ماوراء الفقه جلد 5

ghaemiyeh.com

اشارة

عنوان‌: ماوراء الفقه / محمد صدر

ناشر: دار الأضواء

مکان نشر: لبنان - بیروت

زبان: عربی

موضوع:فقه جعفر، قرن 14، مسائل مستحدثه

زبان:عربی

تعداد جلد:10ج

اشاره

ماوراء الفقه / محمد صدر

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِیمِ و له الحمد

کلمة الناشر

نقدم للقارئ الکریم الجزء الخامس من موسوعة ما وراء الفقه لمؤلفه العلامة آیة اللّه السید محمد الصدر حفظه اللّه و نحن سعداء بهذه الموفقیة لطبع هذا الکتاب الذی هو فتح فی علم الفقه نسأله أن یوفقنا لطبع بقیة الأجزاء لیکمل الدورة عشرة أجزاء و منه نستمد العون،و نکرر الحمد و الشکر للّه لأن وفقنا لطبع هذا الکتاب موضع تقدیر علمائنا الأعلام و قد تناولوه بید التقدیر و الإکبار.

جعفر هادی الدجیلی 22 جمادی الأول سنة 1416 ه‍ المصادف 16 تشرین الأول 1995 م

کتاب الإیداع

اشارة

تمهید

یعنی مفهوم الإیداع بالمعنی العام،تصرّف الفرد بشیء من أموال غیره بإذنه أو بدون نهیه علی الأقل.

و ذلک یشمل عدة موارد من حیث أن بقاء الشیء عند غیر مالکه أما لمجرد الحفظ و الصیانة عن التلف فهو الودیعة.و أما أن یکون مأذونا بالتصرف فی العین باستقلالها فهو العاریة أو الاستعارة.و أما أن تکون العین تحت الید و مأذونا بها باعتبار معاملة أخری،لا باستقلالها، کالإجارة و المضاربة،أعنی الأموال التی تکون تحت الید باعتبارها.

و أما أن لا یکون المالک معهودا أو مسبوقا أو عالما بوجود العین عند غیره.فإن کانت معلومة المالک فهی الأمانة الشرعیة.و إن لم تکن کذلک فهی اللقطة.

و سنعقد بعونه سبحانه فصلا لهذه العناوین السابقة،ما عدا ما کانت العین تحت الید باعتبار المعاملات المختلفة کالإیجار،کما قلنا.و یندرج فیما ینبغی أن یندرج فی هذا الکتاب من الفصول الآتیة:الودیعة و العاریة و الأمانة الشرعیة و اللقطة.

و بالرغم من أن الفقهاء فرقوا بین العناوین:الأولین و الأخیرین، باعتبار کون الأولین من قسم المعاملات أو العقود،بخلاف الأخیرین.

فإنها لا تعنی علی الأغلب غیر بقاء العین عند غیر مالکها.بالرغم من ذلک فإننا استطعنا هنا فی التقسیم المشار إلیه أن ندرج العناوین السابقة کلها فی مفهوم عام واحد.

و بعد الالتفات إلی فهم الفقهاء یمکن إیجاد التقسیم کما یلی:أن العین تقع فی ید غیر مالکها أما بمعاملة و أما بدونها.و ما کان بمعاملة فأما أن تکون المعاملة علی العین باستقلالها أو باعتبارها ملازمة لنتائج أخری.

وجود المعاملة المستقلة علی العین أما لمجرد الحفظ لها و هی الودیعة أو بالإذن باستعمالها فهی العاریة.و غیر المستقلة کالایجار و المضاربة.

و وجود العین بدون معاملة فأما مع علم المالک و رضاه أو بدون علمه.و الأول هو الإذن الشرعی بالتصرف.و الثانی فأما أن تکون العین معلومة المالک فهی الأمانة الشرعیة و أما لا تکون فهی اللقطة أو مجهول المالک،و سیأتی الفرق بینهما.

و حیث یمکن إدراج الحدیث عن الإذن الشرعی مع الأمانة الشرعیة.و إدراج الحدیث عن المجهول المالک مع اللقطة،لم تزد الفصول عما قلنا فیما سبق.

فصل الودیعة

الودیعة

عرفها المحقق الحلی (1)

ج‍ 2،ص 136.

بأنها:استنابة فی الحفظ.و لا یبعد أن تکون فقهیا و متشرعیا کذلک.فمثلا لو أراد شخص أن یسافر مدة طویلة کسنة مثلا،و کان یخاف علی بعض أمواله العزیزة عنده.فإنه یودعها عند شخص أمین لیکون نائبا عنه فی حفظ ذلک الشیء و الإشراف علی العنایة به إن لزم الأمر،حتی عود المالک من السفر.فالاستنابة فی الحفظ أمر مفهوم.

و لکن قد یقال:إن مفهوم الودیعة ینطبق فیما دون ذلک.فلو قلنا أنها:دفع المالک ماله لغیره.لم نبتعد کثیرا إذا لاحظنا ما یلی:

أولا:إن مفهوم الاستنابة غیر ضروری الأخذ فی الودیعة.و إن کان یود المالک بلا شک المحافظة علی ماله.و یجب ذلک علی الودعی(و هو من یأخذ العین)و یضمن بالتعدی و التفریط.إلاّ أن المهم من ذلک أنما هو أحکام شرعیة،مترتبة علی الودیعة،و لیست داخلة فی مفهومها.بل أن مفهوم الاستنابة قد لا یخطر فی البال خلال الودیعة أصلا،و مع ذلک فلا شک فی صحتها.

ثانیا:کما أن مفهوم الاستنابة غیر ضروری کذلک الحفظ أیضا،لا ینبغی أخذه فی مفهوم الودیعة،و إنما وجوبه حکم شرعی مترتب علی هذه المعاملة.


1) 1)

ثالثا:إن العقد اللفظی فیها غیر ضروری کأکثر المعاملات الأخری،فإنها تصح بالمعاطاة،فهی مما یکفی فیها مجرد الدفع إلی الآخر.بلا حاجة إلی الالتفات إلی أیة مفاهیم إضافیة.

رابعا:أن مدة الودیعة،غیر مسجلة شرعا،یعنی لا یختلف فیها القلیل و الکثیر.من دقیقة واحدة أو أقل إلی مئة سنة أو أکثر.

و هذا یعنی أنک إن أخذت شیئا من ید صدیقک فی الشارع،لتراه أو لتسأله عن تفاصیله.فإنه یبقی ودیعة عندک إلی حین إرجاعها إلی مالکها و لو بعد دقیقة واحدة.

خامسا:أنه لا دلیل علی لزوم قصد الودیعة فی صدق الودیعة و ترتب أحکامها.کل ما فی الأمر أن المالک أن دفع ما یملکه باختیاره إلی غیره کان ودیعة.و ان کان بغیر اختیاره کان أمانة شرعیة کما سیأتی.

ففی المثال السابق لو دفع الفرد ما فی یده إلی صاحبه لیراه کان ودیعة إلی حین إرجاعه و لو بعد دقیقة،و یشمله أحکامها من عدم لزوم الدفع إلی المالک ما لم یطالب به و غیره.

سادسا:قد یقال:إن من الشرائط المهمة فی الودیعة فقهیا تحدید المدة،و فی حدود ما ذکرناه من الودیعة بالمعاطاة و نحو ذلک،لا یوجد ذلک،فکیف تصح الودیعة.

و جوابه:أنه لا دلیل علی وجوب تحدید المدة فی صحة الودیعة، إطلاقا.و إنما تکون منوطة إما بمطالبة المالک أو بانتهاء المدة إن وجدت.نعم،لو کانت ذات مدة کان الالتزام بها راجحا،لأن من الظلم للمالک تأخیر ما له عنده،کما أنه من الظلم للودعی الاستمرار عنده بعد المدة.

و عدم وجود الدلیل علی المدة،یقتضی عدم کونه حجة.بمعنی أنه من الممکن التأخیر عنه أو التقدیم علیه،بغض النظر عن المسؤولیة الأخلاقیة المشار إلیها.

و أما قوله علیه السلام:المؤمنون عند شروطهم،الذی یقتضی الالتزام بالمدة.فهو و إن کان صحیحا إلاّ أنه بالإمکان القول باستمرار حکم الودیعة إلی ما بعد المدة إذا لم یطالب بها المالک.و تحدید المدة لا یقتضی الوجوب الشرعی و الإلزام الفقهی بالسحب.

سابعا:من المتسالم علیه فقهیا:ان الودیعة من العقود الجائزة من قبل الطرفین:المالک و الودعی(المودع عنده).

فإذا التفتنا إلی ذلک مع کون القواعد الأولیة تقتضی لزوم المعاملات علی العموم،عرفنا أن خروج هذه المعاملة و أمثالها،إنما هو للتسامح فیها عرفا و شرعا،و عدم التحمیل فیها علی أی من الطرفین، بحیث یکون لأی منهما الفسخ متی شاء.

هذا و ینبغی الانتباه إلی مقدار أثر الفسخ فی الودیعة،فلو فسخ الودعی و لم یسلم الودیعة أو فسخ المالک و لم یأخذها.إذن لم ینتج من الفسخ إلاّ ذهاب صورة المعاملة أو العقد الذی کان بینهما.و إلاّ فالودیعة لا زالت مستمرة ما دامت العین عند غیر مالکها.لا یختلف ذلک عن صورة ابتداء الودیعة بالمعاطاة،و یشملها حکمها أیضا.من حیث عدم وجوب التسلیم إلاّ بالمطالبة.

نعم،إذا حصل الفسخ سقط اشتراط المدة.إذا کانت قد ذکرت فی العقد،أو أی شرط مرتبط بالعین کلزوم حفظها فی محل معین دون غیره.

ثامنا:لا شک أن الودیعة تکون بمبادرة من المالک،بمعنی أن یدفعها باختیاره إلی من یرید.و لذا قلنا فی تعریفها:(دفع المالک عینه إلی غیره).

و أما إذا کانت المبادرة من الغیر،بمعنی أن یأخذ مال غیره فیودعه عنده.فهذا العمل لا یخلو:أما أن یکون برضاء المالک أو بکراهته أو بغفلته و عدم علمه.فإن کان راضیا به کفی ذلک فی صدق الودیعة.و هی

ودیعة صحیحة.و ان کان المالک غافلا،کانت أمانة شرعیة،و ان کان مع کراهته فهی غصب و العمل علی حجز المال عن مالکه حرام.

و معه نعرف أنه لا بد فی صدق الودیعة من توفر رضا المالک.

و هذا یکفی.و إن لم یقم حقیقة بدفع العین.لأن الغیر ان أخذها بإذن صاحبها کان کالوکیل فی إجراء الودیعة عنده.و لا ینبغی أن نتوخی فی الودیعة فقیها أکثر من ذلک.

تاسعا:مقتضی التصرف الغالبی عرفا و فقهیا هو کون الودیعة مجانیة.و لکن هذا لا یعنی عدم جواز أخذ الودعی الأجرة علی حفظ العین.بل له ذلک إن شاء.و لا تلتحق الودیعة بذلک فی الإجارة لأن المنفعة لا تکون بذلک للودعی بل للمالک.

فصل العاریة

العاریة

قال عنها المحقق الحلی:و هو عقد ثمرته التبرع بالمنفعة.قال:

و لیس یلازم لأحد المتعاقدین.

أقول:و یسمی المالک معیرا و الآخر:معارا أو مستعیرا و العین عاریة أو معارة.و المعاملة:عاریة أو استعارة.فالعاریة لفظ یطلق علی المعاملة و العین معا.و هو یعطی لغة معنی التوقیت یعنی عدم الدوام و الاستعمال الموقت.و منه أخذ المفهوم الأخلاقی:بأن الدنیا و ما فیها عاریة عند الإنسان(و قریبا ما تسترد العواری).لأنها موقتة الاستمرار لدیه،أو قل:أنه هو موقت الاستمرار لدیها،لا یملک من الدنیا إلاّ مقدار عمره فیها علی أقصی تقدیر.

و لعل العری و التعری،بمعنی نزع اللباس،مأخوذ من مفهوم التوقیت و عدم الاستمرار أیضا.أما من حیث أن الملابس غیر مستمرة علی جسم صاحبها،فإنه ریثما ینزعها.و أما لأن العری نفسه غیر مستمر،فإنه ریثما یلبس ملابسه.و علی کل حال کلاهما حال موقت.

و کل ما فی عالمنا هذا حال موقت و مستعار،و إن بدا لنا أحیانا طویلا أو دائما.

هذا ینبغی الالتفات إلی أمور:

الأمر الأول:فی فرق العاریة عن الودیعة:

الفرق هو أن العاریة تقتضی الأذن فی التصرف دون الودیعة.فإن المستعیر له أن یتصرف و یستفید من العین ما دامت عنده،بخلاف الودعی

فإنه لا یجوز له التصرف فیها،و إنما علیه حفظها لمالکها لا أکثر.

و من هنا ینبثق فرق آخر بینهما:هو أن العین المعارة ینبغی أن یکون لها بقاء مع استعمالها،کاللباس و الفراش.و أما إذا کان الاستعمال متلفا للعین،فلا معنی لإعارته کالطعام،و إنما یکون ذلک بمنزلة الهبة أو البیع ان کان بأجرة.هذا بخلاف الودیعة فإنها لا تشتمل علی التصرف کما عرفنا،أی مما یتلقه الاستعمال و ما لا یتلفه.

الأمر الثانی:فی فرق العاریة عن الإجارة.

قلنا فی الودیعة أنها مما یمکن أن یؤخذ علیها الأجر،و لا تتحول إلی إجارة لأن الفائدة فی الحفظ تعود علی المالک لا علی الودعی.

و هذا بخلاف الاستعارة،فإن الفائدة تکون علی المستعیر دون المالک.

و معنی ذلک أنه ان دفع أجرا إلی المالک کان مستأجرا للعین لا مستعیرا.

فمع الأجر تتحول المعاملة إلی إجارة.إذن،فالاستعارة تتضمن فی مفهومها المجانیة.بخلاف الإجارة،فإنها تتضمن فی مفهومها دفع الأجر.و أما الودیعة،فهی من هذه الناحیة یمکن أن تکون بأجرة و یمکن أن لا تکون.

و من هنا نعرف معنی قول المحقق الحلی فی التعریف:عقد ثمرته التبرع بالمنفعة.یعنی دفع المنفعة مجانا إلی الغیر.و عدم أخذ الأجرة علیه،کما عرفنا.

الأمر الثالث:فی فرق العاریة عن الأمانة الشرعیة.

قلنا فی الودیعة،أنها تختلف عن الأمانة الشرعیة من حیث قصد المالک لکون العین عند غیره أو رضاه بذلک.و أما عدم جواز التصرف فی العین فمأخوذ فیهما معا.

و هذا هو الذی تختلف به الأمانة عن العاریة أیضا.

أولا:إن العاریة تتضمن دفع المالک لماله عن رضا،بخلاف الأمانة،فإنها قد تحصل مع غفلة المالک و عدم علمه.

ثانیا:إننا إن کنا متعبدین فقهیا بالعقد اللفظی،کما علیه مشهور المتقدمین من الفقهاء،فالودیعة و العاریة تحتاج إلی عقد،دون الأمانة، فإنها دائما خالیة عنه.

ثالثا:إن العاریة تتضمن جواز التصرف.بخلاف الأمانة و الودیعة، فإنها تتضمن عدم جواز التصرف.

الأمر الرابع:إن دفع المالک ماله إلی غیره،و قصد استفادته به لا مجانا،فمعنی ذلک أنه قصد الإجارة.فلو دفعها بعنوان الاستعارة لم تصح.و لو التزم المالک بالاستعارة تماما،کان ملتزما ضمنا أو صراحة بالمجانیة.

و لا حاجة مع استعمال مفهوم الاستعارة فی المعاملة،إلی التصریح بالمجانیة،لأنها تتضمن ذلک بالتأکید.

الأمر الخامس:قال المحقق الحلی:العاریة أمانة لا تضمن إلاّ بالتفریط فی الحفظ أو التعدی أو اشتراط الضمان.و تضمن إذا کان ذهبا أو فضة و إن لم یشترط إلاّ أن یشترط سقوط الضمان.

أقول:و هذا کله صحیح.و قد عرفنا معنی التعدی و التفریط فی الفصل الذی عقدناه لهما.و لا یوجد فی الودیعة استثناء الذهب و الفضة کالعاریة.

و لا بد من الألماع إلی أنه یعد من التعدی أو التفریط،الاستعمال الخارج عن المتعارف لدی العرف.و یجب الاقتصار فی الاستفادة من العین المستعارة علی الحدود المتعارفة عرفا إلاّ باشتراط الزیادة علی ذلک أو الاستئذان من المالک بعد المعاملة.و أما بدونه،فالتصرف الزائد من التعدی،فیکون موجبا للضمان.و إن لم تبطل المعاملة بل تکون عاریة مضمونة.

و معنی الضمان هنا:أنها إذا نقصت أو تلفت وجب علیه دفع

الخسارة.و أما إذا لم تنقص و توفق المستعیر إلی دفع العین سالمة، فلیس علیه شیء.

و المتعارف فی الثوب الملبس و فی الفراش الجلوس علیه،و فی الأرض الزرع فیه و هکذا.فلو جلس علی الثوب بدل لبسه أو مشی علی الفراش بنعله،کان متعدیا ضامنا.

الأمر السادس:لا بد من تحدید زمن الاستعارة من أول المعاملة.

و لیس للمالک سحب الإذن بالتصرف فی العین خلال المدة ما دام راضیا بالاستعارة إلاّ أن یفسخها.

فإذا انتهت المدة،تحولت العین إلی أمانة لا یجوز فیها التصرف إلی حین إرجاعها إلی صاحبها.إلاّ أن یأذن المالک بصراحة أو بالفحوی.

و لیس للمدة مقدار محدد.و لکن من ناحیة الزمان القلیل،لا بد أن تکون المدة کافیة للتصرف المطلوب.فلو استعار أرضا للزرع بمدة یوم واحد،لم یصح.

و أما من ناحیة طول المدة فلا تحدید له،فقد تستمر مئات السنین، کما لو استعار أرضا لزرع الأشجار،فتبقی الأشجار فیها سنین متطاولة.

أو استعار أرضا للبناء علیها.أو استعار حائطا من الجیران لیبنی سقف بیته علیه،أو متصلا به و هکذا.فإن هذا کله من الاستعارات الطویلة الأمد.

الأمر السابع:لا یجب ذکر الاستعمال فی عقد الاستعارة،أو عند الاتفاق علیها.فلو لم یذکر الاستعمال أو لم یذکر نوعه،جاز.و لو استعار العین و لم یستعملها جاز أیضا.نعم،لو استعارها بشرط استعمال معین و تجاوزه إلی غیره کان ضامنا،بالمعنی الذی أشرنا إلیه.

و لو اتفقا علی الاستعمال،فیجب أن یکون المتفق علیه،استعمالا عرفیا و شرعیا.فلو لم یکن استعمالا عرفیا بطلت الاستعارة کلبس الثوب

دقیقة واحدة.و لو لم یکن استعمالا شرعیا بل کان محرما بطلت المعاملة أیضا.

نعم،لو اشترط فی أول المعاملة استعمالا غیر متعارف للعین، و وافق علیه المالک،جاز و صحت المعاملة،کما سبق أن مثلنا بالجلوس علی الثوب بدل لبسه و غیر ذلک کثیر.فإنه إنما یحرم علی المستعیر بدون اذن المالک أو الشرط.فإن اشترط المستعیر أو أذن المالک جاز.

الأمر الثامن:الاستعارة کالودیعة،جائزة الفسخ من الطرفین متی شاءا.فهی من العقود الجائزة لا من العقود اللازمة.

و هذا یعنی،کما علّقنا فی فصل الودیعة ابتناء المعاملة علی التسامح فیها عرفا و شرعا،و عدم ابتنائها علی التحمیل القسری علی أی من الطرفین.

و هذا مستمر فی الاستعارة إلاّ فی صورة واحدة،و هی ما إذا کان نقض الاستعارة و فسخها مؤدیا إلی الإضرار بأموال المستعیر.و هذا یظهر بوضوح فی ما ذکرناه و مثلنا له من الاستعارات الطویلة الأمد.

فلو استعار أرضا و بنی فیها أو غرس فیها أشجارا،و هو عازم علی الاستمرار سنین متطاولة.فجاء المالک و فسخ الاستعارة بعد مدة قصیرة نسبیا،الأمر الذی قد یلزم منه هدم دار المستعیر أو قلع أشجاره لم یصح ذلک.

و حل ذلک شرعیا و فقهیا أحد أمرین:

الأمر الأول:إن المالک إذا فسخ الاستعارة،کان للطرفین تجدید المعاملة إما مجانا أی الاستعارة.و أما بأجرة.و هی الإجارة.فإن المالک عادة إنما یتصرف مثل هذا التصرف مطالبا بالمال.فللمستعیر أن یدفع له الأجرة و یجدد معه إجارة بدل الاستعارة.

الأمر الثانی:إن المالک لیس له أن یطالب بإزالة البناء أو الزرع،

و رفض تجدید الاستعارة و الإجارة،إلاّ بالأرش،و هو التعویض عما یصیب المستعیر من الضرر الاقتصادی.فإن ضمن له التعویض جاز له الفسخ و إلا فلا.

و هذا الحکم ثابت ان کان الفسخ خلال المدة المشترطة.و کانت المدة متطاولة بحیث تتحمل البناء و زرع الأشجار.

و أما لو کانت المدة المشترطة قصیرة نسبیا،کسنة واحدة،و مع ذلک بادر المستعیر و بنی البیت أو غرس الأشجار.فهنا یکون الذنب ذنبه،و هو المتعدی علی الأرض،بمعنی أنه سیجعل المالک فی ورطة عند انتهاء المدة.و مقتضی القاعدة جواز الفسخ و المطالبة بالتخلیة من قبل المالک علی کل حال،بل لعل التعدی یکون صادقا منذ بدیة بتأسیس الدار و قبل اکتمالها لعلمه بدوامها فی الأرض أکثر من المدة المشترطة بکثیر.الأمر الذی یجعله ضامنا للأرض المستعارة،فیما یحدث فیها من خراب،و انقاض.

الأمر التاسع:إنه کما یمکن استعارة المال أو العین.کذلک یمکن استعارة العمل.أو قل:إن کل ما یمکن إجارته یمکن استعارته، و کلاهما کما یمکن فی العین یمکن فی العمل.

و استعارة العمل تکون فیما إذا کان العمل مملوکا للفرد.و أما إذا لم یکن کذلک فلا.تماما کالعین غیر المملوکة لا یجوز إعارتها،کذلک العمل غیر المملوک لا یجوز إعارته.

و تتحقق ملکیة العمل فی ثلاث موارد.و فی غیرها لا یکون العمل مملوکا.

المورد الأول:عمل العبد المملوک مملوک.فلمالک العبد أن یرسل عبده لیعمل لغیره أی عمل ممکن و جائز،کما یعمل لمولاه.و یکون هذا بالنسبة إلی صاحب العمل من قبیل استعارة العمل.و هو قد استعار العمل من مالکه و هو مالک العبد،لا من العبد نفسه.فإنه لو استأجر العبد کان مالک الأجرة هو المولی لا العبد أیضا.

المورد الثانی:العمل المستأجر.فلو أجر أحدهم شخصا علی عمل معین ملک العمل،و کان له استیفاؤه بنفسه أو دفعه إلی غیره.فمثلا لو استأجر شخصا علی الفلاحة فی الأرض لمدة شهر مثلا بأجرة،و لم تعین فیها الأرض نفسها.کان له استعمال العامل فی أرض نفسه أو أرض غیره.فلو دفعه للعمل فی أرض صدیقه أو ولده مثلا،مجانا،کان من إعارة العمل إلی الغیر.

فإن کان فی هذه الإعارة ما ینافی الإجارة الأصلیة،کما لو اشترط فیها أرضا معینة،فی المثال،لم تجز الإعارة،إلاّ برضاء العامل.أو فسخ الإجارة السابقة و تجدید إجارة أخری علی المواصفات الجدیدة.

و من هنا یمکن أن نلتفت أنه یندرج فی إعارة العمل.أن تستأجر عاملا للعمل لمصلحة غیرک علی أن تدفع أنت الأجرة.فیکون ذلک العمل بالنسبة إلی الآخر مجانیا بمعنی استعارة العمل.

المورد الثالث:عمل الفرد الحر نفسه.فإنه کما له إیجار نفسه للقیام بأی عمل،کذلک له دفعه إعارة،بمعنی بذله إلی شخص آخر مجانا.و نحن کل ما نقوم به من قضاء حاجات الآخرین داخل أسرنا أو خارجها یندرج تحت هذا العنوان.

کل ما فی الأمر أن هذه استعارة معاطاتیة لا باتفاق و عقد.

و تتضح فکرة استعارة عمل الحر،إذا طلب شخص عمله،أو مساعدته مجانا.أو کان المفروض عرفا أن یکون هذا العمل مجانیا.

فکما أن استعارة العین تکون بطلب المستعیر عادة،کذلک استعارة العمل تکون بطلبه أیضا.

الأمر العاشر:الطرف الأساسی فی الاستعارة أو العاریة هو المالک،و هو الذی بیده الإیجاب و إن کان بنحو المعاطاة.و من المستعیر القبول.

و أما العکس،فهو انما یتحقق مع العقد اللفظی،و لا یتصور تحققه بالمعاطاة.فلو تحقق باللفظ فقال:استعرت منک هذه العین،کان هذا من تقدم القبول علی الإیجاب.فقیها و عرفا.

فإن تقدم القبول لا یعنی أن یقول قبلت قبل الإیجاب،بل لا یجوز ذلک و لا یعقل.و إنما معناه تقدم الحدیث عن إیجاد المعاملة من قبل الطرف الذی لا یکون رئیسیا و موجبا عرفا و شرعا.فیکون کلامه کالإیجاب صورة إلاّ أنه قبول واقعا.

فهذه هی الموارد التی یکون الفرد فیها مالکا للعمل،بحیث یکون له إجارة و إعارته.

و أما بدون ذلک،کما لو أجبره أحدهم شخصا(حرا)علی العمل لغیره،فهو اعتداء محرم.و أما لو طلب منه فرضی بالعمل المجانی.

فالمعیر هو صاحب العمل،(العامل)و لیس الذی طلب منه و المستعیر هو صاحب العمل:(المعمول لأجله أو لمصلحته).

و من أدلة ذلک:أن الأجرة لو کانت مطلوبة فی مثل ذلک لکان العامل هو الذی یستحقها و لیس الذی طلب منه العمل،و إن کان رئیسه فی الدائرة أو المعمل أو کان والده أو أخوه،ما دام حرا و غیر قاصر.

فصل الأمانة الشرعیة

اشارة

الأمانة الشرعیة

و هی المال الذی یکون عند غیر مالکه بدون إذن منه و لا غصب أو بلا رضا و لا کراهة.

فإن الإنسان أما أن یکون عالما ملتفتا إلی أن ماله تحت ید غیره.

و أما أن یکون غافلا جاهلا به.و أما أن یکون قاصرا لا دخل لعلمه و جهله فی صحة المعاملات.

کما أن وجود العین تحت ید الغیر،قد یکون بإذن و قد یکون غصبا و قد لا یکون مندرجا تحت هذین العنوانین،فهی لا اذن و لا غصب،بل حالة ثالثة،سوف نوضحها عما قریب.

و عرفنا لغیر القاصر حالتان هما العلم و الجهل،فإذا ضربناهما بالحالات الثلاث للعین کانت الأقسام ستة فإذا أضفناها لحالة القاصر یکون التقسیم سباعیا:

أولا:أن یکون الفرد عالما بوجود ماله عند غیره و راضیا به.و هو الأذن(من الناحیة الفقهیة).

ثانیا:أن یکون الفرد عالما بذلک و کارها له.و هو الغصب(من الناحیة الفقهیة).

ثالثا:أن یکون الفرد عالما بذلک و مهملا له أو قل:متناسیا لا یهتم بوجوده و عدمه و لا یقدم علی أی عمل تجاهه لمدعی إهماله إیاه.

و هذه هی الحالة الوسطی بین الرضا و الغضب أو بین الأذن و الغصب.

فیما إذا کان المالک عالما ملتفتا إلی وجود ماله تحت ید غیره.

رابعا:أن یکون المالک غیر ملتفت إلی ذلک،أو غیر عالم به.

و لکن مصلحته و حاله مفهوم عرفا،بحیث أنه لو التفت إلی ماله ذاک لرضی ببقائه عند الآخر.لأنه صدیقه مثلا.و هو ملحق بالأذن،من الناحیة الفقهیة.و یسمی بإذن الفحوی.

خامسا:أن یکون المالک غیر ملتفت و لا عالم،و لکن حاله العرفی یقتضی الکراهة و الغضب لو التفت إلی واقعه فهذا ملحق بالغصب من الناحیة الفقهیة.

سادسا:أن یکون المالک غیر ملتفت أو غیر عالم بذلک،و لم یکن له حال معین،یعنی أن هذا الذی وقعت العین تحت یده لا یعلم حال المالک أولا یستطیع السؤال منه.

و هذه أیضا حالة وسطی بین الرضا و الغضب أو الأذن و الغصب و لکن فی صورة غفلة المالک و جهله.

سابعا:فیما إذا کان المالک قاصرا کالصغیر و المجنون،و کانت بعض أمواله تحت ید غیره و غیره ولیه.

إذن ینتج من هذا التقسیم عدة أمور:

الأمر الأول:أن الأمانة الشرعیة تتحقق فیما سمیناه الحالة الوسطی بین الرضا و الکراهة،حین لا تکون العین غصبا و لا مأذونا بها من قبل المالک.فتکون مشمولة لحکم الأمانة الشرعیة.

الأمر الثانی:ان هذه الحالة الوسطی تتحقق فی صورة علم المالک و جهله،و غیر خاصة بصورة جهل المالک.و إن کانت أغلب فی صورة الجهل بلا إشکال.

الأمر الثالث:أنه عند تحقق علم المالک.یکون العین تحت ید غیره،لا یدور أمره بین الرضا و الکراهة،بل له حالة ثالثة هی الإهمال.

فإن الرضا و الکراهة حالتان نفسیتان لیس بالضرورة أنه لا ثالث لهما أو لا یمکن ارتفاعهما.

الأمر الرابع:أنه عند تحقق جهل المالک بالواقع المشار إلیه، یمکن أن تکون العین مشمولة لحکم الرضا أو حکم الکراهة.و لا لحکم الأمانة الشرعیة،و ذلک فیما إذا کان حال المالک معلوما فی أنه لو علم فما ذا یکون رأیه و موقفه.و هذا ما سموه بالإذن الضمنی أو الالتزامی أو اللاشعوری.یقابله هذا المعنی من الکراهة.

الأمر الخامس:ان حکم الأمانة الشرعیة فی صورة علم المالک تتحقق مع العلم بإهماله لماله.و فی صورة جهل المالک یتحقق فی صورة جهل الفرد المؤتمن بحال المالک عرفا و رأیه علی تقدیر التفاته.

و إنه هل یرضی أو یغضب أو یهمل.

الأمر السادس:هذا الذی ذکرناه الآن هو مستوی نظری أردنا به حصر مورد الأمانة الشرعیة.و أما من الناحیة العملیة،فإن موارد الأمانة الشرعیة عدیدة نذکر أهمها:

المورد الأول:حصول العین فی ید الغیر نتیجة لمعاملة سابقه قد انتهی أمدها.کالإیجار أو الاستعارة إذا انتهی أمدها،و کالبیع إذا تم فسخه و لم یکن یعلم هذا الفرد برضا المالک باستمرار العین عنده.إذن تبقی عنده بنحو الأمانة الشرعیة،التی سوف نتعرض إلی حکمها.

المورد الثانی:اللقطة المعلومة المالک لو صح التعبیر.کما لو وجدت کتاب صدیقک فی موضع غیر مناسب بحیث یضیع علی مالکه لو بقی علی حاله فأخذته عنده حفاظا علیه ریثما ترجعه إلی مالکه.

المورد الثالث:اللقطة المجهولة المالک،و التی سنتعرض إلیها فی الفصل الآتی.و التی یجب تعریفها لمدة سنة.فهی خلال السنة تکون لدی الفرد بنحو الأمانة الشرعیة.

المورد الرابع:المال المغصوب إذا تاب الغاصب أو اللص،و هو الآن مقتنع تماما علی إرجاع المال.و لم یستطع إلی الآن إرجاعه طال الزمان أم قصر.فهو عنده بنحو الأمانة الشرعیة،لو صدقت نیة التوبة منه.

و الفرق هنا بین حال الغصب و حال التوبة،لا یظهر،کما هو معلوم فقهیا،إلاّ فی ضمان أعلی القیم.إذ یمکن استصحاب هذا المعنی إلی ما بعد التوبة.فیضمن أعلی القیم حتی فی زمان التوبة.إلاّ أن هذا مخدوش کبری و صغری.

أما الکبری،فلأن ضمان أعلی القیم مبنی علی ضرب فی الاحتیاط،و لیس علیه دلیل بالخصوص.و دلیله موکول إلی الفقه.

و أما صغری:فلأن صدق الغاصب علیه بعد صدق توبته،غیر معلوم،بل معلوم العدم عرفا.فلا یدخل تحت الدلیل المدعی لضمان أعلی القیم:و هو أن الغاصب یؤخذ بأشق الأحوال.و لا یمکن استصحاب عنوان:الغاصب بعد ارتفاعه عرفا و جزما.

المورد الخامس:الأموال المملوکة للقاصر إذا لم یستطع إرجاعها إلی الولی و لا الاستئذان منه.أو ریثما یعمل الفرد ذلک.

و هذا أوضح فی صورة تجدد القصور عند زمان نفوذ معاملة صحیحة منوطة بعدم القصور فی صحة استمرارها.کما لو أودع شخص ماله عند آخر،و حصل له الجنون أو الموت،خلال سریان المدة المشترطة.و کذلک فی الاستعارة و المضاربة و الوکالة و نحوها مما یزول أثره بالقصور الناتج عن الجنون أو السفه أو الموت.

ففی مثله بالرغم من سریان المدة المشترطة،فإن المعاملة تبطل، و تبقی العین أمانة شرعیة بید الفرد،کالوکیل و عامل المضاربة و الودعی و غیرهم.

فهذا هو أهم موارد الأمانة الشرعیة.و فیها تصدق الحالة الوسطی التی تکلمنا نظریا عنها فی أول الفصل،إلی جانب القصور،کما هو غیر خفی علی نباهة القاری الکریم.فإن تطبیق الفکرة علی هذه الموارد المتعددة یقتضی مزیدا من الحدیث لا حاجة إلیه الآن.

حکم الأمانة الشرعیة:

حکمها الرئیسی وجوب إرجاع العین إلی مالکها أو ولیه أو وارثه فورا ففورا.یعنی یجب أن یرجعها فورا فإن عصی ذلک أو تعذر علیه وجب علیه مرة أخری فی الزمان الذی یلی أن یرجعها فورا أیضا، و هکذا.و یجب التمهید لذلک بالفحص أو السفر أو نحوه مما هو ممکن و غیر متعذر من المقدمات.

و ذلک لأن رضا المالک ببقائها عند هذا الفرد الحائز لها غیر محرز،فیجب إرجاعها و إن کانت الکراهة غیر محرزة،لأن المالک أحق بعینه و ماله علی أی حال.و مقتضی التبادر العرفی رغبته بوصولها إلیه، و إن لم یدل دلیل علی کراهته الفعلیة ببقائها بعیدا عنه.

و حکم الإرجاع هذا یستمر مؤبدا فی غیر اللقطة إذ لا یجب الاستمرار فی الفحص و محاولة الإرجاع فیها أکثر من سنه.و أما فی غیرها فلا یقطع وجوب الإرجاع إلاّ الیأس الکامل من وجدان المالک إن حصل،أو إرجاعها الفعلی إن أمکن.

و من أحکام الأمانة الشرعیة:

أولا:إن من بیده العین أمین علیها،من قبل الشارع المقدس،لا من قبل المالک،و من هنا سمیت أمانة شرعیة.بإزاء الأمانة المالکیة التی تکون فی موارد أخری،حین یحرز إذن المالک بالبقاء.

ثانیا:إن حکم الأمین فی هذا المورد،ککل مورد،أنه لا یضمن إلاّ بالتعدی و التفریط.فلو تلفت العین عنده أو نقصت بدون التعدی و التفریط لم یضمن.و إن فرّط بها أو اعتدی علیها فنقصت أو تلفت ضمن.

ثالثا:یجب علیه المحافظة علیها کالحفاظ علی أمواله.بل أکثر أحیانا،کما أشرنا إلی حالات مماثلة فی فصل سابق.فإن قصّر عن ذلک عمل حراما و حکم بالضمان.بمعنی ما أشرنا إلیه فی الفصل السابق:أنه

یضمن الخسارة لو حصل فیها التلف أو النقص.و أما لو بقیت علی حالها بعد التفریط و لم تتغیر،عمل عملا حراما بالتفریط،و لا یضمن الخسارة.

رابعا:یجب الوصیة بها،بمعنی تنبیه الورثة علیها،لو کانت هناک دلائل للموت کالمرض الشدید أو السفر الخطر،أو السفر الطویل لعدة سنوات،أو نحو ذلک.و لا یجوز إهماله مع الالتفات،لأنه قد یؤدی إلی جحودها علی مالکها من قبل الورثة.و خاصة إذا کانوا جاهلین بها أساسا.

و هذا حکم شامل للأمانة الشرعیة و الأمانة المالکیة معا.و هو خاص بصورة عدم علم الورثة.فلو کانوا عالمین بالحال مع حیاة مورثهم،فلا یجب تنبیههم ثانیا.

فهذا هو الحدیث عن الأمانة الشرعیة،و قد وعدنا فی التمهید لهذا الکتاب الفقهی،أن نتحدث فی هذا الفصل عن الإذن الشرعی.و قد تحدثنا عنه ضمنا لأنه لا یعنی إلاّ إذن المالک لغیره بالتصرف فی بعض أمواله،سواء کان هذا مقترنا بمعاملة ساریة المفعول کالعین المستأجرة أو المستعارة،أو غیر مقترن بها،و هی الأمانة المالکیة.بل هذا الاصطلاح شامل لکلا الموردین عرفا و شرعا.إذن،فهذا المقدار من الحدیث عن الإذن کاف فی أغلب الظن.

فصل اللقطة

اشارة

اللقطة

و هی من الالتقاط،إذ وجد شیئا علی الأرض فأخذه.فإن کثیرا من الملقوطات هی کذلک،أعنی أشیاء صغیرة متناثرة قد توجد فی محالها، فیمیل الفرد إلی التقاطها و أخذها.

و المهم اقتصادیا هو الحدیث عن التقاط المال،فنقدم الحدیث عنه أولا.ثم نتحدث عن لقطة الحیوان،فإنه و إن کان مالا إلاّ أنه یتمیز ببعض الأحکام.ثم نتحدث عن التقاط الطفل.

لقطة المال

.

المال الملتقط أما أن یکون الدلیل قائما علی أن مالکه قد أعرض عنه.و أما أن لا یوجد ذلک،بل یکون مقتضی الإحراز أو الاستصحاب هو بقاء الملکیة.

و بتعبیر أوسع:إن المال الملتقط:أما أن نحرز أو نظن أنه من المباحات العامة بحیث لم یسبق علیه ملک.و یکفی احتمال ذلک، لجریان استصحاب عدم الملکیة لأی أحد و إما أن نحرز کونه مملوکا.

فإن أحرز کونه مملوکا فیما سبق،جری التقسیم السابق.و هو إحراز الأعراض و عدمه.و مع افتراض عدمه،فإما أن نحرز رضا المالک (محددا کان أو غیر محدد)و أما أن لا نحرز رضاه ببقاء المال عند الملتقط.و مع عدم إحراز الرضا فأما أن نعرف صاحبه و لو فی ضمن جماعة محددة أو لا نعرف صاحبه علی الإطلاق.و هذا القسم الأخیر هو المال المسمی باللقطة فقهیا و الذی سنعرف أحکامه.

و أما أحکام الأقسام الأخری باختصار فکما یلی:

أولا:إن کان المال الملتقط من المباحات العامة.أمکن للملتقط نیة التملک علیه.فیدخل فی ملکه و یأخذه.و یکفی فی ذلک ظن کونه من المباحات کما قلنا.و یکفی فی حدوث هذا الظن الدلائل الخارجیة المحسوسة فی وضع الشیء و مکانه و غیر ذلک،کالخشبة فی الغابة أو الصخرة فی الصحراء.

ثانیا:إن أحرزنا کون المال مملوکا فیما سبق.و لکنا أحرزنا أن المالک قد أعرض عنه.و الصحیح أن الأعراض مُخرج للمال عن ملکیة المالک.فمن حق من التقطه أو أخذه أن ینوی التملک علیه.

و إحراز الإعراض إما یکون باعتراف المالک أو بقیام الخبر الثقة علیه.أو قیام الدلائل علیه کالطرح فی المزابل أو الحیوان السائب الذی یکون علی حاله دلالة علی تعمد اسابته.و لکن ینبغی أن تصل الدلالة إلی حد الوثوق أو الاطمئنان.

ثالثا:إذا علمنا أن المال مملوک و غیر معرض عنه،إلاّ أن المالک یرضی بتصرف الملتقط به.فیمکن له أن یتصرف فیه حسب مقدار إحراز الرضا.

و هذا یتم فی الأغلب،عند معرفة المالک بالتعیین.أو فی مجموعة نعلم منهم جمیعا الرضا.و قد یتیسر ذلک مع جهل المالک تماما،مع وجود دلائل علی الرضا کائنا من کان المالک.کما لو کانت الدلائل دالة علی أن الطعام موضوع للإطعام العام،أو للالتقاط العام أحیانا.فمن التقط شیئا منه کان له بلا أشکال.

رابعا:إذا وجدنا ما لا نعرف صاحبه و لو فی ضمن جماعة محدودة،و لم نحرز رضاه.إذن یجب علینا أن نرجعه إلی صاحبه،بلا إشکال.فإن لم نعینه بذاته وجب علینا السؤال و العمل بالشکل الذی یدلنا علیه.

و إذا انتفت کل هذه الأقسام کان المال المأخوذ لقطة بالمعنی الفقهی،و یشمله حکمها.

و بذکر هذه الأقسام نعرف أنه لیس کل مال ملتقط مشمول لحکم اللقطة:بل قسم خاص منه هو ما ذکرناه.و سنعرف أن عددا من الروایات دالة علی حکم الالتقاط مع الأعراض.فلا تکون شاملة لمحل الکلام.

مجهول المالک:

لا شک أن اللقطة المصطلحة مجهولة المالک.و هناک من المال ما یصطلح علیه فقهیا بمجهول المالک.فما هو الفرق بینهما.

یمکن تلخیص وجوه الفرق بینهما فیما یلی:

الوجه الأول:إن اللقطة لها مالک محدد و مجهول،بحیث لو بحثنا عنه لوجدناه.فی حین أن المال مجهول المالک لیس له مالک محدد،بل هو مصطلح علی المال المجتمع من أناس کثیرین علی غیر الوجه الشرعی.و لیس هم فقط مجهولون،بل لا یمکن التعرف علیهم بل إنهم أنفسهم لا یعرفون أن لهم حصة فی هذا المال أم لا.و من هنا أمکن التعبیر أن مالکه غیر محدد.

الوجه الثانی:إن اللقطة کانت ضائعة علی غیر توقع مالکها.فی حین لا یصدق ذلک علی المجهول المالک،بل دفعه أصحابه العدیدون باختیارهم فی معاملات عدیدة غیر صحیحة شرعا.

الوجه الثالث:إن الملتقط وجد هذا المال علی غیر توقعه.فی حین لا یصدق ذلک علی المجهول المالک من حیث أنه وجده مع الانتباه إلی أنه یحتمل فی أی حال أن یکون مجهول المالک.

الوجه الرابع:إن المال المجهول المالک لا یصل إلی الفرد عادة إلاّ بمعاملة ما،و أما اللقطة،فلا تصل بمعاملة و إنما یجدها الفرد لأول

مرة-من ضیاع.ثم قد تباع بعد ذلک.

الوجه الخامس:إن اللقطة قسم من المال مجهول المالک.بمعنی أن هذا الاصطلاح عام لعدة أقسام من المال منها:اللقطة،و المال الحلال المختلط بالحرام،أعنی:نسبة الحرام الموجودة فیه.و الأموال المتداولة فی المؤسسات العامة و غیر ذلک.

و إنما خصت اللقطة بأهمیة باعتبار عزل حکمها شرعا عن سائر أشکال المجهول المالک و استقلالها بحکم خاص.

و علی أی حال،فهذه الوجوه کلها نظریة لیس لها عملیا أثر فی الفتوی فی شمول حکم مجهول المالک إلی اللقطة أو العکس،أو عدمه.

فإن الارتکاز الفقهی و المتشرعی کاف فی التمییز بینهما.و قد تصلح هذه الوجوه کأسباب لتبریر هذا التمییز.و لعل أرجحها هو الوجه الأول ثم الوجه الأخیر.

و ینبغی أن نلتفت إلی أن مفهوم المال المجهول المالک،لا یشمل الأموال ذات الملکیة العامة شرعا.کالزکاة المملوکة للفقراء عموما أو نصف الخمس المملوک للفقراء الهاشمیین و کالأرض المفتوحة عنوة المملوکة لأجیال المسلمین،و الخراج المملوک للدولة و غیر ذلک.

فإن هذه الأموال و نحوها معلومة المالک،غیر أن المالک لیس هو فرد محدد بل عنوان عام.و لیس المالک هو مجموع من یندرج تحت العنوان،یعنی کل الفقراء مثلا.بل الکلی القابل للانطباق علی واحد فأکثر.هذا إذا قلنا بالملکیة لا کون العنوان مصرفا.و الکلام فیه موکول إلی محله.

و المهم أن نقطة الفرق:أن الأفراد فی مجهول المالک،مالکون فعلا،و إن کانوا مجهولین.و أما فی الأموال العامة،فلیس الفرد مالکا و إنما هو مصداق للمالک و هو العنوان العام.

و ینتج عن ذلک فرق عملی،من الناحیة الفقهیة.و هو أن الأموال

العامة إذا أوصلتها إلی أی فرد یصدق علیه العنوان،کهذا الفقیر مثلا، فقد وصل المال إلی مالکه أو مستحقه یقینا.و أما إذا أوصلت شیئا من المال المجهول المالک إلی أی فرد بعینه أو مجموعة أفراد.لا تستطیع أن تقول نفس الشیء،بل إن کثیرا من هذا المال لم یصل إلی مالکه، لأن هذا الفرد إن کان یملک جزءا من هذا المال،فهو یملک کسرا ضئیلا جدا منه،قد یکون واحدا بالملیون،و أما الباقی فهو ملک غیره من الأفراد.

و تنشأ العمومیة من المال المجهول المالک،و التی تشبه من بعض الجهات العمومیة فی ملکیة الأموال العامة.تنشأ هذه العمومیة من کون الأفراد المالکین له کثیرین و موزعین بین الناس و مجهولین.بخلاف عمومیة الأموال العامة:فإنها ناشئة من تعلق الملکیة بالعنوان العام کالفقراء أو الهاشمیین.

و بتعبیر آخر:یوجد علم إجمالی متعلق بمالک لمجهول المالک.

بأنه بعض الأفراد فی هذا الشعب.و لا یوجد مثله فی الأموال العامة.

حکم اللقطة:

و هو حکم فقهی لا مجال له هنا،و لکنا نشیر إلیه باختصار.و هو أن یعلن الفرد الملتقط عن لقطته بعنوان عام تارکا الأوصاف التفصیلیة.

فیقول بین الناس:وجدت مالا أو دراهم أو ذهبا أو متاعا و نحو ذلک.

فإن وجد من أعطی الأوصاف أعطاه إیاه.

و إن لم یجد استمر علی هذا الإعلان یومیا أو أسبوعیا و نحوه،إلی أن یحصل له الیأس من وجدان المالک.فإن حصل الیأس،کان له الانقطاع عن الإعلان و التعریف.و لکن یجب الانتظار إلی عام کامل من حین الالتقاط.فإن انتهی العام و لم یأت المالک.کان للملتقط أن ینوی التملک علی هذا المال.فإن صادف أن جاء المالک بعد ذلک،لم یجب علیه دفعه إلیه أو غرامة قیمته له بعد أن کان قد طبّق الحکم الشرعی علیه.و إن کان ذلک هو مقتضی الاستحباب أو الاحتیاط الاستحبابی.

حکم مجهول المالک:

إذا حصل فی الید شیئا من المال المجهول المالک،فلا یجوز له استعماله و التصرف فیه،و إلاّ اشتغلت ذمته بمقداره لأولئک المالکین المجهولین،و هو المسمی برد المظالم.

و إنما یحل التصرف بمجهول المالک،فیما إذا قبضه ولی أولئک المالکین المجهولین،أو قبضه الفرد بالوکالة عن ذلک الولی ان کان له مثل هذه الوکالة.و هی متوفرة فی عصرنا الحاضر علی أی حال.

فإذا نوی التملک له،ملکه،و جاز له التصرف فیه کأمواله.و یشمله حکم ممتلکاته،کوجوب الخمس و وجوب الحج به و جواز التصرف فیه.

حکم الالتقاط:

بالنسبة إلی الأموال الضائعة التی لا دلیل علی کونها من المباحات و لیس علیها علامة الإعراض،کما سبق.فإنها إن التقطها الفرد،کانت لقطة فقیها.إلاّ أن التقاطها مکروه شرعا.و منهی عنه نهیا أخلاقیا تنزیهیا.

و السر فی ذلک مصرح به فی الروایات المعتبرة،و هو أن هذا المال قد سقط فی بعض المارة لا محالة.فإن بقی فی محله و لم یأخذه أحد التفت صاحبه قریبا،و رجع إلیه و أخذه.و أما إذا التقطه الآخرون فإنهم سوف یتسببون بحرمان المالک منه و لو موقتا إلی أن یعلنوا عنه فیأخذه.

و هناک مانع نفسی آخر:و هو أن الفرد المتشرع یعلم أنه لا یستطیع أن یتملک هذا المال الملتقط و إنما علیه أن یعرّف عنه و یعلن بین الناس لمدة سنة.إذن فأخذ هذا المال و التقاطه سوف یورطه بعناء طویل هو فی غنی عنه.و خیر له أن یوکل هذا العناء إلی غیره ممن یتورط فی التقاطه.

طبعا هذا إذا لم یرجح التعرف علی المالک و سرعة الإرجاع إلیه.

و مقتضی القاعدة عدم جواز إرجاع اللقطة إلی محلها،أو إعطائها

إلی شخص آخر یطبق علیها الحکم الشرعی،بقناعته و استقلاله،لا بالنیابة عن الملتقط.بل یجب علی الملتقط نفسه أن یطبق علیها الحکم الشرعی.و هی أمانة شرعیة عنده لا تضمن إلاّ بالتعدی و التفریط.

نعم لو تعدی أو فرط و اشتغلت ذمته به،کان له الاستمرار بالتعریف.فإن لم یجد المالک و انتهی العام.أمکنه احتساب الدین لنفسه و العزم علی عدم دفعه إلی المالک.فهو یقبض الدین،لو صح التعبیر، کما یقبض العین،حال وجودها.

نعم،للملتقط أن یدفع العین إلی الولی العام بصفته ولیا عن المالک الغائب أو المجهول.لکن یجب علی هذا الولی القیام بواجب الفحص حتی الیأس.فإذا مرت سنة أمکنه تملکها،أو التصدق بها.

موارد اللقطة:

یمکن تعداد موارد اللقطة أعنی أسباب حدوثها بما یلی:

أولا:أن یجد الفرد شیئا ضائعا من صاحبه فی شارع أو بریّة أو بحر أو أی مکان.ما لم یکن فی مکان مملوک فیجب أن یبدأ الملتقط بالسؤال من المالک.

ثانیا:أن یجد الفرد شیئا ضائعا فی مکان مملوک کالدار أو البستان أو المحل التجاری.و مع ذلک ینکره مالک المحل أو لا یعطی أوصافه.

ثالثا:أن یتوب اللص،فیخاف أن یرجع المال إلی صاحبه،فیدفعه إلیک،و أنت لا تعرفه علی الإطلاق.

رابعا:أن یتوب اللص عن السرقة أساسا و عنده من الأموال الشیء الکثیر التی لا یعرف أصحابها.

خامسا:أن یتوب المرابی أو أی فرد کان ملتزما بتجارة محرمة کبیع الخمور أو الأجور علی اللهو المحرم أو غیرهما.فیکون عنده من الأموال الحرام الشیء الکثیر.

و هذا الموردان الأخیران و إن کانا من مجهول المالک،و یشبهان اللقطة فی الفکرة الفقهیة.إلاّ أن لها حکما معینا.و ملخصه:أن مثل هذا الفرد ان لم یعلم أن الحرام فی أمواله أکثر من الخمس.یجب علیه دفع الخمس و یکون الباقی محللا له.و إن علم زیادة الحرام علی الخمس وجب أن یدفع مقدار القدر المتیقن منه.فلو کان الحرام مرددا بین 60% أو 70% لم یجب علیه أکثر من النسبة الأقل.و یعطیه أما إلی الفقراء أو إلی ولیهم العام.

سادسا:من موارد اللقطة:أن یحصل الولی العام علی مثل هذا المال من الملتقط.و ینبغی الالتفات إلی أنه لا فرق فی هذه الأقسام بین النقود و الحیوانات و المأکولات و سائر أنواع الأموال،و لا بین قلة (1)

إلا أن یکون بقیمة الدرهم أو أقل و هو المثقال الشرعی من الفضة،18 قیراطا. فلا یکون مشمولا لحکم اللقطة.

المال الملتقط أو کثرته.

لقطة الحیوان:

من الفقهاء من فرق بین لقطة الحیوان و غیره،فإذا کان المال الملتقط حیوانا أمکن له أخذه بنیة الضمان بلا حاجة إلی تعریف و لا إلی مضی عام.إلاّ أن ما دل علی ذلک من الروایات أما مخدوش سندا و أما دال علی الحیوانات التی علیها علامة الإعراض عنها و ترک أهلها لها.

فهی دلیل علی جواز امتلاک المال المعرض عنه،و لیست من أدلة أحکام اللقطة.إذن،یبقی الحیوان الاعتیادی الملتقط مشمولا لحکم اللقطة أساسا.و الحدیث عن دلیله موکول إلی الفقه.

نعم،لو کان المال الملتقط مما یسرع إلیه الفساد،بمعنی أنه لا یدوم حتی یتم التعریف عنه أو مضی العام.کالأطعمة و الفواکه و المطبوخات و أنواع الخبز.فحکمه هو ما ذکروه فی الحیوان،و هو أن الملتقط ینوی علیه التملک و یستهلکه،و ینوی علیه الضمان،بمعنی أنه


1) 1)

یؤدی ثمنه إلی مالکه إذا جاء فی أی وقت،بلا حاجة إلی تعریف.و هذا یحتوی ضمنا علی وجوب تسعیر المال قبل استهلاکه لتکون القیمة المضمونة محددة.

و لو لم یتم التحدید،لم یجب إلا ضمان الأقل.فلو تردد الأمر بین دینار و دینارین مثلا،لم یجب أکثر من الدینار.و تجری أصالة براءة الذمة عن الزائد.

و لقطة الحیوان تحتوی علی کلفة معینة و هی وجوب إطعامه و إسکانه إلی حین انتهاء التعریف به.و کذلک کل مادة ملتقطة یحتاج الحفاظ علیها إلی صرف المال.فإن بذل هذا المال واجب علی الملتقط.فإن جاء المالک دفع إلیه المال و کان له أخذ الکلفة بحذافیرها.

و إن لم یأت المالک إلی انتهاء السنة أمکنه أخذ العین نفسها،و تکون بدلا عما بذل من المال.

فإن جاء المالک بعد السنة،فإن أعطاه العین،أمکنه استیفاء الکلفة،أو أن یصالحه بالعین نفسها بدلها،ان کانت الکلفة مساویة أو مقاربة لقیمتها.و ان منع العین عنه،و له الحق فی ذلک بعد السنة،لم یکن له أخلاقیا أخذ الکلفة من المالک،و ان کان لها وجه فقهی علی أی حال.

التقاط الطفل:

و أسباب ضیاع الأطفال عدیدة،منها ما یرجع إلی سوء تصرف الطفل نفسه،و منها ما یرجع إلی سوء تصرف الوالدین.و منها کونه ابن زنا و لعله السبب الأغلب.

و لا فرق فی الطفل الملتقط ما دام طفلا،لم یبلغ حد التکلیف، أنثی کان أم ذکرا،فی الشمول للحکم الآتی،سواء کان ممیزا أو غیر ممیز.

أولا:لا یجوز تملکه.و من ثم لا یجوز بیعه أو شراؤه أو هبته أو وقفه.أو أی معاملة مالیة علیه.

ثانیا:لا یجوز تبنیه أی اعتبار الرجل أباه و المرأة أمه.و لا یترتب علی التبنی أی حکم شرعی کالمیراث أو جواز النظر إلی الجنس الآخر أو حرمة الزواج به.بل یبقی الملتقط کما هو أجنبیا لقوله تعالی:

اُدْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ .

ثالثا:إن عرف الطفل أبویه و استطاع الملتقط فهمه من الطفل أو قیام الحجة الشرعیة علی ذلک.وجب دفعه إلی أبویه أو أحدهما أو إیصاله إلیهما بکل وسیلة خالیة من الضرر.

رابعا:یجب إحسان تربیته من المأکل و المشرب و الملبس و التوجیه المعنوی حسب الإمکان ما دام یعیش عند الملتقط.

خامسا:یحرم ترکه بعد التقاطه،إلاّ عند ثقة مأمون یقوم بالحکم الشرعی بدوره.

سادسا:یجب التقاط الطفل ما دام محتاجا إلی المأوی و الطعام و المنام.و لا یجوز إهماله لأنه قد یؤدی إلی موته فیکون قد تسبب الفرد إلی قتله.

سابعا:للملتقط أن یستخدم الملتقط و یحسب خدمته بإزاء مصرفه علیه.سواء کان طفلا أو کبر عنده.لأن هذا الإنسان یکون مسئولا عن کلفة تربیته حتی لو کبر.فإن لم یکن له مال یدفعه إلی ملتقطة،وجب دفع عمله إلیه و هو أما أن یکون فی خدمة أو صناعة أو زراعة أو أی شیء ینفعه به.

ثامنا:إذا لم یعرف الفرد أبویه،فله أن یتولی من یشاء أو أن لا یتولی أحدا.

و التولی منصوص علیه فی القرآن الکریم:فإن لم تعلموا آبائهم فإخوانکم فی الدین و موالیکم.

و لا یکون التولی إلاّ باتفاق الطرفین،فهو معاملة أو عقد غیر اقتصادی بل أخلاقی.یکون الموجب هو الفرد المجهول النسب،و القابل هو الولی(أو من یکون ولیا بعد القبول).و قد کان هذا الأسلوب فی صدر الإسلام منتشرا،بین الناس بالنسبة إلی المجلوبین بالفتح الإسلامی،من الخارج،حیث لا یعرف آباؤهم.

و المهم أن مثل هذا الفرد له أن یتولی من یشاء و له أن لا یتولی أحدا. (فَإِخْوانُکُمْ فِی الدِّینِ) یعنی من لم یتول (وَ مَوالِیکُمْ) یعنی من اختار التولی أو التوالی.و له أن یختار ولی نعمته یعنی الملتقط له، لیکون ولیه أو مولاه.و له أن یختار غیره.و لا یتعین علیه شرعا اختیار الملتقط.

و یترتب علی هذا التوالی حکم ما یسمی(ضامن الجریرة)و الذی یأتی تفسیره فی کتاب المواریث.و أهم ما هناک:هو تحقق الإرث و ضمان الدیة.

فإذا مات المولی(اللقیط)ورثه مولاه أورثته ان کان عندئذ متوفی.

و إذا حصل للمولی جنایة خطأ من قتل أو غیره و وجب دفع الدیة من (العاقلة)عقله المولی،یعنی وجب علیه دفع الدیة عنه.

فالمولی فی الحکم الشرعی یأخذ المیراث و یعطی الدیة.و هو مستدل علیه بدلیل معتبر.و مطابق أیضا للقاعدة القائلة:من له الغنم فعلیه الغرم.

تاسعا:من أحکام اللقیط:أنه یجب علی ملتقطة نفقته و الإنفاق علیه ما دام قاصرا،یعنی حین طفولته أو إذا بلغ قاصرا سفیها أو مجنونا أو تعذر علیه العمل و الاکتساب.و لا یعنی ذلک عدم إمکان احتسابها منه إن أمکن کما قلنا فی الفقرة السابقة.

عاشرا:إذا بلغ اللقیط سویا فینبغی توفیر العمل له و عدم جعله عالة علی المجتمع،أو طرده بلا کفیل.و هذا الرجحان فی توفیر العمل،

قد یرتقی إلی أحد الوجوب إذا تعذر علی اللقیط نفسه وجدان العمل و وقع فی ضرورة من هذه الناحیة.

حادی عشر:إذا مات الملتقط و کان اللقیط طفلا أوصی به،أو دفعه إلی ثقة مأمون قبل الوفاة.

ثانی عشر:إذا مات الملتقط،فی الوقت الذی یکون اللقیط قاصرا أو فی أول عمله التجاری،یستحب له الوصیة له ببعض المال قبل وفاته.

و یخرج من ثلثه.و کذلک یستحب له أن یساعده مالیا فی عمله،بغض النظر عن الموت.

کتاب النیابة

تمهید

اخترنا لهذا الکتاب الفقهی هذا العنوان دون(کتاب الوکالة)کما اختاره المحقق الحلی و غیره.لکی یشمل عدة موارد من صور مشروعیة نیابة الفرد عن الآخر.بحیث تکون الوکالة إحدی مواردها و مصادیقها.

و یمکن تقسیم الموارد علی وجه قریب من الحصر کما یلی:

إن النیابة(منظورا إلیها من ناحیة فاعلها)إما أن تحصل فی الحیاة أو تحصل بما بعد الموت.فالثانی هو الوصایة.و الأول و هو ما یحصل فی الحیاة إما أن یحصل علی فرد أو مجتمع،و الثانی هو الولایة العامة.

و الأول و هو ما یحصل علی فرد فإما أن یکون فی العبادات أو المالیّات من معاملات و غیرها.فالأول هو النیابة فی العبادات و الثانی هو الوکالة بالمعنی الفقهی،و القانونی.

و نؤجل الحدیث عن الولایة العامة إلی کتاب القضاء،و الحدیث عن الوصایة إلی کتاب الوصایا.

و قد ذکرنا النیابة فی العبادات فی فصل تحدثنا فیه عن جواز أخذ الأجرة علی الواجبات.و نذکر الباقی مترتبا کما یلی:الوکالة ثم الولایة الخاصة.

فصل الوکالة

اشارة

الوکالة

قال ابن منظور (1)

لسان العرب [1]مادة: وکل.

:توکل بالأمر إذا ضمن القیام به.و وکلت أمری إلی فلان أی ألجأته(یعنی أمری)إلیه و اعتمدت فیه علیه.و وکل فلان فلانا إذا استکفاه أمره ثقة بکفایته أو عجزا عن القیام بأمر نفسه.و وکل إلیه الأمر:سلّمه.و وکله إلی رأیه و کلا و وکولا:ترکه.

و رجل وکل بالتحریک و وکله مثل همزة و تکله علی البدل و مواکل:

عاجز.کثیر الاتکال علی غیره.

و التوکل:إظهار العجز و الاعتماد علی غیرک و الاسم:التکلان.

و اتکلت علی فلان فی أمری إذا اعتمدته.

أقول:و منه التوکل علی اللّه و التکلان.و هو الاعتماد علیه فی کل الأمور قال سبحانه وَ مَنْ یَتَوَکَّلْ عَلَی اللّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ .و اللّه عز و جل هو الوکیل أی المعتمد و الذی یجب تسلیم کل الأمور إلیه،و الشعور بالعجز أمامه.قال سبحانه فَاتَّخِذْهُ وَکِیلاً .و قال أَلاّ تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِی وَکِیلاً .

فانطبق معنی الوکالة علی اللّه عز و جل تماما کما هو المعنی فی الناس،و لکن بشکل أشد و أوکد.فبدلا من أن أقوم فی أموری بنفسی فإنی أترکها و أعطیها إلی غیری و أعتمد فیها علیه و هو یقوم بها بدلی حین


1) 1)

أکون عاجزا عنها أو لا أکون.و هذا کله منطبق علی اللّه و علی الناس معا.

و معه لا حاجة إلی تفسیر ابن منظور (1)

المصدر نفسه.

لمعنی الوکالة،المنطبقة علی اللّه عز و جل،بحیث تختلف اختلافا جوهریا أو قل:نوعیا،عن مفهومها المنطبق علی البشر.حیث فسر الوکیل:بالمقیم و الکفیل و الرازق و الکافی.و کلها صفات منطبقة علیه سبحانه و تعالی.و لکنها بعیدة عن معنی الوکالة.و إنما هی مفهوم یتضمن معنی الاعتماد و ترک الأمور إلیه سواء کان تجاه اللّه أو تجاه الناس.

و من الدعاء:اللهم لا تکلنی إلی نفسی طرفة عین أبدا.أی لا تجعلنی أعتمد علی نفسی،و تکون هی التی تتحکم فی أموری و تصرفاتی.و کذلک الدعاء:اللهم إلی من تکلنی؟إلی الشیطان فیضلنی أو إلی نفسی فتغوینی أو إلی الآخرین فیخذلونی.و هو من الاعتماد علی هذه الأشیاء و الالتجاء إلیها و ترک التصرفات إلیها دون اللّه سبحانه و تعالی.و من هنا قوله سبحانه أَلاّ تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِی وَکِیلاً لأنه هو المعتمد و الملجإ فی کل الأمور. لَیْسَ لَکَ مِنَ الْأَمْرِ شَیْءٌ ، قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ کُلَّهُ لِلّهِ ، بِیَدِهِ مَلَکُوتُ کُلِّ شَیْءٍ .

هذا.و لیس للفقهاء اصطلاح فی الوکالة خارج عن هذا المعنی،بل هو نفسه.کل ما فی الأمر أنهم اعتبروها عقدا یکون الموکل فیها هو المالک و الوکیل هو القابل.و بناء علی نفوذ المعاملات بالمعاطاة،یکون هذا الشرط مما یمکن التنازل عنه جزئیا.

و الوکالة بالإجماع من المعاملات الجائزة التی تکون قابلة للفسخ متی شاء أحد الطرفین.و هذا راجع من طرف الموکل إلی أن الوکالة إذن منه بالتصرف عنه،و له أن یسحب الإذن متی شاء بلا اشکال.و أما من


1) 1)

طرف الوکیل فهو غیر ملزم بالاستمرار بالعمل للغیر.فکما له حق أن یقبل أو یرفض لأول مرة،کذلک یستمر الأمر له إلی النهایة.

و قد سکت الفقهاء حسب علمی عن کون عمل الوکیل مجانیا أو بالمال.بل أن الاتجاه التقلیدی إلی کونه مجانیا،لأنه ان کان عملا مأجورا دخل الأمر فی مفهوم الإیجار و خرج عن مفهوم الوکالة.فإذا اعتبرنا إمکان أخذ الوکیل للأجرة،کان علینا أن نفرق بینها و بین الإیجار.

الفرق بین الوکالة و الإیجار:

لا شک أن کل الأعمال المأجورة هی وکالة،بمعناها اللغوی،لأن العامل یأتی بها بدلا عن صاحب المال،و یعتمد صاحب المال فیها علی العامل.فإن اعتبرنا الوکالة المصطلحة مجانیة،کان الفرق هو أخذ الأجرة و عدمها.

و إن أجزنا للوکیل أخذ الأجرة،ففی الإمکان أن نفرق بین شکلین من العمل:عمل إنتاجی و عمل معاملی.و نرید بالعمل الإنتاجی ما کانت له نتائج اقتصادیة کزراعة الأرض و خیاطة الثوب.فإذا کان عملا مأجورا، لم یصطلح علی العامل أنه وکیل.و نرید بالعمل المعاملی قیام الفرد بالاتفاق علی المعاملات و إنفاذ عقودها.فإن قام الغیر به بدل صاحب المال سمی وکیلا،سواء کان عمله مجانیا أو بأجور.

و قد یتوسع الوکیل،حسب إذن صاحب المال،إلی إعمال أخری قد تکون انتاجیة،و لکن المهم فی تسمیته وکیلا،هو العمل المعاملی.

الفرق بین الوکالة و المضاربة:

عرفنا أن عددا من الأعمال یمکن أن یقوم بها الفرد بدلا عن صاحب المال بحصة من الناتج.کالمضاربة و المزارعة و المساقاة.و هو فیها وکیل له بلا شک من الناحیة اللغویة،کما عرفنا تفسیره.إلاّ أنه لا

یسمی وکیلا اصطلاحا لاختصاصه باسم خاص،هو عامل المضاربة و المزارعة.

و معه فالفرق بینه و بین الوکیل،من ناحیتین:

الأولی:اختصاصه باسم معین،بینما مفهوم الوکالة(المأجورة) أوسع منه.

الثانی:اختصاص الوکیل(بالأصل)بمن یقوم بالعمل المعاملی کما أشرنا.فی حین أن عامل المضاربة و أشباهه یکون عمله انتاجیا.

الفرق بین الوکالة و الإذن:

لا شک أن الوکالة تتضمن الإذن،غیر أن الإذن أوسع منها.لأنه یتضمن معنی السماح و الإجازة و الرضا یعنی أن یرضی الفرد لغیره بالتصرف فی أمواله.و هذا کما یصدق فی مورد الوکالة و کذلک فی مورد المضاربة و المزارعة و غیرها.یصدق أیضا فی موارد غیر معاملیة و لا اقتصادیة أساسا،کنقل شیء للغیر أو الأکل من طعام الغیر أو المرور فی أرض الغیر،فإنها و أشباهها لا تکون إلا بإذن أیضا.و إلاّ کانت غصبا و اعتداء.

تصرف الوکیل:

لا بد أن یقتصر تصرف الوکیل فی حدود إذن الموکل.و باختلاف سعة مقدار التصرف المأذون فیه تتسع الوکالة.فقد یکون موردها عملا جزئیا قلیلا.و قد یکون موردها واسعا،بحیث یوکل إلی الوکیل کثیر من التصرفات و الأموال.و یسمی:الوکیل المفوض.و علی أی حال تبقی الوکالة جائزة الفسخ من الطرفین.

و تبطل الوکالة بموت أحدهما،أعنی الموکل أو الوکیل.و هذا مما یقرّه القانون المدنی أیضا.لکن لو مات الموکل أو فسخ الوکالة و لم

یعلم الوکیل تصح تصرفاته إلی حین علمه فإن علم بالفسخ بطلت و خرج عن الوکالة.

و قلنا أن الوکالة فی حیازة المباحات ممکنة،مع قصد الوکیل الحیازة للموکل.

و الوکیل أمین علی المال لا یضمن إلا بالتعدی و التفریط اللذین عرفنا معناهما فی الفصول السابقة.

و لیس للوکیل بعمل أن یوکل غیره فیه،بل یباشره بنفسه،إلاّ مع إذن واضح بذلک أما خلال المعاملة أو بعدها.و إذا وکل شخصا کان وکیلا عن صاحب المال لا عن الوکیل.و من أثر ذلک أنه لو مات الوکیل لم تبطل الوکالة الثانیة.کما أنه لیس من حق الوکیل فسخ الوکالة الثانیة بدون اذن صاحب المال خلال الاتفاق علی الوکالة الأولی أو بعده.و لا یخفی أن الأذن المتأخر یرجع إلی وکالة جدیدة علی مورده.

أمد الوکالة:

و تنتهی الوکالة بأحد أشکال:

أولا:بإنجاز الوکیل العمل المطلوب أو الموکل به.

ثانیا:بالفسخ من أحد الطرفین.

ثالثا:بقیام الغیر بالعمل المطلوب،بحیث لا یبقی مجال للوکیل فیه،کما لو قام به صاحب المال نفسه.

رابعا:انتفاء موضوع الوکالة،کما لو وکله ببیع شیء فتلف أو بطلاق زوجته فماتت.و هکذا.

خامسا:بموت أحد الطرفین:الموکل و الوکیل،کما سبق.

تولی طرفی العقد:

قد یلزم من الوکالة أحیانا هذا المعنی-أعنی تولی طرفی العقد-

کما لو کان الفرد وکیلا مفوضا،فأراد أن یبیع بعض أموال موکله لنفسه أو بعض أمواله لموکله.فیکون بائعا و مشتریا فی نفس الوقت.و هو معنی تولی طرفی العقد.

و هذا و إن استشکل فیه بعض الفقهاء.إلاّ أن المشهور و الصحیح صحته،لکفایة التغایر الاعتباری.یعنی أنه بائع بصفته مالکا و مشتری بصفته وکیلا أو بالعکس.فما دام الاعتبار أو الصفة مختلفة صح العقد.

و یشبهه التوکل فی إجراء الإیقاعات کتوکل المرأة عن زوجها فی طلاق نفسها،و توکل العبد عن مولاه فی إعتاق نفسه.فإن المرأة تکون مطلقة بالکسر و مطلقة بالفتح و العبد یکون معتقا بالکسر و معتقا بالفتح.

و لا ضیر فی ذلک فقهیا و شرعا ما دام الاعتبار و الصفة مختلفة.

و مثله تولی طرفی العقد بالولایة،کالأب أو الجد للأب،لو أراد أحدهما أن یبیع لابنه أو حفیده القاصر أو یشتری منه.و کذلک فی الولایة العامة بالنسبة إلی بعض الأموال العامة،و هکذا.

موارد الوکالة

.

لیست کل تصرفات الفرد مما یقبل الوکالة شرعا و قانونا.فإنما تصح الوکالة فیما یمکن فیه التوکیل دون غیره.

قال المحقق الحلی (1)

الشرائع ج‍ 1،ص 160. [1]

:أما ما لا تدخله النیابة فضابطه:ما تعلق قصد الشارع بإیقاعه من المکلف مباشرة.ثم عدد موارد کثیرة بعضها قابل للمناقشة،کما سنشیر.

و أوضح الموارد التی تجب فیها المباشرة و لا تصح النیابة:العبادات للحی،إلاّ الحج عن العاجز فإنه تجوز النیابة فیه.یشمل ذلک:

الطهارات الثلاث:الوضوء و الغسل و التیمم فلو توضأ شخص عن غیره


1) 1)

لم یصح عنهما معا.و کذلک:الصلاة و الصوم و الاعتکاف و سائر المستحبات العبادیة إلاّ بمعنی إهداء الثواب إلی الحی.

و من الموارد الواضحة فی هذا السبیل:القسم بین الزوجات إذ لا معنی أن یوکله الزوج إلی الأجنبی.و کذلک قضاء العدة للطلاق أو للوفاة.إذ لا معنی للتوکیل فیها.

و عد المحقق من ذلک:الغصب و الجنایة.و هذا واضح أیضا،لأن المسؤولیة تکون علی الفاعل لا علی غیره.إلاّ أن ذلک لا یندرج فی تعریفه لأنه قال:ما تعلق قصد الشارع بإیقاعه من المکلف مباشرة.و من الواضح عدم تعلق قصد الشارع بإیقاعه من أحد فی ذلک.بل تعلق القصد بعدمه لأنه منهی عنه.و کأن قصد المحقق هنا الترکیز علی مجرد المباشرة.و هو صحیح.و إن کان مخالفا لظاهر العبارة.

و عد المحقق منها:الأیمان و النذور و الطهارة و اللعان.غیر أن خروج أمثال هذه الأمور عن إمکان التوکیل یحتاج إلی دلیل خاص.و إلاّ فمقتضی القاعدة جوازه.غیر أن العبارة تختلف خلال إنجاز المعاملة.

فبینما یقصد الفرد بها نفسه،یجب أن ینص الوکیل علی إرادة موکله.

و إلاّ صحت لنفسه أو لم تصح أصلا.

و عد منها:الالتقاط و الاحتطاب و الاحتشاش.و یراد بها حیازة المباحات العامة.و قلنا أنها قابلة للتوکیل،بشرط أن یقصد الوکیل الحیازة لموکله.

نعم،لو أراد بالالتقاط:اللقطة،بالمعنی الذی تحدثنا عنه بالفصل السابق.فهی غیر قابلة للوکالة.بل أن حکم اللقطة یشتمل الملتقط دون غیره و لو قصد الوکالة لم تصح،و لو وکل بها الفرد غیره لم تصح أیضا.

و عد منها:إقامة الشهادة إلا علی وجه الشهادة علی الشهادة.و هذا صحیح،لأن(ید الوکیل کید الأصیل)إلاّ أن لسانه لیس کلسانه و شهادته لیست کشهادته و خبره لیس کخبره.فلو شهد بالوکالة صح بوجه واحد هو الشهادة علی الشهادة.و أما بدونها فلا یصح.

بقی لدینا العبادات المالیة:کالزکاة و الخمس فإن التوکیل فی دفعها جائز.و منها الجهاد علی بعض الفتاوی.

و بقیت لدینا الحدود کقطع ید السارق.فإن التوکیل لإقامتها ممکن،بمعنی توکیل المسروق منه شخصا لقطع ید السارق.و أما العکس.بمعنی توکیل السارق شخصا لکی تقطع یده بدلا عنه.فهذا غیر ممکن.

و یدخل فی ضمن ما هو متعذر بالوکالة أیضا:

الضمان سواء أردنا فیه ضمان الإتلاف أو الضمان المعاملی علی ما شرحناهما فی فصل سابق.

أما ضمان الإتلاف فعلی ذمة المتلف.فلو و کل شخصا لإنجاز مال غیره لم یصح،و لو أتلفه ضمن المتلف نفسه،یعنی الذی یدعی الوکالة،دون الموکل.

و لا ینتقل الضمان بالوکالة إلی ذمة الوکیل من موکله،و إنما ذاک له معاملة خاصة هی معاملة(الضمان)التی عرفناها فی فصل سابق.

و أما ضمان المعاملة کثمن المبیعات،فیضمنه المشتری صاحب المال.فإن و کل شخصا لانجاز البیع أو الشراء،لم یضمن الوکیل الثمن.فالتوکل علی ما فی الذمة غیر ممکن شرعا و عرفا.

و یندرج فی ذلک ذمة المنافع کالاستفادة من الدار المستأجرة أو العین المستعارة.فإنه لا معنی للتوکیل فیه.

فإن إذن المالک و المستأجر أو المستعیر معا لغیرهما کان إذنا جدیدا،لا أن الوکیل یستفید من العین بدل المستأجر.و قد عرفنا فی المضاربة و المزارعة و نحوها،أنه لا یمکن دفعها إلی شخص آخر بدون عمل یقوم بها الأول،و بدون اذن من قبل صاحب المال.

فهذه فکرة عما لا یمکن التوصل إلیه بالوکالة.

و أما ما یمکن التوصل إلیه بالوکالة.فقد قال عنه المحقق

الحلی (1)

الشرائع ج‍ 2،ص 161. [1]

:فضابطه:ما جعل ذریعة إلی غرض لا یختص بالمباشرة.

و معناه:أن المهم هو النتیجة،و لیس المهم فاعلها.فإن کان الأمر کذلک أمکنت الوکالة.

یدخل فی ذلک عموم العقود و الإیقاعات المالیة،کالبیع و الإجارة و الرهن و الوقف و الصلح و الحوالة و الوکالة و النکاح و غیرها کثیر.و کذلک القبض سواء فی قبض أعواض المعاملات أو الصداق أو الدیات أو الزکاة أو الخمس.

و کذلک فی دفع الزکاة و الخمس،و تقسیم سائر الأموال المستحقة للتقسیم أو الصرف فی أی وجه جائز کالجزیة و الخراج و رد المظالم و غیرها.

و کذلک فی الإبراء،و یکون المبرئ حقیقة هو الموکل.و الأخذ بالشفعة.و فی إقامة الدعوی وکیلا عن المدعی أو عن المنکر غیر أن الیمین عنه لا تخلو من اشکال.و قد أشیر فیما سبق أن الإیمان لا تتحمل الوکالة.و هذا شامل لکل أقسامها.

و کذلک الوکالة فی تنفیذ الحکم بعد صدوره من القاضی العادل، کاستیفاء الدین أو إرجاع المال إلی صاحبه أو إقامة الحدود و التعزیرات أو القصاص.و الموکل هنا أما ولی القصاص و أما القاضی نفسه و أما الولی العام العادل،و هذا الأخیر متعین فی تنفیذ حدود اللّه سبحانه،إذ لا یوجد لها مدعی،کحقوق الآدمیین.

فهذا هو أهم الحدیث عما یمکن أن یندرج ضمن موضوع هذا الکتاب من عنوان الوکالة.


1) 1)

فصل الولایة الخاصة

اشارة

الولایة الخاصة

للولی عدة معانی لغویة خارجة عن المصطلح الفقهی.و المهم منها هو أن الولی من له:التصرف و السلطان و التدبیر.و هذا المعنی شامل لکل معانی الولایة الفقهیة.کل ما فی الأمر أن التدبیر فی الولی الشرعی أیا کانت صفته،تدبیر مشروع و مجاز شرعا.

و قد أخذ فی کل معانی الولایة أن یکون المولّی علیه قاصرا.و لا ولایة علی غیر القاصر فقهیا،و ان کانت ثابتة أخلاقیا کما سنشیر.سواء فی ذلک الولایة العامة و الخاصة.لأن المجتمع ککل یعتبر قاصرا عن تدبیر المصالحة العامة التی لا ترتبط بالأفراد.فمن هنا کانت الولایة العامة.

و أما الولایة الخاصة،فهی قد تکون علی أفراد قاصرین،و هم السفیه و المجنون و الصغیر و یشترکون جمیعا فی عدم الرشد.و قد تکون علی مرافق محددة من المجتمع کالأوقاف و المساجد،و بعد شیء من التعمیم نفهم الأمر شاملا للمدارس و المستشفیات و غیرها،و هی قد تندرج فی الأوقاف فعلا.و لا ینبغی التنبیه علی أن هذه المرافق قاصرة عن التدبیر بدون ولی.

الولایة الأخلاقیة:

نشیر هنا إلی بعض ما هو مشار إلیه فی القرآن الکریم منها.بدون حاجة إلی التوسع فی شرحها،فمن أرادها فلیرجع فیها إلی التفاسیر.

و هذه الولایة ثابتة للّه عزّ و جل.فهو جل جلاله وَلِیُّ الَّذِینَ آمَنُوا یُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَی النُّورِ و هو سبحانه وَلِیُّ الْمُؤْمِنِینَ و هو وَلِیُّ الْمُتَّقِینَ و لا ولی غیره علی الحقیقة وَ ما لَکُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ مِنْ وَلِیٍّ وَ لا نَصِیرٍ ، و هذه الولایة المعنویة ثابتة لرسول اللّه(صلی الله علیه و آله)و المؤمنین قال سبحانه إِنَّما وَلِیُّکُمُ اللّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِینَ آمَنُوا ،و قال جل جلاله:

و هذه الولایة ثابتة للّه عزّ و جل.فهو جل جلاله وَلِیُّ الَّذِینَ آمَنُوا یُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَی النُّورِ و هو سبحانه وَلِیُّ الْمُؤْمِنِینَ و هو وَلِیُّ الْمُتَّقِینَ و لا ولی غیره علی الحقیقة وَ ما لَکُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ مِنْ وَلِیٍّ وَ لا نَصِیرٍ ، و هذه الولایة المعنویة ثابتة لرسول اللّه(صلی الله علیه و آله)و المؤمنین قال سبحانه إِنَّما وَلِیُّکُمُ اللّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِینَ آمَنُوا ،و قال جل جلاله:

وَ الْمُؤْمِنُونَ وَ الْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِیاءُ بَعْضٍ .و قال اَلنَّبِیُّ أَوْلی بِالْمُؤْمِنِینَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ .

و الولایة علی اللّه عز و جل غیر موجودة لأنه غنی عن العالمین وَ لَمْ یَکُنْ لَهُ وَلِیٌّ مِنَ الذُّلِّ إلاّ أنه جل جلاله جعل المقربین أولیاء له تشریفا لهم أَلا إِنَّ أَوْلِیاءَ اللّهِ لا خَوْفٌ عَلَیْهِمْ وَ لا هُمْ یَحْزَنُونَ .

و الولایة المعنویة ثابتة للملائکة أیضا نَحْنُ أَوْلِیاؤُکُمْ فِی الْحَیاةِ الدُّنْیا وَ فِی الْآخِرَةِ یعنی الملائکة.

و للمتقین أیضا إِنْ أَوْلِیاؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَ لکِنَّ أَکْثَرَهُمْ لا یَعْلَمُونَ .

و لأولی الأرحام وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلی بِبَعْضٍ فِی کِتابِ اللّهِ .

و هناک ولایة معنویة ظالمة باطلة یمکن ثبوتها لکثیرین.

منهم الطاغوت وَ الَّذِینَ کَفَرُوا أَوْلِیاؤُهُمُ الطّاغُوتُ.یُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَی الظُّلُماتِ .

و الشیطان إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّیاطِینَ أَوْلِیاءَ مِنْ دُونِ اللّهِ ، فَقاتِلُوا أَوْلِیاءَ الشَّیْطانِ.إِنَّ کَیْدَ الشَّیْطانِ کانَ ضَعِیفاً ، إِنَّما ذلِکُمُ الشَّیْطانُ یُخَوِّفُ أَوْلِیاءَهُ .

و الکافرین یا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْکافِرِینَ أَوْلِیاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِینَ ، وَ الَّذِینَ کَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِیاءُ بَعْضٍ .

و الأصنام وَ الَّذِینَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِیاءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِیُقَرِّبُونا إِلَی اللّهِ زُلْفی ، و أهل الکتب السابقة علی الإسلام.قال اللّه عز و جل یا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِینَ اتَّخَذُوا دِینَکُمْ هُزُواً وَ لَعِباً مِنَ الَّذِینَ أُوتُوا الْکِتابَ مِنْ قَبْلِکُمْ وَ الْکُفّارَ أَوْلِیاءَ .و قال سبحانه یا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْیَهُودَ وَ النَّصاری أَوْلِیاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِیاءُ بَعْضٍ.وَ مَنْ یَتَوَلَّهُمْ مِنْکُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ .

و هی ولایة محرمة و ممنوعة،لأنهم لَوْ کانُوا یُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَ النَّبِیِّ وَ ما أُنْزِلَ إِلَیْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِیاءَ .

هذا و إن الدخول فی تفاصیل معانی هذه الأنواع من الولایة لا مجال له الآن،کما قلنا.و إنما أشرنا إلی هذا باختصار لأجل التفات القاری إلیه أولا،و التمییز بین الولایة المعنویة أو الأخلاقیة،و الولایة الفقهیة أو القانونیة ثانیا.

و ینبغی الإلماع إلی أن کل الولایة المذکورة فی القرآن الکریم هی فی الولایة المعنویة.إلا ما قد یفسر به ولایة أولی الأرحام،و هی مکررة فی آیتین.فی حین أن الولایة المعنویة بقسمیها الحق و الباطل مذکورة بأسالیب مختلفة فیما یفوق علی المائة من الآیات.

الولایة علی الصغیر:

الولایة علی الصغیر،و هو الطفل حتی یبلغ و یرشد للأب و الجد للأب.و مع وجودهما أو وجود أحدهما لا ولایة لأی شخص آخر بالضرورة و التسالم الفقهی.

و تصرفهما فی أموال الطفل غیر منوط بالمصلحة،بل منوط بعدم المفسدة فقط علی الأرجح.و لو تعارض رأی الأب و الجد،فهنا وجهان فقهیان و بعض الروایات دلت علی تقدیم رأی الجد.و إن کان الدلیل علی تقدیم رأی الأب أقوی.

و من الواضح أنه لو مات أحدهما بقی الآخر ولیا.و لا حاجة إلی الإشارة إلیه أعنی تعیینه من قبل الأول.لوجود تعیینه أساسا فی أصل الشریعة،جنبا إلی جنب:الأب و الجد.

نعم،لو مات أحدهما ثم أشرف الآخر علی الموت.مثلا،مات الجد و بقی الأب والیا لفترة ما ثم أشرف علی الموت قبل حصول البلوغ و الرشد لابنه.فهنا ثلاث احتمالات:

الأول:أن یلتفت الأب لحاله و حال ولده أو أولاده القاصرین، فیعهد إلی شخص ثقة لیکون هو المشرف علیهم بعد موته.و هذه هی الوصایة.

الثانی:إذا لم یفعل الأب ذلک فقد نتوهم أنه تنتقل الولایة للأم أو الأخ الکبیر أو غیرهم کالعم أو الخال.إلاّ أن کل ذلک غیر محتمل فقهیا.

و ما قد یخطر فی البال أنه:إذا لم تنتقل الولایة للأم أو غیرها، فسیبقی القاصرون بدون ولی.

هذا لیس بصحیح،لأنه لن یبقی القاصرون بدون ولی،لأن الولی هو من نذکره فی الاحتمال الثالث.

و ما قد یخطر فی البال:من أن الطفل إذا کان ممیزا،کعشر سنوات و نحوها،لم یحتج إلی ولی.فإذا مات أبوه أمکنه العیش بلا ولایة.

و هذا أیضا غیر صحیح،لأن الإجماع و الضرورة الفقهیة،قائمة علی احتیاج الطفل إلی الولایة إلی حین البلوغ و الرشد.و القرآن الکریم دال علی ذلک.قال سبحانه فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَیْهِمْ أَمْوالَهُمْ .و بمفهوم الشرط یدل علی عدم جواز دفع الأموال إلیهم قبل الرشد.سواء مات الأب أو بقی حیا.و هو معنی الاحتیاج إلی الولایة بعد الولی الأصلی،أعنی الأب أو الجد.

الثالث:إن الولایة علی الطفل الفاقد لأبیه و جده لأبیه للولی العام الشرعی،یتولی شؤونه المالیة و التربویة،إما بالمباشرة و أما بتعیین أحد یثق به لیقوم بالمهمة.و لو کان هو أم الطفل أو أخوه أو أی فرد آخر.

إذن،فالأم و الأخ لیس لهما الولایة بالذات.و إنما یمکن لهما تحصیلهما بالاستئذان من الولی العام فی ذلک.و بذلک نعرف أن تصرف الأمهات فی أموال أولادهن غیر شرعی و لا صحیح إلاّ بذلک.

و ینبغی التنبیه إلی أن الجد للأم أیضا لیس له ولایة بالأصل.إلاّ بأحد طرق ثلاثة:

أولا:أن یستأذن فی تصرفه بأموال سبطه الحاکم العادل،و یأخذ منه التخویل بالولایة.فیکون وکیل الولی.و یصح تصرفه کما سبق أن سمعنا فی الأم و الأخ.

ثانیا:أن یکون هو حاکما عادلا.فتکون له الولایة مباشرة بهذه الصفة.

ثالثا:قد تنتقل الولایة أحیانا إلی عدول المؤمنین،کما سنشیر بعد هذا.و عندئذ قد یکون الجد للأم أو الأخ أو نحوهم مصداقا من ذلک، یعنی مؤمن عادل یمکن أن یتولی شأن الصغیر بالولایة.

و الولایة هنا و إن کانت لأی مؤمن عادل إلاّ أن قوله تعالی:

وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلی بِبَعْضٍ فِی کِتابِ اللّهِ .دال علی أولویة الرحم إذا کان مؤمنا عادلا.و کلما کان أقرب رحما للصغیر کان أولی.

فالأخ أولی من العم.و هکذا.

و لا یفوتنا الإلماع إلی أن تصرفات الأولیاء بالأصل أعنی الأب و الجد للأب غیر منوطة بالمصلحة،کما سبق إلاّ أن تصرف غیرهم من الأولیاء منوط بذلک علی الأحوط،کالولی العام و عدول المؤمنین.بما فی ذلک الأم أو الأخ إذا أصبحوا وکلاء عن هؤلاء الأولیاء،أو أنهم أولیاء بصفتهم من عدول المؤمنین.فإن تصرفاتهم منوطة بالمصلحة.

و المهم بالمصلحة هو مصلحة الطفل المالک،فإن کان البیع أو الإیجار أو أیة معاملة،فی مصلحته،صحت المعاملة من الولی.و إلاّ فسدت.

و المطلوب و إن کان هو المصلحة الواقعیة،یعنی بعض النظر عن علم الولی،إلاّ أنه لا شک أن الولی إذا بذل جهده بالتأمل فی المصلحة و لم یفکر فی تقدیم مصلحته الذاتیة أصلا،کفی ذلک فی تصحیح المعاملة بلا اشکال.

السفیه و المجنون:

سبق أن عقدنا فصلا بخصوص هذین القاصرین.و تحدثنا هناک عن الولایة علیها.

و ملخص الفکرة:أن الصبی ان بلغ رشیدا سقطت ولایة الأولیاء عند أیا کانت و وجب تسلیم أمواله إلیه،یعنی یکون له و للآخرین و علیه ما علی الآخرین.و یستقل بآرائه و قناعاته و معاملاته.بلا اشکال.

و إن بلغ الطفل قاصرا عن الرشد،کما لو کان سفیها أو مجنونا منذ الصغر،و استمرت فیه السفة إلی حین البلوغ.بقی ولیه السابق مستمر الولایة علیه.الذی قد یکون هو الأب أو هو الجد أو الولی العام العادل.

و إن بلغ الطفل رشیدا و انقطعت الولایة عنه.ثم اتصف بهذه الصفة بعد ذلک.لم یکن لأحد الولایة علیه من أقربائه حتی الأب أو الجد للأب،سوی الحاکم العادل.فإن لم یکن فلعدول المؤمنین.و هنا إن کان بعض الأقرباء مؤمنا عادلا کان له التولی.و کلما کان رحمه أقرب کان أولی کما سبق.

و قد یخطر فی البال:إنه کما قلنا فی الفصل المشار إلیه أن الخرف فی الشیخوخة نوع من السفاهة أو الجنون،و المهم أنه یکون الفرد قاصرا بعد أن کان رشیدا.و من ثم وجبت علیه الولایة.فقد یخطر فی البال

أن أبناءه الذین هم یومئذ کبار و أصحاب أعمال بسیطة أو مهمة.هم الذین تکون لهم الولایة علی أبیهم.

و جوابه:أنه لا شک أن أبیهم یکون واجب النفقة علیهم،بعد قصوره عن العمل صحیا أو عقلیا أو من کلا السببین.إلاّ أنهم لا ولایة لهم شرعا و فقهیا.إلا بالشکل الذی أشرنا إلیه فی طرف الأخ و الجد للأم و نحوهما،و مجمله:

أولا:أن یأخذ الأولاد الوکالة من الولی الشرعی للقاصر،و هو الولی العام العادل.

ثانیا:أن یکون أحدهم ولیا عاما فعلا.

ثالثا:أن یکون هو(مؤمنا عادلا)إذا انتقلت الولایة إلی عدول المؤمنین.فإن لم یکن شیء من ذلک موجودا،کان تصرفهم فی أموال أبیهم حراما و معاملاتهم باطلة.

هذا و ینبغی الإلماع إلی أنه مع الشک فی الشخص الکبیر أنه هل حصل له الخرف أم لا،یمکن استصحاب رشده و تصحیح معاملاته،ما لم یثبت الخرف بالیقین أو الوثوق.و مع وجود هذا الاستصحاب لا تکون الولایة ثابتة علیه بحال من أحد.مضافا إلی إمکان استصحاب عدمها بنفسها.

ولایة المرافق المحدودة:

و نرید بها الأوقاف و المدارس و المستشفیات و الموانئ و نحوها، مما یعود نفعها للعموم.

و من الواضح فقهیا إن الأوقاف قد تکون خاصة و قد تکون عامة.

و المرافق العامة قد تکون وقفا و قد لا تکون.

و قد تکلمنا عن الوقف و علمنا أن الوقف الخاص هو ما وقف علی أفراد معینین و ذریتهم.و الوقف العام هو الذی وقف علی عناوین عامة

کالفقراء و العلماء أو علی مسجد معین أو مدرسة أو مستشفی،بمعنی أنه یصرف ریع الوقف علی هذه الجهات.

و المهم الآن الالتفات إلی بعض الأمور:

الأمر الأول:أن الوقف الخاص لا یحتاج إلی ولی.فإن ولیه هو الموقوف علیه.سواء قلنا أنه مالک للوقف أم لا.و إن انقرض الموقوف علیهم عاد الوقف عاما،فیکون مشمولا لما سنقوله عنه.

و الوقف العام یحتاج إلی ولی أو مشرف أو ناظر،حسب اختلاف اصطلاحهم.فإن عین له الواقف أحدا أو سلسلة أفراد متعاقبین متصفین بصفات معینة،فهو المطلوب.و هذا هو العادة.و إن لم یعین له الواقف أحدا أو انقراض أولیاؤه کما لو لم یوجد شخص بتلک الصفة بعد موت الأخیر،أو کان الأولیاء من نسل معین و قد انقطع.عندئذ یکون الولی هو الولی العام العادل.فإن لم یوجد،فعدول المؤمنین،کما سنذکر فی ولایتهم بعونه تعالی.

الأمر الثانی:أنه قد یخطر فی الذهن:أن المرافق العامة کلها أوقاف.فبمجرد أن یبنی الفرد مدرسة أو مستشفی أو أی شیء آخر، فسیکون وقفا شرعیا،بالمصطلح الفقهی.

و أثر ذلک أنه لا یستطیع أن یتراجع عن عمله بعد بنائه.کل ما فی الأمر أن الوقف مشروط بالقبض.و قبض کل شیء بحسبه فقبض المدرسة بدوام الطلاب و المعلمین و قبض المستشفی بدوام المرضی و الأطباء.فإن تم ذلک لم یکن لمن بناها التراجع،بمعنی بیعها و الاستفادة من أثمانها.

لأن الوقف لا یباع.

إلاّ أن هذا مما لا دلیل علیه فقهیا.بل الدلیل قائم علی عدمه.

فإن الوقف معاملة معینة.و کل معاملة تحتاج إلی قصد.فإن قصد المالک الوقف،تم له.و إن لم یقصد بقی البناء ملکا حتی و لو کان مرفقا عاما.

و لا أقل من استصحاب الملک مع الشک فی الحکم.و مجرد کونه مرفقا عاما لا یقتضی کونه وقفا.

و من هنا یجوز لمالک المدرسة أو المستشفی،بیعها أو هدمها أو تحویلها إلی دار،أو غیر ذلک من التصرفات فی حدود المعقول و المشروع.

الأمر الثالث:تبین فی الأمر الثانی:أن المرافق العامة قد تکون موقوفة و قد تکون مملوکة.فإن کانت موقوفة،فالمفروض أن الواقف قد عین لها ولیا و ناظرا معینا أو سلسلة متعاقبة من النظار.و أما إذا لم یکن قد عین أحدا أو انقطعت السلسلة،فیعود أمر ولایتها،کسائر الأوقاف العامة التی ذکرناها فی الأمر الأول.

و إن کانت مملوکة،فهی أما أن تکون ذات جنبة فکریة أو أنها اقتصادیة خالصة.فإن کانت اقتصادیة خالصة کان للفرد المالک أن یتصرف فیها کیف شاء،مع الالتزام بالتعالیم الشرعیة الإسلامیة.و أما إذا کان لها جنبة فکریة کالمدارس و المستشفیات،فالمفروض أنه یراجع بها من یصلح أمرها و لا یفسده.و تکون مسئولیة الفساد إن حصلت أمام اللّه سبحانه و أمام المجتمع علی ذمته.باعتبار أنه سلط أناسا غیر صالحین و غیر فاهمین علی مرفق عام بحیث أضر بجانب مهم فی المجتمع.

و من هنا تأتی مسئولیة الولایة و الإشراف علی أمثال هذه المرافق.

و فی الأغلب أنه لا یکون من حق المالک ممارسة ذلک بنفسه إلاّ إذا کان اختصاصیا،بشکل الاختصاص الذی یراد فی ذلک المرفق العام.و إلاّ فلا بد من إرجاعه إلی اختصاصی و إلاّ حصل منه الفساد أکثر من الصلاح.

الأمر الرابع:إن القاعدة الفقهیة العامة،سواء صحت علی عمومها أم لا،فإن الأعم الأغلب هو صدقها،و هو أن:العوض یدخل فی ملک من خرج منه المعوض.سواء کان ذلک فی بیع النقد أو المقایضة أو الإجارة أو القرض أو أی معاملة أخری.

و محل الشاهد هنا،هو أن المرافق أو المنشآت العامة،إن بنیت من الأموال الخاصة،أعنی من قبل فرد معین أو جماعة معینین،فهذا ما تحدثنا عنه فی الأمر السابق الثالث.

و لکنها قد تبنی بأموال عامة کالزکاة أو حق الإمام کما قد تبنی بمجهول المالک.و ستکون تابعه فی حکمها الفقهی لنفس حکم المال الذی بنیت به.فإذا بنیت من أموال الزکاة کانت مستحقة لمستحقی الزکاة.و إن بنیت من حق الإمام کانت من جنس حق الإمام یعنی أنها ملک للإمام علیه السلام.و إن بنیت بمجهول المالک کانت من جنسه و هکذا.

أما الأرض التی بنیت علیها فهی تابعة لهذا الحکم أیضا.فإنها ان کانت قفراء بالأصل،کانت بعد البناء تابعة لحکم المال کما قلنا، فالأرض المحیاة بحق الإمام ملک للإمام و الأرض المحیاة بمجهول المالک مجهولة المالک و هکذا.

و أما إذا کانت مشتراة،کما لو کانت دارا أو بستانا فحصل التغییر فیها و بنیت من جدید.فهی أیضا تتبع الثمن الذی دفع عنها.تماما کما قلنا فیما سبق.کل ما فی الأمر هنا أن المشتری یجب أن یکون مخولا بالشراء بالمال الذی فی یده،و أن لا یکون البائع مخولا بالشراء بالمال الذی فی یده،و أن لا یکون البائع مجبورا أو مکرها علی البیع.إذ لو تخلف أحد هذین الشرطین بقیت الأرض ملکا للبائع.و کانت بالنسبة إلی وضعها الجدید و بنائها الحدیث و من یتصرف فیه غصبا حراما،و لیست مجهولة المالک أو من حق الإمام.

فإذا عرفنا ذلک کله استطعنا أن نفهم أن المرافق العامة،لها عدة أقسام لکل واحد حکمه الخاص به.فقد تکون مبنیّة بأموال خاصة محللة من قبل أفراد معینین،و قلنا أنها تبقی ملکهم باستمرار.و قد تکون أوقافا عامة،و قد تکون مبنیة بأموال عامة کالتی أشرنا إلیها قبل قلیل.و غیر ما هو تابع للملک الشخصی،فإن الولایة فیه عموما للولی العام العادل.إلاّ ما کان من الأوقاف العامة التی لها أولیاء أو ناظرین خاصین بها.

الأمر الخامس:أن هنا سؤالا فقهیا قد یعرض کاشکال علی ما قلناه فی الأمر السابق.یحسن بنا أن نعرض و نجیب علیه.

و حاصل السؤال:أن الدلیل دل علی أن الأرض لمن أحیاها.و هذا لا یختلف الحال فیه بین الأموال التی تبذل فی هذا الصدد.ما دام یصدق عرفا أن هذا الفرد أو ذاک هو الذی أحیاها.

و هذا السؤال بمجرده لا یکفی فقهیا کما هو معلوم.لأن المال المبذول ما دام یصدق علیه العنوان،کحق الإمام أو مجهول المالک، و لم یتحول إلی ملکة الفرد المحیی،فإن أجزاء البناء تکون تابعة لنفس الحکم،و هی نفس الأجزاء التی تکون سببا لإحیاء الأرض.و یعتبر الفرد المباشر للمجهود إنما هو مجرد عامل،حاله حال المقاول أو البناء.

و یتضح هذا أکثر إذا لم ینو صاحب المال البناء لنفسه،فإنه عندئذ یتمخض الحکم بما قلناه.و أما إذا نوی ذلک،فإن کان بوجهه الشرعی فقد یتحول المال إلی الملکیة (1)

و هذا ما یحصل فی الزکاة مجهول المالک أما حق الإمام فمشهور المتأخرین علی أنه غیر قابل للملکیة و ان کان هذا لا یخلو من مناقشة.

و یکون البناء له.و ان کان بغیر الوجه الشرعی فلا حجیة فیه و یبقی المال و البناء علی حکمه السابق.

و قد یمکن أن نعرض نتیجة السؤال السابق بشکل فقهی آخر:

و حاصله:أن الشراء ان کان بعوض خارجی،کما لو قال:بعتک هذا الطابوق بهذه الدنانیر.فما قلناه فیما سبق صحیح.و إن کان الشراء بعوض کلی کما هو الأعم الأغلب فی السوق فی عصرنا الحاضر.یعنی یشتری الطابوق بألف دینار عموما ثم یخرج من جیبه أو من رصیده المصرفی ألف دینار لیدفعها عما فی ذمته.و هذا فی الفقه یعتبر من الخطأ فی التطبیق.و یکون الطابوق للفرد المالک.

و هذا الشکل من الاشکال بالرغم من لطافته و دقته إلاّ أنه یمکن توجیه الأجوبة الآتیة إلیه:

أولا:أنه موقوف علی أن یقصد الفرد المباشر الشراء لنفسه،فلو


1) 1)

لم ینو ذلک،کما لو کانت العمارة حکومیة أو تابعة کشرکة أو مؤسسة.

لم یرد هذا الجواب.

ثانیا:ان هذا الفرد ان دفع الأموال کلها بهذا النحو صارت ذمته مشغولة به شرعا.فکیف یؤدیه؟یمکن أن نقول:إن أولی الأموال التی یؤدیها هو البناء الذی بناه،باعتباره أصبح العوض المباشر لتلک الأموال.

ثالثا:أنه یمکن أن یقال عرفا أن هناک استمرار فی المالیة بین المعاوضات،فإذا کانت إحدی المالیات متصفة بصفة ما،کانت هذه الصفة مستمرة فی سائر المبادلات و المعاوضات.

و فی محل کلامنا حصلت المعاوضة العرفیة بین العروض الذی حصل به البناء و بین المال المدفوع،فیشمله حکمه.

و بتعبیر آخر،أن البدل الحقیقی للعروض هو المال الکلی الثابت فی الذمة.و بدل هذا المال هو المال المجهول المالک أو حق الإمام، حسب الاختلاف.و بدل البدل بدل عرفا فیکون العروض المشتری بالمال محکوما بنفس الحکم،ما لم یطبق الفرد الحکم الشرعی المتعلق بهذا المال.

و علی أی حال،فالقواعد العامة أو الأصول الموضوعیة التی تنطبق علی هذه التقریبات،غریبة علی الاتجاه الفقهی التقلیدی و تحتاج إلی تدقیق موکول إلی الفقه.

الولایة علی المسجد:

تعتبر المساجد من الأوقاف العامة،و لکنها تختلف عنها بعدة صفات.

أولا:انها تختص بأحکام إلزامیة خاصة دون سائر الأوقاف،کعدم جواز لبوث الجنب و الحائض فی المسجد و غیرها.

ثانیا:أن الأوقاف العامة قد یمکن إجارتها و الاستفادة من ریعها، أو أیة فعالیة تجاریة مشروعة غیر منافیة للوقف و شرط الواقف.و هذا لا

یشمل المساجد.فإنها مرصودة للعبادة دون أی جانب تجاری أو اقتصادی.

ثالثا:أن الأوقاف العامة غالبا لا تکون شاملة،لکل المجتمع،بل لجانب منه کالفقراء فی الوقف الخیری أو المرضی بالنسبة للمستشفی و هکذا.و أما المساجد فلا یمکن شرعیا و فقهیا أن تکون خاصة بأحد،بل هی سبیل عام للجمیع لا یختلف فی ذلک الزمان و المکان ما دام الفرد علی ظاهر الإسلام.

رابعا:أن المساجد تختص بأحکام استحبابیة و قدسیة خاصة معلومة بالضرورة،و غیر ثابتة لأی مرفق آخر فی المجتمع.

و المهم هنا هو التحدث عن الولایة.و الأعم الأغلب فی المساجد أن لا یجعل لها الواقفون ولیا أو ناظرا،و لا سلسلة متتابعة من الناظرین، کما فی سائر الأوقاف.کأنّ فی ذلک ضمنا ایکالا للولایة إلی اللّه سبحانه مباشرة،بصفتها بیوت اللّه جل جلاله.

و هذا هو الموروث عن المعصومین سلام الله علیهم.فالنبی(صلی الله علیه و آله) حین بنی المسجد الحرام أو المسجد النبوی أو مسجد قبا،لم یجعل لها أولیاء معینین.و کذلک من بعده من المعصومین علیهم السلام.و فی هذا،و لا شک تأدبا أمام اللّه سبحانه،فی الاستغناء عن کل ولایة غیر ولایته.

إلاّ أن هذا لا یعنی فقهیا عدم جواز جعل الوالی أو الناطر.فیما إذا رغب بانی المسجد و واقفة ذلک.

فإن لم یجعله،کما هو الغالب،کان الإشراف للولی العام العادل.

و کذلک الأمر فی المساجد القدیمة الموروثة من أجیال سابقه لم یعرف لها ولی معین أو واقف محدد.و إذا کان الإشراف له،استطاع الإشراف المباشر أو تعیین فرد أو أکثر کوکلاء عنه فی تمشیة مصالح المسجد بإشرافه و رأیه.

کتاب الشرکة

اشارة

تمهید

الشرکة أما خاصة أو عامة.و یراد بالشرکة الخاصة صفة المال المشترک بین أناس محددین،أعنی من حیث العدد.و یراد بالشرکة العامة صفة المال المشترک بین أناس غیر محددین من حیث العدد،و هو المجتمع کله کما سنوضح.

و بالرغم من وجود اختلافات أساسیة بینهما نذکر بعضها:

أولا:أن الشرکة الخاصة تعنی الاشتراک بالملکیة دون الشرکة العامة.فإنها لا تعنی الملکیة بل مجرد الحق،ما لم یکن هناک حیازة علی ما سوف نوضح.

ثانیا:أن الشرکة الخاصة تستلزم عدم جواز تصرف الشریک بالمال المشترک.و هذا لا یوجد فی الشرکة العامة.

ثالثا:أن الشرکة الخاصة قابلة للتقسیم بین الشرکاء و ترتفع بذلک الشرکة.دون الشرکة العامة فإنها غیر قابلة للتقسیم.

و هذه الاختلافات هی التی حدث بالسید الأستاذ بالفصل بین الموضوعین حیث سجل لکل منهما کتابا فقهیا مستقلا.فالشرکة الخاصة سماه بکتاب الشرکة و الشرکة العامة سماه بکتاب المشترکات.إلاّ أن مفهوم الاشتراک مشترک بین الموردین،فی مقابل أو بإزاء المال الذی لا یکون مشترکا بل مملوکا لشخص واحد یحرم علی الآخرین التصرف فیه إلاّ بإذنه.

و حسب فهمی فإن ما یمکن ذکره فی هذا الکتاب ثلاث

موضوعات:الشرکة الخاصة.و الشرکة العامة.و أحکام الأراضی بصفتها مصداقا من الشرکة العامة قبل الأحیاء.

و یلاحظ هنا أیضا أن الفقهاء عزلوا أحکام الأراضی أیضا فی کتاب فقهی مستقل،و لم یعتبروها من المعاملات،لأنها لا تحتوی علی عقد و لا إیقاع،و إنما تحتوی فی الغالب علی العمل من أجل إحیاء الأرض.

إلاّ أننا فی هذا الکتاب حاولنا توحید الموضوعات المتشابهة،و لا شک أن هذه الموضوعات المشار إلیها أشبه الموضوعات ببعضها البعض،کما ألمعنا.

فصل الشرکة الخاصّة

تعریفها:

عرفها المحقق الحلی (1)

الشرائع ج‍ 2،ص 109. [1]

:بأنها اجتماع حقوق الملاک فی الشیء الواحد علی سبیل الشیاع.

و یرید بالشیاع امتلاک الواحد من الشرکاء کسرا عشریا من المال، بشکل لا یتمیز فی الخارج.یعنی-مثلا-:لیس من یمین الثوب أو شماله أو أعلاه أو أسفله.و إنما یملک جزءا کلیا أو مشاعا أو عاما ما شئت فعبر و المسمی بالشیاع فقهیا.

و التعبیر بحقوق الملاک،مبنی علی أن الملکیة إنما هی نوع من الحق.و هذا صحیح و قد سبق أن بیّناه فی الفصل الذی تحدثنا به عن الحق.إلاّ أن لفظ الملکیة وحده کاف کما هو معلوم.و الإشارة-فی التعریف-إلی أنها نوع من الحق غیر لازم.إلاّ أن یرید أن الاشتراک کما یمکن أن یکون فی الملکیة قد یکون فی حق الاختصاص الذی هو دون الملکیة فقهیا فی الأهمیة.إلاّ أن هذا خلاف ظاهر عبارته.

هذا.و لا یراد بالشیء الواحد ما کان واحد حقیقة أو عرفا.بل یراد به المجموعة من المال،إذ قد یکون واحدا و قد یکون متعددا کما فی مجموعة أشیاء مملوکة بالاشتراک،یملک کل شریک منها جزءا عشریا


1) 1)

مشاعا.و لو کان المحقق قد عبر بالمال لیشمل الواحد و المتعدد لکان أنسب.

و معه،قد یکون التعریف أوضح و أقرب إلی الصحة إذا قلنا أن الشرکة:هی اجتماع الملکیات أو الاختصاصات المشاعة.

و لا حاجة هنا إلی أن نقول:إنها مشاعة بین عدة أفراد.لأن للفرد ملکیة واحدة للمال الواحد.کما لا حاجة إلی ذکر المال لأن معنی الملکیة یتضمنه.لأن غیر المال لا یملک.کما لا حاجة إلی ذکر الحق، لأن معنی الملکیة و الاختصاص هو ذلک أو من مصادیقه و لا حاجة فی هذا التعریف إلی أکثر من ذلک.

نعم لو أمکن الاکتفاء فی التعریف بلفظ الاختصاص دون الملکیة علی اعتبار اندراج الملکیة فیه،باعتبارها نوعا مؤکدا من الاختصاص.

فیکون المعنی:إن حق الاختصاص فما فوق(أعنی الملکیة)یمکن أن یکون مشترکا بین أکثر من واحد.و هذا صحیح.غیر أن اللفظ لا یکون بذلک الوضوح.لأن العهد الذهنی فقهیا بأن الملکیة نوع من الاختصاص المؤکد غیر واضح لدی العدیدین.

أسباب الشرکة:

اشارة

قال المحقق الحلی (1)

المصدر و الصفحة.

:و سبب الشرکة قد یکون إرثا و قد یکون عقدا و قد یکون مزجا و قد یکون حیازة.

أقول:فهذه أربعة أسباب لها.فإذا التفتنا إلی أن سببیة العقد للشرکة له معنیان:أحدهما:عقد الشرکة.و الآخر:أی عقد معاملی منتج للشرکة،کما لو اشتری اثنین شیئا واحدا،إذن تکون الأسباب خمسة،نوضحها بالمقدار المناسب فیما یلی:


1) 1)

السبب الأول-الإرث:

و لیس الإرث سببا للشرکة دائما،و إنما فیما إذا کان الورثة أکثر من واحد.عندئذ یکون المال بعد الموت و قبل التقسیم بینهم مشترکا مشاعا.

و أمثلته کثیرة جدا تأتی فی کتاب الإرث.و لکن نذکر هنا مثالا أو مثالین:

لو مات و خلف ولدین و بنتا.کان التقسیم من خمسة للذکر مثل حظ الأنثیین،لکل ولد حصتین و للبنت حصة هکذا:

2/5+2/5+1/5 5/5 لو مات و خلف زوجة و أبوین و ولدا.کان للزوجة الثمن و للأبوین الثلث و للولد الباقی.فتصح الفریضة من أربع و عشرین.للزوجة ثمنها:

ثلاثة.و لکل من الأبوین سدسها:أربعة و لمجموعهما الثلث:ثمانیة و الباقی و هو ثلاثة عشر للولد.هکذا:

3/24+4/24+4/24+13/24 24/24 فهذه الحصص و نحوها تکون کسرا عشریا مشاعا فی الترکة إلی حین تقسیمها.

أما إذا کان الوارث واحدا کالولد أو الأخ أو غیرهما أخذ کل المال.إلاّ الزوجة فقد اختلفوا فی ذلک علی ما سیأتی فی بابه.

و ینبغی الألماع إلی أن بعض طبقات الإرث منحصرة فی واحد عادة،و بعضها لا یمکن فیه الزیادة.و هی فیما بعد الطبقات الثلاثة الأولی.و هی المعتق و ضامن الجریرة و الإمام.فإنه قد یمکن تصور تعدد المعتق و ضامن الجریرة علی کلام فیه،إلاّ أنه لا یتصوّر تعدد الإمام.

و الکلام فیها مؤجل إلی محله.

و لا شک أن القول باشتراک الورثة بالترکة موقوف علی انتقال المال للورثة قبل التقسیم.فإن المحتملات الفقهیة عدیدة:

أولا:الانتقال بمجرد الموت.

ثانیا:الانتقال بعد إخراج الدیون و غیرها.

ثالثا:الانتقال بعد التقسیم و القبض.

و هذا الاحتمال الثالث،و إن کان موهونا فقهیا،إلاّ أن من یقول بعدم الانتقال بمعنی عدم ملکیة الورثة بمجرد الموت،فإنه یعنی عدم کونهم مشترکین بملکیة الترکة لا محالة.و ما دام الحال کذلک،فهی ملکیة(اقتضائیة)لا ملکیة فعلیة.إلی ما بعد أداء الدیون أو إلی حین التقسیم.

و لکن المحقق الحلی یبنی علی أحد الاحتمالین الأولین،کما هو الصحیح،إذن تمر فترة قبل التقسیم یکون الورثة فیها مالکین ملکا مشترکا مشاعا للترکة.

السبب الثانی-العقد المعاملی:

أعنی غیر عقد الشرکة.و هذا یمکن حدوثه کثیرا کالمشترکین لشیء واحد أو مجموعة واحدة من الأشیاء بعقد واحد.و کذلک إذا استأجر اثنین دارا واحدة أو آلة واحدة أو واسطة نقل مثلا.أو مجموعة أشیاء بعقد إیجار واحد.

أو کان طرف المعاملة أکثر من اثنین.فیدفع کل منهم العوض مستقلا.إلاّ أن المعوض یدخل فی ملکهم بالشرکة المشاعة.و هی العین فی مثال البیع و المنفعة فی مثال الإجارة.

و کذلک لو اقترض اثنان أو أکثر من واحد مالا بعقد واحد،کان ملکا لهم بالتساوی.

و کذلک فی مال المضاربة إذا ظهر الربح کان مشترکا بین صاحب

المال و العامل.و مثله ثمار البستان فی المزارعة و المساقاة.

و کذلک لو تزوج فرد زوجتین بعقد واحد و جعل لهما صداقا واحدا،أعنی مجموعة من المال تکون صداقا للزوجتین فی نفس الوقت.

فإنه یکون بینهما مملوکا بالمناصفة.

و کذلک لو وهب واحد مالا واحدا لاثنین فأکثر.و کذلک لو أعار عینا واحدة،لاثنین فأکثر،فإن المنافع تکون مملوکة لهم بالاشتراک.إلی غیر من الأمثلة.

السبب الثالث-عقد الشرکة:

و صورته:أن یأتی اثنان فأکثر بمقادیر من المال یکون ملکا لکل منهم،و یکون متساویا فی الصفة کما لو کانت کلها دنانیر أو حنطة أو سائلا کالحلیب مثلا.ثم خلطوه بحیث لا یتمیز.ثم قال أحدهما للآخر:

شارکتک بهذا المال.فقال الآخر:قبلت.

عندئذ یبیعان المال.فإن ربحا یکون الربح بینهما بنسبة الملک فی المال المشترک،و إن خسرا یکون الخسران بالنسبة کذلک.

و یلاحظ هنا:أنه لیس هناک ارتکاز عرفی أو فقهی یعین الموجب من القابل،کما کان الحال فی البیع أو الإجارة.بل أی منهما تصدی للحدیث فهو موجب و الآخر قابل.و لو کانوا أکثر من اثنین،احتاجوا إلی إیجاب واحد من أحدهم و قبول من کل واحد من الآخرین.

و قد تعرض سیدنا الأستاذ (1)

منهاج الصالحین ج‍ 2،ص 134.

إلی عقد الشرکة و اعتبره عقدا جائزا.

و عقد للشرکة کتابا فقهیا مستقلا.بینما نری المحقق الحلی (2)قد عقد لها کتابا إلاّ أنه لم یتعرض لها کعقد مستقل.


1) 1)

2) 2) الشرائع ج‍ 2،ص 109.

و لعل الأقرب ما ذهب إلیه المحقق الحلی.لوضوح:أن الشرکة فی المال إنما تحدث بالخلط.و أما إذا لم یخلط لم یؤثر عقد الشرکة فی الحکم باشتراکه بین الأطراف.کما أن مثل هذا العقد لیس له تعرض فی الکتاب و لا السنّة.نعم لا یبعد أن یکون مسلما فقهیا.و هذا هو دلیله الرئیسی.و إذا تم لزم القول بالحکم باشتراک المال بمجرد العقد و إن لم یخلط.و تمام الکلام فی الفقه.

السبب الرابع-للشرکة:المزج أو الخلط:

و قد اشترط الفقهاء فی المالین المختلطین إمکانیة الخلط عرفا:بأن یکون المالان متعددی الأجزاء و متشابهة فی نفس الوقت کالدراهم و الدنانیر و الحبوب عموما و تکون مما ینقل لا مما لا ینقل.لوضوح أن المزج فیما لا ینقل ممتنع عادة.

فمتی اختلط مالان بهذه الشرائط عمدا أو سهوا أو عدوانا أو بفعل سبب طبیعی،حصلت الشرکة فیه علی أی حال.إذا کان الخلط بحیث لا یتمیز فیه المالان عرفا.

و أما الأموال التی تتمیز کمزج السائل بالجامد،أو الحبات الکبیرة بالصغیرة أو الحنطة بالشعیر إلی غیر ذلک،فلا یحدث فیها شرکة.

و ما لا یکون المزج سببا للشرکة فیها،فإن سببها فیه أحد أمرین:

الأمر الأول:عقد الشرکة ان قلنا بتأثیره بنقل الملکیة و حصول الشرکة بدون الحاجة إلی المزج.

الأمر الثانی:الاختلاط بینهما و الجهل فی العائدیة أو الملکیة.کما احتمله عدد من الفقهاء بأنه سبب للشرکة.فإن تم دلیله،کان سببا آخر غیر الخمسة التی نتحدث عنها.

فمثلا:إن الخلط بین حیوانین أو ثوبین أو عبیدین،مما لا معنی له.و لکن إذا أصبح الحال بحیث جهلنا بعائدیة أی منهما إلی مالکه،

کان هذا سببا کافیا للشرکة فی نظرهم.کما لو کان هناک ثوبان أو بطانیتان مثلا متشابهان تماما و قلبناهما عددا من المرات.فقد یختلط الأمر علینا بعد ذلک فی عائدیة أی منهما لمالکه.

فإذا حصل هذا الخلط صدفة عن أی مالین حتی فی غیر المنقول حصلت الشرکة.إلاّ أن هذا القول الفقهی مخالف للاحتیاط.و مع حصوله لا بد من التحلل الشرعی بین المالکین بشکل من الأشکال و لو بالاحتکام إلی القرعة.

السبب الخامس-الحیازة:

و یراد بها حیازة المباحات العامة کالشجر بالغابات و الصخر فی الصحاری و المعادن.و یمکن تحقق الشرکة بسبب الحیازة بأحد شکلین:

الشکل الأول:أن یشترک اثنان فی حیازة شیء واحد.کما لو قطع اثنان جذع شجرة أو اصطادا حیوانا بحیث أثر عمل کل منهما بالسیطرة علیه فیکون الناتج مشترکا بینهما.أما لو حاز کل واحد منهما لنفسه لم تحصل الشرکة إلاّ ببعض الأسباب السابقة.

و الظاهر أن نسبة العمل المبذول فی الحیازة ملغی عرفا و فقهیا و إنما تکون نسبة الملکیة بعدد الأفراد المشترکین فلو عمل اثنان و کان عمل أحمدهما و تأثیره أکبر من الآخر أمکن القول فقهیا بتساوی الملکیة بینهما لتعذر معرفة النسبة ما بین العملین کثلثین أو ثلاثة أرباع مثلا.

و قد یقال أنه یمکن أخذ النسبة بالنظر إلی الزمان فلو عمل هذا ساعة و عمل الآخر ساعتین کان عمل أحدهما ضعف الآخر کما هو واضح.و هذا صحیح بدویا إلاّ أنه یشترط ألاّ یکون العمل الأخیر مستندا إلی أحدهما فقط کما هو الغالب.فلو عمل شخص فی قطع جذع شجرة ساعتین و عمل آخر فی إکمال القطع ساعة کان هو الحائز و ینبغی القول فقهیا بملکیته و علیه أجرة العمل للأول و یمکن القول بأن أغلب أشکال التقسیم فی الزمان یکون کذلک و من الصعب أن نتصور حفظ الشرکة مع وجود هذا التقسیم.

الشکل الثانی-لحصول الشرکة بالحیازة:

أن یعمل شخص واحد بنیة الحیازة له و لغیره فیدخل المال فی ملکیتهما معا.

و هذا متوقف فقهیا علی حصول الوکالة أو التخویل من قبل الشخص الآخر مجانا أو بأجرة و أما إذا لم یکن العامل مخولا عن غیره دخل کل ما یحوزه فی ملکه سواء قصد نفسه أو قصد الغیر أو قصد الاشتراک.

و هذا السبب جار فی سائر المباحات العامة سواء کانت حیازتها بالقطع و الأخذ کالمعادن أو بالغوص کموجودات البحر أو بالصید کالحیوانات أو بالإحیاء کالأراضی الموات أو القفراء من حیث أن(من أحیا أرضا فهی له)فلو أحیا أرضا بقصد الاشتراک بینه و بین غیره و کان مخولا فی ذلک صح القصد و حصلت الشرکة.و کذلک لو جاز أو أحیا یقصد غیره صرفا واحدا کان أو أکثر و کان مخولا من الجمیع.

فمن ذکره المحقق الحلی (1)

الشرائع ج‍ 2،ص 113. [1]

من أن قصد الحیازة للغیر غیر نافذ و إنما یدخل المال فی ملک الحائز.مختص بما إذا لم یکن له تخویل أو وکالة من یجوز له.فإن الذوق الشرعی العام یقتضی عدم دخول المال فی ملک شخص رغما علیه ما عدا ما خرج بالدلیل.فإذا قیل بنفوذ الحیازة للغیر بدون تخویل کان هذا من التسبیب إلی الملکیة بدون إذن المالک.

أحکام الشرکة:

یتصف المال المشترک بعدة أحکام یمکن أن نوجزها بالفقرات التالیة:


1) 1)

الفقرة الأولی:ذکر سیدنا الأستاذ (1)

منهاج الصالحین ج‍ 5،ص 134. [1]

أن عقد الشرکة عقد جائز فیجوز لکل من المتعاقدین فسخه.

و هذا الحکم ان ثبت بالإجماع فهو المطلوب و إلاّ فلا دلیل علیه من الکتاب و السنة و مقتضی القواعد الأولیة هو لزوم المعاملات علی العموم بما فیها عقد الشرکة.

الفقرة الثانیة:قال سیدنا الأستاذ (2)إن عقد الشرکة ینفسخ بعروض الموت أو الجنون أو الحجر بفلس أو سفه لأحد الشریکین.

و هذا الحکم کسابقه إن ثبت بالإجماع فهو المطلوب و إلاّ فمقتضی الاستصحاب بقاء صحة العقد إلی ما بعد عروض هذه العوارض.ففی صورة الموت یکون الشریک هو الوارث و فی صورة الولایة بالجنون و الحجر یکون التصرف للولی.و بقیة الکلام فی الفقه.

الفقرة الثالثة:إن الربح و الخسران یکون بمقدار المال المشترک و هذا واضح عرفا و شرعا و لا یمکن تغییره فی ما إذا کان سبب الشرکة غیر عقد الشرکة من الأسباب السابقة فإن تنازل الشریک عن بعض حصته فی مثل ذلک کان هبة مجددة.نعم یمکن تغییر هذه النسبة بعقد الشرکة نفسه فلو اشترطا فیه مخالفة ملکیة الربح لملکیة المال کان ذلک نافذا و المفروض التعاقد برضی الطرفین.کما لو کان المال مناصفة و اشترطا أن یکون ثلاثة أرباع الربح لواحد معین منهما أو کل الربح له.

الفقرة الرابعة:لو اشترط أحد الشریکین علی شریکه عدم الخسارة علیه جاز فی ما إذا کان السبب هو عقد الشرکة.و مثله لو اشترط قلة نسبة الخسارة عن نسبة ملکیة المال.کما لو کانت الملکیة هی النصف و الخسارة هی الربع.

الفقرة الخامسة:لا یجوز تصرف أحد الشریکین بالمال المشترک إلاّ


1) 1)

2) 2) المصدر و الصفحة.

بإذن شریکه مهما کان سبب الشرکة من الأسباب السابقة.و ذلک لأنه یتضمن التصرف بمال الغیر بغیر إذنه لأن أحد الشریکین و إن کان له حصته فی المال إلاّ أن للآخر حصة فیه أیضا و له حق أن لا یأذن بالتصرف فی حصته.

و من نتائج ذلک فقهیا عدم جواز وطئ الجاریة المشترکة إلاّ بإذن الشریک و من نتائجه أن أحد الشریکین لو باع المال المشترک أو اشتری به کان البیع فی حصة أصیلا و فی حصته الآخر فضولیا یحتاج إلی الإجازة.

الفقرة السادسة:الشریک المأذون بالتصرف أمین علی المال،لا یضمن إلاّ بالتعدی و التفریط.فإن تعدی أو فرط ضمن لشریکه أو شرکائه البدل.و لا یجوز للشریک التصرف إلاّ بمقدار الإذن،فلو زاد فیه کان تعدیا أو تفریطا.فإن أدی ذلک إلی النقصان أو التلف،ضمن.

الفقرة السابعة:أن لأحد الشریکین الأخذ بالشفعة و لهذا المعنی کتاب مستقل من الکتب الفقهیة یأتی الحدیث عنه غیر أن فکرته باختصار أن أحد الشریکین لو أراد بیع حصته من المال کما لو کان بستانا أو دارا فشریکه أحق بشرائه من غیره.و الفتوی المشهورة علی أنه حتی لو باع الشریک کان للآخر حق الشفعة بأن یقول شفعت فی هذا البیع فیبطل البیع لغیره و تنتقل حصة شریکه إلیه بنفس القیمة التی باع فیها علی کلام سوف یأتی فی محله.

الفقرة الثامنة:ذکر المحقق الحلی (1)

ص 109.

أن المشترک قد یکون عینا و قد یکون منفعة و قد یکون حقا.

فإن أراد بالاشتراک فی الحق ما کان تابعا للملک فلا أشکال فیه إلاّ أنه لا یکون مستقلا و إنما هو فرع علی الملکیة.

مثال ذلک ما لو کان مالا مشترکا بین اثنین و باعاه بخیار الفسخ.


1) 1)

فیکون حق الخیار مشترکا بینهما و کذلک لو کان المال مشترکا بین ثلاثة مثلا و أراد أحدهم البیع فیکون حق الشفعة مشترکا بینهما إلی غیر ذلک من الحقوق إلاّ أن هذه الحقوق تابعة للملکیة و لیست مستقلة عنها.

و لا یتصور عرفا و فقهیا الاشتراک فی الحق إذا کان مستقلا عن الملکیة إلاّ فی حق الاختصاص و الذی أشرنا إلی إمکان الاشتراک فیه علی حد الاشتراک فی الملکیة غیر أنه من جنسها و یعتبر وجودا ضعیفا لها فی ما لا یمکن صدق الملکیة علیه کالخمر و الخنزیر.

القسمة:

قد تحصل المصلحة للشریکین فی تقسیم المال بینهما فیأخذ کل منهما حصته أو مقدار حصته.

و قال عنها المحقق الحلی (1)

ج 2،ص 112.

أن القسمة هی تمییز الحق من غیره و لیست بیعا سواء کان فیها رد أو لم یکن و لا تصح إلاّ باتفاق الشرکاء.

و نتحدث عن ذلک ضمن أمور:

الأمر الأول:أنه قد یدعی فقهیا أن القسمة تتضمن البیع.

و تقریبه:إننا لو قسمنا المال المشترک بأی صورة بقیت کلتا الحصتین أو کل الحصص مشترکا ما بین الشرکاء و لا یمکن التخلص من ذلک إلاّ بالبیع و ذلک أن یعتبر کل شریک ما یملکه من المال الذی وصل إلی صاحبه بالتقسیم مقابلا لما یملکه صاحبه من المال الذی وصل إلیه بالتقسیم.فیکون کل منهما قد باع حصته بحصة صاحبه لکی یصفو ما عنده خالصا فی ملکیته.

غیر أن هذا الوجه الفقهی لا یصح لعدة مناقشات نذکر أهمها و هو


1) 1)

الذی یتضمن حل هذه الشبهة و هو الذی اختاره المحقق الحلی حین قال کما سمعناه أن القسمة تمییز أحد الحقین و لیست بیعا.

و تقرب ذلک أن النسبة المشترکة کالنصف مثلا لها مصداقا أو شکلان من الوجود.

الشکل الأول:الوجود بشکل مشاع أو بصورة الکسر العشری أو کلی ما شئت فعبر.

الشکل الثانی:الوجود بشکل منقسم و مفروز بالخارج بحیث نقول إن هذا غیر ذاک و نری أن أحدهما معزول عن الآخر.

فإذا تمت القسمة حصل الشکل الثانی من الوجود و بحصوله یمکن عرفا تطبیق هذا الشکل علی الشکل الأول بأن نقول لأحد الشریکین:ان النصف الکلی الذی کنت تملکه هو هذا النصف الموجود أمامک الآن فهو من تطبیق المصداق علی المفهوم بدون حاجة إلی بیع.

و بتعبیر آخر أن القسمة إذا کانت حجة شرعا أنتجت هذه النتیجة التی قلناها و لم یعد النصف الواصل إلی الشریک مشترکا بدوره بینهما الأمر الذی یجعلنا فقهیا فی غنی عن عملیة البیع.

الأمر الثانی:ان القسمة،قد تحتاج إلی الرد أحیانا،کما أشار المحقق،فیما سمعناه.

حیث قال الفقهاء:أنه لا بد فی القسمة من تعدیل السهام،یعنی تقسیمها بالعدالة قبل توزیعها بین الشرکاء.و ذلک لا یکون إلاّ بالقیمة.

و ذلک بنسبة قیمة المجموع إلی قیمة الجزء.و تعدیل القیمة قد یتساوی مع تعدیل الأجزاء و قد لا یتساوی.لأن ذلک یکون علی أشکال ثلاثة:

الشکل الأول:التعدیل بحسب الأجزاء و الکمیة،کیلا أو وزنا أو عدا أو مساحة.و تسمی قسمة(افراز)و هی جاریة فی کل مجموعة تکون إجراؤها متساویة عرفا کالسوائل و الحبوب و کثیر من أشکال القماش و غیرها.

و هنا تکون قیمة نسبة المجموع إلی الجزء،کنسبة نفس المجموع إلی الجزء.یعنی کما أن الجزء هو نصف المجموع مثلا:کذلک قیمته هو نصف قیمته.

الشکل الثانی:القسمة بحسب القیمة و المالیة.بدون النظر إلی الأجزاء.فإن المهم هو التساوی فی المالیة کما قلنا لا التساوی فی الأجزاء.و هذه القسمة تکون فی القیمیات کالحیوانات و العبید و العقارات.و تسمی قسمة(التعدیل).کما لو اشترک اثنان فی ثلاثة أغنام إلاّ أن قیمة اثنین منها یساوی قیمة واحدة.فیدفع الواحد إلی أحد الشریکین و الاثنین إلی الآخر.لأن المهم التساوی فی القیمة لا فی الأجزاء کما قلنا.

الشکل الثالث:قد یستدعی التساوی فی القیمة إرجاع یدل بعض ما وصل إلی الشریک و تسمی قسمة(الرد)و هو الذی أشار إلیه المحقق.

کما إذا کان عبدان مشترکان بین اثنین قیمة أحدهما و کانت قیمة أحدهما قطعة لنردها علی الشریک.فنرجع إلی المالیة،فإذا دفعنا العبد، الأرخص مع نصف دینار إلی أحد الشریکین فقد تساوت المالیة.

فإذا عرفنا قسمة الرد،فمراد المحقق الحلی أن القسمة لیست بیعا سواء کان فیها رد أم لا.لدفع الاحتمال الفقهی:أن القسمة إذا کان فیها رد کانت بیعا،بعنوان:إننا اشترینا الجزء الموجود فی أحد القسمین بالرد أو بالدینار الذی دفعناه فی المثال.و جوابه باختصار:ان هذا الدینار إنما دفعناه باعتبار التساوی أو التعدیل فی القسمة لا باعتبار البیع.

و من أمثلة قسمة الرد:ان ثلاثة کانوا مشترکین فی عبدین أو حیوانین:بحیث لا یمکن أن نقسم أجسامها.و لا یجب بیعها و قسمة الثمن.إذن ندفع الحیوانین لاثنین منهما و نرد من کل منهما نصف حصة الشریک الثالث.

الأمر الثالث:إن القسمة إذا لم تکن بیعا،لا یشملها حکم البیع بکل أقسامه،بما فیها أحکام الخیار و الصرف و السلم و الربا و غیرها.

الأمر الرابع:سمعنا من المحقق:إن القسمة لا تصح إلاّ باتفاق الشرکاء.فقد یقال:إن القسمة هنا أصبحت عقدا مستقلا،کالشرکة نفسه.فکما أن العقد أوجب الاشتراک فی الحال کذلک هو الذی یوجب فضّها.إذ لو لا الحجیة الشرعیة للتقسیم،للزم بقاء کل الحصص التی تصل إلی الشرکاء مشترکة بدورها.و لا یکون حجة إلاّ العقد.

و هذا کلام جید من الناحیة الشکلیة إلاّ أنه غیر محتمل فقهیا.

للسالم بعدم اعتبار العقد هنا.بل یکفی فی حجیة القسمة مجرد اتفاق کل الشرکاء علیها و قناعتهم بها.

الأمر الخامس:قد یلزم فی التقسیم نقصان قیمة القسمین عن قیمة المجموع کالأحجار الکریمة،فإن قسمتها تذهب بکثیر من قیمتها.

و کذلک کثیر من أشکال الأثاث و المفروشات و الملابس و غیرها.بل قد لا یبقی لها قیمة أصلا أو تکون قیمتها تافهة تماما.

و نقصان القیمة قد یکون کثیرا،و قد یکون قلیلا،فإن کان قلیلا بحیث لا یعتد به عرفا،جازت القسمة.و إلاّ فلا یبعد القول بحرمتها لأن فیها تبذیرا محرما.و معه یمکن التوصل إلی القسمة بأحد شکلین:

أولا:أن یباع الثوب-مثلا-و نقسم قیمته بین الشریکین أو الشرکاء.

ثانیا:اعتماد قسمة الرد،و ذلک بإعطاء أحد الشریکین الثوب.

و یعطی الشریک نصف قیمته إلی الآخر.و لا بد أن یتفقا عندئذ علی من یأخذ الثوب و من یأخذ القیمة.فإن اختلفا کان الأمر علی ما سنقوله فی الأمر الآتی.

الأمر السادس:إذا طلب أحد الشریکین أو أحد الشرکاء القسمة، و امتنع الآخر.فإن کان امتناعه عن ضرر أو ضرورة،بمعنی أن القسمة تضره،و لا یضر البقاء علی الشرکة صاحبه.لم یکن لصاحبه إجباره علی القسمة.

و إن لم یکن کذلک،أو کان البقاء علی الشرکة مما یضر طالب

القسمة و امتنع الآخر عنها.أمکن رجوع طالب القسمة إلی الحاکم العادل،فإنه ولی الممتنع لیجبر الممتنع علی القسمة،أو القیام بها بالولایة عنه.

و هنا ینبغی الالتفات إلی أننا عرفنا أن الشرکة قد تحدث بالعقد و قد تحدث بالخلط.و هذان السببان قد یوجدان معا و قد ینفصلان.

و المهم فی القسمة هو ما إذا حصل الخلط.سواء کان هناک عقد أم لم یکن.و أما لو کان المال مشترکا بسبب العقد و لکن یحصل فیه الخلط.فعندئذ یکفی فی القسمة فسخ الشرکة التی عرفنا أنها عقد جائز یمکن فسخه لأی من الشرکاء.فإذا فسخ کان لک حجة کافیة فی تبدل الملکیة و رجوع کل مال إلی صاحبه الأصلی.و المفروض أنه لم یختلط سلفا.و فی مثله لا حاجة إلی الرجوع إلی الحاکم العادل،کما هو معلوم.بل یکون الشریک مجبرا شرعا علی التسلیم بالنتیجة أعنی القسمة.

الأمر السابع:کما یمکن وجود الشرکة بین ملکین أو اختصاصین، و هو ما تکلمنا عنه إلی الآن.یمکن وجودها بإشکال أخری،یکون غالبها مشمولا لأسالیب القسمة السابقة.

أولا:الاشتراک بین الملک و الوقف.کما لو کان شیء واحد جزء منه وقفا و جزء منه ملکا.

ثانیا:الاشتراک بین الوقف و حق الاختصاص،کما لو کان شیء واحد جزء منه وقفا و جزء منه مختصا.و یتحقق ذلک بأحد الکلاب الأربعة النافعة عرفا و یجوز بیعها شرعا،و یجوز وقفها علی الأقوی.فلو وقف نصف الکلب کان کذلک.

ثالثا:الاشتراک بین وقفین،کما لو کان شیء واحد مشترک بین اثنین،فوقف کل واحد حصته علی جهة تختلف عن الآخر.أحدهما للفقراء و الآخر للعلماء مثلا.

رابعا:الاشتراک بین الحریة و الرّقّیة،کما فی العبد المکاتب المطلق إذا أدی بعض مال الکتابة.

خامسا:الاشتراک فی الملک(الطلق)و الرهن،کما لو وضع أحد الشریکین فی الملک حصته رهنا علی دین فی ذمته.

سادسا:الاشتراک بین الملک و الإباحة،کما لو أباح أحد الشریکین للآخر التصرف فی حصته.

سابعا:الاشتراک بین الملک و الزواج.کما لو زوج أحد الشریکین فی الأمة شریکه الآخر من حصته بالأمة.و لا یبعد نفوذ هذا الزواج.و إن کان بعیدا عن الارتکاز الفقهی إلی غیر ذلک من الأقسام المتصور.

فصل الشرکة العامة

اشارة

الشرکة العامة

و هو الحق الذی یکون للعدیدین الاستفادة منه فی موارد عدیدة أو قل:فی أعیان کثیرة.فإن هذه الأعیان أما أن تسبق علیها الملکیة أو لم تسبق علیها ملکیة معروفه.

فإن لم تسبق علیها ملکیة معروفة،یعنی و إن کان شیء منها قد یکون مملوکا فی أجیال سحیقة فی القدم.فی أعیان کثیرة.فإن هذه الأعیان أما أن تسبق علیها الملکیة أو لم تسبق علیها ملکیة معروفه.

فإن لم تسبق علیها ملکیة معروفة،یعنی و إن کان شیء منها قد یکون مملوکا فی أجیال سحیقة فی القدم.و هذا الاحتمال وارد فی الأراضی عموما،إلاّ أنه لا أهمیة له فقهیا،فإن اَلْأَرْضَ لِلّهِ یُورِثُها مَنْ یَشاءُ مِنْ عِبادِهِ .

و مثال ذلک:الأنهار و البحار و القفار و الغابات،و المزروعات غیر المملوکة،سواء کانت أشجارا أو صغارا کالحشیش.و منها عیون الماء و المستنفعات و الغدران و المعادن الظاهرة علی وجه الأرض،کالملح الموجود فی الأرض غیر المملوکة أو المعادن الباطنة فی الأرض،غیر المستخرجة بعد.أو المعادن الموجودة فی قاع البحار أو موجودات البحار من نبات و حیوان و یشملها جمیعا اسم(المباحات العامة) بالاصطلاح الفقهی.

و أما ما سبقت علیه ملکیة معروفة،و لکنه أصبح بعدها من المشترکات أو أصبح کذلک بسبب ملکیة مجاورة کما سنقول و یجمعها وجود الملکیة إجمالا فی البین فهی تنقسم إلی أقسام:-

القسم الأول:ما أصبح متعلقا للحق العام بمعاملة معینة،کالأوقاف العامة و المساجد.

القسم الثانی:ما أصبح کذلک باعتبار الإعراض،الذی قلنا أنه مخرج عن الملکیة.و هذا قد یکون فی المنقول.و قد یکون فی الأرض إذا أهملها صاحبها حتی اندرست.و کذلک الأرض المملوکة التی یدخلها مالکها فی الطریق العام اختیارا.

القسم الثالث:ما أصبح طریقا عاما رغما علی صاحبه.کالبیوت التی یجرفها السیل.أو تهدمها الدولة فتجعلها شوارع.

القسم الرابع:الماء و الکلأ و النار المملوک،و لکنها زادت عن حاجة صاحبها بوضوح.فیتعلق بها الحق العام.

القسم الخامس:الطریق غیر السالک(دریبة)و یکون حوله بیوت، یتعلق بها حقوق الساکنین عموما.و هذا الدرب و إن لم یکن مملوکا إلاّ أنه مجاور للأملاک.

القسم السادس:ما یسمی بالحریم فقهیا من الشوارع العامة،فإن الحق العام متعلق به للمرور فیه،و الحق الخاص متعلق به بعدم الاعتداء علی الأرض أو الدار المجاورة له.و قد أفتی السید الأستاذ بوجوبه،طبقا لظاهر بعض الروایات.

فهذه فکرة إجمالیة عن المشترکات العامة.و لیس منها الحمامات العامة و المدارس و نحوها،مما لا یکون وقفا عاما.فإنها مملوکة لأصحابها،و إنما جعلها أصحابها ممرا للناس باعتبار مصلحتهم التجاریة.

و لهم المنع عنها متی شاؤوا.

کما أنه لیس منها الوقف الخاص،لوضوح أنه خاص بأناس محددین و لیس عاما.

هذا.و نحن لا ینبغی لنا فی هذا الکتاب أن ندخل فی کل التفاصیل

الفقهیة لهذه الأمور جمیعا.و إنما نختار الأهم فالأهم،و نذر الباقی للفقه.و نذکر ما نختاره ضمن العناوین التالیة:

بعض أحکام الأراضی:

تنقسم الأراضی من حیث الملکیة إلی أقسام:

القسم الأول:الأراضی الموات بالأصل،أی فی التأریخ المعروف کالبراری و القفار و الجبال.و هی فی أصل الشریعة من الأنفال،قال سبحانه یَسْئَلُونَکَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلّهِ وَ الرَّسُولِ ؛و قد ورد أن ما کان للّه و رسوله فهو للإمام.و قد أعطی أئمتنا المعصومون سلام اللّه علیهم إجازة الاحیاء و الملکیة لأی أحد مسلما کان أو کافرا.و یکفی فیه صدق الاحیاء عرفا،و أن هذه الأرض یظهر علیها آثار العمل و غیر مهملة تماما.

کما أن هذه الأرض یمکن ملکیتها بالحیازة،و حیازة الأرض یکون بإدخالها تحت الید و السیطرة.

لا یراد بذلک کل سیطرة و إنما السیطرة للاستفادة التجاریة الفعلیة، أو بالتحجیر.غیر أن الفقهاء أفتوا أن هذه الأسباب لا تنتج الملکیة التامة و إنما تنتج حق الاختصاص.

و لا فرق فی هذه الأحکام بین الأراضی الکبیرة و الصغیرة،ما دام الفرد قائما بحقها و حق الأحکام الشرعیة.

القسم الثانی:الأراضی المحیاة حال الفتح الإسلامی،کما لو کانت یومئذ بستانا أو دار أو أی شیء آخر.بل و حتی لو کانت مرفقا عاما کالشوارع و الکنائس و المقابر و المزابل.فإنها جمیعا لها حکم واحد.

و هو:أنه منذ ذلک الحین دخلت هذه الأرض فی ملک الأمة الإسلامیة بکل أفرادها السابقین و الحاضرین و اللاحقین إلی یوم القیامة.کما دل علی ذلک الدلیل المعتبر.

و لا یملکها أحد بعینه.و إنما إذا لم تکن الأرض تحت حیازة

أحد،فمن حق أی فرد البناء أو الزرع فیها،علی أن لا تدخل الأرض فی ملکه و لا تذهب میراثا بعد موته،و إنما یملک الفرد فقط ما أحدثه علی الأرض من بناء أو زرع.

و ینبغی الإلماع إلی أن المراد بالأراضی المحیاة حال الفتح،:

المحیاة بالعمل البشری،کما مثلنا.دون ما کانت محیاة إحیاء طبیعیا، و هی أیضا من الأنفال.و لا دلیل علی اندراجه فی حکم القسم الثانی.

کما أن القسم الأول لیس مندرجا فیه حتما من الناحیة الفقهیة.

و إنما السؤال الفقهی قد یعرض:بأن الدلیل القائل:من أحیا أرضا فهی له.کیف یکون شاملا لهذا القسم و هی محیاة بالأصل.

و جواب ذلک یکون بأحد وجوه:

الوجه الأول:إمکان إحیاء الأرض المحیاة،حتی و إن أحیاها بالزراعة.فأما أن یزرع فیها زرعا جدیدا أو أن یعتنی بالزرع الموجود عنایة جدیة تجاریة.

الوجه الثانی:إمکان إحیاء هذه الأرض بغیر الزراعة کجعلها دارا أو مصنعا.

الوجه الثالث:الاکتفاء بالحیازة کسبب للملکیة.بعد أن یری الفقیه اختصاص الدلیل المشار إلیه بالأرض الموات.فتکون الأرض المحیاة طبیعیا مشمولة لدلیل الملک بالحیازة.کما مال إلیه سیدنا الأستاذ (1)

منهاج الصالحین ج‍ 2،ص 172.

.

غیر أنه یمکن المناقشة فیه،من حیث انصراف قوله:من حاز ملک.إلی المنقولات دون الأراضی.مع وضوح خروج الأرض عنه لاندراجها بدلیل الأحیاء.الدال علی عدم کفایة الحیازة.و هو شامل بإطلاقه للموات و المحیا.و لیس علینا الآن الاستمرار بالمناقشة.


1) 1)

الوجه الرابع:التحجیر الذی قلنا بکفایته فی الأرض الموات.

ممکن أیضا بالنسبة إلی الأراضی المحیاة أیضا،مع إنتاجه لنفس النتیجة و هی حق الاختصاص دون الملک.

غیر أن حق الاختصاص هنا لا یختلف عن الملکیة،من حیث جواز البیع و الرهن و الوقف و غیر ذلک من المعاملات.

القسم الرابع:أراضی الصلح.و هی الأراضی التی کانت مملوکة حال الفتح الإسلامی.و قد دخلت الأرض و أهلها فی حکم الإسلام بدون حرب،بل بالصلح.و کان من جملة شروط الصلح أن تبقی الأراضی المملوکة فی ملک أصحابها.فهذه أراض مملوکة ملکیة خاصة،و لا تدخل فی معنی الشرکة العامة.

الشوارع:

و بمعنی أوسع کل مملوک مما لا ینقل،بدون رغبة صاحبه أو أصحابه.أیا کان السبب کالحرق أو الغرق أو الدخول فی شارع بأمر الدولة أو أی سبب آخر.

فهنا یجب أن ننظر إلی أربع مستویات.

المستوی الأول:مستوی الملک الذی زال:هل کان ملکا عادیا.

أو وقفا خاصا أو وقفا عاما أو مسجدا.

المستوی الثانی:إن الأرض التی کان علیها ذلک الملک،هل هی فی أصلها و تاریخها السابق من الأراضی الموات المحیاة أو من الأراضی العامرة حال الفتح.و أثره الفقهی هو التساؤل عن أنها أرض مملوکة لصاحبها أو للأمة الإسلامیة کما أشرنا فی العنوان السابق.

المستوی الثالث:أن الأحیاء فی أصله أو قل:إن التصرف فی الأرض هل کان بأموال مملوکة أو مجهولة المالک أو حق الإمام أو زکاة أو حق السادة أو أی شیء آخر.

المستوی الرابع:أن الفرد-لو کان مالکا-ما ذا یکون وجدانه بعد الانهدام هل هو متمسک بملکه راغبا فیه.أو معرض عنه أو هالک لا نستطیع أن نسأله و لا نعرف له ورثة.

و إذا ضربنا بعض هذه الاحتمالات ببعض،تصعد الأرقام إلی عدد مهم.غیر أنه لیس کل واحد منها له حکم بل کل مجموعة منها له حکم مستقل عن المجموعة الأخری.کما سیتضح من الفقرات التالیة:

الفقرة الأولی:ان کانت الأرض من المحیاة حال الفتح و ملک للأمة الإسلامیة،و لم یبق بعد الانهدام إلاّ الأرض.فلا حق لصاحب الملک بها،و یجوز استعمالها لسائر المسلمین بأی شکل من أشکال الانتفاع.

الفقرة الثانیة:ان کانت الأرض لکافر غیر ذمی.فالحکم کالفقرة الأولی تماما.

الفقرة الثالثة:ان کان المالک موجودا بعد الانهدام و قد حصل إعراضه عن الأرض،و لو باعتبار تعویض الدولة له عن ملکه.و الأعراض مخرج عن الملک.فیکون الحکم کما ذکرنا فی الفقرتین السابقتین.

الفقرة الرابعة:إذا کانت الأرض محیاة حال الفتح،فإنها تعود إلی حکمها الأول و ان کان البناء أو الملک علیها،وقفا عاما أو خاصا أو مسجدا أو أی شیء آخر.

الفقرة الخامسة:إذا کانت الأرض من الموات بالأصل المحیاة بالأموال العامة،فیبقی حکمها حکم المال الذی تم إحیاؤها به.من حق الإمام أو مجهول المالک أو الزکاة أو غیرها.إلا إذا اندرست تماما و خفی أثرها أعنی أثر الملک علیها.فیکون حکمها حکم الفقرات السابقة.

الفقرة السادسة:إذا أخذ السیل الملک و مات أهله معه،و لم تعرف لهم ورثه،فإن اندرست الأرض تماما،فحکمها کالسابق.و ان لم تندرس و بقی الأثر،فأمرها راجع إلی الحاکم العادل.

الفقرة السابعة:إذا کان الوقف العام أو المسجد علی أرض محیاة و کانت مروات بالأصل.و انهدم.فأما أن تندرس أولا.و کلا الشکلین ذکرنا حکمهما فی الفقرة السابقة.

الفقرة الثامنة:ان الملک المفهوم کان اعتیادیا علی أرض محیاة بعد أن کانت مواتا.و هی ملک لشخص موجود،أو ورثته موجودون.و هو غیر معرض عن ملکه.فإن لم تندرس،بقیت ملکه و لا یجوز لأحد التعدی علیها أو المرور فیها إلا بإذنه.و إن اندرست،کان له فیها حق الاختصاص،و لا یبعد أن یکون أحق بإحیائها من غیره.فإن أکره علی الترک،لم یجز للآخرین التصرف إلاّ بإذنه أیضا.

لا فرق بین ما وقع فی شارع أو فی غیره،و إن لم یمکن الاستئذان،کان أمرها إلی الولی العادل.

تاریخ الأرض:

اتضح من هذه الفقرات،أن المهم هو التعرف علی تاریخ الأرض، هل هی عامرة حال الفتح أو میتة أو ممن أسلم أهلها علیها طوعا أو من أراضی الصلح.من حیث أن الأولی ملک للأمة الإسلامیة و الباقی ملک لأصحابها،إلاّ إذا کان الشرط فی الصلح-فی القسم الأخیر-علی غیر ذلک،فیتبع الشرط،إلاّ أن هذا لم یثبت عملیا فی أی تاریخ.

فالمهم هو تشخیص أن الأرض هل هی محیاة حال الفتح أولا.

و ینبغی أن یکون واضحا للقارئ الکریم أن کل مدینة کانت قائمة و موجودة حال الفتح الإسلامی،و نرید به الفتح العسکری الذی یتم سقوط المدینة بسببه بأیدی الجیش المسلم یومئذ فکل مدینة موجودة یومئذ فهی محیاة حال الفتح.

یتبع ذلک کل البساتین و الرساتیق التی کانت یومئذ.و کذلک کل الأماکن القلیلة المحیاة خلال البریة.إلاّ أن هذا مما لا یمکن إثباته تاریخیا.فما علینا إلاّ أن نبحث عن وجود المدن و ضواحیها یومئذ.

و من الواضح تاریخیا أن الفتح الإسلامی شمل منطقة واسعة جدا من الشرق بما فی ذلک الجزیرة العربیة و العراق و الشام الکبری بما فیها سوریا و لبنان و الأردن و فلسطین.و شمل ترکیا و إیران و باکستان و أفغانستان،و قسم مهم من الجمهوریات الجنوبیة الآسیویة فی الاتحاد السوفیتی.فکل المدن التی کانت معمورة فی ذلک الحین من هذه المناطق فهی من الأراضی المحیاة حال الفتح.

بما فیها مکة المکرمة التی سقطت بید جیش النبی(صلی الله علیه و آله)بالغزو العسکری.و أما المدینة المنورة فقد أسلم علیها أهلها طوعا.فلا تکون مشمولة لهذا الحکم.و إنما تکون الأملاک فیها لأصحابها و ورثتهم.

و معه یتضح أن ما حاوله بعض أساتذتنا من جعل هذه الأرض هی (أرض السواد) (1)

غیر أنه ورد أرض السواد فی الأدلة موضوعا لملکیة الأمة الإسلامیة.إلاّ أنه لا یشمل إلاّ ما کان سوادا فعلا آنئذ فیه و فی غیره،بعد التجرید عن الخصوصیة و إمکان التعمیم.و المقصود من السواد البساتین،و باللغة الفقهیة:المحیا بالزرع. و بعد تعمیمه إلی کل إشکال الأحیاء،یثبت موضوع الحکم.و تمام الکلام فی الفقه.

،و هی الأرض ما بین النهرین فی العراق.قابل للمناقشة بوضوح.لأن المدن و البساتین،کانت منتشرة فی أرض السواد و غیرها، کما أن أرض السواد فیها ما هو بر أقفر،یعنی:موات فقهیا.و الأرض الموات لا تکون مشمولة للحکم السابق.

هذا و ینبغی الألماع إلی أن الأراضی المحیاة طبیعیا حال الفتح کالغابات و الأحراش أیضا غیر مشمولة للحکم.

قال بعض أساتذتنا (2):و علی هذا الأساس،نصبح الیوم بحاجة إلی معلومات تاریخیة واسعة عن الأراضی الإسلامیة و مدی عمرانها.لنستطیع أن نمیز فی ضوئها المواضع التی کانت عامرة وقت الفتح عن غیرها من


1) 1)

2) 2) اقتصادنا ج‍ 2،ص 84. [1]

المواضع المغمورة(الغامرة)و نظرا إلی صعوبة توفر المعلومات الحاسمة بهذا الصدد،اکتفی کثیر من الفقهاء بالظن.فکل أرض یغلب علی الظن أنها کانت معمورة حال الفتح الإسلامی تعتبر ملکا للمسلمین.

أقول:الاکتفاء بالظن علی أساس القول بحجته مع انعدام الدلیل الشرعی المعتبر.إذا یصبح الظن حجة عندئذ.و هذا متفرع علی القول بصحة و تمامیة(دلیل الانسداد)فی علم الأصول،و لا مجال لبحثه الآن.

هذا و یمکن القول:أنه مع عدم الدلیل المعتبر یمکن اجراء القواعد الفقهیة الاعتیادیة،حیث یجری استصحاب عدم الإحیاء إلی حین الفتح.

المنتج لعدم کون الأرض ملکا للأمة الإسلامیة.

و لا یعارضه استصحاب تأخر الفتح عن الأحیاء.لأنه لا یثبت کونه محیاة حال الفتح إلا بالأصل المثبت.

و إذا قلنا بالتعارض و التساقط أمکن المصیر إلی عمومات فوقیة، مثل(من أحیا أرضا فهی له)أو(خلق لکم ما فی الأرض جمیعا)الشامل للأرض نفسها عرفا بطبیعة الحال.

حکم الدریبة:

و هو الطریق السالک من أحد طرفیه دون الطرف الآخر قال عنه السید الأستاذ (1)

منهاج الصالحین ج‍ 2،ص 177. [1]

أنه:ملک لأرباب الدور التی أبوابها مفتوحة إلیه دون کل من کان حائط داره إلیه.و هو مشترک بینهم من صدره إلی ساقه و حکمه حکم سائر الأموال المشترکة.فلا یجوز لکل واحد منهم التصرف فیه بدون إذن الآخرین.نعم یجوز لکل منهم فتح باب آخر و سد الباب الأول.

أقول:و قصة الباب التی أشار إلیها محل نظر فی المسلک الفقهی التقلیدی.إذ لو کان أحدهم أن یغیر بابه إلی الخارج،یعنی إلی طرف


1) 1)

فتحة الدریبة،جاز أما إذا أراد أو یغیرها إلی الداخل لم یجز إلاّ بإذن أصحابها.

و أضاف السید الأستاذ (1)

المصدر و الصفحة.

:لا یجوز لمن کان حائط داره إلی الدریبة فتح باب إلیها للاستطراق إلاّ بإذن أربابها.نعم له فتح ثقبة و شباک فیها.

قالوا:و لا یجوز لأحد جعل راوشن(شناشیل)إلاّ بإذن الآخرین، یعنی من هم أدخل منه فی الدریبة و هم الذین یمشون أکثر حتی یصلوا إلی دورهم.لا یختلف فی هذا الحکم من کان بابه إلی الدرب أو حائطه إلیه.

و لنا علی ذلک التعلیق بعدة أمور:

الأمر الأول:لم یثبت فقهیا ملکیة أهل الدور للدرب.کل ما فی الموضوع أنهم لهم حق الاختصاص أو حق الانتفاع به.کما سنوضح فی الأمر الآتی.

و لو کانت الأرض ملکا لزم ذهابها میراثا.و لزم کون الدرب کله ملکا لواحد فیما إذا کانت بابه فقط مفتوحة فیه.بحیث یستطیع أن یبنی فیه بناء أو یجعله بستانا.و کذلک لو اتفق أهل الدریبة علی ذلک جاز.

و کل ذلک غیر محتمل فقهیا،إذن فالملکیة غیر صحیحة.و لا أقل من أصالة عدمها مع الشک فی حصولها.

الأمر الثانی:أن الشارع الإسلامی لم یرد لسکان الدریبة أکثر من راحتهم و حریة مرورهم و قضاء حوائجهم المناسبة فی الطریق کطریق.

و هذا یکفی فیه حق الاختصاص.لا بالمعنی الاصطلاحی الذی هو نوع ضعیف من الملکیة.لأن ذلک تترتب علیه آثار الملکیة نفسها التی أشرنا إلی بعضها.مما هو غیر محتمل کما قلنا.

بل بمعنی أنه لا یجوز لمن هو ساکن فی خارج الدریبة أو من


1) 1)

حائطه إلیها،أن یزاحم هؤلاء فی حیاتهم و تصرفاتهم.کما لا یجوز أن یزاحم منهم الساکن قریبا من خارج الدریبة(من فتحتها)من کان ساکنا إلی داخلها،فیمنعه عن بعض تصرفاته.

و قد یمکن أن نستأنس بالحکم الشرعی القائل أن من له شجرة أو نخلة فی أرض غیره یکون له حق الاستطراق إلیها.و هذا الحق لا یعنی أن الطریق الذی لا بد من یمشی علیه یکون ملکه.فلو باعه صاحب الأرض تلک النخلة لم یلزم بیعه للطریق کما هو معلوم.نعم لیس له منعه من التصرفات العرفیة تجاه النخلة.

إذن فمثل هذه الحقوق لا تعنی الملکیة.

الأمر الثالث:ینتج من ذلک:أن الدریبة باقیة علی الإباحة العامة فی أصل رقبتها،إلاّ أنها تختص بحقوق الساکنین الأمر الذی یجعلها مستقلة فی الحکم عن سائر المباحات العامة،کما هو معلوم.

خذ إلیک مثلا:أن مدینة معینة کان لها طریق رئیسی یصعب تغییره جدا.فمثل هذا الطریق یکون لأهل المدینة حق فیه،و لا یجوز لمن هو خارج المدینة مزاحمتهم فیه.و إلاّ کان مشمولا للحدیث:من أضر بطریق المسلمین فلیس بمسلم.فالحق الذی فی الدریبة یشبه هذا المعنی.

الأمر الرابع:من القرائن علی عدم الملکیة أیضا:الحکم بأن الفرد الساکن لا یجوز أن یدخل بابه أکثر إلاّ بإذن الآخرین من الساکنین.بینما یجوز له أن یخرجها إلی جانب فتحة الدریبة.

و هذا یعنی أمران:

أحدهما:أن الساکن لو کان مالکا فهو مالک لنصف عرض الدریبة بمقدار طول حائط داره علیها.و معه لیس لأحد غیره من السکان حق فی هذه المنطقة.فلما ذا لا یجوز له أن یدخل بابه أکثر؟ فهذا دلیل علی أن الآخرین من الساکنین لهم حق فی هذه البقعة بالذات،و إن کانت فی جوار داره.و هذا یعنی أنها لیست ملکه.

ثانیهما:أنه لو أخرج بابه سقط حقه من مقدار الاستطراق السابق.

و لو کان مالکا للفسحة التی أمام داره لم یسقط حقه.و دلیل حقه أن المشهور یفتی:بأنه لا یجوز له إرجاع بابه إلی حالها الأول إلاّ بإذن الباقین ممن هو أدخل فی الدریبة منه.

الأمر الخامس:نتج مما قلناه:إن أی تصرف من أی إنسان بشکل لا یزاحم أو یمنع شیئا من حقوق الساکنین و تصرفاتهم،لا مانع منه شرعا.فلو دخل داخل فی الدریبة لیستریح فی أحد جوانبها،لم یجب علیه دق الأبواب للاستئذان من أهل البیوت واحدا واحدا،أو بمقدار ما هو عازم علی استطراقه من الدریبة.

و کذلک البائع المتجول یجوز له أن یقف فی الدریبة للبیع علی أهلها،بدون أن یزعجهم بالضوضاء أو یزاحم مرورهم.و لا یحتاج إلی استئذان.

و لو فرض أنه جاء أحدهم ضیف أو أی قادم آخر،لم یجز له المشی فی الریبة إلاّ بعد الاستئذان،تماما فی دار أی واحد من المسلمین.و هو غیر محتمل فقهیا.إلی غیر ذلک من الأمثلة.

الحریم:

اشارة

قال السید الأستاذ (1)

منهاج الصالحین ج‍ 2،ص 168. [1]

:من أحیی أرضا مواتا تبعها حریمها بعد الإحیاء.و حریم کل شیء:مقدار ما یتوقف علیه الانتفاع به.و لا یجوز لأحد أن یحیی هذه المقدار بدون رضا صاحبه.

فقد عرف الحریم بأنه:مقدار ما یتوقف علیه الانتفاع به.و رتب علی ذلک فروع کثیرة لمختلف الأملاک کالدار و البئر و البستان و غیرها.

و لنا علی عبارته مناقشات یأتی المهم منها.

و یقع الحدیث أولا عن مفهوم الحریم و أخری عن حکمه.


1) 1)

مفهوم الحریم:

قال ابن منظور (1)

لسان العرب: [1]مادة:حرم.

:الحریم ما حرّم فلم یمسّ و الحریم:ما کان المحرمون یلقونه من الثیاب فلا یلبسونه(یقصد:فی حج الجاهلیة).

الأزهری:الحریم الذی حرم منه فلا یدانی منه.

و حرم مکة:معروف و هو حرم اللّه و حرم رسوله.و الحرمان:مکة و المدینة.

و أحرم القوم:دخلوا فی الحرم.و رجل حرام داخل فی الحرم.

و کذلک الاثنان و الجمع و المؤنث.و قد جمعه بعضهم علی حرم و محرمون.و المحرم:الداخل فی الشهر الحرام.إلی آخر ما قال.

و تعریف الحریم هذا یلزم منه الدور کما قلنا فی أمثاله،لأنه استعمل مادة(حرم)فی تعریف الحریم،مما ینتج أن من لا یفهم هذه المادة لا یعرف من التعریف شیئا.و تبقی اللفظة المقصود تعریفها مجهولة له.

غیر أن ما یستفاد من هذا التعریف من جهة أخری،یعتبر شیئا ذا بال بالنسبة إلی مفهوم الحریم.و ذلک أن الأصل فیه هو(الحرمة)أو أنه مأخوذ منها.و هی المنع و الحجر،فإذا صار الشیء ممنوعا من مسه أو من الدنو إلیه-کما قال اللغویون-فهو حریم.فهو فعیل بمعنی المفعول.یعنی قد أوجدت فیه الحرمة و تلبسته و اتصف بها.

و کأن هذا المعنی لا یختلف فیه المنقول و غیر المنقول.غیر أن المتعارف و الأعم الأغلب جدا هو الحریم فی غیر المنقول،دون المنقول.

و منه حرم أو حریم مکة المکرمة و المدینة المنورة،لأنه ذو أحکام خاصة فی التحریم.و قد تکلمنا عنه فی فصل خاص من هذا الکتاب.


1) 1)

و منه أیضا الحریم الذی نتحدث عنه لما له من الأحکام الآتیة.

و قد عبر السید الأستاذ-کما سمعنا-:حریم کل شیء.و هو یرید:

کل شیء مملوک غیر منقول.فلو لم یکن مملوکا أو کان منقولا فلا حریم له عادة.کما أن عبارة کل شیء واسعة جدا تشمل جمیع ما فی الأرض و السموات.و عبارات المفکرین یفترض فیها الدقة علی أی حال.

و حسب فهمی فإن الحریم له جانب أخلاقی و جانب اقتصادی.

أما الجانب الأخلاقی فهی الاحترام.و لا یعود احترام الأملاک إلی ذاتها بل إلی المالکین.فالتقید بأمور معینة من قبل الناس تجاه أملاک الآخرین،شکل من أشکال الاحترام لها.و لذا نسب الحرم فی الأخبار (1)

وسائل الشیعة أبواب إحیاء الموات باب 11 حدیث 10.

إلی المؤمن نفسه فضلا عن أملاکه.و إنه لا تجوز مضایقته لا فی نفسه و لا فی أملاکه.و إذا لزم من التصرف فی الحریم إیذاء المؤمن أو احتقاره أو إهانته أو الاعتداء علیه،کان حراما بضرورة الشرع بعض النظر عن فکرة الحریم.

إذن،ففکرة الحریم تقتضی شیئا أعلی من هذه الأمور.و هی نوع من الاحترام الفعلی للمؤمن.

و أما الجانب الاقتصادی،فإن کل ملک غیر منقول له شکل من أشکال الانتفاع بحریة.و هذا یتوقف فی کثیر من الأحیان علی التصرف بخارجه،أعنی المنطقة أو المکان الذی حوله و المجاور له.إذن یکون أو یجب أن یکون انتفاع المالک فی هذه المنطقة کلها حرا تماما من ناحیة مضایقة الآخرین.لأنه مما یتوقف علیه الانتفاع بالملک نفسه.

و لا ینبغی لنا هنا أن ننسی أنه ورد الحریم بالنسبة إلی الأشیاء غیر المملوکة کالنهر الکبیر و المسجد و غیرها.و مرجع ذلک أیضا إلی إعطاء الحریة لکل أحد فی التصرف بمقدار مصلحته و عدم مضایقة الآخرین له.


1) 1)

مضافا إلی الجانب الأخلاقی الذی یتضمن الاحترام.و خاصة بالنسبة إلی المسجد و الحرمین الشریفین.

تقدیر الحریم:

هل للحریم مقدار معین أو مسافة معینة أم لا.

فی ذلک عدة احتمالات:

الاحتمال الأول:أن له مسافات معینة منصوصة فی الأخبار فیجب التعبّد بها.

الاحتمال الثانی:أنه موکول إلی الفهم العرفی.بحیث لو التفت الفرد العرفی إلی هذا المعنی لأعطانا مقدارا ذا تحدید نسبی للحریم.

و هذا هو المطلوب.

الاحتمال الثالث:أنه بمقدار المصلحة و الانتفاع و لیس محددا بأحد الأسلوبین السابقین.فقد یقل عنهما و قد یکثر تبعا للمصلحة.

و ظاهر کلام السید الأستاذ هو الاحتمال الأخیر.إلاّ أنه أدنی الاحتمالات فقهیا.إذ أن مقتضی القاعدة هو:أن ما ورد فی الأخبار المعتبرة من التقدیر لمسافة الحریم هو المتبع.و ما کان من الأخبار غیر معتبر أو لم یرد ذکره فی الأخبار.فله حریم،بعد تجرید الأخبار المعتبرة عن الخصوصیة و تعمیم الفهم منها.و لذا قال السید الأستاذ کما سمعنا (حریم کل شیء)یعنی(لکل شیء حریم)أعنی من المملوک غیر المنقول أو مطلق غیر المنقول و ان لم یکن مملوکا.

فالمهم وجود الحریم.إلاّ أن تقدیره راجع إلی الفهم العرفی.و هو الاحتمال الثانی.فحتی الصحاری و الغابات و المدن و غیرها لها شکل من أشکال الحریم عرفا.

و أما ما زاد عن المقدار العرفی مما یکون موردا للمصلحة،و هو الفرق بین الاحتمال الثانی و الثالث،فلا دلیل علی وجوب احترامه

و التعبد بأحکامه.کما أنه لو تقلصت المصلحة أقل من المقدار العرفی أو أقل من المقدار الشرعی(أعنی الوارد فی الروایات المعتبرة):فهذا لا یعنی تقلص الحریم بل یبقی نافذا و محترما.

و لا ینبغی أن نغفل هنا عن الفکرة القائلة:بأن تحدید الحریم بمقادیر معینة فی الأخبار،یمکن أن یحمل علی المثالیة.و تجریده عن الحد إلی کل مقدار عرفی.و لعل المذکور فی الأخبار إنما هو تحدید لما هو عرفی فی ذلک الزمن.فإذا زاد أو نقص عن ذلک عرفا،کان هو المتبع.کل ما فی الأمر أننا نفهم من هذه الأخبار إمضاء فکرة الحریم العرفیة.

حکم الحریم:

الاحتمالات البدویة فقهیا فی حکم الحریم ثلاثة:

الأول:الملکیة لصاحب الملک الأصلی الذی هذا حریمه.کما قال السید الأستاذ فی الدریبة،کما سبق.

و لعل بعض الفقهاء من یقول به أخذا بظهور بعض الأخبار التی استعملت اللام الدالة علی الملک أو الإضافة الدالة علیه مثل(حریم البئر) أو(الحریم للبئر)-مثلا.

الثانی:أنه لیس له حکم إلزامی زائد علی الأحکام الأخری.و إنما له فکرة استحبابیة أخلاقیة لا غیره.

الثالث:أن الحریم یحتوی علی حکم إلزامی و هو حرمة المزاحمة و وجوب التجنب.و هذا قد یزید علی ما عرفناه من حرمة الاعتداء علی المؤمن.

بل الأمر قد یزید علی مجرد حرمة المزاحمة.فقد لا یکون للفرد فی حریمه حاجة،و مع ذلک فیجب استئذانه فی بعض ما یعمل الآخرون فی حریمه.فإن فکرة الحریم العرفیة منطلقة من ذلک.

و لنا الآن أن نشیر باختصار إلی مناقشة هذه الاحتمالات:الاحتمال الأول:الملکیة،و هی لا تکاد تکون محتملة فقهیا.لأن لام الجر لم ترد فی خبر معتبر،و الإضافة لا تدل علی الملکیة،بمقدار دلالتها علی الأحکام الأخری التی عرفناها.

مضافا إلی أن هناک من الحریم ما هو غیر محتمل الملکیة فقهیا کحریم الأنهار الکبری و الآبار الکبری و حریم المسجد و حریم شخص المؤمن.فإذا علمنا أن الإضافة موجودة و ممکنة عرفا،عرفنا أن المقصود بها غیر الملکیة.بعد الالتفات إلی أن فکرة الحریم هی واحدة دائما.

الاحتمال الثانی:إنما یثبت هذا الاحتمال إذا لم یقم الدلیل المعتبر علی الاحتمال الثالث المتضمن للأحکام الإلزامیة.و یکفی نفی الاحتمال الثانی بقیام الدلیل علی الثالث.

الاحتمال الثالث:أنه لا شک أن مقتضی القاعدة الأولیة جریان أصالة البراءة عن الحکم الإلزامی للحریم بالمقدار الزائد عن أذیة المؤمن و الاعتداء علیه.

و لا یبعد القول بعدم وجود دلیل علی ذلک من الأخبار.فهی جمیعا غیر واضحة بالحکم الإلزامی.کقوله فی صحیح حماد بن عثمان (1)

وسائل الشیعة أبواب إحیاء الموات باب 11 حدیث 1. [1]

:(حریم البئر العادیة أربعون ذراعا حولها).

غیر أن هناک بعض التقریبات الفقهیة للقول بالوجوب نذکرها باختصار،محیلین مناقشاتها إلی الفقه إن وجدت:

التقریب الأول:لا شک أن العرف یعرف فکرة الحریم و یحترمها، و یرتب علیها أحکامه الإلزامیة.و قد عرفنا من الأخبار المعتبرة الاعتراف بهذه الفکرة العرفیة.و معناه أیضا الاعتراف بما یترتب علی ذلک عرفا من الأحکام.


1) 1)

التقریب الثانی:أن مقام الإمام علیه السلام إنما هو مقام بیان الأحکام الشرعیة،فالإخبار بأن(حریم البئر العادیة أربعون ذراعا حولها) لیس لمجرد القصة أو لسرد الواقع أو لزیادة المعلومات و إنما هو لبیان الحکم الشرعی.إذن،فالحریم له حکم شرعی.و هو المطلوب.إلاّ أن انحصار کونه إلزامیا أول الکلام.و ان کان المسلک الاعتیادی لعلماء الأصول أنهم یفهمون فی مثل هذا التقریب الحکم الإلزامی.

و الماء و الکلأ و النار:

ورد فی الأخبار المعتبرة،و فی مصادر الفریقین:ما دل علی حرمة منع الزائد عن الحاجة من هذه المواد المشار إلیها.

یحسن بنا الآن أن نسمع بعضها:

حسنة أبی بصیر (1)

أبواب إحیاء الموات باب 7 حدیث 1.

عن أبی عبد اللّه علیه السلام:قال:نهی رسول اللّه(صلی الله علیه و آله)عن النطاف و الأربعاء قال:و الأربعاء أن یسنی مسناة فیحمل الماء فیسقی به الأرض ثم یستغنی عنه.فقال:لا تبعه و لکن أعره جارک.و النطاف:أن یکون له الشرب فیستغنی عنه.فیقول:لا تبعه أعره أخاک أو جارک.

و حسنة عقبة بن خالد (2)عن أبی عبد اللّه علیه السلام.قال:قضی رسول اللّه(صلی الله علیه و آله)بین أهل المدینة فی مشارب النخل أنه لا یمنع نفع الشیء.و قضی بین أهل البادیة:أنه لا یمنع فضل ماء.لیمنع فضل کلاء.فقال:لا ضرر و لا ضرار.

و روایة محمد بن سنان (3)عن أبی الحسن علیه السلام قال:سألته عن ماء الوادی.فقال:إن المسلمین شرکاء فی الماء و النار و الکلأ.


1) 1)

2) 2) المصدر حدیث 2.

3) 3) المصدر باب 5 حدیث 1.

و هی ظاهرة بحرمة المنع.نعم قد یناقش فی ذلک أو یقال بالحمل علی الکراهة أخذا بالروایات الدالة علی جواز البیع.و هی واردة فی فضل الماء و فضل الکلأ.و هی واضحة فی الجواز أیضا.و منها ما هو معتبر.

ألاّ أنه یمکن الجمع بین الطائفتین بعدة أسالیب نذکر واحدا منها:

و هو أن الروایات المجوزة للبیع محمولة علی جواز بیع مقادیر محددة و الروایات المانعة محمولة علی ما هو أکثر من ذلک حیث یجب بذله و یحرم بیعه.

و هذا هو المفهوم من قوله:(فیستغنی عنه)یعنی أن الفرد یستغنی عن الماء بکل عوائده الاقتصادیة.عندئذ یحرم علیه بیعه.و أما إذا کان له بعض العوائد فی مقادیر محدودة و کان الفرد غیر مستغن عنها کان له بیعها.

و لا ینبغی أن ننسی أن الأمر نسبی و کلما زاد الماء و الکلأ و النار صار استغناء الفرد عنها أوضح و من ثم کانت حرمة بیعه أوضح أیضا.

حتی لعله یصبح من الضروریات عند الزیادة العظیمة.

کما لا ینبغی أن ننسی أن هناک فرقا بین الماء و النوعین الآخرین:

من حیث أن الماء یجری بنفسه مع زیادته و من الصعب القیام بتحدیده، فهو یخرج عن أرض صاحبه إلی أراضی أخری قد تکون مملوکة و قد تکون مباحة بالأصل.و أما النوعین الآخرین:الکلأ و النار،فهما علی الأغلب لیسا کذلک،بل هما ثابتان عادة فی أرض أو فی ملک الفرد.

و من هنا احتاج أخذ الآخرین لهاتین المادتین إلی استئذان صاحب الأرض فی الدخول إلی أرضه بخلاف الماء الذی یخرج تلقائیا إلی أراضیهم.

نعم،إذا أرادوا أخذ الماء من داخل أرضه فعلیهم الاستئذان أیضا.و أما تکلیفه هو فهو حرمة بیعه معه التزاید الکثیر.و استحباب الإذن للآخرین بدخول أرضه.و هنا لا دلیل علی وجوب الإذن.

و أما إذا خرج شیء من هذه المواد الثلاثة خارج حدود مالک الأرض الذی أوجدها فی أرضه.فلا إشکال فی جواز أخذ الغیر لها

و عدم ارتباط ذلک الفرد بها أصلا.و أن أخذ القیمة علی مثل ذلک سحت حرام.

هذا و یمکن من الناحیة الفقهیة التعمیم عن هذه المواد الثلاثة المشار إلیها لکل مادة أخری تکون مثلها.مع تجرید هذه المواد عن الخصوصیة.

غیر أننا إنما یمکن أن نعممها لمواد قابلة للتکثر طبیعیا باستمرار کهذه المواد الثلاث.دون المواد غیر القابلة للتکثر.و مثل ذلک غیر موجود عملیا.

الحمی:

یجرّنا الحدیث عن المشترکات العامة إلی الحدیث عن الحمی.

بصفته واحدا منها شرعا.و لیس کما ادعی صاحبه أنه له و فی ملکه الشخصی.

قال بعض أساتذتنا (1)

اقتصادنا ج‍ 2،ص 133. [1]

:الحمی مفهوم قدیم عند العرب یعبر عن المساحات الشاسعة من موات الأرض یحتکرها الأفراد و الأقویاء لأنفسهم،و لا یسمحون بالاستفادة منها.

و نقل عن کتاب الجواهر للمحقق النجفی:أن هؤلاء کان من عادة أحدهم فی الجاهلیة،إذا انتجع بلدا أن یستعوی کلبا علی جبل أو سهل ثم یعلن تملکه لمجموع المساحة التی امتد إلیها صوت الکلب من سائر الجهات و حمایته لها من الآخرین.و لذلک یطلق علیها اسم الحمی.

أقول:و قد ورد فی الأخبار ما ینفی صحة ذلک و خاصة فی الحدیث المشهور:لا حمی إلاّ للّه و لرسوله.


1) 1)

و فی بعض الروایات (1)

المصدر ص 134. [1]

:أن شخصا سأل الإمام الصادق علیه السلام:عن الرجل المسلم تکون له الضیعة،فیها جبل مما یباع.

یأتیه أخوه المسلم و له غنم قد احتاج إلی جبل.یحل له أن یبیعه الجبل کما یبیع من غیره.أو یمنعه من الجبل بغیر ثمن.و کیف حاله فیه و ما یأخذ.فقال:لا یجوز له بیع جبله من أخیه.

و هذه الروایة و إن استشهد بها بعض أساتذتنا علی نفی الحمی شرعا،إلاّ أنها لا تساعد علی ذلک لعدة أمور:

منها:عدم اعتبارها سندا.و منها:أنها تتحدث عن عدم جواز بیع العشب النابت علی الجبل فی حین أنه کان یتحدث عن الأرض المرات التی یحتکرها الأقویاء.و لا شک أنه لا یصدق علی الأرض المعشبة أنها موات.

و إنما هذه الروایة مندرجة فیما قلناه من عدم جواز بیع الکلأ الزائد عن الحاجة.

و علی أی حال،فنفی الحمی شرعا،لعله من ضروریات الفقه التی لا تحتاج إلی دلیل مستقل.

و یدلّنا قوله علیه السلام:لا حمی إلاّ للّه و رسوله:ان الحمی نوعان:

النوع الأول:الحمی المصلحی الذی یتخذ لغرض دنیوی بدون حجة شرعیة.کالذی یعمله الأقویاء و الإقطاعیون.فهذا هو المنفی شرعا.

لوضوح أنه بدون حجة.

النوع الثانی:الحمی الذی یکون للّه و رسوله.بصفته أنه الحکم الأساسی فی أی مکان فی الکرة الأرضیة.إذن فالحمی الراجع إلی حکم اللّه و رسوله،یعنی بحجة شرعیة،هو شیء صحیح و ممضی.


1) 1)

إلاّ أن نتیجة ذلک لیس هو الملکیة الشخصیة للأرض المحمیة بالحمی.لأن(الأرض لمن أحیاها)دون غیره.و إنما هو السیطرة المعنویة علی الأرض علی حد سیطرة الحکومات علی أراضیها.و بقیة الکلام نوکله إلی فهم القاری.

کتاب الصلح

اشارة

فصل الصلح

اشارة

الصلح

قال ابن منظور:الصلاح ضد الفساد.و رجل صالح فی نفسه من قوم صلحاء و مصلح فی أعماله و أموره.و قد أصلحه اللّه.

و المصلحة:الصلاح.و المصلحة واحدة المصالح.

و أصلح الشیء بعد فساده:أقامه.و أصلح الدابة:أحسن إلیها فصلحت.

و الصّلح:تصالح القوم بینهم.و الصلح:السلم.و قد اصطلحوا و صالحوا و أصلحوا و تصالحوا و اصالحوا.مشددة الصاد.

الصّلاح بکسر الصاد:مصدر المصالحة.و العرب تؤنثها.و الاسم الصّلح.یذکّر و یؤنث.و أصلح ما بینهم و صالحهم مصالحة و صلاحا.

من هذا نعرف أن معاملة الصلح إنما سمیت کذلک،لأنهم تصوروا أنها تکون سببا لرفع المنازعة و استتباب الرضا و المصالحة بین المتعاملین.و لعل هذا هو المورد الأساسی الذی شرعت لأجله هذه المعاملة.بحیث یفترض حصولها بعد نزاع قائم.

إلاّ أن الجانب الفقهی لها أوسع من ذلک بطبیعة الحال.من حیث أن المعاملة توجد بالقصد،فإذا قصد المتعاملین:الصلح.کانت معاملتهم صلحا.

و الاتجاه المشهور علی أن هذه المعاملة لازمة و غیر قابلة للفسخ.

و من هنا وجدنا أن المتشرعة یتخذونها حین یریدون إسقاط حق الفسخ، فیما إذا وجدت المعاملة بعنوان الإیجار أو البیع مثلا.

و کذلک أفتی الفقهاء بإمکان أن یکون متعلقها أعنی المواد أو المالیة التی یتم التصالح علیها مجهولة غیر محددة.و لذا نجد المتشرعة یستعیضون عن سائر المعاملات بالصلح حین یکون المتعلق مجهولا.لأن البیع و الإیجار و نحوها یشترط فیها العلم بکمیة مالیة المتعلق و سائر أوصافه التی تختلف القیمة باختلافها.

و یتم التعرف علی هذه المعاملة ضمن الحدیث فی عدة أمور:

الأمر الأول:أن الصلح ینتج نتائج معاملات مختلفة.طبقا لخصائص العوضین فیه.فقد یفید فائدة البیع.بل هو بیع بصیغة الصلح.

و قد یفید فائدة الإجارة،إذا کان العوض بإزاء الفائدة أو العمل.بل هو إجارة بعنوان الصلح.و قد یفید فوائد المزارعة و المساقاة و القرض، و الرهن إلی غیر ذلک من المعاملات.

بل یفید أیضا فأیده الإیقاعات کالإبراء.و ان کان نفوذه فی العتق و الطلاق و النکاح مما لم یقل به أحد.

بل مع التأمل لا نجد للصلح معنی مستقلا عن نتائج سائر المعاملات.فهو لا بد و أن یکون راجعا إلی بعضها لا محالة.و إنما یفرق عنها باللفظ أو القصد أعنی لعنوان الصلح.

و من هنا وقع السؤال الفقهی:هل أن الصلح معاملته مستقلة غیر سائر المعاملات،الأمر الذی ینتج عدم کونه مشمولا لأحکامها و ان کان منتجا لنتائجها.أو أنه راجع إلیها لکونه مجرد تغییر فی العبارة من لفظ البیع-مثلا-إلی الصلح،فیشمله حکم المعاملة التی یفید فائدتها.

و مشهور المتأخرین بما فیهم السید الأستاذ،یرون أنه معاملة مستقلة غیر مشمولة لأحکام المعاملات الأخری.و لا حاجة إلی الاستدلال علی ذلک الآن،و ان کان هو الصحیح.إلاّ أنه عملیا مطابق للواقع لأن المعاملة قائمة بالقصد کما قلنا فإذا قصد البیع کانت بیعا و إذا قصد الصلح کان صلحا.بغض النظر عن صفات العوضین.

و معه لا یکون الصلح مشمولا لأحکام البیع من وجود خیار المجلس و خیار الحیوان و القبض فی الصرف و السلم،و غیر ذلک.کما لا یکون مشمولا لأحکام سائر المعاملات الأخری.بل هو معاملة مستقلة لها أحکامها الخاصة بها.

الأمر الثانی:أن الصلح کسائر المعاملات یحصل بالمعاطاة و لا یحتاج إلی عقد لفظی کما علیه مشهور المتأخرین و هو الصحیح و من هنا فقد یقال أنه إذا أنشأ بالمعاطاة فسیزول فرقه عن سائر المعاملات لأن الفرق الذی عرفناه هو عنوان الصلح أو المصالحة و هو مفقود فی المعاطاة.

و جواب ذلک:أننا لا نعنی بالمعاطاة المعاملة التی تقع فی سکوت تام و إنما نعنی بها ما کان فاقدا للعقد اللفظی من الإیجاب و القبول الذی کان مشهور المتقدمین یراه ضروریا لصحة المعاملة.فلا بد إذن فی کل معاملة من مداولة و مقاولة و من خلال ذلک تتعین صفة المعاملة من کونها صلحا أو غیره فإذا تعاطی المتعاملان ما تحت یدیهما بقصد الصلح کان صلحا.

و المهم أن المعاملة کما قلنا فی فصل المعاطاة تقوم بالقصد مع الإبراز و البیان بشکل عرفی و هذا البیان کما یتم باللفظ یتم بالمعاطاة، إذن یبقی الفرق بین الصلح و غیره بالقصد المتفق علیه سلفا.

الأمر الثالث:فی التساؤل عما إذا کان حکم الربا یجری فی الصلح أم لا فقد یقال بعدم جریانه باعتبار أننا عرفنا أن الربا إنما یحصل فی القرض و فی البیع و عرفنا أن الصلح معاملة مستقلة إذن فلا یجری حکم الربا فیها حتی و ان أنتجت نتیجة القرض أو البیع.و جواب ذلک:أننا لو فهمنا من الأدلة المحرمة للربا اختصاص الحرمة بالبیع و القرض لکان الأمر کما قاله السائل و هو أمر قریب من الذوق من الناحیة الشکلیة.إلاّ أننا بالتأمل فی أدلة الربا یمکن أن نفهم التعمیم بمعنی شمول الحکم بالحرمة لغیر البیع و القرض.

فإن المهم فی البیع الربوی هو مبادلة المکیل أو الموزون ببعضهما البعض بالتفاضل لا بالتساوی و لا یبقی هناک فرق مهم فی أن نسمی المعاملة بیعا.أو صلحا أو أی شیء آخر.

کما أن المهم فی القرض هو اشتراطه إرجاع ما فی الذمة بأکثر منه بدون فرق بین أن نسمی هذه المعاملة قرضا أو صلحا.

هذا و من غیر المحتمل فقهیا أن یکون الصلح محللا للحرام الربوی إذ مع جوازه فیه یمکن للفرد أن یقصد الصلح و یعمل بالربا البیعی و القرضی عن هذا الطریق.

الأمر الرابع:لعل من میزات الصلح الرئیسیة التی یمکن استفادتها من بعض الأدلة المعتبرة ما علیه مشهور الفقهاء بل الإجماع فی جواز وجود الجهالة فی العوض الأمر الذی یجعل الصلح نافذا فی کثیر من الموارد التی لا تنفذ فیها سائر المعاملات و کان لا بد فیها من التبادل فعندئذ.یلجأ الناس إلی الصلح لیتم التبادل من خلاله کالدیون المنسیة و الکمیات المجهولة من المواد و غیر ذلک کثیر.

الأمر الخامس:سمعنا من الفقهاء أنهم قالوا أن الصلح من المعاملات اللازمة و قد استدلوا لذلک بأن الصلح إنما یکون بفض المنازعات فإذا أمکن فسخ الصلح عادت المنازعات ثانیة إذن فیجب أن یکون الصلح لازما.

و معنی هذا الاستدلال أن المستدل لم یجد دلیلا لصالحه من الکتاب و السنة کما هو کذلک،فرجع إلی مثل هذا الکلام الذی یمکن مناقشته بعدة أمور:أهمها:أن الصلح لیس دائما لفض المنازعات بل کثیرا ما یوجد بدون ذلک.مضافا إلی أن عودة المنازعة عند الفسخ لیس بحرام شرعا حتی نقول انطلاقا منه بلزومه من أجل رفع المنازعة.لأن المنازعة لا تعنی فقهیا السب و الشتم و إنما تعنی الاختلاف فی عائدیة الأموال و نحو ذلک.و من المعلوم أن استمرار الخلاف لیس محرما شرعا لیکون دلیلا علی لزوم الصلح.

نعم یمکن أن یستدل لذلک بأحد دلیلین:

الدلیل الأول:الإجماع إذا أحرز وجوده المحصل.و لا شک أن المشهور یذهب إلی اللزوم.

الدلیل الثانی:الأدلة الاعتیادیة التی تقال للزوم المعاملات کاستصحاب اللزوم أو الصحة بعد الفسخ کالذی یقال فی البیع و الإجارة و غیر هما،غیر أن الصلح عند بعض الفقهاء أقوی لزوما من البیع و الإجارة و هذا مما یتعذر الاستدلال علیه.إذن فالفتوی به لن تکون صحیحة.و لذا أفتی سیدنا الأستاذ (1)

منهاج الصالحین ج 2،ص 213.

بوجود عدة خیارات للفسخ فی معاملة الصلح بعد أن استبعد عنها الخیارات الخاصة بالبیع کخیار المجلس و الحیوان.مثل خیار الشرط و خیار الاشتراط و خیار التأخیر و خیار الرؤیة.

أما خیار الغبن فمن الصعب القول به بالصلح لوضوح أن المقدم علی المصالحة و بخاصة بعد نوع من المنازعة إنما اختارها بعد التسلیم بالفرق بالمالیة مهما کان کثیرا.و بتعبیر آخر أننا بعد أن عرفنا إمکان الجهالة فی عوض الصلح کان معناه وقوع الغبن فیه بکثرة و مع ذلک فقد قال الفقهاء بصحته و لزومه.

الأمر السادس:أنه یمکن ان یقال:ان الصلح بصفته عقدا محتاجا الی رضاء الطرفین لا یقوم مقام الإیقاعات و لا ینتج نتیجتها و لم یذکر الفقهاء من الإیقاعات الممکنة فی الصلح غیر الإبراء.و ان کان یمکن أن یقال بأن الإبراء فی الصلح إنما یتم برضی الطرفین لا برضی الدائن وحده کما هو الحال فی الإبراء الاعتیادی إذ من غیر المحتمل فقهیا القول بإدخال الصلح بالإیقاعات أو تقسیمه إلی عقد و إیقاع.

و من هنا لم یکن یجری الصلح فی عدد من المعاملات کالوقف


1) 1)

و العتق و الطلاق و التدبیر فضلا عن الظهار و الإیلاء.و أما عدم جریانه فی النکاح فهو من باب الاحتیاط فی الفروج.و هو أمر صحیح و إن کان مقتضی القاعدة الأولیة صحته فیه.

الصلح العام:

ورد الصلح أیضا فی الشریعة کمقاولة نافذة المفعول بین طرفین، فی الجهاد المقدس بین جیش المسلمین و جیش الکفار.فکلما اتفق علیه الطرفان من فقرات الصلح کانت نافذة و حجة شرعا،و لا یجوز مجاوزتها و عصیانها.

و قد ورد عن النبی(صلی الله علیه و آله)فی مصادر الفریقین عن سبطه الإمام الحسن علیه السلام:أنه یصلح بین طائفتین من المسلمین.یعنی معسکره و المعسکر الأموی.و من هنا کان الصلح الذی إقامة بینه و بین الأمویین نافذا و حجة شرعا من الناحیة الفقهیة و لا تجوز مخالفته و عصیانه.

و قد سمعنا فی کتاب المشترکات:أن هناک من الأراضی ما یسمی (أراضی الصلح).و هی ما صالح علیه الجیش الإسلامی فی الجهاد المقدس:جیش الکفار،علی أساس أن تکون الأراضی التی یدّعون ملکیتها سلفا:ملکا لهم باستمرار.و من هنا یقال شرعیا و فقهیا أن هذه الأراضی تکون لأصحابها و إن کانوا کفارا.

فإذا تم لدینا کل ذلک:أمکننا أن نتسائل عن شکلین من أشکال الصلح غیر ما سبق هل یکونا نافذین أم لا.

الشکل الأول:الصلح بین جماعتین،أو قل:بین أی جماعتین،أو مجتمعین أو أمیرین.سواء کان هناک حرب بینهما أم لا.

الشکل الثانی:الصلح علی أمور غیر مالیة بل علی أمور معنویة تتمثل فی سلوک معین یفرض علی أحد الطرفین أو کلاهما،من خلاله.

و بعد الترکیب بین هذین الشکلین یمکن أن تقول:أن الجماعتین

کما یمکن أن تتصالح علی أمور مالیة،کذلک یمکن أن تتصالح علی أمور معنویة.فهل یکون ذلک حجة.

و ینبغی لمشهور الفقهاء أن ینفوا حجیة کلا هذین الشکلین من الصلح.أما الشکل الأول فلعدم حجیة مرکز أو مقام من یقوم به من الناحیة الشرعیة.و أما الشکل الثانی فلأنهم یعتبرون ما هو نافذ من المعاملات إنما هو خاص بالمالیات،و أما فی خارج نطاقها،فهو عندهم وعد یستحب الوفاء به و لا یجب.فإن اتفق علیه الطرفان،فکل منهما قد وعد الآخر.و من ثم یجوز لکل منهما النقض و العصیان.و علی أی حال فلم تتم معاملة حقیقیة بینهما.

إلا أنه یمکن التقریب فقهیا علی خلاف ذلک بعدة وجوه:

الوجه الأول:ما ورد فی الدلیل المعتبر من أن:الصلح جائز بین المسلمین.یعنی نافذ و صحیح فیهم.و هو معنی متفق علیه بین الفریقین فیما أعلم.

فمتی یکون الاتفاق بین فردین أو جماعتین مما یسمی صلحا عرفا.

یکون نافذا و صحیحا.و هذا لا یفرق فیه بین کلا الشکلین السابقین، یعنی سواء کان طرفه فرد أو جماعة و سواء کان مضمونه مالیا أو معنویا.

الوجه الثانی:الاستدلال بصلح الإمام الحسن علیه السلام مع معاویة بن أبی سفیان.و هو قطعی الصدور تاریخیا.و هو مما یتوفر فیه کلا الشکلین السابقین.

أولا:هو صلح بین جماعتین لا بین فردین.و أن وقعه فردان فقط.

لکنهما وقعاه بصفتها قائدین لجماعتین لا بصفتهما الفردیة،کما هو واضح.

ثانیا:إن فقراته تحتوی علی أمور معنویة غیر مالیة.کما هو واضح لمن اطلع علیها.و لا مجال لسردها الآن.

و هی و إن کانت واجبة فی أصل الشرع،إلاّ أنه لا یبعد أنها تکتسب

تأکیدا و لزوما إضافیا بالصلح و لو من باب الترتب،فی طول عصیان الحکم الأولی.

الوجه الثالث:التمسک بالآیة الواردة فی الصلح بین الزوجین المتنازعین.قال اللّه تعالی وَ إِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَیْنِهِما فَابْعَثُوا حَکَماً مِنْ أَهْلِهِ وَ حَکَماً مِنْ أَهْلِها إِنْ یُرِیدا إِصْلاحاً یُوَفِّقِ اللّهُ بَیْنَهُما إِنَّ اللّهَ کانَ عَلِیماً خَبِیراً (1)

سورة النساء،الآیة:35. [1]

.

و یمکن القول بوضوح عرفی کاف أن هذا النوع من الصلح یحتوی دائما أو أحیانا علی کلا الشکلین السابقین.و معه فیکون القول بحجیته علی أی حال طبقا للآیة الکریمة،ممکنا.

فهو أولا:قد لا یکون صلحا بین الزوجین فقط،بل بین أهله و أهلها أیضا أحیانا.

و ثانیا:قد لا یکون صالحا مالیا،بل أن الأغلب هو الجانب المعنوی من ترک الاعتداء اللسانی و الجسدی و حصول الزوج علی حقه من التمکین الجنسی.و لیس الأمر مختصا بالجهة المالیة و هی النفقة، کما هو واضح.

و أما القول:بأن الحکمین المشار إلیهما فی الآیة لا دلیل علی قیامهما باتفاق حقیقی أو معاملة بینهما.و إنما هما لمجرد إرجاع الزوجة إلی زوجها بعد نشوزها و جرها إلی بیت الزوجیة.

فهذا القول أشبه بالمسلک الفقهی التقلیدی و أبعد عن الفهم العرفی،من حیث إمکان انطباق عنوان الصلح فیما یقولان.و خاصة و هو سبحانه قال إِنْ یُرِیدا إِصْلاحاً .یعنی:صلحا.إذن،فلما ذا لا یکون اتفاقهما صحیحا و نافذا و ملزما.

و أما الحدیث عن حجیة و اعتبار من یتحدث عن الجماعة.إذ قد


1) 1)

یقال فقهیا:أنه لو کان ذلک غیر ولیّها الشرعی فلا حجیة فیه.

و هذا واضح فی الفکر التقلیدی الفقهی.إلاّ أن جوابه واضح من عدة جهات:

أولا:من حیث النظر إلی الصلح فی الجهاد المقدس بین المسلمین و الکفار.فهل یکون قائد الکفار أو رئیسهم ولیا شرعیا عنهم؟ و من الواضح فقهیا صحة الصلح بینهما و نفوذه سواء سبقته حرب أم لا.

ثانیا:من حیث النظر إلی صلح الإمام الحسن علیه السلام مع معسکر الأمویین.

ثالثا:من حیث النظر إلی الصلح مع الباغی.قال اللّه تعالی فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَی الْأُخْری فَقاتِلُوا الَّتِی تَبْغِی حَتّی تَفِیءَ إِلی أَمْرِ اللّهِ.فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَیْنَهُما بِالْعَدْلِ وَ أَقْسِطُوا إِنَّ اللّهَ یُحِبُّ الْمُقْسِطِینَ (1)

سورة الحجرات،الآیة:9. [1]

.

و هی واضحة:بأن الصلح لا یعنی مجرد الفیء إلی أمر اللّه و طاعته.إذ قد لا یراد بالفیء إلاّ وقف الحرب و هو لا یکون کافیا فی حل المنازعات بینهما.و إنما یحتاج الطرفین إلی صلح إضافی.فهل یقول الفقهاء إن قائد الجیش الباغی هو ولی شرعی عن جیشه.طبعا لا.

إذن فکل ذلک دال علی إمکان تولی الجماعات،مهما کانت صفتها معاملة الصلح،و یکون الصلح ملزما للطرفین.و خاصة بعد إمکان التعمیم و تجرید الموارد الثلاثة المشار إلیها عن الخصوصیة إلی کل الجماعات.

هذا مع إمکان القول:إن الأصل فی نفوذ الصلح بین الجماعات هو ولایة الولی العام العادل إلاّ من خرج بدلیل.

أو یقال:إن الأصل هو ولایته أو من ارتضاه طرفا له فی الصلح.

فیکتسب الطرف الآخر حجیته باعتبار رضا الولی به.و أما الزائد عن ذلک فلا.


1) 1)

کتاب السبق و الرمایة

اشارة

فصل المسابقات

اشارة

المسابقات

بمناسبة الحدیث عن السبق و الرمایة،یحسن أن نتعرض إلی فکرة المسابقات عامة،و هل هی مجازة فی الشرع المقدس أو محرمة،أو منها ما هو مجاز علی أی حال.

و هنا ینبغی أن نلتفت أن المسابقات لها تقسیمات متعددة:

فإن المسابقات أما أن تکون تجاریة أو لا تکون.و علی کلا التقدیرین فأما أن تکون فردیة أو اجتماعیة یعنی بمشارکة العدیدین.

و علی کل التقادیر فأما أن تترتب علی ذلک فوائد غیر مالیة أولا.

و المسابقات غیر التجاریة أما أن یعطی علیها جوائز أو لا.و مع إعطائها فإما أن تعطی من الطرف الخاسر إلی الطرف الناجح أو أن تعطی من طرف آخر ثالث خارج المسابقة.

یبقی الإلماع إلی الفرق بین ما نعنیه بالمسابقات التجاریة، و المسابقات التی تعطی علیها الجوائز.فإنها من هذه الناحیة تجاریة أیضا.إلاّ أننا نعنی بالتجاریة هی التی تؤخذ فیها الأرباح من وارد المتفرجین و رسوم الدخول التی تفرض علیهم.

کما یبقی الألماع إلی معنی الفوائد غیر المالیة التی أشرنا إلیها.

حیث أننا إذا تجاوزنا المستوی المالی أو التجاری فهل نجد لبعض المسابقات فوائد أخری تعود علی المجتمع أو أنها قد تعود بالضرر،أو لا تعود بنفع و لا ضرر.

و النفع و الضرر هنا من زاویة هذا الکتاب یجب أن یلحظ من زاویة

دینیة و فقهیة.لا من وجهات نظر أخری قد تکون قابلة للمناقشة.بل قد یکون ما یعتبر نفعا فی بعض الأنظار یعتبر ضررا فردیا أو اجتماعیا من زاویة دینیة و فقهیة.

و من أهم ما یعتبر ضرر دینیا هو التسابق فی أمور تعتبر مسبقا محرمة فی الدین،أو مرجوحة و قبیحة من وجهة نظره.

فهذه هی أهم التقسیمات للموضوع.کل ما فی الأمر أننا نفتقر الآن إلی الأمثلة.و من وجهة نظر المؤلف غض النظر عن الأمثلة و إیکال تطبیقاتها إلی القاری اللبیب إلاّ للضرورة.لأننا مع ذکر الأمثلة سنتسع بالحدیث بحیث لا یکون مقبولا لدی بعض الطبقات.

و إذا حاولنا استنتاج الحکم الشرعی،نجد أن المحل الرئیسی لجواز أو عدم جواز أیة مسابقة فی الشریعة،إنما هو من زاویة النفع أو الضرر الذی یترتب علیها من وجهة نظر دینیة غیر مالیة کما أشرنا.فإن جازت من هذه الناحیة جاز إیجادها و جاز أخذ المال علیها،علی تفصیل یأتی و لیس دائما.و إن لم تجز من تلک الناحیة حرم إیجادها و حرم أخذ المال علیها بکل صورة.

و المسابقات من ناحیة ما یترتب علیها من هذه الجهة.علی أقسام.

فقد تکون ذات نفع فردی و اجتماعی.و نقصد بالنفع الفردی ما یعود إلی الفرد بصفته الشخصیة کصحة الجسم أو الدقة فی التفکیر أو تنمیة بعض الطاقات عنده أو ضد ذلک مما یعتبر ضررا.

فإن قیل:أنه کیف یشترک الناس فی مسابقات منتجة للضرر.قلنا:

هذا باعتبار ما أسلفناه من النظر إلی الضرر من وجهة نظر معینة.فی حین قد تکون نفعا من وجهة نظر أخری.و فی زعم القائمین بها.

هذا و نقصد بالفوائد الاجتماعیة ما یعود نفعه إلی المجتمع ککل و مباشرة أو ضرره ان کان مضرا.

و من الصحیح أن نفع الفرد یکون عائدا إلی نفع المجتمع فالتمییز

بین هذین القسمین بلا موجب إلا أن أوضح تمییز لما نقصده،یتمثل فی عدد المشترکین بالمسابقة،فإن کان عددا محدودا جدا کاثنین أو حتی عشرة و نحوها کان النفع فردیا.و إن کان العدد غیر محدود عرفا أو له علاقة بمؤسسات عامة ذات تأثیر اجتماعی عام،کان النفع عاما.

نعم،قد نتصور أحیانا محدودیة الأفراد مع وجود النفع العام،أو کثرتهم مع عدم ذلک.إلاّ أن الأعم الأغلب هو ما أشرنا إلیه فیما سبق.

نعود بعد هذه الإیضاحات إلی القول:بأن المسابقات أما أن یترتب علیها فوائد فردیة و اجتماعیة معا،مع غیر الجهة الاقتصادیة،کما عرفنا.

و أما أن تترتب علیها منافع فردیة فقط.أو اجتماعیة فقط أو مضار بأحد هذین الشکلین.

کما یمکن لبعض أشکال المسابقات أن تترتب علیها مضار و منافع فی نفس الوقت.و أوضح ذلک:ما یترتب علیها مضار فردیة،و لکن فیها منافع اجتماعیة أو یترتب علیها مضار لبعض الجهات و منافع لبعض الجهات.و نحو ذلک.

و مما ینبغی التنبیه علیه أنه لا یعتبر من النفع الفردی أو الاجتماعی من وجهة النظر الشرعیة:أن یترتب علی المسابقة:التفرج و التنزه و التصفیق و الفرح.سواء کان ذلک فی نطاق محدود من الأفراد أو غیر محدود.

بل یمکن أن تعتبر هذه الحالة علی أفضل تقدیر أمرا غیر مربوط بالنفع و لا الضرر علی الإطلاق.و معناه:أن أیة مسابقة ان لم یترتب علیها إلا ذلک لم یکن فیها نفع بالمرة.

بل یمکن أن تعتبر هذه الحالة مرجوحة و معیبة و من وجهة النظر الشرعیة.بل قد تصل إلی الحرام أحیانا.فإنها مما یترتب علیها عدة مضار شرعیة و اجتماعیة:فإنها تصد الفرد-و بالتالی الأفراد-عن ذکر اللّه.و تصده عن الواجبات الشرعیة أیضا،کما تمنعه عن ممارسة العمل المثمر النافع له و لغیره اقتصادیا کان أم فکریا أم غیره.کما أنها

تحتوی علی التشبه بالفاسقین و الکافرین،و جلب عاداتهم و أسالیب حیاتهم إلی داخل المجتمع المسلم.

و ینبغی الالتفات إلی أن التنزه و الفرح غیر مطلوب دینیا-أعنی علی مستوی ظاهر الحیاة الدنیا-إلاّ عند الشعور بالإرهاق بحیث یکون مقدمة لإیجاد العزم علی ممارسة النفع و التعب فی سبیله مرة أخری.

و هذا المعنی یتصور علی النطاق الفردی،و لا معنی له علی النطاق الاجتماعی.و إذا حصل لدی الفرد أمکن دفعه بأی أسلوب یختاره،و لا حاجة إلی اختیار المشارکة أو الحضور فی مسابقة معقودة لأمثال هذا الغرض.

کما ینبغی الالتفات إلی هذا المعنی أیضا.و هو عدم اختلاف الأسباب الموجبة للتنزه و الفرح من وجهة نظر شرعیة إذ قد یکون ذلک ناشئا من المرح أو من التعجب من المتسابقین أو من تفضیل فریق علی فریق أو من النظر إلی لعب الحیوانات و عروضهم العجیبة إلی غیر ذلک کثیر.

فإذا لم یترتب علی المسابقة إلی أمثال ذلک،کانت المسابقة مما لا نفع فیها،فقد یقال،کما سیأتی،بأنها محرمة شرعا.و هذا لا یعنی أن التنزه علی غیر طریق التسابق محرم،بطبیعة الحال ما لم تقترن بعنوان أولی أو ثانوی محرم.

أحکام المسابقات:

هذا و بعد أن تمت لدینا الفکرة عن أشکال المسابقات من وجهة نظر دینیة،یمکننا الحدیث عن أحکامها الشرعیة:

فالمسابقات التی یترتب علیها نفع و لا ضرر فیها.فلا إشکال فی جوازها و جواز التجارة فیها و أخذ الجوائز علیها من طرف ثالث،سواء کان النفع فردیا أو عاما.

یبقی أنه ینبغی الألماع من الناحیة الفقهیة إلی عدة أمور:

الأمر الأول:إن أمثال هذه المسابقات لا یکون تشجیع و دعم لأحد الطرفین أو الفریقین ضد الآخر.لأنها إنما أسست من أجل تدریب الفرقاء علی النفع العام و هذا لا یختلف فیه فریق عن فریق،فالتشجیع لا معنی له.بل قد یکون هذا الشکل من التشجیع غیر خال من الإشکال الشرعی.

نعم،یمکن أن یکون التشجیع علی أحد أسلوبین:

الأسلوب الأول:تشجیع کلا الفریقین علی وجه العموم،و هذا یعود إلی تشجیع فکرة المسابقة أصلا.و المفروض أنها راجحة شرعا.

الأسلوب الثانی:تشجیع الفریق الخاسر،بمعنی ذاک الفریق الذی یبدو منه الضعف و عدم التقدم فی المسابقة خلال إنجازها.و رفع مثل هذه الحالة قد یکون بالتشجیع،و له الأثر الکبیر فیه.و حیث أن تقدم و تقویة هذا الفریق فیه مصلحة فردیة أو اجتماعیة بدون ضرر علی المفروض،فیکون تشجیعه جائزا بل راجحا.

و أما التشجیع للتعصب لمجرد الهوی أو لکون الفریق أقوی أو لانتسابه إلی مدینة معینة أو غیر ذلک،فهذا کله ملغی و مرجوح من الناحیة الشرعیة.

الأمر الثانی:أنه قد یقال أن التجارة بأمثال هذه المسابقات محرمة شرعا.و قد یتوصل من ذلک إلی أن التجارة بکل المسابقات محرمة، و هی التی نتکلم عنها مما یترتب علیها النفع و لا یترتب علیها الضرر، فتکون الأقسام الأخری أولی بالحرمة.

و الدلیل الذی قد یقیمه الفقیه علی التحریم هو أن نقول:إننا عرفنا أن معنی التجارة علی المسابقات هو أخذ الأجور و الرسوم من الحضور و المتفرجین.و هذا لا نفع فیه و کل ما لا نفع فیه فأخذ و إعطاء الأجر علیه حرام.فإن المسابقة نفسها و ان کانت راجحة،إلاّ أن حضور الناس

لا دخل له فی ذلک فیکون وجودهم و عدمهم علی حد سواء فی ذلک، فیکون أخذ الأمر منهم علی الحضور محرما.

و هذا الکلام قد یصدق أحیانا،و إذا صدق کانت الأجرة محرمة.

إلاّ أن هناک عدة مستویات یمکن فیها تحلیل الأجرة:

المستوی الأول:أن المکان الذی تقام فیه المسابقة ملک شخص معین أو أناس معینین،و هم لا یسمحون للغیر بالدخول بدون أجرة.

فتکون الأجرة فی مقابل الدخول فی المکان.

المستوی الثانی:أن یکون حضور الناس للمسابقة فی نفعهم بنفس الاتجاه الذی تستهدفه المسابقة.فإن الفرد کما یستفید من المشارکة فی المسابقة،کذلک قد یستفید من مشاهدتها.

المستوی الثالث:أن یکون حضور الناس یحتوی علی نفع للمتسابقین أنفسهم،بالتشجیع بالمعنی السابق.و من الواضح ما یکون للتشجیع من بلیغ الأثر.

المستوی الرابع:أن یکون حضور الناس یحتوی علی تأیید لفکرة المسابقة اجتماعیا،الأمر الذی قد یحتاج إلیه أحیانا،فیکون حضور الناس راجحا شرعا.

إلی غیر ذلک من المستویات المحتملة،التی لا تخلوا منها المسابقات إلاّ قلیلا.و معه فالإشکال بأن حضور الناس و عدمه علی حد سواء لیس بصحیح،فالتجارة فیه لا تکون علی شیء لا نفع فیه لتکون محرمة.

إلاّ أن هذا الجواز قد یکون خاصا بهذا القسم من المسابقات و لا یشمل سواها مما یأتی.و ان کان الأمر أنها لو کانت هذه التجارة محرمة لشمل غیرها بطریق أولی.إلاّ أن الجواز لیس فیه هذه الأولویة کما هو معلوم فقهیا.

الأمر الثالث:فی النظر إلی مصدر الجائزة و معطیها.و هو فی بادئ النظر فیه احتمالان:

الأول:ان الخاسر یدفع إلی الرابح،فردین کانا أو جماعتین، بمقتضی اتفاق مسبق بینهما صریح أو ضمنی بمعنی قیام التعارف فی ذلک الزمان و المکان المعینین علی ذلک.

الثانی:أن الذی یدفع الجائزة هو شخص ثالث.تشجیعا لفکرة المسابقة قبل أن یکون تشجیعا للفائز نفسه.من حیث أن المسابقة تحتوی علی نتائج حسنة و لیس فیها ضرر کما قلنا.

و ما هو جائز شرعا هو الثانی لوروده فی النصوص المعتبرة.منها:

ما عن غیاث بن إبراهیم (1)

و هذا من التشجیع بعد الفوز و هو المفروض بخلاف التشجیع قبله حیث ناقشنا ببعض أشکاله.

عن أبی عبد اللّه علیه السلام عن أبیه عن علی بن الحسین علیهم السلام أن رسول اللّه(صلی الله علیه و آله):أجری الخیل و جعل سبقها أواقی من فضة.

و السبق بفتح الباء هو الجائزة التی توضع علی السباق.و السبق بالسکون هو الصفة التی یکسبها السابق و یحصل علیها.و من الواضح فی الروایة أن رسول اللّه(صلی الله علیه و آله)لم یکن من المتسابقین،و إنما کان خارجا عن المسابقة.و هو مقصودنا من الطرف الثالث یعنی غیر المتسابقین و إن کثروا.

و لا فرق فی جاعل الجائزة بین أن یکون إماما أو أمیرا أو تاجرا مثلا أو شخصا عادیا.إذ لا دلالة فی الروایة علی أن الجواز هنا من جهة کون رسول اللّه(صلی الله علیه و آله)معصوما أو رئیسا للدولة أو نبیا و نحو ذلک،و إن کان له ذلک بهذه الصفات أیضا بطبیعة الحال.

و أما الاحتمال الأول فی دفع الجائزة و هو خروجها من الخاسر.

فقد یستدل علی جوازها تمسکا ببعض النصوص.


1) 1)

کروایة أبی بصیر (1)

الوسائل ج‍ 6 [1] فی أحکام السبق و الرمایة باب 1 حدیث 1. و انظر باب 4،حدیث 2 و 4.

عن أبی عبد اللّه(علیه السلام)قال:لیس شیء تحضره الملائکة إلاّ الرهان و ملاعبة الرجل أهله.

و الرهان عرفا هو الذی یتفق علیه بین شخصین متسابقین؛بحیث تکون الجائزة من الخاسر.و هذه الروایة نص فی جوازه.

إلاّ أن هذه الروایة لا تخلوا من خدشة سندا،لأن فیها سعدان بن مسلم و غیره ممن لم یوثق.مضافا إلی أن الرهان لیس هو ما أشیر إلیه بالتعیین و إنما هو مطلق الاتفاق علی المسابقة.

و قد یخطر فی البال:أن هذه الروایة تنص علی جواز الرهان، و الرهان له إشکال مختلفة بما فیها أخذ الجائزة من الخاسر فتکون کلها صحیحة و مشروعة تمسکا بإطلاق الروایة.

و یدفع ذلک:مضافا إلی المناقشة فی السند:إمکان أن یقال:أن انطباق الرهان علی مختلف اتفاقات المسابقات.لیس من باب الإطلاق أو الانطباق علی حقیقة واحدة،بل هو مشترک لفظی ینطبق علی حقائق متعددة،و قد أجازت الروایة بعضها فی الجملة،فلا بد من تحدید ما هو جائز من غیره من مصدر آخر،و لا تصلح هذه الروایة له.

مضافا إلی أن مطلق الرهان لا یحتمل جوازه فی الشریعة،کما سنعرف أن کثیرا من المسابقات الساقطة عن الفوائد العقلائیة محرمة شرعا.فإذا علمنا أن أکثر المسابقات و المراهنات إنما کانت علی مثل ذلک عرفا.عرفنا ضمنا أن الإطلاق ساقط من هذه الروایة لأنها إنما تشیر إلی بعض المراهنات القلیلة،لئلا یلزم تخصیص الأکثر.و من هنا کان لا بد من تحدید حکم المراهنة من مصدر آخر أیضا.

و قد یستدل للجواز بروایة العلاء بن سیابة عن أبی عبد اللّه


1) 1)

علیه السلام و التی یقول فیها:«إن الملائکة تحضر الرهان فی الخف و الحافر و الریش و ما سوی ذلک فهو قمار حرام»(باب 3 حدیث 3) (1)

الوسائل ج‍ 1، [1]أحکام السبق و الرمایة:باب 3 حدیث 3 و الروایة باب 1، حدیث 4 و انظر باب 2،حدیث 1.

.

و تقریب الدلالة:انها دلت علی حرمة القمار فی سائر المسابقات.

و من المعلوم أن القمار تکون الجائزة فیه من الخاسر.فنعرف من ذلک أن الجائزة فیما هو جائز من الخف و الحافر حالها کذلک.و إلاّ لما أشبهت القمار بحال.و بتعبیر آخر:ان ظاهرها:اتحاد الجمیع مع القمار موضوعا من هذه الناحیة و اختلافها عنه حکما.

إلاّ أن هذا الاستدلال لا یتم مضافا إلی إمکان المناقشة فی السند إمکان أن یقال:أن القمار هنا لا یراد به أکثر من کونه مصدرا للمال الحرام.فهو تعبیر آخر عن حرمة الجائزة فی غیر المعدودات بغض النظر عن مصدرها.فتأمل.

أذن،فلا یبقی دلیل علی جواز أخذ الجائزة من الخاسر.و لم یثبت وجود سیرة ممضاة فی صدر الإسلام علی ذلک لیحکم بالجواز.و معه یبقی مقتضی القاعدة عدم الجواز إلا بالتمسک بالعام القائل:المؤمنون عند شروطهم الشامل لموضع الکلام.فإذا اتفق اثنان أو فریقان علی ذلک بملیء اختیارهم و رشدهم کان ذلک بینهم شرطا واجب الوفاء.

إلاّ أن هذا لا یخلوا من مناقشة:فإنه خاص بالمؤمنین.کما هو واضح من نصه.مضافا إلی أنه لا یشمل جزما تلک الشروط التی تحتوی علی الظلم.و لا یبعد أن یکون أخذ الجائزة من الفاشل ظلما له بتحمیله الخسران المادی إلی الخسران المعنوی.فلا یکون مشمولا لإطلاق النص.

و علی أی حال فالقدر المتیقن من الجوائز الصحیحة علی المسابقات هو المجعول من قبل شخص ثالث.


1) 1)

الأمر الرابع:مما یجب أن نعرفه بهذا الصدد:

إن هناک دلیلین فقهیین متعارضین یمکن إقامتهما علی جواز مطلق المسابقات.أحدهما یؤدی إلی المنع من کل مسابقة عدا ما استثنی.

و الآخر:یدل علی جواز المسابقات التی تحتوی علی نفع دینی و دنیوی.

نعم،لیس هناک دلیل علی جواز غیر هذا النوع من المسابقات مما لیس فیه نفع،فضلا عما فیه ضرر.و سیأتی المزید من إیضاحه.

و الدلیل الذی ینتج عدم جواز مطلق المسابقات عدا ما استثنی هو الاستدلال بعدة نصوص یمکن استفادة ذلک منها:

کصحیحة حفص (1)

المصدر باب 3،حدیث 1 و 2. [1]

عن أبی عبد اللّه(علیه السلام)قال:لا سبق إلاّ فی خف أو حافر أو نصل یعنی النضال.و مثلها صحیحة عبد اللّه بن سنان.

و مرسلة الصدوق (2):قال:قال الصادق علیه السلام:إن الملائکة لتنفر عند الرهان و تلعن صاحبه ما خلا الحافر و الخف و الریش و النصل.

إلخ الحدیث.

و مما ینبغی الالتفات إلیه أن المنع فی هذین النصّین خاص بأخذ الجوائز علی المسابقة.فإنه معنی(السبق)و(الرهان)،و أما المسابقات المجانیة فلها باب آخر سنتعرض له بعد ذلک.

إلاّ أنه ما یهون الخطب فی هذا الدلیل:إن المرسلة غیر معتبرة سندا،فلا یمکن استنتاج الحکم منها.فنبقی نحن و الصحیحة.فإذا أردنا أن نستنتج منها المنع المطلق بدلیل وقوعه فی سیاق النفی الدال علی العموم عدا المذکورات.إذا أردنا ذلک أمکن الجواب بعدة وجوه تترکز حول أن المقصود من هذه المذکورات لیست هی بالتعیین بل یمکن


1) 1)

2) 2) المصدر باب 1،حدیث 6. [2]

التعمیم بتجریدها عن الخصوصیة إلی غیرها من بعض أشکال المسابقات.

فأولا:یمکن التعمیم إلی کل المسابقات التی تنتج التدریب علی أسالیب الحرب و القتال أیّا کان مضمونها.انطلاقا من فهم معین هنا، و هو أن سباق الخیل و نحوه إنما أجازته الشریعة لأجل هذا الهدف،فکل ما دخل فی هذا الهدف کان جائزا.

و ثانیا:أنه یمکن التعمیم لکل المسابقات التی تنتج منافع اجتماعیة عامة.فإن المجتمع لا یحتاج فقط إلی الحرب بل له حاجات عامة أخری،قد تکون أکثر عددا و تطبیقا،بل أکثر أهمیة فی کثیر من الأحیان.کالسباق علی حفظ القرآن و علی حسن قراءته و حفظ الحدیث.

و غیر ذلک کثیر.

فإذا جازت المسابقة فیما یخص الحرب جاز فی غیره لهذا النحو من المشابهة.

و ثالثا:أنه یمکن التعمیم لکل المسابقات النافعة،علی المستوی الفردی و الاجتماعی معا.

و التعمیم الأول هو الذی فهمه سیدنا الأستاذ (1)

منهاج الصالحین ج‍ 2،ص 132.

و أجاز المسابقة بالأسلحة الحدیثة.إلاّ أن التعمیمین الأخیرین،أیضا مما یمکن فهمه بالتأکید من تلک النصوص و هو دلیل الجواز.

إذن،فالدلیل علی عدم جواز مطلق المسابقات لم یصح،بل انقلب إلی دلیل علی الجواز فی حدود النفع العام و الخاص.کل ما فی الأمر أننا یجب أن نتذکر أن النفع المقصود هنا لیس هو النفع المالی من تجارة أو جائزة.بل هو النفع الموجود فی المسابقة و لو غضضنا النظر عن أی نفع مالی مما یکون کمالا للفرد أو المجتمع لا لمجرد کسب الشهرة مثلا و نحوها.


1) 1)

و هناک دلیل آخر هو الدال علی الجواز،و قد یکون الجواز هنا أوسع مما سبق لو تم هذا الدلیل:

و هو النص القائل بجواز المسابقة ب‍(الریش).و هی روایة العلاء بن سیابة عن أبی عبد اللّه علیه السّلام.و فیها:فإن رسول اللّه(صلی الله علیه و آله)قد أجری الخیل و سابق.و کان یقول:«إن الملائکة تحضر الرهان فی الخف و الحافر و الریش و ما سوی ذلک فهو قمار حرام».

و مثله مرسلة الصدوق السابقة قال (1)

المصدر باب 1،حدیث 6.

:قال الصادق علیه السلام:

«إن الملائکة لتفر عند الرهان و تلعن صاحبه ما خلا الحافر و الخف و الریش و النصل».

و کلا هاتین الروایتین لا تخلوان من الخدشة سندا،إذن فالحکم المنتج منهما محل إشکال سلفا.غیر أننا ینبغی أن نبسط الکلام فیها بعض الشیء بغض النظر عن السند.

و تقریب الاستدلال بهذین النص لجواز مطلق المسابقة یکون بتقریبین:

التقریب الأول:ما أشرنا إلیه من النص فیهما علی(الریش) و المقصود بهما المسابقة علی الحمام.و من المعلوم أنه إذا کانت المسابقات فی الخیل و نحوها لها نتائج حربیة أو عقلائیة.فالمسابقة علی الحمام لیس لها هذه النتائج.فیکون النص دالا علی جواز مطلق المسابقة.لا نخرج من ذلک إلاّ إذا کان موضوعها محرما أصلا فی الشریعة.

التقریب الثانی:إن هذین النصین و غیرهما أوضحا:أن المسابقة بالخیل و غیرها مشروع فی الدین.و هو یشمل صورة قصد التدریب علی القتال و غیره.فمن زاویة شموله للقصود الأخری یمکن التعمیم بإلغاء


1) 1)

الخصوصیة لکل مسابقة لا یکون فیها قصد عقلائی،ما لم یکن محرما أصلا کما أشرنا.

إلاّ أن کلا التقریبین لا یخلوان من مناقشة:

مناقشة التقریب الأول:

أولا:المناقشة فی سند الروایتین السابقتین کما قلنا.

ثانیا:احتمال أن یکون المراد الحمام و أن الحمام کان اسما للخیل فی عرف أهل مکة و المدینة،کما نسبه صاحب الوسائل (1)

الوسائل ج‍ 6،ص 349. [1]

إلی بعض فضلائنا.

ثالثا:احتمال أن یراد بالریش أسفل السهم أو جزء معین منه.و من هنا قسموا السهام إلی رئش و غیر رئش.فیکون معنی المسابقة بالریش هو المسابقة بالسهام.و هذا هو الذی بنی علیه مشهور الفقهاء.إلاّ أنه خلاف ظاهر الروایة حیث عطف النصل علی الریش.و النصل هو السهم فإذا کان الریش کذلک،کان المعنی مکررا و هو مستهجن.اللهم إلاّ أن یراد من النصل:السهم الذی لا ریش له.أو الأعم منه،فیکون من عطف العام علی الخاص.

و علی أی حال فالمهم هو المناقشة السندیة.

مناقشة التقریب الثانی:

إن فی هذا النص و أشباهه ثلاث إطلاقات محتملة متدرجة فی السعة:

الأول:جواز کل مسابقة فی الخیل و شبهها مما یکون المقصود بها التدریب علی الحرب.

الثانی:جواز کل مسابقة فیها مما یکون المقصود بها منفعة عقلائیة غیر ذلک.


1) 1)

الثالث:جواز التدرب علی الخیل و نحوها،حین لا یکون المقصود منها أیة مصلحة عقلائیة.

و بعد التجرید عن الخصوصیة یمکن أن نستنتج من الإطلاق الثانی:

جواز کل مسابقة یکون المقصود منها منفعة عقلائیة،سواء کانت علی الخیل و نحوها أو کان فی غیرها.و هذا ما سبق ان استنتجنا و هو الصحیح.

إلاّ أن الکلام فی الإطلاق الثالث و ما یمکن الاستنتاج منه،و هو جواز استعمال أی شیء فی المسابقة و ان لم یکن المقصود منها أیة مصلحة عقلائیة.

و هذا الإطلاق الثالث ان کان موجودا کان الاستنتاج و التعمیم منه صحیحا.إلاّ أنه غیر موجود لوضوح أن کل تسابق علی الخیل و نحوها یحتوی بالضرورة علی التدرب علی الحرب أو غیرها من المصالح العقلائیة،سواء کان مقصود المتسابقین ذلک أو لم یکن.فإنهم تلقائیا سیحصل عندهم زیادة فی التدریب و الخبرة.و هذا یکفی.و هذا أمر یعلمه الشارع الإسلامی المقدس حین أفتی بهذا الحکم.و معه لا یمکن أن نتصور حالة مفهومة عقلائیا یتم الاستباق فیها بالخیل و الحافر و النصل و لا یکون هناک تدریب حتی من قبل أکثر الناس المتخصصین فضلا عن غیرهم.إذن فالإطلاق الثالث غیر موجود،فالاستنتاج منه غیر صحیح.

الأمر الخامس:مما ینبغی التعرض له.

فی حکم المسابقات غیر ما عرفنا جوازه من المسابقات النافعة، بغض النظر عن تجارتها و جوائزها.

و هذه المسابقات أما أن تکون علی ما یؤخذ من الطریق الخاسر أو من طرف ثالث.و أما أن لا تکون علی مال،بل تقام مجانا لمجرد قتل الوقت.

أما أخذ الجائزة من الطرف الخاسر،فهو القمار بعینه و هو حرام بلا أشکال.

و أما لعبها مجانا فلا دلیل علی حرمته و مقتضی أصالة البراءة جوازه،ما لم یکن محرّما کالشطرنج و النرد.

و کذلک یجب الإدراج فی قائمة الحرمة کل مسابقة أو لعبة یترتب علیها ضرر مادی أو معنوی،بالعنوان الأولی أو الثانوی علی أحد الطرفین أو علی أی مؤمن.و هذا أمر یختلف بین الأشخاص،فإذا أحرزنا أن هذه المسابقة أو تلک متصفة بمثل ذلک کانت حراما بلا إشکال.

و کذلک تحرم المسابقات التی یکون موضوعها أو نتیجتها حراما بالعنوان الثانوی کتأیید ظلم أو التصرف بالأموال العامة کمجهول المالک أو حق الإمام أو الزکاة أو نحوها مما لا یجوز صرفه فی هذه المسابقات.

نعم،یبقی الکلام فی المسابقات التی تخلو من کل هذه الأمور مع کونها لیست مجانیة،و حسب ما عرفنا:أنها لیس فیها نفع و لیس فیها ضرر،و الجائزة یدفعها شخص ثالث لا أحد اللاعبین.فهل یجوز ذلک أم لا.

لا شک أن مقتضی الدلیل الثانی الذی عرفناه فی الأمر الرابع هو الجواز.کما أنه قد یقال:إن مقتضی عموم(المؤمنون عند شروطهم)هو ذلک أیضا.

إلاّ أننا عرفنا عدم صحة الدلیل المشار إلیه،کما أن هذا العموم یشکل شموله للمسألة.لأنه منصرف إلی المعاملات العقلائیة النافعة إجمالا دون ما لا نفع فیه.و معه یبقی إیقاع مثل هذه الألعاب بالجائزة المشار إلیها خلاف الاحتیاط الوجوبی.فضلا عن التجارة بها.بمعنی أخذ أجور الحضور من المشاهدین.

هذا و لا ینبغی أن نغفل ان ما قلنا بجواز إیجاده من المسابقات بالجوائز من طرف ثالث،یمکن إیجاده مجانا مع الرغبة بذلک و لا مانع منه شرعا،بل هو أولی بالجواز.

الأمر السادس:إن کل مسابقة فلها معدات معینة تباع سوقیا أو تصنع معملیا.و قد أصبح من الواضح أن هذه المعدات إن کانت خاصة بالمسابقات المحرمة فصنعها و بیعها و ثمنها،حرام بلا اشکال.

نعم،لو کانت معدات لمسابقات جائزة شرعا،أو کانت معدات یمکن استعمالها فی مسابقة و غیرها.أو کانت معدات یمکن استعمالها فی مسابقات محرّمة و أخری جائزة کبعض المسابقات المجانیة مما عرفناه، فیجوز بیعها و شراؤها و صنعها.کل ما فی الأمر أن استعمالها فی المحرم یکون علی ذمة الفاعل نفسه دون الصانع أو البائع.شبه الإناء الاعتیادی الذی قد یستعمل فی شرب الماء تارة و شرب الخمر أخری.فإن هذا لا یوجب حرمة صنعه و بیعه بطبیعة الحال.

فصل المسابقات المنصوصة

المسابقات المنصوصة

بعد أن عرفنا الأحکام المتعلقة بالمسابقات ککل یحسن أن نخص الکلام فی المسابقات المنصوصة فی النصوص الواردة عن المعصومین کصحیحة عبد اللّه بن سنان (1)

الوسائل ج‍ 6، [1]أحکام السبق و الرمایة باب 3،حدیث 2.

عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال سمعته یقول:لا سبق إلاّ فی خف أو حافر أو نصل،یعنی النضال.

قال ابن منظور (2):و الخف خف البعیر،و هو مجمع فرسن البعیر و الناقة.تقول العرب هذه خف البعیر و هذه فرسنه.و فی الحدیث:لا سبق إلا من خف أو نصل أو حافر.فالخف الإبل ههنا،و الحافر الخیل، و النصل السهم الذی یرمی به.

و لا بد من حذف مضاف.أی:لا سبق إلاّ فی ذی خف أو ذی حافر أو ذی نصل.

قال الجوهری:الخف واحد أخفاف البعیر.و هو للبعیر کالحافر للفرس.

ابن سیده:و قد یکون الخف للنعام.سوّوا بینهما للتشابه و خف الإنسان،ما أصاب الأرض من باطن قدمه.و قیل لا یکون الخف إلاّ للبعیر و النعامة.و فی حدیث المغیرة:غلیظ الخف.استعار خف البعیر لقدم الإنسان مجازا.و الخف فی الأرض أغلظ من النعل.


1) 1)

2) 2) انظر لسان العرب ج‍ 1،ص 868. [2]

و قال:و الخف:الذی یلبس(یعنی فی القدم)و الجمع من کل ذلک أخفاف و خفاف.و تخفف خفا لبسه.انتهی.

فهذا حدیث ابن منظور عن الخف و أما حدیثه عن الحافر فإنه أشد اقتضابا.قال الجوهری:الحافر واحد حوافر الدابة و قد استعاره الشاعر فی القدم.

و قال:قیل:کانوا لنفاسة الفرس عندهم و نفاستهم بها لا یبیعونها إلاّ بالنقد،فقالوا:النقد عند الحافر أی عند بیع ذات الحافر و صیّروه مثلا.و من قال عند الحافرة فإنه لما جعل الحافرة فی معنی الدابة نفسها و کثر استعمالها فی غیر ذکر الذات.ألحقت به علامة التأنیث اشعارا بتسمیة الذات بها.أو هی فاعلة من الحفر،لأن الفرس بشدة دوسها تحفر الأرض.قال:هذا هو الأصل ثم کثر حتی استعمل فی کل أولیة.

و لا بد لنا الآن من النظر إلی شرحه عن(الفرسن)الذی حولنا علیه ابن منظور قبل قلیل.

قال:الفرسن عظم قلیل اللحم.و هو خف البعیر کالحافر للدابة.

و قال:الفرسن فرسن البعیر،و هی مؤنثة و جمعها فراسن.و فی الفراسن:السلامی،و هو عظام الفرسن قصبها ثم الرسغ فوق ذلک.إلی أن قال:و یقال لموضع الفرسن من الخیل الحافر ثم الرسغ.و الفرسن من البعیر بمنزلة الحافر من الدابة.قال:و ربما أستعیر فی الشاة.قال ابن السراج:النون زائدة لأنها من فرست.و قد تقدم.و الذی للشاة هو الظلف.و فی الحدیث:لا تحقرن من المعروف شیئا و لو فرسن شاة.

أقول:و أما الحدیث عن النصل فسیأتی.

و من الواضح فی حال أکثر تفسیرات اللغویین أنهم یحیلون الفرد علی الواقع المشهور.فالمفروض بالقاری أنه قد شاهد الجمال و الأفراس لیعرف ما هو الخف و ما هو الحافر.کما أن المفروض أنه

مطلع علی علم التشریح لیعرف ما هی السلامی أو السلامیات للقدم فی الإنسان و الحیوان.

کما أن اللغویین یحولون بعض التفسیرات علی بعض فالخف للبعیر هو بمنزلة الحافر للفرس کما أن الحافر للفرس هو بمنزلة الخف للبعیر.

و کلاهما بمنزلة الظلف للغنم و هکذا.الأمر الذی یجعل القاری یدور فی حلقة مفرغة لا یخرج منها،أو هو(الدور)بالاصطلاح المنطقی،الذی مرجعه هنا إلی تفسیر الشیء بنفسه.

و إذا أردنا نحن أن ندقق أکثر علی أن لا نخرج عن دائرة الفهم العرفی و لا ندخل فی تفاصیل العلوم المختلفة،قلنا:أنه لا بد من الحکمة الإلهیة،لنهایة الرجل من جهة الأرض أو لنهایة الساق من عضو یتحمل ضغط المشی و الاحتکاک بالأرض و یساعد علی الوقوف.و هو فی الإنسان القدم.و أما الطیور فلها قدمها الخاص الطویل الأصابع نسبیا یشمل ذلک الطیور الأرضیة کالدجاج و الجویة کالحمام و المائیة کالبط.

و کل هذا خارج عن محل کلامنا فعلا.

و إنما کلامنا عن ذوات الأربع.و فی الإمکان القول أن اللّه سبحانه قد اختار لها فی نهایة أرجلها شکلین من الأقدام:فالوحوش و آکلات اللحوم لها براثن.و لیست البراثن هی القدم و إنما هی بمنزلة الأظافر للإنسان،و لکنها تساعد الحیوان علی الصید و تقطیع الفریسة.و إنما قدمها هو مجموع العضو الذی تتصل به البراثن.و هو موجود فی القطة و الکلب کما هو موجود فی الأسد و الذئب و غیرها.

و من الممکن القول:إن هذا النحو من الخلقة للقدم الحیوانی أشبه بقدم الإنسان من الخلقة الأخری المعبر عنها بالخف أو الحافر،لأن وضوح الأصابع و الأظافر فیها أکثر،کما هو معلوم.

و الشکل الثانی من اقدام ذوات الأربع هو ما سماه ابن منظور بالفرسن.و إنما استعملناه هنا لیکون معنی عاما لعدد من الحیوانات،کما سنذکر.و المهم فی فکرة خلقه هو العظم الغلیظ الذی یحیط بعظام القدم

الداخلیة،و یساعد الحیوان علی مقاومة الاحتکاک بالأرض خلال المشی و الرکض،و هذا الشکل من القدم موجود فی عدد من الحیوانات غیر قلیل یجمعها فکرة:أنها لیست من آکلات اللحوم.منها:الغنم و البغال و الإبل و الخیل و اللاما و الغزال و الأبقار بأنواعها و الفیلة.و غیرها.و هی علی العموم محللة أکل اللحم عدا ما استثنی کالفیل.بخلاف القسم الأول فإنها جمیعا محرمة بدون استثناء.

نعم یستثنی من کلا القسمین من ذوات الأربع:القرد بأنواعه،فإنه یمتلک قدما تشبه قدم الإنسان و لیست برثنا و لا فرسنا کالقسمین السابقین.و هذا خارج عن محل کلامنا.

هذا و لا یفوتنا القول:أنه من شطط القول:.ن تشبّه قدم النعامة بالفرسن،کما ظهر من ابن منظور.فإن لها قدما کأقدام الطیور،ذوی الأصابع الطوال علی حین لیس فی الفرسن إصبع و لا ظفر عرفا.و ان کان قد ینطبق علی بعض العظام الغلیظة فی بعضها مجازا أنه ظفر أو بمنزلته.

و بعد أن درنا هذه الدوة اللغویة أمکننا أن نعود إلی الحدیث الشریف فإن فیه ثلاث احتمالات من الفهم:

الاحتمال الأول:أن یراد به من الخف و الحافر خصوص الإبل و الخیل.دون سواها.کل ما فی الأمر أنه یشمل بإطلاقه أنواعها المختلفة.و هذا أکید.

الاحتمال الثانی:أن یراد بالحدیث الشریف إخراج القسم الأول من أقدام الحیوانات ذوات البراثن من ذوات الأربع آکلات اللحوم،کما أسلفنا.فهذه لا یجوز المسابقة فیها.و أما غیره فهو جائز.و هذا معناه أننا نعم الحکم إلی کل(فرسن)من زاویة کونه مغایرا فی حقیقته مع (البرثن)،فذوات الفرسن یجوز المسابقة بها أیا کانت.حتی الفیلة و الغزلان و الأبقار و نحوها.و إلی مثل ذلک مال سیدنا الأستاذ (1)

منهاج الصالحین ج‍ 2،ص 132.

.

1) 1)

الاحتمال الثالث:أن نأخذ بنظر الاعتبار عن وجود(الفرسن)لدی النعامة.فإنه و ان کان خطأ حقیقة إلاّ أنه معنی لغوی قائم علی أی حال.و یمکن فهم الألفاظ علی أساسه.إذن فیمکن المسابقة بالنعام أیضا.و بعد التجرید عن الخصوصیة فقهیا یمکن التعمیم من النعام إلی کل الطیور.و خاصة بعد أن ورد عنوان(الریش)فی بعض الروایات،کما سمعنا.فیکون هذا مؤیدا لذاک.و لئن کانت تلک الروایة مخدوشة سندا، فإن هذا الدلیل أوثق منه.

فأی هذه الاحتمالات فی الدلیل هو الصائب.

و الظاهر أن کل هذه الاحتمالات غیر صحیحة بالدقة.

فالاحتمال الأول یرد علیه شمول معنی الخف أو الفرس لأکثر من الإبل و الخیل،بلا إشکال.الأمر الذی یمکن فیه تعمیم الحکم بالجواز خارج دائرتهما.

و أما الاحتمال الثالث فهو غیر صحیح لما أسلفناه من ضعف السند فی روایة(الریش)و عدم احتمال الصحة فی استعمال الفرسن للنعامة، و لم یفت به أحد من الفقهاء،فیکون القول به مجازفة فقهیة مخالفة للاحتیاط.

بقی لدینا الاحتمال الثانی و هو أوجه الثلاثة غیر أنه لا یمکن قبوله علی عمومه.لأن الحیوانات ذوات الفرسن یمکن تقسیمها إلی مرکوبات کالإبل و الخیل و غیر مرکوبات کالبقر و الغنم.و من الممکن القول بوضوح عرفی کافی أن غیر المرکوبات عرفا منها غیر مشمولة للحدیث و أنه منصرف عنها بکل تأکید.

و هناک تقریبان آخران لذلک:

التقریب الأول:أن ننظر إلی ما هو المتعارف عرفا بین الناس فیما یجعلونه من الحیوان سببا للمسابقة.فهم بینما یجعلون الإبل و الخیل سببا لها،لا یجعلون البقر و الغنم سببا.و الحدیث الشریف قد خص القسم

الأول منها بالذکر.و لا یمکن تعمیمه للقسم الثانی للفرق بینهما عرفا کما عرفنا.

التقریب الثانی:أنه یمکن تقسیم هذه الحیوانات المستعملة فی المسابقة أو المطاردة إلی قسمین:قسم مرکوب فعلا.و قسم غیر مرکوب بل یجعلونه فی المضمار یرکض وحده.

و من الواضح من الحدیث الشریف و غیره من الأخبار أن المسابقة إنما تصح فی القسم المرکوب لا القسم غیر المرکوب.أو قل:إن المسابقة فی الحقیقة بین الإنسانین الراکبین و لیس بین الحیوانین المرکوبین.فإذا تجرد الحیوان عن راکب لم تصح المسابقة.و هذا المعنی یشمل قسمین:

الأول:ما لا یمکن رکبه أصلا،کالغنم و الغزلان.

الثانی:ما لا یکون رکبه متعارفا و إن کان ممکنا نظریا،کالأبقار و اللاما.فیدخل کلا القسمین فی جانب الحرمة،أو قل یخرجان من دائرة الجواز أو الإثبات فی الحدیث و یدخلان فی دائرة النفی المدلول علیه بالاستثناء بعد النفی(لا رهان إلاّ)و یبقی الباقی کالإبل و الخیل و الفیلة و نحوها.

و بهذا التقریب أیضا تخرج الطیور و النعام،لأنها غیر مرکوبة فعلا أو غیر مرکوبة أصلا.

و إذا تم لدینا ذلک أمکن التعرض إلی عدة أمور:

الأمر الأول:إن الحدیث الشریف:لا سبق إلاّ فی خف أو حافر أو نصل.یخص المسابقة فی الحیوانات التی لها أرجل،فتکون المسابقة بالحیوانات التی لا أرجل لها داخلة فی حیز التحریم،کالأسماک و حیوانات البحر علی العموم،أعنی فیما لیس له رجل عرفا کالأخطبوط و فرس البحر و کثیر غیره.و کذلک بعض الحیوانات البریة کالأفاعی.

کما أن الحدیث الشریف یخص الجواز بالحیوانات ذات الحکم

الاعتیادی المفهوم عرفا.فیخرج بذلک عن حیز الجواز إلی حیز التحریم ما کان حیوانا صغیرا معتبرا من الحشرات عرفا(سواء سمی حسرة علمیا أم لا)کالفئران و العقارب و الخنافس و غیرها کثیر.

و مفهوم الحشرة عرفا شامل لبعض الحیوانات البحریة أیضا، فیشملها التحریم،کالسرطان و الروبیان.کما أن مفهوم الأفعی أو الحیة یشمل بعض الحیوانات البحریة أیضا فیشملها التحریم أیضا.بل من الممکن القول أن المسابقة بالحیوانات البحریة مطلقا غیر جائز.

بل عرفنا أن کل حیوان غیر مرکوب فعلا فضلا عن غیر المرکوب أصلا.لا یجوز استعماله فی مسابقة بحریا کان أم بریا.

الأمر الثانی:بعد أن استنتجنا عدم الجواز فی الحیوان غیر المرکوب،فکیف نجمع بین هذا الحکم و ما قلناه فی الفصل السابق فی جواز المسابقة بکل قصد نافع للفرد أو للمجتمع.

و جواب ذلک واضح لا لبس فیه.من حیث أن استعمال الحیوان غیر المرکوب فی المسابقات،أمر لا فائدة فیه علی الإطلاق إلا التسلی أو الربح.و بغض النظر عن ذلک فلا فائدة فیه.و قلنا أن الفائدة إنما تلحظ فی هذه المرتبة،أی بغض النظر عن التسلی و الربح.

و بالطبع فإن اشتراط الرکب خاص بالحیوان،أما لو کان مورد المسابقة أو آلتها شیئا آخر،فیکون خارجا عن هذا الشرط موضوعا.

فیشرط فیها مجرد کون المقصود بالمسابقة نتیجة نافعة.

الأمر الثالث:هل أن المسابقة برکوب الحیوان خاص بقصد النتیجة النافعة أولا.

مقتضی إطلاق صحیحة ابن سنان السابقة و غیرها،عدم وجود هذا الاشتراط إلاّ أن عرض هذا السؤال،کما ألمعنا فی الفصل السابق، یحتوی علی افتراض أن هذه المسابقات قد لا تکون بقصد المنفعة بل بقصد التلهی أو الربح فقط.

و هذا المعنی قابل للمناقشة إذا نظر إلی طریقة الحرب القدیمة التی کانت عند صدر الإسلام.و الذی کان یستعمل فیها الحیوانات کوسائط للنقل بما فیها الجمال و الخیل.و من هنا کانت الحکمة الشرعیة من إجازة و تنفیذ السباق فیها هو التمرین علی استعمالها.و قلنا فی الفصل السابق أن هذا التمرین یحصل فی أغلب الموارد.و الحکمة لا یجب أن تکون عامة لکل الموارد التی یسری لها الحکم علی الإطلاق بل یکفی ثبوتها فی الأعم الأغلب منها.

نعم،فی العصر الحاضر،حیث تبدل أسلوب الحرب،و تبدلت وسائط النقل من الحیوانات بالآلات کالسیارات و الدبابات و الطائرات، فإن المسابقة بالحیوانات أصبحت لمجرد التلهی أو الربح،لأن التدرب علیها و ان کان یحصل فعلا،إلاّ أنه لا أثر له فی التدریب علی الحرب الحدیثة من قریب و لا من بعید.

و من هنا فقد یقال:إن الحکمة أو الفائدة حیث انتفت تماما،فلا بد من القول بانتفاء جواز المسابقة علی الإطلاق،أو المسابقة بالحیوانات.إلاّ أن هذه لا یصح فقهیا لأنه خلاف إطلاق الدلیل بکل تأکید.إلاّ أنه خاص،و لو احتیاطا بالمنصوص و هو الخف و الحافر و النصل.و أما المسابقات فیما سواها من الأشیاء،فتبقی مشروطة بالفائدة لأننا أنما فهمناها من عموم الدلیل من هذه الزاویة فقط.فیبقی ما لا فائدة فیه(بغض النظر عن التسلی و الربح)تحت حیز الحرمة.

الأمر الثالث:أنه قد یقال:أنه یمکن التعمیم من الحیوانات المرکوبة التی یجوز السباق بها إلی کل واسطة نقل مرکوبة.

و مع الالتفات إلی أننا قلنا بجواز استعمال أی شیء فی المسابقة مع تحقق الفائدة،تبقی فائدة هذا التعمیم إمکان القول بالجواز فی وسائط النقل حتی لو لم توجد فائدة غیر التسلی أو الربح.کالذی قلناه قبل قلیل فی الحیوانات الرکوبة بعد سقوط منفعتها فی الحرب فی العصر الحدیث.

فتکون سائر وسائط النقل علی هذا الغرار.

و هذا احتمال فقهی وجیه،لو لا بعض النقاط التی قد تمنع عن التعمیم أو التجرید عن الخصوصیة،و لو مجرد احتمال أن یکون لصفة الحیوانیة للمرکوب فی المسابقة دخلا فی جوازها.و لو باعتبار کونه مالکا لاختیاره فی الجملة،بخلاف السیارات و نحوها من الآلات الفاقدة للاختیار بالمرة،کما أنها فاقدة لصفة الحیوانیة بطبیعة الحال.

و معه فیکون التعمیم من الحیوانات المرکوبة إلی مطلق وسائط النقل مشکلا.نعم،مع تحقق الفائدة بالمعنی السابق و لو بعنوان التدرب علی الحرب أو علی السیاقة أو غیر ذلک،یدخل المورد تحت حیز الجواز.

الأمر الرابع:أشرنا فیما سبق أن الحیوان الذی تحت المسابقة یجب أن یکون مرکوبا،و لا تجوز المسابقة به خالیا عن الراکب.و کذلک سائر وسائط النقل إذا عممنا لها.

و المهم الآن أن نشیر إلی أن المتسابق یجب أن یکون هو الراکب نفسه،بحیث یکون هو المستحق للجائزة،سواء کان مالکا للفرس،أو کانت عنده باستعارة أو إیجار و نحو ذلک.

یقابل ذلک:افتراض غیر جائز،و هو أن تکون الجائزة لغیر الراکب،و إنما یأخذ الراکب أجرا بإزاء عمله لیس إلاّ.و علی الأغلب، فإن المتعارف أن مالکی الأفراس هم الذین یعتبرون أنفسهم مستحقین للجوائز و یعطون الأجور لراکبین فنیین یشارکون فی المسابقة.و قد لا یکون المالک قادرا علی التسابق أصلا،بل قد لا یکون قادرا علی رکوب الخیل أصلا.

إلاّ أن هذا المعنی ممنوع شرعا.لما قلناه من أن التسابق لیس بین الحیوانات بل بین البشر الراکبین لها.و المشارکون هم المستحقون للجوائز دون غیرهم.و هذا واضح فقهیا.فإن استعمل المتسابق فرس غیره فله الجائزة و علیه أجرة استعمال الفرس لمالکها.دون العکس الذی قلناه أنه قد یحدث فی بعض المسابقات.

و هذا کما ینطبق علی الأفراس ینطبق علی کل الحیوانات،و کل وسائط النقل،بل کل مسابقة.فإن الرابح فعلا و المتقدم فیها هو المستحق للجائزة دون من سواه.

الأمر الخامس:بالنسبة إلی استعمال الفرد جسمه فی المسابقة کالرکض أو غیره من أنواع الریاضات البدنیة.فهذا داخل فی جوازه تحت شرط الفائدة بالمعنی السابق،و لا مجال له فقهیا خارج هذا النطاق.

نعم،هذا الشرط خاص بجواز أخذ الجوائز علی المسابقات.و أما المسابقات المجانیة أعنی التی لا جائزة فیها فتجوز مطلقا ما لم تقترن بعنوان أولی أو ثانوی محرم من ناحیة أخری.

الأمر السادس:هناک بعض الألفاظ اللغویة المستعملة فقهیا فی کتاب السبق و الرمایة،یحسن بنا الاطلاع علیها،تعمیقا لثقافتنا الفقهیة التی ألف من أجلها هذا الکتاب.و بعض هذه الألفاظ تتعلق بتعیین السابق الأول من غیره،کما سنسمع.و سنقتصر هنا علی مصطلحات مسابقة الخیل.و نؤجل ما یرتبط بالرمایة إلی محلها.

قالوا:فالسابق هو الذی یتقدم بالعنق(یعنی بعنق الجواد)و الکتد و هو بفتح التاء و کسرها:مجمع الکتفین بین أصل العنق و الظهر للفرس.

و المصلی:هو الذی یحاذی رأسه صلوی السابق.و الصلوان هما العظمان الکبیران عن یمین الذنب و شماله.فی أعلی فخذی الفرس.

و بتعبیر آخر:أن عظم مقدم جسم الفرس یسمی بالکتد و عظم مؤخرة جسمه یسمی بالصلاة،و ما بینهما الظهر أو الوسط الذی یحتوی علی الخصر و هو ما یکون دقیقا نسبیا فی الفرس العربی فی وسطه.

قالوا:و السبق-بسکون الباء-المصدر بمعنی الوصول إلی الغایة المتفق علیها.

و السبق بالتحریک:العوض و یسمی أیضا الخطر.و هو الجائزة المجعولة.و الغایة:مدی السباق.یعنی نهایة طریق السیر الذی یحصل

فیه السباق.و به یتعین السابق حقیقة.و طریق السیر هو المضمار.

و یقال:سبّق إذا أخرج السبق و إذا أحرزه أیضا.یعنی:إذا أعطی الجائزة أو أخذها.و إلا فالفعل من المسابقة:سبق بدون تشدید.

هذا ما قاله الفقهاء.و فیه جهات من الإجمال،عدیدة،أهمها ما یرجع إلی تعیین السابق الأول من غیره.

و بحسب العرف العقلائی فإن السابق من غیره یتعین عند الغایة لا فی المضمار أو خلال المسابقة،إذ قد یتأخر من تقدم أو یتقدم من تأخر.

کما أن السابق الثانی لیس بالضرورة أن یکون واصلا رأس فرسه إلی صلوی فرس صاحبه.بل قد یکون متقدما علی ذلک أو متأخرا عنه.

و مع ذلک فهو الثانی فی السباق.

و بتعبیر آخر:أن(المصلی)الذی عرفناه لا یجب أن یکون هو الثانی فی السباق بل قد یکون هو الثالث أو غیره.کما قد لا یوجد فی السباق مصلی أصلا.أو لا أقل:أنه لا یوجد عند بلوغ الغایة مصلی، عند ما یتعین الموقف.

و من الناحیة العملیة أننا نلاحظ تقدم المتسابقین و تأخرهم.فمن کان متقدما للجمیع کثیرا أو قلیلا و لو بملیمتر واحد،فهو السابق الأصلی.و من بعده هو الثانی و من بعده هو الثالث و هکذا.

الأمر السابع:فی مقدار الجائزة.و هی بالطبع لا تحدید شرعی لها،و إنما تتم باتفاق الطرفین من کل مال محلل یمکن للمالک التصرف فیه.

و إنما المهم هنا السؤال عما إذا کان السابق الأول هو الذی یعطی وحده أو یعطی الذی بعده أیضا.و السؤال أنه إذا أعطینا أکثر من واحد، کالثلاثة الأول مثلا،فهل یجب التفاضل فی جوائزهم أو یکفی التساوی فی ذلک.

أما عن السؤال الأول،فمن الواضح أنه أمر بالاتفاق بین دافع الجائزة و المتسابقین.و علی العموم:إن کان المال المرصود کجائزة یعتبر مالا واحدا عرفا فهو جائزة واحدة لا یستحقها إلا السابق الأول.و کذلک لو نص دافعها أنها جائزة واحدة.و إلاّ أمکن تقسیمها بالاتفاق بین المتسابقین.فإن شککنا بالتقسیم أو اختلفوا فیه وجب التساوی فیه.

و أما عن السؤال الثانی:فالذی یبدو للنظر الأولی هو لزوم التفاضل بالجوائز،کما لو قال دافعها:أعطی للأول مئة و للثانی خمسین و للثالث عشرة،و أما مع التساوی فی المقدار فإن اهتمام المتسابقین بالفوز بالأولیة سیکون قلیلا،و من ثم سیکون ذلک مخلا بالمسابقة.

ألاّ أن هذا غیر صحیح لعدة أمور:

أولا:أن الأولیة فی المسابقة لها جهة معنویة مهمة فی نظر المتسابقین،و إن لم تکن لها جهة اقتصادیة.

ثانیا:أن جعل الجائزة المتساویة تشجیع لفکرة التسابق ککل.و إن لم یکن تشجیعا للأولیة ذاتها.

ثالثا:أن الجوائز سوف لن تستوعب الجمیع بل الفائزین الأولین أو الثلاثة الأوائل.و معه یکون الاهتمام منصبا علی الوصول إلی هذه الغایة،یعنی جعل الفرد نفسه من الثلاثة الأوائل،لوضوح أنه لو کان دونهم لم یحصل علی شیء.و هذه الفکرة کافیة فی دفع همم المتسابقین إلی إنجاز المسابقة علی أحسن وجه.

و النصوص الشرعیة الواردة خالیة من لزوم التفاضل بالجائزة،بل بعضها دال علی جواز التساوی،و هو مقتضی الأصل و القاعدة العامة بعد الاتفاق علیه مسبقا.

فعن غیاث بن إبراهیم (1)

الوسائل ج‍ 6، [1]أحکام السبق و الرمایة باب 1،حدیث 1.

عن أبی عبد اللّه عن أبیه عن علی بن

1) 1)

الحسین علیهم السلام:أن رسول اللّه(صلی الله علیه و آله):أجری الخیل و جعل سبقها أواقی من فضة.

و فی فهم الجائزة هنا محتملان رئیسیان:

الأول:أن تکون هذه الأواقی من الفضة کجائزة واحدة تدفع إلی السابق الأول فقط.

الثانی:أن هذه الأواقی توزع بین الثلاثة الأوائل بالتساوی کل واحد أوقیة من الفضة.

و المهم قبل کل ذلک هو التراضی علی مقدارها.

و عن طلحة بن زید (1)

المصدر باب 4،حدیث 1. [1]

عن أبی عبد اللّه(علیه السلام)عن أبیه(علیه السلام):أن رسول اللّه أجری الخیل التی أضمرت من الحصی(الحفی)إلی مسجد بنی زریق.و سبقها من ثلاث نخلات.فأعطی السابق عذقا و أعطی المصلی عذقا و أعطی الثالث عذقا.

فالروایة عینت مضمار السباق من الصحی(الحفی)و هو مکان أولها إلی مسجد بنی زریق و هو غایتها.و عیّنت السبق بالفتح و هو الجائزة من ثلاث نخلات،و ظاهرها التساوی فی العطاء فأخذ کل من الثلاث الأوائل عذقا.و هذا من قبیل الجائزة المدفوعة من قبل شخص ثالث أو قل:من الدولة.

و ینبغی الالتفات إلی أن الجوائز کما یمکن أن تقتصر علی السابق الأول و یمکن أن تتعدد إلی الثانی و إلی الثالث،یمکن أن تزید علی هذا العدد حسب الاتفاق أیضا.

و لعل روایة أبی البختری (2)عن علی بن الحسین علیه السلام:أن


1) 1)

2) 2) المصدر باب 4،حدیث 4. [2]

رسول اللّه(صلی الله علیه و آله)أجری الخیل و جعل فیها سبع أواق من فضة.

هذه الروایة تعطی بفهمها الأولی أن هذه السبع أواق وزعت علی سبع أشخاص هم السبع الأوائل،و لیس علی الثلاثة الأوائل فقط.

الأمر الثامن:ذکر سیدنا الأستاذ (1)

منهاج الصالحین ج‍ 2،ص 132. [1]

أن العوض أو الجائزة یمکن أن تکون:عینا أو دینا و أن یبذله أجنبی أو أحدهما أو من بیت المال.

و یجوز أن یکون للسابق و للمحل و لیس للمحلل شرطا.

و شرح ذلک مفید الآن.أما کون الجائزة عینا فمعناه قول الدافع:

من سبق أعطیه هذا المال،مهما کانت صفته ما لم یکن حراما أو محجورا علیه.بشرط أن یکون محدد المقدار عرفا.

و أما کون الجائزة دینا،فقوله:من سبق أعطیه کذا دینار أو کذا درهم أو ثوبا أو فرسا و نحوها.مما یکون فی الذمة،و لیس لها وجود خارجی بالفعل.

و أما بذل العوض من قبل الأجنبی فالمراد به الطرف الثالث کما عبّرنا فیما سبق.و إنما سمی أجنبیا لأنه غیر مشارک فی المسابقة.

و أما بذل العوض من قبل أحدهما.فالمفروض فیه أن المتسابقین اثنان لا أکثر،و إلاّ قال:أحدهم.و هو ممکن فقهیا أیضا.و إذا تعددوا أمکن التبرع بالجائزة من قبل أکثر من واحد،بشرط أن یقل عدد المتبرعین عن عدد المشارکین و لو بواحد.

فإن فاز المتبرع لم یدفع شیئا.و ان فاز غیره دفعها له.

و المهم الآن أن نفهم الفرق بین ما قاله سیدنا الأستاذ هنا و ما قلناه من عدم جواز أخذ الجائزة من الخاسر.و الفرق واضح،فإن المتبرع قبل المسابقة لا یعلم أنه سوف یکون رابحا أو خاسرا.و سوف یدفعها سواء


1) 1)

کان رابحا أو خاسرا.و بالتدقیق:ان المشارکین لو کانا اثنین فالمتبرع بالجائزة سوف یدفعها لو کان خاسرا دون ما إذا کان رابحا.لکن لا بصفته خاسرا بل التزاما بالمعاملة.و إذا کان المشارکین أکثر.فإن کان المتبرع هو الفائز الأول و الجائزة واحدة لم یدفع شیئا أیضا.نعم لو کان هو دون الأول أو تعددت الجوائز دفع مالا یرجع إلی نفسه منها.

و علی العموم،فالمفهوم عرفا من تبرع أحد المشارکین بالجائزة، هو دفعه لها لو کان خاسرا،لما عرفنا من عدم دفعها حال النجاح.فإن کان هناک فرق بین النظریتین فهو قلیل و غیر عرفی.فالأحوط ترک هذا الجانب و أن تکون الجائزة من طرف ثالث أو من بیت المال.أی من الدولة أو الأموال العامة.

و قال سیدنا الأستاذ فی العبارة السابقة عن الجائزة:و یجوز أن یکون للسابق.أقول:و هذا واضح إن کانت واحدة فإنها تنحصر بالسابق الأول.و إذا تغیر الفرض أو اتفقوا علی غیر ذلک،کان لا بد من تطبیق ما اتفقوا علیه.

قال:و للمحلل،و لیس للمحلل شرطا.

و للمحلل عدة تفسیرات:

التفسیر الأول:أنه الشخص المشارک فی المسابقة بدون أن یکون قد شارک فی معاملتها،کما سیأتی من أنها معاملة متکونة من إیجاب و قبول.

التفسیر الثانی:أنه الشخص المشارک الذی لا یلزم أن یأخذ الجائزة أصلا،حتی لو کان هو الفائز الأول.کما لو صرح هو بذلک.و إنما یشارک بالمسابقة للنزهة أو للتدریب.

التفسیر الثالث:مبنی علی وجود(شرط جزاء)مالی یؤخذ من الخاسرین.و المحلل هو الذی لا یکون علیه شرط جزاء و إنما له الفائدة فقط،بمعنی أنه لو سبق أخذ.

و هذا التفسیر هو المشهور بین الفقهاء،و قالوا:أنه إنما سمی بالمحلل لذلک،و هو بصیغة اسم المفعول،یعنی قد أعفی من الضریبة و شرط الجزاء.

و قد سبق أن قلنا أکثر من مرة أن أخذ الجائزة من الخاسر،بل تغریمه مطلقا.خلاف الاحتیاط بل هو غیر جائز.فالتفسیر الثالث لا یتم،و إذا انحصر الأمر به فوجود المحلل فی المضمار لا یکون مشروعا.

و لعله من هنا اختار سیدنا الأستاذ التفسیر الثانی بقوله:(و لیس للمحلل شرطا).أی لا یجب دفع العوض أو الجائزة للمحلل.فیکون محللا منها و معفوا عنها.و یمکن هنا قرائته بصیغة اسم الفاعل یعنی أنه هو الذی حلل المتبرع عن الدفع إلیه و أبرأ ذمته منه.

و أما علی الوجه الأول فیکون بمعنی کونه محللا،بصیغة المفعول، من أصل المعاملة لأنه لم یشترک فیها.

هذا و قد فسره سیدنا الأستاذ بتفسیر أکثر تفصیلا حیث قال:

المحلل هو الذی یدخل بین المتراهنین و لا یبذل معهما عوضا بل یجری دابته بینهما أو فی أحد الجانبین علی وجه یتناوله العقد.علی أنه ان سبق بنفسه أو مع غیره أخذ العوض أو بعضه علی حسب الشرط و ان لم یسبق لم یغرم شیئا.

و هذا یرجع إلی الوجه الثالث السابق القائم علی افتراض دفع الخاسر شیئا من المال للرابح کجائزة أو کشرط جزاء.و قد استشکلنا فیه کما سبق.

هذا،و الأقوی القول بعدم وجود المحلل فی المسابقة.فإن صادف أن التحق واحد أو أکثر بها بعد الاتفاق علی المعاملة.فهذا أما أنه عضو بالمعاملة فعلا أو أنه لا یستحق شیئا علی الإطلاق.

أما إمکان أن یصبح عضوا فی المعاملة نفسها،فلأن المشارکین لهم درجة(القبول)فی المعاملة المتکونة من قبول و إیجاب علی ما

سیأتی.فإن التحق أحد کان فی إمکانه القبول لفظیا أو عملیا(معاطاتیا) علی تلک المعاملة أو إیجابها إجمالا أو بعد الموافقة علی التفاصیل.

و أما أنه لا یستحق شیئا،فذلک إذا لم یحصل القبول أصلا،کما لو لم یکن ملتفتا إلی ذلک أصلا،أو لم یکن موافقا علی شرائط المعاملة.و مع ذلک شارک فی المسابقة.ففی مثل ذلک یکون وجوده کعدمه.بمعنی أننا لیس لنا أن نمنع الناس عن السباق إلاّ أن سباقهم سیکون عشوائیا من دون ارتباط بأی معاملة أو جائزة.حتی و لو تقدم علی الجمیع.و إنما یستحق عندئذ السابق من المشارکین فی المعاملة.

و هذا غیر الوجه الثانی الذی قلنا فیه أن المحلل یمکن أن لا یأخذ الجائزة.فهنا نقول:أن المحلل لا یمکن أن یأخذ الجائزة،لأنه بذلک یحرم المستحق لها و هو السابق من المشارکین.و یکون أکله لها أکلا للمال بالباطل.

الأمر التاسع:عند الوصول إلی(الغایة).و هی نقطة النهایة، فالمفروض أن واحدا من المتسابقین یکون هو الأول و واحدا هو الثانی و هکذا.و لکن قد یتعدد السابقون.و کذا قد یتعدد الثانی و یتعدد الثالث و هکذا.

و علی ما قلناه من کون الأول هو المتقدم و لو بملیمتر واحد علی الآخرین.و الثانی هو المتقدم و لو هکذا علی الثالث.و هکذا.علی هذا یندر أن نری اثنین یقفان علی نفس المستوی تماما.و یبقی ذلک مجرد افتراض فقهی أقرب إلی الدقة الفلسفیة.لکنه یجب أن یعرض فقهیا بعد أن علمنا أنه(ما من واقعة إلاّ و لها حکم).

و أما علی ما قالوه من أن الثانی هو(المصلی).و بین رأس الفرس و صلوه مسافة قد تقدر بنحو متر.قد یقف فیها واحد أو أکثر من واحد.

فیکون من تقدم علی المصلی(بالنسبة إلی السابق الحقیقی)معدودا فی الفوز الکامل أو الأول.و یکون المصلی و من قاربه فی الموقف معدودا

فی المرتبة الثانیة.و یکون(مصلی)الثانی أی الذی یقف عند صلاة الثانی هو الثالث و ان تعدد و هکذا.و هذا هو الأقرب إلی فهم المشهور.

و المهم هو التعرض إلی حکمه.و هو یختلف باختلاف ما اتفقوا علیه.فإن کانت الجائزة مرصودة للفائز أو المتقدم بصفته واحدا علی الإطلاق.فهنا لو تقدم اثنان لم یکن أی منهما بهذه الصفة.فلا یستحق أی منهما الجائزة.و معه تکون هذه المسابقة غیر ذات جائزة إطلاقا.

و ان اتفقوا علی رصد الجائزة للفائز و لو کان الفائزون متعددین.

استحقوا تقسیم المال بینهم بالسویة،ما لم یشترطوا خلاف ذلک فی أصل المعاملة.

و کذلک الحال فی السابق الثانی و الثالث و من بعدهما.فلا حاجة إلی إطالة الحدیث.

الأمر العاشر:ان المسابقة معاملة یتفق علیها قبل إنجاز التسابق.

و هذا مسلم فقهیا و واضح من النصوص.و قد اعتبرها الفقهاء معاملة مستقلة،بإزاء غیرها من البیع و الإجارة و الوقف و الرهن و غیر ذلک، بمعنی أنها غیر مندرجة فی معاملة أخری.

و یکون الإیجاب من قبل باذل الجائزة و القبول من المشارکین ان کان الباذل غیرهم أو من الباقین ان کان منهم و أجزناه(خلافا لما سبق).

و الإیجاب و القبول کأی معاملة أخری،یمکن أن یکون لفظیا و یمکن أن یکون عملیا أو معاطاتیا.کما أنه مشمول لما هو الأقوی فی کل معاملة من عدم اشتراط العربیة و لا اشتراط تقدم الإیجاب،علی أن لا یکون القبول المتقدم بلفظ قبلت.و قد تقدم مزید إیضاح له فی کتاب البیع.

و کأی معاملة أخری لا بد من تعیین الأمور فیها بشکل یرتفع فیه الغش و الغرور و الضرر،کمقدار الجائزة و طریقة توزیعها و الأفراس أو أیة واسطة نقل و محل ابتداء المسافة و محل انتهائها و طولها و الطریق التی

یمرون فیها إلی غیر ذلک مما یعرفه أهل الاختصاص.

و للزمان أیضا دخل فیه إذا کانت المسابقة لا تنجز فورا عند الاتفاق.فلا بد إذن من ذکر التاریخ المضبوط لإنجازها من لیل أو نهار أو تاریخ معین بالشهر و السنة.و من الحر أو البرد أو غیر ذلک من المواصفات لأن کل ذلک یؤثر علی نفسیة المتسابقین و نتیجة السباق حتما.

هذا و لم یشر الفقهاء،فی حدود ما أطلعت علیه من المصادر أن هذه المعاملة لازمة کالبیع و الإجارة.أو جائزة کالودیعة و العاریة.

و بالطبع فإن مقتضی القاعدة هو اللزوم ما لم یشترط خیار الفسخ.

هذا.و کما یمکن أن تنجز هذه المعاملة بهذه الصفة المستقلة التی سمعناها الآن،کذلک یمکن أن تنجز علی شکل الجعالة.و هی عادة معاملة ذات طرف واحد کأن یقول فرد:من رد دابتی فله کذا أو من خاط ثوبی فله کذا.و قد سبق أن تحدثنا عنها فی موضعها.

و علی هذا الغرار یقول المتبرع بالجائزة:من سبق منکم أعطیته کذا.أو إذا تسابق جماعة أعطی السابق منهم کذا و هکذا.

و إذا کانت جعالة شملتها أحکامها،و التی منها کون الجعالة معاملة (جائزة)قبل العمل الذی هو هنا التسابق،و لازمة علی الموجب بعده.

و التی منها عدم لزوم القبول من قبل العامل أو المتسابق هنا،و إنما المهم هو النتیجة.فحین یرد شخص الدابة أو ینتهی من خیاطة الثوب یستحق (الجعل).کذلک هنا عند ما یصبح أحد المتسابقین هو الفائز یستحق الجائزة.

و کما یمکن للجاعل و هو موجب الجعالة أن یشترط الجعل للفائز الأول کذلک یمکن له تعمیمها أکثر للثانی و الثالث و هکذا و کما یمکن أن یخصها بفائز واحد،کذلک یمکن أن یعممها لاثنین أو أکثر إذا تساووا فی الوصول و هکذا.و لا بد فیها من ضبط المواصفات کما سبق أیضا علی الأحوط.و إن لم یکن فی الجعالة ذلک واضحا کسائر المعاملات.

و مما ینبغی الألماع له:أنه من الواضح فی صورة الجعالة عدم وجود(المحلل)علی الإطلاق،بل کل من ینتدب نفسه للمسابقة،فهو مشارک فعلی و لیس ثانویا،کالذی فهمه الفقهاء من المحلل.

و بهذا نکون قد أخذنا فکرة کافیة جدا عن التسابق الأرضی.بقی علینا الحدیث عن التسابق بالمراماة بالسهام.

الرمایة:

و هی تتفق مع کثیر من صفات التسابق السابقة.من کونها معاملة لا بد من ضبط مواصفاتها و جائزتها و غیر ذلک.و إنما نخص الحدیث هنا ببعض ما لا یکون من قبیل التکرار.و ذلک فی ضمن بعض الأمور:

الأمر الأول:ورد فی النص السابق:لا سبق إلاّ فی خف أو حافر أو نصل.فما هو النصل و ما الذی یمکن الاستفادة منه لغویا.

قال ابن منظور (1)

لسان العرب ج‍ 3،ص 651. [1]

:النصل نصل السهم و نصل السیف و السکین و الرمح.و نصل البهمی من النبات إذا خرجت نصالها.

المحکم:النصل حدیدة السهم و الرمح و هو حدیدة السیف ما لم یکن لها مقبض حکاها ابن جنی.قال:فإذا کان لها مقبض فهو سیف.

و نصل السیف حدیده.

ابن شمیل:النصل السهم العریض الطویل یکون قریبا من فتر و المشقص علی النصف من النصل.قال:و السهم نفس النصل.فلو التقطت نصلا لقلت:ما هذا السهم معک.و لو التقطت قدحا(و هو ما وراء النصل من السهم)لم أقل ما هذا السهم معک.

و انصل السهم و نصَّله:جعل فیه النصل و قیل أنصله أزال منه النصل و نصَّله رکب فیه النصل.و نصل السهم فیه ثبت فلم یخرج و نصلته أنا.

و نصل خرج«فهو من الأضداد.و أنصله هو.و کل ما أخرجته فقد


1) 1)

أنصلته.ابن الأعرابی:انصلت الرمح و نصلته جعلت له نصلا و أنصلته نزعت نصله.

قال:و النصل:ما أبرزت البهمی و ندرت به من أکمّتها و الجمع أنصل و نصال.

أقول:و الذی یبدو من مجموع هذا الکلام:ان النصل هو الجهة القاطعة للآلة المعدّة للقطع.سواء کانت الجهة القاطعة مدببة کما فی السهم و الرمح و هو السنان،أو طویلة کالسیف و السکین.کل ما فی الأمر أن شکل القطع یختلف بین النوعین.

و لهذا أیضا سمی أبر النبات بالنصال بصفتها قاطعة علی حدها و مقدارها.

هذا،و یمکن التعمیم(مجازا قریبا إلی الحقیقة)بأن نسمی مجموع الآلة نصلا کالسهم کله أو السکین کلها.لأن النصل أهم جزء فیها، و إنما کرس وجودها کله باعتباره.

فیبقی الکلام من الناحیة الفقهیة فیما یمکن استخدامه فی هذه المسابقة من هذه الآلات و غیرها،بصفتها رمایة أو مرامات.و ذلک علی عدة مستویات:

أولا:الآلات ذات الرؤوس المدببة أو السنان،کالسهم و الرمح و القناة و هی الرمح القصیر و الفالة و هی الرمح ذات الرؤوس المتعددة.

و هذا هو القدر المتیقن من جواز الاستعمال فی الروایة فقهیا.

و أخصها وضوحا هو السهم.و لکن الحکم یعم الجمیع بصفتها نصولا تشبه السهم.

ثانیا:الآلات ذات التحدید الطویل،لو صح التعبیر.کالسیف و السکین.و قد اختار سیدنا الأستاذ جواز استعمالها.

غیر أن هناک إشکالا واضحا فی هذا النحو من الآلات.لوضوح أن

النصل الطویل لیس ذی فائدة تذکر فی المراماة.و إنما الذی یفید فیها هو النصل المدبب خاصة.لأنه هو الذی یمکن أن یؤثر فی(الهدف)و یلتصق به أحیانا.و أما النصال الطوال،فهذا لا یعنی استعمالها أکثر من رمیها رمیا یدویا عشوائیا و لیس فیه أی تحدید یمکن جعله میزانا فی معاملة مضبوطة.

فاستعمال السیف و السکین ان کان معقولا،فإنما هو لأجل وجود طرف أو نصل مدبب فی نهایاتها لا لأجل نصلها الطویل.و السکاکین و الخناجر تحتوی علی طرف مدبب عادة.و کذلک السیوف المستقیمة سواء کانت مفرطحة کالسیف الرومانی أو اسطوانیة رفیعة کالسیف الفرنسی.

أما السیف المنحنی العربی أو الهندی،فله طرف مدبب فی نهایته، إلاّ أن انحناءه لا یساعد أبدا فی استعماله فی المراماة.بل سیکون رمیه عشوائیا لا محالة،یعدل رمی الحجر أو أی ثقل آخر.إذ لا یحتمل أن یصل إلی الهدف تماما أو یلتصق به،بل سیسقط علی الأرض بکل صورة و معه فاستعماله فی المراماة غیر معقول و غیر منطقی.فإن کان مراد سیدنا الأستاذ (1)

منهاج الصالحین ج‍ 2،ص 132.

من السیف حین ذکر جواز المراماة به هو ذلک فهو سهو لا محالة.

و إن کان مراده التسابق بالسیوف بالضرب بها الأجسام الصلبة أو الأجسام البشریة،فهذا غیر محتمل فقهیا علی الإطلاق.مضافا إلی أنه قد یستلزم الضرر و القتل أحیانا أو إتلاف السیف و نحوه،مما هو محرّم فی الشریعة المقدسة.

ثالثا:مما یمکن استعماله فی المراماة:الآلات الحدیثة أو غیرها مما یمکن عرفا استخدامها فی هذا الصدد.کطلقات البنادق و المسدسات و الرشاشات و بنادق الصید و غیره،مع إمکان الترکیز فیها علی هدف معین.


1) 1)

و قد اختار سیدنا الأستاذ (1)

منهاج الصالحین ج‍ 2،ص 132.

جواز ذلک.بصفته تعمیما عرفیا من السهم و النصل الذی هو السلاح القدیم،إلی کل أنواع الأسلحة فی أی زمن من الأزمان.و إن لم تسم نصلا فعلا.

و هذا هو الصحیح،بالشرط الذی ذکرناه و هو إمکان الترکیز علی الهدف.و هذا واضح فی الآلات ذات الطلقة الواحدة.و کذلک إذا کانت متعددة ذات اتجاه واحد.و أما الطلقات ذات الاتجاهات المتعددة فهی فاقدة للترکیز،فیکون استعمالها فی المراماة جزافا.

نعم،یمکن استعمال مثلها بطریقة أخری کالمسابقة علی کثرة قتل الحیوانات أو الطیور فی وقت محدد و نحوه.إلاّ أن مثل هذه المسابقة تدخل فی القاعدة العامة و هی عدم الجواز ما لم یکن فیها نفع فعلی بغض النظر عن التسلی و الربح.فإن کانت کذلک جازت إلاّ أنها لیست من المراماة التی نتکلم عنها الآن.

الأمر الثانی:فی مصطلحات المراماة،کما تکلمنا عن مثله فی السباق.

قالوا:النضال و المناضلة هو لمطلق المسابقة.و خص منها المراماة علی وجه التحدید.

و الرشق-بکسر الراء-عدد الرمی(یعنی عدد المرات بغض النظر عن إصابتها).و الرشق بالفتح:الرمی.و یقال:رشق وجه و ید.و یراد به الرمی علی ولاء حتی یفرغ الرشق.(و هنا بمعنی المرشوق أی السهام المضروبة أو المعدّة للضرب).

و یوصف السهم بعدة أوصاف:

الحابی:و هو ما زلج علی الأرض ثم أصاب الهدف.

و الخاصر:ما أصاب أحد جانبیه.


1) 1)

و الخازق:ما خدشه(و سقط عنه).

و المارق:الذی یخرج من الغرض نافذا(إلی الجانب الآخر).

و الخارم:الذی یخرم حاشیته.

و المزدلفة:و هو الذی یضرب الأرض ثم یثب إلی الغرض(و هو یشبه الحابی من هذه الجهة إلی حد ما).

قالوا:و الغرض:ما یقصد اصابته و هو الرقعة.

و الهدف:ما یجعل فیه الغرض من تراب أو غیره.

و هنا لا یخفی أننا نستعمل الغرض و الهدف بمعنی واحد هو معنی الغرض.و هو استعمال للفظ(الهدف)استعمالا مجازیا فی معنی الغرض.

و المبادرة:هی أن یبادر أحد المتسابقین إلی الإصابة مع التساوی فی الرشق.

و المحاطّة:هی إسقاط ما تساویا فیه من الإصابة یعنی غض النظر عنها،و البدء بالمسابقة من جدید.

الأمر الثالث:المسابقة فی المراماة کما سبق معاملة کسائر المعاملات،و هی تحصل بالجعالة أیضا،کما سبق فی المسابقة أیضا.

و إذا کانت جعالة شملها حکمها.

و ان کانت بإیجاب و قبول مستقل،کان لها شرائط الصحة،و هو التحدید من جمیع الجهات المهمة و المنظورة.

قال المحقق الحلی (1)

الشرائع ج‍ 194. [1]

:ان صحة العقد یتوقف علی العلم بأمور ستة:الرشق(یعنی عدد الرمیات)و عدد الإصابة.و صفتها(من المارق و الخارق و غیرها مما سبق أو بشکل آخر أوضح)و قدر المسافة(بین

1) 1)

الضارب و الغرض).و الغرض(یعنی تعیین مادته من خشب أو ورق أو حدید و سعته و نحو ذلک)و السبق(بالفتح.یعنی تعیین مقدار النجاح الذی یحصل به الفوز و استحقاق الجائزة).

و اشترط المحقق (1)

المصدر و الصفحة.

:تماثل جنس الآلة.بمعنی الآلة الضاربة(کالقوس أو البندقیة)و الآلة المضروبة(کالسهم أو القذیفة الناریة أو الحصاة أو غیرها).

قال:و فی اشتراط المبادرة و المحاطة تردد.الظاهر أنه لا یشترط، أقول:لأنها قد تحصل إذا احتاجوا إلیها و قد لا تحصل.و حصولها من دون اشتراطها غیر مبطل للعقد.أقول:و فی مقابل المبادرة هو أن یضربوا سویة.و فی مقابل المحاطة هو أن تحسب الضربات کلها بدون تنقیص.و المهم أن اشتراط أی من ذلک و عدم اشتراطه غیر مضر بالعقد.

قال (2):و کذا لا یشترط تعیین القوس و السهم.أقول:و القوس هو الضارب و السهم هو المضروب.و مراده عدم وجوب تعیینهما بذات خارجیة محددة،کما لو قالوا:اننا نضرب بهذا القوس أو بهذا السهم.

و لکن إذا لم یتم ذلک فلا بد من تحدید صفتهما و حجمهما إذا اختلفت الحجوم.کما لا بد من تحدید ذلک فی الآلات الأتوماتیکیة الحدیثة.

و الفرق العملی بین الشرطین:أنه لو اشترطوا(هذا القوس)فانکسر خلال الاستعمال و قبل أن ینتهی الرمی بطلت المعاملة و لیس لهم ابدا له.

و إذا اشترطوا قوسا و سهما موصوفا غیر محدد بذاته.و استعملوا قوسا بتلک الصفة فانکسر،أمکن إبداله بقوس ذی الصفة نفسها لکی تستمر المناضلة و تصح المعاملة.


1) 1)

2) 2) المصدر و الصفحة.

کتاب الوصایا

اشارة

فصل الوصیّة

اشارة

الوصیّة

هناک عدة أحکام أخلاقیة و شرعیة متعلقة بالوصیة،و قد نطقت النصوص بکثیر منها،یحسن الآن التعرض إلی المهم منها:

مرجوحیة الوصیة:

یوجد هناک مستوی من التفکیر یجعل الوصیة أمرا مرجوحا و مذموما.و حاصل دلیله:استنکار أن الفرد یهمل العمل فی حیاته و یوکله إلی ورثته أو أوصیائه بعد وفاته.مستشهدا بقول القائل:

ما حک جلدک مثل ظفرک فتول أنت جمیع أمرک

و إذا کنت أنت کسلانا و متماهلا فی أداء الواجبات أو الأعمال أو الأموال التی علیک.فاعلم أن غیرک و بعد موتک و انتهاء رقابتک،سیکون أکثر کسلا و أولی بالتهاون و التماهل فی کل ذلک.و الذی لم یقض حاجته بنفسه و هو مستطیع لذلک و عنده الوقت الکافی له.فکیف یتوقع من الآخرین القیام به حین لا یستطیع الرقابة و لا المطالبة و لا المتابعة بالقوائم و الدفاتر.لأنه سیکون عندئذ تحت التراب.

قالوا:و هذا المعنی یشمل کل شیء،فإذا کان علیک واجبات فأدّها فی حیاتک.و إذا کان فی ذمتک أموال فادفعها فی حیاتک و إذا فکرت فی صدقات و قضاء الحاجات فنجّزها تحت اشرافک و رأیک.و اعلم انک إذا نکلت عن ذلک حرصا علی المال،فسیکون وارثک أحرص و عن تنفیذ الوصیة أبعد.

و هذا الدلیل صحیح فی حدوده تماما.فالواجبات یجب قضاؤها أو

أداؤها علی الفرد نفسه،و تأجیلها طوال الحیاة حرام بکل تأکید،سواء کانت واجبات بدنیة کالصلاة و الصیام و الحج أو مالیة کالزکاة و الدیون ورد المظالم.و لا یعذر الفرد أمام اللّه سبحانه و تعالی بتأجیلها و الوصیة بها.

و یقرب من ذلک حال المستحبات البدنیة و المالیة.غیر أنها بصفتها مستحبة تکون جائزة الترک لا محالة.غیر أن رجحانها موجود.و معنی ذلک أنها مطلوبة بحد ذاتها من الفرد.و استحبابها منها ناجز فی حیاته، و إذا أجلها أو أهملها فقد عصی هذا الاستحباب بکل تأکید.و إیکالها إلی الوصیة إیکال للطرف الأقل و الاستحباب إلا دون.

مضافا إلی فهم أخلاقی معین یمکن عرضه و هو أن هذا الإهمال و التأجیل إلی ما بعد الموت،یحتوی علی سلوکین ظالمین مقترنین.

فالإهمال حال الحیاة ظلم للشریعة أو قل:هو ظلم للنفس.فیموت الفرد و هو ظالم لنفسه.و إیکال الأمر إلی الغیر بالوصیة بعد الموت و تکلیفه به ظلم لذاک الآخر المسکین الذی جعلت علیه ثقلک و کلفته بمسؤولیاتک، مع أنه کان فی سعة من أمره و حریة فی رأیه.

رجحان الوصیة:

فإنه رغم الذی سبق،فإن الوصیة راجحة قبل الموت و قد وردت فی ذلک نصوص عدیدة سنذکر بعضها و بأسالیب مختلفة و مؤکدة.و سنری بعد ذلک ماذا ترید هذه النصوص أن تقول.و کیف نجمع بینهما و بین الدلیل السابق.

ففی صحیحة محمد بن مسلم (1)

الوسائل ج‍ 6،کتاب الوصایا باب 1،الحدیث 1. [1]

:قال:قال أبو جعفر(علیه السلام):الوصیة حق.و قد أوصی رسول اللّه(صلی الله علیه و آله)فینبغی للمسلم أن یوصی.

1) 1)

و فی أسانید أخری (1)

انظر المصدر الأحادیث:3 إلی 6. [1]

عن الوصیة:هی حق علی کل مسلم.

و عن الشیخ المفید (2)فی کتابة(المقنعة)قال،قال رسول اللّه(صلی الله علیه و آله):ما ینبغی لأمرأ مسلم أن یبیت لیلة إلاّ و وصیته تحت رأسه.

قال:و قال (3):من مات بغیر وصیة مات میتة جاهلیة.

و فی روایة سلیمان بن جعفر (4)عن أبی عبد اللّه(علیه السلام)قال:قال رسول اللّه(صلی الله علیه و آله):«من لم یحسن وصیته عند الموت کان نقصا فی مروّته و عقله»الحدیث.

و عن السکونی (5)عن جعفر بن محمد(علیه السلام)عن أبیه(علیه السلام)قال:من لم یوص عند موته لذوی قرابته ممن لا یرثه فقد ختم عمله بمعصیة.

و علی الرغم من أن أسانید أکثر هذه الروایات لا تخلو من خدشه.

إلاّ أننا یکفینا الصحاح منها کالأولی.و تکفینا ضرورة الفقه أیضا بأن الوصیة مستحبة.بحیث لا یحتاج إثباتها إلی مزید من الاستدلال.

و لا یراد بذلک رجحان الإهمال و التسویف و إیکال ذلک إلی ما بعد الموت.

و إنما یمکن فهمها فی عدة مستویات یتم بها الجمع بین الفکرتین:

الفکرة التی تنتقص الوصیة و الفکرة التی ترجحها.

المستوی الأول:أن نفرض إنسانا علیه واجبات و لم یتماهل فی إنجازها،و لکن فاجأه القدر بالعجز عن إنجازها.فلا یجب فی نظره أن تفوت علی الإطلاق بل ینبغی إحرازها علی الأقل عن طریق الوصیة.


1) 1)

2) 2) المصدر الحدیث 7. [2]

3) 3) المصدر الحدیث 8. [3]

4) 4) المصدر باب 3،الحدیث 1. [4]

5) 5) المصدر باب 4،الحدیث 3. [5]

و هذا التصور کما یأتی فی الواجبات البدنیة و المالیة،یأتی فی المستحبات البدنیة و المالیة أیضا کما هو واضح لمن یفکر.

المستوی الثانی:أن نفرض أن إنسانا علیه واجبات،و قد تماهل فی إنجازها.إلاّ أن هذا التماهل کان بالشکل غیر المحرم.فمثلا:یفتی مشهور الفقهاء بأنه لا یجب المبادرة إلی القضاء و یمکن تأجیله بعض الوقت أو طیلة الحیاة ما لم یحس الفرد بقرب الضعف أو قرب الوفاة.

ففی خلال ما کان هذا الإنسان متماهلا تماهلا مشروعا لا یتوقع مصاعب الدنیا.إذ دهمته هذه المصاعب فجأة و تعذر علیه إنجاز الواجبات.فلا أقل عندئذ من الوصیة بها بعد الوفاة.

و هذا التقریب کسابقه عام للواجبات بقسمیها و للمستحبات بقسمیها،و هو فی المستحبات ینبغی أن یکون أوضح صدقا و أقرب نتیجة.

المستوی الثالث:أن نفرض أن إنسانا تماهل فی إنجاز واجباته المالیة تماهلا محرما.حتی حصل له العجز عن إنجازها.أو کان عازما علی ترکها بشکل محرم و یکون فیه مقصرا بکل تأکید.

إلاّ أن هذا لا یعنی أن یهملها علی کلا الصعیدین أعنی فی حیاته و بعد موته.فبعد صحة ما یسمی(بالترتب)فی علم أصول الفقه.نفهم:

أن الشارع المقدس بعد أن رأی عصیانه فی الحیاة أعطاه فرصة أخری لإنجاز الواجبات بعد الممات.

بل إن هذه الصورة أولی بصدق الترتب من الأمثلة التی یذکرونها فی علم الأصول،و أقل إشکالا منها.و الحدیث عن ذلک موکول إلی محله.

فهذه هی المستویات الثلاث الرئیسیة المترتبة أو المتعاقبة التی تسجل نتائجها بکل وضوح رجحان الوصیة.یضاف إلی ذلک مستویات متعددة ممکنة أحیانا نذکر منها

المستوی الرابع:أنه لیست کل الأمور ممکنة الإنجاز فورا،فقد یحتاج بعضها إلی زمن قد یطول و قد یقصر و من الممکن أن یکون زمن إمکانها لا یحین إلاّ بعد وفاة الفرد المعنی بها.و معه لا یمکن مشارکته فیها إلاّ عن طریق الوصیة.

المستوی الخامس:أنه من الراجح شرعا قطع الأمل من طول الحیاة علی وجه الأرض و توقع الموت فی أیة لحظة،حتی أن الإنسان إذا تنفس نفسا لم یکن من الیقین أنه سوف یأخذ نفسا آخر.أو إذا طرفت عینه مرة فقد لا تطرف بعدها أو إذا نام فی أیة لیلة أو نهار فقد لا یستیقظ منها.و هکذا.و رجحان هذا الشعور الأخلاقی من واضحات الشریعة.علی أنه مستحب و لیس بواجب.

و مع توقع الموت،فمن المحتمل للفرد أنه لن یستطیع دفع دیونه أو إرجاع الأمانات التی عنده أو حتی التصدق بالأموال استحبابا فی المستقبل القریب فضلا عن البعید.

إذن،فلا بد من أخذ ذلک بنظر الاعتبار استحبابا،و التعجیل بالوصیة قبل أن یدهمه الموت و یجعله عاجزا عن الإنجاز.

و هذا أحد المعانی الرئیسیة للروایة التی سمعناها:ما ینبغی لأمرأ مسلم أن یبیت لیلة إلاّ و وصیته تحت رأسه.یعنی معدة أعدادا کاملا و تحت تناول یده و أیدی ورثته بعد موته.

و علی هذا المستوی لا یکون معنی إعداد الوصیة ترک إنجاز ما هو ممکن من التکالیف الواجبة و المستحبة خلال الحیاة.فالفرد یکتب أن علیه کذا و کذا.و لکنه ینجز منها فی حیاته ما استطاع.فإذا أنجزها حذفها من وصیة،و بقی الباقی و هکذا.

عدم الإجحاف:

یستحب استحبابا مؤکدا أن لا تکون الوصیة مجحفة بحال الورثة

بل یوفر المیت لورثته من المال ما استطاع،و لا یرهقهم بصرفه فی الوجوه التی یراها و یوصی بها.

و من المعلوم أن(الأقربون أولی بالمعروف).فلو کان ورثته فی حاجة مالیة،فمن غیر الراجح أن یوصی بالتصدق بماله علی الفقراء الآخرین.و یدع ورثته فی حیرة من لقمة عیشهم.حتی و ان کان یکرههم عاطفیا.فإن إنجاز تعالیم الشریعة أولی من ذلک و أعلی.

و قد ورد هذا المعنی فی النصوص فی السنة الشریفة بأسالیب مختلفة:

ففی روایة السکونی (1)

الوسائل ج‍ 6،کتاب الوصایا باب 5،حدیث 1. [1]

عن جعفر بن محمد(علیه السلام)عن أبیه(علیه السلام)قال:

قال علی(علیه السلام):ما أبالی أضررت بولدی أو سرقتهم ذلک المال.

فهو علیه السلام یمثل الإضرار بالذریة أو الورثة بسرقة المال.و هو حکم أخلاقی قد یصل إلی الحرمة أحیانا،مع تسبیب الوصیة إلی إیقاع الورثة فی الحرج و المشقة.

و عن مسعدة بن صدقة (2)عن جعفر بن محمد(علیه السلام)عن أبیه(علیه السلام) قال:من عدل فی وصیته کان کمن تصدق بها فی حیاته.و من جار فی وصیته لقی اللّه عز و جل یوم القیامة و هو عنه معرض.

و فی عدة روایات (3):الحیف فی الوصیة من الکبائر.

و فی معتبرة محمد بن قیس (4)عن أبی جعفر(علیه السلام)قال:قضی أمیر المؤمنین(علیه السلام)فی رجل توفی و أوصی بماله کله أو أکثره.فقال له:

الوصیة ترد إلی المعروف غیر المنکر.فمن ظلم نفسه و أتی فی وصیته


1) 1)

2) 2) المصدر باب 8،حدیث 2. [2]

3) 3) انظر المصدر.نفس الباب حدیث 3 إلی 5.

4) 4) المصدر نفسه باب 8،حدیث 1. [3]

المنکر و الحیف فإنها ترد إلی المعروف.و یترک لأهل المیراث میراثهم.

أقول:و هو محمول علی الوصیة بأکثر من الثلث.فیجب تنفیذ الثلث و یبقی الباقی للورثة.

و قوله فی الروایة(فقال له)أما أن یراد به المیت قبل موته.و أما أن یراد به السائل الذی جاء للسؤال بعد موت الموصی.

و فی معتبرة حماد بن عثمان (1)

المصدر باب 9،حدیث 2. [1]

عن أبی عبد اللّه(علیه السلام):قال:من أوصی بالثلث فقد أضرّ بالورثة.و الوصیة بالربع و الخمس أفضل من الوصیة بالثلث.و من أوصی بالثلث فلم یترک.

و قوله:فلم یترک یعنی:فلم یترک لنفسه فرصة أخری للوصیة بالزائد.و إنما أعطی کل ماله للتصرف فیه و هو الثلث.

و عن السکونی (2)عن جعفر بن محمد(علیه السلام)عن أبیه(علیه السلام)عن آبائه علیهم السلام قال:قال علی علیه السلام:الوصیة بالخمس لأن اللّه عز و جل قد رضی لنفسه بالخمس.و قال:الخمس اقتصاد و الربع جهد و الثلث حیف.

یعنی أن الوصیة بالخمس اقتصاد و توفیر للورثة.بینما الوصیة بالربع یجهدهم اقتصادیا.و أما الوصیة بالثلث فهو حیف و ظلم لهم.

و هذه الفکرة هی التی حدت بالشارع المقدس إلی تحدید الوصیة بالثلث و المنع عن الزائد إلاّ بإجازة الورثة.علی أنها حددت الوصیة بأقل من الثلث استحبابا لا وجوبا،کما نطقت به هذه الأخبار.بل اعتبرته حیفا و هو الظلم و الصفة العامة للظلم هی الحرمة.

صحوة الموت:

من المجرب مکررا بل لعل ذلک عام فی کل الناس إلاّ من سوف


1) 1)

2) 2) المصدر نفس الباب حدیث 3.

نشیر إلیهم و الملاحظ فیمن هو فی مرض الموت أن یثقل حاله فترة من الزمن و یشتد علیه مرضه.و لکنه تزول عنه الشدة و یستطیع الإحساس و التفکیر و الکلام لفترة من الزمن قد تطول و قد تقصر،و لکنها لا تزید عادة علی عدة ساعات.ثم یعود الفرد بعدها إلی سوء الحال و شدة المرض،و قد یعود فورا إلی حال أسوأ مما کان علیه قبل ذلک.و فی العادة أنه لا یطول به الحال حتی ینزل به الموت الذی لا بد منه.

إن هذه الخفة فی الحال الطارئة ما بین شدتین.تسمی(صحوة الموت)فی لغة العرف،و هی واضحة و مفهومة لدی الجمیع و مجربة کثیرا.

نعم،یستثنی من ذلک من مات بحادث خارجی سریع القتل کمن مات غرقا أو حرقا أو هدما أو أکیل سبع أو انتحارا إلی غیر ذلک من الحوادث.فإن أمثال هؤلاء یکونون محرومین من صحوة الموت.

و قد ورد فی الأخبار الإشارة إلیها و إعطائها الحکمة المناسبة لها، و هی أن اللّه تعالی جعلها فرصة للفرد لکی یوصی.سواء أوصی فعلا أم لا.

و لا تحتاج الوصیة إلی جهد أو کتابة،و إنما تکون صحیحة بمجرد التفوه بها أمام من حضر و لو واحدا.فلذا یکفی فی إنجاز الوصیة خلال (صحوة الموت)رجوع التفکیر و الکلام لدی الإنسان.و لا حاجة إلی أکثر من ذلک.

و إن الکثیر من الناس،ممن یمر بذلک،یقضون فرصتهم الذهبیة هذه،بما لا یسمن و لا یغنی من جوع،إیفاء لحاجاتهم الآتیة،بغض النظر عما یقع فی المستقبل.

و غالبا ما لا یعرف الفرد و لا الآخرون أن خفة حاله(صحوة موت) بل یحسب نفسه و یحسبه الآخرون قد تحسن من مرضه و سوف یأتیه الشفاء عن قریب.فیؤجل ما یجب تقدیمه،علی غرار ما کان یفعله

خلال صحته،و من ذلک وصیته.و لا یعلم:أن ما هو القریب إلیه هو الموت لا الشفاء.و هذا من طول الأمل المتزائد حتی فی أشد الساعات علی الفرد.و طول الأمل مرجوح دائما،فکیف لا یکون مرجوحا حین یکون الفرد بین فکی الموت و رحی المرض المهلک.

دعنا الآن نسمع بعض الأخبار فی صحوة الموت:

ففی صحیحة لحماد بن عثمان (1)

الوسائل ج‍ 6 [1] أحکام الوصایا باب 4 حدیث 1.

عن أبی عبد اللّه علیه السلام:قال له رجل:إنی خرجت إلی مکة و صحبنی رجل فکان زمیلی.فلما أن کان فی بعض الطریق مرض و ثقل ثقلا شدیدا.فکنت أقوم علیه.ثم أفاق حتی لم یکن عندی به بأس.فلما کان فی الیوم الذی مات فیه أفاق فمات فی ذلک الیوم.

فقال أبو عبد اللّه(علیه السلام)ما من میت تحضره الوفاة إلاّ ردّ اللّه علیه من بصره و سمعه و عقله للوصیة.آخذ للوصیة أو تارک.(أخذ الوصیة أو ترک)و هی الراحة التی یقال لها:راحة الموت.فهی حق علی کل مسلم.

و عن الولید بن صبیح (2)قال:صحبنی مولی لأبی عبد اللّه علیه السلام یقال له أعین.فاشتکی أیاما ثم برأ ثم مات.فأخذت متاعه و ما کان له فأتیت به أبا عبد اللّه علیه السلام فأخبرته:أنه اشتکی أیاما ثم برأ ثم مات.قال:تلک راحة الموت.أما أنه لیس من أحد یموت حتی یرد اللّه عز و جل من سمعه و بصره و عقله للوصیة.أخذ أو ترک.

و هذه الأخبار نص فی أن راحة الموت أو صحوته،عامة لکل الموتی.مع أننا نعلم أنها لیست عامة بهذا المعنی.و معه فلا بد من فهم هذه النصوص فی کونها واردة مورد الغالب،یعنی:أولئک الناس الذی یموتون بالمرض.و لیس نظرها إلی من یموتون بالحوادث.و من الواضح


1) 1)

2) 2) المصدر حدیث 2. [2]

أن نسبة من یموت بالحوادث إلی من یموت بالمرض قلیل جدا.فصح إسقاطه عن الاعتبار.

و بخاصة و أن بلاء عاما لم یکن فی المجتمع فی ذلک الحین لتحین الحاجة إلی الالتفات إلی الحوادث،کالحرب أو الوباء أو غیرهما.بل هی قلیلة فی المجتمعات عموما نسبة.

و یؤید مجیء هذه الروایات فی مورد الغالب:کونها ذکرت السمع و البصر و التفکیر.لأن الأغلب من الناس لهم کل هذه الصفات.و هذه صحیح.و نسبة الفاقدین لها من الواجدین قلیلة جدا.فصح إسقاطهم عن نظر الاعتبار.

و لا ینبغی أن یفوتنا الالماع إلی أنه من الصعب تفسیر(صحوة الموت)تفسیرا طبیا،لوضوح أن السبب الذی أوجب المرض لا زال موجودا،إذ لو کان قد زال أو نقص حقیقة لما رجع المریض إلی ثقل الحال و انتهی إلی الوفاة.و مع وجود السبب لا بد من وجود المسبب إلاّ أن یشاء اللّه سبحانه علی خلافه.

فکیف أصبح السبب عاجزا عن تأثیره فی إیجاد المرض المتزائد خلال الصحوة،کما کان قبل ذلک،و کما سیکون بعد ذلک.

و خاصة إذا التفتنا إلی أن الأمراض المسببة للوفیات متعددة جدا.

و لکنها جمیعا تخضع لهذه القاعدة التی تکاد أن تکون عامة.فسبحان مسبب الأسباب.

لزوم التنفیذ:

من الواضح أن الوصیة لا رقابة للموصی علی تنفیذها.بل یترکها و یذهب إلی حال سبیله.و من هنا کانت الشریعة و کان اللّه عز و جل هو الرقب علی ذلک،و من هنا تم التأکید و الترکیز الشدیدین علی أهمیة ذلک و حرمة خیانة المیت بعد موته و ترک تنفیذ الوصیة أو تغییرها و التلاعب بها.

و هذا حکم مسلم فی الشریعة لا یختلف فیه اثنان.و قد نطق به التنزیل المجید:و من بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه علی الذین یبدلونه.

و الآیة الکریمة دالة علی حرمة التبدیل أیا کان سببه حتی لو کانت مصلحة فی ذلک للمیت نفسه فضلا عن الأحیاء.نعم،یستثنی من ذلک فقهیا بطبیعة الحال وجود مصلحة عامة للمجتمع فی ترک تنفیذ الوصیة، بحیث تندرج عندئذ فی المحرمات،فیجب ترکها عندئذ أو الاقتصار منها علی ما لا یضر بتلک المصلحة.إلاّ أن هذا فرض نادر علی أی حال.

و قد یخطر فی البال:أن الآیة الکریمة تنهانا عن التبدیل و هو التغییر،بمعنی التصرف علی خلاف الوصیة أحیانا.و أما ترک تنفیذها بالمرة فلم تتعرض له الآیة فقد یقال:أنه یکون جائزا!!.

إلاّ أن هذا کلام غریب فقهیا و واضح الاندفاع بعدة وجوه أهمها:

الأولویة القطعیة.من حیث أن التغییر البسیط إذا کان محرما،فکیف بالترک المطلق.و بتعبیر آخر:أن التغییر المنهی عنه لیس هو شطب ما کتبه المیت.و إنما یراد به التغییر العملی للوصیة و ترک تنفیذ بعض بنودها.فإذا کان الترک القلیل حراما فالترک الکثیر أشد حرمة.و ما دمنا فهمنا من التغییر مفهوم الترک فهو ینطبق بالحمل الشائع علی ترک البعض و الکل علی حد سواء،بل علی الکل بالأولیة.

و من السنة الشریفة فی ذلک ما رواه الطوسی (1)

الوسائل ج‍ 6، [1]أحکام الوصایا باب 32،حدیث 1.

و الشیخ الصدوق بسند صحیح عن محمد بن مسلم قال:سألت أبا جعفر(علیه السلام)عن الرجل أوصی بماله فی سبیل اللّه.قال:أعطه لما أوصی لدیه،و ان کان یهودیا أو نصرانیا أن اللّه عز و جل یقول فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَی الَّذِینَ یُبَدِّلُونَهُ .

و هی باعتبار إطلاقها لجمیع المال،مقیدة بالثلث،باعتبار الأدلة الأخری.إلاّ أن نقرأ(أوصی بماله)بالفتح لا بالکسر،أی بحرف الجر


1) 1)

و الضمیر.و ما له التصرف فیه هو الثلث،فتکون خاصة به.فتأمل.

و محل الشاهد هو ترکیز الأهمیة علی تنفیذ الوصیة طبقا لأمر الکتاب الکریم.و لا ینبغی أن تخطر أیة مشکلة فی الذهن تحول دون ذلک.

الوصیة للأقربین:

قال اللّه سبحانه کُتِبَ عَلَیْکُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَکُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَکَ خَیْراً الْوَصِیَّةُ لِلْوالِدَیْنِ وَ الْأَقْرَبِینَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَی الْمُتَّقِینَ. فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَی الَّذِینَ یُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللّهَ سَمِیعٌ عَلِیمٌ .

و هی دالة علی الحث الشدید علی تنفیذ الفکرة.فالخیر یراد به هنا:المال.لأن من لا مال له لا معنی للوصیة به.

و قوله(بالمعروف)یعنی بالشکل الذی لا یکون مجحفا بالآخرین، دما سمعنا فی روایات سابقه.و عرفنا أنه إن زاد عن الثلث أصبح ممنوعا بالمرة.

و دلالة الآیة الکریمة علی الحث علی ذلک من نواحی عدیدة،بل لعلها ظاهرة بالوجوب.غیر أن الفتوی به فقهیا غیر محتمل.منها قوله تعالی کُتِبَ عَلَیْکُمُ ،و قوله سبحانه حَقًّا عَلَی الْمُتَّقِینَ .مضافا إلی أن الحکم بحرمة تبدیل الوصیة مطبق علی هذا المورد فی الآیة الشریفة.و ان کان هو عام فی نفسه و دلالته،و لکن المصداق الرئیسی الذی اهتم له القرآن و قرنه به هو هذا المورد.و هو دال علی زیادة الحث علی ذلک بطبیعة الحال.

و علی أی حال فنص هذه الآیة الکریمة فیه غنی عن الاستدلال بالسنة الشریفة.

و معه فما ورد فی روایاتنا بسند غیر معتبر و فی فتاوی العامة من أنه (لا وصیة لوارث)فهو مخالف لظاهر القرآن الکریم.فیکون الاعتبار بالکتاب الکریم دونه.

تحدید الوصیة بالثلث:

و هذا من ضروریات الفقه.و لا حاجة إلی سرد الأخبار علیه.و ان للفرد من ماله بعد موته الثلث یتصرف فیه ما یشاء.یعنی یوصی بذلک و لیس للورثة المناقشة فی ذلک إلاّ أن تزید الوصیة علی الثلث.فإنها عندئذ تعارض حقوقهم.فإن تنازلوا عن الحق و قبلوا بالوصیة کان لهم ذلک و إلاّ أخذوا المال و ترکوا الوصیة.

و المهم الآن هو أن نعرف بعض الشرائط التی تحف بهذا الموقف.

حیث أن صرف المال الذی یخلفه المیت ذو عدة مراتب فقهیا:

أولا:یخرج من ماله أجور تجهیزه و دفنه.و هذا یخرج من أصل المال بالرغم من وجود أی استحقاق آخر.و ان تبرع به متبرع سقط.

ثانیا:یخرج من ماله بعد ذلک الدیون المالیة و الواجبات العبادیة التی کان قد ترکها.و هی أیضا کسابقتها فیما عرفناه.

ثالثا:یأتی دور الوصیة و تنفیذها من ثلث ما بقی من المال.

رابعا:إن تم کل ذلک أو لم یکن للمیت شیء من ذلک،کان الصافی من المال للورثة یقسم بینهم علی النحو الشرعی.و قد کرر عدة مرات فی القرآن الکریم أن المیراث لا یکون إلاّ بعد الوصیة و دفع الدیون (مِنْ بَعْدِ وَصِیَّةٍ یُوصی بِها أَوْ دَیْنٍ غَیْرَ مُضَارٍّ) یعنی:دین لم یصرف فی الضرر و المحرمات و إلاّ لم یجب أداؤه.

فهنا إذا لم یکن له مال إلاّ بالمقدار الذی یکفی لتجهیزه.وجب صرفه و لم تصل النوبة إلی الدیان فضلا عن الورثة.

و لو کان علیه من الدین ما یستوعب الترکة،لم تصل النوبة إلی شیء من وصایاه فضلا عن المیراث.

نعم،بالنسبة إلی الوصیة لا بد أن تجتمع مع حقوق الورثة،لأنها لا یمکن أن تزید علی الثلث و لا یجوز أن تستوعب المال بغیر رضا الوارث.

بقی إن نلتفت إلی فرض آخر و هو أن الفرد إذا لم یکن له وارث إلا الإمام،فإنه وارث من لا وارث له،أمکن له الوصیة بمجموع ماله.

ففی معتبرة السکونی عن جعفر عن أبیه أنه سئل عن الرجل یموت و لا وارث له و لا عصبة.قال:یوصی بماله حیث شاء من المسلمین و المساکین و ابن السبیل.

و هذا یعنی عدة أمور:

الأول:إن الإمام بالرغم من کونه موجودا کوارث،لیس حاله حال سائر الورثة فی إجازة ما زاد عن الثلث و عدمه.و أن یأخذه المیت خلال وصیته بنظر الاعتبار.

الثانی:ان فی هذا الخبر المعتبر تخصیصا لما دل علی اشتراط الوصیة بالثلث.مضافا إلی دلالة نفس تلک الأخبار ضمنا علی أن الحکم مشروع من أجل الورثة فإن لم یکن ورثة فلا حکم للوصیة من هذه الناحیة.

الثالث:إنه لا یفرق کثیرا من الناحیة الفقهیة بین إعطاء المال للإمام أو صرفه فی صالح المسلمین و المساکین-کما نص علیه الخبر- فإنهما معا مصلحة عامة.و الإمام إذا قبض المال یصرفه فیما شابه ذلک لا محالة.

إجازة الورثة:

إذا کان کل ورثة الفرد کبارا راشدین،فله أن یوصی بأکثر من ثلثه و یأخذ إجازتهم بذلک حال حیاته و لیس لهم بعد موته أن یغیروا رأیهم و یخونونه.

کما أن للفرد أن یوصی بأکثر من الثلث لاحتمال إجازة الورثة له بعد موته.فمن أجاز منهم صرف فی الوصیة بمقدار حصته من هذا الزائد علی الثلث.و من لم یجز أو کان صغیرا أو قاصرا أخذ حصته کاملة

بالشکل المشروع له.فإن بلغ الصغیر و أصبح رشیدا له أن یجیز ما یرتبط بحصته من تنفیذ الوصیة.

و قد یخطر فی البال:أن الأب أو الجد للأب لهما الولایة علی الصغیر،فیمکنهما أن یوصیا بأکثر من ثلثهما و یجیزا بالولایة عن صغارهما.و عندئذ تصح الوصیة و خاصة إذا کان کل الورثة صغارا فإنها تصح کلها.و ان کان فیهم کبار و صغار أخذ إجازة الکبار،و أجاز هو بنفسه عن الصغار.

بل قد یخطر فی البال:أن الأب و الجد للأب لهما الولایة علی الأولاد و الأحفاد و ان کبروا طبقا لما ورد فی بعض الأخبار عن النبی(صلی الله علیه و آله):«أنت و مالک لأبیک».فلهم الإجازة بالولایة عنهم.نعم إذا کان فی الوارث غیر الأولاد لزم أخذ إجازته کالزوجة و الأخ و غیرهما.

إلا أن کلا الأمرین غیر صحیح؛ أما مناقشة الأمر الأول:فإن ولایة الأب و الجد للأب علی الذریة لیست مطلقة،بل هی محددة بعدم وجود المفسدة.و لا شک أن إجازة تنفیذ الوصیة بأکثر من الثلث یوجب حرمان الوارث من المال.و هو شکل من أشکال المفسدة للصغیر.فلا تنفذ.

مضافا إلی الشک فی وجود مثل هذه الولایة عموما.أعنی أن ولایة الأب و الجد إنما ثبتت فی تصرفهما فی أموال الطفل ان کان له مال بیعا و شراء و إیداعا و غیر ذلک مما لا مفسدة فیه.و أما الولایة بشکل أوسع من هذا المقدار فلم تثبت.و من الواضح فی المورد أن الإجازة فی الزائد عن الثلث إنما ترتبط بأموال لا زال الفرد الموصی یملکها و لیست ملکا للصغیر حتی یکون له فیها الولایة.

و إذا شککنا فی ثبوت الولایة فی أی مورد فالأصل عدمها،و لا یوجد ما یثبتها.إلاّ إذا ورد دلیل فی مورد خاص،فنأخذ به.و لیس فی المورد دلیل خاص و لا عام.

مناقشة الأمر الثانی:لعل من واضحات الفقه انتفاء الولایة عن البالغ الرشید،من قبل أی ولی غیر اللّه و أولیائه سلام اللّه علیهم.فلا الأب و لا الجد و لا الوصی و لا الحاکم و لا عدول المؤمنین یکون لهم الولایة علیه،إلاّ فی موارد خاصة ثابتة بدلیلها.و لیس هذا منها.

و أما ما ورد من قول النبی(صلی الله علیه و آله)أنت و مالک لأبیک.فهو مورد مناقشة سندا و دلالة،کما هو مشروح فی محله.لا أقل من الشک أن الولد المخاطب فیه هل کان بالغا رشیدا أم لا.فیکون التمسک بإطلاقه فی هذا المورد تمسکا بالعام فی الشبهة المصداقیة.فلا یکون حجة فیها.

فصل أقسام الوصیة

الوصیة بعد الموت أما بمال أو بالإذن لشخص معین و هی الوصایة.

و الأول:و هو الوصیة بالمال أما بنحو شرط الفعل أو بنحو شرط النتیجة.فشرط الفعل کأن یقول:ادفعوا هذا المال إلی فلان بعد وفاتی، و ملکوه له.و شرط النتیجة:هو أن یقول:هذا المال ملک لفلان بعد وفاتی.

و قد یقسم المال إلی:عین و منفعة،و إلی کلی و جزئی.و غیر ذلک.إلاّ أن هذا من الناحیة الفقهیة النظریة لا اختلاف فیه.فإنما تحسب المالیة العامة للمجموع و تخرج من الثلث.

و أما الثانی:و هو الوصایة لشخص.فأما أن یکون علی کل ماله، أعنی علی کل تطبیقات وصیته أو علی بعضها.أو علی القاصرین من ولده.

و لیس هناک وصیة بغیر هذه الأشکال:فلو أوصی فرد بفعل شیء له کالعبادات بدون وجود مال یکون بإزائه لم ینفذ (1)

و قوله تعالی فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَی الَّذِینَ یُبَدِّلُونَهُ خاص بالوصیة المالیة إما انصرافا أو بالقرینة المتصلة بتطبیقها علی المال.بل إن ثبوت الإطلاق لها بعد عود الضمیر إلی الوصیة للأقربین مشکل.

.نعم للوارث تنفیذه من ماله استحبابا.و لو أوصی أن یفعل فلان عملا ما أو یقول قولا أو أن یدفع مالا،لم ینفذ حتی فی وارثه فضلا عن غیره.

نعم،لو أوصی بمال لشخص،کان له أن یشترط فی وصیة حدود تصرفه فیه و صرفه له.فإن کان شرطا مشروعا وجب الالتزام به.

و قد اتضح أن الوصایة تکون فی موردین:أما علی الأموال


1) 1)

الموصی بها.أو علی القاصرین.و لا تصح علی الأموال الموروثة و التی أصبحت ملکا للورثة.و لا علی الأموال الموصی بها لأشخاص معینین بحیث تدخل فی ملکهم.و إنما تصح فیما إذا أوصی بصرف أموال فی جهات أو عبادات و احتاج ذلک إلی مشرف أمکن له الوصایة إلی من یثق به.

و إذا کانت الوصایة علی القاصرین کان للوصی حد من التصرف فی أموال هذا القاصر.فی حدود المصلحة،لا فی حدود عدم المفسدة، کما کان للأب و الجد للأب.فصلاحیته من هذه الناحیة أضیق و أقل من صلاحیتهما.و لیس للأب أن ینص فی وصیة علی توسیع هذه الصلاحیة بمقدار ما کانت ثابتة له أعنی نفسه.فإنها وصیة بغیر المشروع فتکون باطلة.

و إذا حصلت الوصایة کان للوصی التصرف فی أموال القاصر، بالمقدار المشار إلیه،سواء الأموال التی ورثها من الموصی أو الأموال التی کان یملکها قبل وفاة الموصی أو الأموال التی تدخل فی ملکه أعنی القاصر،بعد ذلک.و تبقی هذه الوصایة إلی حین إحراز البلوغ و الرشد للقاصر.فیجب عندئذ انسحاب الوصی و تمکین الفرد نفسه من التصرف فی أموال نفسه طبقا لقوله تعالی فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَیْهِمْ أَمْوالَهُمْ .و هذا عزل شرعی للوصایة عند هذا الحد.

نعم،إذا مات أحدهما انتفت الوصایة لا محالة.و لیس للوصی أن یوصی إلی وصی آخر مع موته.و إنما تنتقل الولایة إلی الحاکم الشرعی فإنه ولی من لا ولی له.فإن لم یکن فواحد من عدول المؤمنین.

نعم،لا یبعد القول:بجواز أن یوصی الوصی إلی غیره،إذا کان الوصی قد خوّله ذلک بالنص فی وصیة.و عندئذ فیختار من یثق به للقیام بالمهمة.

هذا و لیس للأب أو الجد للأب إلی أن یوصی إلی غیره مع وجود

الآخر الذی هو الولی علی القاصر بأصل التشریع.فأی منهما مات و بقی الآخر.کان هو الولی و لا حاجة إلی الوصی بل لا تنفذ الوصیة به،بل لا تنفذ حتی لو مات الآخر استصحابا لبطلانها الثابت لها أولا (1)

و إیضاح ذلک أنه لو أوصی الجد مثلا إلی ثالث مع حیاة الأب و مات لم تصح وصایة الثالث.فلو مات الأب بعد ذلک لم تصح وصایته أیضا بعد الأب استصحابا للبطلان.إلاّ أن ینصّ الأب علی وصایته من جدید قبل موته.

.

و إنما تصح الوصایة إلی الغیر،بعد أن یعرف الأب أو الجد للأب، أنه إذا مات فالآخر غیر موجود،لأنه کان قد مات قبله.فیکون له أن یوکل الأمر إلی الآخرین.

و إذا مات الأخیر من الأب و الجد،و هو الأب فی الغالب و لا زال بعض أولاده قاصرین.و لم یوص إلی أحد،انتقلت الولایة إلی الحاکم الشرعی ثم إلی عدول المؤمنین.و لم یکن للأقربین و لا لغیرهم بإزاء الحاکم ولایة کالأم أو الأخ أو العم أو غیرهم.نعم لو لم یکن حاکم شرعی و انتقلت الولایة إلی عدول المؤمنین أمکن تکفّل أحد الأقرباء للقاصر،بصفته أحدهم.

و کذلک فی الإمکان أن الحاکم الشرعی حال ولایته،أن یوکل المباشرة و النظر إلی من یری مصلحته فی ذلک من الأقرباء.کما أنه یمکن أن یعیّنها فی البعداء.إلاّ أن(الأقربون أولی بالمعروف)بنص القرآن الکریم.و هذا یعنی التکلیف الشرعی للحاکم الشرعی بأن یختار القیم من الأقربین.

و الحاکم الشرعی هو الولی و القیم حقیقة فی مثل ذلک،بناء علی عموم الولایة لمثل ذلک،کما هو الأقوی.و لکن لیس المفروض مباشرة الأمر بنفسه.بل عادة یوکل الأمر إلی شخص آخر،یکون وکیلا فی القیمومة علی القاصر و نحن و ان سمیناه فی العرف قیما إلاّ أنه فهو فی الشریعة وکیل القیم.


1) 1)

فصل الوصیة کمعاملة

اشارة

الوصیة کمعاملة

تعتبر الوصیة معاملة من المعاملات فقهیا،ففیها إیجاب و قد تحتاج إلی قبول و قد لا تحتاج کما سنشیر.

و الإیجاب من قبل الموصی بطبیعة الحال.فقد یقتصر الأمر علیه إذا کانت الوصیة بنحو شرط الفعل أو ما یسمی بالوصیة(العهدیة)،کما إذا قال:أوفوا دیونی أو ادفعوا هذا المال إلی فلان أو بیعوا داری و اصرفوا ثمنها فی کذا،فإنه ما دامت الوصیة فی حدود ما یملک من صلاحیة لا تحتاج إلی قبول من قبل الوارث،بل یجب علیه تنفیذها علی أی حال.

و من یجب علیه التنفیذ هو ولی المیت ان وجد و هو ولده الأکبر أو الوصی المخول ان وجد و إلاّ فالحاکم الشرعی ان وجد و إلاّ فعدول المؤمنین.و ان لم یوجد حتی ذلک توقفت الوصیة.و لا یجوز للآخرین حتی الأقرباء تنفیذها،إلاّ بصفتهم مصداقا لعدول المؤمنین کما أسلفنا.

نعم،لا یبعد القول:ان غیر الولد الأکبر من الذریة له التصرف من ذکر أو أنثی،مع تعذر التصرف علی الولد الأکبر أو موته بعد أبیه.و ان کان هذا مخالفا للاحتیاط إلاّ باستئذان الحاکم الشرعی.

هذا.و أما الصور الأخری للوصیة فهی تحتاج إلی قبول أو أکثر من قبول أحیانا کما سنشیر.

فإن کانت الوصیة تملیکیة بنحو شرط النتیجة،و قلنا بجوازه کما هو المشهور،و ان کان الحال لا یخلو فیها من أشکال،فإنها تحتاج بعد

إیجاب الموصی إلی أمرین:أحدهما:موت الموصی و الآخر:قبول الموصی له.

و لا یختلف الحال بین أن یحصل القبول قبل الموت أو بعده.و هنا نری الفقهاء یجیزون تأخر القبول عن الإیجاب زمانا طویلا و لو کان لعدة عشرات من السنین بینما یحتاطون فی المعاملات الأخری بالتتابع العرفی بین الإیجاب و القبول.و علی أی حال فالأمر مسلّم الصحة هنا.

و کما هو الحال فی أی معاملة،فإن الإیجاب و القبول یمکن أن یکونا لفظیین و یمکن أن یکونا أو أحدهما فعلیین أو بالمعاطاة.کما یمکن تقدم القبول علی الإیجاب،کما إذا قال الموصی له للموصی:

کتابک هذا لی بعد وفاتک أو أعطنی کتابک هذا بعد وفاتک أو أوص به لی و نحو ذلک فقبل الموصی.

هذا کله،إذا کان المال الموصی به فی حدود الثلث أو أقل.فإنه عندئذ لا ربط له بالورثة و لا یحتاج إلی إجازتهم أو قبولهم أو رضاهم.

و أما إذا کان أکثر من الثلث فصحة هذه المعاملة،أو الوصیة موقوفة علی قبول الورثة کما هی موقوفة علی قبول الموصی له.

فإن قبلوا صحت.و إن لم یقبلوا،فمقتضی القاعدة الأولیة بطلان الوصیة،لترابط أجزاء الوصیة ترابطا شرطیا،فإن لم تنفذ فی البعض لم تنفذ فی الکل.و لو کان الموصی قد قصد ذلک فعلا،کانت هذه النتیجة صحیحة.

و لکن مع عدم قصده،فقد دل الدلیل علی نفوذ الوصیة بالثلث و ذهاب الزائد میراثا.

و یجب أن نلتفت إلی أن هذا الأشکال إنما یأتی مع کون الوصیة واحدة بأکثر من الثلث.و أما مع وجود عدة وصایا یزید مجموع قیمتها عن الثلث،فیؤخذ بالأول منها فالأول إلی أن ینتهی الثلث.ثم یقف الباقی علی إجازة الورثة.

و ینبغی الألماع هنا إلی أن إجازة الورثة و قبولهم عند الحاجة إلیه، یمکن أن یکون قبل الوفاة و یمکن أن یکون بعده.فلو قبلوا قبل الوفاة لم یکن خیانة مورثهم و الرجوع عن قبولهم.کما أنه لو قبلوا بعد الوفاة لم یکن الرجوع بعد ذلک.

هذا.و أما نسبة قبول الورثة إلی قبول الموصی له.یعنی أیهما یجب أن یکون المتقدم.فأفضل الأشکال فقهیا هو صورة تقدم قبول الورثة،لکی یکون المال أو تکون الوصیة معدة أعدادا اقتضائیا لقبول الموصی له.سواء کان قبولهما معا قبل الوفاة أو بعدها أو کان قبول الورثة قبل الوفاة و قبول الموصی له بعدها.

و لکن مع ذلک،فإن الظاهر إمکان تقدم قبول الموصی له علی قبول الورثة.برجاء حصول قبولهم بعد ذلک.

و من الواضح أن مثل هذا الکلام انما نحتاج له فی صورتین:

الأولی:الوصیة إلی شخص واحد بما یزید من الثلث.

الثانیة:الوصیة إلی شخص بما زاد عن الثلث یعنی جعله فی آخر قائمة الوصایا بحیث یستوعب ما قبله الثلث.

و إذا قبل الموصی له لم تتوقف الوصیة علی القبض.فإن حصلت الوفاة ملک المال و وجب دفعه إلیه.و لیس له بعد القبول الرفض بمعنی إلغاء القبول و إسقاطه.و إنما إذا أراد إخراج المال عن ملکه فبمعاملة أخری،کالهبة و البیع و نحوهما.

و أما الوصایة،فإیجابها من الموصی،و هذا واضح،فإن کان الوصی عرف بها حال حیاة الموصی کان له القبول و الرفض.و أما إذا سکت عن ذلک إلی حین الوفاة أو لم یعرف بالوصایة إلی وقتها.وجب الالتزام بالوصایة من عهدة الوصی شرعا و ان لم یقبلها.

هکذا ورد فی الأدلة،و الحکمة منها واضحة،لأن الوصی ان رفض

الوصایة بعد الموت،لم یبق مشرف علی أموال المیت و القاصرین.و وقع الحال فی حرج و عسر،کما هو معلوم.فیجب أن یکون الوصی علی مستوی الوثاقة التی خصه بها الموصی فیقبل.و هنا لا حاجة إلی القبول علی الإطلاق.فإن فرضنا الاحتیاج کفی تصدیقه لإنجاز الأعمال،بصفته قبولا عملیا أو معاطاتیا.

و لا یختلف الحال فی هذا الحکم بین الوصایة العامة لشخص أو الوصایة علی مال معین أو علی قاصر معین و نحو ذلک.

و هنا لا ینبغی أن یفوتنا أنه قد یکون للفرد أوصیاء متعددون بتعدد الأموال أو القاصرین.و کل منهم مشمول للأحکام السابقة.

و قد أسلفنا أنه لیس للفرد جعل الوصی علی الأموال التی تنتقل إلی الورثة.بل إنما یکون ذلک فی حدود الأموال التی صحت فیها وصیته، فیکون علی الوصی إنجاز الوصیة.مضافا إلی الأموال التی قد تکون موقوفة أو محبسة و نحو ذلک من قبل الموصی فینصب علیها وصیا أو مشرفا،ان لم یکن قد اشترط ذلک أصلا،فیکون له النصب إذا کان قد اشترطه فی الوقف أو التحبیس علی تفصیل لیس هذا محله.

هذا مضافا إلی ما عرفناه من صحة الوصایة علی القاصرین.و یجب علی الوصی التصرف فی حدود المصلحة من الإشراف علی حیاة القاصرین أنفسهم من مأکل و ملبس و مسکن و غیر ذلک،مضافا إلی إشرافه علی أموالهم.إلاّ أن یشترط علیه الموصی تصرفا معینا فلا یجب علیه أن یتعداه.

و لا فرق فی القاصر بین الطفل و السفیه و المجنون،ممن کان للموصی الولایة علیه حال حیاته،کما لو بلغ ولده مجنونا.أو بلغ کاملا،ثم جن و قلنا بعود الولایة علیه.و ان کان الأقوی عندئذ خلافه و ان الولایة للحاکم الشرعی عندئذ.

و الوصیة بکل أقسامها معاملة جائزة من طرف الموصی،یستطیع أن

یلغیها أو یفسخها متی شاء.حتی و لو قبلت الأطراف الأخری ممن یحتاج إلی قبولهم کالوصی أو الموصی له.

و یکون الفسخ قولیا کما لو قال فسخت وصیتی هذه أو ألغیتها.

و فعلیا معاطاتیا،کما لو باع المال الموصی به أو أتلفه،کما لو أکله أو أعطاه إلی من یأکله کالهبة أو بالإباحة.إلی غیر ذلک.و کذلک إذا أوصی وصیة أخری،کان المتبع هو الثانیة فإنها تکون ملغیة للأولی.فلو قال:ادفعوا هذا الکتاب إلی زید بعد موتی،ثم قال:ادفعوا هذا الکتاب (یعنی نفسه)إلی عمرو بعد موتی.فیجب دفعه إلی الثانی.أو قال:

بیعوا داری بعد وفاتی.ثم قال:أجروا داری(نفسها)بعد وفاتی.

و هکذا.

حساب الوصیة:

قد لا تکون عبارة الوصیة دائما مفهومة و واضحة جدا.بل قد یشوبها شیء من الإبهام أو تحتاج إلی شیء من التفکیر و الحساب.و نحن نذکر فیما یلی بعض ما یرتبط بذلک.

فقد قال الفقهاء:إن معاملة الوصیة تختلف عن سائر المعاملات بکونها غیر مشروطة بالتعیین بل یجوز فیها الإبهام بخلاف البیع و الإیجار مثلا حیث یبطلان بدون تعیین الثمن و المثمن بکل الأوصاف العرفیة التی تختلف القیمة السوقیة باختلافها،إلاّ أن الوصیة بالمبهم جائزة.

کما لو قال الموصی:أعطوا فلانا جزءا من مالی أو قسطا أو قلیلا منه أو کثیرا أو أعطوه من هذه الدار جزءا أو قسطا أو قسما أو قلیلا أو کثیرا أو حصة.إلی غیر ذلک من التعبیرات.

قال فی الشرائع (1)

ص 202 کتاب الوصایا.

:من أوصی بجزء من ماله،فیه روایتان أشهرهما العشر.و فی روایة سبع الثلث(أی 1/21)و لو کان بسهم کان ثمنا و لو کان بشیء کان سدسا.انتهی.

1) 1)

هذا.و لو کان الدلیل الدال علی تعیین المدفوع عندئذ معتبرا فهو المتّبع.و إلاّ فالمرجع العرف،بحیث یصدق العنوان الموصی به.و لو تردد صدقه بین الأقل و الأکثر أمکن الاقتصار علی الأقل.

و لو أوصی شخص لشخص بکسر عشری من ماله کله کربعه مثلا أو من مال معین کداره مثلا.أصبح الموصی له مالکا للکسر بالشرکة مع الورثة.

و قال أیضا فی الشرائع (1)

ص 202 کتاب الوصایا.

:إذا أوصی لأجنبی بمثل نصیب ابنه و لیس له إلاّ واحد،فقد شرک بینهما فی ترکته.فللموصی له النصف.

فإن لم یجز الوارث فله الثلث.و لو کان له ابنان کانت الوصیة بالثلث، و لو کان له ثلاثة کان له الربع.

و الضابط:أنه(یعنی الموصی له)یضاف إلی الوارث و یجعل کأحدهم ان کانوا متساویین.و ان اختلفت سهامهم جعل مثل أضعفهم سهما،إلاّ أن یقول:مثل أعظمهم،فیعمل بمقتضی وصیته(مع اجازة الوارث ان لزم).

فلو قال:له مثل نصیب بنتی.فعندنا یکون له النصف.إذا لم یکن له وارث سواها.و یرد إلی الثلث إذا لم تجز.

و لو کان له بنتان کان له الثلث.لأن المال عندنا للبنتین دون العصبة،فیکون الموصی له کثالثة.

و لو کان له ثلاث أخوات من أم و أخوة ثلاثة من أب.فأوصی لأجنبی بمثل نصیب أحد ورثته،کان کواحدة من الأخوات فیکون له سهم من عشرة و للأخوات ثلاثة و للإخوة ستة (2).


1) 1)

2) 2) هکذا:الموصی له 1/10 أخت من أم 1/10 أخت من أم 1/10 أخت من أم 1/10 أخ من أب 2/10 أخ من أب 2/10 أخ من أب 2/10

و لو کان له زوجة و بنت،و قال:مثل نصیب بنتی.فأجاز الورثة، کان له سبعة أسهم و للبنت مثلها و للزوجة سهمان أو لو قیل:لها سهم واحد من خمسة عشر کان أولی (1)

هکذا: موصی له 7/16 بنت 7/16 زوجة 2/16 أو هکذا موصی له 7/15 بنت 7/15 زوجة 7/15

.

و لو کان له أربع زوجات و بنت،فأوصی بمثل نصیب إحداهن (یعنی الزوجات)کانت الفریضة من اثنین و ثلاثین فیکون للزوجات الثمن أربعة بینهن بالسویة،و له سهم واحد و یبقی سبعة و عشرون للبنت.و لو قیل من ثلاثة و ثلاثین کان أشبه (2).

أقول:و علی هذا القیاس.و الکلام فی ذلک یطول.و یأتی إیضاح الأسهم فی کتاب الإرث.

و نشیر هنا فقط إلی اختیار المحقق فی الشرائع فی هذه الفروع فی قوله:و لو قیل.کان أولی.فما الفرق بین هذین الرأیین؟! و جوابه:ان النقص الذی یحدثه وجود الموصی له بین الورثة لو صح التعبیر.هل ندخله علی ذی العنوان الذی قرنه به الموصی.فلو قال:مثل ولدی ادخلنا النقص علی الولد و لو قال مثل زوجتی ادخلنا النقص علی الزوجة و هکذا.

أو أن المهم هو المماثلة بین نصیب الموصی له و صاحبه المذکور مثله.و أما إدخال النقص فیجب أن یکون علی جمیع الورثة و لیس علی ذلک الوارث فقط.و هذا هو الذی اختاره المحقق و هو الأقوی.لأن


1) 1)

2) 2) هکذا:زوجه 1/32 زوجة 1/32 زوجة 1/32 زوجة 1/32 موصی له 27/32 أو هکذا:زوجه 1/33 زوجة 1/33 زوجة 1/33 زوجة 1/33 موصی له 28/33.

مقتضی المماثلة فی العطاء لا یعنی إدخال النقص علیه فقط،بل یکون ذلک ظلما له و حیفا علیه.و إنما یجب توزیع النقص علی کل الورثة مع حفظ المماثلة الموصی بها.

و کذلک لو قال الموصی:أعطوا فلانا ضعف حصة ولدی أو ضعف حصة بنتی أو زوجتی.أو نصف حصة ولدی.أو أی کسر عشری آخر.

فهذه صورة موضحة و مختصرة لبعض الحسابات و التدقیقات التی قد تحتاجها الوصیة،و قد تحتاج أکثر من ذلک بکثیر.

و نحن إلی الآن و ان لم تکن قد استوعبنا أحکام کتاب الوصیة کلها،إلاّ أن ما یرتبط بکتابنا هذا لیس أکثر من ذلک،و یجب إیکال سائر الأحکام إلی الفقه نفسه.