ghaemiyeh.com
عنوان و نام پدیدآور: مقامات النبی و النبوة مدرس: محمد سند ؛ نویسنده: ابراهیم حسین بغدادی
مشخصات ظاهری:400 ص.
موضوع:محمد (ص)، پیامبر اسلام، ۵۳ قبل از هجرت - ۱۱ق.
وضعیت فهرست نویسی:فاپا (برونسپاری).
ناشر: بینا
محل نشر: بی جا - بی جا
سال نشر: 2014
محرر الرقمي:محمد المنصوري
بسم الله الرحمن الرحيم
مقامات النبي و النبوة
محاضر: محمد سند
مقرر: ابراهيم حسين بغدادي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أرسل رسلاً مبشرين ومنذرين، وأوحي إليهم بشرايع دينه ومداينته للعباد يوم الحساب، ثم الصلاة والسلام علی سيد أنبيائه، وخاتم رسله، وأمينه عليهم محمد وآله الحفظة الخزنة لنبوته.
وبعد...
إنَّ هذا الكتاب هو عبارة عن مجموعة أبحاث ألقاها سماحة الأُستاذ آية الله الشيخ محمد السند «دام ظله» عَلي مَجْمُوعَة مِنْ فُضَلاء الحَوْزَة العِلْمِیَّة فِی قم المقدسة ثم أكملها في حوزة النَّجَفِ الأَشْرَفِ، حَیْث بيَّنَ فِیها هيمنة القرآن الكريم علی بقية الكتب السماوية الأخري، وهيمنة النبي الخاتم(صلي الله عليه و آله) علی جميع الأنبياء، وهل أن القرآن هو مجرد أصوات وألفاظ محفوظة في وعاء علوي يتنزل ويوصله النبي(صلي الله عليه و آله) إلی البشر، أو أنه يتلون وينصبغ بالنفس البشرية فيكون الكتاب من نتاج البشر أم هو حقيقة ممتدة من عند الله تعالی في غيوب الغيب متصلة تنزلاً إلی الأرض، فقد أدعي بعض أهل الحداثة والثقافة المستوردة أن القرآن الكريم من النتاج البشري وليس من الوحي الإلهي قائلاً (.... مما يثبت الجانب البشري في الوحي بوضوح)، بل اخذ البعض يشكك في عصمة وعلم النبي الخاتم(صلي الله عليه و آله) فضلاً عن بقية الأنبياء(عليهم السلام)، وفي الحقيقة أن هذه الشبهات نقلها هذا البعض عن جملة من الكتاب الغربيين أو الفلاسفة الماديين أو من بعض العرفاء أو الصوفية، وكذلك بين سماحة الشيخ الأستاذ الأسباب والدواعي
المتحاملة المتشندة نفسياً التي جعلت الغرب یُسيء لنبي الإسلام(صلي الله عليه و آله)، وكذلك بيَّن سماحته نُقاط الضعف التي بسببها تجعل الغرب بين الحين والآخر تخرج أضغانهم، وإحَنهم البغيضة، اتّجاه نبي الله، وكتاب الله، ودين الله (الإسلام)، وهم يعلمون جيداً وباعتراف من نوابغ نخبهم، وعقول خبرائهم في العلوم المختلفة، أنَّ النبي الخاتم(صلي الله عليه و آله) هو أعظم شخصية في الكون، استطاع أنْ یُؤسس حضارة عالمية بقيت إلی الآن، وبني أوتادها علی روح الأُخوة والمحبة والعدالة، وكيف استطاع أنْ يدير الدولة سياسياً واقتصادياً ودينياً من غير أنْ یُسيء لأي طرف كان حتّي وإنْ كانت هذه الأطراف ذات نزعات عدوانية شريرة.
ولا يخفي أن هذا البحث بالدرجة الأولي كان مركزاً حول حقيقة الوحي والنبوة والنبي(صلي الله عليه و آله).
كل هذا عزيزي القارئ سوف تجده بين طيّات هذا البحث، سائلين المولي تعالی أنْ يحفظ لنا شيخنا الأُستاذ وأنْ لا يحرمنا من بحوثه القيِّمة، وآخر دعوانا أنْ الحمد لله ربّ العالمين.
هناك تساؤل يطرح منذ زمن متقادم، والآن أخذ هذا السؤال يثار ويطرح من جديد، وهو:
هل أنَّ القرآن الكريم هو من كلام الله (جلَّ وَعَلَا) أم من كلام النبي(صلي الله عليه و آله)؟!
وبصيغة أُخري، هل أن القرآن الكريم من إنشاء النبي(صلي الله عليه و آله) أم من إنشاء الله تبارك وتعالي وما النبي إلا وسيط وأمين علی إيصال هذا الكلام إلی البشر.
وهذا التساؤل نفسه أثير حول التوراة، والإنجيل، والزبور، وصحف إبراهيم كما هو الحال في القرآن الكريم.
نعم هناك بعض يزعم إن المتسالم عليه بل الضرورة تقتضي أن القرآن الكريم هو من إنشاء الله تعالی بخلاف التوراة، والإنجيل، والزبور، والصحف فليس من إنشاء الله تعالی بل هي حقائق ومعان ألقاها الباري تعالی إلی النبي موسي أو عيسي أو إبراهيم أو داود(عليهم السلام) ثم أنشؤوها بكلامهم.
وهذه الدعوي والمقالة مردودة وبعيدة عن الحقيقة، لأنَّ الوصف
الجاري في الآيات القرآنية والروايات أن ألفاظ التوراة، والإنجيل، والزبور، والصحف - مع غض النظر عن إن التوراة المتداولة حالياً بين الأيدي أو الإنجيل محرف فهذا بحث آخر - هي من إنشاء الله تعالی وكلامه.
وإن الإنجيل في اللغة هو البشارة الملكوتية، والتوراة هي الشريعة وهي مكتوبة في الألواح النازلة علی موسي(عليه السلام) من السماء.
وهذا نحو من التنزل في الكتب السماوية، وهي تنزل ألفاظ منقوشة، والمهم أن ظاهر الآيات، والروايات أنها من إنشاء الله تعالي، وكلامه، وليس من إنشاء الأنبياء(عليهم السلام)وهذه حقيقة ثابتة بغض النظر عن التحريف في النسخ المتداولة عدا النسخ الموروثة من الأنبياء(عليهم السلام) لدي صاحب العصر والزمان.
والحديث يدور تارةً عن القرآن الكريم نفسه، وعن الكتب السماوية الأخري نفسها، وتارة أخری يدور حول مطلق الفيض الإلهي، والوحياني من أن ما يبلغه النبي(صلي الله عليه و آله)هل هو عن الله عَزَّ وَجَلَّ مستقيماً وهذا من أعظم أنواع الوحي ومن أعظم رافد وحياني علمي عن الله عَزَّ وَجَلَّ.
وبكلمة أخری يقع البحث فيما يتلقاه النبي(صلي الله عليه و آله) أنه هو أكمل أنواع الوحي مما يمكن أن يتنزل، وتارةً يقع الحديث فيما قد تلقاه النبي(صلي الله عليه و آله) أنه تنزل بشكل شفاف ولم يتلون بشيء أبداً: وَ بِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَ بِالْحَقِّ نَزَلَ (1).
1) (1) سورة الإسراء: الآية 105.
إن المادية والحسية الغربية تغتصب نفسها لتقرأ الوحي والنبوة بعين حسية لا بعين عقلية والحال أن الوحي ليس شيئاً مرئياً بالحواس الظاهرة، بل شأنه وشؤونه شأن الموجودات الكثيرة والحقايق العديدة غير المرئية، وكم هي كثيرة تلك الأمور بل المساحة الأكبر من الحقيقة هي غير مرئية ومن ثم تواصل العلوم مسيرتها الباحثة بلا نهاية ولا انقطاع لإيمان كل البشر أن الحقيقة المجهولة لا متناهية، مع أن المجهول اللامتناهي من الحقيقة غير مرئي إلا أن الإيمان الراسخ عند الباحثين في كل علم لدي كل جيل بشري متعاقباً بوجوده يدفعهم لطلب معرفته تفصيلاً.
وهذا الإيمان - بغير المرئي غير المحسوس من الحقيقة المجهولة - لا يخمد ولا ينطفئ بل يزداد توقداً وانبعاثاً وفاعليةً كلما إزداد الباحث معرفةً، فكأنما أزدياد المعرفة يزيده تنبهاً إلی سعة وواسعية المجهول من الحقايق والحقيقة.
ومع هذا الأشتباه الذي يقع فيه ذوي المنطلق الحسي المادي في قراءة ومعرفة الوحي يلتبس عليهم ذلك ويدعون أنها قراءة عقلية وعقلانية لمقولة الوحي، فيقعون في خلط بين الحس والعقل مع أن مقولة العقل هي الأخري غير محسوسة ولا مرئية بل هي مهيمنة وحاكمة علی تنظيم المحسوسات والتدقيق في سلامتها وسلامة نتايجها وكيفية الاستنتاج منها، لاسيما بعد أن تنبه الباحثون في العلوم إلی مئات الأنواع من أخطاء الحس وإدراكاته، وتنبهوا إلی عدم إحاطة الحس بأمور كثيرة لابد من معرفتها وأخذها في الحسبان في البحوث العلمية ومعادلاتها.
فمع هذا التمييز لا مجال للخلط بين القراءة الحسية لمعرفة الوحي وبين القراءة العقلية العقلانية لمعرفة الوحي، ومنه يتبين وهم وخلط آخر أرتكبوه من حصر أنواع الوحي في نزول ومجيء جبرئيل إلی النبي(صلي الله عليه و آله) مع أن ذلك واحد من متوسطات أنواع الوحي لا أعاليها ولا حصرياً بها إذ أنواعه لا تقف علی عشرات فضلاً عن الآحاد.
كما أن أنواع الوحي تختلف في الأحكام التكوينية ببون شاسع بحسب طبقات الوحي وطبقات الذات الإنسانية النبوية.
وكل هذه التفصيلات عناوين لأقسام وأبواب من البحوث المعرفية.
ثم إن طبيعة خزن المعلومات والعلوم بتوسط الوحي فضلاً عن كون أنواع وطبقات من الوحي ليست بنحو صورة للمعلومات بل بنمط نفس الحقايق والحقيقة لواقعيات الأشياء، كما أن حقايق وحقيقة كل شيء ليست بنمط وجودي واحد ، وقد بين القرآن الكريم طبقات حقيقة الذات النبوية، تارة بأنه بشر مثلكم،وأخری (يوحي إلي)، وثالثة وَ لَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلاً وَ لَلَبَسْنا عَلَیْهِمْ ما یَلْبِسُونَ ، ورابعة اُنْظُرْ كَیْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا یَسْتَطِیعُونَ سَبِیلاً ، وخامسة (يس)، و(طه)، وكثير من الحروف المقطعة أوائل السور المردفة بذكر القرآن، وهي مقامات غيبية فوق مقام القرآن، وسادسة إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْیٌ یُوحَی، وسابعة فإن كل القرآن ليس إلا شرحاً للذات النبوية بكل سوره وآياته.
إن عصمة الأنبياء في التبليغ والإبلاغ، هي من المعتقدات الرئيسية عند أغلب المسلمين، ومن هنا نري ما أثارهُ الكاردينال جان يوس توان والبابا نفسه حول مسألة الحوار الأدياني حيث طرحوا هذا السؤال: من أنه كيف يمكننا أن نفتح حوار مع المسلمين وهم يعتقدون أن ألفاظ القرآن الكريم هو من كلام الله وهو وحياني، أي ليس من تأليف النبي(صلي الله عليه و آله)، لأن النصاري يعتقدون أن التوراة أو الإنجيل اللذين هما العهد القديم والعهد الجديد هما من إنشاء الأنبياء(عليهم السلام) وليس من إنشاء الله تعالي.
فهم لا يعتقدون بعصمة الأنبياء(عليهم السلام) إطلاقاً أي لا في التلقي ولا في التبليغ وغيره، بل يقولون أكثر من ذلك من أن الأنبياء - والعياذ بالله - يكذبون علی الله عَزَّ وَجَلَّ: وَ لا تَشْتَرُوا بِآياتِی ثَمَناً قَلِیلاً (1).
1) (1) سورة البقرة: الآية 41.
وإن هناك أسباباً متعددة لوقوع أتباع الأديان الأخري في مقالات مزرية بمقامات الأنبياء وذلك لسوء فهمهم وأحد تلك الأسباب هي سوء فهمهم لحالات الأنبياء، وشؤونهم،وإنه لا عصمة لهم لا في أفعالهم، ولا في صفاتهم، ولا في معتقداتهم، فضلاً عن التبليغ والإبلاغ، ومنشأ هذا الاشتباه هو التشابه كما هو الحال في المحكم والمتشابه، فالاشتباه هو في إدراك الإنسان نفسه - مشتبهاً وغير متشابه - والمهم هناك حالات عند الأنبياء مشتبهة ومتشابهة وتسبب الاشتباه، وهذا الاشتباه - الذي سوف نخوض فيه - سببه الأصلي هو أن الأنبياء ذوي جنبات متعددة مثل قوله تعالی:فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِینَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما نَراكَ إِلاّ بَشَراً مِثْلَنا (1)، فبشر يوحي إليه هذه جنبة بشرية وجنبة أخری مترقية عالية بأنه يستطيع سماع الوحي،والفرق بين هاتين الجنبتين أمر مستعصي علی الآخرين، فكيف يمكن التوفيق بينهما، ولذلك قالوا:فَقالُوا أَ بَشَرٌ یَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وَ تَوَلَّوْا وَ اسْتَغْنَی اللّهُ وَ اللّهُ غَنِیٌّ حَمِیدٌ (2).
لإن الجنبة البشرية عندهم لا يمكن أن تجتمع مع الجنبة الوحيانية الإلهية:
وَ قالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَیْهِ مَلَكٌ (3)،أو قوله تعالی:وَ لَوْ جَعَلْناهُ
مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلاً وَ لَلَبَسْنا عَلَیْهِمْ ما یَلْبِسُونَ (1).
هذا أحد الأسباب الرئيسية التي أدت باليهود، والنصاري إلی وصف الأنبياء بأوصاف طاعنة في عصمتهم من أنهم يكذبون علی الله تعالی وإنهم لا يصدقون في كلامهم بمعني إنهم غير معصومين مطلقاً.
هذا هو التشابه في أحوال الأنبياء لديهم،والسبب الثاني لطعنهم في الأنبياء هو إن ترك الأولي عند الأنبياء - كما هو تفسيره لدي منهج أهل البيت(عليهم السلام) وعلماء الإمامية - فيه ما يوهم مخالفة الأنبياء للأوامر الإلهية، من قبيل:وَ عَصي آدَمُ رَبَّهُ فَغَوي (2)، ومن قبيل قوله تعالی:قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَیْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَیْرُ صالِحٍ (3)، ومن قبيل قوله تعالی:إِنِّی أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِینَ وكذلك من قبيل قوله تعالی:وَ ذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَیْهِ فَنادي فِی الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّی كُنْتُ مِنَ الظّالِمِینَ (4)، وغير ذلك من الموارد العديدة التي ذكرها القرآن الكريم.
فهذه الموارد تعتبر عند النصاري واليهود مخالفاتٍ عصيانية تمردية أو خيانات من الأنبياء إلی برنامج السماء، لأن كل مخالفة عندهم معصية وهي خيانة.
وهناك جملة أخری من حالات الأنبياء(عليهم السلام) التي استعصت علی اليهود والنصاري بل وتستعصي علی جملة من علماء المذاهب الإسلامية الأخري،وهذا ما نراه جلياً في إحتجاجات الإمام الرضا(عليه السلام) في جلسة حوار الأديان والمذاهب التي عقدها المأمون بمشاركة واسعة من علماء الطوائف والأديان، فنلاحظ أن الإمام الرضا(عليه السلام) بيّن عصمة الأنبياء بكمال الدقة والمتانة والاستدلال والبرهان، بينما علماء المذاهب الأخري كانوا يصرون علی عدم عصمة الأنبياء(عليهم السلام)(1).
في حين المذهب الوحيد الذي يصر علی عصمة الأنبياء(عليهم السلام) هو مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، فنحن نصف يعقوب، ويوسف، وعيسي، والأسباط، بل جميع الأنبياء نصفهم بالعصمة المطلقة والاستقامة، وهذا تبعاً لمتواتر روايات أهل البيت(عليهم السلام) وتبيانهم لمحكمات تعاليم القرآن، فإن أهل البيت(عليهم السلام) ينزهون أنبياء الأمم السابقة والديانات السماوية الأخري ويعظمونهم أكثر من علماء تلك الأمم.
وهذا ما أشار إليه السيّد عبد الحسين شرف الدين في كتاباته حتی أفاق بسببها الشيخ شلتوت من نومته، وكثير من علماء النصاري، فلا يوجد مذهب علی وجه الأرض يدافع بهذا المستوي والنمط عن عصمة الأنبياء(عليهم السلام)، وهو
1) (1) الاحتجاج، المجلد 2، 158.
الذي يحمل راية وحدة الأنبياء(عليهم السلام)، وإن كل الأنبياء بعثوا بدين واحد وهو الإسلام ولكن الاختلاف في تعدد الشرائع، قال تعالی:لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهاجاً (1)وقال تعالی:إِنَّ الدِّینَ عِنْدَ اللّهِ الْإِسْلامُ (2)،فهناك فرقٌ بين دائرة الدين ودائرة الشرائع ودائرة المنهاج ودائرة الملة.
فوصف الأنبياء بالعصمة، والسداد، والصدق، والأمانة لا تجده بشكل كامل عند غير مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، بل هناك بعض علماء المذاهب الإسلامية الأُخري ربما يقولون بإمكانية عدم العصمة حتّي في التبليغ، وقد أستدلوا علی ذلك بقوله تعالی:وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَ لا نَبِیٍّ إِلاّ إِذا تَمَنّي أَلْقَی الشَّیْطانُ فِی أُمْنِیَّتِهِ فَیَنْسَخُ اللّهُ ما یُلْقِی الشَّیْطانُ ثُمَّ یُحْكِمُ اللّهُ آياتِهِ وَ اللّهُ عَلِیمٌ حَكِیمٌ (3).
وزعموا أن معني الآية أن هناك احتمال إمكانية للشيطان في التأثير علی النبي(صلي الله عليه و آله) إما علی مرحلة ما يتلقاه (صلي الله عليه و آله) من الله تعالي، أو مرحلة إبلاغه(صلي الله عليه و آله) فيما يتلقاه من السماء، وإن كان المتأخرون المعاصرون منهم الآن يرفضون ذلك ولكن المتقدمين منهم يشيرون إلی ذلك مع أن القرآن ينفي ذلك بشكل قاطع:وما تنزلت به الشياطين وَ ما یَنْبَغِی لَهُمْ وَ ما یَسْتَطِیعُونَ*إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (4).
يقول الميرزا النائيني: هناك جملة من المباني الراسخة الشامخة والقواعد الإعتقادية التي لم يبنها في الإسلام إلا أهل البيت(عليهم السلام)، مثل نفي الجبر والتفويض، ونفي التجسيم، وكذلك عصمة الأنبياء(عليهم السلام) حيث أن أهل البيت(عليهم السلام) تشددوا في مثل هذه الأمور الإعتقادية بخلاف غيرهم من المذاهب الإسلامية.
بلْ حتّي العرفاء والصوفية لم يستطيعوا أن يعوا ويهضموا الحكمة وراء إصرار أهل البيت(عليهم السلام) علی عصمة الأنبياء(عليهم السلام) في كل شيء.
فلو نظرنا إلی أصول الدين من التوحيد والنبوة والإمامة والمعاد نري إنها مقترنة بعضها ببعض، وهي تعتبر مسؤولية التكليف، فإن أصل النبوة، والإمامة، والمعاد هي أبواب ومظاهر للتوحيد: یَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ (1)، فلقاء الأمم به تعالی يحصل بوافد رائد هو الإمام.
فنري كلها تصب في تحميل الإنسان مسؤولية التكليف، وإذا قال قائل أنا موحّد، نعم أنت موحّد ولكنك لم تعتقد بعصمة الأنبياء(عليهم السلام) وبالتالي سوف تفتح المجال والباب لعدم المسؤولية لأنك لا تعتقد بالحجة البالغة الواصلة للعباد وبالتالي البعد عن الدين.
1) (1) سورة الإسراء الآية 71.
ولهذا نجد أن بعض الصحابة لعدم اعترافهم بعصمة النبي(صلي الله عليه و آله) كانوا يعترضون عليه في بعض الأمور كما سيتضح في جملة من موارد القرآن الكريم، ولهذا نري في كتب الفقه من المذاهب الأخري يرون الاجتهاد علی النبي(صلي الله عليه و آله) جائز، حيث يذهبون في علم الكلام وأصول الفقه أن النبي(صلي الله عليه و آله) يجتهد أي يستنتج إلا أن الكثير منهم يقول ولكن الله يسدده.
ويستدلون علی أن الأنبياء(عليهم السلام) يجتهدون، ويستنتجون، ويخطأون من بعض الآيات القرآنية مثل قوله تعالی:يا إِبْراهِیمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ (1).
وغير ذلك من موارد العتاب التي يفسرها مذهب الإمامية بترك الأولي، في حين البعض يفسرونها بالإجتهاد الخاطئ للأنبياء ولكن الله سددهم فيها.
إن هذه النظرة سببها عدم فهم حقيقة النبوة، وهكذا مقولة بعض الصحابة في رزية يوم الخميس عندما طلب النبي(صلي الله عليه و آله) دواة وقلم، قال: إن النبي ليهجر.
فقد روي عن أبن عباس: أشتد برسول الله(صلي الله عليه و آله) وجعه يوم الخميس، فقال:
«أئتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً» فتنازعوا ولا ينبغي
1) (1) سورة هود: الآية 76.
عند نبي تنازع، فقالوا هجر رسول الله(1). وفي بعضها: «إنَّ النبي يهجر».
وعن أبن عباس(رضي الله عنه) قال: لما حضر رسول الله(صلي الله عليه و آله) وفي البيت رجال فقال النبي(صلي الله عليه و آله) هلموا أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده فقال بعضهم أن رسول الله(صلي الله عليه و آله) قد غلبه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله فأختلف أهل البيت واختصموا فمنهم من يقول قربوا يكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده ومنهم من يقول غير ذلك فلما أكثروا اللغو والاختلاف قال رسول الله(صلي الله عليه و آله) قوموا(2).
ومن خلال هذه الرواية يتضح أن الحاضرين عند النبي(صلي الله عليه و آله)انقسموا إلی فريقين، فريق منهم يرد علی القائل - حسبنا كتاب الله - وفريق آخر مع هذا القائل.
وإن قائل هذه العبارة - حسبنا كتاب الله - بغض النظر عن الدواعي السياسية والاجتماعية الأخري تنطوي في مخيلته، واعتقاده، أنه هو والبقية أعرف وأفهم بكتاب الله من النبي(صلي الله عليه و آله)، هذا علی أقل تقدير في مفاد ومعني هذه العبارة من هذا المتكلم.
ويعترض علی مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) أنَّها تقول أن القرآن يحتاج إلی قيم، وإنَّما تقول يحتاج إلی قيم علی تعليم البشر وفهم ما في القرآن، ويوجد في
ذلك عدة آيات تشير إلی هذا المعني، من قبيل قوله تعالی:وَ أَنْزَلْنا إِلَیْكَ الذِّكْرَ لِتُبَیِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَیْهِمْ وَ لَعَلَّهُمْ یَتَفَكَّرُونَ1 ، وكذلك قوله تعالی:هُوَ الَّذِی بَعَثَ فِی الْأُمِّیِّینَ رَسُولاً مِنْهُمْ یَتْلُوا عَلَیْهِمْ آياتِهِ2 . ويتلو أي یُبلّغ :وَ یُزَكِّیهِمْ وَ یُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ3 ويعلمهم يغاير يتلو آياته:وَ الْحِكْمَةَ وَ إِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِی ضَلالٍ مُبِینٍ4 ، والحكمة هنا بتمام أطرافها.
وَ ما یَعْلَمُ تَأْوِیلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَ الرّاسِخُونَ فِی الْعِلْمِ .
إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِیمٌ فِی كِتابٍ مَكْنُونٍ لا یَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ .
بَلْ هُوَ آياتٌ بَیِّناتٌ فِی صُدُورِ الَّذِینَ أُوتُوا الْعِلْمَ .
إِنَّما یُرِیدُ اللّهُ لِیُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَیْتِ وَ یُطَهِّرَكُمْ تَطْهِیراً.
هذا نظير ما يقال أن العقل البشري هو المنبع الوحيد للحكمة النظرية فلا يوجد دور لحجية العلوم النقلية في الحكمة النظرية والعملية، وهي مقولة
(حسبنا العقل) ولا نحتاج إلی الحكمة من قبل النبي(صلي الله عليه و آله)، فإذا كان الحال هو (حسبنا العقل) في الفلسفة أو في الحكمة النظرية والعملية،فلماذا يقررون في تعريف الفلسفة، والحكمة البشرية أنها فهم الحقيقة والواقع علی قدر وطاقة القدرة البشرية وهل الحقيقة والواقعية تتضيق بقدر ودائرة الطاقة البشرية أم أن الحقيقة والواقعية أوسع من ذلك بما لا يتناهي والبشرية علی هذا مضطرة إلی هداية السماء في معرفة الحقيقة الواقعية، وعندما نقرر ضرورة الاضطرار إلی هداية السماء لا يعني ذلك عدم ضرورة فهم العقل لكن ضرورته لا تعني انفراده ولا استغناؤه عن الوحي.
كلا وإنما الكلام هو في المنهج الأمثل من البحث العقلي الذي لا بد منه، في مقابل البحث العقلي المنغلق علی القدرة البشرية وهو أن نقول حسبنا عقولنا وليس للبحث النقلي أي دور.
ولماذا نستعرض كلمات العلماء والحكماء الأوائل والأواخر عند البحث، هل للتعبد أم لتوسعة الأفق. وهل الأفق لا يتسع لو استعرضنا الآيات القرآنية كأحد الأقوال، وكذلك أحد الأقوال هي الرواية التي تنسب إلی الإمام الصادق(عليه السلام) كهذه الروايات التي تنسب إلی أرسطو أو إلی أفلاطون أو إلی هيكل أو ديكارت أو كانتْ وغيرهم مع فارق كبير أن هؤلاء بشر بقدرات محدودة بخلاف ما ينسب إلی الوحي فانه أفق لامحدود وان لم يكن التعاطي معه تصديقي بل تصوري محض.
فلا تنظر إلی من تنسب ولكن أنظر إلی مادة البحث. فلماذا هناك عناية بمقولة ومقولات الشرق والغرب أكثر من غيرهم، وليس المنهج أن تلك
المقولات لا تفيد بل توصية الكتاب هي الانفتاح علی الجميع:اَلَّذِینَ یَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَیَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ (1)، وليس لدينا حبس علی قول دون قول ولكن لماذا لا نسمع قائل يسمي الباري تعالی في القرآن الكريم، وهذا قد يكون تصوراً لا تصديقاً أي لا تأخذه مأخذ التصديق من دون معرفة دلائله البرهانية، ما المانع في ذلك ؟ ولماذا نرمي بالخطأ العلمي لو ذكرنا آية في بعدها التصوري المؤدي إلی التصديق البرهاني في الإستدلال العقلي ؟.
وإذا كان الفحص في كلمات الفلاسفة من الاشراقيين والمشاء واليونان أو السفسطائيين ليس لأجل التعبد بأقوالهم بل لأجل توسعة أفق التصور كما هو الحال في استعراض كلمات العلماء والحكماء البشريين الأوائل والأواخر سواءاً الكلمات المنسوبة إلی أرسطو أو إلی أفلاطون أو إلی هيكل من فلاسفة الغرب أو ديكارت أو غيرهم بل لا ينظر إلی النسبة ومدي درجة صحتها بقدر ما ينظر إلی المادة العلمية المتضمنة في الكلام نفسه فالبحث ينصب في تصور المعطية نفسها وإمكان استخراج دلائل تصديقية منه،فإذا كان الحال كذلك في كلمات هؤلاء البشر بهذا المنهج وبهذا اللحاظ فكذلك الفحص في آيات القرآن والروايات المنسوبة إلی النبي(صلي الله عليه و آله) والأئمة من أهل البيت(عليهم السلام) لماذا يبتعد الباحث العقلي في المسائل المعرفية عن الفحص في المصادر النقلية لأجل الوقوف علی أفاق تصورية وللتنبه لدلائل تصديقية مطوية في تلك التصورات، بغض النظر عن درجة صحة نسبة الرواية إلی أحد
1) (1) سورة الزمر: الآية 18.
المعصومين(عليهم السلام)، و لماذا هذا الانحسار عن البحث في معطيات المصادر النقلية لاسيما وأن الأبواب والمباحث المذكورة في القرآن والحديث في مسائل الحقيقة والواقعية لم تأت في تصور الجهد البشري في الفلسفة، ونذكرها لا لأنها آية يصدق بها علی إجمالها وإبهام معناها، بل للإستدلال العلمي بالمضمون الذي فيها، أو رواية ولو كانت ضعيفة السند علی الأقل علی حد كونها أحد التصورات أو أحد الاعتراضات في موضوع ما، فما هو المانع من ذلك لاسيما أن في البحث العقلي إذا أتي بالتصور أو الإحتمال بطل الإستدلال، فالإحتمالات ذات أهمية بالغة فيكون الفحص في الأدلة النقلية في بعدها العقلي لا أقل لإثراء الإحتمال لنفس الإحتمال الذي هو ذو خطورة في المنهج العقلي.
فهذه المقولة (حسبنا العقل البشري) يعني أن عقلنا يمكن أن يحصي كل صغيرة وكبيرة بنفسه من دون حاجة إلی مدد الوحي السماوي، كيف يمكن صياغته كمنهج علمي؟ وذلك لا يعني أن العقل يشطب أو ينبذ وهذا إفراط، في مقابل الإفراط القائل حسبنا العقل، ولو كان العقل يكتفي به فلماذا (المشاء) أو (الإشراق) أو (المتعالية) يكتبون في تعريف الحكمة والفلسفة ( معرفة الحقيقة والواقع علی قدر وسع القدرة البشرية).
فهل الحقيقة تقيد بالطاقة البشرية، وإذا كان كذلك فإن هذا يدلل علی أن البشر بأنفسهم لا يستطيعون أن يبلغوا كل الحقيقة بطاقتهم وإلا هذا القيد ما دوره؟
والي هذه الحاجة البشرية يشير قوله تعالی: وَ یُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ ، أن البشر يحتاج إلی الأنبياء والوحي في تعلم الحكمة سواء أنظرياً أو عملياً. وليس هذا إقصاءاً للعقل، فالعقل لا يقصي،فإن مدارية حجية العقل ومركزيتها في الفهم وكمتعلم، لا تتصادم مع حجية القرآن والعترة كمعلمٍ ومنبهٍ ومذكرٍ بالحقيقة والواقعية الحقة المنسية في فطرة العقل، والحجية للوحي كمعلم هي حجية العلم والقطع فوق الحجية التعبدية للظن.
هُوَ الَّذِی بَعَثَ فِی الْأُمِّیِّینَ رَسُولاً مِنْهُمْ یَتْلُوا عَلَیْهِمْ آياتِهِ وَ یُزَكِّیهِمْ وَ یُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ والآية تشير إلی أننا نحن البشر لا نستطيع أن نزكي أنفسنا بإنفرادنا من دون برامج ورعاية وحيانية من النبي(صلي الله عليه و آله) وسننه بل ولا من دون خلفائه من الأئمة(عليهم السلام)، وأن المرشد البشري أو أستاذ السير والسلوك لوحده لايمكنه تربية البشر بدرجة كاملة ولا تزكية الإنسان سواء علی صعيد التنظير للتزكية أو علی صعيد التطبيق والعمل التربوي وإلي هذا يشير قوله(صلي الله عليه و آله): إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق، وكمال التزكية هي في الأصل من سنن النبي(صلي الله عليه و آله)، ففي الحديث:
«إنما العلم ثلاثة:آية محكمة، أو فريضة عادلة، أو سنة قائمة وما خلاهن فهو فضل»(1)ومفاده يبين أن العلم الذي يفتقر إليه البشر لا يختص بالمعارف حول الحقيقة والواقعية في الرؤية الكونية بل يشمل برامج ونظام التربية الروحية ونظام
1) (1) الكافي، ج1 ، 538.
التقنين والقوانين الإجتماعية والأسرية.
فالفريضة العادلة هي إشارة إلی فقه الفروع، والسنة القائمة إشارة إلی تهذيب النفس والأخلاق، والآية المحكمة تعني العقيدة،فهذه خنادق ثلاث إذا أحكمها العالم بالتعلم من مواد الوحي وبفهم العقل لن يقع أسير الجهل والجهالة وسوف يتمكن من حماية الصواب ويرعي حمي الدين.
فتبين أن مقام وشأن النبي(صلي الله عليه و آله) ليس هو الإبلاغ فقط (يتلو) بل معلم(يبين) و(يعلم) ومربي (يزكي)، وهذا ما أشارت إليه آيات عديدة من الكتاب الكريم كقوله تعالی:وَ ما أَنْزَلْنا عَلَیْكَ الْكِتابَ إِلاّ لِتُبَیِّنَ لَهُمُ الَّذِی اخْتَلَفُوا فِیهِ وَ هُديً وَ رَحْمَةً لِقَوْمٍ یُؤْمِنُونَ (1).
وكذلك قوله تعالی:وَ لا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ یُقْضي إِلَیْكَ وَحْیُهُ (2)،وقوله تعالی:لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَیْنا جَمْعَهُ وَ قُرْآنَهُ * فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَیْنا بَیانَهُ (3).
وقوله تعالی: أَنْزَلَ عَلَیْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ (4).
وجملة من العامة يذهبون إلی أن الأنبياء(عليهم السلام) يجتهدون ولا يصلون إلي
الحقيقة إلا عبر إعمال الفكر سواء أكان إجتهاداً بصورة قطعية أو إجتهاداً بصورة ظنية.
وهذا المعني ينطوي علی أن الوحي النازل إليهم هو مجرد أصوات أو ألفاظ أو معاني، وربما في زعم هؤلاء في أحسن أحوال النبي والأنبياء أنهم مسجل للصوت قوي في الحفظ إن لم يكن مسجل حسي مادي أو جهاز مسجل ملكوتي له قدرة برزخية وهذا هو غاية مقام النبي(صلي الله عليه و آله)، وهذا ما سيأتي الحديث عنه إن شاء الله عند التعرض لتعريف النبوة في كلام المتكلمين.
بل توجد هذه المقالة لدي عدة من متكلمي الخاصة، ولا يهم التعرض إلی من قال بل التركيّز علی تحرير نفس المقالة لأنه بحث علمي فهو (ما قيل لا من قال).
ويزعمون أن النبي(صلي الله عليه و آله) عنده استنباط: اَلَّذِینَ یَسْتَنْبِطُونَهُ (1)، والأستنباط معني عام وخاص ومطلق ومقيد وهذا هو الإستنتاج ومعناه الإجتهاد، والإجتهاد القطعي صورته قطعية وواقعه ظني فقد يخطأ وقد يصيب، نعم هناك فرق بين هذه المقالة وهي أن نقول أن طريق الأنبياء للوصول بالنتائج والحقائق عبر الإستنتاج وإعمال الفكر وبين أن نقول أن النبي(صلي الله عليه و آله) لا يخفي عليه الواقع ولا يري الواقع من وراء حجاب الفكر وحجاب المعاني بل هو محيط بالواقع أيضا یُعلم كيف يوصل الآخرين من خلال أداة الفكر إلی النتائج وهذا بحث آخر وطرح آخر.
1) (1) سورة النساء: آية 83.
بل إن العرفاء لهم مثل هذه النظرة تجاه الأنبياء(عليهم السلام)، كما هي عند الفلاسفة والمتكلمين فكما أن أدواة العلم لديهم هي الفكر والنظر فالأنبياء(عليهم السلام) كذلك من أدواة العلم لديهم الرياضة القلبية فكما أن المرتاض يرتاض كي يصل إلی إنفتاح قلبه كذلك الأنبياء(عليهم السلام)، مثل الكاهن يرتاض فينفتح قلبه فيصل إلی بعض المشاهدات العيانية أو المكاشفات في الخواطر والفكر هم عندهم النبوة هكذا كالرياضة ومن خلالها يصل إلی بعض المشاهدات أو إلی بعض المكاشفات وهلم جراً.
ولا ريب أن هذه النظرية قاصرة عن تصوير حقيقة القرآن الكريم وعن حقيقة تأدية الوحي الرباني الإلهي إلی سائر البشر.
وهل أمانة الأنبياء(عليهم السلام) وصدقهم تقتصر في أنهم حافظة صوتية لما يلقي إليهم أو وعاء خواطر ومعان فقط ثم ينزلون به إلی البشر فيبلغوهم من دون تصرف، وهذا التلقي من الأوعية الصوتية ليس بإمكان بقية البشر، وإنما أختص وأمتاز الأنبياء(عليهم السلام) في ذلك عن غيرهم من البشر لأن عندهم الإمكانية في تلقي الكلام الصوتي الإلهي والوحي الإلهي من طبقة المعاني والخواطر، من المراتب العالية جداً إلی المراتب الدانية.
وَ تَعِیَها أُذُنٌ واعِیَةٌ (1)، فتعيها هي وعاء تستقبل ما يتلقي من الكلام الصوتي الإلهي ثم يتنزل به ويؤديه إلی الآخرين. وهذا الوعاء يوضع فيه شيء ليس
1) (1) سورة الحاقة: الآية 12.
إلا، ويملأ فيه شيء ثم يؤدي إلی الآخرين.
وهذا تفسير المتكلمين والمدارس الإسلامية الأخري، عن صدق وأمانة الأنبياء(عليهم السلام) وفي مقابل ذلك تفسير مرّ بنا للعرفاء والصوفية مشابه من أن الأنبياء(عليهم السلام) يرتاضون فيشاهدون ويفسرون الوحي والكلام الإلهي بتلقي النبي(صلي الله عليه و آله) أو الأنبياء(عليهم السلام) ثم بعد ذلك ينزلونه إلی المراتب النازلة وعند ذلك سوف يتلون وينصبغ بالنفس النبوية بمعني أنه يتأثر بذلك فبالتالي ما ينزل هو بالحقيقة متولد من نفوس الأنبياء(عليهم السلام) وما يؤدي من الأنبياء(عليهم السلام) بأنه من فعل الأنبياء(عليهم السلام)، وأنه من نتاجهم وامتزاج الوحي بتلاوين ذواتهم، في حين نري القرآن الكريم يجعل تعليم الكتاب كله والحكمة من مسؤولية ووظائف سيد الأنبياء، فكيف يكون المعلم مع المتعلم سيان هذا مما لا يمكن.
1 - وَ ما یَعْلَمُ تَأْوِیلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَ الرّاسِخُونَ فِی الْعِلْمِ (1)،فالتأويل هو أيضاً من مدارج ومن أجزاء أو أقسام القرآن الكريم، فكما توصف ألفاظ المصحف الشريف بأنه تنزيل فكذلك هناك في القرآن معاني توصف بأنها تأويل للقرآن، ثم أنه هناك بعض الأوصاف العظيمة للقرآن الكريم وتلك الأقوال التي مرت في تفسير الوحي لا تستطيع تصوير هذه الأوصاف
1) (1) سورة آل عمران: الآية 7.
للقرآن.
2- مثل وصف القرآن باللامتناهي:قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّی لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّی (1).
فالذي يصور القرآن أنه مجرد هذه الألفاظ أو العلوم في القرآن أو معاني القرآن اللآمتناهية ولو كان القرآن مجرد أصوات وألفاظ تحفظ في وعاء علوي يتنزل ويوصله النبي(صلي الله عليه و آله) إلی بقية البشر فأين إذن الشيء اللامتناهي:
وَ لَوْ أَنَّ ما فِی الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَ الْبَحْرُ یَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللّهِ إِنَّ اللّهَ عَزِیزٌ حَكِیمٌ (2)فلا يستقيم تفسير الوحي بمجرد سماع أصوات أو أدراك معاني في قوة الفكر فإن هذا التصوير لايقرر اللاتناهي.
3 - ووصف آخر يوصف به القرآن الكريم بأنه حبل ممدود طرف منه عند الناس وطرف عند الله عَزَّ وَجَلَّ، فعن أبي سعيد الخدري أنه قال :«قال رسول الله (ص ):
إني تارك فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلی الأرض طرف منه عند الله ، و طرف منه في أيديكم ، فأستمسكوا به ، و عترتي»(3)(4).
1) (1) سورة الكهف: الآية 109.
2) (2) سورة لقمان: الآية 27.
3) (3) شرح الأخبار للقاضي النعمان المغربي ج479 :2، ح: 841، الغيبة للنعماني: 37، مجمع الزوائد للهيثمي ج163 :9، سنن الترمذي ج329 :5، باب مناقب أهل بيت النبي(صلي الله عليه و آله) المصنف لأبن أبي شيبة الكوفي ج176 :7، مسند أبي يعلي الموصلي ج298 :2.
4) (4) وأسند الزمخشري إلی النبي(صلي الله عليه و آله) فاطمة مهجة قلبي وأبناها ثمرة فؤادي وبعلها نور بصري، والأئمة من ولدها أمناء ربي، حبل ممدود بينه وبين خلقه من أعتصم به نجي ومن تخلف عنه هوي، الصراط المستقيم لعلي بن يونس العاملي ج32 :2، البحار ج187 :47، صلة الرحم وقصة ملكين من بني أسرائيل.
وفي رواية أخری عن رسول الله(صلي الله عليه و آله):«قد خلّفت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وهما الثقلان:
كتاب الله الثقل الأكبر حبل ممدود من السماء إلی الأرض سبب بأيديكم وسبب بيد الله عَزَّ وَجَلَّ، وإنهما لن يفترقا حتی يردا علی الحوض، فلا تقدموهم فتمرقوا ولا تأخذوا من غيرهم فتعطبوا، ولا تعلّموهم فإنهم أعلم منكم»(1).
فوصفه بأنه حقيقة ممتدة من عند الله تعالی في غيوب الغيب متصلة تنزلاً إلی الأرض، فكيف ينسجم هذا الوصف لحقيقة القرآن مع دعوي كونه مجرد ألفاظ صوتية أو معاني ومفاهيم في الفكر والخواطر.
ومن خلال هذا يتضح أن القرآن الكريم حقيقة عينية ذات مدارج تكوينية في العوالم، مدارجها العلوية الملكوتية عند الحضرة الإلهية، فالطرف الذي عند الله عَزَّ وَجَلَّ يعني فوق البرزخ وفوق الملكوت عند الله، وإذا كانت حقيقة القرآن بهذا النمط فلابد أن يتصور ويفسر الوحي بنمط يتلائم مع حقيقة القرآن ولا يقتصر علی كونه سماعاً ملكوتياً لأصوات أو مكاشفة معاني أو مشاهدة قلبية.
4 - ومن أوصاف القرآن الكريم ما ورد في الكتاب الكريم:وَ عِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَیْبِ لا یَعْلَمُها إِلاّ هُوَ وَ یَعْلَمُ ما فِی الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ وَ ما تَسْقُطُ مِنْ
1) (1) البحار ج65 :3، باب (18) في ذكر ما كان من حيرة الناس...
وَرَقَةٍ إِلاّ یَعْلَمُها وَ لا حَبَّةٍ فِی ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَ لا رَطْبٍ وَ لا يابِسٍ إِلاّ فِی كِتابٍ مُبِینٍ (1).
فأحد منازل القرآن الكريم ومقاماته هو الكتاب المبين، وفيه كل شيء مستطر، وقد وردت كلمة (الكتاب المبين) في عدة آيات:
منها: وَ ما یَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِی الْأَرْضِ وَ لا فِی السَّماءِ وَ لا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَ لا أَكْبَرَ إِلاّ فِی كِتابٍ مُبِینٍ (2). ما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، السماء الأولي، أو الثانية أو الثالثة أو الفضاء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين.
أما الآية الأخري في قوله تعالی:وَ ما مِنْ دَابَّةٍ فِی الْأَرْضِ إِلاّ عَلَی اللّهِ رِزْقُها وَ یَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَ مُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِی كِتابٍ مُبِینٍ (3). فكل دابة رزقها وتقديرها وحياتها وبرنامجها الكوني كل ذلك في كتاب مبين.
ومنها: قوله تعالی:وَ ما مِنْ غائِبَةٍ فِی السَّماءِ وَ الْأَرْضِ إِلاّ فِی كِتابٍ مُبِینٍ (4)، أي كل غائبة مستقبلية طبعاً.
ومنها: قوله تعالی: حم * وَ الْكِتابِ الْمُبِینِ * إِنّا أَنْزَلْناهُ فِی لَیْلَةٍ مُبارَكَةٍ5 .
ومنها: قوله تعالی:الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِینِ (1).
ومنها: قوله تعالی:تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِینِ (2).
إذن القرآن الكريم يستوعب عوالم متعددة لا أنه يستوعب مجرد عالم الدنيا، بل له تلك السعة المترامية التي ليس من شأن قدرة المخلوق بحيث كل ما في عالم الأرض وعوالم الخلقة من الذرة إلی المجرة، ماضيها ومستقبلها.
فالقرآن الكريم يهيمن علی كل العوالم من عالم الخلقة السفلي إلی عالم النور وما بينهما من عوالم كعالم الأرواح وعالم الأبدان وعالم البرزخ، بل حتی عالم الآخرة لأنه يعلم مستقر كل دابة هل تستقر في الجنان أو في النيران أو في أي مكان، فالقرآن الكريم محيط بكل تلك العوالم:أَوْ مُعَذِّبُوها عَذاباً شَدِیداً كانَ ذلِكَ فِی الْكِتابِ مَسْطُوراً (3)فلا يقتصر علی عالم الدنيا فقط.
وهذه من سمات أوصفات القرآن الكريم، التي خفيت علی من يتخيل أن القرآن متلون بالتاريخ، وممتزج ببيئة زمانية، واجتماعية خاصة بالجزيرة العربية، بل ليس في قدرة هذا التخيل والقول تصوير وإستيعاب القرآن للنشأة الأرضية، مع أن القرآن له نشئآت وعوالم إلی ما شاء الله، كل
هذه النشئات يحيط بها القرآن الكريم. وأين هذا الشأن من التصوير الأول للوحي بأنه مجرد أصوات أو معاني أو إمتزاج مع الطبيعة النفسانية لذات النبي(صلي الله عليه و آله)، التصوير الأول للوحي لم يكن إلا لقلقة لسان، وأصوات، وألفاظ أو معاني فكرية في الخاطر أو أحوال نفسانية من المشاهدات.
5 - ومن أوصاف ومنازل ومقامات القرآن الكريم هو أم الكتاب كما في قوله تعالی:یَمْحُوا اللّهُ ما یَشاءُ وَ یُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ (1). وبإعتراف جل المفسرين لا كلهم أن أم الكتاب هي أصل القرآن، فمثل الطبري يقول في تفسيره أن أم الكتاب هي أصل القرآن الكريم، حيث يقول هي أصل الكتاب(2).
بل إن أصل القرآن هو فوق أم الكتاب كما في روايات أهل البيت(عليهم السلام)، فكل قضاء وقدر مستطر في أحد منازل القرآن الكريم، فكيف ينسجم هذا مع كون القرآن مجرد أصوات تسمع وتوضع في وعاء وعلبة حافظة تنزل علی البشر، والصوفية والعرفاء وإن حاولوا أن يبينوا أن الأنبياء(عليهم السلام) يحيطون أو يستوعبون ما يوحي إليهم وأنهم يتكاملون بما يوحي إليهم ويتحدون وجودياً بما يوحي إليهم، إلا أنهم لم يتمكنوا من تصوير سلامة - وهو ما يعبر عنه بالصدق والأمانة - وشفافية الوحي من التلون والامتزاج بقناة الوحي وهي النبوة، كما لم يصوروا الإحاطة التامة من النبي(صلي الله عليه و آله) بما يوحي إليه.
فإن هذه الفرق نشأت في القرن الثالث أو الرابع وما بعده من إمتداد الفرق الباطنية الشيعية، فإن كل الفرق الصوفية حتی الفرقة الوحيدة منها التي تدعي أنها متصلة بأبي بكر بخلاف جميع فرقها فإنها تزعم الاتصال بأئمة أهل البيت(عليهم السلام) هي ناشئة من الفرق الباطنية الشيعية، ومن ثم فإن إصطلاحاتهم وقواعدهم وتأويلاتهم كلها مأخوذة من الفرق الباطنية الشيعية، وقد اعترفت عدة من الكتب في مناهج الملل والنحل بذلك.
والمهم أن الصوفية أرادوا في أصولهم أن يصوروا أن النبي(صلي الله عليه و آله) يتكامل ويفيض علی الآخرين بما يوحي إليه بدرجة لا يحيط بها غيره، يعني لا يحيط بها غيره من الأفراد النازلين، وهذه جهة إيجابية في تفسيرهم للوحي النبوي من أن الأنبياء(عليهم السلام) يعلمون ويعرفون بما يوحي إليهم وهذه الجهة الإيجابية مفقودة في القول الأول.
يتضح من خلال ما مَرّ أن هناك نظريتين:
النظرية الأولي: وهي أن الرسل (صلوات الله عليهم) في جانب أمانتهم وصدقهم هم وعاء حافظ لما ينقل إليهم من الوحي صوتا ومعني ويحفظون ما يلقي إليهم من درجات العوالم العالية وينزلون بما يوحي إليهم إلی عموم البشر.
وهذا القول كما مر فيه نقطة إيجابية وفية نقاط سلبية، أما الإيجابية فهي المحافظة علی الصدق والأمانة من الأنبياء(عليه السلام) لما يتلقونه من الوحي إلی سائر البشر.
وأما النقاط السلبية أنها تجعل الأنبياء(عليه السلام) وعاءاً صوتياً ناقلاً أو قناةً وسيطة لتلقي الوحي الصوتي وتأديته إلی عموم البشر من دون أن يكون هناك تصوير لبقية أنواع الوحي مما هو ليس بصوت ولا مجرد معان ولا تصوير لوعي الأنبياء(عليه السلام) وإحاطتهم معرفة بعموم وعمق ما يوحي إليهم وعمقه ولاتناهيه، ولا سيما في شأن سيد الرسل(صلي الله عليه و آله)وإحاطته بالقرآن الموصوف باللاتناهي الأوصاف التي ذكرها كتاب الله من: وَ لَوْ أَنَّ ما فِی الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَ الْبَحْرُ یَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللّهِ إِنَّ اللّهَ عَزِیزٌ حَكِیمٌ أو: قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّی لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّی ، وغير هذه من الأوصاف اللامحدودة التي ذكرها القرآن الكريم التي تبين أن بحور معرفة القرآن الكريم وعلومه لا تتناهي، فإذا كان القرآن الكريم بهذا الوصف فكيف يتلائم تصوير تأدية هذا القرآن العظيم إلی البشر وتحمل سيد الأنبياء بمجرد كونه وعاء صوتي وحافظ لمقدار محدود من معاني القرآن، بل ربما يعبر بعضهم أن الأذن البرزخية أو الأذن الملكوتية للنبي(صلي الله عليه و آله) تسمع وتتلقي ما لا يسمعه كثير من البشر ثم بشرف وعاء تلك الذات الشريفة يتم نقل ما تتلقاه وتعيه إلی سائر البشر، وكيف يمكن تصوير ذلك إذا كانت طبيعة القرآن الكريم طبيعة غير نافدة يعني لا تنفد ولا تحد ولا تنضب، وإذا كان القرآن الكريم حبلا
ممدودا من عند الله وطرف منه عنده عَزَّ وَجَلَّ والطرف الآخر عند الناس فكيف يمكن تصويره بأنه مجرد أصوات يعيها الوعاء الحافظ النبوي ويتنزل بها ويؤديها إلی البشر، فلا ريب أن هذه النظرية قاصرة عن تصوير حقيقة الوحي بالقرآن الكريم وعن حقيقة تأدية الوحي الرباني إلی سائر البشر.
النظرية الثانية: وهي نظرية العرفاء أو الصوفية من أن الوعاء النبوي يتكامل ويتحد بحقائق ما يوحي إليه ثم ينتج عن ذلك التكامل تأدية النبي(صلي الله عليه و آله) أو الأنبياء(عليهم السلام) بما تكاملوا به ووصل إليهم إلی بقية البشر.
وهذه النظرية وإن كان فيها إلی حدٍ ما تصوير معرفة الأنبياء(عليهم السلام) ومعرفة سيد الرسل(صلي الله عليه و آله) بعمق ما يوحي إليه وأحاطته بذلك ومن ثم تتلافي بعض السلبيات في النظرية السابقة، ولكن تقع في سلبيات حاولت النظرية الأولي تفاديها.
إن النظرية الثانية لم تستطع أن تصور لنا كيف يمكن مراعاة بقاء الوحي وما يوحي سالما عن التغيير والتبديل وهو مايعبر عنه بالصدق والأمانة وأن ما يؤديه الأنبياء(عليهم السلام) هو عين ما قد يتلقوه، مضافاً إلی ذلك أنها لا تصويرفيها لكيفية إستيعاب اللاتناهي واللانفاد والأستمرار في الاتصال بالغيب وبحقائق موصوفة بأنها لا متناهية ولا تحد بحد.
ومن هنا فإن إيجابيات النظرية الأولي هي سلبية في المقابل من النظرية الثانية فهم أي أصحاب النظرية الثانية لا يقررون أن ما يتنزل به الأنبياء(عليهم السلام)
ويوصلونه إلی البشر أنه هو كلام الله ومن الوحي، كيف وهو يخالطه تصوير أو تصرف أو تغيير من قناة الوحي من قلب النبي(صلي الله عليه و آله) وروحه وقلبه.
نعم كون الأنبياء(عليهم السلام) يعلمون ويعرفون بما يوحي إليهم جهة إيجابية في هذه النظرية الثانية وتفقدها الأولي.
أما الجهة السلبية الموجودة في الثانية عكسها المقابل موجود في الأولي، مع أنهم أرادوا أن يتفادوا السلبيات الموجودة في النظرية الأولي إلا أنهم لم يستطيعوا أن يتجنبوا جميع السلبيات الموجودة عندهم، ولم يقرروا تصوير أن الوعاء النبوي له قابلية أن يستوعب هذه الصفات القرآنية من قبيل قوله تعالی:وَ ما مِنْ غائِبَةٍ فِی السَّماءِ وَ الْأَرْضِ... أو:وَ ما یَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِی الْأَرْضِ وَ لا فِی السَّماءِ أو:وَ لا رَطْبٍ وَ لا يابِسٍ... .
من كل ما تقدم قد تقرر محاولة وليست هي آخر المحاولات من محاولات الاستنباط من الآيات نحاول من خلالها أن نبدل السلبيات بالإيجابيات، ومن ثم نجمع الإيجابيات بقدر الإمكان، وليس هذا عين اليقين وحق اليقين، وإنما هو جهد إستنباطي مفتوح للبحث والدراسة.
وقبل الخوض في هذا البحث لابدَّ أن نقدم عدة مقدمات كي نقرب بعض التصور حول إبلاغ الأنبياء(عليهم السلام) ودورهم الوساطي في الوحي.
إن الآيات، والروايات قد أشارت إلی أن الوحي ذو أقسام عديدة جداً، ولم يذكرها أو يتطرق إليها المتكلمون، ولم يشيروا إليها من خلال إستنباط الآيات، ولعل السبب في ذلك هو قلة فحصهم في روايات أهل البيت(عليهم السلام)، وعدم سبرهم لرواياتهم غوراً، وتدبراً، وتحليلاً، وتنظيراً لمنظومة معانيها ضمن نظام مترابط متناسق، ولا زالت الروايات تحوي أو تعطي إشارات وبراهين لم تأت في كلام البشر، وتنبه علی علم، ومعلومات، وحقائق وبراهين في الآيات القرآنية لم تأت لدي المفسرين في كلامهم.
إن هناك روايات في أصول الكافي أشارت إلی أن الوحي له أقسام عديدة جداً، وليس كما ظنها المتكلمون أو ظنها جملة من المفسرين،وقد روي الصدوق بسنده عن أمير المؤمنين(عليه السلام)بيان فيه أقسام الوحي، وقد سأله رجل عما أشتبه عليه من الآيات:
فأما قوله:وَ ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ یُكَلِّمَهُ اللّهُ إِلاّ وَحْیاً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ،ما ينبغي لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً، وليس بكائن إلا من وراء حجاب أو يرسل رسولاً فيوحي إليه بأذنه ما يشاء كذلك قال الله تبارك وتعالي علواً كبيراً قد كان الرسول يوحي إليه من رسل السماء فتبلغ رسل السماء رسل الأرض وقد كان الكلام بين رسل أهل الأرض وبينه من غير أن يرسل الكلام مع رسل أهل السماء وقد قال رسول الله(صلي الله عليه و آله): يا
جبرئيل هل رأيت ربك؟ فقال جبرئيل: إن ربي لا يري، فقال رسول الله(صلي الله عليه و آله): من أين تأخذ الوحي. فقال: آخذه من أسرافيل، فقال: ومن أين يأخذه أسرافيل؟ قال: يأخذه من ملك فوقه من الروحانيين. قال: فمن أين يأخذه ذلك الملك؟ قال: يقذف في قلبه قذفاً فهذا وحي وهو كلام الله عَزَّ وَجَلَّ وكلام الله ليس بنحو واحد، منه ما كلم الله به الرسل، ومنه ما قذفه في قلوبهم، ومنه رؤيا يراها الرسل، ومنه وحي وتنزيل یُتلي ويقرأ فهو كلام الله فأكتف بما وضعت لك من كلام الله ليس بنحو واحد فإن منه ما تبلغ به رسل السماء رسل الأرض(1).
فقد تعرض(عليه السلام) لأقسام عديدة من الوحي ومن الكلام الإلهي وقد قسم الوحي إلی ثلاث أقسام في قوله تعالی:وَ ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ یُكَلِّمَهُ اللّهُ إِلاّ وَحْیاً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ یُرْسِلَ رَسُولاً فَیُوحِیَ بِإِذْنِهِ ما یَشاءُ إِنَّهُ عَلِیٌّ حَكِیمٌ (2).
هنا يبين أقسام الكلام الإلهي ثلاثة :
الأول: وهو بمعني الأخص ومن أرفع أنواعه وهو يتضمن أقساماً أيضاً.
الثاني: تكليم من وراء حجاب كما حصل مع النبي موسي(عليه السلام).
الثالث: يرسل رسولاً أو ملك من الملائكة فيوحي ما يشاء إليه وهو أيضاً علی أنماط كما مرّ في الحديث.
هذا مضافاً إلی الوحي التسديدي من الله تعالی والوحي التأييدي لدي الأنبياء والمرسلين في كلامهم وأفعالهم،
هذه هي أقسام الوحي وبالتالي هي أقسام الكلام الإلهي بينما المتكلمون، أو المفسرون، أو جملة من الخائضين في بحوث المعارف قصروا تركيزهم في الوحي الإلهي علی الكلام اللفظي، أي الكلام بالمعني الأخص يعني الأصوات والألفاظ. فهل المراد من الكلمة الإلهية أو الكلام الإلهي أو الكتاب هو الأصوات والألفاظ والمعاني فحسب، أم أنه يراد من الكلمة والكلمات والكتاب الإلهي أموراً وحقائق أعظم وأكبر وأعم من ذلك.
ولسنا بصدد إخراج الألفاظ أو الأصوات أو المعاني عن كونها مصداقاً للكلام الإلهي بل في صدد تعميم معني الكلمة، والكلمات، والكلام والكتاب بما يعم غير ذلك من الحقائق الأخري.
فمثلاً إطلق القرآن الكريم علی النبي عيسي(عليه السلام) بأنه كلمة الله:إِنَّمَا الْمَسِیحُ عِیسَی ابْنُ مَرْیَمَ رَسُولُ اللّهِ وَ كَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلي مَرْیَمَ وَ رُوحٌ مِنْهُ (1)،وقوله تعالی:إِنَّ اللّهَ یُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِیحُ عِیسَی ابْنُ مَرْیَمَ (2).ومفاد الآيات أن إيجاد ووجود عيسي (عليه وعلي نبينا أفضل الصلاة والسلام) تكلم من الله، مع أنه ليس كلاماً صوتياً، فنور النبي عيسي(عليه السلام) وروحه ونفسه وبدنه وما يشتمل عليه وجوده هو كلمة
من كلمات الله، وهو تكلم إلهي، ولكن ليس تكلماً علی نمط الأصوات.
وإذا كان النبي(عليه السلام) بوجوده، وروحه، وعقله إلی آخر درجات وجوده وبدنه الشريف، وكل تلك الدرجات من ذاته الشريفة يطلق عليها كلمة الله فهل هذا الأطلاق حقيقي أم مجازي؟
لا ريب أن النبي عيسي (علي نبينا وعلي آله وعليه السلام) كان خلقه ومجيئه وبعثته معجزة إلهية، حيث إنه ولد من غير أب، وأوتي الكتاب والحكمة صبياً، ونطق في المهد صبياً، ويبرئ الأكمه والأبرص، ويصنع من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيراً بأذن الله وغيرها من المعاجز التي ظهرت علی يده(عليه السلام) حيث قال تعالی:وَ یُكَلِّمُ النّاسَ فِی الْمَهْدِ وَ كَهْلاً وَ مِنَ الصّالِحِینَ قالَتْ رَبِّ أَنّي یَكُونُ لِی وَلَدٌ وَ لَمْ یَمْسَسْنِی بَشَرٌ قالَ كَذلِكِ اللّهُ یَخْلُقُ ما یَشاءُ إِذا قَضي أَمْراً فَإِنَّما یَقُولُ لَهُ كُنْ فَیَكُونُ وَ یُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ التَّوْراةَ وَ الْإِنْجِیلَ وَ رَسُولاً إِلي بَنِی إِسْرائِیلَ أَنِّی قَدْ جِئْتُكُمْ بِآیَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّی أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّینِ كَهَیْئَةِ الطَّیْرِ فَأَنْفُخُ فِیهِ فَیَكُونُ طَیْراً بِإِذْنِ اللّهِ وَ أُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَ الْأَبْرَصَ وَ أُحْیِ الْمَوْتي بِإِذْنِ اللّهِ وَ أُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَ ما تَدَّخِرُونَ فِی بُیُوتِكُمْ إِنَّ فِی ذلِكَ لَآیَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِینَ (1).
وإن هذا دال علی عظمة الله عَزَّ وَجَلَّ، وأنه تعالی الله لا يعجزه شيء، ومن ثم فإن في كلمة الله هذه في الحقيقة دلالة برهانية وحقيقية. وبالتالي
1) (1) سورة آل عمران: الآية 46 - 49.
فإن لوجود النبي عيسي(عليه السلام) دلالات عديدة وعظيمة علی عظمة الصفات الإلهية وعلي شؤون إلهية عظيمة.
وهذا الإعجاز من الله عَزَّ وَجَلَّ للنبي عيسي(عليه السلام) ودلالة هذا الموجود الذي أوجده الله عَزَّ وَجَلَّ نحو تكلم من الله مع البشر، ومع الجن، ومع بقية المخلوقات، ومع مخاطبين آخرين دلهم هذا التخاطب وهذا التكلم وهذا الإيجاد والموجود علی شؤون إلهية عظيمة، وعلي معاني وأسرار إلهية عظيمة أيضاً، بل هو حقيقة نوع من نصب الله عَزَّ وَجَلَّ دلالة منه لذوي العقول من الملائكة، ولذوي العقول من البشر، ومن الجن فهو نحو تكلم ونحو إيجاد من الله لذلك الموجود، وذلك الموجود كانت له دلالة تكوينية وإعجازية باهرة وبرهانية نورانية.
فما للكلمة، والتكلم، والكلام من معنيً حقيقي يصدق بحقيقة الصدق علی إيجاد وموجودية النبي عيسي(عليه السلام)، ومن ثم قوله تعالی عيسي(عليه السلام) كلمة الله وإطلاق الكلمة عليه لا يشوبه مجاز لا لغوي ولا معنوي ولا عقلي.
وصف الله عَزَّ وجل مريم(عليها السلام) بأنها مصدقة بكلمات ربها:وَ صَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَ كُتُبِهِ وَ كانَتْ مِنَ الْقانِتِینَ (1)،فهل الكلمات هنا هي بمعني الأصوات أو بمعني الآيات الكونية الناطقة لا الآفاقية الصامتة؟
1) (1) سورة التحريم: الآيية 12.
لا ريب أنها الآيات الكونية الناطقة من الحجج، لأن الذي يصدق ويكذب هو الذي يدعي الدعوي وله إخبار أو إنذار وما شابه ذلك.أما الآيات الكونية في السموات فليس من شأنها التصديق والتكذيب بل شأنها النظر فيها والتدبر أو الإعراض عنها ففي آيات عديدة ذكرت إعراض البشر عن آيات السماء كقوله تعالی:وَ جَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَ هُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ (1)،وقوله تعالی:وَ ما تَأْتِیهِمْ مِنْ آیَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلاّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِینَ (2)،فقد تتدبر في آياته عَزَّ وَجَلَّ أو تعرض عنها،ولايقال تصدقها أو تكذبها ولكن الذي له دعوة وهم حجج الله الناطقون عن الله عَزَّ وَجَلَّ أولئك يصدقون أو يكذبون.
فهنا إستعمال آخر حيث أن التصديق بكلمات الله أي بحجج الله الناطقة وهم أنفسهم كلمات الله لأنهم موصلون لأمر الله، وهذا الكلام ليس من نمط أصوات وألفاظ ومعاني، وإنما هو من نمط آخر ومن ثم:وَ تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَ عَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ (3)،يعني تمت كلمات ربك صدقاً أي الحجج الناطقة عن الله عَزَّ وَجَلَّ، وعدلاً لأن هؤلاء الحجج الناطقة تقام وتقيم العدل وهذه صفة ثانية بعد صفة الصدق، فصادقة فيما تنطق عن الله، وعادلة لأنها تقيم العدل.
ولا غرو أن كل إمام عندما يولد يقرأ هذه الآية المباركة، وهذا مورد آخر يبين فيه القرآن الكريم أن الكلمات هم حجج الله الناطقون عنه عَزَّ وَجَلَّ ويصفهم بأنهم صادقون بما ينطقون عنه، وأنهم يقيمون العدل الإلهي، فأين مقام الصوت واللفظ والمعاني من هذه الكلمات الصادقة والعادلة.
هناك نظرية لغوية قديمة تقول بأن الألفاظ لم توضع للمعاني التي هي بمثابة مبادئ لتلك الألفاظ، بل وضعت للغايات، ويقال في التعبير عن هذه النظرية (خذ الغايات وأترك المبادئ).
فإن تعريف الشيء تارة يكون بصورة الشيء أو آليته،وأخری نعرف الشيء بغاية كماله وهو أعرف تعاريف الشيء وهذا ما يصطلح عليه بالعلة الغائية، ولذلك عرف عند المناطقة أن تعريف الشيء بعلله الأربع أكمل التعاريف، بل التعريف بغايته من أبين وأعرف تعاريف الشيء.
لأن تعريف الشيء بحقيقته هو بكماله لا بمادته أو ببدايات وجوده. نعم بدأ خلق الإنسان:وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِینٍثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِی قَرارٍ مَكِینٍثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِینَ (1)، في حين لو أردنا أن نعرف الإنسان بأنه مدرك عاقل فهذا هو من أبين تعاريف الإنسان.
1) (1) سورة المؤمنون: الآية 12 - 14.
إذن تعريف الشيء بغايات ونهايات وكمالات وجوده أعظم وأبلغ وأوضح من تعريف الشيء ببدايات تطوره أو أطوار وجوده أو أطوار خلقته، وهذه النظرية - خذ الغايات وأترك المبادئ - بالغة التأثير في بحوث المعارف وفي علوم التفسير بل بالغة التأثير في علوم عديدة، فإذا أستتمت هذه النظرية فسوف تفتح آفاقٌ ونوافذٌ وأبوابٌ عديدة لبحوث معرفية كثيرة جداً، فاليد مثلاً تارة يراد منها هذه اليد الجارحة بينما غايتها أن يبسط صاحبها التصرف بالقدرة، وبالشيء الذي يتصرف به تنبسط وتتجلي فيه القدرة، وإذا كان كذلك فإن ما ورد في القرآن الكريم من نسبة اليد أوالأيدي إلی الله عَزَّ وَجَلَّ ليس معني ذلك كما يتوهمه المجسمة أو المشبهة من أن الله عَزَّ وَجَلَّ جسم أو له يد كاليد الجارحة كما في أجسام المخلوقات بل يكون المعني حينئذ شيئاً آخر، وهو أن هناك مخلوقاً من المخلوقات العظيمة المقدسة يظهر الله عَزَّ وَجَلَّ فيه وبه القدرة الإلهية في التصرف ويجلي الله فيه بسط التصرف، لا أن ذلك الموضع الذي ظهرت فيه القدرة الإلهية للتصرف هي جزء من الذات الإلهية - والعياذ بالله -.
إذا أفترضنا أن جبرائيل أو أسرافيل أو عزرائيل، أطلق عليه نعت يد الله فهذا يعني أنه من المخلوقات الإلهية المقربة للحضرة الإلهية يظهر الله فيه وبه ويوجد الله فيه مظاهر عظيمة من قدرة التصرف الإلهي، كما كان الله عز وجل ينزل العذاب والنقمة الإلهيين علی الأمم العاصية المتمردة علی الله
عَزَّ وَجَلَّ بتوسط جبرائيل، كما صنع ذلك في قوم لوط:إِنّا أُرْسِلْنا إِلي قَوْمِ لُوطٍ1 ،حيث خسف بهم الأرض وجعل عاليها سافلها:فَلَمّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِیَها سافِلَها وَ أَمْطَرْنا عَلَیْها حِجارَةً مِنْ سِجِّیلٍ مَنْضُودٍ2 .
فهنا يقال عن جبرائيل أنه يد الله لا بمعني أنه جزء من ذات الله عَزَّ وَجَلَّ ولكن بمعني أن جبرائيل موضع من مواضع المخلوقات المقربة التي يظهر الله عَزَّ وَجَلَّ به قدرته في التصرف وهذا الاستعمال علی وفق النظرية الغائية من أن الألفاظ وضعت لغايات المعاني ولم توضع للمبادئ والأطوار الأولية الحسية للمعاني وحينئذ يكون لفظ ومعني يد الله في جبرائيل ليس إستعمالاً مجازاً لغوياً ولا مجازاً عقلياً بل يكون استعمالا حقيقياً. وكذلك في استعمال وتوصيف النبي عيسي(عليه السلام) بكلمة الله لا يكون إستعمالاً مجازياً لغوياً ولا مجازاً عقلياً بل استعمال حقيقي كما أوضحنا.
قال تعالی:فَأَوْحَیْنا إِلَیْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْیُنِنا وَ وَحْیِنا (1).فالعين الإلهية في هذه الآية الكريمة ليس هي الجسم البيضاوي الشحمي - والعياذ بالله - كما ذهب إلی ذلك المجسمة والمشبهة، فإننا إذا نقحنا المعني الحقيقي للفظة العين وهو الشيء الذي تتم به المراقبة ويتم به الأبصار لا أنه يراد به
1) (3) سورة المؤمنون: الآية 27.
خصوص العين الشحمية.
ولذلك نلاحظ أن القرآن الكريم يستعمل البصيرة والبصائر والهدي بالكاشف والنور الكاشف والبرهان الساطع، كما في قوله تعالی:يا أَیُّهَا النّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ أَنْزَلْنا إِلَیْكُمْ نُوراً مُبِیناً (1)، وقوله تعالی:فَالَّذِینَ آمَنُوا بِهِ وَ عَزَّرُوهُ وَ نَصَرُوهُ وَ اتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِی أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (2)، وغير ذلك من الآيات العديدة التي ذكرت النور.
إذن ما يتم به كشف الحقائق والوقائع والواقعيات بأي درجة كانت يصح صدق معني العين عليه.
وأيضاً الكتاب الذي يرصد أعمال المخلوقات والعباد سواء كانت صغيرة أو كبيرة كما قال تعالی في كتابه الكريم:وَ وُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَی الْمُجْرِمِینَ مُشْفِقِینَ مِمّا فِیهِ وَ یَقُولُونَ يا وَیْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا یُغادِرُ صَغِیرَةً وَ لا كَبِیرَةً إِلاّ أَحْصاها وَ وَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَ لا یَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً (3).
وكذلك قوله تعالی:وَ ما یَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِی الْأَرْضِ
وَ لا فِی السَّماءِ وَ لا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَ لا أَكْبَرَ إِلاّ فِی كِتابٍ مُبِینٍ (1).
وقوله تعالی:وَ ما مِنْ دَابَّةٍ فِی الْأَرْضِ إِلاّ عَلَی اللّهِ رِزْقُها وَ یَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَ مُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِی كِتابٍ مُبِینٍ (2).
فهذا الكتاب أو ذلك اللوح المحفوظ الذي تسجل فيه كل تلك الأمور علی وفق هذه النظرية يصح أن يطلق عليه العين وتسمي هذه العين بالعين الإلهية، لا لأنها جزء من الذات الإلهية - والعياذ بالله - وإنما هو بمعني أن هناك مخلوقاً شريفاً من المخلوقات المقربة من الله عَزَّ وَجَلَّ يرصد الله عَزَّ وَجَلَّ به كل صغيرة وكبيرة من إعمال العباد ليكون عيناً راصدة عليهم. إذن وظيفة هذا الكتاب هو الرصد والكشف والتسجيل وإثبات المشاهد والأحداث.
القرآن الكريم يسمي وينعت سيد أنبيائه بأنه شاهد وهذه أحد أوصاف النبي(صلي الله عليه و آله) حيث قال تعالی:يا أَیُّهَا النَّبِیُّ إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَ مُبَشِّراً وَ نَذِیراً (3).
وقال تعالی:إِنّا أَرْسَلْنا إِلَیْكُمْ رَسُولاً شاهِداً عَلَیْكُمْ (4).
وقال تعالی:فَكَیْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِیدٍ وَ جِئْنا بِكَ عَلي هؤُلاءِ شَهِیداً (1).
وقال تعالی:لِیَكُونَ الرَّسُولُ شَهِیداً عَلَیْكُمْ وَ تَكُونُوا شُهَداءَ عَلَی النّاسِ2 .
وغير ذلك من الآيات العديدة التي تنص علی أن النبي(صلي الله عليه و آله) وأهل بيته هم الشهداء وكذلك الأنبياء(عليهم السلام) أيضاً.
وعلي وفق هذا التصوير وهو أن هناك مخلوقاً شريفاً عظيماً يستطر فيه كل شيء من أعمال العباد:وَ كُلَّ شَیْءٍ أَحْصَیْناهُ فِی إِمامٍ مُبِینٍ3 ، حيث يسجل فيه كل شيء، وهذا المخلوق يكون عين راصدة إلهية مراقبة لأعمال البشر، ولكن لا بمعني أن ذلك المخلوق هو جزء من الذات الإلهية، فتعالي الله عما يقوله المشبهة أو المجسمة.
وهذا أحد الأبحاث المهمة كثمرة لتلك النظرية اللغوية التي تنضج وتتنقح لدفع شبهات المشبهة والمجسمة عبر هذه النظرية اللغوية التي تقول أن الألفاظ وضعت لغايات المعاني وليس لمبادئ الأطوار الحسية لوجود المعني (خذ الغايات وأترك المبادئ) وهكذا غيرها من الألفاظ التي تستخدم في باب المعارف والبحوث المعرفية وفي آيات الذكر الحكيم.
إن المعروف في العلوم الإنسانية أو اللغوية الأدبية المختلفة والمرتبطة بالألفاظ ودلالاتها هي عدة علوم في ذلك، والمعروف أيضاً أن شأن اللغوي والأديب هو إكتشاف العلاقة بين اللفظ والمعني، أما كشف حقيقة المعني فهذا ليس من شأن اللغوي ولا الأديب.
مثلاً لفظة الهلال التي هي (ه-، ل، ا، ل) وضعت إلی انعكاس بسيط من القمر في بداية الشهر القمري، ولكن يا تري هذا المنزل والموقع الفلكي الفضائي السماوي كم درجة حسابية هو ؟.
وفي أي منزل يمكن أن يكون ؟.
1) (1) سورة النساء: الآية 41.
والدرجة علی وتيرة واحدة من المحاق أم تختلف بحسب حالات القمر؟.
نسبته مع الشمس والخط الواصل بين الشمس والأرض أو ما يعرف بالمحاق ما هي ؟.
خروج القمر من تحت الشعاع الذي هو كالهالة للشمس كم درجته؟! زاويته؟!
وغير ذلك من المعلومات التي تبحث في الهلال فلكياً، كل هذا هو ليس من شأن اللغوي بل هو من شأن الفلكي والعالم الفلكي.
مثال آخر في الطب، لفظة السرطان فإنها وضعت لمرض معين لكن حقيقة هذا المرض ما هي، هل تكاثر الخلايا أم نقصانها ؟ أم هو بسبب إرتباك في النظام الخلوي في كل خلية.
إنَّ هذه الشؤون في المعاني لا يقف علی حقيقتها وواقعيتها اللغوي أو الأديب، وإنما شأن اللغوي هو مجرد الإلتفات إلی العلاقة بين اللفظ وإجمال المعني أما غور حقيقة المعني فهذا مما لا يمكن أن يتدخل فيه اللغوي أو الأديب.
وبعبارة أوضح لتقريب الصورة، لو سئلت اللغوي عن مدينة أو موقع معين لا تعرفه ولا تعرف مكانه، فاللغوي سوف يوصلك أو يدلك إلی هذه المدينة أو الموقع ويقول لك هذا هو الموقع، أما داخل المبني أو الموقع أو المدينة فلا يمكن معرفته من اللغوي لأنه ليس من
شأنه وأنه كم طوله أو عرضه؟ أو كم طابق هو؟ أو من أي شيء تم بنائه؟ ماذا يوجد فيه؟ فهذا ليس من شأنه، فيمكن أن نقول إن شأن اللغوي هو مجرد ساعي بريد يوصلك فقط إلی بداية العنوان الذي تريده لا أكثر.
إذنْ حقائق المعاني وسعتها وأمثالها ونماذجها التي تندرج في ذلك المعني وما شابه ذلك هي خارجة عن حيطة اللغوي. بمعني أنَّ اللغوي ليس من شأنه أن يقول، هنا مجاز عقلي، أو هنا نموذج حقيقي للمعني كما مر في بحث عيسي كلمة الله وغير ذلك.
وهذه النظرية إن تمت وهي تامة فبالتالي سوف يتبين لنا بحوث معرفية وقرآنية عديدة جداً، وبسبب هذا الشأن اللغوي نشأت فرق وآراء سواء في أتباع أمم الأنبياء السابقين أو عندنا في بيئة وعهد الإسلام، وسببها هو الجهل أو الغفلة عن هذه النظرية اللغوية إن صحت التسمية بذلك، ولكن هي كما مر خارجة عن شأن اللغويين.
فلو لم تكن هناك ألفاظ ولو لم يكن هناك حوار ثقافي بين أبناء البشر أو أبناء المخلوقات علی العموم فهل نتصور أن المعاني لا وجود لها أم لها وجود؟.
وهل أن المعاني ليس لها تقرر يدرك وبناء يفهم أم أن المعاني ووجودها وحقائقها رهين الأصوات والألفاظ؟.
أن المعاني لها كيانها المستقل ولها بناءها الذاتي المستقل بعيداً عن وضع الألفاظ لها.
والمعاني بما لها من سعة ومعني لا يمكن أن تكون مقتضبة ومقصورة ومحدودة علی ما يفهمه ويدركه اللغوي والأديب فقط.
ومن خلال ما تقدم نستطيع أن نقف أو نلتفت أو ننتبه إلی أمثلة عديدة أعتبرت هي من المصاديق الحقيقية للمعاني في حين هي مصاديق بالحقيقة فرضية للمعني وليست نماذج كونية تكوينية حقيقية وذلك مثل الأصوات والنقوش اعتبرت من المصاديق الحقيقية لمعني الكلمة والكلام، في حين أن صدق معني الكلام والكلمة عليهما متوقف علی إعتبار وفرض من واضع اللغة والنقوش فبدونه ذلك الفرض والإعتبار من واضع اللغة لاتندرج الاصوات والنقوش في مصاديق معني الكلمة والكلام والعكس كذلك حيث أعتبرت مصاديق فرضية للمعني في حين هي مصاديق حقيقية تكوينية له، ومن ثم فإن عيسي كلمة الله هو أستعمال حقيقي وعقلي وكوني وتكويني.
لو أردنا أن نحدد الزوال الذي هو منتصف النهار، فلا بد أن نعرف
أولاً ما هو الزوال؟ وكيف يعرف الزوال في الميل الشتوي في مدار الجدي؟!.
وكيف يعرف الزوال في المدار والميل الصيفي في مدار السرطان؟!
وكيف يعرف الزوال في البلدان ذات العرض العريض لأن عرض البلد قد يزيد علی الميل 5ر235.
وقد يصل إلی 40 أو 50 أو 60 إلی أن يصل إلی درجة 90. فإن هناك مناطق لا ينعدم الظل فيها، فقد يكون الظل فيها ذو مستوي واحد، والزيادة والنقيصة شيء ضئيل فيها ولا يحس.
ولذلك ذكروا في جملة من الكتب الفقهية أن الزيادة في الظل بعد نقصانٍ، ليس تعريفاً مطردا بالظل للزوال،بل التعريف الجامع الفلكي هو حركة الظل من جانب لدائرة وخط نصف النهار إلی الجانب الآخر.
إذن لماذا نأخذ هذا التعريف من الفلكي ولم نأخذه من اللغوي؟! وذلك لأن اللغوي لا يعطينا كل أركان وأعماق ماهية المعني للزوال. لأنه ليس من شؤون وشجون اللغوي.
وكذلك إذا أردنا أن نميز بين الطلوعين في البلدان القريبة من القطب الشمالي كيف نحدد الزوال والغروب إذا كانت الشمس لا تنعدم في الصيف أو علی العكس في الشتاء، بل يوجد هناك ليل دائم،
فهل يا تري هناك معني للظل مع إنعدام النهار المحسوس في موسم الشتاء ومع ذلك توجد دورة يومية.
إذن حيثية شؤون المعني كأحد الحيثيات في تحديد الظهور إذا أردنا الولوج والغور في شؤون المعني، لايمكن الوقوف عندها بما قرره وأخترعه اللغويون وإنما هذا هو شأن العلوم المختصة الأخري الباحثة عن حقيقة تلك المعاني، فتكوين عناصر الظهور في جانب حقايق المعاني قد يتخيل أنه رهين كلمات اللغويون أو العلوم الأدبية أو علوم اللغة وغير ذلك من العلوم اللسانية وهذا غير صحيح وغير علمي أصلاً، بل ولا من شؤون علم الفقه ولا التفسير، نعم اللغوي دوره وشأنه هو القيام بأصل الدلالة والرابطة والعلاقة بين اللفظ والمعني لا أكثر.
أما التعرف علی هوية المعني وشؤونه وشجونه وحدوده فهذا خارج عن الشأن اللغوي.
وعندما جعل الله عَزَّ وَجَلَّ النبي عيسي وأمه(عليهما السلام) آية:وَ جَعَلْنَا ابْنَ مَرْیَمَ وَ أُمَّهُ آیَةً1 . هو نظير الإطلاق علی النبي عيسي أنه كلمة الله، ويلاحظ أن هناك تقارب شديد بين معني الكلمة ومعني الآية وإن
كان ثمة اختلاف بين اللفظين، إلا أن معني الآية يشترك بحسب الإدراك العقلي مع معني الكلمة.
فالآية ربما تطلق علی الدلالات غير الناطقة والدالة علی أشياء ورائها، أما الكلمة فلا تطلق إلا علی الشيء من النطق الدال علی معني أو علی حقيقة، ومن ثم يقال (صدقت بكلمات ربها) بينما الكفار يكذبون بها. لأن الكلمة الناطقة تُكذَّب وتُصدَّق. فالكلمات إذن هي تلك الحجج الإلهية التي لها ناطقية ولها دعوي إلی الله عَزَّ وَجَلَّ أما تصدق أو تكذب.
ولا يمكن التوهم أن إطلاق أسم الآية علی السموات ليس مجازاً عقلياً ولا مجازاً لغوياً بل حقيقة عقلية خارجة عن شؤون استعمال اللفظ في المعني وذلك لأن دلالة السموات،ودلالة الكواكب، ودلالة النجوم، ودلالة نظام الخلقة، دلالة في عالم التكوين والكون آية، وهناك آيات عديدة دالة علی حكمة الله وقدرة الله وعلم الله، ولا وسوسة في أن معني الآية ذو عرض عريض وسيع. والجواب أنه كذلك الحال في معني لفظة الكلمة ومعني لفظة الآية.
كلمة الوجه في قوله تعالی:فَأَیْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ1 .
إنَّ المجسمة لشبهتهم وشذوذهم يذهبون إلی أن الوجه معناه هو ذلك العضو ذو التقاسيم الخاصة، والحال أن معناه هو الشيء الذي يتجه به فإن الجهة والوجه ومتجه واتجاه،كل هذه الاشتقاقات مأخوذة من مادة واحدة، فإن القبلة التي يتوجه بها إلی الله تسمي قبلة، وتارة تسمي وجه الله بحسب آيات سورة البقرة، وتارة أخری تسمي الكعبة والمسجد الحرام كما عبرت بذلك في الآية الشريفة،فباعتبار أن الكعبة تستقبل تسمي قبلة، وباعتبار أن الكعبة والقبلة هي التي يتجه بها إلی الله عَزَّ وَجَلَّ تسمي وجه.
قال تعالی:فَلَنُوَلِّیَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها1 ، فالقرآن هنا يطلق علی الكعبة أو علی بيت المقدس أنه قبلة التي يتجه بها إلی الله عَزَّ وَجَلَّ، وتارة أخری تسمي وجه الله.
إذن الوجه ليس هو ذلك العضو الخاص، وإنما سمي هذا العضو بالوجه باعتبار أن الروح في عوالم أرفع من البدن وإذا أردت أن توجد تماس أو توجد ارتباط مع الإنسان فَلابُدَّ أن يكون الاتجاه إليه باتجاه الوجه، وبالتالي سوف تحدث معني الاتصال والارتباط مع ذلك الإنسان،فإطلاق الوجه علی هذا العضو الخاص أيضاً منشأه ووجهه باعتباره هو الجهة، والاتجاه الخاص الذي يمكن أن يواجه به الإنسان، وهو معني عام ووسيع للوجه أو الجهة وليس معناه هو ذلك العضو الخاص أو شكله الخاص ولو لم تكن الروح متعلقة بهذا البدن، كما هو الحال الآن في أهل البرزخ يوجد
أتصال وأرتباط معهم، وإن حدث درجة من الانفصال بين الروح الخاصة والبدن الخاص، إلا أنه إذا توجه إلی قبور الموتي فإنه يحصل توجه وارتباط ما بهم وهذا شأن آخر، فلو لاحظنا واسبرنا هذا البحث في معاني الكلمات كلها والعناوين كلها فسوف نكتشف التوسع في المعاني،ولا ريب أن المعاني لم تقرر مفاهيمها وذاتياتها في نطاق وجودها الأرضي، فإن المعاني هي شأن من شؤون تكوين الخالق،والمعاني لغة إنسانية مشتركة، بل ليست هي لغة إنسانية بل هناك لغة مشتركة بيننا وبين الجن، وبيننا وبين الملائكة، وبيننا وبين كل المخلوقات الموجودة، فإن المشكلة الشاكلة والورقة المستعصية عند الكثير من الباحثين أو حتی عند بعض العرفاء وعند جملة من الصوفيين وبعض الفلاسفة أنهم يقتصرون في المعاني علی أنحباسها في الوجدان والوجود الأرضي، والحال أن المعاني أوسع نطاقاً من ذلك، ولاحظ وجود الأرض كم سعتها بالنسبة إلی وجود العالم الكوني وسعته، فكيف يمكن أن تكون المعاني حبيسة للوجود الأرضي، ولماذا لا نتصور حدود المعاني بحدودها الأوسع الأقرب إلی الواقعية ولا سيما في مبحث المعارف والعقيدة وهذا أمر لا يقبل التهاون.
وإذا كان شأن فقه الفروع أن موضوعه مرتبط بالنشأة الأرضية- لو فرضنا ذلك - وهناك جملة من الفلاسفة منهم صاحب الميزان يصر علی ذلك وإن كان الصواب خلافه، ففي نشأة الآخرة كيف هو الفرد وأحكام الفروع هناك؟ وما هو شأن المعارف؟ فإن المعارف لها سعة بقدر سعة عالم الخلقة فلا يمكن حبسها في النشأة الأرضية.
حتی الآداب والأخلاق ليست هي حبيسة وجودها الأرضي لأن موضوع هو النفس، والنفس ليست حبيسة النشأة الأرضية. وهناك جملة من النظريات بل مفاد الروايات تؤيد وتذكر أن الله عَزَّ وَجَلَّ خلق الأرواح قبل الأبدان بألفي عام(1)، ثم بعد ذلك تأتي عوالم أخری بعدها، ومن ثم فإن علم الأخلاق والآداب وما يرتبط بمنازل النفس وسلوك النفس لا يقتصر علی النشأة الأرضية.
فهذه المعاني شمولية، وعمومية، وعموميتها ذات سعة تشمل عوالم عجيبة وغريبة غير مرئية للحس، وما شابه ذلك، فكيف نحدد ونقوقع ونقزم ونضيق من تعبير تلك المعاني التي لها سعة وعرض عريض بعرض وسعة العوالم.
وإذا كان عيسي(عليه السلام) يصفه القرآن بكلمة الله فإنه ينبهنا - القرآن - أن لله عَزَّ وَجَلَّ كلمات وليس كلمة، بل كلمات تامات كما قال تعالی:وَ إِذِ ابْتَلي إِبْراهِیمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ (2)ثم قال تعالی:لا تَبْدِیلَ لِكَلِماتِ اللّهِ (3)وهذا يدلُّ علی أن هناك كلمات تامات هي أرقي وجوداً من النبي عيسي(عليه السلام) وأعظم منزلة ومرتبة لأنه لم يوصف بكلمة الله التامة.
ولماذا لا تكون حجج الله كلمات، فهم بوجودهم كلمات وهذا ليس قولاً اعتباريا أو عاطفياً، بل هو إستحقاق حقيقي لقابلية نفس معني الكلمات،واستحقاق ذاتي بعنوان معني الكلمة، وكيف لا يستحقون معني الكلمة والحال أنهم في الدلالة علی معاني الشؤون الإلهية نصبها ونصابها وإيصالها إلی خلقه أتم في الدلالة وفي الإبلاغ إلی الخلق من الأصوات، نفس وجود النبي هو يبين قدرة الله عَزَّ وَجَلَّ ومعاجزه: وَ رَسُولاً إِلي بَنِی إِسْرائِیلَ أَنِّی قَدْ جِئْتُكُمْ بِآیَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّی أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّینِ كَهَیْئَةِ الطَّیْرِ فَأَنْفُخُ فِیهِ فَیَكُونُ طَیْراً بِإِذْنِ اللّهِ وَ أُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَ الْأَبْرَصَ وَ أُحْیِ الْمَوْتي بِإِذْنِ اللّهِ (1)، كل هذه المعاني تحسها البشر، ولا يزال البشر يعيها ويدركها ويؤمن بها ويصدقها، وهي أبلغ من دلالة الأصوات علی المعني، أو من دلالة الأصوات علی صفات الله تعالی وعلي شؤونه الله الربوبية العظيمة.
إن أولياء الله وحججه هم من جملة المظاهر التكوينية، يقرأون رسائل خاصة من الله عَزَّ وَجَلَّ لا يفطن إليها ولا يعيها غيرهم، وربما يشتد خفائها حتی علی جبرائيل نفسه، كما في الرؤيا التي رآها النبي(صلي الله عليه و آله) أن القردة تصعد منبره وتنزل فساءه ذلك وغمه غماً شديداً ولم يعلم بها جبرئيل حتی أنزل الله تعالی: وَ ما جَعَلْنَا الرُّؤْیَا الَّتِی أَرَیْناكَ إِلاّ فِتْنَةً لِلنّاسِ وَ الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِی
1) (1) سورة آل عمران: الآية 49.
الْقُرْآنِ (1)، في الفتنة التي تحدث بعد وفاته وفي بني أمية(2).
فإن رمزية الخفاء في الوحي قد يخفي ويتخفي ويشتد في الخفاء حتی علی الملائكة المقربين في وحي الله مع أنبيائه وأوصيائه، وبعض ما أوحي به الله عَزَّ وَجَلَّ إلی أنبيائه فوق إحساس الكروبيين، وفوق غمائم النور، حتی غمائم النور هي أيضاً حقيقة حيّة شاعرة ملكوتية ولكن مع ذلك لا تستطيع أن تدرك ذلك الوحي الذي كلم الله تعالی به موسي، وهذا مما يدلل علی أن الأنبياء لهم قدرة في الاعتلاء في عالم النور والوحي تفوق المقربين من الملائكة كجبرئيل(عليه السلام) واسرافيل(عليه السلام) والكروبيين.
ومن باب المثال، بعض الحيوانات تدرك ذبذبات في الكون، وتعلم بوقوع أحداث مستقبلية كالزلازل ونحوها، كما حصل ذلك في حادثة توسونامي في أندونيسيا، حيث ذكرت التقارير الخبرية أن بعض أو جملة من الحيوانات ابتعدت قبل الحادثة عن ذلك المكان، بسبب معرفتها من خلال الذبذبات الموجودة.
كذلك الحال في حاسة الشم الموجودة لدي الكلاب التي يستطيع الكلب من خلالها أن يشم من مئات الكيلومترات.
والهدهد له أيضاً قدرة يستطيع أن يكشف بها عن وجود ذبذبات الماء تحت الأرض من الآبار والعيون، هذه القدرة التي أودعها الله عَزَّ وَجَلَّ في الحيوانات بإدراكات مشمومة أو مسموعة أو مرئية أو محسوسة هي ليست
عند البشر، هذا بالنسبة إلی عالم الأرض، أما بالنسبة إلی العوالم الأخري المعنوية أو الروحية فالأمر يختلف أكثر بكثير وبفارق عظيم: هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْیَوْمَ حَدِیدٌ (1)،ففي حين أن الأنبياء(عليه السلام) لهم قدرة إدراك للأشياء والرموز هي تفوق قدرة الملائكة المقربين.
بل لهم قدرة في إدراك الحقائق فوق قدرة الموجودات الغيبية الكثيرة الأخري.
الأسماء في اللغة وخصوصاً عند اللغويين يقصدون من معني الأسماء الأصوات، بينما القرآن الكريم يشير إلی أنها موجودات حية شاعرة غيبية: وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها (2)ثم قال: ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَی الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِی بِأَسْماءِ هؤُلاءِ (3)،
فلو كانت أصوات جامدة غير شاعرة،حيث أن نفس الصوت هو شيء جامد غير شاعر،فلماذا يؤتي لها بضمير الجمع للحي الشاعر (عرضهم) وكذا باسم الإشارة للجمع الحي الشاعر (هؤلاء)،وهذا يدلل علی أن هذه الأسماء هي موجودات حية شاعرة عاقلة، فالقرآن الكريم يطلق الأسم علی الموجود الحي الشاعر العاقل هذا أمر.
وكذا قوله تعالی بضمير الجمع للحي الشاعر العاقلقالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّی أَعْلَمُ غَیْبَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ أَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ .
فيطلق القرآن الكريم الأسماء علی الموجود الحي الشاعر العاقل الغيبي، والشاهد علی كونه غيبيا.
أنه لم يكن في حيطة معرفة الملائكة: قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلاّ ، وهذا الغيبي ليس هو في الأرض وإلا لعلمت به الملائكة كملائكة السموات وملائكة الأرض وملائكة الجنان وملائكة النيران، ولكن هذه الأسماء لا وجود لها في الآخرة فضلاً عن الأرض، ولا وجود لها في البرزخ ولا في السموات بل وجودها في مكان غيبي مكنون في كننٍ عن كل هذه الموجودات وعن كل هذه العوالم وإلا لعرفتهم الملائكة.
كما في عالم النور الذي هو فوق عالم الملائكة حسب تقسيمات القرآن الكريم لعوالم الوجود، فلا تظنن أن الاسم صوت، فالصوت ليس أسماً حقيقياً بل هو أسم اعتباري، فإذا قلت الرحمن الذي نتلفظه هو (ر، ح، م، ن) فهذا ليس هو الاسم الإلهي تكوينا حقيقة بل أسم إعتباري، فإن أسم الله - الرحمن - هو أشرف من هذا الصوت وأعظم وأكبر شأناً وخلقة ودلالة وعظمة وبهاءاً ونوراً.
وبيان القرآن الكريم وهو قوله تعالی: وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ
عَرَضَهُمْ عَلَی الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِی بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِینَ (1).
يدل علی أنه هناك أسماء حية شاعرة عاقلة ناطقة تفوق خلقة جبرائيل وميكائيل وأسرافيل وعزرائيل ومالك - خازن النيران - ورضوان - خازن الجنان - وكل ملائكة الآخرة ، لأنها أسماء إلهية موجودة في السدنة الربوبية وفي الحضرة الربوبية الغيبية، وكما مر هي غيبية عن السموات والأرض وعن جميع الملائكة.
وبذلك يتبين لنا أن قوله تعالی وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها نمط من الوحي لم يطلع عليه الملائكة ونمط غيبي عن السموات وعن عالم الآخرة، وليس من نمط الصوت والكلام اللفظي فالكلام الوحياني والأسماء التي أوحاها تعالی لآدم ليس من نمط الأصوات والألفاظ بل من نمط العرض والاستعراض النوري، فهذا نمط من الوحي النبوي وهو يبين تنوع واختلاف أنماط قناة الوحي النبوي.
يوجد في القرآن الكريم تقسيم للآيات، حيث توجد آيات كبري، كما في قوله تعالی:(لَقَدْ رَأي مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْري) (2)وقوله تعالی لِنُرِیَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْري (3)و فَأَراهُ الْآیَةَ الْكُبْري (4)، وآيات وسطي
وآيات صغري، حيث وردت لفظة (الآية) في الكتاب الكريم (84) مرة، ولفظة (الآية) وضعت للشيء الدال علی ما وراءه أي ما وراء الآية وهو ذي الآية، ومن ثم هذا يفتح الباب للسعة في إطلاق لفظ الاسم فإنه أيضاً هو الشيء الدال علی ما وراءه، وإن كان الاسم يقال أنه مشتق من السمو والعلو باعتبار أن العلامة توضع لشيء في موضع عالٍ، فبالتالي هناك أيضاً إرتباط بين العلامة والاسم، فإن المعلم عادة يوضع في مكان عالِ كي يري ويشاهد من الكل ليشير علی ذي العلامة، وبالتالي يكون هناك إرتباط وثيق بين الاسم والآية، نعم لا أقول أن ليس هناك فوارق لطيفة ظريفة بين هذه المعاني والألفاظ. ولكن يوجد هناك أجزاء مشتركة وتقارب كبير جداً.
فإطلاق الاسم ليس منحصراً في الأذهان علی الأصوات الملفوظة الدالة علی المعني، بل يطلق إجمالاً علی الشيء الدال علی المعني بل المراد منه هو المخلوقات العظيمة الدالة علی عظمة الباري وصفاته، وهذا يفتح لنا الباب من أن الأسماء مخلوقات،وأسم المخلوق العظيم أحري بصدق الاسم الإلهي عليه من الصوت الملفوظ.
وكل هذا البحث هو متولد من القاعدة التي تقول أن الألفاظ موضوعة للغايات لا للمبادئ (خذ الغايات واترك المبادي)، وهذا ما سيفتح لنا الباب علی مصراعيه في بحث التوسل.
كثير من السلفية وغيرهم يظنون أن المراد من الأسماء التي يدعي بها
الله عَزَّ وَجَلَّ: وَ لِلّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْني فَادْعُوهُ بِها1 ،هي الأصوات الملفوظة، مثل صوت الرحمن، أو صوت الرحيم، أو لفظ صوت الله وهكذا: قُلِ ادْعُوا اللّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَیًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْني (1).
مع أن المراد من الأسماء لا ينحصر بهذه الأصوات التي يخلقها الإنسان من فمه فيدعوا بها، أو ينادي بها ويتجه إلی الله عَزَّ وَجَلَّ، فإن (فأدعوه بها) أي فاتجهوا بها إلی الله عَزَّ وجل لأن الدعاء نوع من التوجه والقصد والإلتماس.
فإذا حصرنا تفسير هذه الأسماء بالأصوات فسوف يكون المعني للآية المتقدمة معني نازل وعبارة عن نداءه تعالی بلقلقة اللسان، أما إذا فسرنا الأسماء بالمخلوقات العظيمة الدالة بذاتها علی عظمة الباري وصفاته فسوف يأخذ الأسم أو بحث التوسل معناً آخر عظيماً، سيما التعبير في القرآن الكريم (ولله الأسماء الحسني) فإن لله في هذه الآية المباركة الملكية والمالكية والاختصاص يعني للذات الإلهية، فالأسماء الحسني هي مملوكة لله، واللام في (لله) هي ملكية الذات الإلهية، وهذه الأسماء وإن كانت متعددة إلا أن الذات الإلهية هي شيء واحد.
لأن الاسم ليس المراد منه عين المسمي، وإنما المراد منه هو الشيء الدال علی المسمي، فالأسماء الحسني هذه هي مملوكة لله عَزَّ وَجَلَّ فقط، لأنها مخلوقة له ومملوكة لله، ثم قالت الآية (فأدعوه بها) فأدعوه (الوسيلة)
1) (2) سورة الإسراء: الآية 110.
بصيغة ضمير الجمع أما هو (فأدعوه) بضمير المفرد وهي الذات الإلهية الواحدة.
وبالتالي فكل ما يتجه به إلی الباري تعالی وهو الأسم الذي مر تفسيره مع الآية وفسر بالعلامة أو بالجهة يكون أسما، ولذلك أطلق القرآن الكريم لفظة الوجاهة التي هي من مادة معني الوجه علی النبي عيسي(عليه السلام): مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِیحُ عِیسَی ابْنُ مَرْیَمَ وَجِیهاً فِی الدُّنْیا وَ الْآخِرَةِ (1)، وأطلقه علی النبي موسي(عليه السلام): يا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِینَ آذَوْا مُوسي فَبَرَّأَهُ اللّهُ مِمّا قالُوا وَ كانَ عِنْدَ اللّهِ وَجِیهاً (2). فالوجيه هو من يتجه به إلی الله عَزَّ وَجَلَّ.
لأنه من المقربين وله قرب وحظوة عند الرب تعالي، وهذا معني أنه آية وعلامة وسمة وأسم وَ جَعَلْنَا ابْنَ مَرْیَمَ وَ أُمَّهُ آیَةً ، وبغض النظر عن مرتبته في الأسماء الإلهية.
فعن هشام أبن الحكم أنه سأل أبا عبدالله(عليه السلام) عن أسماء الله واشتقاقها:
الله مما هو مشتق؟ فقال: يا هشام الله مشتق من إله وإله يقتضي مألوهاً والأسم غير المسمي، فمن عبد الأسم دون المعني فقد كفر ولم يعبد شيئاً، ومن عبد الاسم والمعني فقد أشرك وعبد أثنين، ومن عبد المعني دون الاسم فذاك التوحيد، أفهمت يا هشام؟! قال: قلت: زدني قال: لله تسعة
وتسعون أسماً فلو كان الاسم هو المسمي لكان كلّ إسم منها إلهاً ولكن الله معني يدل عليه بهذه الأسماء وكلها غيره، يا هشام الخبز أسم للمأكول، والماء أسم للمشروب، والثوب أسم للملبوس، والنار أسم للمحرق.
أفهمت يا هشام فهماً تدفع به وتناضل به أعدائنا المتخذين مع الله عَزَّ وَجَلَّ غيره؟ قلت: نعم، فقال:نفعك الله به وثبتك يا هشام قال: فوالله ما قهرني أحد في التوحيد حتی قمت مقامي هذا(1).
إذن هناك مخلوقات يتوسل بها إلی الله هي مقربة وتكون بمثابة الأسم والوجيه والوجه الذي يتجه به إلی الله تعالي، في حين السلفية يعتبرون هذا الصوت المخلوق إذا تدعوا به الله فله دلالة علی الباري تعالی لأن هذا الصوت له أسمية، أما مثل عيسي(عليه السلام) أو الأنبياء أو المقربين أو الأوصياء فأولئك قربهم ودلالتهم أضعف درجة من دلالة هذا الاسم الصوتي الملفوظ.
وهذا غير صحيح، في حين نري الباري تعالی يطلق علی مخلوقات كبيرة بأنها آيات كبري:لَقَدْ رَأي مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْري ، فما هو الكبر في تلك الآيات مع أن معناها العلامة ؟!.
إذن عندما تكون هناك آيات كبري أي هي في دلالتها علی الله بنحو عظيم جداً. فكيف لا يطلق الأسم علی تلك الآية الكبري.
1) (1) الكافي ج114 :1.
يوجد هناك ترادف لغوي ولكن البعض ينكره والبعض الآخر يقرره، فمثلاً لفظ أسد وغضنفر وليث وضرغام وأسامة وقسورة وضيغم وسبع، ورئبال وزفر....، ربما يقال له (80) أسماً. وقال أبن قالويه خمسمائة أسم وصفة(1)! فهل هناك ترادف لغوي أم لا ؟.
فقيل بالدقة العقلية أنه لا ترادف لغوي في هذه الألفاظ، لأن كل لفظة تدل علی حالة من حالات الأسد وقيل بالدقة العرفية يوجد هناك ترادف لغوي،
والترادف العقلي هو اشتراك معنيين في أجزاء معينة من المعني بغض النظر عن أنهما كليهما مشتركان في تمام الأجزاء أو في بعض الأجزاء، يعني شبيه إندراج شيئين في نوعية وماهية واحدة، هذه المعية مأخوذة من معية وهوية هذا الشيء ومأخوذة من ماهية وهوية الشيء الآخر، أو من الماهية الجنسية القريبة أو المتوسطة أو البعيدة.
فالجنس ولو البعيد مأخوذ في تعريف الشيء ولكنه مأخوذاً بنحو الإبهام أو الأجمال، أو بنحو الغفلة ولكنه غير منبه عليه. وإذا كان مأخوذا في معني آخر وبين المعنيين إشتراك في الأجزاء وحينئذ إذا كانت هناك أحكام أو آثار مترتبة علی الشيء بلحاظ ذلك الجزء المشترك فسوف تترتب
1) (1) عالم عجائب الحيوان ج22 :1.
عليه كلها، لأن المفروض أن الآثار المترتبة علی ذلك الجزء المشترك لا الهوية الفردية لهذا الشيء، ولو كان الجزء المشترك جزءاً بعيداً،أو جنساً متوسطاً،أو جنساً قريباً،أو ماهية نوعية...،فهناك مراتب عديدة،وحينئذ سوف ينفتح باب يسمي باب الترادف العقلي.
ومن الطبيعي هذا الترادف محله فيما هو مشترك لا بما هو مختلف ومغاير، وآلية أكتشافه يعبر عنها بالصناعة، أو بالتحليل والتركيب، وهذا غير صناعة الاستقراء وغير صناعة القياس الأقتراني، إذ البرهان أو الوصول إلی الإستدلال عبر ثلاث طرق:
مثلاً في منطق أرسطو وإن كان هذا البحث أعمق من منطق أرسطو ولكن في عموم المدارس المنطقية طرق البرهان التي تذكر إما عبر القياس الاقتراني للأشكال الأربعة أو الاستقراء التام أو صناعة التحليل والتركيب، فعندما نعرف الإنسان بصناعة التحليل والتركيب نقول هو جوهر جسم حساس أو نام حساس متحرك بالإرادة ناطق، كل هذه المعاني موجودة في معني لفظة الإنسان، فعندما ندرك معني لفظ الإنسان سوف ندركها بمعاني خمسة أو عشرة مدمجة مندمجة ملفوظة في معني واحد.
من الأكيد سوف ندركها بهيئة معني واحد، وهنا يطرح هذا السؤال كيف أصبحت المعاني العشرة معني واحداً ؟ فهل يمكن أن يكون الواحد عشرة والعشرة واحد ؟
نعم يمكن فإن العقل لديه القدرة علی كبس المعاني ودمجها يصهرها
ويصوغها في معني واحد يفعلها عبر الدمج والتركيب يدمجها ويكبسها ويضغطها في معني واحد ويقول (الإنسان)، وهذه الكلمة - الإنسان - إذا أراد العقل أن يحلل معناها الوحداني ويفككه ويفسره سوف يقول هو جوهر نام حساس متحرك بالإرادة مدرك للكليات وهكذا تصبح معان عديدة وإن كانت بالنظرة الأولية البسيطة واحدة.
إن الكثير من أحكام وآثار طبيعة الحيوان هي موجودة في الإنسان، فإن هناك بحوثاً طبية كثيرة تجري في الحيوان ثم تجري في الإنسان، كما أستفيد هذا كثيراً عند أختراع بعض الأدوية، فإنها تجري وتجرب أول وهلة علی الحيوان ثم بعد ذلك أعطيت إلی الإنسان لوجود أجزاء مشتركة بين طبيعة الحيوان والإنسان.
وأيضاً هناك أجزاء مشتركة بين طبيعة الإنسان والنباتات وهناك كثير من التجارب أجريت في النبات قبل أن يجروها في الإنسان، من قبيل الأحماض والإنزيمات أو الخلايا كيف تنمو وغير ذلك.
فإذا نجحت الجراحة في النباتات أجروها علی الإنسان، وهذه علوم تجريبية، بل أكثر من ذلك فإن هناك طبيعة مشتركة بين الإنسان والجماد، مثل العناصر الأولية للفلزات أو المعادن كالحديد مثلاً ما هي خواصه فيعرفون خواص هذا المواد في بدن الإنسان، أو أن المادة في الإنسان توصل الكهرباء أم لا وكثير من التجارب، لأنهم شاهدوها في الجماد أو أن المادة
عازلة عن الكهرباء، وعن الحرارة، فكذلك يشاهدوها في بدن الإنسان، والسبب أنه بين الجماد والإنسان جهات اشتراك حقيقية فيرتبون عليها آثار في العلوم التجريبية.
أيضاً هناك جهات مشتركة بين المَلَك والإنسان، فالعقل موجود في كليهما، فإن الإنسان لديه قوة الفهم والعقل العملي والقلب، إذن حقيقة الملكية أو الملك موجودة في الإنسان، وهذه الحقيقة قد تفتر أو تشتد كمالاً وهذا الأشتراك في الطبايع ليس بياناً شعرياً أو خيالياً أو تمثيلياً، والمهم تفسير هذه الظاهرة وسببها الذي مرَ بنا من أن هناك حقائق مشتركة أو أن هناك أجزاء مشتركة والتي نستطيع أن نسميها بالترادف العقلي أو نسميها بصناعة التحليل والتركيب.
ففي جملة من الآيات القرآنية تشير إلی أن هناك جملة من الأمم السابقة المختلفة والذين يكفرون بأنبيائهم كانوا يطالبونهم ويطالبون الباري تعالی بأن يرسل مع الأنبياء ملائكة من قبيل قوله تعالی وَ لَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلاً وَ لَلَبَسْنا عَلَیْهِمْ ما یَلْبِسُونَ (1).
ومفاد الآيه أنه لو كانت الحقيقة الملكانية موجودة في الرسول فهي لا تكون بمفردها موجودة بل تكون هناك أجزاء أخری أيضاً موجودة معها
1) (1) سورة الأنعام: الآية 9.
من الحقائق، وذكر العلامة المجلسي(رحمه الله) في تفسير هذه الآية:
أن فيها إشارة صريحة إلی أن في الأنبياء من الحقيقة الملكانية. بل ليس الحال يقتصر علی الأنبياء فقط بل سائر ذوي العقل واللب من البشر فيهم درجة ودرجات مختلفة من الحقيقة الملكانية كما أشار إلی ذلك أمير المؤمنين(عليه السلام) من أن الإنسان غرز فيه العقل والشهوة، فإن رجح وسيطر عقله علی شهوته كان أفضل من الملائكة، وإن رجحت فيه الشهوة وسيطرت فهو أضل من الحيوانات، لأن الحيوانات شهوة بلا عقل فهو إذن أضل من الحيوانات.
ويبين(عليه السلام)أيضا أن حقيقة البهيمية والغرائزية موجودة في الإنسان، والحقيقة الملكانية أيضاً موجودة في الإنسان،وحينئذ إرادة الإنسان هي سيدة الموقف فإن تغلبت شهوته علی عقله فشهوته أشد شهوائية وشراسة من شهوة الحيوانات لأنها تغلبت علی العقل، وإن تغلب عقله المزاحم بالشهوات فعقله أقوي من عقل الملك، وهذا البيان ليس بياناً شعرياً أو بياناً نثرياً أو بياناً تخيلياً، بل هذه حقائق من وجود الترادف أو وجود الأجزاء المشتركة في أجزاء الحقيقة وتكشف بتوسط صناعة التحليل وصناعة التركيب.
وهذه صناعة علمية مهمة جداً،فأنك تدرك معني وحداني للشيء أو للإنسان مثلا ولا تلتفت إلی أن هذا المعني الوحداني مأخوذ فيه عدة من المعاني هي أصوله الجنسية وأجناسه وأنواعه الفوقية التي بني عليها، من قبيل أن الإنسان حيوان ناطق، فكيف يكون هو معنيين إثنين مع أن
الإنسان معني واحد. ولكن بتوسط قدرة العقل وخلاقيته يدرك أن الإثنين يساوي الواحد المجموعي، وعشرة أجزائية تساوي معنيً واحداً مجموعياً كما هو الحال في معني الصلاة (وأقيموا الصلاة) والتي تعني النية، والتكبير، والقيام، والقراءة، والركوع، والسجود، والتشهد، والركعة الأولي، والركعة الثانية و...، كل هذا المركب الوحداني صار معنيً واحداً.
ومن أراد أن يخوض في بحث المعارف، وبحث الحقائق، ويأنف من تحليل المعاني فمن الأفضل له أن لا يخوض في هذه البحوث. لأن بحوث المعارف، والمعاني، والحقائق لا بد فيها من تحليل، وتفسير، وتفكيك، وتبيين الترادف العقلي.
والعقل عنده هذه القدرة أي قدرة دمج المتكثرات، وكبسها، ومزجها في معني واحد، وهذه البحوث مؤثرة في البحث والمنهج العلمي حتی في فقه الفروع، فإذا أريد البحث عن عنوان معين، فهل يقتصر في البحث عنه باللفظ أم بمرادفاته اللفظية أم لابُدَّ من البحث والتنقيب في مرادفاته العقلية أيضا بحسب الآثار المترتبة علی المعني فضلاً عن مرادفاته الوجودية وهو نظام أوسع في البحث العلمي.
وهذا الذي ذكرناه كله لا يتمّ بدون صناعة التحليل والتركيب وإلا فالأمر يكون صعباً في البحوث كلها، سيما في بحث المعارف. فلا ينبغي لنا أن نحبس الألفاظ والمعاني بالمعاني المتبادرة في الوهلة الأولي أي المعاني بالمبادئ والأمثلة المادية والحسية، بل نترك المبادئ ونأخذ بالغايات من
المعاني، وهذا الأمر ليس يجري في بحوث المعارف فقط بل في الأبحاث الفقهية أيضاً فيجب أن يكون بحثاً موزوناً بالموازين وبالقواعد لا بالاقتراح ولا هلوسة ذوق بحسب المشتهيات، بل بالموازين وبالقواعد التي ليست هي خصوص الألفاظ ولا مرادفاتها اللفظية بل لا بد من التوسع إلی مرادفاتها العقلية.
فإذا لم تكن لدينا شامة، وباصرة عقلية، نشم من خلالها الأجزاء العقلية فلا يمكن لنا أن نخوض في المباحث العقلية أو المعارف، ولا تكن أيها الباحث حبيس الحس، أو البساطة العفوية في المعاني، فإذا كنت كذلك إذن فأسترح في مكانك، ولا تخض مع الخائضين، وإذا كان لديك نفس وباع أن تشمشم أو تدرك تلك المعاني فسوف تفككها، وتحللها وتفصلها شيئاً فشيئاً، وحينئذٍ خض مع الخائضين في هذه الأبحاث.
فلا نكونن أسراء الأصوات والألفاظ. فهذا اللفظ غير هذا الصوت بل له صوت أخر وتفعيلة صوتية أخري.
في الحوارات التي تكون بين المؤمنين والسلفيين، أو مع أصحاب الفلسفات الغربية، ومن يتلبس بلباس الحداثة والتجدد وهلم جراً، التي هي الأثواب الجديدة في الفلسفات الغربية يأتي هذا الاعتراض علی منهج التحليل والتركيب في المعاني فتراهم يقفون عند السطح ويقولون هذه أذواق وهلوسة وما شابه ذلك. نعم الهلوسة والتذوق والتشهي ليس بالمنهج الصحيح، وهذا أمر سليم ولكن بينهما أي بين تفريط السطحية
وإفراط الهلوسة خيارات منهجية وطرق موازين أخري.
بل نكون فيها من المدققين أو من المحققين أو من الفاحصين وطريق ثالث ورابع وخامس وهكذا. إن البعض يقول كيف يتم الإستدلال والربط بشيء هو غير مرتبط بالمدعي. أنظر كيف يأتيك بأدلة، وكأن الارتباط بالإستدلال فقط وفقط بأصوات الألفاظ المتشابهة. نعم صوت اللفظ موجود في الدليل وهذا هو الإستدلال المتين والمحكم ولكن إذا كان يضم إليه شيء من التحليل في المعني فحينئذٍ هل يكون هناك نوع من التذوق والتشهي والإستدلال الشعري أو التمثيل، كلا. بل في الحقيقة الإستدلال الحقيقي هو التحليلي المنهجي الذي يقفُ ويتبع قوالب المعاني وليس المعاني في السطح الظاهري وإنما المعاني في السطح العميق.
ومن باب المثال المحقق التستري صاحب قاموس الرجال، قال(1):إن حديث:«نزهونا عن الربوبية وقولوا فينا ما شئتم ولن تبلغوا كنهنا»(2)، هو حديث موضوع، ونحن بحثنا بحثاً أستقرائياً يسيراً جداً فوجدنا ثمانية طرق لهذا الحديث، في حين يقول التستري لا سند، ولا مصدر له.
ولو سلمنا أن هذا الحديث غير موجود أصلاً، أليس هناك مرادفات
عقلية لهذا الحديث، وليست المرادفات تحصر في المرادفات اللفظية أو اللغوية - كما عرفنا سابقاً - بل هناك ترادفان أوسع باباً ومفتاحاً من الترادف اللفظي اللغوي ألا وهما: الترادف العقلي، والترادف الوجودي الأرتباطي، وهما أعظم في فتح باب الأستدلال والدليل، ومن المرادف العقلي لهذا الحديث هو الحديث الوارد عن جابر بن عبد الله الأنصاري حيث يقول: قلت لرسول الله(صلي الله عليه و آله): أول شيء خلقه الله تعالی ما هو؟. فقال: نور نبيك يا جابر ، خلقه الله ثم خلق منه كل خير(1).
وهذا يعني أن الصادر الأول هو النبي(صلي الله عليه و آله) ثم خلق الله عَزَّ وَجَلَّ الأشياء مشتقة من نور النبي(صلي الله عليه و آله)،وهناك قاعدة عقلية مفادها إن المعلول لا يحيط بالعلة ولو كانت علة في وساطة الفيض أي ما به الوجود لا العلة الأولي ما منه الوجود، لأن المعلول متقوم بالعلة، إذن المعلول الذي خلق بتوسط الواسطة في الفيض مهما أراد أن يبلغ كنه علته في الفيض لا يصل إليه، هذا المعني نفسه هو معني وقولوا فينا ما شئتم عدا الربوبية والإلوهية - ولن تبلغوا كنهنا، فبينهما ترادف عقلي وليس ترادفاً لفظياً، فإن الترادف العقلي يحتاج إلی تحقيق واجتهاد ولا يحتاج إلی كسل وسطحية وسذاجة. بل يحتاج إلی عمق تحليل بقواعد وقوالب فإذا أستطاع الإنسان أن يحلل أكثر فأكثر فسوف يصل إلی أمور كثيرة من المرادفات العقلية فضلاً عن باب الترادف الوجودي.
1) (1) تفسير الآلوسي ج51 :1، السيرة الحلبية ج50 :1، ينابيع المودة للقندوزي ج45 :1، الفجر الصادق لجميل صدقي الزهاوي: 295، البحار ج24 :15، الباب (1) ح: 43، ج22 :25، ح: 37.
إن الأستفاضة المعنوية هي غير التواطيء اللفظي، إن الكثير من الكتاب ممن له موقعية في العقائد، والفكر يقول: لا تواتر في الشيء الفلاني، فأي تواتر ينفيه، هل التواتر في اللفظ أم التواتر في المعني، هب أنه لا تواتر في المعني موجود، ولا تواتر لفظي ولكن ما هو مقصودك من نفي التواتر المعنوي، يعني أي معني تنفي تواتره تمام حدود المعني أو بعض أجزاء المعني من أجناسه العديدة الأعلي فالأعلي مما يشترك معه في جزء وجهة من المعاني، أنظر كيف يتسع بحث التواتر المعنوي أو الاستفاضة المعنوية. فهذه قواعد وقوالب في عالم المعني.
مثال آخر، قد يكون هناك ترادف معنوي ولكن لا في جزء ذات المعني بل في المعاني الألتزامية. لأن اللوازم دائماً تحيط بالمعني سواء التلازم المعنوي أو الوجودي، شبيه الشمس والمنظومات الشمسية، وهذا نوع من الترادف للمعني لا يعرف، فهناك نوع هائل ومهول وكبير من الترادف للمعني وهو الترادف الوجودي وهو أوسع من الترادف المعنوي العقلي.
إذن أي تواتر معنوي أنت تنفيه. هل تنفي التواتر المعنوي من هذا القبيل.
إنَّ الناظر بنظرة سطحية للروايات والآيات لا يلتفت إلی هذه الأقسام الوسيعة من التواتر، بل الذي يلتفت إليه هو المجتهد لا المحقق فقط، الذي هو مجتهد حقيقة لا أسماً، والمحقق حقيقة لا أسماً.
لأنَّ عالم تفصيل المعاني وترابطه الوجودي عالم كبير ومهم وهو يصب في بحث المنطق وبحث المنهج وبحث الاستدلال ولا ربط له بالأصوات، بل بالمعاني ومنظومة الارتباطات الوجودية. وهي بحوث مهمة ومفيدة وضرورية ونافعة في التفسير والمعارف والعلوم الدينية و حتی في فقه الفروع، وهي مضبوطة بقوالب، وقواعد علمية.
هناك أقسام للوحي أشار إليها القرآن الكريم لابدَّ من الأحتفاء بها وهذا الحديث هو في سياق التعرف علی حقيقة أبلاغ الوحي للرسل أو لسيد الرسل(صلي الله عليه و آله) وحقيقة الكتاب الإلهي والكلام الإلهي، ومن تلك الأقسام التي أشار إليها القرآن الكريم ما يلي:
وهو ما أشار إليه في قوله تعالی:وَ ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ یُكَلِّمَهُ اللّهُ إِلاّ وَحْیاً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ یُرْسِلَ رَسُولاً فَیُوحِیَ بِإِذْنِهِ ما یَشاءُ إِنَّهُ عَلِیٌّ حَكِیمٌ1.
وهذا القسم فيه نوع من التوسعة ونوع من الإطلاق وعدم التقييد، والوحي هو الإشارة، والإلهام، والإيماء الخفي للكلام الإلهي(1)، فالوحي
1) (2) قال الكسائي: وَحَی إليه بالكلام يحي به وحياً، وأوحي إليه وهو: أن يكلمه بكلام يخفيه عن غيره / تهذيب اللغة للأزهري (296/5). والوحي في اللغة: إنما هو ما جري مجري الإيماء والتنبيه علی شيء من غير أن يفصح به/غرر الفوائد ودرر القلائد (205/2).وقال الراغب الأصفهاني: فأمر وحي: هو ما يكون بالكلام علی سبيل الرمز والتعريض. (المفردات في غريب القرآن:515) وقال أيضاً: الوحي: الكلمة الإلهية تلقي إلی أنبيائه وأوليائه، يقال وحي.
بنفسه هو المعني المرموز، وبعبارة أخري، الذي دلالته تكون خفية فالدال يكون خفياً والدلالة تكون خفية، فالخفاء في الوحي ليس في الدلالة فقط بل في ذات وجود الشيء الدال علی الدلالة. فمثلاً نحن لا ندرك أصوات كثير من الموجودات ثم لو أدركناها لما علمنا هذا الصوت دال علی ماذا ؟!.فتارة الخفاء يكون في الدالوأخری في الدلالة.
إذن للدال علی المدلول خفاء كثير ومن هنا فالوحي فيه خفاء في الدال وفيه خفاء في الدلالة.
وهو من أقسام الوحي التي ذكرها القرآن الكريم وأشارت إليه بعض الروايات الواردة عن أهل البيت(عليهم السلام)، حيث قال تعالی: وَ أَیَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ (1).
فالتأييد - أيضاً - هو نمط ومنحي من الوحي، فعن أبي عبد الله(عليه السلام): وإن رسول الله(صلي الله عليه و آله) كان مسدداً موفقاً مؤيداً بروح القدس لا يزل ولا يخطئ في شيء مما يوسوس به الخلق، فتأدب بآداب الله....(2).
وعن المفضل بن عمر، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: سألته عن علم الإمام بما في أقطار الأرض وهو في بيته مرخي عليه ستره، فقال: يا مفضل، إن الله تبارك وتعالي جعل في النبي(صلي الله عليه و آله) خمسة أرواح: روح الحياة فبه دبّ
ودرج وروح القوة فبه نهض وجاهد، وروح الشهوة فبه أكل وشرب وأتي النساء من الحلال، وروح الإيمان فبه آمن وعدل، وروح القدس فبه حمل النبوة فإذا قبض النبي(صلي الله عليه و آله) أنتقل روح القدس فصار إلی الإمام، وروح القدس لا ينام ولا يغفل ولا يلهو ولا يزهو والأربعة الأرواح تنام وتغفل وتزهو وتلهو وروح القدس كان يري به(1).
وعن عمار الساباطي قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): ما منزلة الأئمة ؟. قال: كمنزلة ذي القرنين وكمنزلة يوشع وكمنزلة آصف صاحب سليمان،قال: بما تحكمون؟ قال: بحكم الله وحكم آل داود وحكم محمد(صلي الله عليه و آله) ويتلقانا به روح القدس(2).
ومن الطبيعي أن روح القدس درجات كما في الروايات من أن الإمام(عليه السلام) إذا ولد أيد بدرجة من روح القدس وإذا تشهد أو سجد وقرأ جملة من الأذكار ضوعف له في روح القدس وإذا مات الإمام الذي قبله ضوعف له في روح القدس أكثر.
ومن باب تقريب الفكرة نذكر هذا المثال، إن الطفل الرضيع لو أتيت له بثدي غير ثدي أمه فإنه لا يرتضع منه ويعرض عنه أما إذا أتيت بثدي أمه فنراه يرتضع منه ويتقبله لأنه يدرك الوجود الخاص للثدي من والعدم، وإلي ذلك يشير الحديث الشريف إن الطفل يولد علی فطرة التوحيد يعني يدرك الوجود المطلق من إدراك ذاك الوجود المقيد فيدرك وجود الله المطلق
بالوعي والإدراك الذاتي والفطري للباري تعالي، وهذا الأمر موجود حتی في الطفل الصغير، فالعقل النظري يدرك الوجود والعدم وإذا بلغ الصبي درجة التمييز الذي هو العقل العملي يقوم بالتمييز بين الخير والشر، وبين الحسن والقبيح، وهناك درجة زائدة، ومزاج وذوق عقلي إذا بلغ الصبي أشده ورشده يزداد في العقل ثم لا يزداد له إلا بمقدار العلم أو العمل ليورث علماً، فإن:
«أعقل الناس أطوعهم لله سبحانه»(1)،«وأعقل الناس من أطاع العقلاء»(2)،«أعقل الناس أنظرهم في العواقب»(3)، وغير ذلك من الأحاديث الشريفة.
فهذه درجات وزيادة في العقل الإنساني بقدر ما يكتسب من درجات وعلم وإدراك وما شابه ذلك، أما في المعصوم فيزاد له في روح القدس بتعبير «وأيدناه بروح القدس».
فإن روح القدس له شأن كبير كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالي.
إن الله عَزَّ وَجَلَّ يفطر المخلوق علی شيء معين، فكل بني الإنسان في
دائرة البديهيات لهم عصمة في البديهية سواء البديهيات التي في جانب العلم أم التي في جانب العمل، فبمقدار البديهيات أو اليقينيات أو ما قرب منها الفرد البشري معصوم، أي استثماره في هذه الدائرة، وهناك دوائر أوسع، ودوائر أكثر (قد يخطئ الإنسان فيها وقد يصيب) ولكن في ظل هذه الدائرة نفسها الإنسان معصوم، ولو أفترض عدم إستعصام الإنسان في هذه الدائرة لما أمكن الإنسان أن يستكشف أي شيء أصلاً، فهذه الدائرة فيها عصمة، وهذه العصمة المحدودة في كل أفراد الإنسان وجدت بسبب أيجاد الله تعالی الفطرة في الإنسان: وَجَّهْتُ وَجْهِیَ لِلَّذِی فَطَرَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ (1)،وقوله تعالی: فِطْرَتَ اللّهِ الَّتِی فَطَرَ النّاسَ عَلَیْها لا تَبْدِیلَ لِخَلْقِ اللّهِ ذلِكَ الدِّینُ الْقَیِّمُ (2)،وقوله تعالی: اَلْحَمْدُ لِلّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ (3).
أما إذا كانت هذه الفطرة التي هي بدرجة محدودة في بقية أفراد الإنسان إذا أوجدها الباري تعالی في فرد إنساني بنحو وبدرجة واسعة جداً فالمساحات النظرية عند البقية سوف تكون بالنسبة له بديهية. ومن هنا سوف تكون عصمته وسيعة، فما ندركه نحن بتوسط الأدوات النظرية فهو يدركه بتوسط البديهيات.
مثلاً هناك فرق بيننا وبين بعض الحيوانات في بعض دائرة البديهيات،
فعند الإنسان بديهيات لا تدركها الحيوانات، ربما تكون مبهمة ومجملة ومحجوبة عنها، في حين أن دائرة البديهيات التي عندنا تختلف عنها بالنسبة إلی المصطفين بالاصطفاء الإلهي درجات بل فيما بين المصطفين أنفسهم الحال متفاوت كما في قوله تعالی: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلي بَعْضٍ (1).
حيث يوسع الباري لهم الفطرة والبداهة، وهناك أمثلة كثيرة علی ذلك، مثلاً علماء الرياضيات عندهم من البديهيات الرياضية أكثر من عامة الناس.
فالإنسان بتوسط العلوم يدرك أمور بدرجة الضرورة أكثر من بقية الناس، لأنه زيد له في العلم، فالضروريات الخاصة الموجودة عند العلماء كالضرورات في الفقه، أو في علم الكلام، وما شاكل ذلك تغاير الضرورات التي عند عامة المسلمين مساحة بل تغاير الضرورات التي عند عامة المؤمنين دائرة، لأن الفقيه - مثلاً - يدرك أموراً بتوسط علمه في الفقه بدرجة الضرورات لا يدركه عامة الناس، وكذلك المتكلم، أو المفسر، أو المحدث.
وهذا الأمر ليس بالمستغرب وليس بالعجيب من أن البديهيات والضروريات تتسع بحسب ما للإنسان من علم. وبالإمكان أن يكون هناك إنسان مفطور علی العلم بكل الأشياء.
1) (1) سورة البقرة: الآية 253.
عن أبي إسحاق النحوي قال: دخلت علی أبي عبد الله(عليه السلام)فسمعته يقول: إن الله عَزَّ وَجَلَّ أدب نبيه علی محبته فقال:وَ إِنَّكَ لَعَلي خُلُقٍ عَظِیمٍ ثم فوض إليه فقال عَزَّ وَجَلَّ: وَ ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَ اتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِیدُ الْعِقابِ وقال عَزَّ وَجَلَّ: مَنْ یُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللّهَ، قال: ثم قال وإن نبي الله فوّض إلی علی وائتمنه فسلمتم وجحد الناس فوالله لنحبكم أن تقولوا إذا قلنا وأن تصمتوا إذا صمتنا ونحن فيما بينكم وبين الله عَزَّ وَجَلَّ، ما جعل الله لأحدٍ خيراً في خلاف أمرنا(1).
وفي رواية أخری عن فضيل ابن يسار قال سمعت أبا عبدالله(عليه السلام) يقول لبعض أصحاب قيس الماصر: إنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ أدب نبيه فأحسن أدبه،فلما أكمل له الأدب قال:وَ إِنَّكَ لَعَلي خُلُقٍ عَظِیمٍ ، ثم فوّض إليه أمر الدين والأمة ليسوس عبادهُ، فقال عَزَّ وَجَلَّ: وَ ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَ اتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِیدُ الْعِقابِ ، وإن رسول الله(صلي الله عليه و آله) كان مسدداً موفقاً مؤيداً بروح القدس، لا یَزِلُّ ولا یُخطئ في شيءٍ مما يسوس به الخلق، فتأدب بآداب الله...(2).
وهذا دليل علی علم رسول(صلي الله عليه و آله) بمحاسن وقبائح الأفعال كلها والتي هي عند الآخرين مجهولة في حين عند رسول الله(صلي الله عليه و آله) معلومة، سواء كانت
هذه الأفعال فعلاً فردياً أو فعلاً روحياً أو بدنياً أو سياسياً أو عسكرياً أو اقتصادياً أو اجتماعياً أو أسرياً، وفي أي صعيد من الأصعدة فإن أفعاله: وَ إِنَّكَ لَعَلي خُلُقٍ عَظِیمٍ ، بل أفعاله علی خلق عظيم حتی مع الملائكة والجن، بل حتی مع المرئيات وغير المرئيات.
ولذلك نلاحظ في العلوم الحديثة تنظم هذه العلوم أخلاقيات معينة مع البيئة، مثلاً بيئة المعادن لا بد أن يكون هناك خلق معين مع هذه البيئة بمعني أن لا يدمر هذه البيئة، فالغاز - مثلاً - الذي يرتفع إلی طبقة الغلاف الجوي، يجب أن يكون للإنسان خلق معين حتی مع الثروة الحيوانية لكي لا تباد الحيوانات كالثورة السمكية بل و حتی النباتية، فإن الإنسان إذا كان مدمراً لكل هذه البيئات فبالتالي سوف تنعدم هذه الدورة في الطبيعة كلها.
إذن خُلق الإنسان لابدَّ له من نظام معين مع دورة الطبيعة كلها من جمادات ونباتات ومعادن وحيوانات، وليس فقط مع الفرد والمجتمع والأسرة والروح، ومن هنا نلاحظ أن خلق الإنسان يتسع ويرتبط ويتصل مع كل ما يحيط به.
ف وَ إِنَّكَ لَعَلي خُلُقٍ عَظِیمٍ ، يعني أن خلق النبي(صلي الله عليه و آله) عظيم جداً عند الله عَزَّ وَجَلَّ في كل مجال سواء في تعامله مع الماء أم في تعامله مع الحيوان أم التراب أم الروح أم العبادة، وفي تعامله مع الله عَزَّ وَجَلَّ، أم في تعامله مع الأسرة، أم المجتمع، أم الزوجة، أم المرأة، أم القبيلة، أم السياسة، إلی ما شاء الله من الكائنات والأكوان فإنه باب مفتوح كبير: وَ إِنَّكَ لَعَلي خُلُقٍ عَظِیمٍ .
لذلك يقول الإمام(عليه السلام) في قوله تعالی: وَ إِنَّكَ لَعَلي خُلُقٍ عَظِیمٍ ، إن هذا برهان وبيان عقلي علی صلاحية الرسول(صلي الله عليه و آله) للتشريع، يعني هو مفطور علی محاسن ما يرضي الله عَزَّ وَجَلَّ وعلي الكمال، ولذلك يقول(عليه السلام) عندما كمل خلق النبي(صلي الله عليه و آله) نزلت هذه الآية: وَ ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا (1)ونزل أيضاً: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِی رَسُولِ اللّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ (2).
إذن إبلاغ الرسول(صلي الله عليه و آله) لمراضي الله، وموارد سخطه يكون بخلقه العظيم والكريم نفسه، ولذلك ورد في رواية عن أحد زوجات النبي(صلي الله عليه و آله) عندما سئلت عن خلق رسول الله(صلي الله عليه و آله) فقالت: كان خلقه القرآن يرضي لرضاه ويسخط لسخطه(3). مع أن ذلك وصف ليوميات وتفاصيل التعايش الخاص لحياته في المنزل.
وهذا أمر بديهي يلمسه كل من يتعايش معه(صلي الله عليه و آله) كأنه لا يري فرقاً بين القرآن المتلو والقرآن المجسم أمامه، في حركاته وسكناته، والقرآن كما نعلم لا يختص بالأوامر، والنواهي، والحكم، وما شابه ذلك، بل يشمل حكماً وملاحماً وأمثالاً ومواعظاً وأنباءات وبشائر، فتراه ينبأ عن الجنة وعن تفاصيلها وعن النار وعن تفاصيلها وغير ذلك.
ومن هنا فإن الإنسان يلمس فيه(صلي الله عليه و آله) تعامل وتعاطي هذا الفعل الخاص، وكيف أن له صلة معينة بآثار في عرصات يوم القيامة وكيف أن له صلة بمقامات في الجنة، وعن أخبار الدركات التي في النار، وكيف أن له صلة بالملائكة والجن، وكيف أن له تداعيات في أمواج المجتمع، وكيف أن له صلة مع العدو والإنذار منه، وهذه الأبواب كلها مقررة في القرآن الكريم، فخلق النبي(صلي الله عليه و آله) هو القرآن كل القرآن: ، وهذا نوع من الوحي.
وقد أستعمل القرآن الكريم مفردة الوحي في قوله تعالی: وَ أَوْحي رَبُّكَ إِلَی النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِی مِنَ الْجِبالِ بُیُوتاً وَ مِنَ الشَّجَرِ وَ مِمّا یَعْرِشُونَ(68)
ثُمَّ كُلِی مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِی سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً یَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِیهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ إِنَّ فِی ذلِكَ لَآیَةً لِقَوْمٍ یَتَفَكَّرُونَ (1).
إن نفس هذه الفطرة البالغة العظمة في النحل من بناء البيوت وأخذ رحيق الزهور وغير ذلك هذا النظام بالنسبة للعلوم البشرية يعتبر نظاماً معقداً جداً، ونظاماً مذهلاً ودقيقاً بفارق كبير عن نظام فعل البشر، هذا النظام المذهل ليس موجوداً في النحل صدفة بل فطره الله عليه وكذلك أيضاً نظام وقوانين النمل هكذا، وكلاهما من جنس الحشرات، وفي دراسة أجروها عن النمل في كالفورنيا - وهي محافظة وليست مدينة - بلغ عدد
1) (1) سورة النحل: الآية 68 - 69.
النمل في خلية واحدة أكثر من عدد السكان بستة عشرة مرة، هذه خلية موجودة في هذه المحافظة، وتعتبر مدينة كاملة للنمل حيث يوجد فيها كل ما موجود في المدن الطبيعية من شرطة وعمال وخدم وحرس وجنود وملكة وغير ذلك.
أنتقلت هذه الخلية من جحر إلی جحر رغم المخاطر الموجودة، وفي زمن قياسي معين، بحيث لو أراد الآن علماء الإدارة والتخطيط والهندسة لنقل هذه المحافظة - كالفورنيا - فقد يحتاج إلی سنين عديدة من التقدم العلمي والأزدهار الحضاري كي يستطيعوا أن يصلوا إلی هذه الهندسة الإدارية الموجودة في عالم النمل، وهذه أمثلة من الوحي الفطري، ومن ثم فإن هذا الخلق العظيم: (لعلي خلق عظيم)، هو نفسه وحي ولكن من نمط آخر من الوحي، ومن هذا الباب ما ورد لدينا كثيراً في أحوال أهل البيت(عليهم السلام) كيف أنهم يعلمون برضا الله وسخطه بالرضا والسخط الحاصل في نفوسهم الشريفة.
وقد وردت روايات مفادها قولهم(عليهم السلام) إذا شئنا علمنا أن الله قد شاء وإذا سخطنا علمنا أن الله قد سخط من سخطنا، وهذا ليس بعجيب أو بعيد، أليس كل ما حكم به العقل حكم به الشرع، طبعاً العقل بحسب دائرة البديهيات لو حكم علی أمر أنه حسن فأنه يستكشف منه أن الله حكم بأن هذا أمر حسن، بحيث لا يخالجك إرتياب في كون رأي العقل في
البديهيات معصوم، ولكن الإنسان والفرد العادي معصوم في دائرة ضيقة بخلاف أولئك الذين اصطفاهم الله وطهرهم فإنهم معصومون في دائرة فطرية وسيعة، لأنه مقتضي تركيبة الاصطفاء، كما نعتهم القرآن: إِنَّما یُرِیدُ اللّهُ لِیُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَیْتِ وَ یُطَهِّرَكُمْ تَطْهِیراً (1)، وهذه الخلقة الفطرية الطاهرة هي قسم من أقسام الوحي.
فإذا كانوا مطهرين وأبعد عنهم الرجس فلا محالة سوف تكون ميولهم ميول حق ونشأتهم نشأة حق، وإذا شاءوا علموا إن الله قد شاء.
فعن أبي بصير قال: سمعت أبا جعفر(عليه السلام) يقول: في صاحب هذا الأمر سنة من موسي، وسنة من عيسي، وسنة من يوسف، وسنة من محمد(صلي الله عليه و آله).
فأما من موسي فخائف يترقب، وأما من عيسي فيقال فيه ما (قد) قيل في عيسي، وأما من يوسف فالسجن والغيبة، وأما من محمد(صلي الله عليه و آله) فالقيام بسيرته وتبين آثاره ثم يضع سيفه علی عاتقه ثمانية أشهر فلا يزال يقتل أعداء الله حتی يرضي الله عَزَّ وَجَلَّ، قلت وكيف يعلم أن الله تعالی قد رضي؟ قال: يلقي الله عَزَّ وَجَلَّ في قلبه الرحمة(2).
وهذا نوع من الوحي غير التكليم، ويغاير مجيء ملك، ويغاير الوحي بالسماع، ويغاير الكلمة المدونة في ألواح المنزلة. فإن هذه الفطرة المصطفاة نفسها هي قسم من أقسام الوحي، وهو من قبيل قوله تعالی:وَ إِنَّكَ لَعَلي
خُلُقٍ عَظِیمٍ و إِنَّما یُرِیدُ اللّهُ لِیُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَیْتِ وَ یُطَهِّرَكُمْ تَطْهِیراً وقوله تعالی: إِنَّ اللّهَ اصْطَفي آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِیمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَی الْعالَمِینَ (1)، وفي تفسير العياشي عن هشام بن سالم قال: سألت أبا عبدالله(عليه السلام) عن قول الله عَزَّ وَجَلَّ: إن الله أصطفي آدم ونوحاً فقال: هو آل إبراهيم وآل محمد علی العالمين فوضعوا أسماً مكان أسم(2).
وفي رواية أخري: وآل محمد فمحوها وتركوا آل إبراهيم وآل عمران(3).
وفي بعض قراءات التفسير عندهم قراءة أبن عباس (وآل محمد). والمهم هذا الاصطفاء هو أنه نحو من أنحاء الوحي. وهنا يقول الميرزا القمي: أن الله تعالی إذا عبَد نبيه(صلي الله عليه و آله) بواسطة إلهام الفطرة من دون نزول وحي من جبرائيل(عليه السلام) وإتيان كلام وأمثله، فيقال: إنه أطاع الله جزماً، فإن العقل الفطري فينا في دائرة صغيرة نظير الإلهام فيه(صلي الله عليه و آله) في دائرة واسعة بوسع أفق الدين(4).
فأحد أقسام الوحي الفطرة الإلهية، وهذا ما تبينه الآية الكريمة وهي قوله تعالی: فِطْرَتَ اللّهِ الَّتِی فَطَرَ النّاسَ عَلَیْها لا تَبْدِیلَ لِخَلْقِ اللّهِ ذلِكَ الدِّینُ الْقَیِّمُ (5).
وهناك أرتباط وثيق بين أحكام وطبيعة ونظام الفطرة والدين، فإذا كنت تريد أن تعلم الدائرة المركزية في الدين ما هي فأستطلع الفطرة، وفي العصر الراهن كثير من أحكام الفطرة التي يتوصل إليها البشر غير المسلمين وعند أتباع الديانات ما دامت هي أحكام فطرية إذن هي أحكام دينية، لأن الدائرة المركزية في الدين هي الفطرة (كلما حكم به العقل حكم به الشرع) وهو نظير وَ إِنَّكَ لَعَلي خُلُقٍ عَظِیمٍ ، فكما أننا خلقنا علی التمييز، نميز قبح الظلم عن حسن العدل، وقبح الكذب عن حسن الصدق، وقبح الخيانة عن حسن الأمانة، والوفاء والإحسان ومكارم الأخلاق، فهذه خطوط عامة وإدراكات أجمالية ندركها ونعلم بأن الشرع أحكامه حتماً علی طبق هذه الفطرة. وهذه الفطرة إذا كتب لها أن تكون وسيعة في كل الأفعال الفردية والإجتماعية والسياسية والأدارية والروحية والفكرية وغيرها من المجالات فسوف تصبح وَ إِنَّكَ لَعَلي خُلُقٍ عَظِیمٍ .
القسم الرابع من أقسام الوحي هو التسديد أو اللطف كما في قوله تعالی: كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَ الْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِینَ (1)، حيث نزلت في شأن النبي يوسف(عليه السلام) ولكن في المقابل قال تعالی في شأن أهل البيت(عليهم السلام): إِنَّما یُرِیدُ اللّهُ لِیُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَیْتِ وَ یُطَهِّرَكُمْ تَطْهِیراً .
1) (1) سورة يوسف: الآية 24.
فلو لاحظنا هذا التعبير القرآني والفرق بين (لنصرفه عن السوء) وبين (يصرف السوء عنه) ، ففي التعبير الثاني - يصرف السوء عنه - يعني أن السوء مقبل علی النبي يوسف(عليه السلام)، وليس أن النبي يوسف(عليه السلام) مقبل علی زليخة وإنما السوء يقبل علی يوسف أي (لنصرف عنه السوء)، وهذا التعبير نفسه في آية التطهير (ليذهب عنكم الرجس) يعني ليذهب الرجس وليس ليذهبكم عن الرجس، والإذهاب بمعني الأبعاد، فليس ليبعدكم، وإنما ليبعد الرجس عنكم، فهو - الرجس - مقبل فيبعده عنكم.
وهذا دليل علی أنهم هم في ذواتهم مطهرون، فالباري عَزَّ وَجَلَّ يريد لهم طهارة وعصمة مستمرة واقية عن أن تلبسهم جاهلية المحيط من مدلهمات الدنس والنجس، وكما ورد في زيارة الإمام الحسين(عليه السلام):«لم تنجسك الجاهلية بأنجاسها ولم تلبسك من مدلهمات ثيابها»، لأن البيئة، وعوامل الضغط السياسي والعسكري، والأسري والتربوي، تشكل كلها عوامل ضغط أخری قد تلبس الإنسان المدلهمات أو قد تنجس الإنسان، فهم(عليهم السلام) معصومون حتی مع هذه العوامل بتسديد وتأييد رباني، وهذا لا يعني أن الله اصطفاهم بحسب ذواتهم فقط بل: إِنَّ اللّهَ اصْطَفاكِ وَ طَهَّرَكِ وَ اصْطَفاكِ عَلي نِساءِ الْعالَمِینَ اصطفاء وتطهير عن المحيط ، وإصطفاء ثان بإفاضة الكمالات التي تتعالي علی صفات الآخرين، أي مرحلة كاملة من الاصطفاء والتطهير،علاوة علی المرحلة الذاتية، فالذات نفسها مفطورة علی الطهارة وعلي العصمة وعلي التسديد، وهناك مرحلة أخری وهو التسديد والتأييد عن تنجيس الجاهلية أو المدلهمات أو أدلهام المدلهمات من الجاهلية، والروح المسددة
لا توحي إلا إلی الأرواح الطاهرة: وَ كَذلِكَ أَوْحَیْنا إِلَیْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا .
فالفعل هو الوحي، والمفعول به هو النبي(صلي الله عليه و آله) والموحي هو الله عَزَّ وَجَلَّ، والموحي هو الروح الأمري، وقد يكون الشيء الموحي هو الكلام كما في:أَوْ یُرْسِلَ رَسُولاً فَیُوحِیَ بِإِذْنِهِ ما یَشاءُ1.
فيكون إيحاء جبرائيل بمثابة من إيحاء الله، وجبرائيل يوحي كلام الله أو معاني وأصوات وكلمات، ولو دققنا في الآية الكريمة:وَ كَذلِكَ أَوْحَیْنا إِلَیْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا2 ، فهذا الروح الذي (من أمرنا) ليس هو وسيط يوحي، كلا بل هو بنفسه موحي، ونظير ما في قوله تعالی: وَ كَذلِكَ أَوْحَیْنا إِلَیْكَ قُرْآناً عَرَبِیًّا3 ، أي أوحينا إليك القرآن فالقرآن موحي ومتعلق للوحي أو كما يوحي إليه الكلام.
وكما أوحي إلی أم موسي عدة أوامر إلهية حيث قال تعالی:وَ أَوْحَیْنا إِلي أُمِّ مُوسي أَنْ أَرْضِعِیهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَیْهِ فَأَلْقِیهِ فِی الْیَمِّ وَ لا تَخافِی وَ لا تَحْزَنِی إِنّا رَادُّوهُ إِلَیْكِ وَ جاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِینَ4.
فقد أوحي إلی أم موسي ستة أمور وهذه الستة يعبر عنها بالشيء الموحي، وعلي ضوء ذلك إذا نظرنا إلی قوله تعالی: وَ كَذلِكَ أَوْحَیْنا إِلَیْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ، نري أن هذا الشيء الموحي نفسه هو رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ،
وهذا قسم من أقسام الوحي، وهو أن تجعل روحاً من عالم الأمر تغرز في روح النبي وذات النبي(صلي الله عليه و آله).
وهذه الروح هي الروح الأمري وهذه الروح نفسها لها عدة تفسيرات وتعريفات في الآيات القرآنية وتفسيرها، كما في سورة الدخان: حموَ الْكِتابِ الْمُبِینِ
إِنّا أَنْزَلْناهُ فِی لَیْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنّا كُنّا مُنْذِرِینَ (1).
وفي سورة النحل: یُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ (2).
وكما في سورة القدر: إِنّا أَنْزَلْناهُ فِی لَیْلَةِ الْقَدْرِوَ ما أَدْراكَ ما لَیْلَةُ الْقَدْرِلَیْلَةُ الْقَدْرِ خَیْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍتَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَ الرُّوحُ فِیها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍسَلامٌ هِیَ حَتّي مَطْلَعِ الْفَجْرِ .
وكما في سورة غافر: یُلْقِی الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ (3).
وقد وردت روايات عديدة عن أهل البيت(عليهم السلام) أن الروح الأمري أعظم من جبرائيل وميكائيل وعزرائيل وأسرافيل، وليس من جنس الملائكة، فعن أبي بصير أنه سئل الإمام الصادق(عليه السلام)... قلت: جعلت فداك ليس الروح جبرئيل، فقال: جبرئيل من الملائكة والروح خلق أعظم من الملائكة
أليس الله يقول تنزل الملائكة والروح(1).
هذا مع ما لجبرئيل من العظمة، فهو الذي قلب قري قوم لوط عاليها سافلها: فَجَعَلْنا عالِیَها سافِلَها وَ أَمْطَرْنا عَلَیْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّیلٍ (2)، وغير ذلك من العذاب الإلهي نزل علی يد جبرئيل، ولهذا تري أن اليهود تكره جبرئيل: قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِیلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلي قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللّهِ مُصَدِّقاً لِما بَیْنَ یَدَیْهِ وَ هُديً وَ بُشْري لِلْمُؤْمِنِینَ*مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلّهِ وَ مَلائِكَتِهِ وَ رُسُلِهِ وَ جِبْرِیلَ وَ مِیكالَ فَإِنَّ اللّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِینَ3 .
وقد روي أن أبن صوريا وجماعة من يهود أهل فدك، لما قدم النبي(صلي الله عليه و آله) المدينة سألوه... فقال أبن صوريا: خصلة واحدة إن قلتها آمنت بك، وأتبعتك، أي ملك يأتيك بما تنزل الله لك، قال: جبريل، قالوا: ذلك عدونا ينزل بالقتال والشدة والحرب، وميكائيل ينزل باليسر والرخاء، فلو كان ميكائيل هو الذي يأتيك آمنا بك...(3).
وفي رواية أخري: لأن ميكائيل كان يشد ملكنا، وجبرئيل كان يهلك ملكنا فهو عدونا لذلك(4).
فجبرئيل هو مظهر جبروتي ومظهر مددي رحماني لله عَزَّ وَجَلَّ، فإن كلمة جبرئيل مشتقة من جبران أي يجبر ما نزل من العوالم، فإنَّ عالم الجبروت فوق عالم الملكوت وفوق عالم الناسوت، والتجبر من العظمة، ولا يخفي أن أسمجبرئيل يتضمن جملة من صفات الأسماء الإلهية ولذلك يصفه الباري ب (المكين): إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِیمٍذِی قُوَّةٍ عِنْدَ ذِی الْعَرْشِ مَكِینٍمُطاعٍ ثَمَّ أَمِینٍ (1)، والمكين هنا من المكنة والقدرة، مع إضافة ذلك إلی أسم الباري عِنْدَ ذِی الْعَرْشِ ، يعني المكانة والقدرة التي أعطيت لجبرئيل من هذا الأسم الإلهي الذي هو صاحب العرش وهو الله سبحانه وتعالي.
وكذلك وصف جبرئيل(عليه السلام) بشديد القوي كما في قوله تعالی: عَلَّمَهُ شَدِیدُ الْقُويذُو مِرَّةٍ فَاسْتَويوَ هُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلي ...(2)، فإنه ورد في التفسير أن:شَدِیدُ الْقُوي هو جبرئيل، أي القوي في نفسه وخلقته، و ذُو مِرَّةٍ أي ذو قوة وشدة في خلقه، وعن الكلبي: ومن قوته أنه أقتلع قري قوم لوط من الماء الأسود فرفعها إلی السماء، ثم قلبها، ومن شدته صيحته لقوم ثمود حتی هلكوا(3).
بل توجد لدينا روايات أن جبرائيل عندما تمثل للنبي محمد(صلي الله عليه و آله)ملأ ما بين المشرق والمغرب وهذا كناية عن أن كل عالم المادة هي محل قدرة وتصرف لجبرئيل(عليه السلام).
ومن الطبيعي أن عزرائيل وميكائيل وأسرافيل هم أيضاً كذلك، فهم إذن جنود الله لهم تعلق بكل عالم المادة.
ومن باب تقريب هذا الموضوع، مثلاً يقال الجسم الدنياوي الأصلي في الإنسان هو مادة طاقة بحسب علوم الفيزياء أو علوم الطبيعيات أو علوم الروح الجديدة، فالبدن الطاقي هو الذي تتعلق به الروح وبتوسطه تتصرف هذه الروح في البدن الغليظ، فالبدن الطاقي يكون هو الواسطة بين مراتب الروح وبين البدن الغليظ، وبواسطة الأجهزة الحديثة عرف أن شكل هذا البدن الطاقي كالبخار.
وهذا ما نجده في البحوث الفلسفية والعقلية السابقة، من أنهم شاهدوا من خلال المكاشفات أو بتوسط الأجهزة الحديثة أن بدن الإنسان الدنياوي هو روح بخاري وشكله كشكل السحب أو السحاب الأبيض الغليظ، وهذا البدن يتولد ويفرزه الدم، ولكن هذه الطاقة غير مرئية بأعيننا إلا من خلال الأجهزة الحديثة، أو المكاشفات أو غير ذلك.
وهذا ما يسمي ب (الأكتوبلازم)(1)، وجبرئيل أيضاً له تعلق بالمواد الطاقية غير المرئية اللطيفة ومن ثم يتعلق بالمادة الغليظة وهذه المواد والطاقات السابحة في الفضاء الجسماني منتشرة في كل النجوم والكواكب والأرض والمجرات، والعلم لم يكتشفها مع أنها تملأ الشرق والغرب، بل
1) (1) وهي المادة التي خلق منها الإنسان حسب هذه المقولة.
حتی عزرائيل كما في الروايات أن له حضور في كل نقطة من نقاط الأرض، وكذلك أسرافيل وميكائيل، لايقتصر علی الأرض فقط بل يشمل الكواكب والمجرات والمنظومات الأخري وتمام الفضاء السماوي.
وفي رواية أخری عن أمير المؤمنين(عليه السلام)والروح غير الملائكة(1).
ثم إن قوله تعالی (ينزل الملائكة بالروح) يشير إلی أن عروج ونزول الملائكة يتم بتوسط الروح الأمري، وإذا كان نزول الملائكة يتم بتوسط الروح الأمري، والنزول أسهل من العروج، فكيف بعروجها.
إذن العروج والنزول الذي تتمكن به الملائكة في ليلة القدر أو في آن من الأنات أن تعرج الملائكة إليه في يوم كان مقداره كذا هو بالروح الأمري. وهو المشار إليه بعنوان:رُوحاً مِنْ أَمْرِنا، وهو الذي يقول عنه الإمام الصادق(عليه السلام): خلق والله أعظم من جبرئيل وميكائيل وقد كان مع رسول الله(صلي الله عليه و آله) يخبره ويسدده مع الأئمة من بعده(2).
وفي رواية أخري: ملك منذ أنزل الله ذلك الملك لم يصعد إلی السماء كان مع رسول الله(صلي الله عليه و آله) وهو مع الأئمة يسددهم(3)، أو (وأنه فينا)(4). وقد أشير إلی ذلك في آية الشوري وَ كَذلِكَ أَوْحَیْنا إِلَیْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِی
مَا الْكِتابُ وَ لاَ الْإِیمانُ وَ لكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِی بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا أي أن الروح الأمري يجعله تعالی نورا يهدي به من تعلقت بهم المشيئة الإلهية أي المصطفين لذلك كما في آية فاطر (ثم أورثنا الكتاب).
إذن هذا الروح الأمري مختص بالمعصومين(عليهم السلام): يا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا أَطِیعُوا اللّهَ وَ أَطِیعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِی الْأَمْرِ مِنْكُمْ (1)، والأمر هنا الذي هو من عالم الأمر وعالم الإبداع هو الروح الأمري، وليس هو المقام القانوني المختص بالولاية السياسية فقط بل يعم الولاية التكوينية، ويشير إلی هذا المقام ما ورد في روايات العامة من أن السيدة فاطمة الزهراء هي ولية الأمر، وهذا ما صرح بروايته أبو بكر في أول حكومته(2).
وورد أيضاً في رواياتنا أنها(عليها السلام) هي ليلة القدر، فعن زرارة عن حمران قال: «سئلت أبا عبد الله(عليه السلام) عما يفرق في ليلة القدر هل هو ما يقدر الله فيها؟. قال: لا توصف قدرة الله إلا أنه قال: فِیها یُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِیمٍ فكيف يكون حكيماً إلا ما فرق، ولا توصف قدرة الله سبحانه لأنه يحدث ما يشاء، وأما قوله:لَیْلَةُ الْقَدْرِ خَیْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ يعني فاطمة(عليها السلام)، وقوله: تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَ الرُّوحُ فِیها ،والملائكة في هذا الموضع المؤمنون
الذين يملكون علم آل محمد(عليهم السلام) والروح روح القدس وهو في فاطمة» (1).
فإذا كانت فاطمة(عليها السلام) هي ليلة القدر وولية الأمر علی حد رواية أبي بكر فهذا يعني أن الأمر التكويني نفسه في: إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَیْئاً أَنْ یَقُولَ لَهُ كُنْ فَیَكُونُ ، وولي الأمر يعني صاحبه الذي يختص بالروح الأمري: أَطِیعُوا اللّهَ وَ أَطِیعُوا الرَّسُولَ ، والرسول له ارتباط بالله عَزَّ وَجَلَّ من رسالة وغير ذلك.
إذن نبوة الوحي، وهكذا ( ) أيضاً لهم أرتباط مع الله عَزَّ وَجَلَّ بتوسط الروح الأمري. فهي طائفة كلها لله عَزَّ وَجَلَّ، فإن الإنسان لديه غريزة الشهوة والغضب ولديه روح العقل وروح الخيال، وأما المعصوم فأحد أرواحه هو الروح الأمري، وهو - الروح الأمري - جنس عالم الإبداع والأمر وليس من عالم الملائكة، وكذلك الملائكة ليس من عالم الأمر، فإن الملائكة لهم جسم لطيف له أجنحة كما هو مفاد الآية الكريمة: جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِی أَجْنِحَةٍ مَثْني وَ ثُلاثَ وَ رُباعَ (2)، ونزول وعروج الملائكة يكون من عالم ملكوت السموات، ولكن بأجسام لطيفة، أما في الروح الأمري فليس فيه عروج ونزول وإنما كن فيكون.
ومن خلال هذا يتضح أن هناك إرتباطاً وثيقاً بين روح الأمر وبين ليلة القدر، سواء من جهة نزول الملائكة أو عروجها.
هناك فرق بين تفسير المفسرين وحقائق معاني القرآن، وهذه ضابطة ميزانية بالغة الأهمية في علوم القرآن، ولهذا يجب أن لا نخلط بين هذين أي تفسير المفسرين وحقائق معاني القرآن، فيجب علينا أن لا نحمل القرآن الكريم النتاج البشري، إن تفسير المفسرين مهما بلغ يكون من محدودة قدرة بشر، وفكر بشر، وإستنتاج بشر، بينما حقائق معاني القرآن الكريم شيء آخر.
لأن المفسرين علی طول التاريخ يعني إلی عشرة قرون بما فيهم ابن العربي الصوفي كانوا يفسرون سبع سموات بنمط هيئة بطليموس إلی أن جاء العلم الحديث وأبطل فكرتهم، إلا أن بعض الكتاب المثقفين المعاصرين الذي ليس لهم باع في علم الفيزياء والعلوم الأخري زعموا بطلان دعوي القرآن الكريم أن السموات سبع.
وهناك من يظن أن السبع سموات هي نظرية بطليموس والحال أنه لا صلة بين نظرية بطليموس في السموات السبع مع ما يذكره القرآن الكريم أو الإنجيل أو التوراة أو الكتب السماوية الأخري كصحف آدم وصحف إبراهيم إلا محاولة من بطليموس لتفسيره هذه الحقيقة لسبع سموات التي تذكرها الكتب السماوية.
إذ بطليموس ولد بعد التوراة، فإن فكرة السبع سموات في ذهن بطليموس جاءت بسبب تعاليم السماء لا أن تعاليم السماء هي متأثرة به.
وقد أشار بروفسور أسكتنلدي في الفيزياء - صاحب كتاب «علي حافة العالم الأثيري» وقد ألفه قبل ما يقارب القرن وعنده تخصص في عالم الأرواح أيضاً - أن نظرية السبع سموات هي ليست نظرية بشرية أصلاً، بل هي من تعاليم الكتب السماوية فقط، ثم يقول ونفسر السماء الثانية والثالثة... بمعني كرات أثيرية غير مرئية بالنسبة لنا بل مواد ألطف، وبغض النظر عن أن هذا التفسير صحيح أو لا والمهم أنه يدلي بتفسير آخر ولكن لا يتنكر لمقولة سبع سموات الموجودة في التوراة والإنجيل والفرقان، وهو عالم فيزيائي كبير.
وهذه حقيقة هامة أنه لا الفلكيون ولا المنجمون ولا الفيزيائيون ولا علماء الطبيعة اكتشفوا أن السموات هي سبع، أو عشرة، أو واحدة أو أكثر أو أقل، بينما الكتب السماوية أتفقت علی أن السموات سبع.
وقد حاول بطليموس أن يفسر السماوات السبع بأنها أجسام شفافة كقشور بصل والقشرة الأخيرة فيها المجرات، والقشرة ما قبل الأخيرة فيها المنظومة الشمسية وزحل ثم الشمس والقمر.
يعني حاول أن يقسم سباعية السموات بحسب المرئيات في السماء، وهذا مثال لاختلاف قدرة البشر في تفسير حقائق معاني الوحي فينبغي أن لا نحمل القرآن الكريم علی النتاج البشري، وإن كثيراً من المثقفين لا تخصص لهم في علوم كثيرة ومع ذلك نراهم يتحدثون في نتائج تلك العلوم الكثيرة مع أنهم يتنادون بالتخصص وهم لا يعملون بالتخصص ولا
يراعون المهنية التخصصية في البحوث.
فتراه يفتي لك في الفيزياء وتارة يفتي لك في النجوموأخری في تاريخ العلوم مع أنه لا باع له في ذلك ثم يأتي ويريد أن يحاكم القرآن الكريم بتلك العقلية والمعلومات المحدودة له، وهذه جهالات يضمها إلی جهالات وما يستنتج من هذه الجهالات يريد أن يأتي بها ويحاكم علی وفقها القرآن الكريم، وتاريخ العلوم مهم جداً ليعتبر الباحث كيفية تطور الفكر البشري من سطح درجة إلی أخری وأنه لاينتهي الأفق لإدراك الحقيقة عند حد ويقارن ذلك مع بيانات ومعطيات الوحي.
فهناك فرق بين العلم نفسه وبين تاريخه، ألم يوجد هناك تاريخ علم الطبيعيات، كما هناك علم أصول الفقه وتاريخ علم الأصول، وأيضاً عندنا علوم الفقه والقانون وعندنا أيضاً تاريخ علم الفقه والقانون، حتی نعرف هذا العلم من أين بدأ ومن أين أسس وكيف مر بأدوار وما شابه ذلك.
إذن بطليموس جاء بتفسير هذه النظرية وهو لا يعلم هي سبع سموات أو غير سبع وظل هذا التفسير مستمر إلی زمن الشيخ البهائي(رحمه الله) أو المرحوم المجلسي أو غيرهم من الأعلام، ومن المسلمين وغيرهم، في حين أن هناك إشارات في الروايات إلی ما في سورة الصافات والملك، من قبيل قوله تعالی: زَیَّنَّا السَّماءَ الدُّنْیا بِمَصابِیحَ وَ جَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّیاطِینِ (1)،
1) (1) سورة الملك: الآية 5.
وقوله تعالی: إِنّا زَیَّنَّا السَّماءَ الدُّنْیا بِزِینَةٍ الْكَواكِبِ*وَ حِفْظاً مِنْ كُلِّ شَیْطانٍ مارِدٍ (1).
حيث صرح فيهما بأن كل ما تشاهدوه من كواكب ومجرات ونجوم هي زينة للسماء الدنيا التي هي السماء الأولي، وهذا يدحض رؤية ونظرية بطليموس، وهذا ما أكده الإمام الرضا(عليه السلام) علی ما جاء في تفسير القمي.
والكثير من الشبهات لدي البشر أمام منهاج السماء ناشئة من خطأ القراءة للنص الوحياني وفق قناعات علمية خاطئة، وهذا ليس تعصباً لمنهاج السماء ولكن منهاج السماء منهاج علمي مفتوح علی الحقيقة اللامتناهية لا منهاج قناعات محبوسة علی أفق محدود، شعار السماء شعار علمي لكن شريطة أن يكون هناك تفهم فاحص باحث منفتح أمام الاحتمالات الواسعة وإنصاف علمي لا تعصب جهالات علی قناعات محبوسة، فيأتي بعض الباحثين ويستشكل علی سيد الأنبياء(صلي الله عليه و آله) بأنه متأثر بنظرية بطليموس، وأن هذا من تزريق أو تأثير البيئة التي كان فيها سيد الأنبياء ومن ثم علی القرآن الكريم.وهذه استنتاجات مغلوطة وجهولة عن الاطلاع علی تاريخ النظريات العلمية في العلوم وعن مقارنتها بتراث الوحي السماوي.
هناك نظرية أخری وعقيدة علمية أخری وهي موجودة في روايات أهل البيت(عليهم السلام)، أن تأسيس كل علم بشري بدأ من الأنبياء والأوصياء(عليهم السلام)
1) (1) سورة الصافات: الآية 6 - 7.
وهذا عكس ما يدعونه هؤلاء من أن الأنبياء يتأثرون بقومهم، ولو بحثوا في تاريخ العلوم لتبين لهم أن تأسيس العلوم بدأ علی يد الأنبياء وأوصياء الأنبياء، وهذا ما بينه ثلاثة من الأعلام في كتبهم وهم:
1 - السيد حسن الصدر في كتابه تأسيس الشيعة، وذكر أن علوم الإسلام التي تفتقت في الأمة الإسلامية كان الواضع الأول لها هم أئمة أهل البيت(عليهم السلام) وهذا إنجاز قيم ولطيف.
2 - السيد محسن الأمين العاملي في كتابه البارع الفخم الفاخر أعيان الشيعة، حيث ذكر في بداية كتابه هذا كيفية تأسيس أئمة أهل البيت(عليهم السلام) ومن بعدهم شيعتهم للعلوم الإسلامية وهذا مهم في تاريخ الحضارة الإسلامية، وفي تاريخ مساهمة المسلمين في العلوم البشرية والحضارة البشرية التي مصدرها أئمة أهل البيت(عليهم السلام).
3 - المحقق أغا برزك الطهراني في كتابيه (الذريعة) أو (الطبقات علماء الإمامية)، حيث بين في كتابه الذريعة أن تأسيس العلوم في الإسلام بدأ من أئمة أهل البيت(عليهم السلام)، مما نبع هذا الازدهار الذهبي للأمة الإسلامية.
في السبعينيات الميلادية تقريباً عقد مؤتمر في باريس بحضور عشرات البروفسورية ومن مختلف أقطار ودول العالم، وكانوا كلهم من أصحاب النظريات وما شابه ذلك، وشارك فيه السيد موسي الصدر، وكان هذا
المؤتمر حول الإمام الصادق(عليه السلام) وتأسيسه لعلوم الكيمياء، وكيف خدم البشرية وقد طبعت مقالات المشاركين باللغة الفرنسية وترجم إلی اللغة العربية والفارسية.
إن لكل علم تعريف جامع وله موضوع كلي ومحمول كلي، وله قضية كلية تسمي تلك القضية الكلية المنتشرة في قضايا العلم بالحيثية الكلية وهذه القضية الكلية تسمي مفتاح العلم.
هذا ما بيّنه أمير المؤمنين(عليه السلام)من الموضوع الكلي لعلمي النحو والصرف حيث يقول (أرفع ضم...) فبين الموضوع الكلي لعلمي النحو والصرف إذ كشف لك عن القضية الكلية ثم بعد ذلك انفتح باب المرفوع وباب المنصوب وباب الأسم وباب الموصوف وهكذا، فأبواب كثيرة تفتح بل ألوف المسائل من المسائل الكلية، وهذا الفتح للقضية والمعادلة الكلية العامة لكل علم و للعلوم إما من نبي أو وصي نبي بل إن منظومة العلوم تتوالد من بعضها البعض لترابط عضوي معادلي بين المعادلات العامة العماد لكل علم كرأس هرم تتولد منه طبقات تحتانية تتسع ، فالعلم الذي يفتحه الوحي مفتاح لفتح علم هو بدوره مفتاح لفتح علوم توالدية منه ، وهذا شأن علوم النبي(صلي الله عليه و آله) وأهل بيته(عليهم السلام) في الاحاديث والحكمة المروية عنهم في كل مجال وكل باب من العلوم وهي معني محاسن كلامهم أنه لو علم بها الناس والبشر لاتبعوهم لأنها مفتاح لعلم وهو مفتاح العلوم .
نعم الآن قد توسع في العلوم التوالدية المسماة بالمواليد وهذا بحث
آخر ولكن الريادة والسبق لفاتح هذا العلم المفتاح لبقية العلوم كان بيدهم(عليهم السلام)، إذن تأسيس تأريخ العلوم البشرية من آدم إلی يومنا هذا هو ببركات الأنبياء والأوصياء(عليهم السلام)، وروايات أهل البيت(عليهم السلام) مشحونة بهذه المفاتيح لعلوم فاتحة، حتی علم النجوم وعلم الفلك وعلم السحر و حتی العلوم المهنية والفنية والتقنية.
وقد ذكر الشيخ الأنصاري في كتابه (المكاسب المحرمة) جملة من الروايات أن الأنبياء مؤسسون للعلوم البشرية، من قبيل الرعي والزراعة والصناعة والتجارة والخياطة حيث مارسها الأنبياء كنوح وإدريس وسليمان وغيرهم.
فعن ريان بن الصلت، قال: حضر عند أبي الحسن الرضا(عليه السلام) الصباح بن نصر الهندي وسأله عن علم النجوم، فقال: هو علم في أصله حق وذكروا أن أول من تكلم به في النجوم إدريس(عليه السلام) وكان ذو القرنين به ماهراً، وأصل هذا العلم من الله(1).
وعن يونس قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): جعلت فداك أخبرني عن علم النجوم ما هو، قال: علم من علوم الأنبياء، فقلت، كان علی بن أبي طالب يعلمه، قال: كان أعلم الناس به(2).
وإنما نذكر هذا في قبال هؤلاء الذين يقولون بأن عقلية الأنبياء(عليهم السلام)العلمية أو التاريخية متأثرة بيئتهم وزمانهم.
فلو لاحظنا التاريخ الذي يستعرضه القرآن الكريم نراه لا يتعرض إلی الملوك ولا إلی شرائح أخری بشرية، بل يتعرض ويذكر الأنبياء بما هم رواد ورموز ونجوم التأريخ، وإذا تعرض لشخصيات غير الأنبياء من ملوك وفراعنة فهو يذكرهم بما لديهم من تأريخ مظلم فهو يذمهم ويندد بهم ويستقبحهم ،وهذا تنبيها من القرآن الكريم لكون الأنبياء هم صناع الحضارات والرقي والتمدن المتكامل من جوانبه المختلفة.
وهذه القاعدة - تأسيس الأنبياء لعلوم البشر - مهمة ومدعي عظيم تدل علی أن الأنبياء لهم إحاطة بالبيئات لا أنهم يتأثرون بالبيئات وبالتربية العلمية في البيئة القاصرة التي يعيشون فيها، ولذلك كل نبي يأتي بمعجز علمي يتحدي به قدرة العلم الموجود عند أبناء ذلك العصر بل تحديه يتطاول أجيال البشرية اللاحقة إلی يوم القيامة.
هناك من تبني تفسير القرآن بالقرآن كما أشار إليه السيد الطباطبائي(رحمه الله)، وكذلك السيد الخوئي والسيد السبزواري وكذلك من مفسري العامة محمد رشيد رضا صاحب تفسير المنار، وغيرهم كثيرون، ولكن هذا التعبير والعنوان كمنهج فيه مسامحة، لأن هذه القاعدة التفسيرية ليست تفسير القرآن بالقرآن أي أن القرآن يفسر نفسه بنفسه، وإنما هو تفسير البشر بالإستعانة بقدرة فهمهم للقرآن أو تفسير المجتهدين أو المفسرين للقرآن
بالاستعانة بالقرائن والدلالات القرآنية بحسب درجة إحاطتهم بمعاني القرآن، وفرق بين أن نقول تفسير إجتهادي للقرآن بجهد بشري إستعانة بالقرآن وبين أن نقول عبارة نحذف منها كلمات أخری فتعطي مفاداً آخر، ويتوهم السامع أو القاريء كأنما القرآن تجسد وتمثل، أو يقول أن أقوي تفاسير القرآن الصامت بنطق القرآن نفسه، أو أنا أفسر المصحف الصامت بنفس القرآن الناطق وكأن المفسر أصبح القرآن الناطق، نعم هو حجة ظنية والاستعانة بالقرائن القرآنية الاجتهادية لتفسير القرآن لا تعدوا الظن المعتبر، ولكن لا يرقي ولا يصل هذا إلی درجة حق اليقين وعين اليقين وإن هذا هو التفسير النهائي ولا خطأ فيه.
أحد المفكرين الكبار - ولا أريد أن أذكر أسمه لأن النقاش في المنهج وليس النقاش في الأشخاص - يعتبر تفسير القرآن بالقرآن حجيته فوق حجية العترة، فنقول له أيها المحقق الجليل هذا ليس تفسير القرآن بالقرآن بل تفسير المجتهد للقرآن بقدرة ظنية بشرية إستعانة محدودة بالقرآن، وهل هذا يرقي إلی تفسير العترة الذين شهد لهم القرآن أنهم يمسون الكتاب المكنون الغيبي ؟!. كلا.
نعم الإستعانة بالقرائن القرآنية بحسب الجهد الظني للمفسر والمجتهد منهج من المناهج صحيحة ولكن لا نعطيها الدرجة الأولي ولايقتصر علی هذا المنهج دون معية الثقلين، الآن شخص يتوصل إلی أن الاستصحاب كدليل أصلي عملي حجة وهذا صحيح لكن هل نجعل الاستصحاب مقدم علي
حجية الخبر الواحد؟!. هذا خطأ ليس معني أن تتوصل إلی أن الاستصحاب حجة فهذا يكفي، بل لابُدَّ أن تعرف رتبة حجية الاستصحاب، فلا بد أن نعرف مراتب الحجج وهو ناموس منهج المعرفة الحقة.
وقد راج أخيراً في الأوساط العلمية المسلك المنهجي الذي يعتبر الخبر الصحيح هو الميزان الأول والأخير، وكأنما حجية الخبر الصحيح تفوق حجية الخبر المتواتر والمستفيض مع أنهما قد يتحصلان من الأخبار الضعيفة غير تامة السند بلحاظ وصف طريقها منفرداً.
وعلم الأصول علم بالغ الأهمية وذلك لأنه منطق المعرفة الدينية إذ يعطي للباحث المنظومة والخريطة والتخطيط المنهجي، وقد قرر فيه دراسة وميزانية كل قاعدة من القواعد التي يستنتج بها في العلوم الدينية وإذا عمل بها فسوف لا يلتبس علينا المفهوم في سير الاستدلال والدليل.
إذن هناك عملية وحي بين الباري تعالی وبين النبي وهو الروح الأمري، فالروح الأمري ليس وسيطاً يوحي للنبي(صلي الله عليه و آله)، وهذا بخلاف: أَوْ یُرْسِلَ رَسُولاً فَیُوحِیَ بِإِذْنِهِ ما یَشاءُ ، ففي الروح الأمري لم يعبر عنه أنه رسول أو وسيط يوحي إلی النبي البشر، وإنما الروح الأمري هنا هو نفس متن الوحي بين الباري تعالی وبين النبي(صلي الله عليه و آله)، ولذلك لم يعبر الباري تعالی مثلاً: وَ كَذلِكَ أَوْحَیْنا إِلَیْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا بل: وَ كَذلِكَ أَوْحَیْنا إِلَیْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا .
فالفرق واضح إذن بين الآيتين الكريمتين المتتاليتين في آخر سورة
الشوري، وهذا شأن خاص لنبي الإسلام(صلي الله عليه و آله)، لأنه عبر تعالی بكلمة (إليك) أي خاص لك يا محمد(صلي الله عليه و آله)، في حين قوله تعالی: وَ ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ یُكَلِّمَهُ اللّهُ إِلاّ وَحْیاً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ یُرْسِلَ رَسُولاً فَیُوحِیَ بِإِذْنِهِ ما ، مفاده عام لعموم البشر من الأنبياء أو الأوصياء أو الحجج، فالروح الأمري خاص بسيد الأنبياء وخاتمهم (صلوات الله عليه وعلي آله)، ومن هنا جاءت هذه الآية مباشرة بعد تلك الآية وجعل هذا الروح الأمري من عالم الأمر وغرز في ذات النبي(صلي الله عليه و آله).
وفي روايات معارف أهل البيت(عليهم السلام) تعتبر هذه الآية - وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا - من الآيات التي لها أمومة ومن المحكمات،: هُوَ الَّذِی أَنْزَلَ عَلَیْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ (1)، والمحكمات لها أمومة ولها قيمومة ولها هيمنة، وهناك قواعد في تفسير القرآن الكريم تبتني علی منظومة المحكمات علی منهج أهل البيت(عليهم السلام) تشكل منهاجاً تفسيرياً، ليس هو منهج التفسير الموضوعي الذي يعني بالموضوع الواحد في ظل سور عديدة في مقابل التفسير التجزيئي، بل تفسير المحكمات في مقابل تفسير المتشابهات، يعني تفسير الآيات التي لها إشراف ولها هيمنة علی بقية الآيات
1) (1) سورة آل عمران: الآية 7.
أي تفسير طبقات عليا من الآيات لها هيمنة وإشراف وتوضيح لطبقات نازلة وهو يختلف منهاجاً عن التفسير الموضوعي.
إذ التفسير الموضوعي أخذ موضوع من الموضوعات سواء كانت فرعية أو سطحية، فوقية أو أولية، في حين تفسير المحكمات هو تفسير خصوص الآيات التي هي حاكمة ومحكمة علی بقية الآيات وحاكمة علی بقية الموضوعات، وحاكمة علی بقية السور، فتفسير المحكمات يختلف قواعدياً ومنهجياً في علائق الارتباط له مع التفسير الموضوعي، فإن كل آية تشرف علی آيات أخری تكون هذه الآية لها إحكام.
إذنْ منهجية المحكمات وتفسيرها أكثر عمقاً وأكثر دقة ومنهجية منظومياً ونظاماً، فالمهم في التفسير لايقتصر علی التفسير الموضوعي بل النظر إلی تفسير المحكمات.
ومثالاً نري العلامة الطباطبائي(رحمه الله) مر بمرحلتين في بناء علميته التفسيرية، المرحلة الأولي كتابه الذي طبع مؤخراً وهو تفسير (البيان في الموافقة بين الحديث والقرآن)(1)، وهنا حاول+ أن يكتشف منهج أهل البيت(عليهم السلام) في التفسير، وعلي ضوء هذا المنهج كتب تفسير الميزان، ولكن المشاهد في إستنتاج هذا التفسير - الميزان - أنه حاول أن يكتشف كيف هو تفسير القرآن بالقرآن عند أهل البيت(عليهم السلام).
1) (1) حيث كانت الطبعة الأولي سنة 1425 ه- وبستة مجلدات ولم يكن كاملاً بل إلی الآية (57) من سورة يوسف.
وهو شبيه بالتفسير الموضوعي أو بدرجة نوعاً ما متطورة ، لكن هناك من ألتفت إلی تفسير المحكمات كالعلامة الفتوني(1)في كتابه مرآة الأنوار ومشكاة الأسرار والذي يعتبر دورة في مفردات ولغات القرآن الكريم، وقد طبع هذا الكتاب في أول تفسير البرهان بأسم المقدمة .
وممن إلتفت إلی ذلك الفيض الكاشاني في تفسيره الصافي شيئاً ما ودرجةً ما وذلك بسبب مطالسته وممارسته لتفسير الروايات للآيات بتفسير أهل البيت(عليهم السلام).
والحاصل أن هذه الآية التي نحن بصددها تعتبر من الأيات المحكمات الأم ، بمعني أنها مرجع ومآل ومنتهي لتفسير آيات عديدة. ومن هنا لابد لنا أن نحلل هذه الآية ونبحث عن الجهات والحيثيات والأمور الموجودة فيها .
إن إرسال الرسول كما مر يعني الوسيط وهذا الوسيط سوف يمكث وإن كان هذا المكوث ليس مكوثاً دنيوياً ولكن بحسب عالم ومعني الروح،
1) (1) وهو الشريف أبي الحسن بن محمد طاهر العاملي وهو من علماء جبل عامل ولد في أصفهان سنة 1070 ه- عاش في أصقهان فترة من الزمن ثم هاجر إلی النجف الأشرف، وممن أجازه بالرواية العلامة المجلسي الذي هو - المجلسي - والد زوجة خاله السيد محمد صالح الخاتون آبادي، وهو جد صاحب الجواهر لأم والده، وقيل جده لأمه وليس لأم والده، له ما يقارب (21) مؤلفاً ومن أهم مؤلفاته (ضياء العالمين في بيان إمامة الأئمة المصطفين) وطبع مؤخراً.وقد أثني علی هذا الكتاب الشيخ الأمييني صاحب موسوعة الغدير والسيد عبد الحسين شرف الدين وغيرهم، توفي(رحمه الله) في الغري الشريف سنة 1138 ه- وقيل سنة 1139 ه-.
ولكن بطبيعة الحال سوف ينتهي هذا الأرتباط في حين متن الوحي الموحي إلی النبي لا ينقطع بأنقطاع مكث وبقاء الرسول الملكي.
ومن هنا قال تعالی: وَ لَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِی أَوْحَیْنا (1)، فالوحي هو علم يحصل للنبي(صلي الله عليه و آله) ويطلق علی هذا العلم بالوحي، فإن إرسال الملك للنبي هو إحداث علم، ولكن هذا العلم من أي نوع ومن أي نمط أو درجة، فهو غير إرسال الرسول الملك، فإن هذا الرسول الملكي ينقطع إرتباطه وإتصاله وبالتالي فالأرسال سوف ينقطع أيضاً بسبب رجوع ذلك المرسل الملكي والوسيط بين الباري تعالی وبين النبي(صلي الله عليه و آله).
أما الوحي الذي هو بمعني العلم الحاصل من الوحي باق، نعم لو يشاء الله ذلك لذهب وأزال: وَ لَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِی أَوْحَیْنا ، وهذا ما عبر عنه الإمام الصادق(عليه السلام) عندما قال - في بيان حقيقة الروح من عالم الأمر الذي هو متن وحي الكتاب -:... لم يصعد إلی السماء كان مع رسول الله(صلي الله عليه و آله) وهو مع الأئمة يسددهم. وفي رواية أخری (إنه فينا).
وهذا يعني أن أحد أرواح النبي(صلي الله عليه و آله) هو الروح الأمري، فهو قد زرع وغرز في ذات النبي(صلي الله عليه و آله)، وسميت الغريزة بالغريزة لأنها تغرز مثل غرز البذرة والشجرة في التراب،وكما في ذات الإنسان فلها أرواح متعددة وقوي متعددة وجواهر مختلفة كما قال أمير المؤمنين(عليه السلام):«أتزعم أنك جرم صغير وفيك أنطوي العالم الأكبر»(2).
فالإنسان كما ركب من عقل وشهوة، وكذلك النبي(صلي الله عليه و آله) في قوله تعالی: وَ كَذلِكَ أَوْحَیْنا إِلَیْكَ رُوحاً مِنْ ، أي ركب فيك عالم الأمر والملكوت بماله من عظمة بالنسبة إلی ذات النبي(صلي الله عليه و آله)، ومقتضي ذلك أن معرفة نفس ذات النبي(صلي الله عليه و آله) شيء أعظم من تلك الأرواح، وسوف يأتي أنشاء الله أن الروح الأمري له تعاريف مهولة وعظيمة وكبيرة في سور عديدة من القرآن الكريم.
وهذا الروح الأمري الذي أثبت تكويناً في ذات النبي(صلي الله عليه و آله) جعل كقوة من قوي ذات النبي(صلي الله عليه و آله) فضلاً عن بقية قوي أخری في ذاته سواء أعظم من الروح الأمري أو أصغر منه، وهذا الروح أو الوحي لم يزايله الله عَزَّ وَجَلَّ عن نبيه ولم يذهب به بعيداً عنه(صلي الله عليه و آله) بل أبقاه في النبي(صلي الله عليه و آله) وهذا نمط للوحي.
وحقيقة هذا الروح الأمري هو الكتاب العزيز بحسب هذه الآية: وَ كَذلِكَ أَوْحَیْنا إِلَیْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِی مَا الْكِتابُ وَ لاَ الْإِیمانُ وَ لكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِی بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا1.
وعرف الروح الأمري في الآية أنه نور هادوي وهو كتاب تكويني لا ورقي بنقوش خطوط إعتبارية، وهذا الروح الأمري يورثه الله عَزَّ وَجَلَّ
بعد النبي(صلي الله عليه و آله) لجملة من عباده المصطفين: وَ لكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِی بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ ، وسوف يكون - الروح الأمري - نبراساً نورياً لبقية من العباد المصطفين وليس كل العباد، بل العباد الذين تتعلق بهم المشيئة الإلهية: مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا ، أي الذين يصطفون ويجتبون ويختارون: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِینَ اصْطَفَیْنا مِنْ عِبادِنا1.
ولو كان المراد منه المصحف الشريف الذي هو عبارة عن أوراق ونقوش لكان هذا بيد الجميع، فيقرأه الكافر والمسلم والمؤمن والمنافق وغير ذلك، بينما خصصه تعالی مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا ، وحسب روايات أهل البيت(عليهم السلام) الذي مضمونها مطابق لما هو موجود في الآيات، ولو نتدبر ونتدبر ونمعن النظر علی الدوام في مضامين روايات عترة النبي(صلي الله عليه و آله) لرأينا أنه مطابقة لما هو موجود في إشارات أو لطائف الآيات الكريمة.
فهناك حقيقة مستمرة وهي من محكمات محاور أعمدة نظام القرآن وهي قوله تعالی: یُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلي مَنْ یَشاءُ مِنْ عِبادِهِ (1)، وهي أن الروح الأمري لايقتصر إنزاله علی خصوص سيد الأنبياء(صلي الله عليه و آله) فقط، بل هنا المخاطب بها أمة الإسلام إلی يوم القيامة، وهي خالدة وحية بعد سيد الأنبياء(صلي الله عليه و آله)، ف یُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ ، أي من عالم أمر الله: لَهُ الْخَلْقُ وَ (2)، فله عالم الخلق وعالم الأمر: بَدِیعُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ إِذا قَضي أَمْراً فَإِنَّما
یَقُولُ لَهُ كُنْ فَیَكُونُ (1)، وهذا عالم الأمر.
أما عالم الخلق: الَّذِی خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَیْنَهُما فِی سِتَّةِ أَیّامٍ ثُمَّ اسْتَوي عَلَی الْعَرْشِ الرَّحْمنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِیراً (2)، وقوله تعالی: وَ قَدَّرَ فِیها أَقْواتَها فِی أَرْبَعَةِ أَیّامٍ سَواءً لِلسّائِلِینَ (3).
وهناك فرق بين عالم الخلق وعالم الأمر، فعالم الخلق تدريجي حسب الآيات المتقدمة، في حين عالم الأمر ليس كذلك بل:كُنْ فَیَكُونُ ، يعني عالم الإبداع والملكوت، وهذا الروح الأمري هو نمط ثان من الوحي، وهو تصرف خلق تكويني يوجده الله عَزَّ وَجَلَّ في نبيه ومن ثم يورث هذا التكوين الراقي والعالي إلی عباد مصطفين بعد سيد الأنبياء: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِینَ اصْطَفَیْنا مِنْ (4).
وكما مر بنا أن حقيقة الكتاب أو القرآن الكريم ليس وجوداً ورقياً أي المصحف الشريف الذي هو نزول القرآن، أنما حقيقته غيبية وملكوتية: فِی كِتابٍ مَكْنُونٍ لا یَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ (5)، يعني محفوظ، فأي قرآن هذا؟!. فهذا المقام من القرآن الكريم ليس هو المصحف الشريف الذي هو
تنزيل القرآن، بل هو نفس حقيقة القرآن الذي هو عالي متعالي فهو القرآن ولكنه المحفوظ والمكنون.
وهذه الحقيقة المعرفية من الأمور والقواعد المعرفية المهمة التي يجب أن نعرفها ويؤكد عليها القرآن الكريم وأئمة أهل البيت(عليهم السلام)، لأن هذه القواعد تفتح أبواباً للمعارف ولمعرفة حقيقة دور أهل البيت(عليهم السلام)، فإن دورهم(عليهم السلام) دور إختصاصي رائد في الأمة الإسلامية لا يسده غيرهم، ولا يقوم بعبأه سواهم، ولا يمكن لأي أحد لا من العرفاء ولا من الصوفية ولا من الخليقة ولا... أن يدعي ذلك: یَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ ، هيهات أن يمسه الكل فهو بعيد المنال إلا المطهرون.
قال الشيخ الطوسي في تفسير هذه الآية: فِی كِتابٍ مَكْنُونٍ ، قيل: هو اللوح المحفوظ أثبت الله تعالی فيه القرآن، والمكنون المصون.
وقوله: : یَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ قال أبن عباس ومجاهد الضحاك: لا يمس الكتاب الذي في السماء إلا المطهرون من الذنوب(1)، وعن الكاشاني: أي لا يطلع عليه إلا المطهرون من الكدورات البشرية(2)، وكذلك قوله تعالی: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِیدٌ فِی لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (3).
فالمصحف الشريف مقدس عظيم، وهو طرف عند الناس من حبل
الله الممدود ولكن الدرجة العليا من القرآن الذي له المجد التكويني أي العظمة والقدرة فهو طرف آخر عند الله لايمسه الا المطهرون، والمصحف عبارة عن معلومات وشرح لحقيقة موجود غيبي ملكوتي وهو القرآن، وهو الروح الأمري، الروح الذي يحيي به الموتي، فعن الإمام أبي الحسن الأول(عليه السلام) قال: قلت له: جعلت فداك أخبرني عن النبي(صلي الله عليه و آله) ورث النبيين كلهم؟ قال: نعم، قلت: من لدن آدم حتی أنتهي إلی نفسه ؟ قال: ما بعث الله نبياً إلا ومحمد(صلي الله عليه و آله) أعلم منه، قال: قلت: إن عيسي بن مريم كان يحيي الموتي بإذن الله قال: صدقت وسليمان بن داود كان يفهم منطق الطير وكان رسول الله(صلي الله عليه و آله) يقدر علی هذه المنازل، قال: فقال: إن سليمان بن داود قال للهدهد حين فقده وشك في أمره: فَقالَ ما لِیَ لا أَرَی الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِینَ حين فقده فغضب عليه فقال: لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِیداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَیَأْتِیَنِّی بِسُلْطانٍ مُبِینٍ ، وإنما غضب لأنه كان يدله علی الماء فهذا وهو طائر قد أعطي ما لم يعط سليمان وقد كانت الريح والنمل والأنس والجن والشياطين والمردة له طائعين ولم يكن يعرف الماء تحت الهواء وكان يعرفه وإن الله يقول في كتابه:وَ لَوْ أَنَّ قُرْآناً سُیِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتي ،وقد ورثنا نحن هذا القرآن الذي فيه ما تسير به الجبال وتقطع به البلدان وتحيي به الموتي ونحن نعرف الماء تحت الهواء وإن في كتاب الله لآيات ما يراد بها أمرٌ إلا أن يأذن الله به مع ما قد يأذن الله مما كتبه الماضون جعله الله لنا في أم الكتاب، إن الله يقول:وَ ما مِنْ غائِبَةٍ فِی السَّماءِ وَ الْأَرْضِ إِلاّ فِی كِتابٍ مُبِینٍ ثم قال: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِینَ
اِصْطَفَیْنا مِنْ عِبادِنا فنحن الذين أصطفانا الله عَزَّ وجل وأورثنا هذا الذي فيه تبيان كل شيء(1).
وهناك وصف آخر للقرآن وكرامة أخری له التي فيها آثار تكوينية وهو قوله تعالی: لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلي جَبَلٍ لَرَأَیْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْیَةِ اللّهِ وَ تِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ یَتَفَكَّرُونَ (2).
وليس المراد من القرآن الذي فيه هذه الأوصاف وخصصوا بوراثته هو المصحف فإنك إن تضع المصحف الشريف علی جبل لاتراه متصدعا ولاتراه خاشعاً فهذا طرف آخر من الحبل، وكذلك هناك نزول لحقيقة القرآن يغاير نزول المصحف ، وهو النمط الأول من نزول القرآن، النزول الجملي الدفعي لجملة حقيقية تكوينية للقرآن فهذا نمط من الوحي يعني تصرف في ذات النبي(صلي الله عليه و آله)أي جعل وغرز وإيجاد قوة عظيمة فيه(صلي الله عليه و آله) تسمي الروح الأمري رُوحاً مِنْ أَمْرِنا .
إذن هناك آثار كثيرة بينتها الآيات القرآنية في حقيقة القرآن الكريم من الآثار الكونية العظيمة، وتلك الآثار ليست للمصحف الشريف مع عظمته وقدسيته ووجوب التمسك به، فنحن ليس عندنا من القرآن الحبل الممدود طرفاً منه عند الناس إلا المصحف والعترة أما الطرف الآخر فهو عند الله وهو
الروح الأمري الذي جعله الله في ذات النبي(صلي الله عليه و آله) ثم أورثه الذي اصطفاهم من عباده أهل البيت(عليهم السلام) المطهرون .
فعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله(صلي الله عليه و آله) إني تارك فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله حبل ممدود من السماء إلی الأرض وعترتي أهل بيتي لن يفترقا حتی يردا عليّ الحوض(1).
فقد مثل النبي(صلي الله عليه و آله) في هذا الحديث عن الثقلين وهما الكتاب والعترة بأنهما حبل ممدود، فالكتاب الكريم فيه إتصال بين السماء والأرض، طرف منه عند الناس وطرف منه عند الله عَزَّ وَجَلَّ(2)، هذه العندية الإلهية (عند الله) يعني مقام ملكوتي، تلك هي حقيقة القرآن الكريم وهي تتنزل في المصحف كمعلومات وتقارير خبرية عن تلك الحقيقة الغيبية، وقد قرر في علم المنطق الفكري إن للشيء أربع وجودات:
وجود حقيقي أي نفس شخص زيد.
ووجود ذهني مثل صورة زيد في الذهن.
ووجود إعتباري مثل لفظة صوت أسم زيد هذه ليست حقيقة زيد وإنما هو تنزيل.
ووجود كتبي، مثلاً عندما تكتب نقش أسم زيد في الورقة، فزيد هنا ليس معني بل ولاحقيقة زيد، بل هذا تنزيل لحقيقة زيد.
مثلاً عندما تتلفظ وتقول زيد بن أرقم وذكرت زيداً بالصوت، فهذا ليس حقيقة زيد التكوينية بل وجود تنزيلي لزيد وهو وجود صوتي لفظي.
إذن هناك حقائق تكوينية للأشياء وهناك معلومات عنها، وهي درجة ثانية، ودرجة ثالثة الصوت التنزيلي، ودرجة رابعة المنقوش المرسوم والمكتوب المخطوط للأشياء، وكذلك الحال في القرآن الكريم فحقيقته: بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ ، وهذا الروح بعيد المنال إلا عن العترة لايمسه إلا المطهرون بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ وي بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلي مَنْ یَشاءُ مِنْ عِبادِهِ و یُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلي مَنْ یَشاءُ مِنْ عِبادِهِ نَهْدِی بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا و إِنّا أَنْزَلْناهُ فِی لَیْلَةٍ مُبارَكَةٍ ... أَمْراً مِنْ عِنْدِنا إِنّا كُنّا مُرْسِلِینَ ، فضرورة وجود العترة هي هذه الحقيقة المستمرة البقاء بعد النبي(صلي الله عليه و آله) التي أشير إليها في آخر سورة الشوري وسورة غافر وأول سورة النحل وسورة القدر وسورة الدخان، لأن علومهم تنزف،وترتفد رفدها ورشدها من حقيقة القرآن العلوي الملكوتية، وتلك الحقيقة لها خواصٌ كثيرة.
إذن الروح الأمري باق إلی يوم القيامة: مَنْ یَشاءُ مِنْ عِبادِهِ ، ولذلك فالملائكة عندما تنزل في ليلة القدر تنزل بحقيقة القرآن، وهنا يتضح أنه لولا القرآن لما أستطاعت الملائكة من الهبوط حتی جبرئيل(عليه السلام) كما مر في سورة النحل والقدر : إِنّا أَنْزَلْناهُ فِی لَیْلَةِ الْقَدْرِ وَ ما أَدْراكَ ما لَیْلَةُ الْقَدْرِ لَیْلَةُ الْقَدْرِ خَیْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَ الرُّوحُ فِیها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ1 ، أي من عالم الأمر، وفي قراءة أهل البيت(عليهم السلام) بكل أمر (الباء) بدل (من).
وأيضاً قوله تعالی یُلْقِی الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلي مَنْ یَشاءُ مِنْ عِبادِهِ1 ، فعن علی أبن إبراهيم قال: روح القدس وهو خاص لرسول الله(صلي الله عليه و آله)والأئمة(عليهم السلام)(1).
وعن أمير المؤمنين(عليه السلام): وهو روح الله لا يعطيه ولا يلقي هذا الروح إلا علی ملك مقرب أو نبي مرسل أو وصي منتجب، فمن أعطاه الله هذا الروح فقد أبانه من الناس وفوض إليه القدرة وأحيي الموتي وعلم بما كان وما يكون وسار من المشرق إلی المغرب ومن المغرب إلی المشرق في لحظة عين، وعلم ما في الضمائر والقلوب وعلم ما في السموات والأرض(2).
إذن كل الكتاب الكريم مرتبط بهذا الروح الأمري، ولكن هذا الكتاب وهذا الكلام ليس المراد منه الأمواج الصوتية بل هو موجود حي شاعر عاقل، مثل قوله تعالی: إِنَّ اللّهَ یُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِیحُ عِیسَی ابْنُ مَرْیَمَ (3)، وقوله تعالی: إِنَّمَا الْمَسِیحُ عِیسَی ابْنُ مَرْیَمَ رَسُولُ اللّهِ وَ كَلِمَتُهُ (4)، فنري أن القرآن أطلق علی عيسي أبن مريم(عليه السلام) أنه كلمة الله، وهذا يعني أن الموجود التكويني العظيم الخلقة كلمة إلهية، وإذا كان
النبي عيسي(عليه السلام) وهو من أولی العزم كلمة من كلمات الله عَزَّ وَجَلَّ ولم يوصف بإنه كلمة تامة فكيف بالكلمة التامة أو الكلام التام: وَ تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَ عَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَ هُوَ السَّمِیعُ الْعَلِیمُ (1).
وليس إطلاق الكلمة من الله حصراً علی النبي عيسي(عليه السلام) بل هناك موارد عديدة ذكرها الباري تعالي، كقوله تعالی: أَنَّ اللّهَ یُبَشِّرُكَ بِیَحْیي مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللّهِ (2).
وقوله تعالی: وَ جَعَلَها كَلِمَةً باقِیَةً فِی عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ یَرْجِعُونَ (3).
وغيرها من الآيات الشريفة.
فمن موارد استعمال القرآن الكريم لمعني الكلام والكتاب يستعمله في الموجود الحي الشاعر العاقل ويشير إلی ذلك قوله تعالی: وَ ما مِنْ غائِبَةٍ فِی السَّماءِ وَ الْأَرْضِ إِلاّ فِی كِتابٍ مُبِینٍ وقوله تعالی: ما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ یَعْلَمُها وَ لا حَبَّةٍ فِی ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَ لا رَطْبٍ وَ لا يابِسٍ إِلاّ فِی كِتابٍ مُبِینٍ (4)،إذ الذي له وجود حي شاعر عاقل هو الذي يحيط بكل صغيرة وكبيرة، وهذا هو ليس من نمط الأصوات والكلمات اللفظية أوالمعاني المسموعة لأنه ليس من خواصه، وليس نزولاً مفرقاً ونزولاً نجومياً، ومن ثم يتضح أن
الوحي الإلهي والوحي النبوي هو علی أقسام وعلي درجات، يغاير نوع الوحي الذي يقوم به جبرئيل بالصوت أو بالكلام أو بالتحديث، هناك نوع ونمط وحي هو عبارة عن غرز الروح الأمري، الذي هو من عالم الأمر، غرزه وتكوينه وإيجاده في ذات النبي(صلي الله عليه و آله) كما تشير إليه الآية الكريمة: وَ ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ یُكَلِّمَهُ اللّهُ إِلاّ وَحْیاً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ یُرْسِلَ رَسُولاً فَیُوحِیَ بِإِذْنِهِ ما یَشاءُ إِنَّهُ عَلِیٌّ حَكِیمٌ (1).
إذن كم هي عظيمة ذات النبي(صلي الله عليه و آله)، بل هي أعظم من الكتاب كله لأن الروح الأمري هو أحد أرواحه(صلي الله عليه و آله) التي فيه، فذاته أوسع من الروح الأمري وما الروح الأمري إلا أحد الأمور التي أوحيت إلی ذاته(صلي الله عليه و آله).
ولذلك وردت روايات من الفريقين أن القرآن يأتي يوم القيامة بصورة شاب وغير ذلك، من قبيل قول النبي(صلي الله عليه و آله): يجيء يوم القيامة القرآن كالرجل الشاب (الشاحب) فيقول لصاحبه أنا الذي أسهرت ليلك وظمآت ليلك ونهارك(2).
وعن زيد بن علي(عليه السلام) عن آبائه عن علي(عليه السلام) أنه قال: قال رسول الله(صلي الله عليه و آله): «يأتي القرآن يوم القيامة وله لسان طلق ذلق قائلاً مصدقاً وشفيعاً مشفعاً، فيقول يا رب جمعني فلان عبدك في جوفه فكان لا يعمل في طاعتك ولا يتجنب في معصية ولا يقيم في حدودك، فيقول صدقت فيكون ظلمة بين
عينيهوأخری عن يمينه،وأخری عن شماله،وأخری من خلفه تنتره هذه وتدفعه هذه حتی يذهب به إلی أسفل درك من النار، قال: ويأتي فيقول يا رب جمعني فلان عبدك في جوفه فكان يعمل في طاعتك ويتجنب معصيتك ويقيم في حدودك، فيقول صدقت فيكون له نور يسطع ما بين السماء والأرض حتی يدخل الجنة، ثم يقال له أقرأ أوراق فلك في كل حرف درجة حتی تساوي النبيين والشهداء هكذا وجمع بين المسبحة والوسطي»(1).
وعن أبي جعفر(عليه السلام) قال: يجيء يوم القيامة في أحسن منظور إليه صورة فيمر بالمسلمين فيقولون: هذا الرجل منا، فيجاوزهم إلی النبيين فيقولون: هو منا، فيجاوزهم إلی الملائكة المقربين فيقولون: هو منا، حتی ينتهي إلی رب العزة عَزَّ وَجَلَّ فيقول: يا رب فلان بن فلان أضمأت هواجره وأسهرت ليله في دار الدنيا وفلان بن فلانٍ لم أظمئ هواجره ولم أسهر ليله، فيقول تبارك وتعالي: أدخلهم الجنة علی منازلهم، فيقوم فيتبعونه فيقول للمؤمن: أقرأ وارقه، قال: فيقرأ ويرقي حتی يبلغ كل رجلٍ منهم منزلته التي هي له فينزلها(2).
وعن أبي هريرة عن النبي(صلي الله عليه و آله) قال: يجيء صاحب القرآن يوم القيامة فيقول القرآن يا رب حله، فيلبس تاج الكرامة، يقول يا رب أرض عنه فيرضي عنه (3).
وفي بعض الروايات أن المصحف يشتكي من هجرانه أو حرقه. ففي الحديث: ثلاثة يشتكون يوم القيامة: المصحف، والمسجد، والعترة.
يقول المصحف: يا رب حرقوني ومزقوني.
ويقول المسجد: يا رب عطلوني وضيعوني.
وتقول العترة: يا رب قتلونا وطردونا وشردونا.... (1)
وغير ذلك من الأحاديث والروايات التي يرويها الفريقين فإذا كان المصحف أو القرآن يشهد أو يشتكي فلا بد أن يكون لديه شعور فإذن هو حي وشاعر وعاقل .
ومن خلال الآيات الكريمة والتي مرت علينا سابقاً أن القرآن روح من الأرواح العظيمة من عالم الأرواح من عالم الأمر، وهناك صلة بين نزول القرآن والروح من عالم الأمر: تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَ الرُّوحُ فِیها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ .
عَلي مَنْ یَشاءُ مِنْ عِبادِهِ ، وهذه الجملة كفعل مضارع دال علی الأستمرار دال علی أنه بعد سيد الأنبياء هناك ورثة وخلفاء:أَوْرَثْنَا الْكِتابَ ، وقد أكد علی ذلك القرآن الكريم كقوله
1) (1) الخصال للصدوق: 175 .
تعالي: یُلْقِی الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلي مَنْ یَشاءُ مِنْ (1).
وقوله تعالی: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِینَ اصْطَفَیْنا مِنْ عِبادِنا (2).
وقوله تعالی: یُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلي مَنْ یَشاءُ مِنْ عِبادِهِ (3).
وقوله تعالی: إِنَّ الْأَرْضَ لِلّهِ یُورِثُها مَنْ یَشاءُ مِنْ عِبادِهِ (4).
وقوله تعالی: وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوارِثِینَ (5).
إذن للقرآن وراثة تكوينية ملكوتية، فإن الوراثة في القرآن ليست بمعني الوراثة الأعتبارية في دار الدنيا فقط، بل تشمل كل أنحاء الوراثة، من وراثة قانونية إعتبارية ومن وراثة تكوينية، ولذلك نقرأ في زيارة المعصومين(عليهم السلام): «السلام عليك يا وارث آدم صفوة الله» ، وهذا يعني أن كل ما كان لآدم(عليه السلام) من مقامات غيبية والتي هي أرواح من عالم الأمر، أو لما لآدم من أرواح مجندة من عالم الأمر، وكذلك تجنيد وإخضاع الملائكة لآدم، لم ترتفع وتنقطع إلی الآن من قبيل: ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا (6)، أو قوله تعالی: قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ (7)، فإن هذه
المقامات من تعليم الملائكة مستمرة للمعادلة الإلهية العامة أني جعلت في الأرض خليفة فمقام (خليفة الله) مستمر وله كل هذه الشؤون.
وكسجود الملائكة أي طاعتها وخضوعها لآدم(عليه السلام)بما هو خليفة لله تعالی لا ترتفع ولاتزول بموت النبي آدم(عليه السلام) بل يرثها بعده شيت أو هبة الله ثم إلی نوح ثم إلی إبراهيم ثم إلی إسماعيل وإسحاق ويعقوب وموسي وعيسي إلی أن تصل إلی سيد الأنبياء(صلي الله عليه و آله) ومن ثم إلی أهل البيت(عليهم السلام).
ولذلك فإن احتجاج السيدة فاطمة(عليها السلام)علي أبي بكر في طلب إرثها ليس هو الأرث الشخصي في البعد المالي اليسير كما يصوّره بعض الكتّاب، بل هي ترث مقامات الرسول(صلي الله عليه و آله) في الولاية، وهذا ما أعترف به الخليفة الأول بلسانه دون فعله وعمله.
وهو مفاد قوله تعالی: ما أَفاءَ اللّهُ عَلي رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُري فَلِلّهِ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِی الْقُرْبي ، وأول مصداق لأقرب المقربين بالرحم للنبي(صلي الله عليه و آله) هي السيدة العظيمة فاطمة الزهراء(عليها السلام)، ولكن: يا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا أَطِیعُوا اللّهَ وَ أَطِیعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِی الْأَمْرِ مِنْكُمْ ، فهذا مقام آخر مهم وهو مقام الولاية ومنها وراثة الكتاب، ولا أشكال ولا ريب أن القانون الوراثي قانون عظيم ولكن ليس المراد منه مقصوراً علی الوراثة المادية الأعتبارية بل يراد به الوراثة التكوينية
الاصطفائية أيضاً: وَ وَرِثَ سُلَیْمانُ داوُدَ (1)و: فَهَبْ لِی مِنْ لَدُنْكَ وَلِیًّا یَرِثُنِی وَ یَرِثُ مِنْ آلِ یَعْقُوبَ (2)و: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِینَ اصْطَفَیْنا مِنْ عِبادِنا
(3). وهذا تنصيص من القرآن الكريم، أن هذا الوحي وهو القرآن الكريم الذي أوحي إلی النبي سيرثه من بعده الذين أصطفاهم الله: اَلَّذِینَ اصْطَفَیْنا مِنْ عِبادِنا ،والذين أجتباهم الله من نسل اسماعيل من إبراهيم: هُوَ اجْتَباكُمْ وَ ما جَعَلَ عَلَیْكُمْ فِی الدِّینِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِیكُمْ (4)و: أُولئِكَ الَّذِینَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَیْهِمْ مِنَ النَّبِیِّینَ مِنْ ذُرِّیَّةِ آدَمَ وَ مِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وَ مِنْ ذُرِّیَّةِ إِبْراهِیمَ وَ إِسْرائِیلَ وَ مِمَّنْ هَدَیْنا وَ اجْتَبَیْنا (5)و: وَ كَذلِكَ یَجْتَبِیكَ رَبُّكَ وَ یُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِیلِ الْأَحادِیثِ (6).
والذين أجتباهم الله عَزَّ وَجَلَّ من ذرية إبراهيم من نسل إسماعيل الذين هم من بني هاشم وهم ذو القربي قد تعلقت بهم المشيئة الإلهية بأن يرثون الكتاب بعد النبي(صلي الله عليه و آله) حيث بين القرآن أنهم هم المطهرون الذين
يمسون الكتاب، ولذلك قال رسول الله(صلي الله عليه و آله):«إني تارك فيكم الثقلين» وهما لم ولن يفترقا:« حتی يردا عليّ الحوض» والتعبير هنا «يردا عليّ» أي علی نفس الرسول(صلي الله عليه و آله) وليس علی الله عَزَّ وَجَلَّ، وهذا يعني أن المبدأ والمنتهي والمسؤول والمشرف علی الثقلين هو الرسول(صلي الله عليه و آله)، وبالتالي فإن مقام النبي(صلي الله عليه و آله) أعظم من القرآن الكريم: كُنْتَ تَدْرِی مَا الْكِتابُ وَ لاَ الْإِیمانُ وَ لكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِی بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا ، فجعل الكتاب كله معلومة من المعلومات التي أودعها الله عَزَّ وَجَلَّ عند النبي(صلي الله عليه و آله).
وهذا ما أشار إليه زين العابدين(عليه السلام) في الصحيفة السجادية:
«ووحياً أنزلته علی نبيك محمد صلواتك عليه وآله تنزيلاً... اللهم إنك أنزلته علی نبيك محمد(صلي الله عليه و آله) مجملاً، وألهمته علم عجائبه مكملاً، وورثتنا علمه مفسراً...»(1).
وكذلك قوله في دعائه يوم الفطر(عليه السلام)(2)- في معرض المدح والثناء علی النبي(صلي الله عليه و آله) -«وخصصته بالكتاب المنزل عليه، والسبع المثاني الموحاة إليه،وأسميته القرآن، وإكنيته الفرقان العظيم فقلت جل أسمك: «ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم» وقلت جل قولك له حين أختصصته بما سميته من الأسماء: (ما أَنْزَلْنا عَلَیْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقي) وقلت عز قولك(يس وَ الْقُرْآنِ الْحَكِیمِ)
وقلت تقدست أسماؤك : ( ص وَ الْقُرْآنِ ذِی الذِّكْرِ ) وقلت عظمت آلاؤك ( ق وَ الْقُرْآنِ الْمَجِیدِ ) فخصصته أن جعلته قسمك حين أسميته وقرنت القرآن به ، فما في كتابك من شاهد قسم والقرآن مردف به إلا وهو أسمه ، وذلك شرف شرفته به، وفضل بعثته إليه، تعجز الألسن والإفهام عن وصف مرادك به وتكل عن علم ثنائك عليه، فقلت عز جلالك في تأكيد الكتاب وقبول ما جاء به: (هذا كِتابُنا یَنْطِقُ عَلَیْكُمْ) ، وقلت عززت وجللت: (ما فَرَّطْنا فِی الْكِتابِ مِنْ شَیْءٍ) وقلت تباركت وتعاليت في عامة ابتدائه: (الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِیمِ) الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ) و (الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَ قُرْآنٍ مُبِینٍ
) و( الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَ قُرْآنٍ مُبِینٍ ) و(ذلِكَ الْكِتابُ لا رَیْبَ فِیهِ) ، وفي أمثالها من سور الطواسين والحواميم في كل ذلك بينت بالكتاب مع القسم الذي هو أسم من أختصصته لوحيك ، وإستودعته سر غيبك واوضح منه شروط فرائضك ،وآبان عن واضح سنتك ، وأفصح لنا عن الحلال والحرام، وأنار لنا مدلهمات الظلام، وجنبنا ركوب الآثام وألزمنا الطاعة ووعدنا من بعدها الشفاعة» .
وفي هذا المقطع من دعائه(عليه السلام) بين :
أولاً: عظمة القرآن .
وثانياً: بين(عليه السلام) أن في كثير مبتدأ السور ذكر الله تعالی اسما من أسماء النبي(صلي الله عليه و آله) وقسم به ثم أردف وقرن به القرآن والكتاب أي أن ابتداء تعالي
بالقسم بأسم من أسماء النبي(صلي الله عليه و آله) ثم قسم بعد ذلك بالقرآن والكتاب لتبيان أن هذه الأسماء للنبي(صلي الله عليه و آله) مقامات أعظم شأناً وأكبر مقاماً من القرآن .
وثالثاً: بين(عليه السلام) أن هذه الأسماء للنبي(صلي الله عليه و آله) مقامات أعظم من القرآن والكتاب بل تعجز الألسن ولاتصل الإفهام عن وصف مراد الله تعالی من تلك الأسماء لنبيه وتكل الإفهام عن علم ثناء الله تعالی علی نبيه بتلك الأسماء والمقامات، وإذا كان القرآن لايمسه إلا المطهرون فكيف بمقامات فوق القرآن والكتاب .
ورابعاً: بين(عليه السلام) أن كل مابينه النبي(صلي الله عليه و آله) إنما هو من ماأوحي إليه في القرآن والكتاب لا من ماشرفه الله به من الأسماء والمقامات الأعلي من القرآن والكتاب ولامن الفضل الذي بعثه الله تعالی إلی النبي(صلي الله عليه و آله) من الأسماء النبوية والمقامات المحمدية فأين البشر من يلتفت إلی هذه الأسماء من إشارات ولطايف كلام الله تعالی لمقامات النبي(صلي الله عليه و آله) - والله أعلم حيث يجعل رسالته - .
والحاصل أنه(عليه السلام) في دعائه يشير إلی عظم مقامات النبي(صلي الله عليه و آله) علی مقامات القرآن والكتاب الغيبية وأن القرآن والكتاب ليس إلا أحد هذه الأمور التي أوحيت للنبي(صلي الله عليه و آله) وأن عظايم من الوحي فوق ذلك .
ففي هذا الدعاء والصلوات بيان مقام النبي(صلي الله عليه و آله)،وأن أي حرف من الحروف المقطعة في أوائل السور إذا أتي بعدها أسم القرآن أو الكتاب فذلك الحرف أو المقطع هو أسم من أسماء ومقامات النبي(صلي الله عليه و آله)، من قبيل
قوله تعالی:(يس وَ الْقُرْآنِ الْحَكِیمِ) (1)، ففي روايات الفريقين أن (يس) هو أسم النبي(صلي الله عليه و آله).
وقوله تعالی:(حم وَ الْكِتابِ الْمُبِینِ) (2).
وقوله تعالی:(الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِیمِ) (3).
وقوله تعالی: الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِیمٍ خَبِیرٍ4 .
وقوله تعالی: الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِینِ (4).
وقوله تعالی: المر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَ الَّذِی أُنْزِلَ إِلَیْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ (5).
وقوله تعالی: الر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَیْكَ (6).
وكذلك سور الطواسين كقوله تعالی: طسم تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِینِ (7).
وكذلك الحواميم كقوله تعالی: حم وَ الْكِتابِ الْمُبِینِ9 .
وغير ذلك من الآيات الكريمة.
إذن السور والآيات القرآنية تفصح وتبين وتوضح أن مقام النبي(صلي الله عليه و آله) مقام عظيم جداً، ومع كل هذه العلوم الغيبية والملكوتية فإن هناك من يدعي العرفان أو التصوف أو أي شيء من هذا القبيل،ويقول أن القرآن عندما تنزل تلون بالبيئة العربية، وهذا من الآراء القاصرة عن درك ما وراء المادة والحس حول القرآن الذي هو: وَ ما مِنْ غائِبَةٍ فِی السَّماءِ وَ الْأَرْضِ إِلاّ فِی كِتابٍ مُبِینٍ (1)، وَ ما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ یَعْلَمُها وَ لا حَبَّةٍ فِی ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَ لا رَطْبٍ وَ لا يابِسٍ إِلاّ فِی كِتابٍ مُبِینٍ (2)ليس يحيط بالزمان لكل أدوار قرون الأرض وبقاعها بل بكل شأن في السموات فضلاً عن أم الكتاب الذي هو من منازل ومقامات القرآن العليا یَمْحُوا اللّهُ ما یَشاءُ وَ یُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ (3). الذي هو فوق لوح القضاء والقدر .
كل هذا يحويه الكتاب وأعظم ، فهل هو وجود مادي جسماني أم هو يحيط بما وراء الآخرة الأبدية فضلاً عن عالم القيامة والبرزخ والرجعة فضلاً عن الكرة الأرضية .
هذا الكتاب المبين كيف يكون قابلاً أن يتلون ببقعة جغرافية ترابية، أو يتلون ببيئة زمانية معينة، والنفس البشرية التي تستوعب غيب السماوات
وكل صغيرة وكبيرة في السماء وفي الفضاء وفي الكون كله:وَ ما مِنْ غائِبَةٍ فِی السَّماءِ ، أي العلوم المستقبلية كيف تتأثر بعلوم البشر في زمان.
هذا لا يعقل، مع أن القرآن الكريم قد بين شخصية النبي(صلي الله عليه و آله) أن له مقامات عظيمة تفوق كل مقامات القرآن كما مر، ولاحظ عروجه بجسمه فضلاً عن روحه إلی السماء الأولي والثانية والثالثة وإلي السماء السابعة، وكيف دخل الجنة ويشرف علی النار وعلي عوالم لم يرها الأنبياء في حياتهم الدنيوية بل ولا في برزخهم مع أن تلك العوالم وراء عالم القيامة ذي الأهوال العظيمة، وأشرف علی كل هذا من دون إضطراب أو أي إرباك، أما نحن البشر العاديين لو كشف لنا عن واحدة من عجائب البحار التي خلقها الله ربما يسقط ما في أيدينا إذ ليس لدينا قوة مخيلة قوية، ولا قوة مفكرة ولا قوة حواس وإرادة ولا رباطة جأش كقوة نفسية رسول الله(صلي الله عليه و آله)، بحيث يعرج بها - النفس - إلی البرزخ وإلي الآخرة وهو حي بحياته في دار الدنيا، ولا تزهق روحه ولا يرتبك ولا يضطرب ولا ولا.....
إذن هذه القوة المخيلة وقوة القلب وقوة الروح وقوة العقل التي عند النبي(صلي الله عليه و آله) ليس كبقية البشر،والمشكلة التي في البشر سواء فلاسفة أو عرفاء أو صوفية فضلاً عن أنصاف المثقفين أنهم يقيسون حقائق ذات النبي(صلي الله عليه و آله) بذاتهم المتقوقعة الصغيرة، والتي هي قطرة في بحار العوالم، ولو يستطيع الإنسان أن يخرج عن هذا المقاس الخاطيء لأدرك الحقائق أجمالاً، ولذا تري أن أهل السير والسلوك وذو القدم الراسخ في المعني والمعارف إذا إرتاض رياضة ثم ربما تباشره بالسلام قد لا يبقي له صبر ولا حوصلة ولا
قدرة أن يتكلم مع أحد، لأنه خارت قواه، فهذا الذي هذا شأنه يريد أن يقيس روح النبي(صلي الله عليه و آله) وذاته بنفسه، الذي لو أبتلي ببلاء يسير قد يفقد أعصابه وأرادته وعقله، بينما سيد الأنبياء(صلي الله عليه و آله) أبتلي ببلاء وبمحن وكان يلتذ بهذه الامتحانات الربانية.
قاعدة الحجية العلمية والحجية التعبدية:
وهذه القاعدة ربما لم تطرح بشكل واضح ومفصل في علم الاصول بل حتی علماء الكلام للأسف لم يذكروها بشكل مفصل ومبلور مع أنها قاعدة مهمة، نعم حاول العلامة الطباطبائي أن يستنطق الآيات بهذا المنهج الذي سوف نذكره الآن ولكن لم يبينه بشكل مبلور ومفصل وهذه القاعدة هي:
أن هناك حجية للروايات أو للآيات ولكن لابما هي حجية تعبدية ظنية بل بما هي حجية تعليمية أو علمية.
ومن باب المثال، عندما يراجع أحد الباحثين - مثلاً - في علوم العقائد أو الفلسفة أو العرفان أو الكلام، وعندما يراجع أقوال العلماء في تلك
المسألة أو في ذلك العلم لا يراجع أقوالهم بما هي حجية تعبدية وإنما يراجع ويستعرض أقوالهم لكي يستكشف الأدلة المنطوية في أستدلالاتهم أو في كلماتهم، فهل هناك من يستنكر عليه ذلك؟!.
كلا فهو يقوم بالتأمل والاستعلام والاستبيان واستخراج الأدلة التي هي بنفسها أدلة وبغض النظر عن القائل، وهذا دأب كل علم من العلوم كالفيزياء أو الكيمياء أو الرياضيات وما شاكل ذلك، وهو منهج علمي وليس منهجاً جهلياً.
وهذا المنهج نفسه له دعوة أكيدة في القرآن وعند المعصومين(عليهم السلام) بمعني أن أنظروا إلی الآيات وتدبروا فيها وهكذا الروايات أيضاً حتی نلتفت إلی الأدلة والبيانات البرهانية، فالمراجعة إلی الآيات والروايات علی هذا النمط فوق الحجية التعبدية لأنه سوف نقف علی البرهان والبيان، وعندما نقول هذه الرواية ضعيفة السند أو هي قوية السند فهذا لا يؤثر علی هذا المنهج، وكذلك في الآيات من أن الدلالة في هذه الآية دلالة صريحة أو دلالة ظنية أو دلالة ظهور أو دلالة قوية متوسطة أيضاً لا تؤثر في هذا المنهج ولكن المدلول في نفسه تام أو لا هو المؤثر لا غير، وهذا ما يعبر عنه بالحجية التعليمية أو العلمية.
القرآن الكريم يصف لنا النبي(صلي الله عليه و آله) بقوله تعالی: هُوَ الَّذِی بَعَثَ فِی الْأُمِّیِّینَ رَسُولاً مِنْهُمْ یَتْلُوا عَلَیْهِمْ آياتِهِ وَ یُزَكِّیهِمْ وَ یُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ إِنْ كانُوا
مِنْ قَبْلُ لَفِی ضَلالٍ مُبِینٍ (1)، فالنبي(صلي الله عليه و آله) لا ينحصر مقامه في كونه ولياً مطاعاً وحاكماً بل هو معلم الحكمة، وهذا البحث لا نجده بشكل مستقل في علم الكلام، إذ الكتب الكلامية غير مستوفية لمباحث كثيرة جداً، وهذا يعد نقصاً في منظومة علم الكلام لأنه مقام مهم قد نص عليه القرآن الكريم، فكما له الولاية والطاعة كما فيقوله تعالی:(إِنَّما وَلِیُّكُمُ اللّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِینَ آمَنُوا الَّذِینَ یُقِیمُونَ الصَّلاةَ وَ یُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ) (2)، أو يا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا أَطِیعُوا اللّهَ وَ أَطِیعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِی الْأَمْرِ مِنْكُمْ (3). وهذا مقام مقرر له(صلي الله عليه و آله)، ولكن أحد مقامات النبي(صلي الله عليه و آله) أنه (معلم الحكمة) و(معلم الكتاب) والكتاب يعني الذي يستطر فيه كل الحقائق للعوالم، وهذه الحقائق أميرها هو أمير المؤمنين(عليه السلام).
فقد روي أحمد بن عمر قال: «سألت أبا الحسن(عليه السلام) لم سمي أمير المؤمنين(عليه السلام)؟. قال: لأنه يميرهم العلم، أما سمعت في كتاب الله: وَ نَمِیرُ أَهْلَنا4»5.
وفي رواية أخری قال:«لأن ميرة المؤمنين من عنده، يميرهم العلم(4)، أي طعامهم الروحاني وهو العلم من عنده»(5). فالنبي هو الذي يزكي النفوس
ويربيها ومن بعده يقوم بهذا الدور النبوي الأوصياء من الأئمة(عليهم السلام).
إن من مقامات الْنَّبِیّ(صلي الله عليه و آله) وأهل البيت(عليهم السلام)، أنَّهُ(صلي الله عليه و آله) معلّم البشر والملائكة والجن وغيرهم.
قال تعالی:هُوَ الَّذِی بَعَثَ فِی الْأُمِّیِّینَ رَسُولاً مِنْهُمْ یَتْلُوا عَلَیْهِمْ آياتِهِ وَ یُزَكِّیهِمْ وَ یُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ1 .
فوصف تعالی نبيه بإنه معلم الكتاب ومعلم الحكمة، ولا يخفي أن المعلم والتعليم رابطة وإرتباط مع البشر تختلف عن رابطة الولاية كما في قوله تَعَالَی : إِنَّما وَلِیُّكُمُ اللّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِینَ آمَنُوا الَّذِینَ یُقِیمُونَ الصَّلاةَ وَ یُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ (1).
فارتباط الولاية آمرية من الوالي الولي، والمأمورية من الموالي الولي التابع، وأما التعليم فهو إحداث المُعلّم العلم لدي المُتعلّم.
فكون أحد شؤون الْنَّبِیّ(صلي الله عليه و آله) مُعلّم الكتاب ومُعلّم الحكمة أي يوجد العلم بالكتاب ويوجد العلم بالحكمة في البشر.
ولا يخفي أن العلم بالحكمة ليس حجيته تعبداً ظنياً بل حجة من
1) (2) سورة المائدة: الآية 55.
باب حجية العلم بالحكمة والبرهان.
وكذلك كونه معلم الكتاب الذي هو علم بالخطوط الكلية العامة الكونية الأكوانية أيضاً هو اخر ليس حجية تعبدية ظنية. فلا ينفع في حصولها الطريق الصحيح للرواية والحديث لأن غايته هو الظن لا العلم واليقين والبرهان. بينما أحد أهم أدواره(صلي الله عليه و آله) القيام بدور التعليم للحكمة والكتاب.
وكذلك دور الهادي والهداية في الإمام والأئمة(عليهم السلام) هو التعليم لا الحصر في الولاية بل لك أن تقول أن من أرفع درجات الولاية والتولي هو التعليم والعلم والتعلّم.
وقد ورد في تأويل (أمير المؤمنين)أعظم صفات علي(عليه السلام): أنه بمعني «يمير العلم ملكوتياً علی المؤمنين»(1)، اي صفة المعلّم والتعليم طبعاً لا يقتصر التعليم والعلم علی قناة وطريقة واحدة بل من طرق شتي.
فالتعليم والعلم وهو إيجاد العلم في المتعلّم المكتسب المتلقي للعلم حجة غير تعبدية أي الإنقياد ليس ناشئاً من الظن وأسبابه بل من أسباب العلم.
فلا يكون حجة تعبدية ظنية بل حجية تكوينية وهذه الحجية للعلم كما قررت في علم اصول الفقه وعلم الكلام أقوي من الحجية التعبدية الظنية ومقدمة عليها.
1) (1) الكافي: ج412: 1 .
فإذا أتضح ذلك فليتنبه بالتفات مركز أن الحديث ليست حجيته منحصرة من ناحية الصدور وصدوره وطريقه من سلسلة السند للحديث والرواية الذي هو طريق ظني تعبدي إذا كان الطريق من خبر الآحاد من نقل الثقات أو هو قطعي أو هو طمئنيناني إذا كانت طرقه متواترة أو مستفيضة.
بل هناك جهة أخری لحجية الحديث والرواية وهي حجية للعلم وذلك من ناحية دراسة المتن ودراية المضمون وفقه الحديث، فإنه إذا تضمن وأنطوي متنه علی دلائل برهانية وقطعية، أو تضمن معناه لإشارات إلی دليل محكم آخر أو أحتوي مدلوله علی إيماء إلی بينات يقينية، فإن حجيته سوف تكون من حجية العلم لا من الحجية اتية من الصدور ولا من نقل الرواة ولا من إسناد الإخبار.
بل حجيته آتية من معاني متنه ومن قواعد مدلوله ومن دلائل مفاده وهي حجية يقينية من نظم قوالب المعني ليست ظنية تتطرق إليها الريبة من الإسرائيليات ولا تحتمل التشكيك بالدس والدسيسة والوضع والوضيعة و لا المرية من التدليس والكذب.
فلاحظ كم الفرق بين حجية الحديث من ناحية الطريق والسند والنقل وحجية الحديث من ناحية فقه المتن ودراسته ودراية مضمونه، فمن ثم ورد عنهم(عليهم السلام)«حديث تدريه خير من ألف حديث ترويه»(1). وورد
1) (1) معاني الأخبار: 2.
تعداد آخر في المفاضلة.
وهذا الإختلاف في المفاضلة راجع إلی درجة فهم متن ومعني الحديث و مدلول الرواية.
فلاحظ كلام الْنَّبِیّ(صلي الله عليه و آله) في حجة الوداع:«رب حامل فقه إلی من هو أفقه مِنْهُ»(1).
وورد عنه(صلي الله عليه و آله): «رب حامل فقه وليس بفقيه» (2).
فلاحظ كم يؤكد وينبه إلی أهمية فهم ودراية متن ومعني الحديث وفقه مضمونه.
وكذلك لاحظ قوله تعالی الراسم لخريطة العلم والتعلم لعلوم الوحي: (فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِیَتَفَقَّهُوا فِی الدِّینِ وَ لِیُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَیْهِمْ لَعَلَّهُمْ یَحْذَرُونَ)3.
فبعد ذكره للنفر إلی المعصوم الْنَّبِیّ(صلي الله عليه و آله) وأهل البيت(عليهم السلام) الذي هو وسيلة لنقل الحديث ولرواية الخبر أكد تعالی علی فهم كلام الوحي ومعرفة منظومة تركيب معانيه وحقايقه.
ومن ثم ورد متواتراً أن أعظم ميزان لدراسة الحديث والرواية ليس
هو الطريق للخبر والسند للرواية بل هو ميزان متنه ومعيار معناه وضوابط مدلوله، وهو عرضه علی الكتاب والسنة، أي محكمات الكتاب ومحكمات السنة القطعية.
وهذا العرض ليس دراسة لوثاقة الرواة في سلسلة السند ولا دراية لأحوال رواة الرواية بل هو عرض لقوالب معاني الحديث علی قوالب معاني الكتاب والسنة ومقارنة أطر المضمون لمضامين الثقلين ودراية لمتن الحديث.
فعلم الدراية علمان دراية لطريق وسند الرواية والحديث ودراية لمتن ومضمون ومدلول الحديث ومعني الرواية والمروي.
والفقه كل الفقه للدين والفقيه كل الفقيه والعالم كل العالم المتضلع في فهم معني الحديث وطبقات معانيه المنتظمة المترابطة بعضها ببعض علاوة وعلوا علی الإلمام بأحوال طريق وسند الحديث والرواية.
ومن ثم ورد عنهم: «إنّا لا نعد الفقيه منكم فقيهاً حتی نلحن له فيفهم معاريض كلامنا»(1).
وهو جانب مرتبط بدراسة متن الحديث لا مجرد طريقه وحال صدوره.
فاتضح إختلاف منشأ الحجيتين، كما هو الحال في إستعراض الباحث في أي علم أقوال الآخرين، فإن تصفحه لأقوالهم وكلامهم ليس لأجل
1) (1) معاني الأخبار:2
الإنقياد التعبدي لهم بل لإستخراج الدلائل العلمية من كلماتهم.
فكذلك هو منهج الحجية العلمية والعلم للحديث فإنه لا يتوقف ولا ينحصر علی حال طريقه وصحته من ضعف سنده بل العمدة والعماد والركن والأركان والمركز والركاز هو دراسة متنه والبحث في مضمونه ومعانيه.
ومنه يتبين ما قاله المفيد والطوسي والمحقق الحلي وجملة من الأعلام المتقدمين:
من أن هناك مسلكاً حشوياً قشرياً وآخر مسلك المحصلين المحققين هو إشارة إلی هذا الفرق بين الإقتصار علی دراسة السند والطريق في الحديث وبين دراسة متن ومدلول الحديث ومعناه.
ومنه يظهر أن المعاداة والتحسس من الحديث بذريعة الإسرائيليات نظرة ومسلك حشوي وقشري لا تحصيلي تحقيقي.
وأيضاً من المباحث التي لم تكن مستقلة ومبلورة في عدة من كتب الكلام حجية السيدة فاطمة الزهراء(عليها السلام)، فهل رأيتم في عقائد الإمامية مثلاً للشيخ المظفر أو في شرح التجريد أو في الباب الحادي عشر أو في كتب المحقق الطوسي وغيره مبحث حجية الزهراء(عليها السلام) مستقل ومبلور؟!. ولاريب أنهم يؤمنون بهذه العقيدة الحقة ولكن لم يعقدوا لها بحثاً مستقلاً ولا محوراً مبوباً .
ولذلك فإن المعارف والعقائد المذكورة في القرآن الكريم وفي الروايات لا
يظن أن العلماء أستقصوها كلها في علم الكلام.
ومن المباحث التي لم تكن مبلورة أيضاً بحث الملائكة:آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَیْهِ مِنْ رَبِّهِ وَ الْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَ مَلائِكَتِهِ وَ كُتُبِهِ وَ رُسُلِهِ... (1)، نعم في البحار والكافي باب معقود لذلك ولكن تبعاً للروايات، في حين لم تعقد كتب الكلام هذا البحث إلا أستطراداً، مع أن الإيمان بالملائكة أمر لا بد منه وليس أمراً خيارياً.
وكذلك مبحث البرزخ: مِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلي یَوْمِ یُبْعَثُونَ (2)، لا يري له بحثاً مستقلاً مع أنه مهم جداً، والشبهات الراهنة لدي الوهابية والسلفية جلها تتضمن وتنطوي علی إنكار البرزخ بمعني إنكار بقاء حياة الروح، وهذا القصور في المعرفة بسبب سقم التبويب والتصنيف الموجود في كتب الكلام لدي المسلمين وأنها غير حاوية ولا وافية لكل الأبواب، وهذه ظاهرة حساسة ينبغي الإلتفات إليها.
ومثال أوسعية المنابع والأدلة الشرعية علی عناوين الأبواب والمسائل المدونة في كتب العلوم الدينية أنه لو نقارن بين أبواب الفقه الموجودة في كتب المعاصرين وبين أبواب الفقه في كتب القدماء سوف نري أضعاف أضعاف العدد موجوداً الآن في كتب الفقه المعاصر، لأن المتأخرين أستنبطوا وأستخرجوا أبواباً فقهية جديدة لم تكن قد ألتفت إليها سابقاً، مع أنها
موجودة في الآيات والروايات، كذلك الحال في المعارف والعقائد،وربما الأقدميين يشيرون إليها ولكن إجمالاً، إرتكازاً، إستطراداً تبعاً، ولكن هذا لا يدعوننا إلی الأستيحاش من بلورة وعنونة مسائل وأبواب مقررة في الأدلة من الكتاب والسنة للمعصومين(عليهم السلام)، ولابدَّ للباحث أن يستنبط القواعد والثوابت والضوابط والمنهج القويم الصحيح.
هناك تساؤلات وشبهات أثيرت في الآونة الأخيرة من قبل كاتب معروف (1)في الساحة الإسلامية حول خاتمية النبي(صلي الله عليه و آله)، وفي الحقيقة أن هذه التساؤلات ليس هو إلا ناقلاً لها عن جملة من الكتاب الغربيين أو الفلاسفة الماديين أو جملة من بعض العرفاء أو الصوفية.
ومن ضمن المسائل التي طرحها أنه كيف يمكن أن نتصور عصمة وعصماوية النبي(صلي الله عليه و آله)، وأن جبرئيل ينزل عليه(صلي الله عليه و آله) بأستمرار ويعرج إلی السماء في كل مشهد من مشاهد النبي(صلي الله عليه و آله) وأن هذا لا يمكن تعقله فلسفياً ولا بحسب علم الكلام هذا ما زعمه هذا الكاتب المعاصر.
ولا نعلم لأي قاعدة فلسفية أستند، وأي قاعدة من قواعد علم
1) (1) وهذه الاشكالات طرحها قبل أكثر من عشرين عاماً العالم الأوربي المعروف (جيورجيو) في كتابه (محمد نبي يجب معرفته من جديد).
الكلام تمنع أو تحيل أن يكون جبرئيل وسيط ملكوتي وحياني بين السماء والأرض في كل آن من الآنات.
فقد توهم وحسب أن النزول والعروج الملكوتي يستغرق أياماً أو سنيناً أو ساعات، فكيف يمكن أن نتصور عروج جبرئيل ونزوله من العرش أو من السماء ونزوله بالأمر والتسديد الإلهي والتوجيه المسدد للنبي(صلي الله عليه و آله) في لحظات قليلة، وكذلك كيف هو عروج النبي(صلي الله عليه و آله)، إن هذا الكلام ينطوي علی غفلات كثيرة جداً وهو لم يصرح في كلامه أنه علی أي قاعدة علمية أو فلسفية أستند إليها حتی تكون تساؤلاته علمية ودقيقة.
مع أنه قد ورد في بعض روايات المعراج أنه عندما خرج النبي(صلي الله عليه و آله)من بيت أم هاني إلی الإسراء والمعراج والعروج علق ردائه الشريف(صلي الله عليه و آله) بكوز ماء فأماله بظرف من الظروف الطينية الفخارية التي فيها الماء فأخذ ينسكب منه الماء والنبي(صلي الله عليه و آله) ذهب إلی المعراج بتوسط جبرئيل وبواسطة البراق وأكمل المعراج وعاد إلی مكة المكرمة ثم إلی بيت أم هاني وذلك الظرف الذي ينسكب منه الماء لا زال ينسكب ولم ينقطع.
إذن كم كان يستغرق أنسكاب هذا الماء من ظرف طيني فخاري؟!. إنه أقل من الساعة ولا ريب في ذلك، وهذا هو وقت المعراج في أحد المرات من بدايته إلی نهايته.
وفي مراسلات النابغة (أنشتاين) مع (السيد البروجردي) وهي محفوظة الآن يقول أنه من هذه الرواية عرفت أن الزمان نسبي، يعني أن
الزمان بحسب كل مجال وكل دائرة يختلف عن زمان مجال آخر، فربما زمان سنين هو ساعات بحسب مدار فلكي آخر، وهنا بحسب المدار الأرضي ساعة أو نصف ساعة فالمقاسات الزمانية تختلف وليس الزمان واحداً، هذا مضافاً إلی لطافة الزمان في الجسم المجرد عن هذه المادة الغليظة وإن كان له مادة لطيفة، فمثلاً في عالم الرؤيا المنامية، أنت تشاهد مشاهد وأحداث كثيرة تطول بك وربما لم تستغرق هذه المشاهد إلا خمسة دقائق في المنام، فكذلك الحال بالنسبة إلی عروج النبي(صلي الله عليه و آله)، فإن الزمان هنا غير الزمان في عالم الملكوت وفي السموات وفي مافوقها من عوالم جسمية ألطف.
إن مثل هذه التساؤلات والإشكالات تفتقد وتفتقر إلی أبسط مراعاة الموازين العلمية. هذا كله لو حصرنا العصمة والتسديد بنزول جبرئيل والحال أن أركان العصمة للنبي(صلي الله عليه و آله) والمعصومين(عليهم السلام) من بعده علی أنواع وأقسام من الوحي.
والمهم إن هذه الإشكالات التي طرحها هذا الكاتب مبنية علی أن الوحي هو من هذا القسم فقط، أي أن الوحي الذي هو جبرئيل هو الطريق الوحيد للنبي(صلي الله عليه و آله) من عروج وهبوط وصعود ونزول وهو الذي يسدد النبي(صلي الله عليه و آله).
ومن الغريب إدعاء الكاتب والباحث الإحاطة ببحوث الروح وبحوث الوحي والمشاهدات العينية، ومع ذلك يفترض حصر الوحي بمجيء جبرئيل والوسيط بين النبي(صلي الله عليه و آله) وبين الله عَزَّ وَجَلَّ، ولا يوجد غير هذا
الطريق من هذه الوساطة للوحي.
والحال أن أقسام الوحي عديدة قد فصلها القرآن الكريم، وروايات أهل البيت(عليهم السلام) بيّنت ذلك بشكل مفصّل، وقد مرت الإشارة إلی ذلك سابقاً.
وإذا تم البناء علی هذا القول من حصر نمط الوحي بالواسطة بين السماء والنبي(صلي الله عليه و آله) المتمثل بجبرئيل فسوف نخرج بخطأ فادح وهو كون حقيقة عصمة النبي(صلي الله عليه و آله) حصراً من خلال الوحي التكميلي بإرسال جبرئيل(عليه السلام) لا غير، وإن كانت العصمة والسداد حتی علی هذا المبني الضيق الأفق قابلة للتصوير للنبي(صلي الله عليه و آله)،علي ضوء هذا التعريف القاصر في أقسام وأنواع الوحي ثم ربط تعريف العصمة للنبي(صلي الله عليه و آله) والسداد العصماوي بهذا النمط الوحيد من الوحي فقط، لكن سوف تنشأ جملة من الإشكالات والأستفهامات، إذ التعريف القاصر للوحي وحصره في زاوية واحدة محددة هو الذي يسبب أوهاماً من الإبهامات لعقول جملة من الباحثين والكتاب والمفكرين وغيرهم من المسميات الأخري تشكل وتستفهم وتدعي غير ما أنزل الله به من سلطان.
وهؤلاء لا يفرقون بين الجنبة البشرية والجنبة الوحيانية، فمن القواعد التي مرت بنا سابقاً والتي هي من القواعد المهمة في تعريف هوية سيد الأنبياء(صلي الله عليه و آله): قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ یُوحي إِلَیَّ (1)، فالجنبة البشرية
1) (1) سورة الكهف: 110، فصلت: 6.
مشتركة بيننا وبين النبي(صلي الله عليه و آله)، وهي أولی مراتبه(صلي الله عليه و آله) فآخر مراتبنا هي بداية مراتبه كما أن آخر مراتبه هي الجنبة الوحيانية المستمرة وله بين المرتبة الأولي والأخيرة مراتب لا تحصي، كما أن المرتبة الوحيانية منه(صلي الله عليه و آله) لا تتناهي ولا تنقطع ومن ثم ذكرت في الآية بصيغة الفعل المضارع للاستمرار ولم يقيد طبيعة الوحي المستمر بوقت زماني لا مبدأ ولا منتهي أي لم يحدد لإفاضة الوحي الإلهي عليه(صلي الله عليه و آله) بمبدأ زماني بزمن البدن مثلاً ولا بمنتهي زماني فتلك الجنبة الوحيانية في ذاته أسبق إيجاداً من البدن، فهناك بعد ذو مراتب وراء الجنبة البشرية أي مراتب جنبة في الحقيقة التكوينية لسيد الأنبياء يمتاز بها عنا وهو أنه يوحي إليه: وَ ما یَنْطِقُ عَنِ الْهَوي وَ ما یَنْطِقُ عَنِ الْهَوي 1 .
وكونه إنساناً وفيه جنبة الحياة البدنية وفيه جنبة النمو وجنبة الإحساس والنطق والإدراك العقلي، ومما يشترك بهذا مع باقي البشر،كما له جنبة كمال مودع في حقيقة ذاته(صلي الله عليه و آله) وهذه الحقيقة (يوحي إليه).
وهذا المائز وهذه الجنبة التي عند خاتم الأنبياء(صلي الله عليه و آله) الذي هو الوحي ليس علی قسم واحد، وهو الوحي الذي من نمط النزول والصعود والهبوط والعروج لجبرئيل، كلا وإنما هذا أحد الأقسام.
فقد أتفق كثير من المفسرين - ومن كلا الفريقين - والمتكلمين قالوا
بان نزول القرآن علی النبي(صلي الله عليه و آله) علی أقل تقدير هو علی نمطين وليس علی نمط واحد، ولم نقل مرتين علی نمطين وكيفيتين، نعم هناك من يستشكل علی ذلك أو ينكر أو لا يستطيع أن يتفهم كيفية نزول القرآن الكريم علی نمطين، والنمطان هما:
الأول: نزول القرآن جملة واحدة وفيه لم يكن الوسيط هو جبرئيل بل الوسيط هو روح القدس الذي هو الروح الأمري، وهذا ما أشارت إليه جملة من الآيات والروايات، كقوله تعالی: وَ كَذلِكَ أَوْحَیْنا إِلَیْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِی مَا الْكِتابُ (1).
وهذا ما بينه الإمام الصادق(عليه السلام) كما مر بنا سابقاً حيث قال:(عليه السلام): (هو خلق من خلق الله عَزَّ وَجَلَّ أعظم من جبرئيل وميكائيل، كان مع رسول الله(صلي الله عليه و آله) يخبره ويسدده وهو مع الأئمة من بعده )(2).
والذي يدل علی أن القرآن نزل دفعة واحدة وفي شهر رمضان آيات عديدة كقوله تعالی: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِی أُنْزِلَ فِیهِ الْقُرْآنُ هُديً لِلنّاسِ وَ بَیِّناتٍ مِنَ الْهُدي وَ الْفُرْقانِ3.
روي أن عطية بن الأسود سأل أبن عباس فقال: (إنه قد وقع في قلبي الشك قول الله: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِی أُنْزِلَ فِیهِ الْقُرْآنُ وقد أنزل في
شوال وذي القعدة وذي الحجة والمحرم وشهر ربيع الأول.
فقال ابن عباس: في رمضان وفي ليلة القدر وفي ليلة مباركة جملة واحدة ثم أنزل بعد ذلك علی مواقع النجوم رسلاً في الشهور والأيام)(1).
ويشير إلی ذلك قوله تعالی:وَ لا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ یُقْضي إِلَیْكَ وَحْیُهُ (2)،وقوله تعالی:لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَیْنا جَمْعَهُ وَ قُرْآنَهُ3.
فجبرئيل(عليه السلام) هو الذي ينزل نجوماً بالقرآن فالروح إذن غير جبرئيل.
نعم جبرئيل هو الروح الأمين كما قال تعالی: وَ إِنَّهُ لَتَنْزِیلُ رَبِّ الْعالَمِینَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِینُ (3)، وقوله تعالی: مُطاعٍ ثَمَّ أَمِینٍ وَ ما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ وَ لَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِینِ (4).
ففي النزول دفعة واحدة لم يكن الوسيط هو جبرئيل بل الروح الأمري وهو أعظم من جبرئيل كما جاء ذلك في تفسير قوله تعالی: تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَ الرُّوحُ فِیها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ .
فعن الإمام الصادق(عليه السلام): «... الروح خلق أعظم من جبرئيل، إن
جبرئيل من الملائكة وأن الروح خلق أعظم من الملائكة، أليس يقول الله تبارك وتعالي: تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَ الرُّوحُ (1).
وهناك آيات عديدة تذكر الروح والملائكة معاً تثنية، وهذا يعني أن الروح غير الملائكة كقوله تعالی: تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَ الرُّوحُ إِلَیْهِ2، وقوله تعالی: یُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلي مَنْ یَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاتَّقُونِ (2).
وأما النزول التدريجي أو النجومي فقد بدأ من يوم المبعث الشريف.
في يوم السابع والعشرين من شهر رجب بعث النبي رسولاً، وإن ورد في التعبير الروائي: (نُبئ رسول الله) ، وورد أيضاً بعث أي: بُعث رسولاً بالبعثة النبوية، لأن هناك فرق بين النبوة والرسالة، النبؤة: تنبئ النبي بالوحي عبر قنوات وأنواع مختلفة، ولكن البعثة: أن يحمل مأمورية ومسؤولية ودوراً يبتعث فيه إلی قومٍ وإلي الناس لينذرهم.
والمهم أنه بُعث رسولاً، وإلا فالنبي(صلي الله عليه و آله) هو علی اتصال بقنوات الوحي،وهو حقيقة النبوة منذ ولادته(صلي الله عليه و آله) بل قبلها من العوالم السابقة، أما كونه بُعث رسولاً فذلك في سن الأربعين في اليوم السابع والعشرين من شهر رجب، وأما الإسراء والمعراج فقد كان ذلك عند علماء الإمامية تبعاً
لروايات أهل البيت(عليهم السلام)في السابع عشر من شهر رمضان(1)، أو في السابع عشر من شهر ربيع الأول(2)، أي أن ميلاد الرسول(صلي الله عليه و آله) هو نفسه يوم الإسراء والمعراج.
والإسراء والمعراج في هاتين الروايتين في شهر رمضان أو في شهر ربيع الأول، نظراً لما في رواية أخری قد وقع الإسراء والمعراج مرتين(3)، بل في رواية رابعة قد وقع مائة وعشرين مرة(4).
إذن في يوم المبعث نُبئ أي أبتعث رسول الله(صلي الله عليه و آله) رسولاً، حيث نزلت عليه أول سورة في القرآن، سورة العلق علی أشهر الأقوال: (أقرأ قال ما أنا بقارئ) أي ماهو الشيء الذي أقرأه، إلی بقية الأمر.
وأما في روايات العامة أو مصادرهم التاريخية،فليس محسوماً أن يوم المبعث هو يوم الإسراء والمعراج، هذا أبن إسحاق صاحب كتاب المغازي، ذكر في كتابه السيرة النبوية وهو من أقدم المصادر، وكذلك الواقدي(5)ذكر أنه قيل السابع والعشرين من رجب وقيل السابع عشر من شهر رمضان وقيل السابع من عشر من ربيع الأول وهو مولد النبي(صلي الله عليه و آله)، ولكن لهم - ظاهراً - دواعٍ لتغيير ليلة المبعث أو يوم المبعث وراءه التعتيم علی حقيقة
نزول القرآن دفعة جملة واحدة. لأن كون ليلة المبعث أو يوم المبعث من شهر رجب، بداية نزول القرآن، كيف يتوافق مع ما في سورة البقرة وسورة الدخان وسورة القدر من أن القرآن نزل في شهر رمضان؟: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِی أُنْزِلَ فِیهِ الْقُرْآنُ هُديً لِلنّاسِ وَ بَیِّناتٍ مِنَ الْهُدي وَ الْفُرْقانِ (1).
وظاهر الآية في سورة البقرة أن القرآن نزل جملة واحدة، كما في سورة القدر: إِنّا أَنْزَلْناهُ فِی لَیْلَةِ الْقَدْرِ ،وليلة القدر في شهر رمضان، و إِنّا أَنْزَلْناهُ فِی لَیْلَةِ الْقَدْرِ ظاهر الآية إنزال كل القرآن، كذلك في سورة الدخان: حم وَ الْكِتابِ الْمُبِینِ إِنّا أَنْزَلْناهُ فِی لَیْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنّا كُنّا مُنْذِرِینَ (2)أيضاً كل القرآن.
فللقرآن نزولان كما بينا سابقاً: نزول يعبر عنه بالنزول الجملي، يعني جملة واحدة، هذا النزول الجملي يحرج الأدبيات العقائدية لدي المذاهب الإسلامية الأخري ويستعصي عليهم بيانه، إذ تواجههم عدة أسئلة وحقايق حول حقيقة هذا النزول الجملي الواحد، منها : أنه ماصلته بالروح الأمري المغاير لجبرئيل(عليه السلام).
ومنها: هل هو نزول لألفاظ ومعاني أم نزول لحقيقة تكوينية وراء الألفاظ والأصوات والمعاني، وعلي التقدير الأول فكيف يتلائم مع الزمان المأخوذ
في تركيب الألفاظ والمعاني وتسلسل الأحداث زمناً.
ومنها: أنه إذا كان النازل أمراً وحقيقة مغاير للألفاظ والمعاني فهذا الأمر أين هو؟، وعند من بقي بعد رسول الله(صلي الله عليه و آله) لأن حقيقة القرآن لم ترتفع برحيل رسول الله(صلي الله عليه و آله) إلی الرفيق الأعلي.
وغير ذلك مما هو متصل ببحث الإمامة، فإذا أثبتنا أن ليلة السابع والعشرين من شهر رجب مبعث نبوي، وإن القرآن نزل نزولاً جملياً في شهر رمضان سيكون هناك للقرآن نزولان: نزول ألفاظ ومعاني وأصوات القرآن الكريم الذي يسمي نزولاً متفرقاً نجومياً، لتفرق الآيات والسور بحسب موارد أسباب النزول، ومن ثم سُميّ القرآن فرقاناً يعني مُتفرق، هذا النزول كان ابتداؤه من أول البعثة النبوية، ثلاث عشرة سنة قبل الهجرة في يوم السابع والعشرين من شهر رجب نزل نزولاً متفرقاً، بداية السور سورة العلق إلی نهاية السور وهي سورة المائدة علی أشهر الأقوال.
وهذا هو نزول أقوال وألفاظ ومعاني القرآن،وكان متفرقاً بحسب أسباب النزول، ابتداؤه من ثلاث عشرة سنة قبل البعثة، أربعون سنة بعد عام الفيل، حيث كان سن النبي الشريف أربعين عاماً حسب التقويم الجاهلي العربي السائد، وثلاث عشرة سنة قبل الهجرة،وهذا نزول،وهناك نزول من سنخ آخر من نوع ولون ونوعية أخری من نزول القرآن.
وكون القرآن ينزل علی نمطين، و نوعين، ولونين للقرآن،فهذا محرج للمباني الإعتقادية للطرف الآخر، إلا أن الكثير منهم أعترفوا وأقروا به، لأن سورة البقرة صريحة في بيانه: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِی أُنْزِلَ فِیهِ الْقُرْآنُ هُديً لِلنّاسِ وَ بَیِّناتٍ مِنَ الْهُدي وَ الْفُرْقانِ (1)،وماذا يصنعون بهذه الآية؟ وأمااِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِی خَلَقَ (2)،فواضح بأنها أول سورة نزلت علی الرسول(صلي الله عليه و آله)، وهي في يوم المبعث صبيحة السابع والعشرين من شهر رجب،فكيف التوفيق؟ ولا بد لذلك من نزولين، النزول الجملي للقرآن، النوع الثاني حصوله ليلة القدر،وهو مرتبط بليلة القدر ومنتهاه ليلة القدر أيضاً ؟ هو نزل كله جملة معاً.
فالأمور التي تحرج الطرف الآخر ههنا، وتبين دلائل علی إمامة أهل البيت(عليهم السلام)، وأرتباط شخص معصوم علی وجه الكرة الأرضية دوماً بهذه الحقيقة للقرآن التي نزلت في ليلة القدر المرتبطة بالروح الأمري لا بجبرئيل(عليه السلام) ، والروح الأمري قناة إتصال بالغيب والسماء ما دام القرآن موجوداً، والذي يدل علی ذلك هو سورة القدر:انا انزلنا الضمير يعود علی القرآن الكريم كله: وَ ما أَدْراكَ ما لَیْلَةُ الْقَدْرِ لَیْلَةُ الْقَدْرِ خَیْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَ الرُّوحُ فِیها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلامٌ هِیَ حَتّي مَطْلَعِ الْفَجْرِ (3)، هذه السورة واضحة أنها تربط بين نزول القرآن جملة وبين
تنزل الملائكة والروح، يعني أن هناك صلة وثيقة جداً بين ليلة القدر وبين تنزل القرآن جملة واحدة.
أيضاً لاحظ سورة الدخان: حم وَ الْكِتابِ الْمُبِینِ إِنّا أَنْزَلْناهُ فِی لَیْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنّا كُنّا مُنْذِرِینَ فِیها یُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِیمٍ أَمْراً مِنْ عِنْدِنا إِنّا كُنّا مُرْسِلِینَ (1)،فِیها یُفْرَقُ بتعبير علماءالعربية: جملة فعلية تدل علی الأستمرار، شأن ليلة القدر أن فيها فرقاً أي أن فيها باستمرار السنين قضاءاً وقدراً، تفصيل، تنظيم، تدبير، وفوق هذا: تطبيق الأمور التي هي مجملة إلی تفاصيل في ليلة القدر، شأنه، بيئة ليلة القدر متناسبة مع نزول القرآن الجملي، نزول القرآن الجملي هذا ما هو؟ الكثير يسأل كيف كان نزول القرآن جملة ؟ قالوا نزل في البيت المعمور. ما هو البيت المعمور؟ البيت المعمور في السماء الرابعة، أو البيت المعمور هو قلب النبي(صلي الله عليه و آله)، وكلاهما معنيان لا يتنافيان ولا يتدافعان.
وفي سورة الشوري: وَ كَذلِكَ أَوْحَیْنا إِلَیْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِی مَا الْكِتابُ وَ لاَ الْإِیمانُ وَ لكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِی بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَ إِنَّكَ لَتَهْدِی إِلي صِراطٍ مُسْتَقِیمٍ (2)،وَ كَذلِكَ أَوْحَیْنا إِلَیْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِی مَا الْكِتابُ ، ما الفرق أو الصلة بين إيحاء الروح والكتاب فبوحي الروح له حصلت له دراية الكتاب؟ هذه الأمور نبّه عليها أهل البيت(عليهم السلام) وهم
أصحاب أسرار القرآن: وَ كَذلِكَ أَوْحَیْنا إِلَیْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِی مَا الْكِتابُ ،إذاً بين الكتاب، الكتاب يعني جملة القرآن، وبين إيحاء الروح أرتباط بتمام الحقيقة بينهما نظير هذا الأرتباط موجود في سورة القدر: إِنّا أَنْزَلْناهُ فِی لَیْلَةِ الْقَدْرِ يعني كل الكتاب -وَ ما أَدْراكَ ما لَیْلَةُ الْقَدْرِ لَیْلَةُ الْقَدْرِ خَیْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ، هذا في سورة القدر وفي سورة الشوري كذلك، وفي روايات أهل البيت(عليهم السلام) إشارة إلی مثل هذه الأسرار من المعادلات العلمية، وأيضاً في سورة النحل: یُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ ، متي تنزل الملائكة؟ في ليلة القدربِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلي مَنْ یَشاءُ - ليس التعبير أنبياءه أو رسله، التعبير: یُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلي مَنْ یَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاتَّقُونِ (1)، ليدلل الله عَزَّ وَجَلَّ علی أن الذي يتنزل عليه القرآن في ليلة القدر ويتنزل عليه الروح في ليلة القدر، هو من يشاء من عباده بعد النبي(صلي الله عليه و آله).
ليلة القدر الآن بضرورة المسلمين مستمرة وتنزل الملائكة وتنزل الروح فهل هناك أرتباط بين الروح وبين نزول القرآن جملة أم لا ؟. سورة النحل تكشف لنا أن نزولهم ليس عبثاً، نزولهم ليس بعبط، نزولهم ليس سدي، وليس لغواً، نزولهم علی من ؟:عَلي مَنْ یَشاءُ مِنْ عِبادِهِ ، من هذا الذي أصطفاه الله وشاءت المشيئة الإلهية أن يكون عبداً مصطفي تتنزل
1) (1) سورة النحل: الآية 2 .
عليه الملائكة والروح كل عام إلی يوم القيامة ؟ ملف النزول الثاني للقرآن يفتح لك أبواب مفصلة عن الإمامة حرجة للطرف الآخر.
فتحصل أن نزول القرآن علی نمطين ونوعين ولونين، نمط نزول متفرق للقرآن الكريم بدأ من ثلاث عشرة سنة قبل الهجرة وأستمر ثلاثاً وعشرين سنة، بدأ من السابع والعشرين من شهر رجب إلی سنة وفاة الرسول(صلي الله عليه و آله)، هذا نمط فرقاني - متفرق - لنزول القرآن، نزول أصوات وحروف ومعاني القرآن، نمط آخر لا الوقت يسعه ولا الساعات والشهور، بحوث طويلة فيه، كما أرشد أئمة أهل البيت في رواياتهم لذلك، نمط آخر له لون آخر، نوع آخر، من خصائصه أن نزوله بجملة القرآن، هذا النزول من القرآن ليس نزول أصوات وحروف، إنما هو نزول لحقيقة القرآن مرتبط بروح القدس.
في رواية الفريقين أن رسول الله(صلي الله عليه و آله) قال:«تعلموا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة صاحبه في صورة شاب جميل شاحب اللون فيقول له القرآن: أنا الذي كنت أسهرت ليلك وأضمأت هواجرك وأجففت ريقك...»(1).
ذاك الشاب قرآن أم فرقان أم ماذا؟ إن كان قرآنا وأعتقدنا أن حقيقته ليست إلا المصحف الشريف، حروف وأصوات،فهذا الذي يأتي في روايات الفريقين يشهد لمن تلاه ولمن حفظه، من هو هذا؟ هذا مرتبط بالنزول
1) (1) الكافي ج601 :2 .
الثاني، النزول الثاني نزول روح القدس، الروح الأعظم وهو القرآن حقيقة وهو حقيقة القرآن.
يقول الباري تعالی: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلي بَعْضٍ (1)، والقرآن الكريم يخبرنا بذلك، لنعلم أن الذي يأتينا من سيد الإنبياء (صلوات الله عليه) أحق بالإتباع من الذي يأتينا عن النبي إبراهيم أو عن النبي موسي أو عيسي أو نوح، ولذلك مرت سابقاً في الآيات قوله تعالی:أَوْحَیْنا إِلَیْكَ في سورة الشوري، يعني خاص لك يا محمد(صلي الله عليه و آله)، وليس لجميع الأنبياء والرسل، إن أمر الحجية أمر خطير وأحد خواص الحجية أنها حاسمة وتحسم مفترق الطريق بخلاف بقية المقامات، فمثلاً مقام الشجاعة والكرم واليقين والصديقين والمتوسمين وأهل الفراسة والزهد وأهل الشوق وأهل المحبة وأهل العفاف ومقام الإحسان،تلك المقامات قد لا تكون حاسمة، لأنه قد تزاحمها صفة أخری فضيلية أو ثالثة فضيلية أو قد تزاحمها التجنب والوقاية عن صفة رذيلية، فالحسم ليس من الضروري أن يكون من نصيب تلك المقامات أو من نصيب أصحاب تلك المقامات.
والحجية ليست في لقمان مثلاً بل الحجية في نفس الدليل المدلل المبرهن الذي يدلي به لقمان، وفرق بين أن تكون الحجية لنفس لقمان وبين أن تكون الحجية صفة لما ينطوي عليه ويفيده لقمان، ففرق بين أن يكون
1) (1) سورة البقرة: الآية 253 .
الحجية للشخص نفسه وبين نفس العمل الصالح وصلاح العمل في نفسه، فميزان الصلاح ذاتي منطبق علی العمل نفسه، وكثيراً ما البشر يحصل لديهم امتزاج وخلط بين صفات العامل وبين صفات العمل وبين حكم العمل أو الفعل أو الشيء المعين وبين صفة صاحب العمل أو الشيء، فإن بينهما فرق، وفي لقمان لا يستشهد الباري تعالی بذات نفس لقمان بل يستشهد بالعلم الذي أعطي للقمان من حيث أنه متضمن للبرهان، فالحجية لنفس العلم بما اشتمل عليه من برهان لا صفة للقمان، وهذا بخلاف ما لو قبل لقمان النبوة لكانت الحجية له في نفسه.
مثلاً أهل اليقين و السداد والصلاح والنجدة والنجابة والكرم، الحجية لا في ذات أنفسهم بل لنفس ميزانية ذات العمل من حيث أنه منطبق علی الموازين والصفات الميزانية والفضيلية بلحاظ نفس العمل، ويجب أن نفرق بين المقامات التي تكون الحجية صفة لنفس الذات وبين الحجية التي تكون لنفس العلم أو لنفس الصفات الميزانية، والقران عندما يستشهد مثلاً بمؤمن آل فرعون أو مؤمن إنطاكيا(حبيب النجار) فإنه يستشهد بما تضمن كلامهم من حجج لا بنفس صفة الحجية لذواتهم.
ومن باب المثال القران يخاطب النبي(صلي الله عليه و آله) فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ (1)، ولم يعبر الباري فبهم اقتده، والفرق بين الخطابين لأجل أن سيد الأنبياء أعظم
1) (1) سورة الانعام: الآية 90 .
من إبراهيم وموسي وعيسي ونوح وآدم(عليه السلام) فكيف الأفضل يتبع المفضول. نعم الوحي الإلهي المنزل إليهم الذي هو فعل الله (فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ) فالهدي من الله وهو فعل الله فهو يقتدي بهذه الحقيقة التي هي فعل الله تعالی وبما تضمنه هذا العلم الوحياني، لا أنه (فبهم أقتده) فإنهم ليسوا في مقام الحجية علی الْنَّبِیّ(صلي الله عليه و آله). نعم علم الوحي بأعتباره فعل الله فهو حجة في الوحي فكل الأنبياء بالنسبة إلی سيد الأنبياء ليسوا حجة بل الوحي النازل عليهم هو حجة عليه، والأنبياء حجة علی البشر وهذه نكتة لطيفة.
مثلاً أمير المؤمنين(عليه السلام) ليس بحجة علی رسول الله بل إن رسول الله(صلي الله عليه و آله) حجة علی أمير المؤمنين(عليه السلام)،وكذلك أمير المؤمنين(عليه السلام) حجة علی الحسنين وليس الحسنان حجة علی أبيهما، وفاطمة(عليها السلام) بناءاً علی أنها مفضولة لأميرالمؤمنين(عليه السلام) فهي ليست بحجة علی أمير المؤمنين(عليه السلام) وأمير المؤمنين حجة عليها. نعم علم فاطمة(عليها السلام) الذي تنزل به جبرائيل حجة علی أمير المؤمنين(عليه السلام)، ففي عالم الحجج من يكون أعلي يكون حجة علی من دونه ولا يكون من دونه حجة عليه لكن إذا كان فعل الله في البين فهو الذي يكون حجة،فالعالم علمه بعلم مكتسب حجة علی العباد وليس ذاته والفرق هو أن الذات إذا صهرت وعجنت بذلك العلم تصير الذات حجة سلوكاً وفهماً ومعرفةً، أما إذا كانت الذات ليست معجونة بذلك العلم كما هو الحال في غير المعصوم وحينئذ تكون تلك الصفة أو ذلك الشيء حجة وليس صفة لزومية لتلك الذات، لأن تلك الذات يمكن أن تفارق ذلك العلم، وأما عندما تكون نفس الذات حجة فالكمال الذي يكون أكمل من
الشؤون التي عند تلك الذات هي الحجية، والذات عندما تكون حجة فبالتالي الذات في كل مواقفها وسيرتها وإقدامها وإحجامها تكون حجة، أما إذا كانت الحجية للعلم كصفة مكتسبة فالعلم يحتاج إلی من يطبقه ويحتاج إلی من يوزنه أو يعادله بجهات أخری ولا يصير كل شيء في الموصوف به حجة.
ونفس الحجج التي مرت لها مراتب وأحد الفتن والامتحانات الشديدة العظيمة التي يمتحن الله بها كل العباد هو الإمتحان في المعرفة والبصيرة التي تشق الفتنة في المعرفة في مقابل الضلال، هي هذه أشد الامتحانات من إمتحانات الشهوة والغضب والرئاسة ومن كل شيء وإن كانت تلك إمتحانات شديدة، لكن الإمتحان في البصيرة والمعرفة شديد جداً، وأحد الأمور المهمة في النجاة من إمتحان فتنة المعرفة البصيرة هو تمييز الحجة عن اللاحجة، وأمر آخر في النجاة من فتنة المعرفة والبصيرة هي شيء أعقد ويخفق فيه الكثيرون هو معرفة مراتب الحجج،وتمييز الحجة عن اللاحجة يمكن لنخبة أن يفرقوا بينهما وهذا بخلاف تمييز مراتب الحجج نفسها فإنه يمتحن به الأنبياء فضلاً عن دونهم حيث يوجد ضلال وإضلال وإفتتان في مراتب الحجج، مثلاً فتنة تشابه دلالة آية ظنية يعمل بها مقابل محكم من القران، وقد أمتحن الله تعالی اليهود والنصاري في تمييز حجية الحس عن حجية المعجزة،وجعل إتباعهم للحس ضلال مع أن الحس حجة في نفسه،
ومن أحد مصادر البديهيات لكن درجات البديهيات تختلف.
وبعبارة أخری يمتحن الله عباده في قدرة تمييز عقل الإنسان في درجات حجية البديهيات: وَ ما قَتَلُوهُ وَ ما صَلَبُوهُ وَ لكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ (1)، فألقي إنعكاس أضواء شبه النبي عيسي وليس هذا سحراً ولكنه حقيقة حسية لا تكشف عن الحقيقة تماما كما هي المعجزة، فإن المعجزة حيث قد أخبرهم عيسي(عليه السلام) بدلائل وببينات وبراهين أنه باقي إلی دولة آخر الزمان في خلافة آخر الأئمة المعصومين(عليهم السلام)، وقد أخبرهم بنزوله آخر الزمان فلديهم وعندهم علم بنزول عيسي(عليه السلام)، والنبي عيسي(عليه السلام) بنفسه معجزة وما أدلي به من كلام الوحي هو فوق الحس،لكنهم حكَموا الحس علی الوحي، وهذا إمتحان وفتنة ومع أن الحس حجة لكنه حجة دون حجية الوحي، ونفس مراتب البديهيات كما هو مبين في العلوم العقلية هي مراتب للحجج، مثلا الأوليات أبده من الحسيات فمن يتبع الحسيات ويترك الأوليات سوف يضل، وهذه هي الصعوبة والوعورة والشدة، فإن الحجة لها مراتب فإذا أتبعت الحجة الدنيا وتركت الحجة العليا فهو الضلال، لأن مساحة الحجية الدنيا حجيتها محدودة فإذا خرجت عن مساحتها إلی مساحة حجية أخری ولم تتبع الحجية العليا فالمآل إنقطاع الضياء والمصباح والوقوع في الضلال، وهذه الحقيقة في نظام الحجج يشير إليها ما في قول الْنَّبِیّ(صلي الله عليه و آله): لو كان موسي وعيسي حيين لما وسعهما إلاّ إتباعي ولو اتبعا ما يوحي إليهما وتركا ما يوحي إلی لهويا أو لضلال.
1) (1) سورة النساء: الآية 157 .
بمعني أن حجية ما يوحي إلی سيد الأنبياء أعلي بمراتب من حجية ما يوحي إليهما.
وإمتحان الباري تعالی للأنبياء في البصيرة عظيم جداً وفي معرفة بطون الحقائق: وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّی جاعِلٌ فِی الْأَرْضِ خَلِیفَةً قالُوا أَ تَجْعَلُ فِیها مَنْ یُفْسِدُ فِیها وَ یَسْفِكُ الدِّماءَ وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّی أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ (1)، وبتعبير أحد الأعلام أن الباري يقول لا أريد في الخلافة مجرد مقدس وعابد بل يتأهل لها العالم: وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ (2)و: كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَی الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِی بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِینَ قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلاّ ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِیمُ الْحَكِیمُ (3)، فلا علم لهم بالأسماء كلها قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ (4)، وإن كان لديهم قدس وعبادة لكن هذا في دون ظل العلم. إذاً البصيرة في المعرفة مهمة جداً.
وفي رحلة معراج النبي(صلي الله عليه و آله)وفي خضم تلك الرحلة خاض النبي عدة إمتحانات وأكثرها في البصيرة وكأنما هي نوع من إرادة الباري أن يبرز للملائكة وطبقاتهم كيف أن سيد الأنبياء نافذ البصيرة، مثلاً ناداه هاتف ولم يعتن به بل لم يلحظه وثاني وثالث لم يعتني به فجاء جبرائيل وقال للنبي(صلي الله عليه و آله) الهاتف الأول الدنيا ولو التفت إليها لطمعت أمتك في الدنيا،
والهاتف الثاني يهوذا الذي هود اليهود ولو التفت إليه لتهودت أمتك، والثالث بولس الذي نصر النصاري ولو التفت إليه لتنصرت أمتك(1). أي يبعث فيها من يعمل بنفس ما عمل بولس بالنصاري، أما السامري وعجله فهذا بحث آخر، فهذه عدة إمتحانات خاضها النبي(صلي الله عليه و آله).
وتفسير كيفية الإمتحانات بذلك أن تمثل الدنيا ليس مجرد تراءي بسيط بل عبارة عن تمركز كل جاذبيات وطاقات الجذب في الدنيا من أول عمرها إلی بقائها من قوة أنواع مفاتنها، فمثلاً قوة جاذبية كل فتاة حسناء في الدنيا أجتمع في ذلك الترائي فلو أراد محاسب أن يقدر مدي طاقة الجاذبية الغريزية لكل إمرأة جميلة بل لكل جمال خلاب في الدنيا ويجمعه في مركز واحد فكم طاقة جاذبية ذلك المركز سوف تكون، وكذلك جاذبية كل مال من ذهب وفضة ونقد كان وكائن وسيكون في الدنيا تمركز في ذلك الترائي، وكذلك جاذبية حب الأولاد والعشيرة في كل عمر الدنيا تمركز في ذلك الترائي وغير ذلك من كل ما للدنيا من قدرة وطاقة مفاتن، فتمركز كل هذه الطاقات والجاذبيات في ذلك التمثيل والترائي للدنيا واعتراضها بدايات العروج لرسول الله(صلي الله عليه و آله)، ورغم كل هذه الطاقة والقدرة في الجاذبيةلم تستطع أن تؤثر علی الْنَّبِیّ(صلي الله عليه و آله) بمقدار تسخير لمحة طرف من لحاظ عينه الشريفة، وأين هذا الإمتحان من إمتحان النبي يوسف(عليه السلام) بزليخا فالفارق لا يقاس ولا يحصي.
1) (1) بحار الأنوار ج319 :18 .
وكذلك تراءي بولس ويهوذا فهو عبارة عن تمركز قوة فتنة كل الدجل وفتنة التشابه في كل المتشابهات ومع ذلك فلم تستطع أن تؤثر بمقدار اختطاف لمحة من توجه خواطر الْنَّبِیّ(صلي الله عليه و آله) وبصره، فمثلاً لاحظ التخييل بالسحر الذي حصل في مواجهة النبي موسي(عليه السلام)، وجاذبية قدرة السلطان في إستعراض الخيل الذي إمتحن به النبي سليمان(عليه السلام)، وفتنة التحكيم الذي كانت في إمتحان داود(عليه السلام)، وإمتحان إبراهيم بذبح إسماعيل(عليه السلام).
وغير ذلك من فتن في إمتحانات الأنبياء متفرقة مختلفة لكنها تجمعت وتمركزت في ذلك الترائي والتمثيل في الاعتراض الثلاثي الذي واجهه سيد الأنبياء وعند بدأ عروجه(صلي الله عليه و آله) إلی السماء.
وهناك نكتة يشير إليها القرآن وهي أن العدالة في الأرض بكاملها وتمامها لا تسود ولا تتحقق إلاّ بقربي النبي(صلي الله عليه و آله) دون غيرهم من المعصومين من الأنبياء والرسل: هُوَ الَّذِی أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدي وَ دِینِ الْحَقِّ لِیُظْهِرَهُ عَلَی الدِّینِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (1)، ولم يمنح الباري ذلك التعبير في حق النبي عيسي ولا موسي ولا إبراهيم(عليه السلام)، كما يقول بعض المحققين من أهل المعني لأن المسؤولية عندما تكون ثقيلة والعبء العلمي والتدبير العلمي والعملي كبير باهض يتكئد الكاهل فيراد لها عصمة شديدة، ومن
1) (1) سورة التوبة: الآية 33 .
ثم يخصص القران هذا المنصب والمقام لإقامة العدل الإلهي في كل أرجاء الأرض بقربي الْنَّبِیّ(صلي الله عليه و آله) في قوله تعالی:وَ ما أَفاءَ اللّهُ ،الثروات العامة بل كل ثروات الأرض: مِنْ أَهْلِ الْقُري فَلِلّهِ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِی الْقُرْبي وَ الْیَتامي وَ فتدبيرها بيد الله والرسول وقربي النبي تدبيرها إلی يوم القيامة لا بيد النبي عيسي الذي سينزل من السماء ولا إلياس ولا إدريس والخضر من الأنبياء الأحياء علی الأرض بل خاصة لقربي الْنَّبِیّ(صلي الله عليه و آله) مع أن سائر الأنبياء كإبراهيم وموسي ونوح وغيرهم سيرجعون إلی الدنيا في مرحلة الرجعة من عمر آخر الدنيا قبل يوم القيامة والمعاد الأكبر، وقد علل القرآن هذا التخصيص كَیْ لا یَكُونَ دُولَةً بَیْنَ الْأَغْنِیاءِ (1).
فالفارق الطبقي الفاحش والإقطاع الفاحش والأستبداد...الخ، والعدالة لا تتم إلاّ بإسناد ثروات الأرض بيد ذي القربي، مما يدل أن علم النبي عيسي(عليه السلام) ليس بذلك المستوي بأن يقيم نظام سياسة نقدية عادلة، أو نظام سياسة مصرفية عادلة، أو نظام سياسة زراعية، أو إقتصادية، أو تجارية عادلة تتحكم في القدرات الأخري، كما نشاهد الآن طاقات تسلح المعلومات مؤثرة في أدارة نظام المالية والمصرفية والاقتصادية مع أن البشرية لازالت تعيش في عقدنا المعاصر الراهن أزمة اقتصادية حادة عاصفة فهاهم منظري نخب الخبرة البشرية في المال والنقد والمصرف والأقتصاد والتجارة قد عجزوا عن تنظير نظام عادل في هذه الحقول فضلاً عن مقام التطبيق والتنفيذ وهذا بعد أن جربت البشرية النظرية الشيوعية والاشتراكية
1) (1) سورة الحشر: الآية 7 .
والرأسمالية ونظام السوق الحر ونظام التجارة العالمي الموحد ونظام البورصة. فالبشرية لازالت عاجزة عن تنظير نظام عادل في هذه الحقول فضلاً عن أن تجد آلية ضامنة للعدل في التطبيق، فالباري يقول هذه العدالة علی وجه الأرض بنحو كامل تام يهيئ لها طبقة خاصة من المعصومين(عليهم السلام).
ومن ثم كان بعض الأنبياء نبوته بحدود أسرته بمعني أن حدود عصمته تؤهله لهداية أسرته،وبعض الأنبياء لحيه وبعضهم لبلده أو لبلدين: وَ أَرْسَلْناهُ إِلي مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ یَزِیدُونَ (1)، أما قوله: وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِینَ (2)، فهذا يحتاج إلی سؤدد وعصمة شديدة، إذاً العصمة درجات وبحسب كاهل المسؤولية والعبء، وهذا بنفسه برهان علی أن أوصياء سيد الرسل هم أفضل من أنبياء أولو العزم،لأن رسالة سيد الرسل مسؤوليتها للعالمين وإلي يوم القيامة فهي أطول الشرايع وأكبر المسؤوليات فوصيه يكون اكبر مقاماً من الأنبياء الآخرين، لأن دائرة المسؤولية عظيمة وكبيرة بنفس البيان.
إذاً للقرآن منازل غيبية وليس القرآن الكريم منزلته ومقامه محصور بما بين الدفتين كي يقول القائل (حسبنا كتاب الله) لأن الكتاب ليس ينحصر مقامه فقط بما بين الدفتين، بل له منازل غيبية أخري، وأحد المنازل الغيبية
للقرآن الكريم هي قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّی لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّی (1).
مع أن الكلمات الموجودة في المصحف الشريف تعدادها معدود محدود وكذلك الآيات والسور، بينما القرآن الكريم يقول الكلمات لا تنفد ولا تنقطع، لذلك يتوهم هذا القائل أن النبي يتلقي شيئاً محدوداً لأنه لم ولن يعي أي منزل من منازل القرآن الكريم، فإن المنزل العلوي الذي تلقاه النبي(صلي الله عليه و آله) لا يزال يرفد وينهل ويمد العلم البشري، وهذا سنخ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّی لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّی فإن الكلمات جمعها كلام، والكلام جمعه في الكتاب.
وفي آية أخری قوله تعالی: وَ لَوْ أَنَّ ما فِی الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَ الْبَحْرُ یَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللّهِ إِنَّ اللّهَ عَزِیزٌ حَكِیمٌ2 .
فتبين أن هذا الذي بين الدفتين من المصحف الشريف العظيم المقدس هو أنزل منزلة من منازل القرآن الكريم، فإن للقرآن منازل ومقامات عديدة جداً، بعضها موصوف بأنه لا محدود، لا متناهي، لا ينقطع، ولا يستوعبه عالم المادة، وإنما يستوعب عالم المادة شيئاً فشيئاً من عالم الملكوت، وأهل البيت(عليهم السلام) هم الذين يبنون هذه البراهين والدلائل والحقائق، والقرآن يفصح عن حقائقه بدعامة وإرشاد أهل البيت(عليهم السلام) للأمة وَ ما یَعْلَمُ
1) (1) سورة الكهف: الآية 109.
تَأْوِیلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَ الرّاسِخُونَ فِی الْعِلْمِ (1).
فكما يجب الأخذ بتنزيل القرآن يجب الأخذ بالتأويل الحق لا التأويل الهلوسي الذوقي. فالتأويل الحق الذي لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم من هذه الأمة، والذي أفصح عنه القرآن الكريم ب( لا یَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ ) فحجية التأويل من المطهرين في هذه الأمة كحجية التنزيل وكلها روافد نازلة من المنازل والمقامات العلوية للقرآن الكريم، ولذلك ورد أن في كل عام من شهر رمضان في ليلة القدر ينزل تأويل للقرآن الكريم، وقد أصبح للنزول 1435سنة وهذا يعني أنه نزل للقرآن (1435) تأويل، لا ينفد ولا ينقطع ولا ينتهي، ومن هنا فإن هذا القائل بحسبنا كتاب الله أو المتسائل لم يع ولم يعرف ولم ينتبه إلی منازل القرآن الكريم، ولو فهم هذا لما قال أن ما تلقاه من النبي(صلي الله عليه و آله) محدود ومحصور بحسب عدد السور والآيات والكلمات.
إذن للقرآن الكريم منازل غيبية غير محدودة، وليس لها لون من تربة الأرض زمكانية أو جغراقومية كي تتسمي بتسمية معينة بل هي من عالم الأمر فلا تتلون بالجغرافية.
في بحوث علم المعارف ليس من قبيل موازين البحث في علم الفقه والفروع، من قبيل العام والخاص، والخاص يقيد العام وهكذا، فإنه لا
1) (1) سورة آل عمران: الآية 7.
تطابق تام بينهما بين موازين البحث الفقهي في الفروع وموازين البحث في المعرفة، ولكن هناك قواعد في البيان، في الآيات، في العموم والخصوص، المجمل والمبين، المحكم والمتشابه، فلا يمكن لنا أن نحبس البحث العلمي في بحث الفقه والفروع فقط، بل هناك معادلات وموازين في المعارف يجب أن يبحث فيها ويدلل عليها ولها ومنها تتفرع قواعد أخری يجب الخوض فيها.
وكما يجب علی طالب العلم أن يدمن البحث في الفقه والأصول كذلك يجب عليه أن يدمن طيلة حياته في البحث عن المعارف، والباب فيها- المعارف أوسع فأوسع،لأنه لايتم ولا يستنفذ، فإن إصابة الحقيقة واستقامتها بتوسط العلم يراد له مكابدة، وبحث، وتنقيح، وتحري، وتحرير، وتفصيل، وبيان، وبسط.
أما إذا بات في البين تكاسل وتهاون فسوف تصبح تلك البحوث دائماً مبهمة ومجملة ومن ثم يدب التشابه والإثارات، والمغالطات، والإنحرافات.
ولذا فإن أحياء العلم ضروري في فقه الفروع وفي فقه الآداب - الفقه الأوسط - من الرياضات الشرعية للروح من سير وسلوك وتهذيب النفس وغيرها، وفي الفقه الأكبر الذي هو المعارف وَهُوَ الأعظم، فإن هناك تلازم بين هذه المقامات الثلاثة، الفقه الأكبر، الفقه الأوسط، الفقه الأصغر، فإن أحدها بدون الآخرين يسبب تخبط أو غفلات، ويسبب نوع من التشويشات، والتشابهات.
ومن يريد الغور في هذا العلم لا يكفي يوم ولا يومين ولا سنة ولا سنتين، ولكن يدأب عمره كله.
هناك جملة من الباحثين وربما بعض المتكلمين من الأديان والملل والنحل، يتبنون هذا الرأي، وهو أن كتاب التوراة - الأصلية وليست المحرفة الحالية - هو من إنشاء النبي موسي(عليه السلام)، هكذا يظنون ويزعمون، مع أن نظام الآيات القرآنية واضحة لرد هذا الإدعاء، لأن النبي موسي(عليه السلام) تلقي الألواح، وهذه الألواح - كما مرَّ سابقاً - فيها تفصيل من كل شيء، حيث مكتوب فيها التوراة بالكامل، فكيف يكون إنشاء من النبي موسي(عليه السلام).
وهذه الشبهة أيضاً وردت علی كتاب الإنجيل من أنه من إنشاء النبي عيسي(عليه السلام) وكذلك الزبور أنه من إنشاء النبي داوود(عليه السلام).
ونظير ذلك زعم البعض ولا أقول الكل من أهل السير والسلوك أو العرفان أو التصوف من أن القرآن الكريم كذلك، أي أنه من إنشاء النبي(صلي الله عليه و آله)، والآيات القرآنية تفند مثل هذه المقالات، فهي كتب سماوية وكلام إلهي نازل علی الأنبياء، إن هذه المزاعم والإثارات والشبهات تثار الآن بثوبها الجديد وبصياغة جديدة، حيث أنها ترجع إلی بحوث قديمة ولكن بتغيير من البيان.
إنَّ الصدق عموماً كصفة أو كفعل أو ممارسة كيف يمكن أن نتصورها، ومن الطبيعي هناك صدق في الفعل في حد نفسه، ويسمي بالصدق الفعلي،
وهناك صدق بحسب تعمد الفاعل للقيام بأخبار صادق ويسمي بالصدق الفاعلي، فربما شخص عادل مستقيم السيرة، مؤمن من المؤمنين أو مسلم من المسلمين، صادق اللهجة يخبر عن شيء هو خلاف الواقع، ولم يكن متعمداً في الإخبار بخلاف الواقع، بل اعتمد في أخباره علی مستند معين معذور فيه، بل إن البينات الشرعية قامت لديه بخبر معين، فهو يخبر بمدلول ذلك الخبر، هنا حسب الاصطلاح يقولون من جهة الفاعل الذي هو المخبر المؤمن عنده صدق فاعلي، يعني من جهة الفاعل المخبر لم يتعمد الكذب، لأنه استند في أخباره لشيء معذور فيه، فقد سلك موازين متاحة له، ومعذور ومجاز في الاعتماد عليها، ولكن منجهة المقولة الخبرية ينقلب الواقع، فهذا صدق فاعلي ولكنه كذب خبري.
فلو كان فالشخص لا يتأهل لموقع من المسؤولية في النظام السياسي - مثلاً - أو الاجتماعي، أو القضائي، وعنده كفاءة من العدالة وكفاءة علمية، ولا تكفي الكفائة من الجانب العملي أن يكون عادلاً، بل لابد أن تكون لديه كفاءة علمية أيضاً، ولكن كفاءته العملية إلی درجة وكفاءته العلمية إلی درجة، من قبيل قوله تعالی إِنَّ خَیْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِیُّ الْأَمِینُ (1)، فإنه أمين من جانب وقوي علی إدارة الشؤون والتدبير جانب آخر.
ومن قبيل قوله تعالی قالَ اجْعَلْنِی عَلي خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّی حَفِیظٌ عَلِیمٌ (2)
فإنه أمين من جانب وذو علم من جانب آخر.
ومن هنا فالمؤمن العادل إذا قام بأخبار ما، وكان قد أستند إلی مستندات وهذه المستندات قد تصيب وقد تخطيء فما هي الضمانة للصدق دائماً؟!
فربما نفتقد الضمانة الدائمة المطابقة للواقع، لأن هذه المستندات وإن كان معذوراً هو في الإستناد إليها لكنها لا تؤمن الضمانة الدائمة للصدق.
وبتأمين الضمانة الدائمة للصدق لابد أن تكون منابع العلم منابع منفتحة علی الواقع، فلا يمكن أن تتخطي الواقع ولا الواقع يمكن أن يتخطاها.
ومن هنا فالصدق الخبري لا يمكن أن يقرر بنحو الديمومة والثبات إذا لم تكن المنابع العلمية محيطة بالواقع.
وبعبارة أخری الصدق الخبري ليس فقط يؤثر فيه الصفات العملية للإنسان أو للمخبر وبل للصفات العلمية دور رئيسي أكبر أيضاً.
فيتضح أن المنبع العلمي الذي يستند إليه المخبر إذا لم يكن محيطاً وتاماً بالواقع فلا يؤمن الصدق الدائم، وهذه الحيثية تعني أن الدرجة العلمية للمخبر مؤثرة بشكل ركني وبنيوي في صدق الصادق، ولذلك - مع احترامنا وتقديرنا لكل من يتسمي بعادل - فإن العادل ليس هو صادق دائماً ، وإن لم يتعمد هو الكذب، ولكن الأمر والحال تلقائياً يقع في الكذب،
لأن العادل مهما بلغت عدالته وتقواه فليس لديه منابع علمية يمكن أن تحيط بالواقع، وهذه القضية ليست فقط لشخص العادل وإنما هي سارية في كل أصحاب العلوم.
مثلاً خبير فيزيائي أو كيميائي أو في أي علم من العلوم الأخري، لا يمكن أن يقدر لذلك العالم أن يكون صادقاً أو واقعياً في أحكامه وأخباره دائماً، لأن هذا الركن الأول ليس له خبرة فيه وهو أن يكون منبع العلم لديه منبعاً علمياً محيطاً بالواقع.
ومن هنا نأتي إلی بحثنا وهو أن الأنبياء إذا لم يكونوا علی درجة من العلم اللدني المحيط بالواقعيات، لا يمكن أن يؤمن فيهم الصدق بنحو دائم، دع عنك الآن الصدق الفاعلي، فالصدق الفاعلي في الراوي العادل صدق فرض نهاية، وهو بحسب روايته وسلوكه في عدم تعمد الكذب وإن كانت كل روايته كذباً من حيث لا يشعر، ولكن وليكن كلامنا الآن في الذي لا يصدر منه كذب، لأنه بحسب المقولة والمقال والقول لا تكون مقالاته وإخباراته وآرائه مخالفة للواقع أي تؤمن المطابقة.
فتبين أن الصدق بحسب الخبر وبحسب القول والمقال لا تظنن أبداً أنه يؤمن بحسب الصفات العملية الصحيحة لدي القائل والمقول. فإن الركن الركين أن يكون مستنده العلمي منفتحاً، متسعاً، محيطاً بالواقعية علی سعته، فلو لاحظنا رواة الأخبار سواء عند الفرق الإسلامية أو في الفرق
والملل والنحل الأخري، فالراوي لأي كان إنتمائه كيف يؤمن حجية خبره، وإن كانت الحجية عند الجميع لاتصل إلی اليقين، بل تصل إلی الظن. ولماذا حجية العابد الصالح العادل تصل إلی الظن ولا تصل إلی اليقين؟!
هناك عدة زوايا وعدة حيثيات لابد أن تؤمن بشكل ظني كي نصل إلی الحجية الظنية في الخبر، وهذا حتی في الأحكام والقوانين الوضيعة، فعندما يأتي شاهد أو شاهدان أو شهود في محكمة قضائية أو في خصومة معينة، هناك زاوية من الزوايا ألا وهي زاوية الاشتباه، مستند هؤلاء الشهود والرواة للتراث الديني الإسلامي أو غير الإسلامي هناك زاوية تسمي بالاشتباه أو الغفلة، كيف نؤمن أن هؤلاء الشهود، أو الرواة، أو المخبرين لم يغفلوا، نؤمن ذلك من خلال الحس، بل إن المستندات اليقينية علی درجات في علم المنطق وعلي مراتب منابع اليقين من أوليات، وجدانيات، حسيات، حدسيات، ومتواترات حسب درجات، لأن حدود اليقين في هذه المراتب له مديات مختلفة، مثلاً الحس له دائرة معينة ووراء هذه الدائرة، لا يورث الحس اليقين بل الظن، هو وراء هذه الدائرة كماً ومساحة، أو في هذه الدائرة كيفاً، ومن باب المثال المصباح المشتعل مثلاً، له دائرة ينير فيها، ووراء هذه الدائرة يكون الظلام ويتسلط هذا الظلام علی نور هذا المصباح، وراء هذه الدائرة المعينة فرضاً إلی عشرة أمتار أو عشرين متر لا إضاءة له.
إذاً قوة هذا المصباح كماً، مساحة إلی مائة متر من حيث الكم لا من حيث الكيف وإذا أردت أن تنظر في نور هذا المصباح الذي أمامنا فلا
نستطيع أن ننظر به إلی أشياء ناعمة جداً مثل أجزاء الساعة اليدوية، بل نحتاج إلی نور أقوي كيفاً.
فنلاحظ هذا المصباح نوراً ذا مائة وحدة طاقية ولكن له كيفاً حداً في دائرته، ومدي محدود يجلب لك الحقيقة كيفاً وكماً ومساحة ، فليس لديه سعة لا محدودة من جهة الكيف وليس لديه سعة لا محدودة من حيث الكم، وهكذا الحجج الإلهية فإن لها مراتب.
فالمستند العلمي ولو كانت صورته يقينية إلا أن هذا اليقين ليس له سعة كماً وكيفاً بنحو لا محدود، هذا لو كان المستند هو من منابع اليقين، فكيف لو كان المستند من منابع ظنية، فالحال سوف يكون أضعف وأضعف.
ومن خلال هذا يتضح أن أخبار العدول أو الثقاة غالباً ما تكون حجيته ظنية، وإلي مراتب المنابع في الإدراك وفي مستندات العلم ومحدوديتها نري الإشارة في الكتاب الكريم وأنه تعالی عَزَّ وَجَلَّ يخطيء النصاري واليهود في دعواهم، أن النبي عيسي قتل مع أن مستندهم كان هو الحس وَ قَوْلِهِمْ إِنّا قَتَلْنَا الْمَسِیحَ عِیسَی ابْنَ مَرْیَمَ رَسُولَ اللّهِ وَ ما قَتَلُوهُ وَ ما صَلَبُوهُ وَ لكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَ إِنَّ الَّذِینَ اخْتَلَفُوا فِیهِ لَفِی شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّباعَ الظَّنِّ وَ ما قَتَلُوهُ یَقِیناً بَلْ رَفَعَهُ اللّهُ إِلَیْهِ وَ كانَ اللّهُ عَزِیزاً حَكِیماً (1).
1) (1) سورة النساء: الآية 157 - 158.
وهذا الحس تشبيه بترائي الشبيه بالحقيقة حيث ألقي الله مثال النبي عيسي علی الشخص الخائن الواشي فاشتبه الحال علی اليهود والنصاري، وهذا ليس بسحر منه تعالی بل هذه كرامة إلهية بأن يحجب أبصارهم عن رؤية ذلك الرجل بحقيقته.
ومن باب المثال علی الحس الخاطئ، أنك إذا نظرت إلی أي شارع معين يمتد إلی الأفق أمامك وإذا أمعنت النظر إلی نهاية الأفق سوف تري أن ضفتي هذا الشارع ملتصقتين مع أنك تجزم بعقلك أنهما ليس ملتصقتين بينما الحس يريك عكس ذلك، وهذا دليل علی أن الحس يخطأ، فالحس له مجال وأفق معين من الصدق وما ورائه يخطأ.
مثال آخر، لو كانت هناك شعلة نارية بيد شخص ما وكان هذا الشخص يدير تلك الشعلة بقوة فسوف يترائي لك أن هناك حلقة نارية بيد ذلك الشخص الذي يدير الشعلة بيده، بيد أنها ليست حلقة بل هي شعلة واحدة لكن توالي صورة الشعلة علی العين بسرعة تتألف منها حلقة نارية، وهذا خطأ حسي أيضاً.
ومناشيء الحس الخاطئ التي ذكروها كثيرة سواء كانت عن طريق البصر أو غيره كما في الهندسة، ولذلك لا يعتمد البحوث الهندسية العملاقة علی مجرد الحس وإلا لفشلت في كثير من إنجازاتها، ولما كانت إنجازاتهم مؤمنة ومضمونة بالسلامة، لأن الحس لا يضبط أكناف المشهد الخارجي بتمامه.
ظاهرة أُخري نذكرها في الاخبارات والمقولات، وهي أن الراوي الفقيه في الفروع مثلاً عندما يروي الرواية التي عن النبي(صلي الله عليه و آله) أو عن الأئمة(عليهم السلام) يكون ضبطه للرواية أكفأ من الراوي غير الفقيه، ولذلك تكون رواية الأفقه هي المقدمة في الترجيح بين الروايات عند التعارض والتنافي.
وهكذا الحال بالنسبة إلی الراوي الذي يخوض في باب المعارف، فإن ضبطه لنكات المعارف في الروايات الصادرة عن بيت النبوة والعصمة أضبط من غيره حتی من فقهاء الرواة في الفروع، وهذا ما شاهدناه بالاستقراء وفي موارد كثيرة.
فإن تخصص الرواة مؤثر في ضبطهم للأحاديث الصادرة عن المعصومين(عليهم السلام) وهذا يدلل علی أن الأهلية العلمية التي يمتلكها الراوي في مجال ما يرويه مؤثرة جداً، وهذه نكتة علمية يجب الالتفات إليها.
ومن ذلك تنقشع الغفلة في مقولة كثير من تقديم رواية الراوي الجهبذ والثقة العين النيقد في الفروع، في المعارف، في الدلالة والحجية علی رواية الراوي الذي يروي روايات المعارف، وأن هذا القول ليس صحيحاً، لأن الراوي المحترف في روايات المعارف تكون روايته أضبط من غيره في المعارف لأن المجال والاختصاص اختصاصه ومجاله، وللأسف الشديد أن هذه الضابطة متروكة في علم الرجال تماماً إلا من المحققين فإنهم التفتوا إلی هذه المسألة وفي المسألة فائدة عظيمة في البحث العلمي.
فالمستوي العلمي لدي الراوي يؤثر طرداً في صدقه وضبطه واتقانه للمتن في المجال الذي يخبر عنه ويروي فيه.
ومن هنا نفهم معني ومنشأ صدق الأنبياء ولا سيما سيدهم(صلي الله عليه و آله) إذا كان يخبر عن غيب الغيوب وعن شؤون الملكوت المختلفة والمفروض أن إخباره صدق مطلق منه(صلي الله عليه و آله)، حيث أن له إحاطة علمية حضورية بتلك العوالم فيكون صدقه بأصدق إطلاق ناشئ من نفوذ علمه وإلا فكيف يكون له قدرة إفهام للبشر ولا يكون له قدرة علی الصدق المطلق، وهذا التعريف لحقيقة صدق النبوة يختلف عن التعريف التي تستعرضه جملة من الكتب الكلامية -ولا أقصد الكل - حيث تصور أن الأنبياء مثل حافظة الصوت يخزنون ما يصل إليهم صوتاً ثم يبلغوه يعني كالرواة وهذا لا يمكن تصوره في الأخبار عن هائل من المعلومات وهول من الحقائق والعوالم من دون أن يكون ضبط علمي محيط بالمعلومات.
وإذا أردنا أن نخوض في هذا البحث غوراً قليلاً وببسط أكثر فنقول، لماذا كتب الأنبياء(عليهم السلام) تتفاوت هيمنة وعلواً وإحاطة عن بعضها البعض، مثلاً القرآن الكريم يوصف بأنه مهيمن علی الكتب السماوية كلها وَ أَنْزَلْنا إِلَیْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَیْنَ یَدَیْهِ مِنَ الْكِتابِ وَ مُهَیْمِناً عَلَیْهِ (1)
1) (1) سورة المائدة: الآية 48.
وكذلك التوراة تختلف عن الإنجيل، والإنجيل يختلف عن صحف إبراهيم، وصحف إبراهيم تختلف عن صحف موسي وهكذا.
فلماذا هذا الاختلاف.
قد يقال أن سبب هذا الاختلاف بلحاظ الشرائع أو اعتبار تدريجية التشريعات الإلهية.
ولو أردنا أن نتعمق أكثر نسأل نفس هذا السؤال حول العلوم والمعلومات العقائدية، لأن العقائد لا يمكن أن تنسخ بين نبي ونبي آخر، لأن الدين لا نسخ فيه إِنَّ الدِّینَ عِنْدَ اللّهِ الْإِسْلامُ (1)، وَ مَنْ یَبْتَغِ غَیْرَ الْإِسْلامِ دِیناً فَلَنْ یُقْبَلَ مِنْهُ (2)، وإنما النسخ يكون في الشريعة أو المنهاج لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهاجاً (3).
إذن الدين واحد وهو عبارة عن مكونات العقيدة التي لا نسخ فيها، ويتضمن أيضاً أركان الفروع التي هي الشريعة والمنهاج، فلماذا تفاوت الأنبياء في بيان المعارف والتي هي حقائق عن العوالم والكونيات؟!
ونحن نعلم أن الموحي الأصلي وهو الله رب العالمين مرسل لكل الأنبياء، فمن جهة القنوات الإلهية في قدرة الله سواء وعلي حالها ولا اختلاف فيها لجميع الأنبياء، فما هو سبب هذا التفاوت؟
إن التفاوت المذكور صار وأصبح بسبب نفس مستويات الإحاطة
الحضورية لتلك الرسل والأنبياء، وهذا ما أشار إليه قوله تعالی تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلي بَعْضٍ (1).
وهذا ليس كما يفسره أصحاب الإثارات والشبهات، من أن الأنبياء يبلغون عن الواقعية وعن الباري تعالی بمقدار تلوينات ذواتهم لتلك الحقيقة - والعياذ بالله - بل الحقيقة هو أختلاف مقاماتهم كمرايا من جهة ومن جهة الإحاطة الحضورية لعروج ذواتهم إلی غير ذلك من الجهات في أنواع وحي النبوة.
ففي حديث طويل قال الإمام الرضا(عليه السلام) وهو يحاور عمران الصابي: ... ألا بالله أخبرني عن المرآة أنت فيها أم هي فيك؟ فإن كان ليس واحد منكما في صاحبه فبأي شيء استدللت بها علی نفسك ياعمران؟
قال: بضوء بيني وبينها، قال الرضا(عليه السلام) هل تري من ذلك الضوء في المرآة أكثر مما تراه في عينك؟ قال: نعم، قال الرضا(عليه السلام): فأرناه فلم يحر جواباً، قال: فلا أري النور إلا وقد دلك ودل المرآة علی أنفسكما من غير أن يكون في واحد منكما(2).
فالمرآة بقدر صفائها تعكس النور أكثر فأكثر، والآيات الإلهية تختلف
عن المرايا لأنه هناك آيات كبري وصغري وآيات أكبر من الكبري حسب بيان القرآن الكريم:لَقَدْ رَأي مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْري (1).
فهذه العلامات وهذه المرائي تختلف درجاتها مما يدلل علی أن ما يبلغه الأنبياء(عليهم السلام)لابُدَّ أن يكونوا قد أحاطوا به علماً ومن ثم يبلغوه، وإلا فكيف يكون هناك ضبط وإتقان وصدق فعلي وصدق فاعلي، والضبط - كما مرَّ - يعني الصدق الذي لا يتكيء علی ركازة واحدة، بل لابد أن يتكأ علی الجانب العلمي.
ومن باب المثال، في آية الفيء ما أَفاءَ اللّهُ عَلي رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُري فَلِلّهِ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِی الْقُرْبي وَ الْیَتامي وَ الْمَساكِینِ وَ ابْنِ السَّبِیلِ (2)والفيء عند المسلمين هو ثروات الأرض، يعني أن إدارة الفيء، وحاكمية الفيء، وولاية الفيء إلی الله عَزَّ وَجَلَّ وللرسول(صلي الله عليه و آله) ولذي القربي(عليهم السلام) لأن اللام هنا لام ملكية التدبير والإرادة والتمكين أي لام الولاية، (فَلِلّهِ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِی الْقُرْبي) فقد تكررت هذه اللام في الثلاثة الأولي، ولم تتكرر في ( وَ الْیَتامي وَ الْمَساكِینِ وَ ابْنِ السَّبِیلِ ) أي الطبقات المحرومة، فلماذا هذا التخصيص للام بالنسبة إلی الملكية خاصة في (فَلِلّهِ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِی الْقُرْبي) دون الطبقات المحرومة؟!
هنا يجيب علی ذلك مفاد الآية الشريفة أي (كَیْ لا یَكُونَ دُولَةً بَیْنَ الْأَغْنِیاءِ يعني كي لا يحتكر الأغنياء أو الطبقات الغنية والمرفهة أموال الأرض في يدها ومن ثم سوف تظلم باقي الطبقات المحرومة، ومن هنا فلابد من إسناد ولاية تدبير أمور الأرض إلی قربي النبي(صلي الله عليه و آله) بالأسباب كي تنتشر وتفشو العدالة في الأرض من العدالة الاقتصادية والنقدية، وكذلك العدالة في القدرة التي تؤمن العدالة في كل مجالات الحياة من المجال السياسي والاقتصادي والأمني.
فلابد من وجود برنامج علمي في السياسة الاقتصادية العادلة التي تؤمن قانون عادل مالي اقتصادي تجاري زراعي ضريبي جمركي في كل أصعدة الاقتصاد، ولو نلاحظ الآن الأزمة الحالية في أمريكا وفي كل العالم، وقد عجز منظرو الرأسمالية، ونظام السوق الحرة، ونظام التجارة العالمي الموحد، ونظام البورصة عن الوصول إلی تنظيم عادل ومعالج للأزمة، والنظام الاقتصادي المالي قد مر بمراحل وتطور كثيراً وآخر ما وصل إليه هو نظام (السوق الحر)، وهذا النظام أثبت فشله، لأن عصابات الأموال سرقت كل ودائع البشر والشعوب الموجودة في البنوك.
وبعبارة أُخري الشيوعية أتت وفشلت كتنظير فضلاً عن التطبيق، وهكذا الاشتراكية والرأسمالية كتنظير وتطبيق أيضاً فشلتا، وأثبتت البشرية عجزها وحيرتها في التنظير فضلاً عن مرحلة التطبيق كعمل، بل كنظام
نظري قانوني يؤمن العدالة البنكية والمصرفية وعدالة البورصات وعدالة توزيع الأموال وحركتها، بل وكذلك عدالة الصناعة والزراعة والدول في تنافس زراعي وصناعي وفي خضم هذا التنافس دولة تدمر أخری وتدمر شعوب أخری بسبب هذا التنافس، وهناك ملفات وحوادث كثيرة لو أراد الباحث أن يتتبعها، ولهذا تري الدول العظمي تدعوا إلی مؤتمرات دولية لرسم قواعد جديدة في النظام المالي يتطاول فكرهم في مثل هذه الأزمات (كَیْ لا یَكُونَ دُولَةً بَیْنَ الْأَغْنِیاءِ) وهذه ملحمة قرآنية ذكرها الباري منذ أربعة عشر قرناً وإلي يوم القيامة، والقرآن يتحدي البشرية في هذه الملحمة من أنه (لم ولن ولا) تتحقق العدالة حتی علی المستوي النظري للبشر إلا بقربي النبي(صلي الله عليه و آله)ما أَفاءَ اللّهُ عَلي رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُري فَلِلّهِ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِی الْقُرْبي وَ الْیَتامي وَ الْمَساكِینِ وَ ابْنِ السَّبِیلِ فخصص الله تعالی ولاية أموال الأرض إلی قربي النبي(صلي الله عليه و آله) وعلل ذلك بقوله تعالی (كَیْ لا یَكُونَ دُولَةً بَیْنَ الْأَغْنِیاءِ) وليس التخصيص هنا من باب العصبية أو القبلية بل للتعليل المذكور.
وهذا تحدي واضح لكل البشرية حتی لو زعم أحدهم الاستمساك بالقرآن من دون أهل البيت(عليهم السلام) لن يستطيع أن يرسم للبشرية أي نظام عادل دون قربي النبي(صلي الله عليه و آله) فضلاً عن عدم ضمانة التنفيذ والاجراء.
وهذا مما يدلل علی أن العدالة تحتاج إلی دعامتين، دعامة منبع علمي هائل تستطيع من خلاله أن تؤمن نظام قانوني لا يشذ عنه أي شيء في رسم العدالة، من قبيل العدالة الزراعية والعدالة المصرفية والنقدية، وعدالة
التسويق والبورصات والضمان الاجتماعي وغير ذلك من الانشعاباب الأخري، والدول العالمية لم تستطع أن تقطع الطريق أمام طبقات الأغنياء في أن لا يمتصوا المال العام أو الخزينة الوطنية لأموال الشعب، ونري كل ما يرسم من نظام معين تظهر علی الخط طبقات الأغنياء بطبقية فاحشة لتستولي علی موارد الفقراء، فالبشرية في حيرة وقلق مستمر من رسم نظام عادل، وبكل صراحة فإن المدارس الإسلامية لم تستطع أن تنظر معارف الإسلام العظيم بما يحمل من أسس، وبما يحمل من حظر ومحظورات علی الغدد السرطانية في الاقتصاد من الربا والاحتكار والمعاملات التمويهية التبادلية (أكل المال بالباطل) التي تسمي بمسميات مختلفة كغسيل الأموال من تحريم القمار واللهويات، فهذه عدة محاور حرمها القرآن الكريم، بعنوان أنها غدد سرطانية في عالم الاقتصاد، وإلي الآن لم يرسم فقهاء المسلمين نظاماً قانونياً بشكل تفصيلي عادل من القرآن الكريم والسنة النبوية بحيث يجذب كل أنظار البشر.
إن الذي يستطيع أن يرسم هذا النظام العادل هو عدل القرآن والعليم بالقرآن، ولا يكفي في القدرة علی ذلك كون الشخص مديراً صادقاً وعادلاً ونيته عادلة ولديه إرادة مخلصة من دون أن يكون لديه علم محيط كفوء يرسم ليس في بقعة من البلاد بل للكرة الأرضية نظام تجاري أو مصرفي أو زراعي أو صناعي أو جمركي (ضريبي) عادل؟! فَلابُدَّ من وجود العلم المحيط، وهذا التاريخ للإقتصاد والنظام البشري كله عبارة عن شهادات في التجربة للتاريخ البشري ونداءات تلح وملحة تطالب
بصاحب العلم المحيط، فإن لم نصل إلی الشخص والشخصية ذات العلم المحيط لم يمكن أن ترسم ولا يكتب نظام تلك العدالة والموصوف في القرآن الكريم (كي لا يكون دولة بين الأغنياء).
ويؤثر في أمانة وصدق النقل جنبتان، جنبة في الصفات العملية وجنبة أخری ترتبط في الصفات العلمية، والأمانة في النقل لا تتأثر بالجنبة العملية فقط - كما قد يظن البعض - بل ترتبط بنحو أكبر بالجنبة العلمية أيضاً فهناك صدق فاعلي وصدق فعلي، والذي يتأثر في الجنبة العلمية هو الصدق الفعلي، فالقول أو الصدق الخبري يتأثر في الجنبة العلمية من ناحية نقل الخبر، فمثلاً لو كان هناك أي خبر تخصصي معين وإن كان حسياً كعلم الفلك - مثلاً - فإذا كان المخبر فلكياً وذا تخصص في الفلك فمن الواضح يختلف عما لو كان المخبر من غير هذا التخصص المذكور، لأن المخبر الفلكي يتفطن إلی أين يركز في نقل الخبر أو في إيصاله أو إعلانه.
وهكذا بالنسبة إلی الطبيب فإنه يخبرنا بحالة معينة في بدن المريض أو ما شاكل ذلك، ولذلك تراه يركز أين هي المواضع ذات الصلة وذات الأهمية للحالة المرضية، وهذا بخلاف ما لو كان المخبر عن هذه الحالة المرضية غير ذي الاختصاص وإن كان صادقاً أميناً لأنه لا يفطن ولا يعي شيئاً من أحكام الطب، فالمخبر لابُدَّ أن يكون له إلمام بذلك المجال، ولابد أن يكون هناك اطراد وتناسخ بين علم المخبر بالمجال المخبر به والخبر الذي يخبر به، وإلا لما كان له القدرة علی الصدق ولا القدرة علی الضبط والدقة.
ومن هنا نتعرف علی معني وحقيقة الصدق والأمانة في نبوة سيد الأنبياء(صلي الله عليه و آله) بإخباره عن القرآن، وقد مر في البحوث السابقة أن للقرآن نزولين، وبعبارة أخری أن للقرآن الكريم منازل ومقامات وليس نزولين فقط، وهذه القاعدة لو ضممناها ولو بشكل فهرسي مختصر إلی ما نحن فيه من صدق النبي(صلي الله عليه و آله) فيما يبلغه عن الله عَزَّ وَجَلَّ فيتقرر:
إن صدق النبي(صلي الله عليه و آله)في الذي يبلغه عن الله عَزَّ وَجَلَّ ليس هو القرآن المقروء والمتلو فقط لأن القرآن المتلو هو القرآن الذي نزل نجوماً طوال عشرين عاماً سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسي (1)وقوله تعالی إِنَّ عَلَیْنا جَمْعَهُ وَ قُرْآنَهُ فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (2).
فهذا النزول النجومي يقرا ويتلي وَ رَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِیلاً (3). وقد بدأ هذا النزول منذ اليوم السابع والعشرين من شهر رجب، وقد نزل قسم منه في مكة والقسم الآخر في المدينة ولهذا يسمي مكي ومدني.
ولكن ماذا عن صدقه وأمانته(صلي الله عليه و آله) في النزول الآخر للقرآن غير المتلو وغير المقروء والذي هو عبارة عن الروح الأمري الموصوف بالكتاب المبين الذي يستطر فيه كل شيء في السماء والأرض.
ولكن ماذا عن صدقه(صلي الله عليه و آله) في نزول آخر للقرآن الكريم وهو نزوله جملة واحدة، وهذه القاعدة التفسيرية ينفتح منها بحوث كثيرة وتنحل بها معضلات كثيرة في مباحث التفسير، وإذا أغفلها المفسر فسوف يرتطم بعقبات وبإشكاليات وبمبهمات لا يستطيع حلها إطلاقاً، وهناك جملة من مفسري العامة يقرون بهذه الحقيقة أو القاعدة من النزول الثاني للقرآن مثل الطبري في تفسيره الكبير، والسيوطي وغيرهما، وقد رووا روايات شبيهة بروايات أهل البيت(عليهم السلام) من أن نزول القرآن جملة واحدة كان في شهر رمضان، وهذا ما أشارت إليه الآية الكريمة وهي قوله تعالی شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِی أُنْزِلَ فِیهِ الْقُرْآنُ هُديً لِلنّاسِ وَ بَیِّناتٍ مِنَ الْهُدي وَ الْفُرْقانِ (1)وكذلك قوله تعالی إِنّا أَنْزَلْناهُ فِی لَیْلَةِ الْقَدْرِ (2)وقوله تعالی حم وَ الْكِتابِ الْمُبِینِ إِنّا أَنْزَلْناهُ فِی لَیْلَةٍ مُبارَكَةٍ (3)يعني في ليلة القدر من شهر رمضان.
فقد روي الكليني بسنده إلی أبي عبدالله(عليه السلام) قال: نزل القرآن جملة واحدة في شهر رمضان إلی البيت المعمور، ثم نزل في طول عشرين سنة. ثم قال: قال النبي(صلي الله عليه و آله) أنزل القرآن في ثلاث وعشرين من شهر رمضان(4).
وقد ورد في روايات أهل البيت(عليهم السلام) أن البيت المعمور هو قلب
براي ادامه مشاهده محتواي كتاب لطفا عبارت امنيتي زير را وارد نماييد.
ص:
براي ادامه مشاهده محتواي كتاب لطفا عبارت امنيتي زير را وارد نماييد.
ص:
براي ادامه مشاهده محتواي كتاب لطفا عبارت امنيتي زير را وارد نماييد.
ص:
براي ادامه مشاهده محتواي كتاب لطفا عبارت امنيتي زير را وارد نماييد.
ص:
وقد يسأل سائل - وهذا ما يثار الآن - أنه إذا كانت ولاية علی بن أبي طالب(عليه السلام) بوصية من الله تعالی ونص من السماء - كما نعتقد نحن الإمامية - فلماذا يعرضها رسول الله(صلي الله عليه و آله) علی القوم أي علی غير الوصي المنصوص عليه من السماء من بني هاشم؟.
والجواب:
أولاً: أن مقام الإمامة كمقام النبوة ليس جبرياً ولا إلجائياً وإن كان إصطفائياً وهبياً منه تعالی فهذه المقامات الإلهية وإن لم تكن إكتسابية بل إصطفائية عطائية من الله تعالی إلا أنها أيضاً ليست جبرية ولا غير اختيارية بل هي إصطفاء مستمر ونتيجة متقدمة علی عمل وطاعة لاحقة كما يشير إلی هذه الحقيقة في المقام الإصطفائي قوله تعالی (وَ إِذِ ابْتَلي إِبْراهِیمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّی جاعِلُكَ لِلنّاسِ إِماماً) (1).
وكذلك ما ورد في دعاء الندبة «وشرط عليهم الزهد في درجات هذه الدنيا الدنية فشرطوا لك ذلك وعلمت منه الوفاء فقبلتهم وقربتهم وقدمت لهم الذكر العلي والثناء الجلي واهبطت عليهم ملائكتك وكرمتهم بوحيك ورفدتهم بعلمك وجعلتهم الذريعة إليك والوسيلة إلی رضوانك ....»(2).
فليس المقام الإصطفائي هبة مجانية وعطية ربانية جزافاً بل نتيجة العلم
الإلهي بنجاح ذلك الشخص الذي يتعلق به الإصطفاء في الإمتحانات الإلهية.
ثانياً: لأن بني عبد الملطب كانت لهم درجة من الأهلية بما فيهم أبو لهب فقد كانت له درجة من الأهلية كما في مثل بلعم بن باعورة، إلا أنه خسأ وأخلد إلی الأرض فسفل، فقد أعطي لبلعم بن باعورة شيء من الأسم الأعظم، في حين نري كثير من المؤمنين الصالحين لم يعص الله ويدخل الجنة مع أنه لم يعط هذا الاسم الأعظم، فمثل هذه الحالات والمعادن موجودة في طبايع البشر والمخلوقات من أن الإنسان قد تكون له قابلية في أن يعطي شيء من الأسم الأعظم ثم يفرط فيها ويرمي بنفسه إلی أسفل السافلين فيحرم عليه هذا الفيض.
ومن خلال الروايات الواردة في تفسير الآية وَ أَنْذِرْ عَشِیرَتَكَ الْأَقْرَبِینَ تبين مدي أهلية بني عبد المطلب، بل نستطيع أن نقول أن هذه الأهلية لم تكن موجودة في أولی العزم(عليهم السلام) بل كانت في بني عبد المطلب، فإن جهات الكمال مختلفة جداً كما أن تلك الأهلية لم تكن بدرجة واحدة في بني عبدالمطلب، كما أنه لم يستثمرها ويفعلها جعفر الطيار(عليه السلام) كما كانت درجتها واستثمارها وتفعيلها عند الإمام علي(عليه السلام)،وكذلك حمزة سيد الشهداء(عليه السلام)، وكذلك أبو طالب(عليه السلام) رغم عظمته لم يبادر وإنما الذي استأهلها بالفعل هو علی بن أبي طالب(عليه السلام)، فعندما يعطي الباري تعالی النبوة لنبي أو الإمامة لإمام لانظنن أنه من باب الجبر، وهذا بحث لم يبلور
في كتب الكلام ولا في كتب التفسير كمسألة مستقلة، مع أن هذا بحث في نفسه مستقل فإن الرسالة والإمامة والاصطفاء ليست أموراً إلجائية بل بالاختيار والاصطفاء.
والمهم أن النبي(صلي الله عليه و آله) بعث إلی بني عبد المطلب خاصة بأحكام وقوانين وشريعة خاصة ترتبط بطاقم القيادة، ففي كل دولة توجد هناك قوانين مرتبطة بالوزارات ووكلاء الوزراء وبرئيس الحكومة وبالحكومة نفسها، والتي تسمي بالقوانين الرئاسية، بحسب الاصطلاح الحديث وهذه القوانين ليست شاملة لكل الشعب وسائر الناس، هذا بالنسبة إلی القوانين الوضعية البشرية، أما بالنسبة للقانون الإلهي أيضاً فهناك أوامر ونواهي خاصة بطاقم القيادة الإلهية ولذلك فإن الله تعالی أول ما بعث به النبي(صلي الله عليه و آله) بعثه إلی عشيرته الأقربين حتی قال لهم: «يا بني عبد المطلب أني والله ما أعلم شاباً في العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه»(1).
ولأهمية هذه البعثة وبعد ما تريث النبي(صلي الله عليه و آله) في الإبلاغ جاءه جبريل فقاله(صلي الله عليه و آله)يا محمد إنك إن لم تفعل ما أمرت به عذبك ربكوهذا نفس التعبير
1) (1) بحار الأنوار ج193 :18، تاريخ الطبري ج62 :2، سنن البيهقي ج7 :9.
واللحن والنبرة الذي ورد في يوم الغدير وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ (1).
فعن أبن عباس، عن علی بن أبي طالب(عليه السلام) قال: لما نزلت هذه الآية علی رسول الله(صلي الله عليه و آله) وَ أَنْذِرْ عَشِیرَتَكَ الْأَقْرَبِینَ دعاني رسول الله(صلي الله عليه و آله) فقال لي يا علی إن الله تعالی أمرني أن أنذر عشيرتك الأقربين قال: فضقت بذلك ذرعاً، وعرفت أني متي أباديهم بهذا الأمر أري منهم ما أكره، فصمت علی ذلك وجائني جبريل فقال: يا محمد أنك إن لم تفعل ما أمرت به عذبك ربك، فأصنع لنا يا علی صاعاً من طعام(2).
وعندما نقول أن النبي(صلي الله عليه و آله) صادق أمين ليس بخصوص المصحف الشريف ولكن صادق أمين عن تلك المنازل والمقامات الغيبية، فعندما نصف النبي(صلي الله عليه و آله) بهذا الوصف ولديه القدرة علی الأنباء العلمي والأمانة العلمية ليس في المصحف الشريف المتلو والمقروء فحسب سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسي 3 أو لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَیْنا جَمْعَهُ وَ قُرْآنَهُ فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَیْنا بَیانَهُ (3)،
وإنما الصدق والأمانة بلحاظ تلك المنازل الغيبية الأخري وبلحاظ كل الغيب، فكيف شاهدها(صلي الله عليه و آله)
وكيف أحاط بها كي يبلغ وينبأ عنها، فما معني الأمانة في تلك الأمور كلوح المحو والإثبات، والقضاء والقدر، واللوح والقلم، وخزائن الله أمين لله عليها، يعني لا يتصرف إلا بإذن الله تعالي، ومن أوصاف الكتاب المبين أنه ظرف لخزائن الله كما يقول الباري تعالی وَ عِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَیْبِ لا یَعْلَمُها إِلاّ هُوَ وَ یَعْلَمُ ما فِی الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ وَ ما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ یَعْلَمُها وَ لا حَبَّةٍ فِی ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَ لا رَطْبٍ وَ لا يابِسٍ إِلاّ فِی كِتابٍ مُبِینٍ (1).
فإن كل ما ذكرته الآية هو في الكتاب المبين، فأمانة النبي(صلي الله عليه و آله) في هذه العوالم لها معني آخر وطابع آخر، كما يذكر ذلك القرآن في المحاورة التي بين الباري تعالی والملائكة حول خلافة آدم وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّی جاعِلٌ فِی الْأَرْضِ خَلِیفَةً قالُوا أَ تَجْعَلُ فِیها مَنْ یُفْسِدُ فِیها وَ یَسْفِكُ الدِّماءَ وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّی أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَی الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِی بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِینَ قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلاّ ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِیمُ الْحَكِیمُ قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّی أَعْلَمُ غَیْبَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ أَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (2).
فإن هذه المداولة التي جرت تبين أن خليفة الله تعالی سواء كان آدم أو غير آدم هو أكثر أهلية في الإحاطة العلمية والأمانة من الملائكة، فإن له قدرة علمية جامعة للأسماء وقدرة علی الأمانة والحفظ في جهات عديدة.
وقد وصف الله تعالی جبرئيل(عليه السلام) بأنه: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِیمٍ ذِی قُوَّةٍ عِنْدَ ذِی الْعَرْشِ مَكِینٍ مُطاعٍ ثَمَّ أَمِینٍ (1). وصف بالمطاع والأمين لأنه لا يزيغ كما تزيغ الشياطين، فالأمانة هنا لها سعة أكبر فليس للنزعات الذاتية والميول مجال في هذه الأمانة الإلهية.
ونظير ذلك أمانة خزنة الجنة والنار وهم أمناء عليها من قبيل قوله تعالی وَ قالَ الَّذِینَ فِی النّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ یُخَفِّفْ عَنّا (2).
وقوله تعالی: وَ قالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَیْكُمْ (3).
وقوله تعالی : وَ نادَوْا يا مالِكُ لِیَقْضِ عَلَیْنا رَبُّكَ (4).
وقوله تعالی: ما یَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاّ لَدَیْهِ رَقِیبٌ عَتِیدٌ (5).
فإستئمان هذه الأمور التي توكل في العوالم الأخري فيها نمط من الصدق ونمط من الأمانة وهم مستأمنون من قبل الله عَزَّ وَجَلَّ، وهؤلاء الملائكة أمانتهم في كفة وفي جانب وأمانة سيد الأنبياء وبلحاظ تلك العوالم في جانب آخر.
وهذا ما بينته سورة البقرة من أن كفاءة خليفة الله أعظم من الملائكة بل وأعظم حتی من رضوان خازن الجنان ومن مالك خازن النيران، فإذا كانوا هؤلاء الملائكة مأمونون علی تدوين أعمال الخلائق فرسول الله(صلي الله عليه و آله)هو الشاهد علی الائمة(عليهم السلام)والأئمة هم الأشهاد عليهم، وهذا بحث آخر سوف نتطرق إليه فيما بعد إنشاء الله تعالي.
وهناك صدق وأمانة لكل دين الله عَزَّ وَجَلَّ والقرآن مهيمن علی بقية الكتب السماوية وهذه الكتب السماوية كالتوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وصحف موسي كلها من دين الله عَزَّ وَجَلَّآمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَیْهِ مِنْ رَبِّهِ وَ الْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَ مَلائِكَتِهِ وَ كُتُبِهِ وَ رُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَیْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَ قالُوا سَمِعْنا وَ أَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَ إِلَیْكَ الْمَصِیرُ (1).
إذن الصادق الأمين(صلي الله عليه و آله) استأمن من قبل الله عَزَّ وَجَلَّ في كل دينه، ودين الباري تعالی لا ينحصر بالنشأة الأرضية ولا بالمصحف الشريف في النشأة الأرضية بل بعوالم سبقت وعوالم تتلو تلك العوالم. ومن يوكل له مثل هذه المسؤولية فهو علی صدق وأمانة تختلف عن باقي الأمانات التي أعطيت للرسل والأنبياء والملائكة، ومن الواضح أن هذه المسؤولية مترامية الأطراف وليست هي مسؤولية تختم الوظيفة فيها بدار الدنيا، وهذا ما
1) (1) سورة البقرة: الآية 285.
سوف يفتح لنا الحديث عن مقامات أخری للنبي(صلي الله عليه و آله) سوف نتعرض إليها فيما بعد إن شاء الله تعالی كمقام الشاهد علی الأشهاد علی الأمم وزعيم الأعراف والقائد والباب لرحمة للعالمين وغيرها.
إن من أوصاف القرآن الكريم هو هذا الوصف المستمر وهو (ليلة القدر)، يعني الأمور التي تتنزل في ليلة القدر لاتنتهي ولا تنقطع، بل أمر متسلسل متعاقب منذ أكثر من ألف وأربعمائة سنة، ويتنزل من القرآن بنود وفصول نعم هي قرآن ولكن ليست هي تنزيل القرآن وإنما هي - كما في لفظ القرآن الكريم - تأويل القرآن، وهذا أحد الأمور والقواعد التي يؤكد عليها أهل البيت(عليهم السلام) ألا وهي أن للقرآن تنزيل وتأويل وظاهر وباطن هُوَ الَّذِی أَنْزَلَ عَلَیْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ (1)وأم الكتاب وصفیَمْحُوا اللّهُ ما یَشاءُ وَ یُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ (2).
فهناك ربط بين المحكمات وأم الكتاب ولوح المحو والإثبات هُوَ الَّذِی أَنْزَلَ عَلَیْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِینَ فِی قُلُوبِهِمْ زَیْغٌ فَیَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغاءَ تَأْوِیلِهِ وَ ما یَعْلَمُ تَأْوِیلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَ الرّاسِخُونَ فِی الْعِلْمِ یَقُولُونَ آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَ ما یَذَّكَّرُ إِلاّ أُولُوا الْأَلْبابِ (3).
والقرآن الكريم وبشكل واضح وصريح يبين أنه كما للقرآن تنزيل تَنْزِیلُ الْكِتابِ إِنّا أَنْزَلْناهُ كذلك للقرآن الكريم تأويل، ولكن تأويل حق وهو عند الراسخين، وتأويل باطل عند غير الراسخين في العلم وهم الزائغة قلوبهم والمتشابه عليهم، وهذه الحقيقة لا يمكن لأي مفسر أن ينكرها، نعم هناك عدة من المفسرين نراه يتحامل علی تأويل القرآن الكريم، وأن هذه نزعة باطنية وأنها نزعة الفرق الباطنية وأن هذا إنحراف واضح، وبقي هذا الأمر إلی أن أتت الفلسفة الغربية ببراهين الهيرمونطيقيا أو الهيرمونتيك ومايسمي بالفلسفات اللسانية أو الألسنيات، والقراءات الدينية والتعددية، وهذه البحوث الفلسفية وإن كان فيها الغث والسمين وليس كلها علی صواب، ولكنها برهنت علی أن النص يقرأ بقراءات لا محدودة علی طبق ضوابط، والمفروض
هكذا إلا أنها تجند للسفسطة والتشكيك، وهذا أمر آخر ونوع من التوظيف الشيطاني لهذه البحوث، فالذي ينكر التأويل الحق للقرآن فإنه ينكر الجزء الأكبر والأوفر من القرآن وكأنما ينكر مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) وينكر أسس وآفاق تلك المدرسة لأن أساسها قائم علی أن للقرآن جنبات غيبية لا يحيط بها إلا المعصوم من الراسخين في العلم. وإذا أنكر هذه الجنبات الغيبية فإنه بعبارة أخری ننكر ضرورة الحبل الممدود بين السماء والأرض من حيث يشعر أو لا. وهناك الكثير من تفاسير أهل سنة الجماعة هاجموا مسألة التأويل لأنه يصعب عليهم الإقرار بأن هناك قول حق عند الراسخين في العلم، ولذا
يجب أن نلتفت إلی أن هناك مباني وقواعد تتفق مع منهاج أهل البيت(عليهم السلام) الواسع والحقيقي والذي هو الصراط المستقيم، وهناك أيضاً قواعد ومباني تتنافي وتصطدم مع منهاج أهل البيت(عليهم السلام) وهذا أمر مهم للباحث في التفسير وفي العقائد وفي الكلام وفي أمور كثيرة من العلوم الإسلامية، فإن هناك تفسيراً وتأويلاً زائفاً لأنه مبني علی الرأي وعلي الهلوسة وبلا ميزان وبراهين ولكن في المقابل هناك تفاسير مبنية علی براهين وبيانات علمية عند المعصوم أو حتی عند غير المعصوم، فإن هناك آيات عديدة - لسنا بصددها الآن - تبين أن القرآن الكريم له تأويل حق وتأويل باطل عند الزائغة قلوبهم.
إنَّ إجماع المسلمين اتفقوا علی عدم تحريف القرآن الكريم، يعني ألفاظ تنزيل القرآن المقروءة لا يزاد فيها ولا ينقص فإن تنزيل القرآن مقام له وتأويل القرآن مقام آخر له، نعم تأويل القرآن قوام حقيقة وجزء مقامات ومنازل القرآن ولكنه ليس جزءاً من التنزيل، يقول الشيخ جعفر كاشف الغطاء إن الموجود في الروايات التي توهم منها التحريف هو في الحقيقة من وحي الله، ولو فرضنا أنه من القرآن ولكنه ليس من تنزيل القرآن وإنما هو من تأويل القرآن، ومن الواضح أن تأويل القرآن من القرآن ولكنه ليس من تنزيل القرآن، فإنه أوحيت للنبي(صلي الله عليه و آله) معاني القرآن مع تنزيله ولكن هي تأويل القرآن. فإنه كما مر أن للقرآن منازل ومقامات، ولا يوجد هناك من ينكر أن الكتاب المبين من القرآن، والطور والرق المنشور
والبحر المسجور واللوح المحفوظ من القرآن، وأم الكتاب من القرآن، فكل ذلك من طبقات القرآن ولكن كل مقام وكل درجة ومنزلة من مقامات القرآن لها أحكام وأوصاف خاصة.
ومن أرد أن يحصر ويحبس أوصاف القرآن الكريم علی تنزيل القرآن فقط فقد أنكر وكفر بتنزيل القرآن، لأن الإيمان بتنزيل ونزول القرآن يستلزم وينبأ عن وجود منازل سابقة علوية غيبية للقرآن، فكيف يمكن أن يغض الطرف عنها أو ينكر وجودها أو أوصافها أو شؤونها.
نظير قوله تعالی: بَلْ هُوَ آياتٌ بَیِّناتٌ فِی صُدُورِ الَّذِینَ أُوتُوا الْعِلْمَ (1)، وهذا يعني أنه ليس فيه متشابه، بينما في موضع آخر قال تعالی هُوَ الَّذِی أَنْزَلَ عَلَیْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِینَ فِی قُلُوبِهِمْ زَیْغٌ فَیَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغاءَ تَأْوِیلِهِ وَ ما یَعْلَمُ تَأْوِیلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَ الرّاسِخُونَ فِی الْعِلْمِ (2).
فكيف يمكن التوافق بين آياتٌ بَیِّناتٌ وبين المحكم و المتشابه ؟
القرآن الكريم أجاب عن ذلك وأن الآيات البينات هي أو وَ الرّاسِخُونَ فِی الْعِلْمِ وهم أهل البيت(عليهم السلام)، وجعل الكافر بها أي بذلك من الفاسقين وَ لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَیْكَ آياتٍ بَیِّناتٍ وَ ما یَكْفُرُ بِها إِلاَّ الْفاسِقُونَ .
ولا يخفي أن معني المحكم والبين متقارب، ولكن المتشابه يشتبه علينا في المعني، بل أحد معاني المحكم - كما فسروه - هو البين، وكما أن البين له معاني أخری أيضاً.
إذن هذه قاعدة مهمة وهي أن القرآن كما أن له تنزيل فله تأويل وهذا التأويل ليس أجنبياً عن القرآن ولكن ليس من تنزيل القرآن - كما مرّ سابقاً - فكما يجب الإيمان بالتنزيل كذلك يجب الإيمان بالتأويل. ولا يسوغ لأي شخص من علماء الأمة وفقهائها ومفسريها أن يدعي أنه ورث عن النبي(صلي الله عليه و آله) إلا التنزيل فقط، أما المقامات عن القرآن فلا يمكن أن يدعي وراثتها أحد غير أهل البيت(عليهم السلام).
فعن شعيب بن أنس، عن أبي عبدالله(عليه السلام) أنه قال لأبي حنيفة:
أنت فقيه أهل العراق، قال: نعم. قال(عليه السلام): فبأي شيء تفتيهم؟ قال: بكتاب الله وسنة نبيه. قال(عليه السلام): يا أبا حنيفة تعرف كتاب الله حق معرفته، وتعرف الناسخ من المنسوخ؟ قال: نعم. قال(عليه السلام): يا أبا حنيفة لقد أدعيت علماً - ويلك - ما جعل الله ذلك إلا عند أهل الكتاب الذين أنزل عليهم، ويلك ما هو إلا عند الخاص من ذرية نبينا(صلي الله عليه و آله) وما ورثك الله تعالی من كتابه حرفاً(1).
وفي رواية أخری عن زيد الشحام قال:
1) (1) الوسائل:47/27، باب6، الحديث: 77133.
دخل قتادة علی أبي جعفر(عليه السلام) فقال له: أنت فقيه أهل البصرة؟ فقال: هكذا يزعمون. فقال(عليه السلام) بلغني أنك تفسر القرآن؟ قال: نعم إلی أن قال يا قتادة إن كنت فسرت القرآن تلقاء نفسك فقد هلكت وأهلكت، وإن كنت قد فسرته من الرجال فقد هلكت وأهلكت، يا قتادة - ويحك - إنما يعرف القرآن من خوطب به»(1).
ومن خلال هاتين الروايتين يتضح أن المقصود ليس هو تنزيل القرآن بل تأويله، فلا يستطيع أحد من علماء الأمة أو عرفائها أو فلاسفتها أن يدعي أن النبي(صلي الله عليه و آله) أورثهم آية من بواطن الآيات أو من المقامات الغيبية في الآيات بل تلك الأمور أورثها الله عَزَّ وَجَلَّ إلی ثلة مصطفاة وهم محمد وآل محمد (صلوات الله عليهم أجمعين) (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِینَ اصْطَفَیْنا مِنْ) (2)و(إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِیمٌ فِی كِتابٍ مَكْنُونٍ لا یَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ) (3)أهل آية التطهير.
من ألقاب النبي(صلي الله عليه و آله) وأوصافه هو سيد الأنبياء، وهذا ما نجده عند عامة المسلمين ولكن هناك قلائل إن لم نسمهم شذاذ لم يتبنوا ذلك، وهذا نتيجة ركونهم إلی روايات واهية تذكر في مصادر الحديث عند بعض أهل سنة الجماعة من قبيل قوله(صلي الله عليه و آله): من قال أنا خير من يونس بن متي فقد كذب(1).
وقوله(صلي الله عليه و آله): لا تخيروني علی موسي(2).
وهذه روايات ملامحها واضحة في الدس والتدليس فيها لمناقضتها مع القرآن الكريم والقطعي من السنة، فقد ورد أن الله تعالی قال لموسي(عليه السلام):
يا موسي من لقيني وهو جاحد لمحمد أدخلته النار ولو كان إبراهيم خليلي وموسي كليمي.
قال - موسي - إلهي ومن محمد. قال: ما خلقت خلقاً أكرم عليّ منه
كتبت أسمه في العرش قبل أن أخلق السماوات بألفي ألف سنة(1).
ومن الطبيعي أن قاعدة سؤدد وسيادة النبي(صلي الله عليه و آله)علي باقي الأنبياء لا ننظر إليها كمديح وثناء بل هذه القاعدة تفتح لنا باباً وحقايق علی قواعد وبحوث عديدة في مباحث النبوة وبالذات مباحث نبوة خاتم النبيين.
وبعبارة أخری أدق وأعمق نستطيع أن نقول إن لغة الفضائل والمديح في القرآن الكريم أو السنة القطعية ليست هي عبارة عن أدب مديحي جميل في لغة الوحي بل مفاده ومؤداه أن هناك مقاماً ومنصباً إعتقادياً وله آثار وحجية.
فالقرآن الكريم في أكثر من موضع عظم أهل البيت(عليهم السلام) وهذا التعظيم ليس نوعاً من المجاملات الوحيانية من السماء مع أهل البيت(عليهم السلام) فلا توجد هناك أي قرابة أو نسبة ولادة بين الله تعالی وخلقه، بل هذا التعظيم وهذا المديح له مغزي عقائدي في مقام الحجية، بدل أن يستعمل القرآن الكريم لغة كلامية أو لغة فقهية أو لغة قانونية فهو يستخدم لغة فضيلية، فالفضيلة أو الأدب في لغة الوحي لابد أن نترجمه في علم العقائد وفي علم المعرفة بأنه مقامات وقوالب حجية في المعارف، وكذلك نترجمه في اللغة الفقهية إلی إلزام وطاعة وقانون وإنضباط.
1) (1) لسان الميزان لابن حجر ج45 :3.
فعندما نري ذلك الأدب الذي بين موسي والخضر(عليه السلام) فهو ليس مجرد تعارف أو مجاملة محضة، بل هذا الأدب الذي بينهما يعكس لنا موقعية ومقام النبي موسي(عليه السلام) من موقعية الخضر(عليه السلام) فعندما يقول النبي موسي(عليه السلام) للخضر قالَ لَهُ مُوسي هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلي أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمّا عُلِّمْتَ رُشْداً (1). فهو لم يفرض عليه أني سأتبعك فيكون موسي(عليه السلام) تابع والخضر(عليه السلام) متبوعاً، وهكذا بالنسبة إلی الخضر(عليه السلام) عندما قال لموسي(عليه السلام) قالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِی فَلا تَسْئَلْنِی عَنْ شَیْءٍ حَتّي أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً (2)فهو أيضاً لا يفرض عليه، وهذه الحدود في معاني كلامهما ليست من باب المجاملة التي يتعاطاها بقية البشر عبطاً وإنما هذه حقائق تعكس النسبة بين صلاحيات مقامهما ونسبة العلاقة بينهما كما هو مفاد قول الخضر قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِیعَ مَعِیَ صَبْراً (3).
إذن هناك نسق من الآداب للتعامل بينهما لا أنه مجرد باب أخلاقي مجاملي آدابي.
ومن الأزمة الفكرية التي ربما أبتلي بها كثير من المسلمين والمؤمنين أنهم عندما يذكرون لغة الفضائل لسيدة النساء يقولون إن هذا مجرد مديح
من النبي(صلي الله عليه و آله) أو مديح إلهي لفاطمة(عليها السلام)، وكأنه يوجد بين الله وبين خلقه محاباة أو نوع من المجاملات، كلا ليس الأمر كذلك بل هذا المديح يعطي بعداً عقائدياً بلغة فضيلة، فهو عقدي وحججي وقانوني، كما يقولون في الجرح والتعديل هذا عدل لأجل حجية روايته وإخباره الحسي، فهل التوصيف في كلام الله تعالی لا حجية فيه؟!
ومن ثم تري كتب الصحاح الستة عند جمهور العامة فيها أبواب خاصة لفضائل الإمام علي(عليه السلام) أو للحسنين أو لفاطمة(عليها السلام) وفضائلهم هذه تغاير فضائل الصحابة المزعومة في المحتوي والماهية، وهكذا الأمر بالنسبة إلی فاطمة(عليها السلام) من أنها سيدة النساء أو سيدة نساء أهل الجنة، فإذا كانت فاطمة(عليها السلام) لها سؤدد علی مريم فهذا مقتضاه أن كل فضائل فاطمة فوق فضائل مريم، وإذا كانت لمريم(عليها السلام) حجية أو تتكلم مع جبرئيل مع أن مريم ليست بنبية، كما أن لمريم إصطفاء وعصمة وطهارة فكيف بالذي لفاطمة(عليها السلام).
إذن هذه ليست لغة مجرد فضائل ومديح وشعر وأدب كما يقوله الشعراء والمداحون والأدباء من بحر الخيال بل هو من معدن الحقايق وإنما هذا نص إلهي في المعرفة والقرآن الكريم والوحي السماوي وله لغات متعددة، فثالثة بلغة القصص وأيضاً لها مغازي حججي وعقائدي وقانوني، ورابعة بلغة الحكم، وخامسة بلغة الجدل بالتي هي أحسن، وحاشا للقرآن أن يكون للمرائات أو للمعايات والأبكات وإنما هو لأجل إيصال مغزي معرفي لحقيقة ومفاد تشريعي وأدياني.
وهذه وقفة مهمة في منهجية المعرفة يجب أن نلتفت إليها وهي أن الفضيلة كمال والكمال اصطفاء لمقام ومنصب إلهي.
حينئذ نأتي إلی معرفة سؤدد سيد الأنبياء(صلي الله عليه و آله) تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلي بَعْضٍ (1)و وَ لَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِیِّینَ عَلي بَعْضٍ (2)، والقرآن الكريم أو السنة النبوية تبين وتوضح أن للنبي(صلي الله عليه و آله) موقعية وفضيلة خاصة يفوق فيها سائر الأنبياء وهذا ليس من باب المديح الأدبي وإنما هو مؤدي عقائدي ومعرفي وقانوني، وليس لأي أحد من البشر أن يقول لنا الخيار ونتخير في أن نتبع النبي موسي أو عيسي(عليه السلام) أو سيد الأنبياء(صلي الله عليه و آله) بل إن نفس وشخص عيسي(عليه السلام) يلزم أن يتبع سيد الأنبياء(صلي الله عليه و آله)، ومن ثم عند نزول النبي عيسي(عليه السلام) في دولة المهدي(عج) سوف يتبع شريعة سيد الأنبياء وليس شريعته ولا يبقي علی رهبانيته بل سوف يتزوج علی سنة وشريعة سيد الأنبياء إلی غير ذلك في كيفية الصلاة وبقية العبادات وحينئذ يخاطب القرآن النبي عيسي ب (أَطِیعُوا اللّهَ وَ أَطِیعُوا الرَّسُولَ) (3).
ومعني سيادة سيد الأنبياء هو أن الوحي الذي نزل علی سيد الأنبياء لم ينزل علی النبي نوح ولا علی النبي موسي ولا عيسي(عليه السلام) ولا غيرهم
وَ أَنْزَلْنا إِلَیْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَیْنَ یَدَیْهِ مِنَ الْكِتابِ وَ مُهَیْمِناً عَلَیْهِ (1)ومن ثم يخاطب جميع النبيين(عليهم السلام) بقوله تعالی في القرآن(أَطِیعُوا اللّهَ وَ أَطِیعُوا الرَّسُولَ) ، كيف لا ولم يعطي نبي من الأنبياء النبوة أو الرسالة أو الإمامة إلا بإقراره بولاية خاتم الأنبياء وولاية آله كما في قوله تعالی (وَ إِذْ أَخَذَ اللّهُ مِیثاقَ النَّبِیِّینَ لَما آتَیْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَ حِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَ لَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَ أَقْرَرْتُمْ وَ أَخَذْتُمْ عَلي ذلِكُمْ إِصْرِی قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَ أَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشّاهِدِینَ) (2).
وفي الآية ناموس هيمنة مقام خاتم الانبياء علی جميع الانبياء والرسل، والدلالة علی ذلك في الآية من جهات عديدة كثيرة وأن نبوتهم فروع لنبوته، وكتبهم وحكمتهم شعب لكتابه وحكمته، وهو الآمر والناهي لهم وسيأتي بيان وجوه دلالتها، وقد جعل الله تعالی شريعته ناسخة لكل الشرايع السابقة مما يفيد أن شريعته أكملهن وأعظمهن.
ومن ثمار هذه القاعدة الشريفة أيضاً هو أنه ما أسند إلی الأنبياء في القرآن الكريم من المقامات والأفعال والصفات الكثيرة بل والمناصب العظيمة سواء كانت للأنبياء أو الملائكة هي في الحقيقة تبيان لحقيقة وهوية سيد الأنبياء، فما يسند إليهم في الواقع يسند إليه(صلي الله عليه و آله)، لأنه هو المهيمن وهو المسيطر وهو السيد والإمام لهم.
وبالتالي فهذه بنود لتعريف حقيقة شخص سيد الأنبياء(عليهم السلام) وليست في الحقيقة في الدرجة الأولي تعريفاً بالنبي نوح أو يوسف أو موسي أو عيسي وغيرهم، كما هو الحال في المخلوقات والخالق فإن عظمة التكوين في المخلوق هي شأن للخالق أولاً وتجلي له تعالی وعارية للمخلوق وإن لم يكن هناك قياس مثلية بين المثالين. وهذه نكتة مهمة للمعرفة في كل خوض في آیَ سورة أو آية لأي نبي من الأنبياء، وهو بحث في جانب الكمالات، وتنقيب في شخصية سيد الأنبياء والرسل(صلي الله عليه و آله) فإن هناك آثاراً معرفية خطيرة للإعتقاد بأن سيد الأنبياء له السؤدد وله السيادة وله الإمامة علی الأنبياء، وعلي ضوء ذلك فإذا وجدنا أي فضيلة أو فعل أو كمال قد أسند إلی أحد من الأنبياء فتلقائياً نعلم أن هذا قد أسند إلی النبي محمد(صلي الله عليه و آله)، بعد قول الباري تعاليتِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلي بَعْضٍ (1).
إذ خاتم الرسل الله(صلي الله عليه و آله) هو مجمع الفضائل والكمالات التي يتصف بها جميع الأنبياء والمرسلين وهذا ما بينه أمير المؤمنين(عليه السلام)من قاعدة في معرفة خاتم الأنبياء عند محاججته مع اليهود والنصاري. حتی قال لهم: ومحمد كان أكثر من هذا(2).
فالحديث عن سيد الأنبياء وعن جميع مجموع الأنبياء سواء سيان ولا
يغفل ولا ينسي فيه ذكر سيد الأنبياء، فذكرهم ذكر له(صلي الله عليه و آله)، ومدحهم مدح له(صلي الله عليه و آله)، وإجلالهم إجلال له(صلي الله عليه و آله)، وتعظيمهم تعظيم له(صلي الله عليه و آله).
وهناك أدلة كثيرة علی ما بيناه نذكر منها:
أستدل بها كثير من علماء المسلمين أن الله عَزَّ وَجَلَّ وصف القرآن الكريم بأنه مهيمن علی الكتب وَ أَنْزَلْنا إِلَیْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَیْنَ یَدَیْهِ مِنَ الْكِتابِ وَ مُهَیْمِناً عَلَیْهِ (1).
وعندما يكون هذا الكتاب مهيمناً علی باقي الكتب فبطبيعة الحال أن صاحبه مهيمن علی سائر الأنبياء، لأنه بعث بأعظم كتاب، فإن كتاب كل نبي يمثل الدرجة التي يصل إليها ذلك النبي عند الله عَزَّ وَجَلَّ، ولكن الأمر في سيد الأنبياء(صلي الله عليه و آله) أعظم من هذا بكثير. فإن القرآن الكريم إذا كان مهيمناً علی كتب الأنبياء فصاحبه مهيمن علی أصحاب الكتب، كيف والقرآن يصرح بأن النبي أعظم من القرآن وفي سور عديدة - كما بينا ذلك سابقاً - وهو قوله تعالی يس وَ الْقُرْآنِ الْحَكِیمِ فقد قسم الله تعالی بالنبي(صلي الله عليه و آله) ثم أعقبه بالقرآن الحكيم والتقديم الذكري دال علی التقديم الرتبي في المقام والكمال.
1) (1) سورة المائدة: الآية 48.
وليس في القرآن خيال شعري أدبي ولا محاباة من القرآن للنبي(صلي الله عليه و آله)، بل بيان حقائق، وما هو الهدف من بيان هذه الحقائق؟.
ولماذا يعلي ويصعد القرآن من شأن النبي(صلي الله عليه و آله) إلی هذه المقامات بل يكشف عن صعوده وعلوه؟!.
والجواب عن ذلك واضح، فإن الغاية والحكمة من بيان ذلك بيان أن سنته خالدة ومنهاج هو شريعته خالدة ولا يمكن لأحد أن يتطاول عليه(صلي الله عليه و آله) ولا يقدم بين يديه سواء كان هذا التطاول في القرن العشرين أو الخامس عشر أو في القرن الأول، فلا مجال أن يقدم بين يدي الله ورسوله ولا يشرع في قبال تشريع النبي(صلي الله عليه و آله) أو ينهي في قبال نهي النبي(صلي الله عليه و آله).
إن جملة من المفسرين ربما يصور أن حجية القرآن فوق حجية النبي(صلي الله عليه و آله)، وهذه غفلة، فإن حجية النبي(صلي الله عليه و آله) فوق حجية القرآن، وكما أن القرآن كلام الله فالنبي(صلي الله عليه و آله) أيضاً بذاته كلام الله، وإذا كان النبي عيسي(عليه السلام) كلمة الله فالنبي(صلي الله عليه و آله) كلمة الله التامة بل هو(عليه السلام) مجمع الكلام، وكما قال النبي(صلي الله عليه و آله) - كما رواه الفريقان -«أعطيت جوامع الكلم»(1). ومقام جوامع الكلم يشير إلی أن علم سيد الأنبياء فوق علم بقية النبيين. وغير خفي أن أعظم فضيلة من فضائل الكائن البشري هو العلم.
1) (1) الأمالي للصدوق: 285. صحيح مسلم ج64 :2.
قوله تعالی: وَ إِذْ أَخَذَ اللّهُ مِیثاقَ النَّبِیِّینَ لَما آتَیْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَ حِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَ لَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَ أَقْرَرْتُمْ وَ أَخَذْتُمْ عَلي ذلِكُمْ إِصْرِی قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَ أَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشّاهِدِینَ فَمَنْ تَوَلّي بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (1).
وفي الآية مواضع دلالة هامة:
1 - البيان لعظمة العهد والميثاق المعقود والمأخوذ علی الأنبياء قبل إعطائهم النبوة حيث جعل ما بعد اللام (لتؤمنن) جزاء وشرط وعوض ما قبل من إيتائهم النبوة من الكتاب والحكمة.
1 - أن الإيمان بالنبي والإقرار بولايته والتعهد بنصرته استأهل وتأهل وتكونت القابلية والاستحقاق من الأنبياء للنبوة.
2 - إنَّ مقام سيد الأنبياء غيبي بالنسبة لسائر الأنبياء ومن ثم الوصف في الآية (لتؤمنن به) بينما مقام سيد الأنبياء حيث أنه مهيمن ومتعالي عليهم ومشرف علی ما دونه من مقاماتهم، ومن ثم التوصيف في الآية (مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ) أي أنه مشهود له يصادق ويقررهم علی ما معهم ويمضي لهم ذلك.
3 - الوصف عن الأنبياء ب (النبيين) بينما الوصف عنه ب (رسول) مما يدلل علی أنَّهُ(صلي الله عليه و آله) هو الواسطة بين الله وبين الأنبياء، فإن مجرد النبوة هي مقام التلقي بينما الرسالة مقام الوساطة بين الخالق والخلق.
1) (1) سورة آل عمران: الآية 81 - 82.
4 - أن الأنبياء جميعهم تابعون ناصرون لسيد الأنبياء وتحت ولايته وإمامته (لتنصرنه).
5 - تأكيده تعالی بعد قوله (أخذ الله ميثاق) (قال أأقررتم)، أخذ الإقرار منهم ثم غلظ عليهم (وأخذتم علی ذلكم إصري) ولإصر الشدة ثم إجابة الأنبياء إلی ما دعاهم الله إليه (قالوا أقررنا) ثم تغليظه تعالی وتوكيده الأمر مرة أخری (قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين).
فمن خلال هذه الآية يتضح أن هناك مشهداً قد حصل فيه أخذ توافق من الله علی النبيين وكما هو معروف أن الميثاق أغلظ وأعظم وعهد مؤكد من الأنبياء إلی الله تعالي، وطرف التعاقد هو الله عَزَّ وَجَلَّ علی أن يعطيهم الكتاب والحكمة أي النبوة ولوازم النبوة من الكتاب والحكمة والمناصب الإلهية أخري، وقد تعطي هذه الحكمة ولوازمها لغير النبي(صلي الله عليه و آله) كما كانت للقمان الحكيم وَ مَنْ یُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِیَ خَیْراً كَثِیراً (1).
إذن هناك ميثاق وتعاقد إلهي للنبيين قد أعطاهم النبوة قبل إعطائهم أي منصب غيبي لدني، فقبل إعطاء الأنبياء الكتب من التوراة والإنجيل والزبور والصحف والنبوة ولوازمها وكل العطاءات الإلهية العظيمة والتي هي أمانات عظيمة وخطيرة في مسير رسالات السماء جعل الباري تعالی عهداً وشرطاً وميثاقاً.
وهذا الشرط والميثاق هو (لتؤمنن به ولتنصرنه) وهذا معناه إنكم أيها
1) (1) سورة البقرة: الآية 269.
الأنبياء لا تصلون إلی مقام النبوة إلا بالإيمان بنبوة محمد(صلي الله عليه و آله) ونصرته(صلي الله عليه و آله)، فالذي يؤهل الأنبياء هو الخاتم(صلي الله عليه و آله)(1).
وفي صحيح عبد الله بن سنان - وهو صحيح إعلائي - قال: قال أبو عبدالله(عليه السلام) - في حديث - كان الميثاق مأخوذاً عليهم لله بالربوبية ولرسوله بالنبوة ولأمير المؤمنين والأئمة بالإمامة، فقال: ألست بربكم، ومحمد نبيكم، ولي إمامكم، والأئمة الهادون أئمتكم، فقالوا: بلي، فقال الله: شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا یَوْمَ الْقِیامَةِ أي لئلا تقولوا يوم القيامة إِنّا كُنّا عَنْ هذا غافِلِینَ فأول ما أخذ الله عز وجل الميثاق علی الأنبياء بالربوبية وهو قوله: وَ إِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِیِّینَ مِیثاقَهُمْ فذكر جملة من الأنبياء» الحديث (2).
فالنبي(صلي الله عليه و آله) إمام الأنبياء وهم مأمومون به وناصرون له، فالنصرة تعني أنهم تابعون له(صلي الله عليه و آله) فلا تصح نبوتهم إلا بالطاعة منهم له(صلي الله عليه و آله)، فالذي يقوم به(صلي الله عليه و آله) أعظم من نبوة الأنبياء، لأن إيمانهم(عليهم السلام) بسيد الأنبياء ولد لهم ثمرة هي نبوتهم وإعطائهم الكتاب والحكمة، وهذا الأمر نظير ما مر علينا سابقاً حول تقديم أسم النبي(صلي الله عليه و آله) علی الكتاب في قوله تعالی يس وَ الْقُرْآنِ الْحَكِیمِ وقوله تعالی طس تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ
وَ كِتابٍ مُبِینٍ وغير ذلك من الآيات الكريمة، فإذا كان مقام النبي الغيبي مقدم علی القرآن الذي هو ميهمن علی جميع كتب الأنبياء السابقين وكتبهم تمثل درجة علومهم، فكيف لا يقدم علی الأنبياء وكتبهم؟!.
فالإيمان بالنبي(صلي الله عليه و آله) من قبل الأنبياء يوجب تكاملهم وتأهلهم لبلوغ مقامات غيبية فيكون سيد الأنبياء(صلي الله عليه و آله) هو مصدر الفيض وممر الوحي إلی الأنبياء، بل هو(صلي الله عليه و آله) أمين الله علی أنبيائه ورسله كما مر ذلك في مبحث (النبي أمين الله علی وحيه).
ولو نلاحظ لطائف وإشارات القرآن الكريم كما في آية الميثاق حيث تقول (مصدق لما معكم) نري أن سيد الأنبياء وخاتمهم هو الذي يصدق ويصادق علی نبوتهم بمعني يكون هو المشرف وهو الذي يعطيهم الاعتبار والحجية.
والأمر الآخر هو أن النبي(صلي الله عليه و آله) هو المشرف والشاهد عليهم بينما مقامه(صلي الله عليه و آله) بالنسبة لباقي الأنبياء غائب عنهم، أي أن مقام سيد الأنبياء الغيبي النوري هو في خفاء عن المقامات النورية للأنبياء الباقين، وإلا لكانوا هم مشرفين وشاهدين عليه، ولكن الأمر بالنسبة إلی النبي(صلي الله عليه و آله) من ناحية مقامات الأنبياء ليس بخاف عنه(صلي الله عليه و آله) ثم إنَّهُ(صلي الله عليه و آله) مصدق لما معهم وليس مصدقاً بهم وهذا تبيان لعلو مقامه عن التصديق لأشخاصهم بل التصديق لوحي الله إليهم.
كل هذا والباري تعالی يشهدهم علی ذلك (قالَ أَ أَقْرَرْتُمْ وَ أَخَذْتُمْ
عَلي ذلِكُمْ إِصْرِی قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَ أَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشّاهِدِینَ) فنلاحظ هنا الميثاق ثم الإقرار ثم تغليظهما ثم الإشهاد علی ذلك وهو سبحانه وتعالي معهم في الاشهاد، فهذه خمسة تغليظات عند الله، وهو إعظام لشأن سيد الأنبياء(صلي الله عليه و آله) بيان لمحوريته ومركزيته(صلي الله عليه و آله) دون باقي الأنبياء(عليهم السلام)، وهناك روايات لدي الفريقين تؤكد علی هذه المحورية والمركزية.
فعن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله(صلي الله عليه و آله): لما أكل آدم من الشجرة رفع رأسه إلی السماء فقال: أسألك بحق محمد إلا رحمتني، فأوحي الله إليه: ومن محمد؟ فقال: تبارك أسمك لما خلقتني رفعت رأسي إلی عرشك فإذا فيه مكتوب: (لا إله إلا الله محمد رسول الله) فعلمت أنه ليس أحداً أعظم عندك قدراً ممن جعلت أسمه مع اسمك، فأوحي الله إليه:
يا آدم إنه لآخر النبيين من ذريتك فلولا محمد ما خلقتك(1).
وعن عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله(صلي الله عليه و آله) لما أعطي الله تعالی الألواح فنظر فيه قال: يا رب لقد أكرمتني بكرامة لم تكرمها أحداً من قبلي قال: يا موسي إني اصطفيتك علی الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين، بجد ومحافظة وموت علی حب محمد(صلي الله عليه و آله).
قال موسي: يا رب ومن محمد؟ قال: أحمد الذي أثبت أسمه علی عرشي من قبل أن أخلق السماوات والأرض بألفي عام. إنه نبيي وصفيي وحبيبي
1) (1) بحار النوار ج116 :11، معجم الأوسط للطبراني ج313 :6، السيرة الحلبية ج354 :1.
وخيرتي من خلقي وهو أحب إليّ من جميع خلقي وجميع ملائكتي.
قال موسي: يا رب إن كان محمد أحب إليك من جميع خلقك فهل خلقت أمته أكرم عليك من أمتي؟ قال: يا موسي إن فضل أمة محمد علی سائر الخلق كفضلي علی جميع خلقي(1).
فبإيمان الأنبياء بالنبي محمد(صلي الله عليه و آله) استحقوا الحصول علی مقامات فوق الجنة، فإن الوحي والكتب التي أنزلت عليهم فوق الجنة، لأن الجنة جسمانية والمعارف والأنوار وعالم الغيب الملكوتي عند الأنبياء أعظم من الجنة وما فيها من الحور العين، يقول الباري تعالی وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِینَ
(2). فإنه باب رحمة الله للعالمين فمن يصد عن باب رحمة الله فَلابُدَّ أن يكون طريقه إلی نقمة الله وسخطه، والباري يقول رَحْمَةً لِلْعالَمِینَ فليس لعالم واحد بل لكل العوالم، وهنا يتضح أنه إذا كانت الكتب السماوية التي أنزلت علی الأنبياء أعظم من السماء، وأعظم من الجنة، وأعظم من النار بل وأعظم من السموات والأرض فإن كل الكتب السماوية كتب وحيانية وفيها غيب السموات والأرض لم ينلها الأنبياء إلا بالتوجه إلی الخاتم(صلي الله عليه و آله)، وهذا يقتضي أنه(صلي الله عليه و آله) هو ممر رحمة الله
لكل عالم الوجود والخلقة، فهو عميد الأنبياء والأمين العام علی الأنبياء وخاتمهم والشاهد عليهم، والقرآن يفصح بذلك لكن بالتدبر، أَ فَلا یَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلي قُلُوبٍ أَقْفالُها (1).
إذنْ لابدَّ من التدبر والتفكر بموازين الدلالة وبهداية أئمة الهدي من أهل البيت(عليهم السلام) نلتفت إلی البيانات العلمية في القرآن الكريم.
ربما يتحسس الكثير من القول بعالم النور ممن يجعل من عالم الحس أو إصالة الحس هي المبدأ والمنتهي وهي كل شيء، ولكن هناك وجود لعالم النور وعالم الذر وعالم الميثاق، وهذه ليست مجرد أحاديث كما يدعي البعض، أنها تعشعش وتدغدغ المشاعر الخيالية ولهذا السبب تولدت عدة أسئلة حول هذه العوالم وإن كانت هذه الأسئلة قد أثيرت قديماً، بل حسب منهاج أهل البيت(عليهم السلام) هذه القواعد مستمدة من كتاب الله تعالی وأن هناك نشأة نورية لأولياء الله وحججه لا سيما خاتم النبيين، وإن لم يسلط الضوء علی هذه النشأة النورية ومعرفة آثارها وأحكامها التكوينية في قبال من يقول بالأحكام الفيزيائية المادية فلا يتمكن من معرفة الكثير من المشاهد المعرفية في القرآن الكريم، وهذا ما يشير إليه في أول قصة يستعرضها لنا القرآن الكريم.
1) (1) سورة مُحمَّد: الآية 24.
ذكر في سورة البقرة قصة استخلاف الله عَزَّ وَجَلَّ لآدم، وفي الحقيقة يعتبر هذا المقام ملحمة قرآنية عظيمة وأن نموذجه الأول زمناً وليس حصرياً بآدم(عليه السلام)، فقد صدر المرسوم والأمر الإلهي الرئاسي إلی ملائكته وجنوده في الملكوت وهو : إِنِّی جاعِلٌ فِی الْأَرْضِ (1).
والتعبير بخليفة الله توصيف عظيم وهو يغاير التعبير برسول الله، ولسنا في صدد إستعراض كل صفحات هذا المشهد العظيم إلا أنه فاتحة العقائد القرآنية التي يستعرضها للإيمان ودين الإسلام والمشهد العقائدي العظيم في طليعة الخليفة، والقرآن ليس كتاباً يداعب الخيال أو النزوات التي في آفاق تصورات البشر، بل هو كتاب حقائق ومعرفة.
هناك أسماء علمت لآدم دون غيره من الملائكة، ومع مكانة هؤلاء الملائكة العظام كجبرئيل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل ومالك خازن النيران ورضوان خازن الجنان وغيرهم من الملائكة الذين محل سكناهم السموات السبع والآخرة وبطبيعة الحال هؤلاء الملائكة يعلمون ما لا نعلمه من هذه السموات من غيب، فإن كل سماء فوقانية غيب عن السماء الأدون منها، وكل سماء هي عالم ذو طبقات إلی أن تصل إلی السماء السابعة، وهذه العوالم يقال عما ورائها غيب السموات مع أن السماوات
1) (1) سورة البقرة: الآية 30.
هي غيب بالنسبة لنا، ولكن هناك غيب الغيب، هذا الغيب لا تعلمه حتی الملائكة ولكن آدم(عليه السلام) علم مما فيه، وأحد هذه المغيبات هي تلك الأسماء الشاعرة العاقلة الحية التي أشير إليها في الآيات بضمير (هم) وبأسم الأشارة (هؤلاء) وكل من اللفظين يستعمل للكائن الحي الشاعر العاقل وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَی الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِی بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِینَ قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلاّ ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِیمُ الْحَكِیمُ قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّی أَعْلَمُ غَیْبَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ أَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (1).
فهناك غيب للسموات والأرض لا تطلع عليه الملائكة وهذا الغيب فيه أسماء إلهية ووجودات حية شاعرة عاقلة ولا أحد يعرف هذه الأسماء الإلهية إلا الله تعالی وخليفته، وهذه الأسماء أفصح عنها في روايات الفريقين أنها محمد وآل محمد (صلوات الله عليهم أجمعين)(2).
وبعبارة أخری إن هذه الموجودات العظيمة الخلقة المحيطة بالسموات والأرض - الأسماء الإلهية - أعظم من السماوات السبع وما فيها لأنها غيب السموات، والدليل علی ذلك أن الملائكة مع ما يصفهم القرآن الكريم من قوة ومكنة كما في جبرئيل وَ ما تَشاؤُنَ إِلاّ أَنْ یَشاءَ اللّهُ رَبُّ الْعالَمِینَ (3).
وكذلك عزرائيل بما له من قوة متعاظمة في قبض روح البشر والنباتات والحيوانات والجن وبما له من هذه القدرة في حيطة الأرض والسموات أو الكواكب.
وكذلك في ميكائيل وإسرافيل الذي وكل بنفخ الصور، رغم كل هذه الشؤون العظيمة التي بينها القرآن الكريم للملائكة الأربعة المقربين فقد كانوا مأمورين بالسجود والخضوع والطاعة لخليفة الله وكذا بقية الملائكة جهلوا بهذه الأسماء الإلهية العظيمة، حتی قالوا لا عِلْمَ لَنا إِلاّ ما عَلَّمْتَنا .
فلابدَّ أن نضع هذه الفقرات القرآنية في إتساق ونسق كي ترتسم لنا الصورة واضحة، لاسيما وأن هذه حقائق وأصول أمهات معارف القرآن الكريم فلابد لنا ان نقف عندها ملياً، ولا نحمل أهوائنا علی القرآن الكريم، ولا ننفر مما يرسمه لنا من حقائق، بل يجب أن نسلم قلوبنا وأفكارنا وعقائدنا وعقولنا لتلك الحقائق القرآنية الملكوتية فَسُبْحانَ الَّذِی بِیَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَیْءٍ وَ إِلَیْهِ تُرْجَعُونَ (1)، فملكوت السموات والأرض بيد الله تعالی وتحت سيطرته تعالي، وفي آية أخری يقول تعالی: وَ السَّماءَ بَنَیْناها بِأَیْدٍ وَ إِنّا لَمُوسِعُونَ (2)، يعني أوجدها بتوسيط هذه
الأيدي، فإن الله ليس بجسم، ولكن هناك مخلوقات أجري الله فيضه علی يدها، وهي ممر فيض الله للسموات والأرض وهي نور السموات والأرض اَللّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِیها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِی زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّیٌّ یُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَیْتُونَةٍ لا شَرْقِیَّةٍ وَ لا غَرْبِیَّةٍ یَكادُ زَیْتُها یُضِیءُ وَ لَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلي نُورٍ یَهْدِی اللّهُ لِنُورِهِ مَنْ یَشاءُ وَ یَضْرِبُ اللّهُ الْأَمْثالَ لِلنّاسِ وَ اللّهُ بِكُلِّ شَیْءٍ عَلِیمٌ (1)فهنا التعريف للنور المخلوق المضاف تشريفاً إليه تعالی وليس الآية في مقام بيان الذات الأزلية السرمدية بل النور المخلوق الذي نور السموات والأرض بالظهور للوجود من العدم، فهذه خمسة أنوار بينتها الآية الكريمة لأنه ذكر فيها تشبيه جنس النور بخمسة تشبيهات إشارة للعدد خمسة في الأنوار وهذا تنصيص من سورة النور بهذا العدد والذين هم أنوار أصحاب الكساء وقد بينا ذلك مفصلاً في بعض الأبحاث(2)، نعم في الآيات تشبيهات أخری تضمنية تبلغ مع الخمس المطابقية أربعة عشر عدد المعصومين(عليهم السلام) وقد بينت ذلك الروايات في التحليل التركيبي للآيات.
ففي سورة البقرة كائنات حية شاعرة موجودة في (غَیْبَ السَّماواتِ
وَ الْأَرْضِ ) .
وفي سورة النور كائنات نورية خمس أو أربعة عشر هي المنورة المظهرة لوجود السموات والأرض (نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ) .
وفي سورة الأنبياء وَ لَهُ مَنْ فِی السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ مَنْ عِنْدَهُ لا یَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَ لا یَسْتَحْسِرُونَ (1)
ففي هذه الآية هناك ثلاث تقسيمات سموات وأرض والثالث من كينونتهم في مقام العندية عند الله بل عند اسم هو (عنده).
ففي الآية الأولي ذكر الباري تعالی (الغيب) وفي الثانية ذكر تعالی (النور) وفي الثالثة ذكر تعالی (عنده) أي مقام العندية، فالذي عند الله هو أقرب العوالم المخلوقة إليه تعالي، ولا يمكن أن تكون للباري تعالی منطقة جغرافية خاصة به بل وَ هُوَ مَعَكُمْ أَیْنَ ما كُنْتُمْ (2)، ولكن هناك نشأة من النشئات خارجة عن السموات وعن الأرض، نعم مخلوقة هي ولكنها خارجة عن الزمان والمكان والتكوين، وإنما هي في ظل العرش الإلهي.
إذن هناك ثلاث أقسام في تقسيم المخلوقات:
القسم الأوَّل: المخلوقات التي في السموات وهي الملائكة بما فيهم جبرائيل وإسرافيل وميكائيل وعزرائيل ومالك ورضوان وغيرهم من
الملائكة الذين لهم شؤون عظيمة.
القسم الثاني: المخلوقات التي في الأرض وهي الجن والإنس وغيرهم.
القسم الثالث: ومن عنده. وهذا القسم خارج السموات والأرض، وهو مقام غيب السموات والأرض والذي هو مقام العندية للساحة الربوبية.
وبعبارة أخری هو أول المخلوقات صدوراً منه تعالی وهو أقرب المقربين الذين قال تعالی في مدحهم وَ لَهُ مَنْ فِی السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ مَنْ عِنْدَهُ لا یَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَ لا یَسْتَحْسِرُونَ یُسَبِّحُونَ اللَّیْلَ وَ النَّهارَ لا یَفْتُرُونَ (1).
وكذا في قوله تعالی فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِینَ عِنْدَ رَبِّكَ یُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّیْلِ وَ النَّهارِ وَ هُمْ لا یَسْأَمُونَ (2)
ولم يكتفي الباري تعالی بذلك بل وصفهم بأنهم عباد ومكرمون وَ قالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ لا یَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ یَعْمَلُونَ (3).
فليس صفة العبودية فقط وإنما هنالك صفة أخری أكد عليها الباري تعالی وهي (مكرمون)، يعني لديهم الكرامات التكوينية من قبل الله تعالي.
إذن هذه المقامات الغيبية فيها مجد تكويني وهذا ليس ثناء أدبي، شعري، أو من الخيال.
إن معرفة النبي(صلي الله عليه و آله) وأهل بيته هي بالنشأة النورية أو الخلقة النورية هي أم المعارف، وهذه الظاهرة الكونية هي من فواتح خلق الله، فإن الإنسان يتمايز عن الموجودات بأكمل كمال، كما أن النبات ميز عن الجماد بالنمو فنلاحظ هذا النمو والتنامي في جسم النبات هو الذي ميزه عن الجماد كالحجر والمدر لأنه أكمل كمال في النبات.
ومن باب المثال، الهواء ليس فيه حياة ونمو، وكذلك الأرض ليس فيها حياة ونمو بينما النبات فيه حياة ونمو مع أن الأرض أكبر كتلة من الشجرة المعمرة ولكن هذه الشجرة فيها حياة ما ليس في الأرض.
أيضاً هناك تمايز بين الحيوان والنبات، فربما هناك شجرة عملاقة تظل آلاف السنين معمرة وذات قطر وحجم كبير جداً ولكن نجد الحيوان الصغير فيه كمال لا يوجد في هذه الشجرة الكبيرة، فنري لدي الحيوان الصغير الحركة والحس والشعور والخيال والخوف واللذة، بمعني أنه يستشعر إدراكات حسية حيوانية ليست موجودة في تلك الشجرة.
أيضاً لو أردنا أن نقارن أو نقايس بين الحيوان والإنسان نجد هناك فوارق بينهما، فهناك حيوانات تبصر ما لا يبصره الإنسان، وتسمع ما لا يسمعه الإنسان، وهذا ما حدث مثلاً في زلزال توسونامي حيث كانت
بعض الحيوانات كالكلاب قد استشعرت بالزلازل قبل البشر، فإن إدراكاتها الحسية أقوي من الإنسان ورغم ذلك الإنسان فيه كمال أعظم لا يوجد عند هذه الحيوانات ألا وهو العقل، فرغم هذه المدارك الحسية الضعيفة التي لدي الإنسان قياساً بالإدراكات التي تمتلكها تلك الحيوانات كالشم والسمع والبصر إلا أن هناك كمالاً أعظم من هذه الحيوانات يمتلكه الإنسان الذي هو العقل.
فلو أردنا أن نشبه ذلك بمخروط هندسي لهذه الكائنات، فقاعدته السفلية أوسع بكثير من القمة، أما عند الإنسان فيكون مثلث مقلوب القاعدة، حيث تكون قاعدته فوقية والتي هي العقل.
ففي النشأة الكونية هناك مثلثان وجوديان متعاكسان، والقرآن الكريم يصف الإنسان أنه سخر له كل شيء في السماوات والأرض.
قال تعالی: أَ لَمْ تَرَوْا أَنَّ اللّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِی السَّماواتِ وَ ما فِی1.
وقوله تعالی: وَ سَخَّرَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ2.
وقوله تعالی: اَللّهُ الَّذِی سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِیَ الْفُلْكُ فِیهِ بِأَمْرِهِ3.
كل هذا سخره الباري تعالی للإنسان وَ لَقَدْ كَرَّمْنا بَنِی آدَمَ وَ حَمَلْناهُمْ فِی
اَلْبَرِّ وَ الْبَحْرِ وَ رَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّیِّباتِ وَ فَضَّلْناهُمْ عَلي كَثِیرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِیلاً (1).
ربما الماديون أو الحسيون يتعاظم لديهم الحس ويكبر ولكن القرآن الكريم ينفي ذلك ويقول أن الحس درجة وجودية ضعيفة، لأن كرامة الإنسان تعل علی السماء أو علی الأرض أو علی الحيوانات والنباتات ليست ببدنه أو جثته بل بعقله، لأن العقل قاعدته وسيعة وأوسع من السماء والأرض «ففي الحديث القدسي يقول الله عَزَّ وَجَلَّ: لا يسعني أرضي ولا سمائي ولكن يسعني قلب عبدي المؤمن»(2). نعم لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِی أَحْسَنِ تَقْوِیمٍ * ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِینَ * إِلاَّ الَّذِینَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَیْرُ مَمْنُونٍ .
وقال تَعَالَی: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها * وَ قَدْ خابَ مَنْ دَسّاها . فالإنسان كريم إن لم يتسافل ويدس نفسه في وحل وبراثن الهوي والشهوات.
لأن السماء مهما اتسعت حدودها الجغرافية - وكما نعلم أن الله عَزَّ وَجَلَّ لا تحده حدود جغرافية - ولكن نور عقل الإنسان ليس فيه حد جغرافي، فتجلي الظهور الإلهي في قلب المؤمن يعني في نوره وعقله، فالعقل يتجلي فيه مرآة الأنوار الربوبية، ولكن السماء مع أنها آية ولكن لا يتجلي فيها ما يتجلي في تلك المرآة.
فالإنسان في خلقته مثلث ضعفه في أسافله ولكن قاعدته الوسيعة في
أعاليه، وهذا عكس الموجودات الأخري كالأرض والسماء والحيوان والنبات فإن قاعدته في أسافله وأعاليه ضعيفة.
ففي الموجودات مثلثان متعاكسان في بيان المقارنة بين الإنسان والموجودات الأرضية الأخري.
والآن نقارن بين الإنسان الكامل من الأنبياء والملائكة، فلو لاحظنا القدرة الهائلة لجبرائيل(عليه السلام) بحيث يقول الباري تعالی ذِی قُوَّةٍ عِنْدَ ذِی الْعَرْشِ مَكِینٍ مُطاعٍ ثَمَّ أَمِینٍ (1)فهو أمين وحي وله قدرة يقلب قري بكاملها كما فعل ذلك في قوم لوط فَلَمّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِیَها سافِلَها وَ أَمْطَرْنا عَلَیْها حِجارَةً مِنْ سِجِّیلٍ مَنْضُودٍ (2).
وكذلك قدرة عزرائيل(عليه السلام) بحيث يتوفي كل الأنفس من الجن والإنس والنبات والحيوان قُلْ یَتَوَفّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ (3).
وكم هي قدرة ميكائيل في تدبير أرزاق السموات والأرض، وكم هي قدرة اسرافيل في نفخ الحياة في كل شيء من الموجودات الأرضية والسماوية.
والقدرة الجسمانية السماوية للملائكة الأربعة المقربين مع عظمتها وقوتها ولكن نورهم لم يصل إلی نور آدم بل غابت عنهم حقائق ولكن هذه الحقائق موجودة لدي آدم(عليه السلام)،
فرغم وجودهم السماوي العظيم ولهم ما لهم من نور إلا أنهم لم يصلوا لتلك الحقائق التي لدي آدم(عليه السلام) كنموذج أولی لحجج الله، ولذلك أمرهم الباري تعالی أن يسجدوا لآدم وَ إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا (1)، وهذا السجود بمعني الطاعة لآدم(عليه السلام).
فالبشر قياساً إلی الأرض أو الجبال أو إلی السماء أو إلی القمر أو بالقياس إلی الفيل نراه صغير الجسم قياساً لهؤلاء ولكن المسيطر علی هذه الجمادات وهذه الحيوانات هو هذا الإنسان الصغير الجسم بما أودع الله به من قوة العقل والعلم بحيث استطاع أن يطير إلی الكواكب ويسيطر هذه السيطرة ببركة هذا العقل فأصبح حاكم ومسيطر علی بقية الموجودات فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلاّ بِسُلْطانٍ (2).
فسلطان العقل أعظم من السماء الأولي والثانية إلی سبع سموات، وأعظم من الأرض ومن النباتات ومن الحيوانات لأن العقل قاعدته فوقية.
وهذا كله بالنسبة إلی الإنسان الذي هو حجة من حجج الله تعالي، وهو أكمل فرد بشري بل أعظم البشر، فحينئذٍ قاعدته النورية تكون أوسع فأوسع، ومن ثم يكون آدم بماله من نور يطوع الله عَزَّ وَجَلَّ له كل الملائكة رغم صغر جثته فإن آدم كائن أرضي والملائكة الأربعة - ميكائيل وإسرافيل وجبرائيل وعزرائيل - كائن سماوي ومن نشئات عظيمة جداً، لأن هذا
الموجود الأرضي رغم صغر جثته إلا أن قاعدته الوجودية في بنائه الوجودي وفي خلقه الوجودي عند الله عَزَّ وَجَلَّ أعظم ما خلق الله عَزَّ وَجَلَّ قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّی أَعْلَمُ غَیْبَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ أَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (1).
ومن الواضح أن الذي يكون له قاعدة وسيعة وجودية في غيب السموات أو في نور السموات يكون مسيطر علی الموجودات يعني سخر الله له كل هذا تحت سيطرته وهذه السيطرة ليست مستقلة عن إرادة الله عَزَّ وَجَلَّ وإنما هي تمكين من الله عَزَّ وَجَلَّ.
فإذا كان كل هذا لآدم(عليه السلام) فحينئذٍ يكون ما هو أعظم من هذا لرسول الله(صلي الله عليه و آله)، وتكون لخاتم النبيين(صلي الله عليه و آله) تلك الشأنية وتلك الصلاحيات بحيث يأتمر بأمره جبرائيل وميكائيل واسرافيل وكل ملك في السموات، وإذا كان رضوان خازن الجنان ومالك خازن النيران تحت إمرة خليفة الله آدم فما بالك بسيد الأنبياء وخاتم النبيين، بل ومن هو كنفس رسول الله(صلي الله عليه و آله) بنص القرآن الكريم حتی أصبح قسيم الجنة والنار. فلا يمكن لنا أن نستغرب أو نستنكر بنزعات مادية حسية وكيف يكون كل هذا لبشر صغير الجثة، نعم هو بشر ولكن أودع ربه فيه في طبقات وجود العليا علم الأسماء وطوع له أعاظم ملائكته وجعلهم تبعاً له، ومن الواضح أن الله عَزَّ وَجَلَّ ليس لديه
1) (1) سورة البقرة: الآية 33.
محاباة ومجاملات وإنما جعل الله عَزَّ وَجَلَّ له ذلك لما يمتلكه هذا الموجود من علم وعقل وقدرة يسيطر بها علی السموات والأرض، أوليس القرآن الكريم ينبأ عن جعل إلهي صلاحيات للملائكة في الأرض وفي السماء الأولي والثانية والثالثة إلی سبع سموات وفي الجنة وفي النار وَ نادَوْا يا مالِكُ لِیَقْضِ عَلَیْنا رَبُّكَ قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ (1).
فالله عَزَّ وَجَلَّ جعل للإنسان كرامة كونية وليست كرامة تشريفية وَ لَقَدْ كَرَّمْنا بَنِی (2). فهذه الكرامة كرامة كونية وقدرة كونية تكوينية بحيث يستطيع بهذه القدرة أن يسيطر علی الأرض وعلي السماء وعلي الهواء وعلي الجن والحيوان والنبات. وأمتلك وسيطر علی هذه الأشياء ليس بجثته الصغيرة ولا بإدراكاته الحسية المتناهية إلی مدي قليل، بل بالقدرة الكونية وبالعقل والعلم سيطر علی ذلك إذ العقل عين مسلحة تنفذ وتثقب العوالم.
وهناك الكثير من الأشياء المادية لا يسمعها الإنسان، وهناك أشعة ضوئية لا تبصرها عين الإنسان، وروائح لا يشمها الإنسان بينما بعض الحيوانات لديها القابلية علی ذلك، فلغة الكرامة في القرآن لغة حقائق وَ قالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ (3)
وليس بحث شريعة وتشريع قانوني وإنما بحث فيض تكويني من الله لأولئك الحجج.
فكرامة الإنسان تسخير أكثر المخلوقات له بواسطة ما انشأ الله عَزَّ وَجَلَّ في الإنسان من رمز هوية الإنسان ومن مائز ميز الإنسان عن بقية الموجودات وهو العلم الذي في العقل.
وعندما نري الكفار وقريش يستصغرون شأن النبي(صلي الله عليه و آله) وَ قالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ یَأْكُلُ الطَّعامَ وَ یَمْشِی فِی الْأَسْواقِ (1)فهو ناشئ من صنمية الحس والمادية، وهل عظمة الإنسان في بدنه، ونلاحظ هؤلاء الحسيون وهؤلاء الماديون لا زالت هذه النزعة المريضة في فكر هؤلاء البشر، كالذي ينكر التوسل والشفاعة بسيد الأنبياء(صلي الله عليه و آله) ويقول أصبح تراب ويظن أن عظمة رسول الله(صلي الله عليه و آله) بمجرد البدن والطين والماء وما شابه ذلك. بينما عظمة الإنسان ليست ببدنه بل ولا بمجرد نفسه، ولا بمجرد الجانب الروحي بل في ما هو أعظم من الجانب البدني، والغريزي، والنفسي، والروحي، بل هو بالجانب النوري الذي هو العقل، فبالعقل أصبحت للإنسان قدرة يسيطر بها علی الموجودات.
فلهذا قدم تعالی الأنبياء علی الملائكة المقربين لأن لديهم علم لدني
1) (1) سورة الفرقان: الآية 7.
ليس بحوزة جبرائيل وإسرافيل وباقي الملائكة. فإن أبواب السماء تفتح أو تغلق وكذلك المقادير تتغير وتبرم بمفاتيح وخزائن ليست في السموات والأرض بل في عالم وراء السموات والأرض وفي غيب السموات والأرض وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَی الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِی بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِینَ قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلاّ ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِیمُ الْحَكِیمُ قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّی أَعْلَمُ غَیْبَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ أَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (1).
فالمشار إليهم في الآية ب (هؤلاء) هم في غيب السموات والأرض، ومن هنا يتضح أن قدرة جبرائيل لا تشتمل علی خزائن السموات بيده وكذلك اسرافيل وعزرائيل وميكائيل. وكذلك قدرة مالك لا تشتمل علی خزائن النيران، وهكذا رضوان خازن الجنان، بل هذه الخزائن هي في الغيب أيضاً، وهذه القدرة فوق قدرة الملائكة ولكن هي موجودة فَسُبْحانَ الَّذِی بِیَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَیْءٍ وَ إِلَیْهِ تُرْجَعُونَ عند من أعطاه الله ذلك العلم الذي وصف بأنه يد الله كما في سورة فصلت فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِینَ عِنْدَ رَبِّكَ یُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّیْلِ وَ النَّهارِ وَ هُمْ لا یَسْأَمُونَ (2).
ولذلك نري القرآن الكريم يؤكد باستمرار إلی وجود مخلوقات عند الله تعالی وهي ليست في السموات ولا في الأرض بل فِی مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِیكٍ
مُقْتَدِرٍ1 وهذا هو مقام العندية، وإذا سئل سائل من أين تقولون بذلك، من أن هناك موجودات لها مقام العندية عند رب العالمين، نقول له القرآن يصدع في الآيات والسور السابقة بذلك وحينئذ إِخْراجُهُمْ أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَ تَكْفُرُونَ (1).
يقول تعالي(وَ لَهُ مَنْ فِی السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ مَنْ عِنْدَهُ لا یَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَ لا یَسْتَحْسِرُونَ یُسَبِّحُونَ اللَّیْلَ وَ النَّهارَ لا یَفْتُرُونَ) (2)، أضف إلی ما مر في سورة البقرة وسورة النور فضلاً عن سور عديدة أخری يضيق المقام عن استقصائها، فهناك قسم ثالث خاص غير السموات والأرض وغير الملائكة هؤلاء هم (بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ) كرمهم الله تعالی بخزائن غيبية وإذا كان الأمر هكذا فكيف لا يأمر الله تعالی جبرائيل وميكائيل وكل الملائكة بالسجود والطوعانية لخليفة الله (سَخَّرَ لَكُمْ ما فِی السَّماواتِ وَ ما فِی الْأَرْضِ جَمِیعاً مِنْهُ) (3)وهذا هو عالم العندية الذي سمي في سورة البقرة بغيب السموات والأرض والذي أشير فيه إلی أسماء هؤلاء، وهو نفس عالم النور الذي أشير إليه في سورة النور بنور السموات والأرض، والذي فيه وجودات خمسة وهي حية عالمة عاقلة شاعرة الذين هم أصحاب الكساء.
والذين هم في سورة القمر فِی مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِیكٍ مُقْتَدِرٍ
فالمقعد والمكان إذا كان جسمانياً فكيف يكون ويوصف بالصدق أو الكذب، فلا محالة هذا المقام مقام علمي فإن العلم هو الذي يتصف بالصدق أو الكذب أو أنه يصيب أو لا يصيب.
فهناك خزائن الغيب ومن خلال هذه الخزائن للغيب تتنزل فيوضات كمالية علی أهل السموات وعلي أهل الأرض وَ إِنْ مِنْ شَیْءٍ إِلاّ عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَ ما نُنَزِّلُهُ إِلاّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (1).
ففي سورة النجم لم يصف الله عَزَّ وَجَلَّ أي مخلوق من مخلوقاته سواء كان من الملائكة أو من الأنبياء أنه أقرب المقربين إلا خاتم النبيين(صلي الله عليه و آله) حيث وصفه ثُمَّ دَنا فَتَدَلّي فَكانَ قابَ قَوْسَیْنِ أَوْ أَدْني (2).
وهذا هو أدني الدنو وأقرب القرب، وهذا هو أحد أدلة سؤدد خاتم النبيين(صلي الله عليه و آله) علی جميع الأنبياء(عليهم السلام)، وهناك وجوه قرآنية كثيرة جداً علی ذلك وهو(صلي الله عليه و آله) أقرب الخلق - والمخلوقات والعبيد كلهم كافة - إلی الله تعالي.
ومن الغريب نجد أن بعض المفسرين فسر هذه الآية بأنه قرب جبرئيل من رسول الله(صلي الله عليه و آله)، والحال أن بعد هذه الآية مباشرة قوله تعالی فَأَوْحي إِلي عَبْدِهِ ما أَوْحي
(3). وهذه الآية تدل علی القرب من المقام الربوبي وأن الوحي ثمة ليست بوساطة جبرائيل.
وكما يشير الإمام الحجة(عج) في دعاء الندبة:
من دنا فتدلي فكان قاب قوسين أو أدني دنواً واقتراباً من العلي الأعلي.
وكما في روايات الفريقين أن اسم النبي(صلي الله عليه و آله) مقرون في العرش باسم الله عَزَّ وَجَلَّ ومقتضي نفس اقتران الأسمين أنه(صلي الله عليه و آله) أقرب الخلائق إلی الله عَزَّ وَجَلَّ،وهو مفاد قوله تعالی وَ رَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ أي قرن اسمه باسمه تعالي.
فَقَدْ وَرَدَ في روايات الفريقين أن رسول الله(صلي الله عليه و آله) قال:«لما اقترف آدم الخطيئة، قال: يا رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي، فقال: يا آدم وكيف عرفت محمداً وألم أخلقه؟ قال: يا رب لأنك لما خلقتني بيدك ونفخت فيّ من روحك رفعت رأسي فرأيت علی قوائم العرش مكتوباً: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمت أنك لم تضف إلی اسمك إلا أحب الخلق إليك، فقال: صدقت يا آدم إنه لأحب الخلق إليّ، أدعني بحقه فقد غفرت لك، ولولا محمد ما خلقتك»(1).
وفي رواية أُخري عن أنس وبريدة، قال: قرأ رسول الله(صلي الله عليه و آله) هذهِ الآية فِی بُیُوتٍ أَذِنَ اللّهُ أَنْ تُرْفَعَ... فقام إليه رجل فقال: أي بيوت
هذهِ يا رسول الله؟ قال: بيوت الأنبياء، فقام إليه أبو بكر فقال: هذا البيت منها؟ بيت علی وفاطمة، فقال: نعم، ومن أفضلها(2).
فنجد أنَّ القرآن الكريم يفصح عن عالم وجودي وراء السموات والأرض، وهذا العالم الوجودي له حظوة. بحيث يسجد الله له ملائكته ويطوّع الله له ملائكته القدرات المقدرة والتي هي خزائن الغيب بحيث تكون لهم سيطرة علی السموات وعلي النار وعلي الجنّة كما بيّنا سابقاً.
وهذا العالم أو النشأة تظهر مدي سعة الكمالات والصفات المرتبطة بسيِّد الأنبياء(صلي الله عليه و آله)، فإذا كان ذو القرنين إِنّا مَكَّنّا لَهُ فِی الْأَرْضِ وَ آتَیْناهُ مِنْ كُلِّ شَیْءٍ سَبَباً (1)فكيف بسيّد الأنبياء(صلي الله عليه و آله) فقد أعطاه الله عَزَّ وَجَلَّ مقام التمكين الذي لم يعطه لأحد من الأنبياء، وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم في قصّة آدم والأسماء كما مرَّ بنا سابقاً ومن يكون لديه التمكين والمكانة في ذلك العالم فهو أعظم تأثيراً وصلاحية عند الله عَزَّ وَجَلَّ.
ولو أردنا أنْ نتصور ذلك العالم وأردنا أنْ نقارن بين شعور العقل باعتبار أنَّ العقل أعلي مرتبة وجودية في الإنسان، فالعقل ليسَ له حركة البدن، وليسَ له ذائقة اللسان، وليست له عين بيضاوية أو أذن لمفاوية، وكذلك ليست فيه غرائز كغريزة الشهوة أو غريزة الغضب أو غريزة اللهو أو الخيال كما في النفس التي تحتوي علی غرائز عديدة، إلّا أنَّه مع ذلك فإنَّ حياة العقل وشعوره وإدراكه أشدّ وأقوي وأتمّ وأكمل من البدن ومن
1) (1) سورة الكهف: الآية 84.
النفس، فإنَّ البدن لو فارقته الروح لأصبح جثّة هامدة، وكذلك الروح عندما تنام تسبت ويدغم إدراكها وهذا كله خلاف العقل فإنَّه لا سبات فيه ولا كلل ولا ملل ولا ينتابه أي جهد ولا جهيد وإن تكل آلته وهو المخ البدني.
ومن ثم الذي يقال له مجنون أي مصاب بعقله فليس الخلل في عقله وإنَّما الخلل هو في ارتباط النفس بالبدن في ذلك الشخص بلحاظ ما هو عضو وآله للعقل ولذلك لا يلام علی أفعاله، ولذلك حتّي العذاب في النار وما شابه ذلك هو للبدن وللنفس وليسَ للعقل نعم قد يقرر له عذاب من قبيل ظلمة الجهل ونحوها، ولذلك نري بعض الآيات أو الروايات تصرِّح بذلك من قبيل قوله تعالی: إِنَّ اللّهَ اشْتَري مِنَ الْمُؤْمِنِینَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ (1)وأمَّا العقل فلا يتجافي عن مكانه الذي هو في مقام أمين وعلي صراط مستقيم كما في قول الصادق(عليه السلام): خلق الله العقل من أربعة أشياء من العلم، والقدر، والنور، والمشية في الأمر، فجعله قائماً بالعلم، دائماً في الملكوت(2).
وإنَّما النفس هي التي تسلك إما طريق الشر أو طريق الخير ولذلك هي
التي تذوق الإيلام اَلَّذِینَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا یُؤْمِنُونَ (1)، وقوله تعالی: إِنَّ الْخاسِرِینَ الَّذِینَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَ أَهْلِیهِمْ یَوْمَ الْقِیامَةِ (2).
وعن الإمام علي(عليه السلام): «كلما ازداد علم الرجل زادت عنايته بنفسه وبذل في رياضتها وصلاحها جهده»(3).
وقوله(عليه السلام): «من لم يهذِّب نفسه لم ينتفع بالعقل»(4).
فالذي يخسر هو الإنسان بروحه وبنفسه، كما أن أخذ الله تعالی من البشر العهد والميثاق في عالم الذر والميثاق وأشهدهم علی أنفسهم هو من خلال العقل وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِی آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّیَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلي أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلي شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا یَوْمَ الْقِیامَةِ إِنّا كُنّا عَنْ هذا غافِلِینَ (5).
وحينما جاء الإنسان إلی هذهِ الدنيا فإنَّ العقل بقي لديه بما يفطر عليه من مشاهدات سابقة وهو الحجة الباطنة والأنبياء والأوصياء هم الحجج الظاهرة.
فما الذي تغيَّر في الإنسان ما دام عقله باقٍ علی الصراط المستقيم، وما
الذي يجري له حتّي يخسر نفسه؟! وكيف يسلك طريق الشيطان حتّي يصل إلی جنهم مع وجود الحجتين الظاهرة والباطنة. ذلك لأنَّ العقل نجد الخير ونجد الشر والهوي هي الغرائز، وبالتالي فالمرتبة النفسانية التي فيها الإرادة والعزم والتقدير قدْ لا تنصاع ولا ترعوي إلی العقل، بلْ تنساق إلی الهوي وبالتالي سوف تهوي النفس إلی الدركات السفلي، ولكن العقل لا يزال مناراً إلهياً في باطن الأفراد البشرية ينير ويضيء لهم الطريق، وكلما أحاطت الخطيئة بنفوس بني آدم أو الجن أكثر فأكثر كلما أنسدل ستاراً كثيقاً أمام الاستشفاف من نور العقل.
ومعرفة المرتبة العقلية في ذواتنا طريق إلی أنْ نتلمس النشأة النورية للنبي(صلي الله عليه و آله) لقاعدة «من عرف نفسه عرف ربه» فمعرفة النفس طريق لمعرفة الرب فكيف لا تكون طريقاً لمعرفة النبي(صلي الله عليه و آله) التي هي دون معرفة الله عَزَّ وَجَلَّ، ومن هنا نلاحظ في مراتب وجودنا بعض الحقائق التي نستطيع أنْ نتعرف من خلالها علی بعض حقائق النبوة. فإنَّ المرتبة العقلية أو العقل هو أكثر عنفوان حياتي من النفس وذلك لأنَّ أخص خواص الحياة هي الشعور والإدراك، فكلما قوي الإدراك واتسع واشتدّ كلما اشتدت الحياة وقويت القدرة والقوة، وهاتان الخاصيتان نشاهدها في العقل أكثر من النفس، فقد تلهو النفس، أو تنام، أو تسهو، أو تجهل بلحاظ المعلومات الموجودة في العقل، بينما معلومات الغرائز في النفس بالقياس إلی معلومات العقل في الإنسان قطرة في بحر.
فعلم الإنسان بلحاظ جانب العقل متفجر إذا قيس وقورن بغرائزه، كما لا كثرة معلومات في العلم الذي في غريزة الغضب أو الشهوة. ولذلك فإن الإنسان بعقله يسيطر علی النباتات والبيئات المحيطة به كالحيوانية والهوائية والجمادية.
ولهذا يشير القرآن الكريم إلی الذين لا يعقلون أنَّهم أموات كقوله تعالی: وَ ما یَسْتَوِی الْأَحْیاءُ وَ لاَ الْأَمْواتُ إِنَّ اللّهَ یُسْمِعُ مَنْ یَشاءُ وَ ما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِی الْقُبُورِ (1).
وقوله تعالی: (وَ مِنْهُمْ مَنْ یَسْتَمِعُونَ إِلَیْكَ أَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَ لَوْ كانُوا لا یَعْقِلُونَ)2.
من الأوصاف التي يتعرض لها القرآن الكريم للأنبياء أو لخاتم الأنبياء وأهل بيته(عليهم السلام) هي الجنبة البشرية أو الجنبة البدنية أو النفسانية، كما أن هناك إشارات وأوصاف لخاتم النبيين بلحاظ النشأة النورية التي لها آثارها وأحكامها كما مرَّ ذلك سابقاً. فمثلاً آدم(عليه السلام) الذي أسجد الله له ملائكته وأبي إبليس ذلك، كان هذا السجود لأجل نشأته أو مرتبته النورية، فآدم(عليه السلام) في مرتبته النورية له أحكام وأوصاف غير آدم في مرتبته النفسانية وإنْ كان هو(عليه السلام) في كل المراتب أسمي، ولكن الذي يترك الأولي ربما في
1) (1) سورة فاطر: الآية 22.
مرتبة النفس وليسَ في مرتبة النور والعقل، كما أن الذي يعطش، ويجوع، ويعري، ويكسي، هو مرتبة البدن وليسَ مرتبة النفس أو مرتبة العقل.
فإنَّ العقل لا يشعر بالحزن، أو بالفرح، أو بالجوع والعطش وإنَّما الذي يشعر بذلك هو النفس مع أنَّ النفس غير البدن، فهناك صفات متعددة يتصف بها الإنسان بلحاظ مراتب ذاته ومنها مرتبة النفس كالألم والانقباض والانبساط وما شابه ذلك.
والإنسان كائن بشري ذو مراتب وطبقات وجودية ولا يمكن أنْ نخلط بين یَأْكُلُ الطَّعامَ وَ یَمْشِی فِی الْأَسْواقِ (1)وبين یُوحي إِلَیَّ (2). وإن كان مجموع ذاته وطبقاته، فكل مرتبة لها أحكامها وآثارها، ولهذا يجب علينا أنْ لا نخلط ولا نسري بين أحكام وصفات هذهِ المرتبة لتلك المرتبة.
وهذهِ قاعدة أُخري مغايرة لقاعدة النشأة النورية فيه(صلي الله عليه و آله)، فإنَّ الإنسان الكامل كالأنبياء وكذلك الفرد الكائن البشري العادي هو ذو طبقات من الوجود من البدن والنفس والروح والعقل والنور، نعم المرتبة النورية من أعلي من المراتب بما في ذلك المرتبة العقلية وَ قَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً (3).
فمثلاً الإيمان ككمال للإنسان جعله القرآن اَلْیَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِینَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَیْكُمْ نِعْمَتِی (1)، فقال تعالی : (أكلمت) ولم يقل أتممت، والكمال خروج من طور إلی طور كالخروج من الإسلام الظاهر إلی الإيمان، فالتبدل النوعي يسمي طوراً ويسمي كمالاً، أمَّا التبدل غير النوعي فهي أجزاء تأتلف وهذا يسمي بالإتمام.
فإتمام النعمة شيء والإكمال شيء آخر، ولذلك عبَّر القرآن الكريم اَلْیَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِینَكُمْ ولم يقل أتممت لكم دينكم لأنَّ الدين يخرج من طور الإسلام الظاهري قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَ لكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا (2)إلی الواقعي في القلوب.
فإنَّ الإيمان طور نوعي جديد أو عالي يختلف فوقيةً عن نوع الإسلام، فإذا استطعنا أنْ نتقن معرفة هذهِ القاعدة - مراتب وجودية الإنسان واختلاف أحكامها وآثارها - بدقة فسوف لم ولن نستغرب من كون هذا البدن الصغير للإنسان كيف يتحكم في الأرض وفي الهواء وفي البيئة وفي كل شيء، بلْ حتّي في الجن والملائكة، نعم إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَ إِذا مَسَّهُ الْخَیْرُ مَنُوعاً3 و وَ خُلِقَ الْإِنْسانُ
ضَعِیفاً1 .
ولكن هذهِ الآثار والحالات بلحاظ صفات النفس والبدن وكذلك في المقابل قوله تعالی: وَ لَقَدْ كَرَّمْنا بَنِی آدَمَ2 فلا يوجد هناك تناقض في التوصيف الإلهي إذا امتدح في جهة وذم في أُخري، فهذهِ مراتب النفس ولكن المرتبة النورية لا تتأثر بشيء من ذلك، قال تعالی: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِی أَحْسَنِ تَقْوِیمٍ * ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِینَ * إِلاَّ الَّذِینَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ3 .
فالإنسان ذو مراتب، وذو شؤون، وذو طبقات فكيف بالإنسان الكامل وهم الأنبياء والأولياء، بلْ وكيف بك بخاتم النبيين(صلي الله عليه و آله)، فيجب أنْ لا يخلط بين هذهِ الشؤون والمراتب، فقول الباري تعالی: وَ كُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْیاكُمْ4 هو بلحاظ مرتبة النفس والبدن وأمَّا بلحاظ مرتبة العقل فهي مرتبة في نفسها حياة وليسَ فيها موت، فإنَّ النفس هي التي تذوق الموت وليسَ العقل؛ لأنَّ مرتبة العقل ليسَ فيها تعلق ولا تشبث بجسمانيات وبماديات وبدنيا كي يزاولها أو يفارقها بلْ هو فِی مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِیكٍ مُقْتَدِرٍ5 ، لا يحور ولا يبور.
فعندما يقول(صلي الله عليه و آله) أوَّل ما خلق الله نور نبيك يا جابر، فإنَّ هذا النور هو حي شاعر عاقل ذو مقام شامخ عظيم، بلْ يعظم علی السموات والأرض حسب بيان سورة النور اَللّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِیها مِصْباحٌ...1 .
فإنَّ السموات والأرض ليسَ لها ظهور في الوجود من دون هذا النور الإلهي، وأمَّا حجم السموات والأرض وكبرها في خلقها المقداري الأمتدادي الكمي علی الإنسان فهذا من جانب البعد الجسمي والجسماني.
ولو غضضنا النظر عن ذلك ولاحظنا أنَّ لكل سماء ملك من الملائكة العظام موكل ومتعلق بها - حسب مفاد بعض الروايات - فهذا من الجانب النفساني، ولكن من الجانب العقلاني في الإنسان فليس الأمر كذلك فإنَّ هناك سنة تكوينية مطردة - كما مرَّ بنا سابقاً في بعض المخلوقات - وهي كلما كانت جثة أو بدن الموجود أصغر كانت مراتبه العالية أعظم، فعن الإمام الصادق(عليه السلام): خلق الله تعالی العقل من أربعة أشياء: من العلم، والقدرة، والنور، والمشيئة بالأمر، فجعله قائماً بالعلم، دائماً في الملكوت(1).
وقد يسأل سائل - بلْ هناك الكثير يسأل هذا السؤال - وهو أنَّه كيف يجعل الله له خليفة وهو تعالی لا تنحسر قدرته وعلمه وإحاطته عن شيء
1) (2) الاختصاص: 244.
فكيف يستخلف غيره ويكون غيره خليفة له؟!.
وفي الحقيقة أنَّ هذا الخليفة مركز خلافته ليست هي الأرض وإنَّما بيئة الأرض مركز تواجده البدني ولذلك قال تعالی: إِنِّی جاعِلٌ فِی الْأَرْضِ خَلِیفَةً1 ، ولم يقل إني جاعل خليفة في الأرض، فقد قدم كلمة (في الأرض) - الجار والمجرور - علی خليفة لبيان أنَّ متعلّق الخلافة ليسَ خصوص الأرض بلْ يشمل السماء، وهذا إشارة للوجود الجسماني المكاني والكينوني لهذا الخليفة وهو الأرض، وإلّا فدائرة صلاحياته أنْ يطوّع له ملائكة السماء والأرض وينقادون إليه، ولو كانت منطقة صلاحيات آدم(عليه السلام) الأرض فقط لما سجد له جميع الملائكة، بلْ طوّع وسخّر له جميع الملائكة بما فيهم ملائكة الجنان وملائكة النيران وما شابه ذلك.
ومن خلال هذا كله يتّضح أنَّ مركز الخلافة نشأة حياة وشعور وعلم وقدرة، ومركز هذهِ القدرة هو في الآخرة أو العوالم اللاحقة الأُخري التي هي دونها في الحقيقة فمركزها هناك وليسَ في الأرض فقط، فلا يصح ولا يستقيم أنْ نستصغر أنبياء الله ونستعظم ملائكة الله، وإذا قيل للمؤمنين أو المسلمين أنَّ جبرائيل جناحاه بين المشرق والمغرب اعتبروا ذلك عظمة لخلق جبرائيل(عليه السلام) علی النبي(صلي الله عليه و آله)، والحال أنَّ هذا جانب جسماني وليسَ جانباً روحياً ومعنوياً وعقلانياً، فإنَّ العلم الذي هو علم أسمائي جامع أعطي لآدم(عليه السلام) ولم يعطَ لجبرائيل ولا ميكائيل ولا إسرافيل ولا للملائكة
المقربين، فإنَّ العلم أعظم وعاءً من وعاء الجسد ومن وعاء النفس، وإلّا لكانت بعض الحيوانات ذات الحجم الكبير - كالفيل أو الزرافة - أشرف من الإنسان؛ لأنَّ بدنها أكبر من بدن الإنسان.
فالجسمانية والجثمانية ليست هي المدار في الكبر والصغر وإنَّما المدار كما في الحديث القدسي حيث يقول تعالی: « لايسعني أرضي ولا سمائي ولكن يسعني قلب عبدي المؤمن»(1). وليسَ هذا القلب هو القلب الصنوبري بلْ هو تلك المرتبة الوجودية النورية العقلية في الإنسان، فإنَّ نور المؤمن أوسع من سبع سموات كما في الحديث القدسي، وهذا الأمر يحتاج إلی نوع من التفكر والتدبّر كي يذوقها الإنسان بوجدانه، فإنَّه من عرف نفسه عرف ربه ومن عرف نفسه عرف نبيه وعرف إمامه وعرف آخرته، فهذهِ المعرفة النفسانية لمشاهدة النفس علم عياني حضوري يتلمسه الإنسان بما يجده من نفسه، وهذا العلم يتفجر وينمو في الإنسان عندما يعاود الإنسان مشاهدة نفسه مرة بعد أُخري، وحينئذٍ سوف يجد أنَّ عالم النور وعالم العقل لابدَّ أنْ يكون سابقاً لعالم الأجسام ولعالم سبع سموات وسبع أرضين وما شابه ذلك.
وهذا ما يشير إليه القرآن من نشأة غيب السموات أو نشأة نور السموات والأرض أنَّ تلك النشأة حيّة وشاعرة وعاقلة تتفجر القدرة فيها بمقدار لا محدود من الله عَزَّ وَجَلَّ، وتلك النشأة يتقرر فيها مفاتيح الغيب
1) (1) المحجة البيضاء ج26 : 5 ،البحار ج60: 70 ،عوالي اللئالي لأبن جمهور ج7 :4.
وخزائنه وهي المهيمنة علی مقدارت الأرض والسبع سماوات وما فيها.
هناك نشئات قبل نشأة البدن وقبل نشأة الولادة في هذهِ الدنيا وهي كينونة للإنسان سابقة وذات الإنسان فيها ذات شعور وذات علم وذات حياة، ولها نوع من الاستقرار قبل الحياة الدنيا، فهناك حياة غير الحياة الأرضية أو البدنية مرَّ بها الإنسان في عوالم سابقة علی عالم الدنيا الأرضية، وربما تكون تلك الحياة مفعمة بالحياة أكثر من هذهِ الحياة الأرضية، وإنْ كانت حياة دار الدنيا هي حلبة الامتحانات؛ لان كثير من الصلاحيات التي خصّصت بها شرائح من أفراد البشر هي وليدة امتحانات من تلك العوالم، نعم الآن لا نتذكرها تفصيلاً ولكنها مركوزة إجمالاً في باطن عقل وفطرة الإنسان ولكن هذا لا يعني أنَّها ليست موجودة.
هناك الكثير من المفسرين ومن الفريقين أولوا عالم الذر بمعاني عديدة واستبعدوا أنْ يكون للإنسان كينونة متميزة لأفراده وأشخاصه وما شابه ذلك، سيما علی القول بأنَّ النفس حادثة ومخلوقة بحدوث البدن في عالم الأرحام والمضغة والنطفة وغير ذلك، ولكن هذه التأويلات مستبعدة جداً، فإنَّ البحوث الفيزيائية وبحوث علم الأحياء والطب والهندسة الوراثية تثبت من باب المثال لا تعيين ذلك كتفسير أنَّ الحيمن الذي هو نوع من الموجود الحي الكائن موجود كخلايا كروموسومات منذ صلب آدم ولكن ككائن حي دقيق جداً، ولا يخفي أنَّ العلوم الطبيعية والعلوم التجريبية
اكتشفت حقايق مذهلة غابت عن الفلاسفة وهذهِ الحقائق المكتشفة تدحض الكثير من استبعاداتهم في تفسير القرآن أو في بيانات الروايات للقرآن الكريم.
فمثلاً في علم الصغائر (النانو) صغر الحجم عن السنتمتر الكوانتوم أو النانو هي إلی قسمة الواحد من السنتمتر علی واحد أمامه ستة أو تسعة أصفار في الصغر المتناهي، يعني ألف مليون في الصغر أو (15) صفر وهو ما يعرف بالفيمتو وألف مليون في الصغر عن السنتمتر يعني مليارد فكيف إذا تضاعف إلی أكثر من ذلك، وهذا ما استطاع الآن البشر أنْ يدركه ويفترض آثاره.
فهذهِ الأحجام بهذهِ الصغر تستودع في نقطة نقطة لا يمكن أنْ تبصرها، والحقيقة أن الأزمة في البحوث المعرفية كثيرة، فلا يمكن للإنسان أنْ يركن إلی تصورات إدراكية حسّية أسيرة الآلة والمستوي والموكب العلمي الذي وصل إليه ذات البحث الطبيعي أو الفيزياوي أو الكيمياوي أو الأحيائي في زمن ما، وينكر ويجحد أو يستبعد كل الاحتمالات والمفاجئات في الكشوف العلمية المباحث الأُخري وكأنّما حقيقة الحس هو هذا لا غير، وما وراء ذلك ليسَ له وجود حسي وهذا خطأ واضح. فإلي الآن البشر لم يكتشف الموجودات المادية الحسّية، هذهِ الطاقات المذهلة الموجودة السابحة في الفضاء إلی الآن الراهن لم يكتشف منها إلا القليل أو النزر اليسير، فإذا كان في الموجودات الحسّية المادّية هكذا من عجائب وخفايا لا تنتهي إلی حد تقف عنده فكيف يجزم الإنسان ويقول إنَّ عالم
الذر ليسَ بتلك التفاصيل الواردة في مفاد الآية والروايات، فالذرية هي من الذر؛ لأنّها منتشرة فكانت كالذر يعني بمنتهي الصغر، وتلك هي كائنات لها شعور، ومن العجيب تأويل بعض المفسرين لعالم الذر بتأويلات لأنّهم يحصرون الشعور والحس فقط بالبدن والحس، والحال أنَّ الجانب العقلي الروحي - كما مرَّ بنا سابقاً - في الإنسان أكثر حيوية وشعوراً وعلماً وقدرةً من الجانب النفسي المتعلق بالبدن وإنْ لم تكن النفس المذكورة لم تخلق في تلك النشأة من عالم الذر، ولكن الإنسان بما له من نور وبما له من عقل يشعر ويجيب.
وربما بعض المفسرين يفسرون الحديث المروي عن النبي(صلي الله عليه و آله) وأهل بيته(عليهم السلام) « وأوَّل ما خلق الله العقل»(1).
وعن الإمام الباقر(عليه السلام): «لما خلق الله العقل قال له: أقبل فأقبل، ثم قال له: أدبر فأدبر، فقال: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً أحسن منك، إياك آمر وإياك أنهي، وإياك أثيب وإياك أعاقب»(2).
ومن الطبيعي أنَّ العقل ليسَ له حركة جغرافية جسمانية حتّي يدبر ويقبل، وإنَّما المراد من الإقبال والإدبار هو الإدراك والالتفات إلی ربّ
العزة أو الالتفات إلی مخلوقات وأفعال الله، فإنَّ الجانب العقلي حي، شاعر، مدرك، فيه حيوية الحياة وعنفوانها أكثر من الروح فضلاً عن النفس وأكثر من البدن وليسَ فيه منام أو سنة لأنَّ - العقل - كله إدراك وعلم دائب.
وهناك دلالات قرآنية كثيرة تدل علی أنَّ اختيارات الإنسان في تلك النشئات السابقة مؤثرة علی مواقع الإنسان في هذهِ النشأة الدنيوية، فإنَّ مسارات اختياره أو مسارات ابتلاءاته أو مسارات فرص الاختيار لديه متأثِّرة ووليدة لاختيارات أو خيارات سابقة في النشئات السابقة وإن لم تكن بدرجة ملجئة له ولكن لها نسبة من التأثير، كما أنَّ خيارات الإنسان الآن في هذهِ النشأة في دار الدنيا سوف تؤثر علی خيارات لاحقة في الرجعة قبل يوم الآخرة، وهذا معتقد وعقيدة مدرسة أهل البيت(عليهم السلام).
فكل نشأة تؤثر علی النشأة اللاحقة لها، وهذا نظير ما يختاره الإنسان من خيارات في مراهقته فإنَّها تؤثر علی كبره، وكذلك خياراته في شبابه تؤثر علی كهولته، وخياراته في كهولته تؤثر علی شيخوخته وهكذا، ولكن هذهِ الخيارات ليسَ بمعني الحتم والإلجاء بلْ تبقي الإرادة والاختيار سيّد الموقف، ولكن شدة وصعوبة مرارة تغيير القرار الإرادي والطبعي متأثر بالمراحل السابقة.
ولا يخفي أنَّ هناك بوناً شاسعاً بين القول بالتناسخ وبين العقيدة بمقولة عالم الذر والميثاق، وقد مرَّ بنا سابقاً في بيان ميثاق النبيين في سورة آل عمران من أنَّ وصول الأنبياء ما عدا خاتم الأنبياء(صلي الله عليه و آله) إلی النبوة ومقاماتها
الغيبية في نشأة الدنيا جاءت ببركة إقرارهم بسيّد الأنبياء(صلي الله عليه و آله) وولاية أهل البيت(عليهم السلام) في عالم الميثاق وعالم الذر، فببركة ذلك الإقرار أثمرت لهم هذهِ المنازل العظيمة والمقدّسة في هذهِ الحياة الدنيا، وأي ثمرة أعظم من هذهِ.
إنَّ المقامات الاصطفائية التي يحبي بها النبي أو الوصي والحجة والولي المصطفي من الله عَزَّ وَجَلَّ في هذهِ النشأة الدنيوية هي وليدة الاختيارات في تلك العوالم السابقة.
وقد يسأل سائل لماذا الله عَزَّ وَجَلَّ لم يأمر الملائكة بالسجود لخليفته وهو في عالم العقل فلو أمرهم بذلك قدْ يكون للشيطان تأثير ولا تسبيب منه لترك الأولي من المصطفين؟!
والجواب: إنَّ عالم النور ليس منالاً ولا نيلاً للملائكة بالدرجة التي للأنبياء، ومن ثم عندما سألهم الباري تعالی لم يستطيعوا الإجابة لعدم علمهم بذلك كما في قوله تعالی: وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَی الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِی بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِینَ * قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلاّ ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِیمُ الْحَكِیمُ1 فإنَّ درجة الأفق للملائكة المقربين دون درجة أفق الأنبياء والمرسلين، وإنَّما حازوا علی هذهِ الدرجات للإقرار الذي أقروه أمام الباري تعالی وهو
الإقرار بنبوة خاتم الأنبياء المرسلين في العوالم السابقة.
ومن خلال هذا كلّه يتّضح أنَّ للنبي(صلي الله عليه و آله) نشأة نورية هي أعظم من نشأته البدنية، وهناك أحكام وشؤون وصلاحيات ومناصب لسيّد الأنبياء قبل خلق الأرض وقبل خلق الأنبياء كما يقول(صلي الله عليه و آله) «كنتُ نبياً وآدم بين الماء والطين» أي النبوة بلحاظ بدنه الشريف أو بلحاظ نفسه الشريفة المتعلقة بالبدن لم تكن مقررة في الوجود ولكن كانت موجودة بلحاظ النشأة والوجود النوري؛ لأنَّ هذا الوجود النوري سابق علی كل العوالم كما ينص علی ذلك القرآن الكريم كما في سورة النور اَللّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ1 . فمثل نوره يعني ذلك النور الذي أنار السموات والأرض بالوجود أي أظهرها للوجود، وكان هذا النور هو واسطة فيض الله لوجودها، وهذا النور ليسَ هو النور الحسي العرضي الفيزياوي وإنَّما هو نور ظهر بسببه الوجود للسماء والأرض بعد أنْ كانا في العدم ولا ذكر لها ولا وجود. وإلّا فإنَّ وجود الشيء في ظلمة عرضية فيزياوية ليسَ عدماً للشيء.
إذنْ (مَثَلُ نُورِهِ أي هو واسطة فيض الله تنير السموات والأرض أي تنوجد به كما في قوله تعالی فَسُبْحانَ الَّذِی بِیَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَیْءٍ وَ إِلَیْهِ
تُرْجَعُونَ1 وقوله تعالی: وَ كَذلِكَ نُرِی إِبْراهِیمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ2 .
فإنَّ ملكوت السموات والأرض تحت سلطان وسيطرة يد الله، وهذهِ اليد ليست هي جزء من ذات الله تعالی وإنَّما هي مخلوقات كريمة لله عَزَّ وَجَلَّ عبر عن مقام كرامتها ومقام عنديتها لله ب (يد الله) و (وجه الله)، كما في بيت الله وهو بمقام قدرة الله تعالی كما يعبّر الباري تعالی: إِنِّی جاعِلٌ فِی الْأَرْضِ خَلِیفَةً .
ذكر القرآن الكريم صفة مقام الشاهد في ثلاث مواضع:
يا أَیُّهَا النَّبِیُّ إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَ مُبَشِّراً وَ نَذِیراً3 .
إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَ مُبَشِّراً وَ نَذِیراً4 .
إِنّا أَرْسَلْنا إِلَیْكُمْ رَسُولاً شاهِداً عَلَیْكُمْ5.
وهذا المقام هو أحد الأدلة علی سيادة وسؤدد سيّد الأنبياء(صلي الله عليه و آله)، وعمادة أمانته علی وحي الله الأمين، وهذهِ الشهادة لَهُ(صلي الله عليه و آله) لا تقتصر علی حقبة عمر بدن النبي(صلي الله عليه و آله) في دار الدنيا بلْ تعمّ من أول عالم الدنيا إلی آخرها بلْ والعوالم السابقة
واللاحقة أيضاً، وهذا ما دل عليه القرآن الكريم وليسَ من خلال التخرصات كما في آية الميثاق بنبوته ومناصرته علی النبيين، وهذا في عالم الميثاق فضلاً عن عالم الذر كما هو مفاد آية مسائلة ذرية بني آدم من ظهورهم.
ويعتبر مقام الشهادة من أعظم المهام السماوية وأعظم المأموريات التي انتدب لها النبي(صلي الله عليه و آله)؛ لأنَّ الشهادة هي نوع من أنواع مشهد الحضور عند الشيء كما سيتضح بعد ذلك.
فمقام الشهادة للنبي(صلي الله عليه و آله) مقدم علی مقام النبوة والرسالة، بلْ حتّي مقدم علی بشارته ونذارته كما في الآيات الكريمات والحال أنَّ التبشير والتنذير والرسالة بعد النبوة وليسَ قبلها.
وقد ذكر في أكثر من آية أنَّ النبي(صلي الله عليه و آله) لا تقتصر شهادته علی البشر بلْ هو شاهد علی الأشهاد، يعني لكل أمة شاهد يستشهده الله علی أعمال تلك الأمّة والنبي الخاتم(صلي الله عليه و آله) شاهد علی جميع هؤلاء الشهداء، حيث يقول تعالی: وَ یَوْمَ نَبْعَثُ فِی كُلِّ أُمَّةٍ شَهِیداً عَلَیْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ جِئْنا بِكَ شَهِیداً عَلي هؤُلاءِ (1)وقوله تعالی: لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَی النّاسِ وَ یَكُونَ الرَّسُولُ عَلَیْكُمْ شَهِیداً2، فهو(صلي الله عليه و آله) شاهد علی الشهداء الذين هم الأنبياء علی أممهم وشاهد علی أهل بيته وهم شهداء علی جميع الناس.
1) (1) سورة النحل: الآية 89.
قدْ يفسر معني ومقام الشهادة لسيّد الأنبياء(صلي الله عليه و آله) وللأنبياء(عليهم السلام) أنَّه الإدلاء بالشهادة في يوم القيامة ويوم الحكم لله رب العالمين، وفي الواقع أنَّ معني الشهادة متوقف علی أكثر من معني.
ففي مقاييس اللغة لابن فارس، شهد: أصل يدلُّ علی حضور وعلم وإعلام، وفي مصباح اللغة للفيومي، اطلعت عليه وعاينته فأنا شاهد.
وفي المفردات للأصفهاني، الحضور مع المشاهدة إمَّا بالبصر أو بالبصيرة.
وفي الفروق اللغوية للعسكري، الفرق بين العلم والشهادة: أنَّ الشهادة أخصّ من العلم وذلك أنَّها علم بوجود الأشياء لا من قبل غيرها.
إذنْ أصل معني الشهادة ليسَ الإدلاء بالشهادة بلْ هو تحمّل الشهاد؛ لأنَّ الذي يتحمل الشهادة والحدث ويدلي بعد ذلك بما قدْ شاهده. فمعني الشهادة إذنْ هو التحمل والحضور والعيان لمشهد الحدث.
وإذا كان الأنبياء يشهدون علی أعمال أممهم فهل يكون تحملهم للشهادة هي بتحمل حسّي أم بقدرات روحية أو نورية خاصّة؟!
وبعبارة أُخري أنَّ النبي(صلي الله عليه و آله) أو الوصي في أمته لا يمكن له أنْ يشهد وهو حبيس الجدران أو حبيس لموقع جغرافي معيّن، وليسَ الشهادة تكون بواسطة العين البيضاوية وإنَّما رؤيته تكون بالروح الملكوتية وَ قُلِ اعْمَلُوا
فَسَیَرَی اللّهُ عَمَلَكُمْ وَ رَسُولُهُ (1). فرؤية الله تعالی ليست هي رؤية نتائج وإنَّما عيان حدث، وبنفس هذهِ الرؤيا أسندت إلی الرسول(صلي الله عليه و آله)، ومن الضروري أنَّ هناك فرقاً بين الخالق والمخلوق ولكن العطف يدلُّ علی الاشتراك في أصل النسبة، ويدل علی أنَّ هناك رؤيا لمشهد الحدث بالعيان وليسَ العيان للمشهد الحسي بآليات حسية بإدراك حسي ضئيل وإنَّما بقدرات ملكوتية، وهذا نظير عيان الملائكة المقربين لأعمال العباد وهم الكرام الكاتبين.
وكذلك نظير حضور عزرائيل(عليه السلام) في كل أقطار الأرض، وتراه يحضر في ثانية واحدة وآنٍ واحدٍ آلاف من النفوس والأرواح، وهذا تمكين في عالم الخلقة مألوف وليسَ شيئاً مستنكراً.
وكذلك نظير باقي الملائكة من ميكائيل وإسرافيل وجبرائيل(عليهم السلام) . فكيف یُمكِّن الباري تعالی هؤلاء الملائكة ولا یُمكِّن من هو أشرف
منهم وهو سيد الأنبياء(صلي الله عليه و آله)، وقد مرَّ بنا سابقاً أنَّ الملائكة هم أقل قدرة من خليفة الله الذي أسجد الله له الملائكة، وجعلهم قيد طاعته وتحت أمره.
فهذهِ إشارات وإيضاحات واضحة من القرآن الكريم تؤكِّد أنَّ مشاهدة أعمال العباد من قبل شهداء الأمّة من الأنبياء والأوصياء ليست هي شهادة حسّية أي بآلة حسية بل إدراك حضوري للمحسوس عبر إدراك نوري، وإنَّما هي أقوي من ذلك؛ لأنَّ الشهادة الحسّية بالحس لا
1) (1) سورة التوبة: الآية 105.
تشهد كنه العمل بلْ ظاهر من العمل، وهذا بخلاف الشهادة والعيان الملكوتي.
ومن باب المثال، إنَّ الإنسان إذا أراد أنْ يعمل عملاً معيناً باعتبار أنَّ الإرادة والنية والعزم وحركة العضلات في مشهد من الإنسان، فهو - الإنسان - يشهد فعله وكنه عمله أكثر مما يراه الناظر بالحس، ومن المعلوم أنَّ الناظر بالحس لا يعلم بنوايا هذا الإنسان وغاياته «إنَّما الأعمالُ بالنيات».
كل هذهِ لا تظهر بالحس من قبح العمل وحسنه، أو كون العمل مذموم أو ممدوح، فكم من عمل شر يتراءي بأنَّه خير وكذلك العكس أيضاً، وهذا ما نراه في سجدة إبليس التي سجدها لله عَزَّ وَجَلَّ لمدة ستة آلاف سنة، حيث يقول أمير المؤمنين(عليه السلام): «فاعتبروا بما كان من فعل الله بإبليس إذْ أحبط عمله الطويل وجهده الجهيد، وكان عَبَدَ الله ستة آلاف سنة، لا يدري أمنْ سني الدنيا أم سني الآخرة»(1).
وهذا هو الحال في عبادة وسجدة إبليس حتّي الملائكة لم يصلوا إلی كنه هذهِ العبادة وهذهِ السجدة بلْ ربما اغتروا عكس ذلك في لوم آدم(عليه السلام) بترك الأولي وهذا محور مهم في مقام الشهادة لابدَّ من الخوض فيه مفصلاً لمعرفة مقام سيد الأنبياء(عليه السلام) وعظمته.
مثال آخر: هيئة الراكع هيئة واحدة ولكن ربما الإنسان ينحني
1) (1) شرح نهج البلاغة ج78 :13.
لالتقاط شيء من الأرض وربما يقصد الخضوع لرب العالمين، فمن الذي يميّز أنَّ هذا الركوع هو الخضوع لله أو للرياضة البدنية وغرض آخر؟!
بطبيعة الحال الذي يميِّز ذلك هو النية، والذي يطلع علی النية هو الذي يطلع علی الأرواح لأن النية أيضاً طبقات بحسب طبقات أرواح الإنسان في شدة الخفاء وتوسطه.
فتبين أن معاينة الأعمال ليسَ برؤية وترائي حسي، بل لابدَّ أنْ يكون إضافة علی إحاطته بالحس يجب أنْ يكون محيطاً بالأرواح، وهذا لا يتمُّ إلّا باطلاع روحي وملكوتي وإطلاع نوري، بلْ أكثر من ذلك هناك أعمال ليست بدنية، وإنَّما هي أعمال جوانح وخطرات القلب، وهي الإيمان والعقيدة ولا يستطيع ولا يمكن لأي أحد كان أنْ يطلع عليهما - الإيمان والعقيدة - من خلال العين أو اللمس أو الشم ولا بغيرها من الجوارح، وإنَّما يمكن الاطلاع عليه من خلال الأرواح وبتوسِّط الملكوت. نعم وجود مثل النبي عيسي(عليه السلام) - مثلاً - في أمّته ومدة تواجده بينهم يحصل لديه هذا الإشراف الملكوتي ولكن المعاينة هي بالملكوت.
يقول تعالی: وَ یَوْمَ نَبْعَثُ فِی كُلِّ أُمَّةٍ شَهِیداً عَلَیْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ جِئْنا بِكَ شَهِیداً عَلي هؤُلاءِ (1).
فعن منصور عن حمّاد اللّحام، قال: قال أبو عبدالله(عليه السلام): «نحن والله
1) (1) سورة النحل: الآية 89.
نعلم ما في السموات وما في الأرض وما في الجنّة وما في النار وما بين ذلك» قال فبقيت أنظر إليه، فقال: «يا حمّاد إنَّ ذلك في كتاب الله ثلاث مرات»، قال: ثم تلا هذهِ الآية وَ یَوْمَ نَبْعَثُ فِی كُلِّ أُمَّةٍ شَهِیداً عَلَیْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ جِئْنا بِكَ شَهِیداً عَلي هؤُلاءِ وَ نَزَّلْنا عَلَیْكَ الْكِتابَ تِبْیاناً لِكُلِّ شَیْءٍ وَ هُديً وَ رَحْمَةً وَ بُشْري لِلْمُسْلِمِینَ . آية الله من كتاب الله فيه تبيان كل شيء(1).
وفي مجمع البيان يقول الطبرسي في تفسير هذهِ الآية: يعني يوم القيامة بيَّن سبحانه أنَّه يبعث فيه من كل أمّة شهيداً وهم الأنبياء والعدول من كل عصر يشهدون علی الناس بأعمالهم، وقال الصادق(عليه السلام): «لكل زمان وأمّة إمام تبعث كل أمّة مع إمامها»(2).
وقد التفت الفخر الرازي إلی هذا التفسير من حديث الإمام الباقر(عليه السلام) حينما تطرَّق إلی تفسير قوله تعالی: وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَی النّاسِ وَ یَكُونَ الرَّسُولُ عَلَیْكُمْ شَهِیداً (3)، حيث يقول الإمام الباقر(عليه السلام):
«ولا يكون شهداء علی الناس إلّا الأئمة(عليهم السلام) والرسل، فأما الأمّة فإنَّه غير جايز أنْ يستشهدها الله وفيهم من لا تجوز شهادته في الدنيا علی حزمة
بقل»(1)
(2). حيث يقول الفخر الرازي في تفسير قوله تعالی وَ یَوْمَ نَبْعَثُ فِی كُلِّ أُمَّةٍ شَهِیداً عَلَیْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ جِئْنا بِكَ شَهِیداً عَلي هؤُلاءِ وثبت أيضاً أنَّه لابدَّ في كل زمان بعد الرسول من الشهيد فحصل من هذا أنَّ عصراً من الأعصار لا يخلو من شهيد علی الناس وذلك الشهيد لابدَّ وأنْ يكون غير جائز الخطأ، وإلّا لافتقر إلی شهيد آخر ويمتد ذلك إلی غير النهاية وذلك باطل(3).
فالشاهد لابدَّ أنْ يكون معصوماً؛ لأنَّه لو كان الشاهد ذو زلل وخطأ وخطل كيف يشهده رب العالمين علی العصاة المذنبين وعلي العباد الطائعين.
إذنْ اتضح أنَّ شهادة الأعمال لا يمكن أنْ تكون بتوسِّط آلية الحسّ، كأقمار اصطناعية، أو عدسات مصورة مراقبة، أو أنترنت؛ لأنَّ هذهِ لا تنفذ ولا تثقب عمق العمل، يعني الأجهزة الرصدية الحسية لا يمكنها رصد العمل بتمامه، بكنهه، بجوهره، ولكل أعمال البشر وفي كل حقبة زمنية، فكم عدسة نحتاج لذلك.
الآن ربما العدسات التي تضعها الدول الغربية كما في لندن - مثلاً - يقال بالآلاف بلْ الملايين يضعون مثل هذهِ العدسات لمراقبة الجانب
الأمني علی شعوبهم أو ما شابه ذلك، ومع كل هذا يحدث لهذه المراقبة اختراق كبير.
ولكن هذا القرآن الكريم يقول هناك مراقبة إلهية علی كل البشر وفي كل حقبة وَ یَوْمَ نَبْعَثُ فِی كُلِّ أُمَّةٍ شَهِیداً عَلَیْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ جِئْنا بِكَ شَهِیداً عَلي هؤُلاءِ .
إذنْ هذا الشهيد لابدَّ أنْ يكون مزوَّداً بقنوات روحية وقنوات ملائكية وقنوات نورية معينة تخترق تلك الأرواح وتطلع عليها، وهذا هو أشبه بحالة هرمية روحية، روح تشرف علی الأرواح، وهذا ليسَ دغدغة خيال هذه حقيقة واقعية أشار إليها القرآن الكريم حسب بيانات أهل البيت(عليهم السلام).
فإنَّ مرتبة الروح الإنسانية في كل فرد بشري كرافد وجودي يسيل إلی البدن إلی حركات البدن من نزعات وميول الروح وأفعال الروح، وأفعال جوانح إلی أفعال الجوارح، فالإنسان يشاهد النزعات التي تتجاذبه نزعة الخير والشر والخواطر والأفكار والعقد وما شابه ذلك، وكيف هي تحرك الإنسان إلی أنْ تفعل إرادته وتصميمه وعزمه ومضيه إلی أنْ يصدر إلی البدن بَلِ الْإِنْسانُ عَلي نَفْسِهِ بَصِیرَةٌ * وَ لَوْ أَلْقي مَعاذِیرَهُ (1).
ومن هنا فلابدَّ أنْ تكون روح الشاهد العظيم ذو سعة روحية وذو
1) (1) سورة القيامة: الآية 15.
مرتبة وجودية من الروح حتّي تستطيع أنْ تشرف علی أرواح البشر الكائنين في تلك الحقبة. بلْ رقابة خاتم النبيين(صلي الله عليه و آله) هي رقابة فوق الجهاز الرقابي علی أرواح البشر، فهو(صلي الله عليه و آله) - كما مرَّ بنا سابقاً - ذو روح هرمية وذو روح تطل وتهيمن علی جميع أرواح أفراد البشر في عالم الروح، فتراها تشاهد كل حركات وسكنات وهجسات ووسوسات ميول الروح وغرائزها، فأي روح عملاقة هذهِ لسيّد الأنبياء(صلي الله عليه و آله).
هناك سؤال مطروح وهو أنَّه ما هي الفائدة المترتبة علی شهادة وشاهدية سيّد الأنبياء(صلي الله عليه و آله) علی باقي الأشهاد؟!
وهذه الطبقات للشهادة دالة علی تفاوت درجات العلم الحضوري لدي الشهود الإلهيين علی الأعمال بحسب مقام ومنصب الشاهد الإلهي كما في قوله(عليه السلام) في دعاء كميل : «وكل سيئة أمرت بإثباتها الكرام الكاتبين، الذين وكلتهم بحفظ ما يكون مني، وجعلتهم شهوداً علی مع جوارحي، وكنت أنت الرقيب علی من ورائهم، والشاهد لما خفي عنهم وبرحمتك أخفيته».
ومن ثم كانت شهادة سائر الأنبياء بحدود مدة تواجدهم في أممهم لا أوسع من ذلك كما في قول النبي عيسي(عليه السلام): وَ كُنْتُ عَلَیْهِمْ شَهِیداً ما دُمْتُ فِیهِمْ فَلَمّا تَوَفَّیْتَنِی كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِیبَ عَلَیْهِمْ وَ أَنْتَ عَلي كُلِّ شَیْءٍ
شَهِیدٌ1 . فالشهادة تابعة لمرتبة العلم الحضوري الملكوتي للشاهد، فتترقي الشهادة برقي مرتبة العلم الملكوتي والموقعية الملكوتية للشاهد وهذا بيان قرآني لسؤدد سيد الأنبياء(صلي الله عليه و آله) علی جميع الأنبياء وعلي جميع الملائكة، نعم بحسب قوله تعالی: وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَی النّاسِ وَ یَكُونَ الرَّسُولُ عَلَیْكُمْ شَهِیداً (1). وهم الأمة من ذرية إسماعيل وإبراهيم التي في دعائهما رَبَّنا وَ اجْعَلْنا مُسْلِمَیْنِ لَكَ وَ مِنْ ذُرِّیَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَ أَرِنا مَناسِكَنا وَ تُبْ عَلَیْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوّابُ الرَّحِیمُ * رَبَّنا وَ ابْعَثْ فِیهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ یَتْلُوا عَلَیْهِمْ آياتِكَ وَ یُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ یُزَكِّیهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِیزُ الْحَكِیمُ (2). وأشار إليهم مرة أخری في قوله تعالی: مِلَّةَ أَبِیكُمْ إِبْراهِیمَ هُوَ سَمّاكُمُ الْمُسْلِمِینَ مِنْ قَبْلُ وَ فِی هذا لِیَكُونَ الرَّسُولُ شَهِیداً عَلَیْكُمْ وَ تَكُونُوا شُهَداءَ عَلَی النّاسِ (3). فأبوهم إبراهيم وإسماعيل(عليهما السلام) وهم من ذريتهما ومنهم النبي المصطفي(صلي الله عليه و آله) وبعث فيهم وهم أهل بيته(عليهم السلام)، فهم شهداء علی جميع الناس من الأولين والآخرين وسيد الأنبياء(صلي الله عليه و آله) عليهم شهيد، بينما نبي ورسول كل أمة شهيد علی أمته فقط، فطبقات الشهادة قمتها الباري تعالي، ثم رسوله المصطفي(صلي الله عليه و آله)، ثم أهل بيته(عليهم السلام)، ثم الملائكة والأولياء.
من المعلوم أنَّ شهادة النبي(صلي الله عليه و آله) علی الأمم السابقة هو في عالم البعث والقيامة وليسَ في عالم الدنيا، وهذا ما صرحت به الآية الكريمة وَ یَوْمَ نَبْعَثُ فِی كُلِّ أُمَّةٍ شَهِیداً عَلَیْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ جِئْنا بِكَ شَهِیداً عَلي هؤُلاءِ .
فبعدما يستشهد شهداء الأمم من الأولين والآخرين تأتي هنا رقابة الرقيب، فيستدعي رئيس طاقم الرقباء الإلهيين علی أعمال البشر، وهنا تدلي شهادته أو حسمه أو حكمه، وبالتالي فهذهِ الشهادة تعتبر نوع من الحاكمية؛ لأنَّ الشهداء حكّام يوم القيامة بأذن الله؛ لأنَّ الشاهد في الواقع هو الذي يقرر ملف رقابته علی الأعمال وبالتالي فهو يدين ويبرأ، فهم أيدي الله تعالی لحاكمية الله يوم القيامة.
ويتبين أن هذا مقام من مقامات سيّد الأنبياء(صلي الله عليه و آله) وأنَّه بعد الله عَزَّ وَجَلَّ هو الشاهد علی الشهداء والأشهاد علی العباد وبعد إذنْ منه تعالی يكون خاتم النبيين(صلي الله عليه و آله) الحاكم علی الحاكمين يوم القيامة بمعني أنَّ بيده(صلي الله عليه و آله) كلمة الفصل بعد الله عَزَّ وَجَلَّ.
أيضاً أهل البيت يكون لهم دور الشهداء ليسَ علی الأمّة الإسلامية فحسب بلْ علی كل الأمم وبنص الآيات الكريمة التي مرَ بيانها وسيأتي تتمة لذلك فيما بعد، ومن ثم النبي(صلي الله عليه و آله) يكون هو الشاهد علی أهل بيته(عليهم السلام) في شهادتهم علی شهداء الأمم، وكما مرَّ بنا سابقاً أنَّ الأنبياء والرسل
وأوصيائهم شهداء الأمم يكون لهم هيمنة وأشراف علی أممهم.
وبعبارة أُخري: في كل حقبة من الزمن هناك أهرم روحية - إذا أردنا أنْ نصورها كتصوير هندسي - وهذهِ الأهرم الروحية تشرف عليها أهرم روحية أكبر منها وهم شهداء الأمم، وفوق هذهِ الأهرم الروحية الرقابية تكون أرواح أهل البيت(عليهم السلام)، فأهل البيت(عليهم السلام) يكونون كالخيمة الروحية المظللة والمهيمنة علی أرواح الأنبياء وعلي أرواح الأوصياء، وفوق هذهِ الخيمة الروحية هناك خيمة أكبر منها وهي خيمة رسول الله(صلي الله عليه و آله) الذي هو الشاهد الأكبر علی كل هذهِ الأرواح.
وهذا المطلب نلاحظه بشكل واضح في سورة البقرة وهو قوله تعالی: وَ إِذْ یَرْفَعُ إِبْراهِیمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَیْتِ وَ إِسْماعِیلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِیعُ الْعَلِیمُ * رَبَّنا وَ اجْعَلْنا مُسْلِمَیْنِ لَكَ وَ مِنْ ذُرِّیَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَ أَرِنا مَناسِكَنا وَ تُبْ عَلَیْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوّابُ الرَّحِیمُ (1).
فقد كان هذا دعاء إبراهيم وإسماعيل(عليهما السلام)، وهذهِ الآية تدلل علی أنَّ أجداد النبي(صلي الله عليه و آله) كلهم مسلمون وموحدون، وكذلك دعائهم(عليهما السلام) هو أنْ يكون في ذريتهما أمّة مسلمة وموحدة لا تشرك بالله طرفة عين أبداً؛ لأنَّ هذهِ الأمّة المسلمة ليس إسلامها هو درجة الإسلام العادي وذلك لأن درجة الإسلام العادي التي طلبها إبراهيم وإسماعيل لذريتهما هي درجة الإسلام التي
1) (1) سورة البقرة: الآية 127 - 128.
طلباها لنفسهما رَبَّنا وَ اجْعَلْنا مُسْلِمَیْنِ لَكَ ، فأي درجة من الإسلام يطلبه النبي إبراهيم(عليه السلام) وولده إسماعيل(عليه السلام)، وهو الذي جعله الله إماماً للناس، وإسماعيل هو النبي والوصي لأبيه إبراهيم(عليه السلام)، فهذان النبيان العظيمان يطالبان من الله أنْ يكونا مسلمين، ولكن لا الإسلام من الدرجة النازلة بلْ من الدرجة الصاعدة العالية الاصطفائية بل من النمط العالي من الاصطفاء، إذ طلبهما ودعائهما كان بعد النبوة، ولم يكن طلبهم لهم فقط بلْ أنْ تكون الأمّة المسلمة بعض من ذريتهما ونسلهما ظهراً بعد ظهر. وهذا يعني أنَّ في ذريتهما دوماً أوصياء وفي ذريتهم المعصومين(عليه السلام)، ثم ذكر تعالی علی لسان إبراهيم(عليه السلام) رَبَّنا وَ ابْعَثْ فِیهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ یَتْلُوا عَلَیْهِمْ آياتِكَ وَ یُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ یُزَكِّیهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِیزُ الْحَكِیمُ (1).
وهذهِ الآية الكريمة تبيِّن أنَّ هناك في ذريتهما علی الدوام إلی يوم القيامة فئة معصومة كعصمة النبي إبراهيم(عليه السلام) والنبي إسماعيل(عليه السلام) ومن هذهِ الذرية يبعث الله تعالی خاتم الأنبياء(صلي الله عليه و آله)، وهذا دليل علی إيمان ووصاية أبي طالب وإيمان ووصاية عبدالله وإصطفاء آمنة وفاطمة بنت أسد. بلْ وتدلُّ علی عصمة وصي النبي(صلي الله عليه و آله) وعلي عصمة فاطمة وأبنائها(عليهم السلام).
وبالتالي هناك ثلة من هذهِ الذرية أمّة مسلمة أصطفاها الله تعالی وأهلها لتكون شهداء علی أعمال الأمم من الأولين والآخرين في قول الله تعالی وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَی النّاسِ وَ یَكُونَ
1) (1) سورة البقرة: الآية 129.
اَلرَّسُولُ عَلَیْكُمْ شَهِیداً ، وقد طابق ذلك دعوة أهل البيت(عليهم السلام) وأثبتوه كما مرَّ علينا في بعض الأحاديث السابقة، ومن الدلالات القرآنية كما مرت الأشارة إليه.
وهذا المقام الخاص للنبي(صلي الله عليه و آله) وأهل بيته(عليهم السلام) الذي شهد لهم القرآن بالتطهير، وجعل مودّتهم ردف الدين كله كما في آية مودة القربي، وجعل لهم الولاية في الفيء وفي الخمس.
ولم يثبت القرآن الكريم لم يثبت لنبي من الأنبياء أنَّه شهيد علی جميع البشر من الأولين والآخرين إلّا النبي الخاتم وأهل بيته صلوات الله عليهم. بينما جعل شهادة بعض الأنبياء(عليهم السلام) علی أمّتهم حال وجوده بينهم كما في عيسي(عليه السلام) حيث يقول تعالی: وَ كُنْتُ عَلَیْهِمْ شَهِیداً ما دُمْتُ فِیهِمْ (1).
بينما الشهادة العظمي التي حضي بها النبي(صلي الله عليه و آله) وأهل بيته(عليهم السلام) قدْ صرَّح بها النبي إبراهيم(عليه السلام) حيث يقول تعالی: هُوَ سَمّاكُمُ الْمُسْلِمِینَ مِنْ قَبْلُ وَ فِی هذا لِیَكُونَ الرَّسُولُ شَهِیداً عَلَیْكُمْ وَ تَكُونُوا شُهَداءَ عَلَی النّاسِ (2).
ولا يعقل أنَّ يكون كل المسلمين هم الأمة المسلمة وهي أفضل من الأنبياء(عليهم السلام)، وفي المسلمين من يقتل سيد الشهداء(عليه السلام) وفيهم أهل المجون
والقردة والخمر وما شابه ذلك، بل المراد بتلك الأمة المسلمة هي من ذرية إسماعيل وإبراهيم بل ليس كل الذرية منهما بل خصوص بعض الذرية المصطفاة والذين بعث منهم الرسول، ثم وصفهم أن شهادتهم هي علی جميع الناس.
وهذهِ الشهادة يعني رقابة والرقابة لا تعني فقط حالة تحمل ومشاهدة وتسجيل ملف أعمال بل مداينتهم بذلك يوم القيامة، بلْ وهي نوع من الهداية ونوع من التربية الروحية في عالم الأرواح، فإنَّ كل روح من أرواح البشر تريد وتطلب وتتمني أنْ تتكامل وتتنامي في الخير والنور والسعادة وغير ذلك، وأن يأخذ بيدها من يربيها بواسطة ذلك الشاهد الذي جعله الله عَزَّ وَجَلَّ ممر لفيضه وخيره؛ لأنَّ الرقابة والرقيب في الواقع هو نوع من الهادي ونوع من المربي، ولكن ليسَ بنحو الإلجاء بلْ بنحو الإشارة والتوصية والنصيحة، وليسَ من اللازم أنْ تكون الهداية مجابهة لساناً وبدناً مع بدن الآخر وإنَّما هو تسديد أفكار وومضات معاني كي لا يكون للإنسان أي حجة ويقول لم التفت ولم أعلم، فإذا كنت تريد الخير فأبوابه مفتوحة في خواطرك وفي أفكارك، وهذا هو نمط من وَ مَنْ یَتَّقِ اللّهَ یَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (1). و وَ مَنْ یَتَّقِ اللّهَ یَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ یُسْراً (2)،
وهذا يتمُّ عبر أيادي أولياء الله لأنَّهم يهدون بأمر الله عَزَّ وَجَلَّ إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَیْئاً أَنْ یَقُولَ لَهُ كُنْ فَیَكُونُ (1). أي عبر شبكة عالم الروح، فهم ليسوا رقباء وشهداء فقط وتنجيزيّون لعذاب البشر أو لمداينتهم من دون أنْ يراعوا هدايتهم وينموا القدرات فيهم، ومن نلتفت إلی معاني الروايات التي ربما يستعظم أو يستكبر معناها علی الكثيرين، ففي رواية عن أحمد بن عمر، قال: سألت أبا الحسن(عليه السلام) لم سمي أمير المؤمنين(عليه السلام)؟ قال: لأنَّه يميرهم العلم، أمَّا سمعت في كتاب الله وَ نَمِیرُ أَهْلَنا (2)
(3)أي توزيع وبث العلم. وفي حديث آخر عن ابن عباس، قال: سمعت رسول الله(صلي الله عليه و آله) يقول: أعطاني الله تبارك وتعالي خمساً وأعطي علياً خمساً: أعطاني جوامع الكلم وأعطي علياً جوامع العلم، وجعلني نبياً وجعله وصياً، وأعطاني الكوثر وأعطاه السلسبيل، وأعطاني الوحي وأعطاه الإلهام، وأسري بي إليه وفتح له أبواب السماوات والحجب حتّي نظر إلی ما نظرت إليه(4).
وهذهِ المفادات كلها متطابقة مع بعضها البعض، ويفسر بعضها البعض.
إنَّ النصاري في زمن النبي عيسي(عليه السلام) ألهت عيسي وأمّه(عليها السلام) والله عَزَّ وَجَلَّ يعلم أنَّ هناك ثلة من النصاري ارتكبوا هذهِ الخطأ، ومع هذا كله يقول تعالی لنبيه عيسي(عليه السلام) أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِی وَ أُمِّی إِلهَیْنِ مِنْ دُونِ اللّهِ (1).
وهذهِ دلالة واضحة أنَّ هداية الأمّة وتربيتها ليست بمعني الإرادة للطريق والإبلاغ والإنذار فقط، بلْ هناك مقام آخر وهو كونه شهيداً، مربياً، مزكياً لأرواح الأمة، فمقام الشهادة هو مقام هداية إيصالية للغاية والمطلوب من الكمال ومقام إمامة وقيادة، وهذا أحد أدلة معتقد مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) أنَّ النبي(صلي الله عليه و آله) هو إمام الأئمة بجانب كونه سيد الأنبياء(صلي الله عليه و آله).
فالشهادة هي مقام إمامة، ومقام سيادة وولاية ومسؤولية، ولذلك لابدَّ أنْ يسائل النبي عيسي(عليه السلام) عن مأموميه أين وصلوا، وأين صاروا، وكيف حصل عندهم هذا الإنحراف.
وهذا المسائلة مع النبي عيسي(عليه السلام) هو نظير المسائلة من النبي موسي مع أخيه هارون قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَیْتَهُمْ ضَلُّوا أَلاّ تَتَّبِعَنِ أَ فَعَصَیْتَ أَمْرِی قالَ یَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْیَتِی وَ لا بِرَأْسِی إِنِّی خَشِیتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَیْنَ بَنِی إِسْرائِیلَ وَ لَمْ تَرْقُبْ قَوْلِی
1) (1) سورة المائدة: الآية 116.
خَشِیتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَیْنَ بَنِی إِسْرائِیلَ وَ لَمْ تَرْقُبْ قَوْلِی (1).
وأيضاً هذا التساؤل هو نظير مسائلة السيدة الزهراء(س) عندما خاطبت أمير المؤمنين(عليه السلام): (اشتملت شملة الجنين وقعدت حجرة الظنين...).
فقد أرادت(عليه السلام) أنْ تفهم الزبير وعمار وسلمان ومن كان في بيتها من أتباع أمير المؤمنين(عليه السلام) وجميع أجيال الأمة، أنَّ موقفه هذا ليسَ متبايناً عن موقفها - والعياذ بالله - وإنَّما ذلك لأجل الموازنة في الموقف، وإلّا فإنَّ موقف الزهراء وعلي(عليهما السلام) واحد وليسَ بينهما أي اختلاف، وفي نفس الوقت إنَّما وجهت(عليها السلام) هذا السؤال للإمام(عليه السلام) لأنَّه هو القائد وليسَ لأنَّه زوجها فحسب.
عن أحمد بن عمير عن أبي الحسن(عليه السلام) قال: سأل عن قول الله عَزَّ وَجَلَّ اِعْمَلُوا فَسَیَرَی اللّهُ عَمَلَكُمْ وَ رَسُولُهُ وَ الْمُؤْمِنُونَ ، قال إنَّ أعمال العباد تعرض علی رسول الله(صلي الله عليه و آله) كل صباح أبرارها وفجّارها فاحذروا(2).
وفي رواية أُخري عن أبي عبدالله(عليه السلام): إنَّ أعمال أمّة مُحمَّد(صلي الله عليه و آله) تعرض علی رسول الله(صلي الله عليه و آله) في كل خميس فيستحي أحدكم من رسول الله أنْ تعرض
عليه القبيح(1).
وعن مُحمَّد بن مسلم قال: سألت أبا عبدالله(عليه السلام) عن الأعمال تعرض علی رسول الله(صلي الله عليه و آله) قال: ما فيه شك ثم تلا هذهِ الآية قال اِعْمَلُوا فَسَیَرَی اللّهُ عَمَلَكُمْ وَ رَسُولُهُ وَ الْمُؤْمِنُونَ . قال إنَّ لله شهداء في أرضه(2).
وعن عبدالله بن أبان إنَّه قال: قلت للرضا(عليه السلام)، وكان بيني وبينه شيء، ادع الله لي ولمواليك فقال: والله إنَّ أعمالكم لتعرض عليّ في كل خميس(3).
ومن خلال هذهِ الروايات يتّضح أنَّ أعمال الخلائق تعرض علی رسول الله(صلي الله عليه و آله) في كل يوم اثنين وخميس أو في كل يوم علی حسب مفاد الروايات، وعلي الأئمة تعرض هذهِ الأعمال. فلو كانت مهمة ودور النبي(صلي الله عليه و آله) هو إبلاغ الرسالة فما هي صلته(صلي الله عليه و آله) في أن تعرض عليه الأعمال.
فهناك رؤيا من الله ثم رؤيا من الرسول(صلي الله عليه و آله) تتلو رؤية الله عَزَّ وَجَلَّ وهذا ما صرَّح به القرآن الكريم اِعْمَلُوا فَسَیَرَی اللّهُ عَمَلَكُمْ وَ رَسُولُهُ وَ الْمُؤْمِنُونَ (4).
وحسب مفاد الآية الكريمة أنَّ رؤية العمل تكون حين العمل لأنَّ التعبير (فسيري) ولو كان النبي(صلي الله عليه و آله) غائباً عن الدنيا، وللأسف نري مقال بعض المتكلمين من المذاهب الإسلامية الأُخري أنَّ النبي(صلي الله عليه و آله) ينتهي دوره
بانتهاء عمره الشريف في دار الدنيا حسب قولهم (ومن كان يعبد محمداً فإنَّ محمداً قدْ مات)(1). كما يقول أبو بكر.
في حين نشاهد أهل البيت(عليهم السلام) يشدّون الناس ويربطونهم بالنبي(صلي الله عليه و آله) حتّي بعد استشهاده(صلي الله عليه و آله)؛ لأنَّ دور النبي(صلي الله عليه و آله)ليس مقتصراً علی دور الإبلاغ والبشارة والنذارة بلْ مرتبط ب اِعْمَلُوا فَسَیَرَی اللّهُ عَمَلَكُمْ وَ رَسُولُهُ وَ الْمُؤْمِنُونَ ؛ وهذه المهمة مستمرة إلی يوم القيامة وفي جنة الخلد ودار الجزاء الأبدي أيضاً ولم تنته بعد، فمهمته العظمي هي تربية وإدارة أرواح الخلق وبتمكين من الباري تعالی: إِنّا أَرْسَلْنا إِلَیْكُمْ رَسُولاً شاهِداً عَلَیْكُمْ (2).
وقد أرسله تعالی إلی الأرواح في الملكوت السابقة قبل أنْ يرسله رسولاً إلی الأرض وفي الناس؛ لأنَّه كما بيّنا سابقاً أنَّ الشهادة ليست في مقام الأجساد والأبدان الدنيوية فقط بلْ في مقام عوالم الأرواح من الأظلة والميثاق والذر، كما قال(صلي الله عليه و آله) كنت نبيّاً وآدم بين الماء والطين.
فمقام الشهادة مقام ملكوتي وليسَ مقاماً بدنياً قال تعالی:وَ كَذلِكَ نُرِی إِبْراهِیمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ (3).
فإنَّ للسموات ملكوت يري الله تعالی أنبيائه ذلك الملكوت، فكيف
بسيّدهم وخاتمهم(صلي الله عليه و آله).
فالله تعالی لم يرسل سيّد الأنبياء في عام الأربعين من عمره الأرضي فقط بلْ قبل ذلك إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً . وبعد الشهادة قام برسالة النذارة يا أَیُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ (1)، إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَ مُبَشِّراً وَ نَذِیراً (2)، بلْ حتّي البشارة والنذارة فهي ليست حادثة في زمن الأرض بلْ قبل ذلك كما في الآية الكريمة هذا نَذِیرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولي (3)وأوضحته الروايات في ذيلها.
فالشهيد علی المشهودين يقتضي أنه هو المنذر لهم، وهو المبشر لهم، وهو الرقيب عليهم، بمعني أنَّ الذي أبلغ الأنبياء(عليهم السلام) عن واجبات مقام النبوة والأنباء، وبرنامج قيادة البشر عن الله تعالی هو النبي الخاتم(صلي الله عليه و آله)، ومن ثم كان هو شهيداً عليهم. فكل هذا حصل وحدث في عوالم الملكوت.
وإذا كان خاتم الأنبياء(صلي الله عليه و آله) شهيداً علی الأنبياء فهل يمكن أنْ يكون رقيباً وحسيباً علی الأنبياء من دون أنْ يكون قدْ أعذرهم وأبلغهم - من قبل - عن مسؤولياتهم، ومقتضي هذا أنَّ الباري تعالی جعل المحاسب للأنبياء في يوم القيامة - بعد الله تعالی - هو رسول الله(صلي الله عليه و آله) وَ یَوْمَ نَبْعَثُ فِی كُلِّ أُمَّةٍ شَهِیداً عَلَیْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ جِئْنا بِكَ شَهِیداً عَلي هؤُلاءِ .
وهذا المقام لسيد الأنبياء وهو كونه شهيد علی الأنبياء والرسل هو كونه نبي الأنبياء وأن الأنبياء ينبئون أممهم بتوسط نبوته(صلي الله عليه و آله)، وفيه من الكنوز واللئالي ما تبهر العيون.
ولا يخفي أنَّ النبي(صلي الله عليه و آله) أبلغ الأئمة(عليهم السلام) عن وظائفهم في الإمامة وأعذر، فيكون(صلي الله عليه و آله) شاهداً عليهم من أمير المؤمنين(عليه السلام) إلی الإمام المهدي(عج). وهذا الإشراف ليسَ ببدنه الشريف بلْ منذ عالم النور فإنَّه اشتق من نور النبي(صلي الله عليه و آله) نور علي(عليه السلام)، وهذا الاشتقاق وهذا الترشّح والاشتقاق ينطوي علی نوع من الإشراف، وبالتالي فإنَّ مقام شهادة أهل البيت(عليهم السلام) تتلو مقام شهادة النبي(صلي الله عليه و آله)، ومن ثم فإنَّ شهادتهم(عليهم السلام) تفوق شهادة الأشهاد السابقين، يقول تعالی في كتابه الكريم أَ فَمَنْ كانَ عَلي بَیِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ یَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ .
يعني من نفسه وهو الإمام علي(عليه السلام).
فقد روي عن أمير المؤمنين(عليه السلام) أنَّه قال: فالذي علی بيّنة من ربه مُحمَّد(صلي الله عليه و آله) والذي يتلوه شاهد منه وهو الشاهد وهو منه أنا علی بن أبي طالب وأنا الشاهد، وأنا منه(صلي الله عليه و آله)(1).
1) (1) آمالي الطوسي ج422: 1 ،ح 372 . تفسير الثقلين ج345 :2.
ومفاد الحديث نظير مفاد قوله تعالی: قُلْ كَفي بِاللّهِ شَهِیداً بَیْنِی وَ بَیْنَكُمْ وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ1 وفي الحديث القدسي يقول الله عَزَّ وَجَلَّ: «لا يسعني أرضي ولا سمائي ولكن يسعني قلب عبدي المؤمن» (1).
إشارة إلی سعة باطن الإنسان المؤمن أوسع من السموات فكيف بالإنسان الذي اصطفاه الله تعالي.
فعن أبي سعيد الخدري، قال: سألت رسول الله(صلي الله عليه و آله) عن قول الله جل ثناؤه: كَفي بِاللّهِ شَهِیداً بَیْنِی وَ بَیْنَكُمْ وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ (2)، قال: ذاك أخي علی بن أبي طالب(3).
وعن أبي جعفر(عليه السلام)، قال: نزلت في علي(عليه السلام) إنَّه عالم هذهِ الأمّة بعد النبي(صلي الله عليه و آله)(4).
فعلي(عليه السلام) هو أوَّل الأشهاد بعد النبي(صلي الله عليه و آله)، وهو أيضاً شاهد علی بقية الأئمة(عليهم السلام).
ونظير المفاد من الإرتباط النوري بين باطن طبقات ذات الْنَّبِیّ(صلي الله عليه و آله) وباطن طبقات ذات الوصي(عليه السلام) قوله تعالی: يا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا إِذا ناجَیْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَیْنَ یَدَیْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَیْرٌ لَكُمْ
وَ أَطْهَرُ (1).
وهذهِ الآية من أعظم الآيات التي تبيِّن مدي العلاقة التي بين النبي(صلي الله عليه و آله) والوصي(عليه السلام)، فإنَّ النجوي إسرار السر، لأنَّ المناجاة تكون بين طرفين لأجل تبادل الأسرار، ولذلك عبّرت الآية الكريمة بالمناجاة ولم تقل إذا كلمتم بلْ (إذا ناجيتم).
إذنْ النجوي هي ارتباط وإسرار ومسرة لم يحضَ بها إلّا علی بن أبي طالب(عليه السلام)، وهذا دليل علی الوراثة الملكوتية من مقامات الباطن والأسرار الإلهية.
ففي رواية عن أمير المؤمنين(عليه السلام) قال: بي خفف الله عن هذهِ الأمّة لم تنزل في أحد قبلي ولم تنزل في أحد بعدي(2).
ونظير هذا المفاد من الارتباط ما ورد مستفيضاً بين الفريقين في شأن تبليغ سورة البراءة الحديث القدسي خطاباً للنبي(صلي الله عليه و آله) «لا يبلغ عنك إلا أنت أو رجل منك» (3)، وفي بعض الطرق «إلا أنت أو علي»(4).
إنَّ الفطرة ليست دليلا فقط لمسألة واحدة بل أصبحت لغة من لغات المعارف ونظاماً من نظم أبواب المعرفة الجذابة والرائجة جداً، فبالفطرة يرتب ويقرب البرهان لأثبات التوحيد، وبالفطرة يقرب البرهان لأثبات النبوة والإمامة والمعاد.
فإنَّ الفطرة لغة من لغات إثبات المعارف حتی أصبحت لغة كاملة ونظام متكامل، ومن أوضح وهي أبين وأكثر اللغات شيوعاً وأنتشاراً وفهماً عند كافة البشر بل عند كافة المخلوقات، وعلي ضوء هذا يستطيع الإنسان أن يفسر حالات وظواهر عجيبة بين المخلوقات بعضهم مع البعض مع اختلاف أجناسهم وأنواعهم ولا يخفي أن القرآن الكريم قد شيد هذا الباب وهذا البحث في آيات عديدة، فقد ذكر القرآن الكريم الفطرة بعناوين كثيرة ومختلفة وليس بلفظ وبعنوان الفطرة فقط بل بألفاظ أخری مقاربة لغوياً للفطرة من قبيل قوله تعالی: وَ اتَّقُوا الَّذِی خَلَقَكُمْ وَ الْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِینَ1.
ونظير قوله تعالی: صِبْغَةَ اللّهِ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً وَ نَحْنُ لَهُ عابِدُونَ (1).
إذن لابد أن نلتفت إلی هذا النظام وهذا الباب وهذه اللغة، فإن أحد أسباب وأسرار وسر نجاح الأنبياء(عليهم السلام) لاسيما سيد الانبياء(صلي الله عليه و آله) في التأثير علی البشر أنهم(عليهم السلام) يركزون ويهتمون علی لغة الفطرة من بين بقية اللغات بخلاف المصلحين الآخرين في البشر، مع الفارق الشاسع بين الذين أصطفوا من الله تعالی وبين بقية المصلحين المعروفين بالإصلاح في التاريخ البشري والحضارات البشرية والمدنية والمؤاخذة عليهم، أنهم غالباً ما يستخدمون لغة غير لغة الفطرة.
إن للإنسان نوافذ عديدة وهو ذو قوي عديدة وكل قوة من قوي الإنسان والروح والنفس الإنسانية بل حتی الملائكة والجن والحيوان والنبات لها قوي مختلفة، فكل قوة من قوي الإنسان لها لغة، فعندما نقول لغة فليس المراد بها لغة صوتية بل اللغة المعنوية أو التكوينية التفاعلية والتي هي أهم من اللغة الصوتية فهناك لغة صوتية ولغة معنوية، فالمعني وانطباعه كخاطرة في الروح لغة هو وسيلة تفاهم، فإذا أتيت لشخص ما بمعاني خاصة قد يفهمها ذلك الشخص بينما إذا أتيت له بمعاني أخری قد
1) (1) سورة البقرة : الآية 138.
تكون غامضة عليه فإنه لا يفهم ما تريد.
إذن المعاني لغة من اللغات وكل قوة من قوي الإنسان لها أحاسيس وتفاعل معنوي خاص بها.
ومن باب المثال لتوضيح هذا البحث: هناك مقوله تذكر كثيراً أن كل إنسان له نقطة ضعف فإذا أردت أصلاح هذه النقطة وتحولها من الضعف إلی القوة فلابدَّ أنْ تؤثر عليه من تلك النقطة هذه تسمي لغة وهذا هو بحث التأثير وبحث التفاهم.
فإذا كان الشخص مهندساً لابدَّ أنْ تتكلم معه بلغة الهندسة، ولذلك بعث كل نبي بلغة قومه، وليس المراد بذلك اللغة اللسانية والصوت فقط بل المعني الذي يفهموه وهذا تفسير أخر للغة، فنفس عالم المعني والمعاني والعلوم كمعاني وكأفكار هي لغات، فالحيوانات - مثلاً - لها لغة خاصة ليست هي لغة الصوت بل لغة التأثير بالمعني والميول الروحية المختلفة ومن ثم نجد الأولياء، فضلاً عن الأصفياء يستطيعون أن يؤثروا علی الوحوش من خلال زوايا ونوافذ وشفرة معينة يتأثر بها ذلك الحيوان.
ونلاحظ في كل زمن من الأزمان وفي كل جيل من الأجيال قد تزدهر لغة من اللغات، لغة معنوية، أو لغة صوتية، أو لغة حقائق، وقد تخمد في ذلك الزمن وتجمد وتتعطل لغات أخري، فمثلاً أبواب اليقين المذكورة في المدارس المنطقية قد تنشط لغة وتخمد أخري، ففي زمن النبي
موسي(عليه السلام) كانت لغة قوة المخيلة والخيال والسحر قوية ونشيطة جداً ولذلك نري معجزاته(عليه السلام) من قبيل فلق البحر وقلب العصي وقلب المطر دماً كلها مرتبطة بالتغيرات المدركة بتوسط العين وليس من الخيال لأن في الخيال يتم تغيير الصورة في العين تخيلاً وليس تغير الخارج حقيقية.
أو مثلا معجزة النبي صالح(عليه السلام) حيث كان قومه ينحتون من الجبال بيوتاً وهذا من مهارة الجبال والمعادن فأخرج لهم الله تعالی من فنهم ناقة ومن الطبيعي يخاطبهم من نمط لغتهم بما لايقدرون عليه - أي أخراج الناقة - وهلم جرا في معجزات باقي الأنبياء(عليهم السلام).
وهناك لغة مشتركة موحدة لدي جميع الأنبياء والأوصياء ألا وهي لغة الفطرة، فإنها أسرع اللغات فهماً وليس ذلك في الإنسان فقط بل في الملائكة وفي الجن وفي الحيوان وفي النبات هناك لغة أيضا أسمها لغة الفطرة، وليس المراد منها لغة صوتية بل لغة تكوينية تفاعلية ومعنوية، يعني يمكن بهذه اللغة تفسير وترجمة بيان والتفاهم حول كل شيء.
إنَّ الأنبياء والأوصياء برعوا في التأثير علی البشر وغير البشر وذلك لاستخدامهم لغة الفطرة، بينما الفلاسفة أو العرفاء أو الصوفية لم يؤثروا علی أكثر البشر لأن تأثيرهم ناقص عبر اللغة التي خاطبوا بها هذا مضافاً إلی الفارق قدرة دور بين المعصوم وغير المعصوم إذ هناك فرق كبير وواضح بين الوحي والجهد البشري، وذلك لأن الأنبياء يستخدمون لغة أكثر فهماً
عند كل الناس بل عند كل المخلوقات وهو نظام الفطرة، ولا يخفي أن الفطرة درجات ففطرة النبات تختلف عن فطرة الحيوان وعن فطرة الملائكة وعن فطرة الإنسان لأن الخلقة درجات فكذلك الفطرة أيضاً. ولكن أعظم نظام فطرة هو عند أعظم مخلوق وهو سيد الأنبياء(صلي الله عليه و آله)، يعني الفطرة التي خلق الله بها سيد الأنبياء لم يخلق بها النبي عيسي ابن مريم(عليها السلام) ولا النبي موسي(عليه السلام) ولا النبي إبراهيم الخليل(عليه السلام) ولا جميع الأنبياء، فإن هذه الفطرة التي كاملها الله تعالی في سيد الأنبياء لم يجعل له نظير أو مثل سوي قرب علی بن أبي طالب(عليه السلام) من سيد الأنبياء(عليه السلام).
ولذلك لم يشبه القرآن الكريم أحدا بمنزلة سيد الأنبياء إلا علي(عليه السلام) كما هو مفاد آية المباهلة:فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ (1).
ومن ثم قال أحد البابوات السابقون للكنيسة الكاثوليكية عندما أرسل اليه أحد المحققين الصحيفة السجادية قال نحن ندعي ونعتقد أن عيسي ابن مريم(عليه السلام) رئيس العرفان ولكني أقر أن العرفان الموجود في الصحيفة السجادية عند الإمام زين العابدين(عليه السلام) أعظم من الموجود عند النبي عيسي ابن مريم(عليه السلام) - وهذه الرسالة موثقة دولياً - والإمام زين العابدين(عليه السلام) نبعة يسيرة من سيد الأنبياء(صلي الله عليه و آله) فكيف بسيد الأنبياء نفسه(صلي الله عليه و آله).
1) (1) سورة آل عمران : الآية 61 .
قال تعالی: فِطْرَتَ اللّهِ الَّتِی فَطَرَ النّاسَ عَلَیْها لا تَبْدِیلَ لِخَلْقِ اللّهِ ذلِكَ الدِّینُ الْقَیِّمُ (1). فالفطرة هي في نفسها دين، يعني هناك تطابق وتناغم بين كل منظومة الدين وكل فطرة البشر، بل فطرة المخلوقات كلها، لأنه في بداية الآية يذكر القرآن الفطرة التي فطر الناس عليها ثم بعد ذلك يتوسع فيقول (لا تبديل لخلق الله) وهذا نوع من التناغم الذي بين دين الإسلام ودين النبي محمد(صلي الله عليه و آله) مع كل فطرة المخلوقات، وهذا التناغم ليس بالإثبات النظري أو بالأدلة النظرية كما في القرون السابقة بل هذا التناغم بات يشاهده البشر بالبرهان التجريبي من خلال الأزمات التي يمر بها البشر ومنها الأزمة الاقتصادية المالية التي عصفت الآن بالغرب كلها حتی أخذ رواد الفكر الاقتصادي في الغرب يصرحون خلال السنوات التسع الماضية بمعجزة تشريعات الإسلام التي أتي بها سيد الأنبياء(صلي الله عليه و آله) من تحريم الربا وتحريم التمويه في المعاملات: وَ لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَیْنَكُمْ بِالْباطِلِ (2). فالباطل هنا يعني تمويه المعاملات أو تمويهية غسيل أموال، وكذلك تحريم أعيان أو محرمات كالمخدرات وغيرها من المكاسب المحرمة وكذلك تحريم الاحتكار وغير ذلك.
إن الغدد الاقتصادية المحرمة التي وضع عليها التشريع الإسلامي يده هي
التي تقض بمضجع الاقتصاد النموذجي لدول العالم الأول في القوة المالية والاقتصادية حتی تكاد تكسر عروش اقتصادهم وتفتته تفتيتاً.
وهناك إحصائيات كثيرة ومذهلة طالعتنا بها منظمة الأمم المتحدة أن هناك ستين فرداً وشخصاً وليس ستين ألفاً أو مليوناً يملكون 70% من ثروة أمريكا التي هي أثري وأغني دولة في العالم وهذا أحد أسباب الأزمة الاقتصادية.
فها هي تشريعات سيد الأنبياء(صلي الله عليه و آله) تتجلي وتتلألأ للعقل البشري جدارتها الآن بالبرهان التجريبي أي برهان الفطرة للنظام الاجتماعي، وفطرة نظام البيئية الخضراء، وفطرة النظام البيئي المائي، وفطرة النظام البيئي الهوائي، فطرة لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم، فالدين الإسلامي جعل لنا آداباً مع البيئة وجعل لنا آداباً مع الحيوانات وآداباً مع الهواء حتی مع الطعام: وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا وَ لا تُسْرِفُوا (1)، بينما شعار الرأسمالية أسرفوا أسرفوا نظام وسياسة الصرف الاستهلاكي الافراطي. وهذا أحد أسباب الأزمة الخانقة لهم وهو الإسراف والبذخ والبطر، وعندما ينالون من شخصية النبي(صلي الله عليه و آله) فليس عبطاً أو صدفة بل لأن إعجازه التشريعي الديني الذي بعث به(صلي الله عليه و آله) أخذ يتقدم في حواضر مراكز الدراسات العالمية، فلو أراد
1) (1) سورة الأعراف : الآية 31 .
الإنسان أن يجمع من خلال وكالات الأنباء تصريحات عقول الاقتصاد الغربي الأوربي والأمريكي سواء في البنك، في المصرف، في النقد المالي، في التجارة، في الجمرك، في كل فصول الاقتصاد أنه لا منجي للغرب من هذه الأزمة المالية إلا تشريعات سيد الأنبياء(صلي الله عليه و آله)، وقد صرح بذلك جملة من أمهر وأنبغ ساسة بناة النقد ونوابغ المصرف ومنظري الاقتصاد وكذا رئيس قساوسة بريطانيا قبل عدة سنوات، وهذا انتشار خطير لرواج التشريع النبوي لمحمد(صلي الله عليه و آله) بالنسبة لهم لأنه بالتالي إنتشار لشخصية الرسول الأكرم(صلي الله عليه و آله) ودينه الذي بعث به بحيث وصل إلی عقر عقول المفكرة والمدبرة لأقتصادهم، وبالتالي لم يبق لديهم إلا السباب والشتائم والاستهزاء والكذب والدجل وهو مؤشر الإفلاس في المواجهة العلمية لجدوائية بنيان التشريع النبوي.
أحد الأساتذة الأكاديميين والخبير في القانون الجنائي الدولي يسأل عن التشريع الإسلامي في باب الجنايات والعقوبات يعني الحدود والقصاص كيف يتلائم من التقنينات العصرية في العالم؟!.
وكان الجواب له هل تريد أن تقارن بين تقنين سيد الأنبياء(صلي الله عليه و آله) وبين التقنينات والقوانين الرسمية في الدول أو القوانين السرية في الدول؟ وقد تفاجئ بهذا التقسيم وكأنه استيقظ من سبات علمي في البحث المزبور.
فإنَّ هناك قوانين غير معلنة بلْ سرية ومعمول بها في إداراتهم ووزاراتهم ولكن بشكل خفي وغير معلن عنها،وهناك الكثير من الدول الغربية إذا
لوحق بعض ممثليها، أو سفرائها، أو ضباطها، أو جنودها بقضية ما فأنه يصنع لهم محاكمة ولكن طبق القوانين المقررة وغير المعلنة ولا يسمحون بالإعلان عن تلك القوانين المعمول بها داخل أجهزة النظام وليس داخل الدول فقط بل مع شعوبهم أيضاً وإن كان في السطح الظاهر المجريات للقانون الرسمي. وأي عضو يعمل في الدولة إذا أجرم أي جرم لابد أن يحاكموه طبق تلك القوانين الخفية لديهم فيبرؤونه إذا كان طبق ضوابط تلك القوانين وإن مجرماً جنائياً فادحاً طبق القوانين الرسمية المعلنة وهذه قوانين دموية، أوباشية، وحشية الله، أعلم بمدي عنجهيتها، فالتعذيب الذي في سجن غوانتناموا أو غيره الم يكن مقنن طبق تلك القوانين غير المصرح بها رسمياً لديهم؟!.
مثلاً المخابرات المركزية (CI لديها قوانين خاصة ولكن من الذي أطلع علی تلك القوانين، ولا يمكن لأي أحد أن يطلع عليها لأنها قوانين سرية، فالقوانين المدنية المعلنة لديهم لها شكل والقوانين المقررة والمصوبة والخفية غير المصرح بها لها شكل آخر.
فإذا أردت أن تقارن أيها الحداثوي وأيها الباحث في الألسنيات والمفضل بين تقنين سيد الأنبياء(صلي الله عليه و آله) وبين غيره فسيد الأنبياء(صلي الله عليه و آله) ليس لديه تقنين معلن وتقنين خفي بل تقنين واحد.
فالدولة التي يديرها سيد الأنبياء(صلي الله عليه و آله) أو يديرها سيد الأوصياء(عليه السلام) أو يديرها سيد شباب أهل الجنة ليس فيها قوانين معلنة وقوانين سرية مخفية. بل
قوانين واحدة سواء كانت قوانين عقوبات أو جنايات أو حرب أو سلم أو غير ذلك من القوانين المدنية والتجارية.
إن الرق في التشريع النبوي هو لأجل تربية الأمم لا اضطهادها أو إذلالها بل إيجاد نوع من البيئة المربية ولذلك يحرر الرق بأدني ذريعة ووسيلة ويجعل له حقوقاً تحول دون اضطهاده. بينما لو نظر إلی قوانين الرق (الخفية) في أوربا الغربية وأمريكا فنراه رق مدلهم ودموي بحيث يعبث بعرض الفتاة وعرض الفتي، وليس الغرب فقط بل وكذا أوربا الشرقية وروسيا، ويمنعون رسمياً عن الرق ولكنهم في الخفاء بتوسط الشبكات السرية لديهم أرقام كبيرة ومذهلة في مجال الرق، فأي فطرة ينادون بها فهناك أرقام كشفت عنها منظمة الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية المدنية في الغرب، بل تم الكشف عن ملفات مدمية ومبكية ومقرفة للإنسان إذا اطلع عليها بل إنهم يقيمون حروب في العالم الثالث وتهجير شعوبها وأحد أهدافهم منها استرقاق ما يمكنهم من الفتيات والفتيان تحت جناح الشبكات السرية وعصابات بيع الرق تماماً نظير الحروب في القرون الوسطي وإغارة القبائل لأجل السبي والغنائم المادية كسرقة العقول والكفاءات والكوادر من تلك البلدان فضلاً عن ثرواتها الطبيعية.
ونراهم يرفعون شعارات وقوانين رسمية ويبطنون ممارسات وأعراف خفية أخري، ومن يقع في أحضانهم فله الويل منهم. وقد انكشفت بين الحين
والآخر بعض هذه القوانين الخفية حتی لا يستطيعون أخفاء هذه الفضائح الكريهة،ومن دجلهم نراهم يلصقون هذه الفضائح بدين الإسلام. حتی تطاولوا علی سيد الأنبياء(صلي الله عليه و آله) وفي الواقع أنهم يريدون أن يتطاولوا علی تكامل البشرية، ويريدون أن يشيطنوا الإنسانية حتی يقلبوها من إنسانية إلی شيطنة إبليسية.
لأن عداء نهج الأنظمة الغربية هو مع النبل ومكارم الأخلاق الإنسانية وقمته عند سيد الأنبياء(صلي الله عليه و آله) فغايتهم وهدفهم من التطاول علی شخصية سيد الأنبياء هو نشر اليأس والإياس لدي البشرية عن وصول شخص إلی قمة النبل والمكارم لئلا يكون قدوة للبشر ولئلا ينفتح طريق وسبيل التكامل في محاسن الأخلاق كثقافة وأعراف لدي عموم البشرية فإن ذلك يورط الطبقة الحاكمة الثرية والمتحكمة في مقدرات شعوبها والشعوب الأخري ويحرجها إذ النبل والمبادئ والقيم والمكارم تفتح باب المحاسبة والمداينة علی موازين العدل والقسط وهذا مما يحرج طبقات الثروة والمال والقدرة ويمنعها عن اللعب والعبث في مقدرات الشعوب والإفساد في الأرض.
فهدفهم من الطعن زرع فكرة ونظرية أنه ليس هناك شخصاً نموذجياً، لأن الذي يغيظهم في سيد الأنبياء قممية سيد الأنبياء(صلي الله عليه و آله) وفطرته الكاملة والصاعدة علی جميع الأنبياء(عليهم السلام) فإنَّه(صلي الله عليه و آله) خاض السلم وخاض الحرب وخاض المجتمع وخاض السياسة وخاض الروحانية بكل توازن ونبل وهذا ما يصعب عليهم.
وصف القرآن الكريم النبي الخاتم(صلي الله عليه و آله) بالخلق العظيم ولم يصف باقي الأنبياء(عليهم السلام) بهذا الوصف، وهذا يعني أن عظمة الأخلاق لم يقر القرآن الكريم بها لأحد من المخلوقات بما فيها الأنبياء والرسل إلا النبي محمد(صلي الله عليه و آله) حيث قال تعالی: وَ إِنَّكَ لَعَلي خُلُقٍ عَظِیمٍ (1).
نعم وصف القرآن الكريم باقي الأنبياء بصفات عديدة مثل:
النبي نوح(عليه السلام) وصف بالعبد الشكور كقواه تعالی: إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً (2).
النبي إبراهيم(عليه السلام) وصف بالحلم كقوله تعالی: إِنَّ إِبْراهِیمَ لَأَوّاهٌ حَلِیمٌ3 .
النبي عيسي(عليه السلام) وصف بقوله الحق كقوله تعالی: ذلِكَ عِیسَی ابْنُ مَرْیَمَ قَوْلَ الْحَقِّ (3).
النبي يحيي(عليه السلام) وصف بالسيد الحصور كقوله تعالی: أَنَّ اللّهَ یُبَشِّرُكَ بِیَحْیَی مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَسَیِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِیًّا مِّنَ الصَّالِحِین(4).
النبي موسي(عليه السلام) وصف بالإخلاص كقوله تعالی: إِنَّهُ كانَ مُخْلَصاً
وَ كانَ رَسُولاً نَبِیًّا (1).
وغير ذلك من الصفات المذكورة للأنبياء(عليهم السلام) في القرآن الكريم، أما وصف جميع الصفات والكمالات، الخلقية،النفسية، الروحية والتي أجتمعت في شخص واحد لم يصف القرآن فيها أحداً إلا أثنين وهما النبي محمد(صلي الله عليه و آله) وخليفته الإمام علی بن أبي طالب(عليه السلام) كما في قوله تعالی: وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ . حيث نزله القرآن الكريم منزلة النبي(صلي الله عليه و آله).
ومنطق القرآن يشير إلی إفضال علی بن أبي طالب(عليه السلام) علی بقية الأنبياء بما فيهم أولی العزم عدا النبي(صلي الله عليه و آله) وهذا ليس تمحلاً أو تكلفاً من القول بل نصوصية من القرآن الكريم.
فعن فضيل بن يسار قال: سمعت أبا عبدالله(عليه السلام) يقول لبعض أصحابه قيس الماصر: إن الله عَزَّ وَجَلَّ أدب نبيه فأحسن أدبه فلما أكمل له الأدب قال: وَ إِنَّكَ لَعَلي خُلُقٍ عَظِیمٍ ثم فوض إليه الدين والأمة ليسوس عباده. فقال عَزَّ وَجَلَّ وَ ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وإن رسول الله كان مسدداً موفقاً مؤيداً بروح القدس لا يزل ولا يخطي في شيء مما يسوس به الخلق فتأدب بآداب الله...(2).
ولما جعله الله بهذه الصفة وَ إِنَّكَ لَعَلي خُلُقٍ عَظِیمٍ أرسله ليتمم مكارم الأخلاق كما قال(صلي الله عليه و آله): «بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»(3). وهذا دال
علي أن بقية الأنبياء لم يقيموا تمام مكارم الأخلاق.
نعم إذا نظرت إلی رسول الله(صلي الله عليه و آله) من خلال نظارة مكسورة أو من خلال كتب صفراء إسلامية أخری يرويها زيد وبكر الراوي فهذا بحث آخر.
وأما إذا نظرت إلی النبي(صلي الله عليه و آله) من خلال مرآة شفافة صافية وهي نفس القرآن الكريم أو من خلال مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) التي يشهد بها القرآن فسوف تري الصورة الجميلة عن سيد الأنبياء(صلي الله عليه و آله) وأنها أكمل صورة إنسانية إبتدعها الله في خلقه.
إن الإنسان إذا انشغل بزوجة أو زوجتين نراه من الصعب أن يتصدي لأتقان وإحكام إدارة تدبير المجتمع فضلاً عن إقامة حضارة، ولا سيما إذا كانت الزوجة أو المرأة مشاكسة غير موافقة أو عصية بل معادية، كما يستعرض لنا القرآن الكريم أن بعض نساء النبي(صلي الله عليه و آله) عصيات مما يبين لنا مدي عظمة سيد الأنبياء(صلي الله عليه و آله)، رغم أن عدة من نسائه متمردات ومتعاديات فيما بينهن لكن سيد الأنبياء(صلي الله عليه و آله) قمة لا تزلزله الزلازل.
فكيف إذا كان لديه تسع نساء أو زوجات؟! وكن معه في عقر داره وليس ببعيدات عنه، فإن القائد المثالي الذي يكون قائداً مثالياً في عقر داره أولاً هو من ثم يكون قائداً مثالياً في الخارج.
لاحظ رؤساء العالم في زماننا هذا إذا تكلم من خلال مؤتمر صحفي ولمدة خمس دقائق نراهم يتظاهرون بالمثالية والمعالي والقممية، بينما لو تركنا
عدسة التصوير تركز عليهم في محافلهم الخاصة الأخري فسوف نري حقيقتهم من الجيفة النتنة والكنيف الملوث، أما شخص كشخص الرسول الأكرم(صلي الله عليه و آله) فمن حكمة الله أن يسلط عليه تسع عدسات تصوير - تسع نساء - ومن قبائل وعشائر مختلفة لأنهن عيونهم علی السلوك الخفي عن الأنظار لرسول الله(صلي الله عليه و آله).
فعن زرارة عن سعد بن هشام قال: سألت عائشة فقلت أخبريني عن خلق رسول الله(صلي الله عليه و آله). فقالت: كان خلقه القرآن(1).
وعن صفية بنت حي قالت: ما رأيت أحداً أحسن خلقاً من رسول الله(صلي الله عليه و آله)(2). وهذا إعتراف من بعض النساء التسعة وهو عدسة رقابية من عقر داره.
ولو نظرنا إلی شخصية الإنسان من ناحية الجنس وإشباع الغريزة نري أن نقطة الضعف فيه هو المرأة وكذلك العكس، ولكن في شخصية النبي(صلي الله عليه و آله) أراد الله أن يبين أن نقطة الضعف هذه هي نقطة قوة وقممية عند رسول الله(صلي الله عليه و آله) فإن كل شيء في منظومة حركاته، أفعاله، غرائزه، قواه مبرمجة ومنظمة، فإنه(صلي الله عليه و آله) في شهوته عدل، وفي كل غرائزه وقواه وفي عقر داره عدل، وليس فقط عدله بل إحسانه في كل شؤونه وعقر داره إحسان، فهذه معجزة مجسمة وسبب ذلك هو كمال الفطرة فيه.
روي عن الإمام أبي عبدالله(عليه السلام): إن إبراهيم شكا إلی الله عَزَّ وَجَلَّ ما يلقي من سوء خلق سارة، فأوحي الله تعالی إليه إنما مثل المرأة مثل الضلع المعوج إن أقمته كسرته وإن تركته أستمتعت به أصبرعليها(1).
فالنبي إبراهيم(عليه السلام) لم يصبر علی أخلاق زوجته سارة مع أن سارة كانت بنت أنبياء فهي بنت خالة إبراهيم(عليه السلام) وأخت النبي لوط(عليه السلام) وفي نفس الوقت أم الأنبياء وقد كانت محدثة بصريح القرآن الكريم: وَ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِیمَ بِالْبُشْري قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِیذٍ فَلَمّا رَأي أَیْدِیَهُمْ لا تَصِلُ إِلَیْهِ نَكِرَهُمْ وَ أَوْجَسَ مِنْهُمْ خِیفَةً قالُوا لا تَخَفْ إِنّا أُرْسِلْنا إِلي قَوْمِ لُوطٍ وَ امْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَ مِنْ وَراءِ إِسْحاقَ یَعْقُوبَ قالَتْ يا وَیْلَتي أَ أَلِدُ وَ أَنَا عَجُوزٌ وَ هذا بَعْلِی شَیْخاً إِنَّ هذا لَشَیْءٌ عَجِیبٌ قالُوا أَ تَعْجَبِینَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ رَحْمَتُ اللّهِ وَ بَرَكاتُهُ عَلَیْكُمْ أَهْلَ الْبَیْتِ إِنَّهُ حَمِیدٌ مَجِیدٌ (2).
نعم كما أن الأصفياء درجات فالصديقات أيضاً درجات، فإن هناك مقدس وصفي ووفي ولكن هناك أقدس منه وأصفي وأوفي وأصدق. فسارة مع أنها صديقة ولكن النبي إبراهيم(عليه السلام) أشتكي منها بينما سيد الأنبياء تحمل وصبر ولم يشكو الله من العديد من نسائه ومع كونهن عدوات عصيات
بشهادة القرآن وهو الفارق بين سارة الصديقة وعدة من أزواجه(صلي الله عليه و آله).
وذلك من شدة نوريته(صلي الله عليه و آله) ومن ثم خاطبه تعالی طه * ما أَنْزَلْنا عَلَیْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقي ولكي يتنزل ويباشر التفاعل مع البشر شده أو أبتلاه الله بتسع نساء وإلا فهو(صلي الله عليه و آله) جذاب لعالم الملكوت.
وقد كان رسول الله(صلي الله عليه و آله) مع ماله من مهام من بناء حضارة الدين الحنيف ولإدارة الدولة الإسلامية وله تسع زوجات كانت له عبادة خاصة لا أحد يستطيع القيام بها إلا هو(صلي الله عليه و آله)، فقد كان(صلي الله عليه و آله) - كما في بعض الروايات - يصلي علی أطراف أصابع رجلية عشر سنين كما ورد في الاحتجاج.
فعن أبي بصير، عن أبي جعفر(عليه السلام) - في حديث - قال: كان رسول الله(صلي الله عليه و آله) يقوم علی أطراف أصابع رجليه فأنزل الله سبحانه: طه ما أَنْزَلْنا عَلَیْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقي (1).
وفي رواية أخری أنه كان يقوم علی أصابع رجليه حتی تورمت قدماه(2).
بلْ هناك روايات أُخري أنه كان يصلي وهو قائم علی أحدي رجليه.
فعن أبي عبدالله(عليه السلام) قال إن رسول الله (صلي الله عليه و آله) بعدما عظم أو بعد ما ثقل كان يصلي وهو قائم ورفع إحدي رجليه حتی أنزل تعالی: طه
ما أَنْزَلْنا عَلَیْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقي (1).
فمن ذا يستطيع أن يقوم بهذه الرياضة الروحية مع القيام بكل المسؤوليات الأخري، فتري أن نموذجية هذه الشخصية النبوية لا يمكن أن يدانيها أحد من المخلوقين ومَنْ مِنَ الأنبياء طاف حول البيت ثلاث مائة وستين طوافاً في غضون أيام، ولكن محمد وعلي « صلوات الله عليهما » قاما بذلك.
والمؤسف رؤية تحامل الغرب بالإساءة العدائية ومحاربة هذا الجبل الشامخ منذ أكثر من ألف وأربعمائة سنة وفي الواقع هم يسيئون ويحاربون ويظلمون أنفسهم قبل أن يظلموا سيد الأنبياء، كما يقول الإمام الباقر(عليه السلام) يتركون النهر العظيم ويمصون الثمد فيسأله السائل يابن رسول الله(صلي الله عليه و آله) ومن هو النهر العظيم ؟. فيقول الباقر: علم رسول الله(صلي الله عليه و آله).
1) (1) المصدر السابق : 491.
سمي رسول الله(صلي الله عليه و آله) بعدة أسماء ومنها أسم «العاقب» فعن النبي(صلي الله عليه و آله) أنه قال: «لي خمسة أسماء، أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس علی قدمي، وأنا العاقب»(1).
وفي حديث آخر: بعثت أنا والساعة كهاتين وأنا العاقب(2).
وفي الخصال عن جابر بن عبدالله قال رسول الله(صلي الله عليه و آله): «... وسماني في القيامة حاشر يحشر الناس علی قدمي، وسماني الموقف أوقف الناس بين يدي الله جل جلاله، وسماني العاقب أنا عقب عقب النبيين ليس بعدي رسول، وجعلني رسول الرحمة ورسول التوبة ورسول الملاحم والمقفي قضيت النبيين جماعة»(3).
فالعاقب في اللغة هو آخر كل شيء أو خاتمه(4).
ومن خلال بعض القرائن التي لا يسمح المجال لذكرها أن العاقب هو آخر من يرجع في الرجعة من المعصومين الأربعة عشر(عليهم السلام)، فإن آخر دولة وأعظم دولة - ولعلها عالم القيامة - هي دولة سيد الأنبياء(صلي الله عليه و آله)، يعني يؤتي الله نبيه ملكاً لا يقدر بملك الدنيا كلها، وهذا الاسم والنعت ثابت روائياً وحديثياً حتی عند المذاهب الإسلامية الأخري من دون أن يشعرون.
والوجه في ذلك واضح فإن العالم الدنيوي أكمل كمال فيه هو أن يدار بحاكمية وقيادة وإدارة وتدبير من هو أعظم مخلوق وهو سيد الأنبياء(صلي الله عليه و آله)، إِنَّ الَّذِی فَرَضَ عَلَیْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَی مَعَادٍ(1).
و(رادك) هنا لخصوصية خاصة له(صلي الله عليه و آله)، فيأتي(صلي الله عليه و آله) ويقيم دولته العظمي، فإن البشرية تتطلع إلی أعظم دولة يديرها ويدبرها أعظم شخص خلقه الباري تعالي، وهذه الحكومة هي حكومة سيد الأنبياء(صلي الله عليه و آله) وتمهد لها حكومة سيد الأوصياء(صلي الله عليه و آله) في الرجعة «أربعاً وأربعين ألف سنة حتی يلد الرجل من شيعة علی (عليه السلام) ألف ولد من صلبه...»(2).
فهذه التطلعات أو المعتقدات يفرضها نفس البيان العقلي لأن النبي وأوصيائه أكفأ البشر، فحكومة سيد الأنبياء ترقي علی حكومة سيد الأوصياء، وحكومة سيد الأوصياء ترقي علی حكومة الحسنين(عليهما السلام)، وحكومة الحسنين(عليهما السلام)
ترقي علی حكومة الإمام المهدي(عج)، وحكومة الإمام المهدي(عج) ترقي علی بقية حكومات التسعة من الإمام زين العابدين(عليه السلام) إلی الإمام الحسن العسكري(عليه السلام).
ومن الواضح أن المستقبل هو لحكومة الأئمة(عليهم السلام) وليس لأحد من بقية الأنبياء الأربعة من أولی العزم العظام أو غيرهم من الأنبياء - عدا سيد الأنبياء(صلي الله عليه و آله) - ليس لهم رئاسة حكومة في المستقبل إلا في ظل حكومة محمد وآل محمد (صلوات الله عليهم) ومن ثم جعل الله تعالی ولاية ثروات الأرض وهو الفيء في سورة الحشر للرسول ولذي القربي حكماً آبداً لا لبقية الأنبياء.
ولكن الإمام المهدي(عج) له حكومة في حياته عند ظهوره وله حكومة في رجعته، فإن الإمام الثاني عشر أيضاً له رجعة، وهكذا الأئمة(عليهم السلام) لهم رجعات فتارة يكون رئيس الحكومة خليفة الله في الأرض نفس الإمام المعصوم كالجواد أو الهادي أو العسكري(عليهم السلام) ولكن لكل من الأئمة له رجعة أخری غير رجعة رئاسته وقيادته في ظل عصره - عصر الرجعة - أي في عهد من يفوقه من المعصومين فيكون وزيراً له، ففي جملة من حكومات أمير المؤمنين(عليه السلام) هناك جملة من الأئمة يكونون وزراء له، وفي أعظم حكومة وهي لسيد الأنبياء يكون نائب الرئيس أمير المؤمنين وبقية الأئمة الأحد عشر(عليهم السلام) وزراء لسيد الأنبياء(صلي الله عليه و آله)، أما جميع بقية الأنبياء والمرسلين من آدم ونوح وإبراهيم وموسي وعيسي وزكريا وسليمان وداود... فلا
تكتب لهم أي رئاسة حكومة أو خلافة في الأرض وإنما تكتب لهم نصره وعون لسيد الأنبياء وآله «صلوات الله عليهم»، وهذا ما ينص عليه القرآن الكريم في آيات عديدة. كقوله تعالی:ما أَفاءَ اللّهُ عَلي رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُري فَلِلّهِ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِی الْقُرْبي وَ الْیَتامي وَ الْمَساكِینِ وَ ابْنِ السَّبِیلِ كَیْ لا یَكُونَ دُولَةً بَیْنَ الْأَغْنِیاءِ مِنْكُمْ وَ ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَ اتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِیدُ الْعِقابِ (1).
فإن الآهل الكفوء لإدارة كل ثروات الأرض منذ نزول القرآن والي يوم القيامة هو رسول الله(صلي الله عليه و آله)وقرباه ولذلك نلاحظ اللام في الآية الشريفة كررت ثلاث مرات لأنها لام الاختصاص وليس مفادها ملك الأعيان القابل للزوال بل إختصاص ملك تدبير وولاية وتصرف ثابت، وهذا بخلاف الملك الشخصي، فمثلاً لو أقتضي الصالح العام إزالة بيت في وسط طريق شارع فهنا يرفع الملك الشخصي ويعوض له بمال وهذا حكم الملك الشخصي فهو ملك ضعيف أمام المصلحة العامة.
أو مثلاً مال لزيد وحدثت سنة مجاعة والناس في حالة جوع فهنا غصباً أو جبراً علی زيد يعطي ماله للآخرين ويعوض، كما أن مال زيد إذا مات يذهب إلی ورثته من الأحياء. أما ملك الولاية والتدبير والتصرف فهو ملك أعظم فلا يزول ولا يزال فهو أقوي ملك، وَ لِلّهِ مُلْكُ
1) (1) سورة الحشر: الآية 7.
اَلسَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما بَیْنَهُما (1). فملك الله لا يزول، ومن بعده عَزَّ وَجَلَّ أستخلف الله نبيه وآل نبيه من دون إنعزال أو إنحسار.
في الوقت الراهن ولينا بعد الله عَزَّ وَجَلَّ هو رسول الله(صلي الله عليه و آله) ولم تنقطع ولايته إلی الآن، وإن كان هذا البحث لم يذكره جملة من المتكلمين إن لم يكن جلهم، فولايته كانت ولا زالت: هُوَ الَّذِی أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدي وَ دِینِ الْحَقِّ لِیُظْهِرَهُ عَلَی الدِّینِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (2).
فما هو الفرق بين الهدي والدين ؟! ولماذا جاء بالهدي أولاً ثم دين الحق ؟!.
وجواب هذا السؤال أشار إليه القرآن الكريم إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ (3).
فقد أرسل رسوله بالهدي أولاً ثم نبوته كمصطلح نبوي وإلا فإن إمامته معجونة ومسبوكة بولايته وإمامته، فولايته(صلي الله عليه و آله) مقررة ثابتة ما أَفاءَ اللّهُ عَلي رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُري فَلِلّهِ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِی الْقُرْبي وَ الْیَتامي وَ الْمَساكِینِ وَ ابْنِ السَّبِیلِ... .
وقد مر أن اللام مسندة إلی الله والرسول وذي القربي ولكنها غير
مسندة إلی غيرهم كاليتامي والمساكين وابن السبيل من الطبقات المحرومة، بل هم مورد مصرف للتوزيع العادل، فمن الذي ينشر العدل في التوزيع علی هذه الطبقات المحرومة هل هو النبي عيسي(عليه السلام) أو النبي إبراهيم(عليه السلام) أو غيرهما من الأنبياء ؟! كلا إنهم لم يصطفوا بالدرجة التي أهل لها سيد الأنبياء(صلي الله عليه و آله)، أو أهل لها سيد الأوصياء(صلي الله عليه و آله)، فَلِلّهِ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِی الْقُرْبي ومن أقرب قربي الرسول الله(صلي الله عليه و آله).
نعم فاطمة(عليها السلام) عبق الإله عَزَّ وَجَلَّ حيث أوكل لها(عليها السلام) ملفات عديدة في مصحفها وأحد هذه الملفات هو ملوك الأرض إلی يوم القيامة وهنا نتسائل ما هو شأن فاطمة(عليها السلام) بالحكومات والدول؟!
ولماذا الباري تعالی يعطيها كل هذا الكشف التفصيلي؟.
لأنها(عليها السلام) المشرف الاصطفائي العام لصلاحية من يملك في بقاع الأرض والجغرافية الأرضية قرناً بعد قرن وسنة بعد سنة هي فاطمة الزهراء(عليها السلام) وليست مريم ولا خديجة ولا سارة ولا آسيا بنت مزاحم، لأنها المؤهلة الوحيدة لذلك.
فالقرآن الكريم حينما يعين ذوي القربي لإقامة العدل لمستقبل البشر ذوي قربي النبي(صلي الله عليه و آله) ليس هذا التنصيب من باب القبلية ولا العشائرية ولا العرقية ولا القومية بل «كي لا يكون دولة بين الأغنياء».
يقول تعالی في وصف أصحاب الكساء: وَ یُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلي حُبِّهِ مِسْكِیناً وَ یَتِیماً وَ أَسِیراً*إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللّهِ لا نُرِیدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَ لا شُكُوراً (1)فهذه سورة كاملة نزلت في حق إيثار [علي وفاطمة والحسن والحسين] «صلوات الله عليهم».
فهل يوجد هناك إيثاراً كإيثارهم صلوات الله عليهم، بل لا يوجد هذا الإيثار عند أحد إلا عند سيد الأنبياء وسيد الأوصياء.
وليس هذا الإيثار خاصاً بدار الدنيا بل مستمراً في البرزخ فلهم إيثار يذهل أولی الألباب،لأنهم يعيشون آلام الآخرين وهم في البرزخ ولذلك لا يصفي لهم رغيد البرزخ والآخرة فكيف لا يصلحون قادة لإقامة العدل إذا كان إيثارهم بهذا المستوي وقد روي الفريقان أن رسول الله(صلي الله عليه و آله) يتأذي باستمرار من مشاهدته للمعاصي الصادرة من أمته ويفرح لطاعاتهم.
1) (1) سورة الإنسان: الآية 8 - 9.
عن عمرو بن سعيد بن هلال، عن أبي عبدالله(عليه السلام) - في حديث - قال: وإذا أصبت بمصيبة فاذكر مصابك برسول الله(صلي الله عليه و آله)، فإن الخلق لم يصابوا بمثله قط(1).
وفي رواية أخري: فإنه من أعظم المصائب(2).
وفي أخری أيضاً: فإن الخلائق لم يصابوا بمثله قط(3).
فإن مصيبة فقدان النبي(صلي الله عليه و آله) من أعظم المصائب لأنه أعظم الكائنات وأعظم البركات التي قدرها الله أن تنبع وتتفجر من بين يدي هذا الكائن العظيم وهو رسول الله(صلي الله عليه و آله)، وقد وصفت السيدة الزهراء(عليها السلام) حالة الناس بعد فقد النبي(صلي الله عليه و آله) حيث قالت:
فلما أختار الله لنبيه دار أنبيائه ومأوي أصفيائه، ظهر فيكم حسيكة النفاق، وسمل جلباب الدين، ونطق كاظم الغاوين، ونبغ خامل الأقلين،
وهدر فنيق المبطلين، فخطر في عرصاتكم، وأطلع الشيطان رأسه من مغرزه، هاتفاً بكم، فألفاكم لدعوته مستجيبين، وللغرة فيه ملاحظين، تم استنهضكم فوجدكم خفافاً، وأحمشكم فألفاكم غضاباً فوسمتم غير إبلكم، وأوردتم غير شربكم..(1).
وقد ذكرت السيد الزهراء(عليها السلام) أحوال الكون عند استشهاد النبي(صلي الله عليه و آله) حيث تقول:
أظلمت الأرض لغيبته وكسفت الشمس والقمر، وأنتثرت النجوم لمصيبته، وأكدت الآمال، وخشعت الجبال،...(2).
كل هذه الظواهر السماوية والأرضية حدثت نتيجة فقدان الكون لسيد الرسل(صلي الله عليه و آله).
ومن البين في عقيدتنا أن رحيل الرسول(صلي الله عليه و آله) إلی الرفيق الأعلي لا يعني تخلف رسول الله(صلي الله عليه و آله) عن إدارة الكون أو الأرض وشؤون البشر لأنه كما هو مقتضي عموم أطيعوا الله وأطيعوا الرسول، فإن طاعة الله عَزَّ وَجَلَّ غير محدودة بزمن بل أبدية، سرمدية، فكذلك الحال في طاعة الرسول(صلي الله عليه و آله) غير مقيدة بحدود حياة الرسول(صلي الله عليه و آله) وهو في الدنيا الأولي بل طاعته(صلي الله عليه و آله) مستمرة إلی يوم القيامة، وهذه الطاعة ليست مخصوصة في الأحكام النظرية والتشريعات بل حتی في كل تدبيراته للأحداث.
وفي حكومة النبي(صلي الله عليه و آله)، أو حكومة أمير المؤمنين(عليه السلام) الحاكم الأول هو الله عَزَّ وَجَلَّ وصلاحيات الحاكم الأول لا تقتصر علی السلطة التشريعية بل تمتد إلی السلطة القضائية والي السلطة السياسية التنفيذية وما شابه ذلك. وهذه العمومية في حاكمية الله هي الفرق بين عقيدتنا وعقيدة المدارس الإسلامية الأخري وأن ولاية الله عَزَّ وَجَلَّ وحاكميته ليست حاكمية علی صعيد التشريع فقط بل هو الحاكم السياسي الأول، وليس هذا معتقداً
نظرياً بل نعتقد به كمعتقد فعلي، والدليل علی أن الحاكم الأول هو الله عَزَّ وَجَلَّ هو نزول آيات قرآنية في تدبير حكومة النبي(صلي الله عليه و آله) أن في الحدث الخاص يجب أن يصالح مثلاً، وفي الموطن المعين يجب أن يفرض ضريبة اقتصادية معينة، وفي موطن آخر يجب أن يشن حرباً علی الظالمين، وهذه الآيات النازلة لا تأخذ جانب مفاد التشريع فقط بل تأخذ بعد وجانب تنفيذ وإجراء حاكمية الله عَزَّ وَجَلَّ في المواطن والمنعطفات الخطيرة لتدبير حكومة الرسول(صلي الله عليه و آله) في الوزارات المختلفة من حكومة رسول الله(صلي الله عليه و آله)، وهذه هي عقيدة مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) في حياة الرسول الأعظم(صلي الله عليه و آله) في الدنيا الأولي. بل وحياته(صلي الله عليه و آله) في البرزخ إلی يومنا هذا وإلي يوم القيامة.
ونعتقد أن الذي يمثل الدولة الإلهية كان رسول الله(صلي الله عليه و آله) ومن بعد رسول الله(صلي الله عليه و آله) أمير المؤمنين(عليه السلام) ثم الحسن والحسين(عليهما السلام) والي الإمام المهدي(عج) إذن هناك دولة إلهية قائمة الآن هي التي تمثل البرامج الإلهية، ولو قارنا بين هذه الدولة الإلهية والبيئة البشرية لوجدنا أن الدولة البشرية دولة كارتونية تسقط بين ليلة وضحاها بعصيان مدني.
إذن في الدولة الإلهية وحكومة الرسول(صلي الله عليه و آله) الحاكم الأول هو الله عَزَّ وَجَلَّ والحاكم الثاني هو الرسول(صلي الله عليه و آله) وهناك صلاحيات خاصة لأمير المؤمنين(عليه السلام) في عهد حكومة الرسول(صلي الله عليه و آله).
«يا علی أنت مني بمنزلة هارون من موسي إلا انه لا نبي بعدي» .
وأيضاً هناك صلاحيات لفاطمة الزهراء(عليها السلام) في ظل حكومة النبي(صلي الله عليه و آله) ولكن بحسب مراتب وطبقات متنزلة بعد حاكمية الرسول(صلي الله عليه و آله)، وهذه الدولة
الإلهية لا تبدل في مراتبها برحيل أحد المعصومين، فمثلاً في حكومة أمير
المؤمنين (عليه السلام) الحاكم الأول هو الله تعالی وليس أمير المؤمنين(عليه السلام) والحاكم الثاني هو رسول الله(صلي الله عليه و آله) وهو في البرزخ، ولكن تنزل برامج معينة تملي علی أمير المؤمنين(عليه السلام) بما رزقه الله من قوة مصطفاة وعلم لدني.
فالحاكم الأول هو الله عَزَّ وَجَلَّ والحاكم الثاني هو الرسول(صلي الله عليه و آله) ولانقول أن مقامه وصلاحياته بعد رحيله(صلي الله عليه و آله) أذيب أو أنحل - والعياذ بالله - بل هو(صلي الله عليه و آله) حي يرزق عند ربه لأنه سيد الرسل وسيد الملائكة ولايزال هو سيد الخلائق ومقامه مفعل وحيوي ونشط إلی يوم القيامة.
ولذلك نلاحظ في عدة من الزيارات لأمير المؤمنين(عليه السلام) والحسين(عليه السلام) هذه الفقرة في البداية كزيارة وسلام علی رسول الله(صلي الله عليه و آله):
«السلام علی أمين الله علی وحيه وعزام أمره» وهذا خاص لرسول الله(صلي الله عليه و آله) وعزائم الأمور يعني أن الأمور العصيبة والمهمة والخطيرة في الكون فضلاً عن إدارة الأرض هي لرسول الله(صلي الله عليه و آله) بعد الله عَزَّ وَجَلَّ الذي هو الحاكم الأول.
وهذه الفقرة ليست واردة في زيارة أمين الله فحسب بل في كل زيارات الأمير(عليه السلام) هناك عدة فقرات في ابتدائها زيارة لرسول الله(صلي الله عليه و آله)، تبين فيها مقام النبي(صلي الله عليه و آله)، وهذا الأمر يبين لنا أهمية الإتحاد بين نفس النبي(صلي الله عليه و آله) ونفس أمير المؤمنين(عليه السلام) وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ (1).
هذا بالنسبة إلی زيارات أمير المؤمنين(عليه السلام) وكذا لاحظنا نفس زيارات النبي(صلي الله عليه و آله) لوجدناها زيارات بليغه وفيها بيانات مقامات للنبي(صلي الله عليه و آله) لا نجدها في مكان أخر.
1) (1) سورة آل عمران: الآية 61 .
إن الزيارات الواردة للنبي(صلي الله عليه و آله) أو للأئمة المعصومين(عليهم السلام) هي من ألفاظ المعصومين(عليهم السلام) وقد أمرنا بالمواظبة علی قراءتها والتدبر في معانيها لنركز علی المعارف في هذه الزيارات لأنها عبارة عن دورة عقائدية مركزة يعلمها أهل البيت(عليهم السلام) للمؤمنين كي يكونوا علی علم ووعي علمي من هذه الدروس فهي نور وهداية ورشاد وليست مجرد كلمات تقرأها أمام قبر المعصوم(عليه السلام).
فأن العملة الصعبة في الآخرة هي المعرفة كما في الحديث النبوي المعرفة بذر المشاهدة، ولابد أن يكون لدينا رصيد مخزون في القبر وفي البرزخ وفي الآخرة، والمخزون هو عبارة عن هذه المعرفة الحقة یَرْفَعِ اللّهُ الَّذِینَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ الَّذِینَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ (1).
1) (1) سورة المجادلة: الآية 11.
ومن أعظم الهدايا المهداة من الأئمة(عليهم السلام) إلی المؤمنين هي مضمون هذه الزيارات فإنها جوهرة وذخيرة أدبية معرفية باقية، ولكن بمعرفة معانيها بشرط من زاره عارفاً بحقه - كما في أكثر الروايات -، وليس جاهلاً أو لاهياً أو غافلاً.
إذن يجب علينا أن نحتفي بهذه الزيارات، ومن ضمن تلك الزيارات التي يحتفي بها هي زيارة النبي(صلي الله عليه و آله) التي تعرفنا بأعظم مخلوق وهو رسول الله(صلي الله عليه و آله) كما ورد في الدعاء عن المعصوم «اللهم عرفني رسولك فإنك إن لم تعرفني رسولك لم أعرف حجتك»(1).
وهذا يعني أن أي خلل في معرفة النبي(صلي الله عليه و آله)سوف يؤدي إلی الخلل في معرفة الإمام علی بن أبي طالب(عليه السلام) وفي معرفة الإمام الحسن(عليه السلام) والإمام الحسين(عليه السلام) وبقية الأئمة الأطهار(عليهم السلام)، وكلما ازدادت معرفتنا بالنبي(صلي الله عليه و آله) إزدادت معرفتنا بالأئمة الأطهار(عليهم السلام)، وإن كان هناك خلل في معرفة النبي(صلي الله عليه و آله)، فهو يرجع إلی خلل في معرفة الله عَزَّ وَجَلَّ.
1) (1) مصباح المتهجد للطوسي : 413 ؛ الكافي للكليني ج : 337 .
هناك جملة من زيارات الإمام الحسين(عليه السلام) مصدرة بزيارات النبي(صلي الله عليه و آله) وتبين مقامات النبي(صلي الله عليه و آله)، وورد تعبير في أحداها عن الإمام الصادق: السلام علی رسول الله السلام علی أمين الله علی رسله وعزائم أمره الخاتم لما سبق والفاتح لما استقبل والمهيمن علی ذلك كله....(1).
وفي هذه الزيارة ليس التعبير والوصف للنبي(صلي الله عليه و آله) أمين الله علی وحيه بل أمين الله علی الرسل، كأن المعني أن هناك نقابة للأنبياء والمرسلين أو منتدي للوحي - مثلاً - عميد هذه النقابة هو سيد الرسل(صلي الله عليه و آله)، وهذه النقابة ليست نقابة صورية بل هي أعمدة من نور، بمعني أن كل وحي أوحي إلی الأنبياء يمر هذا الوحي عن طريق رسول الله (صلي الله عليه و آله).
وقد أشار جملة من المحققين إلی هذا الأمر وهو أن الأنبياء ينبئون عن سيد الأنبياء أي أنهم أنبياء لخاتم النبيين وسيد الأنبياء هو نبي لله تعالی هذا
1) (1) الوافي للكاشاني ج 149 : 14 ؛ الكافي الكليني ج 572 :4 ؛ كامل الزيارات لأبن قولويه : 368.
المعني اقتبسوه من مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) نظير الحديث النبوي «كنت نبيا وآدم بين الماء والطين».
ونظير ما في قوله تعالی في آل عمران وَ إِذْ أَخَذَ اللّهُ مِیثاقَ النَّبِیِّینَ لَما آتَیْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَ حِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَ لَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَ أَقْرَرْتُمْ وَ أَخَذْتُمْ عَلي ذلِكُمْ إِصْرِی قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَ أَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشّاهِدِینَ ، وهو أن الأنبياء من النبي آدم(عليه السلام) إلی عيسي(عليه السلام) هم أنبياء الله ولكن ليس أنبياء الله مباشرين بل أنبياء سيد الأنبياء عن الله عَزَّ وَجَلَّ فإن الرسالة والرسول تعني مأمورية ومهمة خطيرة، ومن الواضح أن عدد الأنبياء (124) ألف بعضهم فقط كان مرسلاً وكانت لديه رسالة معينة وليس كلهم، ولذلك نقرأ في زيارة الرسول: «اشهد أنك قد بلغت رسالات ربك»(1). كما في قوله تعالی اَلَّذِینَ یُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللّهِ وَ یَخْشَوْنَهُ وَ لا یَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اللّهَ (2).
فالنبي(صلي الله عليه و آله) لم يرسل برسالة واحدة بل برسالات عديدة، نعم النبي(صلي الله عليه و آله) ولد قبل عام الفيل فلم يكن موجوداً في زمان النبي إبراهيم(عليه السلام) أو موسي(عليه السلام) أو عيسي(عليه السلام) فمن أين كان رسول في زمانهم؟!.
نعم هو رسول ولكن ليس ببدنه الشريف بل بنوره وروحه الطاهرة فإن شخصية الرسول(صلي الله عليه و آله) وكذلك الرسل ليست هي مبني وجودي ذات
طبقة واحدة بل ذو طبقات، ففي الحديث «خلق الله الأرواح قبل الأجساد بألفي عام...»(1).
فالبدن في رحم الأم شيء والروح شيء أخر كما يقول أمير المؤمنين: وليكن من أبناء الآخرة فمنها قدم وإليها ينقلب(2).
وعندما نقول أن النبي(صلي الله عليه و آله) وسيط فليس ببدنه الشريف بل بنوره المقدس، ولهذا يصف الباري تعالی طبقة من وجود النبي(صلي الله عليه و آله)أنه هو ذلك النور، كقوله تعالی: وَ كَذلِكَ أَوْحَیْنا إِلَیْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِی مَا الْكِتابُ وَ لاَ الْإِیمانُ وَ لكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِی بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَ إِنَّكَ لَتَهْدِی إِلي صِراطٍ مُسْتَقِیمٍ (3).
ومن جانب آخر قوله تعالی: وَ ما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِیِّ إِذْ قَضَیْنا إِلي مُوسَی الْأَمْرَ وَ ما كُنْتَ مِنَ الشّاهِدِینَ (4).
وهناك موارد عديدة خاطب القرآن الكريم فيها النبي(صلي الله عليه و آله) ب (ما كنت).
فهل هذا الخطاب كان للبدن أم للروح ؟!.
مع أن هناك موارد أخری في القرآن الكريم يخاطب النبي(صلي الله عليه و آله) بالشاهد: فَكَیْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِیدٍ وَ جِئْنا بِكَ عَلي هؤُلاءِ شَهِیداً (1).
فكيف يكون(صلي الله عليه و آله) شاهداً علی كل هذه الأمم من آدم إلی يومنا وهو لم يعش مع تلك الأمم السابقة بجسده؟! فلا بد أن يكون مهيمناً بنوره المقدس(صلي الله عليه و آله). فهل يمكن للشهيد أن يشهد من دون أن يكون له حضور علمي في ساحة الحدث وليس المدار علی الحضور الجسدي الجسمي إذ قد يحضر شخص بجسده ولا يحصل له علم للغفلة، بل لابدَّ أن يكون علمه حاضر ولكن ليس ببدنه بل بنوره(صلي الله عليه و آله).
وهذا ما يشير إليه حديث يقول: كنت نبياً وآدم بين الماء والطين(2).
فالعقل حضوره يغاير حضور البدن، فإن حالات البدن غير حالات العقل، فالعقل لا يجوع ولا يخاف بل البدن، والعقل لا يمكن الوصول إليه حتی بالسلاح النووي، فهل يستطع السلاح النووي أن يبيد العقل كلا، بل أكثر ما يستطيعه أن يفجر البدن والمخ الذي هو آلة العقل لا نفس ذات العقل. إذن العقل موجود في مقام صدق عند مليك مقتدر، لأن عالم العقل عالم أخر غير العوالم الأخري.
وإذا أردنا أن نتعرف ونفهم سيد الأنبياء(صلي الله عليه و آله) أو سيد الأوصياء(عليهم السلام) أو بقية
الأئمة(عليهم السلام) فمن الخطأ أن نركز علی أبدانهم فقط، وإن كانت أبدانهم عظيمة وشريفة ومطهرة وطاهرة ولكن أرواحهم لها شؤون أخری أعظم وأخطر.
ولو نلاحظ القرآن الكريم كيف يصف لنا البطاقة الشخصية لسيد الأنبياء(صلي الله عليه و آله)، حيث يقول تعالی: قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ یُوحي إِلَیَّ (1). والوحي المستمر يعني علم الله الأزلي، فإنه لم يصفه تعالی بأنه نفس أو جسم أو روح بل فوق كل هذا يوحي إليه(صلي الله عليه و آله)، ولذلك وصفه الباري تعالی في موضع آخر بأن تمام درجات النبي(صلي الله عليه و آله) كتلة وحيانية ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَ ما غَوي * وَ ما یَنْطِقُ عَنِ الْهَوي * إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْیٌ یُوحي (2).
فإن الضمير (هو) يعود إلی النبي(صلي الله عليه و آله)، وهذا يعني أن النبي(صلي الله عليه و آله) كتلة وحيانية قيامه، قعوده، حله، ترحاله، سيرته، جلسته، كلها وحي، والوحي لم ولا ولن ينقطع عنه أبداً بلْ وحي مستمر لأنه وحي يوحي. وهذا أعظم وصف لحقيقة ذات النبي(صلي الله عليه و آله).
المحاور: هل أنَّ الذهن جزء منفصل من الجسد؟ بمعني هل أنَّ الفكر أو الذهن من خواص الجسد أو من خواص الروح؟.
الشيخ السند: الذهن والفكر من قوي الروح وله آليات بدنية.
المحاور: هل أنَّ الروح مخلوقة قبل الجسد أم الجسد قبل الروح؟ ما رأي المذهب؟ وهل يختلف مع رأي الفلاسفة وعلماء الكلام؟ وإنْ كان الجواب هو الجسد ... فماذا يكون الكلام حول عالم الذر؟.
الشيخ السند: وَرَدَ في الأحاديث الشريفة: «إنَّ الله تعالی خلق الأرواح قبل الأجسام بألفي عام» (1)، وقد ذهب إلی ذلك الفلاسفة الإشراقيّون وذهب إلی ذلك الحكيم ملا صدرا، لكن بتأويل من الملا صدرا وبتفسير وجود الأرواح الجزئية في عالم العقول بوجود المعلول في كمال علّته، وأمَّا عالم الذر فيشير إليه قوله تعالی: وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِی آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّیَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلي أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلي (2).
وهو لا يتوقَّف علی قبلية أحد القسمين؛ لأنَّه يمكن انطباقه علی نشأة الأجساد الحيّة بالروح وإنْ نطف بني آدم في صلب ظهر آدم بهندسة وراثة الجينات مثلاً أو غيرها من المحتملات والنظريات البيولوجية التي لم يحطّ بها الفلاسفة والبشر بعد بها، وأنَّها لها نحو حياة حيوانية تودع فيها الفطرة التوحيدية.
المحاور: ما هي ملامح أو علامات الرؤية الشاملة للنفس (أي متي يمكن للإنسان أنْ يقول إنَّ لديه رؤية شاملة حول نفسه)؟.
الشيخ السند: قدْ وَرَدَ في القرآن الكريم نَسُوا اللّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ (1)أي أنَّ: «من عرف نفسه فقد عرف ربه»(2)، ومعرفة النفس لا تتيسَّر إلّا بتهذيب النفس وتزكيتها وتطهيرها من رذائل الأخلاق الذي هو الجهاد الأكبر كما في الحديث النبوي ثم تحليتها بالعلوم النافعة، وباب أبواب رياضة النفس مراقبتها وهو المُعبَّر عنه بالمحاسبة ولكن يقظة برج المراقبة في الإنسان يطلعه علی كثير من زوايا وبيوتات قوي النفس، كما أنَّ كثرة قراءة الكتب الأخلاقية يطلع الفرد علی كثير من الأمراض النفسانية وطريقة علاجها، ولا سيّما مراجعة أحاديث النبي(صلي الله عليه و آله) وأهل بيته(عليهم السلام) مثل كتاب العشرة في كتاب الكافي وباب العشرة وجهاد النفس في كتاب
الوسائل للحرّ العاملي وغيرها من الكتب. هذا بعد تقيّد الفرد بالحلال وتجنُّب الحرام والمعاصي.
وقالوا: إنَّ في النفس مفاتيح لكنوز كثيرة وطاقات وقدرات خارقة لا تظهر إلّا بمخالفة الهوي والشهوة والغضب والرذائل: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها * وَ قَدْ خابَ مَنْ دَسّاها (1).
المحاور: ما هو الحدّ الأدني للكمال الإنساني؟
الشيخ السند: الحدّ الأدني للكمال الإنساني أنْ يعرف أصول دينه بنحو الإجمال ويلتزم في عمله بالأحكام الشرعية في الفروع وينتهج في صفاته الآداب الشرعية.
المحاور: ما هي العلامات التي يتعرف من خلالها الإنسان أنَّه خطي خطوة نحو الحق (جَلَّ وَعَلا)؟.
الشيخ السند: من أهم علامات الخطي نحوه تعالی هو أنْ يعرف الحقّ والحقائق في مسائل العقيدة أكثر فأكثر، وفي جانب العمل يقلع عن السوء ويتلبَّس بالتقوي أكثر فأكثر.
المحاور: ما الفرق بين الروح والنفس البشرية؟
الشيخ السند: الروح والنفس قدْ يطلق ويستعمل كل منهما بمعني وفي موضع الآخر وفي كثير من الموارد كما في الآيات والروايات يستعملان
1) (1) سورة الشمس: الآيتان 9 - 10.
بمعني متغاير، فالنفس تطلق علی ذات الإنسان ما دامت متعلقة بالبدن بخلاف الروح فإنَّها أعمُّ من فترة حياة البدن ومماته، كما أنَّ الروح تطلق علی الأرواح الكلية غير المتعلقة بالمادّة والأبدان بخلاف النفس، وإنْ كان الفلاسفة قدْ يمزجون في الاستعمال في هذا المقام، كما أنَّ النفس تبيِّن الجانب التعلقي من ذات الإنسان بالبدن بخلاف الروح فإنَّها تبيِّن جانب الاستقلال في تذوّت ذات الإنسان بعيداً عن البدن، كما أنَّ الروح تطلق علی المخلوق والمبدع من عالم الملكوت وعالم الأمر الذي يعُبَّر عنه الفلاسفة بعالم العقل بخلاف النفس فإنَّها بلحاظ الجانب التعلقي بالبدن والمادة.
وبعبارة أُخري: إنَّ الروح تبيِّن جانب الهيمنة والسعة ي الذات الملكوتية بخلاف النفس فإنَّها تبين جانب الضيق والجزئية في الذوات.
المحاور: هل يجوز القول بأنَّ الناس فئتان، فئة محبوبة من الناس حتّي لو لم تعمل خيراً وفئة غير محبوبة من الناس حتّي لو عملت جميع الأعمال الصالحة؟.
الشيخ السند: الاعتقاد الحق من أعظم الأعمال وبقية الروع هي دونه في المرتبة، والسبب في ذلك: أنَّ الاعتقاد لا محالة يجنِّد صاحب الاعتقاد في السلوك العملي والسياسي والاجتماعي في تيار جماعة الحقّ والهدي وإنْ كان الفرد الذي يعتقد الحقّ قدْ يكون مرتكباً للمعاصي الفردية فيما بينه وبين باريه تعالی ولكنه يطيعه في أحب الأشياء له.
المحاور: ما هو الدليل العقلي علی لزوم التمسُّك بالدين الإسلامي ورفض بقية الأديان؟.
الشيخ السند: أمَّا الدليل العقلي المجرد البحث المحض فهو لا يقضي إلّا بضرورة الحاجة إلی الدين الإلهي وأنَّ البشر والعقل المحدود محتاج في الهداية إلی الكمالات التامَّة العديدة علی كل الأصعدة إلی عناية رب الخليقة.
نعم، الدليل العقلي المركَّب من مقدمات حسِّیة أو نقلية قطعية قائم علی لزوم التمسُّك بدين الإسلام وانحصار النجاة به، ويمكن تقريبه بِعِدَّةِ صياغات نشير إلی كيفيتها بنحو الإشارة والتفصيل فيها لا يخفي علی لسائل إنْ شاء الله تعالی:
الأوَّل: إنَّ الأدلة الدالة علی حقانية دين الإسلام المبيّنة البينة تثبت حقانيته، وحيث يثبت ذلك فإنَّ مفاد العديد من الآيات والروايات المتواترة هو حصر النجاة في الآخرة به دون غيره من الأديان، مثل قوله تعالی: وَ مَنْ یَبْتَغِ غَیْرَ الْإِسْلامِ دِیناً فَلَنْ یُقْبَلَ مِنْهُ وَ هُوَ فِی الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِینَ (1). وقول النبي(صلي الله عليه و آله): «لو كان موسي حيّاً ما وسعه إلّا اتباعي»(2).
وقدْ وصف القرآن الكريم بأنَّه مهيمن علی الكتب السماوية المتقدِّمة ومصدِّقاً لا وأنَّه فيه تبيان كل شيء بخلاف التوراة وغيرها فإنَّه فيها بيان
من كل شيء لا كل شيء، وأنَّ القرآن ما من غائبة في السماوات والأرض إلّا مستطرة في كتاب مبين وهو حقيقة القرآن العلوية للقرآن النازل في ليلة مباركة كما في سورة الدخان، وكذا وَ ما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ یَعْلَمُها وَ لا حَبَّةٍ فِی ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَ لا رَطْبٍ وَ لا يابِسٍ إِلاّ فِی كِتابٍ مُبِینٍ مما يدلُّ علی سعة وإحاطة شمول القرآن لكلِّ شيء في كل مكان وزمان وظرف متغيِّر، وظرف متغيِّر، مما يلزمه عقلاً تعينه ككتاب هادية ورشاد.
وكذلك ما روي عند الفريقين من أنَّ: «حلال مُحمَّد(صلي الله عليه و آله) حلال إلی يوم القيامة وحارمه(صلي الله عليه و آله) حرام إلی يوم القيامة» (1)، وقوله(صلي الله عليه و آله): «إنَّما بعثت لأُتمم مكارم الأخلاق» (2)، مما يلزمه عقلاً أنَّ تمام كمال المكارم بهذا الدين، وغيرها من الشواهد النقلية القطعية التي لا تحصي عدداً الدالَّة علی ذلك الملازمة عقلاً للحصر بعد ثبوت حقّانية الدين كأمر مفروغ عنه في المرتبة السابقة.
الثاني: وجوه إعجاز القرآن التي تصل إلی ما يذرف علی العشرة مناهج وقد يوصلها البعض إلی الأكثر من ذلك، منها العلوم والمعارف المختلفة في القرآن، سواء في المعرفة العامَّة الكونية كالتوحيد ونحوه أو في القانون للنظام الاجتماعي والفردي وأصول تلك القوانين أو العلوم المرتبطة بالطبيعة ونحوها أو العلوم الإنسانية المرتبطة بالأخلاق وعلم
النفس والاجتماع والعلوم الروحية، وكذلك العلوم الرياضية والفلكية وغيرها أقسام العلوم وإنْ كان تركيز القرآن للأصلي في الدرجة الأولي هو علی كونه كتاب هداية وفلاح وصلاح للإنسانية.
وبعبارة أُخري: إنَّ أحكام ومعارف الدين الإسلامي تنتدب التحدي للبشرية في وجود أي خلل فيما تعرضه كنظام هداية، شريطة أنْ تدرس معطيات الدين وتحاكم علی أسس وأصول علمية وتخصصية وقطعية.
وهذا الوجه حاصر عقلاً طريق النجاة به دون بقية الأديان لتخصصه وتميزه بذلك دونها، فضلاً عن مناهج الإعجاز الأُخري الملازمة لكمال القرآن المجيد الملازم للحصر فيه ميزة دون بقية الكتب السماوية.
الثالث: تغطية أقوال وسيرة الرسول(صلي الله عليه و آله) والمعصومين(عليهم السلام) لكل مستجدات ومتغيرات الأزمنة شريطة أنْ تدرس علی الأصول المشار إليها سابقاً الملازم عقلاً لتعيين هذا الدين للبغاة.
الرابع: الوعد الإلهي بإظهار هذا الدين علی كافَّة أرجاء الكرة الأرضية ولم يتحقق هذا الوعد الإلهي علی يدّ أحد من بعد رسول الله(صلي الله عليه و آله) بعد أنْ زويت قيادة النظام الاجتماعي السياسي للمسلمين عن أهل البيت(عليهم السلام) - مما يلزم عقلاً كون هذا الدين هو الأكمل والأمثل للسؤدد كمنهاج للبشرية.
وهناك وجوه عديدة لا يسع المقام ذكرها هنا ولابدَّ من الالتفات إلی أنَّ الأنبياء والرُّسل كلهم بعثوا بدين واحد هو الإسلام وإنَّما اختلفت شرايعهم وإنَّما اتباع الأنبياء السابقين حرَّفوا دين الإسلام لدي أنبيائهم إلی اليهودية والنصرانية والمجوسية ونحوها.
المحاور: بعد أنْ ذكرتم أنَّ القرآن يصرِّح أو يذكر بوضوح بأنَّ للإنسان نشآت أُخري قبل هذهِ نشأة الدنيا.
هنا كل سؤال يتبادر كثيراً إلی الأذهان، وهو لماذا لا نتذكر نحن الآن؟ . فعندما نسأل أي شخص هل تتذكر عالم الأنوار يقول لك لا. هل تتذكر عالم الذر يقول لا فما سرّ ذلك؟
الشَّیْخ السَّنَد: إنَّ التذكر أو النسيان، والعلم وعدم العلم في الواقع يقع علی أنماط في طبيعة مراتب روح الإنسان وذات الإنسان، وهذا النفس صادق لو أردنا التذكّر بنحو الذاكرة التفصيلية لما استودعناه من ذاكرة مشاهد وحوادث مرَّت علينا في دار الدنيا.
المحاور: نعم، التذكر لتلك العوالم ليسَ بهذا النمط التفصيلي ولا نجده من أنفسها.
المحاور: لماذا لأنَّ القوانين تختلف؟
الشَّیْخ السَّنَد: نعم، نحن في صدد الخوض في ذلك، الآن مثلاً ما مرَّ بنا أمس، ما مرَّ بنا في الطفولة، ما مرَّ بنا في المراهقة، ما مرَّ بنا في ريعان الشباب، ما مرَّ بنا في الكهولة إلی أنْ يشيخ الإنسان ربما يستطيع أنْ يستعرض ذلك تفصيلاً بأصواته بصوره المتحركة المتمايزة في ذاكرته بحسب قوة الحافظة والذاكرة وضعفها، لكن هذا باعتبار أنَّ طبيعة تلقي الإنسان لتلك المشاهد كانت بهذا النمط من التفاصيل، وأمَّا لو تلقي
الإنسان معلومات لا بهذا النمط من الضخّ والتعبئة والتزريق، مثلاً بعض الأحاسيس من الحب والبغض والنفرة وما شابه ذلك، طبيعة تذكر الإنسان لها تختلف عن ما يصدر من أفعال الجسم من المشاهد الحسّية، بينما المشاهد غير الحسّية ذات نمط آخر فيه إيهام آخر وفيه إدغال في الإجمال أكثر وما شابه ذلك، وبالتالي أنماط التذكر تختلف عند الإنسان وهذا لابدَّ أنْ نأخذ فيه بشيء من التفصيل وشرح البيان إنْ شاء الله، وجواب إجمالي آخر، أنَّ الإنسان يتعرّض لنفس الموقف والحالة فيما بعد من عوالم بلحاظ هذا العالم الدنيوي، وإنَّ هذا التذكر ليسَ بنحو تفصيلي كما يشير إليه القرآن الكريم، حتّي في عالم الآخرة عندما يبعث الناس يساءلون: كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا یَوْماً أَوْ بَعْضَ یَوْمٍ (1)مما يدلِّل علی أنَّ الإنسان رغم مروره بعالم البرزخ وما لاقاه من روح وريحان أو - لا سامح الله - نزل من جحيم وما شابه ذلك، ومع ذلك تراه إنَّه عندما يبعث يوم القيامة أو يبعث في الرجعة لا يتذكر الإنسان ما مرَّ عليه، كما تشير إليه جملة من الآيات القرآنية التي هي ما قبل نشأة المعاد نشاة الرجعة حسب ما أرشدنا إلی هذهِ الحقائق القرآنية أهل البيت في رواياتهم.
1) (1) سورة الكهف: الآية 19.
المحاور: إذاً هذا الأمر لا يختص بعالم الدنيا فقط يعني حتّي في القيامة هنالك قدْ يكون نسيان لما قبله من عالم البرزخ؟
الشَّیْخ السَّنَد: بالضبط إنَّ الإنسان عندما تمرّ به مرحلة انتقال من نشأة إلی نشآت أُخري، في النشآت الأُخري يغيب عن محضره ومشهده تفاصيل ما مرَّ به من مشاهد سابقة. فسبب ذلك أنَّ نفسه تنشد إلی حاضرها الراهن في تلك النشأة التي تبعث فيها، فبالتالي لا تكون علی إحاطة ويقظة ونباهة وتذكر تام لما مرَّ بها في نشآت سابقة، بلْ وهذا الحال نشاهده في يومياتنا نحن في عالم المنام والرؤي، ربما نشاهد سيل من المعلومات، سيل من الأفكار، سيل من الأمور ومن المطالب، ولكن عندما نبعث في اليقظة مستيقظين من النوم نشاهد إننا قدْ عشنا حالة من إجمال عما مرَّ بنا سابقاً، مع أنَّ تلك الأمور مرَّت علينا بنحو التفصيل ربما أُريناها واطلعنا وأشهدنا عليها، وربما إذا تمرّ علينا في اليقظة نتذكر أنَّ هذا الذي كنّا نعهد من قبل وربما ننسي من أين عهدناه ومن أين شاهدناه، وربما يحصل لنا التذكُّر أنَّه شاهدنا جملة من رؤي هي تنبئنا وتطلعنا علی الحدث قبل
وقوعه فإذاً هذهِ حالات.
المحاور: عفواً يعني هو في الواقع نسيان ليسَ كاملاً، أصل الحقيقة تبقي موجودة في النفس.
الشَّیْخ السَّنَد: لا ريب، وإنَّما نمط التذكر يختلف.
المحاور: علماء الأخلاق وعلماء النفس يقولون بأنَّ النسيان حتّي في هذهِ الحياة الدنيا هو رحمة، رحمة للإنسان يعني فيها آثار إيجابية. فما هو تعليكم؟
الشَّیْخ السَّنَد: باعتبار أنَّ القوة النازلة في النفس تتصدع ويتوزَّع عليها التدبير لو حاولت أنْ تلمَّ بكل هذهِ المعلومات وهذهِ الأمور.
المحاور: إذنْ بالنسبة لنسيان ما في العوالم السابقة فيها هذا الجانب من الفائدة أيضاً؟.
الشَّیْخ السَّنَد: في الصفحة الحاضرة في ذهن الإنسان التي هي تدير قواه وأعضاء بدنه وما شابه ذلك، يعني ليست لها قابلية للإلمام بشكل دفعي بالمعلومات الهائلة وعلي ضوئها تنظم عزائمها وإرادتها، فلابدَّ من قوي أُخري في النفس تستودع، وتكون مستودعاً لتلك المعلومات وتزقّ إلی ما دونها من قوي النفس بما يناسب ويروي لها تدبيرها بشكل حكيم تام.
المحاور: هل يمكن القول في عبارة جامعة، بأنْ لولا هذا النسيان لما في العوالم السابقة لاختلَّت حياة الإنسان في هذا العالم؟.
الشَّیْخ السَّنَد: نعم، بالنسبة إلی التدبير التفصيلي النازل في الإنسان وأعود إلی توضيح التذكُّر بلحاظ المحور الأوَّل، هناك مثلاً تطرح نظريات في الحكمة هي في الواقع أنواع من القراءة لروايات وآيات واردة في الكتاب والسنة، وهي أنَّه هل العلم حقيقته اكتساب أو استذكار؟ القرآن الكريم يشير إلی ظاهرة وهي أنَّ العلم تذكر، وإنَّ الأنبياء بعثوا مذكرين.
وفي نهج البلاغة أنَّ هدف بعثة الأنبياء هو «ليستأدوهم ميثاق فطرته ويذكروهم منسي نعمته، ويحتجوا عليهم بالتبليغ ويثيروا لهم دفائن العقول ...»، ومن هنا يتّضح أنَّ العلم هو عبارة عن التذكُّر هذهِ النظرية أو هذهِ المقولة المعرفية كيف يمكن تصورها؟.
إنَّ المنطق الذي يطرحه القرآن الكريم والحقيقة المعرفية في جملة من الآيات والروايات الواردة عنهم(عليهم السلام) أنَّ دور الأنبياء أنَّهم يوقضون ويوجدون في الإنسان أهم علم بأهم معلوم وهو توحيد الله والإيمان بالباري والإيمان بالمعاد والإيمان بالأنبياء والمرسلين والأئمة وما شابه ذلك من العقائد الأصلية وأركان المعرفة، تشير الآيات الكريمة إلی أنَّ هذا هو نوع من التفكير ليذكرهم منسيّ نعمته وخلقته وميثاقه وشروطه التي شرطها علی الذوات الإنسانية، هذا في الواقع يمكن أنْ نتصوره ونلمسه كما عبَّر وذهب إلی ذلك جملة من الحكماء، منهم أفلاطون الحكيم أنَّ الإنسان عندما يبحث عن دليل معيَّن أو يريد أنْ ينقِّب عن مجهول معيِّن من المجهولات، يعبِّر في علم المنطق حركة الفكر من المجهول إلی المعلوم أو إلي
المجهول ثم إلی المعلوم ثم مرَّة ثانية إلی المجهول ليكشف النقاب عن الغموض وإجمال في المجهول ويصير معلوماً وبالتالي تكتشف النتيجة، المقصود أنَّه لابدَّ من مناسبة بين المجهول الذي يراد كشف النقاب عن ظلمانية الجهل به لدي الإنسان حوله مع المعلوم إذا هناك رأس مال من المعلومات بتوسطها يستطيع الإنسان أنْ يكشف النقاب عن المجهولات، وهذا يستدعي أنَّ هناك مناسبة ذاتية بين المجهولات والمعلومات، بالتعبير طبعاً المنطقي یُقال أنَّه أوسط وأكبر وأصغر وأنَّ الأوسط هو واسطة، مثلاً كل إنسان ناطق، وكل ناطق مدرك فكل إنسان مدرك، النتيجة وصلنا إليها عبر توسّط واسطة هي تخلق أو واجدة للمناسبة بين المجهول المعلوم، الواسطة مثلاً هي في مثالنا الذي مرَّ بنا يكون الإنسان ناطق فبالتالي هناك مناسبة لابدَّ أنْ تكون ذاتية وليست هناك بينونة تامَّة بين المجهول والمعلوم وإلّا لكان حركة الفكر من المعلوم إلی المجهول، أو من المجهول إلی المعلوم في حركة الدورتين عبثاً، إذْ لا يتمكَّن من الوصول إلی استنتاج النتيجة بعد فرض البينونة ليستنتج النتيجة وينقب ويفصح ويسير ساعياً لوصول النتيجة لكانت تلك حركة سدي وعبث، فلابدَّ إذاً من مناسبة ذاتية، فالمناسبة الذاتية تدلّل علی أنَّ كل المجهولات في الواقع مكدَّسة بنحو علمي في المعلومات الأولي مثلاً من باب المثال.
المحاور: يعني تقصدون البديهيات؟
الشَّیْخ السَّنَد: البديهيات سواءاً كانت تصورات أو تصديقيات مثلاً
قضية التناقض، نحن نستعمل التناقض واستحالة التناقض في جملة الاستدلالات والتصديقات الاولية إلی نهاية التصديقات المترامية اللامتناهية، مما يدلِّل علی أنَّ هذهِ المعلومات ارتباطها بالتناقض ارتباط تكديسي، وكبس معلوماتي، حاشد في نفس معلومة القضية الأولي وهي استحالة التناقض، أو مثلاً الشيء والموجود معني بديهي ومن بديهي التصورات أنَّ الشيء موجود، أو إذا كان موجوداً يعين ليسَ معدوماً أنَّه موجود أو غير موجود فنفس معني الموجود كمعلومة وتصور بديهي له مناسبة ذاتية مع كل أفراد الموجد.
بعبارة أُخري: إذاً بين أفراد المعلومات المجهولة في التفاصيل وأفراد أفرادها وإلي مشجرات هرمية لا متناهية في المعلومات، ترجع إلی أس مخروطي في المعلومات تصوراً أو تصديقاً تكون أفراد تلك المعلومة الأولي وبالتالي هي موجودة في المعلومة الأولي الكلية هو نوع من التذكر، إذنْ فبالتالي لو لم يكن يعلم الإنسان بهذهِ المجهولات بنحو علم سابق ولو إجمالي لما استطاع أنْ يكتسب معرفة تفصيلية جديدة هذهِ المعرفة الجديدة هي نوع من التذكر وهو التفتق لما كان يعلم به الإنسان وهو نوع اكتساب بمعني اكتساب للعلم بأحوال تفاصيل جزئيات التطبيقية للمعلومة الكلية التي لها طبقات من المصاديق فهو نوع من الاكتساب وهو نوع من التذكُّر، تذكّر باعتبار نفس هذهِ المعلومة الموجودة وفي كبدها موجودة كل هذهِ الركان من المعلومات للمجهولات ولكن الإنسان لم يفتقها. إذنْ ذات الإنسانية بحسب طبقات قواها ووجودها السابق هو بالتالي الذي أهلها لأنْ تكتسب مثل هذهِ الكمالات العملية أو العملية في لاحق نشآتها.
المحاور: فيما يرتبط بالعوالم التي مرَّ بها الوجود الإنساني إنْ صحَّ التعبير قبل أنْ يصل أو يولد في هذهِ الحياة الدنيا، أنتم بيَّنتم مجموعة من الأدلة القرآنية علی وجود هذهِ العوالم، وأنَّ الحياة الدنيا ليسَ هي بداية حياة الإنسان في الواقع حسب الرؤية القرآنية.
سؤالنا هو عن الخصائص المشتركة والمشتركات بين هذهِ العوالم فيما يرتبط بوجود الإنسان فيها؟.
الشَّیْخ السَّنَد: يشير القرآن الكريم إلی أنَّ مرور الإنسان بتلك العوالم وتنشأته في تلك العوالم، لها كبير التأثير والدخالة والتأثير في خيارات الإنسان المطروحة في إرادته ومسيرته وعاقبته في هذهِ الدار وهي دار الدنيا، فحيث يقول تعالی بالنسبة إلی عالم الذر: وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِی آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّیَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلي أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلي (1)إلی أنَّ تتابع الآية تفيد أنَّ هذا النوع من الأشهاد هو نوع من النمط الذي جري وحدث في ذلك العالم، لأجل أنْ يحدث في الإنسان تذكرة ودعامة علمية بنيوية مركوزة في فطرته وذاكرته وفي هويته العلمية كي يتسلح بها ويتأهل بها للامتحان التكليفي وامتحان الإيمان في هذهِ الدار.
المحاور: فيما يرتبط بهذهِ العلاقة يعني هناك علاقة بين كل عالم والعوالم الأُخري التي مرَّ بها الإنسان؟.
1) (1) سورة الأعراف: الآية 172.
الشَّیْخ السَّنَد: لا ريب، فإنَّ الآيات تشير إلی أنَّ هذهِ المعدات التي أوجدت وجهز بها ذات الإنسان، هي مؤثرة شديدة التأثير في استعداده لتقبل هذا الامتحان والنجاح والتغلُّب علی عقبات وشدائد ومكابدة الامتحان في دار الدنيا، ولا سيما امتحان الإيمان والمعرفة والإدراك فمثلاً في الآية الأُخري هَلْ أَتی عَلَی الْإِنْسانِ حِینٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ یَكُنْ شَیْئاً مَذْكُوراً تشير إلی مراتب، إِنّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِیهِ فقد ذكر المفسرون في رويات أهل البيت إنَّه وشج علی فطر وغرائز وتلقينات علمية يدركها أَمْشاجٍ نَبْتَلِیهِ فَجَعَلْناهُ سَمِیعاً بَصِیراً * إِنّا هَدَیْناهُ السَّبِیلَ إِمّا شاكِراً وَ إِمّا كَفُوراً (1)ثم تشير إلی أنَّه قبل مجيء الإنسان في دار الدنيا قدْ أغرز وجهّز في ذاته بقوة إدراكية ومعارف معينة يتأهل ويستعد بها بالخوض في غمار الامتحان في هذهِ الدار، ومن ثم وَرَدَ في روايات الفريقين وبل في الآيات الكريمة فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ (2)وكما يقول أمير المؤمنين(عليه السلام): «وواتر إليهم أنبيائه، ليستأدوهم ميثاق فطرته، ويذكروهم منسي نعمته، ويحتجوا عليهم بالتبليغ، ويثيروا لهم دفائن العقول، ويروهم آيات المقدرة، ...»(3)إذاً خلقت الفطرة وأوثقت وجهّزت وبنيت بمثل هذهِ الرساميل العلمية الإدراكية الموجودة في الفطرة الإدراكية العقلية والعملية لوجود الإنسان.
المحاور: هل يمكن القول بإنه كما هنالك علاقة بين حياة الإنسان في هذهِ الدنيا والعوالم السابقة، هنالك أيضاً علاقة بين حياة الإنسان في هذهِ الدنيا والعوالم اللاحقة؟.
الشَّیْخ السَّنَد: نعم، كما يشير المفاد القرآني ورؤية القرآن المنبهة والموجدة لهذا الفهم العلمي الحافل لدي البشرية، من أنَّ هناك ترابطاً بين أعمال الإنسان وما سيأتي له في العوالم اللاحقة وسوف يكون في الحقيقة هناك ترابطاً بين ما يأتي به الإنسان ويتجسّم من أعماله في العوالم اللاحقة وبين ما غرز وجهّز به الإنسان وهيأ به في العوالم السابقة وهذا العالم هناك أيضاً ترابط طردي موجود لدي إدراك الذهن.
المحاور: بيَّنتم فيما سبق كثيراً من الحقائق القرآنية فيما يرتبط بعوالم قبل عالم الدنيا ووجود الإنسان في تلك العوالم، الآن سؤالنا عن عوالم أو عالم الذر بالخصوص وهو أقرب العوالم علی ما يبدو من بعض الآيات القرآنية ما يفهم أنَّه أقرب العوالم إلی عالم الدنيا ما هي خصائص هذا العالم أو ما هي الرؤية القرآنية فيما يرتبط بهذا العالم ووجود الإنسان فيه؟.
الشَّیْخ السَّنَد: الملحوظ من مفاد آية الذر وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِی آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّیَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلي أَنْفُسِهِمْ قال أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلي ، ملحوظ فيها أنَّ الآية الكريمة تشير إلی أنَّ هناك نشأة إدراكية سابقة لذات وروح الإنسان مرتبطة نحو ارتباط بعالم المادّة، بعبارة أُخري عالم الذر ليسَ هو عالم أرواح مجرد عن الأبدان وعن المادّة ولا هو عالم مادّة
محض يعين ليسَ هو كالعلقة، ولي سهو كالنطفة والمضغة واللحم: فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ويشار إلی أنَّ هناك جنبتان في نشأة عالم الذر، هي نشأة إدراكية؛ لأنَّه خوطبوا لما لهم من ذوات مدركة وأجابوا لا لأنَّ نمط الإجابة بأصوات وألفاظ أو نمط الإجابة هو في الواقع بتجاوب إدراكي متناسب مع تلك النشأة الإدراكية كما أنَّ الإنسان تمرّ به خواطر أو معاني في مراتب عقلية في ذهنه فيتجاوب معها وينساق معها بما يتناسب مع تلك المرتبة في قلبه وعقله وباطن روحه.
المقصود أنَّ الآية الكريمة في عالم الذر تشير إلی هذا التنوّع والتعدد، وأنَّ هناك جنبتين في عالم الذر جنبة إلی النشأة الإدراكية وجنبة مرتبطة أيضاً بنحو بعالم المادّة لأنَّ التعبير في الآية الكريمة (من ظهورهم) حيث قال تعالی: وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِی آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ مما يدلِّل علی أنَّه له جنبة اتصال ونحو اتصال بعالم المادّة، فإذاً ليسَ هو عالماً إدراكياً محضاً وليسَ عالماً روحانياً كما وَرَدَ في الحديث النبوي: «خلق الله الأرواح قبل الأجساد بألفي عام» (1)ولا هو جانب إعدادي مادّي محض كما في سلسلة أُخري من الآيات: ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِینَ (2)، وحينئذٍ يمكن تصوير تنشأة الإنسان في عالم المادّة وتجسّمه
والفلاسفة الإسلاميين وحتّي الإمامية منهم لم يفض ولم يبلور هذا البحث عندهم إذْ نظرية ملا صدرا رغم أنَّها من أرشد النظريات الرائدة الآن علی الصعيد الفلسفي حيث أنَّها تؤمن أنَّ روح الإنسان جسمانية الحدوث روحانية البقاء، وإنَّ الروح حادثة بحدوث خلق البدن بينما تشير هذهِ الملفات الإعجازية العلمية الضخمة في القرآن الكريم إلی أنَّ تنشأة عالم الذر هي تنشأة برزخية بين عالم الأرواح وقبل عالم الأبدان.
المحاور: هذهِ قضية مهمة يعني يقابل حياة البرزخ أو عالم البرزخ بعد وفاة الإنسان.
الشَّیْخ السَّنَد: نعم، كما في قوس الصعود كما يقولون أو قوس النزول في قوس المجيء ومسار المجيء إِنّا لِلّهِ وَ إِنّا إِلَیْهِ راجِعُونَ فمن حيث أفعال ومخلوقات الله تعالی في بدأ مراحل وعوالم الصدور، توجد هناك نشاة في الواقع هي شبيه للبرزخية تمثِّل عالم الارتباط بين عالم الروح وعالم المادّة وهذا نحو في بداية تعلّق الروح بالمادّة قبل مرحلة النطفة والعلقة والمضغة، وفي الحقيقة الحكيم ملا صدرا فضلاً عمن قبله من الحكماء لم يسلط الضوء إلّا علی نشأة الجنين وكيفية ارتباط الروح بالإنسان بمرحلة الأجنّة وكينونته جنيناً في بطون الأمهات والأرحام أمَّا المراحل السابقة علی ذلك ففي نظرية ملا صدرا ليسَ هناك أي تسليط للضوء عليها ولا إشارة لها وإنْ كانت الأبحاث العلمية الحديثة الآن تثبت أنَّ الحيمن ونظام الوراثة والهندسة الوراثية الموجودة في الأصلاب في الواقع لها سبقة زمانية ممتدة
بسبق وجود الإنسان في ظهر آدم أبو البشر.
المحاور: يعين هي تقترب ف يالواقع من منطوق الآية الكريمة وإنَّ الآية القرآنية ليست تسبق الفلاسفة فحسب في هذهِ الحقيقة العلمية بلْ تسبق أيضاً الأبحاث العلمية الحديثة؟.
الشَّیْخ السَّنَد: نعم، مفاد الآية سابق علی نظرية الهندسة الوراثية الحديثة، التي كشف الآن عنها العلم الحديث، حيث تبيَّن أنَّ النظام الوراثي أو أنَّ الحياة بدرجة من الحياة الحيوانية موجودة لدي كل نسل البشر من آدم(عليه السلام) إلی يوم القيامة.
المحاور: يعني هذا أيضاً مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّیَّتَهُمْ هذا التعبير؟ .
الشَّیْخ السَّنَد: ففي الواقع علم الهندسة الوراثية الآن يصبّ بشكل مركَّز كمحاولة وكقراءة من القراءات الجارية في آية خلق عالم الذر، مما يدلّل علی أيّة حال إنَّ هذهِ النشأة والتنشأة لم يخض غورها الحكماء إلی يومنا هذا.
المحاور: أنتم في الأسئلة السابقة بيَّنتم خصوصيات عالم الذر والعوالم الأُخري التي سبقت الوجود الإنساني أي قبل الحياة الدنيا. والسؤال هو: فيما يربتبط بعالم الذر ألا يمكن أنْ تكون آية أخذ الميثاق تعبيراً رمزياً عن أنَّ فطرة الإنسان خلقت بصورة بحيث تقرّ بالتوحيد دون أنَّ ءتعني هذهِ الآية الكريمة مرور الإنسان بعالم آخر قبل عالم الدنيا؟.
الشَّیْخ السَّنَد: هذا التقرير في الواقع أفاده العلّامة الطباطبائي(رحمه الله) في
تفسير الميزان(1)فأوَّل أو حمل معني عالم الذر أو عالم الميثاق باعتبار أنَّهما عالمان بلْ لدينا إشارات في الآيات والروايات إلی عوالم متعدِّدة قبل نشأة عالم الدنيا فقرر وبيَّن معني تلك العوالم بمثل هذا الإطار وهو وإنْ كان فيه جهة من المتانة إلّا أنَّ ذلك لا ينفي بالتدبر والتعمق والتحليل ما وَرَدَ في الروايات فإذا كانت الفطرة مدركة للتوحيد فهذهِ الفطرة هي ليست مادّية، هذهِ الفطرة التي هي في كنه كينونتها موجود جوهري مجرَّد وبالتالي هذهِ النشأة ليست كنشأة الأرحام والأصلاب، بلْ نشأة علمية، ومنه يعلم إنَّ النشآت العلمية ليست هي متأخرة عن النشأة المادّية بلْ لها في مسير بدأ الخلقة موقع متقدِّم، كما أنَّ لها في مسير بدأ الخلقة موقع متقدِّم، كما أنَّ لها في مسير منتهي الخلقة مرتبة وموقع لاحق، وهذا لا ينفي وجود تقرر نحو من النشأة السابقة التي يؤكِّد عليها القرآن، وإنه لولا غرز الله تعالی في هوية وذات الإنسان مثل هذهِ العلوم وهذهِ الإدراكات لما كان يصل إلی بصيص إبصار تلك المعارف وإلي عوالم الخلقة وتخلق عوالم الخلقة ووصولها إلی معدن العظمة وهو معرفة وإدراك الذات الأحادية السرمدية الإلهية.
المحاور: نعم، بطبيعة الحال بما يستطيعه أو يتحمله الإنسان، باعتبار أنَّ إدراك كنه الذات أمر محال، فيما يرتبط بجوابكم اعتقد أنَّ العلامة السيد الطباطبائي(رضي الله عنه) ذكر بأنَّ هناك حدود سبعة عشر رواية صحيحة السند، تصرِّح بوجود عالم الذر، ويمكن أنْ يثمن هذا الكلام أنَّه عندما قال بهذا الرأي إنَّما قال نتيجة العوالم السابقة تكون بصورة بحيث جعلت فطرة
1) (1) تفسير الميزان، ج316 :8.
الإنسان مقرّة بالتوحيد؟.
الشَّیْخ السَّنَد: إنَّ تلك التنشئة العلمية التي مرَّ بها وخاضها الإنسان في تلك العوالم، هي التي تؤهله لأنْ يدرك المعلومات في هذهِ النشأة وهو ما يعرف بنظرية التذكُّر سواء في لسان القرآن الكريم فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَیْهِمْ بِمُصَیْطِرٍ (1)وَ لَقَدْ یَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (2)حيث يؤكِّد بقوة القرآن الكريم في نظرية المعرفة علی أنَّها، لها ارتباط بالتذكر، فمما يدلِّل علی أنَّ مثل هذهِ المعلومات إذنْ مغروزة، مكدَّسة، مكبسة، في ذات الإنسان بشكل رق تفتق بتوصل الفهم والإدراك، وكذلك ما وَرَدَ في الروايات،، وبالتالي فإذا هذهِ الذات والهوية المجردة كان لها نحو من التنشئة السابقة.
المحاور: من أين جاء مصطلح عالم الذر وهو غير مذكر في الآية الكريمة؟!، إذْ هو مذكور في الأحاديث الشريفة بهذا التعبير؟.
الشَّیْخ السَّنَد: هذهِ التسمية لعالم الذر منشأها قرآني وثم روائي وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِی آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّیَّتَهُمْ (3)فالذرية الذر إنَّما سميت بالذرية بالذرية وإنْ كانت الآن الحالة الاستعمالية في اللغة الأدبية العربية هي بلحاظ المواليد والتنسيل، ولكن في الاصطلاح نفس التعبير بالذر
(ذريّتهم) هي المواليد، ولكن بصورة وبهيئة موجودات صغيرة هي كحالة الذر في الهباء، فإذاً أطلق علی مادّة أُخري وأعضاء أُخري كلمة الذريّة في أصل وضع معناها اللغوي وهو بلحاظ تلك النشأة وإنَّما توسَّع في الاستعمال إلی المواليد من الأرحام والأصلاب، وإلّا هي في الحقيقة وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِی آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّیَّتَهُمْ يطلق بلحاظ الموجود الصغير ذي الكينونة الصغيرة.
المحاور: الكينونة الصغيرة مقارنة بماذا؟.
الشَّیْخ السَّنَد: الكينونة الموجودة فعلية الآن كما ذكرنا هناك قراءة محتملة بحسب ما في علم نظام الوراثة أو الهندسة الوراثية، من العلوم الحديثة المنظورة الآن ولسنا نحمل مفاد الآية بنحو التعيين والبت عليه ولكنه قراءة محتملة قدْ تذكر في ذيل الآية، ألا وهي إنَّ هذهِ الجينات التي كانت في صلب آدم كنّا نحن كلنا بنحو جينة حيوانية حيّة بحياة حيوانية وكلنا كنّا في ظهر أبونا آدم، نحو الكروموسومات أو الجينات بنحو من الأنحاء.
المحاور: إذاً هي في الواقع إشارة قدْ تكون إلی عالم الذر المقصود منها، وأنَّه هناك كيفيات معينة من الوجود غير الكيفية المألوفة في الحياة الدنيا.
الشَّیْخ السَّنَد: هذا في بعده المادي، وأمَّا في بعده الشعوري والإدراكي هناك نشأة وتعلق من الروح بتلك الجينات أو تلك الكروموسومات إنْ صحَّ التعبير أو ربما بعد وجودي مادّي له بعد في الصغر آخر كان له تعلّق
ببعد مجرد إدراكي، كما ثبت الآن عملياً أنَّ الجينات لها درجة من الإدراك والإحساس، ولسنا نحمل معني الآية بنحو البت عليه ولكن هذهِ القراءة علمية في العلوم الحديثة احتمال لمعني الآية، وأيّاً ما كان فالآية تثبت إذنْ للإنسان من جهة بعد المادّي وجود كينوني صغير كالذر للهباء، ومن جهة التنشأة المجردة التي لها نحو إدراك وشعور كما مرَّ أنَّ هذهِ قراءة محتملة من علم الهندسة الوراثية.
المحاور: علی ذكركم للمعصومين(عليهم السلام) هل أنَّ أئمة أهل البيت(عليهم السلام) تتسع حياتهم لتشمل منازل الدنيا ظاهراً والاطلاع علی منازل الدنيا والآخرة والبرزخ؟
الشَّیْخ السَّنَد: بالطبع أنَّ المؤمن الذي راعي سلوك التقوي وسلوك اليقين وسلوك الإخلاص يصل إلی درجات من مشاهدات عديدة لشؤون البرزخ، أو بعض شؤون البرزخ أو بعض شؤون الآخرة، فكيف بك بمقامات المعصومين، الحقيقة كل إنسان مؤمن حتّي وإنْ قلت درجة إيمانه وكل بشر وحتّي إنْ انحرف به السبيل إلی سبيل الغي هو في الحقيقة طبيعة جهاز مركب من وجود الإنسان وبناءً وجوده ذو طبقات وذو عوالم، شعر بذلك الإنسان أو غفل عنه، الإنسان بحسب جهازه الوجودي هو موجود ذو نشأة وفي آن واحد، وهو كما يعيش ويدير معيشة دنياه هو الآن في حالة تعايش مع المقام والمنزل البرزخي الذي هو فيه، وكذلك هو في مقام تعايش مع منزل الآخرة، وإنْ لم يشعر به فإذاً حالة التعايش الوجودي مع طبقات وجود الإنسان مع هذهِ العوالم أمر ثابت للكل وإنَّما الذي يختلف بين المعصومين ولا يقاس بهم أحد غيرهم، أو من هو دون المعصومين
وغيرهم هو مشاهدة تلك العوالم وبالطبع إنَّ المعصوم لما أوتي من علم لدني وطهارة وصفاء فائق يشاهد مثل تلك العوالم في مراتب أكثر وتستحضرني رواية رواها الشيخ الصدوق بسنده عن أبي عبدالله بكر الأرجاني قال: صحبت أبا عبدالله(عليه السلام) في طريق مكّة من المدينة فنزل منزلاً يقال له عسفان، ثم مررنا بجبل أسود، علی يسار الطريق وحش، فقلت: يا ابن رسول الله ما أوحش هذا الجبل؟ ما رأيت في الطريق جبلاً مثله؟ فقالك «يا ابن بكر أتدري أي جبلاً هذا؟ هذا جبل يقال له: الكمد وهو علی واد من أودية جهنم فيه قتلة أبي الحسين(عليه السلام) استودعهم الله، يجري من تحته مياه جهنم من الغسلين والصديد والحميم الآن وما يخرج من جهنم وما يخرج من طينة خبال وما يخرج من لظي وما يخرج من الحطمة وما يخرج من سقر وما يخرج من الجحيم وما يخرج من الهاوية وما يخرج من السعير، وما مررت بهذا الجبل في مسيري فوقفت إلّا رأيتهما يستغيثان ويتضرعان وإني لأنظر إلی قتلة أبي فأقول لهما: إنَّ هؤلاء إنَّما فعلوا لما اسسستما، لم ترحمونا إذْ وليتم وقتلتمونا وحرمتمونا ووثبتم علی حقنا، واستبدتم بالأمر دوننا، فلا يرحم الله من يرحمكما ذوقا وبا لما صنعتما وما الله بظلّام للعبيد»(1). فقالوا له وهل يمكنك العيش مع سماع ومشاهدة كل ذلك، فقال: «إنَّ لنا قلوب غير قلوبكم ومسامع غير مسامعكم».
ولو كانوا هم بما أوتوا من الله قابليتهم محدودة كما هي الحال في أرواحنا، لما استطاعوا أنْ ينبؤا عن آثار الأعمال وعن طريق الشريعة وعن
1) (1) ثواب الأعمال: 258 - 259..
طريق منهاج الأحكام وكيف آثاراها الأخروية، الحقيقة وراثة عن النبي(صلي الله عليه و آله) كما كان النبي(صلي الله عليه و آله) يتحدَّث عن آثار وخواص وعقبي ونتائج الأعمال فهو يشاهدها(صلي الله عليه و آله) ويشاهدها أيضاً أهل بيته وراثة علمية منه، وكيف هي الآن تتجسَّد وتتولَّد منها نتائج في البرزخ والآخرة وفي الصراط وفي عرصات العوالم الأُخري.
المحاور: السؤال عن حديث المعراج معراج النبي الأكرم(صلي الله عليه و آله) ومن أنَّه رأي طبقات من المنعمين ومن المعذبين في الجنّة والنار، فمن هؤلاء؟ وكيف رآهم؟ وهل كانوا صور حقيقية؟ وهل أنَّها أمور رمزية تشير إلی مستقبل الإنسان عندما يصل إلی الجنّة؟ وكيف يكون ذلك معذبون أو منعمون؟
الشَّیْخ السَّنَد: المعراج كما وَرَدَ بذلك بنص القرآن الكريم في سورة النجم وسورة الإسراء، وَوَرَدَ في روايات الفريقين أيضاً أنَّ النبي(صلي الله عليه و آله) عرج بجسده وروحه إلی دار الآخرة، ودخل الجنّة وشاهد كثير من مشاهد الآخرة وفي مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) أنَّ الجنة والنار الأخروية هما في الآن الراهن مخلوقتان.
المحاور: الأخروية مقابل أي شيء؟
الشَّیْخ السَّنَد: مقابل النشأة البرزخية ومقابل نشأة دار الدنيا.
المحاور: الجنّة والنار التي يكون فيهما خلود للمؤمنين وللكافرين كلتاهما مخلوقتان؟
الشَّیْخ السَّنَد: دار الآخرة ليسَ عالم سيخلق وإنْ كان انتقال أهل الدنيا إلی دار الآخرة يحتاج إلی قيام القيامة عليهم، وأمَّا نفس دار الآخرة فليس موجود حادث في الآتي، ومن ثم وَرَدَ في خطبة النبي(صلي الله عليه و آله) في شهر شعبان(1)وغيره أنَّ أهل الحسنات والطاعات الآن يتعلقون بشجرة طوبي وأنَّ أهل المعاصي والسيئات الآن يتعلقون بشجرة الزقوم.
المحاور: وأنَّ أبواب الجنان مفتحة .... وأبواب النيران مغلقة ...(2).
الشَّیْخ السَّنَد: نعم، هذا بالنسبة إلی أوصاف شهر رمضان، وأيضاً وَرَدَ حول ذلك في المنافق أنَّه مات عن عمر يناهز الثمانين عاماً أو السبعين فلما مات سمع النبي هدِّة وهي سقوطه في قعر جهنم وأمثال هذهِ الروايات كثيرة جداً نقرأ، نظير ذلك الأنصاري الشاب الذي فتح الله بصيرة قلبه فرأي أهل الجنّة يتنعمون وأهل النار يعذبون، وأنَّ منهم أراد أنْ يكشف من صحابة النبي عن أهل الجنّة وأهل النار، ونصّ الرواية عن أبي عبدالله(عليه السلام)، قال: «استقبل رسول الله(صلي الله عليه و آله) حارثة بن مالك بن النعمان، فقال له: كيف أنت يا حارثة؟ فقال: يا رسول الله أصبحت مؤمناً حقّاً، فقال رسول الله(صلي الله عليه و آله) يا حارثة لكل شيء حقيقة، فما حقيقة قولك؟ قال: يا رسول الله عزفت نفسي عن الدنيا، وأسهرت ليلي، وأظمأت هو أجري، وكأني أنظر إلی عرش ربي وقد وضع للحساب، وكأني أنظر إلی أهل الجنة يتزاورون في
الجنّة، وكأنِّی أسمع عواء أهل النار، فقال رسول الله(صلي الله عليه و آله) عبد نور الله قلبه للإيمان فأثبت، فقال: يا رسول الله ادعوا الله لي أنْ يرزقني الشهادة، فقال: «اللَّهُمَّ ارزق حارث الشهادة، فلم يلبث إلّا أياماً حتّي بعث رسول الله سرية فبعثه فيها، فقاتل فقتل سبعة أو ثمانية ثم قتل»»(1).
المحاور: علامة المتقين ...
الشَّیْخ السَّنَد: إذاً روايات عديدة موجودة في حديث الفريقين كلّها دالة ومدلِّلة علی أنَّ الجنّة والنار الآن الراهن مخلوقتان، وأنَّ النبي(صلي الله عليه و آله) عرج به إلی دار الآخرة بلْ إلی ما فوق الجنّة والنار وما شاهد من آيات رَبِّهِ الكبري.
المحاور: السؤال الآخر هو أنَّ القيامة الكبري لم تقم بعد فمن الذين رآهم وأي صور رآهم فيها؟
الشَّیْخ السَّنَد: طبعاً لا نحسب أنَّ أهل الجنّة وأهل النار هم الطبيعة البشرية في الدورة التي نحن فيها فقط، بلْ هناك قبل خلقة آدم أبو البشر وبنيه كانت خلقة مخلوقات سابقة، وقد یُعبَّر عنها في روايات أهل البيت بأنَّ قبل آدمكم ألف ألف آدم، فعن أبي حمزة الثمالي، قال: سمعت علی بن الحسين(عليه السلام) يقول: «إنَّ الله خلق محمداً وعلياً والطيبين من نور عظميته، وأقامهم أشباً قبل المخلوقات، ثم قال: أتظن أنَّ الله لم يخلق خلقاً سواكم؟ بلي والله لقد خلق الله ألف ألف وألف ألف عالم، وأنت والله في آخر تلك
1) (1) المحاسن للبرقي ج165 :1، باب اليقين والصبر في الدين؛ تفسير الرازي ج123 :1.
العوالم»(1)، فأهل الجنّة وأهل النار دورات خلقية كانت لله عَزَّ وَجَلَّ من قبل. ثم إنَّ ما ذكر في روايات المعراج من أنَّ النبي(صلي الله عليه و آله) شاهد من أمته أو من الأمم السابقة فهذا يبيِّن كيفية تجسيم الأعمال.
المحاور: يعني يكون الإنسان وهو علی الحياة الدنيا مُعذَّب بالنار؟.
الشَّیْخ السَّنَد: ولكن لا يشعر بالعذاب نظير الإنسان الذي لو أُصيب بجرح وكسر ولكنه في خضمّ حرارة حيث أو حرب محتدمة فلا يشعر بالجروح وأذي الجروح، وبعد أنْ يعود إلی حواسه وإلي تركيز التفاته يبدأ يشعر بالألم والجرح وشدّته، فهذا ما يحدث إلی طبقات الذات الوجودية للإنسان المرتبطة بنشآت عوالم أُخري إلّا أنَّ الإنسان مُنشدّ تركيزه علی بدنه الدنياوي فقط.
المحاور: يعني يخرج من حالة الغفلة وسكرة الحياة الدنيا؟.
الشَّیْخ السَّنَد: كما تشير إلی ذلك الآية الكريمة فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْیَوْمَ حَدِیدٌ (2)، فيدلُّ علی أنَّ الأمور كانت من قبل لكن الإنسان لا يشعر بها، وبالتالي كما مرَّ بنا أنَّ الإنسان وجوده ذو طبقات وجودية، كما أنَّ بدنه الدنيوي الآن ونشأته الدنيوية إلّا أنَّ طبقات ذاته من روحه وقلبه هي متعلقة بنشآت متجانسة متناسبة في اللطافة والرقّة مع تلك الوجودات، وبالتالي له تعلُّق بتلك العوالم وله مباشرة وله ملابسة بنحو من الأنحاء وله تدبير.
المحاور: هناك سؤال بشأن الحديث الذي روي عن طريق الفريقين علی ما يبدو، وهو حديث الحوض: «عن أنس بن مالك أنَّ النبي قال: ليردن عليَّ الحوض رجال ممن صاحبني حتّي رأيتهم ورفعوا إلی اختلجوا دوني فلأقولنّ أي رب أصحابي أصحابي، فليقالن لي إنَّك لا تدري ما أحدثوا بعدك»(1)، والسؤال كيف تنسجم «إنَّك لا تدري ما أحدثوا بعدك» مع كونه(صلي الله عليه و آله) شاهداً علی أعمال الأمَّة حتّي بعد وفاته ولا يختصر الأمر بحضوره، هذهِ عقيدتنا فيه خاصّة أنَّه الشهيد علی الشهداء من الأولين والآخرين يعني الشهداء علی أعمال الأمَّة فكيف يحلّ هذا التعارض الظاهري؟
الشَّیْخ السَّنَد: أضيف إلی هذا التساؤل أنَّ المنشأ الآخر للتساؤل هو أنَّ النبي(صلي الله عليه و آله) كان قدْ أخبر عما يجري بعده في أحاديث الفريقين، هذا الحديث نفسه إخبار من النبي قبل وفاته فإذن هو(صلي الله عليه و آله) يخبر عما هو آت.
المحاور: يعني هذا الإخبار يمكن أنْ يكون عامل لحمل هذهِ العبارة لغير المعني الظاهر، يعني عبارة ماذا أحدثوا بعدك.
1) (1) صحيح مسلم، ج7 :70، باب إثبات حوض نبينا (صلي الله عليه و آله)وصفاته.
الشَّیْخ السَّنَد : نعم، أقصد أنَّ هذا الحديث النبوي الذي يطلعنا وينبئنا ويعلمنا بمشهد عظيم من يوم القيامة من الذي أخبرنا به، هو النبي(صلي الله عليه و آله) قبل وفاته، فكان يعلم بما يجري حتّي أنَّه قدْ روي مسلم في كتاب الفتن أنَّ النبي(صلي الله عليه و آله) بمشهد من المسلمين قدْ ذكر لهم معظم الفتن الخطيرة إلی يوم القيامة، وحفظها حذيفة، فإذن النبي(صلي الله عليه و آله) عالِم بذلك قبل الوقوع فكيف مع الوقوع، وكيف بعد الوقوع، إذاً هذا التساؤل من النبي تساؤل التقرير أو سحب التقرير من الطرف الآخر للاستنكار والتعجُّب، وليكن نوع من المداواة لهم أنَّه كيف انتم مع هذهِ الصحبة للنبي(صلي الله عليه و آله) وهذا الجهد الذي قدَّمه سيد الأنبياء لكم من التربية ومن التعليم، ومع ذلك خالفتهم أمره وأحدثتم ما أحدثتم في الدين وما شابه ذلك .
المحاور: عفواً، الآن جاء في ذهني الخطاب القرآني لعيسي في سورة المائدة، هل يمكن أنْ يكون هذا من هذا النمط؟
الشَّیْخ السَّنَد: نعم، أنا كنت في صدد ذكره أيضاً أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِی وَ أُمِّی إِلهَیْنِ مِنْ دُونِ اللّهِ (1)علی أيَّة حال هذا سؤال العارف من باب الاستنكار أو ما شابه ذلك من الدواعي الأُخري، وهناك موارد أُخري موجودة.
1) (1) سورة المائدة: الآية 116.
المحاور: في زيارة الصديقة الزهراء(عليها السلام) المنقولة في كتاب مفاتيح الجنان ضمن زيارات المعصومين(عليهم السلام)، هذهِ العبارة: «السلام عليك يا ممتحنة امتحنك الذي خلقك قبل أنْ يخلقك فوجدك لما امتحنك صابرة» (1)، فكيف يمكن أنْ یُمتحن الإنسان قبل وجوده؟
الشَّیْخ السَّنَد: الامتحان يتمُّ في أصعدة متعددة هناك امتحان إلهي يتمُّ في مقام العلم كما یُعبِّر الحكماء، أي أنَّ الامتحان يتمُّ من العالم بنفس المعلوم قبل أنْ تنوجد المعلومة خارج نطاق العلم، ولذلك مثالاً يتّضح به الأمر مثلاً، ربما لازارع يريد أنْ يرزع بذوراً أو نمطاً من الزرع في أرضية صالحة حينئذٍ يصبّ هذا الزارع معلوماته حول أنواع وأنماط الزرع ضمن عالم المعلومات الذي يختزنه في ذهنه فحينئذٍ يقلب الموازنة يمنة ويسري ويفاضل بين أنواع البذور وأنواع الزرع، وأيُّها الصالح ومنها الطالح مع أنَّ تلك البذور لم تستحصل في الخارج وفي عين التربة إلّا أنَّ من خلال ما يمتلكه من معلومات وعلم يوازن ويقارن ويمتحن ويقدم ويؤخر في
1) (1) مفاتيح الجنان: 317، زيارة فاطمة الزهراء(عليها السلام ).
ضمن موازنة علمية دقيقة، هذا ما يقال عنه امتحان علمي، وهذا يمارسه كل عالم وفي كل نطاق وكل معلومات قبل أنْ يقدم علی أي فعل، من الضروري من يمتلك علم، العالم يمارس مثل هذا الامتحان، وهذهِ الموازنة ومثل هذا الاصطفاء، هذا قدْ يقال عنه في لسان الوحي والروايات یُعبَّر عنه بالاصطفاء في مقام العلم او قدْ یُعبَّر عنه بالانتجاب كما وَرَدَ عنه في خطبة الصديقة عندما كانت تنعي سيد الأنبياء أبيها صلي الله عليهما، حيث قالت: «اختاره قبل أنْ أرسله، وسمّاه قبل أنْ اجتباه واصطفاه قبل أنْ بعثه»(1). ذلك فالانتخاب الإلهي والاصطفاء إذاً الامتحان يكون في الصعيد العلمي؛ لأنَّ الله سبحانه وتعالي عالم بكل المغيبات وبكل المستقبليات ويرسم نظامه، وسننه، وإرادته، وأنواع مشيئته، وقضاءه، وقدره علی ذلك العلم النافذ الغيبي الذي لا يحدّ ولا ينتهي وبالتالي يتمُّ الامتحان والانتخاب والاصطفاء أولاً في صعيد العلم: «فيا ممتحنة امتحنك الذي خلقك قبل أنْ يخلقك فوجدك لما امتحنك صابرة». فضمن هذا العلم علم الله بالمستقبليات ومغيبات الأمور وتداعيات الذوات المختلفة. كل ذات طبيعتها وتداعياتها ومقتضياتها وسيرتها هي حاضرة في علم الباري بالمستقبل، فوجد الزهراء صابرة لما امتحنه بها.
1) (1) الاحتجاج: ج120 :1.
المحاور: ما حكم الذين يموتون ولم يعرفوا أهل البيت(عليهم السلام) لعجزهم وعيشهم في مناطق نائية عن المناطق الإسلامية سواء كان في التاريخ المعاصر او في القرون السابقة، ولماذا يحرمون من المراتب العالية التي تثمرها معرفة مُحمَّد وآل مُحمَّد(عليهم السلام)؟
الشَّیْخ السَّنَد: إنَّ الحساب والنتائج لا تحسم بمجرد ما يستغرقه الإنسان في عمره في هذهِ الدنيا بلْ هناك البرزخ لا سيما بالنسبة إلی المستضعفين الذي استضعفوا فكرياً عن مصادر المعرفة وما شابه ذلك، ستفتح لهم هناك سبل وفرص للمعرفة والامتحانات، جملة منهم ربما يرجع في الرجعة وهي مرحلة أُخري وشوط آخر من الحياة الدنيا، وبالتالي هناك شوط أخير ومرحلة أُخري في يوم القيامة للذين لم تسنح وتصل إليهم تلك الفرص للاطلاع علی تلك المعارف وتلك المصادر، هناك يقام لم مجال وفرصة أُخري، موجودة في الروايات بالنسبة إلی مثل أطفال الملل الأُخري التي لم تتعرف علی الإسلام ونبي الإسلام وأهل بيته أو ما شابه ذلك ممن هم في درجة متدنية من الاطلاع والمعرفة، نعم سيبصرون وتفتح لهم جملة من أبواب المعرفة ويمتحنون من خلال ذلك.
المحاور: ألا يتعارض ما تفضلتم به مع كون الدنيا هي دار التكليف، يعني كيف يكون الأمر إذا تعرض عليهم معرفة وولاية مُحمَّد وآل مُحمَّد في عوالم ليست فيها تكليف يعني ليسَ فيها إمكانية القبول أو الرفض؟
الشَّیْخ السَّنَد: بالنسبة إلی الرجعة هي من دار الدنيا وليست من البرزخ ولا من دار الآخرة، أمَّا التكامل في البرزخ فالذي يظهر من الآيات والروايات أنَّ هنا عمل بلا حساب وهناك حساب بلا عمل، ليسَ يعني ذلك أنَّ ليسَ هناك تكامل، بلْ الذي يظهر من الآيات والروايات أنَّ الذي قدْ حصل محصلة معينة من العمل والعلم يضاعف له عمله وعلمه، ولعلَّ هذهِ المضاعفة للعلم والعمل بالتكامل في البرزخ، لمن كانت لديه نوع من الحصيلة البسيطة الخيرة بكامل من أفضال الله وإنعامه، هناك تفتق وتتكامل، وبالتالي في البرزخ أو قبل الجسم النهائي يوم القيامة، ولعلَّ هذا يدخل في ما ذكر في الوعد الإلهي من مضاعفة الحسنات ومضاعفة الإجزال لمن هو خير، إذاً حينئذٍ التكامل البرزخي، أو التكامل في عرصات مراحل يوم القيامة غير منفي في الآيات والروايات، والذي هو منفي هو أنَّ كما يقال المعرفة هنا المشاهدة هناك، يعني البذرة لابدَّ أنْ تزرع وتحرث ها هنا ولكن سقيها وريعها وريها ليسَ من البعيد أنْ يستفاد من الآيات والروايات في كثير من النصوص، أنَّ هناك نوع من التكامل لهذه البذور التي أنشأت هنا تتحقق ثمّة ها هناك.
المحاور: يفهم من كلامهم أنَّه لا حرمان لأحد من ثمار معرفة مُحمَّد وآل مُحمَّد وولايتهم(عليهم السلام) يعني لا من الأولين ولا من الآخرين؟
الشَّیْخ السَّنَد: إمَّا بالنسبة للأولين فها هو القرآن يفصح بأنَّ الأنبياء بعثوا بالبشارة بنبوة النبي وأهل بيته في الأُمم السابقة كما في سورة آل عمران: وَ إِذْ أَخَذَ اللّهُ مِیثاقَ النَّبِیِّینَ لَما آتَیْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَ حِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَ لَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَ أَقْرَرْتُمْ وَ أَخَذْتُمْ عَلي ذلِكُمْ إِصْرِی قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَ أَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشّاهِدِینَ (1)، أو غيرها من الآيات، كلَّها دالَّة علی الأمور الأصلية العقدية والاعتقادية التي تطرح في الأمم السابقة، والأنبياء بعد توحيد الله لم يكونوا يؤصِّلون نبوة أنفسهم كأصل ثاني في عقائد تلك البعثات السابقة، بلْ كان يؤصلون نبوة سيد الأنبياء وولاية أهل بيته ثم تأتي بعد ذلك في الرتبة ذكر نبوتهم، وهذا ما تفيده جملة من الآيات والروايات مما يمكن الاستشهاد بها علی ذلك، بلْ كان نهج وسنّة الأنبياء في الأمم السابقة علی تأصيل إبلاغ وترسيخ التوسل بالنبي وتعليم أسماء النبي وأهل بيته، حتّي أنَّ اليهود هاجروا من الشام ومن بلاد الرغد ومن العيش الرفيه إلی جدب الحجاز ووعورة العيش؛ لأنَّهم كانوا يستفتحون علی الذين كفروا بمجيء النبي(صلي الله عليه و آله) كما تشير الآيات.
1) (1) سورة آل عمران: الآية 81.
المحاور: إن المصطفي(صلي الله عليه و آله) معصوم من الخطأ فما معني قوله تعالی: (يا أَیُّهَا النَّبِیُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللّهُ) (1)؟.
الشَّیْخ السَّنَد: المصطفي(صلي الله عليه و آله) معصوم من الخطأ قال تعالی: (وَ ما یَنْطِقُ عَنِ الْهَوي إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْیٌ یُوحي) (2)، وقال تعالی: (وَ ما هُوَ عَلَی الْغَیْبِ بِضَنِینٍ) (3)، وقال تعالی: (ما ضل صاحبكم وما غوي ) (4)، وقال تعالی: (وَ إِنَّكَ لَعَلي خُلُقٍ عَظِیمٍ) (5)، وقال تعالی: (وَ إِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَی الرَّسُولِ وَ إِلي أُولِی الْأَمْرِ مِنْهُمْ) (6)، وهي دالة علی عصمته في تدبير شؤون الحكم السياسي والإجتماعي وكذا قوله تعالی: (وَ اعْلَمُوا أَنَّ
فِیكُمْ رَسُولَ اللّهِ لَوْ یُطِیعُكُمْ فِی كَثِیرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَ لكِنَّ اللّهَ حَبَّبَ إِلَیْكُمُ الْإِیمانَ وَ زَیَّنَهُ فِی قُلُوبِكُمْ وَ كَرَّهَ إِلَیْكُمُ الْكُفْرَ وَ الْفُسُوقَ وَ الْعِصْیانَ أُولئِكَ هُمُ الرّاشِدُونَ (1)، وغيرها من الآيات، أما آية سورة التحريم وغيرها من السور مما يظهر منها عتاب من الله تعالی لنبيه(صلي الله عليه و آله) فليس من باب التقبيح - والعياذ بالله - بل هو إرشاد للأكمل فإنه تعالی الإله أكمل من مخلوقه وأعلم، ومهما بلغ النبي من الكمال فإنه محتاج إلی ربه تعالی في أزدياد الكمال والعلم، وهذا سرّ تربوي يكرره القرآن في بيان التعامل بينه تعالی وبين نبيه وبقية الأنبياء كي لا يتوهم البشر الربوبية في الانبياء، بل يدركوا أنهم مهما بلغوا من الكمال فإنهم محتاجون إلی الله تعالی ويزدادون منه تعالی كمالاً وعلماً كما أشير إلی هذه الحكمة في كلام أمير المؤمنين(عليه السلام).
المحاور : كيف كان الوحي ينزل علی رسول الله(صلي الله عليه و آله)، هل كان جبرئيل(عليه السلام) هو الذي يخبر النبي بالآيات الشريفة، أي أن الله عَزَّ وَجَلَّ يطلع جبرئيل بالآية أولاً ومن ثم يقوم بتعليمها للنبي(صلي الله عليه و آله)؟ وإذا كان كذلك، كيف والحال أن النبي(صلي الله عليه و آله) أفضل وأكرم عند الله من جبرئيل(عليه السلام)؟.
الشَّیْخ السَّنَد: بعض أقسام الوحي النازل علی النبي(صلي الله عليه و آله) إشير إليها في قوله تعالی: (وَ ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ یُكَلِّمَهُ اللّهُ إِلاّ وَحْیاً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ یُرْسِلَ
1) (1) سورة الحجرات: الآية 7.
رَسُولاً فَیُوحِیَ بِإِذْنِهِ ما یَشاءُ إِنَّهُ عَلِیٌّ حَكِیمٌ) (1)، وروي زرارة عن الصادق(عليه السلام) قال: «قلت لأبي عبدالله(عليه السلام): جعلت فداك الغشية التي كانت تصيب رسول الله(صلي الله عليه و آله) إذا نزل عليه الوحي؟ فقال: ذاك إذا لم يكن بينه وبين الله أحد، ذاك إذا تجلي الله له، قال: ثم قال: تلك النبوة يا زرارة وأقبل بتخشع» (2).
وعن هشام، عن أبي عبدالله(عليه السلام)، قال: «قال بعض أصحابنا: أصلحك الله، كان رسول الله(صلي الله عليه و آله) ويقول: قال جبرئيل(عليه السلام) وهذا جبرئيل يأمرني ثم يكون في حال أخری يغمي عليه؟ قال: فقال: أبو عبدالله(عليه السلام): إنه إذا كان الوحي من الله إليه ليس بينهما جبرئيل(عليه السلام)، أصابه ذلك لثقل الوحي من الله، وإذا كان بينهما جبرئيل(عليه السلام) لم يصبه ذلك، فيقول: قال لي جبرئيل، وهذا جبرئيل يأمرني» (3).
وفي هاتين الروايتين ذكر القسم الأول من الثلاثة المذكورة في الآية والقسم الثالث وأما القسم الثاني فكان في تكليمه تعالی للنبي(صلي الله عليه و آله) في ليلة المعراج كما في أحاديث المعراج.
وأما الأفضلية فلا تثبت للوسيط بين طرفين علی الطرف المرسل إليه إذا لم يكن للوسيط هيمنة وقيمومة وولاية علی المرسل إليه، كما هو الحال في ساعي البريد الخاص بين الملك ووزيره وتستطيع أن تتمثل بحاجة بدن النبي(صلي الله عليه و آله) للطعام والشرب ونحو ذلك ولكن لا يعني أفضلية الطعام علي
روح النبي(صلي الله عليه و آله) وذاته النورية المقدسة، إذ للإنسان فضلاً عن النبي(صلي الله عليه و آله) درجات من الوجود والحقائق، وأحتياج بعض درجات الوجود النازلة كقواه الحسية الشريفة النازلة لوساطة جبرئيل لا يعني أحتياج درجة وجوده النوري الذي هو فوق مقام جبرئيل لا يعني إحتياجه في ذلك المقام إلی وساطة جبرئيل، ومن ثم لما عرج(صلي الله عليه و آله) إلی مقامات القرب فدني فتدلي لم يستطيع جبرئيل(عليه السلام) مسايرته وقال لو أقتربت أنملة لاحترقت.
المحاور: قال تعالی: (وَ ما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلي أَعْقابِكُمْ) (1)، ما معني قوله تعالی (او قتل) ولماذا وردت؟.
الشَّیْخ السَّنَد: هذه الآية الكريمة نزلت في واقعة احد، ضمن بقية الآيات من سورة آل عمران النازلة في تلك الواقعة حيث قسمت المسلمين الذين شهدوا احد إلی فئة صالحة، وفئة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله ظن الجاهلية، وفئة قد فرّت من القتال عند انعطاف المشركين في الجولة الثانية وغلبتهم حيث شاع خبر قتل النبي(صلي الله عليه و آله) ففر جماعة من وجوه الصحابة إلی الجبل واجتمعوا حول الصخرة وعرفوا بعد ذلك بجماعة الصخرة كما في كتب السير، وقالوا إنا علی دين الأجداد كي إذا ظفرت بنا قريش نقول لهم إنا علی دينكم، فكان ذلك إنقلاب علی الأعقاب إلی الجاهلية والكفر، وقد أشير
1) (1) سورة آل عمران: الآية 144.
في مواضع أخری في القرآن الكريم إلی محاولات لقتل النبي(صلي الله عليه و آله) منها: قوله تعالی: (وَ إِذْ یَمْكُرُ بِكَ الَّذِینَ كَفَرُوا لِیُثْبِتُوكَ أَوْ یَقْتُلُوكَ أَوْ) (1)، حيث كانت هجرة النبي(صلي الله عليه و آله) ومبيت علي(عليه السلام) علی فراشه في تلك الليلة.
ومنها: قوله تعالی: (یَحْلِفُونَ بِاللّهِ ما قالُوا وَ لَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَ كَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَ هَمُّوا بِما لَمْ یَنالُوا وَ ما نَقَمُوا إِلاّ أَنْ أَغْناهُمُ اللّهُ وَ رَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ) (2)، وهم جماعة العقبة عند رجوع النبي(صلي الله عليه و آله) من غزوة تبوك، همّوا بإغتيال الْنَّبِیّ(صلي الله عليه و آله) بدحرجة الحجار علی ناقة النبي(صلي الله عليه و آله) فوق عقبة الجبل لتسقط به(صلي الله عليه و آله) في الوادي، وكان حذيفة وعمار يعرفون تلك الجماعة المتآمرة وكان بعض أعيان الصحابة يسائل حذيفة حيث اختص بمعرفة المنافقين - عن معرفته بهم كَمَا في كتاب المنافقين من صحيح مسلم.
وقوله تعالی: (إِنْ تَتُوبا إِلَی اللّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وَ إِنْ تَظاهَرا عَلَیْهِ فَإِنَّ اللّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَ جِبْرِیلُ وَ صالِحُ الْمُؤْمِنِینَ وَ الْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِیرٌ) (3)، ويظهر من الآية أن هناك مظاهرة ومناصرة وتعاون وتآزر علی النبي(صلي الله عليه و آله) تستهدف حياته(عليه السلام) ومن ثمّ هدد سبحانه بذاته المقدسة وجبرئيل وبصالح المؤمنين وبجميع الملائكة كأعوان مما يكون في مقام أعداد العدّة لنفير حرب. وفي بعض الروايات الصحيحة: «ما منا إلا مسموم أو مقتول»(4)، حتی النبي(صلي الله عليه و آله)
مات بالسمّ.
المحاور: خالد بن الوليد سفك دماء كثيرة دون وجه حق.. كقتله في بني جذيمة عندما أرسل لهم، وكقتله من الرجال في يوم الفتح ثأراً لعمّيه مخالفاً بذلك نهي النبي(صلي الله عليه و آله) عن القتل في ذلك اليوم، ومع ذلك فإنّ النبي(صلي الله عليه و آله) لم یُقم الحدّ عليه مع أنّه قال (صلي الله عليه و آله) بأنّه يبرأ إلی الله مما فعل خالد فلماذا؟
وكذلك كان في عهد أبي بكر حيث رفض أن يقيم الحد علی خالد بعدما قتل من قتل وسبي وسلب في قبيلة مالك بن نويرة.. ناهيك عن زواجه من زوجته في نفس اليوم (وبلا عدّة) مع أن عمر طالب بالحد علی خالد؟.
الشَّیْخ السَّنَد: الموجود في كتب السير والتاريخ تعلل خالد بن الوليد في قتل بني جذيمة - في بعض النقل 30 رجلاً منهم - أن ذلك أخذاً بحقه ويشير إلی ما أرتكبته بنو جذيمة من قتل الفاكه بن المغيرة ونسوة من بني المغيرة في أيام الجاهلية، وتعلّل أيضاً بأنه لم يطمئن من إسلامهم لأنهم لم يلقوا السلاح، حيث كانوا قد خشوا منه الإقتصاص منهم، وهذا التعلل الثاني نظير ما وقع فيه أسامة بن زيد عندما قتل من أظهر له الإسلام في القصة المعروفة، مع أن بني جذيمة كانوا قد بنوا المساجد واظهروا الأذان وإقامة الصلاة، وكان النبي(صلي الله عليه و آله) قد أمر خالداً أن يدعوهم إلی الإسلام ولا يبدأهم بقتال لكنه خالف الأمر واقتصّ منهم ثأر الجاهلية، فلما أستخبر النبي(صلي الله عليه و آله) بذلك تبرأ إلی الله تعالی مما قد فعل خالد، ثم أرسل أمير المؤمنين(عليه السلام)
فودي لهم أي أعطاهم الدية للقتلي ولكل ما تلف منهم وقال(صلي الله عليه و آله) له(عليه السلام) بأن يجعل كل ما كان في الجاهلية تحت قدميه، فيظهر من مجموع ذلك أن سبب عدم إقتصاصه(صلي الله عليه و آله) لبني جذيمة من خالد بن الوليد هو عدم فقه خالد بأن كل دم ووتر في الجاهلية فهو ساقط بالإسلام وأن الإسلام يجبّ ما قبله وإن كان خالد بن الوليد قد عصي أمر النبي(صلي الله عليه و آله) فيما رسمه له من الدعوة إلی الإسلام وقد كذّب عدة من الصحابة تأوّل خالد باسترابته في إسلام بني جذيمة ممن كانوا معه بل أكثر الأنصار لم يشاركوا في قتل الأسري وأمتنعوا من ذلك إلا أن العمدة لسقوط القصاص هو جهالة خالداً بجبّ الإسلام حكم الجاهلية.
وهذا بخلاف ما فعله خالد بن الوليد بمالك بن نويرة فإنه قد رأي صلاته وصلاة قومه وقد صلي خالد وراءه وعرف أن امتناع مالك من أعطاء الزكاة لا لإرتداده بل لإمتناعه من بيعة أبي بكر وبقاءه علی ولاية وبيعة علی بن أبي طالب(عليه السلام) أمير المؤمنين.
فبين الواقعتين فرق واضح بيّن، مضافاً إلی تبرأ واستنكار النبي(صلي الله عليه و آله) لما فعله خالد بينما لم يستنكر أبو بكر ما فعله خالد وقد أعطي النبي(صلي الله عليه و آله) الدية لأهالي القتلي وأسترضاهم علياً(عليه السلام) حتی رضوا عن النبي(صلي الله عليه و آله) وأعاد حرمتهم، بينما أبو بكر لم يصلح ما أفسده خالد وعذره في إستحلال زوجة مالك بن نويرة وهي في عدة وفاته ولا أعطي الدية لقبيلته ولا أعاد حرمتهم بل أقرّ خالداً علی قيادة الجيش وفسح المجال له بالعمل كما يشتهي ويهوي وتصبوا
إليه نزوته كما في موارد أخری بعد الواقعة المزبورة كما هو مذكور في كتب السير والمغازي والتاريخ.
المحاور: ما معني صلاة الله سبحانه وتعالي علی النبي محمد وآله الأطهار (صلوات الله وسلامه عليهم)؟.
الشَّیْخ السَّنَد: قال صادق آل محمد (صلوات الله عليه) في تفسير قوله تعالی: (إِنَّ اللّهَ وَ مَلائِكَتَهُ یُصَلُّونَ عَلَی النَّبِیِّ يا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَیْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِیماً) (1)، قال: الصلاة من الله عَزَّ وَجَلَّ رحمة ومن الملائكة تزكية ومن الناس دعاء وأما قوله عَزَّ وَجَلَّ: (عَلَیْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِیماً ) فإنه يعني التسليم له فيما ورد عنه فصلاته تعالی علی نبيه هي رحمته وإنعامه وأفضاله عليه.
المحاور: أريد أن أسأل عن معني (البراق) وما هي صفاته؟ مع إرفاق المصادر والمراجع التي استندتم عليها في الإجابة؟.
الشَّیْخ السَّنَد: روي علی بن إبراهيم القمي صاحب التفسير بسند صحيح عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: «جاء جبرئيل وميكائيل وأسرافيل بالبراق إلی رسول الله(صلي الله عليه و آله) فأخذ واحد باللجام، وواحد بالركاب، وسوّي الآخر عليه ثيابه، فتضعضعت البراق فلطمها جبرئيل(عليه السلام) ثم قال لها: أسكني يا براق فما ركبك نبي قبله، ولا يركبك بعده مثله قال فرقت به(صلي الله عليه و آله) ورفعته أرتفاعاً ليس بالكثير ومعه جبرئيل(عليه السلام) يريه
1) (1) سورة الأحزاب: الآية 56.
الآيات من السماء والأرض»(1).
وروي الصدوق بإسناده عن عبد الرحمن بن غنم قال: «جاء جبرئيل(عليه السلام) إلی رسول الله(صلي الله عليه و آله) بدابة دون البغل وفوق الحمار رجلاها أطول من يديها خطوها مدّ البصر فلما أراد النبي(صلي الله عليه و آله) أن يركب امتنعت فقال: جبرئيل انه محمد فتواضعت حتی لصقت الأرض قال فركب فكلما هبطت ارتفعت يداها وقصرت رجلاها وإذا صعدت أرتفعت رجلاها وقصرت يداها فمرّت به في ظلمة الليل علی عير في أول العير فنفرت العير من دفيف البراق»(2).
وروي العياشي عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «إن جبرئيل(عليه السلام) أتي بالبراق إلی النبي(صلي الله عليه و آله) وكان أصغر من البغل وأكبر من الحمار مضطرب الأذنين في حوافره خطوته مد البصر»(3).
وروي الخصيبي في (الهداية الكبري) بإسناده عن الصادق(عليه السلام) إن رسول الله(صلي الله عليه و آله) قال لقريش: «... حتی ركبت علی البراق وقد أتاني به جبرئيل(عليه السلام) وهو دابة أكبر من الحمار وأصغر من البغل وخطوتها مد البصر فلما صرت عليه وصعدت إلی السماء...»(4).
وروي العياشي عن أبي عبدالله(عليه السلام) في تشريع الأذان في المعراج وان
جبرئيل أتاه(صلي الله عليه و آله) : «.. فأيقظه وأمره أن يغتسل به ثم وضع في محمل له ألف ألف لون من نور ثم صعد به حتی أنتهي إلی أبواب السماء»(1).
وفي كتاب صحيفة الإمام الرضا(عليه السلام)، عنه(عليه السلام): «قال رسول الله(صلي الله عليه و آله) سخّر لي البراق وهي دابة من دوّاب الجنة ليست بالطويل ولا بالقصير فلو أن الله عَزَّ وَجَلَّ أذن لها لجالت الدنيا والآخرة في جرية واحدة وهي أحسن الدواب لوناً»(2).
وفي روضة الواعظين في حديث عن رسول الله(صلي الله عليه و آله) في صفة البراق: «وجهها كوجه الإنسان وخدها كخد الفرس عرقها من لؤلؤ مسموط وأذناها زبرجدتان خضراوان وعيناها مثل كوكب الزهرة يتوقدان مثل النجمين المضيئين لها شعاع مثل شعاع الشمس منحدر عن نحرها الجمان منظمومة الخلق طويلة اليدين والرجلين لها نفس كنفس الآدميين تسمع الكلام وتفهمه وهي فوق الحمار ودون البغل»(3).
فتحصل أنها دابة جسمها من مادة لطيفة أخروية نورانية ومن ثمّ خواصها في الحركة تختلف عن الجسم المادي الثقيل الغليط الدنيوي، وإذا كان بعض المواد الفيزيائية الدنيوي كبعض الطاقات اللطيفة كالنور والقوة الجاذبة بين الأجسام وغيرها تختلف خواصها عن المواد الغليظة كالتراب والمعادن فكيف بما هو ألطف من النور الحسي الفيزيائي ومن كل طاقات
المادة الفيزيائية الدنيوية وقد ثبت أخيراً عند علماء التجربة من علم الأثير أن حركة الروح بالبدن المنامي بسرعة لا تقاس مع حركات المواد الفيزيائية اللطيفة.
المحاور: من صلي بالناس جماعة حين إشتد المرض بالنبي(صلي الله عليه و آله)؟
وما هي الأحاديث أو الروايات الدالة علی ذلك؟.
الشَّیْخ السَّنَد: لم يستخلف النبي(صلي الله عليه و آله) أحداً للصلاة جماعة بالناس حينما اشتد مرضه، إلا أن عائشة أبتدرت الموقف لصالح أبيها فنسبت إليه طلب صلاة أبي بكر بالناس فقام يصلي بالناس، فوصل نبأ ذلك إلی مسامع النبي(صلي الله عليه و آله) فطلب من علي(عليه السلام) والفضل بن العباس أن يعيناه علی الحركة، فجاء إلی المسجد متكئاً عليهما وأبعد أبا بكر عن المحراب وصلي بالناس جماعة، ثم أخفي أبا بكر نفسه حيث لم يكن قد أذن له النبي(صلي الله عليه و آله) بالتخلف عن جيش أسامة وقد ولّي أسامة الجيش علی أبي بكر وعمر وبقية أصحاب السقيفة، وكل هذا الحدث تجده في كتاب بحار الأنوار في أحداث وفاة النبي(صلي الله عليه و آله) نقلها عن العديد من المصادر التاريخية والروائية.
المحاور: هل صحيح أن الرسول(صلي الله عليه و آله)، كان أمياً، أي لا يعرف القراءة ولا الكتابة؟.
الشَّیْخ السَّنَد: قد وصف القرآن الكريم الرسول بالأمي، وقد فسّر هذا الوصف تارة بأن معناه المنسوب إلی أم القري وهي مكة المكرمة كما
جاء في قوله تعالی: ( لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُري ) (1)،وأخری بأنه لم يتعلم القراءة والكتابة من أحد أي لم يكتسب تعلمهما من معلم بشري، وثالثة بضميمة الثاني أنه لم يمارس القراءة والكتابة في حياته، وعلي المعنيين الأخيرين ليس المراد عدم معرفته للقراءة والكتابة، بل أن معرفته لم تكن كسبية من تعليم وتعلم بشري بل كانت لدنية منه تعالي.
المحاور: هل كان الرسول(صلي الله عليه و آله) يعلم الغيب واذا كان يعلم فما هي خواص ذلك الغيب وما فرقه عن غيب الله وما تفسير الآية الكريمة: (وَ لَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَیْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَیْرِ وَ ما مَسَّنِیَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاّ نَذِیرٌ وَ بَشِیرٌ لِقَوْمٍ یُؤْمِنُونَ) (2)، وماذا عن باقي الأئِمَّة(عليهم السلام) لهم ذلك ايضاً وما فرقه عن الرسول؟.
الشَّیْخ السَّنَد: قال تعالی: ( اللّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَیُّ الْقَیُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَ لا نَوْمٌ لَهُ ما فِی السَّماواتِ وَ ما فِی الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِی یَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ یَعْلَمُ ما بَیْنَ أَیْدِیهِمْ وَ ما خَلْفَهُمْ وَ لا یُحِیطُونَ بِشَیْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاّ بِما شاءَ وَسِعَ كُرْسِیُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ لا یَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَ هُوَ الْعَلِیُّ الْعَظِیمُ (3)، وقال تعالی : (عالِمُ الْغَیْبِ فَلا یُظْهِرُ عَلي غَیْبِهِ أَحَداً) (4)، من رسول، وقال تعالی: (وَ ما مِنْ غائِبَةٍ فِی السَّماءِ وَ الْأَرْضِ إِلاّ فِی كِتابٍ مُبِینٍ) (5)، وقال تعالی: (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِیمٌ* فِی كِتابٍ مَكْنُونٍ لا یَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ تَنْزِیلٌ مِنْ رَبِّ
اَلْعالَمِینَ) (1)، وقال تعالی: (وَ یَوْمَ نَبْعَثُ فِی كُلِّ أُمَّةٍ شَهِیداً عَلَیْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ جِئْنا بِكَ شَهِیداً عَلي هؤُلاءِ وَ نَزَّلْنا عَلَیْكَ الْكِتابَ تِبْیاناً لِكُلِّ شَیْءٍ وَ هُديً وَ رَحْمَةً وَ بُشْري لِلْمُسْلِمِینَ) (2)، وقال تعالی : (بَلْ هُوَ آياتٌ بَیِّناتٌ فِی صُدُورِ الَّذِینَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَ ما یَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ الظّالِمُونَ) (3)، فهو تعالی يظهر علمه لمن شاء ولمن أرتضي من رسول وللمطهرين أهل آية التطهير ويمسس كتابه المحيط بغائبة السماء والأرض يمسسه المطهرين ويودعه فِی صدور الذين أوتوا العلم من هذه الأمة وهم المطهرون.
أما الفوارق بين علم الله تعالی وتعليمه للرسول فإن علمه تعالی أزلي ذاتي واستعلام وأطلاع النبي(صلي الله عليه و آله) مخلوق للباري، وأن علمه تعالی محيط وما يعلمه النبي(صلي الله عليه و آله) محاط من قبله تعالی: (وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِی عِلْماً) ، فإن لله اسما مستأثراً لم يخرج منه إلی غيره كما وردت به الروايات، وإن الله عالم بذاته المقدسة ولايكتنه مخلوق ذات الباري وغيرها من فوارق صفات الخالق عن صفات المخلوق.
أما الآية فمورد نزولها كما قيل أن أهل مكة قالوا يا محمد ألا يخبرك ربك بالسعر الرخيص قبل ان يغلو فتشتريه فتربح فيه وبالأرض التي تريد أن تجدب فترتحل منها إلی أرض قد أخصبت فانزل الله هذه الآية: (قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِی نَفْعاً وَ لا ضَرًّا إِلاّ ما شاءَ اللّهُ وَ لَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَیْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَیْرِ وَ ما مَسَّنِیَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاّ نَذِیرٌ وَ بَشِیرٌ لِقَوْمٍ یُؤْمِنُونَ) (4)، فواضح من
سياق النزول أن أهل مكة كان سؤالهم أقتراحاً مادياً يرتبط بالمعيشة والرفاه حسب مشتهيات الغرائز للرغد والبطر وعلم الغيب لايستخدم لمثل هذا ولا يوظف في مثل هذه الأغراض وليس من هدف أرسال الرسول هو نعيم الماديات بل الغرض هو هداية البشر إلی السعادة الأخروية ونجاتهم من الشقاء
الابدي هذا غرض الرسالة في الدرجة الاولي فالباري تعالی لم يطلع نبيه علی الغيب لكي يستجيب للمقترحات المادية والمشتهيات الغرائزية بل لينذر الناس من عذاب الآخرة إن عصوا ويبشرهم بالجنة إن أطاعوا، فتبين أن الآية ليست في سياق نفي أطلاع الرسول علی تعليم الله تعالی له من علم الغيب وانما هي في صدد نفي توظيف علم الغيب للمنافع والمضار المادية الدنيوية، ألا تري أن النذارة والبشارة بتفاصيل عالم البرزخ والآخرة وصفات البارئ والقرآن كلها من علم الغيب، ولكن من علم الغيب الذي يهدف للهداية والسعادة الاخروية ويسوق نظام الحياة الدنيوية للخلاص الأخروي، لا للخلود في الدنيا.
ونظير هذه الآيات بقية الآيات التي يتوهم أن ظاهرها نفي أطلاع الرسول علی ما علمه البارئ من علم الغيب ولكن المراد منها هو ما ذكرناه في هذه الآية.
المحاور: إن أبناء السنة يقولون أن سورة عبس وتولي قد نزلت تعاتب الرسول الأكرم (عليه وعلي آله أفضل الصلاة والتسليم)، بينما الطائفة الشيعية تنفي ذلك وتقول إن سبب النزول هو عندما عبس عثمان
أبن عفان في وجه عبدالله أبن مكتوم وكل ما أطلبه منكم هو تزويدي بالمصادر السنية والشيعية التي تثبت نزول السورة أو الآية في عثمان أبن عفان.
الشَّیْخ السَّنَد: أما المصادر الشيعية المتضمنة لنزول الأية في عثمان فأكثر التفاسير الشيعية كتفسير (التبيان) للطوسي، و(مجمع البيان) للطبرسي، و(البرهان) للسيد البحراني، و(نور الثقلين) للحويزي، و(تنزيه الأنبياء) للسيد المرتضي، وقد أستدلوا مضافاً إلی الروايات عن أهل البيت (عليهم السلام) الذين هم الثقل الثاني الذين أمرنا بالتمسك به في الحديث النبوي المتواتر والمطهرون بنص القرآن وهم سفينة نوح، أستدلوا أيضاً بقوله تعالی: (وَ إِنَّكَ لَعَلي خُلُقٍ عَظِیمٍ (1)، فكيف يصفه تعالی بذلك وهو يستخف ويستهين بالمؤمن الفقير لكونه أعمي وكذلك قوله تعالی: (فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِیظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ) (2).
وضمير المفرد المخاطب قد ورد في سور عديدة يراد بها غيره(صلي الله عليه و آله) كما في سورة القيامة: ( فَلا صَدَّقَ وَ لا صَلّي وَ لكِنْ كَذَّبَ وَ تَوَلّي ثُمَّ ذَهَبَ إِلي أَهْلِهِ یَتَمَطّي أَوْلي لَكَ فَأَوْلي ثُمَّ أَوْلي لَكَ فَأَوْلي ) (3)، فابتدأ بصورة المفرد الغائب ثم بصورة المفرد المخاطب عدولاً من الغيبة إلی الخطاب في ضمير المفرد كما في
سورة عبس وكذلك في سورة المدثر انه: (فَقُتِلَ كَیْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَیْفَ قَدَّرَ ثُمَّ نَظَرَ ثُمَّ عَبَسَ وَ بَسَرَ ثُمَّ أَدْبَرَ وَ اسْتَكْبَرَ فَقالَ إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ یُؤْثَرُ إِنْ هذا إِلاّ قَوْلُ الْبَشَرِ سَأُصْلِیهِ سَقَرَ وَ ما أَدْراكَ ما سَقَرُ) (1)، فإنه تعالی أبتدأ بضمير المفرد الغائب في عبس وبسر ثم في الأخير عدل إلی ضمير المفرد المخاطب مع أن المراد في هذه الآيات من سورة المدثر هو الوليد بن المغيرة المخزومي، فصرف كون الضمير مفرد مخاطب لا يدل علی كون المراد به النبي(صلي الله عليه و آله) في الأستعمال القرآني.
أما مصادر أهل السنة والجماعة فقد طعن غير واحد منهم في الروايات الواردة لديهم في كون مورد نزولها النبي(صلي الله عليه و آله)، ففي فتح القدير 386 :5 قال: (قال ابن كثير فيه غرابة وقد تكلم في أسناده، وفي سنن الترمذي الجزء الخاص بالتفسير 432 :1، قال: قال أبو عيسي هذا حديث غريب، وحكي الآلوسي في روح المعاني 38 :30 عن القرطبي ذهابه إلی أن عبد الله بن أم مكتوم مدني ولم يجتمع بالصناديد المذكورين في تلك الروايات من أهل مكة). هذا مع أن أسانيدها غير تامة ولا تخلو من طعن.
وذكر القرطبي في أحكام القرآن 213 :19، قال: قال علماؤنا ما فعله أبن أم مكتوم كان من سوء الأدب لو كان عالما بإن النبي(صلي الله عليه و آله) مشغول بغيره
1) (1) سورة المدّثر: الآية 19 - 27.
وأنه يرجو إسلامهم ولكن الله تبارك وتعالي عاتبه حتی لا تنكسر قلوب أهل الصفّة ونقل أن أبن أم مكتوم دافع قائده لما أراد أن يكفه عن مشاغلة النبي(صلي الله عليه و آله)، أي فهو ينقل أن طرفاً ثالثاً كان في مسرح الواقعة وهذا ما تشير إليه روايات أهل البيت(عليهم السلام) أنها نزلت في عثمان وأبن أم مكتوم وكان أبن أم مكتوم مؤذناً لرسول الله(صلي الله عليه و آله) وكان أعمي فجاء إلی رسول الله(صلي الله عليه و آله) وعنده أصحابه وعثمان عنده فقدّمه رسول الله(صلي الله عليه و آله) علی عثمان فعبس عثمان وجهه وتولّي عنه فأنزل الله: (عَبَسَ وَ تَوَلّي) (1)، يعني عثمان: ( أَنْ جاءَهُ الْأَعْمي وَ ما یُدْرِیكَ لَعَلَّهُ یَزَّكّي ) (2)، أي يكون طاهراً زكياً أو يذكر قال يذكّره رسول الله(صلي الله عليه و آله): (فَتَنْفَعَهُ الذِّكْري) (3)، ثم خاطب عثمان فقال: (أَمّا مَنِ اسْتَغْني فَأَنْتَ لَهُ تَصَدّي) (4)، قال أنت إذا جاءك غني تتصدي له وترفعه: (وَ ما عَلَیْكَ أَلاّ یَزَّكّي) (5)، أي لا تبالي زكياً كان أو غير زكي إذا كان غنياً: (وَ أَمّا مَنْ جاءَكَ یَسْعي) (6)، يعني أبن أم مكتوم: (وَ هُوَ یَخْشي
فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهّي) (7)، أي تلهو و(تلتفت إليه) كما جاء في تفسير القمي
لعلي بن إبراهيم، ومما يدلل علی يد الوضع في الروايات الواردة لديهم انها نزلت في النبي(صلي الله عليه و آله) هو أن الآيات تحكي خلقا مستمراً لمن تخاطبه بصيغة الجملة الفعلية والفعل المضارع الدال علی الأستمرار لا قضية واحدة في واقعة ويأبي الخلق النبوي العظيم أن تكون صفته وخلقه المستمر ان يرغب في التصدي إلی الأغنياء ويتنفر ويصد ويلهو عن الفقراء فذيل الآيات صريح في أستمرار هذا الخلق السيء في المخاطب بالآيات.
مع أن رواياتهم تزعم أنه قضية واحدة في واقعة لم تتكرر ولم تكن صفة وخلقاً فلا تتوافق مع لسان الآيات، ولذلك أعترف الآلوسي منهم 39 :30 (روح المعاني) أن ضمير الغيبة في عبس دال علی أن من صدر عنه ذلك غير النبي(صلي الله عليه و آله) لِإنَّهُ لا يصدر عنه(صلي الله عليه و آله) مثله.
وأما دعواهم أن لسان سورة عبس هو نظير ما ورد في سورة الكهف والأنعام من قوله تعالی: (وَ اصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِینَ یَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَ الْعَشِیِّ یُرِیدُونَ وَجْهَهُ وَ لا تَعْدُ عَیْناكَ عَنْهُمْ تُرِیدُ زِینَةَ الْحَیاةِ الدُّنْیا وَ لا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَ اتَّبَعَ هَواهُ وَ كانَ أَمْرُهُ فُرُطاً) (1)، وقوله تعالی : (وَ لا تَطْرُدِ الَّذِینَ یَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَ الْعَشِیِّ یُرِیدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَیْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَیْءٍ وَ ما مِنْ حِسابِكَ عَلَیْهِمْ مِنْ شَیْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِینَ) (2).
فلسان الآيتين يفترق ببون شاسع مع لسان سورة عبس فإن لسانهما
الإنشاء والأمر والنهي لا الأخبار بوقوع الفعل كما في سورة عبس بل بوقوع أستمرار الفعل والصفة المذمومة، وبالتالي فإن لسان الإنشاء متعارف في الأستعمال القرآني هو من باب إياك أعني وأسمعي يا جارة نظير قوله تعال: (وَ لَقَدْ أُوحِیَ إِلَیْكَ وَ إِلَی الَّذِینَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَیَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِینَ) (1).
أي أن المراد الجدّي من الخطاب هو عموم الناس تحذيراً وإنذاراً لهم.
المحاور: هل كان النبي(صلي الله عليه و آله) يقول في الآذان: «أشهد أن علياً ولي الله»؟ أرجو الإجابة السريعة لأن هناك نقاش عقائدي حول الموضوع؟.
الشَّیْخ السَّنَد: قد روي في كتاب (الإصابة في تمييز الصحابة) في ترجمة كُدَیْر الضبي أنه كان يذكر الوصي والوصاية بعد الشهادتين في تشهد الصلاة وقد كان من صحابة الرسول(صلي الله عليه و آله) كما حكي عن العلامة المراغي، وهو من علماء السنة في القرن السابع في كتابه (السلافة في أمر الخلافة) أن سلمان وأباذر أذّنا وقالا في الأذان (أشهد ان علياً ولي الله) فأعترض عليهما الصحابة وشكوهما إلی رسول الله(صلي الله عليه و آله) فأجابهم(صلي الله عليه و آله): «كذلك، أو نسيتم قولي يوم غدير خم: من كنت مولاه فعلي مولاه؟ فمن نكث فإنما ينكث علی نفسه»(2).
وقد روي العامة في طرقهم روايات نبوية عديدة كما رصدها كتاب ملحقات (إحقاق الحق) للسيد المرعشي+ تضمَّنت تلك الروايات إقتران الشهادات الثلاث في أعمدة العرش والكرسي واللوح والقلم والسماوات،
وتلك الروايات عنه(صلي الله عليه و آله) دالة بالتعريض والإيماء الشديد علی حثه الرسول(صلي الله عليه و آله) علی أمره بقرن الشهادات الثلاث في سائر الموارد والأذكار العبادية.
المحاور: ما هو أول شيء فعله الرسول في المدينة وكيف آخي بين المهاجرين والانصار؟.
الشَّیْخ السَّنَد: صلّي الرسول(صلي الله عليه و آله) أول دخوله في موضع قبا لقبيلة بني عمر وبن عوف وبني لهم مسجد قبا وأول ما صنع(صلي الله عليه و آله) في المدينة بناء مسجده بعد أن شري الارض له.
المحاور: ما هي نصيحتكم لنا عند قرائتنا للسيرة النبوية الشريفة؟.
الشَّیْخ السَّنَد: من المهم في قراءة السيرة النبوية هي قراءتها من خلال روايات أهل البيت(عليهم السلام) اي نقرأ كتب السير مع تلك الروايات كي نلتفت إلی الحلقات المفقودة التي أسقطت في سلسلة أحداث التاريخ وننتبه إلی التدافع بين مجرياته مع أسقاط تلك الحلقات بخلاف الحال مع الوقوف عليها ونعرف بذلك الكثير من الإخفاء وتزوير الحقايق في سيرته(صلي الله عليه و آله).
عكس
عكس
عكس
عكس
عكس
عكس
عكس
عكس