ghaemiyeh.com
بسم اللّه الرحمن الرحيم
الهادي
الى الطريقة الوسطى
في
شرح العروة الوثقى
محرر رقمي: روح اله قاسمي
الهادي
الى الطريقة الوسطى
في شرح العروة الوثقى
المجلّدُ الحادي عشر
كتاب الصوم
الجزء الثاني
كتاب الاعتكاف
لِمُؤلِّفِهِ المُحَقِّقِ وَ الفَقيهِ المُدَقِّقِ
سَماحَةِ آيةِ اللّهِ سَيِّد عَلي مُحمّد دَستغيب الحُسَيني الشيرازي
فصل في شرائط صحّة الصوم/13
«الأوّل»: الاسلام و الايمان ... 13
«الثاني»: العقل ... 15
«الثالث»: عدم الاصباح جنبا ... 16
«الرابع»: الخلوّ من الحيض و النفاس في مجموع النهار ... 16
«الخامس»: أنلايكون مسافرا ... 18
في المواضع التي يصحّ الصوم في السفر ... 21
في النذر المطلق ... 24
في الصوم المندوب في السفر ... 25
في صوم المسافر الجاهل بالحكم ... 29
في صوم من سافر بعد الزوال ... 33
«السادس»: عدم المرض أو الرمد الذي يضرّه الصوم ... 39
فرع في حكم خوف الضرر على الغير ... 45
في حكم الافطار اذا عرض عليه الضعف ... 48
فيما لو صام بزعم عدم الضرر فبان الخلاف ... 49
فيما اذا حكم الطبيب بأنّ الصوم مضرّ ... 51
في صوم النائم ... 51
في صحّة الصوم و سائر العبادات من الصبي المميّز ... 56
في الصوم المندوب اذا كان عليه صوم واجب ... 58
فرع في حكم التطوّع بالصوم لمن عليه غير رمضان ... 59
في الصوم المندوب اذا لميتمكّن من أداء الواجب ... 62
فيما اذا نسي الصوم الواجب و أتى بالمندوب ... 63
فيما لو نذر التطوّع و عليه الواجب ... 64
في التطوّع بالصوم اذا كان ما عليه من الصوم الواجب استيجاريّا ... 68
فصل في شرائط وجوب الصوم/69
«الأوّل» و «الثاني»: البلوغ و العقل ... 69
«الثالث»: عدم الاغماء ... 72
«الرابع»: عدم المرض الذي يتضرّر معه الصائم ... 74
«الخامس»: الخلوّ من الحيض و النفاس ... 81
«السادس»: الحضر ... 81
فيما اذا كان حاضرا فخرج الى السفر ... 82
فرع فيما اذا رجع المسافر من السفر قبل الزوال مفطرا ... 86
في أنّ المناط هو الشروع في السفر لاالخروج من الترخّص ... 87
في استثناءات التلازم بين اتمام الصلاة و الصوم، و قصرها و الافطار ... 88
في اشتراط وصول المسافر الى حدّ الترخّص في جواز الافطار ... 90
في حكم السفر اختيارا في شهر رمضان ... 91
فرع في حكم السفر في غير شهر رمضان اذا وجب عليه صومه ... 92
في حكم السفر في شهر رمضان قبل مضيّ ثلاثة و عشرون يوما ... 94
في الجماع و التملّي من الأكل و الشرب لمن يجوز له الافطار في شهر رمضان ... 95
فصل في موارد الرخصة في الافطار/99
«الأوّل» و «الثاني»: الشيخ و الشيخة ... 99
الفرع الأوّل في حكم الكفّارة على الشيخ و الشيخة اذا عجزا ... 105
الفرع الثاني في المراد من فدية طعام مسكين ... 108
«الثالث»: من به داء العطش ... 110
فرع في حكم تملّي ذيالعطاش ... 113
«الرابع»: الحامل المقرب التي يضرّها الصوم ... 113
«الخامس»: المرضعة القليلة اللبن اذا أضرّ بها الصوم ... 114
الفرع الأوّل في عدم الفرق بين الأمّ و غيرها ... 117
الفرع الثاني في امكان اتّخاذ المرضعة و عدمه ... 117
فصل في طرق ثبوت هلال رمضان و شوّال للصوم و الافطار/119
«الأوّل»: رؤية المكلّف نفسه ... 119
«الثاني»: التواتر ... 121
«الثالث»: الشياع المفيد للعلم ... 122
«الرابع»: مضيّ ثلاثين يوما من هلال شعبان أو من هلال رمضان ... 123
«الخامس»: البيّنة الشرعيّة ... 124
«السادس»: حكم الحاكم الذي لميعلم خطؤه ... 131
فرع فيما لو علم بخطأ حكم الحاكم ... 138
في ثبوت الهلال بقول المنجّمين ... 139
في ثبوت الهلال بما يفيد الظنّ ... 145
فيما اذا لميشهد الشاهدان بالرؤية بل شهدا بشهادة علميّة ... 149
فيما اذا لميثبت الهلال و ترك الصوم ثمّ شهد عدلان برؤيته ... 150
في اختصاص حكم الحاكم بمقلّديه ... 151
في الاعتماد على التلغراف في الاخبار عن الرؤية ... 153
في حكم الصوم و الافطار في يوم الشكّ ... 154
فيما لو غمّت الشهور و لمير الهلال ... 154
في الأسير و المحبوس ... 156
الفرع الأوّل في حكم الأسير و المحبوس اذا لميتمكّنا من تحصيل العلم ... 157
الفرع الثاني في حكم الأسير و المحبوس اذا لميتمكّنا من تحصيل الظنّ ... 159
فيما اذا اشتبه شهر رمضان أو الشهر المنذور بين شهرين ... 161
في حكم الصوم في المكان الذي نهاره ستّة أشهر و ليله ستّة أشهر ... 162
فصل في أحكام القضاء/165
في شروط وجوب قضاء الصوم ممّن فاته ... 165
فيما لو بلغ بعد الطلوع في أثناء النهار ... 167
فيما لو شكّ في كون البلوغ قبل الفجر أو بعده ... 169
في حكم ما فات من المجنون أيّام جنونه ... 170
في المغمى عليه ... 171
في حكم من أسلم عن كفر ... 175
فرع فيما لو أسلم الكافر أثناء النهار ... 177
في حكم ما فات عن المرتدّ أيّام ردّته ... 178
في حكم من فاته الصوم لسكر ... 182
في حكم القضاء على الحائض و النفساء و المستحاضة ... 183
في حكم صوم المخالف اذا استبصر ... 185
في حكم من فاته الصوم للنوم ... 187
فيما اذا شكّ فيما فاته من أيّام شهر رمضان بين الأقلّ و الأكثر ... 188
في الفور و التتابع في القضاء ... 190
الفرع الأوّل في وجوب فوريّة القضاء ... 190
الفرع الثاني في استحباب الموالات في القضاء ... 191
في تعيين الأيّام و الترتيب ... 193
فيما لو كان عليه قضاء من رمضانين فصاعدا ... 195
فيما اذا فاته شهر رمضان أو بعضه بمرض أو غيره و مات فيه ... 197
الفرع الأوّل في عدم استحباب القضاء عمّن فاته الصوم لعذر و مات ... 199
الفرع الثاني في حكم من سافر في شهر رمضان و مات ... 201
فيما اذا فاته شهر رمضان أو بعضه للمرض و استمرّ الى رمضان آخر ... 204
فيما اذا فاته شهر رمضان أو بعضه لغير المرض و استمرّ الى رمضان آخر ... 208
الفرع الأوّل في حكم من فاته الصوم بغير المرض ... 208
الفرع الثاني في حكم الصور الأخر ... 212
فيما اذا فاته شهر رمضان متعمّدا و لميأت بالقضاء الى رمضان آخر ... 214
فيما اذا استمرّ المرض الى ثلاث سنين ... 217
في جواز اعطاء كفّارة أيّام عديدة لفقير واحد ... 218
في تأخير القضاء عمدا ... 219
الفرع الأوّل في حكم تأخير القضاء ... 220
الفرع الثاني في حكم تأخير القضاء الى الرمضان ... 221
في وجوب قضاء ما فات عن الميّت على الولي ... 221
في حكم قضاء ما فات عن الميّت عمدا ... 225
في عدم الفرق بين الأب و الأم ... 227
في المراد بالوليّ ... 232
فيما لو لميكن للميّت ولد ... 238
فيما لو تعدّد الولي ... 238
في حكم استيجار الولي من يصوم عن الميّت ... 239
فيما اذا شكّ الولي في اشتغال ذمّة الميّت و عدمه ... 239
فيما لو علم باشتغال ذمّة الميّت و شكّ في اتيانه حال حياته ... 241
في عدم جواز الافطار بعد الزوال عمدا في قضاء شهر رمضان ... 243
فرع في حكم الافطار بعد الزوال للصوم مطلقا ... 246
فصل في صوم الكفّارة/253
فيما يجب فيه الصوم مع غيره ... 253
فيما يجب فيه الصوم بعد العجز عن غيره ... 254
في كفّارة الافطار في قضاء رمضان و كفّارة اليمين ... 256
في كفّارة صيد النعامة و البقر الوحشي و الغزال ... 257
في كفّارة الافاضة من عرفات قبل الغروب عامدا ... 258
في كفّارة خدش المرأة وجهها و نتفها رأسها في المصاب ... 259
فيما يجب فيه الصوم مخيّرا بينه و بين غيره ... 261
في حكم التتابع في صوم شهرين من كفّارة الجمع أو التخيير ... 267
الفرع الأوّل في حكم التتابع في الثمانيهعشر ... 269
الفرع الثاني في حكم التتابع في صيام سائر الكفّارات ... 274
في حكم التتابع اذا نذر صوم شهر أو أقلّ أو أزيد ... 276
فيما اذا فاته النذر المعيّن أو المشروط فيه التتابع ... 277
فرع في حكم التتابع في صوم سبعة أيّام ... 278
فيما اذا أفطر في أثناء كلّ صوم يشترط فيه التتابع لا لعذر اختيارا ... 284
فيما اذا أفطر في أثناء كلّ صوم يشترط فيه التتابع لعذر ... 285
في أنّه اذا صام شهرا و يوما متتابعا هل يجوز له التفريق في البقيّة؟ ... 294
فيما اذا بطل التتابع في الأثناء ... 297
فصل في أقسام الصوم/299
كتاب الاعتكاف / 305
القول في تعريفه و بعض أحكامه ... 305
القول في شروط الاعتكاف ... 305
«الأوّل»: الايمان ... 310
«الثاني»: العقل ... 310
«الثالث»: نيّة القربة ... 311
«الرابع»: الصوم ... 313
«الخامس»: عدد الأيّام ... 314
«السادس»: المكان ... 317
«السابع»: اذن من له الولاية ... 319
«الثامن»: استدامة اللبث في المسجد ... 321
فيما لو ارتدّ المعتكف في أثناء اعتكافه ... 325
في عدم جواز العدول بالنيّة من اعتكاف الى غيره ... 325
في عدم جواز النيابة عن أكثر من واحد في اعتكاف واحد ... 325
في عدم اعتبار أنيكون الصوم لأجل الاعتكاف ... 326
في جواز قطع الاعتكاف المندوب في اليومين الأوّلين ... 327
فيما لو نذر الاعتكاف في أيّام معيّنة و كان عليه صوم منذور أو واجب ... 328
في اعتبار وحدة المسجد في الاعتكاف الواحد ... 333
في ما يجوز مع الخروج من المسجد للمعتكف ... 337
فيما لو أجنب في المسجد و لميمكن الاغتسال فيه ... 338
فيما اذا غصب مكانا من المسجد سبق اليه غيره ... 338
في عدم الفرق في اللبث في المسجد بين أنواع الكون ... 341
فيما اذا طلّقت المرأة المعتكفة في أثناء اعتكافها ... 341
في جواز اشتراط الرجوع متى شاء ... 343
فصل في أحكام الاعتكاف/ 347
في محرّمات الأعتكاف ... 347
«أحدها»: مباشرة النساء بالجماع ... 347
«الثاني»: الاستمناء ... 348
«الثالث»: شمّ الطيب ... 349
«الرابع»: التجارة ... 349
«الخامس»: المماراة ... 350
في افساد الاعتكاف بأحد المفسدات ... 353
فيما اذا مات في أثناء الاعتكاف ... 354
فيما اذا أفسد اعتكافه بالجماع ... 355
«الجزء الثاني»
و هي أمور: «الأوّل»: الاسلام و الايمان، فلايصحّ من غير المؤمن و لو في جزء من النهار، فلو أسلم الكافر في أثناء النهار و لو قبل الزوال لميصحّ صومه، و كذا لو ارتدّ ثمّ عاد الى الاسلام بالتوبة و ان كان الصوم معيّنا و جدّد النيّة قبل الزوال على الأقوى.
الشرح:
لايصحّ الصوم و غيره من العبادات من غير المؤمن، فقد دلّت على عدم صحّة عبادات من ائتمّ بامام غير الأئمّة المعصومين المطهّرين المكرّمين نصوص مستفيضة بل متواترة و قد جمع بعضها في الوسائل في الباب التاسع و العشرين من أبواب مقدّمة العبادات، و أنت تجد كثيرا من نظائرها في تفسير البرهان و
تفسير نور الثقلين و غيرهما. فمن تلك الروايات: صحيحة محمّد بن مسلم قال:
«سمعت أبا جعفر عليهالسلام يقول: كلّ من دان اللّه عزّوجلّ بعبادة يجهد فيها نفسه، و لا امام له من اللّه، فسعيه غير مقبول، و هو ضالّ متحيّر، و اللّه شانئ لأعماله ـ الى أنقال: ـ و ان مات على هذه الحال مات ميتة كفر و نفاق، و اعلم يا محمّد أنّ أئمّة الجور و أتباعهم لمعزولون عن دين اللّه قد ضلّوا و أضلّوا، فأعمالهم التي يعملونها كرماد اشتدّت به الريح في يوم عاصف لايقدرون ممّا كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد».(1)
فاذا لمتصحّ عبادات غير المؤمن فلاتصحّ عبادات الكافر بطريق أولى. فلو أسلم الكافر في أثناء النهار و لو قبل الزوال لميصحّ صومه، و كذا لو ارتدّ ثمّ عاد الى الاسلام بالتوبة و ان كان الصوم معيّنا و جدّد النيّة قبل الزوال، و ذلك لفقدان شرط صحّة الصوم و هو الاسلام في بعض اليوم، فانّ الكفر و عدم الايمان مانع عن صحّة الصوم بلا فرق بين أنيكون في تمام النهار أو في بعضه، لاطلاق الدليل.
فالكفر في بعض أجزاء الصوم موجب لبطلان الجزء المستلزم لبطلان الكلّ، فلاينفعه العود بعده، كما لاينفعه الاسلام قبل الزوال لو كان كافرا، فاللازم للصائم وجود النيّة من أوّل الفجر و استدامتها الى الليل الاّ ما خرج بالدليل كالمريض الذي يبرأ قبل الزوال، أو المسافر الذي يقدم أهله، و غيرهما ممّا مرّ في محلّه.
قال العلاّمة في المختلف: «المرتدّ لايصحّ صومه، ويجب عليه القضاء. فلو ارتدّ في أثناء النهار ثمّ عاد الى الاسلام قبل أنيفعل المفطر لميصحّ صومه، لأنّ الاسلام شرط و قد فات فيفوت مشروطه، و لأنّه مضى جزء من النهار غير صائم و لا بحكم الصائم، و الصوم عبادة واحدة لاتقبل التجزّي، و قد بطل جزؤها، فيسري البطلان الى الجميع. و قال الشيخ و تابعه ابن ادريس: لايبطل صومه بالارتداد لعدم
1) ـ وسائل الشيعة 1: 90 / الباب 29 من أبواب مقدّمة العبادت / الحديث الأوّل.
الدليل، و ليس بمعتمد لأنّ عدم الدليل ليس دليلاً على العدم. انتهى ملخّصا».(1)
و نحن نقول: الدليل موجود وهو اطلاق دليل شرطيّة الاسلام.
«الثاني»: العقل فلايصحّ من المجنون و لو أدوارا و ان كان جنونه في جزء من النهار، و لا من السكران، و لا من المغمى عليه و لو في بعض النهار و ان سبقت منه النيّة على الأصحّ.
الشرح:
الثاني من شرائط صحّة الصوم العقل فلايصحّ من المجنون و ذلك للروايات المعتبرة التي وردت من الأئمّة المعصومين عليهمالسلام في أنّ اللّه سبحانه جعل الثواب و العقاب على العقل لأنّه بالعقل يطاع اللّه و لايعصى و به يدرك الحسن و القبح. ففي الصحيح عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليهالسلام قال:
«لمّا خلق اللّه العقل استنطقه ثمّ قال له: أقبل فأقبلَ، ثمّ قال له: أدبر فأدبر، ثمّ قال: و عزّتي و جلالي ما خلقت خلقا هو أحبّ اليّ منك و لاأكملتك الاّ فيمن أحبّ، أما انّي ايّاك آمر و ايّاك أنهى و ايّاك أعاقب و ايّاك أثيب».(2)
فمن جنّ لايصحّ منه الصوم و لو في مقدار من النهار لاطلاق شرطيّة العقل لصحّة الصوم و الدليل على ذلك الاطلاق حكم العقل.
ثمّ اعلم أنّ النائم ليس كالمجنون فانّه يصحّ منه الصوم، فاذا نوى قبل الفجر و نام الى ما بعد الزوال لايكون صومه باطلاً كما دلّ عليه الروايات، و أمّا حديث رفع القلم عن النائم فالمقصود منه أنّ ما صدر من النائم في حال النوم من الخطأ لايعاقب عليه، فرفع التكليف منه أعمّ من البطلان بخلاف رفع القلم عن المجنون
لأنّ معناه أنّه لايكون المجنون مكلّفا بتكليف.
ان قلت: المجنون كالنائم لأنّ قلم التكليف مرفوع عنهما فصيام المجنون كصيام النائم صحيح؛ قلت: صحّة صوم النائم لاطلاق الأدلّة من أنّ الصوم غير مقيّد بعدم النوم بل قد ورد في بعض الروايات أنّ نوم الصائم عبادة و أمّا بطلان صوم المجنون لعدم الاعتناء بفعله للأدلّة الدالّة على اشتراط التكليف بالعقل.
و أمّا السكران و المغمى عليه، فالظاهر أنّهما كالمجنون أدوارا فلايصحّ منهما الصوم و ان سبق منهما النيّة قبل الفجر، و المسألة اختلافيّة فالاحتياط في محلّه.
«الثالث»: عدم الاصباح جنبا، أو على حدث الحيض و النفاس بعد النقاء من الدم على التفصيل المتقدّم.
تقدّم الكلام في فروعات هذه المسألة في بحث المفطرات.
«الرابع»: الخلوّ من الحيض و النفاس في مجموع النهار، فلايصحّ من الحائض و النفساء اذا فاجأهما الدم و لو قبل الغروب بلحظة أو انقطع عنهما بعد الفجر بلحظة، و يصحّ من المستحاضة اذا أتت بما عليها من الأغسال النهاريّة.
الشرح:
صوم الحائض باطل و ان رأت الدم قرب الغروب أو انقطع عقيب الفجر؛ لصحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليهالسلامقال:
«سألته عن امرأة أصبحت صائمة فلمّا ارتفع النهار أو كان العشيّ حاضت أتفطر؟ قال: نعم و ان كان وقت المغرب فلتفطر، قال: و سألته عن امرأة رأت الطهر في أوّل النهار في شهر رمضان فتغتسل (لمتغتسل) و لمتطعم فما تصنع في ذلك اليوم؟ قال: تفطر ذلك
اليوم، فانّما فطرها من الدم».(1)
و صحيحة عيص بن القاسم قال:
«سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن امرأة تطمث في شهر رمضان قبل أنتغيب الشمس، قال: تفطر حين تطمث».(2)
و صحيحة محمّد بن مسلم قال:
«سألت أبا جعفر عليهالسلام عن المرأة ترى الدم غدوة أو ارتفاع النهار أو عند الزوال، قال: تفطر. الحديث».(3)
و صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«أيّ ساعة رأت الدم فهي تفطر الصائمة اذا طمثت، و اذا رأت الطهر في ساعة من النهار قضت صلاة اليوم و الليل مثل ذلك».(4)
و لاتعارض الروايات المتقدّمة آنفا صحيحة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليهالسلامقال:
«ان عرض للمرأة الطمث في شهر رمضان قبل الزوال فهي في سعة أنتأكل و تشرب و ان عرض لها بعد زوال الشمس فلتغتسل و لتعتدّ بصوم ذلك اليوم ما لمتأكل و تشرب».(5)
لأنّها أوّلاً معرض عنها عند الأصحاب و ثانيا تؤوّل على الاستحباب و احتساب الثواب.
و لايصحّ من النفساء، لصحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج قال:
«سألت أبا الحسن عليهالسلام عن المرأة تلد بعد العصر أتتمّ ذلك اليوم أم
1) ـ وسائل الشيعة 7: 162 / الباب 25 من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث الأوّل.
2) ـ وسائل الشيعة 7: 163 / الباب 25 من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث الثاني.
3) ـ وسائل الشيعة 7: 163 / الباب 25 من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث الثالث.
4) ـ وسائل الشيعة 7: 163 / الباب 25 من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث الرابع.
5) ـ وسائل الشيعة 7: 166 / الباب 28 من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث الرابع.
تفطر؟ قال: تفطر و تقضي ذلك اليوم».(1)
و أمّا المستحاضة فقد تقدّم أنّها يصحّ منها الصوم اذا أتت بما عليها من الأغسال النهاريّة.
«الخامس»: أن لايكون مسافرا سفرا يوجب قصر الصلاة مع العلم بالحكم في الصوم الواجب.
الشرح:
الخامس من شرائط صحّة الصوم أن لايكون مسافرا، و الدليل عليه مضافا الى أنّه لا خلاف فيه، الكتاب و السنّة المتواترة. فمن الكتاب قوله تعالى: يا أيّها الذين آمنوا كُتب عليكم الصيام كما كُتب على الذين من قبلكم لعلّكم تتّقون * أيّاما معدوداتٍ فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدّةٌ من أيّام أخَر و على الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوّع خيرا فهو خير له و أنتصوموا خير لكم ان كنتم تعلمون * شهرُ رمضان الذي أُنزل فيه القرآن هدىً للناس و بيّنات من الهدى و الفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه و من كان مريضا أو على سفر فَعِدّة من أيّام أخر يريد اللّه بكم اليُسرَ و لايُريد بكم العسرَ و لِتُكملوا العدّةَ و لتُكَبّروا اللّه على ما هَديكم و لعلّكم تشكرون (2)فأوجب سبحانه و تعالى الصيام على المؤمنين ثمّ استثنى منه ثلاث طوائف، المريض و المسافر و الذي يطيق أي كان الصيام شاقّا عليه و فرض على المريض و المسافر أيّاما أخرتكون قضاءًا له و لميفرض القضاء على من كان في مشقّة من أداء الصيام. ثمّ تكرّر و تبيّن بأنّ الصوم يجب على من يكون حاضرا و لايكون مسافرا و كذا لايكون
مريضا. فبناءًا عليه لاتبقى هناك شبهة في أنّ اللّه تعالى لميرد الصيام من المسافر كما لميرد ذلك من المريض و لذا قال اللّه تعالى بعده: «يريد اللّه بكم اليسر و لايريد بكم العسر»، و العسر و اليسر هيهنا نوعيّ. فكأنّه قال: لميفرض اللّه عليكم الصيام في السفر لأنّ الصيام في السفر يكون عسرا نوعا.
و معنى قوله تعالى: «و أنتصوموا خير لكم» أي تصوموا على النهج الذي شرع في حقّكم من الصيام في الحضر و قضاء الصيام اذا كنتم مسافرين أو مرضى.
و المتحصّل من الآيات عدم مشروعيّة الصيام من المسافر كما ليس مشروعا من المريض. و أمّا الروايات، فلنكتفِ ببعض ما وردت في عدم جواز صوم شهر رمضان في السفر؛ ففي صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليهالسلام قال:
«سمّى رسول اللّه صلىاللهعليهوآله قوما صاموا حين أفطر و قصر عصاةً، و قال: هم العصاة الى يوم القيامة و انّا لنعرف أبناءهم و أبناء أبنائهم الى يومنا هذا».(1)
و صحيحة عيص بن القاسم عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«اذا خرج الرجل في شهر رمضان مسافرا أفطر. الحديث».(2)
و صحيحة صفوان بن يحيى عن أبي الحسن عليهالسلام أنّه سئل عن الرجل يسافر في شهر رمضان فيصوم، قال:
«ليس من البرّ الصوم في السفر».(3)
و يشترط أنيكون السفر سفرا يوجب قصر الصلاة، ففي صحيحة معاوية بن وهب عن أبي عبداللّه عليهالسلام في حديث قال:
«هذا واحد اذا قصّرت أفطرت و اذا أفطرت قصّرت».(1)
و موثّقة سماعة قال:
«قال أبو عبداللّه عليهالسلام في حديث: و ليس يفترق التقصير و الافطار، فمن قصّر فليفطر».(2)
ثمّ اعلم أنّه من كان جاهلاً بالحكم و لميكن له علم ببطلان الصوم في السفر فصام، يصحّ صومه، و ذلك لصحيحة عبد الرحمن بن أبي عبداللّه عن أبي عبداللّه عليهالسلامقال:
«سألته عن رجل صام شهر رمضان في السفر، فقال: ان كان لميبلغه أنّ رسول اللّه صلىاللهعليهوآله نهى عن ذلك فليس عليه القضاء و قد أجزأ عنه».(3)
و صحيحة عبيداللّه بن علي الحلبي قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليهالسلام: رجل صام في السفر، فقال: ان كان بلغه أنّ رسول اللّه صلىاللهعليهوآلهنهى عن ذلك فعليه القضاء، و ان لميكن بلغه فلا شيء عليه».(4)
و صحيحة عيص بن القاسم عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«من صام في السفر بجهالة لميقضه».(5)
و صحيحة ليث المرادي عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«اذا سافر الرجل في شهر رمضان أفطر، و ان صامه بجهالة
1) ـ وسائل الشيعة 7: 130 / الباب الرابع من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث الأوّل.
2) ـ وسائل الشيعة 7: 130 / الباب الرابع من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث الثاني.
3) ـ وسائل الشيعة 7: 127 / الباب الثاني من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث الثاني.
4) ـ وسائل الشيعة 7: 127 / الباب الثاني من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث الثالث.
5) ـ وسائل الشيعة 7: 128 / الباب الثاني من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث الخامس.
لميقضه».(1)
الاّ في ثلاثة مواضع؛ أحدها: صوم ثلاثة أيّام بدل هدي التمتّع. الثاني: صوم بدل البدنة ممّن أفاض من عرفات قبل الغروب عامدا، و هو ثمانيهعشر يوما. الثالث: صوم النذر المشترط فيه سفرا خاصّة أو سفرا و حضرا.
الشرح:
يستثنى من منع الصيام في السفر ثلاثة مواضع؛ أحدها: ثلاثة أيّام بدل الهدي في حجّ التمتّع، لقوله تعالى:فاذا أمنتم فمن تمتّع بالعمرة الى الحجّ فما استيسر من الهدي فمن لميجد فصيام ثلاثة أيّام في الحجّ و سبعةٍ اذا رجعتم، تلك عشرة كاملة.(2)
و لصحيحة معاوية بن عمّار عن أبيعبداللّه عليهالسلام قال:
«سألته عن متمتّع لميجد هديا، قال: يصوم ثلاثة أيّام في الحجّ يوما قبل التروية و يوم التروية، و يوم عرفة، قال: قلت: فان فاته ذلك؟ قال: يتسحّر ليلة الحصبة و يصوم ذلك اليوم و يومين بعده، قلت: فان لميقم عليه جمّاله أيصومها في الطريق؟ قال: ان شاء صامها في الطريق، و ان شاء اذا رجع الى أهله».(3)
و صحيحة سليمان بن خالد قال:
«سألت أبا عبداللّه عليهالسلامعن رجلتمتّع و لميجد هديا، قال: يصوم ثلاثة أيّام بمكّة، و سبعة اذا رجع الى أهله، فان لميقم عليه أصحابه و
لميستطع المقام بمكّة فليصم عشرة أيّام اذا رجع الى أهله».(1)
و موثّقة رفاعة بن موسى قال:
«سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن المتمتّع لايجد الهدي، قال: يصوم قبل التروية و يوم التروية و يوم عرفة، قلت: فانّه قدم يوم التروية، قال: يصوم ثلاثة أيّام بعد التشريق، قلت: لميقم عليه جمّاله، قال: يصوم يوم الحصبة و بعده يومين، قال: قلت: و ما الحصبة؟ قال: يوم نفره، قلت: يصوم و هو مسافر؟ قال: نعم أليس هو يوم عرفة مسافرا، انّا أهلبيت نقول ذلك لقول اللّه عزّوجلّ: «فصيام ثلاثة أيّام في الحجّ»يقول في ذيالحجّة».(2)
و موثّقة سماعة قال:
«سألته عن الصيام في السفر، قال: لا صيام في السفر قد صام ناس على عهد رسول صلىاللهعليهوآله فسمّاهم العصاة، فلا صيام في السفر الاّ الثلاثة أيّام التي قال اللّه عزّوجلّ في الحجّ».(3)
الثاني: صوم بدل البدنة ممّن أفاض من عرفات قبل الغروب عامدا لمّا كان الوقوف بعرفات واجبا الى الغروب فلو أفاض قبله عامدا كانت عليه كفّارة بدنة، فان عجز عنها صام ثمانيهعشر يوما مخيّرا بين الاتيان به في سفر الحجّ أو بعد الرجوع الى أهله على المشهور في ذلك. و الدليل عليه صحيحة ضريس الكناسي عن أبي جعفر عليهالسلام قال:
«سألته عن رجل أفاض من عرفات قبل أنتغيب الشمس، قال: عليه بدنة ينحرها يوم النحر، فان لميقدر صام ثمانيهعشر يوما بمكّة أو
في الطريق أو في أهله».(1)
فهي صحيحة السند كما أنّها ظاهرة الدلالة، اذ لاينبغي الشكّ بظهورها في جواز الصوم في السفر و لو لأجل كون الغالب أنّ الحاجّ لايقيم بمكّة بعد رجوعه من عرفات عشرة أيّام، و على فرض تحقّقه في جملة من الموارد فلا اشكال لأنّ الاقامة في الطريق عشرة أيّام نادرة جدّا، فلايمكن تقييد اطلاق الصحيحة بالاقامة في الطريق عشرة أيّام، بل لابدّ من الأخذ بالاطلاق.
فبهذا يردّ ما في «الجمل» و «الاقتصاد» و «المراسم» و «الوسيلة» و «الغنية» من عدم دلالة الصحيحة في جواز صوم ثمانيهعشر يوما بدل البدنة في السفر، لأنّها تقيّد بعمومات منع الصوم في السفر.
الثالث: صوم النذر المشترط فيه سفرا خاصّة أو سفرا و حضرا؛ و الدليل على ذلك صحيحة علي بن مهزيار قال:
«كتب بندار مولى ادريس: يا سيّدي، نذرت أنأصوم كلّ يوم سبت فان أنا لمأصمه ما يلزمني من الكفّارة؟ فكتب اليه و قرأته: لاتتركه الاّ من علّة، و ليس عليك صومه في سفر و لامرض الاّ أنتكون نويت ذلك، و ان كنت أفطرت فيه من غير علّة فتصدّق بعدد كلّ يوم على سبعة مساكين نسأل اللّه التوفيق لما يحبّ و يرضى».(2)
و لا اشكال في الصحيحة من حيث السند لأنّ علي بن مهزيار الذي هو من الأجلاّء الكبار قد قرأ الكتابة و أثبتها أصحاب المجامع في كتبهم، و هذا ممّا يورث الجزم بصحّة الرواية، و عليه فلا ضير أنّ بندار كتب الى المعصوم عليهالسلامو أجابه عليهالسلام.
نعم يمكن الخدشة في الدلالة من أجل اشتمال ذيلها على أنّ كفّارة حنث
النذر التصدّق على سبعة مساكين مع أنّه معلوم البطلان فانّه امّا كفّارة رمضان أو كفّارة اليمين، أعني عشرة مساكين على الخلاف. و يندفع بأنّ غايته سقوط هذه الفقرة من الرواية عن الحجّيّة لوجود معارض أقوى فترفع اليد عنها في هذه الجملة بخصوصها، و التفكيك بين فقرات الحديث في الحجّيّة ليس بعزيز. مع أنّ المكتوب في نسخة المقنع «عشرة مساكين» بدل «سبعة مساكين»، فلعلّ النسخة المشتملة على سبعة مساكين كانت مغلوطة.
دون النذر المطلق.
الشرح:
اذا نذر أنيصوم أيّاما معيّنة و لميشترط فيه سفرا خاصّة أو سفرا و حضرا، لايجوز له الصوم حينئذٍ حال السفر كما هو المشهور. و الدليل عليه صحيحة كرّام قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليهالسلام: انّي جعلت على نفسي أنأصوم حتّى يقوم القائم، فقال: صم و لاتصم في السفر. الحديث».(1)
و موثّقة مسعدة بن صدقة عن أبي عبداللّه عليهالسلامعن آبائه عليهمالسلام:
«في الرجل يجعل على نفسه أيّاما معدودة مسمّاة في كلّ شهر ثمّ يسافر، فتمرّ به الشهور انّه لايصوم في السفر و لايقضيها اذا شهد».(2)
و موثّقة عمّار الساباطي قال:
«سألت أبا عبداللّه عليهالسلامعن الرجل يقول: «للّه عليّ أنأصوم شهرا أو
أكثر من ذلك أو أقلّ»، فيعرض له أمر لابدّ له أنيسافر أيصوم و هو مسافر؟ قال: اذا سافر فليفطر لأنّه لايحلّ له الصوم في السفر فريضة كان أو غيره، و الصوم في السفر معصية».(1)
و لاتعارضها معتبرة ابراهيم بن عبدالحميد عن أبي الحسن الرضا عليهالسلامقال:
«سألته عن الرجل يجعل للّه عليه صوم يوم مسمّى، قال: يصوم أبدا في السفر و الحضر».(2)
لأنّها تحمل على ما اذا اشترط فيه السفر أو السفر و الحضر.
بل الأقوى عدم جواز الصوم المندوب في السفر أيضا.
الشرح:
لايجوز صوم المندوب في السفر و ذلك لصحيحة أحمد بن محمّد قال:
«سألت أباالحسن عليهالسلامعن الصيام بمكّة و المدينة و نحن في سفر، قال: أفريضة؟ فقلت: لا ولكنّه تطوّع كما يتطوّع بالصلاة، قال: فقال: تقول: اليوم و غدا؟ قلت: نعم، فقال: لاتصم».(3)
و موثّقة عمّار الساباطي قال:
«سألت أبا عبداللّه عليهالسلامعن الرجل يقول: «للّه عليّ أنأصوم شهرا أو أكثر من ذلك أو أقلّ»، فيعرض له أمر لابدّ له أنيسافر أيصوم و هو مسافر؟ قال: اذا سافر فليفطر لأنّه لايحلّ له الصوم في السفر فريضة كان أو غيره، و الصوم في السفر معصية».(4)
1) ـ وسائل الشيعة 7: 141 / الباب العاشر من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث الثامن.
2) ـ وسائل الشيعة 7: 141 / الباب العاشر من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث السابع.
3) ـ وسائل الشيعة 7: 144 / الباب 12 من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث الثاني.
4) ـ وسائل الشيعة 7: 141 / الباب العاشر من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث الثامن.
و صحيحة علي بن مهزيار قال:
«كتب بندار مولى ادريس: يا سيّدى، نذرت أنأصوم كلّ يوم سبت، فان أنا لمأصمه ما يلزمني من الكفّارة؟ فكتب عليهالسلام و قرأته: لاتتركه الاّ من علّة، و ليس عليك صومه في سفر و لامرض الاّ أنتكون نويت ذلك، و ان كنت أفطرت منه من غير علّة فتصدّق بقدر كلّ يوم على سبعة مساكين نسأل اللّه التوفيق لما يحبّ و يرضى».(1)
و نظيرها صحيحة كرّام و مسعدة بن صدقة المتقدّمتان الواردتان في النذر المطلق فقال عليهالسلام في الأولى: «لاتصم في السفر» و في الثانية: «لايصوم في السفر» فيستفاد منها ممنوعيّة الصوم المندوب في السفر بطريق أولى.
و لاتعارضها مرسلة اسماعيل بن سهل عن أبي عبداللّه عليهالسلامقال:
«خرج أبو عبداللّه عليهالسلاممن المدينة في أيّام بقين من شهر شعبان، فكان يصوم ثمّ دخل عليه شهر رمضان و هو في السفر فأفطر فقيل له: تصوم شعبان و تفطر شهر رمضان؟ فقال: نعم شعبان اليّ ان شئت صمت و ان شئت لا، و شهر رمضان عزم من اللّه عزّوجلّ عليّ الافطار». (2)
و مرسلة الحسن بن بسّام الجمّال قال:
«كنت مع أبي عبداللّه عليهالسلام فيما بين مكّة و المدينة في شعبان و هو صائم، ثمّ رأينا هلال شهر رمضان فأفطر، فقلت له: جعلت فداك، أمس كان من شعبان و أنت صائم و اليوم من شهر رمضان و أنت مفطر؟ فقال: انّ ذلك تطوّع و لنا أننفعل ما شئنا، و هذا فرض فليس
لنا أننفعل الاّ ما أمرنا».(1)
لأنّهما ضعيفتان من جهة السند، و قد رأيت صراحة قوله عليهالسلام في صحيحة البزنطي بأنّ صوم التطوّع في السفر لايجوز و كذا في موثّقة عمّار بأنّ الصوم في السفر فريضة كان أو غيرها لايجوز. و يؤيّد عدم جواز صوم التطوّع في السفر ما روى العيّاشي مرفوعا الى محمّد بن مسلم عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«لميكن رسول اللّه صلىاللهعليهوآله يصوم في السفر تطوّعا و لا فريضة».(2)
مضافا الى عمومات مثل قوله عليهالسلام:
«ليس من البرّ الصوم في السفر».(3)
نعم، هيهنا صحيحة سليمان الجعفري قال:
«سمعت أبا الحسن عليهالسلام يقول: كان أبي عليهالسلام يصوم يوم عرفة في اليوم الحارّ في الموقف و يأمر بظلّ مرتفع فيضرب له. الحديث».(4)
فتكون بظاهرها معارضة لما مرّ من الروايات الناهية عن الصوم في السفر مطلقا أو اذا كان تطوّعا. و يمكن أنيقال يجمع بين هذه و المرسلتين المتقدّمتين الناطقتين بجواز الصوم المندوب في السفر و بين الأخبار الناهية بحمل النهي فيها على الكراهة. ولكن يشكل بعدم قبول هذا الحمل في قوله عليهالسلام في موثّقة عمّار الساباطي:
«اذا سافر فليفطر لأنّه لايحلّ له الصوم في السفر فريضة كان أو غيره،و الصوم في السفر معصية».(5)
و يمكن رفع المعارضة بأن يقال انّ صحيحة سليمان الجعفري حكاية فعل
1) ـ وسائل الشيعة 7: 145 / الباب 12 من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث الخامس.
2) ـ وسائل الشيعة 7: 145 / الباب 12 من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث السادس.
3) ـ وسائل الشيعة 7: 145 / الباب 12 من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث الثامن.
4) ـ وسائل الشيعة 7: 144 / الباب 12 من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث الثالث.
5) ـ وسائل الشيعة 7: 141 / الباب العاشر من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث الثامن.
فلاتدلّ على الجواز مطلقا بتقريب احتمال أنّه عليهالسلام نوى صوم يوم عرفة في الموقف بالنذر. أو يقال باستثناء يوم عرفة كما استثنى ثلاثة أيّام في المدينة من عدم جواز الصوم في السفر.
قال في الجواهر: «و هل يصوم مندوبا؟ قيل و القائل الصدوقان و ابن البرّاج و ابن ادريس و غيرهم على ما حكي عن بعضهم: لايجوز، بل نسبه الأخير الى جملة المشيخة الفقهاء من أصحابنا المحصّلين، و قيل و القائل ابن حمزة: نعم يجوز بلا كراهة، و قيل و القائل الأكثر على ما في شرح الاصبهاني: يكره. انتهى».(1)
و أضاف صاحب الحدائق الى القائلين بعدم الجواز: الشيخ المفيد و سلاّر و قال بأنّ السيّد المرتضى لميتعرّض فيه لفتوى. و قد عرفت أدلّة الطرفين و ما هو الحقّ.
الاّ ثلاثة أيّام للحاجة في المدينة، و الأفضل اتيانها في الأربعاء و الخميس و الجمعة.
الشرح:
يستحبّ لمن أقام ثلاثة أيّام أو أكثر بالمدينة أنيصوم ثلاثة أيّام، و ذلك لصحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«ان كان لك مقام بالمدينة ثلاثة أيّام صمت أوّل يوم الأربعاء، و تصلّي ليلة الأربعاء عند أسطوانة أبي لبابة و هي أسطوانة التوبة التي كان ربط اليها نفسه حتّى نزل عذره من السماء، و تقعد عندها يوم الأربعاء، ثمّ تأتي ليلة الخميس التي تليها ما يلي مقام النبي صلىاللهعليهوآلهليلتك و يومك، و تصوم يوم الخميس ثمّ تأتي الأسطوانة التي تلي مقام
1) ـ جواهر الكلام 16: 338.
النبي صلىاللهعليهوآله و مصلاّه ليلة الجمعة فتصلّي عندها ليلتك و يومك و تصوم يوم الجمعة، و ان استطعت أن لاتتكلّم بشيء في هذه الأيّام الاّ ما لابدّ لك منه، و لاتخرج من المسجد الاّ لحاجة و لاتنام في ليل و لا نهار فافعل، فانّ ذلك ممّا يعدّ فيه الفضل. الحديث».(1)
ثمّ اعلم أنّ النصوص و ان وردت في هذه الأيّام الثلاثة بخصوصها، أي الأربعاء و الخميس و الجمعة، الاّ أنّ الظاهر منها استحباب صوم ثلاثة أيّام بالمدينة مطلقا، فانّ الظاهر من قوله عليهالسلام: «ان كان لك مقام بالمدينة ثلاثة أيّام» يتبادر استحباب الصوم مطلقا و ان لميكن أوّل يوم الاقامة يوم الأربعاء، نعم لو صادفت اقامته في هذه الأيّام الثلاثة بنحو كان أوّلها يوم الأربعاء أو تيسّر له الاقامة حتّى يصوم أوّل الثلاثة يوم الأربعاء كان أفضل.
و أمّا المسافر الجاهل بالحكم لو صام فيصحّ صومه و يجزئه حسبما عرفته في جاهل حكم الصلاة اذ الافطار كالقصر و الصيام كالتمام في الصلاة، لكن يشترط أنيبقى على جهله الى آخر النهار، و أمّا لو علم بالحكم في الأثناء فلايصحّ صومه، و أمّا الناسي فلايلحق بالجاهل في الصحّة ...
الشرح:
يصحّ صوم المسافر الجاهل بالحكم و يجزئه و ذلك لصحيحة عيص بن القاسم عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«من صام في السفر بجهالة لميقضه».(2)
و صحيحة ليث المرادي عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«اذا سافر الرجل في شهر رمضان أفطر، و ان صامه بجهالة لميقضه».(1)
و صحيحة عبدالرحمن بن أبي عبداللّه عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«سألته عن رجل صام شهر رمضان في السفر، فقال: ان كان لميبلغه أنّ رسول اللّه صلىاللهعليهوآله نهى عن ذلك فليس عليه القضاء و قد أجزأ عنه الصوم».(2)
و صحيحة عبيداللّه بن علي الحلبي، قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليهالسلام: رجل صام في السفر، فقال: ان كان بلغه أنّ رسول اللّه صلىاللهعليهوآلهنهى عن ذلك فعليه القضاء، و ان لميكن بلغه فلاشيء عليه».(3)
و لايعارض هذه الصحاح، اطلاق صحيح معاوية بن عمّار قال:
«سمعته يقول: اذا صام الرجل رمضان في السفر لميجزه و عليه الاعادة».(4)
و خبر الفضل بن شاذان عن الرضا عليهالسلام في كتابه الى المأمون قال:
«و اذا قصرت أفطرت، و من لميفطر لميجز عنه صومه في السفر و عليه القضاء لأنّه ليس عليه صوم في السفر».(5)
و ذلك لأنّهما يحملان على من صام في السفر عالما بالحكم، جمعا بينهما و بين ما تقدّم، بالاطلاق و التقييد.
قال في الجواهر: «و لو صام [المسافر] لميجزه مع العلم قطعا للنهي و غيره نعم
1) ـ وسائل الشيعة 7: 128 / الباب الثاني من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث السادس.
2) ـ وسائل الشيعة 7: 127 / الباب الثاني من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث الثاني.
3) ـ وسائل الشيعة 7: 127 / الباب الثاني من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث الثالث.
4) ـ وسائل الشيعة 7: 127 / الباب الثاني من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث الأوّل.
5) ـ وسائل الشيعة 7: 128 / الباب الثاني من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث الرابع.
يجزيه مع الجهل بكون السفر موجبا للافطار حتّى خرج الوقت بلا خلاف أجده فيه. انتهى».(1)
و هذا كما في الجاهل بحكم الصلاة، فانّه أيضا لايقضي، كما سبق في كتاب الصلاة، لصحيحة زرارة و محمّد بن مسلم قالا:
«قلنا لأبي جعفر عليهالسلام: رجل صلّى في السفر أربعا أيعيد أم لا؟ قال: ان كان قرأت عليه آية التقصير و فسّرت له فصلّى أربعا أعاد، و ان لميكن قرأت عليه و لميعلمها فلا اعادة عليه».(2)
نعم لو صار المصلّي الجاهل بالقصر في السفر عالما بالحكم في الوقت أعاد الصلاة؛ لصحيحة العيص بن القاسم قال:
«سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن رجل صلّى و هو مسافر فأتمّ الصلاة، قال: ان كان في وقت فليعد، و ان كان الوقت قد مضى فلا».(3)
و هذا مختصّ بالصلاة و لايجري في الصوم فمن صام في السفر جاهلاً بالحكم ثمّ صار عالما في أثناء اليوم يبطل صومه فعليه القضاء، لأنّ الصوم لايتبعّض.
ثمّ اعلم أنّ من كان عالما بأصل الحكم و كان جاهلاً بخصوصيّاته، كمن لايعلم بأنّ المسافر اذا وصل الى حدّ الترخّص يجب عليه القصر و الافطار، فلميفطر حتّى غربت الشمس، فهذا يقضي صومه كما يقضي صلاته و قد تقدّم في كتاب الصلاة في المسألة الثالثة من أحكام صلاة المسافر شرح ذلك، و الآن نقول: الظاهر أنّ قوله عليهالسلام في صحيحة عبدالرحمن بن أبي عبداللّه المتقدّمة آنفا «ان كان لميبلغه أنّ رسول اللّه صلىاللهعليهوآله نهى عن ذلك فليس عليه القضاء و قد أجزأ عنه الصوم»
و كذا في صحيحة الحلبي: «ان كان بلغه أنّ رسول اللّه صلىاللهعليهوآله نهى عن ذلك فعليه القضاء و ان لميكن بلغه فلا شيء عليه» هو الجهل بأصل الحكم و أمّا ان كان صومه للجهل ببعض خصوصيّات أحكام المسافر مع علمه بأصل الحكم، فاطلاق قوله عليهالسلام: «ان كان بلغه أنّ رسول اللّه صلىاللهعليهوآله نهى عن ذلك فعليه القضاء» يشمله.
و أمّا ناسي الحكم فقد تقدّم أيضا في المسألة الثالثة من أحكام المسافر أنّه ان أتمّ صلاته ناسيا فان تذكّر في الوقت أعاد، و ان تذكّر خارجه لميُعِد و ذلك لصحيحة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«سألته عن الرجل ينسى فيصلّي في السفر أربع ركعات، قال: ان ذكر في ذلك اليوم فليعد، و ان لميذكر حتّى يمضي ذلك اليوم فلا اعادة عليه».(1)
و أمّا في الصوم فليس عليه دليل فيشمله اطلاقات عدم صحّة الصوم في السفر فيجب عليه القضاء مطلقا أي سواء تذكّر في الوقت أو في خارجه.
قال في الجواهر: «فلاحظ و تأمّل [في النصوص] كي تعلم أنّ المتّجه الاقتصار فيما خالف الأصل على المتيقّن من النصّ و الفتوى، فلايلحق حينئذٍ بجاهل الحكم ناسيه و ان حكي عن بعضهم ذلك للاشتراك في العذر، و مرجعه الى القياس المعلوم بطلانه عندنا، فيجب عليه القضاء حينئذٍ، و من الغريب ما في المسالك من أنّ الناسي هنا كالجاهل و ان افترقا في الصلاة، اذ لايتصوّر اعادة الناسي هنا في الوقت اذا كان مراده أنّه مثله في المعذوريّة المزبورة، ضرورة عدم اقتضاء تصوّره ذلك، بل أقصاه أنّه يتعيّن عليه القضاء لو لميذكر حتّى خرج الوقت، و يجب عليه الافطار مع ذلك لو تذكّر قبله كالجاهل الذي يعلم في الأثناء، فانّه لا اشكال في وجوبهما عليه. انتهى».(2)
و كذا يصحّ الصوم من المسافر اذا سافر بعد الزوال، كما أنّه يصحّ صومه اذا لميقصّر في صلاته كناوي الاقامة عشرة أيّام، و المتردّد ثلاثين يوما و كثير السفر، و العاصي بسفره و غيرهم ممّن تقدّم تفصيلاً في كتاب الصلاة.
الشرح:
اختلف الفقهاء في الوقت الموجب للافطار في حقّ المسافر الصائم على أقوال؛ منها: ما ذهب اليه المفيد و الاسكافي و أبو الصلاح و العلاّمة في أكثر كتبه و الشهيدان و غيرهم، من القول بأنّه ان خرج قبل الزوال يفطر و ان خرج بعده صام سواء كان مبيّتا للسفر أم لميكن، الاّ أنّ أبا الصلاح أوجب الامساك تعبّدا مع القضاء لو خرج بعد الزوال.
و منها: ما ذهب اليه الشيخ في النهاية و ابن حمزة و ابن البرّاج و المحقّق في المعتبر و النافع و التلخيص من القول باعتبار تبييت النيّة للسفر، فان كان قدبيّت نيّة السفر من الليل وجب عليه الافطار و لو خرج بعد الزوال، و ان لميبيّت نيّة السفر ليلاً لميفطر و ان خرج قبل الزوال.
و منها: ما ذهب اليه السيّد المرتضى و ابن بابويه و ابن أبي عقيل من القول بأنّ شروط السفر الذي يوجب الافطار و لايجوز معها صوم شهر رمضان في المسافة و الصفة و غير ذلك، هي الشروط التي ذكرناها في كتاب الصلاة الموجبة لقصرها.
هذا الذي ذكر من الأقوال خلاصة ما في المختلف(1)و الجواهر(2)و الحدائق(3).
و السبب في اختلاف هذه الأقوال هو اختلاف الأخبار في المسألة.
و الحقّ ما ذهب اليه المفيد و معظم فقهائنا من صحّة صوم المسافر اذا سافر بعد الزوال و عدم صحّته اذا سافر قبل الزوال من غير اعتبار تبييت نيّة السفر. و الدليل على ذلك أخبار معتبرة؛ منها: صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليهالسلامأنّه سئل عن الرجل يخرج من بيته و هو يريد السفر و هو صائم، قال:
«فقال: ان خرج من قبل أنينتصف النهار فليفطر وليقض ذلك اليوم، و ان خرج بعد الزوال فليتمّ يومه».(1)
و منها: صحيحة عبيد بن زرارة عن أبي عبداللّه عليهالسلام في الرجل يسافر في شهر رمضان يصوم أو يفطر؟ قال:
«ان خرج قبل الزوال فليفطر، و ان خرج بعد الزوال فليصم، فقال: يعرف ذلك بقول علي عليهالسلام: «أصوم و أفطر حتّى اذا زالت الشمس عزم علي» يعني الصيام».(2)
و منها: موثّقة عبيد بن زرارة عن أبي عبداللّه عليهالسلامقال:
«اذا خرج الرجل في شهر رمضان بعد الزوال أتمّ الصيام فاذا خرج قبل الزوال أفطر».(3)
و منها: صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«اذا سافر الرجل في شهر رمضان فخرج بعد نصف النهار فعليه صيام ذلك اليوم، و يعتدّ به من شهر رمضان. الحديث».(4)
و استدلّ القائل باعتبار تبييت النيّة في الافطار و عدمه بروايات؛ منها: رواية علي بن أحمد بن أشيم عن سليمان بن جعفر الجعفري قال:
1) ـ وسائل الشيعة 7: 131 / الباب الخامس من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث الثاني.
2) ـ وسائل الشيعة 7: 132 / الباب الخامس من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث الثالث.
3) ـ وسائل الشيعة 7: 132 / الباب الخامس من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث الرابع.
4) ـ وسائل الشيعة 7: 131 / الباب الخامس من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث الأوّل.
«سألت أباالحسن الرضا عليهالسلامعن الرجل ينوي السفر في شهر رمضان فيخرج من أهله بعد ما يصبح، فقال: اذا أصبح في أهله فقد وجب عليه صيام ذلك اليوم الاّ أنيدلج دلجة».(1)
و منها: خبر أيوب بن نوح عن محمّد بن حمزة عن علي بن يقطين عن أبيالحسن موسى عليهالسلام في الرجل يسافر في شهر رمضان أيفطر في منزله؟ قال:
«اذا حدّث نفسه في الليل بالسفر أفطر اذا خرج من منزله، و ان لميحدّث نفسه من الليلة ثمّ بدا له في السفر من يومه أتمّ صومه».(2)
و منها: مرسلة ابراهيم بن هاشم عن صفوان عن الرضا عليهالسلام في حديث قال:
«لو أنّه خرج من منزله يريد النهروان ذاهبا و جائيا لكان عليه أنينوي من الليل سفرا و الافطار، فان هو أصبح و لمينو السفر فبدا له من بعد أنأصبح في السفر قصّر و لميفطر يومه ذلك».(3)
و منها: مرسلة صفوان بن يحيى عن أبي بصير قال:
«اذا خرجت بعد طلوع الفجر و لمتنو السفر من الليل فأتمّ الصوم و اعتدّ به من شهر رمضان».(4)
و منها: مرسلة سماعة و ابن مسكان عن أبي بصير قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليهالسلاميقول: اذا أردت السفر في شهر رمضان فنويت الخروج من الليل فان خرجت قبل الفجر أو بعده فأنت مفطر، و عليك قضاء ذلك اليوم».(5)
و فيه أوّلاً: أنّ الروايات كلّها ضعيفة من جهة السند فالأولى لعلي بن أحمد بن
1) ـ وسائل الشيعة 7: 132 / الباب الخامس من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث السادس.
2) ـ وسائل الشيعة 7: 133 / الباب الخامس من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث العاشر.
3) ـ وسائل الشيعة 7: 133 / الباب الخامس من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث 11.
4) ـ وسائل الشيعة 7: 133 / الباب الخامس من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث 12.
5) ـ وسائل الشيعة 7: 133 / الباب الخامس من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث 13.
أشيم، و الثانية لأيّوب بن نوح، و الثلاثة الأخر لارسالها، فلاتعارض ماتقدّم من الروايات المعتبرة بين الصحيحة و الموثّقة.
و ثانيا: امكان حملها على التقيّة في صورة المعارضة لما نقل صاحب الحدائق عن العلاّمة في المنتهى بموافقة هذه الأخبار لفتوى الجمهور، فانّه قال: «أمّا الجمهور فقد قال الشافعي اذا نوى المقيم الصوم قبل الفجر ثمّ خرج بعد الفجر مسافرا لميفطر يومه، و به قال أبوحنيفة و مالك و الأوزاعي و أبو ثور و اختاره النخعي و مكهول و الزهري. انتهى».(1)
و ثالثا: يمكن التوجيه في بعضها حتّى يرفع التنافي بينها و بين ما تقدّم، كما فعل ذلك في المختلف.
قال في المختلف: «و الجواب عن الحديث الأوّل [ ما رواه سليمان بن جعفر الجعفري] بعد صحّة السند، أنّه غير دالّ على المطلوب؛ لأنّه قد اشتمل على من نوى السفر من الليل، فأوجب عليه الصوم اذا أصبح في منزله، فان كان المراد أنّه خرج قبل الزوال، فهو غير مطلوب الشيخ، و ان كان المراد أنّه خرج بعد الزوال فهو مطلوبنا نحن. و هو الجواب عن الثاني [يعني خبر رفاعة قال: «سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن الرجل يعرض له السفر في شهر رمضان حين يصبح، قال: يتمّ صومه (يومه) ذلك».(2)] و عن الثالث [خبر علي بن يقطين المتقدّم ذكره] بضعف السند، و أيضا فانّه غير دالّ على التفصيل الذي ذكره الشيخ، بل على التبييت و عدمه، فكما حمل على الافطار مع التبييت اذا خرج قبل الزوال، و عدمه اذا خرج بعده، نحمله نحن على ذلك أيضا؛ بناءًا على كون الغالب أنّ من خرج قبل الزوال نوى من الليل، و ان خرج بعده لمينو، فذكر هذا القيد بناءًا على الغالب لا على أنّه علّة.
و رواية أبي بصير [المتقدّم ذكرها] مرسلة، و لميسندها أيضا الى امام، فليست بحجّة، مع احتمالها للتأويل؛ فانّ من خرج بعد الزوال يصدق عليه أنّه قد خرج بعد طلوع الفجر، فتحمل عليه، و هذان هما الجوابان عن روايتي سماعة [ و عن سماعة قال: «سألته عن الرجل كيف يصنع اذا أراد السفر؟ قال: اذا طلع الفجر و لميشخّص، فعليه صيام ذلك اليوم، فان خرج من أهله قبل طلوع الفجر فليفطر و لا صيام عليه».(1)و عن سماعة قال: «قال أبو عبداللّه عليهالسلام: من أراد السفر في رمضان فطلع الفجر و هو في أهله فعليه صيام ذلك اليوم اذا سافر لاينبغي له أنيفطر ذلك اليوم وحده، و ليس يفترق التقصير و الافطار، فمن قصّر فليفطر».(2)] انتهى».(3)
ثمّ اعلم أنّ التأويلات المذكورة في كلام العلاّمة بالنسبة الى بعض الروايات قريبة و حسن كجوابه رحمهالله عن خبر سليمان بن جعفر الجعفري، و بالنسبة الى بعضها بعيدة كاحتماله في رواية أبي بصير و روايتي سماعة.
ثمّ اعلم أيضا أنّ العلاّمة الخوئي ذهب الى ما ذهب اليه الشيخ في المبسوط من التفصيل بين ما قبل الزوال و ما بعده و أنّه في الأوّل يحكم بالافطار بشرط التبييت، و في الثاني بالصيام مطلقا. و استدلّ لقوله بالجمع بين الطائفتين من الروايات، ثمّ قال في وجه الجمع بينهما بـ : «أنّ الأولى منهما جعلت اعتبار الافطار بقبل الزوال سواء بيّت النيّة أم لا، و الثانية منهما بالتبييت كان قبل الزوال أم بعده، فترفع اليد عن اطلاق الطائفة الأولى الناطقة بالافطار لو سافر قبل الزوال و تحمل على ما لو كان مبيّتا للنيّة بقرينة الثانية، كما أنّه يرفع اليد عن اطلاق الطائفة الثانية الناطقة بالافطار في صورة التبييت مطلقا و ان سافر بعد الزوال و تحمل على ما قبل الزوال بقرينة الأولى. ثمّ ذكر أنّ الشاهد على هذا الجمع صحيحة رفاعة اذ
قال: «سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن الرجل يعرض له السفر في شهر رمضان حين يصبح، قال: يتمّ صومه (يومه) ذلك».»(1)
فانّ قوله «يعرض» ظاهر في عروض السفر و حدوث العزم عليه من غير سبق النيّة، فتكون هذه الصحيحة كاشفة عن الطائفة الثانية المتضمّنة للتفصيل بين التبييت و عدمه ناظرة الى هذا المورد أعني ما قبل الزوال، فيكون الحكم بالصيام لو سافر بعد الزوال الذي تضمّنته الطائفة الأولى سليما عن المعارض.
ثمّ قال: «نعم يتوقّف ذلك على رواية الصحيحة بلفظ «حين يصبح» لا «حتّى يصبح». [ثمّ قال:] في وجه صحّة لفظ «حين يصبح» بأنّه من طريق الفيض رحمهالله الى التهذيب و انّ طريق الفيض الى التهذيب معتبر و الثاني غلط لعدم انسجام العبارة حينئذٍ ضرورة أنّ من خرج قبل الفجر حتّى أصبح و هو مسافر فلا خلاف و لا اشكال في وجوب الافطار عليه و عدم جواز الصوم حينئذٍ مورد للاتّفاق، فكيف يحكم عليهالسلامبأنّه يتمّ صومه؟! فهذه النسخة غير قابلة للتصديق بتاتا. انتهى ملخّصا».(2)
و مراده من الطائفة الثانية خبر علي بن يقطين المتقدّم حيث عبّر عنه بالموثّقة، فانّه روى عن أبي الحسن عليهالسلام في الرجل يسافر في شهر رمضان أيفطر في منزله؟
قال:
«اذا حدّث نفسه في الليل بالسفر أفطر اذا خرج من منزله، و ان لميحدّث نفسه من الليلة ثمّ بدا له السفر من يومه أتمّ صومه».(3)
أقول:
في كلامه رحمهالله مواقع للنظر، منها: انّ هناك ثلاث صحاحٍ مضافا الى موثّقة عبيد بن زرارة و الامام عليهالسلام في كلّها بصدد بيان الحكم و لميتعرّض في إحديها لاعتبار حديث النفس في الليل بالسفر الى أنجاء زمان الامام موسى الكاظم عليهالسلامفذكر حديث النفس في الليل، أفلايكون من تأخير البيان عن وقت الحاجة لو كان حديث النفس دخيلاً في الافطار و عدمه في عدمه؟
و منها: يحتمل في خبر علي بن يقطين ما يحتمله العلاّمة من أنّ تبييت النيّة بالسفر قيد غالبي لئلاّيكون من تأخير البيان عن وقت الحاجة.
و منها: انّ الطائفتين من الأخبار متعارضتان غير قابلتين للجمع العرفي، فانّ الطائفة الأولى ناطقة بأنّ السفر قبل الزوال موجب للافطار سواء حدّث نفسه في الليل بالسفر أم لميحدّث، و المسافر بعد الزوال يتمّ صومه سواء حدّث نفسه أم لميحدّث. و الطائفة الثانية ناطقة بأنّ المسافر اذا حدّث نفسه في الليل بالسفر أفطر، و ان لميحدّث نفسه في الليل ثمّ بدا له السفر من يومه أتمّ صومه، سواء كان ذلك السفر قبل الزوال أو بعده. و ما ذكره رحمهالله من الجمع لايساعده العرف و ان لميكن من ناحية العقل مستحيلاً. و ما ذكره شاهدا للجمع، لايكون شاهدا بالصراحة، مضافا الى احتمال أنيكون قوله عليهالسلام في الصحيحة «حتّى يصبح» لا «حين يصبح» فاذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال.
«السادس»: عدم المرض أو الرمد الذي يضرّه الصوم لايجابه شدّته أو طول برئه أو شدّة ألمه أو نحو ذلك سواء حصل اليقين بذلك، أو الظنّ، بل أو الاحتمال الموجب للخوف بل لو خاف الصحيح من حدوث المرض لميصحّ منه.
الشرح:
السادس من شرائط صحّة الصوم أن لايكون مريضا يضرّه الصوم. و الدليل على ذلك: الكتاب و السنّة و الاجماع.
فمن الكتاب: قوله تعالى: و من كان مريضا أو على سفر فعدّة من أيّام أخر(1). فالظاهر من الآية أنّ تكليف الصوم مرفوع عن المريض و المسافر، فلايكون للمريض و المسافر حكم وجوب الصوم. و قد ورد في مرسلة ابن أبي عمير عن أبيعبداللّه عليهالسلام قال:
«سمعته يقول: قال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله: انّ اللّه عزّوجلّ تصدّق على مرضى أمّتي و مسافريها بالتقصير و الافطار أيسرّ أحدكم اذا تصدّق بصدقة أن تردّ عليه».(2)
و في رواية الزهري عن علي بن الحسين عليهالسلام في حديث قال:
«و أمّا صوم السفر و المرض فانّ العامّة قد اختلفت في ذلك فقال قوم: يصوم، و قال آخرون: لايصوم، و قال قوم: ان شاء صام و ان شاء أفطر، و أمّا نحن فنقول: يفطر في الحالين جميعا فان صام في حال السفر أو في حال المرض فعليه القضاء، فانّ اللّه عزّوجلّ يقول: فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدّة من أيّام أخر(3)فهذا تفسير الصيام».(4)
و أمّا السنّة: مضافا الى ما تقدّم في تفسير الآية، فموثّقة سماعة قال:
«سألته: ما حدّ المرض الذي يجب على صاحبه فيه الافطار كما يجب عليه في السفر «من كان مريضا أو على سفر»؟ قال: هو
مؤتمن عليه مفوّض اليه، فان وجد ضعفا فليفطر، و ان وجد قوّة فليصمه كان المرض ما كان».(1)
ففي هذه الموثّقة أوجب الافطار على المريض فلو خالف و صام فعل حراما و لميصحّ منه الصوم.
و أمّا الاجماع: فقال في الجواهر: «ضرورة عدم جواز الصوم للمريض الذي يتضرّر بالصوم بزيادة مرضه، أو بطوء برئه أو حدوث مرض آخر أو مشقّة لاتتحمّل أو نحو ذلك، و انّه اذا تكلّفه مع ذلك لميجزه، بل كان آثما بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه».(2)
و قال في الحدائق: «و أمّا انّه لايصحّ من المريض مع التضرّر به فهو ممّا لا خلاف فيه نصّا و فتوىً فيما أعلم. انتهى».(3)
ثمّ اعلم أنّ المرض الذي يجب فيه الافطار ما يتضرّر صاحبه لو صام، بزيادة أو بطوء برئه أو حدوث مرض. و الدليل على ذلك مضافا الى ما تقدّم آنفا من الجواهر و الحدائق من أنّ معقد الاجماع المرض الذي يتضرّر صاحبه بالصوم، صحيحة حريز عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«الصائم اذا خاف على عينيه من الرمد أفطر».(4)
و مرسلة الصدوق قال:
«و قال عليهالسلام: كلّ ما أضرّ به الصوم فالافطار له واجب».(5)
الوافي 11 : 301 / رقم 10910 - 10.
و تقريب الاستدلال بالصحيحة أنّه عليهالسلام جعل مناط الافطار الخوف. و مثّل بالرمدفي العين الذي يكون من مصاديق الضرر، و لايطلق عليه المرض غالبا. فيستفاد من قوله عليهالسلام في الصحيحة أوّلاً أنّ مناط جواز الافطار مطلق الضرر و من مصاديقه المرض الذي يتضرّر صاحبه بالصوم. و ثانيا لايلزم أنيكون ذلك المرض أو الضرر بالفعل بل يكفي خوف حدوثه، فمن مصاديقه احتمال حدوث المرض أو زيادته أو بطوء برئه. و تؤيّد هذا التقريب مرسلة الصدوق المتقدّمة من أنّ «كلّ ما أضرّ به الصوم فالافطار له واجب».
و يدلّ على أنّ مناط الافطار اضرار الصوم نفسه أيضا الروايات الواردة في تعيين حدّ المرض الذي يفطر فيه صاحبه، فمن جملتها صحيحة عمر بن أذينة قال:
«كتبت الى أبي عبداللّه عليهالسلام أسأله: ما حدّ المرض الذي يفطر فيه صاحبه و المرض الذي يدع صاحبه الصلاة من قيام؟ قال: بل الانسان على نفسه بصيرة و قال: ذاك اليه هو أعلم بنفسه».(1)
فيفهم من الصحيحة أنّ موجب الافطار لايكون مطلق المرض، بل المرض الخاصّ و هو الذي يضرّ لصاحبه الصوم هذا مضافا الى انصراف المرض الى المرض الخاصّ، فالمفهوم العرفي من قوله تعالى: «و من كان مريضا أو على سفر فعدّة من أيّام أخر» لايكون مطلق المرض بل المرض الذي يكون الصوم مضرّا له. فمن كان مريضا و لميختلف الصوم و عدمه لحاله فيجب عليه الصوم.
فاتّضح ممّا مرّ آنفا أنّ تعيين حدّ المرض الذي يجب فيه الافطار مفوّض الى المكلّف فانّه مؤتمن، و هو أعلم بنفسه من غيره، ان قوي فليصمه و ان ضعف ضعفا يكون مضرّا له لايصمه. و لا فرق في الضرر بين أقسامه من كونه موجبا لشدّة المرض أو طول البرء أو شدّة الألم و نحو ذلك للاطلاق.
انّما الكلام في طريق احراز الضرر، و انّه هل يعتبر فيه اليقين أو يكفي الظنّ بل
1) ـ وسائل الشيعة 7: 157 / الباب 20 من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث الخامس.
الاحتمال، أو يكون احراز الضرر بالخوف الذي يعتني به العقلاء.
قال في الحدائق: «و المرجع في تحقّق الضرر الموجب للافطار، الظنّ الغالب سواء استند الى أمارة أو تجربة أو قول عارف و ان لميكن عدلاً. انتهى».(1)
قال في الجواهر: «و يكفيه الظنّ بالضرر قطعا من أمارة أو تجربة أو قول عارف أو نحو ذلك، بل قد يقوى الاكتفاء بالخوف الذي لايعتبر في صدقه عرفا حصول الظنّ، كما هو مقتضى تعليق الحكم على الخوف في اطلاق المحكي عن الأكثر. انتهى».(2)
قال الشيخ الأعظم: «ثمّ لا شكّ في ثبوت الحكم مع العلم بالضرر، و كذا مع الظنّ به للاجماع و لزوم الحرج لو لميعتبر، لأنّ الاقدام على ما يظنّ معه الضرر حرج عظيم. انتهى».(3)
و الظاهر من الروايات التي وردت في المقام احراز الضرر بالخوف، ففي صحيحة حريز عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«الصائم اذا خاف على عينيه من الرمد أفطر».(4)
و موثّقة عمّار عن أبي عبداللّه عليهالسلام في الرجل يصيبه العطاش حتّى يخاف على نفسه، قال:
«يشرب بقدر ما يمسك رمقه و لايشرب حتّى يروي».(5)
فتحصّل أنّه يكفي في جواز الافطار وجود الاحتمال الموجب للخوف بالضرر، و لايعتبر في الخوف حصول الظنّ، نعم يعتبر فيه كونه خوفا معتدّا به لا نحو الناشئ من الأوهام. فما عن شرح اللمعة من التصريح بعدم الاكتفاء
بالاحتمال، لثبوت التكليف و عدم العلم بالمسقط. ففيه: انّه لا مجال للرجوع الى الأصل مع الدليل. و التشكيك في صدق الخوف مع الاحتمال في غير محلّه لصدقه بمجرّد الاحتمال المعتدّ به، و الشاهد على ذلك العرف.
و كذا اذا خاف من الضرر في نفسه أو غيره، أو عرضه، أو عرض غيره، أو في مال يجب حفظه و كان وجوبه أهمّ في نظر الشارع من وجوب الصوم، و كذا اذا زاحمه واجب آخر أهمّ منه.
الشرح:
قد تقدّم أنّ مناط جواز الافطار المرض المضرّ بالنفس لا مطلق المرض بل المدار مطلق الضرر، فهو المستفاد من الأخبار المتقدّم ذكرها، كصحيحة حريز و غيرها، فذكر المريض في الآية المباركة لأنّه الفرد الغالب ممّن يضرّه الصوم.
أضف الى ما تقدّم، موثّقة عمّار بن موسى عن أبي عبداللّه عليهالسلام في الرجل يجد في رأسه وجعا من صداع شديد هل يجوز له الافطار؟ قال:
«اذا صدع صداعا شديدا و اذا حمّ حمّىً شديدة، و اذا رمدت عيناه رمدا شديدا فقد حلّ له الافطار».(1)
فلايقال لمن ابتُلي بالصداع الضعيف الموقّت الذي يزول و لو بعد يوم أو يومين انّه مريض و كذا الحمّى الضعيفة الموقّتة أو الرمد الضعيف في العين.
ثمّ اعلم أنّه لو صام المريض الذي يتضرّر به الصوم يقينا أو ظنّا أو احتمالاً بحيث يوجب الخوف، أو كان صحيحا و خاف من حدوث المرض لميصحّ منه الصوم بل فعل فعلاً حراما كما تقدّمت الاشارة اليه، و لاتعارض ذلك رواية عقبة بن خالد عن أبي عبداللّه عليهالسلام عن رجل صام شهر رمضان و هو مريض، قال:
1) ـ وسائل الشيعة 7: 157 / الباب 20 من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث السادس.
«يتمّ صومه و لايعيد يجزيه».(1)
لضعف سندها بمحمّد بن عبداللّه بن هلال، و عقبة بن خالد و كِلاهما مجهولان، و امكان حملها على من لميضرّ الصوم به كما صنعه الشيخ و غيره. مضافا الى مخالفتها لظاهر الكتاب و الروايات المعتبرة الصريحة في عدم الصحّة فلابدّ من طرحها.
اذا توقّف حفظ نفس محترمة أو عرضه أو عرض غيره من المؤمنين أو ماله أو مال غيره على الافطار بحيث لو صام خاف من الضرر بغيره أو عرض نفسه أو عرض غيره أو ماله أو مال غيره، فهل يجب عليه الافطار و على فرض وجوب الافطار فان صام فهل يبطل صومه؟
الظاهر أنّ المسألة من مسائل باب التزاحم لأنّ المكلّف قد وجب عليه الصوم في شهر رمضان و وجب عليه أيضا حفظ النفس المحترمة فتداخل التكليفان، فتزاحما في مرحلة الامتثال و حيث انّه لايتمكّن من امتثالهما معا فلميرد الشارع منه الاّ واحدا منهما، فاذا كان أحدهما أهمّ من الآخر في نظر الشارع فنحكم بتعيّن وجوبه و فيما نحن فيه فقد علمنا من الدليل أنّ حفظ النفس المحترمة أهمّ من الصوم و كذا حفظ عرضه و عرض غيره من المؤمنين، و علمنا أيضا أنّ الشارع لايرضى بتلف المال اذا كان معتدّا به سواء كان منه أو من غيره، فحفظ المال في نظر الشارع أهمّ من الصوم و كذا حفظ النفس و العرض فيجب عليه الافطار حينئذٍ.
1) ـ وسائل الشيعة 7: 160 / الباب 22 من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث الثاني.
ثمّ اعلم أنّ في احراز التزاحم تفصيلاً تارة يكون الواجب المزاحم الأهمّ من قبيل حفظ النفس المحترمة و عرضها و مالها، منه أو من غيره، فيكفي فيها خوف الضرر ان لميفطر لأنّ الواجب عليه حينئذٍ الحفظ، فمن صام و هو خائف من الضرر بالنفس أو العرض أو المال لميأت بالواجب الأهمّ أي الحفظ و لميكن ممتثلاً للأمر الوارد على عنوان الحفظ. و أخرى يكون الواجب الأهمّ من الواجبات الأخر كالانفاق على العائلة أو ترك المحرّمات، ففي هذه الصورة لايكفي الخوف لاحراز التزاحم بل يلزم العلم أو الظنّ المعتبر، اذ الصوم واجب و لايكاد يرتفع وجوبه الاّ بالتعجيز الحاصل من قبل المولى الذي لايتحقّق الاّ بالتكليف المنجز دون المحتمل.
انّما الكلام فيما لو عصى فترك الواجب الأهمّ و صام فهل يحكم بصحّته أو لا؟ ظاهر كلام الماتن حيث ذكر عدم الابتلاء بالمزاحم الأهمّ في شرائط الصحّة كعدم المرض و السفر هو البطلان. فعدم الابتلاء بالمزاحم الأهمّ عنده شرط في الوجوب و الصحّة معا لا في الوجوب فقط. و هذا منه مبنى على عدم جريان الترتّب و انكاره، و يكفي في البطلان عدم تعلّق الأمر بالصوم، اذ الأمر بالشيء يقتضي عدم الأمر بضدّه لا محالة، و لايتوقّف ذلك على دعوى اقتضائه للنهي عن الضدّ و لا على دعوى مقدّميّة ترك أحد الضدّين لوجود الضدّ الآخر، بل يكفي في المقام مجرّد عدم الأمر المستلزم لعدم احراز الملاك أيضا، اذ لا كاشف عنه من غير ناحية الأمر و المفروض عدمه، فلايمكن تصحيح العبادة.
و أمّا بناءًا على امكان الترتّب و صحّته كما هو الحقّ نلتزم بصحّة الواجب المهمّ ان عصى و ترك الواجب الأهمّ و أتى بالواجب المهمّ. و لا بأس بالاشارة الى دليل الترتّب على ما في المحاضرات من تقريرات أبحاث الأصول للعلاّمة الخوئي رحمهالله: «فانّ امكان تعلّق الأمر بالضدّين على طريق الترتّب كافٍ لوقوعه في الخارج فلايحتاج وقوعه الى دليل آخر. و الوجه في ذلك هو أنّ تعلّق الأمر
بالمتزاحمين فعلاً على وجه الاطلاق غير معقول، لأنّه تكليف بما لايطاق و هو محال، ضرورة استحالة الأمر بازالة النجاسة عن المسجد و الصلاة معا في آخر الوقت، بحيث لايقدر المكلّف الاّ على اتيان احداهما. ولكن هذا المحذور أي لزوم التكليف بالمحال كما يندفع برفع اليد عن أصل الأمر بالواجب المهمّ سواء أتى بالأهمّ أم لا كذلك يندفع برفع اليد عن اطلاق الأمر به، اذن يدور الأمر بين أنترفع اليد عن أصل الأمر بالمهمّ على تقدير امتثال الأمر بالأهمّ، و على تقدير عصيانه، و بين أنترفع اليد عن اطلاقه ـ لا عن أصله ـ يعني على تقدير امتثال الأمر بالأهمّ فقط لا على تقدير عصيانه. و من الواضح جدّا أنّ المحذور في كلّ مورد اذا كان قابلاً للدفع برفع اليد عن اطلاق الأمر فلاموجب لرفع اليد عن أصله، فانّه بلا مقتضٍ و هو غير جائز. و في المقام بما أنّ المحذور يندفع برفع اليد عن اطلاق الأمر بالمهمّ فلا مقتضى لرفع اليد عن أصله أصلاً، اذ الضرورة تتقدّر بقدرها و هي لاتقتضي أزيَد من رفع اليد عن اطلاقه. و عليه فالالتزام بسقوط الأمر عنه رأسا بلا مقتضٍ و سبب و هو غير ممكن.
و بتعبير ثانٍ انّ المكلّف لايخلو من أنيكون عاصيا للأمر بالأهمّ أو مطيعا له و لا ثالث، و سقوط الأمر بالمهمّ على الفرض الثاني و هو فرض اطاعة الأمر بالأهمّ واضح و الاّ لزم المحذور المتقدّم. و أمّا سقوطه على الفرض الأوّل و هو فرض عصيان الأمر بالأهمّ و عدم الاتيان بمتعلّقه فهو بلا سبب يقتضيه، فانّ محذور لزوم التكليف بما لايطاق يندفع بالالتزام بالسقوط على فرض الاطاعة والامتثال، فلا وجه للالتزام بسقوطه على الاطلاق. انتهى».(1)
و لايكفي الضعف و ان كان مفرطا مادام يتحمّل عادة، نعم لو كان ممّا لايتحمّل عادة جاز الافطار.
1) ـ محاضرات في أصول الفقه 3: 94.
الشرح:
قد تقدّم أنّ المريض و المسافر قد رفع عنهما وجوب الصوم بل لايصحّ منهما لقوله تعالى: فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدّة من أيّام أخر(1)فلو صاما لميقبل منهما و يجب عليهما القضاء لظاهر الآية المباركة و الروايات التي تقدّمت. و تقدّم أيضا أنّ المريض الذي وضع عنه الصوم هو الذي يتضرّر به الصوم. فلو لميكن الصوم مضرّا له من حيث حدوث المرض أو بطوء برئه أو شدّته يجب له الصوم، فما هو مجوّز للافطار عنوان الضرر بالصوم، فما كان من نحو الضعف الذي لايطلق عليه الضرر أو المرض المضرّ لايوجب الافطار، مضافا الى أنّ الضعف من خواصّ الصوم و ان كان مفرطا. نعم لو كان ضعفه هذا موجبا لخوفه من حدوث المرض يفطر. و كذا لو كان ضعفه ممّا لايتحمّل عادة بأن بلغ حدّ الحرج يفطر أيضا بمقتضى دليل نفي الحرج، و لقوله تعالى: و على الذين يطيقونه فدية طعام مسكين(2)ففي صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليهالسلام في قول اللّه عزّوجلّ: و على الذين يطيقونه فدية طعام مسكين قال:
«الشيخ الكبير و الذي يأخذه العطاش».(3)
فمن هذه الصحيحة المفسّرة للآية يفهم أنّ معنى الاطاقة هو اعمال القدرة في شدّة المساوق للحرج الغالب حصوله في الشيخ و الشيخة، كما قاله بعض.
و تؤيّده بل تدلّ عليه موثّقة سماعة قال:
«سألته: ما حدّ المرض الذي يجب على صاحبه فيه الافطار كما يجب عليه في السفر «من كان مريضا أو على سفر»؟ قال: هو مؤتمن عليه مفوّض اليه، فان وجد ضعفا فليفطر، و ان وجد قوّةً
فليصمه كان المرض ما كان».(1)
و تقريب الاستدلال بالموثّقة أنّ الراوي سأل عن حدّ المرض الموجب للافطار، و حيث انّ مورد السؤال المريض، فالمعنى المناسب من الضعف هيهنا تشديد المرض أو الضعف الذي يوجب له حرجا و مشقّة شديدة كما هو الغالب في المريض. فمعنى الرواية يكون هكذا: المريض يرجع الى نفسه فان رأى لنفسه قوّةً و طاقةً للصوم فليصمه و ان لميجد لها قوّة فلايصمه.
و لو صام بزعم عدم الضرر فبان الخلاف بعد الفراغ من الصوم ففي الصحّة اشكال فلايترك الاحتياط بالقضاء.
الشرح:
لو صام بزعم عدم الضرر فبان الخلاف بعد الفراغ من الصوم فلايصحّ صومه و عليه القضاء، و ذلك لما تقدّم من أنّ المستفاد من الآية الشريفة «و من كان مريضا أو على سفر فعدّة من أيّام أخر» أنّ الصوم وضع عن المريض و المسافر، و خرج المريض و المسافر بهذه الآية عن حكم الصوم، فوجب عليهما القضاء «فعدّة من أيّام أخر»فالحكم مختصّ بمن كان صحيحا أو حاضرا.
نعم المسافر الجاهل بالحكم اذا صام أو أتمّ صلاته فلايقضي و ذلك للنصّ، و أمّا الجاهل بالموضوع فليس كالجاهل بالحكم. و من المعلوم أنّه من صام بزعم عدم الضرر فبان الخلاف بعد الفراغ من الصوم، يكون جاهلاً بالموضوع فلادليل على صحّة صومه بعد وضعه عن المريض.
نعم لو قلنا بأنّ المورد من موارد باب التزاحم حيث انّ الصوم واجب و حفظ النفس واجب فتزاحم الحكمان فالواجب حفظ النفس لأهمّيّتها، الاّ أنّه لو صام و
1) ـ وسائل الشيعة 7: 156 / الباب 20 من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث الرابع.
ان كان عن عصيان صحّ صومه بناءًا على الترتّب. ولكن الظاهر أنّ المورد ليس من موارد باب التزاحم، بل من باب التخصيص كما قلنا. وكذا لايكون المورد من باب الحكومة بأن يقال انّ قاعدة لا ضرر حاكم على دليل وجوب الصوم الاّ أنّه منوط باحراز الضرر، فمن زعم عدم الضرر فلميحرز له الضرر فلايكون موضوعا لقاعدة الضرر فاذا صام صحّ صومه و ان بان الخلاف، لأنّ الدليل في المقام هو الآية و ظاهرها التخصيص.
قال في الجواهر: «لو صام بزعم عدم الضرر فبان خلافه، فيحتمل عدم الصحّة لعدم الأمر في الواقع و ان تخيّل هو الأمر، ضرورة كونه حينئذٍ كالحائض التي لمتعلم بحيضها، و المسافر الذي لميعلم بسفره، و دعوى أنّ الفساد هنا للنهي عن التضرّر بالنفس و ليس في الفرض، لتخيّل عدم الضرر، يدفعها منع كون الفساد لذلك، بل لظهور أدلّة المقام في اخراج هذا الموضوع عن الأوامر بل و ادخاله في المنفي عنه الصوم واقعا، و يحتمل الصحّة لتعليق الحكم في صحيح حريز على الخوف المفروض انتفاؤه، فيكون حينئذٍ مأمورا و الأمر يقتضي الاجزاء، و تعليقه في غيره على الضرر المنصرف الى الواقع لايجدي بعد الصحيح المزبور الذي هو بمنزلة المقيّد له، و يكون الحاصل حينئذٍ من المجموع أنّه اذا خاف الضرر وجب الافطار عليه، و لعلّ ذا لايخلو من قوّة. انتهى ملخّصا».(1)
و في قوله رحمهالله: «و يحتمل الصحّة لتعليق الحكم في صحيح حريز على الخوف المفروض انتفاؤه الخ» اشكال؛ لأنّ الامام عليهالسلام كان بصدد بيان ما يحرز به الافطار و ما لايحرز، و لميكن بصدد بيان الصحّة و عدمها و من المعلوم أنّ الصائم اذا لميخف على عينيه من الرمد يحرّم عليه الافطار ظاهرا، فأين هذا من أنّ صومه يكون صحيحا لو انكشف الخلاف و انكشف تضرّر الصوم به. فلميكن هناك أمر و لايستفاد من الصحيحة أمر بالصوم حتّى يكون مقيّدا للآية و مقيّدا لما علّق فيه
1) ـ جواهر الكلام 16: 347.
الافطار على الضرر الواقعي.
و اذا حكم الطبيب بأنّ الصوم مضرّ و علم المكلّف من نفسه عدم الضرر يصحّ صومه، و اذا حكم بعدم ضرره و علم المكلّف أو ظنّ كونه مضرّا وجب عليه تركه و لايصحّ منه.
الشرح:
قد تقدّم أنّ مناط جواز الافطار هو الضرر بالصوم و قلنا بأنّ الضرر كما يحرز بالعلم و الظنّ المعتبر كذلك يحرز بالظنّ المطلق أو الاحتمال الموجب للخوف لقوله عليهالسلامفي صحيحة حريز عن أبي عبداللّه عليهالسلام: «الصائم اذا خاف على عينيه من الرمد أفطر» فاذا حصل الخوف من أيّ طريق وجب الافطار. و ان كان ذلك من إخبار طبيب غير ثقة أو غيره. فلو لميحرز الضرر بالعلم أو الظنّ أو الاحتمال الموجب للخوف وجب الصوم و ان أخبره طبيب حاذق غير ثقة بأنّ الصوم مضرّ له. نعم لو أخبر الطبيب بالضرر و هو حاذق ثقة وجب اتّباعه لحجّيّة قول الثقة اذا كان من أهل الخبرة، الاّ اذا علم أو اطمأنّ بخطأه فحينئذٍ لايعتني بقوله.
(مسألة 1): يصحّ الصوم من النائم و لو في تمام النهار اذا سبقت منه النيّة في الليل، و أمّا اذا لمتسبق منه النيّة فان استمرّ نومه الى الزوال بطل صومه و وجب عليه القضاء اذا كان واجبا، و ان استيقظ قبله نوى و صحّ كما أنّه لو كان مندوبا و استيقظ قبل الغروب يصحّ اذا نوى.
الشرح:
الظاهر أنّه لا خلاف (كما في الحدائق) في أنّ النائم اذا سبقت منه النيّة و ان استمرّ نومه في جميع النهار فانّ صومه صحيح لتحقّق الصوم الذي هو عبارة عن
الامساك عن الأكل و الشرب و غيرهما مع النيّة.
قال في الجواهر: «و أمّا النائم فلا خلاف و لا اشكال في صحّة صومه اذا سبقت منه النيّة و لو استمرّ الى الليل بل الاجماع بقسميه عليه، بل لعلّه من الضروريّات المستغنية عن الاستدلال بالاجماع و الروايات. انتهى».(1)
و قال الشيخ الأعظم مرتضى الأنصاري: «ادّعى غير واحد الاتّفاق على صحّة صوم النائم اذا سبقت منه النيّة و ان استمرّ نومه في مجموع النهار. انتهى».(2)
و يدلّ عليه مضافا الى عدم الخلاف فيه روايات؛ منها خبر الحسن بن صدقة قال:
«قال أبو الحسن عليهالسلام: قيلوا فانّ اللّه يطعم الصائم و يسقيه في منامه».(3)
و منها: مرسلة محمّد بن محمّد المفيد في «المقنعة» قال:
«قال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله: نوم الصائم عبادة و نفسه تسبيح».(4)
و منها: مرسلة أخرى للمفيد قال:
«قال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله: الصائم في عبادة و ان كان نائما على فراشه ما لميغتب مسلما».(5)
و منها: خبر علي بن الحسن الفضّال عن أبيه عن الرضا عليهالسلام عن آبائه عن
علي عليهمالسلام قال:
«انّ رسول اللّه صلىاللهعليهوآله خطبنا ذات يوم، فقال: أيّها الناس انّه قد أقبل اليكم شهر اللّه ـ الى أنقال: ـ أنفاسكم فيه تسبيح و نومكم فيه عبادة.
الحديث».(1)
انّما الكلام فيما اذا لميكن مسبوقا بالنيّة. أمّا اذا كان الانتباه بعد الزوال فالظاهر أنّه لايصحّ و لايحتسب من رمضان و لا من قضائه.
قال في الجواهر: «لو لميعقد صومه بالنيّة مع وجوبه ثمّ طلع الفجر عليه نائما و استمرّ حتّى زالت الشمس فعليه القضاء، بلا خلاف و لا اشكال، لفساد الأداء بفوات النيّة التي هي شرط فيه، بل المتّجه بناءًا على ما قدّمناه سابقا وجوب الكفّارة عليه أيضا مع تعمّد الترك في صوم شهر رمضان مثلاً، خلافا لسيّد المدارك. انتهى».(2)
نعم قال الشيخ مرتضى الأنصاري: «و أمّا وجوب القضاء اذا فات بالنوم، و المراد به أن لايسبق النيّة من الشخص و يستمرّ نومه الى زمان يخرج وقت تدارك النيّة و هو ما قبل الزوال أو أزيد منه ـ على الخلاف ـ فهو ممّا لمأعثر على دليل عليه، و لايشمله أيضا اطلاق رواية ابن سنان المتقدّمة اذ لايصدق على هذا الشخص أنّه أفطر لعذر. انتهى».(3)
و مراده رحمهالله من رواية ابن سنان هو صحيحة ابن سنان يعني عبداللّه عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«من أفطر شيئا من شهر رمضان في عذر فان قضاه متتابعا فهو (كان) أفضل، و ان قضاه متفرّقا فحسن».(4)
أقول:
أمّا بالنسبة الى قضاء شهر رمضان، فتدلّ عليه موثّقة عمّار الساباطي عن أبي عبداللّه عليهالسلام عن الرجل يكون عليه أيّام من شهر رمضان و يريد أنيقضيها متى يريد أنينوي الصيام؟ قال:
«هو بالخيار الى أنتزول الشمس، فاذا زالت الشمس فان كان نوى الصوم فليصم و ان كان نوى الافطار فليفطر، سئل: فان كان نوى الافطار يستقيم أنينوي الصوم بعدما زالت الشمس؟ قال: لا. الحديث».(1)
و أمّا بالنسبة الى شهر رمضان فنقول: و ان لميرد نصّ فيمن نام قبل الفجر بدون النيّة و استمرّ نومه الى بعد الفجر الاّ أنّه يستفاد من نحو موثّقة عمّار المذكورة آنفا الواردة في قضاء شهر رمضان أنّ الشارع قد وسّع في نيّة الصوم مطلقا الى زوال الشمس، و يقرّب هذا المعنى ما ورد في صوم المسافر في شهر رمضان بأنّه ان رجع الى وطنه أو ورد في مكان يريد أنيقوم به عشرة أيّام قبل الزوال و لميأت بشيء من المفطرات فينوي الصوم.
ففي موثّقة سماعة عن أبي بصير قال:
«سألته عن الرجل يقدم من سفر في شهر رمضان، فقال: ان قدم قبل زوال الشمس فعليه صيام ذلك اليوم و يعتدّ به».(2)
أضف الى ذلك ما ورد فيمن لمينو الصوم حتّى ارتفع النهار فحكم الامام عليهالسلام بصحّة صومه ان نوى قبل الزوال كما في صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«قلت له: الرجل يصبح و لاينوي الصوم فاذا تعالى النهار حدث له رأيٌ في الصوم، فقال: ان هو نوى الصوم قبل أنتزول الشمس
حسب له يومه، و ان نواه بعد الزوال حسب له من الوقت الذي نوى».(1)
و لذلك قال المحقّق الهمداني: «أمّا لو نسيها (أي النيّة) ليلاً بأن غفل عن كون الغد رمضان أو أنّه يجب عليه صومه أو كان جاهلاً بموضوعه و كذا بحكمه على الأظهر، جدّدها أي أوقعها نهارا فيما بينه (أي الليل) و بين الزوال ـ الى أنقال: ـ و هذا ممّا لمينقل الخلاف فيه الاّ عن ظاهر ابن أبي عقيل ـ الى أنقال: ـ ولكنّه مخالف لما يظهر من كلمات الأصحاب من اتّفاقهم في الناسي على أنّه يجدّدها الى الزوال بل عن الغنية و ظاهر المعتبر و المنتهى و التذكرة دعوى الاجماع عليه. و يشهد له مضافا الى ما عرفت ما روي أنّ ليلة الشكّ أصبح الناس فجاء أعرابيّ الى النبي صلىاللهعليهوآله فشهد برؤية الهلال فأمر النبي صلىاللهعليهوآله مناديا ينادي: كلّ من لميأكل فليصم و من أكل فليمسك. فانّه كما يعمّ الشاكّ يعمّ الغافل و الجاهل ـ الى أنقال: ـ و ضعفه مجبور باشتهاره بين الأصحاب و اعتمادهم عليه. انتهى موضع الحاجة من كلامه ملخّصا».(2)
فتحصّل أنّ من نام قبل طلوع الفجر بدون النيّة و استمرّ نومه الى ما قبل الزوال و استيقظ و نوى الصوم قبله صحّ صومه مطلقا و أمّا لو استمرّ الى ما بعد الزوال فلايصحّ الاّ في الصوم المندوب للنصّ الدالّ عليه و لخلوّ صومه هذا من النيّة، و من المعلوم أنّ الصوم ليس صرف عدم فعل المفطر بل هو مع النيّة، و لا دليل على صحّته ان نوى بعد الزوال. و قد عرفت ادّعاء الاجماع في ذلك من صاحب الجواهر.
(مسألة 2): يصحّ الصوم و سائر العبادات من الصبي المميّز على الأقوى من
شرعيّة عباداته، و يستحبّ تمرينه عليها، بل التشديد عليه لسبع من غير فرق بين الذكر و الأنثى في ذلك كلّه.
الشرح:
يصحّ الصوم و سائر العبادات من الصبي المميّز على الأقوى من شرعيّة عباداته و ان لميجب عليه. و ذلك أوّلاً لحكم العقل بأنّ الصبي المميّز اذا فعل ما فيه الأجرة، يستحقّها، و لايكون مثل البهائم و فعله عاطل، فكما يحكم العقل بأنّ الصبي في أفعاله الحسنة يستحقّ الأجر و التشويق على المكلّفين و في أفعاله السيّئة يستحقّ التأديب، يحكم أيضا بأنّ اللّه تعالى بعدله و كرمه لايضيع عمل عامل من ذكر أو أنثى و يؤتيه الأجر و الثواب. و ثانيا لعموم ما ورد في الروايات من الأجر و الثواب على من فعل العمل الكذائي نحو من صام يوم كذا فله كذا، أو من صلّى ركعتين فله كذا و كذا، و لا معنى لتخصيص هذه الروايات بغير الصبي المميّز، و لايكون حديث رفع القلم عن الصبي حاكما على مثل هذه الروايات، نعم له الحكومة على أدلّة التكاليف بمعنى أنّه يفهم منه اجمالاً عدم تنجّزها عليه. و أمّا انّه غير مراد بها رأسا فيشكل استفادته منه. اذ المراد برفع القلم عنه قلم المؤاخذة بمعنى أنّ ما يصدر عنه من مخالفة الأحكام الشرعيّة من ترك الواجبات و فعل المحرّمات لايكتب عليه، الاّ أنّه يستحقّ التأديب عقلاً و لو فعل الواجبات و ترك المحرّمات يستحقّ الأجر عقلاً كما مرّ. و بهذا المعنى الذي ذكر في حديث رفع القلم عن الصبي يدفع ما قاله في مستند العروة في ردّ من استدلّ لشرعيّة عبادات الصبي المميّز باطلاقات الأدلّة بدعوى شمولها للصبيان و انّ حديث الرفع الذي هو في مقام الامتنان لايرفع الاّ الوجوب فيبقى الاستحباب على حاله، اذ لا منّة في رفعه.
قال في مستند العروة: «انّ المجعول و المكتوب و ما وضعه اللّه على عباده حكم وحداني بسيط، فاذا كان هذا المجعول مرفوعا عن الصبي و قلم الكتابة
مرفوعا عنه فبأيّ دليل يكتب الاستحباب و المشروعيّة. انتهى».(1)
و فيه: انّ المراد برفع القلم قلم المؤاخذة، مضافا الى أنّ ما قاله في مستند العروة يكون على مبناه من أنّ الوجوب يستفاد من حكم العقل و الأمر الوجوبي لايكون مركّبا.
و ثالثا يستفاد شرعيّة صوم الصبي و سائر عباداته من الروايات الواردة في أمر الأولياء بأمر الصبيان، فاذا أمر الامام عليهالسلام بأمر الولي صبيّه فكأنّ الامام عليهالسلام أمر الصبي بذلك، فهو المطلوب من ورود الأمر من الشارع على الصبيان فهذا معنى شرعيّة عباداته و صحّته.
ثم اعلم أنّه يستحبّ تمرين الصبي على الصوم اذا بلغ تسع سنين، و ذلك لصحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليهالسلامفي حديث قال:
«انّا نأمر صبياننا بالصيام اذا كانوا بني سبع سنين بما أطاقوا من صيام اليوم فان كان الى نصف النهار أو أكثر من ذلك أو أقلّ، فاذا غلبهم العطش و الغرث أفطروا حتّى يتعوّدوا الصوم و يطيقوه، فمُروا صبيانكم اذا كانوا بني تسع سنين بالصوم ما أطاقوا من صيام، فاذا غلبهم العطش أفطروا». (2)
و مرسلة الصدوق، قال:
«و قال الصادق عليهالسلام: الصبي يؤخذ بالصيام اذا بلغ تسع سنين على قدر ما يطيقه فان أطاق الى الظهر أو بعده صام الى ذلك الوقت، فاذا غلب عليه الجوع و العطش أفطر».(3)
و الظاهر أنّه لا خلاف بين الأصحاب في استحباب تمرين الصبي على الصوم
قبل البلوغ، و ان اختلفوا في مبدأه بين تسع سنين كما ذهب اليه الشيخ في النهاية، و بعد تمام سبع سنين كما نقل في المختلف عن الشيخ في المبسوط. و لعلّ من جعل التمرين بعد السبع أخذ بصدر صحيحة الحلبي و من أناطه بالتسع أخذ بعجزها.
ثمّ لايخفى أنّ مورد الصحيحة المتقدّمة و كذا غيرها انّما هو الصبي خاصّة الاّ أنّ الأصحاب (على ما قاله صاحب الحدائق) عمّموا الحكم في الصبي و الصبيّة فذكروهما معا، و علّلوه بأنّ المقتضى في الصبي موجود في الصبيّة. ولكنّه لايخلو من اشكال اذ (كما قاله الفاضل المذكور) من الجائز اختصاص الحكم بالصبي خاصّة.
هذا في الصوم و أمّا الصلاة فيستحبّ تمرين الصبي اذا بلغ سبع سنين و ذلك لصحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليهالسلام عن أبيه قال:
«انّا نأمر صبياننا بالصلاة اذا كانوا بني خمس سنين، فمروا صبيانكم بالصلاة اذا كانوا بني سبع سنين. الحديث».(1)
(مسألة 3): يشترط في صحّة الصوم المندوب مضافا الى ما ذكر أن لايكون عليه صوم واجب من قضاء أو نذر أو كفّارة أو نحوها مع التمكّن من أدائه.
الشرح:
يشترط في صحّة الصوم المندوب مضافا الى ما ذكر أن لايكون عليه قضاء شهر رمضان، و الدليل على ذلك، صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليهالسلام قال:
«سألته عن ركعتي الفجر، قال: قبل الفجر ـ الى أنقال: ـ أتريد أنتقائس، لو كان عليك من شهر رمضان أكنت تتطوّع اذا دخل
1) ـ وسائل الشيعة 3: 12 / الباب الثالث من أبواب أعداد الفرائض و نوافلها / الحديث الخامس.
عليك وقت الفريضة فابدأ بالفريضة».(1)
و صحيحة الحلبي قال:
«سألت أباعبداللّه عليهالسلام عن الرجل عليه من شهر رمضان طائفة أيتطوّع؟ فقال: لا حتّى يقضي ما عليه من شهر رمضان».(2)
و خبر أبي الصباح الكناني قال:
«سألت أباعبداللّه عليهالسلامعن رجل عليه من شهر رمضان أيّام، أيتطوّع؟ فقال: لا حتّى يقضي ما عليه من شهر رمضان».(3)
و الظاهر أنّه لا خلاف في ذلك (كما قال في الحدائق) الاّ من السيّد المرتضى فانّه قال: «و يجوز لمن عليه صيام من شهر رمضان أنيصوم نذرا عليه أو يصوم كفّارة لزمته، و لو صام نفلاً أيضا لجاز و ان كان مكروها. انتهى».(4)
هل يجوز التطوّع بالصوم لمن عليه غير قضاء شهر رمضان من نذر أو كفّارة أو نحوها أم لا؟
قال في الحدائق: «ظاهر الأكثر الثاني و نقل عن المرتضى رضىاللهعنه الجواز و اليه مال السيّد السند في المدارك محتجّا بالتمسّك بمقتضى الأصل، و هو كذلك فانّا لمنقف له على دليل يدلّ على المنع الاّ في ما اذا كان ذلك الواجب قضاء شهر رمضان. و هو ظاهر الكليني و الصدوق أيضا حيث ذكرا الحكم المذكور و
لميوردا الاّ خبري الحلبي و الكناني الواردين في قضاء شهر رمضان. انتهى».(1)
قال في الجواهر: «لايجوز التطوّع بشيء من الصيام لمن عليه صوم واجب قضاءًا كان أو غيره كما هو المشهور، لقول الصادق عليهالسلام في صحيح الحلبي و الكناني المروي في الوسائل عن الفقيه: «لايجوز أنيتطوّع الرجل بالصيام و عليه شيء من الفرض» المعتضد باطلاق النهي عن التطوّع لمن عليه شيء من الفرض، بل فيها عنه أيضا أنّه قال: «قد وردت بذلك الأخبار و الآثار، كما أنّ المحكي عنه في المقنع أنّه كذلك وجدته في كلّ الأحاديث..». انتهى».(2)
أقول:
و مراد صاحب الجواهر من قوله: «لقول الصادق عليهالسلام في صحيح الحلبي و الكناني المروي في الوسائل عن الفقيه الخ» هو مارواه في الوسائل هكذا:
محمّد بن علي بن الحسين باسناده عن الحلبي و باسناده عن أبي الصباح الكناني جميعا عن أبي عبداللّه عليهالسلام:
«انّه لايجوز أن يتطوّع الرجل بالصيام و عليه شيء من الفرض».(3)
قال: «و قدوردت بذلك الأخبار و الآثار عن الأئمّة عليهمالسلام».(4)
و في كتاب «المقنع» قال: «اعلم أنّه لايجوز أنيتطوّع الرجل و عليه شيء من الفرض، كذلك وجدته في كلّ الأحاديث».(5)
و أمّا ما جاء به في الفقيه هكذا: «وردت الأخبار و الآثار عن الأئمّة عليهالسلام أنّه لايجوز أنيتطوّع الرجل بالصيام و عليه شيء من الفرض و ممّن روى ذلك
الحلبي و أبو الصباح الكناني عن أبي عبداللّه عليهالسلام».(1)
ولكن قديشكل العمل بالرواية المرويّة في الفقيه لأنّ المظنون قويّا أنّ ما رواه الصدوق رحمهاللهعن الحلبي و أبي الصباح هو الروايتان المتقدّمتان في قضاء شهر رمضان المرويّتان في الوسائل عن الكافي و التهذيب، و فهم الصدوق رحمهاللهمنهما مطلق الفرض و نقل مضمونهما بقوله: «انّه لايجوز أنيتطوّع الرجل بالصيام و عليه شيء من الفرض».
و لايرد عليه ما قال في مستند العروة بأنّ المناقشة في غير محلّها، اذ الاحتمال المزبور من البعد بمكان، لتصريحه بأنّه وردت به الأخبار و الآثار، فكيف يمكن أنيقصد بهذا التعبير الذي هو بصيغة الجمع خصوص هاتين الروايتين المرويّتين في الكافي؟
و الذي يكشف كشفا قطعيّا عن عدم كونه ناظرا الى هاتين الروايتين أنّ طريق الصدوق الى الحلبي بجميع من في سلسلة السند مغاير مغايرة تامّة مع طريق الكليني اليه في تمام أفراد السند بحيث لايوجد شخص واحد مشترك بينهما، و معه كيف يمكن أنيريد به تلك الرواية المرويّة في الكافي. انتهى.(2)
فانّ في مناقشته اشكال: أمّا قوله: «لتصريحه بأنّه وردت به الأخبار الخ»، ففيه: انّ الروايات الواردة ثلاثة فهي صحيحتا زرارة و الحلبي و رواية أبي الصباح الكناني، مضافا الى الروايات الواردة في الصلاة في حكم من تطوّع في وقت الفريضة.
و أمّا قوله: «و الذي يكشف الخ»، ففيه: انّ سند الكليني الى الحلبي هكذا:
«محمّد بن يعقوب، عن علي بن ابراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن الحلبي قال: ...» و سند الصدوق الى الحلبي هكذا:
«محمّد بن علي بن بابويه عن أبيه و محمّد بن الحسن عن سعد بن عبداللّه، و الحميري جميعا عن أحمد و عبداللّه ابني محمّد بن عيسى، عن محمّد بن أبي عمير، عن حمّاد بن عثمان، عن عبيد اللّه بن علي الحلبي».
فقوله رحمهالله: «انّ طريق الصدوق الى الحلبي بجميع من في سلسلة السند مغاير مغايرة تامّة مع طريق الكليني اليه الخ»، كماترى! فتحصّل أنّ الجواز هو الأقوى.
و أمّا مع عدم التمكّن منه كما اذا كان مسافرا و قلنا بجواز الصوم المندوب في السفر، أو كان في المدينة و أراد صيام ثلاثة أيّام للحاجة فالأقوى صحّته.
الشرح:
بعدما تقدّم من عدم صحّة الصوم المندوب لمن عليه قضاء شهر رمضان فهل هو مختصّ بمن تمكّن من أداء ما عليه، أو يكون عدم جوازه مطلقا أي و ان لميتمكّن من أداء ما عليه؟
قال في الجواهر: «و في المدارك: «الظاهر أنّ المنع من التطوّع مع اشتغال الذمّة بالصوم الواجب عند من قال به انّما يتحقّق حيث يمكن فعله، فلو كان بحيث لايمكن كصوم شعبان ندبا لمن عليه كفّارة كبيرة جاز صومه» و قد تبع بذلك الشهيد في الدروس حيث قال: «و يشترط فيه كلّه أي صوم النفل خلوّ الذمّة عن صوم واجب يمكن فعله، فيجوز حيث لايمكن كشعبان لمن عليه كفّارة كبيرة و لميبق سواه» لكن فيه انّ الأدلّة مطلقة، و يمكن أنيكون المانع نفس اشتغال الذمّة بالواجب و ان كان غير متمكّن من أدائه لسفر و نحوه. انتهى».(1)
الظاهر أنّ الأقوى صحّة الصوم المندوب اذا لميتمكّن من أداء ما عليه من قضاء شهر رمضان أو مطلقا على القول الآخر، و ذلك لانصراف روايات الباب
1) ـ جواهر الكلام 17: 22.
عمّن لميتمكّن من أداء ما عليه من الواجب و ذلك لأنّ الامام عليهالسلام بصدد بيان ما هو مرتكز في الذهن من أهمّيّة الفرض المانعة من صلاحيّة التطوّع لمزاحمته، و لامجال لذلك مع عدم التمكّن منه. و عليه لو كان مسافرا و قلنا بصحّة الصوم المندوب في السفر يجوز له الصوم و ان كان قادرا على الاقامة، و كذا يجوز الصوم المندوب لو كان الواجب عليه صوم الكفّارة شهرين متتابعين و لميتمكّن من ذلك لحلول شهر رمضان، خلالهما المانع من حصول التتابع (بناءًا على عدم صحّة الصوم المندوب لمن عليه الفرض و ان لميكن من شهر رمضان).
و كذا اذا نسي الواجب و أتى بالمندوب فانّ الأقوى صحّته اذا تذكّر بعد الفراغ، و أمّا اذا تذكّر في الأثناء قطع و يجوز تجديد النيّة حينئذٍ للواجب مع بقاء محلّها كما اذا كان قبل الزوال.
الشرح:
اذا نسي الواجب و أتى بالمندوب فان تذكّر بعد الفراغ فالأقوى صحّته، و ذلك لماتقدّم من أنّ الظاهر من النهي في صحيحة الحلبي عن الصوم المندوب لمن عليه قضاء شهر رمضان، للاتيان بالفريضة قبل النافلة لأهمّيّة الفرض، فمن لميتمكّن من أداء الفريضة للسفر، أو للنسيان فلا موجب لبطلان صومه المندوب مادام ناسيا في الثاني و قلنا بجواز الصوم المندوب لمن كان مسافرا في الأوّل. نعم لو تذكّر في الأثناء و كان قبل الزوال قطع و يجدّد النيّة حينئذٍ للواجب مع بقاء محلّها، لما تقدّم من جواز نيّة قضاء شهر رمضان الى الزوال لمن لمتسبق منه النيّة قبل الفجر. و أمّا لوتذكّر بعد الزوال فحيث انّه لايتمكّن من تجديد النيّة لقضاء شهر رمضان فلامقتضى لبطلانه.
و لو نذر التطوّع على الاطلاق صحّ و ان كان عليه واجب، فيجوز أنيأتي
بالمنذور قبله بعدما صار واجبا، و كذا لو نذر أيّاما معيّنة يمكن اتيان الواجب قبلها، و أمّا لو نذر أيّاما معيّنة لايمكن اتيان الواجب قبلها ففي صحّته اشكال من أنّه بعد النذر يصير واجبا، و من أنّ التطوّع قبل الفريضة غير جائز فلايصحّ نذره و لايبعد أنيقال انّه لايجوز بوصف التطوّع و بالنذر يخرج عن الوصف و يكفي في رجحان متعلّق النذر رجحانه و لو بالنذر، و بعبارة أخرى المانع هو وصف الندب و بالنذر يرتفع المانع.
الشرح:
هل يجوز نذر التطوّع لمن عليه قضاء شهر رمضان أو مطلقا على القول الآخر؟
نذر التطوّع لمن عليه قضاء شهر رمضان على ثلاثة أقسام: فتارة ينذر التطوّع مطلقا و غير مقيّد بوقت خاصّ. و أخرى يقيّده بوقت يتمكّن من اتيان ما في ذمّته قبله. و ثالثة يقيّده بوقت لايتمكّن من اتيان ما في ذمّته قبله.
فالنذر في القسم الأوّل صحيح، و كذا القسم الثاني لعدم التنافي بينهما و عدم الدليل على الفساد. فحينئذٍ فهل يجوز له الاتيان بالمنذور قبل أداء ما عليه من الواجب؟ فنقول: أمّا بناءًا على أنّ النذر لايغيّر متعلّقه عمّا هو عليه من طبيعته من التطوّع و انّما الواجب هو الوفاء بالنذر و لايصير التطوّع واجبا، فواضح.
و أمّا بناءًا على أنّ متعلّق النذر يصير واجبا فلايبعد أنيقال بجواز الاتيان بالمنذور قبل أداء ما عليه من الواجب. فلو ضاق الوقت في القسم الثاني فعلى مبنى الآخر في النذر يجب الاتيان بالنذر قبل أداء ما في ذمّته من شهر رمضان لتزاحم الواجبين أحدهما مضيّق و الآخر موسّع. و كذا على القول بوجوب الوفاء بالنذر، لأنّ الظاهر انصراف صحيحة الحلبي عن هذا المورد.
و أمّا القسم الثالث أي اذا نذر صوم التطوّع و قيّده بوقت لايتمكّن من اتيان ما في ذمّته قبله، فالظاهر عدم انعقاد نذره لعدم رجحانه لأنّه تطوّع فلايجوز التطوّع
قبل أداء قضاء شهر رمضان. و ما ذهب اليه الماتن و توصّل لرفع المانع بالنذر في غير محلّه، لأنّ النذر لابدّ و أنيتعلّق بما هو راجح قبل النذر لا أنّه يصير راجحا بالنذر، و المفروض هيهنا أنّ صوم التطوّع مرجوح، لكونه منهيّا عنه قبل أداء الفرض.
ثم اعلم أنّ المصنّف اختار جواز الاتيان بالمنذور خارجا قبل تفريغ الذمّة عن الفريضة في القسمين الأوّلين، نظرا الى أنّه بعد فرض صحّة النذر فما يأتي به مصداق للمنذور الذي هو محكوم بالوجوب و ليس من التطوّع في شيء فلاتشمله الأدلّة الناهية عن التطوّع في وقت الفريضة. و استشكل عليه المستمسك بأنّه اذا لميجز التطوّع لمن عليه الفرض، فلايجوز أنيكون للمنذور اطلاق يشمله، بل يختصّ بغيره، فلايكون الاتيان به قبل الواجب فردا للمنذور، لا محالة يتقيّد المنذور بالتطوّع المأتي به بعد الفريضة فلابدّ من الاتيان بالواجب من باب المقدّمة ليتمكّن من الوفاء بالنذر.
و قال في مستند العروة بأنّ مبنى الاشكال هو استلزام استحالة التقييد استحالة الاطلاق، بمعنى أنّه اذا كان تقييد النذر باتيان المنذور قبل الفريضة ممتنعا كان الاطلاق أيضا ممتنعا. ثمّ قال في ردّ هذا المبنى بأنّا ننكر الاستلزام، بل قد يكون التقييد مستحيلاً و الاطلاق ضروريّا و قد ينعكس، فلا ملازمة بين الامكانين في شيء من الطرفين؛ لأنّ التقابل بين الاطلاق و التقييد ليس من تقابل العدم و الملكة، بل من تقابل التضادّ. فانّ معنى الاطلاق ليس هو الجمع بين القيود و لحاظها بأجمعها، بل معناه رفض القيود برمّتها و عدم دخالة شيء من الخصوصيّات في متعلّق الحكم، فالحاكم امّا أنيلاحظ القيد أو يرفضه و لا ثالث. و عليه فقد تعلّق النذر في المقام بطبيعيّ التطوّع غير الملحوظ فيه الوقوع قبل الواجب أو بعده بتاتا ضرورة أنّ الجامع بين المقدور و غير المقدور مقدور، و بعد انعقاد النذر ينقلب غير المقدور الى المقدور و ينطبق عليه الطبيعي المنذور
بطبيعة الحال، اذ متعلّق النذر هو نفس الطبيعي لا المقيّد بما بعد الفريضة، و بعد صحّة النذر يتّصف بالوجوب فيخرج عن كونه تطوّعا في وقت الفريضة.
ثم قال: و أمّا الكلام في القسم الأخير، أعنى ما لو تعلّق النذر بالتطوّع في يوم معيّن و لميمكن اتيان الواجب قبله فالظاهر هو الانعقاد كما ذكره الماتن، لا لما يترائى من ظاهر عبارته من كفاية الرجحان الآتي من قبل النذر اذ قد عرفت ما فيه و أنّه غير قابل للتصديق بوجه، بل لثبوت الرجحان في متعلّق النذر في نفسه، غير أنّه مقترن بمانع يرتفع بعد النذر تكوينا.
ثمّ قال في توضيحه: انّه قد يفرض تعلّق النذر بعنوان التطوّع بما هو تطوّع بحيث يكون الوصف العنواني ملحوظا حين النذر فيجعل للّه على نفسه أنيأتي خارجا بما هو مصداق للتطوّع بالفعل، و أخرى متعلّق بذات ما هو تطوّع في نفسه و ان كان الوصف مخلوعا عنه فعلاً.
أمّا الأوّل فهو نذر لأمر مستحيل سواء كانت ذمّته مشغولة بالفريضة و كان عليه صوم واجب أم لا، ضرورة أنّ المنذور يجب الوفاء به بعد انعقاد النذر، فيتّصف فعلاً بصفة الوجوب بطبيعة الحال. و معه كيف يمكن الاتيان به بالفعل على صفة التطوّع و الاستحباب فانّ الوجوب و الاستحباب مضادّان لايمكن اجتماعهما بحدّهما في موضع واحد؛ فلا مناص من فرض تعلّق النذر على الوجه الثاني، أعنى تعلّقه بما هو تطوّع في ذاته، غير أنّ التصدّي الى هذه العبادة ممنوع ممّن عليه الفريضة لما دلّ على النهي عن التطوّع.
ولكن الظاهر من دليل النهي اختصاصه بما هو تطوّع بالفعل لظهور القضايا بأسرها في الفعليّة، فالممنوع هو الموصوف بالتطوّع فعلاً و حين الاتيان به خارجا لا ما هو كذلك شأنا و ذاتا، و بما أنّ النذر بوجوده الخارجي يزيل هذا الوصف تكوينا و يوجب قلب التطوّع فرضا و الندب وجوبا، فأيّ مانع من انعقاده و صحّته بعد ارتفاع المانع بطبيعة الحال. غايته أنّ من عليه الفريضة قد أتى بما هو
تطوّع في طبعه و في حدّ نفسه. و هذا غير مشمول لدليل النهي كما عرفت آنفا فانّه مخصوص بالتطوّع الفعلي و هو منفي تكوينا.
و على الجملة فلا منافاة بين متعلّق النذر و بين متعلّق دليل النهي و لا مصادمة بينها بوجه. انتهى ملخّصا.(1)
أقول:
ما أفاده في القسمين الأوّلين من دليل جواز الاتيان بالمنذور قبل الفريضة «بأنّ النذر قد تعلّق بالطبيعة اللاّبشرط التي تكون مقدورا، فبَعد أنيطرأ عليه وصف الوجوب خرج عن موضوع التطوّع في وقت الفريضة، و معه لا مانع من الاتيان به قبل الواجب بعد أن كان بنفسه مصداقا للواجب» فالظاهر أنّه كلام متين لا غبار فيه. و يؤيّده انّ الظاهر أنّ ملاك قول الامام عليهالسلام من النهي عن التطوّع اذا كان عليه قضاء شهر رمضان هو أهمّيّة الفرض و تقدّمه على التطوّع و هذا الملاك قد فقد هنا لأنّ الصوم المنذور أيضا واجب.
و أمّا كلامه في القسم الأخير و انّ النذر قد تعلّق بما هو تطوّع في ذاته، و انّ دليل النهي مختصّ بما هو التطوّع بالفعل و حين الاتيان به خارجا لا ما هو كذلك شأنا و ذاتا الى آخر ما ذكره. ففيه: انّ الفرض أنّ الناذر يريد أنينذر الصوم التطوّع الذي لايمكن له اتيانه لكونه منهيّا عنه. و الصوم الذي يكون هذا شأنه فما معنى القول بأنّ النذر قد تعلّق بما هو تطوّع في ذاته؟!
(مسألة 4): الظاهر جواز التطوّع بالصوم اذا كان ما عليه من الصوم الواجب استيجاريّا و ان كان الأحوط تقديم الواجب.
الشرح:
1) ـ مستند العروة الوثقى 9 الجزء الأوّل من كتاب الصوم: 481 ـ 485.
قد تقدّم أنّ عدم جواز التطوّع بالصوم مختصّ بمن كان عليه قضاء شهر رمضان، و على هذا القول يجوز التطوّع بالصوم اذا كان عليه غير شهر رمضان من الصوم الواجب و منه الصوم الاستيجاري. و أمّا على القول الآخر من عدم صحّة الصوم المندوب لمن كان عليه الصوم الواجب مطلقا، فهل يشمل الصوم الواجب استيجارا أم لا؟ الظاهر خروج الصوم الواجب استيجارا عن الأدلّة، لأنّ الظاهر من قول الصدوق رحمهالله بأنّه «وردت الأخبار و الآثار عن الأئمّة عليهمالسلام أنّه لايجوز أنيتطوّع الرجل بالصيام و عليه شيء من الفرض» هو ما وجب عليه أوّلاً و بالذات، لا ما وجب عليه بالمعاملة كالاجارة و يكون واجبا على ذمّة الغير وهو صار نائبا عنه ليصوم عنه و يفرغ ذمّته.
و هي أمور؛ «الأوّل» و «الثاني»: البلوغ و العقل، فلايجب على الصبي و المجنون الاّ أنيكملا قبل طلوع الفجر دون ما اذا كملا بعده، فانّه لايجب عليهما و ان لميأتيا بالمفطر بل و ان نوى الصبي الصوم ندبا لكن الأحوط مع عدم اتيان المفطر الاتمام و القضاء اذا كان الصوم واجبا معيّنا، و لا فرق في الجنون بين الاطباقي و الأدواري اذا كان يحصل في النهار و لو في جزء منه. و أمّا لو كان دور جنونه في الليل بحيث يفيق قبل الفجر فيجب عليه.
الشرح:
من شرائط وجوب الصوم العقل و البلوغ، فلايجب الصوم على المجنون و الصبي، و الدليل على ذلك بالنسبة الى العقل الروايات المستفيضة الواردة على أنّ الشرط في تعلّق التكليف العقل. فمن جملتها صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليهالسلام قال:
«لمّا خلق اللّه العقل استنطقه؛ ثمّ قال له: أقبل، فأقبل، ثم قال له: أدبر، فأدبر، ثمّ قال: و عزّتي و جلالي ما خلقت خلقا هو أحبّ اليّ منك، و
لاأكملتك الاّ فيمن أحبّ، أما انّي ايّاك آمر، و ايّاك أنهى، و ايّاك أعاقب، و ايّاك أثيب».(1)
و يدلّ على أنّ البلوغ شرط التكليف مضافا الى الاجماع و الروايات الواردة في علامات البلوغ، خبر ابن ظبيان المؤيّد بعمل الطائفة، قال:
«أُتي عمر بامرأة مجنونة قد زنت، فأمر برجمها، فقال علي عليهالسلام: أما علمت أنّ القلم يرفع عن ثلاثة: عن الصبي حتّى يحتلم، و عن المجنون حتّى يفيق، و عن النائم حتّى يستيقظ؟!»(2)
فاذا أفاق المجنون و بلغ الصبي قبل طلوع الفجر وجب عليهما الصوم لوجود شرائط التكليف فيهما. و أمّا اذا بلغ الصبي أثناء النهار في شهر رمضان فتارةً بلغ بعد الافطار، و أخرى بلغ و لميفطر الاّ أنّه لمينو الصيام، أونواه ولكن قلنا بأنّ عبادة الصبي ليست شرعيّة. و ثالثة قدنوى الصوم و قلنا بصحّة عباداته فبلغ في أثناء النهار. ففي الأولى لايجب عليه الامساك لعدم الدليل، و لايجب عليه القضاء لأنّه لميكلّف مقدارا من النهار، و الصوم لايتبعّض. و في الثانية أيضا كذلك فلايجب عليه الاتمام لأنّه لميكلّف مقدارا من النهار بالصوم و لميدلّ دليل على اتمامه، و لايجب عليه القضاء لعدم الدليل عليه بعد عدم فوت الصيام عنه.
انّما الكلام في الثالثة، فالمشهور شهرة عظيمة كادت تكون اجماعا (كما في الجواهر) على عدم وجوب الصوم على الصبي بقيّة النهار، و هو الأقوى، لأنّه لميكن مكلّفا أوّل النهار و لا دليل على سريان الحكم الى أوّل النهار. و لايدلّ عليه ما ورد في المسافر الذي ورد وطنه قبل الزوال و لميفطر، بوجوب الصوم عليه، و لا ما ورد في يوم الشكّ اذا نوى الصوم المندوب ثمّ كشف له أنّ اليوم من رمضان فيعدل نيّته اليه و يصحّ صومه، لأنّه قياس مع الفارق، ففي الموردين المذكورين
يكشف عن وجود التكليف من طلوع الفجر دون ما نحن فيه، فانّ الصبيّ لميكن مكلّفا أوّل النهار فكيف نقول له يجب عليك أنتديم الصوم. و بالجملة لا دليل على وجوب صوم الصبي اذا بلغ أثناء النهار و لميفطر و ان قلنا بصحّة عباداته.
و بهذا يردّ ما قال في المستمسك بوجوب الصوم عليه حينئذٍ، من أنّها قد رفع الالزام بالعبادات لمصلحة اقتضت ذلك، فاذا نوى الصوم قبل الفجر فصام و في أثناء النهار بلغ، اختصّ رفع الالزام بما قبل البلوغ، و أمّا بعده فدليل اللزوم بحاله. و دعوى أنّ موضوع اللزوم على البالغ هو تمام اليوم لا بعضه ممنوعة على نحو الكلّيّة، بل يجوز تكليف البالغ بالبعض المتمّم للكلّ اذا ساعدته الأدلّة، كما في المقام، فانّ تفويت المصلحة الملزمة لولا الصبا حرام، وهو يترتّب على الافطار حين البلوغ في الأثناء. و نظير المقام، ما لو صلّى في آخر الوقت و قد بلغ في الأثناء فانّه يجب عليه اتمام صلاته.
ففيه مضافا الى ما مرّ: انّه اذا رفع الالزام بالعبادات عن الصبي و من جملتها عن صومه أوّل النهار فوضع الزام صومه هذا عليه يحتاج الى دليل، و ما قال رحمهالله من الدليل بأنّ تفويت المصلحة الملزمة لولا الصبا حرام، و هو يترتّب على الافطار حين البلوغ في الأثناء، مصادرة، لأنّ الكلام في أنّه هل وضع الالزام عليه في أثناء النهار بعد أن كان مرفوعا عنه أم لا؟
و قياس المقام الى ما لو صلّى في آخر الوقت و قد بلغ في الأثناء فانّه يجب عليه اتمام صلاته. ففيه أوّلاً فقد ذهب أكثر الأصحاب (على ما في الجواهر(1)) الى أنّه اذا بلغ الصبي في أثناء صلاته أو بعد الفراغ منها و الوقت باقٍ استأنف صلاته.
و ثانيا: يتفاوت الحال بين الصحّة و الالزام، بمعنى أنّ الصبيّ اذا أتى بصلاة صحيحة ثمّ كمل، يمكن أنيقال بعدم وجوب الاعادة عليه لأنّه أتى بصلاة صحيحة، و لايريد الشارع منه أكثر من ذلك، و كذا لو بلغ في أثناء الصلاة فانّه
1) ـ جواهر الكلام 7: 261.
يجوز له أنيتمّها لأنّه قد أتى بها صحيحة و لا وجه لبطلانها الاّ ما استشكل عليه صاحب الجواهر(1)من توارد الأمرين على الصبي في الندب و الوجوب، و من المعلوم عدم اجزاء الأوّل عن الثاني. انتهى.
و اشكاله مدفوع بأنّ الظاهر عدم ارادة الشارع منه أكثر من صلاة صحيحة و قد أتى بها. و أمّا الالزام عليه بأننقول يجب عليه اتمام صلاته ففيه اشكال لعدم الدليل عليه، و كذا ما نحن فيه، فصوم الصبي المميّز الذي بلغ أثناء صومه صحيح على المبنى الاّ أنّ الزامه باتمامه لا دليل عليه. ثمّ اعلم أنّه لا فرق في الجنون بين الاطباقي و الأدواري اذا كان يحصل في النهار و لو في جزء منه، لاطلاق دليل رفع القلم عن المجنون و التكليف يسقط مع عدم العقل و لمنافات الجنون للصوم.
قال العلاّمة في المنتهى: «و لو أفاق [المجنون] في أثناء الشهر لميقض ما فاته حال جنونه و لا اليوم الذي يفيق فيه لأنّ الجنون مزيل للخطاب و التكليف، و لأنّ الصوم تكليف مشروط بالعقل و هو منفيّ على المجنون و عند انتفاء الشرط ينتفي المشروط فكان بمنزلة الحيض. انتهى ملخّصا».(2)
نعم لو كان دور جنونه في الليل بحيث يفيق قبل الفجر فيجب عليه لوجود شرائط التكليف قبل الصوم.
«الثالث»: عدم الاغماء، فلايجب معه الصوم و لو حصل في جزء من النهار، نعم لو كان نوى الصوم قبل الاغماء فالأحوط اتمامه.
الشرح:
الثالث من شرائط صحّة الصوم عدم الاغماء، فلو أغمي عليه من طلوع الفجر
الى غروب الشمس لايصحّ منه الصوم، و لا قضاء عليه. و الدليل على ذلك أوّلاً:
صحيحة أيّوب بن نوح قال:
«كتبت الى أبي الحسن الثالث عليهالسلام أسأله عن المغمى عليه يوما أو أكثر: هل يقضي ما فاته أم لا؟ فكتب عليهالسلام: لايقضي الصوم و لايقضي الصلاة».(1)
و صحيحة علي بن مهزيار أنّه سأله يعني أبا الحسن الثالث عليهالسلام عن هذه المسألة يعني مسألة «المغمى عليه» فقال:
«لايقضي الصوم و لا الصلاة، و كلّما غلب اللّه عليه فاللّه أولى بالعذر».(2)
و ثانيا: هو ممّن فقد العقل الذي يكون شرطا للتكليف.
قال الشيخ مرتضى الأنصاري: «و أمّا سقوط القضاء بالاغماء فهو مذهب الشيخ في النهاية و المبسوط و ابن ادريس و المحقّق و العلاّمة في القواعد و مستندهم روايتا أيّوب بن نوح و علي بن مهزيار خلافا للمحكي عن المشايخ الثلاثة، فقالوا بوجوب القضاء ان لميسبق منه النيّة. انتهى ملخّصا».(3)
قال العلاّمة في المختلف: «قال المفيد رحمهالله: اذا أغمي على المكلّف في الصيام قبل استهلال الشهر، و مضى عليه أيّام ثمّ أفاق، كان عليه قضاء ما فاته من الأيّام، فان استهلّ عليه الشهر و هو يعقل فنوى صيامه و عزم عليه، ثمّ أغمي عليه و قد صام شيئا منه أو لميصم ثمّ أفاق بعد ذلك فلا قضاء عليه؛ لأنّه في حكم الصائم بالنيّة و العزيمة على أداء الفرض.
و هو مذهب السيّد المرتضى و سلاّر و ابن البرّاج. و قال الشيخ رحمهالله: لا قضاء
عليه. و هو قول ابن حمزة و ابن ادريس. انتهى موضع الحاجة من كلامه».(1)
و الأقوى ما عليه الأكثر من عدم صحّة صوم المغمى عليه و لا قضاء عليه، لما مرّ من صحيحتي أيّوب بن نوح و علي بن مهزيار، و لأنّه غير مكلّف بالصوم، لعدم شرط التكليف و هو العقل، و القضاء تابع لوجوب الأداء.
و أمّا حكم ما اذا عرض عليه الاغماء في أثناء النهار، قال الشيخ مرتضى الأنصاري: «و أمّا المغمى عليه فقد ذهب الأكثر الى عدم صحّة صومه و ان عرض الاغماء لحظة. و استدلّ عليه تارة بأنّ التكليف فرع العقل و هو مفقود في المغمى عليه. و تارةً بسقوط القضاء عنه للأخبار الدالّة عليه، فيسقط الأداء أيضا. و ثالثةً برواية ابن سنان: «كلّما غلب اللّه عليه فليس على صاحبه فيه شيء». انتهى».(2)
و الشيخ المرتضى و ان ذهب الى صحّة صوم من عرض عليه الاغماء لحظة، و أجاب عن الدلائل الثلاثة، الاّ أنّ الأجوبة ليست ممّا تطمئنّ به النفس، فانّ قياس الاغماء في الأثناء على النوم في أثناء النهار قياس مع الفارق. و لقد أجاد صاحب الجواهر في قوله: «لا ريب في عدم صدق الصائم على المجنون و المغمى عليه و السكران بخلاف النائم ونحوه. انتهى».(3)
«الرابع»: عدم المرض الذي يتضرّر معه الصائم، و لو برئ بعد الزوال و لميفطر لميجب عليه النيّة و الاتمام، و أمّا لو برئ قبله و لميتناول مفطرا فالأحوط أنينوي و يصوم، و ان كان الأقوى عدم وجوبه.
الشرح:
قد تقدّم في الفصل السابق في شرائط صحّة الصوم بأنلايكون مريضا فيضرّه
الصوم، و قلنا بأنّ الدليل على ذلك: الكتاب و السنّة و الاجماع. و الكلام الآن فيما لو برئ المريض أثناء النهار، و الصور المتصوّرة فيه أربعة:
الصورة الأولى: فيما لو برئ المريض أو قدم المسافر و قد أفطرا قبل البرء و القدوم استحبّ لهما الامساك و ليس واجبا عليهما سواء كان قبل الزوال أو بعده و الدليل على عدم الوجوب أنّ الصوم قد وضع عن المريض و المسافر و قد كان يجوز لهما الافطار و حينئذٍ لا دليل على وجوب الامساك اذا برئ الأوّل و قدم الثاني سواء كان قبل الزوال أم بعده، الاّ أنّه يستحبّ لهما الامساك للنصّ الوارد في المسافر الشامل للمريض بتنقيح المناط.
قال العلاّمة في المنتهى: «و لو قدم المسافر أو برئ المريض مفطرين استحبّ لهما الامساك بقيّة النهار و ليس واجبا ذهب اليه علماؤنا و به قال الشافعي و مالك و أبو ثور و داود و قال أبوحنيفة و الثوري و الأوزاعي لايجوز لهم أنيأكلوا في بقيّة النهار و عن أحمد روايتان. لنا: أنّه أبيح له الافطار في أوّل النهار ظاهرا و باطنا فاذا أفطر كان له أنيستديمه الى آخر النهار كما لو بقي العذر، و لأنّ الافطار قد حصل أوّل النهار فلايجب صيام الباقي لأنّ الصوم غير قابل للتبعيض في اليوم، و لأنّ الأصل براءة الذمّة، و انّما كلّفناه بالامساك استحبابا بالتأمين من تهمة من براءة و ليتشبّه بالصائمين. انتهى موضع الحاجة من كلامه».(1)
و يدلّ على عدم وجوب الامساك مضافا الى ما مرّ: اطلاق صحيحة محمّد بن مسلم، قال:
«سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن الرجل يقدم من سفر بعد العصر في شهر رمضان فيصيب امرأته حين طهرت من الحيض أيواقعها؟ قال: لا بأس به».(2)
فانّ هذه الصحيحة باطلاقها دالّة على عدم وجوب امساك المسافر اذا قدم بعد العصر سواء أفطر أو لميفطر، فاذا لميجب الامساك بعد العصر لميجب بعد الزوال لعدم القول بالفصل بما قبل العصر و بعده. و يدلّ أيضا على عدم وجوب الامساك عليه اذا أفطر و قدم قبل الزوال بل يستحبّ له: موثّقة سماعة قال:
«سألته عن مسافر دخل أهله قبل زوال الشمس و قد أكل، قال: لاينبغي له أنيأكل يومه ذلك شيئا و لايواقع في شهر رمضان ان كان له أهل».(1)
و الظاهر أنّ المناط في المسافر و المريض واحد، لذكرهما معا في القرآن الكريم فيمن رفع عنهما الصوم، و شمول الدليل الذي نقلناه عن العلاّمة لهما.
الصورة الثانية: اذا قدم المسافر أو برئ المريض بعد الزوال ولميفطرا فلايجب عليهما الصوم، لفوات محلّ النيّة، و لاطلاق صحيحة محمّد بن مسلم المتقدّمة آنفا، نعم يستحبّ له الامساك بقيّة النهار لرواية سماعة قال:
«سألته عن الرجل كيف يصنع اذا أراد السفر ـ الى أنقال: ـ ان قدم بعد زوال الشمس أفطر و لايأكل ظاهرا، و ان قدم من سفره قبل زوال الشمس فعليه صيام ذلك اليوم ان شاء».(2)
قال العلاّمة في المنتهى: «و لو قدم المسافر صائما أو برئ المريض كذلك فان قدم أو برئ بعد الزوال أمسكا استحبابا و قضيا، و قال أبو حنيفة: يجب عليه الامساك مطلقا و لأصحاب الشافعي وجهان في المسافر أمّا المريض فأوجبا عليه الامساك مطلقا. لنا: أنّه بعد الزوال فمحلّ النيّة فات فلايجب الصوم لعدم شرطه و استحبّ الامساك لحرمة الزمان و يؤيّده ما رواه سماعة قال: «و ان قدم بعد زوال
الشمس أفطر و لايأكل ظاهرا». انتهى ملخّصا».(1)
الاّ أنّه قال في الحدائق: «لو صحّ من مرضه بعد الزوال و لميتناول شيئا فذهب المشهور الى أنّه يستحبّ له الامساك، و علّلوه بفوات وقت النيّة، و هو محلّ اشكال أيضا لما قد تقدّم النقل عن ابن الجنيد القول بجواز تجديد النيّة ولو بعد الزوال، و عليه تدلّ ظواهر جملة من الأخبار المتقدّمة ثمّة. انتهى ملخّصا».(2)
ولكن فيه: انّ المستفاد من الأخبار الواردة في النيّة و في المسافر أنّ وقت النيّة قبل الزوال و ان زال فقد فات محلّه الاّ اذا كان الصوم تطوّعا، و الأخبار الواردة في النيّة و ان كان ظاهرها في قضاء شهر رمضان الاّ أنّ بعضها مطلق فيستفاد من هذا البعض مضافا الى ما ورد في المسافر الذي قدم قبل الزوال، بأنّ وقت النيّة يكون الى ما قبل الزوال و ان كان الصوم واجبا معيّنا كشهر رمضان. و الظاهر منها أيضا أنّ هذا التحديد لمن لميصدر منه النيّة عمدا سواء كان عن عذر كالمسافر أم لا. فعليه لو أخّر النيّة الى ما بعد الزوال عمدا فقد فات محلّه و لو كان عن عذر كالمسافر، و بهذا البيان لميبق محلّ للاشكال، فانّ المريض اذا برئ بعد الزوال لميصحّ صومه و ان لميتناول شيئا لفوات وقت النيّة، و ان استحبّ له الامساك لما مرّ.
و بما قلنا آنفا في ردّ ما استشكل صاحب الحدائق على مذهب المشهور اتّضح أيضا الصورة الآتية.
الصورة الثالثة: و هي ما اذا برئ المريض قبل زوال الشمس و لميفطر يجب عليه الصوم و يصحّ منه.
قال العلاّمة في المنتهى: «و لو قدم المسافر صائما أو برئ المريض كذلك فان قدم أو برئ قبل الزوال أمسكا بقيّة يومهما وجوبا و أجزأ منهما عن رمضان، لأنّه
قبل الزوال يمكنه أداء الواجب على وجه تؤثّر النيّة في ابتدائه فوجب الصوم و الاجزاء لأنّه فعل ما أمر به على وجهه فيخرج عن العهدة و تؤيّده موثّقة أبي بصير قال: «سألته عن الرجل يقدم من سفر في شهر رمضان، فقال: ان قدم قبل زوال الشمس فعليه صيام ذلك اليوم و يعتدّ به».(1)
و خبر أحمد بن محمّد قال: «سألت أبا الحسن عليهالسلام عن رجل قدم من سفر في شهر رمضان و لميطعم شيئا قبل الزوال، قال: يصوم».(2)
و موثّقة سماعة قال: «سألته عن الرجل كيف يصنع اذا أراد السفر ـ الى أنقال: ـ ان قدم بعد زوال الشمس أفطر و لايأكل ظاهرا، و ان قدم من سفره قبل زوال الشمس فعليه صيام ذلك اليوم ان شاء».(3)انتهى ملخّصا».(4)
قال في المستمسك: «و لو برئ المريض قبل الزوال و لميتناول مفطرا يصوم كما هو المشهور، و في المدارك نسبته الى علمائنا أجمع، و عن المفاتيح: انّه لا خلاف فيه، و في الذخيرة: حكاية الاجماع من بعض عليه و هو في محلّه بناءًا على أنّ الأصل يقتضي بقاء محلّ النيّة الى الزوال. و الاّ فلا وجه له الاّ استفادته ممّا ورد في المسافر والجاهل، و من دعوى الاجماع المتقدّمة. و الاستفادة محلّ نظر. و ما في المدارك ـ من أنّ المريض أعذر من المسافر ـ لايجدي في الاستفادة، لعدم احراز المناط. و ثبوت الاجماع بنحو يصحّ الاعتماد عليه مشكل، و ان كان قريبا، اذ انّه لايظهر خلاف فيه من أحد. و ما عن ابني زهرة و حمزة ـ من استحباب امساك المريض اذا برئ ـ ليس فيما نحن فيه فراجع. انتهى».(5)
و السيّد المرحوم و ان تلقّى المسألة بنظر القبول، الاّ أنّ في كلامه مواقع للنظر
1) ـ وسائل الشيعة 7: 136 / الباب السادس من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث السادس.
2) ـ وسائل الشيعة 7: 135 / الباب السادس من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث الرابع.
3) ـ وسائل الشيعة 7: 136 / الباب السادس من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث السابع.
4) ـ منتهى المطلب 2: 600.
5) ـ مستمسك العروة الوثقى 8 : 432.
منها: أنّه ان كان مراده رحمهالله من الأصل الاستصحاب ففيه عدم اتّحاد الموضوع هنا لاختلاف ما قبل الفجر لما بعده، و ان كان المراد من الأصل هو ما استفاد من الروايات فلا وجه لكلامه هذا: «و الاّ فلا وجه له الخ». و منها: قد عرفت فيما تقدّم أنّ المستفاد من الأخبار هو بقاء وقت النيّة الى الزوال. و منها: أنّ الاشكال على صاحب المدارك غير وارد، لأنّ المناط فيهما واحد و هو عدم صدور النيّة منهما لعذر و في المريض أعذر، و وقتها باقٍ الى الزوال على ما في الأخبار.
الصورة الرابعة: اذا كان مريضا و كان يعتقد أنّ مرضه هذا يضرّه الصوم، بزيادته أو بطوء برئه، أو كان يخاف من حدوث المرض بالصوم، و لمينو الصوم، ثمّ انكشف الخلاف أثناء النهار الاّ أنّه لميفطر، فهو كمن كان جاهلاً بالحكم أو الموضوع، فان كان قبل الزوال يجب عليه تجديد النيّة و يصوم و يصحّ صومه لما مرّ في الصورة الثالثة. و أمّا لو كان بعد الزوال فيجب عليه الامساك لأنّه كان مأمورا بالصوم واقعا من الأوّل، الاّ أنّه يجب عليه القضاء لفوات محلّ النيّة. و لو أفطر بزعم المرض ثمّ انكشف الخلاف يجب عليه الامساك بقيّة النهار و القضاء بعده، و هذا يكون كمن كان ناسيا لصومه فأفطر ثمّ تذكّر فانّه يجب عليه الامساك و القضاء. أمّا وجوب الامساك للشكّ في صدق كونه عامدا في افطاره و احتمال الحاقه بالناسي، و أمّا وجوب القضاء فلاحتمال كونه خارجا عن حكم الناسي، و عدم الدليل على صحّة صومه بالخصوص.
و يجري هذا في غير المريض أيضا، كمن قصد الافطار زعما منه أنّ المقصد الذي يقصده يبلغ المسافة الشرعيّة فانكشف الخلاف، فان كان قبل الزوال و لميفطر، يجدّد النيّة و يصوم و يصحّ صومه، و أمّا ان كان بعد الزوال، أو كان أفطر مطلقا يمسك و يقضي كما مرّ آنفا.
ثمّ اعلم أنّه قدتقدّم في الفصل السابق أنّ المجوّز للافطار خوف الضرر من أيّ سبب حصل الخوف، سواء كان من اخبار الطبيب أم من نفسه، و سواء كان مستنده
حجّة شرعيّة أم لميكن. ولافرق أيضا بين أنيبلغ خوفه من الضرر حدّ اليقين أو لميبلغ، الاّ أنّه كان خوفا عقلائيّا. و قد تقدّم أيضا أنّ الصوم لمن خاف من تضرّر الصوم به لايجوز، و ان لميكن الضرر موجبا لالقاء نفسه في التهلكة.
بقي شيء و هو ما اذا كان مريضا و قد وجب عليه الافطار و لو بشرب دواء و نحوه حفظا لنفسه عن الوقوع في الهلاك ولكن لميفطر ثمّ برئ قبل الظهر فانّه يجب عليه الامساك و يصحّ صومه، و قال في مستند العروة: «لامجال لتجديد النيّة في هذا القسم ضرورة أنّ الامساك المنهي عنه لاينقلب عمّا وقع ليكون مأمورا به و يتّصف بالعباديّة كما لو أمسك رياءًا، فانّ دليل التجديد منصرف عن مثله قطعا. انتهى».(1)
و فيه: ما تقدّم من أنّ الشارع قد وسّع في نيّة الصوم الى الزوال و هو المستفاد من ما ورد في من لمينو الصوم حتّى ارتفع النهار فقال عليهالسلام:
«نعم ليصمه وليعتدّ به اذا لميكن أحدث شيئا».(2)
و في المسافر الذي قدم من السفر قبل الزوال و لميفطر. و هذه الأخبار مطلقة شاملة لما نحن فيه أيضا. و ما أتى به من أنّ الامساك المنهي عنه الخ، ففيه أوّلاً: أنّ صوم المسافر أيضا منهيّ عنه و مع ذلك لو قدم قبل الزوال يجب عليه تجديد النيّة ـ و ما ادّعاه من أنّ دليل التجديد منصرف عن مثله قطعا ففيه: انّ الانصراف ممنوع، و الدليل مطلق، و في تشبيهه رحمهالله بطلان الصوم بالرياء بما نحن فيه ففيه تأمّل، لأنّ الرياء وقع في الصوم، و الحال أنّ الامساك المنهيّ عنه لميقع في الصوم ـ و ثانيا: اذا برئ من مرضه، و قد كان يحرّم عليه الامساك و كان يجب الافطار حفظا لنفسه من الهلاك، كشف عن أنّه لميضرّه الامساك و لميجب عليه شرب الدواء و كان متخيّلاً في ذلك، فحينئذٍ فأين الامساك المحرّم.
«الخامس»: الخلوّ من الحيض و النفاس فلايجب معهما و ان كان حصولهما في جزء من النهار.
تقدّم البحث حول ذلك في الفصل السابق في شرائط صحّة الصوم و عرفت دلالة النصوص على أنّ الدم يفطر الصائمة و لو قبل مغيب الشمس.
«السادس»: الحضر فلايجب على المسافر الذي يجب عليه قصر الصلاة بخلاف من كان وظيفته التمام كالمقيم عشرا، و المتردّد ثلاثين يوما، و المكاري و نحوه، و العاصي بسفره، فانّه يجب عليه التمام اذ المدار في تقصير الصوم على تقصير الصلاة، فكلّ سفر يوجب قصر الصلاة يوجب قصر الصوم و بالعكس.
الشرح:
قد تقدّم البحث عن المسافر في الفصل السابق و قلنا بأنّ المسافر الذي يجب عليه قصر الصلاة لايصحّ منه الصوم، فانّ التقصير والافطار توأمان لقوله عليهالسلام في صحيحة معاوية بن وهب:
«اذا قصّرت أفطرت و اذا أفطرت قصّرت».(1)
و موثّقة سماعة قال:
«قال أبو عبداللّه عليهالسلام في حديث: و ليس يفترق التقصير و الافطار، فمن قصّر فليفطر».(2)
الاّ اذا سافر بعد الزوال و لميؤدّ صلاة الظهرين فانّه يقصّر الصلاة و يتمّ صومه لقوله عليهالسلام في صحيحة الحلبي:
«و ان خرج بعد الزوال فليتمّ يومه».(1)
نعم اذا كان سفره في معصية اللّه يصوم و يتمّ صلاته لما رواه الطبرسي عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«من سافر قصّر و أفطر الاّ أنيكون رجلاً سفره الى صيد أو في معصية اللّه».(2)
و قد علم أنّ من وظيفته اتمام الصلاة يجب عليه الصوم أيضا كالمقيم عشرا، و المتردّد ثلاثين يوما و المكاري و نحوه والعاصي بسفره لمفهوم قوله عليهالسلام في صحيحة معاوية بن وهب المتقدّمة آنفا: «اذا قصّرت أفطرت و اذا أفطرت قصّرت». أي اذا لم تقصّر لمتفطر و اذا لمتفطر لم تقصّر، الاّ ما خرج من هذه القاعدة بالدليل.
(مسألة 1): اذا كان حاضرا فخرج الى السفر فان كان قبل الزوال وجب عليه الافطار وان كان بعده وجب عليه البقاء على صومه، و اذا كان مسافرا و حضر بلده أو بلدا يعزم على الاقامة فيه عشرة أيّام فان كان قبل الزوال و لميتناول المفطر وجب عليه الصوم، و ان كان بعده أو تناول فلا، و ان استحبّ له الامساك بقيّة النهار.
الشرح:
اذا كان حاضرا فخرج الى السفر فان كان قبل الزوال وجب عليه الافطار و ان كان بعده وجب عليه البقاء على صومه، لصحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليهالسلام:
«انّه سئل عن الرجل يخرج من بيته و هو يريد السفر و هو صائم،
قال: فقال: ان خرج من قبل أنينتصف النهار فليفطر وليقض ذلك اليوم و ان خرج بعد الزوال فليتمّ يومه».(1)
و قد تقدّم البحث عن ذلك في الفصل السابق.
و أمّا اذا كان مسافرا و حضر بلده أو بلدا يعزم على الاقامة فيه عشرة أيّام فان كان قبل الزوال و لميتناول المفطر وجب عليه الصوم. و الدليل على ذلك: موثّقة أبي بصير قال:
«سألته عن الرجل يقدم من سفر في شهر رمضان، فقال: ان قدم قبل زوال الشمس فعليه صيام ذلك اليوم و يعتدّ به».(2)
و خبر سماعة قال:
«سألته عن الرجل كيف يصنع اذا أراد السفر ـ الى أنقال: ـ ان قدم بعد زوال الشمس أفطر و لايأكل ظاهرا، و ان قدم من سفره قبل زوال الشمس فعليه صيام ذلك اليوم ان شاء».(3)
و خبر أحمد بن محمّد قال:
«سألت أبا الحسن عليهالسلام عن رجل قدم من سفر في شهر رمضان و لميطعم شيئا قبل الزوال، قال: يصوم».(4)
و ما رواه يونس في حديث قال:
«في المسافر يدخل أهله و هو جنب قبل الزوال و لميكن أكل فعليه أنيتمّ صومه و لاقضاء عليه، يعني اذا كانت جنابته من احتلام».(5)
و الخبر الأخير قد رواه الكليني هكذا:
1) ـ وسائل الشيعة 7: 131 / الباب الخامس من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث الثاني.
2) ـ وسائل الشيعة 7: 136 / الباب السادس من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث السادس.
3) ـ وسائل الشيعة 7: 136 / الباب السادس من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث السابع.
4) ـ وسائل الشيعة 7: 135 / الباب السادس من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث الرابع.
5) ـ وسائل الشيعة 7: 135 / الباب السادس من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث الخامس.
«عن يونس قال: قال في المسافر الذي يدخل أهله في شهر رمضان و قد أكل قبل دخوله؟ قال: يكفّ عن الأكل بقيّة يومه و عليه القضاء، و قال: في المسافر يدخل أهله و هو جنب قبل الزوال و لميكن أكل، فعليه أنيتمّ صومه و لا قضاء عليه، يعني اذا كانت جنابته من احتلام».(1)
و حينئذٍ تكون الرواية مضمرة و حيث لميروِ يونس الاّ عن الامام عليهالسلام لجلالة شأنه فالخبر يصير معتبرا. و أمّا على نقل صاحب الوسائل تكون الرواية مقطوعة. و دلالتها تامّة لأنّ المراد من الجنابة في قوله: «يدخل أهله و هو جنب» هو الاحتلام بقرينة قوله: «و لميكن أكل» فكأنّه قال: و لميفطر. و لايبعد أنيكون ذيل الرواية من قوله: «يعني اذا كانت جنابته من احتلام» عن الامام فيصير تأييدا لما قلنا في المراد من قوله: «و هو جنب».
و لاتعارض تلك الطائفة من الروايات طائفة أخرى كصحيحة محمّد بن مسلم قال:
«سألت أبا جعفر عليهالسلام عن الرجل يقدم من سفر في شهر رمضان فيدخل أهله حين يصبح أو ارتفاع النهار؟ قال: اذا طلع الفجر و هو خارج و لميدخل أهله فهو بالخيار، ان شاء صام و ان شاء أفطر».(2)
و صحيحة أخرى لمحمّد بن مسلم عن أبي عبداللّه عليهالسلام في حديث قال:
«فاذا دخل أرضا قبل طلوع الفجر و هو يريد الاقامة بها فعليه صوم ذلك اليوم، و ان دخل بعد طلوع الفجر فلا صيام عليه و ان شاء صام».(3)
و صحيحة رفاعة بن موسى قال:
«سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن الرجل يقبل في شهر رمضان من سفر حتّى يرى أنّه سيدخل أهله ضحوة أو ارتفاع النهار، قال: اذا طلع الفجر و هو خارج و لميدخل فهو بالخيار، ان شاء صام و ان شاء أفطر».(1)
و الدليل على عدم المعارضة رجحان الطائفة الأولى من وجوه؛ منها: امكان حمل هذه الطائفة على الطائفة الأولى بأنيقال: انّ المراد من التخيير في قوله عليهالسلام: «فهو بالخيار ان شاء صام و ان شاء أفطر» هو التخيير خارج البلد، بمعنى أنّ من علم أنّه يصل البلد قبل الظهر فهو بالخيار ان شاء أفطر قبل الدخول و ان شاء أمسك حتّى يدخل فيجب عليه الصيام. فهذا الحمل بالنسبة الى صحيحتي الأولى و الثالثة قريب و أمّا بالنسبة الى الرواية الثانية فيمكن الحمل أيضا ولكن بضرب من التأويل، بأن يؤوّل قوله عليهالسلام: «و ان دخل بعد طلوع الفجر» على معنى «و ان أراد الدخول» مثل قوله تعالى: اذا قمتم الى الصلاة(2)أي «اذا أردتم القيام» و قوله تعالى: فاذا قرأت القرآن(3)أي «اذا أردت قراءة القرآن». و هذا الحمل قريب أيضا بقرينة الروايتين الأخرَييْن.
منها اعتضاد الطائفة الأولى بعمل الأصحاب بل عمل جميع العلماء من الطرفين. قال في الحدائق: «الظاهر أنّه لا خلاف بين الأصحاب ـ رضوان اللّه عليهم ـ في أنّ من قدم بلده أو بلدا يعزم على الاقامة فيه قبل الزوال و لميتناول شيئا فانّه يجب عليه الصوم و يجزئه ـ الى أنقال: ـ و لمأقف على قائل بالتخيير ان دخل بعد الفجر. انتهى ملخّصا».(4)
و قال في الجواهر: «لو حضر المسافر بلده أو بلدا يعزم فيه على الاقامة عشرا كان حكمه حكم المريض في الوجوب لو كان قبل الزوال و لميفعل المفطر و عدمه لو كان بعد الزوال أو كان قد فعل المفطر و يستحبّ له الامساك بقيّة يومه بلا خلاف معتدّ به أجده في شيء من ذلك ـ الى أنقال: ـ و ما في الغنية من اطلاق استحباب الامساك للمسافر اذا قدم أهله يجب تنزيله على ما بعد الزوال. انتهى».(1)
منها: اذا عمل بالطائفة الأولى يمكن حمل الطائفة الثانية عليها كما عرفت في الوجه الأوّل، و أمّا اذا عمل بالطائفة الثانية من الروايات، لابدّ من طرح الطائفة الأولى، لعدم امكان الجمع بينهما، و أنت تعلم أنّ الجمع بين الدليلين مهما أمكن أولى من الطرح.
اذا دخل المسافر قبل الزوال مفطرا يستحبّ له الامساك، لموثّقة سماعة، قال:
«سألته عن مسافر دخل أهله قبل زوال الشمس و قد أكل، قال: لاينبغي له أنيأكل يومه ذلك شيئا و لايواقع في شهر رمضان ان كان له أهل».(2)
و معتبرة يونس قال:
«قال في المسافر الذي يدخل أهله في شهر رمضان وقد أكل قبل دخوله، قال: يكفّ عن الأكل بقيّة يومه و عليه القضاء. الحديث».(3)
قال العلاّمة في المنتهى: «لو قدم المسافر مفطرا استحبّ له الامساك بقيّة النهار وليس واجبا ذهب اليه علماؤنا. انتهى ملخّصا».(1)
و أمّا اذا دخل بعد الزوال أمسك استحبابا سواء أفطر أم لميفطر، و لايجب الصوم لفوات محلّ النيّة، و لخبر سماعة قال:
«سألته عن الرجل كيف يصنع اذا أراد السفر ـ الى أنقال: ـ ان قدم بعد زوال الشمس أفطر و لايأكل ظاهرا. الحديث».(2)
و اطلاق الخبر يشمل المسافر الذي دخل مفطرا أيضا.
و الظاهر أنّ المناط كون الشروع في السفر قبل الزوال أو بعده لا الخروج عن حدّ الترخّص، و كذا في الرجوع، المناط دخول البلد، لكن لايترك الاحتياط بالجمع اذا كان الشروع قبل الزوال و الخروج عن حدّ الترخّص بعده، و كذا في العود اذا كان الوصول الى حدّ الترخص قبل الزوال و الدخول في المنزل بعده.
الشرح:
قد عرفت أنّ الحاضر اذا خرج الى السفر قبل الزوال أفطر و اذا خرج بعد الزوال لميفطر و كذا المسافر اذا دخل قبل الزوال و لميفطر جدّد النيّة و اعتدّ بها و ان دخل بعد الزوال أفطر و قضى و ان لميفطر قبل الدخول. و الكلام هنا في مناط الخروج و الدخول قبل الزوال بمعنى أنّه هل هنا آخر بيوت البلد، أو حدّ الترخّص، بعد الاتّفاق الاّ من بعض أنّ الصلاة يقصّر بعد الخروج عن حدّ الترخّص؟ فترجع المسألة الى أنّ مبدأ التقدير في المسافة ما هو، فهل يكون منآخر خطّة البلد كما ادّعاه كثير من الفقهاء، أو يكون من أوّل خفاء الجدران أو
الأذان؟ فمحلّ تحقيقه في كتاب صلاة المسافر، فنقول هيهنا: الظاهر أنّ الروايات الواردة في تعيين حدّ القصر في ابتداء السفر و انتهائه ليست تعبّدا بل ارشادا الى ما هو المعروف عند العرف من أنّ قاصد السفر مادام في وطنه لايصدق عليه المسافر حقيقةً و ان قيل له مسافر، و ذلك مجاز و باعتبار خروجه عن وطنه، فاذا خرج من منزله يشيّعه أهله و يذهبون معه الى آخر بيوت البلد و يقفون و يأخذون بالنظر اليه حتّى يتوارى عنهم فحينئذٍ يقولون: ذهب بالسلامة؛ هذا في الذهاب، و كذلك يكون الحال في الاياب، فاذا اقترب من أهله قُبيْل رجوعه من السفر يذهب أهله الى آخر بيوت البلد و يقفون و ينتظرون فاذا ظهر من البعيد و رأوه و رآهم فيقولون: «رجع الى وطنه و دخل». فعلى هذا، الظاهر من تلك الروايات أنّ حدّ الترخّص يكون ابتداء المسافة، فمناط الخروج قبل الزوال أو بعده هو حدّ الترخّص، فاذا بلغ موضعا لميسمع الأذان أو خفي الجدران قبل الزوال أفطر، و أمّا اذا بلغ الى ذلك الحدّ بعد الزوال لميفطر و ان كان خروجه من بيته أو آخر البيوت قبل الزوال، و هكذا الحال في الاياب، بمعنى أنّه اذا بلغ حدّ الترخّص و دخل البلد بحيث يرى البيوت أو يسمع الأذان فان كان قبل الزوال جدّد النيّة و لو كان وصوله الى بيوت البلد حين الزوال.
(مسألة 2): قد عرفت التلازم بين اتمام الصلاة و الصوم، و قصرها و الافطار لكن يستثنى من ذلك موارد:
«أحدها»: الأماكن الأربعة فانّ المسافر يتخيّر فيها بين القصر و التمام في الصلاة، و في الصوم يتعيّن الافطار.
«الثاني»: ما مرّ من الخارج الى السفر بعد الزوال، فانّه يتعيّن عليه البقاء على الصوم مع أنّه يقصّر في الصلاة.
«الثالث»: ما مرّ من الراجع من سفره، فانّه ان رجع بعد الزوال يجب عليه
الاتمام مع أنّه يتعيّن عليه الافطار.
الشرح:
قد عرفت التلازم بين اتمام الصلاة و الصوم و قصرها و الافطار، لصحيحة معاوية بن وهب عن أبي عبداللّه عليهالسلامفي حديث قال:
«هذا واحد اذا قصّرت أفطرت و اذا أفطرت قصّرت».(1)
و خبر سماعة قال:
«قال أبو عبداللّه عليهالسلام في حديث: و ليس يفترق التقصير و الافطار، فمن قصّر فليفطر».(2)
لكن يستثنى من ذلك التلازم موارد: أحدها الأماكن الأربعة، فانّ المسافر مخيّر بين القصر و التمام في مسجد الحرام و مسجد النبي صلىاللهعليهوآله و مسجد الكوفة و الحائر الحسيني عليهالسلام و ذلك لصحيحة حمّاد بن عيسى عن أبي عبداللّه عليهالسلام أنّه قال:
«من مخزون علم اللّه الاتمام في أربعة مواطن: حرم اللّه، و حرم رسوله صلىاللهعليهوآله، و حرم أمير المؤمنين عليهالسلام، و حرم الحسين بن علي عليهالسلام».(3)
و صحيحة علي بن يقطين قال:
«سألت أبا ابراهيم عليهالسلام عن التقصير بمكّة فقال: أتمّ و ليس بواجب. الحديث».(4)
و قد تقدّم البحث عن ذلك مستقصى في صلاة المسافر.
و لايلحق الصوم بالصلاة في التخيير المزبور لأنّ النصّ الوارد في التخيير وارد
1) ـ وسائل الشيعة 7: 130 / الباب الرابع من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث الأوّل.
2) ـ وسائل الشيعة 7: 130 / الباب الرابع من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث الثاني.
3) ـ وسائل الشيعة 5: 543 / الباب 25 من أبواب صلاة المسافر / الحديث الأوّل.
4) ـ وسائل الشيعة 5: 547 / الباب 25 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 19.
مورد الصلاة فقط فيبقى الصوم على ما كان من عدم جوازه في السفر. و يدلّ على عدم الالحاق أيضا صحيحة عثمان بن عيسى قال:
«سألت أبا الحسن عليهالسلام عن اتمام الصلاة و الصيام في الحرمين، فقال: أتمّها و لو صلاة واحدة».(1)
فمن اضراب الامام عليهالسلام عن الجواب بالنسبة الى الصيام يفهم أنّ الحكم مختصّ بالصلاة.
الثاني من موارد الاستثناء عن ذلك التلازم ما مرّ من أنّ الخارج الى السفر بعد الزوال يتعيّن عليه البقاء على الصوم مع أنّه اذا لميصلّ في الوطن وجب عليه القصر في السفر.
الثالث ما مرّ أيضا من أنّه اذا رجع من سفره بعد الزوال أفطر ولكنّه يتمّ الصلاة.
(مسألة 3): اذا خرج الى السفر في شهر رمضان لايجوز له الافطار الاّ بعد الوصول الى حدّ الترخّص، و قد مرّ سابقا وجوب الكفّارة عليه ان أفطر قبله.
الشرح:
لايجوز لمن أراد السفر أنيقصّر أو يفطر قبل الوصول الى حدّ الترخّص، و كذلك في الرجوع من السفر فما لميصل الى حدّ الترخّص لميجز له اتمام الصلاة و تجديد النيّة للصوم لو كان قبل الزوال و لميفطر. و قد تقدّم البحث عن ذلك في صلاة المسافر و من جملة ما ذكر هناك من الدليل: صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«سألته عن التقصير، قال: اذا كنت في الموضع الذي تسمع فيه الأذان فأتمّ، و اذا كنت في الموضع الذي لاتسمع فيه الأذان فقصّر، و اذا
1) ـ وسائل الشيعة 5: 547 / الباب 25 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 17.
قدمت من سفرك فمثل ذلك».(1)
مضافا الى صحيحة معاوية بن وهب عن أبي عبداللّه عليهالسلامفي حديث قال:
«هذا واحد اذا قصّرت أفطرت، و اذا أفطرت قصّرت».(2)
و لو أفطر قبل الوصول الى حدّ الترخّص يجب عليه الكفّارة، عملاً باطلاقات الكفّارة اذا أفطر عمدا، و قد تقدّم أنّ تعقّب السفر لمن أتى بالمفطر عمدا لايوجب سقوط الكفّارة، لاطلاق الأدلّة و عدم الدليل على التخصيص.
(مسألة 4): يجوز السفر اختيارا في شهر رمضان، بل و لو كان للفرار من الصوم كما مرّ و أمّا غيره من الواجب المعيّن، فالأقوى عدم جوازه الاّ مع الضرورة، كما أنّه لو كان مسافرا وجب عليه الاقامة لاتيانه مع الامكان.
الشرح:
يجوز السفر اختيارا في شهر رمضان و ذلك لصحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليهالسلامقال:
«سألته عن الرجل يدخل شهر رمضان و هو مقيم لايريد براحا ثمّ يبدو له بعد ما يدخل شهر رمضان أنيسافر، فسكت، فسألته غير مرّة فقال: يقيم أفضل الاّ أنتكون له حاجة لابدّ له من الخروج فيها أو يتخوّف على ماله».(3)
و صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليهالسلام أنّه سئل عن الرجل يعرض له السفر في شهر رمضان و هو مقيم و قد مضى منه أيّام، فقال:
«لا بأس بأنيسافر و يفطر و لايصوم».(1)
و قد تقدّم البحث عن ذلك أيضا في المسألة الخامسة و العشرين من فصل ما يوجب الكفّارة. و الظاهر من اطلاق الصحيحتين جواز السفر و لو كان للفرار من الصوم.
هل يجوز السفر في غير شهر رمضان من الواجب المعيّن؟ و هل يجب عليه الاقامة لاتيانه مع الامكان لو كان مسافرا؟ الأقوى جواز ذلك، و عدم وجوب الاقامة لو كان مسافرا و الدليل على ذلك أوّلاً قوله تعالى: فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدّة من أيّام أخر(2)فما هو الظاهر من الآية أنّ اللّه تعالى قد وضع الصوم عن المسافر و المريض، فلايجب للمسافر الاقامة لاتيانه، و كذلك يجوز السفر في الواجب المعيّن فيما كان من قبيل شهر رمضان و يكون من حقّ اللّه.
و ثانيا صحيحة علي بن مهزيار قال:
«كتب بندار مولى ادريس: يا سيّدي، نذرت أنأصوم كلّ يوم سبت، فان أنا لمأصمه ما يلزمني من الكفّارة؟ فكتب عليهالسلام و قرأته: لاتتركه الاّ من علّة، و ليس عليك صومه في سفر و لا مرض الاّ أنتكون نويتذلك، و ان كنت أفطرت منه من غير علّة فتصدّق بقدر كلّ يوم على سبعة مساكين، نسأل اللّه التوفيق لما يحبّ و يرضى».(3)
و موثّقة زرارة قال:
«قلت لأبي جعفر عليهالسلام: انّ أمّي كانت جعلت عليها نذرا ان اللّه ردّ (ان يردّ اللّه) عليها بعض ولدها من شيء كانت تخاف عليه أنتصوم ذلك اليوم الذي يقدم فيه ما بقيت، فخرجت معنا مسافرة الى مكّة فأشكل علينا لمكان النذر، أتصوم أو تفطر؟ فقال: لاتصوم، قد وضع اللّه عنها حقّه و تصوم هي ما جعلت على نفسها، قلت: فماترى اذا هي رجعت الى المنزل أتقضيه؟ قال: لا، قلت: أفتترك ذلك؟ قال: لا لأنّي أخاف أنترى في الذي نذرت فيه ما تكره».(1)
و خبر عبداللّه بن جندب قال:
«سأل أبا عبداللّه عليهالسلام عباد بن ميمون و أنا حاضر عن رجل جعل على نفسه نذر صوم و أراد الخروج في الحجّ، فقال عبداللّه بن جندب: سمعت من زرارة عن أبي عبداللّه عليهالسلام أنّه سأله عن رجل جعل على نفسه نذر صوم يصوم فمضى فيه (فحضرته نيّة) في زيارة أبي عبداللّه عليهالسلام قال: يخرج و لايصوم في الطريق، فاذا رجع قضى ذلك».(2)
و قد رواه في الكافي هكذا:
«و بهذا الاسناد عن عبداللّه بن جندب قال: سأل عباد بن ميمون ـ و أنا حاضر ـ عن رجل جعل على نفسه نذرا صوما، و أراد الخروج الى مكّة فقال عبداللّه بن جندب: سمعت من رواه عن أبي عبداللّه عليهالسلام أنّه سئل عن رجل جعل على نفسه نذرا صوما فحضرته نيّته فيزيارة أبي عبداللّه عليهالسلام، قال: يخرج و لايصوم في الطريق فاذا رجع
قضى ذلك».(1)
فبناءًا على ما مرّ يظهر ضعف ما نقل في المختلف عن أبي الصلاح من أنّه اذا دخل الشهر على حاضر لميحلّ له السفر مختارا لظاهر قوله تعالى: «فمن شهد منكم الشهر فليصمه» و قوله تعالى: «ثمّ أتمّوا الصيام الى الليل» و لخبر أبي بصير قال:
«سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن الخروج اذا دخل شهر رمضان، فقال: لا الاّ فيما أخبرك به: خروج الى مكّة أو غزو في سبيل اللّه، أو مال تخاف هلاكه، أو أخ تخاف هلاكه، و أنّه ليس أخا من الأب و الأمّ».(2)
و لانّ السفر منافٍ للصوم فلايجوز له فعله كالافطار. انتهى».(3)
لأنّ من شهد الشهر وجب عليه صيامه، لكنّ المسافر لميشهده، فلايتناوله الأمر. و الرواية محمولة على الكراهة جمعا بين الروايات. و لانسلّم أنّه يحرّم عليه فعل المنافي اذا كان الصوم ساقطا عنه، بخلاف فعل المفطر.
(مسألة 5): الظاهر كراهة السفر في شهر رمضان قبل أنيمضي ثلاثة و عشرون يوما الاّ في حجّ، أو عمرة، أو مال يخاف تلفه، أو أخ يخاف هلاكه.
الشرح:
قد تقدّم في الفصل السابق أنّه يكره السفر في شهر رمضان قبل أنيمضي ثلاثة و عشرون يوما الاّ في حجّ أو عمرة أو مال يخاف تلفه أو أخ يخاف هلاكه، و ذلك للجمع بين مرسلة علي بن أسباط عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«اذا دخل شهر رمضان فللّه فيه شرط، قال اللّه تعالى: «فمن شهد
منكم الشهر فليصمه» فليس للرجل اذا دخل شهر رمضان أنيخرج الاّ في حجّ أو في عمرة أو مال يخاف تلفه أو أخ يخاف هلاكه، و ليس له أنيخرج في اتلاف مال أخيه، فاذا مضت ليلة ثلاث و عشرين فليخرج حيث شاء».(1)
و بين صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليهالسلام أنّه سئل عن الرجل يعرض له السفر في شهر رمضان و هو مقيم و قد مضى منه أيّام، فقال:
«لا بأس بأنيسافر و يفطر و لايصوم».(2)
(مسألة 6): يكره للمسافر في شهر رمضان، بل كلّ من يجوز له الافطار التملّي من الطعام و الشراب، و كذا يكره له الجماع في النهار، بل الأحوط تركه و ان كان الأقوى جوازه.
الشرح:
يكره للمسافر الجماع في نهار شهر رمضان، و كذا يكره له و لكلّ من يجوز له الافطار التملّي من الطعام و الشراب، و ذلك للجمع بين صحيحة عبداللّه بن سنان قال:
«سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن الرجل يسافر في شهر رمضان و معه جارية له أ فله أنيصيب منها بالنهار؟ فقال: سبحان اللّه! أما يعرف هذا حرمة شهر رمضان، انّ له في الليل سبحا طويلاً، قلت: أليس له أنيأكل و يشرب و يقصّر؟ قال: انّ اللّه تبارك و تعالى قد رخّص للمسافر في الافطار و التقصير رحمة و تخفيفا لموضع التعب و
النصب و وعث السفر، و لميرخّص له في مجامعة النساء في السفر بالنهار في شهر رمضان، و أوجب عليه قضاء الصيام و لميوجب عليه قضاء تمام الصلاة اذا آب من سفره، ثمّ قال: و السنّة لاتقاس، و انّي اذا سافرت في شهر رمضان ما آكل الاّ القوت و ما أشرب كلّ الريّ».(1)
و بين صحيحة عمر بن يزيد قال:
«سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن الرجل يسافر في شهر رمضان أله أنيصيب من النساء؟ قال: نعم».(2)
و صحيحة محمّد بن مسلم قال:
«سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن الرجل يقدم من سفر بعد العصر في شهر رمضان فيصيب امرأته حين طهرت من الحيض أيواقعها؟ قال: لا بأس به».(3)
ثمّ اعلم أنّه خالف في المسألة أبو الصلاح و الشيخ كما في المختلف، فقال الأوّل: «لايجوز لمن سقط عنه فرض الصوم ببعض الأعذار أنيتملأّ من الطعام و الشراب، بل يقتصر على ما يمسك الرمق، و لايجوز له الجماع مختارا ما لميخف فسادا في الدين. [و قال الثاني:] لايجوز للمسافر أنيجامع النساء نهارا الاّ عند الحاجة، و لاينبغي أنيتملأّ من الطعام و الشراب».(4)
و احتجّا بما مرّ من صحيحة عبداللّه بن سنان، و كذا صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«اذا سافر الرجل في شهر رمضان فلايقرب النساء بالنهار في شهر رمضان فانّ ذلك محرّم عليه».(1)
و الجواب عنهما أنّ الصحيحتين محمولتان على الكراهة الشديدة، جمعا بين الأخبار.
و استدلّ العلاّمة في المختلف للجواز بقوله تعالى: و من كان مريضا أو على سفر فعدّة من أيّام أخر(2)معناه: فليفطر و عليه عدّة من أيّام أخر. و بأنّ المقتضي للاباحة موجود و المانع لايصلح للمانعيّة، فتثبت الاباحة. أمّا الأوّل فلقوله تعالى: فأتوا حرثكم أنّى شئتم(3)و أمّا الثاني فلأنّه لو كان هناك مانع لكان هو رمضان، لكنّه انّما يكون مانعا لو وجب صومه، و التالي منتفٍ فينتفي المقدّم. و استدلّ أيضا بما مرّ من صحيحتي عمر بن يزيد و محمّد بن مسلم و خبري علي بن الحكم و داود بن الحصين اللذين أوردهما صاحب الوسائل في الباب الثالثعشر من أبواب من يصحّ منه الصوم.
قال في الجواهر: «قد قطع الأصحاب كما في المدارك بأنّ من يسوغ له الافطار كالمريض والمسافر و غيرهما في شهر رمضان يكره له التملّي من الطعام و الشراب، بل في المسالك نفي الخلاف عنه ـ الى أنقال: ـ و كذا لا فرق بين الجماع و بين الأكل و الشرب في الجواز ـ و بعد الاستدلال لما ذهب اليه قال: ـ و حينئذٍ فما قيل و القائل الشيخ انّه يحرّم للمسافر أنيجامع نهارا الاّ عند الحاجة، و عن أبي الصلاح أنّه لايجوز لمن يسوغ له الافطار الجماع مختارا ما لميخف فسادا في الدين واضح الضعف. انتهى».(4)
وردت الرخصة في افطار شهر رمضان لأشخاص، بل قد يجب: «الأوّل» و «الثاني»: الشيخ و الشيخة اذا تعذّر عليهما الصوم، أو كان حرجا و مشقّة، فيجوز لهما الافطار لكن يجب عليهما في صورة المشقّة بل في صورة التعذّر أيضا التكفير بدل كلّ يوم بمدّ من طعام، و الأحوط مدّان و الأفضل كونهما من حنطة و الأقوى وجوب القضاء عليهما لو تمكّنا بعد ذلك.
الشرح:
لا اشكال و لا خلاف في جواز افطار الشيخ و الشيخة في شهر رمضان اذا تعذّر عليهما الصوم أو كان حرجا و مشقّة عليهما.
قال في الجواهر: «الهِمُّ و الشيخ و المرأة الكبيرة و ذو العُطاش يفطرون في رمضان بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه من غير فرق بين عجزهم عنه و بين كونه شاقّا عليهم مشقّة لاتتحمّل. انتهى».(1)
1) ـ جواهر الكلام 17: 144.
و الدليل على ذلك قوله تعالى: و على الذين يطيقونه فدية طعام مسكين(1)ففي صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليهالسلام في قول اللّه عزّوجلّ: و على الذين يطيقونه فدية طعام مسكين قال:
«الشيخ الكبير و الذي يأخذه العطاش».(2)
و في تفسير العيّاشي عن سماعة عن أبي بصير قال:
«سألته عن قول اللّه عزّوجلّ: «و على الذين يطيقونه فدية طعام مسكين»، قال: هو الشيخ الكبير الذي لايستطيع و المريض».(3)
و مرسلة ابن بكير عن أبي عبداللّه عليهالسلام في قول اللّه عزّوجلّ: «و على الذين يطيقونه فدية طعام مسكين» قال:
«الذين كانوا يطيقون الصوم و أصابهم كبر أو عطاش أو شبه ذلك فعليهم لكلّ يوم مدّ».(4)
و خبر عبد الملك بن عتبة الهاشمي قال:
«سألت أبا الحسن عليهالسلام عن الشيخ الكبير و العجوز الكبيرة التي تضعف عن الصوم في شهر رمضان، قال: تصدّق في كلّ يوم بمدّ حنطة».(5)
انّما الكلام في أنّ حكم الافطار بالنسبة الى الشيخ و الشيخة و ذي العطاش الزامي و أنّه لو صام لميصحّ لعدم الأمر كما ذكر ذلك صاحب الجواهر ناسبا له الى أصحابنا و علمائنا و تعيّن الفدية عليهما، أو أنّ الحكم ترخيصيّ لا الزاميّ كماذهب اليه صاحب الحدائق و أنّه لو صام صحّ و لميتعيّن عليه الفداء.
1) ـ البقرة 2: 184.
2) ـ وسائل الشيعة 7: 150 / الباب 15 من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث الثالث.
3) ـ وسائل الشيعة 7: 151 / الباب 15 من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث السابع.
4) ـ وسائل الشيعة 7: 151 / الباب 15 من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث السادس.
5) ـ وسائل الشيعة 7: 150 / الباب 15 من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث الرابع.
و استشهد كلّ منهما بظاهر الكتاب. و الأقوى ما ذهب اليه صاحب الجواهر من تعيّن الفدية على الذين يطيقونه و لايصحّ لهم الصوم.
و لنذكر ما ورد في تفسير قوله تعالى: «و على الذين يطيقونه فدية طعام مسكين» من تفسير الميزان و من تفسير مجمع البيان.
قال العلاّمة الطباطبائي في تفسير الميزان في قوله تعالى: «و على الذين يطيقونه فدية طعام مسكين»: «الاطاقة كما ذكره بعضهم صرف تمام الطاقة في الفعل، و لازمه وقوع الفعل بجهد و مشقّة، و الفدية هي البدل و هي هنا بدل مالي و هو طعام مسكين أي طعام يشبع مسكينا جائعا من أوسط ما يطعم الانسان، و حكم الفدية أيضا فرض كحكم القضاء في المريض و المسافر لمكان قوله: «و على الذين الخ» الظاهر في الوجوب التعييني دون الرخصة و التخيير. و قد ذكر بعضهم: أنّ الجملة تفيد الرخصة ثمّ نسخت فهو سبحانه خيّر المطيقين للصوم من الناس كلّهم يعني القادرين على الصوم من الناس بين أنيصوموا و بين أنيفطروا و يكفّروا عن كلّ يوم بطعام مسكين، لأنّ الناس كانوا يومئذٍ غير متعوّدين بالصوم، ثمّ نسخ ذلك بقوله: «فمن شهد منكم الشهر فليصمه اة». وقد ذكر بعض هؤلاء: أنّه نسخ حكم غير العاجزين، و أمّا مثل الشيخ الهرم و الحامل و المرضع فبقي على حاله: من جواز الفدية. و لعمري انّه ليس الاّ لعبا بالقرآن و جعلاً لآياته عضين. و أنت اذا تأمّلت الآيات الثلاث وجدتها كلاما موضوعا على غرض واحد ذا سياق واحد متّسق الجمل رائق البيان، ثمّ اذا نزّلت هذا الكلام على وحدته و اتّساقه على ما يراه هذا القائل وجدته مختلّ السياق، متطارد الجمل يدفع بعضها بعضا، و ينقض آخره أوّله، فتارة يقول: «كتب عليكم الصيام»، و أخرى يقول: يجوز على القادرين منكم الافطار و الفدية، و أخرى يقول: يجب عليكم جميعا الصيام اذا شهدتم الشهر فينسخ حكم الفدية عن القادرين و يبقى حكم غير القادرين على حاله ـ الى أنقال: ـ و يجب على هذا أنيكون قوله: «و على الذين
يطيقونه اة» في وسط الآيات ناسخا لقوله: «كتب عليكم الصيام» في أوّلها لمكان التنافي، و يبقى الكلام في وجه تقييده بالاطاقة من غير سبب ظاهر، ثمّ قوله: «فمن شهد منكم الشهر فليصمه» في آخر الآيات ناسخا لقوله: «و على الذين يطيقونه»في وسطها، و يبقى الكلام في وجه نسخه لحكم القادرين على الصيام فقط دون العاجزين، مع كون الناسخ مطلقا شاملاً للقادر و العاجز جميعا، و كون المنسوخ غير شامل لحكم العاجز الذي يراد بقاؤه، وهذا من أفحش الفساد. انتهى».(1)
أقول:
قوله رحمهالله: «و قد ذكر بعضهم» ناظر الى ما في تفسير مجمعالبيان حيث قال: ««و على الذين يطيقونه» الهاء يعود الى الصوم عند أكثر أهل العلم أي يطيقون الصوم خيّر اللّه المطيقين الصوم من الناس كلّهم بين أنيصوموا و لايكفّروا و بين أنيفطروا و يكفّروا عن كلّ يوم باطعام مسكين لأنّهم كانوا لميتعوّدوا الصوم ثمّ نسخ ذلك بقوله: «فمن شهد منكم الشهر فليصمه» وقيل انّ الهاء يعود الى الفداء عن الحسن و أبي مسلم. و أمّا المعنى بقوله: «الذين يطيقونه» ففيه ثلاثة
أقوال:
أوّلها: أنّه سائر الناس كما قدّمنا ذكره من التخيير و النسخ بعده و هو قول ابن عبّاس و الشعبي.
و ثانيها: أنّ هذه الرخصة كانت للحوامل و المراضع و الشيخ الفاني ثمّ نسخ من الآية الحامل و المرضع و بقي الشيخ الكبير عن الحسن و عطاء.
و ثالثها: أنّ معناه و على الذين كانوا يطيقونه ثمّ صاروا بحيث لايطيقونه و لا
1) ـ الميزان في تفسير القرآن 2: 9 و 10.
نسخ فيه عن السدي. انتهى موضع الحاجة».(1)
قال العلاّمة الطباطبائي في قوله تعالى «فمن تطوّع خيرا فهو خير له»(2): «التطوّع تفعّل من الطوع مقابل الكره و هو اتيان الفعل بالرضا و الرغبة، و معنى باب التفعّل الأخذ و القبول، فمعنى التطوّع التلبّس في اتيان الفعل بالرضا و الرغبة من غير كره و استثقال سواء كان فعلاً الزاميّا أو غير الزامي، و أمّا اختصاص التطوّع استعمالاً بالمستحبّات و المندوبات فممّا حدث بعد نزول القرآن بين المسلمين بعناية أنّ الفعل الذي يؤتى به بالطوع هو الندب، و أمّا الواجب ففيه شوب كره لمكان الالزام الذي فيه. و بالجملة التطوّع كما قيل: لا دلالة فيه مادّة و هيئة على الندب و على هذا فالفاء للتفريع و الجملة متفرّعة على المحصّل من معنى الكلام السابق. و المعنى و اللّه أعلم الصوم مكتوب عليكم مرعيّا فيه خيركم و صلاحكم مع ما فيه من استقراركم في صفّ الأمم التي قبلكم، و التخفيف و التسهيل لكم فأتوا به طوعا لا كرها، فانّ من أتى بالخير طوعا كان خيرا له من أنيأتي به كرها ـ الى أنقال: ـ و ربّما يقال: انّ الجملة أعني قوله تعالى: فمن تطوّع خيرا فهو خير له اة، مرتبطة بالجملة التي تتلوها أعني قوله: و على الذين يطيقونه فدية طعام مسكين اة، و المعنى أنّ من تطوّع خيرا من فدية طعام مسكين بأنيؤدّي ما يزيد على طعام مسكين واحد بما يعادل فديتين لمسكينين أو لمسكين واحد كان خيرا له. و يرد عليه: عدم الدليل على اختصاص التطوّع بالمستحبّات كما عرفت مع خفاء النكتة في التفريع، فانّه لايظهر لتفرّع التطوّع بالزيادة على حكم الفدية وجه معقول، مع أنّ قوله: فمن تطوّع خيرا، لا دلالة له على التطوّع بالزيادة فانّالتطوّع بالخير غير التطوّع بالزيادة».
و قال في قوله تعالى: و أنتصوموا خير لكم ان كنتم تعلمون: «جملة
متمّمة لسابقتها، و المعنى بحسب التقدير ـ كما مرّ ـ تطوّعوا بالصوم المكتوب عليكم فانّ التطوّع بالخير خير و الصوم خير لكم، فالتطوّع به خير على خير. و ربّما يقال: انّ الجملة أعني قوله: و أنتصوموا خير لكم خطاب للمعذورين دون عموم المؤمنين المخاطبين بالفرض و الكتابة فانّ ظاهرها رجحان فعل الصوم غير المانع من الترك فيناسب الاستحباب دون الوجوب، و يحمل على رجحان الصوم و استحبابه على أصحاب الرخصة من المريض و المسافر فيستحبّ عليهم اختيار الصوم على الافطار و القضاء. و يرد عليه: أوّلاً عدم الدليل عليه، و ثانيا ظاهر قوله تعالى: فعدّة من أيّام أخر، تعيّن الصوم في أيّام أخر، لا التخيير بين الافطار و بين الصوم في شهر رمضان. انتهى موضع الحاجة من كلامه».(1)
و أنت اذا تأمّلت في الآيات الواردة في حكم الصوم تجدها مرتبطة بعضها ببعض. فانّه تعالى فرض الصيام على المسلمين كافّة في قوله: يا أيّها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام الخ(2)ثمّ أخرج المريض و المسافر عن حكم الصوم بقوله: فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدّة من أيّام أخر(3)و أوجب عليهما الصوم في غير شهر رمضان. ثمّ ذكر قسما ثالثا من المسلمين و هم الذين يطيقونه، أي لو صاموا كانت لهم مشقّة فقال: و على الذين يطيقونه فدية طعام مسكين و تعيّن لهم الفدية، و وضع عنهم الصوم. و هذا المعنى تصدّقه الروايات الواردة في الباب؛ ففي صحيحة محمّد بن مسلم قال:
«سمعت أبا جعفر عليهالسلام يقول: الشيخ الكبير و الذي به العطاش لا حرج عليهما أنيفطرا في شهر رمضان، و يتصدّق كلّ واحد منهما في كلّ
يوم بمدّ من طعام، و لا قضاء عليهما، و ان لميقدرا فلا شيء عليهما».(1)
و صحيحة عبداللّه بن سنان قال:
«سألته عن رجل كبير ضعف عن صوم شهر رمضان، قال: يتصدّق كلّ يوم بما يجزي من طعام مسكين».(2)
و صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«سألته عن رجل كبير يضعف عن صوم شهر رمضان، فقال: يتصدّق بما يجزي عنه طعام مسكين لكلّ يوم».(3)
هذا مضافا الى ما تقدّم من الروايات الواردة في تفسير قوله تعالى: و على الذين يطيقونه فدية طعام مسكين.
فرعان:
اختلفوا في وجوب الكفّارة على الشيخ و الشيخة اذا عجزا عن الصيام بعد الاتّفاق على وجوب الكفّارة عليهما اذا أطاقاه بمشقّة عظيمة.
قال العلاّمة في المختلف: «قال الشيخ في «النهاية» و «المبسوط» و «الاقتصار» بالوجوب، و هو اختيار ابن أبي عقيل و ابن الجنيد و ابن بابويه في رسالته و ولده أبي جعفر في المقنع و ابن البرّاج. و قال المفيد رحمهالله و السيّد المرتضى و سلاّر و ابن
ادريس بعدم الوجوب و سقوط الكفّارة عنهما. انتهى ملخصّا».(1)
و الحقّ وجوب الكفّارة عليهما مطلقا، و ذلك لقوله تعالى: و على الذين يطيقونه فدية طعام مسكين و قد تقدّم أنّ اللّه تعالى ذكر قسما ثالثا من المكلّفين و هم الذين يطيق الصوم لهم أي يكون ذا مشقّة و حرج عليهم، و الفهم العرفي يدلّنا على عدم الفرق بين من كان الصوم له حرجا أو كان عاجزا، بمعنى أنّ المفهوم من هذه الآية سقوط القضاء و وجوب الفدية على من لميكن على يسر بل كان على عسر، سواء كان عسره لكونه حرجا عليه أو عاجزا عنه.
و الدليل على قولنا اطلاق الروايات الواردة التي تقدّمت في وجوب الفدية على الشيخ و الشيخة، و خصوصا ما رواه العيّاشي في تفسيره عن سماعة عن أبي بصير قال:
«سألته عن قول اللّه عزّوجلّ: و على الذين يطيقونه فدية طعام مسكين قال: هو الشيخ الكبير الذي لايستطيع و المريض».(2)
و أمّا الدليل المخالف مع جوابه فانظر في خلال كلام الشيخ مرتضى الأنصاري رحمهالله، فانّه قال: «لا خلاف ظاهرا في جواز الافطار للشيخ و الشيخة، سواء عجزا عن الصوم أصلاً أو شقّ عليهما. و يدلّ عليه ـ مضافا الى العمومات ـ خصوص الرواية الآتية و لا خلاف أيضا ـ على الظاهر ـ في وجوب التصدّق مع شقّ الصوم، و انّما الخلاف في وجوب التصدّق على العاجز عن الصوم رأسا، فانّ المحكي عن المفيد و المرتضى و ابن زهرة و الحلبي و الديلمي و الحلّي و العلاّمة في المختلف و المحقّق و الشهيد الثانيين عدم وجوب التصدّق في هذهالصورة و عن الانتصار دعوى الاجماع عليه، و عن الغنية نفي الخلاف عنه و حكي عن الأكثر، للأصل و الخبر: «رجل شيخ لايستطيع القيام الى الخلا لضعفه و
لايمكنه الركوع و السجود، فقال: ليؤم برأسه ايماءًا ـ الى أنقال: ـ قلت: فالصيام؟ قال عليهالسلام: اذا كان في ذلك الحدّ فقد وضع اللّه عنه، فان كانت له مقدرة فصدقة مدّ من طعام بدل كلّ يوم أحبّ اليّ، و ان لميكن له يسار ذلك فلا شيء عليه».(1)و ضعفه مجبور بالاجماع و عدم الخلاف ـ المحكيين ـ فيخصّص اطلاق روايات كأنّه دعى جماعة من الأصحاب كالقديمين و الصدوقين و الشيخ و القاضي و الفاضلين و ابن فهد و الشهيد ـ على ما حكي عنهم ـ الى القول بوجوب الصدقة مطلقا. منها: رواية محمّد بن مسلم عن أبي جفعر عليهالسلام قال:
«سمعت أبا جعفر عليهالسلام يقول: الشيخ الكبير و الذي به العطاش لا حرج عليهما أنيفطرا في شهر رمضان، و يتصدّق كلّ واحد منهما في كلّ يوم بمدّ من طعام و لا قضاء عليهما، و ان لميقدرا فلا شيء عليهما».(2)
و رواية عبدالملك بن عتبة الهاشمي قال: «سألت أبا الحسن عليهالسلام عن الشيخ الكبير و العجوز الكبيرة التي تضعف عن الصوم في شهر رمضان، قال: تصدّق في كلّ يوم بمدّ حنطة».(3)
و رواية الحلبي عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال: «سألته عن رجل كبير يضعف عن صوم شهر رمضان، فقال: يتصدّق بما يجزي عنه طعام مسكين لكلّ يوم».(4)
و نحوها أخبار أخر. ولكن في صلاحيّة ذلك الخبر لتقييد هذه تأمّل، لعدم صراحته في استحباب التصدّق أوّلاً و ضعفه ثانيا. و أمّا الاجماع و عدم الخلاف ـ المحكيان ـ فموهونان بمصير جماعة كثيرة من أجلاّء القدماء و المتأخّرين على الخلاف ـ كما عرفت ـ . مضافا الى معارضة الخبر بالخبر المحكي في تفسير قوله
1) ـ وسائل الشيعة 7: 151 / الباب 15 من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث العاشر.
2) ـ وسائل الشيعة 7: 149 / الباب 15 من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث الأوّل.
3) ـ وسائل الشيعة 7: 150 / الباب 15 من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث الرابع.
4) ـ وسائل الشيعة 7: 151 / الباب 15 من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث التاسع.
تعالى: و على الذين يطيقونه فدية ... أنّه الشيخ الكبير الذي لايستطيع و المريض.
فتبقى العمومات على كثرتها سليمة عن المعارض، فالقول بالوجوب لعلّه أقوى و أحوط، و ان كان للتأمّل فيه أيضا مجال من جهة امكان دعوى ظهورها في من يشقّ عليه، مع التأمّل في دلالة الجملة الخبريّة على الوجوب. انتهى».(1)
و نحن نقول: فلا مجال للتأمّل فيه بعد البيان الذي مرّ في تفسير الآية، و دلالة الجملة الخبريّة على الوجوب أقوى من دلالة الأمر عليه كما اتّضح في محلّه.
و أمّا القضاء فقد مرّ أيضا في تفسير الآية عدم وجوبه و ان تمكّن ـ على فرض بعيد ـ من الاتيان به، مضافا الى عدم الدليل على القضاء بل اطلاق الروايات يدلّ على العدم.
قال الشيخ مرتضى الأنصاري رحمهالله: «ثمّ انّ الأقوى: عدم وجوب القضاء و ان قدر عليه بعد ذلك، لعدم الدليل لاخصوصا و لاعموما، مضافا الى رواية محمّد بن مسلم المتقدّمة [حيث قال عليهالسلام: و يتصدّق كلّ واحد في كلّ يوم بمدّ و لاقضاء عليهما]. و ان أمكن أنيقال بورودها مورد الغالب و هو عدم تجدّد القدرة لهما. انتهى».(2)
يجب على الذين يطيقونه (أي الشيخ و الشيخة) بدل كلّ يوم من صوم شهر رمضان فدية طعام مسكين: و المراد من فدية طعام مسكين، مدّ من طعام، و ذلك
أوّلاً أنّ مدّا واحدا يسدّ جوع مسكين واحد في الأغلب.
و ثانيا لصحيحة محمّد بن مسلم قال:
«سمعت أبا جعفر عليهالسلام يقول: الشيخ الكبير و الذي به العطاش لا حرج عليهما أنيفطرا في شهر رمضان، و يتصدّق كلّ واحد منهما في كلّ يوم بمدّ من طعام، و لا قضاء عليهما، و ان لميقدرا فلا شيء عليهما».(1)
و لاتعارضها صحيحة ثانية لمحمّد بن مسلم قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليهالسلام يقول: و ذكر مثله الاّ أنّه قال: و يتصدّق كلّ واحد منهما في كلّ يوم بمدّين من طعام».(2)
لحملها على الاستحباب جمعا بينها و بين سابقتها.
قال العلاّمة في المختلف: «لو قدر الشيخ الكبير و الشيخة على الصوم بمشقّة عظيمة سقط وجوب الصوم أداءًا و قضاءًا، و وجبت الكفّارة اجماعا. و في قدرها قولان:
قال الشيخ: مدّان عن كلّ يوم، فان عجزا فمدّ. و به قال ابن البرّاج.
و قال المفيد و ابن أبي عقيل و ابن الجنيد و السيّد المرتضى و ابنا بابويه و سلاّر و ابن ادريس: مدّ واحد، و هو الأقرب.
لنا: الأصل براءة الذمّة.
و قوله تعالى:«فدية طعام مسكين» و في الغالب أنّ قوت المسكين في اليوم مدّ.
و كذا في روايتي الحلبي و محمّد بن مسلم الصحيحتين. و في رواية عبدالملك بن عتبة الهاشمي «تصدّق عن كلّ يوم بمدّ من حنطة» و في صحيحة
محمّد بن مسلم: «و يتصدّق في كلّ يوم بمدّ من طعام».
احتجّ الشيخ: بالاحتياط، و بما رواه محمّد بن مسلم في الصحيح قال: سمعت أبا عبداللّه عليهالسلام، و ذكر الحديث، الاّ أنّه قال: «و يتصدّق كلّ واحد منهما في كلّ يوم بمدّين من طعام».
و الجواب عن الأوّل: أنّه معارض بالبراءة الأصليّة. و عن الحديث أنّه محمول على الاستحباب. انتهى».(1)
ثمّ اعلم أنّه يجوز التصدّق بما صدق عليه الطعام الاّ أنّ الأفضل أنيكون مدّا من حنطة. أمّا اجزاء مطلق الطعام فلاطلاق الروايات كصحيحة محمّد بن مسلم المتقدّمة حيث قال عليهالسلام: «و يتصدّق كلّ واحد منهما في كلّ يوم بمدّ من طعام».
و أمّا أفضليّة الحنطة فلما في رواية عبدالملك بن عتبة الهاشمي قال: «تصدّق في كلّ يوم بمدّ حنطة».
«الثالث»: من به داء العطش فانّه يفطر سواء كان بحيث لايقدر على الصبر، أو كان فيه مشقّة، و يجب عليه التصدّق بمدّ، و الأحوط مدّان، من غير فرق بين ما اذا كان مرجوّ الزوال أم لا، و الأحوط بل الأقوى وجوب القضاء عليه اذا تمكّن بعد ذلك، كما أنّ الأحوط أنيقتصر على مقدار الضرورة.
الشرح:
و أمّا ذو العطاش ـ بضمّ العين ـ و هو داء لايروى صاحبه من الماء، فيجوز له الافطار، سواء كان بحيث لايقدر على الصبر أو كان فيه مشقّة، بلا خلاف ظاهر، و حكي عليه الاجماع مستفيضا كما عن الشيخ الأنصاري في كتاب الصوم. و الدليل عليه مضافا الى عدم الخلاف فيه قوله تعالى: و على الذين يطيقونه فدية طعام
1) ـ مختلف الشيعة 3: 409.
مسكين و قد ورد في صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليهالسلام في قول اللّه عزّوجلّ: و على الذين يطيقونه فدية طعام مسكين قال: «الشيخ الكبير و الذي يأخذه العطاش».(1)
و كذا في اطلاق صحيحة ثانية لمحمّد بن مسلم قال:
«سمعت أبا جعفر عليهالسلام يقول: الشيخ الكبير و الذي به العطاش لاحرج عليهما أنيفطرا في شهر رمضان، و يتصدّق كلّ واحد منهما في كلّ يوم بمدّ من طعام، و لا قضاء عليهما، و ان لميقدرا فلا شيء عليهما».(2)
و لا كلام في وجوب التصدّق عليه و عدم القضاء اذا لميقدر عليه كما عن شيخنا الأعظم الشيخ مرتضى الأنصاري. انّما الكلام في وجوب القضاء عليه اذا برئ، فالظاهر عدم وجوب القضاء عليه أيضا و يجب عليه التصدّق بمدّ، لاطلاق صحيحتي محمّد بن مسلم المتقدّمتين آنفا و ظهور الآية. و قال الشيخ الأنصاري رحمهالله: «ذهب الأكثر الى وجوب القضاء عليه اذا برئ، بل حكي عليه عدم الخلاف، و قال بدلالة العمومات الدالّة على وجوب القضاء على المريض اذا برئ، من الكتاب والسنّة. انتهى ملخّصا».(3)
و فيه: انّ ذا العطاش يكون من مصاديق قوله تعالى: و على الذين يطيقونه كما فسّر في صحيحة محمّد بن مسلم المتقدّمة آنفا. و يؤيّده ما ورد في مرسلة ابن بكير عن بعض أصحابنا عن أبي عبداللّه عليهالسلام في قول اللّه عزّوجلّ: و على الذين يطيقونه فدية طعام مسكين قال:
«الذين كانوا يطيقون الصوم و أصابهم كبر أو عطاش أو شبه ذلك
فعليهم لكلّ يوم مدّ».(1)
و يؤيّده أيضا خبر داود بن فرقد عن أبيه عن أبي عبداللّه عليهالسلام (في حديث) في من ترك صوم ثلاثة أيّام في كلّ شهر، فقال:
«ان كان من مرض فاذا برئ فليقضه و ان كان من كبر أو عطش فبدل كلّ يوم مدّ».(2)
و خبره الآخر عن أخيه قال:
«كتب اليّ حفص الأعور: سل أبا عبداللّه عليهالسلام عن ثلاث مسائل، فقال أبو عبداللّه عليهالسلام: ما هي؟ فقال: عن بدل الصيام ثلاثة أيّام من كلّ شهر؟ فقال أبو عبداللّه عليهالسلام: من مرض أو كبر أو عطش؟ فقال: ما سمّى شيئا، فقال: ان كان من مرض فاذا قوي فليصمه، و ان كان من كبر أو عطش فبدل كلّ يوم مدّ».(3)
قال صاحب الحدائق: «اختلف الأصحاب ـ رضوان اللّه عليهم ـ في حكم ذيالعطاش، فقيل بأنّه يجب عليه الافطار اذا شقّ عليه الصيام و يجب عليه التكفير والقضاء مع البرء، و اختاره المحقّق في المعتبر والشرائع ـ الى أنقال: ـ و قيل انّه ان كان مرجوّ الزوال يجب على صاحبه القضاء بعد البرء و لاكفّارة و ان كان ممّا لايرجى زواله وجبت الكفّارة خاصّة دون القضاء. اختاره العلاّمة في جملة من كتبه. ـ الى أنقال: ـ و اطلاق الخبر المتقدّم مدافع لكلّ من القولين فانّه دالّ على وجوب التكفير مطلقا أعمّ من أنيرجى برؤه أم لا و نفي القضاء مطلقا أعمّ من أنيرجى برؤه أم لا، و لا ريب أنّ الوقوف على ظاهر الخبر هو الأظهر و الاحتياط
لايخفى. انتهى».(1)
و المتحصّل ممّا مرّ وجوب الكفّارة على ذي العطاش مطلقا و عدم وجوب القضاء عليه مطلقا.
هل يجب على ذي العطاش الاقتصار من الشرب على ما تندفع به الضرورة أم يجوز له التملّي من الشرب و غيره؟ الظاهر الثاني، لظاهر قوله تعالى: و على الذين يطيقونه فدية طعام مسكين و ظاهر صحيحة محمّد بن مسلم المتقدّمة.
و قيل بالأوّل لموثّقة عمّار عن أبي عبداللّه عليهالسلامفي الرجل يصيبه العطاش حتّى يخاف على نفسه، قال:
«يشرب بقدر ما يمسك رمقه و لايشرب حتّى يروى».(2)
ولكن الظاهر أنّ مورد الموثّقة غير مورد الصحيحة المتقدّمة. فانّ مورد الموثّقة من يصيبه العطش أثناء النهار لأمر عارضي من شدّة الحرّ و نحو ذلك بحيث يخاف على نفسه، و لأجله يضطرّ الى الشرب، فموضوعها الاضطرار، و من البيّن أنّ المضطرّ و ان ساغ له الافطار الاّ أنّه يلزمه الاقتصار على ما يندفع به الاضطرار فانّ الضرورات تقدر بقدرها، و يجب عليه الامساك بقيّة النهار و ان بطل صومه، و هذا نظير الموارد التي سبقت في من كان يجب عليه القضاء دون الكفّارة.
«الرابع»: الحامل المقرب التي يضرّها الصوم، أو يضرّ حملها، فتفطر و
تتصدّق من مالها بالمدّ أو المدّين و تقضي بعد ذلك.
«الخامس»: المرضعة القليلة اللبن اذا أضرّ بها الصوم، أو أضرّ بالولد، و لا فرق بين أنيكون الولد لها أو متبرّعة برضاعه أو مستأجرة، و يجب عليها التصدّق بالمدّ أو المدّين أيضا من مالها و القضاء بعد ذلك، و الأحوط بل الأقوى الاقتصار على صورة عدم وجود من يقوم مقامها في الرضاع تبرّعا أو بأجرة من أبيه، أو منها أو من متبرّع.
الشرح:
الحامل المقرب و المرضع القليلة اللبن اذا لمتطيقا الصوم يجوز لهما الافطار و عليهما أنتتصدّقا لكلّ يوم تفطران فيه بمدّ من طعام و عليهما قضاء كلّ يوم أفطرتا فيه تقضيانه بعد. و ذلك لصحيحة محمّد بن مسلم قال:
«سمعت أبا جعفر عليهالسلام يقول: الحامل المقرب و المرضع القليلة اللبن لا حرج عليهما أنتفطرا في شهر رمضان لأنّهما لاتطيقان الصوم و عليهما أنتتصدّق كلّ واحد منهما في كلّ يوم تفطر فيه بمدّ من طعام، و عليهما قضاء كلّ يوم أفطرتا فيه تقضيانه بعد».(1)
و كذا يجوز الافطار بل يجب للحامل المقرب التي يضرّها الصوم و للمرضعة القليلة اللبن التي يضرّها الصوم لما تقدّم من أنّ الصوم قد وضع عن المريض و من كان الصوم يضرّ به. و قد تقدّم أيضا أنّه اذا زاحم الصوم مع وجوب حفظ نفس محترمة لايجب الصوم بل لايجوز و عليه لو كان صوم الحامل المقرب أو المرضعة القليلة اللبن مضرّا للولد تفطران و تقضيان.
قال الشيخ مرتضى الأنصاري: «الحامل المقرب ـ و هي التي قَرُب زمان وضعها ـ و المرضعة القليلة اللبن اذا خافتا على الولد أو النفس يجوز لهما الافطار
1) ـ وسائل الشيعة 7: 153 / الباب 17 من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث الأوّل.
بلا خلاف ظاهر، و عن المنتهى: أنّ عليه اجماع فقهاء الاسلام. و يدلّ عليه ـ مضافا الى عمومات نفي العسر و الحرج و الضرر ـ رواية محمّد بن مسلم. انتهى».(1)
قال العلاّمة في المختلف: «قال علي بن بابويه في «الرسالة»: واذا لميتهيّأ للشيخ أو الشابّ أو المرأة الحامل أنيصوم من العطش أو الجوع، أو تخاف المرأة أنيضرّ بولدها، فعليهم جميعا الافطار، و تصدّق عن كلّ يوم بمدّ من طعام، و ليس عليه القضاء. و هذا الكلام يشعر بسقوط القضاء في حقّ الحامل و المرضع. و المشهور بين علمائنا: وجوب القضاء عليهما. لنا: أنّهما أفطرتا لمصلحتهما، فوجب عليهما القضاء كالمريض. و لأنّ القضاء وجب مع الافطار بأبلغ الأعذار ـ و هو المرض ـ فيجب مع أدناها؛ قضاءًا للحكمة القاضية بعدم قصور الأعلى عن الأدنى. و ما رواه محمّد بن مسلم في الصحيح ...
احتجّ بالأصل، و بأنّ القضاء انّما يجب بأمر جديد، و بأنّهما أشبهتا الشيخ الفاني. و الجواب: لا اعتبار للأصل مع الدليل، و القضاء وجب بالآية و الحديث و عمل الأصحاب، و بالفرق بينهما و بين الشيخ. انتهى ملخّصا».(2)
و قال في الجواهر: «فما عن علي بن بابويه و سلاّر ـ من عدم وجوب القضاء، بل لعلّه الظاهر من عدم تعرّض الصدوق و علم الهدى له أيضا ـ لا وجه له. انتهى».(3)
انّما الكلام و الاختلاف في وجوب الفدية عليهما اذا خافتا على أنفسهما بعد الاتّفاق على وجوبها فيما اذا كان الخوف على الولد. قال في الحدائق: «المشهور في كلام الأصحاب ـ رضوان اللّه عليهم ـ هو التفصيل بالنسبة الى الحامل المقرب و
المرضع القليلة اللبن بأنّهما ان خافا على أنفسهما أفطرا و عليهما القضاء و لا كفّارة كالمريض و كلّ من خاف على نفسه، و ان خافا على الولد أفطرا و قضيا و كفّرا. قال العلاّمة في المنتهى بالنسبة الى الأوّل: ففي وجوب الفدية وجهان و الرواية مطلقة ولكن الأصحاب قيّدوا بالولد. و ظاهر المحقّق في الشرائع ـ و هو صريحه في المعتبر ـ أنّهما يفطران و يقضيان و يفديان مطلقا و هو ظاهر عبارة الارشاد. نعم عبائر المتقدّمين كالشيخ المفيد في المقنعة و الشيخ في المبسوط و ابنادريس في السرائر انّما صرحت بالخوف على الولد خاصّة فأوجبوا الافطار و القضاء و الفدية في ذلك و أمّا الخوف على أنفسهما فلميذكروا حكمه. انتهى ما في الحدائق ملخّصا».(1)
قال في الجواهر: «يجب مع القضاء الصدقة عن كلّ يوم بمدّ من طعام اذا كان الخوف على الولد بلا خلاف أجده فيه، للصحيح المتقدّم، أمّا اذا كان الخوف على النفس خاصّة فعن ظاهر الأكثر كما في شرح الاصبهاني، و المشهور كما في المسالك و غيرها عدم وجوب الفدية حينئذٍ، بل في الدروس ما يقضي بكونه ظاهر الأصحاب، مع أنّ المحكي عن الصدوقين و ابن حمزة و الفاضلين في المعتبر و التذكرة و المنتهى و التحرير القطع بتساوي الخوفين في وجوب الفدية، كما أنّ المحقّق في الشرائع و في النافع و عن الشيخ في الخلاف و الفاضل في الارشاد و التلخيص و التبصرة ذكروا الاطلاق الشامل لهما، و لعلّه لايخلو من قوّة، لاطلاق الصحيح المزبور، بل قد يشعر قوله فيه: «لايطيقان» بكون الخوف على النفس. انتهى ملخّصا».(2)
أقول:
ظاهر قوله عليهالسلام في صحيحة محمّد بن مسلم المتقدّمة: «لأنّهما لاتطيقان الصوم» هو جواز الافطار اذا كان الصوم لهما ذا مشقّة و حرج و لاتعرّض فيها بالنسبة الى الخوف على النفس أو على الولد، و عليه فوجوب الفدية ثابت للحامل المقرب أو المرضعة القليلة اللبن اذا كان الصوم حرجا و شاقّا عليهما، و قيد الحامل بالمقرب و المرضعة بقليلة اللبن يؤكّد قوله عليهالسلام: «لاتطيقان الصوم». و أمّا اذا خافتا على نفسهما الضرر من المرض و غيره فالظاهر عدم وجوب الفدية لعدم الدليل. و أمّا لو خافتا على الولد فالظاهر أيضا عدم وجوب الفدية لعدم الدليل لو لميكن هناك اجماع.
فرعان:
لا فرق في المرضع بين أنتكون الأمّ و غيرها و لا بين المتبرّعة و المستأجرة و ذلك لاطلاق قوله عليهالسلام في صحيحة محمّد بن مسلم المتقدّمة:
«الحامل المقرب و المرضع القليلة اللبن لاحرج عليهما أنتفطرا في شهر رمضان لأنّهما لاتطيقان الصوم. الحديث».(1)
هل الحكم مختصّ بمرضع لايمكنها اتّخاذ من يرضع ولدها أم يكون أعمّ من
1) ـ وسائل الشيعة 7: 153 / الباب 17 من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث الأوّل.
ذلك؟ فمقتضى القاعدة الاختصاص لأنّ رفع التكليف يختصّ بالمريض و من كان الصوم شاقّا عليه أو مضرّا له، فالمرضعة التي تمكّنت من تحصيل من يرضع ولدها من دون حرج و مشقّة و كان صلاحا لولدها لايقال انّ الصوم له حرجيّ أو مضرّ. و تؤيّده صحيحة علي بن مهزيار قال:
«كتبت اليه ـ يعني علي بن محمّد عليهالسلام ـ أسأله عن امرأة ترضع ولدها و غير ولدها في شهر رمضان فيشتدّ عليها الصوم و هي ترضع حتّى يغشى عليها و لاتقدر على الصيام أترضع و تفطر و تقضي صيامها اذا أمكنها أو تدع الرضاع و تصوم، فان كانت ممّن لايمكنها اتّخاذ من يرضع ولدها فكيف تصنع؟ فكتب: ان كانت ممّن يمكنها اتّخاذ ظئر استرضعت لولدها و أتمّت صيامها و ان كان ذلك لايمكنها أفطرت و أرضعت ولدها و قضت صيامها متى ما أمكنها».(1)
1) ـ وسائل الشيعة 7: 154 / الباب 17 من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث الثالث.
و هي أمور، «الأوّل»: رؤية المكلّف نفسه.
الشرح:
يعلم شهر رمضان و شوّال بأمور؛ الأوّل: رؤية الهلال، فمن رآه وجب عليه الصوم أو الافطار و ان انفرد، فلا خلاف و لا اشكال بيننا في ذلك كما في الجواهر، و ذهب اليه علماؤنا أجمع كما في التذكرة.
و يدلّ عليه الكتاب؛ قال اللّه تعالى: فمن شهد منكم الشهر فليصمه(1)فمن رأى الهلال يصدق عليه شهادة الشهر. و كذا تدلّ عليه السنّة المستفيضة أو المتواترة؛ منها: صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«انّه سئل عن الأهلّة، فقال: هي أهلّة الشهور، فاذا رأيت الهلال فصم، و اذا رأيته فأفطر».(2)
و منها: ما رواه الشيخ في الصحيح عن أبي الصباح و الحلبي جميعا عن أبي عبداللّه عليهالسلام:
«أنّه سئل عن الأهلّة فقال: هي أهلّة الشهور، فاذا رأيت الهلال فصم، و اذا رأيته فأفطر. الحديث».(1)
و منها: صحيحة زيد الشحّام عن أبي عبداللّه عليهالسلام أنّه سئل عن الأهلّة، فقال:
«هي أهلّة الشهور، فاذا رأيت الهلال فصم، و اذا رأيته فأفطر. الحديث».(2)
فاطلاق هذه الروايات يقتضي عدم الفرق بين انفراد المكلّف برؤيته و بين مشاركة غيره بها. و قد صرّح بذلك في صحيحة علي بن جعفر أنّه سأل أخاه موسى بن جعفر عليهالسلام عن الرجل يرى الهلال في شهر رمضان وحده لايبصره غيره، أله أنيصوم؟ قال:
«اذا لميشكّ فليصم و الاّ فليصم مع الناس».(3)
و منها: صحيحته الثانية عن أخيه قال:
«سألته عمّن يرى هلال شهر رمضان وحده لايبصره غيره أله أنيصوم؟ فقال: اذا لميشكّ فيه فليصم وحده و الاّ يصوم مع الناس اذا صاموا».(4)
قال في الحدائق: «قال العلاّمة في التذكرة: و يلزم صوم رمضان من رأى الهلال و ان كان واحدا انفرد برؤيته سواء كان عدلاً أو غير عدل شهد عند الحاكم أو لميشهد قبلت شهادته أو ردّت، ذهب اليه علماؤنا أجمع و هو قول أكثر العامّة، و
1) ـ وسائل الشيعة 7: 183 / الباب الثالث من أبواب أحكام شهر رمضان / الحديث السابع.
2) ـ وسائل الشيعة 7: 182 / الباب الثالث من أبواب أحكام شهر رمضان / الحديث الثالث.
3) ـ وسائل الشيعة 7: 188 / الباب الرابع من أبواب أحكام شهر رمضان /الحديثالأوّل.علىروايهالشيخ
4) ـ وسائل الشيعة 7: 188 / الباب الرابع من أبواب أحكام شهر رمضان / الحديث الثاني.
عند بعضهم أنّ المنفرد لايصوم. انتهى».(1)
«الثاني»: التواتر.
الشرح:
اذا لمير المكلّف الهلال بنفسه ولكن ثبتت الرؤية بالتواتر يجب عليه الصيام أو الافطار، و الدليل على ذلك كلّ ما دلّ على تعليق الافطار و الصيام بالرؤية لأنّه لا خصوصيّة لرؤية المكلّف بنفسه بل المراد من الروايات ثبوت الرؤية، فانظر الى صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليهالسلام قال:
«اذا رأيتم الهلال فصوموا، و اذا رأيتموه فأفطروا، و ليس بالرأي و لا بالتظنّي ولكن بالرؤية. الحديث».(2)
و صحيحة محمّد بن الفضيل عن أبي الحسن الرضا عليهالسلام في حديث قال:
«صوموا للرؤية، و أفطروا للرؤية».(3)
و صحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر عليهالسلام قال:
«قال أمير المؤمنين عليهالسلام: اذا رأيتم الهلال فأفطروا. الحديث».(4)
و موثّقة سماعة (رفاعة) قال:
«صيام شهر رمضان بالرؤية و ليس بالظنّ. الحديث».(5)
فالمستفاد من هذه الأخبار أنّه اذا لمير المكلّف الهلال بنفسه لمانع ككونه أعمى، أو لميحضر ولكن قال جمّ من الناس بلغ حدّ التواتر أنّهم رأوه فهذا أيضا
1) ـ الحدائق الناضرة 13: 240.
2) ـ وسائل الشيعة 7: 182 / الباب الثالث من أبواب أحكام شهر رمضان / الحديث الثاني.
3) ـ وسائل الشيعة 7: 183 / الباب الثالث من أبواب أحكام شهر رمضان / الحديث الخامس.
4) ـ وسائل الشيعة 7: 184 / الباب الثالث من أبواب أحكام شهر رمضان / الحديث العاشر.
5) ـ وسائل الشيعة 7: 183 / الباب الثالث من أبواب أحكام شهر رمضان / الحديث السادس.
بمثابة رؤيته بنفسه، لأنّ موضوع وجوب الصوم هو شهر رمضان بوجوده الواقعي فلابدّ من احرازه بعلم أو علمي، فرؤية المكلّف بنفسه سبب للعلم، كما أنّ تواتر الرؤية من قبل الناس أيضا سبب للعلم.
«الثالث»: الشياع المفيد للعلم، و في حكمه كلّ ما يفيد العلم ولو بمعاونة القرائن، فمن حصل له العلم بأحد الوجوه المذكورة وجب عليه العمل به و ان لميوافقه أحد، بل و ان شهد و ردّ الحاكم شهادته.
الشرح:
الثالث من الأمور التي قد يفيد العلم الشياع المفيد للعلم، و تدلّ عليه موثّقة عبداللّه بن بكير بن أعين عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«صم للرؤية و أفطر للرؤية، و ليس رؤية الهلال أنيجيء الرجل و الرجلان فيقولان: رأينا، انّما الرؤية أنيقول القائل: رأيت، فيقول القوم: صدق».(1)
و يمكن أنيستدلّ له أيضا بصحيحة محمّد بن مسلم المتقدّمة عن أبي جعفر عليهالسلامقال:
«اذا رأيتم الهلال فصوموا، و اذا رأيتموه فأفطروا، و ليس بالرأي و لا بالتظنّي ولكن بالرؤية، (قال:) و الرؤية ليس أنيقوم عشرة فينظروا فيقول واحد: هو ذا هو، و ينظر تسعة فلايرونه، اذا رآه واحد رآه عشرة آلاف. الحديث».(2)
فالمتحصّل من هذين الخبرين أنّ الشياع لرؤية الهلال اذا أفاد العلم يكون
كرؤية المكلّف بنفسه فيجب عليه الصوم. و كما قال الماتن كلّ ما يفيد العلم و لو بمعونة القرائن يكون بحكمه و وجب عليه العمل كما تقدّم آنفا.
«الرابع»: مضيّ ثلاثين يوما من هلال شعبان أو ثلاثين يوما من هلال رمضان، فانّه يجب الصوم معه في الأوّل و الافطار في الثاني.
الشرح:
الرابع من الأمور التي يثبت بها شهر رمضان أو شهر شوّال عدّ ثلاثين يوما من شعبان لو لمير الهلال، و عدّ ثلاثين يوما من شهر رمضان اذا لمير هلال شهر شوّال، و هو مجمع عليه بين العلماء من الطرفين بل قيل انّه من ضروريّات الدين، كما في الحدائق.
و تدلّ عليه صحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر عليهالسلام قال:
«قال أمير المؤمنين عليهالسلام: اذا رأيتم الهلال فأفطروا، أو شهد عليه عدل من المسلمين ـ الى أنقال: ـ و ان غمّ عليكم فعدّوا ثلاثين ليلة ثمّ أفطروا».(1)
و موثّقة اسحاق بن عمّار عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«ان خفي عليكم فأتمّوا الشهر الأوّل ثلاثين».(2)
و خبر أبي خالد الواسطي عن أبي جعفر عليهالسلام في حديث قال:
«انّ رسول اللّه صلىاللهعليهوآله قال: و اذا خفي الشهر فأتمّوا العدّة شعبان ثلاثين يوما، و صوموا الواحد و ثلاثين».(3)
و خبر قطر بن عبد الملك قال:
«قال يعني أبا عبداللّه عليهالسلام: يصيب شهر رمضان ما يصيب الشهور من النقصان، فاذا صمت من شهر رمضان تسعة و عشرين يوما ثمّ تغيّمت فأتمّ العدّة ثلاثين يوما».(1)
و خبر معاوية بن عمّار، عن أبي عبداللّه عليهالسلام في قوله تعالى: و لتكملوا العدّة قال: «صوم ثلاثين يوما»(2)حمله الشيخ على ما اذا غمّ هلال شوّال.
«الخامس»: البيّنة الشرعيّة، و هي خبر عدلين سواء شهدا عند الحاكم و قبل شهادتهما، أو لميشهدا عنده، أو شهدا و ردّ شهادتهما، فكلّ من شهد عنده عدلان يجوز بل يجب عليه ترتيب الأثر من الصوم أو الافطار، و لا فرق بين أنتكون البيّنة من البلد أو من خارجه، و بين وجود العلّة في السماء و عدمها، نعم يشترط توافقهما في الأوصاف فلو اختلفا فيها لا اعتبار بها، نعم لو أطلقا أو وصف أحدهما و أطلق الآخر كفى، و لايعتبر اتّحادهما في زمان الرؤية مع توافقهما على الرؤية في الليل، و لايثبت بشهادة النساء، و لا بعدل واحد و لو مع ضمّ اليمين.
الشرح:
الخامس: شهادة العدلين و قد اختلف في ذلك كلام الأصحاب.
قال في الحدائق: «ذهب جملة من الأصحاب، منهم الشيخ المفيد و المرتضى و المحقّق و العلاّمة و ابن ادريس و أكثر الأصحاب الى أنّه يثبت بشهادة عدلين ذكرين مطلقا سواء كان صحوا أو غيما و سواء كان من داخل البلد أو خارجه، و قيل بقبول شهادة الواحد في أوّله و انّه يجب الصوم بها و هو قول سلاّر. قال
أبو الصلاح: يقوم مقام الرؤية شهادة رجلين عدلين في الغيم و غيره من العوارض، و في الصحو و انتفاؤها اخبار خمسين رجلاً. و قال الصدوق في المقنع: تجوز شهادة رجلين عدلين اذا كانا من خارج البلد و كان بالمصر علّة. و قال الشيخ في المبسوط بقبول شهادة العدلين من البلد أو خارجه اذا كان في السماء علّة، و ان لميكن في السماء علّة لمتقبل الاّ شهادة القسامة خمسون رجلاً من البلد أو خارجه. و نظيره قال في النهاية الاّ أنّه قيّد قبول شهادة العدلين بما اذا رأيا الهلال خارج البلد. انتهى ملخّصا».(1)
و الحقّ ما ذهب اليه الأكثر من قبول شهادة الرجلين العدلين برؤية الهلال مطلقا و ذلك لصحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليهالسلام:
«انّ عليّا عليهالسلام كان يقول: لاأجيز في الهلال الاّ شهادة رجلين عدلين».(2)
و صحيحته الثانية عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«قال علي عليهالسلام: لاتقبل شهادة النساء في رؤية الهلال الاّ شهادة رجلين عدلين».(3)
و صحيحة حمّاد بن عثمان عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«قال أميرالمؤمنين عليهالسلام: لايجوز شهادة النساء في الهلال و لايجوز الاّ شهادة رجلين عدلين».(4)
و صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبداللّه عليهالسلام أنّه قال:
«صم لرؤية الهلال و أفطر لرؤيته فان شهد عندكم شاهدان مرضيّان
بأنّهما رأياه فاقضه».(1)
و صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«سمعته يقول: لاتصم الاّ للرؤية أو يشهد شاهدا عدل».(2)
و مرفوعة محمّد بن عيسى قال:
«قضى رسول اللّه صلىاللهعليهوآله بشهادة الواحد و اليمين في الدين، و أمّا الهلال فلا الاّ بشاهدي عدل».(3)
و خبر شعيب بن يعقوب عن جعفر عن أبيه عليهماالسلام:
«أنّ عليّا عليهالسلام قال: لاأجيز في الطلاق و لا في الهلال الاّ رجلين».(4)
و بازاء هذه الروايات روايات يقال بمعارضتها لما سبق لدلالتها على عدم حجّيّة البيّنة فيما اذا لمتكن في السماء علّة؛ منها: صحيحة أبي أيّوب ابراهيم بن عثمان الخزاز عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«قلت له: كميجزي في رؤية الهلال؟ فقال: انّ شهر رمضان فريضة من فرائض اللّه فلاتؤدّوا بالتظنّي، و ليس رؤية الهلال أنيقوم عدّة فيقول واحد: قد رأيته، و يقول الآخرون: لم نره، اذا رآه واحد رآه مأة، و اذا رآه مأة رآه ألف، و لايجزي في رؤية الهلال اذا لميكن في السماء علّة أقلّ من شهادة خمسين، و اذا كانت في السماء علّة قبلت شهادة رجلين يدخلان و يخرجان من مصر».(5)
و منها: صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليهالسلام قال:
«اذا رأيتم الهلال فصوموا، و اذا رأيتموه فأفطروا، و ليس بالرأي و لا
1) ـ وسائل الشيعة 7: 208 / الباب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان / الحديث الرابع.
2) ـ وسائل الشيعة 7: 211 / الباب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان / الحديث 16.
3) ـ وسائل الشيعة 7: 211 / الباب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان / الحديث 17.
4) ـ وسائل الشيعة 7: 209 / الباب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان / الحديث التاسع.
5) ـ وسائل الشيعة 7: 209 / الباب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان / الحديث العاشر.
بالتظنّي ولكن بالرؤية (قال:) و الرؤية ليس أنيقوم عشرة فينظروا فيقول واحد: هو ذا هو، و ينظر تسعة فلايرونه، اذا رآه واحد رآه عشرة آلاف، و اذا كانت علّة فأتمّ شعبان ثلاثين، و زاد حمّاد فيه: و ليس أنيقول رجل: هو ذا هو لاأعلم الاّ قال: و لا خمسون».(1)
و منها: رواية حبيب الخزاعي (الخثعمي ـ الجماعي) قال:
«قال أبو عبداللّه عليهالسلام: لاتجوز الشهادة في رؤية الهلال دون خمسين رجلاً عدد القسامة، و انّما تجوز شهادة رجلين اذا كانا من خارج المصر و كان بالمصر علّة فأخبرا أنّهما رأياه و أخبرا عن قوم صاموا للرؤية و أفطروا للرؤية».(2)
ولكن الظاهر أنّه ليست بين هاتين الصحيحتين و الرواية و بين ما سبق من الروايات معارضة لأنّ الامام عليهالسلام يريد أنيذكّر بأنّ بعض الشياع لا أساس له و لا اعتبار به، لأنّ منشأه قد يكون واحد ينادي برؤية الهلال و الحال انّ جنبه تسعة رجال أو أكثر قائمون ينظرون الى السماء و لايرونه، فكيف يكون ذلك، فاذا لمتكن في السماء علّة و رأى الهلال واحد رآه تسعة و مأة و ألف. فلابدّ أنيكون الشياع بحيث لو قال أحد: «أنا رأيته» يصدّقه الجماعة كما تقدّم في قوله عليهالسلام في موثّقة ابن بكير: «انّما الرؤية أنيقول القائل: رأيت فيقول القوم: صدق» و عدد الخمسين في الرواية يكون من باب التمثيل.
و أمّا قوله عليهالسلام في الصحيحة الأولى: «و اذا كانت في السماء علّة قبلت شهادة رجلين يدخلان و يخرجان» ففيه نحو اضطراب، لأنّه ان كان في السماء علّة مطلقا و البناء على قبول قوله، فلا فرق بين الخارج و الداخل. و ان لمتكن في السماء علّة مطلقا أي في الخارج و الداخل فلايفترق في عدم قبول قوله بين الخارج و
الداخل.
قال في الجواهر: «انّ مبنى تلك النصوص الانكار على ما هو متعارف عند العامّة من الشهادة على الهلال زورا، و انّه يجيء الواحد منهم فيقول: رأيته من بين الجمّ الغفير، بل ربّما ادّعى رؤيته في غير امكانها كما لايخفى على من له علم بأحوالهم و فساد مذهبهم فخرجت هذه النصوص مخرج الانكار عليهم لا لبيان عدم الاجتزاء بالشاهدين العدلين اللذين قد اكتفى الشارع بهما في جميع الموضوعات التي فيها ما هو أعظم من رؤية الهلال بمراتب كالدماء و نحوها، فلاينبغي التوقّف في ذلك و لا الاطناب في فساد ما يخالفه.
و الظاهر من النصّ و الفتوى الاجتزاء بهما من غير اعتبار لحكم الحاكم بشهادتهما، بل لكلّ من قامت الشهادة عنده الصوم و الافطار بعد فرض احراز العدالة تمسّكا باطلاق الأدلّة. انتهى».(1)
فالمتحصّل ثبوت الهلال بشهادة الرجلين العدلين برؤية الهلال سواء شهدا عند الحاكم و قبل شهادتهما، أو لميشهدا عنده، أو شهدا و ردّ شهادتهما. فكلّ من شهد عنده عدلان يجوز بل يجب عليه ترتيب الأثر من الصوم أو الافطار لتنجّز وجوبهما بقيام الحجّة و لا فرق بين أنتكون البيّنة من البلد أو من خارجه، و بين وجود العلّة في السماء و عدمها، لاطلاق الأدلّة. نعم يشترط توافقهما في الأوصاف المضادّة، و لو اختلفا فيها بأن يقول أحدهما رأيته في جانب المشرق و الآخر ادّعى رؤيته في جانب المغرب لايسمع قولهما لأنّه يؤدّي الى التكاذب. و أمّا الاختلاف في الأوصاف غير المضادّة بحيث لايضرّ بالاشتراك في الحكاية عن أمر خارجي واحد، فلا اشكال فيه، بأنيقول أحدهما: رأيته و كان في جنبه قطعة سحاب و قال الآخر: رأيته، و لميكن هناك سحاب. فلو أطلقا، أو وصف أحدهما و أطلق الآخر كفى لما مرّ من حصول الاشتراك في الحكاية عن أمر خارجي
1) ـ جواهر الكلام 16: 357.
واحد. و لايعتبر اتّحادهما في زمان الرؤية مع توافقهما على الرؤية في الليلة الواحدة، لعدم تكاذب القولين.
قال في الجواهر: «لو اختلف الشاهدان في صفة الهلال بالاستقامة و الانحراف و نحو ذلك ممّا يقتضي اختلاف المشهود عليه بطلت شهادتهما، و لا كذلك لو اختلفا في زمان الرؤية مع اتّحاد الليلة. انتهى».(1)
ثمّ اعلم أنّه لايثبت الهلال بشهادة النساء و ذلك لصحيحة محمّد بن مسلم قال:
«لاتجوز شهادة النساء في الهلال».(2)
و أخرجه عن التهذيب(3)باسناده عن العلاء عن أحدهما عليهماالسلام و صحيحة حمّاد بن عثمان عن أبي عبداللّه عليهالسلامقال:
«قال أميرالمؤمنين عليهالسلام: لايجوز شهادة النساء في الهلال، و لايجوز الاّ شهادة رجلين عدلين».(4)
و صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«قال علي عليهالسلام: لاتقبل شهادة النساء في رؤية الهلال الاّ شهادة رجلين عدلين».(5)
و لايعارضها خبر داود بن الحصين عن أبي عبداللّه عليهالسلام في حديث طويل قال:
«لايجوز شهادة النساء في الفطر الاّ شهادة رجلين عدلين. و لا بأس في الصوم بشهادة النساء و لو امرأة واحدة».(6)
1) ـ جواهر الكلام 16: 358.
2) ـ وسائل الشيعة 7: 207 / الباب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان / الحديث الثاني.
3) ـ تهذيب الأحكام 6: 234 / الباب 91 باب البيّنات / الحديث 130.
4) ـ وسائل الشيعة 7: 207 / الباب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان / الحديث الثالث.
5) ـ وسائل الشيعة 7: 208 / الباب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان / الحديث السابع.
6) ـ وسائل الشيعة 7: 211 / الباب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان / الحديث 15.
قال في الجواهر: «و كذا لايثبت بشهادة النساء منفردات و منضمّات الى الرجال اجماعا بقسميه و نصوصا. انتهى».(1)
و لايثبت الهلال أيضا بشهادة الواحد و ذلك لما تقدّم من النصوص الصحيحة الناطقة بعدم اجزاء ما دون الرجلين العدلين ففي صحيحة حمّاد بن عثمان قال أمير المؤمنين عليهالسلام:
«و لايجوز الاّ شهادة رجلين عدلين».(2)
و في صحيحة الحلبي قال علي عليهالسلام:
«لاأجيز في الهلال الاّ شهادة رجلين عدلين».(3)
و الظاهر أنّه لميخالف في ذلك أحد الاّ سلاّر فاجتزأ بشهادة العدل الواحد، استنادا الى خبر محمّد بن قيس عن أبي جعفر عليهالسلام قال:
«قال أميرالمؤمنين عليهالسلام: اذا رأيتم الهلال فأفطروا أو شهد عليه عدل».(4)
و فيه أوّلاً: أنّ لفظ العدل مصدر يقع على القليل و الكثير، فيقال رجل عدل و رجلان عدل و رجال عدل.
و ثانيا: باضطراب الحديث لأنّ الشيخ رواه في الاستبصار بطريقين أحدهما ما سمعت، و الثاني: «أو تشهد عليه بيّنة عدول من المسلمين».(5)و في التهذيب بطريقين أيضا، أحدهما ما سمعت، و الثاني: «و أشهدوا عليه عدولاً من المسلمين».(6)
1) ـ جواهر الكلام 16: 363.
2) ـ وسائل الشيعة 7: 207 / الباب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان / الحديث الثالث.
3) ـ وسائل الشيعة 7: 207 / الباب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان / الحديث الأوّل.
4) ـ وسائل الشيعة 7: 201 / الباب الثامن من أبواب أحكام شهر رمضان / الحديث الأوّل.
5) ـ الاستبصار 2: 64 / الباب 33 / الحديث التاسع.
6) ـ تهذيب الأحكام 4: 156 / الباب 41 باب علامة أوّل شهر رمضان و آخره ... / الحديث 63.
و ثالثا: قصوره عن معارضة المعتبرة المستفيضة لعدم الاكتفاء بما دون العدلين.
«السادس»: حكم الحاكم الذي لميعلم خطأه، و لا خطأ مستنده كما اذا استند الى الشياع الظنّي.
الشرح:
السادس حكم الحاكم. قال في الحدائق: «هل يجب على المكلّف العمل بحكم الحاكم الشرعي متى ثبت ذلك عنده و حكم به أم لابدّ من سماعه بنفسه من الشاهدين؟
ظاهر الأصحاب الأوّل بل زاد بعضهم الاكتفاء برؤية الحاكم الشرعي. و يظهر من بعض أفاضل متأخّري المتأخّرين العدم، و أنّه لابدّ من سماعه من الشاهدين. و قال الشهيد الأوّل في الدروس: «الأقرب كفاية قول الحاكم وحده في ثبوت الهلال. و قال السيّد السند في المدارك فيه قولان؛ أحدهما: نعم لعموم ما دلّ على أنّ للحاكم أنيحكم بعلمه، و لأنّه لو قامت البيّنة عنده فحكم بذلك وجب الرجوع الى حكمه كغيره من الأحكام و العلم أقوى من البيّنة. و يحتمل العدم لاطلاق قوله عليهالسلام: «لاأجيز في رؤية الهلال الاّ شهادة رجلين عدلين». انتهى ملخّصا».(1)
قال الشهيد الثاني في المسالك: «الأصحّ ثبوت الهلال بشاهدين عدلين مطلقا و ان لميحكم بهما حاكم، بل و لو ردّ شهادتهما لعدم علمه بحالهما.انتهى».(2)
قال العلاّمة في التحرير: «لو رآه عدلان و لميشهدا عند الحاكم أو شهدا وردّت شهادتهما لعدم معرفته بهما جاز لمن سمعهما الافطار. انتهى».(3)
و الظاهر من كلام الشهيد و العلاّمة و كذا من ولده فخر المحقّقين في ايضاح الفوائد أنّ المراد بالحاكم، الحاكم الشرعي و أنّه يجوز أنيحكم بشهادة شاهدين عدلين بثبوت الهلال و لازمه وجوب العمل بحكمه على المكلّف و الاّ يكون حكمه لغوا. و قد عرفت أنّ صاحب الحدائق نسبه الى ظاهر الأصحاب. و استدلّ لهم بروايات؛ منها: صحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر عليهالسلام قال:
«اذا شهد عند الامام شاهدان أنّهما رأيا الهلال منذ ثلاثين يوما أمر الامام بافطار ذلك اليوم اذا كانا شهدا قبل زوال الشمس، و ان شهدا بعد زوال الشمس أمر الامام بافطار ذلك اليوم و أخّر الصلاة الى الغد فصلّى بهم».(1)
ولكن فيه: انّ عنوان الامام يصدق على المعصوم عليهالسلام، و أمّا صدقه على رواة أحاديثهم في عصرهم عليهمالسلام فالظاهر عدم معهوديّته عندهم و عدم صدوره منهم عليهمالسلام فضلاً لصدقه على نوّابهم العامّ من العلماء الأعلام والمراجع العظام.
قال في الحدائق: «فالظاهر من لفظ الامام في الصحيحة انّما هو امام الأصل أو ما هو الأعمّ منه و من أئمّة الجور و خلفاء العامّة المتولّين لأمور المسلمين ـ الى أنقال: ـ نعم للقائل أنيقول اذا ثبت ذلك لامام الأصل ثبت لنائبه لحقّ النيابة. الاّ أنّه لايخلو من شوب الاشكال لعدم الوقوف على دليل لهذه الكلّيّة و ظهور أفراد كثيرة يختصّ بها الامام دون نائبه. انتهى».(2)
و قال في المستمسك: «و الامام في الصحيحة مختصّ بالامام الظاهر في امام الحقّ، و لايجدي فيما نحن فيه الاّ أنيقوم ما يدلّ على أنّ الحاكم الشرعي بحكم الامام، و له كلّ ما هو وظيفته. انتهى».(3)
و قال في مستند العروة: «و الصحيحة كما ترى أجنبيّة عن محلّ الكلام بالكلّيّة، و انّما هي ناظرة الى وجوب اطاعة الامام و انّه متى أمر بالافطار وجب لكونه مفترض الطاعة و لمينهض لدينا ما يتكفّل لاثبات وجوب طاعة الفقيه في عصر الغيبة اذا حكم بثبوت الهلال لوضوح عدم صدق عنوان الامام بمعناه المعهود عند المتشرّعة عليهم. انتهى ملخّصا».(1)
و منها: التوقيع الذي رواه الصدوق في كتاب اكمال الدين و اتمام النعمة عن محمّد بن محمّد بن عصام عن محمّد بن يعقوب عن اسحاق بن يعقوب قال:
«سألت محمّد بن عثمان العمري أنيوصل لي كتابا قد سألت فيه عن مسائل أشكلت عليّ، فورد التوقيع بخطّ مولانا صاحب الزمان عليهالسلام: أمّا ما سألت عنه أرشدك اللّه و ثبّتك ـ الى أن قال: ـ و أمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الى رواة حديثنا فانّهم حجّتي عليكم و أنا حجّة اللّه».(2)
و تقريب الاستدلال أنّ أمر الهلال من الحوادث الواقعة فيرجع فيه الى رواة الحديث و هم حكّام الشرع و يكون قولهم حجّة متّبعة و حكمهم نافذا في الأمّة.
و فيه: انّها قاصرة سندا و دلالةً. أمّا السند فلأنّ محمّد بن محمّد بن عصام لميوثّق في كتب الرجال. و أمّا الدلالة، فلأنّ الظاهر من الحوادث الواقعة هي المسائل و الموضوعات التي يتّفق في عصر الغيبة و لايعلم الناس حكمها فانّ الامام عليهالسلامأرجعهم الى رواة حديثهم ليعلّموهم أحكام الموضوعات من روايات الأئمّة الأطهار. و معنى قوله عليهالسلام: «فانّهم حجّتي عليكم و أنا حجّة اللّه» أي أنا و أجدادي الطاهرين نكون دليل الأحكام، فما نقول منها فمن اللّه نقول لأنّه منالقرآن و السنّة، و كذلك قول رواة الحديث فما يقولونه يكون منّا، فهم دليل
لأحكام دينكم لأنّهم يقولون لكم ممّا ورد منّا و يجيبونكم فيما تسألونهم، فانّهم حجّتي عليكم و أنا حجّة اللّه. فأين هذا من نفوذ حكم الحاكم و وجوب اطاعة حكمه. نعم لو فهم ممّا ورد منهم عليهمالسلام بأنّ حكم الحاكم نافذ و أفتوا بذلك فاذا حكم بشيء يجب اطاعته.
قال في المستمسك: «و أمّا التوقيع الشريف فلايخلو من اجمال في المراد، و انّ الرجوع اليه هل هو في حكم الحوادث، ليدلّ على حجّيّة الفتوى؟ أو حسمها ليدلّ على نفوذ القضاء؟ أو رفع اشكالها واجمالها، ليشمل ما نحن فيه؟ و ان كانت لاتبعد دعوى انصرافه الى خصوص ما لابدّ من الرجوع فيه الى الامام، و ليس منه المقام، لامكان معرفة الهلال بالطرق السابقة. و كأنّه لأجل ذلك اختار بعض أفاضل المتأخّرين: العدم، و تبعه في الحدائق والمستند على ما حكي. انتهى».(1)
و قال في مستند العروة: «انّ المحتمل فيه من الحوادث الواقعة أمور؛ أحدها: الأمور التي تتّفق خارجا و لميعلم حكمها من موارد الشبهات الحكميّة التي تتضمّنها الحوادث الواقعة و قد أمر عليهالسلام بالرجوع فيها الى رواة الحديث أو العلماء لو كان المراد من الرواة العلماء. ثانيها: الشبهات الموضوعيّة التي تقع موردا للنزاع و الخصومة، فتكون من أدلّة القضاء. ثالثها: مطلق الحوادث سواء كانت من قبيل المرافعات أم لا التي منها ثبوت الهلال. وهذا الاحتمال هو مبنى الاستدلال، ولكنّه لامقتضى له بعد وضوح الطرق الشرعيّة المعدّة لاستعلام الهلال من التواتر و الشياع و البيّنة و عدّ الثلاثين من غير حاجة الى مراجعة الحاكم الشرعي، ضرورة أنّه انّما يجب الرجوع اليه مع مسيس الحاجة، بحيث لو كان الامام عليهالسلام بنفسه حاضرا لوجب الرجوع اليه. و لميعهد في عصر أحد من الأئمّة عليهمالسلام حتّى مولانا أمير المؤمنين عليهالسلام المتصدّي للخلافة الظاهريّة مراجعة الناس و مطالبتهم ايّاه في موضوع الهلال على النهج المتداول في العصر الحاضر بالاضافة الى مراجع
1) ـ مستمسك العروة الوثقى 8 : 460.
التقليد اذ لميذكر ذلك و لا في رواية واحدة ولو ضعيفة. انتهى ملخّصا».(1)
و منها: مقبولة عمر بن حنظلة قال:
«سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما الى السلطان و الى القضاة أيحلّ ذلك؟ قال: من تحاكم اليهم في حقّ أو باطل فانّما تحاكم الى الطاغوت، و ما يحكم له فانّما يأخذ سُحتا و ان كان حقّا ثابتا له، لأنّه أخذه بحكم الطاغوت و ما أمر اللّه أنيكفر به، قال اللّه تعالى: يريدون أنيتحاكموا الى الطاغوت و قد أمروا أنيكفروا به(2)قلت: فكيف يصنعان؟ قال: ينظران من كان منكم ممّن قد روى حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا و عرف أحكامنا فليرضوا به حكما فانّي قد جعلته عليكم حاكما، فاذا حكم بحكمنا فلميقبل منه فانّما استخفّ بحكم اللّه و علينا ردّ، و الرادّ علينا الرادّ على اللّه، و هو على حدّ الشرك باللّه. الحديث».(3)
ولكنّها أوّلاً ضعيف السند و ان تلقّاها الأصحاب بالقبول و سمّيت بالمقبولة: لعدم ثبوت وثاقة عمر بن حنظلة. قال في معجم رجال الحديث: «انّ الرجل لمينصّ على توثيقه و مع ذلك ذهب جماعة منهم الشهيد الثاني الى وثاقته، و استدلّ على ذلك بوجوه؛
الأوّل: ما رواه محمّد بن يعقوب عن علي بن ابراهيم عن محمّد بن عيسى عن يونس عن يزيد بن خليفة قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليهالسلام: انّ عمر بن حنظلة أتانا عنك بوقت، فقال
أبو عبداللّه عليهالسلام: اذن لايكذب علينا. الحديث».(1)
و الجواب: انّ الرواية ضعيف السند فانّ يزيد بن خليفة واقفي لميوثّق فلايصحّ الاستدلال بها على شيء.
الثاني: ما رواه الصفّار عن الحسن بن علي بن عبداللّه عن الحسين بن علي بن فضّال عن داود بن أبي يزيد عن بعض أصحابنا عن عمر بن حنظلة، فقال:
«قلت لأبي جعفر عليهالسلام: انّي أظنّ أنّ لي عندك منزلة، قال: أجل. الحديث».(2)
و الجواب عنه ظاهر فانّ الرواية عن نفس عمر بن حنظلة على أنّها ضعيفة و على الأقلّ من جهة الارسال، مضافا الى أنّها لاتدلّ على الوثاقة.
الثالث: ما رواه محمّد بن يعقوب عن محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد عن علي بن الحكم عن عمر بن حنظلة عن أبي عبداللّه عليهالسلام، قال:
«يا عمر، لاتحملوا على شيعتنا، و ارفقوا بهم، فانّ الناس لايحتملون ما تحملون».(3)
و الجواب: انّ ذلك شهادة من عمر بن حنظلة لنفسه، و هي غير مسموعة.
الرابع: ما رواه محمّد بن يعقوب، عن محمّد بن الحسن، عن سهل بن زياد، عن ابن سنان عن محمّد بن عمران العجلي عن علي بن حنظلة قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليهالسلام يقول: اعرفوا منازل الناس على قدر رواياتهم عنّا».(4)
دلّت الرواية على أنّ كثرة رواية شخص عن المعصومين عليهمالسلام تدلّ على عظمة
مكانه و من الظاهر أنّ عمر بن حنظلة كثير الرواية.
و الجواب أنّ الرواية ضعيفة بسهل بن زياد و بابن سنان فانّه محمّد بن سنان بقرينة رواية سهل بن زياد عنه، و محمّد بن مروان العجلي مجهول، هذا، مع أنّ كثرة الرواية اذا لميعلم صدق الراوي لاتكشف عن عظمة الشخص بالضرورة. الخامس: انّ المشهور عملوا برواياته و من هنا سمّوا روايته في الترجيح عند تعارض الخبرين بالمقبولة.
و الجواب: انّ الصغرى غير متحقّقة و تسمية رواية واحدة من رواياته بالمقبولة لاتكشف عن قبول جميع رواياته، و على تقدير تسليم الصغرى فالكبرى غير مسلّمة فانّ عمل المشهور لايكشف عن وثاقة الراوي فلعلّه من جهة البناء على أصالة العدالة من جمع و تبعهم الآخرون.
السادس: انّ الأجلاّء كزرارة و عبداللّه بن مسكان و صفوان بن يحيى و أمثالهم قد رووا عنه.
و الجواب عن ذلك أنّ رواية الأجلاّء لاتدلّ على الوثاقة كما أوضحنا ذلك فيما تقدّم. انتهى».(1)
و ثانيا انّها قاصرة الدلالة، و ذلك لأنّ مورد جعل الامام عليهالسلام خاصّ بمورد التنازع و الترافع المذكور في صدر الحديث، بلا فرق بين الهلال و غيره كما لو استأجر دارا أو تمتّع بامرأة الى شهر فاختلفا في انقضاء الشهر برؤية الهلال و عدمه، فترافعا الى الحاكم و قضى بالهلال، فانّ حكمه حينئذٍ نافذ بلا اشكال. و أمّا نفوذ حكمه حتّى في غير مورد الترافع كما لو شككنا أنّ هذه الليلة أوّل رمضان ليجب الصوم أو أوّل شوّال ليحرّم الصوم، من غير أيّ تنازع و تخاصم، فلاتدلّ المقبولة على نفوذ حكم الحاكم حينئذٍ.
1) ـ معجم رجال الحديث 13: 27 ـ 29.
لو حكم الحاكم بكون يوم الجمعة مثلاً أوّل شوّال وقد علمنا بعلم وجداني أنّه أخطأ في الحكم فلايجوز العمل على وفق حكمه، و ذلك لأنّ حكم الحاكم طريق الى الواقع كسائر الطرق المجعولة شرعا للايصال الى الواقع كشهادة العدلين و غيرها، فحكم الحاكم لايغيّر الواقع عمّا هو عليه. و هذا نظير حكمه في الموضوعات الأخر كطلوع الشمس و غروبها، و وجود الخمر هنا، و اصابة النجاسة بشيء فلو علمنا بعلم وجداني بأنّ الشمس لمتطلع بعد أو لمتغرب، أو لميكن في هذا الاناء خمر، أو لميصب نجاسة بهذا الشيء لميكن حكمه نافذا في حقّنا، ولميجب علينا ترتيب الأثر و الالتزام بلازمه، لأنّ وجوب الاجتناب عن الخمر و حرمة شربه حكم شرعي قد وضعه الشارع على الخمر الواقعي فحكم الحاكم لايغيّر الماء مثلاً الى الخمر.
ثمّ اعلم أنّ الخطأ في الحكم قد يكون لخطأ نفسه كما لو نظر الى الهلال فتيقّن برؤيته فحكم بأنّ يوم الجمعة مثلاً أوّل شوّال، و نحن نعلم بأنّ ما رآه لميكن هلالاً، و قد يكون خطأ الحكم لخطأ مستنده كما اذا حكم باستناد شهادة رجلين كانا عنده عدلين و نحن نعلم بفسقهما، أو استند الى شياع أفاد عنده العلم لحسن ظنّه و نحن نعلم بأنّ هذا الشياع غير مفيد للعلم، ففي هذه الصور لميكن حكمه نافذا عندنا لعلمنا بخطأ نفسه أو مستنده.
قال السيّد الحكيم في المستمسك: «انّ حكم الحاكم ليس ملحوظا في نظر الشارع الأقدس عنوانا مغيّرا للأحكام وجودا و عدما، بل هو طريق ـ كسائر الطرق ـ حجّة على الواقع في ظرف الشكّ فيه، فاذا علم الواقع انتفى موضوع الحجّيّة، لامتناع جعل الحجّة على الواقع في ظرف العلم به، مصيبة كانت الحجّة
أم مخطئة. انتهى».(1)
نعم لو كان مستند حكمه خطأً عند مجتهد آخر بنظره الاجتهادي، كما لو كان الحاكم ممّن يرى حجّيّة الشياع الظنّي، أو لميعتبر طيب المولد في الشاهد الى غير ذلك من المسائل الخلافيّة و قد حكم على وفق نظره و المجتهد الآخر لمير حجّيّة الشياع الظنّي، أو يكون طيب المولد معتبرا عنده في الشاهد، فان كان قاطعا في نظره لكون مدركه عن علم كما لو كان هناك خبر متواتر فلايكون حكم الحاكم حجّة له، لأنّه كما قلنا يمتنع جعل الحجّة على الواقع في ظرف العلم به. و ان كان مدركه علميّا فان قلنا بأنّ حكم الحاكم لرؤية الهلال يكون لحسم مادّة الخلاف كما هو ظاهر مقبولة عمر بن حنظلة كان الحكم حجّة على هذا المجتهد أيضا.
و لايثبت بقول المنجّمين و لا بغيبوبة الشفق في الليلة الأخرى.
الشرح:
و لايثبت الهلال بقول المنجّمين لعدم الدليل على حجّيّة قولهم بعد افادته الظنّ و قد عرفت أنّ الدليل قام على ثبوت الهلال بالرؤية و بشهادة العدلين و بالشياع المفيد للعلم و بمضيّ ثلاثين يوما من هلال شعبان. نعم، لو أفاد قولهم الاطمئنان و العلم فيثبت الهلال و هذا لحجّيّة العلم لا لحجّيّة قول المنجّم.
و لايثبت الهلال أيضا بغيبوبة الشفق في الليلة الأخرى و الهلال بعد باق حيث ذهب بعضهم الى أنّه أمارة على أنّ الليلة الماضية كانت أوّل الشهر. ولكن المشهور أنكروا ذلك و تشهد للقول المزبور روايتان؛
احداهما: رواية اسماعيل بن الحسن (بحر) عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«اذا غاب الهلال قبل الشفق فهو لليلة، و اذا غاب بعد الشفق فهو
1) ـ مستمسك العروة الوثقى 8 : 462.
لليلتين».(1)
و الثانية: نفس الرواية باسناد الكليني عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد و محمّد بن خالد جميعا عن سعد بن سعد عن عبداللّه بن الحسين عن الصلت الخزاز.
و سند الرواية الأولى ضعيف لعدم ذكر اسماعيل بن الحسن البحر في الرجال، ان كان السند هكذا، و جهالة اسماعيل بن الحسن بن الحرّ أو اسماعيل بن الحسن، ان كان السند اسماعيل بن الحسن الحرّ، أو اسماعيل بن الحسن حسب. و سند الرواية الثانية أيضا ضعيف لجهالة الصلت الخزاز و كذا عبداللّه بن الحسن أو عبداللّه بن الحسين على اختلاف النسخ.
على أنّهما معارضتان بمعتبرة أبي علي بن راشد الصريحة في عدم العبرة بالغيبوبة، فانّه قال:
«كتب اليّ أبو الحسن العسكري عليهالسلام كتابا و أرّخه يوم الثلاثاء لليلة بقيت من شعبان و ذلك في سنة اثنين و ثلاثين و مأتين، و كان يوم الأربعاء يوم شكّ، فصام أهل بغداد يوم الخميس و أخبروني أنّهم رأوا الهلال ليلة الخميس، و لميغب الاّ بعد الشفق بزمان طويل، قال: فاعتقدت أنّ الصوم يوم الخميس و أنّ الشهر كان عندنا ببغداد يوم الأربعاء، قال: فكتب اليّ: زادك اللّه توفيقا فقد صمت بصيامنا، قال: ثمّ لقيته بعد ذلك فسألته عمّا كتبت به اليه، فقال لي: أولمأكتب اليك انّما صمت الخميس و لاتصم الاّ للرؤية».(2)
قال في الحدائق: «و رواه في الوافي (باب صيام يوم الشكّ) بلفظ: «و انّ الشكّ كان عندنا ببغداد يوم الأربعاء» عوض «و انّ الشهر»، فانّ المعنى انّما يستقيم على
ما ذكره في الوافي، و التحريف من الشيخ فى أمثال ذلك غير بعيد. ـ ثمّ قال: ـ و التقريب في هذا الخبر أنّه و ان كان ما كتبه الى الامام عليهالسلام غير مصرّح به في الخبر الاّ أنّ ظاهر السياق يدلّ على أنّه كتب اليه بما ذكره هنا من وقوع الشكّ في بغداد يوم الأربعاء ... الى آخر ما هو مذكور في الخبر من حكاية تلك الحال. ثمّ انّه مع قطع النظر عن معلوميّة ما كتب اليه و انّ المسؤول عنه ما هو ـ فانّ اخباره في صدر الخبر بكونه عليهالسلام كتب اليه كتابا أرّخه بذلك التاريخ المشعر بكون يوم الأربعاء من شهر شعبان المؤذن بكون أوّل شهر رمضان هو يوم الخميس كما يدلّ عليه قوله عليهالسلام: «أولمأكتب اليك انّما صمت الخميس؟» مع اخبار أبي علي بن راشد انّ الهلال ليلة الخميس لميغب الاّ بعد الشفق بزمان طويل ـ ظاهر الدلالة في أنّ مغيب الهلال بعد الشفق لايستلزم أنيكون لليلتين كما ادّعوه بل يجوز أنيكون في أوّل ليلة أيضا كذلك. انتهى ملخّصا».(1)
و استشكل صاحب الحدائق على ما قال الصدوق في كتاب المقنع: «و اعلم أنّ الهلال اذا غاب قبل الشفق فهو لليلة و اذا غاب بعد الشفق فهو لليلتين و ان رئي فيه ظلّ الرأس فهو لثلاث ليال» بضعف المستند.
و أمّا ما أجاب الشيخ عن خبر اسماعيل بن الحرّ المذكور آنفا و خبر محمّد بن مرازم عن أبيه عن أبي عبداللّه عليهالسلامقال:
«اذا تطوّق الهلال فهو لليلتين، و اذا رأيت ظلّ رأسك فيه فهو لثلاث».(2)
بحملهما على ما اذا كانت السماء مغيّمة و فيها علّة مانعة من الرؤية. فقد ردّ عليه صاحب الحدائق بأنّه استفاض الأخبار الدالّة على تحريم صوم يوم الشكّ بنيّة أنّه من شهر رمضان و أنّه لايقضى الاّ مع قيام البيّنة بالرؤية فيه، فلو فرض أنّه
في تلك الليلة التي بعد ليلة الشكّ كان متطوّقا أو لميغب الاّ بعد الشفق، فالحكم بوجوب قضاء اليوم السابق بناءًا على هاتين الروايتين ينافي ما دلّ على المنع من القضاء الاّ مع قيام البيّنة بالرؤية، و هو روايات عديدة مستفيضة فيها الصحيح و غيره و قد تقدّم شطر وافر منها. و كذا ما ورد من الأخبار الدالّة على أنّه في الشكّ يعدّ شعبان ثلاثين يوما و يصوم الحادي والثلاثين كائنا ما كان، وخصوص معتبرة أبي علي بن راشد التي تقدّمت آنفا. انتهى ملخّصا.(1)
أقول:
الظاهر أنّ رواية محمّد بن مرازم عن أبيه عن أبي عبداللّه عليهالسلام صحيحة السند، فانّ الشيخ و الكليني نقلاها بسند صحيح، و قد عمل بها الصدوق رحمهالله كما في المقنعة و الشيخ على صورة خاصّة، نعم لميعمل بها المشهور ولكن لميثبت الاعراض عنها منهم، و لعلّه لما ذهب اليه صاحب الحدائق «من التنافي بينها و بين ما دلّ على المنع من القضاء الاّ مع قيام البيّنة بالرؤية» ولكنّه لم تكن هناك أيّة معارضة بينهما، لأنّ نصوص عدم القضاء كعمومات الرؤية أقصاها أنّها مطلقات غير آبية عن التقييد الذي هو ليس بعزيز في الفقه، فاذا ثبت بمقتضى الصحيحة أنّ التطوّق أيضا أمارة كالبيّنة فلاجرم يتقيّد بها المطلقات. و انكار صاحب الجواهر(2)في حمل المطلق على المقيّد لا دليل عليه، كما أنّ الاشكال في صحّة سند رواية محمّد بن مرازم نقلاً عن التذكرة ممنوع.
و لابرؤيته يوم الثلاثين قبل الزوال، فلايحكم بكون ذلك اليوم أوّل الشهر.
الشرح:
هل تعتبر رؤية الهلال يوم الثلاثين قبل الزوال؟
قال في الجواهر: «لا اعتبار برؤيته يوم الثلاثين قبل الزوال في ثبوت أنّه للّيلة الماضية على المشهور بين الأصحاب شهرة عظيمة يمكن تحصيل الاجماع معها. انتهى».(1)
و قال في الحدائق: «المشهور بين الأصحاب ـ رضوان اللّه عليهم ـ أنّه لا اعتبار بذلك. و نقل عن المرتضى في بعض مسائله أنّه قال: اذا رئي قبل الزوال فهو للّيلة الماضية. و اليه مال المحدّث الكاشاني في الوافي و المفاتيح، و الفاضل الخراساني في الذخيرة. و قال العلاّمة في المختلف: انّ الأقرب اعتبار ذلك في الصوم دون الفطر. و تردّد المحقّق في النافع و المعتبر. و ظاهر المحقّق الشيخ حسن في المنتقى الميل الى هذا القول أيضا ....و ظاهر صاحب المدارك التردّد في المسألة ....و يظهر ذلك أيضا من المحقّق الأردبيلي قدسسره في شرح الارشاد. و يظهر من الصدوق أيضا القول بالاعتبار. انتهى ملخّصا».(2)
أقول:
الروايات الواردة في الباب على ثلاث طوائف؛ فالأولى منها صريحة في اعتبار رؤية الهلال يوم الثلاثين قبل الزوال في ثبوت أنّه للّيلة الماضية، فهى: صحيحة حمّاد بن عثمان عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«اذا رأوا الهلال قبل الزوال فهو للّيلة الماضية، و اذا رأوه بعد الزوال فهو للّيلة المستقبلة».(3)
و موثّقة عبيد بن زرارة و عبداللّه بن بكير قالا:
«قال أبو عبداللّه عليهالسلام اذا رُئي الهلال قبل الزوال فذلك اليوم من شوّال،
و اذا رئي بعد الزوال فذلك اليوم من شهر رمضان».(1)
و خبر محمّد بن عيسى قال:
«كتبت اليه عليهالسلام: جعلت فداك، ربّما غمّ علينا هلال شهر رمضان فنرى من الغد الهلال قبل الزوال، و ربّما رأيناه بعد الزوال، فترى أننفطر قبل الزوال اذا رأيناه أم لا؟ و كيف تأمر في ذلك؟ فكتب عليهالسلام: تتمّ الى الليل فانّه ان كان تامّا رئي قبل الزوال».(2)
قال في الوافي: «هكذا وجدنا الحديث في نسخ التهذيب و في الاستبصار: «ربّما غمّ علينا الهلال في شهر رمضان» و هو الصواب لأنّه على نسخة التهذيب لايستقيم المعنى الاّ بتكلّف، الاّ أنّه على نسخة الاستبصار ينافي سائر الأخبار التي وردت في هذا الباب لأنّه على ذلك يكون المراد بالهلال هلال شوّال و معنى: «تتمّ الى الليل» تتمّ الصيام الى الليل، و قوله عليهالسلام: «ان كان تامّا رئي قبل الزوال» معناه ان كان الشهر الماضي ثلاثين يوما رئي هلال الشهر المستقبل قبل الزوال في اليوم الثلاثين. انتهى».(3)
و الأمر سهل بعد ضعف سند الخبر بمحمّد بن جعفر المكنّى بابن بطّة الذي يروي عنه علي بن حاتم.
و الثانية منها مطلقة من هذه الجهة، كمعتبرة جرّاح المدائني قال:
«قال أبو عبداللّه عليهالسلام: من رأى هلال شوّال بنهار في شهر رمضان فليتمّ صيامه (صومه)».(4)
فتقيّد اطلاقها برؤية الهلال بعد الزوال.
و الثالثة منها لاتأبى الحمل على الطائفة الأولى كصحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر عليهالسلام قال:
«قال أمير المؤمنين عليهالسلام: اذا رأيتم الهلال فأفطروا أو شهد عليه عدل (و اشهدوا عليه عدولاً) من المسلمين، و ان لم تروا الهلال الاّ من وسط النهار أو آخره فأتمّوا الصيام الى الليل، و ان غمّ عليكم فعدّوا ثلاثين ليلة(يوما) ثمّ أفطروا».(1)
و موثّقة اسحاق بن عمّار قال:
«سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن هلال رمضان يغمّ علينا في تسع و عشرين من شعبان فقال: لاتصمه الاّ أنتراه فان شهد أهل بلد آخر أنّهم رأوه فاقضه، و اذا رأيته من وسط النهار فأتمّ صومه الى الليل».(2)
و المتحصّل أنّ القول بثبوت الهلال للّيلة الماضية اذا رؤي قبل الزوال الذي اختاره غير واحد هو الأقوى، لدلالة النصّ الصحيح السليم عن المعارض عليه، و ان ادّعي أنّ الفرض في نفسه نادر التحقّق.
و لابغير ذلك ممّا يفيد الظنّ و لو كان قويّا الاّ للأسير و المحبوس.
الشرح:
سيأتي البحث عن الأسير و المحبوس بأنّه يجوز لهما العمل بالظنّ كما نطق به النصّ. و أمّا غيرهما فلايجوز له العمل بالظنّ الاّ ما دلّ عليه الدليل ففي صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليهالسلام قال:
«اذا رأيتم الهلال فصوموا، و اذا رأيتموه فأفطروا، و ليس بالرأي و لا
بالتظنّي ولكن بالرؤية ... الخ».(1)
و صحيحة ابراهيم بن عثمان الخزاز عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«قلت له: كم يجزي في رؤية الهلال؟ فقال: انّ شهر رمضان فريضة من فرائض اللّه فلاتؤدّوا بالتظنّي ... الخ».(2)
و قد تقدّم البحث عمّا دلّ الدليل عليه و ان لميفد العلم كشهادة العدلين و حكم الحاكم و كرؤيته يوم الثلاثين قبل الزوال و كذا تطوّق الهلال حيث ينكشف أنّه لليلتين. و أمّا غيرها من الأمور التي توجب الظنّ ولكن لميدلّ عليه دليل تامّ فلايجوز العمل به. و لا بأس بالاشارة الى بعضها ممّا قد يعدّ من الأمارات:
الأوّل: العدد و هو عبارة عن عدّ شعبان ناقصا أبدا و شهر رمضان تامّا أبدا، و لا اعتبار به، و ان ذهب اليه الصدوق في الفقيه و ربّما نقل عن الشيخ المفيد في بعض كتبه. و الدليل على عدم اعتبار ذلك مخالفته للوجدان أوّلاً، و الأخبار الدالّة على أنّ شهر رمضان يصيبه ما يصيب الشهور من النقصان ثانيا، و هي صحيحة حمّاد بن عثمان عن أبي عبداللّه عليهالسلام أنّه قال في شهر رمضان:
«هو شهر من الشهور يصيبه ما يصيب الشهور من النقصان».(3)
و صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليهالسلام في حديث قال:
«قلت: أرأيت ان كان الشهر تسعة و عشرين يوما أقضي ذلك اليوم؟ فقال: لا الاّ أنيشهد لك بيّنة عدول، فان شهدوا أنّهم رأوا الهلال قبل ذلك فاقض ذلك اليوم».(4)
و صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليهالسلام في حديث قال:
1) ـ وسائل الشيعة 7: 209 / الباب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان / الحديث 11.
2) ـ وسائل الشيعة 7: 209 / الباب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان / الحديث العاشر.
3) ـ وسائل الشيعة 7: 190 / الباب الخامس من أبواب أحكام شهر رمضان / الحديث الثالث.
4) ـ وسائل الشيعة 7: 191 / الباب الخامس من أبواب أحكام شهر رمضان / الحديث التاسع.
«و اذا كانت علّة فأتمّ شعبان ثلاثين».(1)
الى غير ذلك من الأخبار الدالّة على أنّ شهر رمضان يصيبه النقصان، و قد أوردها في الوسائل في الباب الخامس من أبواب أحكام شهر رمضان ما يقرب من خمسة و عشرين خبرا.
و أمّا الأخبار التي تمسّك بها الصدوق في اعتبار العدد فهي:
رواية حذيفة بن منصور عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«شهر رمضان ثلاثون يوما لاينقص أبدا».(2)
و رواية حذيفة بن منصور عن معاذ بن كثير ـ و يقال له معاذ بن مسلم الهرّاء ـ عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«شهر رمضان ثلاثون يوما لاينقص واللّه أبدا».(3)
الى غير ذلك من الأخبار التي رواها في الفقيه و أوردها في الوسائل في الباب الخامس من أبواب أحكام شهر رمضان ما يقرب من أربعهعشر خبرا.
و الجواب عن هذه الأخبار أوّلاً ما ذكر في التهذيب أنّ أكثرها تنتهي الى حذيفة بن منصور عن معاذ، و كتاب حذيفة بن منصور رحمهالله عري منه و الكتاب معروف مشهور، و لو كان هذا الحديث صحيحا عنه لتضمّنه كتابه. و قد ذكر الشيخ أيضا: أنّ الخبر مختلف الألفاظ مضطرب المعاني ألاترى أنّ حذيفة تارة يرويه عن معاذ بن كثير عن أبي عبداللّه عليهالسلام، و تارة يرويه عنه عليهالسلام بلا واسطه، و تارة يفتي به من قبل نفسه و هذا الضرب من الاختلاف ممّا يوجب ضعفه. انتهى ملخّصا.(4)
و قد أحسن صاحب الحدائق في جوابه حيث قال: «انّ العجب هنا من
الصدوق في الفقيه فانّه وافق الأصحاب في هذه المسألة أيضا فقال باستحباب صومه بنيّة أنّه من شعبان و أنّه يجزئ عن شهر رمضان لو ظهر أنّه منه و حرم صومه بنيّة كونه من شهر رمضان كما لايخفى على من راجع كتابه، و حينئذٍ فما أدري ما مظهر الخلاف عنده في القول بهذه الأخبار التي ذهب الى العمل بها؟ فانّه مع الرؤية يوجب العمل بها و مع عدم الرؤية لحصول المانع يمنع من الصيام بنيّة شهر رمضان، ففي أيّ موضع يتحقّق الحكم عنده بكون شعبان لايكون الاّ ناقصا و رمضان لايكون الاّ تامّا؟ انتهى موضع الحاجة من كلامه».(1)
الثاني: لا اعتبار في عدّ خمسة أيّام من أوّل الهلال من السنة الماضية فيجب صيام اليوم الخامس منها.
قال في الحدائق: «و المشهور بين الأصحاب ـ رضوان اللّه عليهم ـ أنّه لا اعتبار بذلك بل الظاهر أنّه لا خلاف فيه حيث انّه لمينقل القائل بخلاف ما ذكرنا. انتهى».(2)
و ما ورد من الأخبار في ذلك فكلّها ضعيف السند، كرواية محمّد بن عثمان الجدري (عثيم الخدري) عن بعض مشايخه، عن أبي عبداللّه عليهالسلام:
«صم في العام المستقبل اليوم الخامس من يوم صمت فيه عام أوّل».(3)
و غيرها ممّا أوردها في الوسائل.(4)
قال في الحدائق بعد ذكر أخبار الباب: «فاعراض الأصحاب قديما و حديثا عن الفتوى بمضمون هذه الأخبار أظهر ظاهر في طرحها. انتهى».(5)
(مسألة 1): لايثبت بشهادة العدلين اذا لميشهدا بالرؤية، بل شهدا شهادة علميّة.
الشرح:
تقدّم أنّ الظنّ في هلال شهر رمضان أو شهر شوّال لايعتبر الاّ ما خرج بالدليل و لهذا اذا شهد شاهدان عدلان بأنّهما رأياه فانّ الهلال يثبت بهما و أمّا اذا لميشهدا بالرؤية بل شهدا شهادة علميّة فلايثبت بهما الهلال، لأنّ شهادتهما توجب الظنّ، و لا دليل على حجّيّة ذلك الظنّ.
ففي صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبداللّه عليهالسلام أنّه قال:
«صم لرؤية الهلال و أفطر لرؤيته فان شهد عندكم شاهدان مرضيّان بأنّهما رأياه فاقضه».(1)
قيّد اعتبار شهادة عدلين برؤيتهما. و كذا في صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليهالسلامقال:
«قال علي عليهالسلام: لاتقبل شهادة النساء في رؤية الهلال الاّ شهادة رجلين عدلين».(2)
و بهما تقيّد الروايات المطلقة لو كانت مطلقة كصحيحة الحلبي الثانية عن أبي عبداللّه عليهالسلام:
«انّ عليّا عليهالسلام كان يقول: لاأجيز في الهلال الاّ شهادة رجلين عدلين».(3)
مع أنّه يمكن أنيقال بعدم اطلاق تلك الروايات بتقريب أنّ الظاهر من
الشهادة هو الشهادة بالحسّ و العيان كما يجري ذلك في الطلاق و الحدود و الملكيّة و الزوجيّة و نحوها.
(مسألة 2): اذا لميثبت الهلال و ترك الصوم ثمّ شهد عدلان برؤيته يجب قضاء ذلك اليوم، و كذا اذا قامت البيّنة على هلال شوّال ليلة التاسع و العشرين من هلال رمضان أو رآه في تلك الليلة بنفسه.
الشرح:
اذا لميثبت الهلال و ترك الصوم آخر شعبان ثمّ ثبت الهلال يجب قضاء ذلك اليوم لصحيحة منصور بن حازم عن أبي عبداللّه عليهالسلام أنّه قال:
«صم لرؤية الهلال و أفطر لرؤيته فان شهد عندكم شاهدان مرضيّان بأنّهما رأياه فاقضه».(1)
مضافا الى تحقّق الفوت و ان كان معذورا في تركه صوم ذلك اليوم بمقتضى الاستصحاب. و كذا اذا ثبت هلال شوّال ليلة التاسع و العشرين من أوّل شهر رمضان فانّه يقضي يوما، و ذلك لأنّ الشهر لاينقص عن التسعة و العشرين يوما. مضافا الى مرسلة عبداللّه بن سنان قال:
«صام علي عليهالسلام بالكوفة ثمانية و عشرين يوما شهر رمضان فرأوا الهلال فأمر مناديا ينادي اقضوا يوما، فانّ الشهر تسعة و عشرون يوما».(2)
(مسألة 3): لايختصّ اعتبار حكم الحاكم بمقلّديه، بل هو نافذ بالنسبة الى
الحاكم الآخر أيضا اذا لميثبت عنده خلافه.
قد سبق شرح هذه المسألة في الأمر السادس من هذا الفصل.
(مسألة 4): اذا ثبت رؤيته في بلد آخر و لميثبت في بلده، فان كانا متقاربين كفى و الاّ فلا الاّ اذا علم توافق أفقهما و ان كانا متباعدين.
الشرح:
قال في الجواهر: «اذا رئي الهلال في البلاد المتقاربة كالكوفة و بغداد و نحوهما ممّا لمتختلف فيه المطالع وجب الصوم على ساكنيها أجمع بلا خلاف و لا اشكال لصحيحتي منصور و هشام و غيرهما من النصوص، دون البلاد المتباعدة كالعراق وخراسان و نحوهما ممّا علم فيه اختلاف المطالع أو احتمل، فلايجب الصوم و لا القضاء بل يلزم حيث رئي للأصل بعد انصراف النصوص الى غير الفرض، لكنّه قد يشكل لاطلاق الروايات خصوصا لصحيح هشام المشتمل على النكرة الشائعة المتناولة للجميع على البدل. و لقوله عليهالسلام في دعاء السمات: «و جعلت رؤيتها لجميع الناس مرءًا واحدا» و عدم اتّفاق حصول الاختلاف بين البلاد الشرقيّة و الغربيّة في ذلك، و لعلّه لذا قال في الدروس: و يحتمل ثبوت الهلال في البلاد المغربيّة برؤيته في البلاد المشرقيّة و ان تباعدت، للقطع بالرؤية عند عدم المانع. انتهى موضع الحاجة من كلامه ملخّصا».(1)
أقول:
الظاهر أنّه اذا ثبتت رؤية الهلال في بلد كفى لبلد آخر، سواء كانا متقاربين أو متباعدين توافق أفقهما أو تخالف، و ذلك لاطلاق الروايات؛ منها: صحيحة
1) ـ جواهر الكلام 16: 360 و 361.
عبدالرحمن بن أبي عبداللّه قال:
«سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن هلال شهر رمضان يغمّ علينا في تسع و عشرين من شعبان، قال: لاتصم الاّ أنتراه فان شهد أهل بلد آخر فاقضه».(1)
و منها: صحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبداللّه عليهالسلام أنّه قال في من صام تسعة و عشرين قال:
«ان كانت له بيّنة عادلة على أهل مصر أنّهم صاموا ثلاثين على رؤيته قضى يوما».(2)
و منها: صحيحة اسحاق بن عمّار قال:
«سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن هلال رمضان يغمّ علينا في تسع و عشرين من شعبان فقال: لاتصمه الاّ أنتراه فان شهد أهل بلد آخر أنّهم رأوه فاقضه، و اذا رأيته من وسط النهار فأتمّ صومه الى الليل».(3)
و منها: صحيحة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليهالسلام أنّه سئل عن اليوم الذي يقضى من شهر رمضان، فقال:
«لاتقضه الاّ أنيثبت شاهدان عدلان من جميع أهل الصلاة متى كان رأس الشهر، و قال: لاتصم ذلك اليوم الذي يقضى الاّ أنيقضي أهل الأمصار، فان فعلوا فصمه».(4)
قال العلاّمة في المنتهى: «اذا رأى الهلال أهل بلد وجب الصوم على جميع الناس سواء تباعدت البلاد أو تقاربت و به قال أحمد و الليث بن سعد و بعض
1) ـ وسائل الشيعة 7: 183 / الباب الثالث من أبواب أحكام شهر رمضان / الحديث التاسع.
2) ـ وسائل الشيعة 7: 192 / الباب الخامس من أبواب أحكام شهر رمضان / الحديث 13.
3) ـ وسائل الشيعة 7: 201 / الباب الثامن من أبواب أحكام شهر رمضان / الحديث الثالث.
4) ـ وسائل الشيعة 7: 211 / الباب 12 من أبواب أحكام شهر رمضان / الحديث الأوّل.
أصحاب الشافعي. و قال الشيخ رحمهالله: ان كانت البلاد متقاربة لاتختلف في المطالع كبغداد و البصرة كان حكمها واحدا و ان تباعدت كبغداد و مصر كان لكلّ بلد حكم نفسه و هو القول الآخر للشافعي و اعترض بعض الشافعيّة في التباعد مسافة التقصير ثمانية و أربعون ميلاً فاعتبر لكلّ بلد حكم نفسه ان كان بينهما هذه المسافة و روي عن عكرمة أنّه قال: لأهل كلّ بلد رؤيتهم و هو مذهب القاسم و سالم و اسحاق.
لنا: انّه يوم من شهر رمضان في بعض البلاد للرؤية و في النائي بالشهادة فيجب صومه لقوله تعالى: فمن شهد منكم الشهر فليصمه(1)ـ و بعد ذكر النصوص الدالّة على ما ذهب اليه قال: ـ احتجّوا بما رواه كرب بن أمّالفضل بنت الحرث اذ بعث الى الشام فرأى هلال رمضان ليلة الجمعة ثمّ قدم المدينة و سأله ابن عباس برؤية الهلال في الشام قال: نعم رأيت و رأى الناس، و قال ابن عباس: نحن نراها ليلة السبت و لميعتنِ بما قاله كرب. و الجواب: ليس هذا دليلاً على المطلوب لاحتمال أنّ ابن عباس لميعمل بشهادة كرب لأنّه واحد، و عمل معاوية ليس حجّة لاختلال حاله عندنا لانحرافه عن علي عليهالسلام و محاربته له فلايعتدّ بعمله. انتهى ملخّصا».(2)
(مسألة 5): لايجوز الاعتماد على البريد البرقي ـ المسمّى بالتلغراف ـ في الاخبار عن الرؤية الاّ اذا حصل منه العلم بأن كان البلدان متقاربين و تحقّق حكم الحاكم، أو شهادة العدلين برؤيته هناك.
الشرح:
قد تقدّم أنّه لايجوز الاعتماد على الظنّ في هلال شهر رمضان أو شهر شوّال الاّ ما قام الدليل على حجّيّته كشهادة العدلين برؤية الهلال أو حكم الحاكم على قول، و تقدّم أيضا أنّ الظنّ الحاصل من الشهادة على الشهادة لايفيد و عليه لايجوز الاعتماد على اخبار المخبر عن الرؤية سواء كان الخبر بواسطة البريد البرقي أو التلفون أو غيرهما أم لا. نعم اذا حصل منه العلم يثبت الهلال لأنّ حجّيّة العلم ذاتيّة. و هكذا الحال لو أرسل شاهدان عدلان من بلد آخر بلاغا تلغرافيّا برؤيتهما الهلال و علم مشاهد التلغراف بأنّه من قبَلهما ثبت الهلال و الاّ فلا.
(مسألة 6): في يوم الشكّ في أنّه من رمضان أو شوّال يجب أنيصوم، و في الشكّ في أنّه من شعبان أو رمضان يجوز الافطار و يجوز أنيصوم لكن لابقصد أنّه من رمضان كما مرّ سابقا تفصيل الكلام فيه، و لو تبيّن في الصورة الأولى كونه من شوّال وجب الافطار سواء كان قبل الزوال أو بعده، و لو تبيّن في الصورة الثانية كونه من رمضان وجب الامساك و كان صحيحا اذا لميفطر و نوى قبل الزوال، و يجب قضاؤه اذا كان بعد الزوال.
قدتقدّم تفصيل الكلام في فروع هذه المسألة في أوائل كتاب الصوم، فراجع.
(مسألة 7): لو غمّت الشهور و لمير الهلال في جملة منها أو في تمامها حسب كلّ شهر ثلاثين ما لميعلم النقصان عادة.
الشرح:
لو غمّت الشهور و لمير الهلال في جملة منها عدّ كلّ شهر ثلاثين و ذلك لصحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر عليهالسلام قال:
«قال أميرالمؤمنين عليهالسلام: اذا رأيتم الهلال فأفطروا أو شهد عليه عدل «و
اشهدوا عليه عدولاً» من المسلمين، و ان لمتروا الهلال الاّ من وسط النهار أو آخره فأتمّوا الصيام الى الليل، و ان غمّ عليكم فعدّوا ثلاثين ليلة (يوما) ثمّ أفطروا».(1)
و موثّقة اسحاق بن عمّار قال:
«سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن هلال رمضان يغمّ علينا في تسع و عشرين من شعبان فقال: لاتصمه الاّ أنتراه. الحديث».(2)
بناءًا على عدم اختصاص الحكم لشهر شوّال أو شهر رمضان. و يدلّ عليه أيضا الروايات الدالّة على أنّ الصوم للرؤية و الافطار للرؤية مضافا الى استصحاب بقاء الشهر الى أنيتحقّق زواله، و لايتمّ ذلك الاّ بمضيّ ثلاثين.
هذا فيما لو كان الاشتباه في الأشهر على وجه لاتقتضي العادة بنقصانها، و أمّا لو غمّت شهور السنة كلّها.
فقال في الجواهر ناقلاً عن المسالك: «انّ الأكثر عدّ كلّ شهر منها ثلاثين أيضا للأصل المزبور (أي استمرار بقاء الشهر الى أنيتحقّق زواله)، و أشكله بأنّ ذلك خلاف الواقع في جميع الأزمان ـ الى أنقال: ـ و قيل ينقص منها لقضاء العادة بالنقيصة، لكن في المدارك أنّ القول باحتساب بعضها ناقصا مجهول القائل مع جهالة قدر النقص و جهالة خصوص الناقص. و قيل و القائل الشيخ في المحكي عن مبسوطه، و الفاضل في المحكي من جملة من كتبه، و الشهيدان في الدروس و الروضة يعمل في ذلك برواية الخمسة، و في المختلف أنّ المعتمد في ذلك العادة لا الرواية، و فيه منع اطراد العادة بالنقيصة على هذا الوجه كمنع صلاحيّة الرواية للعمل بها كذلك، و حينئذٍ فلا ريب في أنّ الأوّل أشبه بأصول المذهب و قواعده مع كون المراد تنقيح حال شهر أو شهرين بل و أزيَد من ذلك، مع تعدّد المكلّف و
اتّحاده، ضرورة امكان جريان الأصل حينئذٍ بلا معارض، أمّا اذا كان محلّ التكليف تمام السنة كما لو نذر عبادة سنة هلاليّة و اتّفق غمّ الشهور كلّها أشكل حينئذٍ وجوبها في جميعها على ثلاثين للأصل المعلوم عادة انقطاعه، فالمتّجه حينئذٍ فعلها فيما لميتيقّن بمقتضى العادة نقصانه، و كذا كلّ ما كان من هذا القبيل، بخلاف ما لو كان محلّ التكليف شهرا بخصوصه أو شهرين و نحو ذلك. انتهى ملخّصا».(1)
أقول:
الظاهر أنّه لا فرق بين كون الغمّة في شهر أو شهرين أو أزيد من ذلك و بين كونها تمام السنة، في أنّ الحكم عدّ ثلاثين يوما من كلّ شهر، فانّ المدرك للحكم هو اطلاق قوله عليهالسلام في صحيحة محمّد بن قيس: «و ان غمّ عليكم فعدّوا ثلاثين ليلة (يوما) ثمّ أفطروا». نعم اذا علم الخلاف في ذلك عادة يعدّ ناقصا. مثلاً لو علم بأنّ العادة قاضية بنقصان شهر في خمسة أشهر متوالية فحينئذٍ يعدّ أربعة أشهر ثلاثين يوما و يعدّ الخامسة ناقصا و هكذا.
و المتحصّل أنّ أحسن الأقوال قول الماتن كما ذهب اليه صاحب الجواهر و هو عدّ كلّ شهر ثلاثين يوما ما لميعلم النقصان عادة.
(مسألة 8): الأسير و المحبوس اذا لميتمكّنا من تحصيل العلم بالشهر عملا بالظنّ، و مع عدمه تخيّرا في كلّ سنة بين الشهور فيعينان شهرا له، و يجب مراعاة المطابقة بين الشهرين في سنتين بأنيكون بينهما أحدعشر شهرا، و لو بان بعد ذلك أنّ ما ظنّه أو اختاره لميكن رمضان فان تبيّن سبقه كفاه لأنّه حينئذٍ يكون ما أتى به قضاءًا و ان تبيّن لحوقه و قد مضى قضاه، و ان لميمض أتى به، و
1) ـ جواهر الكلام 16: 380.
يجوز له في صورة عدم حصول الظنّ أن لايصوم حتّى يتيقّن أنّه كان سابقا فيأتي به قضاءًا. و الأحوط اجراء أحكام شهر رمضان على ما ظنّه من الكفّارة، و المتابعة، و الفطرة، و صلاة العيد، و حرمة صومه مادام الاشتباه باقيا، و ان بان الخلاف عمل بمقتضاه.
الشرح:
في المسألة فرعان:
الأسير و المحبوس و نحوهما اذا لميتمكّنا من تحصيل العلم بالشهر عملا بالظنّ ثمّ ان كان الشهر الذي صامه قبل شهر رمضان لميجزه، و ان كان بعده أجزأه. و الدليل على ذلك كلّه: صحيحة عبدالرحمن بن أبي عبداللّه عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«قلت له: رجل أسرته الروم و لميصحّ له شهر رمضان و لميدر أيّ شهر هو، قال: يصوم شهرا يتوخّى (يتوخّاه) و يحسب فان كان الشهر الذي صامه قبل شهر رمضان لميجزه، و ان كان بعد شهر رمضان أجزأه».(1)
قال في الوافي: «التوخّي بمعنى تحصيل الظنّ. انتهى».
و الظاهر أنّ المسألة اجماعيّة، فقال في الحدائق: «قد صرّح الأصحاب ـ رضوان اللّه عليهم ـ بأنّ من لايعلم الشهر كالأسير في يد المشركين و المحبوس يتوخّى و ينظر ما غلب على ظنّه فيصومه و يجزئه مع استمرار الاشتباه، و ان علم
1) ـ وسائل الشيعة 7: 200 / الباب السابع من أبواب أحكام شهر رمضان / الحديث الأوّل.
اتّفاقه في شهر رمضان أو تأخّر ما صامه عن شهر رمضان أجزأه أيضا و ان ظهر تقدّمه لميجزئه، و هذه الأحكام كلّها اجماعيّة على ما نقله العلاّمة في التذكرة و المنتهى. انتهى».(1)
ثمّ اعلم أنّه اذا غلب على ظنّه بالنسبة الى شهر فهو بمنزلة شهر رمضان و يترتّب عليه آثاره لأنّ ظنّه هذا حجّة، فهو كالظنّ الحاصل بشهادة العدلين برؤية الهلال، و عليه لو أفطر عمدا يجب عليه القضاء و الكفّارة فاذا عدّ ثلاثين يوما لصحيحة محمّد بن قيس يحرّم عليه الصوم في اليوم الحادى و الثلاثين و يجب عليه زكاة الفطرة و يجوز له اقامة صلاة العيد، مادام الاشتباه باقيا و ان بان الخلاف عمل بمقتضاه.
قال في الجواهر: «فقد صرّح غير واحد من الأصحاب بأنّه يلحق ما ظنّه حكم الشهر في وجوب الكفّارة في افساد يوم منه ان لميتبيّن تقدّمه ـ الى أنقال: ـ و يلحقه أيضا أحكام العيد من الصلاة و الفطرة و حرمة الصوم و غير ذلك من أحكام الشهر واجباته و مندوباته، لكن قد يشكل ذلك بأنّه ليس في النصّ الذي هو العمدة في المقام ما يقتضي ذلك من اطلاق منزلة و نحوها، و مجرّد وجوب الصوم للظنّ أعمّ من ذلك. انتهى».(2)
و أمّا قوله رحمهالله: «انّه ليس في النصّ الذي ... الخ» ففيه: انّ الظاهر من قوله عليهالسلام في الصحيحة: «يصوم شهرا يتوخّاه و يحسب» هو المنزلة، و لا فرق بين ذلك و بين الظنّ الحاصل من شهادة الشاهدين العدلين برؤية الهلال، فكما يترتّب على ذلك الظنّ آثار شهر رمضان يترتّب على هذا الظنّ أيضا آثاره. و قد عرفت سبب عدم افتاء الماتن باجراء أحكام شهر رمضان و احتياطه في ذلك.
اذا لميتمكّن الأسير و المحبوس و نحوهما من تحصيل الظنّ فهل لهما أنيتخيّرا في كلّ سنة بين الشهور فيعيّنان شهرا أو يجب لهما الاحتياط فان تعذّر أو تعسّر الامتثال القطعي و الاحتياط التامّ عملاً بالعلم الاجمالي المنجّز، يتنزّل الى التبعيض فيه و الامتثال الاحتمالي، قولان:
قال العلاّمة في التذكرة: «لو لميغلب على ظنّ الأسير شهر رمضان لزمه أنيتوخّى شهرا و يصومه و يتخيّر فيه و به قال بعض الشافعيّة لأنّه مكلّف بالصوم و قد فقد العلم بتعيين الوقت فسقط عنه التعيين و وجب عليه الصوم في شهر يتوخّاه كما لو فاته الشهر مع علمه و لميصمه فانّه يسقط عنه التعيين و يتوخّى شهرا يصومه للقضاء و كما لو اشتبهت القبلة و ضاق الوقت و لرواية عبدالرحمن. انتهى موضع الحاجة من كلامه».(1)
قال في الجواهر: «ذكروا أيضا من غير خلاف فيه بينهم ـ بل ربّما ظهر من بعضهم الاجماع عليه ـ من أنّه ان لميظنّ شهرا تخيّر في كلّ سنة شهرا مراعيا للمطابقة بين الشهرين في سنتين بأنيكون بينهما أحدعشر شهرا لا أزيَد و لا أنقص، و الاّ كان أحد الشهرين على اليقين غير رمضان، ثمّ يجري عليه الأحكام السابقة. ـ ثمّ قال: ـ و فيه أوّلاً: أنّه لا دليل على هذا التخيير ـ الى أنقال: ـ و التخيير لميثبت كونه طريقا شرعا. انتهى موضع الحاجة من كلامه».(2)
و الأقوى التخيير و ذلك لصحيحة عبد الرحمن بن أبي عبداللّه المتقدّمة قال: ـ الى أنقال عليهالسلام: - يصوم شهرا يتوخّى (يتوخّاه) و يحسب ...الخ الحديث.
فانّ معنى يتوخّى هو القصد و الطلب.
قال في مجمع البحرين: «في الحديث: «يتوخّى شهر رمضان» أي يقصده و يتحرّاه ـ الى أنقال: ـ و توخّى مرضاته: تحرّاها و تطلّبها. ـ و قال فيه أيضا: ـ قوله تعالى: أولئك تحرّوا رَشَدا(1)أي طلبوا الحقّ. و التحرّي و التوخّي: القصد و الاجتهاد في الطلب و العزم على تخصيص الشيء بالفعل و القول. انتهى».
و قال في قاموس اللغة: «توخّى رضاه = تحرّاه، و الوخي القصد. انتهى».
و قال في أقرب الموارد: «توخّى مرضاة فلان = تحرّاها وتطلّبها. انتهى».
و قال في مصباح المنير: «توخّيت الأمر = تحرّيته في الطلب».
و قال في المنجد: «وَخى يخي وخيا الأمر: قصده ـ الى أنقال: ـ وخّى الأمر: تطلّبه دون سواه».
فمعنى قوله عليهالسلام: «يصوم شهرا يتوخّى (يتوخّاه) و يحسب» أي طلب و اجتهد في أنيصل الى شهر رمضان فان وجده و لو بالغلبة على ظنّه فيصومه و الاّ يصوم شهرا.
فما قاله السيّد الحكيم في المستمسك: «انّ الظاهر من التوخّي العمل بما هو أقرب الى الواقع، فيختصّ بالظنّ. انتهى».(2)
ففيه: انّ معنى التوخّي هو القصد و الطلب، كما مرّ عن أهل اللغة و لايختصّ بالظنّ، نعم قد يصل الى الظنّ في اجتهاده و قد لايحصل. و لعلّ مقصود صاحب الوافي من قوله في معنى التوخّي، تحصيل الظنّ، ذلك الذي ذكرناه. و كذا ما قاله صاحب الحدائق بأنّه ينظر ما غلب على ظنّه فيصومه.
و احتجّوا للقول الآخر: «بأنّا اذا لمنقل بالحرمة الذاتيّة لصوم يوم العيد، فلا مجال حينئذٍ للقول بالتخيير، بل لابدّ للمكلّف من أنيصوم تمام الأيّام التي
يعلم اجمالاً بوجود شهر رمضان فيها عملاً بالعلم الاجمالي فيما اذا لميكن في ذلك حرج أو ضرر. و أمّا مع أحدهما فالحكم يبتنى على مسألة الاضطرار الى بعض أطراف العلم الاجمالي غير المعيّن. فان قلنا بعدم التنجيز و انّ الاضطرار يرفع الحكم الواقعي فمقتضى القاعدة حينئذٍ هو سقوط التكليف رأسا و عدم وجوب أيّ شيء عليه و هو خلاف ما ذهب اليه المشهور في المقام. و ان قلنا بالتنجيز و عدم سقوط التكليف الواقعي نظرا الى أنّ الاضطرار انّما تعلّق بالجامع و متعلّق التكليف ـ و هو صوم شهر رمضان ـ لميتعلّق الاضطرار بتركه بالخصوص فلا موجب لسقوط التكليف، بل غاية ما هناك عدم وجوب الاحتياط التامّ لمكان الاضطرار، فيجوز له الافطار بمقدار تندفع به الضرورة. انتهى».(1)
ففيه أوّلاً: أنّ النصّ موجود في المقام و هو الحجّة، مضافا الى عدم الخلاف في ذلك بينهم كما في الجواهر، و في المدارك نسبته الى قطع الأصحاب.
و ثانيا: أنّ المنجّز للتكليف هو العلم الاجمالي بأنّ المكلّف به و هو شهر رمضان داخل في اثنيعشر شهرا فيجب عليه أنيأتي بتمام الأشهر خروجا عن التكليف المنجّز، و أمّا اذا كان هناك حرج أو ضرر أو قلنا بأنّ حرمة صوم يوم العيد ذاتيّة فخرج ثلاثة أشهر مثلاً أو أكثر عن أطراف العلم الاجمالي فحينئذٍ ليس لنا العلم الاجمالي المتقدّم حتّى يتنجّز التكليف و أمّا الامتثال الاحتمالي فلايجب لعدم الدليل، و حيث نعلم بعدم سقوط التكليف رأسا من ظاهر الآيات و الروايات و فتوى الفقهاء، فيتخيّر شهرا فيصوم. و حينئذٍ تجري عليه أحكام شهر رمضان كما تقدّم فيما اذا غلب على ظنّه بالنسبة الى شهر أنّه شهر رمضان.
(مسألة 9): اذا اشتبه شهر رمضان بين شهرين أو ثلاثة أشهر مثلاً فالأحوط صوم الجميع و ان كان لايبعد اجراء حكم الأسير و المحبوس. و أمّا ان اشتبه
1) ـ مستند العروة الوثقى 10 الجزء الثاني من كتاب الصوم: 129.
الشهر المنذور صومه بين شهرين أو ثلاثة فالظاهر وجوب الاحتياط ما لميستلزم الحرج، و معه يعمل بالظنّ، و مع عدمه يتخيّر.
الشرح:
قد تقدّم أنّ الحكم المذكور في صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبداللّه عامّ لكلّ من اشتبه عليه شهر رمضان و ذكر الأسير فيها لايخصّصها به، و الظاهر من الصحيحة عدم الفرق بين اشتباه شهر رمضان في كلّ السنة و بين الاشتباه في ضمن شهرين أو ثلاثة أشهر. و عليه فيصوم شهرا يتوخّى و يحسب كما في الصحيحة و لايجب عليه صوم الجميع.
و أمّا ان اشتبه الشهر المنذور صومه بين شهرين أو ثلاثة فالظاهر وجوب الاحتياط بين الأطراف للعلم الاجمالي. نعم اذا استلزم الحرج يسقط التكليف عنه لعدم الدليل على وجوب الامتثال الاحتمالي.
(مسألة 10): اذا فرض كون المكلّف في المكان الذي نهاره ستّة أشهر و ليله ستّة أشهر، أو نهاره ثلاثة و ليله ستّة أو نحو ذلك، فلايبعد كون المدار في صومه و صلاته على البلدان المتعارفة المتوسّطة مخيّرا بين أفراد المتوسّط، و أمّا احتمال سقوط تكليفها عنه فبعيد. كاحتمال سقوط الصوم و كون الواجب صلاة يوم واحد و ليلة واحدة، و يحتمل كون المدار بلده الذي كان متوطّنا فيه سابقا ان كان له بلد سابق.
الشرح:
اذا فرض كون المكلّف في المكان الذي نهاره ستّة أشهر و ليله ستّة أشهر أو نحو ذلك، فالظاهر عدم سقوط تكليفه بالنسبة الى الصلاة و الصوم لأنّه قادر على فعلهما. و ذلك فانّ ساكن تلك الأمكنة يقسّم كلّ أربع و عشرين ساعة على
قسمين و يجعل قسما منهما اليوم و القسم الآخر الليل، و اليوم أيضا يقسّم بأوّله و وسطه و آخره كما يكون هكذا الليل، فعلى هذا التقسيم يصلّي صلواته اليوميّة الخمس. و أيضا يمكن له تعيين السنة و الشهر أوّلهما و آخرهما و كشف ما هو المطابق لشهر رمضان و هذا الذي ذكرنا يطابق البلدان المتعارفة المتوسّطة تقريبا و قهرا. فبناءًا عليه يسقط الاحتمالات الثلاثة التي احتملها الماتن.
يجب قضاء الصوم ممّن فاته بشروط، و هي: البلوغ، و العقل، و الاسلام، فلايجب على البالغ ما فاته أيّام صباه.
الشرح:
قد تقدّم أنّه لايجب الصوم على الصبي و المجنون فالظاهر أنّه لا خلاف فيه نصّا و فتوىً كما في الحدائق، لأنّ التكليف يسقط مع عدم العقل و تقدّم الدليل عليه و على سقوطه عن الصبي. و لايجب على البالغ قضاء ما فاته أيّام صباه، لحديث: «القلم يرفع عن ثلاثة: عن الصبي حتّى يحتلم و عن المجنون حتّى يفيق و عن النائم حتّى يستيقظ».(1)
هذا أوّلاً، و ثانيا لا دليل على القضاء و الأصل الحاكم البراءة، و اطلاق وجوب القضاء على من ترك الصوم منصرف قطعا الى من كان يجب عليه الصوم. و أمّا أفضليّة القضاء فلا دليل عليه.
1) ـ وسائل الشيعة 1: 32 / الباب الرابع من أبواب مقدّمة العبادات / الحديث 11.
قال العلاّمة في المنتهى: «يشترط في وجوب القضاء الفوات حالة البلوغ فلو فات عن الصبي الذي لميبلغ شهر رمضان لميجب عليه القضاء حالة البلوغ سواء كان مميّزا أو لميكن و هو قول كلّ من يحفظ عنه العلم، لأنّ الصغير لايتناوله الخطاب وقت الأمر بالصوم و لميوجد فيه شرطه و هو العقل فلايتناوله خطاب القضاء، و لانعلم فيه خلافا الاّ من الأوزاعي فانّه قال: يقضيه ان كان أفطره و هو مطبق على صيامه، و ليس معتمدا لأنّه زمن مضى في حال صباه فلميلزمه القضاء كما لو بلغ بعد انسلاخ الشهر أجمع. انتهى».(1)
قال المحقّق في المعتبر: «شرائط القضاء ثلاثة: البلوغ و كمال العقل و الاسلام فلايقضى ما فات لصغر و عليه اجماع المسلمين كافّة و لأنّ الصغير لايقبل الخطاب وقت الأمر بالصوم فلايتناول خطاب القضاء. انتهى».(2)
قال السيّد السند في المدارك: «لا خلاف في سقوط القضاء عن الصبي و المجنون و الكافر بعد البلوغ و الاقامة و الاسلام، و يدلّ عليه مضافا الى الأصل قوله عليهالسلام: «رفع القلم عن الثلاثة: عن الصبي حتّى يبلغ و عن النائم حتّى يستيقظ و عن المجنون حتّى يفيق». و قوله عليهالسلام: «الاسلام يجُبّ ما قبله». انتهى».(3)
و قال الشهيد الثاني في شرح اللمعة: «و يقضي صوم شهر رمضان كلّ تارك له عمدا أو سهوا أو لعذر من سفر أو مرض و غيرهما، الاّ الصبي و المجنون اجماعا. انتهى».(4)
و قال في رياض المسائل: «فلايقضي ما فاته لصغر مميّزا كان أم لا بلا خلاف ـ الى أنقال: ـ للأصل و تبعيّة القضاء للأداء مفهوما، فلايشمل عموم أو اطلاق ما
دلّ على وجوبه بعد تسليم وجوده لنحو المجنون و الصبي، لحديث رفع القلم، و نحوه الدالّ على عدم وجوب الأداء في حقّهما فلا معنى للقضاء. انتهى ملخّصا».(1)
نعم يجب قضاء اليوم الذي بلغ فيه قبل طلوع فجره أو بلغ مقارنا لطلوعه اذا فاته صومه.
الشرح:
لأنّه صار مكلّفا بالصوم حين بلغ و مأمورا بما نزل في القرآن بقوله تعالى: «كلوا و اشربوا حتّى يتبيّن لكم ... ثمّ أتمّوا الصيام الى الليل»(2)، و قابلاً للخطاب لمكان بلوغه، فاذا لميفعل فقد فات عنه الصوم فيشمله أدلّة القضاء، بلا خلاف في ذلك سواء بلغ قبل طلوع الفجر أم بلغ مقارنا لطلوعه لوحدة المناط.
و أمّا لو بلغ بعد الطلوع في أثناء النهار فلايجب قضاؤه و ان كان أحوط.
الشرح:
لو بلغ الصبي في أثناء نهار شهر رمضان و لميفطر حتّى ذلك الوقت فهل يجب عليه الامساك و ان أفطر فهل يجب عليه القضاء؟
الأقوى أنّه لايجب عليه الامساك و لا القضاء، و ذلك لأنّه لميخاطب قبل الفجر أو حينه بأمره تعالى: كلوا و اشربوا حتّى يتبيّن لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ...، و لا دليل على وجوب امساكه بعد البلوغ أثناء النهار و لميفت عنه الواجب ليجب عليه قضاؤه، سواء قلنا بمشروعيّة عباداته أم لمنقل،
فعلى الثاني فواضح و أمّا على الأوّل فلما مرّ.
قال العلاّمة في المنتهى: «و لايقضي اليوم الذي بلغ فيه سواء صامه أو لميصمه الاّ أنيبلغ قبل الفجر ثمّ يفطره و به قال أبو حنيفة. و للشافعي قولان: أحدهما أنّه لايجب قضاؤه اذا كان مفطرا و الثاني يجب قضاؤه، و ان كان صائما فوجهان. لنا: انّه ليس من أهل التكليف في ابتداء اليوم، و بعض اليوم لايصحّ صومه فسقط التكليف بصوم ذلك اليوم وجوبا و ندبا فالقضاء ساقط لأنّه يستتبع وجوب الأداء أو وجود سببه. انتهى».(1)
و قال في الجواهر: «فلايجب على الصبي القضاء الاّ اليوم الذي قد بلغ فيه قبل طلوع فجره و لميصمه فانّه يجب عليه قضاؤه قطعا، لاطلاق الأدلّة حينئذٍ حتّى لو كان بلوغه قبله في زمن لايسعه الطهارة من الجنابة مثلاً و لو الترابيّة، ضرورة كونه حينئذٍ معذورا في ذلك كمن أفاق كذلك، و أمّا اليوم الذي قد بلغ في أثنائه قبل الزوال و لميفعل المفطر فانّ الأصحّ عدم وجوبه عليه فلايلزمه قضاؤه. انتهى ملخّصا».(2)
و قال أيضا: «لو كمل الصبي و المجنون بعد طلوع الفجر لميجب الصوم على الأظهر الأشهر بل المشهور شهرة عظيمة كادت تكون اجماعا، بل هي كذلك عند ابن ادريس فانّه ـ بعد أنحكى ما في الخلاف للشيخ من أنّ الصبي ان نوى الصوم أوّل النهار و لميفطر فبلغ وجب عليه الاتمام ... ـ قال: انّه خلاف اجماع أصحابنا و انّه من فروع المخالفين فلايلتفت اليه. انتهى موضع الحاجة من كلامه ملخّصا».(3)
و لو شكّ في كون البلوغ قبل الفجر أو بعده فمع الجهل بتاريخهما لميجب
القضاء، و كذا مع الجهل بتاريخ البلوغ، و أمّا مع الجهل بتاريخ الطلوع بأن علم أنّه بلغ قبل ساعة مثلاً و لميعلم أنّه كان قد طلع الفجر أم لا فالأحوط القضاء، ولكن في وجوبه اشكال.
الشرح:
لو شكّ في كون البلوغ قبل الفجر أو بعده فمع الجهل بتاريخهما لميجب القضاء لأصالة البراءة و ذلك امّا لعدم جريان الاستصحاب لعدم وجود المقتضى له، أو لتعارض الاستصحابين و تساقطهما فتصل النوبة الى البراءة للشكّ في التكليف بالقضاء. و كذا مع الجهل بتاريخ البلوغ، فلو علم بأنّ الفجر طلع قبل ساعة و لميعلم تقدّم البلوغ عليه أو تأخّره عنه مع الجهل بتاريخ البلوغ فيستصحب عدم البلوغ الى طلوع الفجر. و أمّا لو علم تاريخ البلوغ بأنّه بلغ قبل ساعة مثلاً و لميعلم تاريخ الطلوع و أنّه كان قبل بلوغه أو بعده، فاستصحاب عدم طلوع الفجر الى البلوغ و ان كان جاريا الاّ أنّه لايثبت أنّ الفجر كان بعد البلوغ لعدم حجّيّة الأصول المثبتة، فتصل النوبة الى البراءة فلايجب عليه القضاء.
قال في الجواهر: «و لو شكّ في تقدّمه و تأخّره بنى على تأخّر مجهول التاريخ منهما و لو جُهلا حكم بالاقتران، فيجب الصوم حينئذٍ، لكن فيه ما أشرنا اليه سابقا في كتابي الطهارة و الصلاة من أنّ الاقتران حادث أيضا، و الأصل عدمه، فالمتّجه الرجوع الى غيرهما من أصل و نحوه، و هو هنا البراءة كما يشهد له جعلهم ذلك شرطا فالشكّ فيه حينئذٍ شكّ في المشروط، بل ربّما قيل بنحو ذلك في الصورة الأولى أيضا، لعدم اقتضاء الأصل تأخّر المجهول عن المعلوم، بل أقصاه التأخّر في نفسه و هو لايجدي في ثبوت التكليف أو سقوطه، فتأمّل جيّدا. انتهى».(1)
و كذا لايجب على المجنون ما فات منه أيّام جنونه من غير فرق بين ما كان
1) ـ جواهر الكلام 17: 9.
من اللّه أو من فعله على وجه الحرمة أو على وجه الجواز.
الشرح:
و لايجب على المجنون قضاء ما فات منه أيّام جنونه و الدليل عليه هو عدم المقتضى له للتكليف لفقدان عقله ففي الصحيح عن أبي عبداللّه عليهالسلام عن اللّه تعالى مخاطبا العقل:
«ايّاك آمر و ايّاك أنهى و ايّاك أعاقب و ايّاك أثيب».(1)
و قد تقدّم قوله عليهالسلام: «انّ القلم يرفع عن ثلاثة: عن الصبي حتّى يحتلم، و عن المجنون حتّى يفيق، و عن النائم حتّى يستيقظ».(2)و لا فرق في ذلك بين ما كان جنونه من اللّه أو من فعله على وجه الحرمة كمن شرب شيئا يعلم بأنّه يصير مجنونا بشربه ايّاه، أو على وجه الجواز كمن شرب شيئا لميعلم أنّه مضرّ له، فصار مجنونا بشربه، و ذلك لوحدة المناط و اطلاق الدليل.
قال في الجواهر: «لايجب القضاء على المجنون كالصبي عند الأصحاب من غير خلاف يعتدّ به بينهم، بل يمكن تحصيل الاجماع عليه بل حكاه عليه في الروضة من غير فرق بين ما كان الجنون بفعله على جهة الحرمة و عدمها و بين ما كان بفعل اللّه تعالى، لاطلاق الأدلّة، خلافا للمحكي عن الاسكافي فأوجب القضاء عليه اذا كان بفعله على جهة الحرمة ـ الى أنقال: ـ و فيه: انّ الأدلّة مطلقة و ستعرف نصوص الاغماء التي فيها الصحيح و غيره. انتهى ملخّصا».(3)
و قال العلاّمة في المنتهى: «و كمال العقل شرط في القضاء فلو فات المجنون شهر رمضان ثمّ أفاق لميجب عليه قضاؤه و عليه فتوى علمائنا و به قال الشافعي و أبو حنيفة و قال مالك: يجب عليه القضاء. لنا: قوله عليهالسلام: «رفع القلم عن ثلاثة: عن
المجنون حتّى يفيق»، و لأنّ القضاء يجب بأمر جديد و لميثبت في حقّه، و لأنّه معنى يزيل التكليف. انتهى».(1)
و قال في التذكرة مضافا الى ما في المنتهى: «لأنّه ليس محلاًّ للتكليف فلايجب عليه الأداء فلايجب عليه تابعه و هو القضاء، فان أفاق أثناء الشهر لميقض ما فاته حال جنونه و لا اليوم الذي يفيق فيه الاّ أنيكون أفاق قبل الفجر. انتهى ملخّصا».(2)
و كذا لايجب على المغمى عليه سواء نوى الصوم قبل الاغماء أم لا.
الشرح:
اختلفوا في وجوب القضاء على المغمى عليه على ثلاثة أقوال؛
الأوّل: عدم الوجوب مطلقا أي سواء نوى الصوم قبل الاغماء أم لا و هو المشهور.
الثاني: وجوب القضاء اذا كان الاغماء سابقا على الصوم ثمّ استمرّ به، لعدم النيّة، و هو مذهب السيّد المرتضى و سلاّر و ابن البرّاج و الشيخ في الخلاف.
الثالث: ان كان الاغماء بسبب محرّم أدخله على نفسه قضى كلّ ما غمّ عليه فيه، و ان كان من غير سبب أدخله على نفسه لا قضاء عليه اذا لميفق في اليوم كلّه، فان أفاق في بعض اليوم و لميكن فعل ما بمثله يفطر الصائم، صام ذلك اليوم و أجزأه، و هذا الذي ذهب اليه ابن الجنيد.
و الأقوى ما ذهب اليه المشهور و الدليل عليه صحيحة أيّوب بن نوح قال:
«كتبت الى أبي الحسن الثالث عليهالسلام أسأله عن المغمى عليه يوما أو أكثر
هل يقضي ما فاته أم لا؟ فكتب عليهالسلام: لايقضي الصوم و لايقضي الصلاة».(1)
و صحيحة علي بن مهزيار قال:
«كتبت اليه و أنا بالمدينة أسأله عن المغمى عليه يوما أو أكثر هل يقضي ما فاته؟ فكتب عليهالسلام: لايقضي الصوم».(2)
و صحيحة علي بن مهزيار أنّه سأله يعني أباالحسن الثالث عليهالسلام عن هذه المسألة يعني مسألة المغمى عليه فقال:
«لايقضي الصوم و لا الصلاة، و كلّما غلب اللّه عليه فاللّه أولى بالعذر».(3)
و لاتعارض هذه الصحاح صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبداللّه عليهالسلام أنّه سأله عن المغمى عليه شهرا أو أربعين ليلة قال:
«فقال: ان شئت أخبرتك بما آمر به نفسي و ولدي أنتقضي كلّ ما فاتك».(4)
و رواية حفص بن البختري، عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«يقضي المغمى عليه ما فاته».(5)
لأنّ هاتين الروايتين تحملان على الاستحباب جمعا بينهما و بين الصحاح المتقدّمة مضافا الى ضعف سند الرواية الثانية.
و استدلّ العلاّمة في المختلف للقول الثاني بما دلّ على قضاء المريض و بما دلّ على وجوب قضاء الصلاة، كما في صحيحة حفص بن البختري عن
1) ـ وسائل الشيعة 7: 161 / الباب 24 من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث الأوّل.
2) ـ وسائل الشيعة 7: 161 / الباب 24 من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث الثاني.
3) ـ وسائل الشيعة 7: 162 / الباب 24 من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث السادس.
4) ـ وسائل الشيعة 7: 161 / الباب 24 من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث الرابع.
5) ـ وسائل الشيعة 7: 162 / الباب 24 من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث الخامس.
أبي عبداللّه عليهالسلام قال في المغمى عليه:
«يقضي صلاته ثلاثة أيّام».(1)
و وجوب القضاء تابع لوجوب الأداء، و هو يستلزم التكليف بالصلاة فيكون مكلّفا بالصوم، اذ لا قائل بالفرق.
و فيه أوّلاً: أنّ التكليف مشروط بالعقل و هو زائل عن المغمى عليه.
و ثانيا: لا ملازمة بين الصلاة و الصيام، فانّ الصلاة آكد و أحقّ في القضاء.
و ثالثا: أنّ الحقّ في الجمع بين الروايات الواردة لحكم قضاء الصلاة على المغمى عليه هو عدم الوجوب.
و رابعا: لو تمّت دلالة الروايات لوجوب قضاء الصلاة على المغمى عليه فلايجب عليه قضاء الصوم للصحاح المتقدّمة آنفا.
قال في المدارك: «لا ريب في سقوط الصوم عن المغمى عليه لخروجه بذلك عن أهليّة التكليف و انّما الخلاف في صحّة صومه مع سبق النيّة. و اختلف الأصحاب في وجوب القضاء على المغمى عليه بعد الافاقة، فقال الشيخ في الخلاف و المفيد و المرتضى: لايقضي ان سبقت منه النيّة، و يقضي ان لمينو و قال في النهاية و المبسوط: لا قضاء عليه مطلقا، و به قطع ابن ادريس و عامّة المتأخّرين، و هو المعتمد للأخبار الكثيرة الدالّة عليه كصحيحة أيّوب بن نوح و صحيحة علي بن مهزيار و لمنقف للقائلين بالوجوب على حجّة يعتدّ بها. انتهى موضع الحاجة من كلامه».(2)
قال في المستمسك: «و كأنّ منشأ التخصيص لقضاء الصوم بصورة عدم سبق النيّة بناؤهم على صحّة صومه لو سبقت منه النيّة، لعدم منافاة الاغماء للصوم.
انتهى».(1)
و قال في الجواهر: «لايقضي الصوم ان فاته لاغماء على المشهور بين الأصحاب شهرة عظيمة، بل عن ظاهر فقه القرآن للراوندي الاجماع حيث قال: لا قضاء عليه عندنا، و حمل كلام المخالف على الاستحباب، للأصل و قاعدة معذوريّة ما يغلب اللّه عليه، و صحيح أيّوب بن نوح، و صحيح علي بن مهزيار، و مكاتبة القاشاني ـ الى أنقال: ـ و حكي عن المفيد و المرتضى و سلاّر و ابن البرّاج: يقضي ما لمينو قبل اغمائه، فان نوى صحّ صومه ـ الى أنقال: ـ و لا ريب أنّ عدم وجوب القضاء أظهر لما عرفت عن الأصل و النصوص السالمة عن المعارض عدا ما عرفت ممّا هو واضح الضعف كمرسل حفص بن البختري القاصر عن معارضة غيره من وجوه، فلابأس بحمله على الندب، و من الغريب ما في المختلف من الاستدلال عليه بخبر حفص بن البختري الآخر عن أبي عبداللّه عليهالسلام: «المغمى عليه يقضي صلاته ثلاثة أيّام» الوارد أوّلاً في خصوص الصلاة، و في خصوص ثلاثة أيّام منها، و قياس الصوم عليها يقضي بكونه كذلك، و لا قائل به و هذا من أقوى الشواهد على تلك النصوص على الندب كما لايخفى على من لاحظها متأمّلاً لما فيها من الاختلاف بنفي القضاء مطلقا، و اثباته كذلك، و في خصوص بعض الأيّام. انتهى ملخّصا».(2)
أقول:
قد تقدّم البحث في الروايات الواردة في قضاء الصلاة على المغمى عليه والتحقيق حولها و ما قال به صاحب الجواهر في ذيل كلامه حسن فلاحظ و تأمّل.
و استدلّ للقول الثالث بصحيحة علي بن مهزيار أنّه سأله يعني أباالحسن
الثالث عليهالسلام عن هذه المسألة يعني مسألة المغمى عليه، فقال:
«لايقضي الصوم و لا الصلاة، و كلّما غلب اللّه عليه فاللّه أولى بالعذر».(1)
بناءًا على استفادة العلّيّة المنحصرة منها، و انصراف سائر الأخبار بما اذا كان الاغماء مستندا الى غلبة اللّه تعالى و خارجا عن اختيار المكلّف.
ولكن فيه (كما فى مستند العروة): انّ التقييد بغلبة اللّه، مبني على أنّ الغالب في الاغماء هو ذلك، لا الدلالة على العلّيّة المنحصرة، فغايتها أنّها لا اطلاق لها بحيث لو كان الدليل منحصرا بها لما أمكن الالتزام بالتعميم، لا أنّها تدلّ على الاختصاص و ان كان موردها ذلك. فلا مانع اذن من الأخذ بالاطلاق في بقيّة الروايات. و دعوى الانصراف غير مسموعة و عهدتها على مدّعيها.
و كذا لايجب على من أسلم عن كفر، الاّ اذا أسلم قبل الفجر و لميصم ذلك اليوم فانّه يجب عليه قضاؤه، و لو أسلم في أثناء النهار لميجب عليه صومه و ان لميأت بالمفطر، و لا عليه قضاؤه من غير فرق بين ما لو أسلم قبل الزوال أو بعده. و ان كان الأحوط القضاء اذا كان قبل الزوال.
الشرح:
لايجب القضاء على من أسلم عن كفر بلا خلاف في ذلك.
قال في الجواهر: «وجب على الكافر الأصلي الصوم لأنّه مكلّف بالفروع لكن لايجب عليه القضاء اجماعا بقسميه الاّ ما أدرك فجره مسلما، لأنّ الاسلام يجُبّ ما قبله بناءًا على منافاة القضاء و ان كان بفرض جديد لجبّ السابق باعتبار كون المراد منه قطع ما تقدّم، و تنزيله منزلة ما لميقع لا أنّ المراد جبّ خصوص
1) ـ وسائل الشيعة 7: 162 / الباب 24 من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث السادس.
العصيان. انتهى ملخّصا».(1)
و أمّا الدليل على عدم وجوب القضاء على الكافر اذا أسلم صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليهالسلام أنّه سئل عن رجل أسلم في النصف من شهر رمضان ما عليه من صيامه؟ قال:
«ليس عليه الاّ ما أسلم فيه».(2)
و صحيحة عيص بن القاسم قال:
«سألت أباعبداللّه عليهالسلام عن قوم أسلموا في شهر رمضان و قد مضى منه أيّام، هل عليهم أنيصوموا ما مضى منه أو يومهم الذي أسلموا فيه؟ فقال: ليس عليهم قضاء و لا يومهم الذي أسلموا فيه الاّ أنيكونوا أسلموا قبل طلوع الفجر».(3)
و موثّقة مسعدة بن صدقة عن أبي عبداللّه عن آبائه عليهمالسلام أنّ عليّا عليهالسلام كان يقول في رجل أسلم في نصف شهر رمضان:
«انّه ليس عليه الاّ ما يستقبل».(4)
و لاتعارض هذه الروايات صحيحة الحلبي الثانية قال:
«سألت أباعبداللّه عليهالسلام عن رجل أسلم بعد ما دخل (من) شهر رمضان أيّام (ما) فقال: ليقض ما فاته».(5)
لأنّها تحمل على الاستحباب جمعا. و يمكن حملها على كون الفوات بعد الاسلام.
1) ـ جواهر الكلام 17: 10.
2) ـ وسائل الشيعة 7: 239 / الباب 22 من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث الثاني.
3) ـ وسائل الشيعة 7: 238 / الباب 22 من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث الأوّل.
4) ـ وسائل الشيعة 7: 239 / الباب 22 من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث الرابع.
5) ـ وسائل الشيعة 7: 239 / الباب 22 من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث الخامس.
و لو أسلم في أثناء النهار لميجب عليه صومه و ان لميأت بالمفطر و لايجب عليه قضاؤه من غير فرق بين ما لو أسلم قبل الزوال أو بعده، و ذلك لاطلاق صحيحة العيص بن القاسم.
قال في الحدائق: «نعم ذهب الشيخ قدسسره في المبسوط على ما نقل عنه الى أنّه متى أسلم قبل الزوال يصوم و ان تركه قضاه وجوبا، و قوّاه المحقّق في المعتبر لاطلاق الأمر بالصوم و بقاء وقت النيّة على وجه يسري حكمها الى أوّل النهار كالمريض و المسافر. و ظاهر صحيحة العيص المتقدّمة يردّه حيث قيّد القضاء بالاسلام قبل الفجر. انتهى».(1)
قال الشيخ في المبسوط: «و من أسلم في شهر رمضان و قد مضت منه أيّام فليس عليه قضاء ما فاته و يصوم ما أدركه فان أسلم في بعض النهار أمسك بقيّة النهار تأديبا، و من أسلم قبل طلوع الفجر صام ذلك اليوم وجوبا، و ان أسلم بعده و لميتناول ما يفطره الى عند الزوال جدّد النيّة و كان صومه صحيحا، و ان كان بعد الزوال أمسك تأديبا و لا قضاء عليه. انتهى».(2)
و قال العلاّمة في المنتهى: «و الاسلام شرط في وجوب القضاء فلو فات الكافر الأصلي شهر رمضان ثمّ أسلم لميجب عليه قضاؤه و هو قول كلّ العلماء، و لو أسلم في أثناء الشهر فلا قضاء عليه لما فات، ذهب اليه علماؤنا أجمع و هو قول عامّة العلماء، و قال عطاء: عليه قضاؤه ـ الى أنقال: ـ و أمّا اليوم الذي أسلم فيه فان كان قبل طلوع الفجر وجب عليه صيامه و لو أفطر قضاه و كفّر و ان كان بعد
الفجر أمسك استحبابا و لا قضاء عليه و لايجب عليه صيامه، و للشافعي وجهان ـ الى أنقال: ـ و ما اخترناه مذهب مالك و أبي ثور و ابن المنذر و قال أحمد: يجب عليه الامساك و يقضيه، و ليس بمعتمد. انتهى».(1)
(مسألة 1): يجب على المرتدّ قضاء ما فاته أيّام ردّته سواء كان عن ملّة أو فطرة.
الشرح:
يجب على المرتدّ مطلقا قضاء ما فاته أيّام ردّته، و ذلك لعمومات وجوب قضاء الصوم على من أفطر عمدا، لأنّه كان بحكم الاسلام، لالتزامه له أوّلاً. و الظاهر أنّه لا خلاف في المسألة. و اتّفقوا على أنّ الدليل هو عمومات وجوب قضاء الصوم على من أفطر عمدا.
قال في الحدائق: «الظاهر أنّه لا خلاف بين الأصحاب ـ رضوان اللّه عليهم ـ في أنّ المرتدّ فطريّا كان أو ملّيّا يقضي زمان ردّته استنادا الى عموم الأدلّة الدالّة على وجوب قضاء الفوائت من الصيام و الصلاة الشاملة للمرتدّ و غيره. انتهى».(2)
و قال في الجواهر: «و يجب القضاء على المرتدّ سواء كان عن فطرة أو عن كفر بلا خلاف أجده فيه، لعموم «من فاتته» و غيره ممّا هو دالّ على وجوب القضاء لكلّ تارك و خصوصا العامد الذي محلّ الفرض منه السالم عن معارضة ما دلّ على سقوطه عن الكافر بعد ظهوره في الأصلي و لو بمعونة فهم الأصحاب، و لاينافي ذلك قولنا بعدم قبول توبة المرتدّ عن فطرة ظاهرا و باطنا، اذ أقصاه عدم التمكّن من القضاء كغيره من التكاليف حتّى الاسلام، الاّ أنّ ذلك غير مانع من
تكليفه على وجه يترتّب عليه العقاب بعد أنكان ذلك بسوء اختياره. انتهى».(1)
و قال العلاّمة في المنتهى: «و يجب القضاء على المرتدّ ما يفوته زمان ردّته و به قال الشافعي و قال أبوحنيفة: لايجب قضاؤه. لنا: انّه ترك فعلاً وجب عليه مع علمه بذلك و اقراره بوجوبه عليه فوجب عليه قضاؤه عند فواته كالمسلم و لأنّه في حال ردّته يلزمه الأداء فيلزمه القضاء. احتجّ أبوحنيفة بقوله تعالى: قل للذين كفروا ان ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف(2)، و بقوله عليهالسلام: «الاسلام يجُبّ ما قبله، و بالقياس على الكافر الأصلي. و الجواب أنّ الآية و الخبر انّما يتناولان الكافر الأصلي لأنّه لايؤاخذ بالعبادات في حال كفره، و بالفرق في القياس بين الأصلي و المرتد ... الخ. انتهى».(3)
و قال في المدارك: «انّما وجب القضاء على المرتدّ بنوعيه لعموم الأدلّة الدالّة على وجوب قضاء ما فات من الصيام، المتناولة للمرتدّ و غيره، السليمة من المعارض. انتهى».(4)
و قال في رياض المسائل: «و المرتدّ عن ملّة أو فطرة يقضي ما فاته بلا خلاف فيه بين الأصحاب أجده، و به صرّح أيضا في الذخيرة، للعمومات أو الاطلاقات السليمة عمّا يصلح للمعارضة، عدا اطلاق ما مرّ من أنّ الاسلام يجُبّ ما قبله و الكافر اذا أسلم لايقضي ما فاته و هو بحكم التبادر مختصّ بالكافر الأصلي دون مفروض المسألة. انتهى».(5)
و قال في السرائر: «و أمّا المرتدّ عن الاسلام اذا رجع فانّه يلزمه قضاء الصوم و جميع ما فاته من العبادات في حال ارتداده؛ لأنّه كان بحكم الاسلام لالتزامه له أوّلاً
فلأجل ذلك وجب عليه القضاء. انتهى».(1)
فالمتحصّل أنّ كلّ من عنون من الفقهاء مسألة الارتداد، قال بوجوب القضاء أيّام ردّته و دليلهم على ذلك عمومات من أفطر عامدا فعليه القضاء فقالوا ذلك بصراحة أو ما يقارب ذلك.
و استشكل في المستمسك بتعارض العموم المذكور بما دلّ على نفي القضاء في بعض الموارد، مضافا الى أنّه لايصلح للدلالة على وجوب القضاء على من لميصم و ان لميفطر.
ولكنّه يجاب بأنّ نصوص القضاء ظاهرة في علّيّة الفوت للقضاء و ان كان لمحض ترك الصوم و ان لميصدق الافطار، فلاينافي ثبوت التخصيص لها في بعض الموارد. و استدلّ أيضا على عموم القضاء بقوله تعالى: و لتكملوا العدّة ...(2)لظهوره في تعليل وجوب القضاء على المريض و المسافر فيؤخذ بعمومه في غير مورده.
انّما الخلاف فيمن رجع عن ردّته في أثناء نهار شهر رمضان و لميفعل ما يوجب افطار صومه، فاختلفوا في أنّه هل يصحّ صومه هذا أو يبطل و يلزمه قضاء هذا اليوم؟
قال في الحدائق: «اختلف الأصحاب هنا في ما لو عقد الصوم مسلما ثمّ ارتدّ ثمّ عاد بقيّة يومه، فذهب المحقّق في المعتبر و قبله الشيخ و ابن ادريس و جماعة الى أنّه لايفسد و قطع العلاّمة في جملة من كتبه و الشهيد في الدروس بالفساد، لأنّ الاسلام شرط و قد فات فيفوت مشروطه، و يلزم من فساد الجزء فساد الكلّ لأنّ الصوم عبادة واحدة فلايقبل التجزّؤ. و قال في المدارك: انّه لايخلو من قوّة. و
المسألة عندي محلّ توقّف لعدم الوقوف على نصّ فيها. انتهى».(1)
قال الشيخ في المبسوط: «و أمّا اذا ارتدّ ثمّ عاد الى الاسلام قبل أنيفعل ما يفطره فلايبطل صومه بالارتداد لأنّه لا دليل عليه. انتهى».(2)
و قال في السرائر: «و أمّا ان ارتدّ ثمّ عاد الى الاسلام قبل أنيفعل ما يفطره، فلايبطل صومه بالارتداد؛ لأنّه لا دليل عليه. انتهى».(3)
و قال المحقّق في المعتبر: «لو عقد الصوم مسلما ثمّ ارتدّ ثمّ عاد لميفسد صومه. قال الشافعي: يفسد في أحد قوليه لقوله تعالى: و لقد أوحى اليك و الى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطنّ عملك(4). قلنا: شرط الاحباط أنيموت على الشرك. انتهى».(5)
و الأقوى فساد صومه و ذلك لأنّه بارتداده قطع صومه و ذهب اقتضاؤه للصحّة، فلايجبره عوده الى الاسلام. و لذلك قال العلاّمة في المختلف: «لو ارتدّ في أثناء النهار ثمّ عاد الى الاسلام قبل أنيفعل المفطر، قال الشيخ: لايبطل صومه بالارتداد، و تابعه ابن ادريس، و ليس بمعتمد. لنا: انّ الاسلام شرط و قد فات فيفوت مشروطه، و لأنّه مضى جزءًا من النهار غير صائم و لا بحكم الصائم، و الصوم عبادة واحدة لاتقبل التجزّي، و قد بطل جزؤها فيسري البطلان الى الجميع. و احتجاج الشيخ بأنّه لا دليل عليه، ليس بجيّد فانّ عدم الدليل ليس دليلاً على العدم. انتهى».(6)
(مسألة 2): يجب القضاء على من فاته لسكر من غير فرق بين ما كان للتداوي أو على وجه الحرام.
الشرح:
اذا شرب مسكرا قبل طلوع الفجر و صار سكرانَ بطل صومه لفقدان شرط صحّة الصوم عنه و هو العقل، سواء طال سكره الى ما بعد المغرب أم قبله، و يجب عليه قضاء ما فاته لسكره. و ذلك لأنّه كان مكلّفا بالصوم ولكنّه لميأت به و فات عنه لفقد الشرط فيجب عليه قضاؤه لعمومات وجوب القضاء على من أفطر أو فات عنه الصوم كما مرّ آنفا في بحث المرتدّ.
ان قلت: قد ذهبتم في البحث عن المغمى عليه بعدم وجوب القضاء عليه، و السكران مثله؛ قلت: قد دلّ الدليل فيمن أغمي عليه بعدم القضاء و به تخصّص عمومات وجوب القضاء بخلافه هيهنا فليس لنا دليل على عدم وجوب قضاء الصوم أو الصلاة على السكران.
ان قلت: المناط فيهما واحد كما في المجنون أيضا و هو زوال العقل، قلت: نعم، العقل شرط الصحّة و أمّا اذا فات عنهم فقد شملتهم عمومات القضاء الاّ ما خرج عنها بالدليل و قد تقدّم الدليل على خروج المجنون و المغمى عليه عن العمومات و أمّا السكران فليس على خروجه دليل.
قال في الجواهر: «و أمّا السكران و نحوه ممّن لايدخل تحت اسم المجنون و المغمى عليه فالمتّجه وجوب القضاء عليه، لعموم «من فاتته» كما عن الشيخ و ابنادريس و الفاضلين و الشهيد القطع به، بل المتّجه عدم الفرق بين كون ذلك منه على جهة الحرمة و عدمها كالغافل و المكره و المضطر و نحوهم، خلافا لما يظهر من بعضهم من الفرق بينهما في القضاء و عدمه، و فيه: انّ الدليل عامّ و لا معارض له، و الاثم و عدمه لا مدخليّة له في القضاء و عدمه. لكن استفاضة الفتوى في اعتبار كمال العقل في وجوب القضاء ينافي ذلك، اللهمّ الاّ أنينزّل على ارادة نفيه
عن خصوص المجنون و المغمى عليه من ذلك كما يومي اليه تفريعهم ذلك عليه، لا مطلق زوال العقل، و لو سلّم يمكن منع وصوله الى حدّ الاجماع الذي يرفع العذر. انتهى».(1)
(مسألة 3): يجب على الحائض و النفساء قضاء ما فاتهما حال الحيض و النفاس، و أمّا المستحاضة فيجب عليها الأداء و اذا فات منها فالقضاء.
الشرح:
قد تقدّم في شرائط صحّة الصوم و كذا في شرائط وجوبه أنّه لايجب الصوم على الحائض و النفساء و لايصحّ منهما سواء حصل العذر قبل الغروب أم انقطع بعد الفجر فهو موضع وفاق بين الأصحاب كما في الحدائق. و تقدّمت الأخبار الدالّة على ذلك كصحيحة عيص بن القاسم قال:
«سألت أباعبداللّه عليهالسلام عن امرأة تطمث في شهر رمضان قبل أنتغيب الشمس، قال: تفطر حين تطمث».(2)
و صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج قال:
«سألت أبا الحسن عليهالسلام عن المرأة تلد بعد العصر أتتمّ ذلك اليوم أم تفطر؟ قال: تفطر و تقضي ذلك اليوم».(3)
و غيرهما من الروايات المعتبرة التي تقدّم ذكرها.
و يجب عليهما أي على الحائض و النفساء قضاء ما فاتهما حال الحيض و النفاس. قال في الجواهر: «لايجب الصوم على الحائض و النفساء و لايصحّ منهما و عليهما القضاء بلا خلاف أجده في شيء من ذلك بيننا، بل الاجماع بقسميه
عليه، و النصوص مستفيضة أو متواترة فيه. انتهى».(1)
و من تلك النصوص صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج المذكورة آنفا، و منها صحيحة أبان بن تغلب عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«انّ السنّة لاتقاس، ألاترى أنّ المرأة تقضي صومها و لاتقضي صلاتها. الحديث».(2)
و أمّا المستحاضة فيجب عليها الأداء اذا عملت بتكليفها، لصحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«سمعته يقول: المرأة المستحاضة تغتسل (التي لاتطهر) عند صلاة الظهر و تصلّي الظهر و العصر، ثمّ تغتسل عند المغرب فتصلّي المغرب و العشاء، ثمّ تغتسل عند الصبح فتصلّي الفجر، و لابأس بأن يأتيها بعلها اذا شاء الاّ أيّام حيضها فيعتزلها زوجها. الحديث».(3)
فان لمتعمل بوظيفتها و فات عنها الصلاة و الصوم يجب عليها قضاؤهما لعمومات قضاء الصلاة و الصوم لمن فاتهما، و لأنّ وجوب الأداء يستلزم وجوب القضاء الاّ ما خرج بالدليل. و لخصوص مكاتبة علي بن مهزيار الواردة فيمن استحاضت في شهر رمضان من غير أنتعمل ما تعمله المستحاضة من الغسل لكلّ صلاتين، قال عليهالسلام:
«تقضي صومها و لاتقضي صلاتها».(4)
قال الحرّ العاملي في وسائل الشيعة: «هذا يحتمل ارادة وجوب قضاء الصلاة و الصوم بأن يكون انكارا لا اخبارا يعني كيف تقضي صومها و لاتقضي صلاتها؟ بل
تقضيهما معا، لأنّ رسول اللّه صلىاللهعليهوآله كان يأمر بذلك، و يحتمل كون لفظ «و لا» في «و لاتقضي صلاتها» ممدودا أي متواليا متتابعا فيدلّ على قضاء الصوم متتابعا و قضاء الصلاة، و يحتمل أنيكون عدل عن جواب السؤال للتقيّة، لأنّ الاستحاضة عند العامّة حدث أصغر، و انّما ذكر فيه حكم الحائض و النفساء دون المستحاضة. و قد حمله الشيخ على جهلها بوجوب الغسل. انتهى ملخّصا».(1)
و ما ذكره صاحب الوسائل من الاحتمالات حسن و أحسنها الاحتمال الثالث و هو التقيّة.
(مسألة 4): المخالف اذا استبصر يجب عليه قضاء ما فاته، و أمّا ما أتى به على وفق مذهبه فلا قضاء عليه.
الشرح:
المخالف اذا استبصر يجب عليه قضاء ما فاته من العبادات، و أمّا ما أتى به على وفق مذهبه فلا قضاء عليه، و الظاهر أنّه لميختلف في ذلك أحد من الفقهاء و ان استشكل بعضهم كالعلاّمة في التذكرة في سقوط القضاء عمّن صلّى منهم أو صام لاختلال الشرائط و الأركان.
قال في الحدائق: «قد صرّح غير واحد من أصحابنا بأنّه لايلحق بالكافر الأصلي من حكم بكفره من منتحلي الاسلام و لا غيرهم من المخالفين، فانّ الحكم في هؤلاء جميعا هو أنّهم بعد الاستبصار و الرجوع الى الدين الحقّ يجب عليهم قضاء ما فاتهم لو أخلّوا بشيء من واجباته أمّا ما كان صحيحا في مذهبهم فلا اعادة عليهم فيه ـ الى أنقال: ـ و استشكل العلاّمة في التذكرة سقوط القضاء عمّن صلّى منهم أو صام لاختلال الشرائط و الأركان. و الظاهر بعده لدلالة الأخبار
1) ـ وسائل الشيعة 7: 45 / الباب 18 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / بعد الحديث الأوّل.
الصحيحة على خلافه. انتهى».(1)
و قال في الجواهر: «يجب على من انتحل الاسلام من الفرق المخالفة حتّى المحكوم بكفرها منها، قضاء ما لميأتوا بالفعل موافقا لمذهبهم، و أمّا اذا أتوا بالفعل موافقا لمذهبهم لايجب عليهم القضاء كما صرّح به هنا الشهيدان و أبوالعبّاس و الصيمري، بل عن الأردبيلي نسبته الى الشهرة بين الأصحاب، بل عن الروض نسبته اليهم مشعرا بدعوى الاجماع عليه ـ الى أنقال: ـ و توقّف العلاّمة في سقوط القضاء عمّن عمل منهم ضعيف جدّا كما اعترف به في الذكرى. انتهى ملخّصا».(2)
و أمّا الدليل على عدم وجوب قضاء ما عمله في حال نصبه و ضلالته صحيحة بريد بن معاوية العجلي عن أبي عبداللّه عليهالسلام (في حديث) قال:
«كلّ عمل عمله و هو في حال نصبه و ضلالته ثمّ منّ اللّه عليه و عرّفه الولاية فانّه يؤجر عليه الاّ الزكاة، لأنّه يضعها في غير مواضعها، لأنّها لأهل الولاية، و أمّا الصلاة و الحجّ و الصيام فليس عليه قضاء».(3)
و صحيحة الفضلاء عن أبي جعفر و أبي عبداللّه عليهماالسلام أنّهما قالا في الرجل يكون في بعض هذه الأهواء الحروريّة و المرجئة و العثمانيّة و القدريّة ثمّ يتوب و يعرف هذا الأمر و يحسن رأيه أيعيد كلّ صلاة صلاّها أو صوم أو زكاة أو حجّ أو ليس عليه اعادة شيء من ذلك؟ قال:
«ليس عليه اعادة شيء من ذلك غير الزكاة، و لابدّ أنيؤدّيها لأنّه وضع الزكاة في غير موضعها و انّما موضعها أهل الولاية».(4)
و المستفاد من صحيحة بريد بن معاوية العجلي ترتّب الثواب على تلك الأعمال بعد الدخول في الايمان تفضّلاً منه سبحانه لرجوعه الى المذهب الحقّ.
و صحيحة الفضلاء تدلّ على عدم الفرق في الحكم المذكور بين من يحكم باسلامه من فرق المخالفين و من يحكم بكفره من أهل القبلة، لأنّ من جملة من ذكر فيها صريحا الحروريّة و هم كفّار لأنّهم خوارج كما قال في الحدائق.
و أمّا الدليل على وجوب قضاء ما فاته ممّا كان واجبا عليه، عموم الأدلّة الدالّة على وجوب قضاء الفائت الشامل لمحلّ البحث، و خروج الكافر الأصلي بدليل مختصّ به فيبقى ما عداه داخلاً تحت العموم.
و لايعارضها خبر عمّار الساباطي قال:
«قال سليمان بن خالد لأبيعبداللّه عليهالسلام و أنا جالس: انّي منذ عرفت هذا الأمر أصلّي في كلّ يوم صلاتين أقضي ما فاتني قبل معرفتي، قال: لاتفعل، فانّ الحال التي كنت عليها أعظم من ترك ما تركت من الصلاة».(1)
لأنّه يحمل على قضاء صلواته التي صلاّها و سمّاها فائتة بحسب اعتقاده ذلك الحين، لأنّه اعتقد أنّه بحكم من لميصلّ لمخالفتها في بعض الأمور، فيكون المعنى هكذا: «الحال التي كنت عليها أعظم من ترك الصلاة المطابقة لمذهبنا (مذهب جعفر بن محمّد عليهماالسلام)، و حينئذٍ لا دلالة فيه على عدم قضاء الفائتة حقيقة في الحال الأولى. فهذا الحمل قد ذكره الشهيد في الذكرى بعد نقل الخبر المذكور و قال فيه أيضا: انّه نادر و ضعيف سنده و لذلك لاينهض مخصّصا للعموم.
(مسألة 5): يجب القضاء على من فاته الصوم للنوم بأنكان نائما قبل الفجر الى الغروب من غير سبق نيّة، و كذا من فاته للغفلة كذلك.
1) ـ وسائل الشيعة 1: 98 / الباب 31 من أبواب مقدّمة العبادات / الحديث الرابع.
الشرح:
قد سبق في البحث عن النيّة أنّ وقت النيّة باقٍ الى الزوال، فمن لميسبق منه النيّة قبل الفجر فنام أو غفل ثمّ انتبه أو تذكّر قبل الزوال فنوى فصومه هذا صحيح و أمّا لو انتبه أو تذكّر بعد زوال الشمس فيجب عليه القضاء. نعم لو نوى الصوم قبل الفجر ثمّ نام الى الغروب فهذا يصحّ صومه لوجود شرائط الصوم فيه و عدم صدور المفطر عنه.
قال في الجواهر: «و أمّا النائم فلا خلاف و لا اشكال في صحّة صومه اذا سبقت منه النيّة و لو استمرّ الى الليل، بل الاجماع بقسميه عليه، بل لعلّه من الضروريّات المستغنية عن الاستدلال بالاجماع و الروايات ـ الى أنقال: ـ نعم، لو لميعقد صومه بالنيّة مع وجوبه ثمّ طلع الفجر عليه نائما و استمرّ حتّى زالت الشمس فعليه القضاء بلا خلاف و لا اشكال، لفساد الأداء بفوات النيّة التي هي شرط فيه، بل المتّجه بناءًا على ما قدّمناه سابقا وجوب الكفّارة عليه أيضا مع تعمّد الترك في صوم شهر رمضان مثلاً، خلافا لسيّد المدارك. انتهى».(1)
لأنّ وجوب الكفّارة معلّق على عدم قصده الصوم و تركه عصيانا فلو نام على هذا القصد و لمينتبه الى بعد الزوال فعليه الكفّارة.
(مسألة 6): اذا علم أنّه فاته أيّام من شهر رمضان و دار بين الأقلّ و الأكثر يجوز له الاكتفاء بالأقلّ، ولكن الأحوط قضاء الأكثر خصوصا اذا كان الفوت لمانع من مرض أو سفر أو نحو ذلك و كان شكّه في زمان زواله، كأنيشكّ في أنّه حضر من سفره بعد أربعة أيّام أو بعد خمسة أيّام مثلاً من شهر رمضان.
الشرح:
1) ـ جواهر الكلام 16: 330 و 332.
في المسألة صورتان:
الأولى: يعلم أنّه أفطر في شهر رمضان أيّاما و يشكّ في مقداره فيما بين ثلاثة أيّام مثلاً و خمسة أيّام، فحينئذٍ الأصل الموضوعي حاكم و هو عدم افطاره أكثر من ثلاثة أيّام لأنّ الافطار أمر حادث و قد شكّ في وجوده عن أكثر من ثلاثة أيّام فالأصل عدمه.
و لابأس باجراء الأصل الحكمي أي البراءة أيضا، فانّه يعلم بخطاب القضاء اليه بالنسبة الى ثلاثة أيّام ولكنّه يشكّ بالنسبة الى أربعة أيّام، فيشكّ في أنّه يجب عليه يوم آخر مضافا الى ثلاثة أيّام أو لا؟ فالأصل البراءة عن وجوب قضاء أكثر من ثلاثة أيّام عليه.
الثانية: يعلم أنّه سافر في شهر رمضان ولكنّه لايعلم بأنّ سفره كان أربعة أيّام أو خمسة أيّام مثلاً و الفرق بين هذه الصورة و الصورة الأولى أنّ الشكّ في الأولى كان في موجب القضاء مردّدا بين الأقلّ و الأكثر، و في هذه يكون في المانع مردّدا بين الأقلّ و الأكثر. فحينئذٍ قد يكون الشكّ في تاريخ ابتداء سفره بعد علمه بتاريخ رجوعه فشكّ في أنّ سفره كان مثلاً في الخامسعشر أو السادسعشر بعد علمه بأنّه كان في العشرين حاضرا، ففي هذه الصورة يجري الأصل الموضوعي أيضا، فيجري عدم حدوث المانع أعني السفر في اليوم الخامسعشر، فيجب عليه قضاء أربعة أيّام. و يمكن اجراء الأصل الحكمي أي البراءة عن أكثر من أربعة أيّام.
و قد يكون الشكّ في تاريخ زواله و أنّه كان مثلاً في العشرين أو التاسععشر من شهر رمضان بعد أنكان أوّله معلوما، فهيهنا يجري أصالة البراءة عن الزائد من أربعة أيّام لأنّ وجوب القضاء دائر مدار ثبوت الفوت فاذا لميثبت الفوت أكثر من أربعة أيّام مثلاً لميثبت القضاء أكثر من ذلك.
و أمّا استصحاب عدم زوال السفر الى التاسععشر من شهر رمضان حتّى يكون زواله في العشرين لايثبت قضاء خمسة أيّام الاّ على حجّيّة الأصل المثبت.
(مسألة 7): لايجب الفور في قضاء و لا التتابع، نعم يستحبّ التتابع فيه و ان كان أكثر من ستّة لا التفريق فيه مطلقا، أو في الزائد على الستّة.
الشرح:
في المسألة فرعان:
الفرع الأوّل : في وجوب فوريّة القضاء
هل يجب الفور في القضاء؟
قال في الحدائق: «المعروف من مذهب الأصحاب هو وجوب القضاء على التراخي لا على الفور، و نقل عن أبي الصلاح أنّه قال: يلزم من يتعيّن عليه فرض القضاء لشيء من شهر رمضان أنيبادر به في أوّل أحوال الامكان. و يظهر من هذه العبارة القول بوجوب الفوريّة، و هو مردود بالأخبار. انتهى».(1)
و الأقوى عدم وجوب الفور في القضاء و يدلّ على ذلك مضافا الى اطلاقات القضاء صحيحة ابن سنان أعني عبداللّه عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«من أفطر شيئا من شهر رمضان في عذر فان قضاه متتابعا فهو (كان) أفضل، و ان قضاه متفرّقا فحسن».(2)
و صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«اذا كان على الرجل شيء من صوم شهر رمضان فليقضه في أيّ شهر شاء أيّاما متتابعة، فان لميستطع فليقضه كيف شاء، وليحص
الأيّام، فان فرق فحسن، فان تابع فحسن. الحديث».(1)
و موثّقة سماعة قال:
«سألته عمّن يقضي شهر رمضان منقطعا، قال: اذا حفظ أيّامه فلابأس».(2)
و صحيحة الحلبي الثانية عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«اذا كان على الرجل شيء من صوم شهر رمضان فليقضه في أيّ الشهور شاء ـ الى أنقال: ـ قال: قلت: أرأيت ان بقي عليّ شيء من صوم شهر رمضان أقضيه في ذيالحجّة؟ قال: نعم».(3)
تستحبّ الموالاة في القضاء و لاتجب اجماعا كما في الجواهر. قال فيه: «لاتجب الموالاة في القضاء اجماعا محكيّا عن الناصريّات و الخلاف و المختلف ان لميكن محصّلاً للأصل و اطلاق الأمر بالقضاء في الكتاب و السنّة و الأخبار الخاصّة. انتهى موضع الحاجة من كلامه ملخّصا».(4)
و الدليل على استحباب الموالاة مضافا الى الاجماع المحكي عن الجواهر، اطلاق أخبار القضاء، و الصحاح المتقدّمة في الفرع الأوّل آنفا، و الآيات و الروايات الدالّة على فضل المسارعة و الاستباق في الخيرات و صحيحة سليمان بن جعفر الجعفري أنّه سأل أباالحسن الرضا عليهالسلام عن الرجل يكون عليه أيّام من
شهر رمضان أيقضيها متفرّقة؟ قال:
«لابأس بتفرقة قضاء شهر رمضان. الحديث».(1)
و ان كانت تعارضها موثّقة عمّار بن موسى الساباطي عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«سألته عن الرجل تكون عليه أيّام من شهر رمضان كيف يقضيها؟ فقال: ان كان عليه يومان فليفطر بينهما يوما، و ان كان عليه خمسة أيّام فليفطر بينها أيّاما، و ليس له أنيصوم أكثر من ستّة (ثمانية) أيّام متوالية، و ان كان عليه ثمانية أيّام أو عشرة أفطر بينها يوما».(2)
الاّ أنّها تحمل على الجواز كما صنعه الشيخ أو على من تضعف قوّته كما في الوسائل، أو تطرح ان قلنا بمنافاتها لقوله عليهالسلام: «ليس له أنيصوم ...» و ذلك للنصوص الكثيرة المصرّحة بجواز التتابع التي تقدّم بعضها و دلالتها على الاستحباب لاتنكر.
و قال العلاّمة في المختلف: «تتابع القضاء أفضل من تفريقه، ذهب اليه الشيخ رحمهالله و أبوالصلاح. و ابن الجنيد قال: و قد روي عن أبي عبداللّه عليهالسلام: «ليس له أنيصوم أكثر من ثمانية أيّام ثمّ يقطعها». و قال السيّد المرتضى: انّه مخيّر بين المتابعة و التفريق. و قال المفيد: ان شاء قضاه متتابعا، و ان شاء قضاه متفرّقا، أيّهما فعل أجزأه. و قال علي بن بابويه: أنت بالخيار ان شئت قضيت متتابعا و ان شئت متفرّقا. و قال ابن ادريس: اختلف قول أصحابنا في ذلك، فبعض يذهب الى أنّ الأفضل الاتيان به متتابعا، و بعض يقول: الأفضل أنيأتي به متفرّقا، و منهم من قال: ان كان الذي فاته عشرة أيّام أو ثمانية فليتابع بين ثمانية أو بين ستّة، و يفرق الباقي، و الأوّل هو الأظهر بين الطائفة، و به أفتي، لأنّ الأصل يقتضيه. انتهى
ملخّصا».(1)
و قال العلاّمة في المنتهى: «و قضاء شهر رمضان متفرّقا يجزي و التتابع أحسن عندي و أحبّ و هو اختيار شيخنا و أكثر علمائنا، و به قال ابن عبّاس و أنس بن مالك و أبوحنيفة، و الشافعي، و قال بعض علمائنا: انّ الأفضل أنيأتي به متفرّقا و منهم من قال: ان كان الذي فاته عشرة أيّام أو ثمانية فليتابع بين ثمانية أو بين ستّة و يفرق الباقي و قال داود و النخعي و الشعبي: انّه يجب التتابع و نقله الجمهور عن علي عليهالسلام و ابن عمر. انتهى موضع الحاجة من كلامه ملخّصا».(2)
(مسألة 8): لايجب تعيين الأيّام فلو كان عليه أيّام فصام بعددها كفى و ان لميعيّن الأوّل و الثاني و هكذا، بل لايجب الترتيب أيضا فلو نوى الوسط أو الأخير تعيّن و يترتّب عليه أثره.
الشرح:
هل يجب تعيين الأيّام و الترتيب في قضاء الصوم؟
قال في الحدائق: «قد صرّح جملة من الأصحاب منهم العلاّمة في التذكرة و غيره بأنّه لايجب الترتيب في قضاء الصوم بأن ينوي الأوّل فالأوّل. نعم يستحبّ ذلك. و استشكله الشهيد في الدروس فقال: و هل يستحبّ نيّة الأوّل فالأوّل؟ اشكال. قال في المدارك بعد نقل ذلك عنه: و ربّما كان منشأ الاشكال من تساوي الأيّام في التعلّق بالذمّة مع انتفاء النصّ على تقديم بعضها على بعض، و من سبقالأوّل في الذمّة فكان أولى بالمبادرة. ـ ثمّ قال: ـ و لايخفى ضعف الوجه الثاني من وجهي الاشكال الاّ أنّ الأمر في ذلك هين. ـ ثمّ قال صاحب الحدائق: ـ و الأظهر
أنيقال انّ هذا من باب «أسكتوا عمّا سكت اللّه عنه» و هل يعتبر الترتيب بين أفراد الواجب كالقضاء و الكفّارة و نحوهما؟ ظاهر المشهور العدم، و نقل عن ابن أبي عقيل أنّه قال: لايجوز صوم عن نذر أو كفّارة لمن عليه قضاء عن شهر رمضان حتّى يقضيه. و لمنقف له على مستند. انتهى ما في الحدائق».(1)
و الأقوى أنّه لايجب الترتيب في قضاء الصوم و لايجب تعيين الأيّام كما ذهب اليه الأصحاب و ذلك لاطلاق أخبار القضاء و عدم الدليل على التقييد، مضافا الى الأصل الجاري في المقام و هو البراءة.
قال في الجواهر: «و كما لايجب المتابعة لايجب الترتيب بلا خلاف أجده، للأصل و اطلاق الأدلّة، و عدم وجوبه في الأداء، و انّما كان فيه من ضرورة الوقت، و حينئذٍ فلو أخلى النيّة من التعيين أو عيّن الأخير أجزأ كما نصّ عليه بعضهم، نعم في المسالك و غيرها أنّه أفضل، لكون الأسبق أحقّ بالمبادرة، مع أنّه لايخلو من اشكال كما في الدروس، و لعلّه لتساوي الأيّام في التعلّق بالذمّة، و كون الترتيب في الأداء من ضرورة الوقت، فالأصل حينئذٍ لا معارض له، و السبق أعمّ من ذلك. انتهى».(2)
ثمّ اعلم أنّه لو كان لبعض الأيّام التي وجب عليه قضاؤها خصوصيّة و أثر، فان نوى ذلك البعض بخصوصه يحمل عليه أثره، و أمّا لو نوى المطلق لميحمل الأثر المعيّن عليه، خذ لذلك مثالاً، لو نذر من فاته يومان من شهر رمضان أن لايؤخّر قضاء اليوم الثاني عن شهر شوّال، ففي مثله لا مناص من تعلّق القصد بما له الأثر في حصول ذلك الأثر، أي الوفاء بالنذر، و لو قضى الصوم من غير قصد تلك الخصوصيّة فهو طبعا يقع عمّا هو أخفّ مؤونة و هو الطبيعي المنطبق قهرا على العاري عن تلك الخصوصيّة فلايحصل به البرّ بالنذر. و على هذا لو عيّن الأخير
من الأيّام التي يجب عليه قضاؤها كاليوم الثلاثين من شهر رمضان ثمّ تبيّن أنّ اليوم الآخر من تلك الأيّام لميكن في ذمّته فالظاهر أنّه لايحسب لباقيها اذا جاءه مقيّدا.
(مسألة 9): لو كان عليه قضاء من رمضانين فصاعدا يجوز قضاء اللاحق قبل السابق، بل اذا تضيّق اللاحق بأن صار قريبا من رمضان آخر كان الأحوط تقديم اللاحق، و لو أطلق في نيّته انصرف الى السابق، و كذا في الأيّام.
الشرح:
هذه المسألة تبتنى على المسألة السابقة، فمن كان عليه قضاء من رمضانين فصاعدا لايجب عليه تعيين السابق بل يجوز له تعيين اللاحق. و لو كان لأحد القضاءين أثر و نوى طبيعي القضاء لميحسب لما له ذلك الأثر. مثلاً لو قلنا بوجوب البدار الى القضاء قبل مجيء الرمضان الثاني فان تعيّن قضاء اللاحق فقد عمل بذلك الوجوب و أثّر أثره و لو أطلق في نيّته انصرف الى السابق.
(مسألة 10): لاترتيب بين صوم القضاء و غيره من أقسام الصوم الواجب كالكفّارة و النذر و نحوهما، نعم لايجوز التطوّع بشيء لمن عليه صوم واجب كما مرّ.
الشرح:
اذا كان في ذمّته أقسام من الصوم الواجب و كان وقت كلّ واحد منها موسّعا يكون مختارا في تقديم أيّ منها و لا ترتيب بينها كما في المتن لعدم الدليل على الترتيب، و قد تقدّم عن الحدائق(1)أنّه قال: «نقل عن ابن أبي عقيل بعدم جواز تقديم صوم النذر أو الكفّارة لمن عليه قضاء عن شهر رمضان حتّى يقضيه».
1) ـ الحدائق الناضرة 13: 318 و 319.
ولكن فيه: انّ قوله هذا لميكن عليه دليل.
و قال في الحدائق: «لمنقف له على مستند. انتهى».
قال في الجواهر: «و لا ترتيب أيضا بين القضاء و غيره من أقسام الصوم الواجب كفّارة أو غيرها للأصل السالم عن المعارض، خلافا للمحكي عن ابن أبي عقيل من عدم جواز الصوم عن النذر أو الكفّارة لمن عليه قضاء عن شهر رمضان حتّى يقضيه، و لمنقف على مأخذه. انتهى».(1)
نعم لايجوز التطوّع بشيء من الصيام لمن عليه قضاء شهر رمضان أو مطلقا على قولٍ و قد سبق البحث عنه بالتفصيل في المسألة الثالثة من فصل شرائط صحّة الصوم.
(مسألة 11): اذا اعتقد أنّ عليه قضاءًا فنواه ثمّ تبيّن بعد الفراغ فراغ ذمّته لميقع لغيره، و أمّا لو ظهر له في الأثناء فان كان بعد الزوال لايجوز العدول الى غيره، و ان كان قبله فالأقوى جواز تجديد النيّة لغيره و ان كان الأحوط عدمه.
الشرح:
صور المسألة ثلاثة:
فتارة يظهر خلاف ما نواه بعد الفراغ.
و أخرى في الأثناء و بعد الزوال و ثالثة قبل الزوال. ففي الأولى و الثانية لايجوز له العدول الى غيره، لأنّ ما قصد لميقع و ما وقع لميقصد و الشيء لايتغيّر عمّا هو عليه.
و أمّا الثالثة فالأقوى جواز تجديد النيّة لغيره لما مرّ في بحث النيّة من أنّه في سعة الى ما قبل الزوال. نعم لو ظهر له الخلاف بعد الزوال و لميكن عليه شيء من
1) ـ جواهر الكلام 17: 21.
الصوم الواجب يجوز له العدول الى المندوب لاستمرار وقته الى الغروب.
قال في الجواهر: «ظاهر من تعرّض لهذا الحكم (أي حكم الترتيب) أنّه يتعيّن بالتعيين لا أنّ نيّته تقع لغوا و تظهر الثمرة فيما لو ظهر صحّة ذلك اليوم الذي نوى قضاءه، فانّ المتّجه حينئذٍ عدم وقوعه عن غيره، لعدم نيّته، و لو كان الظهور في الأثناء ففي جواز العدول أو التجديد اشكال كالاشكال في جواز العدول بعد التعيين مع عدم الظهور، بل و فيما لو لميعيّن في الابتداء ثمّ أراده بعد الفراغ من الصوم. انتهى ملخّصا».(1)
(مسألة 12): اذا فاته شهر رمضان أو بعضه بمرض أو حيض أو نفاس و مات فيه لميجب القضاء عنه، ولكن يستحبّ النيابة عنه في أدائه، و الأولى أنيكون بقصد اهداء الثواب.
الشرح:
من فاته شهر رمضان أو بعضه لمرض أو دم فان مات قبل البرء و الطهر لميقض عنه اجماعا كما في الحدائق، بل الاجماع بقسميه (كما في الجواهر). و تدلّ على ذلك النصوص المستفيضة، منها: صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلامقال:
«سألته عن رجل أدركه رمضان و هو مريض فتوفّي قبل أنيبرأ، قال: ليس عليه شيء ولكن يقضى عن الذي يبرأ ثمّ يموت قبل أنيقضي».(2)
و منها: صحيحة محمّد بن مسلم الثانية عن أبي عبداللّه عليهالسلام في امرأة مرضت
في شهر رمضان أو طمثت أو سافرت فماتت قبل أنيخرج رمضان هل يقضى عنها؟ فقال:
«أمّا الطمث و المرض فلا، و أمّا السفر فنعم».(1)
و منها: صحيحة محمّد بن مسلم الثالثة قال:
«سألته عن الحائض تفطر في شهر رمضان أيّام حيضها فاذا أفطرت ماتت، قال: ليس عليها شيء».(2)
و منها: صحيحة منصور بن حازم قال:
«سألت أباعبداللّه عليهالسلام عن المريض في شهر رمضان فلايصحّ حتّى يموت، قال: لايقضى عنه، و الحائض تموت في شهر رمضان، قال: لايقضى عنها».(3)
و منها: موثّقة سماعة بن مهران قال:
«سألت أباعبداللّه عليهالسلام عن رجل دخل عليه شهر رمضان و هو مريض لايقدر على الصيام فمات في شهر رمضان أو في شهر شوّال، قال: لا صيام عليه و لايقضى عنه، قلت: فامرأة نفساء دخل عليها شهر رمضان و لمتقدر على الصوم فماتت في شهر رمضان أو في شوّال، فقال: لايقضى عنها».(4)
فرعان:
1) ـ وسائل الشيعة 7: 243 / الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان / الحديث 16.
2) ـ وسائل الشيعة 7: 243 / الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان / الحديث 14.
3) ـ وسائل الشيعة 7: 242 / الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان / الحديث التاسع.
4) ـ وسائل الشيعة 7: 242 / الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان / الحديث العاشر.
هل تستحبّ النيابة عمّن فات عنه الصوم لمرض أو طمث و مات قبل برئه؟
الأقوى أنّه لاتستحبّ النيابة عنه و ذلك لصحيحة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«سألته عن امرأة مرضت في شهر رمضان و ماتت في شوّال فأوصتني أنأقضي عنها، قال: هل برئت من مرضها؟ قلت: لا، ماتت فيه، قال: لايقضى عنها، فانّ اللّه لميجعله عليها، قلت: فانّي أشتهي أنأقضي عنها و قد أوصتني بذلك، قال: كيف تقضي عنها شيئا لميجعله اللّه عليها؟! فان اشتهيت أنتصوم لنفسك فصم».(1)
نعم، يجوز أنيصوم لنفسه و يهدي ثوابه الى الميّت كما في غير الصوم من الخيرات و العبادات.
قال في الحدائق: «و قد ذكر جمع من الأصحاب أنّه يستحبّ القضاء عنه و أسنده في المنتهى الى الأصحاب مؤذنا بدعوى الاتّفاق عليه. و استدلّ عليه بأنّه طاعة فعلت عن الميّت فوصل اليه ثوابها. و أورد عليه أنّه ليس الكلام في جواز التطوّع بالصوم و اهداء ثوابه الى الميّت بل في قضاء الفائت عنه، و الحكم بشرعيّته يتوقّف على الدليل لأنّ الوظائف الشرعيّة انّما تستفاد من النقل و لميرد النقل بذلك، بل مقتضى الأخبار المتقدّمة عدم مشروعيّة القضاء. و يدلّ على ذلك بأوضح دلالة ما رواه الكليني في الصحيح أو الموثّق عن أبي بصير عن أبي عبداللّه عليهالسلام ... انتهى».(2)
و أمّا صاحب الجواهر فانّه بعد نقل كلام العلاّمة باستحباب القضاء عند الأصحاب و بعد الاتيان بخبر أبي بصير و منافاته لقول الأصحاب، قال: «اللهمّ الاّ أنيكون المراد نفي تأدية القضاء عنها، لعدم ثبوته عليها على حسب النصوص النافية للقضاء عن المريض الذي مات في مرضه، لا الصوم عنها على جهة النيابة بحيث يكون لها، و كأنّه واقع منها و هو الذي قد أشار اليه بقوله عليهالسلام: «فان اشتهيت» الى آخره اذ الظاهر كون المراد الصوم لنفسك عنها أي لا لوصيّتها الباطلة لا أنّ المراد الصوم لنفسك ثمّ اهداء الثواب اليها و بذلك يظهر لك أنّه مستند الأصحاب في الاستحباب المزبور، الى آخر ما ذكره».(1)
و الظاهر من كلامه رحمهالله أنّ النيابة عن الميّت بعنوان القضاء يستحبّ، لاطلاق ما دلّ على جواز فعل جميع العبادات عن الأموات، و ملاحظة ما يحكى من تعاهد بعض السلف من أصحاب الأئمّة عليهمالسلام على أنيؤدّي الحيّ منهم عن الميّت الصوم و الصلاة. ولكن فيه: انّ اطلاق ما دلّ على جواز فعل جميع العبادات عن الأموات غير شامل لما نحن فيه فانّ المراد من تلك الأدلّة نفس الصلاة أو نفس الصوم و ان كان صوم شهر رمضان لا الصوم في مورد خاصّ كمن فات عنه لمرض أو طمث و مات من غير برء أو طهر، فانّ الظاهر من قوله عليهالسلام: «كيف تقضي عنها شيئا لميجعله اللّه عليها» النهي عن النيابة، لأنّ الظاهر من الراوي أنّه أراد أنيصوم عنها قربة الى اللّه و بعنوان النيابة، و قوله عليهالسلام: «فان اشتهيت أنتصوم لنفسك فصم» تأكيد لعدم اتيانه بهذا الصوم عنها، فتأمّل.
و لايبعد أنيكون اسناد العلاّمة الى الأصحاب للاطلاقات التي أشار اليها صاحب الجواهر، و كأنّه استفاد من صحيحة أبي بصير ما وجّهه صاحب الجواهر، و لميرها منافيا لما ذهب اليه و لذا قال في مقام الاستدلال «بأنّه طاعة فعلت عن الميّت فوصل اليه ثوابها».
1) ـ جواهر الكلام 17: 23.
لو سافر في شهر رمضان و لميتمكّن من قضاء ما فاته فى السفر حتّى مات فهل يجب قضاء ما فات عنه أو لايجب، كعدم وجوب القضاء عمّن فاته من مرض أو حيض أو نفاس ثمّ مات قبل تمكّنه من قضائه؟
قال في الحدائق: «ظاهر الأكثر أنّه كذلك، فلو لميتمكّن من القضاء لميجب القضاء عنه، و نقله في المهذّب عن الشيخ في النهاية و المحقّق و العلاّمة، لدخوله تحت قسم المعذورين لعدم التمكّن فيسقط عنه لاستحالة التكليف بما لايطاق. و به صرّح الشهيدان في اللمعة و شرحها. انتهى».(1)
و قال في الجواهر: «خِيَرة الشيخ في الخلاف و النهاية و الفاضلين في النافع و التحرير و المنتهى و المختلف و ظاهر السرائر و التبصرة على ما حكي عن بعضهم عدم القضاء عن المسافر اذا لميتمكّن من القضاء و لو بالاقامة في أثناء السفر، لكن عن التهذيب و جامع ابن سعيد و ظاهر الصدوق في المقنع الوجوب. انتهى ملخّصا».(2)
و الأقوى وجوب القضاء عن المسافر الذي فاته شهر رمضان أو بعضه و لميتمكّن من القضاء حتّى مات كما في الجواهر و الحدائق و غيرهما. و ذلك لصحيحة أبي حمزة عن أبي جعفر عليهالسلام قال:
«سألته عن امرأة مرضت في شهر رمضان أو طمثت أو سافرت فماتت قبل خروج شهر رمضان هل يقضى عنها؟ قال: أمّا الطمث و
المرض فلا، و أمّا السفر فنعم».(1)
و رواية منصور بن حازم عن أبي عبداللّه عليهالسلام في الرجل يسافر في شهر رمضان فيموت، قال:
«يقضى عنه، و ان امرأة حاضت في شهر رمضان فماتت لميقض عنها، و المريض في شهر رمضان لميصحّ حتّى مات لايقضى عنه».(2)
و موثّقة محمّد بن مسلم عن أبي عبداللّه عليهالسلام في امرأة مرضت في شهر رمضان أو طمثت أو سافرت فماتت قبل أنيخرج رمضان هل يقضى عنها؟ فقال:
«أمّا الطمث و المرض فلا، و أمّا السفر فنعم».(3)
يمكن أنيستدلّ للمخالف بمرسلة ابن بكير عن أبي عبداللّه عليهالسلام فى رجل يموت في شهر رمضان، قال:
«ليس على وليّه أنيقضي عنه ما بقي من الشهر و ان مرض فلم يصم رمضان ثمّ لميزل مريضا حتّى مضى رمضان و هو مريض ثمّ مات في مرضه ذلك فليس على وليّه أنيقضي عنه الصيام، فان مرض فلميصم شهر رمضان ثمّ صحّ بعد ذلك و لميقضه ثمّ مرض فمات فعلى وليّه أنيقضي عنه لأنّه قد صحّ فلميقض و وجب عليه».(4)
فانّ تعليل القضاء بقوله عليهالسلام: «لانّه قد صحّ ... الخ» يكشف عن أنّ مورده من كان متمكّنا منه فلميقض فيستفاد منه سقوطه عمّن لميكن متمكّنا منه فيعمّ المسافر الذي مات قبل أنيتمكّن من القضاء. فتحمل النصوص المتقدّمة على الندب.
و فيه: انّه حكم مختصّ بمورده، و هو المريض الذي برئ منه و صحّ و لميقض فمرض أو كان سالما و مات فيقضى عنه، فلا وجه للتعدّي عن مورده الى كلّ من تمكّن و لميقض كالمسافر. على أنّها ضعيف السند بالارسال، فلاتصلح للاستدلال.
و استدلّ أيضا بصحيحة أبي بصير المتقدّمة، فانّ مقتضى عموم التعليل في قوله عليهالسلام: «فانّ اللّه لميجعله عليها» أنّ كلّ من لميجعل اللّه عليه ذلك و منه المسافر لايقضى عنه.
و فيه أوّلاً: أنّ الضمير في: «فانّ اللّه لميجعله» راجع الى القضاء لا الى الصوم، فالمعنى أنّ المريض الذي مات في مرضه و لميصحّ حتّى يقضي ما عليه من الصوم، لميجعل اللّه القضاء عليه حتّى يقضى عنه.
و ثانيا: لو كان مرجع الضمير الصوم، يلزم تخصيص الأكثر و هو مستهجن، و ذلك لأنّ الحائض و النفساء و المريض و المسافر لميجعل اللّه عليهم الصيام، ولكن اذا تمكّنوا من القضاء وجب عليهم القضاء بنصّ القرآن و الروايات.
و يؤيّد قول الموافق أيضا اطلاق خبر أبي بصير قال:
«سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن رجل سافر في شهر رمضان فأدركه الموت قبل أنيقضيه، قال: يقضيه أفضل أهل بيته».(1)
و ربّما فرّق بين المرض و بين السفر الغير الضروري بأنّ السفر من فعله، و كان يمكنه الاقامة و الأداء الذي هو أبلغ من التمكّن من القضاء، بخلاف المرض الذي هو ممّا غلب اللّه عليه فيه، كما في الجواهر. و لعلّه لذلك قال الشهيدان في اللمعة: «و في القضاء عن المسافر لما فاته منه بسبب السفر خلاف، أقربه مراعاة تمكّنه من المقام و القضاء و لو بالاقامة في أثناء السفر كالمريض، و قيل: يقضى عنه مطلقا لاطلاق النصّ و تمكّنه من الأداء، بخلاف المريض، و هو ممنوع،
1) ـ وسائل الشيعة 7: 242 / الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان / الحديث 11.
لجواز كونه ضروريّا كالسفر الواجب، فالتفصيل أجود. انتهى».(1)
و المتحصّل أنّ الأقوى كما مرّ هو القضاء من المسافر مطلقا، لما تقدّم من اطلاق صحيحة أبي حمزة و موثّقة محمّد بن مسلم و خبر منصور بن حازم، و لا دليل على تقييد هذه الأخبار، و قد عرفت ضعف ما قيل أو يقال من الدليل لتقييدها. و ما قاله الشهيدان من تعليق القضاء على مراعاة تمكّنه من المقام و القضاء، فلمأجد له مستندا.
(مسألة 13): اذا فاته شهر رمضان أو بعضه لعذر و استمرّ الى رمضان آخر فان كان العذر هو المرض سقط قضاؤه على الأصحّ و كفّر عن كلّ يوم بمدّ و الأحوط مدّان، و لايجزئ القضاء عن التكفير، نعم الأحوط الجمع بينهما.
الشرح:
اختلف الفقهاء في حكم من مرض في شهر رمضان، و استمرّ مرضه الى الرمضان الثاني و لميبرء فيما بينهما على قولين:
الأوّل: ما ذهب الشيخ في النهاية و المبسوط بسقوط القضاء مع التكفير بمدّ و كذا ابن الجنيد و علي بن بابويه في «رسالته» و ابنه في «المقنع» و ابن البرّاج و ابن حمزة.
الثاني: ما ذهب اليه الشيخ في الخلاف من وجوب القضاء عليه و كذا ابن أبي عقيل و أبوالصلاح و ابن ادريس. و أمّا سلاّر و السيّد المرتضى فلميتعرّضا لذلك، بل أوجبا القضاء على المفطر للمرض و لميفصّلا. قاله العلاّمة في المختلف.
و قال في الحدائق: «المشهور بين الأصحاب سقوط القضاء [عمّن استمرّ به
1) ـ الروضة البهيّة شرح اللمعة الدمشقيّة 2: 123.
المرض الى الرمضان الثاني] و التكفير عن كلّ يوم منه بمدّ، و حكى الفاضلان في المعتبر و المنتهى عن أبي جعفر بن بابويه ايجاب القضاء دون الصدقة، و حكاه في المختلف أيضا عن ابن أبي عقيل و أبي الصلاح و ابن ادريس، و قوّاه في المنتهى و التحرير، و حكى عن ابن الجنيد أنّه احتاط بالجمع بين القضاء و الصدقة و قال انّه مروي، حكاه عنه في الدروس. انتهى».(1)
و قال في الجواهر: «ان استمرّ به المرض الى رمضان آخر سقط قضاؤه على الأظهر الأشهر، بل المشهور و كفّر عن كلّ يوم من السالف بمدّ من الطعام كما استفاضت بذلك النصوص أو تواترت ـ الى أنقال: ـ فما عن ابني أبي عقيل و بابويه و الشيخ في الخلاف و ابني زهرة و ادريس و أبي الصلاح و الفاضل في التحرير من تعيّن القضاء دون الكفّارة واضح الضعف. انتهى».(2)
و الأقوى ما عليه المشهور من سقوط القضاء و وجوب الكفّارة عن كلّ يوم بمدّ من الطعام و ذلك لصحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر و أبي عبداللّه عليهماالسلام قال:
«سألتهما عن رجل مرض فلميصم حتّى أدركه رمضان آخر، فقالا: ان كان برئ ثمّ توانى قبل أنيدركه الرمضان الآخر صام الذي أدركه و تصدّق عن كلّ يوم بمدّ من طعام على مسكين و عليه قضاؤه، و ان كان لميزل مريضا حتّى أدركه رمضان آخر صام الذي أدركه و تصدّق عن الأوّل لكلّ يوم مدّ على مسكين و ليس عليه قضاؤه».(3)
و صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليهالسلام في الرجل يمرض فيدركه شهر رمضان و يخرج عنه و هو مريض و لايصحّ حتّى يدركه شهر رمضان آخر، قال:
«يتصدّق عن الأوّل، و يصوم الثاني، فان كان صحّ فيما بينهما و لميصم حتّى أدركه شهر رمضان آخر صامهما جميعا و يتصدّق عن الأوّل».(1)
و صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«من أفطر شيئا من رمضان في عذر ثمّ أدرك رمضان آخر و هو مريض فليتصدّق بمدّ لكل يوم، فأمّا أنا فانّي صمت و تصدّقت».(2)
و صحيحة أبي الصباح الكناني قال:
«سألت أباعبداللّه عليهالسلام عن رجل عليه من شهر رمضان طائفة ثمّ أدركه شهر رمضان قابل، قال: عليه أنيصوم و أنيطعم كلّ يوم مسكينا، فان كان مريضا فيما بين ذلك حتّى أدركه شهر رمضان قابل فليس عليه الاّ الصيام ان صحّ، و ان تتابع المرض عليه فلميصحّ فعليه أنيطعم لكلّ يوم مسكينا».(3)
و خبر علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليهالسلام قال:
«سألته عن رجل تتابع عليه رمضانان لميصحّ فيهما ثمّ صحّ بعد ذلك كيف يصنع؟ قال: يصوم الأخير و يتصدّق عن الأوّل بصدقة لكلّ يوم مدّ من طعام لكلّ مسكين».(4)
احتجّ المخالف أوّلاً بعموم قوله تعالى: و من كان مريضا أو على سفر فعدّة من أيّام أخر(5)، و أجيب بأنّ العموم قد يخصّ بأخبار الآحاد، فضلاً عمّا اذا استفاضت و اشتهرت و اعتضدت بعمل الأصحاب.
1) ـ وسائل الشيعة 7: 245 / الباب 25 من أبواب أحكام شهر رمضان / الحديث الثاني.
2) ـ وسائل الشيعة 7: 245 / الباب 25 من أبواب أحكام شهر رمضان / الحديث الرابع.
3) ـ وسائل الشيعة 7: 245 / الباب 25 من أبواب أحكام شهر رمضان / الحديث الثالث.
4) ـ وسائل الشيعة 7: 247 / الباب 25 من أبواب أحكام شهر رمضان / الحديث التاسع.
5) ـ البقرة 2: 185.
و ثانيا بأنّ العبادة لاتسقط بفوات وقتها كالقرض و الدين. و أجيب بأنّ وقت الأداء قد فات و القضاء في العبادة انّما يجب بأمر جديد على ما حقّق في أصول الفقه بخلاف الدين فانّه لا وقت له.
و ثالثا بموثّقة سماعة قال:
«سألته عن رجل أدركه رمضان و عليه رمضان قبل ذلك لميصمه فقال: يتصدّق بدل كلّ يوم من الرمضان الذي كان عليه بمدّ من طعام، وليصم هذا الذي أدركه، فاذا أفطر فليصم رمضان الذي كان عليه، فانّي كنت مريضا فمرّ عليّ ثلاث رمضانات لمأصحّ فيهنّ ثمّ أدركت رمضانا آخر فتصدّقت بدل كلّ يوم ممّا مضى بمدّ من طعام، ثمّ عافاني اللّه تعالى و صمتهنّ».(1)
و فيه: انّها تحمل على الاستحباب كما حمله الشيخ بدلالة ما تقدّم من صحيحتي محمّد بن مسلم و زرارة و تشهد على هذا الحمل صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«من أفطر شيئا من رمضان في عذر ثمّ أدرك رمضان آخر و هو مريض فليتصدّق بمدّ لكلّ يوم، فأمّا أنا فانّي صمت و تصدّقت».(2)
ثمّ اعلم أنّ مقدار الفدية لكلّ يوم مدّ من الطعام كما دلّت عليه صحيحتا محمّد بن مسلم و عبداللّه بن سنان المتقدّمتان.
قال العلاّمة في المختلف: «قال الشيخ في النهاية: يتصدّق عن كلّ يوم بمدّين من طعام، فان لميمكنه فبمدّ، و به قال ابن البرّاج و ابن حمزة.
و احتجّ الشيخ بأنّ نصف الصاع بدل عن اليوم في كفّارة جزاء الصيد، فيكون كذلك هنا، بل هذا آكد، فانّ صوم يوم من شهر رمضان أفضل من غيره، فاذا كان
نصف الصاع بدلاً عن الأقلّ، امتنع في الحكمة أنيكون المدّ الذي هو ربع الصاع بدلاً عن الأكثر.
و الجواب: أنّ هذا اجتهاد في مقابلة النصّ فلايكون مسموعا، خصوصا فيما لايعقل معناه من التقديرات و الكفّارات. انتهى ملخّصا».(1)
و ان كان العذر غير المرض كالسفر و نحوه فالأقوى وجوب القضاء و ان كان الأحوط الجمع بينه و بين المدّ، و كذا ان كان سبب الفوت هو المرض و كان العذر في التأخير غيره مستمرّا من حين برئه الى رمضان آخر أو العكس فانّه يجب القضاء أيضا في هاتين الصورتين على الأقوى، و الأحوط الجمع خصوصا في الثانية.
الشرح:
هيهنا فرعان:
هل يتعدّى هذا الحكم أعني سقوط القضاء و لزوم الكفّارة الى من فاته الصوم بغير المرض كالسفر و نحوه ثمّ حصل له المرض المستمرّ أم لا؟
قيل: نعم، و قد نسبه صاحب الحدائق الى ظاهر الشيخ في الخلاف، و قال: «يمكن أنيكون مستنده صحيحة عبداللّه بن سنان المتقدّمة عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال: «من أفطر شيئا من رمضان في عذر ثمّ أدرك رمضان آخر و هو مريض
1) ـ مختلف الشيعة 3: 385 و 386.
فليتصدّق بمدّ لكلّ يوم، فأمّا أنا فانّي صمت و تصدّقت».(1)
و قد قوّى هذا القول صاحب الحدائق لرواية الفضل بن شاذان عن الرضا عليهالسلام (في حديث) قال:
«ان قال: فلم اذا مرض الرجل أو سافر في شهر رمضان فلميخرج من سفره أو لميقو من مرضه حتّى يدخل عليه شهر رمضان آخر وجب عليه الفداء للأوّل و سقط القضاء، و اذا أفاق بينهما أو أقام و لميقضه وجب عليه القضاء و الفداء؟».(2)
و قال: «هذه الرواية صريحة في السفر و انّ حكمه حكم المرض فلا مجال للتوقّف في ذلك، و به يظهر قوّة ما ذهب اليه الشيخ في الخلاف. انتهى ملخّصا».(3)
و قيل: لا. و به قطع العلاّمة في المختلف فانّه قال فيه: «الأقرب أننقول: اذا كان الفوات بغير المرض، انقسم الحال قسمين لا غير: أحدهما أنيكون قد أخّره بعد زوال العذر توانيا، فعليه مع القضاء الصدقة. و الثاني أنيكون قد أخّره بغير توانٍ، بل كان في عزمه القضاء، ثمّ تجدّد العذر عند التضيّق، فهذا يجب عليه القضاء خاصّة دون الصدقة. و كذا لو استمرّ العذر الى الرمضان الثاني فانّه يجب عليه القضاء. انتهى».(4)
و الأقوى عدم التعدّي الى السفر و نحوه فيجب على من فاته الصوم بغيرالمرض القضاء و ان استمرّ عذره الى الرمضان الثاني سواء كان عذره مرضا أم غيره و ذلك للعموم الدالّ على وجوب القضاء السالم عن معارضة النصوص
المسقطة الدالّة على عدم وجوب القضاء، لاختصاصها بالمرض، و لايلزم من اسقاط المرض الذي هو أعظم الأعذار، للقضاء، اسقاط الأدون له.
و أجيب عن صحيحة عبداللّه بن سنان بأنّ العذر في قوله عليهالسلام: «من أفطر شيئا من رمضان في عذر» و ان كان مطلقا، الاّ أنّ قوله عليهالسلام: «و هو مريض» في هذه الجملة: «ثمّ أدركه رمضان آخر و هو مريض» يشعر بأنّ هذا أي المرض هو ذلك العذر الذي قد قدّمه عليهالسلام.
و أمّا خبر الفضل بن شاذان فقد قال صاحب الجواهر: «لاأظنّ قائلاً بكونه (أي السفر) كالمرض في الاقتصار على الفدية، و ان كان هو ظاهر صحيح الفضل بن شاذان عن الرضا عليهالسلام، الاّ أنّه مع اتّحاده و عدم ظهور العمل به قاصر عن معارضة الآية و الرواية، لكن في الدروس هل يلحق غير المريض به كالمسافر؟ توقّف فيه المحقّق في المعتبر. انتهى».(1)
ثمّ اعلم أنّ الخلاف من ابن أبي عقيل و الشيخ خارج عمّا نحن فيه أي تعميم الحكم لذوي الأعذار. فانّ الأوّل قال: «و من كان عليه قضاء من شهر رمضان فلميقضه و هو يقدر عليه حتّى دخل في شهر رمضان آخر كان عليه أنيصوم الشهر الداخل، و يقضي من بعده الذي فاته، و يتصدّق عن كلّ يوم بمدّ من طعام. و لو لميمكنه القضاء لمرض حتّى دخل شهر رمضان آخر، صام الشهر الداخل و قضى من بعده الفائت، و لا صدقة عليه. انتهى».(2)
و ان كان كلامه يشعر بتعميم الحكم في المريض و غيره كما قال في المختلف.
و قال الثاني في الخلاف: «من فاته صوم رمضان لعذر من مرض أو غيره فعليه قضاؤه. و وقت القضاء بين رمضانين الذي تركه و الذي بعده، فان أخّر القضاء الى
أنيدركه رمضان آخر صام الذي أدركه و قضى الذي فاته، فان كان تأخيره لعذر من سفر أو مرض استدام به فلا كفّارة عليه، و ان تركه مع القدرة كفّر عن كلّ يوم بمدّ من طعام. انتهى».(1)
و الظاهر أنّ كلام هذين العلمين ليس في تعميم حكم سقوط القضاء لمن فاته الرمضان لمرض أو غيره كالسفر اذا أدركه رمضان آخر و هو مريض بل في سقوط الفدية مع ثبوت القضاء، نعم التعميم ثابت على مذهبهما و لذا قال صاحب الجواهر: «و كلام الحسن و الشيخ يؤذن بطرد الحكم في ذوي الأعذار و ربّما قيل بطرد الحكم في وجوب الكفّارة بالتأخير لا في سقوط القضاء بدوام العذر، و لايخفى عليك أنّ الأخير هو الأصحّ، و المحكي عن الحسن مساواة الطرد في ذوي الأعذار في غير صورة الاستمرار، على أنّ مذهبه كالشيخ في الخلاف الذي حكي عنه فيه الطرد المزبور وجوب القضاء لا غير في استمرار المرض، و لا خلاف حينئذٍ، و لعلّ ما وقع من المصنّف في المعتبر و الفاضل في التحرير و المنتهى من النظر و الاشكال فيما حكياه عن الشيخ من الحاق غير المرض به مبنيّ على الطرد من حيث كونه طردا بحيث يأتي على جميع الأقوال التي منها الاقتصار على الفدية و سقوط القضاء مع الاستمرار، و لا ريب في اشكاله حينئذٍ، بل الأقوى عدمه اذ الظاهر اختصاص ذلك بالفوات بالمرض المستمرّ الى الرمضان الآخر دون غيره مع التلفيق و عدمه، و صحيح ابن سنان قاصر عن تخصيص ما دلّ على القضاء من الآية و الرواية، خصوصا بعد عدم ظهور العامل به كصحيح الفضل بن شاذان المحتمل اختصاصه أيضا بالمرض كما لايخفى على من لاحظه، سيّما و قد عرفت أنّ الشيخ رحمهالله يقول بالقضاء في استمرار المرض فضلاً عن غيره فلا وجه لحكاية الخلاف عنه هنا، و منه يعلم حينئذٍ مهجوريّة الخبرين، فلابأس بطرحهما
1) ـ الخلاف 2: 206.
أو حملهما على ما يقتضي الاختصاص بالمرض. انتهى».(1)
أقول:
و لقد أحسن في تحقيقه حول كلام ابن أبي عقيل و الشيخ في الخلاف، و علّة نسبة القول اليهما، و قد ذكرنا نصّ كلامه ليكشف الحقّ و عدم ظهور العامل بالروايتين.
و قال في المدارك: «الثاني: هل يتعدّى هذا الحكم ـ أعني سقوط القضاء و لزوم الكفّارة ـ الى من فاته الصوم بغير المرض ثمّ حصل له المرض المستمرّ أم لا؟ قيل: نعم، و هو ظاهر اختيار الشيخ في الخلاف ـ الى أنقال: ـ و قيل: لا، و به قطع العلاّمة في المختلف ـ الى أنقال: ـ و ما ذكره العلاّمة رحمهالله لايخلو من وجه، و ان كان القول بالتسوية أوجه. الثالث: لو كان الفوات بالمرض و المانع من القضاء غيره كالسفر الضروري فهل يتعدّى اليه هذا الحكم أم لا؟ الأصحّ العدم، لاختصاص النقل بما اذا كان المانع من القضاء استمرار المرض، و أولى بوجوب القضاء ما لو كان الفوات بغير المرض. انتهى ملخّصا».(2)
قد ظهر ممّا ذكر أنّ الأقوى في جميع الصور المفروضة هنا، وجوب القضاء، وهي لو كان الفوت للمرض ولكن كان عدم تمكّنه من القضاء بين الرمضانين للسفر، أو فاته الرمضان لغير المرض من سفر و نحوه و مرض بعده الى الرمضان الثاني. أو فاته لغير المرض و استمرّ العذر الذي هو غير المرض الى الرمضان
الآتي. أو كان الفوت ملفّقا من المرض و غيره من سفر و نحوه و استمرّ هكذا. فينحصر سقوط القضاء فيما اذا كان الفوت للمرض و استمرّ به المرض الى الرمضان الآخر.
و ظهر أيضا الاشكال في ما ذهب اليه صاحب الحدائق من سقوط القضاء فيما لو كان الفوات بالمرض و المانع من القضاء غيره، و فيما لو فاته الصوم بغير المرض ثمّ حصل له المرض المستمرّ، فانّ ما استدلّ به لقوله و هو رواية الفضل لميعمل بها الأصحاب مضافا الى ضعف دلالتها. و أمّا العلاّمة الخوئي رحمهالله فقد ذهب الى تعدّي حكم سقوط القضاء الى ما اذا كان سبب الافطار هو السفر، و سبب التأخير استمرار المرض بين رمضانين، و استدلّ لذلك بصحيحة عبداللّه بن سنان المتقدّمة عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«من أفطر شيئا من رمضان في عذر ثمّ أدرك رمضان آخر و هو مريض فليتصدّق بمدّ لكلّ يوم، فأمّا أنا فانّي صمت و تصدّقت».(1)
بتقريب أنّ العذر يعمّ المرض و غيره بمقتضى الاطلاق، كما أنّ ظاهرها و لو بمعونة عدم التعرّض لحصول البرء في البين استمرار المرض بين الرمضانين.
ولكن لايمكن مساعدته، و ذلك أوّلاً لما تقدّم من أنّ المراد من كلمة «في عذر» في قوله عليهالسلام: «من أفطر شيئا من رمضان في عذر» هو المرض بقرينة قوله عليهالسلام: «ثمّ أدرك رمضان آخر و هو مريض» و على الأقلّ من الاحتمال، فهذا الاحتمال يمنعنا من الاطلاق، فلعلّه عليهالسلام لميكن بصدد بيان مصاديق العذر كلّها، بل كان مراده من ذكر العذر هو المرض و اكتفى بالقرينة الداخليّة و الخارجيّة لكشف مراده، أمّا القرينة الداخليّة قوله عليهالسلام: «ثمّ أدرك رمضان آخر و هو مريض» و أمّا القرينة الخارجيّة فالروايات المتقدّمة الدالّة على أنّ سقوط القضاء يكون لمن مرض في شهر رمضان ثمّ استمرّ به المرض الى الرمضان الآتي، و تؤيّده بل لعلّه
1) ـ وسائل الشيعة 7: 245 / الباب 25 من أبواب أحكام شهر رمضان / الحديث الرابع.
تدلّ عليه صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي عبداللّه عليهالسلام في امرأة مرضت في شهر رمضان أو طمثت أو سافرت فماتت قبل أنيخرج رمضان هل يقضى عنها؟ فقال:
«أمّا الطمث و المرض فلا، و أمّا السفر فنعم».(1)
و نظيرها صحيحة أبي حمزة و موثّقة سماعة. و تقريب الاستدلال بهذه الروايات أنّ المفهوم منها عدم سقوط القضاء بسبب السفر مطلقا.
(مسألة 14): اذا فاته شهر رمضان أو بعضه لا لعذر بل كان متعمّدا في الترك و لميأت بالقضاء الى رمضان آخر وجب عليه الجمع بين الكفّارة و القضاء بعد الشهر، و كذا ان فاته لعذر و لميستمرّ ذلك العذر بل ارتفع في أثناء السنة و لميأت به الى رمضان آخر متعمّدا و عازما على الترك أو متسامحا و اتّفق العذر عند الضيق، فانّه يجب حينئذٍ أيضا الجمع و أمّا ان كان عازما على القضاء بعد ارتفاع العذر فاتّفق العذر عند الضيق فلايبعد كفاية القضاء لكن لايترك الاحتياط بالجمع أيضا، و لا فرق فيما ذكر بين كون العذر هو المرض أو غيره، فتحصّل ممّا ذكر في هذه المسألة و سابقتها أنّ تأخير القضاء الى رمضان آخر امّا يوجب الكفّارة فقط و هي الصورة الأولى المذكورة في المسألة السابقة و امّا يوجب القضاء فقط و هي بقيّة الصور المذكورة فيها، و امّا يوجب الجمع بينهما و هي الصور المذكورة في هذه المسألة. نعم الأحوط الجمع في الصور المذكورة في السابقة أيضا كما عرفت.
الشرح:
اختلف الأصحاب فيما لو صحّ بين الرمضانين، و لميقضِ حتّى استهلّ الرمضان الثاني على ثلاثة أقوال:
1) ـ وسائل الشيعة 7: 243 / الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان / الحديث 16.
الأوّل: ما ذهب اليه المشهور من وجوب القضاء و الكفّارة ان كان تركه عن تهاون، و ان لميكن عن تهاون قضى بغير كفّارة. قال العلاّمة في المختلف بذهاب الشيخين و أبي الصلاح الى هذا القول.
و الثاني: ما نسب العلاّمة الى ابني بابويه من أنّهما لميفصّلا هذا التفصيل بل قالا متى صحّ فيما بينهما و لميقض وجب القضاء و الصدقة، قال: و هو اختيار ابن أبي عقيل. و حكاه صاحب الحدائق عن المحقّق في المعتبر و الشهيدين.
الثالث: ما عن ابن ادريس من وجوب القضاء دون الكفّارة مطلقا.
و الأقوى قول المشهور و الدليل عليه صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر و أبي عبداللّه عليهماالسلام قال:
«سألتهما عن رجل مرض فلميصم حتّى أدركه رمضان آخر، فقالا: ان كان برئ ثمّ توانى قبل أنيدركه الرمضان الآخر صام الذي أدركه و تصدّق عن كلّ يوم بمدّ من طعام على مسكين و عليه قضاؤه، و ان كان لميزل مريضا حتّى أدركه رمضان آخر صام الذي أدركه و تصدّق عن الأوّل لكلّ يوم مدّ على مسكين و ليس عليه قضاؤه».(1)
و تؤيّده رواية أبي بصير عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«اذا مرض الرجل من رمضان الى رمضان ثمّ صحّ فانّما عليه لكلّ يوم أفطره فدية طعام و هو مدّ لكلّ مسكين، قال: و كذلك أيضا في كفّارة اليمين و كفّارة الظهار مدّا مدّا، و ان صحّ فيما بين الرمضانين فانّما عليه أنيقضي الصيام، فان تهاون به و قد صحّ فعليه الصدقة و الصيام جميعا لكلّ يوم مدّا اذا فرغ من ذلك الرمضان».(2)
و أمّا التواني و التهاون بمعنى التأخير في مقابل الاستعجال.
قال في مجمع البحرين: «توانى في الأمر: ترفّق و تمهّل فيه و لميعجّل، و «اللّه تعالى حليم ذو أناة» أي لميعجّل على أهل المعاصي بالعقوبة».
و استدلّ لابني بابويه و هو القول الثاني و مختار ابن أبي عقيل بصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليهالسلام في الرجل يمرض فيدركه شهر رمضان ـ الى أنقال: ـ
«فان كان صحّ فيما بينهما و لميصم حتّى أدركه شهر رمضان آخر صامهما جميعا و يتصدّق عن الأوّل».(1)
و صحيحة أبي الصباح الكناني قال:
«سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن رجل عليه من شهر رمضان طائفة ثمّ أدركه شهر رمضان قابل، قال: عليه أنيصوم و أنيطعم كلّ يوم مسكينا، فان كان مريضا فيما بين ذلك حتّى أدركه شهر رمضان قابل فليس عليه الاّ الصيام ان صحّ، و ان تتابع المرض عليه فلميصحّ فعليه أنيطعم لكلّ يوم مسكينا».(2)
و أجيب بأنّ الأخبار المطلقة تحمل على المفصّلة، جمعا بين الأدلّة.
و الصحيح في الجواب أنيقال: من لميصم بعد البرء من مرضه حتّى أدركه شهر رمضان قابل فقد توانى و تهاون فلا منافاة بين صحيحة زرارة و صحيحة محمّد بن مسلم المتقدّمة. و أمّا صحيحة أبي الصباح الكناني فقد أورد صدرها في التهذيب هكذا: «فقال، ان كان صحّ فيما بين ذلك ثمّ لميقضه حتّى أدركه رمضان قابل فانّ عليه أنيصوم و أنيطعم لكلّ يوم مسكينا»؛ فلا منافاة أيضا بينها و بين صحيحة محمّد بن مسلم المتقدّمة كما مرّ آنفا.
و أمّا القول الثالث فاحتجّ ابن ادريس لما ذهب اليه بأصالة البراءة و بأنّ أحدا من علمائنا لميذكر هذه المسألة سوى الشيخين أو من قلّد كتبهما أو تعلّق بأخبار
الآحاد التي ليست حجّة عند أهلالبيت عليهمالسلام. و بما رواه سعد بن سعد عن رجل عن أبي الحسن عليهالسلام قال:
«سألته عن رجل يكون مريضا في شهر رمضان، ثمّ يصحّ بعد ذلك فيؤخّر القضاء سنة أو أقلّ من ذلك أو أكثر، ما عليه في ذلك؟ قال: أحبّ له تعجيل الصيام، فان كان أخّره فليس عليه شيء».(1)
و أجيب عنه بأنّ البراءة انّما يصار اليها مع عدم دليل الثبوت و شغل الذمّة، و قد بيّنّا الأدلّة. و عدم ذكر أحد من أصحابنا غير الشيخين لهذه المسألة ليس حجّة على العدم، مع أنّ الشيخين هما القيّمان بالمذهب. و كيف يدّعى ذلك و ابنا بابويه رحمهمااللهسبقا الشيخين بذكر وجوب الصدقة مطلقا، و لميفصّلا بين التواني و غيره. و كذا ابن أبي عقيل، و هو أسبق من الشيخين، و هؤلاء عَمَدَة المذهب. و الحديث الذي رواه سعد بن سعد مرسل ضعيف السند.
و قد ظهر ممّا ذكرنا أنّ عنوان العزم على القضاء بعد ارتفاع العذر، ليس في شيء من الروايات، و لايكون عكس التواني الذي كان في صحيحة محمّد بن مسلم المتقدّمة، بل معنى التواني هو التمهّل و عكسه التعجيل، فما عنونه الماتن و غيره من العزم على القضاء يلحق بالتواني فيجب عليه القضاء و الكفّارة.
(مسألة 15): اذا استمرّ المرض الى ثلاث سنين يعني الرمضان الثالث وجبت كفّارة للأولى و كفّارة أخرى للثانية، و يجب عليه القضاء للثالثة اذا استمرّ الى آخرها ثمّ برئ، و اذا استمرّ الى أربع سنين وجبت للثالثة أيضا، و يقضي للرابعة اذا استمرّ الى آخرها ـ أي الرمضان الرابع ـ و أمّا اذا أخّر قضاء السنة الأولى الى سنين عديدة فلاتتكرّر الكفّارة بتكرّرها بل تكفيه كفّارة واحدة.
1) ـ وسائل الشيعة 7: 246 / الباب 25 من أبواب أحكام شهر رمضان / الحديث السابع.
الشرح:
لاتتكرّر الكفّارة اذا استمرّ المرض الى سنين متمادية، كما لاتتكرّر الفدية مع القضاء اذا أخّر القضاء الى ما زاد على الرمضانين و ذلك لعدم الدليل على وجوب تكرّر الفدية في هذين الفرعين، فانّ الدليل قد قام على الفدية اذا استمرّ المرض الى الرمضان الثاني و مع القضاء اذا برئ و لميأت به حتّى أدركه الرمضان الثاني.
قال صاحب الجواهر: «و لاتتكرّر الفدية بتكرّر السنين من غير فرق بين فدية الاستمرار و فدية التهاون، لصدق الامتثال بالمرّة كما صرّح به هنا غير واحد، بل لاأجد فيه خلافا الاّ من الفاضل في المحكي من تذكرته، فقال: تتكرّر قياسا على السنة الأولى التي أوجبت المدّ عن كلّ يوم، و هو كما ترى. انتهى».(1)
و قال في الحدائق: «قد صرّح الشيخ و غيره بأنّ حكم ما زاد على الرمضانين حكم الرمضانين فيما تقدّم، و نقل في الدروس عن ظاهر ابن بابويه أنّ الرمضان الثاني يقضى بعد الثالث و ان استمرّ المرض. انتهى».(2)
و لايبعد حمل كلام ابن بابويه على ما ذهب اليه الأصحاب و حينئذٍ لايكون هناك مخالف، كما نبّه عليه صاحب الحدائق.
(مسألة 16): يجوز اعطاء كفّارة أيّام عديدة من رمضان واحد أو أزيَد لفقير واحد، فلايجب اعطاء كلّ فقير مدّا واحدا ليوم واحد.
مقتضى اطلاق الأدلّة، جواز اعطاء كفّارة أيّام عديدة من رمضان واحد أو أزيد لفقير واحد.
(مسألة 17): لاتجب كفّارة العبد على سيّده من غير فرق بين كفّارة التأخير و كفّارة الافطار، ففي الأولى ان كان له مال و أذن له السيّد أعطى من ماله و الاّ استغفر بدلاً عنها، و في كفّارة الافطار يجب عليه اختيار صوم شهرين مع عدم المال و الاذن من السيّد، و ان عجز فصوم ثمانيهعشر يوما، و ان عجز فالاستغفار.
الشرح:
و ذلك لأنّ الكفّارة ليست من النفقة الواجبة على السيّد، و لا دليل على وجوب كفّارة العبد على مولاه، بلا فرق بين كفّارة التأخير و كفّارة الافطار لعدم الدليل فيهما، و الأصل براءة ذمّة المولى. و حينئذٍ فلو كان للعبد مال أعطى من ماله الكفّارة التي في ذمّته بشرط اذن المولى، لأنّ العبد محجور في أمواله. و لو لميأذن له مولاه في التصرّف في ماله أو لميكن له مال، استغفر عوض كفّارة التأخير، و يجب عليه اختيار صوم شهرين كما هو مقتضى التخيير بين شيئين أو أزيد، فاذا منع من أحدهما تعيّن الثاني، أو الباقي. و ان عجز عن صوم شهرين فقد سبق حكمه.
(مسألة 18): الأحوط عدم تأخير القضاء الى رمضان آخر مع التمكّن عمدا و ان كان لا دليل على حرمته.
الشرح:
هيهنا فرعان:
الظاهر أنّه لا خلاف في جواز تأخير قضاء الرمضان الى ما قبل أنيدخل الرمضان الآتي، و لايجب عليه الفور، و ذلك لصحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«اذا كان على الرجل شيء من صوم شهر رمضان فليقضه في أيّ الشهور شاء ـ الى أنقال: ـ قال: قلت: أرأيت ان بقي عليّ شيء من صوم شهر رمضان أقضيه في ذيالحجّة؟ قال: نعم».(1)
و صحيحة عبدالرحمن بن أبي عبداللّه قال:
«سألت أباعبداللّه عليهالسلام عن قضاء شهر رمضان في شهر ذيالحجّة و قطعه، فقال: اقضه في ذيالحجّة و اقطعه ان شئت».(2)
و صحيحة حفص بن البختري عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«كنّ نساء النبي صلىاللهعليهوآله اذا كان عليهنّ صيام أخّرن ذلك الى شعبان ـ الى أنقال: ـ فاذا كان شعبان صمن و صام معهنّ. الحديث».(3)
و الظاهر أنّه لا خلاف في ذلك الاّ ممّا نقل عن أبي الصلاح.
قال صاحب الحدائق: «المعروف من مذهب الأصحاب هو وجوب القضاء على التراخي لا على الفور، و نقل عن أبي الصلاح أنّه قال: يلزم من يتعيّن عليه فرض القضاء لشيء من شهر رمضان أنيبادر به في أوّل أحوال الامكان. و يظهر من هذه العبارة القول بوجوب الفوريّة، و هو مردود بالاخبار. انتهى».(4)
الظاهر أنّه لا دليل على حرمة تأخير القضاء الى رمضان آخر مع التمكّن عمدا. و ما يمكن أنيقال من الدليل على عدم الجواز وجوه:
الأوّل: قولهما عليهماالسلام في صحيحة محمّد بن مسلم المتقدّمة: «ان كان برئ ثمّ توانى قبل أنيدركه الرمضان الآخر» و قوله عليهالسلام فى رواية أبي بصير في تفسير العيّاشي: «فان صحّ فيما بين الرمضانين فتوانى أنيقضيه». و كذا قوله عليهالسلام في رواية أخرى لأبي بصير: «فان تهاون به و قد صحّ فعليه الصدقة و الصيام» بتقريب أنّ التواني و التهاون يدلاّن على الحرمة. ولكن فيه: انّهما أعمّ من الحرمة.
(مسألة 19): يجب على وليّ الميّت قضاء ما فاته من الصوم.
الشرح:
المشهور بين الأصحاب أنّه يجب على وليّ الميّت قضاء ما فاته من الصوم. و قد وقع الخلاف عن ابن أبي عقيل فقد نقل عنه من أنّ الواجب هنا انّما هو الصدقة عنه عن كلّ يوم بمدّ من طعام(1). و عن السيّد المرتضى فانّه قال: «يتصدّق عنه من صلب المال، فان لميكن هناك مال صام الوليّ عنه».(2)
و الحقّ ما عليه المشهور للأخبار الكثيرة، منها: صحيحة حفص بن البخترىعن أبي عبداللّه عليهالسلام في الرجل يموت و عليه صلاة أو صيام، قال:
«يقضي عنه أولى الناس بميراثه، قلت: فان كان أولى الناس به امرأة؟
فقال: لا الاّ الرجال».(1)
و منها: صحيحة الصفّار قال:
«كتبت الى الأخير عليهالسلام: رجل مات و عليه قضاء من شهر رمضان عشرة أيّام و له وليّان هل يجوز لهما أنيقضيا عنه جميعا خمسة أيّام أحد الوليّيْن، و خمسة أيّام الآخر؟ فوقّع عليهالسلام: يقضي عنه أكبر وليّيْه عشرة أيّام ولاءًا ان شاء اللّه».(2)
و منها: مرسلة حمّاد بن عثمان عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«سألته عن الرجل يموت و عليه دين من شهر رمضان من يقضي عنه؟ قال: أولى الناس به، قلت: و ان كان أولى الناس به امرأة؟ قال: لا الاّ الرجال».(3)
و منها: موثّقة أبي بصير قال:
«سألت أباعبداللّه عليهالسلام عن رجل سافر في شهر رمضان فأدركه الموت قبل أنيقضيه، قال: يقضيه أفضل أهلبيته».(4)
و غيرها ممّا ستأتي في محلّها.
و أمّا ابن أبي عقيل، فقال في المختلف: «قال ابن أبي عقيل: و قد روي عنهم عليهمالسلامفي بعض الأحاديث أنّ من مات و عليه قضاء من شهر رمضان صام عنه أقرب الناس اليه من أوليائه، كما يقضي عنه دينه، و كذلك من مات و عليه صلاة قد فاتته و زكاة قد لزمته و حجّ قد وجب عليه قضى عنه وليّه، بذلك كلّه جاء نصّ الأخبار بالتوقيف عن آل الرسول عليهمالسلام ـ الى أنقال: ـ و قد روي أنّه من مات و عليه
1) ـ وسائل الشيعة 7: 241 / الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان / الحديث الخامس.
2) ـ وسائل الشيعة 7: 240 / الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان / الحديث الثالث.
3) ـ وسائل الشيعة 7: 241 / الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان / الحديث السادس.
4) ـ وسائل الشيعة 7: 242 / الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان / الحديث 11.
صوم من رمضان تصدّق عنه عن كلّ يوم بمدّ من طعام. و بهذا تواترت الأخبار عنهم عليهمالسلام و القول الأوّل مطرح لأنّه شاذّ. انتهى».(1)
و استدلّ لابن أبي عقيل بما في الفقيه:
«و روي عن محمّد بن اسماعيل بن بزيع عن أبي جعفر الثاني عليهالسلام قال: قلت له: رجل مات و عليه صوم، يصام عنه أو يتصدّق؟ قال: يتصدّق عنه فانّه أفضل».(2)
و بصحيحة أبي مريم الأنصارى عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«اذا صام الرجل شيئا من شهر رمضان ثمّ لميزل مريضا حتّى مات فليس عليه شيء (قضاء) و ان صحّ ثمّ مرض ثمّ مات و كان له مال تصدّق عنه مكان كلّ يوم بمدّ، و ان لميكن له مال صام عنه وليّه».(3)
و استشكل في رواية محمّد بن اسماعيل بن بزيع بضعف السند و أنّها مرسلة أو محتملها، و ضعف الدلالة لاحتمال أنيكون السؤال عن أمر استحبابي و هو التبرّع عنه و أنّ أيّا من التبرّعيْن و العبادتين المستحبّتين أفضل، هل الصيام عنه أو الصدقة؟ فأجاب عليهالسلام: انّ الثاني أفضل كما نطقت به جملة من النصوص، فانّ التصدّق عن الميّت أفضل الخيرات و أحسن المبرّات.
و أمّا صحيحة أبي مريم الأنصاري بناءًا على تماميّة دلالتها تحمل على التقيّة لمخالفتها للروايات الكثيرة و لفتوى الفقهاء الاّ من ابن أبي عقيل، و انّ الجمهور من العامّة قد ذهبوا الى وجوب التصدّق عن الميّت دون القضاء. قال العلاّمة في المنتهى: «و لو برئ من مرضه زمانا يتمكّن فيه من القضاء و لميقض حتّى مات قضي عنه؛ ذهب اليه علماؤنا و قال الشافعي و أبوثور: يطعم عنه عن كلّ يوم مدّا و
به قال أبوحنيفة و مالك و الثوري الاّ أنّ مالكا يقول: لايلزم الولي أنيطعم حتّى يوصى بذلك. انتهى».(1)
و قال المحقّق في المعتبر: «و لو برئ زمانا يتمكّن فيه من القضاء ثمّ مات فقد استقرّ في ذمّته القضاء و يقوم به الولي، و قال الشافعي: يطعم عنه و لايصام، و به قال مالك، و قال أبوحنيفة: يطعم عنه ان أوصى، و قال أحمد: و ان كان الصوم نذرا صام عنه و ان كان غيره أطعم عنه. لنا أنّ الصوم استقرّ في ذمّته بالتمكّن منه فلايسقط بموته كالدين و يجب على وليّه القيام بالصوم الواجب عنه. انتهى».(2)
و قال في الجواهر: «يجب على الولي أنيقضي ما فات عن الميّت من صيام واجب رمضان كان أو غيره سواء فات بمرض أو غيره بلا خلاف أجده فيه في أصل الحكم سوى ما عن ابن أبي عقيل من أنّ المشروع الصدقة عنه عن كلّ يوم بمدّ دون القضاء، بل نسب القول به الى الشذوذ، كما أنّه نسب الصدقة الى التواتر، و هو من الغرائب، ضرورة كون العكس مظنّة التواتر أو القطع و لو بمعونة شهرته بين الاماميّة. انتهى».(3)
و أمّا الدليل على ما ذهب اليه السيّد المرتضى فالظاهر هو صحيحة أبي مريم الأنصاري التي قد قلنا فيها بالحمل على التقيّة. مع أنّه يمكن الخدشة في دلالتها، مضافا الى التعارض بين ما في نسخة الكافي و الفقيه و بين ما في التهذيب، بل يكون التعارض بين الروايتين المرويّتين في التهذيب عن أبي مريم الأنصاري.
لعذر من مرض أو سفر أو نحوهما، لا ما تركه عمدا، أو أتى به و كان باطلاً من جهة التقصير في أخذ المسائل، و ان كان الأحوط قضاء جميع ما عليه و ان كان
من جهة الترك عمدا.
الشرح:
يجب على الولي قضاء ما فات عن الميّت مطلقا و ان تركه عمدا أو أتى به و كان باطلاً من جهة التقصير في أخذ المسائل، و ذلك لاطلاق الروايات، كصحيحة حفص بن البختري عن أبي عبداللّه عليهالسلام في الرجل يموت و عليه صلاة أو صيام، قال:
«يقضي عنه أولى الناس بميراثه، قلت: فان كان أولى الناس به امرأة؟ فقال: لا الاّ الرجال».(1)
و صحيحة محمّد يعني الصفّار قال:
«كتبت الى الأخير عليهالسلام: رجل مات و عليه قضاء من شهر رمضان عشرة أيّام و له وليّان هل يجوز لهما أنيقضيا عنه جميعا خمسة أيّام أحد الوليّين و خمسة أيّام الآخر؟ فوقّع عليهالسلام: يقضي عنه أكبر وليّيه عشرة أيّام ولاءًا ان شاء اللّه».(2)
و مرسلة حمّاد بن عثمان عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«سألته عن الرجل يموت و عليه دين من شهر رمضان من يقضي عنه؟ قال: أولى الناس به، قلت: و ان كان أولى الناس به امرأة؟ قال: لا الاّ الرجال».(3)
و لاتقيّدها موثّقة أبي بصير قال:
«سألت أباعبداللّه عليهالسلام عن رجل سافر في شهر رمضان فأدركه الموت
قبل أنيقضيه، قال: يقضيه أفضل أهل بيته».(1)
بالعذر، لأنّ ذلك مورد له لا أنّ الحكم مقيّد به، و لا ريب أنّ المورد غير مخصّص.
قال في الجواهر: «ثمّ انّ اطلاق النصّ و الفتوى و ترك الاستفصال في الأوّل منهما يقتضي عدم الفرق بين أسباب الفوات و بين العمد و غيره، لكن في الذكرى عن المصنّف رحمهالله أنّه قال في مسائله البغداديّة المنسوبة الى جمالالدين بن حاتم المشعري: «الذي ظهر لي أنّ الولد يلزمه قضاء ما فات من الميّت من صيام و صلاة لعذر كالمرض و السفر و الحيض لا ما تركه عمدا مع قدرته عليه» ثمّ قال الشهيد: و قد كان شيخنا عميدالدين ينصر هذا القول، و لابأس به، فانّ الروايات تحمل على الغالب من الترك، و هو انّما يكون على هذا الوجه، و هو اعتبار حسن. قلت: لايخفى عليك ما فيه. انتهى».(2)
قال في المستمسك في الجواب عن الشهيد: «انّ الغلبة ليست بحيث تصلح للانصراف المسقط للمطلق عن الحجّيّة. انتهى».(3)و هو متين، اذ الغلبة الوجوديّة لاتوجب صرف اللفظ الى الفرد الغالب ما لمينته الى غلبة الاستعمال.
نعم، يشترط في وجوب قضاء ما فات بالمرض أنيكون قد تمكّن في حال حياته من القضاء و أهمل و الاّ فلايجب لسقوط القضاء حينئذٍ كما عرفت سابقا.
و قد تقدّم البحث عن ذلك و قلنا بسقوط القضاء عمّن كان مريضا و لميبرأ من مرضه حتّى يموت لصحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام قال:
«سألته عن رجل أدركه رمضان و هو مريض فتوُفِّي قبل أنيبرأ، قال:
ليس عليه شيء ولكن يقضى عن الذي يبرأ ثمّ يموت قبل أنيقضي».(1)
و نظيرها غيرها ممّا تقدّم.
و لا فرق في الميّت بين الأب و الأمّ على الأقوى.
الشرح:
اختلفوا في وجوب قضاء الصوم عن المرأة؛
قال في الشرائع: «و هل يقضى عن المرأة ما فاتها؟ فيه تردّد».(2)
قال الشيخ في النهاية: «و المرأة أيضا حكمها حكم ما ذكرناه، في أنّ ما يفوتها من الصيام بمرض أو طمث، لايجب على أحد القضاء عنها الاّ أنتكون قد تمكّنت من القضاء فلمتقضه، فانّه يجب القضاء عنها. و يجب أيضا القضاء عنها ما يفوتها بالسفر حسب ما قدّمناه في حكم الرجال. انتهى».(3)
قال ابن ادريس في السرائر بعد ذكر فتوى الشيخ: «و الصحيح من المذهب و الأقوال أنّ الحاق المرأة في هذا الحكم بالرجال يحتاج الى دليل، و انّما اجماعنا منعقد على الوالد يتحمّل ولده الأكبر ما فرّط فيه من الصيام، و يصير ذلك تكليفا للولد ـ الى أنقال: ـ و ليس هذا مذهبا لأحد من أصحابنا، و انّما أورده شيخنا ايرادا لا اعتقادا. انتهى».(4)
و قال العلاّمة في المختلف في الردّ على ابن ادريس: «أوّلاً انّ الاجماع على الوالد ليس حجّة على عدم الدليل في اشتراك المرأة مع الرجل في هذا الحكم. و
ثانيا قول الشيخ معتضد بالروايات و الأدلّة العقليّة و ذهاب جماعة اليه كابن البرّاج. و ثالثا لميقتصر الشيخ على قوله بذلك في النهاية بل و في المبسوط أيضا. انتهى ملخّصا».(1)
و الحقّ عدم الحاق المرأة في هذا الحكم بالرجال و ذلك لأنّ الدليل على وجوب القضاء على الولي ورد للرجل، كصحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام قال:
«سألته عن رجل أدركه رمضان ـ الى أنقال: ـ ولكن يقضى عن الذي يبرأ ثمّ يموت قبل أنيقضي».(2)
و صحيحة محمّد يعنى الصفّار قال:
«كتبت الى الأخير عليهالسلام: رجل مات و عليه قضاء من شهر رمضان ـ الى أنقال: ـ فوقّع عليهالسلام: يقضي عنه أكبر وليّيه عشرة أيّام ولاءًا ان شاء اللّه».(3)
و صحيحة حفص بن البختري عن أبي عبداللّه عليهالسلام في الرجل يموت و عليه صلاة أو صيام، قال:
«يقضي عنه أولى الناس بميراثه. الحديث».(4)
و مرسلة حمّاد بن عثمان عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«سألته عن الرجل يموت و عليه دين من شهر رمضان من يقضي عنه؟ قال: أولى الناس به. الحديث».(5)
و موثّقة أبي بصير قال:
1) ـ مختلف الشيعة 3: 402.
2) ـ وسائل الشيعة 7: 240 / الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان / الحديث الثاني.
3) ـ وسائل الشيعة 7: 240 / الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان / الحديث الثالث.
4) ـ وسائل الشيعة 7: 241 / الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان / الحديث الخامس.
5) ـ وسائل الشيعة 7: 241 / الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان / الحديث السادس.
«سألت أباعبداللّه عليهالسلام عن رجل سافر في شهر رمضان فأدركه الموت قبل أنيقضيه، قال: يقضيه أفضل أهل بيته».(1)
و مرسلة عبداللّه بن بكير عن أبي عبداللّه عليهالسلام في رجل يموت في شهر رمضان ـ الى أنقال: ـ
«فان مرض فلميصم شهر رمضان ثمّ صحّ بعد ذلك و لميقضه ثمّ مرض فمات فعلى وليّه أنيقضي عنه، لأنّه قد صحّ فلميقض و وجب عليه».(2)
و صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبداللّه عليهالسلام في الرجل يسافر في شهر رمضان فيموت، قال: «يقضى عنه. الحديث».(3)
و استدلّ العلاّمة(4)لعدم الفرق في الميّت بين الأب و الأمّ بوجوه:
الأوّل: انّ الغالب تساوي الذكور و الاناث في الأحكام الشرعيّة التكليفيّة.
الثاني: انّ ابراء ذمم المكلّفين أمر مطلوب للشارع قضيّةً لحكمته تعالى و رحمته على العالمين، و القضاء على الولي طريق صالح، كما في حقّ الرجال، فيجب عليه في حقّ المرأة قضاءًا للمناسبة.
الثالث: ما رواه محمّد بن مسلم في الموثّق عن أبي عبداللّه عليهالسلام في امرأة مرضت في شهر رمضان أو طمثت أو سافرت فماتت قبل أنيخرج رمضان هل يقضى عنها؟ فقال:
«أمّا الطمث و المرض فلا، و أمّا السفر فنعم».(5)
و في الصحيح عن أبي بصير عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
1) ـ وسائل الشيعة 7: 242 / الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان / الحديث 11.
2) ـ وسائل الشيعة 7: 243 / الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان / الحديث 13.
3) ـ وسائل الشيعة 7: 243 / الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان / الحديث 15.
4) ـ مختلف الشيعة 3: 401.
5) ـ وسائل الشيعة 7: 243 / الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان / الحديث 16.
«سألته عن امرأة مرضت في شهر رمضان و ماتت في شوّال فأوصتني أنأقضي عنها، قال: هل برئت من مرضها؟ قلت: لا، ماتت فيه، قال: لايقضى عنها، فانّ اللّه لميجعله عليها، قلت: فانّي أشتهي أنأقضي عنها و قد أوصتني بذلك، قال: كيف تقضي عنها شيئا لميجعله اللّه عليها؟! فان اشتهيت أنتصوم لنفسك فصم».(1)
ثمّ قال: «و الاستدلال بهذا الحديث من وجوه: الأوّل: سؤاله عليهالسلام: «هل برئت من مرضها؟» قال: لا. فأجابه بسقوط القضاء. و لولا أنّ البرء موجب للقضاء لما صحّ هذا السؤال. الثاني: تعليله عليهالسلام عدم القضاء عنها بعدم ايجابه عليها، و عند انتفاء العلّة ينتفي المعلول، فيجب القضاء عنها عند الايجاب. الثالث: تعليل تعجّبه عليهالسلام في قوله: «كيف تقضي شيئا لميجعله اللّه عليها؟!» بانتفاء الايجاب فيجب أنيكون مع الايجاب يجب القضاء. انتهى».(2)
و أجيب عن الأوّل ـ أي قاعدة الاشتراك ـ بأنّ معناها أنّ الأصل اشتراكهما في التكاليف المتوجّهة اليهما كالصلاة و الزكاة و الصوم و الخمس و الحجّ و غيرها، لا في مثل المقام الذي يكون الرجل قيدا للموضوع. توضيح ذلك أنّ التكليف وارد على الحيّ الذي هو أولى الناس بميراثه، و موضوعه قضاء الصوم عن الميّت، و مورد الترديد هو أنّ متعلّق التكليف الوارد على الولي هو قضاء الصوم عن مطلق الميّت أو عن الرجل الميّت و أين هذا من قاعدة الاشتراك، بل يكون المورد مجرى البراءة، لأنّ الولي يشكّ في وجوب القضاء عن المرأة الميّتة عليه بعد القطع بوجوبه عن الرجل الميّت فالأصل عدمه.
و الجواب عن الثاني: انّ ابراء ذمم المكلّفين و ان كان أمرا مطلوبا للشارع، الاّ أنّ هذا في غير ما يستلزم التكليف و المشقّة على الغير. نعم لا كلام فيما لو كان
هناك دليل على التكليف، انّما الكلام في أنّ صرف المطلوبيّة لأمر لايستلزم أننكلّف شخصا آخر لأدائه.
و أجيب عن صحيحة محمّد بن مسلم بأنّ غاية ما يستفاد منها مشروعيّة القضاء، و نحن نقول بها، مع كونها مجمعا عليها، و هو أعمّ من الوجوب و من كونه على الولي بناءًا على كونه رجلاً.
و أمّا الجواب عن صحيحة أبي بصير، فانّ الظاهر أنّ السؤال و الجواب عن أصل المشروعيّة، و لأنّه لايجب على الأجنبي قضاء الصوم عن الميّت. اللهمّ الاّ أنيكون سؤاله عن العمل بالوصيّة فأجاب الامام عليهالسلام عن عدم وجوب شيء على السائل بل عدم الاستحباب أيضا، و حينئذٍ تكون الصحيحة واردة مورد موضوع آخر.
و في رياض المسائل: «الأقوى عدم وجوب قضاء صوم المرأة على الولي، وفاقا للحلّي في السرائر و المحقّق الثاني في جامع المقاصد، و الشهيد الثاني في المسالك و غيرهم كالفاضل الآبي في كشف الرموز، للأصل، و ضعف الظنّ الحاصل من الاشتراك هنا، و قصور دلالة الروايات على الوجوب و غايتها الجواز و نحن نقول به مع كونه مجمعا عليه، مع أنّ الخبرين (أي صحيحتي محمّد بن مسلم و أبي بصير) لايقول بمضمونهما الأكثر، لتضمّنهما ثبوت القضاء على الولي مع عدم تمكّن الميّت منه. و خالف فيه الشيخ، و الفاضل في جملة من كتبه و منها المختلف حاكيا له فيه عن القاضي، و الشهيد في الدروس، و الفاضل المقداد في شرح الكتاب (أي التنقيح الرائع) و غيرهم فاختاروا الأوّل، و لا ريب أنّه أحوط. انتهى ملخّصا».(1)
و كذا لا فرق بين ما اذا ترك الميّت ما يمكن التصدّق به عنه و عدمه، و ان كان
1) ـ رياض المسائل 5: 444 و 445.
الأحوط في الأوّل الصدقة عنه برضاء الوارث مع القضاء.
الشرح:
يشير الماتن بذلك الى صحيحة أبي مريم الأنصاري عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«اذا صام الرجل شيئا من شهر رمضان ثمّ لميزل مريضا حتّى مات فليس عليه شيء (قضاء) و ان صحّ ثمّ مرض ثمّ مات و كان له مال تصدّق عنه مكان كلّ يوم بمدّ، و ان لميكن له مال صام عنه وليّه».(1)
و قد تقدّم البحث عن هذه الصحيحة و ما ذهب اليه السيّد المرتضى في ابتداء هذه المسألة فلانعيد.
و المراد بالولي هو الولد الأكبر و ان كان طفلاً أو مجنونا حين الموت، بل و ان كان حملاً.
الشرح:
اذا كان للميّت ابن واحد وجب عليه قضاء ما فات من أبيه من الصلاة و الصيام و ان كان للميّت بنت أو بنات مع ذلك الابن. و اذا كان له عدّة أبناء وجب على أكبرهم القضاء عن الوالد. و يدلّ على ذلك ما سيأتي من الروايات.
قال الشيخ في المبسوط: «و الولي هو أكبر أولاده الذكور. انتهى».(2)
و قال المفيد في المقنعة: «و اذا مات انسان و قد صام من شهر رمضان بعضه فانّه ينبغي للأكبر من وُلده من الرجال أنيقضي عنه بقيّة الصيام. انتهى».(3)
و قال في المختلف: «قال ابن الجنيد: و أولى الناس بالقضاء عن الميّت أكبر
أولاده الذكور. و قال علي بن بابويه: من مات و عليه صوم شهر رمضان، فعلى وليّه أنيقضي عنه، فان كان للميّت وليّان، فعلى أكبرهما من الرجال. و كذا قال ابنه أبو جعفر في المقنع. و قال ابن البرّاج: على ولده الأكبر من الذكور أنيقضي عنه ما فاته من ذلك و من الصلاة أيضا. و ابن حمزة وافق الشيخ رحمهالله، و كذا ابن ادريس. انتهى ما في المختلف».(1)
و قال العلاّمة في المنتهى: «و الذي يقضي عن الميّت هو أكبر ولده الذكور ما فاته من صيامه بمرض و غيره ممّا يمكن من قضائه و لميقضه. انتهى».(2)
و قال المحقّق في المعتبر: «يقضي عن الميّت أكبر ولده الذكور ما فاته من صيام بمرض و غيره ممّا تمكّن من قضائه و لميقضه. انتهى».(3)
و قال الشهيدان في اللمعة و شرحها: «اذا تمكّن من القضاء ثمّ مات، قضى عنه أكبر ولده الذكور و هو من ليس له أكبر منه. انتهى».(4)
و قال في رياض المسائل: «يقضي عن الميّت الذكر أكبر أولاده الذكر ما تركه من صيام لمرض و غيره. انتهى».(5)
و قال في الشرائع: «و الولي هو أكبر أولاده الذكور. انتهى».(6)و ذهب اليه صاحب الجواهر.
و أمّا الروايات و ان لميذكر فيها بأنّ الولي هو أكبر أولاده الذكور، الاّ أنّ التعبير فيها بقوله عليهالسلام: «من كان أولى الناس بميراثه» يخصّصه بالرجال و ينطبق على أكبر أولاده الذكور.
ففي صحيحة حفص بن البختري عن أبي عبداللّه عليهالسلام في الرجل يموت و عليه صلاة أو صيام، قال:
«يقضي عنه أولى الناس بميراثه، قلت: فان كان أولى الناس به امرأة؟ فقال: لا الاّ الرجال».(1)
و مرسلة حمّاد بن عثمان عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«سألته عن الرجل يموت و عليه دين من شهر رمضان من يقضي عنه؟ قال: أولى الناس به، قلت: و ان كان أولى الناس به امرأة؟ قال: لا، الاّ الرجال».(2)
و من المعلوم أنّ المراد بأولى الناس به هو ولد الميّت و لايكون المراد أباه و ذلك لصحيحة محمّد يعني الصفّار قال:
«كتبت الى الأخير عليهالسلام: رجل مات و عليه قضاء من شهر رمضان عشرة أيّام و له وليّان هل يجوز لهما أنيقضيا عنه جميعا خمسة أيّام أحد الوليّين، و خمسة أيّام الآخر؟ فوقّع عليهالسلام: يقضي عنه أكبر وليّيه عشرة أيّام ولاءًا ان شاء اللّه».(3)
و الظاهر من قوله عليهالسلام: «أكبر وليّيه» هو أكبر ولديه.
انّما الخلاف و الاشكال في أنّ الولي هو أكبر أولاده الذكور خاصّة كما هو مذهب الشيخ و وافقه ابن حمزة في الوسيلة و ابن ادريس في السرائر، فان لميكن له ولد ذكر لميجب على الباقين، أو انّ الولاية لاتختصّ بالأولاد، كما ذهب اليه المفيد و علي بن بابويه و كذا ابنه أبوجعفر في المقنع.
احتجّ العلاّمة في المختلف للقول الأوّل بـ :«أنّ الأصل براءة الذمّة، خالفناه في
الولد الذكر، للنقل و الاجماع عليه و لاختصاصه بالحباء(1)من التركة، فيبقى الباقي على أصل الدليل. و ما رواه حمّاد بن عثمان عمّن ذكره عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال: «سألته عن الرجل يموت و عليه دين من شهر رمضان، من يقضي عنه؟ قال: أولى الناس به. قلت: فان كان أولى الناس به امرأة؟ قال: لا الاّ الرجال».
ـ ثمّ قال: ـ احتجّوا بأنّه يصدق عليه اسم الولي، فيتناوله الأمر. و الجواب: المنع من المقدّمتين. انتهى».(2)
و قال في الجواهر: «المشهور نقلاً ان لميكن تحصيلاً أنّ الولي هو أكبر أولاده الذكور لا غير أي من لا ذكر أكبر منه من ولده و ان لميكن هو الاّ واحدا و حينئذٍ فلو كان الأكبر أنثى لميجب عليها القضاء، لأنّ المنساق من الولي هنا الولد الذكر، خصوصا مع ملاحظة الشهرة و قوله تعالى: فهب لي من لدنك وليّا يرثني(3)و لذا فسّره الشيخ به ـ الى أنقال: ـ يستفاد من صحيحة الصفّار و موثّقة أبي بصير (المتقدّمتين) اعتبار كون الولي أكبر أولاده الذكور. بل ظاهر الأصحاب في كتاب الميراث تعليل الحباء بأنّ عليه القضاء، بل ربّما فرعوا عليه حرمان فاسد العقل و نحوه ممّن لميكن صالحا للقضاء من الحبوة، و قد اعترف في الذكرى بأنّ الأكثر قد قرنوا بين الحبوة و بين قضاء الصلاة، بل قد يقال انّه المراد أيضا من خبر حفص بن البختري و نحوه مرسل حمّاد، بناءًا على أنّه هو الأولى من جميع الناس بالميراث باعتبار اختصاصه بالحبوة. انتهى ملخّصا».(4)
و الأقوى ما ذهب اليه الشيخ من أنّ الولي هو أكبر أولاده الذكور خاصّة، و الدليل على ذلك: الروايات الواردة في الباب، منها: صحيحة حفص بن البختري
عن أبي عبداللّه عليهالسلام في الرجل يموت و عليه صلاة أو صيام، قال:
«يقضي عنه أولى الناس بميراثه، قلت: فان كان أولى الناس به امرأة؟ فقال: لا الاّ الرجال».(1)
و منها: مرسلة حمّاد بن عثمان عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«سألته عن الرجل يموت و عليه دين من شهر رمضان من يقضي عنه؟ قال: أولى الناس به، قلت: و ان كان أولى الناس به امرأة؟ قال: لا الاّ الرجال».(2)
و منها: موثّقة أبي بصير قال:
«سألت أباعبداللّه عليهالسلام عن رجل سافر في شهر رمضان فأدركه الموت قبل أنيقضيه، قال: يقضيه أفضل أهل بيته».(3)
و منها: صحيحة محمّد يعني الصفّار قال:
«كتبت الى الأخير عليهالسلام: رجل مات و عليه قضاء من شهر رمضان عشرة أيّام و له وليّان هل يجوز لهما أنيقضيا عنه جميعا خمسة أيّام أحد الوليّين، و خمسة أيّام الآخر؟ فوقّع عليهالسلام: يقضي عنه أكبر وليّيه عشرة أيّام ولاءًا ان شاء اللّه».(4)
و منها: موثّقة عبداللّه بن بكير عن أبي عبداللّه عليهالسلام في رجل يموت في شهر رمضان ـ الى أنقال: ـ
«فان مرض فلميصم شهر رمضان ثمّ صحّ بعد ذلك و لميقضه ثمّ مرض فمات فعلى وليّه أنيقضي عنه، لأنّه قد صحّ فلميقض و
1) ـ وسائل الشيعة 7: 241 / الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان / الحديث الخامس.
2) ـ وسائل الشيعة 7: 241 / الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان / الحديث السادس.
3) ـ وسائل الشيعة 7: 242 / الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان / الحديث 11.
4) ـ وسائل الشيعة 7: 240 / الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان / الحديث الثالث.
وجب عليه».(1)
فنقول في تقريب الاستدلال بها: أوّلاً انّ الولي هنا يختصّ بالرجال دون النساء، للنصّ على ذلك في صحيحة حفص و مرسلة حمّاد بن عثمان. ثانيا يختصّ الولي هنا بغير الأب لصحيحة الصفّار كما تقدّم. ثالثا يختصّ الولي هنا بالولد الأكبر و ذلك لموثّقة أبي بصير، فانّ قوله عليهالسلام: «يقضيه أفضل أهل بيته» ينطبق على الأكبر من أولاده الذكور. فانّ الظاهر من اضافة الأفضل الى أهل البيت بعنوان كونه من أهل البيت، و هو خاصّ بالولد الأكبر، و لايعمّ غيره حتّى الأب لعدم كونه من أهل بيت الولد، بل الولد من أهل بيت أبيه. و هكذا يكون الكلام في «أولى الناس بميراثه»، فانّ الولد الأكبر أولى بميراث أبيه من جميع البشر حتّى ممّن هو في طبقته في الارث كالأبوين فانّ لكلّ واحد منهما السدس، و كالبنات لأنّ للذكر مثل حظّ الأنثيين، و كسائر الأولاد الذكور لمكان اختصاص الأكبر بالحبوة.
و لذلك قال في الجواهر: «و حينئذٍ يكون المراد من أولى الناس فردا معيّنا لا أنّه مطلق يدور الحكم مداره في جميع الطبقات. انتهى».(2)
ثمّ اعلم أنّه لايعتبر بلوغ الولي عند الموت، بل و لا عقله، لاطلاق الأدلّة التي ليس في شيء منها ظهور في كون تعلّق القضاء بذمّة الولي من حين الموت و لا اشعار بكماله حينئذٍ بل هي (كما في الجواهر) ظاهرة في كونها من باب الأسباب نحو من أجنب اغتسل، و من أتلف مال غيره فهو ضامن له، و ما شابههما ممّا لاينافيه رفع القلم عن الصبي و المجنون. و لايعتبر في الولي الارث فعلاً للاطلاق، فلو حجب بقتل أو كفر أو رقّ تعلّق به القضاء.
(مسألة 20): لو لميكن للميّت ولد لميجب القضاء على أحد من الورثة و ان
كان الأحوط قضاء أكبر الذكور من الأقارب عنه.
الشرح:
قد اتّضح في المسألة السابقة ذلك و قلنا بأنّه لو لميكن للميّت ولد ذكر لميجب القضاء على أحد من الورثة لعدم الدليل الظاهر على ذلك و الأصل الجاري في المقام هو البراءة. بل لو كان للميّت أولاد ذكور فمات الأكبر منهم بعد فوت أبيه لميجب على سائر الورثة بل لو مات قبله على الأظهر لعدم الدليل الواضح على وجوب القضاء على الورثة.
(مسألة 21): لو تعدّد الولي اشتركا و ان تحمّل أحدهما كفى عن الآخر، كما أنّه لو تبرّع أجنبي سقط عن الولي.
الشرح:
اذا ولد له ولدان في ساعة واحدة امّا من زوجتين أو من زوجة واحدة كما في التوأمين و كانا له أوّل ولدي الذكور يصدق عليهما عنوان الولد الأكبر، فيكون موضوع الحكم هو الطبيعي الجامع بينهما، و نتيجته كون الوجوب كفائيّا يشتركان فيه، فاذا قام به أحدهما سقط عن الآخر، فاذا لميقوما به يشتركان في ترك الواجب. و لو تنازعا يقسط بينهما بالسويّة. و لو تبرّع أجنبي سقط عن الولي، لسقوط الموضوع و هو قضاء الصوم عن الميّت، فاذا فرغت ذمّة الميّت بصوم الأجنبي له لميكن عليه قضاء ليقضيه الولي.
(مسألة 22): يجوز للولي أنيستأجر من يصوم عن الميّت، و أنيأتي به مباشرة و اذا استأجر و لميأت به الموجر أو أتى به باطلاً لميسقط عن الولي.
الشرح:
يجوز للولي أنيستأجر من يصوم عن الميّت لأنّ الظاهر من الروايات وجوب تفريغ الولي ذمّة الميّت من غير خصوصيّة لمباشرته، فعليه اذا لميأت به الموجر أو أتى به باطلاً لميسقط عن الولي لأنّه لميفرغ ذمّة الميّت بعد.
(مسألة 23): اذا شكّ الولي في اشتغال ذمّة الميّت و عدمه لميجب عليه شيء و لو علم به اجمالاً و تردّد بين الأقلّ و الأكثر جاز له الاقتصار على الأقلّ.
الشرح:
اذا شكّ الولي في اشتغال ذمّة الميّت و عدمه فقد شكّ في وجود موضوع الحكم المتعلّق عليه و الأصل الحاكم البراءة. و بعبارة أخرى انّ الأمر بقضاء الصوم عن الميّت موقوف على فوت الصوم عنه فاذا لميحرز الفوت لميحرز الأمر و الأصل البراءة. و هكذا يكون الحكم اذا تردّد بين الأقلّ و الأكثر، فانّ الشكّ في الأكثر شكّ في الموضوع، فاذا لميثبت الموضوع لميثبت الحكم.
(مسألة 24): اذا أوصى الميّت باستيجار ما عليه من الصوم أو الصلاة سقط عن الولي بشرط أداء الأجير صحيحا و الاّ وجب عليه.
الشرح:
يمضى ايصاء الميّت باستيجار ما عليه من الصوم و الصلاة، و يؤدّى من تركته، و أمّا سقوطه عن الولي منوط بأداء الأجير صحيحا، لأنّ ذلك الوجوب حكم شرعي، و لايكون حقّا حتّى يقبل الاسقاط و عليه لو لميأت به الأجير صحيحا أو لميكن للميّت مال، أو كان ولكن امتنع الورثة من العمل بوصيّته، يجب على الولي قضاء ما فاته الميّت من الصوم و الصلاة. و لابأس بنقل بعض الأقوال حول مسألتي التبرّع و الاستيجار:
قال العلاّمة في المنتهى: «لو صام أجنبي عن الميّت بغير قول الولي ففيه تردّد ينشأ من الوجوب على الولي فلايخرج عن العهدة بفعل المتبرّع كالصلاة عنه حيّا و من كون الحقّ على الميّت فأسقط الفعل المتبرّع عنه الوجوب كالدين. أمّا لو أمره فهل يجزيه أم لا، للشافعي وجهان. و كذا التردّد في أنّه هل يجوز أنيستأجر عنه من يصوم و الأقرب في ذلك كلّه عدم الاجزاء عملاً بالأصل».(1)
قال في رياض المسائل: «و لو تبرّع عن الميّت صحّ عند الشيخ و من تبعه، بل و القاضي أيضا لأنّ المقصود براءة ذمّة الميّت و قد حصل. خلافا للحلّي فمنع، و للمنتهى فتردّد أوّلاً، ولكن استقرب أخيرا المنع، فقال الأقرب في التبرّع بالاذن، أو الأمر، أو الاستيجار عدم الاجزاء عملاً بالأصل. و ينبغي القطع ببراءة ذمّة الميّت، لعموم ما دلّ على انتفاعه بما يرد عليه من العبادات، حتّى انّه ليكون في شدّة فيوسّع عليه. و يتعلّق الاشكال ببراءة الولي خاصّة لكن الأقرب فيه البراءة أيضا، بناءًا على ما يستفاد من تتبّع الأخبار، بل و الفتاوى أنّ المقصود من أمر الولي بالقضاء ليس الاّ ابراء ذمّة ميّته، بل ورد في جملة من الأخبار فليقض عنه أفضل أهل بيته، أو من شاء من أهل بيته. فتأمّل ـ الى أنقال: ـ و كيف كان فما اختاروه (أي الشيخ و من تبعه) في غاية القوّة. انتهى ملخّصا».(2)
(مسألة 25): انّما يجب على الولي قضاء ما علم اشتغال ذمّة الميّت به أو شهدت به البيّنة أو أقرّ به عند موته.
الشرح:
لا اشكال في وجوب القضاء على الولي فيما اذا علم اشتغال ذمّة الميّت به أو
شهدت به البيّنة، لأنّ العلم كاشف عن الواقع ذاتا و الثاني دليل شرعي. و أمّا الاقرار فهو دليل لما يقرّ على نفسه مثل الديون و الحدود و الديات و نحوها و أمّا الاقرار على نفسه بحيث يلزم منه ضرر على الغير أو يوجب التكليف على الغير فلا دليل على حجّيّة ذلك الاقرار، نعم لو اطمأنّ الولي من اقراره بأنّ ذمّته مشغولة بالصلاة أو الصوم وجب القضاء عنه، و أمّا الاقرار على نفسه من الدين بحيث يلزم منه وجوب أداء دينه على ورثته بعد وفاته، فهو غير ما نحن فيه، لأنّه بمجرّد الاقرار يصير مديونا و يجب عليه أداء دينه من ماله فاذا مات يخاطب الورثة بخطاب قوله تعالى: من بعد وصيّة يوصى بها أو دين(1).
و أمّا لو علم أنّه كان عليه القضاء و شكّ في اتيانه حال حياته أو بقاء شغل ذمّته فالظاهر عدم الوجوب عليه باستصحاب بقائه، نعم لو شكّ هو في حال حياته و أجرى الاستصحاب أو قاعدة الشغل و لميأت به حتّى مات فالظاهر وجوبه على الولي.
الشرح:
لو علم الولي أنّ على الميّت القضاء و شكّ في اتيانه حال حياته أو بقاء شغل ذمّته، فالظاهر عدم الوجوب عليه، و ذلك لعدم جريان الاستصحاب، لأنّ الولي لميكلّف بأداء ما فات عن أبيه حين كان حيّا حتّى يستصحب بقاؤه فيما اذا شكّ في اتيانه، فاذا مات أبوه يشكّ في اشتغال ذمّته بقضاء ما فات عن أبيه فالأصل الحاكم البراءة. و أمّا اذا شكّ أبوه في حال حياته في أداء ما فات عنه من الصيام و الصلاة فتكليفه اجراء استصحاب بقاء شغل ذمّته فيجب عليه أداؤه، و حينئذٍ لو مات و لميؤدّ ما استصحبه فهل يثبت على الولي قضاء ما اشتغل ذمّة الميّت
1) ـ النساء 4: 12.
بالاستصحاب؟ الظاهر أنّه لايثبت، لأنّ الموضوع لميحرز عنده، و الاستصحاب لدى الميّت حين حياته لايحرز به موضوع وجوب الصوم و الصلاة على الولي.
(مسألة 26): في اختصاص ما وجب على الولي بقضاء شهر رمضان أو عمومه لكلّ صوم واجب قولان مقتضى اطلاق بعض الأخبار الثاني و هو الأحوط.
الشرح:
هل يختصّ ما وجب على الولي بقضاء شهر رمضان أو يعمّ كلّ صوم واجب؟
قال العلاّمة في المختلف: «و قال المفيد: يجب على وليّه أنيقضي عنه كلّ صيام فرّط فيه من نذر أو كفّارة أو قضاء رمضان. انتهى».(1)
و قال ابن ادريس ـ فيما اذا كان المريض قد وجب عليه صيام شهرين متتابعين ثمّ مات ـ : «انّ هذين الشهرين ان كانا نذرا و قدر على الاتيان بهما و لميفعل، فالواجب على وليّه و هو أكبر أولاده الذكور، الصيام للشهرين و يكون تكليفه ذلك، لايجزيه غيره. انتهى موضع الحاجة من كلامه».(2)
قال العلاّمة في المنتهى: «قال الشيخ رحمهالله: انّ كلّ صوم واجب على المريض بأحد الأسباب الموجبة كاليمين و النذر و العهد اذا مات من وجب عليه و لميقضه وجب على وليّه القضاء عنه أو الصدقة و عليه دلّت عموم النصوصات. انتهى».(3)
و الأقوى أنّه يجب على الولي قضاء كلّ صوم واجب فات عن الميّت، سواء كان من شهر رمضان أو غيره، و ذلك لعموم صحيحة حفص بن البختري عن أبي عبداللّه عليهالسلام في الرجل يموت و عليه صلاة أو صيام، قال:
«يقضي عنه أولى الناس بميراثه، قلت: فان كان أولى الناس به امرأة؟ فقال: لا الاّ الرجال».(1)
و لايقيّد اطلاق الصحيحة بما سئل عن الامام عليهالسلام في من مات و عليه قضاء شهر رمضان فأجاب عليهالسلام: «يقضي عنه وليّه»، لأنّ السؤال عن المورد، و من المعلوم أنّ المورد لايخصّص.
نعم قدتقدّم في كتاب الصلاة أنّ الظاهر من صحيحة حفص وجوب قضاء ما كان من صلاة نفس الميّت أو صيامه على الولي، و لايجب على الولي ما اشتغلت به ذمّته من الاستيجار أو ممّا فات عن أبيه، لانصراف الصحيحة و غيرها عن هذا.
(مسألة 27): لايجوز لصائم قضاء شهر رمضان اذا كان عن نفسه الافطار بعد الزوال، بل تجب عليه الكفّارة به و هي كما مرّ اطعام عشرة مساكين لكلّ مسكين مدّ، و مع العجز عنه صيام ثلاثة أيّام. و أمّا اذا كان عن غيره باجارة أو تبرّع فالأقوى جوازه و ان كان الأحوط الترك، كما أنّ الأقوى الجواز في سائر أقسام الصوم الواجب الموسّع و ان كان الأحوط الترك فيها أيضا. و أمّا الافطار قبل الزوال فلا مانع منه حتّى في قضاء شهر رمضان عن نفسه الاّ مع التعيّن بالنذر، أو الاجارة أو نحوهما، أو التضيّق بمجيء رمضان آخر ان قلنا بعدم جواز التأخير اليه كما هو المشهور.
الشرح:
يجوز الافطار قبل الزوال في قضاء شهر رمضان و هو الذي ذهب اليه المشهور، كما في الحدائق و الجواهر؛ قال في الأوّل: «المشهور بين الأصحاب جواز الافطار قبل الزوال حتّى انّ المحقّق في المعتبر و العلاّمة في المنتهى لمينقلا
1) ـ وسائل الشيعة 7: 241 / الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان / الحديث الخامس.
في ذلك خلافا، و نقل في المختلف عن أبي الصلاح أنّ كلامه يشعر بتحريمه. و قال ابن أبي عقيل: و من أصبح صائما لقضاء ما كان عليه من رمضان و قد نوى الصوم من الليل فأراد أنيفطر في بعض النهار لميكن له ذلك. و هو ظاهر في ما نقل عن أبي الصلاح أيضا. انتهى».(1)
و قال في الثاني: «المشهور بين الأصحاب أنّ القاضي لشهر رمضان مع سعة الوقت لايحرّم عليه الافطار قبل الزوال لعذر و غيره، بل عن العلاّمة في المدنيّات الأولى الاجماع عليه. انتهى».(2)
و أمّا الافطار بعد الزوال فيحرّم، ادّعى صاحب الجواهر على ذلك الاجماع، فانّه قال: «و يحرّم عليه الافطار بعده اجماعا محكيا في الانتصار و الخلاف و الغنية، و نصوصا قد تقدّم بعضها، بل يمكن تحصيل الاجماع عليه أو القطع به، لعدم المخالف فيه. انتهى».(3)
و الدليل على جواز الافطار قبل الزوال و عدمه بعده، الروايات المستفيضة، منها: صحيحة جميل بن درّاج عن أبي عبداللّه عليهالسلام أنّه قال في الذي يقضي شهر رمضان:
«انّه بالخيار الى زوال الشمس فان كان تطوّعا فانّه الى الليل بالخيار».(4)
و منها: موثّقة اسحاق بن عمّار عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«الذي يقضي شهر رمضان هو بالخيار في الافطار ما بينه و بين أنتزول الشمس، و في التطوّع ما بينه و بين أنتغيب الشمس».(5)
و منها: رواية بريد العجلي عن أبي جعفر عليهالسلام في رجل أتى أهله في يوم يقضيه من شهر رمضان، قال:
«ان كان أتى أهله قبل زوال الشمس فلا شيء عليه الاّ يوم مكان يوم، و ان كان أتى أهله بعد زوال الشمس، فانّ عليه أنيتصدّق على عشرة مساكين، فان لميقدر صام يوما مكان يوم و صام ثلاثة أيّام كفّارة لما صنع».(1)
الى غير ذلك من الروايات التي أوجبت الكفّارة لمن يفطر بعد الزوال. و لاتعارضها صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج قال:
«سألت عن الرجل يقضي رمضان أله أنيفطر بعدما يصبح قبل الزوال اذا بدا له؟ فقال: اذا كان نوى ذلك من الليل و كان من قضاء رمضان فلايفطر و يتمّ صومه. الحديث».(2)
لأنّها تحمل على الكراهة جمعا بينها و بين ما تقدّمت.
و كذا موثّقة أبي بصير قال:
«سألت أباعبداللّه عليهالسلام عن المرأة تقضي شهر رمضان فيكرهها زوجها على الافطار، فقال: لاينبغي له أنيكرهها بعد الزوال».(3)
و ذلك أوّلاً لأنّ كلمة «لاينبغي» قد تستعمل في الحرمة، و ثانيا انّ اكراه الزوج زوجته لاينافي حرمة الافطار لها في حال الاختيار.
عدم جواز الافطار في ما بعد الزوال مختصّ بقضاء شهر رمضان عن نفسه، فلايعمّ ما اذا كان عن الغير كما في الأجير أو الولي، لانصراف النصوص المتقدّمة عن مثل ذلك، فانّ المنسبق منها فيما يكون القضاء عن نفسه لا عن الغير، فلا اطلاق لها يشمل ذلك. كما أنّها قاصرة الشمول لسائر أقسام الصوم الواجب الموسّع من نذر أو كفّارة و نحوهما، لاختصاص موردها بقضاء شهر رمضان، فمقتضى أصالة البراءة هو الجواز في كلا الموردين. نعم قد يقال بالشمول استنادا الى رواية سماعة عن أبي عبداللّه عليهالسلام في قوله:
«الصائم بالخيار الى زوال الشمس، قال: انّ ذلك في الفريضة، فأمّا النافلة فله أنيفطر أيّ وقت شاء الى غروب الشمس».(1)
و رواية عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«صوم النافلة لك أنتفطر ما بينك و بين الليل متى ما شئت و صوم قضاء الفريضة لك أنتفطر الى زوال الشمس، فاذا زالت الشمس فليس لك أنتفطر».(2)
ولكنّهما ضعيفتان من جهة السند، فالأولى بمحمّد بن سنان و الثانية بعبداللّه بن الحسين الراوي عن عبداللّه بن سنان و الذي يروي عنه النوفلي أو البرقي، فانّه قال في مستند العروة: «انّ المسمّى بهذا الاسم الواقع في هذه الطبقة مجهول.
فالمتحصّل أنّ حرمة الافطار فيما بعد الزوال مختصّة بقضاء شهر رمضان عن نفسه، دون القضاء عن الغير و دون سائر أقسام الصوم كما تقدّم. نعم لابأس
بالحرمة لعارض، كما في النذر المعيّن، و كما اذا آجر نفسه لقضاء شهر رمضان في أيّام معيّنة، بل في هذين الموردين لايجوز الافطار قبل الزوال أيضا، و يلحق بهما قضاء شهر رمضان عن نفسه اذا تضيّق بمجيء رمضان آخر، ان قلنا بعدم جواز تأخير القضاء الى الرمضان الآتي.
قال في الجواهر: «هذا كلّه في قضاء شهر رمضان، أمّا غيره من الواجبات المطلقة فقد يشعر ما في المتن و غيره بجواز الافطار فيها قبل الزوال و بعده، كما صرّح به جماعة منهم الفاضل و الشهيد الثاني و غيرهما، للأصل السالم عن المعارض، نعم لو تعيّن لميجز الخروج عنه مطلقا قبل الزوال و بعده قضاء رمضان كان أم غيره، الاّ أنّه لا كفّارة، للأصل السالم عن المعارض، خلافا للمحكي عن بعضهم، فحرم قطع كلّ واجب معيّن أو غيره، عملاً بعموم النهي عن ابطال العمل، الاّ أنّه لاتصلح الآية لاثبات ذلك. انتهى ملخّصا».(1)
و أمّا كفّارة قضاء شهر رمضان اذا أفطر بعد الزوال، فقد اختلفوا فيها و في مقدارها.
قال في الجواهر: «من أفطر بعد الزوال في قضاء شهر رمضان تجب عليه الكفّارة، اجماعا كما عن الانتصار و الخلاف و الغنية ادّعاؤه، بل لعلّه كذلك، اذ لمأجد فيه خلافا الاّ من المحكي عن ابن أبي عقيل حيث أطلق نفيها، و مال اليه في المسالك ـ الى أنقال: ـ و هي اطعام عشرة مساكين لكلّ مسكين مدّ من طعام، فان لميمكنه صام ثلاثة أيّام لخبر بريد العجلي و صحيح هشام بن سالم، خلافا للصدوقين و ابن البرّاج و أبي الصلاح و ابن زهرة و ابن حمزه. انتهى ملخّصا».(2)
و قال في المختلف: «قال الشيخ: يجب اطعام عشرة مساكين، فان لميتمكّن صام ثلاثة أيّام بدلاً من الكفّارة. و قال علي بن بابويه في رسالته و ولده في المقنع:
عليه مثل ما على من أفطر يوما من شهر رمضان. و قال ابن البرّاج: عليه كفّارة يمين، و قال ابن حمزة: ان أفطر بعد الزوال استخفافا به، فعليه كفّارة مثل كفّارة من أفطر يوما من شهر رمضان، و ان أفطر لغير ذلك فكفّارته صيام ثلاثة أيّام أو اطعام عشرة مساكين. و ظاهر كلام ابن أبي عقيل يقتضي سقوط الكفّارة. انتهى ملخّصا».(1)
فالأقوال خمسة؛ و الحقّ ما ذهب اليه الشيخ في النهاية و ابن الجنيد و السيّد المرتضى و ابن ادريس و هو المشهور، من وجوب اطعام عشرة مساكين، فان لميتمكّن، صام ثلاثة أيّام بدلاً من الكفّارة. و الدليل على ذلك رواية بريد العجلي عن أبي جعفر عليهالسلام في رجل أتى أهله في يوم يقضيه من شهر رمضان، قال:
«ان كان أتى أهله قبل زوال الشمس فلاشيء عليه الاّ يوم مكان يوم، و ان كان أتى أهله بعد زوال الشمس فانّ عليه أنيتصدّق على عشرة مساكين فان لميقدر عليه صام يوما مكان يوم، و صام ثلاثة أيّام كفّارة لما صنع».(2)
و الرواية و ان كانت واضحة الدلالة الاّ أنّ سندها ضعيف بالحارث بن محمّد الواقع في الطريق، فانّه قد ورد في الروايات بعناوين مختلفة (كما في المستند) الحارث بن محمّد، الحارث بن محمّد الأحول، الحارث بن محمّد بن النعمان، و غير ذلك، و كلّها عناوين لشخص واحد، روى عن بريد العجلي و يروي عنه الحسن بن محبوب ولكنّه مجهول لميوثّق، فالرواية ضعيفة الاّ أنّها تنجبر بعمل المشهور، بل الأكثر، مضافا الى أنّ الراوي عن الحارث بن محمّد هو الحسن بن محبوب الذي هو من أصحاب الاجماع على أنّه لايروي الاّ عن الثقة.
و صحيحة هشام بن سالم قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليهالسلام: رجل وقع على أهله و هو يقضي شهر رمضان، فقال: ان كان وقع عليها قبل صلاة العصر فلا شيء عليه يصوم يوما بدل يوم، و ان كان فعل بعد العصر صام ذلك اليوم و أطعم عشرة مساكين، فان لميمكنه صام ثلاثة أيّام كفّارة لذلك».(1)
فهذه الرواية و ان كانت معتبر السند واضحة الدلالة، غير أنّها تضمّنت التحديد بالعصر بدلاً عن الزوال و هذا لا قائل به الاّ أنّها توجّه بما قال الشيخ رحمهالله: «اذا كان وقت الصلاتين عند زوال الشمس الاّ أنّ الظهر قبل العصر، جاز أنيعبّر عمّا قبل الزوال بأنّه قبل العصر، لقرب ما بين الوقتين، و يعبّر عمّا بعد العصر بأنّه بعد الزوال. انتهى».(2)
و قال صاحب الجواهر في توجيهها باحتمال ابدال الظهر بالعصر سهوا.
و الحاصل أوّلاً أنّه لميخالف في أصل الكفّارة أحد الاّ ابن أبي عقيل فيما حكي عنه، بل قال السيّد المرتضى في الانتصار: «و ممّا انفردت الاماميّة به القول بأنّ من نوى من الليل صيام يوم بعينه قضاءًا عن شهر رمضان فتعمّد الافطار فيه لغير عذر و كان افطاره بعد الزوال وجب عليه كفّارة، و هي اطعام عشرة مساكين و صيام يوم بدله، و ان لميقدر على الاطعام أجزأه أنيصوم ثلاثة أيّام عن ذلك، و ان كان افطاره في هذا اليوم قبل الزوال كان عليه قضاء اليوم و لا كفّارة عليه. و باقي الفقهاء لايعرفون هذا التفصيل و لايوجبون هيهنا كفّارة بل قضاء يوم فقط، و الحجّة لمذهبنا الاجماع الذي يتكرّر و طريقة الاحتياط و براءة الذمّة. انتهى».(3)
احتجّ ابن أبي عقيل بالأصل. و لأنّه زمان لميتعيّن للصوم، فلاتجب به الكفّارة كقبل الزوال. و بموثّقة عمّار عن أبي عبداللّه عليهالسلام أنّه سئل عن الرجل يكون عليه
أيّام من شهر رمضان ـ الى أنقال: ـ
«سئل: فان نوى الصوم ثمّ أفطر بعدما زالت الشمس، قال: قد أساء و ليس عليه شيء الاّ قضاء ذلك اليوم الذي أراد أنيقضيه».(1)
و أجيب عنه أوّلاً بأنّ الأصل لايجري مع وجود الدليل، و عدم التعيّن بعد الزوال ممنوع، و الرواية تحمل على التقيّة لموافقتها للجمهور و مخالفتها لما ذهب اليه فقهاء الشيعة.
و ثانيا لأنّ المشهور أو الأكثر ذهبوا الى أنّ الكفّارة هنا اطعام عشرة مساكين و ان عجز صام ثلاثة أيّام مضافا الى أصل القضاء، كما تقدّم مع دليلهم.
و ثالثا ضعف ما استدلّ به المخالف، و المخالفون لهذا القول أربعة: الأوّل: ما نسب الى ابن البرّاج و ابن ادريس و غيرهما أنّ كفّارته كفّارة اليمين، اطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لميجد فصيام ثلاثة أيّام. ولكن فيه: انّ الظاهر عدم عثورهم على دليل لذلك. قال في المدارك و في الرياض: و لمنقف لهذا القول على مستند. انتهى.
الثاني: ما نسب الى أبي الصلاح أنّها صيام ثلاثة أيّام أو اطعام عشرة مساكين. و فيه: انّه أيضا لميوجد له دليل. قال في المدارك و كذا في رياض المسائل: و لمنقف لهذا القول على مستند. انتهى.
الثالث: ما نسب الى الصدوق و والده أنّها كفّارة شهر رمضان. و احتجّا لقولهما برواية حفص بن سوقة عمّن ذكره عن أبي عبداللّه عليهالسلام في الرجل يلاعب أهله أو جاريته و هو في قضاء شهر رمضان فيسبقه الماء فينزل، قال:
«عليه من الكفّارة مثل ما على الذي جامع في شهر رمضان».(2)
و موثّقة زرارة قال:
«سألت أباجعفر عليهالسلام عن رجل صام قضاءًا من شهر رمضان فأتى النساء، قال: عليه من الكفّارة ما على الذي أصاب في شهر رمضان، لأنّ ذلك اليوم عند اللّه من أيّام رمضان».(1)
و فيه: انّ الرواية الأولى ضعيف السند و الرواية الثانية ضعيفة الدلالة، لأنّ الحكم فيها منزّل على التنزيل الذي لا قائل به حتّى من الصدوقين، فانّ اليوم الذي يقضى عن شهر رمضان لايكون من أيّام شهر رمضان في الواقع، و لذا قال صاحب الجواهر: «جواز الافطار في قضاء شهر رمضان قبل الزوال ينافي البدليّة المقتضية لمساواة القضاء مع نفس شهر رمضان، على أنّ ما عدا رمضان من الأيّام متساوية، فافطار بعضها له بدل مساوٍ، بخلاف رمضان، فيبعد تساويهما في العقوبة، بل المناسب انحطاط مرتبة عنه بعد الزوال كانحطاطها قبله، كما يومي اليه استبعادهم عليهمالسلاممساواة قضاء رمضان له حتّى قالوا: «و أنّى له بمثله»، فلو كانت كفّارته كفّارته لساواه، كلّ ذلك مع ضعف مقاومة الخبرين المزبورين لما عرفت من وجوه. انتهى».(2)
أقول:
قوله رحمهالله: «و أنّى له بمثله» اشارة الى موثّقة سماعة قال:
«سألته عن رجل أتى أهله في رمضان متعمّدا، فقال: عليه عتق رقبة، و اطعام ستّين مسكينا، و صيام شهرين متتابعين و قضاء ذلك اليوم، و أنّى (أين) له مثل ذلك اليوم».(3)
و القول الرابع لابن حمزة و أبي الفتح الكراجكي بأنّ كفّارته كفّارة رمضان ان أفطر استخفافا و الاّ فاطعام عشرة مساكين و ان لميقدر فصيام ثلاثة أيّام. فهذا
القول أيضا لميوجد له دليل.
قال صاحب الجواهر: «لمنقف على ما يدلّ على شيء من هذه الأقوال عدا الأوّل منها، فانّه يدلّ عليه خبر زرارة السابق المطعون في سنده بعلي بن فضّال، و مرسل حفص بن سوقة الفاقد شرائط الحجّيّة. انتهى ملخّصا».(1)
1) ـ جواهر الكلام 17: 56.
و هو أقسام؛ منها: ما يجب فيه الصوم مع غيره، و هي كفّارة قتل العمد، و كفّارة من أفطر على محرّم في شهر رمضان، فانّه تجب فيهما الخصال الثلاث.
الشرح:
قال صاحب الجواهر: «و أمّا القول في صوم الكفّارات فتمام البحث فيه في أبوابها ولكن لمّا كان الغرض هنا استيفاء أقسام الصوم ناسب التعرّض له اجمالاً، فنقول: هو اثناعشر قسما، و ينقسم أربعة أقسام. الأوّل ما يجب فيه الصوم مع غيره، و هو صوم كفّارة قتل العمد فانّ خصالها الثلاث تجب جميعا بلا خلاف معتدٍّ به أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه. انتهى ملخّصا».(1)
و الدليل على وجوب الصوم مع غيره في كفّارة قتل العمد: صحيحة عبداللّه بن سنان و ابن بكير جميعا عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«سئل عن المؤمن يقتل المؤمن متعمّدا، هل له توبة؟ فقال: ان كان
1) ـ جواهر الكلام 17: 63.
قتله لايمانه فلا توبة له، و ان كان قتله لغضب أو لسبب من أمر الدنيا فانّ توبته أنيقاد منه، و ان لميكن علم به انطلق الى أولياء المقتول فأقرّ عندهم بقتل صاحبهم فان عفوا عنه فلميقتلوه أعطاهم الدية و أعتق نسمة و صام شهرين متتابعين و أطعم ستّين مسكينا توبة الى اللّه عزّوجلّ».(1)
فما يظهر من هذه الرواية وجوب الكفّارة ان عفوا عنه فلميقتلوه، و أمّا وجوبها عليه ان قتلوه قصاصا فلايظهر من الصحيحة.
و ألحق بذلك من أفطر على محرّم في شهر رمضان عامدا على رواية عبدالسلام بن صالح الهروي قال:
«قلت للرضا عليهالسلام: يابن رسول اللّه، قد روي عن آبائك عليهمالسلام فيمن جامع في شهر رمضان أو أفطر فيه: ثلاث كفّارات، و روي عنهم أيضا كفّارة واحدة فبأيّ الحديثين نأخذ؟ قال: بهما جميعا، متى جامع الرجل حراما أو أفطر على حرام في شهر رمضان فعليه ثلاث كفّارات: عتق رقبة و صيام شهرين متتابعين، و اطعام ستّين مسكينا و قضاء ذلك اليوم، و ان كان نكح حلالاً أو أفطر على حلال فعليه كفّارة واحدة، و ان كان ناسيا فلا شيء عليه».(2)
و قد تقدّم الكلام في ذلك مفصّلاً.
و منها: ما يجب فيه الصوم بعد العجز عن غيره، و هي كفّارة الظهار، و كفّارة قتل الخطأ، فانّ وجوب الصوم فيهما بعد العجز عن العتق.
الشرح:
و ذلك في الأولى لقوله تعالى: «و الذين يظاهرون من نسائهم ثمّ يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أنيتماسّا ذلكم توعظون به و اللّه بما تعملون خبير * فمن لميجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أنيتماسّا فمن لميستطع فاطعام ستّين مسكينا»(1).
و صحيحة حمران عن أبي جعفر عليهالسلام في حديث الظهار قال:
«و ندم الرجل على ما قال لامرأته، و كره اللّه ذلك للمؤمنين بعد، فأنزل اللّه عزّوجلّ: الذين يظاهرون من نسائهم ثمّ يعودون لما قالوا ـ الى أنقال: ـ فانّ عليه تحرير رقبة من قبل أنيتماسّا يعني مجامعتها ذلكم توعظون به و اللّه بما تعملون خبير، فمن لميجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أنيتماسّا فمن لميستطع فاطعام ستّين مسكينا. الحديث».(2)
و موثّقة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«سمعته يقول: جاء رجل الى رسول اللّه صلىاللهعليهوآله فقال: يا رسول اللّه، ظاهرت من امرأتي، قال: اذهب فأعتق رقبة، قال: ليس عندي، قال: اذهب فصم شهرين متتابعين، قال: لاأقوى، قال: اذهب فأطعم ستّين مسكينا. الحديث».(3)
و ما ورد من الروايات التي ظاهرها التخيير تؤوّل على الترتيب كصحيحة معاوية بن وهب قال:
«سألت أباعبداللّه عليهالسلام عن الرجل يقول لامرأته: هي عليه كظهر أمّه،
قال: تحرير رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو اطعام ستّين مسكينا و الرقبة تجزى عنه صبي ممّن ولد في الاسلام».(1)
و في الثانية لقوله تعالى: و من قتل مؤمنا خطأً فتحرير رقبة مؤمنة» ـ الى قوله تعالى: ـ «فمن لميجد فصيام شهرين متتابعين.(2)
و صحيحة عبداللّه بن سنان قال:
«قال أبوعبداللّه عليهالسلام: كفّارة الدم اذا قتل الرجل مؤمنا متعمّدا ـ الى أنقال: ـ و اذا قتل خطأً أدّى ديته الى أوليائه ثمّ أعتق رقبة فان لميجد صام شهرين متتابعين فان لميستطع أطعم ستّين مسكينا مدّا مدّا، و كذلك اذا وهبت له دية المقتول فالكفّارة عليه فيما بينه و بين ربّه لازمة».(3)
الى غير ذلك ممّا يدلّ عليه يأتي في القصاص و غيره، و ان خالف في ذلك المفيد و سلاّر على ما نسب اليهما من القول بالتخيير في الخصال الاّ أنّ الآية و الروايات حجّة عليهما.
و كفّارة الافطار في قضاء رمضان، فانّ الصوم فيها بعد العجز عن الاطعام كما عرفت، و كفّارة اليمين و هي عتق رقبة أو اطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، و بعد العجز عنها فصيام ثلاثة أيّام.
الشرح:
قد تقدّم أنّ كفّارة الافطار في قضاء شهر رمضان اطعام عشرة مساكين، فان عجز صام ثلاثة أيّام. و أمّا كفّارة اليمين فقد دلّ على كفّارته و مقدارها قوله تعالى:
«لايؤاخذكم اللّه باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقّدتم الأيمان فكفّارته اطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لميجد فصيام ثلاثة أيّام ذلك كفّارة أيمانكم اذا حلفتم»(1)
و صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليهالسلام في كفّارة اليمين:
«يطعم (عنه خ) عشرة مساكين لكلّ مسكين مدّ من حنطة أو مدّ من دقيق و حفنة أو كسوتهم لكلّ انسان ثوبان، أو عتق رقبة و هو في ذلك بالخيار أيّ ذلك «الثلاثة» شاء صنع فان لميقدر على واحدة من الثلاث فالصيام عليه ثلاثة أيّام».(2)
الى غير ذلك من الروايات المستفيضة الواردة في ذلك.
و كفّارة صيد النُعامة و كفّارة صيد البقر الوحشي، و كفّارة صيد الغزال، فانّ الأوّل تجب فيه بدنة، و مع العجز عنها صيام ثمانيهعشر يوما، و الثاني يجب فيه ذبح بقرة، و مع العجز عنها صوم تسعة أيّام و الثالث يجب فيه شاة و مع العجز عنها صوم ثلاثة أيّام.
الشرح:
و الدليل على ذلك صحيحة حريز عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال في قول اللّه عزّوجلّ فجزاء مثلُ ما قَتل من النَعَم(3)قال:
«في النعامة بدنة، و في حمار وحش بقرة و في الظبي شاة، و في البقرة بقرة».(4)
و صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليهماالسلام قال:
«سألته عن رجل محرم أصاب نعامة ما عليه؟ قال: عليه بدنة، فان لميجد فليتصدّق على ستّين مسكينا فان لميجد فليصم ثمانيهعشر يوما، قال: و سألته عن محرم أصاب بقرة ما عليه؟ قال: عليه بقرة، فان لميجد فليتصدّق على ثلاثين مسكينا، فان لميجد فليصم تسعة أيّام، قال: و سألته عن محرم أصاب ظبيا ما عليه؟ قال: عليه شاة فان لميجد فليتصدّق على عشرة مساكين، فان لميجد فليصم ثلاثة أيّام».(1)
و يدلّ عليه غيرهما من الروايات المعتبرة.
ثمّ اعلم أنّ مراد الماتن من تعقيب الأنعام بعد العجز عنها بالصوم مجرّد التعرّض للانتقال الى الصيام بعد العجز عن غيره كما هو عنوان هذا القسم، فلا اشكال عليه بأنّ النصّ و الفتوى قائمان على أنّ الانتقال الى الصيام بعد العجز عن الاطعام. كما أنّ الظاهر منه أيضا ليس حصر موارد الانتقال الى الصوم في الموارد الثلاثة المذكورة ليرد عليه بأنّ حكم الأرنب بل و الثعلب أيضا يكون كذلك.
و كفّارة الافاضة من عرفات قبل الغروب عامدا، و هي بدنة و بعد العجز عنها صيام ثمانيهعشر يوما.
الشرح:
تدلّ عليها صحيحة ضريس الكناسي عن أبي جعفر عليهالسلام قال:
«سألته عن رجل أفاض من عرفات قبل أنتغيب الشمس، قال: عليه
1) ـ وسائل الشيعة 9: 184 / الباب الثاني من أبواب كفّارات الصيد / الحديث السادس.
بدنة ينحرها يوم النحر، فان لميقدر صام ثمانيهعشر يوما بمكّة أو في الطريق أو في أهله».(1)
و مرسلة الحسن بن محبوب عن أبي عبداللّه عليهالسلام في رجل أفاض من عرفات قبل أنتغرب الشمس، قال:
«عليه بدنة، فان لميقدر على بدنة صام ثمانيهعشر يوما».(2)
و كفّارة خدش المرأة وجهها في المصاب حتّى أدمته، و نتفها رأسها فيه، و كفّارة شقّ الرجل ثوبه على زوجته أو ولده فانّهما ككفّارة اليمين.
الشرح:
تدلّ عليها رواية خالد بن سدير أخي حنّان بن سدير قال:
«سألت أباعبداللّه عليهالسلام عن رجل شقّ ثوبه على أبيه أو على أمّه أو على أخيه أو على قريب له، فقال: لابأس بشقّ الجيوب، قد شقّ موسى بن عمران على أخيه هارون، و لايشقّ الوالد على ولده، و لا زوج على امرأته، و تشقّ المرأة على زوجها و اذا شقّ زوج على امرأته أو والد على ولده فكفّارته حنث يمين و لا صلاة لهما حتّى يكفّرا أو يتوبا من ذلك، فاذا خدشت المرأة وجهها أو جزّت شعرها أو نتفته ففي جزّ الشعر عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو اطعام ستّين مسكينا، و في الخدش اذ أدميت و في النتف كفّارة حنث يمين، و لا شيء في اللطم على الخدود سوى الاستغفار و التوبة، و لقد شققن الجيوب و لطمن الخدود الفاطميّات على الحسين بن علي عليهماالسلام، و
على مثله تُلطم الخدود و تشَقّ الجيوب».(1)
و قد ردّها العلاّمة الخوئي بناءًا على ما في مستند العروة الوثقى، لضعف سندها فانّه قال: «و دلالتها على الحكم ظاهرة ولكن السند ضعيف لجهالة خالد بن سدير، فانّ هذا الرجل عنونه النجاشي بهذا العنوان من غير أنيذكره بمدح أو قدح ـ الى أنقال: ـ بل هو من الجهالة بمكان، اذ لميذكر له في مجموع الروايات ماعدا هذه الرواية الواحدة المبحوث عنها في المقام، و لأجله كانت الرواية ضعيفة، غاية الأمر انّ المشهور قد عملوا بها فتبتنى المسألة على أنّ ضعف الخبر هل ينجبر بالعمل أو لا؟ و حيث انّ الأظهر هو العدم كما هو المعلوم من مسلكنا، كان الأوجه ما اختاره صاحب المدارك من انكار الوجوب. انتهى».(2)
قال في الجواهر: «في جزّ المرأة شعرها في المصاب عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو اطعام ستّين مسكينا كما عن المراسم و الوسيلة و الاصباح و الجامع و النزهة و النافع، بل في المقنعة و الانتصار و النهاية، و ادّعى الاجماع في الانتصار. مضافا الى خبر خالد بن سدير، المنجبر بفتوى من عرفت، بل لميعرف المخالف في العمل بما في ذيله، بل عن ابن ادريس: «انّ أصحابنا مجمعون عليها في تصانيفهم و فتاواهم». فلا وجه للتوقّف في العمل به من الطعن في سنده. و قيل بأنّه تأثم و لا كفّارة استضعافا للرواية و تمسّكا بالأصل، فلمنتحقّقه قبل المحقّق صاحب الشرائع، بل قيل لميحكم أحد عدا المصنّف هنا و الفاضل في القواعد و الارشاد، نعم قد اختاره جماعة من المتأخّرين كالفخر و ثاني الشهيدين في المسالك و الروضة و سبطه. لكن فيه أنّ ضعف الرواية منجبر بما سمعت، فينقطع الأصل بها، فلا محيص حينئذٍ عن القول بالوجوب. انتهى ملخّصا».(3)
و ما قاله رحمهالله ظاهر من الرواية و ضعف سندها منجبر بعمل الأصحاب كما ذكره صاحب الجواهر، و كذا يجب على المرأة في نتف شعرها في المصاب (الذي هو قلعه خلاف الجزّ الذي هو القصّ) و خدش وجهها كفّارة يمين، و يجب على الرجل في شقّ ثوبه في موت ولده أو زوجته كفّارة يمين، و الدليل على ذلك كلّه خبر خالد بن سدير المذكور آنفا، المنجبر ضعف سنده بعمل الأصحاب.
قال في الجواهر: «بلا خلاف أجده، كما اعترف به في الروضة، بل في الانتصار الاجماع عليه، و هو الحجّة بعد الخبر المنجبر بما سمعت، بل قد سمعت ما حكيناه عن ابن ادريس من دعوى اجماع الأصحاب عليه في تصانيفهم و فتاواهم. انتهى».(1)
و منها: ما يجب فيه الصوم مخيّرا بينه و بين غيره، و هي كفّارة الافطار في شهر رمضان، و كفّارة الاعتكاف، و كفّارة النذر و العهد، و كفّارة جزّ المرأة شعرها في المصاب، فانّ كلّ هذه مخيّرة بين الخصال الثلاث على الأقوى، و كفّارة حلق الرأس في الاحرام، و هي دم شاة أو صيام ثلاثة أيّام أو التصدّق على ستّة مساكين، لكلّ واحد مدّان.
الشرح:
قد تقدّم الكلام في كفّارة الافطار في شهر رمضان، و كذا تقدّم كفّارة جزّ المرأة شعرها في المصاب آنفا. و أمّا كفّارة جماع الاعتكاف فتدلّ عليها موثّقة سماعة قال:
«سألت أباعبداللّه عليهالسلام عن معتكف واقع أهله فقال (قال): هو بمنزلة
1) ـ جواهر الكلام 33: 186.
من أفطر يوما من شهر رمضان».(1)
و موثّقة ثانية لسماعة بن مهران عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«سألته عن معتكف واقع أهله، قال: عليه ما على الذي أفطر يوما من شهر رمضان متعمّدا عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو اطعام ستّين مسكينا».(2)
ثمّ انّ هاتين الروايتين ظاهرتان في التخيير الاّ أنّ هناك صحيحتين تدلاّن على الترتيب و هما صحيحة زرارة قال:
«سألت أباجعفر عليهالسلام عن المعتكف يجامع (أهله)، قال: اذا فعل فعليه ما على المظاهر».(3)
و صحيحة أبي ولاّد الحنّاط قال:
«سألت أباعبداللّه عليهالسلام عن امرأة كان زوجها غائبا فقدم و هي معتكفة باذن زوجها فخرجت حين بلغها قدومه من المسجد الى بيتها فتهيّأت لزوجها حتّى واقعها، فقال: ان كانت خرجت من المسجد قبل أنتقضي ثلاثة أيّام و لمتكن اشترطت في اعتكافها فانّ عليها ما على المظاهر».(4)
قال في المختلف: «ظاهر كلام ابن بابويه أنّ هذه الكفّارة مرتّبة، لأنّه جعلها كفّارة الظهار. و قال الشيخان و السيّد المرتضى و أتباعهم: انّها كفّارة افطار نهاررمضان. و نقل الشيخ في «المبسوط» خلافا بين علمائنا في التخيير و الترتيب. احتجّ ابن بابويه بما تقدّم في حديث زرارة، و احتجّ الشيخان برواية سماعة. و
الأولى أصحّ طريقا، و الثانية أوضح عند الأصحاب. انتهى».(1)
قال في الحدائق: «مال في المدارك الى أنّ الكفّارة هنا مرتّبة لصحّة مستنده من صحيحة زرارة و صحيحة أبي ولاّد. و جمع بعض بين الأخبار بحمل الصحيحتين المذكورتين على الأفضليّة و الاستحباب كما هي قاعدتهم في جميع الأبواب. و حمل العلاّمة في المنتهى الصحيحتين المذكورتين ـ حيث اختار القول المشهور ـ على أنّ المراد التشبيه في المقدار دون الكيفيّة. انتهى ملخّصا».(2)
أقول:
الظاهر أنّ الجمع بين الأخبار بحمل الصحيحتين على الأفضليّة و الاستحباب أحسن الوجوه. و أمّا كفّارة النذر فاختلفوا فيها؛ قال في المختلف: «المشهور أنّ من أفطر في يوم نذر صومه بعينه وجب عليه كفّارة من أفطر يوما من شهر رمضان. و قيل: تجب فيه كفّارة يمين. و قيل: بالتفصيل، ففي نذر الصوم كفّارة رمضان، و في غيره كفّارة يمين. انتهى».(3)
و الأقوى أنّها كفّارة اليمين و ذلك لصحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«ان قلت: «للّه عليّ» فكفّارة يمين».(4)
و صحيحة حفص بن غياث عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«سألته عن كفّارة النذر، فقال: كفّارة النذر كفّارة اليمين. الخ الحديث».(5)
و صحيحة جميل بن صالح عن أبي الحسن موسى عليهالسلام أنّه قال:
«كلّ من عجز عن نذر نذره فكفّارته كفّارة يمين».(1)
و لايعارضه خبر عبدالملك بن عمرو عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«سألته عمّن جعل للّه عليه أن لايركب محرّما سمّاه فركبه، قال: لا و لاأعلمه الاّ قال: فليعتق رقبة أو ليصم شهرين متتابعين أو ليطعم ستّين مسكينا».(2)
لعدم ورود توثيق لعبد الملك بن عمرو في كتب الرجال.
و استدلّ المفصّل بصحيحة علي بن مهزيار قال:
«و كتب اليه يسأله: يا سيّدي، رجل نذر أنيصوم يوما فوقع ذلك اليوم على أهله ما عليه من الكفّارة؟ فكتب اليه: يصوم يوما بدل يوم و تحرير رقبة مؤمنة».(3)
بتقريب أنّ العتق عدل للتخيير في كفّارة رمضان، بعد كون تعيّنه مقطوع العدم اذ لميقل به أحد من الأصحاب. ولكن فيه، فكما يمكن أنيكون العتق عدلاً للتخيير في كفّارة رمضان يمكن أنيكون عدلاً له في كفّارة اليمين لتساويهما من هذه الجهة فلايكون دليلاً للمفصّل.
و المتحصّل أنّ كفّارة خلف النذر هو كفّارة حنث اليمين.
و أمّا كفّارة العهد، فكفّارته كفّارة من أفطر في شهر رمضان متعمّدا و ذلك لصحيحة أحمد بن محمّد بن عيسى في نوادره عن أبي جعفر الثاني عليهالسلام في رجل عاهد اللّه عند الحجر أن لايقرب محرّما أبدا فلمّا رجع عاد الى المحرّم، فقال أبوجعفر عليهالسلام:
«يعتق أو يصوم أو يتصدّق على ستّين مسكينا و ما ترك من الأمر
أعظم و يستغفر اللّه و يتوب اليه».(1)
و صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليهالسلام قال:
«سألته عن رجل عاهد اللّه في غير معصية ما عليه ان لميف بعهده؟
قال: يعتق رقبة أو يتصدّق بصدقة أو يصوم شهرين متتابعين».(2)
و رواية أبي بصير عن أحدهما عليهماالسلام قال:
«من جعل عليه عهدا للّه و ميثاقه في أمر اللّه طاعة فحنث فعليه عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو اطعام ستّين مسكينا».(3)
و أمّا كفّارة حلق الرأس في الاحرام فهي دم شاة، أو صيام ثلاثة أيّام، أو التصدّق على ستّة مساكين، لكلّ مسكين مدّان، و ذلك لصحيحة زرارة عن أبي عبداللّه عليهالسلامقال:
«اذا أحصر الرجل فبعث بهَدْيه فأذاه رأسه قبل أنينحر هديه فانّه يذبح شاة في المكان الذي أحصر فيه، أو يصوم أو يتصدّق على ستّة مساكين، و الصوم ثلاثة أيّام، و الصدقة نصف صاع لكلّ مسكين».(4)
و رواية حريز عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«مرّ رسول اللّه صلىاللهعليهوآله على كعب بن عجرة الأنصاري و القمّل يتناثر من رأسه (و هو محرم) فقال: أ تؤذيك هوامك؟ فقال: نعم، قال: فأنزلت هذه الآية «فمن كان منكم مريضا أو به أذىً من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك»(5)فأمره رسول اللّه صلىاللهعليهوآله بحلق رأسه و جعل عليه الصيام ثلاثة أيّام، و الصدقة على ستّة مساكين لكلّ
1) ـ وسائل الشيعة 16: 206 / الباب 25 من كتاب النذر / الحديث الرابع.
2) ـ وسائل الشيعة 15: 576 / الباب 24 من أبواب الكفّارات / الحديث الأوّل.
3) ـ وسائل الشيعة 15: 576 / الباب 24 من أبواب الكفّارات / الحديث الثاني.
4) ـ وسائل الشيعة 9: 296 / الباب 14 من أبواب بقيّة كفّارات الاحرام / الحديث الثالث.
5) ـ البقرة 2: 196.
مسكين مدّان، و النسك شاة، قال: و قال أبوعبداللّه عليهالسلام: و كلّ شيء في القرآن أو فصاحبه بالخيار يختار ما شاء، و كلّ شيء في القرآن فمن لميجد فعليه كذا فالأوّل بالخيار».(1)
و منها: ما يجب فيه الصوم مرتّبا على غيره مخيّرا بينه و بين غيره، و هي كفّارة الواطئ أمته المحرمة باذنه، فانهّا بدنة أو بقرة، و مع العجز فشاة أو صيام ثلاثة أيّام.
الشرح:
و تدلّ على ذلك موثّقة اسحاق بن عمّار قال:
«قلت لأبي الحسن موسى عليهالسلام: أخبرني عن رجل محلّ وقع على أمة له محرمة، قال: مؤسرا أو معسرا؟ قلت: أجبني فيهما، قال: هو أمرها بالاحرام أو لميأمرها، أو أحرمت من قبل نفسها؟ قلت: أجبني فيهما، فقال: ان كان مؤسرا و كان عالما أنّه لاينبغي له و كان هو الذي أمرها بالاحرام فعليه بدنة، و ان شاء بقرة، و ان شاء شاة، و ان لميكن أمرها بالاحرام فلا شيء عليه، مؤسرا كان أو معسرا، و ان كان أمرها و هو معسر فعليه دم شاة أو صيام».(2)
و الظاهر من الموثّقة أنّ المؤسر الآمر العالم يجب عليه بدنة أو بقرة أو شاة تخييرا، و أمّا المعسر فهو مخيّر بين شاة أو الصيام، و الصيام و ان كان مطلقا و لميحدّ بحدّ الاّ أنّه يؤوّل بثلاثة أيّام لصحيحة زرارة المتقدّمة آنفا في الحلق ففيها جعل الصيام الذي يكون مقابل الشاة ثلاثة أيّام.
قال في الحدائق: «انّ هذه الكفّارة بدنة أو بقرة أو شاة فان عجز عن الأوّلين فشاة أو صيام ثلاثة أيّام، فالصيام فيها مرتّب على غيره و هو البدنة و البقرة مخيّر بينه و بين غيره و هو الشاة. انتهى».(1)
(مسألة 1): يجب التتابع في صوم شهرين من كفّارة الجمع، أو كفّارة التخيير، و يكفي في حصول التتابع فيهما صوم الشهر الأوّل و يوم من الشهر الثاني، و كذا يجب التتابع في الثمانيهعشر بدل الشهرين، بل هو الأحوط في صيام سائر الكفّارات، و ان كان في وجوبه فيها تأمّل و اشكال.
الشرح:
قد ورد في القرآن الكريم في كفّارة الظهار و في كفّارة قتل الخطأ عتق رقبة مؤمنة و ان لميجد فصيام شهرين متتابعين، و قد صرّح بأنّه يجب أنيكون صيام شهرين متتابعين أي يوما بعد يوم، و كذا ورد في الروايات في كفّارة من أفطر يوما من شهر رمضان عمدا عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو اطعام ستّين مسكينا، و الظاهر أنّ كلّ من وجب عليه صوم شهرين يجب عليه أنيصومهما متتابعين، للتقييد في أدلّتها من الكتاب و السنّة(2)
شرائع الاسلام 1: 205
. الاّ أنّ هناك نصوصا قد فسّر فيها التتابع بأنّه يحصل بصوم شهر متتابعا و يوم من الشهر الثاني، كصحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليهالسلام عن قطع صوم كفّارة اليمين و كفّارة الظهار و كفّارة القتل، فقال:«ان كان على رجل صيام شهرين متتابعين و التتابع أنيصوم شهرا و
يصوم من الآخر شيئا أو أيّاما منه. الخ الحديث».(1)
و موثّقة سماعة بن مهران قال:
«سألته عن الرجل يكون عليه صوم شهرين متتابعين أيفرق بين الأيّام؟ فقال: اذا صام أكثر من شهر فوصله ثمّ عرض له أمر فأفطر فلابأس، فان كان أقلّ من شهر أو شهرا فعليه أنيعيد الصيام».(2)
و صحيحة أبي أيّوب عن أبي عبداللّه عليهالسلام في رجل كان عليه صوم شهرين متتابعين في ظهار فصام ذاالقعدة و دخل عليه ذوالحجّة كيف يصنع؟ قال: ـ الى أنقال: ـ
«و لابأس ان صام شهرا ثمّ صام من الشهر الذي يليه أيّاما ثمّ عرضت علّة أنيقطعه ثمّ يقضي بعد تمام الشهرين».(3)
بناءًا على أنيكون مراده عليهالسلام من قوله: «ثمّ يقضي بعد تمام الشهرين»، أي يقضي ما بقي حتّى يتمّ الشهرين.
و صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبداللّه عليهالسلام (في حديث) قال في رجل صام في ظهار فزاد في النصف يوما: «قضى بقيّته».(4)
و الظاهر أنّه لميخالف في اجزاء ذلك أحد و ان اختلفوا في الاثم و عدمه.
قال العلاّمة في المختلف: «من وجب عليه شهران متتابعان في كفّارة ظهار أو قتل الخطأ أو غيرهما فصام شهرا و من الثاني شيئا و لو يوما ثمّ أفطر لغير عذرجاز له البناء اجماعا. و هل يكون مأثوما؟ قولان:
قال ابن الجنيد: لايكون مأثوما. و هو ظاهر كلام ابن أبي عقيل و ظاهر كلام
1) ـ وسائل الشيعة 7: 273 / الباب الثالث من أبواب بقيّة الصوم الواجب / الحديث التاسع.
2) ـ وسائل الشيعة 7: 272 / الباب الثالث من أبواب بقيّة الصوم الواجب / الحديث الخامس.
3) ـ وسائل الشيعة 7: 273 / الباب الثالث من أبواب بقيّة الصوم الواجب / الحديث الثامن.
4) ـ وسائل الشيعة 7: 272 / الباب الثالث من أبواب بقيّة الصوم الواجب / الحديث الرابع.
الشيخ. و قال المفيد: يكون مخطئا. و كذا قال السيّد المرتضى، و هو يشعر بالاثم. و صرّح أبوالصلاح و ابن ادريس بالاثم. و الأقرب الأوّل. لنا: الأصل براءة الذمّة، و لأنّ التتابع امّا أنيحصل بذلك أو لا، فان حصل فقد امتثل المأمور به، فيخرج عن العهدة، فلا اثم، و ان لميحصل بذلك وجب عليه الاستيناف؛ لأنّه لميأت بما أمر به على وجهه، فلايقع فعله مجزيا. و لصحيحة الحلبي، و موثّقة سماعة بن مهران. احتجّ الآخرون بأنّ تتابع الشهرين انّما يحصل باكمالهما و لميحصل، فتحقّق الاثم، و لا استبعاد في الاجزاء مع الاثم. و الجواب: المنع من أنّ التتابع انّما يحصل باكمالهما، [بل يحصل بصوم شهر و شيء من الآخر]. انتهى ملخّصا».(1)
فرعان:
اختلفوا في وجوب التتابع في صوم الثمانيهعشر يوما؛
قال العلاّمة في المختلف: «قال المفيد و السيّد المرتضى: الثمانيهعشر يوما متتابعات. و أطلق الشيخ الأيّام، و لميقيّدها بالتتابع، و هو الأقرب؛ للأصل، و لأنّه امتثل المأمور به. احتجّا بأنّها بدل عن صوم متتابع، فوجب فيها التتابع، و لأنّه أحوط. و الجواب: نمنع من مساواة البدل للمبدل منه في كلّ أحكامه، بل كما ثبت التخفيف في الكمّيّة كذا ثبت التخفيف في الكيفيّة؛ للمناسبة. و الاحتياط معارض بالبراءة الأصليّة. انتهى ملخّصا».(2)
فلنذكر روايات الباب؛ منها: خبر وهيب بن حفص عن أبي بصير قال:
«سألت أباعبداللّه عليهالسلام عن رجل ظاهر من امرأته فلميجد ما يعتق و لا
ما يتصدّق و لايقوى على الصيام، قال: يصوم ثمانيهعشر يوما لكلّ عشرة مساكين ثلاثة أيّام».(1)
و منها: رواية أبي بصير عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«سألته عن رجل كان عليه صيام شهرين متتابعين فلميقدر على الصيام و لميقدر على العتق و لميقدر على الصدقة، قال: فليصم ثمانيهعشر يوما عن كلّ عشرة مساكين ثلاثة أيّام».(2)
و منها: صحيحة معاوية بن عمّار قال:
«قال أبوعبداللّه عليهالسلام: من أصاب شيئا فداؤه بدنة من الابل فان لميجد ما يشتري (به خ) بدنة فأراد أنيتصدّق فعليه أنيطعم ستّين مسكينا كلّ مسكين مدا، فان لميقدر على ذلك صام مكان ذلك ثمانيهعشر يوما، مكان كلّ عشرة مساكين ثلاثة أيّام، و من كان عليه شيء من الصيد فداؤه بقرة، فان لميجد فليطعم ثلاثين مسكينا، فان لميجد فليصم تسعة أيّام، و من كان عليه شاة فلميجد فليطعم عشرة مساكين، فمن لميجد فصيام ثلاثة أيّام».(3)
و منها: خبر أبي بصير عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«سألته عن محرم أصاب نعامة و حمار وحش، قال: عليه بدنة، قال: قلت: فان لميقدر على بدنة؟ قال: فليطعم ستّين مسكينا، قلت: فان لميقدر على أنيتصدّق؟ قال: فليصم ثمانيهعشر يوما، و الصدقة مدّ على كلّ مسكين، قال: و سألته عن محرم أصاب بقرة، قال: عليه بقرة، قلت: فان لميقدر على بقرة؟ قال: فليطعم ثلاثين مسكينا،
قلت: فان لميقدر على أنيتصدّق به؟ قال: فليصم تسعة أيّام، قلت: فان أصاب ظبيا؟ قال: عليه شاة، قلت: فان لميقدر؟ قال: فاطعام عشرة مساكين فان لميقدر على ما يتصدّق به فعليه صيام ثلاثة أيّام».(1)
و منها: صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليهماالسلام قال:
«سألته عن رجل محرم أصاب نعامة ما عليه؟ قال: عليه بدنة، فان لميجد فليتصدّق على ستّين مسكينا فان لميجد فليصم ثمانيهعشر يوما، قال: و سألته عن محرم أصاب بقرة ما عليه؟ قال: عليه بقرة، فان لميجد فليتصدّق على ثلاثين مسكينا، فان لميجد فليصم تسعة أيّام، قال: و سألته عن محرم أصاب ظبيا ما عليه؟ قال: عليه شاة فان لميجد فليتصدّق على عشرة مساكين، فان لميجد فليصم ثلاثة أيّام».(2)
و منها: خبر داود الرقّي عن أبي عبداللّه عليهالسلام في الرجل يكون عليه بدنة واجبة في فداء، قال:
«اذا لميجد بدنة فسبع شياة، فان لميقدر صام ثمانيهعشر يوما».(3)
و منها: مرسلة الحسن بن محبوب عن أبي عبداللّه عليهالسلام في رجل أفاض من عرفات قبل أنتغرب الشمس، قال:
«عليه بدنة، فان لميقدر على بدنة صام ثمانيهعشر يوما».(4)
و منها: صحيحة ضريس الكناسي عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
1) ـ وسائل الشيعة 9: 183 / الباب الثاني من أبواب كفّارات الصيد و توابعها / الحديث الثالث.
2) ـ وسائل الشيعة 9: 184 / الباب الثاني من أبواب كفّارات الصيد و توابعها / الحديث السادس.
3) ـ وسائل الشيعة 9: 184 / الباب الثاني من أبواب كفّارات الصيد و توابعها / الحديث الرابع.
4) ـ وسائل الشيعة 10: 30 / الباب 23 من أبواب احرام الحجّ و الوقوف بعرفة / الحديث الثاني.
«سألته عن رجل أفاض من عرفات قبل أنتغيب الشمس، قال: عليه بدنة ينحرها يوم النحر، فان لميقدر صام ثمانيهعشر يوما بمكّة أو في الطريق أو في أهله».(1)
و منها: صحيحة الحسن بن محبوب عن داود الرقّي عن أبي عبداللّه عليهالسلام في رجل يكون عليه بدنة واجبة في فداء، قال:
«اذا لميجد بدنة فسبع شياة، فان لميقدر صام ثمانيهعشر يوما بمكّة أو في منزله».(2)
و الظاهر من هذه الروايات عدم وجوب المتابعة في صيام ثمانيهعشر و تسعة و ثلاثة أيّام، لاطلاقها، و ما يدّعى من انصراف التتابع من الاطلاق المزبور ممنوع بقرينة ما قيّد به التتابع في كفّارة الظهار و كفّارة من أفطر في شهر رمضان متعمّدا و غيرهما، و لو كان يراد التتابع من صيام ثمانيهعشر يوما و تسعة أيّام و ثلاثة أيّام لقيّده به. و لذا قال في المدارك: «و يمكن المناقشة في وجوب المتابعة في صوم الثمانيهعشر لاطلاق الأمر بالصوم فيحصل الامتثال مع التتابع و بدونه. انتهى ملخّصا».(3)و جيّده صاحب الحدائق. الاّ أنّ صاحب الجواهر لميرتض به حيث قال: «يمكن دعوى انصراف التتابع من الاطلاق المزبور و لو بقرينة الفتوى به، و كونه كفّارة و الغالب فيها التتابع، خصوصا بملاحظة ما ورد من تعليل التتابع في الشهرين منها بأنّه كي لايهون عليه الأداء فيستخفّ به، لأنّه اذا قضاها متفرّقا هان ـ الى أنقال: ـ و صوم الثمانيهعشر بدل الشهرين فالظاهر أنّ المراد الاقتصار على هذا القدر منهما ارفاقا بالمكلّف، فتكون حينئذٍ متتابعة، مضافا الى ما أرسله المفيد في المقنعة بعد تصريحه بالتتابع و غيره الى مجيء الآثار عنهم عليهمالسلام بذلك.
انتهى».(1)
قلت: يكون مراده من قوله: «بملاحظة ما ورد من تعليل التتابع ... الخ» ما ورد عن الفضل بن شاذان من الخبر عن الرضا عليهالسلام في حديث قال:
«انّما وجب الصوم في الكفّارة على من لميجد تحرير رقبة الصيام دون الحجّ و الصلاة و غيرهما من الأنواع، لأنّ الصلاة و الحجّ و أنواع الفرائض مانعة للانسان من التقلّب في أمر دنياه و مصلحة معيشته مع ذلك العلل التي ذكرناها في الحائض التي تقضي الصيام و لاتقضي الصلاة و انّما وجب عليه صوم شهرين متتابعين دون أنيجب عليه شهر واحد أو ثلاث أشهر لأنّ الفرض الذي فرض اللّه تعالى على الخلق هو شهر واحد فضوعف هذا الشهر في الكفّارة توكيدا و تغليظا عليه، و انّما جعلت متتابعين لئلاّ يهون عليه الأداء فيستخفّ به، لأنّه اذا قضاه متفرّقا هان عليه القضاء و استخفّ بالايمان».(2)
ولكن فيه: انّه مختصّ بمورده و هو صوم شهرين متتابعين و لايتجاوز عنه، فلعلّه في صوم ثمانيهعشر يوما تخفيف دون صوم شهرين. مضافا الى أنّ صوم ثمانيهعشر يوما لايكون بدلاً عن صوم شهرين بل هو بدل عن الاطعام لمن لايقدر على اطعام المساكين كما مرّت الأخبار في ذلك.
و أمّا ما أشار اليه من كلام المفيد رحمهالله في المقنعة من «مجيء الآثار عنهم عليهمالسلام بذلك» ففيه: انّه لميرد و لو خبر واحد عنهم عليهمالسلام يدلّ على اعتبار التتابع في المقام، و لو كان هناك شيء لكانت رواية مرسلة و لا اعتماد على المراسيل غالبا. هذا كلّه مضافا الى ما ورد من صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«كلّ صوم يفرق الاّ ثلاثة أيّام في كفّارة اليمين».(1)
و ان كان الحصر في الصحيحة اضافيّا الاّ أنّها ترشدنا الى الفحص عن الدليل على التتابع. و في صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليهالسلام (في حديث) قال:
«صيام ثلاثة أيّام في كفّارة اليمين متتابعات و لاتفصل بينهنّ».(2)
فتحصّل أنّ الأقوى عدم وجوب التتابع في صوم الثمانيهعشر يوما، للأصل، و لأنّه امتثل المأمور به، و لضعف ما استدلّ به المخالف على وجوب التتابع.
قال في الشرائع: «و كلّ صوم يلزم فيه التتابع الاّ أربعة: صوم النذر المجرّد عن التتابع، و ما في معناه من يمين أو عهد، و صوم القضاء، و صوم جزاء الصيد، و السبعة في بدل الهدي. انتهى».(3)
و قال في المدارك: «يمكن المناقشة في وجوب المتابعة في صيام كفّارة قضاء رمضان، و حلق الرأس، و صوم الثمانيهعشر في بدل البدنة و بدل الشهرين عند العجز عنهما، لاطلاق الأمر بالصوم فيها، فيحصل الامتثال مع التتابع و بدونه. انتهى».(4)
و قال في الحدائق: «قد صرّح جملة من الأصحاب بل الظاهر أنّه المشهور أنّ كلّ الصوم يلزم فيه التتابع الاّ أربعة: صوم النذر المجرّد عن التتابع و ما في معناه من يمين و عهد، و صوم القضاء عن رمضان أو غيره، و صوم جزاء الصيد، و
السبعة في بدل الهدي. و قد نقل الخلاف في كلّ من هذه الأربعة، أمّا الأوّل فحكى الشهيد في الدروس عن ظاهر الشاميّين وجوب المتابعة في النذر المطلق، و الظاهر هو المشهور لحصول الوفاء بالنذر بدون التتابع و عدم الدليل على ما ذكروه. و أمّا الثاني فقد استقرب الشهيد في الدروس وجوب التتابع في قضاء النذر المشروط فيه التتابع. و ردّ بأنّه لا دليل عليه، و هو كذلك. و وجوب التتابع في أصل النذر باعتبار الشرط لايستلزم وجوبه في قضائه. و أمّا الثالث فنقل عن المفيد و سلاّر و المرتضى أنّهم أوجبوا المتابعة في صيام الستّين يوما بدل النعامة. و أمّا الرابع فنقل عن ابن أبي عقيل و أبي الصلاح أنّهما أوجبا المتابعة في صيام السبعة بدل الهدي. قال في المدارك بعد ذكر ذلك: و الأصحّ عدم وجوب المتابعة في جميع ذلك عملاً بالاطلاق. انتهى».(1)
قلت:
الأصل في الصوم الواجب عدم وجوب التتابع فيه الاّ ما قيّد به، أو كان هناك قرينة على التتابع. و ذلك لأنّ وجوب التتابع تكليف زائد على أصل الصوم يحتاج الى البيان، و لو لميكن هناك بيان لميكن تكليف، لقبح التكليف بلا بيان، و لقوله عليهالسلام: «رفع ما لايعلمون». و الظاهر أنّ ذهاب المشهور الى لزوم التتابع في كلّ الصوم الاّ أربعة ليس من جهة أنّ الأصل عندهم وجوب التتابع بل لأنّ كلّ الصوم امّا مقيّد به أو كان هناك قرينة عليه، و لذلك قال في الجواهر في ما ناقش صاحب المدارك في وجوب المتابعة في صيام كفّارة قضاء رمضان و غيرها لاطلاق الأمر بالصوم، بأنّه يمكن دعوى انصراف التتابع من الاطلاق المزبور و لو بقرينة الفتوى به، و كونه كفّارة و الغالب فيها التتابع، خصوصا بملاحظة ما ورد من تعليل التتابع في الشهرين منها بأنّه كي يهون عليه الأداء فيستخفّ به، لأنّه اذا قضاها متفرّقا هان
1) ـ الحدائق الناضرة 13: 337 و 338.
و استخفّ بالايمان، مضافا الى ما عرفت من أنّ الصوم في كفّارة قضاء رمضان كالصوم في كفّارة اليمين. انتهى.(1)و قد تقدّم الجواب عنه في الفرع الأوّل آنفا.
و قال أيضا: «و كلّ الصوم الواجب يلزم فيه التتابع الاّ أربعة، لأنّ ماعداها فالتتابع فيه امّا لازم لتعيين الزمان كشهر رمضان، أو منصوص عليه في الكتاب و السنّة، أو في السنّة خاصّة. انتهى».(2)
و على أيّ حال فقد اختلفوا في وجوب التتابع في صوم النذر المجرّد عن التتابع، و صوم القضاء عن النذر المقيّد بالتتابع و صيام الستّين بدل النعامة، و صيام السبعة بدل الهدي، و صيام كفّارة قضاء رمضان، و حلق الرأس، و صوم الثمانيهعشر في بدل البدنة و بدل الشهرين عند العجز عنهما.
أمّا صوم الثمانيهعشر فقد مرّ في الفرع الأوّل آنفا بأنّه لايجب التتابع فيه، و سيأتي البقيّة.
(مسألة 2): اذا نذر صوم شهر أو أقلّ أو أزيد لميجب التتابع الاّ مع الانصراف، أو اشتراط التتابع فيه.
فمن الموارد التي اختلفوا في وجوب التتابع فيه صوم النذر المجرّد عن التتابع. قال في الحدائق: «حكى الشهيد في الدروس عن ظاهر الشاميّين وجوب المتابعة في النذر المطلق، و الظاهر هو المشهور لحصول الوفاء بالنذر بدون التتابع و عدم الدليل على ما ذكروه. انتهى».(3)
و الحقّ قول المشهور و الدليل ما قاله صاحب الحدائق.
(مسألة 3): اذا فاته النذر المعيّن أو المشروط فيه التتابع فالأحوط في قضائه التتابع أيضا.
الشرح:
اختلفوا في وجوب التتابع في قضاء الصوم المنذور المشروط فيه التتابع؛ ذهب المشهور الى عدم اعتباره في القضاء. و استقرب الشهيد وجوب التتابع فيه و تردّد العلاّمة في القواعد. قال في الحدائق: «فقد استقرب الشهيد في الدروس وجوب التتابع في قضاء النذر المشروط فيه التتابع. و ردّ بأنّه لا دليل عليه، و هو كذلك. و وجوب التتابع في أصل النذر باعتبار الشرط لايستلزم وجوبه في قضائه. انتهى».(1)
و قال في الجواهر: «و تردّد فيه العلاّمة في القواعد من ذلك (أي للأصل و انّ القضاء بأمر جديد) و من أنّ القضاء هو الأداء، و انّما يتغايران في الوقت، و هو واضح الضعف، و أضعف منه دعوى أنّ التتابع منذور، فكما يجب تحصيل الصوم يجب تحصيل تتابعه، اذ المنذور اذا فات وقته انحلّ، و لو لميكن دليل على القضاء لميجب، و لا دليل على تتابعه، و دعوى أنّ دليل القضاء و هو «من فاتته فريضة فليقضها كما فاتته» يدلّ عليه، لكون الفائت متتابعا، يدفعها ظهور كون المراد من التشبيه غير ذلك من الكيفيّات التي وضعها الشارع كالقصر و الاتمام و الجهر و الاخفات لا ما يشمل مثل ذلك الذي هو كنذر المكان و الأحوال و نحوها ممّا هو معلوم عدم الالتزام بمراعاتها في القضاء. انتهى».(2)
و الأقوى ما ذهب اليه المشهور من عدم وجوب التتابع في قضاء الصوم المنذور المشروط فيه التتابع، و ذلك لما قال صاحب الجواهر و الحدائق بعدم
الدليل عليه، و ما ورد في الصلاة من قوله عليهالسلام في الصحيح: «يقضي ما فاته كما فاته ...».(1)مختصّ بمورده، مقصور على المماثلة من حيث القصر و التمام كما صرّح بذلك في ذيل الصحيحة، فالتعدّي الى الصوم، و كيفيّته يحتاج الى اطلاق الخبر و هو مفقود في المقام. بل لو لميكن قوله عليهالسلام في صحيحة علي بن مهزيار: «يصوم يوما بدل يوم» لكان الالتزام بالقضاء هيهنا مشكل لأنّه بأمر جديد، ففي صحيحة ابن مهزيار أنّه كتب اليه يسأله:
«يا سيّدي، رجل نذر أنيصوم يوما بعينه فوقع ذلك اليوم على أهله ما عليه من الكفّارة؟ فكتب اليه: يصوم يوما بدل يوم و تحرير رقبة مؤمنة».(2)
و من الموارد التي اختلف في وجوب التتابع فيه، صوم سبعة أيّام في بدل الهدي.
قال العلاّمة في المختلف: «المشهور أنّ السبعة في بدل الهدي لايجب فيها التتابع. و قال ابن أبي عقيل: و سبعة متتابعات اذا رجع الى أهله. و ذهب أبوالصلاح الى وجوب التتابع في السبعة. لنا: الأصل براءة الذمّة، و عدم شغلها بوجوب التتابع. احتجّ بأنّ الأمر للفور و لخبر علي بن جعفر. و الجواب: المنع من كون الأمر للفور و من كون الخبر للوجوب، و لو قيل به كان قويّا؛ لهذا الحديث. انتهى».(3)
و الأقوى ما عليه المشهور من عدم وجوب التتابع فيه، و ذلك للجمع بين حسنة الحسين بن زيد عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«السبعة الأيّام و الثلاثة الأيّام في الحجّ لاتفرّق، انّما هي بمنزلة الثلاثة الأيّام في اليمين».(1)
و معتبرة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليهماالسلام قال:
«سألته عن صوم الثلاثة أيّام في الحجّ و السبعة أيصومها متوالية أو يفرّق بينها؟ قال: يصوم الثلاثة لايفرّق بينها، و السبعة لايفرّق بينها، و لايجمع السبعة و الثلاثة جميعا».(2)
و بين معتبرة اسحاق بن عمّار قال:
«قلت لأبي الحسن موسى بن جعفر عليهماالسلام: انّي قدمت الكوفة و لمأصم السبعة الأيّام حتّى فزعت في حاجة الى بغداد، قال: صمها ببغداد، قلت: أفرّقها؟ قال: نعم».(3)
و هذه الرواية و ان كان في سندها محمّد بن أسلم الاّ أنّ المشهور عملوا بها، مضافا الى ما في مستند العروة من أنّ محمّد بن أسلم في أسناد كامل الزيارات و تفسير علي بن ابراهيم و قد شهدا على حسن حال من في أسناد كتابيهما.
فيحمل ما كان ظاهره الوجوب على الاستحباب لما مرّ، كما حمله الشيخ عليه.
(مسألة 4): من وجب عليه الصوم اللازم فيه التتابع لايجوز أنيشرع فيه في زمان يعلم أنّه لايسلم له بتخلّل العيد أو تخلّل يوم يجب فيه صوم آخر من نذر أواجارة أو شهر رمضان، فمن وجب عليه شهران متتابعان لايجوز له أنيبتدئ
بشعبان بل يجب أنيصوم قبله يوما أو أزيَد من رجب، و كذا لايجوز أنيقتصر على شوّال مع يوم من ذيالقعدة أو على ذيالحجّة مع يوم من المحرّم لنقصان الشهرين بالعيدين، نعم لو لميعلم من حين الشروع عدم السلامة فاتّفق فلابأس على الأصحّ، و ان كان الأحوط عدم الاجزاء.
الشرح:
قال في الجواهر: «و ان أفطر لغير عذر استأنف في الشهرين اجماعا بقسميه، بل يمكن دعوى التواتر المحكي منهما. انتهى».(1)
و قال في المنتهى: «لو أفطر من الشهر الأوّل أو بعد اكماله قبل أنيصوم من الثاني شيئا بغير عذر استأنف و هو قول فقهاء الاسلام، لأنّه لميأت بالمأمور به، اذ هو صوم شهرين متتابعين و لميفعله فلايخرج عن العهدة. انتهى».(2)
من وجب عليه الصوم اللازم فيه التتابع لو شرع فيه في زمان يعلم أنّه لايسلم له بتخلّل العيد أو تخلّل يوم يجب فيه صوم آخر من نذر أو اجارة أو شهر رمضان، فهو يكون كمن أفطر في أثنائه لغير عذر فيجب عليه الاستيناف، و الدليل على ذلك مضافا الى الاجماع المذكور في كلامي صاحب الجواهر و العلاّمة الاحتياط، فانّ الاشتغال اليقيني يستدعي البراءة اليقينيّة. هذا في فرض العلم، و أمّا من لميعلم به من حين الشروع لغفلة أو خطأ في الاعتقاد بحيث كان معذورا، فسيجيء التعرّض له مستقصى فيمن أفطر لعذر.
و يستثنى ممّا ذكرنا من عدم الجواز مورد واحد و هو صوم ثلاثة أيّام بدل هدي التمتّع اذا شرع فيه يوم التروية، فانّه يصحّ و ان تخلّل بينها العيد فيأتي
بالثالث بعد العيد بلا فصل أو بعد أيّام التشريق بلا فصل لمن كان بمنى، و أمّا لو شرع فيه يوم عرفة أو صام يوم السابع و التروية و تركه في عرفة لميصحّ و وجب الاستيناف كسائر موارد وجوب التتابع.
الشرح:
من لميكن عنده هدي يجب عليه صوم عشرة أيّام، ثلاثة منها في الحجّ و سبعة اذا رجع و يجب أنيكون الثلاثة متتابعات بلا خلاف في ذلك لما دلّت عليه حسنة الحسين بن زيد عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«السبعة الأيّام و الثلاثة الأيّام في الحجّ لاتفرّق، انّما هي بمنزلة الثلاثة الأيّام في اليمين».(1)
و معتبرة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليهماالسلام قال:
«سألته عن صوم ثلاثة أيّام في الحجّ و السبعة أيصومها متوالية أو يفرّق بينها؟ قال: يصوم الثلاثة لايفرّق بينها، و السبعة لايفرّق بينها، و لايجمع السبعة و الثلاثة جميعا».(2)
نعم اذا فاته يوم التروية يجوز التفريق في الجملة.
قال العلاّمة في المختلف: «هذه الثلاثة متتابعة، الاّ في موضوع واحد و هو أنّه اذا فاته قبل يوم التروية، صام يوم التروية و عرفة، ثمّ صام الثالث بعد أيّام التشريق، قاله ابن ادريس. و قال ابن حمزة: لو صام قبل التروية و يوم التروية، و خاف ان صام عرفة عجز عن الدعاء أفطر و صام بدله بعد انقضاء أيّام التشريق. و لابأس بهذا القول. احتجّ ابن ادريس بأنّ الأصل التتابع، خرج عنه الصورة المجمع عليها، فيبقى الباقي على الوجوب. احتجّ ابن حمزة بأنّ التشاغل بالدعاء أمر
مطلوب للشرع، فساغ له الافطار، كما لو كان الفائت الأوّل. انتهى».(1)
اعلم أنّه لايجوز أنيأتي بالثلاثة في أيّام التشريق و ذلك لصحيحة ابن سنان عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«سألته عن رجل تمتّع فلميجد هديا، قال: فليصم ثلاثة أيّام ليس فيها أيّام التشريق ولكن يقيم بمكّة حتّى يصومها، و سبعة اذا رجع الى أهله».(2)
فله أنيصوم الثلاثة بعد أيّام التشريق كما تقدّم، أو قبل أيّام التشريق كما في صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج قال:
«كنت قائما أصلّي و أبوالحسن قاعد قدّامي و أنا لاأعلم فجاءه عبّاد البصري فسلّم ثمّ جلس، فقال له: يا أباالحسن، ما تقول في رجل تمتّع و لميكن له هدي؟ قال: يصوم الأيّام التي قال اللّه تعالى، قال: فجعلت سمعي اليهما فقال له عبّاد: و أيّ أيّام هي؟ قال: قبل التروية بيوم، و يوم التروية، و يوم عرفة، قال: فان فاته ذلك؟ قال: يصوم صبيحة الحصبة و يومين بعد ذلك، قال: فلاتقول كما قال عبداللّه بن الحسن، قال: فأيّ شيء قال؟ قال: (قال خ) يصوم أيّام التشريق، قال: انّ جعفرا كان يقول: انّ رسول اللّه صلىاللهعليهوآله أمر بديلاً ينادي انّ هذه أيّام أكل و شرب فلايصومنّ أحد، قال: يا أباالحسن، انّ اللّه قال: «فصيام ثلاثة أيّام في الحجّ و سبعة اذا رجعتم»(3)قال: كان جعفر يقول: ذوالحجّة كلّه من أشهر الحجّ».(4)
نعم اذا صام يوم التروية و يوم عرفة، يجزيه أنيصوم يوما آخر، لرواية عبدالرحمن بن الحجّاج عن أبي عبداللّه عليهالسلام فيمن صام يوم التروية و يوم عرفة، قال:
«يجزيه أنيصوم يوما آخر».(1)
و صحيحة يحيى الأزرق عن أبي الحسن عليهالسلام قال:
«سألته عن رجل قدم يوم التروية متمتّعا و ليس له هدي فصام يوم التروية و يوم عرفة، قال: يصوم يوما آخر بعد أيّام التشريق».(2)
و لاتعارضهما صحيحة ابن الحجّاج الثانية عن أبي الحسن عليهالسلام قال:
«سأله عبّاد البصري عن متمتّع لميكن معه هدي، قال: يصوم ثلاثة أيّام: قبل التروية بيوم، و يوم التروية، و يوم عرفة، قال: فان فاته صوم هذه الأيّام، فقال: لايصوم يوم التروية و لا يوم عرفة، ولكن يصوم ثلاثة أيّام متتابعات بعد أيّام التشريق».(3)
بل تحمل على صوم يوم وحده، أي لايصوم يوم التروية وحده، و لا يوم عرفة وحده، كما حمله الشيخ على ذلك. و يمكن حمله على الجواز أو الاستحباب جمعا كما فعله صاحب الوسائل.
قال في الحدائق: «المشهور بين الأصحاب ـ بل ادّعى عليه ابن ادريس الاجماع ـ أنّه لو لميتّفق له صوم قبل يوم التروية فانّه يقتصر على يوم التروية و يوم عرفة ثمّ يصوم الثالث بعد النفر. انتهى».(4)
الاّ أنّه لميرتض بذلك لمعارضة الأخبار الصحيحة، مع الاجماع و روايتي ابن
الحجّاج و يحيى الأزرق. و لذلك قال في آخر كلامه: انّ المسألة لاتخلو من شوب الاشكال، و الاحتياط فيها متحتّم على كلّ حال و بنحو ذلك صرّح السيّد السند في المدارك.
قال في المدارك: «أمّا وجوب التتابع في صيام هذه الثلاثة الأيّام في غير هذه الصورة ـ و هي ما اذا كان الثالث العيد ـ فموضع نصّ و وفاق، و انّما الكلام في استثناء هذه الصورة، فانّ الروايات الواردة بذلك ضعيفة الاسناد، و في مقابلها أخبار أخر صحيحة السند دالّة على خلاف ما تضمّنته. انتهى».(1)
و الظاهر أنّ مراده من قوله: «فانّ الروايات الواردة ...» روايتا ابن الحجّاج و يحيى الأزرق، فالأولى منهما و ان كانت ضعيفة بمفضّل بن صالح، الاّ أنّ ثانيتهما معتبرة، لأنّ يحيى الأزرق الذي يكون في سند الرواية، و ان كان مشتركا بين ابن حسّان الضعيف، و ابن عبدالرحمن الثقة، الاّ أنّ المراد به هيهنا هو ابن عبدالرحمن الثقة دون ابن حسّان الضعيف، و ذلك (كما في مستند العروة) أوّلاً انّ ابن حسّان من أصحاب الصادق عليهالسلام كما نصّ عليه الشيخ في رجاله، و ابن عبدالرحمن من أصحاب الكاظم عليهالسلام، و الرواية مرويّة عن موسى بن جعفر عليهالسلام كما عرفت. و ثانيا انّ ابن حسّان لمترو عنه في مجموع الفقه و لا رواية واحدة، و أمّا يحيى بن عبدالرحمن فهو من الرواة المشهورين، فاشتهاره بين الرواة و لاسيّما بضميمة عدم وجود رواية عن ابن حسّان يستدعي انصراف اللفظ عند الاطلاق اليه.
(مسألة 5): كلّ صوم يشترط فيه التتابع اذا أفطر في أثنائه ـ لا لعذر اختيارا ـ يجب استينافه. و كذا اذا شرع فيه في زمان يتخلّل فيه صوم واجب آخر من نذر و نحوه، و أمّا ما لميشترط فيه التتابع و ان وجب فيه بنذر أو نحوه فلايجب
1) ـ مدارك الأحكام 6: 253.
استينافه، و ان أثم بالافطار، كما اذا نذر التتابع في قضاء رمضان، فانّه لو خالف و أتى به متفرّقا صحّ و ان عصى من جهة خلف النذر.
الشرح:
الصوم المشروط فيه التتابع تارة يكون التتابع فيه بالأصالة و أخرى بالعرض. فالأولى كصوم الشهرين لكفّارة الظهار أو القتل أو رمضان فانّه أوجب الشارع فيه التتابع و قيّد الشهرين بالتتابع بحيث يكون القيد و المقيّد شيئا واحدا، ففي هذه لو أفطر في أثنائه، لا لعذر اختيارا، يجب استينافه، و كذا اذا شرع فيه في زمان يتخلّل فيه صوم آخر من نذر و نحوه.
و الثانية كمن نذر التتابع في قضاء شهر رمضان فانّ الشارع لميوجب التتابع في قضائه بالأصالة، بل الناذر ألزم على نفسه فيه التتابع و الشارع أمضاه و قال: «فِ بنذرك» و حينئذٍ لو خالف و لميأت بالتتابع في قضائه فقد خالف النذر و كان آثما الاّ أنّه أتى بالمأمور به و امتثل الأمر الأوّل و برئ ذمّته، و حيث حنث النذر عمدا فقد وجبت عليه الكفّارة.
(مسألة 6): اذا أفطر في أثناء ما يشترط فيه التتابع لعذر من الأعذار كالمرض و الحيض و النفاس و السفر الاضطراري دون الاختياري لميجب استينافه، بل يبني على ما مضى.
الشرح:
اذا أفطر في أثناء ما يشترط فيه التتابع لعذر فتارة يكون أثناء الشهرين المتتابعين و أخرى في غير الشهرين من أقسام الصوم المشروط فيه التتابع. ففي الأولى فقد يكون العذر كالمرض، و الحيض، و النفاس، و قد يكون كالسفر فهذه ثلاث صور:
الأولى: اذا كان الافطار في أثناء الشهرين المتتابعين لعذر كالمرض و غيره، لميجب استينافه، بلا خلاف. قال في الجواهر: «لاأجد فيه خلافا بالنسبة الى الشهرين، بل في شرح الاصبهاني أنّه ممّا اتّفقت عليه كلمة الأصحاب فيهما. انتهى».(1)
و الدليل على ذلك صحيحة رفاعة قال:
«سألت أباعبداللّه عليهالسلام عن رجل عليه صيام شهرين متتابعين فصام شهرا و مرض، قال: يبنى عليه، اللّه حبسه، قلت: امرأة كان عليها صيام شهرين متتابعين فصامت و أفطرت أيّام حيضها، قال: تقضيها، قلت: فانّها قضتها ثمّ يئست من المحيض، قال: لايعيدها أجزأها ذلك».(2)
و صحيحة سليمان بن خالد قال:
«سألت أباعبداللّه عليهالسلام عن رجل كان عليه صيام شهرين متتابعين فصام خمسة و عشرين يوما ثمّ مرض فاذا برئ يبني على صومه أم يعيد صومه كلّه؟ قال: بل يبني على ما كان صام، ثمّ قال: هذا ممّا غلب اللّه عليه و ليس على ما غلب اللّه عزّوجلّ عليه شيء».(3)
و لاتعارضها صحيحة جميل و محمّد بن حمران، عن أبي عبداللّه عليهالسلام في الرجل الحرّ يلزمه صوم شهرين متتابعين في ظهار فيصوم شهرا ثمّ يمرض، قال:
«يستقبل، فان زاد على الشهر الآخر يوما أو يومين بنى على ما بقي».(4)
لأنّها معارضة بصحيحة رفاعة في موردها، فانّه روى عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«المظاهر اذا صام شهرا ثمّ مرض اعتدّ بصيامه».(1)
مع أنّها حملت تارة على الاستحباب و أخرى كما فعله الشيخ على ما اذا بلغ المرض حدّا يمنع عن الصوم. و ان بعّدهما في مستند العروة، عن المتفاهم العرفي فراجع.
قال في الجواهر: «يجب حملها على الاستحباب، أو على كون المرض غير مانع من الصوم، أو على التقيّة من المحكي عن الشافعي في أحد قوليه من الفرق بين المرض و الحيض، فخصّ العذر بالثاني دون الأوّل، أو على عدم المبادرة بعد ارتفاع المانع، أو غير ذلك، ضرورة قصورها عن معارضة تلك النصوص المعمول بها بين الأصحاب قديما و حديثا، بل لاأجد فيه خلافا بالنسبة الى الشهرين. انتهى».(2)
الثانية: حكم ما اذا أفطر في أثناء ما يشترط فيه التتابع لعذر في غير الشهرين من أقسام الصوم. المشهور البناء مع العذر مطلقا، كما في الجواهر و هو الحقّ، و ذلك لما في صحيحة رفاعة المتقدّمة من التعليل للبناء على ما صام شهرا و مرض: «بأنّ اللّه حبسه»، و كذا في صحيحة سليمان بن خالد: «هذا ممّا غلب اللّه عليه و ليس على ما غلب اللّه عزّوجلّ عليه شيء». و الظاهر من التعليل أنّه عامّ و لايختصّ بصيام شهرين متتابعين و ان ورد في ذلك. و في مقابل المشهور ثلاثة أقوال؛ منها: قول صاحب المدارك، فانّه قال فيه: «اطلاق كلام صاحب الشرائع «بأنّ كلّ ما يشترط فيه التتابع اذا أفطر في أثنائه بنى» يقتضي عدم الفرق في ذلك بين صوم الشهرين، و الثمانيهعشر و الثلاثة ـ الى أنقال: ـ الأجود اختصاص البناء مع الاخلال بالتتابع للعذر بصيام الشهرين المتتابعين و الاستيناف في غيره، أمّا
الاستيناف فيما عدا صيام الشهرين فلأنّ الاخلال بالمتابعة يقتضي عدم الاتيان بالمأمور به على وجهه فيبقى المكلّف تحت العهدة الى أنيتحقّق الامتثال. و أمّا البناء في صيام الشهرين فيدلّ عليه صحيحتا رفاعة و سليمان بن خالد. انتهى ملخّصا».(1)
و فيه ما تقدّم من أنّ التعليل في صحيحتي رفاعة و سليمان بن خالد يقتضي العموم، فيقتضي الاتيان بالمأمور به على وجهه، فيتحقّق الامتثال.
قال في الجواهر: «فما في المدارك ـ من قصر الحكم على الشهرين خاصّة ... ـ في غير محلّه، ضرورة أنّ ذلك لايصلح معارضا للمستفاد من النصوص المزبورة من القاعدة المذكورة. انتهى».(2)
و منها: ما ذهب اليه الشهيد و صرّح في الدروس و اللمعة: من أنّ كلّ ثلاثة يجب تتابعها تستأنف بالاخلال به، سواء كان لعذر أم لغيره، الاّ ثلاثة دم المتعة في خصوص الفصل بيوم النحر و أيّام التشريق، و في القواعد «من أخلّ بالمتابعة في كفّارة اليمين أو قضاء رمضان أو الاعتكاف أعاد مطلقا» و نحوه في المسالك و محكي الاقتصاد و المبسوط و دليل غير الشهيد الأوّل قاعدة عدم الاتيان بالمأمور به على وجهه، و أمّا هو فدليله قول الصادق عليهالسلام في صحيحة عبداللّه بن سنان:
«كلّ صوم يفرّق الاّ ثلاثة أيّام في كفّارة اليمين».(3)
و صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليهالسلام (في حديث) قال:
«صيام ثلاثة أيّام في كفّارة اليمين متتابعات و لاتفصل بينهنّ».(4)
و فيه ما مرّ من عموميّة العلّة، كما أنّ الصحيحتين تحملان على الاختيار جمعا
بينهما و بين القاعدة المذكورة من العلّة.
قال في الجواهر: «و المراد بالتفريق المنفي في كفّارة اليمين الاختياري بتجاوز النصف لا ما كان للعذر، ترجيحا للمستفاد من النصوص السابقة على ذلك، خصوصا بملاحظة اطلاق معقد اجماع الانتصار و خصوص اجماع الغنية؛ قال في الأوّل: «و ممّا يظنّ انفراد الاماميّة به القول بأنّ من أفطر لمرض في صوم التتابع بنى على ما تقدّم و لميلزمه الاستيناف ـ ثمّ قال: ـ دليلنا الاجماع المتردّد و أيضا
فانّ المرض عذر ظاهر لسقوط الفروض، و قد علمنا أنّه لو أفطر بغير عذر للزمه الاستيناف و لميجز له البناء فلايجوز أنيكون مثل ذلك حكمه مع العذر، لأنّ المعذور لابدّ أنيخالف حكمه حكم من لا عذر له». و قال في الثاني: «و يجب التتابع في كلّ ذلك يعني صوم كفّارة الحلق و كفّارة اليمين، فمن فرّق مختارا استأنف، و من فرّق مضطرّا بنى بدليل ما قدّمناه أي الاجماع و الاحتياط». انتهى».(1)
و منها: ما عن الشيخ في النهاية فانّه قال: «و من نذر أنيصوم شهرا متتابعا فصام خمسهعشر يوما و عرض له ما يفطر فيه وجب عليه صيام ما بقي من الشهر، و ان كان صومه أقلّ من خمسهعشر يوما كان عليه الاستيناف»(2)و ظاهره ذلك مع العذر، و لعلّه لخبر موسى بن بكر عن الفضيل عن أبي عبداللّه عليهالسلام في رجل جعل عليه صوم شهر فصام منه خمسهعشر يوما ثمّ عرض له أمر، فقال:
«ان كان صام خمسهعشر يوما فله أنيقضي ما بقي و ان كان أقلّ من خمسهعشر يوما لميجزه حتّى يصوم شهرا تامّا».(3)
و لما رواه في التهذيب(1)عن موسى بن بكر مثله.
و فيه: انّ الروايتين مع ضعفهما و عدم الجابر لهما و احتمالهما الأمر الذي لايؤدّي الى الاضطرار و يكون ممّا غلب اللّه عليه قاصرتان عن معارضة ما عرفت من النصوص السابقة، كما في الجواهر فانّه قال بعد ذلك: «مضافا الى خبر علي بن أحمد بن أشيم قال: «كتب الحسين الى الرضا عليهالسلام: جعلت فداك، رجل نذر أنيصوم أيّاما معلومة فصام بعضها ثمّ اعتلّ فأفطر أيبتدي في صومه أم يحتسب بما مضى؟ فكتب اليه: يحتسب بما مضى».(2)
و دعوى الخروج بذلك ممّا تعلّق به النذر فلايجزي كأنّها اجتهاد في مقابلة النصّ و الفتوى، مع ما قيل من أنّها مبنيّة على كون صوم الشهر عبادة واحدة منذورة و هو ممنوع، بل الظاهر أنّ صوم كلّ يوم عبادة، فصوم الشهر ثلاثون عبادة منذورة و التتابع منذور آخر، فاذا صام منها شيئا فقد أتى ببعض المنذورات، و قد برئت ذمّته ممّا فعله و لا دليل على فعله مرّة أخرى و المتابعة سقطت عنه للضرورة، و ان كان لايخلو من نظر. انتهى».(3)
فالمتحصّل أنّه اذا أفطر في أثناء ما يشترط فيه التتابع لعذر من الأعذار كالمرض و الحيض و النفاس لميجب استينافه، بل يبني على ما مضى من غير فرق بين الشهرين المتتابعين و غيرهما من أقسام الصوم لما مرّ من الدليل و ضعف ما تمسّك به المخالف.
الصورة الثالثة فيما اذا كان العذر سفرا ضروريّا، فالظاهر أنّه لا فرق بينه و بين سائر الأعذار، و الدليل عليه قوله عليهالسلام في صحيحة سليمان بن خالد المتقدّمة:«هذا ممّا غلب اللّه عليه، و ليس على ما غلب اللّه عزّوجلّ عليه شيء». و لذلك قال
في المدارك: «و يستفاد من التعليل من قوله عليهالسلام: «اللّه حبسه» و قوله: «هذا ممّا غلب اللّه عليه» عدم الفرق بين أنيكون العذر مرضا أو سفرا ضروريّا أو حيضا أو اغماءًا أو غير ذلك. انتهى».(1)
و قد أورد عليه صاحب الحدائق بأنّ: «جعل السفر الضروري من قبيل ما غلب اللّه عليه محلّ نظر، فانّ الظاهر من هذا اللفظ أنّ المراد به ما كان من فعل اللّه تعالى به بحيث انّه ليس للعبد في ايقاعه صنع و لا مدخل بالكلّيّة و انّه ممّا فعله اللّه تعالى به، و السفر و ان كان ضروريّا ليس كذلك. انتهى.(2)و لعلّه لعدم كون السفر الضروري عنده من قبيل «ما غلب اللّه عليه».
ولكن فيه: انّه اذا عرض له سفر واجب شرعا أو عقلاً بحيث لو تركه يتحمّل ضررا، فهذا يكون ممّا «حبسه اللّه» أو «ما غلب اللّه عليه». قال في مستند العروة: «لو كان الباعث على السفر الالزام من قبل العقل أو الشرع بحيث لايسعه التخلّف عنه، فهو لاجرم مقهور عليه في ارادته لا مفرّ منها و لا مخلص عنها، و مثله مصداق لغلبة اللّه بطبيعة الحال. انتهى».(3)
فما في الوسيلة و السرائر و ظاهر الخلاف (كما في الجواهر) من أنّ السفر قاطع للتتابع، بل صرّح في الثاني بعدم الفرق بين المضطرّ و المختار، خلاف التحقيق، كما أنّ ما استشكل به صاحب الحدائق في غير محلّه. فالحقّ عذريّة السفر الضروري كما في المعتبر، و قطع الفاضل به و الشهيد في الدروس (على ما في الجواهر). و أمّا قول صاحب الجواهر من عدم الفرق بين السفر الضروري و الاختياري و كأنّه مقتضى اطلاق كلام الشيخ في النهاية في عذريّة السفر، فلايمكن المساعدة عليه، فانّه قال: «لايبعد ظهور قوله عليهالسلام: «اللّه حبسه» في تناول
السفر و ان لميكن ضروريّا باعتبار كونه محبوسا عن الصوم معه، بل هو حينئذٍ ممّا غلب اللّه عليه باعتبار كون منع الصوم فيه منه، فيكون ذلك كناية عن كلّ ما ينافي الصوم اذا لميكن من قبل المكلّف، بمعنى أنّه لاينافي التتابع الاّ التعمّد للافطار ـ الى أنقال: ـ و منه يعلم حينئذٍ أنّه لا فرق في المرض و الحيض و غيرهما من الأعذار التي يرتفع خطاب الصوم معها بين أنتكون أسبابها من اللّه عزّوجلّ و بين أنتكون من العبد، فانّها على كلّ حال تكون أعذارا و قد حبسه اللّه تعالى عن الصوم معها و غلبه عليها. انتهى».(1)
قال في مستند العروة: «لا وجه لقصر النظر على المسبّب و الغاء السبب (كما صنعه صاحب الجواهر) ضرورة أنّ الافطار بعد اختيار السفر و ان كان ممّا ألزم عليه الشارع الاّ أنّ هذا المقدار لايكفي في جعله ممّا غلب اللّه بعد أنكانت تلك المقهوريّة الشرعيّة مستندة الى اختيار المكلّف، فهذا غير كافٍ في صدق الغلبة. انتهى ملخّصا».(2)
و من العذر ما اذا نسي النيّة حتّى فات وقتها بأن تذكّر بعد الزوال و منه أيضا ما اذا نسي فنوى صوما آخر و لميتذكّر الاّ بعد الزوال و منه أيضا ما اذا نذر قبل تعلّق الكفّارة صوم كلّ خميس فانّ تخلّله في أثناء التتابع لايضرّ به، و لايجب عليه الانتقال الى غير الصوم من الخصال في صوم الشهرين لأجل هذا التعذّر. نعم لو كان قد نذر صوم الدهر قبل تعلّق الكفّارة اتّجه الانتقال الى سائر الخصال.
الشرح:
اختلفوا في أنّ نسيان النيّة حتّى فات وقتها في أثناء ما يشترط فيه التتابع من العذر؛
قال في المدارك: «و لو نسي النيّة في بعض أيّام الشهر حتّى فات محلّها فسد صوم ذلك اليوم، و هل ينقطع التتابع بذلك؟ قيل: نعم، لأنّ فساد الصوم يقتضي عدم تحقّق التتابع، و قيل: لا، لحديث «رُفع»، و ظاهر التعليل المستفاد من قوله عليهالسلام: «اللّه حبسه» و قوله عليهالسلام: «و ليس على ما غلب اللّه عزّوجلّ عليه شيء»، و به قطع الشارح قدسسره(الشهيد الثاني في المسالك)، و لايخلو من قوّة. انتهى».(1)
قال في الحدائق: «انّ ظاهر حديث «رُفع القلم» انّما هو بالنسبة الى عدم المؤاخذة و ترتّب العقاب على ذلك لا صحّة العبادة، و ظاهر التعليل المذكور في الخبرين لايشمل مثل هذا كما أشرنا اليه آنفا، فانّ النسيان انّما هو من الشيطان كما يدلّ عليه قوله عزّوجلّ: فأنساه الشيطان ذكر ربّه(2)و قوله: و إمّا يُنسيَنّك الشيطانُ فلاتقعُد بعد الذكرى ... الآية(3)و قوله: «و ما أنسانيه الاّ الشيطانُ»(4)لا من اللّه عزّوجلّ. و يؤيّده ما هو المشهور من وجوب القضاء على ناسي النجاسة كما تكاثرت به الأخبار الصريحة. و به يظهر أنّ ما اختاره صاحب المدارك لايخلو من ضعف. انتهى».(5)
قلت:
الظاهر أنّ نسيان النيّة حتّى فات وقتها عذر، كما يشهد به العرف، و ما ناقشه صاحب الحدائق ففيه أوّلاً: أنّ عدم المؤاخذة و رفع العقاب دليل على أنّه كان
معذورا.
و ثانيا: ليس كلّ نسيان مستندا الى الشيطان، فمن طال عمره و غلب عليه النسيان فهل هو من الشيطان؟! و كذلك من عرض به مرض و عارضه النسيان بسببه فهل هو من الشيطان؟!
و ثالثا: كلّ ما أصاب الانسان من مخلوق يصحّ أنيسند الى اللّه تعالى مع حفظ الاختيار لأنّه «لا جبر و لا تفويض بل أمر بين الأمرين».
قال صاحب الجواهر: «لو نسي النيّة حتّى فات وقتها أو نام عنها كذلك، فانّ صوم ذلك اليوم باطل، الاّ أنّه لايقطع التتابع للعذريّة و دعوى أنّ النسيان من الشيطان فلايكون عذرا كماترى. انتهى».(1)
و يلحق بنسيان النيّة ما لو نذر أنيصوم كلّ خميس مثلاً، فانّه ـ كما قال المصنّف ـ لايضرّ تخلّله في الأثناء بالتتابع، و لايجب عليه الانتقال الى غير الصوم من الخصال في صوم الشهرين لأجل هذا التعذّر. نعم لو كان قد نذر صوم الدهر قبل تعلّق الكفّارة اتّجه الانتقال الى سائر الخصال.
(مسألة 7): كلّ من وجب عليه شهران متتابعان من كفّارة معيّنة أو مخيّرة اذا صام شهرا و يوما متتابعا يجوز له التفريق في البقيّة و لو اختيارا لا لعذر، و كذا لو كان من نذر أو عهد لميشترط فيه تتابع الأيّام جميعها و لميكن المنساق منه ذلك.
الشرح:
و ذلك لما تقدّم من صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليهالسلام عن قطع صوم كفّارة اليمين و كفّارة الظهار و كفّارة القتل، فقال:
1) ـ جواهر الكلام 17: 76.
«ان كان على رجل صيام شهرين متتابعين و التتابع أنيصوم شهرا و يصوم من الآخر شيئا أو أيّاما منه، فان عرض له شيء يفطر منه أفطر ثمّ يقضي ما بقي عليه، و ان صام شهرا ثمّ عرض له شيء فأفطر قبل أنيصوم من الآخر شيئا فلميتابع أعاد الصوم كلّه. الحديث».(1)
ثمّ اعلم أنّ المراد ممّا عرض له في قوله عليهالسلام: «فان عرض له شيء» ليس هو العذر العقلي أو الشرعي بل المراد منه ما يصدق معه تعمّد الافطار، و ذلك لما مرّ من أنّ العذر العارض في أثناء الصوم المشروط فيه التتابع لايضرّ بالتتابع، و لايجب الاستيناف، بل بعد رفع العذر يبني على ما مضى. و أمّا لو نذر شهرين متتابعين فهو على قسمين، فقد ينذر مطلق الشهرين من دون قيد بتتابع الأيّام جميعها أو عدم التتابع، فهذا ملحق بما لو كان عليه كفّارة شهرين متتابعين لاطلاق قول المعصوم عليهالسلام في صحيحة الحلبي، فلو صام شهرا و يوما من الشهر الآخر، يجزي التفريق فيما بقي. و قد ينذر الشهرين و يقيّده بتتابع الأيّام فهذا يجب عليه التتابع في جميعها، نعم لو عارضه عذر، لايقطع التتابع لاطلاق ما مرّ من الدليل. و قد ينذر الشهرين و يقيّده بما يختاره، و هذا أيضا واضح بأنّه لايجب فيه التتابع.
و ألحق المشهور بالشهرين الشهر المنذور فيه التتابع فقالوا اذا تابع في خمسهعشر يوما منه يجوز له التفريق في البقيّة اختيارا و هو مشكل، فلايترك الاحتياط فيه بالاستيناف مع تخلّل الافطار عمدا و ان بقي منه يوم، كما لا اشكال في عدم جواز التفريق اختيارا مع تجاوز النصف في سائر أقسام الصوم المتتابع.
الشرح:
1) ـ وسائل الشيعة 7: 273 / الباب الثالث من أبواب بقيّة الصوم الواجب / الحديث التاسع.
المشهور الحاق الشهر المنذور فيه التتابع بالشهرين، بمعنى أنّه اذا تابع في خمسهعشر يوما يجوز له التفريق في البقيّة اختيارا و ذلك لروايتي موسى بن بكر و الفضيل بن يسار. ففي رواية الفضيل عن أبي عبداللّه عليهالسلام في رجل جعل عليه صوم شهر فصام منه خمسهعشر يوما ثمّ عرض له أمر، فقال:
«ان كان صام خمسهعشر يوما فله أنيقضي ما بقي و ان كان أقلّ من خمسهعشر يوما لميجزه حتّى يصوم شهرا تامّا».(1)
و مثلها ما رواه الشيخ عن موسى بن بكر عن أبي عبداللّه عليهالسلام. و في سندهما موسى بن بكر فانّه و ان لميوثّق صريحا في كتب الرجال لكنّه مذكور في أسناد تفسير علي بن ابراهيم فهذا الأمر يقرّب وثاقته، مضافا الى عمل المشهور بهما و هو منجبر.
قال في الحدائق: «و لاأعلم في ذلك خلافا بين الأصحاب الاّ ما يظهر من السيّد السند في المدارك قال فيه بعد نقل الخبرين المذكورين: «و ضعف الروايتين يمنع من العمل بهما. و على نحوه حذا الفاضل الخراساني في الذخيرة». و لا ريب أنّ الخبرين المذكورين و ان كانا ضعيفين الاّ أنّهما مجبوران باتّفاق الأصحاب على العمل بمضمونهما فانّه لا رادّ لهما و لا مخالف في هذا الحكم غيرهما. انتهى ملخّصا».(2)
و قال في الجواهر: «على المشهور بين الأصحاب، بل في السرائر الاجماع عليه، لخبري موسى بن بكر و الفضيل بن يسار المتقدّمين المنجبرين سندا و دلالة بذلك. انتهى».(3)
فتحصّل أنّ الأقوى ما ذهب اليه المشهور، فاشكال المصنّف و الاحتياط منه
بالاستيناف مع تخلّل الافطار عمدا و ان بقي منه يوم، في غير محلّه.
ثمّ انّه لا اشكال في عدم جواز التفريق الاختياري مع تجاوز النصف في غير ما مرّ من سائر أقسام الصوم المشروط فيه التتابع، كما نبّه عليه في المتن لعدم الدليل عليه، فالقاعدة الاستيناف لو فعل ذلك لغير عذر.
(مسألة 8): اذا بطل التتابع في الأثناء لايكشف عن بطلان الأيّام السابقة فهي صحيحة و ان لمتكن امتثالاً للأمر الوجوبي و لا الندبي لكونها محبوبة في حدّ نفسها من حيث أنّها صوم، و كذلك الحال في الصلاة اذا بطلت في الأثناء فانّ الأذكار و القراءة صحيحة في حدّ نفسها من حيث محبوبيّتها لذاتها.
الشرح:
اذا بطل التتابع في الأثناء و وجب الاستيناف فهل يكشف ذلك عن بطلان الأيّام السابقة أو انّها محكومة بالصحّة في نفسها؟
قد يقال بالأوّل نظرا الى أنّ ما قصد لميقع و ما وقع لميقصد، و لا عبادة الاّ عن قصد، نعم يترتّب عليها الثواب لانقياده لأمر اللّه تعالى.
الظاهر الثاني كما نبّه به المصنّف، و ذلك لأنّ الصوم بنفسه عبادة مستقلّة لورود الأمر به، فالكفّارة و ان كانت صوم الشهرين المتتابعين، بحيث لو لميكونا متتابعين لمتكن كفّارة، لأنّ الأمر بالكفّارة تعلّق بصيام شهرين متتابعين لا بمطلق الصيام، فحيث لمتكن كفّارة لمتكن امتثال للأمر، الاّ أنّ ما وراء هذا الأمر، يكون الأمر الاستحبابي بمطلق الصوم، فانّه صام و جاء بذلك الأمر في ضمن الأمر بالكفّارة، فيترتّب عليه ثواب الصيام.
و هكذا يكون الحال فيمن كبّر للصلاة و قرأ و ركع و جاء بالذكر ثمّ بطل صلاته، فانّ قراءته هذه و ذكره صحيحان و يترتّب عليهما ثواب القراءة و الذكر.
أقسام الصوم أربعة: واجب، و ندب، و مكروه كراهة عبادة، و محظور.
و الواجب أقسام: صوم شهر رمضان، و صوم الكفّارة، و صوم القضاء، و صوم بدل الهدي في حجّ التمتّع و صوم النذر و العهد و اليمين و الملتزم بشرط أو اجارة و صوم اليوم الثالث من أيّام الاعتكاف. أمّا الواجب فقد مرّ جملة منه.
و أمّا المندوب منه فأقسام:
منها: ما لايختصّ بسبب مخصوص و لا زمان معيّن كصوم أيّام السنة عدا ما استثني من العيدين و أيّام التشريق لمن كان بمنى فقد وردت الأخبار الكثيرة في فضله من حيث هو و محبوبيّته و فوائده، و يكفي فيه ما ورد في الحديث القدسي: «الصوم لي و أنا أجازي به». و ما ورد من «أنّ الصوم جنّة من النار» و «أنّ نوم الصائم عبادة و صمته تسبيح و عمله متقبّل و دعاؤه مستجاب» و نعم ما قال بعض العلماء من أنّه لو لميكن في الصوم الاّ الارتقاء عن حضيض حظوظ النفس البهيميّة الى ذروة التشبّه بالملائكة الروحانيّة لكفى به فضلاً و منقبة و شرفا.
و منها: ما يختصّ بسبب مخصوص و هي كثيرة مذكورة في كتب الأدعية.
و منها: ما يختصّ بوقت معيّن و هو في مواضع:
منها ـ و هو آكدها ـ : صوم ثلاثة أيّام من كلّ شهر فقد ورد أنّه يعادل صوم الدهر و يذهب بوحر الصدر و أفضل كيفيّاته ما عن المشهور و يدلّ عليه جملة من الأخبار، و هو أنيصوم أوّل خميس من الشهر و آخر خميس منه و أوّل أربعاء في العشر الثاني و من تركه يستحبّ له قضاؤه و مع العجز عن صومه لكبر و نحوه يستحبّ أنيتصدّق عن كلّ يوم بمدّ من طعام أو بدرهم.
و منها: صوم أيّام البيض من كلّ شهر و هي الثالث عشر و الرابع عشر و الخامس عشر على الأصحّ المشهور و عن العمّاني أنّها الثلاثة المتقدّمة.
و منها: صوم يوم مولد النبي صلىاللهعليهوآله و هو السابع عشر من ربيع الأوّل على الأصحّ و عن الكليني رحمهالله أنّه الثانيعشر منه.
و منها: صوم يوم الغدير و هو الثامنعشر من ذيالحجّة.
و منها: صوم يوم مبعث النبي صلىاللهعليهوآله و هو السابع و العشرون من رجب.
و منها: يوم دحو الأرض من تحت الكعبة و هو اليوم الخامس و العشرون من ذيالقعدة.
و منها: يوم عرفة لمن لايضعّفه الصوم عن الدعاء.
و منها: يوم المباهلة و هو الرابع و العشرون من ذيالحجّة.
و منها: كلّ خميس و جمعة معا أو الجمعة فقط.
و منها: أوّل ذيالحجّة بل كلّ يوم من التسع فيه.
و منها: يوم النيروز.
و منها: صوم رجب و شعبان كلاًّ أو بعضا و لو يوما من كلّ منهما.
و منها: أوّل يوم من المحرّم و ثالثه و سابعه.
و منها: التاسع و العشرون من ذيالقعدة.
و منها: صوم ستّة أيّام بعد عيد الفطر بثلاثة أيّام أحدها العيد.
و منها: يوم النصف من جمادي الأولي.
(مسألة 1): لايجب اتمام صوم التطوّع بالشروع فيه بل يجوز له الافطار الى الغروب و ان كان يكره بعد الزوال.
(مسألة 2): يستحبّ للصائم تطوّعا قطع الصوم اذا دعاه أخوه المؤمن الى الطعام بل قيل بكراهته حينئذٍ.
و أمّا المكروه منه بمعنى قلّة الثواب ففي مواضع أيضا:
منها: صوم عاشوراء.
و منها: صوم عرفة لمن خاف أنيضعّفه عن الدعاء الذي هو أفضل من الصوم و كذا مع الشكّ في هلال ذيالحجّة خوفا من أنيكون يوم العيد.
و منها: صوم الضيف بدون اذن مضيّفه و الأحوط تركه مع نهيه بل الأحوط تركه مع عدم اذنه أيضا.
و منها: صوم الولد بدون اذن والده بل الأحوط تركه خصوصا مع النهي بل يحرّم اذا كان ايذاءًا له من حيث شفقته عليه و الظاهر جريان الحكم في ولد الولد بالنسبة الى الجدّ و الأولى مراعاة اذن الوالدة و مع كونه ايذاءًا لها يحرّم كما في
الوالد.
و أمّا المحظور منه ففي مواضع أيضا:
«أحدها»: صوم العيدين الفطر و الأضحى و ان كان عن كفّارة القتل في أشهر الحرم و القول بجوازه للقاتل شاذّ و الرواية الدالّة عليه ضعيفة سندا و دلالة.
«الثاني»: صوم أيّام التشريق و هي الحاديعشر و الثانيعشر و الثالثعشر من ذيالحجّة لمن كان بمنى و لا فرق على الأقوى بين الناسك و غيره.
«الثالث»: صوم يوم الشكّ في أنّه من شعبان أو رمضان بنيّة أنّه من رمضان و أمّا بنيّة أنّه من شعبان فلا مانع منه كما مرّ.
«الرابع»: صوم وفاء نذر المعصية بأنينذر الصوم اذا تمكّن من الحرام الفلاني أو اذا ترك الواجب الفلاني يقصد بذلك الشكر على تيسّره و أمّا اذا كان بقصد الزجر عنه فلابأس به. نعم يلحق بالأوّل في الحرمة ما اذا نذر الصوم زجرا عن طاعة صدرت منه أو عن معصية تركها.
«الخامس»: صوم الصمت بأنينوي في صومه السكوت عن الكلام في تمام النهار أو بعضه بجعله في نيّته من قيود صومه و أمّا اذا لميجعله قيدا و ان صمت فلابأس به بل و ان كان في حال النيّة بانيا على ذلك اذا لميجعل الكلام جزءًا من المفطرات و تركه قيدا في صومه.
«السادس»: صوم الوصال و هو صوم يوم و ليلة الى السحر أو صوم يومين بلا افطار في البين، و أمّا لو أخّر الافطار الى السحر أو الى الليلة الثانية مع عدم قصد جعل تركه جزءًا من الصوم فلابأس به و ان كان الأحوط عدم التأخير الى السحر مطلقا.
«السابع»: صوم الزوجة مع المزاحمة لحقّ الزوج و الأحوط تركه بلا اذن منه بل لايترك الاحتياط مع نهيه عنه و ان لميكن مزاحما لحقّه.
«الثامن»: صوم المملوك مع المزاحمة لحقّ المولى و الأحوط تركه من دون اذنه بل لايترك الاحتياط مع نهيه.
«التاسع»: صوم الولد مع كونه موجبا لتألّم الوالدين و أذيّتهما.
«العاشر»: صوم المريض و من كان يضرّه الصوم.
«الحادي عشر»: صوم المسافر الاّ في الصور المستثناة على ما مرّ.
«الثاني عشر»:صوم الدهر حتّى العيدين على ما في الخبر و ان كان يمكن أنيكون من حيث اشتماله عليهما لا لكونه صوم الدهر من حيث هو.
(مسألة 3): يستحبّ الامساك تأدّبا في شهر رمضان و ان لميكن صوما في مواضع:
«أحدها»: المسافر اذا ورد أهله أو محلّ الاقامة بعد الزوال مطلقا أو قبله و قد أفطر و أمّا اذا ورد قبله و لميفطر فقد مرّ أنّه يجب عليه الصوم.
«الثاني»: المريض اذا برأ في أثناء النهار و قد أفطر و كذا لو لميفطر اذا كان بعد الزوال بل قبله أيضا على ما مرّ من عدم صحّة صومه و ان كان الأحوط تجديد النيّة و الاتمام ثمّ القضاء.
«الثالث»: الحائض و النفساء اذا طهرتا في أثناء النهار.
«الرابع»: الكافر اذا أسلم في أثناء النهار أتى بالمفطر أم لا.
«الخامس»: الصبي اذا بلغ في أثناء النهار.
«السادس»: المجنون و المغمى عليه اذا أفاقا في أثنائه.
هذا تمام الكلام
في شرح كتاب الصوم من العروة الوثقى
و قد تمّ بعون اللّه الملك العلاّم بيد أقلّ العباد
سيّد علي محمّد دستغيب الحسينيفي شهر شعبان المعظّم 1421
و نرجو أن لايكون فيه شيء من الأغلاط المطبعيّة بما اهتمّ به أصدقاؤنا الطلاّب
فنطلب لهم من اللّه التوفيق و القبول و قد بقي الكلام في أحكام الاعتكاف
و لمّا لمتذكر في العروة أتينا بها و شرحناها
فيما يأتي من كتاب تحرير الوسيلة
للامام الخميني قدسسره.
و هو اللبث في المسجد بقصد العبادة بل لايبعد كفاية قصد التعبّد بنفس اللبث و ان لميضمّ اليه قصد عبادة أخرى خارجة عنه، لكنّ الأحوط الأوّل.
الشرح:
القول في تعريفه و بعض أحكامه
قال في الشرائع: «الاعتكاف هو اللبث المتطاول للعبادة».(1)
و في المدارك: «الاعتكاف لغة: الاحتباس، قال الجوهري: «عكفه أي حبسه و وقفه، يعكُفه و يُعكفه عكفا، و منه قوله تعالى: «و الهدي معكوفا»، و منه الاعتكاف في المسجد و هو الاحتباس، و عكف على الشيء يعكُف و يُعكف عُكوفا، أي أقبل عليه مواظبا، قال اللّه تعالى: «يعكفون على أصنام لهم»، و عكفوا حول الشيء: استداروا». و نحوه في القاموس. و قال ابن الأثير في نهايته: «الاعتكاف و العكوف هو الاقامة على الشيء بالمكان». و هو منقول في الشرع الى معنى أخصّ من ذلك، و عرّفه المحقّق في الشرائع بأنّه «اللبث المتطاول للعبادة». و عرّفه الشهيد في الدروس بأنّه «لبث في مسجد جامع ثلاثة أيّام فصاعدا صائما
1) ـ شرائع الاسلام 1: 192.
للعبادة». و الأجود تعريفه بأنّه «لبث في مسجد جامع مشروط بالصوم ابتداءً». انتهى ملخّصا».(1)
أقول:
الظاهر أنّ تعريف الشهيد في الدروس هو الأجود و ان كان لابأس بما عرّفه به في المدارك و غيره؛ و كذا تعريف المصنّف رحمهالله لأنّ تعاريفهم ليست تعاريف حقيقيّة و انّما هي شرح للاسم، كما أنّه مراد الفقهاء في تعاريفهم ألفاظ العبادات و المعاملات.
و يصحّ في كلّ وقت يصحّ فيه الصوم و أفضل أوقاته شهر رمضان و أفضله العشر الأواخر منه.
الشرح:
انّ من شروط الاعتكاف الصوم فلايصحّ الاّ في وقت يصحّ فيه الصوم و ممّن يصحّ منه الصوم كما سيأتي.
و قال في الشرائع: «فلايصحّ الاّ في زمان يصحّ فيه الصوم ممّن يصحّ منه فان اعتكف في العيدين لميصحّ و كذا لو اعتكف الحائض أو النفساء».(2)
و يدلّ على أفضليّته في شهر رمضان و العشر الأواخر منه ما سيأتي من فعل رسولاللّه صلىاللهعليهوآله، الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان و ما رواه السكوني عن الصادق عليهالسلام عن آبائه عليهمالسلام أنّ رسولاللّه صلىاللهعليهوآله قال:
«اعتكاف عشر في شهر رمضان تعدل حجّتين و عمرتين».(3)
و ينقسم الى واجب و مندوب، و الواجب منه ما وجب بنذر أو عهد أو يمين أو شرط في ضمن عقد أو اجارة أو نحو ذلك و الاّ ففي أصل الشرع مستحبّ.
الشرح:
انّ الاعتكاف مستحبّ في أصل الشرع و قد يجب ـ كسائر المستحبّات ـ بأسباب كالنذر أو العهد أو اليمين أو الشرط في ضمن العقد أو أمر الوالدين أو غير ذلك و يدلّ على استحبابه في أصل الشرع الكتاب و السنّة و الاجماع:
أمّا الكتاب فقوله تعالى: «و لاتباشروهنّ و أنتم عاكفون في المساجد»(1)، و قوله تعالى: «أنطهّرا بيتي للطائفين و العاكفين و الركّع السجود»(2).
و أمّا السنّة فمنها صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«كان رسولاللّه صلىاللهعليهوآله اذا كان العشر الأواخر اعتكف في المسجد، و ضربت له قبّة من شعر و شمّر المئزر و طوى فراشه».(3)
و صحيحته الثانية عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«كانت بدر في شهر رمضان فلميعتكف رسولاللّه صلىاللهعليهوآله، فلمّا أنكان من قابل اعتكف رسولاللّه صلىاللهعليهوآله عشرين، عشرا لعامه و عشرا قضاءً لما فاته».(4)
و رواية أبي العبّاس عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«اعتكف رسولاللّه صلىاللهعليهوآله في شهر رمضان في العشر الأولى ثمّ اعتكف في الثانية في العشر الوسطى، ثمّ اعتكف في الثالثة في العشر
الأواخر، ثمّ لميزل صلىاللهعليهوآله يعتكف في العشر الأواخر».(1)
و كذا يدلّ عليه الاجماع من الأصحاب كما في الجواهر: «و على كلّ حال فالاجماع من المسلمين بقسميه على مشروعيّته على وجه الندب».(2)
ثمّ انّه يصحّ ممّن كان مؤمنا مميّزا و ان لميكن بالغا لمشروعيّة عبادات الصبي كما استدللنا عليه في كتاب الصلاة فراجع.
و يجوز الاتيان به عن نفسه و عن غيره الميّت و في جوازه نيابة عن الحيّ قولان لايبعد ذلك، بل هو الأقوى و لايضرّ اشتراط الصوم فيه فانّه تبعي فهو كالصلاة في الطواف الذي يجوز فيه النيابة عن الحيّ.
الشرح:
و في المستمسك ـ في ذيل كلام المصنّف: «و في جوازه نيابة عن الحيّ قولان» ـ قال: «أحدهما المنع كما في رسالة كاشف الغطاء حيث قال فيها: «تجوز نيّته عن الميّت و الأموات دون الأحياء». ثانيهما: الجواز كما في الجواهر قال: «و لايقدح ما فيه من النيابة في الصوم كالصلاة في الطواف»».(3)
أقول:
الاتيان بالعبادات نيابة عن الغير بالنسبة الى الميّت أو الحيّ يحتاج الى النصّ؛ لأنّ أوامر العبادات سواء كانت واجبة أو مستحبّة تكاليف نفسيّة لايتحمّلها الغيرعلى ما هو ظاهر النصوص الاّ أنّه بالنسبة الى الميّت قد ورد فيه جواز النيابة عنه.
و أمّا بالنسبة الى الحيّ قد ورد فيه جواز النيابة في الحجّ فقط دون غيره، الاّ أنّ
هناك روايتين: احداهما رواية علي بن حمزة البطائني قال:
«قلت لأبي ابراهيم عليهالسلام: أحجّ و أصلّي و أتصدّق عن الأحياء و الأموات من قرابتي و أصحابي؟ قال: نعم، تصدّق عنه و صلّ عنه و لك أجر بصلتك ايّاه».(1)
و هي ضعيفة السند، مضافا الى أنّها بحكم المرسلة.
و ثانيتهما: رواية محمّد بن مروان قال:
«قال أبو عبداللّه عليهالسلام: ما يمنع الرجل منكم أنيبرّ والديه حيّين أو ميّتين يصلّي عنهما و يحجّ عنهما و يصوم عنهما فيكون الذي صنع لهما و له مثل ذلك، فيزيد اللّه عزّوجلّ ببرّه و صلته خيرا كثيرا».(2)
و هي أيضا مخدوشة سندا و دلالة، فمن جهة السند ضعيفة لمحمّد بن مروان و هو محمّد بن علي الكوفي الصيرفي أبو سمينة و هو ضعيف.
و أمّا من جهة الدلالة فلتوقّف الدلالة على كون مرجع ضمائر التثنية «والديه» ليعمّ الحيّ و الميّت، و هو غير ظاهر؛ لجواز الرجوع الى الأقرب أعني ميّتين، كما في المستند.(3)
القول في شروط الاعتكاف
و يشترط في صحّته أمور: «الأوّل»: الايمان فلايصحّ من غيره.
«الثاني»: العقل فلايصحّ من المجنون و لو أدوارا في دوره و لا من السكران و غيره من فاقدي العقل.
الشرح:
أمّا شروط الاعتكاف فثمانية:
الأوّل: الايمان
و ذلك لأنّ صحّة العبادات منوطة بالايمان فلايصحّ من الكافر و المخالف كما يدلّ عليه الروايات الكثيرة الدالّة على أنّ صحّة العبادات بأسرها منوطة بالولاية، فغير الموالي للأئمّة الاثنيعشر عليهمالسلام أعماله كسراب بقيعة وجودها كالعدم و لاتزيده الاّ حسرة و ندامة.
فاذا كان الحال هكذا في فاقد الايمان ففي فاقد الاسلام بطريق أولى. على أنّ الكافر ممنوع من اللبث في المسجد الذي يتقوّم به الاعتكاف، و لا أقلّ من أجل كونه جنبا غافلاً، مضافا الى أنّه مشروط بالصوم كما سيجيء و لايصحّ الصوم من الكافر.
الثاني: العقل
و ذلك لعدم الاعتبار بقصده و الحال أنّ صحّة العبادات بل جميع الأعمال مشروطة بالقصد.
قال في المستند: «لعدم الاعتبار بقصده بعد أنكان مرفوعا عنه القلم، و من هنا كان عمده خطأ و ديته على العاقلة، فقصده في حكم العدم و لا عبادة الاّ مع القصد. و قد ورد في النصّ: «انّ أوّل ما خلق اللّه العقل و أنّه تعالى خاطبه بقوله: بك أثيب و بك أعاقب. الخ» فالعقل اذن هو المناط في الثواب و العقاب، و المدار في الطاعة
و العصيان، فلا أثر لعبادة المجنون. و حديث رفع القلم و ان كان واردا في الصبي أيضا حتّى يحتلم، الاّ أنّا استكشفنا مشروعيّة عباداته ممّا ورد من قوله عليهالسلام: «مروا صبيانكم بالصلاة و الصيام»، بل في بعضها الأمر بضرب الصبي و تأديبه لو لميصلّ لسبع، و قد ذكرنا في الأصول أنّ الأمر بالأمر بشيء أمر بذلك الشيء، فنفس العبادة الصادرة من الصبي متعلّق لأمر الشارع بمقتضى هذا الدليل، غير أنّ الأمر استحبابي لا وجوبي، و من هنا كان المرفوع قلم الالزام لا قلم التشريع، و بذلك افترق عن المجنون؛ لعدم ورود مثل هذا الدليل فيه و لأجله بنينا في محلّه على أنّ عبادات الصبي شرعيّة و ليست بتمرينيّة فيصحّ الاعتكاف منه دون المجنون».(1)
«الثالث»: نيّة القربة كما في غيره من العبادات، و التعيين اذا تعدّد و لو اجمالاً و لايعتبر فيه قصد الوجه كما في غيره من العبادات و ان أراد أنينوي الوجه ففي الواجب منه ينوي الوجوب و في المندوب الندب، و لايقدح في ذلك كون اليوم الثالث الذي هو جزء منه واجبا؛ لأنّه من أحكامه فهو نظير النافلة اذا قلنا بوجوبها بعد الشروع فيها، ولكنّ الأولى ملاحظة ذلك حين الشروع فيه بل تجديد نيّة الوجوب في اليوم الثالث. و وقت النيّة قبل الفجر و في كفاية النيّة في أوّل الليل كما في صوم شهر رمضان، اشكال. نعم، لو كان الشروع فيه في أوّل الليل أو في أثنائه نوى في ذلك الوقت و لو نوى الوجوب في المندوب أو الندب في الواجب اشتباها لميضرّ الاّ اذا كان على وجه التقييد لا الاشتباه في التطبيق.
الشرح:
الثالث: النيّة
قال في الشرائع: «و تجب فيه نيّة القربة، ثمّ ان كان منذورا نواه واجبا و ان كان
1) ـ المستند في شرح العروة 22: 341.
مندوبا نوى الندب و اذا مضى له يومان وجب الثالث على الأظهر و جدّد نيّة الوجوب».(1)
أقول:
أمّا نيّة القربة فانّها شرط في كلّ عبادة و لاتقبل الاّ بها؛ لقوله تعالى: «ألا للّه الدين الخالص»(2)و كذا قوله صلىاللهعليهوآله:
«انّما الأعمال بالنيّات و لكلّ امرئ ما نوى».(3)
فلو كان خاليا من النيّة أو كان نيّته غير اللّه أو أشرك فيها غيره، لميصحّ. و المراد بالنيّة ما يحرّك الشخص نحو العمل، فلايعتبر فيها جريانها على اللسان بل و لا اخطارها بالقلب.
و أمّا قصد الوجه من الوجوب أو الندب، فلايكون شرطا في صحّة أيّ عبادة و منها الاعتكاف؛ لعدم الدليل عليه.
و أمّا قصد التمييز فان كان قد نذر الاعتكاف فعليه قصده. و أمّا التعيين فان كان عليه اعتكافان أو أزيد فعليه أنيعيّن امتثال أحدهما أو أحدها.
و أمّا بالنسبة الى تجديد نيّة الوجوب في اليوم الثالث، فبعد ما قلنا من عدم اعتبار قصد الوجه فلايحتاج الى ذلك.
و أمّا وقت النيّة فبعد ما مضى في موارد مختلفة من نيّة الصلاة و الصوم و الحجّ و غيرها من أنّ النيّة عبارة عن قصد قلبي مرتكز في الذهن بحيث يبعث الشخص نحو المقصود فلايحتاج الى تعيين الوقت، فالمهمّ هو كون العمل عن قصد و لو كان مرتكزا في ذهنه.
و قد ذكرنا في كتاب الصلاة تفصيل ما يعتبر في النيّة و ما لايعتبر، فراجع.
«الرابع»: الصوم فلايصحّ بدونه، و على هذا فلايصحّ وقوعه من المسافر في غير المواضع التي يجوز له الصوم فيها، و لا من الحائض و النفساء و لا في العيدين، بل لو دخل فيه قبل العيد بيومين لميصحّ و ان كان غافلاً حين الدخول. نعم، لو نوى اعتكاف زمان يكون اليوم الرابع أو الخامس منه العيد فان كان على وجه التقييد بالتتابع لميصحّ، و ان كان على وجه الاطلاق لايبعد صحّته فيكون العيد فاصلاً بين أيّام الاعتكاف.
الشرح:
الرابع: الصوم
و في المدارك: «هذا الشرط مجمع عليه بين الأصحاب».(1)
و في الجواهر: «بلا خلاف أجده فيه بيننا، بل الاجماع بقسميه عليه».(2)
أقول:
يدلّ على هذا الشرط روايات:
منها صحيحة محمّد بن مسلم قال:
«قال أبو عبداللّه عليهالسلام: لا اعتكاف الاّ بصوم».(3)
و صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«لا اعتكاف الاّ بصوم في مسجد الجامع. الحديث».(4)
و رواية أبي العبّاس عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«لا اعتكاف الاّ بصوم».(5)
فما هو الظاهر من هذه الروايات و أمثالها أوّلاً: انّ الصوم من أركان الاعتكاف، فلو فقد لميكن اعتكاف.
و ثانيا: انّه يكفي وقوع الصوم بأيّ وجه اتّفق واجبا كان أو مندوبا، صوم شهر رمضان كان أو غيره، و يدلّ عليه تنكير لفظ الصوم الواقع في الروايات. و ادّعى في المعتبر على ذلك الاجماع بقوله: «و عليه فتوى علمائنا».(1)
و سيأتي أنّه لايجب التتابع الاّ في الثلاثة، فلو نذر اعتكاف عشرة أيّام و أطلق و لميكن قرينة على التتابع في كلّها، فلايجب التتابع في أكثر من ثلاثة أيّام، فيجب عليه امّا أنيتتابع في الكلّ و امّا أنيجعلها ثلاثة ثلاثة، و ان بقي منه يوم واحد فعليه أنيضمّ اليه يومين ليصحّ اعتكافه.
و منه يظهر حكم ما لو نذر اعتكاف عشرة أيّام معيّنة، رابعها أو خامسها العيد.
«الخامس»: أنلايكون أقلّ من ثلاثة أيّام فلو نواه كذلك بطل. و أمّا الأزيد فلابأس به و ان كان الزائد يوما أو بعضه أو ليلة أو بعضها و لا حدّ لأكثره. نعم، لو اعتكف خمسة أيّام وجب السادس بل ذكر بعضهم أنّه كلّما زاد يومين وجب الثالث فلو اعتكف ثمانية أيّام وجب اليوم التاسع و هكذا، و فيه تأمّل. و اليوم من طلوع الفجر الى غروب الحمرة المشرقيّة فلايشترط ادخال الليلة الأولى و لا الرابعة و ان جاز ذلك كما عرفت و يدخل الليلتان المتوسّطتان. و في كفاية الثلاثة التلفيقيّة اشكال.
الشرح:
الخامس: عدد الأيّام و يعتبر كونه ثلاثة أيّام.
1) ـ المعتبر في شرح المختصر 2: 726.
قال في الشرائع: «لايصحّ الاعتكاف الاّ ثلاثة أيّام، فمن نذر اعتكافا مطلقا وجب عليه أنيأتي بثلاثة».(1)
و قال في المدارك: «قال في التذكرة: «هذا قول علمائنا أجمع». و قال في المعتبر: «و قد أجمع علماؤنا على أنّه لايجوز أقلّ من ثلاثة أيّام بليلتين و أطبق الجمهور على خلاف ذلك»».(2)
و في الجواهر: «بلا خلاف أجده فيه بيننا، بل الاجماع بقسميه عليه».(3)
أقول:
يدلّ على ذلك صحيحة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«لايكون الاعتكاف أقلّ من ثلاثة أيّام. الحديث».(4)
و رواية داود بن سرحان قال:
«بدأني أبو عبداللّه عليهالسلام من غير أنأسأله فقال: الاعتكاف ثلاثة أيّام، يعني السنّة ان شاء اللّه».(5)
و صحيحة عمر بن يزيد عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«لايكون اعتكاف أقلّ من ثلاثة أيّام. الحديث».(6)
ثمّ الظاهر أنّه يشترط في الثلاثة كونها متوالية منضمّة بليلتين بينها، و ذلك أوّلاً: لدلالة معنى الاعتكاف عليه لغة و شرعا و عرفا.
و ثانيا: لظاهر صحيحتي الحلبي المتقدّمتين الواردتين في اعتكاف
رسولاللّه صلىاللهعليهوآله و ظاهر صحيحتي محمّد بن مسلم و أبي عبيدة بل لعلّه صريحهما.
و اليك نصّ صحيحة أبي عبيدة عن أبي جعفر عليهالسلام (في حديث) قال:
«من اعتكف ثلاثة أيّام فهو يوم الرابع بالخيار ان شاء زاد ثلاثة أيّام أخر و ان شاء خرج من المسجد، فان أقام يومين بعد الثلاثة فلايخرج من المسجد حتّى يتمّ ثلاثة أيّام أخر».(1)
و ثالثا: لما يتبادر من قوله عليهالسلام في صحيحة عمر بن يزيد: «لايكون اعتكاف أقلّ من ثلاثة أيّام» و كذا رواية داود بن سرحان، من أنّه لا بدّ من كون الثلاثة متوالية، منضمّة بليلتين بينها.
و أمّا دخول الليلة الأولى حتّى يكون اعتكافه ثلاثة أيّام بثلاث ليالٍ، و كذا دخول الليلة المستقبلة حتّى يكون أربع ليالٍ، فهو بعيد من ظاهر الروايات الاّ اذا نذر و قيّد نذره بدخول الليلة الأولى و المستقبلة. فلو نذر اعتكافا و أطلق وجب عليه أنيأتي بثلاثة أيّام و ليلتين؛ لأنّها أقلّ ما يمكن جعله اعتكافا.
ثمّ بناءً على ما قلنا من أنّ أقلّ الاعتكاف ثلاثة أيّام مع الليلتين، فلو دخل في الاعتكاف قبل العيد بيوم أو يومين لميصحّ، و كذا لو نذر الاعتكاف ثلاثة أيّام من دون لياليها لايصحّ على الأقوى.
و لو نذر الزيادة على الثلاثة ـ كما لو نذر عشرة أيّام ـ لايجب التوالي فيما نذره الاّ في ثلاثة ثلاثة، و لايجب فيما زاد عن الثلاثة، فلا بدّ أنيعتكف ثلاثة ثلاثة فما زاد. فان بقي يوم واحد فلا بدّ أنيضمّ اليه يومين حتّى يصحّ اعتكافه. نعم، لو كانت هناك قرينة لفظيّة على اعتبار التوالي يجب، و كذا القرينة المعنويّة كما لو نذر اعتكاف شهر رجب مثلاً أو العشر الأواخر منه، فانّ الاتيان بالمنذور لايتحقّق الاّ بالتتابع. و سيأتي حكم ما لو مضى من الاعتكاف يومان أو خمسة أيّام في المسألة الخامسة.
1) ـ وسائل الشيعة 10: 544 / الباب 4 من كتاب الاعتكاف / الحديث 3.
و أمّا مبدأ اليوم و منتهاه فمن طلوع الفجر الى غروب الشمس، فلايشترط ادخال الليلة الأولى و لا الرابعة، و ان جاز ذلك. و تدخل الليلتان المتوسّطتان.
و أمّا الثلاثة التلفيقيّة ـ بأندخل في الاعتكاف أثناء النهار و بقي من اليوم الرابع بمقدار ما نقص من اليوم الأوّل ـ فلايجوز ذلك؛ لأنّ مبدأ الاعتكاف طلوع الفجر و منتهاه غروب الشمس، كما هو ظاهر الروايات و مفادها عرفا.
«السادس»: أنيكون في المسجد الجامع فلايكفي في غير المسجد و لا في مسجد القبيلة و السوق. و لو تعدّد الجامع تخيّر بينها، ولكن الأحوط مع الامكان كونه في أحد المساجد الأربعة مسجد الحرام و مسجد النبي صلىاللهعليهوآله و مسجد الكوفة و مسجد البصرة.
الشرح:
السادس: المكان
قال في الشرائع: «فلايصحّ الاّ في مسجد جامع و قيل: لايصحّ الاّ في المساجد الأربعة: مسجد مكّة و مسجد النبي صلىاللهعليهوآله و مسجد الجامع بالكوفة و مسجد البصرة. و قائل جعل موضعه مسجد المدائن و ضابطه مسجد جمع فيه نبي أو وصي جماعة. و منهم من قال: جمعة».(1)
و في المدارك: «أجمع العلماء كافّة على أنّ الاعتكاف لايقع الاّ في مسجد، و انّما اختلفوا في تعيينه فقال الشيخ و المرتضى: «لايصحّ الاّ في المساجد الأربعة» و به قال ابن بابويه في كتاب من لايحضره الفقيه و أبو الصلاح و ابن ادريس و اختاره العلاّمة في المختلف. و المفيد جوّز الاعتكاف في كلّ مسجد أعظم. و
1) ـ شرائع الاسلام 1: 193.
مراده به المسجد الجامع و كذا ذهب اليه ابن أبي عقيل و المصنّف و غيرهم من الأصحاب، و هو المعتمد. انتهى ملخّصا».(1)
أقول:
لايقع الاعتكاف الاّ في المسجد الجامع، مضافا الى المساجد الأربعة أي المسجد الحرام و مسجد النبي صلىاللهعليهوآله و مسجد الكوفة و مسجد البصرة.
و الدليل على ذلك صحيحة الحلبي المتقدّمة عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«لا اعتكاف الاّ بصوم في المسجد الجامع. الحديث».
و صحيحة أبي الصباح الكناني عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«سئل عن الاعتكاف في رمضان في العشر الأواخر. قال: انّ عليّا عليهالسلام كان يقول: لاأرى الاعتكاف الاّ في المسجد الحرام أو في مسجد الرسول صلىاللهعليهوآله أو في مسجد جامع».(2)
و صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليهالسلام (في حديث) قال:
«لايصلح العكوف في غيرها ـ يعني غير مكّة ـ الاّ أنيكون في مسجد رسولاللّه صلىاللهعليهوآله أو في مسجد من مساجد الجماعة».(3)
و صحيحة أخرى للحلبي عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«سئل عن الاعتكاف، قال: لايصلح الاعتكاف الاّ في المسجد الحرام أو مسجد الرسول صلىاللهعليهوآله أو مسجد الكوفة أو مسجد جماعة، و تصوم مادمت معتكفا».(4)
و رواية علي بن غراب عن أبي عبداللّه عليهالسلام عن أبيه قال:
«المعتكف يعتكف في المسجد الجامع».(1)
و رواية يحيى بن العلاء الرازي عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«لايكون اعتكاف الاّ في مسجد جماعة».(2)
ثمّ المراد بالمسجد الجامع، المسجد الذي يجتمع فيه أهل البلد أو القرية لصلاة الجمعة، أو لصلاة الجماعة و هو أكثر أفرادا من سائر المساجد، فلايصحّ في غيره من المساجد.
«السابع»: اذن السيّد بالنسبة الى مملوكه سواء كان قنّا أو مدبّرا أو أمّ ولد أو مكاتبا لميتحرّر منه شيء و لميكن اعتكافه اكتسابا، و أمّا اذا كان اكتسابا فلا مانع منه كما أنّه اذا كان مبعّضا فيجوز منه في نوبته اذا هايأه مولاه من دون اذن بل مع المنع منه أيضا. و كذا يعتبر اذن المستأجر بالنسبة الى أجيره الخاصّ و اذن الزوج بالنسبة الى الزوجة اذا كان منافيا لحقّه و اذن الوالد و الوالدة بالنسبة الى ولدهما اذا كان مستلزما لايذائهما، و أمّا مع عدم المنافاة و عدم الايذاء فلايعتبر اذنهم و ان كان أحوط خصوصا بالنسبة الى الزوج و الوالد.
الشرح:
السابع: اذن من له الولاية
و هو المولى لعبده و الزوج لزوجته.
قال في المدارك: «لا اشكال في اعتبار الاذن في هذين؛ لمنافاة الاعتكاف للخدمة المستحقّة على العبد، و الاستمتاع المستحقّ على الزوجة. و انّما الكلام
فيما عداهما كالولد بالنسبة الى الوالد و الضيف بالنسبة الى المضيف، و الأصحّ عدم اعتبار اذنهما في ذلك؛ للأصل و بطلان القياس».(1)
أقول:
ما ذهب اليه صاحب المدارك رحمهالله هو الصحيح. نعم، اذا كان اعتكاف الولد موجبا لأذى والديه فلايجوز الاّ اذا كان واجبا.
و أمّا بالنسبة الى العبد المكاتب الذي لميتحرّر منه شيء و كان اعتكافه اكتسابا فلا مانع من اعتكافه لتحقّق الاذن بالكتابة كما أنّه اذا كان مبعّضا فيجوز منه في نوبته اذا هاياه مولاه من دون اذن عملاً بالمهاياة.
و كذا يعتبر اذن المستأجر بالنسبة الى أجيره الخاصّ اذا كان قد استأجره بنحو ملك عليه منفعة الاعتكاف. و أمّا لو لميكن كذلك و لميكن اعتكافه منافيا للعمل المستأجر عليه، كما اذا استأجره لخياطة ثوب في أيّام معيّنة غير مصادفة لأيّام الاعتكاف فلا حاجة الى الاذن من المستأجر.
و أمّا اعتكاف الزوجة بدون اذن الزوج و ان لميكن منافيا لحقّه ففيه اشكال بل منع اذا استلزم خروجها من البيت.
ثمّ انّه اذا أذن من له الولاية كان له المنع قبل الشروع و بعده ما لميمض يومان و لميكن واجبا.
«الثامن»: استدامة اللبث في المسجد فلو خرج عمدا اختيارا لغير الأسباب المبيحة بطل من غير فرق بين العالم بالحكم و الجاهل به، و أمّا لو خرج ناسيا أو مكرها فلايبطل، و كذا لو خرج لضرورة عقلاً أو شرعا أو عادة كقضاء الحاجة من بول أو غائط أو للاغتسال من الجنابة أو الاستحاضة و نحو ذلك، و لايجب
1) ـ مدارك الأحكام 6: 326.
الاغتسال في المسجد و ان أمكن من دون تلويث و ان كان أحوط و المدار على صدق اللبث فلاينافيه خروج بعض أجزاء بدنه من يده أو رأسه أو نحوهما.
الشرح:
الثامن: استدامة اللبث في المسجد
قال في الشرائع: «فلو خرج لغير الأسباب المبيحة بطل اعتكافه؛ طوعا خرج أو كرها. فان لمتمض ثلاثة بطل الاعتكاف و ان مضت فهي صحيحة الى حين خروجه. و لو نذر اعتكاف أيّام معيّنة ثمّ خرج قبل اكمالها بطل الجميع ان شرط التتابع و يستأنف».(1)
و قال في المدارك: «أجمع العلماء كافّة على أنّه لايجوز للمعتكف الخروج من المسجد الذي وقع فيه الاعتكاف لغير الأسباب المبيحة، حكاه في التذكرة، و في المعتبر: «لايجوز للمعتكف الخروج من الموضع الذي اعتكف فيه الاّ لما لا بدّ منه و عليه اتّفاق الفقهاء»».(2)
و في الجواهر: «استدامة اللبث في المسجد بنفسه، قائما أو جالسا أو مضطجعا أو
راكبا، مستقرّا أو مضطربا، بلا خلاف أجده فيه بل الاجماع بقسميه عليه».(3)
أقول:
يدلّ على هذا الشرط صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«لاينبغي للمعتكف أنيخرج من المسجد الاّ لحاجة لا بدّ منها، ثمّ لايجلس حتّى يرجع و لايخرج في شيء الاّ لجنازة أو يعود مريضا
و لايجلس حتّى يرجع، قال: و اعتكاف المرأة مثل ذلك».(1)
و صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليهالسلام (في حديث) قال:
«و لايخرج المعتكف من المسجد الاّ في حاجة».(2)
و صحيحته الثانية عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«ليس للمعتكف أنيخرج من المسجد الاّ الى الجمعة أو جنازة أو غائط».(3)
و رواية داود بن سرحان عن أبي عبداللّه عليهالسلام (في حديث) قال:
«و لاينبغي للمعتكف أنيخرج من المسجد الجامع الاّ لحاجة لا بدّ منها ثمّ لايجلس حتّى يرجع و المرأة مثل ذلك».(4)
و روايته الثانية قال:
«كنت بالمدينة في شهر رمضان، فقلت لأبي عبداللّه عليهالسلام: انّي أريد أنأعتكف فماذا أقول؟ و ماذا أفرض على نفسي؟ فقال: لاتخرج من المسجد الاّ لحاجة لا بدّ منها و لاتقعد تحت ظلال حتّى تعود الى مجلسك».(5)
و رواية ميمون بن مهران قال:
«كنت جالسا عند الحسن بن علي عليهماالسلام فأتاه رجل فقال له: يابن رسولاللّه صلىاللهعليهوآله، انّ فلانا له عليّ مال و يريد أنيحبسني، فقال: واللّه ماعندي مال فأقضي عنك، قال: فكلّمه، قال: فلبس عليهالسلام نعله فقلت له: يابن رسولاللّه صلىاللهعليهوآله أنسيت اعتكافك؟ فقال له: لمأنسَ ولكنّي
1) ـ وسائل الشيعة 10: 549 / الباب 7 من كتاب الاعتكاف / الحديث 2.
2) ـ وسائل الشيعة 10: 550 / الباب 7 من كتاب الاعتكاف / الحديث 5.
3) ـ وسائل الشيعة 10: 550 / الباب 7 من كتاب الاعتكاف / الحديث 6.
4) ـ وسائل الشيعة 10: 549 / الباب 7 من كتاب الاعتكاف / الحديث 1.
5) ـ وسائل الشيعة 10: 550 / الباب 7 من كتاب الاعتكاف / الحديث 3.
سمعت أبي يحدّث عن جدّي رسولاللّه صلىاللهعليهوآله أنّه قال: من سعى في حاجة أخيه المسلم فكأنّما عبداللّه عزّوجلّ تسعة آلاف سنة صائما نهاره قائما ليله».(1)
فانّ الظاهر من هذه الروايات عدم جواز الخروج اختيارا و من غير حاجة و أمّا اذا كان مكرها على الخروج فلا دليل على بطلانه الاّ اذا طال الزمان، بحيث خرج عن كونه معتكفا.
قال في المدارك: «و قد قطع المحقّق ببطلان الاعتكاف بالخروج المحرّم، سواء كان طوعا أو كرها، و استدلّ عليه في المعتبر بأنّ الاعتكاف لبث في المسجد، فيكون الخروج منافيا له. و فصّل العلاّمة في التذكرة فقال: «انّ الاعتكاف انّما يبطل بمطلق الخروج المحرّم اذا وقع اختيارا، أمّا اذا خرج كرها فانّه لايبطل الاّ مع طول الزمان بحيث يخرج عن كونه معتكفا». و لابأس به تمسّكا بمقتضى الأصل و حديث «رُفع» و التفاتا الى عدم توجّه النهي الى هذا الفعل».(2)
و في الجواهر: «قد يناقش في بطلان الاعتكاف بالخروج كرها بظهور الأدلّة في كون النافي شرعا هو الخروج طوعا خصوصا بملاحظة ما دلّ على الرخصة في الخروج فيه للحاجة و نحوها ممّا هو أسهل من الاكراه بمراتب».(3)
ثمّ انّ المستفاد من الروايات المذكورة أنّ الخروج المبطل هو الخروج العرفي و هو يتحقّق بخروج جميع بدنه، فلو خرج بعض أعضائه كيده و رجله فلايصدق الخروج عرفا.
قال في المدارك: «و يتحقّق الخروج من المسجد بخروجه بجميع بدنه فلو أخرج رأسه أو يده أو رجله لميبطل اعتكافه و به قطع في المعتبر من غير نقل
خلاف، قال: «لأنّ المنافي للاعتكاف خروجه لا خروج بعضه» و جزم الشارح قدسسره بتحقّق الخروج من المسجد بخروج جزء من بدن المعتكف عنه، و هو ضعيف»(1).
ثمّ انّه لو خرج من المسجد ساهيا لميبطل ـ الاّ اذا طال الزمان بحيث يخرج عن كونه معتكفا عرفا ـ فاذا ذكر يجب عليه العود، فلو تسامح من غير ضرورة بطل كما تقدّم.
قال في المدارك: «هكذا أطلق الأكثر و استدلّوا عليه بالأصل و حديث «رُفع» و عدم توجّه النهي الى الساهي. و قيّده الشارح بما اذا لميطل زمان الخروج بحيث يخرج عن كونه معتكفا، و الاّ بطل و ان انتفى الاثم. و لابأس به و حيث لايبطل فيجب العود حين الذكر، فلو أخّر اختيارا بطل».(2)
ثمّ انّه يجوز الخروج للأمور الضروريّة و سيوافيك تفصيل الكلام في ذلك في المسألة الخامسة و الثلاثين.
و لو خرج للجهل بالحكم و كان جهله عن قصور فلايبعد الحكم بالصحّة بشرط أن لايطول الزمان بحيث يخرج عن كونه معتكفا، و الاّ يبطل، و الدليل عليه حديث الرفع. اللّهمّ الاّ أنيقال: انّ الحديث رافع لا مثبت فلايصلح لاثبات صحّة الباقي كما في المستمسك(3)، فالاحتياط بالاتمام و القضاء ان كان اليوم الثالث أو كان نذرا أو قسيميه لايترك.
ثمّ انّ الخروج من المسجد للاغتسال من الجنابة أو الاستحاضة أو نحو ذلك يعدّ من الضروريّات عادة فلايجب الاغتسال في المسجد و ان أمكن من دون تلويث و الاحتياط بعدم الخروج حينئذ ان لميكن وهنا، حسن.
(مسألة 1): لو ارتدّ المعتكف في أثناء اعتكافه بطل و ان تاب بعد ذلك اذا كان ذلك في أثناء النهار بل مطلقا على الأحوط.
الشرح:
لو ارتدّ المعتكف في أثناء اعتكافه بطل؛ لأنّ الاعتكاف عبادة و من شروط صحّته الايمان كما مرّ، فلايصحّ من الكافر سواء كان كفره أصليّا أو عارضيّا حين العبادة و كذا في أجزائها كما لو عمل بعض أجزاء الصلاة رياءً فانّه موجب لبطلان الصلاة، فلا فرق في بطلان الاعتكاف بالارتداد بين كونه في أثناء النهار أو الليل، و ان تاب بعد ذلك.
(مسألة 2): لايجوز العدول بالنيّة من اعتكاف الى غيره و ان اتّحدا في الوجوب و الندب و لا عن نيابة ميّت الى آخر أو الى حيّ أو عن نيابة غيره الى نفسه أو العكس.
الشرح:
قد تقدّم عدم جواز العدول في النيّة في بحث الصلاة، الاّ في موارد خاصّة خرجت بالنصّ، فلايجوز العدول من الصلاة اليوميّة الى صلاة الطواف مثلاً، و لا من صلاة نفسه الى الصلاة الاستئجاريّة و كذا لايجوز العدول من الاعتكاف لنفسه الى الاعتكاف الاستئجاري و بالعكس، و لا من المستحبّ الى الواجب الاّ اذا نذر في وقت معيّن ثمّ نسيه و نوى غيره، فتذكّر حين الاعتكاف فيعدل اليه فيصحّ.
(مسألة 3): الظاهر عدم جواز النيابة عن أكثر من واحد في اعتكاف واحد. نعم، يجوز ذلك بعنوان اهداء الثواب فيصحّ اهداؤه الى متعدّدين أحياءً أو أمواتا أو مختلفين.
الشرح:
قد تقدّم عدم جواز النيابة في الاعتكاف عن الأحياء؛ لعدم الدليل عليه و كذا بعنوان اهداء الثواب لهم، و أمّا النيابة عن أكثر من ميّت واحد في اعتكاف واحد فلايجوز، فانّ فردا واحدا لاينوب الاّ عن واحد في عبادة واحدة. و في الحجّ الاستحبابي يجوز النيابة عن أكثر من واحد للدليل، و القياس ممنوع و تنقيح المناط غير معلوم. و أمّا بعنوان اهداء الثواب فيصحّ اهداؤه الى متعدّدين من الأموات فقط.
(مسألة 4): لايعتبر في صوم الاعتكاف أنيكون لأجله بل يعتبر فيه أنيكون صائما أيّ صوم كان فيجوز الاعتكاف مع كون الصوم استئجاريّا أو واجبا من جهة النذر و نحوه، بل لو نذر الاعتكاف يجوز له بعد ذلك أنيؤجر نفسه للصوم و يعتكف في ذلك الصوم و لايضرّه وجوب الصوم عليه بعد نذر الاعتكاف؛ فانّ الذي يجب لأجله هو الصوم الأعمّ من كونه له أو بعنوان آخر بل لابأس بالاعتكاف المنذور مطلقا في الصوم المندوب الذي يجوز له قطعه فان لميقطعه تمّ اعتكافه، و ان قطعه انقطع و وجب عليه الاستئناف.
الشرح:
قد تقدّم أنّه لايعتبر في صوم الاعتكاف أنيكون لأجله بل يعتبر فيه أنيكون صائما أيّ صوم كان، فيجوز الاعتكاف مع كون الصوم استئجاريّا أو واجبا من جهة النذر و نحوه، بل لو نذر الاعتكاف يجوز له بعد ذلك أنيؤجر نفسه للصوم و لايضرّه وجوب الصوم عليه بعد نذر الاعتكاف، فانّ الذي يجب لأجله هو الصوم الأعمّ من كونه له أو بعنوان آخر. نعم، اذا نذر الاعتكاف و الصوم معا بحيث كان المنذور شيئين فلايجوز أنيؤجر نفسه للصوم.
ثمّ انّه لابأس بالاعتكاف المنذور مطلقا أي غير معيّن في الصوم المندوب
الذي يجوز له قطعه، فان لميقطعه تمّ اعتكافه و ان قطعه انقطع و وجب عليه الاستئناف و لميكن آثما لعدم تعيين النذر.
(مسألة 5): يجوز قطع الاعتكاف المندوب في اليومين الأوّلين و مع تمامهما يجب الثالث و أمّا المنذور فان كان معيّنا فلايجوز قطعه مطلقا و الاّ فكالمندوب.
الشرح:
انّ من ابتدأ اعتكافا مندوبا كان بالخيار في المضي عليه و الرجوع فيه، فان اعتكف يومين وجب الثالث و كذا لو اعتكف ثلاثة ثمّ اعتكف يومين بعدها وجب السادس.
قال في المدارك: «اختلف الأصحاب في وجوب الاعتكاف المندوب بالدخول فيه، فقال السيّد المرتضى و ابن ادريس: «لايجب أصلاً، بل له الرجوع فيه متى شاء». و اختاره العلاّمة في جملة من كتبه، و قال المحقّق في المعتبر: «انّه الأشبه بالمذهب». و قال الشيخ في المبسوط و أبو الصلاح الحلبي: «يجب بالدخول فيه كالحجّ». و قال ابن الجنيد و ابن البرّاج: «لايجب الاّ أنيمضي عليه يومان فيجب الثالث». و هو ظاهر اختيار الشيخ في النهاية و اختاره المصنّف في هذا الكتاب ـ المحقّق في الشرائع ـ و جمع من المتأخّرين و هو المعتمد».(1)
أقول:
الظاهر وجوب الثالث بعد اقامة اليومين و ذلك لصحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليهالسلام قال:
«اذا اعتكف يوما و لميكن اشترط، فله أنيخرج و يفسخ الاعتكاف
1) ـ مدارك الأحكام 6: 311 و 312.
و ان أقام يومين و لميكن اشترط فليس له أنيفسخ اعتكافه حتّى تمضي ثلاثة أيّام».(1)
و صحيحة أبي عبيدة عن أبي جعفر عليهالسلام (في حديث) قال:
«من اعتكف ثلاثة أيّام فهو يوم الرابع بالخيار ان شاء زاد ثلاثة أيّام أخر و ان شاء خرج من المسجد، فان أقام يومين بعد الثلاثة فلايخرج من المسجد حتّى يتمّ ثلاثة أيّام أخر».(2)
ثمّ انّ من اعتكف ستّة أيّام و زاد عليه اثنين فهل يجب عليه أنيضيف اليه يوما واحدا حتّى يكون تسعة و هكذا، أو لا؟
الظاهر وجوب اضافة يوم واحد الى الاثنين حتّى يكون تسعة. و هكذا لو اعتكف أحدعشر يوما يجب عليه أنيضيف اليه يوما ليكون اثنيعشر يوما.
6): لو نذر الاعتكاف في أيّام معيّنة و كان عليه صوم منذور أو واجب لأجل الاجارة يجوز له أنيصوم في تلك الأيّام وفاءً عن النذر أو الاجارة. نعم، لو نذر الاعتكاف في أيّام مع قصد كون الصوم له و لأجله لميجز عن النذر أو الاجارة.
قد تقدّم شرح هذه المسألة في المسألة الرابعة.
(مسألة 7): لو نذر اعتكاف يوم أو يومين فان قيّد بعدم الزيادة بطل نذره. و ان لميقيّده صحّ و وجب ضمّ يوم أو يومين.
الحكم كما قاله المصنّف رحمهالله و قد تقدّم شرحه.
(مسألة 8): لو نذر اعتكاف ثلاثة أيّام معيّنة أو أزيد فاتّفق كون الثالث عيدا
بطل من أصله و لايجب عليه قضاؤه؛ لعدم انعقاد نذره لكنّه أحوط.
الشرح:
قد تقدّم أنّه اذا نذر الاعتكاف بيوم أو يومين قبل العيد بطل نذره، بل لو نذر اعتكاف ثلاثة أيّام معيّنة فاتّفق كون الثالث عيدا كشف عن بطلان نذره و لايجب عليه قضاؤه؛ لعدم انعقاد نذره.
(مسألة 9): لو نذر اعتكاف يوم قدوم زيد بطل، الاّ أنيعلم يوم قدومه قبل الفجر. و لو نذر اعتكاف ثاني يوم قدومه صحّ و وجب عليه ضمّ يومين آخرين.
الشرح:
لو نذر اعتكاف يوم قدوم زيد بطل؛ لأنّ ابتداء الاعتكاف من طلوع الفجر و لميعلم الناذر ابتداء قدوم زيد فيبطل. نعم، لو علم يوم قدومه قبل الفجر صحّ نذره. و كذا لو نذر اعتكاف ثاني يوم قدومه صحّ و وجب عليه ضمّ يومين آخرين؛ لأنّ الاعتكاف لايكون الاّ ثلاثة أيّام أو أكثر.
(مسألة 10): لو نذر اعتكاف ثلاثة أيّام من دون الليلتين المتوسّطتين لمينعقد.
قد تقدّم منّا أنّ الاعتكاف لايتحقّق الاّ بثلاثة أيّام متوالية، منضمّة بليلتين بينها فالأقوى عدم صحّة الاعتكاف بدون الليلتين.
(مسألة 11): لو نذر اعتكاف ثلاثة أيّام أو أزيد لميجب ادخال الليلة الأولى فيه، بخلاف ما اذا نذر اعتكاف شهر فانّ الليلة الأولى جزء من الشهر.
الشرح:
اذا نذر اعتكاف ثلاثة أيّام أو أزيد لميجب ادخال الليلة الأولى فيه؛ لأنّ الليلة الأولى ليست جزءً من الثلاثة فلايدخل في الاعتكاف، بخلاف ما اذا نذر اعتكاف شهر فانّ الليلة الأولى جزء من الشهر فيدخل في الاعتكاف.
(مسألة 12): لو نذر اعتكاف شهر يجزيه ما بين الهلالين و ان كان ناقصا و لو كان مراده مقدار شهر وجب ثلاثون يوما.
الشرح:
لو نذر اعتكاف شهر يجزيه ما بين الهلالين و ان كان ناقصا كما يشهد بذلك العرف، و أمّا لو كان مراده مقدار شهر أي ثلاثين يوما وجب عليه ثلاثون يوما.
(مسألة 13): لو نذر اعتكاف شهر وجب التتابع و أمّا لو نذر مقدار الشهر جاز له التفريق ثلاثة ثلاثة الى أنيكمل ثلاثون بل لايبعد جواز التفريق يوما فيوما و يضمّ الى كل واحد يومين آخرين بل الأمر كذلك في كلّ مورد لميكن المنساق منه هو التتابع.
الشرح:
لو نذر اعتكاف شهر أو مقداره فان كان قصده التتابع وجب التتابع، و لو نذر اعتكاف شهر أو مقداره من غير قصد التتابع بل قصد التفريق جاز له التفريق ثلاثة ثلاثة الى أنيكمل ثلاثون، و أمّا التفريق يوما فيوما بأنيضمّ الى كلّ يوم يومين آخرين بحيث يكون المنذور في حسابه يوم واحد فلايجوز.
ثمّ انّه لو نذر اعتكاف شهر و لميكن من قصده شيء من التتابع و غيره يجب عليه التتابع و لو نذر مقدار شهر كذلك جاز له التفريق.
(مسألة 14): لو نذر الاعتكاف شهرا أو زمانا على وجه التتابع ـ سواء شرطه لفظا أو كان المنساق منه ذلك ـ فأخلّ بيوم أو أزيد بطل و ان كان ما مضى ثلاثة فصاعدا، و استأنف آخر مع مراعاة التتابع فيه. و ان كان معيّنا و قد أخلّ بيوم أو أزيد وجب قضاؤه و الأحوط التتابع فيه أيضا و ان بقي شيء من ذلك الزمان المعيّن بعد الابطال بالاخلال فالأحوط ابتداء القضاء منه.
الشرح:
لو نذر الاعتكاف شهرا أو زمانا على وجه التتابع بنحو الاطلاق و غير مقيّد بزمان خاصّ فشرع فيه ثلاثة أيّام أو أقلّ أو أكثر ثمّ انصرف يوما أو أزيد بطل ما مضى و عليه الاستئناف؛ لأنّه لميعمل بالنذر. و لو نذر الاعتكاف المذكور معيّنا و مقيّدا بزمان خاصّ و أخلّ بيوم أو أزيد بعد ما شرع أيّاما فيمكن أنيقال: عليه قضاء تلك الأيّام التي قد أخلّ بها، الاّ أنّ الأحوط عليه الاستئناف ليكون بعض الأيّام فيما بقي من الأزمنة المعيّنة، و بعضها خارجها قضاءً.
(مسألة 15): لو نذر اعتكاف أربعة أيّام فأخلّ بالرابع و لميشترط التتابع و لا كان منساقا من نذره وجب قضاء ذلك اليوم و ضمّ يومين آخرين. و الأولى جعل المقضي أوّل الثلاثة و ان كان مختارا في جعله أيّا منها شاء.
الشرح:
حكم هذه المسألة كما ذهب اليه المصنّف رحمهالله و الدليل على ضمّ يومين آخرين أنّ الاعتكاف لايكون مشروعا أقلّ من ثلاثة أيّام، و حيث انّ المقضي كان يوما واحدا فيكون مختارا في جعله أيّا منها شاء.
(مسألة 16): لو نذر اعتكاف خمسة أيّام وجب أنيضمّ اليها سادسا سواء تابع أو فرّق بين الثلاثتين.
قد تقدّم شرح هذه المسألة في المسألة الخامسة فراجع.
(مسألة 17): لو نذر زمانا معيّنا شهرا أو غيره و تركه نسيانا أو عصيانا أو اضطرارا وجب قضاؤه. و لو غمّت الشهور فلميتعيّن عنده ذلك المعيّن عمل بالظنّ و مع عدمه يتخيّر بين موارد الاحتمال.
الشرح:
اذا نذر اعتكاف شهر معيّن أو أيّام معيّنة و لميعلم به حتّى مضى ـ كالمحبوس أو الناسي ـ أو تركه عصيانا عمدا، أو اضطرارا، قضاه في غيره من الشهور أو الأيّام.
قال في المدارك: «هذا الحكم مقطوع به في كلام الأصحاب و استدلّ عليه في المنتهى بأنّه «نذر في طاعة أخلّ، فوجب عليه قضاؤه» و هو اعادة للمدّعى، و ينبغي التوقّف في ذلك الى أنيقوم على وجوب القضاء دليل يعتدّ به، و أمّا الكفّارة فلا ريب في سقوطها للعذر».(1)
و الدليل على وجوب القضاء كلّ ما دلّ على وجوب قضاء ما فات من الصلاة و الصوم و الحجّ من الواجبات الأصليّة و ما صار واجبا بنذر و شبهه.
و في الجواهر: «ربما استشكل بعدم ما يدلّ على قضائه، و يدفع ـ مضافا الى احتمال تناول «من فاتته» له و الى أنّه مشتمل على الصوم الذي قد ثبت القضاء منه ـ بأنّه قد ثبت في الحائض و المريض و غيرهما ممّا اشتملت عليه النصوص و الفتاوى مع عدم القول بالفصل».(2)
و لو غمّت الشهور فلميتعيّن عنده ذلك المعيّن عمل بالظنّ و مع عدمه يتخيّر بين موارد الاحتمال، و ان كان الأحوط الاعتكاف في تمام موارد الاحتمال ما لميكن عسرا و حرجا.
(مسألة 18): يعتبر في الاعتكاف الواحد وحدة المسجد فلايجوز أنيجعله في مسجدين سواء كانا متّصلين أو منفصلين. نعم، لو كانا متّصلين على وجه يعدّ مسجدا واحدا فلا مانع.
الشرح:
قد تقدّم عدم جواز الخروج من المسجد و يعتبر أنيكون الاعتكاف الواحد في المسجد الواحد فلايجوز أنيجعله في مسجدين في فرض كون كلّ منهما جامعا، سواء كانا متّصلين أو منفصلين. نعم، لو كانا متّصلين على وجه يعدّ مسجدا واحدا فلا مانع.
(مسألة 19): لو اعتكف في مسجد ثمّ اتّفق مانع من اتمامه فيه من خوف أو هدم أو نحو ذلك بطل و وجب استئنافه أو قضاؤه ان كان واجبا في مسجد آخر أو ذلك المسجد، اذا ارتفع عنه المانع و ليس له البناء سواء كان في مسجد آخر أو في ذلك المسجد بعد رفع المانع.
الشرح:
لو اعتكف في مسجد ثمّ اتّفق مانع من اتمامه فيه من خوف أو هدم أو نحو ذلك فان كان مستحبّا و كان في اليوم الأوّل أو اليوم الثاني و لميتمّ اليوم فلا قضاء عليه. و أمّا ان كان في آخر اليوم الثاني أو أثناء اليوم الثالث أو كان نذرا أو غيره ممّاكان واجبا عليه فيجب عليه استئنافه، و ينوي قضاءً اذا كان نذرا معيّنا. و يعتكف
في ذلك المسجد أو مسجد آخر. و لو كان الاعتكاف منحصرا في ذلك المسجد و لميرتفع المانع أو كان النذر مقيّدا بذلك المسجد فلايجب حتّى يرتفع.
(مسألة 20): سطح المسجد و سردابه و محرابه منه ما لميعلم خروجها و كذا مضافاته اذا جعلت جزءً منه كما لو وسّع فيه.
الشرح:
و يجوز الصعود على السطح بل يجوز الاعتكاف هناك؛ لأنّه جزء من المسجد.
و في المدارك: «و في تحقّق الخروج بالصعود الى السطح من داخله أو عدمه وجهان قطع في الدروس بتحقّقه لعدم دخوله في مسمّاه. و قطع بجوازه في المنتهى من غير نقل خلاف و نقله عن الفقهاء الأربعة، قال: «لأنّه من جملة المسجد و يجوز له أنيبيت فيه». و هو حسن. انتهى ملخّصا».(1)
و كذا غير السطح من أجزاء المسجد.
(مسألة 21): اذا عيّن موضعا خاصّا من المسجد محلاًّ لاعتكافه لميتعيّن و كان قصده لغوا.
الشرح:
اذا عيّن موضعا خاصّا من المسجد محلاًّ لاعتكافه لميتعيّن؛ لأنّ النصّ ورد في جواز الاعتكاف في المسجد الجامع، و الفرض أنّه يصدق على تمام أجزائه فيكون قصده لغوا. بل يمكن أنيقال ببطلان نذره لو نذر الاعتكاف في الموضع المعيّن من المسجد بحيث لو لميمكن في ذلك الموضع لميعتكف.
1) ـ مدارك الأحكام 6: 330.
(مسألة 22): قبر مسلم و هاني ليس جزءً من مسجد الكوفة على الظاهر.
الشرح:
فهو كما قال المصنّف، و الشاهد على ذلك دفنهما في ذلك الموضع مع أنّهما قتلا بيد الجبابرة و الحكّام الذين كان مسجد الكوفة محلاًّ لاجتماعهم. مضافا الى أنّ أحبّاءهما لميفعلوا ذلك بجهات شرعيّة و عرفيّة.
(مسألة 23): اذا شكّ في موضع من المسجد أنّه جزء منه أو من مرافقه لميجر عليه حكم المسجد.
لأنّ الاعتكاف لايجوز الاّ بعد احراز كون ذلك المكان مسجدا جامعا و كونه جزءً منه، و اذا شكّ فالأصل عدمه.
(مسألة 24): لا بدّ من ثبوت كونه مسجدا و جامعا بالعلم الوجداني أو الشياع المفيد للعلم أو البيّنة الشرعيّة، و في كفاية خبر العدل الواحد اشكال و الظاهر كفاية حكم الحاكم الشرعي.
الشرح:
قد تقدّم أنّه لايجوز الاعتكاف الاّ في المسجد الحرام أو مسجد النبي صلىاللهعليهوآله أو المسجد الجامع في كلّ مصر، فلا بدّ من ثبوته بالعلم الوجداني أو الشياع المفيد للعلم أو بوجه شرعي من البيّنة أو خبر العدل الواحد بل خبر الثقة و يكفي حكم الحاكم الشرعي أيضا؛ لأنّه من الوجوه الشرعيّة للاثبات.
(مسألة 25): لو اعتكف في مكان باعتقاد المسجديّة أو الجامعيّة فبان الخلاف، تبيّن البطلان.
الشرح:
فاذا تبيّن البطلان كما قال المصنّف، فان كان اعتكافه نذرا أو غيره و كان واجبا فعليه الاستئناف في المسجد الجامع و ان كان مستحبّا فلايجب عليه الاستئناف.
(مسألة 26): لا فرق في وجوب كون الاعتكاف في المسجد الجامع بين الرجل و المرأة فليس لها الاعتكاف في المكان الذي أعدّته للصلاة في بيتها بل و لا في مسجد القبيلة و نحوها.
لأنّ النصّ ورد في مشروعيّة الاعتكاف اذا كان في المسجد الجامع و الاّ لميكن مشروعا.
(مسألة 27): الأقوى صحّة اعتكاف الصبي المميّز فلايشترط فيه البلوغ.
كما تقدّم في ابتداء البحث.
(مسألة 28): لو اعتكف العبد بدون اذن المولى بطل و لو أعتق في أثنائه لميجب عليه اتمامه. و لو شرع فيه باذن المولى ثمّ أعتق في الأثناء فان كان في اليوم الأوّل أو الثاني لميجب عليه الاتمام الاّ أنيكون من الاعتكاف الواجب، و ان كان بعد تمام اليومين وجب عليه الثالث و ان كان بعد تمام الخمسة وجب السادس.
حكم هذه المسألة كما قاله المصنّف رحمهالله و الدليل عليه واضح.
(مسألة 29): اذا أذن المولى لعبده في الاعتكاف جاز له الرجوع عن اذنه ما لميمض يومان و ليس له الرجوع بعدهما لوجوب اتمامه حينئذ و كذا لايجوز له الرجوع اذا كان الاعتكاف واجبا بعد الشروع فيه من العبد.
قد تقدّم شرح هذه المسألة في الشرط السابع من شروط الاعتكاف.
(مسألة 30): يجوز للمعتكف الخروج من المسجد لاقامة الشهادة أو لحضور الجماعة أو لتشييع الجنازة و ان لميتعيّن عليه هذه الأمور و كذا في سائر الضرورات العرفيّة أو الشرعيّة الواجبة أو الراجحة سواء كانت متعلّقة بأمور الدنيا أو الآخرة ممّا يرجع مصلحته الى نفسه أو غيره و لايجوز الخروج اختيارا بدون أمثال هذه المذكورات.
الشرح:
يجوز الخروج من المسجد للأمور الضروريّة ـ كما تقدّم ـ كما هو ظاهر الروايات بل نصّها.
قال في الشرائع: «و يجوز الخروج للأمور الضروريّة، كقضاء الحاجة و الاغتسال و شهادة الجنازة و عود المرضى و تشييع المؤمن و اقامة الشهادة، و اذا خرج لشيء من ذلك لميجز له الجلوس و لا المشي تحت الظلال و لا الصلاة خارج المسجد الاّ بمكّة، فانّه يصلّي بها أين شاء. و لو خرج من المسجد ساهيا لميبطل اعتكافه».(1)
و في المدارك: «هذا قول العلماء كافّة».(2)
و قد تقدّم تمام الكلام في هذه المسألة في الشرط الثامن من شروط الاعتكاف.
(مسألة 31): لو أجنب في المسجد و لميمكن الاغتسال فيه وجب عليه الخروج و لو لميخرج بطل اعتكافه لحرمة لبثه فيه.
الشرح:
لو أجنب في المسجد و لميمكن الاغتسال فيه يجب عليه الخروج فيغتسل و يرجع من دون مسامحة. و لو لميخرج بطل اعتكافه لحرمة لبثه فيه؛ لأنّه اذا حرم اللبث لميكن من الاعتكاف فيبطل، فكأنّه خرج من المسجد عمدا و من غير ضرورة.
(مسألة 32): اذا غصب مكانا من المسجد سبق اليه غيره بأنأزاله و جلس فيه فالأقوى بطلان اعتكافه و كذا اذا جلس على فراش مغصوب، بل الأحوط الاجتناب عن الجلوس على أرض المسجد المفروش بتراب مغصوب أو آجرّ مغصوب على وجه لايمكن ازالته، و ان توقّف على الخروج خرج على الأحوط، و أمّا اذا كان لابسا لثوب مغصوب أو حاملاً له فالظاهر عدم البطلان.
الشرح:
لأنّ الاعتكاف عبادة و ماهيّته اللبث فلايجوز في المكان الذي سبق اليه غيره، و كذا لايجوز اللبث و الجلوس على فراش مغصوب، فاذا كان اللبث حراما لمتكن عبادة و لميكن اعتكافا. و هكذا يكون حكم الجلوس على أرض المسجد المفروش بتراب مغصوب أو آجرّ مغصوب على وجه لايمكن ازالته. و أمّا اذا كان لابسا لثوب مغصوب أو حاملاً له فالظاهر عدم البطلان و ان كان عاصيا من هذه الجهة.
(مسألة 33): اذا جلس على المغصوب ناسيا أو جاهلاً أو مكرها أو مضطرّا لميبطل اعتكافه.
لأنّه لميكن عاصيا في جميع الموارد المذكورة، و لميضرّ باللبث الذي هو عبادة و يكون ماهيّة الاعتكاف.
(مسألة 34): اذا وجب عليه الخروج لأداء دين واجب الأداء عليه أو لاتيان واجب آخر متوقّف على الخروج و لميخرج أثم ولكن لايبطل اعتكافه على الأقوى.
لأنّ الواجب عليه الخروج و لو لميخرج أثم و لايبطل اعتكافه؛ لأنّ اللبث لميكن محرّما، فانّ الأمر بالشيء لايقتضي النهي عن ضدّه الخاصّ على الأقوى.
(مسألة 35): اذا خرج عن المسجد لضرورة فالأحوط مراعاة أقرب الطرق و يجب عدم المكث الاّ بمقدار الحاجة و الضرورة و يجب أيضا أن لايجلس تحت الظلال مع الامكان بل الأحوط أن لايمشي تحته أيضا بل الأحوط عدم الجلوس مطلقا الاّ مع الضرورة.
الشرح:
قد تقدّم جواز الخروج من المسجد للأمور الضروريّة، ثمّ انّه اذا خرج فيجب عليه العود في أوّل أوقات امكانه و لايجوز له الجلوس تحت ظلال حتّى يعود؛ للجمع بين صحيحة الحلبي و رواية داود بن سرحان و بين روايته الثانية المتقدّمة حيث قال: «و لاتقعد تحت ظلال حتّى تعود الى مجلسك»، اللّهمّ الاّ أنيقال باباء الأوليين عن التقييد كما هو الظاهر، و عليه فلايجوز الجلوس و لو في غير الظلال.
و أمّا المشي تحت الظلال، فلميدلّ على تحريمه دليل، و الأصل يقتضي الجواز.
و أمّا الصلاة خارج المسجد فلايجوز الاّ بمكّة فانّه يصلّي بها أين شاء، و الدليل عليه صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«المعتكف بمكّة يصلّي في أيّ بيوتها شاء، سواء عليه صلّى في المسجد أو في بيوتها».(1)
و صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«المعتكف بمكّة يصلّي في أيّ بيوتها شاء و المعتكف بغيرها لايصلّي الاّ في المسجد الذي سمّاه».(2)
و موثّقة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«سمعته يقول: المعتكف بمكّة يصلّي في أيّ بيوتها شاء سواء عليه صلّى في المسجد أو في بيوتها ـ الى أنقال: ـ و لايصلّي المعتكف في بيت غير المسجد الذي اعتكف فيه الاّ بمكّة فانّه يعتكف بمكّة حيث شاء؛ لأنّها كلّها حرم اللّه. الحديث».(3)
ثمّ انّ الأحوط مراعاة أقرب الطرق؛ لأنّ الضرورات تقدّر بقدرها.
(مسألة 36): لو خرج لضرورة و طال خروجه بحيث انمحت صورة الاعتكاف بطل.
الشرح:
لأنّ الاعتكاف هو اللبث المستمرّ، فاذا خرج و لميصدق عليه ذلك و ان كان لضرورة، لميكن هناك اعتكاف.
(مسألة 37): لا فرق في اللبث في المسجد بين أنواع الكون من القيام و الجلوس و النوم و المشي و نحو ذلك فاللازم الكون فيه بأيّ نحو كان.
الشرح:
في الجواهر: «يجب استدامة اللبث في المسجد بنفسه، قائما أو جالسا أو مضطجعا أو راكبا، مستقرّا أو مضطربا، بلا خلاف أجده فيه بل الاجماع بقسميه عليه. انتهى ملخّصا».(1)
فما ذهب اليه المصنّف رحمهالله و صاحب الجواهر رحمهالله هو الصحيح؛ لأنّ اللبث يصدق على جميع تلك الحالات.
(مسألة 38): اذا طلّقت المرأة المعتكفة في أثناء اعتكافها طلاقا رجعيّا وجب عليها الخروج الى منزلها للاعتداد و بطل اعتكافها و يجب استئنافه ان كان واجبا موسّعا بعد الخروج من العدّة و أمّا اذا كان واجبا معيّنا فلايبعد التخيير بين اتمامه ثمّ الخروج فورا لتزاحم الواجبين و لا أهمّيّة معلومة في البين، و أمّا اذا طلّقت بائنا فلا اشكال لعدم وجوب كونها في منزلها في أيّام العدّة.
الشرح:
قال في الشرائع: «اذا طلّقت المعتكفة رجعيّة خرجت الى منزلها، ثمّ قضت واجبا ان كان واجبا أو مضى يومان، و الاّ ندبا».(2)
و قال في المدارك: «أمّا وجوب خروجها الى منزلها للاعتداد فقال في التذكرة:
«انّه مذهب علمائنا أجمع» و استدلّ عليه بقوله تعالى: و لاتخرجوهنّ من بيوتهنّ و لايخرجن و بأنّ الاعتداد في بيتها واجب، فيلزمها الخروج اليه و اطلاق عبارة المحقّق و غيرها يقتضي عدم الفرق في الاعتكاف بين الواجب المعيّن و غيره، و لا بين أنيشترط المعتكف الخروج عند العارض و عدمه.
و قال الشهيد رحمهالله في المسالك: «انّ ذلك يتمّ مع كون الاعتكاف مندوبا أو واجبا غير معيّن، أو مع اشتراطها الحلّ عند العارض، و لو كان معيّنا من غير شرط فالأقوى اعتدادها في المسجد زمن الاعتكاف فانّ دين اللّه أحقّ أنيقضى». و هو حسن. و أمّا وجوب القضاء فانّما يتمّ مع عدم الاشتراط أيضا؛ لما تقدّم من سقوطه بالشرط الاّ أنيكون واجبا مطلقا».(1)
أقول:
الظاهر أنّ حرمة الخروج من البيت في قوله تعالى: و لايخرجن(2)و وجوب العود اليه، مختصّ بما اذا لميكن هناك واجب خارج البيت مقدّم عليه كمفروض المسألة.
و أمّا الاجماع فالقدر المتيقّن منه غير مورد الاعتكاف الواجب. و عليه فما ذهب اليه الشهيد رحمهالله حسن، و بناءً على ما قلنا فلا قضاء فيما يجب عليها الخروج الى بيتها؛ لأنّ المفروض أنّ الاعتكاف في هذه الحال مندوب في غير ثالث الأيّام.
(مسألة 39): قد عرفت أنّ الاعتكاف امّا واجب معيّن أو واجب موسّع و امّا مندوب، فالأوّل يجب بمجرّد الشروع بل قبله و لايجوز الرجوع عنه. و أمّا الأخيران فالأقوى فيهما جواز الرجوع قبل اكمال اليومين و أمّا بعده فيجب
اليوم الثالث لكن الأحوط فيهما أيضا وجوب الاتمام بالشروع خصوصا الأوّل منهما.
الشرح:
أمّا المندوب فقد تقدّم جواز الرجوع فيه في اليوم الأوّل و الثاني، و أمّا الواجب المعيّن فلايجوز الرجوع عنه. و أمّا الموسّع فلا دليل على منع الرجوع في اليوم الأوّل و الثاني، اللّهمّ الاّ أنيقال: انّه بمجرّد الشروع فيه يتعيّن، ولكنّه بعيد.
ولكن مع ذلك الاحتياط بعدم الرجوع حسن كما في المندوب أيضا.
(مسألة 40): يجوز له أنيشترط حين النيّة الرجوع متى شاء حتّى في اليوم الثالث سواء علّق الرجوع على عروض عارض أو لا، بل يشترط الرجوع متى شاء حتّى بلا سبب عارض و لايجوز له اشتراط جواز المنافيات كالجماع و نحوه مع بقاء الاعتكاف على حاله و يعتبر أنيكون الشرط المذكور حال النيّة فلا اعتبار بالشرط قبلها أو بعد الشروع فيه و ان كان قبل الدخول في اليوم الثالث، و لو شرط حين النيّة ثمّ بعد ذلك أسقط حكم شرطه فالظاهر عدم سقوطه و ان كان الأحوط ترتيب آثار السقوط من الاتمام بعد اكمال اليومين.
الشرح:
أمّا اشتراط الرجوع عند العذر و طروّ المانع فيستحبّ كما يشترط المحرم.
ففي صحيحة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليهالسلام (في حديث) قال:
«و ينبغي للمعتكف اذا اعتكف أنيشترط كما يشترط الذي يحرم».(1)
و في رواية عمر بن يزيد عن أبي عبداللّه عليهالسلام (في حديث) قال:
1) ـ وسائل الشيعة 10: 552 / الباب 9 من كتاب الاعتكاف / الحديث 1.
«و اشترط على ربّك في اعتكافك كما تشترط في احرامك أنيحلّلك من اعتكافك عند عارض ان عرض لك من علّة تنزل بك من أمر اللّه تعالى».(1)
و اطلاق الروايتين يقتضي أنيكون ذلك في الاعتكاف المندوب و الواجب، و فائدة هذا الشرط سقوط القضاء مع الرجوع في الواجب المعيّن، بشرط أنيكون هذا الشرط حين نيّة النذر. و أمّا في المندوب ففائدته في الرجوع في اليوم الثالث، فلا قضاء بخلاف ما لو لميشترط فانّه اذا تركه في اليوم الثالث فيمكن أنيقال بقضائه و ان كان الأقوى عدمه.
و أمّا اشتراط الرجوع بلا عذر و لو دخل في ثالث الأيّام فيمكن أنيستدلّ عليه بصحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليهالسلام قال:
«اذا اعتكف الرجل يوما و لميكن اشترط فله أنيخرج و يفسخ الاعتكاف، و ان أقام يومين و لميكن اشترط فليس له أنيفسخ اعتكافه حتّى تمضي ثلاثة أيّام».(2)
(مسألة 41): كما يجوز اشتراط الرجوع في الاعتكاف حين عقد نيّته كذلك يجوز اشتراطه في نذره كأنيقول: للّه عليّ أنأعتكف بشرط أنيكون لي الرجوع عند عروض كذا أو مطلقا، و حينئذ فيجوز له الرجوع و ان لميشترط حين الشروع في الاعتكاف فيكفي الاشتراط حال النذر في جواز الرجوع لكن الأحوط ذكر الشرط حال الشروع أيضا و لا فرق في كون النذر اعتكاف أيّام معيّنة أو غير معيّنة متتابعة أو غير متتابعة فيجوز الرجوع في الجميع مع الشرط
المذكور في النذر و لايجب القضاء بعد الرجوع مع التعيّن و لا الاستئناف مع الاطلاق.
الشرح:
الظاهر جواز اشتراط الرجوع في الاعتكاف حين نذره كما يجوز حين عقد نيّة الاعتكاف، بأنيقول: «للّه عليّ أنأعتكف بشرط أنيكون لي الرجوع عند عروض كذا أو مطلقا» و الأحوط ذكر الشرط حال الشروع أيضا لورود النصّ بذلك. و لا فرق في كون النذر اعتكاف أيّام معيّنة أو غير معيّنة متتابعة أو غير متتابعة فيجوز الرجوع في الجميع مع الشرط المذكور في النذر، و لايجب القضاء بعد الرجوع مع التعيّن و لا الاستئناف مع الاطلاق؛ لظاهر الروايات الواردة في هذا الباب.
(مسألة 42): لايصحّ أنيشترط في اعتكاف أنيكون له الرجوع في اعتكاف آخر له غير الذي ذكر الشرط فيه، و كذا لايصحّ أنيشترط في اعتكافه جواز فسخ اعتكاف شخص آخر من ولده أو عبده أو أجنبي.
الشرح:
و ذلك لعدم الدليل على صحّة ذلك الشرط و أنّه خلاف الأصل، و النصّ ورد في جواز اشتراط أنيكون له الرجوع في هذا الاعتكاف و لميرد نصّ في أنّ له أنيشترط في الاعتكاف أنيكون له الرجوع في اعتكاف آخر غير الذي ذكر الشرط فيه. و كذا لايصحّ أنيشترط في اعتكافه جواز فسخ اعتكاف شخص آخر من ولده أو عبده أو أجنبي؛ لأنّ الشرط خلاف الأصل موقوف على النصّ و مورده خاصّ لنفسه.
(مسألة 43): لايجوز التعليق في الاعتكاف فلو علّقه بطل الاّ اذا علّقه على شرط معلوم الحصول حين النيّة فانّه في الحقيقة لايكون من التعليق.
الشرح:
قد تقدّم عدم جواز التعليق في نذر الاعتكاف الاّ اذا علّقه على شرط معلوم الحصول حين النيّة، أو ما يحصل قطعا. و أمّا التعليق في نفس الاعتكاف، فان علّقه على شرط معلوم الحصول كأنيقول: «لو كان هذا المكان مسجد الكوفة فأنا أعتكف» مع علمه بأنّه مسجد الكوفة، فيصحّ. و أمّا ان لميكن كذلك كأن لميعلم في المثال بأنّ هذا المكان مسجد الكوفة أو المسجد الجامع فلايجوز التعليق و لايصحّ، كما أرسله في الجواهر ارسال المسلّمات.
يحرم على المعتكف أمور: «أحدها»: مباشرة النساء بالجماع في القبل أو الدبر و باللمس و التقبيل بشهوة و لا فرق في ذلك بين الرجل و المرأة فيحرم على المعتكفة أيضا الجماع و اللمس و التقبيل بشهوة و الأقوى عدم حرمة النظر بشهوة الى من يجوز النظر اليه و ان كان الأحوط اجتنابه أيضا.
الشرح:
قال في المدارك: «المراد من اللمس و التقبيل ما كان بشهوة، أمّا ما لميكن كذلك فليس بمحرّم. و قد قطع الأصحاب بتحريم كلّ من الثلاثة؛ لاطلاق قوله تعالى: «و لاتباشروهنّ» فانّه يتناول الجميع. نعم، استقرب العلاّمة في المختلف عدم فساد الاعتكاف بالتقبيل و اللمس و ان كانا محرّمين، و لابأس به».(1)
أقول:
يدلّ على تحريم الجماع على المعتكف ليلاً و نهارا موثّقة الحسن بن الجهم عن أبي الحسن عليهالسلام قال:
1) ـ مدارك الأحكام 6: 343 و 344.
«سألته عن المعتكف يأتي أهله؟ فقال: لايأتي امرأته ليلاً و لا نهارا و هو معتكف».(1)
و صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«كان رسولاللّه صلىاللهعليهوآله اذا كان العشر الأواخر اعتكف في المسجد و ضربت له قبّة من شعر و شمّر المئزر و طوى فراشه، فقال بعضهم: و اعتزل النساء؟ فقال أبو عبداللّه عليهالسلام: أمّا اعتزال النساء فلا».(2)
فانّ المراد من قوله عليهالسلام: «طوى فراشه» تركه المجامعة.
و أمّا التقبيل و اللمس اذا كانا بشهوة و ان لمينصّ عليهما دليل بالخصوص، ولكنّه يستفاد من قوله تعالى: و لاتباشروهنّ و أنتم عاكفون في المساجد(3)فانّ المباشرة كناية عن الجماع و مقدّماته. نعم، لو كانا من غير شهوة فلا دليل على حرمتهما كما أنّه لا دليل على حرمة مخالطتهنّ و مجالستهنّ و محادثتهنّ، بل يدلّ قوله عليهالسلام: «و أمّا اعتزال النساء فلا» على جواز ذلك.
و أمّا النظر بشهوة و ان كان آثما به اذا نظر الى غير زوجته الاّ أنّه لايضرّ باعتكافه، نحو أنيكذب حين اعتكافه أو يغتاب.
«الثاني»: الاستمناء على الأحوط و ان كان على الوجه الحلال كالنظر الى حليلته الموجب له.
الشرح:
و أمّا استدعاء المني ـ و ان لميكن عليه نصّ بالخصوص ـ الاّ أنّه أشدّ من التقبيل و اللمس بشهوة و قد قلنا بحرمتهما للآية.
«الثالث»: شمّ الطيب مع التلذّذ و كذا الريحان و أمّا مع عدم التلذّذ كما اذا كان فاقدا لحاسّة الشمّ مثلاً فلابأس به.
الشرح:
و أمّا تحريم الطيب و الريحان فيدلّ عليه صحيحة أبي عبيدة عن أبي جعفر عليهالسلام قال:
«المعتكف لايشمّ الطيب و لايتلذّذ بالريحان و لايماري و لايشتري و لايبيع. الحديث».(1)
قال في المدارك: «خالف الشيخ في المبسوط حرمة شمّ الطيب فحكم بعدم تحريمه و الأصحّ ما اختاره الأكثر من تحريم شمّ الطيب و الرياحين».(2)
و أمّا اذا كان فاقدا لحاسّة الشمّ مثلاً فلابأس لعدم موضوع للتحريم.
«الرابع»: البيع و الشراء بل مطلق التجارة مع عدم الضرورة على الأحوط و لابأس بالاشتغال بالأمور الدنيويّة من المباحات حتّى الخياطة و النساجة و نحوهما و ان كان الأحوط الترك الاّ مع الاضطرار اليها بل لابأس بالبيع و الشراء اذا مسّت الحاجة اليهما للأكل و الشرب مع تعذّر التوكيل أو النقل بغير البيع.
الشرح:
و في المدارك: «و أمّا البيع و الشراء فهو قول علمائنا و أكثر العامّة؛ لورود النهي عنه. و يستثنى من تحريمهما ما تدعو الحاجة اليه كشراء ما يضطرّ اليه من المأكول و الملبوس، و أمّا قول العلاّمة في المنتهى: «كلّما يقتضي الاشتغال بالأمور الدنيويّة
من أصناف المعايش ينبغي القول بالمنع عنه» فغير جيّد».(1)
و يدلّ على التحريم صحيحة أبي عبيدة المتقدّمة.
و لابأس بالاشتغال بالأمور الدنيويّة و الخوض في المباحات؛ لعدم الدليل على المنع.
«الخامس»: المماراة أي المجادلة على أمر دنيوي أو ديني بقصد الغلبة و اظهار الفضيلة و أمّا بقصد اظهار الحقّ و ردّ الخصم عن الخطاء فلابأس به بل هو من أفضل الطاعات فالمدار على القصد و النيّة فلكلّ امرئ ما نوى من خير أو شرّ.
الشرح:
و يحرم المماراة أي المجادلة من غير اظهار الحقّ، و يدلّ عليها أيضا ما تقدّم في صحيحة أبي عبيدة.
و الأقوى عدم وجوب اجتناب ما يحرم على المحرم من الصيد و ازالة الشعر و لبس المخيط و نحو ذلك و ان كان أحوط.
الشرح:
لايحرم على المعتكف لبس المخيط و لا ازالة الشعر و لا أكل الصيد و لا عقد النكاح و لا غيرها من محرّمات الاحرام لعدم الدليل عليه و يجوز له النظر في معاشه و الخوض في المباح.
و لو حرم على المعتكف ما حرم على المحرم فلميكن محذور له عليهالسلام في بيانه، و كذا الاشتغال بالأمور الدنيويّة.
1) ـ مدارك الأحكام 6: 344 ـ 346.
(مسألة 1): لا فرق في حرمة المذكورات على المعتكف بين الليل و النهار. نعم، المحرّمات من حيث الصوم كالأكل و الشرب و الارتماس و نحوها مختصّة بالنهار.
الشرح:
لاطلاق النصّ و أنّه يشمل حرمتها على المعتكف في الليل و النهار. نعم، المحرّمات من حيث الصوم كالأكل و الشرب و الارتماس و نحوها مختصّة بالنهار.
(مسألة 2): يجوز للمعتكف الخوض في المباح و النظر في معاشه مع الحاجة و عدمها.
قد تقدّم شرح هذه المسألة في خلال محرّمات الاعتكاف فراجع.
(مسألة 3): كلّ ما يفسد الصوم يفسد الاعتكاف اذا وقع في النهار من حيث اشتراط الصوم فيه فبطلانه يوجب بطلانه و كذا يفسده الجماع سواء كان في الليل أو النهار و كذا اللمس و التقبيل بشهوة بل الأحوط بطلانه بسائر ما ذكر من المحرّمات من البيع و الشراء و شمّ الطيب و غيرها ممّا ذكر بل لايخلو عن قوّة و ان كان لايخلو عن اشكال أيضا و على هذا فلو أتمّه و استأنفه أو قضاه بعد ذلك اذا صدر منه أحد المذكورات في الاعتكاف الواجب كان أحسن و أولى.
الشرح:
قال في الشرائع: «اذا باع أو اشترى، قيل: يبطل اعتكافه. و قيل: يأثم و لايبطل، و هو الأشبه».(1)
1) ـ شرائع الاسلام 1: 197.
و في الجواهر: «قد عرفت الحال فيما اذا باع أو اشترى و أنّ التحقيق أنّه يبطل اعتكافه بذلك عملاً بما يفهم من النهي عنه في مثله عرفا».(1)
و في المدارك: «الأصحّ عدم البطلان تمسّكا بمقتضى الأصل السالم عن المعارض».(2)
أقول:
كلّ ما يفسد الصوم يفسد الاعتكاف، و الدليل عليه ما تقدّم في شروط صحّة الاعتكاف، فمن جملتها الصوم، فاذا جاء بما يفسد الصوم من الأكل و الشرب و الجماع و الاستمناء و غيرها فقد أفسد اعتكافه، لفقده شرطه و هو الصوم.
و أمّا ارتكاب سائر المحرّمات ممّا لايبطل به الصوم كالبيع و الشراء و شمّ الطيب و الريحان فالأقوى عدم بطلان الاعتكاف به فانّ الظاهر من صحيحة أبي عبيدة المتقدّمة من قوله عليهالسلام: «المعتكف لايشمّ الطيب و لايتلذّذ بالريحان و لايماري و لايشتري و لايبيع» هو حرمة البيع و الشراء دون بطلان الاعتكاف. نعم، اذا خرج من محلّه لذلك فهو موجب للبطلان.
(مسألة 4): اذا صدر منه أحد المحرّمات المذكورة سهوا فالظاهر عدم بطلان اعتكافه الاّ الجماع فانّه لو جامع سهوا أيضا فالأحوط في الواجب الاستئناف أو القضاء مع اتمام ما هو مشتغل به و في المستحبّ الاتمام.
الشرح:
فانّ الدليل على بطلان الاعتكاف بالجماع و ان كان سهوا هو اطلاق الروايات الواردة في أنّ الجماع موجب للكفّارة، فهو يشعر بالبطلان كما في الصوم، خلافا
للعلاّمة في المنتهى و كأنّه لانصراف دليل المنع عنها الى صورة العمد، و لعلّه هو كذلك كما في الصوم، و الأحوط في الواجب الاستئناف أو القضاء مع اتمام ما هو مشتغل به، و في المستحبّ الاتمام.
(مسألة 5): اذا أفسد الاعتكاف بأحد المفسدات فان كان واجبا معيّنا وجب قضاؤه و ان كان واجبا غير معيّن وجب استئنافه الاّ اذا كان مشروطا فيه أو في نذره الرجوع فانّه لايجب قضاؤه أو استئنافه و كذا يجب قضاؤه اذا كان مندوبا و كان الافساد بعد اليومين و أمّا اذا كان قبلهما فلا شيء عليه بل في مشروعيّة قضائه حينئذ اشكال.
الشرح:
اذا أفسد الاعتكاف بأحد المفسدات فتارة لميشترط الرجوع فيه، و أخرى اشترط. ففي الأولى ان كان مندوبا و قد فعله في اليومين الأوّلين فلا شيء عليه، و بعد اليومين يجب عليه قضاؤه و هو ثلاثة أيّام، و ان كان نذرا ففي النذر المعيّن يجب قضاؤه و في غير المعيّن يجب استئنافه.
و في الثانية ـ أي اذا اشترط الرجوع ـ فلا شيء عليه كما تقدّم.
(مسألة 6): لايجب الفور في القضاء و ان كان أحوط.
الشرح:
اذا وجب عليه قضاء الاعتكاف فلايجب الفور لاطلاق الأمر و أنّه لايدلّ على الفور و الأصل عدمه. نعم، اذا انجرّ الى المسامحة و عدم الاعتناء بالواجب فلايجوز.
(مسألة 7): اذا مات في أثناء الاعتكاف الواجب بنذر أو نحوه لميجب على وليّه القضاء و ان كان أحوط. نعم، لو كان المنذور الصوم معتكفا وجب على الولي قضاؤه لأنّ الواجب حينئذ عليه هو الصوم و يكون الاعتكاف واجبا من باب المقدّمة بخلاف ما لو نذر الاعتكاف فانّ الصوم ليس واجبا فيه و انّما هو شرط في صحّته و المفروض أنّ الواجب على الولي قضاء الصلاة و الصوم عن الميّت لا جميع ما فاته من العبادات.
الشرح:
قال في الشرائع: «و من مات قبل انقضاء اعتكافه الواجب قيل: يجب على الولي القيام به، و قيل: يستأجر من يقوم به، و الأوّل أشبه».(1)
و قال في المدارك: «هذان القولان حكاهما الشيخ في المبسوط، و استدلّ لهما بما روي أنّ من مات و عليه صوم واجب وجب على وليّه أنيقضي عنه أو يتصدّق عنه، قال في المعتبر: «و ما ذكره رحمهالله انّما يدلّ على وجوب قضاء الصوم، أمّا الاعتكاف فلا» و هو جيّد، و قد بيّنّا فيما سبق أنّ الصوم لايجب لأجل الاعتكاف؛ لجواز ايقاعه في صوم مستحقّ كصوم رمضان فلايكون وجوب الاعتكاف مقتضيا لوجوب الصوم ليجب على الولي القيام به كما هو واضح».(2)
أقول:
ما ذهب اليه المصنّف و أتى به في المدارك حسن و هو الأقوى.
(مسألة 8): اذا باع أو اشترى في حال الاعتكاف لميبطل بيعه و شراؤه و ان قلنا ببطلان اعتكافه.
الشرح:
قد تقدّم أنّ البيع و الشراء لايوجبان بنفسهما بطلان الاعتكاف و ان كان حراما ولكن لايبطل البيع و الشراء؛ لأنّ النهي في المعاملة لايوجب الفساد الاّ مع القرينة عليه.
(مسألة 9): اذا أفسد الاعتكاف الواجب بالجماع و لو ليلاً وجبت الكفّارة و في وجوبها في سائر المحرّمات اشكال و الأقوى عدمه، و ان كان الأحوط ثبوتها بل الأحوط ذلك حتّى في المندوب منه قبل تمام اليومين و كفّارته ككفّارة شهر رمضان على الأقوى و ان كان الأحوط كونها مرتّبة ككفّارة الظهار.
الشرح:
تارة يكون اعتكافه في غير شهر رمضان و في غير ما وجب صومه بنذر و شبهه، فحينئذ كان اعتكافه مندوبا فان أفسد صومه في اليوم الأوّل أو الثاني بأحد أسباب بطلانه، فقد أبطل اعتكافه و لا شيء عليه.
و أخرى يكون اعتكافه في غير شهر رمضان أيضا و كان ممّا يجب بنذر و شبهه أو كان مندوبا ولكن أفسد صومه في اليوم الثالث فان كان بالجماع فكفّارته كفّارة المظاهر من غير فرق بين الجماع في اليوم و الليل و ذلك لصحيحة زرارة قال:
«سألت أبا جعفر عليهالسلام عن المعتكف يجامع. قال: اذا فعل ذلك فعليه ما على المظاهر».(1)
و صحيحة أبي ولاّد الحنّاط قال:
«سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن امرأة كان زوجها غائبا فقدم و هي معتكفة
1) ـ وسائل الشيعة 10: 546 / الباب 6 من كتاب الاعتكاف / الحديث 1.
باذن زوجها، فخرجت حين بلغها قدومه من المسجد الى بيتها فتهيّأت لزوجها حتّى واقعها. فقال: ان كانت خرجت من المسجد قبل أنتنقضي ثلاثة أيّام و لمتكن اشترطت في اعتكافها فانّ عليها ما على المظاهر».(1)
و ترجيحهما على موثّقة سماعة قال:
«سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن معتكف واقع أهله. قال: هو بمنزلة من أفطر يوما من شهر رمضان».(2)
و موثّقته الأخرى عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«سألته عن معتكف واقع أهله. قال: عليه ما على الذي أفطر يوما من شهر رمضان متعمّدا، عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو اطعام ستّين مسكينا».(3)
قال في المدارك: «و الأصحّ أنّ كفّارة الاعتكاف كفّارة ظهار؛ لصحيحة زرارة، و ذهب الأكثر الى أنّها مخيّرة لموثّقة سماعة بن مهران. قال في المختلف: «و الرواية الأولى أصحّ طريقا و الثانية أوضح عند الأصحاب». انتهى ملخّصا».(4)
و أمّا ان كان بغير الجماع من أسباب افساد الصوم فان كان في اليومين الأوّلين في الاعتكاف المندوب فلا شيء عليه، و ان كان في اليوم الثالث منه فقد فعل حراما و لا كفّارة عليه؛ لعدم الدليل.
و أمّا ان أبطل اعتكافه الواجب بنذر أو عهد أو قسم، فان كان بالجماع فكفّارته كفّارة ظهار؛ لاطلاق الروايتين كما تقدّم سواء كان في اليوم أو الليلة و ان كان بغير
جماع فكفّارته كفّارة النذر أو العهد أو القسم.
قال في المدارك: «و في معنى صوم رمضان الصوم المنذور، اذا تعلّق بزمان معيّن و قضاء رمضان فيجب فيها كفّارتان احداهما للاعتكاف و الأخرى للقضاء أو النذر».(1)
أقول:
ان كان قد نذر الاعتكاف معيّنا في رمضان و كذا قسيمي النذر، فكما قال صاحب المدارك من وجوب الكفّارتين كما سيأتي و أمّا ان لميكن نذر المعيّن في شهر رمضان فلا دليل على ما قاله و قد تقدّم حكمه.
(مسألة 10): اذا كان الاعتكاف واجبا و كان في شهر رمضان و أفسده بالجماع في النهار فعليه كفّارتان احداهما للاعتكاف و الثانية للافطار في نهار رمضان و كذا اذا كان في صوم قضاء شهر رمضان و أفطر بالجماع بعد الزوال فانّه يجب عليه كفّارة الاعتكاف و كفّارة قضاء شهر رمضان. و اذا نذر الاعتكاف في شهر رمضان و أفسده بالجماع في النهار وجب عليه ثلاث كفّارات احداها للاعتكاف و الثانية لخلف النذر و الثالثة للافطار في شهر رمضان و اذا جامع امرأته المعتكفة و هو معتكف في نهار رمضان فالأحوط أربع كفّارات و ان كان لايبعد كفاية الثلاث احداها لاعتكافه و اثنتان للافطار في شهر رمضان احداهما عن نفسه و الأخرى تحمّلاً عن امرأته و لا دليل على تحمّل كفّارة الاعتكاف عنها و لذا لو أكرهها على الجماع في الليل لمتجب عليه الاّ كفّارته و لايتحمّل عنها، هذا، و لو كانت مطاوعة فعلى كلّ منهما كفّارتان ان كان في النهار و كفّارة واحدة ان كان في الليل.
1) ـ نفس المصدر: 351.
الشرح:
و أمّا ان كان اعتكافه في شهر رمضان، فان كان مندوبا و أفطر في اليومين الأوّلين فعليه كفّارة شهر رمضان بلا فرق بين الجماع و غيره، و لو أفسد اعتكافه في الليلة الأولى بالجماع فلا شيء عليه.
و أمّا ان كان في اليوم الثالث أو كان واجبا بنذر و شبهه فان أفطر بالجماع ففي الليل كفّارة واحدة و في اليوم كفّارتان، يدلّ على ذلك رواية عبدالأعلى بن أعين قال:
«سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن رجل وطئ امرأته و هو معتكف ليلاً في شهر رمضان. قال: عليه الكفّارة قال: قلت: فان وطئها نهارا؟ قال: عليه كفّارتان».(1)
قال في الشرائع: «و تجب كفّارة واحدة ان جامع ليلاً. و كذا ان جامع نهارا في غير رمضان و لو كان فيه لزمه كفّارتان».(2)
و قال في المدارك: «أمّا وجوب الكفّارتين اذا جامع نهارا في شهر رمضان، احداهما للاعتكاف و الأخرى لصوم رمضان، فهو مذهب الأصحاب لاأعلم فيه مخالفا، و يدلّ عليه ـ مضافا الى ما تكرّر في كلام الأصحاب من أنّ اختلاف الأسباب يقتضي اختلاف المسبّبات ـ رواية عبدالأعلى بن أعين. و ينبغي تقييده بما اذا كان الاعتكاف واجبا كالمنذور و الثوالث بناءً على أنّ الكفّارة انّما تثبت في الاعتكاف الواجب. انتهى ملخّصا».(3)
و عليه فلا دليل على وجوب ثلاث كفّارات كما قاله المصنّف رحمهالله.
و أمّا اذا أكره امرأته على الجماع في النهار فقال في الشرائع: «اذا أكره امرأته
على الجماع و هما معتكفان نهارا في شهر رمضان لزمه أربع كفّارات، و قيل: يلزمه كفّارتان. و هو الأشبه».(1)
و في المدارك: «القول بلزوم الأربع للشيخ و المرتضى و جماعة، قال في المعتبر: «و هذا ليس بصواب؛ اذ لا مستند له و جعله كالاكراه في صوم رمضان قياس». و الأصحّ وجوب الكفّارتين خاصّة، احداهما للاعتكاف و الأخرى لصوم شهر رمضان. انتهى ملخّصا».(2)
أقول:
اذا أكره امرأته على الجماع في الليل فقد أبطل اعتكاف نفسه و امرأته و عليه كفّارة واحدة و لايلزمه كفّارتان؛ لعدم الدليل عليه. و أمّا ان أكرهها في اليوم من شهر رمضان فعليه كفّارتان لصوم نفسه و زوجته، و كفّارة لابطال اعتكافه.
و في الجواهر: «و قيل: يلزمه كفّارتان، و هو الأشبه عند المصنّف؛ للأصل السالم عن المعارض. و فيه: انّ المتّجه على مختاره سابقا ثلاث؛ لأنّه صرّح بالتحمّل بالنسبة الى الصوم».(3)
بقي الكلام في قضاء شهر رمضان و في وجوب الكفّارة بالنسبة اليه اذا ضاق وقته، فتأمّل.
قد تمّ بعون اللّه الملك العلاّم
شرح كتاب الاعتكاف من تحرير الوسيلة و الحاقه بالصوم
بيد أقلّ العباد سيّد عليمحمّد دستغيب الحسيني
ابن المرحوم سيّد عليأكبر في شهر
صفر المظفّر سنة 1433 و الحمد للّه
أوّلاً و آخرا و صلّى اللّه و سلّم
على نبيّه و آله الطاهرين عليهمالسلام