ghaemiyeh.com
اسم الكتاب / هيويات فقهية
المؤلف / سماحة المرجع الديني الشيخ محمد السند (دام ظله)
بقلم/ احمد الماخوزي
الناشر / الغدير
للطباعة والنشر
الطبعة / الاولى 1429ه- 2008 م
يحتوي الكتاب على :
1 - اطلالة موجزة على الكتاب
2- الرسالة الاولى
3- الغرض الفقهي
4- محط النزاع
5- ضبط الحساب القمري
النسخة غير معدّلة في الاخراج ولكنها مصححة
1387/1/22
هَيُّویاتٌ فِقْهِيَّةٌ
اِشْتِرَاطُ وِحْدَةِ الْأُفُقِ فِي ثُبُوتِ الْهِلَالِ.
ثُبُوتُ الْهِلَالِ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ.
الْفَجْرُ فِي اللَّيَالِي الْمُقَمَّرَةِ.
مَبْدَأُ الْغُرُوبِ
مُحَاضَرَاتٌ أَلْقَاهَا سَمَاحَةُ الْأُسْتَاذِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ سَنَد
بقلم أحمد الماحوزي
محرر الرقمي:محمد المنصوري
هَيُّویَاتٌ فِقْهِيَّةٌ
اشتراط وحدة الاُفق في ثبوت الهلال.
ثبوت الهلال بحكم الحاحكم.
الفجر في الليالي المقمرة.
مبدأ الغروب
محاضرات ألقاها سماحة الاُستاذ الشيخ محمد سند
بقلم
أحمد الماحوزي
ص: 3
عکس
ص: 4
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
«يَسْألونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالحَجِّ»
ص: 5
ص: 6
هيویات فقهية
ص: 2
الحمد اللَّه الذي لا يبلغ مدحته القائلون ولا يحصي نعماءه العادون ولا يؤديحقه المجتهدون، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآل بيته الطيبين الطاهرين،واللعنة الدائمة على أعدائهم من الآن إلى قيام يوم الدين.
وبعد:
فهذا الكتاب حصيلة ما ألقاه الشيخ الأستاذ - حفظه اللَّه - من دروس وأبحاثفي يومي الخميس والجمعة من العام المنصرم، وفقت لتحريرها واستيعابهاوتنظيمها واخراجها بهذه الهيئة الماثلة.
وقد حاولت ضبط واستيعاب كل ما جاء فيها من نكات علمية ومداقاتصناعية وأجوبة حلية ونقضية إلّا ما شذ وندر من أمور لا تؤثر في هيكلية البحثومتناته العلمية.
وهو يحتوي على أربع رسائل:
في مسألة اشتراط وحدة الأفق في ثبوت الهلال
كما هو رأي المشهور، أو أن الآفاق المختلفة متحدة الحكم في ثبوت الهلالبصرف وجود الرؤية في أحدها كما هو اختيار جماعة قليلة.
وهذه المسألة معنونة في كتب القدماء كالمبسوط، وكذا عند العامة من القرن
الأول كما يظهر من أقوالهم، إلّا أن أول من حرر الكلام فيها بالالتفات إلى جهتيالبحث: الموضوع الهيوي والمحمول الفقهي هو العلامة الحليقدس سره في المنتهىوالتذكرة، ثم أخذ البحث تتواصل فيه قافلة التحقيق في المسألة عند الطبقاتالمتأخرة على اختلاف مشاربهم، كصاحب الذخيرة وشارح الدروس وصاحبيالحدائق والجواهر.
وبعد ذلك جاء المحقق النراقي في مستنده ليسلط الضوء أكثر على الجهةالاولى، فاتضح الشيء الكثير من زوايا البحث، ثم جاء دور متأخري العصرفأضفوا الكثير من التحقيقات في جهتي البحث، مع احتدام في تطبيق القواعدالتصورية والتصديقية لعلم الهيئة والنجوم واتساع في استنطاق المتون الروائية،فبسط السيد ابو تراب الخوانساري شارح نجاة العباد الوجوه المختلفة في المقامواختص بوجه لقول غير المشهور، وثنى باستنطاق رواية موردها من مصاديقمحل النزاع.
ونمق البحث الشيخ الآملي في مصباحه على الضوابط الهيوية ذاهباً إلى قولالمشهور، مصرا على ضرورة الاحاطة بالعلوم الطبيعية والرياضية للباحث فيالمسألة، واختص ببعض النقوض على قول المشهور وبعض الوجوه للنسبية فيمبدأ الشهر بلحاظ النقاط الارضية المختلفة.
وفصل الحديث حول شخصية الظاهرة الكونية للقمر للسيد الخوئيقدس سره فيرسالة وضعها في المسألة ألحقها بكتاب الصوم في منهاج الصالحين.
ولم يفت الميرزا أبي الحسن الشعراني الادلاء بتدقيقه في المقام فاختصببعض النقوض على قول غير المشهور وبعض الوجوه في رسالته الموجزة المستدركة على الفصل الثالث لتشريح الافلاك، وفيما علقه على كتاب الصوم منالوافي، واقتفاه في ذلك على نحو الايجاز تلميذه الشيخ حسن حسن زاده الآملي في كتابه
دروس في معرفة الوقت الدرس(1).
وفصل البحث السيد محمد حسين الطهراني في رسالة وضعها في المسألةمختصاً بتحرير مبسوط للجهة الاولى وببعض النقوض على قول غير المشهوروبعض الوجوه للمشهور.وحبك شيخنا الاستاذ النكات الفريدة الكثيرة في الجهة الاولى التي هي الركازوالعماد للبحث في الجهة الثانية، كما حقق حقيقة أنظار القائلين بوحدة الحكم فيالآفاق وأنها تؤول إلى أربع تقريباًت وأقوال.
كما اختص ببعض النقوض على القول الثاني، مع تقييم وترصيف لبعضالنقوض السابقة، واستجد الاستدلال بعدة من الوجوه والطوائف الروائية في الجهةالثانية ناهزت الاربع ببيان ملازمة وملائمة مؤداها - المتفق عليه المعمول به - لقولالمشهور، وناقش أدلة القول الثاني النقلية برصد فقهي بارع، مذيلا البحث بخمستنبيهات هامة مرتبطة به.
أولها: في ضابطة اتحاد الأفق إذ هو موضع تشويش في الكلمات، وهو كالثمرةالعملية الالية التطبيقية للخلاف المتقدم.
وثانيها: في مرجوحية الاحتياط بالسفر في يوم الشكّ في آخر شهر رمضان.
وثالثها: في حصر الطرق بالرؤية وعدم الاعتداد بالطرق الآخرى من التطويقوالانتفاخ والرؤية قبل الزوال وطول المكث وغيرها من العلامات غير المعتبرة.
ورابعها: في عدم الاعتبار بالرؤية بالعين المسلحة والالات الحديثة.
وخامسها: في توجيه آخر لروايات العدد القائلة أن شهر رمضان لا ينقص عنثلاثين يوماً منذ خلق اللَّه السموات والأرض.
وهذه المسألة بجانب أنها تمت بالصلة إلى سابقتها فإنها محل ابتلاء وأخذ
1) 75. الوسائل: أبواب احكام شهر رمضان باب8 حديث5.
وعطاء على صعيد واسع، سيما وأن كثيرا من الشياع في بعض الاقطار يستند إلىثبوته بحكم الحاكم المستند إلى رؤية عدد محدد من البينات، لا إلى الشياع فيالرؤية.
حتّى أن بعض الفقهاء الماضين «قدس اللَّه أسرارهم» ممن لا يرى ثبوته بهكأمثال الشيخ عبد الكريم الحائري والسيد الخوئي يتصدى مع ذلك لاستماعالبينات على الرؤية وللاعلان عن ثبوته لديه، وان لم يكن يرى الحجية لانشاءثبوته أو الاخبار عن ثبوته لديه، لكنه يبتغي من وراء ذلك حصول القطع عندالآخرين أو الحجية عند من يرى نفوذه.
ورسالتنا هذه اختصت بتحرير وفرز البحث في المسألة إلى جهتين لربما كانتامدمجتين في دوامة النقض والابرام، وهما كالمقدمتين للنتيجة صغرى وكبرى.
الاولى: في كون ثبوته حكماً وشأناً قضائياً أو تابعاً له أو أنه افتائي بناءاً علىتأتي الفتوى في الموضوعات الجزئية أو أنه ولوي، وعلى الاخير هل هو وظيفيعلى مقتضى القاعدة للمنصب والمقام أو استثنائي.
والثانية: في صلاحية الفقيه للنيابة عن امام الاصل عليه السلام، وهذه المقدمة انماتحصل الحاجة إلى البحث عنها في المقام بناءاً على التقدير الاخير دون الاولين إذالنيابة فيهما محررة في باب آخر.
وثمّة يظهر أن النافين لثبوته به ليسوا على مستند واحد إذ بعضهم يمنع المقدمةالاولى والآخر الثانية وثالث كلتيهما.
وسيوافيك البحث بالادلة المستجدة على كونه حكماً تابعا للقضاء وعلى كونهولوياً وظيفياً أيضاً.
ولذلك استطرد البحث إلى المقدمة الثانية، وقد تضمن ترصيف الاستفادة منالادلة في حكم الحاكم وفي الولاية ونكات باكرة.
فهل يتأخر فيها عن الليالي الآخرى والمظلمة، قد أبداه احتياطاً صاحبالجواهر «قده» وجزم به المحقق الهمداني «قده» ناسبا إياه إلى تسالم الاصحاب،واختاره السيد الامام الخميني «قده» مستجداً في الاستدلال عليه: على أن حقيقةالفجر ليست شيئاً وراء التبين المعترض في الأفق، وقد اتخذ البحث مساره فيالموضوع كوجود خارجي تكويني أولا، والادلة النقلية في المقام ثانيا.
هذا مع التنبيه على أن البحث ليس مختصاً بليالي البيض أو مع ما بعدها بليشمل بداية العشر الوسطى حتّى نهايات العشر الاخيرة، إذ هو يتأثر في الظهورتدرجيا نسبيا بحسب كمية الضوء القمري في الليالي المزبورة.
وعلى أن البحث ليس مقتصراً على البلدان المتعادلة في الليل والنهار بليشمل المتفاوتة فيهما الموجب لاختلاف مقدار ما بين الطلوعين.
وقد كان مثاراً للجدل منذ عهد أصحاب الائمة عليهم السلام، إلّا أنه منالشاهر الظاهر المتسالم عليه أن التأخير إلى ذهاب الحمرة هي من شعائر الشيعةأعم من كونه بنحو اللزوم أو الرجحان، وفي ظل ذلك الجو أحدث ابو الخطاببدعته بتأخيرها إلى تشابك النجوم، لسوء فهمه واعوجاج طريقته.فأوجب صدور الروايات بلفظ سقوط القرص ذي الدرجات التشكيكية بعدصدور العديد منها بلفظ زوال الحمرة دفعا لتشهير العامة وبدعة أبي الخطاب علىالخاصة، وردعا عن انتشار بدعته في الاوساط مع كونه تحوير (تكميم) لواقعالغروب الشرعي الذي هو زوال الحمرة.
وهذه الظاهرة هي التي حاولت رسالتنا تركيز الضوء عليها في الجهة النقلية منالبحث والتدليل بعدة من الوجوه المستجدة، مع التنبيه على استحكام التعارض بين
لساني الطائفتين لولا النكتة الآنفة.
واما الجهة العقلية للبحث والموضوع الخارجي فسيوافيك العرض الاتي فيهاعلى انطباق الغروب على سقوط القرص عن الأفق الحقيقي وكون ذلك مذهبالهيويين والرياضيين والمنجمين حديثا وقديما، مع بيان سلسلة من النقوضالواردة على اتخاذه بسقوط القرص عن الأفق الحسي سواء المرئي أو الترسي، كماتم ابراز مجمعة من نكات البحث بالرسم التوضيحي.
وخلاصة يمتاز البحث في سائر هذه الرسائل الاربع - علاوة على ما قدمناه -بإمعان النظر والتركيز على أدلة الاقوال الآخرى والتدبر والمداقة في مفاد رواياتهاللوصول إلى مؤداها الاصلي، وذلك عبر التحليل العلمي الوافر للمقدمات العقليةفي البحث ومعايشة الجو الفقهي لاسئلة الرواة والذي ينصب الجواب في مداره.والحمد للَّه رب العالمين
احمد الماحوزي
14 ذي الحجة لعام 1414
الرسالة الاولى
إشتراط إتحاد الأفق في ثبوت الهلال
الرسالة الأولى: اشتراط اتحاد الأفق في ثبوت الهلال
بسم اللَّه الرحمن الرحيم
البحث في هذه المسألة يدور حول إمكان ثبوت الهلال لبلد ما بعد ثبوته لبلدآخر، فاذا رؤي الهلال في النجف مثلا فهل يحكم بثبوته في البلدان الآخرى مطلقا- سواء كانت قريبة أم بعيدة - أم لا؟
وبتعبير آخر: هل يشترط اتحاد ووحدة الأفق - أي أن يكون هذا البلد متحداًفي الأفق مع البلد الذي رؤي فيه الهلال - في ثبوت الهلال أو لا يشترط ذلك؟ فمتىما رؤي الهلال في مكان ما ثبت لجميع البلدان المشتركة معه في الليل حتّى وإنكانت مختلفة الآفاق.
فالكلام يقع في إشتراط إتحاد الأفق وعدمه.
الأول: اشتراط اتحاد الأفق بين بلد الرؤية مع البلد الآخر - بلد المكلف - الذيلم يرى فيه الهلال، كي يثبت مبدأ الشهر له.
وهو الذي ذهب إليه الشيخ الطوسي في المبسوط حيث قال: ويجب العملبالرؤية لان ذلك يختلف بحسب اختلاف المطالع والعروض ومتى لم ير الهلال فيالبلد ورؤي خارج البلد على ما بيناه وجب العمل به إذا كانت البلدان التي رؤىفيها الهلال متقاربة، بحيث لو كانت السماء مضحية والموانع مرتفعة لرؤى في ذلكالبلد أيضاً لاتفاقعروضها وتقاربها مثل بغداد وواسط والكوفة وتكريت
والموصل، فأما إذا بعدت البلاد مثل بغداد وخراسان، وبغداد ومصر فإن لكل بلدحكم نفسه، ولا يجب على أهل بلد العمل بما رآه أهل البلد الآخر(1).
وهو مختار المحقق الحلي في الشرائع إذ قال: وإذا رؤي في البلاد المتقاربةكالكوفة وبغداد وجب الصوم على ساكنيها أجمع، دون المتباعدة كالعراقوخراسان، بل يلزم حيث رؤي.
وبه صرح العلامة في تذكرة الفقهاء بعد نقله كلام الشيخ الطوسي، وبه أفتىصاحب العروة وتبعه جماعة من أعلام العصر، وهو المشهور بين الفقهاء.
الثاني: وهو قول غير المشهور، من عدم اشتراط الاتحاد في الأفق، بل إذارؤي في بلد ما يكفي لاثبات مبدأ الشهر في سائر البلدان، اتحدت معه في الأفق أماختلفت.
وسيأتي أن هذا القول يؤول إلى أربعة وجوه بل أربعة أقوال لاصحاب مسلكعدم الاشتراط.
واختار هذا القول جماعة من الاعلام منهم العلامة في المنتهى، واستجودكلامه في المدارك والمحدث البحراني في الحدائق والمحقق النجفي في الجواهروالفاضل النراقي في المستند والسيد ابو تراب الخونساري في شرح نجاة العباد،وتمايل إليه السيد الحكيم - قده - في المستمسك، وهو مختار السيد الخوئيقدس سرهوجماعة من أعلام العصر.
وللعامة في المقام أيضاً قولان:
فقد ذهب أبو حنيفة وبعض الشافعية والقاسم وسالم واسحاق إلى لزوم وحدةالأفق.
1) المبسوط ج1 ص268.
لما روي عن كريب أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية بالشام قال:فقدمت الشام فقضيت حاجتها واستهل علي رمضان وأنا بالشام فرأيت الهلال ليلةالجمعة ثم قدمت المدينة في آخر الشهر فسألني عبد اللَّه بن عباس رضي اللَّه عنهماثم ذكر الهلال فقال: متى رأيتم الهلال فقلت رأيناه ليلة الجمعة فقال أنت رأيتهفقلت: نعم، ورآه الناس وصاموا وصام معاوية فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت فلانزال نصوم حتّى نكمل ثلاثين أو نراه فقلت: أولا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟فقال: لا هكذا امرنا رسول اللَّه صلى اللَّه عليه (واله) وسلم(1).
وروي عن عكرمة أيضاً أن لكل بلد رؤيتهم.
وقال بعض الشافعية حكم البلد كلها واحد متى روي الهلال في بلد وحكم بأنهأول الشهر كان ذلك الحكم ماضيا في أقطار الأرض سواء تباعدت البلاد أوتقاربت اختلفت مطالعها او لا، وبه قال احمد بن حنبل والليث .
قال النووي في شرح صحيح مسلم: أن الرؤية لا تعم الناس بل تختص بمنقرب على مسافة لا تقصر فيها الصلاة، وقيل ان اتفق المطلع لزمهم وقيل ان اتفقالاقليم وإلّا فلا، وقال بعض أصحابنا تعم الرؤية في موضع جميع أهل الأرض،فعلى هذا نقول إنما لم يعمل ابن عباس بخبر كريب لانه شهادة فلا تثبت بواحد،لكن ظاهر حديثه أنه لم يرده لهذا وانما رده لان الرؤية لم يثبت حكمها في حقالبعيد.
ولا يخفى أن محل الخلاف في المقام ليس في البلاد الغريبة من بلد الرؤية كماأشار إليه في الدروس، إذ ثبوت الهلال لها محل وفاق، فاذا رؤي الهلال في الصينمثلا ثبت في ايران بلا ريب، وكذا يثبت لجميع البلدان التي تتأخر غروبها عن
1) صحيح مسلم ج7 ص197، وسنن النسائي.
الصين بلا خلاف بينهم في ذلك، وسيأتي التفسير الفني الهيوي لذلك.
وإنما مورد الخلاف هي البلدان الواقعة في شرق البلد الذي رؤي فيه الهلال،وان أوهمت عبائر بعض القدماء عموميته للبلدان الواقعة في غرب بلد الرؤية.
فمنطقة النزاع هو الأفق المتقدم عن بلد الرؤية لا المتأخر.
وتبحث هذه المسألة في مقامين:
الأول: في الدليل العقلي الهيوي التكويني على كلا القولين، وبعبارة أسدّ تحريرالموضوع التكويني للمسألة.
الثاني: في الدليل النقلي.
المقام الأول: الدليل العقلي
مقدمات هيوية
مآل القول الأول
الجواب النقضي
الجواب الحلي
المقام الثاني: الدليل النقلي
أدلة المشهور
تنبيهات
ونمهد له بنحو موجز بعدة من المقدمات الهيوية التي هي بمثابة مسلماتمشتركة وبديهيات متفق عليها، تؤثر في هيكلية البحث وفي تحرير الموضوعتكوينيا، وتساعد أيضاً على فهم جهات النظر في الاحاديث والروايات في المقام.
قرر في علم الهيئة القديم ان مركز الكون هو الأرض، وكل ما حولها من أجراموكواكب هي التي تدور حولها بما في ذلك الشمس، فإنها عند غالب علماء الهيئةقديما هي التي تدور حول الأرض في منطقة البروج لا العكس.
اما في علم الهيئة الحديث وكما هو واقعاً أن الأرض هي التي تدور حولالشمس في منطقة البروج، فالحركة الحقيقة هي للارض حول الشمس، وللشمسحركة ظاهرية حول الأرض كما يترآى ذلك لساكني الأرض، لذا قد نعبّر بحركةالشمس حول الأرض ونقصد بذلك الحركة الظاهرية لها.
وبما أن الشمس جرم نير يبث كميات هائلة وضخمة من الاشعة والانوار، فاذاأشرقت هذه الانوار والاشعة على كوكب ما فإن نصفه المقابل للشمس ولهذهالاشعة سوف يكون مضيئاً والنصف الآخر مظلماً.
فان كان هذا الكوكب أصغر حجما من الشمس فحينما تشرق عليه الشمس
يحدث ظل مخروطي يغشى النصف المظلم تكون قاعدته دائرة مارة بالقطبين كمإے؛ظظهو الحال في كرة الأرض في أوائل الربيع والخريف وهي التي تفصل النوروالظلمة، كما هو موضح في الرسم الآتي.
وحيث أن الأرض تدور حول نفسها خلال 24 ساعة مرة واحدة فهذا يعني أنهذا الظل المخروطي دور حول الأرض خلال 24 ساعة، فما من بقعة من بقاعالأرض إلّا وتدخل في هذا الظل المخروطي خلال كل يوم مرة واحدة.
عکس
وأي بقعة من الأرض أثناء حركتها حول نفسها تخرج من النصف المضيءوتدخل في هذا المثلث المخروطي تكون بداية الليل لها، وحينما تتوسط هذه البقعة في المخروط المثلثي يكون الوقت فيها نصف الليل، وحينما تصل هذه البقعة إلىمنتهى دائرة قاعدة المخروط الفاصلة بين الظلمة والنور من طرف المشرق يكونالوقت هو بداية الفجر وإشراق الشمس ليوم جديد.
ومتى ما دخل القمر في مدار هذا الظل المخروطي حصل الخسوف، وهو تارةيدخل بأكمله واخرى بعضه، اما كسوف الشمس فهو دخول الأرض في مدار الظلالمخروطي للقمر حينما يتوسط بينها وبين الشمس.
هذا من جهة حركة الأرض الوضعية حول نفسها، وللارض حركة أخرى حول
الشمس وتسمى بالحركة «الانتقالية» التي تكون في مدار منطقة البروج.
وهذه الحركة ليست دائرية بالتمام وانما هي أشبه بالحركة البيضاوية حولالشمس، وبسببها تكون الفصول الاربعة، وطول وقصر النهار والليل.
عکس
القمر هو أقرب جرم فضائي للارض، ويبلغ معدل بعده في مداره حول الأرض384000 كيلومتر، وهو ليس منيراً بذاته وانما يكتسب نوره من الشمس، ويشرقليلا بفضل انعكاس أشعة الشمس عليه.
ويدور حول نفسه في الشهر مرة واحدة، فنهاره خمسة عشر يوما تقريباً وليلهكذلك، ويدور من المغرب إلى المشرق دورة كاملة، وهذه الدورة يقطعها القمرخلال 27 يوما و8 ساعات تقريباً، وهذا ما يعبر عنه في علم الهيئة بالشهر النجوميوهي حركة القمر من نقطة معينة فضائية إلى ان يعود لنفس هذه المنطقة.
وأما دورته حول الأرض فتستغرق 29 يوما و12 ساعة و44 دقيقة تقريباً،وذلك بضم مقدار حركة الأرض الانتقالية فيتسع مداره بذلك، فهو يقطع كل درجةمن تلك الدورة خلال ساعتين تقريباً(1).
ويتغير شكله أثناء دورته حول الأرض تبعا لانعكاس أشعة الشمس عليه،ويظهر بأشكال مختلفة تسمى أوجه ومنازل القمر، ومن أهم هذه المنازل:
وهي الحالة التي يكون القمر فيها متوسطا بين الشمس والأرض، ويكونوجهه المضي مقابلا للشمس والوجه المظلم مقابلا للارض، فلا يرى أهل الأرضمن القمر شيئاً، وذلك لعدم انعكاس أشعة الشمس على الوجه المقابل للارض.
وهي الحالة التي يتحرك القمر فيها عن التوسط ويبدأ بالابتعاد عن الشمسويخرج من تحت الشعاع، فيرى أهل الأرض الحافة والجزء المنير منه، الذيعكس ضوء الشمس على الأرض.
1) لاحظ التفهيم لأبي ريحان البيروني صحفحة 220، وفرهنك اصطلاحات نجوميطبع دانشكاه تبريز سنة 57 شمسي.
وتحصل حينما تتوسط الأرض بين الشمس والقمر، فيكون الوجه المضيءللقمر مقابلا للارض فيرى بأكمله لأهلها.
وبين حالة البدر والمحاق تتعاقب الاهلة ومنازل القمر الآخرى، فكلما ابتعدالقمر عن الشمس كلما أضاء أكثر فأكثر لمقابلة وجهه المضيء للارض شيئا فشيئاإلى أن يصل إلى حالة البدر، ثم يبدأ بنقصان انعكاسه على الأرض كلما اقترب إلىالشمس لاستدبار وجهه المضيء شيئا فشيئا إلى أن يختفى ويدخل تحت الشعاع.
وحينما يتوسط بين الشمس والأرض يكون محاقا، ويستغرق دخولهوخروجه من تحت الشعاع إلى أن يرى هلالا يومين إلّا قليلاً تقريباً.
عکس
ويرى عند الغروب قريباً للشمس، فهو والشمس بمثابة مركبتين متصلتينمتجاورتي الموضع، وكأن الشمس تجر الهلال من الشرق إلى الغرب بحسب الحركةالظاهرية للشمس، وهو في انجراره هذا بين فترة واخرى يبتعد عن الشمس بمقداردرجة درجة من الغرب إلى الشرق.
لذا قد يكون في غروب الصين لم يبتعد عن الشمس ولم يخرج من تحتالشعاع، لكن حينما تتحرك الشمس ظاهراً إلى أن يحصل غروب الجزيرة العربيةيكون قد ابتعد عن الشمس مقداراً كافياً ليصل انعكاس نوره إلى الأرض، فيرى فيالجزيرة العربية ولا يرى في الصين، إذ الفاصلة الزمانية بين غروب الصينوالجزيرة العربية خمس ساعات تقريباً، وفي خلال هذه المدة يكون القمر قد زادفي ابتعاده عن الشمس درجتين ونصف تقريباً(1).
عکس
1) فاذا كان القمر في غروب الصين قد ابتعد عن الشمس ثمان درجات، ففي غروبالجزيرة العربية سوف يكون مقدار ابتعاده عنها عشر درجات ونصف تقريباً، وبما أنالقمر أول ما يرى يكون مقدار ابتعاده عن الشمس عشر درجات - كما أفاده الخواجةنصير الدين الطوسي - ففي غروب الجزيرة سوف يرى بشكل واضح.
بما أن الأرض كروية، وتدور حول نفسها خلال كل يوم مرة واحدة، وفي ذاتالوقت تدور حول الشمس خلال كل سنة مرة أيضاً، فهي منصفه إلى نصفين، نصفمضيء وآخر مظلم، والمضيء هو الذي يكون مقابلاً للشمس بينما المظلم يكونمستدبراً لها.
وبحركة الأرض حول نفسها - والتي تسمى بالحركة الوضعية - يتشكل الليلوالنهار، ففي كل دقيقة هناك زوال وغروب وشروق على وجه الأرض بأكملها.
فحينما يكون الوقت في مدينة لندن مثلا هو الزوال يكون الوقت في المدنالتي تقع شرقها ما بعد الزوال، وكلما ابتعد الشخص عنها من ناحية الشرق كلمايبتعد الوقت عن الزوال باتجاه الغروب إلى أن يصل إلى بلد هو بداية الليل أو نصفه.
بينما المدن التي تقع غرب لندن لم يحن الزوال فيها بعد، وكلما ابتعدنا عنها منناحية الغرب كلما ابتعد الوقت عن الزوال باتجاه الشروق إلى أن نصل إلى منطقة لمتشرق عليها الشمس بعد، وملاحظة الشكل رقم (1)كفيل ببيان ذلك جلياً.
فاذا كان الأمر هكذا فيورد سؤال في المقام وهو: كيف يمكن حساب بدايةاليوم، ونقول مضى يوم مثلا أو يمان على أهل الأرض؟والجواب: ان علماء الهيئة فرضوا نقطة وهمية تكون هي مبدأ الاياموالساعات، فاذا وصلت إليه الشمس يحسب بداية يوم جديد، وقبل أن تصل إليهيكون دوران الشمس - الظاهري - من الدورة القديمة، وبفرض هذه النقطة الوهميةيمكن ضبط حساب الايام والساعات.
من هنا كان لخطوط الطول والعرض أهمية قصوى لحساب الساعات والايام.
والمقصود من خطوط الطول هي تلك الخطوط الوهمية المحيطة بطول الكرمة
1) التفهيم لاوائل صناعة التنجيم ص220.
الارضية والتي افترضها علماء الجغرافيا والهيئة، فقد وضعوا 360 خطاً وهمياً يجزأالكرة الارضية بين القطب الشمالي والجنوبي، وسموا هذه الخطوط بخطوط الطول.
كما فرضوا 180 خطاً وهميا آخر تحيط بعرض الكرة على شكل دوائر أكبرهاخط الاستواء الذي يجزأ الكرة إلى نصفين، واصغرها الخطان اللذان يحيطانبالقطب الشمالي والجنوبي.
عکس
ومبدأ الطول - أي منتهى حساب اليوم - في السابق كان ما يسمونه بالجزائرالخالدات وهي قريبة من موريتانيا والمغرب، وقد كانت سابقا آخر البلاد المعروفةالمأهولة بالسكان.
أما اليوم وبعد اكتشاف الأمريكتين وغرق الجزائر الخالدات في مياه المحيطالاطلسي عين الهيويون مبدأ الطول الخط الذي يمر على رصد «گرنيش» الواقع فيالشمال الغربي من مدينةل لندن، فعلى هذا الاساس تكون الأمريكتان هي الغرب
الاقصى، واليابان هي الشرق الاقصى وما بينهما شرق وغرب أوسط.
وكان مبدأ اليوم لديهم هي بلاد الصين واليابان لكونهما أوائل البلاد الشرقيةالتي تسطع عليها أنوار الشمس بعد غيبوبتها عن آخر البلاد الغربية «جزائرخالدات»، لكن بعد اكتشاف الأمريكتين تفطن إلى عدم انعدام شروق الشمس علىوجه البسيطة، فكان من اللازم فرض نقطة عندها ينتهي اليوم عن كل المسكون،وما بعدها يبدأ يوم جديد.
فكان من المناسب للضبط الطوسي ولغيبوبة الشمس عن كل المسكون كي لاتوجب خلطا في الحسّاب، هو فرض تلك النقطة في المحيط الهادي الذي يشكلثلث وجه الكرة الارضية تقريباً، وعلى فاصلة 180 درجة من نقطة «گرنيش».
فجعل الخط الطولي المار بها «خط التاريخ الدولي» - خط تغيير التاريخالدولي(1)هو بداية اليوم الشمسي، إذ لو جعل مبدأ اليوم الصين أو الهند مثلا،فمعناه أن الانسان قبل أن يدخل الصين يكون يومه الخميس مثلا، وبعد أن يدخلهايكون يومه الجمعة فلا ينضبط بذلك حساب اليوم.
مضافا إلى أنه مقتضى اختلاف التوقيت بين خطوط الطول حيث أنه ساعة لكل15 درجة طولية، بحيث يتقدم توقيت المناطق الشرقية ويتأخر توقيت المناطقالغربية، فاذا فرضت الساعة في نقطة الصفر وهي «گرنيش» الثانية عشر ظهراً منيوم السبت فاننا كلما اتجهنا نحو الشرق فان التوقيت يكون متقدما فاذا وصلنا إلىخط 180 درجة من جهة الشرق التي يكون توقيتها متقدما 12 ساعة على توقيت«گرنيش» فستكون الساعة 24 ليلا وبداية لليوم الجديد «يوم الاحد».
وأما إذا اتجهنا نحو غرب خط الصفر «گرنيش» فاننا سنتأخر في التوقيت، فاذاوصلنا إلى خط 180 درجة من جهة الغرب التي يكون توقيتها متأخراً 12 ساعة
1) اصطلحوا عليه عالميا بما يقرب من ثلاث تسميات.
على توقيت «گرنش» فسيكون التوقيت الساعة 24 ليلا وبداية يوم السبت وبذلكيصبح الواقف على خط 180 خط تغيير التاريخ الدولي من جهة الشرق وهو بدءيوم الاحد ومن جهة الغرب هو بدء ليوم السبت.
فاذا اشترقت وطلعت الشمس على هذا الخط يكون مبدءاً وبداية اليومالعالمي، فما قبل هذا الخط يكون يوما سابقا، وما بعده يوما لاحقا، وان كوّر هذهالمنطقة الواحدة نهارٌ واحد.
عکس
إذا عرفت ذلك فيتضح ان البلدان الواقعة على خط طولي واحد أو متقاربعادة ما يكون مشارقها ومغاربها متقاربة أو متحدة.
ومن هنا يمكن أن نفهم أن المعنى البدوي والظاهر من كلمات الفقهاء في اتحادالأفق أو اختلافه، أن البلدان والمدن المتحدة في الأفق هي التي تكون متفقة أومتقاربة في المشارق والمغارب، سواء كانت على خط طولي واحد أو على خطوطمتقاربة.
بينما البلدان المختلفة في الأفق هي البلدان التي بين مشارقها ومغاربهااختلافا كبيرا، ولم يذكروا ضابطة محددة لمعرفة هذا الاختلاف لكن ربّما يقدرالتفاوت بين البلدان المختلفة في الأفق بما زاد على عشر أو خمسة عشرة دقيقةتقريباً، وسيأتي ما ينفع في التنبيهات.
وربّما يتصور في المقام أنه كلما كانت البلدان على خط طولي واحد فان الأفقيكون واحد أي أن المشارق والمغارب متقاربة أو متساوية، سواء كانت هذهالبلدان على خط عرضي واحد أو أكثر، حيث أن هذه البلدان التي على خط واحدأو متقاربة تكون مواجهتها للشمس بنحو واحد، وكلما ازدادت الفاصلة بينالبلدين من ناحية الطول كان الاختلاف في شروق الشمس وغروبها فيهما أكثر.إلّا أن التحقيق ليس كذلك، فقد تكون مجموعة من البلدان على خط طوسيواحد إلّا أنها مختلفة في الأفق ومشارقها ومغاربها ليست متقاربة.
توضيح ذلك: حيث أن محور الأرض في الفضاء ليس قائماً وعمودياًبالاضافة إلى الشمس وبالنسبة إلى مواجهتها، أي ان محور القطب الشماليوالجنوبي ليس بشكل عمودي بل هو مائل قليلا بمقدار 23 درجة ونصف درجةتقريباً كما في اول فصل الشتاء والصيف، وهذا يؤدي إلى أن الخط الفاصل بينالجزء المظلم والمضيىء لا ينصف الكرة الارضية على خطوط الطول بل هذا الخطالفاصل يكون مائلا ومنحرفاً عن خط الطول بمقدار تلك الدرجة، كما هو موضحفي الرسم.
عکس
لذا قد نجد بلدين على خط طول واحد لكن يختلف أفقهما كل واحد عنالآخر، كما أنه قد نجد بلدين يختلف أحدهما عن الآخر في الطول والعرض لكنبينهما وحدة أفق واتفاق في المشارق والمغارب.
فليس اتحاد الطول وتقاربه بقول مطلق موجباً لوحدة الأفق، وكذلك ليساختلاف العرض مطلق موجباً لذلك.
قسم الهيويون الشهر إلى ثلاثة أقسام:
الأول: الشهر الوسطي أو الشهر الزيجي، وهو بأن يعد أول شهر قمري ثلاثينيوما، ثم الشهر الثاني يعد تسعة وعشرين يوما ثم ثلاثين ثم تسعة وعشرين وهكذادواليك، وتقسم الشهور بهذا التقسيم حتّى يسهل عليهم الحسّاب، فاذا رصدواالهلال في أول محرم فانهم يتمكنون من محاسبة متى سوف تحصل الرؤية في صفروالاشهر التي بعده.
الثاني: الشهر النجومي الطبيعي، وهو دور القمر بلحاظ نقطة فضائية معينةينطلق منها إلى أن يعود إلى نفس هذه النقطة وتستغرق دورته هذه 27 يوما و7ساعات و33 دقيقة.
ففي معجم اصطلاحات النجوم «الشهر النجومي عبارة عن دوران القمر حولالأرض في 27 يوما و7 ساعات و33 دقيقة، أي وصوله إلى نفس النقطة التي بدأالحركة منه».
الثالث: الشهر الحقيقي الاقتراني، وهو دورة القمر حول الأرض بلحاظ أشكالتنور القمر من الشمس، أي النسبة بين وضع والنّيرين بالاضافة إلى الأرض.
وعرّفه الهيويون أنه دورة القمر من اقترانه واجتماعه مع الشمس إلى اقترانآخر وحيث أنه يؤثر فيه حركتان، حركته حول الأرض والآخرى حركة الأرضالسنوية حول الشمس وبسبب ذلك يكون الدور ههنا أطول من الدور في الدورالنجومي، فهو 29 يوما و12 ساعة و44 دقيقة وهو الدور الاقتراني، وهذا بخلافدوره من نجمة ما إلى أن يعود اليها.
وقد حكى المجلسي - قده - في رسالته مفتتح الشهور أن بعض الاتراك واليهودكانوا يجعلون مبدأ الشهور اقتران النّيرين (المحاق) لكن عامة المنجمين لم يستحسنوا
ذلك بل جعلوا المبدأ تكون الهلال لفوائد عديدة منها أضبطية الرصدومناسبة التولد للشهر الجديد ونحوها.
نعم الكثير من شعوب العالم اليوم يعدّون المحاق أول منازل القمر، ولذا يعدّونمبدأ اليوم في منتصف الليل.
قال أبو ريحان البيروني: »الشهر قسمان طبيعي، واصطلاحي وضعه الناس،أما الطبيعي فهو مقدار ما يدور القمر من نقطة كمن نجمة ما تبعد عن الشمس بجهةالمشرق أو المغرب إلى أن يعود إلى تلك النقطة والنجمة.
وأما الثاني فهو بلحاظ أشكال تنور القمر من الشمس، ولاعتياد الناس بتلكالاشكال وضعوا لفظة الشهر بأزائها ومقدار الثاني تسعة وعشرون يوما ونصف يوموشيئاً فمجموع الشهرين يكون تسعة وخمسين يوماً فجعلوا أحدهما ثلاثيناوالآخر تسعة وعشرين وهذا تقدير وسطي «الشهر الوسطي»(1)، وكلامه كما لايخفى متضمن لتعريف ثلاثة أقسام من الشهر النجومي الطبيعي والاقتراني والزيجيالوسطي.
الرابع: الشهر الحقيقي العرفي الشرعي، وهو الذي بين الهلالين.
وفي الفتاوى الواضحة اشكال وجواب ما حاصله:
أن الشهر القمري الطبيعي قد يكون تسعة وعشرين يوما وان الشهري القمريالشرعي المرتبط بالرؤية قد يتأخر عن الطبيعي ليلة، فاذا جمع الافتراضانفسيكون الشهر القمري الشرعي 28 يوما لانه بدأ متأخراً عن الأول وانتهى بنهايته.
والجواب: أن في مثل هذه الحالة يحسب بدايتهما معا على الرغم من عدمالرؤية كي لا يحصل النقص، وبهذا يكون بدؤ الشهر القمري الشرعي اما بالليلة التييمكن رؤية الهلال لاول مرة فيها أو في الليلة التي لم ير فيها الهلال كذلك ولكنرؤي في ليلة الثلاثين من تلك الليلة، انتهى.
1) التفهيم لاوائل صناعة التنجيم ص220.
وفيه مسامحة عما ذكروه حيث لا يمكن نقصان الشهر القمري الطبيعي(1)عنتسعة وعشرين يوما واثني عشر ساعة و44 دقيقة كما هو مسلم في علم الهيئةوأثبتته الارصاد.
وأما جعل مبدأ الليلة للشهر الشرعي مردّد بين كون الهلال بحيث يرى لاولمرة، وبين عدم امكان ذلك(2)مع رؤيته في ليلة الثلاثين، فهو جمع بين الشهرالقمري الاقتراني والشرعي العرفي، ولازمه ثبوت الهلال بالآلات الرصديةالمسلحة مع انه - قده - لا يعتد بها.
وسيتضح الحال أكثر في الليل النقلي انشاء اللَّه تعالى.
قال المحقق النراقي في المستند: «أنه مما لا ريب فيه أنه يمكن أن يرى الهلالفي بعض البلاد ولا يرى في بعض آخر مع الفحص، واختلاف البلدين في الرؤية امايكون للاختلاف في الاوضاع الهوائية أو الارضية كالعتم والصحو وصفا الهواءوكدورته وغلظة الابخرة ورقتها وتسطيح الأرض وتضريسها ونحو ذلك» وهذاالاختلاف ليس اختلافاً حقيقيا وانما نفيٌ لفعلية الرؤية لحاجب.
او للاختلاف في الاوضاع السماوية« وهو اختلاف حقيقي يوجب عدم امكانالرؤية «وذلك اما يكون لاجل الاختلاف في عرض البلد او طوله».
اما اختلاف الرؤية لاجل الاختلاف في العرض فيمكن من وجهين:
أحدهما: ان كل بلد يكون عرضه أكثر« سواء باتجاه الجنوب أو الشمال«فيكون دائرة مدار حركة النيرين فيه في الاغلب أبعد من الاستواء» أي من استواءالرؤية «ويكون اضطجاعها إلى الأفق أكثر» كما لو كنا في شمال أوروبا فانابتعادها عن خط الاستواء كثير حيث ان النيرين مدار حركتهما في مقدار محدد منالأفق العرضي قريب من مدار الاستواء فالشمس حركتها في منطقة البرج أي فيمقدار 23 / 5 تقريباً من كل طرف من مدار الاستواء - أي معدل النهار - .
فالشمس في الصيف غاية ارتفاع مدارها يصل إلى مدار السرطان ولا يرتفعأكثر، ففي الدنمارك يكون مدار الشمس مائلا دائماً منخفضا نحو الأفق، ويحال انتكون عمودية بل مضطجعة دائماً، هذا في الصيف فكيف بالربيع والشتاء، فهيحينئذ ككرة تتدحرج على الأفق، لأن مدار حركة الشمس لا يتجاوز مدارالسرطان والجدي.
قال: «ولاجله يكون الهلال عند الغروب إلى الأفق أقرب» لانه كلّما ازدادعرض البلد يكون الهلال نازل وكلما قل يكون الهلال مرتفع وصاعد «ولذلك يكونقربه إلى
الاغبرة المجتمعة في حوالي الأفق أكثر فيكون رؤيته أصعب، ولكن ذلكلا يختلف إلّا بختلاف كثير في العرض
قال: «وثانيا: من الوجه الذي سيظهر مما يذكر واما الاختلاف لاجلالاختلاف في الطول فهو لاجل ان كل بلد طوله أكثر عن (جزاير خالدات) التي هيمبدأ الطول» قديما «على الاشهر يغرب النّيران فيه قبل غروبهما في البلد الذيطوله أقل».
فالتفاوت حينئذ يكون بين المغربين كثير، إذ يحصل الغروب في اليابان مثلابينما مصر لم يحن الزوال فيها «وعلى هذا فلو كان زمان التفاوت بين المغربينمعتد به يتحرك فيه القمر بحركته الخاصة قدراً معتداً به ويبتعد عن الشمس فيمكنأن يكون القمر وقت غروب الشمس في البلد الأكثر طولا بحيث لا يمكن رؤيتهلعدم خروجه عن الشعاع ويبتعد عن الشمس فيما بين المغربين بحيث يمكن رؤيتهفي البلد الاقل طولاً».
قال: مثلاً إذا كان طول البلد مائة وعشرين درجة وطول بلد آخر خمسةوأربعين درجة فيكون التفاوت بين الطولين خمسة وسبعين درجة وإذا غربتالشمس في الأول لا بد أن يسير الخمسة والسبعين درجة بالحركة المعدلية« إذ كلجرم في الفضاء له دائرة حقيقية تختلف من دور لآخر لذا يفرض له دائرة توسطيةتسمى بالحركة المعدلية »حتّى تغرب في البلد الثاني ويقطع الخمسة والسبعيندرجة في خمس ساعات وفي هذه الخمس يقطع القمر بحركته درجتين وقد يقطعدرجتين ونصف بل قد يقطع ثلاث درجات تقريباً.
وعلى هذا فربما يكون القمر وقت المغرب في البلد الأول« تحت الشعاع» إذالشمس تتحرك - ظاهرا - ويتحرك معها القمر لكنه يأخذ بالابتعاد عنها فهو كالتابعمع الشمس وفي نفس الوقت يتحرك باتجاه معاكس «ويخرج عنه في البلد الثاني،او يكون في الأول قريبا من الشمس فلا يرى لاجله وفي الثاني يرى لبعده عنها».
ولمثل ذلك يمكن أن يصير الاختلاف في العرض أيضاً سببا لاختلافالرؤية(1)في البلدين لانه أيضاً قد يوجب الاختلاف في وقت الغروب وان لميختلفا في الطول، فانه لو كان العرض الشمالي لبلد أربعين درجة« فوق خطالاستواء كايران وافغانستان.
«ويكون نهاره الاطول» في الصيف «خمسة عشر ساعة تقريباً ويكون في ذلكاليوم الذي يكون الشمس في أول السرطان النهار الاقصر لبلد» كمدغشقر جنوبافريقيا «الذي عرضه الجنوبي كذلك»(2)اي اربعين درجة من ناحية الجنوب«ويكون يومه» أي نهاره «تسع ساعات تقريباً ويكون التفاوت بين اليومين ستساعات ثلاث منها لتفاوت المغرب» وثلاث لتفاوت المشرق فغروب البلد الشماليمتأخر عن غروب المنطقة الجنوبية بثلاث ساعات «ويقطع في هذه الثلاث درجةونصف تقريباً وقد يقطع درجتين ويختلف رويته بهذا المقدار من البعد عنالشمس».
فيعلم من ذلك أن صرف اتحاد الطول لا يوجب اتحاد الأفق كما في بعضالكلمات في المقام(3).
وقال: «.. وان كان السبب في عدم الرؤية لاختلاف في الطول والعرض بالوجهالثاني ففيه الخلاف إذ لا يعلم من الرؤية في أحد البلدين وجود الهلال في الآخرايضا اي خروجه عن الشعاع وقت المغرب فلا يكفى الرؤية في أحدهما عن الرؤيةفي الآخر وقد يتعارض الاختلاف العرضيمع الطولي كما إذا كان نهار بلد أقصر منالآخر ولكن طول الأول أقل بحيث يتحد وقتي مغربهما او يتفاوتان ويكون ظهورتفاوت النهارين في الشروق بل قد يتأخر المغرب في الاقصر نهارا».
«ومما ذكر يعلم أن محل الخلاف إنما هو في البلدين اللذين يختلفان في الطولتفاوتا فاحشاً اي بقدر يسير القمر في زمن التفاوت بحركته الخاصة درجة او نصفدرجة ونصف الدرجة ويحصل في خمسة عشر درجة تقريباً من الاختلاف الطولياو يختلفان في العرض تفاوتا فاحشا بحيث يكون تفاوت مغربهما بقدر يسير القمرسيرا معتدا به، وقد يتعارض الاختلافان الطولي والعرضي والخبير بعلم هيئةالافلاك يقدر على استنباط جميع الشقوق واستنباط ان الرؤية في أي من البلدينالمختلفين طولا أو عرضا بالقدر المذكور يوجب ثبوتها في الآخر ولا عكس»(1).
عکس
1) مستند الشيعة ج2 ص132.
وهو في الحقيقة يرجع إلى أربعة تقريباًت، تبعا للوجه العقلي الذي يستند إليهكل تقريب، وكل واحد من هذه الاربعة يمكن أن يعد قولا بمفرده.
أن حركة القمر شخصية كونية، وهي ابتعاده عن الشمس بحيث يرى، وهذاالابتعاد شخصي لا يتعدد، فخروجه عن تحت الشعاع عند النقطة المزبورة بدايةدورته، فرؤيته في بلد معين كاف وكاشف على أن هذا الابتعاد قد حصل بالفعل وأنالقمر بدأ دورته الجديدة، فدورته دورة فضائية لا ربط لها بالارض.
وبتطعيم فلسفي: أن زمان كل موجود هو حركة ذاته، لا حركة غيره، ولا يعدزمانا له بمقدار حركة غيره إلّا بالاضافة، إذ لكل حركة زمان هو مقدار لتلك الحركةلا لحركة أخرى لها زمان آخر، ففي المقام زمان حركة القمر هو بتقدير حركته لابتقدير حركة الأرض ولا بالنسبة والاضافة إلى نقاط الأرض.
ويحتمل أن يكون هذا البيان هو مراد الشهيد الأول في القول المنسوب له فيشرح نجاة العباد - وان كان هذا القول خلاف ما في الدروس - إذ قال حكاية عنالشهيد دعوى القطع بعدم تأثير بعد البلاد في ذلك(1).
وصاغه السيد الخوئي - قده - بهذا البيان: أن الشهور القمرية انما تبدأ علىاساس وضع سير القمر واتخاذه موضا خاصا من الشمس في دورته الطبيعية، وفينهاية
1) أي في اختلاف الرؤية، شرح نجاة العباد ص111.
الدورة يدخل تحت شعاع الشمس، وفي هذه الحالة (حالة المحاق) لا يمكنرؤيته في أية بقعة من بقاع الأرض، وبعد خروجه عن حالة المحاق والتمكن منرؤيته ينتهي شهر قمري، ويبدأ شهر قمري جديد.
ومن الواضح أن خروج القمر من هذا الوضع هو بداية شهر قمري جديد لجميعبقاع الأرض على اختلاف مشارقها ومغاربها، لا لبقعة دون أخرى، وان كان القمرمرئيا في بعضها دون الآخر، وذلك لمانع خارجي كشعاع الشمس، أو حيلولة بقاعالأرض أو ما شاكل ذلك، فانه لا يرتبط بعدم خروجه من المحاق، ضرورة أنه ليسلخروجه منه أفراد عديدة بل هو فرد واحد متحقق في الكون لا يعقل تعدده بتعددالبقاع، وهذا بخلاف طلوع الشمس فانه يتعدد بتعدد البقاع المختلفة فيكون لكلبقعة طلوع خاص بها.
وعلى ضوء هذا البيان فقد اتضح أن قياس هذه الظاهرة الكونية بمسألة طلوعالشمس وغروبها قياس مع الفارق، وذلك لان الأرض بمقتضى كرويتها يكون -بطبيعة الحال - لكل بقعة منها مشرق خاص ومغرب كذلك، فلا يمكن أن يكونللارض كلها مشرق واحد ولا مغرب كذلك، وهذا بخلاف هذه الظاهرة الكونية - أيخروج القمر عن منطقة شعاع الشمس - فانه لعدم ارتباطه ببقاع الأرض وعدمصلته بها لا يمكن أن يتعدد بتعددها.
ونتيجة ذلك: أن رؤية الهلال في بلد ما أمارة قطعية على خروج القمر عنالوضع المذكور الذي يتخذه من الشمس في نهاية دورته وأنه بداية لشهر قمريجديد جميعها لا لخصوص البلد الذي يرى فيه وما يتفق معه في الأفق.
قال: ومن هنا يظهر أن ذهاب المشهور إلى أعتبار اتحاد البلدان في الأفقمبني على تخيل أن أرتباط خروج القمر عن تحت الشعاع ببقاع الأرض كارتباط طلوع الشمس وغروبها بها، إلّا أنه لا صلة - كما عرفت - لخروج القمر عنه ببقعة معينة
دون أخرى فان حاله مع وجود الكرة الارضية وعدمها سواء(1).
قال: وهذا بخلاف الهلال فانه انما يتولد ويتكوّن من كيفية نسبة القمر إلىالشمس من دون مدخل لوجود الكرة الارضية في ذلك بوجه بحيث لو فرضنا خلوالفضاء عنها رأسا لكان القمر متشكلا بشتى أشكاله من هلاله إلى بدره وبالعكسكما نشاهدها الان(2).
أن أنعكاس ضوء القمر ينعكس على جميع الآفاق في آن واحد، وذلك امالكون اليابسة المسكونة لا تشكل إلّا ربع الكرة الارضية فلا تختلف المطالع لكونهقدرا يسيرا لا اعتداد باختلافه بالنسبة إلى علو السماء، واما لكون الأرض مسطحة،فلا تختلف أيضاً المطالع، ذكر ذلك صاحب الحدائق والجواهر تبعا للعلامة فيالمنتهى.
وبعبارة أوضح: حيث أن الربع المسكون - قبل اكتشاف الأمريكتين - هو محلالابتلاء، وفي الوقت الحاضر هي البقاع التي يتواجد فيها معظم المسلمون، فكورالأرض في هذا الربع ليس بذلك المقدار الذي يحجب نور القمر عن جميع بقاعه.نعم لو كان المسكون من الأرض أرباعا مختلفة - كما هو واقعاً - فان هذا يؤدي إلىاختلاف الرؤية، ولذا نرى أن بعض الفقهاء يتفقون مع السيد الخوئي - قده - في عدمالاشتراط في خصوص الربع الواحد لا في بقية الارباع.
يفترض أن مبدأ الشهر هو بالرؤية ولكن يأخذ طبيعي الرؤية وصرف وجودهإے؛))ظفي أي بقعة تكون مبدأ للشهر في كل البقاع، فالاضافة إلى الأرض في هذا القولوالتقريب مأخوذة في حقيقة الشهر خلافا للتقريب الأول إلّا أن الاضافة والنسبةعلى نحو صرف الوجود لا الاستغراق والتعدد واختلاف المبدأ.
فيسلم أن الرؤية تختلف من بقعة إلى أخرى، وانعكاسات القمر متباينة، غايةالأمر انه إذا انعكس ضوء القمر في مصر مثلا وتحققت الرؤية، فبداية الشهر تكونمن هذه البقعة وما دام هذه البقعة تشترك مع بقاع كثيرة في النصف المظلم من الكرةالارضية فيثبت بداية الشهر لجميع هذا النصف المظلم إذ أن الليلة الواحدة لاتتبعض، فبداية الشهر الجديد ليس مبدأه من بلد الرؤية وإنما من الليلةِ التي يرىفيها.
فالصين الذي مضى من ليله أكثر من خمس ساعات لم يرى فيه الهلال ولكنما دان رؤي الهلال في مصر وهي تشترك مع الصين في ليلة واحد فيثبت الهلالللصين أيضاً لان مبدأ الشهر عرفا هو الليلة ولا تتبعض، فأخذ ما يقوّم ماهيةموضوع الحكم - وهو الرؤية - على نحو صرف الوجود والتحقق.
وهذا أحد قولي المحقق النراقي في المستند وتابعه السيد ابو ترابالخونساري في شرحه على نجاة العباد لاطلاق الروايات حيث قال: بل الذيتشهد به الادلة انما هو كفاية الرؤية مطلقا ولو في بلد آخر من المعمورة مع عدمامكان الرؤية في بلد المكلف وذلك لاطلاق قوله عليه السلام «صم للرؤية وافطر للرؤية»واطلاق ما دل على كفاية الرؤية في بلد آخر(1)، وتبعه السيد الصدر في الفتاوىالواضحة في المدعى والدليل.
أنه إذا رؤي الهلال في بقعة ما فاحتمال رؤيته في البلدان الواقعة شرق هذهالبقعة ممكنة، ولا يمكن القطع بعدمها، فما دام هذا الاحتمال موجود فيمكنالتمسك باطلاق أدلة البيّنة لاثبات بداية الشهر للبلدان الشرقية.
فالبينة في الرواية لم تقيد ببلد المكلف، فاذا اطلقت البيّنة فيمكن أن نعمل بهذا
1) شرح نجاة العباد ص111.
التعبد الظاهري ويكفي في ذلك احتمال الحكم الواقعي.
فهذا دليل نقلي إلّا أنه يعتمد على مقدمة عقلية، وانما يصح الاخذ باطلاقالحكم الظاهري إلى حد احتمال الحكم الواقعي، وبمجرد القطع بانتفاء الحكمالواقعي يكون ذلك انتفاءا للحكم الظاهري، لان الحكم الظاهري مأخوذ فيهاحتمال الواقع، وبمجرد انتفاء الواقع ينعدم الحكم الظاهري إذ هو لاستطراق الواقع.
وهذا ثاني وجهي العلامة في المنتهى حيث قال: ان المعمورة منها (منالأرض) قدر يسير هو الربع ولا اعتداد به عند السماء، وبالجملة ان علم طلوعه فيبعض الصفايح وعدم طلوعه في بعضها المتباعدة عنه لكروية (فكروية ص ح)الأرض لم يتساوى حكماهما، واما بدون ذلك فالتساوي هو الحق(1).
ولا يخفى أن كلامه قبل «وبالجملة» يرجع إلى التقريب الثاني وما بعده يرجعإلى التقريب الرابع، وتبعه أيضاً المحقق النراقي بعد أن جزم باختلاف الرؤية من بلدلآخر مع تباين الأفق.
قال: ثم الحق الذي لا محيص عنه عند الخبير كفاية الرؤية في أحد البلدينللبلد الآخر مطلقا، سواء كان البلدان متقاربين أو متباعدين كثيرا، لان اختلافحكمهما موقوف على العلم بأمرين، لا يحصل العلم بأحدهما البتة.
أحدهما: أن يعلم أن مبنى الصوم والفطر على وجود الهلال في البلد بخصوصه،ولا يكفي وجوده في بلد آخر، وأن حكم الشارع بالقضاء بعد ثبوت الرؤية في بلدآخر، لدلالته على وجوده في هذا البلد أيضاً، وهذا مما لا سبيل إليه
لم لا يجوز أن يكفي وجوده في بلد لساير البلدان أيضاً مطلقا.
وثانيهما: أن يعلم أن البلدين مختلفان في الرؤية البتة، أي يكون هلال فياحدهما دون الآخر، وذلك ايضا غير معلوم، إذ لا يحصل من الاختلاف الطولي
1) منتهى المطلب ج2 ص593 سطر 17.
والعرضي إلّا جواز الرؤية، ووجود الهلال في أحدهما دون الآخر، واما كونه كذلكالبتة فلا، إذ لعله خرج القمر عن تحت الشعاع قبل مغربيهما، وانكان في أحدهماأبعد من الشعاع من الآخر.
والعلم بحال القمر وأنه في ذلك الشهر بحيث لا يخرج عن تحت الشعاع فيهذا البلد عند مغربه، ويخرج في البلد الآخر غير ممكن الحصول، وان امكن الظنبه، لابتنائه على العلم بقدر طول البلدين وعرضهما وقدر بعد القمرعن الشمس فيكل من المغربين، ووقت خروجه عن تحت الشعاع فيهما والقدر الموجب للرؤيةمن البعد عن الشعاع.
ولا سبيل إلى معرفة شيء من ذلك إلّا بقول هيوى واحد أو متعدد راجع قولراصد او راصدين يمكن خطأ الجميع غالبا، وبدون حصول العلم بهذين الأمرين لاوجه لرفع اليد عن اطلاق الاخبار او عمومها(1).
ولا يخفى أن الوجه الأول في كلامه يرجع إلى القول والتقريب الثالث والوجهالثاني يرجع إلى القول والتقريب الرابع.
وتبعه السيد الحكيم - قده - في المستمسك إذ قال: لو رئي في البلاد الشرقية،فانه تثبت رؤيته في الغربية بطريق أولى، أما لو رئي في الغربية، فالاخذ بإطلاقالنص غير بعيد، إلّا أن يعلم بعدم الرؤية، إذ لا مجال حينئذ للحكم الظاهري(2).
والفرق بين هذا التقريب والسابق مع أن كلا منها يعتمد على مقدمة عقليةوالأخرى نقلية، هو ان التقريب الثالث توسعة في الثبوت أي أن الرؤية التي هيمحققة لبداية الشهر وتكونه هي طبيعي الرؤية في أي نقطة فرضت وان قطع بعدمتحققها في بلد آخر وتحققها في تلك النقطة الاولى خاصة.
بينما التقريب الرابع هي توسعة في الاثبات، أي في حجية وكاشفية الرؤية فينقطة عن تحققها في نقاط اخرى تمسكا باطلاق دليل الحجية وهذا في صورةاحتمال تحقق الرؤية لا مع العلم بعدمها في النقاط الأخرى.
والفرق بين التقريب الثاني والرابع أن الثاني يعتمد على مقدمة عقلية تولدالعلم، وقد تقدم الفرق بين التقريب الثالث والأول فراجع.
ويرد على هذه التقريبات الاربعة - لقول غير المشهور - مجموعة من الامورنقضا وحلا.
ففي المقام عدة من النقوض، ذكر بعضها المرحوم الشيخ الاملي(1)، والميرزاأبو الحسن الشعراني(2)وغيرهما من متأخري العصر(3)، كما أن بعضها عامة تردعلى جميع التقريبات المتقدمة للقائلين بعدم الاشتراط، وبعضها ترد على بعضتلك البيانات.
لزوم دخول الشهر في آن واحد في كل نقاط الكرة الارضية مع عدم التزامالقائلين - بقول غير المشهور - بذلك.
وهو يرد على التقريب الأول المنسوب للشهيد والذي رممه السيد الخوئي«قده» ورممناه بالنكتة الفلسفية.
بيان ذلك: أنه إذا كانت حركة القمر شخصية، وانعكاس ضوئه لا ربط لهبالمنعكس عليه، فلم يفرق اذن في حساب بداية الشهر بين الجزء المظلم من
الأرض وبين الجزء المضيء منها، حيث أن الكل يلتزم بأن ثبوت الشهر يكون فيالجزء المظلم فقط، أما الجزء المضيء المقابل للشمس فهو من الشهر السابق، وهذايلائم النسبية في مبدأ الشهر بلحاظ النقاط الارضية وينافي الشخصية المطلقة منكل جهة كما هو مقتضى التقريب الأول.
فعلى سبيل المثال إذا رؤي الهلال ليلة الجمعة في أمريكا، وكان الوقت فياستراليا هو نهار الجمعة، فالكل يلتزم بأن نهار استراليا لا يحسب من الشهر الجديد.
بينما على هذا التقريب - القائل بأن حركة القمر شخصية لا علاقة لها بحركةغيره وانما ربطها ب360 درجة أو أكثر التي يقطعها القمر - ينبغي أن يلتزم بأن نهارالجمعة في استراليا من الشهر الجديد، والحال أنه لا يلتزم به.
لزوم تبعّض الليلة الواحدة بين شهرين أو دخول الشهر قبل تكون الهلال.
بيان ذلك: لنفرض أن الهلال في غروب المغرب والجزائر لتوّه خرج من تحتالشعاع بحيث يرى ورؤي فعلا، فعلى قول غير المشهور يثبت لكل النصف المظلم،وهذا معناه أن اليابان التي مر على ليلها عشر ساعات تقريباً يثبت لها بداية الشهرالجديد.
فياترى هل بداية الشهر الجديد في اليابان هو من حين بدأ الليل وتكورالظلمة، أم من حين رؤية الهلال وتكونه في الجزائر والمغرب؟
ان كان الأول فهذا يعني ان حساب الشهر قد حصل قبل تكون الهلال وهذا لميلتزم به أحد.
وان كان الثاني أي أن حساب الشهر في اليابان من حين رؤية الهلال فيالمغرب والجزائر، فلازمه أن العشر ساعات التي مرت على ليل اليابان من الشهرالقديم، ولازم هذا تبعيض الليلة الواحدة، فجزء منها من الشهر القديم والجزء الآخر
من الشهر الجديد.
وعلى كلا الاحتمالين تذهب الشخصية ويتطرق الاعتبار والاضافة والنسبيةبلحاظ النقاط الارضية، فأصحاب هذا التقريب كروا على ما فروا عنه، إذ أنهم نفواالنسبية وأثبتوا الدورة والليلة الشخصية.
كما أن هذا النقض وبنفس البيان يرد على السيد الخوئي - قده - في التزامهالذي خالف فيه المشهور وهو أنه إذا رؤي الهلال قبل الزوال يثبت أيضاً بدايةالشهر.
فلو رؤي الهلال في مكان ما وكان الوقت في بقعة من البقاع قبل الزوال مثلابساعة أو أقل، يلتزم جماعة منهم السيد الخوئي - قده - بثبوت بداية الشهر في هذاالمورد أيضاً، وهذا معناه تبعّض النهار الواحد إلى ما قبل الزوال وما بعده، إذيختلف دخول الشهر بين مدينتين متقاربتين أحدهما قبل الزوال والأخرى بعدالزوال لنفس النكتة السابقة.
أشكال غير المشهور على المشهور هو تعدد مبدأ الشهر في أفاق الأرض،وهذا الاعتراض بعينه وارد عليهم أيضاً.
وبيان ذلك يعتمد على مقدمة هيوية اشرنا اليها سابقاً ونبسطها مرة أخرىوهي:
حيث أن في الكرة الارضية جزء مظلم وآخر مضيء دائما بسبب انعكاسأشعة الشمس عليها، وهذان الجزءان في حالة دوران وتعاقب ومطاردة، فلا بد منفرض(1)نقطة ما تكون هي بدأ الدور الحسابي للايام، وإلّا لما أمكن ضبط حسابوعد الأيام.
وفي السابق - كما ذكرنا في المقدمة - كان مبدأ حساب الأيام يبدأ من أولبلاد الشرق الاقصى، أما اليوم فان مبدأ الحسّاب اليومي يبدأ من خط التاريخالدولي
1) وهذا الفرض ليس جزافا بل هو اعتبار ناشىء من منشأ عقلي، وذلك لانه نرىوجدانا أن أدوارا تتكوّن من دوران الأرض حول نفسها.
«خط تغيير التاريخ الدولي» الذي يقع على فاصلة 180 درجة طول منخط الصفر «گرنيش».
فحينما تكون الشمس متعامدة عليه يكون الوقت فيه منتصف النهار لليومالجديد وما قبله منتصف او ما بعد الزوال بقليل لليوم السابق، فما قبل هذا الخطيحسب من الدورة واليوم السابق وما بعده يحسب من اليوم الجديد وان كان النهارواحداً، وكذلك الحال في الليل، راجع شكل رقم (6 و8).
وصياغة النقض: أنه إذا رؤي الهلال في غرنب اليابان وكانت ليلة السبت، فانالوقت في أمريكا هو ليلة الجمعة، فعلى مبنى القائلين بعدم الاشتراط يثبت بدايةالشهر لامريكا أيضاً، ولازم ذلك تعدد مبدأ الشهر إذ في اليابان ليلة السبت وفيامريكا ليلة الجمعة، فاعتراضهم على المشهور وارد عليهم أيضاً.
توالي الشهور الناقصة «29يوما« بكثرة في السنة وهو ما اختص بذكره الميرزاأبو الحسن الشعراني إذ قال:
«والمانع الثاني من التعميم أنه ما من شهر تام في بلد إلّا ويمكن رؤية الهلالليلة الثلاثين منه في بلد آخر، مثلا إذا كان في بلدنا غير قابل للرؤية غروب الجمعةفلا يبعد أن يصير قابلا للرؤية بعد أربع ساعات في بلاد المغرب، فيصير لنا هذإے؛11ظخالشهر أيضاً ناقصاً فيتوالى ويكثر في السنة الينا الشهور الناقصة»(1).
ويمكن بيانه بأنحاء:
الأول: أن أول بلد يرى فيه القمر كالقاهرة مثلا إذا مضى عليه 29 يوما و12ساعة و44 دقيقة، وأضف ساعتين أو أكثر كي يكون القمر قابل للرؤية الفعلية للشهرالجديد أي بعد 29 يوما و15 ساعة تقريباً، وهو يصادف عصر القاهرة حينئذ فانه
1) في رسالة وجيزة مستدركة على الفصل الثالث من تشريح الافلاك للشيخ البهائيص23.
سيرى في نقطة أرضية أخرى قطعاً.
فحينذاك يكون العصر من الشهر الجديد فلا يكون الشهر السابق ثلاثين تماماًبل ينقص سويعات دائما فبذلك تتوالى الشهور الناقصة.
الثاني: وهو أدق من السابق، أن الدوران بتسع وعشرين وثلثي اليوم من أولبلد يرى فيه كالقاهرة عندما يحسب فان المبدأ حسب من غروب ليلة اليوم الأولالتي هي سابقة على اليوم الأول فيحنئذ مجموع كل ليلة سابقة مع النهار اللآحقدورة 24 ساعة.
فعند تمام نهار التاسع والعشرين يكون قد تم القمر تسعة وعشرين دوراًويكون القمر في الليلة اللاحقة له وهي ليلة الثلاثين على الفرض سيما في فصليالخريف والشتاء حيث تكون أطول وبما يقارب 15 ساعة بل 17 ساعة في بعضمدارات العرض الشمالية كلندن، يكون القمر قد أتم 12 ساعة بل 14 بحيث يكونقابل للرؤية قطعا في نقطة أخرى، تشترك القاهرة معها في الليل.
فحينئذ يكون شهرهم تسعة وعشرين، بل الحال كذلك في كل فصول السنةعلى مبنى السيد الخوئي - قده - ولو في الليلة القصيرة حيث أن الثبوت بعد 14ساعة يكون قبل الزوال.وهكذا الحال بلحاظ أيّ بلد هو أول مبدأ الرؤية فيكون شهرهم 29 يوما بنفسالتقريب السابق، والمفروض على القول بالحركة الشخصية أن الشهر شخصي لايختلف عدده ومبدأه ومنتهاه بين بلد وآخر فتتوالى الشهور الناقصة.
لزوم حصول شهر بمقدار 28 يوما، وهو ما ذكره أيضاً أبو الحسن الشعرانيأيضاً تبعا لنقضه السابق قال:
«بل يمكن أن يصير شهر بالنسبة الينا ثمانية وعشرين يوما، مثلا رؤي هلالرمضان
في بلاد جاوة غروب يوم الجمعة، وفي مراكش غروب يوم الخميس،وهلال شوال في جاوة غروب يوم السبت وفي مراكش غروب يوم الجمعة بحيثكان شهر رمضان في كل منهما تسعة وعشرين يوما، فاذا أخذنا نحن هلال رمضانمن بلاد جاوة بالتلغراف يوم الجمعة وهلال شوال من مراكش يوم الجمعة صار شهررمضان بالنسبة الينا ثمانية وعشرين يوما وهذا مما لا يكون».
وحيث أنه يترآى بدوا أنه غير وارد على مسلك عدم اشتراط وحدة الأفق، إذلم يأخذوا مبدأ الشهر الأول من نقطة ومبدأ الشهر الثاني من نقطة أخرى ما دامتالآفاق يثبت لها الهلال معا، فلم نأخذ الهلال في الشهر الأول من جاوة «اندونيسيا»وفي الشهر الثاني من مراكش «المغرب العربي» سيما على مسلك السيد الخوئي«قده» القائل بثبوت الهلال في ثلاثة أربع الكرة الارضية في آن واحد حيث لايخصه بالنصف المظلم، بل نصف النصف المضيء وهو ما قبل الزوال أيضاً بدرجةتعبدا للنص مع المظلم.
فتوضيح كلامه هو بما يلي:
أنه لو ثبت الهلال في الشهر الأول في نقطة ما مثلا في فلوريدا (غرب أمريكا)ليلة الجمعة فانه لن يثبت لكراتشي (باكستان) إذ التفاوت بينهما أكثر من 180درجة طولية فسيكون مبدأ الشهر في كراتشي ليلة السبت، فلا يشملها النصفالمظلم، ثم في الشهر الثاني ثبت الهلال في نقطة أخرى على فاصلة 20 درجةشرقي النقطة الاولى تقريباً كواشنطن ليلة السبت ليكون الشهر تسعة وعشرين فيكل من فلوريدا وواشنطن وحيث أن كراتشي تشارك واشنطن في النصف الليليفيثبت لها هلال الشهر الثاني ليلة السبت أيضاً فحينئذ سينقص الشهر ويكون ثمانيةوعشرين يوما.
هذا على غير مسلك السيد الخوئي - قده - الخاص المتقدم، واما عليه فبدلكراتشي
في المثال نفرضها طوكيو (اليابان) أو في مدينة أخرى بحيث تكون علىفاصلة أكثر من 270 درجة من الجهة المعاكسة لحركة الشمس، فحينئذ عند غروبفلوريدا لا يشمل الليل طوكيو فيكون مبدأ الشهر الأول فيها ليلة السبت، ومبدأالشهر الثاني لشمول ما قبل الزوال لها بلحاظ واشنطن في المثال يكون مبدأه أيضاًليلة السبت فيكون ثمانية وعشرين يوما وهو شهر غير تام.
أقول: هذا النقض وان أفاده الشيخ النحرير العلامة ذي الفنون أبو الحسنالشعراني قدس سره، إلّا أن النقض سواء بلحاظ المثال الذي ذكره أو بعبارةالتوضيح التي ذكرناها، وان كان تاما على ظاهر عبائر الهيويين والمنجمين بضميمةقول غير المشهور إلّا انه لا يمكن فرض وقوعه بحسب الدقة كي يكون نقضا.
وبيان ذلك: أما على عبارة المثال الذي ذكره فانه قد افترض تقدم مبدأ الهلالفي مراكش وهي نقطة غربية على مبدأه في جاوة (اندونيسيا) وهي نقطة شرقية،في شهرين متتاليين وهذا لا يقع بالالتفات إلى أن مبدأ تكون الهلال يتقدم في كلشهر لاحق على نقطة تكونه في الشهر السابق بمقدار ثمان ساعات تقريباً بجهةمعاكسة لحركة الشمس.
وذلك لما تكرر ذكره من كون دورة القمر حول الأرض في تسعة وعشرينيوما و16 ساعة تقريباً، فيتكون - قبل أن يتم الدور الثلاثين في اتجاه العود إلىنفس النقطة الأولى التي تكوّن فيها - في نقطة تقع قبل نقطة الشهر السابق بثمانساعات كما لا يخفى وهكذا في الشهر الثالث ثم في الرابع يعود إلى النقطة الاولىفي الشهر الأول أو قريبا منها بلحاظ المقدار الكسري في تقدمه ودوره.
وبذلك ظهر أن ما قدمنا توضيحه للنقض المزبور أيضاً من المثال لا يتم إذ لايكون تقدم مبدأ هلال الشهر الثاني بمقدار 40 درجة طولية بل بمقدار 120 درجة
طولية كتونس مثلا ولا يمكن تكوّنه فيها ليلة السبت لان القمر لم يطوى في دوره29 يوما وثلثي اليوم من مبدأ تكونه وهي فلوريدا في المثال وسيأتي في«الملاحظة الهامة» أن الشهر في نقطة مبدأ تكونه لا بد أن يكون ثلاثين يوما فانتظر.
فعلى هذا سوف يرى في تونس ليلة الاحد لا ليلة السبت وإلّا لكان الشهرناقصاً في تونس أيضاً بمقدار 28 يوما على كل الاقوال.
هذا: مع أن ما فرضه - قده - من المثال لا يرد من جهة أخرى وان غض النظرعما تقدم وهي أن فرض التفاوت بين ثبوت الهلال بين جاوة (اندونيسيا) غروبيوم الجمعة - ليلة السبت - وهلال ومراكش غروب يوم الخميس - ليلة الجمعة - لايستقيم على مبنى غير المشهور حيث أنه مع ثبوته لمراكش يثبت لجاوة لاشتراكهمافي النصف الليلي المظلم، وكذلك لا يمكن لنا أن نأخذ الهلال من جاوة لا منمراكش مع اشتراكنا معهم في الليل المظلم.
ضرورة تفاوت الشهر الهلالي الواحد في العدد أي في التمام والنقلص بلحظإے؛55ظظالنقاط الارضية المختلفة سواء على كلا القولين، مع أنه لا ينسجم إلّا على قولالمشهور، وهو مع ذلك ملاحظة هامة يمكن استفادتها كلازم لبعض ما قرر فيكلمات الهيويين والمنجمين، وسنبين أن كلامهم في قوة التصريح بذلك وان لااستبعاد في ذلك، وهذه الملاحظة تنحل بها مجملات عديدة مذكورة في الرواياتوهي نافعة في كثير من المباحث في المقام، ونذكر في البدء الملاحظة كمقدمة ثمنذكر كيفية النقض بها.
أن الشهر القمري على الكرة الارضية دائما مختلف العدد ناقص في بعضالمناطق وتام في البعض الآخر على كلا القولين المشهور وغير المشهور، وهذا لاينافي قاعدة أن توالي الشهور التامة أو الناقصة كذلك ممتنع، إذ المراد بذلك هوبلحاظ النقطة الواحدة والبلد الواحد، بينما المدعى دوام وجود كل منهما علىالكرة وتواجدهما غير ثابت في البقعة الواحدة بل متعاقب على نقاط الأرض، نظرالاختلاف أوائل الاستهلال ومبدأ تكون القمر في آفاق الرؤية في النقاط المختلفةوعدم ثباته في نقطة معينة كما هو ظاهر بيّن.
كما أن المدعى لا ينافيه ما ورد من الروايات الاتي ذكرها عند البحث عنالدليل النقلي من لزوم القضاء يوما إذا كان الصيام في بلد المكلف 29 يوما وثبتفي بلد آخر أنه 30 يوما، إذ هو كما يأتي محمول على الآفاق القريبة لا المتباعدةمضافا إلى أن المدعى المزبور بعد أقامة البرهان عليه يكون قرينة على ذلك وإلّالتوالت الشهور التامة.
والدليل على المدعى هو أن اي نقطة تفرض أول بلد تكوّن الهلال وفي مقابلتها- أي أول بلد يرى فيه الهلال - فانه بعد تسع وعشرين دورة وثلثي الدورة للقمرتكون تلك النقطة مبدءاً لتلك الادوار يتكوّن الهلال للرؤية للشهر اللآحق في نقطةأخرى في الوجه الآخر من الكرة الارضية وعلى فاصلة ثمان ساعات تقريباًبطرف شرقي البلد الأول.
وهكذا يتقدم تكون القمر في الشهر الثالث في نقطة ثالثة على فاصلة مع الثانية8 ساعات أيضاً بطرف شرقي المنطقة التالية وعلى فاصلة 16 ساعة من النقطةالأولى وفي الشهر الرابع يعود فيتكوّن في النقطة الاولى أو قريبا منها، نظرا لعدمكون الفواصل على رأس الثمانية ساعات من بعضها بل يقل أو يزيد بقدر كسري،
فتختلف نقاط بلاد الرؤية الاولى في مجموعة الشهور الاولى الاربعة الثانية وهلمجرا.
عکس
ثم ان الشهر في أول بلد يرى فيه يكون تاما كما هو واضح بيّن مما تقدم، وذلكيعني أن الشهر الهلالي تام دائما في نقطة ما من الكرة الارضية وهي نقطة أولالرؤية أي أول بلد يرى الهلال فيه.
وهذا ما تشير إليه مصححة محمد بن عيسى - كما سيأتي في التنبيه الثالث منتنبيهات المسألة - قال: كتبت إليه عليه السلام: جعلت فداك، ربّما غم علينا الهلال في شهررمضان فنرى رمضان فنرى من الغد الهلال قبل الزوال، وربّما رأيناه بعد الزوال،فترى أن نفطر قبل الزوال إذا رأيناه بعد أم لا؟ فكتب عليه السلام «تتم إلى الليل، فانه انكان
تاما رؤي قبل الزوال»(1)، والمتن كما في نسخة الاستبصار.
ووجه الاشارة أنه في آن تكون الهلال في غروب النقطة الثانية للشهر اللآحقيكون الوقت في النقطة الاولى (أول مبدأ الرؤية للشهر السابق) أو النقاط الغريبةمنها قبل الزوال بل في تلك النقاط يكون الوقت أول الصباح كي يتمكن من رؤيةكرة القمر على نسق رؤية كرة القمر في آخر الشهر أوائل الصباح.
معنى عدم نقصان شهر رمضان أبداً
وعلى هذا المعنى يمكن أن تحمل الروايات الآتية من عدم نقصان شهررمضان منذ أن خلق اللَّه السموات والأرض ومن نقصان شهر شعبان أو غيره ايعلى تماميته في نقطة مبدأ تكون الهلال والنقصان في شهر شعبان مثلا على وجودنقطة أخرى غير أول بلد الرؤية يكون فيها الشهر 29 دائما، وهذا غير الحمل الآخرالمذكور في التهذيب وهو على الشهر الوسطي الجداولي الاتي توضيحه.
وهذا على القول المشهور واضح واما على الآخر فكذلك عند القائلين به ماعدا السيد الخوئي - قده - إذ هم قائلون باشتراك الحكم في النصف المظلم خاصةدون المستنير، وأما عند السيد الخوئي - قده - القائل باشتراك المظلم مع نصفالمستنير الذي هو ما قبل الزوال فكذلك أيضاً يكون الشهر تاما في نقاط تقع شرقينقطة مبدأ الرؤية.
وذلك لانه في آن تكوّن الهلالي في الشهر اللآحق في نقطة ثانية يكون الوقتبعد الزوال دائما بلحاظ تلك النقاط الواقعة شرقي النقطة الاولى التي تقع علىطرف غربي النقطة الثانية - بلد أول الرؤية في الشهر اللآحق - فهوفي الشهر اللآحقعندما يتكوّن في غروب النقطة الثانية التي على فاصلة 8 ساعات بطرف شرقيالنقطة التي تكوّن فيها هلال الشهر الأول، يكون الوقت في النقاط الغربية للنقطة
1) الوسائل: ابواب احكام شهر رمضان باب 8 حديث 4.
الثانية هو بعد الزوال.
فعند السيد الخوئي يكون الشهر تاماً في تلك النقاط دائما وباستمرار.
وأما نقصان الشهر فهو أيضاً دائم في النقاط التي تقع شرقي بلد أول الرؤيةبحيث لا تتفق معه في الأفق على قول المشهور، حيث انها في الدور الأول للهلالواليوم الأول تكون آخر البلاد التي يثبت لها الهلال، أي آخر البلاد التي يبدأ الشهرالهلالي فيها فيكون نهاية الدور الأول لعامة البلاد دور أول لها فاذا تم الدورالثلاثين الناقص يكون هو بنفسه دور تسعة وعشرين لها.
وأما على قول غير المشهور فايضاً لا بد من وقوع نقطة أخرى غير مبدأ الرؤيةيكون الشهر فيها ناقصا 29 يوما، ويكون الشهر في نقطة مبدأ تكونه ثلاثين يومإے؛99ظظتاما وفي النقطة الأخرى الثانية ناقصا، وذلك ببيان المثال الاتي:
لو تكون الهلال في نقطة ما كفلوريدا (امريكا) ليلة الجمعة فان كل البلاد المشتركة معها في الليل سوف يثبت لها الشهر على قول غير المشهور إلّا أن البلادالخارجة عن النصف الليلي ككراتشي (باكستان) وداكا (بنغلادش) سوف يكونالهلال فيها متأخراً ليلة لاحقة وهي ليلة السبت، وبحسب ما قدمناه من دور القمرثلاثين يوما إلّا ثلث يوم تقريباً يكون مبدأ تكونه في الشهر الثاني في نقطة شرقيالنقطة الاولى على فاصلة 8 ساعات وهي تونس في المثال في ليلة الاحد، ويثبتالهلال ليلة الاحد أيضاً لكل من كراتشي وداكا.
فعلى قول غير المشهور تكون كل نقطة كانت خارجة عن النصف الليلي لنقطةمبدأ الشهر الأول - أي خارجة عن النصف الليلي لنقطة مبدأ أي شهر أيضاً - الشهرفيها ناقصا 29 يوما حيث أن في تلك النقاط الخارجة يتأخر ثبوت الشهر ليلة عننقطة المبدأ ولكنه يشترك ليلا مع نقطة مبدأ الشهر الثاني أو ايّ شهر لاحق فتكون
تلك النقاط ناقصة الشهر دائماً.
وأما على مسلك السيد الخوئي - قده - القائل باشتراك ثلاثة أرباع الكرة فيثبوت الهلال فكل نقطة تبعد عن النقطة الاولى لمبدأ تكون الشهر على فاصلة 275درجة طولية يكون الوقت فيها ما بعد الزوال، كطوكيو (اليابان) في المثال السابق،ويكون الحسّاب على ما مر.
وليعلم أن النقاط التي ينقص فيها الشهر وهي شرقي مبدأ الرؤية على قولالمشهور كما مر، أو الخارجة عن النصف الليلي على قول غير المشهور، ليستبثابتة في بقعة أرضية معينة، كما تقدم أن النقاط التي يتم فيها الشهر الهلالي 30 يوماًليس بثابتة أيضاً في بقعة ما، وذلك لما عرفت من تحرك وتقدم مبدأ التكون للهلالفي الشهر اللآحق بفاصلة ثمان ساعات بجهة معاكسة من المغرب إلى المشرقلحركة الشمس، وهكذا في الشهر الثالث وهلم جرا.
وقد عرفت أيضاً عدم عود المبدأ في الشهر الرابع إلى النقطة الاولى مبدأ الشهرالأول لوجود المقدار الكسري، ومن ذلك يظهر وجه تعاقب الشهر التام والناقصمع فاصلة مماثلة تارة وبدونها أخرى، وبامكانك استخراج اعداد الناقص والتامعلى البقعة الواحدة الارضية كما لا يخفى في مجموع السنة القمرية.
ان قلت: ما ذكرته لم صرح به في كلمات الهيويين والمنجمين، بل صرحوا بأنالحسّاب يقع على 29 يوما أو 30 يوما للشهر، مضافا إلى أن ما ذكرته تفاوت فيمقدار الشهر الشخصي الواحد وكيف يتعقل ذلك رغم ما تقدم من الاعتبارالدوراني.
قلت: يكاد قولهم «بأن الشهر في الحقيقة 29 يوما و12 ساعة و44 دقيقة»يكون تصريحا بذلك إذ كون الشهر على رأس تمام 29 يوما أو على رأس تمام 30يوما
غير واقعي لديهم، وذكروا أنه من باب ضبط التقويم الشهري والحسّاب.
هذا من جهة ومن جهة أخرى مدار الشهر اللغوي العرفي والشرعي على ما بينالهلالين والرؤيتين وتوفيقها على الدورات المزبورة للقمر يحصل ما تقدم مننقصان الشهر في نقطة وتماميته في نقطة أخرى على ما بيّناه مفصلا.
وأما استبعاد تفاوت المقدار للشهر الشخصي الواحد، فيقربه تفاوت الليلالشخصي الواحد بلحاظ النقاظ المختلفة الارضية حيث أن الليل الواحد الغاشيعلى الكرة يكون في نقطة جنوبية طويلا حيث أن الفصل لديهم هو الشتاء وفي نفسالليلة تلك الغاشية تكون قصيرة في نقطة شمالية حيث الفصل لديهم هو الصيف.
ثم ان ذلك لا يستلزم اختلاف الحسّاب في السنة القمرية في مجموع الأيام لماذكرنا من عدم ثبوت النقصان والتمام في نقطة واحدة بل على نحو التعاقب.فاذا اتضح ما تقدم ظهر وجه النقض به على قول غير المشهور حيث أن الشهرالهلالي الواحد على كلا القولين لا محالة من تفاوته في العدد، وهذا يدلّل على أنالشهر وان كان شخصيا في وجوده ودوره على النقاط الارضية إلّا أن مبدأه ومنتهاهنسبي بلحاظ النقاط الارضية المختلفة وهذا لا ينسجم إلّا على قول المشهور حيثأنه يجمع بين شخصية الشهر ونسبية المبدأ والمنتهى بخلاف قول غير المشهور الذييفرض شخصية الشهر وشخصية المبدأ والمنتهى أيضاً، وسيأتي توضح هذا الفرقبين القولين في الجواب الحلي.
للارض حركتان:
1 - حركة وضعية.
2 - حركة انتقالية.
والحركة الوضعية: هي حركة الأرض حول نفسها مرة واحدة خلال كل يومالذي يستغرق 24 ساعة.
والحركة الانتقالية: هي حركة الأرض حول الشمس دورة كاملة كل سنة.
وللقمر حركتان:
حركة حول نفسه خلال كل شهر مرة واحدة أي أن نهاره خمسة عشر يوماًوليله كذلك، وهي لا تؤثر في البحث نهائيا، وهي وليدة للحركة الثانية.
وحركة أخرى حول الأرض تستغرق كل دورة كاملة شهراً قمرياً.
ومما لا غبار عليه ولا شك فيه أن هذه الحركات جميعا سواء للارض كانت أمللقمر كلها حركات شخصية واحدة لا تتعدد، وهذا من مسلمات علم الهيئة ويدعمهالدليل العقلي من أن حركة كل موجود حركة ذاته لا شيء غيره.
والسؤال اذن اين التعدد والنسبية والاعتبار في هذه الحركات؟
وقيل الاجابة على هذا السؤال لا بد من معرفة - وبشكل دقيق مضافا لمابسطناه في المقدمة - كيفية تكوّن الليل والنهار والفرق بين الشهر القمري والشهرالشمسي والسنة القمرية والسنة الشمسية.
حيث أن الأرض تدور حول نفسها خلال كل يوم مرة واحدة، وهذا يعني أنالجزء المقابل للشمس يتعرض لاشعتها، والجزء الآخر يكون مظلماً لعدم سقوطوتسلط اشعة الشمس عليه.
وبدوران الأرض حول نفسها يتعاقب الليل والنهار وتتسلط أشعة الشمسعلى كل بقاع الأرض خلال دورتها، فلا تمر 24 ساعة إلّا وكل بقاع الأرضتعرضت لاشعة الشمس.
ففي كل دقيقة على وجه الأرض هناك فجر وزوال وغروب ونصف ليل، وذلكتبعا لدوران الأرض وتعرض بقاعها المختلفة لاشعة الشمس.
فاذا كان الأمر كذلك فلا بد من فرض نقطة تكون هي بداية اليوم العالمي لجميعسكان الأرض حتّى يمكن ضبط وحساب الساعات والأيام الشمسية، من هنا تبدأوتنشأ فكرة النسبية في الحسّاب الشمسي.
فصحيح أن حركة الشمس الظاهرية أو دوران الأرض الواقعي حول نفسهاوتعرض أجزائها لاشعة الشمس شخصية، إلّا أن النسبية والاعتبار يكون في مبدأهذه الحركة إذ هي في حالة تعاقب مستمر، فيا ترى من أين يحسب مبدأ هذهالحركة وبداية اليوم الشمسي؟
هل من سطوع أشعتها على أرض اليابان أو الصين أو الشرق الاوسط أو مكانآخر، فلا بد كما قلنا في المقدمة سابقا - من فرض نقطة تكون هي مبدأ حركةالشمس الظاهرية وبداية اليوم الشمسي لكل ساكني الكرة الارضية.
فحينما تدور الأرض حول نفسها وتتعرض هذه النقطة لاشعة الشمس يبدأاليوم الشمسي لساكني الأرض، إلى أن تكمل الأرض دورتها وتصل إلى نفس هذهالنقطة فيبدأ اليوم الثاني الجديد وهكذا دواليك.
فيوم العيد يوم شخصي لا تعدد ولا اعتبار فيه، انما الاعتبار يكمن في مبدأ هذااليوم من أين يحسب، فحينما تسطع أشعة الشمس على هذا المبدأ يبدأ العيد وينتهيحينما تدور الأرض حول نفسها إلى أن تصل أشعة الشمس مرة ثانية إلى نفس هذاالمبدأ.
فحركة الأرض حول نفسها أو دوران الشمس الظاهري دوران وحركة حقيقيةشخصية لا تعدد ولا تبعّض فيها، إلّا ان الاعتبار والتعدد والنسبية تنشأ من جهةبداية هذه الحركة.
فالنسبية ناشئة من مبدأ هذه الحركة لا من شيء آخر.
تكون السنة الشمسيةوإذا تحركت الأرض حول الشمس دائرة فضائية كاملة تتحقق السنة، فحينماتبدأ الأرض حركتها من نقطة معينة إلى أن تصل إلى نفس هذه النقطة تكون الأرضقد تمت دورة واحدة حول الشمس والتي هي سنة شمسية، ويتزامن مع هذه الدورةدور الأرض حول نفسها 365 دورة تقريباً التي هي من عدد الأيام الشمسية.
فحركة الأرض الانتقالية دورة فضائية شخصية لا تعدد ولا نسبية ولا اعتبارفيها، فهي شخصية بالدوران الواحد، إلّا أن الاعتبار والنسبية نشأت من فرض بداية هذه الحركة.
والقمر أيضاً كوكب يعكس نور الشمس على الأرض فهو من حيث حركتهالفضائية أمر تكويني، وحركته حركة شخصية لا تقبل التعدد، إلّا أن سقوط نورالقمر على الأرض أو عكسه نور الشمس على الأرض هو الذي يوجب ويشكلالنسبية والاعتبار.
فكما أن الأرض لها دورة فضائية واحدة تزامن أداور الحركة الوضعية 365 للارض، كذلك أيضاً القمر له دورة وحركة شخصية واحدة مولدة للشهر القمريتزامن أدوار الحركة الوضعية للارض (29 ونصف تقريباً).
عکس
فكما أن الدور الشمسي السنوي والشهري يوازي ويقدر بالادوار الوضعيةويحسب مبدأهما معاً كي يحصل تطابق الشهر الواحد مع 30 دور وضعي للارضأو السنة الشمسية مع 365 دور وضعي أرضي، كذلك الشهر القمري يقدر ويوازىفي أول سقوط أشعته (كمبدأ) بالدور الوضعي ويحسب الغروب مبدأهما معاً كييحصل التطابق بين الشهر القمري الواحد و(29 ونصف تقريباً( دور وضعي أرضي.
فالقمر عندما يبدأ في سقوط نوره على أول نقطة أرضية تكون أول بداية تكوّنالشهر القمري وأول ليلة قمرية كما هو الحال في سقوط أول أشعة الشمس علىنقطة خط تغيير التاريخ.
إن كون خروج القمر أمراً تكوينياً شخصياً لكل الأرض لاشك فيه، ولكن لاللكل المجموعي للارض، بل بالنسبة لبلد الرؤية ومااتحد معها في الأفق، ثم يبدأبدوران الأرض حول نفسها شيئاً فشيئاً يدور انعكاس نور القمر الهلالي على كلالأرض حتّى يصل إلى أول موضع رؤي فيه.
والفرق بين الشهر والشمسي والقمري أن الشمسي أول بدئه حسب الاعتبارمن بلاد المشرق أو خط التاريخ الدولي بشروق الشمس عليه، وأما الشهر القمريفبدأه من أول بلد يكون فيه قابل للرؤية أي وصول نور القمر المنعكس من الشمسإلى ذلك البلد، ثم يدور إلى أن يتم دخول الشهر الهلالي على كل الأرض كما فيالشهر الشمسي.
والسر في ذلك: أن الشهر الشمسي كان منذ القدم - كما فصّل سابقاً يبدأحسابه اعتباراً من بلاد المشرق، وقيدنا ب(اعتبارا) لان تعاقب أصل الجزء المظلموالمنير لايفرق فيه بين أرجاء الأرض وان افترقا من حيث المقدار، فجعل بدأ اليومالشمسي من بلاد المشرق فأيام الاسبوع ولياليها تقدير زمني ناتج من الحركةالشمسية الظاهرية لامن الحركة القمرية.
وأما الشهر القمري فمنذ القديم كانوا يجعلون بدأه من أول بلد يهل نور القمرفيه بعد خروجه من تحت المحاق وشعاع الشمس، ولذا سمي القمر حيث نورهالدقيق يصل إلى الأرض بحيث يرى «هلالاً» لانه يستهل به واللغويون كادوا أنيتفقوا على هذا.
فجعل بدأ اليوم القمري من أول بلد يرى فيه غروباً(1)وجعل بدأ اليومالشمسي من أول بلد تشرق الشمس عليه بعد اختفائها عن أجزاء المعمورة فيالمحيط الهادي لاسيما قبل أن تكتشف امريكا، بالغروب من بلاد المغرب العربي،ويبدأ شروقها عند حوالي اليابان والصين.
فالمناسبة لبدأ كل من الشهر شروق كل من النيرين على أول بلد.
ومن هنا يظهر سر انتفاخ القمر في الليلة الاولى من الشهر الهلالي في بعضالبلدان وطول مكثه بعد الشفق الغربي وكذا تطوقه وارتفاعه عن الأفق مع أنه يرىللمرة الاولى.
ووجه الظهور: أن البلد الذي يرى فيه الهلال بأحد هذه الاوصاف ليس أول بلديرى فيه الهلال بل يكون من أواخر البلدان رؤية الهلال، أى انه قد دار من أول بلدرؤي فيه حتّى وصل إلى هذا البلد وكاد أن يتم دورته الاولى،وبطبيعة الحال يكونالقمر قد ابتعد أكثر عن الشمس فازداد المقدار المضيء منه، بخلاف أول بلد رؤيفيه حيث كان أول خروجه من تحت الشعاع إلى بعد يكاد ويمكن أن يرى.
ومن هنا وردت الروايات الكثيرة في رد الاعتبار بهذه الاوصاف للهلال فيكشفه عن كون الليلة الماضية أول الشهر، وشددت على كون الصوم للرؤية والفطرللرؤية.
1) خلافا لما تقدم مما حكاه العلامه المجلسي - قده - في رسالته مفتتح الشهور، أناليهود وبعض الاتراك والعديد من شعوب عالم اليوم جعلوا مبدأ الشهر القمري هوالمحاق،إلا أن قاطبة المنجمين لم يستحسنوا ذلك وجعلوا مبدأه مبدأ الرؤية.
ففي صحيحة علي بن راشد قال: كتب إلى أبو الحسن عليه السلام كتاب وأرخه يومالثلاثاء لليلة بقيت من شعبان، وذلك في سنة اثنين وثلاثين ومأتين وكان يومالاربعاء يوم شك فصام أهل بغداد يوم الخميس وأخبروني أنهم رأوا الهلال ليلة الخميس ولم يغب إلّا بعد الشفق بزمان طويل، قال فاعتقدت أن الصوم يومالخميس وأن الشهر كان عندنا ببغداد يوم الاربعاء، قال: فكتب إلى زادك اللَّه توفيقافقد صمت بصيامنا، قال: ثم لقيته بعد ذلك فسألته عما كتبت به إليه فقال لي: أولمأكتب اليك انما صمت الخميس، ولا تصم إلّا للرؤية (1).
نعم هذه الاوصاف ان كانت بنحو خفيف نكون دالة على أن أول بلد هل فيهالقمر هو من جهة مشرق بلد المكلف وسابق على هذا البلد، ومن هنا لااعتبار بهامطلقا سواء بالنحو الأول او الثاني. والعجب من من جعل تكون الهلال أمرا واقعيا و حدانيا لايختلف فيه بلد عن بلد وصقع هن اخر بخلاف الزوال والغروب والفجرفانه نسبي.
فان أريد من وحدانيته هو دورانه على كل الاصقاع بحيث يرى دور شخصيواحد ليكون دخول الشهر الهلالي واليوم الأول منه، فصحيح وتام، ولكن الدورانلابد له من مبدأ ومنتهى كما هو الحال في الشمس في مطلع الشهر الشمسي حيثبدورانها من البلاد الشرقية يحدث الفجر والزوال والغروب في الاصقاع ويتحققدخول الشهر الشمسي واليوم الأول منه.
فكما احتاج اليوم الشمسي الأول لمبدأ ومنتهى في دورة فكذلك اليومالقمري، وكما يكون بدأ دوران الشمس من نقطة كبلاد المشرق هو بدء للشهرالشمسي من تلك النقطة فكذلك بدأ دوران الهلال من أول نقطة يرى فيها بدء للشهر الهلالي من تلك النقطة.
غاية الأمر أن الشمس لثبات نسق إضاءتها ونمط حركتها الظاهرية كان نقطة
1) الوسائل: ابواب أحكام شهر رمضان باب 9 حديث 1.
بدء احداثها للشهر الشمسي بشوارقها ثابتة، بخلاف القمر حيث بدءُ الاضاءة متغيروالحركة على مدار مترقص حول الأرض كانت نقطة بدء احداثه للشهر غير ثابتة.
نعم هي - أي نقطة البدأ - باعتبار أول تكوّن الهلال بحيث يرى في أول نقطةمن الأرض منضبطة، وهذا لا يستدعي أن نجعل القمر وتكوّنه هلالاً وحدانياً دونالشمس وأن مطالعها نسبية، بل كما أن هناك جهة وحدانية في القمر وحركته وهيتكوّنه بحيث ينعكس من نور الشمس، فالشمس وحدانية من حيث انها جرممشخص مضيء له حركة شخصية ظاهرية.
وكما أن هناك نسبية في الشمس في الدور بدأ وانتهاءاً بالنسبة إلى الاصقاعطلوعاً وزوالا وغروباً، فكذلك الهلال فانه يهل على صقع دون آخر ثم يدور منمبدأه إلى منتهى الدور فيطلع ويغرب وهلم جرا، وقد تقدم أن الهلال يطلق هذاالاسم على القمر في الحالة المعلومة لانه يستهّل به الناس.
وان اريد من وحدانيته أن طلوعه في بلد دخول للشهر القمري لكل الاصقاعفهو وحداني الحدوث بمعنى الدفعة من دون تدرج في الدوران، فهذا لا يتم علىقول غير المشهور، حيث انهم لا يلتزمون به في النصف المضيء من الأرض بليجعلونه من الشهر السابق واما النصف المظلم فكله من الشهر الجديد.
فياترى إن كان تكوّن الهلال وحدانيا لكل الأرض فلم التفرقة بين النصفينواشتراط دوران الهلال من النصف المظلم إلى النصف المضيء ليدخل عليه حينئذالشهر، فهلّا كان الأمر التكويني الواحد من نسبة القمر إلى الشمس وتكوّنه هلالاواحداً للكل، فلم ههنا لم يشكل الأمر في تبعّض وحدته بين النصفين وأشكل فيالبلاد المختلفة الآفاق.
ومنه يظهر أن وحدته تتم بالدوران دورة واحدة فلا تشتّت في النصف المظلمفي البلاد المختلفة الآفاق، كما لم تشتت وحدته في دورانه على النصف الآخر.
فالنزاع اذاً ليس في وحدته وشخصيته ليتمسك بها القائل بعدم لزوم وحدةالأفق، بل هو في مبدأ شروع الشهر القمري فهو - أي القائل بعدم الاشتراط - يجعلهالنصف المظلم ثم النصف الآخر وقد عرفت فساده، والقائل بلزوم إتحاد الأفق فيثبوت الهلال يجعل مبدأ الشهر منه أفق أول الرؤية ثم يدور إلى أن يتم دخوله علىكل الآفاق.
ولك أن تلزم القائل بكون تكوّن الهلال أمراً واقعياً وحدانياً لكل الكرةالارضية بان خسوف القمر كذلك أمر وحداني شخصّي بالنسبة إلى كل نقاطالأرض حيث أنه من حيلولة الأرض بينه وبين الشمس، فإذا رؤى الخسوف فيبلد فتجب صلاة الخسوف والايات في كل البلدان، وكذلك بالنسبة إلى الكسوفلكونه امراً وحدانياً شخصياً ناشئاً من حيلولة القمر بين الشمس والأرض مع أنالقائل يجعلهما نسبيان، فياترى ما الفرق بينهما وبين الهلال.
عکس
فالسيد الخوئي - قده - يصرّح بأنه ينبغي أن لا يقاس الحسّاب القمري علىالحسّاب الشمسي لان الاخير نسبي.وجوابه: ان بيانه - قده - هو الذي فيه المقايسة بين ذلك، بخلاف بيان المشهورإذ هم فرزوا بين الحسّاب الشمسي والقمري، فنقضه على المشهور وارد على قولغير المشهور.
بيان ذلك: لو روي الهلال ليلة الثلاثاء في مصر مثلا وكان لتوه تكوّن وخرجعن تحت الشعاع بحيث يرى، فعلى قول غير المشهور تثبت بداية الشهر القمريالجديد لكل النصف المظلم، وبتعبير آخر تثبت لمصر الذي وقتها بداية الليل وتثبتللصين الذي مر على ليلها أكثر من ست ساعات تقريباً، وذلك خوفاً من محذورالتبعض.
والحال أن في دعوى هذا المحذور مقايسة بين الحسابين، إذ هذا الليل الغاشيلنصف الكرة الارضية هل هو حساب شمسي أو قمري؟ لا شك أنه حساب شمسيوانها ليلة شمسية، فاذن لم هذا الربط بين الليلة الشمسية مع الحسّاب القمري.
ان قلت: تتبعض الليلة الشمسية.
قلت: للتتبعض ما دام الحسّاب لسى حسابا شمسيا بل هو حساب قمري، ولاربط له بالآخر، مع أن في دعوى تبعّض الليلة مغالطة، إذ اللّيلة للنقطة الواحدة لمتتبعّض واما الجزء المظلم الغاشي على الكرة فليس بليلة واحدة إذ ساعاته فيالنقاط مختلفة، نعم هو دور واحد ولكنه دور شمسي لا قمري.
فالقائلين بعدم اشتراط اتحاد الأفق مزجوا بين الحسّاب القمري مع الدورالشمسي، لا أن المشهور هم الذين مزجوا بين الحسابين، كما ادعى ذلك السيدالخوئي «قده».
فليس النزاع بين الفريقين في وحدة وشخصية الدور القمري وانما النزاعبالدقة والحقيقة في المبدأ وليس في وحدة الدور وشخصيته، فعصب البحث ليسفي ذلك
وانما في نقطة ونسبة المبدأ، وإلّا فالقائلين بعدم الاشتراط عندهم نسبيةواعتبار ونقطة مبدأ أيضاً، وهي ثبوت الهلال للنصف المظلم.
فالبحث حينئذ هو عن مبدأ الحسّاب القمري هل هو من بلد الرؤية وبدايةالليل كما هو رأي المشهور، ام يثبت الهلال لكل النصف المظلم كما هو مختار غيرالمشهور؟
والتدبر في ذلك يجر إلى التدقيق في كيفية ضبط الحسّاب الشمسي والحسّابالقمري.
الشمس والقمر كما تقدّم مراراً جرمان نيّران اما بالذات كالشمس وامابالعرض كالقمر، وسقوط نوراهما على نقاط الأرض المختلفة توجب النسبيةوالاعتبار في الحسّاب.
وبما أن للارض حركتين وضعية وانتقالية، فلدينا زمانان زمان للحركةالانتقالية وزمان للحركة الوضعية، وذلك لان لكل حركة زمان كما هو محقق فيعلمي الفلسفة والرياضيات.
فمدار الحسّاب الشمسي على الحركة الانتقالية للارض ومدار الشهر القمريعلى الحركة الانتقالية للقمر.
وهاتان الحركتان متغايرتان عن الحركة الوضعية للارض، فما هو تأثيرالحركة الوضعية للارض على الحسّاب الشمسي والقمري؟
والاجابة: ان الحركة الوضعية للارض تضبط وتبرمج الزمنين، الزمن الشمسيالحاصل بحركة الأرض الانتقالية، والزمن القمري الحاصل بحركة القمر الانتقالية.
فانتقال الأرض بمقدار 30 درجة في مدارها حول الشمس يتزامن مع حركةوضعية للارض حول نفسها بمقدار 30 دورة.
فهذا التزامن مع الحركة الوضعية هو الذي يضبط ويبرمج ويقسم الحركةالانتقالية للارض.
فالحركة الوضعية ليست هي حساباً للزمن الشمسي، وانما هي تقسيم وتقديروضبط للحساب الشمسي، إذ لو فرض انه ليس للارض حركة وضعية، وان صنفالأرض مضيء نصف السنة والآخر مظلم كذلك، فمع هذا تحصل السنة كما هوالحال في القطب الشمالي والجنوبي، إذ الليل يكون بمقدار ستة أشهر وكذلك حالالنهار، ومع ذلك في هذين القطبين تحصل القاطنين فيهما السنة الشمسية بأعتبارأنهم بامكانهم أن يميّزوا الشتاء والربيع وبقية فصول السنة.
فالسنة الشمسية هي بطيّ الأرض مدارها حول الشمس، والحركة الوضعيةللارض تضبط هذه الحركة بتوسط الموازاة والمزامنة والمطابقة والمقابلة، لذا يبدأاليوم الشمسي الجديد بمجرد سطوع الشمس على الخط التاريخ الدولي.
فالخلاصة: أن الحسّاب الشمسي يكون بحركة الأرض الانتقالية، وضبط هذاالحسّاب يكون بحركة الأرض الوضعية.
كذلك القمر حسابه بدوره 360 درجة أو أكثر حول الأرض، وتتزامن هذهالحركة الانتقالية للقمر مع حركة الأرض الوضعية، وهذه الحركة هي التي تضبطالحسّاب القمري أيضاً، حيث تكون بداية الشهر القمري الجديدهو بداية الليل، ولذالم يلتزم أحد أنه إذا رؤي الهلال في الغروب أنه يحكم بدخول الشهر الجديد قبلذلك بخمس ساعات.
فوظيفة الحركة الوضعية للارض انها تضبط الحسّاب الشمسي والحسّابالقمري، وليست أشعة الشمس هي التي تحدث الحركة الوضعية، إذ لو تصورنا عدماشعاع الشمس في فضائنا فان الأرض مع ذلك تدور حول نفسها كل 24 ساعة مرة
واحدة.
فصار جلياً وواضحا أن بداية الشهر القمري هو أول بلد يرى فيه الهلال، أماالبلاد التي لم يرى فيها فليست من الشهر الجديد إلى أن يتحرك لها الهلال.
ويترتب على ما ذكرنا أن الشهر الهلالي لا يتفاوت بين البلدان المختلفة الأفقفي المقدار(1)، أي أن التفاوت في المبدأ موجود ولكنه لا يستدعي الاختلاف فيمقدار عدد الشهر ففي بلد ثلاثين وفي آخر تسعة وعشرين، بل عدد الشهر في كلالبلدان سواء، وان كان مبدأه في بلد في يوم السبت مثلا وفي آخر يوم الاحد وذلكلا يخل بشخصيته.
لان الهلال إلى أن يكون بدرا ثم يعود هلالا مرة أخرى ثم يدخل تحت الشعاعفي كل منازله يزامن دوران الأرض الوضعي اليومي فيتم على التقريب دورة لها معكل منزل، وهذا ما يشاهده الكل من الانتفاخ يسيرا حتّى يكون بدراً ثم النقصانوالمحاق.
وانما نشأ الاختلاف في يوم البدأ لان شروق الهلال ابتدأ من نقطة على الأرضدون أخرى، واليوم الاسبوعي هو يوم شمسي كما لا يخفى فلا غرابة فيه، كما هوشأن ابتداء الشهر الشمسي.
وتوهم أن القول بلزوم الاتحاد في الأفق يستلزم تعدد مبدأ الشهر الهلالي إلىتفاوت ربّما يصل إلى خمسة أيام مع كون البلدين المختلفين في الأفق بينهمااختلاف أربع ساعات فقط.
فاسد بالضرورة، والظاهرة أنه لعدم الاحاطة خبرا بموضوع المسألة إذ قد
1) على ظاهر كلمات الهيويين والفقهاء لا على ما نبهّنا عليه في الملاحظة الهامةالمتقدمة في النقض السادس، وأما على ما ذكرناه فان نقص وتمام الشهر الواحد فيالنقاط التي سبق توضيحها لا بد منه على كلا القولين كما مر مفصلا لكن ذلك لا يخّلبشخصية الدور والادوار القمرية إذ هو من تفاوت مبدأ الدور لكن مع تفاوت المنتهىللادوار مضافا إلى ذلك.
عرفت أنه من المستحيل التفاوت بأكثر من أربع وعشرين ساعة بين مبدأ الشهرالقمري وبين أي بلدين بينهما أيّ اختلاف في الساعات تفرض، حيث أن الهلاليتم دورته حول الأرض في هذا المقدار.
ودعوى: احتمال عدم الرؤية ولو دار.
موهونة: بأن الهلال كلما مضى عليه ساعات يزداد في البعد عن الشمسفيزداد تجليا ورؤية ومكثا فوق الأفق، كما هو الحال عينا في البلاد التي تقع غربيبلد الرؤية والتي تقدم عدم النزاع في ثبوت الهلال لها وان كانت مختلفة في الأفقبالتأخر ولو لم تحصل الرؤية الفعلية فيها لمانع.
فكل نقاط الأرض بعد 24 ساعة تصبح بمنزلة البلاد الغربية لبلد الرؤية، حيثأن سائر النقاط تقع حينئذ غربي مدار بلد الرؤية بمقتضى دوران الأرض حولنفسها من المغرب إلى المشرق.
وربّما أورد أن الالتزام بالقول المزبور يؤدي إلى الاختلاف بين المسلمينويكون مدعاة لتفرق الكلمة، ومذاق الشارع يأباه قطعا.
وفيه: أن الاختلاف حادت ولو على القول بعدم لزوم اتحاد الأفق لان منشأالاختلاف في ثبوت الهلال اسباب كثيرة أخرى بين البلاد الاسلامية بل بين البلدالواحد كما هو المشاهد عيانا.
مضافاً: إلى أن هذا الموضوع خارجي رتب الشارع عليه حكما والاختلاففي بدء الصيام ليس اختلافا في الكلمة إذا كانت القلوب مجتمعة، كما هو الاختلاففي أوقات الصلاة فرب بلد فيه وقت صلاة الصبح وآخر الظهرين وثالث المغربين،ورب بلد اتموا صيام يومهم بينما الآخر بدأ صيامهم.
وربّما يبقى لك استغراب وهو: أن النصف المظلم ليل واحد فكيف يكون بعضهمن شهر والآخر من شهر ثان؟
ويرفعه: ان الليل في النصف الكروي حادث من مواجهة الأرض الذي هوجرم مظلم للشمس الذي هو جرم نير فهو من احداث الشمس لا من القمر كي لايختلف في الشهر القمري.
ومع ذلك لا يلزم تبعّض الليل الواحد لبلد واحد على القول بلزوم الاتحاد،بخلاف القول الآخر، وليس هذا النصف ليل واحد بل الظلمة بالنسبة إلى كل افق بلدهي ليل ذلك البلد، ولذلك يختلف في ساعاته بين النقاط.
والدليل على نسبية الظلمة في تشكل الليل لكل افق افق هو أن البلاد المشرقيةالقصوى كاليابان مع البلاد المغربية القصوى كأمريكا والمحيط الهادي، يغشاهماظلمة واحدة عندما تكون البلاد الوسطى مواجهة للشمس ومع ذلك لا يكون الليلفي الشرقية القصوى هو نفس الليل في الغربية القصوى، حيث أنه في الاولى ليومجديد متقدم بيوم على يوم ليل الثانية.
توضيح ذلك: إذا كان الليل في اليابان ليلة السبت، يكون ليل أمريكا ليلةالجمعة، مع التأمل بأن الظلمة دائمة الدور بلا انعدام عن كل الكرة وان انعدمت عنافق افق .
فيتضح أن الليل واحد في الأفق الواحد لا في النصف المظلم.
فان قلت: ولكن مقدارا من النصف المظلم ليل ليوم واحد بين آفاقه، أي ما بعدالخط الفاصل بين الشرقية القصوى والغربية القصوى الذي هو 180 درجة طول منخط جرينش.
قلت: نسلم ذلك والغرض مما قدمناه بيان أنه محدث ومتولد من اليومالشمسي لا من القمر، وانما الشهر القمري يطابق نفسه مع اليوم الشمسي ولا يلزمالتبعّض في الليل الشمسي في الأفق الواحد وحينئذ يطابق ليل اليوم القمرينفسهعليه بالتمام بخلاف الحال على القول الآخر فالاستغراب فيه أشدّ حيث أنه يتبعّضالليل الواحد
لبلد وافق واحد كما مرّ.
بالاضافة إلى ما اشكل سابقاً من تبّعض ليل يوم واحد في الآفاق المتعددة كمالو كانت الظلمة في امريكا ليلة الجمعة وفي اليابان ليلة السبت فاذا رؤي الهلال فياليابان يثبت دخول الشهر فيه، وبتوسط هذه الرؤية يثبت لامريكا على القول بعدملزوم الاتحاد في الأفق دخول الشهر وأوله الجمعة.
ومنه يظهر أن أختلاف بدأ يوم الشهر القمري في البلدان على أية حال واقع ولامحذور فيه وانما المحذور في تبعّض الليلة الواحدة في الأفق الواحد.
ولا بد لك من التنبه أن الدور القمري الذي هو 29 يوماً و12 ساعة و44 دقيقةليس هو المعوّل في اعتبار الشهر القمري عرفا وشرعا لانه كما عرفت ما بينالهلالين ولذا ورد أن شهر رمضان كبقية الشهور القمرية يصيبه النقصان، ولو كانبالدور الحسابي لم يكن كذلك.
بل قد عرفت في «الملاحظة» المقدمة أنه على الدور الحسابي أيضاً يلزمالنقصان تارة والتمام أخرى، إلّا أنه مع ذلك المدار على الرؤية للهلال.
وإذا كان الشهر ما بين الهلالين والهلال أمر نسبي بلحاظ امكان الرؤية فيالبلدان مع غض النظر عن الموانع كالسحاب والرياح المظلمة والجبال ونحوها،ووحداني بلحاظ شخص القمر مع كون النتيجة في انعكاس نوره إلى النقاط علىالأرض هي نسبيته كما في الشمس كما مر فيعلم حينئذ أن ابتداءه هو بإهلاله في كلبلد بلد كما في ابتداء الشهر الشمسي، بابتداء شروقها في كل بلد بلد وإلّا فالشمسذات حركة ظاهرية وحدانية.
وأما الدليل النقلي الذي استدل به على عدم اشتراط وحدة الأفق فهو طوائفمن الروايات وعدة من الادلة.
كما في المنتهى للعلامة والمستند للنراقي وغيرهما.
وتوجيه الدلالة على التقريبات والاقوال الثلاثة الاُول هو: أن هذه الطائفة منالروايات لم تقيّد الرؤية برؤية المكلف نفسه في بلده، ولم تفصّل بين البلاد البعيدةالتي هي مختلفة في الأفق وبين البلاد القريبة المتحدة في الأفق، وانما التزمتبالصيام بمطلق الرؤية، والرؤية موضوع مطلق، والروايات في مقام البيان فمقتضىذلك شمولها لكل البلاد، وأن رؤية الهلال في بلد تكفي لثبوته في سائر البلاد التيتشترك معه في الليل.
وأما توجيه الدلالة على التقريب والقول الرابع فبالاخذ بالحجية والحكمالظاهري ما دام الواقع محتملا، إذ لا يعلم أن الهلال لم يخرج في النقطة الشرقيةالسابقة المختلفة، ولا يعلم أن بلد الرؤية الفعلية هو أول بلد تكوّن فيه الهلال.
ويلاحظ على هذا الدليل على التوجيه الأول مجموعة من التأملات، وأماالتوجيه الثاني فواضح الضعف، إذ مفاد الرؤية حكم واقعي ومؤداه وجود الهلال فيبلد الرؤية لا الوجود المبهم القابل للانطباق على العديد من الآفاق.
ان كثيراً من روايات الرؤية ان لم نقل معظمها لا يوجد فيها اطلاق، وانما هيفي مقام بيان وصدد التعرض إلى أن الرؤية حجة مقابل بقية الطرق، أي حصرالحجية فيها ونفيها عن بقية الطرق.
وقد حقق في محله أن الدليل إذا كان متعرضا لحجية شيء ما في الجملة فيمقابل أمور أخرى لا يمكن أن يستفاد منه التعرض لكل تفاصيل وحالات هذاالشيء.
فمثلا قوله تعالى «وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا» استشكل في جريان الاطلاق فيها، وذلك لان الآية الكريمة في صدد التفريق بين البيع والربا من حيث الحكم،ورد مغالطة اليهود القائلين بأن البيع مثل الربا، فلا تكون متكفلة لبيان حالاتوشروط البيع حتّى يمكن التمسك باطلاقها، وانما هي في مقام التفريق بينالماهيتين، ماهية البيع وماهية الربا.
كذلك في المقام فان الروايات متكفلة لاثبات أن الرؤية حجة في مقابل بقيةالاسباب والطرق.
فلسانها التعرّض لحجية الرؤية، ونفي حجية بقية الطرق والاسباب، كحسابالمنجمين والعدد وما أشبه ذلك.
فهذه الروايات في مقام التفرقة، وإذا كانت كذلك فليست في صدد ذكرتفاصيل وحال الموضوع الصحيح وانما في صدد نفي الاعتبار بالموضوعاتالأخرى، أما أن الموضوع الصحيح ما هي شرائطه وحالاته فالروايات لا تتكفلذلك، بل هناك طوائف عديدة أخرى فيها تفصيل لشرائط البيّنة والرؤية.
والروايات التي استدل بها في المقام هي:
صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: «أنه سئل عن الاهلة؟ فقال: هي أهلةالشهور، فاذا رأيت الهلال فصم وإذا رأيته فافطر»(1).
والرواية واضحة في جعل وبيان أن الاهلة مواقيت لا غير، كما أن الخطابموجه للمكلف نفسه فكيف يمكن التمسك باطلاقها؟!
صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: «إذا رأيتم الهلال فصوموا،وإذا رأيتموه فافطروا، وليس بالرأي ولا بالظني ولكن بالرؤية.... الحديث»(2).
والرواية واضحة في صدد حجية الرؤية والتشدّد في نفي سائر الطرق،والتفريق بين الطريق الصحيح وغيره.
موثقة اسحاق بن عمار عن أبي عبد اللَّه عليه السلام أنه قال: «في كتاب علي عليه السلام: صملرؤيته وأفطر لرؤيته، وإياك والشكّ والظن، فان خفي عليكم فأتموا الشهر الأولثلاثين»(3).
والرواية أيضاً في صدد بيان أن الاعتبار بالرؤية لا بغيرها.
معتبرة الفضيل بن عثمان عن أبي عبد اللَّه عليه السلام أنه قال: «ليس على أهل القبلةإلّا الرؤية، وليس على المسلمين إلّا الرؤية»(4).
وهذه الرواية كذلك في صدد بيان أن الرؤية هي الحجة وماعداها فليسبمعتبر.
رواية علي بن محمد القاساني قال: كتبت إليه وأنا بالمدينة، أسأله عن اليومالذي يشكّ فيه من رمضان، هل يصام أم لا؟ فكتب: «صم للرؤية وأفطرللرؤية»(1).
فهذه الرواية في صدد حصر الصوم بالرؤية لا مطلق ترتيب الصوم علىكلرؤية، وليست في صدد التركيز على اطلاق الموضوع وانما في صدد حصرالمحمول - وجوب الصوم - بهذا الموضوع ونفيه عن الموضوعات الأخرى.
ولسان بقية الروايات هكذا:
إذا رأيت الهلال فصم وإذا رأيته فافطرا، صم للرؤية وأفطر للرؤية، لا تصم إلّاللرؤية، يصام للرؤية ويفطر للرؤية(2).
فالخلاصة: أن هذه الروايات في صدد حضر الطريق بالرؤية ونفي بقية الطرقالتي يظن ثبوت الهلال بها ويشهد لذلك أسئلة الرواة والاجابة عليها من قبل الائمةعليه السلام «صم للرؤية وافطر للرؤية» لا لبيان الرؤية كيف هي، فمفادها تقيّد المحمولبالرؤية وحصره بهذا الموضوع.
والقرينة على ذلك: أن في قولهم عليهم السلام «صم للرؤية» اللام للتعليل أيصم بسبب الرؤية، وهو يفيد الحصر إذ مقتضى التعليل تخصص الحكم بالعلة.
وقرينة أخرى: أن «صم للرؤية...» ليس في مقام جعل حجية الرؤية، لانالرؤية طريق حسي قطعي ولا معنى لجعل حجية القطع إذ الحجية في القطع ذاتيةعقلائية، فالرؤية طريق تكويني محض غير مجعول، فقولهم عليهم السلام «صمللرؤية...» ليس في صدد الجعل كي يقال أنه متكفل لافراد الموضوع.
وهذه القرينة يستخلص منها وجه ثاني للخدشة في الاطلاق إذ حيث لا جعلفي اطلاقات الرؤية فليس مفادها غير الاناطة بالموضوع التكويني ونفي حجية
الطرق الظنية، فلا بد من الرجوع إلى حد الموضوع التكويني وقد مر بسطه بما لامزيد عليه فراجع.
أن التمسك باطلاق الرؤية يلزم منه اغراء المكلفين لمدة أكثر من عشرة قرون.
إذ أنه من الدائم الغالب ثبوت هلال شهر رمضان في بلد ما وخفاؤه علىالبلدان وعلى النقاط الأخرى المتقدمة في الأفق، إذ على قول غير المشهور يثبتبداية الشهر للنصف المظلم من الكرة الارضية، كما إذا رأي في المغربالعربي فانهيثبت للصين وافغانستان لانهما تشتركان مع المغرب العربي في ليل واحد، لكنهخفى ذلك على أهل تلك البلاد طيلة هذه القرون.
وبعبارة أخريت في الاعصار السابقة حيث كانت وسائل النقل بدائية والسفرشاق جداً، فاذا ثبتت الرؤية في بلد كيف يمكن لاهالي بلد آخر يبتعد عن بلدالرؤية بمسافة ألف كيلومتر مثلا أن يستعملوا ذلك.
فقوله عليه السلام «صم للرؤية وافطر للرؤية» ظاهر في الأفق القريب القابل للنقلوالشياع أما الأفق البعيد فلا يمكن اطلاع المخاطبين بها.
ان قلت: الثمرة تظهر في قضاء الصيام بعد استعلام رؤية الهلال في بلد آخر.
قلت: ان قولهم عليهم السلام «صم للرؤية وافطر للرؤية» متكفل لبيان الجهةوالوظيفة الادائية، وأجنبي عن الوظيفة القضائية للمكلف، فهو بلحاظ الوظيفةالادائية وليس متعرضا أصلا للوظيفة القضائية، فكيف لا يلتفت إليه طيلة عدة قرونمع انه مورد للابتلاء وخلال هذا التاريخ الطويل تقع الرؤية دائما في مكان دونآخر فلو كان الأمر كذلك لنبّه عليه الشارع، وإلّا أوقعهم في عهدة القضاء دائماًوأبداً.
نعم: لا ننكر أن الموضوعات لاشرعية بنحو القضايا الحقيقية، ولا ربط لهابالتحقق الخارجي، إلّا أن القضايا الحقيقية انما تقتنص من الأدلة حتّى يجري فيهإ
الاطلاق.
وهل يمكن أن يبقى مفاد الدليل لمدة أكثر من عشرة قرون لم يلتفت إليهالمخاطبون ثم بعد ذلك يستكشف أن مفاد الخطاب أوسع، ويفهم منه غير ما فهمهالمخاطبون، ويبقى اولئك بلا تنويه وتنبيه صريح، هذا بلا ريب مدعاة للانصرافوان محل الرؤية في المقام هي الرؤية القريبة المتحدة في الأفق لا البعيدة المختلفةفي الأفق.
صحيح أن المعنى تارة لا يتفطن المخاطبون لانطباقه على مصداق معين، وهذالاغرابة فيه فلسنا من القائلين بتحجير الاحكام الشرعية وسجنها وتضيقها بحسبزمان دون أخر، بل هي كالشمس في الدوران والانطباق على المصاديق ذاتالوجودات المختلفة المتجددة العصرية والمستقبلية كالماضية.
إلّا أن المقام ليس في الانطباق والصدق بل في نفس سعة وضيق وتعينالمدلول بنحو يوجب اختلاف ماهية الموضوع وذات المعنى والذي لم يتنبه له إلّابعد أكثر من عشرة قرون.
إذ فرق بين عدم الالتفات إلى وجود مصداق أو مصاديق لطبيعة معينة طيلةعدة قرون، وبين ماهية معينة تتغيّر سعتها وطبيعتها في نفس مرحلة المدلول، بأنيكون لها جنس وفصل ثم بعد ذلك ينوجد لها فصل وقيد آخر.
والأول لا مانع منه إذ ان المخاطبين فهموا الماهية ولكن لم يلتفتوا إلىمصاديقها أجمع، ولا غرابة في ذلك، أما النحو الثاني فبعيد.
فالترديد بين رؤية البلد او غيره المختلف في الأفق ليس في صدق الطبيعيعلى المصداق، مع أنه في ذلك الزمان كانوا ملتفتين إلى أن الرؤية كما تحدث لهمتحدث لغيرهم.
فليس حال المصداق أنه لم يكن يلتفت إليه أو حدث بعد عدة قرون حتّى يقال
أنه لا غرابة في ذلك، بل المصداق كان في السابق موجود وملتفت إليه ، لكن دائرةالدليل منصرفة عنه، إذ كانوا يرون أن قولهمعليهم السلام «صم للرؤية وانظر للرؤية» او ماشابهه ليس من قبيل صرف الوجود، بل هو عموم استغراقي استقلالي، أي رؤية كلبلد بلد، مع التفاتهم إلى أن الصين والمغرب كل منها له رؤية واهلال مستقل، فهمملتفتون إلى المصداق لكن المدلول كانوا يضيّقونه.
فما نحن فيه المدلول والموضوع ضيق، لا أنه من الغفلة عن المصداق، ثم بعدذلك يلتفت إليه، وفرق بين الأمرين.
فهل يعقل تقيد الرؤية عند المخاطبين ببلد الرؤية ثم بعد أكثر من عشرة قرونيفهم منها أنها عامة ومطلقة، لا شك أن هذا انصراف وتقيّد في فهم الخطاب عرفاً.
والمسألة كانت مطروحة في عصر التشريع، وقد مر في مستهل البحث ذكرأقوال العامة وذكر أحد الروايات العامية الصريحة في أن هذه المسألة كانت موضعابتلاء وسؤال.
أن الدليل الذي يتعرض للحكم الظاهري لا يمكن أن يستكشف منه حيثياتوخصوصيات الحكم الواقعي، كما وأن الدليل المتكفل للحكومة الظاهرية - أيالتوسعة في الموضوع احرازا وإثباتا - لا يتكفل الحكومة الواقعية - أي التوسعة فيالموضوع واقعا وثبوتا -.
فالعموم والاطلاق إذا تكفل حكماً واقعياً لا يمكن أن يتكفل حكماً ظاهرياً،لان موضوع الحكم الواقعي هو وجوده الواقعي التكويني، بينما الحكم الظاهري هوالموضوع بقيد الشكّ، فبينهما طولية.
ولذلك اعترض على الاخوند - قده - في قوله عليه السلام «كل شيء لك حلال حتّىتعلم أنه حرام بعينه» حيث جعله متكفلا للحلّ الواقعي والظاهري.
فقولهم عليهم السلام «صم للرؤية وافطر للرؤية» حكم ظاهري وان كانتالرؤية طريقيتها غير مجعولة عندنا كما تقدم، إذ كشف الخلاف والخطأ ممكن كمافي بقية موارد القطع، وفرق بين اناطة الحكم على الموضوع واناطته بالطريق علىالموضوع.مع أن القائلين بعدم اشتراط الوحدة يلتزمون باطلاق الرؤية في النصفالمظلم، دون النصف المضيء، ومستندهم في التفصيل أن الموضوع الواقعي محدودبذلك، وأن الروايات في صدد جعل الحكم الظاهري وليست ناظرة إلى الحكمالواقعي، وعلى هذا يجب الرجوع في حدود اطراف موضوع الحكم الواقعي إلىالتحديد التكويني والعرفي والهيوي والذي تقدم تحريره في الدليل العقلي بعد عدمورود تصرّف شرعي في حدوده.
فاذا كانت الروايات بصدد جعل أو الارشاد إلى الحكم الظاهري أو الامارةالظاهرية، فلا تعرض فيها لموضوع الحكم والجعل الواقعي سيّما وأنه موضوعتكويني، والروايات لم توسع في هذا الموضوع، والحكومة الواقعية بحاجة إلى مؤنةزائدة وصراحة لفظية جليّة وتعرض للموضوع بشكل واضح، حتّى يمكن تضييق اوتوسعة موضوع الحكم الواقعي.
والخلاصة: أنه لا يمكن أن يستفاد منها الحكومة الظاهرية والواقعية معا.
أن استفادة وحة الحكم في الآفاق المختلفة هي مفاد التزامي للاطلاق، ولاحجية للمدلول الالتزامي إذا كان لبعض أفراد المطلق والعموم لا للطبيعة من حيثهي.
بيان ذلك: مثلا، الكر طاهر ومعتصم، وهذا الحكم يشمل جميع أفراده، فاذااستهلك في فرد من أفراده ماء قليل متنجس، فلازم طهارة الكرة المستهلك فيه
القليل طهارة القليل المتنجس، كما استدل به في المستنك لمطهرية الاستهلاك للماءالقليل المتنجس.
لكن بقية أفراد الكر التي لم يستهلك فيها قليل متنجس ليس لها مدلول التزاميبتطهير القليل المتنجس.
فتطهير القليل بتوسط طهارة الكر مدلول التزامي ليس لكل افراد الكر وبتعبيرآخر ليس للطبيعة وانما لبعض أفرادها، والمدلول الالتزامي انما يكون حجة ذا كانلاصل جعل الدليل وبمعنى آخر ملازم لكل افراد الدليل، اما إذا لم يكن لازم لاصلالمدلول المطابقي بل لبعض أفراده فهو ليس بحجة لانه لا يعلم كون المتكلم فيصدد بيان ذلك النمط من المدلول الالتزامي.
وما نحن فيه كذلك، فالاطلاق يشمل البلاد المتحدة في الأفق والمتقدمةوالمتأخرة والمتقدمة في الأفق والمتحدة ليست موضعا ومحلاً للخلاف، وانماالخلاف في البلاد المتأخرة افقا، فهو مدلول التزامي لخصوص الفرد الثالث فليسبحجة لنفس النكتة حينئذ.
وجود روايات مقيدة للاطلاق المزبور بالرؤية ببلد الرائي أو المتحد معه فيالأفق القريب، وهي مضافا إلى كونها دليلاً مستقلاً للمشهور في المقام، صالحة لرفعاليد عن الدليل الأول لغير المشهور.
فمع التسليم بتمامية التمسك باطلاق روايات الرؤية في ثبوتها لكل الآفاقالمشتركة ليلا مع بلد الرؤية، هي معارضة بمقيدات تمنع من التمسك بها، واليكبعض الروايات:
معتبرة أبي أيوب الخزاز عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: قلت له: كم يجزي في رؤية
الهلال؟ فقال: ان شهر رمضان فريضة من فرائض اللَّه فلا تؤدوا بالتظني. وليسرؤية الهلال أن يقوم عدة فيقول واحد: قد رأيته، ويقول الآخرون: لم نره، إذا رآهواحد رآه مائة، وإذا رآه مائة رآه الف، ولا يجزي في رؤية الهلال إذا لم يكن فيالسماء علّة أقل من شهادة خمسين، وإذا كانت في السماء علّة قبلت شهادة رجلينيدخلان ويخرجان من مصر«(1).
وهي دالة على أن البيّنة إذا كان من خارج المصر لا تقبل إلّا إذا كان في البلدعلّة، وهذا لا ينسجم إلّا مع لزوم وحدة الأفق إذ لو كانت حجية البيّنة والرؤية مطلقةولا يشترط وحدة الأفق فلماذا لا يعتد بها مع عدم المانع وعدم العلة في البلد ما دامالأفق مختلف والرؤية فيه كافية ولو لم يرى في بلد المكلف، فهذه الصحيحة تقيداطلاقات أدلة البيّنة والرؤية ولو كانت روايات الرؤية والبيّنة مطلقة لكانت حجةمطلقا، مع العلة وعدمها.
رواية حبيب الخزاعي قال: قال أبو عبد اللَّه عليه السلام: «لا تجوز الشهادة في رؤيةالهلال دون خمسين رجلا عدد القسامة، وانما تجوز شهادة رجلين إذا كانا منخارج المصر وكان بالمصر علّة فأخبرا أنهما رأياه، وأخبرا عن قوم صاموا للرؤيةوأفطروا للرؤية»(2).
وهذه الرواية كسابقتها في الدلالة.
الواردة في حصر استحباب صيام يوم الشكّ في الشكّ الناشيء من علّة فيسماء بلد المكلف.
معتبرة هارون بن خارجة عن الربيع بن ولاد عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: إذارأيت
هلال شعبان فعد تسعة وعشرين يوما، فان صحت ولم تره فلا تصم وانتغيمت فصم«(1).
وكذا معتبرته الأخرى قال عليه السلام: «عد شعبان تسعة وعشرين يوما فإن كانتمتغيمة فأصبح صائمان وان كان مصحية وتبصرته ولمتر شيئا فأصبح مفطرا»(2).
فلو كان حكم الآفاق المختلفة في ثبوت الهلال واحداً لما كان معنى محصلاًلحصر منشأ الشكّ في ما يوجبه في أفق بلده الخاص، بل حسب احتمال الرؤية فيكالآفاق وان كان أفقه صحوا وبلا علّة ولا غيم، ويجعل استحباب صوم يوم الشكّلاجل تدارك احتمال ثبوت الهلال في الواقع بسبب الرؤية في الآفاق الأخرىوهذا تنادي الرواية بخلافه كما هو ظاهر.
فبناءاً على قول غير المشهور ان اشتراط بالشك في الرؤية لا يختص بالأفقالواحد، بل مطلق يشمل الآفاق المختلفة، فصيام يوم الشكّ بحسب دائرة الوسيعة،بينما الروايات تفيد أن دائرة الشكّ مقيدة بالافق الخاص ببلد المكلف.
صحيحة معمر بن خلاد - وان كان في طريق الشيخ ابن أبي الجيد بعد كونه منمشايخ النجاشي الذي نص على توثيقهم - عن أبي الحسن عليه السلام قال: كنت جالساعنده آخر يوم من شعبان فلم أره صائما فأتوه بمائدة فقال: ادن وكان ذلك بعدالعصر قلت له: جعلت فداك صمت اليوم فقال: ولم؟! قلت: جاء عن أبي عبد اللَّه عليه السلامفي اليوم الذي يشك فيه أنه قال: يوم وفق اللَّه له، قال: أليس تدرون انما ذلك إذاكان لا يعلم أهو من شعبان أم من هو شهر رمضان فصامه الرجل وكان من شهررمضان كان يوما وفق اللَّه له، فاما وليس علّة ولا شبهة فلا، فقلت: أفطر الان؟
فقال:لا، قلت: وكذلك في النوافل ليس أن أفطر بعد الظهر؟ قال: نعم«(1)، وغيرها كثيرمن الروايات الآتية في الادلة على قول المشهور.
فيوجد في هذه الروايات لسانان في تقييد الاطلاق:
الأول: لسان صريح في اشتراط العلة في قبول البيّنة من خارج المصر.
الثاني: لسان صريح في اشتراط العلة في استحباب صوم يوم الشكّ.
وكلاهما لا ينسحم إلّا مع نسبية مبدأ الشهر ولزوم الاعتداد بأفق البلد، فإطلاقالرؤية مقيدة بالافق الخاص الواحد.
وهذا الدليل مختص بالتقريب والقول الرابعتمسك به النراقي في ظاهر كلامه المتقدم، ببيان أن العمل بحجية الطريق لازموالحكم الظاهري متبع ما دام الواقع محتمل، حيث أن قيام البيّنة على الرؤية الفعليةفي البلد لا يدل على كونه أول بلد الرؤية وأن الهلال لم يخرج في الآفاق السابقةالمختلفة، فما دام الاحتمال موجود يتبع اطلاق دليل الحجية.
وفيه: ان مفاد ومؤدى البنية قيام الرؤية في بلد معين، ومفاد الرؤية - كما تقدمفي جواب الدليل الأول - هو وجود الهلال في أفق ذلك البلد لا الوجود المبهمالقابل للانطباق على جميع الآفاق، فليس في المؤدى الظاهري اطلاق كي يتبعويعمل به مادام لم يعلم بخلاف الواقع.
ذكره العلامة في المنتهى والنراقي في المستندوغيرهما.
والروايات التي تمسك بها في المقام هي:
1) التهذيب ج4 ص166 رقم الحديث 45 من أحاديث الباب.
صحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبد اللَّه عليه السلام أنه قال في من صام تسعةوعشرين قال: «ان كانت له بينة عادلة على أهل مصر أنهم صاموا ثلاثين علىرؤيته قضى يوما»(1).
بتقريب: أن الصحيحة باطلاقها في عنوان المصر تدلنا بوضوح على أن الشهرإذا كان ثلاثين يوما في مصر ما كان كذلك في بقية الامصار بدون فرق بين كون هذهالامصار متفقة في آفاقها أو مختلفة إذ لو كان المراد من كلمة مصر فيها المصرالمعهود المتفق مع بلد السائل لكان على الامام عليه السلام أن يبيّن ذلك، فعدم بيانه مع كونهعليه السلام في مقام البيان كاشف عن الاطلاق(2).
صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد اللَّه قال: سألت أبا عبد اللَّه عليه السلام عن هلال شهررمضان يغم علينا في تسع وعشرين من شعبان قال: «لا تصم إلّا أن تراه، فان شهدأهل بلد آخر فاقضه»(3).
إذ دلت هذه الصحيحة على كفاية الرؤية في بلد آخر سواء اتحد أفقه مع البلدام اختلف بمقتضى الاطلاق.
معتبرة اسحاق بن عمار قال: سألت أبا عبد اللَّه عليه السلام عن هلال رمضان يغم علينافي تسع وعشرين من شعبان فقال: «لا تصمه إلّا أن تراه، فان شهد أهل بلد أخرأنهم رأوه فاقضه»(4).
وهي في الدلالة كالسابقة.
صحيحة أبي بصير عن أبي عبد اللَّه عليه السلام أنه سئل عن اليوم الذي يقضى من شهررمضان، فقال: «لا تقضه إلّا أن يثبت شاهدان عدلان من جميع أهل الصلاة متىكان رأس الشهر وقال: لا تصم ذلك اليوم الذي يقضى إلّا أن يقضي أهل الامصارفان فعلوا فصمه»(1).
وهذه الصحيحة أوضح الروايات والشاهد فيها جملتان:
الاولى: قوله عليه السلام «لا تقضه إلّا أن يثبت شاهدان عدلان من جميع أهل الصلاة»فانه يدل بوضوح على أن رأس الشهر القمري واحد بالاضافة إلى جميع أهلالصلاة على اختلاف آفاق بلدانهم ولا يتعدد بتعددها، بل هو تنصيص على استواءالحكم بشهادتهما من البلد القريب أو البعيد كما ذكره العلامة.
الثانية: قوله عليه السلام «لا تصم ذلك اليوم إلّا ان يقضي أهل الامصار» فانه كسابقهواضح الدلاة على أن الشهر القمري لا يختلف باختلاف الامصار في آفاقها فيكونواحداً بالاضافة إلى جميع أهل البقاع والامصار.
وان شئت فقل: ان هذه الجملة تدل على أن رؤية الهلال في مصر كافية لثبوتهفي بقية الامصار من دون فرق في ذلك بين اتفاقها معه في الأفق او اختلافها فيهافيكون مردّه إلى أن الحكم المترتب على ثبوت الهلال حكم تمام أهل الأرض لالبقعة خاصة.
هذه جملة من روايات القضاء التي ينتصر بها لقول غير المشهور، ويلاحظعلى استدلالهم عدة أمور:
ان هذه الروايات بعد التدبر فيها لا ربط لها بالمدّعى، بل هي تركز على نكتتين،
1) الوسائل: أبواب احكام شهر رمضان باب12 حديث1.
وهما اللتان أغرتا أن ظاهرها في صدد بيان وحدة الأفق.
النكتة الاولى: اتحاد عدد الشهر بين سائر البلدان حتّى المختلفة الآفاق،ووحدة العدد ليس له ملازمة مع وحدة آن مبدأ ومنتهى الشهر، إذ يمكن فرضهمامتقدمين في نقطة ومتأخرين في أخرى فيتساوى العدد، فلعل المبدأ والمنتهىمختلف والعدد واحد، فصرف وحدة العدد لا تدل على وحدة المبدأ أو المنتهى.
وبيان ذلك بسطناه في الدليل العقلي إذ قلنا: إذا تحرك القمر من المحاق وخرجمن تحت الشعاع وبدأ يرسل أشعته على نقاط الأرض يدور بعد ذلك حول الأرضخلال 29 يوما و12 ساعة و44 دقيقة، وهذا الدور لا يمكن أن يختلف في الامصارالمختلفة، فهي متحدة العدد دائماً، ويمكن تصور ذلك على مبنى المشهور وغيرالمشهور.
بل الصحيح أن يترقى ويقال أنه على مسلك غير المشهور يلزم عدم اتحادالعدد في البلدان المختلفة فهذه الروايات يمكن أن تعدّ دليلاً لقول المشهور وهيعلى مدعى المشهور أدل.
وقد مر في الدليل العقلي تفصيل ذلك بالدقة في النقض الرابع والخامسوالسادس فراجع، وبيّنا أن الشهر لو بنينا على ظاهر عبارات الهيويين وغيرهم منتساوي العدد في النقاط الارضية المختلفة فذلك يتم على قول المشهور أيضاً، غايةالأمر أن النقطة ذات المبدأ المتقدم منتهى الشهر فيها أيضاً متقدم، والنقطة ذاتالمبدأ المتأخر فالمنتهى فيها متأخر أيضاً.
وأما على ما بنينا من مقتضى ولازم قاعدة دور القمر 29 يوما و12 ساعة و44دقيقة، فعلى كلا القولين يلزم تمامية الشهر يلزم تمامية الشهر في البقعة والنقطة التيتكوّن فيها ونقصانه في النقطة التي يتكوّن فيها في الشهر اللآحق كما تقدم مفصلاًهناك، وحينئذ لا بد من حمل روايات القضاء المزبورة على البلدان المتقاربة، وإلّا
لتم الشهر في كل شهور السنة وتوالت الشهور التامة.
فاذا تعيّن حملها على المتقاربة الأفق كانت دليلاً على الاعتبار باختلافالأفق وفق قول المشهور، كما تقدم أيضاً عدم تعاقب نقاط النقص والتمام على بقعةواحدة لاختلاف نقاط مبدأ التكوّن في الشهور.
النكتة الثانية: أن ثبوت الهلال موضوع يتأتى فيه الاختلاف والتشاجروالوسوسة، في هذه الازمان وكذا في السابق أيضاً، فالروايات في المقام تغلّظ فيشرطية عدم الريبة في البيّنة العادلة كالتعبير «إذا رآه واحد رآه مائة وإذا رآه مائةفقد رآه ألف».
والقرينة على ذلك الروايات العديدة التي تشدد في التثبّت في الرؤية ونفيالشكّ وان تكون بشكل قطعي حسي لا أنها في صدد أطلاق الرؤية والقضاء.وهذه النكتة هي التي تركز عليها صحيحة أبي بصير، فقوله عليه السلام «عدلان منجميع أهل الصلاة» فيه احتمالان:
الاحتمال الأول: أن عدالتهما ثابتة من جميع أهل الصلاة فلا يثبت الهلالبشهادة الرجلين النكرتين وهذا نوع من التشدّد في التثبّت والتروّي للحكم بثبوتالهلال، فليس الاطلاق في بلد الرائي ونفس الرائي.
الاحتمال الثاني: أن قوله عليه السلام «من جميع أهل الصلاة» ليس قيداً ل «عدلان»وانما هو قيد ل «شاهدان»، مع أن الظاهر من اللفظة ليس كذلك، لكن لو تنزلنا فمعذلك لا تدل الرواية على المدعى.
توضيح ذلك: أنه إذا ثبت الهلال عند جميع أهل الصلاة، فان هذا يشملالامصار المتحدة والمختلفة، وذلك لانهم من أهل الصلاة فهذا ليس مورداً للنزاع.
إذ كلمة «جميع» الواردة في الرواية هل هي بمعنى «كل» التي هي للشمولالاستغراقي والمجموعي، او هي بمعنى «أيّ» التي هي للشمول البدلي وصرف
الوجود؟
فان كان الأول فلا يكون شاهداً لغير المشهور، وذلك لان الكلي المجموعي منأهل الصلاة معناه ثبوت الهلال عند كل أهل الصلاة، بما فيهم المتحدي والمختلفيالأفق، كأن يثبت الهلال في الصين وما بعدها غير بلد المكلف في الخليج مثلا لمانعما، فثبوته لكل أهل الصلاة في جميع الآفاق جزم وقطع بثبوته لبلد المكلف، كأنشهد من الصين عدلان ومن الهند ومن أمريكا... الخ.
وان كان الثاني فهو شاهد لغير المشهور، ومعناه إلّا أن يشهد عدلان من أيّأهل الصلاة.
والظاهر أن «جميع» الواردة في الرواية بمعنى «كل» وان كانت تستعمل بمعنى«أيّ» لكنها هنا متعينة للشمول الاستغراقي، والقرينة على ذلك أن الرواية في صددالتأكيد والحث على التثبت في المقام.
والقرينة الأخرى على ذلك موثقة سماعة حيث أن لسانها متعرض لنفسالبحث والسؤال وهي تصرح وتركز على التثبت في تثبيت الهلال، قال: أنه سأل أباعبد اللَّه عليه السلام عن شهررمضان يختلف فيه؟ قال: «إذا اجتمع أهل مصر للرؤية فاقضهإذا كان أهل المصر خمسمائة انسان»(1).
فالرواية لا تتعرض لاطلاق المصر وانما تتعرض لنكتة التثبت والتشدد فيقبول الشهادة، فهي تركز على جهة الاتقان في شرائط الشهادة.
والرواية إذا كانت في صدد شيء معين، لا يحرز أنها في صدد جهات أخرى،وغير المشهور استفاد من كلمة «جميع» معنى «أيّ» ببركة مقدمات الاطلاق، وأحدمقدمات الاطلاق أن يكون المخاطب في صدد بيان العموم البدلي من جهةالامصار، والحال أن الرواية كما هو واضح ليست في هذا الصدد.
1) الوسائل أبواب احكام شهر رمضان باب12 حديث6.
وقوله عليه السلام «من جميع أهل الصلاة» ظاهر ابتداءاً وبالرؤية في الشمولالاستغراقي لا البدلي، وقوله عليه السلام في الرواية «إلّا أن يقضي أهل الامصار، فان فعلوافصمه» قرينة على أن «جميع» بمعنى «كل» أي للشمول الاستغراقي.
وأما صحيحة هشام بن الحكم وغيرها من الروايات في المقام، فهي لسيتصريحة في المبدأ والمنتهى، وانما هي صريحة في بيان الاتحاد في العدد بينالآفاق، وقد تقدم تصوره على كلا القولين على مبنى وحدة عدة الشهر في كلالنقاط، واما على مبنى اختلاف العدة بين النقاط في كل شهر كما هو التحقق فتحملالرواية على المتقاربة كما تقدم مفصلا في النقض السادس في الدليل العقلي.
أن ارتكاب التقييد مشترك على كلا القولين إذ غير المشهور يقيّد هذهالروايات بالنصف المظلم فقط، فهو تقييد في المبدأ، وإذا ارتكب التقييد فيمكنللمشهور أيضاً ارتكاب التقييد، فارتكاب التقييد مشترك على كل القولين.
مجيء التأمل الذي أوردناه على الدليل الأول لغير المشهور، وهو أن الدليلالذي يتعرض لحكم ظاهري لا يمكن أن يستكشف ويستفاد منه حيثياتوخصوصيات الحكم الواقعي.
ان استفادة وحدة حكم الآفاق مدلول التزامي لبعض أفراد المطلق فهو ليسبحجة كما مرّ في التأمل على الدليل الأول.
بيان ذلك زيادة على السابق: ان الاطلاق في المقام يشمل ثلاثة موارد واقساممن الآفاق وهي:
1 - الأفق المتحد.
2 - الأفق المتقدم.
3 - الأفق المتأخر.
وثبوت الهلال في القسمين الاولين كاشف عن تكوّن الهلال في بلد المكلف،وكذا بعض حالات القسم الثالث، وذلك فيما إذا مكث الهلال في الأفق المتأخربمقدار يزيد كثيرا عن مقدار اختلاف الأفق بين بلد الأفق المتأخر وبين أفق بلدالمكلف.
بخلاف بعض الحالات الأخرى للقسم الثالث، وهو فيما إذا مكث في البلدالمتأخر بمقدار يقلّ عن مقدار اختلاف الأفق، فان ثبوته في هذه الحالة حيث انهغير كاشف عن تكوّنه في بلد المكلف فلا محال يتوقف الحكم يبدأ الشهر الهلاليفي المورد الثالث في هذه الحالة على مدلول التزامي مقدّر بدلالة الاقتضاء وهو أنصرف الرؤية والتكوّن في نقطة ما كاف في دخول الشهر في نقطة أخرى لبلدالمكلف وان لم يتكوّن الهلال فيه للرؤية.
فوضح من كل ذلك أن الاطلاق في الرواية شموله للموردين الاولين وبعضحالات المورد الثالث لا يستلزم المدلول الالتزامي المزبور - وهو اشتراك الآفاقالمختلفة في الحكم - وانما يستلزمه لبعض حالات الفرد الثالث.
فالمدلول الالتزامي ليس لاصل الدليل ولا لاصل الطبيعة لكل أفرادها بل هولشمول الاطلاق لبعض حالات الفرد الثالث، مع أنه لا يكون شمول الاطلاق لبعضحالات الفرد الثالث حجة حيث أنه متوقف على ثبوت المدلول الالتزاميوالمفروض أن المدلول الالتزامي أيضاً متوقف على شمول الاطلاق للفرد الثالثفيلزم الدور فلا يكون الاطلاق بحجة في الفرد الثالث ذي الحالة المزبورة.
وهذا ما يعبر عنه في الاصول أن شمول الاطلاق لمثل هذا الفرد في مثل هذهالحالة دوريّ.
ان استفادة قول غير المشهور محتاج إلى مؤونه لم تتحملها روايات القضاء.
بيان ذلك: انه اتضح من الدليل العقلي أن المقياس في بدأ الشهر القمري هو أولالليل، لكن على قول غير المشهور قد تكون بداية الشهر من نصف الليل او ربعه.
وإذا كانت الماهية المرتكزة للشهر القمري عند العرف هو بالبدأ من بلد الرؤيةمن أول الليل، فهل يمكن أن نستفيد من اطلاق الدليل ماهية غير ماهي متقررة عندالعرف.
وبتعبير آخر: لا يمكن أن تكون الاطلاقات لبعض الافراد رادعة عن المعنىالمرتكز في الاذهان، ولا تقوى على التصرف في موضوع تكويني واضح ثابت، بليحتاج إلى دليل مستقل وصريح، وروايات المقام لا يمكن تحميلها ذلك عن طريقالتمسك باطلاقها، وهذا الاشكال بعينه يرد على التمسك باطلاقات الرؤية والبينّةالمتقدمة في الدليل الأول.
وهذا نظير ما ذكروه في بحث الردع عن الظن بالعمومات، من أن الردع عن كلافراده لا يقوى على الشمول لخبر الواحد، إذ السيرة الموجودة في العمل بخبرالواحدة متجذرة فلا يكفي هذا الاطلاق في ردعها.
ان قلت: ان هذا الاشكال وارد على المشهور أيضاً حيث يلزم لكل بلد مبدأورؤية فاليابان مثلا لها ميقات وغيرها لها ميقات آخر كذلك وهلم جرا، وتعدددخول الشهر غريب على الافهام العرفية.
وهذا بخلافه على غير المشهور إذ أنه إذا رؤي الهلال في غرب نقطة متأخرةالأفق فهو علامة وكاشف عن أن بداية الشهر في اليابان كان من بداية الليل أيضاً.
والجواب: أنه لا يلتزم أحد من القائلين بذلك، لان الشهر لم يتكوّن بعد أي فيآن غروب النقطة المتقدمة كاليابان ولم يخرج القمر من تحت الشعاع، فبداية الليل
تكون من الشهر القديم لا محال على قول غير المشهور، فيلزم تبعّض الليل وأماالغرابة المزبورة فتدفع بالالتفات إلى الطلوع والزوال والغروب لليوم الشمسي الذيهو متعددة في البدأ والانتهاء أيضاً.
وهو عدل ومتمم للإشكال الأول المتقدم وهو:
أن هذه الروايات متعرضة بصراحة إلى اتحاد عدد أيام الشهور في الآفاقالمختلفة، ولنكتة أخرى مر تفصيل الكلام فيها وهي التثبت والتشدد في مسألةتثبيت الهلال والشاهد على هذا وجود مجموعة من الروايات مر ذكرها، فليستهذه الروايات في صدد بيان اطلاق الآفاق، ومعه لا يمكن جريان مقدماتالاطلاق في ثبوت الهلال لكل الامصار.
ان قلت: ما هو المانع من ان تكون هذه الروايات في صدد التثبت واطلاقالمصر من جهة أخرى في نفس المدلول المطابقي الواحد، لا أن يكون التعدد بنحوالمدلول المطابقي والالتزامي كي يشكل عليه بما تقدم.
قلت: ان ذلك يستلزم استعمال القضية الواحدة في معنيين وهو غير جائز عندالاكثر، وان كان جائزا وواقعا عندنا إلّا انه محتاج إلى قرينة كما في باب الالغازوالكنايات والتلويحات والتعريضات المتعددة.
وبعبارة أخرى: إذا كانت القضية المنطوقة والدليل في صدد جهة معينة وهيالمحمول المعيّن فلا يكون متعرضا لجهة أخرى ولمعنى استعمالي اخر للفظةالمحمول.
نعم قد يؤتى في دليل واحد بعدة محمولات لموضوع واحد بقوة قضايا متعددةوهو غير مانحن فيه، وأما ما يذكر من تعرض الدليل الدال على ثبوت المسببوامضائه كما في العقود والمعاملات لامضاء كل الاسباب التي يتوقف عليها ذلك
المسبب فهو من باب الدلالة الالتزامية لا تعدد المعنى المستعمل في المنطوق .
لازم التمسك باطلاقات القضاء العمل بالروايات الواردة بأن شهر رمضان لاينقص أبدا عن 30 يوما منذ أن خلق اللَّه الشهور(1)، والحال أنها معرض عنهاومطروحة من قبل المشهور من الفقهاء ومن ضمنهم القائلين بعدم الاشتراط.
بيان ذلك: أنه قد تقدم في الدليل العقلي... أن في كل شهر هلالي لا بد من تمامهثلاثين يوما في النقطة التي بدأ تكونه فيها - أي أول بلد رؤي فيها الهلال - فحينئذنكون على علم حسي فضلا عن الحدسي بأن أول بلد تكون فيه الهلال شهره تامثلاثون يوما فبضم كبرى اطلاقات القضاء يجب أن نعتد بتمام شهر رمضان في كلسنة.
والدليل على ذلك: أنه بالبرهان الهيوي والرصد الفلكي الذي لا ينتابه ريب أندوران القمر حول الأرض من أي نقطة إلى أن يعود لنفس النقطة يستغرق فيدورته 29 يوما و12 ساعة و44 دقيقة أي ثلاثين يوما إلّا قليلاً.
فاذا رصدنا أول بلد رؤي فيه الهلال ولنفترض أمريكا مثلا، فبعد أن يدورالقمر حول الأرض 30 دورة إلّا ثلت تقريباً بدءاً في حساب الدورات من أمريكافان هذا معناه أن هلال الشهر اللآحق لن يرى في الليلة التسعة والعشرين من لياليامريكا وانما سوف يرى ليلة الثلاثين فيتم الشهر لديهم.
ان قلت: ان هذا الاشكال وارد بعينه على المشهور حيث أن تمامية الشهر فينقطة من النقاط الارضية لدى المشهور أيضاً تستلزم تماميته في بقية النقاط فيجبعليهم القضاء لعدم اختلاف الشهر الهلالي الواحد في العدد بين نقاط الكرة الارضية.
1) سيأتي تنبيه مستقل في بيان هذه المسألة والتوجيه الصحيح لهذه الروايات.
قلت: بعد ما تقدم مفصلا في الملاحظة الهامة في الدليل العقلي من أن اختلافالنقاط الارضية في مبدأ الشهر ومنتهاه - وان كان الشهر في دوره وجود شخصي -مع كون مجموع الادوار كسري لا بد منه، سواء كان المبدأ والمنتهى بلحاظ الرؤيةالحسية او بحساب الدور الحسابي الاقتراني أي النقطة الفضائية التي يبدأ الهلال فيالتكون فيها على فاصل أربع درجات عند خروجه من تحت الشعاع.
وحينئذ لا محال يتم الشهر في نقاط يستوفي فيها الدور أكثر من تسعةوعشرين يوما كما في نقطة أول بلد الرؤية، وينقص في نقاط أخرى - أي يكونعدده 29 يوما - في النقاط التي لا يستوفي فيها الدور أكثر من تسعة وعشريندورة، وهذا سواء على كلا القولين، وان شئت التفصيل فراجع الملاحظة في الدليلالعقلي.
بعد كل ذلك لا محالة تحمل أدلة القضاء - على مسلك المشهور - على الآفاقالمتحدة والمتقاربة في الأفق لا الآفاق المتباعدة والمختلفة، حيث أن ما تقدمبنفسه قرينة على ذلك، بعد عدم ذهاب المشهور إلى اتحاد الآفاق المختلفة فيالحكم وهذا بخلاف القول الآخر.
ويؤيد بل يدل على هذا الحمل رواية حبيب الخزاعي قال: قال أبو عبد اللَّهعليه السلام«لا تجوز شهادة رجلين إذا كانا من خارج المصر وكان بالمصر علّة فأخبرا أنهمارأياه وأخبرا عن قوم صاموا للرؤية وأفطروا للرؤية»(1).
حيث أن مؤدى البينّة كما هو واضح مبدأ ومنتهى الشهر في بلد آخر أي عدةالشهر فيه، لكن اشترط في ذلك وجود العلة في افق بلد الملكف لحجية البيّنةالمزبورة وهو لا ينسجم إلّا مع لزوم وحدة الأفق إذ مع وحدة حكم الآفاق لا معنىلتقييد الحجية بذلك بل تطلق ولو مع صحو بلد المكلف.
ولا يخفى عليك ما نبهنا عليه سابقا من أن أول بلد الرؤية لا يكون دائما فيبقعة
1) الوسائل: أبواب احكام شهر رمضان باب 11 حديث13.
أرضية واحدة في الشهور المتعاقبة بل يتقدم مبدأ الرؤية في كل شهر لاحقثمان ساعات بجهة معاكسة لحركة الشمس من المغرب إلى المشرق، وحينئذ لايتعاقب تمامية الشهر في بقعة أرضية واحدة.
وهو يرد أيضاً على التمسك باطلاق الرؤية، وقد ذكره الفاضل المعاصر فيرسالته في الهلال(1).
وحاصله: أن لازم قول غير المشهور أننا بعد 29 يوما و12 ساعة و44 دقيقة أومع 16 ساعة من هلال شهر رمضان سوف نقطع دائما وأبدا بكون هلال شوال قدتكوّن وخرج من تحت الشعاع بحيث يرى، ونستغني بذلك عن الرؤية في ثبوتالهلال وهو خلاف مستفيض ومتواتر النصوص.
وهذا الاشكال ليس نقضاً حقيقياً أكثر من كونه أشكالاً استبعادياً ومنبهاًومبعداً لقول غير المشهور، إذ مع مضي هذا المقدار يكون من تمام العدة ثلاثينا فلايثمر ثبوته آنذاك، نعم لو كان الليل طويلا يكون مضي المقدار المزبور مثمراً حيثيشترك الليل مع بلد الرؤية، ومع ذلك فهو من القطع بكون الهلال متكوّنا بحيث يرىالذي هو مطروق الرؤية وان لم تتحقق الرؤية الفعلية أو لم تحرز ولا محذور فيه بعدكون الرؤية طريقاً وارشاداً إلى الدرجة الخاصة من تكوّن وتولد الموضوع.
يرد عليه نظير ما أشكلناه على الدليل الأول من وجود الروايات المقيدة فيالمقام التي تقدم ذكرها.
وأيضاً توجد روايات دالة بالعموم أو الخصوص - كما سيأتي في التنبيهات -على عدم العبرة بتطويق الهلال وطول مكثه وارتفاعه عن الشفق وما أشبه هذه
1) رسالة حول مسألة روية الهلال ص47.
العلامات ولا ينسجم ذلك إلّا مع قول المشهور، إذ بناءا على قول غير المشهور لاشك في دلالة طول مكث الهلال على طول خروجه من تحت الشعاع، وعلى أنهابتعد عن الشمس كثيرا، فالبلد الذي رؤى فيه بهذا العلامة ليس هو أول بلد الرؤيةقطعاً.
من هذه الروايات صحيحة أبى علي بن راشد قال: كتب إليَّ ابو الحسنالعسكري عليه السلام كتابا وأرخّه يوم الثلاثاء لليلة بقيت من شعبان، وذلك في سنة اثنتينوثلاثين ومائتين، وكان يوم الاربعاء يوم شك، وصام أهل بغداد يوم الخميسوأخبروني أنهم رأوا الهلال ليلة الخميس، ولم يغب إلّا بعد الشفق بزمان طويل،قال: فاعتقدت أن الصوم يوم الخميس وأن الشهر كان عندنا ببغداد يوم الاربعاء،قال: فكتب إليّ: زادك اللَّه توفيقا فقد صمت بصيامنا، قال: ثم لقيته بعد ذلك فسألتهعمّا كتبت به إليه، فقال لي: أو لم أكتب اليك انما صمت الخميس ولا تصم إلّاللرؤية«(1).
فهذه الصحيحة تقيد اطلاق روايات القضاء.
بيان التقييد: لنفترض أن اليوم يوم شتوي فنهاره 10 ساعات، فاذا رؤى الهلالعند الغروب وطال مكثه بعد الشفق، بحيث صار عندنا قطع أن القمر خرج من تحتالشعاع بالحساب الهيوي قبل 12 ساعة، أي قبل الفجر بساعتين، فنحن مشتركونمع ذلك البلد الذي رؤي فيه الهلال أولاً، فيجب أن نعتد به مع أن هذه الروايةوغيرها دالة على طرح العلامات مطلقاً فهي تدل على اختلاف حكم الآفاق، وإلّالوجب العمل بالعلامات.
وهو أضعف الادلة، وقد ذكره صاحب الجواهر - قده - وهو التمسك بالآياتوالأحاديث التي تفيد بأن ليلة القدر ليلة شخصية واحدة ونزول الملائكة فيها
1) الوسائل: ابواب احكام شهر رمضان باب9 حديث1.
دفعي، كقوله تعالى (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) وقوله تعالى (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ).
والتمسك أيضاً بدعاء العيد الذي فيه «اللهم انا نسألك بحق هذا اليوم الذيجعله للمسلمين عيد...»، والاحاديث التي تشير بشكل واضح إلى أن يوم العيد يومشخصي لا يقبل التعدد.
مع أنه على قول المشهور تكون ليلة القدر متعددة وكذلك يوم العيد، فكيفيمكن الالتزام به مع أن صريح وظاهر الآيات والروايات أن ليلة القدر ويوم العيدوغيرهما من الأيام المذكورة في الاحاديث شخصية لا تعدد فيها.
ويرد عليه نقضا وحلا:
أما الأول: فان الوحدة بقول مطلق على قول غير المشهور أيضاً منتقضة، إذ هميلتزمون بثبوت الهلال فقط في النصف المظلم فقط، وعند السيد الخوئي - قده -يشمل إلى ما قبل الزوال، فيبقى دخوله ليلة القدر في ربع الكرة الارضية ليسشخصياً بقول مطلق ولا دفعيا مع الارباع الأخرى فيحصل التبعيض، فحينما تكونليلة القدر مغطية للنصف المظلم من الكرة الارضية فالنصف المضيء متى تكون ليلةالقدر له، هل في آنات النهار او الليل اللاحق.
ومطلع الفجر في قوله تعالى (سَلَامٌ هَيْ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ) ياترى أيُ فجر هوالمعنى هل هو فجر الصين أو فجر خراسان أو فجر مكان آخر، فالإشكال بعينهمتوجه على مسلك غير المشهور أيضاً.
بل لك أن تقول: حتّى النصف المظلم الواحد ليس دخول ليلة القدر فيه دفعياًلكل الآفاق إذ بين دخول ليلة القدر في أول نقطة النصف المظلم وآخر نقطة فيالنصف المظلم الفارق بينهما 12 ساعة تقريباً، فدخول ليلة القدر في النصف المظلمليس دفعيا أيضاً بل تدريجيا، ولذلك يكون في بعض نقاطه أول ليلة القدر وفيبعضها
نصف الليل وفي ثالث آخر الليل من ليلة القدر.
وأما الثاني: فبالالتفات إلى حقيقة تكوير الليل والنهار للكرة الارضية وكيفيةدورانها وأنه ليس دخول اليوم الشمسي في كل نقاط الكرة الارضية دفعياً بل هوتدريجي، إلى أن يتم دورة كاملة حول الأرض، فوحدة اليوم الشمسي الشخصيةبوحدة دورته، وهي تنضبط بتوسط الحركة الوضعية للأرض كما مر بسطه فيالدليل العقلي، وأنه ليس نشوء الزمن الشمسي بواسطة الحركة الوضعية للارضحول نفسها.
والأمر كذلك في السنة القمري إذ هي ناشئة من حركة القمر الانتقالية حولالأرض اثنى عشر مرة كل دورة تستغرق شهر واحدا، ولكنها تنضبط بالحركةالوضعية للارض كما هو الشأن في السنة الشمسية.
فالاختلاف ليس في الوحدة الشخصية إذ هي بتوسط الدور الوضعي التدريجيللارض، لا بتوسط الدفعية الآنية في الحدوث، إذ هي - أي الدفعية - على كلاالقولين ليست موجودة بل ممتنعة، فشخصية المبدأ والمنتهى في النقاط المختلفةممتنعة بل هي نسبيّة ولا يلزم من ذلك تعدد الدور الليلي أو النهاري بل يبقى علىشخصيته.
وانما الفرق في المبدأ، فمبدأ الليلة الاولى على قول المشهور هو من أول بلديرى فيه الهلال ثم تدور هذه الليلة الواحدة إلى أن تتم الدورة على كل الأرض منغير تعدد، وكذلك اليوم الأول من الشهر مبدأه كذلك، بخلافه علىالقول بعدم لزومالاتحاد فمبدأ الليلة هي النصف المظلم من الكرة الارضية ثم يدور على ما كانمضيئا فتتم الدورة وكذلك اليوم.
فأي فرق في شخصية الليلة ووحدة اليوم بين القولين، بل قد عرفت أنه ربّمايتفق على القول بالعدم كون ليلة القدر في البلاد الغربية القصوى والشرقية القصوى
هي ليلتين في الاسبوع كما إذا كانت الرؤية لاول الشهر في البلاد الشرقية، والظلمةالواحدة تعم الغربية فتكون ليلة أول الشهر في الغربية ليلة الجمعة مثلا، وفي الشرقيةليلة السبت.
نعم يقع مثل هذا على القول بالاتحاد أيضاً، فهذا مشترك الورود على كلاالقولين.
فالخلاف متركز في المبدأ لا في الوحدة الشخصية وإلّا فهي بالدور لا بالدفعيةكما هو واضح لا ريب فيه.
وغير المشهور طابقوا بين الزمن الشمسي والزمن القمري وقالوا لا يمكن أنتكون ليلة القدر ليلة الاثنين مثلا في مكان وليلة الثلاثاء في مكان آخر، ومنشأ هذاالاستبعاد هو مطابقتهم بين الحسّاب الشمسي والقمري، وإلّا أيام الاسبوع هيحساب شمسي لا ربط لها بالحساب القمري.
ذكره السيد أبو تراب الخونساري - قده - في شرح نجاة العباد.
وهي صحيحة محمد بن عيسى اليقطيني اليونسي قال: كتب إليه أبو عمر:أخبرني يا مولاي، انه ربّما أشكل علينا هلال شهر رمضان فلا نراه ونرى السماءليست فيها علّة ويفطر الناس ونفطر معهم، ويقول قوم من الحسّاب قبلنا: أنه يرىفي تلك الليلة بعينها بمصر، وأفريقية، والاندلس، هل يجوز - يا مولاي - ما قالالحسّاب في هذا الباب حتّى يختلف الفرض على أهل الامصار فيكون صومهمخلاف صومنا، وفطرهم خلاف فطرنا؟ فوقع: «لا تصومنّ الشكّ، أفطر لرؤيته وصملرؤيته»(1).
تقريب الاستدلال: بظاهر الرواية أنه لو كان يقطع برؤيته في مصر مع عدمرؤيته
1) الوسائل: ابواب احكام شهر رمضان باب15 حديث1.
في بلده لوجب عليه الصيام في بلده، إذ محط سؤاله في أنه هل يجوزالاعتماد على الحسّاب في ثبوت الهلال والرؤية في مصر والاندلس، والنهي فيجوابه عليه السلام عن الاعتماد على أقوالهم، وأمره باتباع الرؤية، فمصبّ شكّ الراوي فيتحقق الرؤية في مصر، وأنه هل يجوز أن يرونه في مصر أم لا، وليس شكّه في كونالبلد - بغداد - الذي هو فيه يرى فيه الهلال أو لا يرى؟
فسؤال الراوي في نفس مورد المسألة المبحوثة وهي رؤية الهلال في أفقمتأخر عن بلد المكلف وسؤاله عن الاعتداد بقولهم وامكان تحققه، وكأنه لدىالسائل مفروغ عنه وحدة حكم الآفاق المختلفة والاكتفاء بالرؤية في مصروالاندلس، والامام عليه السلام لم يردع ارتكازه ومبنى سؤال الراوي وانما نهاه عنالاعتماد على الحسّاب لكونه شكاً وليس بقطع وعلم ولا علمي تعبدي.
كما أن الشكّ في الرواية ليس في بلد الراوي إذ هو قاطع بعدم رؤية الهلال فيبغداد كما يظهر من تعبيره «فل نراه ونرى السماء ليست فيها علّة» فالشك في تحققالرؤية في مصر بقول الحسّاب وأن السائل مرتكز عنده أنه لو قطع بثبوت الرؤية فيمصر لوجب عليه الصوم في بلده، وظاهر جوابه عليه السلام أقراره على ذلك، غاية الأمرلكونه شاكا، أمره الامام عليه السلام بالصوم للرؤية.
وفيه: أن هذه الصحيحة دلالتها على قول المشهور أوضح وأظهر.
بيان ذلك: أن سؤال الراوي انما هو عن جواز اختلاف الفرض على أهلالامصار فيكون صومهم خلاف صومنا وفطرهم خلاف فطرنا، وأنه إذا تحققتالرؤية في غير مصرنا هل يستلزم ذلك تحقق الرؤية في مصرنا، والشاهد على ذلكقوله «هل يجوز ما قال الحسّاب» والذي قاله الحسّاب «أنه في مصر يرى وهنا فيبغداد لا يرى» أي أنه يمكن ان تتحقق الرؤية في مصر فتختلف عنا في العراق، هذاهو مصب سؤاله.
فليس السؤال عن اختلاف الصوم بتبع اختلاف الرؤية إذ هذا مسلّم عندالراوي كما هو نص قوله «حتّى يختلف الفرض على أهل الامصار فيكون صومهمخلاف صومنا وفطرهم خلاف فطرنا» وانما مصب سؤاله عن وقوع اختلاف الرؤيةالتكويني وعن تبعّض الرؤية من مكان لآخر، وحدوث مثل هذا الأمر التكويني،ولذا لم يقل هل يجوز اختلاف الآفاق في الصيام، بل قال هل يجوز ما قالهالحسّاب، وما قاله الحسّاب أمر تكويني وليس أمراً شرعياً فهو ليس محمولاًشرعياً بل مقولاً ومحمولاً تكوينياً، فهو يسأل عن أن قول الحسّاب هل يمكنوقوعه أو لا يمكن.
وكأنه مفروغ عنه عند الراوي أنه إذا تبعضت الرؤية من مكان لآخر فسيختلفحكم الصيام لذلك، وظاهر جوابه عليه السلام امضاء هذا المرتكز واقراره.
هذا وأما ما أفاده السيد في كلامه المتقدم من أن الراوي قاطع بعدم الرؤية فيبلده.
ففيه: أن الأمر ليس كذلك وان عبّر الراوي بقوله «وليس في السماء علّة» إلّاأنه في صدر السؤال قال: «انه ربّما أشكل علينا» والاشكال يعني به مورد الحيرةوالتأمل والشكّ.
إذ صفو الجو ليس سبباً كافياً لان يقطع الانسان أن الهلال ليس موجودا بالفعل،إذ ساعة تكوّن الهلال وخروجه من تحت الشعاع تختلف عن الساعات اللاحقةللتكوّن وعلى أثر ذلك يختلف وضوح الرؤية من بلد لآخر ومن مكانلآخر، فأولبلد الرؤية يكون القمر لتوّه متزحزح ومبتعد عن الشعاع ولذا هالة الشعاع تغطيعليه فيكاد أن لا يرى، وهذا بخلاف عاشر بلد الرؤية.
كما أن موضع رصد الهلال في الجوّ مع اختلاف الشهور يحتاج إلى خبرةوممارسة، وكذا الحال في آن الرصد هل قبل الغروب أو حينه أو بعده وبأي مقدار
من الدقائق والوقت، أضف إلى ذلك اختلاف قوة البصر، كل ذلك يؤثر فيالإستهلال والرصد بالعين المجردة، وفي عدم حصول الجزم بعدم الهلال من مجردعدم الرؤية الفعلية في الأفق.
فصرف صحو الجو وعدم وجود علّة في السماء لا يدل على عدم إهلال الهلال،لذالك عبّر الراوي «أشكل علينا شهر رمضان»، فهو ليس بقاطع حتّى يكون مركزالشكّ وقوع الرؤية في مصر.
فأول ما فرض الراوي في سؤاله أنه ربّما أشكل علينا شهر رمضان، فمركزالشكّ في بلده لظنّه ملازمة وقوع الرؤية في مصر للرؤية في بغداد.
غاية الأمر أن الراوي نفي حصول الرؤية الفعلية، لكن ذلك لا يلازم نفي الهلالفي الأفق لما تقدم ذكره من العوامل والاسباب المؤثرة في حصول الرصد بالعينالمجردة، ولذا عبّر الراوي بالعطف على النفي بالجملة الحالية «فلا نراه ونرىالسماء ليست فيها علّة» لبيان نفي بعض العوامل المؤثرة وحيث أن الاستهلالبالعين المجردة هو نمط من عملية فحص عن موجود خارجي في الأفق قد تصيبهوقد لا تصيبه ومطلق عدم الوجدان لا يلازم عدم الوجود، ولذلك شُرّع وجوباتمام العدة كحكم ظاهري.
وهذا أمر مجرب ومحسوس فكثير ما يستهّل الإنسان ولا يرى الهلال، بل قديخفى حتّى على الحذّاق المتمرسين.
وهذا الاجابة تخلتف عما أورده بعض المعاصرين(1)على السيد أبي تراب،حيث جعل مركز الشكّ في رؤيته في مصر دون بغداد وأن جواب الامام في عدمالاعتداد بالشك والصوم بالرؤية هو كقضية حقيقية ليس السائل مصداقا لها إذ لميكن شاكا في عدم وجوب الصيام.
1) رسالة حول رؤية الهلال ص171.
ما ذكره الفاضل المعاصر(1)من التمسك برواية أبي حمزة الثمالي - وهيموثقة على الاصح - قال: كنت عند أبي عبد اللَّه عليه السلام فقال له أبو بصير: جعلت فداكاللّيلة التي يرجى فيها ما يرجى؟ فقال: في ليلة احدى وعشرين أو ثلاث وعشرين.قال: فإن لم أقوِ على كلتيهما فقال: ما أيسر ليلتين فيما تطلب، قال: قلت: فربمارأينا الهلال عندنا، وجاء من يخبرنا بخلاف ذلك في أرض أخرى؟
فقال: ما أيسر أربع ليالٍ تطلبها فيها«(2).
كيفية الاستدلال: لو كان الاعتداد بكل بلد مع أفقه الخاص فَلِم اذن الاحتياط،بل لقال عليه السلام له: عليك برؤية بلدك وأحي ليلتين.
فربما يجاب بأنه لو كان الاعتداد بوحدة الحكم في الآفاق المختلفة لتعيّنتالليلة التي يرجى فيها ما يرجى أيضاً في ليلتين، لكنهما على حساب الرؤية فيالأفق الذي جاء منه الخبر، قبل رؤيته في أفق السائل.
فمراده عليه السلام بالاخذ بأربع ليالٍ ليس إلّا من باب الاخذ بالحائطة، بأنه إن كانتالليلة التي رؤي فيها الهلال، هي أول الشهر بالنسبة إلى أفقه، فالليلتان المذكورتانظرف للمطلوب، لكون ليلة القدر في احديهما لا محالة، وان كانت ليلة أول الشهرهي الليلة التي رؤى فيها القمر من قبل المخبر، وخفي الهلال عندئذ في أفق السائل،لغيم أو سحاب ونحوهما، فاللازم احياء ليلتين أخريين أيضاً قبل هاتين الليلتين،رجاء درك ليلة القدر في احديهما، فهذه الرواية للقول بلزوم الاشتراك في الآفاقأدل.
لانه لو لم يلزم الإشتراك فيها لتعين أن يجيب عليه السلام بإحياط ليلتين أخريين فقطعلى حساب الرؤية في أفق المخبر بالخبر، لاختلاف أفقه مع أفق السائل، فيلزم
الاخذ برؤية الهلال فيه، بناءا على عدم لزوم الاشتراك، فعدم التعيين دليل علىلزوم الاشتراك بالقياس الاستثنائي(1).
وربّما يشكل عليه: بان الراوي لم يذكر أن هذا الخبر هو بيّنة شرعية أم لا، حتّىيمكن الاعتماد عليه وانما قال: جاء من يخبرنا و(من) كما تستعمل في الجنسالمذكر، تستعمل في المفرد الشخصي أيضاً، ولا يعلم أن وصول هذا النبأ هل هو عبرمخبر واحد أو أكثر ففرض الراوي أعم من ذلك، فحيث لا يعتمد على هذا الخبرفيراعى أربع ليالي رجاء الحصول على الثواب واحياءا لهذه الليلة العظيمة.
فالصحيح الجواب: بأن هذه الرواية على نسق الاطلاق المدعى في رواياتالرؤية والقضاء المتقدمة تشمل البلد المتحد في الأفق والبلد المختلف، فهيمطلقهمن هذه الناحيه والتمسك باطلاقها يرد عليه ما أوردناه على الدليل الأول والثانيمن كونه تمسكاً بالمدلول الالتزامي لشمول الاطلاق لبعض حالات الافراد وهوليس بحجة كما مر بيانه، وغير ذلك فلاحظ.
1) رسالة حول مسألة رؤية الهلال ص174.
ذكره السيد أبو تراب الخونساري - قده - وهو وجه اعتباري استحساني أكثرمن كونه وجهاً مستقلاً يعتد به، فهو أشبه بالمؤيد.
وهو: أن القول باتحاد الآفاق في الحكم أضبط للحساب وأبعد عن التشويش،ومبدأ لبدأ الشهر في المناطق كلها.
بل ترقى وقال: ان الموضوع للحكم لم يتصرف فيه الشارع، بل هو من القديمإلى الان الحاضر عبارة عن صرف تحقق الرؤية الكافية لكل المناطق.
والاجابة عنه: هو نفس الاجابة المتقدمة عن الدليل العقلي لغير المشهور،وذكرنا هناك أنه على قولهم يلزم أيضاً ما ذكره من التشويش وعدم الضبط، كما إذاكان الليل الغاشي يشمل الأمريكتين والبلاد الاسيوية، فكيف يكون في جزءالنصف المظلم ليلة الاثنين وفي الجزء الآخر ليلة الثلاثاء في آن واحد للشهرالواحد.
وهو طوائف عديدة من الروايات المختلفة الألسن، والتي تفيد أن كل بلد لهأفقه الخاص به في ثبوت الهلال.
وهي مجموعة من الروايات الدالة صريحا على استحباب صوم يوم الشكّالذي لا يعرف أنه من شهر شعبان أو من شهر رمضان في حالة وجود علّة فيالسماء او عدم صحو الجو.
وكيفية الاستدلال بها: أنه لو كان مطلق الرؤية كافياً لثبوت الهلال في الآفاق،لما كان هناك وجه لهذا التقييد، إذ مع اتحاد الآفاق في الحكم لا خصوصية لكل بلدبلد، بل يعم الشكّ من أي منشأ حصل ولو في البلاد الأخرى مع صحو الجو في بلدالمكلف، فالتخصيص لمنشأ الشكّ بالظروف الجويّة الخاصة ببلد المكلف شاهدعلى أن موضوع الحكم هو أفقه الخاص لا كل الآفاق.
صحيحة هارون بن خارجة قال: قال أبو عبد اللَّه عليه السلام: «عدّ شعبان تسعةوعشرين يوما فان كانت متغيمة فأصبح صائما، وان كان مصحية وتبصرته ولم ترشيئا فأصبح
مفطرا»(1).
رواية معمر بن خلاد قال: كنت جالسا عنده آخر يوم من شعبان فلم أره صائمافأتوه بمائدة فقال: ادنُ وكان ذلك بعد العصر قلت له: جعلت فداك صمت اليوم فقاللي: ولِمَ؟! قلت: جاء عن أبي عبد اللَّه عليه السلام في اليوم الذي يشك فيه أنه قال: يوم وفقاللَّه له قال: «أليس تدرون انما ذلك إذا كان لا يعلم أهو من شعبان أم من شهررمضان فصامه الرجل وكان شهر رمضان كان يوم وفق اللَّه له! فاما وليس علّة ولاشبهة فلا... الحديث»(2).
وتخصيص الاسباب بالشك الناشيء من الأفق، وتعليل تضيق استحباب صياميوم الشكّ بالشك في أفق البلد ناص على ان المراعات لأفق البلد.
ما رواه الشيخ في الموثق عن الربيع بن ولاد عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: «إذارأيت هلال شعبان فعد تسعا وعشرين يوما، فان صحت ولم تره فلا تصم وإنتغيمت فصم»(3)وغيرها من الروايات.
ما ورد من عدم الاعتبار - بنحو العموم أو الخصوص كما سيأتي في التنبيهات- بغيبة الهلال بعد الشفق وتطوّقه وطول مكثه في الأفق ورؤيته قبل الزوال ومنعدم العبرة برؤية الانسان ظل نفسه في ضوء القمر.
مع أن الهلال بهذه العلامات يجزم بأنه ابتعد عن الشمس مقدارا يعتد به، وانهذا البلد الذي رؤى فيه الهلال باحدى هذه العلامات ليس هو أول بلد الرؤية قطعاً،
فاذا كان النهار شتوياً يستغرق تسع ساعات وجزم بأن القمر ابتعد عن تحت الشعاعبمقدار 6 درجات مثلاً، فنعلم أنه تكوّن بحيث رؤي قبل احدى عشر ساعة ونصفتقريباً.
وهذا معناه اشتراك هذا البلد مع بلد آخر رؤي فيه الهلال في الليل السابقبحيث يكون بلد المكلف آخر ليله والبلد الآخر أول ليله عند الغروب رؤي الهلالفيه وتحرك مبتعداً عن تحت الشعاع كل درجة ساعتين تقريباً فرؤي فيبلدالمكلف في الليل اللآحق على 6 درجات بعداً من نقطة تحت الشعاع فيثبت لهالهلال من الليل السابق نباءا على وحدة حكم الآفاق وعدم لزوم الاشتراك.
مع أن هذه الروايات تنفي هذا الاعتبار ولا تجعل هذه العلامات حجة، فهذادليل على عدم اشتراك الآفاق في الحكم وانما لكل افق حكمه الخاص به.
وهذه الروايات:
صحيحة أبي علي بن راشد قال: كتب إلى ابو الحسن العسكري عليه السلام كتاباوأرخه يوم الثلاثاء لليلة بقيت من شعبان، وذلك في سنة اثنتين وثلاثين ومائتين،وكان يوم الاربعاء يوم شك، وصام أهل بغداد يوم الخميس وأخبروني أنهم رأواالهلال ليلة الخميس، ولم يغب إلّا بعد الشفق بزمان طويل، قال: فاعتقدت أن الصوميوم الخميس وأن الشهر كان عندنا ببغداد يوم الاربعاء، قال: فكتب إلى: زادك اللَّهتوفيقا فقد صمت بصيامنا، قال: ثم لقيته بعد ذلك فسألته عمّا كتبت به إليه، فقال لي:أو لم أكتب اليك انما صمت الخميس ولا تصم إلّا للرؤية(1).
وتأريخ الامام عليه السلام الجواب للمكاتب له نكته، وهي أنه عليه السلام يعّد يوم الاربعاءمن شهر شعبان لانه عليه السلام أرّخ كتابه بيوم الثلاثاء لليلة بقيت من شعبان، وتأكيد الامامعليه السلام بأن لا يصوم إلّا للرؤية معناه رؤية بلد المكلف، والراوي كان يعتقد بأن صيامهم
1) الوسائل: أبواب أحكام شهر رمضان باب9 حديث1.
يوم الخميس متأخر عن أول الشهر وهو يوم الاربعاء لطول مكثه بعد الشفق الدالعلى خروجه من مدة مديدة عن تحت الشعاع.
ورواية جراح المدائني قال: قال أبو عبد اللَّه عليه السلام: «من رأى هلال شوال بنهارفي شهر رمضان فليتم صيامه»(1). ورواية محمد بن عيسى - وسيأتي في التنبيهاتامكان تصحيح السند - قال: كتبت إليه عليه السلام: جعلت فداك، ربّما غم علينا الهلال فيشهر رمضان فنرى من الغد الهلال قبل الزوال، وربّما رأينا بعد الزوال، فترى أننفطر قبل الزوال إذا رايناه أم لا؟ وكيف تأمر في ذلك؟ فكتب عليه السلام: «تتم إلى الليل،فانه ان كان تاما رؤى قبل الزوال»(2).
والمتن كما في الاستبصار في بلد المكلف مع أن الرؤية قبل الزوال سيّما إذارصد بنحو يكون مبتعداً بدرجات عن تحت الشعاع منذ آخر ليل البلد المصادفلرؤيته في أول ليل بلد آخر عند الغروب، الموجب لثبوت الهلال لبلد المكلف بناءاعلى وحدة حكم الآفاق، والحال أن الرواية تنفي ذلك.
فطرح ونفي هذه الطرق التي هي حسابية ونجومية وفيها عدٌّ ورصدواستكشاف ان الهلال لليلة سابقة، دليل واضح على أن الآفاق المختلفة حكمهاليس متحداً، إذ لو كان متحدا لوجب الاعتبار بهذه العلامات حين القطع بابتعادالقمر عن الشمس كثيراً بحيث يرى في غروب بلد آخر مشترك في الظلمة مع ليلةسابقة لبلد المكلف.
والسيد الخوئي - قده - خلافا للمشهور ذهب إلى اعتبار رؤية الهلال قبلالزوال وأفتى به، لوجود روايات معتبرة في المقام تفصل بين رؤية قبل الزوالوبعده.
وسيأتي في التنبيه الثالث أنها معارضة للروايتين المتقدمتين، فضلا عنمعارضة روايات الرؤية التي تنفي بشدة بقية الطرق الأخرى وتحصر الرؤية باليقينالحسّي المتولد من الرؤية بلا ضميمة مقدمات حدسية أو حسابية، أي بالرؤية الليلية
الغروبية المزامنة لمبدأ دخول الشهر، لا الرؤية النهارية الدالة على مبدأمتقدم لدخول الشهر بملاك وتوسط مقدمة هيوية.
فهي آبية عن التخصيص، والروايات المفصلة بين ما قبل وبعد الزوال محمولةعلى التقية، وسيأتي تفصيل أكثر في التنبيهات.
وهي الروايات التي تشترط في حجية البيّنة التي تأتي من خارج البلد وجودالعلّة أو عدم الصحو في سماء البلد واما مع انتفاء الشرط المزبور فلا عبرة بها.
فتخصيص حجية البينّة الخارجة بوجود علّة في أفق البلد معناه الاعتداد بماهو متحد الأفق، وإلّا لماذا التخصيص، إذ لو كانت الآفاق متحدة الحكم لما كانتالظروف الجويّة في أفق خاص من الصحو أو عدمة مؤثرة في تحقيق صرف وجودالموضوع، ولما كان عدم الرؤية مع صحو الجو وعدم الموانع مسقطاً لحجية مطلقالبينّة التي تشهد بالرؤية في أفق مختلف جداً عن أفق البلد.
فاشتراط ذلك في حجية البينّة دال على فرض بيّنة تشهد بالرؤية في أفق متحدبحيث يكون عدم الرؤية في بلد المكلف مع صحو الجو موجباً للريب في البينّةالمزبورة.
ففي معتبرة أبي أيوب الخزاز قال: قلت له: كم يجزي في رؤية الهلال؟ فقال:«ان شهر رمضان فريضة من فرائض اللَّه فلا تؤدوا بالتظني، وليس رؤية الهلال أنيقوم عدة فيقول واحد قد رأيته ويقول الآخرون لم نره، إذا رآه واحد رآه مائة وإذارآه مائة رآه ألف، ولا يجزي في رؤية الهلال إذا لم يكن في السماء علّة أقل منشهادة خمسين، وإذا كان في السماء علّة قبلت شهادة رجلين يدخلان ويخرجانمن مصر»(1).
فلو لم يشترط الوحدة في الأفق في ثبوت الهلال لما كان هناك موجب لتقييد
1) الوسائل: أبواب أحكام شهر رمضان باب11 حديث10.
البينّة التي تأتي من الخارج بوجود العلة في السماء.
ومثلها في الدلالة رواية حبيب الخزاعي قال: فقال أبو عبد اللَّه عليه السلام: «لا تجوزالشهادة في رؤية الهلال دون خمسين رجلا عدد القسامة، وانما تجوز شهادةرجلين إذا كانا من خارج المصر وكان بالمصر علّة فأخبرا أنهما رأياه، وأخبرا عنقوم صاموا للرؤية وأفطروا للرؤية»(1).
ان قلت: ان الرواية ليست في صدد بيان لزوم وحدة الأفق في ثبوت الهلال،وانما في صدد بيان لزوم التثبت والتروي في البيّنة والشهادة على رؤية الهلال، كأنلا يكون في البين ما يوجب مظنة الخلاف كما لو كان الأفق صحوا ولم ير وادعيتالرؤية مع ذلك، كما هو ألسنة الروايات الواردة في المقام.
قلت: لا نزاع في كون الرواية في مقام بيان التثبت، إلّا أن تحقيق صورة التثبتفي موردها يتوقف بدلالة الاقتضاء على لزوم وحدة الأفق، وإلّا لما كان عدم الغيموالعلة وصحو الجو والأفق موجب للريبة في البيّنة الآتية من خارج البلد من بلدآخر، إذ بناءا على اتحاد ثبوت الهلال في الآفاق المختلفة لا منافاة بين عدم الرؤيةفي نقطة ورؤيتها في نقطة أخرى مختلفة الأفق.
وببيان آخر، ان الريبة تحصل في البيّنة مع صحو الجو والأفق في ما لو كانتالبيّنة تشهد بالرؤية في بلد آخر متحد في الأفق مع بلد المكلف، فحينئذ يشترط فيقبول البيّنة من باب التثبت وجود العلة في أفق بلد المكلف، وأما لو كانت البيّنةتشهد برؤية الهلال في بلد مختلف الأفق مع بلد المكلف فعدم رؤية الهلال في بلدالمكلف مع صحو الجو وعدم العلة لا يوجب الريبة في تلك البيّنة، إذ قد يكون مبدأتكون الهلال في البلد الآخر فلا يشترط في التثبت وجود العلة حينئذ.
فظهر أن الاشتراط المزبور في الرواية للتثبت لا يستقيم إلّا مع لزوم وحدةالأفق لثبوت الهلال.
1) الوسائل: أبواب احكام شهر رمضان باب11 حديث13.
وهي الروايات الناهية عن اتباع أقوال المنجمين والهيويين.
وكيفية الاستشهاد بها أن لازم اتحاد الآفاق المختلفة في الحكم عدم الاعتدادبخصوص الرؤية الحسية، بل يعتد بتكوّن الهلال بحيث يرى سواء رؤي بالفعل أم لا،فاذا حصل الاطمئنان من قول المنجمين وعلماء الهيئة وجب الاعتداد به مع أن هذهالروايات تنفي ذلك.
من هذه الروايات صحيحة محمد بن عيسى اليقطيني اليونسي قال: كتب إليهأبو عمر: أخبرني يا مولاي، انه ربّما أشكل علينا هلال شهر رمضان فلا نراه ونرىالسماء ليست فيها علّة ويفطر الناس ونفطر معهم، ويقول قوم من الحسّاب قبلنا: أنهيرى في تلك الليلة بعينها بمصر، وأفريقية، والاندلس، هل يجوز - يا مولاي - ماقال الحسّاب في هذا الباب حتّى يختلف الفرض على أهل الامصار فيكون صومهمخلاف صومنا، وفطرهم خلاف فطرنا؟ فوقع: لا تصومنّ الشكّ، أفطر لرؤيته وصملرؤيته«(1).
فهذه الرواية مفادها عدم العبر باخبار المنجمين، وهي تدل بصراحة علىاشتراط الاتحاد في الأفق، فالرواية فيها شاهدان على مدعى المشهور، الأول عدمالاعتداد بقول المنجمين، والآخر دليل مستقل على لزوم اشتراط وحدة الأفق.
وقد تقدم في الدليل الرابع لغير المشهور بيان دلالتها على اشتراط وحدة الأفقجوابا لمحاولة المحقق السيد أبي تراب الخونساري - قده - في الاستدلال بها علىقول غير المشهور فراجع.
الاتفاق على طرح روايات العدد القائلة أن شهر رمضان لا ينقص عن ثلاثينيوما منذ أن خلق اللَّه السماوات والأرض، وهذه الروايات لا تتلاءم إلّا مع قول
1) الوسائل: ابواب احكام شهر رمضان باب15 حديث1.
المشهور.
وبيان ذلك في مقدمتين:
الاولى: أن دورة القمر من نقطة تكوّنه ورؤيته في نقطة ما إلى أن يعود إلى هذهالنقطة يستغرق 29 يوم و12 ساعة و44 دقيقة، فبعد هذه المدة يصل إلى نقطةأخرى على فاصلة من جهة شرق النقطة التي رؤي فيها، إلّا أنه لا يمكن أن يرى إلّابعد مرور 29 يوماً و16 ساعة تقريباً، وحينها يمكن أن يعكس أشعته بشكل واضحعلى نقاط الأرض.
الثانية: يكون الشهر تاما في كل نقطة هي مبدأ أول الرؤية وتكوّن الهلالبمقتضى المقدمة الاولى، فاذا رصدنا أول بلد رؤي فيه الهلال ولنفترض أمريكامثلا، فبعد أن يدور القمر حول الأرض 30 دورة إلّا ثلث تقريباً بدءاً في حسابالدورات من أمريكا فان هذا معناه أن هلال الشهر اللآحق لن يرى في الليلةالثلاثين من ليالي امريكا وانما سوف يرى ليلة الاحدى والثلاثين فيتم الشهرلديهم، وهلم جرا.
وقد تقدم بيان هذه المقدمة بصورة مبسوطة في الاشكال على الدليل الثاني منأدلة غير المشهور وهو التمسك باطلاق أدلة القضاء فراجع.
فعلى ضوء هاتين المقدمتين، مع البناء على وحدة حكم الآفاق المختلفة سوفلن ينقص شهر رمضان عن ثلاثين يوما في كل النقاط، نعم مع البقاء على اختلافحكم الآفاق سوف يتم في نقاط وينقص في أخر، فطرح روايات العدد لا ينسجمإلّا مع قول المشهور.
وهو تبادر رؤية بلد المكلف نفسه من لفظة الرؤية من ألسنة الروايات إذلسانها على نمطين:
الأول: لسان مطلق لم يقيد الرؤية فيه برؤية المخاطب في بلده.
الثاني: لسان مقيد برؤية المخاطب كالتعبير «إذا رأيت».
فاما أن يرفع الخصوصية عن بلد المكلف بقرينة الاطلاق، أو يرفع اليد عنالاطلاق بقرينة الخصوصية.
والصحيح في المقام رفع اليد عن الاطلاق وحمله على الخصوصية وذلكلامور:
الأول: انصراف المطلق إلى الرؤية في بلد المكلف والمخاطب، أو باستظهارالعموم الاستغراقي كبقية الموضوعات لسائر الاحكام لا صفر الوجود، بقرينةاختلاف مبدأ الليل والنهار في البلدان.
الثاني: اختلاف المطلقات بالقرينة على ان المراد بالرؤية رؤية بلد المكلف .
ففي صحيحة محمد بن عيسى - المتقدمة في الطائفة الرابعة من الدليل الأول -«ويقول قوم من الحسّاب قبلنا :أنه يرى في تلك الليلة بعينها بمصر، وافريقيةوالاندلس» وهي بلاد تقع في غرب بلد الراوي فالفرض محل النزاع في المسألة،بينما جوابه عليه السلام - مع أنه عبر بالمطلق كبقية ألسنة المطلقات في الرؤية - ظاهر فيرؤية بلد المكلف بقرينة السؤال - كما تقدم في فقه الرواية مفصلا في الدليل الرابعلغير المشهور - قال: «لا صوم من الشكّ افطر لرؤيته وصم لرؤيته» أي رؤية بلدك،فرؤية أهل الاندلس ليست طريقا وملازماً لرؤيتك.
وكذا التقريب في صحيحة أبي علي بن راشد المتقدمة وفيها «ولا تصم إلّاللرؤية».
الثالث: ظهور الرؤية المطلقة في رؤية المكلف من المقابلة المتكررة في عدّةمن الروايات بين الرؤية وشهادة العدلين كما في صحيحة منصور بن حازم في قوله«صم لرؤية الهلال وافطر لرؤيته، وان شهد عندك...» وصحيحة عبد الرحمن بن أبيعبد اللَّه في قوله عليه السلام «لا تصم إلّا أن تراه فان شهد...» ورواية عبد اللَّه بن سنان فيقوله عليه السلام «لا يصم إلّا للرؤية أو يشهد....».
وكذا ما في روايات القضاء في أدلة غير المشهور وغيرها من الروايات ولااطلاق في الشهادة والبينّة كما تقدم.
الرابع: تقييد حجية البينّة الآتية من الخارج بوجود علّة في أفق وسماء البلدوعدم الصحو، وأما مع صفاء السماء وعدم وجود علّة في الأفق فلا حجية لها، فلوكانت الرؤية حجة مطلقا لما كان هناك داع لهذا التقييد.
ضابطة وحدة وتقارب الأفق
وظيفة الشاك في هلال شوال
حصر الطرق بالرؤية
عدم الاعتدال بالآلات الرصدية
عدم الاعتداد بروايات العدد
تنبيهات
ان البلاد التي تكون مشارقها وزوالها ومغربها متحدة أو متقاربة جداً تكونهذه البلاد متحدة في الأفق، أما البلاد التي تختلف فيها المشارق والمغارب ولاتتقارب تكون بلاداً مختلفة الأفق.وحيث أن الأرض تدور حول نفسها دورة كاملة أمام الشمس خلال 24 ساعةفي اليوم وقد تقدم أن الأرض يرسمها 360 خط طولي - انصاف دوائر - فعندتوزيع 24 ساعة عليها يكون نصيب كل 15 درجة طولية ساعة تقريباً، ونصيب كلدرجة طولية 4 دقائق.
أما المسافة بين خطوط الطول بدءاً من خط الاستواء وحتّى القطبين حيث أنهاتختلف في المقدار من جهة زيادة احدودابها عند خط الاستواء فيزداد تباعدهافيما بينها وعلى العكس كلما اتجهت إلى القطبين نجد أن المسافة تصبح أقل منذلك، ومع بلوغ القطب تصبح المسافة صفر.
والكلام في ماهو الضابطة لوحدة أو تقارب الأفق بالدقة، بعض جعل الضابطةمايقارب من 10 إلى 15 دقيقة، فاذا كانت مشارق ومغارب البلاد المختلفة لاتزيدعلى هذه المدة فهي متحدة الأفق اما مع الزيادة فهي مختلف الأفق، وهذه الضابطةكما سيأتي ليست بصحيحة ودقيقة، إذ لعل الهلال لتوّه تكوّن في بلد الرؤية ولم
يمكث فوق الأفق كثيراً، أو أن الضابطة مقدار المكث فوق الأفق هو مقدارالإشتراك مع الآفاق الشمسية المتقدمة، أو يقل عنه يسيراً بالدقة كما سيأتي.
والصحيح: حيث إنّا لانطابق بين الحسّاب الشمسي والقمري، أن وحدة أوتقارب الأفق القمري يختلف عن الشمسي وان كان مطابقة الأفق الشمسي علامةعلى الإتحاد في الأفق الآخر، لكن ليس هو عين الأفق القمري، وليس الغرض منهذه الدعوى وضع اصطلاح جديد، بل التركيز على حقيقة وهي:
ان مبدأ الشهر القمري ليس بلد الرؤية الفعلية وانما مبدأه أول بلد يتكوّن الهلالفيه بحيث يكون قابلا للرؤية وان لم تقع الرؤية لعدم الاستهلال أو لمانع جوي منغيم ونحوه.
توضيح ذلك: اذا رؤي الهلال في منطقة ما واستمر بقاؤه لمدة ساعة مثلاً، فهذامعناه أنه خرج من تحت الشعاع وتكوّن من قبل مدة في نقطة سابقة شرقية قبلرؤيتة في هذه المنطقة.
وهذا يعني أن النقطة السابقة متقاربة في الأفق بالإضافة إلى القمر مع المنطقةالتي وقعت فيها الرؤية اي أن مكث الهلال فوق الأفق بمقدار كاشف عن خروجهوتكوّنه في نقطة شرقية سابقة وإلا لو كانت بلد الرؤية الفعليّة هي أول بلد يتكوّن فيهالهلال لما مكث هذه المدة المديدة، واعتبر بمكث الهلال في الليلة الثانية والثالثةوالرابعة من الشهر فإنه كلما توالت الليالي ازداد مكثه، وسبب ذلك زيادة ابتعادموضع القمر عن الشمس.
وهذا الكشف ليس كشفاً عن ليلة سابقة للشهر والذي لم يعتبره المشهور، بلهو كشف عن نقطة سابقة لمبدأ تكوّن القمر، وحينئذ ننتهي إلى أن هناك نسبة معينةبين مقدار مكث القمر فوق الأفق ومقدار سبق النقطة التي بدأ التكوّن فيها والتيعبّرنا
عنه بتقارب الوفق القمري.
ومنه يظهر أن تقارب الأفق القمري معيارها تلك النسبة بين المقدارين وعلىذلك يكون التقارب المزبور بحسب إختلاف النسبة، واما كيفية استخراج النسبةفبالمقدمة التالية:
إن المحكي عن المحقق الخواجه نصير الدين الطوس - ره - في ضابطةاستخرجها، أن القمر انما يكون قابلا للرؤية إذا ابتعد مغربه عن مغرب الشمس عشردرجات ويمكث 40 دقيقة فوق الأفق الحاصلة من ضرب درجات ابتعاده فيأربعة دقائق حيث أن الأرض تطوي كل درجة أربع دقائق.
وقيل إنه يكون قابلا للرؤية إذا ابتعد تسع أو ثمان درجات(1)وعلى ذلكيمكث في أول نقطة يرى فيه 24 دقيقة.
ولكن من المجربّ كرارا وقوعه أن المدة المرئية للهلال قد تقلّ عن ذلكفتكون بمقدار 15 دقيقة فقط، أو 9 دقائق بل قد سمعنا مرارا أنه هلّ بمقدار خمسدقائق تقريباً.
ووجه ذلك: أن مقدار الابتعاد اللازم للرؤية المذكورة في كلام المحققالطوسي وإن كان تاما إلّا أن ذلك لا يعني أن نضرب مجموع درجات ابتعاده في 4دقائق مقدار حركة الأرض لكل درجة، إذ أن العشر درجات المزبورة هي مقدارالفاصلة بين مغرب الجرمين ومن اللازم أيضاً طرح مقدار درجات هالة الشمس -تحت الشعاع - وحجابها الضوئي.
حيث أنه قبل اختفائه وقبل غروب ذلك المقدار لا تمكّن أشعة الشمس نور
1) رسالة حول رؤية الهلال ص35.
الهلال الضعيف من الانعكاس والرؤية، فبعد طرحه من العشرة أو التسعة أو الثمانيةتبقى أربع درجات تقريباً أو ثلاث أو اثنتان فيكون أقل تقدير لمكث الهلال فوقالأفق في أول بلد يرى فيه الحاصل من ضرب 4 درجات أو 3 أو 2 في 4 دقائق هو16 دقيقة أو 12 دقيقة او 8 دقائق وهو يوافق ما تقدم من المجرّب الواقع.
هذا بالاضافة إلى بعض الموانع الجويّة المقلّلة لمقدار مدة الرؤية الفعلية.
فعلى هذا الحسّاب كلما زاد الهلال في بلد فوق الأفق عن العشر دقائق تقريباً،تحسب تلك الزيادة وتقسّم على أربع فما يخرج من الناتج يكون هو عددالدرجات الطولية الارضية التي طواها منذ تكوّنه.
فلو فرضنا ان الزيادة كانت 30 دقيقة، كان الحاصل بعد القسمة على أربعدقائق هو 7 / 5 درجة طولية، فحينئذ يعلم بأن تكوّن الهلال كان في نقطة شرقيةسابقة تزيد في الطول على بلد الرؤية الفعلية بخمس درجات كقدر متيقن، والعمدةوالمدار على المتيقن الاقل من الحسّاب المزبور فى معرفة وحدة الأفق في إهلالالهلال.بل إن التأمل قاض بأن ما أفاده المحقق الطوسي من الضابطة التياستخرجها(1)مستلزم للاشتراك في الرؤية للهلال في أفق نقطة سابقة وفي آفاقنقط ومواضع سابقة متقدمة بمقدار أقصاه 40 دقيقة أو 36 أو 33 أو 12 دقيقة ومفادهذا الاستلزام أن بدء أن تكوّن الهلال بنحو الدقة والمعية هو في مجموعة آفاقمختلفة بذلك المقدار (12 - 32 - 36 - 40 دقيقة).
فالنقطة الاولى من شرق تلك المجموعة يمكث بمقدار دقيقة وفي تلك الدقيقة
1) من كون الهلال في مبتدأ رؤيته في افق نقطة ما يمكث 40 دقيقة وهو عند ابتعادمغرب الشمس فيه عن مغرب القمر عشر درجات كل درجة تطويها الأرض في حركتهاالوضعية في 4 دقائق، أو ما قيل أنه عند الابتعاد بينهما بتسع أو ثمان درجات، أو ماعقبناه.
بعينها يهلّ على بقية المجموعة المزبورة أيضاً، إلّا أنه يبقى ماكثا في النقاط اللاحقةبنحو تصاعدي حتّى يكون مكثه في النقطة الاخيرة من تلك المجموعة بمقدار 40دقيقة كماذكره المحقق الطوسي(1).
والوجه في هذا الاستلزام والاشتراك في الرؤية - بين ما ذكره المحقق الطوسيمن الضابطة والنقاط والمواضع السابقة بذلك المقدار - هو أن مكث الهلال فوق أفقموضع ما بمقدار 40 دقيقة أو أقل من ذلك يعني أن الموضع الأرضي المزبور قدتحرك - بحركة الأرض الوضعية - مقدار عشر درجات أو أقل طولية - المساويلمقدار زماني 40 دقيقة - في حالة مواجهة للهلال المتكوّن.
وهذا مما يعني أن الهلال في أول تكوّنه في ذلك الموضع الفضائي يواجه ذلكالمقدار الارضي بتمام ذلك المقدار، ولذلك مكث في أفق الموضع المزبور بمقدار40 دقيقة زمانية، فالموضع المزبور كان في مدار المواجهة الذي هو بقدر عشردرجات أرضية (تساوي 40 دقيقة) وهو الوجه في المكث فوق الأفق بالمقدارالمزبور.
ولك أن تستوضح ذلك بالدوائر المستخدمة في مراكز الالعاب والحدائق، فانكإذا جلست عليها وهي تتحرك بحركة وضعية دورية فانك في حالة مواجهة للاشياءالتي تحيط بتلك الدائرة، وترى أن تلك الاشياء تطلع وتغرب عن باصرتك وان بينطلوعها للباصرة وغروبها مقدار زمني معين، لا دفعي آني.
والسر في ذلك: أن مقدار المواجهة من تلك الدائرة لتلك الاشياء هو بمقدارسُبع أو تُسع الدائرة، فما دامت في حركة في ذلك المقدار والمدار تكون تلكالاشياء مواجهة لك وهي ماكثة في أفق البصر، والرسم التالي يوضح الوجه المزبور.
1) أو 12 - 32 - 36 دقيقة حسب الاقوال الأخرى المتقدمة.
عکس
هذا: ولا يؤثر في الحسّاب المزبور تعاصر وتزامن حركة القمر بمقدار ثلثدرجة فضائية - من دائرة حركته حول الأرض - مع حركة الأرض عشر درجاتطولية - بالحركة الوضعية - إذ نسبتها إلى حركة الأرض الوضعية نسبة 1 إلى 30 إذدورته الواحدة تزامن الثلاثين دورة أرضية تقريباً، فبالمداقة الرياضية يُنقص منمقدار المكث فوق أفق بلد الرؤية لاستخراج مقدار الاشتراك ينقص تلك النسبة أيجزء من 30 جزء من مقدار المكث.
فلو فرض مقدار المكث ثلاثين دقيقة يكون مقدار الاشتراك 29 دقيقة معالنقاط والمواضع المتقدمة في الأفق الشمسي.
ومن كل ذلك ننتهي إلى أن الضابطة في الاشتراك في الأفق القمري ووحدته أوتقاربه هي مقدار مكث القمر فوق أفق بلد الرؤية فبذلك المقدار أو يقلّ عنه قليلابالدقة بالمقدار المزبور وهو جزء من 30 جزء تتحد النقاط الأخرى المتقدمة عليهفي الأفق الشمسي، فمقدار المكث هو مقدار الاشتراك - إلّا يسيرا بنسبة جزء منثلاثين جزء - مع الآفاق الشمسية المتقدمة.
فاذا رصد الهلال في بلد بالعين المجردة رصداً دقيقاً فرؤي لمدة خمس دقائقمثلا، فالدول التي في شرق هذا البلد إذا كانت مشارقها ومغاربها - أي أفقهاالشمسي - يتقدم بمقدار يزيد على خمس دقائق فلا يثبت لها الهلال وان كانت أقلمن ذلك فيثبت لها الهلال، فيلاحظ مدة بقاء الهلال فوق الأفق، وتكون البلادالشرقية متحدة في الأفق القمري بمقدار هذه المدة التي مكث فيها الهلال.
ومن ما تقدم يتضح لك سر خطأ الضابطة التي حكيناها عن البعض في صدرالتنبيه، إذ لو رؤي بمقدار دقيقتين بلا وسوسة فلا يثبت للبلاد المتقدمة على بلدالرؤية بأكثر من دقيقتين، لانه قبل ذلك لم يكن قد تكوّن.
ان قلت: ما ذكرت من الضابطة ومن علامية المكث لمقدار الخروج السابقعلى بلد الرؤية الفعلية منقوض بالهلال اللآحق لشهر تام سابق (هلال بعد ليلالثلاثين) فانه يرى منتفخا ماكثا فوق الأفق كثير ولو في أول بلد تكوّن فيه واولبلد يرى فيه.
قلت: بعد ما قدمناه من الملاحظة الهامة في الدليل السادس العقلي - من أنه فيكل شهر لدينا نقاط يكون الشهر فيها 29 يوما ناقصا وأخرى يكون الشهر فيها 30يوما تاما - وإن التي يتم فيها الشهر هي مبدأ الرؤية في الشهر،بخلاف التي ينقصفيها، يتضح لك جلياً أن التي يتم فيها لا تكون أول بلد الرؤية للشهر اللآحق وعليك
بالرجوع للملاحظة المزبورة لبسط الكلام.
ثم ليعلم أن المقدار الزمني لوصول ضوء القمر أو الهلال إلى الأرض هو ثانيةواحدة وربع الثانية، كما أنه من المهم الالتفات إلى أن التوقيت الجاري في البلدانليس هو التوقيت الحقيقي للافق الشمسي وانما هو توقيت اتفاقي حزمي للساعة.
إذ الدول لاحظت أن السير على التوقيت الحقيقي كالساعة العربية يؤدي إلىعدم ضبط الامور الادارية والمالية وغيرها من مرافق المعاش الداخلي، إذ هويوّقت لكل مدينة توقيت خاص بأفقها الحقيقي فيؤدي إلى اختلاف الحسّاب فيالوقت.
فاتفقوا على تقسيم العالم إلى 24 منطقة وقسم كل قسم ساعة كما في الرسمالمتقدم، وسميت تلك الساعات بالحزمية والتوقيت بالاتفاقي لا الحقيقي، وعلىهذا يجب الانتباه إلى التوقيت الحقيقي في المحاسبات المتقدمة وإلى وقت الغروبوالزوال لا إلى التوقيت المحلي الرسمي.
أن ما هو شائع اليوم من بناء عملي من باب الاحتياط، من خروج الناسوالسفر عند عدم ثبوت هلال شهر شوال خروجا عن التردد بين المحذورين بينوجوب الصوم وحرمة صيام العيد، هذا العمل لا رجحان فيه بحسب لسانالروايات في المقام الصريح في وجوب اتمام العدة كحكم ظاهري وعدم الاعتناءبالشك سواء الحاصل من مانع في الرؤية في الأفق أو الحاصل من الرؤية الفاقدةللشرائط والاعتبار - ومساق لسانها أجمع النهي عن الوسوسة والتحيّر والتردّدوالاضطراب في الفحص عن الواقع.
ففي عدة من الروايات المتقدمة سابقا التشديد على شرائط البينّة والنهي عنالاعتناء بالفاقدة، ففي رواية عبد الحميد الازدي قال:
قلت لأبي عبد اللَّه عليه السلام: أكون في الجبل في القرية فيها خمسمائة من الناس؟فقال: «إذا كان كذلك فصم لصيامهم وأفطر لفطرهم»(1).
وصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما «فاذا صمت تسعة وعشرين يوما ثمتغيمت السماء فأتم العدة ثلاثين»(2).
ومثلها في اللِّسان صحيحة عبيد بن زارة ورواية محمد بن قيس في نفسالباب.
وكذا أيضاً صحيحة علي بن جعفر أنه سأل أخاه موسى بن جعفر عليه السلام عن الرجليرى الهلال في شهر رمضان وحده لا يبصره غيره أله أن يصوم؟ قال: إذا لم يشك
فليفطر وإلّا فليصم مع الناس(1).
فأمره عليه السلام بالصيام اتماماً للعدة كحكم ظاهري وبعدم الاعتناء بالشك مع كونالسائل شكه ناشيء من تخيل الرؤية بإبصاره وحده.
وصحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: «إذا رأيتم الهلال فصومواوإذا رأيتموه فافطروا وليس بالرأي ولا بالتظني ولكن بالرؤية، والرؤية ليس أنيقوم عشرة فينظروا فيقول واحد هو ذا هو وينظر تسعة فلا يرونه، إذا رآه واحد رآهعشرة آلاف»(2).
حيث أنها جعلت غاية الصيام وموضوع الفطر الرؤية الواجدة للشرائط وأما معفقدها لها كمورد الاسترابة في المثال، فلا يعتد بها ولا بالشك الحاصل منها بل يتمالصيام عدة بمقتضى مفهوم الشرطية فالرواية توجه النظر إلى عدم الاعتناء بالشكالحاصل من الرؤية المريبة وإلى لزوم اتمام العدة حينئذ كحكم ظاهري، وهذااللسان متعدد في روايات الباب وغيرها من ألسنة الروايات.
وكموثقة سماعة أنه سأل أبا عبد اللَّه عليه السلام عن اليوم في شهر رمضان يختلف فيه؟قال: إذا اجتمع أهل مصر على صيامه للرؤية فاقضه إذا كان أهل المصر خمسمائةإنسان«(3).
كل هذه الاحاديث وغيرها تشدّد على عدم الاعتناء بالشك والوسوسة وانمإے؛ظظقشالصيام للرؤية الواجدة للشرائط والفطر للرؤية الواجدة للشرائط، ومع وجود الريبةفي البينّة تكون فاقدة للشرائط لا يعتنى بها ولا بالشك الحاصل منها.
ومنشأ هذا الحصر ما ورد مستفيضا من اشتراط الصيام والفطر بها وغيره منالسنة الحصر للحجية بها في مقابل بقية الطرق، والرؤية هي كناية عن القطع واليقينالحسي لا الاطمئنان فحسب.
فنرى كثيرا من الروايات في المقام تقابل بين الرؤية والظن والتخيل الحاصلمن مناشيء مختلفة، أي اليقين الحسي مقابل الظن والتجزم الحاصل من الحدس.
فقولهم عليهم السلام «صم للرؤية وافطر للرؤية» اللام للتعليل وظهورها فيالانحصار.
بتقريب: أن الرؤية طريق وجداني حسي قطعي غير قابل للجعل في طريقيتهالمحضة إلّا إذا أخذ جزء الموضوع على نحو الصفتية، أو الطريقية لكن ظهورالعناوين الاستطراقية كالعلم ونحوه هو في الطريقية المحضة وأخذها جزءالموضوع يحتاج إلى مؤونه لفظية زائدة.
فعلى ذلك تكون المستفيضة «صم للرؤية وافطر للرؤية» في مقام نفي الحجيةعن الطرق الأخرى والارشاد إلى حدّ الموضوع من كونه متكوّنا بحيث يرى بالعينالمجردة، فالطريق على الهلال هو اليقين الحسي.
وأن ثبوت الهلال إذا استند إلى ملازمة أو مقدمة حدسيّة أو حسابيّة ولوبالاستعانة برؤية حسية لاحقة، لا يكون ثبوتا للهلال باليقين الحسي، بل لليقينالحدسي ولا يكون الصيام للرؤية، فهو وان استند في بعض مقدمات للحس كأنيستعان برؤية لاحقة إلّا أنه بضميمة مقدمة حدسية لتثبيت الهلال في ليلة سابقة.
نعم دلّ الدليل على حجية قيام طرق على هذا الطريق وهو البيّنة ونحوها.
وعن السيد المرتضى في الناصريات والعلامة في المختلف والسبزواري فيالذخيرة والفيض الكاشاني في المفاتيح والنراقي في المستند، والسيد الخوئي«قده» خلافا للمشهور الذهاب إلى اعتبار ؤية الهلال قبل الزوال، وان ذكر أنالفرض في نفسه نادر التحقق حيث لم نر ولم نسمع لحد الان برؤيته قبل الزوال ولابعده اللهم إلّا قريباً من الغروب بنصف ساعة أو ساعة فانه كثير شائع.
ذهبوا إلى ذلك لوجود روايات صحيحة في المقام مفصلة بين رؤيته قبلالزوال وبعد الزوال.
كموثقة اسحاق بن عمار - المطلقة - قال: سألت أبا عبد اللَّه عليه السلام عن هلالرمضان يغم علينا في تسع وعشرين من شعبان؟ فقال: «لا تصمه إلّا أن تراه، فانشهد أهل بلد آخر أنهم رأوه فاقضه، وإذا رأيته من وسط النهار فأتم صومه إلىالليل»(1).
وصحيحة محمد بن قيس - المطلقة أيضاً - عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال أميرالمؤمنين عليه السلام: «إذا رأيتم الهلال فافطروا، أو شهد عليه عدل من المسلمين، وان لمتروا الهلال إلا وسط النهار أو آخره فأتموا الصيام إلى الليل»(2).
وصحيحة حماد بن عثمان - المقيدة المفصلة - عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: «إذارأوا الهلال قبل الزوال فهو لليلة الماضية، وإذا رأوه بعد الزوال فهو لليلةالمستقبلة»(3).
وصحيحة عبد اللَّه بن بكير وعبيد بن زرارة - المقيدة المفصلة - قالا: قال أبوعبد اللَّه عليه السلام: «ارا رؤي الهلال قبل الزوال فذلك اليوم من شوال، وإذا رؤي بعدالزوال فذلك اليوم من شهر رمضان»(4).
والروايات المعارضة لها مطلقة.
كرواية جراج المدايني قال: قال ابو عبد اللَّه عليه السلام: «من رأى هلال شوال بنهار في
شهر رمضان فليتم صيامه»(1).
وهي قابلة للتقييد بتلك الروايات.
وأما رواية محمد بن عيسى قال: كتبت إليه عليه السلام: جعلت فداك، ربّما غم عليناهلال شهر رمضان فنرى من الغد الهلال قبل الزوال، وربّما رأيناه بعد الزوال، فترىأن نفطر قبل الزوال إذا رايناه أم لا؟ وكيف تأمر في ذلك؟ فكتب عليه السلام: «تتم إلىالليل، فانه ان كان تاما رؤى قبل الزوال»(2).
فمخدوشة دلالة وسنداً.
أما الدلالة: فلاضطراب المتن إذ قد رواها الشيخ في التهذيب والاستبصار،وبين النسختين اختلاف فاحش، وان اتحد السند وكذا المتن من غير هذه الجهة.
ففي نسخة التهذيب هي بالصورة المتقدمة - غم علينا هلال شهر رمضان - وفينسخة الاستبصار - غم علينا الهلال في شهر رمضان - ومقتضى النسخة الاولى أنفرض يوم الشكّ من آخر شعبان، بمعنى أنه كان صائماً قضاءاً أو ندبا فيتم صيامهالمزبور إلى الليل بانيا على أنه من رمضان، فانه إذا كان الشهر - شهر رمضان - تامافيمكن أن يرى هلاله قبل الزوال، ويضم إلى ذلك اليوم تسعة وعشرين يوما فيكونتاما، فيطابق مفاده ما تقدم من الروايات المقيدة، فلا تكون معارضة.
ومقتضى النسخة الثانية فرض يوم الشكّ من آخر رمضان والسؤال هو عنجواز الافطار لرؤية الهلال قبل الزوال، والجواب هو وجوب اتمام الصيام إلى الليلوعدم الاعتداد بتلك الرؤية، لان الشهر الذي هو فيه إذا كان تاما فيرى هلال الشهراللآحق قبل الزوال، فلا يكون يوم الشكّ أول شوال بل يبنى على أنه آخر رمضان،فتكون معارضة.
وأما السند: فضعيفة بمحمد ابن جعفر بن بطة.
وفي ما أفيد مواقع للنظر:أما المطلقات «صم للرؤية وافطر للرؤية» فهي آبية عن التخصيص بقرينة ماورد فيها من أدوات الحصر وما تقدم بيانه من كيفية استفادته، وتفريع نفي الطرقالأخرى على ذلك، معتضدا بفهم وعمل المشهور، بل وفي بعضها الاشارة إلى نفيمجمل الحسابات الظنية والحدسية تفريعا على الحصر المزبور.
ان قلت: ان رؤية ما قبل الزوال هي من الرؤية الحسية من الحدس فلا ينافيهاالحصر المزبور.
قلت: الظاهر من الروايات حتّى المفصلة بين ما قبل وبعد الزوال، هو الرؤيةالليلية كصحيحة محمد بن قيس في قوله عليه السلام «إذا رأيتم الهلال فافطروا.... وإن لمتروا الهلال من وسط النهار أو آخره فاتموا الصيام إلى الليل»، وغيرها منالروايات، للمقابلة بين الرؤية الليلية والنهارية، حيث أن الاولى هي الرؤية بنحومطلق.
هذا لو فسرنا رؤية قبل الزوال بالرؤية النهارية، وأما لو فسرناها بالرؤيةالليلية في بلد غير بلد المكلف المزامن لوقت ما قبل الزوال في بلد المكلف فسوفيكون عد يوم الشكّ أول الشهر مبنى على حدس الرؤية في الليلة السابقة وهذا مااستفاضت الروايات في النهي عنه وان الهلال ليس بالتظني والتخمين وانما مبدأهيثبت باليقين الحسي النابع من الرؤية بلا ضميمة ولا توسط مقدمة أو واسطةحسابية أو حدسية.
هذا مع أنه كيف يفرض في زمن صدور الروايات فرض هذا السؤال علىالتقدير الثاني حيث لم تكن هناك وسائل اتصال سريعة، والتقدير الأول قد تقدمندرته بل عدم وقوعه، مع أن في الروايات المتقدمة فرض وقوعه بكثرة، فمنمجموع ذلك يعلم الاجمال في مفاد تلك الروايات.
اللّهم إلّا أن تفرض رؤية كرة القمر عند بداية الطلوع قبل استيلاء أشعةالشمس، كما هو الحال في رؤية كرة القمر صباحاً في أواخر الشهر قبل دخولهتحت الشعاع
غاية الأمر على الجهة المقابلة لموضعه في آخر الشهر.
وأما رواية محمد بن عيسى فيمكن تصحيح سندها بتبديل السند إلى محمد ابنعيسى، حيث أن طريق الشيخ - قده - في الفهرست إليه صحيح، وقد ذكر أن الطريقإلى كتبه ورواياته هو الطريق المزبور، وقد فصلنا الحال في صحة تبديل - ازدواج- الاسناد في بحث الرجال وما علقناه من الطهارة في شرح العروة.
وان شئت فخذ مثالا على دأب الشيخ واصحاب المجاميع على ذلك ما ذكرهفي التهذيب ج4 ص169 عند كلامه عن روايات العدد وعدم نقص شهر رمضان،حيث قال في رد الرواية الصحيحة التي استخرجها من كتاب ابن أبي عمير عنحذيفة بن منصور: «ان كتاب حذيفة بن منصور رحمه اللَّه عريٌّ منه والكتابمعروف مشهور، ولو كان هذا الحديث صحيحا لضمنه كتابه».
فترى مع أن الراوي عن حذيفة هو ابن أبي عمير إلّا ان الشيخ لم يكتف بذلكوأخذ بمراجعتها في كتاب حذيفة ونبّه بعدم وجودها، هذا مع أن الشيخ في طريقهفي الفهرست إلى كتاب حذيفة بن منصور قال له كتاب رويناه... وذكر طرقه إليهولم يقل أن تلك الطرق هي لجميع كتبه ورواياته كما هو الحال في طريقه إلى محمدبن عيسى اليقطيني اليونسي حيث عبرّ أن الطرق إلى كتبه ورواياته، بل وفيآخرين غيره عبر بجميع كتبهم ورواياتهم، هذا من حيث السند.
وأما من حيث الدلالة: فلا يخفى رجحان وتعين نسخة الاستبصار إذ تكونمفاد الجمل متناسبة متسقة متلائمة، وقد قدم في (الملاحظة) في الدليل العقلي قوةالمضمون وعلّوه فراجع، بخلافه على النسخة الاولى فان فيها من التكلف والتمحلالممج ما لا يخفى، مضافا إلى أنه لا محصل للسؤال حينئذ عن الافطار، وقد اذعن -قده - بذلك إلى حد ما.
فتكون هذه الرواية معارضة في نفس الباب لتلك الروايات المفصلة، بل انموثقة اسحاق بن عمار أيضاً معارضة للروايات المفصلة حيث سأل فيها «عن هلال
رمضان يغم علينا في تسع وعشرين من شعبان؟ فقال عليه السلام: لا تصمه إلّا أن تراه فانشهد أهل بلد آخر أنهم رأوه فاقضه، وإذا رأيته من وسط النهار فأتم الصوم إلىالليل»(1).
حيث أن الظاهر من ذيلها الاعتداد بالرؤية في وسط النهار وانها كاشفة عنكون الليلة السابقة من الشهر الجديد إذ الظاهر ان الذيل أحد شقوق فرض السؤالوهو الشكّ في هلال شهر رمضان وانه لا يصومه إلّا أن يراه أو يشهد أهل بلد آخرفيقضه أو يراه من وسط النهار فيتم الصيام إلى الليل.
مضافا إلى أن التعبير «فأتم الصيام إلى الليل» جناس للتعبير في الآية بوجوبصيام شهر رمضان إلى الليل فحمل الذيل على هلال شوال كما ذكره في المستندتكلّف وخلاف للظاهر جدا.
فحقيقة التعارض موجودة، وفي اثارة غبار هذا التعارض تلويح واشارة إلىنفس النكات التي مرت وهي حصر الطرق في الرؤية وكون اعتبار الطرق الأخرىمن مسلك العامة فقد رووا في المقام وروايات باعتبار رؤية ما قبل الزوال فيالكشف عن الهلال في الليلة السابقة منها.
ما أخرجه عبد الرزاق في المصنف عن الثوري عن مغيرة عن شباك عنابراهيم قال: كتب عمر إلى عنبسة بن فرقد: إذا رأيتم الهلال نهارا قبل أن تزولالشمس تمام الثلاثين فافطروا، وإذا رأيتموه بعد أن تزول الشمس فلا تفطروا حتّىتمسوا(2).
فروايات الباب متعارضة لا أن النسبة بينهما مطلقة ومقيد كما أفيد في المقام.
مضافا إلى بعد حصول الرؤية للهلال قبل الزوال، لان هالة الشمس تحجبرؤية الهلال.
1) الوسائل: ابواب احكام شهر رمضان باب حديث.
2) المصنف ج4 ص163 رقم 7332 ورواه البيهقي في السنن ج4 ص213، ومثله أيضاًفي المصنف عن يحيى ابن الجزار عن علي عليه السلام بنفس المفاد والمعنى، كما رووا فيالمقام حديثا معارضا لذلك ففي السنن الكبرى للبيهقي ج4 ص213 بسنده عن أبيوائل قال: أتانا كتاب عمر بخانقين: أن الاهلة بعضها أعظم من بعض فاذا رأيتم الهلالمن أول النهار فلا تفطروا حتّى يشهد شاهدان انهما رأياه بالامس.
هل يثبت الهلال بالرؤية وبالعين المسلحة كالتلكسوب، أم لابد من العينالمجردة في تعيين مبدأ الشهر؟
أو التفصيل فتارة لا يمكن أن يرى الهلال بالعين المجردة، وأخرى يمكن ذلكإلّا أن الموانع تقع حاجبا في تحققها أو لعدم الاستهلال، ورؤي بالعين المسلحة.
وهو ما إذا لم يمكن مشاهدته بالعين المجردة، وشُوهد بالعين المسلحة، ففيهذه الحالة الاتفاق حاصل على عدم الاعتداد بهذه الرؤية.
والسر في ذلك يعزى إلى أن ابتعاد القمر عن تحت الشعاع ليس هو موضوعالحكم بشكل مطلق، بل ابتعاده عن الشمس بحيث يتكوّن وتشتدّ أشعة انعكاسهبنحو يرى على سطح الأرض بالعين المجردة، كأن يبتعد عن الشمس بمقدار عشردرجات فضائية، أما لو أبتعد عنها بأقل من هذا المقدار فانه لا يتمكن من رؤيتهبالعين المجردة وإنما يمكن رؤيته بالعين المسلحة.
فالترديد في المقام فيه تباين موضوعي لا أن الموضوع واحد والاختلافمنشأه الطريق لهذا الموضوع كما قد يتوهم، إذ أن الموضوع ليس هو جرم القمر،وإلّا فانه يمكن أن يرصد ويرى القمر بالعين المسلحة طوال دورانه حول الأرضسواء كان في حالة المحاق أم في غيرها.
وانما الموضوع هو منازل القمر وهو قوله تعالى «قل هي مواقيت للناس»ومنزلة القمر تختلف من حالة إلى أخرى، فاذا ابتعد القمر عن الشمس بمقدار
درجتين فان هذه منزلة وفي هذه الحالة لا يمكن أن يرى بالعين المجردة، وإذاابتعد عن الشمس بمقدار عشر درجات فانها منزلة أخرى وميقات آخر أيضاً، وفيهذه الحالة يمكن أن يرى بالعين المجردة، فمن حيث الزمن يوجد في المنازلاختلاف وكذلك من حيث المسافة الفضائية، فأي منزلة هي ميقات وموضوعالحكم.
ففي المقام موضوعان لا موضوع واحد والطرق إليه مختلفة حتّى يقال بامكانثبوت الهلال بالعين المسلحة.
وهذا محصل ما قد يقال بأن الرؤية ليست طريقاً محضاً بل لها موضوعية، ايأن المرئي كونه بحيث يرى - وأخذ هذا قيداً - موضوع الحكم، لا أن الرؤية أخذتجزء الموضوع على نحو الصفتية أو الطريقية، بل هي طريق محض عبر به لبيانحصر الاعتماد على الطريق اليقيني الحسي ولبيان أن ما هو موضوع الحكم هوتكوّن الهلال بحيث يرى بالعين المجردة - أي المنزلة التي يسمى فيها هلالاويستهلّ به الناظرين - لا التكوّن الضعيف غير المرئي بالباصرة أي المنزلة القمريةالسابقة.
فالنكتة الثانية للتعبير بالرؤية عن الموضوع هو الكناية والارشاد إلى حددرجة ومنزلة القمر التي هي موضوع الحكم.
فالاشكال بالتهافت على ما في التنقيح والمستند من أن الرؤية والتبين - كماسيأتي فيبحث الليالي المقمرة - أخذا في كلامه من جهة أنهما طريق محض وألتزممن جهة أخرى أن لهما موضوعية، حيث لا تقوم بقية الطرق مقامهما(1).
غفلة عن هذه النكتة وهي ان الموضوع بحيث يرى هو جزء الموضوع، امانفس الرؤية فهي طريق محض.
1) وكذا ما عن بعض المعاصرين في رسالته الهلالية من اعتراضه على التنقيح والمستندمن انه تارة يأخذ الرؤية موضوعية واخرى لا يؤخذ.
وقد أفتى به السيد الخوئي - على ما يحكى وان تخيل البعض أنه الفرضالأول.
وهو أن الرؤية المجردة ممكنة إلّا انه لمانع من غيم وأبخرة، أو لعدم الاستهلاللم يرصد ولم يرى الهلال، ففي هذه الحال إذا قطع بانه يرى بالعين المجردة لولاالمانع، بعد أن رؤى بالعين المسلحة فإنه يحكم بثبوت الهلال، حيث أن الموضوع -وهو المنزلة الخاصة للقمر وهي الهلال - قد تحققت.
هل ان شهر رمضان يصيبه ما يصيب الشهور من النقصان أم أنه لم ينقص منذأن خلق اللَّه السموات والأرض.
وهذه المسألة وقعت محل تنازع عظيم بين قدماء الاصحاب.
قال الحر العاملي: ذكر ابن طاوس في كتاب الاقبال: أن علماء الشيعة مجمعةفي زمانه على أن شهر رمضان قد يكون ثلاثين يوما وقد يكون تسعة وعشرينوأنهم كانوا مختلفين من قبل، وأن الصدوق ذهب إلى أنه لا ينقص أبداعن ثلاثينيوما وكذلك المفيد، ونقل اجماع أهل زمانه لعى ذلك ونقله عن الصدوق، وعنأخيه الحسين بن علي بن الحسين، وعن أبي محمد هارون بن موسى، وعن السيدأبي محمد الحسني وغيرهم.
قال: ونقله ابن طاوس، عن ابن قولويه، وذكر أن محمد بن أحمد بن داودصنف كتابا في الرد على جعفر بن محمد بن قولويه ثم انه رجع عن ذلك وصنفكتابا في انه يجوز أن يكون تسعة وعشرين يوما، وأنه كغيره من الشهور في ذلك،وكذلك الكراجكي كان يقول: اولا يقول ابن قولويه وألف فيه كتاب ثم رجع عنذلك، وألف كتابا في الرد عليه(1).
كما أن العامة قد رووا في ذلك بعض النصوص كحديث أبي بكرة قال قالرسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم: شهران لا ينقصان، شهرا عيد: رمضان وذوالحجة(2).
والروايات التي استدل بها على أن شهر رمضان لا ينقص عن 30 يوما هي:
صحيحة حذيفة بن منصور عن معاذ بن كثير قال: قلت لأبي عبد اللَّه عليه السلام: انالناس يقولون: ان رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم صام تسعة وعشرين أكثرمما صام ثلاثين؟ فقال: «كذبوا، ما صام رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم منذبعثه اللَّه تعالى أن قبضه أقل من ثلاثين يوما، ولا نقص شهر رمضان منذ خلق اللَّهتعالى السماوات والأرض من ثلاثين يوما وليلة»(1).
وهذه الرواية مستفيضة عن حذيفة، وفي بعض أسانيدها الحديث مروي عنهعن معاذ عن الامام عليه السلام وفي بعضها عنه عن الامام مباشرة.
وهذا الخبر كما صرح الشيخ في التهذيب شاذ ولا يوجد في شيء من الاصولولا في كتاب حذيفة، وأنه مضطرب الاسناد مختلف الالفاط، وأنه خبر واحد لايوجب علما ولا عملا، ولا يعارض ظاهر القرآن والاخبار المتواترة(2).
وموثقة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللَّه عليه السلام في قوله تعالى (ولتكملوا العدة)قال صوم ثلاثين يوما(3).
ولا نصوصية لها على القول المزبور، إذ عند الشكّ تكمل العدة، ولذا حملهاالشيخ الطوسي على ما إذا غم هلال شوال.
ومرسلة محمد بن اسماعيل عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: ان اللَّهتبارك وتعالى خلق الدنيا في ستة أيام، ثم اختزلها عن أيام السنة، والسنة ثلاثمائةوأربعة وخمسون يوما، شعبان لا يتم أبداً، ورمضان لا ينقص واللَّه أبدا، ولا تكونفريضة ناقصة... الحديث(4).
ورواية ياسر الخادم قال: قلت للرضا عليه السلام: هل يكون شهر رمضان تسعةوعشرين يوما؟ فقال: ان شهر رمضان لا ينقص عن ثلاثين يوما أبدا(1).
ورواية محمد بن يعقوب بن شعيب عن أبيه عن أبي عبد اللَّه عليه السلام أنه قال - فيحديث يويل - شهر رمضان ثلاثون يوما لقول اللَّه عز وجل «وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ»الكاملة التامة قال: ثلاثون يوما(2).
وفي مقابل هذه الاحاديث روايات عديدة ومستفيضة تدل بصراحة علىالنقصان، وان شهر رمضان كغيره من الشهور يعترية النقص ويكون 29 يوما، منهذه الاحاديث:
موثقة محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام قال: «شهر رمضان يصيبه مايصيب الشهور من النقصان»(3).
وصحيحة حماد بن عثمان عن أبي عبد اللَّه عليه السلام أنه قال في شهر رمضان: «هوشهر من الشهور يصيبه ما يصيب الشهور من النقصان»(4).
موثقة اسحاق بن جرير عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: «ان رسول اللَّه صلى اللَّه عليهوآله وسلم ان الشهر هكذا وهكذا وهكذا، يلصق كفيه ويبسطهم»، ثم قال: وهكذاوهكذا وهكذا، ثم يقبض اصبعا واحدة في آخر بسطة بيديه وهي الابهام فقلت:شهر رمضان تام أبدا، أم شهر من الشهور؟ فقال: هو شهر من الشهور، ثم قال: انعليا عليه السلام صام عندكم تسعة وعشرين يوما، فأتوه فقالوا: يا أمير المؤمنين، قد رأيناالهلال، فقال: أفطروا(5).
وفي معرض الجواب عن الروايات الاولى، ذكر المشهور نكتة هيوية وهي:
أن الهيويين أصحاب الزيجات جعلوا لضبط السنة القمرية شهور السنة القمريةشهر ناقصا وآخر تاما ثلاثين يوما، الفرد من الشهور تام والزوج منها ناقص، وشهررمضان باعتباره فرداً فهو تام دائما وأبدا على هذا الحسّاب.
وفي روايات المقام إشارة إلى هذه النكتة لا أن هذا هو الشهر الواقعي بل هوالشهر الجداولي الحسابي عند الهيويين وروايات المقام تشير إليه.
كما في موثقة اسحاق بن جرير المتقدمة قوله صلى اللَّه عليه وآله وسلم: انالشهر هكذا وهكذا وهكذا، يلصق كفيه ويبسطهم، ثم قال: وهكذا وهكذا وهكذا،ثم يقبض إصبعا واحدة في آخر بسطة بيديه وهي الابهام.
فالرواية واضحة في الاشارة إلى حساب الجداول.
وكذا في صحيحة يونس بن يعقوب فيها »الشهور شهر كذا، وقال بأصابع يديهجميعا فبسط أصابعه كذا وكذا وكذا، وكذا وكذا وكذا، فقبض الابهام وضمها(1)،وأيضاً ما في رواية جابر عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال:سمعته يقول: «ما أدري ما صمتثلاثين أكثر، أو ما صمت تسعة وعشرين يوما، إن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه والهوسلم قال: شهر كذا وشهر كذا يعقد بيده تسعة وعشرين يوما(2)،» وغيرها منالروايات.
قد قدمناه في «الملاحظة الهامة» في الدليل العقلي في النقض السادس، من أنالشهر يتم في أول نقطة يتكوّن فيها الهلال في أيّ شهر، ويكون ناقصا في النقاطالشرقية من النقطة الاولى، فكل شهر هلالي يتم في بعض النقاط وينقص هو بعينهفي النقاط الأخرى فكذا الحال في شهررمضان يكون 30 يوما في بعض النقاطوناقصا بشخصه في نقاط أخرى وعلى ذلك يمكن حمل روايات العدد.
وملخص ما تقدم في وجه ذلك أن الشهر الهلالي دورته 29 يوما و12 ساعةو44 دقيقة، لا تقل عن هذا المقدار كما هو من مسلمات علم الهيئة.
وأول بلد يرى فيه الهلال عند الغروب على بعد عشر درجات من مغربالشمس تقريباً لا بد من أن يمر على نفس الموضع تسعة وعشرين مرة ثم لا يتمالدور الثلاثين بل نصفه تقريباً، وبعد ذلك يتكوّن هلال الشهر اللآحق، لكن الموضعالأول لهلال الشهر السابق لا يرى هلال اللآحق إلّا بعد تتميمه للدور الثلاثين وانكان قد تكوّن هلال اللآحق في نصف الدور المزبور في موضع ثان، فسيكون شهررمضان وأيّ شهر هلالي على نحو الدوام في أول بلد الرؤية في الأرض ثلاثينيوما ودوما توجد بقعة يتم فيها الشهر.
فلو فرضت الصين أول بلد يرى فيه الهلال ففي ليلة الثلاثين لا يتمكن منرؤية الشهر اللآحق فيها لانه لم يستكمل دورته، نعم في نهار الثلاثين يكون قدطوى المسافة المزبورة وتكوّن في نقطة أخرى.
هذا على القول باختلاف الآفاق في الحكم تكون بعض المناطق ثلاثين يوماوبعضها تسعة عشرين يوما، وأما على القول بعدم الإشتراط فأيضا يكون الشهرثلاثين يوما دائما في بقعة ما وناقصا في أخرى قد بيناه في الملاحظة المزبورةفراجع.
فعلى مسلك المشهور يمكن تفسير الروايات بشكل واضح، لكن على مسلكغيرهم توجيهها امر مشكل.
فالروايات القائلة بأن شهر رمضان لا ينقص عن ثلاثين يوما لا غبار عليها، إذشهر رمضان دائما وأبدا في بعض البقاع يكون ثلاثين يوماً، وفي بعضها الآخريكون تسعة وعشرين يوما، ويؤيد هذا الحمل التعليل في بعضها بمقدار الدورالحسابي للسنة القمرية، كمعتبرة يعقوب بن شعيب عن أبيه «فالسنة ثلاثمائةوأربعون وخمسون يوما».
لكن تقدم أن عدم ثبات تمامية الشهر في نقطة واحدة لعدم كون مبدأ الرؤيةثابتا في بقعة واحدة.
وأما الروايات مثل قوله عليه الصلاة والسلام «ما صام رسول اللَّه صلى اللَّهعليه وآله وسلم تسعة وعشرين يوما» فليس لسانها أن شهر رمضان ثلاثون يوما،بل مؤداها ما صام رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم ناقصا إذ أنه صلى اللَّه عليهوآله وسلم يصم اليوم المستحب، يوم الشكّ أو الآخر من شهر شعبان.
وأما قوله عليه السلام «ما نقص شهر رمضان» فهذا لسان آخر يحمل على تماميةالشهر في نقطة أول تكوّنه.
ثم انه لو فرض خلو الروايات السابقة القائلة بأن شهر رمضان لا ينقص عنثلاثين يوما عن المعارض فلا يمكن العمل بها على نحو الاطلاق في كل البقاع إذالوجدان قاض بخلافها.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد للّه ربّ العالمين، وصلّى الله على سيدنا ونبينا محمد وآله الطاهرين. على ضوء ما جرى تداوله مع فتوى السيد السيستاني «دام ظله» من تفرقته بين الآفاق ليس بحسب اختلاف خط الطول أو الخط الفاصل بين الليل والنهار بل اختلاف خط العرض وإن لم يوجب اختلافاً في وقت الطلوع والغ-روب للشمس. تبين لدينا أنه لا يشترط وحدة الأفق في ثبوت الهلال وابتداء الشهر القمري وأنه يكفي رؤية واحدة لتحقق دخول الشهر لكل الأرض، لما بنينا عليه من ذكر ملاحظات أهمها :
أولاً: أنّ التمسك بإطلاق أو عموم الرؤية أو نوع الإطلاق والعموم فضلاً عن توابع الرؤية من البيئة وشرائطها وكيفياتها لاستكشاف حد الشهر الهلالي وحقيقة ماهيته، غير نافع للتوصل بنحو يقيني إلى حدود الماهية للشهر، بل هو من الاستكشاف الإنّي الظنّي وهو لا ينضبط، إذ لو عثر على قرينة أو قرائن ثبوتية على حد الماهية فإنها ستكون حاكمة على نمط العموم والإطلاق في الرؤية والبيتة لا العكس، فالمتعيّن تحرّي وتنقيح البحث حول الحد الثبوتي أولاً من حقيقة ماهية الشهر في الاعتبار العرفي المرسوم على الحدّ الكوني. وعلى ذلك فما بنينا عليه سابقاً من استكشاف كونه حد الشهر الهلالي يبدأ من بلد الرؤية دون ما قبلها مما
يشترك معها في الليل الحسابي التقويمي مبنياً على ما ورد ف-ي ط-وائ-ف م-ن الروايات في الرؤية والبيئة وحالات الهلال غير سديد، وكان الذي دفعنا إلى الاعتماد سابقاً عليه هو استدلال السيد الخوئي (قدس سره) على قوله ثم الردّ على ذلك الاستدلال بما يتلائم مع القول المنسوب إلى المشهور، فكل من الاستدلالين لا يخلوان عن الملاحظة المشار اليها.
ثانياً: التطابق والانطباق بين الشهر الهلالي واليوم والليل الشمسي فإنّ هذا أمر لابد منه في التقويم والحساب الفلكي والعرفي وهو غاية ما ينقسم إلى يوم سابق ويوم لاحق على مدار الأرض، وهو لا ينقسم إلى تقسيمات باعتبارات أخرى كالتقسيم بلحاظ الشمال والجنوب أو ما قبل أوّل بلد رؤي فيه الهلال وما بعده، والحاصل أن تحقق مسمّى الرؤية أو تحقق تكوّن الهلال وانعكاس نوره إلى بقعة من بقاع الأرض يوجب بدأ الشهر الهلالي لكلّ الأرض، وغاية ما استثني من ذلك التحقق بحسب الروايات هي البقاع المزامن الوقت لديها بعد الزوال. ويمكن أن يقرب بعبارة أخرى أنّ أوّل بلد تحققت فيه الرؤية غروب ليلة الثلاثاء مثلاً هي ليلة شخصية تشترك بقية البلدان التي تقع شرقي بلد الرؤية مع بلد الرؤية في شخص تلك الظلمة الليلية ولا تتبعض تلك الليلة تقويماً في الحساب.
ثالثاً: أنّ لازم الالتزام بتعدّد الرؤية بحسب البقاع هو ما ذكرنا في الرسالة الثانية للسيد «دام ظلّه» من عدم دخول الشهر الهلالي في البلاد الغربية رغم تأخر الأفق لعدم إمكان الرؤية بحسب عدم ارتفاع الهلال فوق الأفق عندهم في العرض الكبير الشمالي، وقد يتأخر ذلك إلى يومين لاحقين كما أثبتت ذلك الإرصادات الفلكية، وبالتالي قد يرتسم خط حلزوني لبداية الشهر الهلالي لو اشترط تحقق الرؤية بنحو استغراقي لكلّ بلد في حقيقة ماهية الشهر الهلالي. كما أنه قد يحدث تقدّم دخول الشهر في يوم واحد في البلدان الشرقية كالشرق الأوسط وبلدان أقصى الغرب
كأمريكا ذات العرض الشمالي المتوسط دون بلدان أدنى الغرب كشمال أوروبا الغربية ذات العرض 50 درجة فما فوق، فيكون الأفق المتقدم الشرقي والقاضي الغربي داخلاً في الشهر دون الأفق المتوسط بينهما طولاً كأوربا وغيرها من اللوازم التي ذكرنا في الرسالة الثانية؛ فإنّها لا ترد على ما التزم به السيد السيستاني «دام ظلّه»، فحسب بل على القول المنسوب للمشهور أيضاً، حيث يشتركان في الالتزام بضرورة استغراق الرؤية وعدم الاكتفاء بمسمّى الرؤية الواحدة، فيلزم تعدّد بقاع ابتداء الشهر بحسب الاختلاف في إمكان الرؤية.
رابعاً ما في الآفاق القطبية ؛ فإنّ رؤية الهلال تمتنع لموانع طبيعية لا تنفك بحسب فصل الشتاء وفصل الصيف من الظلمة المستديمة أو النهار المطبق مدة طويلة بحسب خطوط العرض وبحسب الشهور الفصلية. مع أنه لا يمكن أن يصار إلى القول بعدم دخول الشهر الهلالي لهم، بل الحساب لهم بحسب المناطق المستوية التوسط في التقويم كما هو الحال في تقويم أوقات اليوم والليل الشمسيين.
خامساً: التأييد بما ورد من ثبوت الهلال والشهر برؤيته نهاراً قبل الزوال لليلة السابقة بخلاف ما إذا رؤي بعد الزوال فإنّه لليلة اللاحقة المستقبلة كما في صحيح حماد بن عثمان عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال : «إذا رأوا الهلال قبل الزوال فهو لليلة الماضية، وإذا رأوه بعد الزوال فهو لليلة المستقبلة(1)، ومثلها مولّق عبد الله بن بكير(2)ورواية محمد بن قيس (3)وهي تقيّد المطلقات النافية لاعتبار الهلال إذا رؤي في النهار، ومقتضاها اشتراك الرؤية النهارية قبل الزوال في دخول الشهر مع بلد الرؤية المغربية مع كون الأفق مختلف بمقدار ليل كامل ونصف نهار، والوجه في استثناء ما بعد الزوال هو اختلاف هذا المقدار مع التقويم الشمسي، فإنّ الهلال حيث هو مبدأ
دخول الشهر القمري اختلف مع الشهر الشمسي في البدأ الليلي بخلافه وإن اعتيد في المتعارف الدولي حالياً بدأ اليوم الشمسي من منتصف الليل. فهذه الرواي--ات تجعل الخط الفاصل بين الشهر القديم السابق والشهر الجديد اللاحق بالزوال الشمسي.
وأما معارضة رواية المدائني (1)ومحمد بن عيسى (2)فمضافاً إلى عدم التكافيء سنداً ، وعدداً، أنّ الرواية الأولى مطلقة قابلة للتقييد الذي في الروايات المفصلة، والثانية مكاتبة محتملة للتقيّة؛ لئلا يقع السائل في مخالفة حكم العامة أو لاحتمال اشتباه رؤيته قبل الدخول تحت الشعاع مع رؤيته بعد الخروج.
سادساً: التأييد بمبدأ الشهر القمري الآخر وهو الحركة عن المحاق وهي الولادة الجديدة للدورة الجديدة لحركة دوران القمر حول الأرض؛ فإنّه منذ القديم قد اتخذ عند البشر في بعض البلدان المحاق نقطة نهاية للشهر السابق وهي مبدأ للشهر اللاحق، بينما اتخذ عند آخرين الهلال نهاية ونقطة فاصل بداية بين الشهرين كما هو مفاد قوله تعالى : (يَسْتَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوقِيتُ لِلنَّاسِ). فإنّ هذا المبدأ وهو المحاق في الحساب الآخر للشهر القمري حركة آنية دفعية لكل مناطق
الأرض. سابعاً: التأييد بصحيحة محمد بن عيسى قال : كتب إليه أبو عمر : أخبرني يا ،مولاي، إنّه ربّما أشكل علينا هلال شهر رمضان فلا نراه ونرى السماء ليست فيها علة ويفطر الناس ونفطر معهم، ويقول قوم من الحساب قبلنا : إنّه يرى في تلك الليلة بعينها بمصر، وأفريقية، والأندلس، هل يجوز - يا مولاي - ما قال الحساب في هذا الباب حتى يختلف الفرض على أهل الأمصار فيكون صومهم خلاف صومنا، وفطرهم خلاف فطرنا ؟ فوقع : «لا تصومن الشك، أفطر لرؤيته وصم
لرؤيته (1). فإنّ ما ذكرناه سابقاً في مفاد الرواية وإن كان متجهاً إلى حد ما مع سؤال السائل إلا أنّ تسميتها(علیه السلام) لليوم بيوم الشكّ شاهد على كفاية الرؤية في بلد ما لبقية البلدان وإن اختلفت الآفاق، وذلك لفرض السائل عدم الرؤية مع صحو الجوّ ورتب عليه سؤاله الآخر وهو اختلاف الحكم في دخول الشهر بين البلدان لعدم تحقق الرؤية في بلد و تحققها في آخر، ففرضه (علیه السلام) يوم شك دال على تلازم الحكم بمجرد حصول رؤية في مصر وإن لم تحصل في العراق؛ فإن قول المنجمين حيث إنه حدسي غير معتبر فغايته أنه يتولّد منه الشك. ومن ثم استفاد المشهور من الرواية عدم الاعتداد بقول المنجمين، إذ لو لم يكن لرؤية الهلال في مصر أثر مع عدم رؤيته في العراق، لما كان لنفي اعتبار قول المنجمين معنى؛ فإن نفي الاعتبار هو بلحاظ مورد ومفاد ذلك القول من وقوع رؤيته في مصر، والأثر إنما يتم بلحاظ دخول الشهر لكل البلدان برؤيته في بلدما، وإلا لكان قولهم حول الرؤية في مصر أجنبية عن الحكم في العراق.
ويؤيد مفاد هذا الصحيح موثقة أبي حمزة الثمالي - على الأظهر - قال : كنت . عند أبي عبدالله (علیه السلام) فقال له أبو بصير : جعلت فداك، الليلة التي يرجى فيها ما يرجى ؟ فقال : «في ليلة إحدى وعشرين أو ثلاث وعشرين، قال: فإن لم أقو على كلتيهما؟ فقال: ما أيسر ليلتين فيما تطلب، قال: قلت: فربما رأينا الهلال عندنا وجاءنا من يخبرنا بخلاف ذلك من أرض أُخرى؟ فقال: ما أيسر أربع ليال تطلبها فيها (2).
فإنّه وإن أشكلنا عليها سابقاً بأنه تمسك بالإطلاق الأحوالي لبعض أفراد العام أو المطلق، وهو ليس بحجة، لكن الصحيح هو ظهور التعبير «في أرض أخرى» على تغاير البلدين في الأفق لا سيما وأنّ المسافر الذي جاء بالخبر هو بلحاظ ليالي القدر أي يتأتى مضي نصف الشهر، وهو كافٍ في طي مسافة بين بلدان مختلفة
الآفاق.
ويؤيد أيضاً بصحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبد الله (علیه السلام) أنه قال فيمن صام تسعة وعشرين قال : «إن كانت له بينة عادلة على أهل مصر أنهم صاموا ثلاثين على رؤيته قضى يوماً (1).
ومثلها صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله(علیه السلام) (2)ومعتبرة إسحاق بن بن عمار (3)وصحيحة أبي بصير (4)وهذه الروايات وإن حملناها على الاستغراق أو المجموع واتحاد عدد أيام الشهر والشهور في الآفاق المختلفة والتثبت والتشدّد في تثبيت الهلال إلا أنّ هذا المفاد يتلائم مع كفاية الرؤية الواحدة في بلد لثبوت الهلال في بقية البلدان بل لا ينسجم مع القول الذي ينسب الى المشهور، وهذا المفاد مؤشّر ظاهر أنه من ناحية الإثبات وان اختلفت البلدان في الحكم بالهلال ومبدأ الشهور وانتهائها إلا أنه من ناحية الثبوت الشهر متحد عدّةً مبدأ ومنتهى بين الآفاق وما قد يرى في لسان الروايات من التأكيد على رؤية البلد والمكلّف فأنه لعلاج الحيرة في مقام الاثبات لا بيان التعدّد في الثبوت والواقع لا سيما في عصر النص لم تكن وسائل الاتصال موجودة. كما هو اليوم إلا بعد فترة من دخول الشهر، ومن ثم رتب الأثر على وصول الخبر بعد ذلك من ناحية العدد وقضاء ما فات من الصوم.
وأما الروايات التي سبق منا الاستدلال بها على القول المنسوب للمشهور وعمدتها نظير معتبرة أبي أيوب الخراز عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال : قلت له : كم يجزئ في رؤية الهلال؟ فقال: «إن شهر رمضان فريضة من فرائض الله فلا تؤدوا بالتظنّي، وليس رؤية الهلال أن يقوم عدّة فيقول واحد قد رأيته، ويقول الآخرون: لم نره، إذا رآه واحد رآه مائة وإذا رآه مائة رآه ألف، ولا يجزء في رؤية الهلال إذا لم تكن في السماء علة
أقل من شهادة خمسين، وإذا كانت في السماء علة قبلت شهادة رجلين يدخلان ويخرجان من مصر (1)، ومثلها رواية الخزاعي (2)فإنّ اشتراط العلة في سماء أفق البلد لاعتبار الشهادة بالرؤية من خارج البلد لا وجه له إلا بعد البناء على لزوم وحدة الأفق، وإلا فمع اختلاف الأفق فقد يكون أُفق البلد صحواً ولا يرى الهلال ولكنه يرى في أُفق لاحق متأخر. ونظيرهما ما ورد في حصر استحباب صيام يوم الشكّ في الناشئ من علة في سماء البلد كمعتبرة هارون بن خارجة عن الربيع (3)و معتبرته الأخرى (4)وصحيحة معمر بن خلاد (5)، مع أنه على القول بكفاية رؤية ما في أفق آخر، فاللازم توسعة منشأ الشك.
فيدفع الاستدلال بها : أولاً: ما ذكرناه عمدة من أنّ التشبث بأدلة إثبات الهلال لا تقاوم ما يدلّ على حقيقة الشهر الهلالي بعد تأخر الظاهر عن الواقع.
ثانياً: ما تقدّم في صحيحة محمد بن عيسى اليقطيني دال على توسعة الشك للناشئ من قول المنجمين بإمكان الرؤية في مصر وإن لم ير في العراق.
ثالثاً: إن الأظهر في مفاد هذه الروايات هو تعرّضها لشرائط البيئة والشهادة على الرؤية بانتفاء الريبة والقرينة المعارضة لها، وذلك لا يتم في البيئة المدعية للرؤية مع صحو السماء وعدم الرؤية؛ إذ المفروض في هذه البيئة أن لا يكون محلّ الاستهلال للرؤية هو من الأفق المختلف، إذ ذلك يبعد مسافة لا يتمكن الشاهدان من طبها والدخول لبلد في أول يوم الشهر ، فلا محالة يكون فرض محلّ استهلالهما هو من النواحي القريبة المسافة لأفق البلد أي المتحدة في الأفق معه فلا ينتفي الريب إلا مع العلة في سماء أفق البلد ممّا يمكن صحو الأفق نفسه في المناطق
1) وسائل الشيعة، ج 10، ص 289، أبواب أحكام شهر رمضان، الباب 11، ح 10.
2) وسائل الشيعة، ج 10، ص 290، أبواب أحكام شهر رمضان، الباب 11، ح 13.
3) وسائل الشيعة، ج 10، ص 298، أبواب احكام شهر رمضان، الباب 16، ح 2.
4) وسائل الشيعة، ج 10، ص 299، أبواب أحكام شهر رمضان، الباب 16، ح4.
5) تهذيب الأحكام، ج 4، ص 166.
القريبة الأخرى، وحمل ما حصر الشكّ الناشئ من علة في أفق البلد ع--ل-ى ت-وفر رد المنشأ، لا على مجرد ومحض الشك، ومن ثم اعتبر متوفّراً في قول المنجمين في إمكان رؤيته في الأفق المغاير كما في صحيح محمد بن عيسى العبيدي المتقدم. وأما الوجه العقلي الذي بنينا عليه سابقاً من كون دورة القمر حول الأرض هي 29 يوماً و 12 ساعة و 44 دقيقة وذكرنا سابقاً على ضوئه عدة نقوض على القول بكفاية رؤية ما لكلّ الأرض منها : لزوم التمام في كلّ الشهور وكلّ البلدان لعدم نقصان الشهر بعد اتحاد حكم الآفاق ؛ ومنها : لزوم توالي النقص في الشهور المتتالية بكثرة في السنة، ونحوها من النقوض فإنّها متعاكسة متدافعة متجاوبة أي أنّ الكسر الناقص في الدوران بنفسه يكون موجباً لاتحاده مع بلد الرؤية في الليلة فيوجب ثبوت الهلال في آخر الليل للبلد التي تمت فيه أطول الدورة فلا يكون الشهر ثلاثين يوماً، والعكس قد يتحقق بأن يكون هناك موانع طبيعية عن رؤية الهلال في جملة من البلدان فيوجب استتمام دورة الهلال في ذلك البلد.
والحاصل أنّ هناك عدة اعتبارات تؤثر في كيفية الحساب وليست مطردة الوقوع أضف إلى ذلك اعتبار الكسر والجبر وترقص مدار القمر وارتفاع وهبوط مداره بحسب الفصول السنوية وتذبذب مداره بين سقف أعلى وأدنى، كلّ هذه العوامل مضافاً إلى عوامل أخرى ذكرناها في الكتاب توجب عدم انضباط وعدم ثبات الحساب. ويمكن ذكر النقوض بنحو متعاكس على الأقوال بحسب فروض غير ثابتة مستمرة، وقد ذكرنا من قبل في البحث المطبوع أن اختلاف عدد الشهر جارٍ على كلا القولين، لا سيما وأنّ في قول غير المشهور أيضاً هناك تبعض نسبي يسير أيضاً في النصف النهاري وهو ما بعد الزوال عمّا قبله.
ثمّ إنّ جملة من النكات والأمور التي نقحناها في السابق هي على حالها، وهي التي مهدت للالتفات إلى كفاية الرؤية الواحدة لدخول الشهر لكل الأرض وأن
دخول الشهر دخول دفعي لنقاط الأرض وأنه لو بني على استغراقية الرؤية لكل بلد للزم تعدّد مبدأ دخول الشهر في أرجاء الأرض إلى ثلاثة أيام كما هو دائب دائم بلحاظ ما زاد في خطوط العرض شمالاً 50 درجة أو جنوباً كذلك فضلاً عن منطقتي القطبين الجنوبي والشمالي.
والحاصل أن اشتراط الاستغرافية للرؤية لكل بلد يلزم منها لزوم الرؤية للبلاد الغربية أيضاً لبلد الرؤية، مع أنها في البلاد التي تقع 50 درجة عرضاً فما فوق لا يرى في نفس الليلة مع أنه يبتعد أكثر عن تحت الشعاع، بل يتأخر إلى الليلة اللاحقة في جملة من شهور السنة لا سيما الشتوية وما قبلها وبعدها، ورفع اليد عن لزوم تعدد الرؤية بلحاظ البلدان الغربية يتأتى بنفسه في البلدان التي تقع شرقي بلد الرؤية ممّا ينبه على كفاية رؤية ما لدخول الشهر.
الرسالة الأولى الى السيد السيستاني «دام ظله»
بسم الله الرحمن الرحيم
سماحة آية الله العظمى السيد علي الحسيني السيستاني دام ظله الوارف»
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وبعد؛ فقد جاء في كتاب الفقه للمغتربين المسألة 113) : «إذا ثبت الهلال في الشرق فهل يثبت عندنا في الغرب؟»، وكان الجواب من سماحتكم : «إذا ثبت الهلال في الشرق فهو ثابت للغرب أيضاً مع عدم ابتعاد المكانين في خطوط العرض كثيراً».
وهذا الاستثناء «عدم ابتعاد المكانين في خطوط العرض كثيراً»، قد فهم منه عدم التلازم بين ثبوت الهلال في الشرق الأوسط كإيران والعراق والخليج وثبوته في بلاد الغرب كبريطانيا وفرنسا، لاختلاف خطوط العرض، وهذا مما أوجب بلبلة وإرباكاً في ثبوت الهلال لدى أفراد الأسرة الواحدة داخل الجالية الشيعية في هذه البلدان، حيث إن السيد الخوئي قد حكى الوفاق بين القائلين بمسلكه في الهلال ومسلك المشهور - سواء اشترطنا أم لم نشترط اتحاد الأفق في ثبوت الهلال - في تلازم الرؤية وثبوت الهلال بين بلد الرؤية والبلاد التي تقع على الغرب منه في حالة فرض تأخر غروب الشمس في ذلك البلد الغربي عن بلد الرؤية، وإن اختلف خطّ العرض مادام الخط الفاصل بين النهار والليل وهو خط غروب الشمس يمرّ على بلد الرؤية قبل مروره على البلد الغربي، حكى ذلك السيد الخوئي في مراسلاته مع بعض تلاميذه في مسألة رؤية الهلال والتي طبعت في رسالة مستقلة تحت عنوان
حول مسألة رؤية الهلال، وقد حكى في ضمن تلك الرسالة كلام كلّ من الشهيد الأول والثاني والتراقي في المستند ودعواهم الوفاق من المشهور على ذلك.
هذا مع أنّ لازم الاستثناء المذكور في جوابكم هو حصول التعدد في بداية الشهر الهلالي إلى ثلاثة أيام، كما هو حاصل في عامنا هذا وفق التفصيل الذي ذكرتموه في الجواب بضميمة بيانات علماء الأرصاد الفلكية، حيث قرروا تولد الهلال وإمكانية الرؤية المجرّدة في مناطق المحيط الهادي ليلة الثلاثاء، وامتناع الرؤية فيما سواها في تلك الليلة، وإمكان الرؤية ليلة الأربعاء في بلاد العراق وإيران والخليج وحوض المتوسط دون شمال أوروبا الذي يزيد في خطوط العرض، والذي يمتنع عندهم الرؤية ليلة الأربعاء، ويمكن لهم الرؤية ليلة الخميس، فيكون مبدأ الشهر الهلالي في بقاع الأرض ثلاثة أيام وبنحو حلزوني الشكل، وهذا مما يقتضي عدم تطابق وعدم إمكان تطبيق اليوم القمري على اليوم الشمسي، فكيف التوفيق بين هذا التسالم المحكي والتفصيل المذكور في جوابكم مع ملاحظة المحذورات المتقدّمة؟
ثم إن هاهنا بحثاً صغروياً وتطبيقياً آخر وهو أنه مع ثبوت الهلال في الشرق الأوسط كبلاد إيران والعراق والخليج وعدم إمكان الرؤية في بلاد الغرب كبريطانيا وفرنسا بسبب مانع في الأفق كالضباب، ترى هل يوجب ذلك التعدد في ثبوت الهلال بحسب الظاهر ؟
وهل دعوى الفلكيين بامتناع الرؤية في الغرب وإمكانها في الشرق توجب تعدد الثبوت؟
جمع من أهل العلم
بسمه تعالی
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وتقبل الله طاعاتكم في هذا الشهر الفضيل وبعد؛ هنا عدة أمور :
1 - إنه وإن ذكر جمع من فقهاء الفريقين أن رؤية الهلال في أي مكان تستلزم رؤيته في الأمكنة الواقعة في غربه (1)، إلا أنه لم يثبت كون ذلك مشهوراً حتى بين المتأخرين فضلاً عن التسالم عليه، بل يستفاد من كلام شيخنا الشهيد الأول خلاف ذلك حيث ذكر ما نصه : ويحتمل ثبوت الهلال في البلاد المغربية برؤيته في البلاد المشرقية وإن تباعدت للقطع بالرؤية عند عدم المانع (2)، فيلاحظ أنه لم يتبن الملازمة بين الرؤية في البلاد المشرقية وثبوت الرؤية في البلاد المغربية، وإنما ذكرها على سبيل الاحتمال بالرغم من التزامه بالملازمة بحسب الضوابط الفلكية. وبعض الفقهاء الآخرين الذين التزموا بالملازمة المذكورة إنما قالوا بها اعتقاداً منهم بالأولوية القطعية. قال السيد الحكيم : «وإذا رئي في البلاد الشرقية فإنّه تثبت رؤيته في الغربية بطريق أولى»، وعلل ذلك بعضهم بأن القمر لا يرجع ولا يتوقف. ولكن الوجه المذكور لا يقتضي إلّا ازدياد القسم المنار من القمر كلما اتجه غرباً، فإذا كان عمره عند غروب الشمس في أُستراليا 21 ساعة و36 دقيقة يكون
عمره في طهران 27 ساعة و 50 دقيقة وفي النجف 28 ساعة و19 دقيقة وفي لندن 30 ساعة و 57 دقيقة، وهكذا ولكن هذا لا يقتضي كونه قابلاً للرؤية في جميع البلاد إذ لدرجة ارتفاع الهلال عن الأفق دخل تامّ في إمكانبة الرؤية وعدمها، فقد يكون الهلال بعمر 21 ساعة في ارتفاع 8 درجات قابلاً للرؤية، ولا يكون بعمر 30 ساعة قابلاً لها لكونه في ارتفاع 1 درجة فقط.
إن قيل: إن عدم إمكانية الرؤية عند كون الهلال قريباً من الأفق وقت الغروب إنما هو من المانع الخارجي وهو اجتماع الغبار والبخار ونحوهما حوالي الأفق وقد ادعى المحقق النراقي الإجماع على عدم العبرة بالموانع الخارجية الهوائية والأرضية (1).
قلت: إنّ ذلك في الموانع الطارئة المتغيّرة كالسحاب والضباب، وأما الموانع الطبيعية التي لا تنفك عن المناطق القريبة من الأفق في مختلف الأزمنة والأمكنة، فليست كذلك؛ لعدم الدليل عليه، بل مقتضى كون الأهلة مواقيت للناس كما ورد في الآية الكريمة - عدم العبرة بوجود الهلال في الأفق إلا إذا كان من حيث الحجم ومن حيث الأرتفاع عن الأفق ومن حيث البعد عن الشمس قابلاً للرؤية وبالعين المجردة لولا الغيم ونحوه، فالهلال الذي يكون بارتفاع 3 درجاتٍ مثلاً حيث إنه لا يكون قابلاً للرؤية عادة لا يصلح أن يكون ميقاتاً للناس.
2 - المعلومات الفلكية المتوفّرة لدينا لا تشير إلى إمكانية حصول التعدّد في بداية الشهر بثلاثة أيام، ففي (شهر) رمضان الجاري لم يكن الهلال في ليلة الثلاثاء قابلاً للرؤية في أي من البقاع، لأنه كان القسم المنار منه دون الحد الأدنى المطلوب، وإنما كان يرى في ليلة الأربعاء في سيدني ونحوه من البلاد.
3- إنه قد ظهر مما مرّ أنه مع رؤية الهلال في بلاد الشرق إن كان عدم إمكانية
1) مستند الشيعة، ج 10 ص 423.
163
الرؤية في بلاد الغرب من جهة الغيم والضباب ونحوهما يحكم بدخول الشهر فيها أيضاً، وأما إذا لم يكن الهلال في أفقها بالارتفاع الذي يمكن رؤيته عادة فلا يحكم بدخول الشهر، فتتعدّد بداية الشهر الهلالي، وهذا التعدد واقعى لا ظاهري.
ودعوى الفلكيين عدم إمكان الرؤية لانخفاض درجة الهلال في الأفق مما لا عبرة بها إلا من حيث عدم حصول الاطمئنان بامكانية الرؤية عادةً. والله العالم.
7(شهر) رمضان 1426
مكتب النجف
بسم الله الرحمن الرحيم
سماحة آية الله العظمى السيد السيستاني (دام ظله)
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وبعد؛ تعقيباً على السؤال السابق وما تفضلتم من الإجابة حول : «ما إذا ثبت الهلال في الشرق فهل هو ثابت للغرب مع ابتعاد المكانين في خطوط العرض كثيراً مع قول الفلكيين بامتناع رؤيته في بعض بلدان الغرب الشمالية؟».
ونود أن نضع بين أيديكم جملة من النقاط :
الأولى: أرفقنا مع هذه الرسالة جملة من أقوال مواقع الأرصاد الفلكي وكلّها متفقة على أن شهري رمضان وشوّال تتعدّد رؤية الهلال فيهما بحسب بقاع الأرض إلى ثلاثة أيام، فتكون البقعة الأولى هي النصف الجنوبي من الأرض في أمريكا الجنوبية أو جزر المحيط الهادي، وفي اليوم الثاني البقاع الثانية وهو ما يشكل بلدان الوسط ذات العرض القليل الشمالي، وفي اليوم الثالث البلدان الشمالية ذات العرض الشمالي الكبير.
الثانية: أنه لم تقف في كلمات الفقهاء على من صرّح بالتفرقة في ثبوت الهلال بين البلاد الغربية فيما إذا رئي في البلاد الشرقية.
الثالثة: أنّ الرؤية للهلال بما أنها أمارة لثبوت الهلال فهي طريق إثباتي له وهل هو بنحو العموم الاستغراقي أو أنها بنحو صرف الوجود بمجرد تحقق مسمى الرؤية في بقعة من بقاع الأرض كما ذهب إليه السيد الخوئي رحمه الله أو أنها بنحو آخر من الانحلال؟ وعلى أي تقدير فنحو العموم في الطريق الإثباتي تابع لواقع ثبوت الهلال والشهر القمري لا العكس فلا يكون نحو العموم في الطريق الإثباتي قرينة يعوّل عليها في تحديد هوية الشهر الهلالي وحقيقته، مضافاً إلى أن الشهر الهلالي حقيقة عرفية وكونية لم يتخذ الشارع اتجاهها حقيقة شرعية ومعنى خاص جديد
(كذا)، فلا دلالة لعموم دليل الرؤية على تحديد معنى وحقيقة الشهر الهلالي.
الرابعة: أنه لا بد من نحو تطبيق وانطباق للشهر الهلالي على اليوم والليل الشمسي، وهذا أمر مفروغ منه في التقويم الفلكي وكذلك في الحساب العرفي. وعلى ضوء ذلك، فإذا رئي الهلال في بقعة من الأرض أي عند الخط الفاصل بين الليل والنهار وهو الغروب، فلا محالة يتحقق تكوّن الهلال كحركة تكوينية واحدة بالإضافة إلى ما يليها من البقاع في دور حركة الأرض وحركة الليل وحركة ذهاب النهار وامتداد الليل لاحقاً؛ فإنّ التنصيف التقويمي للأرض إنما هو بنصفين ليل ونهار، وأمّا تقسيم بقاع الأرض إلى ليل شمالي وليل جنوبي ونهار شمالي ونهار جنوبي فهذا لم يعهد إقراره ووضعه في التقويم الزمني القمري لا فلكياً ولا عرفياً. الخامسة: أن لازم الالتزام بالتفكيك بين الرؤية في البلاد الشرقية والبلاد الغربية التي ذات خط عرض كبير شمالاً كالدول الإسكندنافية وشمال كندا أن يكون الفارق بين تقويم اليوم الهلالي في الشرق الأوسط كإيران والعراق والخليج متقدّم على شمال كندا بيوم ونصف تقريباً، وهذا اضطراب بالتقويم لا يقر به في حساب التقويم فلكياً وعرفياً، هذا فضلاً عن التفكيك بين أقصى جنوب أمريكا الجنوبية في الشتاء كما في هذه الأيام وأقصى شمال أمريكا الشمالية مع أنها على خط طول
واحد؛ فإنّ الفارق في التقويم الهلالي سيكون ما يقرب من يومين حسب ما ذكرته الأرصاد الفلكية من تعدّد الرؤية خلال ثلاثة أيام، وهذا ما مرّ التعبير به في السؤال السابق من لزوم اتخاذ الشهر الهلالي خطاً حلزونياً لولبياً مائلاً لرسم بداية الشهر وانتهائه، مع أنه بات أمراً مسلّماً فلكياً وعرفياً أن التقويم هو بخط فاصل بين الليل والنهار الذي يقسم الكرة الأرضية إلى نصفين، فاللازم تنقيح وتحرير حقيقة الشهر الهلالي هل هي ظاهرة نسبية باتجاه بقاع الأرض أو أنها حدوث شخصي واحد، ثمّ إنّ النسبية بأيّ نحو من الأنحاء تتخذ شكلها بحسب عرف التقويم الفلكي وعرف الناس بعد فرض عدم القول بوجود حقيقة شرعية للشهر الهلالي.
السادسة: أنّ في فصلي الصيف والربيع ولا سيما الصيف تغيب الشمس في البلاد الشمالية كالدول الإسكندنافية وبريطانيا ما يتعدّى الساعة التاسعة ليلاً، وهذا يوجب احتجاب الهلال فوق الأفق بسبب شعاع الشمس لمدة عدة أيام مع أنه موجود فوق الأفق.
السابعة: أن صيرورة القمر بدراً الذي هو علامة على منتصف الدورة الشهرية للقمر يحصل في اليوم الثاني عشر، بل في اليوم الحادي عشر على بعض التقادير في حساب البلاد الشمالية بناءاً على تأخّر بدء الشهر لديهم بحسب الرؤية عندهم.
الثامنة على هذا التفصيل في كيفية ثبوت الهلال يلزم من ذلك أن يكون الشهر الهلالي قد ابتدأ في إيران أو العراق والتي هي متقدمة في الأفق وفي تقويم الساعة على بريطانيا وكذلك يبتدىء الهلال في كاليفورنيا في أمريكا في نفس اليوم والتي هي متأخرة في الأفق وفي تقويم الساعة عن لندن، بينما يتأخر ابتداء الهلال في بريطانيا يوماً عنهما مع أنها متوسطة بينهما، وهذا نحو تدافع في حساب التقويم. التاسعة يلزم على هذا القول تتابع ستة شهور أو أكثر (أي ما يزيد على الأربعة أشهر) كلّها يكون الشهر فيه كاملاً ثلاثون يوماً.
العاشرة: أنّ الآفاق الشمالية القريبة من القطب وكذلك الآفاق الجنوبية القريبة القطب لا تتطبق طبيعتها على منوال طبيعة الآفاق المتوسطة التي هي غالبية اليابسة في الأرض، كما هو الحال في أوقات الصلوات اليومية المفروضة، فإنّ في الدول الإسكندنافية لمدة شهور لا يمكنهم رؤية الهلال، كما وفي بعض فصول السنة يكون النهار مطبقاً عليهم شهوراً، ولا يستطيعون رؤية الهلال أيضاً، ومن ثم يعوّل في حساب التقويم على قوس النهار والليل بمعنى نصف الدورة المواجه للشمس ونصف الدورة المستدير للشمس، لا على الضوء والظلمة، بل على ساعات حركة دورة الأرض حول الشمس.
«جمع من أهل العلم»
يولد الهلال والقمر في حالة تسارع الإثنين 3 / 10 / 2005، الساعة 58 : 10 بتوقيت كرينش. يمكث الهلال 3 دقائق في مكة ودقيقة واحدة في النجف وهو غير قابل للرؤية في أي بلد حتى مع مراعاة الاشتراك في الليل، وفي الليلة التالية يمكث الهلال 37 دقيقة في مكة و 35 في المدينة و 30 في القدس و 30 في النجف و 25 في مشهد و 27 في قم و 31 في الكويت و 33 في أبو ظبي و 33 في البحرين و 33 في مسقط و 29 في بيروت و 29 في دمشق و 27 في حلب و 32 في الدار البيضاء. والرؤية متعذرة في أوربا وأغلب بلدان آسيا وفي شمال أفريقيا. والرؤية محتملة في جنوب شبه الجزيرة العربية وفي اليمن، وممكنة في أغلب بلدان قارّة
169
أمريكا الجنوبية وأغلب قارّة أستراليا والأجزاء الوسطى والجنوبية من أفريقيا والأجزاء الجنوبية من قارّة أمريكا الشمالية. وباختصار فالهلال غير قابل للرؤية في بلدان الخليج والعراق وبلاد الشام وبلدان شمال أفريقيا بما فيها مصر، ومحتملة في السودان واليمن وممكنة في أبيدجان. وفي اليوم التالي يكون للهلال مكث كاف للرؤية، ومع ذلك لا يُرى في البلاد الإسكندنافية.
شكل الهلال قائم بانحراف.
أول الشهر الأربعاء (1).
يولد الهلال والقمر في حالة تسارع الأربعاء 2 / 11 / 2005، الساعة 1:24 صباحاً بتوقيت كرينتش، يمكث الهلال 11 دقيقة في مكة و 10 في المدينة و 6 في القدس و 5 في النجف ويغرب مع الشمس في مشهد و 2 في قم و 6 في الكويت و 8 في أبو ظبي و 7 في البحرين و 8 في مسقط و 4 في بيروت و 4 في دمشق و 2 في حلب و 8 في ديترويت و 6 في تورنتو و 3 في مونتريال، والرؤية متعذرة في جميع هذه البلدان ويمكث 46 دقيقة في ساوباولو و 56 في بوينس آيرس و 58 ف-ي سانتياجو والرؤية ممكنة.
وباختصار، فإن رؤية الهلال ليلة الخميس متعذرة في إفريقيا وأوروبا وآسيا وأمريكا الشمالية وممكنة في الأجزاء الوسطى والجنوبية من أمريكا الجنوبية،
1) هذا ما ورد في تقويم الصائغ لعام 2005م الموافق لعام 1425 - 1426 حسابات وإعداد المهندس محمد علي الصائغ، باحث في علم الهيئة والمواقيت والأهلة، وهناك مواقع رصدية أخرى دولية معتبرة غربية على مواقع الانترنيت أثبتت نفس هذه التفاصيل.
وهي مناطق مشتركة في الليل مع بلدان الشرق الأوسط.
وفي اليوم التالي تتعذر رؤية الهلال في أوروبا والأجزاء الوسطى والشمالية من قارة آسيا وممكنة في إفريقيا وأندونوسيا وأُستراليا وشبه الجزيرة العربية والعراق وبلاد الشام وأغلب ايران.
شكل الهلال قائم بانحراف يسير.
أول الشهر الجمعة حسب أفق أبيدجان، وهي من بلدان العالم القديم، «العالم القديم، آسيا، أوروبا إفريقيا (1)
1) هذا ما ورد في تقويم الصائغ لعام 2005م ، الموافق لعام 1425 - 1426 ه- وهذه التفاصيل ذكرتها بعينها مواقع رصدية دولية غربية معتبرة على الانترنيت فلاحظ وهي تتعدد الى ثلاث ليال في كل سنة .
الاولى: لابد من الإلتفات الى الفرق بين حكم الفلكيين بالامكان، وبين حكمهم بالإمتناع، وبين حكمهم بالتعذر ، لا سيما الأخيرين فان جملة من الفضلاء المتصدين لقول الفلكيين يخلطون بين القسمين الأخيرين، وربما حكموا برد شهادات الشهود بالرؤية استناداً لقول الفلكيين مع ان حكمهم أنما هو بالتعذر لا الامتناع، والسبب الخلط في اللفظ اللاتيني الاصطلاحي بين القسمين الأخيرين فقولهم (Empossible): ممتنع ، وقولهم (Not possible): متعذر لا يحكم بامكان.
أي عدم الامكان لا الحكم بعدم الامكان الذي هو بمعنى الامتناع.
ثم أنهم يحكمون ولكن يعممون الامتناع لكل المناطق الأخرى كالغربية أو الجنوبية فيحكمون عليها بالتعذر وهو يختلف عن الامتناع.
الثانية: حكم الفلكيين بامتناع الرؤية في الدرجات القريبة من تولد المحاق حسي قطعي كالدرجة الاولى والثانية الى الرابعة من تولد الهلال من المحاق، وأمّا في الدرجة الخامسة والسادسة و.... فحكمهم حدسي غير مستند الى الحس المجرد ومن ثم لا يحكمون بالامتناع وأنما بالتعذر ، كما تقدم في الملاحظة الاولى، فيجب عندئذ التمييز بين الدرجات في الحكم عندهم في الامتناع والتعذر فالاول حسّي والثاني حدسي، فاللازم اجتناب العموميات الاطلاقية في أحكامهم.
الثالثة : ان استراليا ونيوزلندا كانت في زمن صدور النص من الغرب، لأنّ
اليابان هي بداية الشرق قديماً، وحالياً البداية هو الخط الفاصل في وسط المحيط الهادي.
الرابعة: ان القطع بخطأ مستند حكم قاضي العامة في الهلال، لا يستلزم القطع بخطأ الحكم بالهلال كما لو امتنعت الرؤية في الشرق الاوسط فأنه لا يستلزم امتناع الرؤية في الشرق الادنى كالجزائر أو الغرب الاوسط كواشنطن، فضلاً عن الغرب الأقصى كالمحيط الهادي، وهذا بناء على كفاية الرؤية في أي نقطة وكفاية الامكان. الخامسة: لابد من الإلتفات والتنبه إلى أن في الميل الشتوي للشمس نحو الجنوب وهو مدار الجدي ذهاباً واياباً، وهو فصل الخريف والشتاء يكون ميل القمر والهلال جنوبياً، ويوجب ذلك سبق الرؤية في البلاد التي تقع في النصف الجنوبي للكرة الأرضيّة كاستراليا واندونوسيا وجنوب افريقيا ومدغشقر وتنزانيا وبلاد أمريكا الجنوبية بيوم على البلاد التي تقع في النصف الشمالي للكرة الأرضية غالباً، هذه الرؤية السابقة يعتمد بها على مسلك الاكتفاء برؤية واحدة لكل نقاط الأرض، وعلى المسلك الآخر المنسوب المشهور الذي يكتفي برؤية مشرقية للبلاد الغربية، فمثلاً مثل مدغشقر متحدة الأفق مع بلدان الخليج وقم فضلاً عن من أفقه بعد ذلك، وعلى هذا فلا بد مدة من رصد الاستهلال في تلك البلدان في ذلك الفصلين قبل الاستهلال في بلداننا.
الرسالة الثانية
ثبوت الهلال بحكم الحاكم الشرعيالأقوال في المسألة
تحرير جهات البحث
أدلة المثبتين
اثبات صغرى الاستدلال
اثبات كبرى الاستدلال
معتبرة ابن حنظلة
معتبرة ابن خديجة
التوقيع الشريف
وجيزة في حال ابن حنظلة
الرسالة الثانية:
وليس هو في عرض الشهود الحسي والرؤية، وانما طريق على الطريق.
والبحث في حكم الحاكم بثبوت الهلال هل من باب انه طريق مثل بقية الطرقووجوب متابعته تكليفا من جهة وجوب المطروق التكليفي أي وجوب العملبالواقع، فمتابعة حكم الحاكم في المقام كمتابعة بقية الطرق.
أو ان له خصوصية زائدة، وفيه لون أضافي وصبغة أخرى، كحكمه في بابالقضاء له خصائص الطريقية والموضوعية معاً، الطريقية من جهة أنه لا يبدل الواقعفاذا حكم القاضي بكون المال لزيد فان هذا الحكم لا يبدل الواقع إذا كان هذا الماللعمرو والموضوعية من جهة ترتب وجوب تكليفي بمتابعة حكم القاضي وحرمةالرد وهو غير وجوب احترام مال المسلم.
فهل حكم الحاكم في المقام أمارة محضة تنجّز الواقع فقط، أم أنه من نمطالحكم القضائي؟
والخلاصة هل أن حكم الحاكم أمارة شرعية في ثبوت الهلال أم لا؟
المشهور شهرة مستفيضة أن حكمه نافذ وحجة وأمارة معتبرة على ثبوتالهلال، وفي الحدائق حكاه عن ظاهر الاصحاب.
وخالف في ذلك جماعة من أعاظم المتأخرين، وشكك في ذلك السيد الخوئي- قده - في مستند العروة وأفتى في المنهاج بعدم نفوذه.
الكلام فيصورة المسألة من جهتين:
الجهة الاولى: هل أن هذا الحكم بثبوت الهلال وظيفة من الوظائف العامة للوليالمتصرف في الامور وهو الامام المعصوم عليه السلام أم لا؟ وهذه بمنزلة صغرى الدليل.
الجهة الثانية: بعد الفراغ من كونها من وظائف الامام المعصوم عليه السلام، هلصلاحية هذه الوظيفة ثابتة للفقيه بالنيابة كما هي ثابتة للولي بالاصالة أم لا؟ وهذهبمنزلة كبرى الدليل.
فالبحث: تارة في اثبات انه من وظائف المتصرف في الامور، وأخرى بعدالفراغ من كونها من وظائفه، يبحث عن صلاحية الفقيه والمرجع والمجتهد في هذاالأمر.
ثم إن النيابة والصلاحية في المقام هل هي للمرجع أم للمجتهد المطلق والفقيه،إذ بينهما عموم مطلق، فقد يكون فقيها إلّا أنه لا يقلّد ولا يتصدى للامور، وان كانالمجتهد والفقيه الجامع لشرائط النيابة العامة له صلاحية ومسندالافتاء وانفاذالقضاء، أما التصرف في الامور فقد يقال انها من شؤون المرجعية إذ هي نوع منالتصرف في الامور العامة ولا أقل من الامور الحسبية.
فالمرجع له نوع من الولاية في التصرف، فضلا عن صلاحيات الفقاهةوالاجتهاد، لذا ذكروا شرائطاً في المرجع تخالف في بعضها شرائط صلاحياتالمجتهد والفقيه.
وهذا التفكيك بهذه الصورة أخذ يتضح، إذ بالاضافة إلى مسند الفتوى والقضاءهناك مسند آخر وهو مسند المرجعية.
فحكم الحاكم هل هو من توابع القضاء أو من شئون المفتي أو أنه نافذ وممضىمن باب الحكم الولوي؟
والجهة الاولى أيضاً فيها نفس الاحتمالات: فهل هذا ثابت لامام الاصل منباب أنه وظيفة وباعتباره متصرفا في الامور، أم أنها ليست بوظيفة وأنما هي فعلاستثنائي خاص، ومن باب اعمال الولاية المطلقة المختصة بالمعصوم، أم من بابانها وظيفة قضائية، أم أنه من توابع ولواحق الافتاء بناءاً على تأتيها فيالموضوعات الجزئية.
فان كان الاخير فنحن في راحة من البحث الثاني لأن الفُتيا ثابتة للمجتهد بلاريب، وان كان من وظائف مسند القضاء فكذلك، إذ قد وردت أدلة القضاء بنيابةالمجتهد الجامع للشرائط فيه عن الامام المعصوم.
وان كان من وظائف المتصرف في الامور، فحينئذ لا غنى عن البحث في الجهةالثانية، وفي أن أدلة النيابة في التصرف - في غير الامور الحسبية - هل هيشاملة للمقام، أو أن المقام من الامور الحسبية، حيث انها القدر المتيقن من نيابةالفقيه والمجتهد - ولا أقل من الفقيه المبسوط اليد - إذ له نوع من التصرف والولايةونفوذ الكلمة.
هذه زوايا البحث بصورة موجزة، وكلام الاعلام في المقام غير مفرز بشكلواضح وجلى، فصاحب الحدائق - قده - خلافه في الجهة الثانية، والسيد الخوئي -قده - مخالفته للمشهور في كلا الجهتين.
ويكفي الاصل للمانع من نفوذ حكم الحاكم في ثبوت الهلال، إذ الاصل العمليقاض بعدم نفوذ حكم أحد على أحد إلّا بعد قيام الدليل وعدم الحجية.
بينما القائلين بنفوذ وحجية حكمه لا بد لهم من إقامة الدليل على ذلك.
وهي قد تكون لاثبات صغرى لكبرى مفروغ عنها في أبواب أخرى من الفقه،إذ قد تقام الادلة على أن هذه المسألة من صلاحيات القاضي، فتثبت الصغرى أماأن صلاحيات القاضي ووظائفه ثابتة للمجتهد فهذا بحث في كتاب القضاء.
وقد تقام الادلة على أن المسألة من شئون الفتوى فهي لاثبات صغرى لكبرىتبحث في باب الاجتهاد والتقليد، وهي أن الفتوى ثابتة للمجتهد الفقيه في عصرالغيبة، وأما إذا أقيمت الادلة على أساس انها من وظائف المتصرف في الامور، فلابد من اثبات الكبرى أيضاً وهي أن ذلك من صلاحيات الفقيه الجامع للشرائط بأدلةالنيابة العامة، وهي الجهة الثانية من البحث في المقام.
واستدل المشهور بطائفة من الروايات:
صحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام قال: «إذا شهد عند الامام شاهدانأنهما رأيا الهلال منذ ثلاثين يوما أمر الامام بافطار ذلك اليوم إذا كانا شهدا قبلزوال الشمس، وان شهدا بعد زوال الشمس أمر الامام بافطار ذلك اليوم وأخرالصلاة إلى الغد فصلى بهم»(1).
والرواية صريحة في اثبات صغرى الدليل، وهي أن من وظائف الامام عليه السلام إذإے؛گگظحشهدت عنده بيّنة عادلة أن يأمر بالعيد، وأمره نافذ وماض.
وما في المستمسك والمستند(2)بتفصيل أكثر، من الاشكال في دلالة الروايةللترديد في قوله عليه السلام «أمر الامام» هل هو من باب الأمر والطاعة الخاصة بالمعصومأو الحكم؟ إذ فرق بين انشاء الأمر المولوي وبين انشاء الحكم، والمتعين هو الأول،
أي من باب «أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ» وهو ثابت لامام الاصل ولا ربط لها - للرواية -بانشاء حكم الحاكم، ومن ناحية أخرى أن لفظة «الامام» منصرفة لدى أذهانالمتشرعة لامام الاصل، لا للحاكم ولو بالنيابة، فالرواية واضحة في أنها من بابوجوب الطاعة لولاة الأمر ولا ربط لها بالمقام.
غير وارد: إذ الرواية تتعرض لوظيفة المعصوم كمتصرف في الامور لا أنها فيصدد بيان صلاحية المعصوم.
حيث أنها تطرح قضية كليّة «إذا شهد عند الامام.. أمر الامام» مكونة منموضوع ومحمول، فهي لبيان الميزان لتحقق الأمر.وأما الاشكال بأن هذا امر، وانشاء الأمر ليس انشاء للحكم، ليس بسديد، إذ أنالحكم الولوي ليس هو إلّا أوامر ولوية، كما أن الأمر بالصلاة مثلا يعني وجوبالصلاة، فلا فرق بين انشاء الأمر أو انشاء الحكم كلاهما يؤدي نفس الغرض، وهماحيثيتان أو عنوانان لواقعية واحدة كما نبه عليه المحقق الاصفهاني «قده».
وسواء كان حقيقة الحكم انشاء الأمر أو هو انشاء وجعل الفعل في ذمة المكلفكما ذهب إليه السيد الخوئي «قده»، فانشاء الأمر اما هو كناية عن انشاء الحكم أوهو بنفسه حكم، أو ما يلازم الحكم على المسالك المختلفة في الأصول.
وقد حررنا في «ملكية الدول الوضعية» أن الحكم الولوي هو نفس الأوامرالولوية، والنواهي الولوية وهو يباين الحكم الفتوائي والقضائي، وذكرنا هناك أنالحكم الولوي قد يبيّن ميزانه ومعياره في الروايات، كما يبيّن ميزان الفتوىوالقضاء، وأن الادلة على نحوين أولها يتعرض لميزان الباب والوظيفة المقررة فيهوالنحو الثاني يتعرض لصلاحية متولي الوظيفة وأنه بالاصالة لمن يكون وبالنيابةلآخر.
فمثل قوله صلى اللَّه عليه وآله وسلم «انما أقضي بينكم بالبينات والايمان»معيار
وميزان الشرع في الحكم القضائي، ثم يقوم الدليل على أن هذا الميزان المقررللرسول صلى اللَّه عليه وآله وسلم أو الامام المعصوم عليه السلام ثابت أيضاً للفقيه المتوفرةفيه شرائط النيابة العامة، فكل ما هو من وظائف القضاء يثبت للفقيه والمجتهد.
فالخلاصة أن انشاء الحكم الولوي هو بالامر والنهي وليس بخصوص كلمة«حكمت» فقط، فكما أن انشاء حكم القاضي لا يختص بهذه الكلمة بل هو أعم،كأن يقول آمرك يا زيد بدفع كذا إلى فلان، أو بصورة الخبر «هذا المال لفلان وليسلك يا زيد» كذلك الأمر ههنا.
ان أدلة النفوذ والامضاء على أنماط، فنمط يتعرض إلى شرائط الفعل أو الموردالذي يكون فيه النفوذ، مثل ما في المعاملات حيث أن بعض أدلةالامضاء تكون متعرضة إلى شرائط البيع وشرائط المبيع، كقوله عليه السلام «لا بأسبالتفاضل في غير المكيل والموزون نقداً ونسيئة»، ونمط آخر يتعرض إلى شرائطوصلاحية الفاعل كالبائع في البيع مثل «الناس مسلطون على أموالهم» ومثل «أمرالثيب في النكاح بيدها» وغيرها من الامثلة.
وهكذا الحال في أدلة نفوذ الامور والتصرفات الولوية فان بعضها متمركز فيالنظر إلى ميزان ومورد الفعل الولوي وشرائطه كوظيفة للولي، وبعضها متعرضةلصلاحيات الولي ودائرتها من دون تعرضها إلى المورد.
إذا اتضح ذلك: فقد تقرر لديهم في باب المعاملات أن الادلة المتعرضة لشرائطالفاعل لا يمكن التمسك بها عند الشكّ في شرائط الفعل أي عند الشكّ في ما هوموضوع الادلة الاولى، فلو بني على اطلاق أدلة النيابة العامة فتلك الادلة ليستناظرة إلى أن مورد النيابة أي شيء هو، وما هي شرائطه، بل لا بد من أدلة أخرىعلى بيان الفعل وميزانه.
وكذلك أيضاً لا يتمسك بأدلة شرائط الفعل النافذ والممضى عند الشكّ فيشرائط الفاعل وما هو موضوع الادلة الثانية.
ويمثل لذلك بأن القائل إذا مدح الملكة العلمية للمهندس فان ذلك لا يعنيمدحاً إلى المورد والأرض وأدوات البناء التي يتم فيها وبها عمل المهندس وكذلكالعكس.
وحينئذ نقول ان روايتنا هذه انما هي في المقام الأول، أي أنها متعرضةلشرائط وميزان حكم امام الاصل عليه السلام، لا في المقام الثاني من صلاحية الاماموحدود ولايته، فهي تبين ضابطة الفعل كميزان عام في الفعل لا كأمر اتفاقي، وانهاوظيفة لها معيارها وضابطتها الخاصة الدائمة.
ومقتضى ذلك: أن تلك الوظيفة غير معطلة وان لم يبن على النيابة العامة، إذليست الرواية في المقام الثاني من بيان الصلاحيات المعينّة لخصوص المعصوم عليه السلام،وانما هي في المقام الأول من بيان ميزان الفعل الولوي بميزانه العام المعلوم عدمارادة الشارع تعطيله، إذ أن نفس بيان ضابطة وميزان الفعل والوظيفة الولوية هوتشريع ثابت في انبثاق الحكم الولائي، ويدل على أنه أمر لا يعطل لدى الشارعومعه لا يتخلف الحاكم عن الحكم، لانه أيضاً تشريع ثابت في باب الولاية.
وبعبارة أخرى: المهم في الادلة هي تلك الادلة التي تتعرض إلى ميزان الحكمالولوي والوظيفة الولوية، فاذا تعرضت الروايات إلى هذا الميزان يكون أمراواضحا من جهة الفعل، وأن ميزان هذا الفعل واضح لدى الشارع، فحتى لو بني علىضيق النيابة عن الامام المعصوم عليه السلام، يكون هذا المورد ثابتاً للمجتهد، لأن الامامبيّنة كوظيفة ولوية للولي المتصرف وأنه أمر غير معطل في أغراض الشارع.
وبهذا البيان نستفيد أن حكم الحاكم في مسألة الهلال ليست من باب الحكمالاتفاقي الذي يبديه الامام المعصوم، بل هو بصورة تقنين دائم وضابطة كلية في
المقام، وليست قضية خاصة بملابسات مجملة تصدر عن الامام، فالرواية تامة فياثبات صغرى الدليل، وهي أن هذه الوظيفة من الوظائف العامة للولي المصترف للأمور.
صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: «ان عليا عليه السلام كان يقول: لا أجيز فيرؤية الهلال إلّا شهادة رجلين عدلين»(1).
صحيحة شعيب بن يعقوب عن جعفر عن أبيه عليه السلام أن عليا عليه السلام قال: «لا أجيز فيالطلاق ولا في الهلال إلّا رجلين»(2).
وموضع الاستدلال بالروايتين قوله عليه السلام «لا أجيز»، وفي بعض الكلماتاستظهر منهما نفي حجية حكم الحاكم، لانها حصرتا الحجية في البيّنة.
والحال أن البينّة طريق طولي على الرؤية، وليست هي الرؤية كي يقال أنالروايتين متعرضتان للحصر في الطريق المباشر، بل الروايتان من أدلة ثبوت الهلالبحكم الحاكم، وتدلان أيضاً على حصر ميزان الحكم في شهادة الرجلين مقابلشهادة رجل وأمرأتين أو غير ذلك من الشهود.
بيان ذلك: أن قوله عليه السلام «لا أجيز» اما بمعنى أنه لا يجوز أي الاخبار الافتائيعن الحكم الواقعي والتشريعات الاولية على الموضوعات بصورة الانشاء حيث أنالافتاء ذا جنبتين.
أو بمعنى لا أنفذ والجواز بمعنى النفوذ والمضيء، فيكون أداة النفي داخلة علىالانشاء المحض من دون جنبة إخبار، أي أنشاء من له صلاحية الولي المتصرفالحاكم، والثاني أظهر لكون الأول فيه نحو تضمين وتقدير محتاج إلى قرينة زائدة.
فالروايتان دالتان على أن ذلك من صلاحيات الحاكم، وأن الميزان الولوي هوشهادة الشاهدين، فهما على نسق صحيحة محمد بن قيس في بيان وظيفة الوليالمتصرف في الامور، وحملهما على أنهما من باب التشريع الاولي علىالموضوعات بحاجة إلى قرينة، إذ هذا خلاف ما هو ظاهر من المعنى الاستعماليفيهما.
ان قلت: لا محصل ل«لا أجيز في الطلاق» على المعنى الثاني، بخلاف المعنىالأول فهو قرينة المقام.
قلت: هو على نسق روايات أخرى مثل ما عن الامام الباقر عليه السلام فيها «واللَّه لوملكت من أمر الناس شيئاً لاقمتهم بالسيف والسوط حتّى يطلقوا للعدة كما أمر اللَّهعز وجل»(1).
وقوله: «لو وليتهم لرددتهم فيه إلى كتاب اللَّه عز وجل»، وقول الامام الكاظمعليه السلام «لو وليت أمر الناس لعلمتهم الطلاق ثم لم أوت بأحد خالف إلّا أوجعتهضربا»(2).
فهذا الاسناد إلى النفس وإلى الذات المقدسة فيه اشعار واضح أن الاخبار علىالطلاق الصحيح ومنع الانفاذ العملي للطلاق الفاقد للشرائط من صلاحية الوليالمتصرف في الامور لا انها أحكام تشريعية.
صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: «لو كان الأمر الينا أجزناشهادة الرجل الواحد، إذا علم منه خير، مع يمين الخصم في حقوق الناس، فأما ماكان من حقوق اللَّه عز وجل، أو رؤية الهلال فلا»(3).
وهذه الصحيحة دالة بوضوح على أن صلاحية الحكم بثبوت الهلال من شؤون و توابع القضاء، فالحاكم بما له مسند القضاء يحكم بثبوت الهلال.
ان قلت: كيف تكون هذه الرواية متعرضة لوظائف الولي المتصرف في الاموروفي نفس الوقت متعرضة لوظائف القاضي؟
قلت: وان كان هناك فرق بين الحكم الولوي والقضائي والتشريعي الاولي علىالموضوعات كما بيّناه مفصلا في «ملكية الدول الوضعية» إلّا أن مسند القضاء كمايلي الامور القضائية كذا يلي اقامة الحدود والقصاص وغير ذلك من الشؤونالولوية وسيأتي تتمة لذلك.
مع أن العطف في الكلام يصحح ذكر الموارد المتعددة، هذا مع أن الوظائفالمزبورة بأجمعها ثابتة للمعصوم بالاصالة وللمجتهد بالنيابة على القول بالثبوت لهلا أن بعضها كالقضاء له بالاصالة كي يتعدد الاسناد في فعل الانفاذ.
صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: «كان رسول اللَّه - صلى اللَّهعليه وآله يجيز في الدين شهادة رجل واحد، ويمين صاحب الدين، ولم يجز فيالهلال إلّا شاهدي عدل»(1).
وهذا الحديث كسابقه يدل بوضوح على أن اثبات الهلال أيضاً من وظائفالقاضي، إذ مقتضى وحدة المعنى المستعمل ووحدة المعنى الجدي بمقتضى وحدةالسياق هو كون الجواز والنفوذ في الموردين نفوذاً قضائياً أو من توابعه.
ويؤيد ذلك أن حكم القاضي في القضاء ليس ولوياً بحتاً بل فيه شائبة الطريقية،خلافا لما في كلمات بعض المعاصرين، فهو ليس ولوياً محضاً وليس طريقياً محضاًأيضاً، فقوله صلى اللَّه عليه وآله وسلم «انما أقضي بينكم بالبينات والايمان» لا يغيرالواقع لكن فيه جنبة تنفيذية، وهي وجوب متابعة القاضي وعدم الرد عليه.
1) الوسائل: أبواب كيفية الحكم باب14 حديث1.
الصحيح إلى عبد اللَّه بن سنان عن رجل - نسي حماد بن عيسى اسمه - قال:«صام علي عليه السلام بالكوفة ثمانية وعشرين يوما شهر رمضان، فرأوا الهلال فأمرمناديا ينادي، اقضوا يوما، فان الشهر تسعة وعشرون يوما»(1).
وهذه الرواية بالالتفات إلى ما تقدم في بقية الروايات يظهر منها أن هذاالموضوع العام بيد الامام عليه السلام ومن وظائفه.
صحيحة عيسى بن أبي منصور أنه قال: كنت عند أبي عبد اللَّه عليه السلام في اليومالذي يشك فيه، فقال: يا غلام، اذهب فانظر أصام السلطان أم لا؟ فذهب ثم عاد،فقال: لا، فدعا بالغذاء فتغذينا معه(2).
وموضع الاستشهاد: ان الولي المتصرف الغاصب كان بيده هذا الأمر، وهوكاشف عن سيرة المتشرعة من جهة الكبرى، وهي أنهم يجعلون هذه الوظيفة منمهمات من بيده الأمر، وان كان المصداق غير شرعي.
فالرواية وان لم يصرح فيها باللفظ أنه من وظائف الامام، إلّا أنها دالة على أنالمرتكز في سيرة المتشرعة أن هذه المسألة بيد الولي المتصرف، إذ ثبوت الهلالترتبط به عدة من المهام والوظائف التي هي واضحة أنها من مختصات الوليالمتصرف، كإمارة الحج وتعيين الموقف في يوم عرفة وصلاة العيد وما أشبه ذلكمن قضايا عامة تترتب على ثبوت الهلال، التي هي من الشعائر الجماعية المنوطةبالولي، فهو موضوع عام بها.
أما الاشكال بأن هذه الكبرى المرتكزة قد تكون بدعية غير شرعية كالمصداق فسيأتي دفعه.
الموثق إلى داود بن الحصين عن رجل من أصحابه عن أبي عبد اللَّه عليه السلام أنه قالوهو بالحيرة زمان أبي العباس: «اني دخلت عليه وقد شكّ الناس في الصوم، وهوواللَّه من شهر رمضان، فسلمت عليه، فقال: يا أبا عبد اللَّه، أصمُت اليوم؟ فقلت: لا،والمائدة بين يديه قال: فادن فكل، فدنوت فأكلت، قال: وقلت: الصوم معك والفطرمعك» فقال الرجل لأبي عبد اللَّه عليه السلام: تفطر يوما من شهر رمضان؟ فقال: «إي واللَّه،أفطر يوما من شهر رمضان أحب إلى من أن يضرب عنقي»(1).
والتقريب ما تقدم ويأتي في الرواية اللاحقة.
مرسلة رفاعة عن رجل عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: دخلت على أبي العباسبالحيرة فقال: يا أبا عبد اللَّه، ما تقول في الصيام اليوم؟ فقلت: ذاك إلى الامام، انصمت صمنا وان افطرت أفطرنا، فقال: يا غلام، علي بالمائدة، فأكلت معه وأنا أعلمواللَّه أنه يوم من شهر رمضان، فكان إفطاري يوما وقضاؤه أيسر عليّ من أن يضربعنقي ولا يعبد اللَّه(2)، فيبدو أن هذه الرواية هي السابقة لكن باسناد آخر.
وقوله عليه السلام «ذاك إلى الامام» كبرى لاتقية فيها إلّا أن التطبيق فيه تقية، إذ لايرفع اليد عنها بأصالة الجهة إلّا بالقدر المعلوم المتيقن.
وهو نظير ما ورد في أدلة الاستصحاب «لا تنقض اليقين....» في الشكّ فيالركعات من كون التطبيق محمول على التقية.
الصحيح إلى خلاد بن عمارة قال: قال أبو عبد اللَّه عليه السلام: «دخلت على أبيالعباس في يوم شك وأنا أعلم أنه من شهر رمضان وهو يتغذّى، فقال: يا أبا عبد اللَّه،ليس هذا من
أيامك، قلت: لم يا أمير المؤمنين؟ ما صومي إلّا بصومك، ولا افطاريإلّا بافطارك، قال: فقال: ادن، قال فدنوت فأكلت وأنا - واللَّه - أعلم أنه من شهررمضان»(1).
معتبرة أبي الجارود قال: سألت أبا جعفر عليه السلام: انا شككنا سنة في عام من تلكالاعوام في الاضحى، فلمّا دخلت على أبي جعفر عليه السلام وكان بعض أصحابنا يضحي،فقال: «الفطر يوم يفطر الناس، والاضحى يوم يضحي الناس، والصوم يوم يصومالناس»(2).
وهذه الرواية تدل على اعتبار احراز يوم عرفة الظاهري عند العامة لليومالواقعي، وأما دلالتها بالنسبة للمقام فان أهل العامة كانوا يتبعون أمير الحاج فيتعيينه وفي ثبوت هلال ذي الحجة فمن شئون أمير الحاج أنه يعين ويحكم بثبوتالهلال وما أشبه من الامور المختصة بالحج وتوابعه.
رواية منقولة عن رسالة المحكم والمتشابه عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: «وأماالرخصة التي صاحبها فيها بالخيار فان اللَّه نهى المؤمن أن يتخذ الكافر وليا، ثم منّعليه باطلاق الرخصة له - عند التقية في الظاهر - أن يصوم بصيامه، ويفطر بافطاره،ويصلي بصلاته، ويعمل بعمله، ويظهر له استعمال ذلك، موسعا عليه فيه، وعليه أنيدين اللَّه في الباطن بخلاف ما يظهر لمن يخافه من المخالفين»(3).
وما في الرواية من أن اتخاذ المؤمن للمخالف ولياً لما له من السطوة والسلطةالظاهرة كالتاسعة في أن القتية في الصغرى، لكنها من حيث الكبرى تامة.
أضف إلى هذه الروايات ما هو شائع ومتصل إلى زمن العباسيين من كون كم
الهلال أمره بيد القاضي أو الولي المتصرف - وان كان غاصبا - فهذه السيرة هذاالأمر الشائع له دلالة واضحة على أنه من وظائف القضاة وولاة الأمر بلا ريب.
وقد أشكل غير واحد: بأن اناطة هذه المسألة وتصنيفها من وظائف القاضي اوالولي المتصرف من بدع العامة.
وهذا الاشكال مدفوع من جهة أن النصب للقضاء في قوله عليه السلام «فأني جعلتهعليكم حاكما» جعل وأنشأ باستعمال اللفظ في نفس مفهوم القضاء او الحاكمالمستعمل عرفا في زمن الصادقين عليهما السلام في هذه التوابع أيضاً والتي كانتموجودة، فهي وان كانت من بدعهم - على فرض تسليم ذلك - لكن أصبح مركوزفي الاذهان أن من شئون القضاء البت في قضية الهلال وما أشبه ذلك.
فروايات نصب القاضي يتبادر من استعمال لفظة القاضي فيها إلى الاذهان أننفس صلاحيات قاضي العامة مجعولة لقاضي الخاصة، ولو أريد ما هو أضيق منهذا المفهوم لكان على الامام عليه السلام ينبّه إلى ذلك وعدم التنبيه والتحديد يدل على أندائرة الرجوع إلى قضاة العامة يرجع فيها إلى قضاة الخاصة بلا أدنى تفاوت.
جواب آخر: ان صلاحيات القاضي ليست في الحسم للنزاع فحسب، بل لابدمن وجود جناح تنفيذي للقاضي وقوة تنفيذية لاجبار الممتنع وردع الظلم وماأشبه، وإلّا لكان لغواً وحبراً على ورق، وهذه القوة التنفيذية ولائية لاقضائية، فمنلوازم القضاء القوة التنفيذية وإلّا يكون جهاز القضاء ناقصا وفائدته غير تامة، مععدم وجود يدٍ مبسوطة للقاضي في تطبيق وتنفيذ ما يحكم به.
فاذا كان كذلك من المستحيل أن يلحق بفصل الخصومة بت القاضي فيالموضوعات العامة التي فيها جنبة طريقية لكونه موضوعا عاما جماعياً.
وهي أدلة صلاحية ونيابة المجتهد الفقيه عن الامام المعصوم عليه السلام، ويدل علىذلك روايات:
مقبولة - بل معتبر - عمر بن حنظلة قال: سألت أبا عبد اللَّه عليه السلام عن رجلين منأصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث، فتحاكما إلى السلطان وإلى القضاة،أيحل ذلك؟ قال: «من تحاكم اليهم في حق أو باطل فانما تحاكم إلى الطاغوت، ومايحكم له فانما يأخذ سحتا، وان كان الحق ثابتا له، لانه أخذه بحكم الطاغوت، وماأمر اللَّه أن يكفر به، قال اللَّه تعالى «يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ»(1)، قلت: كيف يصنعان؟ قال: ينظران من كان منكم ممن قد روىحديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حكما فاني قد جعلتهعليكم حاكما(2).
وقبل الدخول في دلالة الرواية لا بأس بتحقيق سندها، وليس من يناقش فيهإلّا عمر بن حنظلة إذ لم يوثق، ولكن بمراجعة أحاديثه نجد بأن الصادق عليه السلام يتحدثمعه كما يتحدث مع كبار أصحابه من أمثال زرارة ومحمد بن مسلم، كما نجد فيأحاديثه تلك التشقيقات والمداقات التي لا يتلفت اليها إلّا نادرا، والتي تنم علىسعة باع الرجل في الفقه، كما أن طريقة جواب الامام له أيضاً تستدعي الانتباه إذيبين له كل نكات الشقوق والكليات المفرز بعضها عن البعض، كل ذلك يدل علىجلالة هذا الرجل.
وقد روى عنه زرارة بن أعين وعبد اللَّه بن بكير وعبد اللَّه بن مسكان وصفوانبن يحيى مضافا إلى رواية الوقت «اذاً لا يكذب علينا» حيث أن جوابه عليه السلام «اذاً»
راجع إلى عمر بن حنظلة لا إلى الوقت إذ لم يعين السائل الوقت المزبور، وإلىروايات أخرى في حاله مؤيدة لما تقدم.وقد يستشكل في مفاد الرواية من كون النصب المزبور في الرواية مختصبمورد النزاع(1)، بل ان الرواية ناظرة إلى قاضي التحكيم فلا ربط لها بالمقام.
وهو مردود: لان قوله عليه السلام «فإني قد جعلته عليكم حاكما» تعليل للرضا، لا أنالامام جعله علينا حاكما بسبب رضانا، بل الامام أمرنا بالرضا والانقياد العمليلانه جعله علينا حاكما.
أضف إلى ذلك: أن في الرواية أمر بالرضا، لا اشتراط نفوذ القضاء بالرضا، إذالقاضي المنصوب لا بد من الانصياع إليه .
فهذه الرواية بعد التأمل ظهورها تام في القاضي المنصوب، سيما وأن الشروطالتي تقدمت في صفات هذا القاضي لا تتلاءم بمجملها إلّا مع قاضي التنصيب، وأمااختصاصها بمورد النزاع فقد تقدم أنه في حالة التنازع لا بد للقاضي من سلطةتنفيذية أيضاً.
والرواية لم تقيد منصب القضاء بمورد الحسم والنزاع، بل هي مطلقة تشملجميع وظائف ومهمات القضاء المجعولة للسلطان والقاضي في ذلك الزمان، فهذهالرواية تثبت الكبرى وهي نيابة الفقيه الجامع للشرائط عن الامام منصب القضاء.
بل يمكن القول بأن هذه الرواية علاوة على أنها تثبت كبرى باب القضاء، فهيتثبت في الجملة بشكل صريح كبرى باب الولاية وأن المجتهد الفقيه له نيابة من قبلالامام المعصوم.
كما في صدرها «فتحاكما إلى السلطان وإلى القضاة» والتحاكم إلى السلطانحكم متولي الامور حيث أن القضاء له بالاصل غير منفك عن ولاية التصرف،
1) مستند العروة كتاب الصوم ج2 ص87.
وكلمة الحكم لا يقصد استعمالها في حسم القضاء بقرينة أن الرجوع إلى السلطانليس باعتبار موازين القضاء فحسب، بل للحكم الولوي أيضاً.
فكلمة الحكم الواردة في الصدر ليست مخصوصة بباب القضاء، والسلطان قديفصل بين النزاع والخصومات بصلاحياته الولوية، مضافا إلى أن أصل الوضعاللغوي للكلمة أيضاً لا يقتصر على باب القضاء بل استعمالها أعم من ذلك.
كما أن القضاء جناح من أجنحة الدولة واللسطان كما هو الحال في الهياكلالعصرية، ويشير إلى ذلك ما ورد من التحذير للمؤمنين من التحاكم إلى السلطانالجائر.
ففي صحيحة عبد اللَّه بن سنان عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: «أيما مؤمن قدّم مؤمنافي خصومة إلى قاض أو سلطان جائر، فقضى عليه بغير حكم اللَّه، فقد شركه فيالاثم»(1)، وفي الباب أحاديث أخرى بهذا اللسان تومي إلى أن التحاكم في السابقلم يكن مقتصرا على القضاة بل يشمل السلطان الجائر.
فوظائف القاضي في عصر صدور الرواية لم تكن مقتصرة على القضاء وحلالنزاعات، بل دائرته أوسع من ذلك بكثير، وللقضاة على مرّ التاريخ تصرفاتووظائف خارج دائرة الخصومات، فلهم تدخل في القضايا العامة السياسيةوالاجتماعية والاقتصادية ولهم بتّ في هذه المجالات، ولذلك يعتبر القاضي فيذلك الوقت بمثابة دولة داخل دولة.
وكان السلطان لا يقدم على اتخاذ قرار إلّا بعد أن يراجع قضاته فيهؤون لهالجو القانوني المناسب والمناخ الملاءم، وتهيئة الرأي العام لخطته الجديدة، ويعدمصدرا لوضع التشريعات، كالحكم بوجوب الجهاد وما أشبه ذلك، كما أن جميعالقضايا الحسبية كانت مناطة بباب القضاء، ومن أمثلة تدخل القضاة في الامورالعامة فتوى
1) الوسائل: أبواب صفات القاضي باب1 حديث1.
شريح القاضي لعنه اللَّه بأن سيد الشهداء عليه السلام خرج عن حده فقتل بسيفجده.
والاشكال ببدعيه التوسعة في الكبرى وعدم مشروعيتها كبدعية وعدممشروعية المصاديق مرت الاجابة عنه.
معتبرة أبي خديجة قال: قال أبو عبد اللَّه جعفر بن محمد الصادقعليه السلام: «أياكم أنيحاكم بعضكم بعضا إلى أهل الجور، ولكن انظروا إلى رجل منكم، يعلم شيئا منقضايانا، فاجعلوه بينكم، فإني قد جعلته قاضيا، فتحاكموا إليه»(1).
وقد خدش في المستند هذه المعتبرة(2)، بأنها ناظرة إلى قاضي التحكيم، أيالذي يتراضا به المتخاصمان - وهو لا يشترط فيه إلّا معرفة شيء من أحكامالقضاء ولا ينفذ حكمه إلّا في الخصومة المرفوعة إليه لا مجمل الموضوعات العامةكالهلال - لا إلى القاضي المنصوب ابتداءا الذي هو محل الكلام ويعتبر فيهالاجتهاد.
ويرد عليه: ما تقدم من الجواب في الرواية السابقة، من أن الفاء في الذيل«فإني» ليست للتفريع وانما للتعليل، إذ «فاجعلوه» أمر بالانقياد وبالانصياع إليهوالبناء العملي، وعللّه عليه السلام بقوله «فإني قد جعلته» فاستظهار قاضي التحكيم منها لاوجه له.
والغريب أنه خدش في دلالة معتبرة أبي خديجة، وارتضى في بعض كلماتهدلالة مقبولة - معتبرة - عمر بن حنظلة، ووجه الغرابة ان السياق في ترتيب الصغرىوالكبرى على نفس النمط، بل معتبرة أبي خديجة أبعد عن الاشكال.
وهي التوقيع الشريف الذي رواه الصدوق بسنده عن اسحاق بن يعقوب قال:سألت محمد بن عثمان العمري أن يوصل لي كتابا قد سألت فيه عن مسائل أشكلت
عليّ فوردت التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان عليه السلام: «أما ما سألت عنه أرشدك اللَّهوثبتك....» إلى أن قال: «وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فانهمحجتي عليكم وانا حجة اللَّه»(1).
وقد خدش في سند التوقيع ودلالته.
أما الأول: فلجهالة وعدم توثيق محمد بن محمد بن عصام الكليني، وكذااسحاق بن يعقوب فليس له أثر في كتب الرجال أيضاً.
وفيه: أن هذا التوقيع المبارك رواه الشيخ في كتاب(2)الغيبة عن جماعة -منهم الشيخ المفيد - عن جعفر بن محمد بن قولوية )استاذ المفيد والذي قال المفيدعنه افقه أهل زمانه( وأبو غالب الزراري )من شيوخ الطائفة الاجلاء( وغيرهماكلهم عن محمد بن يعقوب )ثقة الإسلام الكليني( عن اسحاق بن يعقوب...الحديث. كما رواه أيضاً الشيخ الطبرسي في كتاب الاحتجاج.
فالسند قطعي إلى الشيخ الكليني - قده - إذ يرويه جماعة من شيوخ وأعلامالطائفة عن جماعة أخرى مثلها أيضاً عن ثقة الإسلام الكليني، فليس ما يتوقف فيهإلّا صاحب التوقيع وهو اسحاق بن يعقوب، وقد احتمل بعضهم أنه من أقاربالكليني.
ويمكن أن يذكر لتوثيقه أن غالب الكتب كانت تستنسخ سيمّا التوقيعات، إذكان دأب رواة الاحاديث عن ذلك، حتّى يحصل التثّبت وعدم التدليس، وكانللتوقيعات الصادرة من الناحية المقدسة في عصر الغيبة الصغرى منزلة كبيرة عندالشيعة، فكانو يثبّتون فيها كل التثبّت، وهي سيرة عامة الشيعة فكيف بعلمائها سيمّامن مثل الكليني، إذ كانوا لا يرتضون كل من يدعي المكاتبة ولو عبر النواب، بلكان هناك جانب كبير من الحيطة والتثبت الشديد، وذلك لادعاء جماعة منالمنحرفين عن خط أهل البيت عليهم السلام النيابة الخاصة.
فكانوا لا يثقون بصدور التوقيع لاحد إلّا بعد أن يروا خط الامام عليه السلام، ويطمئنواإلى أنه خطه الشريف، حتّى وان كان صاحب التوقيع من المنزلة والجلالة الكبيرة،فهل يتوصر أن يقتنع ثقة الإسلام الكليني ويطمئن إلى هذا التوقيع ويرويه إلىجماعة من أعلام وشيوخ الطائفة من دون أن يطمئن ويثق بصاحب التوقيع كل الثقةأو لا أقل من تثبّته برؤية خط التوقيع، مضافا إلى أن أغلب من يكاتب الامام عليه السلامكان في الغيبة الصغرى وكيل بالواسطة وعلى منزلة خاصة.
فرواية الكليني لهذا التوقيع تدل على اطمئنانه بصدور هذا التوقيع، ووثوقهبالمكاتب وأنه بمنزلة جليلة، سيما وأن الكليني معاصر للنائب الثاني - رض -وعاش معه في بغداد، فصورة السند موجبة للاطمئنان بصدور هذا التوقيع منالناحية المقدسة بعد كون السلسلة أعلام وشيوخ الطائفة.
أما عدم رواية الكليني رحمه اللَّه لهذا التوقيع في الكافي فلأن دأبه كما هوملحوظ في كتابه على عدم اخراج التواقيع من الناحية المقدسة فيه، والظاهر أنذلك لكونه في الغيبة الصغرى حيث يتحرز من افشائها، سيما وأن كتابه ألّفهللانتشار في تلك الحقبة الزمنية.
وأما الثاني: فقد استشكل غير واحد - منهم المحقق الاصفهاني في حاشيتهعلى المكاسب(1)- أن «الحوادث الواقعة» اشارة إلى حوادث واقعة مذكورة فيصدر أسئلة التوقيع وهي حوادث علائم الظهور، أي استعملوا في الحوادث الواقعةقبل الظهور والفرج من الرواة الراوين لعلائم الظهور عن أهل البيتعليه السلام، ف«أل» فيقوله عليه السلام «الحوادث الواقعة» عهدية وليست جنسية فلا يمكن التمسك بها فيالمقام.
1) ج1 ص241.
ويؤيد في بادىء النظر أن لو كان المراد جعل حجية الرواة والفقهاء في مسندالفتيا والقضاء والتصرف في الامور العامة فما معنى التعبير ب«الحوادث الواقعة» إذالنيابة في مسند القضاء وكذا الفتيا ثابتة من زمن الامام الباقر عليه السلام بل منذ عهدالرسول صلى اللَّه عليه وآله وسلم كما تفيده أية النفر، ولذا ورد عن الامام الباقر عليه السلاممخاطبا لابان «اجلس في مسجد المدينة وافت الناس فإني أحب ان يرى فيشيعتي مثلك»(1).
فالحوادث المستقبلية ان كانت في الشبهات الحكمية، فذلك ليس مختصاًبالمستقبل، وان كانت في الشبهات الموضوعية ومورد النزاع فهذا ثابت قبل صدورالتوقيع، وان كان في الامور العامة والنيابة عن الامام المعصوم فليس هناك وجهللتخصيص بالمستقبل.
وفيه: ان سياق الاجوبة ليس سياقا واحدا، فالتوقيع مقطع فقرات وأجوبة عنأسئلة مختلفة ومتعددة لا ربط بين بعضها البعض، فهي كالاستفتاءات المتعددة التيترفع في هذه الأيام للفقيه والمجتهد لا يربط بينها السياق الواحد وكل جوابمنفصل عن غيره، مع أن بين فقرة تكذيب الوقاتين في التوقيع وفقرة المقام فقرةفاصلة عن الفرقة التي تزعم حياة الحسين عليه السلام.
وأما أن «أل» عهدية فهو بحاجة إلى دليل، بل هي جنسية إذ هو الظهور الاوليلما لم تقم قرينة سبق ذكر اللفظة أو ما هو بمعناها في البين، بل القرينة في ذيلالرواية تؤكد على أن «أل» جنسية وليست عهدية، وهي قوله عليهالسلام «فإنهم حجتيعليكم» إذ حجية نيابة الفقيه والراوي عن الامام المعصوم عليه السلام، ليست مختصة علىكل تقدير بروايات علائم الظهور.
هذا والتقييد بالمستقبل موردي بلحاظ المخاطب لا احترازي لنكتة اشتماله
1) رجال النجاشي ترجمة أبان بن تغلب.
على النيابة في التصرفات في الغيبة الكبرى.
وما في المستمسك من الخدشة - وكذا في المستند(1)- من اجمال المراد، وأنالرجوع إليه هل هو في حكم الحوادث، ليدل على حجية الفتوى، أو حسمها، ليدلعلى القضاء، أو رفع اشكالها واجمالها ليشمل المقام.
ففيه: أن اطلاق الحجية يتناول ويدل على الزوايا الثلاث، وهي منصب الفتوىوالقضاء والتصرف في الأمر.
واما أستفادة الوكالة والنيابة من قوله عليه السلام «هم حجتي» أي من كونهم حجة منقبل الامام عليه السلام وذلك لا يصدق على الارجاع في الفتيا بل يصدق على الارجاع فيالأمر الولوي، إذ في الفتيا ليسوا هم حجة للامام عليه السلام بل حجة اللَّه لانهم يخبرون عنأحكام اللَّه الواقعية.
فلسيت بتامة لان الرسول صلى اللَّه عليه وآله والائمة عليهم السلام في تبليغهمللاحكام الشرعية إلى الناس ليسوا صرف مبينين وكطريق محض، بل لهم موضوعيةلا أنهم مجرد طريق فقط كتصريح الناطق الرسمي للدولة في هذه الأيام عنالاصدارات القانونية لها.
هذا فضلا عما ورد من التفويض - بمعاني متعددة - في منطقة من التشريعاليهم، وهذا لا ينافي حجية الحكم العقلي كما لا يخفى، فاذا كان لهم هذا المعنى منالموضوعية فالذي يبيّن عنهم هو طريق على الحجة لا على الحكم الواقعي فياللوح المحفوظ.
ولك أن تقول: أن اخبار الراوي حجة على الحجة، كقيام البينّة على اليد واليدأمارة، لكن مع ذلك هي التي تتوسط بين البينّة والملكية، والبينّة حجة على اليدواليد حجة على الملكية.
نعم من التعبير ب«حجتي عليكم... وأنا حجة اللَّه» يستفاد النيابة بمقتضىالطولية في
1) المستمسك ج8 ص400، مستند العروة ج2 ص84 كتاب الصوم.
الاسناد في مادة وعنوان الحجية ومقتضى الاطلاق في الحوادث يتضحأن النيابة في الجملة ثابتة.
لكن مع ذلك قد تعارض مجمل القرائن على الاستظهار المزبور، بقرائن أخرىمخالفة إذ لو كان المراد الامور العامة والولوية لكان التعبير ب«مقاليد الامور بيدالفقهاء» أنسب من التعبير فيها ب«فارجعوا».
إذ الامور العامة التي بيد المتصرف لا عبرة فيها بارجاع ورجوع المكلف إليهإذ هو متسلط ونافذ اليد، فلا يقال ارجع إلى السلطة أو إلى الولي إذ الامور بيده،وأما الارجاع للفقيه في الشبهة الحكمية فذلك لتقوّم الاستعلام والمتابعة بالرجوع.
على أن الارجاع في الرواية فعليّ وهذا يتصور في الفتوى، إذ أنهم عليهمالسلام كانوا يرشدون الناس إلى الرجوع إلى رواة حديثهم، وعارفي حلالهموحرامهم، بينما النيابة العامة في الغيبة الصغرى وقت صدور المكاتبة لم تكن فعليةبعد فهذا دال على كون المقصود بالحوادث في المكاتبة هي الشبهات الحكمية.
وأما الطولية المستفادة من «حجتي عليكم... وأنا حجة اللَّه» فليست بمتعينةفي النيابة إذ الطريق الذي ينصبه عليه السلام يكون حجة من قبله، فالاجابة على أسئلةالرواة وبث الاحكام بينهم نصب منه للطريق، كما أنه عليه حجة اللَّه تعالى مبلغلاحكامه، هذا فضلا عن تعينها في الوكالة التي هي استنابة في الموارد المحدودةبخلاف النيابة.
فالمكاتبة في اثبات الكبرى قاصرة في الدلالة ويكفي في المقام مقبولة -معتبرة - ابن حنظلة وصحيحة أبي خديجة.
نعم قد يقال: أن الأمر بالرجوع إلى الفقهاء أمر بتحقيق بسط أيديهم حيث أنالمفروض كونهم في ظل الدول الوضعية، نظير الأمر بالتحاكم اليهم والرجوع فيالخصومات اليهم وحرمة الرجوع إلى قضاة الجور، فمضافا إلى دلالته بالالتزام
على كون مسند القضاء لهم دال بالمطابقة على وجوب تحقيق بسط يدهم فيالقضاء عبر الترافع اليهم، وإلّا من كان مبسوط اليد فعلا منهم في القضاء الترافع إليهأمر حاصل في الغالب بمقتضى بسط يده فليتدبر وليتأمل.
وعلى تقدير تمامية دلالة الرواية فهي أتم من سابقتيها وأبعد عن الاشكالالمعروف، وهو ما أومأنا إليه في «ملكية الدول الوضعية» في بحث الحكم الولوي،من أن نصب والي الاصل - المعصوم عليه السلام - الفقهاء قضاة أو حكاماً في عهد ولايتهيمتد بطبيعة الحال إلى الحقبة الزمنية التي يقوم فيها باعباء الخلافة الالهية، ولايتجاوز إلى حقبة امام آخر.
فاذا كان النصب للقضاء أو للحكم والنيابة العامة من الصادق عليه السلام فكيف يمتدإلى عصر الغيبة الكبرى في ظل امامة صاحب العصر والزمان، لا سيما وأن ما قبلهذه الفترة - عصر الغيبة الصغرى - قد نصب الامام الحجة «عجل اللَّه تعالى فرجهالشريف» النواب الاربعة بالخصوص للقيام بالامور العامة للشيعة وتدبير شؤونهم،فكأن النيابة العامة لم تكن منصوبة - أي منقطعة - في تلك الفترة.
ويتضح ذلك بالتصفح في شجرة الوكلاء غير المباشرين للنواب الاربعةالمنتشرين في أرجاء البلاد، كما أثبتتها المجاميع الروائية.
إلّا أنه مضافا إلى ما ذكرناه في الاجابة عن الاشكال في الكتاب المزبور، أنالنيابة العامة للفقهاء في القضاء أو الحكومة كانت تجامع النيابة الخاصة في عهدالائمة السابقينعليهم السلام، فلاحظ نصب الصادق عليه السلام بالعموم لاي فقيه عادل للقضاء أوالحكم مع أنهعليه السلام في عهده كان له نواباً خاصين كالمفضل ابن عمرووغيره،وللكاظم عليه السلام أيضاً كذلك وهم الذين صاروا رؤوساء الواقفية بعد ذلك، وللرضاعليه السلامعبد العزيز المهتدي وغيره، وللهادي أبو علي بن راشد وغيره.
والسر في ذلك أن الائمة عليهم السلام حيث لم تكن لهم حكومة ظاهرة بلكانت
حكومتهم على أتباعهم المنقادين اليهم في شتى المجالات بالخفاء، كانتنسيق اقامة هذه الحكومة «الخفية» انما يتم بمثل ذلك التنسيق الذي يجمع بينالنواب المنصوبين بالخصوص والنواب المنصوبين بالعموم، فعليه لا انقطاع فيالنيابة العامة في الغيبة الصغرى، كما يرشد إليه الارجاعات المتكررة للحجية عليه السلامفي التوقيعات إلى أحاديث آبائه الصادقين عليهم السلام التي كان ينقلها الرواةوالفقهاء.
ويمكن أن يضاف إلى ما أفاده الشيخ الاستاذ في توثيق وتعديل عمر ابنحنظلة عدة من الامور بأجمعها تجعلنا نطمئن ونثق بما يرويه ونجعله في مصافالثقات العدول بل عيون الطائفة.
يدل على ذلك صحيحة محمد بن مسلم، أن أمرأة من آل المختار حلفت علىاختها أو ذات قرابة لها، وقالت: ادني يا فلانة، فكلي معي، فقالت: لا، فحلفت،وجعلت عليها المشي إلى بيت اللَّه الحرام، وعتق ما تملك وأن لا يظلها وإياها سقفبيت أبداً، ولا تأكل معها على خوان أبداً، فقالت الأخرى مثل ذلك، فحمل عمر ابنحنظلة إلى أبي جعفر عليه السلام مقالتهما، فقال: انا قاض في ذا، قل لها: فلتأكل معها،وليظلها واياها سقف بيت، ولا تمشي، ولا تعتق، ولتتق اللَّه ربها، ولا تعد إلى ذلك،فان هذا من خطوات الشيطان(1).
فيلاحظ منها ان في ابتلاء بيت من بيوتات الشيعة المرموقة بالكوفة كآلالمختار بمسألة شرعية جعل عمر ابن حنظلة الكافل والمتصدي لحلها عبر حملهاإلى المعصوم عليه السلام في الحجاز، وهذا كان شأن فقهاء الطائفة ووجوهها في الكوفةحيث يرجع اليهم في حل المسائل الابتلائية اليومية.
ونقل محمد بن مسلم هذه الواقعة الذي كان المتصدي الشرعي فيها عمر ابن
1) الوسائل كتاب الايمان باب11 حديث10، نقلا عن الكليني ونوادر الاشعري.
حنظلة يدل على اعتداده بجلالته العلمية ومكانته في الطائفة، كما هو المتعارفلدى الشيعة الحامل رسائلهم الشرعية ذات الاهمية، إذ لم يكن المتصدي لتبيانالاحكام الشرعية عن المعصوم عليه السلام إلّا من هو فقيه ووجه وعين في الطائفة يشهدلذلك سيرتهم طول عصر الحضور.
كما يدل أيضاً على أن ابن حنظلة كان من خصيصي أصحاب الباقر عليه السلام، إذ أنمحمد بن مسلم من أبرز أصحابه عليه السلام.
ويدل على ذلك أيضاً ما رواه الكليني بسنده عن يزيد بن خليفة قال: قلت لأبيعبد اللَّه عليه السلام ان عمر بن حنظلة أتانا عنك بوقت فقال أبو عبد اللَّه عليه السلام: اذاً لا يكذبعلينا(1).
وقد أشار اليها الشيخ الاستاذ في بحثه بشكل مقتضب، ولكون هذه الرواية منعمدة ما يستدل به على وثاقة وجلالة ابن حنظلة لا بأس بالتمعن فيها سندا ودلالة.
اما سند فقد خدش فيه لعدم وثاقة ولوقف يزيد بن خليفة.
وفيه: أن عدم توثيقه لا يضر بعد رواية جماعة من أصحاب الاجماع عنه، فقدروى عنه ابن مسكان وصفوان ويونس، والعصابة مجتمعة على تصحيح ما يصحعن هولاء، كما أن الشيخ في العدة صرح بأن صفوان وابن أبي عمير لا يرويان إلّاعن ثقة وادعى على ذلك الاجماع، وروايتنا هذه رواها يونس، فحتى لو لم يوثقبل لو ضعف - فانه لا يؤثر في قبول الرواية بعد الاجماع على تصحيح ما يصح عنه.
كما روي عنه أيضاً جماعة من الثقات منهم ابو المعزاء وحنان بن سديروعاصم بن حميد وعبد الكريم وغيرهم، ووقفه لا يمنع من قبول روايته، وقد مدحهالامام الصادق عليه السلام وعده من نجباء بني الحارث بن كعب، وان محبتهم عليهم السلامفي بني الحارث لقليل(2).
أما دلالة: فكما أفاده الشيخ الاستاذ أن جوابه عليه السلام «اذاً» راجع إلى عمر بنحنظلة لا إلى الوقت إذ لم يعين السائل الوقت المزبور.
وما أفاده الشهيد الثاني في بعض حواشيه أن التعبير «إذا لا يكذب علينا» اداةالنفي داخلة على الفعل المضارع المفيد للاستمرار وهو بمثابة الصفة المشبهة لكونهصدوقا، وإلّا لقال عليه السلام «إذا لم يكذب علينا» لنفي الكذب في المورد، وبذلك يظهرأنه راجع إلى عمر لا إلى خصوص الوقت.
وهذا الحديث يدلى على جلالة ابن حنظلة وان منزلته عند الائمة عليهم السلامكمنزلة أبي بصير وزرارة وغيرهما من أجلة الرواة، وذلك لان مسألة أوقات الصلاةفي عهد الصادق عليه السلام كانت محل خلاف مشهور مذكور في الروايات بين البيوتات -بيت أبي بصير ومحمد بن مسلم وزرارة - وقد جاء ابن حنظلة بوقت عن الصادقعليه السلام كما في رواية المقام وغيرها وهو منشأ تساءل ابن خليفة عن ذلك الوقت منالصادق عليهالسلام، فتخصيص ابن حنظلة بوقت فيه دلالة واضحة على ماأفاده الشيخالاستاذ من أن الصادق عليه السلام يتعامل معه كما يتعامل مع كبار أصحابه.
وسؤال يزيد بن خليفة للامام عليه السلام لا لكونه شكا في عدالة ووثاقة ابن حنظلةوانما لكون المسألة ذات حساسية خاصة ومحل خلاف بين البيوتات العلميةالشيعية في ذلك الوقت.
فلقد روى عنه جماعة من أجلاء وأعيان الطائفة، ممن أجمعت العصابة علىتصديقهم والانقياد لهم بالفقه وتصحيح ما يصح عنهم، وهم:
1 - زرارة بن أعين.
2 - محمد بن مسلم.
3 - عبد اللَّه بن مسكان.
4 - عبد اللَّه بن بكير.
5 - صفوان بن يحيى.
كما روى عنه أيضاً ابن أبي عمير، وابن محبوب وفضالة ويونس بالواسطة.
فرواية هؤلاء الاجلاء تكشف عن منزلة وجلالة ابن حنظلة، وهذا يكفي فياعتباره وتوثيقه بل تعديله، والاصحاب في موارد عديدة من الفقه وثقوا جماعةمن الرواة وعملوا باحايثهم لرواية جماعة من أصحاب الاجماع عنهم، كما أنرواية هؤلاء الكبار مؤيد ومعاضد على كونه وجها من وجوه الطائفة كما ذكرنا فيالوجه الأول، كما أن رواية صفوان وابن أبي عمير عنه شاهد ومؤيد لكونه منالثقات، إذ أن الشيخ في العدة صرح بأن الطائفة سوت بين مراسيلهما وما أسندهغيرهما لكونهما لا يرويان إلّا عن ثقة.
ذكر الوحيد البهبهاني - ره - في التعليقة: أن رواية جماعة من الاصحاب عنشخص أو رواية كتابه من امارات الاعتماد عليه(1).
وعمر ابن حنظلة ممن روى عنه جماعة كثيرة من الاصحاب، بعضهم من كبارالفقهاء وعظماء الرواة، فقد روى عنه أكثر من عشرين ثقة وجليل، بالاضافة إلىاصحاب الاجماع الذين تقدمت أسماءهم، من هؤلاء الرواة.
1 - ابراهيم بن عمر، قال في حقه النجاشي شيخ من أصحابنا ثقة.
2 - احمد بن عائذ، وثقه النجاشي، وقال عنه ابن فضال بأنه صالح.
3 - اسماعيل الجعفي، قال العلامة اسماعيل بن جابر الجعفي ثقة ممدوح.
4 - اسماعيل بن مهران، قال النجاشي والشيخ: ثقة معتمد عليه.
5 - ابو المعزا حميد بن المثنى وصفه النجاشي ثقة ثقة، ووثقه الشيخ وله أصل.
1) مقباس الهداية ج2 ص262.
6 - ابو أيوب الخزاز ابراهيم بن عيسى، قال النجاشي ثقة كبير المنزلة، ووثقهالشيخ والعياشي، وفي الرسالة العددية للشيخ المفيد أنه من الفقهاء والاعلام.
7 - بندار بن عاصم، روى عن أبي عبد اللَّه عليه السلام مرفوعا.
8 - الحارث بن المغيرة، قال النجاشي: ثقة ثقة، وروى الكشي بسند صحيحعن يونس بن يعقوب قال: كنا عند أبي عبد اللَّه عليه السلام فقال: أمالكم من مفزع، امالكممن مستراح تستريحون إليه، ما يمنعكم من الحارث بن مغيرة النضري فهذا يدلعلى عظمة الرجل ورفعة شأنه وعلو قدره، وهو لم يرو إلّا عن ثلاثة من أصحابالصادقين عليهما السلام وهم حمران بن أعين ومنصور بن حازم وعمر ابن حنظلة،وقد روى عنه حديثا في الوقت.
9 - حريز، وثقه الشيخ، وهو من أجلاء الرواة.
10 - حمزة بن حمران، وروى عنه أصحاب الاجماع وعدة من الثقات.
11 - داود بن الحصين، وثقه النجاشي، وروى عنه صفوان والبزنطي.
12 - ذريح المحاربي، له أصل وثقه الشيخ، وروى عنه أصحاب الاجماع.
13 - سيف بن عميرة، وثقه النجاشي والشيخ، وروى عنه جماعة كثيرة.
13 - عبد الكريم بن عمرو الخثعمي، قال عنه النجاشي ثقة ثقة عينا يلقب كرام.
14 - علي بن الحكم، قال عنه الشيخ ثقة جليل القدر.
15 - علي بن رئاب، قال عنه الشيخ له أصل كبير وهو ثقة جليل القدر.
16 - عمر بن أبان، وثقه النجاشي روى عنه جماعة.
17 - المفضل بن صالح أبا جميلة، ضعف.
18 - منصور بن حازم، قال النجاشي: ثقة عين صدوق من جملة أصحابنا وفقهائهم.
19 - موسى بن بكير الواسطي، له أصل روى عنه جماعة منهم عبد اللَّه بنالمغيرة
وجعفر بن بشير وابن عمير وأكثر عنه صفوان.
20 - هشام بن سالم، قال النجاشي ثقة ثقة، وعده المفيد من الرؤساء الاعلام.
21 - يزيد بن خليفة، وقد مر الكلام فيه.
فكثرة رواية الاجلاء عنه تجعلنا نطمئن - بل نجزم - ونعتمد على ما يرويه، إذالمتصفح والمتتبع لاحوال الرواة يجد بان الاصحاب وأجلاء الطائفة ما كانوايجمعون ويأخذون عن أحد إلّا إذا كان ذا منزلة ووجاهة رفيعة.
وكان دأبهم غمز من يروي عن الضعفاء حتّى وان كان من الاجلاء، بل نجدهمأيضاً يتجنبون عن رواية من يروي عنهم.
فهذا أحمد بن محمد بن عيسى الاشعري القمي أخرج الشيخ الجليل أحمد بنمحمد البرقي من قم لانه يروي عن الضعفاء، وترك الرواية عن سهل بن زيادلاتهامه بالغلو، ولم يروعن الحسن بن محبوب لاجل اتهامه بالرواية عن أبي حمزةالثمالي أو ابن أبي حمزة(1).
وقد ذكر النجاشي في ترجمة جعفر بن محمد بن مالك قال: سمعت من قال كانأيضاً فاسد المذهب والرواية، ولا أدري كيف روى عنه شيخنا الجليل الثقة ابو عليبن همام وشيخنا الجليل ابو غالب الزراري وليس هذا موضع ذكره.
وقال الكشي في صدد مدح محمد بن سنان: وقد روى عنه ابن شاذان وأبوهموسى ومحمد بن عيسى ومحمد بن الحيسن بن أبي الخطاب والحسن والحسينابنا سعيد الاهوازي وأيوب بن نوح وغيرهم من العدول الثقات من أهل العلم.وكلامه أمارة على أن رواية الاجلاء عن محمد بن سنان تنافي القدح فيه، وأنرواية العدول والاجلاء عن شخص عبارة عن توثيقهم بل في بعض الاحالاتتعديلهم له.
1) النجاشي 217 / 1 رقم 296.
وهذا ينبىء عن كونه متعلقا ومرتبطا بهم عليهم السلام، ومن كان حاله هكذايمكن أن يعتمد على رواياته وأقواله، ولذا ورد عنهم عليهم السلام «اعرفوا منازلالناس على قدر رواياتهم عنا»(1).
نعم يمكن أن يقال: ان الرواية ليست بصدد اعطاء ضابطة الجلالة والوثاقة علىضوء كثرة الرواية مطلقا ومن أي صدرت بل أن وثاقة الراوي وحجية قولهمفروضة مسبقا في الرواية وإلّا لامكن أن يكتب المرء من الكتب ما شاء وينسبهاإلى الائمة وتثبت بذلك وثاقته(2).
وهو وجيه لو كان راوي احاديثهم عليهم السلام نكرة لا يعرف، اما من كانحاله كعمر بن حنظلة الذي روى عنه جماعة من اعاظم اصحاب الائمة عليهمالسلام الباقر والصادق والكاظم عليهم السلام - كزرارة وابن مسكان ومحمد بنمسلم وحريز وغيرهم فينطبق عليه هذا الحديث ويكون من أبرز مصاديق.
بسنده علي بن الحكم عن ابن حنظلة عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: ياعمر لا تحملوا على شيعتنا، وارفقهوا بهم، فان الناس لا يحتملون ماتحملون. )الوسائل حديث رقم 21240).
ورواه الشيخ بسنده عن ابن حنظلة قال: قلت لأبي عبد اللَّه عليه السلام: القنوت يومالجمعة، فقال: أنت رسولي اليهم في هذا إذا... الحديث )الوسائل رقم 7937).
وما في العوالم نقلا عن اعلام الدين من كتاب الحسين بن سعيد قال: قال ابوعبد اللَّه عليه السلام لعمر بن حنظلة: يا أبا صخر، انتم واللَّه على ديني ودين آبائي، وقالواللَّه لنشفعن، واللَّه لنشفعن - ثلاث مرات - حتّى يقول عدونا: فما لنا من شافعينولا صديق
حميم. )رجال المامقاني ج2 ص342).
وما في بصائر الدرجات للصفار بسنده عن داوود بن أبي يزيد عن بعضأصحابنا عن عمرن بن حنظلة فقال: قلت لأبي جعفر عليه السلام اني أظن ان لي عنك منزلةقال: أجل، فقلت فعلمي الاسم الاعظم، قال: أتطيقه قلت: نعم... الحديث...(البصائر ج4 ص12 في أن الائمة اعطوا الاسم الاعظم).
كل هذه الامور يمكن أن يستكشف منها ثقة وعدالة ابن حنظلة وان كانللنقاش مجال في بعضها، لكن بأجمعها تشكل دلالة واضحة على الاعتمادوالاطمئنان بما يرويه وعده من الوجوه والاجلاء.
ومن مسك الختام ان أخاه (علي بن حنظلة) ممن استفيد توثيقه من اعتمادجعفر بن سماعة والحسن بن محمد سماعة لروايته، مع كونه دون أخيه في الشهرةوالجلالة ورواية الكبار عنه.
الرسالة الثالثة
الفجر في الليالي القمرية
هل يتأخر الفجر في الليالي المقمرة عن غيرها؟ أو أنه لا يتأخر بل هو بوزانبقية الليالي، فلا فرق في تحقق الفجر بين الليالي المقمرة وبين غيرها في كون الفجرحقيقة واحدة لا تفاوت فيها.
قد أثار هذا البحث المحقق الهمداني - قده - في مصباح الفقيه، وارتأى أنالليالي المقمرة يتأخر فيها الفجر، وجزم بان ذلك ظاهر فتاوى الاصحاب.
كما أشار صاحب الجواهر - قده - إلى وجهي المسألة ولم يجزم بالتأخّر وانماأبدى احتياطه في التأخر في الليالي المقمرة، إذ قال «نعم ينبغي التربص فيه حتّىيتبين ويظهر، خصوصا في الليالي البيض والغيم، للاحتياط في امر الصلاة، وايماءالتشبيه بالقبطية البيضاء ونهر سوري وخبر ابن مهزيار»(1).
وما أفاده يغاير ما اختاره المحقق الهمداني، إلّا أن فيه اشارة خفية له، ولعلهاسببت اثارة هذه المسألة بصورة مستقلة.
ومن الفقهاء الذين اختاروا ذلك تبعا للمحقق الهمداني السيد الامام الخميني«قده» فقد جزم بتأخر الفجر في الليالي المقمرة، واستدل بوجه يختلف عمّا ذكرهالمحقق الهمداني.
وقبل الدخول في البحث عن كلا الوجهين المُستدل بهما في المقام لا بد منصرف العنان إلى معرفة موضوع المسألة التكويني بصورة واضحة.
1) جواهر الكلام ج7 ص96.
حيث أن الأرض أصغر من الشمس وذات شكل كروي فحينما تنعكس أشعتهاعلى الأرض يحدث ظل مخروطي الشكل في الوجه غير المواجه للشمس قاعدتهملاصقة للارض، بينما رأسه يمتد بعيداً في الفضاء، وهذا الظل يدور حول الأرضخلال 24 ساعة.
عکس
وخلال المدة المذكورة تدخل في هذا الظل جميع نقاط الأرض، فأحد حافتيهغروب والحافة الأخرى فجر، فأي نقطة تدخل في هذا الظل المخروطي يبدأعندها الغروب وكلما استمرت الأرض بالحركة فان هذه النقطة تلج في اعماق هذاالظل إلى أن تصل إلى نصفه، فيكون الوقت نصف الليل، وحينما تصل إلى حافة هذاالمثلث يكون الوقت بداية الفجر.
وقبيل ما تخرج النقطة من هذا الظل المخروطي يبدأ سطوع نور الفجر الكاذب،وهو نور مستطيل مستدق عمودي على الأفق فكلما افترب إلى الأفق أستدق أكثرولذا سمي «برنب سرحان».
ومنشأ تكوّنه وحدوثه أن النقطة الارضية التي تكون قريبة من الخروج منتحت الظل المخروطي، يكون فضاؤها القريب من أفق الأرض داخل في ظلالمخروط، أما فضاؤها العمودي إلى أعالي السماء يكون خارجاً عن الظلالمخروطي تتواجد فيه الاشعة المحيطة بالمخروط، فيمكن مشاهدتها في أعاليالأفق بسبب انعكاس تلك الاشعة بتوسط الابخرة الجويّة في الغلاف الهوائي.
وسمي بالكاذب لعدم تعقبه بطلوع واشراق الشمس فليس بعده إقبال النهار.
ثم يبدأ هذا النور بالاختفاء في نور أشد بياضا منه معترضا في الأفق، وهوالفجر الصادق على هيئة خيط ضعيف أبيض مطبق على الأفق يأخذ في الانتشارحتّى يملىء السماء، ثم تبدأ شيئا فشيئا تظهر هالة الشمس وبعد ذلك يشرققرصها، فحالة الفجر الصادق ليست هي في عمق النهار ولا في غسق الليل وانماهي برزخ بين الليل والنهار.والشمس عند اعتراض النور والفجر الصادق تكون تحت الأفق 18 درجة،وبعد أن تقطع الشمس هذه الدرجات يبدأ قرصها بالبروز، فالفجر هو اقترابالشمس تحت الأفق بالمقدار المزبور، وهذا تعريف للفجر باللازم، وإلّا فحقيقةالفجر هو الخيط المعترض.
ان قلت: كيف يحدّد الهيويون هذا المقدار (18 درجة تحت الأفق( للشمسكبداية لتكوّن الشمس مع أنّنا نشاهد بالوجدان اختلاف مقدار الفجر في فصولالسنة بين الساعتين إلى السعة والنصف في البلاد الواقعة على 45 - 30 درجةعرضية فهو يكشف عن اختلاف المقدار المزبور.
قلت: ان المقدار المزبور ثابت في فصول السنة غاية الأمر ان مدار حركةالشمس وطيّها لذلك المقدار تارة بنحو مائل وأخرى بميل يسير أو مستقيم، ألاترىأن النهار وقوسه يختلف طولاً وقصراً في فصول السنة مع أن المدار غير المائل بينالأفق الشرقي والغربي ثابت إلّا أن مدار الشمس بينهما تارة مائل جداً واخرىبميل متوسط وثالثة بميل يسير جداً.
وهكذا الحال في القوس الخفي لمدار الشمس الذي يكون الفجر مقدار منه،وهكذا أيضاً تفسير تفاوت مقدار الفجر في الآفاق المختلفة العرض في الفصلواليوم الواحد.
قالقدس سره: مقتضى ظاهر الكتاب والسنة وكذا فتاوى الاصحاب، اعتبار اعتراضالفجر وتبيّنه في الأفق بالفعل فلا يكفي التقدير مع القمر لو أثّر في تأخر تبيّنالبياض المعترض في الأفق، ولا يقاس ذلك بالغيم ونحوه فانه ضوء القمر مانع عنتحقق البياض ما لم يقهره ضوء الفجر والغيم مانع عن الرؤية لا عن التحقق(1).
ويستشهد لذلك أن الوجود التقديري لا اعتداد به في الموضوعات، ففي بابالطهارة لا عبرة بالتغيّر التقديري بأوصاف النجس في حصول النجاسة بل العمدةهو التغيّر الفعلي، نعم ما كان موجوداً ممنوعاً من الرؤية يعدّ وجوداً فعلياً، إذ أنظهور كل قضية ذات موضوع ومحمول هو في ترتيب المحمول على الوجود الفعليللموضوع لا لوجوده التقديري.
ويرد عليه: أن الفجر فعلا موجود غاية الأمر هو من قبيل النور الضعيفالمتشابك مع نور قوي، ولذا أفتى الفقهاء بالنجاسة، في بعض أقسام التغييرالتقديري، كأن تكون بعض حمرة الدم موجودة بامتزاج مع حمرة الماء.
1) مصباح الفقيه ج2 ص25.
مع أنه في باب الطهارة والنجاسة المناط على القاهرية، من قبل النجاسة للماءلقوله عليه السلام «كلما غلب لون الماء البول...» أي على درجة وحد خاص من وجودالموضوع وهو الوجود القاهر، بخلافه في المقام، إذ المدار على صرف الوجودالفعلي للفجر غاية الأمر أنه غير متميز وغير منحاز عن نور القمر بل مندمجومنطمس ومنغمس في ضوء القمر، لا انه غير موجود فعلا.
ان موضوع الفجر هو الضوء المتميز بمفرده القاهر لنور القمر، واستدل فيالمقام بالاية الكريمة وبمجموعة من الاحاديث.
قال في معرض استفادته من الآية الشريفة وهي قوله تعالى (فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ) وظاهر أن الظاهر منالتبيين والتميز هو التميز الفعلي التحقيقي، كما هو الشأن في كل العناوين المأخوذةفي العقود والقضايا.
فان قلت: ان التبيين قد أخذ على وجه الطريقية، أي حتّى تعلم الصبح، فالعلموالتبين حيثما أخذا في القضايا، يكون ظاهرين في الطريقية، فالتبين طريق إلىالصبح الذي هو ساعة معينة لا تختلف بحسب الأيام ذلك الاختلاف بالضرورة فلابد من القول بالتقدير.
فكأنه قال: كل واشرب حتّى تعلم الفجر الذي هو وصول شعاع الشمس إلى حدالأفق بحيث لو لم يكن مانع يرى آثاره.
أو نقول: ان تبين الخيط الابيض من الخيط الاسود امارة للفجر الذي هووصول شعاع الشمس بحد خاص من الأفق، فالعلم به يكون متبعاً ولو تخلفتالامارة.
قلت: كل ذلك خلاف ظاهر الآية الشريفة، فان ظاهرها أن تبيّن الخيطينوامتيازهما واقعا هو الفجر، لا أن الفجر شيء آخر.
نعم يكون العلم امارة لهذا التبيّن والامتياز النفس الأمري.
والحاصل: أن أمتياز الخيطين وتبينهما لا واقع له إلّا بتحقق الخيطين حسا، فاننور القمر إذا كان قاهرا لا يظهر البياض، فلا يتميز الخيطان حتّى يظهر ضياءالشمس ويقهر على نور القمر.
وبعبارة أخرى ان تقوم هذا الامتياز والتبين الذي هو حقيقة الفجر بحسبظاهر الآية الشريفة بظهور ضياء الشمس وغلبته على نور القمر، ولا واقع له إلّاذلك.
هذا لو كان كلمة «من» للتبيين كما لعله الظاهر.ويحتمل أن تكون للنشو، فيصير المعنى أن ذلك التبيين والامتياز لا بد وانيكون ناشيا من بياض الفجر، والفرض أن بياضه لا يظهر حتّى يقهر على نور القمرحسا.
وأما جعل كلمة «من» تبعيضية فبعيد، كما لا يخفى.
وأما ما ذكرت أخيرا من جعل الامتياز الكذائي امارة للفجر، ويكون الفجروصول شعاع الشمس إلى حد خاص من الأفق فهو أيضاً خلاف الظاهر من الآيةالشريفة كما لا يخفى.
فان قلت: بناء على جعل «من» نشوية يكون الفجر غير التبين والامتيازالكذائي، فيكون الامتياز امارة له فيتم المطلوب.
قلت: مع ان جعلها نشوية خلاف الظاهر، بل هو احتمال ابديناه والمفسرونجعلوها للتبين او التبعيض، أنا لو تكلمنا في نفس الآية الشريفة يمكن لنا أن نقولان غاية الاكل والشرب هي هذا الامتياز لا الفجر، فتدبر تعرف الأمر.
قال: وأما السنة فكثيرة ظاهرة في المطلوب، بل بعضها كالنص عليه.
فمنها ما عن الفقيه عن أبي بصير ليث المرادي.
)قال: سألت أبا عبد اللَّه عليه السلام فقلت: متى يحرم الطعام على الصائم وتحل الصلاةصلاة
الفجر؟ فقال: إذا اعترض الفجر فكان كالقبطية البيضاء، فثمّ يحرم الطعام علىالصائم وتحل الصلاة صلاة الفجر، قلت: أفلسنا في وقت إلى أن يطلع شعاعالشمس؟ قال: هيهات أين يذهب بك، تلك صلاة الصبيان((1).
ومنها رواية هشام بن الهذيل عن أبي الحسن الماضي عليه السلام.
(قال: سألته عن وقت الفجر؟ فقال: حين يعترض الفجر فتراه مثل نهرسوراء)(2).
ومنها ما عن فقه الرضا.
وظاهر أن الكون كالقبطية، ونهر سورى، وامثال هذه التعبيرات لا ينطبق إلّاعلى التميز الحسي، والاضائة الحسية.
واظهر منها خبر على بن مهزيار.
(قال: كتب أبو الحسن بن الحصين إلى أبي جعفر الثاني عليه السلام معي: جعلت فداكقد اختلفت موالوك في صلاة الفجر، فمنهم من يصلي إذا طلع الفجر الأول المستطيلفي السماء، ومنهم من يصلي إذا اعترض في أسفل الأفق واستبان، ولست أعرفأفضل الوقتين فأصلي فيه، فان رأيت أن تعلمني أفضل الوقتين وتحده لي، وكيفأصنع مع القمر والفجر لا يتبين معه، حتّى يحمر ويصبح، وكيف أصنع مع الغيم وماحد ذلك في السفر والحضر؟ فعلت ان شاء اللَّه، فكتب عليه السلام بخطه وقرأته: الفجريرحمك اللَّه هو الخيط الابيض المعترض، وليس هو الابيض صعدا فلا تصل في سفرولا حضر حتّى تبيّنه، فإن اللَّه تبارك وتعالى لم يجعل خلقه في شبهة من هذا، فقال:(وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ) فالخيط الابيض هو المعترض الذي يحرم به الاكل والشرب في الصوم، وكذلك هوالذي يوجب به الصلاة((3).
فالخيط الابيض هو المعترض الذي يحرم به الاكل والشرب في الصوم وكذلكهو الذي يوجب الصلاة.
واشتماله على الغيم في سؤال السائل، لا ينافي ما نحن بصدده فان الفرق بينضوء القمر الذي هو مانع عن تحقق البياض رأسا، مع الغيم الذي هو كحجابعارض مانع عن الرؤية واضح.
هذا كله مضافاً إلى أن مقتضى الاصل او الاصول ذلك، ولا مخرج عنها، فانالادلة لو لم تكن ظاهرة فيما ذكرنا، لم تكن ظاهرة في القول الآخر، فلا محيص إلّاعن التمسك بالاستصحاب الموضوعي، او الحكمي مع الخدشة في الأول كماذكرت في محلها« انتهى كلامه قدس سره.
وفيه: ان التبيّن كطريق لا أنه ذي الطريق وله موضوعية بل هو طريق للفجر، إذظهور هذه الصفة كذا بقية الصفات الادراكية كما ذكره صاحب الكفاية - قده - فيالاراءة المحضة والاستطراق، فلا تكون ظاهرة في جزء الموضوع إلّا مع المؤونةالزائدة والقرينة الخاصة، فليس الموضوع في المقام هو صفة التبيّن بل هو الضوءالمعترض.
غاية الأمر الضوء المعترض لا يتميز لوجود الحاجب، فما أشبه نور القمربأنوار الكهرباء او الغيم إذ هي مانعة عن رؤية النور المعترض كما هو الشأن في نورالقمر.
فلو بني على أن «من» للتبيّن فدعوى أن التبيّن هو نفس الفجر ينافي الظهورالاولي لهذه الصفات الادراكية الطريقية، إذ لا بد من قرينة جلية قوية على جزئيتهاللموضوع وموضوعيتها كي تحمل هذه الصفات على الموضوعية مع انه قد مر أنالدليل العقلي الهيوي هو على أن الفجر الخيط الابيض المعترض المستعقبللانتشار ولهالة الشمس وهو أيضاً كون الشمس 18 درجة تحت الأفق.
فالعمدة في الرد أن التبيّن طريق لا أنه حقيقة الفجر وهذه الموانع ليست مانعةمن أصل الوجود بل عن تميز الوجود.
والاجابة بهذا المقدار ليست كافية لانه اتضح فيما تقدم من بحث رؤية الهلال أن
الرؤية مشيرة إلى أن الموضوع هو درجة خاصة من تكوّن الهلال وهو انعكاسنوره بدرجة بحيث يرى بالعين المجردة وهو يرجع إلى منازلالقمر - وان كانتعبارة السيد - قده - توحي أن التبيّن هو نفس الموضوع - لكن يمكن أن نفهم منعبارته أو يُرمم استدلاله هكذا:
أن الموضوع هو تلك الدرجة من ظهور الفجر المعترض بحيث يتبيّن ويرى، لاأن التبيّن موضوع أو جزء الموضوع بل هو طريق محض ولكنه مشير إلى درجةتكوّن النور المعترض كما هو الشأن في أخذ عنوان الرؤية في الهلال الذي تقدممفصلا.
فلا بد من انوجاد درجة من الضوء المعترض بحيث يتميز، ولذا لو رأيناه أولدقائق الفجر بالدقة وبالعين المسلحة فلا اعتداد به، بل لا بد من رؤيته بالعينالمجردة بدرجة يكون متميزا.
فعلى كلا القولين الضوء المأخوذ موضوعا هو درجة معينة وعلى نحو خاص،غاية الأمر الاختلاف بينهما في تلك الدرجة من التكوّن فعلى غير المشهور لا بدمن أن يكون بنحو قاهر حتّى مع المانع والقياس بالغيم قياس مع الفارق، لانهحجاب على العين لا مانع من التولّد ومن التميّز في نفس الفضاء.
وبعبارة أخرى: لا يتنافي أخذ التبين كطريق محض مع كون الموضوع هو النورالمتولد، إذ نأخذه بدرجة بحيث يرى ويتبين، كما هو الشأن في الهلال حيث لا بدمن وصول الهلال إلى منزلة بحيث يرى بالعين المجردة، وان كانت الرؤية طريقاًمحضاً لكن الهلال المطروق هو بتلك الدرجة التي توازي الرؤية، والرواياتشاهدة على ذلك.
فالعمدة حينئذ في الجواب: أن درجة تكوّن ضوء الفجر نسلم أنه بحيث يرى،لكن هل هي تختلف في الليالي المقمرة عن غيرها.
هذا مما لا تتكفل الادلة اللفظية مؤونة اثباته، إذ نسق التكوّن والتولد فيوجوده في كل الليالي ليس نسقا مختلفا من ليلة إلى أخرى، ولا يمكن الاستفادةمن الادلة أن تكوّن الضوء المعترض في الأفق تشكيكي، بل هو على درجة واحدةلو خليت وطبعها، وذي الطريق على درجة واحدة لا على درجات تشكيكية.
وهذا الاشكال على قول غير المشهور في المقام نظير ما ذكرناه في التنبيهالرابع من بحث الهلال، في الاشكال على اعتبار الرؤية المسلحة مع امتناع الرؤيةالمجردة، بتوهم أنه طريقان على موضوع واحد، من أنهما طريقان على موضوعينمختلفين لاختلاف منازل القمر بلحاظ ذلك.
نعم في الصورة الثانية مما تقدم في التنبيه وهي ما إذا أمكن الرؤية المجردةولم تتحقق لمانع أو لعدم استهلال فالطريقان حينئذ على موضوع واحد ذي منزلةودرجة واحدة بخلاف ما إذا كان طريقان على موضوعين.
ودعوى غير المشهور في تأخر الفجر بمدارية التبيّن مع كون التبيّن والتميزمتفاوت في طريقيته إلى الدرجات المختلفة من التكوّن للضوء والدرجاتالمختلفة لكون الشمس تحت الأفق، فهو أشبه بالطريقين أو الطرق على موضوعاتمتعددة، لان الدرجة الضوئية المعترضة الغالبة الشديدة في الليالي القمرة غير تلكالدرجة المعترضة في الأفق في غير المقمرة.
ومما ينبّه على ذلك أيضاً أنه يلزم على القول المزبور تأخر الفجر في اللياليذات الغيم الابيض المطبق ككثير من ليالي الشتاء في المناطق الباردة حيث أنه منالمجرب كثيرا تنور الجو طيلة الليل وكأن الفجر قد طلع وانتشر.
ان قلت: ان ذلك طارىء غير دائم فيكون كالمانع من الرؤية لا المانع الفضائيمن التولد، وهذا بخلاف نور القمر في ليالي البيض في كل شهر.
قلت: ان نور القمر أيضاً طارىء بلحاظ طبيعة الليالي في غالب الشهور.
او لنا أن نقول أن الشتاء هو الآخر بنحو الدوام في كل سنة أيضاً، مع أن الغيمفي البلاد الشمالية الباردة يكون في غالب أيام السنة فيلزم أن يتأخر فجرهم فيكل الليالي وأكثر الشهور، وسبب تنوّر السماء بذلك الغيم الابيض هو انعكاس نورالشمس المحيط بالمخروط المظلم الظلي الذي تقدم بيانه، حيث ان الغيم علىارتفاع جوي كبير، بنحو ينعكس فيه أضواء النور المحيط بالمخروط كما هو محررمفصلاً في علم الهيئة عند بيانهم للفجر الكاذب (كذنب سرحان).
وأما دعوى عدم التولد.
فممنوعة إذ هو متولد على كل تقدير غاية الأمر الكلام في التميز عن نور القمروالغلبة عليه.
هذا كله بالنسبة إلى مفاد الآية الكريمة.
أما الروايات:
فصحيحة علي بن مهزيار التي فيها «جعلت فداك قد اختلفت موالوك في صلاةالفجر، فمنهم من يصلي إذا طلع الفجر الأول المستطيل في السماء، ومنهم من يصليإذا اعترض في أسفل الأفق واستبان، ولست أعرف أفضل الوقتين فأصلي فيه، فأنرأيت أن تعلمني أفضل الوقتين وتحده لي، وكيف أصنع مع القمر والفجر لا يتبينمعه، حتّى يحمر ويصبح، وكيف أصنع مع الغيم وما حد ذلك في السفر والحضر؟فعلت ان شاء اللَّه، فكتب عليه السلام بخطه وقرأته: الفجر يرحمك اللَّه هو الخيط الابيضالمعترض، وليس هو الابيض صعدا فلا تصل في سفر ولا حضر حتّى تبيّنه، فان اللَّهتبارك وتعالى لم يجعل خلقه في شبهة من هذا، فقال: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ) فالخيط الابيض هو المعترضالذي يحرم به الاكل والشرب في الصوم، وكذلك هو الذي يوجب به الصلاة»((1).
1) الوسائل: ابواب المواقيت باب27 حديث4.
عطف فيها على السؤال «كيف أصنع مع القمر والفجر» السؤال الآخر «وكيفأصنع مع الغيم» والاجابة الواحدة على كلا الشقين شاهد على أن المانعين من نسقواحد وهو المنع من الاحراز لا المنع من التولد والتكوّن.
فالتبين في الرواية هو الاحراز اي احراز الطريق، كما أن الصحيحة ناصة علىأن حقيقة الفجر هو الخط الابيض المعترض، وعلى أن التبيّن مسند إليه أي طريقإليه لا عينه ونفسه، وهو في قبال الشكّ والشبهة في الموضوع.
فليس اعتراض الفجر واضائيته المأخوذة موضوعا بدرجات تشكيكية بل هوعلى درجة واحدة، غاية الأمر في الليالي المقمرة يشكك الانسان في وجوده، فهوعليه السلام في الرواية يوصي السائل بالتثبت واحراز الفجر، والقبطية البيضاء التي فيمعتبرة أبي بصير لا تدل التشكيكية في الفجر.
ومن الشواهد على ذلك أنه لو فرض خسوف القمر فان الفجر سوف يتبيّن قبلذلك فهل يلتزم بأنه في هذه الليلة يتقدم، مع تأخره في الليلة السابقة واللاحقة هذاما لا يمكن الالتزام به، إذ مواقيت الصلوات اليومية أوقات زمانية لا حالاتفيزيائية فضائية كي يستظهر الاناطة بالظواهر الكونية من حيث هي.
فالخلاصة ان الفجر نور معترض واحد غاية الأمر التبين طريق إليه،والموضوع ليس له درجات تشكيكية بلحاظ الموانع والحجب، وانما التفاوت فيالطريق وهو التبيّن.
الرسالة الرابعة: مبدأ الغروب
الرسالة الرابعة
مبدأ الغروب
قولي المسألة
فرضية القول الأول
فرضية القول الثاني
مقدمات البحث
الدليل العقلي «موضوع المسألة»
الدليل النقلي
جمع غير المشهور
للروايات
جمع المشهور
تفاصيل الروايات
قد وقع الخلاف في ما يتحقق به الغروب شرعا، والذي هو وقت لبدء صلاةالمغرب ومنتهى وقت صلاة العصر، فالكلام في مبدء صلاة المغرب، وحدّ الغروبالشرعي وفي المسألة قولان:
ما هو المشهور بين الفقهاء من أن تحقق الغروب يحصل بذهاب الحمرةالمشرقية.
قال في مفتاح الكرامة تعليقا على قول العلامة - ره - «غيبوبة الشمسالمعلومة بذهاب الحمرة المشرقية»: اجماعا كما في السرائر، وعليه عملالاصحاب كما في المعتبر، وعليه العمل كما في التذكرة، وهو المشهور كما فيكشف الالتباس وغاية المرام وارشاد الجعفرية والروض ومجمع الفائدة والبرهانوالحبل المتين والكفاية والتذكرة أيضاً.
قال: وفي الشرائع والذكرى أنه أشهر، وفي كشف اللثام أنه مذهب المعظم، وفيالمنتهى وجامع المقاصد والمدارك والمفاتيح أنه مذهب الاكثر، وظاهر السرائر أنهمذهب الشيخ في جميع كتبه، والحسن موافق للمشهور كما تفصح عن ذلك عبارتهعنه، وكذا الصدوقان قال موافقان في الرسالة والمقنع، وصريح الاستبصار موافقةالمشهور وان نسب إليه جماعة الخلاف(1).
وحكي المجلسي - ره - في البحار عن الميرداماد - ره - أن ذهاب الحمرةالمشرقية التي
1) مفتاح الكرامة ج2 ص25.
تعتمدها الامامية لهو مشهور رأي الحكماء والالهيين والرياضيينوالمنجمين، في كون الغروب لا يتحقق بسقوط القرص وانما بذهاب الحمرةالمشرقية.
أن الغروب يتحقق بسقوط قرص الشمس عن الأفق واستتاره عن الانظار.
قال في مفتاح الكرامة: وخالف الصدوق في العلل والشيخ في وجه فيالمبسوط، وصاحب المنتقى فيه وفي رسالته، وتلميذه في شرحها، وصاحبالكفاية والمفاتيح فيه وفي الوافي ويحتمله كلام الصدوق في الهداية وسلار والسيدفي الميافارقيات، والقاضي في المهذب وشرح الجمل لجعلهم الوقت سقوطالقرص وليس نصا.
قال: وأولى بذلك قول أبي علي كذا قال في كشف اللثام، وقواه صاحب مجمعالبرهان والمدارك، ونفى عنه البعد في الحبل المتين، والظاهر من الاستاذ دام اللَّهتعالى حراسته في حاشيته اختياره.
وعلى هذا القول علماء العامة قاطبة.
وذكر غير واحد أن الفاصل الزمني بين سقوط القرص عن الحسّ وذهاب الحمرة المشرقية عن شريط الجانب الشرقي 12 دقيقة وبينه وبين ذهابها عن تمامالنصف السمائي لقبة الفلك 15 دقيقة.
وفي ذهاب الحمرة المشرقية ثلاث احتمالات:
1 - ذهابها عن أصل مطلع الشمس ونقطة المشرق.
2 - تجاوزها بقدر القامة من الشريط الشرقي إلى المغرب.
3 - ذهابها من مجموع ناحية المشرق وزوالها عن تمام ربع الفلك، أي نصفقبة السماء، بحيث تكون فوق سمت الرأس، بل قد فرق بين زوالها عن سمت الرأس
وزوالها عن تمام ربع الفلك بتقدم الأول على الثاني فتكون الاحتمالات حينئذ أربعة.
إذ الحمرة المشرقية عند الغروب أول ما تنعدم تنعدم النقطة التي تشرق منهاالشمس، فنقطة الشروق ومطلع الشمس هو موضع بداية أفول وزوال الحمرةالمشرقية من الأفق، ثم بعد ذلك تأخذ في الزوال والانعدام عن المشرق شيئا فشيئاإلى ان تزول عن المشرق بمقدار قمة الرأس، ثم تزول عن ربع الفلك.
فما هو المقصود من ذهاب الحمرة هل الأول او الثاني او الثالث او الرابعاحتمالات ثلاثة أو أربعة.
وعلى كل منها هل هي علامة واقعيّة لاستتار القرص - أي كلازم واقعي له - أمظاهرية وكطريق محرز، احتمالان!.
وفيه أيضاً ثلاثة احتمالات كسابقه:
1 - سقوط القرص عن الأفق الحسي المرئي بالعين المجردة، وهذا قد يتحد -كما قيل - مع ذهاب الحمرة عن نقطة ومطبع الشمس.
2 - سقوط القرص عن الأفق الترسي، أي استتاره عن البقعة ذات الارتفاعالارضي الواحد، وهذا يلازم ذهاب الحمرة وزوالها بمقدار قمة الرأس بحسبموضع الواقف.
3 - سقوط القرص عن الأفق الحقيقي، أي استتار القرص عن البقاع والاراضيالمتعددة ذات الأفق الواحد، وهو يتزامن مع ذهاب وزوال الحمرة عن ربع الفلك.
وقد يدعى في المقام أن من عبّر في كلماته من الفقهاء بأن أول وقت المغربهو سقوط القرص، يحمل على ارادة ذهاب الحمرة المشرقية وذلك لان سقوطالقرص تشكيكي ذو درجات كما عرفت ويتضح فيما يأتي.
بينما السيد الخوئي - قده - في التنقيح حاول العكس، «بحمل ذهاب الحمرةالمشرقية» على سقوط القرص.
بيان ذلك: أن ذهاب الحمرة المشرقية أيضاً تشكيكي ذو درجات ومطلق يبدأأولا بنقطة المشرق وهذا يلازم سقوط القرص عن الحسّ المرئي، فيحمل كلام منعبّر من المشهور بذهاب الحمرة المشرقية على ارادة استتار القرص وانعدامه منأصل نقطة المشرق.
ومن ثم حمل الروايات أيضاً على قول غير المشهور.
وكلا الحملين ليسا بتامين، أما الحمل الأول فان الفقهاء كالشيخ الطوسيوالمرتضى وغيرهما صرحوا بذكر احتمالين في المسألة ثم بعد ذلك اختاروا سقوطالقرص، وهو تصريح بالمقابلة بين استتار القرص وذهاب الحمرة.
واما من لم يردّد الاحتمال ولم يذكر في المسألة قولين فهو ملتفت أيضاً إلىالنزاع الموجود في كلمات القدماء في المسألة، فكيف يمكن حمل أحد القولينعلى الآخر أو العكس!.
كما أن دعوى تلازم ذهاب الحمرة المشرقية عن نقطة المشرق مع سقوط القرص، ليست بصحيحة وان قيل أنه مجرب ميدانياً، إذ ليس الحال هكذا دائما، بلذهاب الحمرة عن نقطة المشرق تلازم سقوط القرص عن الحس المرئي لبقاعالمدينة الواحدة لا سقوط القرص عن موضع الناظر خاصة.
فما أفاده السيد البروجردي والسيد الخوئي - قدهما من كون سقوط القرصعن الأفق الحسي يلازم انعدام الحمرة المشرقية من نقطة المشرق، وذكرا بان ذلكمجرب كثيرا ليس في محله، إذ التجارب الكثيرة تثبت خلاف ذلك، إذ عادة مايسقط القرص ولا تنعدم نقطة المشرق، بل تنعدم بعد دقائق تقريباً.
ومن الملاحظ أن تجاوز الحمرة عن سمت الرأس يكون قبل تجاوز الحمرةعن
تمام المشرق وربع الفلك، وذلك لان الشعاع يضرب في الفضاء بحركة مستقيمةفينعدم أولا في نقطة الشرق ثم ينعدم عن سمت الرأس.
ولك أن تمثله بهيئة مسطرة خشبية على الكرة الارضية ينخفض أحد طرفاهافيرتفع الطرف الآخر عالياً وينعدم عن نقطة الشرق أولا إلى أن يرتفع طرف امتدادهإلى الاعلى ثم ينزح إلى النصف الثاني من قبة السماء، ولكن أطراف نقطة المشرقومطلع الشمس لا يتزامن انعدام النور فيها مع تلك النقطة وذلك لكون أول ماتنحجب الشمس بكور الأرض وحدبتها فتبقى حافتا الكور وجانبا الحدبةالهابطتان غير ممانعتين عن نفوذ الضوء إلى الأفق الشرقي، وسبب حمرته حينذاكهو أن الابخرة المحيطة بسطح الأرض لما ينعكس فيها الضوء يتشابك مع الظلمةوالابخرة فيولّد الحمرة.
والمراد من التشابك تخّفف نور الشمس، إذ النور مركب من عدة ألوان فاذااصطدم بالظلمة وكرات الماء البخارية الموجودة بالقرب من سطح الأرض يتخففاي تذهب بعض ألوانه عند ذلك فنرى الحمرة.
فالنور عندما يصطدم بالطبقة الهوائية القريبة من الأرض فينكسر ويتخففبعض ألوانه، فيكون حمرة شديدة، فالانكسار مع الاشتباك بالظلمة يؤدي إلىانعدام بعض أجزاء النور في طبقات الجو العليا إذا كانت أبخرة وغيوم، ولهذا يظهرأحيانا قوس قزح في فصل الشتاء.
إذا اتضح ذلك فما في بعض العبائر الفقهاء من أن حمرة سمت الرأس تتأخرفي الانعدام عن قدر القامة في شريط الأفق الشرقي ليس في محله، ولذلك ذكرالسيد البروجردي - قده - أن سمت الراس هو ذهاب الحمرة بقدر القامة منالشريط المشرقي، إلّا أن الصحيح أن الانعدام عن سمت الرأس يلازم انعدام الحمرةالمشرقية عن معظم المشرق وقريب أن ينعدم عن ربع الفلك كله.
في معرفة اختلاف الآفاق، الحسي والترسي والحقيقي.
قسم علماء الهيئة الدوائر إلى دائرة عظيمة ودائرة صغيرة، والمقصود منالداورة العظيمة هي التي تنصف الكرة الارضية إلى قسمين متساويين وبخلافذلك الدوائر الصغيرة، ولا تكون لصيقة بجرم الكرة الارضية لانها فرض فضائي،كما أنها تنقسم إلى شخصية وكلية، أي في كل نقطة تفرض غير الفرض في نقطةأخرى.
والأفق الحقيقي دائرة عظيمة قطباها سمت الرأس وسمت القدم والخطالواصل بينهما محورها، ومركزها مركز الأرض وتوازي دائرة الأفق الحسي، وهيتقسم سماء الرؤية إلى قسمين، المرئي ويكون فوق دوائر الأفق الحقيقية، وغيرمرئي ويكون تحت دائري الأفق، والمنجمون كالبيروني والجغميني(1)يصرحونبأن قوس النهار هو مدار حركة الشمس فوق دائرة الأفق الحقيقي وقوس الليل هوبنزولها تحت دائرة الأفق الحقيقي لا بدائرة الأفق الحسي المرئي، ويوافق هذا مإے؛ُُّّظ،ذكره الميرداماد فيما تقدم.
1) التفهيم ص69 - 62، شرح الملخص في الهيئة للجغميني عند تعريف دائرة الأفق.
عکس
اما الأفق الحسي المرئي فهي دائرة صغيرة مماسة لسطح الأرض وتوازيدائرة الأفق الحقيقي وقطباها سمت الرأس وسمت القدم، وهي كحلقة تقشطالأرض قليلا.
وكذا دائرة الأفق الحسي الترسي.
عکس
وظاهر كلام الشيخ الطوسي - ره - اختياره وان لم يصرح به لما ذكره منالمقابلة بين القولين الملازم لاختياره هذا المبنى، قال: وفي اصحابنا من يراعيزوال الحمرة من ناحية المشرق وهو الاحوط، فأما على القول الأول إذا غابتالشمس عن البصر ورأى ضوئها على قلل الجبال أو مكان عال مثل منارةاسكندرية أو شبهها فانّه يصلى ولا يلزمه حكم طلوعها بحيث طلعت، وعلىالرواية الأخرى لا يجوز ذلك حتّى تغيب في كل موضع تراه، وهو الاحوط(1).
وأشار المحقق النراقي - ره - في المستند إلى ذلك اشارة خفيّة.
وهي دائرة ثابتة يرتسم محيطها من طرف خط يخرج من البصر إلى السماءمماساً الأرض ثم يدار ذلك الخط، فيكون سطح الدائرة المرتسم من الخط المزبورمركزه البصر على هيئة الترس.
1) المبسوط ج1 ص74.
وذكر في شرح الملخص في الهيئة للجغميني: أنها قد تكون عظيمة وقد تكونصغيرة اد ربّما ينطبق على الأفق الحقيقي وربّما يقع تحتها أو فوقها وتحت الأفقالحسي المرئي بحسب اختلاف قامة الناظر وهي الفاصلة بين ما يرى وما لا يرىحقيقة أما الأفق الحقيقي فقد يفصل بينهما وقد لا يفصل، وان تعريف الماتن لا يخلومن الخلل حيث أن ظاهر المتن أن الفاصل بين ما يرى وما لا يرى هي دائرة الأفقالحقيقي، ونبّه غير واحد من المتأخرين على ذلك.
وأن تعريف الأفق الحقيقي بأنها العظيمة الفاصلة بين الظاهر والخفي من الفلك(السماء) أو ما يرى وما لا يرى لا يخلو من مسامحة.
لكن هذا ان تم فبلحاظ الابراج ونحوها ذات المسافات البعيدة جداً حيث أنشعاع البصر المائل(1)يوجب كون المرئي من السماء أكثر من غير المرئي.
وأما المسافات القريبة الكونية الفضائية كالشمس فلا يكاد يؤثر ميلان ذلكالشعاع الخارجي من البصر المارّ بسطح الأرض(2)في تشكيل دائرة عظيمةمنطبقة على الأفق الحقيقي فضلاً عن تشكيل الدائرة الصغيرة التي تقع تحت الأفقالحقيقي، بحيث يكون الأفق الترسي هو الفاصل بين المرئي وغير المرئي.
إذ كما ذكر أخيرا في الابحاث العلمية(3)أن الارتفاع بمقدار 100 متر عنسطح البحر يلازم مداراً مرائيا بوسع 36 كيلم تقريباً والارتفاع بمقدار 1000 متريلازم مداراً مرئياً بوسع 112 كيلم تقريباً، والارتفاع بمقدار 5000 متر يلازم مداراًمرئياً بوسع 253 كيلم تقريباً.
بينما قطر الأرض يقرب من 12756 كيلم ومحيطها 40009 كيلم، وهذا يعنيأن حدبة الكرة الارضية وبمقدار قرصها حاجب عن الرؤية وأن الشعاع المزبور
المائل في الارتفاعات المتوسطة في بداية امتداده الفضائي كالخط الممتد افقياًتقريباً هذا فضلا عن الارتفاعات اليسيرة المعتادة.
ولذلك يظهر من علماء الهيئة الحديثة الاعتداد في المطالع والمغارب بالافقالحقيقي المغاير لديهم مع المرئي الحسي كما أنهم يعتدون بالاستواء الارضي بجعلخط الاستواء السماوي المطابق له وكذا دوائر العرض السماوية التي تطابقالعروض الأرضية.
عکس
عکس
وعلى كل تقدير ففيما نحن فيه لا شك في كون الأفق الترسي فوق الأفقالحقيقي، فهي ترسم حسب الشعاع الخارج من العين الباصرة بحسب مرتفع ومكانالناظر للنقطة الفاصلة بين السماء والأرض، كأن يكون الانسان على جبل مثلا أوفي وادي منخفض فتتفاوت بحسب ذلك، إذ شروق وغروب الشمس فوق الجبليكون مختلفاً عمّا هو على سطح الأرض، فمن كان على برج «ايفيل» الفرنسي مثلإے؛ٌّظظتشرق الشمس عليه قبل أنترى في مدينةباريس، وكذا تتأخر في الغروب عنسطح الأرض، ففي هذه الحالة يتقدم وقت الصلاة والصوم عند من يكون على البرجالمزبور.
وقد ذكر أبو ريحان البيروني(1)أن بالافق الحقيي الذي ينصف الكرة، بداية
1) التفهيم ص69 - 62.
الليل والنهار ببداية حركة الشمس من دائرة الأفق العظيمة غاية الأمر القوسالنهاري لحركة الشمس فوق دائرة الأفق والقوس الليلي تحت دائرة الأفق.
فهو ينص على أن بدأ اليوم والليلة هو بالتجاوز أو النزول عن دائرة الأفقالحقيقي، كما وذكر أنه في وقت بداية النهار اختلف الشرع والمتشرعة عن الهيويينحيث أن بدء اليوم النهاري عند المتشرعة بطلوع الفجر، وكذا عند أهل الكتاب، أماعلماء الهيئة فان بدء اليوم النهاري عندهم هو ببدء حركة القرص فوق دائرة الأفق.
قال: واما الغروب فلا يوجد خلاف بين المتشرعة مطلقا مع الهيويين، وأنهبنزول الشمس عن دائرة الأفق.
فهو لم يلمس من تعبيراتهم في الغروب أن هناك خلافاً بين الهيويينوالمتشرعة، والمرتكز عنده أن المناط هو الأفق الحقيقي لا الحسي المرئي، وهذايوافق ما تقدم عن الميرداماد - ره - من كون ذهاب الحمرة المشرقية هو مختارالحكماء والهيويين.
كما أنه ذكر في علم الهيئة الحديثة(1)في تعريف الفجر ومقابله الغروب أنالشمس عندما تكون في الأفق غير المرئي ودون الأفق الحسي المرئي تضربباشعتها الطبقة العليا الجويّة فوقنا فتضيئها، غاية الأمر الحال في الغروب أنالشمس بعده - بعد سقوط قرصها عن الأفق الحسي المرئي - بمدة يرى في السماءحمرة مثل التي في طلوع الصبح، لكن هذه الحمرة - الحمرة المشرقية - تأخذ فيالانجلاء عن فوق الرأس مع بقاء ضياء ضعيف لكون الشمس فوق الأفق غيرالمرئي فتضرب بأشعتها طبقات الجو للعليا وهي تعكس لنا ذلك الضياء الضعيف،وبالتدرج يزول هو أيضاً وتأخذ ظلمة الليل في الاحاطة.
1) هيئة فلاماريون (المنجم الفرنسي) ص35 - 34 المترجم باللغة الفارسية.
عکس
إذا اتضح ذلك فما أفاده المحقق النراقي - ره - والسيد الخوئي - قده - من أنقوس الليل والنهار بسقوط القرص عن الدائرة الحسية، في غاية الغرابة والبعد.
ويمكن أن يدلّل على نظرية الهيويين والمنجمين من أن المناط في حسابالليل والنهار هو الدوائر العظيمة لا الدوائر الصغيرة الحسية، وان الغروب هوبذهاب الحمرة المشرقية عن ربع الفلك كما هو رأى مشهور الفقهاء لا استتارالقرص، بعدة وجوه:
لزوم نسبية غروب الأفق الواحد على القول بالافق الحسي.
بيان ذلك: انه قد جرب كثيراً من أن الناظر إذاكان بعيداً عن البحر بمقدار عدةمن الكيلومترات فانه عند الغروب يرى القرص يسقط ويستتر، فاذا تحرك بطرفالبحر بسرعة بعد استتار القرص عنه في البعد المزبور، فانه حين أخذه في الاقترابإلى ساحل البحر سوف يرى وكأن قرص الشمس يرتفع فوق الأفق ويظهر مرةأخرى بعد استتاره حينما كان على ذلك البعد المفترض، وذلك بسبب كور الأرضفالواقف على شاطيء البحر يمكنه أن يرى السفينة التي على بعد 8 كيلومتر، إلّا انهيرى أعاليها لا غير، ثم بعد ذلك وعند الاقتراب أكثر فأكثر يراها بأكملها.
فهل استتار الشمس ياترى في البقعة الارضية الواحدة ذات 6 كيلم عرضاتواري قرصها في الأفق الحسي في الجانب الشرقي يتفق ويتحد في آن واحد معاستتارها في الأفق الحسي في الجانب الغربي ام يختلف؟
لا ريب أن هناك تفاوت بمقدار خمس أو ست دقائق تقريباً، وعليه فلا بد أن
يكون المقياس هو استتار القرص عن الأفق الحقيقي وإلّا يلزم تبعّض وتعدّدالغروب في منطقة ذات افق واحد، وكون مدينة واحدة ذات الزوال والفجر الواحدغروبها متعدد.
فلا محيص من كون المدار في قوس النهار والليل هو الأفق الحقيقي، وإلّافتحصل النسبية في غروب المدينة ذات الأفق الواحد مع انه غير صحيح بداهة،فمراعات الأفق الحسي اذاً يوجب تشكيكية الأفق الواحد ويكون نسبيا بحسبنقاط الأفق الواحد والمدينة الواحدة وهذا لا يمكن الالتزام به.
ومع وحدة الزوال يكون الغروب ولا يتأتى هذا إلّا بالافق الحقيقي لا الاُفقالحسي المرئي أو الحسّي الترسي، فالمدار ليس على الأفق الحسّي أو الترسي.
نعم النسبية في الأفق الحقيقي موجودة أيضاً، إلا أنّ هذه المداقة فيه ليستمحطاً للدليل إذ حتّى الهيويين لا يعيرون لهذه المداقة أهمية إذ هم يحسبون البقاعالشاسعة افقاً واحداً.ان قلت: فليعد الأفق الحسي في البقاع الشاسعة أفقاً واحداً كما ارتكب فيالحقيقي.
قلت: حينئذ يكون منطبقا على الأفق الحقيقي تقريباً.
بينما الفرق بين الأفق الحسي والحقيقي ليس هو دقيقة واحدة كما ادعى ذلكالمحقق السبزواري - ره - بل يصل إلى 12 دقيقة أو 15 دقيقة.
لزوم ابتداء الليل مع وجود أشعة الشمس على الابنية.
ذكره صاحب الجواهر والرياض وغيرهما من المتأخرين، وذلك فيما لو كانتأشعة الشمس ضاربة على قلل الجبال أو المنازل العالية مع سقوط القرص عنالأفق الحسي، حيث أنه لا يمكن حينئذ أن يحسب ذلك من الليل إذ الشمس لمتغب بعد لكون شعاعها ضارب على قلل الجبال.
مضافا إلى أنه على القول بكفاية ذهاب واستتار القرص يحلّ وقت صلاةالمغرب وافطار الصائم، ويكون وقت المغرب قد حان لمن هو في اسفل الجبل امامن هو على قمة الجبل فان الشمس لا زالت باقية لم تغب بعد.
وعليه يكون مكان واحد أفقه واحد وزواله وفجره واحد، يتعدد غروبه إلىغروبات كثيرة قد تصل إلى أكثر من اثني عشر غروبا، إذ كلما صعد وارتفع الإنسانإلى الاعلى يكون افقه الحسي الترسي يختلف عما هو أسفل.
فمن كان على سطح الأرض يمكن أن يرى دائرة مقدارها أصغر، ومن كانعلى ارتفاع متر من على سطح الأرض يرى مدارا أكبر وهلم جرا.
وقد ذكرت الحسابات العلمية الحديثة - التي مر ذكرها - أن من كان علىارتفاع متر من سطح البحر يرى مدارا يقرب من 4 كيلم ومن كان على ارتفاع 10امتار من سطح البحر يرى مدارا 12 كيلم ومن كان على ارتفاع 100 مترى يرىمدارا 36 كيلم ومن كان على ارتفاع 1000 متر يدارى مدارا يقرب من 112 كيلمومن كان على ارتفاع خمسة آلاف مترا يرى مدارا يقرب من 253 كيلم.
أن ضيق وقت المغرب لا ينطبق على ما بين سقوط القرص وذهاب الشفق بلعلى ما بين ذهاب الحمرتين، وهذا الوجه ملفق من مقدمة شرعية وأخرى عقلية،وقد ذكره ثقة الإسلام الكلينيقدس سره.
أما الأولى فقد ثبت ضيق وقت المغرب بروايات سوف يأتي ذكرها انشاء اللَّهتعالى، والمقصود من ضيق وقتها ضيق وقت فضيلتها.
وأما الثانية فبما اعتبره الكليني - ره - بالتجربة أن من يباشر صلاة المغرب بعدذهاب الحمرة المشرقية ويأتي بالنافلة بتوئدة يرى أن الشفق قد زال وهو آخروقت الفضيلة.
ففي الحديث عن زرارة والفضيل قالا: قال أبو جعفر عليه السلام: ان لكل صلاة وقتينغير المغرب فإن وقتها واحد ووقتها وجوبها ووقت فوت سقوط الشفق، ورويأيضاً أن لها وقتين آخر وقتها سقوط الشفق(1).
وقال الكليني: وليس هذا مما يخالف الحديث الأول ان لها وقتا واحدا لانالشفق هو الحمرة وليس بين غيبوبة الشمس وبين غيبوبة الشفق إلّا شيء يسيروذلك أن علامة غيبوبة الشمس بلوغ الحمرة القبلة وليس بين بلوغ الحمرة القبلةوبين غيبوبتها إلّا قدر ما يصلي الإنسان صلاة المغرب ونوافلها إذا صلّها على تؤدةوسكون، وقد تفقدتُ ذلك غير مرة ولذلك صار وقت المغرب ضيّقا(2).
ومراده كما ذكرت المجلسي - قده - من الجمع أن أول الوقت وآخره وقتانللمستعجل بإيقاعها فيهما، وأما المختار فيوقعها منطبقة على ما بينهما، ويؤيدتفسير الوقتان بأول وآخر الوقت ما ورد في صحيح زرارة(3).
فضيق الوقت لا يتلاءم مع ذهاب القرص عن الأفق الحسي لكنه يلتئم معسقوطها عن الأفق الحقيقي.
لزوم الرجوع إلى أهل الإختصاص والخبرة بالموضوع.
بعد كون النهار بدأه ونهايته هو موضوعاً تكوينياً وكذا الليل، ولما يثبت منالشارع أنه تصرف في هذا الموضوع التكويني ضيقا وتوسعة، اما لتعارض ما وردأو لاجماله وارشاده.
وتقدم أن حقيقة الغروب والشروق هو ببدأ حركة الشمس في قوس الليلوالنهار المبتدآن من دائرة الأفق الحقيقي وهذا محل اتفاق(1)الهيويين والمنجمينقديما وحديثا.
وأوضحوا ذلك بعدم صدق الاستتار حيث أن هالة الشمس وتاجهاترى عندسقوط القرص وكأنكترى نفس القرص، والهالة هي ضوء النهار بينما الغروب هوبمعنى الاستتار وبداية الليل واستتار القرص دون الهالة كمصباح كهربائي ضوئهظاهر وقرصه لا يرى لا يقال انه مستتر.
وذكروا أنه بعد سقوط القرص لا تزال الحمرةترى في السماء - كالتيترى فيالصبح - وهي المشرقية وتزول إلى أن تصل إلى سمت الرأس بعد استتار القرصبمدة، وهذه الحمرة متولدة من الاشعة الشمسية، وهذه الحمرةالموجودة فوق الأفقكالخط الافقي الممتد إلى قرص الشمس وهذا يوضح أن قرص الشمس لم يغب بعدوان الليل لم يحن بعد.
وآن زوال الحمرة من فوق الرأس هو آن غلبة الليل على النهار، فوجودالحمرة في كل أطراف الأفق ملازم لوجود القرص فوق سطح الكرة الارضية غايةالأمر قد حجب بكور وحدبة الأرض، ولكونه فوق سطح الأرض أي فوق الأفقالحقيقي فانه يرسل بأشعته مستقيما عبر طرفي الكور وحافتي الحدبة فيستضىءمنه الأفق
1) مر كلام الميرداماد وكلام أبي ريحان البيروني في التفهيم، وما في هيئة فلاماريونفي علم الهيئة الحديث.
في الجانب الشرقي.
وهذا وجه براسه وقد أشير إليه في رواية تأتي انشاء اللَّه تعالى وغير ذلك منجهات كلامهم التي تقدم بعض منها في مقدمات المسألة.
مقتضى الاشتغال العقلي لزوم احراز الشرط بعد كون الوقت شرطا للواجبوان كان حدوثه شرطاً للوجوب، فعند تردد مبدأه بين استتار القرص أو ذهابالحمرة، لا يقين بالفراغ إلّا بتأخير ايقاع الصلاة إلى ذهاب الحمرة المشرقية.
والروايات في المقام على طائفتين ولسانين، وقد استقصاهما صاحبالذخيرة، فالطائفة الاولى لسانها سقوط القرص، والطائفة الثانية لسانها ذهابالحمرة المشرقية، وقد ذكر غير المشهور وجوه من الجمع وكلها غير تامة.
الوجه الأول: أن الروايات صريحة في سقوط القرص وهو منصرف إلىسقوطه عن الأفق الحسي بل هو نص فيه، فيحمل مادل على ذهاب الحمرةالمشرقية على الاستحباب، إذ ما هو نص في ذهاب القرص أصح وأكثر سندا بليمكن أن يكون متواتر إجمالا.
الوجه الثاني: أن ما دل على ذهاب الحمرة المشرقية ليس تاماً سندا ودلالة،بخلاف روايات غياب القرص فانها تامة سندا ودلالة.
الوجه الثالث: أن الروايات التي تفيد أن وقت المغرب ذهاب الحمرة المشرقيةمطلقة، بينما روايات سقوط القرص مقيدة، إذ الحمرة المشرقية ذات درجات،كذهابها من أصل نقطة المشرق أو بقدر القامة او عن سمت الرأس أو ربع الفلك فهيمطلقة تقيّد بروايات ذهاب وسقوط القرص.
الوجه الرابع: أن روايات ذهاب القرص مستفيضة بل متواترة اجمالا فلا تقوىروايات ذهاب الحمرة المشرقية على المعارضة اما للمرجوحية أو لعدم حجيةمخالف السنة الثابتة بالتواتر.
الوجه الخامس: أعمية الشعار من الواجب والمستحب.
فان قيل: مما لا اشكال فيه ان شعار الشيعة ذهاب الحمرة على مر الاجيال،وشعار العامة بذهاب القرص.
كان الجواب: ان الشعار اعم من كونه مستحباً او لازماً، إذ كثير من الشعاراتهي افعال مستحبة لكنها شعاراً للمذهب كالجمع بين الصلاتين مع كونه جائزاً أصبحمن شعائر الشيعة.
فكونه شعاراً لا يعنى ذلك أنه لزومي، فالتأخير إلى ذهاب الحمرة من شعارالشيعة لكنه مستحب، وينسجم مع الاستحباب أيضاً.
الوجه السادس: النقض بطلوع النهار ومنتهى اداء صلاة الصبح، إذ لو التزمبذهاب الحمرة في الغروب فاللازم الالتزام بأن طلوع القرص فوق الأفق الحقيقيأي حصول الحمرة المغربية عند الصباح يصيّر الوقت قضاءاً لصلاة الصبح وينتهيوقت أدائها، وكذا النقض باتساع وقت العصر إلى سقوط القرص عن الأفق الحقيقيوأنها تقع أداءاً عند سقوطه عن الحس المرئي.
هذا مضافا إلى أن حمل روايات الحمرة على الاستحباب له نظائر، حيث ورداستحباب تأثير المغرب عن وقتها للحجاج في يوم عرفة، وكذا تأخير وقت الظهرللابراد في الصيف، وكذا التأخير لادراك الجماعة.
خصوصا مع تضمن روايات المقام ألفاظ مثل «لا احب أن... أني لاحب أنأصلي داخل الوقت وإن... احب إلى من أن اصلي قبل الوقت».
وذكروا أيضاً وجوها للجمع بين الروايات.
الوجه الأول: ان ما دل على ذهاب الحمرة المغربية خاص فيقيّد ما دل علىذهاب القرص وسقوطه عن الأفق، إذ هو مطلق لعدة أفراد، كسقوطه عن الأفق
الحسي أو الترسي أو الحقيقي، وذهاب الشمس مطلق شامل لذهاب الاشعة أوبدونها مع الهالة أو بدونها.
الوجه الثاني: أن ما دل على ذهاب الحمرة حاكم دلالة على ما دل على سقوط القرص.
بيان ذلك: ان سقوط القرص حيث كان له درجات وحالات وله معنى عرفيوهو الحسي المرئي، يكون نظير مفاد (زيد) في مثل قول المتكلم «أتى زيد» ثمقوله بعد ذلك «أتى زيد مع ذويه»، حيث لا تنافي بنى الجملتين إذ في قوله «أتىزيد» أجمل الكلام مردداً مقصوده أنه بمفرده أم معه أحد، وحينما قال ثانية «أتىزيد مع ذويه» كان حاكماً ومفسراً لما أراده في الجملة الاولى.
فكذلك في المقام يكون ما دل على ان وقت الغروب سقوط القرص مفسراومحكوما بما دل على أن سقوط القرص مع الحمرة.
الوجه الثالث: مخالفة روايات الحمرة للعامة، وكثير ما نرى في الابوابروايات كثيرة وصحيحة توافق العامة وفي قبالها روايات أقل عدداً لكنها معمولبها.
ففي باب ذبائح اهل الكتاب روايات عديدة صحيحة السند وصريحة المتنتفيد حلية ذبائحهم، وهناك روايات مخالفة معمول بها.
وفي خصوص هذه المسألة كان الائمة عليهم السلام أمام محذورين، محذورمخالفة رأى العامة وهو ذهاب القرص ومحذور بدعة الخطابية إذ جعلوا الوقت عنداشتباك النجوم، وفي الروايات شواهد على ذلك سيأتي التنويه بها.
لا يقال انها تحمل على الاستحباب، ومع الجمع الدلالي لا تصل النوبةللترجيح، إذ الاستحباب لا يلائم لسان الاحراز والتعليلات الواردة في الرواياتفالتعارض مستحكم، ولمكان تلك التعليلات يضعف القول بإمارية الحمرة كعلامةظاهرية
احتياطية، حيث أن الظاهر منها أنها حد ولازم لواقع الغروب، هذا مع كونالروايات في مقام التحديد فلا تحمل على الاستحباب.
أما النقض بطلوع النهار ففيه:
أولاً: لا مانع من الالتزام به كما التزم به الشهيد في المقاصد العلية أن الصباحقبل خروج القرص للحس المرئي، ويدل عليه رواية الدعائم وفقه الرضا، وهومقتضى ما تقدم في مقدمات البحث.
وثانياً: بالفرق بين عنوان الغروب والطلوع فان اجمال الأول لا يسري إلىالطلوع البين معنى وعرفاً وهو طلوع الشمس إلى الحس فتأمل.
ثالثاً: هناك فرق هيوي بين المشرق والمغرب كما قد يستشعر من عبارةالصادق عليه السلام في ذلك «المشرق مطل على المغرب، هكذا ورفع يمينه فوقيساره»(1)لميل وترنّح محور الأرض، حيث أن حركة الأرض من المغرب إلىالمشرق فعند الغروب يكون المشرق والجانب الشرقي للبلد مرتفعاومشرفا علىالمغرب وعلى الجانب الغربي للبلد نتيجة الميل واتجاه الحركة وعلى العكس عندالشروق فيكون المغرب والجانب الغربي مرتفعا ومشرفا على المشرق وعلىالجانب الشرقي.
فعند الغروب يكون الجانب الشرقي والبقاع الشرقية في حالة ارتفاع وتصاعدوفي عقبه الجانب الغربي، وعند الشروق يكون الجانب الشرقي والمشرق يتهاوى،فالغروب بسبب الميل المحوري للارض واتجاه حركتها من المغرب إلى المشرق -ارتفاع للنقاط الارضية المتوالية - والشروق هوي لها، وهذا المعنى صالح لحملالرواية عليه «المشرق مطل - أي عند الغروب - على المغرب»، والرسم التالييوضح المعنى.
1) الوسائل: ابواب المواقيت باب حديث.
عکس
وعلى هذا يتم الفرق فتدبر وتأمل.
ورابعاً: بالفرق للتعبد في الغروب دون الطلوع.
وأما اتساع الوقت إلى السقوط عن الأفق الحقيقي - فمع امكان منعه باعتبارتحقق أول درجات الغروب بالغيبوبة عن الحس وتفكيكه عن وقت صلاة المغربلاعتباره الدرجة الثانية من الغروب الحقيقي لا الحسي الظاهري - يمكن الالتزام بهكما يستفاد من بعض الروايات المعتبرة الآتية، وكما هو مفاد صحيحة الحلبيالآتية.
رواية بريد بن معاوية عن أبي جعفر عليه السلام قال: «إذاغابت الحمرة من هذاالجانب - يعني المشرق - فقد غابت من شرق الأرض وغربها»(1).
والرواية لا بأس بها سنداً وان وقع فيه القاسم بن عروة إذ هو ممن روى عنهجمع من اصحاب الاجماع وغيرهم كالبزنطي وابن أبي عمير وعلي بن مهزياروالحسن بن علي بن فضال والحسين بن سعيد والبرقيان وهارون بن مسلم ومحمدبن عيسى والعباس بن معروف، وكتابه كما قيل حسن الاحاديث.
وأشكل غير المشهور دلالة الرواية بالاجمال لاضافة الشرق والغرب لكلالأرض، وعدم دلالتها على أن غيبة الحمرة حد ووقت للمغرب بل على أنها امارةوعلامة عليه وأن غيبوبة الحمرة من المشرق تكشف عن غيبوبة الشمس من شرقالأرض وغربها.
بل لو سلم دلالتها على اللازم والحد الواقعي فالظاهر من قوله عليه السلام «إذاغابتالحمرة من هذا الجانب» هو النقطة التي تطلع منه الشمس فحسب لا ناحية المشرقفي مقابل المغرب، فالمشرق بمعنى محل الشروق كما أن المغرب بمعنى محلالغروب، وقد عبّر في بعض الروايات بمشرق ومغرب الشمس والمقصود منه ماذكر.
وفيه: ان المقصود «من شرق الأرض وغربها» شرق وغرب تلك المدينة وكلنقاط أفق البلد وقد مر تفصيل ذلك.
وظاهر الشرطية هي الملازمة الواقعية وأن غيبوبة الحمرة مشير إلى درجةوحد الموضوع مقتضى القرن في التعليل بين غروب الشمس من شرق الأفقوغربه، أن
1) الوسائل: ابواب المواقيت باب16 حديث1.
غيبوبته عن الحس المرئي في أحد الجانبين غير كافية في تحقق ذلكالحد للموضوع وأن الاعتداد بغيبوبة القرص عن جميع النقاط الحسية، ولا يحصلإلّا بغيبوبته تحت الأفق الحقيقي كما تقدم، ولا سيّما في المدن الكبيرة مثل الكوفةقديما بلد الراوي.
ولا يخفى ايماء التعبير بالارض بدل المدينة أو البلد إلى عدم الاعتداد بموضعالناظر وحسه المرئي بل بتمام النقاط ذات الأفق المشترك المتحد، ومن كل ذلكيظهر امتناع حمل المشرق على نقطة الشروق في الرواية.
رواية أبي ولاد قال: قال ابو عبد اللَّه عليه السلام: «ان اللَّه خلق حجابا من ظلمة ممايلي المشرق، ووكل به ملكا، فاذا غابت الشمس اغترف ذلك الملك غرفة بيديه، ثماستقبل بها المغرب يتبع الشفق ويخرج من بين يديه قليلا قليلا، ويمضي فيوافيالمغرب عند سقوط الشفق فيسرح الظلمة، ثم يعود إلى المشرق، فاذا طلع الفجر نشرجناحيه فاستاق الظلمة من المشرق إلى المغرب حتّى يوافي بها المغرب عند طلوعالشمس»(1).
وقد يشكل في السند بوجود سهل بن زياد، لكن الأمر فيه سهل كما قال الشيخالبهائي، مضافاً إلى أنه يرويه عن الحسن بن محبوب وطريق الشيخ إلى جميعرواياته صحيح فيمكن تعويض السند إليه وتبديله كما حررناه في بحث الرجال.
وأما دلالة الرواية فتثبت الملازمة بين غروب الشمس والظلمة التي هي ذهابالحمرة لا بمجرد بالاستتار عن الحس المرئي فقوله عليه السلام «فاذا غابت الشمساغترف ذلك الملك...» دال على أن غيبوبة الشمس هي بدأ الظلمة من المشرقباتجاه المغرب أي زوال الحمرة المشرقية، وقوله «ثم استقبل بها المغرب يتبعالشفق و...» هو امتداد الظلمة إلى النصف الفلكي السمائي الغربي بعد ذهاب الحمرةالمشرقية
1) الوسائل: ابواب المواقيت باب16 حديث2.
وهذا بيان تكويني في كيفية حصول غيبوبة الشمس والغروب لا تعبدبإمارة ظاهرية.
مرسلة علي بن احمد بن اشيم عن بعض اصحابنا عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال:سمعته يقول: وقت المغرب إذا ذهبت الحمرة من المشرق، وتدري كيف ذلك؟ قلت:لا، قال: لان المشرق مطل على المغرب هكذا، ورفع يمينه فوق يساره، فاذا غابتههنا ذهبت الحمرة من ههنا«(1).
وفي هذه الرواية اشارة إلى كروية الأرض وميل محورها واتجاه حركتها كمابيناه في الجواب عن النقض بطلوع النهار، مع أن السائد في الوسط العلمي في الهيئةآنذاك نظيرية بطلموس، وعلو المضمون مع كون الارسال بلفظ بعض أصحابنا جابرللصدور.
وكون المشرق مطل على المغرب يمكن تفسيره بما تقدم أو ببيان أن الأفقالشرقي كالمرآت العاكسة لما يشع في الأفق الغربي لا يحجبه كور الأرضالمحدب إلّا إذاخفي النيّر تحت الأفق، وإلّا فما دام هو فوق الأفق الحقيقي وان كانقرصها مختفيا تحت الأفق الحسي فانه تنعكس أشعته في الأفق الشرقي المقابل،لكروية الأرض وكروية الغلاف الجوي الغازي المحيط بها العاكس للطرف المقابلما دام لم يغب تحت قطر الأرض والأفق الحقيقي.
فبعبارة موجزة: ان النيّر إذالم يختف وراء جرم الأرض أي كان موجودا فيالأفق الحقيقي فانه ليس بمحجوب حقيقة عن الأفق الشرقي ولو بلحاظ حافتيالحدبة وطرفي الكور، وبملاحظة الشكل أدناه يتضح الفرض جليا.
1) الوسائل: ابواب المواقيت باب16 حديث3.
عکس
نعم الاحتمال الأول أنسب بالتعبير باطلال المشرق على المغرب لكون الآفاقالشرقية نسبتها مع الآفاق الغربية عند الغروب نسبة العلو والسفل فتكون مطلة عليهاوذلك لترنّح الأرض وميل محورها بمقدار 23 درجة ونصف، مع كون حركتهاالوضعية من المغرب إلى المشرق وهذا بالنسبة إلى المواجهة للشمس، كما هوواضح في الرسم المتقدم.
وقد خدش في دلالتها انها من باب العلامية وهي اعم من كونها حداً ومبدءاًلوقت الغروب، كما أن وقت المغرب أعم من كونه للفضيلة أو للمشروعية.
وهذا تكلف واضح إذ أن الغروب وان كان بذهاب القرص لكن درجة الاستتارهل هو عن الحس المرئي ام الحقيقي، وفي الرواية استدلال على الثاني بالامر
التكويني، الذي تقدم بيانه في الدليل العقلي ومثّله عليه السلام برفع يمينه فوق يسارهككفتي ميزان، وهذا أمر ملازم للحد الواقعي لوجود الموضوع لا انه أعم.
مرسلة ابن أبي عمير عمن ذكره عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: «وقت سقوط القرصووجوب الافطار ان تقوم بحذاء القبلة وتتفقد الحمرة التي ترتفع من المشرق، فاذاجازت قمة الراس إلى ناحية المغرب فقد وجب الافطار وسقط القرص»(1).
وقيل ان هذه الرواية هي عمدة الروايات الصريحة لقول المشهور ولكن مع ماتقدم من التقريب لدلالة تلك الروايات ايضا تكون هي الأخرى صريحة على قولالمشهور.
والرواية وان كان في سندها سهل لكن الأمر - كما ذكرنا سابقا - فيه سهل، إذليس الضعف فيه وانما ضعّف لنسبة الفضل بن شاذان شيئاً من الحماقة إليه وعدمالضبط الذي لا يخل بالعدالة ونحو ذلك وهو من شيوخ الاجازة وقد أكثر فيالكافي الرواية عنه متفرداً، والارسال ليس من ابن أبي عمير بل من مجمد بنعيسى حيث نسي عمن روى عنه ابن أبي عمير.
ولسانها لسان الحكومة، حيث أنها في مقام التعريف والتفسير وتحديد الغروببدرجة من السقوط لا مطلق السقوط وهو سقوط الشمس عن الأفق الحقيقيللنقطة.
كما تنبّه أيضاً على أن صلاة المغرب هو نفس وقت الافطار، ووقت الافطار هوالليل كما في قوله تعالى (أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) والليل هو الظلمة، وسقوط القرص مع وجود هالة الشمس ليس بليل.
ومع كل هذا النمط من التدليل كيف يحمل على أن ذلك وقت استحبابالفريضة،
1) الوسائل: ابواب المواقيت باب16 حديث4.
أم كيف يحمل على انها علامة احرازية احتياطية مع كون لسانها صريحفي مقام بيان الحد الواقعي، ثم ان هذا اللسان ليس مخصوصا بهذه الرواية بل انرواية بريد بن معاوية المتقدمة كذلك.
فالرواية حاكمة بالحكومة التفسيرية على روايات سقوط القرص وأنه بدرجةمعينة لا مطلق الاستتار.
وكذا رواية ابن اشيم حيث فيها «فاذا كانت ههنا...» فليس غيابها مطلقاً وقتاًللغروب بل درجة معينة منه.
وليس مفادها ان ذهاب الحمرة غروب ووقت، بل لسانها الاشارة بالذهابالمزبور إلى درجة سقوط القرص وأنه الملازم لذهاب الحمرة وذلك يغاير العلامةالظاهرية.
وقد استشكل السيدان البروجردي والخوئي «قدهما» في دلالة الرواية: بأنمدلول الرواية غير مطابق لما هو المشاهد بالوجدان، فان من نظر إلى المشرق عندالغروب رأى أن الحمرة المشرقية قد ارتفعت وتنعدم وتحدث حمرة أخرى، لا أنتلك الحمرة باقية سارية تتعدى من المشرق إلى المغرب كما هو صريح الروايةحيث قال عليه السلام «فاذا جازت قمة الرأس إلى ناحية المغرب».
وفيه:
أولاً: بأن التعبير ب«إذاجازت» متعارف بمعنى الافول حيث أن الحمرة مغطيةللشرق والغرب - فاذا جازت - بمعنى أفلت من الجانب الشرقي.
ثانيا: أن الحمرة الوليدة لحزمة من أشعة الشمس تنقل حقيقة من المشرق إلىالمغرب وذلك أن الشمس أول ما تنزل تسطع بتمام أشعتها في ناحية المغربفيكون صفراوياً، أما المشرق فالاشعة الساطعة فيه خصوص العمودية من القرصعبر طرفي الكور وجانبي حدبة الأرض فيكون ضعيفا مختلطا بالظلمة فيحمّر كماتقدم في المقدمات.
فالاشعة الافقية تسطع من بطن الشمس وهي الحزمة التي تسبب الحمرةالمشرقية، ولما تنزل الشمس أكثر تنوجد هذه الاشعة في المغرب ويتضح ذلكبالرسم التالي.
عکس
رواية ابان بن تغلب قال: قلت لأبي عبد اللَّه عليه السلام: أي ساعة كان رسول اللَّه صلىاللَّه عليه واله يوتر؟ فقال: على مثل مغيب الشمس إلى صلاة المغرب«(1).
وفي الطريق اسماعيل بن أبي سارة وهو مهمل لكن الراوي عنه ابن أبي عميرفهو ثقة على المبنى المعروف.
والرواية صريحة في أن مجرد استتار القرص عن الحس المرئي ليس هوالغروب الشرعي ولا بداية وقت صلاة المغرب، بل من مغيب القرص إلى صلاة
1) الوسائل: ابواب المواقيت باب16 حديث5.
المغرب مقدار زمني هو بمقدار الوقت الذي كان يوتره الرسول صلى اللَّه عليه وآلهقبل الفجر.
وأورد على هذا البيان أن الرواية غاية ما تدل عليه أن الرسول صلى اللَّه عليهوآله وسلم كان لا يأتي بالصلاة عند الاستتار وانما يؤخرها قليلا، ولعل هذا بسببمقدمات الصلاة وانتظار الجماعة، ونحوها من الامور العادية.
وفيه: ان هذا خلاف ظاهر قوله «إلى صلاة المغرب» أي إلى وقت مبدأ صلاةالمغرب، ودأب الرسول الاكرم صلى اللَّه عليه وآله وسلم كان بالمبادرة بالاتيانبصلاة المغرب والتعجيل بأدائها كما سيأتي في رواية، مع أن رواية أبان لم تتعرضلدأبة صلى اللَّه عليه وآله وسلم في صلاة المغرب وانما لوتره وانه على مثل الفاصلبين سقوط القرص الحسي ووقت صلاة المغرب، وانما يعلم من الممثل له (صلاةالوتر) حيث أن الحدّ بينهما وبين صلاة الفجر عزية أن الحدّ والفاصل بين السقوطووقت المغرب عزيمة أيضاً.
صحيحة بكر بن محمد عن أبي عبد اللَّه عليه السلام، انه سأل سائل عن وقت المغرب؟فقال: «إن اللَّه يقول في كتابه لابراهيم (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي) فهذا أول الوقت، وآخر ذلك غيبوبة الشفق، وأول وقت العشاء الآخرة ذهابالحمرة، وآخر وقتها إلى غسق الليل يعني نصف الليل»(1).
وجه الدلالة: ما ذكره صاحب الوسائل عن بعض المحققين أنه موافق لما تقدم،لان ذهاب الحمرة المشرقية يستلزم رؤية كوكب غالباً، ويجوز حمله على عدمظهور المشرق والمغرب - كوجود حاجب جبلي ونحوه - لكن الاحتمال الثانيخلاف الظاهر بعد كون الرواية في صدد تحديد الوقت لا التعرض لكيفية الاحراز
1) الوسائل: ابواب المواقيت باب16 حديث6.
عند الشكّ.
والفرق بين التعبير بالنجم والكوكب ان الكوكب أكبر إضاءة من النجم فلا يطلقإلّا على النجم الكبير أو الشديد الاضاءة.
واستشكل صاحب الذخيرة وعدة من المتأخرين: بأن كثيرا ماترى الانجم قبلذهاب الحمرة المشرقية فلا تدل على قول المشهور.
وفيه: أن الكوكب يستعمل في المضيء الكبير ولا يكون مرئيا عند سقوطالقرص عن الحس المرئي بل مع ذهاب الحمرة ويكفي في ذلك كونه الغالب فهذاكناية عن ذهاب الحمرة إذ شرط الكناية الغالبية.
ولعل المراد به في محاجة ابراهيم (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا ... فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ)القمر، بقرينة القياس مع الشمس.
ثم ان الاظهر في مفاد الرواية كما هو مقتضى قوله تعالى (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ )هو الاستشهاد بالليل لا بظهور الكوكب فقط حيث أن الليل في الوضع اللغوي هوالظلمة عندما تزحف من طرف الشرق إلى الغرب على اقل التقادير، ولا يكونهناك ليل مع سطوع اشعة الشمس في الأفق ووجود ضحضحاح من النور.
فقوله تعالى (جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ) اي استوى واحاط وغشي من الخفاء والاستتاركاستعمال مادة (ج ن ن) في الجنّ والجنة والجنين حيث انه مستتر ومخفي،وتعاضد هذه الرواية الآية (وَأَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ).
فالرواية ظاهرة في التحديد والتقدير الواقعي لا في مرحلة الشكّ والظاهر، كمالا وجه لحملها على الاستحباب، إذ أن سؤال الراوي عن أول الوقت لا عن وقتالفضيلة وان اشتمل الجواب عن منتهى وقت الفضيلة.
حسنة بريد بن معاوية قال: سمعت ابا جعفر عليه السلام يقول: «إذاغابت الحمرة منهذه الجانب يعني ناحية المشرق فقد غابت الشمس في شرق الأرض وغربها»(1).
والرواية حاكمة تفسر وقت الغروب بدرجة من ذهاب القرص هو المأخوذ فيموضوع الحكم، وهي الرواية الاولى المتقدمة بطريق الكليني إلّا أنها بطريقيالشيخ.
رواية محمد بن علي قال: صحبت الرضا عليه السلام في السفر فرأيته يصلي المغربإذااقبلت الفحمة من المشرق يعني السواد(2).
وخدش في دلالتها أنه فعل مجمل إذ قد يكون وجهه أول وقت الفضيلة لا أولوقت دخول الفريضة، فهو لا يدل على اللزوم والوجوب.
وفيه: ان أفضل اوقات الصلاة حين وجوبها لا سيما المغرب كما يأتي،وتأخرها للابراد وانتظار الجماعة ليس من باب الاستحباب الاولي بل هواستحباب ظرفي طاري.
وأشكل أيضاً بان الفحمة قد تكون في نقطة المشرق فقط، وهو خلاف مفادالفحمة إذ هي السواد الحالك المغطي للشريط الافقي الشرقي.
الرواية التاسعةرواية شهاب بن عبد ربه قال: قال أبو عبد اللَّه عليه السلام: «يا شهاب إني احبإذاصليت المغرب أن أرى في السماء كوكبا»(3).
وفي السند محمد بن حكيم والراوي عنه ابن أبي عمير، وهو الراوي لا عمرواية دلالة في القرعة، وقد روى عنه ما يربوا على الاحد عشر من أصحابالاجماع
وغيرهم من الثقات الاجلاء وروى الكشي بسند صحيح ما يدل علىتجليل الكاظم عليه السلام له ومكانته عنده.
ودلالتها كدلالة صحيحة بكر بن محمد المتقدمة في التقريب ودفع الاشكال.
وقد يستشعر من قوله عليه السلام «اني احب» الاستحباب، فتكون شاهد جمع علىالتعارض بين الروايات.
وفيه: ان الروايات المتقدمة ليس لسانها الفضيلة بل مفادها التحديد والتعيينلبداية الوقت الشرعي لصلاة المغرب.
والتعبير في الرواية بكلمة «أحب» مداراة لقول العامة القائلين بذهاب القرص.
موثقة عمار الساباطي عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: «انما امرت أبا الخطاب أنيصلي حين زالت الحمرة (من مطلع الشمس) فجعل هو الحمرة التي من قبلالمغرب، وكان يصلي حين يغيب الشفق»(1)والمتن في الوسائل يختلف يسيرا عنالتهذيب وهما عن الاستبصار.
والأمر في الرواية لم يقيد بالشك او بوجود مانع في الأفق كتلال او نحو ذلكفليس ذهاب الحمرة علامة ظاهرية.
وحمل الأمر على الاستحباب بحاجة إلى قرينة، وروايات سقوط القرص لاتصلح للقرينة لانه ذو درجات يوافق في بعضها ذهاب الحمرة فروايات سقوطالقرص لا شهادة في كثرتها على الاستحباب.
وما في التنقيح من كون زوال الحمرة في الموثقة من نقطة المشرق الملازملسقوط القرص عن الحس لا عن الأفق الشرقي بتمامه.
ففيه: ان كلمة «مطلع» وان أفادت نقطة المشرق، لكن مقابلة حمرة المشرق مع
1) الوسائل: ابواب المواقيت باب16 حديث 10
حمرة المغرب وتخطئة أبي الخطاب في التطبيق شاهد على ان المقصود من مطلعالشمس تمام ربع الفلك، كما أن المقصود من الشفق كل الحمرة.
رواية محمد بن شريح عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: سألته عن وقت المغرب؟فقال: «إذاتغيرت الحمرة في الأفق، وذهبت الصفرة وقبل أن تشتبك النجوم»(1).
واشكل على دلالتها: انه إذاكان تغيّر الحمرة بالسواد فيدل على قول المشهور،اما إذا تغيرت من صفرة إلى حمرة فلا تدل على المشهور.
وفيه: ان التغير اسند إلى الحمرة والذهاب اسند إلى الصفرة فلا يكفي حصولالثاني مجرداً، والأول هو التغير إلى السواد.
صحيحة يعقوب بن شعيب عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: قال لي: «مسّوا بالمغربقليلا فان الشمس تغيب من عندكم قبل ان تغيب من عندنا»(2).
وأشكل بأنها مجملة الدلالة من جهة التعليل إذ يعقوب كوفي والامام عليه السلام فيالمدينة وأفق المدينة مخالف لافق الكوفة فالرواية مجملة، نعم هي على اجمالهاتصلح للاستحباب.
واستشكل ايضا في التنقيح: بأن الأمر بالمسّ ليس مغيى إلى زوال الحمرةويكفي في المسّ المدة اليسيرة بعد سقوط القرص لا بمقدار 12 دقيقة ذهابالحمرة المشرقية.
ويدفعان: بحمل الرواية على وحدة الأفق، إذ من عادة الرواة الكوفيينالذهاب إلى مكة ثم إلى المدينة، فتحمل الرواية على حال اقامة الراوي بمكة، اوعلى فترة تواجد الامام عليه السلام بالحيرة والراوي بالعراق.
ولزوم وحدة الأفق قرينة على الحمل المزبور وقد ورد في الرواية انما عليكمشرقك ومغربك.
وعلى هذا فالرواية تدل على لزوم غيبوبة القرص عن تمام النقاط المتحدة فيالأفق وعدم كفاية غيابه عن نقطة من المتحدة دون البقية وهذا لا يتلاءم إلّا معذهاب الحمرة المشرقية كما عرفت.
والأمر بالمسّ ظاهر في اللزوم بعد عدم الترخيص بل ان التعليل لا ينسجم معالاستحباب، إذ التعليل لاصل تحقق الغيبوبة لا لجهة فضيلة الوقت، كما أنالصحيحة صريحة في كون المسّ لتحقيق الموضوع وانوجاده لا لعلاج الاحتمالومن باب الاحتياط أو الامارية في ظرف الشكّ وأنما هو بيان لحد الموضوعالواقعي.
وبجانب هذا سيأتي اعتراف غير المشهور بان الصلاة بعد ذهاب الحمرة فضيلةراجحة لكونه أمر طافح كشعار لدى الشيعة والروايات، فبضميمة تلك الرواياتالتي تغلظ النهي عن تأخير صلاة المغرب يعلم أن وقت مشروعية صلاة المغرب هوذهاب الحمرة المشرقية.
صحيحة عبد اللَّه بن وضاح قال: كتبت إلى العبد الصالح عليه السلام يتوارى القرصويقبل الليل ثم يزيد الليل ارتفاعا، وتستتر عنا الشمس، وترتفع فوق الجبل حمرة،ويؤذن عندنا المؤذنون، أفأصلي حينئذ وافطر ان كنت صائما؟ أو أنتظر حتّى تذهبالحمرة التي فوق الجبل، فكتب إلى: «أرى لك أن تنتظر حتّى تذهب الحمرة، وتأخذبالحائطة لدينك»(1).
وسليمان بن داود الراوي عن ابن وضاح وان كان مشتركاً لكنه منصرف إلى
1) الوسائل: ابواب المواقيت باب16 حديث14.
المنقري وهو موثق وان ضعفّه ابن الغضائري، وما في نسخة الاستبصار المطبوعة(عبد اللَّه بن صباح) فمغلوطة بعد كون نسخة التهذيب ونسخة الوسائل ما تقدمحيث ان نسخته بسند صحيح.
ووجه دلالتها ظهور الحمرة في المشرقية وأما التعليل في الرواية «بالحائطة»فيحمل على التقية وإلّا فان الامام في الشبهة الحكمية لا يتأتى لديه الاحتياطكالمجتهد، إذ هو معدن الاحكام الواقعية فهذا التعبير لاجل اقناع العامة.
نعم قد تفسر بأنها علامة ظاهرية شرعية عند وجود المانع في الأفق وأنالشبهة موضوعية.
ويخدش في فرض الرواية «وترتفع فوق الجبل» أن هذا الجبل هل هو فيطرف المشرق او المغرب، فان كان الثاني فلا تدل على رأي المشهور، لان تواريالقرص خلف الجبل، لا يدل على الغروب حتّى لو ظهرت الحمرة على الجبل لانهذه الحمرة على أن القرص سقط على الأفق، بل سقط عن الجبل فغلبته الحمرة، فلانحرز سقوط القرص عن الأفق بمجرد علو الحمرة المغربية (الشفق) فوق الجبل بللابد من زوالها كي يحرز سقوط القرص.
وان كان الجبل من ناحية المشرق فهي وان اشترطت زوال الحمرة لكنها تدلأيضاً على ان المنطقة جبلية، فلعلّ هناك جبال وهضاب من طرف المغرب، فلذلكاشترط ذهاب الحمنرة لاحراز سقوط القرص، وهو احتياط في الشبهة الموضوعية.
والجواب: أنه من الواضح تعيّن الاحتمال الأول وهو كون الجبل في طرفالمشرق إذ لا معنى لاشتراط زوال الحمرة المغربية في الفرض الثاني كي يحرزسقوط القرص، إذ هي تزول بعد أكثر من نصف ساعة من سقوط القرص، إذ يمكناحراز سقوط القرص في الفرض الثاني بظهور الكواكب أو زوال الحمرة المشرقيةلا بزوال الحمرة التي تعلو الجبل لو فرض في الغرب.
وعلى هذا ففرض السائل هو وجود جبل في طرف المشرق والحمرةالمفروضة التي تعلوه هي المشرقية وقد يقصد بها الاشعة التي تضرب اعالي الجبلالشرقي مع استتار القرص عن الحس، وبذلك يتضح جلياً أن سؤاله عن حد وقتالصلاة وأنه بالاستتار عن الحس المرئي أو بذهاب الحمرة، فمصب السؤال عنالشبهة الحكمية وأما التعليل بالحائطة فهو للتقية كما تقدم بعد فرض الراوي أذانالمؤذنين من العامة، ولذلك قابل الراوي في سؤاله بين ذهاب الحمرة واستتارالقرص الذي يعتدّ به المؤذنون من العامة مع فرضه تحقق الاستتار المزبور.
والتعبير بالحائطة للدين ورد في الشبهات الحكمية كما في الروايات العلاجيةللتعارض ومناسبته في المقام لرفع محذور مخالفة العامة بتصوير أن الاخذ بذهابالحمرة هو للاحتياط لا لكونه حدا للوقت مخالفا لهم، وذهاب الحمرة على أية حالكما تقدم ليست حقيقة الغروب بل لازم واقعي له والفرق بين العلامة الواقعيةوالظاهرية أن الواقعية ملازمة دائماً لذي العلامة وليس مفادها حكماً ظاهراً قابلللتخلف، فانوجاد هذه العلامة انوجاد لذيها اما العلامة الظاهرية فهي اعم أو اخصوقد يتخلف الواقع عنها.
ثم ان تركيز الراوي في سؤاله بالترديد بين استتار المس أو ذهاب الحمرةالمشرقية مع فرض مقدار الحمرة بالتي تعلو الجبل، صريح في كون الترديد بينالاستتار وذهاب الحمرة عن سمت الرأس لا عن نقطة المشرق فقط وهو المقدارالذي يراه المشهور والتعليل على أية حال لا يلائم فضيلة التأخير والندبية.
موثقة جارود قال: قال لي أبو عبد اللَّه عليه السلام: «يا جارود ينصحون فلا يقبلون،وإذاسمعوا بشيء نادوا به، أو حدثوا بشيء أذاعوه، قلت لهم: مسوا بالمغرب قليلإے؛ىىظظفتركوها حتّى اشتبكت النجوم، فأنا الآن أصليها إذاسقط القرص»(1).
تقريب الدلالة: ان الأمر بالمس بالمغرب أو راجح سواء كان لزومياً أواستحبابياً، وكان الائمة عليهم السلام في صدد نشر هذا الحكم الرّاجح واخفائه عنالعامة.
فهو حكم واقعي أريد أخفاءه عن العامة ولكن حدث ما حدث من فتنة وبدعةأبي الخطاب فعالج الامام عليه السلام ظاهرة البدعة وتشنيع العامة بالتظاهر بالصلاة عندسقوط القرص، فتحمل روايات سقوط القرص على التقية من هذه الجهة.
وخدش في الاستدلال بها:
أولاً: انه لو لم يكن سقوط القرص هو الوقت الشرعي لصلاة المغرب لكانتصلاة الامام عليه تقع قبل حلول الوقت، مع أن الرواية صريحة في ان الامام عليه السلاميصليها عند سقوط القرص، فهذا كاشف على ان سقوط القرص هو الوقت الشرعيلصلاة المغرب، إذ التقية لا تستدعي أن يصلي الامام عليه السلام خارج الوقت.ثانيا: قوله عليه السلام «مسّوا بالمغرب» أعم من ذهاب الحمرة المشرقية، كما أن الأمراعم من الندب والاستحباب.
ثالثا: ان الرواية صريحة في ان سقوط القرص بمعنى سقوطه عن الأفقالحسي.
ويرد الأول: أن هذا أخبار وليس بفعل خارجي وهو للتقية لكي يشاع ذلك عنالامام عليه السلام، إذ من افتراءات العامة علينا اننا نصلي عند اشتباك النجوم.
وقد وردت روايات عديدة في باب التقية بأن يصلي المؤمن معهم في المسجدثم يعيد الصلاة في البيت، فلا استبعاد في ذلك، لاجل نفس الشياع لا لكونه وقت.
1) الوسائل: ابواب المواقيت باب16 حديث15.
ويرد الثاني: ان الأمر بالمسّ مطلقاً لزوماً يغاير السقوط عن الحس المرئي معأنه قد تقدم في صحيحة ابن شعيب بيان مقدار المسّ بالغيبوبة عن كل نقاط البقاعالمتحدة في الأفق بل ان في هذه الموثقة المقابلة بين المسّ واشتباك النجوموسقوط القرص الظاهر منها تباين الحدود الثلاثة وأن المسّ وسطي بمعنى ذهابالمشرقية.
كما مر في موثق عمار الساباطي انه عليه السلام أمر ابا الخطاب بالصلاة عند ذهابالحمرة من مطلع الشمس المراد بها المشرقية.
وأما دعوى الندبية فلا وجه لها لعدم ورود الترخيص، وروايات سقوطالقرص لا تصلح قرينة إذ هذه الموثقة دالة على كون حد سقوط القرص لمراعاةالعامة، مضافا إلى منافاة التعليل المتقدم في صحيحة ابن شعيب للندبية، كما أن مثلهذا الاهتمام في حدّ الوقت وخوف الاذاعة وحيطة التكتم لا يلائم الندبية ولسانالروايات طافح بانه عليه السلام بين محذوري مخالفة العامة وبدعة أبي الخطاب ومنه يظهرالحال في الثالث.
صحيحة زرارة قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن وقت افطار الصائم؟ قال: «حينيبدو ثلاثة أنجم»(1).
والثلاثة انجم لا تبدوا إلّا بذهاب الحمرة المشرقية لا بمجرد سقوط القرصعن الحس.
وخدش فيها ان بدو ثلاثة أنجم بعد سقوط القرص بقليل لا بقدر ذهابها، بلتظهر الانجم في بعض الاحيان عند سقوط القرص.
وفيه: أن التعبير ب«ثلاثة أنجم» كناية عن الذهاب للحمرة المشرقية - إذباستتار
1) الوسائل: ابواب ما يمسك عنه الصائم باب52 حديث3.
القرص لا بتدوا ثلاثة نجوم كما هو مشاهد - واللازم في الكناية الغالب،والتعبير به من باب التقية المدلول عليها في موثقة جارود في قبال اشتباك النجومبدعة الخطابية وان كانت الرواية عن أبي جعفر عليه السلام، فالعلامة ليلية.
ما نقله ابن أدريس الحلي في مستطرفاته من كتاب أبي عبد اللَّه السياريصاحب موسى والرضا عليهما السلام عن محمد بن سنان عن رجل سماه عن أبيعبد اللَّه عليه السلام في قول اللَّه عز وجل (أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) قال: سقوط الشفق(1).
قال صاحب الوسائل: هذا محمول على استحباب تقديم الصلاة على الافطار،وقال صاحب القاموس: الشفق محركة الحمرة في الأفق من الغروب إلى العشاءالآخرة أو إلى قريبها، أو إلى قريب العتمة، انتهى.
وفي اللسان الشفق الحمرة بعد غروب الشمس والحمرة الحاصلة من غروبالشمس من دون تقييد لها بالافق الغربي، نعم قيدها بعض اللغويين بذلك، فيحملعلى سقوط الحمرة المشرقية عن سمت الرأس.
صحيحة يونس بن يعقوب قال: قلت لا بي عبد اللَّه عليه السلام: متى نفيض منعرفات؟ فقال: «إذاذهبت الحمرة من ههنا، أوشار بيده إلى المشرق وإلى مطلعالشمس»(2)، وللرواية سند آخر معتبر ايضا وفيها «إذاذهبت الحمرة - يعني منالجانب الشرقي»(3).
والرواية صريحة في اعتبار ذهاب الحمرة المشرقية، حيث أن الافاضة معلقةعلى الغروب سيما وأن الغروب غاية وحدّ الواجب في الوقوف.
رواية رزيق الخلقاني عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: كان عليه السلام يصلى المغرب عندسقوط القرص قبل ان تظهر النجوم(1).
وفيها مقابلة بين سقوط القرص وظهور النجوم، كما تقدم في صحيحة زرارةالمتضمنة للامر بالمغرب إذاظهرت ثلاثة أنجم، والراوي غير موثق لعله عامي.
ودلالتها مفسرة بما تقدم من الروايات الدالة على أن تظاهره وصلاته عليه السلام عندسقوط القرص بعد ظهور بدعة أبي الخطاب وتشنيع العامة بذلك على الخاصةعلاجا لكلا المحذورين.
رواية أبان بن تغلب عن الربيع بن سليمان وأبان بن أرقم وغيرهم (غيرهما)قالوا: أقبلنا من مكة حتّى إذاكنا بوادى الاخضر إذانحن برجل يصلي ونحن ننظرإلى شعاع الشمس، فوجدنا في أنفسنا، فجعل يصلي ونحن ندعو عليه (حتّى صلىركعة ونحن ندعو عليه) ونقول: هذا شباب من شباب أهل المدينة، فلما أتيناه إذاهوابو عبد اللَّه جعفر بن محمد عليه السلام، فنزلنا فصلينا معه وقد فاتتنا ركعة، فلما قضيناالصلاة قمنا إليه فقلنا: جعلنا فداك، هذه الساعة تصلي؟! فقال: «إذاغابت الشمسفقد دخل الوقت»(2).
والحديث في سنده عدة مجاهيل، وهي تدل على قول المشهور وان استدل بهاعلى مسلك غير المشهور.
وتقريب الدلالة: أن صدرها ظاهر في كون المقرر لدى الشيعة بشكل متسالمأن وقت المغرب هو ذهاب الحمرة، واما صلاته عليه السلام فهي من باب التقية والعلاجلكلا المحذورين السابق ذكرهما سيما وأن دائهما لا يقلع إلّا بالتظاهر بالفعل عندسقوط القرص.
قد يقال انه لا مورد للتقية وهو في وادي لا يراه فيه أحد.
وفيه: ان القائلين بسقوط القرص يلتزمون بأرجحية ذهاب الحمرة بل انالكثير منهم لا يذهبون إلى دخول الوقت مع وجود الاشعة الضاربة على قلل الجبالوان سقط القرص وعلى هذا فصلاته عليه السلام موجهة على كلا القولين، سيما وأنللمسافر مندوحة في تأخير الصلاة عن أول وقتها فكيف وأن التأخير على أية حالراجح أو لازم.
مضافا إلى دلالة التعمية والاجمال في جوابه عليه السلام على ذلك إذ غيبوبة الشمسكما في الروايات السابقة ذات درجات كما في قوله «إذاغابت ههنا وذهبت الحمرةمن ههنا» فهو من باب تعليم الخاصة وتربيتهم في مقابل بدعة أبي الخطاب ومنعالصاقها بهم وتصحيح مسارهم.
قال الحر: ويحتمل كونه صلى بعد ذهاب الحمرة بالنسبة إلى الوادي، ويكونالشعاع خلف الجبل إلى الناحية المغرب، وقد رآه الجماعة من أعلى الجبل وقدذكر ذلك الشيخ أيضاً واللَّه أعلم.
وديدن الأصحاب في الابواب المختلفة على الاكتفاء برواية لحمل العديد منالروايات على التقية فكيف بالمقام الوارد فيه هذه الاحاديث الكثيرة والاشعاراتوالتلميحات والظرف الخاص للمسألة من اقتران بدعة أبي الخطاب وتشهير العامة.
مرسلة علي بن الحكم عمن حدثه عن أحدهما عليهما السلام أنه سئل عنوقت المغرب؟ فقال: «إذاغاب كرسيها، قلت: وما كرسيها؟ قال: قرصها، فقلت: متىيغيب قرصها؟ قال: إذانظرت إليه فلم تره»(1).
وهي وان استدل بها غير المشهور لكن الاولى التمسك بها للمشهور والوجه في
1) الوسائل: ابواب المواقيت باب16 حديث25.
ذلك ان نفس الاجمال في الاجابة في الابتداء والتحوير في الجواب شاهد علىالتقية فلما أصرّ الراوي أجابه الامام بالتقية، ومعهود في اسلوب الروايات أنالإلتفاف في الاجابة معناه ان الظرف ليس مآتي للتصريح بالحكم الواقعي، وهذا قديتفق حصوله في فتوى الفقهاء.
مع أن الاظهر في مفاد كرسي الشمس هو ضوء الشمس وهالة شعاعها، حيثأنها كالمتكىء للقرص وكذلك التعبير بالغيبوبة.
موثقة عبد اللَّه بن سنان عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: «وقت المغرب من حين تغيبالشمس إلى أن تشتبك النجوم»(1).
ويمكن عدها من أدلة المشهور بضميمة ما سيأتي من كون وقت صلاة المغربمضيقاً وان لها وقتاً واحداً، فوقت فضيلتها وقت وجوبها بخلاف بقية الصلاة،فيكون غروبها ذهاب الحمرة المشرقية وإلّا يكون موسعاً وهو ما دلت الرواياتعلى خلافه.
صحيحة اسماعيل بن جابر عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: سألته عن وقت المغرب؟قال: ما بين غروب الشمس إلى سقوط الشفق(2).
وهذه الرواية كالسابقة لانها تحدد الغاية وبضميمة ما دل على أن وقت المغربمضيق يكون المراد من الغروب ذهاب الحمرة.
وقد يشكل بتسليم ضيق وقت الفضيلة وأنه من ذهاب الحمرة إلى سقوطالشفق لا أصل وقت الفريضة.
ويدفع بضم مقدمة ثالثة من ان أول اوقات الصلاة هي الفضيلة، مثل(3)ما في
روايات الذم لتأخير الصلاة وستأتي موثقة ليث «كان رسول اللَّه صلى اللَّه عليه والهلا يؤثر على صلاة المغرب شيئا إذاغربت الشمس حتّى يصليها»(1).
بل في مرسل محمد بن أبي حمزة عمن ذكره عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: ملعونمن أخرّ المغرب طلب فضلها(2).
الرواية الثالثة والعشرون
صحيحة زرارة والفضيل قالا: قال أبو جعفر عليه السلام: «ان لكل صلاة وقتين غيرالمغرب فان وقتها واحد ووقتها وجوبها، ووقت فوتها سقوط الشفق»(3).
والرواية متعرضة لتضيق الوقت وسقوط القرص كمبدأ وسقوط والشفق كغايةفتكون صريحة في تعيين سقوط القرص عن الأفق الحقيقي الملازم لذهاب الحمرةالمشرقية وهذا نوع من التقية المكشوفة، إذ صلاة المغرب مع نوافلها لا تستغرقاكثر من 15 دقيقة، بينما مدة سقوط القرص عن الأفق الحسي المرئي إلى ذهابالشفق من المغرب يستغرق 40 - 30 دقيقة.
وفي الصحيحة ايماء بعدم تأخر وقت الصلاة ولو فضيلة عن وقت الوجوب،سواء وجوبها بمعنى ثبوت افتراضها أو بمعنى وجوب الشمس وسقوطها.
والروايات الصريحة الدالة على أن صلاة المغرب وقتها مضيق كثيرة منها:
صحيحة زيد الشحام قال: سألت أبا عبد اللَّه عليه السلام عن وقت المغرب؟ فقال: انجبرئيل أتى النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم لكل صلاة بوقتين غير صلاة المغربفإن وقتها واحد، وان وقتها وجوبها«(4).
والصحيحة كالسابقة دالة على أنه ليس هناك تفكيك عن وقت الفضيلة ووقتالوجوب بأي من المعنيين المتقدمين.
وموثقة الليث عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: «كان رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله لإے؛ًًيؤثر على صلاة
المغرب شيئا إذاغربت الشمس حتّى يصليها»(1).
فلا بد أن يكون الغروب هو ذهاب الحمرة لكونه صلى اللَّه عليه وآله يدمنعلى وقت الفضيلة فكل هذه الروايات تدل على مسلك المشهور.
نعم روي مرسلا وكذا صحيح ذريح أن لصلاة المغرب وقتين وقد تقدم عدمالمنافاة بينه وبين تضيق وقتها بعد كثرة وصراحة ما دل على الضيق والوحدة.
رواية أبي أسامة الشحام قال: قال لأبي عبد اللَّه عليه السلام: أُؤخر المغرب حتّىتستبين النجوم؟ فقال: خطابية؟! ان جبرئيل نزل بها على محمد صلى اللَّه عليه وآلهوسلم حين سقط القرص«(2).
هذه الرواية لا تدل على مسلك غير المشهور بضميمة رواية أديم بن الحر(3).
حيث أنها تدل على أن جبرئيل اتى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلمبالصلوات كلها فجعل لكل صلاة وقتين إلّا المغرب فانه جعل له وقتاً واحداًوإذاكان وقت المغرب واحداً فلا يمكن ان يكون سقوط القرص عن الحس المرئيمع كونه مضيقا واحداً وآخره سقوط الشفق، وعلى هذا تحمل معتبرة أبي اسامة(4)وغيرها مما اشتمل على التعبير المزبور.
صحيحة اسماعيل بن همام قال: رأيت الرضا عليه السلام وكنا - عنده - لم يصلالمغرب حتّى ظهرت النجوم، ثم قام فصلى بنا على باب دار ابن أبي محمود(5).
قد يقال أن عمل الامام عليه فعل، والفعل أعم من الوجوب والاستحبابوالجواز، ولعله عليه السلام أخرها لجهة معينة.
وفيه: ان ظاهر كلام الراوي المراقبة لفعله عليه السلام، وبيان جهاته ولم يستظهر في
حكايته للفعل نكتة للتأخير او لكون الوقت وقت فضيلة، سيّما وأن صلاة المغربوقتها مضيق كما مر بيانه، ولو كان التأخير لعذر لبينه، إذ ليس من دأبهعليه السلام تأخيرالصلاة عن أول الوقت كما في قطعه عليه السلام للمناظرة مع عمران الصابي حين دخلوقت الصلاة ثم عاد، فيكون دالاً على ان الوقت هو ذهاب الحمرة، ولا يتوهم انظهور النجوم هو اشتباكها وسقوط الشفق التي هي بدعة أبي الخطاب.
واما احتمال أنه اراد بيان المشروعية، فهذا المعنى مفروغ عنه عند الشيعة فيزمان الامام عليه السلام.
صحيحة داود الصرمي قال: كنت عند أبي الحسن الثالث عليه السلام يوما فجلسيحدث حتّى غابت الشمس، ثم دعا بشمع وهو جالس يتحدث، فلما خرجت منالبيت نظرت وقد غاب الشفق قبل أن يصلي المغرب، ثم دعا بالماء فتوضأوصلى(1).
والشفق المذكور في الرواية ليس الحمرة المغربية، إذ هذا مستبعد، والشفق كمافي اللغة هو الحمرة بعد غروب الشمس من دون تقييد للحمرة بالافق الغربي وانقيدها بعض اللغويين بذلك، وبعضهم عرفها بالحمرة الحاصلة من غروب الشمسمن دون تقييد بالافق الغربي أيضاً، بينما قيدوا البياض الحاصل بعد ذهاب الحمرةبالذي في الأفق الغربي والذي هو احد معاني الشفق.
وقد تقدم في بعض الروايات ان الشفق هو الحمرة المشرقية، بقرينة ان الاماملا يترك وقت الفضيلة.
معتبرة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام في قوله تعالى (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا
1) الوسائل: ابواب الميقات باب19 حديث10.
كِتَابًا مَوْقُوتًا) قال: «موجبا، انما يعني بذلك وجوبها على المؤمنين، ولو كان كمايقولون لهلك سليمان بن داود حين أخر الصلاة حتّى توارت بالحجاب، لانه لوصلاها قبل أن تغيب لكان وقتاً، وليس صلاة أطول وقتا من العصر»(1).
فقوله تعالى (حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ) كما هو أحد الاقوال في تفسير الآيةيعني حتّى سقط القرص وتوارى عن الانظار، فاذا استتر القرص عن الحسّ المرئيفلا يزال وقت صلاة الحصر لم ينته بعد إذ ليس العبرة بسقوط القرص عن الأفقالحسي وانما سقوطه عن الأفق الحقيقي.
فلو كان أول وقت المغرب هو سقوط القرص عن الأفق الحسي المرئي لكانسليمان عليه السلام صلى صلاته قضاءا وهذا ما ترده صحيحة زرارة والفضيل في نفسالباب قالا: قلنا لأبي جعفر عليه السلام: أرأيت قول اللَّه عز وجل (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا) قال: «يعني كتابا مفروضا، وليس يعني وقت فوتها، ان جازذلك الوقت ثم صلاها لم تكن صلاة مؤداة، لو كان ذلك كذلك لهلك سليمان بن داودعليه السلام حين صلاها بغير وقتها، ولكنه متى ما ذكرها صلاها»(2).
وعلم إلى ههنا أنه يدل على قول المشهور العديد من الصحاح والموثقاتوالحسان الصريحة أو الظاهرة دلالة.
صحيحة الحلبي - في حديث - قال: سألته عن رجل نسي الاولى والعصرجميعا ثم ذكر عند غروب الشمس، فقال: ان كان في وقت لا يخاف فوت احدهمافليصل الظهر ثم يصلي العصر، وان هو خاف أن تفوته فليبدء بالعصر ولا يؤخرهافتفوته فيكون قد فاتتاه جميعا، ولكن يصلي العصر فيما بقي من وقتها، ثم ليصليالاولى بعد ذلك على أثرها(3).
والرواية كالصريحة - ومؤيدة للرواية السابقة - في ان مجرد غروب الشمسعن الأفق الحسي ليس هو منتهى الظهرين ومبدأ الوقت الشرعي لصلاة المغرب،ولو كان كذلك لما أمر الامام عليه السلام الراوي بتفحص الوقت فان كان يسع الصلاتينصلاهما وإلّا قدم العصر وصلى بعدها الظهر، إذ على قول غير المشهور تكون كلاالصلاتين قضاءا، وهذا ما تصرح الرواية بخلافه.
صحيحة عبد اللَّه بن سنان عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: سمعته يقول وقت المغربإذاغربت الشمس فغاب قرصها(1).
وهي وان كانت ظاهرة في السقوط عن الحس المرئي إلّا أن غيبوبة القرصحيث أنها ذات درجات فما دل على تعين الأفق الحقيقي حاكم ومفسّر لمثل هذاالتعبير.
ومثلها صحيحة زرارة(2)وصحيحة صفوان الجمال(3)، بل في الروايةالاخيرة المقابلة بين ذهاب الشفق وذهاب القرص وهو ظاهر في ذهاب الحمرةالمشرقية.
موثقة سماعة بن مهران قال: قلت لأبي عبد اللَّه عليه السلام في المغرب انا ربّما صلّيناونحن نخاف أن تكون الشمس خلف الجبل أو قد سترنا منها الجبل؟ قال: «ليسعليك صعود الجبل»(4).
وطريقها وان وقع فيه احمد بن هلال إلّا أنا حققنا اعتبار رواياته حيث انهقوطع بعد انحرافه ولم يروى عنه، مع ان الصدوق رواها باسناده عن سماعة.
ومثلها في الدلالة رواية أبي اسامة أو غيره قال: صعدت مرة جبل أبي قبيسوالناس يصلون المغرب فرأيت الشمس لم تغب انما توارت خلف الجبل عن الناس
فلقيت أبا عبد اللَّه عليه السلام فأخبرته بذلك فقال لي: «ولم فعلت ذلك بئس ما صنعت، انماتصليها إذا لم ترها خلف الجبل، غابت او غارت ما لم يتجللها سحاب أو ظلمةتظلها وانما عليك مشرقك ومغربك، وليس على الناس أن يبحثوا»(1).واستدل بهما على قول غير المشهور بتقريب أن الشكّ انما يتصور إذاكانالغروب عبارة عن سقوط القرص عن الأفق الحسي، فيتردد بين استتارها خلفالجبل وبين سقوطها عن الأفق الحسي، وأما لو كان عبارة عن ذهاب الحمرةالمشرقية فلا مجال للشك والتردد، إذ يمكن استعلام ذهابها والفحص مع وجودالجبل.
وأيضاً تقرب دلالتهما أن ظاهرهما المدار على الغيبوبة عن الحس لا عنالأفق الترسي ولا الحقيقي، إذ نفي البحث وتخصيص الأفق المغربي بالمكلف ونفيالاعتداد بافق الناظرين فوق الجبل كل ذلك نافٍ للأخيرين كما هو واضح مما بيناهسابقا.
لكن المعروف في الكلمات هجرها واجمالها بدعوى عدم انطابقها على كلاالقولين، اما العدم على قول المشهور فظاهر مما تقدم، وأما العدم على قول غيرالمشهور فلان الوظيفة عند الشكّ هي استصحاب النهار ولزوم الاحتياط بتأخيرصلاة المغرب، فكيف تسوّغ الرواية الدخول في اصلاة مع الشكّ.
واجيب بانطابقها على قول غير المشهور وتمامية الاستدلال بهما عليه بفرضوجود امارة على سقوط القرص كالغيبوبة عن الحس في نقاط أخرى من البلدونحو ذلك.
والصحيح ان الروايتين لا ربط لهما بفرض الشكّ والتردد وان كان ظاهرالاولى يوهم ذلك بل فرضها اختلاف الأفق بمعانيه الثلاثة، بين الوادي وأعاليالجبل،
1) الوسائل: ابواب المواقيت باب20 حديث2.
وهذا الذي تنبّه وتشر إليه الروايتان.
وقد تقدم في مقدمات البحث اختلاف الأفق الترسي فضلا عن الحسي المرئيباختلاف مكان وارتفاع الناظر، وان الارتفاع بمقدار 10 امتار يجعل الرؤية بمقدار12 كلم وبمقدار 100 متر الرؤية بمقدار 36 كلم، وبمقدار 1000 متر الرؤية 112كلم، وبمقدار 5000 متر الرؤية 253 كلم، وكذلك الحال في الأفق الحقيقي معاختلاف موضع الواقف فوق الجبل عن موضع الواقف في الوادي.
نعم الراوي حيث حسب اتحاد الأفق بين الوادي وفوق الجبل عرض له الشكّمن جهة عدم تحقق الغروب للواقف فوق الجبل، فالرواية لا اجمال فيها كما لادلالة لها على اعتبار سقوط القرص عن الحس المرئي، بل ان ذكر المشرق فيهاشعار بالحمرة المشرقية وان كان الظاهر أنه لبيان جانبي الأفق صباحاً ومساءاًشروقاً وغروباً.
ويؤيد ما ذكرناه ما في مفادهما الاستثناء في ذيل الثانية «ما لم يتجللهاسحاب أو ظلمة تظلها» حيث انه منقطع لأخراج الشكّ موضوعاً عن الالحاق بحكمفرض المستثنى الذي هو عدم الاعتناء بالشك في تحقق الغروب في الأفق المغاير«فوق الجبل» لاختلاف الآفاق.
وقد استظهر هذا المفاد منها الشيخ حيث قال «هذا لا ينافي ما اعتبرناه منغيبوبة الحمرة المشرقية لانه لا يمتنع أن تكون قد زالت الحمرة والشمس باقيةخلف الجبل، لانها تغرب عن قوم وتطلع على آخرين، وانما نهى عن صعود الجبللانه غير واجب، بل الواجب عليه مراعاة مشرقه ومغربه».
ثم انه في الأمر بالاعتداد بأفقه مشرقه ومغربه دون أفق فوق الجبل مع وجودالجبل كحائل في الفرض، لا يتم إلّا بذهاب الحمرة المشرقية لا بسقوط القرص عنالحس المرئي كما هو واضح.
مصحح محمد بن يحيى الخثعمي عن أبي عبد اللَّه عليه السلام أنه قال: كان رسول اللَّهصلى اللَّه عليه وآله وسلم يصلي المغرب ويصلى معه حي من الانصار يقال لهم بنوسلمة، منازلهم على نصف ميل فيصلون معه، ثم ينصرفون إلى منازلهم وهو يرونمواضع سهامهم«(1).
وقد استدل بها لسقوط القرص عن الحس، حيث أنها تدل على وجودضحضحة واسفار من النور بعد فراغهم من الصلاة وهذا انما يتصور مع كون بدأهاعند سقوط القرص لا عند ذهاب الحمرة المشرقية، وإلّا لكان الشفق ذاهبا عندفراغهم والظلام حالكا مستولياً.
وفيه: أنه من المجرب كثيرا في مدن اليوم بعد الفراغ من صلاة المغرب وحدها- كما هو فرص الرواية حيث كان يفصل بينها وبين العشاء - امكان السير فيالطرقات بوضوح عند انطفاء الاضوية البرقية الحديثة، فكيف بك والمدينة في العهدالأول مع العمران ذي العلو اليسير ومع كون ذلك الحي من الانصار تتوسط البريةسيرهم إلى منازلهم حيث انهم على فرسخ في أطراف المدينة.
عبيد اللَّه بن زرارة عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: سمعته يقول: «صحبني رجل كانيمسي بالمغرب ويغلس بالفجر وكنت أنا اصلي المغرب إذاغربت الشمس واصليالفجر إذااستبان الفجر، فقال لي الرجل: ما يمنعك ان تصنع مثل ما أصنع؟ فانالشمس تطلع على قوم قبلنا وتغرب عنا وهي طالعة على قوم آخرين بعد، قال:فقلت: انما علينا أن نصلي إذا وجبت الشمس عنه، وإذاطلع الفجر عندنا ليس عليناإلّا ذلك وعلى أولئك أن يصلوا إذاغربت الشمس عنهم»(2).
وقد يقال أنها تدل بصراحة على عدم لزوم المسّ في المغرب، وأن دخولالوقت بمجرد غيبوبة الشمس والقرص عن الحس المرئي.وفيه: ان الرجل المصاحب له عليه السلام كان يتوهم لزوم مراعاة الآفاق الأخرى،فلكي يحرز الغروب في الآفاق الأخرى يمسي في صلاته بمقدار كثير قد يصل إلىاشتباك النجوم حسب توهمه السابق، ولذلك أجابه عليه السلام بان لكل أفق حكماً بتبعتحقق الموضوع وعدمه، ولذلك علّق عليه السلام صلاة المغرب على غروب الشمس فيمقابل الامساء الذي يصنعه ذلك الرجل.
وإلّا فذهاب الحمرة المشرقية راجح عند الكل، وحينئذاك فكيف يتم مفادجوابه عليه السلام.
موثقة اسماعيل بن الفضل الهاشمي عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: «كان رسول اللَّهصلى اللَّه عليه وآله وسلم يصلي المغرب حين تغيب الشمس حيث تغيبحاجبها»(1).
واستدل بها على السقوط عن الحس ببيان أن الشمس عند الغروب عندمايخمد نورها تبدو كالحاجب فعندما يغيب حاجبها يسقط قرصها.
وفيه: أن حاجب الشمس غيرها والاستعارة التمثيلية بتشبيه قرص الشمسبالعين والهالة المحيطة بها كالحاجب، وحينئذ فاشتراط غيبوبة الحاجب زيادة عنسقوط القرص عن الحس المرئي.
وبالاحاطة بما تقدم في مفاد الاخبار يتضح باقي ما ورد في المقام.
والحمدللَّه أولا وآخراً وباطناً وظاهراً والصلاة والسلام على محمد وآلهالطيبين الطاهرين المعصومين.
1) الوسائل: ابواب المواقيت باب16 حديث27.
اطلالة موجزة على الكتاب ...5
الرسالة الاولى ...5
الرسالة الثانية: في ثبوت الهلال بحكم الحاكم ...8
الرسالة الثالثة: الفجر في الليالي المقمرة ...9
الرسالة الرابعة: مبدأ الغروب ...10
إشتراط وحدة الأفق في ثبوت الهلال ...15
الفرض الفقهي ...15
الاقوال في المقام ...15
أقوال العامة ...17
محط النزاع ...18
زوايا البحث ...18
المقام الأول: الدليل العقلي ...23
تحرير الموضوع تكوينيا ...23
المقدمة الاولى: حركة الشمس الظاهرية ...23
المقدمة الثانية: بيان اوجه القمر ...25
1 - حالة المحاق ...25
2 - حالة الهلال ...26
3 - حالة البدر ...26
المقدمة الثالثة: بيان خطوط الطول والعرض ...27
بداية حساب اليوم العالمي «الدولي» ...28
الضابط الابتدائي لوحدة الافق ...31
المقدمة الرابعة: في أنواع الشهور ...32
المقدمة الخامسة: في بيان أمور تؤثر في رؤية الهلال ...35
مآل القول الأول ...40
التقريب الأول ...40
التقريب الثاني ...42التقريب الثالث ...43
التقريب الرابع ...44
فروق الاقوال ...46
تأملات في التقريبات الاربعة ...48
أولا: الجواب النقضي: ...48
النقض الأول ...48
النقض الثاني ...49
النقض الثالث ...50
النقض الرابع ...52
النقض الخامس ...53
تأملات في النقض ...55
النقض السادس ...56
الملاحظة الهامة ...57
معنى عدم نقصان شهر رمضان أبداً ...59
نقصان الاشهر الهلالية دائماً ...60
عدم ثبات تمامية الشهر في نقطة ...61
ثانيا: الجواب الحلي ...64
تكون الليل والنهار ...65
تكون السنة الشمسية ...66
تكون الشهر القمري ...67
الفرق بين الشهر القمري والشمسي ...68
حقيقة النزاع ...72
ضبط وبرمجة الحسابين ...74
ضبط الحساب القمري ...76
المقام: الثاني: الدليل النقلي ...81
الدليل الأول: اطلاق حجية الرؤية ...81
التأمل الأول ...82
الرواية الاولى ...83
الرواية الثانية ...83
الرواية الثالثة ...83
الرواية الرابعة ...84
الرواية الخامسة ...84
التأمل الثاني ...86
التأمل الثالث ...88
التأمل الرابع ...90
التأمل الخامس ...91
الرواية الاولى ...91
الرواية الثانية ...92
الرواية الثالثة ...92
الرواية الرابعة ...93
الدليل الثاني ...94
الدليل الثالث ...95
الرواية الاولى ...95
الرواية الثانية ...95
الرواية الثالثة ...96
الرواية الرابعة ...96
الأمر الأول ...97
الأمر الثاني ...101
الأمر الثالث ...101
الأمر الرابع ...102
الأمر الخامس ...103
الأمر السادس ...104
الأمر السابع ...106
الأمر الثامن ...108
الأمر التاسع ...109
الدليل الرابع ...110
الدليل الخامس: التمسك بصحيحة اليقطيني ...113
الدليل السادس ...117
الدليل السابع ...119
أدلة المشهور ...120
الدليل الأول ...120
الطائفة الاولى ...120
الرواية الاولى ...121
الرواية الثانية ...121
الرواية الثالثة ...121
الطائفة الثانية ...122
الطائفة الثالثة ...125
الطائفة الرابعة ...127
الدليل الثاني ...128
الدليل الثالث ...129
تنبيهات ...133
تنبيهات ...135
التنبيه الأول: ضابطة وحدة وتقارب الافق ...135
استخراج نسبة الاختلاف ...137
الضابطة في وحدة الافق بالدقة ...142
التنبيه الثاني: وظيفة الشاك في هلال شوال ...144
التنبيه الثالث: حصر الطرق بالرؤية ...147
التنبيه الرابع: عدم الاعتداد بالالات الرصدية في الرؤية ...155
الفرض الأول ...155
الفرض الثاني ...157
التنبيه الخامس: عدم الاعتداد بروايات العدد ...158
تفسير المشهور ...161
تفسير آخر في المقام ...162
مفاد روايات العدد ...164
ثبوت الهلال بحكم الحاكم ...169
الاقوال في المسألة ...169
تحرير جهات البحث ...170
محتملات الجهة الثانية ...170
محتملات الجهة الاولى ...171
أدلة المثبتين ...172
اثبات الجهة الاولى «صغرى الاستدلال» ...172
الرواية الاولى ...173
التحقيق في مفاد الرواية ...175
الرواية الثانية ...177
الرواية الثالثة ...177
الرواية الرابعة ...179
الرواية الخامسة ...180
الرواية السادسة ...180
الرواية السابعة ...181
الرواية الثامنة ...182الرواية التاسعة ...182
الرواية العاشرة ...183
الرواية الحادية عشرة ...183
الرواية الثانية عشرة ...184
اثبات الجهة الثانية «كبرى الاستدلال» ...186
الرواية الاولى ...186
تحقيق سند الرواية ...186
الرواية الثانية ...189
الرواية الثالثة ...190
دلالة التوقيع الشريف ...193
وجيزة في حال عمر بن حنظلة ...199
الأول: كونه من وجوه الطائفة وأجلائها ...199
الثاني: رواية أصحاب الاجماع عنه ...202
الثالث: رواية جماعة كثير من الاجلاء والثقات عنه ...203
الرابع: كثرة روايته عن المعصومين عليهم السلام ...206
الفجر في الليالي القمرية ...211
حقيقة الفجر التكوينية ...212
الوجه الأول ...214
الوجه الثاني ...215
الغروب ...229
القول الأول ...229
القول الثاني ...230
فرضية القول الأول ...231
فرضية القول الثاني ...232
مقدمات البحث ...234
الدليل العقلي «موضوع المسألة» ...241
الوجه الأول: ...241
الوجه الثاني ...242
الوجه الثالث ...243
الوجه الرابع ...245
الوجه الخامس ...246
الدليل النقلي ...247
جمع غير المشهور ...247
جمع المشهور ...249
تفاصيل الروايات ...252
الرواية الاولى ...252
الرواية الثانية ...253
الرواية الثالثة ...254
الرواية الرابعة ...256
الرواية الخامسة ...258
الرواية السادسة ...259
الرواية السابعة ...261
الرواية الثامنة ...261
الرواية التاسعة ...262
الرواية العاشرة ...263
الرواية الحادية عشر ...264
الرواية الثانية عشر ...264
الرواية الثالثة عشر ...266
الرواية الرابعة عشر ...268
الرواية الخامسة عشر ...270الرواية السادسة عشر ...271
الرواية السابعة عشر ...271
الرواية الثامنة عشر ...272
الرواية التاسعة عشر ...272
الرواية العشرون ...274
الرواية الحادية والعشرون ...275
الرواية الثانية والعشرون ...275
الرواية الثالثة والعشرون ...276
الرواية الرابعة والعشرين ...277
الرواية الخامسة والعشرون ...278
الرواية السادسة والعشرين ...279
الرواية السابعة والعشرون ...280
الرواية الثامنة والعشرون ...281
الرواية التاسعة والعشرون ...281
الرواية الثلاثون ...282
الرواية الاحدى والثلاثون ...285
الرواية الثانية والثلاثون ...285
الرواية الثالثة والثلاثون ...286
الفهرس ...288