي بالمراد كيفما اتّفق و لو حصل من غير اللّفظ أو حصل من خصوص اللّفظ و لا الظّن النّوعي و الشّأني المطلق، و لا المقيّد بعدم قيام الظّن على الخلاف كيفما كان، بل على ظهور الكلام عرفا في المراد و لو بملاحظة القرائن الخارجيّة المعتبرة عند أهل اللّسان فضلا عن القرائن الدّاخليّة المعتبرة عندهم، و هذا كما ترى و عرفت تفصيل القول فيه يفارق الوجوه المذكورة حتّى الظّن النّوعي المطلق.
و من هنا بنينا على إيجاب كثرة الاستعمال و كثرة التّخصيص بحسب بعض مراتبهما الإجمال و سلب الظّهور و الشّهرة في المجاز التّوقف و الإجمال عند المشهور، و كذا تعقيب الاستثناء لجمل متعدّدة، و هكذا الأمر في كلّ ما كان الكلام محفوفا بما يصلح صارفا و قرينة، فإنّه يعدّ مجملا عند العرف لا ظاهرا و افتراق هذا المناط مع غير الظّن النّوعي المطلق ظاهر و كذا معه إن أريد منه الإطلاق حتّى بالنّسبة إلى ما عرفت ممّا يوجب رفع الظّهور العرفي، و أمّا إن أريد منه الإطلاق بالنّسبة إلى خصوص الظّنون الغير المعتبرة القائمة من الخارج على إرادة ما يقتضيه اللّفظ من الظّهور بحسب وضعه الشّخصي أو النّوعي فيمكن انطباقه على ما عرفت من المناط، فإنّه يرجع حقيقة إلى البرزخ بين الظّن النّوعي المطلق بإطلاقه و المقيّد في مقابله و لا بدّ أن يحمل كلامه قدس سره في الكتاب عليه لئلاّ يخالف ما بنى عليه الأمر في حجيّة الظّواهر فيما تقدّم من كلامه و إليه يشير قوله: (لا مجرّد الظّن بمطابقة مدلولها)، فإنّه اعتبر ظهور الكلام عرفا في المراد بنفسه في قبال مطلق الظّن بالمراد، فينطبق على ما ذكرنا، نعم حقّ التّحرير في المقام بدل قوله: (فالكلام إن كان ظاهرا) إلى آخره أن يذكر، فالكلام إن كان ظاهرا في معنى بنفسه و لو بمعونة القرائن المعتبرة، إذ حمل التّخصيص بالقرائن الدّاخليّة على المثال و إن كان ممكنا لكنّه بعيد عن مساق العبارة، و بما ذكرنا يظهر
........
الشرح
أنّ ما تكرّر ذكره في الرّياض و اشتهر بين تلامذته ممّن قارب عصرنا من انجبار قصور الدّلالة بعمل الأصحاب و فتاويهم أو بفهمهم كما يظهر من جماعة ممّن فصّل بين الشّهرة الاستنادية و غيرها مبنيّ على ما عرفت من الوجوه في إناطة حجيّة الظّواهر، و إن كان الانجبار بمجرّد العمل بإطلاقه لو كان مرادهم أضعف من القول بالانجبار بالفهم من حيث كونه كاشفا ظنّا عن قرينته بخلاف مجرّد العمل، فإنّه قد لا يوجب الظّن بالمراد من اللّفظ أصلا كما أشار إليه في الكتاب.
و أمّا ما اشتهر بين الأصحاب، بل لا يبعد ذهاب المشهور إليه من انجبار ضعف سند الخبر بعمل الأصحاب به و استنادهم إليه فلم يعلم له مستند يصحّ الاعتماد عليه و الرّكون إليه، فإنّه إن كان من جهة قيام الإجماع حجيّته بالخصوص كما ادّعاه فقيه عصره في كشفه فلم يثبت إلاّ منه و غاية ما هناك ذهاب المشهور إليه كما يستفاد ممّا أفاده ثاني الشّهيدين في المسالك، نعم يمكن استفادته من كلام المحقّق قدس سره في بحث حجيّة أخبار الآحاد، فراجع إليه و إن كان من جهة استفادة حجيته بالخصوص ممّا دلّ على التّرجيح بالشّهرة من المقبولة و غيرها نظرا إلى فحواه من حيث إنّ إيجابها الأخذ بالخبر الموافق لها عند التّعارض يدلّ على الأخذ به عند سلامته بالفحوى ففيه مضافا إلى ما في الفحوى، بل الأولويّة الاعتباريّة إن ادّعيت أنّ المراد من الشّهرة ممّا دلّ على التّرجيح بها في الشّهرة من حيث الرّواية على ما أسمعناك عند الكلام على حجيّة الشّهرة من حيث الخصوص على ما يستفاد من كلام بعض و نسب إلى الشّهيد قدس سره، نعم التّرجيح بالشّهرة من حيث الفتوى ثابت عندنا لا من حيث هي بالخصوص، بل من جهة اندراجها تحت الكلّيّة المستفادة ممّا ورد في باب العلاج على ما ستقف عليه من لزوم التّرجيح بكلّ مزيّة من غير فرق بين الشّهرة و غيرها، و إن كان من جهة استفادته من منطوق آية النّبإ بناء على إرادة المعنى الأعمّ من التّبيّن العلمي أو الظّني أو
لأن المعتبر في باب الدلالات هو ظهور الألفاظ نوعا في مدلولاتها، لا مجرد الظن بمطابقة مدلولها للواقع و لو من الخارج.
فالكلام إن كان ظاهرا في معنى بنفسه أو بالقرائن الداخلة فهو، و إلاّ بأن كان مجملا أو كان دلالته في الأصل ضعيفة كدلالة الكلام بمفهومه الوصفي،
الشرح
خصوص الاطمئناني من التّبيّن في الآية نظرا إلى حصول الاطمئنان منها ففيه مضافا إلى ما عرفت في محلّه من عدم إمكان إرادة المعنى الأعمّ مطلقا من حيث منافاته لمورد الآية، و إلى ما عرفت ثمّة من أنّ مقتضاها حجيّة مطلق الظّن أو خصوص الاطمئناني منه من أيّ سبب حصل نظرا إلى كون وجوب التّبيّن شرطيّا أنّه على التّقدير المزبور لا بدّ من الحكم بحجيّة كلّ خبر ظنّ بصدوره، أو حصل الاطمئنان به من أمارة أخرى غير الشّهرة فيبقى سؤال الفرق، فإنّهم لا يقولون بالتّعميم و إن كان من جهة استفادته ممّا دلّ على حجيّة خبر الثّقة بناء على حمله على ما يظنّ صدوره أو يطمئنّ به و لو حصل الاطمئنان بواسطة استناد المشهور و عملهم بصرفه عن ظهوره في الموضوعيّة و أن المعتبر خصوص الاطمئنان الحاصل من صفة الرّاوي ففيه مضافا إلى منافاته لاشتراط الإيمان في الرّاوي عند غير واحد منهم، بل المشهور ضرورة حصول الاطمئنان المذكور من خبر غير الإماميّ الموثّق و لو في الجملة أنّه لا بدّ على التّقدير المذكور من القول بعدم الفرق بين الشّهرة و غيرها من الأمارات الموجبة لحصول مثل الظّن الحاصل من الشّهرة و هم لا يقولون به على ما عرفت.
هذا كلّه في الشّهرة الاستناديّة، و أمّا مجرّد فتوى المشهور على طبق الخبر من دون العلم باستنادهم إليه فضلا عن العلم بعدم استنادهم إليه، فالأمر أشكل على تقدير ذهابهم إلى انجبار ضعف الخبر سندا بها على ما زعم، فقد ظهر ممّا ذكرنا كلّه عدم دليل على انجبار ضعف السّند بالشّهرة كعدم انجبار قصور الدّلالة بها من غير فرق بين أقسام الشّهرة في الموضعين.
فلا يجدي الظن بمراد الشارع من أمارة خارجية غير معتبرة بالفرض، إذ التعويل حينئذ على ذلك الظن من غير مدخلية للكلام، بل ربما لا تكون تلك الأمارة موجبة للظن بمراد الشارع من هذا الكلام غايته إفادته للظن بالحكم الفرعي، و لا ملازمة بينه و بين الظن بإرادته من اللفظ فقد لا يريده بذلك اللفظ، نعم قد يعلم من الخارج كون المراد هو الحكم الواقعي، فالظن به يستلزم الظن بالمراد لكن هذا من باب الاتفاق.
و ممّا ذكرنا ظهر أن ما اشتهر من أن ضعف الدلالة منجبر بعمل الأصحاب غير معلوم المستند، بل و كذلك دعوى انجبار قصور الدلالة بفهم الأصحاب لم يعلم لها بينة.
و الفرق أن فهم الأصحاب و تمسكهم به كاشف ظني عن قرينة على المراد بخلاف عمل الأصحاب، فإنّ غايته الكشف عن الحكم الواقعي الذي قد عرفت أنه لا يستلزم كونه مرادا من ذلك اللفظ كما عرفت.
بقي الكلام في مستند المشهور في كون الشهرة في الفتوى جابرة لضعف سند الخبر فإنه إن كان من جهة إفادتها الظن بصدق الخبر ففيه، مع أنّه قد لا يوجب الظن بصدور ذلك الخبر، نعم يوجب الظن بصدور حكم عن الشارع مطابق لمضمون الخبر أن جلهم لا يقولون بحجية الخبر المظنون الصدور مطلقا، فإنّ المحكي عن المشهور اعتبار الإيمان في الراوي، مع أنّه لا يرتاب في إفادة الموثق للظن.
فإنّ قيل: إن ذلك لخروج خبر غير الإمامي بالدليل الخاص مثل منطوق آية النبإ و مثل قوله عليه السلام: «لا تأخذن معالم دينك من غير شيعتنا»(1).
قلنا: إن كان ما خرج بحكم الآية و الرواية مختصا بما لا يفيد الظن، فلا
1) رجال الكشيّ، ص 4.
يشمل الموثق و إن كان عاما لما ظن بصدوره كان خبر غير الإمامي المنجبر بالشهرة و الموثق متساويين في الدخول تحت الدليل المخرج، و مثل الموثق خبر الفاسق المتحرز عن الكذب و الخبر المعتضد بالأولوية و الاستقراء و سائر الأمارات الظنية، مع أنّ المشهور لا يقولون بذلك و إن كان لقيام دليل خاص عليه ففيه المنع من وجود هذا الدليل.
و بالجملة فالفرق بين الضعيف المنجبر بالشهرة و المنجبر بغيرها من الأمارات، و بين الخبر الموثق المفيد لمثل الظن الحاصل من الضعيف المنجبر في غاية الإشكال خصوصا مع عدم العلم باستناد المشهور إلى تلك الرواية.
و إليه أشار شيخنا في موضع من المسالك: «بأن جبر الضعيف بالشهرة ضعيف مجبور بالشهرة».
و ربّما يدعى كون الخبر الضعيف المنجبر من الظنون الخاصة حيث ادعي الإجماع على حجيته و لم يثبت.
و أشكل من ذلك دعوى دلالة منطوق آية النبإ عليه بناء على أن التبين يعم الظن الحاصل من ذهاب المشهور إلى مضمون الخبر و هو بعيد، إذ لو أريد مطلق الظن، فلا يخفى بعده لأن المنهي عنه ليس، إلاّ خبر الفاسق المفيد للظن، إذ لا يعمل أحد بالخبر المشكوك صدقه و إن أريد البالغ حد الاطمئنان فله وجه غير أنّه يقتضي دخول سائر الظنون الجابرة إذا بلغت و لو بضميمة المجبور حد الاطمئنان و لا يختص بالشهرة، فالآية تدل على حجية الخبر المفيد للوثوق و الاطمئنان و لا بعد فيه.
و قد مرّ في أدلة حجية الأخبار ما يؤيده أو يدلّ عليه من حكايات الإجماع و الأخبار.
و أبعد من الكل دعوى استفادة حجيته مما دل من الأخبار كمقبولة ابن
حنظلة و المرفوعة إلى زرارة على الأمر بالأخذ بما اشتهر بين الأصحاب من المتعارضين، فإنّ ترجيحه على غيره في مقام التعارض يوجب حجيته في مقام عدم المعارض بالإجماع و الأولوية.
و توضيح فساد ذلك أن الظاهر من الروايتين شهرة الخبر من حيث الرواية كما يدل عليه قول السائل فيما بعد ذلك فإنّهما معا مشهوران، مع أنّ ذكر الشهرة من المرجحات يدلّ على كون الخبرين في أنفسهما معتبرين مع قطع النظر عن الشهرة.
و الكلام هنا أيضا يقع تارة فيما علم بعدم اعتباره و أخرى فيما لم يثبت اعتباره.
و تفصيل الكلام في الأول أن المقابل له إن كان من الأمور المعتبرة لأجل إفادة الظن النوعي أي لكون نوعه لو خلي و طبعه مفيدا للظن و إن لم يكن مفيدا له في المقام الخاص، فلا إشكال في عدم وهنه بمقابلة ما علم عدم اعتباره كالقياس في مقابل الخبر الصحيح بناء على كونه من الظنون الخاصة على هذا الوجه.
و من هذا القبيل القياس في مقابلة الظواهر اللفظية، فإنّه لا عبرة به أصلا بناء على كون اعتبارها من باب الظن النوعي و لو كان من باب التعبد، فالأمر أوضح، نعم لو كان حجيته سواء كان من باب الظن النوعي أو كان من باب التعبد مقيدة (1) بصورة عدم الظن على خلافه كان للتوقف مجال.
الشرح
(1) و يلحق بصورة تقييد الحجيّة على الوجهين ما إذا أنيطت حجيّة الأمارة
........
الشرح
المقابلة بالقياس بالظّن الفعلي مع فرض عدم حصول الظّن منها بمصادمة القياس، فإنّ الوجه في الوهن بالقياس و أشباهه ممّا قام الدّليل القطعي على عدم اعتباره بالخصوص فيما قلنا بتقيّد حجيّة الأمارات بعدم قيام الظّن على خلافها جار بعينه فيما لو قلنا باشتراط اعتبارها بالظّن الفعلي، فإنّ الوجه في التّوقّف في الصّورة الأولى عدم تحقّق العنوان المعتبر في الحجيّة و إن كان المانع منه وجود القياس على الخلاف في المسألة الفرعيّة، و ليس هذا عملا بالقياس حقيقة، حتّى يمنع عنه ما دلّ على إلقائه، ضرورة كونه أمرا قهريّا وجدانيّا، لا دخل لاختيار المكلّف فيه أصلا، حتّى يتعلّق به المنع الشّرعي، و هذا الوجه كما ترى جار في الصّورة الثّانية أيضا، فإنّ المفروض عدم حصول الظّن من الأمارة المقابلة بالقياس و لا دخل لاختيار المكلّف فيه أصلا، بل ربّما يقال بكونه أولى بالجريان في الصّورة الأخيرة نظرا إلى إمكان القول بكشف ما دلّ على المنع عن القياس عن حال ما دلّ على تقييد اعتبار الأمارة بعدم قيام الظّن على الخلاف، و أنّ المراد منه ليس مطلق الظّن على الخلاف، بل الظّن الحاصل عليه من غير القياس، و هذا بخلاف ما لو أنيط اعتبارها بحصول الظّن منها في خصوصيّات المسائل، فإنّ عدم حصول الظّن من الأمارة في مورد قيام القياس على الخلاف أمر لا دخل للشّرع فيه أصلا فتأمّل.
و ممّا ذكرنا كلّه يظهر الفرق بين الوهن بالقياس و أشباهه و بين الجبر به فيما لو فرض إناطة حجيّة الأمارة بالظّن الشّخصي فيما لو فرض حصول الظّن منها بواسطة القياس سواء فرض القياس تمام علّة الظّن أو جزء العلّة، فإنّ العمل في الموضعين يرجع إلى العمل بالقياس حقيقة، و هذا بخلاف الوهن به في الصّورتين، فإنّه ليس عملا بالقياس أصلا على ما عرفت، و من هنا نقول على القول بحجيّة مطلق الظّن من جهة دليل الانسداد أو غيره أنّه كما لا يجوز العمل بالظّن القياسي إذا كان تمام علّة الظّن في المسألة كذلك لا يجوز العمل به إذا كان جزءا لها، ثمّ إنّ هذا الّذي
........
الشرح
أفاده من التّوقف في العمل بالأمارة إذا كانت حجيّتها مشروطة بعدم قيام الظّن على الخلاف مع قيام القياس على الخلاف أحد الوجوه في المسألة.
و بقي هنا وجهان آخران تعرض لهما في الكتاب:
أحدهما: عدم الوهن به مطلقا من غير فرق بين أن يكون اعتبار الأمارة على وجه الاشتراط و التّقييد بحكم الشّارع أو بحكم العقل و العرف و يلحق به ما لو أنيط اعتبارها بالظّن الشّخصي على ما ذهب إليه القائل بحجيّة الظّن المطلق.
ثانيهما: التّفصيل بين ما كان الحاكم بالتّقييد أو اعتبار الظّن الشّخصي الشّرع و بين كون الحاكم باعتبار أحد الأمرين العقل أو العرف بعدم الوهن على الأوّل و الوهن في الثّاني و وجه الأوّل أي عدم الوهن به مطلقا فيما لو كان الحاكم بالحجيّة الشّارع ظاهر، فإنّ ما دلّ على النّهي عن القياس و استعماله في الشّرعيات سيّما بملاحظة التّعليل المذكور فيه شارح لما دلّ على التّقييد و حاكم عليه، و أنّ المراد من الظّن المعتبر عدمه في حجيّة الأمارة غير الظّن القياسي، فيكون حجيّة الأمارة مقيّدة بالنّسبة إلى غير الظّن القياسي و مطلقة بالنّسبة إليه، و كذا لو كان المعتبر بحكم الشّارع الظّن الشّخصي، و فرض المانع منه القياس فيحكم بإطلاق الحجيّة بالنّسبة إلى هذه الصّورة الخاصيّة و أمّا لو كان الحاكم باعتبار أحد الأمرين العقل أو العرف، فالوجه فيه أنّه بعد تبيّن حال القياس ببيان الشّارع و كونه غالب المخالفة في الأحكام الشّرعيّة يكون الظّن الحاصل منه في نظر العقل و العرف بمنزلة الوهم، فلا يوهن به ما يفيد الظّن لولاه عند العقل و العرف نظرا إلى أنّ اعتبار وصف الظّن في حكمهما أو اعتبار عدم قيامه على خلاف الأمارة إنّما هو من حيث غلبة المطابقة للواقع على الأوّل و مصادمة القرب الشّخصي للنّوعي على الثّاني و القرب موجود في الأمارة المخالفة للقياس و إن كان وصف الظّن منتفيا أو قائما على الخلاف، و من هنا يقال بحجيّة الظّن النّوعي في الجملة على القول
........
الشرح
بحجيّة الظّن المطلق بدليل الانسداد أو غيره مع كون نتيجة الدّليل حجيّة الظّن الشّخصي على ما عرفت في محلّه نعم لو كان هناك سببان للظّن مع اختلاف مقتضاهما و كان القياس على طبق أحدهما، فأوجب منع حصول الظّن من الأمارة المخالفة له، فحصل الظّن من السّبب الموافق له أمكن القول بحجيّة الظّن الحاصل من السّبب الموافق له بناء على إناطة الحكم بالظّن الشّخصي، و كذا لو فرض منعه حصول الظّن من الأمارة القائمة على خلاف ما قيّد اعتباره بعدم قيام الظّن على الخلاف فتأمّل.
هذا و أمّا وجه التّفصيل فيظهر ممّا ذكر من الوجه لإطلاق الوهن به و إطلاق عدم الوهن به فإنّ الحكومة إنّما تجري بالنّسبة إلى الأدلّة الشّرعيّة، لا بالنّسبة إلى ما كان اعتباره في الشّرعيّات من جهة إمضاء حكم العقل أو العرف، فإنّ حكم الشّارع بالنّسبة إليه يتبع حكم العقل أو العرف، فإذا فرض إناطة حكم العقل مثلا بالظّن الشّخصي، و فرض انتفائه في مورد وجود القياس على خلاف السّبب المفيد للظّن فيرتفع موضوع الحكم العقلي قهرا بالوجدان، و ليس هذا عملا بالقياس حقيقة أصلا، حتّى يمنع عنه ما دلّ على المنع عن العمل بالقياس و استعماله في الشّرعيات.
فإن شئت قلت: إنّ الممنوع بما دلّ على المنع من العمل ببعض الأمارات كالمثبت بما دلّ على وجوب العمل ببعضها، فكما أنّ المثبت بالثّاني الآثار الشّرعيّة كذلك الممنوع بالأوّل هو خصوص الآثار الشّرعيّة المجعولة من قبل الشّارع، و المفروض أنّه ليس في مورد القياس على خلاف ما يعتبره العقل من الظّن أثر شرعيّ و حكم مجعول من الشّارع أصلا، و إنّما الثّابت من قبله إمضاء الحكم العقلي اللاّحق لوصف الظّن المرتفع قهرا في مفروض البحث هذا و التّحقيق ما عرفت من إطلاق عدم الوهن به نظرا إلى ما عرفت من وجود مناط الحجيّة
و لعله الوجه فيما حكاه لي بعض المعاصرين عن شيخه أنّه ذكر له مشافهة أنّه يتوقف في الظواهر المعارضة بمطلق الظن على الخلاف، حتى القياس و أشباهه.
الشرح
و عنوانها في مقابل القياس، و إن لم يعبّر عنه بالظّن فما دلّ على المنع عن القياس بالنّظر إلى تعليله قد يخرج الظّن القياسي موضوعا عن حكم العقل بحجيّة مطلق الظّن و قد يدخل غير الظّنّ الشّخصي موضوعا في حكم العقل فافهم و تأمّل، فإنّ المقام لا يخلو عن غموض.
هذا كلّه بالنّسبة إلى ما قام دليل على عدم اعتباره بالخصوص، و أمّا ما حكم بعدم حجيّته من الظّنون من جهة الأصل، فلا إشكال في عدم وهنه لما كان اعتباره من باب الظّن النّوعي المطلق أو التّعبّد كذلك، كما أنّه لا إشكال في وهنه لما كان اعتباره على وجه التّقييد أو الاشتراط بحصول الظّن الشّخصي المرتفع بواسطة قيام الظّن على الخلاف كما ذكره في الكتاب و توهّم جريان ما عرفت في القسم الأوّل في هذا القسم من الظّن بجعل دليل حرمته حاكما على ما دلّ على جعل الأمارة على وجه التّقييد أو الاشتراط قد عرفت فساده سابقا.
هذا و أمّا حكمهم بعدم حجيّة الخبر الصّحيح الّذي أعرض المشهور عنه فإنّما هو من جهة عدم استفادة العموم ممّا دلّ على حجيّته بحيث يشمل ما أعرض المشهور عنه، فلا ينافي ما ذكرنا و أمّا ما بنى عليه شيخنا قدس سره في غير موضع من كلماته و سمعنا منه مرارا في مجلس البحث من وهن كثرة التّخصيص لدلالة العمومات، فإنّما هو من جهة إناطة ألفاظ العموم بالظّهور العرفي المرتفع مع كثرة التّخصيص على ما أسمعناك في مطاوي كلماتنا السّابقة، فلا ينافي ما ذكرنا أيضا، نعم ما سمعنا منه مرارا من ارتفاع الوهن المذكور بعمل جمع من الأصحاب بالعمومات الموهونة في بعض أفراده قد يناقش فيه، و لكنّه لا تعلّق له بالمقام بل متعلّق بالجبر بالظّنّ الغير المعتبر.
لكن هذا القول أعني تقييد حجية الظواهر بصورة عدم الظن على خلافها بعيد في الغاية.
و بالجملة فيكفي في المطلب ما دل على عدم جواز الاعتناء بالقياس مضافا إلى استمرار سيرة الأصحاب على ذلك.
مع أنّه يمكن أن يقال إن مقتضى النهي عن القياس معللا بما حاصله غلبة مخالفته للواقع يقتضي أن لا يترتب شرعا على القياس أثر، لا من حيث تأثيره في الكشف، و لا من حيث قدحه فيما هو كاشف بالذات، فحكمه حكم عدمه، فكان مضمونه مشكوك لا مظنون بل مقتضى ظاهر التعليل أنّه كالموهوم، فكما أنّه لا ينجبر به ضعيف لا يضعف به قوي.
و يؤيد ما ذكرنا الرواية المتقدمة عن أبان الدالة على ردع الإمام له في رد الخبر الوارد في تنصيف دية أصابع المرأة بمجرد مخالفته للقياس فراجع و هذا حسن.
لكن الأحسن منه تخصيص ذلك بما كان اعتباره من قبل الشارع كما لو دل الشرع على حجية الخبر ما لم يكن ظن على خلافه، فإنّ نفي الأثر شرعا من الظن القياسي يوجب بقاء اعتبار تلك الأمارة على حاله.
و أمّا ما كان اعتباره من باب بناء العرف و كان مرجع حجيته شرعا إلى تقرير ذلك البناء كظواهر الألفاظ، فإنّ وجود القياس إن كان يمنع عن بنائهم، فلا يرتفع ذلك بما ورد من قصور القياس عن الدلالة على الواقع فتأثير الظن بالخلاف في القدح في حجية الظواهر ليس مثل تأثيره في القدح في حجية الخبر المظنون الخلاف في كونه مجعولا شرعيا يرتفع بحكم الشارع بنفي الأثر عن القياس، لأنّ المنفي في حكم الشارع من آثار الشيء الموجود حسا هي الآثار المجعولة دون غيرها.
نعم يمكن أن يقال: إن العرف بعد تبين حال القياس لهم من قبل الشارع لا يعبئون به في مقام استنباط أحكام الشارع من خطاباته، فيكون النهي عن القياس ردعا لبنائهم على تعطيل الظواهر لأجل مخالفتها للقياس.
و مما ذكرنا يعلم حال القياس في مقابل الدليل الثابت حجيته بشرط الظن كما لو جعلنا الحجة من الأخبار المظنون الصدور منها أو الموثوق به منها، فإنّ في وهنهما بالقياس الوجهين من حيث رفعه للقيد المأخوذ في حجيتهما على وجه الشرطية، فمرجعه إلى فقدان شرط وجداني أعني وصف الظن بسبب القياس و نفي الآثار الشرعية للظن القياسي لا يجدي، لأنّ الأثر المذكور أعني رفع الظن ليس من الأمور المجعولة، و من أن أصل اشتراط الظن من الشارع، فإذا علمنا من الشارع أن الخبر المزاحم بالظن القياسي لا ينقص أصلا من حيث الإيصال إلى الواقع و عدمه من الخبر السليم عن مزاحمته و أن وجود القياس و عدمه في نظره سيان، فلا إشكال في الحكم بكون الخبرين المذكورين عنده على حد سواء.
و من هنا يمكن جريان التفصيل السابق بأنّه إن كان الدليل المذكور المقيد اعتباره بالظن ممّا دل الشرع على اعتباره لم يزاحمه القياس، الذي دل الشرع على كونه كالعدم من جميع الجهات، التي لها مدخل في الوصول إلى دين اللّه و إن كان ممّا دل على اعتباره العقل الحاكم بتعيين الأخذ بالراجح عند انسداد باب العلم و الطرق الشرعية، فلا وجه لاعتباره مع مزاحمة القياس الرافع لما هو مناط حجيته أعني الظن فإن غاية الأمر صيرورة مورد اجتماع تلك الأمارة، و القياس مشكوكا، فلا يحكم العقل فيه بشيء، إلاّ أنّ يدعي المدعي أن العقل بعد تبين حال القياس، لا يسقط عنده الأمارة المزاحمة به عن القوة التي تكون لها على تقدير عدم المزاحم و إن كان لا يعبر عن تلك
القوة حينئذ بالظن و عن مقابلها بالوهم.
و الحاصل: أن العقلاء إذا وجدوا في شهرة خاصة أو إجماع منقول مقدارا من القوة و القرب إلى الواقع و التجئوا إلى العمل على طبقهما مع فقد العلم و علموا حال القياس ببيان الشارع أنّه لا عبرة بما يفيده من الظن، و لا يرضى الشارع بدخله في دين اللّه لم يفرقوا بين كون الشهرة و الإجماع المذكورين مزاحمين بالقياس أم لا، لأنّه لا ينقصهما عما هما عليه من القوة و المزية المسماة بالظن الشأني و النوعي و الطبعي.
و ممّا ذكرنا صح للقائلين بمطلق الظن لأجل الانسداد، إلاّ ما خرج أن يقولوا بحجية الظن الشأني بمعنى أن الظن الشخصي إذا ارتفع عن الأمارات المشمولة لدليل الانسداد بسبب الأمارات الخارجة عنه لم يقدح ذلك في حجيتها، بل يجب القول بذلك على رأي بعضهم ممن يجري دليل الانسداد في كل مسألة مسألة، لأنّه إذا فرض في مسألة وجود أمارة مزاحمة بالقياس، فلا وجه للأخذ بخلاف تلك الأمارة فافهم.
هذا كلّه مع استمرار السيرة على عدم ملاحظة القياس في مورد من الموارد الفقهية و عدم الاعتناء به في الكتب الأصولية، فلو كان له أثر شرعي و لو في الوهن لوجب التعرض لأحكامه في الأصول و البحث و التفتيش عن وجوده في كل مورد من موارد الفروع، لأن الفحص عن الموهن كالفحص عن المعارض واجب، و قد تركه أصحابنا في الأصول و الفروع، بل تركوا روايات من اعتنى به منهم و إن كان من المؤسسين لتقرير الأصول و تحرير الفروع كالإسكافي الذي نسب إليه أن تدوين أصول الفقه من الإمامية منه و من العماني يعني ابن عقيل قدس سرهما و في كلام آخر أن تحرير الفتاوى في الكتب المستقلة منهما أيضا جزاهما اللّه و جميع من سبقهما و لحقهما خير
الجزاء.
ثمّ إنّك تقدر بملاحظة ما ذكرنا في التفصي عن إشكال خروج القياس عن عموم دليل الانسداد من الوجوه على التكلم فيما سطرنا، هاهنا نقضا و إبراما.
هذا تمام الكلام في وهن الأمارة المعتبرة بالظن المنهي عنه بالخصوص كالقياس و شبهه.
و أمّا الظن الذي لم يثبت إلغاؤه، إلاّ من جهة بقائه تحت أصالة حرمة العمل بالظن، فلا إشكال في وهنه لما كان من الأمارات اعتبارها مشروطا بعدم الظن بالخلاف فضلا عمّا كان اعتباره مشروطا بإفادة الظن و السر فيه انتفاء الشرط، كما أنه لا إشكال في عدم الوهنية إذا كان اعتبارها من باب الظن النوعي.
و توهم جريان ما ذكرنا في القياس هنا من جهة أن النهي يدلّ على عدم كونه مؤثرا أصلا فوجوده كعدمه من جميع الجهات مدفوع.
و قد عرفت أنّه على قسمين: أحدهما ما ورد النهي عنه بالخصوص كالقياس و شبهه، و الآخر ما لم يعتبر لأجل عدم الدليل و بقائه تحت أصالة الحرمة.
أمّا الأول: فالظاهر من أصحابنا عدم الترجيح به، نعم يظهر من المعارج
وجود القول به بين أصحابنا حيث قال في باب القياس: «ذهب ذاهب إلى أن الخبرين إذا تعارضا و كان القياس موافقا لما تضمنه، أحدهما: كان ذلك وجها يقتضي ترجيح ذلك الخبر على معارضه، و يمكن أن يحتج لذلك بأن الحق في أحد الخبرين، فلا يمكن العمل بهما و لا طرحهما فتعين العمل بأحدهما و إذا كان التقدير تقدير التعارض، فلا بدّ في العمل بأحدهما من مرجح و القياس يصلح أن يكون مرجحا لحصول الظن به فتعين العمل بما طابقه.
لا يقال: أجمعنا على أن القياس مطروح في الشريعة.
لأنّا نقول بمعنى أنه ليس بدليل على الحكم لا بمعنى أنّه لا يكون مرجحا لأحد الخبرين على الآخر و هذا لأنّ فائدة كونه مرجحا كونه رافعا للعمل بالخبر المرجوح، فيعود الراجح كالخبر السليم عن المعارض فيكون العمل به، لا بذلك القياس و فيه نظر»(1)انتهى.
و مال إلى ذلك بعض سادة مشايخنا المعاصرين قدست أسرارهم بعض الميل و الحق خلافه، لأنّ رفع الخبر المرجوح بالقياس عمل به حقيقة (1) فإنّه
الشرح
(1) لا يخفى عليك أنّ ما أفاده المحقّق قدس سره من الاستدلال للتّرجيح بالقياس على ما ذهب إليه بعض الأصحاب، و مال إليه السيّد في المناهل يرجع إلى الكليّة المسلّمة بينهم من لزوم التّرجيح بكلّ ما يوجب رجحان أحد المتعارضين على صاحبه، و ما ذكره أخيرا يرجع إلى بيان الفرق بين جعل الشّيء حجّة و جعله مرجّحا و الفرق بينهما ظاهر على تقدير تسليم اختصاص دليل المنع بجعل القياس حجّة و دليلا في المسألة، و إنّما الكلام في الاختصاص المذكورة، فإنه إن سلّم
1) معارج الأصول، ص 186.
........
الشرح
عدم قياس الإجماع على العنوان الأعمّ، مع أنّه في حيّز المنع كما أشار إليه قدس سره بقوله: (و فيه نظر لا نسلم اختصاص الأخبار المانعة بجعله دليلا و حجّة في المسألة)، فإنّ المنهي بها استعمال القياس في الدّين و الاستناد إليه في استنباط الأحكام الشّرعيّة و لا ريب في رجوع التّرجيح إلى العنوان المنهيّ عنه، ضرورة استناد الحكم التّعييني في مقابل التّخيير و المنع عن الأخذ بالمرجوح أو الأصل في المسألة أو الاحتياط فيها كلّ على مذهبه إلى الرّجحان، فالفرق المذكور لا يجدي شيئا، و ممّا ذكرنا يظهر أنّ ما أفاده المحقّق قدس سره بقوله: (و القياس يصلح أن يكون مرجّحا لحصول الظّن منه) يرجع إلى إثبات الصّغرى لكليّة الكبرى المسلّمة بينهم، لا إلى جعل الظّن الحاصل منه جزءا للمقتضي، نعم لا إشكال في كونه سببا لحدوث عنوان الرّاجح و المرجوح في الخبر الموافق له و المخالف له، فإنّ كان المراد من جزء المقتضي في الكتاب هذا المعنى كان مستقيما، لكنّه خلاف ظاهره، فإنّه يأبى عن الحمل المذكور قوله: (مع أنّ مقتضى الاستناد في التّرجيح به) إلى آخره.
نعم لو كان المراد من المقتضي في الكتاب العلّة التّامّة كما يدلّ عليه قوله قدس سره في مقام الفرق بين الدّليل و المرجّح: (و الفرق بين المرجّح و الدّليل ليس إلاّ أنّ الدّليل مقتض) إلى آخره، صحّ ما أفاده قدس سره بعد جعل عنوان المحرم مطلق استعمال القياس في الدّين هذا على القول بحجيّة الأخبار سندا و دلالة من باب الظّن النّوعي كما هو المشهور بين أهل الظّنون الخاصّة و عليه مبنى كلام المحقّق قدس سره، و أمّا على القول بحجيّة الظّن المطلق في الأحكام الشّرعيّة بناء على دوران الحجيّة مدار الظّن الشّخصي الفعليّ بالأحكام الشّرعيّة الفرعيّة الواقعيّة كما هو المشهور بين أهل الظّنون المطلقة، فيكون القياس تمام العلّة و الحجّة المستقلّة أو جزء العلّة على تقدير كونه علّة تامّة للظّن من غير أن يكون مدخل للمنضمّ إليه في حصوله أو جزء العلّة على تقدير استناد حصول الظن إليهما، لأن
لو لا القياس كان العمل به جائزا و المقصود تحريم العمل به لأجل القياس و أي عمل أعظم من هذا و الفرق بين المرجح و الدليل ليس إلاّ أن الدليل مقتض لتعين العمل به و المرجح رافع للمزاحم عنه، فلكل منهما مدخل في العلة التامة لتعين العمل به، فإذا كان استعمال القياس محظورا و أنّه لا يعبأ به في الشرعيات كان وجوده كعدمه غير مؤثر، مع أن مقتضى الاستناد في الترجيح به إلى إفادته للظن كونه من قبيل الجزء لمقتضى تعين العمل لا
الشرح
الحجّة و الدّليل في المسألة على هذا القول وصف الظّن، و من هنا لا يمكن تحقّق التّعارض على هذا القول، نعم على القول بكون نتيجة مقدّمات دليل الانسداد حجيّة الظّن في خصوص الطّريق و المسألة الأصوليّة أو كونها حجيّة الظّنّ في المسألتين يمكن فرض التّعارض بين الأمارتين من غير اعتبار حصول الظّن منهما، و عليه يمكن فرض التّرجيح بالقياس المفيد للظّن في المسألة الفرعيّة على طبق إحدى الأمارتين كالقول بحجيّة المتعارضين من باب الظّن الخاصّ على ما يظهر من القائل بحجيّة الظّن في الطّريق من التّرجيح بما كان من مظنون الحجيّة من المتعارضين مفيدا للظّن بالمسألة الفرعيّة على ما عرفت في الأمر الأوّل و إن كان القول به على مقالتهم لا يساعد عليه الدّليل، و بالجملة لا إشكال في عدم جواز التّرجيح بالقياس و أشباهه فيما يتصوّر التّرجيح به، بل يمكن دعوى الإجماع عليه و يكفي دليلا على استمرار سيرة الأصحاب في باب التّرجيح أصولا و فروعا عند تعارض الأخبار و سائر الأمارات المعتبرة، و أمّا عنوان بعض الأصحاب للقياس في الأصول و التّعرض لأقسامه، فإنّما هو لتميزه و تحقيق حقيقته و الفرق بين ما يحكم بحجيّته عند الخاصّة كالمنصوص العلّة الّذي يرجع إلى دلالة اللّفظ و المنقّح العلّة على وجه القطع و بين ما لا يحكم بحجيّته عندهم، و ما وقع الكلام فيه كالقياس بطريق أولى و إن كان المشهور بينهم المنع عن العمل به.
من قبيل دفع المزاحم، فيشترك مع الدليل المنضم إليه في الاقتضاء.
هذا كلّه على مذهب غير القائلين بمطلق الظن، و أمّا على مذهبهم فيكون القياس تمام المقتضي بناء على كون الحجة عندهم الظن الفعلي، لأنّ الخبر المنضم إليه ليس له مدخل في حصول الظن الفعلي بمضمونه، نعم قد يكون الظن مستندا إليهما، فيصير من قبيل جزء المقتضي.
و يؤيد ما ذكرنا، بل يدل عليه استمرار سيرة أصحابنا الإمامية رضوان اللّه عليهم في الاستنباط على هجره و ترك الاعتناء بما حصل لهم من الظن القياسي أحيانا فضلا عن أن يتوقفوا في التخيير بين الخبرين المتعارضين مع عدم مرجح آخر، أو الترجيح بمرجح موجود إلى أن يبحثوا عن القياس كيف و لو كان كذلك لاحتاجوا إلى عنوان مباحث القياس، و البحث فيه بما يقتضي البحث عنها على تقدير الحجية.
فالكلام في الترجيح به يقع في مقامات:
الشرح
(1) لا يخفى عليك أنّ الكلام في التّرجيح بالظّن الغير المعتبر من جهة الأصل الأوّلي إنّما هو فيما لم يحكم بحجيّته، مع إمكان الحكم بها بالنّسبة إليه كما هو المفروض بالنّسبة إلى الوهن و الجبر به فالتّرجيح بالمزايا الدّاخليّة المتقوّمة بالمتعارضين خارج عن محلّ البحث، و إنّما يقع الكلام فيه في بحث التّعارض فالبحث في المقام إنّما هو في المرجّح الخارجي الموجب للظّن بالصّدور أو جهته أو إرادة حكم اللّه من أحد المتعارضين، و من هنا جعل الأقسام في المقام ثلاثة
الأول: الترجيح به في الدلالة بأن يقع التعارض بين ظهوري الدليلين كما في العامين من وجه و أشباهه، و هذا لا اختصاص له بالدليل الظني السند، بل يجري في الكتاب و السنة المتواترة.
الثاني: الترجيح به في وجه الصدور بأن نفرض الخبرين صادرين
الشرح
على خلاف ما صنعه في باب التّعارض من جعلها أربعة بجعل المرجّح المضموني قسما رابعا في قبال الأقسام المذكورة في المقام، فإنّ الكلام في باب التّعارض في مطلق التّرجيح و في المقام في التّرجيح بالظّن الموجود في المسألة الفرعيّة على طبق أحد المتعارضين، فلا بدّ أن يكون مرجّحا مضمونيّا لا محالة غاية الأمر أنّه قد يحصل منه الظّن بصدور أحد المتعارضين، و قد يحصل منه الظّن بجهة صدور أحدهما، و قد يظنّ منه إرادة الظّاهر من أحدهما على وجه التّفصيل و قد يظنّ منه أحد الأمور المذكورة على سبيل الإجمال، فيقوى به إحدى جهات أحد المتعارضين على سبيل الإجمال، و من هنا حكم قدس سره في باب التّعارض برجوع المرجّح المضموني إلى المرجّح الدّاخلي و إن فرّق بينهما بالإجمال و التّفصيل و إن كان ظاهر كلامه بعد ذلك في المقام، بل صريحه عدم التّلازم بينهما و هو الحقّ إن كان المراد الكشف القطعي و إن كان الظّني فلا نمنعه، إلاّ أنّ الكلام في اعتبار هذا الكشف إذا تعلّق بالدّلالة من حيث التّرجيح، فإنّ مقتضى القواعد الحكم بإجمال المتعارضين المتكافئين من حيث الظّهور اللّفظي إذا انحصر و جهة التّصرف في الدّلالة و إن كان أحدهما موافقا للظّن الخارجي على القول باعتبارهما من حيث الظّن النّوعي المطلق بالمعنى الّذي عرفته، إذ على سائر الأقوال لا يتصوّر التّعارض بينهما مع وجود الظّن الشّخصي الخارجي على طبق أحدهما بالضّرورة كما صرّح به في الكتاب، اللّهم إلاّ أن يستفاد ممّا ورد في باب العلاج لزوم التّرجيح به، فتأمّل و انتظر لتمام الكلام فيما يتعلّق بالمقام في الجزء الرّابع من التّعليقة.
و ظاهري الدلالة و انحصر التحير في تعيين ما صدر لبيان الحكم و تمييزه عما صدر على وجه التقية أو غيرها من الحكم المقتضية لبيان خلاف الواقع و هذا يجري في مقطوعي الصدور و في مظنوني الصدور مع بقاء الظن بالصدور في كل منهما.
الثالث: الترجيح به من حيث الصدور بأن صار بالمرجح أحدهما مظنون الصدور.
فتفصيل القول فيه أنّه إن قلنا بأن مطلق الظن على خلاف الظواهر يسقطها عن الاعتبار لاشتراط حجيتها بعدم الظن على الخلاف، فلا إشكال في وجوب الأخذ بمقتضى ذلك الظن المرجح، لكن يخرج حينئذ عن كونه مرجحا، بل يصير سببا لسقوط الظهور المقابل له عن الحجية لا لدفع مزاحمته للظهور المنضم إليه فيصير ما وافقه حجة سليمة عن المعارض إذ لو لم يكن في مقابل ذلك المعارض، إلاّ هذا الظن لأسقطه عن الاعتبار نظير الشهرة في أحد الخبرين الموجبة لدخول الآخر في الشواذ التي لا اعتبار بها، بل أمرنا بتركها و لو لم يكن في مقابلها خبر معتبر.
و أولى من هذا: إذا قلنا باشتراط حجية الظواهر بحصول الظن منها أو من غيرها على طبقها، لكن هذا القول سخيف جدا و الأول أيضا بعيد كما حققناه في مسألة حجية الظواهر.
و إن قلنا بأن حجية الظواهر من حيث إفادتها للظن الفعلي، و أنّه لا عبرة بالظن الحاصل من غيرها على طبقها أو قلنا بأن حجيتها من حيث الاتكال
على أصالة عدم القرينة، التي لا يعتبر فيها إفادتها للظن الفعلي فالأقوى عدم اعتبار مطلق الظن في مقام الترجيح، إذ المفروض على هذين القولين سقوط كلا الظاهرين عن الحجية في مورد التعارض، فإنّه إذا صدر عنه قوله مثلا اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه و ورد أيضا كل شيء يطير لا بأس بخرئه و بوله و فرض عدم قوة أحد الظاهرين من حيث نفسه على الآخر كان ذلك مسقطا لظاهر كليهما عن الحجية في مادة التعارض أعني خرء الطير الغير المأكول و بوله.
أمّا على القول الأوّل: فلأنّ حجية الظواهر مشروطة بالظن المفقود في المقام.
و أمّا على الثاني: فلأن أصالة عدم القرينة في كل منهما معارضة بمثلها في الآخر و الحكم في باب تعارض الأصلين مع عدم حكومة أحدهما على الآخر التساقط و الرجوع إلى عموم أو أصل يكون حجيته مشروطا بعدم وجودهما على قابلية الاعتبار، فلو عمل حينئذ بالظن الموجود مع أحدهما كالشهرة القائمة في المسألة المذكورة على النجاسة كنا قد عملنا بذلك الظن مستقلا لا من باب كونه مرجحا لفرض تساقط الظاهرين و صيرورتهما كالعدم، فالمتجه حينئذ الرجوع في المسألة بعد الفراغ من المرجحات من حيث السند أو من حيث الصدور تقية أو لبيان الواقع إلى قاعدة الطهارة
فتفصيل القول فيه أن أصالة عدم التقية (1) إن كان المستند فيها أصل العدم
الشرح
(1) الكلام في التّرجيح بالظّن الخارجي من حيث جهة الصّدور مفروض فيما
في كل حادث بناء على أن دواعي التقية التي هي من قبيل الموانع لإظهار الحق حادثة تدفع بالأصل، فالمرجع بعد معارضة هذا الأصل في كل خبر بمثله في الآخر هو التساقط.
و كذلك لو استندنا فيها إلى أن ظاهر حال المتكلم بالكلام خصوصا الإمام عليه السلام في مقام إظهار الأحكام التي نصب لأجلها هو بيان الحق، و قلنا بأن اعتبار هذا الظهور مشروط بإفادته الظن الفعلي المفروض سقوطه من الطرفين.
و حينئذ فإن عملنا بمطلق الظن في تشخيص التقية و خلافها بناء على حجية الظن في هذا المقام لأجل الحاجة إليه من جهة العلم بصدور كثير من الأخبار تقية و أن الرجوع إلى أصالة عدمها في كل مورد يوجب الإفتاء بكثير ممّا صدر تقية فتعين العمل بالظن، أو لأنا نفهم مما ورد في ترجيح (1) ما
الشرح
إذا انحصر التّصرف فيها بحيث كان كلّ من الصّدور و الدّلالة مفروغا عنه و لو بأن يكونا قطعيّين، فيعلم إجمالا بأنّ أحد المتعارضين صدر لغير بيان حكم اللّه من تقيّة أو غيرها كما هو مفروض الكلام في التّرجيح من حيث الصّدور و الدّلالة، فعلى هذا لا إشكال في الحكم بتساقط الأصل من الطّرفين إن كان مبناه التّعبّد و استصحاب عدم حدوث ما يوجب التّقيّة و نحوها، بل الحقّ عدم جريان الأصلين مع العلم الإجمالي المفروض، كما ستقف على شرح القول فيه في محلّه، كما أنّه لا إشكال في عدم جريانهما على القول بإناطة اعتبار الأصل بحصول الظّن الشّخصي من نفس ظهور حال المتكلّم كعدم الإشكال في عدم جريان ما يخالف الظّن الخارجي على القول بإناطة اعتباره بحصول الظّن الشّخصي في مورده، أو بعدم الظّن على الخلاف.
(1) لا يخفى عليك أنّ المعطوف عليه قوله لأجل الحاجة إليه الرّاجع إلى
خالف العامة على ما وافقهم كون ذلك من أجل كون الموافقة مظنة للتقية فتعين العمل بما هو أبعد عنها بحسب كل أمارة كان ذلك الظن دليلا مستقلا في ذلك المقام، و خرج عن كونه مرجحا.
و لو استندنا فيها إلى الظهور المذكور و اشترطنا في اعتباره عدم الظن على خلافه كان الخبر الموافق لذلك الظن حجة سليمة عن المعارض، لا عن المزاحم كما عرفت نظيره في المقام الأول.
و إن استندنا فيها إلى الظهور النوعي نظير ظهور فعل المسلم في الصحيح و ظهور تكلم المتكلم في كونه قاصدا لا هازلا و لم يشترط في اعتباره الظن الفعلي، و لا عدم الظن بالخلاف تعارض الظاهران، فيقع الكلام في الترجيح بهذا الظن المفروض و الكلام فيه يعلم مما سيجيء.
فالكلام فيه أيضا مفروض فيما إذا لم نقل بحجية الظن المطلق و لا بحجية
الشرح
إجراء دليل الانسداد في خصوص هذه المسألة، و ما أفاده في المعطوف في غاية الإشكال، فإنّ صريح الأخبار التّرجيح بمخالفة العامّة و وجوب الأخذ بالخبر المخالف للقوم، لا الحكم بطرحهما بحيث كان الظّن مرجعا فتدبّر.
(1) حقّ العبارة أن يذكر بدل السّند الصّدور فكأنّه قدس سره لاحظ في هذا التّعبير مورد المرجّح بحسب الغالب لا مورد الرجحان، ثمّ إنّ ما أفاده بقوله إذ الكلام فيه أيضا مفروض فيما إذا لم نقل بحجيّة الظّن المطلق محلّ مناقشة، إذ القول بحجيّة الظّن المطلق و إن كان يجامع القول بحجيّة بعض الظّنون من حيث الخصوص مع عدم كفايته في الفقه كالأخبار المصحّحة بالعدلين، إلاّ أنّ في مورد وجود الظّن الخاص، لا معنى لتوهّم حجيّة الظّن المطلق بدليل الانسداد، إذ
........
الشرح
الانسداد إذا كان علة يدور الحكم مداره وجودا و عدما و هذا مع غاية وضوحه قد مضى الكلام في توضيحه في مطاوي كلماتنا السّابقة فراجع إليها.
ثمّ إنّ الكلام في ترجيح الصّدور بالظّن الخارجي مفروض فيما إذا انحصر التّصرف فيه بحيث كان كلّ من جهتي الصّدور و الدّلالة مفروغا بأن كانا قطعيّين على ما عرفت الإشارة إليه في التّرجيح به من حيث جهة الصّدور أو الدّلالة، فإذا كان صدور أحدهما مظنونا بالظّن الشّخصي يكون صدور الآخر موهوما لا محالة على ما فرضنا، فالأقسام المتصوّرة في الكتاب إنّما هي بالنّسبة إلى أدلّة الصّدور و الحكم بتصديق المتعارضين، فلا يتوجّه أنّ الظّن بصدور أحد المتعارضين بالظّن الشّخصي لا ينافي الظّن بصدور الآخر كذلك إذ ربما يقع التّعارض بين القطعيّين من حيث الصدور كالآيتين و المتواترين لفظا و منه ينقدح استقامة ما أفاده قدس سره من عدم إمكان التّرجيح بالظّن الخارجي، إلاّ على القول بحجيّة المتعارضين من باب الظّن النّوعي بصدورهما، ثمّ إنّ ما أفاده قدس سره من أنّ مقتضى الأصل الأوّل في الظّن عدم التّرجيح به، كما أنّ مقتضى الأصل الأوّلي عدم حجيّته قد عرفت توضيح القول فيه إنّما الكلام في المقام في الجمع بين الأصل المذكور و الأصل الّذي تمسّك به للتّرجيح بالظّن الخارجي و هو الوجه الأوّل، الّذي يرجع إلى تقريرين أحدهما قاعدة الاشتغال نظرا إلى رجوع الشّكّ في المقام بعد فرض عدم الإطلاق للأخبار الحاكمة بالتّخيير إلى دوران الأمر بين التّخيير و التّعيين و المشهور المختار الرّجوع فيه إلى قاعدة الاشتغال لا البراءة، ثانيهما الأصل الأوّلي في الظّن من حيث إن الشّك يرجع بالأخرة إلى الشّك في حجيّة المرجوح فعلا و إن كان أصل حجيّته الشّأنيّة مفروغا عنها، و إلاّ لم يقع التّعارض و لا فرق في الرّجوع إلى الأصل المذكور فيما يشكّ في حجيّته بين القسمين أصلا، كما لا يخفى و لو قيل بالبراءة في مسألة الدّوران في المكلّف به الشّرعي في المسألة
........
الشرح
الفقهيّة لم يكن معنى للقول بها في المقام و أمثاله لرجوع الشّك فيه إلى الشّك في الطّريق، فإنّه قد يقال بعدم إمكان الجمع بين الأصلين، فإنّ الشّك في مجرى الأصل الثّاني بكلا تقريره مسبّب عن الشّك في كون الظنّ الخارجي مرجّحا و معيّنا عند الشّارع للرّاجح، فإذا حكم الشّارع بعدم الاعتناء بهذا الشّك، فيثبت في حكمه التّخيير بين الخبرين و جواز الأخذ بالمرجوح فعلا فيرفع الشّك الّذي هو مجرى الأصل الثّاني بكلا تقرير بحكم الشّارع فلا مجرى له أصلا، و هذا معنى عدم إمكان الجمع بينهما.
فإن شئت قلت: إنّ الشّك في حجيّة المرجوح فعلا و احتمال تعيّن الأخذ بالرّاجح مسبّب عن احتمال اعتبار الظّن الخارجي في مقام التّرجيح، فإذا حكمنا بمقتضى الأصل الأوّلي في الظّن بإلقاء هذا الاحتمال و عدم الاعتناء به كما هو المفروض كان معناه عدم الالتفات إلى الشّك و الاحتمال المذكورين و لازمه الحكم بحجيّة المرجوح فعلا، فالأصل الأوّل حاكم على أصالة عدم حجيّة المرجوح و وارد على قاعدة الشّغل على تقدير جريانها في المقام أن التّحقيق كونه واردا على أصالة عدم حجيّة المرجوح أيضا لو كان الموضوع فيها عدم العلم بالحجيّة واقعا و ظاهرا كما يقتضيه التّحقيق بالنّسبة إلى العقل الحاكم بالأصل المذكور، بل بالنّسبة إلى الدّليل الشّرعي القائم عليه لاستبعاد الاختلاف بين موضوع الحكمين لعدم تصور الحكومة بالنّسبة إلى الأحكام العقليّة، فإنّ مرجعها إلى التّخصيص بلسان التّفسير كما وقع التصريح به في غير موضع من الكتاب و توهّم عكس ذلك يجعل أصالة عدم حجيّة المرجوح أو القاعدة واردا على أصالة عدم التّرجيح بالظّن الخارجي فاسد جدّا، لأنّ الشكّ فيها ليس مسبّبا عن الشّك في مجرى الأصلين، بل الشّك فيه مسبّب عن الشّكّ في كونه مرجّحا و معينا في نظر الشّارع، و هذا بخلاف الشّك في مجرى الأصلين على ما عرفت و تسبّب
........
الشرح
كلّ منهما عن الآخر أيضا غير معقول، ضرورة استحالة كون الشّيء علّة لشيء و معلولا له نعم تعيّن الأخذ بالرّاجح من المتعارضين و ثبوته يستلزم مرجّحية الظّن الموجب للتّرجيح على سبيل الاستكشاف لكنّه ليس مختصّا بالمقام، بل يجري بالنّسبة إلى كلّ علّة و معلول، لأنّه من قضيّة العليّة بين الشّيئين، فإنّ العلم بعدم المعلول كاشف عن عدم علّته، كما أنّ العلم بوجوده كاشف عن وجودها و هذا مع وضوحه سيأتي القول فيه إن شاء اللّه تعالى مشروحا في محلّه هذا و قد يدفع الإشكال و يرفع التّنافي المزبور بأنّ جريان القاعدة أو أصالة عدم حجيّة المرجوح من أحكام احتمال لزوم الأخذ بالظّن الخارجي في مقام التّرجيح و احتمال تعيّن الأخذ بالرّاجح من المتعارضين و الأصل الأوّلي الجاري في الظّن الخارجي لا ينفى به إلاّ الحكم المترتّب شرعا على المحتمل، و أمّا الحكم المترتّب على الاحتمال فلا ينفى به.
فإن شئت قلت: إنّ جواز الأخذ بالرّاجح إنّما هو من جهة كونه متيقّن الحجيّة على كلّ تقدير لا من جهة البناء على مرجحيّة الظّن الخارجي و عدم جواز الأخذ بالمرجوح أيضا ليس من جهة البناء على مرجحيّة الظّن الخارجي، و إنّما هو من جهة احتمال عدم جواز الأخذ به، فليس هنا بناء و اعتناء بمرجحيّة الظّن الخارجي حتى ينفيهما ما دلّ على عدم البناء و الاعتناء عند الشّك في المرجحيّة، و بعبارة ثالثة الأصل الأوّلي الجاري في الظّن لا يمكن أن يثبت خلاف مقتضاه و يجعل المشكوك حجّة، فالحكم بحجيّة المرجوح فعلا إن كان من جهة إطلاق أخبار التّخيير، فالمفروض جعلها في مقام الإهمال أو الإغماض عن إطلاقها و إن كان من جهة الأصل الجاري في الرّجحان فهو يرجع إلى ما ذكرنا من جعل أصالة عدم الاعتناء بالظّن دليلا على اعتباره و بعبارة رابعة المقام نظير ما لو علم إجمالا بحجيّة بعض الأمارات القائمة على المسائل الفقهيّة من حيث الخصوص أو من باب الظّن
........
الشرح
المطلق على تقدير إهمال النّتيجة، فإنّ الأخذ بالمتيقّن منها على تقدير كفايته أو بالجميع من باب الاحتياط لا ينافي كون الأصل في الظّن عدم الحجيّة، فإذا كان الرّاجح متيقّن الحجيّة على كلّ تقدير و المرجوح مشكوك الحجيّة لم يناف الحكم بتعيّن الأخذ بالرّاجح من حيث تيقّنه أو الاحتياط كون الأصل الأوّلي في الظّن عدم التّرجيح به.
و هذا الكلام و إن لم يخل عن نقض و إبرام إلاّ أنّه غاية ما يخطر بالبال في دفع الإشكال و عليك بالتّأمّل فيه، فإنّه غير نقيّ عن الإشكال و لم أقف على من تعرّض له و لدفعه إلاّ شيخنا الأستاذ العلاّمة قدس سره في مجلس المذاكرة ببعض التّقريرات الّتي عرفتها و قد طال البحث بيني و بينه في هذا المقام، و لعلّني أتكلّم فيه زيادة على ذلك في بحث التّعارض على ما يساعدنا التّوفيق من الّذي بيده ملكوت كلّ شيء و هو على كلّه قدير تعالى شأنه، ثمّ إنّ ما أفاده قدس سره في دفع توهّم عدم كلّية قاعدة الشّغل في المقام نظرا إلى وقوع التّعارض أحيانا بين الاحتياط في المسألة الأصوليّة و المسألة الفرعيّة، بل يحكم بترجيح الاحتياط في الثّانية على الأولى في المقام كما سبق التّنبيه عليه في معمّمات نتيجة دليل الانسداد على ما في الكتاب من بيان التّوهّم بقوله مدفوع بأنّ المفروض فيما نحن فيه عدم وجوب الأخذ بما وافق الاحتياط من الخبرين لو لا الظّن إلى آخر ما أفاده و إن كان مستقيما، و لا يتوجّه عليه أنّ البناء في المقام على إهمال أخبار التّخيير فكيف يتمسّك بإطلاقه لإبطال الأصل في المسألة الفرعيّة، لأنّ الإهمال المدّعى إنّما هو في قبال المرجّحات لا مطلقا، و لا تنافي بين كون القضيّة المطلقة في مقام الإهمال من جهة و البيان من جهة أخرى كما هو واضح، إلاّ أنّ ما أفاده من ترجيح الاحتياط في المسألة الفرعيّة على الاحتياط في المسألة الأصوليّة في بيان التّوهم مشيرا إلى ما أفاده قدس سره في معمّمات نتيجة دليل الانسداد قد عرفت الكلام فيه ثمّة و أنّ التّعارض لا يتصوّر بين الاحتياطين أصلا.
الخبرين بشرط إفادة الظن و لا بشرط عدم الظن على خلافه، إذ يخرج الظن المفروض على هذه التقادير عن المرجحية، بل يصير حجة مستقلة على الأول سواء كان حجية المتعارضين من باب الظن المطلق أو من باب الاطمئنان أو من باب الظن الخاص، فإنّ القول بالظن المطلق لا ينافي القول بالظن الخاص في بعض الأمارات كالخبر الصحيح بعدلين و يسقط المرجوح عن الحجية على الأخيرين، فيتعين أن الكلام في مرجحيته فيما إذا قلنا بحجية كل منهما من حيث الظن النوعي كما هو مذهب الأكثر.
و الكلام يقع تارة في الترجيح بالظن في مقام لولاه لحكم بالتخيير و أخرى في الترجيح به في مقام المرجحات المنصوصة في الأخبار العلاجية.
أمّا الكلام في الأول و ملخصه أنّه لا ريب في أن مقتضى الأصل عدم الترجيح، كما أن الأصل عدم الحجية، لأن العمل بالخبر الموافق لذلك الظن إن كان على وجه التدين و الالتزام بتعين العمل به من جانب الشارع و أن الحكم الشرعي الواقعي هو مضمونه، لا مضمون الآخر من غير دليل قطعي يدل على ذلك فهو تشريع محرم بالأدلة الأربعة و العمل به، لا على هذا الوجه محرم إذا استلزم مخالفة القاعدة أو الأصل الذي يرجع إليه على تقدير فقد هذا الظن، فالوجه المقتضي لتحريم العمل بالظن مستقلا من التشريع أو مخالفة الأصول القطعية الموجودة في المسألة جار بعينه في الترجيح بالظن و الآيات و الأخبار الناهية عن القول بغير علم كلها متساوية النسبة إلى الحجية و إلى المرجحية، و قد عرفت في الترجيح بالقياس أن المرجح يحدث حكما شرعيا لم يكن مع عدمه و هو وجوب العمل بموافقته عينا مع كون الحكم لا معه هو التخيير أو الرجوع إلى الأصل الموافق للآخر هذا.
و لكن الذي يظهر من كلمات معظم الأصوليين هو الترجيح بمطلق الظن.
و ليعلم أولا: أن محل الكلام كما عرفت في عنوان المقامات الثلاثة أعني الجبر و الوهن و الترجيح هو الظن الذي لم يعلم اعتباره.
فالترجيح به من حيث السند أو الدلالة ترجيح بأمر خارجي و هذا لا دخل له بمسألة أخرى اتفاقية و هي وجوب العمل بأقوى الدليلين و أرجحهما.
فإنّ الكلام فيها في ترجيح أحد الخبرين، الذي يكون بنفسه أقوى من الآخر من حيث السند كالأعدل و الأفقه أو المسند أو الأشهر رواية أو غير ذلك، أو من حيث الدلالة كالعام على المطلق و الحقيقة على المجاز و المجاز على الإضمار و غير ذلك، و بعبارة أخرى الترجيح بالمرجحات الداخلية من جهة السند اتفاقي و استفاض نقل الإجماع من الخاصة و العامة على وجوب العمل بأقوى الدليلين عن الآخر.
و الكلام هنا في المرجحات الخارجية المعاضدة لمضمون أحد الخبرين الموجبة لصيرورة مضمونه أقرب إلى الواقع من مضمون الآخر.
نعم لو كشف تلك الأمارة عن مزية داخلية لأحد الخبرين على الآخر من حيث سنده أو دلالته دخلت في المسألة الاتفاقية و وجب الأخذ بها، لأنّ العمل بالراجح من الدليلين واجب إجماعا سواء علم وجه الرجحان تفصيلا أم لم يعلم إلاّ إجمالا.
و من هنا ظهر أن الترجيح بالشهرة و الإجماع المنقول إذا كشفنا عن مزية داخلية في سند أحد الخبرين أو دلالته ممّا لا ينبغي الخلاف فيه، نعم لو لم يكشفا عن ذلك إلا ظنا ففي حجيته أو
إلحاقه بالمرجح الخارجي وجهان أقواهما الأول كما سيجيء.
و كيف كان فالذي يمكن أن يستدل به للترجيح بمطلق الظن الخارجي وجوه الأول قاعدة الاشتغال لدوران الأمر بين التخيير و تعيين الموافق للظن.
و توهّم: «أنه قد يكون الطرف المخالف للظن موافقا للاحتياط اللازم في المسألة الفرعية فيعارض الاحتياط في المسألة الأصولية، بل يرجح عليه في مثل المقام كما نبهنا عليه عند الكلام في معممات نتيجة دليل الانسداد»، مدفوع بأن المفروض فيما نحن فيه عدم وجوب الأخذ بما وافق الاحتياط من الخبرين لو لا الظن:
لأنّ الأخذ به إن كان من جهة اقتضاء المورد للاحتياط، فقد ورد عليه حكم الشارع بالتخيير المرخص للأخذ بخلاف الاحتياط و براءة الذمة من الواقع في حكم الشارع بالعمل بالخبر المخالف له، و لهذا يحكم بالتخيير أيضا و إن كان أحدهما موافقا للاستصحاب و الآخر مخالفا، إذ كما أن الدليل المعين للعمل به يكون حاكما على الأصول كذلك الدليل المخير في العمل به و بمعارضه.
و إن كان من جهة بعض الأخبار الدالة على وجوب الأخذ بما وافق الاحتياط و طرح ما خالفه، ففيه ما تقرر في محله من عدم نهوض تلك الأخبار لتخصيص الأخبار الدالة على التخيير.
بل هنا كلام آخر و هو أن حجية الخبر المرجوح في المقام، و جواز الأخذ به يحتاج إلى توقيف، إذ لا يكفي في ذلك ما دل على حجية كلا المتعارضين بعد فرض امتناع العمل بكل منهما، فيجب الأخذ بالمتيقن جواز العمل به و طرح المشكوك و ليس المقام مقام التكليف المردد بين التعيين و التخيير، حتى يبنى على مسألة البراءة و الاشتغال و تمام الكلام في خاتمة الكتاب في مبحث التراجيح إن شاء اللّه تعالى.
الثاني: ظهور الإجماع على ذلك كما استظهره بعض مشايخنا فتراهم يستدلون في موارد الترجيح ببعض المرجحات الخارجية بإفادته للظن
بمطابقة أحد الدليلين للواقع، فكان الكبرى و هي وجوب الأخذ بمطلق ما يفيد الظن على طبق أحد الدليلين مسلمة عندهم، و ربّما يستفاد ذلك من الإجماعات المستفيضة على وجوب الأخذ بأقوى المتعارضين، إلاّ أنّه يشكل بما ذكرنا من أن الظاهر أن المراد بأقوى الدليلين منهما ما كان كذلك في نفسه و لو انكشف أمر خارجي عن ذلك كعمل الأكثر الكاشف عن مرجح داخلي لا نعلمه تفصيلا، فلا يدخل فيه ما كان مضمونه مطابقا لأمارة غير معتبرة كالاستقراء و الأولوية الظنية مثلا على تقدير عدم اعتبارهما، فإن الظاهر خروج ذلك عن معقد تلك الإجماعات و إن كان بعض أدلتهم الأخر قد يفيد العموم، لما نحن فيه كقبح ترجيح المرجوح، إلاّ أنّه لا يبعد أن يكون المراد المرجوح في نفسه من المتعارضين، لا مجرد المرجوح بحسب الواقع، و إلاّ اقتضى ذلك حجية نفس المرجح مستقلا.
نعم الإنصاف: أن بعض كلماتهم يستفاد منه أن العبرة في الترجيح بصيرورة مضمون أحد الخبرين بواسطة المرجح أقرب إلى الواقع من مضمون الآخر.
و قد استظهر بعض مشايخنا الاتفاق على الترجيح بكل ظن ما عدا، فمنها ما تقدم عن المعارج من الاستدلال للترجيح بالقياس: «بكون مضمون الخبر الموافق له أقرب إلى الواقع من مضمون الآخر».
و منها: ما ذكروه في مسائل تعارض الناقل مع المقرر، فإنّ مرجع ما ذكروا فيها لتقديم أحدهما على الآخر إلى الظن بموافقة أحدهما لحكم اللّه الواقعي، إلاّ أنّ يقال إن هذا الظن حاصل من نفس الخبر (1) المتصف بكونه مقررا أو ناقلا.
الشرح
(1) تعليلهم لتقديم النّاقل بأنّ التّأسيس أولى من التّأكيد و أنّ اهتمام الشّارع
و منها: ما ذكروه في ترجيح أحد الخبرين بعمل أكثر السلف معللين بأن الأكثر يوفق للصواب بما لا يوفق له الأقل، و في ترجيحه بعمل علماء المدينة، إلاّ أن يقال أيضا إن ذلك كاشف عن مرجح داخلي في أحد الخبرين.
و بالجملة فتتبع كلماتهم يوجب الظن القوي، بل القطع بأن بناءهم على الأخذ بكل ما يشتمل على ما يوجب أقربيته إلى الصواب سواء كان لأمر راجع إلى نفسه أو لاحتفافه بأمارة أجنبية توجب قوة مضمونها.
ثمّ لو فرض عدم حصول القطع من هذه الكلمات (1) بمرجحية الظن
الشرح
ببيان المحرّمات لا المباحات، فيظنّ صدور الخبر المخالف للأصل و إن جامع ما أفاده في الاستدراك، إلاّ أنّ تعليلهم لتقديم الخبر المقرّر الموافق للأصل باعتضاده بالأصل فيظنّ صدور الخبر الموافق له بناء على القول باعتباره من باب الظّن لا يجامعه، و إلاّ أمكن أن يقال في جميع موارد التّرجيح بالظّن الخارجي إنّ الظّن حاصل من الخبر الموافق له فافهم.
(1) عدم وجوب العمل بما ظنّ اعتباره في مقابل الأصول العمليّة ما لم ينته إلى القطع كما هو المفروض، بل عدم جوازه أمر واضح لا سترة فيه أصلا، لأنّه مقتضى الأصل الأوّلي المقرّر في الظّن و أمّا الاكتفاء به في مقابل التّخيير المرجع في المقام فلوجهين:
أحدهما: كون قضيّة الأخبار القاضية بالتّخيير قضيّة مهملة بالنّسبة إلى ما يظنّ التّرجيح به فيحكم بمقتضى ما عرفت في الوجه الأوّل بلزوم الأخذ بالرّاجح، اللّهم إلاّ أن يقال بعد فرض الإهمال إنّ المرجح هو الرّاجح من المتعارضين بناء على الوجه المذكور و إن لم يكن هناك ما يوجب الظّن بمرجحيّة الأمارة الخارجيّة فليس للظّن المذكور تأثير أصلا.
المطلق المطابق لمضمون أحد الخبرين، فلا أقل من كونه مظنونا و الظاهر وجوب العمل به في مقابل التخيير و إن لم يجب العمل به في مقابل الأصول، و سيجيء بيان ذلك إن شاء اللّه تعالى.
الشرح
ثانيهما: أنّ ذهابهم إلى الأخذ بالخبر الموافق للأمارة الخارجيّة و إن لم يصل إلى حدّ الإجماع، إلاّ أنّه يوجب الوهن في إطلاقات التّخيير على تقدير تسليم كونها في مقام البيان و الإطلاق من حيث إعراضهم عنه، فيرجع بعد الوهن الحاصل في الإطلاقات من جهة الإعراض إلى الوجه الأوّل و الفرق بين الوجهين، لا يكاد يخفى على من له أدنى تأمّل.
هذا و أمّا ما يقال: في وجهه من أنّ المراد بالتّخيير في المقام هو التّخيير الّذي يحكم به العقل بناء على اعتبار المتعارضين من باب السّببيّة لا التّخيير الّذي حكم به الشّارع بمقتضى الأخبار الواردة في باب العلاج نظرا إلى أنّ حكم العقل بالتّخيير بين المتزاحمين إنّما هو فيما إذا لم يكن هناك مزيّة لأحدهما على الآخر ففاسد جدّا، لأنّ الحكم العقلي بالتّخيير بين المتزاحمين إنّما هو من جهة تزاحم الجهة الموجبة لهما، فلا يرفعه إلاّ أهميّة أحد المتزاحمين، و أمّا مجرّد أقربيّة أحدهما بالنّسبة إلى الواقع، فلا تعلّق له بما يوجب ثبوت الحكم لهما بل ربما ينافيه و أمّا ما قرع سمعك من كون الرّجحان مانعا عن حكم العقل بالتّخيير، فإنّما هو بالنّسبة إلى التّخيير الظّاهري العقلي بين الاحتمالين الّذي هو من الأصول الأربعة لا التّخيير في المقام و الفرق بينهما مضافا إلى ظهوره سيجيء بيانه مشروحا في الجزء الرّابع من التّعليقة إن شاء اللّه تعالى، نعم يمكن أن يكون الوجه فيه ما يشير إليه بعد ذلك من دليل الانسداد الجاري في خصوص المقام بعد الفراغ عن الوجه الثّالث بقوله: (و لا بدّ من العمل به لأنّ التكليف بالتّرجيح بين المتعارضين ثابت) إلى آخر ما أفاده و إن ناقشه بقوله: و لكن لمانع أن يمنع وجوب التّرجيح) إلى آخره و لعلّنا نتكلّم في هذا الوجه بعد ذلك.
الثالث: ما يظهر من بعض الأخبار من أن المناط في الترجيح كون أحد الخبرين أقرب مطابقة للواقع سواء كان المرجح داخلي كالأعدلية مثلا، أو لمرجح خارجي كمطابقته لأمارة توجب كون مضمونه أقرب إلى الواقع من مضمون الآخر.
مثل ما دلّ على الترجيح بالأصدقية (1) في الحديث كما في مقبولة ابن حنظلة فإنا نعلم أن وجه الترجيح بهذه الصفة ليس إلا كون الخبر الموصوف بها أقرب إلى الواقع من الخبر غير الموصوف بها لا لمجرد كون راوي أحدهما أصدق و ليس هذه الصفة مثل الأعدلية و شبهها في احتمال كون العبرة بالظن الحاصل من جهتها بالخصوص.
الشرح
(1) لمّا كان الصّدق غير قابل للتّفصيل فلا بدّ أن يكون المراد من الأصدقيّة في الحديث هي الأقربيّة إلى الواقع، و بعد إلقاء خصوصيّة الأقربيّة الحاصلة من صدق الرّاوي و كثرة مطابقة خبره للواقع يدلّ على لزوم التّرجيح بكلّ ما يوجب الأقربيّة إلى الواقع من غير فرق بين المرجّح الدّاخلي و الخارجي، هذا و لكن قد يناقش فيما أفاده بأنّ ملكة الصّدق في الرّاوي كملكة العدالة يمكن أن يكون لها جهة موضوعيّة و إن كانت لها جهة طريقيّة دائما فإذا حكم الشّارع بلزوم العمل بخبر الصّادق، فلا يكون المراد منه إلاّ من كان له ملكة الصّدق لا من طابق خبره الواقع، فإنّه غير قابل لتعلّق الجعل الشّرعي به و لا من كان يظنّ مطابقة خبره للواقع حتّى يدلّ على حجيّة الخبر المظنون مطابقته للواقع مطلقا، فإذا كان الصّدق من الملكات، فيمكن اعتبار القرب الحاصل منه كما يمكن اعتبار شدّته في التّرجيح فيكون حالها حال الأعدليّة فتأمّل.
و أشكل منه ما أفاده في التّرجيح بالأوثقيّة للتّسرية بالنّسبة إلى المرجّحات الخارجيّة، و إلاّ لدل ما دلّ على حجيّة خبر الثّقة على حجيّة كلّ ما يفيد مقدار
و لذا اعتبر الظن الحاصل من عدالة البينة دون الحاصل من مطلق الوثاقة لأن صفة الصدق ليست إلا المطابقة للواقع فمعنى الأصدق هو الأقرب إلى الواقع فالترجيح بها يدل على أن العبرة بالأقربية من أي سبب حصلت.
و مثل ما دل على ترجيح أوثق الخبرين فإن معنى الأوثقية شدة الاعتماد عليه و ليس إلا لكون خبره أوثق فإذا حصل هذا المعنى في أحد الخبرين من مرجح خارجي اتبع.
و ممّا يستفاد منه المطلب على وجه الظهور (1) ما دل على ترجيح أحد
الشرح
الظن الحاصل منه فتدبر.
(1) ظهور تعليل تقديم المشهور من حيث الرّواية المعروف بين الرّواة و أهل الرّواية على الشّاذ الغير المعروف بينهم، و ترجيحه عليه من حيث انتفاء الرّيب الموجود فيه من حيث تفرّد بعض بروايته في المشهور و إن كان فيه ريب موجود في الشّاذ أيضا من جهة أخرى في إناطة التّرجيح بكلّ ما يوجب نفي الرّيب بالإضافة من حيث تقليل الاحتمال أو ضعفه أمر لا ينبغي الارتياب فيه أصلا من حيث رجوعه إلى التّعليل بالصّغرى، فيدلّ على ثبوت كبرى مطويّة مفروغا عنها إذ لولاها لم يصحّ التّعليل و الاستدلال، هذا مضافا إلى اقتضاء العلّة المنصوصة دوران الحكم مدارها من غير أن يكون مدخليّة لموردها، و منه ينقدح دفع جميع الإشكالات الواردة على أخبار العلاج و تعارض بعضها مع بعض من حيث تقديم بعض المرجّحات في بعضها و تأخيره أو العطف بالواو الظّاهر في الجمع و الاقتصار في بعضها بذكر بعض المرجّحات إلى غير ذلك، فإنّه إذا كان مدار التّرجيح على ما عرفت لم يرد شيء منها كما هو ظاهر و قد عرفت الإشارة إليه في مطاوي كلماتنا السّابقة، و سيأتي تفصيل القول فيه في الجزء الرّابع من التّعليقة إن شاء اللّه تعالى، نعم على القول بالاقتصار على المرجّحات المنصوصة لا مناص عن توجّه
........
الشرح
بعض الإشكالات كما هو واضح لمن له أدنى تأمّل، و بهذا التقريب يستدلّ على المدّعى بتعليل تقديم المخالف للعامّة على الموافق لهم بكون الرّشد في خلافهم كما في أكثر الأخبار أو كونه صادرا بعنوان التّقيّة كما في بعض الأخبار بناء على حمله على مسألة التّعارض بقرينة الإجماع كرواية سماعة، نعم ما دلّ على تقديم المخالف على الموافق من حيث التّعبّد أو من جهة مجرّد حسن المخالفة لا دلالة له على التّعدي أصلا، و منه يظهر أنّ الأظهريّة المدّعاة في الكتاب لتعليل تقديم المخالف للعامّة على الموافق في الدّلالة على التّعدي حتّى بالنّسبة إلى دلالة تعليل تقديم المشهور على الشّاذ حرفا بحرف، فكيف يكون أحدهما أظهر من حيث الدّلالة بل الإنصاف أنّ دائرة التّرجيح بالنّظر إلى التّعليل المذكور أوسع منها بالنّظر إلى تعليل تقديم المخالف حيث إنّه لا يدلّ على التّرجيح بكلّ ما يوجب ضعف الاحتمال كما هو ظاهر.
ثمّ في كون الظّهور المستفاد من مجموع الرّوايات الواردة في باب العلاج في التّعدي و التّسرية حتّى بالنّسبة إلى المرجّحات الخارجيّة على تقدير الإغماض عن الظهورات المذكورة فيه كظهور كلّ واحد في لزوم الأخذ به ممّا لا ريب فيه لكونه ظهورا مستندا إلى اللّفظ حقيقة و إن استند إلى مجموع الألفاظ لعدم الفرق في بناء أهل اللّسان و العرف بينهما أصلا على ما فصّل مستقصى في محلّه، و أمّا الاستدلال بدليل الانسداد للتّعدي و التّسرية بناء على قيام الظّن الغير الثّابت حجيّته على التّرجيح بكلّ ما يوجبه و لو بحسب المرجّحات الخارجيّة بناء على الإغماض عمّا عرفت من الدّليل عليه فهو محلّ نظر و مناقشة، فإنّه إذا كان ظاهر الأخبار التّرجيح بأمور مخصوصة و لم تدلّ على مناط مشترك كما هو المفروض فإن فرض انسداد باب العلم بتشخيص تلك الأمور و الظّن الخاصّ به استقام تشخيصها بالظّن المطلق المتعلّق بها كالظّن بالمشهور رواية أو الأعدليّة أو المخالفة للعامّة
........
الشرح
إلى غير ذلك، و أمّا الظّن بالحكم الفرعيّ المطابق لأحد المتعارضين، فليس ظنّا بما ثبت التّرجيح به و ليس من أطراف العلم الإجمالي أيضا بالفرض حتّى يرجع إلى الظّن بكونه ممّا جوّز التّرجيح به فكيف يتمسّك بدليل الانسداد لإثبات اعتباره في لزوم التّرجيح بما قام عليه من الظّن الخارجي، فإن شئت قلت إن التمسّك بدليل الانسداد في هذه المسألة الأصوليّة الخاصّة كالتمسّك به في سائر المسائل موقوف على العلم الإجمالي بالتّكليف بالتّرجيح بأمور غير معلومة بالتفصيل و لا مظنونة بالظّن الخاصّ، مع كون المرجّح الخارجي من أطرافه بحيث لا يكون هناك قدر متيقّن و ليس في المقام علم إجماليّ على الوجه المذكور، إذ التّرجيح بالمرجّحات المنصوصة لا إشكال و لا خلاف فيه مضافا إلى كونه متيقّنا على كلّ تقدير مع مساعدة العرف و أهل اللّسان على لزوم التّرجيح ببعضها كتقديم الأظهر على الظّاهر و بعد وضعها لا نسلم العلم الإجمالي بلزوم التّرجيح بشيء آخر، مع أنّه لو فرض وجوده كان المرجحات الداخلية الغير المنصوصة و ما يرجع إلى الاعتضاد متيقنا بالنسبة إلى الترجيح بالمرجح الخارجي.
فإن شئت قلت: إن أمر المعلوم بالإجمال على تقدير التسليم المزبور مردد بين الأقل و الأكثر، فلا يمنع من الرجوع إلى إطلاقات التخيير بالنسبة إلى المرجح الخارجي، و بعبارة أخرى الحكم باعتبار الظن بلزوم الترجيح بكلّ مزيّة حتّى المرجّح الخارجي موقوف على ثبوت التّكليف بالتّرجيح بغير ما تيقّن التّرجيح به و هو في حيّز المنع، فإن سلّم إطلاق لأخبار التّخيير فيحكم بمقتضاه و إلاّ فيؤخذ بالرّاجح لا من جهة ثبوت التّرجيح بالظّن الخارجي من جهة دليل الانسداد، بل من جهة كونه متيقّن الحجيّة على كلّ تقدير، و لا فرق في ذلك بين أن يكون هناك أصل أو عموم يرجع إليه على تقدير عدم وجود الرّاجح من الخبرين أو لا كما هو واضح، هذا إذا فرض الفراغ عن اعتبار المتعارضين في الجملة بعد التّعارض و حجيّتهما و تردّد الأمر فيما هو
........
الشرح
الحجة بين الرّاجح أو هو مع المرجوح على سبيل التّخيير كما هو المختار و مقتضى الأخبار و الفتاوى في غالب الأعصار، و أمّا إذا لم يفرض ذلك تعيّن الرّجوع إلى عموم أو إطلاق أو أصل على تقدير عدمهما، لا يخالف مقتضى المتعارضين بناء على حجيّة الأخبار و غيرها من باب الطّريقيّة كما هو المختار و عليه المشهور و المدار عندهم لا السّببيّة المحضة الّتي يقتضي الحكم بالتّخيير بين المتعارضين مطلقا بحكم العقل على ما عرفت مفصّلا من غير فرق بين وجود المرجّح و عدمه هذا ما يقتضيه التّحقيق الّذي سلكه شيخنا قدس سره أيضا في باب التّعارض في خاتمة الكتاب، و لا بدّ أن ينزل تحريره في المقام عليه و إن لم يخل عن تمحّل و تكلّف، فحكمه برعاية الاحتياط بالأخذ بالمظنون و الراجح من الخبرين بقوله و بالجملة فلا ينبغي ترك الاحتياط بالأخذ بالمظنون في مقابل التّخيير، لا بدّ أن ينزل على الفراغ عن حجيّة أحد المتعارضين مع عدم الإطلاق لأخبار التّخيير كما أنّ حكمه بالرّجوع إلى الأصول فيما طابق الاحتياط احتياطا و إشكاله فيما كان نافيا أو مثبتا مع عدم إمكان الاحتياط لا بدّ أن ينزل على ما ذكرنا أخيرا من عدم الفراغ عن حجيّة أحد المتعارضين كما يشير إليه قوله:
(و الدّليل على هذا الإطلاق) مشكل خصوصا لو كان الظّن المقابل من الشّهرة المحقّقة و إن كان مقتضى التّحقيق عدم الإشكال في الرّجوع إلى الأصل مطلقا فيما لم يخالف مقتضى المتعارضين، هذا ما يقتضيه تحقيق المقام عاجلا و عليك بالتّأمّل فيه لعلّك تجده حقيقا بالقبول.
خاتمة مشتملة على أمرين:
الأوّل: أنّه كما لا يجوز إجراء حكم التّعادل، إلاّ بعد الفحص التّام عن المرجّحات المنصوصة في أخبار العلاج كذلك لا يجوز إجراؤه، إلاّ بعد الفحص التّام عن المرجّحات الخارجيّة بعد البناء على لزوم التّرجيح بها على ما عرفت
........
الشرح
وجهه لوجوب الفحص عن الحجيّة الشّرعيّة، و الطريق إلى الأحكام من غير فرق بين الفحص عن أصل وجود الدّليل أو الفحص عمّا يجب الأخذ به فعلا مع وجود الدّليلين المتعارضين، و كما لا يجوز الرّجوع إلى الأصول العمليّة عند الشّك في أصل وجود الدّليل قبل الفحص، كذلك لا يجوز الرّجوع إلى أصالة عدم مزيّة أحد المتعارضين على الآخر قبل الفحص، و أمّا بعد الفحص التّام فإن احتمل المزيّة و المرجّح الخارجي في كلّ منهما، فلا إشكال في إجراء حكم التّعادل، لأنّه في معنى التّعادل حقيقة و إن احتمل وجود المرجّح بالنّسبة إلى أحدهما بالخصوص دون الآخر فيمكن القول بلزوم الأخذ به و إن لم يكن ظنّا نظرا إلى الكليّة المستفادة ممّا عرفت من الأخبار العلاجيّة من دوران التّرجيح مدار عدم ريب في أحد المتعارضين موجود في الآخر، و كذلك الحكم فيما لو وجد الاحتمال في كلّ منهما، و لكن كان وجود المرجّح في أحدهما مظنونا و في الآخر مشكوكا أو موهوما، فإنّه يجب الأخذ بما ظنّ وجود المرجّح فيه نظرا إلى الكليّة المذكورة كما هو واضح و لا فرق في ذلك كلّه بين المرجّحات الدّاخليّة و الخارجيّة.
الثّاني: أنّه لو وقع التّعارض بين المرجّحات المنصوصة و الخارجيّة بوجود المرجّح المنصوص في أحد المتعارضين و الخارجي في الآخر، فإنّ كان الوجه في التّرجيح بالمرجّحات الخارجيّة و التّعدي عن المنصوصة إليها الكليّة المستفادة من الأخبار، فلا إشكال في لزوم الأخذ بما هو الأقوى منهما في النّظر من جهة حصول الظّن الفعلي منه لعدم التّرتيب بينهما على هذا التّقدير إذا حكم التّعارض بينهما حينئذ حكم التعارض بين المرجّحات المنصوصة، و إن لم يكن هناك قوّة فيجب إجراء حكم التّعادل لعدم المزيّة بالفرض كما هو الشّأن فيما وقع التّعارض بين المرجّحات المنصوصة و إن كان الوجه في التّرجيح بها دليل الانسداد بالبيان الّذي
الخبرين على الآخر بكونه مشهورا بين الأصحاب بحيث يعرفه كلهم و كون الآخر غير مشهور الرواية بينهم، بل ينفرد بروايته بعضهم دون بعض معللا ذلك بأن المجمع عليه لا ريب فيه، فيدل على أن طرح الآخر لأجل ثبوت الريب فيه لا لأنه لا ريب في بطلانه كما قد يتوهم، و إلاّ لم يكن معنى للتعارض و تحير السائل و لا لتقديمه على الخبر المجمع عليه إذا كان رواية أعدل كما يقتضيه صدر الخبر و لا لقول السائل بعد ذلك هما مشهوران معا.
فحاصل المرجح هو ثبوت الريب في الخبر الغير المشهور و انتفاؤه في المشهور، فيكون المشهور من الأمر البين الرشد و غيره من الأمر المشكل، لا بين الغي كما توهم و ليس المراد به نفي الريب من جميع الجهات لأن الإجماع على الرواية لا يوجب ذلك، ضرورة بل المراد وجود ريب في غير المشهور يكون منتفيا في الخبر المشهور و هو احتمال وروده على بعض الوجوه أو عدم صدوره رأسا.
الشرح
عرفته و تقدّم ضعفه، فلا إشكال في لزوم الأخذ بالمرجّح المنصوص على ما نبّهناك عليه سابقا من لزوم رعاية التّرتيب على هذا التّقدير، و ممّا ذكرنا كلّه يعلم حكم ما لو وقع التّعارض بين المرجّحات الخارجيّة، فإنّه على تقدير قوّة لبعضها يلزم الأخذ بالخبر الموافق لهذا البعض و على تقدير عدم القوّة يرجع إلى حكم التّكافؤ و التّعادل، هذا آخر ما أردنا إيراده في سلك التّحرير و يتلوه الجزء الثّاني من التّعليقة إن شاء اللّه تعالى و الحمد للّه أوّلا و آخرا و له الشّكر ظاهرا و باطنا و صلّى اللّه على نبيّه محمّد خاتم أنبيائه و رسله و آله الطّيبين الطّاهرين المعصومين حجج اللّه على الخلائق أجمعين و لعنة اللّه على أعدائهم من الأوّلين و الآخرين، و قد وقع الفراغ عن تحرير ما أردناه في شعبان المعظّم سنة سبع و ثلاثمائة بعد الألف و كان تحريره على يد العبد أحمد التّفرشي.
و ليس المراد بالريب مجرد الاحتمال و لو موهوما، لأنّ الخبر المجمع عليه يحتمل فيه أيضا من حيث الصدور بعض الاحتمالات المتطرقة في غير المشهور، غاية الأمر كونه في المشهور في غاية الضعف بحيث يكون خلافه واضحا في غير المشهور احتمالا مساويا يصدق عليه الريب عرفا.
و حينئذ فيدل على رجحان كل خبر يكون نسبته إلى معارضه مثل نسبة الخبر المجمع على روايته إلى الخبر الذي اختص بروايته بعض دون بعض مع كونه بحيث لو سلم عن المعارض أو كان راويه أعدل و أصدق من راوي معارضه المجمع عليه لأخذ به، و من المعلوم أن الخبر المعتضد بأمارة توجب الظن بمطابقته و مخالفة معارضه للواقع نسبته إلى معارضة تلك النسبة.
و لعله لذا علل تقديم الخبر المخالف للعامة على الموافق بأن ذاك لا يحتمل، إلاّ الفتوى و هذا يحتمل التقية لأن الريب الموجود في الثاني منتف في الأول، و كذا كثير من المرجحات الراجعة إلى وجود احتمال في أحدهما مفقود علما أو ظنا في الآخر فتدبر، فكل خبر من المتعارضين يكون فيه ريب لا يوجد في الآخر أو يوجد، و لا يعد لغاية ضعفه ريبا فذاك الآخر مقدم عليه.
و أظهر من ذلك كله في إفادة الترجيح بمطلق الظن ما دلّ من الأخبار العلاجية على الترجيح بمخالفة العامة بناء على أن الوجه في الترجيح بها أحد وجهين:
أحدهما: كون الخبر المخالف أبعد من التقية كما علل به الشيخ و المحقق، فيستفاد منه اعتبار كل قرينة خارجية توجب أبعدية أحدهما عن خلاف الحق و لو كانت مثل الشهرة و الاستقراء، بل يستفاد منه عدم اشتراط الظن في الترجيح، بل يكفي تطرق احتمال غير بعيد في أحد الخبرين بعيد في الآخر كما هو مفاد الخبر المتقدم الدال على ترجيح ما لا ريب فيه على ما
فيه الريب بالنسبة إلى معارضه.
لكن هذا الوجه لم ينص عليه في الأخبار، و إنّما هو شيء مستنبط منها ذكره الشيخ، و من تأخر عنه، نعم في رواية عبيد بن زرارة: «ما سمعته مني يشبه قول الناس ففيه التقية و ما سمعت مني لا يشبه قول الناس فلا تقية فيه»(1)، دلالة على ذلك.
الثاني: كون الخبر المخالف أقرب من حيث المضمون إلى الواقع و الفرق بين الوجهين أن الأول كاشف عن وجه صدور الخبر، و الثاني كاشف عن مطابقة مضمون أحدهما للواقع.
و هذا الوجه لما نحن فيه منصوص في الأخبار مثل تعليل الحكم المذكور فيها بقولهم عليهم السلام: «فإنّ الرشد في خلافهم» و «ما خالف العامة ففيه الرشاد»، فإنّ هذه القضية قضية غالبية لا دائمية، فيدلّ على أنّه يكفي في الترجيح الظن بكون الرشد في المضمون أحد الخبرين.
و يدل على هذا التعليل أيضا ما ورد في صورة عدم وجدان المفتي بالحق في بلد من قوله: «ائت فقيه البلد فاستفته في أمرك فإذا أفتاك بشيء فخذ بخلافه فإن الحق فيه»(2).
و أصرح من الكل في التعليل بالوجه المذكور مرفوعة أبي إسحاق الأرجاني إلى أبي عبد اللّه عليه السلام قال: قال عليه السلام: «أ تدري لم أمرتم بالأخذ بخلاف ما يقوله العامة، فقلت: لا أدري، فقال: إنّ عليا عليه السلام لم يكن يدين اللّه بدين، إلاّ خالف عليه الأمة إلى غيره إرادة لإبطال أمره، و كانوا يسألون أمير المؤمنين عليه السلام عن الشيء الذي لا يعلمونه، فإذا
أفتاهم بشيء جعلوا له ضدا من عند أنفسهم ليلبسوا على الناس».
و يصدق هذا الخبر سيرة أهل الباطل مع الأئمة عليهم السلام على هذا النحو تبعا لسلفهم حتى أن أبا حنيفة حكي عنه أنه قال: «خالفت جعفرا في كل ما يقول أو يفعل، لكنّي لا أدري هل يغمض عينيه في الركوع و السجود أو يفتحهما».
و الحاصل أن تعليل الأخذ بخلاف العامة في هذه الروايات بكونه أقرب إلى الواقع، حتى أنّه يجعل دليلا مستقلا عند فقد من يرجع إليه في البلد ظاهر في وجوب الترجيح بكل ما هو من قبيل هذه الأمارة في كون مضمونه مظنة الرشد، فإذا انضم هذا الظهور إلى الظهور الذي ادعيناه في روايات الترجيح بالأصدقية و الأوثقية، فالظاهر أنّه يحصل من المجموع دلالة لفظية تامة.
و لعل هذا الظهور المحصل من مجموع الأخبار العلاجية هو الذي دعا أصحابنا إلى العمل بكل ما يوجب رجحان أحد الخبرين على الآخر، بل يوجب في أحدهما مزية مفقودة في الآخر و لو بمجرد كون خلاف الحق في أحدهما أبعد منه في الآخر، كما هو كذلك في كثير من المرجحات.
فما ظنه بعض المتأخرين من أصحابنا على العلامة و غيره قدست أسرارهم من متابعهم في ذلك طريقة العامة ظن في غير المحل.
ثمّ إنّ الاستفادة التي ذكرناها إن دخلت تحت الدلالة اللفظية، فلا إشكال في الاعتماد عليها و إن لم يبلغ هذا الحد بل لم يكن إلاّ مجرد الإشعار كان مؤيدا لما ذكرناه من ظهور الاتفاق، فإن لم يبلغ المجموع حد الحجية، فلا أقل من كونها أمارة مفيدة للظن بالمدعى و لا بدّ من العمل به، لأنّ التكليف بالترجيح بين المتعارضين ثابت، لأنّ التخيير في جميع الموارد و عدم ملاحظة المرجحات يوجب مخالفة الواقع في كثير من الموارد، لأنّا نعلم بوجوب
الأخذ ببعض الأخبار المتعارضة و طرح بعضها معينا و المرجحات المنصوصة في الأخبار غير وافية، مع أنّ تلك الأخبار معارض بعضها بعضا، بل بعضها غير معمول به بظاهره كمقبولة ابن حنظلة المتضمنة لتقديم الأعدلية على الشهرة و مخالفة العامة و موافقة الكتاب.
و حاصل هذه المقدمات: ثبوت التكليف بالترجيح و انتفاء المرجح اليقيني و انتفاء ما دلّ الشرع على كونه مرجحا فينحصر العمل في الظن بالمرجح، فكل ما ظنّ أنّه مرجح في نظر الشارع وجب الترجيح به، و إلاّ لوجب ترك الترجيح أو العمل بما ظن من المتعارضين أن الشارع يرجح غيره عليه، و الأول مستلزم للعمل بالتخيير في موارد كثيرة نعلم التكليف بوجوب الترجيح، و الثاني ترجيح للمرجوح على الراجح في مقام وجوب البناء على أحدهما لأجل تعذر العلم على أحدهما و قبحه بديهي، و حينئذ فإذا ظننا من الأمارات السابقة أن مجرد أقربية مضمون أحد الخبرين إلى الواقع مرجح في نظر الشارع تعين الأخذ به هذا.
و لكن لمانع أن يمنع وجوب الترجيح بين المتعارضين الفاقدين للمرجحات المعلومة كالتراجيح الراجعة إلى الدلالة التي دلّ العرف على وجوب الترجيح بها كتقديم النص و الأظهر على الظاهر.
بيان ذلك: أنّ ما كان من المتعارضين من قبيل النص و الظاهر كالعام و الخاص و شبههما مما لا يحتاج الجمع بينهما إلى شاهد، فالمرجح فيه معلوم من العرف.
و ما كان من قبيل تعارض الظاهرين كالعامين من وجه و شبههما مما يحتاج الجمع بينهما إلى شاهد واحد، فالوجه فيه كما عرفت سابقا عدم الترجيح، إلاّ بقوة الدلالة لا بمطابقة أحدهما لظن خارجي غير معتبر، و لذا لم
يحكم فيه بالتخيير مع عدم ذلك الظن، بل يرجع فيه إلى الأصول و القواعد فهذا كاشف عن أن الحكم فيهما ذلك من أول الأمر للتساقط لإجمال الدلالة.
و ما كان من قبيل المتباينين اللذين لا يمكن الجمع بينهما، إلاّ بشاهدين فهذا هو المتيقن من مورد وجوب الترجيح بالمرجحات الخارجية.
و من المعلوم أن موارد هذا التعارض على قسمين:
أحدهما: ما يمكن الرجوع فيه إلى أصل أو عموم كتاب أو سنة مطابق لأحدهما و هذا القسم يرجع فيه إلى ذلك العموم أو الأصل و إن كان الخبر المخالف لأحدهما مطابقا لأمارة خارجية، و ذلك لأنّ العمل بالعموم و الأصل يقيني لا يرفع اليد عنه، إلاّ بوارد يقيني و الخبر المخالف له لا ينهض لذلك لمعارضته بمثله، و المفروض أن وجوب الترجيح بذلك الظن لم يثبت، فلا وارد على العموم و الأصل.
القسم الثاني: ما لا يكون كذلك و هذا أقل قليل بين المتعارضات، فلو فرضنا العمل فيه بالتخيير مع وجود ظن خارجي على طبق أحدهما لم يكن محذور، نعم الاحتياط يقتضي الأخذ بما يطابق الظن خصوصا، مع أن مبنى المسألة على حجية الخبر من باب الظن غير مقيد بعدم الظن الفعلي على خلافه.
و الدليل على هذا الإطلاق مشكل خصوصا لو كان الظن المقابل من الشهرة المحققة أو نقل الإجماع الكاشف عن تحقق الشهرة، فإن إثبات حجية الخبر المخالف للمشهور في غاية الإشكال و إن لم نقل بحجية الشهرة، و لذا قال صاحب المدارك: «إنّ العمل بالخبر المخالف للمشهور مشكل و موافقة الأصحاب من غير دليل أشكل».
و بالجملة فلا ينبغي ترك الاحتياط بالأخذ بالمظنون في مقابل التخيير، و أمّا في مقابل العمل بالأصل، فإنّ كان الأصل مثبتا للاحتياط كالاحتياط اللازم في بعض الموارد، فالأحوط العمل بالأصل، و إن كان نافيا للتكليف كأصل البراءة و الاستصحاب النافي للتكليف أو مثبتا له مع عدم التمكن من الاحتياط كأصالة الفساد في باب المعاملات و نحو ذلك ففيه الإشكال، و في باب التراجيح تتمة المقال، و اللّه العالم بحقيقة الحال، و الحمد للّه أولا و آخرا و صلى اللّه على محمد و آله باطنا و ظاهرا.
قد قسّمنا في صدر هذا الكتاب المكلّف الملتفت إلى الحكم الشرعي العملي (1) في الواقعة على ثلاثة أقسام؛ لأنّه إمّا أن يحصل له القطع بحكمه الشرعي، و إمّا أن يحصل له الظن، و إمّا أن يحصل له الشك.
الشرح
(1) قد أسمعناك في الجزء الأوّل من التّعليقة وجه التقييد بالالتفات و الحصر في الثّلاثة و إلقاء الوهم و كون اعتبار العلم بالنّسبة إلى الحكم المترتّب على متعلّقه ذاتيّا ككشفه عن متعلّقة و طريقيّة إليه و استحالة تعلّق الجعل مطلقا به سواء كان من الشّرع و العقل و إقامة البرهان على ذلك و فساد توهّم من ذهب إلى الخلاف غفلة عن حقيقة الحال أو فتح باب الاعتراض ذاهلا عن المراد، و أن الظّن سواء كان شخصيّا أو نوعيّا يشارك العلم في الكشف و الطريقيّة الذاتية بحسبه، و أنّه يمكن أن يعتبر من حيث كونه كاشفا عن متعلّقه و طريقا إليه في الشّرعيّات و أنّه يفارق العلم من هذه الحيثيّة و أنّه ليس لازم الاعتبار بذاته و لا تمنع الاعتبار كذلك فيفارق الشك أيضا، و أنّ الحكم بوقوع اعتباره و حجيّته في الشّرعيات يتبع قيام الدّليل على الوقوع شرعا أو عقلا، و الآخر خرج عن الإمكان إلى الوجوب و هو خلف محال و أنّه في مورد الشك في قيام الدّليل على الوقوع يبني على عدمه و أنه لا شك في وقوعه في الجملة في الشّرعيّات، و التّأمل في الأصل الثانوي الذي جرى في لسان جمع ممن قارب عصرنا أو عاصرناه من لزوم البناء على الوقوع في الحكم الفقهي
........
الشرح
أو الطريق أو هما معا إلاّ ما خرج، كما أنا أسمعناك هناك امتناع طريقة الشّك و كشفه عن المشكوك و إلاّ خرج عن كونه شكّا، مضافا إلى لزوم الطريقية إلى المتنافيين و المتناقضين ذاتا و امتناع اعتباره من الحيثية المذكورة بعد فرض فقدانها بالذات و فساد توهّم بعض من عاصرناه خلاف ذلك و أنّ مرجع اعتبار الاستصحاب إلى اعتبار احتمال الحالة السّابقة، و كذا مرجع أصالة الحلّية في الأشياء إلى اعتبار احتمال الحلّية و ترجيحه على احتمال الحرمة، و هكذا الأمر في الطرق التعبّدية غفلة عن المراد عن كون المستحيل في الشك اعتباره من حيث كونه طريقا و كاشفا لا مطلق ترتب الحكم عليه، و إلاّ فما ذكرنا بعد الالتفات من الواضحات الملحقة بالبديهيات الأوّلية و كيف يتصوّر عروض الحكم الشرعي للشك من حيث كونه طريقا و كاشفا مع امتناع وجود الحيثية المذكورة فيه و عدم صلاحيته لملاحظته بهذا الاعتبار لعدم وجدانه له و امتناع تأثير جعل الشاعر فيه كما هو ظاهر، و أنّ كلاّ من الأوصاف الثلاثة قابل لتعلّق الحكم لمورده و يصير موضوعا للحكم و يشارك من هذه الجهة و الحيثية مع الآخر، و إن تفارقت من الحيثية التي عرفت الإشارة إليها و إلى ذلك أشار قدّس سره بقوله.
و أمّا الشك فلمّا لم يكن فيه كشف أصلا لم يعقل أن يعتبر يعني لا يعقل أن يعتبر طريقا إلى متعلّقه و كاشفا عنه، فلو ورد في مورده حكم إلى آخره يعني بذلك تعلّق الحكم بالمشكوك من حيث كون الشك مأخوذا فيه و ما هو المراد من الحكم الواقعي و الظاهري و تحقيق مجاري الأصول و أن المأخوذ في موضوعاتها الشك أو العنوان المنطبق عليه في الجملة و الإشارة إلى خلاف بعض من قارب عصرنا أو عاصرناه في فصوله في معنى الحكم الواقعي و الظاهري، إلى غير ذلك ممّا فصلنا لك القول فيه ثمة، و لكن نعيد الكلام في تحقيق الحكم الواقعي و الظاهري و نجدده فيه لما هو المقصود بالبحث في المقام و لعلّنا نشير ضمنا إلى بعض ما طوينا ذكره في
........
الشرح
الجزء الأول من التعليقة، فنقول:
أمّا الحكم الواقعي فالمراد به هو الحكم المجعول للموضوعات بالملاحظة الأوّلية، و بعبارة أخرى الحكم المجعول لها جعلا أوّليا، و بعبارة ثالثة هو الحكم المجعول لها من دون ملاحظة الجهل بحكمها الأوّلي المجعول لها و إن لوحظ في عروضه لها و تعلّقه بها سائر الاعتبارات و الأوصاف كالحضر و السفر و الصحة و المرض و وجدان الماء و فقدانه إلى غير ذلك، فالأحكام الثابتة لذوي الأعذار و الموضوعات الاضطرارية أحكام واقعية، بل و إن لوحظت في عروضه لها العلم بالموضوع أو الظن به أو الشك فيه بحيث لا يكون مع قطع النظر عن هذه لها حكم بحيث يكون المجعول بملاحظتها مجعولا أوّليا لها أو كان و لكن لم يكن من سنخها أو و إن كان من سنخها بالنسبة إلى غير العلم على ما عرفت شرح القول فيه في الجزء الأول من التعليقة، و أما الحكم الظاهري فهو المجعول للموضوعات من حيث الجهل و عدم العلم بالحكم المجعول لها أوّلا و بالذات سواء لوحظ فيه الظن به شخصا أو نوعا أو الشك فيه بالمعنى المقابل للظن و هو التسوية كما هو الملحوظ في موارد التخيير و شكوك الصلاة في ركعاتها أو أفعالها بالمعنى الأعم من الأقوال، أو الشك بالمعنى اللغوي و هو خلاف اليقين على ما في القاموس كما هو الملحوظ في الاستصحاب بناء على القول به من باب الأخبار و على ما ستقف على تفصيل القول فيه أو العنوان المنطبق على الشك بالمعنى الأعم في الجملة كما هو الملحوظ في موارد وجوب الاحتياط عقلا و شرعا، و موارد البراءة العقلية و الشرعية على ما ستقف عليه عن قريب من إناطة الاحتياط باحتمال العقاب لا الشك و إناطة البراءة بعدم وصول البيان الكافي من الشرع و إن كان ظنا معتبرا بل أصلا من الأصول الشرعية كالاستصحاب، و إن كان في إناطتها بهذا المعنى كلام بالنسبة إلى البراءة الشرعية أو منع في الجملة و لو بالنسبة إلى الموضوعات الخارجية بدعوى كون
........
الشرح
المناط فيها هو عدم العلم بالحكم الإلزامي فينطبق على الشك بالمعنى الأعم كما في موارد الاستصحاب، و ستقف على ما هو المختار من المسلكين عن قريب، فقد ظهر مما ذكرنا أنّ الحكم الثابت بمقتضى الأدلة الظنية المعتبرة شرعا و الأمارات الشرعية حكم ظاهري على مذهب أهل الصواب من المخطّئة كما اتفقت عليه كلمة علماء الإمامية، بل يكون الأمر كذلك عند العامة أيضا بالنسبة إلى الأمارات القائمة على الموضوعات الخارجية، بل على الأحكام فيما كان الدال عليها ظواهر الكتاب و السنة كما عرفت البحث فيه في الجزء الأول من التعليقة؛ و لذا ذكروا أن المستنتج من البرهان المعروف الذي يترتبه المجتهدون هو العلم بالحكم الظاهري و وجّهوا به أخذ العلم بالحكم في تعريف الفقه في دفع الإيراد عليه بكون أكثر مبادئه ظنّية بأن المراد بالحكم أعم من الظاهري و الواقعي فلا ينافي أخذ العلم في حدّ الفقه، و إلى ذلك يشير قوله قدّس سره بعد ذلك، و لذا اشتهر أنّ علم المجتهد بالحكم مستفاد من صغرى وجدانية و هي هذا ما ادّعى إليه ظنّي و كبرى برهانية و هي كلّما أدى إليه ظني فهو حكم اللّه في حقي فإن الحكم المعلوم منهما هو الحكم الظاهري، فإن صريحه كون الحكم الظاهري أعم من مفاد الأصول و إن كان ربّما يوهم قوله قبل ذلك في بيان الفرق بين الأصل و الدليل كون الحكم الظاهري مختصّا بمفاد الأصل كظاهر ما يتراءى منه ذلك في باب الاستصحاب، و من هنا قيل إنّ للحكم الظاهري إطلاقين عنده أعم و أخص و لكن المتأمّل يشهد بأنّ مراده ليس تخصيص مطلق الحكم الظاهري بمفاد الأصل بل تخصص ما لا يلاحظ في تعلقه بالموضوع المجهول الحكم الكشف الظني عن الواقع و لكن الأمر في ذلك سهل.
و أمّا إطلاق الحكم الظاهري على الفعلي المنجّز سواء كان واقعيّا تنجز بالعلم أو ظاهريّا بالمعنى الذي عرفته و الواقعي على الثاني الغير المنجز فلم نقف عليه إلا في كلام بعض الأفاضل مقاربي عصرنا بفصوله، و قد تقدم في الجزء الأول
........
الشرح
من التعليقة.
ثم إن الحكم الواقعي بالمعنى الذي عرفت كما ينقسم إلى الشأني و الفعلي بالنظر إلى حكم العقل بوجوب إطاعته و تنجّزه على المكلف و ترتب الآثار عليه و حكمه بكونه معذورا في مخالفته على تقدير ثبوته في نفس الأمر لا أن يكون هناك إنشاءان و حكمان من الشارع:
أحدهما: الحكم الشأني.
و ثانيهما: الفعلي.
كما قد يتوهّم أو توهم كذلك الحكم الظاهري ينقسم إلى الثاني و الفعلي فإن ثبوته في موضوعه لا تعلق له بعلم المكلّف به، فإذا علم المكلف به تنجّز في حقّه كوجوب تصديق العادل مثلا فإنّه ربّما يكون هذا الحكم ثابتا و لا يعلم به المجتهد، أو وجوب تقليد الأعلم مثلا فإنه و ربما يكون ثابتا و لا يعلم به المجتهد و لا العامي و لكن مجرّد ثبوته النفس الأمري، بل الفعلي لا يكفي في ترتب الآثار عليه إلاّ بعد الاستناد إليه في العمل، فإذا فرض كون فعل حراما في الواقع فإذا استند العامي في ارتكابه إلى رأي من يفتي بجوازه مع جواز تقليده في حقّه يكون معذورا و إلاّ فلا، و لا ينافي ما ذكرنا من وجود القسمين للحكم الظاهري ما اتفقت عليه كلمتهم من التصويب في الأحكام الظاهرية في الجملة، أ لا ترى أن الخبرين المتعارضين المتساويين من جميع الجهات إذا أخذ مجتهد بأحدهما و آخر بالآخر يكون مفاد المأخوذ مع الاختلاف حكما ظاهريا للآخذ و كذا في دوران الأمر بين الحرمة و الوجوب مع تساوي الاحتمالين و هكذا و بالجملة ما ذكرنا ممّا لا إشكال فيه؛ لأنّ القول بتوقّف ثبوت الحكم الظاهري في نفس الأمر على العلم بثبوته دوري كالقول باشتراط ثبوت الحكم الواقعي على العلم به كما صرح به العلاّمة قدس سره في غير موضع من كتبه، حيث إنّ العلم متأخّر عن المعلوم فكيف
........
الشرح
يتوقف المعلوم عليه، و من هنا ذكروا أنّ اشتراط التكاليف بالعلم ليس على حدّ اشتراطها بالبلوغ و العقل و القدرة فإنّ المتوقف على العلم تنجّز الخطابات الواقعية لا وجودها النفس الأمري، بل ربّما نقول بعدم اشتراط التنجز بالعلم أيضا فضلا عن الثبوت النفس الأمري فإن الجاهل الملتفت إذا ترك الفحص تنجّز عليه جميع الخطابات الواقعية أصولا و فروعا و لو عرض له الغفلة بعد الالتفات و ترك الفحص.
ثم إن الحكم الظاهري كما يسمّى ظاهريا بكونه معمولا به عند العجز عن تحصيل الواقع يسمى واقعيا ثانويا أيضا، أما الوجه في تسميته بالواقعي؛ فلأن كل شيء فرض له ثبوت فله واقعية في موضوعه فهو واقعي بهذا المعنى و أما توصيفه بالثانوي فمن حيث تأخر موضوعه عن الواقعي بقول مطلق و الواقع الموصوف بالأولي، و إليه أشار بقوله رحمه اللّه و يطلق عليه الواقعي الثانوي أيضا إلى آخره و يسمّى الدال على الحكم الظاهري الغير الملحوظ فيه الكشف الظنّي عن الواقع أصلا و الدال على الحكم الواقعي الكاشف عنه علما أو ظنّا بحيث يكون الكشف الظنّي ملحوظا في اعتباره دليلا، و قد يطلق على الكاشف الظنّي أمارة أيضا.
و قد يختص الأمارة بما يكون معتبرا من حيث الكشف الظنّي في الموضوعات الخارجية، فالاستصحاب إذا كان مبناه على الظن كما هو المشهور بين القدماء لا يكون أصلا بالمعنى المذكور و كذا البراءة إذا كان مبناها على الظن كما يظهر من الشيخ البهائي و الشيخ حسن صاحب المعالم و غيرهما قدّس اللّه أسرارهم، كما أن الأول قد يسمى بالدليل الفقاهتي من حيث كونه موجبا للعلم بالحكم الظاهري، و الثاني قد يقيّد بالاجتهادي من حيث كونه موجبا للعلم أو الظن بالحكم الشرعي، و هذان اصطلاحان على ما وقفنا عليه من الفاضل المازندراني في شرح الزبدة و شايعه الأستاذ الأكمل الفريد البهبهاني في فوائده قال قدس سره في محكي فوائده الجديدة في الفائدة الأخيرة ما هذا لفظه: «المجتهد و الفقيه و المفتي
........
الشرح
و القاضي و حاكم الشرع المنصوب عبارة الآن عن شخص واحد؛ لأنه بالقياس إلى الأحكام الشرعية الواقعية يسمى مجتهدا لما عرفت من انسداد باب العلم، و بالقياس إلى الأحكام الظاهرية يسمى فقيها لما عرفت من كونه عالما بها على سبيل اليقين». انتهى كلامه رفع مقامه، و المستفاد منه كما ترى كون الاجتهاد عنده عبارة عن: استفراغ الوسع في تحصيل خصوص الظن بالحكم الشرعي أو حصول ملكة ذلك فتحصيل العلم بالحكم من الدليل خارج عن حقيقة الاجتهاد عنده، و هذا و إن كان مذهب غير واحد بل مذهب جميع العامة و أكثر الخاصة كما يظهر لمن راجع كلماتهم في بحث الاجتهاد، إلاّ أنّ الحكم بخروج تحصيل العلم بالحكم عن الاجتهاد مطلقا حتى في النظريات محل تأمّل و كلام مذكور في بابه، و من هنا قال شيخنا قدس سره: (و قد يقيد بالاجتهادي) فقد جعل مطلقة مقيدا به إلاّ أنّ يحمل على المهملة فيوافق ما في الفوائد، و الذي يقتضيه التحقيق في المقام أن الشخص من حيث كونه مستنبطا للحكم يسمّى مجتهدا و إن كان الحكم المستنبط ظاهريا و من حيث كونه عالما بالحكم يسمى فقيها من غير فرق بين كون المعلوم حكما ظاهريا أو واقعيا و الخطب في ذلك سهل.
ثم إنه ظهر مما ذكرنا في بيان حقيقة الحكم الواقعي و الظاهري أن ثبوت الحكم الظاهري في موضوعه لا يعتبر فيه مطابقته للحكم الواقعي المتحقق في نفس الأمر، كيف و هو مستحيل عقلا كيف و اعتبار المطابقة يوجب ارتفاع الحكم الظاهري و هو أمر ظاهر، فالحكم الظاهري قد يطابق الحكم الواقعي و قد يخالفه فعند الجهل بالحكم الواقعي يكون هناك حكمان باعتبار نفس الواقع من حيث هو مجردا عن جميع الملاحظات و باعتبار الجهل بهذا الحكم الأوّلي فيمكن أن يكون شيء حراما في الواقع و حلالا في الظاهر، كما يمكن عكس ذلك فقد يكون شيء حراما في الواقع و واجبا في الظاهر كعكسه، فإذا يقع الإشكال في أنه كيف يمكن
........
الشرح
اجتماع الحكمين المتنافيين فإن لحاظ التجريد عن العلم و الشك و الظن في عروض الحكم الواقعي لا يوجب انتفاء الحكم الواقعي في صورة الشك مثلا؛ لأنّ المفروض عدم ملاحظته لا ملاحظة عدمه و إلاّ كان ثبوته مشروطا بالعلم به و هو مع كونه خلفا محالا، محال من جهة لزوم الدور الظاهر على ما عرفت الإشارة إليه، و أشكل من ذلك ما اتفقت عليه مقالتهم ظاهرا في مسألة امتناع اجتماع الأمر و النهي من أن الممتنع على القول به هو اجتماع الفعليين من الوجوب و التحريم لا الفعلي و الشأني، و من هنا حكموا بصحّة صلاة الجاهل بموضوع الغصب في الدار المغصوبة و اللباس المغصوب اتفاقا، بل الجاهل بالحكم و الحرمة مع القصور، بل ناسيهما، إلاّ العلامة قدس سره في الناسي هذا و قد يذب عن الإشكال المذكور في المقام بوجوه الأوّل ما سبق إلى بعض الأوهام من كون الحكم الواقعي عبارة عن شأنيّة الحكم و ليس حكما حقيقة.
فإن شئت قلت: إن الموجود في حق الجاهل جهة الحكم و هي المصلحة و المفسدة لا الإنشاء فلا ينافي تعلّق الإنشاء بالجاهل على الخلاف؛ لعدم اجتماع الحكمين حقيقة، و بمثل ذلك يقال في دفع الإشكال عمّا بنوا عليه الأمر في مسألة اجتماع الأمر و النهي من عدم المضادة بين الفعلي و الواقعي و أنت خبير بفساد هذا الوجه، لأن الذي يتعلق به العلم تارة و الظن أخرى و الشك ثالثة ليس الحكم بهذا المعنى، و أيضا لم يؤمر السفراء بتبليغ هذا المعنى إلى الخلق و كذلك ليس المعنى المذكور و مدلول الخطابات الواقعة الصادرة من الشارع، و بالجملة القول بالحكم الواقعي الثابت في حق جميع المكلّفين المختلفين بالعلم و الظن و الشك مجرد المصلحة و المفسدة فاسد جدا، و لعل المصوّبة لا ينكرون ثبوت هذا المعنى أيضا كما عرفت الإشارة إليه في الجزء الأوّل من التعليقة.
الثاني: ما وقفنا عليه في كلمات بعض من قارب عصرنا و اشتهر و تداول في
........
الشرح
ألسنة طلبة عصرنا من التصرّف في الحكم الظاهري عكس الوجه الأول الراجع إلى التصرّف في الحكم الواقعي و هو كونه عبارة عن مجرّد المعذوريّة في مخالفة الواقع، فهو إخبار حقيقة عن المعذورية و توسعة للمكلّفين في عدم تعين تحصيل الواقع عليهم، و يزيدك وضوحا كون الأوامر المتعلقة بالطرق إرشاديا صرفا و أن السالك منها تصل إلى الواقع غالبا و أنه معذور في مخالفته على تقدير خطاء الطريق، فهي إخبار حقيقة عن هذا المعنى لا أن يكون لها جهة إلزام و مولوية بحيث يكون في موردها مصلحة ملزمة لجعل الحكم، و هو كما ترى كسابقه فإن القول بكون جعل الحكم الظاهري راجعا إلى المعذورية مطلقا كما ترى فكيف يجعل الخطاب الوارد في باب الاستصحاب بحرمة النقض على المعذورية الصرفة و كذلك الخطاب الوجوبي في باب الاحتياط عليها و كذلك الخطاب المتعلق بوجوب العمل بالطرق الشرعية، نعم لا ننكر كون حكم العقل في باب البراءة راجعا إلى المعذورية لا أن يكون الأمر كذلك مطلقا، و أما حديث كون الخطاب المتعلق بالطريق إرشاديا فهو أجنبي عن المقام؛ لما بينا في مسألة امتناع اجتماع الحكمين من عدم الفرق بين الإرشادي و غيره، نعم من جعل الطلب الإرشادي إخبارا صرفا بصورة الإنشاء كبعض أفاضل مقاربي عصرنا في ظاهر كلامه في الفصول تبعا لظاهر أخيه المحقّق المحشي قدس سرهما فهو مستريح عن توجّه هذا الإشكال في الجملة لكن المبنى فاسد عندنا على ما أسمعناك شرح القول فيه في الجزء الأول من التعليقة.
الثالث: ما عرفت الإشارة إليه في طي الإشكال من أن الحكم الواقعي لم يتعلق بالموضوع النفس الأمري بملاحظة عمومه و شموله لحالتي العلم بالحكم و الجهل به كيف و هما متأخران من مرتبة الجعل و لذا لا يمكن اعتبارهما فيه فلا يمكن ملاحظة العموم و الإطلاق بالنسبة إليهما، بل إنما هو متعلّق به بالحيثية التجريدية
........
الشرح
عن جميع الاعتبارات و الملاحظات المتأخّرة عن جعله حتى ملاحظة العموم و الإطلاق، فلا يصح أن يقال إنه يعرض الموضوع بعنوان لا بشرط و الحكم الظاهري يعرضه بعنوان بشرط شيء فيجتمعان عند الجهل، فإن كانا متوافقين فيؤكّد الحكم الواقعي بالحكم الظاهري و إن كانا متخالفين فيؤول إلى اجتماع الضدّين كما هو مبنى الإشكال فالموجود و إن كان حكمين في صورة الجهل، إلاّ أن كل حكم موجود في موضوعه و ليس موضوع الحكم الظاهري من جزئيّات موضوع الحكم الواقعي و أفراده حتى يتصادقا؛ لما عرفت من استحالة ذلك، غاية ما هناك تحقق الحكم الظاهري في مورد وجود الحكم الواقعي في موضوعه فيؤول إلى الاجتماع الموردي المجوّز بالاتفاق لا المصداق الممنوع عند المحقّقين.
هذه غاية ما يقال في تقريب هذا الوجه و أنت خبير بفساده أيضا؛ لأنّ عروض الحكم الواقعي لفعل المكلف الذي هو الموضوع للأحكام الشرعية و لحوقه به و إن كان لذاته من حيث هي هي لحوقا أوليا حتى أنه لا يلاحظ فيه جهة اللابشرطية القسميّة و العموم لما ذكر في الجواب من عدم كون الحالتين في مرتبة الحكم الواقعي و موضوعه، إلاّ أنّه لا شبهة في عروض الحكم الظاهري لفعل المكلف أيضا و إن كان بواسطة الجهل أو الظن، و من الواضح البيّن عدم تعدد معروض الحكمين في الوجود الخارجي بحيث كان معروض الحكم الواقعي موجودا و معروض الحكم الظاهري موجودا آخر مغايرين في الخارج و إن كان المعروضان متمايزين مفهوما و في الذهن، و مدار الإمكان و الاستحالة على تعدد موضوع الحكمين في الخارج و وحدته فيه لا مجرد تغايرهما مفهوما، كيف و الغصب و الصلاة لا إشكال في تغايرهما بحسب المفهوم، فالاجتماع الموردي المتوهّم كالصلاة و النظر إلى الأجنبية حال الصلاة أو الوضوء و الغسل و النظر إليهما في حالهما أجنبي عن المقام؛ لأن الفعلين في الاجتماع الموردي متمايزان
........
الشرح
في الخارج، مضافا إلى اختلافهما مفهوما و ليس هناك فعل واحد مصداق لهما فهذا الوجه أيضا لا محصل له أصلا و إن كان ربّما يجري في لسان شيخنا قدس سره لدفع الإشكال في مجلس البحث.
الرابع: ما أشرنا إليه أيضا في طي تقرير الإشكال من كون وجود الحكم الظاهري مشروطا بموافقته للواقع، فعند المخالفة له ليس هناك إلاّ حكم واحد و إن كان المكلّف مأمورا بالبناء على الموافقة و ترتيب آثار الواقع دائما ما لم ينكشف الخلاف، و قد عرفت الإشارة إلى ضعف هذا الوجه أيضا و أنّه لا يمكن اعتبار موافقة الواقع في الحكم الظاهري كيف و لازمه ثبوت الحكم الظاهري مع العلم بوجود الشرط و هو الموافقة و هو محال و خلف؛ لأنّ المعتبر في موضوع الحكم الظاهري الجهل بالواقع وافقه أو خالفه فافهم.
الخامس: ما قد يتوهّم أو يقال في المقام و في مسألة اجتماع الحكم الفعلي مع الحكم الواقعي على الخلاف في مسألة اجتماع الأمر و النهي من أن استحالة اجتماع الحكمين إنّما هي من جهة عدم إمكان امتثالهما و عجز المكلف عنه، فإذا كان أحدهما واقعيا لم ينجّز التكليف به و الآخر فعليا أو ظاهريا لم يجب امتثال الحكم الواقعي فيهما فلا مانع من اجتماعهما، و من هنا ذكر غير واحد حتى صاحب المعالم أنّ الواجب التوصلي يجتمع مع الحرام و ليس هذا إلاّ من جهة كون الحرام مسقطا للواجب و أنه لا يقصد منه الامتثال عن المكلّف هذا و أنت خبير بفساد هذا الوجه أيضا لابتنائه على عدم التضاد بين بالنظر إلى أنفسها و هو بديهي البطلان، مضافا إلى اتفاق كلمتهم عليه و الاستشهاد باجتماع الواجب التوصّلي مع الحرام، فإن أراد ذات الواجب فلا ينفع في المقام أصلا و إن أراد الواجب المتّصف بالوصف فيمتنع اجتماعه مع الحرام؛ لأنّ الحيثيّة التوصّليّة إنّما تفيد في سقوط الخطاب بفعل الحرام من حيث حصول الغرض به و ارتفاع موضوع
........
الشرح
موضوع الخطاب معه لا في تعلّق الخطاب بالحرام كيف و الضدّيّة بين الحكمين لا تعلّق له بالتّعبديّة و التوصّليّة، و من خالف في ذلك في ظاهر كلامه فلا بدّ من أن يصرف عنه أو يحكم بخطئه في القول؛ لأنّ ما ذكرنا من الأمور الواضحة عند ذوي الأفهام المستقيمة هذه غاية ما قيل أو يقال في دفع الإشكال و قد عرفت عدم تماميّتها بأسرها و قد طال البحث بيني و بين شيخنا قدّس سرّه في مجلس المذاكرة في الإشكال المذكور في هذا المقام و مسألة اجتماع الأمر و النهي، و لم يحصل لي من إفاداته ما يدفع به الإشكال عن نفسي و زعمت أنّه ممّا لا ذبّ عنه فلعلّك تهدى إلى وجه دفعه و لكني أسألك التأمّل في هذا المقام و عدم المسارعة فيه و أن لا تسلك سبيل طلبة عصرنا من الإيراد على كل ما يسمعونه من غير تأمّل في موضوع القضيّة و محمولها، و إلاّ فالسهو و الخطأ بمنزلة الطبيعة الثانية لغير الإنسان الكامل الذي عصمه اللّه منهما أو من يحذو حذوه من المعصومين، و لقد صار من المثل كم ترك الأوّل للآخر مع أني معترف بقصور الباع في العلم فلعلّه اختفى عليّ جهات المسألة في الموضعين.
و ممّا ذكرنا كله يظهر لك المراد من قوله قدس سره لا لعدم اتحاد الموضوع، و قوله أ لا ترى أنه لا معارضة و لا تنافي بين كون حكم شرب التتن المشكوك حكمه هي الإباحة و بين كون حكم شرب التتن في نفسه مع قطع النظر عن الشك فيه هي الحرمة و ما يوجّه به، ثمّ إنّك قد عرفت مما ذكرنا كلّه أنّ تقابل الشكّ و الظّن و إن اقتضى كون المراد بالشك ما يقوم بالاحتمالين المتساويين إلاّ أن المراد به في مجاري الأصول ليس خصوص ذلك يقينا، و من هنا قال قدّس سرّه، ثمّ إنّ الظّن المعتبر حكمه حكم الشك بمعنى أن الموضوع في دليل الأصل ما يعمّهما و ينطبق عليهما من غير فرق.
و قد عرفت أن القطع حجة في نفسه لا بجعل جاعل و الظن يمكن أن يعتبر في متعلقه لكونه كشفا ظنّيا و مرآة لمتعلّقه(1)، لكن العمل به و الاعتماد عليه في الشرعيات موقوف على وقوع التعبّد به و هو غير واقع إلاّ في الجملة، و قد ذكرنا موارد وقوعه في الأحكام الشرعية في الجزء الأول من هذا الكتاب.
و أمّا الشك فلمّا لم يكن فيه كشف أصلا لم يعقل فيه أن يعتبر فلو ورد في مورده حكم شرعي كأن يقول الواقعة المشكوكة حكمها كذا كان حكما ظاهريا لكونه مقابلا للحكم الواقعي المشكوك بالفرض و يطلق عليه الواقعي الثانوي أيضا؛ لأنّه حكم واقعي للواقعة المشكوك في حكمها و ثانوي بالنسبة إلى ذلك الحكم المشكوك فيه لأن موضوع هذا الحكم الظاهري و هي الواقعة المشكوك في حكمها لا يتحقق إلاّ بعد تصوّر حكم نفس الواقعة و الشك فيه.
مثلا شرب التتن في نفسه له حكم، فرضنا فيما نحن فيه شك المكلّف فيه فإذا فرضنا ورود حكم شرعي لهذا الفعل المشكوك الحكم كان هذا الحكم متأخّرا طبعا عن ذلك المشكوك فذلك الحكم واقعي بقول مطلق و هذا الوارد ظاهري لكونه المعمول به في الظاهر و واقعي ثانوي لأنه متأخر عن ذلك الحكم لتأخّر موضوعه عنه، و يسمى الدليل الدال على هذا الحكم الظاهري أصلا.
و أمّا ما دل على الحكم الأول علما أو ظنا معتبرا فيختص باسم الدليل و قد يقيد بالاجتهادي، كما أن الأوّل قد يسمى بالدليل مقيدا بالفقاهتي، و هذان القيدان اصطلاحان من الوحيد البهبهاني لمناسبة مذكورة في تعريف الفقه و الاجتهاد.
1) في الطّرف المظنون لأنّه كاشف عنه ظنّا (خ ل).
ثمّ إن الظن الغير المعتبر حكمه حكم الشك كما لا يخفى.
و ممّا ذكرنا من تأخر مرتبة الحكم الظاهري (1) عن الحكم الواقعي
الشرح
(1) توضيح القول في النّسبة بين الأصل و الدليل و أنّها من التعارض أو غيره يحتاج إلى بسط في المقال و إن كان محلّ ذكره مسألة تعارض الأدلة، إلاّ أن تعرّض شيخنا لها في المقام ألجأني إلى التكلّم فيها فنقول بعون اللّه و توفيقه و دلالة أوليائه صلوات اللّه عليهم أجمعين الدليل المقابل للأصل إمّا أن يكون علميّا أو ظنيّا منوطا بوصفه أو نوعه مطلقا أو مقيّدا، و كذا الأصل المقابل له إمّا أن يكون من الأصول الشرعية المحضة كالاستصحاب أو العقلية كذلك كأصل التخيير في دوران الأمر بين الوجوب و التحريم، أو من الأصول الشرعيّة و العقليّة بمعنى وجود الجهتين له كأصل البراءة و أصل الاحتياط بناء على عدم إناطة حكم الشارع بهما بما هو المناط في حكم العقل بهما بأن يكون ما ورد فيهما في الشرعيّات مؤكّدا محضا لحكم العقل بهما، فإن حكم العقل بالبراءة منوط بقبح العقاب من دون وصول بيان من الشارع إلى المكلّف و لو بالطريق الظنيّة المعتبرة، بل بأصل من الأصول الشرعيّة على ما ستقف على تفصيل القول فيه، و حكم الشارع بالإباحة الظاهريّة يمكن أن يكون مترتبا على عدم العلم بالحرمة الواقعيّة كما هو المستظهر من أخبارها على ما ستقف عليه، و كذلك حكم العقل بوجوب الاحتياط في موارده مبنيّ على احتمال العقاب.
و أمّا حكم الشارع به، فيمكن أن يكون منوطا على الجهل بالواقع، كما ربّما يدّعى ظهوره من أخباره بل ادّعى ذلك حسبما يقع الكلام فيه في محلّه إن شاء اللّه تعالى فإنّ كان الدليل المقابل عليهما و مفيدا للعلم بالحكم الواقعي فلا إشكال في وروده على الأصل و ارتفاع موضوعه به حسّا و حقيقة من غير فرق بين أقسام الأصل ضرورة اشتراطه مطلقا بعدم العلم بالخلاف بل بعدم العلم مطلقا سواء كان
........
الشرح
موافقا للأصل أو مخالفا له كما هو ظاهر لا سترة فيه أصلا، و إن كان ظنّا معتبرا فإن كان الأصل المقابل أصلا عقليا محضا أو كان له جهة عقليّة فلا إشكال في وروده عليه أيضا و رفع موضوعه به ضرورة ارتفاع التسوية التي أنيط به التخيير العقلي بالظن المعتبر و ارتفاع احتمال العقاب الذي أنيط به وجوب الاحتياط في حكم العقل به أيضا، و تحقّق البيان المعتبر عدمه في حكم العقل بالبراءة بالظنّ المعتبر و هذا هو المراد بقوله قدس سره: (و أمّا الأدلة العقلية القائمة على البراءة و الاشتغال فارتفاع موضوعها بعد ورود الأدلّة الظنّية واضح) إلى آخر ما أفاده و إن كان أصلا شرعيّا كالاستصحاب بناء على القول به من باب التعبّد و الأخبار.
و أمّا على القول باعتباره من باب الظني فيخرج من الأصول كالتخيير الشرعي بين المتعادلين فإنه لا دخل له بالأصل أيضا و إن كان مدركه الأخبار على ما عرفت الكلام فيه في الجزء الأوّل من التعليقة و إليه أشار بقوله بعد ذلك: (و أمّا التخيير فهو أصل عقلي لا غير)، و منه يظهر فساد إيراد من لا خبرة له عليه أو كان له جهة شرعية كالبراءة و الاحتياط ففيه وجوه بل أقوال:
أحدها: كون الدليل واردا عليه أيضا و رافعا لموضوعه كما يظهر من كلمات جماعة من المتأخرين؛ نظرا إلى أنّ المراد من عدم العلم بالحكم المأخوذ في موضوع الأصول هو عدم العلم به واقعا و ظاهرا إلى كونه غير معلوم مطلقا بحسب الجعل الأوّلي و الثانوي، و بعبارة أخرى المعتبر في مجاري الأصول الجهل بالحكم الشرعي حدوثا و بقاء بجميع مراتبه ما يكون مجهولا مطلقا، فلو علم به من حيث قيام الظّن المعتبر به خرج عن كونه مجهولا بهذا العنوان و إن كان مجهولا بحسب بعض مراتبه و هو ثالثة ثبوته، و بعبارة في نفس الأمر و في ذات الموضوع من حيث هي، و هذا الوجه كما ترى لا يساعد عليه الأدلّة الشرعيّة القائمة على الأصول خصوصا الاستصحاب، فإنّه و إن أمكن القول به بالنّسبة إلى بعض أدلة البراءة كتابا
........
الشرح
و سنّة كما ستقف عليه إلاّ أنّه خلاف مدلول أكثرها كقوله عليه السلام: «كلّ شيء مطلق حتى يرد فيه نهي» و قوله: «كلّ شيء لك حلال حتى تعلم أنّه حرام بعينه» و نحوهما ممّا سيمرّ عليك، و كيف كان لا إشكال في ضعف هذا الوجه.
ثانيها: كون الدليل الظنّي معارضا للأصل المذكور و مخصّصا له، و هذا الوجه يظهر من كلمات السيّد السند صاحب الرياض قدس سرّه فإنه كثيرا ما سلك هذا المسلك في تقابل الدليل الظني مع الأصل و يقول يخرج عن الأصل بالدليل أو يخصّص الأصل بالدليل أو نرجح الدليل على الأصل و نحوها من العبارات الظاهرة في ذلك، و كلامه و إن كان مطلقا شاملا للأصل العقلي أيضا إلاّ أنه لظهور فساده يحمل على مقابلته مع الأصل الشرعي ضرورة عدم تصوّر التعارض و التخصيص بالنسبة إلى الأصل العقلي، و وجهه ما أفاده شيخنا قدس سره في الكتاب من أنّ دليل الأصل يثبت مفاده في موضوع عدم العلم بالواقع سواء قام هناك الأمارة التي دلّ الدليل على حجيّتها كخبر العادل مثلا أم لا، فإن اعتبار خبر العادل و إن كان علميّا كاعتبار الأصل إلاّ أنّ مفاده ليس علما و إلاّ خرج عن الدليل الظّني، فخبر العادل الدال على حرمة بعض الموضوعات يدلّ على حرمته مع عدم العلم بحكمه الواقعي و ما دلّ على أصالة الإباحة أيضا يدل على إباحته مع عدم العلم بحكمه الواقعي فكلّ منهما بالظن إلى دليل اعتباره يثبت حكما ظاهريّا على خلاف الآخر في الموضوع الواحد، و هذا معنى تعارضهما، و أمّا وجه ترجيح الدليل على الأصل و تخصيصه به مع كون النسبة بين دليلهما العموم من وجه كون دليل الحرمة بمنزلة الخاص المطلق بالنّسبة إلى دليل الأصل بملاحظة الإجماع القائم على عدم الفرق في حجيّة الخبر و وجوب الأخذ به بين وجود الأصل على خلافه و عدمه، فإنه بعد قيامه لو عمل بدليل الأصل في مادّة التعارض لزم طرح الخبر في مورد سلامته للملازمة الثابتة بينهما بالفرض، فيلزم طرح الخبر رأسا، و هذا بخلاف ما لو علمنا
........
الشرح
بالخبر في مادّة التّعارض فإنّه لا يلزم منه طرح الأصل في مادّة الافتراق فيصير الخبر بمنزلة الخاص المطلق و الأصل بمنزلة العام المطلق، و هذا معنى ما ذكرنا من كون دليل الجزء بمنزلة الخاص بالنسبة إلى دليل الأصل.
فإن شئت قلت: إن التعارض بينهما و إن كان العموم من وجه إلاّ أنّ دليل حجيّة الخبر أظهر دلالة من دليل اعتبار الأصل فيلزم العمل عليه في مادة التعارض و هذا معنى تخصيص الأصل بالدليل و ترجيحه عليه، و هذا الوجه كما ترى و إن كان له وجه في بادي النظر و ظاهره إلاّ أنّه لا إشكال في ضعفه أيضا بعد التأمّل كما يظهر وجهه من بيان الوجه الثالث الذي اختاره شيخنا قدس سره.
ثالثها: ما جزم به قدس سره في الكتاب في هذا المقام بقوله و لكن التحقيق أنّ دليل تلك الأمارة إلى آخره و في غيره من حكومة الدليل الظنّي بالنظر إلى دليل حجيّة على الأصل الشرعي حيث إنّه بمدلوله ناظر إلى دليل الأصل و شارح و مفسّر له و مبيّن لمقدار مدلوله فهو مقدّم عليه بالتقدّم الذاتي لا لمكان الترجيح و التخصيص، فلا معارضة بينهما حقيقة أصلا، توضيح ذلك أنّ معنى حجيّة الخبر مثلا و وجوب البناء على صدقه و ترتيب آثار الواقع عليه هو عدم الاعتناء باحتمال كذبه في إخباره الذي يراعى شرعا لو لا الحكم بحجيّته، و من المعلوم أنّ نفي الاعتناء بالاحتمال المذكور شرعا راجع إلى إلقاء ما يقابل عند احتمال كذبه من الرجوع إلى الأصل بحكم الشارع و بعد إلقاء الوسائط يكون معنى حكم الشارع بحجيّة الخبر في معنى رفع اليد عن الأصل، و هذا معنى كونه شارحا له و ناظرا إليه و هو ما ذكرنا من الحكومة، و منه يظهر فساد القول بالتعارض و الترجيح و التخصيص في المقام، ثمّ إن هذا الذي ذكرنا من حكومة الدليل الظّنيّ على الأصل الشرعي إنما هو في الأصل الأعمّ، و أمّا إذا فرض هناك أصل أخصّ من دليل اعتبار الأمارة الظّنيّة بمعنى وجود الأمارة المفروضة في جميع موارد جريانه
لأجل تقييد موضوعه بالشك في الحكم الواقعي يظهر لك وجه تقديم الأدلة على الأصول، لأن موضوع الأصول يرتفع بوجود الدليل فلا معارضة بينهما لا لعدم اتحاد الموضوع؛ بل لارتفاع موضوع الأصل و هو الشك بوجود الدليل.
أ لا ترى أنّه لا معارضة و لا تنافي بين كون حكم شرب التتن المشكوك حكمه هي الإباحة و بين كون حكم شرب التتن في نفسه مع قطع النظر عن الشك فيه هي الحرمة، فإذا علمنا بالثاني لكونه علميّا و نفرض سلامته عن معارضة الأوّل خرج شرب التتن عن موضوع دليل الأوّل و هو كونه مشكوك الحكم لا عن حكمه حتى يلتزم فيه تخصيص و طرح لظاهره.
و من هنا كان إطلاق التقديم و الترجيح في المقام تسامحا؛ لأنّ الترجيح
الشرح
فلا معنى لحكومته على الأصل بل يتعيّن تخصيصه بالأصل كما إذا قيل باعتبار الاستصحاب من باب الظّن في مقابل قاعدة الشك بعد الفراغ عن العمل أو بعد التجاوز عن المحلّ أو بعد خروج الوقت بناء على القول باعتبارها من باب التعبّد الظاهري، أو في مقابل البناء على الأكثر عند الشك في الأخيرتين من الرباعيّة بناء على جريان الاستصحاب فيه على ما زعمه بعض أفاضل مقاربي عصرنا في باب الاستصحاب كما سيجيء نقله في محلّه، فإنّه لا مناص عن تخصيص الاستصحاب بالأصلين، و هذا لا يختصّ بالمقام بل هو جار بالنسبة إلى جميع ما يكون حاكما على أدلّة الأحكام كدليل نفي الحرج و الضرر و أشباههما، فإنّه لا معنى لحكومتها على ما يثبت خلافها في مورد الخاص، فلو قام هناك دليل على ثبوت حكم حرجيّ في مورد أو ضرريّ كالتصرّف في مال الغير فيما يتوقّف حفظ النفس عليه فلا ينظر إلى كونه حرجيا أو ضرريّا، و هذا أمر واضح لا سترة فيه أصلا، هذا بعض الكلام فيما يتعلّق بالمقام و سنتكلم في تمامه في الجزء الرابع من التعليقة إن شاء اللّه تعالى.
فرع المعارضة و كذلك إطلاق الخاص على الدليل و العام على الأصل فيقال يخصّص الأصل بالدليل أو يخرج عن الأصل بالدليل.
و يمكن أن يكون هذا الإطلاق على الحقيقة بالنسبة إلى الأدلة الغير العلمية بأن يقال إنّ مؤدى أصل البراءة مثلا أنّه إذا لم يعلم حرمة شرب التتن فهو غير محرم و هذا عام و مفاد الدليل الدال على اعتبار تلك الأمارة الغير العلمية المقابلة للأصل أنّه إذا قام تلك الأمارة الغير العلمية على حرمة الشيء الفلاني فهو حرام و هذا أخص من دليل أصل البراءة مثلا فيخرج عنه به و كون دليل تلك الأمارة أعم من وجه باعتبار شموله لغير مورد أصل البراءة لا ينفع بعد قيام الإجماع على عدم الفرق في اعتبار تلك الأمارة بين مواردها.
و توضيح ذلك: أن كون الدليل رافعا لموضوع الأصل و هو الشك إنما يصح في الدليل العلمي حيث إن وجوده يخرج حكم الواقعة عن كونه مشكوكا فيه، و أمّا الدليل الغير العلمي فهو بنفسه غير رافع لموضوع الأصل و هو عدم العلم، و أمّا الدليل الدال على اعتباره فهو و إن كان علميا إلاّ أنّه لا يفيد إلاّ حكما ظاهريا، نظير مفاد الأصل إذ المراد بالحكم الظاهري ما ثبت لفعل المكلف بملاحظة الجهل بحكمه الواقعي الثابت له من دون مدخلية العلم و الجهل.
فكما أنّ مفاد قوله عليه السلام: «كل شيء مطلق حتى يرد فيه نهي»(1)، يفيد الرخصة في الفعل الغير المعلوم ورود النهي فيه، فكذلك ما دل على حجية الشهرة الدالّة مثلا على وجوب شيء يفيد وجوب ذلك الشيء من حيث إنّه مظنون مطلقا أو بهذه الأمارة.
و لذا اشتهر أن علم المجتهد بالحكم مستفاد من صغرى وجدانية و هي
1) عوالي اللئالي، ج 3، ص 146.
هذا ما أدى إليه ظنّي و كبرى برهانية و هي كل ما أدى إليه ظنّي فهو حكم اللّه في حقّي، فإن الحكم المعلوم منهما هو الحكم الظاهري.
فإذا كان مفاد الأصل ثبوت الإباحة للفعل الغير المعلوم الحرمة و مفاد دليل تلك الأمارة ثبوت الحرمة للفعل المظنون الحرمة كانا متعارضين لا محالة، فإذا بني على العمل بتلك الأمارة كان فيه خروج عن عموم الأصل و تخصيص له لا محالة هذا.
و لكنّ التحقيق أنّ دليل تلك الأمارة و إن لم يكن كالدليل العلمي رافعا لموضوع الأصل إلاّ أنّه نزل شرعا منزلة الرافع فهو حاكم على الأصل لا مخصّص له كما سيتّضح إن شاء اللّه على أنّ ذلك إنّما يتم بالنسبة إلى الأدلة الشرعية.
و أمّا الأدلة العقلية القائمة على البراءة و الاشتغال فارتفاع موضوعها بعد ورود الأدلة الظنية واضح؛ لجواز الاقتناع بها في مقام البيان و انتهاضها رافعا لاحتمال العقاب كما هو ظاهر، و أمّا التخيير فهو أصل عقلي لا غير.
و اعلم أنّ المقصود بالكلام في هذه الرسالة (1) الأصول المتضمّنة لحكم
الشرح
(1) الغرض ممّا أفاده كون المقصود الأصلي بالبحث التكلّم عن حال الأصول الحكميّة أي ما يجري في الشبهات الحكمية و إن جرت في الشبهات الموضوعيّة أيضا كالأصول الأربعة فإنّها جارية في الشبهتين، و أمّا الأصول الموضوعية الصرفة أي ما لا يجري إلاّ في الشبهات الموضوعية كأصالة الصحّة في فعل الغير و في فعل النفس و نحوهما بناء على اعتبارهما من باب التعبّد فليست مقصودة بالبحث، فإن وقع فيها كلام لمناسبة كيفيّة معارضتها مع الاستصحاب أو غيره فهو خارج عن المقصود، فالحصر المدّعى في المقام إنّما هو بالإضافة إليه فلا ينقض بخروج ما لا يجري إلاّ في الموضوعات الخارجيّة عن الأصول الأربعة، فإن المقسم على
........
الشرح
ما عرفت هو المكلّف الملتفت إلى الحكم الشرعي لا الأعمّ منه و من الملتفت إلى الموضوع الخارجي.
ثمّ إنّ ما أفاده من حصر الأصول الحكمية في الأربعة و كون الحصر عقليّا دائرا بين النفي و الإثبات و بيان مجاري الأصول و مناطها و إن كان محل النقض و الإبرام على ما عرفت شرح القول فيه في الجزء الأول من التعليقة فلا نطيل بالإعادة، إلاّ أنّ ما أفاده في المقام في بيان مجاري الأصول أسلم عن المناقشة ممّا أفاده في الجزء الأول من الكتاب في بيانها و إن لم يخل عن بعض المناقشات أيضا كالحكم بتعيّن الرّجوع إلى التخيير في جميع ما لا يمكن الاحتياط فيه، إذ من مصاديقه دوران الأمر بين الحكمين الإلزاميّين و غيرهما كالوجوب و التحريم و الإباحة مثلا مع اتفاقهم فيه على الرجوع إلى البراءة كما ستقف على تفصيل القول فيه و التفصّي عنه باعتبار ملاحظة الحيثيّة قد عرفته مع فساده في الجزء الأول من التعليقة.
ثم إنّ المراد ممّا أفاده من تداخل موارد الأصول بقوله و قد ظهر ممّا ذكرنا أنّ موارد الأصول قد تتداخل إلى آخره ليس ما قد يسبق إلى بعض الأوهام من جريان الأصلين في مورد واحد و إن لم يكونا متصادقين فيجري الاستصحاب في مورد جريان البراءة أو الاشتغال كيف و يعتبر في مورد جريان الاستصحاب ترتّب الحكم على المشكوك و في جريان سائر الأصول ترتب الحكم على الشك أو ما ينطبق عليه، و مع ذلك لا يمكن اجتماعه معها موردا بالمعنى المتوهّم بل المراد مجرّد جريان سائر الأصول فيما تفرض فيه الحالة السّابقة، و إن اعتبر في جريانها عدم ترتب الحكم على المشكوك بل على الشك أو ما ينطبق عليه.
ثمّ إن هنا أمورا ينبغي التعرّض لها تبعا لجمع من أفاضل المتأخّرين:
الأوّل: أنّ المراد من أصل البراءة هل هو بمعنى القاعدة أو الدليل أو الاستصحاب
........
الشرح
أو الظاهر وجوه أوجهها على ما عرفته في معنى الأصل و مبنى البراءة و ستعرفه أيضا هو الأول من غير فرق بين ابتنائه على العقل أو النقل و إن صحّ حمل الدليل مقيّدا بالفقاهتي عليه على ما عرفته بالنظر إلى مدركه، كما أنه يتعيّن إرادة الدليل أو الظاهر منه بناء على ابتنائه على الظّن كما هو ظاهر.
و أمّا الاستصحاب فلا يصحّ إرادته منه إلاّ على القول بالاستناد إليه في باب البراءة كما يظهر من جماعة في المقام و في باب الاستصحاب حيث إنّهم قسّموه باعتبار المستصحب إلى حال الشرع و إلى حال العقل و هو المسمّى بالبراءة الأصليّة، لكنّه فاسد لما عرفت و ستعرف من فساد الاستناد إليه قطعا و في كلام غير واحد توجيه عدم إرادته بأنّ النسبة عموم من وجه من حيث جريان البراءة فيما ليس له حالة سابقة، قال بعض أفاضل من قارب عصرنا في فصوله بعد ذكر وجوه الأربعة للأصل ما هذا لفظه «و المراد به هنا المعنى الأوّل أعني القاعدة فالمعنى القاعدة المحرّرة في البراءة أو البراءة دون الدليل لعدم ملائمته للمقام، فإنّ البحث هنا عن مدلوله لا نفسه و دون الاستصحاب و إن كان من جملة أدلّته لاختلاف مدارك المسألتين و أقوالهم فيهما و دون الراجح، إذ المراد به المظنون أو المقطوع به و لا يسمّى أصلا في عرفهم، و لا خفاء في أنّ البراءة إن قيست إلى الواقع فقد لا يكون ظنّ بها و إن قيست إلى الظاهر فهي مقطوع بها» انتهى كلامه رفع مقامه، و قال قدّس سره في مقام آخر بعد ذكر الاستصحاب من أدلّة البراءة ما هذا لفظه: «و لا يخفى أنّ هذا الدليل أخصّ من المدعى، إذ بين مورد الاستصحاب و مورد أصل البراءة عموم من وجه لجريان الاستصحاب في غير البراءة و جريان أصل البراءة حيث لا يتقدّم براءة، كمن علم بوقوع جنابة و غسل عمّا في الذمّة منه و شك في المتأخّر فإنّ قضيّة أصل البراءة هنا عدم تحريم جواز المسجدين و اللبث في المساجد و قراءة العزائم عليه، مع أنّه لا معنى حينئذ للاستصحاب» انتهى كلامه رفع مقامه
........
الشرح
و ذكر بعض الأفاضل بعد الجزم بالتخلّف و كون النسبة العموم من وجه: «أنّه يتخلّف البراءة في مسألة القضاء فإنّ مقتضى البراءة عدم وجوبه و مقتضى استصحاب التكليف الثابت أوّلا وجوبه» انتهى كلامه، و يظهر من المحقّق القمّي قدّس سره جواز إرادة غير القاعدة أيضا فراجع القوانين، و التحقيق ما عرفت إلاّ أنّ ما ذكره الفاضلان لعدم جواز إرادة الاستصحاب من جهة اختلاف النسبة كما ترى فإنّا لا نتصوّر جريان البراءة فيما ليس له حالة سابقة.
أمّا ما ذكره في الفصول مثالا لمورد التّخلف فيتوجّه عليه أنّ العلم الإجمالي بوجود الجنابة و الغسل و الشك في التّقدم و التأخر مع احتمال الجنابة السابقة أيضا كما هو لازم ما فرضه من حيث إنّ قصد الغسل عمّا في الذمّة مع الالتفات يوجب العلم بتقدّم الجنابة المعلومة مع عدم احتمال الجنابة السابقة، و حاصله عدم العلم بالحالة السابقة إن لم يمنع من التمسّك بالبراءة بالنّسبة إلى الجواز في المسجدين و اللبث في سائر المساجد لم يمنع من استصحابها و عدم الحرمة الأزليّة غاية هناك تعارض أصالة عدم تقدّم كل من الحالتين بأصالة عدم تقدّم الأخرى، و إن منع منه نظرا إلى العلم بحدوث التكليف بالحرمة بالنّسبة إليهما من العلم بحصول الجنابة و المفروض الشّك في ارتفاعها منع من استصحابها أيضا، و بالجملة لم يعلم وجه لتخلّف استصحاب البراءة من أصل البراءة في المقام.
و أمّا ما ذكره بعض الأفاضل من مورد التخلّف في مسألة القضاء فلم يعلم له محصّل أيضا؛ لأنّه على القول بكون القضاء بالفرض الجديد كما هو مبنى الرجوع إلى أصالة البراءة كما يجري أصالة البراءة عن القضاء عند الشك في الفوت كذلك يجري استصحاب البراءة الأزليّة عن التكليف بالقضاء لفرض الشك في أصل حدوثه بالفرض فيستصحب عدمه من غير فرق بين العلم بالفوت في الجملة و تردّد الغائب بين الأقلّ و الأكثر و عدم العلم به كما هو الظاهر بما فرضه هذا على
........
الشرح
القول بكون القضاء بالفرض الجديد، و أمّا على القول بكونه بالفرض الأوّل فيجري أصالة الاشتغال بالنسبة إلى خارج الوقت عند الشك كما يجري بالنسبة إلى الإتيان عند الشك في الإتيان في بعض أجزاء الوقت إلاّ أن يتمسك بقاعدة الشك بعد خروج الوقت و لا دخل لها بأصل البراءة كما هو ظاهر، و بالجملة لا إشكال في عدم انفكاك البراءة عن الحالة السابقة و إن لم يجر الاستصحاب في مورد جريان البراءة و كذا العكس على ما عرفت شرح القول فيه و ستعرفه.
الثاني: أن البحث عن حكم الشك في المقام هل هو بحث عن المسألة الأصوليّة أو الفقهيّة أو المبادي الأحكامية وجوه لكل وجه أوجهها عند شيخنا قدس سره الأوّل؛ نظرا إلى أنّه الأوفق بتعريف الأصول بأنّه العلم بالقواعد الممهّدة لاستنباط الأحكام الشرعيّة و إلى أنّه لا حظّ للعامي فيه، و هذا من خواص المسألة الأصوليّة فإنّها لمّا مهّدت للاستنباط لم يكن حظ لغير المستنبط فيها و إلى عنوانه في علم الأصول و ذكره في عداد الأدلّة العقليّة، فلا فرق فيما ذكر بين الاستناد في البراءة أو الاحتياط إلى حكم العقل بهما أو إلى النقل، و ربّما يرجّح الثاني نظرا إلى أنّ التكلّم في هذه المسألة نظير التكلّم في سائر القواعد الفقهيّة المستفادة من الأدلّة كقاعدة نفي الجرح و الضرر و التسلط و اليد و أشباهها، و إن استفيدت من الأدلّة بإعمال المسائل الأصوليّة كما هو الشأن في استنباط جميع المسائل الفرعيّة هذا كله بناء على كونها قاعدة ظاهريّة سواء كان مدركها العقل أو النقل، و أمّا بناء على كون اعتبارها من باب الظن فالتكلّم فيها نظير التكلم في الاستصحاب من باب الظّن و سيجيء شرح القول فيه في الجزء الثالث من التعليقة كما أنّك ستقف على كون مختاره في باب الاستصحاب ربّما ينافي ما أفاده في المقام في مجلس البحث.
الثالث: أنّه قد يستشكل في جعل البراءة و الاشتغال العقليين من الأدلّة العقلية
........
الشرح
أو الأحكام الظاهريّة الثابتة للشاك؛ لأنّ الذي يحكم به العقل في باب البراءة هو مجرّد قبح العقاب من غير بيان، و معلوم أنّ هذا لا دخل له بالحكم الشرعي و حكمه بعدم الوجوب ظاهرا على تقدير تسليمه ليس حكما بالحكم الشرعي ضرورتان الحكم الشرعي هو الوجوب لا عدمه و إلاّ لزم جعل الأحكام الشرعيّة عشرة لا خمسة، وجه اللزوم كوجه بطلان التالي أظهر من أن يحتاج إلى البيان و الترخيص المطلق اللازم لنفي الوجوب ليس من الأحكام الشرعيّة أيضا، نعم هو جنس لما عدا الحرام من الأحكام الأربعة و منه يظهر تطرّق الإشكال إلى جعل البراءة من الأحكام الظاهريّة إذا استندت إلى الشرع أيضا بالنسبة إلى أكثر أخبارها، فإنّ مساقه مساق حكم العقل كحديث الرفع و أشباهه ممّا يكون ظاهرا في نفي المؤاخذة فإنّ الظاهر منه تأكيد حكم العقل بذلك هذا بالنّسبة إلى حكم العقل في باب البراءة، و أمّا حكمه بالاشتغال فلأنّ مبناه كما عرفت الإشارة إليه مرارا و ستعرف الكلام فيه تفصيلا على وجوب دفع الضرر المحتمل، و من المعلوم أنّ حكمه بذلك إرشاديّ محض لا يستتبع حكما شرعيّا في الواقعة لا واقعيّا أو لا ظاهريا، بل الأمر كذلك في حكمه بوجوب دفع الضرر المظنون أو المقطوع فضلا عن المحتمل على ما أسمعناك في محلّه، و منه يظهر الكلام فيما لو استند فيه إلى الشرع أيضا فإنّ مساق أخباره بأسرها مساق حكم العقل على تقدير تسليم دلالتها على وجوب الاحتياط، اللّهمّ إلاّ أن يقال كفاية هذا المقدار في جعل الاشتغال من الأصول الظاهرية فإنّه أيضا نحو من الحكم بالوجوب و إن لم يكن طلبا شرعيّا مولويّا، فبقي الإشكال بالنسبة إلى البراءة.
فإن قلت: إنّا نفرض الكلام فيما لو دار الأمر بين الوجوب و الإباحة فإذا نفي الوجوب بالأصل المذكور ثبتت الإباحة من جهة الدوران المفروض و هي من الأحكام الشرعيّة و هكذا في دوران الأمر بين الوجوب و الاستحباب و نحوه.
........
الشرح
قلت: مضافا إلى عدم اختصاص محل الكلام بدوران الأمر بين الحكمين أنّه مبنيّ على جواز إثبات أحد الضدّين بنفي الآخر بالأصل ضرورة تضادّ الأحكام بأسرها و هو ممنوع عندنا على ما عرفت الإشارة إليه، و ستعرف الكلام فيه مفصّلا من عدم جواز التعويل على الأصول المثبتة من غير فرق بين الاستصحاب و غيره من الأصول، هذا و يمكن الذبّ عن الإشكال المذكور بأنّ العقل يحكم في موارد البراءة من جهة حكمه بقبح العقاب من دون بيان بعدم الحرج في الفعل و الترك و جواز كل منهما، و هذا المعنى مساوق للإباحة الظاهريّة و لا ينافيه العلم الإجمالي بكون حكم الواقعة في نفس الأمر غير الإباحة في بعض الموارد كما لا ينافي العلم المزبور الحكم بالإباحة الشرعيّة الظاهرية في ذلك الموارد فتأمّل.
الرابع: أنّ الوجه في عنوانهم أصالة الإباحة مستقلاّ في قبال أصالة البراءة، و الفرق بينهما و إن كان مذكورا في محلّه و تقدّمت الإشارة إليه في الجزء الأوّل من التعليقة إلاّ أنّا نشير إلى جملة من وجوه الفرق في المقام أيضا:
منها: أنّ أصالة الإباحة في مقام نفي احتمال التحريم و أصالة البراءة في مقام نفي احتمال الوجوب، و منها أن التكلم في أصالة الإباحة من حيث حكم العقل و في أصالة البراءة من حيث حكم الشرع.
و منها: أنّ التكلم في أصالة الإباحة من حيث الحكم الواقعي و في أصالة البراءة من حيث الحكم الظاهري.
و منها: أنّ التكلم في أصالة الإباحة من حيث الحكم الشرعي الظاهري و في أصالة البراءة من حيث الحكم بمجرّد نفي المؤاخذة و العقاب من غير أن يستتبع حكما شرعيّا و لو في مرحلة الظّاهر، إلى غير ذلك ممّا ذكروه من وجوه الفرق بينهما، و الحقّ ما عرفت الإشارة إليه في مطاوي كلماتنا في الجزء الأوّل من التعليقة من كون أصالة الإباحة قسما من أصالة البراءة.
الشبهة في الحكم الفرعي الكلي و إن تضمّنت حكم الشبهة في الموضوع أيضا و هي منحصرة في أربعة: أصل البراءة و أصل الاحتياط، و التخيير، و الاستصحاب، بناء على كونه حكما ظاهريا ثبت التعبد به من الأخبار إذ بناء على كونه مفيدا للظن يدخل في الأمارات الكاشفة عن الحكم الواقعي، و أمّا الأصول المشخّصة لحكم الشبهة في الموضوع كأصالة الصحّة و أصالة الوقوع فيما شك فيه بعد تجاوز المحل فلا يقع الكلام فيها إلاّ لمناسبة يقتضيها المقام.
ثمّ إنّ انحصار موارد الاشتباه في الأصول الأربعة عقلي لأنّ حكم الشك إمّا أن يكون ملحوظا فيه اليقين السابق عليه و إمّا أن لا يكون، سواء لم يكن يقين سابق عليه أم كان و لم يلحظ، و الأوّل مورد الاستصحاب و الثاني إمّا أن يكون الاحتياط فيه ممكنا أم لا و الثاني مورد
التخيير، و الأول إمّا أن يدل دليل عقلي أو نقلي على ثبوت العقاب بمخالفة الواقع المجهول و إمّا أن لا يدل، و الأول مورد الاحتياط و الثاني مورد البراءة.
و قد ظهر ممّا ذكرنا أنّ موارد الأصول قد تتداخل؛ لأنّ المناط في الاستصحاب ملاحظة الحالة المتيقنة السابقة و مدار الثلاثة الباقية على عدم ملاحظتها و إن كانت موجودة.
ثم إنّ تمام الكلام في الأصول الأربعة يحصل بإشباعه في مقامين:
الشرح
و ممّا ذكرنا يظهر الفرق بين أصالة الحلّ و أصالة البراءة أيضا فإنّها من أقسام أصالة البراءة أيضا، و الفرق بينها و أصالة الإباحة أنّها تستعمل في مقابل احتمال الحرمة في الشبهات الموضوعيّة و أصالة الإباحة تستعمل في قبال احتمال الحرمة في الشبهات الحكمية فتدبّر.
أحدهما: حكم الشك في الحكم الواقعي من دون ملاحظة الحالة السابقة الراجع إلى الأصول الثلاثة.
الثاني: حكمه بملاحظة الحالة السابقة و هو الاستصحاب.
فيقع الكلام فيه في موضعين؛ لأنّ الشك إمّا في نفس التكليف و هو النوع الخاص من الإلزام و إن علم جنسه كالتكليف المردّد بين الوجوب و التحريم.
و إمّا في متعلّق التكليف مع العلم بنفسه كما إذا علم وجوب شيء و شك بين تعلّقه بالظهر و الجمعة أو علم وجوب فائتة و تردّد بين الظهر و المغرب.
يقع الكلام فيه في مطالب؛ لأنّ التكليف المشكوك فيه إمّا تحريم مشتبه بغير الوجوب و إمّا وجوب مشتبه بغير التحريم، و إمّا تحريم مشتبه بالوجوب [لأنّ التكليف المشكوك فيه إمّا إيجاب مشتبه بغيره و إمّا تحريم كذلك] و صور الاشتباه كثيرة.
و هذا مبني على اختصاص التكليف بالإلزام (1) أو اختصاص الخلاف في
الشرح
(1) أمّا كثرة صور الاشتباه فلأنّ الدوران بين التحريم و غير الوجوب من الأحكام الثلاثة على ما عرفت الإشارة إليه قد يعتبر ثنائيّا كالتحريم و الإباحة أو التحريم و الكراهة أو التحريم و الاستحباب و قد يعتبر ثلاثيّا، و صوره أيضا ثلاثة، و قد يعتبر رباعيّا و له صورة واحدة، و كذلك دوران الأمر بين الوجوب و غير التحريم من الأحكام الثلاثة الباقية، و لمّا كان المقصود بالبحث في جميع صور
........
الشرح
الدوران التي عرفتها معرفة حالها من حيث البناء على البراءة و نفي الحكم الإلزامي في مرحلة الظاهر و البناء على وجوب الاحتياط و رعاية احتمال الحكم الإلزامي لم يجعل لكلّ صورة عنوانا مستقلا؛ لعدم الفرق بينها من الجهة المقصودة بالبحث، و إن كان بينها فرق من جهة أخرى كما في دوران الأمر بين الحرمة و الكراهة مثلا أو دوران الأمر بين الوجوب و الاستحباب، فإنّه لو فرض هناك حكم مترتب على مطلق مرجوحيّة الفعل ترتّب على الأوّل، كما أنّه لو فرض هناك حكم مترتّب على مطلق رجحانه ترتّب في الثاني لكون كلّ منهما معلوما بالفرض و إن لم يثبت بالبراءة عن التحريم الكراهة في الأول و بالبراءة عن الوجوب الاستحباب في الثاني فيجمع بين ترتب آثار القدر المشترك في الصورتين و نفي الخصوصيّتين فيهما.
و أمّا ما أفاده بقوله: (و هذا مبني) إلى آخره فهو غير محصّل المراد فإنّ ما أفاده من اختصاص التكليف بالإلزام إن أراد منه الاختصاص عند العلماء فقد اتفقوا على تعميمه بالنسبة إلى جميع الأحكام الخمسة حتى الإباحة، و إن أراد منه الاختصاص بحسب اللغة و العرف العام فهو مبنيّ على كون الحكم في المقام مترتّبا في جميع الأدلّة اللفظيّة كتابا و سنّة على لفظ التكليف، و هو إن كان كذلك بالنسبة إلى بعض الآيات و جملة من الأخبار التي ستمرّ عليك إلاّ أنّ الأمر ليس كذلك على الإطلاق و لا ينفع كون لفظ التكليف واقعا في موضوع البعض، و إن كان الظاهر من لفظ الكلفة في اللغة و العرف الإلزام فعلا أو تركا مع أنه لا حاجة إلى هذا الظهور عند التحقيق؛ لأنّ المشتمل على لفظ التكليف ظاهر في الإلزام لاقترانه في أكثره بما يكون دليلا عليه، أ لا ترى إلى قوله تعالى: لاٰ يُكَلِّفُ اَللّٰهُ نَفْساً إِلاّٰ وُسْعَهٰا و نحوه، فإنّه بقرينة لفظ الوسع ظاهر في نفي التكليف الإلزامي كما هو ظاهر.
و أمّا ما أفاده من اختصاص الخلاف بين العلماء في البراءة و الاحتياط بما هناك احتمال الإلزام فهو متعيّن ظاهرا و ليس محلا للترديد، إذ المستفاد من كلماتهم
........
الشرح
كأدلّة الطرفين نقلا و عقلا اختصاصه به كما يعلم من الرجوع إليها و التأمّل في أدلّة القولين؛ لأنّ حكم العقل بالبراءة مبنيّ على قاعدة قبح العقاب من غير بيان و دفع العقاب المحتمل و الأدلة النقلية أكثرها صريحة في ذلك و بعضها ظاهر فيه كما ستقف عليها؛ لأنّ جملة من أخبار البراءة في بيان إثبات الطلق و الحليّة في موارد احتمال النهي و الأمر و أخرى ظاهرة في نفي المؤاخذة و العقاب على ما لا يعلم، و كذا أخبار الاحتياط ظاهرة في إثبات الحكم عند احتمال التهلكة فلا معنى مع ذلك لتعميم محل البحث، فإن شئت قلت بعد القطع بجواز كل من الفعل و الترك لا يحتاج اختيار أحدهما إلى البناء على حكم خاصّ بل ينفى كل من الخصوصيّات المحتملة بالنّسبة إلى الأحكام المترتبة عليها بأصل العدم، ففي دوران الأمر بين الاستحباب و الإباحة مثلا يحكم بجواز الفعل قطعا، و أمّا الحكم المترتب على خصوص الاستحباب فيفي بالأصل، بل الحق نفي الإباحة الخاصّة أيضا بالأصل فيما فرض هناك حكم مترتّب عليها، نعم في دوران الأمر بين الاستحباب و الكراهة التعبديّين لو فرض في الشرعيّات يمكن الحكم بجريان التخيير كدوران الأمر بين الوجوب و التحريم التعبّديين فتأمّل.
و لو قال عند عدم احتمال الحكم الإلزامي حكمه يعلم من الرجوع إلى الأصول و القواعد بعد استظهار اختصاص النزاع في المسألة بما كان هناك احتمال الإلزام فعلا أو تركا أو فعلا و تركا كان أولى ممّا أفاده في تحرير المقام كما لا يخفى وجهه، و المراد من المستحب و المكروه في العبارة هما باعتبار عنوانهما فلو أبدلهما بالاستحباب و الكراهة كان أولى، هذا و لكن ظاهر المحقق القمّي قدس سره في القوانين تخصيص التكليف بالإلزام، و لذا خصّ محلّ الكلام بموارد وجود احتماله و قال في الفصول بعد نقل ما عرفته عن القوانين: «و لعلّه ناظر إلى ما قيل من أنّ التكليف مأخوذ من الكلفة و معناه الإلقاء في المشقّة و لا يصدق
البراءة و الاحتياط به، فلو فرض شموله للمستحب و المكروه يظهر حالهما من الواجب و الحرام فلا حاجة إلى تعميم العنوان.
ثمّ متعلّق التكليف المشكوك:
إمّا أن يكون فعلا كليا متعلقا للحكم الشرعي الكلّي كشرب التتن المشكوك في حرمته و الدعاء عند رؤية الهلال المشكوك في وجوبه.
الشرح
على غيرهما و ضعفه ظاهر؛ لأنّ ذلك معنى التكليف لغة و أمّا في الاصطلاح فهو الأعم من ذلك، إلى أن قال و كان المتداول في كلامهم استعمال أصل البراءة في نفي الوجوب و أصل الإباحة في نفي التحريم و الكراهة و التعميم أولى بالمقام لصلوح اللفظ له بالمعنى الذي ذكرنا مع اشتراك الجميع في الأدلّة» انتهى كلامه رفع مقامه، و أنت خبير بأنّ تعميمه التكليف بحسب الاصطلاح و إن كان جيّدا إلاّ أنّ حكمه بتعميم العنوان لما يشمل غير الإلزام من جهة عموم أدلّة البراءة قد عرفت ما فيه نظرا إلى اختصاصها عقلا و نقلا بنفي الإلزام، نعم قد عرفت الإشارة إلى عدم الإشكال في نفي الاستحباب و الكراهة و الأحكام المترتّبة على عنوانهما لكنّه لا تعلّق له بأصل البراءة.
ثمّ إن المراد من النصّ المضاف إليه العدم و الإجمال و التعارض في الكتاب هو الدليل لا ما يرادف الحديث أو ما يقابل الظاهر كما يدلّ عليه تمثيله لإجماله و تعارضه بالآية الشريفة و هذا أمر ظاهر، كما أنّ المراد من الإجمال في المقام أعمّ من الإجمال الاصطلاحي فيشمل الإهمال و نحوه، ثمّ إنّ مثل القول بتواتر القراءات في الحكم بوقوع التعارض بين قراءتي التخفيف و التشديد القول بجواز الاستدلال بكل قراءة و حجيّته على تقدير عدم تواترها على ما عرفت الكلام فيه في الجزء الأول من التعليقة عند البحث عن حجيّة ظواهر الكتاب، فالحكم بالإجمال و جعل الآية مثالا لإجمال النص مبنيّ على عدم التواتر و عدم جواز الاستدلال و إلاّ فتدخل في تعارض النصّين.
و إمّا أن يكون فعلا جزئيا متعلقا للحكم الجزئي كشرب هذا المائع المحتمل كونه خمرا.
و منشأ الشك في القسم الثاني اشتباه الأمور الخارجية.
و منشؤه في الأول إمّا عدم النص في المسألة كمسألة شرب التتن و إمّا أن يكون إجمال النص كدوران الأمر في قوله تعالى حَتّٰى يَطْهُرْنَ بين التشديد و التخفيف مثلا و إمّا أن يكون تعارض النصّين و منه الآية المذكورة بناء على تواتر القراءات.
و توضيح أحكام هذه الأقسام في ضمن مطالب:
الأوّل: دوران الأمر بين الحرمة و غير الوجوب من الأحكام الثلاثة الباقية.
الثاني: دوران الأمر بين الوجوب و غير التحريم.
الثالث: دورانه بين الوجوب و التحريم.
و قد عرفت أنّ متعلّق الشك تارة الواقعة الكلية كشرب التتن و منشأ الشك فيه عدم النص أو إجماله أو تعارضه، و أخرى الواقعة الجزئية.
فهاهنا أربع مسائل:
و قد اختلف فيه على ما يرجع إلى قولين:
أحدهما: إباحة الفعل شرعا و عدم وجوب الاحتياط بالترك.
و الثاني: وجوب الترك، و يعبّر عنه بالاحتياط.
و الأوّل: منسوب إلى المجتهدين؛
و الثاني: إلى معظم الأخباريين.
و ربّما نسب إليهم أقوال أربعة (1) التحريم ظاهرا و التحريم واقعا و التوقف و الاحتياط.
و لا يبعد أن يكون تغايرها باعتبار العنوان.
و يحتمل الفرق بينها و بين بعضها من وجوه أخر تأتي بعد ذكر أدلة الأخباريين.
منها قوله تعالى: لاٰ يُكَلِّفُ اَللّٰهُ نَفْساً إِلاّٰ مٰا آتٰاهٰا(1).
قيل دلالتها واضحة.
و فيه أنّها غير ظاهرة، فإنّ حقيقة الإيتاء الإعطاء (2).
الشرح
(1) قد نسب الأقوال الأربعة إليهم الفريد البهبهاني قدّس سره في فوائده و ظاهره بل صريحه كونها متمايزة مختلفة بحسب المعنى لا أن يكون اختلافها بمجرّد التعبير من جهة اختلاف ما ركنوا إليه من الأخبار الواردة مع عدم اختلاف بينها بحسب المعنى، و المراد كما هو المستظهر منها عند شيخنا قدّس سره و الظاهر من كلمات الأخباريين عند التأمّل.
(2) ذكر في الفصول بعد عدّ الآية في عداد الآيات التي استدل بها على المدّعى أنّ دلالتها واضحة و لم يذكر في تقريبها شيئا و أنت خبير بأنّ محتملات الآية كثيرة تدلّ على المدّعى على بعضها و لا تدلّ عليه على بعضها الآخر، توضيح ذلك أنّه لا يخلو الأمر إمّا أن يراد من الموصول خصوص المال فيراد من نسبة
1) سورة الطلاق، آية: 7.
........
الشرح
التكليف إليه بدلالة الاقتضاء دفعه و إنفاقه أو يقدّر الدفع و الإنفاق، فالمعنى أنّه لا يكلف اللّه تعالى نفسا إنفاق مال إلاّ إنفاق ما أعطاه من المال، فإن كان ممّن وسع اللّه عليه فيكلّف بالإنفاق من سعته و إن كان ممّن ضيّق عليه في معيشته فلا يكلّف بالإنفاق أو يكلّف بقدر مقدوره و هذا هو الظاهر من الآية بملاحظة السياق صدرا و ذيلا، و إن كان بعيدا من جهة أخرى ستقف عليها أو يراد منه فعل المكلّف بالمعنى الأعم من الترك فيكون إيتاؤه و إعطاؤه بمعنى الإقدار عليه فتدلّ على نفي التكليف بغير المقدور كما في مجمع البيان حيث قال في تفسير الآية الشريفة: «أي إلاّ بقدر ما أعطاه من الطّاقة، و في هذا دلالة على أنّه سبحانه لا يكلّف أحدا ما لا يقدر عليه و لا يطيقه» انتهى كلامه، و يحتمل أن يكون إيتاؤه كناية عن الوسع في مقابل الضيق و الحرج فتوافق قوله تعالى: لاٰ يُكَلِّفُ اَللّٰهُ نَفْساً إِلاّٰ وُسْعَهٰا كما جمع بينهما في رواية عبد الأعلى الآتية فيدلّ على نفي التكليف الحرجي.
و كيف كان هذا المعنى أظهر من الأوّل من جهة عدم توقّفه على التقدير أو التصرّف في النسبة، مضافا إلى أن كون سياق الآية في مقام التعليل فلا يناسب حملها على المعنى الأوّل و لا ينافي كون سوقها في مقام الإنفاق؛ لأنّ الإنفاق من الميسور و ممّا أعطاه اللّه من المال داخل في المقدور، و من هنا قال قدس سره و هذا المعنى أظهر و أشمل فيناسب سوقها في مقام التعليل بخلاف المعنى الأوّل فإنّه في قوّة التكرار فلا يناسب التعليل أو يراد منه الحكم الشرعي فيكون إيتاؤه و إعطاؤه كناية عن إعلامه، فالمعنى بعد التصرّف في النّسبة أو التقدير ضرورة استحالة تعلّق التكليف بالحكم الشرعي بمعنى كونه مكلّفا به أنّ اللّه لا يكلّف نفسا إطاعة حكم إلاّ إطاعة حكم أعطاه إلى أعلمه النفوس فتدلّ على عدم لزوم إطاعة الحكم المجهول، و هذا معنى دلالتها على البراءة في محل البحث، و هذا مع كونه خلاف الظاهر من جهة توقّفه على التصرّف أو التقدير، مضافا إلى منافاته للمورد قد يستشهد
........
الشرح
له منافاته للمورد قد يستشهد له برواية عبد الأعلى المذكورة في الكتاب من حيث إنّ جوابه عن سؤال التكليف النّاس بالمعرفة بقوله لا على اللّه البيان ظاهر في إرادة الإعلام و البيان من الإيتاء في الآية التي استشهد عليه السلام بها، لكنّه ضعيف من حيث إنّ المعرفة قبل تعريف اللّه تعالى و لو بدلالة العقول و إرشادها من اللّه تعالى، حيث إنّ العقل حجة باطنيّة من اللّه تبارك و تعالى غير مقدور فيدخل في المعنى الثاني، و لو أريد من البيان ما يشمل المودع في النفوس من اللّه تعالى من الفطرة الجبليّة عمّ السؤال لمعرفة الإجماليّة مطلقا، و إلاّ فيحمل على المعرفة التفصيليّة بحسب الطاقة البشريّة، و يحتمل أن يكون المراد المعرفة بحال حجج اللّه تعالى، و معلوم أنّ معرفتهم غير مقدور من دون بيان اللّه تعالى بإظهار خوارق العادات الدّالة على صدقهم و كونهم أدلاّء على صراطه و حججا على خلقه، و قد أطلق المعرفة المطلقة على هذا المعنى في بعض الأخبار و لا يأبى عنه الحديث أيضا.
و أمّا حمل المعرفة على معرفة اللّه تعالى بكنهه الغير المقدور لكل أحد و جعل قوله عليه السلام لا على اللّه البيان على مجرّد التقدير و الفرض فهو كما ترى أو يراد منه المعنى الأعم من الفعل و الحكم فيراد من الإيتاء باعتبار نسبته إلى الفعل الإقدار و باعتبار و نسبته إلى الحكم الإعلام لأنّ إعطاء كل شيء بحسبه، فقد أورد الأستاذ العلاّمة قدس سره عليه بأنّه موجب لاستعمال الموصول في المعنيين، و لعلّ المراد استعماله في المعنيين باعتبار صلته و إلاّ فيتوجّه عليه الإشكال جزما، بل قد يتأمّل فيما أفاده بالنسبة إلى الصّلة أيضا من أنّ الإيتاء بمعنى الإعطاء جامع بين المعنيين بل المعاني و الاختلاف إنّما يحصل بحسبه.
و هذا معنى ما يقال إنّ إعطاء كل شيء بحسبه و قد التزم بإرادة الجامع عند توجيه استدلال السيّد أبو المكارم على البراءة و عدم وجوب الاحتياط في الشبهة التحريمية في قبال الأخباريّين بأنّ التكليف بالاجتناب تكليف بما لا يطاق كما ستقف عليه و في غير
فإمّا أن يراد بالموصول المال بقرينة قوله تعالى قبل ذلك: وَ مَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمّٰا آتٰاهُ اَللّٰهُ(1). فالمعنى أنّ اللّه سبحانه لا يكلف العبد إلاّ دفع ما أعطي من المال.
و إمّا أن يراد نفس فعل الشيء أو تركه بقرينة إيقاع التكليف عليه فإعطاؤه كناية عن الإقدار عليه فتدل على نفي التكليف بغير المقدور كما ذكره الطبرسي رحمه اللّه، و هذا المعنى أظهر و أشمل، لأنّ الإنفاق من الميسور داخل في ما آتاه اللّه.
و كيف كان فمن المعلوم أنّ ترك ما يحتمل التحريم ليس غير مقدور و إلاّ لم ينازع في وقوع التكليف به أحد من المسلمين و إن نازعت الأشاعرة في إمكانه.
نعم لو أريد من الموصول نفس الحكم و التكليف كان إيتاؤه عبارة عن الإعلام به لكن إرادته بالخصوص تنافي مورد الآية و إرادة الأعم منه و من المورد تستلزم استعمال الموصول في معنيين، إذ لا جامع بين تعلّق التكليف بنفس الحكم و بالفعل المحكوم عليه فافهم.
الشرح
هذا المقام، لكنّ الظاهر من الآية الشريفة بقرينة التكليف إرادة فعل المكلف من الموصول من دون تصرّف في النسبة بإرادة الإطاعة فلا تعلّق لها بالمقام أصلا، مع أنه على تقدير عدم ظهورها في المعنى الأخير يسقط الاستدلال بالآية الشريفة، هذا كله مع أنّ مساقها مساق قوله تعالى لاٰ يُكَلِّفُ اَللّٰهُ نَفْساً إِلاّٰ وُسْعَهٰا كما جمع بينهما في رواية عبد الأعلى، فظاهرهما أمّا نفي التكليف بغير المقدور أو التكليف بغير الميسور فلا تعلّق لهما بالمقام، و منه يظهر عدم جواز الاستدلال للمقام بقوله تعالى في أواخر سورة البقرة لاٰ
1) الطلاق: الآية: 7.
نعم في رواية عبد الأعلى عن أبي عبد اللّه عليه السلام:
«قال قلت: له هل كلف الناس بالمعرفة، قال: لا على اللّه البيان لا يكلف اللّه نفسا إلاّ وسعها و لا يكلّف اللّه نفسا إلاّ ما آتاها»(1).
لكنّها لا تنفع في المطلب لأنّ نفس المعرفة باللّه غير مقدور قبل تعريف اللّه سبحانه فلا يحتاج دخولها في الآية إلى إرادة الإعلام من الإيتاء في الآية، و سيجيء زيادة توضيح لذلك في ذكر الدليل العقلي إن شاء اللّه تعالى، و ممّا ذكرنا يظهر حال التمسّك بقوله تعالى: لا تكلّف نفس إلاّ وسعها(2).
و منها: قوله تعالى: وَ مٰا كُنّٰا مُعَذِّبِينَ حَتّٰى نَبْعَثَ رَسُولاً(3).
بناء على أنّ بعث الرسول كناية (1) عن بيان التكليف لأنّه يكون به غالبا
الشرح
يُكَلِّفُ اَللّٰهُ نَفْساً إِلاّٰ وُسْعَهٰا.
(1) الآية الشريفة في سورة بني إسرائيل و قد تمسّك بها غير واحد للمقام وفاقا للفاضل التوني في شرح الوافية، و المراد من بعث الرّسول بعثه ببيان التكاليف و الأحكام و إلاّ فمجرّد إرسال الرّسل لا يصحّح العذاب قطعا، ثمّ إنّ مجرى البراءة لما كان مختصّا بما لا بيان فيه أصلا و كان الحكم العقلي أيضا بيانا كالبيان النقلي توقّف تقريب الدلالة على التصرّف في الآية الشريفة نعم لو قيل بعدم حجيّة حكم العقل و عدم التلازم بينه و بين حكم الشرع أو عدم حسن العقاب إلاّ بالتأكيد الذي يرجع إلى عدم حجيّة حكم العقل بنوع من الاعتبار كما في الكتاب لم يحتج إلى التصرّف فيها وجوه التصرّف على القول بحجيّة حكم العقل تعميم الرسول لما يشمل العقل؛ لأنّه رسول من الباطن كما عن بعض، و إن كان في كمال البعد
........
الشرح
و جعله كناية عن البيان لأنّه يكون به غالبا كما في الكتاب و تخصيص الآية بغير المستقلاّت العقلية كما في القوانين و الكتاب من حيث قيام البرهان الذي قضى بحجيّة حكم العقل عليه، و إن كان ما أفاده في الكتاب مع كون الأخير من باب التخصّص أحسن من الكل كما هو ظاهر فيتمّ الاستدلال بالآية على كلا القولين في مسألة التلازم.
هذا و أورد على الاستدلال بها شيخنا قدس سره في الكتاب بأنّ ظاهرها الإخبار بوقوع التعذيب سابقا بعد البعث فيختصّ بالعذاب الدنيوي الواقع في الأمم السابقة، و يمكن المناقشة فيه بأنّ كون الآية إخبارا عمّا أفاده لا ينافي دلالتها على المدّعى بعد كونه مبنيّا على مقتضى العدل و الحكمة الإلهيّة الذي لا يعقل الفرق فيه بين الأمم السّابقة و اللاحقة و العذاب الدنيوي و الأخروي الذي هو أشدّ من الدنيوي بمراتب شتّى الذي يدل على سوق الآية لهذا المعنى المبتنى على الحكمة، مضافا إلى شهادة كثير من الآيات المتّحد معها من حيث المساق كقوله تعالى في سورة القصص: وَ مٰا كٰانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ اَلْقُرىٰ حَتّٰى يَبْعَثَ فِي أُمِّهٰا رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيٰاتِنٰا وَ مٰا كُنّٰا مُهْلِكِي اَلْقُرىٰ إِلاّٰ وَ أَهْلُهٰا ظٰالِمُونَ، و مثله، فإنّ ظاهره كما هو ظاهر أنّ الحكمة الإلهية اقتضت أن لا يكون الهلاك إلاّ بعد البعث و إتمام الحجّة و أنّ كلّما وقع الهلاك في أنّه من الأمم كان بعد إتمام الحجّة و إن كان الهلاك الواقع فيهم من العذاب الدنيوي كما يشهد له كلمات المفسرين قال في مجمع البيان ما هذا لفظه: «معناه و ما كنّا معذّبين قوما بعذاب الاستئصال إلاّ بعد الإعذار إليهم و الإنذار لهم بأبلغ الوجوه و هو إرسال الرسول إليهم مظاهرة في العدل و إن كان تجويز مؤاخذتهم على ما يتعلّق بالعقل مستحيلا، فعلى هذا التأويل يكون الآية عامّة في العقليّات و الشرعيّات، و قال الأكثرون من المفسّرين و هو الأصحّ إنّ المراد بالآية أنّه سبحانه لا يعذّب في الدنيا و لا في الآخرة إلاّ بعد البعثة، فيكون الآية خاصة فيما يتعلق بالسّمع من الشّرعيّات»
كما في قولك لا أبرح من هذا المكان حتّى يؤذن المؤذن، كناية عن دخول الوقت أو عبارة عن البيان النقلي و يخصص العموم بغير المستقلات أو يلتزم بوجوب التأكيد و عدم حسن العقاب إلاّ مع اللطف بتأييد العقل بالنقل و إن حسن الذم بناء على أنّ منع اللطف يوجب قبح العقاب دون الذم كما صرح به البعض، و على أي تقدير فتدل على نفي العقاب قبل البيان.
و فيه: أنّ ظاهرها الإخبار بوقوع التعذيب سابقا بعد البعث فيختص بالعذاب الدنيوي الواقع في الأمم السابقة.
ثمّ إنّه ربّما يورد التناقض (1) على من جمع بين التمسّك بالآية في المقام
الشرح
انتهى كلامه رفع مقامه، و قال في محكي الكشّاف في تفسيرها و ما يصح لنا صحّة يدعو إليها الحكمة أن نعذّب قوما إلاّ بعد أن نبعث إليهم رسولا فيلزمهم الحجّة انتهى كلامه، فالإنصاف ظهور الآية في المدّعى فيقال في تقريب دلالتها بناء على ما ذكرنا في معناها إنّه كما يستدل بما دلّ على ثبوت العذاب على الفعل أو الترك بالتحريم أو الوجوب حيث إنّه من لوازمهما و آثارهما كذلك يستدلّ على نفي التحريم قبل البيان بنفي العذاب قبله بناء على كون المراد وصول البيان إليهم من الرسول لا مجرّد بيانه و إن لم يصل إليهم فيدلّ على المدعى.
(1) الجامع هو الفاضل التوني في الوافية فإنّه قد تمسّك بالآية الشريفة على البراءة في المقام و أورد على من تمسّك بها في مسألة الملازمة بين العقل و الشرع نظرا إلى دلالتها بظاهرها على إناطة العذاب ببيان الرسول، و يلزمها عدم حجيّة حكم العقل و الملازمة ظاهرة بأنّ مفاد الآية الشريفة نفي فعليّة العذاب قبل بعث الرسول فلا ينافي ثبوت الاستحقاق بالنظر إلى حكم العقل في بعض الموارد قبله، و الملازمة بيّنة على الاستحقاق لا على الفعلية و المورد للتناقض بينهما المحقّق القمّي قدس سره في القوانين و حاصل التناقض: أنّ الأخبار بنفي التعذيب قبل
........
الشرح
بعث الرّسول إن دل على عدم التكليف شرعا و لو في مورد ثبوت حكم العقل فلا وجه للثاني أي الإيراد فيصحّ التمسّك بالآية على نفي الملازمة و إن لم يدل عليه كما هو مبنى الإيراد فلا وجه للأوّل إلى التمسّك بالآية في المقام، و إن توجّه الإيراد المانع عن الاستدلال بها في مسألة الملازمة فالجمع بين التمسّك بالآية في المقام و الإيراد على التمسّك بها على نفي الملازمة لا يصحّ على كل تقدير، هذا و أجاب عنه بعض أفاضل مقاربي عصرنا في الفصول ب «أن الجامع بين المقامين كأنه أراد نفي الوجوب و التحريم بالمعنى الذي أثبته الخصم فإنه لا يلتزم بكونه ذنبا موعودا عليه العفو و عدم المؤاخذة و لو مع الإصرار بل يجعله كغيره من الذنوب فلا يكون تناف بين كلامه» انتهى كلامه رفع مقامه، و يوافقه ما أفاده شيخنا قدس سره في الكتاب و يرجع إليه و إن تغايرا بالإجمال و التفصيل كما هو واضح.
و حاصلهما ما عرفت من أنّ مبنى الملازمة على كون حكم العقل دليلا على حكم الشرع و ثبوته بالدّليل العقلي أو غيره يلازم الاستحقاق لا الفعليّة فلا ينافي العفو عنه إذا لم يكن هناك بيان من الرسول على ثبوته في مورد حكم العقل كما في بعض المحرّمات الشرعيّة كالظهار و العزم على المعصية على القول بكونه معصية موعودا على عفوه كما استظهر من بعض أخباره، و إن مضى الإشكال في ذلك في الجزء الأوّل من التعليقة و أنّ العفو كيف يجامع وجوب اللطف بالوعد و الوعيد على الحكيم تعالى و مبنى البراءة و إن كان على المعذورية و نفي الاستحقاق، إلاّ أنّ نفي الفعليّة بارتكاب الشبهة تلازمه باعتراف الخصم فإذا حملت الآية على ظاهرها و هو نفي الفعلية كان الجمع صحيحا بضميمة هذه المقدّمة الخارجيّة، نعم لو كان المدّعي للملازمة بين الحكمين مدّعيا لثبوت حكم الشارع بحكم العقل على نحو ثبوته بالنقل من غير أن يكون هناك عفو و كان تسالمهم على كون هذا المعنى محلاّ للكلام كما يظهر من جعلهم ثمرة النزاع
و بين رد من استدل بها لعدم الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع بأنّ نفي فعليّة التعذيب أعم من نفي الاستحقاق، فإنّ الإخبار بنفي التعذيب إن دل على عدم التكليف شرعا فلا وجه للثاني و إن لم يدل فلا وجه للأوّل.
و يمكن دفعه: بأنّ عدم الفعلية يكفي في هذا المقام؛ لأنّ الخصم يدّعي أنّ في ارتكاب الشبهة الوقوع في العقاب و الهلاك فعلا من حيث لا يعلم كما هو مقتضى رواية التثليث و نحوها التي هي عمدة أدلّتهم و يعترف بعدم المقتضي للاستحقاق على تقدير عدم الفعلية فيكفي في عدم الاستحقاق نفي الفعلية بخلاف مقام التكلّم في الملازمة فإنّ المقصود فيه إثبات الحكم الشرعي في مورد حكم العقل و عدم ترتب العقاب على مخالفته لا ينافي ثبوته كما في الظهار، حيث قيل إنّه محرم معفو عنه و كما في العزم على المعصية على احتمال، نعم لو فرض هناك أيضا إجماع على أنّه لو انتفت الفعلية انتفى الاستحقاق كما يظهر من بعض ما فرعوا على تلك المسألة لم يجز التمسّك به هناك.
الشرح
ترتب الثواب و العقاب على حكم العقل و عدمه و زوال العدالة بمجرّد المخالفة أو الإصرار عليها و عدمه إلى غير ذلك، و استدلال النافين بأنّ الثواب و العقاب إنّما يترتّبان على إطاعة الشارع و معصيته فلا يفيد حكم العقل لجاز التمسّك بالآية على نفي الملازمة و توجّه التناقض على الجمع و الأولى في الإيراد على المتمسّك بالآية على نفي الملازمة حملها على الغالب فإنّ مورد حكم العقل في غاية القلّة أو جعل البعث كناية كما عرفت في الكتاب إلى غير ذلك ممّا ذكرنا في باب الملازمة، و لما كان زعم شيخنا قدس سره على ما عرفت ورود الآية في مقام الإخبار عن العذاب الدنيوي في الأمم السابقة و النقل عن حالهم قال في الكتاب: «و الإنصاف أنّ الآية لا دلالة لها على المطلب في المقامين أي البراءة و نفي الملازمة».
و الإنصاف: أنّ الآية لا دلالة لها على المطلب في المقامين.
و منها قوله تعالى: وَ مٰا كٰانَ اَللّٰهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدٰاهُمْ حَتّٰى يُبَيِّنَ لَهُمْ مٰا يَتَّقُونَ(1).
أي ما يجتنبونه من الأفعال و التروك (1) و ظاهرها أنّه تعالى لا يخذلهم بعد هدايتهم إلى الإسلام إلاّ بعد ما يبيّن لهم.
الشرح
(1) الآية في سورة البراءة و في الصافي عن الكافي و تفسير العيّاشي و كتاب التوحيد: «عن الصّادق عليه السلام: (حتى يعرفهم ما يرضيه و يسخطه)، و قال في مجمع البيان: (أي ما كان اللّه ليحكم بضلالة قوم بعد ما حكم بهدايتهم حتى يبيّن لهم ما يتّقون من الأمر بالطّاعة و النهي عن المعصية فلا يتّقون فعند ذلك يحكم بضلالتهم)، و قيل: (و ما كان اللّه ليعذّب قوما فيضلّهم عن الثواب و الكرامة و طريق الجنّة بعد إذ هداهم و دعاهم إلى الإيمان حتى يبيّن لهم ما يستحقون به الثواب و العقاب من الطاعة و المعصية).
و قال في سبب النزول قيل: (مات قوم من المسلمين على الإسلام قبل أن ينزل الفرائض فقال المسلمون يا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إخواننا الذين ماتوا قبل الفرائض ما منزلتهم؟ فنزل).
و قيل: (لمّا نسخ بعض الشرائع و قد غاب أناس و هم يعملون بالأمر الأوّل إذ لم يعلموا بالأمر الثاني مثل تحويل القبلة و غير ذلك و قد مات الأوّلون على الحكم الأوّل و سئل النبيّ صلى اللّه عليه و آله عن ذلك فأنزل اللّه الآية) و بيّن أنّه لا يعذّب هؤلاء على التوجّه إلى القبلة الأولى حتى يسمعوا بالنسخ و لا يعملوا بالناسخ فحينئذ يعذبهم به» انتهى كلامه رفع مقامه..
و قيل الآية لمجرّد الإخبار عن حال الأمم السابقة على ما صنعه شيخنا قدّس
1) سورة التوبة، آية: 15.
و عن الكافي و تفسير العيّاشي و كتاب التوحيد: «حتى يعرفهم ما يرضيه و ما يسخطه»(1)و فيه ما تقدّم في الآية السابقة مع أنّ دلالتها أضعف من حيث إنّ توقّف الخذلان على البيان غير ظاهر الاستلزام للمطلب، اللّهم إلاّ بالفحوى.
و منها قوله تعالى: لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيىٰ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ(2).
و في دلالتها تأمّل ظاهر (1).
الشرح
سره في الكتاب كالآية السابقة و هو ينافي ما عرفته في تفسير الآية و سبب نزولها مع أنّ النفي في قوله تعالى: وَ مٰا كٰانَ اَللّٰهُ ظاهر في بيان مقتضى الحكمة و أنّه تعالى لمكان حكمته لا يضلّ قوما قبل هدايتهم و بيان الأحكام لهم كما عرفت في تقريب دلالة الآية السابقة، سواء أريد من الإضلال العذاب أو الخذلان، فإنّه لا يكون إلاّ عن سبب يرجع إلى العباد و هو المعصية فإنّه نوع من العذاب و العقاب حقيقة و إن كان في الدنيا، مضافا إلى أنّ الخذلان بدون البيان و الإعلام إذا كان منفيّا من حيث كونه على خلاف الحكمة الإلهيّة كان العذاب الأخروي أيضا منفيا بالفحوى و مفهوم الموافقة كما استدركه بقوله اللّهمّ إلاّ بالفحوى، فإنّ نفي الاستلزام في كلامه محمول على ما ذكرنا من المعنى الراجع إلى دلالة الآية على توقّف الخذلان على البيان بالنظر إلى الحكمة من غير فرق بين الأمم و إلاّ لم يكن معنى للاستدراك، فالإنصاف أنّ الآية لا تخلو عن ظهور في المدّعى سيّما إذا لوحظ ما تقدّم عليها من قوله تعالى مٰا كٰانَ لِلنَّبِيِّ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَ لَوْ كٰانُوا أُولِي قُرْبىٰ مِنْ بَعْدِ مٰا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحٰابُ اَلْجَحِيمِ وَ مٰا كٰانَ اِسْتِغْفٰارُ إِبْرٰاهِيمَ لِأَبِيهِ الآية.
(1) الآية في سورة الأنفال و هي تعليل لما صنع اللّه تعالى قضية بدر و فيها احتمالان:
و يرد على الكل أنّ غاية مدلولها (1) عدم المؤاخذة على مخالفة النهي المجهول عند المكلّف لو فرض وجوده واقعا، فلا ينافي ورود الدليل العام على وجوب اجتناب ما يحتمل التحريم، و معلوم أنّ القائل بالاحتياط و وجوب الاجتناب لا يقول به إلاّ عن دليل علمي.
و هذه الآيات بعد تسليم دلالتها غير معارضة لذلك الدليل، بل هي من قبيل الأصل بالنسبة إليه كما لا يخفى.
و منها: قوله تعالى مخاطبا لنبيّه صلّى اللّه عليه و آله ملقنا إيّاه طريق الرد
الشرح
أحدهما: أن يكون المراد من الهلاكة و الحياة ظاهرهما أي الموت و التّعيش في الدنيا.
ثانيهما: أن يكونا استعارتين عن الإسلام و الكفر، أي يكون كفر من كفر عن وضوح بيّنة و علم لا عن شبهة حتّى لا يبقى له على اللّه حجّة و يكون إسلام من أسلم عن يقين و برهان، و على كلّ تقدير لا دلالة لها على المدّعى و إنّه تعالى لا يؤاخذ على كلّ حكم مجهول عند العباد غاية الأمر كونها مشعرة بذلك.
(1) لا يخفى عليك ما يتوجّه على ما أفاده من المناقشة، فإنّ المستفاد من أخبار الاحتياط مطابقة كأخبار التثليث أو التزاما ثبوت المؤاخذة على النهي الواقعي المجهول على تقدير تسليم دلالتها على وجوب الاحتياط في محلّ البحث، فلا محالة تكون منافية للآيات المذكورة فكيف يجعل نسبتهما نسبة الأصل و الدليل.
اللّهم إلاّ أن يكون المراد من الجهل الجهل بجميع مراتب النهي الواقعي حتى من حيث الظاهر كما يظهر من قوله بعد ذلك و الإنصاف ما ذكرنا إلى آخره، فإنّه قرينة على مراده من هذه العبادة أيضا، فإنّ العلم بوجوب الاجتناب عن محتمل التحريم علم بحرمته في مرحلة الظاهر فليس مجهولا على الإطلاق، إلاّ أنّ هذا التوجيه ربّما ينافي ظاهر ما أفاده من إناطة الجهل بالحكم الواقعي مع أنّ إيجاب الاحتياط قد يمنع كونه موجبا للعلم بالنهي و لو في مرحلة الظاهر.
على اليهود حيث حرّموا بعض ما رزقهم اللّه تعالى افتراء عليه: قُلْ لاٰ أَجِدُ فِي مٰا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلىٰ طٰاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاّٰ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً(1).
فأبطل تشريعهم بعدم وجدان ما حرّموه في جملة المحرّمات التي أوحى اللّه إليه و عدم وجد أنّه صلّى اللّه عليه و آله ذلك فيما أوحي إليه و إن كان دليلا قطعيا على عدم الوجود، إلاّ أنّ في التعبير بعدم الوجدان دلالة على كفاية عدم الوجدان في إبطال الحكم بالحرمة.
لكنّ الإنصاف: أنّ غاية الأمر أن يكون (1) في العدول عن التعبير بعدم الوجود إلى عدم الوجدان إشارة إلى المطلب، و أمّا الدلالة فلا؛ و لذا قال في الوافية: «في الآية إشعار بأنّ إباحة الأشياء مركوزة في العقل قبل الشرع» مع أنّه لو سلم دلالتها فغاية مدلولها كون عدم وجدان التحريم فيما صدر عن اللّه تعالى من الأحكام يوجب عدم التحريم لا عدم وجدانه فيما بقي بأيدينا من أحكام اللّه تعالى بعد العلم باختفاء كثير منها عنّا و سيأتي توضيح ذلك عند الاستدلال بالإجماع العملي على هذا المطلب.
الشرح
(1) الآية في سورة الأنعام و إلقاء هذا التعبير إلى النبيّ صلى اللّه عليه و آله في مقام الردّ من جهة كونه أقرب إلى قبول طاعتهم لا من جهة عدم جواز الالتزام بالحرمة مع عدم وجدانها في حكم عفو لهم، فالرد مبني على التلازم بين عدم وجدان النّبي صلّى اللّه عليه و آله و الحرمة بحسب نفس الأمر، و النّكتة في العدول ما عرفت فلا دلالة للآية على المدّعى، و أمّا ما أفاده بقوله مع أنّه لو سلّم دلالتها إلى آخره فربّما يناقش فيه بأنّ الفرق ثبوت العلم الإجمالي في أمثال زماننا بالاجتناب يخرج الكلام عن محلّ البحث كما هو ظاهر فتدبّر.
1) سورة الأنعام: الآية 145.
و منها قوله تعالى: وَ مٰا لَكُمْ أَلاّٰ تَأْكُلُوا مِمّٰا ذُكِرَ اِسْمُ اَللّٰهِ عَلَيْهِ وَ قَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مٰا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ(1).
يعني مع خلوّ ما فصل عن ذكر هذا الذي يجتنبونه.
و لعلّ هذه الآية أظهر (1) من سابقتها؛ لأنّ السابقة دلّت على أنّه لا يجوز الحكم بحرمة ما لم يوجد تحريمه فيما أوحى اللّه سبحانه إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و هذه تدل على أنّه لا يجوز التزام ترك الفعل مع عدم وجوده فيما فصّل و إن لم يحكم بحرمته فيبطل وجوب الاحتياط أيضا، إلاّ أنّ دلالتها موهونة من جهة أخرى و هي أنّ ظاهر الموصول العموم فالتوبيخ على الالتزام بترك الشيء مع تفصيل جميع المحرمات الواقعية و عدم كون المتروك منها و لا ريب أنّ اللازم من ذلك العلم بعدم كون المتروك محرما واقعيا فالتوبيخ في محلّه.
و الإنصاف: ما ذكرنا من أنّ الآيات المذكورة (2) لا تنهض على إبطال
الشرح
(1) ما أفاده في وجه الأظهريّة يرجع إلى ما سيذكر مفصّلا من أنّ الأخباري لا يحكم بوجوب اجتناب، و إنّما يترك الفعل لاحتمال كونه حراما فيلتزم بالترك و لا يلتزم بحكم و سيجيء ما يتوجّه عليه من أنّه لا مناص للأخباري عن الحكم في مرحلة الظاهر، اللّهم إلاّ أن يكون المراد من الحرمة في السّابقة الحرمة الواقعية و هذا ليس محلاّ لإنكار الأخباري فإنّهم لا يجوّزون الحكم بالحرمة الواقعيّة أيضا فتأمّل.
(2) الإنصاف أنّ تنزيل الآيات المذكورة على ما أفاده قدس سره في معناها من إثبات المعذوريّة فيما لا يكون هناك بيان أصلا و لو بعنوان العموم حسبما هو قضيّة العقل في باب البراءة فيكون الآيات مؤكّدة لحكم العقل فيثبت الأصل في
1) سورة الأنعام: الآية 119.
القول بوجوب الاحتياط؛ لأنّ غاية مدلول الدال منها هو عدم التكليف فيها لم يعلم خصوصا أو عموما بالعقل أو النقل، و هذا ممّا لا نزاع فيه لأحد و إنّما أوجب الاحتياط من أوجبه بزعم قيام الدليل العقلي أو النقلي على وجوبه، فاللازم على منكره رد ذلك الدليل أو معارضته بما يدل على الرخصة و عدم وجوب الاحتياط فيما لا نص فيه، و أمّا الآيات المذكورة فهي كبعض الأخبار الآتية لا تنهض بذلك ضرورة أنّه إذا فرض أنّه ورد بطريق معتبر في نفسه أنّه يجب الاحتياط في كلّ ما يحتمل أن يكون قد حكم الشارع فيه بالحرمة لم يكن يعارضه شيء من الآيات المذكورة.
منها: المروي عن النبي صلى اللّه عليه و آله بسند صحيح في الخصال كما عن التوحيد: «رفع عن أمّتي تسعة أشياء الخطأ و النسيان و ما استكرهوا عليه و ما لا يعلمون و ما لا يطيقون و ما اضطروا إليه... الخبر»(1).
الشرح
المسألة و لا تكون من أدلّتها لا يخلو عن مناقشة، ثمّ إنّ هذا على تقدير تسليم دلالة أخبار الاحتياط على وجوبه شرعا ظاهر في مطلق محتمل الإلزام أو خصوص محتمل الحرمة، و أمّا على تقدير كون مفادها مطلق الطلب القدر المشترك الشرعي أو الإرشادي أو خصوص الإلزام الإرشادي في محتمل العقاب و الهلاكة الأخرويّة فلا يثبت بها على الأوّل ما ينافي دليل البراءة أصلا كما لا يخفى، كما أنّها مورودة بالنسبة إليه مطلقا على الثاني فيكون حالها حال حكم العقل في باب دفع الضرر المحتمل كما ستقف على تفصيل القول فيه، فلا بدّ من
1) التوحيد: ص 353.
فإنّ حرمة شرب التتن مثلا ممّا لا يعلمون فهي مرفوعة عنهم و معنى رفعها كرفع الخطإ و النسيان (1) رفع آثارها أو خصوص المؤاخذة فهو نظير قوله عليه السلام: «ما يوجب اللّه علمه عن العباد فهو موضوع عنهم»(1).
الشرح
حملها على ما لا يجري فيه دليل البراءة من صور العلم الإجمالي، فلا بدّ أن يكون مراده قدس سره من تماميّة أدلّة الاحتياط و دلالتها هو المعنى الأوّل.
(1) ما أفاده في تقريب دلالة الصحيحة على المدّعى يتم على أحد وجهين، أحدهما: أن يريد من الموصول فيما لا يعلمون خصوص الحكم المجهول، ثانيهما: أن يريد منه المعنى الأعمّ من فعل المكلّف الذي هو الموضوع و من الحكم بناء على جواز إرادتهما معا، و على الأوّل يختص بالشبهات الحكميّة، و على الثاني يعمّها و الشبهات الموضوعيّة، كما أنّه على تقدير إرادة خصوص الموضوع يختص بالشبهات الموضوعيّة و لا يجوز الاستدلال بها على المدّعى كما أنّه مبني على أحد الوجهين في المقدّر:
أحدهما: جميع الآثار.
ثانيهما: المؤاخذة من حيث كونها الأثر المناسب على البيان الذي ستقف عليه و نتعرّض له بعد ذلك.
فلا ينافي تقدير ما يقتضي المؤاخذة كإيجاب الاحتياط و نحوه من حيث كونها أمرا غير شرعيّ، هذا و لكن قد يتوهّم أنّ تقريب الدّلالة لا يتوقّف على تقدير بالنّسبة إلى قوله ما لا يعلمون بعد إرادة الحكم من الموصول، فإنّ تقدير جميع الآثار أو خصوص المؤاخذة بالنسبة إلى أخواته من فقرات الرواية إنّما هو من جهة دلالة الاقتضاء و لزوم الكذب على تقدير حملها على ظواهرها و هذا المحظور غير متوجّه بالنسبة إلى قوله ما لا يعلمون على هذا الفرض؛ لأنّ رفع
1) التوحيد، ص 413.
و يمكن أن يورد عليه بأنّ الظاهر من الموصول فيما لا يعلمون (1) بقرينة أخواتها هو الموضوع أعني فعل المكلف الغير المعلوم كالفعل الذي لا يعلم أنّه شرب الخمر أو شرب الخل و غير ذلك من الشبهات الموضوعية، فلا يشمل الحكم الغير المعلوم، مع أنّ تقدير المؤاخذة في الرواية لا يلائم عموم الموصول للموضوع و الحكم؛ لأنّ المقدّر المؤاخذة على نفس هذه المذكورات و لا معنى للمؤاخذة على نفس الحرمة المجهولة، نعم هي من آثارها.
الشرح
الحكم الشرعي كإثباته شرعا باختيار الشارع و جعله فلا يلزم هناك كذب على تقدير إرادة الظاهر منه، و مجرّد إرادة الخلاف من أخواته بالقرينة العقليّة الصارفة لا يوجب إرادته منه؛ إذ ليس فيه إلاّ التفكيك في السّياق و لا يقاوم ظهوره على تقدير اعتباره و كونه لفظيا الظهور المذكور هذا، و لكنّك خبير بفساد التوهّم المذكور؛ لأنّ المراد من رفع الحكم إن كان رفعه بحسب الواقع بحيث يكون الحكم الواقعي الثاني مرفوعا عن الجاهل و مختصّا بالعالم به فهو مناف لنفس الرواية، مضافا إلى استلزامه للدور و التصويب و نحوهما من المحذورات، و إن كان رفعه بحسب الظاهر و الفعلية و التنجّز فهو راجع إلى ما ذكره لا محالة؛ لما أسمعناك مرارا عند الكلام في بيان حقيقة الحكم و أقسامه أنّ التنجّز و الفعلية من مراتب الحكم الواقعي بالنظر إلى استحقاق المؤاخذة عليه فيرجع الأمر بالأخرة إلى رفع المؤاخذة و إيجاب الاحتياط المقتضى لها كما لا يخفى.
(1) توضيح ما أفاده من اختصاص الموصول بالشبهات الموضوعيّة و عدم شمول الحديث الشريف للشبهات الحكميّة، و بيان الوجه في شموله لها و تنقيح القول في ذلك يحتاج إلى شرح الكلام في محتملات الرواية و وجوه معانيها فنقول: إنّه لا إشكال في عدم جواز إرادة الظاهر من نسبة الرفع إلى التسعة من
........
الشرح
حيث لزوم الكذب على الشارع بعد فرض وجود التسعة بالوجدان في هذه الأمّة فلا بدّ أن يكون المراد بمقتضى العقل بالنظر إلى دلالة الاقتضاء خلاف الظاهر منها إمّا بالمجاز في الكلمة أو الحذف و التقدير أو التصرّف في النسبة و الأمر العقلي بأن يريد من نسبة الرفع إليها رفع غيرها ممّا يأتي من الوجوه كما هو الشأن في أمثال ذلك كنسبة النقض إلى المتيقّن في الأخبار الواردة في عدم جواز نقض اليقين بالشك، وجه يأتي الإشارة إليه في باب الاستصحاب و كالتحريم المنسوب إلى الأعيان و نسبة السؤال إلى القرية في قوله تعالى وَ سْئَلِ اَلْقَرْيَةَ، إلى غير ذلك و إن كان الأظهر من هذه الوجوه الأخير منها عند الدوران و عدم قيام القرينة على إرادة غيره كما برهن عليه في محلّه.
ثمّ بعد البناء على التصرّف في النسبة أو التقدير فهل يجعل المنسوب إليه في المقام أو المقدّر جميع الآثار و الأحكام و للوازم أو الأثر المناسب و إن اتّفق كونه المؤاخذة بالنسبة إلى بعضها أو المؤاخذة عليها لا من حيث كونها أثرا مناسبا لها وجوه، و هذا نظير ما ذكروا في نسبة التحريم إلى الأعيان من أنّ المراد تحريم جميع الأفعال المنسوب إليها أو خصوص ما كان مناسبا و مقصودا منها في العادة.
ثمّ الموصول في قوله عليه السلام ما لا يعلمون على ما عرفت الإشارة إليه يحتمل أن يكون المراد منه خصوص الموضوع أو خصوص الحكم أو الأعمّ منهما، و الاستدلال بالرواية مبنيّ على أحد الوجهين الأخيرين؛ إذ على الأوّل يخرج عن محلّ البحث من غير فرق بين محتملات المختار و محتملات المقدّر كما هو ظاهر، و بعد ذلك نقول لا إشكال في بعد إرادة المعنى الثالث أي المعنى الجامع بين الموضوع و الحكم، بل قد يقال بعدم إمكانه لعدم الجامع بين نسبة عدم العلم إلى الحكم و الموضوع، فإنّ المراد من عدم العلم بالحكم عدم العلم بذاته و من عدم العلم بالموضوع عدم العلم بعنوانه أي عدم العلم بكونه من مصاديق
........
الشرح
الحلال أو الحرام من حيث كونه مردّدا بينهما، و إلاّ فذاته معلومة فتدبّر، و كيف كان لا إشكال في توقّف إرادته على تكلّف بعيد و تمحّل بارد فلا يحمل اللّفظ عليه فبني الاستدلال على إرادة المعنى الثاني فيدور الأمر بينه و بين المعنى الأوّل و الذي يقرّبه و يبعّد المعنى الثاني أمور:
أحدها: ظهور كون المراد من الموصول فيما لا يعلمون ما أريد من أخواته من الفقرات المذكورة في الرواية لوحدة السياق، و لا إشكال في كون المراد منها الموضوع أعني فعل المكلّف، أمّا بالنسبة إلى غير الخطاء و النسيان فظاهر، و أمّا بالنّسبة إليهما فلأن إرادة الخطاء و النسيان بالنسبة إلى الحكم يحتاج إلى تكلّف، مع أنّه على تقدير إرادته يراد من حيث إنّه فعل المكلّف بالنسبة إلى الخطاء فتدبّر.
ثانيها: أنّ الظاهر من محتملات المقدّر هو الثالث أي المؤاخذة على المذكورات لا من حيث كونها أثرا لها و لا معنى للمؤاخذة على الحكم ضرورة كونه فعل الشارع.
نعم على تقدير إرادة الأثر المناسب أو جميع الآثار يسقط الاستدلال بهذا الوجه إذ كما أنّ ارتكاب الحرام له دخل و تأثير في استحقاق المؤاخذة كذلك للنهي الصادر من الشارع دخل و تأثير في الاستحقاق فيصحّ نسبة الرفع إلى المؤاخذة من حيث كونها من آثارها كما هو واضح، و المعنى الأول و إن كان أقرب اعتبارا إلى المعنى الحقيقي ضرورة كون الموجود الذي لا يترتّب عليه أثر الوجود أصلا أقرب إلى المعدوم من الموجود الذي يترتّب عليه الأثر في الجملة، إلاّ أنّه قرب اعتباريّ لا عرفيّ و لذا لم يجعل في باب الاستعارة وجه الشبهة جميع آثار المستعار منه و لوازمه، بل ما يظهر منه عرفا و يساعد عليه العرف بحسب الموارد.
و أمّا المعنى الثاني فهو و إن كان أقرب عرفا في نفسه بالنّسبة إلى المعنى الأوّل
........
الشرح
إلاّ أنّ الظاهر في خصوص المقام المعنى الثالث فيتعيّن إرادة الموضوع من الموصول على ما عرفت، لا يقال إنّما ذكر إنّما يستقيم لو جعل المقدّر نفس المؤاخذة، و سيجيء أنّه لا مناص من تقدير حكم شرعي قابل للرفع على كل تقدير و هو وجوب التحفّظ بالنسبة إلى الخطاء و النسيان و الاحتياط بالنسبة إلى ما لا يعلمون إلى غير ذلك، فنسبة الرفع إلى المؤاخذة إنّما هي من حيث كونها من آثار وجوب الاحتياط بحكم العقل سواء فرض مورده الحكم الشرعي المشتبه أو الموضوع المشتبه من غير فرق بينهما؛ لأنّا نقول المرفوع أوّلا و بالذات و إن كان وجوب الاحتياط فيما لا يعلمون و يترتّب عليه قهرا استحقاق المؤاخذة على الحرام الواقعي على ما ستقف على شرح القول فيه، إلاّ أنّه لا يتفاوت الأمر في الظهور الذي ادعيناه لأنّا نقول الظاهر من الرواية رفع وجوب الاحتياط بالنسبة إلى ما لولاه لاستحقّ المكلّف المؤاخذة عليه، فينطبق مورده على فعل المكلّف و لا يشمل الحكم كما هو ظاهر.
ثالثها: لزوم التقييد على تقدير إرادة الحكم بما بعد الفحص ضرورة اشتراط الفحص في الرجوع إلى الأصل في الشبهة الحكميّة على ما ستقف على تفصيل القول فيه، و هذا بخلاف إرادة الموضوع فإنّه لا يلزمها تقييد أصلا.
رابعها: أنّ تعميم الموصول يوجب التخصيص في أدلة الآثار و الأحكام المترتبة على التسعة، فلا بدّ من الحكم باختصاص الحديث برفع المؤاخذة حتى لا يوجب التخصيص فيها، و قد يناقش فيه تارة بأنّ ذلك إنّما يستقيم فيما لو كان تقدير المؤاخذة متيقنا على كلّ تقدير و إلاّ فللخصم أن يقول بتقدير الأثر المناسب أو دوران الأمر بينه و بين تقدير المؤاخذة، اللّهم إلاّ أن يفرض كون تقدير المؤاخذة أظهر بالنّسبة إليه عند الدوران و أخرى بأنّ ذلك إنّما يستقيم و يفيد فيما حكم بإجمال الحديث و الرجوع إليها بعد الإجمال لا لإثبات ظهور الحديث.
........
الشرح
اللّهم إلاّ أن يريد أن يتمسّك بظهوره لرفع إجماله و هو محلّ كلام فيما لو ورد هناك عام و ورد دليل منفصل مجمل يوجب تخصيصه على تقدير، و لا يوجبه على تقدير آخر كما إذا ورد من المولى أمر بإكرام العلماء و ورد منه نهي عن إكرام زيد و كان مشتركا بين عالم و جاهل فإنّه لا إشكال في أنّ إجماله لا يسري في ظهور العام، و أمّا سراية ظهوره في إجماله و رفعه و الحكم بأنّه ظاهر من جهة أصالة العموم في إرادة الجاهل فهو محل تأمّل.
و من هنا أمر شيخنا قدس سره بالتأمّل و إن كان الأظهر عندنا رفع العموم للإجمال لكن لا بدّ أن يعلم أنّ المقام من قبيل ما ذكرنا من المثال لا من دوران الأمر في المخصّص بين ما يوجب قلّة التخصيص و كثرته كما أفاده شيخنا في الكتاب بقوله فإنّ المخصّص إذا كان مجملا إلى آخره، فإنّ الحقّ فيه عندنا و عنده قدّس سرّه التفصيل بين المخصّص المتّصل و المنفصل فيما إذا كان مجملا بحسب المفهوم كما حقّقناه في مسألة التخصيص بالمجمل.
خامسها: أنّ الحكم بعمومها يوجب التخصيص فيها من حيث عدم ارتفاعها بالنسيان و الخطاء و غيرهما، و قد حكم شيخنا قدس سره بكونه أبعد من سابقه من حيث كونه ناشئا عن عدم تحصيل معنى الرواية كما هو حقّه فإنّه مبني على توهّم عدم الفرق على العموم بين الآثار الشرعيّة و غيرها و كذا ما يترتب في الشرع على ذات الفعل أو عليه بوصف النسيان و الخطأ، و سيجيء ما هو المراد على تقدير العموم و فساد ما توهّم من عدم الفرق، هذا مضافا إلى أن الرواية إن كانت ظاهرة في عموم المرفوع لا يوجب طرو التخصيص صرفها عنه و إن لم تكن ظاهرة فيه لا يوجب ظهورها في غيره فتدبّر.
سادسها: تقييد رفع الحسد و التفكّر في ذيل الرواية بعدم الإظهار فإنّه يناسب إرادة رفع المؤاخذة عنهما فيكون المقدّر في غيرهما ذلك أيضا فتدبّر، هذا بعض
........
الشرح
الكلام فيما يقتضي ظهور الرواية في إرادة الموضوع من الموصول.
و أمّا ما يقتضي إرادة الحكم منه أو يوجب وهن إرادة الموضوع منه فأمور:
أحدها: نسبة عدم العلم إلى نفس الموصول، و هي تقتضي إرادة الحكم منه، إذ على تقدير إرادة الموضوع على ما عرفت لا بدّ أن يتوسّع في النسبة و يراد منها عدم العلم به باعتبار عنوانه.
فإن شئت قلت: المراد من الموصول الشيء المجهول و المشتبه و فعل المكلّف ليس فيه اشتباه بالنظر إلى ذاته و إنما الاشتباه فيه من حيث كونه حلالا أو حراما، أي مصداقا لعنوان علم حرمته أو مصداقا لعنوان علم حليّته، و ليس الأمر كذلك بالنسبة إلى أخواته فإنّ مورد الخطاء أو النسيان أو الإكراه أو الاضطرار نفس فعل المكلّف و هذا الظهور أقوى من ظهور وحدة السياق على تقدير اعتباره و كونه لفظيّا يعتمد عليه في المحاورات في تفهيم المراد عند أهل اللسان و العرف و إن كانت نسبته رفع المؤاخذة إليه من حيث كونه سببا له لا من حيث كونه موردا على هذا التقدير، إلاّ أنّه لا مناص منه بعد ملاحظة الظهور المذكور فتدبّر.
ثانيها: إرادة غير المؤاخذة من النبوي في رواية المحاسن المذكورة في الكتاب، فإنّ المراد من اللزوم في السؤال هي صحّة الحلف بحيث يترتّب عليه الحنث و سائر أحكامه كما هو ظاهر، فحكم الإمام عليه السلام بعدم الصحّة و اللزوم استشهادا بالنبويّ يدلّ على عدم اختصاص المرفوع بالحديث الشريف بالمؤاخذة فيعم جميع الآثار، إذ لا واسطة كما هو ظاهر فيسقط ظهور الرواية في الشبهة الموضوعيّة، بل مورد الرواية السؤال عن حكم الواقعة من حيث كون الشك فيه و إن كان مورد الإكراه الحلف فتأمّل، و الحلف بالطلاق و العتاق و صدقة ما يملك و إن كان باطلا عند الإمامية في حالة الاختيار أيضا حيث إنّه لا بدّ من الحلف باللّه إلاّ أنّ الاستشهاد بالنبويّ يدلّ على ما ذكرنا، و دعوى كونه نبويّا آخر
........
الشرح
بعيد، كما أنّ القول بالتعميم في خصوص الثلاثة من التسعة أيضا بعيد من حيث لزوم التفكيك بين الفقرات و هو المراد من أمر شيخنا قدس سره بالتأمّل.
ثالثها: أنّ تخصيص المرفوع باستحقاق المؤاخذة يوجب عدم اختصاص المرفوع بهذه الأمة و هو خلاف ظاهر الحديث الشريف، فإنّ سوقه في مقام الامتنان على الأمة المرحومة من جهة نبيّهم صلّى اللّه عليه و آله من حيث كونه أشرف الأنبياء قدرا و أعلاهم درجة و أفضلهم عند اللّه تبارك و تعالى بيان الملازمة أنّ المؤاخذة على كثير ممّا ذكر في الرواية كالخطاء و النسيان و ما لا يعلمون و ما لا يطيقون و ما اضطرّوا إليه و ما أكرهوا عليه قبيحة بحكم العقل من غير فرق بين الأمم، فلا بدّ من الحكم بتعميم المرفوع حتى يكون رفع جميع الآثار من خواصّ الأمة المرحومة، و إن كانت المؤاخذة مرفوعة من جميع الأمم فيسقط ظهور الرواية عن الاختصاص بالشبهة الموضوعيّة لابتنائه على تخصيص المرفوع بالمؤاخذة، و دعوى كون الاختصاص بالأمة المرحومة مع تقدير خصوص المؤاخذة باعتبار مجموع التسعة من حيث المجموع و إن كانت المؤاخذة على أكثرها مرفوعة من جميع الأمم مما تضحك به الثكلى كما لا يخفى، هذا و قد تفصّى شيخنا الأستاذ العلامة قدس سره عن هذا الإشكال على تقدير اختصاص المرفوع بالمؤاخذة بعد النقض بالكتاب العزيز فإنّ صريحه استيهاب النبيّ صلى اللّه عليه و آله ليلة المعراج المؤاخذة على النسيان و الخطاء و نحوهما ممّا هو مورد الإشكال في الحديث بقوله تعالى: رَبَّنٰا لاٰ تُؤٰاخِذْنٰا إِنْ نَسِينٰا أَوْ أَخْطَأْنٰا رَبَّنٰا وَ لاٰ تَحْمِلْ عَلَيْنٰا إِصْراً كَمٰا حَمَلْتَهُ عَلَى اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِنٰا بقوله: (لكن الذي يهوّن الأمر في الرواية جريان هذا الإشكال في الكتاب العزيز أيضا) إلخ بمنع قبح المؤاخذة على الأمور المذكورة بقول مطلق في حكم العقل، و إنّما تقبح عليها في الجملة فيحمل الآية على تقدير الاختصاص بتقدير المؤاخذة على إرادة رفعها عن هذه الأمّة
........
الشرح
بقول مطلق حيث إنّ المؤاخذة على النسيان و الخطاء الصّادرين عن ترك التحفّظ لا قبح فيها عقلا، و كذا العقاب على ما لا يعلم مع إمكان الاحتياط و كذا التكليف الشاق الناشئ عن اختيار المكلّف بقوله (و الذي يحسم أصل الإشكال مع استقلال العقل بقبح المؤاخذة على هذه الأمور بقول مطلق) إلى آخر ما أفاده، و لكن قد يناقش فيما أفاده بالنسبة إلى ما لا يعلمون بأنّ مورد حكم العقل بقبح المؤاخذة على ما لا يعلمون إنّما هو فيما أمكن فيه الاحتياط كما ستقف على تفصيل القول فيه عند الاستدلال في الدليل العقلي على البراءة في الكتاب فلو بدّل قوله قدّس سره مع إمكان الاحتياط بمع إيجاب الاحتياط كان سليما عن المناقشة فلعلّه سهو من قلمه الشريف.
نعم لو كان الدليل العقلي على البراءة ما توهمه السيّد أبو المكارم من قبح التكليف بما لا يطاق كان ما أفاده قدس سره صحيحا و سليما عن الإيراد، فإنّ إمكان الترك يرفع موضوع القاعدة المذكورة لكنّه توهّم أفسده قدس سره فيما سيأتي من كلامه فتدبّر، و كذا ما أفاده بالنسبة إلى ما لا يطيقون؛ لأنّه إن أريد من التكليف الشاق التكليف بغير المقدور لم يكن فرق في قبحه عقلا بين ما كان مسبّبا عن اختيار المكلف و غيره كما برهن عليه في محلّه، و إن زعم بعض التفصيل فيه على خلاف التحقيق الذي بني الأمر عليه وفاقا للمحققين، و إن كان المراد منه كما هو صريح قوله و المراد بما لا يطاق في الرواية ما لا يتحمّل عادة التكليف بالأمر الحرجيّ المتعسّر فلا قبح فيه أصلا عنده و عند المشهور كما بيّن في محلّه كيف و هو واقع في الشرعيّات في الجملة، و إن زعم بعض مشيخة شيخنا خلافه في عوائده متخيّلا أنّ رفع الجرح عقلي و أنّ الواقع في الشرعيّات من التكاليف بالأمور العسرة كالجهاد و نحوه ليست من التكليف بالأمر الحرجي بعد ملاحظة زيادة الأجر و الثواب عليه، فالحق أن نقول مع قبح التكليف عقلا بالأمر
........
الشرح
الحرجي مطلقا إنّ الرواية من أدلّة نفي الجرح شرعا كقوله تعالى: مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي اَلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ، و قوله تعالى: يُرِيدُ اَللّٰهُ بِكُمُ اَلْيُسْرَ وَ لاٰ يُرِيدُ بِكُمُ اَلْعُسْرَ و نحو ذلك.
هذا و كذا يقال بالنّسبة إلى باقي التسعة فإنّ المؤاخذة عليه ممّا لا يحكم العقل بقبحه حتى في مورد الإكراه و الاضطرار فإنّ المراد من الأوّل ليس الفعل الصّادر عن إجبار بحيث يرتفع الاختيار عن المكره بالفتح بل المراد به ما يوقعه المكره اختيارا خوفا من المكره بالكسر، و لذا وقع التكليف به في الشرعيّات كما في الزنا و نحوها، و من الثاني ليس الاضطرار الرافع للاختيار بل ما يختاره الفاعل لضرورة داعية إليه كأكل مال الغير و الميتة فيما لو انحصر التعيّش به أو التداوي بالمحرّمات على القول بجوازه و نحو ذلك و دعوى اقتضاء اللّطف تجويز ذلك على الحكيم تعالى و رفع المؤاخذة عنه كما ترى و كذا المؤاخذة على الجسد من دون إظهار و استعمال و كذا الوسوسة في التفكّر و على الطيرة ليست ممّا يحكم العقل بقبحها قطعا، بل لم يتوهّمه أحد جزما.
هذا بعض الكلام في الحديث الشريف المتعلّق ببيان المراد منه من حيث إرادة خصوص الموضوع من الموصول في قوله ما لا يعلمون حتى لا يجوز الاستدلال به أو الحكم حتى يكون من أخبار المقام و محلّ البحث و نتبعه بالتكلّم في مواضع أخر متعلّقة ببيان المراد من الحديث الشريف تبعا لشيخنا قدس سره الأوّل أنّ الآثار و الأحكام الشرعيّة المترتّبة على الأفعال بالمعنى الأعمّ من الترك لا يخلو الأمر فيها من وجوه ثلاثة؛ لأنها إما مترتّبة بظاهر دليلها على الفعل اللابشرط أي الفعل من حيث هو من دون أخذ العمد و الذكر و الخطإ و النسيان و العلم و الجهل و نحوها فيه كما هو الغالب في أكثر الأحكام و الآثار الشرعيّة المترتبة على أفعال المكلّفين، و إمّا مترتبة على الفعل من حيث أخذ وصف التعمّد و الذكر و نحوهما
........
الشرح
فيه أي الفعل بشرط هذه الأوصاف كالقصاص المترتّب على تعمّد القتل مثلا و الكفارة المترتّبة على الإفطار عمدا في نهار رمضان و بطلان الصلاة المترتّب على الصلاة في النجاسة مع العلم بها و هكذا، و إمّا مترتبة على الفعل بشرط الخطأ و النسيان و الشكّ و نحوها من الأوصاف كالدية المترتبة على القتل الصادر خطأ و سجدتي السهو المترتّبين على النقص أو الزيادة الصادرين سهوا أو الشكّ بين الأربع و الخمس بعد الفراغ عن السجدتين و رفع الرأس منهما و صلاة الاحتياط المترتبة على الشك في الركعات و هكذا.
ثمّ على القول بعموم المرفوع لجميع الآثار في الحديث الشريف المسوق لبيان الامتنان على العباد و حكومته على أدلّتها كدليل نفي الحرج و الضرر و نحوهما يحكم بحكومته على القسم الأوّل إذ هو الذي يقبل للشرح و التفسير و البيان، و أمّا القسمان الآخران فلا تعرّض للحديث لبيان حالهما أصلا بل لا معنى له جزما؛ إذ القسم الثاني منتف بانتفاء موضوعه في صورة عروض الحالات المذكورة في الحديث، و القسم الثالث يثبت موضوعه بعروض الحالات المذكورة بحيث لا يكون له موضوع بالفرض إلاّ في صورة عروض الحالات فكيف يجعل الحديث شارحا له و موجبا لحمله على غير صورة عروض الحالات و إن هو إلاّ طرحه رأسا و المفروض ثبوته، مضافا إلى ما عرفت من كونه خلاف معنى الحكومة و هذا أمر ظاهر لا سترة فيه أصلا كما لا يخفى.
الثاني: أنّ اللوازم و الآثار المترتبة على الأفعال تنقسم باعتبار آخر إلى أقسام فإنها إما أن تكون شرعيّة أو عقلية أو عادية و على الأول لا يخلو الأمر فيها إمّا أن يكون ترتّبها على الفعل ترتّبا أوّليّا و محمولا له من دون توسيط أمر آخر، و إمّا أن يكون ترتبها عليه بتوسيط أمر لازم عقلي للفعل أو عاديّ له و على القول بعموم المرفوع في الحديث إنّما يحكم برفع خصوص المحمولات الشرعية التي حملت
........
الشرح
على الأفعال في الأدلّة الشرعيّة أوّلا و بالذات من دون توسيط أمر آخر فلا يحكم بعمومه لغير الآثار الشرعيّة من العقليّة و العاديّة، كما أنّه لا يحكم بعمومه لما كان من الآثار الشرعيّة مترتبة عليها بواسطة أحدهما؛ لأنّ الظاهر من رفع الشارع من حيث إنّه شارع الآثار الفعل إنّما هو رفع ما كان ثبوتها له بجعله و كان موضوعا لها بحسب جعله لا مطلقا.
نعم لو كان هناك أثر عقليّ أو عاديّ مترتّب على الأثر الشرعي المترتب على الفعل الذي حكم برفعه يحكم بارتفاعه قهرا من حيث ارتفاع موضوعه و هذا نظير ما سنذكره في باب الاستصحاب في جانب الإثبات من أنّ الثابت بأخباره هو جعل خصوص ما كان من الأحكام الشرعيّة المترتّبة على المستصحب بلا واسطة في مرحلة الظاهر لا الآثار العقليّة و العادية، و لا ما يترتّب عليهما من الآثار الشرعيّة إلاّ ما كان من اللوازم الغير الشرعيّة مترتّبا الآثار الشرعية الثابتة و لو في مرحلة الظاهر لتحقّق موضوعها قهرا بجعل الشارع، و من هنا يحكم بعدم الفرق فيما كان المستصحب حكما شرعيّا بين لوازمه فإن المراد من هذا هو ما كان الموضوع لما فرض لازما عقليّا أو عاديّا الأعمّ من الحكم الواقعي و الظاهري كما ستقف على تفصيل القول فيه في بابه.
فإن قلت: ما ذكر إنّما يسلّم في باب الاستصحاب من حيث إنّ الشارع في مقام الجعل و التشريع لا يجعل غير الأحكام الشرعيّة لا في مثل المقام الذي يرجع فعل الشارع فيه إلى الإخبار لا الإنشاء ضرورة رجوع الرفع إلى بيان عدم شمول دليل الحكم و عدم إرادة العموم منه أو قصور المقتضي لثبوته لإثباته كما يكشف عنه قوله تعالى: وَ مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي اَلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ و نحوه، و من هنا ذكروا أنّ مرجع النسخ إلى بيان الانتهاء و لا يعقل له معنى آخر إذ الشيء سواء فرض ثابتا أو منفيّا لم يمكن تعلّق الرّفع به كما هو ظاهر فإذا لا مانع من إخبار الشارع من عدم
........
الشرح
ثبوت غير الأحكام الشرعيّة.
قلت: رجوع الرفع إلى الإخبار عمّا ذكر أمر لا نمنعه إلاّ أنّا نقول إخبار الشارع من حيث إنّه شارع لا بدّ و أن يرجع إلى الإخبار عن كيفيّة حكمه الشرعيّ، إذ كما أنّ إنشاءه يحمل على ذلك مع أنّ إيجاده التكويني يتعلّق بكلّ شيء كذلك إخباره بهذه الملاحظة لا بدّ و أن يحمل على ما ذكر، فإذا أخبر مثلا عن رفع الحكم الثابت شرعا بمقتضى دليله للفعل إذا صدر نسيانا فلا محالة يحمل على الإخبار عن مقتضى دليل الحكم المثبت له في الموضوع المذكور ابتداء، فلا فرق إذا بين الإنشاء و الإخبار في التعلّق بالمحمول الشرعي الأوّلي للأفعال.
فإن قلت: على ما ذكرت في المراد من الرواية و بيان معناها في طي الأمرين على تقدير إرادة العموم ليس هنا معنى محصّل لها بالنسبة إلى ما لا يعلمون بل بالنّسبة إلى غيره أيضا على تقدير اختصاص الرواية برفع المؤاخذة لأنّ استحقاق العقوبة مضافا إلى كونه من الأحكام و الآثار العقلية مترتّب على عنوان المعصية الذي لا يتحقّق إلاّ مع العلم و العمد فليس بالنسبة إلى ما لا يعلمون أثر شرعي مترتّب على الفعل اللابشرط، و أمّا نفس المؤاخذة فليست من الآثار أصلا بل هي فعل المؤاخذة، نعم الحرمة الواقعيّة حكم شرعي مترتّب على الفعل اللاّبشرط أوّلا و بالذات إلاّ أنّ الحكم برفعه عن مورد الشك يلزم تخصيصه بصورة العلم و هو بالنسبة إلى الشبهة الحكمية محال و مناف لنفس الحديث، و بالنسبة إلى الشبه الموضوعيّة مناف لنفس الحديث فإنّه يوجب أن يكون الموضوع المردّد حلالا واقعيّا مع أنّ المدّعى الذي يريد إثباته بالرواية كونه حلالا ظاهريّا.
قلت: المرفوع بالحديث الشريف بالنسبة إلى ما لا يعلمون و غيره ليس استحقاق المؤاخذة و العقوبة أوّلا و بالذات حتى يتوجّه عليه السؤال المذكور بل المرفوع أوّلا و بالذات أمر شرعيّ يترتّب على رفعه رفع الأثر العقلي المزبور و هو
........
الشرح
ممّا لا غبار عليه حسبما عرفت في طي الأمر الثاني، و هذا الأمر الشرعي المرفوع أوّلا و بالذات هو إيجاب التحفّظ و الاحتياط لا نفس الحكم الواقعي حتى يلزم على رفعه المحذور المزبور على كلّ تقدير، فإن قلت: لا معنى لجعل المرفوع أوّلا و بالذات هو إيجاب الاحتياط:
أمّا أوّلا: فلأنّه مبنيّ على تسليم دلالة أخبار الاحتياط على وجوبه عموما و هو ممنوع.
و أمّا ثانيا: فلأنّ وجوب الاحتياط على تقدير ثبوته مترتّب على الشك في الحكم الإلزامي و احتمال الحرمة لا على المشكوك و الفعل اللاّبشرط فوجوب الاحتياط، و إن كان حكما شرعيّا إلاّ أنّه مترتّب على الفعل بشرط الجهل و عدم العلم.
قلت: جعل المرفوع إيجاب التحفّظ و الاحتياط لا يتوقّف على قيام دليل على ثبوته في الشرعيّات بل يكفي وجود المقتضي لثبوته على ما سننبّه عليه من كون المراد من الرفع ما يشمل الدفع و بعد ذلك نقول إنّ الحرمة الواقعيّة مثلا المنبعثة عن المفسدة الملزمة الكامنة في ذوات الأفعال المأخوذة بالعنوان اللابشرطي اقتضت إيجاب الشارع لامتثالها و إطاعتها مطلقا، و من حيث رعاية وجودها الواقعي و النفس الأمري من غير فرق بين قيام الطريق إليها و عدمه فمقتضاه إيجاب الشارع للاحتياط عند احتمال وجودها، فإذا أخبر الشارع بقوله رفع ما لا يعلمون عن عدم رعاية تمام الرعاية علم عدم إيجابه الاحتياط عند الشكّ في الحكم الإلزامي، فالمرفوع حقيقة مقتضى الحرمة الواقعيّة المحمولة على الفعل اللابشرط لا نفسها حتّى يتوجّه عليه ما ذكر في طيّ السؤال فيحكم بارتفاع إيجاب الاحتياط من حيث إنّه من مقتضيات الإلزام الواقعي المحمول على الفعل المأخوذ بالعنوان التجريدي المعرّى عن العلم و الشك، فكان المرفوع الحكم الواقعي بحسب بعض
........
الشرح
مراتبه و هو تنجّزه و إن لم يكن التنجّز على ما أسمعناك مرارا حكما مجعولا للشارع في قبال الحكم الواقعي الثاني، فالمرفوع ما كان له مقتضى الثبوت لا الثابت فعلا بحسب قيام الدليل عليه، فإنّ الدليل على الحكم الواقعي لا يمكن إثباته للمعنى المذكور و دلالته عليه و جعله طريقا إليه مع الشكّ و إن كان الحكم الواقعي على تقدير ثبوته في نفس الأمر ثابتا واقعا و مرادا عن المكلّفين كذلك، و الفرق بينهما أي الدلالة و الثبوت النفس الأمري و الإرادة الواقعيّة لا يكاد أن يخفى و على ما ذكرنا يحمل قوله قدس سره في الجواب، و حينئذ إذا فرضنا أنّه لا يقبح في العقل أن يوجّه التكليف بشرب الخمر على وجه يشمل صورة الشك فيه إلى آخره فإنّ المراد منه عدم إيجاب الشارع امتثال الحكم الواقعي بقول مطلق لا التوجيه من نفس الخطاب المتعلّق بشرب الخمر فإنّ ثبوت الحكم في مرحلة الواقع تابع للخمر الواقعي و جعله دليلا عليه و مع الشك و طريقا إليه محال لا يمكن تصرّف الشارع فيه أصلا كما أنّه المراد بقوله بعد ذلك، و إلاّ فليس في التكاليف ما يعمّ صورة النسيان إلخ، فإنّ العموم بمعنى الثبوت النفس الأمري لا يمكن إنكاره و الذي يقبح عقلا هو هو إيجاب امتثاله مطلقا حتى مع النسيان الصادر عن ترك التحفّظ الذي لا ينفكّ عن الطبيعة الإنسانية فينطبق مع المراد بالتوجيه في العبارة المتقدّمة، هذا على تقدير عدم دليل على وجوب الاحتياط مطلقا حتى في الشبهات البدوية.
و أمّا على تقدير قيام دليل عليه فيمكن جعل الحديث مخصّصا له بما إذا كان هناك علم إجماليّ بالتكليف فيخرج عن المعنى الذي ذكرنا أعني حكومة الحديث على أدلّة أحكام الموضوعات هذه غاية ما يقال في الجواب عن السّؤال و شرح ما أفاده في المقام و إن بقي في النفس مع ذلك شيء.
ثمّ إنّه قدس سره فرّع على ما أفاده من الجواب عن السؤال بأنّ المرفوع أوّلا
........
الشرح
و بالذات حكم شرعي يترتّب عليه رفع الأمر الغير الشرعي دفع الإيراد الموارد على المتمسّك بالحديث الشريف في الحكم بصحّة العبادة المنسيّ عنها بعض أجزائها أو شرائطها، من حيث إنّ وجوب الإعادة إن سلّم كونه أمرا شرعيّا مترتّب على مخالفة المأتي به للمأمور به و هي ليست أمرا شرعيّا، فلا يجوز التمسّك بالحديث الشريف لإثبات الصحّة عند نسيان بعض ما يعتبر في العبادة لما عرفت من أنّ المرفوع أوّلا و بالذات لا بدّ أن يكون شرعيّا ببيان أنّ المرفوع أوّلا و بالذات في المقام أمر شرعيّ أيضا يترتّب عليه ارتفاع سبب الإعادة و هي شرطية المنسيّ أو جزئيّته فيصحّ التمسّك بالحديث الشريف و جعل الأصل بمقتضاه الحكم بصحّة العبادة مع نسيان بعض أجزائها أو شرائطها كما صنعه بعض الأصحاب، ثمّ أمر بالتأمّل و بيّن الوجه فيه في مجلس البحث، و جعله كون الشرطيّة و الجزئيّة من الأحكام الوضعيّة التي ليست مجعولة عنده وفاقا للمحقّقين، فالإيراد في محلّه، و دعوى أنّها و إن كانت غير مجعولة لكنّها منتزعة عن الأحكام التكليفيّة فالمرفوع أوّلا و بالذات الأمر بالمركّب المشتمل عليهما و يترتّب على رفعه ارتفاع المخالفة المذكورة فاسدة جدّا؛ لأنّ مجرّد ارتفاع الأمر بالمركّب المشتمل عليهما لا يقتضي تعلّق الأمر بالمركب الخالي عنهما، بل التّحقيق كما ستقف على تفصيل القول فيه عند الكلام في تنبيهات الأقلّ و الأكثر امتناع التنويع بحسب الذكر و النسيان فلا يفيد مجرّد ارتفاع الأمر عن التام في الحكم بإجزاء الناقص و كفايته عند الذكر.
هذا و لكن يمكن أن يناقش في وجه التأمّل بأنّ المراد من الشرطيّة و الجزئيّة في المقام هو المقدّميّة و هي ليست أمرا اعتباريّا، بل التحقيق كونه منشأ للأمر الغير المتعلّق بالجزء و الشرط و النفسي المتعلّق بالمركب المشتمل عليهما، إلاّ أنّه لا ينفع في الحكم بصحّة العبادة في الفرض أيضا؛ لما عرفت من امتناع التنويع بحسب
........
الشرح
حالتي الذكر و النسيان، هذا بعض الكلام فيما يتعلّق بهذا المقام و سنوقفك على تمامه عند البحث في فروع الأقلّ و الأكثر.
الثالث: أنّه قد يستظهر من الحديث الشريف على ما عرفت الإشارة إليه كون صدق الرفع موقوفا على وجود دليل يقتضي ثبوت المرفوع بعنوان العموم، لكن ذكر شيخنا قدس سره أنّ المراد من الرّفع ما يشمل الدفع فيكفي في صدقه مجرّد وجود المقتضي لثبوته و إن لم يكن عليه دليل لكن إحراز المقتضي ممّا لا بدّ منه، فلو كان هناك حكم متعلّق في ظاهر دليله بحالة العمد مثلا و علمنا بوجود المقتضي لثبوته في حالة النسيان يكشف ذلك عن كون التخصّص في دليل الحكم من جهة رعاية ما بيّنه الشارع في حديث الرفع و إن لم يكن الحكم بارتفاعه في الفرض محتاجا بحديث الرفع فتأمّل.
و من هنا اكتفي بوجود المقتضي للاحتياط في صورة الشكّ من غير أن يكون عليه دليل على ما عرفت الكلام فيه فتدبّر.
الرّابع: أنّ الحديث الشريف على ما عرفت الإشارة إليه في مطاوي كلماتنا لمّا كان واردا في مقام الامتنان بالنظر إلى سياقه، فلو قيل بعموم المرفوع فلا بدّ أن يحكم باختصاصه بما لا يكون في رفعه ما ينافي الامتنان على الأمة، فإتلاف المال المحترم نسيانا أو خطأ لا يرفع معه وجوب الغرامة و الضمان؛ لأنّ رفعه ينافي الامتنان على مالكه و إن كان فيه امتنان على المتلف، و كذلك إتلافه و أكله في مقام الاضطرار و الضرورة لا يرفع معه وجوب الغرامة و الضمان فيجمع بين الحكم بجواز أكله في مقام الاضطرار و الضمان بمقتضى ما دلّ على سببيّة الإتلاف للضمان، بل لو توجّه ضرر إلى مسلم لا يجوز صرفه عن نفسه بإضرار الغير، نعم لو توجّه ضرر إلى الغير ابتداء لم يجب صرفه عنه تحمّل الضرر، ففي موارد الإكراه بإضرار الغير يحكم بجوازه من حيث إنّ الضرر متوجّه إلى الغير ابتداء بمقتضى
........
الشرح
إرادة المكره - بالكسر - لا إلى المكره - بالفتح - فلا يجب عليه تحمّل الضرر إلاّ فيما دلّ دليل عليه كما في الدماء و سبّ الأولياء صلوات اللّه عليهم، و إن كان مقتضى غير واحد من الأخبار جواز السّب لدفع الضرر و القتل دون البراءة عنهم و أفتى به جمع من الأصحاب و تحقيق المسألة يطلب من الفقه.
الخامس: أنّ الظاهر من الحديث الشريف بعد حمله على الرفع الشرعي و أنّ المرفوع حكم شرعيّ على كلّ تقدير و قول حتى على القول باختصاصه برفع استحقاق العقوبة و المؤاخذة كون الطيرة و الحسد و إن لم يظهره الحاسد و الوسوسة في التفكّر و إن لم يظهرها المتفكّر من المحرّمات في الأمم السّابقة؛ نظرا إلى إمكان رفعها بتزكية النفس، بل ظاهر جملة من الآيات و كثير من الروايات و بعض الكلمات كون الحسد حراما مطلقا في هذه الشريعة أيضا، و إن لم يكن من الكبائر قبل الإظهار، و كيف كان ظاهر الرواية كونها منهيّا عنها في الأمم السابقة و ربّما يكشف عنه ما ورد في باب الطيرة أنّها شرك و إنّما يذهبها التوكّل من حيث إنّها مبنيّة على الاعتقاد بوجود تأثير نفس التطيّر أو ما يتطيّر به و هو مناف لبعض مراتب التوحيد، و إن لم يناف التوحيد المعتبر في الإيمان لعدم الاعتقاد بتأثيرها استقلالا حتى ينافيه، و إذهاب التوكّل لها من حيث إنّه بالتوكّل على اللّه تعالى يرفع أثرها كما هو مقتضى كثير من الأخبار، فيعلم أنّ تأثير المؤثّرات بإرادة اللّه تعالى و مشيّته فليس التأثير من لوازم ذاتها، و هذا مثل تأثير العين الوارد لرفعه و الحفظ عنه المعوّذات المأثورة حتّى في باب تأثيرها في صاحبها، كما ربّما نشاهد بالوجدان من تأثير تعجّب الشخص في حق نفسه و كون دفع الحسد واجبا خلقيّا و ممّا أكّد عليه في الأخبار أيضا لا ينافي عدم وجوبه شرعا على هذه الأمّة، فقوله قدس سره في بيان حكم الطيرة، و المراد إمّا رفع المؤاخذة عليها إلى قوله و إمّا رفع أثرها لأنّ التطيّر كان يسدّهم عن مقاصدهم فنفاه الشارع.
فلو جعل المقدر في كل من هذه التسعة ما هو المناسب من أثره أمكن أن يقال إن أثر حرمة شرب التتن المؤاخذة على فعله فهي مرفوعة لكن الظاهر بناء على تقدير المؤاخذة نسبة المؤاخذة إلى نفس المذكورات.
و الحاصل: أنّ المقدّر في الرواية باعتبار دلالة الاقتضاء يحتمل أن يكون جميع الآثار في كل واحد من التسعة و هو الأقرب اعتبارا إلى المعنى الحقيقي، و أن يكون في كلّ منها ما هو الأثر الظاهر فيه و أن يقدر المؤاخذة في الكل.
و هذا أقرب عرفا من الأوّل و أظهر من الثاني أيضا؛ لأنّ الظاهر أنّ نسبة الرفع إلى مجموع التسعة على نسق واحد، فإذا أريد من الخطإ و النسيان و ما أكرهوا عليه و ما اضطرّوا المؤاخذة على أنفسها كان الظاهر فيما لا يعلمون ذلك أيضا.
نعم يظهر من بعض الأخبار الصحيحة عدم اختصاص المرفوع عن الأمّة بخصوص المؤاخذة فعن المحاسن عن أبيه عن صفوان بن يحيى و البزنطي
الشرح
و قد يناقش فيه من حيث كونه منافيا لما أفاده من عدم تعلق الرفع بالأمر الغير الشرعي، مضافا إلى ما يرى بالوجدان من تأثيره في حقّ من يعتني به و لا يتوكّل على اللّه في مورده فتدبّر.
هذا بعض الكلام فيما يتعلّق بالفقرات الثلاثة المذكورة في الحديث الشريف أخيرا على ما هو المعروف في معناها و بقي فيها أبحاث أخر نذكر في محلّ آخر مثل ما ذكره الصّدوق في معناها، و المراد بها في رواية خصال فإنّه معنى آخر لا ينطبق على ما ذكرناه في الحديث الشريف المتقدّم، فإنّ مقتضاه ثبوت المذكورات في الجملة و لو في حقّ الأنبياء و من دونهم فلا معنى لرفعها بناء عليه كما هو ظاهر.
جميعا عن أبي الحسن عليه السلام: «في الرجل يستحلف على اليمين فحلف بالطلاق و العتاق و صدقة ما يملك أ يلزمه ذلك؟ فقال عليه السلام: لا، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله وضع عن أمّتي ما أكرهوا عليه و ما لا يطيقون و ما أخطئوا الخبر»(1).
فإنّ الحلف بالطلاق و العتاق و الصدقة و إن كان باطلا عندنا مع الاختيار أيضا، إلاّ أنّ استشهاد الإمام عليه السلام على عدم لزومها مع الإكراه على الحلف بها بحديث الوضع شاهد على عدم اختصاصه بوضع خصوص المؤاخذة، لكن النبوي المحكي في كلام الإمام عليه السلام مختص بثلاثة من التسعة فلعلّ نفي جميع الآثار مختص بها فتأمّل.
و ممّا يؤيّد إرادة العموم ظهور كون رفع كل واحد من التسعة من خواص أمّة النبي صلّى اللّه عليه و آله، إذ لو اختص الرفع بالمؤاخذة أشكل الأمر في كثير من تلك الأمور من حيث إنّ العقل مستقل بقبح المؤاخذة عليها فلا اختصاص له بأمّة النبي صلّى اللّه عليه و آله على ما يظهر من الرواية، و القول بأنّ الاختصاص باعتبار رفع المجموع و إن لم يكن رفع كلّ واحد من الخواص شطط من الكلام.
لكن الذي يهوّن الأمر في الرواية جريان هذا الإشكال في الكتاب العزيز أيضا، فإنّ موارد الإشكال فيها و هي الخطأ و النسيان و ما لا يطاق و ما اضطرّوا إليه هي بعينها ما استوهبها النبي صلّى اللّه عليه و آله من ربّه جلّ ذكره ليلة المعراج على ما حكاه اللّه تعالى عنه صلّى اللّه عليه و آله في القرآن بقوله تعالى: رَبَّنٰا لاٰ تُؤٰاخِذْنٰا إِنْ نَسِينٰا أَوْ أَخْطَأْنٰا رَبَّنٰا وَ لاٰ تَحْمِلْ عَلَيْنٰا إِصْراً كَمٰا حَمَلْتَهُ
1) المحاسن: ص 339.
عَلَى اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِنٰا (1).
و الذي يحسم أصل الإشكال منع استقلال العقل بقبح المؤاخذة على هذه الأمور بقول مطلق، فإنّ الخطأ و النسيان الصادرين من ترك التحفّظ لا يقبح المؤاخذة عليهما، و كذا المؤاخذة على ما لا
يعلمون مع إمكان الاحتياط، و كذا التكليف الشاق الناشئ عن اختيار المكلّف، و المراد بما لا يطاق في الرواية هو ما لا يتحمل في العادة لا ما لا يقدر عليه أصلا كالطيران في الهواء، و أمّا في الآية فلا يبعد أن يراد به العذاب و العقوبة، فمعنى لا تحمّلنا ما لا طاقة لنا به لا تورد علينا ما لا نطيقه من العقوبة.
و بالجملة فتأييد إرادة رفع جميع الآثار بلزوم الإشكال على تقدير الاختصاص برفع المؤاخذة ضعيف جدا.
و أضعف منه وهن إرادة العموم بلزوم كثرة الإضمار و هو كما ترى و إن ذكره بعض الفحول و لعلّه أراد بذلك أنّ المتيقّن رفع المؤاخذة و رفع ما عداه يحتاج إلى دليل.
و فيه: أنّه إنّما يحسن الرجوع إليه بعد الاعتراف بإجمال الرواية لا لإثبات ظهورها في رفع المؤاخذة إلاّ أن يراد إثبات ظهورها من حيث إنّ حملها على خصوص المؤاخذة يوجب عدم التخصيص في عموم الأدلّة المثبتة لآثار تلك الأمور، و حملها على العموم يوجب التخصيص فيها، فعموم تلك الأدلّة مبيّن لتلك الرواية فإنّ المخصّص إذا كان مجملا من جهة تردده بين ما يوجب كثرة الخارج و بين ما يوجب قلّته كان عموم العام بالنسبة إلى التخصيص المشكوك فيه مبيّنا لإجماله فتأمّل و أجمل.
1) سورة البقرة: الآية 286.
و أضعف من الوهن المذكور وهن العموم بلزوم التخصيص بكثير من الآثار بل أكثرها، حيث إنّها لا ترتفع بالخطإ و النسيان و أخواتهما و هو ناشئ عن عدم تحصيل معنى الرواية كما هو حقّه.
فاعلم أنّه إذا بنينا على عموم رفع الآثار فليس المراد بها الآثار المترتّبة على هذه العنوانات من حيث هي، إذ لا يعقل رفع الآثار الشرعية المترتبة على الخطأ و السهو من حيث هذين العنوانين كوجوب الكفارة المترتّب على قتل الخطأ، و وجوب سجدتي السهو المترتّب على نسيان بعض الأجزاء، و ليس المراد أيضا رفع الآثار المترتّبة على الشيء بوصف عدم الخطاء مثل قوله: من تعمّد الإفطار فعليه كذا؛ لأنّ هذا الأثر يرتفع بنفسه في صورة الخطأ، بل المراد أنّ الآثار المترتّبة على نفس الفعل لا بشرط الخطأ و العمد قد رفعها الشارع عن ذلك الفعل إذا صدر عن خطا.
ثمّ المراد بالآثار هي الآثار المجعولة الشرعية التي وضعها الشارع؛ لأنّها هي القابلة للارتفاع برفعه، و أمّا ما لم يكن بجعله من الآثار العقليّة و العاديّة فلا تدلّ الرواية على رفعها و لا رفع الآثار المجعولة المترتّبة عليها.
ثمّ المراد بالرفع ما يشمل عدم التكليف مع قيام المقتضي له فيعم الدفع و لو بأن يوجّه التكليف على وجه يختص بالعامد، و سيجيء بيانه.
فإن قلت: على ما ذكرت يخرج أثر التكليف فيما لا يعلمون عن مورد الرواية لأنّ استحقاق العقاب أثر عقلي له مع أنّه متفرّع على المخالفة بقيد العمد، إذ مناطه أعني المعصية لا يتحقّق إلاّ بذلك، و أمّا نفس المؤاخذة فليست من الآثار المجعولة الشرعيّة، و الحاصل أنّه ليس فيما لا يعملون أثر مجعول من الشارع مترتّب على الفعل لا بقيد العلم و الجهل حتى يحكم الشارع بارتفاعه مع الجهل.
قلت: قد عرفت أنّ المراد برفع التكليف عدم توجيهه إلى المكلّف مع قيام المقتضي له، سواء كان هناك دليل يثبته لو لا الرفع أم لا، فالرفع هنا نظير رفع الحرج في الشريعة، و حينئذ فإذا فرضنا أنّه لا يقبح في العقل أن يوجد التكليف بشرب الخمر على وجه يشمل صورة الشك فيه فلم يفعل ذلك و لم يوجب تحصيل العلم و لو بالاحتياط و وجه التكليف على وجه يختص بالعالم تسهيلا على المكلّف كفى في صدق الرفع.
و هكذا الكلام في الخطأ و النسيان، فلا يشترط في تحقق الرفع وجود دليل يثبت التكليف في حال العمد و غيره، نعم لو قبح عقلا المؤاخذة على الترك كما في الغافل الغير المتمكّن من الاحتياط لم يكن في حقّه رفع أصلا؛ إذ ليس من شأنه أن يوجّه إليه التكليف.
و حينئذ فنقول معنى رفع أثر التحريم فيما لا يعلمون عدم إيجاب الاحتياط و التحفظ فيه حتى يلزمه ترتب العقاب إذا أفضى ترك التحفظ إلى الوقوع في الحرام الواقعي.
و كذلك الكلام في رفع أثر النسيان و الخطأ، فإنّ مرجعه إلى عدم إيجاب التحفظ عليه، و إلاّ فليس في التكاليف ما يعم صورة النسيان لقبح تكليف الغافل.
و الحاصل: أنّ المرتفع في ما لا يعلمون و أشباهه ممّا لا يشمله أدلّة التكليف هو إيجاب التحفّظ على وجه لا يقع في مخالفة الحرام الواقعي و يلزمه ارتفاع العقاب و استحقاقه، فالمرتفع أوّلا و بالذات أمر مجعول يترتّب عليه ارتفاع أمر غير مجعول.
و نظير ذلك ما ربّما يقال في ردّ من تمسّك على عدم وجوب الإعادة على من صلّى في النجاسة ناسيا بعموم حديث الرفع من: «أنّ وجوب الإعادة و إن
كان حكما شرعيّا إلاّ أنّه مترتّب على مخالفة المأتي به للمأمور به الموجب لبقاء الأمر الأوّل، و هي ليست من الآثار الشرعيّة للنسيان، و قد تقدّم أنّ الرواية لا تدلّ على رفع الآثار الغير المجعولة و لا الآثار الشرعيّة المترتّبة عليها كوجوب الإعادة فيما نحن فيه».
و يردّه: ما تقدّم في نظيره من أنّ الرفع راجع هنا إلى شرطيّة طهارة اللباس بالنسبة إلى الناسي، فيقال بحكم حديث الرفع إنّ شرطيّة الطهارة شرعا مختصّة بحال الذكر، فيصير صلاة الناسي في النجاسة مطابقة للمأمور به فلا يجب الإعادة، و كذلك الكلام في الجزء المنسي فتأمّل.
و أعلم أيضا أنّه لو حكمنا بعموم الرفع لجميع الآثار فلا يبعد اختصاصه بما لا يكون في رفعه ما ينافي الامتنان على الأمّة كما إذا استلزم إضرار المسلم.
فإتلاف المال المحترم نسيانا أو خطأ لا يرتفع معه الضمان و كذلك الإضرار بمسلم لدفع الضرر عن نفسه لا يدخل في عموم ما اضطرّوا إليه؛ إذ لا امتنان في رفع الأثر عن الفاعل بإضرار الغير فليس الإضرار بالغير نظير سائر المحرّمات الإلهيّة المسوغة لدفع الضرر.
و أمّا ورود الصحيحة المتقدّمة عن المحاسن في مورد حق الناس أعني العتق و الصدقة فرفع أثر الإكراه عن الحالف يوجب فوات نفع على المعتق و الفقراء لا إضرارا بهم، و كذلك رفع أثر الإكراه عن المكره فيما إذا تعلّق بإضرار مسلم من باب عدم وجوب تحمّل الضرر لدفع الضرر عن الغير لا ينافي الامتنان و ليس من باب الإضرار على الغير لدفع الضرر عن النفس لينافي ترخيصه الامتنان على العباد، فإنّ الضرر أوّلا و بالذات متوجّه على الغير بمقتضى إرادة المكره - بالكسر - لا على المكره - بالفتح -.
بقي في المقام شيء و إن لم يكن مربوطا به:
و هو أنّ النبوي المذكور مشتمل على ذكر الطيرة و الحسد و التفكّر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطق الإنسان بشفتيه، و ظاهره رفع المؤاخذة على الحسد مع مخالفته لظاهر الأخبار الكثيرة، و يمكن حمله على ما لم يظهر الحاسد أثره باللسان أو غيره بجعل عدم النطق باللسان قيدا له أيضا.
و يؤيّده تأخير الحسد عن الكل في مرفوعة النهدي عن أبي عبد اللّه عليه السلام المرويّة في أواخر أبواب الكفر و الإيمان من أصول الكافي:
«قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: وضع عن أمّتي تسعة أشياء الخطأ و النسيان و ما لا يعلمون و ما لا يطيقون و ما اضطرّوا إليه و ما استكرهوا عليه و الطيرة و الوسوسة في التفكّر في الخلق و الحسد ما لم يظهر بلسان أو بيد الحديث»(1).
و لعل الاقتصار في النبوي الأول على قوله ما لم ينطق لكونه أدنى مراتب الإظهار.
و روي: «ثلاثة لا يسلم منها أحد الطيرة، و الحسد، و الظن، قيل فما نصنع؟ قال: إذا تطيرت فامض و إذا حسدت فلا تبغ و إذا ظننت فلا تحقق»(2).
و البغي عبارة عن استعمال الحسد و سيأتي في رواية الخصال: «إنّ المؤمن لا يستعمل حسده» و لأجل ذلك عدّ في الدروس من الكبائر في باب الشهادات: «إظهار الحسد لا نفسه» و في الشرائع: «أنّ الحسد معصية و كذا
الظن بالمؤمن و التظاهر بذلك قادح في العدالة».
و الإنصاف: أنّ في كثير من أخبار الحسد إشارة إلى ذلك.
و أمّا الطيرة: بفتح الياء و قد يسكن و هي في الأصل التشؤّم بالطير لأنّ أكثر تشؤّم العرب كان به خصوصا الغراب، و المراد إمّا رفع المؤاخذة عليها و يؤيّده ما روي من أنّ الطيرة شرك و إنّما يذهبه التوكّل، و إمّا رفع أثرها؛ لأنّ الطيرة كان يصدّهم عن مقاصدهم فنفاه الشرع.
و أمّا الوسوسة في التفكّر في الخلق كما في النبوي الثاني أو التفكّر في الوسوسة فيه كما في الأوّل فهما واحد، و الأوّل أنسب، و لعلّ الثاني اشتباه من الراوي و المراد به كما قيل وسوسة الشيطان للإنسان عند تفكره في أمر الخلقة، و قد استفاضت الأخبار بالعفو عنه.
ففي صحيحة جميل بن درّاج: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السلام إنّه يقع في قلبي أمر عظيم فقال عليه السلام: قل لا إله إلا اللّه، قال جميل: فكلّما وقع في قلبي شيء قلت لا إله إلا اللّه فذهب عني»(1)، و في رواية حمران عن أبي عبد اللّه عليه السلام عن الوسوسة و إن كثرت قال عليه السلام: «لا شيء فيها تقول لا إله إلا اللّه»(2)، و في صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي عبد اللّه عليه السلام: «جاء رجل إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله فقال: يا رسول اللّه إنّي هلكت، فقال صلّى اللّه عليه و آله له: أتاك الخبيث فقال لك من خلقك فقلت اللّه تعالى فقال اللّه من خلقه فقال إي و الذي بعثك بالحقّ قال كذا فقال صلّى اللّه عليه و آله ذاك و اللّه محض الإيمان»(3)، قال ابن أبي عمير
حدّثت ذلك عبد الرحمن بن حجّاج فقال حدّثني أبي عن أبي عبد اللّه عليه السلام: «إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إنّما عنى بقوله هذا محض الإيمان خوفه أن يكون قد هلك حيث عرض في قلبه ذلك»(1)، و في رواية أخرى عنه صلّى اللّه عليه و آله: «و الذي بعثني بالحقّ أنّ هذا لصريح الإيمان، فإذا وجدتموه فقولوا آمنّا باللّه و رسوله و لا حول و لا قوّة إلاّ باللّه»(2)، و في رواية أخرى عنه صلّى اللّه عليه و آله: «إنّ الشيطان أتاكم من قبل الأعمال فلم يقو عليكم فأتاكم من هذا الوجه لكي يستزلّكم، فإذا كان كذلك فليذكر أحدكم اللّه تعالى وحده»(3).
و يحتمل أن يراد بالوسوسة في الخلق الوسوسة في أمور الناس و سوء الظن بهم، و هذا أنسب بقوله ما لم ينطق بشفتيه.
ثمّ هذا الذي ذكرنا هو الظاهر المعروف في معنى الثلاثة الأخيرة المذكورة في الصحيحة.
و في الخصال بسند فيه رفع عن أبي عبد اللّه: «قال ثلاث لم يعر منها نبي فمن دونه الطيرة و الحسد و التفكّر في الوسوسة في الخلق»(4)، و ذكر الصدوق رحمه اللّه في تفسيرها: «أنّ المراد بالطيرة التطيّر بالنبي صلّى اللّه عليه و آله، إذا المؤمن لا يطيره كما حكى اللّه عزّ و جل عن الكفّار قٰالُوا اِطَّيَّرْنٰا بِكَ وَ بِمَنْ مَعَكَ، و المراد بالحسد أن يحسد لا أن يحسد كما قال اللّه تعالى: أَمْ يَحْسُدُونَ اَلنّٰاسَ عَلىٰ مٰا آتٰاهُمُ اَللّٰهُ و المراد بالتفكّر ابتلاء الأنبياء
عليهم السلام بأهل الوسوسة لا غير ذلك كما حكى اللّه عن الوليد بن مغيرة أنّه فكّر و قدّر فقتل كيف قدّر فافهم».
و قد خرجنا في الكلام في النبوي الشريف عمّا يقتضيه وضع الرسالة.
و منها: قوله عليه السلام: «ما حجب اللّه علمه عن العباد فهو موضوع عنهم»(1).
فإنّ المحجوب حرمة شرب التتن فهي موضوعة عن العباد.
و فيه أنّ الظاهر ممّا حجب اللّه تعالى علمه (1) ما لم يبيّنه للعباد لا ما بيّنه و اختفى عليهم من معصية من عصى اللّه في كتمان الحق أو ستره، فالرواية مساوقة لما ورد عن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام: «إنّ اللّه تعالى حدّ حدودا فلا تعتدوها، و فرض فرائض فلا تعصوها، و سكت عن أشياء لم يسكت عنها نسيانا لها فلا تتكلّفوها رحمة من اللّه لكم»(2).
و منها: قوله عليه السلام: «الناس في سعة ما لم يعلموا».
فإنّ كلمة ما إمّا موصولة أضيف إليه السعة، و إمّا مصدريّة ظرفية، و على التقديرين يثبت المطلوب.
الشرح
(1) لا إشكال في ظهور الحديث فيما أفاده في بيان معناه من أنّ المراد منه الحكم الذي لم يؤمر الأنبياء بتبليغه و كان مخزونا عندهم و مخفيّا عن الخلق كما هو مقتضى كثير من الأخبار، و لا ينافي ذلك قوله صلّى اللّه عليه و آله في حجّة الوداع من تبليغه تمام الدين إلى الخلق و تكميله ذلك بتبليغ أمر الولاية التي هي بمنزلة الروح له حقيقة، فإنّه يكفي في صدقه تبليغه إلى الوصيّ عليه السلام و أمره بالبيان حسب اقتضاء المصلحة فيخرج عن محلّ البحث، و ليس هنا إجماع مركّب و عدم قول بالفصل فتأمّل.
و فيه ما تقدّم في الآيات من أنّ الأخباريّين (1) لا ينكرون عدم وجوب الاحتياط على من لم يعلم بوجوب الاحتياط من العقل و النقل بعد التأمّل و التتبّع.
و منها: رواية عبد الأعلى عن الصادق عليه السلام قال: «سألته عمّن لم يعرف شيئا هل عليه شيء؟ قال: لا»(1).
بناء على أنّ المراد بالشيء الأوّل (2) فرد معيّن مفروض في الخارج حتّى لا يفيد العموم في النفي، فيكون المراد هل عليه شيء في خصوص ذلك الشيء المجهول، و أمّا بناء على إرادة العموم فظاهره السؤال عن القاصر الذي لا يدرك شيئا.
الشرح
(1) قد يناقش فيما أفاده من جعل مفاد الرواية أصلا في المسألة بحيث لا يصلح للمعارضة مع دليل الاحتياط، فإنّه على تقدير كون الكلمة موصولة أضيف إليه السّعة يكون مفادها إثبات السّعة و نفي الضيق بالنسبة إلى الحرمة المجهولة، فإنّها غير معلومة و لو بملاحظة أخبار الاحتياط فإنّها لا توجب العلم بالحرمة الواقعيّة، و إنّما تثبت وجوب التحرّز في مورد احتمالها فتثبت الضيق في قبال الرواية، فالرواية تنفي وجوب الاحتياط عند احتمال الحرمة من حيث عدم العلم بها لا من حيث عدم العلم به حتّى يقال بثبوته، و الفرق بينهما ظاهر فافهم، و أمّا على تقدير كونها مصدريّة زمانيّة فالأمر كذلك أيضا، و إن لم يكن مثل الأوّل في الظهور فإنّه يصدق بعد ورود أخبار الاحتياط أيضا أنّ المكلّف غير عالم بالحكم الواقعي و إن لم يصدق عليه الجاهل بقول مطلق بعد فرض علمه بالحكم الظاهري فتأمّل، و جعل العلم بوجوب الاحتياط من بعض مراتب العلم بالحكم الواقعي كما ترى.
(2) لا يخفى ظهور الرواية في المعنى الثاني فلا دلالة لها على المدّعى.
1) الكافي: ج 1، ص 164.
و منها: قوله صلّى اللّه عليه و آله: «أيّما امرئ ارتكب أمرا بجهالة فلا شيء عليه»(1).
و فيه أنّ الظاهر من الرواية (1) و نظائرها من قولك فلأن عمل هكذا بجهالة هو اعتقاد الصواب أو الغفلة عن الواقع، فلا يعم صورة التردّد في كون فعله صوابا أو خطأ.
و يؤيّده أنّ تعميم الجهالة بصورة التردّد يحوج الكلام إلى التخصيص بالشاك الغير المقصّر، و سياقه يأبى عن التخصيص فتأمّل.
و منها: قوله عليه السلام: «إنّ اللّه تعالى يحتجّ على العباد بما آتاهم و عرفهم»(2).
و فيه: أنّ مدلوله كما عرفت (2) في الآيات و غير واحد من الأخبار ممّا لا
الشرح
(1) ظهور الرواية فيما أفاده من إرادة الجهل المركّب لا البسيط الذي هو محلّ الكلام لا إشكال فيه أصلا لظهور كلمة الباء في السببيّة الغير المتحقّقة إلاّ مع الجهل المركّب؛ لأنّ الشك بما هو لا يكون سببا كما هو واضح، إلاّ أنّ تأييد له بأنّه على تقدير إرادة المعنى الثاني لا بدّ من ارتكاب التخصيص في الرواية بإخراج الشاك المقصّر مع أنّها آبية عن التخصيص ربّما يناقش فيه بأنّ التخصيص ممّا لا بدّ منه على كلّ تقدير؛ إذ الجاهل المركّب المقصّر أيضا غير معذور، و من هنا أمر قدس سره بالتأمّل فإنّ هذه المناقشة ممّا لا يمكن الذبّ عنه كما لا يخفى.
(2) إنّ إيتاء وجوب الاحتياط و تعريفه لا يفيد بالنسبة إلى الحكم الواقعي، اللّهمّ إلاّ أن يقال إنّ إيجاب الاحتياط لمّا كان مصحّحا للعقاب بالنسبة إلى الواقع
ينكره الأخباريّون.
و منها: قوله عليه السلام في مرسلة الفقيه: «كل شيء مطلق حتّى يرد فيه نهي»(1).
أستدلّ به الصدوق على جواز القنوت بالفارسيّة و استند إليه في أماليه حيث جعل إباحة الأشياء حتى يثبت الحظر من دين الإماميّة، و دلالته على المطلب أوضح من الكل (1) و ظاهره عدم وجوب الاحتياط؛ لأنّ الظاهر إرادة
الشرح
فيكفي في صدق الإيتاء و التعريف فتأمّل، أو يقال إنّ إيتاء الشارع للاحتياط بالنسبة إلى الواقع إيتاؤه في الجملة فتدبّر.
(1) ظهور الرواية في كون غاية الطلق و الإباحة العلم بورود النهي في كلّ شيء بعنوانه الخاص لا بعنوانه من حيث كونه مشتبها و مجهول الحكم ممّا لا يقبل الإنكار، إذ النهي عن عنوان العام نهي عنه حقيقة و هو أمر واحد لا عن كلّ شيء فافهم.
و المراد بالورود على ما عرفت ورود النّهي في الشيء بحيث يبلغ إلى المكلّف و يعلم به لاستحالة جعل المغيا الإباحة الواقعيّة كاستحالة جعل الغاية الورود الواقعي مع جعل المغيّا الإباحة الظاهريّة، و هي نصّ في الإباحة في مجهول الحرمة، من غير فرق بين هذا الطريق و طريق آخر للرواية ذكر فيه حتّى يرد فيه أمر أو نهي و أخبار الاحتياط على تقدير تسليم دلالتها ظاهرة في وجوب الاحتياط حتّى أخبار التّثليث الواردة في الشبهة التحريميّة فإنّ حملها على صورة العلم الإجمالي بالحرمة أو رجحان الاحتياط ممكن.
و هذا بخلاف الرواية إذ لا معنى لها إلاّ الإباحة و التصرّف فيها بجعلها في مقام بيان حكم الشيء مع قطع النظر عن أخبار الاحتياط ليس عملا بها حقيقة بل هو
1) من لا يحضره الفقيه: ج 1، ص 317.
ورود النهي في الشيء من حيث هو لا من حيث كونه مجهول الحكم فإن تم ما سيأتي من أدلّة الاحتياط دلالة و سندا وجب ملاحظة التعارض بينها و بين هذه الرواية و أمثالها ممّا يدلّ على عدم وجوب الاحتياط ثمّ الرجوع إلى ما يقتضيه قاعدة التعارض.
و قد يحتجّ بصحيحة عبد الرحمن بن حجّاج: «فيمن تزوج امرأة في عدّتها؟ قال: أمّا إذا كان
بجهالة فليتزوّجها بعد ما ينقضي عدّتها فقد يعذر الناس في الجهالة بما
الشرح
طرح لها رأسا، إذ لا يبقى مورد للعمل بها إذ حملها على الشبهة الموضوعيّة التي وافق الأخباريّون مع المجتهدين على القول بالإباحة فيها غير ممكن ضرورة اختصاص الرواية و صراحتها في الشبهة الحكميّة و ليس مثل قوله عليه السلام فيما سيجيء: «كلّ شيء لك حلال حتّى تعلم أنّه حرام»، كما لا يخفى، و منه يظهر أنّ كثيرا من الأخبار المتقدّمة المختصّة بالشبهة الحكميّة كجملة من الآيات على تقدير تسليم دلالتها نصّ بالنسبة إلى أخبار الاحتياط بالنظر إلى ما عرفته أو أظهر منها، و إن أمكن حمل ما يعمّ الشبهة الوجوبيّة عليها كما عليه أكثر الأخباريّين، و لكنّ هذا الحمل لا يمكن ارتكابه في المرسلة من حيث صراحتها في الشبهة التحريميّة على الطريقين.
هذا و سيجيء تمام الكلام في بيان النسبة بين أدلّة الطرفين و الغرض من ذكر هذا الكلام في المقام التنبيه ما يتطرّق من المناقشة في ظاهر عبارة الكتاب من الحكم بالتعارض و إن أمكن دفعها بأنّ المراد من التعارض في المقام كونها متّحدة الموضوع مع أخبار الاحتياط بخلاف الآيات و أكثر الأخبار، فلا ينافي كونها نصّا بالنسبة إليها فافهم، و الرواية و إن كانت مرسلة إلاّ أنّها مجبورة بالعمل و الاعتضاد بغيرها فتدبّر.
هو أعظم من ذلك، قلت: بأي الجهالتين أعذر أ بجهالته أنّ ذلك محرّم عليه، أم بجهالته أنّها في عدّة؟ قال: إحدى الجهالتين أهون من الأخرى، الجهالة بأنّ اللّه تعالى حرّم عليه ذلك، و ذلك لأنّه لا يقدر معها على الاحتياط، قلت:
فهو في الأخرى معذور؟ قال عليه السلام: نعم، إذا انقضت عدّتها فهو معذور في أن يتزوّجها)(1).
و فيه: أنّ الجهل بكونها في العدّة إن كان (1) مع العلم بالعدّة في الجملة و الشك في انقضائها، فإن كان الشك في أصل الانقضاء مع العلم بمقدارها فهو شبهة في الموضوع خارج عمّا نحن فيه، مع أنّ مقتضى الاستصحاب المركوز في الأذهان عدم الجواز.
الشرح
(1) لا إشكال في أنّ فقه الحديث لا تعلّق له بالمقام أصلا على كل تقدير فإنّ صريحه كون السؤال و الجواب عن الحكم الوضعي للعقد الواقع في العدّة عن جهل أي تأثيره في التحريم الأبدي الدائمي، سواء كان المراد بالجهل فيه الجهل البسيط أو المركّب، و سواء حكم بمعذوريّته من حيث الحكم التكليفي أو حكم بعدم معذوريته من هذه الحيثيّة، فإنّ قوله عليه السلام في الجواب: (أوّلا) أمّا إذا كان بجهالة فليزوّجها بعد ما ينقضي عدّتها فقد يعذر الناس في الجهالة بما هو أعظم من ذلك صريح في ذلك، و أنّ المراد من المعذورية هو عدم تأثير عقده لمكان جهله في جواز العقد عليها بعد انقضاء العدّة كما هو المراد بالمعذورية في سؤال الراوي بعد ذلك بقوله قلت بأيّ الجهالتين أعذر بجهالته أنّ ذلك محرّم عليه أي الجهل بتحريم العقد على المرأة في عدّتها و هو الجهل بالحكم أم بجهالته أنّها في العدّة أي الجهل بكونها ذات عدّة و هو الجهل بالموضوع، كما هو المراد
1) الكافي: ج 5، ص 427.
........
الشرح
بالأهونيّة في جوابه عليه السلام عن السؤال المذكور كما فهمه السائل أيضا و سأل من باب الاحتياط بقوله: (قلت) فهو في الأخرى معذور، كما أنّ الجواب عنه بقوله عليه السلام: (نعم إذا انقضت عدّتها فهو معذور في أنّ يزوّجها) صريح في ذلك أيضا، فالرواية لا تعلّق لها بالمعذوريّة من حيث الحكم التكليفي على ما هو محل البحث و هو جواز العقد في حال الجهل و ترتّب آثاره أصلا، بل هي نصّ في بيان الحكم الوضعي بالنسبة إلى الجهل بالحكم و الموضوع معا صدرا و ذيلا، و أمّا معذوريّته من حيث الحكم التكليفي فلا بدّ فيه من التماس دليل آخر، و ملخّص القول فيها أنّ الجاهل بأصل عدم جواز النكاح في العدّة إمّا أن يكون جاهلا مركّبا كما هو صريح المفروض في الرواية، أو جاهلا بسيطا، فإن كان جاهلا مركّبا، فإمّا أن يكون قاصرا غافلا أو يكون مقصّرا، فإن كان قاصرا كان معذورا من حيث الحكم التكليفي، و إن كان مقصّرا لم يكن معذورا كما هو الشأن في غير المقام، و إن كان جاهلا بسيطا لم يكن معذورا من حيث الحكم التكليفي لكشف شكّه عن عدم فحصه و إلاّ لاطّلع على الحكم لوضوحه بين المسلمين، بل هو من ضروريات الفقه فلا يجري في حقّه البراءة، مضافا إلى أنّ مرجع الشكّ إلى سببيّة النكاح و الأصل فيه الفساد إجماعا، فلا معنى للرجوع إلى الأصل الحكمي، بل قد يظهر من كلام شيخنا قدس سره عدم معذوريّته من حيث الحكم الوضعي أيضا لخروجه عن مورد الرواية فتدبّر.
و أمّا الجاهل بالموضوع فقد يكون من جهة الجهل بأصل العدّة و كون المرأة ذات عدّة أو لا، و قد يكون من جهة الجهل بالمقدار و هو على قسمين؛ لأنّه قد يكون من جهة الجهل بتقدير العدّة و كمّيتها بحسب الشّرع فيدخل من هذه الجهة في الجهل بالحكم الشرعي، و قد يكون من جهة الجهل بالانقضاء مع العلم بالمقدار و الكميّة و كون المرأة ذات عدّة مع العلم بحكم النكاح في العدّة،
........
الشرح
و الحكم في جميع صور الجهل بالموضوع فيما كان جهلا بسيطا هو الحكم بالفساد و عدم جواز ترتيب الآثار من جهة الأصل الأوّلي في المعاملات، مضافا إلى جريان الأصل الموضوعي في القسم الثاني من الجهل بالمقدار أي الشبهة الموضوعيّة على تقدير القول بجريان الاستصحاب في خصوص هذا القسم من الشكّ في المقتضي و إن لم نقل بجريانه فيه مطلقا على ما ستقف عليه في الجزء الثالث، و مضافا إلى وجوب الاحتياط في الشبهة الحكميّة من الجهل بالمقدار لعدم جريان البراءة قبل الفحص.
نعم قد يتوهّم أنّ الأصل الأوّلي و إن اقتضى الفساد في الشك في أصل العدّة أيضا إلاّ أنّ مقتضى الأصل الموضوعي فيه الصّحة و جواز ترتيب الآثار و هو حاكم على أصالة الفساد فإنّها أصل حكمي بالنسبة إليه و إن كانت جارية في الشبهة الموضوعيّة، و عليه يحمل الجهل بالعدّة في كلام الإمام عليه السلام في الصحيحة لكنّه كما ترى؛ لأنّ احتمال الاعتداد في المرأة إن كان مع العلم بكونها مزوّجة من جهة احتمال الطلاق أو الموت في الزوج فالأصل الموضوعي يقتضي المنع من جهة استصحاب الحياة و الزوجيّة، و إن كان مع عدم العلم بالزوجيّة السابقة فلا معنى للشكّ في كونها في العدّة إلاّ على تقدير التزويج و الموت أو الطلاق و هو كما ترى فتأمّل.
و كيف كان لا بدّ من أن يريد المتوهّم هذا الفرض، و أمّا القسم الأوّل من الجهل بالمقدار فلا يجري فيه الأصل الموضوعي أي استصحاب العدّة بعد فرض كون الشبهة في الحكم؛ لأنّ نسبة الأقل و الأكثر متساوية بالنظر إلى الحكم و هذا نظير الشكّ في مقدار الوقت في الموقّت من جهة الشبهة الحكميّة، و ستقف على عدم جريان الاستصحاب فيه في باب الاستصحاب في الكتاب و إن كان مقتضى صريحه في المقام جريان الأصل، و أمّا استصحاب حكم العدّة فلا معنى لجريانه
........
الشرح
بعد فرض كون الشكّ فيه من جهة الشكّ في الموضوع.
اللّهم إلاّ أن يتسامح فيه هذا ما يقتضيه الأصل في المقام مع قطع النظر عن الأخبار، و أمّا بملاحظتها فلا إشكال في أنّه مع الشّكّ في المقدار من جهة الشك في الحكم يجب الاحتياط كما هو مقتضى الأصل مع قطع النظر عن أصالة الفساد لعدم جريان البراءة قبل الفحص المفروض في المقام على ما عرفت الإشارة إليه، ففي الحسن لإبراهيم بن الهاشم عن أبي أيّوب عن يزيد الكناسي عن أبي جعفر عليه السلام و فيه: «قلت: فإن كانت تعلم أنّ عليها عدّة و لا تدري كم هي فقال عليه السلام: إذا علمت أنّ عليها العدّة لزمتها الحجّة فتسأل حتّى تعلم»، و فيه أيضا ما من امرأة من نساء المسلمين إلاّ و هي تعلم أنّ عليها عدّة في طلاق أو موت و لقد كنّ نساء الجاهليّة يعرض ذلك و ورودها في المرأة لا يقدح بعد وضوح عدم الفرق في الحكم في الشكّ في المقدار في مفروض البحث كما هو ظاهر، فقد ظهر ممّا ذكرنا كلّه أنّ فقه الحديث بيان المعذوريّة من حيث الحكم الوضعي في الجهل بالموضوع لكنّ مورده في الأوّل في الجاهل المركّب و في الثاني الجاهل البسيط لصراحة تعليل الأهونيّة في ذلك في الرواية في ذلك كما هو ظاهر، و ليس فيها تفكيك بعد حمل الجهل فيها على المعنى الأعمّ أي عدم العلم بالواقع مع إرادة الخصوصيّة من الخارج، فاللفظ استعمل في الجامع و يعلم إرادة الخصوصيّة في الموردين بقرينة التعليل، و إلى ما ذكرنا أشار شيخنا قدس سره بقوله فتأمّل فيه و في دفعه فإن كان المراد بالجاهل المركب في الحكم القاصر منه و بالجاهل البسيط في الموضوع القسم الأوّل منه مع فرض جريان يقتضي معذوريّته من حيث الحكم انطبق مورد المعذوريّة من حيث الحكم الوضعي مع مورد المعذوريّة من حيث الحكم التكليفي فافهم.
و منه يعلم أنّه لو كان الشك في مقدار العدّة فهي شبهة حكميّة قصر في السؤال عنها و ليس معذورا فيها اتفاقا؛ لأصالة بقاء العدّة و أحكامها، بل في رواية أخرى أنّه: «إذا علمت أنّ عليها العدّة لزمتها الحجّة» فالمراد من المعذورية عدم حرمتها عليه مؤبّدا لا من حيث المؤاخذة.
و يشهد له أيضا قوله عليه السلام بعد قوله: «نعم إذا انقضت عدّتها جاز له أن يتزوّجها».
و كذا مع الجهل بأصل العدة لوجوب الفحص و أصالة عدم تأثير العقد خصوصا مع وضوح الحكم بين المسلمين الكاشف عن تقصير الجاهل، هذا إن كان الجاهل ملتفتا شاكا و إن كان غافلا أو معتقدا للجواز فهو خارج عن مسألة البراءة لعدم قدرته على الاحتياط و عليه يحمل تعليل معذوريّة الجاهل بالتحريم بقوله عليه السلام: «لأنّه لا يقدر» إلخ، و إن كان تخصيص الجاهل بالحرمة بهذا التعليل يدل على قدرة الجاهل بالعدّة على الاحتياط فلا يجوز حمله على الغافل، إلاّ أنّه إشكال يرد على الرواية على كلّ تقدير، و محصّله لزوم التفكيك بين الجهالتين فتدبّر فيه و في دفعه.
و قد يستدلّ على المطلب أخذا من الشهيد (1) في الذكرى بقوله عليه السلام: «كل شيء فيه حلال و حرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه»(1).
الشرح
(1) الحديث ما رواه في الذكرى عن الكافي في النوادر في المعيشة بسنده الصحيح عن عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال: «كلّ شيء يكون فيه حرام و حلال فهو حلال لك أبدا حتّى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه»، و قريب
1) المحاسن: ص 495.
........
الشرح
منه صحيحة أخرى لابن سنان عن أبي جعفر عليه السلام عن الجبن إلى أن قال فقال عليه السلام: «أخبرك عن الجبن و غيره كلّ ما فيه حلال و حرام فهو لك حلال حتّى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه»، و تقريب الاستدلال بالصحيحة الأولى كما في شرح الوافية للسيّد صدر الدين أنّ قوله: «كل شيء فيه حلال و حرام يحتمل أحد معان ثلاثة الأوّل: أنّ كل فعل من جملة الأفعال التي تتّصف بالحلّ و الحرمة و كذا كل عين ممّا يتعلّق به فعل المكلّف و يتّصف بالحلّ و الحرمة إذا لم يعلم الحكم الخاص به من الحل أو الحرمة فهو لك حلال، فيخرج ما لا يتّصف بهما جميعا من الأفعال الاضطرارية و الأعيان التي لا يتعلّق بها فعل المكلّف و ما علم أنّه حلال لا حرام فيه أو حرام لا حلال فيه، و ليس الغرض من ذكر هذا الوصف مجرّد الاحتراز بل هو مع بيان ما فيه الاشتباه، فصار الحاصل أنّ ما اشتبه حكمه و كان محتملا لأن يكون حلالا و لأن يكون حراما فهو حلال، سواء علم حكم كلّي فوقه أو تحته، بحيث لو فرض العلم باندراجه تحته أو تحقّقه في ضمنه لعلم حكمه أيضا أم لا، الثاني: أنّ كل شيء فيه الحلال و الحرام عندك بمعنى أنّك تقسمه إلى هذين و تحكم عليه بأحدهما لا على التعيين و لا تدري المعيّن منهما فهو لك حلال، الثّالث: أنّ كل شيء يعلم له نوعين أو صنفين نصّ الشارع على أحدهما بالحل و على الآخر بالحرمة و اشتبه عليك اندراج فرد فلا تدري من أيّ النوعين أو الصنفين فهو لك حلال، فيكون معنى قوله فيه حلال و حرام أنّه ينقسم إليهما، و يمكن أن يكون المراد بالشيء الجزئي المعيّن، و حينئذ يكون المعنى أنّه يحتمل الحلّ و الحرمة للاشتباه في كونه فردا للحلال و الحرام مع العلم بهما لنصّ الشارع عليهما، و حاصل المعنيين أمر واحد و المعنى الثالث أخصّ من الأوّلين و الثاني مرجعه إلى الأوّل و هو الذي ينفع القائلين بالإباحة، و الثالث هو الذي حمل القائل بوجوب التوقّف و الاحتياط هذه
........
الشرح
الأحاديث عليه» انتهى كلامه رفع مقامه.
و ما ترى في الكتاب لخّصه شيخنا قدس سره من كلامه وفاقا للمحقّق القمّي قدس سره في القوانين و المعنى الثالث سواء اعتبر وجود النوعين أو الصنفين في الشيء بجعله كليّا أو حمل على الاحتمال و الترديد في الشيء بجعله جزئيّا فالتقسيم يعتبر فيما هو فوقه فينطبق على الشبهة الموضوعيّة فقط، و من هنا ذكر أنّ القابل بالاحتياط يحمل الأحاديث على المعنى الثالث فإنّهم يلتزمون بالإباحة في الشبهة الموضوعيّة، ثمّ إنّه زاد الفاضل النراقي في المناهج احتمالات أخر على ما ذكره في الرواية من الاحتمالات فإنّه بعد ما ذكر الاحتمالات الثلاثة المتقدّمة من شارح الوافية قال هذا ما لفظه: «الرّابع أنّ كل فعل أو عين له أنواع نصّ الشارع على أحدها بالحلّ و على الآخر بالحرمة و اشتبه عليك في نوع ثالث هل نصّ عليه بالحل أو الحرمة فهو لك حلال، مثاله اللحم له أنواع: لحم الغنم و لحم الخنزير و لحم الحمير تعلم حلّية الأوّل و حرمة الثاني و اشتبه عليك الأمر في الثالث، الخامس: أنّ كل شيء من فعل أو عين له نوعان حلال و حرام و اشتبه عليك الأمر في صنف أنّه هل هو مندرج تحت الأوّل أو الثاني فهو من الأوّل إلى حلال، مثاله اللحم له نوعان حلال و حرام و اشتبه عليك الأمر في لحم الحمير أنّه هل هو من النوع الحلال أو الحرام، و الفرق بين هذا و الثالث أنّ التنويع في هذا باعتبار الحليّة و الحرمة و في الثالث باعتبار آخر و كذا في الرابع، مضافا إلى أنّ المعلوم في هذا هو أنّ هذا الشيء له نوعان حلال و حرام سواء علم بعض أصناف كلّ منهما أم لا، خلاف الرابع فإنّه يعلم فيه الحلال و الحرام بخصوصهما، السّادس أعم من الثلاثة و هو أنّه كلّ شيء له نوعان أو أنواع و اشتبه عليك الأمر في فرد أو صنف في حليّته و حرمته لأجل الاشتباه في الحكم أو الاندراج تحت أحد النوعين أو في نوع في أنّه هل هو أيضا نوع حلال أو
........
الشرح
حرام فهو لك حلال، مثاله اللحم فيه الحلال و الحرام و المذكّى و الميتة و لحم الغنم و الخنزير و الحمير و اشتبه عليك الأمر في لحم إمّا لأجل أنّه لا يعلم أنّه من المذكى أو الميتة أو لأجل أنّه لا يعلم أنّه من الحلال أو الحرام أو لأجل أنّه لا يعلم أنّه في نفسه كيف هو».
ثمّ قال قدّس سره ثمّ: «نقول: لا شكّ في دلالة هذه الأحاديث أي الأخبار الواردة بأنّ كل شيء فيه حلال و حرام فهو لك حلال التي منها هذه الصحيحة على إباحة ما لا نص فيه على المعنيين الأوّلين، و كذا على الثلاثة الأخيرة كما ظهر من أمثلتها، نعم على المعنى الثالث لا دلالة عليها و الأوّلان و إن كانا خلاف الظاهر؛ لأنّ الظاهر من قوله فيه حلال و حرام أنّه مشتمل على النوعين منقسم إليهما في الواقع، لكنّ الثالث أيضا غير صحيح إذ لا شكّ أنّ قوله عليه السلام كلّ شيء فيه حلال و حرام عامّ شامل بعمومه الصريح لمثل اللحم في الأمثلة الأربعة، و كذلك الاشتباه المفهوم من عبارة الحديث التزاما يشمل الاشتباه في جميع تلك الصور، و المعنى الثالث يوجب تخصيص قوله عليه السلام بما علم فيه خصوص النّوع الحلال و خصوص الحرام و بما كان النوعيّة باعتبار غير الحليّة و الحرمة، و تقييد الاشتباه بما يكون لأجل الاشتباه في الاندراج تحت النوع الذي عنوانه غير الحليّة و الحرمة مع العلم بخصوص الحلال و الحرام و لا باعث على ذلك التخصيص و التقييد الذي ليس في الحديث منه عين أو أثر، و لو جاز ذلك لما تمّ العمل بعامّ و لا مطلق، بل و كذلك الرابع و الخامس أيضا أي يوجب التخصيص في العموم من دون قرينة، و كون المورد خاصّا لا يوجب خصوص الحكم مع أنّه لا مورد في الصحيحة الأولى، و تبادر الشخص الموجود في الخارج من العين ممنوع بل الظاهر من قوله بعينه أي بخصوصه مع أنّه لا يضرّ؛ لأنّ اللحم عين خارجيّ و تمام المطلوب يعني في شرب التتن الذي ليس من هذا
........
الشرح
القبيل لعدم القول بالفصل، و ما قيل إنّ الظاهر من الرواية أنّ كل شيء له نوعان أو صنفان حكم الشارع في أحدهما بالحلّ و في الآخر بالحرمة فهو غير ضار، لأنّك قد عرفت أنّ هذا المعنى مأخوذ في جميع المعاني الأربعة» انتهى كلامه رفع مقامه، ثمّ حكى بعد ذلك كلام المحقّق القمّي قدّس سرّه في القوانين و بالغ في الإيراد عليه، حيث إنّه ذهب إلى اختصاص الصحيحة بإثبات الحليّة في الشبهات الموضوعيّة.
و قال الشيخ في الفصول بعد الجزم بظهور الرواية في الشبهات الموضوعيّة و تضعيف ما ذكره الشارح للوافية ما هذا لفظه: «نعم ربّما أمكن أن يقال بأنّا إذا ضممنا عنوانا مشتبه الحكم إلى عنوان معلوم الحرمة و عنوان معلوم الحليّة يصدق على المجموع بأنّه شيء فيه حلال و حرام فيثبت الحليّة في مشتبه الحكم؛ لعدم العلم بحرمته، و كذا لو جمعنا بين المصاديق الثلاثة فينسحب الحكم حينئذ من المصداق إلى العنوان و في كلا الوجهين تعسّف، فإنّ المتبادر من الرواية حلّية المشتبه» انتهى كلامه رفع مقامه.
و الإنصاف أنّ اختصاص الرّواية بالشبهات الموضوعيّة ممّا لا يقبل الإنكار كما جزم به شيخنا قدّس سره وفاقا لمن عرفته و غيرهم، فإنّ فيها شواهد و قرائن واضحة على ذلك منها قوله فيه حلال و حرام فإنّ ظهوره في وجود القسمين في الشيء سواء أريد منه الأعيان باعتبار الأفعال المتعلّقة بها أو الأفعال أو الأعمّ منهما أمر ظاهر لا سترة فيه أصلا، من غير فرق بين أن يلاحظ القسمين في فوقه فيكون المراد من الشيء الجزئيّ الحقيقي كاللحم المردّد بين المذكّى و الميتة في الخارج و إن كان اللحم المردّد بين المذكى و الميتة إذا لوحظ بهذا العنوان كليّا، و عليه لا بدّ من ارتكاب الاستخدام في ضمير فيه لعدم إمكان وجود القسمين في الجزئي الحقيقي أو تحته فيكون المراد من الشيء الكلّي كلحم الغنم الذي فيه المذكّى
........
الشرح
و الميتة، و أيّا ما كان تنطبق على الشبهة الموضوعية و إن كان الأظهر هو المعنى الثاني؛ للزوم الاستخدام في الضمير في موضعين من الرواية يعني في ضمير فيه و منه و هو خلاف الظاهر جدّا، و أمّا ما ذكره الشارح من التقسيم على تقدير التعميم الذي يرجع إلى الترديد و الاشتباه و الاحتمال حقيقة كما اعترف به فهو مناف للتقسيم و ضدّ له.
و من هنا ذكر شيخنا قدّس سره أنّه لا تقسيم مع الترديد لا ذهنا و لا خارجا، و من هنا ذكر الشارح في طيّ المعنى الثالث المنطبق على الشبهة الموضوعيّة فيكون معنى قوله فيه حلال و حرام أنّه ينقسم إليهما، و بالجملة إمّا أن يراد من قوله فيه حلال و حرام وجود الاحتمالين في الشيء أي احتمال الحليّة و الحرمة الذي يتقوّم الشّكّ و الترديد به فيحمل الشيء على الأعمّ من الكلّي و الجزئي و الشبهات الحكميّة و الموضوعيّة كما ارتكبه السيّد الشارح و عليه مرجع المعنيين الأوّلين أو وجود المحتملين الذي هو بمعنى التقسيم كما اعترف به فينطبق على المعنى الثالث أي خصوص الشبهة الموضوعيّة كما ذكره.
و أنت خبير بأنّ الاحتمال الأوّل الذي مبنى دلالة الصحيحة على بيان حكم الشبهة الحكميّة في كمال الضعف و السقوط، نعم لازم الاحتمال و الترديد المأخوذ في موضوع الحكم عقلا كون المحلّ قابلا لتعلّق الحكم الشرعي به كما أنّ المحمول الشخصي المحمول عليه منفي بحكم العقل عن غيره، و لو لم نقل بكون التعليق بالوصف ظاهرا في المفهوم ضرورة كون النزاع بالنسبة إلى سنخ الحكم الثابت في جانب المنطوق لا شخصه فإنّه ممّا لا يقبل القيام بغير الموضوع المذكور في المنطوق عقلا، فلا يتوهّم وقوع النزاع فيه و الكلام في دلالة التعليق على انتفائه بل التحقيق كون انتفاء سنخ الحليّة إذا أريد بها الظاهري كما هو الظاهر من المعلوم عقليا أيضا من غير ابتنائه على المفهوم، و إن كان انتفاء أصل
........
الشرح
الحليّة بالمعنى الأعم من الظاهري و الواقعي بحكم المفهوم بالنسبة إلى معلوم الحليّة لا بالنسبة إلى معلوم الحرمة فتدبّر، و إن كان الظاهر من قوله و ليس الغرض من ذكر هذا الوصف مجرّد الاحتراز بل هو مع بيان ما فيه الاشتباه كون خروج معلوم الحليّة و معلوم الحرمة من جهة توصيف الشيء بقوله: (فيه حلال و حرام)، فيكون مبنيّا على دلالة التعليق بالوصف على المفهوم فيكون الغرض منه أمران أحدهما بيان مورد الحكم و أنّه فيما يقبل الاتصاف بالحكم الشرعي حتى يحتمل فيه الاحتمالان، في قبال ما لا يقبل الاتصاف من الأعيان و الأفعال، ثانيهما الاحتراز عن معلوم الحكم فالمعلوم الحرمة ابتداء يخرج بقوله فيه حلال و حرام، و أمّا معلوم الحرمة ثانيا بعد كونه مشكوكا في زمان فيخرج بالغاية كالموضوع المردّد الذي يبنى على حليّته ثمّ يحصل العلم بكونه من مصاديق الحرام لا يقال ظهور قوله فيه حلال و حرام في التقسيم و وجود النوعين في الشيء إنّما يمنع من الحكم بشمول للشبهة الحكمية على ما زعمه السيّد الشارح.
و من هنا جعله بمعنى الاحتمال و الترديد حتّى يشملها لا على الاحتمالات التي ذكره الفاضل النراقي و الشيخ في الفصول، فإنّه مع كون المراد منه التقسيم الحقيقي يشمل الشبهتين لأنّا نقول وجود الأقسام الثلاثة بالنظر إلى الحكم ممّا لا يقبل الإنكار، إلاّ أنّه مع ذلك لا بدّ من الحكم باختصاص الرواية بالشبهة الموضوعيّة أيضا، حيث إنّ لقوله عليه السلام فيه حلال و حرام ظهور تامّ بملاحظة تماميّة الكلام بدونه كما في جملة من الروايات في كون الغرض منه الإشارة إلى بيان منشأ الاشتباه في الشيء و تردّده بين الحلال و الحرام.
و من المعلوم ضرورة اختصاص هذا المعنى بالشبهة الموضوعيّة حيث إنّ الاشتباه في حكم الموضوع الكلّي كلحم الحمير مثلا لا تعلّق له بوجود القسمين في مطلق لحم الحيوان كالغنم و الخنزير مثلا و لا ينشأ منه أصلا، فإنّه لو فرض
........
الشرح
القسمان متّحدين بحسب الحكم يقع الشك فيه أيضا، بل السبب فيه أمر راجع إلى نفسه و هو أحد أمور ثلاثة على سبيل المنفصلة الحقيقة و هو عدم الدليل على حكمه أو إجمال ما دلّ عليه أو تعارضه مع غيره مع التكافؤ، على ما عرفت و ستعرف من كون سبب الشكّ في الحكم أحد الأمور المذكورة، و هذا بخلاف الشبهة الموضوعيّة فإنّه لو لا وجود القسمين في نوع الموضوع لم يكن هناك شكّ من حيث الحليّة و الحرمة في فرد من أفراده كما هو ظاهر.
فتبيّن ممّا ذكرنا من كلامه ضعف ما أفاده الفاضل النراقي قدّس سره شاهدا على التعميم من لزوم التخصيص من الوجهين و التقييد من وجه على تقدير حمل الصحيحة على كلّه خصوص الشبهة الموضوعيّة بقوله و المعنى الثالث يوجب تخصيص قوله عليه السلام كلّ شيء بما علم فيه خصوص النوع حلال و خصوص الحرام و بما كان النوعيّة باعتبار غير الحليّة و الحرمة إلى آخر ما ذكره، فإنّ ظهور قوله عليه السلام فيه حلال و حرام فيما ذكرنا من بيان منشأ الاشتباه يكشف عن اختصاص الشيء الذي هو الموضوع بما يكون وجود القسمين فيه منشأ للشكّ الواقع فيه و سببا له بنحو من السببيّة، فلا عموم و إطلاق له حتى يلزم التخصيص و التقييد من غير مخصّص و مقيّد مع أنّه على تقدير لزومهما يكون ما ذكرنا من الظهور قرينة عليهما و كاشفا عنهما، و لا يمكن العكس لكونه حاكما عليهما كما لا يخفى.
فإن قلت: إنّه كما يكون وجود النوعين سببا دائما للاشتباه الواقع في الشبهة الموضوعيّة على ما ذكرت كذلك يمكن صيرورته سببا له في الشبهة الحكميّة أيضا كما إذا فرض العلم إجمالا بأنّ في اللحم في الشرع حلالا و حراما و لم نتميّز بالأدلّة الشرعيّة الحلال عن الحرام، فلحم كل حيوان يشكّ في كونه حلالا و حراما و السّبب للشكّ فيه وجود القسمين في مطلق لحم الحيوان، بحيث لو فرض وجود
........
الشرح
قسم واحد لما وقع الشكّ في لحم حيوان من الحيوانات فإذا يحكم بشمول الرواية له و يحكم بإلحاق غيره عليه ممّا لا يوجد القسمان فيه أصلا أو يوجدان لا بالوصف المذكور بعدم القول بالفصل فيكون الصحيحة بهذه الملاحظة دليلا على الحليّة في الشبهة الحكميّة أيضا، و إليه يرجع الوجه الخامس الذي ذكره الفاضل النراقي رحمه اللّه.
قلت: وجود القسمين على الوجه المذكور في الشبهة الحكميّة مع أنّه مجرّد فرض يوجب الحكم بحرمة جميع اللحوم المردّدة بين الحلال و الحرام لمكان العلم الإجمالي.
فإن شئت قلت: إنّه يخرج عن محلّ البحث حيث إنّه في الشكّ في التكليف لا في الشكّ في المكلّف به، و العلم الإجمالي بوجود الحرام في اللحم مع عدم العلم التفصيلي به أصلا يوجب دخوله في الشكّ في المكلّف به فيجب الاحتياط في محتملاته من حيث كونه من المتباينين لا الأقل و الأكثر كما هو ظاهر هذا كلّه، مضافا إلى كونه خلاف ظاهر الصحيحة من وجوه، مضافا إلى أنّ الظاهر منها وجود القسمين بحيث يعلم بهما تفصيلا لا مجرّد العلم بوجودهما كيف ما اتّفق كما هو ظاهر.
و بالجملة لا بدّ من أن يحكم باختصاص الرّواية بالشبهة الموضوعيّة بالنظر إلى الظهور المذكور، هذا مضافا إلى قوله حتّى تعرف الحرام منه بعينه، فإنّ الظاهر منه كما ترى كون الغاية معرفة الحرام المفروض وجوده و لا ينطبق هذا المعنى كما ترى إلاّ على الشبهة الموضوعيّة، مضافا إلى أنّه لا معنى لجعل معرفة حرمة بعض الموضوعات الكليّة غاية لحليّة الموضوع الكلي المشتبه الآخر ضرورة أنّه لا يوجب رفع الاشتباه عنه و لا تعلّق له به أصلا مع أنّه لو بني عليه لم يكن معنى لجعل الحليّة الظاهريّة في الموضوعات الكليّة مع فرض العلم بحرمة بعضها، و هذا كما ترى.
........
الشرح
و بالجملة من تأمّل في الرواية صدرا و ذيلا يحصل له القطع باختصاصها بالشبهة الموضوعيّة و أنّ ما ارتكبه الفاضل المتقدّم ذكره من التحمّل لإثبات عمومها للشبهة الحكميّة لا يجديه في شيء، منها قوله حتّى تعرف الحرام منه فإنّ فيه دلالة من وجهين أيضا على الاختصاص بالمعنى الثالث، فإنّه على أحد المعنيين الأوّلين لا بدّ أن يقول حتّى تعرف حرمته لا حتّى تعرف الحرام منه، فالقول المذكور من جهة الاشتمال على الحرام و كلمة منه تدل على اختصاص الرواية بالمعنى الثالث.
و منها قوله عليه السلام: (بعينه) فإنّ التأكيد بالكلمة المذكورة لا مساس له بالشبهات الحكميّة أصلا كما لا يخفى دلالته على الاختصاص بهذه الملاحظة لا بملاحظة كون المراد منه التعيّن و التشخّص بحسب الخارج يعني متعيّنا متشخّصا حتى يتوجّه عليه بأنّ المراد منه هو التأكيد للمعرفة و الاهتمام بشأن اعتبارها فتنطبق على الشبهة الحكميّة و الموضوعيّة معا، و منها إطلاق الرواية من حيث الفحص عن الحرمة و ثبوت الحليّة ما لم يحصل معرفة الحليّة و هو شاهد على إرادة الشبهة الموضوعيّة، إذ على تقدير إرادة المعنى الأعم لا بدّ من ارتكاب التخصيص أو التقييد فيها بالنّسبة إلى موارد اشتباه الحكم بما بعد الفحص و اليأس فتدبّر.
فقد تبيّن ممّا ذكرنا كلّه الوجه في ضعف ما أفاده السيّد الشارح في معنى الرواية كظهور ضعف ما أفاده الفاضل النراقي من المعاني الثلاثة الأخيرة، فإنّ الأوّل منها الذي هو رابع الوجوه في كلامه ليس منشأ الاشتباه فيه وجود النوعين، مضافا إلى منافاته للغاية و الأخيرين منها لا يناسبا المقام و لا تعلّق لهما بالشكّ في التكليف، مضافا إلى منافاتهما للمدّعى لو جعل المراد من المعرفة في الغاية معرفة الحرام في الجملة و لو باعتبار بعض أنواعه، لما عرفته من أنّ معرفة بعض المحرّمات في الشبهة الحكميّة لا تصلح غاية للإباحة بقول مطلق و تنظّر المحقّق
........
الشرح
القميّ قدس سره فيما ذكره السيّد الشارح قدس سره من وجوه أربعة أحدها: أنّه يوجب استعمال قوله عليه السلام فيه حلال و حرام في معنيين:
أحدهما: أنه قابل للاتصاف بأحدهما و يمكن تعلّق الحكم به ليخرج ما ليس كذلك من الأعيان و الأفعال، ثانيهما: ما يوجد فيه النوعان في الواقع أو عندنا ليخرج ما تعيّن حليّته و حرمته.
ثانيها: أنّه يوجب استعمال المعرفة في قوله حتّى تعرف الحرام في معنيين:
أحدهما: المعرفة من الأدلة حيث أريد من الرواية الشبهة الحكميّة.
ثانيهما: المعرفة من الأمارات الخارجيّة كالبيّنة و نحوها إذا أريد منها بيان حكم الشبهة الخارجيّة.
و من المعلوم عدم جواز استعمال اللفظ في معنيين، ثمّ أمر بالتّأمّل، و الوجه فيه ظاهر من حيث إنّ اختلاف أسباب المعرفة لا يوجب اختلاف معناها، و قال شيخنا قدس سره وليته أمر بالتأمّل في الإيراد الأوّل أيضا ضرورة عدم لزوم استعمال قوله فيه حلال و حرام في معنيين أيضا؛ لما عرفت من أنّ لازم وجود الاحتمال إمكان تعلّق الحكم الشرعي، فإرادته من حيث اللزوم لا من حيث استعمال اللفظ فيه و يمكن إرجاعه إليهما كما ذكره في الكتاب، و إن كان في كمال البعد.
ثالثها: أنّه لا معنى لإخراج المعلوم من الرواية من حيث إنّ الضمير في قوله فهو لك حلال يرجع إلى المجهول و لا جهالة فيهما يعني أنّ خروجهما من الشيء خروج موضوعيّ بعد إرادة المجهول منه، فلا معنى لأخذ المفهوم لإخراجهما.
رابعها: أنّه لا معنى لأخذ المفهوم المخالف في المقام من حيث إيجابه لحمل السالبة على المنتفية بانتفاء الموضوع من حيث إنّ سلب الحليّة عن المعلوم من حيث عدم تحقق الجهالة فيه، و هو كما ترى خلاف الظاهر جدّا هذا حاصل ما أفاده، و أنت خبير بأنّ الإيرادين الأخيرين على تقدير ورودهما لا تعلّق لهما بأصل
........
الشرح
المعنى الذي ذكره الشارح من التقسيم الاحتمالي.
ثمّ إنّ الشيء في قوله عليه السلام كلّ شيء فيه حلال و حرام و إن لم يستعمل في المجهول و كذلك الضمير في قوله فهو لك حلال راجع إلى نفس الشيء المنقسم إلى القسمين لا إلى المجهول منه، إلاّ أنّ الغرض إعطاء الحكم في مورد الجهل بالحرمة ضرورة عدم إمكان جعل الحلّية الواقعية و الظاهريّة بإنشاء واحد و عدم إمكان أخذ الغاية المذكورة في الرواية قيدا لهما؛ لأنّ الحليّة الواقعيّة تعرض الفعل بحسب نفس الأمر من غير مدخليّة لعدم العلم بالحرمة في عروضها له، بل امتناع مدخليّة فيه و الحليّة الظاهريّة تعرض الفعل بملاحظة الجهل و عدم العلم بالحرمة، بل نمنع عروضها له من دون الملاحظة المذكورة، فالمحمول في قوله عليه السلام فهو لك حلال لا يمكن أن يحمل على الأعمّ من الحليّة الظاهريّة و الواقعيّة بل لا بدّ من أن يحمل على الحليّة الظاهريّة؛ نظرا إلى الغاية المتعلّقة بها، فالمرجع هو الشيء المنقسم باعتبار تحقّقه في ضمن الفرد المردّد، فما في كلام بعض أفاضل مقاربي عصرنا من أنّ المراد من الشيء هو الكلّي المنقسم إلى القسمين و الحكم بحليّته على الإطلاق فيما يعلم تحقّقه في النوع الحرام تفيد البيان و التأكيد بالنسبة إلى الحلال المعلوم لم يعلم له معنى محصّل.
نعم لو جعلت القضيّة إخبارا عن ثبوت الحليّة بالمعنى الأعمّ للشيء المنقسم إلى القسمين ما لم يعلم تحقّقها في ضمن القسم الحرام منه فيكون حلالا واقعيّا بدليله فيما علم تحقّقه في قسم الحلال من غير مدخليّة للعلم في عروضها، و حلالا ظاهريّا فيما شك في تحقّقه في ضمن أحدهما، كما أنّه حرام واقعيّ فيما علم تحقّقه في القسم الحرام من غير مدخليّة للعلم في عروضها، فيكون الصحيحة إخبارا عن ثبوت الترخيص بالمعنى الأعمّ و بقول مطلق لما كان شأنه من الأفعال و الأعيان الانقسام إلى القسمين، و إن كان الغرض متعلّقا بالأخبار عن خصوص
........
الشرح
الحليّة الظاهريّة للفرد المردّد، و على ذلك لا بدّ من أن يحمل ما أفاده شيخنا قدّس سره في الكتاب و غيره في غيره في معنى الصحيحة في قبال ما أفاده السيّد الشارح في معناها من جعل المراد من الشيء هو خصوص المجهول و الأمر المردّد بين الحلال و الحرام بما يرجع إلى قوله، و على ما ذكرنا فالمعنى - و اللّه العالم - أنّ كل كلّي فيه قسم حلال و قسم حرام كمطلق لحم الغنم المشترك بين المذكّى و الميتة، فهذا الكلّي لك حلال إلى أن تعرف القسم الحرام متعيّنا في الخارج فتدعه، و على الاستخدام يكون المراد أنّ كلّ جزئي خارجيّ في نوعه القسمان المذكوران فهذا الجزئي لك حلال إلى أن تعرف القسم الحرام معيّنا في الخارج فتدعه إلى آخر ما أفاده، و لمّا كان الحمل على الإنشاء بالمعنى الأعم ممّا لا يجامع مع الشيء كليّا كما هو مبنى هذا التوهّم و على الأخبار بعيدا كما هو ظاهر حمل الشيء في قوله كل شيء فيه حلال و حرام على الجزئي مع اعتبار التقسيم في فوقه.
و هذا و إن استلزم الاستخدام في الضمير في الموضعين من الرواية و اعتبار معرفة نوع الحرام بحيث ينطبق على الشيء بالنسبة إلى الغاية إلاّ أنّه لا مناص عنه بعد الامتناع و البعد المذكورين، و عليه ينطبق الشيء كما ترى على المجهول من غير أن يرجع الضمير في قوله فهو لك حلال إلى المجهول من الشيء الملحوظ بهذا العنوان، و إن كان في الواقع متّصفا بالعنوان المذكور فليس هنا مجهول مضاف إلى الشيء و لا مقدّر يرجع الضمير في قوله فهو لك حلال إليه، هذا بعض الكلام فيما يتعلّق بالصحيحة و ما في معناها ممّا جعل دليلا على الحليّة في الشبهة الحكميّة.
و استدلال الفاضل النراقي في المستند على الحليّة في محل البحث أيضا بضربين آخرين من الأخبار:
أحدهما: ما دلّ على حصر الحرام بما حرّمه اللّه في كتابه و هي جملة من الأخبار:
........
الشرح
منها: صحيحة محمّد بن مسلم و زرارة عن أبي جعفر عليه السلام فيما سألاه عن لحوم الحمير الأهليّة قال نهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله عن أكلها يوم خيبر، إلى أن قال: (و إنّما الحرام ما حرّم اللّه في القرآن).
و منها: صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام و فيها و ليس الحرام إلاّ ما حرّم اللّه في كتابه، و منها صحيحته الأخرى و فيها و إنّما الحرام ما حرّم اللّه و رسوله في كتابه، و منها ما عن زرارة عن أحدهما قال: إنّ أكل الغراب ليس بحرام إنّما الحرام ما حرّم اللّه في كتابه، قال قدّس سره في تقريب الاستدلال بها بعد نقلها: دلّت هذه الأخبار على انحصار الحرام بما حرّمه اللّه في القرآن و أنّ ما سواه مباح يخرج ما خرج بالدليل فيبقى الباقي، و هي بعمومها شاملة للأعيان و الأفعال و تخصيص مواردها بالمأكولات غير ضارّ؛ لأنّ العبرة بعموم الجواب، مع أنه لا قائل بالفصل، انتهى كلامه رفع مقامه.
و أنت خبير بأنّه لا تعلّق لهذه الأخبار و أمثالها من العمومات الاجتهاديّة المقتضية لحليّة الأشياء من الآيات مثل قوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمُ اَلطَّيِّبٰاتُ و نحوه و الأخبار بالمقام، فإنّ البحث عن حكم ما لم يقم دليل على حليّته و حرمته بحسب الأصل الأوّلي لا عن قيام الدليل على حليّة كلّ شيء بعنوان العموم، و إن كان قيامه مع تماميّته من جميع الجهات مغنيا عن التكلّم في الأصل الأوّلي، فإنّه على تقدير تسليم كون الأصل هو الخطر و وجوب الاحتياط فيما شك في حرمته و عليّته كان المتعيّن الرجوع إلى تلك العمومات الاجتهاديّة أيضا فلا ينفع الأخباري أخبار الاحتياط، كما أنّه لا جدوى للمجتهد لطول البحث فيما دلّ على البراءة في الشبهة الحكميّة.
ثانيهما: ما دلّ من الروايات على أنّ كلّ شيء حلال حتى تعلم أنّه حرام بعينه، و هي كثيرة يأتي ذكر بعضها في الكتاب في الشبهة الموضوعيّة، منها ما ورد في
و تقريب الاستدلال كما في شرح الوافية: «أنّ معنى الحديث أنّ كل فعل من جملة الأفعال التي تتّصف بالحل و الحرمة، و كذا كل عين ممّا يتعلّق به فعل المكلّف و يتّصف بالحل و الحرمة إذا لم يعلم الحكم الخاص به من الحل و الحرمة فهو حلال.
الشرح
شراء الإبل و الغنم من السلطان و هو يعلم بأنّه يأخذ أكثر من الحقّ الذي يجب عليهم من أنّ الإبل و الغنم مثل الحنطة و الشعير و غير ذلك لا بأس به حتى تعرف الحرام بعينه، و قوله عليه السلام و غير ذلك عام يشمل الأعيان و الأفعال، و منها رواية مسعدة بن صدقة المعروفة التي ستقف عليها، و منها رواية عبد اللّه بن سليمان عن أبي عبد اللّه عليه السلام في الجبن كلّ شيء هو لك حلال حتّى يجيئك شاهدان عندك بأنّ فيه الميتة قال قدّس سرّه بعد نقلها ما هذا لفظه: «و السؤال في الأولى و المثال في الثانية و المورد في الثالثة و إن كانت مختصّة بما اشتبه فيه الموضوع لكن خصوصيّتها لا يخصّص الجواب، و قوله في الثانية أو يقوم به البيّنة لا يوجب التخصيص لسبق قوله أو يستبين لك غيره على أنّ البيّنة يطلق على من سمع الحرمة من أهله، كذلك قوله في الأخيرة حتّى يجيئك شاهدان فإنّه يدلّ بمفهوم الغاية على أنّ كل شيء لم يجئ فيه شاهدان بذلك فهو حلال، نعم يمكن المناقشة في الأخيرة بأنّ قوله بأنّ فيه الميتة قرينة على التخصيص بما شأنه ذلك»، انتهى كلامه رفع مقامه.
و أنت خبير بأنّه لا عموم و لا ظهور للأخبار المذكورة و أمثالها لمحلّ البحث؛ إذ اختصاصها بالشبهة الموضوعيّة ممّا لا يقبل الإنكار، فإنّ قوله و غير ذلك لا عموم فيه للمقام أصلا و صدر رواية مسعدة و إن كان عامّا إلاّ أنّ ذيلها يكشف عن اختصاصها بما يكون من شأنه قيام البيّنة أو تعلّق الحكم على الاستبانة من دون فحص و أين هذا من الشبهة الحكميّة، و منه يظهر اختصاص رواية عبد اللّه بما من شأنه قيام الشاهدين فلا عموم لهذه الأخبار أصلا، و من هنا لم يتمسّك بها أصحابنا لحكم المقام بل تمسّكوا بها في الشبهة الموضوعيّة كما ستقف عليه.
فخرج ما لا يتصف بهما جميعا من الأفعال الاضطرارية و الأعيان التي لا يتعلّق بها فعل المكلّف و ما علم أنّه حلال لا حرام فيه أو حرام لا حلال فيه، و ليس الغرض من ذكر الوصف مجرّد الاحتراز بل هو مع بيان ما فيه الاشتباه.
فصار الحاصل أنّ ما اشتبه حكمه و كان محتملا لأن يكون حلالا و لأن يكون حراما فهو حلال سواء علم حكم كلّي فوقه أو تحته، بحيث لو فرض العلم باندراجه تحته أو تحقّقه في ضمنه لعلم حكمه أم لا.
و بعبارة أخرى أنّ كل شيء فيه الحلال و الحرام عندك بمعنى أنّك تقسّمه إلى هذين و تحكم عليه بأحدهما لا على التعيين و لا تدري المعيّن منهما فهو لك حلال.
فيقال حينئذ إنّ الرواية صادقة على مثل اللحم المشترى من السوق المحتمل للمذكّى و الميتة، و على شرب التتن و على لحم الحمير، إن لم نقل بوضوحه و شككنا فيه لأنّه يصدق على كلّ منها أنّه شيء فيه حلال و حرام عندنا، بمعنى أنّه يجوز لنا أن نجعله مقسما لحكمين فنقول: هو إمّا حلال و إمّا حرام، و إنّه يكون من جملة الأفعال التي يكون بعض أنواعها أو أصنافها حلالا و بعضها حراما و اشتركت في أنّ الحكم الشرعي المتعلّق بها غير معلوم» انتهى.
أقول: الظاهر أنّ المراد بالشيء ليس هو خصوص المشتبه كاللحم المشترى و لحم الحمير على ما مثله بهما، إذ لا يستقيم إرجاع الضمير في منه إليهما لكنّ لفظة منه ليس في بعض النسخ.
و أيضا الظاهر أنّ المراد بقوله عليه السلام فيه حلال و حرام كونه منقسما إليهما و وجود القسمين فيه بالفعل لا مردّدا بينهما، إذ لا تقسيم مع الترديد
أصلا لا ذهنا و لا خارجا و كون الشيء مقسما لحكمين كما ذكره المستدل لم يعلم له معنى محصل، خصوصا مع قوله قدّس اللّه سره إنّه يجوز لنا ذلك؛ لأنّ التقسيم إلى الحكمين الذي هو في الحقيقة ترديد لا تقسيم أمر لازمي قهري لا جائز لنا.
و على ما ذكرنا فالمعنى و اللّه العالم أنّ كل كلي فيه قسم حلال و قسم حرام كمطلق لحم الغنم المشترك بين المذكّى و الميتة، فهذا الكلّي لك حلال إلى أن تعرف القسم الحرام معيّنا في
الخارج فتدعه، و على الاستخدام يكون المراد أنّ كل جزئي خارجي في نوعه القسمان المذكوران فذلك الجزئي لك حلال حتى تعرف القسم الحرام من ذلك الكلّي في الخارج فتدعه، و على أي تقدير فالرواية مختصّة بالشبهة في الموضوع.
و أمّا ما ذكره المستدلّ من أنّ المراد من وجود الحلال و الحرام فيه احتماله و صلاحيّته لهما، فهو مخالف لظاهر القضيّة و لضمير منه و لو على الاستخدام.
ثمّ الظاهر أن ذكر هذا القيد مع تمام الكلام بدونه كما (في قوله عليه السلام في رواية أخرى: «كل شيء لك حلال حتى تعرف أنّه حرام».
بيان منشأ الاشتباه الذي يعلم من قوله عليه السلام حتّى تعرف، كما أنّ الاحتراز عن المذكورات في كلام المستدل أيضا يحصل بذلك.
و منه يظهر فساد ما انتصر بعض المعاصرين للمستدل بعد الاعتراف بما ذكرنا من ظهور القضية في الانقسام الفعلي فلا يشمل مثل شرب التتن من:
«أنّا نفرض شيئا له قسمان حلال و حرام و اشتبه قسم ثالث منه كاللحم فإنّه شيء فيه حلال و هو لحم الغنم، و حرام و هو لحم الخنزير، فهذا الكلّي
المنقسم حلال فيكون لحم الحمار حلالا حتى نعرف حرمته»(1).
و وجه الفساد: أنّ وجود القسمين في اللحم ليس منشأ لاشتباه لحم الحمار و لا دخل له في هذا الحكم أصلا و لا في تحقّق الموضوع، و تقييد الموضوع - بقيد أجنبي لا دخل له في الحكم و لا في تحقّق الموضوع مع خروج بعض الأفراد منه مثل شرب التتن حتّى أحتاج هذا المنتصر إلى إلحاق مثله بلحم الحمار و شبهه ممّا يوجد في نوعه قسمان بالإجماع المركّب - مستهجن جدّا لا ينبغي صدوره من متكلّم فضلا عن الإمام عليه السلام.
هذا مع أنّ اللازم ممّا ذكر عدم الحاجة إلى الإجماع المركّب، فإنّ الشرب فيه قسمان: شرب الماء و شرب البنج و شرب التتن كلحم الحمار بعينه و هكذا الأفعال المجهولة الحكم، و أمّا الفرق بين الشرب و اللحم بأنّ الشرب جنس بعيد لشرب التتن بخلاف اللحم فممّا لا ينبغي أن يصغى إليه.
هذا كلّه مضافا إلى أنّ الظاهر من قوله حتّى تعرف الحرام منه معرفة ذلك الحرام الذي فرض وجوده في الشيء، و معلوم أنّ معرفة لحم الخنزير و حرمته لا يكون غاية لحلّية لحم الحمار.
و قد أورد على الاستدلال بلزوم استعمال: «قوله عليه السلام: (فيه حلال و حرام) في معنيين:
أحدهما: أنّه قابل للاتصاف بهما، و بعبارة أخرى يمكن تعلّق الحكم الشرعي به ليخرج ما لا يقبل الاتصاف بشيء منهما.
و الثاني: أنّه منقسم إليهما و يوجد النوعان فيه، إمّا في نفس الأمر أو عندنا، و هو غير جائز، و بلزوم استعمال قوله عليه السلام: (حتّى تعرف الحرام منه بعينه) في المعنيين أيضا؛ لأنّ المراد حتى تعرف من الأدلة
1) بحر الفوائد: ج 2، ص 22.
الشرعية الحرمة إذا أريد معرفة الحكم المشتبه و حتّى تعرف من الخارج من بيّنة أو غيرها الحرمة إذا أريد معرفة الموضوع المشتبه، فليتأمّل»(1)، انتهى.
وليته أمر بالتأمّل في الإيراد الأوّل أيضا، و يمكن إرجاعه إليهما معا و هو الأولى.
و هذه جملة ما استدلّ به من الأخبار.
و الإنصاف ظهور بعضها في الدلالة على عدم وجوب الاحتياط فيما لا نصّ فيه في الشبهة، بحيث لو فرض تماميّة الأخبار الآتية للاحتياط وقعت المعارضة بينها، لكنّ بعضها غير دالّ إلاّ على عدم وجوب الاحتياط لو لم يرد أمر عام به، فلا يعارض ما سيجيء من أخبار الاحتياط لو نهضت للحجيّة سندا و دلالة.
الأوّل: دعوى إجماع العلماء كلّهم (1) من المجتهدين و الأخباريين على أنّ الحكم فيما لم يرد فيه دليل عقلي أو نقلي على تحريمه من حيث هو، و لا على تحريمه من حيث إنّه مجهول الحكم هي البراءة و عدم العقاب على الفعل.
الشرح
(1) لا يخفى عليك أنّ الإجماع المذكور يسمّى عند بعضهم بالإجماع التقديري تارة و التعليقي أخرى و عند آخر بالاجتماع على الأصل و القاعدة، و ذكر ثالث أنّه لا اعتبار بمثله بعد وقوع الاختلاف في قيام الدليل على وجوب الاحتياط و عدمه كما هو الشأن في سائر الإجماعات التعليقيّة التي وقع الاختلاف في وجود المعلّق عليه في مواردها؛ لأنّه لا يكشف عن شيء، نعم الإجماع في قبال الأخباريين على أن
1) القوانين المحكمة: ج 3، ص 258.
........
الشرح
الحكم الظّاهري فيما لم يرد نصّ على تحريمه بعنوانه الخاص الإباحة مفيد جدّا، من غير فرق بين أن يكون قوليّا حاصلا بملاحظة الفتاوى من أهلها أو عمليّا حاصلا بملاحظة سيرة خصوص المسلمين أو أهل الشرائع، سواء كان طريق تحصيله على الأوّل بتتبّع الفتاوى و كلماتهم في الأصول و الفقه في موارد الاستدلال، أو ملاحظة الإجماعات المنقولة في العلمين و لو بضميمة الشهرة العظيمة المحقّقة في المسألة، فالمراد بالإجماع المحصّل بأحد الوجوه المذكورة في الكتاب لا بدّ أن يكون أعمّ من القولي و العملي لا خصوص القولي، فإنّه لا معنى لجعل الوجه الثالث طريقا إليه كما هو ظاهر، ثمّ إنّ معلوميّة مذهب من تمسّك بالاحتياط أحيانا في بعض جزئيّات المسألة في الفقه بملاحظة غيره في الفروع و الأصول كالسيّد و الشيخ و العلاّمة يكشف عن أنّ الغرض هو مجرّد التأييد و الاعتضاد لا الاعتماد و الاستدلال كما يذكرونه أحيانا في طيّ الاستدلال في الشبهة الوجوبيّة أيضا، مع ذهاب أكثر الأخباريّين فيها إلى البراءة، و من هنا تراهم كثيرا ما يذكرون القياس في مطاوي استدلالهم، بل ربّما لا يذكرون غيره مع أنّ المعلوم من المذهب عدم جواز الاعتماد به، فليس ذلك إلاّ من جهة ما ذكرنا من كون الغرض التأييد و إن وقع بعض أصحابنا الأخباريين في التوهّم و تخيّل كون الغرض الاستدلال و فتح باب الطعن على حملة الشريعة و رؤساء الملّة.
ثمّ إنّ القائلين بالتحسين و التقبيح العقليّين بعد اتّفاقهم على أنّ للفعل أحكاما أربعة اختلفوا في أنّ للعقل الحكم بالإباحة أم لا، و جعلوا مورد هذا الأشياء الغير الضروريّة المشتملة على المنفعة الخالية عن أمارة المفسدة قبل الاطلاع على حكم الشارع بعد الفحص في مظانّ وجود الدّليل على الحرمة، فذهب غير واحد إلى أنّها على الإباحة في حكم العقل، و بعضهم إلى أنّها على الخطر في حكمه، و آخر إلى أنّها على الوقف كالمفيد و الشيخ بمعنى أنّه لا حكم للعقل بشيء من الخطر
........
الشرح
و الإباحة، و هذا العنوان كما ترى إنّما هو بالنظر إلى حكم العقل فلا ينافي الإباحة بالنظر إلى الشرع بل التحقيق عدم منافات القول بالإباحة بالنظر إلى الشرع مع الالتزام بالحظر من جهة العقل بناء على كونه ظاهريّا مبنيّا على وجوب دفع الضرر المحتمل لا واقعيّا، و بالجملة لا إشكال في شهادة التتبّع في كلماتهم على أنّ الحكم عندهم فيما احتمل حرمته الإباحة ظاهرا و لو من جهة الاستناد إلى أخبارها، و إن كانوا يذكرون الاحتياط في مقام الاستدلال تأييدا في مطلق الشبهة الحكميّة، و من هنا نسب إليهم القول بالاحتياط من فتور تأمّل في باقي كلماتهم.
و من هنا احتمل كون نسبة المحقّق القول بالاحتياط إلى جماعة مبنيّا على ما ذكر حيث قال في المعارج ما هذا لفظه المحكي العمل بالاحتياط غير لازم، و صار آخرون إلى وجوبه، و قال آخرون مع اشتغال الذمّة يكون العمل بالاحتياط واجب أو مع عدمه لا يجب، انتهى كلامه رفع مقامه، و هو كما ترى لا يجامع بظاهره ما حكي عنه في المسائل المصريّة من تقريره تعليل السيّد دعواه الإجماع على جواز إزالة النجاسة بالمائعات مع عدم ورود نصّ به بأنّ من أصلنا العمل بالأصل حتّى يثبت الناقل و لم يرد منع عن استعمال المائع في إزالة النجاسة، فإنّه حكى هذا الكلام عن السيّد و لم يناقش في دعواه الإجماع العمل بالأصل حتّى يثبت خلافه في الشرعيّات و إن لم يكن المورد بزعمنا من موارد الرجوع إلى أصالة البراءة و الإباحة، بل يتعيّن الحكم بعدم كفايته في التطهير بالنظر إلى استصحاب النجاسة و قاعدة الاشتغال على تقدير عدم اعتبار الاستصحاب، إلاّ أنّ الغرض التنبيه على دعواه الإجماع على الأصل و تقرير المحقّق له في ذلك.
و بالجملة لا ينبغي الإشكال في إجماع المجتهدين على كون الحكم الظاهري في الشبهة التحريميّة جواز الفعل من غير فرق بين الشبهة الحكميّة و الموضوعيّة و عدم وجوب الاحتياط فيهما.
و هذا الوجه لا ينفع إلاّ بعد عدم تماميّة ما ذكر من الدليل العقلي و النقلي للحظر و الاحتياط، فهو نظير حكم العقل الآتي.
الثاني: دعوى الإجماع على أنّ الحكم فيما لم يرد دليل على تحريمه من حيث هو هو عدم وجوب الاحتياط و جواز الارتكاب.
و تحصيل الإجماع بهذا النحو من وجوه:
الأوّل: ملاحظة فتاوى العلماء في موارد الفقه فإنّك لا تكاد تجد من زمان المحدّثين إلى زمان أرباب التصنيف في الفتوى من يعتمد على حرمة شيء من الأفعال بمجرّد الاحتياط، نعم ربّما يذكرونه في طي الاستدلال في جميع الموارد حتّى في الشبهة الوجوبيّة التي اعترف القائلون بالاحتياط بعدم وجوبه فيها، و لا بأس بالإشارة إلى من وجدنا في كلماتهم ما هو ظاهر في هذا القول.
فمنهم ثقة الإسلام الكليني رحمه اللّه حيث صرّح في ديباجة الكافي:
«بأنّ الحكم فيما اختلف فيه الأخبار التخيير».
و لم يلزم الاحتياط مع ورود الأخبار بوجوب الاحتياط فيما تعارض فيه النصّان، و ما لم يرد فيه نص بوجوبه في خصوص ما لا نص فيه فالظاهر أنّ كل من قال بعدم وجوب الاحتياط هناك قال به هنا.
و منهم الصدوق رحمه اللّه فإنّه قال اعتقادنا: «أنّ الأشياء على الإباحة حتّى يرد النهي».
و يظهر من هذا موافقة والده و مشايخه؛ لأنّه لا يعبّر بمثل هذه العبارة مع مخالفته لهم، بل ربّما يقول الذي اعتقده و أفتى به و استظهر من عبارته هذه أنّه من دين الإماميّة.
و أمّا السيّدان فقد صرّحا ب «استقلال العقل بإباحة ما لا طريق إلى كونه مفسدة، و صرّحا أيضا في مسألة العمل بخبر الواحد أنّه متى فرضنا عدم الدليل على حكم الواقعة رجعنا فيها إلى حكم العقل».
و أمّا الشيخ قدّس سره فإنّه و إن ذهب وفاقا لشيخه المفيد رحمه اللّه إلى:
«أنّ الأصل في الأشياء من طريق العقل الوقف، إلاّ أنّه صرّح في العدّة بأنّ حكم الأشياء من طريق العقل و إن كان هو الوقف لا يمتنع أن يدلّ دليل سمعي على أنّ الأشياء على الإباحة بعد أن كانت على الوقف، بل عندنا الأمر كذلك و إليه نذهب»(1)انتهى.
و أمّا من تأخّر عن الشيخ رحمه اللّه كالحلبي و العلاّمة و المحقّق و الشهيدين و غيرهم فحكمهم بالبراءة يعلم من مراجعة كتبهم، و بالجملة لا نعرف قائلا معروفا بالاحتياط و إن كان ظاهر المعارج نسبته إلى جماعة.
ثمّ إنّه ربّما نسب إلى المحقّق قدّس سره رجوعه عمّا في المعارج إلى ما في المعتبر من التفصيل بين ما يعم به البلوى و غيره، و أنّه لا يقول بالبراءة في الثاني، و سيجيء الكلام في هذه النسبة بعد ذكر الأدلّة إن شاء اللّه.
و ممّا ذكرنا يظهر أنّ تخصيص بعض القول بالبراءة بمتأخّري الإمامية مخالف للواقع و كأنّه ناش عمّا رئي من السيّد رحمه اللّه و الشيخ رحمه اللّه من التمسّك بالاحتياط في كثير من الموارد.
و يؤيّده ما في المعارج من نسبة القول: «برفع الاحتياط على الإطلاق إلى جماعة».
1) عدّة الأصول: ص 296.
الثاني: الإجماعات المنقولة و الشهرة المحقّقة، فإنّها قد تفيد القطع بالاتفاق و ممّن استظهر منه دعوى ذلك الصدوق رحمه اللّه في عبارته المتقدّمة عن اعتقاده.
و ممّن ادّعى اتّفاق المحصّلين عليه الحلّي في أوّل السرائر حيث قال بعد ذكر الكتاب و السنّة و الإجماع: «إنّه إذا فقدت الثلاثة فالمعتمد في المسألة الشرعيّة عند المحقّقين الباحثين عن مأخذ الشريعة التمسّك بدليل العقل» (1)انتهى.
و مراده بدليل العقل كما يظهر من تتبّع كتابه هو أصل البراءة.
و ممّن ادّعى إطباق العلماء المحقّق في المعارج في باب الاستصحاب:
«و عنه في المسائل المصريّة أيضا في توجيه نسبة السيّد إلى مذهبنا جواز إزالة النجاسة بالمضاف مع عدم ورود نص فيه أن من أصلنا العمل بالأصل حتى يثبت الناقل و لم يثبت المنع عن إزالة النجاسة بالمائعات».
فلولا كون الأصل إجماعيّا لم يحسن من المحقّق قدّس سره جعله وجها لنسبة مقتضاه إلى مذهبنا.
و أمّا الشهرة فإنّما تتحقّق بعد التتبّع في كلمات الأصحاب، خصوصا في الكتب الفقهيّة.
و يكفي في تحقّقها ذهاب من ذكرنا من القدماء و المتأخّرين.
1) السرائر: ص 3.
الثالث: الإجماع العملي الكاشف عن رضاء المعصوم (1) فإنّ سيرة المسلمين من أوّل الشريعة بل في كلّ شريعة على عدم الالتزام و الإلزام بترك ما يحتمل ورود النهي عنه من الشارع بعد الفحص و عدم
الشرح
(1) قد يناقش في جواز التمسّك بالسّيرة في المقام من حيث عدم العلم بتحقّقها من المتديّنين، مضافا إلى عدم العلم بتحقّق شرائط كشفها عن تقرير المعصوم عليه السلام، كيف و يكفي في الردع أخبار التوقّف و الاحتياط فلا يتم الاستناد إليها إلاّ بعد منع دلالتها، و لا خلاف في البراءة على التقدير المذكور، و أمّا القول بأنّ بناء الشرع على تبليغ المحرّمات دون المباحات، و ليس ذلك إلاّ من جهة عدم حاجة الإباحة إلى البيان و كفاية عدم العلم بالتحريم في الحكم بالرخصة سيّما بملاحظة ما روي عنه صلّى اللّه عليه و آله في حجّة الوداع، فهو كما ترى إذ يتوجّه عليه مضافا إلى أنّ بناء الشرع على تبليغ جميع الأحكام من غير فرق بين التحريم و الإباحة أنّ ذلك إنّما يفيد فيما لو كان عدم العلم بالتحريم دليلا على الإباحة الواقعيّة لا على الإباحة العقليّة الظاهريّة فتدبّر.
و أمّا ما أفاده المحقّق قدّس سره في بيان اتّفاق أهل الشرائع على عدم تخطئة من بادر إلى تناول المشتبهات بل المحرّمات عن جهل فلم يعلم له معنى محصّل، إذ مبادرتهم إلى تناول المحرّمات من دون فحص غير مجوّزة بالاتّفاق فكيف يكفّون عن نهيهم عنه مع عدم جوازه في حقّهم حتّى على القول بالبراءة، إلاّ إذا فرض غفلتهم عن إلزام العقل بوجوب الفحص بحيث يرتفع عنهم التقصير إذا لم نقل بوجوب تنبيههم على ذلك، و أمّا ما أفاده شيخنا قدّس سره في ردّه فيراد به أنّ تقرير أهل الشرائع إنّما هو من جهة ما ارتكز في عقولهم مع عدم حكم الشارع بوجوب الاحتياط فلا يثبت بذلك إلاّ الأصل في المسألة، فلا يكون الاتّفاق المذكور من أدلّة المسألة بل هو نظير حكم العقل الآتي فتدبّر.
الوجدان، و أنّ طريقة الشارع كانت تبليغ المحرّمات دون المباحات، و ليس ذلك إلاّ لعدم احتياج الرخصة في الفعل إلى البيان و كفاية عدم النهي فيها.
قال المحقّق رحمه اللّه على ما حكي عنه: «إنّ الشرائع كافّة لا يخطئون من بادر إلى تناول شيء من المشتبهات، سواء علم الإذن فيها من الشرع أم لم يعلم، و لا يوجبون عليه عند تناول شيء من المأكول و المشروب أن يعلم التنصيص على إباحة و يعذرونه في كثير من المحرّمات إذا تناولها من غير علم، و لو كانت محظورة لأسرعوا إلى تخطئته حتّى يعلم الإذن»(1)انتهى.
أقول: إن كان الغرض ممّا ذكر من عدم التخطئة بيان قبح مؤاخذة الجاهل بالتحريم فهو حسن مع عدم بلوغ وجوب الاحتياط عليه من الشارع، لكنّه راجع إلى الدليل العقلي الآتي و لا ينبغي الاستشهاد له بخصوص أهل الشرائع، بل بناء كافّة العقلاء و إن لم يكونوا من أهل الشرائع على قبح ذلك.
و إن كان الغرض منه أنّ بناء العقلاء على تجويز الارتكاب مع قطع النظر عن ملاحظة قبح مؤاخذة الجاهل حتّى لو فرض عدم قبحه لغرض العقاب من اللوازم القهريّة لفعل الحرام مثلا أو فرض المولى في التكاليف العرفيّة ممّن يؤخذ على الحرام و لو صدر جهلا لم يزل بناؤهم على ذلك فهو مبنيّ على عدم وجوب دفع الضرر المحتمل، و سيجيء الكلام فيه إن شاء اللّه.
الرابع: من الأدلّة حكم العقل بقبح العقاب على شيء (1) من دون بيان التكليف
و يشهد له حكم العقلاء كافّة بقبح مؤاخذة المولى عبده على فعل ما
الشرح
(1) لا إشكال في استقلال العقل في ذلك و حكمه حكما ضروريّا بقبح مؤاخذة
1) معارج الأصول: ص 205.
........
الشرح
المولى عبده على مخالفة ما يريده منه، سواء لم يبيّنه له أصلا لمصلحة أو لا، لها، أو بيّنه و لم يطّلع عليه بعد الفحص عنه بقدر وسعه كما في الشبهات الحكميّة أو مطلقا كما في الشبهات الموضوعيّة، و إن كان الأمر أوضح فيما لم يبيّنه له أصلا كما لا يخفى، و إن كان بحسب مناط التقبيح متّحدا حكما مع ما لو فرض فيه عدم وصول البيان الصادر إلى العبيد، و من هنا يستشهد لحكم المقام بحكم العقلاء كافّة بقبح المؤاخذة في الصّورة الأولى.
ثمّ إنّه كما لا إشكال في حكم العقل بما عرفت، كذلك لا إشكال في حكمه بوجوب دفع الضرر المحتمل الأخروي و هو العقاب و هو المناط في حكمه في موارد كثيرة مثل النظر في معجزة من يدّعي النبوّة، و الفحص عن الحكم في موارد احتمال وجوده في الشبهات الحكميّة، و وجوب الاحتياط في صور الشك في المكلّف به في موارد اشتباه الحكم أو الموضوع كما في الشبهة المحصورة، إلى غير ذلك، إنّما الكلام في صلاحيّته بيانا للتكليف المحتمل في محل البحث، فيكون واردا على قاعدة القبح بتوهم أنّ البيان الصالح للعقاب الرافع لموضوع حكم العقل المذكور أعمّ من الواقعي و الظاهري و من الشرعي و العقلي، و من هنا اتّفقوا على صحّة عقاب الكافر بل مطلق الجاهل مع التقصير، و ليس ذلك إلاّ من جهة صلاحيّة حكم العقل المذكور لرفع العذر و قطعه، فإذا سلّم حكم العقل بذلك فيكون مصحّحا للعقاب على الواقع المحتمل فيكون بيانا له و رافعا لموضوع حكم العقل في قاعدة قبح العقاب من غير بيان.
و من هنا قد يناقش فيما أفاده قدس سرّه في الكتاب بقوله و دعوى أنّ حكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل بيان إلى آخره بأنّ الغرض من منع كونه بيانا إن كان منع كونه دليلا على الحكم الشرعي و طريقا إليه فهو مستقيم، إلاّ أنّ البيان الرافع لموضوع حكم العقل المذكور ليس منحصرا فيه و إن كان منع صلاحيّته
........
الشرح
لتنجّز الخطاب بالنسبة إلى الواقع المحتمل و صلاحيّته للمؤاخذة على مخالفته فهو غير مستقيم؛ لما عرفت من صلاحيّته لذلك كما فيما عرفت من الموارد و المواضع المسلّمة التي لا محيص عن الالتزام فيها بما ذكر.
و أمّا ما أفاده من أنّ الحكم المذكور على تقدير ثبوته ليس بيانا للتكليف المجهول المعاقب عليه و إنّما هو بيان لقاعدة كليّة ظاهريّة و إن لم يكن في مورده تكليف في الواقع فيتوجّه عليه بأنّ الحكم المذكور على تقدير ثبوته كما هو الشأن في جميع موارد ثبوته لا يصلح إلاّ بيانا للتكليف المجهول، ضرورة كونه إرشاديّا صرفا لا يترتّب عليه إلاّ العقاب المحتمل على تقدير ثبوت الواقع في مورده، و لا يكون حكما شرعيّا مولويّا ظاهريّا، هذا مع أنّه على تقدير كونه قاعدة ظاهريّة يترتّب عليه تنجّز الخطاب بالنسبة إلى الواقع المحتمل في مورده قطعا سواء قلنا بالعقاب على مخالفة الأحكام الظاهريّة بالنظر إلى أنفسها أم لا كما هو التحقيق عندنا، فلو تمّت عوقب على مخالفة الواقع الثابت في موردها قطعا سواء قلنا بالعقاب على مخالفتها بالنظر إلى نفسها أم لا، فإذا كان مبنى منع ورود القاعدة على قاعدة القبح ما أفاده من منع صلاحيّة كونها بيانا بالنسبة إلى الواقع كما هو ظاهر ما أفاده بقوله فلا تصلح للورود على قاعدة القبح المذكور، بل قاعدة القبح واردة عليها عقيب قوله فلو تمّت عوقب على مخالفتها، توجّه عليه المناقشة لا محالة.
هذا و لكنّك خبير بفساد التوهّم المذكور فإنّ البيان الرافع لصغرى قاعدة القبح و إن كان أعمّ من البيان العقلي و لو كان ظاهريّا على ما ذكر في بيان التوهّم إلاّ أنّ قاعدة وجوب الدفع لا تجري في المقام حتّى نتكلّم في كونها بيانا؛ لأنّ إجراءها يتوقّف على تحقّق موضوعها و هو احتمال العقاب مع قطع النظر عن ملاحظة حكم العقل بوجوب الدفع، و احتمال العقاب مع قطع النظر عن ملاحظة حكم العقل بوجوب الدفع، و احتمال العقاب على مخالفة الحكم الإلهي الواقعي يتوقّف
........
الشرح
على أحد أمرين:
أحدهما: وجود البيان بالنسبة إليه و لو في مرحلة الظاهر.
ثانيهما: ترك الفحص عنه عند احتمال الوقوف عليه بالفحص.
و ليس شيء منهما متحقّقا في محلّ البحث، أمّا الثاني فظاهر، حيث إنّ المفروض الحكم بالترخيص بعد الفحص عن وجود الدليل على الحرمة، و أمّا الأوّل فلأنّ المفروض عدم وجود بيان من الخارج بالنسبة إلى التحريم المحتمل، فينحصر الأمر في جعل نفس حكم العقل بوجوب الدفع بيانا، و هو لا يصلح له جدّا بعد توقّفه عليه؛ للزوم الدور الظاهر، فجعل القاعدة بيانا و رافعا لموضوع قاعدة القبح و واردة عليها دوريّ فيختصّ جريانها بموارد وجود البيان بالنسبة إلى الواقع كمواضع العلم الإجمالي بالتكليف المنجّز، أو موارد احتمال العقاب من دون بيان كمواضع احتمال التكليف الإلزامي من دون فحص في موارد الشكّ في الحكم الكلّي.
و من هنا اتّفقوا على وجوب النظر في معجزة مدّعي النبوّة من حيث احتمال الضرر في تركه، فتبيّن ممّا ذكرنا كلّه أنّ القاعدة لا تصلح مانعة من جريان قاعدة القبح و التمسّك بها في المقام، و هذا البيان كما ترى تمام لا يحتاج إلى جعل قاعدة القبح واردة على قاعدة وجوب الدفع و إن كان الأمر كذلك في نفس الأمر من حيث إنّ عدم احتمال العقاب على الواقع المحتمل بعد الفحص في مظانّ وجوده و اليأس عنه مستند إلى حكم العقل بقبح العقاب من دون بيان، و لا يتوجّه عليه لزوم الدور أصلا حتّى قيل بتعاكس الدورين مع امتناعه؛ ضرورة أنّ عدم العلم بالتحريم لا يستند إلى حكم العقل بقبح العقاب من دون بيان، و هذا بخلاف احتمال العقاب فإنّه لا بدّ أن يستند إلى حكم العقل بوجوب الدفع على تقدير إجزائه و الاستناد إليه، و يشهد لما ذكرنا مع وضوح أمره أنّ توهّم ورود القاعدة على قاعدة قبح العقاب من غير بيان يوجب رفع اليد عن القاعدة رأسا و عدم العمل
يعترف بعدم إعلامه أصلا بتحريمه.
و دعوى أنّ حكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل بيان عقلي فلا يقبح بعده المؤاخذة مدفوعة بأنّ الحكم المذكور على تقدير ثبوته لا يكون بيانا للتكليف المجهول المعاقب عليه و إنّما هو بيان لقاعدة كلّية ظاهريّة و إن لم يكن في مورده تكليف في الواقع، فلو تمّت عوقب على مخالفتها و إن لم يكن تكليف في الواقع لا على التكليف المحتمل على فرض وجوده فلا
الشرح
بها في مورد من الموارد، و هذا بخلاف العكس فإنّ موارد إعمال قاعدة وجوب الدفع على ما عرفته لا تحصى كثرة هذا.
و إن شئت قلت إنّ كبرى القاعدتين عقليّة قطعيّة يحكم العقل بها على سبيل البداهة و الضرورة، فكلّ مورد يحكم بعدم جريان إحداهما فلا بدّ أن يستند إلى عدم الموضوع، و الصغرى، ضرورة امتناع طريان التخصيص في الأحكام العقليّة، و قد عرفت عدم تحقّق احتمال العقاب في المقام و محلّ البحث، نعم البيان الصّالح لرفع موضوع القاعدة هو حكم الشارع بوجوب الاحتياط في موارد احتمال الحكم بالوجوب الظاهري الشرعي على ما ستقف على شرح القول فيه عن قريب، و أمّا ما أفاده شيخنا قدّس سرّه بقوله المتقدّم: (فلو تمّت عوقب على مخالفتها) إلى آخره، فقد يوجّه بأنّ المراد من تماميّتها بعد البناء على عدم صلاحيّتها للبيان بالنسبة إلى الواقع المحتمل من حيث لزوم الدور المحال لا معنى لها إلاّ بجعلها حكما ظاهريّا و طلبا نفسيّا يعاقب على مخالفته من غير أن يكون بيانا بالنسبة إلى الواقع، مع أنّ هذا المعنى ممّا لا يمكن الالتزام به بالنسبة إلى القاعدة المبتنية على مجرّد الطلب العقلي الإرشادي، فهذا القول في مقام الاعتراض و إلزام الخصم بما يكون ظاهر الفساد، هذا و قد مضى شطر من الكلام فيما يتعلّق بالمقام في الجزء الأوّل من التعليقة عند الكلام على الاستدلال بحجيّة الظنّ يدفع الضرر المظنون، و لعلّه يأتي بعض الكلام فيه في الشبهة الموضوعيّة.
تصلح القاعدة لورودها على قاعدة القبح المذكورة، بل قاعدة القبح واردة عليها لأنّها فرع احتمال الضرر أعني العقاب، و لا احتمال بعد حكم العقل بقبح العقاب من غير بيان، فمورد قاعدة دفع العقاب المحتمل هو ما ثبت العقاب فيه ببيان الشارع للتكليف فتردّد المكلّف به بين أمرين كما في الشبهة المحصورة و ما يشبهها، هذا كلّه إن أريد بالضرر العقاب.
و إن أريد مضرّة أخرى (1) غير العقاب التي لا يتوقّف ترتّبها على العلم
الشرح
(1) قد عرفت في مطاوي كلماتنا السابقة أنّ الأحكام الشرعيّة على مذهب العدليّة مبنيّة على الجهات الكامنة في أفعال المكلّفين من المصالح و المفاسد بحيث لا تعلّق للعلم بالحكم في وجودها أصلا، فاحتمال التحريم لا ينفكّ عن احتمال الضرر و المفسدة في الفعل، كما أنّ الظنّ به ظنّ بها و العلم به علم بها سواء كانت دنيويّة أو دينيّة غير العقاب، فوجود هذا الضرر كنفس الحكم الشرعي المعلول له مقدّم على العلم و البيان لا تعلّق له فيه أصلا، فإن سلّم حكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل الدنيوي و لو كان موهوما لم يصلح قاعدة القبح للورود عليه، بل هو وارد عليها و رافع لموضوعها كما هو ظاهر، و المستفاد من كلامه في المنع عن مزاحمة الحكم المذكور للقاعدة وجهان:
أحدهما: المنع من استقلال العقل في الحكم بلزوم دفع الضرر الدنيوي المحتمل، كيف و لو بني عليه لكان مشترك الورود في المقام بالبيان الذي ستقف عليه، مضافا إلى ورود النقض على الأخباري بالشبهة الوجوبيّة و الموضوعيّة، و إنّما المسلّم حكم العقل و الشرع بقبح الإقدام على المضرّ الدنيوي و تحريم ارتكابه، فالمحرّم هو مفهوم الإضرار و صدقه في مورد الشكّ في الحكم الشرعي مشكوك كالشكّ في صدق المسكر المعلوم الحرمة على المائع الخاص، و في الشبهة الموضوعيّة لا يجب الاحتياط باعتراف الأخباريّين، فليس هنا ما يقتضي وجوب
فهو و إن كان محتملا لا يرتفع احتماله بقبح العقاب من غير بيان، إلاّ أنّ الشبهة من هذه الجهة موضوعيّة لا يجب الاحتياط فيها باعتراف الأخباريين، فلو ثبت وجوب دفع المضرّة المحتملة لكان هذا مشترك الورود، فلا بدّ على كلا القولين، إمّا من منع وجوب الدفع، و إمّا من دعوى ترخيص الشارع و إذنه فيما شكّ في كونه من مصاديق الضرر، و سيجيء توضيحه في الشبهة الموضوعيّة إن شاء اللّه تعالى.
الشرح
دفع الضرر المحتمل حتّى يكون بيانا بالنسبة إلى الواقع و رافعا لموضوع قاعدة القبح، فالضرر و إن كان محتملا عند احتمال التحريم إلاّ أنّه لا يجب دفعه.
ثانيهما: أنّ حكم العقل بلزوم دفع الضرر سواء كان أخرويّا أو دنيويّا، و سواء كان معلوما أو مظنونا أو مشكوكا أو موهوما على تقدير تسليم حكمه بالنسبة إلى جميع مراتب الضرر مقيّد بعدم تداركه من جانب الشارع، كيف و قد يؤذن في الإقدام على الضرر المعلوم، بل يؤمر به، فالواجب هو دفع الضرر الغير المتدارك، و لمّا كان الإذن مع التدارك بالنسبة إلى الضرر الأخروي ممّا لا معنى له فكلّما ثبت إذن من الشارع في فعل فلا محالة يكشف عن عدم الضرر الأخروي بالنسبة إليه، و أمّا الضرر الدّنيوي فلمّا كان مجامعا للتدارك، فكلّما ورد إذن من الشارع في مورده فيكشف عن التدارك بالنسبة إليه فيرتفع موضوع حكم العقل بوجوب الدفع و لو باعتبار قيده، فإذا حكم الشارع بإباحة ما لم يعلم حرمته فيكشف منه تدارك المفسدة فيه على تقدير حرمته في نفس الأمر.
هذا بعض الكلام فيما يتعلّق بالمقام، و قد أسمعناك شرحه في الجزء الأوّل من التعليقة، و لكنّ الجواب عن عدم ورود حكم العقل في باب الضرر الدنيوي على قاعدة القبح هو الوجه الأوّل حقيقة، و أمّا الوجه الثاني فيتوقّف على التمسّك بذيل الدليل النقلي على البراءة، و معه لا حاجة إلى التمسّك بقاعدة القبح، و بدونه يكون حكم العقل واردا عليها كما لا يخفى.
ثمّ إنّه ذكر السيّد أبو المكارم قدّس سره في الغنية: «أنّ التكليف بما لا طريق إلى العلم به تكليف بما لا يطاق» و تبعه بعض من تأخّر عنه، فاستدلّ به في مسألة البراءة، و الظاهر أنّ المراد به ما لا يطاق الامتثال به (1) و إتيانه بقصد الطاعة، كما صرّح به جماعة من الخاصّة و العامّة في دليل اشتراط التكليف بالعلم، و إلاّ فنفس الفعل لا يصير ممّا لا يطاق بمجرّد عدم العلم بالتكليف به.
الشرح
(1) لا يخفى عليك أنّ توجيه كلامهم بما أفاده و تنزيله عليه مع الغضّ عمّا يتوجّه عليه كما ستقف عليه موجب لتخصيص محلّ كلامهم بما يعتبر في صحّته و سقوط الأمر المتعلّق به الامتثال و الإطاعة، ضرورة عدم جريان التوجيه المذكور في التوصّليات التي لا يطلب فيها إلاّ نفس الفعل، فيخرج غالب صور محلّ البحث عنه، بل كثير من صور الشّكّ في الحكم الشرعيّ عنه حتّى الشبهة الوجوبيّة، فإنّ محلّ الكلام في مسائل هذه المباحث لا يختصّ بالتعبّديّات، كيف و لم يجدوا مثالا للحرام التعبّدي في الشرعيّات، مع أنّه لا معنى لتخصيص البحث بالتعبّدي كما هو ظاهر، فقد ظهر ممّا ذكرنا ما يتوجّه على الشق الأوّل من وجهي المناقشة في التوجيه المذكور، فإنّه لو كان التكليف المحتمل من التعبّديات على تقدير ثبوته لم يحتمل كون الغرض منه مجرّد صدور الفعل و لو بدون قصد الإطاعة رأسا، و إن كان توصّليّا على تقدير ثبوته لم يكن الغرض منه إلاّ ذلك، فالاحتمال المذكور ساقط على كلّ تقدير، و فرض الكلام فيما تردّد أمره بين التوصّلي و التعبّدي على تقدير ثبوته فيحمل كون الغرض منه مجرّد صدور الفعل نظرا إلى احتمال كونه توصّليّا كما ترى؛ إذ هو موجب لتخصيص محلّ البحث بفرد نادر على تقدير وقوعه فتدبّر.
و أمّا الشق الثاني و الوجه الآخر منهما و هو كون الغرض من التكليف العمل
........
الشرح
بمقتضاه و تحصيل متعلّقه في الخارج بداعي احتمال كونه مطلوبا مع الشّك فيه، فلا يتوجّه عليه شيء عند التأمّل، فإنّ غاية ما يرد عليه ما أفاده شيخنا الأستاذ العلاّمة بقوله في دفع الاحتمال المذكور و إفساده بأنّه إن قام دليل على وجوب إتيان الشاك في التكليف بالفعل لاحتمال المطلوب عليه أغنى ذلك عن التكليف بنفس الفعل، و إلاّ لم ينفع التكليف المشكوك في تحصيل الغرض المذكور إلى آخر ما أفاده، و هو كما ترى فإنّه يتوجّه عليه على تقدير قيام الدليل على وجوب الإتيان أو الترك لاحتمال الوجوب أو التحريم الواقعيّين بحيث يجعل الداعي احتمال التكليف مثل ما دلّ على وجوب الاحتياط على تقدير القول بدلالته عليه أنّه كيف يغني ذلك عن التكليف الواقعي مع أنّه يترتّب عليه آثار و ثمرات غير ما يترتّب على مجرّد الحكم الظاهري، بل التحقيق استحالة إغنائه عنه و عدم إمكانه مع كونه متفرّعا عليه كما هو الشأن في جميع الأحكام الظاهريّة بالنسبة إلى الأحكام الواقعيّة الثابتة في مواردها، فإنّه لا معنى لالتزام تأثير الحكم الظاهري في رفع الحكم الواقعي الثابت في مورده غير فرق بين وجوب الاحتياط و غيره من الأحكام الظاهريّة، و على تقدير عدم قيام الدليل عليه في محلّ البحث كما هو الحقّ عندنا مع احتماله يحكم بعدم وجوب العمل بمقتضى التكليف المحتمل من حيث قبح العقاب من غير بيان لا من حيث قبح التكليف بما لا يطاق، كيف و لا إشكال في حسن الاحتياط و رجحانه و لا خلاف من أحد فيه، و الأخبار المتضافرة ناطقة به، مضافا إلى دلالة الكتاب و العقل عليه، مع أنّه لا فرق في قبح التكليف بما لا يطاق بين التكليف الوجوبي و الاستحبابي اتفاقا فيكشف ذلك عن بطلان الاستناد في المقام إلى قاعدة قبح التكليف بما لا يطاق.
و ممّا ذكرنا كلّه يظهر أنّ ما أفاده بعد القول المتقدّم بقوله: (و الحاصل أنّ التكليف المجهول) إلى آخره لا محصّل له؛ حيث إنّ المستند للقضيّة المذكورة
........
الشرح
يعني عدم صلاحيّة التكليف المشكوك لحمل المكلّف بالعمل بمقتضاه إنّما هو ما ارتكز في العقل من قبح العقاب من غير بيان، أو ما دلّ من النقل على البراءة في مورد البحث، و أين هذا من قبح التكليف بما لا يطاق، و الحاصل أنّه إن كان المراد من عدم إمكان الامتثال في موارد الشك في التكليف عدم إمكان الإتيان بالفعل بداعي الأمر المحقّق بحيث يقصد من الفعل امتثاله فهو أمر مسلّم لا نزاع فيه أصلا، إلاّ أنّ أحدا لم يتوهّم القول بوجوب الفعل أو الترك في محلّ البحث بهذا العنوان، و إن كان المراد منه عدم إمكان الامتثال رأسا و بالنسبة إلى جميع مراتبه حتّى الاحتمالي منها فهو ممنوع جدّا، كيف و الوجدان يشهد بخلافه، و إن كان المراد أنّ التكليف الواقعي المحتمل لا يدلّ على وجوب الإتيان بالفعل بداعي احتمال المطلوبيّة فيتوجّه عليه أنّ أحدا لم يدّع ذلك، كيف و التكليف المعلوم لا يقتضي ذلك و لا يدلّ عليه؛ ضرورة أنّ وجوب الامتثال و إطاعة الأحكام الشرعيّة متأخّر عن الحكم الشرعي و متفرّع عليه، فلا يعقل دلالة إنشاء الحكم عليه، و من قال بوجوب الاحتياط لم يقل به من جهة دلالة نفس التكليف المحتمل عليه، مع أنّه على تقدير كون وجوب الامتثال من مداليل إنشاء الحكم و الغضّ عن عدم إمكانه لا يمكن القول به مع الشك فيه؛ ضرورة قضيّة تبعيّة المدلول للدّليل، الشكّ فيه مع الشكّ في الدّليل، لا الجزم به مع الشك فيه.
هذا كلّه مضافا إلى أنّ اللازم من التوجيه المذكور الالتزام بسقوط الاحتياط رأسا حتّى فيما قام الإجماع عليه، فإنّ الدليل العقلي لا يقبل التخصيص بإجماع و غيره، و قيام الدليل على وجوبه لا يخرجه عن حقيقته، فهذه مفسدة أخرى لما أفاده من التوجيه، فقد تبيّن ممّا ذكرنا كلّه أنّ ما أفاده السيّد و من تبعه من الاستدلال على حكم المقام لا محصّل له عند التأمّل فيغلب على الظنّ كون مراد السيّد قدّس سرّه ممّا ذكره نفي التكليف عن الغافل بقرينة ذكر ذلك في دليل اشتراط العلم للتكليف في قبال الغفلة عن التكليف رأسا، فتأمّل.
و احتمال: «كون الغرض من التكليف مطلق صدور الفعل - و لو مع عدم قصد الإطاعة أو يكون الغرض من التكليف مع الشك فيه إتيان الفعل لداعي حصول الانقياد بقصد الإتيان بمجرّد احتمال كونه مطلوبا للأمر، و هذا ممكن من الشاك و إن لم يمكن من الغافل» - مدفوع بأنّه إن قام دليل على وجوب إتيان الشاك في التكليف بالفعل لاحتمال المطلوبيّة أغنى ذلك عن التكليف بنفس الفعل، و إلاّ لم ينفع التكليف المشكوك في تحصيل الغرض المذكور.
و الحاصل: أنّ التكليف المجهول لا يصح لكون الغرض منه الحمل على الفعل مطلقا و صدور الفعل من الفاعل أحيانا لا لداعي التكليف لا يمكن أن يكون غرضا للتكليف.
و اعلم أنّ هذا الدليل العقلي كبعض (1) ما تقدّم من الأدلّة النقليّة معلّق على عدم تماميّة أدلّة الاحتياط فلا يثبت به إلاّ الأصل في مسألة البراءة، و لا يعد من أدلّتها بحيث يعارض أخبار الاحتياط.
منها: استصحاب البراءة المتيقّنة حال الصغر و الجنون.
الشرح
(1) لا إشكال فيما أفاده من كون الدليل المذكور بمنزلة الأصل في المسألة كبعض ما دلّ على البراءة من الأدلّة النقلية المتقدّمة بالنسبة إلى جميع ما يفرض من الأخبار الدالة على وجوب الاحتياط بالوجوب الظاهري الشرعي في محتمل التحريم، إلاّ أنّه مجرّد فرض غير واقع؛ لما ستقف عليه من عدم دلالة خبر من الأخبار على هذا المعنى.
و فيه: أنّ الاستدلال به مبنيّ (1) على اعتبار الاستصحاب من باب الظن، فيدخل أصل البراءة بذلك في الأمارات الدالّة على الحكم الواقعي دون الأصول المثبتة للأحكام الظاهريّة، و سيجيء عدم اعتبار الاستصحاب من باب الظن إن شاء اللّه.
الشرح
(1) الاستدلال بالاستصحاب في المقام سواء قيل به من باب الظنّ أو التعبّد مبنيّ على الإغماض ممّا عرفت من الأدلّة النقلية و العقليّة على البراءة أو عدم تماميّتها عند المستدلّ بالاستصحاب، و إلاّ فلا معنى للاستدلال به في المقام حتّى على القول باعتباره من باب الظنّ و إثباته جميع ما لا ينفكّ من المستصحب من اللوازم و المقارنات؛ لما عرفت إجمالا و ستعرف تفصيلا في باب الاستصحاب إن شاء اللّه تعالى من اختصاص جريانه بما ترتّب الأثر المقصود إتيانه بالاستصحاب على المشكوك، أو لازمه لا على نفس الشك و عدم العلم، و إلاّ لم يكن معنى لجريان الاستصحاب بالنسبة إليه، فإذا فرض استقلال العقل بنفي المؤاخذة عند عدم العلم بالتكليف لم يكن معنى لاستصحاب عدم المنع و البراءة في حال الصغر المترتّب عليه عدم استحقاق العقوبة بواسطة إثبات الإذن بالواسطة فتدبّر.
ثمّ إنّ حاصل ما أفاده شيخنا قدّس سره في الاعتراض على المتمسّك باستصحاب البراءة و عدم التكليف الثابت في حال الصغر يرجع إلى وجهين:
أحدهما: أنّ الاستصحاب المذكور بناء على القول به من باب الأخبار و التعبّد غير جار من حيث إنّ المقصود به نفي المؤاخذة و استحقاق العقوبة في الزمان اللاحق، و لا يمكن ترتّبه عليه جزما؛ نظرا إلى عدم كونه من الأحكام الشرعيّة القابلة للجعل و التشريع، و قد عرفت إجمالا مرارا و ستعرف تفصيلا في باب الاستصحاب أنّه لا يترتّب على الاستصحاب بناء على الأخبار إلاّ ما كان من الأحكام و المحمولات الشرعيّة الأوليّة للمستصحب، فلا يترتّب عليه ما لا يكون
........
الشرح
من الأحكام الشرعيّة من الأحكام و اللوازم العقليّة أو العاديّة و العرفيّة، أو ما كان من الأحكام الشرعيّة الغير المحمولة على المستصحب بالحمل الأوّلي بل بالحمل الثانوي و بواسطة لازم غير شرعيّ للمستصحب سواء كان بواسطة أو بوسائط، فإذا لم يكن الأثر المذكور ممّا يقبل تعلّق الجعل به - و المفروض أنّ الأخبار الواردة في باب الاستصحاب من مقولة الإنشاء لا الإخبار - فلا محالة يكون احتمال العقاب موجودا، فيحكم العقل بلزوم الاحتياط ما دام الاحتمال باقيا، فلا بدّ من التمسّك بذيل قاعدة القبح من غير بيان أو غيرها من أدلّة البراءة لنفي الاحتمال المذكور، و هذا معنى قوله إنّ المطلوب هو القطع في الزمان اللاحق بعدم العقاب و هو لا يترتّب على الاستصحاب المذكور.
و منه يظهر أنّه كما لا يمكن إثبات عدم العقاب بالاستصحاب المذكور كذلك لا يمكن إثبات الإذن بالاستصحاب المذكور حتّى يترتّب على ثبوته القطع بعدم العقاب من حيث منافاته للعقوبة في حكم العقل، فإنّ الإذن في الفعل و إن سلّم كونه أمرا شرعيّا إلاّ أنّه ليس من أحكام المستصحب و محمولاته الشرعيّة، و إنّما هو لا ينفكّ عنه في حكم العقل من حيث إنّ عدم المنع عن الفعل في اللاحق ملازم لكونه مرخّصا فيه من جهة العلم بعدم خلوّ الواقعة عن أحد الحكمين أعني المنع أو الترخيص، فهو من إثبات أحد الضدّين بنفي الآخر بالأصل.
فإن قلت: لم لا تجعل المستصحب نفس الإذن و الترخيص الثابت في السّابق و تجعله ما يلازمه بحكم العقل حتّى يلزمه التعويل على الأصل المثبت، فلا إشكال في ثبوت الإذن في السابق كما أنّه لا إشكال في ترتّب القطع بعدم العقاب عليه؛ لأنّ الإذن الشرعي و لو كان في مرحلة الظاهر ينافي العقاب في حكم العقل قطعا، فثبوته الظاهري يلازم عدمه في مرحلة الواقع، و ليس هناك تعويل في نفس العقاب على الاستصحاب حقيقة، و إنّما التعويل على القطع بعدمه نظرا إلى المقدّمة المذكورة.
........
الشرح
قلت: لا معنى لاستصحاب الإذن و الإباحة في المقام جدّا، فإنّ المراد من الترخيص المستصحب إن كان هو الواقعي منه على ما هو معنى استصحابه ففيه أنّه لا قطع بثبوته في السابق، و إن قلنا ثبوت الأحكام الغير الإلزاميّة في حقّ الصغير في الجملة إذ المفروض احتمال حرمة الموضوع في الشريعة و الثابت في حقّ الصغير في محرّمات الشريعة ليس إلاّ رفع قلم التكليف و المؤاخذة لا الإذن و الترخيص الشرعي كما هو ظاهر، و إن كان الظاهريّ منه الذي قضى بثبوته ما دلّ على إباحة غير معلوم الحرمة ففيه بعد الإغماض عن اختصاصه بالمكلّفين فلا معنى لإثبات مفاده و مقتضاه قبل التكليف كما هو ظاهر أنّه لا يعقل استصحابه للقطع بثبوته كما لا يخفى، فيرجع الأمر بالأخرة إلى التمسّك بدليل البراءة، فالتمسّك بالاستصحاب في المقام أشبه شيء بالأكل من القفا.
فإن شئت قلت: إنّ الثابت في السّابق مطلق الترخيص الذي ليس حكما شرعيّا، مضافا إلى أنّ ثبوته في السابق إنّما هو من جهة ثبوت التلازم بينه و بين نفي المنع، فليس ثبوته ثبوتا بعنوانه و مستقلاّ حتّى يجري فيه الاستصحاب فتأمّل.
فإن قلت: نفي العقاب في زمان الشكّ مترتّب على مجرّد ثبوت عدم المنع المستصحب؛ ضرورة أنّه يكفي في نفي الاستحقاق و لا يحتاج إلى إثبات الإذن فيه أصلا حتّى يتوجّه عليه ما ذكر، حيث إنّ الموجب لاستحقاق العقاب المعصية المترتّبة على المنع، فإذا حكم بعدمه في مرحلة الظاهر ثبت نفي العقاب عليه.
قلت: عدم المنع ليس حكما شرعيّا حتّى يحكم من جهة الحكم بثبوته على ترتّب جميع اللوازم عليه من الشرعيّة و العقليّة و غيرهما، و إلاّ كانت الأحكام عشرة لا خمسة، فلا يجدي الحكم بعدم المنع في مرحلة الظاهر في نفي العقاب.
فإن قلت: إنّ الإذن الذي يراد إثباته في المقام من استصحابه أو من استصحاب عدم المنع و البراءة من التحريم ليس الإذن الخاصّ المتحقّق في ضمن الأحكام
........
الشرح
الأربعة حتّى يمنع من ثبوته في السابق، أو يقال إنّ إثباته بالأصل من إثبات أحد الضدّين بنفي الآخر، بل الإذن العام الذي هو جنس للأحكام الأربعة، و المقصود و هو نفي العقاب في اللاحق يحصل بمجرّد إثبات الإذن بالمعنى الأعمّ.
قلت: ثبوت الإذن بالمعنى المذكور أيضا غير معلوم في الزمان السابق، كيف و لا وجود له إلاّ في ضمن الأحكام الخاصّة الأربعة، فإذا فرض عدم العلم بها في السابق فكيف يعلم بتحقّقه، مع أنّ الجنس لا وجود له إلاّ في ضمن الفصل، و كذلك إثباته باستصحاب عدم المنع لا يجوز قطعا؛ حيث إنّه ليس من محمولات المستصحب شرعا و إن لم يكن ضدّا للمنع، مع أنّ اتّصافه بالضّدين باعتبار ما يتحقّق في ضمنه من الحصص بالتبع و العرض ممّا لا غبار فيه أصلا كما لا يخفى، هذا كلّه بناء على القول بالاستصحاب من باب التعبّد و الأخبار، و أمّا على القول به من باب الظّنّ فلا إشكال في جواز التمسّك بالاستصحاب في المقام مع قطع النظر عمّا يتوجّه عليه في الوجه الثاني.
ثانيهما: أنّ الاستصحاب المذكور غير جار مطلقا من غير فرق بين القول به من باب التعبّد أو الظنّ لتغيّر موضوع المستصحب و عدم بقائه في الزمان اللاحق، حيث إنّ عدم المنع كان ثابتا في حقّ الصّغير و بوصف عدم البلوغ، نعم الأمر على القول به من باب الظّن أظهر من حيث توجّه هذا الاعتراض، فإنّه لا معنى لحصول الظّنّ بقسميه من النوعي و الشخصي مع تغيّر الموضوع، و أمّا على التعبّد فيكون دعوى صدق النقض بعد حكم العرف ببقاء الموضوع مسامحة بناء على الرجوع إليه في تميز الموضوع و تشخيصه على ما تسمعه في محلّه، و من هنا أمر قدّس سره بالتأمّل فإنّ إرجاعه إلى بعض ما تقدّم من الأسئلة على الوجه الأوّل ممّا لا وجه له أصلا كما لا يخفى.
و أمّا لو قلنا باعتباره من باب الأخبار الناهية عن نقض اليقين بالشك فلا ينفع في المقام؛ لأنّ الثابت بها ترتب اللوازم المجعولة الشرعيّة على المستصحب، و المستصحب هنا ليس إلاّ براءة الذمّة من التكليف و عدم المنع من الفعل و عدم استحقاق العقاب عليه، و المطلوب في الآن اللاحق هو القطع بعدم ترتب العقاب على الفعل أو ما يستلزم ذلك، إذ لو لم يقطع بالعدم و احتمل العقاب احتاج إلى انضمام حكم العقل بقبح العقاب من غير بيان إليه حتّى يأمن العقل عن العقاب، و معه لا حاجة إلى الاستصحاب و ملاحظة الحالة السابقة، و من المعلوم أنّ المطلوب المذكور لا يترتّب على المستصحبات المذكورة؛ لأنّ عدم استحقاق العقاب في الآخرة ليس من اللوازم المجعولة حتّى يحكم به الشارع في الظاهر.
و أمّا الإذن و الترخيص في الفعل فهو و إن كان أمرا قابلا للجعل و يستلزم انتفاء العقاب واقعا إلاّ أنّ الإذن الشرعي ليس لازما للمستصحبات المذكورة، بل هو من المقارنات، حيث إنّ عدم المنع عن الفعل بعد العلم إجمالا بعدم خلوّ فعل المكلّف عن أحد الأحكام الخمسة لا ينفكّ عن كونه مرخّصا فيه، فهو نظير إثبات وجود أحد الضدّين بنفي الآخر بأصالة العدم.
و من هنا تبيّن أنّ استدلال بعض من اعترف بما ذكرنا من عدم اعتبار الاستصحاب من باب الظن و عدم إثباته، إلاّ اللوازم الشرعيّة في هذا المقام باستصحاب البراءة منظور فيه.
نعم، من قال باعتباره من باب الظن أو أنّه يثبت بالاستصحاب من باب التعبّد كل ما لا ينفكّ عن المستصحب لو كان معلوم البقاء لو لم يكن من اللوازم الشرعيّة فلا بأس بتمسّكه به، مع أنّه يمكن النظر فيه بناء على ما سيجيء من اشتراط العلم ببقاء الموضوع في الاستصحاب و موضوع البراءة
في السابق، و مناطها هو الصغير الغير القابل للتكليف، فانسحابها في القابل أشبه بالقياس من الاستصحاب فتأمّل، و بالجملة فأصل البراءة أظهر - عند القائلين بها و المنكرين لها - من أن يحتاج إلى الاستصحاب.
و منها: أنّ الاحتياط عسر منفي وجوبه.
و فيه: أنّ تعسّره ليس إلاّ من حيث كثرة موارده (1) فهي ممنوعة؛ لأنّ مجراها عند الأخباريّين موارد فقد النص على الحرمة و تعارض النصوص من غير مرجّح منصوص، و هي ليست بحيث يفضي الاحتياط فيها إلى الحرج، و عند المجتهدين موارد فقد الظنون الخاصّة و هي عند الأكثر ليست بحيث
الشرح
(1) ما أفاده من استناد تعسّر الاحتياط في محلّ البحث إلى كثرة موارده المسبّبة عن كثرة الشبهات التحريميّة الحكميّة الممنوعة عند الأخباريّين القائلين بحجّيّة أكثر الأخبار، بل تمام الموجود في الكتب المعتمدة، و عند المجتهدين القائلين بانفتاح باب العلم كما عليه السيّد و أتباعه، أو بحجّيّة الظنون الخاصّة الكافية كما عليه أكثرهم، أو المطلقة من جهة عدم كفايتها مع اختلاف مشاربهم من حيث كون النتيجة حجيّة الظّن في الفروع أو الأصول أو هما معا كما عليه جمع من المتأخّرين منهم ممّا لا ينبغي الارتياب فيه، إلاّ أنّ ما أفاده قدّس سره بقوله و لو فرض بعضهم قلّة الظنون الخاصّة إلى آخره مبنيّ على ما سلكه القائلون بحجيّة مطلق الظّنّ من كون نتيجة دليل الانسداد هي حجيّة الظّنّ لا التبعيض في الاحتياط على ما عرفته من شيخنا قدّس سره.
و أمّا على ما سلكه فلا يلزم التعسّر من الاحتياط في المشكوكات أيضا لقلّتها، كما أنّه لا يلزم أيضا على ما سلكنا في نتيجة المقدّمات على تقدير تماميّتها من حجيّة خصوص الظنّ القوي الاطمئناني حسبما عرفت تفصيل القول فيه، فالاستدلال المذكور ساقط على كلّ قول في باب الطريق إلى الأحكام.
تؤدّي الاقتصار عليها و العمل فيما عداها على الاحتياط إلى الحرج، و لو فرض لبعضهم قلّة الظنون الخاصّة فلا بدّ من العلم بالظن الغير المنصوص على حجّيّته حذرا عن لزوم محذور الحرج، و يتّضح ذلك بما ذكروه في دليل الانسداد الذي أقاموه على وجوب التعدّي عن الظنون المخصوصة المنصوصة، فراجع.
و منها: أنّ الاحتياط قد يتعذّر، كما لو دار الأمر بين الوجوب و الحرمة.
و فيه ما لا يخفى (1)، و لم أر ذكره إلاّ في كلام شاذّ لا يعبأ به.
إحداهما: ما دلّ على النهي عن القول بغير علم، فإنّ الحكم بترخيص الشارع لمحتمل الحرمة قول عليه بغير علم و افتراء، حيث إنّه لم يؤذن فيه و لا
الشرح
(1) توجّه الإيراد إلى الوجه المذكور من الأمور الواضحة عند كلّ أحد، ضرورة أنّ محلّ الكلام في وجوب الاحتياط فيما أمكن فيه لا فيما لا يمكن فيه، فكيف يظنّ بأحد القول بوجوب الاحتياط في دوران الأمر بين المحذورين مع عدم إمكان الاحتياط فيه، و أمّا على القول بتقديم جانب احتمال التحريم فيه فليس من جهة الاحتياط، بل لما سيجيء من الوجه في محلّه، قال الشيخ الحرّ العاملي في باب وجوب التوقّف و الاحتياط بعد إيراد رواية الحجب ما هذا لفظه: «هذا مخصوص بالوجوب و أنّه لا يجب الاحتياط بمجرّد احتمال الوجوب، بخلاف الشّكّ في التحريم فيجب الاحتياط، و لو وجب الاحتياط في المقامين لزم التكليف بما لا يطاق إذ كثير من الأشياء يحتمل الوجوب و التحريم» انتهى كلامه رفع مقامه، و هو عجيب من مثله.
يرد ذلك على أهل الاحتياط (1)؛ لأنّهم لا يحكمون بالحرمة و إنّما يتركون لاحتمال الحرمة، و هذا بخلاف الارتكاب فإنّه لا يكون إلاّ بعد الحكم بالرخصة و العمل على الإباحة.
الشرح
(1) لا يخفى عليك أنّ استدلال الأخباري بالكتاب مع قوله بعدم حجيّة ظواهره إمّا من جهة صراحة الآيات المذكورة عنده، و إمّا من جهة الإلزام، و إمّا من جهة موافقتها للنقل فتدبّر.
ثمّ إنّ ظاهر سكوته عن توجّه هذا الإيراد و المعارضة في الجواب عن الاستدلال بهذه الطائفة من الآيات تسليم عدم وروده كما يظهر من بعض كلماته الآتية، مع أنّه لا إشكال في وروده كما هو صريح بعض كلماته الأخر التي ستمرّ عليك، ضرورة أنّ البحث مع الأخباري ليس إلاّ في حكم الشبهة التحريميّة لا في دواعي الترك و الفعل فإنّها ليست ممّا يعنون في الكتب و يتكلّم فيه العلماء، فلو كان القول بوجوب الترك من الأخباري قولا يعلم من جهة دليل وجوب الاحتياط كان القول بجواز الفعل من المجتهد اعتمادا على دليل البراءة قولا يعلم أيضا.
و بالجملة مفاد هذه الطائفة من الآيات ممّا لا ينكره أحد فإنّها تدلّ على قضيّة كليّة ثابتة عند كلّ أحد؛ لأنّها ممّا يحكم به ضرورة العقل، مضافا إلى تطابق الأدلّة الثلاثة عليه، فالمجتهد إنّما يحكم بالإباحة الظاهريّة لما دلّ عليها من الأدلّة القطعيّة من العقلية و النقليّة، فليس قولها بها قولا بغير علم فهو مثل قول الأخباري بوجوب الاحتياط في الشبهة التحريميّة الحكميّة بزعمه و قوله بالبراءة في الشبهة الوجوبيّة و الموضوعيّة مطلقا.
و ممّا ذكرنا يظهر المراد من قوله قدّس سره في الجواب الحلّي عن الطائفة الأولى فبأنّ فعل الشيء المشتبه حكمه إلى آخره، فإنّ المراد منه فعله بعنوان الجواز الظاهري اتّكالا على دليله من العقل و النقل و إن كان ربّما يناقش في توصيف حكم
و الأخرى: ما دلّ بظاهره على لزوم الاحتياط و الاتقاء و التورّع مثل ما ذكره الشهيد رحمه اللّه في الذكرى في خاتمة قضاء الفوائت: «للدلالة على مشروعيّة الاحتياط في قضاء ما فعلت من الصلوات المحتملة للفساد و هي قوله تعالى: اِتَّقُوا اَللّٰهَ حَقَّ تُقٰاتِهِ و جٰاهِدُوا فِي اَللّٰهِ حَقَّ جِهٰادِهِ»(1).
أقول و نحوهما في الدلالة على وجوب الاحتياط (1): فَاتَّقُوا اَللّٰهَ مَا اِسْتَطَعْتُمْ(2)، و قوله تعالى: وَ لاٰ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى اَلتَّهْلُكَةِ(3)، و قوله تعالى:
فَإِنْ تَنٰازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اَللّٰهِ وَ اَلرَّسُولِ (4).
و الجواب: أمّا عن الآيات الناهية عن القول بغير علم، مضافا إلى النقض بشبهة الوجوب و الشبهة في الموضوع فبأنّ فعل الشيء المشتبه حكمه اتّكالا على قبح العقاب من غير بيان المتّفق عليه بين المجتهدين و الأخباريين ليس من ذلك.
الشرح
العقل بالقبح بالاتفاق الذي ذكره من حيث استدلال الأخباري في المسألة بحكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل، فإنّه لا يجامع تسليمه حكم العقل المذكور فتأمّل.
(1) دلالة الآية الأولى على وجوب الاحتياط إنّما هي بالنظر إلى ظاهر هيئة النهي، كما أنّ ظاهر دلالة سائر الآيات أيضا إنّما هي بالنظر إلى هيئة الأمر أو النهي أيضا و أمّا الآية الثانية، فلأنّ المراد من التنازع فيها هو التردّد و الشكّ لا مجرّد الاختلاف في حكم المسألة، مع جزم كلّ فريق من المختلفين بما حكم به، كما بيّن ذلك في مسألة الإجماع.
و أمّا عمّا عدا آية التهلكة (1) فبمنع منافاة الارتكاب للتقوى و المجاهدة، مع أنّ غايتها الدلالة على الرجحان على ما استشهد به الشهيد رحمه اللّه.
و أمّا عن آية التهلكة (2) فبأنّ الهلاك بمعنى العقاب معلوم العدم، و بمعنى غيره يكون الشبهة موضوعيّة لا يجب فيها الاجتناب بالاتّفاق.
و قد ظهر جوابها ممّا ذكر في الآيات.
الشرح
(1) قد يناقش فيما أفاده من الجواب عن الطائفة الثانية أوّلا: بأنّ ارتكاب المشتبه مناف للتقوى و المجاهدة قطعا، و إن بني على إباحته في مرحلة الظاهر، اللّهم إلاّ أن يقال باختصاصها بترك الحرام المحقّق و الواجب كذلك فتدبّر.
نعم ارتكاب المباح الواقعي لا ينافي التقوى و المجاهدة جزما، فلو سلّمت دلالة الآيات على الوجوب لم ينفع الجواب المذكور فالأولى التشبّث بذيل ما أفاده ثانيا بعد النقض بما وافقنا الأخباري على البراءة فيه من ظهور المادّة في الاستحباب سيّما بملاحظة قوله: حقّ تقاته و حقّ جهاده، فيصرف ظهور الهيئة أو يوجب إجمالها.
و ثانيا: بأنّ ما أفاده لا ينفع في الجواب عن قوله تعالى: فَإِنْ تَنٰازَعْتُمْ فإن تنازعتم، فإنّه ليس فيه ما يصرفه عن الظهور، فلا بدّ من أن يجاب عنه بأنّه لا تردّد لنا في الإباحة الظاهريّة و إنّما التردّد في الحكم الواقعي فيجب ردّه إلى اللّه و رسوله، نعم، النقض عليهم بالشبهة الموضوعيّة لا يتوجّه بالنسبة إلى هذه الآية كما هو ظاهر فتدبّر.
(2) لا يخفى أنّ الاستدلال بالآية في المقام مبنيّ على شمولها لموارد احتمال
........
الشرح
الهلاكة، و إلاّ فلا يجوز الاستدلال بها جدّا.
و قد مضى شطر من الكلام في ذلك في الجزء الأوّل من التعليقة.
ثمّ إنّ حاصل ما أفاده في الجواب عن الاستدلال بالآية الشريفة أنّ مفادها إثبات كبرى الكليّة و نحن نمنع صغراها محلّ النزاع بالنظر إلى الضرر الأخروي، حيث إنّ العقاب من دون بيان أصلا مقطوع الانتفاء، و لا يمكن جعل نفس الآية بيانا؛ للزوم الدّور الظاهر، و المفروض عدم بيان آخر حيث إنّ المقصود الاستدلال بالآية و إلاّ لم يحتج إليها و لم يستدلّ بها، هذا مضافا إلى النقض بالشبهة الوجوبيّة و الموضوعيّة.
و بالجملة حال الآية على تقدير دلالتها على حكم المقام حال حكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل، و سيجيء ما في الاستناد إليه في المقام و أشباهه هذا بالنسبة إلى الضرر الأخروي.
و أمّا الضرر الدنيوي المحتمل في موارد احتمال الحكم الإلزامي فلا يجب دفعه باعتراف الأخباريّين؛ من حيث كون الشبهة من هذه الجهة موضوعيّة حيث إنّ المحرّم عندهم عنوان المضر الدنيوي و المفروض الشكّ في صدقه و البناء على وجوب دفعه من جهة الآية هدم لما بنوا عليه من عدم وجوب الاحتياط في الشبهة الموضوعيّة، و التفصيل في حكم احتمال الضرر الناشئ من احتمال التحريم و الضرر ابتداء، مضافا إلى ورود النقض عليهم بالشبهة التحريميّة الموضوعيّة و الوجوبيّة مطلقا لا دليل عليه أصلا بعد عموم الآية، فلا بدّ من حمل الآية على تقدير تسليم دلالتها على حكم المقام مع كمال ضعفها على الطلب القدر المشترك الإرشادي، فلا يجوز الاستدلال بها كما لا يخفى.
و هي لا تحصى كثرة، و ظاهر التوقّف المطلق السكون (1) و عدم المضي، فيكون كناية عن عدم الحركة بارتكاب الفعل.
و هو محصّل قوله عليه السلام في بعض الأخبار: «الوقوف عند الشبهات
الشرح
(1) ما أفاده في بيان المراد من التوقّف في الأخبار المشتملة عليه، و أنّه كناية عن السكون عند الشبهة و عدم الحركة إليها، و اندفاع ما أورده غير واحد من المتأخّرين على الاستدلال بها منهم المحقّق القمّي قدّس سره في القوانين في كمال الوضوح و الظهور، إلاّ أنّ تخصيصه بعدم الحركة بارتكاب الفعل يوجب تخصيصه بالشبهة التحريميّة، فلا يتوجّه النقض على المستدلّ بها بالبراءة في الشبهة الوجوبيّة.
اللّهم إلاّ أن يكون تخصيصه مبنيّا على كونها محلّ البحث في المقام، و إلاّ فأصل الوقوف عند الشبهة كناية عن عدم ارتكاب الشبهة فعلا كان أو تركا، فيشمل الشبهتين، و لا ينافي ذلك اختصاص موارد جملة ممّا اشتمل على التعليل بالوقوف عند الشبهة بالشبهة التحريميّة، كما لا ينافيه اختصاص جملة منها بالشّبهة الحكميّة؛ لأنّ العبرة بعموم التعليل مع ورود بعضها في الشبهة الوجوبيّة الحكميّة و بعضها في الشبهة الموضوعيّة، و منه ينقدح عدم جواز الاستدلال الأخباري بعمومها من جهة امتناع تخصيص المورد، و هذا كما ترى لا تعلّق له بالجواب النقضي الذي يشير إليه في الكتاب.
ثمّ إنّه كان عليه قدّس سره أن يذكر عنوان الطائفة الثانية ما دلّ على وجوب التوقّف بظاهره أو ما يرجع بحسب المعنى إليه، فإنّ جميع ما يذكر في الطائفة الثانية لا يشتمل على لفظ التوقّف كما لا يخفى لمن راجع إليها.
خير من الاقتحام في الهلكات»(1).
فلا يرد على الاستدلال أنّ التوقّف في الحكم الواقعي مسلّم عند كلا الفريقين، و الإفتاء بالحكم الظاهري منعا أو ترخيصا مشترك كذلك، و التوقّف في العمل لا معنى له.
فنذكر بعض تلك الأخبار تيمّنا:
منها: مقبولة عمر بن حنظلة عن أبي عبد اللّه عليه السلام، و فيها بعد ذكر المرجّحات: «إذا كان كذلك فأرجه حتّى تلقى إمامك فإنّ الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكة»(2)، و نحوها صحيحة جميل بن درّاج عن أبي عبد اللّه عليه السلام: «إنّ لكلّ حقّ حقيقة (1) و على كلّ صواب نورا،
الشرح
(1) رواها في الوسائل في باب وجوه الجمع بين الأحاديث من رسالة سعد بن هبة اللّه الراوندي كروايات الزهري و عبد الأعلى و السّكوني، فإنّها مرويّة في الوسائل أيضا، و الغرض منها الحثّ على ترك الحديث الذي لم يصل إلى المكلّف من طريق معتبر عملا أو رواية، و إن كان التفصيل قرينة على إرادة روايته، و ورود صحيحة جميل في المتعارضين كالمقبولة لا ينافي العموم لكلّ شبهة مع عموم الكليّة المستفادة منها، سيّما في الصحيحة التي جعل الأخذ فيها بما وافق الكتاب تفريعا على الكلّية، فالكتاب هو النور و الحقيقة و الميزان للحقّ و الباطل عند التعارض، فبموافقته يرتفع الشبهة الحاصلة بسبب التعارض، و في محكي الوسائل بعد نقل رواية السّكوني و عبد الأعلى: «التفضيل في أمثال هذا على وجه المماراة و المماشاة مع الخصم، كما ورد في أحاديث كثيرة قليل من سنّة خير من كثير في بدعة، و أمثال ذلك في الحديث، و في الكلام الفصيح
فما وافق كتاب اللّه فخذوه و ما خالف كتاب اللّه فدعوه»(1)، و في روايات الزهري و السكوني و عبد الأعلى: «الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة، و تركك حديثا لم تروه خير من روايتك حديثا لم تحصه»(2)، و رواية أبي شيبة عن أحدهما عليهما السلام و موثّقة سعد بن زياد عن جعفر عن أبيه عن آبائه عن النبي صلّى اللّه عليه و آله أنّه قال: «لا تجامعوا في النكاح على الشبهة وقفوا عند الشبهة، إلى أن قال فإنّ الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة»(3).
و توهّم ظهور هذا الخبر المستفيض في الاستحباب مدفوع بملاحظة أنّ الاقتحام في الهلكة لا خير فيه أصلا، مع أنّ جعله تعليلا لوجوب الإرجاء في المقبولة و تمهيدا لوجوب طرح ما خالف الكتاب في الصحيحة قرينة على المطلوب، فمساقه مساق قول القائل: «أترك الأكل يوما خير من أن امنع منه سنة».
و قوله عليه السلام في مقام وجوب الصبر حتّى تيقّن الوقت: «لإن أصلّي
الشرح
كثير» انتهى كلامه رفع مقامه، و يشهد له ما رواه شيخنا قدّس سره في الكتاب، فلفظ الخبر و إن لم يكن ظاهرا في الإلزام، بل كان ظاهرا في غيره في بادي النظر، إلاّ أنّه ظاهر فيه بملاحظة ما أفاده في الكتاب في تقريب دلالة الأخبار المذكورة في الكتاب و في الوسائل ممّا لم نذكره في باب وجوب التوقّف في القضاء و الفتوى و العمل على وجوب التوقّف.
بعد الوقت أحب إليّ من أن أصلّي قبل الوقت»(1)، و قوله عليه السلام في مقام التقيّة: «لإن أفطر يوما من شهر رمضان فأقضيه أحبّ إليّ من أن يضرب عنقي»(2)، و نظيره في أخبار الشبهة قول علي عليه السلام في وصيّته لابنه: «أمسك عن طريق إذا خفت ضلالته، فإنّ الكف عند حيرة الضلال خير من ركوب الأهوال»(3).
و منها: موثّقة حمزة بن طيّار: أنّه عرض على أبي عبد اللّه بعض خطب أبيه حتّى إذا بلغ موضعا منها قال له كف و اسكت، ثمّ قال أبو عبد اللّه عليه السلام: «إنّه لا يسعكم فيما نزل بكم ممّا لا تعلمون إلاّ الكف عنه و التثبّت و الرد إلى أئمّة الهدى عليهم السلام حتّى يحملوكم فيه إلى القصد و يجلو عنكم فيه العمى و يعرّفوكم فيه الحقّ، قال اللّه تعالى: فَسْئَلُوا أَهْلَ اَلذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاٰ تَعْلَمُونَ»(4).
و منها: رواية جميل عن الصادق عن آبائه عليه السلام: «أنّه قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: الأمور ثلاثة أمر بيّن لك رشده فخذه، و أمر بيّن لك غيّه فاجتنبه، و أمر اختلف فيه فردّه إلى اللّه عزّ و جلّ»(5).
و منها: رواية جابر: عن أبي عبد اللّه عليه السلام في وصيّته لأصحابه: «إذا اشتبه الأمر عليكم فقفوا عنده و ردّوه إلينا؛ حتّى نشرح لكم من ذلك ما شرح اللّه لنا».
و منها رواية زرارة عن أبي جعفر عليه السلام: «حقّ اللّه على العباد أن يقولوا ما يعلمون، و يقفوا عند ما لا يعلمون»(1)، و قوله عليه السلام في رواية المسمعي الواردة في اختلاف الحديثين: «و ما لم تجدوا في شيء من هذه الوجوه فردّوا إلينا علمه، فنحن أولى بذلك، و لا تقولوا فيه بآرائكم و عليكم الكف و التثبّت و الوقوف و أنتم طالبون باحثون حتّى يأتيكم البيان من عندنا»(2)، إلى غير ذلك ممّا ظاهره وجوب.
و الجواب: أنّ بعض هذه الأخبار مختصّ بما إذا كان (1) المضي في الشبهة اقتحاما في التهلكة و لا يكون ذلك إلاّ مع عدم معذوريّة الفاعل لأجل القدرة على إزالة الشبهة بالرجوع إلى الإمام عليه السلام أو إلى الطرق المنصوبة منه
الشرح
(1) لا يخفى عليك أنّ تسليم دلالة جملة من الأخبار التي أشار إليها على وجوب التوقّف مع عدم انطباقها على محلّ البحث، و حمل جملة منها على الاستحباب لا ينافي ما أفاده في الجواب بقوله: (و ملخّص الجواب عن تلك الأخبار) إلى آخره، فإنّ استفادة الوجوب و الاستحباب فيما ذكره أوّلا في الجواب إنّما هي بالقرينة الخاصّة فلا ينافي حمل الطّلب فيها على القدر المشترك فيكون الدلالة على الخصوصيّة بملاحظة أخرى، و على ما ذكرنا يحمل قوله بعد ذلك في ذيل الجواب عن السؤال الذي أورده على نفسه فهي قضيّة تستعمل في المقامين إلى آخره، فإنّ المراد من الاستعمال ليس ما يتوهّم من ظاهره في ابتداء النظر من إرادة الخصوصيّة من نفس اللفظ حتّى ينافي ما ذكره من حمل الطلب المستفاد من جميع الأخبار على الطلب الإرشادي القدر المشترك، بل المراد منه الإطلاق في مقام إرادة كلّ من الخصوصيّتين بدلالة أخرى فتدبّر.
كما هو ظاهر المقبولة و موثّقة حمزة بن طيّار و رواية جابر و رواية المسمعي.
و بعضها وارد في مقام النهي عن ذلك لاتّكاله في الأمور العمليّة على الاستنباطات العقليّة الظنّيّة، أو لكون المسألة من الاعتقاديات كصفات اللّه سبحانه و رسوله و الأئمّة عليهم السلام كما يظهر من قوله عليه السلام في رواية زرارة: «لو أنّ العباد إذا جهلوا وقفوا و لم يجحدوا لم يكفروا»(1)، و التوقّف في هذه المقامات واجب.
و بعضها ظاهر في الاستحباب مثل قوله عليه السلام: «أورع الناس من وقف عند الشبهة»(2)، و قوله عليه السلام: «لا ورع كالوقوف عند الشبهة»(3)، و قول أمير المؤمنين عليه السلام: «من ترك ما اشتبه عليه من الإثم فهو لما استبان له أترك و المعاصي حمى اللّه فمن يرتع حولها يوشك أن يدخلها»، و في رواية نعمان بن بشير قال سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول:
«لكل ملك حمى و حمى اللّه حلاله و حرامه، و المشتبهات بين ذلك، لو أنّ راعيا رعى إلى جانب الحمى لم يثبت غنمه أن يقع في وسطه، فدعوا المشتبهات»، و قوله عليه السلام: «من اتّقى المشتبهات فقد استبرأ لدينه»(4).
و ملخّص الجواب عن تلك الأخبار (1) أنّه لا ينبغي الشك في كون الأمر فيها للإرشاد من قبيل أوامر الأطبّاء المقصود منها عدم الوقوع في المضار؛ إذ
الشرح
(1) حاصل ما أفاده في الجواب عن الأخبار المذكورة بأسرها أنّ الطلب المستفاد
........
الشرح
منها لا بدّ من أن يحمل على الطلب الإرشادي، القدر المشترك من حيث دلالتها على كون علّة طلب التوقّف أو ما يرجع إليه هو التحرّز عن الهلكة المحتملة في الشبهة، و أنّ في تركه تعريض لها، مع أنّ في بعض موارد الشبهة لا يحتمل العقاب قطعا باتّفاق الأخباريّين، و التخصيص فيها بإخراجه مع إبائها عنه كما لا يخفى لكلّ من راجع إليها مناف لاختصاص مورد بعضها بما لا يحتمل فيه التهلكة الأخرويّة مع وحدة السّياق في الجميع، فلا بدّ من أن يحتمل على ما ذكر حتّى يشمل جميع موارد الشبهة، و لا ينافي ذلك إرادة خصوص الطلب الإلزامي الإرشادي من بعض مواردها بدلالة أخرى، كما لا ينافي إرادة خصوص الاستحبابي الإرشادي من موارد بعضها الآخر من القرينة على ما عرفت الإشارة إليه.
و دعوى عدم استفادة تعليل المذكور منها، و إنّما المستفاد منها كون الاقتحام في الهلكة حكمته فلا ينافي الطلب الشرعي فاسدة جدّا، مع أنّه إذا حمل على الطلب القدر المشترك لم يفرق في عدم دلالتها على مدّعى المستدل بين حمله على الطلب الشرعي القدر المشترك و بين حمله على الطلب الإرشادي القدر المشترك؛ لما ستقف عليه، فإذا كان الطلب المستفاد هو منها القدر المشترك الإرشادي فلا يمكن استفادة خصوص الطلب الإلزامي منها؛ ضرورة عدم دلالة العام على الخاصّ، بل استفادته يتوقّف على إحراز كون الهلكة المحتملة العقاب فيحكم بوجوب التوقّف بعد إحرازه بدلالة أخرى كما في موارد العلم الإجمالي بالتكليف المنجّز كما في الشبهة المحصورة أو مع التمكّن من تحصيل العلم بالحكم في الشبهة الحكميّة في موارد الشك في التكليف، إلى غير ذلك ممّا يحتمل فيه العقاب، فلا بدّ إذا من إحراز احتماله من الخارج ضرورة عدم دلالة الحكم المترتّب على موضوع كلّ على وجوده في مورد خاصّ، فكما لا يمكن دلالة هذه الأخبار بعد حملها على الجامع على خصوصيّات الطلب، كذلك لا تدلّ بأنفسها على كون المحتمل من الهلكة
........
الشرح
العقاب الذي يجب دفعه عقلا و نقلا أو غيره من المضارّ الدنيويّة التي لا يجب دفع محتملها بالاتّفاق بالنسبة إلى الموارد الشخصيّة من المشتبهات، و إن دلّت على وجود احتمال التهلكة بالمعنى الأعمّ في كلّ شبهة.
و من هنا ذكر قدّس سره أنّ هذه الأخبار لا ينفع في إحداث هذا الاحتمال و لا في حكمه من حيث إنّ مطلق الطلب المحمول على مطلق التهلكة كما لا يدلّ على خصوص الإلزام كذلك لا يدلّ على خصوص كون المحتمل في الشبهة الخاصّة العقاب، و منه يظهر أنّه لا فرق فيما ذكر بين جعل الطلب المستفاد منها إرشاديّا أو شرعيّا على ما عرفت الإشارة إليه، بل ربّما يقال إنّ حمل الطلب على الإلزام الإرشادي المترتّب على احتمال العقاب لا يجدي الخصم أيضا من حيث إنّ مفاد الأخبار على هذا التقدير مفاد حكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل، و قد عرفت ورود دليل البراءة عليه و إن كان القول المذكور منظورا فيه من حيث إنّ ظاهرها بل صريحها احتمال التهلكة في كلّ شبهة، و هذا بخلاف حكم العقل في مسألة دفع الضرر المحتمل فإنّه حكم في موضوع كليّ يتبع تحقّقه في الخارج فيحصل الفرق بينها و بين حكم العقل في مسألة دفع الضرر المحتمل، هذا مضافا إلى منافاة ما ذكر لموارد جملة منها كما لا يخفى.
و من هنا توجّه السؤال بقوله فإن قلت إنّ المستفاد منها احتمال التهلكة في كل محتمل التكليف إلى آخره، و حاصله أنّ الظاهر من الأخبار المتقدّمة إعطاء الحكم في كلّ شبهة معلّلا باحتمال التهلكة فيه، و ظاهر التهلكة في لسان الشارع ما يعود إلى المكلّف في الآخرة فيدلّ على احتمال الضرر الأخروي في كل شبهة، و لمّا كان الضرر الأخروي معلولا لطلب شرعي مولويّ و لو كان ظاهريّا و كان الحكم المترتّب على احتمال الضرر غير صالح لذلك؛ ضرورة كونه إرشاديّا، مضافا إلى كونه محمولا عليه و معلولا له فكيف يصير علّة له و مؤثّرا فيه، فلا محالة
........
الشرح
يكشف هذه الأخبار الكاشفة عن وجود احتمال العقاب في كلّ شبهة عن الطلب الشرعي الإلزامي المتعلّق بعنوان محتمل الحكم الإلزامي عن جانب الشارع في كلّ شبهة حتّى يصلح علّة و بيانا للتكليف الواقعي المحتمل.
فإن شئت قلت: ظاهر الأخبار المذكورة الأخبار عن ترتّب العقاب على الواقع المحتمل على تقدير ثبوته و بعد ضمّ حكم العقل بقبح العقاب من غير بيان و حكم الشرع برفع المؤاخذة عمّا لم يبيّنه الشارع لا واقعا و لا ظاهرا لا مناص عن الالتزام بوجوب الاحتياط في محتمل التحريم شرعا في مرحلة الظاهر؛ لعدم صلاحيّة الطلب المستفاد من الأخبار من حيث كونه إرشاديّا مترتّبا على احتمال العقاب لصيرورته بيانا للواقع على ما تقدّم، فهذه الأخبار نظير ما ورد من الوعد و الوعيد على الأفعال، حيث إنّها يكشف عن تعلّق الطلب بها شرعا، فاكتفى الشارع عن بيان الملزوم ببيان لازمه، فإذا كان الإخبار الجزمي عن العقاب على الفعل كاشفا عن تعلّق الطلب به شرعا حتّى يرجع الإخبار عن المعصية بالفعل كي يترتّب العقاب عليه كان الإخبار عن ترتب العقاب على الشبهة على تقدير مصادفة الحرام كاشفا عن تعلّق طلب ظاهري بها كي تصير معصيته على تقدير الحرمة، فهذا الطلب المستكشف عن الأخبار المذكورة يتعلّق بمحتمل الحكم الإلزامي فيكون بيانا للواقع على تقدير ثبوته في نفس الأمر، هذا و الجواب عن السؤال المذكور منحصر بمنع الاستظهار المزبور من حيث منافاته لمورد ما لا يحتمل فيه العقاب اتّفاقا من الأخبار المذكورة كما في مسألة النكاح و عمومها لما لا يحتمله قطعا مع إبائها عن التخصيص على ما عرفت الإشارة إليه، فالمهلكة المحتملة في مطلق الشبهة أعمّ من العقاب.
نعم، فيما يحتمل العقاب نلتزم فيه بتنجز الخطاب مع قطع النظر عن الأخبار المذكورة، هذا و أمّا ما أفاده في الكتاب من الجواب عنه بقوله: (قلت إيجاب
قد تبيّن فيها حكمه طلب التوقّف، و لا يترتّب على مخالفته عقاب غير ما يترتّب على ارتكاب الشبهة أحيانا من الهلاك المحتمل فيها، فالمطلوب في تلك الأخبار ترك التعرّض للهلاك المحتمل في ارتكاب الشبهة.
فإن كان ذلك الهلاك المحتمل من قبيل العقاب الأخروي كما لو كان التكليف متحقّقا فعلا في موارد الشبهة نظير الشبهة المحصورة و نحوها أو كان المكلّف قادرا على الفحص أو إزالة الشبهة بالرجوع إلى الإمام عليه السلام أو الطرق المنصوبة أو كانت الشبهة من العقائد و الغوامض التي لم يرد الشارع التدين به بغير علم و بصيرة بل نهى عن ذلك بقوله صلى اللّه عليه و آله: «إنّ اللّه سكت عن أشياء لم يسكت عنها نسيانا فلا تتكلّفوها رحمة من اللّه لكم».
فربّما يوقع تكلّف التدين فيه بالاعتبارات العقليّة و الشواذ النقليّة إلى
الشرح
الاحتياط إن كان مقدّمة للتحرّز عن العقاب الواقعي) إلى آخر ما أفاده فغير نقيّ عن المناقشة؛ لأنّ الاحتمال الأوّل عين ما مرّ منه فلا يحتمله كلامه، و أمّا الاحتمال الثاني فإن كان المراد منه الحكم الظاهري الشرعي المتعلّق بمحتمل الإلزام على ما عرفت إرادته في توضيح السؤال فيتوجّه على ما أفاده في تضعيفه أنّ لازم الحكم الظاهري بالمعنى المزبور صحّة العقاب من جهته على مخالفة الواقع على تقدير المصادفة على ما يفصح عنه كلامه في غير موضع من الكتاب فيما مضى، و سيأتي عن قريب سيّما في الجواب عن دليل البراءة في قبال أخبار الاحتياط فراجع، إذ هذا أقلّ فائدة للحكم الشرعي الظاهري سواء قيل بثبوت العقاب على مخالفته من حيث هو على خلاف التحقيق أم لا، و إن كان المراد منه معنى آخر غير ما ذكر فيتوجّه عليه مضافا إلى عدم معنى معقول للحكم الظاهري غير ما ذكر أنّ هنا معنى آخر يتمّ معه المدّعى و هو المعنى المذكور الذي عرفت استقامته.
العقاب بل إلى الخلود فيه إذا وقع التقصير في مقدّمات تحصيل المعرفة في تلك المسألة، ففي هذه المقامات و نحوها يكون التوقّف لازما عقلا و شرعا من باب الإرشاد كأوامر الطبيب بترك المضار.
و إن كان الهلاك المحتمل مفسدة أخرى غير العقاب سواء كانت دينية كصيرورة المكلّف بارتكاب الشبهة أقرب إلى ارتكاب المعصية، كما دلّ عليه غير واحد من الأخبار المتقدّمة، أم دنيويّة كالاحتراز عن أموال الظلمة فمجرّد احتماله لا يوجب العقاب على فعله لو فرض حرمته واقعا، و المفروض أنّ الأمر بالتوقّف في هذه الشبهة لا يفيد استحقاق العقاب على مخالفته؛ لأنّ المفروض كونه للإرشاد فيكون المقصود منه التخويف عن لحوق غير العقاب من المضار المحتملة، فاجتناب هذه الشبهة لا يصير واجبا شرعيّا بمعنى ترتّب العقاب على ارتكابه.
و ما نحن فيه و هي الشبهة الحكميّة التحريميّة من هذا القبيل؛ لأنّ الهلكة المحتملة فيها لا تكون هي المؤاخذة الأخرويّة باتّفاق الأخباريّين لاعترافهم بقبح المؤاخذة على مجرّد مخالفة الحرمة الواقعيّة المجهولة، و إن زعموا ثبوت العقاب من جهة بيان التكليف في الشبهة بأوامر التوقّف و الاحتياط فإذا لم يكن المحتمل فيها هو العقاب الأخروي كان حالها حال الشبهة الموضوعيّة كأموال الظلمة و الشبهة الوجوبيّة في أنّه لا يحتمل فيها إلاّ غير العقاب من المضار، و المفروض كون الأمر بالتوقّف فيها للإرشاد و التخويف عن تلك المضرّة المحتملة.
و بالجملة فمفاد هذه الأخبار بأسرها التحذير عن الهلكة المحتملة فلا بدّ من إحراز احتمال الهلكة عقابا كانت أو غيره، و على تقدير إحراز هذا الاحتمال لا إشكال و لا خلاف في وجوب التحرّز عنه إذا كان المحتمل
عقابا، و استحبابه إذا كان غيره، فهذه الأخبار لا تنفع في إحداث هذا الاحتمال و لا في حكمه.
فإن قلت: إنّ المستفاد منها احتمال التهلكة في كل محتمل التكليف و المتبادر من الهلكة في الأحكام الشرعيّة الدينيّة هي الأخرويّة فتكشف هذه الأخبار عن عدم سقوط عقاب التكاليف المجهولة لأجل الجهل، و لازم ذلك إيجاب الشارع للاحتياط إذ الاقتصار في العقاب على نفس التكاليف المختفية من دون تكليف ظاهري بالاحتياط قبيح.
قلت: إيجاب الاحتياط إن كان مقدّمة للتحرّز عن العقاب الواقعي فهو مستلزم لترتب العقاب على التكليف المجهول و هو قبيح كما اعترفت، و إن كان حكما ظاهريا نفسيّا فالهلكة الأخروية مترتّبة على مخالفته لا مخالفة الواقع، و صريح الأخبار إرادة الهلكة الموجودة في الواقع على تقدير الحرمة الواقعيّة.
هذا كلّه مضافا إلى دوران الأمر في هذه الأخبار بين حملها على ما ذكرنا و بين ارتكاب التخصيص فيها بإخراج الشبهة الوجوبيّة و الموضوعيّة، و ما ذكرنا أولى.
و حينئذ فخيريّة الوقوف عند الشبهة من الاقتحام في الهلكة أعم من الرجحان المانع من النقيض و من غير المانع منه، فهي قضيّة تستعمل في المقامين، و قد استعملها الأئمّة عليهم السلام كذلك.
فمن موارد استعمالها في مقام لزوم التوقّف مقبولة عمر بن حنظلة التي جعلت هذه القضيّة فيها علّة لوجوب التوقّف في الخبرين المتعارضين عند فقد المرجّح، و صحيحة الجميل المتقدّمة التي جعلت القضيّة فيها تمهيدا لوجوب طرح ما خالف كتاب اللّه.
و من موارد استعمالها في غير اللازم رواية الزهري المتقدّمة التي جعلت القضيّة فيها تمهيدا لترك رواية الخبر الغير المعلوم صدوره أو دلالته، فإنّ من المعلوم رجحان ذلك لا لزومه و موثّقة سعد بن زياد المتقدّمة التي فيها قول النبي صلّى اللّه عليه و آله: «لا تجامعوا في النكاح على الشبهة وقفوا عند الشبهة»(1)، فإنّ مولانا الصادق عليه السلام فسّره في تلك الموثّقة بقوله عليه السلام: «إذا بلغك أنّك قد رضعت من لبنها أو أنّها لك محرّم و ما أشبه ذلك فإنّ الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة»(2)الخبر.
و من المعلوم أنّ الاحتراز عن نكاح ما في الرواية من النسوة المشتبهة غير لازم باتفاق الأخباريّين؛ لكونها شبهة موضوعيّة، و لأصالة عدم تحقّق مانع النكاح (1).
الشرح
(1) قد يتوجّه على ما أفاده:
أوّلا: بأنّ الأصل الحكمي في هذه الشبهة الموضوعيّة و أمثالها الحرمة لا البراءة و الحليّة بالاتّفاق، حيث إنّ أصالة الفساد في المعاملات من الأصول المسلّمة عندهم فالحكم بالحليّة فيها لا يمكن أن يستند إلى نفس الشك و احتمال الحليّة، بل لا بدّ من أن يستند إلى ما يكون واردا على الأصل المذكور أو حاكما عليه كأصالة عدم تحقّق النسب و الرضاع المحرّمين، و إليها يرجع أصالة عدم تحقّق مانع النكاح، نعم لو كان الشكّ في الحليّة و الحرمة من غير جهة الشك في الصّحة و الفساد بل من جهة نفس إيقاع العقد بناء على تحريم إيقاعه على المحارم مطلقا كان من الشكّ في الموضوع الذي يرجع فيه إلى البراءة بالاتّفاق، فيجمع بينها و بين
منها: أنّ ظاهر أخبار التوقّف حرمة الحكم و الفتوى من غير علم و نحن نقول بمقتضاها و لكن ندّعي علمنا بالحكم الظاهري و هي الإباحة لأدلّة البراءة.
و فيه: أنّ المراد بالتوقّف كما يشهد سياق تلك الأخبار و موارد أكثرها هو التوقّف في العمل في مقابل المضي فيه على حسب الإرادة الذي هو الاقتحام في الهلكة لا التوقّف في الحكم، نعم قد يشمله من حيث كون الحكم عملا مشتبها لا من حيث كونه حكما في شبهة، فوجوب التوقّف عبارة عن ترك العمل المشتبه الحكم.
و منها: أنّها ضعيفة السند.
و منها: أنّها في مقام المنع عن العمل بالقياس و أنّه يجب التوقّف عن القول إذا لم يكن هنا نص من أهل بيت الوحي عليه السلام.
الشرح
الحكم بالفساد من جهة الأصل المذكور لكنّها - كما ستقف عليه - لا يجامع مع الأصل الموضوعي هذا، و لكن ظاهر العبارة الحكم بجواز ترتيب الآثار من جهة أصالة الحلّية لا مجرّد الحكم بجواز ارتفاع العقد و إن حكم بفساده.
و ثانيا: بأنّ الجمع بين الأصلين أي أصالة الحلّية مع الإغماض عن عدم جريانه كما عرفته و أصالة عدم تحقّق مانع النكاح مع كون الشكّ في مجرى الأوّل مسبّبا عن الشك في مجرى الثاني لا يستقيم بناء على ما أفاده في باب الاستصحاب من عدم شمول أخبار الاستصحاب لهما معا، و إن كانا متعاضدين، بل الأمر كذلك عنده بناء على القول به من جهة العقل أيضا كما ستقف عليه.
و في كلا الجوابين ما لا يخفى (1) على من راجع تلك الأخبار.
و منها: أنّها معارضة بأخبار البراءة و هي أقوى سندا و دلالة و اعتضادا بالكتاب و السنّة و العقل، و غاية الأمر التكافؤ فيرجع إلى ما تعارض فيه النصّان، و المختار فيه التخيير فيرجع إلى أصل البراءة.
و فيه أنّ مقتضى أكثر أدلّة البراءة المتقدّمة (2)، و هي جميع آيات الكتاب
الشرح
(1) أمّا ضعف الجواب الأوّل فأظهر من أن يحتاج إلى البيان لمن راجع الأخبار المتقدّمة التي فيها الصحاح و الموثّقات، و إن كان فيها الضعيف أيضا، هذا مضافا إلى إمكان دعوى تواترها إجمالا فلا يلاحظ حال السند، و أمّا ضعف الجواب الثاني فيظهر أيضا لمن راجع ما تقدّم من الأخبار فإنّه و إن كان في بعضها المنع من العمل بالرأي إلاّ أنّه لا يصحّ دعوى كون جميعها في مقام المنع من ذلك.
(2) لمّا كان مبنى الجواب بالتعارض و الترجيح على تسليم دلالة أخبار التوقّف على وجوب الاحتياط، توجّه الإيراد عليه بما أفاده من أنّ التعارض و الترجيح فرع كون الطائفتين في مرتبة واحدة، و ليس الأمر كذلك من حيث إنّ مفاد أكثر أخبار البراءة كمفاد أكثر أدلّتها نفي المؤاخذة على ما لم يبيّنه الشارع أصلا لا واقعا و لا ظاهرا أو الترخيص فيما يكون كذلك، و إليه أشار بقوله: (فتلك الأدلّة بالنسبة إلى هذه الأخبار من قبيل الأصل بالنسبة إلى الدليل)، فالمراد أنّه لا تعارض بينهما حتّى يلاحظ الترجيح.
نعم بعض أخبار البراءة كقوله: «كل شيء مطلق حتّى يرد فيه نهي» ظاهر في نفي وجوب التوقّف من حيث ظهوره، على ما عرفت الإشارة إليه في كون الغاية العلم بورود النهي في عنوان الشيء لا فيه بعنوان أنّه مجهول الحكم فيقع التعارض بينه و بين ما دلّ على وجوب التوقّف فيما لم يعلم فيه ورود الترخيص بعنوانه الخاص على تقدير تسليم دلالة أخبار التوقّف، على هذا المعنى على ما عرفته من كونه
و العقل و أكثر السنّة و بعض تقريرات الإجماع عدم استحقاق العقاب على مخالفة الحكم الذي لم يعلمه المكلّف.
و من المعلوم أنّ هذا من مستقلاّت العقل الذي لا يدلّ أخبار التوقّف و لا غيرها من الأدلّة النقليّة على خلافه، و إنّما يثبت أخبار التوقّف بعد الاعتراف بتماميّتها على ما هو المفروض تكليفا ظاهريّا بوجوب الكفّ و ترك المضي عند الشبهة، و الأدلّة المذكورة لا تنفي هذا المطلب فتلك الأدلّة بالنسبة إلى هذه الأخبار من قبيل الأصل بالنسبة إلى الدليل فلا معنى لأخذ الترجيح
الشرح
مبنى الجواب بالمعارضة و الترجيح، لكنّ الترجيح لم يعلم للمرسلة عليها، بل الأمر بالعكس من حيث الترجيح الصدوري و جهته من حيث وجود الصحاح و الكثرة في أخبار التوقّف و كونها مخالفة للعامّة، و أمّا الترجيح من جهة قوّة الدلالة لها عليها فممنوع أيضا، و أمّا الترجيح من حيث الاعتضاد بالأدلّة الثلاثة فهو فرع كونها في مرتبة أخبار التوقّف، و قد عرفت منعه و إلاّ لم يتصوّر هناك تعارض أصلا ضرورة امتناع التعارض بين القطعي و الظنّي، فكيف يمكن جعل العقل و الإجماع مرجّحين للمرسلة.
و أمّا ما ذكره المحقّق القمّي في القوانين بعد الجواب بما عرفته من الترجيح من أنّه على تقدير التكافؤ يحكم بالتخيير و مرجعه إلى البراءة أيضا، ففيه بعد الغضّ عمّا يتوجّه عليه بأنّ التخيير في المسألة الأصوليّة بين الخبرين غير القول بكون الحكم الظاهري مفاد البراءة معيّنا، و إن كان الغرض هو جواز الأخذ بما دلّ على البراءة على القول بالتخيير فيختاره و يبني على مفاده فلا يتعيّن عليه القول بالتوقّف، ففيه أنّه على تقدير تسليم الخصم للتكافؤ و تسليمه كون الحكم في المتعارضين المتكافئين التخيير لا الاحتياط له أن يختار ما دلّ على التوقّف، فيرجع التخيير إلى التوقّف بالمعنى الذي عرفته للرجوع في المقام فتدبّر.
بينهما و ما يبقى من السنّة من قبيل قوله عليه السلام: «كل شيء مطلق»(1)لا يكافئ أخبار التوقّف لكونها أكثر و أصح سندا، و أمّا قوّة الدلالة في أخبار البراءة فلم يعلم، و ظهر أنّ الكتاب و العقل لا ينافي وجوب التوقّف.
و أمّا ما ذكره من الرجوع إلى التخيير مع التكافؤ فيمكن للخصم منع التكافؤ؛ لأنّ أخبار الاحتياط مخالفة للعامّة لاتّفاقهم كما قيل على البراءة، و منع التخيير على تقدير التكافؤ لأنّ الحكم في تعارض النصّين الاحتياط مع أنّ التخيير لا يضرّه لأنّه يختار أدلّة وجوب الاحتراز عن الشبهات.
و منها: أنّ أخبار البراءة أخص لاختصاصها بمجهول الحلّيّة و الحرمة و أخبار التوقّف تشمل كل شبهة فتخصص بأخبار البراءة.
و فيه ما تقدّم من أنّ أكثر أدلّة البراءة بالإضافة إلى (1) هذه الأخبار من
الشرح
(1) لا يخفى عليك أنّ اختصاص جميع أخبار البراءة بالشبهة التحريميّة فاسدة جدّا، إلاّ أن يراد وجود ما له الاختصاص بالشبهة المذكورة في الجملة؛ لأنّ الغرض يتم بذلك ضرورة عدم توقّفه على اختصاص جميع أخبارها بها فالمراد ليس العموم، كما أنّ أعمّيّة أخبار التوقّف مبنيّة على ما عرفته في معناها من كونها كناية عن عدم الإقدام على المشتبه فعلا أو تركا لا الدخول في الفعل، و أمّا ما أفاده قدّس سره فهو مبني على ما زعمه من كونه مفاد أكثر أخبار البراءة إثبات الأصل في المسألة فلا تعارض أخبار التوقّف على تقدير تسليم دلالتها على الوجوب الشرعي الظاهري على ما هو مبنى هذا الجواب كسابقه، كما أنّ مبنى ما أفاده في بيان نسبة المرسلة بالإضافة إلى أخبار التوقّف على كون المراد من الغاية ورود النهي بالمعنى الأعم من النهي السليم مع ملاحظة النسبة من جهة منطوق
1) عوالي اللئالي: ج 3، ص 462.
........
الشرح
المرسلة مع أخبار التوقّف، ضرورة أنّه على تقدير إرادة المعنى الأخص من النهي تشمل المرسلة ما تعارض فيه النصّان المفروضان في الكتاب، كما أنه مبني على الإغماض عن معارضة أخبار التوقّف لما دلّ على التخيير في تعارض النصّين المتكافئين و تقديمه عليها.
ثمّ إنّ المراد من العموم المنفي لأخبار التوقّف بالنسبة إلى المرسلة ليس ما يقتضيه ظاهر العبارة في بادي النظر، بل المراد هو العموم الذي يجوز تخصيصه بالمرسلة، فالمنفي هو العموم الخاص لا مطلق العموم ضرورة أنّ شمول أخبار التوقّف لمّا تعارض فيه النصّان و عدم شمول المرسلة له لا يوجب انقلاب النسبة، و لعلّه الوجه في أمره بالتّأمّل عقيب ما أفاده من بيان النسبة و إن كان له وجه آخر سيأتي الإشارة إليه.
ثمّ إنّ الوجه فيما أفاده هو أنّه بعد ثبوت التلازم بين ما لا نصّ فيه على التحريم و ما تعارض فيه النصّان حكما من جهة الإجماع من المجتهد و الأخباري عليه، حيث إنّ الحكم عند الأخباري هو وجوب التوقّف فيهما و إن حكموا في الأوّل بالإباحة و في الثاني بالتخيير لو بني على تخصيص أخبار التوقّف بالمرسلة بالنسبة إلى ما لا نصّ فيه لزم طرحها بالنسبة إلى ما تعارض فيه النصّان أيضا؛ نظرا إلى الملازمة فيلزم طرحها رأسا، فهما بمنزلة المتباينين بهذه الملاحظة.
و من هنا حكم بعدم عموم لأخبار التوقّف كما هو الشائع في باب تعارض الخاص و العام بحسب النّسبة المنطقيّة في باب التعارض، نعم قوله يوجد في أخبار التوقّف إلى آخره قد يناقش فيه بإيهامه لتحقق ما أفاده بالنسبة إلى بعض أخبار التوقّف، مع أنّه متحقّق بالنسبة إلى جميعها، فالحق في التحرير أن يقال إنّ المرسلة و إن كانت بحسب النسبة أخص من أخبار التوقّف إلاّ أنّه لا يجوز تخصيصها بها من جهة لزوم المحذور و هو طرح أخبار التوقّف رأسا بالملاحظة المذكورة فهما
........
الشرح
في حكم المتباينين، أو يقال إنّ المرسلة و إن كانت أخصّ من أكثر أخبار التوقّف، إلاّ أنّها متباينة بالنسبة إلى ما ورد في خصوص المتعارضين من أخبار التوقّف.
ثمّ إنّ ما أفاده في الجواب كما ترى لمّا كان مبنيّا على ثبوت الصورتين من جهة الإجماع بالتقريب الذي عرفت الإشارة إليه فلا محالة يتطرّق المناقشة إليه بالمنع من اتّحاد حكم الصورتين عند الفريقين، أمّا عند المجتهد فظاهر، و أمّا عند الأخباري فلأنّ جماعة منهم بل الأكثر مع التزامهم بالتوقّف فيما تعارض فيه النصّان التزموا بالبراءة في الشبهة الوجوبيّة، مع أنّ أخبار التوقّف يشمل صورة العلم الإجمالي بالتكليف قطعا، و كذا ما لا نصّ فيه مع عدم الفحص أو التمكّن من تحصيل العلم نوعا في المسألة و المرسلة كسائر أخبار البراءة لا تشملها، فلا يلزم من إخراج الصورتين على تقدير ثبوت التلازم أيضا طرح لأخبار التوقّف، فلعلّه أشار إلى أحد الوجهين في أمره بالتأمّل.
نعم هنا وجه آخر للحكم بعدم جواز تخصيص أخبار التوقّف بالمرسلة مع ثبوت التلازم و هو أنّ المرسلة بناء على ما عرفته في بيان الغاية و إن كان ضعيفا تنفي بحسب المفهوم للإباحة فيما تعارض فيه النصّان، فإثباتها لها فيما لا نصّ فيه منطوقا يوجب التدافع بحسب دلالتها منطوقا و مفهوما فتدبّر.
فإن شئت قلت: بعد ثبوت التلازم إنّ إخراج ما لا نصّ فيه من أخبار التوقّف يوجب إخراج ما تعارض فيه النصّان و هو مناف للمرسلة مفهوما فلا يجوز تخصيصها بالمرسلة، و إن كانت النسبة العموم و الخصوص، و هذا الوجه أولى ممّا عرفته في بيان منع النسبة المذكورة، فإنّه يتوجّه عليه مضافا إلى ما أسمعناك أنّ طرح أخبار التوقّف بالنسبة إلى الصورتين لا يوجب طرح أخبار التوقّف رأسا بعد شمولها للشبهة الوجوبيّة.
........
الشرح
اللّهم إلاّ أن يقال بكونها نصّا بالنسبة إلى الشبهة التحريميّة و إن شملت الشبهة الوجوبيّة هذا على رواية كون الغاية ورود النهي فقط، و أمّا على رواية كون الغاية وروده أو ورود الأمر فيشمل المرسلة الشبهة الوجوبيّة أيضا فلا يتوجّه ما ذكرنا أخيرا، و كيف كان لا إشكال في قصور العبارة في إفادة المراد فإنّ المراد منها ليس ما يتراءى بظاهرها من نفي نسبة الخصوص و العموم بين أخبار التوقّف و المرسلة بحسب النسبة المنطقيّة، كيف و قيام الإجماع على ثبوت التلازم في الحكم الظاهري بين ما لا نصّ فيه و ما تعارض فيه النصّان لا يوجب انقلاب النّسبة بين الطائفتين، و إن فرض عدم جواز تخصيص أخبار التوقّف بهذه الملاحظة بمثل قوله عليه السلام: «كل شيء مطلق» على ما ستقف عليه، بل المراد عدم جواز إجراء حكم الخصوص و العموم و تخصيص أخبار التوقّف بقوله عليه السلام: «كل شيء مطلق»؛ للزوم المحذور الذي يلزم من التخصيص، فهما كالمتباينين حكما لا موضوعا، مع أنّ العبارة غير وافية ببيان المحذور الذي يلزم من إخراج ما تعارض فيه النصّان عن عموم أخبار التوقّف، بل غير متعرّضة له أصلا و رأسا بيان ذلك أنّه بعد فرض قيام الإجماع على التلازم لا يجوز إخراج ما تعارض فيه النصّان من وجوه:
أحدها: أنّه مناف لمفهوم قوله كل شيء مطلق؛ بناء على جعل الغاية النّهي الأعمّ من المعارض، كما هو مبنى كلامه قدّس سره، و أمّا بناء على جعل الغاية النهي السليم فيدخل مورد المعارضة في المغيّا و منطوق الرواية، فلا يتصوّر هناك تعارض بين منطوق الرواية و مفهومها كما هو واضح.
ثانيها: أنّه موجب لتخصيص المورد بالنسبة إلى ما ورد في خصوص المتعارضين من أخبار التوقّف.
ثالثها: أنّه موجب لحمل أخبار التوقّف على ما قام فيه الإجماع على الشبهة الوجوبيّة
........
الشرح
أو الموضوعيّة مطلقا ضرورة اتّحاد حكم ما لا نصّ فيه و ما أجمل فيه النصّ، فيلزم طرح أخبار التوقّف رأسا أو حملها على الاستحباب المنفي بتسليم المورد من حيث كونه منافيا لإيراده كما هو واضح.
و من المعلوم أنّ العبارة لا دلالة لها على شيء من الوجوه المذكورة فيمكن أن يكون الوجه في أمره بالتأمّل ما ذكر، و إن كان له وجه آخر و هو منع قيام الإجماع على التلازم بين ما لا نصّ فيه و ما تعارض فيه النصّان في الحكم نظرا إلى اختلاف كلماتهم في حكم ما تكافأ فيه النصّان و ورود جملة من الأخبار على وجوب الاحتياط في خصوص المسألة، و هذا هو الوجه ظاهرا.
ثمّ إنّ المحذور الذي ذكرنا ثانيا من لزوم تخصيص المورد في بعض أخبار التوقّف إنّما يلزم من تخصيص ما تعارض فيه النصّان و إخراجه من أخبار التوقّف من غير فرق بين أن يجعل الدليل عليه الإجماع المركّب أو نفس الرواية منطوقا بناء على إرادة خصوص النهي السليم من النهي فيها كما لا يخفى، و ممّا ذكرنا يظهر مناقشة أخرى في العبارة حيث إنّ لزوم غير المحذور الثاني ليس مختصّا ببعض أخبار التوقّف و هو خصوص ما ورد فيما تعارض فيه النصّان، بل يعمّه و غيره، و لزومه فقط ليس مبنيّا على الإجماع المركّب؛ إذ قد عرفت لزومه على إرادة خصوص النهي السليم كما استظهر من الرواية، و إن استظهر شيخنا قدّس سره خلافه، فالحكم بنفي نسبة العموم و الخصوص بالنسبة إلى بعض أخبار التوقّف على ما هو ظاهر الكتاب مع كون لزوم المحذور عامّا كما ترى هذا مع أنّ قوله و يشمله أخبار التوقّف ظاهر في عموم الحكم.
فالحقّ أن يقال في التعبير عن المرام بدل قوله لكن يوجد أو فيوجد كما في بعض النسخ إلاّ أنّه لا يجوز تخصيص أخبار التوقّف به من جهة لزوم المحذور فيكونان كالمتباينين حكما و جعل الوجه في أمره بالتأمّل توجّه هذه المناقشة في
........
الشرح
كمال البعد، هذا، و أمّا ما أفاده شيخنا في بيان عدم لزوم محذور في تخصيص أخبار التوقّف بالنسبة إلى الصورتين بقوله: (مع أنّ جميع موارد الشبهة) إلى آخره الراجع إلى نفي نسبة العموم و الخصوص حقيقة لا حكما؛ حيث إنّ قوله كل شيء مطلق يشمل جميع موارد الشبهة و يعمّها و لو من حيث الفتوى و الاعتقاد بالحكم في الشبهة، و لو كانت نفس الشبهة شبهة في الوجوب أو الموضوع فإنّ الحكم على خلاف ما حكم به الشارع و اعتقاده حرام، فإذا تردد حكم الواقعة فتجعل النهي عن كل ما يريد الحكم به فيكون مرخصا فيه بمقتضى الرواية، كما أنّه يكون ممنوعا ظاهرا بمقتضى أخبار التوقّف فيتّحدان موردا فيكونان من العامّين المتباينين، فربّما يناقش فيه بعد توجيه العبارة بأنّ المراد منها أنّ جميع موارد الشبهة لا يخلو من أن يكون فيها عنوانا محتمل الحرمة، لا أن يكون كلّ شبهة محتمل الحرمة، و إلاّ لم يصحّ الحمل إلاّ بتكلّف بعيد بأنّه إن فرض قيام الدّليل على ما يحكم به أو يعتقده المكلّف ظاهرا أو واقعا خرج عن عنوان الشبهة و إن لم يقم دليل عليه كذلك كان حراما واقعيّا قطعا، فيخرج على كلّ تقدير عن عنوان الشبهة، فالشبهة إنّما يتصوّر بالنسبة إلى نفس الفعل و الترك من حيث التحريم أو الوجوب. و بعبارة أخرى الفتوى و الحكم من غير علم تشريع و افتراء على الشارع واقعا أو ظاهرا فيكون حراما واقعيّا أو ظاهريّا فلا يقبل لورود الترخيص و الإباحة الظاهريّة فيه.
فإن شئت قلت: ليس بالنسبة إلى الفتوى المردّدة واقعا تردّد بين الحلال و الحرام حتّى يجري فيها القضيّة المغيّاة الظاهريّة.
هذا مع أنّه إذا جعل حكم نفس الواقعة وجوب التوقّف و الاحتياط من حيث شمول أخبار التوقّف لها بالفرض و عدم شمول قوله كل شيء مطلق لها، حيث إنّه لا يحتمل فيه إلاّ الوجوب أو الاستحباب مثلا، كما هو المفروض فيصير حكم
........
الشرح
الواقعة معلوما في مرحلة الظاهر و الترخيص و الإرجاع إلى مشيّة الفقيه و إرادته إنّما هو فيما لم يعلم حكم الموضوع حتّى يتحقّق هناك حكم مردّد بين الأمرين، فهذه الأخبار واردة على قوله: «كل شيء مطلق» على هذا الاحتمال فلا يتصوّر هناك تعارض بينهما أصلا.
هذا مع أنّ الحكم بشموله للاعتقاد كما ترى ضرورة استحالة الاعتقاد بالحكم مع الشكّ فيه فلا يتصوّر ورود الترخيص فيه من الشارع، فقوله فتأمّل إشارة إلى بعض ما ذكرنا أو تمامه فافهم.
و في المناهج للفاضل النراقي بعد جعل النسبة الخصوص و العموم بين ما ذكره سادس الأقسام: «لما دلّ على حليّة محتمل التحريم في الشبهة الحكميّة قال مع أنّك قد عرفت المناقشة و التأمّل في دلالة المرسلة على حكم المقام نظرا إلى أنّ فيها احتمالين:
أحدهما: أنّ كلّ شيء مطلق لكلّ أحد حتّى يرد إليه نهي، و حينئذ يكون دالاّ على البراءة في محل البحث.
ثانيهما: أنّه كذلك حتّى ينهى عنه الشارع، فمن وصل إليه النهي فحكمه واضح، و أمّا من لم يصل إليه فلا دلالة له على حكمه؛ إذ لا يعلم فيما لا نصّ فيه أنّه هل ورد نهي أم لا؟ إلاّ أن يتم باستصحاب عدم ورود النهي» انتهى ما ذكره ملخّصا. و فيه ما لا يخفى على من راجع ما ذكرنا في توضيح دلالة الرواية، فإنّ المعنى الثاني لا محصّل له جدّا إذ حاصله أنّ ما لم يحرّمه الشارع واقعا فهو مباح واقعا و هو كما ترى.
هذا مضافا إلى ما في الاستدراك الذي ذكره، هذا و في الوسائل في طيّ الاحتمالات في المرسلة ما يظهر منه كون ما دلّ على الاحتياط و التوقّف رافعا لموضوعها، و أنّ المراد من ورود النهي في الشيء أعمّ من وروده فيه بعنوانه
........
الشرح
الخاص أو العام أي كونه مشكوك الحكم، حيث قال بعد نقل الرواية: «أقول هذا يحتمل وجوها:
أحدها: الحمل على التقيّة، فإنّ العامّة يقولون بحجيّة الأصل فيضعف عن مقاومة ما سبق من أخبار الاحتياط، مضافا إلى كونه خبر واحد لا يعارض المتواتر.
ثانيها: الحمل على الخطاب الشرعي خاصّة يعني أنّ كلّ شيء من الخطابات الشرعيّة يتعيّن حمله على إطلاقه و عمومه حتّى يرد فيه نهي يخصّ بعض الأفراد و يخرجه من الإطلاق، مثاله قوله عليه السلام: «كل ماء طاهر حتّى تعلم أنّه قذر»، فإنّه محمول على إطلاقه، فلمّا ورد النهي عن استعمال كل واحد من الإناءين إذا نجس أحدهما و اشتبها تعيّن تقييده بغير هذه الصّورة؛ و لذلك استدلّ به الصّدوق على جواز القنوت بالفارسيّة؛ لأنّ الأوامر بالقنوت مطلقة عامّة و لم يرد نهي عن القنوت بالفارسيّة يخرجها من إطلاقها.
و ثالثها: التخصيص بما ليس من نفس الأحكام الشرعيّة و إن كان من موضوعاتها و متعلّقاتها، كما إذا شك في جوائز الظالم أنّها مغصوبة أم لا.
و رابعها: أنّ النهي يشمل النهي العام و الخاص، و النهي العام بلغنا و هو النهي عن ارتكاب الشبهات في نفس الأحكام و الأمر بالتوقّف و الاحتياط فيها و في كلّ ما لا نصّ فيه.
و خامسها: أن يكون مخصوصا بما قبل كمال الشريعة و تمامها، و أمّا بعد ذلك فلم يبق شيء على حكم البراءة الأصليّة.
و سادسها: أن يكون مخصوصا بمن لم يبلغه أحاديث النهي عن ارتكاب الشبهات و الأمر بالاحتياط، لما مرّ و لاستحالة تكليف الغافل عقلا و نقلا.
و سابعها: أن يكون مخصوصا بما لا يحتمل التحريم، بل علمت إباحته و حصل
قبيل الأصل و الدليل، و ما يبقى فإن كان ظاهره الاختصاص بالشبهة الحكميّة التحريميّة مثل قوله عليه السلام: «كل شيء مطلق حتّى يرد فيه نهي»(1)، فيوجد في أدلّة التوقّف ما لا يكون أعم منه، فإنّ ما ورد فيه نهي معارض بما دلّ على الإباحة غير داخل في هذا الخبر و يشمله أخبار التوقّف، فإذا وجب التوقّف هنا وجب فيما لا نص فيه بالإجماع المركّب فتأمّل.
مع أنّ جميع موارد الشبهة التي أمر فيها بالتوقّف لا تخلو عن أن يكون شيئا محتمل الحرمة، سواء كان عملا أو حكما أم اعتقادا فتأمّل، و التحقيق في الجواب ما ذكرنا.
منها: صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال: «سألت أبا الحسن عليه
الشرح
الشك في وجوبه فهو مطلق حتّى يرد فيه نهي عن تركه، لأنّ المستفاد من الأحاديث هنا عدم وجوب الاحتياط بمجرّد احتمال الوجوب و إن كان راجحا، حيث لا يحتمل التحريم.
و ثامنها: أن يكون مخصوصا بالأشياء المبهمة التي يعمّ بها البلوى و يعلم أنّه لو كان فيها حكم مخالف للأصل لنقل كما يفهم من قول عليّ عليه السلام:
و اعلم يا بنيّ أنّه لو كان إله آخر لأتتك رسله و لرأيت آثار مملكته، و قد صرّح بنحو ذلك المحقّق في المعتبر و غيره» انتهى كلامه رفع مقامه، و أنت خبير بما في تمام الاحتمالات التي ذكرها سيّما ما ذكره رابع الوجوه و سادسها الذي يرجع إليه حقيقة و عند التأمّل، ثمّ إنّ الفاضل النراقي في المناهج و إن جعل ما دلّ على حليّة المشتبه كرواية مسعدة و أضرابها أخصّ من أخبار التوقّف إلاّ أنّك عرفت ظهوره في خصوص الشبهة الموضوعيّة.
1) عوالي اللئالي: ج 3، ص 462.
السلام عن رجلين أصابا صيدا و هما محرمان، الجزاء بينهما أو على كلّ واحد منها جزاء؟ قال بل عليهما أن يجزي كلّ واحد منهما الصيد. فقلت:
إنّ بعض أصحابنا سألني عن ذلك فلم أدر ما عليه. قال إذا أصبتم بمثل هذا و لم تدروا فعليكم الاحتياط حتّى تسألوا عنه و تعلموا»(1).
و منها: موثّقة عبد الرحمن بن وضّاح على الأقوى قال: «كتبت إلى العبد الصالح: يتوارى عنّا القرص و يقبل الليل و يزيد الليل ارتفاعا و يستر عنّا الشمس و يرتفع فوق الجبل حمرة و يؤذّن عندنا المؤذّنون فأصلّي حينئذ و أفطر إن كنت صائما أو أنتظر حتّى تذهب الحمرة التي فوق الجبل؟
فكتب عليه السلام أرى لك أن تنتظر حتّى تذهب الحمرة و تأخذ بالحائط لدينك»(2)، فإنّ الظاهر أنّ قوله عليه السلام و تأخذ بيان لمناط الحكم كما في قولك للمخاطب أرى لك أن توفّي دينك و تخلّص نفسك، فيدل على لزوم الاحتياط مطلقا.
و منها: ما عن أمالي المفيد الثاني ولد الشيخ بسند كالصحيح عن مولانا أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام لكميل بن زياد: «أخوك دينك فاحتط لدينك بما شئت»(3)، و ليس في السند إلاّ علي بن محمّد الكاتب الذي يروي عنه المفيد.
و منها: ما عن خط الشهيد رحمه اللّه في حديث طويل عن عنوان البصري عن أبي عبد اللّه عليه السلام يقول فيه: «سل العلماء ما جهلت و إيّاك أن تسألهم تعنّتا و تجربة، و إيّاك أن تعمل برأيك شيئا، و خذ الاحتياط في
جميع أمورك ما تجد إليه سبيلا و اهرب من الفتياء هربك من الأسد، و لا تجعل رقبتك عتبة للناس»(1).
و منها: ما أرسله الشهيد رحمه اللّه و حكى عن الفريقين من قوله: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإنّك لن تجد فقد شيء تركته للّه عزّ و جل»(2).
و منها: ما أرسله الشهيد رحمه اللّه أيضا من قوله عليه السلام: «لك أن تنظر الحزم و تأخذ بالحائطة لدينك»(3).
و منها: ما أرسل أيضا عنهم عليهم السلام: «ليس بناكب عن الصراط من سلك سبيل الاحتياط»(4).
و الجواب: أمّا عن «الصحيحة» فبعدم الدلالة؛ لأنّ المشار إليه (1) في قوله عليه السلام بمثل هذا إمّا نفس واقعة الصيد و إمّا أن يكون السؤال عن حكمها.
الشرح
(1) لا ريب في دوران الأمر في الصحيحة بين الوجهين المنتهيين إلى وجوه لا تعلّق لها بالمقام أصلا، توضيح ذلك أنّ مورد الاستدلال بالصحيحة على وجوب الاحتياط قوله عليه السلام: «إذا أصبتم بمثل هذا فلم تدروا فعليكم بالاحتياط حتّى تسألوا و تعلموا»، و المشار إليه يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون مسئوليّة المكلّفين عن حكم ما لا يعلمونه من الوقائع حيث إنّ جزاء الصّيد المشترك بين شخصين كان كذلك على ما فرض في السؤال، فالمعنى أنّ كلّما سألتم عن مسألة لا تدرون حكمها كما سألتم عن واقعة الصّيد
........
الشرح
و لم تدروا حكمها فعليكم بالاحتياط حتّى تسألوا و تعلموا، ثمّ إنّ قوله فعليكم بالاحتياط على هذا الوجه يحتمل وجهين:
أحدهما: أنّه يجب ترك الإفتاء مطلقا من غير فرق بين الإفتاء بالحكم الواقعي و الظاهري حتّى بالاحتياط، فلا بدّ أن يفرض الواقعة في غير محلّ الحاجة و إلاّ لم يكن معنى له و هي بهذا المعنى تمنع من القولين في المسألة في الجملة فلا بدّ على كلا القولين من حملها على ما يتمكّن من تحصيل العلم بحكمه نوعا، و دعوى أنّ الأخباري يلتزم بمضمونها و إنّما يترك الفعل لاحتمال الحرمة فاسدة، بما عرفته و ستعرف من فساد هذا التوهّم و أنّه لا مناص للأخباري من الحكم بوجوب الاحتياط في مرحلة الظاهر، و أنّ النزاع القابل إنّما هو في حكم المشتبه لا في دواعي الترك و الفعل أو الإفتاء بخصوص الحكم الواقعي للواقعة فلا تعرض لها للمنع عن الإفتاء بالحكم الظاهري بمقتضى الأصول فلا يجدي في المقام أصلا.
ثانيهما: أنّه يجب الإفتاء بالاحتياط و هذا مع كمال بعده عن مساق الرواية كما هو ظاهر لا بدّ من تنزيلها على ما يمكن فيه الاحتياط، و هذا كما ترى مبنى الاستدلال بالرواية، و يتوجّه عليه مضافا إلى لزوم ارتكاب التخصيص فيها بإخراج ما وافقنا الأخباري على عدم وجوب الاحتياط فيه كالشبهة الوجوبيّة مع كمال بعد التخصيص فيها بأنّه لا معين لهذا الاحتمال، و مجرّد احتماله لا يوجب رفع اليد عن مقتضى الأدلّة العقليّة و النقليّة القاضية بالبراءة فيما لا نصّ فيه، مع أن الالتزام بمقتضى هذا الاحتمال لا يجدي الأخباري في شيء ضرورة أنّ مقتضاه المنع من البراءة فيما يمكن من تحصيل العلم فيه و لو نوعا، و لا نضايق من القول بوجوب الاحتياط فيه و لا تثبت وجوب الاحتياط مطلقا، و دعوى الإجماع المركّب و عدم القول بالفصل كما ترى.
ثانيهما: أن يكون المشار إليه نفس واقعة الصّيد على أبعد الوجهين، فتدل بظاهرها
و على الأوّل: فإن جعلنا المورد من قبيل الشك في التكليف بمعنى أنّ وجوب نصف الجزاء على كل واحد متيقّن و يشك في وجوب النصف الآخر عليه فيكون من قبيل وجوب أداء الدين المردّد بين الأقل و الأكثر و قضاء الفوائت المردّدة، و الاحتياط في مثل هذا غير لازم بالاتّفاق؛ لأنّه شك في الوجوب و على تقدير قولنا بوجوب الاحتياط في مورد الرواية و أمثاله مما ثبت التكليف فيه في الجملة لأجل هذه الصحيحة و غيرها لم يكن ما نحن فيه من الشبهة مماثلا له لعدم ثبوت التكليف فيه رأسا.
الشرح
على وجوب في كلّ ما كان مثلها، فإن جعلنا الشك فيها من الشكّ في التكليف النفسي المستقل نظرا إلى رجوع الدوران فيها إلى الأقل و الأكثر الاستقلاليّين فتدلّ بظاهرها على وجوب الاحتياط في كل ما كان من هذا القبيل مع التمكّن من تحصيل العلم و لو نوعا، من غير فرق بين الشبهة الحكميّة و الموضوعيّة في وجه، و المقام ليس مماثلا لها من وجهين:
أحدهما: انتفاء العلم بالتكليف فيه رأسا.
ثانيهما: عدم التمكّن من تحصيل العلم فيه أصلا، و مراده قدّس سره من دعوى الاتّفاق على عدم وجوب الاحتياط في الفرض هو الاتّفاق بعنوان الإيجاب الكلّي، فلا ينافي ذهاب غير واحد إلى وجوب الاحتياط في الفوائت المردّدة بين الأقلّ و الأكثر فتأمّل، هذا كلّه مضافا إلى عدم ظهورها في هذا الاحتمال غاية الأمر دوران أمر الصحيحة بينه و بين غيره من الوجوه و الاحتمالات و إن جعلنا الشكّ فيها في المكلّف به نظرا إلى رجوع الدوران فيها إلى الأقلّ و الأكثر الارتباطي، فتدلّ على وجوب الاحتياط في كلّ ما كان أمره من الشكّ في المكلّف به مردّدا بين الأقلّ و الأكثر في الجملة، و لا تعلّق لها بما يبحث عنه من الشكّ في أصل التكليف.
و إن جعلنا المورد من قبيل الشك في متعلّق التكليف و هو المكلّف به لكون الأقل على تقدير وجوب الأكثر غير واجب بالاستقلال نظير وجوب التسليم في الصلاة، و الاحتياط هنا و إن كان مذهب جماعة من المجتهدين أيضا إلاّ أنّ ما نحن فيه من الشبهة الحكميّة التحريمية ليس مثلا لمورد الرواية؛ لأنّ الشك فيه في أصل التكليف، هذا مع أنّ ظاهر الرواية التمكّن من استعلام حكم الواقعة بالسؤال و التعلّم فيما بعد و لا مضايقة عن القول بوجوب الاحتياط في هذه الواقعة الشخصيّة حتّى تعلّم المسألة لما يستقبل من الوقائع.
و منه يظهر: أنّه إن كان المشار إليه بهذا هو السؤال عن حكم الواقعة كما هو الثاني من شقّي الترديد، فإن أريد بالاحتياط فيه الإفتاء بالاحتياط لم ينفع فيما نحن فيه، و إن أريد من الاحتياط الاحتراز عن الفتوى فيها أصلا حتّى بالاحتياط فكذلك.
و أمّا عن الموثقة فبأنّ ظاهرها الاستحباب (1)، و الظاهر أنّ مراده الاحتياط
الشرح
(1) لا إشكال في أنّ الظاهر من الموثّقة السؤال عن حكم الشكّ في دخول المغرب في الشبهة الموضوعيّة مع وجود الأمارات عليه بالنظر إلى مساقها، مع قطع النظر عمّا أفاده في وجه ظهورها فيه من كون الإرجاع إلى الاحتياط و بيان الحكم الظاهري في القضيّة الشخصيّة المسئول عنها منافيا لمنصب الإمام المنصوب لإزالة الشبهة عن حكم الوقائع، فإنّ احتمال الجهة المقتضية لتقرير الجاهل على جهله و بيان الحكم الظاهري له خلاف الأصل و القاعدة، و لا ريب أنّ الانتظار في مورد السؤال و أمثاله من الشبهات الموضوعيّة الراجعة إلى الشك في الإتيان بما كلّف به يقينا لازم قطعا لقاعدة الشغل، و قوله: «أرى لك»، و إن كان يستشمّ منه رائحة الاستحباب إلاّ أنّه لا بدّ من حمله على إرادة الوجوب من جهة ما ذكر، فالمراد من استظهار الاستحباب في كلامه قدّس سره محمول على ظهوره بالنظر إلى نفس
........
الشرح
التعبير المذكور، فلا ينافي ما ذكره بعد ذلك من نفي الرّيب في وجوب الانتظار فيما فرضه و فرضنا، فإنّ الجزم بإرادة الوجوب إنّما هو بملاحظة أخرى غير نفس التعبير، و لا يتوهّم دلالتها على وجوب الاحتياط على هذا التقدير أيضا؛ نظرا إلى ظهور قوله عليه السلام: و تأخذ الحائطة لدينك، في علّة الحكم على ما اعترف به في تقريب الاستدلال بالموثّقة، كيف و يلزمه وجوب الاحتياط في جميع موارد الشكّ في التكليف في الشبهة الموضوعيّة و الحكميّة مع كونه خلاف مذهب الأخباري جزما، و التعليل آب عن التخصيص قطعا فلا بدّ من أن يحمل على إرادة وجوب الاحتياط في كلّ ما كان مماثلا لمورد الرواية أو الطلب الإرشادي القدر المشترك فلا تعلّق لها بالمقام أصلا كما لا يخفى.
هذا و أمّا التمسّك بوجوب الانتظار في الفرض باستصحاب عدم الدليل أو الاشتغال بالصّوم و قاعدة الاشتغال بالصلاة فقد يناقش في الأوّل منهما بكونه أصلا مثبتا، و في الثاني بعدم جريانه أصلا كما ستقف على شرح القول فيه في الجزء الثالث من التعليقة إن شاء اللّه تعالى على ما عرفت في مطاوي كلماتنا و ستعرفه من أنّ استصحاب الشغل سواء أريد به ما ينتزع من التكليف أو نفسه لا محصّل له في أمثال المقام أصلا، هذا مع أنّ جريانهما مانع عن جريان القاعدة كما هو ظاهر، و منه يظهر أنّه لو قيل بجريان استصحاب اليوم في الفرض لم يكن معنى للتمسّك بأصل الاشتغال و إن كان هو الأصل في المسألة.
نعم التمسّك باستصحاب عدم دخول الليل للمنع عن صلاتها لا غبار فيه، بل ربّما يقال بتعيّن الرجوع إليه و عدم جواز التمسّك بقاعدة الشغل بالنسبة إليها من جهة الشك في أصل الاشتغال مع الشك في دخول الوقت و إن كان فاسدا نظرا إلى استقلال العقل في حكمه بعدم جواز القناعة باحتمال الامتثال عمّا توجّه إلى المكلّف أو يتوجّه إليه مع التمكّن من الإطاعة العلميّة، فلا فرق في مناط القاعدة
من حيث الشبهة الموضوعيّة؛ لاحتمال عدم استتار القرص و كون الحمرة المرتفعة أمارة عليها، لأنّ إرادة الاحتياط في الشبهة الحكميّة بعيدة عن منصب الإمام عليه السلام؛ لأنّه لا يقرر الجاهل بالحكم على جهله، و لا ريب
الشرح
بين الصورتين، و أمّا المنع من الرجوع إلى استصحاب عدم دخول الليل بالنسبة إلى الصوم فإنّما هو من جهة أنّ استصحاب عدم دخول الغاية لا يثبت كون الزمان المردّد قبلها، و إن كان ملازما له واقعا، و من هنا استندنا في منعه إلى كونه من الأصول المثبتة فتدبّر.
نعم يتوجّه على ما ذكرنا من جريان استصحاب عدم دخول الليل لنفي ما ترتّب عليه من الأحكام أنّ احتمال عدم دخول الوقت المضروب للصّلاة مع عدم قيام أمارة معتبرة عليه يكفي للحكم بعدم جوازها؛ نظرا إلى استقلال العقل في الحكم بعدم جواز القناعة بالموافقة الاحتماليّة مع التمكّن من الإطاعة العلميّة كما هو المفروض في المقام، فلا يترتّب أثر على عدم دخول الوقت في نفس الأمر حتّى يحكم به من جهة الاستصحاب.
نعم لو اعتقد دخول الوقت و صلّى و شكّ بعد الفراغ في دخول الوقت و أنّ صلاته وقعت قبل دخول الوقت بتمامها أو بعده فربّما يقال بتعيّن الرجوع إلى استصحاب عدم دخول الوقت للحكم بوجوب الإعادة لو لا حكومة قاعدة الشكّ بعد الفراغ عليه لو قيل بجريانها في المقام، و إن كان قد يمنع من الجريان في الفرض أيضا؛ نظرا إلى كفاية احتمال وقوع العمل قبل الوقت في الفرض أيضا من جهة قاعدة الاشتغال فتدبّر.
ثمّ إنّ تعليل وجوب الانتظار في الرواية فيما استظهرناه من الشبهة الموضوعيّة في فقه الحديث بالاحتياط يدلّ على عدم جريان استصحاب الزمان و إلاّ لم يكن معنى للتعليل المذكور كما هو ظاهر.
أنّ الانتظار مع الشك في الاستتار واجب؛ لأنّه مقتضى استصحاب عدم الليل و الاشتغال بالصوم و قاعدة الاشتغال بالصلاة فالمخاطب بالأخذ بالحائطة هو الشاك في براءة ذمّته عن الصوم و الصلاة، و يتعدّى منه إلى كلّ شاكّ في براءة ذمّته عمّا يجب عليه يقينا لا مطلق الشاك لأنّ الشاك في الموضوع الخارجي مع عدم تيقن التكليف لا يجب عليه الاحتياط باتّفاق من الأخباريّين أيضا.
هذا كلّه على تقدير القول بكفاية (1) استتار القرص في الغروب و كون الحمرة غير الحمرة المشرقية، و يحتمل بعيدا أن يراد من الحمرة الحمرة المشرقيّة التي لا بدّ من زوالها في تحقّق المغرب.
و تعليله حينئذ بالاحتياط، و إن كان بعيدا عن منصب الإمام عليه السلام كما لا يخفى، إلاّ أنّه يمكن أن يكون هذا النحو من التعبير لأجل التقيّة
الشرح
(1) لما استظهر من الرواية على ما عرفت اختصاصها بالشبهة الموضوعيّة أراد الإشارة إلى عدم دلالتها على وجوب الاحتياط في الشبهة الحكميّة، و محلّ البحث من حيث التعليل على تقدير إرادة الشبهة الحكميّة أيضا و إن كان في كمال البعد؛ نظرا إلى أنّ الانتظار واجب واقعا على تقدير إرادة الحمرة المشرقيّة التي لا بدّ من زوالها، فيكون التعبير بقوله أرى لك الذي يستشمّ منه رائحة الاستحباب من جهة التقيّة ممّن يقول بدخول المغرب مع عدم زوالها، فقد علّله بالاحتياط حتّى يتأدّى منه التقيّة فيزعم المخالف أنّ طلب الانتظار من جهة الجزم بغروب القرص لا أنّ المغرب لا يدخل معه مع عدم زوال الحمرة المشرقيّة، فلا بدّ من أن يكون المراد مجرّد رجحان الاحتياط و حسنه ضرورة أنّ وجوبه ينافي التقيّة كما هو ظاهر، فيدلّ على رجحان الاحتياط في جميع الموارد.
و هذا ممّا لا ننكره أصلا، فإنّ العقل مستقل في الحكم به على ما عرفت مرارا و ستعرفه تفصيلا.
لإيهام أنّ التأخير هو حصول الجزم باستتار القرص و زوال احتمال عدمه؛ لأنّ المغرب لا يدخل مع تحقّق الاستتار كما أنّ قوله أرى
لك يستشم منه رائحة الاستحباب، فلعلّ التعبير به مع وجوب التأخير من جهة التقيّة، و حينئذ فتوجيه الحكم بالاحتياط لا يدلّ إلاّ على رجحانه.
و أمّا عن رواية الأمالي (1) فبعدم دلالتها على الوجوب للزوم إخراج أكثر
الشرح
(1) لا إشكال فيما أفاده من عدم جواز إرادة وجوب الاحتياط من الرواية و إن كان الأمر بحسب الهيئة ظاهرا فيه؛ نظرا إلى أنّ حمله عليه يوجب التخصيص في الرواية بإخراج ما اتّفق الفريقان على عدم وجوب الاحتياط فيه، و هي آبية عن التخصيص جدّا نظرا إلى جعل الدين بمنزلة الأخ و حمله عليه، فكيف يعقل ارتكاب التخصيص فيها فلا بدّ من أن يلتزم بإرادة ما لا ينافيه التنزيل المذكور في الرواية من الطلب الشرعي القدر المشترك بين الوجوب و الاستحباب، فلا يلزم هناك تخصيص أصلا، أو الإرشادي القدر المشترك فلا ينافي وجوبه أيضا في بعض الموارد و عدمه في بعض آخر، فإنّه إذا جامع الطلب مع الإرشاد على ما هو الحق الواضح عندنا فلا محالة يوجد له قدر مشترك بين القسمين كما لا شبهة في وجود القسمين؛ نظرا إلى ما أفاده قدّس سره في الكتاب بقوله: (لأنّ تأكّد الطلب الإرشادي إلى آخره)، و أمّا التشبيه بالأمر في أوامر الإطاعة في الكتاب و السنّة حيث إنّ المراد منه الطلب الإرشادي القدر المشترك الجامع لجميع موارد الأحكام الاقتضائيّة فلعلّنا نتكلّم فيه بعد ذلك بعض الكلام، فإنّه و إن لم يكن إشكال في كون الأمر المتعلّق بالإطاعة للإرشاد المؤكّد لحكم العقل إلاّ أنّ صرفه عن ظاهره لا يخلو عن مناقشة، و جعل تأكيده لحكم العقل قرينة عليه حيث إنّه لا إشكال في حكمه بالإطاعة في جميع موارد الطلب فاسد جدّا، فإنّه يحكم بالإلزام في موارد الطلب الإلزامي الشرعي و بالاستحباب الإلزامي في موارد الطلب الغير الإلزامي،
موارد الشبهة و هي الشبهة الموضوعيّة مطلقا و الحكميّة الوجوبيّة و الحمل على الاستحباب أيضا مستلزم لإخراج موارد وجوب الاحتياط فتحمل على الإرشاد أو على الطلب المشترك بين الوجوب و الندب.
و حينئذ فلا ينافي لزومه في بعض الموارد و عدم لزومه في بعض آخر؛ لأنّ تأكّد الطلب الإرشادي و عدمه بحسب المصلحة الموجودة في الفعل، لأنّ الاحتياط هو الاحتراز عن موارد احتمال المضرّة فيختلف رضاء المرشد
الشرح
فليس هنا قدر مشترك في حكمه الوارد على القضايا الشخصيّة من سنخ الطلب الشرعي.
اللّهم إلاّ أن يقال إنّ وجود المحذور من إرادة المعنيين من لفظ الشارع مع وجود ممّا في نفس الأمر المستكشف عن الحكم العقلي أوجب حمل الكلام على إرادة الجامع بينهما فتدبّر، فالمراد من قوله و حينئذ فلا ينافي وجوبه إلى آخره بيان حكم حمل الرواية على الإرشاد، فالمراد من الإرشاد في كلامه هو الطلب الإرشادي القدر المشترك، كما أنّ المراد من قوله أو على الطلب القدر المشترك هو الطلب الشرعي القدر المشترك و إن كان ما أفاده بقوله: (و حينئذ فلا ينافي وجوبه) إلى آخره من نفي المنافاة لا يفرق فيه بينهما، إلاّ أنّ مراده بيان حال الطلب الإرشادي نظرا إلى التعليل بقوله: (لأنّ تأكّد الطلب الإرشادي) إلى آخره، أو خصوص الاستحباب بحمل الرواية على إرادة مرتبة خاصّة من الاحتياط و هي أعلى مراتبه و أوفاه برعاية احتمال الواقع في جميع موارده، و هذه أتمّ المراتب و أكملها، و تنزيل الدين منزلة الأخ ربّما يعيّن هذا المعنى حيث إنّه يقتضي كمال الاهتمام بشأنه و إن أيّ مرتبة من الاحتياط روعيت فهي في محلّها فتأمّل، حتّى لا يختلط عليك الفرق بين هذا المعنى و القدر المشترك و خصوص الوجوب في جميع الموارد و خصوص الاستحباب في جميعها فإنّه لا يخلو عن غموض.
بتركه و عدم رضاه بحسب مراتب المضرّة، كما أنّ الأمر في الأوامر الواردة في إطاعة اللّه و رسوله للإرشاد المشترك بين فعل الواجبات و فعل المندوبات هذا.
و الذي يقتضيه دقيق النظر أنّ الأمر المذكور بالاحتياط لخصوص الطلب الغير الإلزامي؛ لأنّ المقصود منه بيان أعلى مراتب الاحتياط لا جميع مراتبه و لا المقدار الواجب.
و المراد من قوله: بما شئت ليس التعميم من حيث القلّة و الكثرة و التفويض إلى مشيّة الشخص؛ لأنّ هذا كلّه مناف لجعله بمنزلة الأخ، بل المراد أنّ أي مرتبة من الاحتياط شئتها فهي في محلّها، و ليس هنا مرتبة من الاحتياط لا يستحسن بالنسبة إلى الدين؛ لأنّه بمنزلة الأخ الذي هو كذلك و ليس بمنزلة سائر الأمور لا يستحسن فيها بعض مراتب الاحتياط كالمال، و ما عدا الأخ من الرجال فهو بمنزلة قوله تعالى: فَاتَّقُوا اَللّٰهَ مَا اِسْتَطَعْتُمْ(1).
و ممّا ذكرنا يظهر الجواب عن سائر الأخبار (1) المتقدّمة مع ضعف السند في الجميع.
الشرح
(1) أمّا عدم ظهور باقي الأخبار المذكورة بعد رواية الأمالي في وجوب الاحتياط، مضافا إلى ما عرفت من لزوم ارتكاب التخصيص فيها بإخراج ما لا يجب فيه الاحتياط اتّفاقا مع إبائها عن التخصيص كما لا يخفى لمن راجع إليها، فلمنافاة مساق أكثرها أو كلّها لإرادة خصوص الوجوب، فلا بدّ من حملها على الطلب القدر المشترك الإرشادي أو خصوص النّدبي من الإرشادي بالمعنى الذي عرفته في رواية الأمالي كما هو ظاهر قوله عليه السلام: «و خذ الاحتياط في جميع»
1) سورة التغابن: الآية 15.
نعم يظهر من المحقّق (1) رحمه اللّه في المعارج اعتبار إسناد النبوي: «دع ما يريبك، حيث اقتصر في ردّه على أنّه خبر واحد لا يعوّل عليه في الأصول، و أنّ إلزام المكلّف بالأثقل مظنّة الريبة»(1).
الشرح
أمورك ما تجد إليه سبيلا»، و أمّا ضعف أسانيد باقي الأخبار فممّا لا حاجة إلى البيان أصلا، فلا يجوز الاستدلال بها على تقدير تسليم ظهورها في وجوب الاحتياط، و لا ينافي ما أفاده قدّس سره في المقام لما سيذكره في ردّ المحقّق قدّس سره بقوله: (ثمّ منع كون النبوي من أخبار الآحاد المجرّدة) إلى آخره؛ لأنّ إمكان دعوى تواتر مطلوبيّة ترك الشبهة بالمعنى الأعم لا ينافي القدح في سند كلّ واحد على تقدير تسليم ظهوره في الوجوب، لأنّ الوجوب غير متواتر جدّا و إنّما ادّعى تواتر مضمون مطلق المطلوبيّة فتدبّر.
(1) قد تقدّم ما اختاره المحقّق قدّس سره في مسألة العمل بأخبار الآحاد و أنّه ليس تابعا لصحّة السند و لا يعتبرها، و إنّما المعتبر عنده في عنوان القبول عمل جلّ الأصحاب بالخبر و في عنوان الرد إعراضهم عنه، فلعلّه الوجه عنده في ترك العمل بالخبر في المسألة الأصوليّة حيث إنّه لم يعهد منهم بزعمه العمل به فيها، و أمّا ما أجاب به ثانيا عن النبوي الراجع إلى المناقشة في دلالته فهو مبنيّ إلى ما عرفت الإشارة إليه في مطاوي كلماتنا السابقة و ستقف عليه من أنّ الذي دلّت الأدلّة الأربعة عليه إنّما هو حسن الاحتياط و رجحانه مطلقا، و أمّا وجوبه كذلك فلم يدلّ عليه دليل فليس أمرا يقينيّا فهو ريب، فلو دلّ النبوي على الوجوب فيلزم من إثباته نفيه و هو محال، فيكشف ذلك من عدم إرادة الوجوب منه، هذا و أمّا ما أفاده شيخنا قدّس سره من المناقشة فيما أفاده المحقّق قدّس سره فيرجع إلى وجوه بعضها يرجع إلى المناقشة فيما أفاده أوّلا، و بعضها يرجع إلى ما أفاده ثانيا في تقريب عدم الدلالة.
1) معارج الأصول: ص 217.
........
الشرح
منها: منع كون المسألة المبحوث عنها أصوليّة بل هي فرعيّة، سواء كان التكلّم فيها من حيث الدليل النقلي أو العقلي، نظرا إلى رجوع البحث فيها إلى البحث عن عوارض فعل المكلّف بلا واسطة من غير أن يكون له تعلّق بعوارض الأدلّة و البحث عن أحوالها و إن كان استنباط حكمها موقوفا على إعمال الأدلّة و البحث عن دلالتها كما هو الشأن في استنباط جميع الأحكام الفرعيّة، و إنّما الكلام في الحكم المستنبط من حيث تعلّقه بفعل المكلّف بلا واسطة و كونه محمولا أوّليّا له، و إن كان حكما ظاهريّا كليّا متعلّقا بالأفعال المشتبهة حكمها فإنّه لا يمنع من اندراجها في الحكم الفرعي كما هو الشأن في جميع القواعد الفقهيّة التي يبحث عنها في الفقه من الواقعيّة و الظاهريّة كقاعدة نفي الضرر و الجرح و وجوب الوفاء بالعقود و حليّة الأشياء و طهارتها في الشبهات الحكميّة، و هذا أحد الوجهين في المسألة الجاري في جميع الأصول العمليّة الجارية في جميع الشبهات الحكميّة من البراءة و الاستصحاب و التخيير، و هنا وجه آخر يقتضي اندراجها في المسألة الأصوليّة ستقف عليه في الجزء الثالث من التعليقة عند تكلّم شيخنا فيه إن شاء اللّه تعالى، و إن كان الأوجه الأوّل كما استظهره قدّس سره في المقام.
منها: منع كون النبوي من أخبار الآحاد لكون مضمونه و هو مطلوبيّة ترك الشبهة متواترا، و الكلام إنّما هو في حجيّة أخبار الآحاد في المسائل الأصوليّة العمليّة لا في الأخبار القطعيّة، هذا و قد يناقش فيما أفاده بأنّ التواتر بالمعنى المذكور لا يجدي نفعا في ردّ المحقّق قدّس سره، فإنّه إنّما ذكر الجواب المذكور بعد تسليم ظهور النبوي في الوجوب، نعم لو كان متواترا لفظيّا توجّه الإيراد عليه فتأمّل.
منها: منع اختصاص دليل حجيّة خبر الواحد بالمسألة الفرعيّة فإنّه ليس منحصرا بالإجماع قولا و عملا حتّى يدّعى عدم عموم له بالنسبة إلى المسألتين؛
و ما ذكره محلّ تأمّل لمنع كون المسألة أصوليّة، ثمّ منع كون النبوي من أخبار الآحاد المجرّدة؛ لأنّ مضمونه و هو ترك الشبهة يمكن دعوى تواتره، ثمّ منع عدم اعتبار أخبار الآحاد في المسألة الأصوليّة و ما ذكره: (من أنّ إلزام المكلّف بالأثقل) إلخ، فيه أنّ الإلزام من هذا الأمر فلا ريبة فيه.
ففي مقبولة ابن حنظلة الواردة في الخبرين المتعارضين بعد الأمر بأخذ المشهور منهما و ترك الشاذ النادر معلّلا بقوله عليه السلام: «فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه»، قوله: «إنّما الأمور ثلاثة: أمر بيّن رشده فيتّبع، و أمر بيّن غيّه
الشرح
لأنّ من أدلتها ما دلّ من الأخبار المتواترة على حجيّة خبر الثقة الشامل للمسألتين، نعم الممنوع عندنا عدم حجيّة خبر الواحد في المسائل الاعتقاديّة على ما عرفت شرح القول فيه في الجزء الأوّل من التعليقة.
منها: أنّ ما أفاده في تقريب منع دلالة النبوي على وجوب الاحتياط من حيث إنّه يدلّ على وجوب اختيار ما لا ريب فيه عند الدوران بينه و بين ما فيه ريب و الإلزام بالأثقل فيه ريب أيضا، سيّما بملاحظة ما دلّ على ابتناء الشرع على اليسر و السهولة محل نظر، حيث إنّ مدلوله حكم الواقعة المردّدة بين الأمرين فيلاحظان بالنسبة إلى الفعل و الترك، و أين هذا من بيان حكم الواقعة فإنّه لا يتصوّر فيه الدوران أصلا من حيث إنّه لا يتّفق بالنسبة إلى الأحكام المردّدة أصلا.
هذا و إن شئت قلت: إنّ الإلزام بالأثقل و وجوب الاحتياط إنّما استفيد بملاحظة النبوي و حمل أمره على الوجوب، فلا يمكن أن يصير موضوعا له كما هو ظاهر.
فيجتنب، و أمر مشكل يردّ حكمه إلى اللّه و رسوله، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله حلال بيّن و حرام بيّن و شبهات بين ذلك، فمن ترك الشبهات نجا من المحرّمات، و من أخذ بالشبهات وقع في المحرّمات و هلك من حيث لا يعلم»(1).
وجه الدلالة: أنّ الإمام عليه السلام أوجب طرح الشاذ (1) معلّلا بأنّ المجمع عليه لا ريب، و المراد أنّ الشاذ فيه الريب لا أنّ الشهرة تجعل الشاذ
الشرح
(1) لا إشكال في دلالة استدلال الإمام عليه السلام بالنبوي عليه السلام على وجوب طرح الشاذ من حيث وجود ريب فيه لا يوجد في مقابله و هو المشهور رواية على إرادة وجوب اجتناب الشبهات المردّدة بين الحلال و الحرام من النبوي، و إن سلّم عدم ظهور النبوي بنفسه في ذلك على تقدير تسليم دلالة الحديث على الاستدلال، لكنّه مبنيّ على ما أفاده قدّس سره من كون الشاذّ من المشكل في التثليث الإمامي عليه السلام لا بيّن الغيّ، و يدلّ عليه مضافا إلى ظهوره و وضوحه و إن منعه بعض الأفاضل ممّن قارب عصرنا أمور:
منها: عدم صلاحيّة الشهرة من حيث الرواية لذلك كما هو ظاهر لا يرتاب فيه.
منها: أنّ قطعيّة البطلان من جميع الجهات يرفع التحيّر و التعارض فلا داعي للسؤال و لا معنى له أصلا كما لا يخفى.
منها: أنّه لا يناسب تقديم الترجيح من حيث الصفات على الترجيح من حيث الشهرة و الشذوذ من حيث الرواية، فإنّ إطلاقه يقتضي جواز الأخذ بالأرجح من حيث صفة الراوي و إن كان الآخر مشهور الرواية بين الأصحاب بناء على إناطة الترجيح بالمرجّحات المنصوصة، و منه يظهر فساد توهّم جعل الشاذّ من البيّن الغي من حيث الصّدور و المشهور من البيّن الرشد كذلك؛ ضرورة أنّ القطع بعدم
1) الكافي: ج 1، ص 68.
........
الشرح
الصدور يمنع من التعارض و الترجيح.
منها: أنّ الحكم بعدم جواز الأخذ بما هو ظاهر البطلان لا يناسب تثليث الأمور و لا الاستشهاد بتثليث النبوي فإنّه أمر مركوز في النفوس لا يحتاج إلى تقريب و مقدّمة.
و منها: أنّ إيجاب الشهرة صيرورة المشهور بيّن الرشد من جميع الجهات لا يجامع فرض الراوي الشهرة في كلا الخبرين. إلى غير ذلك ممّا ستقف عليه في محلّه إن شاء اللّه تعالى، هذا كلّه مضافا إلى ظهور النبوي في وجوب الاحتياط بنفسه مع قطع النظر عن استشهاد الإمام، فإنّ قوله - صلّى اللّه عليه و آله: «فمن ترك الشبهات نجا من المحرّمات، و من أخذ بالشبهات وقع في المحرّمات و هلك من حيث لا يعلم» - و إن كان إخبارا عن لازم ترك الشبهة و ارتكابها، إلاّ أنّه مستتبع لا محالة عن حكم إنشائي و طلب من الشارع، فإنّه من أحد وجوه بيان الأحكام للموضوعات، فإنّه كثيرا يكتفي الشارع عن بيان الحكم بذكر لازم الفعل و الترك، و هذان اللازمان مستتبعان لطلب الإلزامي سيّما الهلاك المترتّب على ارتكاب الشبهة الظاهر الهلكة الأخرويّة، و إلاّ يلزم ما يحكم به العقل بقبحه من العقاب من دون بيان.
و هذا الذي ذكرنا في تقريب دلالة النبوي على وجوب الاحتياط هو المراد بقول شيخنا قدّس سره، مضافا إلى دلالة قوله: (نجا من المحرّمات) إلى آخره.
و مثله في الدلالة على وجوب الاحتياط النبوي المروي عن أبي عبد اللّه عليه السلام المتقدّم ذكره في أخبار التوقّف، فإنّ قول رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله فيه: إنّما الأمور ثلاثة، مثل قوله عليه السلام في هذا الحديث في الدلالة على وجوب الاحتياط، و إن كان دونه في الظهور من حيث عدم استشهاد الإمام عليه السلام به على مطلب إلزاميّ، و دونه في الظهور مرسلة الصّدوق عن أمير المؤمنين
........
الشرح
عليه السلام فإنّ المترتّب على ترك الشبهة فيها صيرورته سببا لترك المحرّم المعلوم، كما أنّ المترتّب على ارتكابها حمل نفس المكلّف له على ارتكابه و جرّه إليه بنحو من السّببيّة و الجرّ.
هذا و الجواب عن الاستدلال بالنبوي على الوجه الأوّل في تقريب دلالته المبني على استدلال الإمام عليه السلام به على وجوب طرح الشاذّ من المتعارضين المنع من كون الإمام عليه السلام في مقام الاستدلال أوّلا، و إنّما هو في مقام التقريب و ذكر ما يسهل بملاحظته أخذ المطلب و قبوله، فإنّ رجحان ترك ما يحتمل التحريم على ما قرّره النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و بيّنه مع عدم محذور فيه يقرّب قبول لزوم ترك الشاذّ الذي فيه ريب في طريق الحكم في مقام التحيّر و دوران الأمر بينه و بين الأخذ بما لا ريب فيه بالنسبة إليه و منع دلالته على كون ترك الشبهة واجبا على تقدير الإغماض ثانيا، فإنّ الاستدلال برجحان ترك المشتبه المردّد بين الحلال و الحرام على لزوم ترك الشاذ من الخبرين في مقام الطريق المترتّب على العمل به الخطاء كثير أو الأخذ بما ليس طريقا شرعا لا ضير فيه أصلا، و إن هو إلاّ نظير الاستدلال بكراهة الصّلاة في ثوب من لا يحترز عن النجاسات على عدم جواز الصّلاة في الثوب النجس، و هذا الجواب الثاني كما ترى لا يخلو عن مناقشة، و من هنا أمر شيخنا قدّس سره بالتأمّل فيه، فإنّ مبني ما أفاده بقوله: فيكفي حينئذ إلى آخره على الجواب الثاني لا الجواب الأوّل، و إن أمكن إرجاعه إليه بنحو من التكلّف.
هذا و أمّا الجواب عنه على التقريب الثاني في وجه دلالته فهو أنّ المستفاد منه بالالتزام هو الطلب الإرشادي المشترك بين الوجوب و الندب حسب الهلكة المحتملة في الفعل، فإنّ الهلكة المحتملة بقول مطلق ليست ملزومة لطلب إلزامي إرشاديّ فضلا عن الشرعي، توضيح ذلك أنّه رتّب في النبوي على ارتكاب الشبهات
........
الشرح
الوقوع في المحرّمات المستلزم للهلاك من حيث لا يعلم، فأمّا أن يراد من الشبهات الاستغراق الحقيقي على ما هو قضيّة الجمع المحلّى بظاهره، أو الاستغراق بالنسبة إلى ما يكون واقعة للمكلّف، أو الجمع العرفي، أو جنس الجمع، أو جنس الفرد، و كذلك قوله المحرّمات إمّا أن يراد منه جميع المحرّمات الواقعيّة من المعلومة و المجهولة، أو خصوص المجهولة المحقّقة في ضمن المشتبهات، أو جنس الجمع، أو غير ذلك ممّا عرفت، و المراد منهما هو جنس الجمع فإنّه المناسب للمقام من حيث كون النبوي في مقام إعطاء حكم الأمر المردّد بين الحلال و الحرام لا حكم جميعها من حيث جمعها في الارتكاب، و المراد من متعلّق العلم في قوله: (و هلك من حيث لا يعلم)، إمّا الحرام أو سبب وقوعه فيه. إذا عرفت ذلك.
فنقول: إمّا أن يراد من الحرام الحرام المتحقّق في ضمن المشتبه على تقدير مصادفته له فيكون المراد من الوقوع الوقوع على هذا التقدير لا مطلقا، و إمّا أن يراد من الحرام الحرام المحقّق المعلوم فلا بدّ أن يكون المراد من الوقوع الإشراف و تقريب النفس إلى ارتكاب الحرام كما هو المستفاد من مرسلة الصدوق و ما رواه مولانا الباقر عليه السلام عن جدّه و غيرهما من الأخبار التي ذكرت في الكتاب ضرورة عدم التلازم بين ارتكاب المشتبه و الوقوع في الحرام المعلوم، و الاستدلال لا بدّ أن يكون مبنيّا على الوجه الأوّل، و أمّا الوجه الثاني فغاية ما يستفاد منه رجحان الترك و مطلوبيّته إرشادا ندبا ليس إلاّ، فإنّه لم يقل أحد بأنّ إشراف النفس إلى الحرام من المحرّمات الشرعيّة، فإنّه موجود في ارتكاب المكروه أيضا إذا كان كثيرا، و كذا في ارتكاب الشبهات الموضوعيّة التي اتّفق الأخباريّون على إباحتها.
و بالجملة النبوي على هذا الوجه يدلّ على إثبات الصغرى و بيانها و الكبرى المطويّة المسلّمة إنّما هو رجحان تبعيد النفس من الوقوع في الحرام إرشادا ليس
........
الشرح
إلاّ، و لعلّه الظاهر من النبوي سيّما بملاحظة سائر الأخبار المساوقة له الظاهرة فيه من دون تأمّل، فلا معنى للاستدلال به أصلا، فإنّه على هذا التقدير ظاهر في خصوص الندب كما هو ظاهر، و أمّا الوجه الأوّل الذي عرفت كونه مبنى الاستدلال فيتوجّه عليه أنّ الوقوع في الحرام الواقعي كيف ما كان و لو لم يكن هناك بيان بالنسبة إليه و كان المكلّف معذورا في مخالفته لا يلازم العقاب و الهلكة الأخرويّة لتطابق الأدلّة الأربعة على نفي المؤاخذة و العقاب من دون بيان، فلا بدّ من أن يكون المراد من الهلكة المعنى الأعمّ من المفسدة الدنيويّة و الأخرويّة.
و من المعلوم أنّ هذا المعنى يستكشف من إثباته بالنبويّ و إنّما يلازم الطلب القدر المشترك الإرشادي فيتبع خصوصيّات هذا القدر المشترك خصوصيّات الهلكة في الموارد الخاصّة، فإن كان المحتمل العقاب كما في الشبهة المحصورة و نحوها من موارد عدم العذر فيحكم العقل بوجوب الاحتياط إرشادا، و إن كان غيره من المفاسد الكامنة في الأفعال فيحكم العقل بحسن الاحتياط فهذا النبوي لا يجدي في إثبات الموضوع و لا في إثبات محموله في الموارد الشخصيّة على ما أسمعناك في طيّ ما قدّمناه لك فراجع، و دعوى أنّ الظاهر من الهلكة في لسان الشارع الأخرويّة فيستكشف من النبوي بالالتزام من الطلب الشرعي الظاهري الإلزامي بضميمة حكم العقل بقبح العقاب من دون بيان قد عرفت فسادها في مطاوي كلماتنا السابقة بما لا مزيد عليه، و أمّا المؤيّدات المذكورة في الكتاب لصرف النبوي عن ظاهره على تقدير تسليم ظهوره المنطبقة على ما يستفاد منه و الموافقة له مفادا في الجملة فهي أدلّة على المدّعى و شواهد عليه حقيقة، لا أن يكون الحاصل منها مجرّد التأييد و التقوية.
اللّهم إلاّ أن يكون المراد من التأييد ما يعمّ الدلالة فإنّها نحو من التأييد أيضا إذا لوحظ وجود دليل آخر، نعم قد يتوهّم أنّ الوجه الأخير أي الأخبار لا يصلح
........
الشرح
للدلالة لكنّه فاسد بعد التأمل في مساقها و أنّ الغرض من الجميع مطلب واحد فيكفي دليلا للصرف أو تأييدا للمستفاد من النبوي من إرادة مطلق الرجحان لا خصوص الإلزام، نعم مفاد الوجه الثالث خصوص الطلب الندبي على ما عرفت الإشارة إليه فينطبق على المعنى الثاني للوقوع في الحرام الذي قد عرفت عدم ابتناء الاستدلال عليه، فالغرض مجرّد ذكر ما يدلّ على عدم كون النبوي في مقام خصوص الإلزام و جعله ردّا على من زعم ذلك و إن كان مفاده الطلب الإرشادي الندبي فإنّه يكفي ردّا عليه و إن انطبق على المعنى الثاني.
و ممّا ذكرنا كلّه يندفع ما يتوجّه على ما أفاده شيخنا في المقام من الخلط بين المعنيين، و أنّ مبنى ما ذكره في الجواب من حمل الأمر في النبوي على الطلب القدر المشترك الإرشادي على إرادة المعنى الأوّل من الوقوع لا الثاني منه فتدبّر، ثمّ إنّ ما أفاده في تقريب الأمر الأوّل من منافات التخصيص و لو لم يكن كثيرا أو أكثر لسياق النبوي الوارد في مقام الحصر و أنّ الوقوع في الحرام الموجب للهلاك لا ينفكّ عن ارتكاب المشتبه الكاشف عن طلب ترك الارتكاب أينما وجد ممّا لا إشكال فيه، و أمّا لزوم تخصيص الأكثر بإخراج الشبهات الموضوعيّة التحريميّة فهو مبنيّ على كون خروجها بإخراجات كثيرة و بعنوانات متعدّدة، و أمّا إذا كان بعنوان واحد و إن كان المخرج كثيرا على ما يقتضيه التأمّل في دليل الجواز فلا يتوجّه عليه لزوم تخصيص الأكثر الموجب لوهن العموم كما حقّق في محلّه، و أمّا توهّم الخروج الموضوعي للشبهة الموضوعيّة من حيث أنّ دليل جوازها يقتضي بإباحتها ظاهرا فيكون من الحلال البيّن فيكون واردا على النبوي لا مخصّصا فقد أوضح فساده في الكتاب، و أنّه بناء عليه نقول بمثله في الشبهات الحكميّة و أنّ دليل جواز ارتكابها من الأدلّة المتقدّمة يقتضي بكونها من الحلال البيّن فيكون واردا على النبوي فيختصّ بما لا يجري فيه دليل البراءة من الشكّ في المكلّف به.
ممّا لا ريب في بطلانه، و إلاّ لم يكن معنى لتأخر الترجيح بالشهرة عن الترجيح بالأعدليّة و الأصدقيّة و الأورعيّة، و لا لفرض الراوي الشهرة في كلا الخبرين و لا لتثليث الأمور، ثمّ الاستشهاد بتثليث النبي صلّى اللّه عليه و آله.
و الحاصل: أنّ الناظر في الرواية يقطع بأنّ الشاذ ممّا فيه الريب فيجب طرحه و هو الأمر المشكل الذي أوجب الإمام ردّه إلى اللّه و رسوله صلّى اللّه عليه و آله.
فيعلم من ذلك كلّه أنّ الاستشهاد بقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في التثليث لا يستقيم إلاّ مع وجوب الاجتناب عن الشبهات، مضافا إلى دلالة قوله نجا من المحرّمات بناء على أنّ تخلص النفس من المحرّمات واجب، و قوله صلّى اللّه عليه و آله: «وقع في المحرّمات و هلك من حيث لا يعلم».
و دون هذا النبوي في الظهور النبوي المروي عن أبي عبد اللّه عليه السلام في كلام طويل، و قد تقدّم في أخبار التوقّف، و كذا مرسلة الصدوق عن أمير المؤمنين عليه السلام.
و الجواب عنه: ما ذكرنا سابقا من أنّ الأمر بالاجتناب عن الشبهة إرشادي للتحذير عن المضرّة المحتملة فيها، فقد تكون المضرّة عقابا و حينئذ فالاجتناب لازم، و قد تكون مضرّة أخرى فلا عقاب على ارتكابها على تقدير الوقوع في الهلكة كالمشتبه بالحرام، حيث لا يحتمل فيه الوقوع في العقاب على تقدير الحرمة اتفاقا لقبح العقاب على الحكم الواقعي المجهول باعتراف الأخباريّين أيضا كما تقدّم.
و إذا تبيّن لك أنّ المقصود من الأمر بطرح الشبهات ليس خصوص الإلزام فيكفي حينئذ في مناسبة ذكر كلام النبي صلّى اللّه عليه و آله المسوق للإرشاد أنّه إذا كان الاجتناب عن المشتبه بالحرام راجحا تفصيا عن الوقوع
في مفسدة الحرام، فكذلك طرح الخبر الشاذ واجب لوجوب التحرّي عند تعارض الخبرين في تحصيل ما هو أبعد من الريب و أقرب إلى الحقّ، إذ لو قصّر في ذلك و أخذ بالخبر الذي فيه الريب احتمل أن يكون قد أخذ بغير ما هو الحجّة له، فيكون الحكم به حكما من غير الطريقة المنصوبة من الشارع فتأمّل.
و يؤيّد ما ذكرنا من أنّ النبوي ليس واردا في مقام الإلزام بترك الشبهات أمور:
أحدها: عموم الشبهات للشبهة الموضوعيّة التحريمية التي اعترف الأخباريّون بعدم وجوب الاجتناب عنها و تخصيصه بالشبهة الحكميّة، مع أنّه إخراج لأكثر الأفراد مناف للسياق، فإنّ سياق الرواية آب عن التخصيص؛ لأنّه ظاهر في الحصر، و ليس الشبهة الموضوعيّة من الحلال البيّن و لو بني على كونها منه لأجل أدلّة جواز ارتكابها قلنا بمثله في الشبهة الحكميّة.
الثاني: أنّه صلّى اللّه عليه و آله رتّب على ارتكاب الشبهة الوقوع في المحرّمات و الهلاك من حيث لا يعلم، و المراد جنس الشبهة؛ لأنّه في مقام بيان ما تردّد بين الحرام و الحلال لا في مقام التحذير عن ارتكاب المجموع، مع أنّه ينافي استشهاد الإمام عليه السلام، و من المعلوم أنّ ارتكاب جنس الشبهة لا يوجب الوقوع في الحرام و لا الهلاك من حيث لا يعلم إلاّ على مجاز المشارفة، كما يدلّ عليه بعض ما مضى و ما يأتي من الأخبار، فالاستدلال موقوف على إثبات كبرى و هي أنّ الإشراف على الوقوع في الحرام و الهلاك من حيث لا يعلم محرّم من دون سبق علم به أصلا.
الثالث: الأخبار الكثيرة المساوقة لهذا الخبر الشريف الظاهرة في الاستحباب
بقرائن مذكورة فيها:
منها: قول النبي صلّى اللّه عليه و آله في رواية النعمان و قد تقدّم في أخبار التوقّف.
و منها: قول أمير المؤمنين عليه السلام في مرسلة الصدوق أنّه خطب و قال:
«حلال بيّن و حرام بيّن و شبهات بين ذلك، فمن ترك ما اشتبه عليه من الإثم فهو لما استبان له أترك، و المعاصي حمى اللّه فمن يرتع حولها يوشك أن يدخلها»(1).
و منها: رواية أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: «قال جدّي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في حديث يأمر بترك الشبهات بين الحلال و الحرام من رعى غنمه قرب الحمى نازعته نفسه إلى أن يرعاها في الحمى إلاّ أنّ لكل ملك حمى و إنّ حمى اللّه محارمه، فاتّقوا حمى اللّه و محارمه»(2).
و منها: ما ورد من: «أنّ في حلال الدنيا حسابا و في حرامها عقابا و في الشبهات عتابا»(3).
و منها: رواية فضل بن عيّاض قال: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السلام من الورع من الناس؟ قال الذي يتورّع عن محارم اللّه و يجتنب هؤلاء، فإذا لم يتّق الشبهات وقع في الحرام و هؤلاء يعرفه»(4).
أحدهما: أنّا نعلم إجمالا قبل مراجعة الأدلّة الشرعية بمحرّمات كثيرة (1) يجب بمقتضى قوله تعالى: وَ مٰا نَهٰاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا(1)و نحوه الخروج عن
الشرح
(1) لا يخفى عليك الاستدلال بالدليل العقلي على مذهب الأخباري إمّا أن يكون من جهة كونه من العقل الفطري على أبعد الوجوه، أو الضروري الغير المعارض بالعقل أو النظري المعاضد بالنقل، أو يكون مبنيّا على الإلزام؛ لأنّ الاستدلال به على مذهبهم لا يجوز إلاّ بأحد التقادير.
ثمّ إنّ الفرق بين الوجهين مع ابتنائهما على احتمال الضرر هو ملاحظة العلم الإجمالي على الوجه الأوّل و عدم ملاحظته على الوجه الثاني، ثمّ إنّ محصّل هذا الوجه أنّا نعلم إجمالا بوجود محرّمات كثيرة في الوقائع المشتبهة نسبتها إلى المحتملات نسبة الحرام إلى الحلال في الشبهة المحصورة، فهي من شبهة الكثير في الكثير، كما أنّ الشبهة المحصورة من شبهة القليل في القليل، و مقتضى العلم الإجمالي بحكم العقل المستقل على ما عرفت مرارا و ستعرفه تنجّز الخطاب بالمعلوم إجمالا، فلمّا كان محتملا في كلّ شبهة فيحتمل العقاب عند ارتكاب كل شبهة و يستقل العقل بوجوب دفعه، و هذا معنى أنّ الاشتغال اليقيني يقتضي في حكم العقل البراءة اليقينيّة، فإنّ مبنى وجوب تحصيل العلم بالبراءة عن التكليف المعلوم و الخطاب المنجّز في حكم العقل هو حكمه بلزوم دفع الضرر المحتمل.
و من هنا أنكر وجوب الاحتياط في الشبهة المحصورة و نحوها من صور الشكّ في المكلّف به من زعم عدم إلزام العقل بدفع الضرر المحتمل كالمحقّق القمّي قدّس سره في القوانين على ما ستقف عليه، فالصغرى و هي وجود العلم بالمحرّمات
1) سورة الحشر: الآية 7.
........
الشرح
الكثيرة في الوقائع المشتبهة و إن كانت وجدانيّة إلاّ أنّ الكبرى عقليّة، و إن كشف حكم العقل عن حكم الشارع على الملازمة بينهما كما هو الشأن في جميع ما يستقل العقل بحكمه لكنّه ليس من التمسّك بالدليل النقلي الكاشف عن حكم الشارع أيضا كالدليل العقلي، و بمثل ما عرفته ينبغي تحرير المقام في بيان الوجه الأوّل لا بمثل ما حرّره قدّس سره في الكتاب، فإنّه قد يشتبه أمره على بعض الأوائل فيزعم أنّه يريد التمسّك لإثبات الكبرى بالكتاب و نحوه من الأدلة النقليّة الدّالّة على وجوب الانتهاء عمّا نهى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله عنه فيورد عليه بأنّه خروج عن الفرض و عدول عن التمسّك بالدليل العقلي إلى الدليل النقلي، مضافا إلى أنّ الآية و أمثالها لا تقتضي ثبوت تكليف شرعيّ متعلّق بالحرام المعلوم و إنّما تقتضي خطاب إلزامي إرشاديّ، هذا مضافا إلى أنّ قوله: (لأنّ الاشتغال اليقيني) إلى آخره، لا يناسب المقام أيضا أصلا؛ لأنّ اقتضاء الاشتغال اليقيني البراءة اليقينيّة من جهة الاتّفاق خروج عن الفرض أيضا، فلا مساسة له أصلا و إن كان الزعم المذكور فاسدا نظرا إلى وضوح المراد لمن أعطى النظر إلى أطراف كلماته، فإنّ المراد ليس التمسّك بالآية الشريفة بل المراد التمسّك بما هو مركوز في النفوس من وجوب إطاعة خطابات الشارع بالوجوب الإرشادي الذي أكّده الآية الشريفة، و ليس مدلولها حكما تأسيسيّا من الشارع بل هو تأكيد لحكم العقل كما يدلّ عليه قوله و نحوه فتدبّر.
و أمّا قوله: لأنّ الاشتغال اليقيني إلى آخره، فليس الغرض منه التمسّك بالإجماع الاصطلاحي بل الغرض أنّ اقتضاء الشغل اليقيني في حكم العقل البراءة اليقينيّة ممّا اتفق عليه الكل و لا منازع فيه أصلا من الفريقين، فالغرض من قوله: (و يجب بمقتضى قوله تعالى) الإشارة إلى وجوب إطاعة الخطابات المعلومة، و من قوله:
(لأنّ الاشتغال اليقيني)، إثبات أنّ الواجب في حكم العقل من مراتب الإطاعة في
........
الشرح
المقام الإطاعة العلميّة فهو دليل للزوم الخروج عن عهدة مخالفة النواهي المعلومة بعد تنجّزها و وجوب إطاعتها بأحد الوجهين، لكنّ الأولى مع ذلك تحرير المقام بما عرفته، فاستفادة المراد منه لا تحتاج إلى تكلّف أصلا.
ثمّ إنّ تماميّة الدليل المذكور لمّا كانت موقوفة على بقاء العلم الإجمالي المذكور بعد الرجوع إلى الأدلّة الشرعيّة و حصول العلم منها بالأحكام المعلومة إجمالا بعنوان التفصيل، فلا بدّ من ضمّ قوله: (و بعد مراجعة الأدلّة) إلى آخره، إلى ما ذكره حتّى يتم الدليل المذكور، و حاصله: أنّ الرجوع إلى الأدلّة الشرعيّة لا يوجب ارتفاع العلم الإجمالي بالمحرّمات الكثيرة، غاية ما هناك حصول العلم التفصيلي منها بجملة من المحرّمات الواقعيّة، و معه يعلم أيضا بوجود محرّمات كثيرة في الوقائع المشتبهة، فلمّا كانت الضميمة المذكورة ممّا يتوقّف عليه تماميّة الدليل و ادّعي ثبوتها توجّه عليه السؤال بقوله: (فإن قلت بعد مراجعة الأدلّة) إلى آخره، الذي يرجع حاصله إلى المنع من بقاء العلم الإجمالي المذكور بعد الاطلاع على محرّمات كثيرة من الأدلّة الشرعيّة يحتمل انحصار المعلوم بالإجمال فيها فيخرج المشكوكات بالملاحظة المذكورة عن أطراف العلم الإجمالي، فلا يتم الدليل المذكور حيث إنّ الكلام في المقام بعد التفحّص التام إذ لم يقل أحد بعدم وجوب الاحتياط و الرجوع إلى البراءة قبل الفحص في الشبهة الحكميّة.
و حاصل ما أفاده في الجواب عن السؤال المنع من حصول الاطّلاع التفصيلي العلمي بالمحرّمات الإجماليّة بعد الرجوع إلى الأدلّة و إن حصل العلم ببعضها، فإنّه إن كان المراد من حصول العلم بها في مرحلة الواقع فيتوجّه عليه المنع من حصول العلم التفصيلي بالواقعيّات المعلومة إجمالا المجهولة تفصيلا من الأدلّة الشرعيّة بعد وضع ما علم بالضرورة الدينيّة أو المذهبيّة حرمته، حيث إنّه خارج عن الفرض ضرورة قلّة ما يوجب العلم بالواقع فيما بأيدينا من الأدلّة القطعيّة من العقل المستقل
........
الشرح
و الإجماع القطعيّ الكاشف عن الحكم الواقعي و الآية المحكمة التي تكون نصّا بحسب الدلالة على المراد و السنّة القطعيّة من جميع الجهات، فإنّ القطعيّة في الجملة و لو بحسب السند لا تجدي في قطعيّة الحكم المستفاد ضرورة تبعيّة النتيجة لأخسّ المقدّمتين، فكثرة آيات الأحكام و السنّة المتواترة و الآحاد المحفوفة بما يوجب القطع بصدورها لا تجدي نفعا في قطعيّة الحكم مع عدم قطعيّة جهة صدورها أو المراد منها أو هما معا، فمن يدّعي انفتاح باب العلم بالأحكام لعلّه يريد مجرّد العلم بصدور أكثر الأخبار المودعة في الكتب بسند واحد كالسيّد و أضرابه، في قبال من يدّعي ظنّية صدورها و العمل بها و الحال هذه، كما يشهد به بعض كلمات السيّد و إن كان ينافيه بعض كلماته الأخر بظاهره، و بالجملة حصول العلم التفصيلي بحرمة جملة من الأمور يحتمل انحصار المعلوم إجمالا فيها و إن كان في حكم العقل و الوجدان منافيا لبقاء العلم الإجمالي في الوقائع المشكوكة و رافعا له فيخرج المشكوكات عن أطراف العلم الإجمالي الكلّي فيرجع فيها إلى الأصول الجارية في مجاريها بملاحظة نفس الشك في الواقعة، إلاّ أنّ الكلام في حصوله و الحوالة إلى الوجدان لمن راعى الإنصاف بعد المراجعة إلى الفقه و إن كان المراد العلم بها في مرحلة الظّاهر الذي يرجع إلى دعوى قيام ظنون معتبرة بالمعنى الأعم من الظن الشخصي و النوعي على حرمة جملة من الأمور بحيث يحتمل انحصار المعلوم بالإجمال فيها و يلحق به الدليل المعتبر لا بملاحظة الكشف بقسميه إن كان موجودا في أدلّة الأحكام، فيتوجّه عليه منع ارتفاع العلم الإجمالي الكلّي به لعدم منافات بينها و بين بقاء العلم الإجمالي أصلا.
أمّا عدم التنافي ذاتا فغنيّ عن البيان ضرورة عدم المنافاة بين الظن في بعض أطراف الشبهة مع العلم الإجمالي، سواء كان على طبق العلم الإجمالي أو على خلافه.
........
الشرح
و أمّا عدم التنافي بملاحظة دليل اعتباره فلأنّ معنى حجيّة الأمارة على ما عرفت مرارا ترتيب الآثار الشرعيّة المترتّبة على موردها و لو بواسطة عند قيامها و جعلها من الشارع في مرحلة الظاهر ما دامت الأمارة قائمة، فمؤدّاها واقع جعليّ بهذا المعنى لا تنزيلها منزلة العلم في ترتب ما يترتّب عليه قهرا عليه ضرورة عدم إمكان تعلّق الجعل به، مضافا إلى عدم مساعدة دليل الاعتبار عليه، و من المعلوم ضرورة عدم منافات الاعتبار بهذا المعنى لبقاء العلم الإجمالي بالمحرّمات في ضمن المشبّهات، فإنّه إذا قامت الأمارة على حرمة بعض الأمور كان معنى اعتبارها ترتيب الآثار الشرعيّة المترتّبة على المحرّمات على موردها في مرحلة الظاهر، فلا ينافي الحكم بوجوب الاجتناب عن الموارد الخالية عنها احتياطا لمراعاة العلم الإجمالي الكلّي، و إذا قامت على إباحة بعض الأمور كان معناه أيضا ترتيب آثارها الشرعيّة، و يلزمه عقلا ارتفاع العقاب عن الحرام الواقعي المتحقّق في ضمنها على تقدير الخطاء، و هذا لا ينافي ثبوت العقاب على مخالفته بالنسبة إلى ما لا أمارة على إباحته.
نعم لو كان مفادها حصر الواقعات في مواردها كالبيّنة القائمة على تشخيص النجس أو الحرام في الشبهة المحصورة أو كان مفاد دليل اعتبارها تشخيص المحرّمات بها بحيث يرجع مفاده إلى قضيّتين أي البناء على حرمة ما قامت الأمارة على حرمته و حلّيته ما عداه تعيّن الحكم بعدم وجوب الاحتياط في الوقائع الخالية عنها، لكنّ الدعويين ممنوعتان جدّا؛ ضرورة عدم رجوع مفاد الأمارة القائمة على حرمة بعض الأشياء إلى حصر الحرام فيه، و إلاّ تعارضت الأمارات دائما كضرورة عدم رجوع دليل اعتباره إلى قضيّتين، و إلاّ وقع التعارض بين أدلّة اعتبار الأمارات كذلك، نعم من يذهب إلى انقلاب التكليف الفعلي إلى مؤدّيات الطرق المجعولة و أنّ الواقع الذي لم يقم عليه طريق لا يكلّف به فعلا و رخّص الشارع في مخالفته
عهدة تركها على وجه اليقين بالاجتناب أو اليقين بعدم العقاب؛ لأنّ الاشتغال اليقيني يستدعي اليقين بالبراءة باتّفاق المجتهدين و الأخباريّين، و بعد مراجعة الأدلّة و العمل بها لا يقطع بالخروج عن تلك المحرّمات الواقعية فلا بدّ من اجتناب كل ما احتمل أن يكون منها إذا لم يكن هناك دليل شرعي يدلّ على حلّيته، إذ مع هذا الدليل يقطع بعدم العقاب على الفعل على تقدير الحرمة واقعا.
فإن قلت: بعد مراجعة الأدلّة نعلم تفصيلا بحرمة أمور كثيرة و لا نعلم إجمالا بوجود غيره، فالاشتغال بما عدا المعلوم بالتفصيل غير متيقّن حتّى يجب الاحتياط، و بعبارة أخرى: العلم الإجمالي قبل الرجوع إلى الأدلّة و أمّا بعده فليس هنا علم إجمالي.
قلت: إن أريد من الأدلّة ما يوجب العلم بالحكم الواقعي الأوّلي، فكلّ مراجع في الفقه يعلم أنّ ذلك غير متيسّر؛ لأنّ سند الأخبار لو فرض قطعيّا لكنّ دلالتها ظنّيّة، و إن أريد منها ما يعمّ الدليل الظنّي المعتبر من الشارع فمراجعتها لا توجب اليقين بالبراءة من ذلك التكليف المعلوم إجمالا؛ إذ
الشرح
يلزمه القول بالرجوع إلى الأصول في الوقائع الخالية عن الأمارات المجعولة، لكنّ هذا القول بمعزل عن التحقيق على ما عرفت شرحه في الجزء الأوّل.
هذا محصّل ما يستفاد من الكتاب في الجواب عن السؤال المذكور، و عليه لا يتمّ ما بيّن و بنوا الأمر عليه من أنّ انفتاح باب الظن الخاصّ في الأحكام يمنع من حجيّة الظنّ المطلق، و كذا ما بني الأمر عليه في الجزء الأوّل من الكتاب من الفرق بين حجية الظنّ و الأخذ به بعنوان الاحتياط؛ حيث إنّ حجيّته يلازم تعيين المعلومات الإجماليّة به و الرجوع في موارد فقده إلى الأصول، إلاّ أنّ الجواب المذكور على نحو ما عرفته قد حرّر لا تمام صورة دليل الخصم.
ليس معنى اعتبار الدليل الظنّي إلاّ وجوب الأخذ بمضمونه، فإن كان تحريما صار ذلك كأنّه أحد المحرّمات الواقعيّة، و إن كان تحليلا كان اللازم منه عدم العقاب على فعله، و إن كان في الواقع من المحرّمات، و هذا المعنى لا يوجب انحصار المحرّمات الواقعيّة في مضامين تلك الأدلّة حتى يحصل العلم بالبراءة بموافقتها، بل و لا يحصل الظن بالبراءة عن جميع المحرّمات المعلومة إجمالا.
و ليس الظن التفصيلي بحرمة جملة من الأفعال كالعلم التفصيلي بها؛ لأنّ العلم التفصيلي
بنفسه مناف لذلك العلم الإجمالي، و الظن غير مناف له لا بنفسه و لا بملاحظة اعتباره شرعا على الوجه المذكور.
نعم لو اعتبر الشارع هذه الأدلّة بحيث انقلب التكليف إلى العمل بمؤدّاها بحيث يكون هو المكلّف به كان ما عدا ما تضمنه الأدلّة من محتملات التحريم خارجا عن المكلّف به، فلا يجب الاحتياط فيها.
و بالجملة فما نحن فيه بمنزلة قطيع غنم نعلم إجمالا بوجود محرّمات فيها ثمّ قامت البيّنة على تحريم جملة منها و تحليل جملة و بقي الشك في جملة ثالثة، فإنّ مجرّد قيام البيّنة على تحريم البعض لا يوجب العلم و لا الظن بالبراءة من جميع المحرّمات، نعم لو اعتبر الشارع البيّنة في المقام بمعنى أنّه أمر بتشخيص المحرّمات المعلومة وجودا و عدما بهذا الطريق رجع التكليف إلى وجوب اجتناب ما قامت عليه البيّنة لا الحرام الواقعي.
و الجواب، أوّلا: منع تعلق تكليف غير القادر (1) على تحصيل العلم إلاّ بما
الشرح
(1) لا يخفى عليك أنّ الأولى أن يجاب أوّلا بالنقض بالشبهات الحكميّة الوجوبيّة،
........
الشرح
فإنّها أيضا من موارد العلم الإجمالي الكلّي كما هو ظاهر، مع أنّ جلّ الأخباريّين التزموا فيها بالرجوع إلى البراءة و لم يوجبوا الاحتياط كما ستقف عليه، و أمّا ما أجاب به عن الدليل أوّلا في الكتاب فقد يناقش فيه برجوعه إلى ما أفاده بعض أفاضل مقاربي عصرنا في الفصول لإثبات حجيّة الظن في خصوص الطريق، و قد أوضح فساده بما لا مزيد عليه في الجزء الأوّل من الكتاب في الأمر الأوّل من تنبيهات دليل الانسداد، فإنّ حاصل القول بانقلاب التكليف الفعلي إلى مؤدّيات الطرق المجعولة و رجوع الجعلين إلى جعل واحد إلى ما أفاده شيخنا قدّس سره في الجواب الأوّل و ابتناء الجواب على مذهبه خلاف الظاهر جدّا، فيتوجّه عليه أنّ العلم الإجمالي مع تيقّن بعض أطرافه موجب لتنجّز الخطاب بالنسبة إلى المعلوم بالإجمال في حكم العقل كما صرّح به مرارا في أجزاء الكتاب من غير فرق بين الشبهة الحكميّة و الموضوعيّة، فغير القادر على تحصيل العلم بالواقع مع إمكان الاحتياط في حقّه مكلّف فعلا بالواقع المجهول، و من هنا بني على وجوب الاحتياط في صورة المتباينين من الشك في المكلّف به وفاقا للمشهور، خلافا لبعض المحقّقين القائل بالمقالة المذكورة من منع تكليف غير القادر على تحصيل العلم التفصيلي فعلا بالواقع المجهول كما ستقف على شرح القول فيه.
و أمّا نصب الطرق و جعلها فليس الغرض منه إلاّ تسهيل الأمر على المكلّف في ترتيب آثار الواقع على مؤدّياتها في مواردها ما دامت قائمة، فلا ينافي رعاية الواقع في موارد خلت عنها، و ثبوت الجعل للطرق مع جعل الواقع لا يثبت رفع الشارع اليد عن الواقع فعلا و قناعته في الامتثال عن الواقعيّات بموارد الطرق القائمة على التكليف إلاّ بأحد وجهين عرفتهما في توضيح الجواب عن السؤال في تقريب الدليل، كيف و لو بني الأمر عليه لزم بطلان الرجوع إلى الأصول و جعلها رأسا، حتّى البراءة فإنّه يحكم بمقتضى أدلّة الأمارات بعدم التكليف الفعلي في موارد
........
الشرح
فقدها، فلا يطلب هناك واقع حتّى يحكم بإثباته بالأصل أو نفيه به فتدبّر.
اللّهم إلاّ أن يستفاد من مجموع أدلّة اعتبار الأمارات الكافية في الفقه كما هو المفروض قناعة الشارع عن امتثال الواقع في موارد وجودها بامتثالها فتأمّل.
و بالجملة هذا الجواب بظاهره غير نقيّ عن الإشكال و اللّه العالم بحقيقة الحال، و أمّا ما أجاب به ثانيا فقد يناقش فيه أيضا بأنّ وجوب الاجتناب عن بعض أطراف الشبهة معيّنا إذا كان سابقا على العلم الإجمالي أو مقارنا معه منع ذلك من تأثير العلم الإجمالي في تنجّز الخطاب بالنسبة إلى الطرف الآخر إذا كان المعلوم بالإجمال من سنخ المعلوم بالتفصيل كالمثال المذكور في الكتاب، من غير فرق بين حصول العلم بنجاسته قبل العلم الإجمالي بوقوع قذر في أحدهما الغير المعيّن و بين كونه معلوم النجاسة في مرحلة الظاهر و لو من جهة الاستصحاب، و أمّا إذا كان لا حقا فلا يرفع تنجّز الخطاب المفروض و إلاّ جازت الحيلة في رفع وجوب الاحتياط عن كثير من موارد الشبهة المحصورة، سيّما في اشتباه النجس بالطاهر فإنّه يرفع وجوب الاحتياط بتنجيس بعض المعيّن من أطراف الشبهة، و هذا ممّا لم يلتزم و لم يلتزموا به في الشبهة المحصورة، و لا يجيء توضيح الحكم بعدم وجوب الاجتناب في الفرض أي فيما كان العلم الإجمالي سابقا في الشبهة المحصورة، بل المستفاد من أطراف كلماته فيها وجوب الاحتياط في الفرض و عدم جواز الرجوع إلى الأصل في الطرف الآخر.
و أمّا قيام البيّنة على تشخيص الحرام من القطيع فلا يقاس به المقام؛ فإنّه كقيام البيّنة على تشخيص النجس من الإناءين فإنّه يرجع إلى قيام الأمارة على تعيين الواقع، فلازم حجّيّتها هو البناء على حصر النجس فيما قامت على نجاسته، فالأولى في الجواب عن الدليل المذكور بعد النقض بالشبهات الوجوبيّة على ما عرفته أن يقال إنّ المعلوم بالإجمال في مفروض البحث مردّد بين الأقلّ و الأكثر ضرورة
........
الشرح
عدم التحديد و الحصر في المحرّمات الواقعيّة، و كذا في واجباتها المعلومة إجمالا فهذا العلم لمكان تردّد المعلوم بالإجمال لا يؤثّر في تنجّز الخطاب إلاّ بالنسبة إلى القدر المتيقّن من المعلوم إجمالا، فإذا كان الحرام الواقعي مردّدا بين ألف و ألفين مثلا فلا يؤثّر العلم الإجمالي إلاّ بالنسبة إلى الألف، كما أنّ المفروض قيام الأمارات الشرعيّة على حرمة ما ينطبق على المقدار المتيقّن من المعلوم بالإجمال على المذهبين في طريق الأحكام أعني الظنّ الخاص و المطلق؛ لأنّه معنى نصب الطرق الكافية الوافية في الفقه، و لازم هذا عدم وجوب امتثال الواقع في حكم العقل في غير موارد الأمارات لا من جهة دلالتها على الحصر بل من جهة أنّ الواجب الفعلي بعد العلم الإجمالي بالخطابات الشرعيّة الإلزاميّة امتثالها بأحد الوجهين: إمّا بالعلم بتحصيل متعلّقاتها و لو بالاحتياط، أو بإيجاد ما حكم الشارع بالبناء على كونه عين الواقع و عدم الاعتناء باحتمال كونه غيره، لأنّ الطرق الظاهريّة لم تجعل في قبال الواقع و إنّما يعمل بها من حيث البناء على كون مؤدّياتها الواقعيّات الأوّليّة، فامتثالها امتثال لها بالجعل و البناء، فالواجب امتثاله حقيقة هو الواقع الأوّلي ليس إلاّ، و إنّما يمتثل الطرق من حيث البناء في حكم الشارع على مطابقتها له، فإذا عمل بمقتضى الطريق فقد امتثل الواقع حقيقة، و لا يجب امتثال آخر إذ لا واقع آخر بالفرض و إن احتمل خطاء الأمارة؛ لأنّ المفروض بحكم الشارع عدم الاعتناء بالاحتمال المذكور، فالأمارات القائمة على تحريم ما ينطبق على القدر المتيقّن من المعلوم بالإجمال كالعلم التفصيلي بحرمة المقدار المتيقّن فيرجع إلى أصالة البراءة في سائر الأطراف في الموضعين من جهة احتمال كون المعلوم بالإجمال زائدا على ما فرض امتثاله، و ليس مبنى ما ذكرنا على كون معنى جعل الأمارة تنزيلها منزلة العلم، و لا على كون مفادها حصر الواقع في مؤدّياتها بحيث يرجع إلى قضيّتين، بل على حصول امتثال الواقع المعلوم
يؤدّي إليه الطرق الغير العلميّة المنصوبة له، فهو مكلّف بالواقع بحسب تأدية هذه الطرق لا بالواقع من حيث هو و لا بمؤدّى هذه الطرق من حيث هو حتّى يلزم التصويب أو ما يشبهه، لأنّ ما ذكرناه هو المحصّل من ثبوت الأحكام
الشرح
المتيقّن بسلوكها في حكم الشارع، و لا يعلم بواقع آخر بالفرض، و إن كان محتملا فيرجع إلى الأصل من جهة الاحتمال المذكور كما يرجع إليه فيما فرض العلم التفصيلي بالمقدار المتيقّن.
و هذا نظير ما لو فرض قيام البيّنة في الشبهة المحصورة بعد العلم الإجمالي بنجاسته بعض الأطراف بحيث يردّد بين الواحد و الاثنين على نجاسته بعضها المعيّن، فإنّه يحكم بمقتضى دليل اعتبارها بحصول امتثال الخطاب بالاجتناب عن النجس المنجّز بمقتضى العلم الإجمالي بوجود متعلّقه بالاجتناب عمّا قامت البيّنة على نجاسته ما دامت البيّنة قائمة، و يرجع إلى أصالة الطهارة بالنسبة إلى باقي الأطراف لاحتمال نجاسته الزائد على الواحد من أوّل الأمر لا من جهة احتمال خطاء البيّنة، فإنّه ممّا لا يعتنى به بمقتضى دليل حجّيتها، كما أنّه يرجع إلى أصالة الطهارة في الفرض فيما حصل العلم التفصيلي بنجاسة بعضها المعيّن لا فيما أوقع نذرا في بعضها المعيّن بعد العلم الإجمالي بنجاسة بعضها لا على التعيين، فإنّه لا يعلم بكون بعضها لا على التعيين فإنّه لا يعلم بكون الاجتناب عمّا أوقعه فيه امتثال للخطاب المعلوم بالإجمال.
و هذا كما ترى و إن لم يسلم عن النقض و الإبرام إلاّ أنّه أوجه ما يذكر لدفع الشبهة المذكورة، و مع ذلك في النفس شيء، و قد مضى شطر من الكلام فيما يتعلّق بالمقام في الجزء الأوّل من التعليقة فراجع إليه و تأمّل فيما ذكرنا هنا و هناك و فيما أفاده شيخنا قدّس سره لعلّك تهدى إلى ما اختفى علينا في طريق دفعها، و اللّه الهادي إلى سواء الطريق.
الواقعيّة للعالم و غيره و ثبوت التكليف بالعمل بالطرق و توضيحه في محلّه، و حينئذ فلا يكون ما شك في تحريمه ممّا هو مكلّف به فعلا على تقدير حرمته واقعا.
و ثانيا: سلّمنا التكليف الفعلي بالمحرّمات الواقعيّة، إلاّ أنّ من المقرّر في الشبهة المحصورة كما سيجيء إن شاء اللّه تعالى أنّه إذا ثبت في المشتبهات المحصورة وجوب الاجتناب عن جملة منها لدليل آخر غير التكليف المعلّق بالمعلوم الإجمالي اقتصر في الاجتناب على ذلك القدر لاحتمال كون المعلوم الإجمالي هو هذا المقدار المعلوم حرمته تفصيلا، فأصالة الحل في البعض الآخر معارضة بالمثل سواء كان ذلك الدليل سابقا على العلم الإجمالي كما إذا علم نجاسة أحد الإناءين تفصيلا فوقع قذرة في أحدهما المجهول فإنّه لا يجب الاجتناب عن الآخر؛ لأنّ حرمة أحدهما معلومة تفصيلا، أم كان لا حقا كما في مثال الغنم المذكور، فإنّ العلم الإجمالي غير ثابت بعد العلم التفصيلي بحرمة بعضها بواسطة وجوب العمل بالبيّنة، و سيجيء توضيحه إن شاء اللّه تعالى، و ما نحن فيه من هذا القبيل.
الوجه الثاني: أنّ الأصل في الأفعال الغير الضروريّة الحظر (1) كما نسب
الشرح
(1) قد أسمعناك أنّ مبنى الوجه الثاني على لزوم دفع الضرر المحتمل أيضا مع عدم ملاحظة العلم الإجمالي بالمحرّمات و إن كان هناك وجه آخر عندهم للأصل المذكور لا يبنى عليه و هو قبح التصرّف في ملك الغير.
ثمّ إنّ توضيح المقام يتوقّف على بسط في الكلام فيما يتعلّق بالأصل المذكور فنقول: بعد اتّفاق القائلين بالتحسين و التقبيح العقليّين و هم العدليّة على وجود أحكام أربعة اقتضائيّة للعقل اختلفوا في ثبوت الحكم التخييري و الإباحة للعقل و جعلوا محلّه و مورده الأفعال الغير الضروريّة للتعيش المشتملة على المنفعة الخالية عن أمارة المفسدة قبل الاطّلاع على حكم الشارع، فإنّ الكلام من حيث حكم
........
الشرح
العقل فالأكثر على ثبوته و استقلال العقل في الحكم به و إن اختلفوا بين كون حكمه بالإباحة واقعيّة أو ظاهريّة، و غير واحد على منعه منهم المفيد و السيّدان من أصحابنا، و قد اختلف القائلون بالمنع في أنّه هل يحكم بالحظر في مرحلة الواقع أو الظاهر؟ أو لا يحكم بشيء لا إباحة و لا حظر؟ أو هذا معنى كون الأشياء على الوقف عند العقل لا أنّه يحكم بالوقف كما يتوهّمه الجاهل بمقالتهم؟ و قد ذهب بعض القائلين بالوقف في الأشياء من جهة العقل إلى الحكم بالإباحة فيها من جهة الشرع لعدم التنافي أصلا، بل القول المذكور لا تعلّق له حقيقة بالمسألة المبحوث عنها إلاّ أن يكون لازم الوقف الحكم بالاحتياط من جهة الشرع عند بعضهم، و آخر إلى الحكم بالإباحة الواقعيّة من جهة العقل بملاحظة ثانويّة و قاعدة أخرى و هي قاعدة اللطف من جهة أنّه لو كان في الفعل مفسدة آجلة لوجب من باب اللطف على الحكيم بيانها.
و من هنا أجاب عن هذه المقالة في العدّة بأنّه ربّما يكون في البيان مفسدة و يكون المصلحة في كون الفعل على الوقف، و ثالث إلى الحكم بالجواز و الترخيص المطلق في مرحلة الظاهر و نفي العقاب من جهة العقل بملاحظة حكمه بقبح العقاب من غير بيان، و هذا غير حكمه بالإباحة الخاصّة في مرحلة الظاهر أو الواقع، و ممّا ذكرنا كلّه يظهر أنّ التنزّل عن القول بالحظر مع اختيار القول بالوقف لا يجدي في المقام أصلا و إنّما يجدي في ردّ القول بكون الأشياء على الإباحة، فإنّ المقصود الاستدلال لوجوب الاحتياط لا مجرّد نفي القول بالإباحة العقليّة، فما أفاده قدّس سره في تقريب الوجه المذكور بقوله و لو نزّلنا عن ذلك فالوقف لا يستقيم بظاهره إلاّ أن يكون هناك ملازمة بيّنه و بين وجوب الاحتياط عقلا و هو ممّا لا معنى له على هذا القول إلاّ بتكلّف فتدبر.
ثمّ إنّ القول بالإباحة الخاصّة الظاهريّة في الأشياء عند العقل أشكل من القول
........
الشرح
بالإباحة الواقعيّة عنده المتوقّفة على إحاطة العقل بجميع الجهات المحسنة و المقبّحة و فقدانها في فعل، لأنّ الحكم بالإباحة إنّما هو من جهة فقدان الفعل حقيقة الجهات المذكورة، لا من جهة وجدانه ما يقتضيها، فالمباح كالممكن و إلاّ لم يعقل صيرورة المباح واجبا بالعرض مثلا أو حراما كذلك إلاّ بدعوى غلبة إحدى الجهتين بعد تصادمهما، نعم القول بالإباحة بمعنى الجواز و الترخيص المطلق و مجرّد عدم الحرج في الفعل و الترك في مورد عدم ثبوت المنع من الشارع لا غبار فيه أصلا؛ فإنّه لازم التمسّك للبراءة فيما لا نصّ فيه، و إذ قد عرفت أنّ القائلين بالحظر مختلفون بالنظر إلى ظواهر أدلّتهم من حيث القول بالحظر الواقعي و الظاهري فيستدلّ للقول بوجوب الاحتياط في محلّ البحث بأنّه إذا احتمل الحرمة في الفعل احتمل المفسدة و الضرر فيه و العقل من جهة حكمه بوجوب دفع الضرر المحتمل يحكم بوجوب ترك الفعل، و هذا معنى حكمه بوجوب الاحتياط.
و ملخّص الجواب عنه بعد النقض بالشبهة الوجوبيّة مطلقا من حيث إنّه يحتمل الضرر في تركها كما يحتمل الضرر في الفعل في الفرض و الشبهة التحريميّة الموضوعية: أنّ ما دلّ على البراءة عقلا و نقلا ممّا عرفت الإشارة إليه وارد على الأصل المذكور، سواء أريد من الضرر العقاب أو المفاسد الدنيوية الكامنة في الأفعال الغير المتوقّفة على البيان على تقدير تسليم حكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل الدنيوي بجميع مراتبه و لو كان موهوما، ضرورة كون حكم العقل بدفع الضرر إنّما هو في الضرر الغير المتدارك كما هو الشأن في حكمه بدفع الضرر المقطوع أيضا، فإذا حكم الشارع بجواز الإقدام بالفعل و لو في مرحلة الظاهر كان اللازم تدارك الضرر على تقدير ثبوته في نفس الأمر، هذا في الضرر الدنيوي، و أمّا الضرر الأخروي فلمّا لم يعقل ثبوته مع التدارك فحكم الشارع
........
الشرح
بالجواز يلازم عدم ثبوته.
و هذا أمر ظاهر قد شرحنا القول فيه في الجزء الأوّل من التعليقة و سيجيء بعض الكلام فيه في الشبهة الموضوعيّة أيضا، و دعوى كون حكم العقل بوجوب دفع الضرر بيانا و دليلا على حرمة الفعل و لو في مرحلة الظاهر فيكون واردا على حكم العقل بقبح العقاب من دون بيان بل على حكم الشارع بجواز الفعل فيما لم يكن هناك دليل على الحرمة فاسدة، من حيث إنّ صيرورته بيانا و دليلا يتوقّف على وجود احتمال الضرر المنفي بأدلّة البراءة، فلو استند في إثباته إلى حكم العقل المذكور لزم الدور الباطل كما هو ظاهر، هذا و قد مضى القول في هذا التوهّم سؤالا و جوابا في الجزء الأوّل فارجع إليه.
و أمّا ما أفاده شيخنا قدّس سره في الكتاب من الجواب عن الدليل فلا يخلو عن إجمال، بل عن إشكال أيضا، فإنّ قوله أوّلا في عنوان الجواب و الجواب بعد تسليم استقلال العقل بدفع الضرر الظاهر في المنع و كون القبول من جهة المماشاة لا بدّ من أن يحمل على القضيّة الكليّة، فكأنّه قال بعد تسليم استقلال العقل بدفع الضرر مطلقا سواء تعلّق بالضرر الأخروي أو الدنيوي أو منع حكمه بالنسبة إلى الضرر الأخروي، مضافا إلى كونه خلاف ضرورة العقل مناف لتصريحاته في مواضع من كلماته، فالمنع المستفاد ضمنا متوجّه إلى بعض أقسام الضرر فلا ينافي القول بالنسبة إلى بعض أخر إلاّ أنّه ينافي مع ذلك التوجيه كلامه بعد ذلك و هو قوله: (و إن أريد غيره ممّا لا يدخل في عنوان المؤاخذة) إلى آخره، فإنّه بعد تسليم استقلال العقل في الحكم بدفع الضرر مطلقا سواء تعلّق بالآخرة أو بالدنيا كيف يجامعه القول المذكور الراجع إلى المنع عن حكم العقل؟ اللّهمّ إلاّ أن يرجع القولان إلى الإجمال و التفصيل لا إلى الجوابين، فكأنّه قال: و الجواب أنّ المسلّم حكم العقل بدفع الضرر في الجملة لا مطلقا، و لا يجدي نفعا للمستدلّ؛ لأنّه إن
........
الشرح
أريد إلى آخره و مع ذلك أصل منعه لحكم العقل بدفع الضرر الدنيوي مطلقا كما هو ظاهره حتّى في المقطوع منه كما ترى و ستسمع تصريحه بحكم العقل بوجوب دفع الضرر المشكوك الدنيوي في الشبهة الموضوعيّة من مسائل البحث.
اللّهم إلاّ أن يحمل المنع على الكليّة في قبال الإثبات بالنسبة إلى جميع مراتب الضرر و إن سلّم قبوله بالنسبة إلى بعض مراتبه، ثمّ قوله: (و على تقدير الاستقلال فليس ممّا يترتّب عليه العقاب لكونه من باب الشبهة الموضوعيّة) إلى آخره، لا بدّ من تكلّف فيه أيضا بأن يقال إنّ الممنوع أوّلا حكم العقل بدفع الضرر الدنيوي حتّى في المقطوع و المسلّم ثانيا حكم العقل في عنوان الضرر الواقعي، و لا يترتّب على محتمل الضرر الذي هو محلّ البحث شيء و لا يجدي التسليم المذكور بالنسبة إلى وجوب الاحتياط فيه، إذ هو كمحتمل التحريم من سائر الموضوعات المردّدة الثابت تحريمها في الشريعة، فإنّ ثبوت حرمتها لا يجدي في إثبات العقاب مع الشك في الموضوع باعتراف الأخباريّين، و هذا مراده جزما كما يظهر من أطراف كلماته، لكنّه مع ذلك لا يخلو عن مناقشة مطلقا، فإنّ حكم العقل بلزوم دفع الضرر الدنيوي على تقدير تسليمه لا يمكن أن يتبع الموضوع النفس الأمري كحكم الشارع بتحريم الموضوعات؛ لما قد عرفت مرارا كثيرة من استحالة تعلّق الحكم في نظر الحاكم بالموضوع النفس الأمري بحيث يحتمل وجود حكمه مع الجهل بالموضوع، فلا بدّ إمّا من القول بعدم حكم العقل في محتمل الضرر جزما، فلا يحتمل التحريم العقلي و إن احتمل التحريم الشرعي، لأنّ حكم العقل لاحق للموضوع الوجداني عنده، كما أنّ حكم الشارع يلحق الموضوع الوجداني عنده، و إمّا من القول بحكمه في المحتمل كالمقطوع، لكنّه مقيّد بعدم التدارك فلا يجدي منع ثبوت ما يقضي بالتدارك على ما أسمعناك، فكأنّه أجمل القول في المقام اتّكالا على ما سيذكره من التفصيل في الشبهة
إلى طائفة من الإماميّة فيعمل به حتّى يثبت من الشرع الإباحة، و لم يرد الإباحة فيما لا نصّ فيه، و ما ورد على تقدير تسليم دلالته معارض بما ورد من الأمر بالتوقّف و الاحتياط، فالمرجع إلى الأصل.
و لو تنزّلنا عن ذلك فالوقف كما عليه الشيخان و احتجّ عليه في العدّة ب «أنّ الإقدام على ما لا يؤمن المفسدة فيه كالإقدام على ما يعلم المفسدة فيه».
و قد جزم بهذه القضيّة السيّد أبو المكارم في الغنية، و إن قال بالإباحة كالسيّد المرتضى رحمه اللّه تعويلا على قاعدة اللطف و أنّه لو كان في الفعل مفسدة لوجب على الحكيم بيانه، لكن ردّه في العدّة بأنّه قد يكون المفسدة في الإعلام و يكون المصلحة في كون الفعل على الوقف.
و الجواب: بعد تسليم استقلال العقل بدفع الضرر أنّه إن أريد به ما يتعلّق بأمر الآخرة من العقاب يجب على الحكيم تعالى بيانه فهو مع عدم البيان مأمون، و إن أريد غيره ممّا لا يدخل في عنوان المؤاخذة من اللوازم المترتبة مع الجهل أيضا فوجوب دفعها غير لازم عقلا؛ إذ العقل لا يحكم بوجوب الاحتراز عن الضرر الدنيوي المقطوع إذا كان لبعض الدواعي النفسانيّة، و قد جوّز الشارع بل أمر به في بعض الموارد و على تقدير الاستقلال فليس ممّا يترتّب عليه العقاب لكونه من باب الشبهة الموضوعيّة؛ لأنّ المحرّم هو مفهوم الإضرار و صدقه في هذا المقام مشكوك كصدق المسكر المعلوم التحريم على هذا المائع الخاص، و الشبهة الموضوعيّة لا يجب الاجتناب عنها باتّفاق الأخباريّين أيضا، و سيجيء الكلام في الشبهة الموضوعيّة إن شاء اللّه تعالى.
الشرح
الموضوعيّة، كما أنّا لخّصنا الكلام فيه اتّكالا على ما قدّمنا من التفصيل في الجزء الأوّل من التعليقة.
أنّ المحكي عن المحقّق التفصيل في اعتبار أصل البراءة بين ما يعمّ به البلوى و غيره، فيعتبر في الأوّل دون الثاني، و لا بدّ من حكاية كلامه رحمه اللّه في المعتبر و المعارج (1) حتّى يتّضح حال النسبة.
الشرح
(1) كأنّه قدّس سره أحال ظهور الحال إلى فهم الناظر في العبارتين من الكتابين، و من هنا لم يبيّن شرح المطلب عقيب نفس و أشار إلى كذب الحكاية في آخر الأمر بقوله: (و الحاصل) إلى آخره، و أنت خبير بأنّ كلامه في المعتبر نصّ في عدم التفصيل في أصل البراءة لو كان هو المقصود من استصحاب حال العقل كما ربّما يستظهر منه.
و أمّا لو كان المراد معناه المقابل لأصل البراءة كما هو الظاهر منه لأنّه في مقام تقسيم الاستصحاب، فقد جعل القسم الأوّل التمسّك بالبراءة لأنفسها، فكلامه في هذا التقسيم ساكت عن حكم أصل البراءة؛ لأنّه خارج عن المقسم و مقابل له حقيقة، فإنّ كلامه صريح في تقسيم الاستصحاب و إن تسامح في جعل عدم الدليل دليل العدم من أقسامه، فإنّه بعد تقسيم مستند الأحكام في الفصل الثالث إلى خمسة أقسام: الكتاب، و السنّة، و الإجماع، و العقل، و الاستصحاب، و التعرّض للكلام في الأربعة قال: (و أمّا الاستصحاب فأقسامه ثلاثة: الأوّل: استصحاب حال العقل) إلى آخر ما ذكره في الكتاب، و إنّما ذكر ما ذكره من القيد الراجع إلى التفصيل في عدم الدليل دليل العدم الذي هو في مقابل القسم الأوّل، و ذكر في ذيله: (أنّه لو استند في إثبات الإباحة إلى الأصل المذكور) أي عدم الدليل دليل العدم جرى فيه التفصيل أيضا، و هذا كما ترى لا تعلّق له بالتفصيل في باب البراءة.
و أمّا كلامه في المعارج فينطبق على قوله في المعتبر في ذيل القسم الثاني و منه
........
الشرح
القول بالإباحة لعدم دليل الوجوب و الحظر، فإنّ مراده من التمسّك بالبراءة الأصليّة ما ذكره من بيانه بقوله: (فنقول لو كان ذلك الحكم ثابتا) إلى آخره، و مع ذلك لا تعلّق له بالتفصيل المحكيّ عنه أصلا، و بالجملة التأمّل في أطراف كلمات المحقّق قدّس سره سيّما قوله في آخر كلامه في المعارج المحكيّ في الكتاب يقتضي القطع بعدم تعرّضه لأصل البراءة و أنّ محلّه في الكتابين عدم الدليل دليل العدم، مع أنّ جعله عدم الدليل على الحكم دليلا على عدم الحكم من جهة لزوم التكليف بما لا يطاق على تقدير ثبوته مع عدم الدليل لا تعلّق له بالتفصيل المذكور في عدم الدليل دليل العدم أيضا.
ثمّ إن كان مراده جعل ذلك دليلا على نفي الحكم في مرحلة الواقع كما هو الظاهر من كلامه فلا تعلّق له بباب البراءة أصلا، و إن كان ما أفاده محلّ مناقشة من حيث إنّ عدم الدليل على حكم الفعل لا يجعله غير مقدور، و إن كان مراده جعل ذلك دليلا على نفي التكليف في مرحلة الظاهر أي التكليف الفعلي كما استظهره شيخنا قدّس سره منه أمكن الاستدلال به في باب البراءة، و إن لم يكن تامّا فإنّ الدليل العقلي على نفي التكليف الفعلي إنّما هو حكم العقل بقبح العقاب من غير بيان لا قبح التكليف بما لا يطاق على ما عرفته في محلّه، فما زعمه المحدّث الأسترآبادي في تحقيق ما أفاده المحقّق قدّس سره مضافا إلى عدم استقامته كما يظهر بالتأمّل فيما أفاده شيخنا قدّس سره، و عدم محصّل للعلم العادي المذكور في كلامه أجنبيّ عنه، إذ النفي عند المحقّق سواء كان المنفي الحكم الواقعي أو الفعلي مستند إلى قاعدة قبح التكليف بما لا يطاق و لا يعقل التفصيل المذكور و لا غيره من التفاصيل بناء على الاستناد إليها كما هو ظاهر، كما أنّه لا يعقل التفصيل المذكور على تقدير الاستناد في باب البراءة إلى قاعدة قبح العقاب من غير بيان، كما أنّه لا يعقل الفرق بين قولي المخطّئة و المصوّبة على التقديرين أيضا.
قال في المعتبر: «الثالث يعني من أدلّة العقل الاستصحاب و أقسامه ثلاثة الأوّل: استصحاب حال العقل و هو التمسّك بالبراءة الأصليّة كما يقال الوتر
الشرح
نعم الفرق بين المذهبين أنّ المصوّبة لا يقولون بثبوت الحكم الواقعي المشترك بين العالم و الجاهل و المخطّئة يقولون بذلك، إلاّ أنّ الفريقين متّفقون على إناطة العقاب بالبيان و أنّه يقبح العقاب بدونه، و إن كان هنا حكم واقعي في حال الجهل، و هذا معنى نفي الحكم الفعلي على المذهبين لما أسمعناك مرارا أنّ الحكم الفعلي ليس إنشاء آخر من الشارع في قبال الحكم الشأني، و إنّما هو يعتبر من حكم العقل بجواز المؤاخذة على المخالفة و عدمه، فالشأنيّة و الفعليّة من مراتب الإنشاء الصادر من الشارع بالنظر إلى حكم العقل، نعم عنوان الخطاب و الحكم و التكليف يتّبع عند بعضهم تنجّز الإنشاء الصادر من الشارع فوجوده النفس الأمري عنده لا يتّصف بالأوصاف المذكورة ما لم يحكم العقل بثبوت العقاب على مخالفته، و كيف ما كان فيما حكم العقل بقبح العقاب يحكم قطعا بنفي الحكم الفعلي؛ لأنّه يتبع نفي العقاب حقيقة و هذا ملاك البراءة العقليّة لا غيره، كما أنّه ملاك البراءة الشرعيّة أيضا، و إن استفيد من أخبارها الإباحة الظاهريّة، فإنّ الحكم بالإباحة في مرحلة الظاهر يلازم نفي التكليف الفعلي أيضا.
نعم على القول باعتبار البراءة من باب الظنّ استناد إلى الاستصحاب أو غيره يحكم بنفي التكليف الواقعي ظنّا لكنّه لا تعلّق له بالمقام؛ لأنّه يدخل البراءة حينئذ في الأدلّة و يخرج من الأصول، كما أنّه على تقدير قول المحقّق المتقدّم و بعض آخر ممّن وافقه في ظاهر كلامه يكون من الأدلّة القطعيّة على نفي الواقع استنادا إلى ما عرفت من قاعدة قبح التكليف بما لا يطاق، فما أفاده شيخنا قدّس سره في الكتاب في ردّ المحدّث المتقدّم ذكره في كمال الجودة، فقد ظهر ممّا ذكرنا كلّه أنّ التفصيل المنسوب إلى المحقّق في باب البراءة بل مطلقا لا أثر له في كلامه.
ليس واجبا؛ لأنّ الأصل براءة الذمّة، و منه أن يختلف العلماء في حكم الدية المتردّدة بين الأقل و الأكثر كما في دية عين الدابّة المتردّدة بين النصف و الربع، إلى أن قال الثاني: «أن يقال عدم الدليل على كذا فيجب انتفاؤه، و هذا يصحّ فيما يعلم أنّه لو كان هنا دليل لظفر به أما لا مع ذلك فيجب التوقّف و لا يكون ذلك الاستدلال حجّة، و منه القول بالإباحة لعدم دليل الوجوب و الحظر، الثالث: استصحاب حال الشرع، ثمّ اختار أنّه ليس بحجّة» انتهى موضع الحاجة من كلامه رحمه اللّه، و ذكر في المعارج على ما حكي عنه: «أنّ الأصل خلوّ الذمّة عن الشواغل الشرعيّة، فإذا ادّعى مدّع حكما شرعيّا جاز لخصمه أن يتمسّك في انتفائه بالبراءة الأصليّة، فيقول لو كان ذلك الحكم ثابتا لكان عليه دلالة شرعية، لكن ليس كذلك فيجب نفيه، و هذا الدليل لا يتمّ إلاّ ببيان مقدّمتين: إحداهما: أنّه لا دلالة عليه شرعا بأنّ ينضبط طرق الاستدلالات الشرعيّة و يبيّن عدم دلالتها عليه.
و الثانية: أن يبيّن أنّه لو كان هذا الحكم ثابتا لدلّت عليه إحدى تلك الدلائل؛ لأنّه لو لم يكن عليه دلالة لزم التكليف بما لا طريق للمكلّف إلى العلم به و هو تكليف بما لا يطاق، و لو كانت عليه دلالة غير تلك الأدلّة لما كانت الدلالات منحصرة فيها لكنّا بيّنّا انحصار الأحكام في تلك الطرق و عند ذلك يتم كون ذلك دليلا على نفي الحكم»(1)انتهى، و حكي عن المحدّث الأسترآبادي في فوائده: «أنّ تحقيق هذا الكلام هو أنّ المحدّث الماهر إذا تتبّع الأحاديث المرويّة عنهم في مسألة لو كان فيها حكم مخالف للأصل لاشتهر؛ لعموم البلوى بها، فإذا لم يظفر بحديث دلّ على ذلك الحكم ينبغي أن يحكم قطعا عاديا بعدمه لأنّ جمّا غفيرا من أفاضل
1) معارج الأصول: ص 212.
علمائنا أربعة آلاف منهم تلامذة الصادق عليه السلام كما في المعتبر كانوا ملازمين لأئمّتنا عليهم السلام في مدّة تزيد على ثلاثمائة سنة، و كان هممهم و همم الأئمّة عليهم السلام إظهار الدين عندهم و تأليفهم كل ما يسمعون منهم في الأصول لئلاّ يحتاج الشيعة إلى سلوك طريق العامّة و لتعمل بما في تلك الأصول في زمان الغيبة الكبرى، فإنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و الأئمّة عليهم السلام لم يضيّعوا من في أصلاب الرجال من شيعتهم كما في الروايات المتقدّمة، ففي مثل تلك الصورة يجوز التمسّك بأنّ نفي ظهور دليل على حكم مخالف للأصل دليل على عدم ذلك الحكم في الواقع، إلى أن قال و لا يجوز التمسّك في غير المسألة المفروضة إلاّ عند العامّة القائلين بأنّه صلّى اللّه عليه و آله أظهر عند أصحابه كل ما جاء به و توفّرت الدواعي على جهة واحدة على نشره و ما خصّ صلّى اللّه عليه و آله أحدا بتعليم شيء لم يظهره عند غيره و لم يقع بعده ما اقتضى اختفاء ما جاء به»(1)انتهى.
أقول: المراد بالدليل المصحّح للتكليف حتّى لا يلزم التكليف بما لا طريق للمكلّف إلى العلم به هو ما تيسّر للمكلّف الوصول إليه و الاستفادة منه، فلا فرق بين ما لم يكن في الواقع دليل شاف أصلا أو كان و لم يتمكّن المكلّف من الوصول إليه، أو تمكّن لكن بمشقّة رافعة للتكليف، أو تيسّر و لم يتمّ دلالته في نظر المستدل، فإنّ الحكم الفعلي في جميع هذه الصور قبيح على ما صرّح به المحقّق رحمه اللّه في كلامه السابق، سواء قلنا بأنّ وراء الحكم الفعلي حكما آخر يسمّى حكما واقعيّا أو حكما شأنيّا على ما هو مقتضى مذهب المخطّئة، أم قلنا بأنّه ليس وراءه حكم آخر للاتّفاق على أنّ
1) الفوائد المدنيّة: ص 140.
مناط الثواب و العقاب و مدار التكليف هو الحكم الفعلي.
و حينئذ فكل ما تتبّع المستنبط في الأدلّة الشرعية في نظره إلى أن علم من نفسه عدم تكليفه بأزيد من هذا المقدار من التتبّع و لم يجد فيها ما يدلّ على حكم مخالف للأصل صح له دعوى القطع بانتفاء الحكم الفعلي، و لا فرق في ذلك بين العام البلوى و غيره، و لا بين العامّة و الخاصّة، و لا بين المخطّئة و المصوّبة، و لا بين المجتهدين و الأخباريّين، و لا بين أحكام الشرع و غيرها من أحكام سائر الشرائع و سائر الموالي بالنسبة إلى عبيدهم، هذا بالنسبة إلى الحكم الفعلي، و أمّا بالنسبة إلى الحكم الواقعي النازل به جبرئيل على النبي صلّى اللّه عليه و آله لو سمّيناه حكما بالنسبة إلى الكل فلا يجوز الاستدلال على نفيه بما ذكره المحقّق رحمه اللّه من لزوم التكليف بما لا طريق للمكلّف إلى العلم به؛ لأنّ المفروض عدم إناطة التكليف به.
نعم قد يظن من عدم وجدان الدليل عليه بعدمه بعموم البلوى به لا بمجرّده، بل مع ظن عدم المانع من نشره في أوّل الأمر من الشارع أو خلفائه أو من وصل إليه، لكنّ هذا الظن لا دليل على اعتباره و لا دخل له بأصل البراءة التي هي من الأدلّة العقليّة و لا بمسألة التكليف بما لا يطاق و لا بكلام المحقّق رحمه اللّه، فما تخيّله المحدّث تحقيقا لكلام المحقّق رحمه اللّه مع أنّه غير تام في نفسه أجنبي عنه بالمرّة.
نعم قد يستفاد من استصحاب البراءة السابقة الظن بها فيما بعد الشرع كما سيجيء عن بعضهم، لكن لا من باب لزوم التكليف بما لا يطاق الذي ذكره المحقّق رحمه اللّه.
و من هنا يعلم أنّ تغاير القسمين الأوّلين من الاستصحاب باعتبار كيفيّة الاستدلال حيث إنّ مناط الاستدلال في هذا القسم الملازمة بين عدم الدليل
و عدم الحكم مع قطع النظر عن ملاحظة الحالة السابقة فجعله من أقسام الاستصحاب مبني على إرادة مطلق الحكم على طبق الحالة السابقة عند الشك و لو لدليل آخر غير الاتكال على الحالة السابقة، فيجري فيما لم يعلم فيه الحالة السابقة و مناط الاستدلال في القسم الأوّل ملاحظة الحالة السابقة حتّى مع عدم العلم بعدم الدليل على الحكم.
و يشهد لما ذكرنا من المغايرة الاعتباريّة أنّ الشيخ لم يقل بوجوب مضي المتيمّم الواجد للماء في أثناء صلاته لأجل الاستصحاب و قال به لأجل أنّ عدم الدليل دليل العدم، نعم هذا القسم الثاني أعم موردا من الأوّل (1)؛ لجريانه في الأحكام العقليّة و غيرها كما ذكره جماعة من الأصوليّين.
الشرح
(1) قد عرفت الإشارة إلى ما وقع من المحقّق قدّس سره من التسامح في تقسيم الاستصحاب بجعل عدم الدليل دليل العدم من أقسامه بإرادة مطلق الحكم على طبق الحالة السابقة من الاستصحاب، و إن لم يكن مستندا إليها بل إلى شيء آخر.
و أمّا النّسبة بين الأصلين بحسب المورد فهي عموم من وجه؛ لجريان الأصل المذكور في المسائل الاعتقاديّة و العمليّة دون الموضوعات الخارجيّة، و جريان الاستصحاب في الأحكام الشرعيّة العمليّة بالمعنى الأعمّ من الأصوليّة العمليّة و الفقهيّة و الموضوعات الخارجيّة دون المسائل الاعتقاديّة، فغرضه قدّس سره من الحكم بتعميم مورد الثاني إنّما هو لدفع توهّم كونه أخصّ مطلقا من الاستصحاب موردا لا لبيان كون الاستصحاب أخصّ منه مطلقا، و إن كان الأصل المذكور لا دليل عليه عندنا مع دعوى الإجماع عليه في كلماتهم إلاّ إذا أفاد القطع بالعدم، فإن جرى في مورده الاستصحاب حكمنا بمقتضاه و إلاّ أعرضنا عنه فيرجع إلى أصل آخر، لكنّه كلام آخر لا تعلّق له بالمقام.
و الحاصل: أنّه لا ينبغي الشك في أنّ بناء المحقّق رحمه اللّه على التمسّك بالبراءة الأصلية مع الشك في الحرمة كما يظهر من تتبّع فتاويه في المعتبر
مقتضى الأدلّة المتقدّمة (1) كون الحكم الظاهري في الفعل المشتبه الحكم هي الإباحة من غير ملاحظة الظن بعدم تحريمه في الواقع.
فهذا الأصل يفيد القطع بعدم اشتغال الذمّة لا الظن بعدم الحكم واقعا و لو أفاده لم يكن معتبرا إلاّ أنّ الذي يظهر من جماعة كونه من الأدلّة الظنية منهم صاحب المعالم رحمه اللّه عند دفع الاعتراض عن بعض مقدمات الدليل الرابع الذي ذكره لحجّية خبر الواحد و منهم شيخنا البهائي رحمه اللّه.
و لعل هذا هو المشهور بين الأصوليّين، حيث لا يتمسّكون فيها إلاّ باستصحاب
الشرح
(1) لا يخفى عليك أنّ هذا الكلام لا تعلّق له بخصوص المسألة، بل هو جار في جميع موارد البراءة، فإنّك قد عرفت في أوّل المسألة أنّ عدّ أصل البراءة في الأصول العمليّة مبنيّ على ما هو التحقيق من عدم إناطته بالظن بالواقع عقلا و شرعا شخصا و نوعا، و أنّ مفاده القطع بعدم العقاب و الإلزام في مرحلة الظاهر، و إن كان صريح صاحبي المعالم و الزبدة قدّس سرّهما إناطته بالظنّ حيث أبطلا الرجوع إليه في مقابل الخبر بأنّه لا يحصل منه الظن مع قيام الخبر الواحد الجامع للشروط على خلافه، بل هو الظاهر من الأكثرين نظرا إلى تقسيمهم الاستصحاب إلى حال العقل و إلى حال الشرع، و مصيرهم إلى إناطة الاستصحاب بالظن بل صريح غير واحد منهم في باب البراءة جعل المستند فيها استصحاب البراءة، بل المراد من التمسّك بالبراءة الأصليّة المدّعى عليها الإجماع في كلام المحقّق هو ذلك كما هو واضح، إلاّ أنّه ستقف في الجزء الثالث على عدم إفادة الاستصحاب الظنّ بقسميه أوّلا و عدم دليل على حجيّته ثانيا، و إنّما المسلّم عندنا الإجماع على البراءة في مواردها لا الإجماع على العمل بالظن الحاصل منها على تقدير تسليمه فانتظر.
البراءة السابقة، بل ظاهر المحقق رحمه اللّه في المعارج الإطباق على التمسك بالبراءة الأصلية حتى يثبت الناقل، و ظاهره أنّ اعتمادهم في الحكم بالبراءة على كونها هي الحالة السابقة الأصلية.
و التحقيق: أنّه لو فرض حصول الظن من الحالة السابقة فلا يعتبر، و الإجماع ليس على اعتبار هذا الظن و إنّما هو العمل على طبق الحالة السابقة، و لا يحتاج إليه بعد قيام الأخبار المتقدّمة و حكم العقل.
لا إشكال في رجحان الاحتياط (1) عقلا و نقلا كما يستفاد من الأخبار المذكورة و غيرها.
الشرح
(1) الكلام في هذا الأمر و إن تعلّق من جهة بالمسألة الكلاميّة، إلاّ أنّه لمكان ترتّب بعض الثمرات الفقهيّة عليه عنونه في المقام، و الكلام في المقام قد يقع في نفس الاحتياط و قد يقع في الأمر المتعلّق به، أمّا نفس الاحتياط فلا إشكال بل لا خلاف في رجحانه و حسنه لاستقلال العقل بذلك، و يكشف عنه الأوامر الشرعيّة المتعلّق به في الشريعة، بل في جملة من الأخبار التصريح بما يستفاد منه رجحانه الذاتي، إنّما الكلام في أنّ حسنه و استحقاق المدح عليه من حيث كشفه عن صفة السعادة في الفاعل المحتاط و أنّه في مقام إطاعة المولى فلا يكون الفعل أو الترك المتحقّق به الاحتياط حسنا و إنّما هو كاشف عن صفة في الفاعل، فالمدح فاعليّ فلا يكون هنا استحقاق للثواب، فإنّ المدح على الفعل ملازم له لا المدح مطلقا و لو رجع إلى الفاعل على ما حقّق في مسألة التحسين و التقبيح أو من حيث ذاته و نفسه، فإذا عنون به الفعل أو الترك يعرض عليهما عنوان يوجب حسنهما فيلزمه استحقاق الأجر و الثواب عليهما صريح كلام شيخنا في المقام و مواضع أخر من كلماته الثاني و إنّ الالتزام باستحقاق المحتاط الثواب على الاحتياط عقلا لا يلازم الالتزام باستحقاق التجرّي العقاب على المتجرّي، و هو لا يخلو عن غموض بل تأمّل.
........
الشرح
و أمّا الأمر المتعلّق به و طلبه فلا ينبغي الإشكال في كون طلبه العقلي إرشاديّا محضا، بل هو الشأن في جميع الأحكام العقليّة؛ لأنّ حكمه أينما وجد إرشادي صرف، غاية الأمر كونه في المقام و في باب الإطاعة و المعصية أوضح؛ من حيث إنّ المطلوب حقيقة عنوان في الغير كما هو ظاهر، و أمّا الأمر و الطلب المتعلّق به شرعا فهل هو إرشادي محض كالطلب العقلي أو له جهة مولويّة أيضا فيثاب على إطاعته كسائر الأوامر الندبيّة الشرعيّة المولويّة؟ فيه وجهان كما في الكتاب: من ظاهر الأمر بعد فرض عدم إرادة الوجوب فإنّه يقتضي كون الطلب مولويّا فإنّه الأصل في الأوامر الصادرة من الشارع بل مطلق الموالي من غير فرق بين الأمر الإلزامي و غيره.
و منه يظهر أنّ قوله بعد فرض عدم إرادة الوجوب ليس من القيود الظهور المذكور بحيث لا يكون ظاهرا في الطلب المولوي على تقدير إرادة الوجوب، بل هو بيان لما هو المفروض من الحكم بعدم وجوب الاحتياط في الشبهة الحكميّة التحريميّة و الوجه فيما ذكرنا من الأصل على القول بكون الأمر مجازا في الطلب الإرشادي كما قيل أو منسلخا عن معنى الطلب رأسا و مستعملا في الأخبار كما زعم ظاهر، و أمّا على ما هو الحق و عليه شيخنا قدّس سره كما أوضحناه في محلّه من كونه حقيقة في الطلب الإرشادي أيضا فلأنّ صدور الطلب الإرشادي من المولى العالي المطاع يحتاج إلى تخلية نفسه من المولويّة فيتوقّف على ملاحظة زائدة حقيقة فتدبّر.
نعم هنا مناقشة فيما أفاده من جهة أخرى حيث إنّ المفروض عند استعمال الأوامر المتعلّقة بالاحتياط في الأخبار المتقدّمة في الطلب القدر المشترك و خصوصيّة الاستحباب لا بدّ أن تستفاد من دليل آخر، فكيف يتمسّك بظهور لفظ الأمر في الطلب الندبي المولوي؟ لكن يدفعها أنّ الطلب القدر المشترك المستفاد
........
الشرح
منها أيضا يمكن أن يكون إرشاديّا و يمكن أن يكون مولويّا فإذا استفيد الندب من الخارج في مفروض البحث فيحكم بكونه مولويّا فتدبّر.
و من جهة بعض الأخبار الظاهرة في أنّ مطلوبيّة الاحتياط من جهة خاصيّة مترتّبة على ذاته و هي صيرورة نفس المكلّف أطوع للشارع لا أن يكون من جهة مجرّد كونه عنوانا في غيره و مقدّمة له، و من أنّ الظاهر من أكثر الأخبار الواردة في باب الاحتياط بعد التأمّل فيها كون الأمر به من جهة كونه عنوانا في غيره و مقدّمة له فيكون مؤكّدة للطلب العقلي لا أن يكون الغرض منه التأسيس فيكون حاله حال الأمر المتعلّق بالإطاعة كتابا و سنّة من حيث كونه مؤكّدا لحكم العقل بالإطاعة و كالأمر المتعلق بالإشهاد و الكتابة و التوبة و غيرها من الأوامر الشرعيّة التي يعلم كون المقصود منها التوصّل إلى ما يترتّب على فعل المأمور به بحيث لا يكون الأمر في مقام المولويّة أصلا في أمره، أ لا ترى إلى قوله عليه السلام: «من ارتكب الشبهات وقع في المحرّمات و هلك من حيث لا يعلم»، حيث إنّ الظاهر منه كون طلب ترك الارتكاب من حيث كونه في معرض الهلاكة، و أنّ الغرض منه مجرّد النجاة عن ذلك، و عليه يترتّب على فعل الاحتياط ثوابان على تقدير موافقته للواقع من حيث إطاعة الخطاب الواقعي و إدراك حسنه العقلي لو كان حسنه راجعا إلى الفعل، و إلاّ فثواب واحد، و على الوجه الأوّل يترتّب عليه استحقاق الثواب زائدا على الثوابين بملاحظة إطاعة الأمر المتعلّق بالاحتياط، و لا يبعد استظهار الوجه الثاني من سياق الأخبار الواردة في الباب على ما في الكتاب، مضافا إلى الاقتران الذي أفاده ضرورة كون طلب الاجتناب عن المحرّم المعلوم إرشاديّا لا يحتمل غيره فيكون طلب الاجتناب عن الشبهة كذلك، و إن أشكل بناء على ما استظهر شيخنا قدّس سره من كون الاحتياط حسنا بالذات يستحقّ فاعله عند العقل المدح على فعله فيستحقّ الثواب، فإنّ هذا المعنى من الحسن يلازم الطلب الشرعي المولوي، إلاّ فيما لا
........
الشرح
يمكن كما في الإطاعة حيث إنّها و إن كانت حسنة بالذات إلاّ أنّه يستحيل تعلّق الطلب الشرعي المولوي بها، لا من جهة عدم إمكان تعلّق الحكم المستفاد من الأدلّة اللفظيّة المتعلّقة بالإطاعة بنفس هذا الحكم حتّى يقال بأنّ أوامر الإطاعة على تقدير كونها مولويّة شرعيّة لا يشمل نفسها، فلا يرد هناك محذور لما عرفت مرارا من أنّ قصور اللفظ مع ظهور مناط الحكم لا يقدح في الحكم بالإرادة، بل من جهة لزوم التسلسل على تقدير كون الإرادة المتعلّقة بإطاعة الأمر المولوي مولويّة.
فإن شئت توضيح ذلك فنقول: إنّ حكم العقل بحسن الفعل و قبحه و طلبه المتعلّق به و إن كان إرشاديّا دائما لعدم تصوّر مولويّة للعقل، إلاّ أنّه بعد ثبوت الملازمة بين حكمه و الحكم الشرعي الذي يرجع إلى كونه دليلا و كاشفا عنه يكون الحكم الشرعي المستكشف عنه شرعيّا مولويّا في مورد القابل، نعم يكون حكمه الإدراكي تابعا للمدرك واقعا من غير أن يختلف حاله بحسب الإدراك العقلي، فإذا بني على كون الاحتياط حسنا عقلا يستحق فاعله المدح عند العقل على فعله و يستحق الأجر و الثواب عليه فيكون قابلا لتعلّق الأمر الشرعي المولوي به، فلا محالة يستكشف بقاعدة الملازمة عن تعلّق أمر مولويّ به من جانب الشارع، و لا ينافي ذلك ما تقدّم من الأخبار؛ لأنّه يحتمل قريبا كون المراد منها بيان كون الحكمة في الأمر به التوصّل إلى الغير كما هو الشأن في كثير من الواجبات النفسيّة، لا أن يكون الأمر المتعلّق به غيريّا مقدميّا، و الفرق بينهما لا يكاد أن يخفى بل الأمر في جميع الواجبات الشرعيّة يلاحظ فيه عند العدليّة التوصّل إلى الغير، فإنّهم حكموا بأنّها إنّما وجبت لكونها ألطافا في الواجبات العقليّة، و مع ذلك يكون الأمر المتعلّق بها شرعيّا مولويّا.
و هذا الذي ذكرنا من كون الحكم العقلي الإرشادي ملازما للأمر الشرعي المولوي
........
الشرح
في مورد القابل مع وضوحه قد حقّقنا القول فيه و فصّلناه في مسألة الملازمة، اللّهمّ إلاّ أن يقال إنّ حسن الاحتياط عقلا إنّما هو من حيث كونه من مراتب الإطاعة، فيكون حال الأمر المتعلّق به المستكشف من قاعدة الملازمة حال الأمر المتعلّق بالإطاعة، نعم يمكن أن يلاحظ الشارع في أمره المستكشف من الأدلّة اللفظيّة عنوانا آخر للاحتياط فأمر به أمرا مولويّا بهذه الملاحظة، كما أنّه يحتمل أن يكون جهة أمره عنوانه الملحوظ في حكم العقل فتأمّل.
ثمّ إنّ هنا إشكالا أيضا على القول بكون حسن الاحتياط و المدح المتعلّق به فاعليّا أيضا، و ملخّصه: أنّه بناء عليه يتعيّن القول بكون الأمر المتعلّق به غيريّا مقدّميّا صرفا، إذ لا حسن فيه بالفرض أصلا، فعلى هذا لا بدّ أن يبنى الكلام في حكم الأمر المتعلّق بالاحتياط من حيث كونه إرشاديّا أو مولويّا على الكلام في نفس الاحتياط من حيث كونه حسنا بالذات أم لا، فلا معنى للتكلّم في المقامين، هذا و قد يذبّ عنه أيضا بأنّ عدم إدراك العقل لجهة محسّنة في نفس الاحتياط لا يلازم عدمها في نفس الأمر و عند الشارع، فيمكن تعلّق الأمر الشرعي المولويّ به فيستظهر منه وجود جهة في الاحتياط غير ما استكشفه العقل فتأمّل.
ثمّ إنّ ما أفاده شيخنا قدّس سره في ذيل هذا الأمر بقوله: (ثمّ لا فرق فيما ذكرنا من حسن الاحتياط) إلى آخره، ممّا لا إشكال فيه أصلا؛ لأنّ حكم جميع صور دوران الأمر بين التحريم و غير الوجوب من الأحكام الثلاثة سواء فرض الدوران ثنائيّا أو ثلاثيّا أو رباعيّا واحد عقلا بل شرعا أيضا بالنظر إلى الأخبار الواردة، نعم في دوران الأمر بين الحرمة و الكراهة نعلم بمرجوحيّة الفعل شرعا و تعلّق الطلب الشرعي بتركه فلا يتكلّف في الحكم برجحانه شرعا بأنّ الطلب المتعلّق بالاحتياط شرعيّ مولويّ كما هو ظاهر، كما أنّ ما أفاده من دفع التوهّم على التّعميم المذكور بقوله: (و لا يتوهّم أنّه يلزم من ذلك) إلى آخره، لا إشكال
و هل الأوامر الشرعيّة للاستحباب فيثاب عليه و إن لم يحصل به الاجتناب عن الحرام الواقعي، أو غيري بمعنى كونه مطلوبا لأجل التحرّز عن الهلكة المحتملة و الاطمئنان بعدم وقوعه فيها فيكون الأمر به إرشاديّا لا يترتّب على موافقته و مخالفته سوى الخاصيّة المترتّبة على الفعل أو الترك نظير أوامر الطبيب و نظير الأمر بالإشهاد عند المعاملة لئلاّ يقع التنازع وجهان، من ظاهر الأمر بعد فرض عدم إرادة الوجوب و من سياق جلّ الأخبار الواردة في ذلك، فإنّ الظاهر كونها مؤكّدة لحكم العقل بالاحتياط، و الظاهر أنّ حكم العقل بالاحتياط من حيث هو احتياط على تقدير كونه إلزاميّا لمحض الاطمئنان و دفع احتمال العقاب.
و كما أنّه إذا تيقّن بالضرر يكون إلزام العقل لمحض الفرار عن العقاب المتيقّن، فكذلك طلبه الغير الإلزامي إذا احتمل الضرر.
بل و كما أنّ أمر الشارع بالإطاعة في قوله تعالى: أَطِيعُوا اَللّٰهَ وَ رَسُولَهُ لمحض الإرشاد؛ لئلاّ يقع العبد في عقاب المعصية و يفوته ثواب الطاعة، و لا يترتّب على مخالفته سوى ذلك، فكذلك أمره بالأخذ بما يأمن معه الضرر لا يترتّب على موافقته سوى الأمان المذكور و لا على مخالفته سوى الوقوع في الحرام الواقعي على تقدير تحقّقه.
و يشهد لما ذكرنا أنّ ظاهر الأخبار حصر حكمه الاجتناب عن الشبهة في التفصّي عن الهلكة الواقعيّة لئلاّ يقع فيها من حيث لا يعلم، و اقترانه مع الاجتناب عن الحرام المعلوم في كونه ورعا.
و من المعلوم أنّ الأمر باجتناب المحرّمات في هذه الأخبار ليس إلاّ للإرشاد
الشرح
فيه أيضا؛ ضرورة أنّ التحريم الذي يبحث عن احتماله في جميع المسائل هو التحريم الذاتي لا التشريعي.
لا يترتّب على مخالفتها و موافقتها سوى الخاصيّة الموجودة في المأمور به و هو الاجتناب عن الحرام أو فوتها، فكذلك الأمر باجتناب الشبهة لا يترتّب على موافقته سوى ما يترتّب على نفس الاجتناب لو لم يأمر به الشارع، بل فعله المكلّف حذرا من الوقوع في الحرام.
و لا يبعد التزام ترتّب الثواب عليه من حيث إنّه انقياد و إطاعة حكميّة.
فيكون حينئذ حال الاحتياط و الأمر به حال نفس الإطاعة الحقيقيّة و الأمر بها في كون الأمر لا يزيد فيه على ما ثبت فيه من المدح أو الثواب لو لا الأمر هذا.
و لكن الظاهر من بعض الأخبار المتقدّمة مثل قوله عليه السلام: «من ارتكب الشبهات نازعته نفسه إلى أن يقع في المحرّمات»، و قوله: «من ترك الشبهات كان لما استبان له من الإثم أترك»، و قوله: «من يرتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه»، هو كون الأمر به للاستحباب و حكمته أن لا يهون عليه ارتكاب المحرّمات المعلومة، و لازم ذلك استحقاق الثواب على إطاعة أوامر الاحتياط، مضافا إلى الخاصيّة المترتّبة على نفسه.
ثمّ لا فرق فيما ذكرناه من حسن الاحتياط بالترك بين أفراد المسألة حتى مورد دوران الأمر بين الاستحباب و التحريم، بناء على أنّ دفع المفسدة الملزمة للترك أولى من جلب المصلحة الغير الملزمة، و ظهور الأخبار المتقدّمة في ذلك أيضا.
و لا يتوهّم: «أنّه يلزم من ذلك عدم حسن الاحتياط فيما احتمل كونه من العبادات المستحبّة، بل حسن الاحتياط بتركه»، إذ لا ينفك ذلك عن احتمال كون فعله تشريعا محرّما؛ لأنّ محرمة التشريع تابعة لتحققه، و مع إتيان ما احتمل كونه عبادة لداعي هذا الاحتمال لا يتحقّق موضوع التشريع، و لذا
قد يجب الاحتياط مع هذا الاحتمال كما في الصلاة إلى أربع جهات أو في الثوبين المشتبهين و غيرهما، و سيجيء زيادة توضيح لذلك إن شاء اللّه.
نسب الوحيد البهبهاني رحمه اللّه إلى الأخباريّين مذاهب أربعة فيما لا نصّ فيه: «التوقّف و الاحتياط و الحرمة الظاهريّة و الحرمة الواقعيّة»، فيحتمل رجوعها إلى معنى واحد و كون اختلافها في التعبير لأجل اختلاف ما ركنوا إليه من أدلّة القول بوجوب اجتناب الشبهة، فبعضهم ركن إلى أخبار التوقّف، و آخر إلى أخبار الاحتياط، و ثالث إلى أوامر ترك الشبهات مقدّمة لتجنّب المحرّمات كحديث التثليث، و رابع إلى أوامر ترك المشتبهات من حيث إنّها مشتبهات، فإنّ هذا الموضوع في نفسه حكمه الواقعي الحرمة.
و الأظهر أنّ التوقّف أعم بحسب المورد من الاحتياط لشموله الأحكام المشتبهة في الأموال و الأعراض و النفوس ممّا يجب فيها الصلح أو القرعة، فمن عبّر به أراد وجوب التوقّف في جميع الوقائع الخالية عن النص العام و الخاص.
و الاحتياط أعم من موارد احتمال التحريم (1)، فمن عبّر به أراد الأعم من محتمل التحريم و محتمل الوجوب، مثل وجوب السورة أو وجوب الجزاء المردّد بين نصف الصيد و كلّه.
و أمّا الحرمة الظاهريّة و الواقعيّة فيحتمل الفرق بينهما، بأنّ المعبّر بالأولى
الشرح
(1) فيكون التوقّف الأعمّ من الاحتياط أعمّ أيضا من موارد احتمال التحريم، فمن عبّر بالتوقّف أراد الأعمّ من محتمل التحريم و محتمل الوجوب، فإنّك قد عرفت سابقا أنّ المراد من التوقّف هو السكون عند الشبهة و عدم الدخول فيها سواء كانت الشبهة في الفعل أو الترك، فإنّ الظاهر من بعضهم الالتزام بالاحتياط في الشبهة الوجوبيّة الحكميّة أيضا و إن كان الأكثرون على خلافه.
قد لاحظ الحرمة من حيث عروضها لموضوع محكوم بحكم واقعي، فالحرمة ظاهريّة، و المعبّر بالثانية قد لاحظها من حيث عروضها لمشتبه الحكم و هو موضوع من الموضوعات الواقعيّة فالحرمة واقعيّة، أو بملاحظة أنّه إذا منع الشارع المكلّف (1) من حيث إنّه جاهل بالحكم من الفعل فلا يعقل إباحته له واقعا؛ لأنّ معنى الإباحة الإذن و الترخيص فتأمّل.
و يحتمل الفرق بأنّ القائل بالحرمة الظاهريّة يحتمل أن يكون الحكم في الواقع هي الإباحة، إلاّ أنّ أدلّة الاجتناب عن الشبهات حرمتها ظاهرا و القائل بالحرمة الواقعيّة إنّما يتمسّك في ذلك بأصالة الحظر في الأشياء من باب قبح التصرّف فيما يختصّ بالغير بغير إذنه.
و يحتمل الفرق بأنّ معنى الحرمة الظاهريّة حرمة الشيء في الظاهر (2)
الشرح
(1) مبنى هذا الوجه كما ترى على عدم إمكان الحكم الظاهري مع الحكم الواقعي على خلافه، فكلّما حكم الشارع بحرمة الشيء في مرحلة الظاهر فلا بدّ أن يكون حراما في الواقع، فالحرمة ظاهريّة بالملاحظة الأوّلية و إلاّ فهي واقعيّة، و كذا إذا حكم بحليّة الشيء في مرحلة الظاهر فلا بدّ أن يكون حلالا واقعيّا، و هكذا فيلزم على هذا ارتفاع الأحكام الظاهريّة و التصويب الباطل، و من هنا أمر قدّس سره بالتأمّل عقيب الوجه المذكور، و قد أسمعناك في أوّل هذا الجزء من التعليقة الإشكال فيما تسالموا عليه من عدم التنافي بين الحكمين المتضادّين إذا اختلفا بالواقعيّة و الظاهريّة.
(2) مبنى الاحتمالين على ما عرفت من أنّ الأمر بالاجتناب شرعيّ مولوي مع الالتزام بثبوت العقاب على مخالفة الأحكام الظاهريّة، أو إرشاديّ عقليّ أو شرعيّ لا يعاقب على مخالفته من حيث كونه ظاهريّا، فالعقاب على التقديرين على مخالفة الواقع لو اتّفقت لأنّه لازم البيان الشرعي و لو كان بلسان الإرشاد، كما أنه على الأوّل يستحقّ العقابين على تقدير مخالفة الواقع.
فيعاقب عليه مطلقا و إن كان مباحا في الواقع، و القائل بالحرمة الواقعيّة يقول بأنّه لا حرمة ظاهرا أصلا، فإن كان في الواقع حراما استحقّ المؤاخذة عليه، و إلاّ فلا، و ليس معناها أنّ المشتبه حرام واقعا بل معناه أنّه ليس فيه إلاّ الحرمة الواقعيّة على تقدير ثبوتها، فإنّ هذا أحد الأقوال للأخباريّين في المسألة على ما ذكر العلاّمة الوحيد المتقدّم في موضع آخر حيث قال بعد ردّ خبر التثليث المتقدّم بأنّه لا يدلّ على الحظر أو وجوب التوقّف، بل مقتضاه أنّ من ارتكب شبهة و اتّفق كونه حراما في الواقع يهلك لا مطلقا و يخطر بخاطري أنّ من الأخباريّين من يقول بهذا المعنى(1)، انتهى.
و لعلّ هذا القائل اعتمد في ذلك على ما ذكرنا سابقا من أنّ الأمر العقلي و النقلي بالاحتياط للإرشاد من قبيل أوامر الطبيب لا يترتّب على موافقتها و مخالفتها عدا ما يترتّب على نفس الفعل المأمور به أو تركه لو لم يكن أمر، نعم الإرشاد على مذهب هذا الشخص على وجه اللزوم كما في بعض أوامر الطبيب لا للأولويّة كما اختاره القائلون بالبراءة.
و أمّا ما يترتّب على نفس الاحتياط فليس إلاّ التخلّص من الهلاك المحتمل في الفعل، نعم فاعله يستحقّ المدح من حيث تركه لما يحتمل أن يكون تركه مطلوبا عند المولى، ففيه نوع من الانقياد و يستحق عليه المدح و الثواب، و أمّا تركه فليس فيه إلاّ التجرّي بارتكاب ما يحتمل أن يكون مبغوضا للمولى و لا دليل على حرمة التجرّي على هذا الوجه و استحقاق العقاب عليه، بل عرفت في مسألة حجية العلم المناقشة في حرمة التجرّي بما هو أعظم من ذلك كأن يكون الشيء مقطوع الحرمة بالجهل المركّب، و لا
1) الوحيد البهبهاني.
يلزم من تسليم (1) استحقاق الثواب على الانقياد بفعل الاحتياط استحقاق العقاب بترك الاحتياط و التجرّي بالإقدام على ما يحتمل كونه مبغوضا، و سيأتي تتمّة توضيح ذلك في الشبهة المحصورة إن شاء اللّه تعالى.
أنّ أصل الإباحة في مشتبه الحكم إنّما هو مع عدم (2) أصل
الشرح
(1) لا يخفى عليك أنّ التقييد بالجهل المركّب ليس من جهة عدم تحقق التجرّي في صورة مطابقة الاعتقاد للواقع كما ربّما يتوهّمه الجاهل، بل من جهة وضوح الأمر في هذه الصورة نظرا إلى انفكاك التجرّي عن الواقع و قد عرفت ما يتعلّق بالمقام في الجزء الأوّل من التعليقة، و أمّا ما أفاده بقوله: (و لا يلزم من تسليم استحقاق الثواب) إلى آخره فقد أسمعناك الإشكال في التفكيك بين المدح الفعلي في الاحتياط بكونه راجعا إلى الفعل و الذم العقلي في التجرّي بكونه راجعا إلى الفاعل لأنّه ملاك الفرق العقلي في الحكم بالاستحقاق و العدم كما هو ظاهر.
(2) ما أفاده قدّس سره من الشرط في الرجوع إلى أصالة الإباحة في الشبهة الحكميّة أمر ظاهر لا سترة فيه أصلا كما هو الشأن في جميع ما يكون الشكّ في الحكم مسبّبا عن الشكّ في الموضوع؛ لأنّ الشك في الحليّة المسبّب عن الشكّ في قبول الحيوان للتذكية لا أثر له بعد الحكم بمقتضى الأصل على عدم قبوله للتذكية، بمعنى أنّ الأصل عدم تحقّق التذكية الشرعية بالنسبة إليه، لكنّ الرجوع إلى الأصل المذكور مشروط بعدم وجود عموم أو إطلاق من الكتاب و السنّة يقتضي قابليّة كلّ حيوان للتذكية إلاّ ما خرج فإنّه مع الدليل المذكور لا يبقى شكّ بحكم الشارع في القابليّة حتّى يرجع إلى الأصل المذكور، فالشأن إذا التكلّم في وجود الدليل و عدمه و محلّه في الفقه و إن كان تمسّك غير واحد لأصالة القبول بالآيات الواردة في حليّة ما أمسك الكلاب و ما ذكر اسم اللّه عليه و بالأخبار الواردة في الاصطياد بالسّهم و السيف و الكلاب و نحوها محلّ نظر بل منع؛ لعدم
موضوعي حاكم عليه، فلو شكّ في حل أكل حيوان مع العلم بقبوله التذكية جرى أصالة الحل، و إن شكّ فيه من جهة الشك في قبوله للتذكية فالحكم الحرمة لأصالة عدم التذكية؛ لأنّ من شرائطها قابليّة المحل و هي مشكوكة فيحكم بحرمتها و كون الحيوان ميتة.
و يظهر من المحقّق و الشهيد الثانيين قدّس سرّهما فيما إذا شكّ في حيوان متولّد من طاهر و نجس لا يتبعهما في الاسم و ليس له مماثل أنّ الأصل فيه الطهارة و الحرمة.
فإن كان الوجه فيه أصالة عدم التذكية (1) فإنّما يحسن مع الشك في قبول
الشرح
إطلاق لهما ينفع المقام أصلا نظرا إلى سوقهما لبيان مطلب آخر كما هو ظاهر.
نعم لا بأس في التمسّك للأصل المذكور بما دلّ عموما على حليّة كلّ حيوان مثل قوله تعالى: قُلْ لاٰ أَجِدُ فِي مٰا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً الآية و نحوه، فإنّ حلّيّة كلّ حيوان بالحلّيّة الذاتيّة إلاّ ما خرج لا يجامع عدم قبوله للتذكية كما هو ظاهر.
(1) الحكم بالطهارة فيما فرضناه فإنّما هو من جهة جريان أصالة الطهارة في الشبهة الحكميّة كالموضوعيّة على ما هو المشهور، خلافا للمحقّق الخوانساري فالمقصود طهارته الذاتيّة في مقابل نجاسته كذلك، فلا ينافي الحكم بنجاسته لو حكم بحرمة أكل لحمه من جهة الشك في التذكية و الحكم بعدمها و أنّه ميتة كما هو ظاهر، و أمّا الحكم بحرمة الحيوان المذكور فلا بدّ أن يكون مستندا إلى أصالة عدم التذكية؛ نظرا إلى عدم تسليمهما أصالة القبول و قول شيخنا قدّس سره، و كيف كان فلا يعرف وجه إلى آخره نصّ في تسليمه أصالة القبول التي حكاها قبل ذلك عن بعض.
و أمّا ما حكاه عن الفاضل الهندي في الشرح وجها لما ذكر من قضيّة الحصر، فلا محصّل له أصلا مع قطع النظر عمّا أفاده قدّس سره في ردّه فإنّه لم يعلم المراد
التذكية و عدم عموم يدلّ على جواز تذكية كل حيوان إلاّ ما خرج كما ادّعاه بعض.
و إن كان الوجه فيه أصالة حرمة أكل لحمه قبل التذكية، ففيه أنّ الحرمة قبل التذكية لأجل كونه من الميتة، فإذا فرض إثبات جواز تذكيته خرج عن الميتة فيحتاج حرمته إلى موضوع آخر، و لو شكّ في قبول التذكية رجع إلى الوجه السابق، و كيف كان فلا يعرف وجه لرفع اليد عن أصالة الحل و الإباحة.
نعم ذكر شارح الروضة هنا وجها آخر و نقله بعض محشّيها عن تمهيد القواعد قال شارح الروضة: «إنّ كلاّ من النجاسات و المحلّلات محصورة، فإذا لم يدخل في المحصور منها كان الأصل طهارته و حرمة لحمه، و هو ظاهر»(1)، انتهى.
الشرح
من الحصر في كلامه، فإنّه إن كان المراد منه أنّ هناك قضيّة حاصرة في الشرع للنجاسات و المحلّلات فيتوجّه عليه مضافا إلى منعها أنّه لا معنى للرجوع إلى أصالة الطهارة و أصالة الحرمة حينئذ، بل يتعيّن الرجوع إلى الظهور اللفظي، اللّهمّ إلاّ أن يكون مراده من الأصل الظهور فتدبّر.
و إن كان المراد مجرّد عدم الاطلاع بعد التفحّص في الأدلّة الشرعيّة إلاّ على نجاسات و محلّلات، كما أنّه مراد شيخنا قدّس سره من حصر المحرّمات فيتوجّه عليه أنّ الحصر بهذا المعنى الذي ليس بحصر حقيقة لا يمنع من الشّك في الحلّيّة و الحرمة فيرجع إلى الأصل، و العجب أنّه قال في محكيّ الشرح بعد ما حكاه عنه في الكتاب و هو ظاهر مع أنّك قد عرفت أنه لا محصّل له فلا وجه إذا لما أفاده إلاّ ما عرفت من عدم ثبوت أصالة القابليّة عندهما و عرفت ما يقضي بثبوتهما ممّا دلّ بظاهره على حلّيّة كلّ حيوان، فإنّه يلازم قبوله التذكية كما هو ظاهر.
1) تمهيد القواعد: ص 37.
و يمكن منع حصر المحلّلات، بل المحرّمات محصورة، و العقل و النقل دلّ على إباحة ما لم يعلم حرمته؛ و لذا يتمسّكون كثيرا بأصالة الحل في باب الأطعمة و الأشربة.
و لو قيل: إنّ الحل إنّما علّق (1) في قوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمُ اَلطَّيِّبٰاتُ المفيد للحصر في مقام الجواب عن الاستفهام فكل ما شك في كونه طيّبا فالأصل عدم إحلال الشارع له.
الشرح
(1) هذا وجه آخر للحصر غير ما ذكرناه من الوجهين و هو حصر الإجمالي للمحلّلات في الطيّبات، و إن كانت إرادته بعيدة عن كلام الشارح، و دلالة القضيّة على الحصر ليست مستندة إلى مفهوم الوصف حتّى يمنع سيّما في الوصف الغير المعتمد على الموصوف المحقّق المذكور، بل من جهة ورودها في جواب الاستفهام في سورة المائدة: يَسْئَلُونَكَ مٰا ذٰا أُحِلَّ لَهُمْ على ما أفاده قدّس سره، فمعناه أنّ الطيّب حلال ليس إلاّ، فيلزم أن يكون غيره حراما فإذا أريد الحكم بحليّة حيوان أو غيره فلا بدّ من إحراز كونه طيّبا، و إلاّ فلا يجوز الحكم بحليّته لأنّه معنى حصر الحلّيّة في الطّيّب، لأنّ نفس الشكّ في إرادته من الكلام و لو من جهة الشك في صدق الموضوع عليه يكفي في الحكم بعدم المحمول له في مرحلة الظاهر فيحكم بالتحريم لأنّه معنى نفي التحليل فلا يحتاج إلى إحراز عدم الموضوع بإجراء الأصل في الوصف العنواني للموضوع المردّد حتّى يقال بعدم حالة سابقة له سواء كان الطّيّب أمرا وجوديّا أو عدميّا أي مجرّد عدم تنفّر الطبع و استقذاره فتأمّل.
و أمّا ما أجاب به عنه شيخنا قدّس سره من المعارضة بقوله: (قلنا إنّ التحريم) إلى آخره، فقد يناقش فيه:
أوّلا: بأنّ مجرّد تحريم الخبائث في الكتاب العزيز مع عدم دلالة القضيّة على
قلنا: إنّ التحريم محمول في القرآن على الخبائث و الفواحش فإذا شك فيه فالأصل عدم التحريم و مع تعارض الأصلين يرجع إلى أصالة الإباحة و عموم قوله تعالى: قُلْ لاٰ أَجِدُ فِي مٰا أُوحِيَ إِلَيَّ، و قوله عليه السلام: «ليس الحرام إلاّ ما حرّم اللّه تعالى»، مع أنّه يمكن فرض كون الحيوان ممّا ثبت كونه طيبا، بل الطيّب ما لا يستقذر فهو أمر عدمي يمكن إحرازه بالأصل عند الشك فتدبّر.
حكي عن بعض الأخباريّين كلام لا يخلو إيراده عن فائدة، و هو أنّه: «هل يجوز أحد أن يقف عبد من عباد اللّه فيقال له بما كنت تعمل في الأحكام الشرعيّة فيقول كنت أعمل بقول المعصوم و أقتفي أثره،
الشرح
الحصر لا يفيد شيئا، فإنّ تحريمها من حيث كونها من أفراد المفهوم.
و ثانيا: بأنّ تقابل الطّيّب و الخبيث تقابل التضادّ كما حكي عن الصحاح و القاموس، و يستفاد من تفسير الطيّب بما يستلذّ به النفس و الخبيث بما يستكرهها و لم يعلم عدم ثالث لهما بل الثالث بين المعنيين موجود بالوجدان، فإذا لا معنى للتعارض بين الأصلين حتّى يرجع إلى أصالة الحلّ و عموم الحلّيّة في الآية و الرواية، نعم لو كان تقابل الخبيث و الطّيّب تقابل الإيجاب و السلب أمكن الحكم بالحلّيّة في مورد الشكّ من جهة الأصل الموضوعي كما ذكره، إذ لا يتصوّر هناك معارض له، إلاّ أن يناقش فيه بما عرفت التأمّل فيه، هذا و الذي يقتضيه التحقيق أنّه على تقدير دلالة الآية على الحصر لا معنى لإجراء الأصل الحكميّ حتّى يعارض بأصالة عدم التحريم، كما أنّه لا معنى للتمسّك بالعموم و الأصل اللفظي للشّك في الموضوع، فإن جرى هناك أصل موضوعي سليم عن المعارض تعيّن الرجوع إليه و إلاّ فالحصر بالمعنى المذكور أيضا لا يجدي في رفع اليد عن أصالة الحلّ، و ما ذكرناه في تقريب عدم الحاجة إلى الأصل عند الشكّ مع تسليم الحصر كان مبناه على تقريب الاستدلال لا على الاعتقاد و التحقيق.
و ما يثبت من المعلوم فإن اشتبه على شيء عملت بالاحتياط، أ فيزل قدم هذا العبد عن الصراط و يقابل بالإهانة و الإحباط فيؤمر به إلى النار و يحرم مرافقة الأبرار، هيهات هيهات أن يكون أهل التسامح و التساهل في الدين في الجنّة خالدين و أهل الاحتياط في النار معذّبين» انتهى كلامه.
أقول: لا يخفى على العوام فضلا عن غيرهم أنّ أحدا لا يقول بحرمة الاحتياط و لا ينكر حسنه و أنّه سبيل النجاة، و أمّا الإفتاء بوجوب الاحتياط فلا إشكال في أنّه غير مطابق للاحتياط لاحتمال حرمته فإن ثبت وجوب الإفتاء فالأمر يدور بين الوجوب و التحريم، و إلاّ فالاحتياط في ترك الفتوى، و حينئذ فيحكم الجاهل بما يحكم به عقله، فإن التفت إلى قبح العقاب من غير بيان لم يكن عليه بأس في ارتكاب المشتبه، و إن لم يلتفت إليه و احتمل العقاب كان مجبولا على الالتزام بتركه كمن احتمل أنّ فيما يريد سلوكه من الطريق سبعا، و على كلّ تقدير فلا ينفع قول الأخباريّين (1) له إنّ العقل يحكم بوجوب الاحتياط من باب وجوب دفع الضرر المحتمل، و لا قول الأصولي له إنّ العقل يحكم بنفي البأس مع الاشتباه.
الشرح
(1) الغرض أنّه بعد سدّ باب طريق الإفتاء للمجتهد المرجع من حيث تساوي أدلّة البراءة و الاحتياط في نظره و عدم قدر متيقّن في البين بالفرض و عدم جواز الرّجوع للجاهل بالحكم الظاهري للمسألة إلى الأموات فلا محالة يرجع إلى ما يحكم به عقله من الوجهين على التقديرين، و لا ينفع قول كل من المجتهد و الأخباري له من حيث لزوم الأخذ به من حيث التعبّد لفرض عدم الدليل عليه، و إلاّ فلو فرض إيجابه للردع عن حكم عقله فلا إشكال في لزوم الارتداع لكنّه لا تعلّق له بما هو المقصود من البيان، فإنّ النفع بهذا المعنى موجود بالنسبة إلى جميع موارد الرجوع إلى العقل في المسائل الاعتقاديّة كما هو ظاهر.
و بالجملة فالمجتهدون لا ينكرون على العامل بالاحتياط و الإفتاء بوجوبه من الأخباريّين نظير الإفتاء بالبراءة من المجتهدين و لا متيقّن من الأمرين في البين، و مفاسد الالتزام بالاحتياط ليست بأقل من مفاسد ارتكاب المشتبه كما لا يخفى، فما ذكره هذا الأخباري من الإنكار لم يعلم توجّهه إلى أحد، و اللّه العالم و هو الحاكم.
المسألة الثانية: ما إذا كان دوران حكم الفعل (1) بين الحرمة و غير الوجوب من جهة إجمال النص
إمّا بأن يكون اللفظ الدال على الحكم مجملا كالنهي المجرّد عن القرينة
الشرح
(1) قد أسمعناك في أوائل هذا المقصد أنّ من أسباب اشتباه الحكم الكلّي الصادر من الشارع و موجباته إجمال اللفظ المتكفّل لموضوع القضيّة الشرعيّة أو محمولها بمعنى عدم ظهور مراد الشارع منه بما هو المناط في باب الألفاظ، من غير فرق بين الإجمال الاصطلاحي و غيره، و أن يكون مستندا إلى هيئة النهي من جهة الاشتراك اللفظي أو المعنوي مع عدم ظهور بعض الأفراد أو كثرة الاستعمال في الكراهة مع الوضع للتحريم بحيث يوجب إجمال اللفظ أو غيرها أو مادّته و معروضه بأحد موجبات عدم تبيّن المراد كالغناء إذا كان الاختلاف بحيث يرجع إلى الأقل و الأكثر بحيث يكون هناك ما يعلم صدق الغناء عليه على كل تقدير و يعلم بكونه مرادا، و إنّما الشكّ في إرادة بعض الأصوات من حيث عدم تبيّن حقيقة اللفظ عرفا بكنهه و حدّه و حقيقته كما هو الشأن في أكثر المفاهيم العرفيّة.
و أمّا إذا تبيّن المفهوم و شكّ في الإرادة من جهة أخرى و لم يوجد هناك شرائط التمسّك بالإطلاق كما فيما ذكره من مثال الخمر من باب مجرّد الفرض فأقل قليل، و ممّا ذكرنا كلّه يظهر أنّه لا تعلّق للمسألة بالشبهة الموضوعيّة العرفيّة
إذا قلنا باشتراكه لفظا بين الحرمة و الكراهة، و إمّا بأن يكون الدال على متعلّق الحكم كذلك سواء كان الإجمال في وضعه كالغناء إذا قلنا بإجماله فيكون المشكوك في كونه غناء محتمل الحرمة، أم كان الإجمال في المراد منه كما إذا شك في شمول الخمر للخمر الغير المسكر و لم يكن هناك إطلاق يؤخذ به و لحكم في ذلك كلّه كما في المسألة الأولى، و الأدلّة المذكورة من الطرفين جارية هنا:
و ربّما يتوهّم أنّ الإجمال إذا كان في متعلّق الحكم كالغناء و شرب الخمر الغير المسكر كان ذلك داخلا في الشبهة في طريق الحكم و هو فاسد.
و الأقوى فيه أيضا عدم وجوب الاحتياط لعدم الدليل عليه، عدا ما تقدّم من الوجوه المذكورة التي عرفت حالها و بعض ما ورد في خصوص تعارض
الشرح
التي تسمّى بالشبهة في طريق الحكم عند الأخباريّين.
و قد وافقوا المجتهدين في الحكم بالإباحة فيها و إن سمّيت بالشبهة في الموضوع المستنبط و أطلقت عليها الشبهة في الموضوع بقول مطلق من حيث إنّ الموضوع الكلّي للحكم فيها غير معلوم، إلاّ أن الإطلاق لا يؤثّر في إخراج المسألة عن الشبهة الحكميّة المنوط بعدم تبيّن القضيّة الشرعيّة موضوعا أو محمولا أو هما معا؛ لأنّ الحكم على ما عرفت مرارا ليس مجرّد المحمول و هذا أمر ظاهر لا سترة فيه أصلا، و إن وقع وهم هناك لبعض أوائل الطلب، ثمّ إنّ حكم المسألة حكم المسألة الأولى عند المجتهد و الأخباري من غير فرق بينهما أصلا عند الفريقين.
النصّين مثل ما في عوالي اللئالي من مرفوعة العلاّمة رحمه اللّه إلى زرارة عن مولانا أبي جعفر عليه السلام قال: «قلت جعلت فداك يأتي عنكم الخبران أو الحديثان المتعارضان فبأيّهما آخذ؟ فقال يا زرارة، خذ بما اشتهر بين أصحابك و اترك الشاذ النادر. فقلت يا سيّدي إنّهما معا مشهوران مرويّان مأثوران عنكم. فقال: خذ بما يقوله أعدلهما عندك و أوثقهما في نفسك.
فقلت: إنّهما معا عدلان مرضيّان موثّقان عندي. فقال: انظر ما وافق منهما مذهب العامّة فاتركه و خذ بما خالفهم فإنّ الحقّ فيما خالفهم. قلت: ربّما كانا موافقين لهم أو مخالفين لهم فكيف نصنع؟ قال: فخذ بما فيه الحائطة لدينك و اترك ما خالف الاحتياط. فقلت: إنّهما معا موافقان للاحتياط أو مخالفان فكيف أصنع؟ قال: إذن فتخيّر أحدهما فتأخذ به و تدع الآخر» (1)الحديث.
و هذه الرواية و إن كانت أخص من أخبار التخيير (1) إلاّ أنّها ضعيفة السند،
الشرح
(1) أخصيّتها بظاهرها من أخبار التخيير لا تحتاج إلى البيان، فإنّ ما دلّ على التخيير على ضربين:
أحدهما: ما حكم فيه بالتخيير ابتداء من دون اعتبار فقد المرجّحات.
ثانيهما: ما حكم به بالتخيير مع فقد المرجّحات مطلقا، سواء أمكن الاحتياط أو لم يمكن، كما في دوران الأمر بين المحذورين.
و ظاهر أنّ كلاّ منهما أعمّ مطلقا من الرّواية، فلو كانت معتبرة من حيث السند لزم تقديمها على أخبار التخيير و العمل بها و إن كان حملها على صورة عدم إمكان الاحتياط بعيدا إلاّ أنّه لا مناص عنه بعد أخصيّة الرواية إلاّ أنّها غير معتبرة سندا
1) عوالي اللئالي: ج 4، ص 133.
و قد طعن صاحب الحدائق فيها، و في كتاب العوالي و صاحبه فقال: «إنّ الرواية المذكورة لم نقف عليها في غير كتاب العوالي مع ما هي عليها من الإرسال، و ما عليه الكتاب المذكور من نسبة صاحبه إلى التساهل في نقل الأخبار و الإهمال و خلط غثّها بسمينها و صحيحها بسقيمها كما لا يخفى على من لاحظ الكتاب المذكور»(1)، انتهى.
الشرح
جدّا فلا تعارض أخبار التخيير، و أمّا ما دلّ على التوقّف و الاحتياط فهو على ضربين أيضا:
أحدهما: ما ورد في مطلق الشبهة و قد عرفت حاله، مضافا إلى كونه أعمّ فلا تعارض ما دلّ على التخيير.
ثانيهما: ما ورد في خصوص المتعارضين من الأخبار كمقبولة عمر بن حنظلة التي رواها المشايخ الثلاثة، فإنّه حكم فيها بالتوقّف و الإرجاء بعد فقد المرجّحات، إلاّ أنّ الحكم بالتوقّف فيها لمّا كان مختصّا بالتمكّن من إزالة الشبهة بالرجوع إلى الإمام عليه السلام نوعا فتكون أخصّ من أخبار التخيير بهذه الملاحظة، فيرجع إليها و يحكم في أمثال زماننا بالتخيير، و لا إجماع على عدم الفصل بين الزمانين، كما أنّه لا إجماع على اتّحاد حكم العلاج ترجيحا و تخييرا، بل ظاهر المقبولة و غيرها إعمال المرجّحات في مورد التمكّن، بل هو موردها فتدبّر، ثمّ إنّه قدّس سره ليس في مقام التحقيق في قوله:
(ثمّ إذا لم نقل بوجوب الاحتياط) إلى آخره، بل الغرض مجرّد الإشارة إلى الوجوه و الأقوال و إلاّ فلا معنى لمرجّحيّة الأصل عنده و لا التوقّف في الأخبار؛ لأنّ المختار في تعارضها بعد التكافؤ التخيير بين الخبرين، و إنّما التوقّف المراد به التساقط في مورد التعارض و الرجوع إلى الأصل الموافق لأحدهما إن كان، أو إلى التخيير إن لم يكن في غير الأخبار، لا التساقط مطلقا و الرجوع إلى الأصل كذلك.
1) مستدرك الوسائل: ج 3، ص 364.
ثمّ إذا لم نقل بوجوب الاحتياط ففي كون أصل البراءة مرجّحا لما يوافقه أو كون الحكم الوقف أو التساقط و الرجوع إلى الأصل أو التخيير بين الخبرين في أوّل الأمر أو دائما وجوه، ليس هنا محل ذكرها، فإنّ المقصود هنا نفي وجوب الاحتياط و اللّه العالم.
بقي هنا شيء.
و هو أنّ الأصوليّين (1) عنونوا في باب التراجيح الخلاف في تقديم الخبر
الشرح
(1) الكلام فيما يتعلّق بما أفاده يأتي إن شاء اللّه تعالى في الجزء الرابع من التعليقة، و بزعمي أنّ مسألة الناقل و المقرّر أعمّ من مسألة المبيح و الحاظر، و تخطئة البعض أولى من جعل المسألتين متقابلتين، كما أنّ خلافهم في المسألتين في تقديم الموافق أو المخالف مبنيّ على الترجيح بالموافقة من حيث الاعتضاد بالأصل، نظرا إلى اعتباره عندهم من باب الظنّ كما يقتضيه كلمات الأكثرين أو التعبّد بناء على جواز الترجيح بما لا يوجب أقربيّة أحد المتعارضين على خلاف التحقيق الذي تسمعه في محلّه أو المخالفة من حيث إنّ التأسيس أولى من التأكيد و إنّ بناء الشارع على تبليغ ما يخالف الأصل فالظنّ في جانب المخالف، و أمّا حكمهم بالتخيير كما عليه المجتهدون أو الاحتياط كما عليه الأخباريّون فمفروض فيما لم يكن هناك مرجّح و لو كان أصلا من الأصول هذا بناء على التعدّي عن المرجّحات المنصوصة كما عليه الأكثرون، و إلاّ فيحكم بالتخيير مع وجود الأصل في المسألة أيضا كما صرّح به الشيخ في العدّة، و هذا الوجه و إن كان في ظاهر النظر ممّا لا غبار فيه إلاّ أنّه ربّما يأباه كلمات جماعة، كما أنّ ما أفاده في الكتاب من تنزيل كلماتهم في المسألتين على التكلّم في حكم المسألة بحسب الأصول و القواعد مع قطع النظر عن أخبار التخيير و إلاّ فيحكمون به بالنظر إليها ربّما ينافيه أيضا بعض أدلّتهم بل كلماتهم، فإنّ كلام جمع ينادي بالترجيح بالأصل، فراجع و انتظر لبقيّة القول في ذلك في محلّه.
الموافق للأصل على المخالف و نسب تقديم المخالف و هو المسمّى بالناقل إلى أكثر الأصوليّين، بل إلى جمهورهم منهم العلاّمة قدّس سره، و عنونوا أيضا مسألة تقديم الخبر الدال على الإباحة على الدال على الحظر و الخلاف فيه و نسب تقديم الحاظر على المبيح إلى المشهور، بل يظهر من المحكي عن بعضهم عدم الخلاف في ذلك و الخلاف في المسألة الأولى ينافي الوفاق في الثانية، كما أنّ قول الأكثر فيهما مخالف لما يشاهد من عمل علمائنا على تقديم المخالف للأصل، بل التخيير أو الرجوع إلى الأصل الذي هو وجوب الاحتياط عند الأخباريّين، و البراءة عند المجتهدين حتّى العلامة، مضافا إلى ذهاب جماعة من أصحابنا في المسألتين إلى التخيير.
و يمكن أن يقال إنّ مرادهم من الأصل في الناقل و المقرّر أصالة البراءة من الوجوب لا أصالة الإباحة، فيفارق مسألة تعارض المبيح و الحاظر و إن حكم أصحابنا بالتخيير أو الاحتياط لأجل الأخبار الواردة لا لمقتضى نفس مدلولي الخبرين من حيث هما، فيفارق المسألتين.
لكنّ هذا الوجه قد يأباه مقتضى أدلّتهم فلاحظ و تأمّل.
كما إذا شك في حرمة شرب مائع أو إباحته للتردّد في أنّه خل أو خمر، و في حرمة لحم لتردّده بين كونه من الشاة أو من الأرنب.
و الظاهر عدم الخلاف في أنّ مقتضى الأصل فيه الإباحة (1) للأخبار الكثيرة
الشرح
(1) لمكان اختصاص جملة ممّا دلّ على الحلّيّة في الشبهة التحريميّة بالشبهة
........
الشرح
الموضوعيّة، منها مثل ما ذكره في الكتاب و ما لم يذكره وافق الأخباريون من أصحابنا المجتهدين في الحكم بالإباحة فيها، و قد خرجوا بها عمّا اقتضى بزعمهم وجوب التوقّف في مطلق الشبهة الشاملة للشبهة الموضوعيّة بعمومها كأخبار التثليث و نحوها، و ممّا استدلّ به غير واحد على الإباحة في الشبهة الموضوعيّة تبعا للعلاّمة قدّس سره رواية مسعدة بن صدقة، و لا إشكال في ظهورها صدرا و ذيلا في المدّعى مع عدم استظهار التمثيل من الأمثلة المذكورة فيها للكليّة المذكورة فيها صدرا و ذيلا، سواء استظهر التقريب كما استظهره بعض أفاضل مقاربي عصرنا في فصوله أو لم يستظهر شيء منها و حكم بإجمال الرواية من هذه الجهة، في وجه توضيح ذلك أنّه لا إشكال في أنّ الحلّيّة في الأمثلة المذكورة في الرواية ليست مستندة إلى نفس الشكّ في الحلّيّة، إذ لو لا الأمارات المقتضية للحلّيّة فيها و كذا الأصول الموضوعيّة المقتضية لها الحاكمة على ما يقتضي التحريم فيها بالاتفاق الحاكم على أصالة الحلّيّة لم يحكم فيها بالحلّيّة، فالحلّيّة مستندة إلى تلك لا إلى نفس الشّك، فإنّ الثوب و العبد إن لم يلاحظا من حيث التصرّف و اليد كان مقتضى الأصل الموضوعي و هو عدم تملّك البائع مضافا إلى أصالة الفساد في المعاملات و أصالة الحريّة في الإنسان فساد المعاملة الواقعة و حرمة التصرّف فيهما فالحكم فيهما بصحّة الشراء و حلّيّة التصرّف من جهة أصالة الصّحّة في اليد و التصرّف و كذا المرأة مع احتمال النسب المانع من النكاح بينها و بين الزوج أو تحقّق الرضاع المحرّم بينهما إن لم يلاحظ فيها أصالة عدم تحقّق النسب و الرضاع حكم فيها بالحرمة و فساد النكاح من جهة أصالة الفساد الراجعة إلى أصالة عدم تحقّق الزوجيّة بينهما.
لا يقال إنّ الشك في الصّحة و الفساد إذا كان مسبّبا عن احتمال وجود المانع لتأثير النكاح تعيّن إجراء أصالة عدم المانع الموافقة لأصالة الحليّة، فالرجوع إليها رجوع إلى
........
الشرح
أصالة الحليّة حقيقة، نعم إذا كان الشك مسبّبا عن وجود المقتضي كما في المثالين الأوّلين كان مقتضى الأصل الأوّلي الحكم بالحرمة لو لا الأصل الحاكم؛ لأنّا نقول ما ذكر من الرجوع إلى أصالة عدم المانع إن أريد به ذات المانع - أي أصالة عدم النسب و الرضاع - فهو صحيح لا محيص عنه و هو معنى ما ذكرنا أوّلا، إلاّ أنّ ما ذكر من أنّها في معنى الرجوع إلى أصالة الحلّيّة ممّا لا محصّل له أصلا و إن توافقتا من حيث المضمون، و إن أريد عنوانه ففيه أنّه من الأصول المثبّتة مضافا إلى رجوعه إلى الوجه الأوّل بعد التسليم، و الحاصل أنّ الحكم بالحلّيّة من جهة أصالة عدم النسب المانع من تأثير العقد ليس حكما بها من جهة نفس الشكّ؛ لأنّ الشكّ من جهة وجود السّبب المحلّل لا يقتضي الحكم بالحلّيّة، بل مقتضاه الحكم بعدم وجود السبب و الحرمة كما هو ظاهر، فلا فرق في أمثلة الرواية من جهة عدم استناد الحلّيّة إلى نفس الشكّ.
ثمّ إنّ من العجب ما حكي عن بعض السادة الأجلّة من أفاضل معاصرينا في هذا المقام، حيث زعم أنّ قوله - عليه السلام: كلّ شيء لك حلال - في الرواية بقرينة الأمثلة المذكورة فيها في مقام إعطاء الضّابطة و القاعدة للبناء على سببيّة الموجود المردّد بين السبب و غيره نظير قوله تعالى: أَحَلَّ اَللّٰهُ اَلْبَيْعَ، الدالّ على تشريع سببيّة البيع في الشرع، إذ لا فرق بين قوله تعالى و قوله عليه السلام: «كلّ شيء لك حلال»، إلاّ من حيث الموضوع، فإنّ الآية مسوقة لبيان سببيّة خصوص البيع، و الرواية مسوقة لبيان سببيّة كلّ شيء شكّ في سببيّته في الشبهة الموضوعيّة، و إلاّ فالمحمول في الموضعين هو التحليل، و قد أسري هذا المعنى في باب الشّكّ في وجود شرط الصّلاة من جهة الشكّ في لباس المصلّي من حيث إنّه ممّا يجوز الصّلاة فيه أوّلا، و أنت خبير بأنّ المعنى المذكور مضافا إلى كونه موجبا لهدم بناء الفقه و القواعد المسلّمة عند الفقهاء في كمال البعد من الرواية، و أعجب منه ما في كلام بعض المعاصرين في تقريب جعل ما في الرواية مثالا للكليّة المذكورة فيها
........
الشرح
و كون الحلّيّة فيها مستندة إلى نفس الشك، حيث قال يمكن أن يقال: «إنّ إجراء أصالة الإباحة في الثوب المشترى بملاحظة الشك في أنّ بائع الثوب هل كان بيعه حلالا باحتمال كونه مالكا أو مأذونا منه أو كان حراما باحتمال كونه سارقا و غاصبا، فيشكّ في حلّيّة الشراء منه و حرمته، فالشراء حلال حتّى تعرف أنّه سرقة و غصب، و كذا الكلام في شراء المملوك، فمع قطع النظر عن اليد هذا الشراء محتمل الحلّية و الحرمة، و إذا جاء أدلّة النقل و الانتقال فيما حلّ شراؤه انقطع أصالة بقاء الثوب على ملك مالكه و أصالة الحرّيّة، و كذا المرأة لها عنوانان يجوز نكاح أحد العنوانين و هي التي ليس بينها و بين الرجل نسب و رضاع و تحرم نكاح العنوان الآخر، فإذا شككنا في امرأة خاصّة أنّها من أيّ العنوانين فيحلّ نكاحها إلى أن يعلم الحرمة، ثمّ إنّ المرأة المفروضة تولّدت من امرأة قطعا و ارتضعت من امرأة قطعا و لا يمكن تعيين أنّ الوالدة أمّ أو أخت للرجل أو أجنبيّة بالأصل و كذا المرضعة سلّمنا جريان الأصل، غاية الأمر تطابق الأصلين ثمّ إعمال أصالة حرمة التصرّف في المثالين الأوّلين و أصالة عدم تأثير العقد إن كان بعد ملاحظة عمومات البيع و عمومات النكاح، فلا وجه له و إن كان قبل ملاحظتها، ففي كون الحرمة هي الأصل الأوّلي تأمّل واضح، بل الأصل الأوّلي هي الحلّيّة و الحرمة إنّما نشأت من أصل موضوعيّ فتدبّر جدّا» انتهى كلامه، و فيه كما ترى أنظار ظاهرة لمن كان له أنس بكلمات شيخنا الأستاذ العلاّمة قدّس سره و مطالبه بل بكلمات القوم أيضا، فلا فائدة كثيرة مهمّة في إيرادها، إلاّ أنّه لا بأس بالإشارة إليها لئلاّ يقع في الوهم بعض أوائل الطلبة، فنقول:
أوّلا: إنّ بيع مال الغير من حيث هو عقد لا حرمة فيه أصلا حتّى مع العلم بالغصبيّة فإنّه ليس تصرّفا في ملك الغير، و إنّما هو تصرّف في جوارح البائع، فأين حرمة بيع مال الغير حتّى يشكّ في الحرمة عند الشكّ في عقد البيع، نعم التصرّف
........
الشرح
في الثمن و المثمن و ترتيب الآثار على بيع مال الغير حرام من حيث كونه تصرّفا في ملك الغير، و الشكّ بهذه الملاحظة عند الشكّ في المالكيّة ينشأ من الشكّ في سببيّة العقد و لم يقل أحد إنّ الأصل السببيّة و الصحّة في المعاملات، فمرجع الحكم بالحلّيّة في الفرض إلى الحكم بتحقّق الوضع لا التكليف و هو كما ترى، نعم لو فرض في مقام كون إيقاع نفس العقد من المحرّمات مع قطع النظر عن ترتيب الآثار بالحرمة النفسيّة كما قيل في باب الرباء و إيقاع العقد على الأمّ فشكّ في حرمته بهذا المعنى كان مقتضى الأصل الأوّلي الحليّة و الفساد و حرمة ترتب الآثار لكنّه لا تعلّق له بالمقام، بقي هنا وجهان آخران لحرمة إيقاع العقد أيضا:
أحدهما: حرمته من حيث الإعانة على الإثم فيما كان سببا و لو بالسببيّة الناقصة لترتّب الآثار فيما كان فاسدا.
ثانيهما: حرمته من حيث التشريع، أمّا الأوّل فلا يجري الأصل فيه؛ لأنّه تابع لحرمة ترتيب الآثار و الأصل الحرمة كما عرفت، و الثاني: لا يتصوّر فيه شكّ حتّى يرجع فيه إلى الأصل؛ لأنّه مع الشكّ في سببيّة العقد كان إيجاده بعنوان السببيّة على تقدير تصوّر التشريع القصدي تشريعا محرّما قطعا، فلا شكّ فيه حتّى يرجع إلى أصالة الحلّيّة، هذا مضافا إلى أنّ أصالة عدم السببيّة تثبت الموضوع في مرحلة الظاهر فلا معنى للرجوع إلى أصالة الحلّيّة.
فإن شئت قلت: إنّ الحرمة التشريعيّة كما ثبت قطعا مع القطع بعدم السببيّة، كذلك تثبت قطعا مع الشكّ في السببيّة فافهم.
و منه يظهر أنّ قوله و إذا جاء أدلّة النقل و الانتقال إلى آخره لا محصّل له؛ لأنّ الشكّ في الحلّيّة نشأت من الشكّ في الملكيّة، فلا يجوز الحكم بالحلّيّة بعد الحكم بعدم الملكيّة حتّى يجيء أدلّة النقل و الانتقال، و بعبارة أخرى الشكّ إنّما هو في موضوع دليل النقل، فإذا كان مقتضى الأصل عدم تحقّق الموضوع فأين دليل
........
الشرح
النقل و الانتقال هذا.
و ثانيا: سلّمنا حرمته كما توهّمه بعض، لكن يتعيّن في المقام الحكم بالحرمة أيضا من حيث إنّ الشك فيه كالشك في حرمة ترتيب الآثار مسبّب عن الشك في الملكيّة، فإذا حكم بعدمها بمقتضى الأصل الموضوعي فلا يبقى محل للرجوع إلى الأصل الحكمي، فالشكّ في حرمة العقد في الفرض على هذا القول أيضا لا يوجب الرجوع إلى أصالة الحليّة.
و أمّا ما ذكرناه سابقا من الجمع بين الحكم بحلّيّة إيقاع العقد و الحكم بفساده فإنّما هو فيما لم يكن الشكّ في الحلّية و الحرمة مسبّبا عن الشك في الصحّة و الفساد، بل من حكم الشارع في نفسه، فإنّه ربّما يكون المعاملة فاسدة و نقطع بأنّ إيقاعها مباح فتدبّر.
و ممّا ذكرنا يظهر أنّ ما ذكره - بقوله: و كذا المرأة لها عنوانان - لا محصّل له أيضا؛ لأنّ وجود العنوانين للمرأة من حيث تأثير العقد و عدمه لا يجدي فيما إذا شكّ في وجود العنوان المؤثّر مع كون الأصل الفساد و عدم تأثير العقد مع قطع النظر عن أصل موضوعيّ يقتضي خلوّ المحلّ عن تأثير النكاح المقتضي لتأثير العقد و صحّته.
و ثالثا: أنّ العلم الإجمالي الذي جعله مانعا من الرجوع إلى الأصل الموضوعي بتولّد المرأة من والدة و رضاعها من مرضعة لم يعلم له معنى صحيح أيضا لأنّه لا يترتّب على توليدها من غير والدة الزوج و كذا رضاعها من غير مرضعة أثر أصلا، و إنّما الغرض نفي النسب و الرضاع بينها و بين الزوج، نعم لو قيل بالأصل المثبت أمكن فرض التعارض في المقام لكنّه بمكان من الضعف و السقوط سيّما في مثل المقام.
و رابعا: أنّ قوله سلّمنا جريان الأصل إلى آخره، مبنيّ على ما عرفت فساده في
........
الشرح
غير موضع من عدم جواز الجمع بين الأصل الموضوعي و الحكمي سواء تعارضا أو تعاضدا.
و خامسا: أنّ قوله: ثمّ إعمال أصالة حرمة التصرّف في المثالين إلى آخره، مبنيّ على جواز التمسّك في الشبهات الموضوعيّة بالعمومات و الإطلاقات، و هو في كمال الضعف و السقوط أيضا؛ لأنّ الرجوع إلى الأصل اللفظي إنّما هو في الشكّ في المراد، و لا يتصوّر شك فيه بالنسبة إلى الشبهات الموضوعيّة كما هو ظاهر.
و سادسا: أنّ قوله: و إن كان قبل ملاحظتها إلى آخره، لا محصّل له أيضا؛ لأنّ كون مقتضى الأصل الأوّلي مع قطع النظر عن أصالة الفساد المتّفق عليها الحلّيّة مع تعيّن الرجوع إلى الأصل المذكور المقتضي للحرمة لا فائدة فيه، و لا يمكن تنزيل الرواية عليه، فقد ظهر ممّا ذكرنا كلّه أنّه لا مناص من جعل ذكر المذكورات في الرواية من جهة التقريب و التنظير لا التمثيل و كونها من جزئيّات الكليّة المذكورة فيها.
ثمّ إنّه قد علم من مطاوي ما ذكرنا من المقصود من رواية مسعدة بن صدقة و غيرها، ممّا دل على حليّة المشتبه مطلقا أو في خصوص الموضوع إثبات الحلّيّة عند احتمال التحريم الذاتي، بل قد عرفت سابقا أنّه المراد من جميع صور دوران الأمر بينه و بين غيره، فإذا شكّ في لباس أنّه من جنس ما يصلّى فيه أم لا فإن كان المنع عن الصّلاة فيه من حيث احتمال تحريم لبسه نفسا و ذاتا فيجوز الرجوع فيه إلى أصالة الحلّيّة و الحكم من جهتها بصحّة الصلاة فيها، و إن كان من جهة أمر وضعيّ من مانعيّة لبسه للصّلاة مثلا مع جواز لبسه بحيث لا يحرم فيه الصلاة إلاّ من حيث بطلانها به فيحرم تشريعا إن فرض التشريع فلا معنى للرجوع إلى أصالة الحلّيّة و الحكم بجواز الصّلاة فيه الذي هو في معنى الحكم بالصحّة و ثبوت الأمر الوضعي، بل مقتضى ما دلّ على الشرطيّة أو المانعيّة إحراز حال اللباس و الحكم ببطلانها مع الشك كما هو ظاهر الفقهاء.
في ذلك مثل قوله عليه السلام: «كل شيء لك حلال حتّى تعلم أنّه حرام»، و: «كل شيء فيه حلال و حرام فهو لك حلال».
و استدلّ العلاّمة رحمه اللّه في التذكرة على ذلك (برواية مسعدة بن صدقة: «كل شيء لك حلال حتّى تعلم أنّه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك، و ذلك مثل الثوب يكون عليك و لعلّه سرقة، أو العبد يكون عندك لعلّه حر قد باع نفسه أو قهر فبيع أو خدع فبيع، أو امرأة تحتك و هي أختك أو رضيعتك، و الأشياء كلّها على هذا حتّى يستبين لك غير هذا أو تقوم به البيّنة»(1).
و تبعه عليه جماعة من المتأخّرين، و لا إشكال في ظهور صدرها في المدّعى إلاّ أنّ الأمثلة المذكورة فيها ليس الحل فيها مستندا إلى أصالة الحلّية، فإنّ الثوب و العبد إن لوحظا باعتبار اليد عليهما حكم بحلّ التصرّف فيهما لأجل اليد، و إن لوحظا مع قطع النظر عن اليد كان الأصل فيهما حرمة التصرّف لأصالة بقاء الثوب على ملك الغير و أصالة الحرّية في الإنسان المشكوك في رقّيته.
و كذا الزوجة إن لوحظ فيها أصل عدم تحقق النسب أو الرضاع فالحلّية مستندة إليه، و إن قطع النظر عن هذا الأصل فالأصل عدم تأثير العقد فيها فيحرم وطؤها.
و بالجملة فهذه الأمثلة الثلاثة بملاحظة الأصل الأولى محكومة بالحرمة و الحكم بحلّيتها إنّما هو من حيث الأصل الموضوعي الثانوي، فالحل غير
الشرح
و قد أشرنا إلى ذلك فيما قدّمناه لك و أعدنا القول فيه و كرّرناه من جهة ما رأينا من بعض أفاضل أهل العصر من سلوك خلافه.
1) الكافي: ج 5، ص 313.
مستند إلى أصالة الإباحة في شيء منها هذا و لكنّ في باقي الأخبار المتقدّمة بل جميع الأدلّة المتقدّمة من الكتاب و العقل كفاية مع أنّ صدرها و ذيلها ظاهران في المدّعى.
و توهّم: «عدم جريان قبح التكليف من غير بيان (1) هنا نظرا إلى أنّ الشارع بيّن حكم الخمر مثلا فيجب حينئذ اجتناب كلّ ما يحتمل كونه خمرا من
الشرح
(1) ما ذكره قدّس سره مجرّد توهّم نظرا إلى ما أفاده من أنّ البيان الذي هو من وظيفة الشارع قد صدر منه و وصل إلى المكلّف في الفرض، فلا يحكم العقل بقبح المؤاخذة على تقدير مصادفة الحرام لا مطلقا، و إلاّ فلا يظنّ وقوع أحد في هذا الوهم نظرا إلى أنّ مناط القاعدة ليس قبح ترك البيان على الشارع حتّى يدفع بصدوره و وصوله، بل علم قبح مؤاخذة من لا يعلم بتوجّه الخطاب إليه و تنجّزه في حقّه سواء لم يبيّنه الشارع أصلا أو بيّنه و لم يصل إليه أو وصل إليه و لم يعلم بتوجّهه إليه من جهة عدم العلم بوجود موضوعه في واقعة لا تفصيلا و لا إجمالا و مجرّد تعلّق الخطاب بالموضوعات النفس الأمريّة و تبعيّة الحكم للواقع، و إن جهل المكلّف به لا يوجب شيئا على المكلّف في حكم العقل و الشرع؛ لأنّ النتيجة تابعة للعلم بالمقدّمتين و لا يكفي مجرّد العلم بالكبرى و هذا أمر ظاهر لا سترة فيه أصلا، نعم قد وقع في هذا الوهم بعض في الشبهة الموضوعيّة الوجوبيّة كما سيجيء الكلام فيها، و إن كان الحقّ عدم الفرق بين الشبهتين و وضوح فساد التوهّم المذكور هذا.
و أمّا ما أفاده قدّس سره من النقض بجريان التوهّم المذكور في الشبهة الحكميّة أيضا - بقوله: و ما ذكر من التوهّم جار فيه أيضا - قد يناقش فيه بأنّ ما يفرض من الشبهة الحكميّة من جزئيّات المسألة الثانية أي إجمال النصّ الذي هو محلّ النقض فالقياس عليه في غير محلّه؛ لأنّ البيان التام لم يصل إلى المكلّف
........
الشرح
بالفرض، إذ المفروض عدم تبيّن الموضوع الشرعي و عدم وضوح المراد من اللفظ لإجماله و ما لا مدخل فيه كمطلق الشبهة الحكميّة من حيث الشكّ في دخولها في قوله تعالى: مٰا نَهٰاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا، وَ أَطِيعُوا اَللّٰهَ وَ رَسُولَهُ، و نحو ذلك، فيتوجّه عليه أنّ هذه الخطابات لا تؤثّر في ذمّة المكلّف شيئا؛ لأنّها خطابات إرشاديّة كما هو ظاهر، فالنقض لا توجّه له على كلّ تقدير.
فإن شئت قلت: إنّ قياس المقام بالشبهة الحكميّة في جريان حكم العقل بالبراءة فيهما من حيث إناطته بعدم توجّه الخطاب إلى المكلّف سواء لم يعلم بالخطاب أصلا أو علم و كان مجملا أو كان مبيّنا معارضا بما كان مكافئا له أو علم به و كان مبيّنا سليما عن المعارض و لكن شكّ في تحقّق موضوعه و وجوده، أو كون الموجود من مصاديق موضوعه في كمال الاستقامة نظرا إلى عدم علم المكلّف بتوجّه خطاب الشارع إليه في جميع الصور المذكورة، إلاّ أنّ قياسه بها في جريان القياس المغالطي لحكم العقل بالاشتغال من حيث وصول البيان الذي كان من وظيفة الشارع إلى المكلّف في المقامين فيجب من أجله الاحتياط و تحصيل القطع بالاجتناب عن جميع ما يحتمل تعلّق الخطاب المبيّن به من حيث إنّ الموضوع الكلّي الذي يشكّ في تحريمه كشرب التتن مثلا، و إن كان الشك فيه شكّا في الحكم الكلّي الإلهي من حيث هو، إلاّ أنّه يرجع إلى الشكّ في صدق الخبيث عليه الذي ثبت تحريمه في الكتاب أو صدق عنوان المنهيّ عليه الذي ثبت وجوب الانتهاء عنه في الكتاب، فهو بهذا الاعتبار يرجع إلى الشكّ في الموضوع و متعلّق الخطاب مع تبيّن نفس الخطاب فيجب الاحتياط فيه بهذه الملاحظة و الحيثيّة غير مستقيم.
أمّا أوّلا؛ فلأنّ وجوب الانتهاء عمّا نهى الشارع عنه إرشاديّ محض لا يوجب اشتغالا و لا احتياطا في حكم العقل، نظير وجوب الإطاعة و حرمة المعصية، بل هو هو.
باب المقدّمة العلميّة فالعقل لا يقبح العقاب خصوصا على تقدير مصادفة الحرام» مدفوع بأنّ النهي عن الخمر يوجب حرمة الأفراد المعلومة تفصيلا و المعلومة إجمالا بين محصورين، و الأوّل لا يحتاج إلى مقدّمة علميّة، و الثاني يتوقّف على الاجتناب من أطراف الشبهة لا غير.
و أمّا ما احتمل كونه خمرا من دون علم إجمالي فلم يعلم من النهي تحريمه و ليس مقدّمة للعلم باجتناب فرد محرّم يحسن العقاب عليه، فلا فرق
الشرح
و أمّا ثانيا: فلأنّ الشكّ في صدق الخبيث على شرب التتن مثلا إن كان من جهة الشك في المفهوم و إن كان له أفراد واضحة كما هو الشأن في غالب المفاهيم العرفيّة، بل الأمر كذلك فيما حكموا بوضوحه و لم يتعرّضوا له كالماء مثلا حيث إنّه بحدّه و كنهه و حقيقته غير معلوم و إن كان له أفراد واضحة.
و من هنا قد يشك في صدقه على بعض المائعات و الموجودات من جهة الشك في حقيقته و مفهومه كما هو ظاهر، فلا يجوز قياس المقام به ضرورة ثبوت الفرق بين المقامين من جهة تبيّن القضيّة الشرعيّة و وصولها إلى المكلّف في الشبهة الموضوعيّة فيوهم جريان قاعدة الاشتغال فيها و عدم تبيّنها في الشبهة الحكميّة، فلا مانع من الرجوع إلى حكم العقل بالبراءة و لو بني على القياس و الحال هذه لجاز القياس بالمسألة الثانية من مسائل الشبهة التحريميّة الحكميّة من غير تكلّف أصلا، و إن كان من جهة الشك في الأمور الخارجيّة مع تبيّن الخبيث مفهوما بحيث لم يكن فيه شك أصلا من حيث المفهوم و المراد من اللفظ و لم يكن هناك شكّ في حكم شرب التتن مثلا إلاّ من حيث الشكّ في صدق الخبيث عليه من جهة اشتباه الأمور الخارجيّة، و إن كان في كمال البعد فيرجع إلى المقام، فلا معنى للتفصيل و القياس إذ لا فرق بعد رجوع الشكّ في حكم الموضوع إلى الشك فيه من جهة اشتباه الأمور الخارجيّة مع تبيّن القضيّة الشرعيّة موضوعا و محمولا بين كون الموضوع المردّد أمرا جزئيا حقيقيّا و بين كونه كليّا في نفسه.
بعد فرض عدم العلم بحرمته و لا بتحريم خمر يتوقّف العلم باجتنابه على اجتنابه بين هذا الفرد المشتبه و بين الموضوع الكلّي المشتبه حكمه كشرب التتن في قبح العقاب عليه.
و ما ذكر من التوهّم جار فيه أيضا؛ لأنّ العمومات الدالّة على حرمة الخبائث و الفواحش و ما نهيكم عنه فانتهوا تدلّ على حرمة أمور واقعيّة يحتمل كون شرب التتن منها.
و منشأ التوهّم المذكور ملاحظة تعلّق الحكم بكلّي مردّد بين مقدار معلوم و بين أكثر منه، فيتخيّل أنّ الترديد في المكلّف به فمع العلم بالتكليف يجب الاحتياط.
و نظير هذا التوهّم (1) قد وقع في الشبهة الوجوبيّة، حيث تخيّل بعض أنّ دوران ما فات من الصلاة بين الأقل و الأكثر موجب للاحتياط من باب وجوب المقدّمة العلميّة، و قد عرفت و سيأتي اندفاعه.
فإن قلت: الضرر محتمل في هذا الفرد المشتبه لاحتمال كونه محرّما فيجب دفعه.
الشرح
(1) لا يخفى عليك أنّ المفروض في الشبهة الوجوبيّة الموضوعيّة و إن كان مشابها للمقام بعينه من جهة حيث يؤول الشكّ فيه إلى الشكّ البدوي في التكليف النفسي المستقل، و إن كان هناك قدر متيقّن يقينيّ و من هنا يحكم فيه بالبراءة كما في المقام، إلاّ أنّ المقام أولى بجريان البراءة من حيث أنّ المفروض هناك علم إجمالي بخطاب متوجّه إلى المكلّف فيتوهّم جريان قاعدة الاشتغال، و من هنا ذهب جماعة من المجتهدين فيه إلى الاحتياط، بل نسب إلى الأكثر، و هذا بخلاف المقام فإنّ المفروض فيه عدم العلم بتوجّه الخطاب أصلا.
قلت: إن أريد بالضرر العقاب (1) و ما يجري مجراه من الأمور الأخرويّة فهو مأمون بحكم العقل بقبح العقاب من غير بيان، و إن أريد ما لا يدفع العقل ترتّبه (2) من غير بيان كما في المضار الدنيويّة فوجوب دفعه عقلا لو سلّم كما
الشرح
(1) لمّا بيّن قدّس سره جريان حكم العقل بالبراءة في المقام في قبال توهّم مانعيّة العلم بصدور الخطاب المبيّن الواصل إلى المكلّف عن حكمه بالبراءة أراد دفع توهّم جريان مناط قاعدة الشغل في المقام و هو وجوب دفع الضرر المحتمل في حكم العقل، بأنّ قاعدة القبح واردة على قاعدة وجوب الدفع بالنسبة إلى الضرر المحتمل الأخروي، و توهّم العكس مدفوع بلزوم الدور على ما نبّه عليه سابقا، هذا بالنسبة إلى الضرر الأخروي، و أمّا الضرر الدنيوي فالمستفاد من كلامه قدّس سره في المقام منع حكم العقل بوجوب دفع محتمله أوّلا، ثمّ منع كون حكم العقل به دليلا على حكم الشارع و كاشفا عنه ثانيا من حيث تصريح الشارع بحلّيّة ما لم يعلم حرمته شرعا، و هذا كما ترى لا يخلو عن إجمال؛ فإنّ فيه وجوها من حيث احتمال رجوعه إلى منع التلازم و لو في خصوص المقام، أو كونه ظاهريّا مشروطا بعدم حكم الشارع بخلافه، أو كونه واقعيّا، إلاّ أنّ حكم الشارع بخلافه ظاهرا في مورده يكشف عن ارتفاع موضوعه على ما ستقف عليه من الشرح و البيان في قوله: لكنّ الإنصاف، فالفرق بالإجمال و التفصيل فتأمّل.
(2) لا بدّ من أن يحمل ما احتمله في الجواب على تقدير إرادة الضرر الدنيوي المحتمل على تماميّته بعد ذلك من أنّ حكم العقل بدفع الضرر مطلقا حتّى في المقطوع مقيّد بعدم التدارك، فلا يحكم بوجوب دفعه شرعا فيما ثبت تداركه من جهة انتفاء الحكم العقلي حقيقة لا من جهة التفكيك بينهما، كما ربّما يوهمه قوله:
فوجوب دفعه عقلا لو سلّم إلى آخره، ثمّ إنّ السؤال المذكور متعلّق بأصل الحكم في المسألة لا بالاستدلال عليها بحكم العقل من جهة قاعدة قبح العقاب من غير
تقدّم من الشيخ و جماعة لم يسلّم وجوبه شرعا؛ لأنّ الشارع صرّح بحلّية ما لم يعلم حرمته، فلا عقاب عليه، كيف و قد يحكم الشرع بجواز ارتكاب الضرر القطعي الغير المتعلّق بأمر المعاد كما هو المفروض في الضرر المحتمل في المقام.
فإن قيل: نختار أوّلا: احتمال الضرر (1) المتعلّق بأمور الآخرة، و العقل لا يدفع ترتّبه من دون بيان لاحتمال المصلحة في عدم البيان و وكول الأمر إلى ما يقتضيه العقل كما صرّح في العدّة في جواب ما ذكره القائلون بأصالة الإباحة من أنّه لو كان هناك في الفعل مضرّة آجلة لبيّنها.
و ثانيا: المضرّة الدنيويّة و تحريمه ثابت شرعا؛ لقوله تعالى: وَ لاٰ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى اَلتَّهْلُكَةِ، كما استدلّ به الشيخ أيضا في العدّة على دفع أصالة الإباحة، و هذا الدليل و مثله رافع للحلّية الثابتة (2) بقولهم عليهم السلام: «كل
الشرح
بيان، و إلاّ فالجواب المذكور على تقدير إرادة الضرر الدنيوي لا يفيد في شيء من حيث رجوعه إلى التشبّث بالأخرة بذيل لأدلّة النقليّة.
(1) لا يخفى عليك أنّ ما ذكر أوّلا لا تعلّق له بالشبهة الموضوعيّة أصلا؛ لأنّ المفروض صدور البيان التام من الشارع و وصوله إلى المكلّف، فأين عدم البيان حتّى نتكلّم فيه أنّه لمصلحة أو لا لها و قد جرى ذكره في المقام غفلة و سهوا من القلم، و إلاّ فهو مختصّ بالشبهة الحكميّة كما صرّح به في العدّة و غيرها جوابا لما استدلّ به القائلون بأصالة الإباحة في الأشياء، من أنّه لو كان هناك مضرّة آجلة لبيّنها الشارع.
(2) وجه وروده على الرواية على ما يوهمه ظاهر العبارة كون الغاية في الحديث العلم بالحرمة و لو في مرحلة الظاهر، و بعبارة أخرى العلم بحرمة الشيء مطلقا و لو من جهة كونه مجهول الحليّة و الحرمة، و المفروض أنّ حليّته المشكوك
شيء لك حلال حتّى تعرف أنّه حرام».
قلت: لو سلّمنا احتمال المصلحة (1) في عدم بيان الضرر الأخروي إلاّ أنّ قولهم عليهم السلام: «كل شيء لك حلال» بيان لعدم الضرر الأخروي، و أمّا
الشرح
في مرحلة الظاهر لا ترفع احتمال الضرر لكونه دنيويّا بالفرض لا يختلف فيه الحال بحسب العلم و الجهل كالضرر الأخروي، فموضوع الآية موجود و لو مع ملاحظة الحديث بخلاف العكس، نعم لو كانت الغاية للحليّة في الحديث العلم بالحرمة في مرحلة الواقع، و بعبارة أخرى العلم بحرمة الشيء من حيث هو لا بعنوان كونه مجهول الحرمة، وقع التعارض بينهما لا محالة.
(1) قد عرفت أنّ حديث وجود المصلحة في ترك البيان و عدمه أجنبيّ عن المقام مع أنّك قد عرفت أنّه لا فائدة فيه في وقوف العقل عن الحكم بعدم الضرر الأخروي في الشبهة الحكميّة أيضا؛ نظرا إلى أنّ مناط حكم العقل بدفع العقاب هو استقلاله في الحكم بقبح العقاب من غير وصول البيان إلى المكلّف و علمه به، سواء بيّنه الشارع أو لم يبيّنه لمصلحة، مع أنّ البيان من بعد تكميل الدين مفروض فلا تعلّق لهذه المقالة بباب البراءة أصلا.
نعم لو أريد استكشاف الإباحة الواقعيّة و عدم التحريم النفس الأمري للفعل من جهة ثبوت الملازمة في حكم العقل بين ثبوت التحريم و بيانه بقاعدة اللطف كما هو ظاهر استدلالهم في مسألة الحظر و الإباحة كان الجواب المذكور مستقيما مع فرض عدم العلم بتكميل الدين، لكنّه لا تعلّق له بباب البراءة أصلا سيّما بالشبهة الموضوعيّة على ما عرفت.
فإن شئت قلت: إنّ الجواب عن السؤال الأوّل من وجوه:
أحدها: أنّ وجود احتمال المصلحة في ترك البيان و عدمه لا تعلّق له بالمقام أصلا، فإنّ الكلام في الشبهة الموضوعيّة و المفروض وجود البيان التّام من الشارع
........
الشرح
و وصوله إلى المكلّفين و وقوع الاشتباه في بعض الجزئيّات من جهة اشتباه الأمور الخارجيّة لا يجب على الشارع رفعه؛ إذ ليس من شأنه من حيث إنّه شارع إزالة الشبهة عن الموضوعات الخارجيّة كما هو واضح.
ثانيها: أنّ المفروض في الشبهات الحكميّة بعد فرض تكميل الدين أيضا بيان أحكام جميع الموضوعات و وصولها إلى نوع المكلّفين و إن لم يصل إلى جميع أشخاصهم من جهة المقصّرين، فلا يحتمل ترك البيان في الشبهات الحكميّة أيضا حتّى نتكلّم فيه أنّه لمصلحة أو لا لمصلحة، فقضيّة احتمال المصلحة في ترك البيان أجنبيّة عن المقامين، و إنّما تفيد على تقدير الإغماض عمّا سيجيء في أوائل البعثة.
ثالثها: أنّ تجويز العقل المصلحة في ترك البيان بالنسبة إلى جملة من الأحكام من حيث كون بناء الشارع على تبليغ الأحكام على الوجه المتعارف و على حسب اقتضاء المصالح الموجبة لبيانها إنّما يرفع قبح ترك البيان من الشارع من حيث كونه لطفا و مقصودا من الخلقة و لا يوجب حسن المؤاخذة و العقاب، و الحال هذه ضرورة استقلال العقل في الحكم بالقبح مع عدم وصول البيان التامّ إلى المكلّفين أو عدم توجيهه إليهم و إن وصل إليهم كما هو المفروض في المقام على ما عرفت و إن قطع بترك بيان الشارع لحكم الواقعة لمصلحة من المصالح، فضلا عمّا لم يقطع بذلك و احتمل البيان مع عدم وصوله إلى المكلّفين فتدبّر.
رابعها: أنّه على تقدير الإغماض عمّا ذكر يوجب وقوف العقل عن حكمه بقبح العقاب و البراءة في المقام، و لا يمنع من الحكم بالبراءة الشرعيّة من جهة أخبارها، فيحكم لأجلها بالبراءة و عدم الضرر الأخروي فتأمّل.
هذا و لعلّ اقتصار شيخنا قدّس سره في الجواب على الوجه الأخير إنّما هو لوضوح الأجوبة الثلاثة، هذا ملخّص الجواب عن السؤال الأوّل، و أمّا الضّرر الدنيوي فقد أجاب بمنع قيام الدليل الشرعي على وجوب دفع مشكوكه، حيث إنّ الآية الشريفة
الضرر الغير الأخروي فوجوب دفع المشكوك منه ممنوع و آية التهلكة مختصّة بمظنّة الهلاك، و قد صرّح الفقهاء في باب المسافر بأنّ سلوك الطريق الذي يظن معه العطب معصية دون مطلق ما يحتمل فيه ذلك، و كذا في باب التيمّم و الإفطار لم يرخّصوا إلاّ مع ظن الضرر الموجب لحرمة العبادة دون الشك.
نعم ذكر قليل من متأخّري المتأخّرين انسحاب حكم الإفطار و التيمّم مع الشك أيضا، لكن لا من جهة حرمة ارتكاب مشكوك الضرر بل لدعوى تعلّق الحكم في الأدلّة بخوف الضرر الصادق مع الشك، بل مع بعض أفراد الوهم أيضا.
لكنّ الإنصاف إلزام العقل (1) بدفع الضرر المشكوك فيه كالحكم بدفع
الشرح
لا يظهر منها حكم المشكوك، و من هنا ذهب المشهور في باب الصّوم و التيمّم من جهة ما زعمه من دلالة الأخبار عليه من حيث لحوق الحكم بالخوف بمقتضاها فيصدق مع الشكّ أيضا، و الثمرة بين القولين مضافا إلى ما ذكر ظاهرة هذا و الذي أظنّ أنّ حكم المشهور بذلك إنّما هو من حيث حكمهم بحجيّة الظنّ في باب الضرر الدنيوي لا من حيث دلالة الآية عليه من حيث الموضوعيّة أو الطريقيّة في زعمهم، و إن استند بعضهم إليها فراجع.
(1) قد أسمعناك شرح الكلام فيما يتعلّق بالآية الشريفة في الجزء الأوّل من التعليقة كما أسمعناك شرح القول فيما يتعلّق بمسألة الضرر ثمّة، و ذكرنا هناك ما حاصله أنّه و إن لم يكن فرق في حكم العقل في الضرر الدنيوي الغير المتدارك فيما يحكم العقل بلزوم دفعه بين مراتبه فما يحكم في مقطوعه بلزوم الدفع يحكم به في مظنونه و مشكوكه، لكنّه فيما تعلّق الظن و الشكّ ابتداء بالضرر لا من جهة الظن بالحرمة أو الوجوب أو الشكّ فيهما بناء على تبعيّة الأحكام عند العدليّة
........
الشرح
للمصالح و المفاسد، إذ ربّما يكون هناك عنوان منطبق على الفعل يمنع من ترتب الضرر عليه و ما دلّ على إلغاء الظنّ في الشرعيّات سيّما في الموضوعات الخارجيّة و على الرجوع إلى الأصول العمليّة مطلقا في الشبهات الحكميّة و الموضوعيّة يثبت تدارك المفسدة على تقدير ثبوتها، نعم فيما تعلّق الظنّ ابتداء بالضرر الدنيوي كان ظاهرهم الاتّفاق على اعتباره و يقتضيه شبه دليل الانسداد أيضا عند شيخنا قدّس سره كما عرفته في الجزء الأوّل من الكتاب، لكنّه لا تعلّق له بالظنّ بالمفسدة المتولّد عن الظنّ بالحكم الإلزامي في الواقعة الكلّيّة و الجزئيّة.
هذا و لكن قد يناقش فيما أفاده، مضافا إلى ما عرفت الإشارة إليه من منع حكم العقل بوجوب دفع الضرر الدنيوي بقول مطلق و بجميع مراتبه حتّى ما يستكشف من احتمال الحرمة المعلومة للمفسدة على ما ذهب إليه العدليّة و ما لا يرجع إلى هلاك النفس و نحوه في المرتبة بأنّه على تقدير تسليم استقلال العقل في الحكم بالوجوب يكون حكم العقل من حيث كون الشكّ في الضرر موضوعا في حكمه فيكون الإقدام معه بملاحظة قاعدة التلازم حراما شرعيّا واقعيّا لا ظاهريّا، فلا معنى للحكم بالبراءة في مورده حتّى يستكشف من تدارك الضرر بما يرجع إلى الدنيا أو الآخرة، حيث إنّ عدم العلم بالحكم و الجهل فيه مأخوذ فيه و إن كان هذا الحكم العقلي كحكمه عند القطع بالضرر الدنيوي أو الظنّ به لا يمنع من ترخيص الشارع لارتكابه من حيث كشفه عن عنوان منطبق على المضرّ مزاحم عن تأثيره، فإنّ الضرر في حكم العقل ليس علّة تامّة لحكمه كالظلم و الكفر باللّه و الإيمان به مثلا و إنّما هو مقتض لذلك كالكذب و الصّدق و نحوهما، فيرجع إلى العنوان التقييدي أي الضرر الذي لم يعلم انطباق النفع عليه، إلاّ أنّ دليل الترخيص لا بدّ أن يكون تنجيزيّا غير معلّق على عدم العلم بالحكم، و إلاّ فلا يكون مفيدا في ردع العقل عن حكمه في مورد الشكّ، كما لا يكون مفيدا في مورد الظن بالضّرر، و هذا بخلاف
........
الشرح
الضّرر الأخروي، فإنّ حكم العقل بوجوب دفعه حتّى في المعلوم منه لا يمكن أن يكون كاشفا عن حكم شرعيّ في عنوان الضرر فيكون ترخيص الشارع في مورد احتماله و لو من جهة دليل البراءة رافعا لموضوعه، هذا و لكنّ الإنصاف فساد المناقشة المذكورة.
أمّا أوّلا: فلأنّ حكم العقل بلزوم دفع الضرر المشكوك و إن لم يكن من حيث كون الشكّ طريقا إلى الضرر من حيث عدم إمكان طريقيّة إلاّ أنّه ليس حكما نفسيّا واقعيّا، و إنّما هو طلب غيريّ إرشادي لرعاية عدم الوقوع في الضرر الواقعي كما يحكم به بهذا العنوان في الضرر المحتمل الأخروي أيضا، فإذا كان هناك ما يقتضي ترخيص الشارع في محتمل التحريم فلا يمنعه حكم العقل المذكور من حيث كونه كاشفا قطعيّا عن تدارك الضرر الواقعي على تقدير مصادفته، فيرفع القيد المأخوذ في موضوع حكم العقل و المفروض عدم إيجابه العلم بالحكم الواقعي و لو في مرحلة الظاهر حتّى يرفع موضوع أدلّة البراءة فيكون أدلّة البراءة واردة على الحكم المذكور، كما تكون واردة على حكم العقل بالنسبة إلى الضرر المحتمل الأخروي حرفا بحرف، غاية ما هناك أنّها ترفع أصل الضرر بالنسبة إلى الضرر الأخروي و ترفع قيده بالنسبة إلى الضرر الدنيوي و هذا لا يجدي فرقا بعد فرض عدم حصول العلم بالحكم الواقعي من حكم العقل بوجوب دفع الضرر من حيث كونه تعليقيّا و توهّم عكس ما ذكر و ورود قاعدة وجوب الدفع على دليل البراءة جار في الموضعين، كما أنّ دفعه بلزوم الدور من ورود القاعدة على دليل البراءة متوجّه فيهما، حيث إنّ ورود القاعدة عليه أو تحكيمها عليه يتوقّف على عدم ثبوت الترخيص و التدارك من الشارع في مورد الاحتمال و لو في مرحلة الظاهر و المفروض ثبوته.
فإن شئت قلت: إنّ الحكم المأخوذ في وجود موضوعه عدم شيء لا يمكن
........
الشرح
أن يكون مانعا عن وجوده و إلاّ لزم الدور و هذا أمر ظاهر لا سترة فيه أصلا.
و أمّا ثانيا: فلأنّه بعد الإغماض عن كون حكم العقل في المقام غيريّا إرشاديّا و تسليم كونه نفسيّا شرعيّا يعاقب على مخالفته لا يجدي في التحكيم أو الورود على دليل البراءة، بل الأمر بالعكس نظرا إلى كونه ثابتا في موضوع احتمال التحريم الواقعي الذي لم يثبت الترخيص فيه من الشارع و لو في مرحلة الظاهر، فإنّ ثبوت الترخيص من حيث كونه كاشفا عن التّدارك رافع لقيد موضوع حكم العقل، فلا يمكن إطلاقه بالنسبة إليه، فإذا فرض قوله عليه السلام: كل شيء لك حلال حتّى تعلم أنّه حرام الترخيص و الإذن في محتمل التحريم إذ المفروض عدم الدليل على ثبوت الحرمة الواقعيّة و لو في مرحلة الظاهر، و إن كان هناك حرمة نفسيّة واقعيّة مترتّبة على نفس الشك في الضرر فلا محالة يكون كاشفا عن تدارك الضرر على تقدير ثبوته فيكون رافعا لقيد الموضوع في الحكم العقلي، و لو فرض كونه واقعيّا، و من هنا ذكر شيخنا قدّس سره في بعض كلماته السابقة أنّ قاعدة وجوب الدفع لو تمّت عوقب على مخالفتها لا على الواقع المحتمل فما لم يوجد هناك طريق معتبر إلى الضرر و لو كان هو الظنّ به كما ثبت اعتباره فيما لو تعلّق بالضرر ابتداء في الشبهات الموضوعيّة للضرر حكم بالإباحة الظاهريّة من جهة أدلّتها، و لا ينافي القول المذكور أصلا، كما أنّه إذا كان هناك طريق معتبر إليه حكم بالحرمة الشرعيّة الظاهريّة.
و هذا ملخّص ما تقدّم في ردّ الاستدلال على حجيّة مطلق الظنّ في الأحكام الشرعيّة من حيث إنّ الظنّ بالحكم الإلزامي ظن بالضرر و دفعه لازم في حكم العقل، و هذا الكلام و إن لم يكن محرّرا في الضرر المشكوك إلاّ أنّ طريق الرد واحد.
فإن قلت: إذا فرض تسليم حكم العقل بوجوب دفع الضرر المشكوك الدنيوي بالوجوب النفسي المترتّب على مخالفته استحقاق العقوبة و المؤاخذة من حيث
........
الشرح
كشفه عن الوجوب الشرعيّ المولوي، فكيف يمكن الالتزام بترخيص الشارع لها في مرحلة الظاهر الكاشف عن تدارك الضرر، حيث إنّه يؤول إلى الإذن في مخالفة الخطاب الإلزامي، فإنّ المفروض اجتماع متعلّق الخطاب الإلزامي و الترخيص الشرعي فلا بدّ من تنزيل الترخيص على غير مورد حكم العقل في باب الضرر.
قلت: ما ذكر يرجع إلى إعادة الإشكال بعبارة أخرى حقيقة، و قد عرفت دفعه بأنّ تطبيق الموضوع الكليّ الذي يحكم به العقل المستقل على الشبهة الموضوعيّة التحريميّة يتوقّف على منع جريان دليل الإباحة الشرعيّة الرافع لما هو المأخوذ قيدا في الموضوع العقلي فيها، فلو استند المنع إلى نفس حكم العقل فيلزمه الدور الباطل.
فإن شئت قلت: إنّ ترتيب القياس في المقام يتوقّف على إحراز صغرى الضرر المشكوك الغير المتدارك و هو يتوقّف على منع جريان دليل الإباحة، فلو استند منعه إلى نفس الكبرى المتوقّفة على الصغرى فيلزمه ما ذكرنا من توقّف الشيء على نفسه فلا يكون هناك اجتماع بين الحكمين أصلا، بل الحكم الشرعي بالحلّيّة رافع لموضوع الحكم العقلي فافهم.
هذا كلّه مضافا إلى لزومه لغويّة دليل الإباحة الشامل للمقام يقينيّا بحيث لا يحتمل خروجه عنه نظرا إلى كونه موردا لبعض أخبار الحلّيّة، و هذا بخلاف حمل القاعدة على غير المقام ممّا فرض فيه وجود العلم الإجمالي بالحرمة في الشبهة المحصورة، فإنّه لا يلزم طرح القاعدة رأسا، هذا كلّه مضافا إلى أنّ التحقيق بالمقام هو الوجه الأوّل، و أنّ ما ذكر ثانيا فإنّما هو بناء على الإغماض و التسليم، فإنّ إثبات كون حكم العقل في باب دفع الضرر المشكوك من حيث هو لا من جهة مراعات عدم الوقوع في المضرّة الواقعيّة المحتملة دونه خرط القتاد.
الضرر المتيقّن كما يعلم بالوجدان عند وجود مائع محتمل السمّيّة إذا فرض تساوي الاحتمالين من جميع الوجوه، لكنّ حكم العقل بوجوب دفع الضرر المتيقّن إنّما هو بملاحظة نفس الضرر الدنيوي من حيث هو، كما يحكم بوجوب دفع الضرر الأخروي كذلك إلاّ أنّه قد يتّحد مع الضرر الدنيوي عنوان يترتّب عليه نفع أخروي فلا يستقل العقل بوجوب دفعه؛ و لذا لا ينكر العقل أمر الشارع بتسليم النفس للحدود و القصاص و تعريضها له في الجهاد و الإكراه على القتل أو على الارتداد، و حينئذ فالضرر الدنيوي المقطوع يجوز أن يبيحه الشارع لمصلحة فإباحته للضرر المشكوك لمصلحة الترخيص على العباد أو لغيرها من المصالح أولى بالجواز.
فإن قلت: إذا فرضنا قيام أمارة غير معتبرة على الحرمة فيظن الضرر فيجب دفعه مع انعقاد الإجماع على عدم الفرق بين الشك و الظن الغير المعتبر.
قلنا: الظن بالحرمة لا يستلزم الظن بالضرر؛ أمّا الأخروي فلأنّ المفروض عدم البيان فيقبح، و أمّا الدنيوي فلأنّ الحرمة لا تلازم الضرر الدنيوي، بل القطع بها أيضا لا يلازمه لاحتمال انحصار المفسدة فيما يتعلّق بالأمور الأخرويّة، و لو فرض حصول الظن بالضرر الدنيوي فلا محيص عن التزام حرمته كسائر ما ظن فيه الضرر الدنيوي من الحركات.
أنّ محلّ الكلام في الشبهة (1) الموضوعيّة المحكومة بالإباحة ما
الشرح
(1) ما أفاده مضافا إلى ما تقدّم الإشارة إليه في مطاوي الكلمات مرارا لا إشكال فيه أصلا، و لا يختصّ بأصالة الإباحة؛ لأنّ كلّ أصل حكميّ مشروط بعدم أصل موضوعيّ حاكم عليه سواء كانا متعارضين متنافيين بحسب المفاد أم كانا
........
الشرح
متعاضدين، فمثل المرأة المردّدة بين الزوجة و الأجنبيّة لا يجري أصالة الإباحة فيها من جهة حكومة أصالة عدم حدوث علاقة الزوجيّة بينهما و أصالة عدم وقوع النكاح عليها على أصالة الحلّيّة، بل لو أغمض النظر عنها لم يجز الرجوع إلى أصالة الإباحة من جهة أخرى، فإنّ استصحاب الحرمة و إن كان أصلا حكميّا أيضا حاكم عليها، و إن كان خارجا عن محل البحث كما هو ظاهر، بل ربّما يناقش في جريانه من حيث إنّ الحرمة كانت محمولة في السابق على الأجنبيّة، و المفروض الشكّ فيها، فكيف يستصحب حكمها إذ مع استصحاب الموضوع أي الأجنبيّة لا يبقى شكّ في الحرمة، فاستصحاب الحرمة ساقط على كلّ تقدير، إلاّ أن يتسامح في موضوع المستصحب و معروضه فيقال: إنّ وطئ المرأة المردّدة و النظر إلى محاسنها كانا محرّمين في السابق يقينا فيجعل الموضوع نفس المرأة لا بعنوان كونها أجنبيّة، و تحقيق ما يتعلّق بالمقام يأتي في باب الاستصحاب إن شاء اللّه تعالى، و أمّا المال المردّد بين ملك نفسه و ملك الغير فله صور:
الأولى: ما لم يعلم الحالة السابقة له من حيث كونه ملك غيره أو ملك نفسه.
الثانية: ما علم أنّه ملك غيره.
الثالثة: ما علم أنّه ملك نفسه.
لا إشكال في ترتيب آثار ملكه عليه في الثالثة، كما أنّه لا إشكال في ترتيب آثار ملك غيره عليه في الثانية و الحكم ببقائه في ملك الغير و عدم حدوث علاقة الملكيّة لنفسه في زمان الشكّ.
نعم لو كان هناك يدلّه عليه و قلنا بكونها طريقا إلى الملك في زمان الشكّ حتى في حقّ ذي اليد حكم بمقتضاها بجواز التصرّف فيه و ترتيب آثار ملكه عليه، لكنّه خارج عن المفروض، كما أنّه خارج عن الصورة الأولى أيضا، فإنّ الكلام في صور المسألة في حيث اقتضاء الأصل، و أمّا الصّورة الأولى فلا إشكال في نفي ما يتوقّف على الملك كالبيع و العتق و نحوهما فيها؛ لأنّ الأصل عدم دخوله في ملكه
........
الشرح
و لا يعارض بأصالة عدم دخوله في ملك غيره، لأنّه لم يقصد من الأصل المذكور حتى ينفى بالأصل فيتعارضان، و أمّا التصرّفات الغير المتوقّفة على الملك فهل يحكم بإباحتها من جهة الأصل أو بحرمتها نظرا إلى الشك في وجود السبب المحلّل؟ وجهان كما في الكتاب، هذا في المال المردّد.
و أمّا في غيره ممّا علم قطعا بعدم سبق ملك أحد عليه فإنّ ملكه بأحد الأسباب المملّكة فلا إشكال فيه، و إن لم يملكه فإن أراد ترتب ما يتوقّف على الملك فلا يجوز له قطعا و إن أراد غيره كإحراق الحطب المباح مع عدم قصد تملّكه فلا إشكال في جوازه ظاهرا كما هو ظاهر، و أمّا اللحم المردّد بين المذكّى و الميتة فلا إشكال أيضا في تعيين الرجوع فيه إلى أصالة عدم التذكية المقتضية للحكم بالحرمة و النجاسة لحكومتها على ما عرفت على أصالة الإباحة لكون الشكّ في حلّيّته مسبّبا عن الشكّ في التذكية.
نعم من ينكر اعتبار الاستصحاب مطلقا حتى في العدميّات كصاحب المدارك يذهب إلى الحكم بالحليّة و الطهارة لأصاليتهما، فإنّه صرّح بأنّ حكم المشهور بالحرمة و النجاسة مبنيّ على اعتبار الاستصحاب، و هو ممنوع عندنا، لكنّه ضعيف، مضافا إلى ما يستفاد من جملة من الأخبار من كون أصالة الحرمة في اللحوم مسلّما عند الأئمّة عليهم السلام كما يظهر ممّا ورد في حكم الصّيد المرميّ الذي لم يعلم استناد موته إلى الرمي، و كذا فيما أرسل إليه الكلب و لم يعلم استناد موته إليه، و من هنا ذهب بعض المتأخّرين إلى أصالة الحرمة في اللحوم مع حكمه بعدم الجدوى لاستصحاب عدم التذكية من جهة المعارضة.
و بالجملة هذا القول ضعيف كضعف تضعيف الأصل المزبور من جهة معارضته بأصالة عدم موت حتف الأنف فيحكم بالحلّيّة و الطهارة كما عرفته سابقا عن شارح الوافية بتوهّم أنّ موضوع الحرمة و النجاسة الميتة المقابلة للمذكّى، كما
إذا لم يكن هناك أصل موضوعي يقضي بالحرمة فمثل المرأة المردّدة بين الزوجة و الأجنبية خارج عن محلّ الكلام؛ لأنّ أصالة عدم علاقة الزوجيّة المقتضية للحرمة بل استصحاب الحرمة حاكمة على أصالة الإباحة، و نحوها المال المردّد بين مال نفسه و ملك الغير مع سبق ملك الغير له.
و أمّا مع عدم سبق ملك أحد عليه فلا ينبغي الإشكال في عدم ترتّب أحكام ملكه عليه من جواز بيعه و نحوه ممّا يعتبر فيه تحقّق الماليّة.
و أمّا إباحة التصرّفات الغير المترتّبة في الأدلّة على ماله و ملكه فيمكن القول به للأصل، و يمكن عدمه لأنّ الحلّية في الأملاك لا بدّ لها من سبب محلّل بالاستقراء و لقوله عليه السلام: «لا يحل مال إلاّ من حيث أحلّه اللّه»(1).
و مبنى الوجهين: أنّ إباحة التصرّف هي المحتاجة إلى السبب فيحرم مع
الشرح
أنّ موضوع الحليّة و الطهارة المذكى، فكما أنّ أصالة عدم التذكية تقتضي نفي الحليّة و الطهارة كذلك أصالة عدم موت حتف الأنف تقتضي نفي الحرمة و النجاسة، و المفروض العلم بثبوت واحد ممّا نفاه الأصلان فيتعارضان فيحكم بالحليّة و الطهارة نظرا إلى الأصل فيهما، و هذا البيان أولى ممّا ذكره السيّد الشارح من أنّ أصالة عدم التذكية يثبت موت حتف الأنف و أصالة عدم موت حتف الأنف يثبت التذكية فتعارضان فيرجع إلى الأصل المحكوم، فإنّ الحكم الشرعي من الحلّيّة و الحرمة رتّب على المذكّى و غيره فلا يكون للميتة حكم كما يدلّ عليه الآيات و الأخبار، فالحكم بحرمة الميتة في بعض الآيات و الأخبار من جهة انطباق غير المذكّى عليه هذا مع إمكان أن يقال إنّ المراد من الميتة في لسان الشارع ما خرج روحه بغير التذكية الشرعيّة، فالمراد منها ما ينطبق على سائر الآيات و الأخبار، هذا و قد مضى شطر من الكلام في ذلك في بعض المسائل السّالفة فراجع.
1) الكافي: ج 2، ص 548.
عدمه و لو بالأصل و أنّ حرمة التصرّف محمولة في الأدلّة على ملك الغير، فمع عدم تملّك الغير و لو بالأصل ينتفي الحرمة.
و من قبيل ما لا يجري فيه أصالة الإباحة اللحم المردّد بين المذكّى و الميتة، فإنّ أصالة عدم التذكية المقتضية للحرمة و النجاسة حاكمة على أصالة الإباحة و الطهارة.
و ربّما يتخيّل خلاف ذلك تارة لعدم حجّية استصحاب عدم التذكية، و أخرى لمعارضة أصالة عدم التذكية بأصالة عدم الموت و الحرمة و النجاسة من أحكام الميتة.
و الأوّل: مبني على عدم حجّية الاستصحاب و لو في الأمور العدميّة.
و الثاني: مدفوع أوّلا بأنّه يكفي في الحكم بالحرمة عدم التذكية و لو بالأصل، و لا يتوقّف على
ثبوت الموت حتّى ينتفي بانتفائه و لو بحكم الأصل و الدليل عليه استثناء ما ذكّيتم من قوله و ما أكل السبع، فلم يبح الشارع إلاّ ما ذكّي، و إناطة إباحة الأكل بما ذكر اسم اللّه عليه و غيره من الأمور الوجوديّة المعتبرة في التذكية، فإذا انتفى بعضها و لو بحكم الأصل انتفت الإباحة.
و ثانيا: أنّ الميتة عبارة عن غير المذكّى إذ ليست الميتة خصوص ما مات حتف أنفه، بل كل زهاق روح انتفى فيه شرط من شروط التذكية فهي ميتة شرعا و تمام الكلام في الفقه.
أنّ الشيخ الحر قدّس سره أورد في بعض كلماته اعتراضا (1) على
الشرح
(1) قال الشيخ رحمه اللّه في محكيّ الفوائد الطّوسيّة فائدة: «سئل بعض الفضلاء عن الشبهة التي يجب اجتنابها كيف خصّصوها بالشّبهة في نفس الحكم
........
الشرح
الشرعي دون طريق الحكم الشرعي، و ما حدّهما، و الدليل على التقسيم، و على هذا يكون شرب التتن داخلا في القسم الثاني، قال و الجواب حدّ الشّبهة في نفس الحكم الشرعي ما اشتبه حكمه الشرعي أعني الإباحة و التحريم، كمن شكّ في أنّ أكل الميتة حلال أو حرام و حدّ الشبهة في طريق الحكم الشرعي ما اشتبه فيه موضوع الحكم الشرعي مع كون محموله معلوما كما في اشتباه اللحم المشترى من السوق لم يعلم أنّه مذكّى أو ميتة مع العلم بأنّ الميتة حرام و المذكّى حلال، و هذا التفسير يستفاد من أحاديث الأئمّة عليهم السلام و من وجوه عقليّة مؤيّدة لتلك الأحاديث، و يأتي جملة منها و يبقى قسم آخر مردّد بين القسمين إلى آخر ما حكاه عنه في الكتاب، إلى قوله و هذه التفاصيل يستفاد من مجموع الأحاديث» إلى آخر كلامه المحكي في الكتاب، و الظاهر أنّ غرضه من قوله: (و هذه التفاصيل يستفاد من مجموع الأحاديث) ليس دلالة كل حديث على التفصيل بين الشبهتين في الحكم، بل دلالة المجموع من حيث المجموع و لو بدلالة بعضها على وجوب الاحتياط في الشبهة الحكميّة من غير تعرّض لحكم الشبهة الموضوعيّة و بعضها على الحلّيّة في الشبهة الموضوعيّة من غير دلالة على حكم الشبهة الحكميّة، كما يفصح عنه كلماته التأمّل فيها، فما أفاده شيخنا قدّس سره في الردّ عليه بقوله: (كان مطلبه أنّ هذه الرواية و أمثالها مخصّصة لما دلّ على وجوب التوقّف و الاحتياط) إلى آخره لعلّه لا تعلّق له به.
نعم من حكم بعموم الرواية للشبهتين له أن يورد عليه بعمومها لهما لكنك قد عرفت اختصاص الرواية بالشبهة الموضوعيّة و فساد القول بعمومها لهما كما عليه غير واحد ممّن عاصرناه أو قارب عصرنا كما أنّ ما أفاده في الردّ عليه بقوله أقول:
(فيه مضافا إلى ما ذكرناه من إباء سياق الخبر عن التخصيص) إلى آخره، كأنّه لا توجّه له به؛ لأنّ قوله بعد نقل الحديث و هذا إنّما ينطبق على ما اشتبه فيه نفس
........
الشرح
الحكم الشرعي كالنصّ في دعوى الاختصاص و إن كان استدلاله عليه بقوله و إلاّ لم يكن الحلال البيّن و لا الحرام البيّن موجود الوجود الاختفاء و الاشتباه في النوعين من زمان آدم عليه السلام إلى الآن، بحيث لا يوجد الحلال البيّن و لا الحرام البيّن و لا يعلم أحدهما من الآخر إلاّ علاّم الغيوب محلّ نظر، بل منع؛ لأنّ فساد الاستدلال مع صراحة المدّعى و الدّليل فيما ذكرناه لا يوجب قلب المراد، نعم الإيراد عليه بعموم الحديث للشبهتين ممّا لا محيص عنه، و العجب أنّ المستفاد من قوله قدّس سره بعد ذلك في طيّ الإيراد و لو استشهد بما قبل النبوي من قول الصّادق عليه السلام: «إنّما الأمور ثلاثة» كان أظهر في الاختصاص كون الشّيخ في مقام دعوى الاختصاص لا التخصيص، و مع ذلك أورد عليه بما عرفت، فلا بدّ من الإيراد عليه بعموم أخبار التثليث النبوي التي منها ما استشهد به للشبهتين كما عرفت، نعم التثليث الإمامي في الرواية المذكورة مختصّ بالشبهة الحكمية جدّا؛ لأنّ قوله - عليه السلام: و أمر مشكل يردّ إلى اللّه و رسوله صلّى اللّه عليه و آله - كالنص في الاختصاص بالشبهة الحكميّة، لأنّ الشبهة الموضوعية لا ترد إلى اللّه و رسوله صلّى اللّه عليه و آله، و إن ردّ حكمها إليهما كما هو ظاهر، و فساد ما استند إليه في دعوى الاختصاص من عدم وجود البيّن من القسمين في الموضوعات الخارجيّة و لا يعلم بهما إلاّ علاّم الغيوب لكثرة تخصيص القسمين في الموضوعات بل أكثريّتهما من الأحكام، لأنّ الحلال البيّن في الموضوع كالتصرّف في المباحات الواقعيّة من الأراضي و الجبال و الشطوط و الأنهار و غير ذلك كثير في الغاية، و أظهر منه أمر المحرّم من حيث الموضوع.
نعم الحلال البيّن في بعض الموضوعات كما في الطهارة و الأملاك قليل مع قطع النظر عن قيام الأمارة الشرعيّة عليه، لكنّه لا يوجب القلّة مطلقا فضلا عن الانعدام رأسا، مع أنّ القلّة مطلقا مع كونها خلاف المدّعى لا تقدح في الحكم بإرادة العموم.
........
الشرح
نعم لو أريد التمسّك بالإطلاق في مورد بالنسبة إلى الفرد النادر كان الإشكال فيه في محلّه لكنّه لا تعلّق له بالمقام، و أمّا ما أفاده بقوله: (أقول: ما دلّ على التخيير و التوسعة) إلى آخره، ردّا على قول الشيخ: (و منها: ما ورد من الأمر البليغ) إلى آخره قد يناقش فيه أيضا بأنّ الأولى أن يجاب عمّا دلّ على التوقّف و الاحتياط في تعارض الخبرين بما عرفته في المسألة الثالثة فراجع، و عمّا دلّ على الاحتياط و التوقّف مطلقا بما عرفته في المسألة الأولى، نعم على تقدير تسليم ظهورها في وجوب الاحتياط بالوجوب الظاهريّ الشرعي يتصرّف فيها بما دلّ على الحلّيّة في خصوص الشبهة الحكميّة مثل قوله: «كلّ شيء مطلق» الحديث؛ لكونه نصّا بالنسبة إليها على ما عرفت الإشارة إليه في مطاوي كلماتنا السابقة، و أمّا ما أفاده قدّس سره في ردّ ما ذكره الشيخ رحمه اللّه: (و منها: أنّ الشّبهة في نفس الحكم يسأل عنها الإمام عليه السلام) إلى آخره بقوله: (أقول: ما ذكره من الفرق لا مدخل له) إلى آخر ما أفاده، فقد يناقش فيه بأنّ غرضه من الفرق المذكور بيان اختصاص ما دلّ على الوقف و الاحتياط بالشبهة الحكميّة نظرا إلى أنّ المذكور في غير واحد من أخباره الأمر بالوقوف حتّى يسأل، فيستظهر منها الاختصاص بالشبهة الحكميّة نظرا إلى أنّ وجوب البحث و السؤال إنّما هو فيها.
و أمّا الشبهة الموضوعيّة فإنّما يسأل عن حكمها الظاهري لا عنها من غير فرق بين أن يكون علم النبيّ و الأئمّة عليهم السّلام و الصلاة بها على الوجه الذي ذكره الشيخ رحمه اللّه بزعم أنّ علمهم الحضوري بجميع الموضوعات الخارجيّة من علم الغيب المختصّ بالباري تعالى، و إن كان مقتضى الآية كونهم عالمين بالغيب أيضا من حيث كونهم من الراسخين في العلم يقينا، أو على غيره من الوجوه التي أشار إليها في الكتاب، و إن كان الحق وفاقا لمن له إحاطة بالأخبار الواردة في باب كيفيّة علمهم صلوات اللّه عليهم أجمعين و خلفهم كونهم عالمين بجميع ما كان
معاشر الأخباريّين و حاصله: أنّه ما الفرق بين الشبهة في نفس الحكم و بين الشبهة في طريقه حيث أوجبتم الاحتياط في الأوّل دون الثاني و أجاب بما لفظه:
«إنّ حدّ الشبهة في الحكم ما اشتبه حكمه الشرعي أعني الإباحة و التحريم، و حدّ الشبهة في طريق الحكم الشرعي ما اشتبه فيه موضوع الحكم كاللحم المشتري من السوق لا يعلم أنّه مذكّى أو ميتة مع العلم بحكم المذكّى و الميتة، و يستفاد هذا التقسيم من أحاديث و من وجوه عقليّة مؤيّدة لتلك الأحاديث، و يأتي بعضها و قسم متردّد بين القسمين و هي الأفراد التي ليست بظاهرة الفرديّة لبعض الأنواع، و ليس اشتباهها بسبب شيء من الأمور الدنيويّة كاختلاط الحلال بالحرام، بل اشتباهها لأمر ذاتي
الشرح
و ما يكون و ما هو كائن، و لا يعزب عنهم مثقال ذرّة إلاّ اسم واحد من أسمائه الحسنى تعالى شأنه المختص علمه به تبارك و تعالى، سواء قلنا بأنّ خلقتهم من نور ربّهم أوجب ذلك لهم، أو مشيّة إفاضته باريهم في حقّهم أودعه فيهم، ضرورة أنّ علم العالمين من أولي العزم من الرسل و الملائكة المقرّبين فضلا عمّن دونهم في جميع العوالم ينتهي إليهم فإنّهم الصّادر الأوّل و العقل الكامل المحض و الإنسان التّام التمام، فلا غرو في علمهم بجميع ما يكون في تمام العوالم فضلا عمّا كان أو ما هو كائن كما هو مقتضى الأخبار الكثيرة المتواترة جدّا، و لا ينافيه بعض الأخبار المقتضية لكون علمهم على غير الوجه المذكور؛ لأنّ الحكمة قد تقتضي بيان المطلب على غير وجهه من جهة قصور المخاطب و نقصه، أو جهة أخرى من خوف و نحوه مع عدم كذبهم من جهة التورية، و لو لا مخافة الخروج عن وضع التعليقة، بل عن الفنّ لفصّلنا لك القول في ذلك، و أسأل اللّه تعالى التوفيق لوضع رسالة مفردة في هذا الباب.
أعني اشتباه صنفها في نفسها كبعض أفراد الغناء الذي قد ثبت تحريم نوعه و اشتبه أنواعه في أفراد يسيرة، و بعض أفراد الخبائث الذي قد ثبت تحريم نوعه و اشتبه بعض أفراده حتّى اختلف العقلاء فيها، و منها شرب التتن و هذا النوع يظهر من الأخبار دخوله في الشبهات التي ورد الأمر باجتنابها.
و هذه التفاصيل يستفاد من مجموع الأحاديث، و نذكر ممّا يدلّ على ذلك وجوها: منها قوله عليه السلام: (كل شيء فيه حلال و حرام فهو لك حلال)، فهذا و أشباهه صادق على الشبهة في طريق الحكم».
إلى أن قال: «و إذا حصل الشك في تحريم الميتة لم يصدق عليها أنّ فيها حلالا و لا حراما»(1).
أقول: كان مطلبه أنّ هذه الرواية و أمثالها مخصّصة لعموم ما دلّ على وجوب التوقّف و الاحتياط في مطلق الشبهة، و إلاّ فجريان أصالة الإباحة في الشبهة الموضوعيّة لا ينفي جريانها في الشبهة الحكميّة، مع أنّ سياق أخبار التوقّف و الاحتياط يأبى عن التخصيص من حيث اشتمالها على العلّة العقليّة لحسن التوقّف و الاحتياط أعني الحذر من الوقوع في الحرام و الهلكة، فحملها على الاستحباب أولى.
ثمّ قال: «و منها: قوله صلّى اللّه عليه و آله: (حلال بيّن و حرام بيّن و شبهات)، و هذا إنّما ينطبق على الشبهة في نفس الحكم، و إلاّ لم يكن الحلال البيّن و لا الحرام البيّن، و لا يعلم أحدهما من الآخر إلاّ علام الغيوب و هذا ظاهر واضح»(2).
أقول: فيه مضافا إلى ما ذكرنا من إباء سياق الخبر عن التخصيص أنّ
رواية التثليث التي هي العمدة من أدلّتهم ظاهرة في حصر ما يبتلى به المكلّف من الأفعال في ثلاثة: فإن كانت عامّة للشبهة الموضوعيّة أيضا صحّ الحصر، و إن اختصّت بالشبهة الحكميّة كان الفرد الخارجي المردّد بين الحلال و الحرام قسما رابعا؛ لأنّه ليس حلالا بيّنا و لا حراما بيّنا و لا مشتبه الحكم، و لو استشهد بما قبل النبوي من قول الصادق عليه السلام إنّما الأمور ثلاثة كان ذلك أظهر في الاختصاص بالشبهة الحكميّة؛ إذ المحصور في هذه الفقرة الأمور التي يرجع فيها إلى بيان الشارع فلا يرد إخلاله بكون الفرد الخارجي المشتبه أمرا رابعا للثلاثة.
و أمّا ما ذكره من المانع لشمول النبوي للشبهة الموضوعيّة من أنّه لا يعلم الحلال من الحرام إلاّ علاّم الغيوب ففيه: «أنّه إن أريد عدم وجودهما ففيه ما لا يخفى، و إن أريد ندرتهما ففيه أنّ الندرة تمنع من اختصاص النبوي بالنادر لا من شمولها له، مع أنّ دعوى كون الحلال البيّن من حيث الحكم أكثر من الحلال البيّن من حيث الموضوع قابلة للمنع، بل المحرّمات الخارجيّة المعلومة أكثر بمراتب من المحرّمات الكلّية المعلوم تحريمها».
ثمّ قال: «و منها: ما ورد من الأمر البليغ باجتناب ما يحتمل الحرمة و الإباحة بسبب تعارض الأدلة و عدم النص و ذلك واضح الدلالة على اشتباه نفس الحكم الشرعي»(1).
أقول: ما دلّ على التخيير و التوسعة مع التعارض و على الإباحة مع عدم ورود النهي و إن لم يكن في الكثرة بمقدار أدلّة التوقّف و الاحتياط إلاّ أنّ الإنصاف أنّ دلالتها على الإباحة و الرخصة أظهر من دلالة تلك الأخبار على وجوب الاجتناب.
1) المصدر السابق.
قال: «و منها: أنّ ذلك وجه للجمع بين الأخبار لا يكاد يوجد وجه أقرب منه».
أقول: مقتضى الإنصاف أنّ حمل أدلّة الاحتياط على الرجحان المطلق أقرب ممّا ذكره.
ثمّ قال ما حاصله و منها: «أنّ الشبهة في نفس الحكم يسأل عنها الإمام عليه السلام، بخلاف الشبهة في طريق الحكم لعدم وجوب السؤال عنه، بل علمهم بجميع أفراده غير معلوم أو معلوم العدم؛ لأنّه من علم الغيب فلا يعلمه إلاّ اللّه و إن كانوا يعلمون منه ما يحتاجون إليه و إذا شاءوا أن يعلموا شيئا علموه»(1)انتهى.
أقول: ما ذكره من الفرق لا مدخل له، فإنّ طريق الحكم لا يجب الفحص عنه و إزالة الشبهة فيه لا من الإمام عليه السلام و لا من غيره من الطريق المتمكّن منها و الرجوع إلى الإمام عليه السلام، إنّما يجب فيما تعلّق التكليف فيه بالواقع على وجه لا يعذر الجاهل المتمكّن من العلم، و أمّا مسألة مقدار معلومات الإمام عليه السلام من حيث العموم و الخصوص و كيفيّة علمه بها من حيث توقّفه على مشيتهم أو على التفاتهم إلى نفس الشيء أو عدم توقّف على ذلك فلا يكاد يظهر من الأخبار المختلفة في ذلك ما يطمئن به النفس، فالأولى و وكول علم ذلك إليهم صلوات اللّه عليهم أجمعين.
ثمّ قال: «و منها: أنّ اجتناب الشبهة في نفس الحكم (1) أمر ممكن مقدور؛
الشرح
(1) الأولى نقل عبارة الشيخ بألفاظها في هذا الوجه فقال: «و منها: أنّ اجتناب الشبهة في نفس الحكم الشرعي أمر ممكن مقدور؛ لأنّ أنواعها قليلة لكثرة الأنواع
1) المصدر السابق.
........
الشرح
التي ورد النصّ بإباحتها و الأنواع التي ورد النصّ بتحريمها و جميع الأنواع التي يعمّ بها البلوى منصوصة، و كلّما كان في زمان الأئمّة عليهم السلام متداولا و لم يرد النهي عنه فتقريرهم فيه كاف، و أمّا الشبهة في طريق الحكم فاجتنابها غير ممكن لما أشرنا إليه سابقا من عدم وجود الحلال البيّن فيها، و تكليف ما لا يطاق باطل عقلا و نقلا، و وجوب اجتناب كل ما زاد على قدر الضرورة حرج عظيم و عسر شديد و هو منفي؛ لاستلزامه وجوب الاقتصار في اليوم و الليلة على لقمة واحدة و ترك جميع الانتفاعات إلاّ ما استلزم تركه الهلاك، و الاعتذار بإمكان الحمل على الاستحباب لا يفيد شيئا؛ لأنّ تكليف ما لا يطاق باطل بطريق الوجوب و الاستحباب كما لو كان صعود الإنسان إلى السماء واجبا أو مستحبّا، فإنّ كليهما محال من الحكيم» انتهى كلامه رفع مقامه في بيان هذا الوجه، و غرضه ممّا ذكره كما ترى بعد تسليم العموم لأخبار وجوب الاجتناب بالنظر إلى اللفظ صرفها عنه بالقرينة العقلية و النقليّة و لا ريب في توجّه ما أفاده في الكتاب عليه، ضرورة أنّ البحث في المسألة على ما عرفت الإشارة إليه فيما كان المورد خاليا عمّا يقتضي الحلّيّة أو الحرمة من الأمارات و الأصول الموضوعيّة أو الحكميّة المسلّمة عند الفريقين، و بعد وضعه لا يبقى إلاّ موارد قليلة يرجع فيها إلى الأصل المذكور و لا يلزم منه حرج فضلا عن التكليف بما لا يطاق.
هذا و أمّا ما أفاده قدّس سره في ردّ ما ذكره الشيخ المحدّث رحمه اللّه أخيرا:
«و منها: أنّه قد ثبت وجوب اجتناب الحرام عقلا و نقلا و لا يتمّ إلى آخره بقوله:
(أقول: الدليل المذكور أولى بالدلالة) إلى آخره، فهو و إن كان مستقيما إلاّ أنّ مراده على ما يقتضيه ظاهر كلامه كما لا يخفى هو الاستدلال بما دلّ على وجوب إطاعة النواهي الشرعيّة من الأدلّة النقليّة و العقليّة لا نفس أدلّة المحرّمات؛ لأنّ مفادها نفس التحريم ليس إلاّ، و يتوجّه عليه مضافا إلى النقض
لأنّ أنواعه محصورة، بخلاف الشبهة في طريق الحكم فاجتنابها غير ممكن لما أشرنا إليه من عدم وجود الحلال البيّن و لزوم تكليف ما لا يطاق و الاجتناب عمّا يزيد على قدر الضرورة حرج عظيم و عسر شديد لاستلزامه الاقتصار في اليوم و الليلة على لقمة واحدة و ترك جميع الانتفاعات» انتهى.
أقول: لا ريب أنّ أكثر الشبهات الموضوعيّة لا يخلو عن أمارات الحل و الحرمة كيد المسلم و السوق و أصالة الطهارة و قول المدّعي بلا معارض و الأصول العدميّة المجمع عليها عند المجتهدين و الأخباريّين على ما صرّح به المحدّث الأسترآبادي كما سيجيء نقل كلامه في الاستصحاب، و بالجملة فلا يلزم حرج من الاجتناب في الموارد الخالية عن هذه الأمارات لقلّتها.
ثم قال: «و منها: أنّ اجتناب الحرام واجب عقلا و نقلا، و لا يتم إلاّ باجتناب ما يحتمل التحريم ممّا اشتبه حكمه الشرعي و من الأفراد الغير الظاهرة بالفرديّة و ما لا يتم الواجب إلاّ به و كان مقدورا فهو واجب، إلى غير ذلك من الوجوه و إن أمكن المناقشة في بعضها، فمجموعها دليل كاف شاف في هذا المقام و اللّه أعلم بحقائق الأمور و الأحكام»(1)، انتهى.
أقول: الدليل المذكور أولى بالدلالة على وجوب الاجتناب من الشبهة في طريق الحكم، بل لو تمّ لم يتمّ إلاّ فيه؛ لأنّ وجوب الاجتناب عن الحرام لم يثبت إلاّ بدليل حرمة ذلك الشيء أو أمر وجوب إطاعة الأوامر و النواهي
الشرح
بالشبهة الحكميّة الوجوبيّة و إلى ما أفاده في الكتاب ما أسمعناك مرارا من أنّ دليل وجوب الإطاعة لا يثبت تكليفا على ذمّة المكلّف بحيث يعاقب على مخالفته و يجري قاعدة الشغل و حديث المقدّميّة بالنسبة إليه».
1) المصدر السابق: ص 520.
ممّا ورد في الشرع و حكم به العقل، فهي كلّها تابعة لتحقّق الموضوع أعني الأمر و النهي و المفروض الشك في تحقق النهي، و حينئذ فإذا فرض عدم الدليل على الحرمة فأين وجوب ذي المقدّمة حتى يثبت وجوبها.
نعم، يمكن أن يقال في الشبهة في طريق الحكم بعد ما قام الدليل على حرمة الخمر يثبت وجوب الاجتناب عن جميع أفرادها الواقعيّة و لا يحصل العلم بموافقة هذا الأمر العام إلاّ بالاجتناب عن كل ما احتمل حرمته.
لكنّك عرفت الجواب عنه سابقا و أنّ التكليف بذي المقدّمة غير محرز إلاّ بالعلم التفصيلي أو الإجمالي، فالاجتناب عمّا يحتمل الحرمة احتمالا مجرّدا عن العلم الإجمالي لا يجب لا نفسا و لا مقدّمة و اللّه العالم.
أنّه لا شكّ في حكم العقل و النقل برجحان الاحتياط مطلقا حتّى فيما كان هناك أمارة على الحل مغنية عن أصالة الإباحة، إلاّ أنّه لا ريب في أنّ الاحتياط في الجميع موجب لاختلال النظام كما ذكره المحدّث المتقدّم، بل يلزم أزيد ممّا ذكره فلا يجوز الأمر به من الحكيم؛ لمنافاته للغرض و التبعيض بحسب الموارد و استحباب الاحتياط حتّى يلزم الاختلال أيضا مشكل لأنّ تحديده في غاية التعسّر فيحتمل التبعيض بحسب الاحتمالات فيحتاط في المظنونات.
و أمّا المشكوكات فضلا عن انضمام الموهومات إليها فالاحتياط فيها حرج مخل بالنظام، و يدلّ على هذا العقل بعد ملاحظة حسن الاحتياط مطلقا و استلزام كلّيته الاختلال و يحتمل التبعيض بحسب المحتملات، فالحرام المحتمل إذا كان من الأمور المهمّة في نظر الشارع كالدماء و الفروج بل مطلق حقوق الناس بالنسبة إلى حقوق اللّه تعالى يحتاط فيه، و إلاّ فلا.
و يدلّ على هذا جميع ما ورد من التأكيد في أمر النكاح و أنّه شديد و أنّه
يكون منه الولد.
منها: ما تقدّم من قوله عليه السلام: «لا تجامعوا على النكاح بالشبهة»، قال عليه السلام: «فإذا بلغك امرأة أرضعتك - إلى أن قال - إنّ الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة».
و قد تعارض هذه بما دلّ على وجوب السؤال و التوبيخ عليه و عدم قبول قول من يدّعي حرمة المعقودة مطلقا أو بشرط عدم كونه ثقة و غير ذلك.
و فيه: أنّ مساقها التسهيل و عدم وجوب الاحتياط فلا ينافي الاستحباب، و يحتمل التبعيض بين مورد الأمارة على الإباحة و مورد لا يوجد إلاّ أصالة الإباحة فيحمل ما ورد من الاجتناب عن الشبهات و الوقوف عند الشبهات على الثاني دون الأوّل لعدم صدق الشبهة بعد الأمارة الشرعيّة على الإباحة، فإنّ الأمارات في الموضوعات بمنزلة الأدلّة في الأحكام مزيلة للشبهة، خصوصا إذا كان المراد من الشبهة ما يتحيّر في حكمه، و لا بيان من الشارع لا عموما و لا خصوصا بالنسبة إليه دون مطلق ما فيه الاحتمال، و هذا بخلاف أصالة الإباحة فإنّها حكم في مورد الشبهة لا مزيلة لها، هذا و لكنّ أدلّة الاحتياط لا تنحصر في ما ذكر فيه لفظ الشبهة، بل العقل مستقل بحسن الاحتياط مطلقا، فالأولى الحكم برجحان الاحتياط في كلّ موضع (1) لا يلزم منه الحرام، و ما ذكر من أنّ تحديد الاستحباب بصورة لزوم الاختلال عسر فهو إنّما يقدح في وجوب الاحتياط لا في حسنه.
الشرح
(1) مراده قدّس سره من الحرج هو البالغ منه حدّ الاختلال كما هو ظاهره، و ما أفاده في وجه دفع كون التحديد بذلك عسر ما من أنّ دليل الحرج ينفي التكليف الإلزامي بالأمر الحرجي لا التكليف الندبي فهو ظاهر لا سترة فيه أصلا؛ لأنّ الحكمة
إباحة ما يحتمل الحرمة غير مختصّة (1) بالعاجز عن الاستعلام، بل تشمل القادر على تحصيل العلم بالواقع؛ لعموم أدلّته من العقل و النقل و قوله عليه السلام في ذيل رواية مسعدة بن صدقة: «و الأشياء كلّها على هذا حتّى يستبين لك غيره أو تقوم به البيّنة»، فإنّ ظاهره حصول الاستبانة و قيام البيّنة لا بالتحصيل، و قوله: «هو لك حلال حتّى يجيئك شاهدان»، لكنّ هذا و أشباهه مثل قوله عليه السلام في اللحم المشترى من السوق: «كل و لا تسأل»، و قوله
الشرح
في رفع التكليف العسري و الموجب له مع تفويت المصلحة فيه على المكلّف هو التدارك بالتسهيل و التسهيل مفروض في التكليف الندبي فلا مسوّغ لرفعه، هذا مضافا إلى ظهور الأدلّة بنفسها في نفي الإلزام، نعم يكفي رعاية عدم وقوع المكلّف من غاية الاحتياط في الموضوعات في الوسواس فإنّ الشيطان يغتنم الفرصة و يتوسّل كثيرا ما من طريق الإطاعة إلى إلقاء المكلّف في الهلكة و اللّه العاصم.
(1) ما أفاده قدّس سره من عدم اشتراط الرجوع إلى الإباحة في الشبهة الموضوعيّة بالفحص ممّا لا إشكال بل لا خلاف فيه، بل الأمر كذلك في الرجوع إلى الأمارات و الأصول مطلقا في مطلق الشبهة الموضوعيّة، إلاّ في الشبهة الموضوعية الوجوبية في بعض جزئيّاتها عند بعض على ما ستقف عليه في الخاتمة عند الكلام في شروط البراءة، و يدلّ عليه مضافا إلى إطلاق ما دلّ على الحكم فيها من العمومات و الخصوصات جملة من الأخبار الظاهرة في نفي اشتراط الفحص منها قوله عليه السلام في ذيل رواية مسعدة بن صدقة: «و الأشياء كلّها على هذا حتّى يستبين لك غيره أو تقوم به البيّنة» و العقل حيث إنّه يجوز الرجوع إلى الأصل قبل الفحص في الشبهة الموضوعيّة بخلاف الشبهة الحكميّة، هذا بعض الكلام في ذلك و ستقف على تفصيله و شرح القول فيه في الخاتمة إن شاء اللّه.
عليه السلام: «ليس عليكم المسألة، إنّ الخوارج ضيّقوا على أنفسهم»، و قوله عليه السلام في حكاية المنقطعة التي تبيّن لها زوج: «لم سألت»، واردة في موارد وجود الأمارة الشرعيّة على الحلّيّة فلا يشمل ما نحن فيه، إلاّ أنّ المسألة غير خلافيّة مع كفاية الإطلاقات.
في إشكال خروج القياس عن حكم العقل بحجية الظن المطلق 7
في أنه بناء على كون النتيجة هو التبعيض في الاحتياط فالإشكال على تقدير الحكومة أيضا منتجة الورود 8
في الوجه الأول من وجوه التفصي عن إشكال خروج القياس 13
الوجه الثاني من وجوه التفصي عن إشكال خروج القياس 18
الوجه الثالث من وجوه التفصي عن إشكال خروج القياس 19
الوجه الرابع من وجوه التفصي عن إشكال خروج القياس 20
في الوجه الخامس من وجوه التفصي عن القياس 25
في نقل كلام المحقق المحشي في دفع الإشكال 26
نقل كلام الفصول في التفصي عن إشكال القياس 27
في توضيح ما أفاده المحققان المذكوران في الحاشية و الفصول 29
في المناقشة فيما أفاده المصنف 32
الوجه السادس في وجه رجوع ما أفاده إلى التخصص و الخروج الموضوعي 36
في الوجه السابع من وجوه التفصي عن إشكال خروج القياس 39
تقرير توهم التدافع بين كلاميه قدس سره و الجواب عنه 40
في أن القطع غير قابل لتصرف الشارع بوجوه بخلاف الظن 42
في حكم الظن المانع و الممنوع و بسط القول فيه 45
في أنه بناء على تعميم النتيجة هل يحكم بتقدم المانع أو الممنوع 47
في توضيح ما يتعلق بالمقام من حكم الظن المانع أو الممنوع و تحقيق ما هو الحق فيه 51
في أن الظن المتعلق بالألفاظ على قسمين 58
في أن ما أفاده المصنف غير مقصود على إطلاقه 59
في المناقشة على الوجهين اللذين أفادهما المصنف في مجلس البحث و التحقيق 65
في المناقشة على الجواب الذي أفاده المصنف عن الوجه الثاني من وجهي المستدل 70
في شرح القول في التنبيه الرابع من تنبيهات الانسداد 77
في أنه هل يمكن إقامة الدليل على حجية مطلق الظن في الموضوعات أم لا 79
في إمكان قيام الدليل على حجية الظن في بعض الموضوعات كالضرر و النسب و نحوهما 80
التنبيه الخامس الكلام في الظن في أصول الدين 81
في بيان أن العلم يغاير الاعتقاد أم لا 86
في مغايرة الاعتقاد للرضا و الاستنكاف 87
في أن هنا قسما ثالثا غير ما أفاده قدس سره من القسمين 89
في أن المعارف بالمعنى الأعم ينقسم إلى أقسام 91
في بيان حكم القسمين المذكورين 93
في تأسيس الأصل في مسألة التميز بين القسمين 95
في بيان ما يوجب الخروج عن الأصل المذكور 97
جواب آخر في دفع التوهم المذكور و المناقشة فيه 99
في الإشكال على ما استدل به لعموم وجوب المعرفة نفسا 100
في وجوه الرد على من توهم كون الاشتغال بعلم المعرفة أهم من الاشتغال بالفروع 102
في إمكان المناقشة في الوجوه المذكورة 104
في التعرض للمناقشات التي أوردت على ما أفاده قدس سره من عدم تغيير حقيقة الإيمان بعد الشريعة و الذب عنها 109
في بيان تعارض الأخبار الواردة في الأصول ظاهرا و بيان دفعه 114
في أن المعاد الجسماني أصل رأسه في قبال سائر الأصول 116
في التنبيه الثاني و الثالث 117
في اعتبار الاعتقاد بعصمة النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم و سائر صفاته في الإيمان 118
في كيفية وجوب التصديق بما جاء به النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم وقوع الكلام فيها في موضعين 122
في أن الشاك الغير الجاحد كافر أم لا 128
في الأخبار الدالة على ثبوت الواسطة بين الكفر فالإيمان 129
فيما يترتب على الواسطة من الأحكام 132
فيما دل على أخصية الإيمان من الإسلام 133
في كفاية العلم الحاصل من التقليد في العقائد 137
في الاستدلال على منع ثبوت العاجر في العقائد و الجواب عنه 139
في أن للعالم إلزام الجاهل بتحصيل الظن أم لا 142
في الأمر من اللذين ينبغي التنبيه عليهما خاتمة 143
نقل كلام السيد الصدر في شرح الوافية و ما يتعلق به 146
في أن كلام الشيخ في العدة لا يخلو عن اضطراب و التباس 151
في المناقشات الواردة على كلام الشيخ في العدة 153
في شرح القول في التنبيه السادس من تنبيهات الانسداد 157
في أن الظن الخارجي لا يوجب جبر قصور الدلالة 160
في أن الظن القياسي هل يصلح أن يكون موهنا أم لا 166
في التفصيل في كون القياس موهنا بين العقل و الشرع 168
في أنه فرق بين حجية القياس و كونه مرجحا أم لا 175
في الترجيح بالظن الغير المعتبر من جهة الأصل 178
في الترجيح بالظن الغير المعتبر من جهة الصدور 181
في جواز ترجيح ما لم يقطع بصدوره من الأخبار بمطلق الظن 183
في دفع الإشكال و التنافي المزبور بتقريرات مختلفة 186
في أنه لا يجب العمل بما ظن اعتباره ما لم ينته إلى القطع 192
في كيفية استفادة لزوم الترجيح بمطلق المزية من التعليلات الواردة في أخبار العلاج 195
خاتمة مشتملة على أمرين ينبغي التنبيه عليهما 198
في الحكم الظاهري و الواقعي 207
في الفرق بين العلم و الظن بحسب الجعل و غيره إجمالا فهي ستة 207
في تحقيق الحكم الظاهر و الواقعي 209
في انقسام الحكم الظاهري إلى الشأني و الفعلي 211
في وجه تسمية الحكم الظاهري بالواقعي الثانوي و في الفرق بين الدليل و الأمارة 212
في بيان عدم لزوم مطابقة الحكم الظاهري للحكم الواقعي 213
في الجواب الأول عن التناقض 214
في الجواب الثاني عن التناقض 214
في الجواب الثالث عن التناقض 215
في الجواب الرابع و الخامس عن التناقض 217
الكلام في أقسام الأصل و الدليل و بيان النسبة بينهما و أنهما وارد أو حاكم و الآخر بورود و محكوم 218
في حكومة الدليل الظني على الأصل 223
في بيان المراد بأصل البراءة ما ذا 227
في الإشكال في أن مفاد البراءة ليس بحكم شرعي 229
في أن المبحوث عنه هل هو من المسائل الأصولية و الفقهية أو من باب المبادئ الأحكامية 230
في الفرق بين أصالة الإباحة و البراءة في تحقيق أن أصالة الإباحة قسم من أصالة البراءة 232
الكلام فيما يكون الشك في أصل التكليف 234
في الاستدلال على حكم ما لا نص فيه 239
في دلالة آية الإيتاء على أن الحكم فيما لا نص فيه إباحة الفعل شرعا و عدمه وجوب الاحتياط 239
ذكر كلام المحقق القمي في ورود التناقض في التمسك بالآية في المقامين 245
في بيان عدم دلالة الآية على أصالة البراءة 249
في دلالة حديث ما لا يعلمون على البراءة فيما لا نص فيه 254
في الاحتمالات و الوجوه التي في حديث ما لا يعلمون 255
في اختصاص ما لا يعلمون بالشبهات الموضوعية 257
في بيان إرادة الشبهة الحكمية من حديث ما لا يعلمون 260
تحقيق متعلق بيان المراد من الحديث الشريف 263
في أين المراد من الرفع معنى يشمل الدفع 270
في أن حديث الرفع لا يرفع الضمان 270
في دلالة حديث ما حجب اللّه علمه عن العباد على أصالة البراءة فيما لا نص فيه 281
في بيان التعارض بين الناس في سعة ما لا يعلمون و دليل الاحتياط 282
في دلالة كل شيء مطلق حتى يرد فيه نهي على أصالة البراءة فيما لا نص فيه 284
في بيان أن الرواية لا تعلق لها بالمعذورية من جهة الحكم التكليفي بل لبيان الحكم الوضعي الذي لا دخل له بالمقام 286
في تقريب الاستدلال بصحيحة عبد اللّه بن سنان 290
في بيان اختصاص الرواية بالشبهة الموضوعية و شواهده 294
في في الأبحاث التي أوردها الفاضل القمي على الشارح السيد 299
في التمسك بالإجماع على البراءة فيما لا نص فيه 308
في حكم العقل بأن العقاب من دون بيان قبيح و بأن دفع الضرر المحتمل الأخروي واجب 315
في منع استقلال العقل بلزوم دفع الضرر المحتمل الدنيوي 320
في توجيه كلام السيد أبي البركات في الغنية و غيره 322
في الاعتراض على المستدل بالاستصحاب على البراءة 326
في البحث و الاعتراض على التمسك بالاستصحاب فيما لا نص و رجوع التمسك في المقام بالآخرة إلى دليل البراءة 327
في المناقشة في التمسك بغير الاحتياط فيما الكلام فيه 331
في الاستدلال الإخباريين على حكم ما لا نص بالآيات 333
في الجواب عن الاستدلال بآية التهلكة 335
في دليل القول بوجوب الكف 337
حكاية كلام صاحب الوسائل في صحيحة جميل بن دراج 338
في بيان كون الأمر في تلك الأخبار إرشاديا 341
في بيان أن المستفاد منها الضرر الأخروي المعلوم للطلب الشرعي المولوي مع جوابه 344
في أن الأصل الحكمي في أمثال هذه الشبهة الموضوعية الحرمة لا البراءة 349
في بعض الأجوبة عن أخبار التوقف بوجوه غير خالية عن النظر 351
في الإيراد على صاحب القوانين 352
في أن أكثر أدلة البراءة بالنسبة إلى هذه الأخبار من قبيل الأصل و الدليل 353
تحقيقات متعلقة بيان النسبة بين أدلة البراءة و أخبار التوقف 354
بيان محذور لزوم إخراج ما تعارض النصان عن عموم أخبار التوقف 356
في كلام الفاضل النراقي في الإيراد عليه 359
ذكر كلام صاحب الوسائل في احتمالات الرواية 359
في عدم دلالة الصحيحة على مدعاهم و بيان مورد الاستدلال بالصحيحة 363
في الجواب عن الاستدلال بموثقة عبد اللّه بن وضاح 366
في أن النبوي لو دل على الوجوب للزم من إثباته نفيه 373
في بيان وجه دلالة النبوي على إرادة وجوب اجتناب الشبهات 376
تحقيقات متعلقة بخبر التثليث 378
في الاستدلال بالدليل العقلي على مذهب الأخباري و تحرير المقام على نحو ينبغي 385
في الإيراد على عدم تمامية الدليل المذكور و جوابه 387
في الجواب التحقيقي عن الدليل العقلي للأخباري 393
بسط كلام و توضيح مقام متعلق بأن الأصل في الأفعال الغير الضرورية ما ذا 396
في الجواب عن التمسك بأن الأصل في الأفعال الغير الضرورية الحظ 398
تنبيهات في مسألة ما لا نص فيه 402
في بيان أن المحقق قدس سره لم يتعرض لأصل البراءة في هذا الكلام فضلا عن التفصيل المنسوب إليه 404
الكلام في أن حسن الاحتياط من حيث ذاته و نفسه أو من جهة سعادة فاعله 410
في بيان أنّ أوامر الاحتياط إرشادية أم مولوية 411
في بيان أن الحكم العقلي الإرشادي ملازم للأمر المولوي الشرعي في مورد القابل 413
في الفرق بين المذاهب الأربعة المنسوبة إلى الإخباريين 417
في بيان أصالة الإباحة 420
في بيان حصر المحللات في الطيبات 423
في دوران الأمر بين الحرمة و غير الوجوب من جهة إجمال النص 426
في بيان أخصية الرواية من أخبار التخيير 428
في توافق الأخباري مع المجتهد في الشبهات الموضوعية 431
في الإشارة إلى أنظار متعلقة بكلام بعض المعاصر 434
في عدم جريان مناط قاعدة الاشتغال في المقام 439
في عدم جريان مناط قاعدة الاشتغال في المقام 443
في الجواب عن السؤال الأول بوجوه متعددة 445
في إلزام العقل بدفع الضرر المشكوك فيه 449
الأول في تشخيص محل الكلام في الشبهة الموضوعية المحكومة بالإباحة و في أن كل أصل حكمي مشروط بعدم أصل موضوعي حاكم عليه 452
في رد كلام صاحب المدارك و من توهم أن أصالة عدم التذكية معارضة بأصالة عدم موت حتف الأنف 454
التنبيه الثاني 456
في أن الأئمة عليهم السلام عالمون بما كان و ما يكون و ما هو كائن 459
التنبيه الثالث 466
التنبيه الرابع 468