شرح شافیة ابن الحاجب جلد 4

ghaemiyeh.com

اشارة

سرشناسه : رضی‌الدین استرآبادی، محمد بن حسن، -686ق.

عنوان قراردادی : الشافیه .شرح

عنوان و نام پديدآور : شرح شافیة ابن الحاجب / تألیف الشیخ رضي الدین محمد بن الحسن الأسترآباذی النحوي مع شرح شواهده للعالم الجلیل عبدالقادر البغدادي صاحب خزانة الأدب؛ حققها و ضبط غریبها و شرح مبهمها الأساتذة : محمد نور الحسن، محمد الزّفزاف، محمد محي الدین عبدالحمید

عنوان دیگر : شرح الرضي علی الشافیة

مشخصات نشر : بیروت : دار الکتب العلمیة، 1402 ق.= 1982 م.= 1359

مشخصات ظاهری : 4ج

يادداشت : عربی.

یادداشت : کتابنامه.

موضوع : ابن حاجب، عثمان بن عمر، 646 - 570ق . الشافیة-- نقد و تفسیر

موضوع : زبان عربی -- صرف و نحو

موضوع : زبان عربی -- صرف

شناسه افزوده : ابن حاجب، عثمان بن عمر، 646 - 570ق . الشافیه.شرح

توضیح : «شرح شافیه ابن حاجب» تألیف رضی‌الدین محمد بن حسن استرآبادی نحوی (686 ق)، شرحی است بر کتاب «شافیه» ابن حاجب که به زبان عربی و در اواخر قرن هفتم قمری، نوشته شده است.در انتهای کتاب، اثر دیگری با عنوان «شرح شواهد ابن حاجب»، اثر عبدالقادر بغدادی (متوفی 1093 ق) صاحب کتاب «خزانة الادب» آمده است.

برخی مباحث کلی کتاب، عبارتند از: صحیح و معتل؛ افعال ثلاثی، رباعی و خماسی؛ احکام تصغیر؛ احکام منسوب؛ جمع مکسر؛ تخفیف همزه؛ احکام اعلال؛ احکام ادغام؛ ابدال و مبحث حروف.

پاورقی‌ها که از طرف محققین کتاب، آقایان محمد نور الحسن، محمد الزفزاف و محمد محیی الدین عبدالحمید می‌باشد، به شرح مبهمات کتاب و توضیح بعضی از واژگان اختصاص یافته است.

فهارس هر جلد، در ابتدای همان جلد آمده است. این فهارس، عبارتند از: فهرست موضوعات، اعلام، کلمات لغوی و شواهد وارد شده در هر جزء و امثالی که در شرح و تعلیقات ذکر شده است.

جزء دوم کتاب، شرح شواهد کتاب شافیه ابن حاجب، اثر ابن حسن جاربردی است که شامل ابیاتی در شرح کتاب شافیه می‌باشد. رضی الدین این شرح را در جزء دوم کتاب، بنا بر درخواست بعضی از افاضل و دوستان خود، جهت استفاده بیش‌تر، اضافه نموده است که شامل 52 بیت می‌باشد.

اشارة

بسم الله الرّحمن الرّحيم

وبه العون

الحمد لله رب العالمين ، وصلّى الله على سيدنا محمد أفضل المرسلين ، وعلى آله وأصحابه الطاهرين ، وسلّم تسليما كثيرا إلى يوم الدين

وبعد ؛ فلما فرغت بتوفيق الله من شرح شواهد الكافية لنجم الأئمة الشيخ الرّضى الأستراباذى (1)، رحمه‌الله وتجاوز عنه ، رأيت أن ألحق به شرح أبيات شواهد الشافية له أيضا ، وهى مائة وستة وتسعون بيتا (2)؛ لكونهما ككتاب واحد متنا وشرحا ، فكذلك ينبغى أن يكون شرح أبياتهما

وأشار إلىّ بعض الأفاضل بأن أضم إليها أبيات شرح المحقق العلامة أحمد ابن الحسن الجاربردى التى انفرد بها ؛ لمسيس الحاجة إليها لكثرة تداولها تدريسا ومراجعة ، حتى يعم النفع ، وهى اثنان وخمسون بيتا ، فأجبته إلى ذلك

وشرعت مستعينا بالله ذى الطّول والإعانة ، فى يوم الخميس الرابع والعشرين من جمادى الآخرة من سنة تسع وسبعين وألف ؛ أسأل الله إتمامه ، والنفع به ، آمين


1) الأستراباذى : نسبة إلى مدينة أستراباذ ، وهى بفتح الهمزة وسكون السين بعدها تاء مثناة مفتوحة وآخره ذال معجمة : بلدة كبيرة مشهورة من أعمال طبرستان بين سارية وجرجان

2) ترك المؤلف بعض الشواهد فلم يتكلم عليها ، ولعل عذره فى ذلك اختلاف النسخ ، وتجد ذلك موضحا تمام التوضيح فى حواشينا على شرح الشافية ؛ فقد نبهنا هناك على الأبيات التى لم يشرحها ، وذكرنا ما سقط منها من بعض نسخ الشرح

أبنية الاسم

أنشد الجاربردى (ص 19) [من الرجز]

1 - فهوذا ؛ فقد رجا النّاس الغير

من أمرهم على يديك والثّؤر (1)

من آل صعفوق وأتباع أخر

الطّامعين لا يبالون الغمر (2)

على أن صعفوقا على فعلول بالفتح نادر ، وهو الذى قلّ وجوده وإن كان على القياس ، والشاذ : هو الذى على خلاف القياس ، وإن كان كثيرا ، والضعيف :

هو الذى فى ثبوته كلام

قال الإمام أبو منصور موهوب بن أحمد الجواليقى فى كتاب المعربات : صعفوق اسم أعجمى ، وقد تكلمت به العرب ، يقال : بنو صعفوق خول باليمامة ، وقال العجاج :

فهو ذا لقد رجا الناس الغير

إلى آخر الأبيات ، وقال يخاطب عمر بن عبيد الله بن معمر «هو ذا» أى الأمر هو الذى ذكرته من مدحى لعمر ، و «الغير» : أى رجوا أن يتغير أمرهم من فساد إلى صلاح بامارتك ونظرك فى أمرهم ودفع الخوارج عنهم ؛ والثؤر : جمع ثؤرة ، وهو الثأر ، أى أمّلوا أن تثأر بمن قتلت الخوارج من المسلمين انتهى ، ونقله الجاربردى

وعمر بن عبيد الله هذا كان عبد الملك بن مروان ولاه حرب أبى فديك الحرورى ، فأوقع به ، وأراد العجاج تحقير أمر الخوارج ، فوصفهم بأنهم سوقة


1) فى ديوان العجاج (ص 16) ها فهو ذا ، فقد رجا ... وفى اصول الكتاب ... لقد رجا الناس ...

2) فى شرح الجاربردىالطاعمين ... وفى أصول كتابنا الطاعنين ... وفى ديوان العجاج من طامعين ...

وعبيد ، وأتباع ، اجتمعوا إلى [أبى] فديك ، وليسوا ممن يقاتل على حسب ويرجع إلى دين صحيح ومنصب ، والرواية هنا «فهو ذا فقد رجا» بسكون هاء (1)فهو ، ومعناه خذ أبا فديك فهو هذا قد أمكنك ، والناس قد رجوا أن يغير الله هذه الحال على يديك ، ويثأر لهم من الخوارج ، والثؤرة بالهمز كعقدة ، وجمعها ثؤر كعقد ، بمعنى الثأر أيضا بالهمز ، ويسهل ، وهو الحقد ، يقال : ثأرت القتيل ، وثأرت به ، من باب نفع ؛ إذا قتلت قاتله ، وقد جمعهما الشاعر فقال [من الطويل] :

طلبت به ثأرى فأدركت ثؤرثى

بنى عامر هل كنت فى ثؤرتى نكسا (2)

والنكس - بالكسر - : الضعيف العاجز ، والغير - بكسر ففتح - اسم من قولك : غيرت الشىء تغييرا ، ويأتى جمع غيرة أيضا ، بمعنى الدية ، وليس هذا بمراد هنا ، يقال : غارنى الرجل يغيرنى : أى أعطانى الدية ، والاسم الغيرة بالكسر وجمعها غير ، قال هدبة بن الخشرم [من البسيط] :

لنجد عنّ بأيدينا أنوفكم

بني أميّة إن لم تقبلوا الغيرا

قال ابن السيّد فى شرح أدب الكاتب : بنو صعفوق كانوا يخدمون السلطان باليمامة ، كان معاوية بن أبى سفيان قد صيّرهم بها ، وقال الأصمعى : صعفوق قرية باليمامة ، كان ينزلها خول السلطان. وقال ابن الأعرابى : يقال هو صعفقى فيهم ، والصعافقة : قوم من بقايا الأمم الخالية باليمامة ضلت أنسابهم ، وقيل : هم الذين يشهدون الأسواق ولا بضائع لهم فيشترون ويبيعون وياخذون الأرباح ، انتهى*


1) أى على حذف حرفين من أول البيت ، وهو محتمل عند بعض العروضيين ، ومجازه عندهم أنه حذف الثانى الساكن ، ثم خرم بحذف الحرف الاول ، ومنع ذلك الخلل

2) فى اللسان (مادة ث أ ر) شفيت به نفسى ... بنى مالك ... وفيه أيضا قتلت به ثأرى ... على أن الثأر هو الرجل المطلوب بدم حميمك

وفى العباب قال الليث : الصعافقه خول لبنى مروان أنزلهم اليمامة (1)، ومروان بن أبى حفصة منهم ، ولا يجىء فى الكلام فعلول إلا صعفوق ، والصعافقة قوم يشهدون السوق للتجارة وليس لهم رءوس أموال ، فاذا اشترى التجار شيئا دخلوا معهم ، الواحد منهم صعفقى وصعفق ، وجمعهم صعافقة وصعافيق. قال : والصّعفوق : اللئيم من الرجال ، وهم الصعافقة ، كان آباؤهم عبيدا فاستعربوا ، قال العجاج :

من الصّعافيق وأتباع أخر

[و] قال أعرابى : ما هؤلاء الصعافقة حولك؟ ويقال : هم بالحجاز مسكنهم ، وهم رذالة الناس ، انتهى ما قاله الليث ، وقال غيره : صعفوق : قرية باليمامة قد شقّ فيها قناة يجرى منها نهر كبير ، وبعضهم يقول صعفوقة بالهاء ، وصعفوق لا ينصرف للعجمة والمعرفة ووزنه نادر ، انتهى كلام العباب.

واعلم أن العرب إذا عربت كلمة أعجمية لا تلتزم إلحاقها بأوزانهم ، بل قد تلحقها وهو الأكثر ، وقد تتركها على حالها فلا تلحقها ، قال سيبويه فى الاسم المعرب من العجم ، وهم ما عدا العرب : ربما ألحقوه بأبنية كلامهم ، وربما لم يلحقوه ، وذكر مما ألحق بأبنيتهم قولهم درهم بهرج ، وما لم يلحق نحو آجرّ وفرند وإبريسم ، وتحقيقه أن تلك الكلمة المعربة لا تخلو من أن تكون مغيرة بنوع تصرف من تبديل وتغيير حركة ، أو لا تكون مغيرة أصلا ، وعلى كل من التقديرين لا تخلو من أن تكون ملحقة بأبنيتهم ، أولا ، فالأقسام أربعة : أحدها ما لم تتغير ولم تكن ملحقة كخراسان ؛ وثانيها ما لم تتغير ولكن كانت ملحقة كخرّم ؛ وثالثها ما تغيرت ولكن لم تكن ملحقة بها كآجرّ ؛ ورابعها ما تغيرت وكانت ملحقة بها كدرهم ، وصعفوق من القسم الثالث ، وليست بكلمة فارسية إذ الصاد والقاف مهجوران فى لغة الفرس ، إلا إن كانا فى كلمة دخيلة فى لغتهم.

وفى قوله «من آل صعفوق» إشكال من جهة إضافة «آل» فانهم قالوا :


1) سبق قريبا عن ابن السيد أن الذى أنزلهم اليمامة معاوية

إنها لا تضاف إلا لمن له شرف وخطر ، وصعفوق قد عرفت حاله ، ولا يرد هذا على الرواية الأخرى ، وهى من الصعافيق وأتباع أخر

وأبو فديك المذكور بضم الفاء وفتح الدال ، وهو أبو فديك عبد الله بن ثور من بنى قيس بن ثعلبة الخارجى ، كان أولا من أتباع نافع بن الأزرق رئيس الخوارج ، ثم صار أميرا عليهم فى مدة ابن الزبير ، وكان الخوارج متغلبين على البحرين وما والاها ، فلما كانت سنة اثنتين وسبعين من الهجرة بعث خالد بن عبد الله أمير البصرة أخاه أمية بن عبد الله فى جند كثيف على أبى فديك إلى البحرين ، فهزمه أبو فديك ، فكتب إلى عبد الملك بن مروان بذلك ، فأمر عبد الملك عمر بن عبيد الله ابن معمر أن يندب الناس مع أهل الكوفة والبصرة ويسير إلى قتاله ، فانتدب معه عشرة آلاف ، وسار بهم حتى انتهوا إلى البحرين ، فالتقوا ، واصطفوا للقتال ، فحمل أبو فديك وأصحابه حملة رجل واحد فكشفوا الميسرة ، ثم رجع أهل الميسرة وقاتلوا واشتد قتالهم حتى دخلوا عسكر الخوارج ، وحمل أهل الميمنة حتى استباحوا عسكر الخوارج ، وقتلوا أبا فديك وستة آلاف من أصحابه ، وأسروا ثمانمائة ، وذلك فى سنة ثلاث وسبعين من الهجرة ، كذا فى تاريخ النويرى

والعجاج : شاعر راجز إسلامى قد ترجمناه فى الشاهد الواحد والعشرين من شواهد شرح الكافية


وأنشد الشارح ، وهو الشاهد الثانى ، للحماسى [من البسيط](1):

2 - نحو الاميلح من سمنان مبتكرا

بفتية فيهم المرّار والحكم

على أنه لا دليل فى منع صرف سمنان فيه على كونه فعلان ؛ لجواز كونه فعلالا ، وامتناع صرفه لكونه علم أرض ، وفيه رد على الجاربردى فى زعمه أن


1) فى نسخة : وأنشد الشارح وهو للحماسى الشاهد الثانى.

منع الصرف للتعريف والزيادة ، وإنما يدل على كونه فعلان ما سيجىء من أن التضعيف فى الرباعى والخماسى لا يكون إلا زائدا ، إلا أن يفصل أحد المثلين بحرف أصلى كزلزال.

والحماسى : منسوب إلى كتاب الحماسة ، وهو مجموعة أشعار من شعر الجاهلية والاسلام انتقاها واختارها أبو تمّام حبيب بن أوس الطائى الشاعر المشهور ، وقد وقع الاجماع من النقاد على أنه لم يتفق فى اختيار المقطعات أنقي (1)مما جمعه أبو تمام فى كتاب الحماسة ، ولا فى اختيار المقصّدات أو فى مما دوّنه المفضل فى المفضليات ، وقد رتب أبو تمام ما اختاره على ثمانية أبواب : أولها باب الحماسة ، وآخرها باب الملح ، وقد اشتهر تسميته بالجزء الأول منه ، والحماسة : الشجاعة ، وقد جرت عادة المصنفين إذا استشهدوا بشىء مما فيه أن يقولوا قال الحماسى ، ونحوه ، والمراد الشاعر المذكور فى كتاب الحماسة ، تنويها برفعة ما فيه من الأشعار ؛ فان جميع ما فيه مما يصح به الاستشهاد ، ولأنه قد يتعذر أو لا يحضر معرفه قائله فينسب إليه.

والبيت المذكور من قصيدة طويلة فى الحماسة لزياد بن منقذ العدوى (2)التميمى ، ولم يقل غير هذه القصيدة ، ولم يقل أحد مثلها فى جودة جميع أبياتها ، وكان قد نزل بصنعاء [اليمن] فاجتواها ولم توافقه فذمّها فى هذه القصيدة ، ومدح بلاده وأهله ، وذكر اشتياقه إلى قومه وأهله وإلى وطنه ببطن الرّمّة (3)وهو واد بنجد ، وقبل البيت :


1) فى نسخة «أبقى» ولها وجه

2) فى شرح الحماسة (ج 3 ص 180) أنه زياد بن حمل بن سعد بن عميرة بن حريث ، ويقال زياد بن منقذ

3) الرمة. بصم الراء ، والميم مفتوحة مشددة أو مخففة ، وهو قاع عظيم بنجد تنصب فيه أودية ؛ قاله فى القاموس

يا ليت شعرى متى أغدو تعارضنى

جرداء سابحة أو سابح قدم (1)

تمنى أن يكون فى بلاده راكبا ذاهبا إلى الأميلح مع أخويه وأصحابه ، والجرداء : الفرس القصيرة الشعر ، وقصر الشعر فى الخيل محمود ؛ لأنه إنما يكون فى كرائمها ، والفرس السابحة : اللينة الجرى لا تتعب راكبها كأنها تسبح فى سيرها وجريها ، والقدم - بضمتى القاف والدال - بمعنى المتقدم يوصف به المذكر والمؤنث. ومعارضة الخيل : أن تخرج عن جادّة الطريق فتذهب فى عرضها لنشاطها ، وقوله «نحو الاميلح الخ» نحو بمعنى جهة وجانب ، وهو ظرف متعلق بأغدو ، والأميلح على وزن مصغر الأملح. قال ياقوت فى معجم البلدان وتبعه الصاغانى فى العباب : هو ماء لبنى ربيعة الجوع (2)، وأنشدا هذين البيتين لزياد بن منقذ المذكور ، وقالا : [و] المرّار والحكم أخواه (3)وسمنان من ديار الشاعر بنجد ، وقال الشراح : هو ماء لبنى ربيعة ، وليس كما قالوا ، بل الماء هو الأميلح ، وفى القاموس : سمنان بالفتح موضع ، وبالكسر بلد ، وبالضم حبل ، وليست هذه الكلمة في الصحاح ، وقال أبو عبيد البكرى فى معجم ما استعجم : سمنان كسكران مدينة بين الرى ونيسابور ، وسمنان بالضم جبل فى ديار بنى أسد ، وقال أبو حاتم : فى ديار بنى تميم ، انتهى. وهذا الضبط مخالف لشراح الحماسة فانهم ضبطوه بالفتح كما هنا ، ومبتكرا : حال من فاعل أغدو : أى ذاهبا فى بكرة النهار ، وهى أوله ، وصلته محذوفة : أى نحو


1) فى الحماسة *بل ليت شعرى ...*ومثله فى معجم البلدان لياقوت (مادة أميلح) ، وفيهما نحو الأميلح أو سمنان

2) ربيعة الجوع بالاضافة : من تميم ، وفى تميم ربيعتان : إحداهما هذه وهى الكبرى ، وأبوها ربيعة بن مالك بن زيد مناة بن تميم ، والثانية ربيعة الصغرى (ويقال الوسطى). وأبوها ربيعة بن حنظلة بن مالك

3) فى شرح الحماسة عن الأصمعى أن المرار أخو الشاعر والحكم ابن عمه

الأميلح ، ويجوز أن يكون من «ابتكرت إلى الشىء» أى أسرعت إليه ، كما يقال : بكّرت إليه تبكيرا ، وبكرت إليه بكورا ، من باب قعد ، والباء فى قوله «بفتية» بمعنى [مع] متعلقة بمتبكرا. والفتية : جمع فتىّ ، على وزن غنىّ ، وهو الشاب القوى ، كصبية جمع صبىّ وعلية جمع على ، ويجوز أن يكون جمع فتى كعصا ، وهو الشاب ، والمرّار بفتح الميم وتشديد الراء ، والحكم بفتحتين. و «من سمنان» حال من الأميلح ، وقد نسب جماعة هذه القصيدة إلى المرّار ، وهذا البيت يردّ عليهم ، وبطن الرمة قال أبو العلاء المعرى : يروى بتشديد الميم وتخفيفها ، وهو واد بنجد ، وقال ياقوت : الرمة بالتخفيف ذكره أبو منصور فى باب ورم وخففه ولم يذكر التشديد ، وقال : بطن الرمة واد معروف بعالية نجد وقال السكونى : هو منزل لأهل البصرة إذا أرادوا المدينة ، بها يجتمع أهل الكوفة والبصرة ، وقد أطال الكلام عليه وأطاب

وزياد بن منقذ شاعر إسلامى من معاصرى الفرزدق وجرير ، وقد ترجمناه مع أخيه المرار ، وشرحنا أبياتا من هذه القصيدة فى الشاهد التاسع والسبعين بعد الثلاثمائة من شواهد شرح الكافية


وأنشد بعده وهو الشاهد الثالث [من الطويل] :

3 - جرىء متى يظلم يعاقب بظلمه

سريعا ، وإن لا يبد بالظّلم يظلم

على أن «يبد» أصله يبدأ بالهمز ، فقلبت الهمزة ألفا لانفتاح ما قبلها ، ثم حذفت للجازم ، وهو إن ، قال أبو جعفر النحوى فى شرح معلقة زهير بن أبى سلمى ونقله الخطيب التبريزى فى شرحه : قوله «وإن لا يبد بالظلم» الأصل فيه الهمزة ، من بدأ يبدأ ، إلا أنه لما اضطر أبدل من الهمزة ألفا ، ثم حذفت (1)الألف للجزم


1) فى شرح القصائد العشر للتبريزى (ص 118) الذى نقل المؤلف عنه «ثم حذف الألف»

وهذا من أقبح الضرورات ، وحكى [عن] سيبويه أن أبا زيد قال له : من العرب من يقول قريت فى قرأت ، فقال سيبويه : فكيف أقول فى المستقبل؟ قال : تقول أقرا ، فقال سيبويه : كان يجب أن تقول أقرى ، حتى يكون مثل رميت أرمى ، وإنما أنكر سيبويه هذا لأنه إنما يجىء فعلت أفعل إذا كانت لام الفعل أو عينه من حروف الحلق ، ولا يكاد يكون هذا فى الألف ، إلا أنهم قد حكوا أبى يأبى ، فجاء على فعل يفعل ؛ قال أبو إسحق [قال إسماعيل بن إسحاق](1)إنما جاء هذا فى الألف لمضارعتها حروف الحلق ، فشبهت بالهمزة ، يعنى فشبهت بقولهم قرأ يقرأ انتهى

و «جرىء» بالجر صفة لأسد فى بيت (2)

لدى أسد شاكى السلاح مقذف

له لبد أظفاره لم تقلم

قبله ، المراد به حصين بن ضمضم ، ويجوز رفعه ونصبه على القطع ، و «يظلم» و «يبد» كلاهما بالبناء للمفعول ، «ويعاقب» و «يظلم» كلاهما بالبناء للفاعل ، والجرىء : ذو الجراءة والشجاعة ، يقول :

هو شجاع متى ظلم عاقب الظالم بظلمه سريعا ، وإن لم يظلمه أحد ظلم الناس إظهارا لعزة نفسه وجراءته ، وسريعا حال أو صفة مصدر : أى يعاقب عقابا سريعا

وهذا البيت من معلقة زهير المذكور ، وقد شرح ما قبله وما بعده وسبب نظمها فى الشاهد السادس والخمسين بعد المائة ، وفى الشاهد الثانى بعد الخمسمائة

وزهير شاعر جاهلى ، تقدمت ترجمته فى الشاهد الثامن [والثلاثين بعد المائة] من شرح شواهد شرح الكافية


1) سقطت هذه العبارة من أصول الكتاب عامة ، وهى ثابتة فى شرح القصائد العسر للتبريزى ، وفى شرح أبى جعفر «قال أبو إسحاق قال إسماعيل بن إسحاق قاضى بغداد»

2) هذا البيت هو قوله : -


وأنشد بعده وهو الشاهد الرابع من [الطويل]

4 - رأيت الوليد بن اليزيد مباركا

شديدا بأعباء الخلافة كاهله

على أن دخول اللام فى الدّئل علما منقولا من فعل مبنى للمفعول ، كدخولها على يزيد من قوله «الوليد بن اليزيد» وقد تكلم الشارح المحقق على لام اليزيد فى باب المنادى وفى باب العلم من شرح الكافية

والبيت من قصيدة لابن ميّادة مدح بها الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان الأموى

وترجمة ابن ميادة تقدمت فى الشاهد التاسع عشر من أوائل شرح أبيات شرح الكافية

وأعباء : جمع عبء كالحمل وزنا ومعنى ، والكاهل : ما بين الكتفين

وتقدم شرحه مفصلا فى الشاهد التاسع عشر من شرح الكافية


وأنشد بعده وهو الشاهد الخامس [من المنسرح] :

5 - جاءوا بجيش لو قيس معرسه

ما كان إلّا كمعرس الدّئل

على أن الدّئل فيه اسم جنس لدويبة شبيهة بابن عرس ، قال الصاغانى فى العباب :

دأل يدأل دألا ودألانا ودألى : أي ختل ، قال :

*وأنا أمشي الدّألى حوالكا (1)

أهدموا بيتك لا أبالكا

*

1) هذا بيت من الرجز ذكر فى اللسان أن سيبويه أنشده فيما تضعه العرب على ألسنة البهائم لضب يخاطب ابنه ، وقبل هذا البيت : -

وقال أبو زيد : هى مشية سبيهة بالختل ومشى المثقل. وذكر الأصمعى فى صفة مشى الخيل الدألان مشى يقارب فيه الخطو ويبطأ (1)فيه كأنه مثقل ، والدئل : دويبة شبيهة بابن عرس ، قال كعب بن مالك الأنصارى رضى الله تعالى عنه فى جيش أبى سفيان الذين وردوا المدينة فى غزوة السويق وأحرقوا النخيل ثم انصرفوا [من المنسرح] :

جاءوا بجيش لوقيس معرسه

ما كان إلا كمعرس الدّئل

عار من النّسل والثّراء ومن

أبطال أهل البطحاء والأسل

قال ثعلب : لا نعلم اسما جاء على فعل غير هذا ، قال الأخفش : وإلى المسمى بهذا الاسم نسب أبو الأسود الدؤلى إلا أنهم فتحوا الهمزة فى النسبة استثقالا لتوالى كسرتين مع ياءى النسب ، كما ينسب إلى نمر نمرىّ ، وربما قالوا أبو الأسود الدّولى ، بلا همر ؛ قلبوا الهمزة واوا لأن الهمزة إذا انفتحت وكانت قبلها ضمة فتخفيفها أن تقلبها واوا محضة ، كما قالوا فى مؤن مون ، انتهى.

وإنما قيل لها غزوة السويق لأن أبا سفيان قبل إسلامه رضى الله عنه لما غزا المدينة فى مائتى راكب بعد غزوة بدر فحرّق بعض نخل المدينة وقتل قوما من الأنصار خرج رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى طلبه حتى بلغ موضعا يقال له قرقرة الكدر ففرّ أبو سفيان ، وجعل أصحابه يلقون مزاود السويق يتخفّفون للفرار ، فسميت غزوة السويق

وقوله «لو قيس معرسه» هو من القياس والتخمين ، والمعرس - بضم الميم وفتح الراء - مكان النزول من آخر الليل ، والأشهر فيه معرّس - بتشديد الراء


1) كذا فى أصول الكتاب ، والذى فى الصحاح واللسان عن الأصمعى «ويبغى فيه» وباقى العبارة كما هنا بنصها ، وفى عبارة ابن برى تفسير ذلك حيث قال : «والدألان بالدال مشى الذى كأنه يسعى فى مشيه من النشاط» اه

المفتوحة - يقال : عرّس تعريسا ، إذا نزل آخر الليل ،

وصف جيش أبى سفيان بالقلة والحقارة ، يقول : لو قدّر مكانهم عند تعريسهم ، كان كمكان هذه الدابة عند تعريسها.

والنسل : الولد ، والثراء : الكثرة ، وأهل البطحاء : قريش ، وهم الذين ينزلون الشعب بين جبلى مكة ، وهم قريش البطاح ، وقريش الظواهر : الذين ينزلون خارج الشّعب ، وقريش البطاح أكرم من قريش الظواهر ، والأسل : الرماح وكان أبو سفيان نذر بعد بدر أن لا يمس رأسه ماء حتى يغزو محمدا صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، قال صاحب الأغانى : قال أبو سفيان وهو يتجهز من مكة المكرمة خارجه إلى المدينة المنورة أبياتا من شعر يحرض فيها قريشا [من المنسرح] :

كرّوا على يثرب وجمعهم

فانّ ما جمّعوا لكم نفل

إن يك يوم القليب كان لهم

فان ما بعده لكم دول

آليت لا أقرب النساء ولا

يمسّ رأسى وجلدى الغسل

حتّي تبيروا قبائل الأوس وال

خزرج إنّ الفؤاد مشتعل

فأجابه كعب بن مالك رضى الله عنه [من المنسرح] :

يا لهف أم المستمحّين على

جيش بن حرب بالحرّة الفشل

جاءوا بجيش لوقيس معرسه

ما كان إلّا كمعرس الدّئل

عار من النصر والثراء ومن

أبطال أهل النكاء والأسل

والنكاء : بمعنى النكاية

وكعب بن مالك الأنصارى شاعر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وقد تقدمت ترجمته فى الشاهد السادس والستين من شواهد [شرح] الكافية.


وأنشد بعده ، وهو الشاهد السادس [من الطويل] :

6 - وحبّ بها مقتولة حين يقتل

على أن فعل الذى فيه معنى التعجب يقال [فيه] فعل كما هنا ، فان حبّ بضم الحاء أصلها حبب بفتح العين ثم حوّل فتح عينه إلى الضم للمدح والتعجب ، فصار حبب ، ثم نقلنا ضمة العين إلى الفاء بعد حذف حركتها فصار حبّ ، بضم الحاء ، ويجوز حذف ضمة العين دون نقلها فيصير حبّ بفتح الحاء ، والباء فى «بها» زائدة ، والضمير فاعل حب ، وهو راجع إلى الخمر ، و «مقتولة» حال منه ، والقتل : مزج الخمر بالماء حتى تذهب حدتها ، فكأنها قتلت بالماء ، وهذا عجز ، وصدره :

فقلت اقتلوها عنكم بمزاجها

وهو من أبيات فى وصف الخمر من قصيدة للأخطل النصرانى ، وتقدم الكلام عليها مفصلا فى الشاهد الواحد والسبعين بعد السبعمائة من شواهد [شرح] الكافية.


وأنشد بعده ، وهو الشاهد السابع ، وهو من شواهد سيبويه [من الرجز]

7 - لو عصر منها المسك والبان انعصر

على أنه سكن عين الفعل فى الفعل المبنى للمجهول كراهة لتوالى الثقيلين فى الثلاثى الخفيف ، وكذا قول القطامى [من الوافر]

ألم يخز التّفرّق جند كسرى

ونفخوا فى مدائنهم فطاروا

قال سيبويه فى باب ما يسكن تخفيفا وهو فى الأصل عندهم متحرك : وذلك قولهم فى فخذ فخذ ، وفى كبد كبد ، وفى عضد عضد ، وفى كرم كرم ، وفى علم علم ، وهى لغة بنى بكر بن وائل وأناس كثير من بنى تميم ، وقالوا فى مثل : لم يحرم من فصد له ، وقال أبو النجم :

لو عصر منها المسك والبان انعصر

يريد عصر

وإنما حملهم على هذا أنهم كرهوا أن يرفعوا ألسنتهم عن المفتوح إلى المكسور والمفتوح أخف عليهم فكرهوا أن ينتقلوا من الأخف إلى الأثقل ، وكرهوا فى فى عصر الكسرة بعد الضمة كما يكرهون الواو مع الياء فى مواضع ، ومع هذا إنه بناء ليس من كلامهم إلا فى هذا الموضع من الفعل ، فكرهوا أن يحولوا ألسنتهم إلى الاستثقال ، انتهى كلامه

وقال الاعلم فى شرح شواهده : الشاهد فى تسكين الثانى من عصر طلبا للاستخفاف ، وهى لغة فاشية فى تغلب بن وائل ، وأبو النجم من عجل ، وهم من بكر بن وائل ، واستعمل لغتهم ، ووصف شعرا يتعهّد بالبان والمسك ويكثر فيه منهما حتى لو عصرا منه لسالا ، انتهى

وبهذا يعلم أن فى نسبة هذه التفريعات إلى تميم فقط تقصيرا من الشارح المحقق ، رحمه‌الله

وقوله «إن أبا النجم تميمى» لا أصل له ، فانه من بكر بن وائل ؛ فان أبا النجم شاعر إسلامى ، واسمه الفصل بن قدامة بن عبيد الله بن عبد الله بن الحارث بن عبدة بن الياس بن العوف بن ربيعة بن عجل بن لجيم بن صعب بن على بن بكر ابن وائل ، وقد ترجمناه فى الشاهد السابع من شواهد شرح الكافية ، وهذا البيت من رجز له يصف فيه امرأة بكثرة الطيب ، وقبله :

كأنّما فى نشرها إذا نشر

فغمة روضات تردّين الزّهر

هيّجها نضح من الطّلّ سحر

وعزّت الرّيح النّدى حتّى قطر

لو عصر منها البان المسك انعصر

النشر : الرائحة الطيبة ، و «نشر» بمعنى انتشر ، والفغمة بفتح الفاء وسكون الغين المعجمة بعدها ميم : الرائحة التى تملأ الأنوف ، ولا تكون إلا من الطيب ، يقال منه : فغمتنى رائحة الطيب ، إذا سدت خياشيمك ، شبه رائحة المرأة الطيبة برائحة

الروضات ، وجملة «تردين الزهر» صفة لروضات : أى لبسن النّور كالرداء ، وعنده يكون كمال طيب الروضات ، والروضة : الموضع المعجب بالزهور ، قيل : سميت بذلك لاستراضة المياه السائلة إليها : أى لسكونها بها ، والزهر بفتح الهاء وسكونها : النّور ، قالوا : ولا يسمى النور زهرا حتى يستقيم ويتفتح ، وقال ابن قتيبة : حتى يصفر ، وقبل التفتح هو برعوم ، وأزهر النبت : أخرج زهره ، و «هيجها» الضمير للروضات بتقدير مضاف : أى هيج رائحتها ، يقال : هاج الشىء يهيج هياجا بالكسر وهيجانا : ثار ، وهجته ، يتعدى ولا يتعدى ، وهيّجته بالتشديد مبالغة ، وهذا من تمام وصف الروضات ، فانه يزداد طيبها بما ذكره ، و «نضح» فاعل هيجها ، والنضح بالحاء المهملة : الرش ، والطل : المطر الضعيف ، وسحر : منصوب على الظرفية ، وسكن على لغة ربيعة ، وهزت : حركت ، وقوله «لو عصر منها» الضمير للمرأة التى تغزّل فيها ، وقال الجواليقى فى شرح أدب الكاتب : قيل : بل الضمير فى منها يعود إلى الروضة ، أى المسك ينعصر من الروضة ، هذا ما نقله ، وهو بعيد ، وروى «لو عصر منه» بتذكير الضمير ، كما رواه سيبويه ، فالضمير راجع إلى الفرع المذكور قبل فى قوله :

بيضاء لا يشبع منها من نظر

خود يغطّى الفرع منها المؤتزر

والخود بفتح الخاء المعجمة : الجارية الناعمة ، والجمع خود بالضم ، والفرع بفتح الفاء وآخره عين مهملة : شعر الرأس بتمامه ، والمؤتزر : محل الإزار ، وهو الكفل حيث يعقد الإزار ، وقوله «البان» نائب الفاعل لعصر على تقدير مضاف : أى دهن البان ، وقوله «والمسك» الواو بمعنى أو ، ولهذا قال «انعصر» بالافراد ، ولم يقل انعصرا ، بضمير التثنية ، ورواه ابن جنى فى المنصف وهو شرح تصريف المازنى :

لو عصر منها البان يوما لا نعصر

وعلى هذه الرواية لا إشكال فيه ، والمسك : معروف ، معرب مشك بالفارسية ، بضم الميم وسكون الشين المعجمة ، وانعصر : سال وجرى بالانعصار


(ق 2 - 2)

وأنشد بعده ، وهو الشاهد الثامن [من الطويل]

8 - وما كلّ مبتاع ولو سلف صفقه

براجع ما قد فاته برداد

على أن أصله سلف بفتح اللام ، وتسكين العين المفتوحة شاذ ضرورة ، قال سيبويه فى ذلك الباب : وأما ما توالت فيه الفتحتان فإنهم لا يسكنون منه ، لأن الفتح أخف عليهم من الضم والكسر ، كما أن الألف أخف من الواو والياء ، وذلك نحو جمل وحمل ونحو ذلك ، انتهى

وقد أورده ابن عصفور فى كتاب الضرائر ، فقال : فأما نقص الحركة فمنه حذفهم الفتحة من عين فعل مبالغة فى التخفيف ، نحو قول الراجز [من الرجز]

على محالات عكسن عكسا

إذا تسداها طلابا غلسا

يريد غلسا ، وقول الآخر [من الطويل]

وما كان مغبون ولو سلف صفقه

يريد سلف ، وقول الآخر [من الطويل]

وقالوا ترابىّ فقلت صدقتم

أبى من تراب خلقه الله آدم

يريد خلقه الله ، وقول أبى خراش [من الطويل]

ولحم امرئ لم تطعم الطير مثله

عشيّة أمسى لا يبين من البكم

يريد من البكم ، انتهى

وقد تكلف له ابن جنى فى شرح تصريف المازنى فقال : هذا من الشاذ عند أصحابنا ، ويحتمل عندى وجها [آخر](1)وهو أن يكون مخففا من فعل مكسور العين ، ولكنه فعل غير مستعمل ، إلا أنه فى تقدير الاستعمال وإن لم ينطق به ، كما أن قولهم تفرقوا عباديد وشماطيط كأنهم قد نطقوا فيه بالواحد من [هذين](2)الجمعين


1) الزيادة من شرح تصريف المازنى لابن جنى الذى نقل عنه المؤلف (ورقة رقم 20 من نسخة خطية)

2) الزيادة من شرح تصريف المازنى لابن جنى الذى نقل عنه المؤلف (ورقة رقم 20 من نسخة خطية)

وإن لم يكن مستعملا فى اللفظ ، وكأنهم استغنوا بسلف هذا المفتوح عن ذلك المكسور أن ينطقوا به غير مسكن ، وإذا كانوا قد جاءوا بجموع لم ينطقوا لها بآحاد مع أن الجمع لا يكون إلا عن واحد ، فأن يستغنى [بفعل] عن فعل من لفظه ومعناه وليس بينهما إلا فتحة عين هذا وكسرة عين ذلك أجدر ، وأرى أنهم استغنوا بالمفتوح عن المكسور لخفة الفتحة ، فهذا ما يحتمله القياس ، وهو أحسن من أن تحمل الكلمة على الشذوذ ما وجدت لها ضربا من القياس (1)فإن قلت : فإنا لم نسمعهم يقولون يسلف بفتح اللام فما تنكر أن يكون هذا يدل على أنهم لا يريدون سلف على وجه ، إذ لو كان مرادا عندهم لقالوا فى مضارعه يسلف ، كما أن من يقول قد علم فيسكن عين الفعل لا يقول فى مضارعه إلا يعلم فالجواب أنهم [لمّا] لم ينطقوا بالمكسور على وجه واستغنوا عنه بالمفتوح صار عندهم كالمرفوض الذى لا أصل له ، وأجمعوا على مضارع المفتوح (2)؛ هذا كلامه

والبيت من قصيدة للأخطل النصرانى ، وعدتها ستة عشر بيتا ، وهذا أولها ، ويليه :

أتغضب قيس أن هجوت ابن مسمع

وما قطعوا بالعزّ باطن وادى

وكنا إذا احمرّ القنا عند معرك

نرى الأرض أحلى من ظهور جياد

كما ازدحمت شرف نهال لمورد

أبت لا تناهي دونه : لذياد

وقد ناشدته طلّة الشيخ بعد ما

مضت حقبة لا ينثنى لنشاد


1) الذى فى شرح تصريف المازنى لابن جنى : «وهو أحسن من أن تحمل الكلمة على الشذوذ مرة ما قد وجدت له ضربا من القياس» ولعل ما فى الأصل كتابنا أحسن

2) فى الأصول التى بأيدينا «وأجمعوا على المضارع المفتوح» وهو خطأ والصواب ما أثبتناه نقلا عن شرح تصريف المازنى وذلك لأنهم إنما قالوا يسلف كيضرب وهذا مضارع الماضى المفتوح العين ، وليس هو المضارع المفتوح

رأت بارقات بالأكفّ كأنها

مصابيح سرج أوقدت بمداد

وطلّته تبكى وتضرب نحرها

وتحسب أن الموت كلّ عتاد

وما كل مغبون ولو سلف صفقه

البيت

وقوله «أتغضب قيس» الخ ابن مسمع - بكسر الميم الأولى وفتح الثانية ، هو مالك بن مسمع بن شيبان بن شهاب أحد بنى قيس بن ثعلبة ، وقوله «وما قطعوا» وصفهم بالذل ، والواو ضمير قيس باعتبار الحى والقبيلة ، وقوله «وكنا إذا احمر القنا» أى بدم القتلى ، وصف قومه بزيادة الشجاعة فى أنهم يرغبون فى المجالدة بالسيوف وهم مشاة أكثر من التطاعن بالقنا على ظهور الخيل ، وقوله «كما ازدحمت شرف - الخ» يقول : نحن نقع على الموت ونزدحم عليه كما تزدحم الإبل العطاش على مورد ولا تنتهى عنه بطرد ، والشّرف بالضم : جمع شارف ، وهى الناقة المسنة ، والنهال : جمع ناهلة اسم فاعل من النّهل بفتحتين ، وهو العطش ، ويأتى بمعنى الرى أيضا ، وليس بمراد هنا ، وذياد : مصدر ذاد الراعى إبله عن الماء يذودها ذودا وذيادا ، إذا منعها ، وقوله «وقد ناشدته - الخ» أى تسأله وتقسم عليه ، والطلة بفتح الطاء المهملة : الزوجة ، والحقبة بكسر الحاء المهملة : المدة ، ولا ينثنى : لا ينزجر ، ونشاد : مصدر ناشده مناشدة ونشادا ، وقوله «رأت بارقات» أى رأت سيوفا لامعة كالسرج التى أمدت بمداد من الدهن ، وقوله «وطلته تبكى» أى زوجته تبكى عليه ، والنحر : الصدر ، وهو فى الأصل موضع القلادة من الصدر ، وقوله «وتحسب أن الموت - الخ» قال جامع ديوانه السّكرى : يقول : تحسب أن الموت بكل فج وطريق ، وكل ما هيأته لشىء وأعددته فهو عتاد بالفتح ، وقوله «وما كل مبتاع - الخ» المبتاع : المشترى ، ورواية السكرى وابن قتيبة فى فى أدب الكاتب «وما كل مغبون» من غبنه فى البيع والشراء غبنا -

من باب ضرب - مثل غلبه ، فانغبن ، وغبنه : أى نقصه ، وغبن بالبناء للمفعول فهو مغبون : أى منقوص فى الثمن أو غيره ، كذا فى المصباح ، وسلف بمعنى مضى ووجب ، والهاء فى «صفقه» ضمير المبتاع والمغبون ، قال السكرى : وصفقه إيجابه البيع ، والصفق : مصدر صفق البائع صفقا ، إذا ضرب بيده على [يد] صاحبه عند المبايعة بينهما ، وقوله «براجع ما قد فاته» رواه السكرى بالباء فتكون زائدة فى خبر ما النافية ، وراجع اسم فاعل مضاف إلى «ما» الواقعة على المبيع أو الثمن ، ورواه غيره «يراجع» بالمثناة التحتية على أنه مضارع من الرجوع (1)، وما مفعوله ، وفاعله ضمير المغبون أو المبتاع ، وقوله «برداد» الباء للسببية متعلقة براجع أو بيراجع ، والرّداد بكسر الراء مصدر رادّ البائع صاحبه مرادة وردادا ، إذا فاسخه البيع

قال ابن السيّد فى شرح أدب الكاتب : ذكر ابن قتيبة أن هذا البيت للأخطل ، ولم أجده فى ديوان شعره الذى رواه أبو على البغدادى ، ولعله قد وقع فى رواية أخرى ، انتهى

والأخطل شاعر نصرانى من بنى تغلب ، كان معاصرا للفرزدق وجرير ، وقد ترجمناه فى الشاهد الثانى والسبعين من أوائل شواهد شرح الكافية


وأنشد بعده ، وهو الشاهد التاسع [من الرجز]

9 - فبات منتصبا وما تكردسا

إذا أحسّ نبأة توجّسا

على أن أصله منتصبا بكسر الصاد فسكنت ، وكذا قولهم «أراك منتفخا» أصله منتفخا بكسر الفاء ، وهو اسم فاعل من انتصب بمعنى قام ووقف ، وأورده الشارح المحقق فى باب الابتداء أيضا ، وكذا أورده أبو على فى كتاب نقض الهاذور ، وابن جنى فى كتاب الخصائص ، قال : ومما أجرى


1) الصواب «من المراجعة»

فيه بعض الحروف مجرى جميعه قوله : -

فبات منتصبا وما تكردسا

فأجرى منتصبا مجرى فخذ فأسكن ثانيه ، وعليه حكاية الكتاب أراك منتفخا انتهى

وتكردس : بمعنى انقبض واجتمع بعضه إلى بعض ، يريد ما سقط أعلاه إلى أسفله لأنه متوجّس خائف لا ينام

والبيت من رجز للعجاج (1)فى وصف ثور وحشى ، ورواه الصاغانى فى العباب : فبات منتصّا ، بتشديد الصاد ، على أنه من المنصة : أى مرتفعا ، قال فى مادته : وانتصت العروس على المنصة لترى من بين النساء : أى ارتفعت ، عن الليث (2)، وأنشد هذا البيت ، وأورده فى باب كردس أيضا ، قال :

التكردس : الانقباض واجتماع بعضه إلى بعض ، قال العجاج يصف ثورا : -

فبات منتصّا وما تكردسا

والعجاج راجز إسلامى فى الدولة الأموية ، وقد ترجمناه فى الشاهد الواحد والعشرين من أوائل [شرح] أبيات شرح الكافية


وأنشد بعده ، وهو الشاهد العاشر ، وهو من شواهد سيبويه [من الطويل]

10 - وذى ولد لم يلده أبوان

على أن أصله «لم يلده» بكسر اللام ، فسكنت وفتحت الدال ، قال (3)سيبويه : ومما أشبه الأول فيما ليس على ثلاثة أحرف قولهم : أراك منتفخا ،


1) هو فى الديوان ص 32 - ورواه فبات منتصا ... كما ذكر المؤلف عن الصاغانى

2) فى نسخة عن اللبس

3) أنظر كتاب سيبويه (1 : 340 و 2 : 258)

تسكن الفاء ، تريد منتفخا ، فما بعد النون بمنزلة كبد ، ومن ذلك قولهم انطلق فيفتحون (1)القاف لئلا يلتقى ساكنان ، كما فعلوا ذلك بأين وأشباهها ، حدثنا بذلك الخليل عن العرب ، وأنشد [نا] بيتا وهو لرجل من أزد السراة

عجبت لمولود وليس له أب

وذى ولد لم يلده أبوان

وسمعناه من العرب كما أنشده الخليل ؛ ففتحوا الدال كيلا يلتقى ساكنان ، وحيث أسكنوا موضع العين حركوا الدال ، انتهى

قال الأعلم (2): أراد يلده فسكن اللام المكسورة تخفيفا كقولهم فى علم علم فسكنت لامه قبل ساكن الجزم ، وتحركت الدال لالتقاء الساكنين بحركة أقرب المتحركات إليها ، وهى الفتحة ، إذ الياء مفتوحة ، وحمل الدال عليها غير معتد باللام (3)الساكنة ، لأنها حاجز غير حصين

وقوله «عجبت لمولود - الخ» أراد بالمولود عيسى بن مريم عليهما‌السلام ، وأراد بذى ولد آدم عليه‌السلام ، وبعده :

وذى شامة سوداء فى حرّ وجهه

مجلّلة لا تنقضى لأوان

ويكمل فى تسع وخمس شبابه

ويهرم فى سبع مضت وثمان

وأراد من هذين البيتين القمر ، وقد شرحنا هذه الأبيات بأكثر مما هنا فى باب الترخيم من شرح شواهد شرح الكافية الماضى


وأنشد بعده ، وهو الشاهد الحادى عشر [من الكامل]


1) الذى فى سيبويه (ج 2 ص 258): «بفتح القاف»

2) الموضع الذى ذكر الأعلم فيه هذا الكلام ليس هو الموضع الذى نهنا عليه فى الكلمة السابقة ، وإنما ذكره فى (ج 1 ص 341). وقد نقل المؤلف عبارة الأعلم بالمعنى على خلاف عادته فى النقل

3) كان فى أصول الكتاب «غير مقيد» والصحيح عن عبارة الأعلم

11 - ينباع من ذفرى غضوب جسرة

زيّافة مثل الفنيق المكدم

على أن أصله ينبع ، وتولدت الألف من إشباع فتحة الباء ، وفاعل ينباع ضمير الرّب - بضم الراء - وهو شبيه الدبس ، وهو فى بيت قبله (1)

وكأنّ ربّا أو كحيلا معقدا

حشّ الوقود به جوانب قمقم

والرب : ذكره المؤلف. والكحيل : القطران ، شبه عرق الناقة بالرب أو القطران ، والمعقد : الذى أوقد تحته حتى انعقد وغلظ ، والوقود - بفتح الواو - الحطب ، وارتفاعه لأنه فاعل حش ، وجوانب مفعوله ، ويجوز أن يكون حش لازما بمعثى احتش فالوقود فاعله وانتصاب «جوانب قمقم» على الظرفية ، والقمقم : كما فى اللسان ضرب من الآتية

شبه العرق السائل من رأس هذه الناقة وعنقها بربّ يترشح ، وعرق الابل أسود ، والذّفرى بكسر الذال المعجمة والقصر : الموضع الذى يعرق من الإبل خلف الأذن ، والغضوب : الناقة الصعبة الشديدة ، شبهت بالغضوب من الإنسان ، والجسرة بفتح الجيم : الناقة الماضية فى سيرها ، وقيل : الضخمة القوية ، والزيافة : المتبخترة فى مشيها ، مبالغة زائفة ، من زاف زيفا - بالزاى المعجمة - إذا تبختر فى مشيه ، والفنيق ، بفتح الفاء وكسر النون : الفحل المكرم الذى لا يؤذى ولا يركب لكرامته ، والمكدم : اسم مفعول قياسه أن يكون من أكدمه ، لكنهم لم ينقلوا إلا كدمه ثلاثيا من الباب الأول والثانى ، قالوا : الكدم العض بأدنى الفم كما يكدم الحمار ، وروى المقرم بدله ، على وزنه ، وهو البعير الذى لا يحمل عليه ولا يذلل وإنما هو للفحلة (2)بكسر الفاء

1) البيت المشار إليه هو قوله : -

2) يقال : بعير ذو فحلة بكسر فسكون ؛ إذا كان صالحا للافتحال : أى اتخاذه فحلا ؛ والفحلة التلقيح ، ويقال : إنه لبين الفحولة - بالضم - والفحالة والفحلة - بكسرها - بالمعنى السابق

وهذا البيت من معلقة عنترة ، وقد شرحناه بأوفى من هذا فى الشاهد الثانى عشر من أوائل شرح الكافية


وأنشد الجاربردى (1)بعده ، وهو الشاهد الثانى عشر [من الوافر]

12 - وأنت من العوائل حيث ترمى

ومن ذمّ الرّجال بمنتزاح

على أن الألف تولّدت من إشباع فتحة ما قبلها

قال ابن جنى فى سر الصناعة : هكذا أنشدناه أبو على لابن هرمة يرثى ابنه وقال : أراد بمنتزح ، فأشبع فتحة الزاى ، انتهى

وقال الصاغانى فى العباب : وانتزح : ابتعد ، وأنت بمنتزح من كذا : أى ببعد منه ، قال إبراهيم بن على بن محمد بن سلمة بن عامر بن هرمة يمدح بعض القرشيين وكان قاضيا لجعفر بن سليمان بن على :

فأنت من الغوائل حيث تنمى (2)

ومن ذم الرجال بمنتزاح

إلا أنه أشبع فتحة الزاى فتولدت الألف ، هكذا أنشده بعض أهل اللغة ، وفى شعره «بمستراح» فلا ضرورة ، انتهى

والغوائل : جمع غائلة ، وهى الفساد والشر ، وقال الكسائى : الغوائل : الدواهى ، وترمى بالبناء للمفعول مسند إلى ضمير الغوائل ، وكذا تنمى يقال : نمى الشىء ينمى ، من باب رمى ، نماء ، بالفتح والمد ، أى كثر ، وفى لغة ينمو نموا ، من باب قعد ، ويتعدى بالهمزة والتضعيف

وابن هرمة بفتح الهاء وسكون الراء المهملة بعدها ميم : شاعر من مخضرمى الدولتين ، وهو آخر من يستشهد بكلامه


1) أنظر صفحة 41 من شرح الجاربردى على الشافية طبع الآستانة ، وفيها ... وعن ذم الرجال ...

2) فى نسخة «حين تنمى»

وقد ترجمناه فى الشاهد الثامن والستين من أوائل شواهد شرح الكافية


وأنشد الجاربردى (1)أيضا بعده ، وهو الشاهد الثالث عشر [من البسيط]

والشّمس طالعة ليست بكاسفة

تبكى عليك نجوم اللّيل والقمرا

على أن تبكى للمغالبة ، ونجوم الليل مفعوله ، وهى المغلوبة بالبكاء ؛ فان الشمس غلبت النجوم بكثرة البكاء ، ثم حكى قولين آخرين : أحدهما نصب النجوم بكاسفة ، ثانيهما نصبها على المفعول معه ، بتقدير الواو التى بمعنى مع ، والوجه الأول نقله عن الجوهرى ، ولم يتعرض له ابن برى فى أماليه على صحاحه ولا الصفدى فى حاشيته ، وقال الصاغانى فى العباب : وكسفت الشمس تكسف كسوفا وكسفها الله ، يتعدى ولا يتعدى ، قال جرير يرثى عمر بن عبد العزيز :

فالشمس كاسفة ، ليست بطالعة

تبكى عليك نجوم الليل والقمرا

هكذا الرواية : أى أن الشمس كاسفة تبكى عليك الدهر ، والنحاة يروونه مغيرا ، وهو الشمس طالعة ليست بكاسفة أى ليست تكسف ضوء النجوم مع طلوعها ؛ لقلة ضوئها وبكائها عليك ، انتهى

فكاسفة على روايته بمعنى منكسفة ، من الفعل اللازم ، وجملة «تبكى» خبر بعد خبر ، أو صفة لكاسفة ، وقوله «الدهر» أى : أبدا أشار به إلى أن نصب النجوم على الظرف كما يأتى بيانه ، وأشار إلى أن قوله ليست بطالعة بمعنى كاسفة ؛ إذ المراد من طلوعها إضاءتها ، فاذا ذهب نورها فكأنها غير طالعة


1) أنظر صفحة 42 من شرح الجاربردى على الشافية طبع الآستانة وفيها فالشمس طالعة ليست بكاسفة وكذا فى العقد الفريد (2 : 336 طبع بولاق) وفى الديوان (304) فالشمس كاسفة ليست بطالعة وكذا فى القاموس مادة (ك س ف) وفى الصحاح مادة (ب ك ى) الشمس طالعة ليست بكاسفة وكذا فيه مادة (ك س ف)

وقد تبعه صاحب القاموس فرواه كروايته ، وقال : «أى كاسفة لموتك تبكى أبدا ، ووهم الجوهرى فغيّر الرواية بقوله فالشمس طالعة ليست بكاسفة وتكلف لمعناه» انتهى

وقوله «تكلف لمعناه» يعنى أنه جعله من باب المغالبة ، وتغليط الجوهرى فى الرواية المذكورة غير جيد ؛ فإنها رواية البصريين ، وما صححه تبعا لصاحب العباب رواية الكوفيين.

قال ابن خلف فى شرح شواهد سيبويه : اختلف الرواة فى هذا البيت ، فرواه البصريون الشس طالعة ليست بكاسفة ورواه الكوفيون الشمس كاسفة ليست بطالعة ورواه بعض الرواة بنصب النجوم ، وبعض آخر برفعها ، وقد اختلف أصحاب المعانى وأهل العلم من الرواة وذوو المعرفة بالاعراب من النحاة فى تفسير وجوه هذه الروايات وقياسها فى العربية ، ومن روى الشمس طالعة ليست بكاسفة فإنه استعظم أن تطلع ولا تنكسف مع المصاب به ، ومثل هذا قول الآخر [هو لليلى بنت طريف الخارجية ترثى أخاها الوليد] [من الطويل]

أيا شجر الخابور مالك مورقا

كأنّك لم تجزع على ابن طريف

ومعناه عند بعضهم تغلب ببكائها عليك نجوم الليل ، وفى هذا التأويل وجهان : أحدهما أن يراد بالنجوم والقمر حقيقتهما ادعاء ، ثانيهما أن يراد بهما سادات الناس والأماثل ، وقال آخرون : «نجوم» مفعول تبكى من غير اعتبار المغالبة ، والمعنى أن الشمس تبكى عليك مدة نجوم الليل والقمر ، فنصب على الظرف ، وحكى عن العرب لا أكلمك سعد العشيرة : أى زمانه ، وقال جماعة : إن نجوم الليل منصوبة بكاسفة ، والقمر معطوف عليها ، وهذا أشهر الأجوبة وأقربها مأخذا ، والمعنى أن الشمس لم تقو على كسف النجوم والقمر لا ظلامها وكسوفها ، انتهى كلام ابن خلف

وممن رواه كذلك ابن عبد ربه فى العقد الفريد (1)، وقال : يقول إن الشمس طالعة وليست بكاسفة نجوم الليل لشدة الغم والكرب الذى فيه الناس

وكذا رواه الأخفش المجاشعى فى كتاب المعاياة ، وقال : أراد الشمس طالعة ولا ضوء لها ، فترى مع طلوعها النجوم بادية لم يكسفها ضوء الشمس ؛ فليست بكاسفة نجوم الليل والقمر

وكذا رواه اللّبلىّ فى شرح فصيح ثعلب ، وقال : يعنى أن الشمس طالعة ليست مغطية نجوم الليل والقمر

وهؤلاء الثلاثة جعلوا نجوم الليل منصوبة بكاسفة

وكذا رواه السيد المرتضى (2)فى أماليه ونقل فى نصب النجوم ثلاثة أقوال : أولها نصبهما بكاسفة ، وقال : أراد أن الشمس طالعة وليست مع طلوعها كاسفة نجوم الليل والقمر ؛ لأن عظم الرزء قد سلبها ضوءها ، فلم يناف طلوعها ظهور الكواكب ، ثانيها : أن نصبها على الظرف ، قال : كأنه أخبر بأن الشمس تبكيه ما طلعت النجوم [وظهر القمر](3)ثالثها : على المغالبة ، وهو أن يكون القمر والنجوم باكين الشمس على هذا المرثى المفقود ، فبكتهنّ أى غلبتهن بالبكاء

وكذا رواه المبرد فى (4)الكامل «الشمس طالعة» وقال : وأما قوله نجوم


1) ذكره فى (ج 2 ص 336 طبع بولاق) مع البيتين السابقين عليه وسيذكرهما المؤلف ، وليس فى الموضع الذى أشرنا إليه من العقد الكلام الذى نقله عنه المؤلف فى شرح البيت

2) انظر أمالى المرتضى (ج 1 ص 39)

3) الزيادة التى بين قوسين عن أمالى المرتضى فى الموضع المذكور

4) أنظر كامل المبرد (ج 1 ص 402 طبع المطبعة الخيرية سنة 1308) تر أن جميع الزيادات الموجودة بين قوسين مثبتة فيها

الليل والقمرا ففيه أقاويل كلها جيد ؛ فمنها أن تنصب (1)نجوم الليل [والقمرا بقوله] بكاسفة ، يقول : الشمس طالعة ليست بكاسفة نجوم الليل والقمر ، وإنما تكسف النجوم [والقمر] بإفراط ضيائها ، فاذا كانت من الحزن عليه قد ذهب ضياؤها ظهرت الكواكب ، ويجوز أن يكون نجوم الليل والقمر أراد بهما الظرف ، يقول تبكى [الشمس] عليك مدة نجوم الليل والقمر كقولك تبكى عليك الدهر والشهر ، وتبكى عليك الليل والنهار يا فتى ، ويكون (2)تبكى عليك [الشمس] النجوم كقولك : أبكيت زيدا على فلان ، وقد قال فى هذا المعنى [أحد المحدثين شيئا مليحا وهو] أحمد أخو أشجع السلمى ، يقوله لنصر بن شبث العقيلى ، وكان أوقع بقوم من بنى تغلب بموضع يعرف بالسواجين [من الكامل] :

لله سيف فى يدى نصر

فى حدّه ماء الرّدى يجرى

أوقع نصر بالسواجين ما

لم يوقع الجحّاف بالبشر

أبكى بنى بكر على تغلب

وتغلبا أبكى على بكر

ويكون تبكى عليك نجوم الليل والقمر على أن تكون الواو فى معنى مع ، وإذا كانت كذلك فكأن قبل الاسم [الذى يليه أو بعده] فعل ، انتصب لأنه فى المعنى مفعول وصل إليه الفعل فنصبه ، ونظير ذلك استوى الماء والخشبة ؛ لأنك لم ترد استوى الماء واستوت الخشبة ولو أردت ذلك لم يكن إلا الرفع ، ولكن التقدير ساوى الماء الخشبة ، انتهى كلامه ، ولم يذكر معنى المغالبة فيه

قال ابن السيد فيما كتبه عليه : الوجه الأول [هو] أصح فى المعنى ، وهو أن ينصب نجوم الليل والقمر بكاسفة ، لأن فى هذا إخبارا بأن الشمس قد ذهب نورها


1) فى الأصل «أن نصب» والتصحيح عن الكامل فى الموضع المذكور

2) هذا وجه آخر غير نصب نجوم الليل على الظرف ، ومفاده أن انتصابها على المفعولية

لفرط الحزن فلم تمنع الدرارىّ من النجوم أن تظهر ، وهذا هو الذى يذكره الشعراء عند تهويل الرزية بالمفقود ، انتهى

وطالعته فى نسختين صحيحتين جدا من الكامل مضبوطة بالرفع على الخبرية ، وجملة «ليست بكاسفة» صفة لطالعة ، وجملة «تبكى» خبر ثان

وزعم الفيومى فى المصباح (1)أن طالعة وتبكى حالان ؛ فانه قال : فى البيت تقديم وتأخير ، والتقدير الشمس فى حال طلوعها وبكائها عليك لبست تكسف النجوم والقمر لعدم ضوئها ؛ هذا كلامه

وقال ابن خلف : يجوز أن تكون جملة «تبكى» حالا إما من الشمس أو من التاء فى ليست (2)كأنه قال : ليست فى حال بكاء ، وقد تكون سادة مسدّ خبر ليس ، انتهى

والوجه الأول مأخوذ من كلام ابن السيد فى شرح أبيات المعانى ، وهو إنما يتمشى على مذهب سيبويه القائل بجواز مجىء الحال من المبتدأ ، والوجه الثانى فاسد ؛ لأن بكاءها بيان لكسفها النجوم ، والوجه الثالث خطأ معنى وإعرابا (3)

وقول المبرد «يجوز أن يكون أراد بهما الظرف» يريد أن الشاعر أقامهما مقام مصدر محذوف هو المراد به معنى الظرف ، فكأنه قال : دوام نجوم الليل والقمر : أى فى مدة دوامهما ، فحذف المضاف وأعرب المضاف إليه باعرابه ، ويكون


1) أنظر مادة (ك س ف) من المصباح

2) العبارة غير صحيحة فنيا لأن التاء حرف دال على التأنيث فلا يجىء منه الحال ، وغرضه أن طالعة حال من الضمير المستتر فى ليس المدلول على تأنيثه بالتاء

3) أما فساده معنى فلأن حاصل تقدير الكلام : ليست الشمس موجودة فى حال بكاء عليك ، وهذا غير المراد ، وأما فساده من جهة الاعراب فلأن محل سد الحال مسد الخبر إذا كان المبتدأ مصدرا صريحا أو مؤولا أو كان اسم تفضيل مضافا إلى المصدر وليس هذا واحدا منها

مراده من النجوم الدهر ، ومن القمر الشهر

ويرد على هذا الوجه وعلى الأوجه الثلاثة الآتية وعلى وجه المغالبة أن كاسفة يكون من الفعل اللازم فلا يصح المعنى به لأنه حينئذ يكون نافيا للكسوف عن الشمس فى ذاتها ، وإذا لم تنكسف الشمس فى ذاتها فلا حزن لها على المذكور ، وهو ضد ما أراده الشارح ، وهذا لا يرد على الوجه الأول المتعدى ؛ فانه لم ينف عن الشمس الانكساف فى ذاتها ، إنما نفى عنها أن تكسف غيرها لذهاب نورها وانكسافها فى ذاتها

ويجاب بمنع جعله من اللازم ؛ فيكون من المتعدى ، ويقدر له مفعول محذوف ، وتقديره ليست بكاسفة شيئا ، فحذف للتعميم ، والمعنى يدل عليه ، كما تقول : زيد [غير] ضارب

وقول ابن السيد فيما كتبه على الكامل «إن قدر كاسفة بمعنى منكسفة صح الوجه الأول فقط» غير صحيح ، فتأمل ، ويريد بالوجه الأول النصب على الظرف ، وبما ذكرنا ظهر وجه رجحان نصب النجوم بكاسفة على غيره ، وهو منشأ من صوّب رواية والشمس كاسفة

وقول المبرد «ويكون تبكى عليك النجوم كقولك أبكيت زيدا على فلان» يريد أن تبكى فى البيت بضم (1)التاء مضارع أبكاه على فلان بمعنى جعله باكيا عليه

ويرد على هذا أيضا أن الإبكاء على الشىء كالبكاء عليه سببهما الحزن ، ونفى الكسوف مناقض لذلك ،

ويجاب بما ذكرنا


1) ذلك لأن بكى المتعدى معناه فيما لو قلت بكيت زيدا أنك بكيت عليه فأما إن أردت معنى هيجت بكاءه على آخر فأنك تقول أبكيته ، والذى فى الكامل «بكيت زيدا على فلان» فالتاء مفتوحه لأنه مضارع الثلاثى

وقول المبرد «ويكون تبكى عليك نجوم الليل والقمرا على أن تكون الواو فى معنى مع» يريد رفع النجوم بتبكى والواو بعدها بمعنى مع ، ولم يذكر أبو حيان فى الارتشاف غير هذا الوجه فى البيت ، قال فيه : قال الأستاذ أبو على : إذا كان العطف نصا على معنى مع وكان حقيقة فى المعنى ضعف النصب ، كقولك : قام زيد وعمرو ، فهذا لا يقال بالنصب إلا إن سمع ، ومنه : -

تبكى عليك نجوم الليل والقمرا

أى مع القمر ، انتهى

وقال ابن الملا فى شرح المغنى : وأما تجويز رفع النجوم على أنها فاعل تبكى ونصب القمر على أنه مفعول معه فانه وإن صح معناه لكنه يؤدى إلى عدم ارتباط المصراع الثانى بالأول ، وألا يكون للمصراع الأول معنى يناسب المقام إلا على رواية

فالشمس كاسفة ليست بطالعة

هذا كلامه ، وهو مختل من وجوه : الأول : كيف جاز له أن يقول «وإن صح معناه» مع قوله «لا يكون للمصراع الأول معنى يناسب المقام» وهل هو إلا تناقض؟ الثانى قوله «يؤدى إلى عدم ارتباط المصراع الثانى بالأول» لا مانع منه ، فان جملته مستأنفة ؛ وكاسفة بمعنى منكسفة ، فيكون استعظاما لطلوع الشمس وعدم انكسافها مع عظم المصيبة ؛ فيكون أنكر طلوعها كذلك مع أن النجوم مع القمر تبكى عليه ؛ الثالث أن ما أورده على هذا الوجه وارد على وجه المغالبة ونصب النجوم على الظرف أيضا ، وقد ذكرهما هو ولم يتنبه له ، الرابع : لا ينحصر معنى المصراع الأول على رواية «فالشمس كاسفة» لما ذكرنا آنفا ، ولما قدمنا من تقدير المفعول

ولم يذكر المبرد نصب النجوم «بتبكى» بفتح التاء لا على وجه المغالبة ولا على

غيرها ، وهما قولان آخران ، وقد نقلناهما ، ولم يذكر أيضا نصب النجوم على حذف واو المفعول معه ، وهو قول نقله ابن السيد فى شرح أبيات المعانى ، قال : «الرابع من الوجوه التى ذكرها النحاة فى نصب النجوم ، أن يكون أراد الواو التى فى معنى مع ، فكأنه قال : تبكى عليك ونجوم الليل والقمر : أى مع نجوم الليل والقمر ، فيكون مفعولا معه ، وقد حذف الواو ، وهذا أبعدها» اه ، ووجه الأبعدية أن هذه الواو لم يثبت حذفها

ولا بأس بشرح أصل كاسفة بعد الفراغ من الإعراب ؛ قال الفيومى فى المصباح : كسفت الشمس من باب ضرب كسوفا ، وكذلك القمر ، قاله ابن فارس والأزهرى ، وقال ابن القوطية أيضا : كسف القمر والشمس والوجه : تغير ، وكسفها الله كسفا ، من باب ضرب أيضا ، يتعدى ولا يتعدي ؛ والمصدر فارق ، ونقل «انكسف الشمس» فبعضهم يجعله مطاوعا ، مثل كسرته فانكسر ، وعليه حديث رواه أبو عبيد وغيره «انكسفت الشمس على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم» وبعضهم يجعله غلطا فيقول : كسفتها فكسفت هى لا غير ، وقيل : الكسوف ذهاب البعض والخسوف ذهاب الكل ، وقال أبو زيد : كسفت الشمس كسوفا اسودّت بالنهار ، وكسفت الشمس النجوم غلب ضوءها على النجوم فلم يبد منها شىء

والبيت من أبيات ثلاثة لجرير قالها لمّا نعى إليه عمر بن عبد العزيز بن مروان رحمه‌الله تعالى ؛ وهى :

نعى النّعاة أمير المؤمنين لنا

يا خير من حجّ بيت الله واعتمرا (1)

حمّلت أمرا عظيما فاضطلعت به

وقمت فيه بأمر الله يا عمرا

فالشمس طالعة ... البيت


1) فى الديوان : تنعى النعاة ...* وفيه : فاصطبرت له ، وفى الكامل : حملت أمرا جسيما فاصطبرت له وفيه : بحق الله ... (ق 2 - 3)

فى المصباح : «نعيت الميت نعيا ، من باب نفع ، أخبرت بموته ، فهو منعى ، واسم الفعل المنعي والمنعاة ، بفتح الميم فيهما مع القصر ، والفاعل نعىّ على فعيل ، يقال : جاء نعيه أى ناعيه ، وهو الذى يخبر بموته ، ويكون النعىّ خبرا أيضا» انتهى ، والنعاة : جمع ناع كقضاة جمع قاض ، وأراد بأمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ، ولى الخلافة بعهد من ابن عمه سليمان بن عبد الملك فى صفر سنة تسع وتسعين ، فقدمت إليه مراكب الخلافة فلم يركبها ، وركب فرس نفسه ، ومنع من سبّ على كرم الله وجهه آخر الخطبة ، وجعل مكانه (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ) الآية (1)، ومناقبه كثيرة ألف فيها جلدا حافلا الإمام ابن الجوزى ، ومات بدير سمعان سنة إحدى ومائة ، وقوله «يا خير من حج الخ» أى : فقلت يا خير الخ ، وقال ابن الملا : منصوب بتقدير قائلين ، وقوله «حمّلت أمرا» هو بالبناء للمفعول وتشديد الميم ، والخطاب ، وأراد بالأمر العظيم الخلافة ، واضطلع بهذا الأمر : إذا قدر عليه كأنه قويت ضلوعه بحمله ، والألف فى «يا عمرا» ألف الندبة ، وبه استشهد ابن هشام فى المغنى وفى شرح الألفية (2)، قال المبرد فى الكامل : قوله «يا عمرا ندبة ، أراد يا عمراه ، وإنما الألف للندبة وحدها ، والهاء تزاد فى الوقف لخفاء الألف ، فاذا وصلت لم تزدها ، تقول : يا عمرا ذا الفضل ، فاذا وقفت قلت يا عمراه ، فحذف الهاء فى القافية لاستغنائه عنها». اه

وجوز الأخفش المجاشعى فى كتاب المعاياة أن تكون الألف هى المبدلة من ياء المتكلم ، وأن يكون عمر منادى منكرا منصوبا وألفه بدل من نون التنوين ،


1) ويقال : بل جعل مكان سب على قوله تعالى : (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ - الآية)

2) أنظر مغنى اللبيب (حرف الألف) وأنظر أوضح المسالك (2 : 128)

وهذه عبارته : وإنما نصب أبو على يا عمراه أضافه إلى نفسه أو لم يضفه ، وجعله نكرة ، كما قال الآخر [وهو الأحوص] [من الوافر]

سلام الله يا مطرا عليها

وليس عليك يا مطر السّلام

جعل مطرا نكرة فنصب ، وقال بعضهم : هو معرفة. ولكنه لما نونه قام التنوين مقام الاضافة فنصب كما ينصب المضاف ، انتهى كلامه. ونقل هذه الوجوه ابن السيّد فيما كتبه على الكامل عن الفارسى ، قال : أجاز الفارسى فى «يا عمرا» أن يكون أضافه إلى نفسه كما قال [هو لأبى النجم] [من الرجز]

يا ابنة عمّا لا تلومى واهجعى

وأجاز أن يكون على معنى الندبة ، وأجاز أن يكون جعله نكرة ، كما قال

سلام الله يا مطرا عليها

قال : وقيل فى قوله «يا مطرا» إنها معرفة ، ولكنه لما نوّنه قام التنوين مقام الإضافة فنصبه كما ينصب المضاف ، وهو قول عيسى بن عمر ، انتهى

وقوله «فالشمس طالعة - الخ» أورد المصراع الثانى صاحب الكشاف (1)فى سورة الدخان عند قصة مهلك قوم فرعون وتوريث نعمهم ، وهو قوله تعالى (كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ) قال : إذا مات رجل خطير قالت العرب فى تعظيم مهلكه : بكت عليه السماء والأرض ، وبكته الريح. وأظلمت له الشمس ، وفى الحديث «ما من مؤمن مات فى غربة غابت فيها بواكيه إلا بكته (2)السماء والأرض» وقال جرير :

تبكى عليك نجوم اللّيل والقمرا


1) أنظر تفسير الكشاف للزمخشرى (ج 2 ص 314 بولاق سنة 1281)

2) الذى فى الكشاف «إلا بكت عليه السماء والأرض» وفيه بعد ذكر قول جرير ذكر بيت ليلى بنت طريف الخارجية الذى تقدم ذكره فى هذا الكتاب

وذلك على سبيل التمثيل والتخييل ، مبالغة فى وجوب الجزع والبكاء عليه ، وكذلك ما يروى عن ابن عباس رضى الله عنهما من بكاء مصلّى المؤمن وآثاره فى الأرض ومصاعد عمله ومهابط رزقه فى السماء تمثيل ، ونفى ذلك عنهم فى قوله تعالى (فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ) فيه تهكم بهم وبحالهم المنافية لحال من يعظم فقده فيقال فيه بكت عليه السماء والأرض ، وعن الحسن رحمه‌الله فما بكى عليهم الملائكة والمؤمنون ، بل كانوا بهلاكهم مسرورين ، يعنى فما بكى عليهم أهل السماء وأهل الأرض ، انتهى.

وهذا ملخص من [أوائل] أمالى الشريف المرتضى ، وفيها زيادة ، ونحن نلخص ما فيها أيضا ، قال (1): فى الآية وجوه أربعة من التأويل ؛ أولها : أن المراد أهل السماء والأرض ، فحذف كقوله تعالى (وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ) ؛) ثانيها : أنه تعالى أراد المبالغة فى وصف القوم بصغر القدر وسقوط المنزلة ، لأن العرب إذا أخبرت عن عظم المصاب بالهالك قالت : كسفت الشمس لفقده ، وأظلم القمر ، وبكاه الليل والنهار والسماء والأرض ، يريدون بذلك المبالغة فى عظم الأمر وشمول ضرره ، قال جرير : الشمس طالعة - البيت ، وقال يزيد بن مفرّغ [من الكامل]

الرّيح تبكى شجوها

والبرق يلمع فى الغمامه

وهذا صنيعهم فى وصف كل أمر جلّ خطبه وعظم موقعه ، فيصفون النهار بالظلام ، وأن الكواكب طلعت نهارا لفقد نور الشمس وضوئها ، قال النابغة [من البسيط]

تبدو كواكبه والشّمس طالعة

لا النور نور ولا الإظلام إظلام

ثالثها : أن يكون معنى الآية الإخبار عن أنه لا أحد أخذ بثأرهم ، ولا انتصر لهم ؛ لأن العرب كانت لا تبكى على القتيل إلا بعد الأخذ بثأره ، فكنى الله تعالى بهذاّ اللفظ عن فقد الانتصار والأخذ بالثأر ، على مذهب القوم الذين خوطبوا


1) أنظر الأمالى (1 : 38)

بالقرآن ؛ رابعها : أن يكون ذلك كناية عن أنه لم يكن لهم فى الأرض عمل صالح يرفع إلى السماء ، ويطابقه ما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما فى هذه الآية قيل له : أو تبكيان على أحد؟ قال : نعم ، مصلّاه فى الأرض ومصعد عمله فى السماء ، وروى عن أنس بن مالك رضى الله عنه عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه قال «ما من مؤمن إلا وله باب يصعد منه عمله ، وباب ينزل منه رزقه ، فاذا مات بكيا عليه» ومعنى البكاء هنا الإخبار عن الاختلال بعده ، كما يقال :

بكى منزل فلان بعده ، قال مزاحم [من الطويل]

بكت دارهم من أجلهم فتهللت

دموعى ، فأىّ الجازعين ألوم؟

ويمكن فى الآية وجه خامس ، وهو أن يكون البكاء كناية عن المطر والسقيا ؛ لأن العرب تشبه المطر بالبكاء ، ويكون المعنى أن السماء لم تسق قبورهم ، ولم تجد على قبورهم ، على مذهب العرب ؛ لأنهم يستسقون السحاب لقبور من فقدوه من أعزائهم ، ويستنبتون لمواقع حفرهم الزهر والرياض ، قال النابغة (1)

سقى الغيث قبرا بين بصرى وجاسم

بغيث من الوسمىّ قطر ووابل

وتبنى ، وبصرى ، وجاسم : مواضع بالشام. والوسمى : أول المطر ، والطل : الخفيف منه ، والوابل : الكثير ، والحوذان ، والعوف : نبتان ، وأولهما أطيب رائحة

[من الطويل]

فلا زال قبر بين تبني وجاسم

عليه من الوسمىّ طلّ ووابل

فينبت حوذانا وعوفا منوّرا

سأتبعه من خير ما قال قائل

وكانوا يجرون هذا الدعاء مجرى الاسترحام ومسألة الله لهم الرضوان ، والفعل


1) البيتان للنابغة الذبيانى من قصيدة يرثى فيها النعمان بن الحرث بن أبى شمر الغسانى ، وأولهما فى رواية الأصمعى

الذى أضيف إلى السماء وإن كان لا تجوز إضافته إلى الأرض فقد يصح بتقدير فعل ، فيكون المعنى أن السماء لم تسق قبورهم وأن الأرض لم تعشب عليها ، وكل هذا كناية عن حرمانهم رحمة الله ورضوانه ، انتهى.

وجرير شاعر إسلامى ، ترجمناه فى الشاهد الرابع من أوائل شرح الكافية


وأنشد بعده [من الطويل]

6 - وحبّ بها مقتولة حين تقتل

على أن أصل حبّ حبب بكسر العين ، ثم نقل إلى فعل بضم العين للمدح والتعجب ، ثم حذفت الضمة وأدغم ، فصار «حبّ» بفتح الحاء ، ويجوز نقل الضمة إليها كما تقدم

قال الصاغانى فى العباب : تقول : ما كنت حبيبا ولقد حببت بالكسر : أى صرت حبيبا ، قال الأصمعى : قولهم «حبّ بفلان إلىّ» معناه ما أحبه إلىّ ، وقال الفراء : معناه حبب بضم الباء ، ثم أسكنت وأدغمت فى الثانية ، انتهى وقال ابن مالك فى التسهيل : وقد يرد حبّ بضم الحاء بنقل ضم العين إلى الفاء. قال : وكذا كل فعل حلقي الفاء مراد به مدح أو تعجب : أى نحو حسن الرجل أدبا ، فتقول : حسن الرجل أدبا

ولم أعرف وجه تقييد الشارح المحقق حب المنقول إلى المدح بكونه من حبب بكسر العين ، مع أن أصل المنقول إلى المدح والذم يجوز أن يكون عينه مضموما أو مفتوحا أو مكسورا ، سواء كان من فعل لازم أو متعد ، وقد جاء حبّ متعديا من بابين ، فإنه يقال : حببته أحبّه ، من باب ضرب ، والقياس أحبّه بالضم ، لكنه غير مستعمل ، ويقال : حببته أحبّه من باب تعب ، كما فى المصباح ، فيجوز نقل أحدهما إلى فعل بضم العين للمدح ، والباء فى «بها» زائدة ، والضمير فاعل حب ، وقد تقدم شرحه فى الشاهد السادس

وأنشد بعده ، وهو الشاهد الرابع عشر ،

14 - بعد ما متأمّلى

وهو قطعة من بيت وهو [من الطويل]

قعدت له وصحبتي بين ضارج

وبين العذيب بعدما متأمّلى

على أنه يجوز على أحد التأويلين أن يكون أصله بعد بضم العين أصالة.

ألحق بفعل المدح والتعجب ثم حذفت الضمة تخفيفا ، والتأويل الثانى فيه أن يكون سكون العين أصليا ، وتكون بعد ظرفا ، لا فعل مدح وتعجب

قال الرياشى : بعد هنا روى بفتح الباء ، وبعد تحتمل معنيين : أحدهما أن المعنى بعد ، ثم حذفت الضمة ، ويجوز أن يكون المعنى بعد ما تأملت ، انتهى ؛ فما على هذا الوجه زائدة لا غير ، «ومتأمّلى» مضاف إليه بعد ، وعلى الوجه الأول يجوز أن تكون زائدة ، و «متأملى» فاعل بعد وهو مضاف إلى الياء ، والرفع فيه مقدر ، والمخصوص بالمدح محذوف ، ويجوز أن تكون اسما نكرة منصوبة المحل على التمييز للضمير المستتر فى بعد ، ومتأملى هو المخصوص بالمدح والتعجب ، فتكون «ما» فيه كما فى قوله تعالى (فَنِعِمَّا هِيَ) وعلى تقدير الفعلية قد روى بضم الباء وفتحها ، قال العسكرى فى كتاب التصحيف : رواه أبو إسحق الزيادى عن الأصمعى «بعد» مضمومة الباء ، ومعناه يا بعد ما تأملت ، على التعجب ، أى تثبت فى النظر أين تسقى ، ورواه أبو حاتم بفتح الباء ، وقال : خفّف بعد فأسكن العين وبقيت الباء مفتوحة ، مثل كرم وكرم ، انتهى. وهذا يرد على ابن مالك ؛ فإنه نقل فيه ضمة العين إلى الفاء مع أنها ليست بحرف حلقى ، وأما الشارح المحقق فانه لم يقيد فى شرح الكافية جواز نقل الضم بكون الفاء حرفا حلقيا ، بل أطلق ، ومثل بهذا البيت بعينه ، والبيت من معلقة امرىء القيس ، وقبله :

أصاح ترى برقا أريك وميضه

كلمع اليدين فى حبىّ مكلّل

يضىء سناه أو مصابيح راهب

أهان السّليط بالذّبال المفتّل

والهمزة للنداء ، وصاح مرخم صاحب ، وحذفت همزة الاستفهام بعده للضرورة ؛ والوميض : اللمعان ، واللمع : التحرك والتحريك جميعا ، والحبي بالحاء المهملة وكسر الموحدة : السحاب المتراكم ، سمى به لأنه حبا بعضه إلى بعض : أى تراكم وجعله مكللا لأنه صار كالإكليل لأسفله ، ومنه قولهم : كللت الرجل ، إذا توجته ، ويروى «مكلّل» بكسر اللام اسم فاعل من كلّل تكليلا ، إذا تبسم ، يقول لصاحبه : يا صاحبى هل ترى برقا أريك لمعانه فى سحاب متراكم صار أعلاه كالإكليل لأسفله أو فى سحاب متبسم بالبرق يشبه برقه تحريك اليدين ، يريد يتحرك كتحرك اليدين ، وتقديره أريك وميضه فى حبىّ مكلل كلمع اليدين شبه لمعان البرق وتحركه بتحرك اليدين ، وقوله «يضىء سناه» السنا بالقصر : الضوء والسليط : الزيت ، وقيل : الشّيرج ، والذبال : جمع ذبالة ، وهى الفتيلة ، ومعنى «أهان السليط» أنه لم يعزّه وأكثر الإيقاد به ، يقول : هذا البرق يتلألأ ضوءه فهو يشبه فى تحركه لمع اليدين أو مصابيح الرهبان التى أميلت فتائلها بصب الزيت عليها فى الإضاءة ، يريد أن تحركه يحكى تحرك اليدين ، وضوءه يحكى ضوء مصابيح الرهبان ، فمصابيح بالجر معطوف على لمع ، وقوله «قعدت له - الخ» ضارج والعذيب : مكانان ، يقول : قعدت لذلك البرق أنظر من أين يجىء بالمطر ، ثم تعجب من بعد تأمله. وقال الزوزنى : قعدت للنظر إلى السحاب وأصحابى بين هذين الموضعين [وكنت معهم](1)فبعد متأملى وهو المنظور إليه : أى بعد السحاب الذى كنت أنظر إليه وأرقب مطره وأشيم برقه ، يريد أنه نظر إلى هذا السحاب من مكان بعيد فتعجب من بعد نظره. انتهى

وترجمة امرىء القيس تقدمت فى الشاهد التاسع والأربعين من شواهد شرح الكافية ، وتقدم شرح هذا البيت أيضا فى الشاهد السبعين بعد السبعمائة منه


1) هذه العبارة ليست فى شرح الزوزنى

وأنشد بعده ، وهو الشاهد الخامس عشر ، وهو من شواهد سيبويه (1)[من الطويل]

15 - وقفت على ربع لميّة ناقتى

فما زلت أبكى عنده وأخاطبه

وأسقيه حتّى كاد ممّا أبثّه

تكلّمنى أحجاره وملاعبه

على أن «أسقيه» بمعنى أدعو له بالسّقيا ، مضارع أسقاه

قال سيبويه (2)، وقالوا : أسقيته فى معنى سقّيته فدخلت على فعّلت ، ثم أنشد البيتين ، قال أبو الحسن الأخفش فى شرح (3)نوادر أبى زيد : قالوا فى أسقاه الله : إنه فى معنى سقاه الله ، وأنشدوا قول لبيد [من الوافر]

سقى قومى بنى مجد وأسقي

نميرا والقمائل من هلال

قال الأصمعى : هما يفترقان ، [وهذا الذى أذهب إليه](4)فمعنى سقيته أعطيته ماء لسقيه ، ومعنى أسقيته جعلت جعلت له ماء يشربه أو عرضته لذلك ، أو دعوت له ، كل هذا يحتمله هذا اللفظ ، وأنشد قول ذى الرمة :

وقفت على ربع لمية ناقتى البيتين

قوله «وأسقيه» أدعو له بالسقيا ، وهذا أشبه بكلام العرب ، وقال ابن الأعرابى : معناه أسقيه من دمعى ، وهذا غير بعيد من ذلك المعنى : أى أجعل له سقيا من دمعى على سبيل الإغراق والإفراط ، كما قال [من الطويل] :

وصلت دما بالدّمع حتّى كأنّما

يذاب بعينى لؤلؤ وعقيق

انتهى


1) انظر كتاب سيبويه (ج 2 ص 235)

2) انظر كتاب سيبويه (ج 2 ص 235)

3) انظر نوادر أبى زيد (ص 213) ، وفيها فى بيت لبيد «بنى نجد» والذى فى الأصل كرواية الأعلم فى شرح شواهد سيبويه (ج 2 ص 235)

4) الزيادة عن شرح الأخفش لنوادر أبى زيد (ص 213)

وقال الأعلم : قوله «وأسقيه» معناه أدعو له بالسقيا ، يقال : سقيته ، إذا ناولته الشراب ، وأسقيته [إذا جعلت له سقيا يشرب منه ، وأسقيته وسقّيته](1)إذا قلت له سقيا لك ، وبعضهم يجيز سقيته وأسقيته بمعنى إذا ناولته ماء يشربه ، واحتج بقول الشاعر :

سقى قومى بنى مجد - البيت

والأصمعى ينكره ويتهم قائله (2)، انتهى.

وقوله «وقفت على ربع - الخ» هذا مطلع قصيدة طويلة لذى الرمة ، ووقفت الدابة وقفا ووقوفا : أى منعتها عن السير ، ووقفت هى أيضا ، يتعدى ولا يتعدى ، ووقفت الدار وقفا : حبستها فى سبيل الله ، وأوقفت الدار والدابة بالألف لغة تميم ، وأنكرها الأصمعى ، وقال : الكلام وقفت بغير ألف. وحكى بعضهم ما يمسك باليد يقال فيه أوقفته بالألف ، وما لا يمسك باليد يقال وقفته بغير ألف والفصيح وقفت بغير ألف فى جميع الباب ، إلا فى قولك : ما أوقفك هاهنا ، وأنت تريد أى شأن حملك على الوقوف ، فان سألت عن شخص قلت : من وقفك ، بغير ألف. كذا فى المصباح ، والرّبع : الدار حيث كانت ، وأما المربع فالمنزل فى الربيع خاصة ، وميّة : اسم محبوبة ذى الرمة ، وقوله «وأسقيه» معطوف على أخاطبه ، «وأبثه» بفتح الهمزة وضمها ، يقال : بثثته ما فى نفسى وأبثثته ، إذا أخبرته بما تنطوى عليه وتسره ، و «الملاعب» جمع ملعب ، وهو الموضع الذى يلعب فيه الصبيان

وترجمة ذى الرمة تقدمت فى الشاهد الثامن من أول شرح الكافية


1) الزيادة عن شرح شواهد سيبويه للأعلم (ج 2 ص 235)

2) فى الأعلم زيادة «لأنه لو كان عربيا مطبوعا لم يجمع بين لغتين لم يعتد إلا إحداهما»

وأنشد بعده ، وهو الشاهد السادس عشر ، وهو من شواهد سيبويه [من البسيط]

16 - ما زلت أفتح أبوابا وأغلقها

حتّى أتيت أبا عمرو بن عمّار

على أن أفتح وأغلق فيه بمعنى أفتّح وأغلّق بالتشديد ، قال سيبويه فى باب افتراق فعلت وأفعلت فى الفعل للمعنى ما نصه : «وقالوا أغلقت الباب وغلّقت الأبواب حين كثروا العمل (1)، وإن قلت أغلقت الأبواب كان عربيا جيدا ، [و](2)قال الفرزدق :

ما زلت أغلق أبوابا وأفتحها البيت

وقال أيضا فى الباب الذى يليه وهو باب دخول فعّلت على فعلت ، الأول بالتشديد والثانى بالتخفيف «نحو كسرته وقطعته فاذا أردت كثرة العمل قلت كسّرته وقطعته» إلى أن قال : «واعلم أن التخفيف فى هذا جائز كله (3)عربى ، إلا أن فعّلت إدخالها هنا لتبيين الكثير ، وقد يدخل فى هذا التخفيف ، قال الفرزدق

ما زلت أفتح أبوابا وأغلقها البيت

وفتّحت فى هذا أحسن ، وقد قال جل ذكره (جنات عدن مفتحة لهم الأبواب) انتهى.

فظهر أن فى كليهما مبالغة ، لا فى أغلقها فقط ، ولهذا نبه عليهما الشارح المحقق

وقال الأعلم : «الشاهد فى جواز دخول أفعلت على فعّلت فيما يراد به التكثير ، يقال : فتحت الأبواب وأغلقتها ، والأكثر فتّحتها وغلّقتها ، لأن الأبواب جماعة فيكثر الفعل الواقع عليها» انتهى

واقتصر ابن السراج فى الأصول على التنبيه على أغلقها فقط ، قال : «يجىء


1) فى سيبويه (ج 2 ص 237) زيادة قوله : «وسترى نظير ذلك فى باب فعلت (بالتشديد) إن شاء الله»

2) الزيادة عن كتاب سيبويه فى الموضع السابق

3) فى الأصول : «أن التخفيف فى هذا كله جائز عربى» والتصحيح عن سيبويه فى الموضع السابق

أفعلت فى معنى فعّلت ، كما جاءت فعّلت فى معناها : أقللت وأكثرت فى قللت وكثرت ، وقالوا : أغلقت الأبواب وغلّقت ، قال الفرزدق :

ما زلت أغلق أبوابا وأفتحها ... البيت، انتهى

وأورد سيبويه هذا البيت أيضا فى باب ما يذهب التنوين فيه من الأسماء (1)قال : «وتقول هذا أبو عمرو بن العلاء ، لأن الكنية كالاسم الغالب ، ألا ترى أنك تقول : هذا زيد بن أبى عمرو ، فتذهب التنوين كما تذهبه فى قولك : هذا زيد ابن عمرو ، لأنه اسم غالب (2)، وقال الفرزدق فى أبى عمرو بن العلاء :

ما زلت أغلق أبوابا وأفتحها البيت

قال الأعلم «الشاهد فيه حذف التنوين من أبى عمرو ؛ لأن الكنية فى الشهرة والاستعمال بمنزلة الاسم العلم [فيحذف التنوين منها إذا نعتت بابن مضاف إلى علم كما يحذف التنوين من الاسم](3)وأراد أبا عمرو بن العلاء بن عمار» انتهى.

وزعم ابن السيرافى فى شرح أبيات سيبويه أن عمارا جدّ من أجداده ، ورد عليه الأسود أبو محمد الأعرابى فى فرحة الأديب بأن عمارا جده الأدنى ، وليس بجد من أجداده ، وهو أبو عمرو زبّان بن العلاء بن عمار المازنى ، من بنى مازن ابن مالك بن عمرو بن تميم ، وأنشد بعد ذلك البيت بيتين آخرين ، وهما :

حتى أتيت فتى محضا ضريبته

مرّ المريرة حرّا وابن أحرار

ينميه من مازن فى فرع نبعتها

أصل كريم وفرع غير خوّار


1) انظر كتاب سيبويه (ج 2 ص 147) وما بعدها

2) فى كتاب سيبويه هنا زيادة قوله : «وتصديق ذلك قول العرب هذا رجل من بنى أبى بكر بن كنانة»

3) الزيادة عن شرح الأعلم لشواهد سيبويه (ج 2 ص 148)

والضريبة : الطبيعة ، يعنى أنه أصل كريم لا يخالط طبعه لؤم ، والمحض : الخالص الذى لا يخالطه شىء آخر ، والمريرة : العزيمة ، يعنى أنه شديد الأنفة تعاف نفسه أن يفعل أفعالا غير عالية ، وينميه : ينسبه ويرفعه ، وفاعله أصل ، والفرع : شريف قومه ، والفرع الغصن والأعلى من كل شىء ، والفرع الشجرة ، والنبعة : شجرة ، والفرع الثانى مقابل الأصل ، وهو مأخوذ من فرع الشجرة ، والخوار : الضعيف

وقال بعض من كتب على أبيات سيبويه : أراد بقوله «أفتح أبوابا وأغلقها» أنى كشفت عن أحوال الناس وفتشتهم فلم أر فيهم مثل أبى عمرو

وقال ابن السيد فى شرح أدب الكاتب : «الفتح والاغلاق هنا مثلان لما استغلق عليه من الأمور وما انفتح ، وأحسب الفرزدق يعنى أبا عمرو بن العلاء»

وأقول : كأنهما لم يقفا على ما فى طبقات النحاة لأبى بكر محمد التاريخى فانه روى بسند إلى الأصمعى أنه قال : حدثنى أبو عمرو بن العلاء قال : دخل علىّ الفرزدق فغلقت أبوابا ثم أبوابا ، ثم فتحت أبوابا ثم أبوابا ، فأنشأ الفرزدق :

ما زلت أفتح أبوابا وأغلقها البيت

وقال التاريخى أيضا : حدثنا أحمد بن عبيد ، قال : حدثنا الأصمعى ، قال :

دخل الفرزدق على أبى عمرو بن العلاء وصعد إلى غرف فقال «ما زلت أفتح أبوابا» البيت

وقال أبو عبيد البكرى فى شرح أمالى القالى : إن أبا عمرو بن العلاء كان هاربا من الحجاج مستترا ، فجاء الفرزدق يزوره فى تلك الحالة ، فكان كلما يفتح له باب يغلق بعد دخوله ، إلى أن وصل إليه ، فأنشده هذه الأبيات

وترجمة الفرزدق تقدمت فى شرح الشاهد الثلاثين من أوائل شواهد شرح الكافية

وأبو عمرو بن العلاء هو أحد القراء السبعة ، كان رحمه‌الله من أعلم الناس بالقرآن ولغاته وتفسيره وعربيته ، وكان إماما فى الشعر والنحو واللغة وأيام العرب

أصله من كازرون ، وولد بمكة شرفها الله تعالى سنة ثمان ، وقيل تسع وستين ، ونشأ بالبصرة ، ومات بالكوفة سنة أربع ، وقيل خمس وخمسين ومائة ، واختلف فى اسمه : فقيل زبّان بفتح الزاى المعجمة وتشديد الباء الموحدة ، وهو الصحيح ، وقيل : العريان ، وقيل : محبوب ، وقيل : يحيى ، وقيل : عيينة ، وقيل اسمه كنيته ، ويرده كلام سيبويه ، واشتهر بأبيه العلاء ، لأن أباه كان على طراز الحجاج (1)، وكان مشهورا معروفا ، وجده عمار كان من أصحاب أمير المؤمنين على ابن أبى طالب ، وقرأ أبو عمرو على مجاهد وعكرمة وعطاء وأبى العالية ويحيى بن يعمر وسعيد بن جبير ، ويروى أنه قرأ على ابن كثير رحمه‌الله مع أنه فى درجته

تتمة : قد وقع البيت فى أبيات جيمية للراعى النّميرىّ وهى [من البسيط] :

ومرسل ورسول غير متهّم

وحاجة غير مزجاة من الحاج

طاوعته بعد ما طال النّجىّ بنا

وظنّ أنّى عليه غير منعاج

ما زال يفتح أبوابا ويغلقها

دونى وأفتح بابا بعد إرتاج

حتّى أضاء سراج دونه بقر

حمر الأنامل عين طرفها ساج

وبعده أبيات أخر أوردها الآمدى فى ترجمته من المؤتلف والمختلف ، والمبرد فى أوائل الكامل وشرحها ، وأراد بالمرسل نفسه ، يقول : هى حاجة مكتومة إنما يرسل إلى امرأة فهو يكتمها ، والمزجاة : اليسيرة ، والنجى : المناجاة ، جاء به على فعيل كالصهيل ومنعاج : منعطف ، وأراد بالبقر النساء ، والعرب تكنى عن المرأة بالبقرة والنعجة وساج : ساكن ، ولا أدرى أيهما أخذه من صاحبه ، والله أعلم


وأنشد بعده وهو الشاهد السابع عشر [من الكامل] :

17 - إنّ البغاث بأرضنا يستنسر

على أن يستنسر معناه يصير كالنسر فى القوة ، قال القالى فى أماليه : قال الأصمعى : من أمثال العرب إن البغات الخ ، يضرب مثلا للرجل يكون ضعيفا


1) أى : كان قيما على نسج ثياب الحجاج

ثم يقوى ، قال القالى : سمعت هذا المثل من أبى الميّاس ، وفسره لى فقال : يعود الضعيف بأرضنا قويا ، ثم سألت عن أصل هذا المثل أبا بكر بن دريد فقال : البغاث ضعاف الطير ، والنسر أقوى منها ؛ فيقول : إن الضعيف يصير كالنسر فى قوته ، انتهى

وفى الصحاح : قال ابن السكيت : البغاث طائر أبغث إلى الغبرة دوين الرّخمة بطىء الطيران ، وفى المثل «إن البغاث بأرضنا يستنسر» أى من جاورنا عزبنا ، وقال يونس : فمن جعل البغاث واحدا فجمعه بغثان ، مثل غزال وغزلان ومن قال للذكر والأنثي بغاثة فالجمع بغاث ، مثل نعامة ونعام ، وقال الفراء : بغاث الطير شرارها وما لا يصيد منها ، وبغاث وبغاث وبغاث ثلاث لغات

وكتب ابن برى على ما نقله عن ابن السكيت : هذا غلط من وجهين :

أحدهما أن البغاث اسم جنس واحده بغاثة مثل حمام وحمامة ، وأبغث صفة ، بدليل قولهم أبغث بين البغثة ، كما تقول أحمر بين الحمرة ، وجمعه بغث ، مثل أحمر وحمر ، وقد يجمع على أباغث لما استعمل استعمال الأسماء ، كما قالوا أبطح وأباطح ، والثانى أن البغاث ما لا يصيد من الطير ، وأما الأبغت من الطير فهو ما كان لونه أغبر ، وقد يكون صائدا وغير صائد ، انتهى

وهو مصراع من الشعر ، ولم أقف على تتمته بعد التتبع وبذل الجهد ، والله أعلم


وأنشد بعده ، وهو الشاهد الثامن عشر [من الرجز] :

18 - إنّى أرى النّعاس يغرندينى

أطرده عنّى ويسرندينى

على أن هذين الفعلين قد جاءا متعديين فى الظاهر ، والأصل يغرندى علىّ ، ويسرندى علىّ ، أى يغلب ويتسلط ، وحمل ابن هشام فى المغنى تعديهما على الشذوذ ، وقال : ولا ثالث لهما ، وقال ابن جنى فى شرح تصريف المازنى : افعليت على ضربين : متعد وغير متعد ، فالمتعدى نحو قول الراجز :

قد جعل النّعاس يغرندينى

أدفعه عنّى ويسرندينى

وغير المتعدى نحو قولهم : احر نبى الديك ، انتهى. وتبعه السخاوى فى سفر السعادة فقال : السّرندى هو الجرىء الشديد ، ومنه قولهم : اسرنداه ، إذا ركبه ، وأنشد الرجز ، وكذا فى الصحاح ، قال : اسرنداه اعتلاه ، والاسرنداء : الاغرنداء ، والمسرندى : الذى يعلوك ويغلبك ، وأنشد الرجز ، ولم يتعرض له ابن برى فى أماليه عليه بشىء ، ولا الصفدى فى حاشيته عليه ، وقلما خلا عن هذا الرجز كتاب من علم الصرف ، ومع ذلك لم يعرف قائله ، والله أعلم.

المضارع

وأنشد بعده ، وهو الشاهد التاسع عشر :

19 - بنت على الكرم

هو قطعة من بيت وهو [من المنسرح] :

نستوقد النّبل بالحضيض ونص

طاد نفوسا بنت على الكرم

على أن أصله بنيت ، وطىء تفتح قياسا ما قبل الياء إذا تحركت الياء بفتحة غير إعرابية ، فتنقلب الياء ألفا ، وكانت طرفا ، لتحركها وانفتاح ما قبلها ، فصار بنات فحذفت الألف لالتقاء الساكنين

قال ابن جنى فى إعراب الحماسة : هذه لغة طائية ، وهو كثير ، إلا أنه ينبغى أن تعلم أن الكسرة المبدلة فى نحو هذا فتحة مبقّاة الحكم غير منسية ولا مطروحة الاعتداد بها ، ألا ترى أن من قال فى بقى بقا وفى رضى رضا لا يقول فى مضارعه إلا يبقى ألبتة ، ولو كان الفعل مبنيا على فعل أو منصرفا به عن إرادة فعل معنى كما انصرف به عنه لفظا لوجب أن تقول فى رضا : يرضو ، كما تقول فى غزا : يغزو ، وفى فنا يفنو ؛ لأنه عندى من الواوى ، وذلك أنه من معنى الفناء للدار وغيرها ، إلى آخر ما ذكره

وهذا البيت قبله بيت وهو [من المنسرح] :

نحن حبسنا بنى جديلة فى

نار من الحرب جحمة الضّرم

نستوقد النبل الخ

وأوردهما أبو تمام فى أوائل الحماسة (1)، ونسبهما إلى بعض بنى بولان من طى ، وبولان - بفتح الموحدة وسكون الواو - علم مرتجل من البول. قال أبو العلاء المعرى : يجوز أن يكون اشتقاقه من البال ، وهو الخلد والحال ، وجديلة - بفتح الجيم - حى من طى ، وهو المراد هنا ، وجديله حى من الأزد أيضا ، وحى من قيس عيلان أيضا ؛ وجحمة - بفتح الجيم وسكون الحاء المهملة - مصدر جحمت النار ، فهى جاحمة : أى اضطرمت والتهبت ، ومنه الجحيم ، والضّرم - بفتحتين - التهاب النار ، وقد ضرمت واضطرمت وتضرمت. يقول. حبسنا هؤلاء القوم على نار من الحرب شديدة الاضطرام والالتهاب

وقوله «نستوقد النبل : الخ» نستوقد بالنون ، والنّبل - بفتح النون - السهام مفعوله ، يقول : تنفذ سهامنا فى الرّميّة حتى تصل إلى حضيض الجبل فتخرج النار ؛ لشدة رمينا وقوة سواعدنا ، ونصيد بها نفوسا مبنية على الكرم ، يعنى أنا نقتل الرؤساء ، وهذا من فصيح الكلام ، كأنه جعل خروج النار من الحجر عند ضربهم النبل له استيقادا منهم لها ، والحضيض : قرار الجبل وأسفله ، وروى «تستوقد النبل» (2)

(ق 2 - 4)

بالمثناة الفوقية ، والنبل فاعله ، وروى أبو محمد

1) انظر شرح الحماسة للتبريزى (ج 1 ص 86) فقد أخذ المؤلف أكثر ما كتبه على هذا الشاهد منه وإن لم يجر ذكره

2) أشار التبريزى فى الموضع المذكور إلى هذه الرواية ولكنه جعل فاعل تستوقد ضميرا مستترا عائدا إلى الحرب فى البيت السابق وجعل النبل منصوبا على أنه مفعول به

الأعرابى فيما نقض به على أبى عبد الله النمرى أول شارح للحماسة هذين البيتين لرجل من بنى القين على وجه لا شاهد فيه ، وهو كذا

نستوقد النبل بالحضيض ونق

تاد نفوسا صيغت على كرم

قال : وهذا البيتان لرجل من بلقين ، وسبب ذلك أن القين بن جسر وطيئا كانوا حلفاء ، ثم لم تزل كلب بأوس بن حارثة حتى قاتل القين يوم ملكان (1)فحبستهم بنو القين ثلاثة أيام ولياليها ؛ لا يقدرون على الماء ، فنزلوا على حكم الحارث بن زهدم أخى بنى كنانة بن (2)القين ، فقال شاعر القين يومئذ هذين البيتين ، انتهى.


وأنشد بعده ، وهو الشاهد العشرون [من الرمل]

20 - ليت شعرى عن خليلى ما الّذى

غاله فى الحبّ حتّى ودعه

على أن ماضى يدع ، وهو ودع ، لم يستعمل إلا ضرورة ، وبالغ سيبويه فقال : (3)«أماتوا ماضى يدع» أى لم يستعملوه ، لا فى نثر ولا فى نظم ، وقالوا أيضا : لم يستعمل مصدره ولا اسم فاعله ولا اسم مفعوله ، مع أن الجميع قد ورد ، فالأقرب الحكم بالشذوذ ، لا بالإماتة ولا بالضرورة ، كما قال ابن جنى فى المحتسب ، قال : قرأ (ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ) خفيفة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وعروة بن الزبير ، وهذه قليلة الاستعمال.


1) ملكان : ضطبه ياقوت بفتحات ، وضبطه فى القاموس مثله أو بكسر الميم وسكون اللام ، وقالا : هو جبل بالطائف ، وذكر ياقوت أنه يقال : ملكان ، بفتح الميم وكسر اللام ، وأنه واد لهذيل على ليلة من مكة وأسفله بكنانة

2) فى بعض النسخ «أخى بنى بنانة بن القين» وهو تحريف ، والترجيح عن نسخة أخرى وعن شرح الحماسة للتبريزى عند شرحه لهذين البيتين (ج 1 ص 86)

3) عبارة سيبويه (ج 2 ص 256): «كما أن يدع ويذر على ودعت ووذرت وإن لم يستعمل»

وقال الصاغانى فى العباب : وقد اختار النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم أصل هذه اللغة فيما روى ابن عباس رضى الله عنهما أنه قرأ (ما وَدَّعَكَ) مخففة ، وكذلك قرأ عروة ومقاتل وأبو حيوة وإبراهيم وابن أبى عبلة ويزيد النحوى ، انتهى

وقال ابن الأثير فى النهاية عند حديث «لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم» أى : عن تركهم إياها والتخلف عنها ، يقال : ودع الشىء يدعه ودعا ، إذا تركه ، والنحاة يقولون «إن العرب أماتوا ماضى يدع ومصدره ، واستغنوا عنه بترك» والنبى عليه‌السلام أفصح ، وإنما يحمل قولهم على قلة استعماله ، فهو شاذ فى الاستعمال فصيح فى القياس ، وقد جاء فى غير حديث ؛ حتى قرىء [به (1)] قوله تعالى (ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى) بالتخفيف ، انتهى

وكذا فى التقريب لنور الدين محمود ابن صاحب المصباح أحمد بن محمد الفيومي ، قال : ودعت الشىء ودعا تركته ، وقرىء (ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ) مخففا ومنه «من ودعه الناس لشره» و «عن ودعهم الجمعات» وقوله «غير مودّع ربنا ولا مكفور (2)» أى غير متروك ولا مفقود ، يريد الطعام ، أو المراد الله تعالى أى غير متروك الطاعة أو غير متروك الطلب إليه والسؤال منه ، كما قال «غير مستغنى عنه» ، وبكسر الدال أى غير تارك طاعتك ربنا ، وقيل : هو من الوداع ، انتهى

وقال أبوه فى المصباح : ودعته أدعه ودعا ، تركته ، وأصل المضارع الكسر ، ومن ثمّ حذفت الواو ، ثم فتح لمكان حرف الحلق ، قال بعض المتقدمين : وزعمت النحاة أن العرب أماتت ماضى يدع ومصدره واسم الفاعل ، وقد قرأ مجاهد وعروة ومقاتل وابن أبى عبلة ويزيد النحوى (ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ) بالتخفيف ،


1) الزيادة عن النهاية لابن الأثير

2) وقع الحديث هكذا فى اللسان وفى النهاية ، ولكن لا يتم الاستشهاد به على هذه الرواية

وفى الحديث «لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات» أى عن تركهم ، فقد رويت هذه الكلمة عن أفصح العرب ونقلت من طريق القراء فكيف يكون إماتة ، وقد جاء الماضى فى بعض الأشعار ، وما هذه سبيله فيجوز القول بقلة الاستعمال ، ولا يجوز القول بالاماتة ، انتهى

وقد ورد الماضى (1)

أرى ضيعة الأموال أن لا ضمّه

إمام ، ولا فى أهله لمال يودع

يجوز أن يكون يودع فى معنى يترك ، وتلك لغة قليلة ، وقد حكوا ودع فى معنى ترك ، فإذا بنى الفعل على ما لم يسم فاعله وجب أن يقال ودع يودع ، وقد روى أن بعضهم قرأ (ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى) ،) وروى ذلك عن النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وأنشدوا بيتا ينسب إلى أبى الأسود الدؤلى :

ليت شعرى عن خليلى ما الّذى

غاله فى الودّ حتّى ودعه

ويجوز أن يكون يودع فى البيت المتقدم محمولا على الوديعة كما قال :

وما المال والأهلون إلّا وديعة

ولا بدّ من أن تستردّ الودائع

اه كلامه ، والبيت الأول الذى أنشده لغالب بن الحر بن ثعلبة الطائى والبيت الأخير فى كلامه للبيد بن ربيعة العامرى

فى أبيات أخر : قال سويد بن أبى كاهل اليشكرى يصف نفسه [من الرمل]

ورث البغضة عن آبائه

حافظ العقل لما كان استمع

فسعى مسعاتهم فى قومه

ثمّ لم يظفر ولا عجزا ودع

ويروى ولا شيئا ودع

وقال آخر [من المنسرح]

وكان ما قدموا لأنفسهم

أكثر نفعا من الّذى ودعوا


1) قال التبريزى فى شرح الحماسة (ج 2 ص 85): «وقوله :

وأما اسم الفاعل فقد جاء فى شعر رواه أبو علىّ (1)فى البصريات ، وهو [من الطويل]

فايّهما ما أتبعنّ فإنّنى

حزين على ترك الّذى أنا وادع

وأما اسم المفعول فقد جاء فى شعر خفاف بن ندبة الصحابى ، وهو [من الطويل]

إذا ما استحمّت أرضه من سمائه

جرى وهو مودوع وواعد مصدق

أى : متروك لا يضرب ولا يزجر

وهذا البيت من أبيات لأنس بن زنيم قالها لعبيد الله بن زياد بن سميّة وهى :

سل أميرى ما الّذى. غيّره

عن وصالى اليوم حتّى ودعه

لا تهنّى بعد إكرامك لى

فشديد عادة منتزعه

لا يكن وعدك برقا خلّبا

إنّ خير البرق ما الغيث معه

كم بجود مقرف نال العلى

وشريف بخله قد وضعه

وتقدم شرح هذه الأبيات مع ترجمة قائلها فى الشاهد التاسع والثمانين بعد الأربعمائة من شرح شواهد شرح الكافية


وأنشد بعده ، وهو الشاهد الحادى والعشرون [من الكامل] :

21 - لو شئت قد نقع الفؤاد بشربة

تدع الصّوادى لا يجدن غليلا

على أن ضم الجيم من يجد لغة بنى عامر ، كما هو فى هذا البيت ، ومراده هذه اللفظة بخصوصها ، ووجه ضعفها الشذوذ بخروجها عن القياس والاستعمال ، وكسر الجيم هو القوى فيها ، وقد سمع ، قال السيرافى : إنهم يقولون ذلك فى يجد


1) فى أصول هذا الكتاب كلها «أبو يعلى» وهو تحريف من النساخ ، لأن صاحب البصريات هو أبو على الفارسى الحسن بن أحمد بن عبد الغفار المتوفى ببغداد فى عام 277 ه ، ويؤيد هذا قول صاحب اللسان : وقد جاء فى بيت أنشده الفارسى فى البصريات» اه ، ثم ذكر هذا البيت نفسه

من الموجدة والوجدان ، وبنو عامر فى غير يجد كغيرهم ، وكذا قال صاحب الصحاح ، وأطلق صاحب العباب وتبعه صاحب القاموس فحكيا الضم فى هذه الكلمة ، ولم يذكرا بنى عامر ، قال السيرافى : وروى «يجدن» بالكسر فى البيت ، وصرح الفارابى وغيره بقصر لغة بنى عامر بن صعصعة على هذه اللفظة ، وكذا جرى عليه أبو الحسن بن عصفور ، فقال : وشذ من فعل الذى فاؤه واو لفظة واحدة ، فجاءت بالضم ، وهى وجد يجد ، قال : وأصله يوجد ، فحذفت الواو لكون الضمة هنا شاذة ، والأصل الكسر ، انتهى

وزعم ابن مالك فى التسهيل أن لغة بنى عامر فيما فاؤه واو من المثال ضم العين :

أى فيقولون : وعد يعد وولد يلد ، ونحو ذلك ، بضم العين

ورده أبو حيان فى الارتشاف ، قال : ويجد من الموجدة والوجدان بضم الجيم شاذ ، وقيل : لغة عامرية فى هذا الحرف خاصة ، وجعل ابن مالك ذلك قانونا كليا لغة بنى عامر فى كل ما فاؤه واو من فعل ليس بصحيح ، انتهى

وكذا اعترض عليه شراحه كابن عقيل والمرادى ، ويشهد لهم قول ابن جنى فى سر الصناعة : ضم الجيم من يجد لغة شاذة [غير معتد بها (1)] لضعفها وعدم نظيرها ومخالفتها ما عليه الكافة فيما هو بخلاف وضعها ، وقال أيضا فى شرح تصريف المازنى : فأما قول الشاعر لا يجدن غليلا فشاذ ، والضمة عارضة ؛ ولذلك حذفت الفاء كما حذفت فى يقع ويزع ، وإن كانت الفتحة هناك لأن الكسرة هى الأصل ، وإنما الفتح عارض (2)، انتهى


1) هذه الكلمة غير موجودة فى كتاب سر الصناعة لابن جنى فى باب حرف الواو (نسخة خطية محفوظة فى مكتبتنا الخاصة)

2) فى شرح تصريف المازنى : «لأن الكسر هو الأصل» (نسخة خطية محفوظة فى مكتبتنا الخاصة)

وهذا التوجيه هو التوجيه الأول من توجيهى الشارح ، وأما توجيهه الثانى وهو أن تكون الضمة أصلية - فيرده مجىء الكسر فى هذه الكلمة كما نقلنا.

والبيت الذى أنشده الشارح المحقق ليس للبيد العامرى ، وإنما هو لجرير ، وهو تميمى ، وهو فى هذا تابع للجوهرى ، قال فى صحاحه : وجد مطلوبه يجده وجودا ويجده أيضا بالضم لغة بنى عامر (1)، لا نظير لها فى باب المثال ، قال لبيد وهو عامرى لو شئت قد نقع الفؤاد - البيت قال ابن برى فى أماليه على الصحاح : البيت لجرير ، وليس للبيد كما زعم ، وكذا نسبه الصاغانى فى العباب لجرير ، وأنشد هذه الأبيات الثلاثة له ، وهى أول قصيدة هجا بها الفرزدق :

لم أر مثلك يا أمام خليلا

أنأى بحاجتنا وأحسن قيلا

لو شئت قد نقع الفؤاد بشربة

تدع الصّوادى لا يجدن غليلا (2)

بالعذب فى رصف القلات مقيله

قضّ الأباطح لا يزال ظليلا (3)

وأمام : مرخم أمامة بضم الهمزة اسم امرأة ، والخليل : الصديق ، والأنثى خليلة ، كذا فى العباب ، وإنما لم يؤنثه هنا للحمل على صديق ؛ فانه يقال : رجل صديق وامرأة صديق ، وأنأى : وصف لخليل ، وهو أفعل تفضيل من النأى ،


1) فى الصحاح : «لغة عامرية»

2) فى الديوان ، وشرح تصريف المازنى ، وسر الصناعة : «تدع الحوائم» والحوائم : العطاش واحدها حائم

3) فى أصول الكتاب هنا : «بالعذب من» والتصحيح عن اللسان والديوان ، ووقع فى اللسان مادة (وج د) رضف القلات (بالضاد المعجمة محركة) وهو تحريف من وجهين لأن الرضف بالمعجمة الساكنة الحجارة المحماة تطرح فى اللبن ليذهب وخمه ولا يصلح ههنا والتحريك غير موجود

وهو البعد ، والباء متعلقة به ، والقيل : القول ، يريد أنها تقول ما لا تفعل ، فقولها قريب حسن مطمع فى حصول المراد ، وهى أبعد بحصوله من كل شىء ، وزعم العينى أن قوله أنأى بحاجتنا من قولهم : أناءه الحمل ، إذا أثقله ، ونقله السيوطى فى شرح أبيات المغنى ، وهو غير صحيح ؛ لأن أفعل التفضيل لا يكون إلا من الثلاثى ، وكأن المراد من حسن القول قرب المأمول ، ويقابله بعده ، لا إثقاله ، قال صاحب الصحاح : وأناءه الحمل مثال أناعه : أى أثقله ، [وأماله](1)ويقال أيضا : ناء به الحمل ، إذا أثقله ؛ فيتعدى بالباء والهمزة ، وهو من ناء ينوء نوءا ، إذا نهض بجهد ومشقة ، وناء بالحمل : إذا نهض به مثقلا ، وقوله «لو شئت - الخ» بكسر التاء خطاب لأمامة ، وجملة «قد نقع الفؤاد» جواب لو ، قال ابن هشام فى المغنى : وورد جواب لو الماضى مقرونا بقد ، وهو غريب ، كقول جرير

لو شئت قد نقع الفؤاد - البيت

ونظيره فى الشذوذ اقتران جواب لو لا بها ، كقول جرير أيضا

لو لا رجاؤك قد قتّلت أولادى انتهى.

و «نقع» بالنون والقاف ، يقال : نقع زيد بالماء : أى ارتوى منه ، وشرب حتى نقع : أى شفى غليله ، والغليل - بالغين المعجمة - حرارة العطش ، قال ابن برى : يقال نقع الفؤاد روى ، ونقع الماء العطش : أذهبه ، نقعا ونقوعا فيهما ، والماء الناقع : العذب المروى ، وقوله «بشربة» متعلق بنقع ، والشربة : المرة من الشرب ، وأراد به ماء ريقها ، وروى بدله «بمشرب» وهو مصدر ميمى ، وقوله «تدع الصوادى» فاعل تدع ضمير الشربة ، ومعناه تترك ، والصوادى : جمع صادية : أى الفرقة الصادية ، أو هو جمع صاد. والصدّى : العطش ، والصادى : العطشان ، يقول : لو ذاقت الفرق الصوادى من تلك الشربة


1) الزيادة عن صحاح الجوهوى

لتركتهم بلا عطش ، وجملة «لا يجدن غليلا» حال من الصوادى ، ومن العجيب قول نظام الأعرج فى شرحه : الصوادى فى البيت النخيل الطوال على ما فى الصحاح ، وقوله «بالعذب» متعلق بشربة ، والباء بمعنى من ، أى بشربة من الماء العذب ، وهو وصف من عذب الماء - بالضم - عذوبة : أى ساغ مشربه ، و «فى رصف» حال منه ، والرصف بفتح الراء وسكون الصاد المهملتين (1)الحجارة المرصوف بعضها إلى بعض ، والقلات - بكسر القاف - جمع قلت بفتحها وسكون اللام - وهى النقرة فى الصخرة أو الجبل يستنقع فيها ماء السماء ، ومقيله بالقاف : أى موضع الماء العذب ، وهو مبتدأ ، وقوله «قضّ الأباطح» خبره ، والقضّ - بكسر القاف وتشديد الضاد المعجمة - الحصى الصغار والأرض ذات الحصى أيضا ، وهو مضاف إلى الأباطح جمع أبطح ، وهو كل مكان متسع ، والماء الموصوف بهذين الوصفين يكون أصفى المياه وأطيبها

وترجمة جرير تقدمت فى الشاهد الرابع من أول شرح الكافية


وأنشد بعده ، وهو الشاهد الثانى والعشرون [من الرجز] :

22 - بنيّتى سيّدة البنات

عيشى ولا نأمن أن تماتى

على أنه جاء تمات مضارع متّ بكسر الميم كتخاف مضارع خفت ، وزاد ابن القطاع حرفين آخرين على ما ذكره الشارح المحقق من الحرفين ، وهما كدت تكود وجدت تجود بكسر أول الماضى فيهما ، وجاء فيهما تكاد وتجاد

وبنيتى : منادى بحرف نداء مقدر ، وهو مصغر بنت مضاف إلى ياء المتكلم وسيدة : بالنصب نعت له ، ويجوز رفعه ، وعيشى : دعاء لها بأن تعيش


1) الذى فى اللسان أنه بفتح الراء والصاد المهملتين

وهذا الرجز كذا أنشده الجوهرى فى الصحاح غير معزوّ إلى قائله ، ولم يكتب عليه ابن برى شيئا فى أماليه عليه ، ولا الصفدى فى حاشيته ، وقال الصاغانى فى العباب : قد مات يموت ويمات أيضا ، وأكثر من يتكلم بها طىء وقد تكلم بها سائر العرب ، قال :

بنىّ يا سيّدة البنات

هكذا أنشده ابن دريد ، وأنشد غيره

بنيّتى يا خيرة البنات

عيشى ، ولا يؤمن أن تماتى

ويروى «ولا يؤمن بأن (1)» ويروى «نأمن أن»

وقال يونس فى كتاب اللغات : إن يميت لغة فيها ، انتهى


وأنشد بعده ، وهو الشاهد الثالث والعشرون : [من الرجز]

23 - فإنّه أهل لأن يؤ كرما*

على أنه شاذ ، والقياس يكرم بحذف الهمزة ، وهذا المقدار أورده الجوهرى فى صحاحه فى مادة كرم غير معزو إلى قائله ، ولا كتب عليه ابن برى شيئا فى أماليه ، ولا الصفدى فى حاشيته عليه ، وهو مشهور فى كتب العربية قلما خلا عنه كتاب ، وقد بالغت فى مراجعة المواد والمظانّ فلم أجد قائله ولا تتمته ،

وقال العينى : تقدم الكلام عليه مستوفى فى شواهد باب النعت وفى شواهد نونى التوكيد

وأقول : لم يذكره فيهما أصلا ، فضلا أن عن يستوفى الكلام عليه


1) كذا فى عامة الأصول ، وليس بشىء ، لأن وزن البيت يختل ، إلا أن تسكن النون من «يؤمن» ضرورة.

وقال الجاربردى (1)أوله :

شيخ على كرسيّه معمّما

وأقول : هذا من قصيدة مرجّزة منها :

يحسبه الجاهل ما لم يعلما

شيخا على كرسيّه معمّما

لو أنّه أبان أو تكلّما

لكان إيّاه ولكن أعجما

وقد شرحناها فى الشاهد التاسع والأربعين بعد التسعمائة من آخر شواهد شرح الكافية ، وليس فى تلك القصيدة

فإنّه أهل لأن يؤ كرما


وأنشد الجاربردى بعده (2)، وهو الشاهد الرابع والعشرون ، وهو من شواهد سيبويه (3)[من السريع] :

لم يبق من آى بها يحلّين

غير رماد وحطام كنفين

وغير ودّ جاذل أو ودّين

وصاليات ككما يؤثفين

على أن يؤثفين بالهمز شاذ ، والقياس يثفين فجاء على الأصل المهجور لضرورة الشعر ووزنه يؤفعلن بزيادة الياء والهمزة ، وهذا أحد قولين ، ومعناه جعلت أثافى جمع أثفيّة ، وعليه فأثفية أفعولة أصلها أثفوية قلبت الواو ياء وأدغمت وكسرت الفاء لتبقى الياء على حالها ، واستدلوا على زيادة الهمزة بقول العرب : ثفّيث القدر ، إذا جعلتها على الأثافى ؛ والقول الثانى - وهو لجماعة - أن وزنه يفعلين ، فالهمزة أصل ووزن أثفية على هذا فعليّة ، واستدلوا بقول النابغة [من البسيط] :


1) انظر شرح الجاربردى (ص 58)

2) انظر شرح الجاربردى (ص 58)

3) انظره (ج 2 ص 331) ، وقد جعلوا الشاهد من بحر الرجز

لا تقذفنّى بركن لا كفاء له

وإن تأثّفك الاعداء بالرّفد (1)

فقوله تأثّفك وزنه تفعّلك لا يصح فيه غيره ، ولو كان من ثفّيت القدر لقال تثفّاك ، ومعنى البيت صار أعدائى حولك كالأثافى تظافرا ، قال ابن جنى فى شرح تصريف المازنى : ويفعلين أولى من يؤفعلن ، لأنه لا ضرورة فيه ، قال أبو الفتح بن جنى : يقال أثفيت القدر وأثّفتها وثفّيتها ، إذا أصلحت تحتها الأثافى ، وقال صاحب الصحاح : ثفّيت القدر تثفية ، وضعتها على الأثافى ، وأثفيتها جعلت لها أثافى ، وأنشد البيت

وهذا الشعر لخطام المجاشعى ، ونسبه الصقلى شارح أبيات الإيضاح للفارسى ، والجوهرى فى الصحاح ، إلى هميان بن قحافة ، وأوله :

حىّ ديار الحىّ بين السّهبين

وطلحة الدّوم وقد تعفّين

و «حىّ» أمر من التحية ، والحى : القبيلة ، والسهبان : موضع ، وكذا طلحة الدوم ، والنون فى تعفّين ضمير ديار الحى ، وتعفّي بمعنى عفا اللازم. يقال : عفا المنزل يعفو عفوّا ، إذا درس ، والآى : جمع آية بمعنى العلامة. والتّحلية : الوصف يقال : حلّيت الرجل مثلا ، إذا وصفته ، يقول : لم يبق من علامات حلولهم فى ديارهم تحلّيها وتصفها غير ما ذكر ، ومن : زائدة ، وآى فاعل ، وغير منصوب على الاستثناء ، وجملة يحلّين صفة لآى ؛ وبها متعلق به. والخطام بضم المهملة : ما تكسر من الحطب ، والمراد به دقّ الشجر الذى قطعوه فظللوا به الخيام ، ورماد مضاف إلى كنفين ويجوز تنوينه ، وكنف بفتح الكاف وسكون النون الناحية والجانب. وأصله بفتح النون سكنها للضرورة أى رماد من جانبى الموضع. وقيل الكنف هنا بكسر الكاف وسكون النون ، وهو خرج يضع فيه


1) الرفد - بكسر أوله وفتح ثانيه : جمع رفدة - بكسر فسكون - وهى العصبة من الناس ، يقول : لا ترمنى منك بما لا مثل له ولا أستطيع دفعه وإن احتوشك الأعداء متعاونين

الراعى أشياءه : فيكون المعنى رماد ملء كنفين ، والجاذل بالجيم والذال المعجمة المنتصب ، جذل جذولا : انتصب وثبت ، والودّ : الوتد ، وأراد بالصاليات الأثافى الثلاثة التى توضع عليها القدر لأنها صليت بالنار أى أحرقت حتى اسودّت وهى معطوفة على «حطام» أى وغير أثافى صاليات بالنار ، وليست الواو واو ربّ كما توهمه ابن يسعون. وروى بدلها «وغير سفع» جمع أسفع ، أراد به الأثافى أيضا لأنها قد سفعتها النار أى سودتها وغيرت لونها ، وروى أيضا «وما ثلاث» أى منتصبات ، يقول : إن هذه الأثافى تدل على قرب عهد بالعمارة ببقائها على الحال التى وضعتها عليه أهل العمارة فكانت لذلك أجلب للشوق والتذكار ، وقوله «ككما» قيل : الكاف الأولى حرف والثانية اسم بمعنى مثل ، وقيل : مؤكدة للأولى ، وقيل : زائدة ، قال أبو على : «ما» فى ككما يجوز أن تكون مصدرية كأنه قال مثل الإثفاء ، ويجوز أن تكون موصولة بمنزلة الذى ، وقال ابن السيد : الكافان لا يتعلقان بشىء ، فإن الأولى زائدة والثانية قد جرت مجرى الأسماء لدخول الجار عليها ، ولو سقطت الأولى وجب أن تكون الثانية متعلقة بمحذوف صفة لمصدر مقدر محمول على معنى الصاليات لأنها نابت مناب مثفيات فكأنه قال : ومثفيات إثفاء مثل إثفائها حين نصبت للقدر ، ولا بد من هذا التقدير ليصح اللفظ والمعنى ، وقد شرحنا أبياتا أخر من هذه القصيدة وترجمنا قائلها فى الشاهد الخامس والثلاثين بعد المائة من شواهد شرح الكافية


الصفة المشبهة

وأنشد فيها ، وهو الشاهد الخامس والعشرون ، وهو من شواهد سيبويه (1)[من الرجز]

25 - ما بال عينى كالشّعيب العيّن


1) انظره (ج 2 ص 372)

على أنه لم يأت على فيعل بفتح العين شىء من الصفة المشبهة غير حرف واحد فى المعتل وهو عيّن ، قال الأعلم : الشاهد فيه بناء العيّن على فيعل بالفتح ، وهذا شاذ فى المعتل لم يسمع إلا فى هذه الكلمة وكان قياسها أن تكسر العين فيقال عيّن كما قيل سيّد وهيّن وليّن ، ونحو هذا ، وهذا بناء يختص به المعتل ولا يكون فى الصحيح كما يختص الصحيح بفيعل مفتوحة العين نحو صيرف وحيدر ، وهو كثير ، انتهى

وقال ابن السيد فى شرح أدب الكاتب : وجدت فى نسخة من شعر رؤبة بخط أبى يعقوب إسحق بن إبراهيم بن الجنيد قرأها على أبى بكر بن دريد [وعليها خط ابن دريد وإجازته](1)العيّن بكسر الياء ، وقال : العين الذى قد رقّ (2)وتهيأ للخرق ، انتهى

وكذا قال ياقوت فى هامش الصحاح ، قال : أنشده سيبويه على فيعل بفتح العين ، وقال : ولم يجىء غير عيّن فى المعتل ، وهو نادر ، والقياس فيعل بكسر العين ، والذى وجدته فى شرح رجز رؤبة العين بكسر الياء ، ولا يجوز فتحها ، انتهى.

والبيت أول أرجوزة لرؤبة بن العجاج ، وبعده (3):

وبعض أعراض الشّجون الشّجّن

دار كرقم الكاتب المرقّن

بين نقا الملقي وبين الأجؤن

قوله «ما بال عينى» ما استفهامية مبتدأ أو خبر مقدم ، وبال خبر أو مبتدأ مؤخر ، وهو بمعنى الشأن والحال ؛ وقوله «كالشعيب» فى موضع الحال ، والشعيب - بفتح الشين المعجمة -


1) الزيادة عن شرح أدب الكاتب لابن السيد البطليوسى (ص 472)

2) فى الأصول «تمزق وتهيأ للخرق» والتصويب عن شرح أدب الكاتب

3) انظر أراجيز رؤية (ص 160)

قال ابن دريد فى الجمهرة : المزادة الصغيرة.

قال الجواليقى فى شرح أدب الكاتب : «هى فى الأصل صفة غالبة ؛ فعيل بمعنى مفعول ، والعين : التى فيها عيون ؛ فهى تسيل ، وهم يشبهون خروج الدمع من العين بخروج الماء من خرز (1)المزادة ، قال : كأنهما مزادتا مستعجل» انتهى

وقال الجوهرى «يقال : بالجلد عين ، وهى دوائر رقيقة ، وذلك عيب. تقول منه : تعين الجلد ، وسقاء عين ومتعين» وأنشد البيت.

وكتب ابن برى فى أماليه على صحاحه : العين الجديد فى لغة طىء قال الطرماح [من الطويل]

قد اخضلّ منها كلّ بال وعيّن

وجفّ الرّوايا (2)بالملا المتباطن

انتهى.

وقال الأعلم : «الشّعيب : القربة ، والعين : الخلق البالية ، شبه عينه لسيلان دمعها بالقربة الخلق فى سيلان مائها من بين خرزها لبلاها وقدمها» اه

وقوله «وبعض أعراض الخ» قال ابن السيد : دار خبر بعض ، والمرقّن :

الذى ينقط الكتاب ، والملقى والأجؤن مكانان ، كذا وجدته الملقي مضموم الميم مفتوح القاف ، والأجؤن مضموم الواو مهموزا كأنه جمع جؤن ، ووجدته فى غيره الأجون مفتوح الواو غير مهموز ، انتهى

وترجمة رؤبة تقدمت فى الشاهد الخامس من أوائل شرح الكافية :


المصدر

أنشد فيه ، وهو الشاهد السادس والعشرون : [من البسيط]


1) الخرز - بضم أوله وفتح ثانيه : جمع خرزة - كغرفة - وهى كل ثقبة وخيطها

2) الروايا : جمع راوية ، وهى المزادة ، والملا : موضع ، وهو أيضا الصحراء ، والمتباطن : المنخفض

26 - إنّ الخليط أجدّو البين انجردوا

وأخلفوك عدا الأمر الّذى وعدوا

على أن الفراء قال فى قوله تعالى (مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ) يجوز أن يكون فى الأصل غلبتهم بالتاء ؛ فحذفت التاء كما حذفت من «عدا الأمر» فى البيت والأصل عدة الأمر ، وهذا كلام الجوهرى فى الصحاح

وأقول : لم يورد الفراء هذا البيت عند هذه الآية ، وهذا نصه فى تفسيرها «وقوله من بعد غلبهم كلام العرب غلبته غلبة ، فاذا أضافوا أسقطوا الهاء كما أسقطوها فى قوله تعالى (وَأَقامَ الصَّلاةَ) والكلام إقامة الصلاة» انتهى.

وإنما أورده عند تفسير الآية الأخرى من سورة النور قال : «وأما قوله تعالى (وَأَقامَ الصَّلاةَ) فان المصدر من ذوات الثلاثة إذا قلت : أفعلت كقولك أقمت وأجبت ، يقال فيه : إقامة وإجابة ، ولا تسقط منه الهاء ، وإنما أدخلت لأن الحرف قد سقطت منه العين ، كان ينبغى أن يقال : إقواما فلما سكنت الواو (1)وبعدها ألف الإفعال فسكنتا فسقطت الأولى منهما فجعلوا الهاء كأنها تكثير للحرف ، ومثله مما أسقط منه بعضه فجعلت فيه الهاء ، قوله وعدته عدة ووجدت المال جدة ولما أسقطت الواو من أوله كثّر من آخره بالهاء وإنما استجيز سقوط الهاء من (وإقام الصلاة) لاضافتهم إياه ، وقالوا : الخافض وما خفض بمنزلة الحرف الواحد ، فلذلك أسقطوها فى الاضافة ، وقول الشاعر :

إن الخليط أجدوا البين - الخ

يريد عدة الأمر ، فاستجاز إسقاط الهاء حين أضافها» انتهى كلامه

والبيت للفضل بن العباس بن عتبة بن أبى لهب ، قال الجوهرى : الخليط : المخالط ، كالنديم المنادم والجليس المجالس ، وهو واحد وجمع ، قال : إنّ


1) أى بعد نقل حركتها الى الساكن قيلها

إنّ الخليط أجدوا البين فانصرموا

وقوله «أجدوا» فى العباب : وأجدّه : صيّره جديدا ، فالبين مفعوله ، وهو بمعنى البعد والفراق هنا ، وقوله «فانجردوا» بالجيم : أى بعدوا ؛ فى العباب : وانجرد بنا السير : أى امتد وطال ، وروى بدله «فانصرموا» : أى انقطعوا عنا ببعدهم

والفضل بن العباس بن عتبة بن أبى لهب ، واسمه عبد العزى ، ابن عبد المطلب بن هاشم ، كان من شعراء الهاشميين وفصحائهم ، توفى فى زمن الوليد بن عبد الملك

حكى أنه كان بالمدينة تاجر يسمى العقرب ؛ وكان أمطل الناس ؛ فعامله الفضل ، وكان أشد الناس تقاضيا ؛ فلما حل المال قعد الفضل بباب العقرب يقرع ، وعقرب على سجيّته فى المطل ؛ فلما أعياه قال يهجوه [من السريع] :

قد تجرت فى سوقنا عقرب

لا مرحبا بالعقرب التّاجره

كلّ عدوّ كيده فى استه

فغير مخشيّ ولا ضائره

إن عادت العقرب عدنا لها

وكانت النّعل لها حاضره

وكان الفضل شديد الأدمة ولذلك قال [من الرمل] :

وأنا الأخضر من يعرفنى

أخضر الجلدة فى بيت العرب

من يساجلنى يساجل ماجدا

يملأ الدّلو إلى عقد الكرب

وسمعه الفرزدق ينشد هذا الشعر فنزع ثيابه وقال : أنا أساجله ، فقال له : من أنت؟ فلما انتسب له لبس ثيابه وقال [له] : والله لا يساجلك إلا من عض بأير أبيه ، وهو هاشمى الأبوين ، أمه بنت العباس بن عبد المطلب وإنما أتته الأدمة من قبل جدته وكانت حبشية


وأنشد الجاربردى (1)

(ق 2 - 5)

وهو الشاهد السابع والعشرون [من الوافر] :

1) انظره فى ص 63 من شرح الجاربردى

27 - بكت عينى وحقّ لها بكاها

وما يغني البكاء ولا العويل (1)

وهو مطلع قصيدة فى رثاء حمزة رضى الله تعالى عنه عم النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم لما استشهد فى غزوة أحد.

واختلف فى قائلها ؛ فقيل : هى لحسان بن ثابت رضى الله عنه ، وليست فى ديوانه ، وقال عبد الملك بن هشام فى السيرة : «قال ابن إسحق : هى لعبد الله ابن رواحة ؛ وقد أنشدنيها أبو زيد الأنصارى [لكعب بن مالك](2)وهؤلاء الثلاثة هم شعراء النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم» وقد أرود ابن هشام القصيدة فى غزوة أحد وهذه أبيات منها بعده :

على أسد الإله غداة قالوا

أحمزة ذاكم الرّجل القتيل

أصبب المسلمون به جميعا

هناك وقد أصيب به الرّسول

أيا يعلى لك الأركان هدّت

وأنت الماجد البرّ الوصول

عليك سلام ربّك فى جنان

مخالطها نعيم لا يزول

ألا يا هاشم الأخيار صبرا

فكلّ فعالكم حسن جميل

رسول الله مصطبر كريم

بأمر الله ينطق إذ يقول

قوله «وحق لها بكاها» أى صار البكاء لها حقا لازما ، وحكى الأزهرى : ما أغنى فلان شيئا ، بالغين والعين ، أى : لم ينفع فى مهم ولم يكف مؤنة.

فيكون المفعول هنا محذوفا «والعويل» اسم من أعول عليه إعوالا وهو البكاء والصراخ ، وقوله «على أسد الإله» متعلق بالبكاء أو العويل على سبيل التنازع ،


1) كذا فى الجاربردى وفى اللسان (ب ك ى) وفى سيرة ابن هشام (ح 3 ص 148) ووقع فى الأصول محرفا (ولا يغنى)

2) الزيادة عن سيرة ابن هشام (ح 3 148) ولا يتم الكلام إلا بها

وأسد الله : لقب سيدنا حمزة ، والألف فى قوله «أحمزة» للاستفهام ، و «أبو يعلى» كنيته رضى الله عنه ،


وأنشد الشارح وهو الشاهد الثامن والعشرون [من الرجز] :

28 - فهى تنزّى دلوها تنزيّا

كما تنزّى شهلة صبيّا

على أن مجىء المصدر المعتل اللام لفعّل على تفعيل ضرورة ، والقياس أن على تفعلة كتكرمة ، وأورده أبو عبيد القاسم بن سلام فى الغريب المصنف فى باب نعوت الخرقاء والعجوز كذا

بات ينزى دلوه تنزيا

وقال : هى الشهيرة (1)والشهلة يعنى العجوز ، وخص الشهلة لأنها أضعف من الشابة فهى تنزى الصبى : أى ترقصه بثقل وضعف ، والمعنى هذه المرأة تحرك دلوها فى الاستقاء وترفعها وتخفضها عند الاستقاء لتمتلىء تحريكا مثل تحريك عجوز صبيها فى ترقيصها إياه

وقال ابن يعيش : يقال : امرأة شهلة ، إذا كانت نصفا وصار كالاسم لها بالغلبة ، ولا يقال ذلك للرجال ، وفى المصباح : نزا ينزو من باب قتل ، ونزوانا ، بمعنى وثب ، ويتعدى بالهمزة والتضعيف ؛ فيقال : أنزاه إنزاء ونزاه تنزية ، وهذا الشعر مشهور فى كتب اللغة وغيرها ، ولم يذكر أحد تتمته ولا قائله والله أعلم


وأنشد بعده وهو الشاهد التاسع والعشرون [من الطويل] :

29 - بثين الزمى «لا» إنّ لا إن زمته

على كثرة الواشين أىّ معون


1) الشهبرة والشهربة لغتان بمعنى العجوز الكبيرة ، والرجل شهبر وشهربة عن ابن السكيت ، وقال الأزهرى : ويقال للرجل : شهبر

على أن السيرافى قال : أصله معونة ؛ فحذفت التاء لضرورة الشعر ، وأجاز ابن جنى فى شرح تعريف المازنى أن يكون كذا وأن يكون جمع معونة ، وكذا أجاز الوجهين فى مكرم ومألك ، وأورده ابن عصفور فى كتاب الضرائر فى ترخيم الاسم فى غير النداء للضرورة

والبيت من قصيدة لجميل بن عبد الله بن معمر العذرى. يقول : إن سألك سائل يابثين هل كان بينك وبين جميل وصل فقولى : لا ، فإن فيها عونا على الواشين [و] دفعا لشرهم ، و «بثين» مرخم بثينة منادى وهو اسم محبوبته. يقول : ردى على الواشين قولهم ، وإذا سألوك شيئا فقولى : «لا» فإنهم إذا عرفوا منك ذلك انصرفوا عنك وتركوك ؛ فيكون لزوم كلمة «لا» عونا عليهم ، و «أىّ» دالة على الكمال مرفوعة خبر إن : أى إن «لا» معونة أىّ معونة ؛ وبعده :

ونبّئت قوما فيك قد نذروا دمى

فليت الرّجال الموعدىّ لقونى

إذا ما رأونى طالعا من ثنيّة

يقولون من هذا وقد عرفونى

وترجمة جميل تقدمت فى الشاهد الثانى والستين من أوائل شواهد شرح الكافية.


وأنشد بعده وهو الشاهد الثلاثون [من الرجز] :

30 - ليوم روع أو فعال مكرم

لما تقدم قبله

وقال الفراء عند تفسير قوله تعالى (وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ) من سورة الكهف :

فأما قول الشاعر :

ليوم روع أو فعال مكرم

فإنه جمع مكرمة ، ومثله قول الآخر :

على كثرة الواشين أى معون

أراد جمع معونة ، وكان الكسائى يقول : هما مفعل نادران لا يقياس عليهما ، وقد ذهب مذهبا ، إلا أنى أجد الوجه الأول أجمل للعربية مما قال ، انتهى

قال ابن السيرافى فى شرح أبيات إصلاح المنطق ، والجواليقى (1)فى شرح أبيات أدب الكاتب : قبله

وهو إذا ما هزّ للتّقدّم

وقالا : يقول : إذا هزّ فى يوم روع تقدم وقاتل ، وكذا إن هزّ فى عطاء وجود أعطى وجاد ، يصفه بالشجاعة والجود ، انتهى

وهزّ بالبناء للمفعول : من هززته هزا من باب قتل حركته فاهتز ، والرّوع بالفتح : الفزع ، الفعال بفتح الفاء : الوصف الحسن والقبيح أيضا ، فيقال : هو قبيح الفعال ، كما يقال : هو حسن الفعال ؛ ولهذا خصصه بما بعده بالإضافة ، ويكون مصدرا أيضا ، يقال : فعل فعالا ، كذهب ذهابا ، والمكرمة - بضم الراء - اسم من الكرم ، وفعل الخير مكرمة : أى سبب للكرم أو التكريم ، من كرم الشىء إذا نفس وعزّ

وقال ابن السيد فى شرح أبيات أدب الكاتب : البيت لأبى الأخزر الحمانى ، وقبله :

مروان مروان أخو اليوم اليمنى

كذا رواه سيبويه ، وروى غيره :

مروان يا مروان لليوم اليمى

وقوله «اليمى» صفة لليوم من لفظه ، كما قالوا : يوم أيوم ، وليل أليل ، ووزنه فعل على مثال حذر ، وأصله اليوم فنقلت (2)اللام إلى موضع العين فصار اليمو ، فانقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها


1) انظره فى شرح الجواليقى (ص 400)

2) فى نسخة «قلبت» ولها وجه

وقال السيرافى : أصله أخو اليوم اليوم ، كما قال الآخر [من الرجز] :

إنّ مع اليوم أخاه غدوا

فقدم الميم بضمتها إلى موضع الواو ، فصار اليمو ، فوقعت الواو طرفا وقبلها ضمة ، فقلبت ياء ، وكسر ما قبلها ، كما قيل فى جمع دلو أدل ، فموضع اليمى على قول السيرافى رفع ، وموضعه على القول الأول خفض ، وهذا التأويل الذى تأوله السيرافى هو الظاهر من مذهب سيبويه ، وهو تأويل لا يصح إلا على رواية من روى «أخو اليوم اليمى» وأما من رواه مروان يا مروان لليوم اليمى فلا يكون موضع اليمى إلا خفضا على الصفة ، وكذلك لا يمتنع أن يكون موضعه خفضا على من روى «أخو اليوم اليمى» ويكون معناه أن مروان أخو اليوم الشديد الذى يفرّج غمه ويجلى همه ، وهو أشبه بمعنى الشعر ؛ لأن البيتين لا يلتئمان على تفسير السيرافى ومذهب سيبويه ، وأنشد المبرد فى كتاب الأزمنة :

نعم أخو الهيجاء فى اليوم اليمى

وهذا يدل أيضا على أن اليمى فى موضع خفض ، وكذلك قال المبرد ، وإليه ذهب ابن السكيت ، انتهى. ومروان هو ابن محمد بن مروان بن الحكم بن العاص ،

وأبو الأخزر راجز إسلامى اسمه قتيبة ، والأخزر بالخاء والزاى المعجمتين وآخره راء مهملة ، والحمّانى منسوب إلى حمّان بكسر المهملة وتشديد الميم


وأنشد بعده ، وهو الشاهد الحادى والثلاثون [من الوافر]

31 - كفى بالنّأى من أسماء كافى

على أن «كافى» اسم فاعل منصوب على الحالية من النأى ، وهو فاعل كفى ، والباء زائدة ، وهذه الحال مؤكدة لعاملها وهو كفى ، وحذف النصب منه كما حذف من قوله «فلو أنّ واش» وذلك إما على لغة ربيعة فانهم يسكنون المنصوب ، وإما لضرورة الشعر ، وقد حذفت الياء منهما لالتقائها ساكنة مع سكون نون التنوين ،

والنأى : البعد ، ومن : متعلقة به ، وأسماء : اسم امرأة أصله وسماء من الوسامة ، وهى الحسن

وهذا صدر بيت ، وعجزه :

وليس لنأيها إذ طال شاف

وشاف : اسم ليس ، ولنأيها : متعلق به ، وإذ تعليلية ، وفاعل طال ضمير النأى ، والخبر محذوف أى عندى أو موجود

والبيت مطلع قصيدة لبشر بن أبى خازم ، وهو جاهلى ، وتقدم شرحه وترجمة بشر فى الشاهد الثالث والعشرين بعد الثلاثمائة من شواهد شرح الكافية


وأنشد بعده ، وهو الشاهد الثانى والثلاثون [من الطويل]

32 - فلو أنّ واش باليمامة داره

تمامه :

ودارى بأعلى حضر موت اهتدى ليا

وتقدم توجيهه

والواشى : الذى يزوّق الكلام ليفسد بين متحابين ، واليمامة : اسم بلد بين نجد والحجاز ، وحضرموت - بفتح الميم وضمها - : مدينة باليمن ؛ غير منصرف ، واللام فى «ليا» بمعنى إلى

والبيت من قصيدة لمجنون بنى عامر تقدم الكلام عليه فى الشاهد الخامس والثمانين بعد الثمانمائة من شواهد شرح الكافية


وأنشد بعده ، وهو الشاهد الثالث والثلاثون ، وهو من شواهد سيبويه (1)[من الطويل]


1) انظره فى كتاب سيبويه (ج 1 ص 173)

33 - ألم ترنى عاهدت ربّى وإنّنى

لبين رتاج قائما ومقام

على حلفة لا أشتم الدّهر مسلما

ولا خارجا من فىّ زور كلام

على أن قوله «خارجا» عند سيبويه مصدر حذف عامله : أى ولا يخرج خروجا ، وعند عيسى بن عمر حال معطوف على الجملة الحالية وهى «لا أشتم» وهذا نص سيبويه : وأما قول الفرزدق :

على حلفة لا أشتم الدّهر مسلما

ولا خارجا من فىّ زور كلام

فإنما أراد ولا يخرج فيما أستقبل ، كأنه قال : ولا يخرج خروجا ، ألا تراه ذكر عاهدت فى البيت الذى قبله ، فقال «ألم ترنى عاهدت ربى الخ» على حلفة ، ولو حمله على أنه نفى شيئا هو فيه ولم يرد أن يحمله على «عاهدت» جاز (1)وإلى هذا الوجه كان يذهب عيسى [بن عمر] فيما نرى ؛ لأنه لم يكن يحمله على «عاهدت» انتهى ؛ فجملة «لا أشتم» على قول سيبويه جواب القسم لقوله عاهدت ، وقوله «ولا خارجا» بتقدير ولا يخرج خروجا ، معطوف على جواب القسم وجعل خارجا فى موضع خروجا ، كأنه قال حلفت بعهد الله لا أشتم الدهر مسلما ولا يخرج من فىّ زور كلام ؛ فلا أشتم ولا يخرج هما جواب القسم فيما يستقبل من الأوقات

قال المبرد فى الكامل : (2)وقوله «ولا خارجا» إنما وضع اسم الفاعل فى موضع المصدر ، أراد لا أشتم الدهر مسلما ، ولا يخرج خروجا من فىّ زور كلام ، لأنه على ذا أقسم ، والمصدر يقع فى موضع اسم الفاعل ، يقال : ماء غور : أى غائر [كما قال الله عزوجل : (إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً) ويقال : رجل عدل : أى عادل ، ويوم غمّ : أى غامّ](3)وهذا كثير جدا ، فعلى هذا جاء المصدر على فاعل كما جاء اسم الفاعل على المصدر ، يقال : قم قائما ، فيوضع فى موضع [قولك](4)قم قياما ،


1) فى سيبويه «لجاز»

2) انظر كتاب الكامل (1 : 71)

3) الزيادة عن الكامل ، وسقطت من جميع النسخ

4) الزيادة عن الكامل ، وسقطت من جميع النسخ

وجاء من المصدر على لفظ فاعل حروف منها فلج فالجا [وعوفى عافية] ، انتهى.

وقد قيل : إن الجواب يجوز أن يكون جوابا لقوله «على حلفة» ويكون تقدير الكلام ألم ترنى عاهدت ربى على أنى أحلف لا أشتم ولا يخرج من فىّ كلام قبيح

ومعنى قول سيبويه «نفى شيئا هو فيه» : أى نفى ما فى الحال ، ولم ينف المستقبل.

وفسر المبرد فى الكامل قول عيسى بن عمر «إنّ خارجا حال» قال : وكان عيسى بن عمر يقول : إنما قوله «لا أشتم» حال ؛ فأراد عاهدت ربى فى هذه الحال وأنا غير شاتم ولا خارج من فى زور كلام ، ولم يذكر الذى عاهد عليه ، انتهى.

والفعل المستقبل يكون فى معنى الحال ، كقوله : جاء زيد يضحك ، وجعل العامل فى الحال على مذهب عيسى بن عمر «عاهدت» كأنه قال : عاهدت ربى لا شاتما الدّهر ، والمعنى موجبا على نفسى ذلك ومقدرا ذلك ، كذا شرح المبرد والزجاج قول عيسى بن عمر

قال السيرافى : وكلام سيبويه الذى حكاه عن عيسى يخالفه ، وهو قوله : لأنه لم يكن يحمله على «عاهدت» وإذا لم يكن العامل فى الحال «عاهدت» كان عاملها «ألم ترنى» كأنه قال : ألم ترنى لا شاتما مسلما ولا خارجا من فىّ زور كلام ، وهذا الوجه ذكره أبو بكر مبرمان (1)، وهذا يعجبنى ؛ لأن «عاهدت» فى موضع المفعول الثانى ، فقد تم المفعولان بعاهدت ، وإما حلفة (2)وهذ أجود منه


1) فى الأصول «مبرجان» وهو تحريف ، قال المجد فى القاموس : «ومبرمان لقب أبى بكر الأزمى»

2) هذا معطوف على قوله «ألم ترنى» فى قوله «كان عاملها ألم ترنى» وكان من حق الكلام أن يقول : كان عاملها إما ألم ترنى الخ وإما حلفة.

كأنه قال : على أن حلفت لا شاتما ولا خارجا ، انتهى

وذهب الفراء فى تفسير سورة القيامة إلى أنهما حالان ، والعامل «عاهدت» قال : إنما نصب خارجا لأنه أراد عاهدت ربى لا شاتما أحدا ولا خارجا من فىّ زور كلام ، وقوله «لا أشتم» فى موضع نصب ، انتهى

وأيد ابن هشام فى المغنى (1)قول سيبويه ، فقال : والذى عليه المحققون أن خارجا مفعول مطلق ، والأصل ولا يخرج خروجا ، [ثم حذف الفعل ، وأناب الوصف عن المصدر ، كما عكس فى قوله تعالى : (إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً])(2)لأن المراد أنه حلف بين باب الكعبة وبين مقام إبراهيما أنه لا يشتم [مسلما](3)فى المستقبل ولا يتكلم بزور ، لا أنه حلف فى حال اتصافه بهذين الوصفين على شىء آخر ، انتهى

وبهذا أيضا يرد على ما ذهب إليه بعض أفاضل العجم فى شرح أبيات المفصل فانه بعد أن قرر مذهب سيبويه قال : قلت : لا يبعد أن يكون قوله «لا أشتم» بيانا لما عاهد عليه ربه على وجه الاستئناف ، كأن قائلا قال : ما الذى عاهدت عليه ربك؟ فقال : لا أشتم ، والمعنى ألم ترنى يعنى رأيتنى عاهدت ربى على أمر هو أنى لا أشتم طول الدهر مسلما ولا يخرج من فى زور كلام : أى كونه على حلفة : أى حالفا بالله على ذلك ، فوقع القسم مؤكّدا لما عاهد عليه ربه ، ويجوز أن يكون المعاهد عليه محذوفا ، والتقدير عاهدت ربى على حسن السيرة أو ترك ما لا يعنى ، ثم خص عدم الشتم للمسلم وعدم خروج الكلام الزور عن فيه تأكيدا لنفيهما عن نفسه ، وقوله «على حلفة» فى هذا الوجه يجوز أن يتعلق بمحذوف قدرناه ، وأن يتعلق بقوله «لا أشتم» كأنه قال : عاهدت ربى على حسن السيرة حالفا بالله على


1) فى مبحث الجمل التى لا محل لها من الاعراب ، فى جملة جواب القسم

2) الزيادة عن المغنى فى الموضع المذكور

3) الزيادة عن المغنى فى الموضع المذكور

ذلك ، أو عاهدت ربى على ذلك حالفا بالله لا أشتم طول الدهر مسلما خصوصا ولا أهجوه ولا يخرح من فى كلام زور ، هذا كلامه

وقوله «وإننى لبين رتاج» بكسر همزة إنّ فإن جملتها حالية ، وقول «لبين رتاج ومقام» خبر إنّ ، وقائما - وروى بدله «واقفا» - حال من الضمير المستقر فى الظرف ، وروى بالرفع فهو خبر ثان ، أو هو خبر إنّ والظرف متعلّقه كقولك إن زيدا لفى الدار قائم ، والرتاج - بكسر الراء وآخره جيم - قال (1)المبرد : الرتاج : غلق الباب ، ويقال : باب مرتج : أى مغلق ، ويقال : أرتج على فلان : أى أغلق عليه الكلام ، انتهى.

وقال ابن السيّد فيما كتبه على الكامل : الرّتاج الغلق ، وذكره صاحب العين ، وأنشد هذا البيت ، وقال : يعنى باب البيت ومقام إبراهيم صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ويدل على هذا قول أبى شجرة السلمى :

مثل الرتاج إذا ما لزّه الغلق

فهذا يدل على أن الرتاج غير الغلق ، ومما يقوى قول المبرد فى الرتاج قول الحطيئة

إلى عجز كالباب شدّ رتاجه انتهى

وفى العباب الرّتج بالتحريك - الباب العظيم ، وكذلك الرّتاج ، ومنه رتاج الكعبة ، ويقال : الرتاج المغلق (2)وعليه باب صغير ، انتهى

و «أشتم» جاء من باب ضرب ونصر

قال المبرد (3): التقى الحسن والفرزدق فى جنازة ، فقال الفرزدق للحسن : أتدرى ما يقول الناس يا أبا سعيد؟ [قال : وما يقولون؟ قال](4): يقولون


1) انظر الكامل (1 : 70 و 71)

2) يريد الباب المغلق وعليه باب صغير

3) الزيادة عن الكامل (1 : 70)

4) الزيادة عن الكامل (1 : 70)

اجتمع فى هذه الجنازة خير الناس وشر الناس ، فقال الحسن : كلا ، لست بخير الناس ولست بشرهم ، ولكن ما أعددت لهذا اليوم؟ فقال : شهادة أن لا إله إلا الله منذ ستون سنة ، وخمس نجائب لا يدركن ، يعنى الصلوات الخمس ، فتزعم التميمية (1)أن الفرزدق رؤى فى النوم فقيل له : ما صنع بك ربك؟ فقال : غفر لى [فقيل له : بأى شىء؟ فقال] (3) بالكلمة التى نازعنيها الحسن ، وحدثنى العباس بن الفرج [الرياشى] فى إسناد له ذكره ، قال : كان الفرزدق يخرج من منزله فيرى بنى تميم والمصاحف فى حجورهم فيسرّ بذلك ويجذل به ، ويقول : إيه فداء (2)لكم أبى وأمى ، كذا والله كان آباؤكم ، ونظر إليه أبو هريرة الدّوسىّ رضى الله عنه فقال [له] : مهما فعلت فقنّطك الناس فلا تقنط من رحمة الله ، ثم نظر إلى قدميه فقال : إنى أرى لك قدمين لطيفتين فابتغ لهما موقفا صالحا يوم القيامة

والفرزدق يقول فى آخر عمره حين تعلق بأستار الكعبة وعاهد الله أن لا يكذب ولا يشتم مسلما :

ألم ترنى عاهدت ربّى وإنّنى

لبين رتاج قائما ومقام

إلى آخر البيتين.

وقال ابن السيّد فيما كتبه على كامله : قوله «والتقى الحسن والفرزدق فى جنازة» ذكر الهيثم بن عدى عن أبى بكر بن عياش أن الفرزدق لقى الحسن رحمه‌الله فى جنازة عمران بن ملحان أبى رجاء العطاردى ، سنة خمس ومائة ،


1) فى الكامل «فيزعم بعض التميمية»

2) فى الكامل «فدى» مكسورا مقصورا ، واستدركه أبو الحسن الأخفش فقال : إنما هو فداء لكم ؛ من فتح قصر لا غير ، ومن كسر مده لكنه كسر الممدود على هذه الرواية.

فى أول خلافة هشام بن عبد الملك فكلمه بما ذكره المبرد ، ثم انصرف الفرزدق فقال : من [الطويل] :

ألم تر أنّ النّاس مات كبيرهم

وقد كان قبل البعث بعث محمّد

ولم يغن عنه عيش سبعين حجّة

وستّين لمّا بان غير موسّد

إلى حفرة غبراء يكره وردها

سوى أنّها مثوى وضيع وسيّد

نروح ونغدو والحتوف أمامنا

يضعن لنا حتف الرّدى كلّ مرصد

وقد قال لى ما ذا تعدّ لما ترى

فقيه إذا ما قال غير مفنّد

فقلت له أعددت للبعث والّذى

أراد به أنّى شهيد بأحمد

وأن لا إله غير ربّى هو الّذى

يميت ويحيى يوم بعث وموعد

فهذا الّذى أعددت لا شىء غيره

وإن قلت لى أكثر من الخير وازدد

فقال قد اعتصمت بالخير كلّه

تمسّك بهذا يا فرزدق ترشد

وذكر الأصبهانى عن محمد بن سلام أنها كانت جنازة النّوار زوج الفرزدق.

وبعده قوله :

أطعتك يا إبليس سبعين حجّة (1)

فلمّا انتهى شيبى وتمّ تمامى

رجعت إلى ربّى وأيقنت أنّنى

ملاق لأيّام المنون حمامي

وهى قصيدة مطولة أنشدها يعقوب بن السكيت ، انتهى ما كتبه ابن السيد.

وفى أمالى السيد الشريف (2)المرتضى رحمه‌الله تعالى روى أن الفرزدق


1) كذا فى الديوان ، وفى أمالى المرتضى (1 : 46) «تسعين حجة» وفيه «فلما قضى عمرى» وفيه «فزعت إلى ربى» وفيه «لأيام الحتوف»

2) انظر أمالى المرتضى (1 : 46)

تعلق بأستار الكعبة ، وعاهد الله على ترك الهجاء والقذف اللذين [كان] ارتكبهما وقال : ألم ترنى عاهدت ربى ، إلى آخر الأبيات الأربعة.

ثم حدث عن أبى عبيد الله المرزبانى بسند له أن الحسن البصرى شهد جنازة النّوار امرأة الفرزدق ، وكان الفرزدق حاضرا ، فقال له الحسن وهو عند القبر : يا أبا فراس ، ما أعددت لهذا المضجع؟ فقال : شهادة أن لا إله إلا الله منذ ثمانون سنة فقال له الحسن : هذا العمود فأين الطّنب؟ وفى رواية أخرى أنه قال : نعم ما أعدت ، ثم قال الفرزدق فى الحال :

أخاف وراء القبر إن لم يعافنى

أشدّ من الموت التهابا وأضيقا

إذا جاءنى يوم القيامة قائد

عنيف وسوّاق يسوق الفرزدقا

لقد خاب من أولاد آدم من مشى

إلي النّار مغلول القلادة أزرقا

يقاد إلى نار الجحيم مسربلا

سرابيل قطران لباسا محرّقا

قال : فرأيت الحسن يدخل بعضه فى بعض ، ثم قال : حسبك ، ويقال : إن رجلا رأى الفرزدق فى منامه (1)بعد موته ، فقال : ما فعل الله بك؟ فقال : عفى عنى بتلك الأبيات ، انتهى.

وقال محمد بن حبيب فى شرح المناقضات : إن الفرزدق حجّ فعاهد الله بين الباب والمقام أن لا يهجو أحدا وأن يقيّد نفسه حتى يجمع القرآن حفظا ، فلما قدم البصرة قيّد نفسه وحلف أن لا يطلق قيده عنه حتى يجمع القرآن ، وقال ألم ترنى عاهدت ربى ... الأبيات ؛ وبلغ نساء بنى مجاشع فحش البعيث وجرير بهنّ فأتين الفرزدق مقيدا فقلن : قبح الله قيدك وقدهتك جرير عورات نسائك ، فأغضبنه ففض قيده وقال قصيدة يجيبهما ، منها :


1) فى أمالى المرتضى «بعد موته فى منامه»

فإن يك قيدى كان نذرا نذرته

فما بى عن أحساب قومى من شغل

أنا الضّامن الرّاعي عليهم ، وإنّما

يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلى (1)

والقصيدة التى البيت الشاهد منها أوردها الخضر الموصلى فى شواهد التفسيرين ، عند قوله تعالى (وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً) وقد مرت ترجمة الفرزدق فى الشاهد الثلاثين من شرح الكافية


وأنشد بعده ، وهو الشاهد الرابع والثلاثون [من الطويل]

34 - لقيت بدرب القلّة الفجر لقية

شفت كمدى واللّيل فيه قتيل

على أنه يجوز أن يأتى مصدر لقيته على لقية قياسا كما فى البيت

وهو من قصيدة للمتنبى مدح فيها سيف الدولة أولها :

لياليّ بعد الظّاعنين شكول

طوال ، وليل العاشقين طويل

إلى أن قال «لقيت بدرب القلة - الخ» يريد أن الليل انقضى وبدت تباشير الصبح وقد وافى هذا المكان فشفى لقاء الصبح كمده والليل قتيل فى الفجر ؛ لأنه ينقضى بطلوعه ، وقد أخذ بعضهم هذا المعنى وكشف عنه فقال :

ولمّا رأيت الصّبح قد سلّ سيفه

وولّى انهزاما ليله وكواكبه

ولاح احمرار قلت قد ذبح الدّجى

وهذا دم قد ضمّخ الأرض ساكبه

كذا فى شرح الواحدى ، والكمد : الحزن المكتوم ، وهو مصدر من باب تعب ، وكأنه لقى من الليل سهرا وكآبة وطولا فأكمده ذلك ، ثم فرح بلقاء


1) كذا فى النقائض والديوان ، ويرويه النحاة «أنا الذائد الحامى الذمار» وانظر معاهد التنصيص (119 بولاق) وانظر دلائل الاعجاز للجرجانى (253 المنار)

الصباح فجعل الفجر قاتلا لليل شافيا له منه ، ودرب القلة بضم القاف - موضع فرب ملطية (1)

وكرّت فمرّت فى دماء لطية

ملطية أمّ للبنين ثكول

ويقول أبو فراس :

وألهبن لهبي عرقة وملطية

وعاد إلى موزار منهنّ ائر

كان سيف الدولة غزا تلك النواحى فى سنة اثنتين وأربعين وثلثمائة ، وذكر المتنبى المواضع التى غزاها فى تلك السنة فى هذه القصيدة

وأنشد بعده ، وهو الشاهد الخامس والثلاثون [من البسيط] :

35 - ها إن تا عذرة إن لم تكن قبلت

فإنّ صاحبها قد تاه فى البلد

على أن عذرة - بكسر العين - مصدر للنوع بتقدير صفة معلومة بقرينة الحال : أى عذر بليغ ، والوجه أن هذا الوصف مفهوم من التنوين

وهذا البيت من قصيدة للنابغة الذبيانى اعتذر بها إلى النعمان بن المنذر ملك الحيرة بعد أن هرب منه إلى ملوك غسّان فى الشام لما اتّهم بامرأته المتجردة وأراد قتله وأرسل إلى النعمان قصائد يتنصّل [بها] عما اتهم به ويعتذر إليه عن هروبه وإقامته عند ملوك غسان ، وقد شرحنا حاله فى الشاهد الرابع بعد المائة من شواهد شرح الكافية

وقبل هذا البيت :

نبّئت أنّ أبا قابوس أوعدنى

ولا قرار على زأر من الأسد (2)


1) ملطية - بفتح أوله وثانيه وسكون الطاء وتخفيف الياء ، والعامة تقوله بتشديد الياء وكسر الطاء - : بلدة من بلاد الروم مشهورة تتاخم الشام وفيها يقول المتنبى :

2) فى الديوان «أنبئت» وفيه «ولا مقام» والبيت الذى ذكره المؤلف ليس متصلا ببيت الشاهد ، وبيت الشاهد آخر القصيدة كما قال

وهما آخر القصيدة.

ونبئت - بالبناء للمفعول - بمعنى أخبرت ، وأبو قابوس : كنية النعمان ، وقابوس معرب كاووس اسم ملك من ملوك العجم ، وأوعد - بالألف - لا يكون إلا فى الشر ، بمعنى هددنى ، والزأر : مصدر زأر الأسد إذا صوّت بحنق ، وهو تمثيل لغضبه ، وقوله «ها إن تاعذرة» استشهد به الشارح فى باب اسم الاشارة ، وفى هاء التنبيه من شرح الكافية. على أن الفصل بين «ها» وبين اسم الاشارة بغير «أنا» وأخواته قليل ، والفاصل هنا «إنّ» ؛ وتا : اسم إشارة للمؤنث ، بمعنى هذه ، وروى أيضا «ها إن ذى عذرة» ؛ والإشارة لما ذكر فى قصيدته من يمينه على أنه لم يأت بشىء يكرهه ، وقيل : الإشارة للقصيدة : أى إن هذه القصيدة ذات عذرة ، وقال بعضهم : التقدير أن عذرتى هذه عذرة ، والعذرة - بالكسر - اسم للعذر بالضم ، قال صاحب الصحاح : يقال : عذرته فيما صنع أعذره عذرا ، والاسم المعذرة والعذرى ، وكذلك العذرة وهى مثل الرّكبة والجلسة وأنشد هذا البيت ، وفى المصباح عذرته فيما صنع عذرا ، من باب ضرب ، رفعت عند اللوم فهو معذور : أى غير ملوم

وقوله «إن لم تكن نفعت فان صاحبها» المحدث عنه فى الجميع العذرة ، وأراد بصاحب العذرة نفسه

وتاه الإنسان يتيه تيها : ضل عن الطريق ، وأراد لازمه وهو الهلاك ، والمعنى إن لم تقبل عذرى فترضى عنى فانى أضل فى البلدة التى أنا فيها لما أنا فيه من عظيم الدهشة الحاصلة من وعيدك

والنابغة الذبيانى شاعر جاهلى ؛ وقد ترجمناه هناك :

(ق 2 - 6)

أسماء الزمان والمكان

أنشد الجاربردى فيهما :

كأنّ مجرّ الرّامسات ذيولها

عليه قضيم نمّقته الصّوانع

وسيأتى شرحه إن شاء الله تعالى فى أول باب المنسوب

الآلة

أنشد فيها ، وهو الشاهد السادس والثلاثون [من الرجز]

36 - يمّمن أعدادا بلبني أوأجا

مضفدعات كلّها مطحلبه

على أنه يقال : مضفدع ومطحلب ، بوزن اسم الفاعل ؛ بمعنى كثير الضفادع وكثير الطحالب

والبيت أورده الجوهرى فى مادة الضفدع ، وقال : يريد مياها كثيرة الضفادع وقال الصاغانى فى العباب : وضفدع الماء ، إذا صارت فيه الضفادع ، وأنشد البيت أيضا

ويمّمن بمعنى قصدن ، بنون الأناث ، والأعداد : جمع عدّ بكسر العين المهملة ، وهو الماء الذى له مادّة لا تنقطع كماء العين وماء البئر ، ولبنى - بضم اللام وسكون الموحدة بعدها نون وألف مقصورة - اسم جبل ، وروى بدله «سلمى» وهو اسم جبل أيضا لطىء ، وكذلك أجأجبل لطى بفتح الهمزة بعدها جيم ، والأكثر همز آخره ، قال امرؤ القيس :

أبت أجأ أن تسلم العام جارها

فمن شاء فلينهض لها من مقاتل (1)

وقد لا يهمز ، كما فى البيت ، وكما قال العجاج :

فإن تصر ليلى بسلمى أو أجا


1) «من» ههنا ليست للتبعيض ، بل هى بيانية ، والمعنى من شاء من المقاتلين أن ينهض لمحاربة أهل أجأ فليفعل

وقوله «بلبنى» الجار متعلق بمحذوف صفة لأعداد ، وقوله «مضفدعات» صفة ثانية لأعداد ، وكلها مبتدأ ، والضمير للأعداد ، ومطحلبة خبر المبتدأ ، والجملة صفة ثالثة ، والطّحلب - بضم الطاء واللام ويجوز فتح اللام - شىء أخضر لزج يخلق فى الماء ويعلوه ، يقال : ماء طحل - بفتح فكسر - أى كثير طحلبه ، وعين طحلة كذلك ، ومطحلب قليل

ولبيد رضى الله عنه هو شاعر صحابى من بنى عامر ، وقد تقدم ترجمته فى الشاهد الثانى والعشرين بعد المائة من شواهد شرح الكافية

المصغر

أنشد فيه ، وهو الشاهد السابع والثلاثون [من البسيط]

37 - ياما أميلح غزلانا شدنّ لنا

من هؤليّائكنّ الضّال والسّمر

على أن تصغير أميلح من قبيل تصغير لطيف ونحوه ، يريد أن التصغير فى فعل التعجب راجع إلى المفعول المتعجب منه ، أى هذه الغزلان مليّحات ، قال سيبويه (1): أرادوا تصغير الموصوف بالملاحة ، كأنهم قالوا مليّح ، لكنهم عدلوا عن ذلك وهم يعنون الأول ، ومن عادتهم أن يلفظوا بالشىء وهم يريدون شيئا آخر ، وقد أوردنا ما يتعلق به مفصلا فى الشاهد السادس من أوائل شرح الكافية


1) نقل المؤلف عبارة سيبويه بالمعنى وإليك العتارة نقلا عن سيبويه (2 : 135) «وسألت الخليل عن قول العرب ما أميلحه فقال : لم يكن ينبغى أن يكون فى القياس لأن الفعل لا يحقر ، وإنما تحقر الأسماء لأنها توصف بما يعظم ويهون ، والأفعال لا توصف فكرهوا أن تكون الأفعال كالأسماء لمخالفتها إياها فى أشياء كثيرة ولكنهم حقروا هذا اللفظ ، وإنما يعنون الذى تصفه بالملح كأنك قلت مليح شبهوه بالشىء الذى تلفظ به وأنت تعنى شيئا آخر نحو قولك يطؤهم الطريق وصيد عليه يومان ونحو هذا كثير فى الكلام ، وليس شىء من الفعل ولا شىء مما سمى به الفعل يحقر إلا هذا وحده وما أشبهه من قولك ما أفعله» اه

ويا : حرف نداء ، والمنادى محذوف ، والتقدير يا صاحبى ، وما : استفهامية تعجبية (1)، وأملح : فعل تعجب من الملاحة وهى البهجة وحسن المنظر ، وفعله ملح الشىء بالضم ملاحة ، وغزلانا : مفعول فعل التعجب ، جمع غزال ، وهو ولد الظبية ، قال أبو حاتم : الظبى أوّل ما يولد طلى ، ثم هو غزال والأنثى غزالة ، فاذا قوى وتحرك فهو شادن ، فاذا بلغ ستة أشهر أو سبعة أشهر فهو خشف ، والرّشأ : الفتى من الظباء ، فاذا أثنى فهو ظبى ، ولا يزال ثنيّا حتى يموت والأنثى ثنية وظبية ، والثّنىّ على فعيل : الذى يلقى ثنيّته أى سنه من ذوات الظلف والحافر فى السنة الثالثة ، وشدنّ : من شدن الغزال بالفتح يشدن بالضم شدونا ، إذا قوى وطلع قرناه واستغنى عن أمه ، والنون الثانية ضمير الغزلان ، وجملة «شدن» صفة غزلان ، ولنا ومن : متعلقان بشدنّ ، وقوله «من هوليائكن» هو مصغر هؤلاء شذوذا ، وأصله أولاء - بالمد والقصر - وها : للتنبيه ، وأولى : اسم إشارة يشار به إلى جمع ، سواء كان مذكرا أو مؤنثا ، عاقلا أو غير عاقل ، والكاف حرف خطاب ، والنون حرف أيضا لجمع الإناث ، وقد استشهد به النحاة على دخول ها التنبيه عليه وعلى تصغيره شذوذا ، ورواه الجوهرى «من هؤليّاء بين بين الضال والسمر» وقال : لم يصغروا من الفعل غير هذا ، وغير قولهم «ما أحيسنه» والضال : عطف بيان لاسم الإشارة ، وهو السدر البرى ، جمع ضالة ، ولهذا صح إتباعه لاسم الإشارة إلى الجمع ، وألفه منقلبة من الياء ، والسّدر : شجر النبق ، والسّمر بفتح السين وضم الميم : جمع سمرة ، وهو شجر الطّلح ، وهو شجر عظيم شائك

والبيت من جملة أبيات اختلف فى قائلها ، وعدتها ، وقد ذكرنا الكلام عليه مستوفى هناك فى الشاهد السادس


1) فى نسخة «تعجيبية»

وأنشد بعده ، وهو الشاهد الثامن والثلاثون :

38 - وكلّ أناس سوف تدخل بينهم

دويهية تصفرّ منها الأنامل

على أن تصغير دويهية قريب من التصغير للتعظيم ، وحقق الشارح المحقق أن تصغيرها للتحقير ، قال : إذ المراد بها الموت : أى يجيئهم ما يحتقرونه مع أنه عظيم فى نفسه تصفر منه الأنامل ، والقول بأن تصغيرها للتعظيم هو قول الكوفيين ، وسوف هنا للتحقيق والتأكيد ، والداهية : مصيبة الدهر ، مشتقة من الدّهى بفتح الدال وسكون الهاء ، وهو النكر ، فان كل واحد ينكرها ولا يقبلها ، ودهاه الأمر يدهاه إذا أصابه بمكروه ، ورواه ابن دريد فى الجمهرة «خويخية تصفر - الخ» وقال : الخويخية الداهية ، وهو بخاءين معجمتين مصغر الخوخة بالفتح ، وهى الباب الصغير ، وكذا روى الطوسى أيضا عن أبى عمرو ، وقال : يقول : ينفتح عليهم باب يدخل عليهم منه الشر ، وإذا مات الرجل أو قتل اصفرت أنامله واسودت أظافره ، وقيل : المراد من الأنامل الأظفار ، فإن صفرتها لا تكون إلا بالموت

والبيت من قصيدة للبيد ، رضى الله عنه ، ابن عامر الصحابى ، وتقدم شرح أبيات منها مع ترجمته فى الشاهد الثالث والعشرين بعد المائة من شواهد شرح الكافية


وأنشد بعده ، وهو الشاهد التاسع والثلاثون [من الطويل]

39 - فويق جبيل شاهق الرّأس لم تكن

لتبلغه حتّى تكلّ وتعملا

على أنه استدل لمجىء التصغير للتعظيم بتصغير جبيل فى البيت

قال ابن (1)يعيش : للتصغير معان ثلاثة : تحقير ما يتوهم (2)أنه عظيم كرجيل


1) انظر شرح المفصل لابن يعيش «5 : 113 مصر»

2) فى شرح المفصل «ما يجوز أن يتوهم أنه الخ» وكذا فى الذى بعده

وتقليل ما يتوهم أنه كثير كدريهمات ، وتقريب ما يجوز أن يتوهم أنه بعيد كبعيد العصر وقبيل الفجر ، وأضاف الكوفيون قسما رابعا يسمونه تصغير التعظيم ، كقول الشاعر :

دويهية تصفرّ منها الأنامل

والمراد التعظيم ؛ إذ لا داهية أعظم من الموت ، وقال آخر :

فويق جبيل شاهق الرأس - البيت

قال «جبيل» ثم قال «شاهق الرأس» وهو العالى ؛ فدل على أنه أراد تفخيم شأنه ، وهذا ليس من أصول البصريين ، وجميع ما ذكروه راجع إلى معنى التحقير ، فأما قولهم «دويهية» فالمراد أن أصغر الأشياء قد يفسد الأمور العظام ، فحتف النفوس قد يكون بصغير الأمر الذى لا يؤبه له ، وأما «فويق جبيل» فالمراد أنه صغير العرض دقيق الرأس شاق المصعد لطوله وعلوه ، انتهى

ومن الكوفيين أبو حنيفة الدّينورىّ ، قال فى كتاب النبات : وإنما صغر الجبل على وجه التعظيم ، كما قالوا للداهية : دويهية ، ولم يرد التحقير ، وكيف وقد قال «شاهق الرأس»

وكذا قال ابن السكيت فى شرحه للبيت ، قال : يقول : هو صغير العرض ذاهب فى السماء ، وفويق جبيل أراد أن يكبره بتصغيره كما قال

وكل أناس سوف ... البيت

ويروى «سامق الرأس» و «شاهق الرأس» و «شامخ الرأس» والجميع واحد ، انتهى

وتبعهم ابن هشام فى (1)المغنى ، فقال : ونظير رب فى إفادة التكثير تارة والتقليل أخرى صيغ التصغير ، تقول حجير ورجيل فتكون للتقليل ، وقال :


1) فى مباحث «رب» من الباب الأول من كتاب المغنى

*فويق جبيل شامخ لن تناله - البيت (1)

بقنّته حتّى تكلّ وتعملا

*

وقال لبيد رضى الله عنه :

وكل أناس سوف - البيت

ولم يتعرض له شراحه بشىء

قال الشمنى : تمثيله بجبيل ودويهية للتكثير ، وبحجير ورجيل للتقليل ؛ مبنى على عدم الفرق بين التعظيم والتكثير وبين التحقير والتقليل ، انتهى.

وقال ابن الملا : والتصغير فى كل من فويق وجبيل ليس للتقليل الذى يراد به التحقير ؛ لأن وصفه بما ذكر مناف لحقارته ، بل هو للتعظيم ، وأريد بالدويهية الموت ، ومن ثم قلنا إن تصغيرها للتعظيم إذ لا داهية أعظم من الموت ، ومن زعم أن الداهية إذا كانت عظيمة كانت سريعة الوصول فالتصغير لتقليل المدة فقد تكلّف ، أو أن التصغير على حسب احتقار الناس لها وتهاونهم فيها : أى يجيئهم ما يحتقرونه مع أنه عظيم فى نفس الأمر فقد تعسّف ، هذا كلامه

وهذا مجرد دعوى من غير بيان للتكلف والتعسف

والبيت من قصيدة لأوس بن حجر فى وصف قوس ، ولا بد من نقل أبيات قبله حتى يتضح معناه ، قال بعد ستة أبيات من القصيدة :

وإنّى امرؤ أعددت للحرب بعدما

رأيت لها نابا من الشّرّ أعصلا

أصمّ ردينيّا كأنّ كعوبه

نوى القسب عرّاصا مزجّى منصّلا

عليه كمصباح العزيز يشبّه

لفصح ويحشوه الذّبال المفتّلا

وأبيض هنديّا كأنّ غراره

تلألؤ برق فى حبىّ تكلّلا

إذا سلّ من غمد تأكّل أثره

على مثل مسحاة اللّجين تأكّلا


1) تمامه فى هذه الرواية :

كأنّ مدبّ النّمل يتّبع الرّبا

ومدرج ذرّ خاف بردا فأسهلا

على صفحتيه بعد حين جلائه

كفي بالّذى أبلى وأنعت منصلا

ومبضوعة من رأس فرع شظيّة

بطود تراه بالسّحاب مجلّلا

على ظهر صفوان كأنّ متونه

عللن بدهن يزلق المتنزّلا

يطيف بها راع يجشّم نفسه

ليكلأ فيها طرفه متأمّلا

فلاقى امرأ من بيدعان وأسمحت

قرونته باليأس منها وعجّلا

فقال له هل تذكرنّ مخيّرا

يدلّ على غنم ويقصر معملا

على خير ما أبصرتها من بضاعة

لملتمس بيعا بها أو تبكّلا

فويق جبيل شامخ الرّأس لم تكن

لتبلغه حتّى تكل وتعملا

فأبصر ألهابا من الطّود دونها

يرى بين رأسى كلّ نيقين مهبلا

فأشرط فيها نفسه وهو معصم

وألقى بأسباب له وتوكّلا

وقد أكلت أظفاره الصخر كلّما

تعيّا عليه طول مرقى تسهّلا

فما زال حتّى نالها وهو معصم

على موطن لو زلّ عنه تفصّلا

فلمّا نجا من ذلك الكرب لم يزل

يمظّعها ماء اللّحاء لتذبلا

فلمّا قضى ممّا يريد قضاءه

وصلّبها حرصا عليها فأطولا

أمرّ عليها ذات حدّ دعالها

رفيقا بأخذ بالمداوس صيقلا

فجرّدها صفراء لا الطّول عابها

ولا قصر أزرى بها فتعطّلا

ثم وصفها بعشرة أبيات وقال :

فذاك عتادى فى الحروب إذا التظت

وأردف بأس من حروب وأعجلا

قوله «وإنى امرؤ أعددت» : أى هيأت عدة ، و «أعصل» بمهملتين أعوج قال ابن السكيت فى شرحه : يقول : هى حرب قدمت وأسنّت فهو أشد لها وقوله «أصم ردينيا الخ» هو مفعول أعددت ، والأصم : المصمت الذى لا جوف له

وموصوفه محذوف أى رمحا أصم ، والرمح الرّدينى منسوب إلى ردينة بالتصغير وهى امرأة كانت تقوم الرماح وكان زوجها سمهر أيضا يقوم الرماح ، يقال لرماحه السمهرية ، قال ابن السكيت : الكعب الأنبوب ، ويسمون العقدة كعبا ، وهو المراد هنا ، والقسب : تمر يابس نواه مر صلب ، والعرّاص - بمهملات - الشديد الاضطراب ، والمزجّى : الذى جعل له زجّ بضم الزاى وتشديد الجيم ، وهى الحديدة التى فى أسفل الرمح تغرز فى الأرض ، والمنصّل : الذى جعل له نصل ، وهو السنان وقوله «عليه كمصباح العزيز الخ» المصباح : السراج ، والعزيز : الملك ، وسراجه أشد ضوءا ، ويشبّه : يوقده ، والفصح بالكسر - يوم فطر النصارى ، والذبال بالضم الفتائل ، وكل فتيلة ذبالة ، ويحشوه : أى يحشو موضع الفتائل ، يقول : على ذلك الرمح الأصم سراج كسراج الملك من توقده لارتفاع ناره ، ثم وصف الرمح بثلاثة أبيات أخر. وقال «وأبيض هنديا الخ» هو معطوف على أصم : أى وأعددت أيضا أبيض هنديا وهو السيف ، والغرار بكسر المعجمة حد السيف ، والحبى : ماحبا من السحاب أى ارتفع وأشرف ، وتكلّل السحاب : صار بعضه فوق بعض ، وهو أشد لإضاءة البرق ، وقوله «إذا سل من غمد الخ» سللت السيف من غمده : أى أخرجته من قرابه ، وتأكل : توهج واشتد ، وأثر السيف بالفتح : جوهره ، والمسحاة بالكسر إناء من فضة ، وهو القدح ، واللجين الفضة ، يقول على متن سيف كأنه فضة ، وقوله «كأن مدبّ النمل الخ» المدبّ الموضع الذى يدب فيه ، والرّبا جمع ربوة وهو ما ارتفع من الأرض ، والمدرج كالمدب وزنا ومعنى ، وإنما يتبع النمل الربا لأنه يفر من الندى ، يقول : اشتد على النمل البرد فى أعلى الوادى فأسهل أى أتى السهل فاستبان أثره ، قوله «على صفحتيه» متعلق بمدب النمل ، والجلاء : الصقل قال ابن السكيت : أبلى - بضم الهمزة - أشفيك من نعته وأحدثك عنه ويقال أبلنى يمينا أى طيّب نفسى ، والمنصل - بضم الميم والصاد - السيف. وقوله ومبضوعة

هو معطوف على أصم أيضا : أى وأعددت قوسا مبضوعة أى مقطوعة ، والفرع أعلى الشجرة ، والشظية - بفتح الشين وكسر الظاء المعجمتين - الشقة والفلقة ، وهى صفة لمبضوعة ، والباء فى بطود متعلقة بمحذوف حال من رأس فرع ، وجملة «تراه الخ» صفه لطود ، والرؤية بصرية ، ومفعولها الهاء الراجعة إلى طود ، ومجللا حال من الهاء ، وهو اسم مفعول من جلله بمعنى غطاه وألبسه ، وبالسحاب متعلق به ، وقوله «على ظهر صفوان الخ» قال ابن السكيت : يقول : نبتت على حجر يزلق الرجل المتنزل لملاسته ، وعللن سقين مرة بعد مرة ، وقوله «يطيف بها راع الخ» قال ابن السكيت : يطيف بهذه القوس المبضوعة راع أى حافظ ليجعل طرفه كالئا يحفظ منها منظرا ، والكالئ الحافظ ، وقوله «فلاقى امرء امن بيدعان الخ» قال ابن السكيت : «فعجل به اليأس : أى لم يتحبسّ به اليأس ، هذا الذى رآها لاقى امرءا من بيدعان وهو حى من اليمن من أزد السراة. وقد استشعر اليأس منها ؛ فاستشار الآخر فقال : هل تذكر رجلا يصيب الغنم ويقصر العمل : أى يجىء بعمل قصير ، أراد أنهما تشاورا فدله على الذى رأى فعجلا ، يقول : كان نسى أنه يئس منها فلما دله عليها عجّل إلى ما قال ، وأسمحت قرونته وقرينته جميعا وهى النفس باليأس : أى تابعته نفسه على اليأس ولم تنازعه ، وهذا مثل قولك : لقى فلان فلانا ونسى ما أتى إليه : أى وقد نسى ، انتهى كلامه ، وقوله «فقال له هل الخ» أى : هل تذكرن رجلا يدل على غنيمة ، ويقصر معملا : أى ويقل العمل والعناء : وقوله «على خير ما أبصرتها» قال ابن السكيت : «أى فقال هل تدل على خير ما أبصرتها؟ أى : خير ما أبصرت من بضائع الناس ، والتبكل : التغنم ، يقال : تبكل أى تغنم إن أراد بيعا أو غنما ، وقال : المتبكل الذى يتأكل بها الناس يقول لهذا سوف أبيعك ولهذا سوف أعيرك» انتهى

وقال أبو حنيفة فى كتاب النبات : ميدعان حى من أزد السراة ، وهم أهل

جبال شجيرة ، يقول : إما لأن يبريها وإما لأن يتخذها معاشا لصيد أو غزو ، والتبكل التكسب من هاهنا وهاهنا وأصل البكل الخلط ، والقواسون يطلبون هذه العيدان العتق من مظانها من منابتها ، حيث كانت من السهول والوعور ، ويستدلون عليها الرّعاء وقناص الوعول ويجعلون فيها الجعائل وربما أبصروا الشجرة منها بحيث لا يستطيعه راق ولا نازل فيتدلون عليها بالحبال فى المهاوى والمهالك كما يتدلى من يشتار العسل على الوقاب (1)وأخبرنى بعض الأعراب : قال يطلب القواسون هذه العيدان العتق فان وجدوها مستحكمة اقتطوها ، وإن لم تكن مستحكمة حوضوا حولها وحملوا إليها الماء ، فربما ربوها كذلك سنين حتى تستحكم ، قال : وإذا وجد الرعاء منها شجرة دلوا عليها القواس وأخذوا على ذلك ثوابا. فقلت له : وكم تبلغ القوس عندكم؟ فقال : [تبلغ] إذا كانت جيدة خمسمائة درهم ، وقد ذكر أوس ابن حجر كل ذلك فى وصفه القوس فقال فى منعة منبت عودها : ومبضوعة من رأس فرع الى آخر أبيات ثلاثة ، ثم قال ثم ذكر استرشاده من عسى أن يدله فقال : فلاقى امرأ من ميدعان إلى آخر أبيات ثلاثة ، ثم قال ثم وصف امتناع منبتها وتدلّيه عليه بالحبال فويق جبيل شاهق الرأس إلى آخر الأبيات ، وقوله «فويق» مصغر فوق ، وهو ظرف متعلق بأبصرتها من قوله «على خير ما أبصرتها» فى البيت المتقدم ، والبلوغ : الوصول ، وكلّ يكلّ من باب ضرب كلالة تعب وأعيا ، ويتعدى بالألف ، وتعمل : أى تجتهد فى العمل ، فهو مضمن معنى الاجتهاد ولهذا لم يتعد ، وأصله التعدى ، يقال : عملته أعمله عملا من باب فرح : أى صنعته ، والاجتهاد مقدم فى المعنى على الكلال ، ولا مانع من تأخره لفظا لأن


1) الوقاب : جمع وقب وهو الكوة والنقرة فى الجبل يجتمع فيها الماء

الواو لمطلق الجمع لا تفيد ترتيبا ؛ فقد يكون مدخولها متقدما على سابقه باللفظ ، كقوله تعالى (وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ) وروى «وتعملا» بضم التاء وكسر الميم ، والمعنى وتجهد نفسك أو غيرك فالمفعول محذوف ، وأصل أعمل تعديه إلى مفعولين ، تقول : أعملته كذا أى جعلته عاملا له ، وروى البيت كذا أيضا :

فويق جبيل شامخ لن تناله

بقنّته حتّى تكلّ وتعملا

والنّيل : الإصابة والوصول إلى الشىء ، وقنة الجبل - بضم القاف وتشديد النون - أعلاه كقلته ، باللام ، وقوله «فأبصر ألهابا - الخ» جمع لهب بكسر اللام وسكون الهاء ، قال الجوهرى : هو الفرجة والهواء يكون بين الجبلين ، وأنشد هذا البيت ، والطود : الجبل ، ودونها أى دون المبضوعة ، ودون هنا : بمعنى أمام ، وفاعل أبصر ضمير الرجل من ميدعان ، والنيق - بكسر النون - المشرف من الجبل ، والمهبل - بفتح الميم وكسر الموحدة - المهوى والمهلك ، قال أبو حنيفة : ثم ذكر تدليه عليها بالحبال ومخاطرته بنفسه فقال «فأشرط فيها نفسه - إلى آخر أبيات ثلاثة» وقال ابن السكيت : أشرط نفسه : جعلها علما للموت ، ومنه أشراط الساعة ، ويقال : أشرط نفسه فى ذلك الأمر : أى خاطر بها ، والمعصم والمعتصم واحد ، وهو المتعلق : أى متعلقا بالحبل ، فذلك الذى ألقى من أسباب حباله ، والسبب : الحبل ، والجمع أسباب ، ويصلح أن يكون الواحد سبّا بالكسر ، قال أبو ذؤيب

*تدلّى عليها بين سبّ وخيطة

فالسّب : الحبل ، والخيطة : الوتد ، انتهى. وتوكّل : أى اعتمد على الله ، وقوله «وقد أكلت أظفاره» قال ابن السكيت يتوصل من مكان ثم ينزل بعده وروى «طول مرقى توصّلا» أى توصل من مكان إلى مكان ، كقولك : اجعل هذه وصلة ، وقوله «فما زال حتى نالها» قال ابن السكيت : معصم : مشفق ،

والموطن : الموضع الذى صار إليه ، انتهى ، وتفصل : تقطع : وقوله «فأقبل لا يرجو - الخ» قال ابن السكيت يقول : عسى أن أفلت وأنجو ، وقوله «فلما نجا من ذلك الكرب» هو الشدة ، ويمظّعها بالظاء المعجمة والعين المهملة ، واللّحاء بكسر اللام : قشر العود ، وقال ابن السكيت يمظعها : يشربها ، يقال : مظع الأديم الودك : أى شربه ، يقول : لم يزل يسقيها ماء لحائها ليكون أجود لها ، ولو قشر اللحاء عنها لأفسدها ، وقوله «فلما قضى مما يريد - الخ» صلّبها : يبسها ، يقال : ثمرة مصلبة : أى يابسة ، وأطول : أطال ، وقوله «أمر عليها - الخ» قال ابن السكيت : الرفيق : الحاذق ، والمداوس : المصاقل ، واحدها مدوس ، وهو الذى يصقل به ، وقوله «فجردها صفراء - الخ» قال ابن السكيت : يقول : لو كانت قصيرة لتعطلت وكانت أصغر من أن يرمى عنها ولم تعب من طول فتعطّل : تترك لا تتخذ قوسا ، وقوله «فذاك عتادى - الخ» الاشارة راجعة إلى الرمح والسيف والقوس ، والعتاد : العدة ، والتظت : التهبت.

ويعجبنى قوله بعد هذا بأربعة أبيات :

وإنّى وجدت النّاس إلّا أقلّهم

خفاف العهود يسرعون التّنقّلا

بنى أمّ ذى المال الكثير يرونه

وإن كان عبدا سيّد الأمر حجفلا

وهم لمقلّ المال أولاد علّة

وإن كان محضا فى العشيرة مخولا

وليس أخوك الدّائم العهد بالّذى

يذمّك إن ولّى ويرضيك مقبلا

ولكن أخوك النّاء ما كنت آمنا

وصاحبك الأدنى إذا الأمر أعضلا

وهذا آخر القصيدة : وأراد التنقل عن المودة ، وجحفل : كثير الأتباع ، وجيش جحفل : إذا كان كثير الأصوات ، وقوله «وهم لمقل المال - الخ» أى : يبغضون من لا مال له وإن كان شريفا ، والمحض : الخالص النسب ، ومخول - بفتح الواو - كثير الأخوال ، والناء : البعيد ، حذفت الياء لضرورة الشعر ،

وروى النأى على المصدر ، قال ابن السكيت : صيّر المصدر فى موضع الصفة ، وأعضل الأمر : أشتد

وأوس بن حجر شاعر جاهلى بفتحتى الحاء المهملة والجيم ، وتقدمت ترجمته فى الشاهد الرابع عشر بعد الثلاثمائة من شواهد شرح الكافية.


وأنشد بعده ، وهو الشاهد الأربعون ، وهو من شواهد سيبويه [من الرجز ؛ أو السريع] :

40 - ومهمهين قذفين مرتين

ظهراهما مثل ظهور التّرسين

على أن الشاعر إذا قال قصيدة قبل رويّها ياء أو واو ساكنة مفتوح ما قبلها فهى مردفة ، ولزمه أن يأتى [بالردف] فى جميع القصيدة ، كما فى هذين البيتين ، وتقدم بعض منها فى الشاهد الرابع والعشرين

لم يبق من آى بها يحلّين

وقوله «ومهمين - الخ» الواو واو ربّ ، والمهمه : القفر المخوف ، والقذف - بفتح القاف والذال المعجمة بعدها فاء - البعيد من الأرض ، والمرت - بفتح الميم وسكون الراء المهملة - الأرض التى لا ماء فيها ولا نبات ، والظّهر : ما ارتفع من الأرض ، شبهه بظهر ترس فى ارتفاعه وتعرّيه من النبت ، وجواب رب المقدرة هو قوله جبتهما بالنّعت لا بالنّعتين من جاب الوادى يجوبه جوبا ، إذا قطعه بالسير فيه ، وقد نعتا لى مرة واحدة فلم أحتج إلى أن ينعتا لى مرة ثانية ، وصف نفسه بالحذق والمهارة ، والعرب تفتخر بمعرفة الطرق

وتقدم شرحه بأكثر من هذا فى الشاهد الخامس والثلاثين بعد المائة ، وفى الشاهد الثالث والسبعين بعد الخمسمائة ، من شواهد شرح الكافية


وأنشد بعده ، وهو الشاهد الحادى والأربعون [من الهزج] :

41 - وقد أغدو على أشق

ر يغتال الصّحاريّا

على أنه جمع صحراء ، فلما قلبت الألف بعد الراء فى الجمع ياء قلبت الهمزة التى أصلها ألف التأنيث ياء أيضا ، وهذا أصل كل جمع لنحو صحراء ، ثم يخفف بحذف الياء الأولى فيصير صحارى بكسر الراء وتخفيف الياء مثل مدارى ، ويجوز أن تبدل الكسرة فتحة فتقلب الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها كما فعلوا فى مدارى ؛ وهذان الوجهان هما المستعملان ، والأول أصل متروك يوجد فى الشعر

وقد تقدم الكلام عليه بأبسط من هذا فى الشاهد الثانى والخمسين بعد الخمسمائة.

وأغدو : مضارع غدا غدوّا إذا ذهب غدوة ، وهى ما بين صلاة الصبح وطلوع الشمس ، والأشقر من الخيل : الذى حمرته صافية ، والشّقرة فى الإنسان : حمرة يعلوها بياض ، ويغتال : يهلك ، يقال : اغتاله أى أهلكه ، واستعار يغتال لقطع المسافة بسرعة شديدة ، فإن أصل اغتاله بمعنى قتله على غفلة ، والصحراء من الأرض : الفضاء الواسع ،

والشعر للوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان


وأنشد بعده ، وهو الشاهد الثانى والأربعون

42 - حمي لا يحلّ الدّهر إلّا بأمرنا

ولا نسأل الأقوام عهد المياثق

على أنه حكى أن المياثق لغة لبعض العرب ، وهو جمع ميثاق ، وأصله موثاق قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها ، فكان القياس فى الجمع أن ترجع الواو ، لزوال موجب قلبها ياء

قال أبو الحسن (1)الأخفش فيما كتبه على أمالى أبى زيد : رواه الفراء


1) انظر كتاب النوادر لأبى زيد (ص 64)

«عقد المياثق» أخبرنا بذلك عنه ثعلب ، وهذا شاذ ، والرواية «عهد المواثق» وهو أجود وأشهر (1)

ورواه الصاغانى فى العباب بالياء عن ابن الأعرابى ، قال : الميثاق العهد ، وأخذ الميثاق بمعنى الاستحلاف ، وصارت الواو ياء لانكسار ما قبلها ، والجمع المواثق والمياثيق على اللفظ ، وقد جاء فى الشعر المياثق ، أنشد ابن الأعرابى لعياض ابن درّة الطائى :

حمى لا يحل الدهر ... البيت انتهى

ورواه أبو زيد الأنصارى فى أماليه على القياس ، قال : وقال عياض بن أم درّة الطائى ، وهو جاهلى :

وكنّا إذا الدّين الغلبىّ برى لنا

إذا ما حللناه مصاب البوارق

حمي لا يحل الدّهر إلّا بإذننا

ولا نسأل الأقوام عهد المواثق

الدين : الطاعة ، والغلبي : المغالبة ، وبرى لنا : عرض ، يبرى بريا ، وانبرى ينبرى انبراء ، انتهى.

قال أبو الحسن الأخفش : قال أبو سعيد : حفظى عياض بن درة ، انتهى فعهد المواثق فيه شذوذ واحد ، وهو حذف الياء من مواثيق ، وفى عهد المياثق شذوذان : عدم رجوع الواو ، وحذف الياء بعد المثلثة ؛ ولا يخفى أن الغلبّى - بضم الغين واللام وتشديد الموحدة - ليس مصدرا للمفاعلة ، إنما هو أحد مصادر غلبه يغلبه غلبا بسكون اللام وغلبا بتحريكها وغلبة بالحاق الهاء وغلابية كعلانية وغلبّة كحزقّة وغلبىّ ومغلبة بفتح اللام ، كذا فى العباب ، والمصاب بفتح الميم : اسم مكان من صابه المطر إذا مطر ، والصوب : نزول المطر ، والبوارق : جمع بارقة ، وهى سحابة ذات برق


1) عبارة الأخفش «والرواية الأولى أجود وأشهر»

وأنشد بعده وهو الشاهد الثالث والأربعون [من الوافر] :

43 - وقاء مّا معيّة من أبيه

لمن أوفى بعهد أو بعقد

على أن معيّة مصغر معاوية ، حذفت ألفه عند التصغير فصار معيوية ، فاجتمعت الياء والواو وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت فيها فصار معيّية بثلاث ياءات ، فحذف الياء الثالثة التى هى لام الفعل وفتحت الثانية لأجل الهاء فصار معيّة ، على وزن مفيعة ؛ كذا قال ابن يعيش

وفى الجمهرة لابن دريد : وفى يفى وفاء وأوفى يوفى ، لغتان فصيحتان ، قال الشاعر وقاء ما معية من أبيه البيت

معية : هو ابن الصّمة أخو دريد ، وكان الصمة قتل فى جوار بيبة (1)بن سفيان بن مجاشع ، وكان معيّة أسيرا فى أيديهم ، فقال الصمة وهو يكيد بنفسه هذه القصيدة ، يقول : أما إذا غدرتم فأطلقوا عن ابنى معية ، فان فيه وقاء منى ، انتهى كلامه

والوقاء - بكسر الواو وفتحها بعدها قاف - هو ما وقيت به شيئا ، وما زائدة ، والعهد : الأمان والمواثق (2)والذّمة ، والعقد : إحكام العهد من عقدت الحبل عقدا

والصّمّة - بكسر الصاد المهملة وتشديد الميم - فارس شاعر جاهلى من بنى جشم بن معاوية بن بكر بن هوازن ، وهو والد دريد بن الصمة الذى قتل فى غزوة حنين كافرا


1) بيبة - بفتح الموحدة بعدها ياء مثناة ساكنة فموحدة - سيد مجاشع ، وهو أبو الحارث ابن بيبة الذى خلفه فى سيادة قومه

2) لعله «والموثق» حتى يطابق التفسير المفسر

وأنشد الجاربردى (1)، وهو الشاهد الرابع والأربعون

44 - وهو إذا الحرب هفا عقابه

مرجم حرب تلتظى حرابه

على أن الحرب قد يكون مذكرا كما فى البيت ، فان الهاء من «عقابه» ضمير الحرب

وهذا الرجز أورده الجوهرى فى الصحاح (2)، ونقل كلامه الجاربردىّ برمته ، وهو فيه غير منسوب لأحد ، ولم يتكلم عليه ابن برى فى أماليه بشىء ، وقد وقع فى بعض نسخ الصحاح «تلتقى» بدل «تلتظى» ، وقال الصفدى فى حاشيته عليه : الذى رواه ابن الأعرابى «تلتظى حرابه» بدل «تلتقى» وكذا هو بخط الجوهرى ، والذى وجدته بخط ياقوت «تلتقى» والصواب «تلتظى» كما رواه ابن الأعرابى ، انتهى.

«وهو» ضمير الممدوح بالشجاعة ، قال الجوهرى : وهفا الطائر بجناحه : أى خفق وطار ، وأنشد هذا الرجز ، والعقاب - بالضم - من أعظم جوارح الطير ، شبه الحرب الشديدة به ، والمرجم - بكسر الميم وفتح الجيم - قال الجوهرى : ورجل مرجم : أى شديد كأنه يرجم به معاديه ، والرجم الرمى بالحجارة ، انتهى. وأضافه إلى الحرب لأنه يرجم على الأعداء فيها ، وتلتظى : تلتهب ، جملة حالية ، والحراب - بالكسر - جمع حربة ، يريد أن لها بريقا كشعلة النار ، وصحّفه الجاربردى بالجيم ، فقال : وجراب البئر جوفها من أسفلها إلى أعلاها ، انتهى. والهاء ضمير مرجم ، وإذا : ظرف متعلق بمرجم


وأنشد بعده ، وهو الشاهد الخامس والأربعون [من الرجز]


1) انظر الجاربردى «ص 88» ووقع فيه (من جم حرب) وهو تحريف ظاهر.

2) انظر الصحاح (مادة : ح ر ب) و (ه ف ا)

45 - إنّا وجدنا عرس الحنّاط

لئيمة مذمومة الحوّاط

على أن العرس مؤنثة ، بدليل لئيمة ومذمومة ، والعرس : بضمتين وبضمة فسكون ، قال الجوهرى : والعرس : طعام الوليمة ، يذكر ويؤنث ، قال الراجز :

إنّا وجدنا عرس الحنّاط

لئيمة مذمومة الحوّاط

ندعى مع النّسّاج الخيّاط

والجمع الأعراس والعرسات ، وقد أعرس فلان : أى اتخذ عرسا ، وأعرس بأهله إذا بنى بها ، وكذلك إذا غشيها ، ولا تقل عرّس (أى بالتشديد) والعامة تقوله ، انتهى.

وكذا قال صاحب العباب وزاد بعد البيت الثالث

وكلّ علج شخم الآباط

ثم قال : وقال دكين وقد أتى عرسا فحجب ، فرجز بهم ، فقيل : من أنت؟ فقال : دكين ، فقال [من مشطور الرجز] :

تجمّع النّاس وقالوا عرس

إذا قصاع كالأكفّ خمس

ودعيت قيس وجاءت عبس

ففقئت عين وفاظت نفس (1)

انتهى

وأورد ابن السكيت فى إصلاح المنطق الرجز الأول ، وقال شارح أبياته ابن السيرافى : الحنّاط : بائع الحنطة ، والحوّاط : الذين أحاطوا بالعرس ، وذمها لأن المدعوين فيها الحاكة والخياطون ، انتهى. ولم يتكلم عليه ابن برّى فى أماليه على


1) روى الجوهرى فى مادة «ف ى ظ» البيت الأول والرابع ، وترك الثانى والثالث وفيه «اجتمع الناس - الخ». وفى بعض نسخ الأصل «وفاضت نفس» بالضاد المعجمة ، وكل العلماء يجيزون أن تقول : فاظت نفس فلان ، إلا الأصمعى فانه كان ينكرها ، وهو تابع لأبى عمرو بن العلاء.

الصحاح بشىء ، ولا الصفدى فى حاشيته عليه

وكتب ياقوت الموصلى الخطّاط على هامش الصحاح : الحوّاط : القوم الذين يقومون على رءوس الناس فى الدعوات ، والرجز لدكين الراجز ، انتهى :

وندعى : بضم النون وفتح العين ، والعلج - بكسر العين - الرجل من كفار العجم ، والشّخم - بفتح الشين وكسر الخاء المعجمتين - المنتن

ودكين بالتصغير : راجز إسلامى من معاصرى الفرزدق وجرير ، وهو دكين ابن رجاء من بنى فقيم ، ومدح عمر ابن عبد العزيز وهو والى المدينة ، وله معه حكاية أوردها ابن قتيبة فى كتاب (1)الشعراء


وأنشد بعده ، وهو الشاهد السادس والأربعون [من المتقارب]

46 - عليه من اللّؤم سروالة

على أن السّروالة واحد السراويل ، وتمامه

فليس يرقّ لمستعطف

وقائله مجهول حتى قيل : إنه مصنوع

واللؤم بالهمز الشح ودناءة الآباء ، وتقدم الكلام عليه فى الشاهد الثالث والثلاثين من شرح شواهد الكافية


وأنشد بعده ، وهو الشاهد السابع والاربعون ، وهو من شواهد سيبويه (2)[من الرجز]

قد رويت إلّا الدّهيدهينا

قليّصات وأبيكرينا

47 - على أنه كان القياس دهيدهات وأبيكرات قال سيبويه (3)الدّهداه


1) انظر كتاب الشعراء لابن قتيبة (ص 387 طبع أوربة)

2) انظر الكتاب «2 : 142» وفيه «قد شربت إلا دهيد هينا»

3) انظر الكتاب «2 : 142» وفيه «قد شربت إلا دهيد هينا»

حاشية الإبل ؛ فكانه حقّر دهاده فرده إلى الواحد ؛ وهو دهداه ، وأدخل الياء والنون كما تدخل فى أرضين وسنين ، وذلك حين اضطر فى الكلام إلى أن يدخل ياء التصغير ، وأما أبيكرينا فانه جمع الأبكر [كما يجمع الجزر والطّرق فتقول جزرات وطرقات](1)ولكنه أدخل الياء والنون كما أدخلها فى الدّهيدهين. انتهى كلامه

وقال ابن جنى فى سر الصناعة عند سرد ما جمع بالواو والنون من كل مؤنث معنوى كأرض أو مؤنث بالتاء محذوف اللام كثبة ، ما نصّه : «فإن قلت : فما بالهم قالوا :

قد رويت إلّا الدّهيدهينا الخ

فجمعوا تصغير دهداه ، وهو الحاشية من الإبل ، وأبكرا ، وهو جمع بكر بالواو والنون ، وليسا من جنس ما ذكر؟ فالجواب أن أبكرا جمع بكر ، وكل جمع فتأنيثه سائغ مستمر لأنه جماعة فى المعنى ، وكأنه قد كان ينبغى أبكرة ، وإذا ثبت أن أفعلا من أمثلة الجموع يجوز فى الاستعمال والقياس تأنيثه ، فصار إذن جمعهم إياها بالواو والنون فى قوله «أبيكرونا» إنما هو عوض من الهاء المقدرة ، فجرى مجرى أرض فى قولهم ؛ وأما «دهيدهينا» فان واحده دهداه فهو نظير الصّرمة فكأن الهاء فيها لتأنيث الفرقة ، كما أن الهاء فى عصبة لتأنيث الجماعة ، فكأنه كان فى التقدير دهداهة ، فجمع بالواو والنون تعويضا من الهاء المقدرة ، قال أبو على : وحسن أيضا جمعه بالواو والنون أنه قد حذفت ألف دهداه فى التحقير ، ولو جاء على الأصل لقيل دهيديه ، فواحد «دهيدهينا» إنما هو دهيده ، وقد حذفت الألف من مكبره ، فكان ذلك أيضا مسهّلا للواو والنون وداعيا إلى التعويض بهما ، انتهى.


1) الزيادة عن سيبويه فى الموضع المذكور

والبيتان من رجز أورده أبو عبيد فى الغريب المصنف ، قال : الحاشية صغار الإبل ، والدّهداه مثل ذلك ؛ قال الراجز :

يا وهب فابدأ ببنى أبينا

ثمّت ثنّ ببنى أخينا

وجيرة البيت المجاورينا

قد رويت إلّا الدّهيدهينا

إلّا ثلاثين وأربعينا

قليّصات وأبيكرينا

وقليصات : جمع مصغر قلوص ، وهى الناقة الشابة ، وأبيكرين : جمع أبيكر مصغر أبكر ، وهو جمع بكر بالفتح ، وهو فى الإبل بمنزلة الشابّ فى الناس.

وقد تكلمنا عليه بأبسط من هذا فى الشاهد الثالث والثمانين بعد الخمسمائة من شواهد شرح الكافية


وأنشد بعده وهو الشاهد الثامن والأربعون [من السريع] :

48 - فى كلّ يوم مّا وكلّ ليلاه

على أن «ليلاه» فى معنى ليلة ، وعليه جاء التصغير فى قولهم : لييلية ، وجاء الجمع أيضا فى قولهم اللّيالى

قال ابن جنى فى باب الاستغناء بالشىء عن الشىء من الخصائص (1): «ومن ذلك استغناؤهم بليلة عن ليلاه ، وعليها جاءت ليال ، على أن ابن الأعرابى قد أنشد :

فى كلّ يوم مّا وكلّ ليلاه

حتّى يقول كلّ راء إذ رآه

ياويحه من جمل ما شقاه

وهذا شاذ لم يسمع إلا من هذه الجهة

وقال فى المحتسب أيضا : «فأمّا أهال فكقولهم ليال ، كأن واحدهما أهلات


1) انظر كتاب الخصائص «: 275»

وليلاة ، وقد مر بنا تصديقا لقول سيبويه فان واحدهما فى التقدير ليلاة ما أنشده ابن الأعرابى :

فى كلّ يوم مّا وكلّ ليلاه

حتّى يقول من رآه إذ رآه

وقال السيوطى فى شرح أبيات المغنى : ونقل ابن جنى فى ذى القد (1)عن أبى على أنه أراد «وكل ليلة» ثم أشبع فتحة اللام ، فصارت ليلاة ، انتهى :

وفى العباب للصاغانى «يقال : كان الأصل ليلاة فحذفت الألف لأن تصغيرها لييلية» وقال الفراء : ليلة كانت فى الأصل ليلية ، ولذلك صغرت لييلية ، ومثلها الكيكة البيضة ، كانت فى الأصل كيكية ، وجمعها الكياكى ، انتهى.

«فى كل يوم ما - الخ» متعلق الجار فى بيت قبله لم أقف عليه ، والمعنى أعمله فى كل يوم وكل ليلة ، وأنشد السيوطى بعده البيتين فقال ابن الملا فى شرح المغنى : فى متلعقة بقوله ما أشقاه ، ولم يذكر البيت الآخر ، وما زائدة ، ورواه ابن الملا «فى كل ما يوم» وقال : ما زائدة ، وقوله «إذ رآه» بحذف الهمزة ، وهى عين الكلمة. والويح : كلمة ترحم تقال لمن وقع فى هلكة لا يستحقها ، و «من جمل» بيان للضمير فى ويحه ، و «ما أشقاه» تعجب

وهذا الرجز لم أقف على قائله ، والله أعلم به


وأنشد بعده ، وهو الشاهد التاسع والأربعون [من البسيط] :

49 - أما أقاتل عن دينى على فرس

ولا كذا رجلا إلّا بأصحاب

على أن رجلا بمعنى راجل ، قال ابن يعيش (2): ومن تصغير الشاذ قولهم رويجل فى تصغير رجل ، وقياسه رجيل ، كأنهم صغروا راجلا فى معنى رجل وإن لم


1) كذا فى الأصول ، وهو تصحيف لم يتضح لنا وجه الصواب فيه ، وقد رجعنا الى النسخ المطبوعة والخطية من شرح أبيات المغنى للسيوطى فلم نجد هذا النقل عند الكلام على هذا الشاهد ، وقد مرت عبارة ابن جنى نقلا عن الخصائص

2) انظر شرح المفصل «5 : 133» وفيه فى رواية البيت «أو هكذا رجلا»

لم يظهر به استعمال ، كما قالوا : رجل فى معنى راجل ، وأنشد البيت ، ثم قال : فكأنهم صغروا لفظا وهم يريدون آخر والمعنى فيهما واحد ، انتهى. وفى نوادر أبى زيد (1)قال حيى بن وائل وأدرك قطريا [ابن الفجاءة](2)الخارجى أحد بنى مازن :

أما أقاتل عن دينى على فرس

ولا كذا رجلا إلا بأصحاب

لقد لقيت إذن شرا وأدركنى

ما كنت أزعم فى خصمى من العاب

قال أبو عمر الجرمى (3): رجل راجل ، قال السكرى : قوله رجلا معناه راجل ، كما يقول العرب جاءنا فلان حافيا رجلا أى راجلا كأنه قال : أما أقاتل فارسا ولا كما أنا راجلا إلا ومعى أصحاب لقد لقيت إذن شرا لو أنى أقاتل وحدى ويقال راجل ورجال ، قال تعالى : (فَرِجالاً أَوْ رُكْباناً) وكذلك (يَأْتُوكَ رِجالاً [وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ] (4)) وراجل ورجلة ورجل ورجّال ورجالى ، والعاب العيب انتهى. والأول : ما بعد الآية على وزن فاعل ، والثانى على وزن فعلة : - بفتح الفاء وسكون العين - والثالث : على وزن فعل بفتح الفاء وسكون العين ؛ والرابع : على وزن فعّال بضم الفاء وتشديد العين ؛ والخامس : فعالى بضم الفاء وتخفيف العين والقصر ، قوله «لقيت إذا شرا لو أنى أقاتل وحدى» كذا رأيته فى نسخة قديمة صحيحة ، ورواه أبو الحسن الأخفش : أى إنى أقاتل وحدى ؛ أى «إنى» موضع «لو» والمعنى عليه كما يظهر بالتأمل ، ويؤيده أن غير أبى زيد روى أن حيى بن وائل خرج راجلا يقاتل السلطان ، فقيل له : أتخرج راجلا [تقاتل](5)؟ فقال : أما أقاتلهم إلا على فرس ، كذا قال الأخفش ، وقال : قال أبو حاتم : قوله «أما


1) انظر النوادر «ص 5»

2) الزيادة عن النوادر فى الموضع المذكور

3) هذا الكلام بعينه فى نوادر أبى زيد «ص 5» عن أبى حاتم ، وسيأتى التصريح به

4) الزيادة عن تعليقات أبى الحسن الاخفش على نوادر أبى زيد

5) الزيادة عن تعليقات أبى الحسن الاخفش على نوادر أبى زيد

مخفف الميم مفتوح الألف ، واحترز بهذا الضبط عن القراءة بكسر الهمزة وتشديد الميم فتكون أما بالتخفيف استفتاحية

وحيىّ - بضم الحاء المهملة وفتح المثناة التحتانية الأولى وتشديد الثانية - : رجل من الخوارج

وفى نسخ الشرح «أو هكذا رجلا إلا بأصحاب» وكذا فى شرح الجاربردى فى باب الجمع ، وقال : معنى البيت الإنكار على من يرى أن مقاتلة هذا الشاعر لا تجوز إلا حال مصاحبته مع أصحابه ، فقال : لم لا أقاتل منفردا سواء أكون فارسا أو راجلا ، انتهى.

وهذا المعنى مراده قطعا ، لكن فى أخذه من البيت خفاء وفى تركيبه (1)تعقيد وقلاقة وينظر فى هذا الاستثناء (2)

ثم رأيت فى أمالى الصحاح لابن برى قال بعد أن نقل كلام أبى زيد ما نصه : وقال ابن الاعرابى : قوله «ولا كذا» : أى ما ترى رجلا (3)، وقال المفضل : أما خفيفة بمعنى ألا ، وألا تنبيه يكون بعدها أمر أو نهى أو إخبار [فالذى بعد أما هنا إخبار](4)كأنه قال : أما أقاتل فارسا وراجلا ، وقال أبو على فى الحجة بعد أن حكى عن أبى زيد ما تقدم : فرجل على ما حكى أبو زيد صفة ومثله ندس وفطن وحذر


1) فى نسخ الأصل وفى تركبه ، وهو تحريف

2) قد نظرنا فى هذا الاستثناء على المعنى الذى ذكره الجاربردى فوجدناه استثناء مفرغا والمستثنى منه المقدر عموم الأحوال ، وكأن فى الاستفهام الذى أجاب عنه الشاعر بالبيت الشاهد حذف الواو مع ما عطفت ، وكأنهم قالوا له : أتخرج راجلا ومنفردا

3) الذى فى اللسان عن ابن الأعرابى : «أى ما ترى رجلا كذا»

4) الزيادة عن اللسان عن المفضل وهى ضرورية

وأحرف نحوها ، ومعنى البيت كأنه يقول : اعلموا أنى أقاتل عن دينى وعن حسبى وليس تحتى فرس ولا معى أصحاب ، انتهى كلام ابن برى

المنسوب

أنشد فيه ، وهو الشاهد الخمسون [من الطويل] :

50 - كأنّ مجرّ الرّامسات ذيولها

عليه قضيم نمّقته الصّوانع

على أن فيه حذف مضاف ، والتقدير كأن أثر مجر أو موضع مجر ، ومجرّ مصدر ميمى مضاف لفاعله ، وذيولها : مفعوله ، ولا يجوز أن يكون اسم مكان ؛ فانه لا يرفع فضلا عن أن ينصب ، وكذا اسم الزمان والآلة ، وإنما كان بتقدير مضاف لأنه إن كان مصدرا فلا يصلح الإخبار عنه بقضيم ، وإن كان اسم مكان فلا يصح نصبه المفعول ، وروى بجر «ذيولها» فيكون بدلا من الرامسات بدل بعض ، وعليه فالمجر اسم مكان ولا حذف

وقال ابن برى فى شرح أبيات الإيضاح لأبى على : قال أبو الحجاج : بل لا بد من اعتقاد محذوفات ثلاثة يصح بها المعنى ، تقديرها كأنّ أثر موضع مجر الرامسات ذيولها نقش قضيم ، والرامسات : الرياح الشديدة الهبوب ، من الرّمس وهو الدفن ، وذيولها : مآ خيرها ، وذلك أن أوائلها تجىء بشدة ثم تسكن ، والقضيم - بفتح القاف وكسر الضاد المعجمة - حصير منسوج خيوطه سيور ، وقال ابن برى : القضيم الجلد الأبيض عن الأصمعى وغيره ، وقال يعقوب : الصحيفة البيضاء ، وقال أيضا : هو النّطع الأبيض ، وقال صاحب العين : هو الحصير المنسوج تكون خيوطه سيورا بلغة أهل الحجاز ، شبه آثار الديار بنقش على ظهر مبناة ، انتهى

قال شارح ديوان النابغة : شبه آثار هذه الرامسات فى هذا الرسم بحصير من

جريد أو أدم ترمله الصوانع : أى تعمله وتخرزه ، ومن فسر القضيم بجلد أبيض يكتب فيه كالأندلسى وابن يعيش والجاربردى لم يصب ، فان الصوانع جمع صانعة ، والمعهود فى نساء العرب النسيج وما أشبهه لا الكتابة ، والمعنى يقتضيه أيضا ، فإن الرّمل الذى تمر عليه الريح يشبه الحصير المنسوج ، والعرب لا تعرف الكتابة رجالها فضلا عن نسائها ، وإنما حدث فيها الخطّ والكتابة فى الإسلام

وقال بعض فضلاء العجم فى شرح أبيات المفصل : يقول : كأن أثر جرّ الرياح الرامسات ذيولها على ذلك الربع قضيم : أى خطوط قضيم زينته بالكتابة النساء الحاذقات للكتابة ، أو كأن موضع الرامسات قضيم ، شبه آثار جر الرياح بالخطوط فى القضيم ، أو موضعها الذى (1)هبت عليه بالقضيم المنمّق ؛

وفى البيت سؤال وجواب ؛ أما السؤال فان المجر اسم مكان ، وقد عمل فى ذيولها ، وبيان كونه اسم مكان أنه أخبر عنه بقضيم ، ولا يستقيم المجر بمعنى الجر لأنه يؤدى إلى تشبيهه وهو معنى بالرّقّ وهو عين ، ولا معنى لذلك ، والجواب أن اسم المكان لا يعمل باستقراء لغتهم ، وإذا وجدنا ما يخالفه وجب تأويله ، وله هنا تأويلان : أحدهما : تقدير مضاف قبل مجر ، والمجر مصدر ، والتقدير كأنّ موضع جر الرامسات ، وهو خير من تقدير أثر ؛ لئلا يحصل ما هرب عنه من الإخبار بقضيم إذ الأثر يشبه بالكتابة لا بالرق ، وغرضنا هنا التشبيه بالرق ، ولقائل أن يقول : لعل من قال إن تقديره كان أثر جر الرامسات قدر قبل قضيم مضافا محذوفا ، وهو خطوط قضيم ؛ فيصح المعنى ، والثانى : أن يكون مجر موضعا على ظاهره ، والمضاف محذوف من الرامسات ، كأنه قال : مجر جرّ الرامسات ، هذا كلامه وهو ملخص من شرح المفصل للأندلسى ، وقد نقله ابن المستوفى فى شرح أبيات المفصل ، ورد قوله «تقدير موضع خير من تقدير أئر» بأنه لا فرق بينهما لأن أثر الجر وموضع الجر واحد ؛ إلا أن يتوهم متوهم أن أثره ما بقى من فعله ، وموضعه مكان فعله ، انتهى :


1) فى اصول الكتاب «التى» وهو تحريف

وقوله «والثانى أن يكون مجر موضعا - الخ» قال الأندلسى : والوجه الثانى أن يكون مجر موضعا على ظاهره ، والمضاف محذوف من الرامسات ، كأنه قال : كأن مجرجر الرامسات ، ويتأكد هذا بأمرين : أحدهما : مطابقة المشبه بالمشبه به ؛ لأن فيه ذكر الموضع أولا والأثر ثانيا ، كما أن المشبه به ذكر فيه الرق أولا والتنميق ثانيا ، والآخر أن المحذوف مدلول عليه بمجرّ لأن مجرّا معناه الجر ، فلم يقدر إلا بما دل عليه ، بخلاف التقدير الأول ؛ فان المؤدى إليه امتناع استقامته فى الظاهر ، وهو موجود بعينه هاهنا مع الوجهين الآخرين ، ويضعف من جهة أن «ذيولها» تكون منصوبة بمصدر مقدر ، والنصب بالمصدر المقدر لا يكاد يوجد ، ومن أجل ذلك قدم التقدير الأول ، انتهى.

والبيت من قصيدة للنابغة الذبيانى ، قال بعد بيتين من أولها :

توهّمت آيات لها فعرفتها

لستّة أعوام وذا العام سابع

رماد ككحل العين ما إن تبينه

ونؤى كجذم الحوض أثلم خاشع

كأنّ مجرّ الرّامسات ذيولها

عليه قضيم نمّقته الصّوانع

على ظهر مبناة جديد سيورها

يطوف بها وسط اللطيمة بائع

توهمت : تفرست ، وآيات الدار : علامات دار الحبيبة لاندراسها ، واللام بمعنى بعد ، ورماد ونؤى استئناف لتفسير بعض الآيات : أى بعض الآيات رماد وبعضها نؤى ، وإن : زائدة ، وتبينه : تظهره ، وفاعله إما ضمير ديار الحبيبة وإما ضمير المخاطب ، والنّؤى - بضم النون وسكون الهمزة - حفيرة تحفر حول الخباء ، ويجعل ترابها حاجزا لئلا يدخل المطر ، والجذم بكسر الجيم وسكون الذال المعجمة : الأصل ، والباقى. والخاشع : اللاطىء بالأرض قد اطمأن وذهب شخوصه ، وقوله «كأن مجر الخ» ضمير عليه راجع إلى النؤى ، وقال بعض شراح الشواهد : راجع إلى الربع ، وليس الربع مذكورا فى الشعر ، وإنما قاله على

التخمين ، ونمّقته : حسنته ، والصوانع : جمع صانعة ، من الصنع بالضم وهو إجادة الفعل ، وليس كل فعل صنعا (1)، ولا يجوز نسبته إلى الحيوان غير الآدمى ولا إلى الجمادات وإن كان الفعل ينسب إليها ، وقوله «على ظهر مبناة - الخ» المبناة - بكسر الميم وسكون الموحدة بعدها نون - النطع بكسر فسكون وبفتحتين وكعنب بساط من أديم ، وقال ابن برى : المبناة هى كالخدر تتخذ للعروس يبنى بها زوجها فيه (2)، ولذلك سميت مبناة ، وكانوا ينقشون النّطع بالقضيم وهى الصحف البيض تقطع وينقش بها الأدم تلزق عليه وتخرز ؛ وقال الأصمعى : كانوا يجعلون الحصير المزين المنقوش على نطع ثم يطوفون به للبيع ، قال قطرب : وسمى المسك لطيمة لأنه يجعل على الملاطم ، وهى الخدود ، انتهى. وقال غيره : واللطيمة بفتح اللام وكسر الطاء سوق فيها بزّ وطيب ، يقول : القضيم الذى هو الحصير على هذا النطع يطوف بها بائع فى الموسم ، قال الأصمعى : كان من يبيع متاعا يفرش نطعا ويضع عليه متاعه ، والنطع يسمى مبناة ، فيقول : نشر هذا التاجر حصيرا على نطع ، وإنما سميت مبناة لأنها كانت تتخذ قبابا ، والقبة والبناء سواء ، والأنطاع يبنى بها القباب

والنابغة الذبيانى شاعر جاهلى ترجمناه فى الشاهد الرابع بعد المائة من شواهد شرح الكافية


وأنشد بعده ، وهو الشاهد الحادى والخمسون [من الرجز] :

51 - ذكّرتنى الطّعن وكنت ناسيا


1) فى الأصول «وليس كل صنع فعلا» وهو مخالف لما ذكره من قبل ومن بعد فى تفسير الصنع ؛ إذ الصنع فعل وزيادة قيد ، فهو أخص مطلقا ، والفعل أعم مطلقا ، فكل صنع فعل وليس كل فعل صنعا

2) فى أصول الكتاب «فيها» والأنسب لما قبله ولما بعده ما ذكرناه

على أنه مثل يضرب فى الحديث يستذكر به حديث غيره

وأول من قاله رهيم ابن حزن الهلالى ، وكان انتقل بأهله وماله من بلده يريد بلدا آخر ، فاعترضه قوم من بنى تغلب ، فعرفوه وهو لا يعرفهم ، فقالوا له : خلّ ما معك وانج بنفسك ، قال لهم : دونكم المال ولا تتعرضوا للحرم ، فقال له بعضهم : إن أردت أن نفعل ذلك فألق رمحك ، فقال : وإن معى لرمحا؟ فشدّ عليهم ، فجعل يقتل واحدا بعد واحد ، وهو يرتجز ويقول :

ردّوا على أقربها الأقاصيا

إنّ لها بالمشرفىّ حاديا

ذكّرتنى الطّعن وكنت اسيا

وقيل : إن أصله أن رجلا حمل على رجل ليقتله ، وكان فى يد المحمول عليه رمح فأنساه الدهش ما فى يده ، فقال له الحامل : ألق الرمح ؛ فقال الآخر : إن معى رمحا لا أشعربه؟

ذكّرتنى الطّعن وكنت ناسيا

فحمل على صاحبه فطعنه حتى قتله أو هزمه ، يضرب فى تذكر الشىء بغيره ، ويقال : إن الحامل صخر بن معاوية السلمى ، والمحمول عليه يزيد بن الصّعق ، كذا فى غاية الوسائل إلى معرفة الأوائل تأليف إسماعيل بن هبة الله الموصلى الشافعى ، واقتصر الزمخشرى فى مستقصى الأمثال على القول الأول والثالث

وقوله «ردوا على أقربها» الضمير للابل ، والأقاصى : جمع أقصى وهو البعيد ، والمشرفى - بفتح الميم والراء - السيف نسبة إلى مشارف على خلاف القياس (1)، ومشارف - بفتح الميم - اسم قرية يعمل فيها السيوف الجيدة ،


1) اعلم أن العلماء قد اختلفوا فى مشارف ، أهو اسم لجمع من القرى يقال لكل قرية منها مشرف أم هو اسم لقرية واحدة ، وأصله جمع فسمى به ، فمن ذهب إلى الأول فان النسب إليه حينئذ بقولهم مشرفى قياس ، لأنه جمع والجمع يرد إلى أصله ، ومن ذهب إلى الثانى فالواجب أن ينسب إليه على لفظه فقيال مشار فى ، ومشرفى شاذ ، وهذا هو الذى ذهب إليه المؤلف

والحادى : السائق ، ورهيم : مصغر رهم بضم الراء وسكون الهاء ، وروى مكبرا أيضا ، وحزن - بفتح الهاء المهملة وسكون الزاى - وهو شاعر جاهلى


وأنشد بعده ، وهو الشاهد الثانى والخمسون [من السريع]

52 - وكنت كالسّاعى إلى مثعب

موائلا من سبل الرّاعد

ضربه هنا مثلا ، وهو كقوله :

المستجير بعمرو عند كربته

كالمستحير من الرّمضاء بالنّار

والبيت لسعيد بن حسان ، وقبله :

فررت من معن وإفلاسه

إلى اليزيدىّ أبى وافد

ومعن : هو معن بن زائدة الجواد المشهور المضروب [مثلا] فى الجود والكرم ، وكان من أمراء الدولة الأموية والدولة العباسية ، وإنما قال «وإفلاسه» لأن الإفلاس لازم للكرام فى أكثر الأيام ، واليزيدى : هو أحد أولاد يزيد بن عبد الملك ، والساعى : من سعى الرجل إلى صاحبه : أى ذهب إليها ، والمثعب - بفتح الميم وسكون المثلثة وفتح العين المهملة - قال الجوهرى : هو أحد مثاعب الحياض ، وانثعب الماء : جرى فى المثعب ، والموائل : اسم فاعل من واءل منه على وزن فاعل : أى طلب النجاة وهرب ، والموئل : الملجأ ، وقد وأل يئل وألا : أى لجأ ، والسّبل بالسين المهملة والباء الموحدة المفتوحتين : هو المطر ، والراعد : سحاب ذو رعد ، ويقال : رعدت السماء رعدا من باب قتل ورعودا : لاح منها الرعد ، يقول أنا فى التجائى إليه كالهارب من السحاب ملتجئا إلى الميزاب ؛ فقد وقعت فى أشد مما هربت منه ، ولم أر هذين البيتين إلا فى تاريخ يمين الدولة محمود بن سبكتكين للعتبى ، أوردهما تمثيلا ، ونسبهما إلى سعيد المذكور.


وأنشد بعده ، وهو الشاهد الثالث والخمسون [من الطويل] :

53 - ولست بنحوىّ يلوك لسانه

ولكن سليقىّ أقول فأعرب

على أن السليقى فى النسبة لسليقة شاذ

قال صاحب العباب : السليقة : الطبيعة ، يقال : فلان يتكلم بالسليقة : أى بطبعه لا عن تعلم ، وفى حديث أبى الأسود الدؤلى أنه وضع النحو حين اضطرب كلام العرب فغلبت السليقية : أى اللغة التى يسترسل فيها المتكلم بها على سليقته من غير تعهد إعراب ولا تجنب لحن ، قال :

ولست بنحوىّ يلوك لسانه البيت

ولم يتكلم عليه ابن برى فى أماليه على الصحاح ، ولا الصفدى فى حاشيته عليه ، وكذا أورده ابن الأثير فى النهاية غير منسوب إلى قائله

والنحوى : الرجل المنسوب إلى علم النحو ، ويلوك لسانه : من لاك الشىء فى فمه ، إذا علكه ، يريد التكلف والتصنع فى الكلام ، وسليقى : خبر مبتدأ محذوف : أى أنا سليقى ، والقياس سلقى كحنفى فى النسبة إلى حنيفة ، وأعرب :

من الإعراب ، وهو القول المفصح عما فى الضمير ، وجملة «أقول - إلخ» صفة كاشفة لسليقى.

ولم أقف على قائله ، والله سبحانه أعلم


وأنشد بعده ، وهو الشاهد الرابع والخمسون [من الوافر]

54 - جرى الدّميان بالخبر اليقين

على أنه شاذ ، والقياس الدّمان ؛ لما سيأتى فى البيت الذى بعده

وقد أوردنا ما قيل فيه مستوفى فى الشاهد الخامس والستين بعد الخمسمائة من شرح شواهد شرح الكافية

وهذا المصراع من أبيات ثلاثة لعلى بن بدّال السّلمىّ ، رواها ابن دريد فى المجتبى ، وهى :

لعمرك إنّنى وأبا رباح

على حال التّكاشر منذ حين

لأبغضه ويبغضنى وأيضا

يرانى دونه وأراه دونى

ولو أنّا على جحر ذبحنا

جرى الدّميان بالخبر اليقين

والتكاشر : المباسطة فى الكشر وهو التبسم ، ورواه ابن دريد فى الجمهرة كذا

على طول التّجاور منذ حين

والجحر - بضم الجيم وسكون الحاء - : الشق فى الأرض ، وقوله «جرى الدميان الخ» أراد بالخبر اليقين ما اشتهر عند العرب من أنه لا يمتزج دم المتباغضين ، وهذا تلميح ، قال ابن الأعرابى : معناه لم يختلط دمى ودمه من بغضى له وبغضه لى ، بل يجرى دمى يمنة ودمه يسرة

وقد استقصينا الكلام على معناه وإعلاله هناك ، فليراجع ثمة


وأنشد بعده ، وهو الشاهد الخامس والخمسون [من الكامل] :

55 - يديان بيضاوان عند محلّم

على أنه شاذ ، والقياس يدان بدون ردّ اللام المحذوفة ؛ لأن هذه اللام لم ترد عند الإضافة إذا قلت : يده

قال ابن يعيش : وإذا لم يرجع الحرف الساقط فى الإضافة لم يرجع فى التثنية ، ومثاله يد ودم ؛ فانك تقول : دمان ويدان ، فلا ترد الذاهب ؛ لأنه لا يرد فى الإضافة ؛ فأما قوله :

يديان بيضاوان ... البيت

(8 - 2 ق)

وقول الآخر :

جرى الدّميان ... البيت

وحمله (1)أصحابنا على القلة والشذوذ وجعلوه من قبيل الضرورة ، والذى أراه أن بعض العرب يقول فى اليد يدا فى الأحوال كلها ، يجعله مقصورا كرحى وفتى ، وتثنيته على هذه اللغة يديان ، مثل رحيان ، يقال منقوصا ومقصورا ، وعليه قول الشاعر :

فلسنا على الأعقاب تدمى كلومنا

ولكن على أقدامنا يقطر الدّما

انتهى :

وقد أشبعنا الكلام عليه فى الشاهد الرابع والستين بعد الخمسمائة ، وتمامه :

قد يمنعانك أن تضام وتهضما

ومحلّم - بكسر اللام - : اسم رجل ، وضامه يضيمه بمعنى ظلمه ، وكذا ، هضمه وفيه روايات أخر ذكرناها هناك


وأنشد هنا الجاربردى ، وهو الشاهد السادس والخمسون [من الطويل]

56 - فلسنا على الأعقاب تدمى كلومنا

ولكن على أقدامنا يقطر الدّما

على أن دما أصله دمى تحرك الياء وانفتح ما قبلها فانقلبت ألفا فصار دما كما فى البيت ، وهذا إنما يتم إذا كان فتح الميم قبل حذف اللام ، وعلى أنّ يقطر بالمثناة التحتية ، وعلى أن الدما بمعنى الدم ، وفى كل منها بحث ذكرناه مفصلا فى الشاهد السادس والستين بعد الخمسمائة من شواهد شرح الكافية ، والأعقاب :


1) كذا فى الأصول وفى شرح المفصل لابن يعيش (4 : 151) وخير من هذا أن يقال «فحمله أصحابنا» على أن يكون ذلك جواب أما ، وتوجيه عبارته ن يجعل الجواب محذوفا مقترنا بالفاء والمذكور معطوف عليه

جمع عقب - بفتح فكسر - وهو مؤخر القدم ، والكلوم : جمع كلم - بفتح فسكون - وهو الجرح ، يقول إذا جرحنا فى الحرب كانت الجراحات فى مقدمنا لا فى مؤخرنا ، وسالت الدماء على أقدامنا لا على أعقابنا ، وتقدم بقية الكلام هناك


وأنشد بعده وهو الشاهد السابع والخمسون [من الطويل] :

57 - هما نفثا فى فىّ من فمويهما

على أنه من قال فى التثنية فموان قال فى النسبة فموى ، وفيه الجمع بين البدل والمبدل منه وهى الميم والواو ، وتقدم بسط الكلام عليه فى الشاهد السادس والعشرين بعد الثلاثمائة من شرح شواهد شرح الكافية ، وتمامه

على النّابح العاوى أشدّ رجام

وضمير التثنية لابليس وابن إبليس ، ونفثا : القيا على لسانى ، وأراد بالنابح هنا من تعرض لهجوه من الشعراء ، وأصله فى الكلب ، ومثله العاوى ، والرّجام : مصدر راجمه بالحجارة : أى راماه ، وراجم فلان عن قومه إذا دفع عنهم ، جعل الهجاء فى مقابلة الهجاء كالمراجعة ؛ لجعله الهاجى كالكلب النابح

والبيت آخر قصيدة للفرزدق قالها فى آخر عمره تائبا إلى الله تعالى مما فرط منه من مهاجاته الناس ، وذم فيها إبليس لإغوائه إياه فى شبابه ، وقد أوردنا غالب أبيات القصيدة هناك


وأنشد بعده وهو الشاهد الثامن والخمسون [من الطويل]

58 - تزوّجتها راميّة هرمزيّة

بفضل الّذى أعطى الأمير من الرّزق

على أنه جاء النسبة إلى الجزأين فى رامهرمز ، قال أبو حيان فى الارتشاف : وتركيب المزج تحذف الجزء الثانى منه ، فتقول فى بعلبك : بعلىّ ، وأجاز الجرمى

النسب إلى الجزء الثانى مقتصرا عليه ، فتقول : بكّىّ ، وغير الجرمى كأبى حاتم لا يجيز ذلك إلا منسوبا إليهما قياسا على «رامية هرمزية» أو يقتصر على الأول ، انتهى

قال ياقوت فى معجم البلدان : معنى رام بالفارسية المراد والمقصود ، وهرمز أحد الأكاسرة ، فكأن هذه اللفظة مركبة معناها المقصود هرمز

وقال حمزة : رامهرمز : اسم مختصر من رامهرمز أردشير ، وهى مدينة مشهورة بنواحى خورستان ، والعامة يسمونها رامز كسلا منهم من غير تتمة اللفظ ، وفى رامهرمز يجتمع النخل والجوز والثلج والأترج ، وليس ذلك يجتمع بغيرها من مدن خورستان ، وقد ذكرها الشعراء ، فقال ورد بن الورد الجعدى :

أمغتربا أصبحت فى رامهرمز

ألا كلّ كعبىّ هناك غريب

إذا راح ركب مصعدون فقلبه

مع المصعدين الرّائحين جنيب

ولا خير في الدّنيا إذا لم تزر بها

حبيبا ولم يطرب إليك حبيب

انتهى

وقوله «رام بمعنى المقصود» هذا غير معروف فى تلك اللغة ، وإنما معناها عندهم : المطيع ، والمنقاد ، واسم يوم من أيام كل شهر. والفضل : الزيادة ، والرزق :

ما يعطى الجندى فى الشهر أو فى السنة من بيت مال المسلمين

والبيت أنشده صاحب العباب ولم يعزه إلى أحد ، وقال الشاطبى : أنشده السيرافى غفلا ، ولم أقف على قائله ولا تتمته ، والله أعلم


وأنشد بعده ، وهو الشاهد التاسع والخمسون [من الطويل]

59 - طبيب بما أعيا النّطاسىّ حذيما

على أن الأصل «ابن حذيم» فحذف ابن لظهور المراد وشهرته عند المخاطب ، وهو بكسر الحاء المهملة وسكون الذال المعجمة وفتح المثناة التحتية ، قال ابن الأثير

فى المرصع : ابن حذيم : شاعر فى قديم الدهر ، يقال : إنه كان طبيبا حاذقا يضرب به المثل فى الطب ، فيقال : أطبّ بالكى من ابن حذيم ، وسماه أوس حذيما فقال

عليم بما أعيا النّطاسىّ حذيما

انتهى :

وقال ابن السكيت فى شرح ديوان أوس : حذيم : رجل من تيم الرباب ، وكان متطببا عالما ، هذا كلامه

فعنده أن الطبيب حذيم لا ابن حذيم ، وتبعه صاحب القاموس ، فلا حذف فيه ولا شاهد ، وبقية الكلام عليه مذكورة فى الشاهد الرابع عشر بعد الثلاثمائة

وهذا عجز ، وصدره :

فهل لكم فيها إليّ فإنّنى

وهو من أبيات لأوس بن حجر قالها لبنى الحارث بن سدوس بن شيبان ، وهم أهل القريّة باليمامة حيث اقتسموا معزاه ، وقد شرحت هناك ، وقوله «فهل لكم فيها» أى : فى ردها ، والضمير للمعزى وقوله «بما أعيا» فاعله ضمير ما الموصولة الواقعة على الداء : أى أننى حاذق بالداء الذى أعجز الأطباء فى مداواته ، والنّطاسى - بكسر النون - قال ابن السكيت : هو العالم الشديد النظر فى الأمور وبعده [من الطويل] :

فأخرجكم من ثوب شمطاء عارك

مشهّرة بلّت أسافله دما

والشمطاء : المرأة فى رأسها شمط - بالتحريك - وهو بياض شعر الرأس يخالطه سواد ، والعارك : الحائض ، ومشهرة : من الشهرة ، وهو وضوح الأمر ، يقول : هل لكم ميل فى ردّ معزاى إلىّ فأخرجكم من سبّة شنعاء تلطخ أعراضكم وتدنسها كما تدنس الحائض ثوبها بالدم فأغسله عنكم ، وهذا مثل ضربه


وأنشد بعده ، وهو الشاهد الستون [من الطويل]

60 - وما أنا كنتىّ وما أنا عاجن

وشرّ الرّجال الكنتنىّ وعاجن

على أنه قيل فى النسبة إلى كنت «كنتى» بلا نون ، «وكنتنى» بنون ، فى الصحاح : قال أبو عمرو : يقال للرجل إذا شاخ : كنتى ، كأنه نسب إلى قوله كنت فى شبابى كذا ، وأنشد البيت كذا [من الطويل]

فأصبحت كنتيّا وأصبحت عاجنا

وشرّ خصال المرء كنت وعاجن

وقال فى مادة عجن أيضا : وعجن الرجل إذا نهض معتمدا على الأرض من الكبر ، أنشد البيت أيضا. ولم يتعرض له ابن برى بشىء ولا الصفدى فيما كتبا عليه ، وكذلك أورده ابن يعيش ثم قال : ومنهم من قال كنتنى فزاد نون الوقاية مع ضمير الفاعل ، كأنه حافظ على لفظ كنت ليسلم كنت من الكسرة ، قال الشاعر أنشده ثعلب [من الطويل]

وما أنا كنتىّ وما أنا عاجن

وشرّ الرّجال الكنتنىّ وعاجن

وقد أعاب أبو العباس كنتيا (1)، وقال : هو خطأ

وقال ابن جنى فى سر الصناعة : أنشد أبو زيد [من الوافر]

إذا ما كنت ملتمسا لقوت

فلا تصرخ بكنتيّ كبير

وأنشد أحمد بن يحيى (من الطويل)

فأصبحت كنتيّا وأصبحت عاجنا

وشرّ خصال المرء كنت وعاجن

فقوله «كنتيا» معناه أن يقول : كنت أفعل فى شبابى كذا ، وكنت فى حداثتى أصنع كذا ، و «كنت» فعل وفاعله التاء ، ومن الأصول المستمرة أنك لو سميت رجلا بجملة مركبة من فعل وفاعل ثم أضفت إليه : أى نسبت لأوقعت الإضافة على الصدر وحذفت الفاعل ، وعلى ذلك قالوا فى النسبة إلى تأبط شرا : تأبّطى ، وفى قمت : قومى ، حذفوا التاء وحركت الميم بالكسرة التى تجلبها ياء الإضافة ، فلما تحركت


1) الذى فى ابن يعيش (ج 6 ص 8): «وما انت ... وقد عاب ابو العباس كنتنيا»

رجعت الواو التى كانت سقطت لسكونها وسكون تلك الواو عين الفعل من قام فقلت قومىّ ، وكذا كان القياس أن تقول فى كنت : كونىّ ، تحذف التاء لأنها الفاعل وتحرك النون فترد الواو التى هى عين الفعل ، فقولهم «كنتى» وإقرارهم التاء مع ياء الاضافة يدل على أنهم قد أجروا ضمير الفاعل مع الفعل مجرى دال زيد من زائه ويائه ، وكأنهم نبّهوا بهذا على اعتقادهم قوة اتصال الفعل بالفاعل ، وأنهما قد حلا جميعا محل الجزء الواحد ، انتهى كلامه

ولم أقف على قائله والله أعلم.


وأنشد بعده [من الكامل]

11 - ينباع من ذفرى غضوب جسرة

وتقدم شرحه فى الشاهد الحادى عشر


وأنشد بعده ، وهو البيت الحادى والستون [من الطويل]

61 - وما أنا وحدى قلت ذا الشّعر لّه

ولكن لشعرى فيك من نفسه شعر

وهو من قصيدة للمتنبى يمدح بها على بن عامر الأنطاكى ، قال الواحدى :

يقول ما انفردت أنا بإنشاء هذا الشعر ، ولكن أعاننى شعرى على مدحك لأنه أراد مدحك كما أردته ، والمعنى من قول أبى تمام [من البسيط]

تغاير الشّعر فيه إذ سهرت له

حتّى تكاد قوافيه ستقتتل

انتهى ، ومثله للمتنبى أيضا [من الطويل]

لك الحمد فى الدّرّ الّذى لى لفظه

وإنّك معطيه وإنّى ناظم

وقد أكثر الناس تداول هذا المعنى ، قال ابن الرومى [من الوافر]

ودونك من أقاويلى مديحا

غدا لك درّه ولى النّظام

وقال أبو إسحق الغزى [من الطويل]

معانيك فى الأشعار تنظم نفسها

ومن لم يخنه السّجل والشّطن استقى

وله أيضا : [من الطويل]

وما أنا فى مدحيك إلّا كماسح

بكفّيه متن السّيف وهو صقيل

وقال تميم بن المعز [من الطويل]

وسار بمدحى فيك كلّ مهجّر

وغنّى به فى السّهل والوعر من يحدو

وصاغت له علياك حسنا وزينة

وحيك بها من حلى الفاظها برد

وليس لكلّ النّاس يستحسن الثّنا

كما ليس فى كلّ الطّلا يحسن العقد

وقال الخفاجى [من الطويل]

ولى فيك من غرّ القوافى قصائد

تقبّل أفواه الرّواة لها رشفا

وما أدّعى درّ الكلام لأنّه

صفاتك إلّا أنّنى لا أحسن الرّصفا

وقال ابن المعلم [من البسيط]

أخذت منك الّذى أثنى عليك به

فأنت لا أنا بالنّعمى مؤلّفه

فما أتيت بشعر بتّ أنظمه

للمدح فيك ولا شعر أصنّفه

وقال الصفى الحلى : [من الخفيف]

ليس لى فى صفات مجدك فضل

هى أبدت لنا بديع المعانى

كلّما بدّعت سجاياك معنى

نظمت فكرتى وخطّ بنانى

وقال ابن قلاقس [من الوافر]

ومنك وفيك تنتظم القوافى

ومن وجد المقال الرّحب قالا


وأنشد بعده ، وهو الشاهد الثانى والستون : [من البسيط]

62 - دع المكارم لا ترحل لبغيتها

واقعد فإنّك أنت الطّاعم الكاسى

على أن الطاعم والكاسى للنسبة : أى ذو كسوة وذو طعام

والبيت من قصيدة للحطيئة هجا بها الزبرقان بن بدر ، قال شارح ديوانه : أى أنك ترضى بأن تشبع وتلبس ، يقال : كسى الرجل يكسى إذا اكتسى ، ولما بلغ الزبرقان قول الحطيئة «دع المكارم - البيت» استعدى عليه عمر ابن الخطاب رضى الله عنه ، فقال يا أمير المؤمنين ، هجانى ، قال : أنشدنى الذى هجاك فأنشده الزبرقان قول الحطيئة هذا ، فقال عمر : ما أراه هجاك ولكنه مدحك ، فقال الزبرقان : اجعل بينى وبينه حسان بن ثابت ، فبعث عمر رضى الله عنه إلى حسان ، فلما أتاه أنشده قول الحطيئة ، فقال حسان : يا أمير المؤمنين ما هجاه ولكن سلح عليه ، انتهى.

وقد ذكرنا فى الشاهد الرابع عشر بعد المائتين من شواهد شرح الكافية سبب هجو الحطيئة للزبرقان ، ومن هذه القصيدة

أزمعت يأسا مبينا من نوالكم

ولن ترى طاردا للحرّ كالياس

وما أحسن هذا البيت :

من يفعل الخير لا يعدم جوازيه

لا يذهب العرف بين الله والنّاس

وترجمة الحطيئة تقدمت فى الشاهد التاسع والأربعين بعد المائة من شرح شواهد شرح الكافية.

الجمع

أنشد فيه ، وهو الشاهد الثالث والستون ، وهو من شواهد سيبويه :

[من الكامل]

63 - عن مبرقات بالبرين وتبدو

بالأكفّ الّلامعات سور

على أن ضم الواو لضرورة الشعر

وهذا نص سيبويه «وأما فعل فإن الواو فيه تسكن لاجتماع الضمتين والواو

فجعلوا الإسكان فيها نظيرا للهمزة فى الواو فى أدؤر وقؤول ، وذلك قولهم : عوان وعون ، ونوار ونور ، وقوول ، وقوم قول ، وألزموا هذا الإسكان ؛ إذ كانوا يسكنون غير المعتل نحو رسل وعضد ونحو ذلك ، ولذلك آثروا الإسكان فيها على الهمزة حيث كان مثالها يسكن للاستثقال ، ولم يكن لأدؤر وقؤول مثال من غير المعتل يسكن فيشبه به ويجوز تثقيله فى الثعر كما يضعفون فيه ما لا يضعف فى الكلام ، قال الشاعر وهو عدى بن زيد :

وفى الأكفّ الّلامعات سور

انتهى كلامه.

قال الأعلم : الشاهد فيه تحريك الواو من سور بالضم على الأصل تشبيها للمعتل بالصحيح عند الضرورة ، فالمستعمل فى هذا تسكين الثانى تخفيفا ؛ إذ كان التخفيف جائزا فى الصحيح فى مثل الحمر والرّسل ، فلما كان فى الصحيح جائزا مع خفته كان فى المعتل لازما لثقله ، والسّور : جمع سوار ، وأراد بالأكف المعاصم فسماها باسمها لقربها منها ، انتهى.

وقال ابن جنى فى شرح تصريف المازنى : تثقيل مثل هذا إنما يجىء لضرورة الشعر كقوله : [من المتقارب]

أغرّ الثّنايا أحمّ اللّثاث

تمنحه سوك الإسحل

وحكى أبو زيد رجل جواد وقوم جود وجود ، قال : وقالوا رجل قوول من قوم قول ، وقولهم سور جمع سوار وسوك جمع سواك ، ولم أسمع شيئا من هذا مهموزا وهمزه جائز فى القياس لأن الضمة فى الواو لازمة ، فان كانوا قد أجمعوا على ترك همزه فإنما فعلوا ذلك لئلا يكثر تثقيل هذا الضرب فى كلامهم فيحتاجوا إلى همزه هربا من الضمة فى الواو ، فحسموا المادة أصلا بأن ألزموه التخفيف فى الأمر العام لا غير ، انتهى.

والبيت من قصيدة لعدى بن زيد بن أيوب العبادى أولها :

قد حان إن صحوت أن تقصر

وقد أتى لما عهدت عصر

عن مبرقات بالبرين وتبدو

البيت

بيض عليهنّ الدّمقس وفي ال

أعناق من تحت الأكفّة در

كالبيض فى الرّوض المنوّر قد

أفضى بهنّ إلى الكثيب نهر

بأرج من أردانهنّ مع الم

سك الزّكىّ زنبق وقطر

جاريتهنّ فى الشّباب وإذ

قلبى بأحكام الحوادث غرّ

قوله «قد حان» أى : قرب ، وإن : شرطية ، وجوابها محذوف يدل عليه ما قبلها ، وصحوت : خطاب لنفسه ، والصحو : الإفاقة من السكر ، وروى «لو صحوت» ولو للتمنى ، وقيل : شرطية ما قبلها دليل جوابها ، وقوله «أن تقصر» بفتح أن وهى مع ما بعدها فى تأويل مصدر مرفوع فاعل «حان» وسكن الراء للوقف ، وقيل : إنها مهملة هنا ، وتقصر مرفوع ، وهى لغة لبعض العرب يجرونها مجرى ما ، وتقصر من أقصر عن الشىء إذا كفّ عنه وانزجر ، قال الجوهرى : أقصرت عنه كففت ونزعت مع القدرة عليه ، فإن عجزت قلت قصرت بلا ألف ، وقوله «وقد أتى - الخ» جملة حالية من فاعل تقصر ، وقيل : جملة اعتراضية ، وعصر فاعل أتى ، وهو بضمتين بمعنى العصر بفتح فسكون ، واللام بمعنى على ، والمعنى أتى زمن الشيوخة على ما عهدت من زمن الشباب ؛ وقوله «عن مبرقات» متعلق بتقصر ؛ قال صاحب العباب : أبرقت المرأة إذا تحسنت وتزينت : ثم قال : وبرقت المرأة إذا تحسنت وتعرضت مثل أبرقت ، والبرين : جمع برة - بضم الباء - وهى الخلخال يكون فى أرجل النساء ، وهذا الجمع على

خلاف القياس (1)، وتبدو : تظهر ، وفاعله ضمير المبرقات ، والفعل معطوف على مبرقات لأنه فى معنى يبرقن ، والباء فى «بالأكف» بمعنى على متعلقة بمحذوف خبر مقدم ، وسور : جمع سوار ، وهو ما تلبسه النساء فى سواعدهن ، مبتدأ مؤخر ، والجملة حال من فاعل تبدو المستتر ، والرابط إما محذوف : أى وعلى الأكف منها ، وإما «أل» فى الأكف ؛ لأنها عوض (2)عن الضمير ، والأصل «وبأكفها» والمعنى قد مضى دهر بعد شبابك ؛ فقد حان أن تكف عن النساء التى تتزين بزينتها وتظهر للرجال بها

وقد روى الأندلسى - وتبعه بعضهم - هذين البيتين كذا :

قد آن لو صحوت أن تقصر

وقد أتى لما عهدت عصر

عن مبرقات بالبرى وتذر

وفى الأكفّ الّلامعات سور

وقال : البرى بالقصر جمع برة ، وهى الحلقة ، والمراد هنا الحلى ، والباء للتعدية ، وقوله «تذر» عطف على «تقصر» وقوله «وفى الأكف» يريد فى أذرع الأكف لأن السوار إنما يكون فى الذراع لا الأكف ، هذا كلامه

وقوله «بيض» جمع بيضاء : أى حسناء ، والدّمقس - بكسر الدال وفتح الميم - : الحرير الأبيض ، والأكفّة : جمع كفاف بالكسر ، كأسورة جمع سوار ، والكفاف : الخياطة الثانية ، والشل : الخياطة الأولى ، وقوله «كالبيض» بالفتح جمع بيضة النعام ، والمنوّر : بكسر الواو المشددة ، «ونهر» بضمتين : جمع نهر بفتحتين ، ويأدج : يفوح ، «وقطر» بضمتين : العود الذى يتبخر به ، وقوله


1) لأنه جمع كما يكون جمع المدكر السالم ، مع أن مفرده ليس علما ولا صفة لمذكر عاقل ، وأيضا لم يسلم بناء واحده ، فهو مخالف للقياس من وجهين : كون مفرده مما لا يجمع هذا الجمع ، وكون الجمع لم يسلم فيه بناء الواحد

2) نيابة أل عن الضمير إنما هو مذهب الكوفيين

«جاريتهنّ» التفات من الخطاب إلى التكلم ، «وغرّ» بكسر العين المعجمة ، يقال : رجل غر : أى غير مجرب للامور

وعدى بن زيد شاعر جاهلى تقدمت ترجمته فى الشاهد الستين من شرح شواهد شرح الكافية


وأنشد الجاربردى هنا (1)[من البسيط]

49 - أما أقاتل عن دينى على فرسى

أو هكذا رجلا إلّا بأصحابى

وتقدم شرحه فى الشاهد التاسع والأربعين


وأنشد بعده أيضا ، وهو الشاهد الرابع والستون [من الكامل]

64 - ما زلت تحسب كلّ شىء بعدهم

خيلا تكرّ عليكم ورجالا

على أن «رجالا» فيه بمعنى رجّالة بفتح الراء وتشديد الجيم جمع راجل ، هذا معناه ، وأما لفظه فهو جمع رجل - بفتح فضم - صفة مشبهة بمعنى راجل ، وكذا رجال فى قول الأخطل.

وبنو غدانة شاخص أبصارهم

يسعون تحت بطونهنّ رجالا

قال السكرى فى شرحه الرّجال المشاة الرّجّالة

والبيت من قصيدة لجرير هجا بها الأخطل التغلبى النصرانى وكان الأخطل هجا جريرا قبل بقصيدة مطلعها :

كذبتك عينك أم رأيت بواسط

غلس الظّلام من الرّباب خيالا

فعارضه جرير بهذه القصيدة ، وهى إحدى الملحمات ومطلعها :


1) انظر شرح الجاربردى (ص 131)

حىّ الغداة برامة الأطلالا

رسما تقادم عهده فأحالا

إلى أن قال :

قبح الآله وجوه تغلب إنّها

هانت علىّ معاطسا وسبالا

عبدوا الصّليب وكذّبوا بمحمّد

وبجبريل وكذّبوا ميكالا

لا تطلبنّ خؤولة من تغلب

الزّنح أكرم منهم أخوالا

لو أنّ تغلب جمّعت أحسابها

يوم التّفاضل لم تزن مثقالا

والتّغلبىّ إذا تنحنح للقرى

حكّ استه وتمثّل الأمثالا

إلى أن خاطبه وقال :

أنسيت قومك بالجزيرة بعدما

كانت عقوبته عليك نكالا

ألّا سألت غثاء دجلة عنكم

والخامعات تجزّر الأوصالا

حملت عليك حماة قيس خيلهم

شعثا عوابس تحمل الأبطالا

ما زلت تحسب كلّ شىء بعدها

خيلا تشدّ عليكم ورجالا

زفر الرّئيس أبو الهذيل أتاكم

فسبا النّساء وأحرز الأموالا

وأشار بهذه الأبيات إلى ما جرى على تغلب بجزيرة ابن عمر (1)من القتل والسبى والنهب

وكان سبب هذه الوقيعة بهم أن بنى تغلب لما قتلوا عمير بن الحباب فى موضع قرب الثرثار من تكريت أتى أخوه تميم بن الحباب زفر بن الحارث وسأله الأخذ بثأره فكره ذلك ، فشجعه ابنه الهذيل بن زفر ، فرضى ، فتوجه تميم بمن معه من


1) قوله «ابن عمر» ليس هو ابن عمر بن الخطاب كما يظنه العوام بل هو ابن عمر من بلدة برقعيد ، كذا فى هامش نسخ الأصل ، وفى معجم ياقوت : جريرة ابن عمر بلدة فوق الموصل بينهما ثلاثة أيام ولها رستاق مخصب واسع الخيرات ، واحسب أن أول من عمرها الحسن بن عمر بن خطاب النغلبى اه

قيس حتى انتهوا إلى الثرثار ، فوجه زفر زيد بن حمران فى خيل إلى بنى فدوكس من تغلب فقتل رجالهم واستباح نساءهم ، وبعث ابنه الهذيل إلى بنى كعب بن زهير فقتلهم قتلا ذريعا ، وبعث مسلم بن ربيعة إلى ناحية أخرى فأسرف فى قتلهم ، وبلغ ذلك بنى تغلب فارتحلوا يريدون عبور دجلة ، فلحقهم زفر بالكحيل ، وهو نهر على أسفل الموصل على عشرة فراسخ ، فاقتتلوا قتالا شديدا ، وترجل أصحاب زفر أجمعون ، وبقى زفر على بغلة له ، فقتلوهم من ليلتهم ، وبقروا بطون النساء ، وكان من غرق فى دجلة أكثر ممن قتل بالسيف

وقوله «ألّا سألت غثاء دجلة» الغثاء - بالضم والمد - : ما يطفو على الماء من حطب وزبد ونحوه ، يريد به من قتل من تغلب ، والخامعات - بالخاء المعجمة - : الضباع. وتجزر : تقطع ، والأوصال : جمع وصل - بالكسر - وهو مفصل العضو ، يريد أنها تأكل قتلاهم ، وقوله «ما زلت تحسب الخ» خطاب للأخطل ، وضمير «بعدها» للجزيرة وروى «بعدهم» فالضمير لقيس ومن معهم ، وتكر عليكم : تحمل عليكم ، وكذا «نشد» بمعناه ، وقد أخذ المتنبى هذا المعنى فقال [من البسيط]

وضاقت الأرض حتّى كان هاربهم

إذا رأى غير شىء ظنّه رجلا

وقد كرر جرير هذا المعنى فقال فى قصيدة أخرى (من الطويل)

ولو أنّها عصفورة لحسبتها

مسوّمة تدعو عبيدا وأزنما

والمسومة : الخيل المعلمة فى الحرب ، وعبيد بالتصغير ، وأزنم بالزاى والنون :

قبيلتان من يربوع ، قال صاحب مناقب الشبان - عند هذا البيت - نظيره قول جرير أيضا :

ما زلت تحسب كل شىء بعدهم البيت

ويروى أن الأخطل لما سمع هذا البيت قال : قد استعان عليه بالقرآن ، يعنى قوله تعالى : (يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ) والمعنى فى الآية بأجل لفظ وأحسن

اختصار ، وقريب من هذا البيت وليس مثله قول الآخر (من الطويل)

إذا خفق العصفور طار فؤاده

وليث حديد النّاب عند الثّرائد

انتهى.

وقد أنشده صاحب الكشاف عند تفسير (يحسبون كل صيحة عليهم) قال : ومنه أخذ الأخطل :

ما زلت تحسب كلّ شىء بعدهم

انتهى ، وصوابه ومنه أخذ جرير كما ذكرنا.

وترجمة جرير تقدمت فى الشاهد الرابع من شواهد شرح الكافية.


وأنشد بعده أيضا ؛ وهو الشاهد الخامس والستون [من الرجز]

65 - فتستريح النّفس من زفراتها

على أن إسكان الفاء من زفراتها ضرورة ، والقياس فتحها ، قال ابن عصفور فى كتاب الضرائر فى فصل نقص الحركة للضرورة : ومنه قول ذى الرمة [من الطويل].

أبت ذكر عوّدن أحشاء قلبه

خفوقا ورفضات الهوى فى المفاصل

حكم لرفضات وهى اسم بحكم الصفة ، ألا ترى أن رفضات جمع رفضة ، ورفضة اسم ، والاسم إذا كان على وزن فعلة وكان صحيح العين فإنه إذا جمع بالألف والتاء لم يكن بد من تحريك عينه اتباعا لحركة فائه نحو جفنة وجفنات ، وإذا كان صفة بقيت العين على سكونها ، نحو ضخمة وضخمات ، وإنما فعلوا ذلك فرقا بين الاسم والصفة ، وكان الاسم أولى بالتحريك لخفته ، واحتمل لذلك ثقل الحركة ، وأيضا فان الصفة تشبه الفعل لأنها ثانية عن الاسم غير الصفة ؛ كما أن الفعل ثان عن الاسم ، فكما أن الفعل إذا لحقته علامة جمع نحو ضربوا ويضربون

لم يغير ، فكذلك لم تغير الصفة إذا لحقتها علامتا الجمع وهما الألف والتاء ، فكان ينبغى على هذا أن يقول : رفضات ، إلا أنه لما اضطر إلى التسكين حكم لها بحكم الصفة فسكن العين ، ومما يبين لك صحة ما ذكرته من أن تسكين العين إنما هو بالحمل على الصفة أن أكثر ما جاء من ذلك فى الشعر إنما هو مصدر لقوة شبه المصدر باسم الفاعل الذى هو صفة ، ألا ترى أن كل واحد منهما قد يقع موقع صاحبه ، يقال : رجل عدل : أى عادل ، فوقع المصدر موقع اسم الفاعل ، وقال تعالى (لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ) أى كذب ، فوقع كاذبة وهو اسم الفاعل موقع كذب وهو مصدر ، انتهى. وهذا البيت من رجز أوله :

علّ صروف الدّهر أو دولاتها

يدلننا اللّمّة من لمّاتها

فتستريح النّفس من زفراتها

وتنقع الغلّة من غلّاتها

وفيه شواهد : الأول علّ بفتح اللام وكسرها ، استدل به البصريون على أن علّ أصله لعلّ واللام فى أولها زائدة ، وردوا على الكوفيين فى زعمهم أنها أصلية ، وقد ذكرنا ما يتعلق به فى الحروف المشبهة بالفعل من شرح شواهد شرح الكافية. الثانى : روى بجر «صروف» واستدل به على أن علّ حرف جر ، وقد تقدم الكلام عليه هناك. الثالث : نصب المضارع بأن بعد الفاء فى جواب الترجى وهو نصب «تستريح» قال الفراء عند تفسير قوله تعالى (لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ) بالرفع يرده على قوله «أبلغ» ومن جعله جوابا للعلى نصبه ، وقد قرأ به بعض القراء ، قال : وأنشدنى بعض العرب علّ صروف الدّهر إلى آخر الأبيات الثلاثة الأول. وقال : فنصب على الجواب بلعل ، وأنشده أيضا فى سورة «عبس» قال : قد اجتمع القراء على (فتنفعه الذّكرى) بالرفع ، ولو كان نصبا على جواب الفاء للعلّ كان صوابا ، أنشدنى بعضهم علّ صروف الدهر إلى آخر الأبيات الأربعة. ولم يذكر قائل الرجز فى الموضعين.

(ق 2 - 9)

وتبع ابن مالك الفراء لوروده فى النظم والكلام الفصيح ، كما تقدم.

قال أبو حيان فى الارتشاف : وذهب الكوفيون إلى أنه يجوز أن ينتصب الفعل بعد الفاء فى جواب الرجاء ، وزعموا أن لعل يكون استفهاما ، وذهب البصريون إلى منع ذلك ، والترجى عندهم فى حكم الواجب ، قيل : والصحيح مذهب البصريين لوجوده نظما ونثرا ، ومنه قوله تعالى (وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى) فى قراءة عاصم ، وهى [قراءة] من متواتر السبع ، ويمكن تأويل النصب ، انتهى.

وقد ذكر تأويله ابن هشام فى الباب الرابع من المغنى ، قال : وقيل فى قراءة حفص (لعلى أبلغ الأسباب أسباب السموات فأطّلع) بالنصب : إنه عطف على معنى لعلى أبلغ ، وهو لعلى أن أبلغ ، فإنّ خبر لعلّى يقترن بأن كثيرا ، نحو قوله عليه‌السلام : «فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض» ويحتمل أنه عطف على الأسباب على حد :

ولبس عباءة وتقرّ عينى

ومع هذين الاحتمالين يندفع قول الكوفى : إن فى هذه القراءة حجة على جواز النصب فى جواب الترجى حملا له على التمنى ، انتهى.

وقوله «علّ صروف الدهر» جمع صرف كفلس وفلوس ، وهو الحادثة والنائبة المغيرة من حال إلى حال بالتصرف ، وضمير «دولاتها» لصروف الدهر ، والدّولة : بفتح الدال وضمها ، قال الأزهرى : هى الانتقال من حال الضر والبؤس إلى حال الغبطة والسرور ، وقال أبو عبيد : الدولة بالضم : اسم الشىء الذى يتداول به بعينه ، والدّولة بالفتح : الفعل ، وقيل : الدولة فى الحرب أن تدال إحدى الفئتين على الأخرى ، يقال : كانت لنا عليهم الدّولة ، والدّولة بالضم فى المال ، يقال : صار الفىء دولة بينهم يتداولونه مرة لهذا ومرة لهذا

كذا فى العباب ؛ وقوله «يدلننا» هو مضارع أداله مسند إلى النون ضمير الصروف ، أو ضمير الدولات ، ونا : مفعوله كما تقول من أقام : إن النساء يقمننا ، قال صاحب العباب : الإدالة : الغلبة ، يقال : اللهم أدلنى على فلان وانصرنى عليه ، وتداولته الأيدى : أخدته هذه مرة وهذه مرة ، وقوله تعالى (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ) أى : نديرها ، من دال : أى دار ، انتهى : وقال ابن الأثير فى النهاية : وفى حديث وفد ثفيف «ندال عليهم ويدالون علينا» الإدالة : الغلبة ؛ يقال : أديل لنا على أعدائنا : أى نصرنا عليهم ، وكانت الدولة لنا ، والدولة : الانتقال من حال الشدة إلى حال الرخاء ، ومنه حديث أبى سفيان وهرقل «ندال عليه ويدال علينا» أى : نغلبه مرة ويغلبنا أخرى ، ومنه حديث الحجاج «يوشك أن تدال الأرض منا» أى تجعل لها الكرة والدولة علينا فتأكل لحومنا كما نأكل ثمارها وتشرب دماءنا كما نشرب مياهها ، انتهى كلامه. فعرف من هذا كله أن الإدالة متعدية إلى مفعول واحد صريحا وإلى الثانى بحرف جر ، فضمير المتكلم مع الغير مفعوله وأما اللّمّة فمنصوبة على نزع الخافض : أى على اللمة ؛ ولم يصب العينى فى قوله : «واللمة مفعول ثان ليدلننا» انتهى. والّلمة بفتح اللام ، قال الجوهرى : هى الشدة ، وأنشد هذا البيت. وفى النهاية لابن الأثير : وفى حديث ابن مسعود رضى الله عنه «لابن آدم لمّتان لمّة من الملك ولمّة من الشيطان» اللّمة : الهمة والخطرة تقطع فى القلب ، أراد إلمام الملك أو الشيطان به والقرب منه ؛ فما كان من خطرات الخير فهو من الملك ، وما كان من خطرات الشر فهو من الشيطان ، انتهى وهذا المعنى أنسب ، وروى فى بعض الكتب «يدليننا» بمثناة تحتية بعد اللام ، وهو مضارع أدلى دلوه فى البئر إدلاء : أى أرسلها ، وهذا لا مناسبة له ، وهو تحريف من النساخ ، وقوله «من لماتها» متعلق بمحذوف حال من اللمة ، ويجوز أن يكون وصفا لها لكون اللمة معرفة بلام الجنس فتكون قريبة من النكرة ،

وقال العينى صفة للمة تقديره اللمة الكائنة من لماتها ، هذا كلامه فتأمله (1)وقوله «فتستريح النفس» نصب تستريح بأن المقدرة بعد الفاء فى جواب الرجاء ، والنفس فاعل ، واللام عوض عن الياء : أى نفسى ، والزفرة ، الاسم من زفر يزفر من باب ضرب زفيرا ، والزفير : اغتراق النفس محركة بالشدة ، وأنشد الجوهرى هذا البيت هنا ونبه على أن تسكين الفاء ضرورة ، وقوله «وتنقع الغلة» بالنصب معطوف على تستريح ، والفاعل ضمير النفس ، والغلة مفعوله ، ونقع من باب نفع ، فى الصحاح : ونقع الماء العطش نقعا ونقوعا : أى سكنه ، وفى المثل «الرشف أنقع» أى : أن الشراب الذى يترشف قليلا قليلا أقطع للعطش وأنجع وإن كان فيه بطء ، والغلة بضم المعجمة وهى حرارة العطش.


وأنشد بعده أيضا ، وهو الشاهد السادس والستون [من الطويل] :

66 - أخو بيضات رائح متأوّب

بلى أن بيضات بفتح العين جاء على لغة هذيل ، فإنهم يفتحون العين فى جمع فعلة صحيحا كان أو معتلا.

وهذا صدر ، وعجزه :

رفيق بمسح المنكبين سبوح

قال بعض فضلاء العجم فى شرح أبيات المفصل : الرائح : الذى يسير ، والمتأوب الذى يسير (2)، يصف ظليما ، وهو ذكر النعامة ، شبه به ناقته ، فيقول : ناقتى فى سرعة سيرها ظليم له بيضات يسير ليلا ونهارا ليصل إلى بيضاته رفيق بمسح المنكبين


1) هو صحيح لا غبار عليه ، ولا ندرى كيف يلمز العينى فى ذلك مع أنه يقرر جواز كون الجار والمجرور صفة للمحلى بأل الجنسية.

2) كذا ، ولعله «الرائح : الذى يسير نهارا ، والمتأوب : الذى يسير ليلا»

عالم بتحريكهما فى السير سبوح حسن الجرى ، وإنما جعله أخا بيضات ليدل على زيادة سرعته فى السير لأنه موصوف بالسرعة ، وإذا قصد بيضاته يكون أسرع ، انتهى.

وهذا البيت لم أقف على تتمته ولا قائله ، والله أعلم ، وقد ذكرنا فى شرحه ما أمكننا فى الشاهد الثالث والتسعين بعد الخمسمائة من شرح شواهد شرح الكافية.


وأنشد الشارح المحقق ، وهو الشاهد السابع والستون ، وهو من شواهد سيبويه [من البسيط] :

67 - فى أقوس نازعتها أيمن شملا

على أن شملا بضمتين جمع شمال بالكسر ، قال سيبويه : وقالوا أذرع وذراع حيث كانت مؤنثة ولا يجاوز بها هذا البناء ، وإن عنوا الأكثر كما فعل ذلك بالأكف والأرجل ، وقالوا شمال وأشمل وقد كسرت على الزيادة التى فيها فقالوا شمائل كما قالوا فى الرسالة رسائل إذ كانت مؤنثة مثلها ، وقالوا شمل فجاءوا بها على قياس جدد ، وقال الأزرق العنبرى :

طرن انقطاعة أوتار محظربة

فى أقوس نازعتها أيمن شملا

انتهى.

قال الأعلم : «الشاهد فى جمعه شمالا على شمل تشبيها بجدار وجدر ؛ لأن البناء واحد ، والمستعمل أشمل فى القليل ؛ لأن الشمال مؤنثة ؛ وشمائل فى الكثير ، وصف طيرا فشبه صوت طيرانها بسرعة بصوت أوتار انقطعت عند الجذب والنزع عن القوس ، وأوقع التشبيه على الانقطاع لأنه سبب الصوت المشبه به ؛ وأنث الانقطاع لتحديد المرة الواحدة منه ، والمحظربة : المحكمة الفتل الشديدة ، والأقوس : جمع قوس ، وقوله نازعتها أيمن شملا أى جذبت هذه إلى ناحية وهذه إلى ناحية أخرى لأن جاذب الوتر تخالف يمينه شماله فى جذبها وتنازعها» انتهى.

والحظربة بالحاء المهملة والظاء المعجمة - كالحضربة بالضاد المعجمة بدلها : شدة الفتل ووتر محظرب ومحضرب ، كذا فى العباب. وقوله «نازعتها» الضمير المؤنث ضمير الأوتار ، ونازع يتعدى إلى مفعول واحد ، يقال : نازعه فى كذا ، فأيمن فاعله ، وشملا مفعوله ، فتعديته إلى ضمير الأوتار من قبيل الحذف والايصال ، والتقدير نازعت اليمين شمالها فى جذب الأوتار : أى غالبت الأيمن الأشمل فى جذبها ومدها ، يقال : نزع الرجل فى القوس أو الوتر ، إذا مد أحدهما.

والأزرق العنبرى لم أقف على ترجمته ولا على أصل شعره هذا ، والله أعلم


وأنشد بعده ، وهو الشاهد الثامن والستون [من الرجز]

68 - حتّى رمى مجهوله بالأجنن

على أن جمع جنين على أجنن شاذ ، والجنين : الولد مادام فى بطن أمه ؛ لأنه جنّ : أى ستر

قال السخاوى فى سفر السعادة : أجنن جمع جنين ، ويروى قول رؤبة : -

إذا رمى مجهوله بالأجبن

بالباء على أنه جمع جبين ، وبالنون على أنه جمع جنين ، فمن رواه بالباء فمعناه ينظرون ما قدامهم من بعد الطريق ، ومن رواه بالنون فمعناه أنه يسقط الأجنة ، وذكر الروايتين العبدى وعيزر ، انتهى

وعلى الروايتين الجمع شاذ ؛ لأن كلا من المفردين مذكر ، والقياس فى أفعل أن يكون جمع فعيل إذا كان مؤنثا

وهذا البيت من أرجوزة طويلة مدح بها بلال بن أبى بردة وذكر فيها قطع المفاوز والقفار حتى وصل إليه ، قال :

تفتنّ طول البلد المفنّن

إذا رمت مجهوله بالأجبن

وخلّطت كلّ دلاث علجن

غوج برج الآجر الملبّن

بلّغن أقوالا مضت لا تنثنى

أبقى وأمضى من حداد الأذأن

وصف إبله بشدة السير

قال شارح ديوانه : قوله «تفتن» يقول : تشقّ هذا الطريق فى عرض البلد وقوله : «المفنن» وهو الذى على غير جهة واحدة ، انتهى

وقوله : «إذا رمت» هكذا رأيته فى نسختين صحيحتين من ديوانه ، وفاعل «رمت» ضمير الإبل ، وضمير «مجهوله» للبلد ، والطريق المجهول : الذى لا يسلكه أحد لعدم مائه ونباته ، فلا يكون فيه علامة يستدل بها و «الأجبن» - بالجيم والموحدة - كذا رأيته ، قال شارح ديوانه : هو جمع جبين ، يقول : قد استقبلته ثم رمته بوجوهها ، ومعناه على رواية «الأجنن» بالنون أن هذه النوق من شدة وخدهنّ وفرط جهدهن يسقطن أجنتهن بمجهول هذا البلد ، ففيه قلب ، والأصل حتى رمت أجنتها بمجهوله ، والدّلاث بالكسر - : هى اللينة الأعطاف والعلجن : الناقة المكتنزة اللحم ، والغوج - بفتح الغين المعجمة والجيم - اللينة الصدر ، قال شارحه : يقول : كأنها برج من آجر لبن قد طبخ ، وقوله «بلّغن» من التبليغ ، وأبقى وأمضى أفعل تفضيل صفة لأقوال ، وحداد : جمع حديد بمعنى قاطع ، قال شارحه : يقال : أزأن ويزأن وأزنى ويزنى ، منسوب إلى ذى يزن ، و «بلغن» جواب إذا


وأنشد بعده ، وهو الشاهد التاسع والستون [من الطويل]

69 - ... وما لومى أخى من شماليا*

على أن شمالا بمعنى الطبع يكون واحدا وجمعا ، والمراد هنا الجمع : أى من شمائلى.

فال سيبويه : «وزعم أبو الخطاب أن بعضهم يجعل الشمال جمعا» وقال السيرافى

«هو فى هذا البيت جمع» وتبعه ابن جنى ، قال فى سر الصناعة : «وقالوا أيضا فى جمع شمال ، وهى الخليقة والطبع : شمال ، قال عبد يغوث :

وما لومى أخى من شماليا

أى من شمائلى» انتهى.

وإنما قيدوا الشمال بمعنى الطبع للاحتراز عن الشمال بمعنى الريح المعروفة ، فإنها لم يقل أحد إنها تكون جمعا ومفردا ، وفى شينها الفتح والكسر ، بخلاف معنى الطبع فان شينها مكسورة لا غير ، وإنما جعلوه هنا جمعا لأجل من التبعيضية ، كما يأتى فى البيت الآتى وقد ذكر جمهور اللغويين أنه مفرد ، وجمعه شمائل ، قال [من الوافر]

هم قومى وقد أنكرت منهم

شمائل بدّلوها من شمالى

وأجاز أبو على الفارسى فى الايضاح أن يكون ما فى البيت مفردا وجمعا ، وغلب الإفراد ، قال أحد الشراح أبياته : ألا ترى أنه يسوغ أن يكون المعنى وما لومى أخى من طبعى ، فلذلك لم يجعله نصافى الجمعية ، والدليل على أنه قد يكون جمعا قول لبيد رحمه‌الله :

هم قومى وقد أنكرت منهم - البيت

ومثل شمال «عصام» حكى أبو زيد أنه يكون واحدا وجمعا ، والعصام : ما يشدّ به الدّلو والقربة ، ومثلهما دلاص وهجان ، تقول : ناقة هجان ونوق هجان ، وردع دلاص وأدرع دلاص ، إلا أن مجىء دلاص وهجان فى حال الجمع على صيغة المفرد أحسن من مجىء شمال وعصام فى حال الجمع على صيغة المفرد ، على أنهما صفتان ، وقيل : الصفة تكسر على فعال ، نحر ظريف وظراف ، وفعال أحق بفعيل ، ألا ترى أن كل واحد منهما ثلاثى

ثالثه حرف لين زائد فحسن تكسيره [تكسيره] لذلك ، فأما قولهم رجل جنب ورجال جنب فليس من هذا الباب ، وإن كان فعل من أبنية الجمع ، بل من قبيل الوصف بالمصدر ؛ لأنك تقول : رجلان جنب ، فتصف به الاثنين ، ولا تقول ناقتان هجان ، ولا درعان دلاص ، وكذلك ما كان من الأسماء واقعا على الواحد والجمع ، ولم يكن على وزن من أوزان الجموع ؛ ليس من باب دلاص نحو حشم ، تقول : هم حشم لى ، وهذا الغلام حشم لى ، وهذا أسد عناش ، ومن كلام عمرو بن معدى كرب يوم القادسية «يا معشر المسلمين ، كونوا أسدا عناشا» بل نعتقد فى حشم أن يكون مفردا ، واسم جمع ، وأما عناش فالوصف به من قبيل الوصف بالمصدر ، يقال : عانشه : أى عانقه ، فتقول على هذا : هما أسدان عناش

وهذا المصراع من قصيدة طويلة لعبد يغوث الحارثى ، وهو جاهلى ، وقد شرحناها كاملة فى الشاهد الخامس عشر بعد المائة من شرح شواهد شرح الكافية ، وقبله :

ألا لا تلومانى كفى اللّوم مابيا

فما لكما فى اللّوم خير ولا ليا

ألم تعلما أنّ الملامة نفعها

قليل وما لومى أخى من شماليا

وقليل : ضد كثير ، ويستعمل بمعنى النفى ، وهو المراد هنا ، بدليل قوله «فما لكما فى اللوم خير ولا ليا»

يقول : اللوم على الفائت قليل نفعه لا يجدى إسماعه ولا سمعه شيئا فلذلك طهرت منه شمالى وصنت عنه مقالى ، والخطاب لمن أسره ، وهو أبو عصمة من تيم الرباب ، وقوله «وما لومى إلخ» جملة معطوفة على أنّ وصلتها ، وساغ ذلك لأنها مصدرة بما النافية ، والجملة إذا كانت كذلك جاز تعليق فعل القلب الداخل

عليها ووقوعها موقع مفعوليه ، كما أن أنّ وصلتها تقع موقعها ، وقد يجوز أن تكون معطوفة على قوله فى البيت قبله «فما لكما فى اللوم خير ولا ليا» ، ويكون قوله «ألم تعلما أن الملامة نفعها قليل» جملة اعترض بها بين المعطوف والمعطوف عليه ، ولا ينبغى أن تجعل معطوفة على قوله «ألم تعلما» لأن الجملتين ليستا لمقام واحد


وأنشد بعده ، وهو الشاهد السبعون [من الرجز] :

60 - دعها فما النّحوىّ من صديقها

على أن صديقا فيه جمع ؛ لأن من للتبعيض ، ولا يصح أن يكون النحوى بعض صديق ، بل يكون بعض الأصدقاء ، كأنه قال : دعها فما النحوى من أصدقائها ، كما تقول : دعنى فما أنت من أشكالى ، وفعيل من صيغ الجمع كالكليب والعبيد ، ومثله قول قعنب ابن أم صاحب [من البسيط]

ما بال قوم صديق ثمّ ليس لهم

دين وليس لهم عهد إذا اتّمنوا

وقول جرير : [من الطويل]

دعون الهوى ثمّ ارتمين قلوبنا

بأعين أعداء وهنّ صديق

وحكى أبو حاتم عن أهل الحجاز أنهم يقولون : حدثنى بعض صديقى

والنحوى : العالم بصنعة الإعراب ، والنحوى أيضا : المنسوب إلى نحو ، بطن من العرب ، وهو نحو بن شمس بن عمرو بن غالب بن الأزد

قال الصاغانى فى العباب : قال ابن دريد : أخبرنا أبو عثمان عن التّوّزىّ ، قال : كان رؤبة يقعد بعد صلاة الجمعة فى رحبة بنى تميم فينشد ، ويجتمع الناس إليه ، فازدحموا يوما ، فضيّقوا الطريق ، فأقبلت عجوز معها شىء تحمله ، فقال رؤبة :

تنحّ للعجوز عن طريقها

قد أقبلت رائحة من سوقها

دعها فما النّحوىّ من صديقها

أى : من أصدقائها ، انتهى

وقال أحد شراح أبيات الإيضاح للفارسى : ولعل المخاطب على هذه الحكاية رجل من نحو بن شمس ، وقيل : إن المخاطب بقوله «دعها» يونس بن حبيب النحوى ، وذلك أن رؤبة كان يسير ومعه أمه إذ لقيهما يونس ، فجعل يداعب والدة رؤبة ويمنعها الطريق ، فخاطبه رؤبة بهذه الأبيات ، وقيل : هذا الشعر لامرأة من العرب خاطبت به أبا زيد الأنصارى ، قال ابن الأنبارى : مرت امرأة من العرب بأبى زيد النحوى وأصحابه ، وقد منعوا الطريق ، فلم يمكنها أن تجوز ، فخاطبته بالأبيات : أى أن هؤلاء إنما لازموك لصداقتهم ، وأنا لست كذلك ، فدعنى أسير

وينبغى أن يجعل الألف واللام فى «النحوى» للجنس ، كأنه قال : ما هذا الجنس من صديقها ؛ لأنك إن لم تجعل أل كذلك لزم أن يكون الظاهر واقعا موقع ضمير المخاطب فى غير نداء ولا اختصاص ، ألا ترى أنه يخاطب النحوى ، فكان ينبغى أن يقول : فما أنت من صديقها


وأنشد بعده ، وهو الشاهد الحادى والسبعون [من البسيط]

71 - إنّ من القوم موجودا خليفته

وما خليف أبى وهب بموجود

على أن خليفا قد ورد بمعنى خليفة ، فيكون جمع خليف على خلفاء وجمع خليفة على خلائف

قال أبو حاتم : إنه يقال خليف ، وجمعه خلفاء ، واستشهد له بهذا البيت ، ولم يحفظ سيبويه ولا أبو عمرو خليفا ، بل جعلا خلفاء تكسير خليفة من أجل أنه لا يقع إلا على مذكر ، فحمل على المعنى

قال أحد شراح أبيات الإيضاح للفارسى : إن كان لم يثبت خليف بمعنى خليفة إلا فى هذا البيت ، وهو الأظهر ، فلا حجة فيه ؛ لأنه يحتمل أن يكون مما رخم فى غير النداء ضرورة ، نحو قوله [من الرجز]

ليوم روع أو فعال مكرم

يريد مكرمة ، انتهى

والبيت آخر أبيات خمسة لأوس بن حجر التميمى الجاهلى ، وهى :

يا عين جودى على عمرو بن مسعود

أهل العفاف وأهل الحزم والجود

أودى ربيع الصّعاليك الألى انتجعوا

وكلّ ما فوقها من صالح مود

المطعم الحىّ والأموات إن نزلوا

شحم السّنام من الكوم المقاحيد

والواهب المائة المعكاء يشفعها

يوم النّضال بأخرى غير مجهود

إنّ من القوم موجودا خليفته

البيت

وعمرو بن مسعود : ابن عدى الأسدى ، وهو المقول فيه وفى خالد بن نضلة الأسدى [من الطويل] :

ألا بكر النّاعى بخيرى بنى أسد

بعمرو بن مسعود وبالسّيّد الصّمد

قال ابن هشام فى السيرة : هما اللذان قتلهما النعمان بن المنذر اللخمى وبنى عليهما الغريين بظهر الكوفة.

وقال القالى فى الذيل : إن الذى قتلهما المنذر ، ومن أجلهما اتخذ يوم البؤس ويوم النعيم.

وقال ابن السيرافى فى شرح أبيات إصلاح المنطق : إن الذى قتلهما كسرى.

وأودى : هلك ، واسم الفاعل مود ، والصّعلوك : الفقير ، والكوم : جمع

كوماء ، وهى الناقة السمينة ، والمقاحيد : جمع مقحاد ، وهى الناقة العظيمة السنام ، والمعكاء - بكسر الميم والمد - الإبل الغلاظ الشداد ، والنّضال : المحاربة بالسهام. قال ابن حبيب : العرب تقول : فلان خليفة فلان ، إذا قام مقامه وفعل فعله ، وإن لم يستخلفه ، وأنشد هذه الأبيات ، وأبو وهب : كنية عمرو بن مسعود ، يقول الشاعر : إذا مات أحد خلفه من يقوم مقامه ويفعل مثل فعله ، إلا أبا وهب ؛ فإنه لم يخلفه أحد فى جوده وشجاعته.


وأنشد بعده ، وهو الشاهد الثانى والسبعون [من الرجز] :

72 - أخذت خاتامى بغير حقّ

على أن خاتاما لغة فى خاتم ، وعليه جاء فى الجمع خواتيم.

وقال المبرد فى الكامل : فاعال نظيره من الكلام ساباط وخاتام ، قال الراجز [من الرجز] :

يا مىّ ذات الجورب المنشقّ

أخذت خاتامى بغير حقّ

انتهى

وقال أبو الحسن الأخفش فيما كتبه عليه : «يقال خاتم بفتح التاء وكسرها ، وخيتام على وزن ديّار ، وخاتام على وزن ساباط» انتهى.


وأنشد بعده ، وهو الشاهد الثالث والسبعون [من الوافر] :

73 - ومثلى فى غوائبكم قليل

على أنه جمع غائب ، وهو جمع شاذ.

قال الشاطبي فى شرح الألفية : ذكر السيرافى أنه وجد غير ذلك ، قال عتيبة بن الحارث لجزء بن سعد [من الوافر] :

أحامى عن ذمار بنى أبيكم

ومثلى فى غوائبكم قليل

فقال جزء : نعم ، وفى شواهدنا ، قال : وهذا جمع غائب وشاهد من الناس ، انتهى.

وأحامى : من الحماية ، وهى الحفظ ، والذمار : بكسر الذال المعجمة ، قال صاحب الصحاح : وقولهم «فلان حامى الذمار» أى إذا ذمّر (1)وغضب حمى ، و «فلان أمنع ذمارا من فلان» ويقال : الذّمار : ما وراء الرجل مما يحقّ عليه أن يحميه ؛ لأنهم قالوا : حامى الذمار ، كما قالوا : حامى الحقيقة ، وسمى ذمارا لأنه يجب على أهله التذمر له ، وسميت حقيقة لأنه يحق على أهلها الدفع عنها ، و «ظل يتذمر على فلان» إذا تنكر له وأوعده.


وأنشد بعده ، وهو الشاهد الرابع والسبعون [من الكامل] :

74 - وإذا الرّجال رأوا يزيد رأيتهم

خضع الرّقاب نواكس الأبصار

على أن جمع ناكس على نواكس مما هو وصف غالب أصل ، وأنه فى الشعر شائع حسن ، قاله المبرد.

أقول : الذى قاله المبرد فى الكامل بعد إنشاد هذا البيت إنما هو «وفى هذا البيت شىء يستطرفه النحويون ، وهو أنهم لا يجمعون ما كان من فاعل نعتا على فواعل ؛ لئلا يلتبس بالمؤنث ، لا يقولون : ضارب وضوارب ؛ لأنهم قالوا : ضاربة وضوارب ، ولم يأت هذا إلا فى حرفين : أحدهما فوارس ؛ لأن هذا مما لا يستعمل فى النساء ، فأمنوا الالتباس ، ويقولون فى المثل «هو هالك فى الهوالك» فأجروه على أصله لكثرة الاستعمال ؛ لأنه مثل ، فلما احتاج الفرزدق لضرورة الشعر أجراه على أصله ، فقال «نواكس الأبصار» ولا يكون


1) أى : استثير

مثل هذا أبدا إلا ضرورة ، انتهى كلامه ، فتأمله مع ما نقلوه عنه ، وقد ذكرنا فى الشاهد الثلاثين من شواهد شرح الكافية أن ما جمع من هذا النمط إحدى عشرة كلمة (1)، وقد ذكرنا هناك - مما يتعلق بشرح البيت مستوفى ، وشرح القصيدة ، وذكر سببها ، مع ترجمة يزيد والفرزدق - ما فيه كفاية ؛ ويزيد هو يزيد بن المهلّب بن أبى صفرة أحد الشجعان والكرماء ، كان واليا على خراسان من قبل بنى أمية.


وأنشد بعده [من الهزج] :

لقد أغدو على أشقر يغتال الصّحاريا

وتقدم شرحه فى الشاهد الواحد والأربعين من هذا الكتاب.


وأنشد بعده ، وهو الشاهد الخامس والسبعون [من الوافر] :

75 - *فما وجدت بنات بنى نزار

حلائل أسودين وأحمرينا

على أنه جمع أسود وأحمر جمع تصحيح لضرورة الشعر.

وحلائل : مفعول وجدت ، وهو جمع حليل ، وهو زوج المرأة.

والبيت من قصيدة لحكيم الأعور هجابها قبائل مضر ، وتقدم الكلام عليه فى الشاهد الرابع والعشرين من أوائل شرح شواهد شرح الكافية


1) ذكرنا هذه الكلمات فى شرحنا على الشافية عند الكلام على هذا البيت (ج 2 ص 154)

وأنشد الجاربردى هنا ، وهو الشاهد السادس والسبعون [من الطويل] :

76 - أتانى وعيد الحوص من آل جعفر

فيا عبد عمرو لو نهيت الأحاوصا

على أن الأحوص بالنظر إلى كونه فى الأصل وصفا جمع على الحوص ، وبالنظر إلى الاسمية جمع على أحاوص

والبيت من قصيدة للأعشى ميمون هجابها علقمة بن علاثة الصحابى ، وأراد بالحوص والأحاوص أولاد الأحوص بن جعفر ، وهم : عوف بن الأحوص ، وعمرو بن الأحوص ، وشريح بن الأحوص ، وربيعة بن الأحوص

والأحوص : اسمه ربيعة بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة وسمى الأحوص لضيق كان فى عينه ، قال صاحب الصحاح : والحوص بمهملتين مفتوحتين : ضيق فى مؤخر العين ، والرجل أحوص

وعلقمة هو علقمة بن علاثة بن عوف بن الأحوص المذكور ، وعبد عمرو هو ابن شريح بن الأحوص ، فهو ابن عم علقمة

وكان سبب هجو الأعشى أن علقمة كان تهدده بالقتل ، وقد شرحناه بقدر الكفاية فى الشاهد السادس والعشرين من شواهد شرح الكافية


وأنشد بعده [من الرجز]

ما بال عينى كالشّعيب العيّن

وتقدم شرحه فى الشاهد الخامس والعشرين من هذا الكتاب


وأنشد بعده ، وهو الشاهد السابع والسبعون [من الطويل]

77 - جنى النّحل فى ألبان عوذ مطافل

على أن العرب جوّزوا فى جمع مفعل المؤنث زيادة الياء وتركها ، وعلى الترك

جاء مطافل ؛ فإنه جمع مطفل : أى امرأة ذات طفل ، وجاء المطافيل أيضا فى جمعه بزيادة الياء فى بيت بعده ؛ فإن المصراع من قصيدة لأبى ذؤيب الهذلى ، وهذان بيتان منها فى التغزل :

وإن حديثا منك لو تبذلينه

جني النّحل فى ألبان عوذ مطافل

مطافيل أبكار حديث نتاجها

تشاب بماء مثل ماء المفاصل

يقول : إن حلاوة حديثك لو تفضلت به حلاوة العسل مشوبا باللبن

والجنى : أصله الثمر المجتنى ، فاستعاره ، والعوذ : الحديثات النّتاج ، واحدها عائذ - بالعين المهملة والذال المعجمة - قال السكرى فى شرح أشعار الهذليين : «ألبان العوذ أطيب ؛ لأنها إذا عتق لبنها تغير ، يقول : حديثك كأنه العسل ممزوجا بألبان الإبل ، وقال الإمام المرزوقى فى شرحه : مطافل جمع مطفل وهى التى معها طفلها ، وإنما نكر قوله حديثا منك ليبين أن موقع كلامها منه على كل وجه ذلك الموقع ، ودل بقوله لو تبذلينه على تمنعها وتعذر ذلك من جهتها» انتهى.

وقال ابن هشام فى شرح بانت سعاد : «العوذ : جمع عائذ ، وهى القريبة العهد بالنتاح من الظباء والإبل والخيل ، فاذا تجاوزت عشرة أيام من يوم نتاجها أو خمسة عشر فهى مطفل ، وسميت بذلك لأن معها طفلها ، وجمعها مطافل ، والمطافيل بالياء إشباع» انتهى.

وقال شارح ديوان الأعشى : «العوذ : الحديثات العهد بالنّتاج قبل أن توفى خمس عشرة ليلة ، ثم هى مطفل بعده»

وقال ابن خلف : «هى الحديثة العهد بالنّتاج كان معها ولد أو لم يكن ، وهو جمع عائذ ، وهو جمع غريب ، ونظيره حائل وحول ، وفاره وفره» ، وقال الأعلم : «وسميت عائذا لأن ولدها يعوذ بها لصغره ، وبنى على فاعل لأنه على نية النسب ، لا على ما يوجب التصريف ، كما قالوا عيشة راضية» انتهى. والبكر

(ق 2 - 10)

• بالكسر - التى ولدت بطنا واحدا ، وخصها لأن لبنها أطيب الألبان ، والحديث : نقيض القديم ، والنّتاج : اسم يجمع وضع جميع البهائم ، وقد خصّ بعضهم الغنم بالولادة ، ويشاب : يخلط ، والمفاصل : الحجارة الصلبة المتراصفة ، وقيل : ما بين الجبلين ، وقيل : منفصل الجبل من الرملة يكون بينهما رضراض وحصى صغار يصفو ماؤه ، وروى عن الأصمعى ، وقيل : ماء المفاصل هنا شىء يسيل من المفصلين إذا قطع أحدهما من الآخر ، شبيه بالماء الصافى ، قال أحد شراح أبيات الإيضاح للفارسى : «شبه ما بخلت به من حديثها بعسل مجعول فى ألبان هذه النوق ممزوجا بماء شبيه فى الرقة والصفاء بماء المفاصل. واختار ابن يسعون أن يراد بالمفاصل فى البيت الحجارة المتراصفة فى بطن المسيل لصفاء مائه وبرده ، قال : ويؤيده قول ذى الرمة [من الطويل] :

ونلت سقاطا من حديث كأنّه

جنى النّحل ممزوجا بماء الوقائع

لأن الوقائع جمع وقيعة ، وهى منقع ماء فى الجبل ، وأن يراد بماء المفاصل فى البيت ما يسيل من بين المفصلين إذا قطع أحدهما من الآخر أحق وأخلق ، ويكون قد شبه الماء فى صفائه ورقته بماء المفاصل ؛ إذ لو أراد المعنى الأول لكان الوجه أن يجعله مشوبا بماء المفاصل لا بمثله ؛ لأن ما يشبه من المياه بماء المفاصل دونه فى الصفاء والرقة ، فلما قال «بماء مثل ماء المفاصل» دل على أن المراد ما ذكرته ، وقد قيل فى قول الشاعر [من الطويل] :

عقار كماء النّىء ليست بخمطة

إنه شبه الخمر بماء النّيء فى الصفاء ، وقيل : فى الحمرة ، فيكون على أحد القولين مثل قول أبى ذؤيب الهذلى» إلى هنا كلام شارح أبيات الإيضاح ، وقوله «مطافيل أبكار ... الخ» قال الإمام المرزوقى : «مطافيل بدل من قوله عوذ مطافل ، وأشبع الكسرة فى الفاء للزومها ، فحدثت الياء ، والأبكار : التى

وضعت بطنا واحدا ، لأن ذلك أول نتاجها ؛ فهى أبكار ، وأولادها أبكار ، وعلى هذا قالوا : باكورة الربيع ، ولبنها أطيب وأشهى ؛ فلذلك خصه وجعله مزاجا وقوله تشاب فى موضع الصفة لألبان عوذ : أى مشوبة بماء متنهاه فى الصفاء ، وقيل فى المفاصل : إنها المواضع التى ينفصل فيها السهل من الجبل حيث يكون الرضراض ، فينقطع الماء به ويصفو إذا جرى فيه ، وهذا قول الأصمعى وأبى عمرو ، واعترض عليه فقيل : هلا قال «بماء من مياه المفاصل» وما له يشبهه به ولا يجعله منه؟ فقيل : هذا كما يقال : مثل فلان لا يفعل كذا ، والمراد أنه فى نفسه لا يفعل ، لا أنه أثبت له مثل ينتفى ذلك عنه ، ألا ترى أنه لو جعل ذلك لنظيره لكان المدح لا يعلق به ، وقد علم أن القصد إلى مدحه ، وعلى هذا قد حمل قوله تعالى : (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) وقال أبو نصر : أراد بالمفاصل مفاصل الجبل حيث يقطر الوشل ، وذلك أصفى من مياه المناقع والعيون ، وقال بعضهم : أراد تشاب بماء كالدمع صفاء ؛ فالمفاصل شئون الرأس ، وهى تسمى مفاصل ومواصل ، والدمع منها يخرج ، وهذا كما يقال : جئتك بخمرة كماء العين وأصفى من الدمع ، فالتشبيه حاصل فى هذا الوجه ، وهو عندى حسن والمراد بماء العين الدمع لا غير ، وقال أبو سعيد : ماء المفاصل الدم ، وأراد بالماء الخمر ، وشبهها به ، وقال ابن الأعرابى : ماء المفاصل ماء اللحم النىء ، شبّه حمرته بحمرته ، وعهدة هذين القولين عليهما دونى» هذا كلام المرزوقى ، وحديث : بمعنى حادث ، والنّتاج : الولادة ، وتشاب : من الشّوب وهو الخلط والمزج ، والمفاصل : جمع مفصل - بفتح الأول وكسر الثالث.

وأبو ذؤيب الهذلى شاعر مخضرم إسلامى تقدمت ترجمته فى الشاهد السابع والستين من شرح شواهد شرح الكافية


وأنشد بعده ، وهو الشاهد الثامن والسبعون [من الطويل] :

78 - مع الصّبح ركب من أحاظة مجفل

على أن ركبا لفظه مفرد ، بدليل عود الضمير إليه من صفته مفردا ، وهو مجفل.

وهذا المصراع عجز ، وصدره :

فعبّت غشاشا ثمّ مرّت كأنّها

وهو بيت من أبيات لامية العرب للشّنفرى ، فى وصف قطا وردت ماء وأنه سبقها إليه فشربت فضلته.

وقوله «فعبت غشاشا - الخ» العب : شرب الماء بلا مصّ ، قال ثعلب : عبّ يعب ، إذا شرب الماء فصبه فى الحلق صبا ، وفاعل «عبّت» ضمير القطا ، و «غشاشا» بكسر الغين المعجمة بعدها شينان معجمتان - قال بعض أهل اللغة : معناه على عجلة ، وقال بعض آخر : أى قليلا أو غير مرىء ، يقول : وردت القطا على عجل ثم صدرت فى بقايا من ظلمة الفجر ، وهذا يدل على قوة سرعتها ، وقوله «من أحاظة» متعلق بمحذوف على أنه صفة لركب ، وأحاظة - بضم الهمزة بعدها حاء مهملة وظاء مشالة معجمة - قبيلة من الأزد فى اليمن ، ومجفل : صفة ثانية لركب ، وهو بالجيم اسم فاعل من أجفل بمعنى أسرع ، و «الركب» قال ابن قتيبة فى أدب الكاتب : أصحاب الإبل ، وهم العشرة ونحو ذلك ، قال شارحه ابن ابن السّيد : هذا الذى قاله ابن قتيبة قاله غير واحد ، وحكى يعقوب عن عمارة ابن عقيل قال : لا أقول راكب إلا لراكب البعير خاصة ، وأقول : فارس وبغّال وحمّار ، ويقوى هذا الذى قاله قول قريط العنبرى [من البسيط] :

فليت لى بهم قوما إذا ركبوا

شنّوا الإغارة فرسانا وركبانا

والقياس يوجب أن هذا غلط ، والسماع يعضد ذلك ، ولو قالوا إن هذا هو

الأكثر فى الاستعمال لكان له وجه ، وأما القطع على أنه لا يقال راكب ولا ركب إلا لأصحاب الإبل خاصة فغير صحيح ؛ لأنه لا خلاف بين اللغويين فى أنه يقال : ركبت الفرس ، وركبت البغل ، وركبت الحمار ، واسم الفاعل من ذلك راكب ، وإذا كثرت الفعل قلت : ركّاب وركوب ، وقد قال تعالى : (وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً) فأوقع الركوب على الجميع ، وقال امرؤ القيس [من المتقارب] :

إذا ركبوا الخيل واستلأموا

وقال زيد الخيل [من الطويل] :

ويركب يوم الرّوع فينا فوارس

وهذا كثير فى الشعر وغيره ، وقد قال تعالى : (فَرِجالاً أَوْ رُكْباناً) وهذا اللفظ لا يدل على تخصيص شىء بشىء ، بل افترانه بقوله (فرجالا) يدل على أنه يقع على كل ما يقع على الأرض ، ونحوه قول الراجز [من الرجز] :

بنيته بعصبة من ماليا

أخشى ركيبا أو رجيلا عاديا

فجعل الرّكب ضد الرّجل ، وضد الرّجل يدخل فيه راكب الفرس وراكب الحمار وغيرهما ، وقول ابن قتيبة أيضا «إن الركب العشرة ونحو ذلك» غلط آخر ؛ لأن الله تعالى قال : (وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ) يعنى مشركى قريش يوم بدر ، وكانوا تسعمائة وبضعا وخمسين ، والذى قال يعقوب فى الركب هم العشرة فما فوقها ، وهذا صحيح ، وأظن أن ابن قتيبة أراد ذلك فغلط فى النقل ، انتهى كلام ابن السيد

وقد تكلمنا على هذا البيت بأبسط من هذا فى الشاهد السابع والخمسين بعد الخمسمائة من شرح شواهد شرح الكافية


وأنشد بعده ، وهو الشاهد التاسع والسبعون [من الرجز]

79 - أخشى ركيبا أو رجيلا عاديا

على أن ركبا اسم جمع ، ولفظه مفرد ، بدليل تصغيره على لفظه كما تصغر المفردات ، قال ابن جنى فى شرح تصريف المازنى : «جميع ما كان اسما للجمع تحقّره على لفظه ، أخبرنا أبو على أن أبا عثمان أنشده [من الرجز]

بنيته بعصبة من ماليا

أخشى ركيبا أو رجيلا عاديا

فهذان تحقير ركب ورجل ، وهما اسمان للجمع بمنزله ركّاب ورجّالة ، وكان أبو الحسن يقول فى تحقير ركب : رويكبون ؛ لأنه جمع كسر عليه راكب ، وقولهم «ركيب» يدل على خلاف مذهبه ، وهو قول سيبويه ، وهو الصواب انتهى.

والشعر لأحيحة بن الجلاح ، وهو هكذا :

بنيت بعد مستظلّ ضاحيا

بنيته بعصبة من ماليا

والشّرّ ممّا يتبع القواضيا

أخشى ركيبا أو رجيلا عاديا

وأنشد صاحب الكشاف البيت الأخير عند تفسير قوله تعالى : (حَرَساً شَدِيداً) من سورة الجن ، على أن الحرس اسم مفرد بمعنى الحرّاس كالخدم بمعنى الخدّام وكالرّجل والرّكب فى البيت فإنهما بمعنى الرجالة والرّكّاب

وقال شارح أبيات التفسيرين خضر الموصلى : هذا البيت كأنه فى وصف حصن بناه ليمنعه من الحوادث لم أطلع له على خبر ، انتهى

أقول : أورد خبره الأصفهانى فى الأغانى ، قال : كان لأحيحة بن الجلاح أطمان أطم فى قومه يقال له المستظل ، وهو الذى تحصّن فيه حين قاتل تبّعا أبا كرب الحميرى ، وأطمه الضّحيان بالعصبة فى أرضه التى يقال لها الغيابة ، بناه بحجارة سود بنى عليه منارة بيضاء مثل القصّة ، ثم جعل عليها مثلها ، يراها الراكب من مسيرة ،

وكانت الآطام عزّهم وحصونهم يتحرّزون فيها من عدوهم ، ويزعمون أنه لما بناه هو وغلام له أشرف ثم قال : لقد بنيت حصنا حصينا ما بنى مثله رجل من العرب أمنع منه ، ولقد عرفت موضع حجر منه لو نزع لوقع جميعا ؛ فقال غلامه : أنا أعرفه ، قال : فأرنيه يا بنى ، قال : هو هذا ، وصرف إليه رأسه ، فلما رأى أحيحة أنه قد عرفه دفعه من رأس الأطم فوقع على رأسه فمات ، حتى لا يعرف ذلك الحجر أحد ؛ ولما بناه قال :

بنيت بعد مستظلّ ضاحيا الأبيات الأربعة

قال : وكان أحيحة سيّد قومه الأوس ، وكان رجلا صنعا للمال شحيحا عليه يبيع بيع الربا بالمدينة ، حتى كاد يحيط بأموالهم ، وكانت لة تسع وتسعون بئراكلها ينضح عليها ، انتهى.

قال الزمخشرى فى كتاب الأمكنة : عصبة : موضع بقباء ، وأنشد الشعر المذكور ، انتهى.

وقال السمهودى فى تاريخ المدينة المنورة : أطم يقال له مستظل عند بئر غرس كان لأحيحة ثم صار لبنى عبد المنذر ، انتهى.

وقال صاحب الصحاح : والأطم [مثل الأجم (1)] يخفف ويثقل ، والجمع آطام ، وهى حصون لأهل المدينة ؛ والواحدة أطمة بفتحات ، انتهى.

و «المستظل» معناه موضع الاستظلال ، و «الضّحيان» بمعنى الضاحى ، وهو البارز غير المستتر ، وكأنه سمّاه بهما ، ولما لم يستقم له فى الشعر الضّحيان جاء بالآخر موضعه ، وعصبة بفتح العين وسكون الصاد المهملتين فباء موحدة ، وليس لهذه الكلمات ذكر فى معجم ما استعجم لأبى عبيد البكرى ، ولا فى


1) سقطت هذه الكلمة من بعض النسخ ، وهى ثابتة فى بعض

فى الصحاح ، ولما لم يقف ابن برى على هذا النقل ظن أن العصبة الرجال ، فقال فى شرح أبيات الإيضاح للفارسى : العصبة من الرجال نحو العشرة ، واستعارها للجزء من المال ، وعلى هذا تكون من صفة للعصبة متعلقة بمحذوف ، ويجوز أن يريد بالعصبة الرجال ومن متعلقة ببنيته : أى بنيته من مالى بعصبة ، والباء متعلقة بمحذوف : أى مستعينا بعصبة ، ويروى «غاديا» بالغين المعجمة من الاغتداء ، هذا كلامه.

وقوله «والشر» هو ضد الخير ، أراد أن الشر يتبع الأمور المقضية المحتمة وقوله «أخشى ركيبا - إلخ» صغر الرّكب والرّجل للتقليل ، وإذا كان يخشاهما مع قلتهما فخشيته مع كثرتهما من باب أولى ، والركب : اسم جمع راكب ، وقال صاحب المصباح : وراكب الدابة جمعه ركب كصاحب وصحب ، وكذا قال فى الرّجل ، قال : الراجل : خلاف الفارس ، وجمعه رجل ، مثل صاحب وصحب ، وكان ينبغى أن يقول : والراجل خلاف الراكب ، و «عاديا» صفة رجيلا ، وصفة «ركيبا» محذوفة لدلالة الثانى عليه ، وهو من عدا عليه يعدو عدوا وعدوانا وعداء ، بالفتح والمد ، إذا ظلم وتجاوز الحد.

وأحيحة بن الجلاح جاهلى ، وأحيحة بضم الهمزة وفتح الحاءين المهملتين بينهما ياء تصغير ؛ والجلاح - بضم الجيم وتخفيف اللام وآخره حاء مهملة - وقد ذكرنا نسبه وترجمته فى شرح الشاهد السابع والعشرين بعد المائتين من شرح شواهد شرح الكافية.


وأنشد بعده ، وهو الشاهد الثمانون [من الرجز] :

80 - وفاضح مفتضح فى أرهطه

على أن الأرهط مفرد الأراهط ، والأرهط جمع رهط - بفتح فسكون - قال

الصاغانى فى العباب : رهط الرجل : قومه وقبيلته ، يقال : هم رهطه دنية ، والرهط : ما دون العشرة من الرجال لا تكون فيهم امرأة ، وليس له واحد من لفظه ، مثل ذود ، وقال بعضهم : الرّهط عند العرب : عدد يجمع من سبعة إلى عشرة ؛ قال ابن دريد : وربما جاوز ذلك قليلا ، وما دون السبعة إلى الثلاثة النفر ، وقد يحرك فيقال : الرّهط ، والجمع أرهط ، وأنشد الأصمعى :

وفاضح مفتضح فى أرهطه

انتهى.

وقد ورد فى رجز رؤبة بن العجاج أيضا ، قال [من الرجز] :

وهو الذّليل نفرا فى أرهطه

وبهذا يرد على أبى على الفارسى فى زعمه أن اسم الجمع كركب ورجل ورهط وطير لا يجمع جمع قلة ، وقد قالوا أيضا : قوم وأقوام ؛ قال فى المسائل البغدادية : حكى سيبويه أطيار ، وحمله على أنه جمع طائر ، مثل صاحب وأصحاب ، وشاهد وأشهاد ، وفلوّ وأفلاء ؛ لأن فلوّا مثل فاعل فى الزيادة والزنة (1)، فان قال قائل : هلا حمله على أنه جمع طير؟ قيل له : لا يكون عنده إلا جمع طائر ؛ لأن طائرا زعم أنه جمع على طير مثل تاجر وتجر ، وإذا كان مثل تجر وركب لم يجز جمعه ، ألا ترى أنه لم نجز ذلك (2)فى جمع الجمع؟ ويمتنع جمع هذا أيضا من جهة القياس ؛ لأن تجرا وبابه يراد به الكثرة ، فحكمه إذا جمع أن يراد به التكثير ، وأفعال لا يراد به الكثرة ، بل خلافها ؛ فإن قيل : فهلا جاز جمعه على أفعال كما جاز إبلان؟ قيل له : هذا قليل لا يقاس عليه ، فان قيل : فهلا جاز تكسيره كما جاز تحقيره؟ حكى سيبويه رجل ورجيل ، وكما


1) يريد فى عدد الحروف دون الحركات

2) فى نسخة «لم نجز جواز ذلك»

قرأت على أبى بكر عن أبى العباس عن أبى عثمان قال : أنشدنى الأصمعى لأحيحة بن الجلاح :

أخشى ركيبا أو رجيلا عاديا

قيل : لا ينبغى أن يجوز التكسير من حيث جاز التصغير ، وذاك أن هذا الاسم على بناء الآحاد ، والمراد به الكثرة ، فلو كسر كما صغر لكان فى ذلك إجراؤه مجرى الآحاد وإزالته عما وضع له من الدلالة على الكثرة ، إذ كان يكون فى ذلك مساواته له من جهة البناء والتكسير والتحقير والحديث عنه كالحديث عن الآحاد ، نحو ما أنشده أبو الحسن [من الطويل] :

لهم جامل لا يهدأ اللّيل سامره

وهذا كل جهاته أو عامته ، فيجب إذا صغر أن لا يكسر فيكون بتولد تكسيره منفصلا مما يراد به الآحاد دون الكثرة ، ومتميزا به منها ، على أن ركيبا فى البيت يجوز أن يكون محقرا على حذف الزيادة كباب أزهر وزهير ،

فان قال قائل : أليس أشياء من باب ركب وتجر وجامل ، وقد حدثكم أبو بكر عن أبى العباس قال علماؤنا عن الأصمعى قال : وقف أعرابى على خلف الأحمر ، فقال : إن عندك لأشاوى ؛ فكسر أشياء على أشاوى ، فما أنكرت أن يجوز جمع طير وبابه؟

قيل له : هذا أشبه ، لأنه مكسر على بناء يكون للكثير ، وأطيار للقليل ، وهذا ردىء لخروجه إلى حيز الآحاد ، وهذه حكاية نادرة ، لا يجب القياس عليها

فان قيل : أليس ضأن من هذا الباب لأنه جمع ضائن ، كما أن طيرا جمع طائر ، فقد قيل : ضأن وضئين ، كما قالوا : عبد وعبيد ، وكلب وكليب ، فما أنكرت

أن يجوز تكسير طير وركب وبابه كما جاز تكسير ضأن إذ هو مثله؟

قيل له : ليس ضئين عندنا جمع ضأن ، إنما هو جمع ضائن ، وليس ضائن بجمع ، إنما هو واحد ، ألا تراهم قالوا : ضائنة ، فأنثوا ، وقالوا : ضوائن ، فكسروا ؛ ولو كان جمعا لم يكسر كما لا يكسر ركب وجامل ونحوه ، هذا كلام أبى على

وقول الشاعر «وفاضح مفتضح - إلخ» الفضيحة : العيب ، وفضحه فضحا من باب نفع ، كشف عيبه ، فتقديره : وكاشف عيب رهطه ومنكشف عيبه فى رهطه

وهذا البيت لم أقف على قائله ، ولا على تتمته ، والله أعلم


وأنشد بعده [من السريع] :

فى كلّ يوم ما وكلّ ليلاه

وتقدم شرحه فى الشاهد الثامن والأربعين


وأنشد بعده ، وهو الشاهد الحادى والثمانون [من الرجز] :

81 - بأعينات لم يخالطها القذى

على أنه يجوز فى الشعر أن يجمع الجمع كما هنا ، فإنّ أعينا جمع عين ، وقد جمع بالألف والتاء

والقذى : ما يسقط فى العين أو فى الشراب ، وقذيت عينه تقذى قذى ، إذا سقطت فى عينه قذاة ، وقذت عينه تقذى قذيا : أخرجت القذى ، وأقذيت عينه : رميت فيها القذى ، وقذيتها تقذية : إذا أخرجت منها القذى


التقاء الساكنين

أنشد فيه ، وهو الشاهد الثانى والثمانون [من الرجز] :

82 - أقبلت من عند زياد كالخرف

تخطّ رجلاى بخطّ مختلف

تكثّبان فى الطّريق ام الف

على أن الشاعر نقل فتحة همزة ألف إلى ميم لام

وأورده الشارح المحقق فى شرح الكافية على أن مقصوده اللام والهمزة ، لا صورة «لا» ؛ فيكون معناه أنه تارة يمشى مستقيما فتخط رجلاه خطا شبيها بالألف ، وتارة يمشى معوجا فتخط رجلاه خطا شبيها باللام

وقد تقدم الكلام عليه هناك فى شرح الشاهد السابع من أوله بمالا مزيد عليه

وهذه الأبيات الثلاثة لأبى النجم ، وهو راجز إسلامى ، قال الصولى : كان لأبى النجم العجلى صديق يسقيه الشراب فينصرف من عنده ثملا ، وأنشد له هذه الأبيات.

والخرف - بفتح الخاء المعجمة وكسر الراء - صفة مشبهة من خرف الرجل خرفا من باب تعب ، إذا فسد عقله لكبره ، وخط على الأرض خطا : أعلم علامة ، و «كتب» بالتخفيف والتثقيل ، وتثقيله هنا لتكثير الفعل.


وأنشد بعده ، وهو الشاهد الثالث والثمانون [من المتقارب] :

83 - لها متنتان خظاتا كما

أكبّ على ساعديه النّمر

على أن بعضهم جوز رد الألف مستشهدا بخظاتا ؛ فإنه يقال : خظا يخظو ، إذا تحرك ، وكان من حقه أن يقول : خظتا ، كما يقال : غزتا ، تثنية غزت ، إلا أنه رد الألف التى كانت سقطت لاجتماع الساكنين فى الواحد ، ولما تحركت

تاء التأنيث لأجل ألف التثنية رجعت الألف المحذوفة للساكنين ، وهذا قول الكسائى.

وقال الفراء : أراد «خظاتان» ؛ فهو مثنى حذفت نونه للضرورة ، كما قال أبو دواد [من الهزج] :

ومتنان خطاتان

كزحلوف من الهضب

قال ابن قتيبة فى أبيات المعانى : يقال : لحمه خظا بظا ؛ إذا كان كثير اللحم صلبه ، والزّحلوف : الحجر الأملس ، وقال امرؤ القيس :

لها متنتان خظاتا - إلخ

ويقال : هو خاظى البضيع ، إذا كان كثير اللحم مكتنزه ، وقوله «خظاتا» فيه قولان : أحدهما أنه أراد خظاتان كما قال أبو دواد ، فحذفت نون الاثنين ، يقال : متن خظاة ومتنة خظاة ، والآخر أنه أراد خظتا : أى ارتفعتا ، فاضطر فزاد ألفا ، والقول الأول أجود ؛ وقوله «كما أكب على ساعديه النمر» أراد كان فوق متنها نمرا باركا لكثرة لحم المتن» انتهى كلام ابن قتيبة.

وأيد ابن جنى قول الكسائى ؛ قال فى سر الصناعة : وأما قول امرىء القيس :

لها متنتان خظاتا ... البيت

فإن الكسائى قال : أراد خظتا ، فلما حرك التاء رد الألف التى هى بدل من لام الفعل ؛ لأنها إنما كانت حذفت لسكونها وسكون التاء ، فلما حركت التاء ردها ؛ فقال : خظاتا ، ويلزمه على هذا أن يقول فى قضتا وغزتا : قضاتا وغزاتا ؛ إلا أن له أن يقول : إن الشاعر لما اضطر أجرى الحركة العارضة مجرى الحركة اللازمة فى نحو قولا وبيعا وخافا ، وذهب الفراء إلى أنه أراد خظاتان ؛ فحذف النون ، كما قال أبو دواد الإيادى

ومتنان خظاتان * كزحلوف من الهضب

وأنشد الفراء أيضا : [من الرجز]

يا حبّذا عينا سليمى والفما

قال : أراد والفمان ، يعنى الفم والأنف ؛ فثناهما بلفظ الفم للتجاور الذى بينهما ؛ وأجاز الفراء أيضا أن تنصبه على أنه مفعول معه ، كأنه قال : مع الفم ، ومذهب الكسائى فى «خظاتا» أقيس عندى من قول الفراء ؛ لأن حذف نون التثنية شىء غير معروف ، فأما «والفما» فقد يجوز أن ينصب بفعل مضمر ، كأنه قال : وأحب الفم ، ويجوز أن يكون الفما فى موضع رفع إلا أنه اسم مقصور بمنزلة عصا ، وعليه جاء بيت الفرزدق :

هما نفثا فى فىّ من فمويهما

فاعرفه ، ومما يؤيد عندى مذهب الكسائى أنه أراد خظتا فلما حرك التاء وإن كانت الحركة عارضة غير لازمة رد الألف التى هى بدل من الواو التى هى لام الفعل ، كقولهم «لحمر» فى الأحمر ، و «لبيض» فى الأبيض ، ألا ترى أنهم اعتدوا بحركة الهمزة المحذوفة لما ألقوها على اللام المعرفة ، فأجروا ما ليس بلازم مجرى اللازم؟ ونحو من ذلك قراءتهم (لكنّا هو الله ربّى) وأصلها لكن أنا ، فلما حذفت الهمزة للتخفيف وألقيت فتحتها على نون لكن صار التقدير لكننا فلما اجتمع حرفان مثلان متحركان كره ذلك كما كره شدد وجلل ؛ فأسكنوا النون الأولى وأدغموها فى الثانية فصار لكنا ، كما أسكنوا الحرف الأول من شدد وجلل ، وأدغموه فى الثانى فقالوا : شدّ وجلّ ، أفلا ترى أنهم أجروا المنفصل وهو لكن أنا مجرى المتصل فى شد وجل ، ولم يقرأ أحد لكننا مظهرا ؛ فهل ذلك إلا لاعتدادهم بالحركة وإن كانت غير لازمة؟ وعلى هذا قالوا (سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ) وأصله اسال ؛ فلما خففت الهمزة فحذفت وألقيت حركتها على السين قبلها اعتد بها فحذفت همزة الوصل لتحرك الحرف بعدها ، ونظائر هذا كثير ، ومنها قولهم فى تخفيف

رؤيا : ريّا ، وأصلها رويا ، إلا أنهم أجروا الواو فى رويا وإن كانت بدلا من الهمزة مجرى الواو اللازمة فأبدلوها ياء وأدغموها فى الياء بعدها ؛ فقالوا : ريّا ، كما قالوا : طويت طيّا وشويت شيّا ، وأصلهما طويا وشويا ، ثم أبدلوا الواو ياء وأدغموها فى الياء فعلى هذا قالوا : ريّا ، ومن اعتد بالهمزة المنوية وراعى حكمها - وهو الأكثر والأقيس - لم يدغم فقال : رويا ، فهذا كله وغيره مما يطول ذكره ، يشهد باجرائهم غير اللازم مجرى اللازم ويقوى مذهب الكسائى ، إلا أن للفراء أن يحتج لقوله ببيت أبى دواد ومتنان خظاتان فهذا يقوى أن خظاتا تقديره خظاتان وأنشدوا بيتا آخر ، وهو قوله : [من الطويل]

لنا أعنز لبن ثلاث فبعضها

لأولادها ثنتا وما بيننا عنز

تقديره ثنتان ، فحذف النون» وهذا آخر كلام ابن جنى (1)

وبقى فى البيت قول ثالث ، وهو أن خظاتا مثنى حذفت نونه للاضافة إلى قوله «كما أكب» وهو قول أبى العباس المبرد ، نقل عنه ياقوت الحموى فى معجم الأدباء فى ترجمة أبى العباس أحمد الشهير بثعلب رحمه الرب ، ونقله عنه أيضا علم الدين السخاوى فى سفر السعادة ، وعبارتهما واحدة ، قالا : قال أحمد بن يحيى ثعلب : دخلت على محمد بن عبد الله فاذا عنده أبو العباس المبرد وجماعة من أصحابه وكتابه ؛ فلما قعدت قال لى محمد بن عبد الله : ما تقول فى بيت امرىء القيس

لها متنتان خظاتا ... البيت

قال : فقلت : أما الغريب فانه يقال : لحم خظا بظا ، إذا كان صلبا مكتنزا ، ووصفه بقوله «كما أكب على ساعديه» أى فى صلابة النمر إذا اعتمد على يديه ، والمتن : الطريقة من عن يمين الصلب وشماله ، وأما الإعراب فإنه خظتا ، فلما


1) لو تصفحت كلام ابن جنى فى حرف النون من سر الصناعة لوجدت المؤلفه لم ينقله بنصه الكامل بل تصرف فيه بعض التصرف من غير إخلال بالمقصود

تحركت التاء أعاد الألف من أجل الحركة والفتحة ؛ فأقبل بوجهه على المبرد ، فقال : أعز الله الأمير ، إنما أراد فى «خظاتا» الإضافة ؛ أضاف خظاتا إلى كما ، قال ثعلب فقلت له : ما قال هذا أحد!! فقال : بلى سيبويه يقوله ، فقلت لمحمد بن عبد الله : ما قال هذا سيبويه قط ، وهذا كتابه فليحضر ، ثم قلت : وما حاجتنا إلى الكتاب؟ أيقال : مررت بالزيدين ظريفى عمرو ، فيضاف نعت الشىء إلى غيره؟ فقال محمد لصحة طبعه - : والله ما يقال هذا ، ونظر إلى محمد بن يزيد ، فأمسك ولم يقل شيئا ، ونهض المجلس ، وزاد ياقوت فى آخر هذه الحكاية «لا أدرى لم لا يجوز هذا ، وما أظن أحد ينكرا قول القائل : رأيت الفرسين مركوبى زيد ، ولا الغلامين عبدى عمرو ، ولا الثوبين درّاعتى (1)زيد ، ومثله مررت بالزيدين ظريفى عمرو ؛ فيكون مضافا إلى عمرو وهو صفة زيد ، وهذا ظاهر لكل متأمل» هذا كلامه

وأقول : هذه الأمثلة كلها أبدال لا نعوت ؛ لعدم الربط

وهذا البيت من جملة أبيات فى وصف فرس من قصيدة لامرىء القيس قد شرحناها فى الشاهد العشرين بعد السبعمائة من شرح شواهد شرح الكافية


وأنشد بعده وهو الشاهد الرابع والثمانون : [من المنسرح]

84 - لا تهين الفقير علّك أن

تركع يوما والدّهر قد رفعه

على أن أصله «لا تهينن الفقير» فحذفت نون التوكيد الخفيفة لالتقاء الساكنين ، وبقيت الفتحة دليلا عليها

وهذا آخر أبيات للأضبط بين قريع السعدى ؛ وقبله :

قد يجمع المال غير آكله

ويأكل المال غير من جمعه


1) الدراعة : ثوب لا يكون إلا من صوف ، وهو المدرعة أيضا ، ويقال : تمدرع ؛ إذا لبسه

فاقبل من الدّهر ما أتاك به

من قرّ عينا بعيشه نفعه

وصل حبال البعيد إن وصل ال

حبل وأقص القريب إن قطعه

وهى أكثر من هذا ، وقد شرحناها فى الشاهد الرابع والخمسين بعد التسعمائة من آخر شرح شواهد شرح الكافية


وأنشد بعده ، وهو الشاهد الخامس والثمانون ، وهو من شواهد سيبويه [من الرجز] :

85 - يستوعب البوعين من جريره

من لد لحييه إلى منحوره

على أن أصله «من لدن» فحذفت النون

قال سيبويه : «فأما لدن فالموضع الذى هو أول الغاية ، وهو اسم يكون ظرفا ، يدلك على أنه اسم قولهم : من لدن ، وقد يحذف بعض العرب النون حتى يصير على حرفين ، قال الراجز غيلان يستوعب البوعين ... إلى آخر البيتين»

قال الأعلم : «أراد أن لد محذوفة من لدن منوية النون فلذلك بقيت على حركتها ، ولو كانت مما بنى على حرفين للزمها السكون كعن ونحوها ، وصف بعيرا أو فرسا بطول العنق ؛ فجعله يستوعب من حبله الذى يوثق به ؛ مقدار باعين ، فيما بين لحييه ونحره ، والمنحور والنحر : الصدر ، واللحى : العظم الأسفل من الشدق ، وسمى بذلك لقلة لحمه ، كأن اللحم لحى عنه : أى قشر ، والبوع : مصدر بعت الشىء بوعا إذا ذرعته بباعك ، والجرير : الحبل» انتهى كلامه وقبلهما :

يتبعن شهما لان من ضريره

من المهارى ردّ فى حجوره

قوله «يتبعن إلخ» أى : يتبع الإبل جملا «شهما» : أى حديد النفس ذكى

(ق 2 - 11)

القلب ، والضرير - بالضاد المعجمة - : النفس وشدتها ، يقال : ناقة ذات ضرير ، إذا كانت شديدة النفس بطيئة اللّغوب ، والضرير من الدواب : الصبور على كل شىء ، كذا فى العباب. يريد أنه لان شىء من شدة نفسه وامتناعه ، ولو كانت نفسه على ما كانت عليه من الصعوبة لشق عليها ، وقوله «من المهارى» أى : من الإبل المهارى نسبة إلى مهرة ، قال صاحب العباب : ومهرة بن حيدان أبو قبيلة من اليمن تنسب إليه الإبل المهرية ، والجمع المهارىّ ، وإن شئت خففت الياء فقلت المهارى والمهارى كالصحارى والصحارى

وقوله «رد فى حجوره» أى : فى كرم أمهاته ، يريد أنه من نسل إبل كرام.

وقوله «يستوعب البوعين الخ» بفتح الموحدة ، قال صاحب العباب : قال الليث : البوع والباع لغتان. فلا حاجة إلى ما تكلفه الأعلم ، والجرير - بفتح الجيم - : الحبل ، يريد أن طول الحبل الذى هو مقوده من لحيبه إلى موضع نحره مقدار باعين ، يريد طول عنقه

وقوله «من لد لحييه» مثنى لحى - بفتح اللام وسكون الحاء المهملة - وهو العظم الذى ينبت عليه الأسنان ، والمنحور : بضم الميم وبعد النون حاء مهملة ، كذا فى العباب ، وهو لغة فى النحر. لمنحر ، ومعناه أعلى الصدر ، وهو الموضع الذى تقع عليه القلادة والموضع الذى ينحر فيه الهدى وغيره ، وصحفه الجوهرى فرواه بالخاء المعجمة ، وقال : المنخور لغه فى المنخر ، وأنشده ، وكذا رواه أيضا فى مادة لدن ، ونبه ابن برى فى أماليه عليه ، قال : «وصواب إنشاده كما أنشده سيبويه «إلى منحوره» بالحاء ، والمنحور النحر وهو المنحر ، وصف هذا الشاعر فرسا بطول العنق فجعله يستوعب من حبله مقدار باعين من لحييه إلى نحره» نتهى. وكذا قال فى مادة (ل د ن) ، وصوابه يصف جملا كما ذكرنا ، وتبعه الصفدى فى حاشيته على

الصحاح ، وقال : هذا الذى عليه العلماء ، ولا معنى فيه لما قاله الجوهرى ، ورواه الصاغانى فى العباب بالوجهين : بالحاء المهملة ، والمعجمة ، فى المادتين ، قال : ويروى منخوره بالخاء المعجمة أيضا ، ويروى حنجوره ، فزاد رواية ثالثة ، وهى بضم الحاء المهملة وبعد النون جيم ، لغة فى الحنجرة كحيدرة ، وهى الحلقوم

ونسب ابن برى أيضا هذا الرجز إلى غيلان بن حريث الربعى ، وتقدم فى الشاهد الثالث والسبعين بعد السبعمائة من شرح شواهد شرح الكافية أنى لم أقف على ترجمة له ، والله أعلم به


وأنشد بعده ، وهو الشاهد السادس والثمانون : [من الرجز]

86 - وحاتم الطّائىّ وهّاب المئى

على أنه حذف التنوين من حاتم لضرورة الشعر ، وقبله

حيدة خالى ولقيط وعلى

والبيتان من رجز لامرأة تفتخر بأخوالها من اليمن ، وأورده الشارح المحقق فى شرح الكافية على أن المئى أصله عند الأخفش المئين ، حذفت نون الجمع للضرورة.

وقد شرحناه مفصلا بما لا مزيد عليه مع بقية الرجز فى الشاهد الرابع والأربعين بعد الخمسمائة هناك فارجع إليه


وأنشد بعده : [من الطويل]

عجبت لمولود وليس له أب

وذى ولد لم يلده أبوان

وتقدم الكلام عليه فى الشاهد العاشر من هذا الكتاب


وأنشد بعده ، وهو الشاهد السابع والثمانون ، وهو من شواهد سيبويه : [من الوافر]

87 - فغضّ الطّرف إنك من نمير

فلا كعبا بلغت ولا كلابا

على أن يونس سمعهم ينشدونه بفتح الضاد من قوله : فغضّ ، قال سيبويه : «ومنهم من يدعه إذا جاء بالألف واللام على حاله مفتوحا ، يجعله فى جميع الأشياء كإنّ ، وزعم يونس أنه سمعهم يقولون :

فغضّ الطرف ... البيت» انتهى

ونسب الزمخشرى فى المفصل الفتح إلى بنى أسد ، قال : «ومنهم من فتح وهم بنو أسد ، قال : فغضّ الطرف ، ونمير بالتصغير : أبو قبيلة ، وهو نمير بن عامر ابن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة ابن قيس بن عيلان بن مضر ، وكعب وكلاب أخوان ، وهما ابنا ربيعة بن عامر ابن صعصعة ؛ فنمير وربيعة أخوان وأمهما رقية بنت جشم بن معاوية بن بكر بن هوازن ، قال ابن الكلبى فى الجمهرة : ولد ربيعة بن عامر كلابا وإليه البيت ، وكعبا وإليه العقد ، كان إذا كان فى ولد ربيعة عقد جوار تولوا هم ذلك دون ولد أبيهم ، ومن أولاد ربيعة كليب بالتصغير وعامر والحرث ، فهؤلاء الخمسة أولاد ربيعة لا غير

و «غضّ» فعل أمر من غض طرفه وصوته ، ومن طرفه وصوته ، غضا ، من باب قتل ، إذا خفضهما ، وغض الطرف : إرخاء الجفون ، والطرف : نظر العين ، يقول : لا تفتح عينيك بتحديق كنظر العزيز ، بل انظر نظر الذليل بغض وتغميض ؛ فإن قبيلتك بنى نمير لم يشرفوا كشرف بنى أخى نمير ، وأنت خامل ، ولبنى عمك النباهة والذكر ، فلا نلت رتبة كعب فى السيادة ولا بلغت منزلة كلاب فى العز ، والتفضيل بين الأقارب عند العرب ممضّ مؤلم تأثيره أشد من الهجاء المقذع.

والبيت من قصيدة لجرير هجابها الراعى النميرى مطلعها :

أقلّى اللّوم عاذل والعتابا

وقولى إن أصبت لقد أصابا

وسبب هجوه أن الراعى كان شاعر مضر وذا سنّها ، ولما قدم البصرة دخل بين جرير والفرزدق ، فقال : [من الكامل]

يا صاحبىّ دنا الأصيل فسيرا

غلب الفرزدق فى الهجاء جريرا

فلقيه جرير ، فقال له : إنى وابن عمى الفرزدق نستب صباحا ومساء ، وما عليك من غلبة الغالب والمغلوب ، فإما أن تكف عنا ، وإما أن تغلّبنى ، فقال له الراعى : صدقت ، لا أبعدك [الله] من خير ، فبينما هما فى القول إذ رآهما جندل بن الراعى فأقبل على فرس له فضرب بغلة أبيه وقال له : مالك يراك الناس واقفا على كلب بنى كليب ، فصرفه عنه ، فقال جرير : أما والله لأثقلن رواحلك ، ثم أقبل إلى منزله وقال لراويته : زد فى دهن سراجك الليلة وأعدد لوحا ودواة ، ثم أقبل على هجاء بنى نمير ، فلم يزل يملى حتى ورد عليه قوله :

فغض الطرف إنك من نمير ... البيت

فقال : حسبك أطفىء سراجك ونم ، فرغت منه

ثم إن جريرا أتم القصيدة بعد وسماها الدامغة حتى إذا أصبح ورأى الراعى فى سوق الابل أنشده إياها حتى وصل إلى قوله

أجندل ، ما تقول بنو نمير

إذا ما الأير فى است أبيك غابا؟

فقال الراعى : شرا والله تقول ، إلى أن قال :

إذا غضبت عليك بنو تميم

رأيت النّاس كلّهم غضابا

فغضّ الطّرف إنّك من نمير

... البيت

قال ابن رشيق فى العمدة : «وممن وضعه ما قيل فيه من الشعر حتى أنكر نسبه وسقط عن رتبته وعيب بفضيلته : بنو نمير ، كانوا جمرة (1)من جمرات العرب إذا سئل أحدهم : ممن الرجل؟ فخّم لفظه ومدّ صوته وقال : من بنى نمير ، إلى أن صنع جرير قصيدته التى هجا بها الراعى فسهر لها فطالت ليلته إلى أن قال :


1) الجمرة : القبيلة التى لا تحالف غيرها اعتدادا بنفسها

فغض الطرف إنك من نمير البيت

فأطفأ سراجه ونام ، وقال : والله قد أخزيتهم آخر الدهر ، فلم يرفعوا رأسا بعدها إلا نكس بهذا البيت ، حتى إن مولى لبنى باهلة كان يرد سوق البصرة ممتارا ؛ فيصيح به بنو نمير : يا جواذب (1)باهلة ؛ فقصّ الخبر على مواليه ، وقد ضجر من ذلك ، فقالوا له : إذا نبزوك فقل لهم فغض الطرف إنك من نمير ومر بهم بعد ذلك فنبزوه ، وأراد البيت فنسيه ، فقال : غض وإلا جاءك ما تكره ، فكفوا عنه ولم يعرضوا له بعدها ، ومرت امرأة ببعض مجالس بنى نمير ، فأداموا النظر إليها فقالت : قبحكم الله يا بنى نمير ، ما قبلتم قول الله عزوجل (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ) ولا قول الشاعر :

فغضّ الطّرف إنّك من نمير ...

البيت

وهذه القصيدة تسميها العرب الفاضحة ، وقيل : سماها جرير الدامغة ، تركت بنى نمير بالبصرة ينتسبون إلى عامر بن صعصعة ويتجاوزون أباهم نميرا إلى أبيه هربا من ذكر نمير وفرارا مما وسم به من الفضيحة

وقد تكلمنا عليه بأبسط من هذا فى الشاهد الرابع من أول شرح شواهد شرح الكافية

وقد خبط خبط عشواء فى هذا البيت بعض فضلاء العجم فى شرح أبيات المفصّل ، قال : «البيت لجرير يهجو به الفرزدق ؛ لأن نميرا أبو قبيلة من قيس وهو نمير بن عامر بن صعصعة ، وصعصعة بن مجاشع من أجداد الفرزدق ، وكعب وكلاب فى قريش» هذا كلامه ، وفيه خلل من وجوه : الأول أن المهجو نميرى والفرزدق تميمى ، الثانى أن صعصعة والد عامر ليس جد الفرزدق ، الثالث أن صعصعة جد الفرزدق ليس ابن مجاشع ، وإنما هو صعصعة بن ناجية بن عقال ابن محمد بن سفيان بن مجاشع بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد


1) فى الأصول «يا جؤداب» وهو تصحيف ، والجواذب : شسع النعل

مناة بن تميم ، الرابع أن صعصعة هذا ليس من أجداد الفرزدق ، وإنما هو جده الأقرب ؛ لأن الفرزدق ابن غالب بن صعصعة ، الخامس أن كعبا وكلابا فى البيت ليسا من قريش ، وإنما هما ابنا ربيعة أخى نمير ، والله أعلم


وأنشد الجاربردى هنا ، وهو الشاهد الثامن والثمانون [من الكامل] :

88 - ذمّ المنازل بعد منزلة اللّوى

والعيش بعد أولئك الأيّام

على أنه روى ذمّ بفتح الميم وكسرها

وهو من قصيدة لجرير ، مطلعها :

سرت الهموم فبتن غير نيام

وأخو الهموم يروم كلّ مرام

وأورده فى المفصل فى باب الإشارة أيضا ، على أن «أولئك» يستعمل فى العقلاء وغير العقلاء ، كقوله تعالى : (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً) وأورده البيضاوى - بيّض الله وجهه يوم تبيض وجوه - أيضا عند الآية ، قال العينى : ويروى «الأقوام» بدل «الأيام» وحينئذ لا شاهد فيه ، وزعم ابن عطية أن هذه الرواية هى الصواب ، وأن الطبرى غلط إذ أنشد «الأيام» وأن الزجاج اتبعه فى هذا الغلط ، انتهى

و «ذمّ» فعل أمر ، و «العيش» معطوف على المنازل ، والمعنى أنه تأسف على منزله باللّوى وأيام مضت له فيه ، وأنه لم يتهنّ بعيش بعد تلك الأيام ، ولا راق له منزل


وأنشد بعده ، وهو الشاهد التاسع والثمانون [من الرجز] :

89 - يا عجبا لقد رأيت عجبا

حمار قبّان يسوق أرنبا

خاطمها زأمّها أن تذهبا

فقلت : أردفنى ، فقال : مرحبا

على أن أبا زيد حكى عن أيوب السختيانى دأبّة وشأبّة وأنشد هذا الشعر

أقول : لم ينشد أبو زيد هذا الرجز ، لا فى نوادره ، ولا فى كتاب الهمز ، ولا نقل عن أيوب ، وإنما قال فى آخر كتاب الهمز : وسمعت رجلا من بنى كلاب يكنى أبا الأصنع يقول : هذه دأبّة ، وهذه شأبة ، وهى امرأة مأدّة ، وهذا شأبّ ، ومأدّ ، فيهمز الألف فى كل هذه الحروف ، وذلك أنه ثقل عليه إسكان حرفين معا وإن كان الأصل الآخر منهما التحريك ، كما استثقل بعض العرب فى الوقف إسكان الحرفين فى قولهم : اضربه ، أكرمه ، احبسه ، قال :

[من الرجز]

قد قلت للسّائل قده أعجله

انتهى.

وهذا آخر كتاب الهمز ، ويشهد لما قلنا كلام ابن جنى فى أكثر تآليفه ، قال فى شرح تصريف المازنى ومنه أخذ الشارح هذا الفصل : إن الألف إذا حركت صارت همزة ، كقراءة أيوب السختيانى (ولا الضّألّين) لما حرّك الألف لسكونها وسكون اللام الأولى بعدها انقلبت همزة ، وحكى أبو العباس عن أبى عثمان عن أبى زيد أنه قال : سمعت عمرو بن عبيد يهمز (فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ) فظننته قد لحن إلى أن سمعت العرب يقولون (1)شأبّة ودأبّة ، قال أبو العباس : فقلت لأبى عثمان : أتقيس هذا؟ قال : لا ولا أقبله ، وقال الراجز :

خاطمها زأمّها أن تذهبا

وجاء فى شعر كثيّر «احمأرّت (2)

وأنت ابن ليلى خير قومك شهدا

إذا ما احمأرّت بالعبيط لعوامل

وكان كثير كثيرا ما يهمز ، وذلك نحو قوله أيضا :

نمت لأبى بكر لسان تابعت

بعارفة منه فخصّت وعمّت

وللأرض أمّا سودها تجلّلت

بياضا ، وأمّا بيضها ادهأمّت

ومن ذلك قوله أيضا :

تأرّض أخفاف المناخة نهم

مكان الّتى قد بعّدت ازلأمّت

وازلأمت : أى ذهبت فمضت ، وقيل : ارتفعت فى سيرها

» يريد احمارّت ، كما أراد الأول

1) فى نسخة «تقول»

2) قد وردت هذه الكلمة فى بيت من الشعر لكثير عزة ، وذلك قوله :

زامّها ؛ فهذه الهمزات فى هذا الموضع إنما وجبت عن تحريك الألف لسكونها وسكون ما بعدها ، انتهى

وقال فى سر الصناعة : «فأما إبدال الهمزة من الألف فنحوما حكى عن أيوب السختيانى أنه قرأ (ولا الضّألّين) فهمز الألف ، وذلك أنه كره اجتماع الساكنين الألف واللام الأولى ، فحرك الألف لاجتماعهما ، فانقلب همزة ؛ لأن الألف حرف ضعيف واسع المخرج لا يحمل الحركة ، فإذا اضطروا إلى تحريكه قلبوه إلى أقرب الحروف منه وهو الهمزة ، وعلى ذلك ما حكاه أبو زيد فيما قرأته على أبى على فى كتاب الهمز عنه من قولهم : دأبّة وشأبّة ومأدة ، وأنشدت الكافة :

يا عجبا لقد رأيت عجبا

إلى آخر الأبيات

يريد زامّها. وحكى أبو العباس ، عن أبى عثمان ، عن أبى زيد ، قال :

سمعت عمرو بن عبيد يقرأ (إِنْسٌ وَلا جَانٌّ) فظننته قد لحن ، حتى سمعت العرب تقول : دأبّة ، وشأبة ، قال أبو العباس : فقلت لأبى عثمان : أتقيس ذلك؟

قال : لا ، ولا أقبلها. وقال آخر [من الطويل]

وبعد انتهاض الشّيب من كلّ جانب

على لمّتى حتّى اشعأل بهيمها

يريد اشعالّ ، من قوله تعالى (وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً) فهذا لا همز فيه ، وقال دكين [من الرجز]

راكدة مخلاته ومحلبه

وجلّه حتّى ابيأضّ ملببه

يريد ابياضّ ، فهمز ، وقرأت على أبى الفرج على بن الحسين لكثيّر [من الطويل]

وللأرض أمّا سودها فتجلّلت

بياضا وأمّا بيضها فادهأمّت

يريد ادهامّت ، وقد كاد يتسع هذا عنهم ، وحكى عنهم فى الوقف هذه حبلأ يريد حبلى ، ورأيت رجلأ ، يريد رجلا ، فالهمزة فى رجلأ إنما هى بدل من الألف التى هى عوض من التنوين فى الوقف ، ولا ينبغى أن يحمل على أنها بدل من النون ؛ لقرب ما بين الهمزة والألف وبعد ما بينها وبين النون ، ولأن حبلى لا تنوين لها ، وحكى أيضا هو يضربهأ ، وهذا كله فى الوقف ، فاذا وصلت قلت : هو يضربها يا هذا ، ورأيت حبلى أمس» انتهى كلامه.

وقال فى الخصائص فى باب شواذ الهمز : وإذا تحركت الألف انقلبت همزة ؛ من ذلك قراءة أيوب السختيانى (ولا الضّألّين) وحكى أبو العباس عن أبى عثمان عن أبى زيد ، قال : سمعت عمرو بن عبيد - إلى آخر الحكاية ، وأنشدوا قوله :

يا عجبا لقد رأيت عجبا

إلى آخر الأبيات.

وقال أيضا فى المحتسب : «ومن ذلك قراءة أيوب السختيانى (ولا الضّألّين) ذكر بعض أصحابنا أن أيوب سئل عن هذه الهمزة ، فقال : هى بدل من المدة لالتقاء الساكنين. واعلم أن أصل هذا ونحوه الضالين ، وهو الفاعلون من ضلّ يضلّ ؛ فكره اجتماع حرفين متحركين من جنس واحد على غير الصور المحتملة فى ذلك ، فأسكنت اللام الأولى ، وأدغمت فى الآخرة ، فالتقى

ساكنان : الألف ، واللام الأولى المدغمة ، فزيد فى مدة الألف ، واعتمدت وطأة المد ، فكان ذلك نحوا من تحريك الألف ، وذلك أن الحرف يزيد صوتا بحركاته ، كما يزيد صوت الألف بإشباع مدته ، وحكى أبو العباس عن أبى عثمان عن أبى زيد قال : سمعت عمرو بن عبيد - إلى آخر الحكاية ، ثم أورد أمثلة كثيرة ، ونظائر عديدة ، وقال : وفيه أكثر من هذا ، ولو لا كراهية الإملال لأتينا به ، على أنه مثبت فى أماكن من تآليفنا ، وقد ذكرنا من هذا الضرب فى كتابنا الموسوم بالخصائص ما فيه كاف من غيره»

وقال صاحب الصحاح : «وحمار قبّان دويبة ؛ وهو فعلان ، من قبّ لأن العرب لا تصرفه ، وهو معرفة عندهم ، ولو كان فعّالا لصرفته ، تقول : رأيت قطيعا من حمر قبان ، وقال :

يا عجبا وقد رأيت عجبا

حمار قبّان يسوق أرنبا»

انتهى

ولم يكتب عليه ابن برى شيئا فى أماليه ، ولا الصفدى فى حاشيته

وقال السيوطى فى ديوان الحيوان وهو مختصر حياة الحيوان : «حمار قبّان : دويبة مستديرة تتولد من الأماكن النّدية ، على ظهرها مثل المجنّ مرتفعة الظهر ، كأن ظهرها قبة ، إذا مشت لا يرى منها سوى أطراف رجليها ، وهى أقل سوادا من الخنفساء ، وأصغر منها ، على قدر الدينار ، ولها ستة أرجل ، تألف أماكن السباخ

وذكر الجاحظ فى التبيان أن رأسها لا يرى عند المشى ، ولا ترى إلا أن تنقلب على وجهها ، لأن أمام وجهها حاجزا مستديرا ، وأكثر ما تظهر بالليل ؛ قال : ومن حمار قبان نوع ضامر البطن غير مستدير ، والناس يسمونه أبا شحيمة ، والظاهر أنه صغار حمار قبان ، وأنه بعد يأخذ فى الكبر ، قال :

وأهل اليمن يطلقون حمار قبان على دويبة فوق الجرادة من نوع الفراش

وفى مفردات ابن البيطار : حمار قبان يسمى حمار البيت أيضا ، ومن أمثالهم «هو أذلّ من حمار قبّان» انتهى كلام السيوطى

وقال الجوهرى فى مادة (زم) : تقول زممت النعل ، وزممت البعير ، خطمته وأنشد هذا الرجز ثانيا

والخطام : هو الزمام ، وخاطمها بالنصب : حال من حمار قبان ، والاضافة لفظية ، والتقدير خاطما إيّاها ، ويجوز رفعه على أنه خبر مبتدأ محذوف : أى هو خاطمها ، وزامها مثل خاطمها ، لأنه تأكيد له ، وقوله «أن تذهبا» بتقدير اللام : أى لتذهب معه ، أو بتقدير مضاف هو صلة لخاطمها : أى خوف أن تذهب وتفر منه ، وقوله «فقلت أردفنى» أى : فقلت لحمار قبان : اجعلنى ردفا لك أركب على الأرنب خلفك ، فقال : اركب مرحبا بك ، وقوله «يا عجبا» يا للتنبيه ، وعجبا منصوب على المصدرية : أى أعجب عجبا ، فهو منون ، ويجوز أن يكون يا للنداء ، وعجبا منادى ، والأصل يا عجبى ؛ فقلبت ياء المتكلم ألفا ، وعلى هذا هو غير منون ، وهذا يشبه أن يكون من خرافات العرب ، ولم أقف على شرح له.

وقد رأيت البيت الشاهد فى رجز آخر ، قال السيوطى رحمه‌الله فى ديوان الحيوان فى الكلام على الضب : «قال أبو عمر الجرمى : سألت أبا عبيد عن قول الراجز :

أهدموا بيتك لا أبالكا

وأنا أمشى الدّألى حوالكا

فقلت : لمن هذا الشعر؟ قال : تقول العرب : هذا يقوله الضب لولده الحسل أيام كانت الأشياء تتكلم ، والعرب تقول : لما كان كل شىء يتكلم خاطر الضب الضّفدع أيهما أصبر على الظمأ ، وكان للضفدع حينئذ الذنب ، وكان الضب ممسوح

الذنب ، قالوا : فصبر الضفدع يوما ، ثم نادت : يا ضب وردا وردا. فقال الضب :

أصبح قلبى صردا

لا يشتهى أن يردا

إلّا عرادا عردا

وصلّيانا بردا

وعنكثا ملتبدا.

فلما كان اليوم الثالث قالت الضفدع : يا ضب وردا وردا ، فلم يجبها ، فلما لم يجبها بادرت إلى الماء ، وتبعها الضب ، فأخذ ذنبها ، وأنشد :

خاطمها زأمّها أن تذهبا

وجرب الضّبّ فقال جرّبا

ألا أرى لى ذنبا مركّبا»

انتهى كلامه.

والدّألى بفتحات ، قال صاحب العباب : «دأل يدأل دألا ودألانا ودألى : أى ختل ، قال :

وأنا أمشى للدّألى حوالكا

وقال أبو زيد : هى مشية شبيهة بالختل ومشى المثقل ، وذكر الأصمعى فى صفة مشى الختل الدألان : مشى يقارب فيه الخطو ويبغى فيه ، كأنه مثقل من حمل» انتهى

وقوله «صردا» بفتح الصاد المهملة وكسر الراء ، قال الجوهرى : صرد الرجل بالكسر يصرد صردا فهو صرد ومصراد ، يجد البرد سريعا ، قال :

أصبح قلّبى صردا

لا يشتهى أن يردا. انتهى

وقوله «إلا عرادا عردا» العراد بفتح العين المهملة وآخره دال : اسم نبت كذا فى الصحاح ، وأنشد البيت ؛ والعرد : وصف له من لفظه للتوكيد ، والمبالغة فى كلامهم كقولهم : شعر شاعر ، وليلة ليلاء. وقال خضر الموصلى فى شرح أبيات التفسيرين : العرد : الصلب من كل شىء ، وقيل : هو الجراد ، وهذا

كلامه ، وقوله «وصلّيانا بردا» بكسر الصاد وللام المشددة بعدها مثناة تحتية ، قال السخاوى فى سفر السعادة : [و] صلّيان فعليان ، والواحدة صليانة ، وهى بقلة ، وهو مأخوذ من الصنّة ، والصّلة : واحدة الصّلال ، وهى القطع من الأمطار المتفرقة التى يقع منها الشىء بعد الشىء ، وقيل للعشب الصّلّيان من ذلك ، سمى باسم المطر ، وقال الجرمى : الصليان : نبات ، ويقولون لمن يسرع فى اليمين ولا يتوقف «لقد جذّها جذّ الصّلّيانة» ؛ لأن العير إذا ارتعى جذ الصّلّيانة واقتلعها من أصلها ، وجذّ : مصدر مصاف إلى المفعول ، ويقولون : الصّليان خبز الإبل ، انتهى. و «برد» بمعنى بارد

وهذا البيت أورده صاحب الكشاف عند قوله تعالى و (مِلْحٌ أُجاجٌ) على قراءة من قرأ (ملح) بفتح الميم وكسر اللام ، على أنه تخفيف مالح كبرد فى البيت من بارد

وقوله «عنكثا ملتبدا» العنكث : بفتح العين المهملة وسكون النون وبعد الكاف ثاء مثلثة ، قال صاحب الصحاح : هو اسم نبت ، وأنشد البيت ، والملتبد : المجتمع بعضه فوق بعض ، يقال : التبد الشجر. إدا كثر ورقه ، وفى كل بيت أنشده الجوهرى من هذه الأبيات يقول : قال الساجع ، بناء على أن الرجز عنده سجع وليس بشعر ، وهو مذهب بعض العروضيين ، وأورد ابن برى الأبيات الخمسة فى مادة عنكث ، وقال : هذا مما تحكيه العرب على ألستة البهائم ، زعموا أنه اختصم الضب والصفدع ، فقالت الضفدع : أنا أصبر منك عن الماء ، وقال الضب : أنا أصبر منك ، فقال الضفدع : تعال حتى نرعى فيعلم أينا أصبر ، فرعيا يومهما ، فاشتد عطش الضفدع ، فجعلت تقول : وردا يا ضب ، فقال الضب :

أصبح قلبى صردا

إلى آخر الأبيات ، فبادرت الصفدع إلى الماء ، إلى آخر الحكاية

وأنشد بعده ، وهو الشاهد التسعون [من الرجز]

90 - يا دارمىّ بدكاديك البرق

صبرا فقد هيّجت شوق المشتئق

على أن أصله المشتاق فقلب الألف همزة وحركها بالكسر لأن الألف بد من واو مكسورة ، قال ابن بنى فى سر الصناعة : «أنشد الفراء :

يا دارمىّ بدكاديك إلخ

والقول فيه عندى أنه اضطر إلى حركة الألف التى قبل القاف من المشتاق ؛ لانها تقابل لام مستفعلن ، فلمّا حركها انقلبت همزة ، إلا أنه حركها بالكسر لأنه أراد الكسرة التى كانت فى الواو المنقلبة الألف عنها ، وذلك أنه مفتعل من الشوق ، وأصله مشتوق ثم قلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ، فلما احتاج إلى حركة الألف حركها بمثل الكسرة التى كانت فى الواو التى هى أصل للالف ، ونحو هذا ما حكاه الفراء أيضا عنهم من قولهم : رجل مئل ، إذا كان كثير المال ، وأصلها مول كحذر ، يقال : مال الرجل يمال ، إذا كثر ماله ، وأصلها مول يمول مثل خاف يخاف ، من الواو ، وقالوا : رجل خاف كقولهم رجل مال وأصلهما خوف ومول ، انقلبت الواو ألفا ، لتحركها وانفتاح ما قبلها ، فصار خاف ومال ، ثم إنهم أتوا بالكسرة التى كانت فى واو مول فحركوا بها الألف فى مال فانقلبت همزة فقالوا مئل» انتهى كلامه

و «مىّ» اسم امرأة ، ودكاديك : جمع دكداك ، وهو الرمل المتلبد فى الأرض ولم يرتفع ، والبرق : جمع برقة بالضم وهى غلظ فى حجارة ورمل ، ورواه الجوهرى «بالدّكاديك البرق» بالوصف لا بالإضافة ، وقوله «صبرا» مفعول مطلق : أى اصبرى صبرا ، أو مفعول به لفعل محذوف : أى أعطينى صبرا ، وروى بدله

«سقيا» : أى سقاك الله سقيا ، دعاء لها بالسقى ، على عادة العرب فى طلب السقى لمنازل أحبابهم.

قال ابن المستوفى هذان البيتان أنشدهما الفراء لرؤبة ، ومثله [من الرجز] :

سقيت من ودق (1)السّحاب المنبعق (2)

يكاد قلبى من هواك يحترق

كذا دعاء كلّ صبّ مشتئق

الابتداء

أنشد فيه ، وهو الشاهد الحادى والتسعون [من الرجز] :

91 - باسم الّذى فى كلّ سورة سمه

على أنه يقال : سم بدون همزة وصل

قال ابن جنى فى شرح تصريف المازنى : «روى بكسر السين وضمها ، والباء من «باسم» متعلق بأرسل فى بيت قبله ، وهو :

أرسل فيها بازلا يقرّمه

فهو بها ينحو طريقا يعلمه

باسم الّذى فى كلّ سورة مه

وهذه الأبيات الثلاثة أوردها أبو زيد فى نوادره (3)، وقال : «هى لرجل زعموا أنه من كلب»

والضمير المستتر «فى أرسل» للراعى ، والبارز من «فيها» للابل ، و «البازل» : البعير الذى انشق نابه ، وهو فى السنة التاسعة ، و «يقرمه» : يتركه عن الاستعمال


1) الودق : المطر : شديده وهينه ، والمراد هنا الشديد

2) المنبعق : المندفع بالماء

3) انظر النوادر (ص 166)

ليتقوى للفحلة ، والمعنى أرسل هذا الراعى باسم الذى فى كل سورة يذكر اسمه هذا الفحل فى هذه الإبل فهو أى البازل ينحو بها أى يقصد بالإبل المذكورة ، طريقا يعلمه لاعتياده بتلك الفعلة

وقال خضر الموصلى شارح شواهد التفسيرين : البيت من رجز لرؤبة بن العجاج ، أوله

قلت لزير لم تصله مريمه انتهى.

أقول : قد فتشت (1)

(ق 2 - 12)

هذه الأرجوزة مرارا فلم أجد فيها البيت الشاهد ، وقد تبعه شيخنا الشهاب الخفاجى فى حاشيته على البيضاوى ، ونقل ما سطره من غير مراجعة ، وأورد أبو زيد بعد تلك الأبيات ما نصه ، وأنشدنى أعرابى [من البسيط]

أنا الحباب الّذى يكفى سمى نسبى

إذا القميص تعدّى وسمه النّسب

الأصمعى : الوسم : تغير النجار ، وقال :

فدع عنك ذكر اللهو واعمد لمدحة

لخير يمان كلّها حيث إنتمى

لأوضحها وجها وأكرمها أبا

وأسمحها كفّا وأعلنها سما

انتهى.

وسمى - بضم السين وكسرها ، والياء ضمير المتكلم - والنجار بكسر لنون بعدها جيم : الأصل ، وسما فى البيت الثانى - بضم السين والقصر - لغة فى الاسم ، وهو أعدل شاهد فى هذه اللغة ، وأنشده ابن جنى فى شرح تصريف المازنى ، وقال : ويروى «سما» فمن كسر السين فالألف عنده للوصل بمنزله الألف فى قول آخر [من البسيط]


1) وقد فتشنا أراجيز رؤبة فلم نجد هذه الأبيات فى الأرجوزة التى ذكر الموصلى أولها

يا دار عمرة من محتلّها الجرعا (1)

هيّجت لى الهمّ والأحزان والوجعا

ولا يجوز أن تكون لام الفعل ؛ لأنا لا نعلمهم قالوا : هذا سمى بوزن رضا ، وأما من ضم السين فعندى يحتمل أمرين : أحدهما ما عليه الناس ، وهو أن تكون ألف الوصل ، بمنزلتها فى قول من يكسر السين ، والوجه الآخر : أن تكون لام الفعل ، بمنزلة الألف فى القافية التى قبلها وهى «انتمى» ، ويكون هذا التأويل على قول من قال : هذا سمى ، بوزن هدى ، إلا أنه حذف اللام لالتقاء الساكنين ، يريد أنه منصوب منون حذفت ألفه لالتقاء الساكنين ، انتهى.

وأقول : يرد على الوجه الأول أنه يبقى الشعر بلا روى ، وهو فاسد ، وأما قوله فى الوجه الثانى «إلا أنه حذف لالتقاء الساكنين وهذه الألف هى المبدلة من التنوين للوقف» فهذا فاسد أيضا ؛ للزومه (2)عدم الروى ، وقد حقق الشارح المحقق فيما يأتى فى الشاهد الثالث بعد المائة عن السيرافى أنه استدل على أن الألف لام الكلمة لمجيئها رويا فى النصب


وأنشد بعده ، وهو الشاهد الثانى والتسعون [من الطويل]

92 - وقال اضرب السّاقين إمّك هابل

على أنه روى بكسر همزة «إمك» إتباعا لكسرة نون الساقين

والذى رواه ابن جنى فى أول المحتسب على غير (3)هذا ، قال عند قراءة


1) هذا صدر بيت هو مطلع قصيدة

2) كذا ، وصوابه «لاستلزامه عدم الروى»

3) لا تنافى بين ما ذكره ابن جنى وما ذكره الشارح المحقق ، بل الذى ذكره ابن جنى لا يتحقق إلا بعد أن يتحقق ما ذكره الشارح ؛ وذلك أن الشاعر لم يتبع الميم للهمزة إلا بعد أن أتبع الهمزة للنون ؛ فالبيت شاهد لهما جميعا

من قرأ (الحمد لله) بكسر الدال إتباعا لكسرة اللام : ومثل هذا فى إتباع الإعراب البناء ما حكاه صاحب الكتاب فى قول بعضهم

وقال اضرب السّاقين إمّك هابل

كسر الميم لكسرة الهمزة ، انتهى كلامه

و «هابل» من هبلته أمه : أى ثكلته وعدمته ، وفعله كفرح يفرح ، وهابل هنا على النسبة : أى ذات هبل ، كحائض وطالق ، و «اضرب» فعل أمر ، و «الساقين» مفعوله ، وجملة «إمك هابل» دعائية

وهذا المصراع لم أقف على تتمته ، ولا على قائله


وأنشد الجاربردى ، وهو الشاهد الثالث والتسعون [من الكامل] :

93 - ولقد لحنت لكم لكيما تفقهوا

واللّحن يفهمه ذوو الألباب

على أن صاحب الكشاف قال : اللحن أن تلحن بكلامك : أى تميله إلى نحو من الأنحاء ؛ ليفطن له صاحبك ، وأنشد البيت ، وأورده عند تفسير قوله تعالى (وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ) وكذا أورده الجوهرى ، قال : «واللّحن بالتحريك : الفطنة ، وقد لحن بالكسر ، وفى الحديث «ولعلّ أحدكم ألحن بحجته» أى أفطن لها من الآخر ، أبو زيد : لحنت بالفتح لحنا ، إذا قلت له قولا يفهمه عنك ، ويخفى على غيره ، ولحنه هو عنى بالكسر يلحنه لحنا : أى فهمه ، وألحنته أنا إياه ، ولاحنت الناس : فاطنتهم ، قال الفزارى [من الخفيف]

وحديث ألذه وهو ممّا

ينعت النّاعتون يوزن وزنا

منطق رائع وتلحن أحيا

نا وخير الحديث ما كان لحنا

يريد أنها تتكلم وهى تريد غيره ، وتعرّض فى حديثها فتزيله عن جهته من فطنتها وذكائها ، كما قال تعالى (وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ) أى : فى فحواه

ومعناه ، وقال القتّال الكلابى [من الكامل] :

ولقد وحيت لكم لكيما تفهموا

ولحنت لحنا ليس بالمرتاب

وكأن اللحن فى العربية راجع إلى هذا ؛ لأنه من العدول عن الصواب» انتهى كلامه

والوحى : الإشارة والكتابة والرسالة والكلام الخفى ، ولم يعرف خضر الموصلى شارح أبيات التفسيرين تتمة البيت ومنشأه ، ولم يزد على نفس كلام الجوهرى سوى ترجمة قائله

وهو من قصيدة أوردها السكرى فى كتاب اللصوص قال : «كان عمرو ابن سلمة بن سكن بن قريط بن عبد بن أبى بكر بن كلاب قد أسلم رضى الله عنه ، ووفد إلى النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فاستقطعه حمى بين الشقراء والسعدية ، وهما ماءان تسعة أميال فى ستة أميال ؛ فأقطعها إياه فأحماها إياه زمانا ، ثم هلك عمرو بن سلمة وقام بعده حجر بن عمرو (1)فأحماها ، ثم إن نفرا من بنى جعفر ابن كلاب فيهم أجدر بن بشر بن عامر بن مالك بن جعفر استرعوه خيلهم ؛ فأرعاهم ، فأرسلوا نعمهم مع خيلهم بغير إذنه ؛ فغضب حجر وأراد إخراجهم فقاتلوه بالعصى والحجارة ، وظهر عليهم حجر ، ثم إن القوم تداعوا إلى الصلح على أن يدع كل قوم ما فيهم من الجراحات ؛ فتواعدوا الصلح بالغداة وكان أخ لحجر يدعى سعيد بن عمرو متنحيا عن الحمى عند امرأة من بنى بكر تداويه من سلعة (2)كانت بحلقه ، فبلغه الخبر وأقبل يريد أخاه حتى إذا كان فى المنتصف


1) كان فى الأصل «جحوش ابن عمر» والتصويب عن ياقوت فى مادة (الشقراء) من معجم البلدان

2) السلعة - بكسر أوله ، أو فتحه ، مع سكون الثانى فيهما ، وبفتح أوله وثانيه ، وبكسر أوله وفتح ثانيه - : الخراج ، والغدة

ما بين رحلهم والحى غدر الجعفريون فاحتملوا عند المساء فمضوا وخلفوا ثلاثة فوارس : أحدهم قراد بن الأجدر بن بشر ، فلقوا سعيد بن عمرو ، فحمل قراد بن الأجدر عليه بالرمح فقتله ، فبلغ الخبر حجرا وأوقد نار الحرب واجتمع إليه جمع من بنى بكر ، فخرج يطلب جعفرا حتى لحقهم ، فقال بنو جعفر : ثأركم قراد ابن الأجدر ، وقد هرب ، وهذا أخوه جنادة بن الأجدر ، قال : إنا لحاملون عليكم أو تعطونا وفاء حتى نرى رأينا ، فلما عرفوا منهم الجد اتقوهم بجنادة وأمه ميسون بنت سهيل بن عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب ، فدفعوه إلى حجر ، فسار بجنادة قليلا فضرب عنقه بأخيه ، وكان القتّال أرسل إلى بنى جعفر أن لا تعطوهم رهينة فإنهم يقتلونه ، فلم يطيعوه ؛ فقال القتّال فى ذلك قصيدة ، وهذه أبيات منها بعد ثمانية عشر بيتا :

ولقد لحنت لكم لكيما تفهموا

ووحيت وحيا ليس بالمرتاب

ولقد بعثت إليكم بصحيفة

عربيّة منّى مع ابن عقاب

ومع ابن قاربة السّفير كأنّما

وثقوا برأى عتيبة بن شهاب

أمّا ابن ميسون المقاد فإنّه

ردّ الرجال به على الأعقاب

هلك الّذين تمالئوا فى قتله

ونجوت منه طاهر الأثواب

يسقون ماء المهل كلّ عشيّة

يجزون ما كسبوا مع الكتّاب

هلّا قتلتم قاتلا بقتيله

فيكون عند الله أوفق باب

بعد الّذى ما حلتم عن نفسه

وقتلتموه غير ذي أسباب

ويكون أبرأ للصّدور من الجوى

وأقلّ تخزاء غداة عتاب

لن تفلحوا أبدا ولو أسمنتم

ورعيتم القفرات فى الأعشاب

وهذا آخر القصيدة

قال السكرى : ابن عقاب - بالضم - : رجل من بنى جعفر بن كلاب ، وعقاب

أمه سوداء نوبية ، وابن قاربة : مولى لقريش كان وجّه به ، وعتبة بن الحرث ابن شهاب اليربوعى كان فارس تميم كلها ، وكان ذا رأى فى الحرب وشجاعة ويمن نقيبة (1)، وابن ميسون هو جنادة بن أجدر ، وتمالئوا : اتفقوا ، والتخزاء - بالفتح - مصدر كالخزى بمعنى الفضيحة

والقتال هو أحد بنى بكر بن كلاب شاعر إسلامى فى الدولة المروانية ، وقد ترجمناه فى الشاهد الخامس بعد السبعمائة من شرح شواهد شرح الكافية

والبيتان اللذان أوردهما الجوهرى هما لمالك ابن أسماء بن خارجة بن حصين ابن حذيفة بن بدر الفزارى ، كان الحجاج تزوج أخته هندا وولاه أصفهان ، ولهما خبر أورده الأصبهانى فى الأغانى قال «أخبرنا يحيى بن على بن يحيى المنجم قال : حدثنى أبى قال : قلت للجاحظ : إنى قرأت فى فصل من كتابك البيان والتبيين أن مما يستحسن من النساء اللحن فى الكلام فاستشهدت ببيتى مالك بن أسماء ، قال : هو كذلك ، فقلت : أما سمعت بخبر هند بنت أسماء بن خارجة مع الحجاج حين لحنت كلامها ، فعاب ذلك عليها ، فاحتجت ببيتى أخيها ، فقال لها : إن أخاك أراد أن المرأة فطنة ؛ فهى تلحن بالكلام غير الظاهر المعنى تستر معناه وتورّى عنه وتفهمه من أراد تعريفه بالتعريض ، كما قال تعالى (وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ) ولم يرد الخطأ من الكلام ، والخطأ لا يستحسن من أحد ، فوجم الجاحظ ساعة ثم قال : لو وقع لى هذا الخبر لما قلت ما تقدم ، فقلت له : فأصلحه ، فقال : الآن وقد صار الكتاب فى الآفاق؟» انتهى.

وقال العسكرى فى كتاب التصحيف : «أخبرنى محمد بن يحيى قال : حدثنى يحيى بن على المنجم قال : حدثنى أبى قال : قلت للجاحظ : مثلك فى علمك


1) النقيبة : النفس ، والعقل ، والمشورة ، ونفاذ الرأى ، والأظهر ههنا المشورة يريد أنه إذا أشار بشىء فاتبعوه عاد عليهم بالخير والبركة

ومقدارك من الأدب تقول : يستظرف من الجارية أن تكون غير فصيحة وأن يعترى منطقها اللحن ، وتقول : قال مالك بن أسماء فى بعض نسائه وكانت لا تصيب وربما لحنت وخير الكلام ما كان لحنا؟ وتفسره على أنه أراد اللحن فى الإعراب ، وإنما وصفها بالظرف والفطنة وأنها تورى فى لفظها عن أشياء قال : قد فطنت لذلك بعد ، قلت : فغيره ، قال : كيف لى بما سارت به الركبان» انتهى.

ونقل هذا الخبر عن العسكرى السيد المرتضى فى أول أماليه المسماة بغرر الفرائد ودرر القلائد وقال : «وقد تبع الجاحظ على هذا الغلط ابن قتيبة فى كتابه المعروف بعيون الأخبار ، وأورد أبيات الفزارى ، واعتذر بها من لحن إن أصيب فى كتابه» وكذا نقل السهيلى تغليط الجاحظ وابن قتيبة فى غزوة الخندق من كتابه الروض الأنف


وأنشد بعده ، وهو الشاهد الرابع والتسعون : [من الطويل]

94 - إذا جاوز الإثنين سرّ فإنّه

بنثّ وتكثير الوشاة قمين

على أن قطع همزة الإثنين شاذ فى ضرورة الشعر ،

قال ابن عصفور فى كتاب الضرائر : ومنها قطع همزة الوصل فى الدرج إجراء لها مجراها فى حال الابتداء بها ، وأكثر ما يكون ذلك فى أول النصف الثانى من البيت ؛ لتعذر الوقف على الأنصاف التى هى الصدور ، نحو قول حسان رضى الله عنه [من البسيط] :

لتسمعنّ وشيكا فى دياركم

ألله أكبر يا ثارات عثمانا

وقال الآخر [من السريع]

لا نسب اليوم ولا خلّة

إتّسع الخرق على الرّاقع

وقد يقطع فى حشو البيت ، وذلك قليل ، ومنه قول قيس بن الخطيم :

إذا جاوز الإثنين سرّ فإنّه

... البيت

وقول جميل : [من الطويل]

ألا لا أرى إثنين أحسن شيمة

على حدثان الدّهر منّى ومن جمل

وأنشد قدامة : [من الرجز]

يا نفس صبرا كلّ حىّ لاق

وكلّ إثنين إلى افتراق

انتهى.

وقد أنشد أبو زيد (1)بيت جميل فى نوادره ، وكتب عليه أبو الحسن الأخفش : «أخبرنا أبو العباس محمد بن يزيد أنه لا اختلاف بين أصحابه أن الرواية ألا لا أرى خلّين وهذه هى الرواية ، والأولى (2)ليست بثبت ، وإنما رواها أبو زيد والأخفش (3)على الشذوذ فليسا يعتدان بها ، وكذلك أخبرنا فى البيت الذى يعزى إلى قيس بن الخطيم وهو :

إذا ضيّع الإثنان سرّا فإنّه

بنثّ وتكثير الوشاة قمين

قال : الرواية إذا جاوز الخلين سر قال : وهذه أشياء ربما يخطر ببال النحوى أنها تجوز على بعد فى القياس ، فربما غير الرواية» انتهى.

وهذا غير جيد ؛ فإنه يقتضى عدم الوثوق برواية الثقات ، وهم مأمونون فيما ينقلونه

وقال ابن المستوفى : «وقال سيبويه فى بيت قيس بن الخطيم : إنما هو إذا جاوز الخلين سر ولكنه صنع ، والذى فى شعره الإثنين ، وهو أعم من الخلين وأتم فى الدعوى» انتهى.

ولا يخفى أن سيبويه لم يورد هذا البيت فى كتابه البتة ، وليس من دأبه


1) انظر النوادر (ص 204)

2) وقع فى أصول الكتاب «وهذه الرواية الأولى ليست بثبت» وفى النوادر «وهذه الرواية ، والأولى ليست بثبت»

3) المراد به أبو الخطاب الأخفش الكبير شيخ سيبويه ورصيف أبى زيد

الطعن فى الرواية كالمبرد ، وقدسها قلمه ، فنسب إلى سيبويه كلام المبرد

ومثله (1)قول الصّلتان العبدى : [من المتقارب]

وسرّك ما كان عند امرىء

وسرّ الثّلاثة غير الخفىّ

ومثله قول الآخر : [من الطويل]

فلا تجعلن بينى وبينك ثالثا

وكلّ حديث جاوز اثنين شائع

أقول : قد بالغ بعضهم فى كتم السر ؛ فقال : المراد من الاثنين الشفتان لا شخصان ، وقوله «فإنه بنث» - بفتح النون وتشديد المثلثة - مصدر نث الحديث ينثه نثا إذا أفشاه وروى «ببث» - بموحدتين - وعليها اقتصر الجاربردى فقال : يقال بث الخبر : أى نشره ، وروى أيضا «فإنه بنشر» وضمير فإنه للسر ، والباء متعلقة بقمين بمعنى جدير وخليق وحرىّ ولائق ، وكلها ألفاظ مترادفة ، وقوله «وتكثير» بالجر معطوف على نث ، وهو مصدر مضاف إلى المفعول : أى السر المجاوز اثنين يكثر الأعداء والوشاة ، وهو جمع واش ، وهو النمام الذى يزوق الكلام ويحسنه عند نقله على جهة الإفساد ، وقال بعض أفاضل العجم فى شرح أبيات المفصل : هو مصدر مضاف إلى الفاعل ، ومفعوله محذوف : أى وتكثير الوشاة ذلك السرّ

والبيت من أبيات لقيس بن الخطيم رواها له القالى فى أماليه ، وهى :

أجود بمضنون التّلاد وإنّنى

بسرّك عمّن سالنى لضنين (2)

سالت هذيل رسول الله احشة

ضلّت هذيل بما قالت ولم صب

إذا جاوز الإثنين سرّ فإنّه

بنثّ وتكثير الوشاة قمين


1) يريد فى هذا البيت والذى بعده أنهما مثل بيت الشاهد فى المعنى لا فى قطع همزة الوصل

2) سالنى مخفف سألنى مثل قول حسان :

وإن ضيّع الإخوان سرّا فإنّنى

كتوم لأسرار العشير أمين

يكون له عندى إذا ما ضمنته

مكان بسوداء الفؤاد كنين

ويروى :

... إذا ما ائتمنته

مقرّ بسوداء الفؤاد كنين

سلى من جليسى فى النّدىّ ومألفى

ومن هو لى عند الصّفاء خدين

وأىّ أخى حرب إذا هى شمّرت

ومدره خصم يا نوار أكون

وهل يحذر الجار الغريب فجيعتى

وخونى ، وبعض المقرفين خئون

وما لمعت عينى لغرّة جارتى

ولا ودّعت بالذّمّ حين تبين

[أبا الذّمّ آباء متنى جدودهم

وفعلى بفعل الصّالحين معين

فهذا كما قد تعلمين وإنّنى

لجلد على ريب الخطوب متين](1)

وإنّى لأعتام الرّجال بخلّتى

إلى (2)الرّأى فى الأحداث حين تحين

فأبرى لهم صبرى وأصفى مودّتى

وسرّك عندى بعد ذاك مصون

أمرّ على الباغى ويغلظ جانبى

وذو الودّ أحلو لى له وألين

هذا ما أورده القالى ، وهذا المقدار هو الموجود فى ديوانه ، والتلاد : كل مال قديم ، والمضنون : اسم مفعول من ضن بالشىء يضن من باب تعب ضنا وضنّة - بالكسر - إذا بخل به فهو ضنين ، وأراد بالتلاد المضنون به ، وقوله «سالنى» بالألف وأصلها الهمزة ، والعشير : المعاشر ، وكنين : مكنون ، أى : مستور محفوظ ،


1) سقط هذان البيتان من أصول الكتاب ، وهما ثابتان فى الأمالى (ح 2 ص 177 طبع دار الكتب) ، وقد شرح المؤلف بعض ألفاظهما

2) كذا فى أصول الكتاب ، وعليها شرح المؤلف ، والثابت فى الأولى «أولى الرأى» أى : أصحاب الرأى ؛ فهو من وصف الرجال

والندى : المجلس ، والخدين : الصديق ، والمدره - بكسر الميم وآخره هاء - من دره عن القوم يدره - بالفتح - إذا تكلم عنهم ودفع فهو مدره ، ونوار : اسم امرأة ، والفجيعة : المكروه ، والخون : الخيانة ، والمقرف - بضم الميم وكسر الراء - : من أبوه غير أصيل ، ولمعت : نظرت ، والغرة - بالكسر - : الغفلة ، ونمتنى : رفعتنى ، و «جدودهم» فاعله ، وأعتام : أقصد ، وهو من العيمة ، وأصله شدة شهوة اللبن ، والخلّة : - بالضم - الصداقة ، و «إلى» بمعنى مع ، وأبرى : مضارع أبرأ إبراء بمعنى شفاه ، وقلب الهمزة ياء لانكسار ما قبلها ، و «أصفى مودّتى» أجعلها صافية ، وأمرّ من أمرّ الشىء : أى صار مرا ، وأحلو لى : أصير حلوا

وقيس بن الخطيم : شاعر جاهلى تقدمت ترجمته فى الشاهد الخامس بعد الخمسمائة من شرح شواهد شرح الكافية


وأنشد بعده ، وهو الشاهد الخامس والتسعون ، وهو من شواهد سيبويه [من الكامل] :

ولا تبادر فى الشّتاء وليدنا

ألقدر تنزلها بغير جعال

على أن قطع ألف «ألقدر» لضرورة الشعر

قال سيبويه : وتذهب ألف الوصل إذا كان قبلها كلام ، إلا أن تقطع كلامك ، وتستأنف به ، كما قالت الشعراء فى الأنصاف ؛ لأنها مواضع فصول ، فإنما ابتدأوا بعد قطع ، قال الشاعر :

ولا تبادر فى الشّتاء * البيت

وقبل البيت :

يا كنّة ما ، كنت غير لئيمة

للضّيف مثل الرّوضة المحلال

ما إن تبيّتنا بصوت صلّب

فيبيت منه القوم فى بلبال

ولا تبادر فى الشّتاء وليدنا

البيت

والكنة - بفتح الكاف وتشديد النون - امرأة الابن ، وما : زائدة أو إبهامية ، قال الزمخشرى فى تفسير (مثلا ما بعوضة) : ما إبهامية ، وهى التى إذا اقترنت بنكرة زاد إبهامها وشياعها ، كقولك : أعطنى كتابا ما ، تريد أى كتاب كان ، أو صلة للتأكيد ، كالتى فى قوله تعالى (فَبِما نَقْضِهِمْ) انتهى.

والإبهامية تؤكد ما أفاده تنكير الاسم قبلها : إما فخامة : أى كنة أىّ كنة ، أو حقارة نحو أعطه شيئا ما ، أو نوعية نحو اضربه ضربا مّا ، ويجوز أن تكون استفهامية خبرا لكنت : أى أىّ شىء كنت ، ويكون «غير لئيمة» صفة لكنّة ، والروضة المحلال : التى تحمل المارّ بها على الحلول حولها للنظر إلى حسنها وبهجتها ، والصوت الصّلّب : الشديد ، بضم الصاد وتشديد اللام ، والبلبال : الغم والحزن ، وتبادر : من «بادره» أى سبقه ، وفاعله ضمير الكنة ، و «وليدنا» مفعوله ، والمراد بالشتاء زمن القحط ؛ فإن الشتاء زمن الشدة عند العرب لعدم نبات الأرض ، والوليد : الصبى الصغير ، والخادم أيضا ، والجعال - بكسر الجيم - الخرقة ينزل بها القدر ، يريد أنها لا شره لها للطعام ، وهذا أمر ممدوح ، ويجوز فى القدر رفعها ونصبها

ونسب ابن عصفور البيت إلى لبيد العامرى الصحابى رضى الله تعالى عنه


وأنشد بعده ، وهو الشاهد السادس والتسعون [من الوافر] :

96 - أألخير الّذى أنا أبتغيه

أم الشّرّ الّذى هو يبتغينى

على أن همزة الوصل فى الخير بين بين ، وقبله :

وما أدرى إذا يمّمت وجها

أريد الخير أيّهما يلينى

قال الفراء عند تفسير قوله تعالى (أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ) قال : أيّهما (1)وأما ذكر الخير وحده فلأنّ المعنى يعرّف أن المبتغى للخير متّق للشر ، انتهى


1) يريد أى الشخصين أقرب إلى الخير : من كان على بينة من ربه ، ومن لم يكن.

وسميت : قصدت ، والوجه : الجهة ، والخير والشر - بالرفع - بدل من قوله «أيهما ، ولهذا قرن بحرف الاستفهام

والبيتان آخر قصيدة للمثقّب العبدى ، وقد شرحناهما فى شرح الشاهد التاسع والتسعين بعد الثمانمائة من شرح شواهد شرح الكافية


وأنشد بعده ، وهو الشاهد السابع والتسعون [من البسيط] :

97 - أستحدث الركب من أشياعهم خبرا

على أن همزة «أستحدث» للاستفهام ، وهمزة الوصل محذوفة ، ولا لبس لاختلاف حركتيهما ؛ فإن همزة الاستفهام تكون مفتوحة ، وهمزة الوصل تكون مكسورة ، فلما فتحت الهمزة من «أستحدث» علم أنها استفهامية لا همزة وصل ، والأصل أإستحدث ، فحذفت همزة الوصل

وهذا المصراع صدر ، وعجزه :

أو راجع القلب من أطرابه طرب

قال الجوهرى : واستحدثت خبرا : أى وجدت خبرا جديدا ، وأنشد هذا البيت :

وهو من قصيدة طويلة لذى الرّمّة مطلعها :

ما بال عينك منها الماء ينسكب

[كأنّه من كلى مفريّة رب]

وبعده أستحدث الركب ...

البيت قال الأصمعى فى شرحه : أستحدث : استفهام ، يقول : بكاؤك وحزنك ألخبر حدث أم راجع قلبك طرب؟ والطرب : استخفاف القلب فى فرح كان أو فى حزن ، والأشياع : الأصحاب ، والرّكب والرّكبان : أصحاب الإبل ، راكب وركب مثل صاحب وصحب ، انتهى

قال ابن رشيق فى العمدة : ومن مليح ما رويته فى الموازنة والتعديل قول ذى الرمة :

أستحدث الركب من أشياعهم خبرا

أم راجع القلب من أطرابه طرب

[لأن قوله «أستحدث الركب»](1)موازن لقوله «أم راجع القلب». وقوله «عن أشياعهم خبرا» موازن لقوله ، «من أطرابه طرب»

وذو الرمة : شاعر فى الدولة الأموية ، عصرىّ الفرزدق وجرير وتقدمت ترجمته فى الشاهد الثامن من أول شرح شواهد الكافية


وأنشد بعده [من الرجز]

فبات منتصبا وما تكردسا

وتقدم شرحه فى الشاهد التاسع من هذا الكتاب


وأنشد هنا الجاربردى ، وهو الشاهد الثامن والتسعون [من البسيط]

98 - وقمت للزّور مرتاعا وأرّقنى

فقلت أهى سرت أم عادنى حلم

على أن سكون الهاء من «أهى» عارض ، ولهذا لم يؤت بألف الوصل ، والإسكان مع همزة الاستفهام قليل ، وقيل : ضعيف.

والبيت من قصيدة للمرّار العدوى ، وقبله :

زارت رويقة شعثا بعد ما هجعوا

لدى نواحل فى أرساغها الخدم

يقول : زار خيال رويقة قوما شعثا غبرا بعد ما ناموا عند إبل ضوامر شدت فى أرساغها سيور القدّ لشدة سيرها وتأثير الكلال فيها.

والزّور : مصدر من الزائر المراد به طيفها ، يريد أنى قمت لأجل الطيف


1) سقطت هذه العبارة من أصول الكتاب ، وانظر (العمدة لابن رشيق : 2 - 19 طبع المكتبة التجارية)

منتبها مذعورا للقائه ، وأرقنى لما لم يحصل اجتماع محقق ، ثم ارتبت لعدم الاجتماع : هل كان على التحقيق أو كان ذلك فى المنام؟ ويجوز أن يريد فقمت للطيف وأنا فى النوم إجلالا فى حال كونى مذعورا لاستعظامها ، وأرقنى ذلك لما انتبهت فلم أجد شيئا محققا ، ثم من فرط صبابته شك أهى فى التحقيق سرت أم كان ذلك حلما ، على عادتهم فى مبالغاتهم.

وقد تكلمنا عليه وعلى غالب القصيدة وترجمة قائلها فى شرح الشاهد التاسع والسبعين بعد الثلثمائة من شرح شواهد شرح الكافية.

الوقف

أنشد فيه ، وهو الشاهد التاسع والتسعون : [من المتقارب]

99 - وآخذ من كلّ حىّ عصم

على أن أصله عصما ، ووقف عليه فى لغة ربيعة بالسكون ، فإنهم يجيزون تسكين المنصوب المنون فى الوقف.

وهذا المصراع من قصيدة للأعشى ميمون مدح بها قيس بن معدى كرب ، وقبله : -

ويهماء تعزف جنّانها

مناهلها آجنات سدم

قطعت برسّامة جسرة

عذافرة كالفنيق القطم

إلى المرء قيس أطيل السّرى

وآخذ من كلّ حىّ عصم

قوله «ويهماء» الواو واو رب ، واليهماء - بفتح المثناة التحتية - : الفلاة التى لا يهتدى فيها ، وتعزف - بالعين المهملة والزاى المعجمة - أى : تصوت ، والجنان - بكسر الجيم - جمع جانّ ، والمنهل : المورد ، والآجن : الماء التغير المطعم واللون ، والسدم - بضم السين والدال المهملتين - وهى البئر المدفونة ، وقوله «قطعت» جواب رب المقدرة ، وهو العامل فى محل يهماء النصب ، والرسّامة :

الناقة التى تؤثر فى الأرض من شدة الوطء ، والجسرة - بفتح الجيم - الناقة القوية ، ومثلها العذافرة ، والفنيق - بفتح الفاء وكسر النون - الفحل العظيم الخلق ، والقطم - بفتح القاف وكسر الطاء - وصف من قطم الفحل بالكسر : أى هاج للضّراب ، وهو فى هذه الحالة أقوى ما يكون ، وقوله «إلى المرء» أراد المرء المستغرق لخصائص أفراد الرجال ، وقيس : بدل منه أو عطف بيان ، والسرى : السير ، وهذه طريقة المتقدمين فى التخلص إلى المديح ، وهو أنهم يصفون الفيافى وقطعها بسير الإبل وذكر ما يقاسون من الشدائد فى الوصول إلى الممدوح ليوجبوا عليه ذمّة ويجزل لهم الصلة والإكرام ، و «آخذ» معطوف على أطيل ، والحى : القبيلة ، والعصم : مفعول آخذ ، قال ابن جنى : هو بضمتين جمع عصام ، وعصام القربة : وكاؤها وعروتها أيضا ، يعنى عهدا يبلغ به ، وقال ابن هشام صاحب السيرة النبوية : هو بكسر ففتح جمع عصمة ، وهى الحبل والسبب ، وإنما كان يأخذ من كل قبيلة إلى أخرى عهدا لأن له فى كل قبيلة أعداء ممن هجاهم أو ممن يكره ممدوحه فيخشى القتل أو غيره فيأخذ عهدا ليصل بالسلامة إلى ممدوحه.

وقد تكلمنا عليه بأبسط من هذا فى شرح الشاهد الرابع والعشرين بعد الثلاثمائة من شرح شواهد شرح الكافية.


وأنشد هنا قول الشاطبى رحمه‌الله ، وبه توفّى المائة.

100 - وفى هاء تأنيث وميم الجميع قل

وعارض شكل لم يكونا ليدخلا

وفى الهاء للإضمار قوم أبوهما

ومن قبله ضمّ أو الكسر مثّلا

أو امّاهما واو وياء ، وبعضهم

يرى لهما فى كلّ حال محلّلا

على أن ابن الحاجب ظن أن الشاطبى أراد بقوله «وبعضهم يرى لهما فى كل حال

محللا» كلّ حال من أحوال هاء التأنيث وميم الجمع وعارض الشكل وهاء المذكر ، كما وهم بعض شراح كلامه أيضا ، فأجاز ابن الحاجب بناء على هذا الوهم الرّوم والإشمام فى الأربعة ، وإنما معنى قول «الشاطبى فى كل حال» من أحوال هاء الضمير فقط.

أقول : شرح الجعبرى كما ذكره الشارح ، ثم نقل أن بعضهم جعله عاما فى هذه الثلاثة وغيرها ، قال : وتوهم بعضهم فى كل حال من أحوال الحرف الموقوف عليه ، ومنها النصب ، وهذا صرف للكلام إلى غير ما فرض ، وغلط فى النقل ، انتهى.

وكذا شرح أبو شامة ، على ما ذكره الشارح المحقق ، وكذا شرح السمين ، لكنه عمم فى آخر كلامه ، وهذه عبارته : قوله «وبعضهم يرى لهما فى كل حال محللا» إشارة إلى أن بعض أهل الآراء حلل الروم والإشمام : أى جوزهما ؛ فى هاء الإضمار فى كل حال ، حتى فى الحال التى منع فيها ، وهى ما إذا كانت الهاء مضمومة بعد ضمة أو واو مكسورة بعد كسرة أو ياء ؛ فيروم ويشم نحو (يعلمه) و (بمزحزحه) و (عقلوه) و (لأبيه) ، وممن ذهب إلى جواز الروم والإشمام مطلقا أبو جعفر النحاس ، وليس هو مذهب القراء.

وقد تحصل مما تقدم أن الأمر دائر فى الرّوم والإشمام بين ثلاثة أشياء : استثناء هاء التأنيت وميم الجمع والحركة العارضة ، وهذا أشهر المذاهب ، الثانى استثناء هذه الثلاثة مع هاء الكناية بالشرط المتقدم عند بعض أهل الآراء ، الثالث عدم استثناء شىء من ذلك ، وهو الذى عبر عنه بقوله «وبعضهم يرى لهما فى كل حال محللا» انتهى كلامه.

فقوله «وهذا أشهر المذاهب» يؤكد (1)

(ق 2 - 13)

ما حكاه ابن الحاجب من جوازهما فى الثلاثة أيضا ، وقول الشارح المحقق «لم أر أحدا من القراء ولا من النحاة ذكر أنهما يجوزان فى أحد الثلاثة» وهم ؛ فإن بعض القراء صرح بجوازهما فى ميم

1) فى نسخة «يؤيد»

الجمع ، قال أبو شامة والسمين : وما ذكره الناظم من منع الرّوم والإشمام فى ميم الجمع هو المشهور ، وهو اختيار أبى عمرو الدانى وغيره ، وخالف فى ذلك مكى فجوزهما فيها ، قال [مكى] : ميم الجمع أغفل القراء الكلام عليها ، والذى يجب فيها على قياس شرطهم أن يجوز فيها الروم والإشمام ؛ لأنهم يقولون : لا فرق بين حركة الإعراب وحركة البناء فى جواز الروم والإشمام ، فالذى يشمّ ويروم حركة النّصّ غير مفارق له ، والذى لا يروم حركة الميم خارج عن النص بغير رواية ، اللهم إلا أن يوجد الاستثناء فيها منصوصا ، فيجب الرجوع إليه إذا صح ، وليس ذلك بموجود ؛ ومما يقوى جواز ذلك فيها نصّهم على هاء الكناية بالرّوم والإشمام ؛ فهى مثل الهاء لأنها توصل بحرف بعدها حركة ، كما توصل الهاء ، وتحذف ذلك الحرف فى الوقف كما تحذف مع الهاء ، فهى مثلها فى هذا ، غير أن الهاء أخفى منها ، فلذلك امتنعت الهاء من الرّوم والإشمام إذا كانت حركتها مثل حركة ما قبلها أو كان قبلها ساكن من جنس حركتها ، وهذا لا يكون فى الميم ؛ لأنها ليست بالخفية ، ولو كانت فى هذا مثل الهاء لم يجز الاشمام فى يقوم ويحكم ، وليس فى جوازه اختلاف ، وليس قول من يمنع ذلك لأن الميم من الشفتين بشىء ؛ لإجماع الجميع على الروم والإشمام فى الميم التى فى أواخر الأفعال والأسماء التى ليست للجمع ، ولو تم له منع الإشمام فيها لم يتم له منع الروم ، إلى آخر ما فصله.

قال السمين : فمكى جوز ذلك فيها لثلاثة أوجه : أحدها الدخول فى عموم نص القراء على جوازهما فى المتحرك ، ولم يستثنوا من ذلك ميم الجمع ، فالمتمسك بذلك فيها غير خارج عن النص ولا مفارق له ؛ الثانى القياس على هاء الإضمار ، بل جعل الميم أولى بذلك لعدم خفائها ؛ الثالث إفساد علة من علّل منعهما فيها بأنها من حروف الشفتين ، وقد أغلظ الدانى فى الرد على مكى ، وفرق بين ميم

الجمع وهاء الكناية ، وردّ على الدانى فى ذلك كما فصله السمين

وقول الشاطبى : «وفى هاء تأنيث» قال أبو شامة : هذا شروع فيما يمتنع فيه الروم والإشمام على رأى القراء ، والألف فى «يكونا» و «ليدخلا» يرجع إلى الروم والإشمام ، أى : لم يقعا فى هذه المواضع الثلاثة حيث كانت ، انتهى ، ومفهومه أنهما يجوزان فى الثلاثة عند غير القراء

وقوله «وعارض شكل» قال السمين : أى عارض الحركة ، وذلك على قسمين : الأول ما عرض تحريكه لالتقاء الساكنين ، نحو : (ومن يشاقّ الله) (وإن امرؤ) و (قالت اخرج) و (قل الله) والثانى ما عرض تحريكه بالنقل ، نحو : (من استبرق) و (من اجل ذلك) و (قد افلح) وكلا القسمين ممتنع فيه الروم والإشمام ، ثم قال : واعلم أنهما يمتنعان فى حركة التقاء الساكنين ، إذا كان الساكنان من كلمتين ، نحو (ومن يشاق الله) و (عصوا الرسول) أو من كلمة واحدة وأحدهما التنوين ، نحو يومئذ وحينئذ ، أما إذا كان الساكنان فى كلمة واحدة وليس أحدهما تنوينا فإن الرّوم والإشمام جائزان فى تلك الحركة وإن كانت حركة التقاء الساكنين ؛ لوجود علة الحركة وصلا ووقفا ، وذلك نحو (ومن يشاقّ الله) فالروم فيه غير ممتنع ؛ لأن الساكن الذى وجدت الحركة من أجله موجود فى الوصل والوقف ، بخلاف ما مر ؛ فإن الساكن الذى وجدت الحركة من أجله معدوم فى الوقف حيث كان بعضه من كلمة أخرى ، وفى بعضه تنوينا ، وبهذا يعلم أن إطلاق من أطلق منع دخول الروم والإشمام فى حركة التقاء الساكنين ليس بجيد ، انتهى

وهذا أيضا يرد على الشارح فى قوله «لم أر أحدا من القراء أجازهما فى أحد الثلاثة المذكورة»

وقول الشاطبى «وفى الهاء للاضمار» إلى آخر البيتين ، قال السمين : أخبر

عن قوم من أهل القرآن أنهم أبوا أى امتنعوا من الرّوم والإشمام فى هاء الضمير بشرط أن يكون قبلها ضمة أو كسرة أو واو أو ياء ساكنة ، وذلك نحو (يعلمه) و (بمزحزه) و (عقلوه) و (لأبيه) فكل هذه الأمثلة الأربعة وما أشبهها لا بدخل فيها روم ولا إشمام.

وقوله «وفى الهاء» الظاهر أنه متعلق بمقدر : أى أعنى فى الهاء ، ولا يجوز تعلقه بقوله «أبوهما» لأن القاعدة تمنع من تقديم المعمول حيث لا يتقدم العامل عندهم ، و «أبوهما» لا يجوز تقديمه على «قوم» ؛ لأنه صفة له أو خبر ، وعلى كلا التقديرين تقديمه ممتنع ؛ لأن الصفة لا تتقدم على موصوفها والخبر الفعلى لا يتقدم على مبتدئه (1)

وقوله «للاضمار» حال من الهاء أى كائنة للاضمار ، وقوله «قوم» مبتدأ ، وفى خبره قولان : أحدهما أنه محذوف تقديره ومن القراء قوم ، و «أبوهما» على هذا فى موضع النعت للمبتدأ ، والثانى أنه قوله «أبوهما» وحينئذ يقال : ما المسوغ للابتداء بقوم ، وهو نكرة؟ والجواب أن المسوغ له العطف ، وهو معدود من المسوغات ؛ والإباء : الامتناع ، وقوله «ومن قبله ضم» مبتدأ مؤخر قدم خبره عليه ، والهاء فى «قبله» فيها وجهان ذكرهما أبو شامة : أحدهما أنه تعود على الإضمار ، وهذا وإن كان مساعدا له من حيث اللفظ إلا أنه غير ظاهر من حيث المعنى إذ الإضمار معنى من المعانى ، فلا يتحقق أن يكون قبله ضم ، والثانى أنها تعود على الهاء ، وهذا واضح : أى ومن قبل الهاء ضم ، قال أبو شامة : ولو قال قبلها لجاز على هذا ، وكان أحسن


1) هذا الذى ذكره من أن الخبر الفعلى لا يتقدم على المبتدأ ليس على إطلاقه بل هو مخصوص بما إذا كان الفعل مسندا إلى ضمير الواحد نحو قولك «محمد حضر» فأما إذا كان الفعل مسندا إلى ضمير الاثنين نحو «المحمدان حضرا» أو إلى ضمير الجمع نحو «المحمدون حضروا» فانه يجوز التقديم فتقول : حضرا المحمدان ، وحضروا المحمدون.

لأنه أوضح ، والوزن موات له ، والجملة من قوله «ومن قبله» ضم فى موضع الحال من الهاء : أى أبوهما فى الهاء للاضمار والحال أن قبلها ضما أو كسرا ، وقوله «أو الكسر» عطف على «ضم» عطف معرفة على نكرة ، وأو للتنويع ، وقوله «مثّلا» جملة فعلية فى موضع الحال أو فى موضع رفع ؛ فإن كانت حالا ففى صاحبها ثلاثة أوجه : أحدها أنه الكسر ، والثانى أنه الضم ؛ فإن قيل : كيف ساغ مجيئها من نكرة؟ فجوابه أن سيبويه يرى ذلك ، أو نقول : العطف يسوغه كما سوغ الابتداء ، وقد ذكروا أن كل ما سوغ الابتداء بنكرة سوغ مجىء الحال منها ، والثالث أنه الضمير المستتر فى الخبر ، وهو قوله «ومن قبله» ، وهو فى الحقيقة راجع لأحد القولين المتقدمين ، فإن الضمير المستتر عائد على الضم أو الكسر ، وحيث جعلناه حالا من أحدهما فالحال فى الآخر مرادة ، وإنما استغنى عنها لدلالة المعنى ، ولأن العطف بأو ، وهو يقتضى الإفراد ، وإن كانت فى موضع رفع فهى صفة لقوله ضم ، وحينئذ يكون الحال من قوله «أو الكسر» لدلالة صفة الأول عليها ، فإنه لا فرق بين الصفة والحال معنى ، والألف فى «مثلا» الظاهر أنها للاطلاق : لأن العطف بأو ، وجوز أبو شامة أن تكون للتثنية ؛ فتعود على قوله ضم أو الكسر ، ومعنى مثّل شخّص من مثل بين يديه : أى شخص ، ومنه قول العلماء : مثل له المسألة : أى شخصها له ، وقوله «أو اماهما» أو عاطفة على ضم أو كسر ، فالضمير فى «أماهما» للضم والكسر ، ويعنى بأمّيهما الواو والياء ، ولذلك بينهما بقوله «واو وياء» أى : أم الضم الواو وأم الكسر الياء ، فهو من باب اللف والنشر ؛ لأن كل واحد يليق بصاحبه للتجانس المعروف ، ونقل حركة همزة «أماهما» إلى واو «أو» فضمها ، وأسقط همزة «أماهما» على قاعدة النقل ، وأم الشىء : أصله ، وقوله «واو وياء» بدل من أماهما ، وقوله «أو اماهما» بناء منه على المذهب الصحيح ، وهو أن الحرف أصل الحركة ، والحركة متولدة منه ؛ وقيل بالعكس

وقد سبق الناظم إلى هذه العبارة الحصرى فى قصيدته المشهورة حيث يقول [من الطويل] :

وأشمم ورم ما لم تقف بعد ضمّة

ولا كسرة أو بعد أمّيهما فادر

وقوله «وبعضهم» مبتدأ ، والضمير للقراء ، للعلم بهم ، و «يرى» مبنى للمفعول ، ومرفوعه ضمير بعضهم ، و «لهما» ، و «فى كل حال» متعلقا منه بمحللا ، ومحللا : مفعول ثان للرؤية ، والمحلل : اسم فاعل من حلّل الشىء تحليلا : أى جعله حلالا ، ضد حرّمه ، إذا منعه : أى أن بعضهم أباح ذلك فى كل حال

والشاطبى : هو القاسم (1)بن فيرة بن خلف بن أحمد الرّعينى الشاطبى نسبة إلى شاطبة قرية بجزيرة الأندلس كان إماما فى القرآن والحديث والنحو واللغة فى شدة ذكاء ، وكراماته تلوح منه ، ولد آخر سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة ، فيكون عمره أقل من اثنتين وخمسين سنة (2)، وهذه القصيدة فى القراءات السبع سماها حرز الأمانى ووجه التهانى ، ولها شروح تفوت الحصر ، وأجلها هذه الشروح الثلاثة ، وشرح الامام علم الدين السخاوى تلميذ المصنف ، وهو أول من شرحها ، وشرح أبى عبد الله الفاسى ، رحمهم‌الله تعالى ونفعنا بعلومهم


وأنشد بعده ، وهو الشاهد الواحد بعد المائة [من الرجز]

101 - بل جوزتيهاء كظهر الحجفت


1) فى الأصول «هو أبو القاسم» وليس صحيحا ، والتصويب عن بغية الوعاة للسيوطى

2) هذا التفريع غير ظاهر ؛ لأنه إنما يتم بعد ذكر سنة وفاته ، وجميع أصول الكتاب خالية من ذلك ؛ وقد توفى القاسم بن فيرة الشاطبى فى جمادى الأولى من عام 590 تسعين وخمسمائة من الهجرة ، وانظر ترجمته فى البغية (379)

على أنه يجوز الرّوم والإشمام عند من يقف بالتاء ، فيجوز فى «الحجفت» الروم دون الاشمام

قال السمين فى شرح الشاطبية : وفى قول الناظم رحمه‌الله تعالى «وفى هاء تأنيث» شبهة على أنه لو لم تبدل التاء هاء فى الوقف ، وذلك كما رسمت بعض التاءات بالتاء دون الهاء ، نحو (جنّت نعيم) و (رحمت ربّك) و (بقيّت الله) فإن الروم والإشمام بعد خلاف تلك التاء لانتفاء العلتين المانعتين من روم الهاء وإشمامها ، أعنى كون الحركة فيها نفسها وكونها غير مشبهة ألف التأنيث ، وقد نص مكى على ذلك ، فقال : لم يختلف القراء فى هاء التأنيث أنهم يقفون عليها بالاسكان ، ولا يجوز الروم والاشمام فيها ؛ لأن الوقف على حرف لم يكن عليه إعراب إنما هو بدل من الحرف الذى كان عليه الاعراب ، إلا أن تقف على شىء منها بالتاء إتباعا لخط المصحف ؛ فإنك تروم وتشم إذا شئت ؛ لأنك تقف على الحرف الذى كانت الحركة لازمة له فيحسن الروم والاشمام ، انتهى

وقال ابن جنى فى سر الصناعة : من العرب من يجرى الوقف مجرى الوصل فيقول فى الوقف : هذا طلحت ، وعليه‌السلام والرحمت ، وأنشدنا أبو على :

بل جوز تيهاء كظهر الحجفت

انتهى

وقال الصاغانى فى العباب : ومن العرب من إذا سكت على الهاء جعلها تاء ، وهو طيىء ، فقال : هذا طلحت ، وخبز الذّرت

وقال ابن المستوفى أيضا : وجدت فى كتاب أنها لغة طيىء

وقوله «بل جوزتيهاء» قال الصاغانى فى «بل» : ربما وضعوا بل موضع رب ، قال سؤر الذئب

بل جوزتيهاء كظهر الحجفت

أى : رب جوزتيهاء ، كما يوضع الحرف موضع غيره ، والجوز - بفتح الجيم وآخره زاى معجمة - الوسط ، وجوز كل شىء : وسطه ، والجمع أجواز ، والتيهاء - بفتح المثناة الفوقية - المفازة التى يتيه فيها سالكها : أى يتحير ، والحجفة - بفتح الحاء المهملة والجيم والفاء - الترس ، قال عبد القاهر : يقولون تيهاء كظهر المجنّ ، يريدون الملاسة ، وقال ابن المستوفى : شبه التيهاء بظهر المجن فى الملاسة ، والشىء قد يشبه بالشىء ويراد منهما معنى فيهما ، «كظهر الحجفت» إنما أراد أن التيهاء ملساء لا أعلام فيها كظهر الحجفة ملاسة ، ولم يرد أنها مثله فى المقدار ، انتهى

وذكر الوسط ليدل على أنه توسّط المفازة ليصف نفسه بالقوة والجلادة ، قال صاحب العباب : يقال للترس إذا كان من جلود ليس فيه خشب ولا عقب : حجفة ، ودرقة ، وأنشد البيت لسؤر الذئب ، وكذا قال الجوهرى ، وقال : قال الراجز :

ما بال عينى عن كراها قد جفت

مسيلة تستنّ لمّا عرفت

دارا لليلى بعد حول قد عفت

بل جوزتيهاء كظهر الحجفت

انتهى.

قال ابن برى فى أماليه على الصحاح : هذا الرجز لسؤر الذئب ، وصواب إنشاده :

ما بال عينى عن كراها قد جفت

وشفّها من حزنها ما كلفت

كأنّ عوّارا بها أو طرفت

مسبلة تستنّ لمّا عرفت

دارا لليلى بعد حول قد عفت

كأنّها مهارق قد زخرفت

تسمع للحلى إذا ما انصرفت

كزجل الرّيح إذا ما زفزفت

ما ضرّها أم ما عليها لو شفت

متيّما بنظرة وأسعفت (1)

قد تبلت فؤاده وشغفت

بل جوز تيهاء كظهر الحجفت

قطعتها إذا المها تجوّفت

مآزقا إلى ذراها أهدفت (2)

جمع إران على غير لفظه كمحاسن ومشابه ، أو جمع مئران ، وهو كناس الوحش ؛ وأصله على هذا الوجه مآرين ، كما قال جرير :

قد بدّلت ساكن الآرام عدهم

والباقر الخنس يبحثن لمآرينا

فحذف الياء كما حذفت فى قوله تعالى : (وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ) وكما قال الراجز وجمع عوارا :

وكحّل العينين بالعواور

انتهى ما أورده

وقوله «ما بال عينى» ما استفهامية مبتدأ ، وبال : خبره ، والبال : الشأن والحال ، وعن : متعلقة بجفت ، والكرى : النوم ، قال الخوارزمى : جفت أى انقطعت عن كراها ، انتهى. وهو بالجيم ، وهو من جفا الشىء عن كذا وتجافى عنه : أى نبا عنه وتباعد ، وجملة «قد جفت» حال من العين ، و «شفها» من شفّه الهم يشفه : أى هزله وأنحله ، و «كلفت» بالبناء للمفعول ، والعوار - بضم العين وتشديد الواو ، وهو ما يسقط فى العين فتدمع ، يقال : بعينه عوّار : أى قذى ، ومثله العائر ، «وطرفت» بالبناء للمفعول ، من طرفت عينه طرفا - من باب ضرب - إذا أصبتها بشىء ، فدمعت. فهى مطروفة ، ومسبلة : أى تصب دمعها ، من أسبلت الماء : أى صببته ، وتستنّ : تجرى بدمعها ، من سننت الماء ، إذا أرسلته إرسالا من غير تفريق ، وقوله «دارا لليلى» مفعول عرفت ، وعفت : ذهبت آثارها وانمحت معالمها ، وقوله «كأنها» أى كأن ليلى ،


1) فى اللسان (ح ج ف) زيادة بيت بعد هذا البيت ، وهو

2) فى اللسان (ح ج ف - أ ر ن) «مآرنا إلى ذراها - الخ» والمآرن :

والمهارق : جمع مهرق ، وهى الصحيفة البيضاء يكتب (1)

كم للمنازل من شهر أحوال

لآل أسماء مثل المهرق لبالى

فيها ، شبهها بالكاغد لصقالته وبياضه ونعومته ، وزخرفت : زينت بالذهب ، والزخرف : الدهب ، والحلي - بفتح فسكون - ما تتزين به المرأة كالخلخال والسّوار ، وانصرفت : ذهبت فمشت ، وزجل الريح : صوتها ، وهو بفتح الزاى والجيم ، وزفزفت - بزاءين معجمتين وفاءين - أى هبت بشدة ، وقوله «قطعتها» هو جواب ربّ المقدرة بعدبل ، والمها - بالفتح - : جمع مهاة ، وهى البقرة الوحشية ، والمآزق : جمع مأزق ، وهو المضيق ، وذراها - بفتح الذال - أى : ناحيتها ، وأهدفت : قربت ، قال شمر : الإهداف الدنو من الشىء والاستقبال له

وأنشد الجاربردى بعد هذا البيت ، وهو الشاهد الثانى بعد المائة [من الرجز]

102 - بل مهمه قطعت بعد مهمه

على أن ربّ بعد بل مقدرة ، والجربها

والمهمه : المفازة البعيدة الأطراف ، ومفعول «قطعت» محذوف ، وهو ضمير المهمه : أى قطعتها وتجاوزتها

وهذا البيت نسب إلى رؤبة ، ورجعت إلى ديوانه فلم أجده فيه ، ونسب إلى والده العجاج ، قال العينى : لم أجده فى ديوانه ، والله تعالى أعلم


وأنشد بعده ، وهو الشاهد الثالث بعد المائة [من الرجز] :

103 - وربّ ضيف طرق الحىّ سرى

صادف زادا وحديثا ما اشتهى


1) هو فارسى معرب ، وزنته كزنة اسم المفعول من الرباعى ، قال حسان :

إنّ الحديث جانب من القرى

على أن السيرافى استدلّ على كون الألف لام الكلمة فى الأحوال أنها جاءت رويّا فى النصب ، فألف «سرى» لام الكلمة ، لا أنها بدل من نون التنوين للوقف ، إذ لا يجوز أن تكون رويا مع الألف الأصلية كألف «اشتهى» و «القرى»

وبما حقق الشارح المحقق من مذهب سيبويه يردّ على ابن هشام اللخمى فى شرح المقصورة الدريدية عند قوله [من الرجز]

فاستنزل الزّبّاء قسرا وهى من

عقاب لوح الجوّ أعلى منتمى (1)

قال فى شرحه : قوله «منتمى» قد غلط فيه ؛ لأن العرب لا تقف بالتنوين ، ومنتمى هنا منصوب على التمييز ، والوقف فيه عند سيبويه على الألف المبدلة من التنوين ، هذا كلامه.

وقال أبو حيان فى الارتشاف : «والمقصور المنون يوقف عليه بالألف ، وفيه مذاهب : أحدها أن الألف بدل من التنوين ، واستصحب حذف الألف المنقلبة. وصلا ووقفا ، وهو مذهب أبى الحسن والفراء والمازنى وأبى على فى التذكرة ، والثانى أنها الألف المنقلبة ، لما حذف التنوين عادت مطلقا ، وهو مروى عن أبى عمرو والكسائى والكوفيين وسيبويه والخليل فيما قال أبو جعفر الباذش ؛ والثالث اعتباره بالصحيح ، فالألف فى النصب بدل من التنوين ، وفى الرفع والجر هى بدل من لام الفعل ، وذهب إليه أبو على فى أحد قوليه ، ونسبه أكثر الناس إلى سيبويه ومعظم النحويين ، انتهى.

وهذا من رجز أورده أبو تمام فى باب الأضياف والمديح من الحماسة ، قال : وقال الشماخ فى عبد الله بن جعفر بن أبى طالب أخى أسد الله على كرم الله وجههما.


1) لوح الجو - بضم اللام - أعلاه

إنّك يا ابن جعفر خير فتى

ونعم مأوى طارق إذا أتى

وربّ ضيف طرق الحى سرى

صادف زادا وحديثا ما اشتهى

إنّ الحديث طرف من القرى

ثمّ اللّحاف بعد ذاك فى الذّرى

انتهى.

وفى الأغانى أن الشماخ خرج يوما يريد المدينة ، فلقيه عرابة بن أوس ، وكان سيدا من سادات قومه ، وجوادا ، فسأله عما أقدمه المدينة ، فقال : أردت أن أمتار لأهلى ، وكان معه بعيران ، فأوقرهما له برا وتمرا ، وكساه وبرّه وأكرمه ، فخرج عن المدينة وامتدحه بقصيدته التى يقول فيها [من الوافر]

رأيت عرابة الأوسىّ يسمو

إلى الخيرات منقطع القرين

إذا ما راية رفعت لمجد

تلقّاها عرابة باليمين

ولما سمع ابن دأب كلام الشماخ فى عبد الله بن عبد جعفر بن أبى طالب إنّك يا ابن جعفر نعم الفتى إلى آخر الأبيات ؛ قال : العجب للشماخ ، يقول هذا فى عبد الله بن جعفر ، ويقول فى عرابة بن أوس :

إذا ما راية رفعت لمجد*

تلقاها عرابة باليمين

ابن جعفر كان أحق بهذا من عرابة ، انتهى.

قال عبد اللطيف البغدادى فى شرح نقد الشعر لقدامة قول الشماخ :

رأيت عرابة الأوسىّ البيت

• معناه علمته كذا وصح عندى ذلك منه ، ويجوز أن يكون هنا بمعنى أبصرته ، وهو الأمثل عندى ، ويكون «يسمو» حالا ، وذلك أن المشاهدة أدل شىء على صحة الأمر ، فلا دليل أقوى منها ، والخيرات هى : الأفعال المعتدلة المتوسطة بين طرفين هما شر ، فكأنه قال : شاهدت منه أفعال الخير والفضائل ، وقوله «إذا ما راية رفعت لمجد» هذا استعارة : أى إذا حدث أمر يقتضى فعل مكرمة ويفتقر فيه أن يضطلع به ربّ فضيلة وشرف تلقّاها

عرابة باليمين : أى بقوة وبطش واجتهاد وانشراح صدر ، وفى قوله «تلقاها» ما يشعر بهذا المعنى أشدّ من قوله أخذها ، وهذا البيت دل به على الأخلاق العتيدة والفضائل النفسية ، وأما البيت الأول فدل به على الأفعال الحميدة والخيرات المشاهدة ، فصار البيت الأول توطئة للثانى ، وكالدال عليه والمثبت له ؛ فإن الأفعال المشاهدة سابقة فى الإحساس لما فى النفس ودالة عليه ؛ فتلمح ذلك واعجب لشرف طباع هؤلاء كيف تسمو بهم جودة القريحة وصحة الفكرة والروية إلى مثل هذا ، انتهى كلامه.

ومثله للمبرد فى الكامل قال : قوله «تلقاها عرابة باليمين» قال أصحاب المعانى معناه بالقوة ، وقالوا مثل ذلك فى قوله تعالى (وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ) وقال معاوية لعرابة بن أوس الأنصارى : بم سدت قومك؟ قال : لست بسيدهم ، ولكنى رجل منهم ، فعزم عليه ، فقال : أعطيت فى نائبتهم ، وحملت عن سفيههم وشددت على يدى حليمهم ، فمن فعل منهم مثل فعلى فهو مثلى ، ومن قصّر عنه فأنا أفضل منه ، ومن تجاوزنى فهو أفضل منى ، وكان سبب ارتفاع عرابة أنه قدم من سفر فجمعه الطريق والشماخ بن الضرار المرّىّ فتحادثا ، فقال له عرابة : ما الذى أقدمك المدينة؟ قال : قدمت لأمتار منها ، فملأ له عرابة رواحله برا وتمرا وأتحفه بغير ذلك ، فقال الشماخ رأيت عرابة الأوسى يسمو إلى آخر الأبيات انتهى.

وأما عبد الله بن جعفر الطيار بن أبى طالب فقد قال ابن عبد ربه (1)فى العقد الفريد : أجواد أهل الاسلام أحد عشر رجلا فى عصر واحد لم يكن قبلهم ولا بعدهم مثلهم ؛ فأجواد أهل الحجاز ثلاثة فى عصر واحد : عبيد الله بن العباس ، وعبد الله بن جعفر ، وسعيد بن العاص ، إلى أن قال : ومن جود عبد الله بن جعفر أن عبد الرحمن بن


1) انظر العقد الفريد لابن عبد ربه (1 : 112)

عمار (1)دخل على نخّاس يعرض قيانا له ، فعلق واحدة منهن ، فشهر بذكرها حتى مشي إليه عطاء وطاووس ومجاهد يعذلونه ، فكان جوابه [من البسيط]

يلومنى فيك أقوام أجالسهم

فما أبالى أطار اللّوم أم وقعا

فانتهى خبره إلى عبد الله بن جعفر ، فلم يكن له همّ غيره ، فحج فبعث إلى مولى الجارية ، فاشتراها منه بأربعين ألف درهم ، وأمر قيمة جواريه أن تزينها وتحليها ففعلت ، وبلغ الناس قدومه فدخلوا عليه ، فقال : مالى لا أرى ابن عمار (2)زارنا؟ فأخبر الشيخ ، فأتاه مسلما ، فلما أراد أن ينهض استجلسه ، ثم قال : ما فعل حب فلانة؟ قال : فى اللحم والدم والمخ والعصب! قال : أتعرفها لو رأيتها؟ قال (3)نعم ، فأمر بها عبد الله أن تخرج إليه ، وقال له : إنما اشتريتها لك ، وو الله ما دنوت منها ، فشأنك بها مباركا لك فيها ، فلما ولى قال : يا غلام ، احمل معه مائة ألف درهم ينعم بها معها ، فبكى عبد الرحمن وقال : يا أهل البيت ، لقد خصكم الله بشرف ما خص به أحدا قبلكم من صلب آدم ، فهنيئا لكم هذه النعمة وبورك لكم فيها ؛ ومن جوده أيضا أنه أعطى امرأة سألته ما لا عظيما ، فقيل له : إنها لا تعرفك ، وكان يرضيها اليسير ، قال : إن كان يرضيها اليسير فإنى لا أرضى إلا بالكثير ، وإن كاتت لا تعرفنى فأنا أعرف نفسى ، هذا ما أورده ابن عبد ربه.

وزعم الخطيب التبريزى فى شرح الحماسة ، وتبعه العينى ، أن المخاطب بقوله إنك يا ابن جعفر إلى آخر الشعر ، هو عبد الله بن جعفر بن محمد الصادق رضى الله عنه ، وهذا لا يصح ؛ فإن الشماخ صحابى وجعفر كان فى زمن هارون الرشيد ، والصواب أيضا أن يقول : جعفر الصادق بن محمد الباقر.

وقوله «خير فتى» أى الجامع لخصال المروءة ، وقوله «ونعم مأوى طارق»


1) فى العقد «بن أبى عمار»

2) فى العقد «لو أدخلت الجنة لم أنكرها»

3) فى العقد «لو أدخلت الجنة لم أنكرها»

الطارق : الذى يأتى ليلا ، والمأوى : اسم مكان من أوى إلى منزله يأوى ، من باب ضرب ، أويّا : أى أقام ، وهو فاعل «نعم» ؛ وجاء الفاعل هنا منكرا على قلة ، والكثير الغالب تعريفه باللام ، حكى الأخفش أن ناسا من العرب يرفعون بنعم النكرة مفردة ومضافة ، نحو نعم امرؤ زيد ، ونعم صاحب قوم عمرو ، وقد روى أيضا :

إنّك يا ابن جعفر نعم الفتى

وخيرهم لطارق إذا أتى

وقوله «طرق الحى سرى» الطروق : الإتيان ليلا ، والحى : القبيلة ، والسّرى : جمع سرية (1)بضم السين وفتحها ، يقال : سرينا سرية من الليل بالضم والفتح ، قال أبو زيد : ويكون السّرى أول الليل وأوسطه وآخره ، وهو فى البيت على حذف : أى طروق سرى ، وقال الخطيب التبريزى ، وتبعه العينى : سرى أى ليلا ، لأن السرى لا يكون إلا ليلا ، وقوله «صادف» جواب رب ، وما : مصدرية ظرفية ، والقرى : الضيافة ، والذرى - بالفتح :

الكنف والناحية.


وأنشد بعده ، وهو الشاهد الرابع بعد المائة ، وهو من شواهد سيبويه [من الرمل] :

104 - وقبيل من لكيز شاهد

رهط مرجوم ورهط ابن المعلّ

على أنه قد يحذف الألف المقصورة فى ضرورة الشعر ، كما حذف الألف هنا من «المعلّ»


1) الذى فى اللسان والقاموس أن السرى بمعنى السرية - بضم السين أو فتحها - والذى نراه أن سرى فى هذا البيت منصوب على أنه مفعول مطلق أو على أنه ظرف مثل قولك : أزورك قدوم الحواج

قال سيبويه لا يقولون فى جمل جمل ، أى بسكون الميم ؛ لأن الفتحة أخف عليهم والألف ، فمن ثمة لم تحذف الألف ، إن لم يضطر شاعر فيشبهها بالياء ، لأنها أختها ، وهى قد تذهب مع التنوين ، قال لبيد رضى الله عنه حيث اضطر :

وقبيل من لكيز شاهد

رهط مرجوم ورهط ابن المعلّ

قال الأعلم : الشاهد فيه حذف ألف المعلّى فى الوقف ضرورة ، تشبيها بما يحذف من الياءات فى الأسماء المنقوصة ، نحو قاض وغاز ، وهذا من أقبح الضرورة ، لأن الألف لا تستثقل كما تستثقل الياء والواو ، وكذلك الفتحة ، لأنها من الألف ، انتهى.

وقال أبو على فى المسائل العسكرية : ومما حذف فى الضرورة مما لا يستحسن حذفه فى حال السعة الألف (1)من «المعلّ» فى القافية تشبيها بالياء فى قوله :

وبعض القوم يخلق ثمّ لا يفر

فكما حذفت الياء فى القوافى والفواصل كذلك حذف منه الألف ولم يكن [ليحذف (2)] لأن من يقول : (ما كنا نبغ) يقول : (وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى) فلا يحذف ، كما أن الذين يقولون : «هذا عمرو» يقولون : رأيت عمرا ، إلا أن «المعلّى» فى الضرورة لا يمتنع ؛ للتشبيه ، ويؤكد ذلك أن أبا الحسن قد أنشد [من الوافر] :

فلست بمدرك ما فات منّى

بلهف ولا بليت ولا لوانّى

فقال «ليت» وهو يريد ليتنى ، فحذف النون مع الضمير للضرورة ، ثم


1) فى الأصول «حذف الألف» وله وجه بعيد

2) زيادة لا بد منها

أبدل من الياء الألف ، ثم حذف ؛ وقد يمكن أن يكون «يا ابن أم» على هذا كأنه محذوف منه مثل قول من قال [من الرجز] :

يا ابنة عمّا لا تلومى واهجعى

فأبدل ثم حذف ، وعلى هذا تأول أبو عثمان قول من قرأ : «يا أبت لم تعبد» انتهى

أقول : ألف «يا ابن أم» وألف «يا أبت» كلمة ؛ لأنها ضمير المتكلم فهى مستقلة ، وليست كألف المعلى ؛ فإنها جزء كلمة ؛ فليست مثلها ، واعتبر ابن عصفور فى كتاب الضرائر حذف اللام الثانية مع الألف ، قال : وقد يحذف المشدد ويحذف حرف بعده ، ومن ذلك قول لبيد : ورهط ابن المعل يريد المعلى ، وقول النابغة : [من الوافر]

إذا حاولت فى أسد فجورا

فإنّى لست منك ولست من

يريد منى ، انتهى

وعدّ بيت النابغة من الضرورة غير جيد ؛ قال سيبويه فى «باب ما يحذف من الأسماء من الياءات فى الوقف التى لا تذهب فى الوصل [ولا يلحقها تنوين](1)

(ق 2 - 14)

: وتركها فى الوقف أقيس وأكثر ؛ لأنها فى هذه الحال ، ولأنها ياء لا يلحقها التنوين على كل حال ؛ فشبهوها بياء «قاضى» لأنها ياء بعد كسرة ساكنة فى اسم وذلك قولك : هذا غلام ، وأنت تريد هذا غلامى ، [وقد أسقان وأسقن ، وأنت تريد أسقانى وأسقنى ؛ لأن نى اسم](2)

(ق 2 - 14)

و [قد](3)

(ق 2 - 14)

قرأ أبو عمرو (فيقول ربّى أكرمن) و (ربّى أهانن) على الوقف ، وقال النابغة : [من الوافر]

1) ما بين القوسين ثابت فى كلام سيبويه ، ولكنه غير موجود فى الأصول التى بأيدينا. أنظر كتاب سيبويه (ح 2 ص 289)

2) ما بين القوسين ثابت فى كلام سيبويه ، ولكنه غير موجود فى الأصول التى بأيدينا. أنظر كتاب سيبويه (ح 2 ص 289)

3) ما بين القوسين ثابت فى كلام سيبويه ، ولكنه غير موجود فى الأصول التى بأيدينا. أنظر كتاب سيبويه (ح 2 ص 289)

فإنّى لست منك ولست من

انتهى.

وقال الأعلم : الشاهد فيه حذف الضمير من قوله : «منّى» وهو جائز فى الكلام ، كما قرىء فى الوقف (أكرمن) و (أهانن) يقول : هذا لعيينة بن حصن الفزارى ، وكان قد دعاه وقومه لمقاطعة بنى أسد ونقض حلفهم ؛ فأبى عليه وتوعده ، وأراد بالفجور : نقض الحلف ، انتهى

وقال «وقبيل من لكيز إلخ» قبيل : مبتدأ ، و «من لكيز» فى موضع الصفة له ، وشاهد : خبره ، والقبيل : العريف والكفيل ، وهذا هو المناسب هنا ؛ لأنه كما قال الأعلم : «وصف لبيد رضى الله عنه مقاما فاخر فيه قبائل ربيعة بقبيلته من مضر» انتهى

ولا يناسبه أن يكون القبيل بمعنى الجماعة تكون من الثلاثة فصاعدا من قوم شتى من الزنج والروم والعرب ، وقال العينى : القبيل هنا بمعنى القبيلة ، ولم أره كذا فى كتب اللغة ، ولكيز - بضم اللام وفتح الكاف وآخره زاى معجمة - : أبو قبيلة ، وهو لكيز بن أفصى - بالفاء والصاد المهملة والألف - ابن عبد القيس بن أفصى بن دعمىّ - بضم الدال وسكون المهملة وكسر الميم وتشديد الياء - ابن جديلة - بالجيم - ابن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان ، وكان لكيز عاقا لأمه ليلى ، وكانت تحبه ، وكان شقيقه شنّ بارا بها ، فحملها شنّ ذات يوم فجعلت تقول : فديت لكيزا ؛ فرمى بها شن من بعيرها ، وكانت عجوزا كبيرة ، فماتت ، فقال شنّ : دونك لكيز جعرات (1)أمّك : وقال : «يحمل شنّ ويفدّى لكيز» فذهبت مثلا ، فولد لكيز وديعة وصباحا - بضم الصاد - ونكرة - بضم النون - وكل منهم بطن ، ثم


1) الجعرات : جمع جعرة ، وهو ما يبس من العذرة فى الدبر

صار فى أولاد كل منهم بطون ، كذا فى جمهرة الأنساب ، وشاهد : بمعنى حاضر ، وبه روى أيضا ، والرهط : قوم الرجل وقبيلته ، والرهط أيضا : ما دون العشرة من الرجال لا تكون فيهم امرأة ، ومرجوم : بالجيم ، قال ابن دريد فى الجمهرة : هو لقب رجل من العرب ، كان سيدا ففاخر رجلا من قومه إلى بعض ملوك الحيرة ؛ فقال له : «قد رجمتك بالشرف» ؛ فسمى مرجوما ، وأنشد هذا البيت ، وكذا فى التصحيف للعسكرى ، قال : «وفى فرسان عبد القيس مرجوم بن عبد القيس بعد الراء جيم ، قال الشاعر :

رهط مرجوم ورهط ابن المعلّ

وإنما سمى مرجوما لأنه نافر رجلا إلى النعمان فقال له النعمان : «قد رجمك بالشرف» فسمى مرجوما ، وإنما ذكرته لأن من لا يعرفه يصحفه بمرحوم - بحاء غير معجمة ، وأما مرحوم بن عبد العزيز - بالحاء غير المعجمة - فرجل من محدثى البصرة» انتهى

ورهط مرجوم : بالرفع خبر مبتدأ محذوف ، والتقدير : هو رهط مرجوم ، ويجوز نصبه بتقدير أعنى ، وقال العينى : «رهط مرجوم بالرفع بدل من قبيل أو عطف بيان» هذا كلامه فتأمله (1).

وقال الأعلم : «مرجوم وابن المعل سيدان من لكيز» ، وهذه نسبة مرجوم من الجمهرة ، قال : «مرجوم هو ابن عبد عمرو بن قيس بن شهاب بن زياد بن عبد الله بن زياد بن عصر - بتحريك المهملات - بن عمرو بن عوف بن بكر بن عوف بن أنمار بن عمرو بن وديعة بن لكيز» ، وأما المعلى فقد قال ابن دريد فى الجمهرة : «هو جد الجارود بشر بن عمرو بن المعلى» انتهى

والجارود : اسمه بشر ، وسمى الجارود لبيت قاله بعض الشعراء [من الطويل] :


1) الخطأ فى تجويزه عطف البيان ؛ لكون الثانى معرفة والأول نكرة ، وشرطه التوافق

كما جرد الجارود بكر بن وائل (1)

لقد جرد الجارود بكر بن وائل

ومعناه شئم عليهم ، وقيل : استأصل ما عندهم ، وللجارود حديث ، وقد صحب النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم وقتل بفارس فى عقبة الطين

وفد على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وابنه المنذر بن الجارود استعمله على بن أبى طالب رضى الله عنه على فارس ، وعبد الله بن الجارود كان رأس عبد القيس ، واجتمعت إليه القبائل من أهل البصرة وأهل الكوفة فقاتلوا الحجاج فظفر بهم ؛ فأخذه الحجاج فصلبه ، والحكم بن المنذر بن الجارود سيد عبد القيس (2)

يا حكم بن المنذر بن لجارود

سرادق المجد عليك ممدود

وهو من شواهد سيبويه

مات فى حبس الحجاج الذى يعرف بالدّيماس ، وهذه نسبته من الجمهرة : الجارود : هو بشر بن حنش بن المعلى ، وهو الحارث بن يزيد بن حارثة بن معاوية بن ثعلبة بن جذيمة بن عوف بن بكر بن عوف بن أنمار بن عمرو بن وديعة بن لكيز المذكور ، ولم أقف على ما قبل البيت وما بعده حتى أورده.

ولبيد رضى الله عنه صحابى تقدمت ترجمته فى الشاهد الثانى والعشرين بعد المائة من شرح شواهد شرح الكافية


وأنشد بعده وهو الشاهد الخامس بعد المائة وهو من شواهد سيبويه [من الرجز]

105 - خالى عويف وأبو علجّ

المطعمان اللّحم بالعشجّ


1) فى اللسان (ج ر د) والجارود العبدى : رجل من الصحابة ، واسمه بشر ابن عمرو ، وسمى الجارود لأنه فر بأبله إلى أخواله من بنى شيبان وبابله داء ففشى ذلك الداء فى إبل أخواله فأهلكها ، وفيه يقول الشاعر :

2) وهو الذى عناه الشاعر بقوله :

وبالغداة فلق البرنجّ

يقلع بالودّ وبالصّيصجّ

على أن بعض بنى سعد يبدلون الياء ، شديدة كانت أو خفيفة ، جيما فى الوقف ، كما فى قوافى هذه الأبيات ؛ فإن الجيم فى أواخر ما عدا الأخير بدل من ياء مشددة ، وأما الأخير فالجيم فيه بدل من ياء خفيفة ، كما يأتى بيانه

وإنما حركها الشاعر هنا لأنه أجرى الوصل مجرى الوقف ، قال سيبويه : «وأما ناس من بنى سعد فإنهم يبدلون الجيم مكان الياء فى الوقف ؛ لأنها خفية ، فأبدلوا من موضعها أبين الحروف ، وذلك قولهم : هذا تميمجّ ، يريدون تميمىّ ، وهذا علج ، يريدون علىّ ، وسمعت بعضهم يقول : عربانجّ يريدون عربانىّ ، وحدثنى من سمعهم يقولون :

خالى عويف وأبو علجّ

المطعمان اللّحم بالعشجّ

وبالغداة فلق لبرنجّ

يريدون بالعشى والبرنى ، فزعم أنهم أنشدوه هكذا» انتهى كلامه

ولم يذكر إجراء الوصل مجرى الوقف ، وذكره الزمخشرى فى المفصل ، وكلام ابن جنى فى سر الصناعة وغيره ككلام سيبويه ، قال ابن المستوفى فى شرح أبيات المفصل : «ومتى خرج هذا الإبدال عن هذين الشرطين ، وهما الياء المشددة والوقف ، عدوه شاذا ، ولذلك قال الزمخشرى : وقد أجرى الوصل مجرى الوقف» انتهى.

وهذه الأبيات لبدوى ، قال ابن جنى فى سر الصناعة : «قرأت على أبى بكر ، عن بعض أصحاب يعقوب بن السكيت ، عن يعقوب ، قال : قال الأصمعى : حدثنى خلف ، قال : أنشدنى رجل من أهل البادية :

عمّى عويف وأبو علجّ

إلى آخر الأبيات الأربعة

يريد أبو على وبالعشى والصيصية ، وهى قرن البقرة» انتهى.

وقال شارح شواهد أبى على الفارسى : «جاء به أبو على شاهدا على أن ناسا من العرب يبدلون من الياء جيما ، لما كان الوقف على الحرف يخفيه والإدغام فيه يقتضى الإظهار ويستدعيه أبدلوا من الياء المشددة فى الوقف الجيم ؛ لأنها أبين ، وهى قريبة من مخرجها ، وزعم أبو الفتح أنه احتاج إلى جيم مشددة للقافية ، فحذف الياء ثم ألحق ياء النسب كما ألحقوها فى الصفات مبالغة ، وإن لم يكن منسوبا فى المعنى نحو أحمرىّ فى أحمر ، ثم أبدل من الياء المشددة جيما ، ثم قال : وما علمت أحدا تعرض لتفسيره قبلى ، سوى أبى على فيما أظن ، قال الشيخ : أقرب من هذا وأشبه بالمعنى أن يكون أراد الصيصاء ، وهو ردى التمر الذى لا يعقد نوى ، ألحقه بقنديل فقال : صيصىء ، ثم أبدل من الياء جيما فى الوقف ، ثم أجرى الوصل مجرى الوقف فى هذا» انتهى كلامه

افتخر بخاليه أو بعميه ، والمطعمان : صفة لهما ، واللحم والشحم : مفعوله ، والعشى : قيل : ما بين الزوال إلى الغروب ، وقيل : هو آخر النهار ، وقيل : من الزوال إلى الصباح ، وقيل : من صلاة المغرب إلى العتمة ، كذا فى المصباح ، والغداة : الضحوة ، والفلق - بكسر الفاء وفتح اللام - جمع فلقة ، وهى القطعة وروى «قطع» بدله ، وروى أيضا «كتل البرنج» وهو جمع كتلة - بضم الكاف - قال الجوهرى : الكتلة : القطعة المجتمعة من الصمغ وغيره ، والبرنىّ - بفتح الموحدة - : نوع من أجود التمر ، ونقل السهيلى أنه عجمى ، ومعناه حمل مبارك ، قال : «بر» حمل و «نىّ» جيد ، وأدخلته العرب فى كلامها وتكلمت به ، كذا فى المصباح ، وأقول : «بر» فى لغة الفرس ثمرة الشجرة أىّ شجرة كانت ، وأما حملها فهو عندهم «بار» بزيادة ألف ، والفرق أن «بر» الثمر الذى يؤكل ، وأما «بار» فعام سواء كان مما يؤكل أم لا ، فصوابه أن يقول : «بر» ثمر الشجر لا حملها ، وأما «نىّ»

فأصله نيك - بكسر النون ؛ فعند التعريب حذفت الكاف وشددت الياء ، و «نيك» فى لغة الفرس الجيد ؛ ويقلع ، بالبناء للمفعول ، ونائب الفاعل ضمير البرنج ، والجملة حال منه ، وقال العينى : صفة له ، والود ، بفتح الواو ، لغة فى وتد ، والصيصية بكسر الصادين وتخفيف الياء : القرن ، واحد الصّيصى ، والجمع الصياصى ، وصياصى البقر : قرونها ، وكان يقلع التمر المرصوص بالوتد وبالقرن ، قال ابن المستوفى : الصيصى : جمع صيصية ، وهى القرن ، كأنه شدد فى الوقف على لغة من يشدد ثم أبدل ، وزادها أن أجرى الوقف مجرى الوصل ، كما قال [من الرجز] :

مثل الحريق وافق القصبّا

وقال الزمخشرى فى الحواشى : «شدد ياء الصيصى فى الوقف كما لو وقف على القاضى» انتهى

وقال ابن جنى فى شرح تصريف المازنى : «الذى عندى فيه أنه لما اضطر إلى جيم مشددة عدل فيه إلى لفظ النسب ، وإن لم يكن منسوبا فى المعنى ، كما تقول : أحمر وأحمرىّ ، وهو كثير فى كلامهم ، فإذا كان الأمر كذلك جاز أن يراد بالصيصج لفظ النسب ، فلما اعتزمت على ذلك حذفت تاء التأنيث ؛ لأنها لا تجتمع مع ياء النسبة ، فلما حذفت الهاء بقيت الكلمة فى التقدير صيص بمنزلة قاض ، فلما ألحقها ياء النسبة حذفت الياء لياء النسبة ، كما تقول فى النسبة إلى قاض : قاضىّ ، فصارت فى التقدير صيصىّ ، ثم إنها أبدلت من الياء المشددة الجيم ، كما فعلت فى القوافى التى قبلها ، فصارت صيصجّ ، كما ترى ، فهذا الذى عندى فى هذا ، وما رأيت أحدا عرض لتفسيره ؛ إلا أن يكون أبا على فيما أظنه» انتهى


وأنشد بعده ، وهو الشاهد السادس بعد المائة [من الرجز] :

106 - يا ربّ إن كنت قبلت حجّتج

فلا يزال شاحج يأتيك بج

أقمر نهّات ينزّى وفرتج

على أنه أبدل الجيم من الياء الخفيفة ، وأصله حجّتى وبى ووفرتى ، بياء المتكلم فى الثلاثة

وأنشد أبو زيد هذه الأبيات الثلاثة فى أوائل الجزء الثالث من نوادره ، قال : «قال المفضل : أنشدنى أبو الغول هذه لبعض أهل اليمن»

ولم يخطر ببال أبى على ولا على بال ابن جنى رواية هذه الأبيات عن أبى زيد فى نوادره ، ولهذا نسباها إلى الفراء ، وقالا : أنشدها الفراء ، ولو خطرت ببالهما لم يعدلا عنه إلى الفراء البتة ؛ لأن لهما غراما بالنقل عن نوادره ، ولو أمكنهما أن لا ينقلا شيئا إلا منها فعلا ، قال ابن جنى فى سر الصناعة : «وكان شيخنا أبو على يكاد يصلى بنوادر أبى زيد إعظاما لها ، وقال لى وقت قراءتى إياها عليه : ليس فيها حرف إلا لأبى زيد تحته غرض ما ، وهو كذلك ؛ لأنها محشوة بالنكت والأسرار» انتهى كلامه رحمه‌الله

ولله در الشارح المحقق فى سعة اطلاعه ؛ فإنه لم يشاركه أحد فى نقل هذه الأبيات عن أبى زيد إلا ابن المستوفى

وقد ذهب ابن عصفور فى كتاب الضرائر إلى أن إبدال الياء الخفيفة جيما خاص بالشعر ، ولم أره لغيره ، قال : «ومنها إبدالهم الجيم من الياء الخفيفة ، نحو قول هميان بن قحافة [من الرجز](1)

يطير عنها الوبر الصّهابجا

يريد الصّهابىّ ، فحذف إحدى الياءين تخفيفا ، وأبدل من الأخرى جيما ؛ لتتفق القوافى ، وسهل ذلك كون الجيم والياء متقاربين فى المخرج ، ومثل ذلك قول الآخر ، أنشده الفراء :


1) انظر سمط اللآلى فى شرح أمالى أبى على القالى (ص 572)

يا ربّ إن كنت قبلت حجّتج إلى آخر الأبيات

يريد حجتى ، ويأتيك بى ، وينزّى وفرتى ، فأبدل من الياء جيما ؛ وقول الآخر [من الرجز] :

حتّى إذا ما أمسجت وأمسجا

يريد أمست وأمسى ؛ لأنه ردّهما إلى أصلهما وهو أمسيت وأمسيا ، ثم أبدل الياء جيما لتقاربهما لما اضطر إلى ذلك» انتهى

وجعله ابن المستوفى من الشاذ ، قال : «ومن الإبدال الشاذ قوله ، وهو مما أنشده أبو زيد :

يا ربّ إن كنت قبلت حجّتج

وهذا أسهل من الأول ؛ لأنه أورده الشاعر فى الوقف ، إلا أن الياء غير مشددة» انتهى

وقوله «يا رب إن كنت» أنشده الزمخشرى فى المفصل «لا همّ إن كنت» وكذا أنشده ابن مالك فى شرح الشافية ؛ والحجة - بالكسر - : المرة من الحج ، قال الفيومى فى المصباح : «حج حجا من باب قتل : قصد ، فهو حاج ، هذا أصله ، ثم قصر استعماله فى الشرع على قصد الكعبة للحج أو العمرة ، يقال : ما حج ولكن دجّ ، فالحج : القصد للنسك ، والدجّ : القصد للتجارة ، والاسم الحج بالكسر ، والحجة المرة بالكسر ، على غير قياس ، والجمع حجج ، مثل سدرة وسدر ، قال ثعلب : قياسه الفتح ، ولم يسمع من العرب ، وبها سمى الشهر ذو الحجة بالكسر ، وبعضهم يفتح فى الشهر ، وجمعه ذوات الحجة» انتهى

والشاحج - بالشين المعجمة والحاء المهملة قبل الجيم - : البغل والحمار ، من شحج البغل والحمار والغراب - بالفتح - يشحج - بالفتح والكسر - شحيجا وشحاجا ، إذا صوت ، وقال بعض أفاضل العجم فى شرح أبيات المفصل : «قال

صدر الأفاضل : أراد بشاحج حمارا : أى عيرا ، قيل فى نسخة الطباخى بخطه : شبه ناقته أو جمله ، بالعير» انتهى

وروى ابن جنى عن أبى على فى سر الصناعة «شامخ» أيضا بالخاء المعجمة بعد الميم ، وقال : يعنى بعيرا مستكبرا ، انتهى. وهذا لا يناسبه «أقمر نهّات» وقوله «يأتيك» يأتى بيتك بى ، والأقمر : الأبيض ، والنّهّات : النّهّاق ، يقال : نهت الحمار ينهت - بالكسر - أى نهق ، ونهت الأسد أيضا : أى زأر ، والنهيت : دون الزئير ، وينزّى - بالنون والزاى المعجمة - : أى يحرك ، والتنزيه : التحريك ، والوفرة بالفاء : الشعر إلى شحمة الأذن ، قال ابن المستوفى : أى يحرك لسرعة مشيه ، وقال بعض أفاضل العجم فى شرح أبيات المفصل قيل : عبر بالوفرة عن نفسه كما يعبر بالناصية ، تسمية للمحل باسم الخال ، يقول : اللهم إن قبلت حجتى هذه فلا تزال دابتى تأتى بيتك وأنا عليها محرك وفرتى أو جسدى فى سيرها إلى بيتك : أى إن علمت أن حجتى هذه مقبولة فأنا أبدا أزور بيتك


وأنشد بعده ، وهو الشاهد السابع بعد المائة [من الرجز] :

107 - الله نجّاك بكفّى مسلمت

من بعد ما وبعد ما وبعد مت

صارت نفوس القوم عند الغلصمت

وكادت الحرّة أن تدعى أمت

على أن هاء التأنيت فى نحو مسلمت والغلصمت وأمت بعض العرب يقف عليها بالتاء كما هنا ، وأبو الخطاب من مشايخ سيبويه ، وهذا الكلام نقله عنه سيبويه فى كتابه بدون هذا الشعر ، وهذا نصه (1): «أما كل اسم منوّن فإنه


1) انظر كتاب سيبويه (2 : 281) تعلم أنه لم ينقل العبارة بحروفها ، ولكنه تصرف فيها

يلحقه فى حال النصب فى الوقف الألف ؛ كراهية أن يكون التنوين بمنزلة النون اللازمة للحرف ، ومثل هذا فى الاختلاف الحرف الذى فيه تاء التأنيث ؛ فعلامة التأنيث - إذا وصلته - التاء ، وإذا وقفت ألحقت الهاء ، أرادوا أن يفرقوا بين هذه التاء والتاء التى هى من نفس الحرف نحو تاء القتّ (1)وما هو بمنزلة ما هو من نفس الحرف نحو تاء سنبتة (2)وتاء عفريت ؛ لأنهم أرادوا أن يلحقوها ببناء قحطبة وقنديل ، وكذلك التاء فى بنت وأخت ؛ لأن الاسمين ألحقا بالتاء ببناء عمر وعدل ، وفرقوا بينها وبين منطلقات لأنها كأنها منفصلة من الأول ، وتاء الجميع أقرب إلى التاء التى بمنزلة ما هو من نفس الحرف من تاء طلحة ؛ لأن تاء طلحة كأنها منفصلة ، وزعم أبو الخطاب أن ناسا من العرب يقولون فى الوقف : طلحت ، كما قالوا فى تاء الجميع قولا واحدا فى الوقف والوصل» انتهى كلام سيبويه

وقال ابن جنى فى سر الصناعة : «فأما قولهم قائمة وقاعدة فإنما الهاء فى الوقف بدل من التاء فى الوصل ، والتاء هى الأصل ؛ فإن قيل : وما الدليل على أن التاء هى الأصل وأن الهاء بدل منها؟ فالجواب أن الوصل ما يجرى فيه الأشياء على أصولها ، والوقف من مواضع التغيير ، ألا ترى أن من قال فى الوقف : هذا بكر ، ومررت ببكر ، فنقل الضمة والكسرة إلى الكاف فى الوقف ، فإنه إذا وصل أجرى الأمر على حقيقته ، وكذلك من قال فى الوقف هذا خالدّ ، وهو يجعلّ ، فإنه إذا وصل خفف الدال واللام ، على أن من العرب من


1) القت : اسم للكذب ، ومنه الحديث «لا يدخل الجنة قتات» هو النمام أو المتسمع أحاديث الناس

2) هذا التمثيل فى نص كلام سيبويه ، وقد اعترضه أبو سعيد السيرافى بأن هذا المثال مما يوقف عليه بالهاء لا التاء فكان ينبغى أن يمثل بسنبت ونحوه مما يوقف عليه بالتاء

يجرى الوقف مجرى الوصل ، فيقول فى الوقف : هذا طلحت ، وعليه‌السلام والرحمت ، وأنشدنا أبو على [من الرجز] :

بل جوز تيهاء كظهر الحجفت

وأخبرنا بعض أصحابنا يرفعه بإسناده إلى قطرب أنه أنشد [من الرجز] :

الله نجّاك بكفّى مسلمت

من بعدما وبعدما وبعدمت

صارت نفوس القوم عند الغلصمت

وكادت الحرّة أن تدعى أمت

فلما كان الوصل مما يجرى فيه الأشياء على أصولها فى غالب الأمر ، وكان الوقف مما يغير فيه الأشياء عن أصولها ، ورأينا علم التأنيث فى الوصل تاء نحو قائمتان وقائمتكم ، وفى الوقف هاء نحو ضاربه ؛ علمنا أن الهاء فى الوقف بدل من التاء فى الوصل ، وأما قوله «وبعد مت» فأصله «وبعدما» فأبدل من الألف فى التغيير هاء ، فصارت «وبعدمه» كما أبدلها الآخر من الألف فقال فيما أخبرنا به بعض أصحابنا يرفعه بإسناده إلى قطرب [من الرجز المجزوء] :

قد وردت من أمكنه

من هاهنا ومن هنه

يريد «ومن هنا» فأبدل من الألف فى الوقف هاء ، فصار التقدير على هذا «من بعد ما وبعد ما وبعدمه» ثم أبدل الهاء تاء ليوافق بقية القوافى التى تليها ، ولا تختلف ، وشجعه على ذلك شبه الهاء المقدرة بهاء التأنيث فى طلحة وحمزة ، ولما كان يراهم يقولون فى بعض المواضع فى الوقف : هذا طلحت ، قال هو أيضا : «وبعد مت» فأبدل الهاء المبدلة من الألف تاء تشبيها لفظيّا ، وأما ما قرأته على محمد بن الحسن من قول الآخر [من المتقارب] :

إذا اعتزلت من مقام القرين

فياحسن شملتها شملتا

فقال فيه : إنه شبه هاء التأنيث فى «شملة» بالتاء الأصلية فى نحو بيت وصوت ؛ فألحقها فى الوقف عليها ألفا ، كما تقول : رأيت بيتا ؛ فشملتا على هذا

منصوب على التمييز ، كما تقول : يا حسن وجهها وجها : أى من وجه» انتهى كلام ابن جنى باختصار.

فقول الشارح المحقق «والظاهر أن هؤلاء لا يقولون فى النصب رأيت أمتا» يريد أنهم لا يقولون فى الاختيار ، وأما فى الصرورة فقد قيل ، كما نقله ابن جنى فى «شملتا».

وروى ابن عصفور الشعر فى كتاب الضرائر بالهاء على الأصل ، قال : «ومنه إبدال ألف «ما» و «هاهنا» هاء فى الوقف عند الاضطرار إلى ذلك نحو قوله :

الله نجّاك بكفّى مسلمه

من بعدما وبعدما وبعدمه

يريد «وبعدما» وقوله :

قد وردت من أمكنه

من ههنا وههنه

يريد «وهاهنا» وسهل ذلك كون الألف والهاء من مخرج واحد» انتهى.

وهذا الشعر لم أقف على قائله.

وقوله «الله نجاك - الخ» الله : مبتدأ ، وجملة «نجاك» خبره ، ونجاه من الهلاك تنجية : أى خلّصه ، ويقال : أنجاه ، أيضا ، وبه رواه ابن هشام فى شرح الألفية ، و «بكفّى» الباء متعلقة بنجاك ، وكفى : مثنى كف ، قال الأزهرى : الكف الراحة مع الأصابع ، سميت بذلك لأنها تكف الأذى عن البدن ، وأراد بالكف اليد ، من إطلاق الجزء على الكل ، واليد : من المنكب إلى أطراف الأصابع ، والمراد من اليد هنا الدفع ، يقال : مالى بهذا الأمر يد ، ولا يدان ؛ لأن المباشرة والدفاع إنما تكون باليد ، فكأن يديه معدومتان لعجزه عن الدفع ، وإنما ثنى لأن كمال الدفع بهما ، قال ابن الأثير فى النهاية : «فى الحديث «عليكم بالجماعة فإن يد الله عليها» كناية عن الحفظ والدفاع عن أهل الضر ، كأنهم خصوا بواقية الله وحسن دفاعه ، ومنه الحديث الآخر «يد الله على الجماعة» أى أن الجماعة المتفقة من أهل الإسلام فى كنف الله ووقايته»

ومسلمة - بفتح الميم واللام - الظاهر أنه مسلمة بن عبد الملك بن مروان ، وقوله «من بعدما» الأصل من بعدما صارت نفوس القوم ، فكرر «من بعدما» ثلاث مرات للتهويل ، وأبدل ألف ما الثالثة هاء فتاء للقافية ، وقوله «صارت نفوس القوم» متصل فى التقرير ببعدما الأولى ، ويقدر للثانية والثالثة مثلها ، أو لا يقدر ؛ لأنهما كررا لمجرد التهويل ، و «ما» قيل : هى كافة لبعد عن الإضافة ومهيئتها للدخول على الجملة الفعلية ، وقيل : مصدرية ، وهو الأولى ؛ لأن فيه إبقاء «بعد» على أصلها من الإضافة ، ولأنها لو لم تكن مضافة لنونت ، كذا قال ابن هشام فى المغنى ، والنفوس : جمع نفس ، وهى الروح ، يقال : جاد بنفسه ، وخرجت نفسه ، وهى مؤنثة ، قال تعالى : (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ) وإن أريد بها الشخص فمذكرة ، كذا فى المصباح ، والغلصمة - بالفتح : رأس الحلقوم ، وهو الموضع النّاتىء فى الحلق ، والجمع غلاصم ، كذا فيه أيضا ، و «كادت» معطوف على صارت ، والحرة : خلاف الأمة ، والحر : خلاف العبد ، وأصل الحر الخالص من الاختلاط بشىء غيره ، فالحر والحرة مأخوذان منه ؛ لأنهما خلصا من الرق ، يقول : كاد الأعداء يسبون فتصير الحرة أمة ، و «تدعى» بالبناء للمفعول : أى تسمى ، وجاءت أن فى خبر كاد على أحد الجائزين


وأنشد الجاربردى هنا ، وهو الشاهد الثامن بعد المائة [من الرجز]

108 - لو كنت أدرى فعلىّ بدنه

من كثرة التّخليط أنّى من أنه

على أنه يوقف على «أنا» بالهاء قليلا ، كما فى البيت

قال ابن جنى فى سر الصناعة : «فأما قولهم فى الوقف على «أن فعلت» : أنا ، وأنه ؛ فالوجه أن تكون الهاء فى «أنه» بدلا من الألف فى «أنا» لأن الأكثر فى الاستعمال إنما هو أنا بالألف ، والهاء قليلة جدا ، فهى بدل من الألف ، ويجوز

أن تكون الهاء أيضا فى «أنه» ألحقت لبيان الحركة كما ألحقت الألف ، ولا تكون بدلا منها ، بل قائمة بنفسها» انتهى

والبدنة : ناقة أو بقرة أو بعير ، ولا تقع على الشاة ، وقال بعض الأئمة : البدنة هى الإبل خاصة ، وإنما ألحقت البقرة بالإبل بالسّنّة ، وقوله «من كثرة» متعلق بالفعل المنفى ضمنا : أى ما أدرى من كثرة التخليط ، والتخليط فى الأمر : الإفساد فيه ، و «أنّى» بفتح الهمزة ، ومن : مبتدأ ، وأنه : خبره ، وقيل بالعكس ، والجملة فى محل رفع خبر أنّى ، وجملة «أنّى من أنه» فى محل نصب سادة مسد مفعولى أدرى ، وروى صدره انشارح المحقق رحمه‌الله فى شرح الكافية «إن كنت أدرى» بإن الشرطية

وهذا البيت لم أقف على أثر منه


وأنشد هنا ، وهو الشاهد التاسع بعد المائة [من الوافر] :

109 - أنا سيف العشيرة فاعرفونى

حميدا قد تذرّيت السّناما

على أن إثبات ألف «أنا» فى الوصل لضرورة الشعر ، كما فى البيت ، والقياس حذفها فيه

وتقدم ما يتعلق به فى الشاهد الثامن والسبعين بعد الثلاثمائة من شرح شواهد شرح الكافية

و «حميدا» روى مصغرا ومكبرا ، وهو بدل من الياء فى «فاعرفونى» لبيان الاسم ، أو هو منصوب على المدح بتقدير أعنى ، و «تذرّيت السنام» بمعنى علوته ، وهو من الذروة بالكسر والضم ، وهو أعلى السنام ، وحقيقته علوت ذروة السنام ،

وقائله حميد بن بحدل الكلبى ، وتقدمت ترجمته هناك


وأنشد بعده ، وهو الشاهد العاشر بعد المائة [من الرمل]

110 - يا أبا الأسود لم خلّيتنى

لهموم طارقات وذكر

على أنه سكن الميم من «لم» إجراء للوصل مجرى الوقف

وتقدم أيضا ما يتعلق به فى الشاهد السادس عشر بعد الخمسمائة من شرح شواهد شرح الكافية

و «لم» معناه لأجل أى شىء ، وخلّيتنى : تركتنى ، وروى «أسلمتنى» وروى أيضا «خذّلتنى» ؛ والطّروق : المجىء ليلا ، وإنما جعل الهموم طارقات لأن أكثر ما يعترى الإنسان فى الليل حيث يجمع فكره ويخلو باله فيتذكر ما فيه من الهموم المؤلمة ، و «ذكر» بكسر ففتح جمع ذكر على غير قياس


وأنشد بعده ، وهو الشاهد الحادى عشر بعد المائة [من الوافر] :

111 - على ما قام يشتمنى لئيم

كخنزير تمرّغ فى دمان

على أن بعض العرب لا يحذف ألف «ما» الاستفهامية المجرورة

وتقدم أيضا ما يتعلق به فى الشاهد السادس والثلاثين بعد الأربعمائة من شرح شواهد شرح الكافية

وصواب العجز :

• كخنزير تمرّغ فى رماد* (1)

لأن القافية دالية ، وهو من أبيات لحسّان بن ثابت شرحناها هناك


وأنشد بعده ، وهو الشاهد الثانى عشر بعد المائة [من الرجز] :

112 - قالت سليمى اشتر لنا سويقا


1) هذا هو الموجود فى نسخ الشارح التى بأيدينا

على أن الشاعر سكن الراء ، وهى عين الفعل ، وكان حقها الكسر. كأنه توهم أنها لام الفعل فسكن للأمر (1)

(ق 2 - 15)

وأبو الخطاب : من مشايخ سيبويه ، وما نقله عنه الشارح هو فى كتاب سيبويه ، وليس فيه هذا الشعر ، وهذا نصه : «وزعم أبو الخطاب أن ناسا من العرب يقولون : ادعه ، من دعوت ، فيكسرون العين ، كأنها لما كانت فى موضع الجزم توهموا أنها ساكنة ؛ إذ كانت آخر شىء فى الكلمة فى موضع الجزم ، فيكسرون حيث كانت الدال ساكنة ؛ لأنه لا يلتقى ساكنان ، كما قالوا : ردّيا فتى ، وهذه لغة رديئة ، وإنما هو غلط ؛ كما قال زهير [من الطويل] :

بدالى أنّى لست مدرك ما مضى

ولا سابق شيئا إذا كان جائيا»

انتهى.

وأورده ابن عصفور فى الضرائر الشعرية ، قال : «فإن كانت الضمة والكسرة اللتان فى آخر الكلمة علامتى بناء اتفق النحويون على جواز حذفهما فى الشعر تخفيفا ، نحو قول أبى نخيلة [من الرجز] :

إذا اعوججن قلت صاحب قوّم

بالدّوّ أمثال السّفين العوّم

وقال العذافر الكندى [من الرجز]

قالت سليمى اشتر لنا دقيقا

وهات خبز البرّ أو سويقا

وقال الآخر [من الرجز]

فاحذر ولا تكتر كريّا أهوجا

علجا إذا ساق بنا عفنججا

وقال الآخر [من الوافر] :

ومن يتّق فإنّ الله معه

ورزق الله مؤتاب وغادى

ألا ترى أن الأصل : صاحب قوّم ، واشتر ، ولا تكتر كريّا ، ومن يتّق


1) فى نسخة «فسكن اللام» وما هنا أدق

فإن الله معه ، إلا أنه أسكن إجراء للمتصل مجرى المنفصل أو إجراء للوصل مجرى الوقف ، كما تقدم فى تسكين المرفوع والمخفوض؟ فأما قراءة من قرأ (وَيَخْشَ اللهَ وَيَتَّقْهِ) فسكن القاف يريد ويتقه بكسرها ، فإن التسكين فيها أحسن من التسكين فى اشتر لنا وأمثاله ؛ لشدة اتصال الضمير بما قبله» انتهى

وقال شارح شواهد أبى على الفارسى : «لما كانت الياء فى هذا الفعل حرف علة ، وكانت تحذف فى حالتى الجزم والأمر وتبقى الكسرة فى الراء قبلها دالة عليها ؛ اغتفر هذا الشاعر كونها منتهى الكلمة فحذفها للأمر ، شبّه الوصل بالوقف ، أو شبّه المتصل بالمنفصل ، وهذا أشبه «أشرب (1)

فاليوم أشرب غير مستحقب

إثما من الله ولا واغل

» ؛ لأنه لم يخل بإعراب ؛ لأن اتصال اللام بمتعلقها أشد من اتصال غيره ، أو حذف الياء تخفيفا كما حذفها من لا أدر ولا أبال ، ثم أدخل الجازم ، ولم يعتد بما حذفه فأسكن للجزم كما أسكن لم أبله قبل أن يحرك لالتقاء الساكنين» انتهى كلامه

والبيت الأول من الأربعة من شواهد سيبويه قال الأعلم : «الشاهد تسكين باء صاحب ضرورة ، وهو يريد يا صاحب - بالضم - وهذا من أقبح الضرورة ، والدوّ : الصحراء ، وأراد بأمثال السفين : رواحل محملة تقطع الصحراء كقطع السفن البحر» انتهى.

والبيت الشاهد من رجز أورده أبو زيد فى نوادره لرجل من كندة يقال له العذافر ؛ وهو :

قالت سليمى اشتر لنا سويقا

وهات برّ البخس أو دقيقا

واعجل بلحم نتّخذ خرديقا

واشتر وعجّل خادما لبيقا

واصبغ ثيابى صبغا تحقيقا

من جيّد العصفر لا تشريقا


1) يشير إلى قول امرىء القيسى

الخرديق : المرقة باللحم ، وتشريقا : مشرق قليل الصبغ ، واصبغ واصبغ : لغتان» انتهى.

وزاد بعدها أبو محمد الأعرابى ضالّة الأديب سبعة أبيات ، وهى :

يا سلم لو كنت لذا مطيقا

لما جعلت عيشكم ترميقا

فارضي بضيح الرّائب الممذوقا

وارضى بحبّ الحنظل المدقوقا

فبرّقت وصفّقت تصفيقا

ثمّ غدت تلتحم الطّريقا

نحو الأمير تبتغى لتّطليقا

وقال : هذه الأبيات لسكين بن نضرة عبد لبجيلة ، وكان تزوج بصرية فكلفته عيش العراق

والسويق : ما يجعل من الحنطة والشعير ، معروف ، والبر - بالضم - الحنطة والقمح ؛ والبخس - بفتح الموحدة وسكون الخاء المعجمة وآخره سين مهملة - : أرض تنبت من غير سقى ، ورواه أبو محمد الأعرابى كذا :

وهات خبز البرّ أو دقيقا

والخرديق - بضم الخاء المعجمة وسكون الراء المهملة - قال أبو الحسن فيما كتبه على نوادر أبى زيد : الخرديق بالفارسية : المرقة مرقة الشحم بالتابل ، واللّبيق : الحاذق ، واللباقة : الحذاقة ، واصبغ - بفتح الباء وضمها - من بابى نفع وقتل وفى لغة من باب ضرب ، والصّبغ - بفتحتين - لغة فى سكون الباء ، وقوله «يا سلم» هو مرخم سلمى ، وكنت - بضم التاء - والترميق : ضيق المعيشة ، وفلان مرمّق العيش : أى ضيقه ، ويروى : ترنيقا - بالنون موضع

الميم - وهو التكدير ، قال ابن الأعرابى : رنّق الماء ترنيقا : أى كدره ، والضّيح - بإعجام الأول وإهمال الآخر - وهو اللبن الرقيق من كثرة الماء ، والمذق. الخلط ، وارضى : أمر بالرضا فى الموضعين ، وبرقت : أى عينها ، وتلتحم الطريق : أى تسده بكثرة الناس عليها من صياحها وشرها


وأنشد بعده ، وهو الشاهد الثالث عشر بعد المائة [من الوافر] :

113 - ومن يتّق فإنّ الله معه

ورزق الله مؤتاب وغادى

لما تقدم قبله من تسكين الآخر ، والقياس كسر القاف ، وقد أورده الجوهرى فى موضعين من صحاحه : فى مادة (أوب) قال : آب رجع ، وأتاب مثل آب فعل وافتعل بمعنى ، وأنشد البيت ، وأورده ثانيا فى مادة الوقاية فأصل مؤتاب بهمز الواو ؛ لأن الهمزة فاء الكلمة ، والألف مبدلة من واو هى عين الكلمة.

ولم أقف على تتمته ، ولا على قائله ، ولم يكتب ابن برى ولا الصفدى عليه شيئا فى الموضعين.


وأنشد الجاربردى ، وهو الشاهد الرابع عشر بعد المائة [من الرجز] :

114 - يا ربّ يا ربّاه إيّاك أسل

عفراء يا ربّاه من قبل الأجل

فإنّ عفراء من لدّنيا الأمل

على أن إلحاق هاء السكت فى الوصل لضرورة الشعر ، وحرّكها بالكسر ، وروى ضمها أيضا.

وقد تكلمنا عليه فى الشاهد الثانى والثلاثين بعد الخمسمائة من شرح شواهد شرح الكافية.


وأنشد بعده ، وهو الشاهد الخامس عشر ، وهو من شواهد سيبويه : [من الكامل]

115 - ولأنت تفرى ما خلقت وبعض القوم يخلق ثمّ لا يفر

على أن أصله يفرى ؛ فحذفت الياء ، وسكنت الراء ، للوقف على القافية ، ولا يبالون بتغير وزن الشعر وانكساره.

قال سيبويه : (1)«واعلم أن الياءات والواوات اللاتى هن لا مات إذا كان ما قبلها حرف الروى فعل بها ما فعل بالياء والواو اللتين ألحقتا للمد فى القوافى ؛ لأنها تكون فى المدة بمنزلة الملحقة ؛ ويكون ما قبلها رويّا ، كما كان ما قبل تلك رويّا ، فلما ساوتها فى هذه المنزلة ألحقت بها فى المنزلة الأخرى ، وذلك قولهم لزهير :

وبعض القوم يخلق ثمّ لا يفر

وكذلك «يغزو» لو كانت فى قافية كنت حاذفها إن شئت ، وهذه اللامات لا تحذف فى الكلام ، وما حذف منهن فى الكلام فهو هاهنا أجدر أن يحذف ؛ إذ كنت تحذف هنا ما لا يحذف فى الكلام» انتهى كلامه.

قال الأعلم (2): «الشاهد فيه حذف الياء فى الوقف من قوله يفرى فيمن سكن الراء ، ولم يطلق القافية للترنم ، وإثبات الياء أكثر وأقيس ؛ لأنه فعل لا يدخله التنوين ويعاقب ياءه فى الوصل ؛ فيحذف لذلك فى الوقف كقاض وغاز وما أشبههما» انتهى.

وقال شارح شواهد أبى على الفارسى : «جاء شاهدا على أن مثل هذه الياء فى الفواصل والقوافى حذف : حذف الياء لثقلها ، ثم أسكن الراء للوقف ، كما يفعل ذلك فى الفواصل من كتاب الله ، ولا يفعلون ذلك فى الألف لخفتها إلا فى ضرورة الشعر ، كما قال [من الرمل] :


1) انظر كتاب سيبويه (2 : 289)

2) انظر كتاب سيبويه (2 : 289)

رهط مرجوم ورهط ابن المعلّ

أراد المعلّى ، فحذف ، وشبه الألف بالياء ضرورة» انتهى كلامه.

والبيت من قصيدة لزهير بن أبى سلمى مدح بها هرم بن سنان المرى ، وقد شرحنا ثلاثة أبيات من أولها فى الشاهد السابع والستين بعد الأربعمائة من شرح شواهد شرح الكافية.

وقوله «ولأنت تفرى الخ» هذا مثل ضربه لممدوحه ، وهو هرم بن سنان المرى ، والمراد العزم ، و «تفرى» بالفاء تقطع ، يقال : فريت الأديم ، إذا قطعته على وجه الاصلاح ، وأفريته - بزيادة ألف - إذا قطعته على وجه الإفساد ، والخلق : أحد معانيه التقدير ، وهو المراد هنا ، يقال : خلقت الأديم ، إذا قدرته لتقطعه ، فضربه هنا مثلا لتقدير الأمر وتدبيره ثم إمضائه وتنفيذ العزم فيه ، والمعنى أنك إذا تهيأت لأمر مضيت له وأنفذته ولم تعجز عنه ، وبعض القوم يقدر الأمر ويتهيأ له ثم لا يعزم عليه ولا يمضيه عجزا وضعف همة :


وأنشد بعده

رهط مرجوم ورهط بن المعلّ

على أن أصله ابن المعلّى فحذفت الألف ، لضرورة الشعر ، وهو عجز وصدره :

وقبيل من لكيز شاهد

وتقدم شرحه فى الشاهد الثالث بعد المائة من هذا الكتاب.


وأنشد بعده ، وهو الشاهد السادس عشر بعد المائة [من الكامل] :

116 - ولأنت أشجع من أسامة إذ

دعيت نزال ولجّ فى الذّعر

على أنه حذف الياء من «لا يفر» فى البيت السابق تبعا لحذف الياء من «الذّعر» فى هذا البيت ، والياء فى «الذعر» إذا أطلقت القافية ولم تسكن تنشأ من كسرة الراء ، فهى زائدة حصلت من الإشباع ، بخلاف «يفرى» فإنها لام الكلمة.

وهذا البيت قبل البيت السابق فى القصيدة ، وليس البيت فى شعر زهير كما أنشده ، فإن المصراع الأول أجنبى ، وإنما قوله :

ولنعم حشو الدّرع أنت إذا

دعيت نزال ولجّ فى الذّعر

وذاك المصراع إنما هو للمسيّب بن علس ، وهو قوله من قصيدة [من الكامل] :

ولأنت أشجع من أسامة إذ

يقع الصّراخ ولجّ فى الذّعر

فالبيت مركب من شعرين ، تبع فيه صاحب الصحاح ، وقد حققنا الكلام فيه وفى القصيدتين فى الشاهد السابع والستين بعد الأربعمائة.

وأسامة - بضم الهمزة - معرفة علم للأسد ، و «دعيت» بالبناء للمفعول ، و «نزال» فى محل رفع نائب الفاعل ، ونزال بالكسر : اسم فعل أمر بمعنى انزل ، وقد استدل الشارح المحقق وغيره بهذا البيت على أن فعال الأمرىّ مؤنث ، ولهذا أنث لها الفعل المسند إليها ، ومعنى دعاء الأبطال بعضهم بعضا بنزال أن الحرب إذا اشتدت بهم وتزاحموا فلم يمكنهم التطاعن بالرماح تداعوا بالنزول عن الخيل والتضارب بالسيوف ، ومعنى «لجّ فى الذعر» بالبناء للمفعول : تتابع الناس فى الفزع ، وهو من اللّجاج فى الشىء ، وهو النمادى فيه.


وأنشد بعده ، وهو الشاهد السابع عشر بعد المائة [من الطويل] :

117 - وقد كنت من سلمى سنين ثمانيا

على صير أمر ما يمرّ وما يحل

على أنه حذف الواو من «يحل» للوقف ، وهى لام الكلمة ، كما حذفت واو الإشباع من «الثقل» فى البيت الذى هو بعده.

وهو مطلع قصيدة لزهير بن أبى سلمى مدح بها سنان بن أبى حارثة المرى.

وصحا : أفاق : أى رجع عقله إليه ، وأقفر : صار قفرا لا أنيس به ، والتعانيق : موضع ، وكذا الثقل - بكسر المثلثة وسكون القاف - موضع ، يقول : أفاق قلبى من حبّ سلمى لبعدها منه ، وقد كان لا يفيق من شدة التباس حبها به ، وقوله : و «قد كنت من سلمى - إلخ» الصّير - بكسر الصاد المهملة - : الإشراف على الشىء والقرب منه ، يقال : أنا من حاجتى على صير : أى على طرف منها ، وإشراف من قضائها ، وفى الصحاح : «وأمرّ الشىء : صار مرا ، وكذلك مرّ الشىء يمرّ بالفتح مرارة ، وأمرّه غيره ومرّه» انتهى.

وأنشد العسكرى هذا البيت فى كتاب التصحيف ، وقال : «على صير أمر» على منتهاه ، ويقال : صيره وصيرورته ، قال أبو عمرو : أى على شرف أمر ، والياء من يمرّ مضمومة ؛ لأن اللغة العليا أمر الشىء يمر إمرارا ، وهو مذهب البصريين وابن الأعرابى ، وأهل بغداد يقولون : مرّ الشىء ، قالوا : من العرب من يقول : مرّ الشىء يمرّ مرارة ، انتهى.

و «يحلو» مضارع حلا الشىء : أى صار حلوا ، وأما أحلى فمعناه أن يجعله حلوا ، يقال : فلان لا يحلو ولا يمر : أى لا يأتى بحلو ولا مر ، وقوله «ما يمر وما يحلو» أى : لم يكن الأمر الذى بينى وبينهما مرا فأيأس منه ، ولا حلوا فأرجوه ، وهذا مثل ، وإنما يريد أنها كانت لا تصرمه فيحمله ذلك على اليأس والسلو ولا

تواصله كل المواصلة فيهون أمرها عليه ويشفى قلبه منها ، يقول : كنت فى هذه السنين بين يأس وطمع ، ولم أيئس منها فيمر عيشى ولم أطمع أن تصلنى فيحلو ،


وأنشد بعده ، وهذا الشاهد الثامن عشر بعد المائة [من الطويل]

118 - صحا القلب عن سلمى وقد كاد لا سل

وأقفر من سلمى التّعانيق فالثّقل

على أنه حذفت واو الإطلاق من «الثقل» فسكن اللام للوقف ، وهذه الواو ناشئة من إشباع ضمة اللام ، وقد تقدم شرحه


وأنشد بعده وهو الشاهد التاسع عشر بعد المائة ، وهو من شواهد سيبويه : [من الرجز]

119 - داينت أروى والدّيون تقضى

فمطلت بعضا وأدّت بعضا

على أن الألف لا يجوز حذفها فى الوقف

قال سيبويه : «وأما يخشى ويرضى ونحوهما فإنه لا يحذف منهن الألف ؛ لأن هذه الألف لما كانت تثبت فى الكلام جعلت بمنزلة ألف النصب التى تكون فى الوقف بدلا من التنوين ، فكما تبيّن تلك الألف فى القوافى فلا تحذف ، كذلك لا تحذف هذه ، فلو كانت تحذف فى الكلام ولا تمد إلا فى القوافى لحذفت ألف يخشى كما حذفت ياء يقضى ، حيث شبهتها بالياء التى فى «الأيّامى» ، فإذا ثبتت التى بمنزلة التنوين فى القوافى لم تكن التى هى لام أسوأ حالا منها ، ألا ترى أنه لا يجوز لك أن تقول [من الطويل] :

... لم يعلم لنا النّاس مصرع

فتحذف الألف؟ ؛ لأن هذا لا يكون فى الكلام ؛ فهو فى القوافى لا يكون ؛

فإنما فعلوا ذلك بيقضى ويغزو لأن بناءهما لا يخرج نظيره إلا فى القوافى ، وإن شئت حذفته فإنما ألحقتا بما لا يخرج فى الكلام ، وألحقت تلك بما يثبت على كل حال ، ألا ترى أنك تقول :

داينت أروى والدّيون تقضي

فمطلت بعضا وأدّت بعضا

فكما لا تحذف ألف بعضا كذلك لا تحذف ألف تقضى» (1)انتهى. وقوله «فى الأيّامى» هو قطعة من بيت لجرير عليه رحمة ربه القدير ، وهو :

[من الكامل]

أيهات منزلنا بنعف سويقة

كانت مباركة من الأيّامى

وقوله : «لم يعلم لنا الناس الخ» فهو أيضا قطعة من بيت ليزيد بن الطثريّة (2)، وهو : [من الطويل]

فبتنا تحيد الوحش عنّا كأنّنا

قتيلان لم يعلم لنا النّاس مصرعا


1) انظر كتاب سيبويه (ح 2 ص 300)

2) فى الأغانى (ح 8 ص 155 طبع دار الكتب): «والطثرية أمه فيما أخبرنى به على بن سليمان الأخفش عن السكرى عن محمد بن حبيب ، امرأة من طثر (بفتح فسكون) وهم حى من اليمن عدادهم فى جرم ، وقال غيره : إن طثرا من عنز ابن وائل إخوة بكر بن وائل ... وزعم بعض البصريين أن الطثرية أم يزيد كانت مولعة باخراج زبد اللبن فسميت الطثرية ، وطثرة اللبن : زبدته» اه وفى القاموس (ط ث ر) «والطثرية محركة : أم يزيد بن الطثرية الشاعر القشيرى» ، ولم يخالفه المرتضى فى شرحه. وفى ابن خلكان (2 : 299) «والطثرية : بفتح الطاء وسكون الثاء وبعدها راء ثم ياء النسب وهاء ، وهى أم يزيد ينسب إليها ، وهى من بنى طثر بن عنز بن وائل ، والطثر : الخصب وكثرة اللبن ، يقال : إن أمه كانت مولعة بأخراج زبد اللبن» اه

و «أروى» بالقصر اسم امرأة.

يقول : أسلفتها محبة وودّا توجب المكافأة عليها فلم تجازنى على فعلى

وهذا مطلع أرجوزة لرؤبة بن العجاج ، إنما هى غزل وافتخار ، قال الأصمعى : هى من رجز رؤبة القديم ، وبعدهما :

وهى ترى ذا حاجة مؤتضّا

ذا معض لو لا تردّ المعضا

فقلت قولا عربيّا غضّا

لو كان خرزا فى الكلاما بضّا (1)

قال الجوهرى : يقال أضّنى إليك كذا وكذا يؤضّنى ويئضّنى : أى ألجأنى واضطرنى ، وائتضّنى إليه ائتضاضا : أى اضطرنى إليه ، قال الراجز :

وهى ترى ذا حاجة مؤتضّا

انتهى.

وقوله «ذا معض الخ» هو بالعين المهملة ، قال الجوهرى : معضت من ذلك الأمر أمعض معضا. وامتعضت منه ، إذا غضبت وشق عليك ، قال الراجز :

ذا معض لو لا تردّ المعضا

انتهى.

يريد أن فعله من باب فرح ، وجاء فى مصدره تسكين العين أيضا ، كما فى البيت ، وترد بالبنا للفاعل ، والغض - بالغين المعجمة - : الطرىّ.

وقوله : «لو كان خرزا فى الكلا» مراده ما بضّ منها بلل : أى لم يسل لإحكامه.

تتمه : لم يذكر الشارح المحقق حكم ألف الإطلاق التى لم يلحقها التنوين ، وحكمها جواز حذفها سواء كانت فى اسم أم فعل ، وقد ذكرها سيبويه ، قال : «إذا أنشدوا ولم يترنموا فعلى ثلاثة أوجه : ثالثها أن يجروا القوافى مجراها لو كانت


1) انظر هذه الأبيات فى ديوان رؤبه (ص 79)

فى الكلام ولم تكن قوافى شعر ، جعلوه كالكلام حيث لم يترنموا وتركوا المدة [لعلمهم أنها فى أصل البناء](1)، سمعناهم يقولون لجرير : [من الوافر]

أقلّى اللّوم عاذل والعتاب

وللأخطل : [من البسيط]

واسأل بمصقلة البكرىّ ما فعل

وكان هذا أخف عليهم ، ويقولون : [من الرجز]

قد رابنى حفص فحرّك حفصا

يثبتون الألف ؛ لأنها كذلك فى الكلام» انتهى.

قال الأعلم : «الشاهد فيه حذف الألف من «ما فعلا» حيث لم يرد الترنم ، وهذا فى المنصوب غير المنون جائز حسن ، مثله فى الكلام ، ولا فرق بينه وبين المخفوض والمرفوع فى الحذف والسكون ، ما لم يريدوا التغنى ، وقوله «قد رابنى حفص الخ» : «الشاهد فيه إثبات الألف فى قوله «حفصا» لأنه منون ولا يحذف فى الكلام إلا على ضعف كالمعلّ» انتهى.


وأنشد بعده ، وهو الشاهد العشرون بعد المائة ، وهو من شواهد سيبويه :

[من البسيط]

120 - لا يبعد الله إخوانا تركتهم

لم أدر بعد غداة العين ما صنع

على أن أصله «صنعوا» فحذفت واو الضمير للوقف ، وإن كان ينكسر الشعر بحذفها ؛ فإنهم لا يبالون للوقف.

قال سيبويه : «وزعم الخليل أن ياء يقضى وواو يغزو إذا كانت واحدة منهما


1) الزيادة من كتاب سيبويه (ح 2 ص 299)

حرف الروى [لم تحذف ؛ لأنها ليست بوصل حينئذ ، وهى حرف روى] كما أن القاف فى :

وقاتم الأعماق خاوى المخترق

[حرف الروى] ؛ وكما لا تحذف هذه القاف لا تحذف واحدة منهما ، وقد دعاهم حذف ياء يقضى إلى أن حذف ناس كثير من قيس وأسد الواو والياء اللتين هما علامة المضمر ، ولم تكثر واحدة منهما فى الحذف ككثرة ياء يقضى ؛ لأنهما تجيئان لمعنى الأسماء ، وليستا حرفين بنيا على ما قبلهما ، فهما بمنزلة الهاء فى قوله :

[من الطويل]

يا عجبا للدّهر شتّى طرائقه

سمعت ممن يروى هذا الشعر من العرب ينشده [من البسيط] :

لا يبعد الله أصحابا تركتهم

لم أدر بعد غداة البين ما صنع

يريد ما صنعوا. وقال [من الكامل]

يا دار عبلة بالجواء تكلّم

يريد تكلمى». مع أبيات أخر

قال الأعلم : «الشاهد فيه حذف واو الجماعة من صنعوا ، كما تحذف الواو الزائدة ، إذا لم يريدوا الترنم ، وهذا قبيح لما تقدم من العلة» (1)انتهى.

والبيت من قصيدة لتميم بن أبىّ بن مقبل ، وقبله :

ناط الفؤاد مناطا لا يلائمه

حيّان داع لإصعاد ومندفع

حىّ محاضرهم شتّى ويجمعهم

دوم الأيادى وفاثور إذا انتجعوا

لا يبعد الله أصحابا تركتهم

... البيت


1) يريد بالذى تقدم أن الواو اسم جاء لمعنى فلا يحسن حذفه كما تحذف حروف الترنم إذا كانت زائدة

ناط الشىء ينوطه نوطا : أى علّقه ، فالفؤاد مفعوله ، وحيّان : فاعله ، والحى : القبيلة ، وداع ومندفع : بدل من حيان ، وأصعد من بلد كذا إلى بلد كذا إصعادا ؛ إذا سافر من بلد سفلى إلى بلد عليا ، وأصعد إصعادا ، إذا ارتقى شرفا ، كذا فى المصباح ، ومندفع : منحدر إلى أسفل ، والمحاضر : الذين يحضرون المياه ، فى الصّحاح «يقال : على الماء حاضر ، وقوم حضّار إذا حضروا المياه ، ومحاضر» ، وشتّى : جمع شتيت بمعنى متفرق ، ودوم الأيادى : موضع ، وهو فاعل يجمعهم ، وفاثور - بالفاء والمثلثة - معطوف على دوم ، قال ياقوت فى معجم البلدان : فاثور : موضع أو واد بنجد ، وأنشد هذا البيت ، وإذا : ظرف ليجمعهم ، وانتجع القوم : إذا ذهبوا لطلب الكلأ فى موضعه

وقوله «لا يبعد الله الخ» لفظه إخبار ومعناه دعاء ، ويجوز أن يقرأ بالجزم على أنه دعاء فى صورة النهى ، و «يبعد» مضارع أبعده بمعنى أهلكه ، ويجوز أن يكون بمعنى بعّده تبعيدا : أى جعله بعيدا ، و «إخوانا» مفعوله ، وتركتهم : فارقتهم ، والبين : الفراق ، وما : استفهامية

وتميم : شاعر إسلامى معاصر للفرزدق وجرير وقد ترجمناه فى الشاهد الثانى والثلاثين من شرح شواهد شرح الكافية


وأنشد بعده ، وهو الشاهد الواحد والعشرون بعد المائة ، وهو من شواهد سيبويه : [من الكامل]

121 - يا دار عبلة بالجواء تكلّم

وعمى صباحا دار عبلة واسلم

على أن أصله تكلمى ، واسلمى ، حذف ضمير المخاطبة منهما - وهو الياء – للوقف والبيت من أوائل معلقة عنترة بن شداد العبسي ، وعبلة - بالعين المهملة

والموحدة - : اسم امرأة ، والجواء - بكسر الجيم والمد - : اسم موضع ، قال يونس : سئل أبو عمرو بن العلاء عن قول عنتره : وعمى صباحا ، فقال : هو من قولهم : يعم المطر ويعم البحر إذا كثر زبده ، وكأنه يدعو لدارها بكثرة الاستسقاء والخير ، وقال الأصمعى : عم وانعم واحد : أى كن ذا نعمة وأهل إلا أن عم أكثر فى كلام العرب ، وأنشد بيت امرئ القيس [من الطويل] :

ألاعم صباحا أيّها الطّلل البالى

وهل يعمن من كان فى العصر الخالى

وقد استقصينا ما قيل فى هذه الكلمة فى الشاهد الثالث من أول شرح شواهد شرح الكافية.

و «دار عبلة» منادى ، وحرف النداء محذوف ، يقول : يا دار حبيبتى بهذا الموضع تكلمى ، وأخبرينى عن أهلك ما فعلوا ، ثم أضرب عن استخبارها إلى تحيتها فقال : طاب عيشك فى صباحك ، وسلمت يا دار حبيبتى.

وقد ترجمنا عنترة مع شرح شىء من هذه القصيدة ، وبيان التسمية وعدد المعلقات فى الشاهد الثانى عشر من أوائل شرح شواهد شرح الكافية.


وأنشد بعده ، وهو الشاهد الثانى والعشرون بعد المائة ، وهو من شواهد سيبويه [من الطويل]

122 - خليليّ طيرا بالتّفرّق أوقعا

على أنه لا يجوز حذف الألف من «قعا» للوقف لأنه ضمير مثنى ، قال سيبويه : «وأنشدنا الخليل :

خليلىّ طيرا بالتّفرّق أوقعا

فلم يحذف الألف كما لم يحذفها من تقضى» ، قال الأعلم : «أراد أن الألف من قوله «قعا» لا تحذف كما لا تحذف ألف نقضى ، يقال : وقع الطائر ، إذا نزل بالأرض ، والوقوع : ضد الطيران» انتهى.

وخليلىّ : مثنى خليل مضاف إلى ياء المتكلم ، و «طيرا» فعل أمر من الطيران مسند إلى ضمير الخليلين ، و «قعا» فعل أمر من الوقوع مسند إلى ضميرهما ، ومعموله محذوف ، بدليل ما قبله : أى به

ولم أقف على تتمته ولا على قائله والله تعالى أعلم


وأنشد بعده ، وهو الشاهد الثالث والعشرون بعد المائة [من البسيط] :

123 - تعثّرت به فى الأفواه ألسنها

والبرد فى الطّرق والأقلام فى الكتب

على أنه إذا كان قبل هاء الضمير متحرك فلا بد من الصلة ، إلا أن يضطر شاعر فيحذفها ، كما حذفها المتنبى من قوله «به» ، قال ابن جنى فى سر الصناعة :

«ومن حذف الواو فى نحو : [من الوافر]

له زجل كأنّه صوت حاد

إذا طلب الوسيقة أو زئير

وقول الآخر : [من البسيط]

وأشرب الماء ما بى نحوه عطش

إلّا لأنّ عيونه سيل واديها

لم يقل فى نحو «رأيتها» و «نظرتها» إلا بإثبات الألف ، وذلك لخفة الألف وثقل الواو ، إلا أنا قد روينا عن قطرب بيتا حذفت فيه هذه الألف تشبيها بالواو والياء لما بينهما وبينها من الشبه ، وهو قوله : [من البسيط]

أعلقت بالذّيب حبلا ثمّ قلت له

الحق بأهلك واسلم أيّها الذّيب

أما تقود به شاة فتأكلها

أو أن تبيعه فى بعض الأراكيب

يريد تبيعها ، فحذفت الألف ، وهذا شاذ» انتهى. وقافية البيت الثانى مقواة.

والبيت من قصيدة للمتنبى نظمها فى الكوفة بعد رجوعه إليها من مصررثى بها خولة أخت سيف الدولة بن حمدان البكرى ، وتوفيت بميّا فارقين ، من ديار بكر ، لثلاث بقين من جمادى الآخرة من سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة وورد خبر موتها العراق ، فرثاها بهذه القصيدة فى شعبان وأرسلها إليه ، وقبله :

طوى الجزيرة حتّى جاءنى خبر

فزعت فيه بآمالى إلى الكذب

حتّى إذا لم يدع لي صدقه أملا

شرقت بالدّمع حتّى كاد يشرق بى

تعثّرت به فى الأفواه ألسنها

... البيت

طىّ البلاد : قطعها بالسير ، والجزيرة : بلد يتصل بأرض الموصل ، والفزع إلى الشىء : الاعتصام به والالتجاء إليه ، والشّرق : الغصص ؛ وتعثر الألسن : توقفها عن الإبانة ، مستعار من عثار الرّجل ، والبرد - بالضم - رجال يحملون الرسائل على دواب تتخذ لهم ، الواحد منها بريد ، يقول : طوى أرض الجزيرة خبر هذه المتوفاة مسرعا غير متوقف حتى طرقنى بغتة ، وورد علىّ فجأة ، ففزعت بآمالى فيه إلى تكذيب صدقه ومخادعة نفسى فى أمره ، ثم قال : حتى إذا لم يدع لى صدقه أملا أتعلل بانتظاره ورجاء أخدع نفسى بارتقابه أعلنت بالحزن ، واستشفيت بالدمع فأذريت منه ما أشرقنى تتابعه ، وأدهشنى ترادفه ، حتى كدت أولمه كتألمى به وأشرقه كشرقى به ، ثم قال : تعثرت الألسن بذلك الخبر فى الأفواه فلم تظهره لشنعته ، ولم تفصح به لجلالته ، وكذلك تعثرت به البرد فى الطرق استعظاما لحمله ، والأقلام فى الكتب استكراها لذكره

وقد أوردنا ما يتعلق به بأبسط من هذا فى الشاهد السادس والثمانين بعد الأربعمائة من شرح شواهد شرح الكافية


(ق 2 - 16)

وأنشد بعده : [من الرمل]

رهط مرجوم ورهط ابن المعلّ

وتقدم شرحه فى الشاهد الثالث بعد المائة


وأنشد بعده ، وهو الشاهد الرابع والعشرون بعد المائة ، وهو من شواهد سيبويه : [من الطويل]

124 - قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل

على أن حرف الإطلاق لا يلحق الكلمة فى الوقف إلا فى الشعر إذا أريد التغنى والترنم ، كما ألحقت الياء لام منزل ، ولو لا الشعر لكانت اللام ساكنة ،

قال سيبويه فى باب وجوه القوافى فى الإنشاد : «أما إذا ترنموا فإنهم يلحقون الألف والياء والواو ما ينون وما لا ينون ؛ لأنهم أرادوا مدّ الصوت ، وذلك قولهم لامرىء القيس :

قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل

وقال فى النصب ليزيد بن الطثرية : [من الطويل]

فبتنا تحيد الوحش عنّا كأنّنا

قتيلان لم يعلم لنا النّاس مصرعا

وقال فى الرفع للأعشى : [من الطويل]

هريرة ودّعها وإن لام لائم

هذا ما ينون فيه ، وما لا ينون فيه قولهم لجرير : [من الوافر]

أقلّى الّلوم عاذل والعتابا

وقال فى الرفع لجرير أيضا : [من الوافر]

سقيت الغيث أيّتها الخيام

وقال فى الجر لجرير أيضا : [من الكامل]

كانت مباركة من الأيّام

وإنما ألحقوا هذه المدة فى حروف الروى لأن الشعر وضع للغناء والترنم ، فألحقوا كل حرف الذى حركته منه ، فإذا أنشدوا ولم يترنموا فعلى ثلاثة أوجه : أمّا أهل الحجاز فيدعون هذه القوافى : ما نون منها ، وما لم ينون ، على حالها فى الترنم ، ليفرقوا بينه وبين الكلام الذى لم يوضع للغناء ، وأما ناس كثير من بنى تميم فإنهم يبدلون مكان المدة النون فيما ينوّن وفيما لم ينون لما لم يريدوا الترنم أبدلوا مكان المدة نونا ، ولفظوا بتمام البناء وما هو منه ، كما فعل أهل الحجاز ذلك بحروف المد ، سمعناهم يقولون للعجاج : [من الرجز]

يا أبتا علّك أو عساكن

و يا صاح ما هاج الدّموع الذّرّفن

وقال العجاج :

من طلل كالأتحمىّ أنهجن

وكذلك الجر والرفع ، والمكسور والمفتوح والمضموم فى جميع هذا كالمجرور والمنصوب والمرفوع ، وأما الثالث فأن يجروا القوافى مجراها لو كانت فى الكلام ولم تكن قوافى شعر ، جعلوه كالكلام حيث لم يترنموا وتركوا المدة [لعلمهم أنها فى أصل البناء](1)، سمعناهم يقولون لجرير : [من الوافر]

أقلّى اللّوم عاذل والعتاب

وللأخطل : [من البسيط]

واسأل بمصقلة البكرىّ ما فعل

وكان هذا أخفّ عليهم. ويقولون : [من الرجز]

قد رابنى حفص فحرّك حفصا


1) هذه الزيادة عن سيبويه (2 : 299)

يثبتون الألف لأنها كذلك فى الكلام» انتهى كلام سيبويه ، ونقلناه برمته ؛ لأن الشارح المحقق لم يورد مسائله بتمامها

والمصراع صدر ، وعجزه

بسقط اللّوى بين الدّخول فحومل

والبيت مطلع معلقة امرىء القيس ، وقد شرحناه شرحا وافيا فى الشاهد السابع والثمانين بعد الثمانمائة من شواهد شرح الكافية


وأنشد بعده ، وهو الشاهد الخامس والعشرون بعد المائة : [من الخفيف]

125 - آذنتنا ببينها أسماءو

على أن واو الإطلاق لحقت الهمزة من «أسماء» فى الوقف لإرادة الترنم ، ولو كان فى نثر لسكنت الهمزة ولما جاز إلحاق الواو لها

والمصراع صدر ، وعجزه :

ربّ ثاو يملّ منه الثّواء

والبيت مطلع معلقة الحارث بن حلّزة اليشكرى ، وبعده :

آذنتنا ببينها ثمّ ولّت

ليت شعرى متى يكون اللّقاء

و «آذنتنا» أعلمتنا ، قال تعالى : (فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ) قال ابن السكيت : يقال : آذن يؤذن إيذانا ، وأذّن يؤذّن تأذينا ، والاسم الأذان ، بمعنى الإعلام ، والبين : الفراق ، مصدر بان يبين بينا وبينونة ، وأسماء : اسم امرأة ، لا ينصرف للعلمية والتأنيث ، وأصله وسماء ، أبدلت الواو همزة ، ووزنه فعلاء ، من الوسم والوسامة : أى الحسن والجمال ، ولم يصب النحاس فى شرح المعلقة فى زعمه أنه قبل العلمية جمع اسم (1)قال : ولو سميت به رجلا


1) عدم تصويب أبى جعفر النحاس فى ذلك غير سديد ؛ فان هذا مذهب

لكان الأكثر فيه الصرف ؛ لأنه جمع اسم ، وقد قال : إنه لا ينصرف إذا سميت به رجلا لأن الأصل أن يكون اسما لمؤنث فقد صار بمنزلة زينب» انتهى

وقوله «رب ثاو - الخ» أرسله مثلا ، والتقدير رب شخص ثاو ، وجواب ربّ العامل فى محل مجرورها هو يمل بالبناء للمفعول ، بمعنى يسأم ، يقال : مللته أملّه ورجل ملول وملولة ، والهاء للمبالغة ، والثاوى : المقيم ، يقال : ثوى يثوى ثواء وثواية ، إذا أقام ، يقول : أعلمتنا أسماء بمفارقتها إيانا : أى بعزمها على فراقنا ، ورب مقيم تمل إقامته ، ولم تكن أسماء ممن يملّ وإن طال إقامتها.

وتقدم ترجمته مع شرح أبيات من هذه المعلقة وذكر سببها فى الشاهد الثامن والأربعين من شرح شواهد شرح الكافية


وأنشد بعده ، وهو الشاهد السادس والعشرون بعد المائة [من الطويل]

126 - ومستلئم كشّفت بالرّمح ذيله

أقمت بعضب ذى شقاشق ميله

لما تقدم قبله

والواو واو رب ، والمستلئم : اسم فاعل من استلأم الرجل : أى لبس اللّأمة ، واللأمة بالهمز : الدرع ، وكشفت - بالتشديد - للمبالغة ، وذيله :

مفعوله ، يعنى طعنته بالرمح فسقط عن فرسه وانكشف ذيله ، وأقمت : بمعنى عدّلت تعديلا ، والعضب - بفتح العين المهملة وسكون الضاد المعجمة - : السيف القاطع ، وهنا مستعار للّسان (1)، شبه به للتأثير والإيلام ، والشقاشق : جمع شقشقة


1) دعاه إلى ذلك التصحيف ، والرواية «بعضب دى سفاسق» والسفاسق : جمع سفسقة ، وهى فرند السيف ، وانظر اللسان.

بكسر الشين ، وهى شىء كالرئة يخرجها البعير من فيه إذا هاج ، ويشبه الفصيح المنطيق بالفحل الهادر ، ولسانه بشقشقته ، وميله : اعوجاجه ، وهو مفعول أقمت


وأنشد بعده ، وهو الشاهد السابع والعشرون بعد المائة ، وهو من شواهد سيبويه [من الرجز] :

127 - ببازل وجناء أو عيهلّ

على أنهم جوزوا فى الشعر تحريك اللام المضعف لأجل حرف الإطلاق مع أن حقه السكون فى غير الشعر كما جوزوا فيه أن يحركوا لأجل المجىء بحرف الإطلاق ما حقه السكون فى غيره

قال سيبويه : «وأما التضعيف فقولك : هذا خالدّ ، وهو يجعلّ ، [وهذا فرجّ](1)حدثنا بذلك الخليل عن العرب ، ومن ثمّ قالت العرب [فى الشعر](2)فى القوافى سبسبّا تريد السّبسب ، وعيهلّ تريد العيهل ؛ لأن التضعيف لما كان فى كلامهم فى الوقف أتبعوه الياء فى الوصل والواو على ذلك. كما يلحقون الواو والياء فى القوافى فيما لا تدخله واو ولا ياء فى الكلام ، وأجروا الألف مجراهما ؛ لأنها شريكتهما فى القوافى ، ويمد بها فى غير موضع التنوين ، [ويلحقونها فى غير التنوين](3)؛ فألحقوها بهما فيما ينون فى الكلام ، وجعلت سبسب كأنه مما لا تلحقه الألف فى النصب ، إذا وقفت ، قال رجل من بنى أسد [من الرجز]

ببازل وجناء أو عيهلّ

وقال رؤبة : [من الرجز]

لقد خشيت أن أرى جدبّا

فى عامنا ذا بعد ما أخصبّا

أراد جدبا ؛ وقال رؤبة : [من الرجز]


1) هذه الزيادة عن كتاب سيبويه (2 : 282)

2) هذه الزيادة عن كتاب سيبويه (2 : 282)

3) هذه الزيادة عن كتاب سيبويه (2 : 282)

بدء يحبّ الخلق الأضخمّا

فعلوا هذا إذ كان من كلامهم أن يضعفوا» انتهى كلامه

وقوله «ومن ثمة قالت العرب فى الشعر سبسبّا تريد السبب ، وعيهلّ تريد العيهل» صريح فى أنه ضرورة ، وكذا صرح الأعلم بقوله : «الشاهد فيه تشديد عيهلّ فى الوصل ضرورة ، وأراد جدبا فشدد الباء ضرورة ، وحرك الدال بحركة الباء قبل التشديد لالتقاء الساكنين ، وكذلك شدد أخصبّا للضرورة» انتهى.

فقول الشارح المحقق «وليس فى كلام سيبويه ما يدل على كون مثله شاذا أو ضرورة» مخالف لنصه

وقد أورده ابن السراج فى باب الضرائر الشعرية من كتابه الأصول ، قال : «الثانى إجراؤهم الوصل كالوقف ؛ من ذلك قولهم فى الشعر للضرورة فى [نصب](1)سبسب وكلكل رأيت سبسبّا وكلكلأ ، ولا يجوز مثل هذا فى الكلام ، إلا أن تخفف ، وإنما جاز هذا فى الضرورة لأنك كنت تقول فى الوقف فى الرفع والجر : هذا سبسبّ ، ومررت بسبسبّ ، فتثقل على أنه متحرك الآخر فى الوصل ؛ لأنك إذا ثقلت لم يجز أن يكون الحرف الآخر إلا متحركا ؛ لأنه لا يلتقى ساكنان ، فلما اضطر إليه فى النصب أجراه على حاله فى الوقف ، وكذلك فعل به فى القوافى المرفوعة والمجرورة فى الوصل ، ثم أنشد أبيات سيبويه ، وقال : فهذا أجراه فى الوصل على حده فى الوقف» انتهى.

وكذلك عده ابن عصفور ضرورة فى كتاب الضرائر ، وقد نقلنا مثله من المسائل العسكرية لأبى على فى الشاهد الثانى والأربعين بعد الأربعمائة من شواهد شرح الكافية


1) سقطت هذه الكلمة من بعض النسخ

وقال ابن جنى فى شرح تصريف المازنى : «التثقيل إنما يكون فى الوقف ، ليعلم باجتماع الساكنين فى الوقف أنه متحرك فى الوصل ، حرصا على البيان ؛ لأنه معلوم أنه لا يجتمع فى الوصل ساكنان ، وعلى هذا قالوا : خالدّ وهو يجعلّ ، فإذا وصلوه قالوا : خالد أنّى ، وهو يجعل لك ، فكان سبيله إذا أطلق فى الأضخم بالنصب أن يزيل التثقيل ، إلا أنه أجراه فى الوصل مجراه فى الوقف للضرورة ، ومثله : [من الرجز]

ببازل وجناء أو عيهلّ

يريد العيهل ، وهذا أكثر من أن أضبطه لك لسعته وكثرته».

وقال فى المحتسب أيضا : «وقد كان ينبغى - إذ كان إنما شدد عوضا من الإطلاق - أنه إذا أطلق عاد إلى التخفيف إلا أن العرب قد تجرى الوصل مجرى الوقف تارة ، وتارة الوقف مجرى الوصل» انتهى.

والبيت من أرجوزة طويلة لمنظور بن مرثد الأسدى ، وقيل : لمنظور بن حبّة (1)الأسدى ، أولها :

ليت شبابى [كان](2)للأوّلّ

وغضّ عيش قد خلا أرغلّ

شدد لام أوّل ، وأرغل كذلك ، وهو بالغين المعجمة ، قال صاحب العباب «وعيش أرغل وأغرل : أى واسع»

من لى من هجران ليلى من لى

والحبل من حبالها لمنحلّ


1) منظور بن حبة هو بعينه منظور بن مرثد ، قال المجد : «ومنظور بن حبة راجز ، وحبة أمه ، وأبوه مرثد» اه

2) هذه زيادة يقتضيها الوزن ، وقد بحثنا عن هذا البيت فى كثير من المظان لنثبت لفظ الشاعر نفسه فلم نجده ؛ فأثبتنا ما يقتضيه المقام

قال أبو على فى المسائل العسكرية : «المنحل لا يخلو من أن يكون محمولا على الحبل أو الحبال ، وكلا الأمرين قبيح»

تعرّضت لى بمكان حلّ

تعرّض المهرة فى الطّولّ

*تعرّضا لم تعد عن تلا لى (1)

جارية ليست من الوخشنّ

كأنّ مجرى دمعها المستنّ

قطنّة من أجود القطنّ

أحبّ منك موضع القرطنّ

وصار الاعراب فيه - فتح اللام الأولى كما تفتح فى قولك مررت بتمر وبتمرة وبرجل وبرجلين» اه

*

قال أبو على : قال «أبو الحسن (2)

جارية ليست من الوخشنّ

كأنّ مجرى دمعها المستنّ

قطنّة من أجود القطنّ

أحبّ منك موضع القرطنّ

وصار الاعراب فيه - فتح اللام الأولى كما تفتح فى قولك مررت بتمر وبتمرة وبرجل وبرجلين» اه

: يكون «عن قتلا لى» على الحكاية ، ويكون يريد أن ؛ فأبدل منها العين فى لغة من يقولون فى أنّ : عنّ ، وتسمى عنعنة تميم» انتهى.

والطّول بكسر الطاء وتخفيف اللام ، وشددت لما ذكرنا ، وهو الحبل الذى يطول للدابة فترعى فيه ، ورواه صاحب العباب :

تعرّضا لم تأل عن قتل لى

أى : لم تقصر عن قتل ، وهذا ظاهر لا يحتاج إلى تأويل :

ترى مراد نسعه المدخلّ

بين رجى الحيزوم والمرحلّ

مثل الزّحاليف بنعف لتّلّ

وقال ابن جنى فى سر الصناعة : «يريد المدخل والمرحل فشدد» ؛ إلى أن قال :

إن تبخلى يا جمل أو تعتلّى

أو تصبحى فى الظّاعن المولّى


1) هذان وجهان ذكرهما ابن المكرم عن ابن برى ، وذكر وجها ثالثا عن سيبويه عن الخليل ، قال : أراد عن قتلى ، فلما أدخل عليه لاما مشددة كما أدخل نونا مشددة فى قول دهلب بن قريع

2) هذان وجهان ذكرهما ابن المكرم عن ابن برى ، وذكر وجها ثالثا عن سيبويه عن الخليل ، قال : أراد عن قتلى ، فلما أدخل عليه لاما مشددة كما أدخل نونا مشددة فى قول دهلب بن قريع

نسلّ وجد الهائم المغتلّ

ببازل وجناء أو عيهلّ

كأنّ مهواها على الكلكلّ

وموقعا من ثفنات زلّ

موقع كفّى راهب يصلّى

فى غبش الصّبح وفى التّجلّى

جمل : اسم امرأة - بضم الجيم - وتعتلى : من الاعتلال وهو التمارض والتمسك بحجة ، ونسلّ : من التسلية ، وهى تطييب النفس ، وهو جواب الشرط ، والمغتل - بالغين المعجمة - : الذى قد اغتل جوفه من الشوق والحب والحزن ، كغلة العطش ، و «ببازل» متعلق بنسل ، والبازل : الداخل فى السنة التاسعة من الإبل ذكرا كان أم أنثى ، والوجناء : الناقة الشديدة ، والعيهلّ : الناقة الطويلة ، ومهواها : مصدر ميمى بمعنى السقوط ، والكلكل : الصدر ، قال أبو على : «استعمال العيهل والكلكل بتخفيف اللام ، قدر الوقف عليه فضاعف إرادة للبيان ، وهذا ينبغى أن يكون فى الوقف دون الوصل ؛ لأن ما يتصل به فى الوصل يبين الحرف وحركته ، ويضطر الشاعر فيجرى الوصل بهذه الإطلاقات فى القوافى مجرى الوقف ، وقد جاء ذلك فى النصب أيضا ، قال : [من الرجز]

مثل الحريق وافق القصبّا

وهذا لا ينبغى أن يكون فى السعة» انتهى

والثفنة - بفتح المثلثة وكسر الفاء بعدها نون - وهو ما يقع على الأرض من أعضاء الإبل إذا استناخ وغلظ كالركبتين ، وزلّ - بضم الزاى - : جمع أزلّ ، وهو الخفيف ، شبّه الأعضاء الخشنة من الناقة بكثرة الاستناخة بكفى راهب قد خشنتا من كثرة اعتماده عليهما فى السجود ، والغبش - بفتحتين - : بقية الليل ، وأراد بالتجلى النهار ، قال السخاوى فى سفر السعادة : «وهذا الشعر لمنظور بن مرثد الأسدى ، وقد روى لغيره ، ويزاد فيه :

إن صحّ عن داعى الهوى المضلّ

ضحوة ناسى الشّوق مستبلّ

أو تعدنى عن حاجها حاج لى

نسلّ وجد الهائم المغتلّ»

انتهى.

ومستبل : من أبلّ من مرضه ، إذا صح وتوجه إلى العافية ، وتعدنى : تتجاوزنى ، وحاج : جمع حاجة

وقد تكلمنا على هذه الأبيات فى شواهد شرح الكافية بأبسط من هذا.


وأنشد بعده ، وهو الشاهد الثامن والعشرون بعد المائة : [من الوافر]

128 - ولا تبقى خمورا لأندرينا

على أن [حق](1)نون الأندرين فى الكلام السكون عند الوقف

وهذا عجز وصدره :

ألا هبّى بصحنك فاصبحينا

وهو مطلع معلقة عمرو بن كلثوم التغلبى

و «ألا» حرف يفتتح به الكلام ومعناه التنبيه ، وهبّى : فعل أمر مسند إلى ضمير المخاطبة ، ومعناه قومى من نومك ، يقال : هب من نومه يهب - بالضم - هبا ، إذا انتبه وقام من موضعه ، والصّحن : الكبير الواسع ، واصبحينا : اسقينا الصّبوح ، وهو الشرب بالغداة ، وهو خلاف الغبوق ، يقال : صبحه صبحا - من باب نفع - واصطبح : أى شرب الصبوح ، والعرب تسمى شرب الغداة صبوحا - بفتح الصاد - وشرب نصف النهار قيلا - بفتح القاف - وشرب العشاء غبوقا - بفتح الغين - وشرب الليل فحمة -


1) كان الأصل «على أن نون الأندرين فى الكلام على السكون ... الخ» وهو غير ظاهر المعنى فأثبتنا ما ترى ليستقيم الكلام

بفتح الفاء وسكون المهملة - وشرب السحر جاشريّة - بالجيم والشين المعجمة - وقد نظمها محمد التوّجىّ (1)فقال : [من الطويل]

صبوح وقيل والغبوق وفحمة

لدى العرب العرباء يا صاح تعتبر

لشرب غداة والظّهيرة والعشا

وليل ، وشرب الجاشريّة بالسّحر

وقوله «ولا تبقى الخ» أبقيت الشىء وبقّيته بمعنى : أى لا تبقيها لغيرنا وتسقيها سوانا ، والمعنى ولا تدخرى خمر هذه القرية. والأندرين : قرية بالشام ، وهى معدن الخمر ، وقيل : إنما هى أندر ، وجمعها بما حولها ، وقيل : إنها أندرون ، وفيها لغتان : منهم من يرفعه بالواو ويجره وينصبه بالياء ، ويفتح النون فى كل ذلك ، ولهذا قال «خمور الأندرينا» ومنهم من يجعل الإعراب على النون ويجعل ما قبلها ياء فى كل حال ، وإنما فتح (2)هنا فى موضع الجر لأنه لا ينصرف للعلمية والتأنيث ، أو للعلمية والعجمة

وقال أبو إسحق : «ويجوز أن تأتى بالواو ، ويحتمل الإعراب على النون ، ويكون مثل زيتون ، وخبرنا بهذا أبو العباس المبرد ، ولا أعلم أحدا سبقه إليه» وقال أبو عبيد فى معجم ما استعجم : «الأندرين : قرية بالشام ، وقال الطوسى : قرية من قرى الجزيرة ، وأنشد هذا البيت» وقال ياقوت فى معجم البلدان : «الأندرين : اسم قرية فى جنوبى حلب ، بينهما مسيرة يوم للراكب ، فى طرف البرية ليس بعدها عمارة ، وهى الآن خراب ليس إلا بقية جدر ، وإياها عنى عمرو بن كلثوم بقوله :

ولا تبقى خمور الأندرينا

وهذا ما لا شك فيه ، سألت عنه ذوى المعرفة من أهل حلب فكل وافق


1) نسبة إلى توج ، وهى مدينة بفارس قريبة من كازرون ، فتحت فى أيام عمر ابن الخطاب ، وأمير المسلمين فى الموقعة مجاشع بن مسعود

2) غير مستقيم لوجود ال ، بل هو على اللغة الأولى لا غير.

عليه ، وقد تكلف جماعة اللغويين لمّا لم يعرفوا حقيقة اسم هذه القرية ، وألجأتهم الحيرة إلى أن شرحوا هذه اللفظة من هذا البيت بضروب الشروح ؛ فقال صاحب الصحاح : الأندر : اسم قرية بالشام ، إذا نسبت إليها تقول : هؤلاء الأندريون ، وذكر البيت ، ثم قال : لما نسب الخمر إلى هذه القرية اجتمعت ثلاث ياءات فخففها للضرورة كما قال الآخر : [من الوافر]

وما علمى بسحر البابلينا

وقال صاحب كتاب العين : الأندرىّ ، ويجمع الأندرين [يقال : هم الفتيان يجتمعون من مواضع شتى ، وأنشد البيت ، وقال الأزهرى : الأندر قرية بالشأم فيها كروم ، وجمعها الأندرين](1)فكأنه على هذا المعنى أراد خمور الأندريين فخفف ياء النسبة ، كما قال الأشعرين فى الأشعريين ، وهذا حسن منهم ، صحيح القياس ؛ ما لم يعرف حقيقة اسم هذا الموضع ، فأما إذا عرفت فلا افتقار بنا إلى هذا التكلف» انتهى باختصار

وتقدم ذكر هذه المعلقة مع ترجمة ناظمها فى الشاهد الثامن والثمانين بعد المائة من شواهد شرح الكافية


وأنشد بعده وهو الشاهد التاسع والعشرون بعد المائة : [من الكامل]

129 - لعب الرّياح بها وغيّرها

بعدى سوافى المور والقطر

على أن تحريك الراء بالكسر لأجل حرف الإطلاق وهو الياء (2)، وليس بشاذ اتفاقا ، مع أن حقه السكون فى غير الشعر


1) الزيادة من ياقوت

2) هذا الذى أثبتناه هو الموافق لروى القصيدة التى منها هذا البيت ، ووقع فى الأصول «على أن تحريك الراء بالضم لأجل حرف الاطلاق وهو الواو» وهو خطأ ظاهر

والبيت من قصيدة لزهير بن أبى سلمى ، وقبله وهو مطلع القصيدة

لمن الدّيار بقنّة الحجر

أقوين من حجج ومن شهر

وهذا الاستفهام تعجب من شدة خرابها حتى كأنها لا تعرف ولا يعرف سكانها ، وقنة الشىء - بضم القاف وتشديد النون - : أعلاه ، وحجر - بفتح الحاء المهملة وسكون الجيم - : قصبة اليمامة ، وأل فيه زائدة لضرورة الشعر ، وقيل : العلم إنما هو الحجر بأل ، وأقوين : أقفرن ، يقال : أقوت الدار إذا خلت من سكانها ، والحجج - بكسر الحاء المهملة وفتح الجيم الأولى - : جمع حجّة - بالكسر أيضا - وهى السنة ، وأراد بالشهر الشهور فوضع الواحد موضع الجمع اكتفاء به ، والسوافى : جمع سافية اسم فاعل من سفت الريح التراب سفيا ، إذا ذرته ، والمور - بضم الميم - : الغبار بالريح ، والقطر : المطر

قال أبو عبيد : «ليس للقطر سواف ، ولكنه أشركه فى الجر»

أقول : ليس هذا من الجر على الجوار ؛ لأنه لا يكون فى النسق ، ووجهه أن الرياح السوافى تذرى التراب من الأرض وتنزل المطر من السحاب

وقد شرحنا هذين البيتين شرحا وافيا فى الشاهد الرابع والسبعين بعد السبعمائة من شواهد شرح الكافية


وأنشد بعده ، وهو الشاهد الثلاثون بعد المائة ، وهو من شواهد سيبويه :

[من الرجز]

130 - لقد خشيت أن أرى جدبّا

فى عامنا ذا بعد ما أخصبّا

إنّ الدّبا فوق المتون دبّا

وهبّت الرّيح بمور هبّا

تترك ما أبقى الدّبا سبسبّا

كأنّه السّيل إذا اسلحبّا

أو الحريق وافق القصبّا

والتّبن والحلفاء فالتهبّا

على أن تحريك المضعف للوقف كثير ، وليس ضرورة عند سيبويه

تقدم قبله أن هذا النقل خلاف نصه ، وهو فى هذا تابع لقول المفصل : «وقد يجرى الوصل مجرى الوقف ؛ منه قوله :

مثل الحريق وافق القصبّا

ولا يختص بحال الضرورة ، يقولون : ثلثهربعة ، وفى التنزيل (لكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي) انتهى

وقد رد عليه الأندلسى فى شرحه قال : «جمع فى هذا الفصل بين ما لا يجوز إلا فى الضرورة وبين ما يجوز فى غيرها ؛ فقوله «ولا يختص هذا بحال الضرورة» ينبغى أن يكون فى آخر الفصل حتى يرجع إلى ثلثهربعة ، و (لكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي) أو يعنى به أن التشديد فى الوقف لا يختص بالضرورة ، فأما أن يعنى به أن تحريك المشدد لأجل الوقف يجوز فى غير الضرورة فمما لا يعرف ، فإنه من المشهور أن من جملة المعدود فى الضرورات تشديد المخفف ، وأصله الوقف ، ثم للشاعر أن يجرى الوصل محرى الوقف ، بل غير سيبويه لا يجيز التشديد فى المنصوب إلا فى الشعر ، فكيف لا يختص هذا بالضرورة» انتهى.

ونقله ابن المستوفى وسلمه ، قال : «إنما أراد الزمخشرى بقوله «ولا يختص بالضرورة» ما ذكره من قوله «وقد يجرى الوصل مجرى الوقف» ولم يرد أن تحريك المشدد لأجل الوقف جائز ، ولهذا علله بثلثهربعة ، و (لكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي) ،) فلا شبهة فى أن هذين الموضعين أجرى فيهما الوصل مجرى الوقف ، وهما من كلام فصحاء العرب والوارد فى الكتاب العزيز ، وأما إسناده البيت ليريك صورة إجراء الوصل مجرى الوقف لا أنه ممن يخفى عليه ذلك» انتهى.

وبالغ ابن يعيش فى شرحه فعمم ، قال : «قد يجرى الوصل مجرى الوقف ، وبابه الشعر ، ولا يكون فى حال الاختيار ، من ذلك قولهم : السبسبّا والكلكلّ ،

وربما جاء ذلك فى غير الشعر تشبيها بالشعر ، ومن ذلك ما حكاه سيبويه من قولهم فى العدد : ثلثهربعة ، ومنه (لكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي) فى قراءة ابن عامر بإثبات الألف» هذا كلامه

وهو غير جيد ، والأولى التفصيل ، وحرره ابن عصفور بقوله فى كتاب الضرائر : «ومنها تضعيف الآخر فى الوصل إجراء له مجرى الوقف ، نحو قول ربيعة بن صبيح [من الرجز] :

تترك ما أبقى الدّبا سبسبّا الأبيات

فشدد آخر سبسبّا والقصبّا والتهبّا فى الوصل ضرورة ، وكأنه شدّد وهو ينوى الوقف على الباء نفسها ، ثم وصل القافية بالألف فاجتمع له ساكنان فحرك الباء وأبقى التضعيف ؛ لأنه لم يعتدّ بالحركة لكونها عارضة ، بل أجرى الوصل مجرى الوقف ، ومثل ذلك قول الآخر :

ببازل وجناء أو عيهلّ

كأنّ مهواها على الكلكلّ

يريد أو عيهل وعلى الكلكل ، فشدد» انتهى.

وقال شارح شواهد أبى على الفارسى : «جلبه شاهدا على أن الشاعر لم يحدث فيه أكثر من القطع لألف الوصل» (1)

وهذه الأبيات الثمانية نسبها الشارح المحقق تبعا لابن السيرافى وغيره إلى رؤبة ، وقد فتشت ديوانه فلم أجدها فيه (2)

وقال أبو محمد الأعرابى فى فرحة الأديب : «توهم ابن السيرافى أن الأراجيز


1) فى الأصول «على أن الشاعر إذا لم يحدث فيه الخ» وكلمة (إذا) لم يظهر لنا وجه إثباتها فحذفناها ؛ والظاهر أن مراد شارح شواهد أبى على بقطع همزة الوصل كلمة أخصبا ، وكأنه جعلها من باب احمر ونحوه

2) قد فتشنا ديوان أراجيز رؤبة فوجدنا هذه الأحد عشر بيتا مسطورة فى زيادات ديوانه (ص 169) التى عثر عليها ناشره فى كتب غير الديوان منسوبة إليه

كلها لرؤبة ؛ لأجل أن رؤبة كان راجزا ، وهذه عامية ، وليست الأبيات لرؤبة ، بل هى من شوارد الرجز لا يعرف قائلها ، والأبيات التى جاء بها مختل أكثرها ، والصواب :

إنّى لأرجو (1)

لقد خشيت أن أرى جدبّا

وفيه «فى عامنا» وفيه «إن الدبا» وفيه «كأنه الحريق» وفيه «الإرزبّا» وفيه «قد اقرعبّا»

(ق 2 - 17)

أن أرى جدبّا

فى عامكم ذا بعد ما أخصبّا

إذا الدّبا فوق المتون دبّا

وهبّت الرّيح بمور هبّا

تترك ما أبقى الدّبا سبسبّا

أو كالحريق وافق القصبّا

والتّبن والحلفاء فالتهبّا

كأنّه السّيل إذا اسلحبّا

وتمام الأبيات ولا يتم معنى البيت إلا بها :

حتّى ترى البويزل الأزبّا

والسّدس الضّواضى المحبّا

من عدم المرعى قد جلعبّا»

انتهى.

قلت : بقى بيت آخر لم يورده ، وهو :

تبّا لأصحاب الشّوىّ تبّا

ونسبها ابن عصفور وابن يسعون نقلا عن الجرمى والسخاوى إلى ربيعة بن حبيح ، وكذا قال شارح أبى على الفارسى والله أعلم.

وأورد الأبيات ابن هشام اللخمى فى شرح أبيات الجمل كرواية الشارح ، وقال : أخبر أنه إنما خاف الجدب لأجل الجراد الذى هبّ فى متون الأرض ؛ فأكل ما مر عليه ، ثم هبت الريح فاقتلعت ما أبقى الدّبا ولم تترك شيئا من المرعى


1) المحفوظ - وهو الموافق لما رواه الشارح المحقق ولما فى زيادات الديوان -

ولا غيره ، فشبهها بالسيل فى حمله ما يمر عليه ، أو بالنار إذا وافقت القصب والتبن والحلفاء ؛ فإنها تحطم جميعها

وقوله بعد «ما أخصبا» ما : مهيّئة عند المبرد ، ومصدرية عند سيبويه» انتهى.

ورواية أبى محمد الأعرابى دعاء على المخاطبين بخلاف الروايه الأولى فإنها إخبار عما وقع ، وأرى بصرية ، والجدب - بفتح الجيم وسكون الدال - : نقيض الخصب والرخاء ، ومكان جدب أيضا وجديب : بين الجدوبة ، وأرض جدبة ، وأجدب القوم : أصابهم الجدب ، وأجدبت أرض كذا : وجدتها جدبة ، قال السخاوى فى سفر السعادة : «وجدبّا أصله جدبا بإسكان الدال ، وإنما حركها لالتقاء الساكنين حين شدد الباء ، وإنما حركها بالفتح لأنها أقرب الحركات إليه» وقال فى موضع آخر : «وشدد الباء فى الشعر فى الوصل تشبيها بحال الوقف» وقال أبو الفتح : «لا يقال فى هذا إنه وقف ولا وصل» وقوله «أخصبا» هو من الخصب - بالكسر - نقيض الجدب ، وأخصبت ، ومكان مخصب وخصيب وأخصب القوم إذا صاروا إلى الخصب. قال السخاوى و «أما قوله : أخصبا [فإنه] يروى بفتح الهمزة وكسرها ، فالفتح على أنه أخصب يخصب إخصابا ، وشدّد الباء ، كما قال : القصبّا ، ومن رواه بالكسر كان مثل احمرّ ، إلا أنه قطع همزة الوصل» انتهى.

وكل منهما ضرورة إلا أن تشديد الباء أخف من قطع همزة الوصل ؛ فإنه لحن فى غير الشعر ؛ وقول العينى : «جدبّا بتشد الباء هو نقيض الخصب ، وقوله : أخصبا بتشديد الباء ماض من الخصب» لا يعرف منه هل الدال مفتوحة أم لا ولا يعرف هل حركة الهمزة من أخصبا مفتوحة أم مكسورة. وقوله «إن الدبا الخ» يروى بكسر همزة إن وبفتحها ، وعلى رواية «إذا الدبا» إذا شرطية وجوابها

تترك ، والدّبا - بفتح الدال بعدها موحدة - قال صاحب الصحاح : «هو الجراد قبل أن يطير ، الواحدة دباة» والمتون : جمع متن ، وهو المكان الذى فيه صلابة وارتفاع ، ودبّ : تحرّك ، من دب على الأرض يدب دبيبا ، وكل ماش على الأرض دابة ودبيب ، والألف للإطلاق ، وتشديد الباء أصلى لا للوقف ، وفاعل دب ضمير الدبا ، وفيه جناس شبه الاشتقاق ، وقوله «بمور» الباء متعلقة بهبّت ، والمور - بضم الميم - : الغبار ، والسّبسب - كجعفر - : القفر ، والمفازة ، وتشديد الباء للضرورة ، وهو المفعول الثانى لتترك ، و «ما» هو المفعول الأول إن كان ترك بمعنى جعل وصير ، وإن كان بمعنى خلّى المتعدى إلى مفعول واحد وهو «ما» الواقعة على النبات ، فسبسب حال من «ما» وفاعل تترك ضمير الريح ، والمراد كسبسب ، على التشبيه ، وأراد تترك الريح المكان الذى أبقى فيه الدبا شيئا من النبات أجرد لا شىء فيه ؛ لأنها جفّفت النبت وحملته من مكان إلى مكان ، ورواه بعض أفاضل العجم فى شرح أبيات المفصل :

تترك ما انتحى الدّبا سبسبّا

وقال : المراد انتحاه : أى قصده ؛ فحذف الراجع إلى الموصول ، وقوله «كأنه» أى كان الدبا ، واسلحبّ اسلحبابا بالسين والحاء المهملتين : أى امتد امتدادا ، هذا على الرواية المشهورة ، وأما على رواية أبى محمد الأعرابى فهو متأخر عن البيتين بعده ، ويكون ضمير «كأنه» للحريق : أى كأن صوت التهاب النار فى القصب والحلفاء والتبن صوت السيل وجريه ، ويكون على روايته قوله «أو كالحريق» معطوفا على قوله «سبسبّا» ؛ فيكون الجار والمجرور فى محل نصب ، وروى السخاوى الأبيات بالرواية المشهورة ، وقال : «وأنشده أبو على «مثل الحريق» بدل قوله «أو كالحريق» فيكون منصوبا على الحال من الضمير فى اسلحبا : أى اسلحبّ مثل الحريق ، أو على أنه نعت لمصدر محذوف :

أى اسلحبابا مثل اسلحباب الحريق : أى امتد الدبا وانتشر امتداد النار فى القصب والتبن والحلفاء» وقال العينى : قوله «مثل الحريق» هكذا هو فى رواية سيبويه ، وفى رواية أبى على «أو كالحريق».

أقول : ليس هذا البيت من شواهد سيبويه البتة ، وإنما أورد سيبويه البيتين الأولين فقط ، والنقل عن أبى على معكوس ، وتشديد الباء من القصبّا والتهبّا ضرورة ، والتبن بكسر المثناة الفوقية وتسكين الموحدة ، والحلفاء : نبت فى الماء ، قال أبو زيد : واحدتها حلفة ، مثل قصبة وطرفة ، وقال الأصمعى حلفة بكسر اللام ، وقوله «حتى ترى البويزل إلخ» هو مصغر البازل من بزل البعير بزولا من باب قعد ؛ إذا فطر نابه بدخوله فى السنة التاسعة ، فهو بازل ، يستوى فيه المذكر والمؤنث ، والأزبّ - بالزاى المعجمة - : وصف من الزبب ، وهو طول الشعر وكثرته ، وبعير أزبّ ، ولا يكاد يكون الأزب إلّا نفورا ؛ لأنه ينبت على حاجبيه شعيرات ، فاذا ضربته الريح نفر ، وقال السخاوى : الإرزبّ - بكسر الهمزة وسكون الراء المهملة بعدها زاى - قال الإرزب الضخم الشديد ، وقوله «والسّدس الضّواضى الخ» السّدس - بفتحتين - : السن التى قبل البازل يستوى فيه المذكر والمؤنث ؛ لأن الاناث فى الأسنان كلها بالهاء إلا السّدس والسديس والبازل ، قاله صاحب الصحاح ، والضّواضى : بضادين معجمتين الأولى مضمومة ، وهو الجمل الضخم ، كذا فى القاموس ، والمحب - بفتح الحاء - : المحبوب ؛ واجلعبّ : بالجيم ، فى الصحاح : «واجلعبّ الرجل اجلعبابا ، إذا اضطجع وامتد وانتصب ، واجلعبّ فى السير إذا مضى وجدّ» انتهى ، ورواه السخاوى قد اقرعبّا : بالقاف والراء والعين المهملتين ، وقال : «اقرعب : اجتمع وتقبّض من الضر ، أى الهزال» انتهى : وليست هذه المادة فى الصحاح ، والجملة حال من البويزل والسدس ، والألف للتثنية ، وترى بصرية ، الشّوىّ بفتح الشين

المعجمة وكسر الواو ، قال السخاوى : هو الشاء (1)وقال العينى : «تبّا : أى خسرانا وهلاكا لأصحاب الشاء ؛ لأنها أقل احتمالا للشدة» انتهى. وفى الصحاح : والشاة من الغنم : تذكر وتؤنث ، وأصلها شاهة ، وجمعها فى القلة شياه بالهاء ، وفى الكثرة شاء ، وجمع الشاء شوىّ.


وأنشد بعده ، وهو الشاهد الحادى والثلاثون بعد المائة ، وهو من شواهد سيبويه [من الرجز]

131 - عجبت والدّهر كثير عجبه

من عنزىّ سبّنى لم أضربه

على أن ضمة الباء منقولة من الهاء إليها للوقف

قال سيبويه : «هذا باب الساكن الذى تحركه فى الوقف إذا كان بعده هاء المذكر الذى هو علامة الإضمار ليكون أبين لها كما أردت ذلك فى الهمزة ، وذلك قولك ضربته واضربه وقده ومنه وعنه ، سمعنا ذلك من العرب ، ألقوا عليه حركة الهاء حيث حركوا لتبيانها ، قال زياد الأعجم :

عجبت والدّهر كثير عجبه

من عنزىّ سبّنى لم أضربه

وقال أبو النجم : [من الرجز]

فقرّبن هذا وهذا أزحله» اه

قال الأعلم : «الشاهد فيه نقل حركة الهاء إلى الباء فى الأول ، وإلى اللام فى الثانى ليكون أبين لها فى الوقف ؛ لأن مجيئها ساكنة بعد ساكن أخفى لها ، وعنزة :

قبيلة من ربيعة بن نزار ، وهم عنزة بن أسد بن ربيعة ، وزياد الأعجم من عبد القيس ، وسمى الأعجم للكنة كانت فيه ، ومعنى أرحلة أبعده» انتهى


1) فى نسخة الشياه

وهو بالزاى المعجمة والحاء المهملة ، يقال : زحل عن مكانه زحولا : أى تنحى وتباعد وزحّلته تزحيلا : بعّدته ، و «من عنزىّ» متعلق بعجبت ، وما بينهما اعتراض.


وأنشد بعده ، وهو الشاهد الثانى والثلاثون بعد المائة ، وهو من شواهد سيبويه :

[من الرجز]

132 - بالخير خيرات وإن شرّافا

ولا أريد الشّرّ إلّا أن تا

على أنه يجوز أن يوقف على حرف واحد فيوصل بألف كما هنا ، والتقدير وإن شرا فشر ، ولا أريد الشر إلا أن تشاء.

ولم يورد سيبويه هذا البيت فى باب من أبواب الوقف ، وإنما أورده فى باب إرادة اللفظ بالحرف الواحد من أبواب التسمية ، وهذا نصه : (1)«قال الخليل يوما وسأل أصحابه : كيف تقولون إذا أردتم أن تلفظوا بالكاف التى فى لك ، والكاف التى فى مالك ، والباء التى فى ضرب؟ فقيل له : نقول : باء ، كاف ، فقال : إنما جئتم بالاسم ولم تلفظوا بالحرف ، وقال : أقول : كه ، وبه ، فقلنا : لم ألحقت الهاء؟ فقال : رأيتهم قالوا عه فألحقوا هاء [حتى صيروها يستطاع الكلام بها] ؛ لأنه لا يلفظ بحرف ؛ فإن وصلت قلت «ك وب فاعلم يافتى» ، كما تقول «ع يافتى» ، فهذه طريقة كل حرف كان متحركا ، وقد يجوز أن تكون الألف هنا بمنزلة الهاء ؛ لقربها منها وشبهها بها ، فتقول : «با» و «كا» كما تقول : «أنا» وسمعت من العرب من يقول : «ألا تا ، بلى فا» فإنما أرادوا ألا تفعل وبلى فافعل ، ولكنه قطع كما كان قاطعا بالألف فى «أنا» ،


1) انظر (ج 2 ص 61 من كتاب سيبويه)

وشركت الألف الهاء كشركتها فى قوله «أنا» ، بيّنوها بالألف كبيانهم بالهاء فى هية وهنّة وبغلتية ، قال الراجز :

بالخير خيرات وإن شرّا فا

ولا أريد الشّرّ إلّا أن تا

يريد إن شرا فشر ، ولا أريد الشر إلا أن تشاء» انتهى كلامه.

قال الأعلم : «الشاهد فى لفظه بالفاء» من قوله «فشرّ» والتاء من قوله «تشاء» ولما لفظ بهما وفصلهما مما بعدهما ألحقهما الألف للسكت عوضا من الهاء التى يوقف عليها ، كما قالوا «أنا» و «حيّهلا» فى الوقف ، والمعنى أجزيك بالخير خيرات ، وإن كان منك شر كان منى مثله ، ولا أريد الشر إلا ان تشاء ؛ فحذف لعلم السامع» انتهى.

وكذا أورده المبرد فى الكامل قال : «حدثنى أصحابنا عن الأصمعى ، وذكره سيبويه فى كتابه ، ولم يذكر قائله ، ولكن الأصمعى قال : كان أخوان متجاوران لا يكلم واحد منهما صاحبه سائر سنته حتى يأتى وقت الرّعى فيقول أحدهما للآخر «ألاتا» فيقول الآخر «بلى فا» يريد ألا تنهض فيقول الآخر : بلى فانهض ، وحكى سيبويه فى كتابه

بالخير خيرات وإن شرّا فا الخ

يريد إن شرّا فشر ولا أريد الشر إلا أن تريد» انتهى.

وهذا على رواية الألف الواحدة ، وأما الرواية بألف بعد همزة فى البيت فقد قال ابن جنى فى سر الصناعة : «أنشدنا أبو على :

بالخير خيرات وإن شرّا فأا

ولا أريد الشّرّ إلّا أن تأا

والقول فى ذلك أنه يريد «فا» و «تا» ثم زاد على الألف ألفا أخرى توكيدا كما تشبع الفتحة ؛ فتصير ألفا كما تقدم ، فلما التقت ألفان حرّك الأولى فانقلبت همزة ، وقد أنشدنا أيضا «فا» و «تا» بألف واحدة» انتهى.

وفيه أمور : أحدها : ظاهر كلام هؤلاء جوازه ، وبه صرح الشارح المحقق تبعا لجماعة منهم الفراء ، قال فى تفسير سورة (ق) : «ويقال : إن (ق) جبل محيط بالأرض ، فإن يكن كذلك فكأنه فى موضع رفع : أى هو قاف ، والله أعلم ، وكان لرفعه أن يظهر لأنه اسم وليس بهجاء ، فلعل القاف وحدها ذكرت من اسمه كما قال الشاعر : [من السريع]

قلنا لها قفى فقالت فاف

ذكرت القاف وأرادت القاف من الوقف : أى إنى واقفة» انتهى.

ومنهم أبو إسحق الزجاج رحمه‌الله ، قال فى أول سورة البقرة : «وأختار من هذه الأقوال التى حكينا فى (ألم) بعض ما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما ، وهو أن العرب تنطق بالحرف الواحد تدل على الكلمة التى هو منها ، قال الشاعر :

قلت لها قفى فقالت قاف

لا تحسبى أنا نسينا الإيجاف

فنطق بقاف فقط يريد قالت : أقف ، وقال الشاعر أيضا : [من السريع]

نادوهم أن ألجموا ألا تا

قالوا جميعا كلّهم ألافا

تفسيره نادوهم أن ألجموا ، ألا تركبون؟ قالوا جميعا ألا فاركبوا ، فإنما نطق بتا وفا كما نطق الأول بقاف ، وأنشد بعض أهل اللغة للقيم بن أوس :

بالخير خيرات وإن شرّا فا

ولا أريد الشّرّ إلّا أن تا

أنشده جميع البصريين هكذا» انتهى.

وتبعه الامام البيضاوى فقال : «ويجوز أن تكون إشارة إلى كلمات هى منها ، اقتصرت عليها اقتصار الشاعر فى قوله :

قلت لها قفى ، فقالت : قاف

كما روى عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أنه قال : الألف آلاء الله ، واللام لطفه ، والميم ملكه ، وعنه أن «ألر» و «حم» و «ن» مجموعها

الرحمن ، وعنه أن «ألم» معناه أنا الله أعلم ، ونحو ذلك فى سائر الفواتح ، وعنه أن الألف من الله ، واللام من جبريل ، والميم من محمد : أى القرآن منزل من الله عزوجل بلسان جبريل على محمد صلّى الله تعالى عليهما وسلم» انتهى.

ومنهم ابن جنى قاله فى باب (شجاعة العربية) (1)من الخصائص ، وقال أيضا فى المحتسب عند توجيه قراءة (يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ) من سورة يس : «قرأ جماعة (يا حسرة) بالهاء ساكنة ، وفيه نظر ؛ لأن قوله (على العباد) متعلقة بها أو صفة لها ، وكلاهما لا يحسن الوقوف عليها دونه ، ووجهه عندى أن العرب إذا أخبرت عن الشىء غير معتمدته ولا معتزمة عليه أسرعت فيه ، ولم تتأن على اللفظ المعبر به عنه ، وذلك كقوله :

قلنا لها قفى ، فقالت : قاف

معناه وقفت ، فاقتصر من جملة الكلمة على حرف منها تهاونا بالحال وتثاقلا عن الإجابة واعتماد المقال ... إلى آخر ما ذكره».

وذهب جماعة إلى أن هذا ضرورة لا يجوز فى فصيح الكلام ، قال المبرد بعد ما نقلناه عنه : «وهذا ما تستعمله الحكماء ، فانه يقال : إن اللسان إذا كثرت حركته رقت عذبته (2)... إلى آخر ما ذكره»

ومنهم أبو الحسن الأخفش ، قال فيما كتبه على نوادر أبى زيد : «وهذا الحذف كالإيماء والإشارة ، يقع من بعض العرب لفهم بعض عن بعض ما يريد ، وليس هذا هو البيان ؛ لأن البيان ما لم يكن محذوفا وكان مستوفى شائعا ، حدثنا أبو العباس المبرد قال : حدثنا أصحابنا عن الأصمعى قال : كان أخوان من العرب يجتمعان فى موضع لا يكلم أحدهما الآخر إلا فى وقت النّجعة (3)، فإنه يقول


1) كذا ، وانظر الخصائص (1 : 299)

2) عذبة اللسان طرفه الدقيق ، يريد درب على الكلام ومرن عليه

3) النجعة - بالضم - : طلب الكلأ من مواضعه ، ويتجوز به فى غير ذلك

لأخيه «ألاتا» فيقول الآخر «بلى فا» يريد ألا ترحل وألا تنتجع؟ فيقول الآخر : بلى فارحل ، بلى فانتجع ، وأما ما رواه أبو زيد إلا أن تأا فإن هذا من أقبح الضرورات ، وذلك أنه لما اضطر حرك ألف الإطلاق ، فخرجت عن حروف المد واللين فصارت همزة» انتهى.

ومنهم المرزبانى ، قال فى كتاب الموشح : «زعم أبو عبيدة أن حكيم بن معية التميمى قال : [من الرجز]

قد وعدتنى أمّ عمرو أن تا

تدهن رأسى (1)وتفلّينى وا

وتمسح القنفاء حتى نتا (2)

وقال آخر :

بالخير خيرات وإن شرّا فا إلخ

يريد فشر ، أو يريد إلا أن تريد ، قال : فسألت عن ذلك الأصمعى ، فقال :

هذا ليس بصحيح فى كلامهم ، وإنما يتكلمون به أحيانا ، قال : وكان رجلان من العرب أخوان ربما مكثا عامة يومهما لا يتكلمان ، قال : ثم يقول أحدهما «ألاتا» يريد ألا تفعل ، فيقول صاحبه «بلى فا» يريد فافعل ، وليس هذا بكلام مستعمل فى كلامهم» انتهى.

ومنهم ابن عصفور ، قال فى كتاب الضرائر : «ومنه قول الآخر :

نادوهم أن ألجموا ألاتا

قالوا جميعا كلّهم ألافا

يريد قالوا : ألا تركبون ، ألا فاركبوا ، فحذف الجملة التى هى اركبوا ،


1) فى اللسان «تمسح رأسى»

2) القنفاء : فيشلة الذكر ، وقوله «تنتا» ليس بعض كلمة كسابقه ولكن (تنتأ) فخفف الهمزة بقلبها ألفا ، وقد ضبطت فى موشح المرزبانى بكسر التاء الأولى وهو خطا ، ومعنى «تنتأ» ترتفع وتنتفخ

واكتفى بحرف العطف وهو الفاء ، ولو لا الضرورة لم يجز ذلك ، وكذلك أيضا اكتفاؤه بالتاء من «تركبون» ، وحذف سائر الجملة إنما ساغ للضرورة ، ومثل ذلك قول الآخر :

بالخير خيرات وإن شرّا فأا

ولا أريد الشّرّ إلّا أن تأا

أراد فأصابك الشر ؛ فاكتفى بالفاء والهمزة وحذف ما بعدهما وأطلق الهمزة بالألف ، وأراد بقوله «إلا أن تأا» إلا أن تأبى الخير ؛ فاكتفى بالتاء والهمزة وحذف ما بعدهما وحرك الهمزة بالفتح وأطلقها بالألف ، ونحو من ذلك قول الآخر :

قلت لها قفى فقالت قاف

يريد قد وقفت ، فاكتفت بالقاف ، ومثل ذلك أيضا - إلا أن الدليل على المحذوف متأخر عنه - قوله :

قد وعدتنى أمّ عمرو أن تا

تدهن رأسى وتفلّينى وا

وتمسح القنفاء حتّى نتا

ألا ترى أنه حذف ما بعد التاء والواو من غير أن يتقدم له دليل على ذلك المحذوف ، ثم أعادها مع ما كان قد حذفه ليبين المعنى الذى أراده قبل» انتهى.

والرجز الذى أنشده ابن عصفور مختصر ، رواه بتمامه أبو على بن المستنير المعروف بقطرب فى كتاب الرد على أهل الإلحاد فى آى القرآن ، قال : «قال غيلان :

نادوهم أن ألجموا ألاتا

ثمّ تنادوا بعد تلك الضّوضا

منهم بهاب وهل بابا

وأنشد قطرب قبله : [من الرجز]

ما للظّليم عال (1)كيف لايا

ينقدّ عنه جلده إذا يا


1) فى الأصول «عال» - بالعين المهملة - والمعنى يحتمل أن يكون من قولهم : عال عولا ؛ بمعنى زاد ، والمراد أنه زاد فى جريه ، فكأنه قال متعجبا : أى شىء ثبت للظليم وقد جرى حتى لا ينشق عنه جلده إذا يجرى جريا يثير التراب فوقه إثارة؟ و «يجرى» فى كلامنا هو الذى اقتطع منه «يا» فى قوله «إذا يا»

أهبى (1)التّراب فوقه إهبايا

قال يا ثم ابتدأ كلامه» انتهى.

الأمر الثانى (2)أن الرجز الذى أنشده الشارح وسيبويه إنما هو «فأا» و «تأا» بهمزة بعدها ألف ، كما أنشده أبو زيد فى نوادره ، قال فيها : «قال لقيم ابن أوس من بنى أبى ربيعة بن مالك :

إن شئت أشرفنا كلانا فدعا

الله جهدا (3)

فى النوادر «المليك»

ربّه فأسمعا

بالخير خيرات وإن شرّا فأا

ولا أريد الشّر إلّا أن تأا

أجاب بها امرأته إذ تقول له :

قطّعك الله الكريم (4)قطعا

فوق الثّمام قصدا مرصّعا (5)

تالله ما عدّيت إلّا ربعا

جمّعت فيه مهر بنتى أجمعا

وقوله «إن شرا فأا» أراد فالشر ، فأقام الألف مقام انقافية ، وقوله «إلا أن تأا» إلا أن تشائى ذلك ، وقولها : «ما عديت إلا ربعا» ما سقت وصرفت إلينا إلا ربعا من مهر ابنتى» انتهى كلام أبى زيد ، وكذا أسنده ابن عصفور فى


1) تقول : أهبى الفرس التراب ، إذا أثاره بحوافره

2) هذا هو الأمر الثانى من الأمور التى ذكر الأول منها قبل ذلك بمرحلة طويلة ، فانظر (ص 263)

3) فى نسخة «جهرا» بالراء ، ولها وجه وما أثبتناه عن نوادر أبى زيد (ص 126) وعن نسخة أخرى

4) كذا فى نسخة من الأصول ، وهى التى سيشرح عليها المؤلف ، وفى أخرى «موضعا» وهى التى توافق ما فى كتاب النوادر (ص 126)

5) كذا فى نسخة من الأصول ، وهى التى سيشرح عليها المؤلف ، وفى أخرى «موضعا» وهى التى توافق ما فى كتاب النوادر (ص 126)

كتاب الضرائر ، وأبو حيان فى الارتشاف ، قال فيه : «وقد يوقف على حرف واحد كحرف المضارعة يليه ألف نحو قوله :

جارية قد وعدتنى أن تا

تدهن رأسى وتفلّينى وا

وتمسح القنفاء حتّى نتا

أو يؤتى بهمزة بعد الحرف بعدها ألف ، نحو قوله :

بالخير خيرات وإن شرّا فأا

ولا أريد الشّرّ إلّا أن تأا

يريد فشرّا وإلا أن تشاء» انتهى.

فلا يستقيم على هذا إلا أن يهمز فأا وتأا لتكون الهمزة بإزاء العين فى «دعا» و «أسمعا» قال السيرافى : «وكذا أنشد هذا الشعر ، وأراد فأفعل ، فحذف وأطلق الهمزة بالألف لأنها مفتوحة ، وقال أبو زيد : أراد فالشرّ إن أردت الخ ، والذى ذكرته (1)آثر فى نفسى ؛ لأن فيه همزة مفتوحة ، والذى ذكره أبو زيد ليس فيه همزة إلا أن تقطع ألف الوصل من الشر ، وفيه قبح ، وقول أبى زيد فى «إلّا أن تأا» إنه أراد الا أن تشائى : يعنى أنه حذف الشين والألف واكتفى بالتاء والهمزة وأطلقها للقافية ، والهمزة مكسورة من تشائى لأن الخطاب لمؤنث ، والهمزة من تأا مفتوحة ، وأحبّ إلىّ من قول (2)ما قاله إلا أن تأبى الخير» انتهى.

وتقدير ابن عصفور فأصابك الشر مثل تقدير فأفعل ، وعلى هذا التدقيق يضمحل قولهم : قد يوقف على حرف فيوصل بهمزة تليها ألف ، وأصل الهمزة ألف قلبت همزة ؛ لأنه يكون إنما وقعت على حرفين من الكلمة مع ألف الإطلاق ، وفى جعل الهمزة كالعين فى «دعا» و «أسمعا» عيب من عيوب القافية ، وهو الإكفاء ، (3)وسهله قرب مخرج العين والهمزة ، وتقدير المبرد فى الكامل وتبعه بعضهم


1) فى الأصول «والذى ذكره أثر» وفيها «وأحب إلى من قوله ما قاله» وهو عندنا تحريف صوابه ما ذكرناه

2) الاكفاء : اختلاف الروى بحروف متقاربة المخارج

3) فى الأصول «والذى ذكره أثر» وفيها «وأحب إلى من قوله ما قاله» وهو عندنا تحريف صوابه ما ذكرناه

خطأ ؛ لأن الأصل فى هذا الباب إذا لفظ بالحرف أن يترك على حركته ويزاد عليه فى الوقف هاء السكت أو ألف الوصل ، كما أجاز سيبويه أن يوقف بالألف فى المفتوحة عوضا من الهاء ، والتاء من «تريد» مضمومة فكان يلزم إبقاء ضمتها ، ولا يصح ذلك فى الشعر ، إلا أن تقول : إنه فتحها من أجل ألف الإطلاق بعدها ؛ فيحتاج إلى تعليل آخر.

الأمر الثالث أن هذا الشعر خطاب لامرأة ، فيجب أن يكون المقدّر مؤنثا كما قدره أبو زيد ، وتقديره مذكرا غفلة عن سياق الشعر وأصله.

وقوله «إن شئت أشرفنا الخ» بكسر التاء من شئت خطاب لامرأته ، وأشرفنا : أى علونا شرفا - بفتحتين - وهو المكان العالى ، وكلانا : تأكيد ل «نا» وكلا : مفرد اللفظ مثنى المعنى ، ويجوز مراعاة كل منهما ، ولهذا أعاد الضمير من دعا إليها مفردا : أى دعا كل منا ، ولو أعاد الضمير باعتبار معناه لقال دعوا وقطع همزة الوصل لضرورة الشعر ، وربّه : بدل منه ، وجهدا : منصوب مفعول مطلق بتقدير مضاف : أى دعاء جهد ، أو حال بتقدير جاهدا ، والجهد - بالفتح - : الوسع والطاقة ، و «أسمعا» من أسمعت زيدا : أى أبلغته ، فهو سميع ، والدعاء يتعدى إلى مفعول واحد بنفسه ، وإلى ثان بحرف جر ، يقال : دعوت الله أن يفعل كذا : أى بفعل كذا ، ودعوت الله : أى ابتهلت إليه بالسؤال ورغبت فيما عنده ، والتقدير هنا أن يجزى أحدنا بمقابلة الخير خيرات ، وإن كان فعله شرا فأصابه بشر ، ولا أريد لك الشر إلا أن تأبى الخير

ومن هنا تعرف أن تقدير ابن عصفور هو الجيد ، لا تقدير السيرافى ، وأن شرح الأعلم من قبيل الرجم بالظنون

وقوله «قطّعك الله الكريم قطعا». هو دعاء عليه ، والقطع : جمع قطعة ، والثّمام - بالثاء المثلثة - : نبت ضعيف له خوص أو شبيه بالخوص ، والقصد : جمع قصدة ، وهى القطعة من الشىء إذا انكسر ، ككسر جمع كسرة ،

والمرصع - بفتح الصاد المهملة المشددة - : الملقى والمطّرح ، والرّبع - بضم وفتح الموحدة - هو الفصيل ينتج فى الربيع فى أول النتاج والأنثى ربعة

ولقيم بن أوس : شاعر إسلامى

وأما الشعر الآخر

قلت لها قفى : فقالت قاف

فهو أول رجز للوليد بن عقبة بن أبى معيط ، أورد بقيته أبو الفرج الأصبهانى فى الأغانى فى ترجمته ، قال : «لما شهد على الوليد بن عقبة عند عثمان ابن عفان - رضى الله عنه ربه الملك المنّان - بشرب الخمر وكتب إليه يأمره بالشخوص فخرج وخرج معه قوم فيهم عدى بن حاتم رضي‌الله‌عنه ، فنزل الوليد يوما يسوق بهم ، فقال يرتجز :

قلت لها قفى فقالت قاف

لا تحسبينا قد نسينا الإيجاف

والنّشوات من معتّق صاف (1)

والنّشوات من عتيق أوصاف

وعزف قينات علينا عزّاف

فقال له عدى : إلى أين تذهب بنا؟ أقم

وقد تخيل فيه العصام كعادته فى حاشية القاضى شيئا حتى أخرجه عن موضع الاستشهاد ، قال : «ويمكن أن يكون أمرا من قافاه بمعنى قفاه : أى تبعه فإن فاعل يجىء بمعنى فعل ، نحو سافر ، ويناسب كل المناسبة بما قبله وبما بعده ، فيقول : قلت لها قفى حتى تستريحى من نصب السفر والسير ، فقالت قاف : أى قافنى واتبعنى ولا تصاحبنى فى السير ، فإنك قد فترت وحصل لك الكلال ، فقلت : لا تحسبينا .. الخ ، بل كان المقصود استراحتك» هذا كلامه.

وفيه أن فاعل بمعنى فعل سماعى ، كما نصوا عليه فى علم الصرف ،


1) فى الأغانى (5 : 131 طبع الدار)

والإيجاف : متعدى وجف الفرس والبعير وجيفا ؛ إذا عدا ، وأوجفته ؛ إذا أعديته ، وهو العنف فى السير ، وقولهم «ما حصل بإيجاف» أى : بإعمال الخيل والرّكاب فى تحصيله بالسير ، ورجل نشوان مثل سكران ، و «من معتّق» أى : من خمر معتّق ، والعزف - بالعين المهملة والزاى المعجمة - : مصدر من عزف عزفا من باب ضرب ، إذا لعب بالمعازف ، وهى آلات يضرب بها ، الواحد عزف كفلس على غير قياس ، والمعزف - بكسر الميم - : نوع من الطنابير (1)يتخذه أهل اليمن ، وقيل : إنه العود ، وقال الجوهرى : المعازف الملاهى ، والقينة - بفتح القاف - : الأمة البيضاء ، مغنية كانت أو غيرها ، وقيل : تختص بالمغنية ، وعزّاف - بالضم - : جمع عازفة - ، وروى أيضا :

وعزف قينات لنا بمعزاف

وأصله معزف ، فتولدت الألف من إشباع الفتحة.

والوليد بن عقبة : هو أخو عثمان بن عفان رضى الله عنه لأمّه ؛ وكان فاسقا ، وولى لعثمان رضى الله عنه الكوفة بعد سعد بن أبى وقّاص رضى الله تعالى عنه ؛ فشرب الخمر ، وشهد عليه بذلك ، فحدّه وعزله.

وأما الشعر الثالث ، وهو :

قد وعدتنى أمّ عمرو أن تا الخ

فقد رواه ابن الأعرابى فى نوادره كذا :

جارية قد وعدتنى أن تا الخ

والقنفاء : بفتح القاف وسكون النون بعدها فاء ، قال الليث : الأذن القنفاء أذن المعزى إذا كانت غليظة كأنها نعل مخصوفة ، ومن الإنسان إذا كانت لا أطر لها ، والكمرة القنفاء : أى رأس الذكر.


1) وقع فى الأصول محرفا «نوع من الضنابير»

وكان لهمام بن مرة ثلاث بنات آلى أن لا يزوجهن أبدا ، فلما طالت بهن العزوبة قالت إحداهن بيتا وأسمعته كأنها لا تعلم أنه يسمع ذلك ، فقالت :

أهمّام بن مرّة إنّ همّى

لفى الّلائى يكون مع الرّجال

فأعطاها سيفا ، وقال : السيف يكون مع الرجال ، فقالت لها التى تليها : ما صنعت شيئا! ولكنى أقول :

أهمّام بن مرّة إنّ همّى

لفى قنفاء مشرفة القذال

فقال : وما قنفاء؟ تريدين معزى؟ فقالت الصغرى : ما صنعت شيئا! ولكنى أقول :

أهمّام بن مرّة إنّ همّى

لفى عرد أسد به مبالى

فقال : أخزا كن الله!! وزوجهن.

وأنشد غير الليث :

وأمّ مثواى تدرّى لمّتى

وتغمز القنفاء ذات الفروة

و «تنتا» مضارع نتا نتوّا ، وفى المثل «تحقّره وينتا» أى : يرتفع ، وكل شىء يرتفع فهو نات ، وهو مهموز ، وقد سهّل الشاعر همزه هنا ألفا ، يريد تمس ذكره فينعظ.

وهذا الشعر لحكيم بن معيّة التميمى ، كما قال المرزبانى ، وحكيم بالتصغير ، ومعية : تصغير معاوية ، وهو راجز إسلامي قد ترجمناه فى الشاهد الرابع والأربعين بعد الثلاثمائة ، من شواهد شرح الكافية.

وأما الشعر الرابع ، وهو نادوهم ألا الجموا ألاتا الخ فقد رواه أبو على القالى فى كتاب المقصور والممدود ، كذا : «قال الراجز :

ثمّ تنادوا بعد تلك الضّوضا

منهم بهاب وبهل ويايا

ناداهم ألا الجموا ألاتا

قالوا جميعا كلّهم ألافا

والضوضا يمد ويقصر ، قال الفراء : الضوضاء ممدود جمع ضوضاة» انتهى

وفى الصحاح الضّوضاة أصوات الناس. وجلبتهم ، يقال : ضوضو بلا همز وضوضيت» انتهى ، ولم يذكر لا ممدودا ولا مقصورا

وهاب : زجر للابل ، وهل : بمعنى هلا ، وهى كلمة استعجال وحث ، ويايا هى يا حرف الندا كررت للتأكيد

وهذا الرجز لم أقف على قائله ، والله أعلم


وأنشد بعده ، وهو الشاهد الثالث والثلاثون بعد المائة : [من الرجز]

133 - لمّا رأى أن لا دعه ولا شبع

مال إلى أرطاة حقف فالطجع

على أن تاء التأنيث فى دعه هاء فى الوصل ؛ لأنه أجراه مجرى الوقف لضرورة الشعر ، وظاهر كلام الفراء أنه غير ضرورة ، قال فى تفسير قوله تعالى (أَرْجِهْ وَأَخاهُ) «جاء فى التفسير احبسهما عندك ولا تقتلهما ، والإرجاء : تأخير الأمر ، وقد جزم الهاء حمزة والأعمش ، وهى لغة للعرب ، يقفون على الهاء المكنى عنها فى الوصل إذا تحرك ما قبلها ، أنشدنى بعضهم : [من الرجز]

أنحى علىّ الدّهر رجلا ويدا (1)

ألقى علىّ الدّهر رجلا يدا

والدّهر ما أصلح يوما فسدا

والبيت الثالث فى الشعراء :

يصلحه اليوم ويفسده غدا

وفى أمالى المرتضى :

يصلح ما أفسده اليوم غدا

يقسم لا يصلح إلّا أفسدا

فيصلح اليوم ويفسده غدا


1) هذه الأبيات لدويد بن زيد بن نهد أحد المعمرين ، وهى فى «الشعراء» لابن قتيبة (ص 36) وأمالى المرتضى (ح 1 ص 172). ووقع فيهما

وكذلك يفعلون بهاء التأنيث ، فيقولون : هذه طلحه قد أقبلت بالجزم ، أنشدنى بعضهم :

لمّا رأى أن لادعه ولا شبع انتهى

وقد أورده الزمخشرى فى المفصل على أن اللام أبدلت من الضاد فى «فالطجع» وأصله فاضطجع ، وكذلك أورده المرادىّ وابن هشام فى شرح الألفية ، قال ابن جنى فى سر الصناعة : «وأما قول الراجز : فالطجع فأبدل الضاد لاما وهو شاذ ، وقد روى فاضطجع ، وروى أيضا فاطّجع ، ويروى أيضا فاضّجع» انتهى. وهذا البيت قبله

يا ربّ أبّاز من العفر صدع

تقّبّض الذّئب إليه واجتمع

وقد أنشدهما ابن السكيت فى باب فعل وفعّل من إصلاح المنطق ، و «يا» حرف التنبيه ، ورب لإنشاء التكثير ، وأباز - بتشديد الموحدة وآخره زاى معجمة - قال صاحب الصحاح : أبز الظبى يأبز [من باب ضرب] : (1)أى قفز فى عدوه فهو أبّاز ، وأنشد هذا البيت ، وصحفه بعض أفاضل العجم بالإبّان ، فقال فى شرح أبيات المفصل : «يا ربّ المنادى محذوف يريد يا قوم ، والإبّان : الوقت ، والعفر : جمع أعفر ، وهو الأبيض الذى ليس بشديد البياض ، وشاة عفراء يعلو بياضها حمرة ، والصّدع : الوعل ، تقبض إليه : تزوى إليه وانضم ، «صدع» مبتدا ومن العفر بيان له ، وبهذا صح وقوعه مبتدأ ، وتقبض خبره ، والجملة صفة إبان والعائد محذوف : أى تقبض فيه» هذا كلامه

وهو خبط عشواء ؛ فإن قوله من العفر صفة لمجرور رب ، وصدع صفة ثانية ، وتقبض جواب رب ، قال صاحب الصحاح تبعا لابن السكيت : «ورجل


1) هذه الجملة ثابتة فى الأصول التى بأيدينا ، وبالرجوع إلى الصحاح لم نجدها فيه

صدع بالتسكين ، وقد يحرك ، وهو الخفيف اللحم ، وأما الوعل فلا يقال فيه إلا بالتحريك ، وهو الوسط منها ، ليس بالعظيم ولا بالصغير ، ولكنه وعل بين وعلين ، وكذلك هو من الظباء والحمر ، قال الراجز

يا ربّ أبّاز من الوعل صدع» انتهى

وتقبض : جمع قوائمه ليثب على الظبى ، وقوله «لما رأى الخ» راى هنا علمية : وفاعله ضمير الذئب وأن مخففة من الثقيلة : واسمها ضمير الشأن ، ولا نافية للجنس ، وخبرها محذوف : أى له ، والجملة خبر أن المخففة ، والدّعة : الراحة والسكون ، قال الجوهرى : «والدعة : الخفض ، والهاء عوض من الواو ، تقول منه : ودع الرجل - بالضم - فهو وديع : أى ساكن ، ووادع أيضا» والشّبع - بكسر الشين وفتح الموحدة - نقيض الجوع ، وأما الشّبع - مع تسكين الموحدة - فهو ما أشبعك من شىء». قال صاحب الصحاح : «الأرطى : شجر من شجر الرمل والواحدة أرطاة ، قال الراجز :

مال إلى أرطاة حقف فاضطجع» انتهى

والحقف - بكسر الحاء المهملة وسكون القاف - : التل المعوج من الرمل ، واضطجع : وضع جنبه بالأرض ، يقول : لما رأى الذئب أنه لا يشبع من الظبى ولا يدركه وقد تعب فى طلبه مال إلى الأرطاة فاضطجع عندها ،

ونسب ياقوت هذه الأبيات الأربعة فيما كتبه على هامش الصحاح إلى منظور بن حبة الأسدى ، وكذلك نسبها العينى ، ولم يتعرض لها ابن برى ولا الصفدى فى المواضع الثلاثة من الصحاح.


المقصور

أنشد فيه وهو الشاهد الرابع والثلاثون بعد المائة : [من البسيط]

134 - فى ليلة من جمادى ذات أندية

لا يبصر الكلب فى ظلمائها الطّنبا

على أنه شذ [جمع](1)ندى على أندية كما فى البيت ، قال ابن جنى فى إعراب الحماسة : «اختلف فى أندية هذه ، فقال أبو الحسن : كسّر ندى على نداء كجبل وجبال ، ثم كسر نداء على أندية كرداء وأردية ، وقال محمد بن يزيد هو جمع ندى كقول سلامة بن جندل : [من البسيط]

يومان يوم مقامات وأندية

ويوم سير إلى الأعداء تأويب

وذهب غيرهما إلى أنه كسّر فعلا على أفعل كزمن وأزمن ، وجبل وأجبل فصار أند كأيد ، ثم أنّث أفعل هذه بالتاء ، فصارت أندية كما أنثت فحالة ، وذكورة ، وبعولة ، وأندية على هذا أفعلة - بالضم - لا أفعلة - بالكسر - وذهب آخرون إلى أنه كسر فعلا على أفعلة : وركب به مذهب الشذوذ ، وهذا وإن كان شاذا فإن له عندى وجها من القياس صالحا ، ونظيرا من السماع مؤنسا : أما السماع فقولهم فى تكسير قفا ورحى : أقفية وأرحية ، حكاهما الفراء وابن السكيت فيما علمت الآن ، وأما وجه قياس الجمع فهو أن العرب قد تجرى الفتحة مجرى الألف ، ألا تراهم لم يقولوا فى الإضافة إلى جمزى وبشكى [إلّا جمزىّ ، وبشكىّ](2)كما لا يقولون فى حبارى ، إلا حبارىّ ، ومشابهة الحركة للحرف أكثر ما يذهب إليه ؛ فكأن فعلا على هذا فعال ، وفعال مما يكسر على أفعلة نحو غزال وأغزلة وشراب وأشربة ، وكذلك كسّر ندى ورحى وقفا على أندية وأرحية وأقفية ، وكما شبهت الحركة بالحرف فكذلك شبه الحرف بالحركة ؛ فقالوا حياء وأحياء ، وعزاء وأعزاء ، وعراء وأعراء ومن الصحيح جواد وأجواد ؛ فكأن كل واحد من هذه الآحاد فعل (3)


1) هذه زيادة يقتضيها المقام

2) سقطت هذه من نسخ الأصل وكأن الناسخ حسبهما تكرارا.

3) فى الأصل فعال ، وليس له وجه.

عندهم ، وأجود تكسير ندى أنداء ، كما قال الشماخ : [من الطويل]

إذا سقط الأنداء صينت وأشعرت

حبيرا ولم تدرج عليها المعاوز (1)

وقد تقصّيت هذا الموضع فى كتاب سر الصناعة» انتهى كلامه.

أقول : ذكره فى فصل الواو من ذلك الكتاب.

وقال السهيلى فى الروض الأنف : «أندية ، جمع ندى على نداء مثل جمل وجمال ، ثم جمع الجمع على أفعلة ، وهذا بعيد فى القياس ؛ لأن الجمع الكثير لا يجمع وفعال من أبنية الجمع الكثير ، وقد قيل : إنه جمع ندىّ ، والندىّ : المجلس ، وهذا لا يشبه معنى البيت ، ولكنه جاء على مثال أفعلة ؛ لأنه فى معنى الأهوية والأشتية ونحو ذلك ، وأقرب من ذلك أنه فى معنى الرذاذ والرشاش ، وهما يجمعان على أفعلة» انتهى.

وقريب منه قول الخوارزمى : «ندى وإن كان فى نفسه فعلا لكنه بالنظر إلى ما يقابله - وهو الجفاف - فعال ، فمن ثم كسروه على أفعلة»

وقول السهيلى «لا يشبه معنى البيت» قد يمنع ، ويكون معناه فى ليلة من ليالى الشتاء ذات مجالس يجلس فيها الأشراف والأغنياء لإطعام الفقراء ؛ فانهم كانوا إذا اشتد الزمان وفشا القحط ، وذلك يكون عند العرب فى الشتاء ، يجلسون فى مجالسهم ويلعبون بالميسر ، وينحرون الجزر ، ويفرقونها على الفقراء.

والبيت من قصيدة لمرّة بن محكان ، أوردها أبو تمام فى باب الأضياف والمديح من الحماسة ، وقبله :

أقول والضّيف مخشىّ ذمامته

على الكريم وحقّ الضّيف قد وجبا

يا ربّة البيت قومى غير صاغرة

ضمّى إليك رحال القوم والقربا

فى ليلة من جمادى ذات أندية

لا يبصر الكلب فى ظلمائها الطّنبا


1) انظر ديوان الشماخ (ص 50)

لا ينبح الكلب فيها غير واحدة

حتّى يلفّ على خيشومه الذّنبا

وخيّريهم أندنيهم إلى سعة

من ساحة الدّار أم نبنى لهم قببا؟

مخشى : اسم مفعول من الخشية ، وهى الخوف ، وذمامة : نائب الفاعل ، وهى بمعنى الذم ، وقوله «يا ربة البيت» هو مقول القول ، وربّة البيت : صاحبته ، يريد امرأته ، و «غير» منصوب على الحال ، وصاغرة : من الصغار - بالفتح - وهو الذلة ، وضمى : اجمعى ، والرحال - بالحاء المهملة - : جمع رحل ، وهو كل شىء يعد للرحيل من وعاء للمتاع ومركب للبعير وحلس ورسن ، والقرب - بضمتين - : جمع قراب ، وقراب السيف - بالكسر - : جفنه وهو وعاء يكون فيه السيف بغمده وحمالته ، وقوله «فى ليلة» هو متعلق بقومى ، وقيل ب «ضمّى» لقربه ، وقوله «من جمادى» متعلق بمحذوف صفة لليلة ، ومن للتبعيض ، وإن كانت للبيان كانت متعلقة بمحذوف حال من ليلة ، كقوله تعالى (مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ) والشاهد فى «من» الثانية فإن الأولى ابتدائية ، واخطأ العينى فى قوله : من جمادى صفة لليلة ، ومن للبيان.

قال السهيلى : «أراد بجمادى الشهر ، وكان هذا الاسم قد وقع على هذا الشهر فى زمن جمود الماء ، ثم انتقل بالأهلة ، وبقى الاسم عليه وإن كان فى الصيف والقيظ ، وكذلك أكثر (1)هذه الشهور العربية سميت بأسماء مأخوذة من أحوال السنة الشمسية ، ثم لزمتها وإن خرجت تلك الأوقات» انتهى.

وينبغى أن يعتبر هنا أصل الوضع ، وإلا فلا فائدة فى ذكر اسم شهر لا يدل على شدة البرد وجمود الماء ، والشاعر إسلامى وليس ممن أدرك زمن وضع الشهور ، ويجوز أن يلاحظ فى الأعلام أصل وضعها.

قال ابن الأنبارى : «أسماء الشهور كلها مذكرة إلا جمادى ، فهما مؤنثان


1) كذا فى السهيلى (ج 2 ص 155) ووقع فى الأصول «أشهر هذه الشهور»

تقول : مضت جمادى بما فيها ؛ فإن جاء تذكير جمادى فى شعر فهو ذهاب إلى معنى الشهر ، وهى غير مصروفة للتأنيث والعلمية ، والأولى والآخرة صفة لها ، فإن الآخرة بمعنى المتأخرة ، ولا يقال : جمادى الأخرى ؛ لأن الأخرى بمعنى الواحدة فتتناول المتقدمة والمتأخرة فيحصل اللبس ، ويحكى أن العرب حين وضعت الشهور وافق وضع الأزمنة فاشتق للشهر معان من تلك الأزمنة ؛ ثم كثر حتى استعملوها فى الأهلة وإن لم توافق ذلك الزمان ؛ فقالوا : رمضان ، لما أرمضت الأرض من شدة الحر ، وشوال ، لما شالت الإبل بأذنابها للطروق ، وذو القعدة لما ذللوا القعدان للركوب ، وذو الحجة لما حجوا ، والمحرم ، لما حرموا القتال والتجارة ، وصفر لما غزوا فتركوا ديار القوم صفرا ، وشهر ربيع ، لما أربعت الأرض وأمرعت ، وجمادى ، لما جمد الماء ، ورجب لما رجبوا الشجر ، وشعبان لما أشعبوا العود»

وقوله «ذات أندية» بجر ذات بمعنى صاحبة صفة لليلة ، وأندية جمع ندى ، وهو أصل المطر ، والندى البلل ، وبعضهم يقول ما سقط آخر الليل فهو ندى ، وأما الذى يسقط أوله فهو السّدى : - بفتح السين المهملة - على وزنه من باب تعب ؛ فهى ندية مثل تقية ، ويعدى بالهمزة والتضعيف ، وجملة «لا يبصر الكلب الخ» صفة أخرى لليلة ، وخصّ الكلب بالإبصار لأنه أصدق الحيوانات بصرا بالليل ، وقيل إنه يكاد يعرف الفارس المدجج الذى لا يبين إلّا عيناه ، والطنب - بضمتين ، وسكون النون - لغة ، وهو الحبل الذى تشدبه الخيمة ونحوها ، والجمع أطناب كعنق وأعناق ، وقول العوام طنب - بفتحتين - لا أصل له ، و «فى» متعلقة بيبصر ، وروى بدلها «من» وهى بمعناها وقال العينى : للتعليل ، والظلماء هنا بمعنى الظلمة ، ويأتى وصفا أيضا يقال : ليلة ظلماء والليلة الظلماء ، وقوله لا ينبح الكلب الخ من باب ضرب ، وفى لغة من باب نفع ، والنّباح - بالضم - : صوته ، والخيشوم الأنف ، وإنما يلف ذنبه

على أنفه لشدة البرد فلا يقدر أن ينبح وقوله «وخيّريهم أندنيهم» الهمزة للاستفهام ، والإدناء التقريب ، وروى أيضا :

ماذا ترين أندنيهم لأرحلنا

من البيت جانب أم نبنى لهم قببا

يقال : بنى الخيمة إذا ضربها وأقامها ، والقبب : جمع قبة ، وهى الخيمة المدورة.

ومرة بن محكان شاعر إسلامى من معاصرى الفرزدق وجرير ، وهو بضم الميم وتشديد الراء ، ومحكان - بفتح الميم وسكون الحاء المهملة - على وزن غضبان : مصدر محك يمحك محكا من باب نفع إذا لج فى الأمر فهو محك وماحك ، ورجل محكان إذا كان لجوجا عسر الخلق ، ويقال أيضا : أمحك وامتحك فى الغضب : أى لج ، والمماحكة : الملاجة ، وضبطه العسكرى فى كتاب التصحيف بكسر الميم لا غير وهو خلاف ما قالوا والله أعلم.

قال ابن قتيبة فى كتاب «الشعراء» مرّة بن محكان السعدى هو من سعد بن زيد مناة بن تميم ، من بطن يقال لهم : ربيع بالتصغير ، وكان مرة سيد بنى ربيع ، وكان يقال له : أبو الأضياف ، وقتله صاحب شرطة مصعب بن الزبير ، ولا عقب له ، وهو القائل فى الأضياف من تلك القصيدة : [من البسيط]

وقلت لمّا غدوا أوصى قعيدتنا

غذّى بنيك فلن تلقيهم حقبا

أدعى أباهم ولم أقرف بأمّهم

وقد عمرت ولم أعرف لهم نسبا

أنا ابن محكان أخوالى بنو مطر

أنمى إليهم وكانوا معشرا نجبا

انتهى.

تتمة : قد وقع المصراع الأول من البيت الشاهد فى شعر آخر ، قال ابن هشام صاحب السيرة النبوية عند ذكر ما قيل من الشعر يوم أحد : قال بن اسحق

و «كان مما قيل من الشعر يوم أحد قول هبيرة بن أبى وهب [من البسيط]

ما بال همّ عميد بات يطرقنى

بالودّ من هند إذ تعدوا عواديها

باتت تعاتبنى هند وتعذلنى

والحرب قد شغلت عنى مواليها

إلى أن قال بعد خمسة عشر بيتا :

وليلة يصطلى بالفرث جازرها

يختصّ بالنّقرى المثرين داعيها

فى ليلة من جمادى ذات أندية

جربا جماديّة قد بتّ أسريها

لا ينبح الكلب فيها غير واحدة

من القريس ولا تسرى أفاعيها

ثم بعد أن أتمها وأنشد جوابها لحسان بن ثابت رضى الله عنه قال : وبيت هبيرة الذى يقول فيه وليلة يصطلى بالفرث جازرها الخ يروى لجنوب أخت عمرو ذى الكلب الهذلى فى أبيات لها فى غير يوم أحد» انتهى.

وقال السهيلى فى الروض : «قد شرطنا الإضراب عن شرح شعر الكفرة والمفاخرين بقتال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، إلا من آمن منهم ، لكنه ذكر فى شعر هبيرة الذى بدأبه بيتين ليسا من شعره ، فلذلك ذكرتهما ، وهما :

وليلة يصطلى بالفرث

البيت و

وفى ليلة من جمادى ...

البيت قوله يصطلى بالفرث : أى يستدفىء به من شدة البرد ، و «يختص بالنّقرى المثرين» : يختص الأغنياء طلبا لمكافأتهم وليأكل عندهم ، يصف شدة الزمان ، قال يعقوب فى الألفاظ : ونسبها لهذلى ، وكذلك قال ابن هشام فى هذين البيتين : إنهما ليسا لهبيرة ، ونسبهما لجنوب أخت عمرو ذى الكلب الهذلى» انتهى.

وجنوب هذه امرأة من هذيل ، جاهلية ، قد ترجمناها فى الشاهد التاسع والستين بعد السبعمائة من شواهد شرح الكافية ، فيكون مرة بن محكان قد أخذ المصراع الأول من شعرها ، وكذلك يكون «لا ينبح الكلب فيها غير واحدة»

هذا المصراع ليس له ، وقولها «جربا جمادية» أى : لا نجوم تظهر فيها ، وجماديّة منسوبة إلى جمادى. أى لشدة البرد ، ويروى «حيرى جماديّة» يحار السالك فيها من شدة الظلام ، والفرث : السرجين الدى يخرج من الكرش ، والنّقرى - بفتح النون والقاف وبالقصر - : الضيافة الخاصة لأفراد ، والجفلى على وزنها - بالجيم والفاء - : الضيافة العامة ، والمثرين : مفعول مقدم ، وداعيها فاعل مؤخر ، والقريس - بفتح القاف وآخره سين مهملة - : البرد الشديد.


ذو الزيادة

أنشد فيه ، وهو الشاهد الخامس والثلاثون بعد المائة : [من الرجز]

135 - تجاوب القوس بترنموتها

على أن «ترنموتا» بمعنى الترنم ، فالواو والتاءان زوائد ، وصوابه.

تجاوب الصّوت بترنموتها

قال ابن جنى فى سر الصناعة : «وزيدت التاء أيضا خامسة فى نحو ملكوت وجبروت ورغبوت ورهبوت ورحموت وطاغوت ، وسادسة فى نحو عنكبوت وترنموت ، وهو صوت ترنم القوس عند الإنباض ، قال الراجز :

تجاوب القوس بترنموتها

أى : بترنمها» انتهى.

وقال أيضا فى شرح تصريف المازنى : «وأمّا ترنموت فيدل على زيادة تائه أيضا أنه بمعنى الترنم ، قال الراجز :

تجاوب القوس بترنموتها

أى : بترنمها ، ومثال عنكبوت فعللوت ، ومثال ترنموت تفعلوت» انتهى.

وقال صاحب الصحاح : «والترنموت : الترنم ، زادوا فيه الواو والتاء ، كما زادوا

فى ملكوت ، قال أبو تراب : أنشدنى الغنوى : فى القوس

تجاوب الصّوت بترنموتها

تستخرج الحبّة من تابوتها

يعنى حبة القلب من الجوف» انتهى.

فعرف أن الشارح المحقق تبع ابن جنى فى ذكر القوس موضع الصوت ، والصواب ما أنشده الجوهرى.

قال ابن برى فى أماليه عليه : «قبل البيتين :

شريانة ترزم من عنوتها

والشريانة - بكسر الشين المعجمة وفتحها - : شجر تتخذ منه القسىّ ، قال الدّينورىّ فى كتاب النبات : «هو من جيد العيدان ، وهو من نبات الجبال ، قال أبو زياد : وتصنع القياس من الشريان ، قال : وقوس الشريان جيدة إلا أنها سوداء مشربة حمرة ، وهى أخف فى اليدين من قوس النبع والشّوحط ، وزعموا أن عود الشّريان لا يكاد يعوجّ ، وقال الفراء : هى الشريان بالفتح والكسر». اه

وترزم - بتقديم المهملة على المعجمة - بمعنى أنّت وصوّتت (1)من أرزمت الناقة إرزاما ، والاسم الرّزمة - بالتحريك - وهو صوت تخرجه من حلقها لا تفتح به فاها ، وذلك على ولدها حين ترأمه ، والحنين أشد من الرّزمة ، والعنوت (2): جمع عنت - بفتح العين المهملة والنون - وهو الوقوع فى أمر شاق ، وقوله «تجاوب الصوت» أى : صوت الصيد ، يعنى إذا أحسّت بصوت حيوان أجابته بترنم وترها ، والتابوت هنا : القلب ، ووزنه فاعول


1) كذا ، والأولى أن يقول «بمعنى تئن وتصوت»

2) هكذا وقع فى الأصول كلها ، والذى فى اللسان «عنتوتها» والعنتوت : الحز فى القوس ، ولا معنى لما ذكره المؤلف

وزعم الجوهرى أنه فعلوت من التوب ، ورد عليه ، قال الراغب : التابوت : وعاء يعزّ قدره ، ويسمى القلب تالوت الحكمة ، وسفط العلم ، وبيته


وأنشد بعده ، وهو الشاهد السادس والثلاثون بعد المائة : [من الرجز]

136 - ربّيته حتّى إذا تمعددا

على أن وزنه عند سيبويه تفعلل ، ومعناه غلظ واشتدّ ، قال ابن دريد فى الجمهرة : «تمعدد الغلام ؛ إذا صلب واشتد ، وبعده :

كان جزائى بالعصا أن أجلدا

وتقدم الكلام عليه فى الشاهد الثانى والأربعين بعد الستمائة من شواهد شرح الكافية


وأنشد بعده ، وهو الشاهد السابع والثلاثون بعد المائة ، وهو من شواهد سيبويه : [من الرجز]

137 - بشية كشية الممرجل

على أن الممرجل وزنه عند سيبويه مفعلل

قال سيبويه : «جعلت المراجل ميمها من نفس الحرف حيث قال العجاج

بشية كشية الممرجل

الممرجل : ضرب من ثياب الوشى»

قال الأعلم : «استشهد به على أن ميم الممرجل أصلية ، وهى ضرب من ثياب الوشي تصنع بدارات كالمرجل ، وهو القدر ، لثباتها فى الممرجل ، وهو عنده مفعلل ؛ فالميم الثانية فاء الفعل ؛ لأن ممفعلا لا يوجد فى الكلام ، وغيره يزعم أن ممرجلا ممفعل ، وأن ميميه زائدتان ، ويحتج لمجيئهما زائدتين فى مثل

هذا بقولهم : تمدرعت الجارية ؛ إذا لبست المدرع ، وهو ضرب من الثياب كالدرع ، وبقولهم : تمسكن الرجل ، إذا صار مسكينا ، والمسكين من السكون ، وميمه زائدة ، وهذا قريب ؛ إلا أن سيبويه حمل الممرجل على الأكثر فى الكلام ؛ لقلة ممفعل [وكثرة مفعلل] والشية : هى اللون يخالطه لون آخر ، ومنه سمى الوشى لاختلاف ألوانه ، كأنه شبّه فى البيت اختلاف لون الثور الوحشى لما فيه من البياض والسواد بوشى المراجل واختلافه» انتهى

وفى العباب للصاغانى : «والمرجل - بالكسر - : قدر من نحاس ، وقال الليث : والمراجل : ضرب من برود اليمن ، واحدها مرجل - بفتحها - وثوب مرجّل : أى معلم» انتهى

ولم يذكر ممرجلا


وأنشد بعده ، وهو الشاهد الثامن والثلاثون بعد المائة : [من الطويل]

138 - على إثرنا أذيال مرط مرجّل

وهو عجز ، وصدره :

فقمت بها أمشى تجرّ وراءنا

على أن المرجل معناه الذى فيه صورة الرجال

أقول : لم يروه شراح المعلقات بالجيم ، وإنما رووه بالحاء المهملة ، قال أبو جعفر النحوى والخطيب التبريزى : «المرحّل الذى فيه صورة الرّحال بالوشى ، وقال الزوزنى : «المرحّل : المنقّش بنقوش تشبه رحال (1)الإبل ، يقال : ثوب مرحّل ، وفى هذا الثوب ترحيل» وما رواه بالجيم إلا الصاغانى


1) كان فى الأصول «رجال الأدب» وهو تحريف واضح ، والتصويب عن شرح الزوزنى للمعلقات

فى العباب ، قال : «روى مرّجّل بالجيم : أى معلم ، وروى بالحاء أى موشى شبيها بالرحال» هذا كلامه

وعلى تقدير ثبوت المرجل - بالجيم - يعنى الذى فيه صورة الرجال كيف يكون دليلا لكون الممرجل يعنى الذى فيه نقوش على صورة المراجل ؛ فان تشبيه كل منهما خلاف تشبيه الآخر ، ولعل فى نسختنا من الشرح كلاما ساقطا ، فإن الذى فيها إنما هو «والممرجل : الثوب الذى يكون فيه نقوش على صورة المراجل ، كما قال امرؤ القيس * على إثرنا - الخ» ولعل الساقط بعد قوله على صورة المراجل «كما أن المرجل الثوب الذى فيه صورة الرجال كما قال امرؤ القيس - الخ» (1)والله سبحانه وتعالى أعلم

والمرط - بكسر الميم - : كساء من خز ، أو مر عزّى ، أو من صوف ، وقد تسمى الملاءة مرطا ، يقول : أخرجتها من خدرها وهى تمشى تجر مرطها على أثرنا لتعفّى به آثار أقدامنا

وقد تقدم شرحه بأبسط من هذا مع أبيات أخر من هذه المعلقة فى الشاهد الواحد والتسعين بعد الثمانمائة من شواهد شرح الكافية


وأنشد بعده ، وهو الشاهد التاسع والثلاثون بعد المائة ، وهو من شواهد سيبويه : [من الطويل]

139 - فلست لإنسىّ ولكن لملأك

تنزّل من جوّ السّماء يصوب

على أن ملكا أصله ملأك ، كما فى البيت

قال سيبويه : «اجتمع أكثرهم على ترك الهمزة فى ملك ، وأصله الهمز - وأنشد البيت ، قال : وقالوا مألكة وملأكة ، وإنما يريدون رسالة» انتهى


1) هذا الكلام ثابت فى نسخ الشرح التى بأيدينا

وقال ابن السراج فى الأصول : «ومما ألزم حذف الهمزة لكثرة استعمالهم ملك إنما هو ملأك ، [فلما](1)جمعوه ردوه إلى أصله قالوا ملائكة وملائك ، وقد قال الشاعر - فرد الواحد إلى أصله حين احتاج - * فلست لإنسى ... البيت» انتهى.

وقد أخذ هذه من تصريف المازنى ، قال ابن جنى فى شرحه : «اعلم أنه يريد بالحذف هنا التخفيف ، ألا ترى أنهم يحركون اللام من ملك لفتحة الهمزة من ملاك كما تقول فى تخفيف مسألة : مسلة ، وهذا هو التخفيف ، إلا أنهم ألزموه التخفيف فى الأمر الشائع فى الواحد ، وصارت ميم مفعل كأنها بدل من إلزامهم إياه التخفيف ، كما أن حرف المضارعة فى نرى وترى ويرى وأرى كأنه بدل من إلزامهم إياه التخفيف فى الأمر الشائع ، حتى إن التحقيق وإن كان هو الأصل قد صار مستقبحا لقلة استعماله ، وينبغى أن تعلم أن أصل تركيب ملك على أن الفاء لام والعين همزة واللام كاف ؛ لأن هذا هو الأكثر وعليه يصرف الفعل ، قال الشاعر : [من الطويل]

ألكنى إلي قومى السّلام رسالة

بآية ما كانوا ضعافا ولا عزلا

فأصل ألكنى ألئكنى فخفف الهمزة بأن طرح كسرتها على اللام ، وقال الآخر : [من المتقارب]

ألكنى إليها وخير الرّسو

ل أعلمهم بنواحى الخبر

وعلى هذه اللغة جاء ملك ، وأصله ملأك ، وعلى هذا جمعوه ، فقالوا : ملائك وملائكة ؛ لأن جمع مفعل مفاعل ، ودخلت الهاء فى ملائكة لتأنيث الجمع ، وقد قدموا الهمزة على اللام فقالوا : مألك ومألكة للرسالة ، قال عدى بن زيد : [من الرمل]

أبلغ النّعمان عنّى مألكا

أنّه قد طال حبسى وانتظار


1) زيادة يقتضيها المقام

وقال لبيد رضى الله عنه : [من الرمل]

وغلام أرسلته أمّه

بألوك فبذلنا ما سأل

ولم نرهم استعملوا الفعل بتقديم الهمزة ، فهذا يدل على أن الفاء لام والعين همزة» انتهى.

قال ابن هشام اللخمى فى شرح أبيات الجمل : «البيت لعلقمة بن عبدة أحد بنى ربيعة بن مالك بن زيد مناة بن تميم ، وهو علقمة الفحل (1)، من قصيدته التى يقول فيها : [من الطويل]

وفى كلّ حىّ قد خبطت بنعمة

فحقّ لشأس من نداك ذنوب

وهو آخر القصيدة» اه. وقد بحثت [عنه] فلم أجده فيها من رواية المفضل فى المفضليات ، وكذلك لم أره فى ديوانه

قال السهيلى : «هذا البيت مجهول ، وقد نسبه ابن سيده إلى علقمة ، وأنكر ذلك عليه ، ثم قال اللخمى : وحكى أبو عبيد أنه لرجل من عبد القيس من كلمة يمدح بها النعمان ، وحكى السيرافى : أنه لأبى وجرة (2)السّلمى المعروف بالسعدى من قصيدة يمدح بها عبد الله بن الزبير رضى الله عنه

وقوله «تنزّل من جوّ السماء» [يجتمل وجهين : الأول (3)

(ق 2 - 19)

] أنه ليس بقديم فى الأرض فتلحقه طباع الآدميين ، والثانى أن كل ملك قرب عهده بالنزول من السماء فليس بمنزلة من لم يكن قريب العهد ، ويصوب : ينحدر إلى أسفل ، وقوله «لملأك» فى موضع رفع على أنه خبر مبتدأ مضمر ، والتقدير أنت لملأك. «ولأنسى» فى موضع خبر ليس والتقدير فلست منسوبا لأنسى ، والجواب

1) انظر (ح 2 ص 346) من القسم الأول من هذا الكتاب

2) فى القاموس : أبو وجزة يزيد بن عبيد أو أبى عبيد شاعر سعدى

3) زيادة لا بد منها ليصح الكلام

بين السماء والأرض ، و «يصوب» فى موضع نصب على الحال من ضمير تنزل ، ويجوز أن يكون فى موضع الصفة لملاك» انتهى. وفى الصحاح ؛ صاب الماء يصوب نزل ، وأنشد البيت لرجل من عبد القيس جاهلى يمدح بعض الملوك وقال الطيبى : يصوب : بمعنى يميل وهو استئناف على سبيل البيان والتعليل ، وفى معناه قول صواحب يوسف (ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ) وأنشده الزمخشرى عند قوله تعالى : (وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ) على أن التنزل بمعنى النزول مطلقا ؛ لأنه مطاوع نزل ، ولا أثر للتدريج فى غرض الشاعر وقبله :

تعاليت أن تعزى إلى الإنس خلّة

وللإنس من يعزوك فهو كذوب

وتعاليت تعاظمت ، وتعزى : تنسب ، وخلة : تمييز وهو بفتح الخاء المعجمة ، وهو بمعنى الخصلة.


وأنشد بعده - وهو الشاهد الأربعون بعد المائة ، وهو من شواهد سيبويه - : [من الرجز]

140 - دار لسعدى إذه من هواكا

على أن هوى من «هواكا» مصدر بمعنى اسم المفعول : أى من مهوياتك وأنشده سيبويه فى باب ضرائر الشعر من أول كتابه على أن الياء حذفت للضرورة ، والأصل إذ هى من هواكا ، وقبله :

هل تعرف الدّار على تبراكا

بكسر المثناة الفوقية وسكون الموحدة : موضع فى ديار بنى فقعس ، وصف دارا خلت من سعدى هذه المرأة ، وبعد عهدها بها فتغيرت بعدها ، وذكر أنها كانت لها دارا ومستقرا ؛ إذ كانت مقيمة بها ؛ فكان يهواها بإقامتها فيها ، وقد تكلمنا

عليه بأكثر من هذا فى الشاهد الثالث والثمانين من أوائل شرح شواهد شرح الكافية.


وأنشد بعده - وهو الشاهد الحادى والأربعون بعد المائة - : [من الطويل]

141 - فإن تكن الموسى جرت فوق بظرها

فما ختنت إلّا ومصّان قاعد

على أن الموسى مؤنثة بدليل جرت ؛ فإن المؤنث إذا أسند إلى فعله وجب إلحاق علامة التأنيث لفعله ، وأما إذا أسند الفعل إلى ظاهر فيجوز إلحاق العلامة ويجوز تركها ، كما فى تكن ، وأما تذكيره فلم أر له شاهدا إلا فى كلام المولدين ، وما أحسن ما كتب بعضهم بمصر إلى الأمير موسى بن يغمور وقد أهدى إليه موسى :

وأهديت موسى نحو موسى وإن يكن

قد اشتركا فى الإسم ما أخطأ العبد

فهذا له حدّ ولا فضل عنده

وهذا له فضل وليس له حدّ

وهذا البيت قبله :

لعمرك ما أدرى وإنى لسائل

أبظراء أم مختونة أمّ خالد

وروى أيضا :

لعمرك ما أدرى وإن كنت داريا

والبظراء : المرأة التى لها بظر ، والبظر : لحمة بين شفرى المرأة ، وهى القلفة التى تقطع فى الختان ، وبظرت المرأة - بالكسر - فهى بظراء ؛ إذا لم تختن ، وأم خالد : مبتدأ ، وبظراء : خبر مقدم ، وروى مخفوضة بدل مختونة ، وخفضت بدل ختنت ، والختان مشترك بين الذكر والأنثى ، يقال : ختن الخاتن الصبى ختنا من باب ضرب ، والاسم الختان والختانة ، بكسرهما ، ويطلق الختان على موضع القطع من الفرج ، وفى الحديث (إذا التقى الختانان) وهو كناية لطيفة عن تغييب

الحشفة ، فالمراد من التقائهما تقابل موضع قطعهما ، فالغلام مختون والجارية مختونة وغلام وجارية ختين أيضا ، والخفض خاص بالأنثى ، يقال : خفضت الخافضة الجارية خفاضا : ختنتها ، فالجارية مخفوضة ، ولا يقال : الخفض إلا على الجارية دون الغلام ، وهو بالخاء والضاد المعجمتين بينهما فاء ، قال الجواليقى : وروى أيضا وضعت وبضعت ، والكل بمعنى واحد ، قال ابن السيرافى فى شرح أبيات إصلاح المنطق وتبعه الجواليقى : «يقول أنا فى شك أمختونة هى أم لا ، ثم قال : وإن كنت أعلم أنها كذلك ، فإن كانت مختونة فما ختنت إلا بعد ما كبر ابنها فختنت بحضرته وعنى بحصان ابنها» انتهى.

وقال ابن السّيد فى شرح أبيات أدب الكاتب : «وفى معنى البيت قولان : قيل : إنه أراد بالمصّان الحجّام لأنه يمص المحاجم ، يقول : إن كانت ختنت فإنما ختنها الحجام لتبذلها وقلة حيائها ؛ لأن العادة جرت أن يختن النساء النساء ، وقيل : أراد بالمصان ابنها خالدا ؛ لأن العرب تقول لمن تسبه : يا مصان : أى يا من مص بظر أمه ، يقول إن كانت ختنت فإنما ختنت بعد أن بلغ ابنها المصان القعود ، فقد مص بظرها على كل حال ، وأجرى مصان مجرى الأسماء الأعلام ؛ فلذلك لم يصرفه» انتهى.

ولا يحتاج إلى هذا ؛ فإن مصّان وصف له كسلمان فمنع صرفه للوصفية والزيادة (1)

وقد اختلف فى قائلهما والمهجو بهما ، قال يعقوب بن السكيت فى إصلاح المنطق


1) هذا كلام غير مستقيم ؛ لأنه ليس كل وصف على فعلان يمتنع صرفه ؛ بل ذلك خاص بما كان مؤنثه على فعلى ، أو بما لا يكون مؤنثه على فعلانة ، وقد قيل : للأنثى مصانة ؛ فمصان مصروف ، فامتناع صرف مصان فى البيت لضرورة الشعر وهو جائز عند الكوفيين

وتبعه الجواليقى فى شرح أبيات أدب الكاتب ، وابن برى فى حاشية الصحاح وغيرهما : «وأنشد الفراء فى تأنيث الموسى لزياد الأعجم يهجو خالد بن العتاب بن ورقاء لما أعطى إليه خالد بدرة من الدراهم وقال له مازحا : أدخلها فى حرأمك ، وكذا قال أبو عمرو الشيبانى ، وقيل : قائلها أعشى همدان ، واسمه عبد الرحمن بن عبد الله ويكنى أبا المصبّح ، قالهما فى خالد بن عبد الله القسرى ، وهذا قول أبى الفرج الأصبهانى فى الأغانى : قال : حدثنا الخرّاز عن المدائنى عن عيسى بن زيد وابن جعدبة قالا : كانت أم خالد القسرى رومية نصرانية ؛ فبنى لها كنيسة فى قبلة مسجد الجامع فى الكوفة فكان إذا أراد المؤذن بالمسجد أن يؤذن ضرب لها بالناقوس ، وإذا قام الخطيب على المنبر رفع النصارى أصواتهم بقراءتهم ، فقال أعشى همدان يهجوه ويعيره بأمه ، وكان الناس إذا ذكروه قالوا : ابن البظراء فأنف من ذلك ، فيقال : إنه ختن أمه كارهة فعيره الأعشى بذلك حين يقول : [من الطويل]

لعمرك ما أدرى وإنّى لسائل

أبظراء أم مختونة أمّ خالد

فإن كانت الموسى جرت فوق بظرها

فما ختنت إلّا ومصّان قاعد

يرى سوأة من حيث أطلع رأسه

تمرّ عليها مرهفات الحدائد

وقال أيضا يرميه باللواط :

ألم تر خالدا يختار ميما

ويترك فى النّكاح مشقّ صاد

ويبغض كلّ آنسة لعوب

وينكح كلّ عبد مستقاد

وقال أبو عبيدة : حدثنى أبو الهذيل العلاف ، قال : صعد خالد القسرى المنبر فقال : إلى كم يغلب باطلنا حقّكم ، أما آن لربكم أن يغضب لكم ، وكان زنديقا وأمه نصرانية ؛ فكان يولى النصارى والمجوس على المسلمين ويأمرهم بضربهم وامتهانهم ، وكان أهل الذمة يشترون الجوارى المسلمات ويطئونهن ؛ فيطلق ذلك

لهم ولا يغيره عليهم ، وله يقول الفرزدق من أبيات : [من الطويل]

وأنت ابن نصرانيّة طال بظرها

غذتك بأولاد الخنازير والخمر

وقال فيه أيضا : [من الطويل]

ألا لعن الرّحمن ظهر مطيّة

أتتنا تخطّى من بعيد بخالد

وكيف يؤمّ المسلمين وأمّه

تدين بأنّ الله ليس بواحد

وأورد له صاحب الأغانى حكايات كفريات كثيرة صريحة فى كفره وزندقته ، وروى بسنده عن خالد بن صفوان بن الأهتم أنه قال : «ولم تزل أفعال خالد به حتى عزله هشام وعذبه وقتل ابنه يزيد بن خالد ؛ فرأيت فى رجله شريطا قد شد به والصبيان يجرونه ، فدخلت إلى هشام فحدثته فأطلت ، فتنفس ثم قال : يا خالد ، ربّ خالد كان أحبّ إلىّ قربا وألذّ عندى حديثا منك ، قال : يعنى خالدا القسرى ؛ فانتهزتها ورجوت أن أشفع فيكون لى عند أمير المؤمنين يد ، قلت : يا أمير المؤمنين فما يمنعك من استئناف الصّنيعة عنده فقد أدبته بما فرط منه ، فقال : هيهات ، إن خالدا أوجف فأعجف ، وأدلّ فأذلّ ، وأفرط فى الإساءة فأفرطنا فى المكافأة ، فحلم الأديم (1)ونغل (2)الجرح ، وبلغ السيل الزّبى و [جاوز] الحزام الطّبيين (3)؛ فلم يبق فيه مستصلح ، ولا للصنيعة عنده موضع»


1) يقال : حلم الأديم - بالكسر - أصابتة الحلمة ، وهى دودة تخرقه فلا ينفع فيه الدباغ

2) فى الأصول «بتل الجرح» ولا معنى له والصواب ما أثبتناه ، والنغل - بفتحتين - : الفساد ، وفى الحديث : ربما نظر الرجل نظرة فنغل قلبه كما ينغل الأديم فى الدباغ فيتثقب

3) الزبى : جمع زبية - بالضم - وهى حفرة تحفر للأسد إذا أرادوا صيده والطبيان : مثنى طبى - بالضم أو الكسر - وهو لذى الحافر والسباع كالضرع لغيرها ، وهذان مثلان يضربان إذا تجاوز الأمر قدره ، وفى معناهما «بلغ الدّم الثنن»

وأعشى همدان شاعر فصيح كوفى من شعراء الدولة الأموية ، وكان زوج أخت الشعبى الفقيه ، والشعبي زوج أخته ، وكان أحد القراء الفقهاء ، ثم ترك ذلك وقال الشعر ، وخرج مع ابن الأشعث فأتى به الحجاج فقتله صبرا ، وكان الأعشى ممن أغزاه الحجاج الديلم فأسر ؛ فلم يزل أسيرا فى أيدى الديلم مدة ، ثم إن بنتا للعلج الذى كان أسره هويته ، وسارت إليه ليلا ومكنته من نفسها ؛ فواقعها ثمانى مرات ، فقالت له : أهكذا تفعلون بنسائكم ، فقال لها : نعم ، فقالت : بهذا الفعل نصرتم ، أفرأيت إن خلصتك أتصطفينى لنفسك؟ فقال : نعم ، وعاهدها ؛ فحلت قيوده وأخذت به طريقا تعرفها حتى خلصته ، فقال شاعر من أسراء المسلمين : [من الطويل]

ومن كان يفديه من الأسر ماله

فهمدان تفديها الغداة أيورها

وكان الأعشى مع خالد بن عتاب بن ورقاء الرياحى بالرّىّ ، وأملق الأعشى يوما فأتاه فقال : [من الطويل]

رأيت ثناء النّاس بالغيب (1)طيّبا

عليك وقالوا : ماجد وابن ماجد

بنى الحارث السّامين للمجد إنّكم

بنيتم بناء ذكره غير بائد

فإن يك عتّاب مضى لسبيله

فما مات من يبقى له مثل خالد


وأنشد الجاربردى هنا - وهو الشاهد الثانى والأربعون بعد المائة ، وهو من شواهد سيبويه - : [من الوافر]

142 - أتوا نارى فقلت : منون أنتم؟

فقالوا : الجنّ ، قلت : عموا ظلاما

فقلت : إلى الطّعام ، فقال منهم

فريق : نحسد الإنس الطّعاما


1) فى الأغانى (ج 6 ص 57) «بالقول» وفى ديوان الأعشى مثل ما هنا

على أن قوله «الإنس» يدل على أن همزة إنسان أصل ، وأنه مأخوذ من الأنس لا من النسيان ، وأنشد سيبويه البيت الأول على أن يونس يجوّز فيه الحكاية بمن وصلا ، كما فى البيت ، و «عموا» معناه : انعموا ، وهى كلمة تحية عند العرب ، يقال : عموا صباحا ، وإنما قال لهم : عموا ظلاما ؛ لأنهم جنّ وانتشارهم بالليل ، كما يقال لبنى آدم إذا أصبحوا : عموا صباحا

وقد شرحناه شرحا وافيا فى الشاهد الواحد والخمسين بعد الأربعمائة من شواهد شرح الكافية


وأنشد بعده أيضا ، وهو الشاهد الثالث والأربعون بعد الماية : [من الخفيف]

143 - إنّما أنفس الأنيس سباع

يتفارسن جهرة واغتيالا

على أن قوله «الأنيس» وهو بمعنى الأنس يدل أيضا على إن إنسان أصله كما تقدم قبله

والبيت من قصيدة للمتنبى مدح بها سيف الدولة ، مطلعها : [من الخفيف]

ذى المعالى فليعلون من تعالى

هكذا هكذا وإلّا فلا لا

وبعده وهو آخر القصيدة :

من أطاق التماس شىء غلابا

واغتصابا لم يلتمسه سؤالا

كلّ غاد لحاجة يتمنّى

أن يكون الغضنفر الرّئبالا


وأنشد أيضا بعده - وهو الشاهد الرابع والأربعون بعد المائة - : [من الكامل]

144 - إن المنايا يطّلعن على الأناس الآمنينا

وقد شرحناه مفصلا فى الشاهد السابع والعشرين بعد المائة من شواهد شرح الكافية


وأنشد أيضا - وهو الشاهد الخامس والأربعون بعد المائة - : [من الكامل]

145 - لا تنسين تلك العهود فإنّما

سمّيت إنسانا لأنّك ناسى

على أن قوله «سميت إنسانا لأنك ناسى» يدل على أن همزة إنسان زائدة من النسيان ؛ فلامه محذوفة ، ورد بأنه لم يذهب به مذهب الاشتقاق ، وإنما هو تخيل شعرى ، على أن شعر أبى تمام لا يحتج به ؛ لأنه من المولدين

والبيت من قصيدة مدح بها أحمد بن المأمون بن هرون الرشيد وقبله - وهو فى الغزل - :

قالت وقد حمّ الفراق وكأسه

قد خولط السّاقى بها والحاسى

لا تنسين تلك العهود

... البيت

ومنها :

هدأت على تأميل أحمد همّتى

وأطاف تقليدى به وقياسى

ومنها فى المديح - وهو مشهور - :

إقدام عمرو فى سماحة حاتم

فى حلم أحنف فى ذكاء إياس

لا تنكروا ضربى له من دونه

مثلا شرودا فى النّدى والباس

فالله قد ضرب الأقلّ لنوره

مثلا من المشكاة والنّبراس

وزعم بعضهم أن هذه القصيدة فى مدح الخليفة ؛ وقال : «لما أنشد

إقدام عمرو فى سماحة حاتم

قال الفيلسوف الكندى : ما قدر هؤلاء حتى تشبه بهم مولانا ومولاهم (1)، فنظر إليه أبو تمام وزاد ارتجالا فى القصيدة - ولم يقطع إنشاده - :

لا تنكروا ضربى له من دونه مثلا

إلى آخر البيتين وكان من الحاضرين فى مجلس الخليفة جبريل بن بختيشوع الطبيب ، فقال :

والله لقد شممت رائحة كبده لفرط اتقاده ، فمات أبو تمام بعد أيام» انتهى ، والله أعلم


وأنشد بعده أيضا - وهو الشاهد السادس والأربعون بعد المائة - : [من البسيط]

146 - أدعى بأسماء نبزا فى قبائلها

كأنّ أسماء أضحت بعض أسمائى

على أن الشاعر لقب بأسماء ؛ لما بينه وبين أسماء من الملابسة والشهرة فى محبتها

و «أدعى» بالبناء للمفعول ، بمعنى أسمّى ، يتعدى إلى المفعول الثانى تارة بنفسه وتارة بالباء ، يقال : دعوت الولد زيدا وبزيد ؛ إذا سميته بهذا الاسم ، و «أسماء» من أعلام النساء ، وأصله وسماء ، من الوسامة بمعنى الجمال ، و «نبزا» تمييز ، والنبز : اللقب تسمية بالمصدر ، يقال : نبزه بكذا نبزا - من باب ضرب - إذا لقبه به

والبيت من قصيدة لأبى محمد خازن كتب الصاحب بن عباد مدحه بها ، مطلعها :

هذا فؤادك نهبى بين أهواء

وذاك رأيك شورى بين آراء

لا تستقرّ بأرض أو تسير إلى

أخرى بشخص قريب عزمه ناء

يوما بحذوى ويوما بالعقيق وبالعذيب

يوما ويوما بالخليصاء

كذا تهيم بسعدى برهة وإذا

هويت عزّة تبغى وصل عفراء


1) فى الأصول «حتى تشبه به» وهو تحريف

ومن المديح :

هو الوزير أدام الله نعمته

وعمره ووقاه كلّ أسواء

لو انّ سحبان باراه لأسحبه

على فصاحته أذيال فأفاء

ولو رآه زهير لم يزر هرما

ولم يعرّج على التّنوّم والأء

أرى الأقاليم أعطته مقالدها

إليه مستلقيات أىّ إلقاء

تساس سبعتها منه بأربعة

أمر ونهى وتثبيت وإمضاء

كذاك توحيده أودى بأربعة

كفر وجبر وتشبيه وإرجاء

وقد نجنّب «لا» يوم العطاء كما

تجنّب ابن عطاء لثغة الرّاء

يا ليت أعضاء جسمى كنّ ألسنة

فصار يثنى عليه كلّ أعضائى

روى أنه لما أنشدها بين يدى الصاحب [كان] مقبلا عليه حسن الإصغاء إليه حتى عجب الحاضرون ؛ فلما بلغ البيت الشاهد مال الصاحب عن دسته طربا ، فلما ختمها قال له : «أحسنت ، ولله أنت» وتناول النسخة منه تم أمر له بخلعة من ملابسه ، وفرس من مراكبه ، وصلة وافرة.

وأبو محمد هذا هو عبد الله بن أحمد الخازن ، كان خازنا لكتب الصاحب اسماعيل بن عبّاد ، وزير مؤيد الدولة بن بويه ، وكان أبو محمد حسنة من حسنات أصبهان وأفرادها فى الشعر ، ومن خواصّ الصاحب. وترجمه الثعالبى فى اليتيمة ، وأورد له أشعارا جيدة وحكايات مفردة.


وأنشد أيضا بعده - وهو الشاهد السابع والأربعون بعد المائة - : [من الطويل]

147 - لقد تركتنى منجنيق بن بحدل

أحيد من العصفور حين يطير

على أن المنجنيق مؤنث ، ولهذا قال «تركتنى» كذا فى الصحاح والعباب وغيرهما.

وأحيد : مضارع حاد عن كذا حيدة وحيودا ، إذا تنحى وبعد عنه ، ويتعدى بالحرف والهمزة ؛ فيقال : حدت به ، وأحدته ، وابن بحدل - بالموحدة والحاء المهملة - : هو حميد بن حريث بن بحدل ، من بنى كلب بن وبرة ، وينتهى نسبه إلى قضاعة ، وكانت عمته ميسون بنت بحدل أم يزيد بن معاوية ، ولما مات يزيد وثب زفر بن الحارث على قنّسرين فتملكها ، وبايع لابن الزبير رضى الله عنه ، وخرج عمير بن الحباب السّلمى مغيرا على بنى كلب بالقتل والنهب ، فلما رأت كلب ما وقع لهم اجتمعت إلى حميد بن حريث بن بحدل ، فقتل حميد بنى فزارة قتلا ذريعا وحاصر زفر بن الحارث ، وفى ذلك قال زفر :

لقد تركتنى منجنيق بن بحدل البيت

وزفر بن الحارث الكلابى كان سيد قيس فى زمانه ، فى الطبقة الأولى من التابعين من أهل الجزيرة ، من أمراء العرب ، سمع عائشة وميمونة وشهد وقعة صفّين مع معاوية أميرا على أهل قنّسرين ، وهرب من قنسرين فلحق بقرقيسياء (1)، ولم يزل متحصّنا بها حتى مات فى مدة عبد الملك بن مروان ، فى بضع وسبعين من الهجرة


وأنشد أيضا - وهو الشاهد الثامن والأربعون بعد المائة - : [من الرجز]

148 والّقوس فيها وتر عردّ

على أن عردّا - بضمتين فتشديد - يدل على زيادة النون فى عرند - بضمتين فسكون ؛ لأنه بمعناه

قال الصاغانى فى العباب : «ووتر عردّ كعتلّ وعرند كترنج : شديد غليظ


1) قرقيسياء - بفتح فسكون فكسر فياء ، وبعد السين المهملة ياء ، ومنهم من يرويه بدونها ، وآخره همزة - : بلد عند مصب نهر الخابور فى الفرات

وكذلك رشاء عردّ وعرند ، وكذلك من كل شىء ، قال حنظلة بن ثعلبة بن يسار يوم ذى قار :

ما علّتى وأنا شىء إدّ

والقوس فيها وتر عردّ

مثل ذراع البكر أو أشدّ

ويروى «مثل ذراع الفيل» (1)

مثل جران الفيل أو أشدّ

وفى نوادر ابن الأعرابىّ

قد جدّ أشياعكم فجدّوا

والقوس فيها وتر عردّ

والإد - بكسر الهمزة - : الداهية ، والأشياع : جمع مشايع (2)، وهو الصاحب والبكر - بفتح الموحدة - : الفتىّ من الإبل ، ويوم ذى قار : يوم للعرب غلبوا فيه جنود كسرى ، وكان على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم


وأنشد بعده - وهو الشاهد التاسع والأربعون بعد المائة - : [من الرجز]

149 - أمّهتى خندف والياس أبى

على أن الهاء فى «أمّهتى» زائدة

قال ابن جنى فى سر الصناعة : «كان أبو العباس يخرج الهاء من حروف الزيادة ، ويذهب إلى أنها إنما تلحق فى الوقف فى نحو «اخشه» «وارمه» و «هنه» [ولكنّه ، وتأتى بعد تمام الكلمة](3)وهذه مخالفة منه للجماعة ، وغير مرضى [منه] عندنا ، وذلك أن الدلالة قد قامت على زيادة الهاء فى غير


1) فى اللسان (ع ر د) روايته :

2) كذا فى الأصول ، وهو غير مستقيم ، والأشياع : جمع شيع - بكسر ففتح - وهو جمع شيعة ، وشيعة الرجل : أتباعه وأنصاره ، واختص فى العرف بشيعة على كرم الله وجهه

3) الزيادة من سر الصناعة لابن جنى فى باب الهاء والكلام على زيادتها

ما ذكره ؛ فمما زيدت فيه الهاء قولهم «أمّهات» ووزنه فعلهات ، والهاء زائدة ؛ لأنه بمعنى الأم ، والواحدة أمهة ، قال :

أمّهتى خندف والياس أبى

[أى أمى]. قولهم : أم بيّنة الأمومة ، قد صح لنا منه أن الهمزة فيه فاء الفعل ، والميم الأولى عين الفعل ، والميم الآخرة لام الفعل ، فأم بمنزلة درّ وحرّ وحبّ وجلّ مما جرى على وزن فعل وعينه ولامه من موضع واحد

وأجاز أبو بكر فى قول من قال أمّهة فى الواحد أن تكون الهاء أصلية وتكون فعّلة ، وهى فى قول أبى بكر بمنزلة ترّهة وأبّهة وقبّرة ، ويقوّى هذا الأصل قول صاحب العين : تأمهت أمّا ؛ [فتأمّهت] بيّن أنّه تفعّلت بمنزلة تفوّهت وتنبّهت ، إلا أن قولهم فى المصدر الذى هو الأصل أمومة يقوّى زيادة الهاء فى أمّهة وأن وزنها فعلهة ، ويزيد فى قوة ذلك قولهم :

إذا الأمّهات قبحن الوجوه

... البيت

وقرأتها على أبى سهل أحمد بن محمد بن القطان

قوّال معروف وفعّاله البيت

وهذا فيمن أثبت الهاء فى غير الآدميين ، وقال الآخر :

لقد ولد الأخيطل أمّ سوء

[على باب استها صلب شام]

فجاء بلا هاء فيمن يعقل ، وقال الراعى :

[كانت بجائب منذر ومحرّق]

أمّاتهنّ وطرقهنّ فحيلا

فجاء بغير هاء ، إلا أنه فى غالب الأمر فيمن يعقل بالهاء ، وفيمن لا يعقل بغير هاء ؛ زادوا الهاء فرقا بين من يعقل وبين ما لا يعقل ، فإن قال قائل : ما الفرق بينك وبين من عكس الأمر عليك فقال : ما تنكر أن تكون الهاء إنما حذفت فى غالب الأمر مما لا يعقل وأثبتت فيمن يعقل ، وهى أصل فيه للفرق؟ فالجواب

أن الهاء أحد [الحروف العشرة التى تسمى] حروف الزيادة لا حروف النقص ، وإنما سميت حروف الزيادة لأن زيادتها فى الكلام هو الباب المعروف ، وأما الحذف فإنما جاء فى بعضها ، وقليل ذلك ، ألا ترى إلى كثرة زيادة الواو والياء فى الكلام وأن ذلك أضعاف أضعاف حذفهما إذا كانتا أصليّتين نحو يد ودم [وغد] وأب وأخ وهن ؛ فهذه ونحوها أسماء يسيرة محدودة محتقرة فى جنب الأسماء المزيد فيها الياء والواو (1)، وكذلك الهاء أيضا إنما حذفت فى نحو شفة : واست وعضة فيمن قال : عاضه ، وسنة فيمن قال : سانهت ، وما يقلّ جدا ، وقد تراها تزاد للتأنيث فيما لا يحاط به ، نحو جوزة ولوزة ، ولبيان الحركة فى نحو (ماليه) و (كتابيه) ولبيان حرف المد نحو «وازيداه» ، ألا ترى أن من حروف الزيادة ما يزاد ولا يحذف فى شىء من الكلام البتة؟ وذلك اللام والسبن والميم ، فقد علمت أن الزيادة فى هذه الحروف أفشى من الحذف ؛ فعلى هذا القياس ينبغى أن تكون الهاء فى أمّهة زيادة على أم ؛ فأما قول من قال : تأمّهت أمّا وإثباته الهاء فنظيره مما يعارضه قولهم : أم بيّنة الأمومة ، بحذف الهاء ؛ فرواية برواية ، وبقى الذى قدمناه حاكما بين القولين ، وقاضيا بأن زيادة الهاء أولى من اعتقاد حذفها ، على أن الأمومة قد حكاها ثعلب ، وحسبك به ثقة ، وأما «تأمّهت أما» فإنما حكاها صاحب العين ، وفى كتاب العين من الخطل والاضطراب ما لا يدفعه نظّار جلد» إلى آخر ما ذكر من القدح فى هذا الكتاب.

وكذا حكم الزمخشرى فى المفصل بزيادة الهاء فى لفظ المفرد والجمع ، وقال : تأمّهت مسترذل ، وأنشد البيت فى الكشاف عند قوله تعالى (فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ) على أن زيادة الهاء فى المفرد شاذة.

والبيت لقصىّ بن كلاب جدّ النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وقبله :


1) هنا فى سر الصناعه أمثلة للياء والواو الزائدتين

إنّى لدى الحرب رخىّ اللّبب

عند تناديهم بهال وهب

معتزم الصّولة عالى النّسب

أمّهتى خندف والياس أبى

كذا فى شرح أمالى القالى لأبى عبيد البكرى ، والروض الأنف للسهيلى ، وزعم العينى أن بعده : وحاتم الطائى وهو خطأ قافية ونسبا ؛ وإنما هذا البيت من أبيات لامرأة من اليمن تقدم شرحه فى هذا الكتاب

وقوله «إنى لدى الحرب - الخ» الرخى : المرتخى ، واللبب : ما يشد على ظهر الدابة ليمنع السرج والرحل عن الاستئخار ، والارتخاء إنما يكون عن كثرة جرى الدابة ، وهو كناية عن كثرة مبارزته للأقران ، ويقال أيضا : فلان فى لبب رخىّ ؛ إذا كان فى حالة واسعة ، وليس هذا بمراد هنا ، والعجب من شارح شواهد التفسيرين فى شرحه بهذا ، وقوله «عند تناديهم» ظرف متعلق برخى ، وهال : اسم فعل زجر للخيل ، كذا فى العباب ، وتنوينه للتنكير ، وهب وكذا هبى : اسم فعل دعاء للخيل : أى أقدمى وأقبلى ، كذا فى القاموس ، وقوله «معتزم الصّولة» من العزم ، وهو عقد القلب على فعل ، والصّولة : من صال الفحل صولة ، إذا وثب على الإبل يقاتلها ، وقوله «أمهتى خندف» يريد أم جده مدركة بن إلياس بن مضر ، وكذا يريد بقوله «والياس أبى» جدّه إلياس بن مضر ، وخندف : بكسر الخاء المعجمة وكسر الدال ، والنون بينهما ساكنة. وفى سيرة ابن هشام : «ولد إلياس بن مضر ثلاثة نفر : مدركة بن إلياس ، وطابخة ابن إلياس ، وقمعة بن إلياس ، وأمهم خندف امرأة من اليمن ، وهى خندف بنت عمران بن الحارث بن قضاعة ، وكان اسم مدركة عامرا واسم طابخة عمرا ، وزعموا أنهما كانا فى إبل لهما يرعيانها ، فاقتنصا صيدا ، فقعدا عليه يطبخانه ، وعدت عادية على إبلهما ، فقال عامر لعمرو : أتدرك الإبل أو تطبخ هذا الصيد؟ فقال عمرو : بل أطبخ ، فلحق عامر بالإبل فجاء بها ، فلما ردّاها على أبيهما حدثاه

شأنهما ، فقال لعامر : أنت مدركة ، وقال لعمرو : أنت طابخة» انتهى

قال السهيلى : «وفى هذا الخبر زيادة ، وهو أن إلياس قال لأمهم - واسمها ليلى ، وأمها ضريّة بنت ربيعة بن نزار التى ينسب إليها حمى ضريّة وقد أقبلت نخندف فى مشيها - : مالك تخندفين ؛ فسميت خندف ، والخندفة فى اللغة : سرعة فى مشى ، وقال لمدركة : وأنت قد أدركت ما طلبت ، وقال لطابخة : وأنت قد أنضجت ما طبخت ، وقال لقمعة وهو عمير : وأنت قد قعدت وانقمعت ، وخندف التى عرف بها بنو إلياس هى التى ضربت الأمثال بحزنها على إلياس ، وذلك أنها تركت بنيها وساحت فى الأرض تبكيه حتى ماتت كمدا ، وكان مات يوم خميس ؛ فكانت إذا جاء الخميس بكت من أول النهار إلى آخره ، فمما قيل من الشعر فى ذلك :

إذا مؤنس لاحت خراطيم شمسه

بكته به حتّى ترى الشّمس تغرب

فما ردّ بأسا حزنها وعويلها

ولم يغنها حزن ونفس تعذّب

وكانوا يسمون يوم الخميس مؤنسا ، قال الزبير : وإنما نسب بنو إلياس إلى أمهم لأنها حين تركتهم شغلا بحزنها على أبيهم رحمهم الناس ؛ فقالوا : هؤلاء أولاد خندف الذين تركتهم وهم صغار أيتام حتى عرفوا ببنى خندف» انتهى

ونقل ابن المستوفى فى تسميتها خندف وجها آخر ، قال : «فقدهم إلياس يوما ، فقال لها : اخرجى فى طلب أولادك ، فخرجت وعادت بهم ، فقالت : ما زلت أخندف فى طلبهم حتى ظفرت بهم ، فقال لها إلياس : أنت خندف» انتهى

وأما إلياس - بنقطتين من تحت - فهو أخو الناس - بالنون - الملقب بعيلان على قول

وقول الشارح «يريد به إلياس - بقطع الهمزة - فوصلها للضرورة» هذا قول ابن الأنبارى ، وجعله غريبا مأخوذا مما يأتى. ويردّ على قوله أن فيه ضرورة أخرى وهو حذف التنوين ، ولو جعله أعجميا لم يرد هذا ، قال السهيلى فى الروض : «قال ابن الأنبارى : إلياس بكسر الهمزة ، وجعله موافقا

(ق 2 - 20)

لاسم إلياس النبى عليه‌السلام ، وقال فى اشتقاقه أقوالا : منها أن يكون فعيالا من الألس ، وهى الخديعة والخيانة ، ومنها أن الألس اختلاط العقل ، وأنشدوا : [من البسيط]

إنّى إذا لضعيف العقل مألوس

ومنها أنه إفعال من قولهم : رجل أليس ، وهو الشجاع الذى لا يفر ، والذى قاله غير ابن الأنبارى أصح ، وهو أنه اليأس ، سمى بضد الرجاء ، واللام فيه للتعريف ، والهمزة همزة وصل ، وقاله قاسم بن ثابت فى الدلائل ، وأنشد أبياتا شواهد ، منها قول قصى هذا. ويقال : إنما سمى السّلّ «داء ياس» و «داء اليأس» لأن إلياس مات منه ، قال ابن هرمة : [من الوافر].

يقول العاذلون إذا رأونى

أصيب بداء يأس فهو مودى

وقال ابن أبى عاصية : [من الطويل]

فلو كان داء اليأس بى وأغاثنى

طبيب بأرواح العقيق شفانيا

وقول عروة بن حزام : [من الطويل]

بى اليأس أو داء الهيام أصابنى

فإيّاك عنّى لا يكن بك مابيا

ويذكر عن النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه قال : «لا تسبّوا إلياس فإنّه كان مؤمنا». وذكر أنه كان يسمع فى صلبه تلبية النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم بالحج ، وإلياس أوّل من أهدى البدن إلى البيت ، قال الزبير : وأم إلياس الرباب (1)بنت حيدة بن معدّ بن عدنان ، قاله الطبرى ، وهو خلاف ما قاله ابن هشام فى هذا الكتاب» انتهى

والذى قاله ابن هشام أن أم إلياس وعيلان جرهمية

وقال أبو عبيد البكرى فى شرح أمالى القالى : «هذا الرجز حجة من قال إن


1) فى شرح المفضليات لابن الأنبارى «الرتاب» بالهمز

إلياس بن مضر اللام فيه للتعريف ، وألفه ألف وصل ، قال المفضل بن سلمة وقد ذكر إلياس النبى عليه‌السلام : وأما إلياس بن مضر فألفه ألف وصل ، واشتقاقه من اليأس ، وهو السّل ، وقال الزبير بن بكار : إلياس بن مضر أول من مات من السل ، فسمى السل يأسا ، ومن قال إن إلياس بن مضر بقطع الألف على لفظ اسم النبى عليه‌السلام ينشد :

أمّهتى خندف إلياس أبى

يعنى بلا واو ، ثم قال : واشتقاقه من قولهم : رجل أليس : أى شجاع ، والأليس : الذى لا يفرّ ولا يبرح من مكانه ، وقد تليّس أشدّ التّليّس ، وأسود ليس ولبؤة ليساء» انتهى كلامه.

وهذا يقتضى أنه عربى ؛ فيكون حذف التنوين منه للضرورة ، وأما حذف التنوين من خندف فللعلمية والتأنيث

وقال بعض فضلاء العجم فى شرح أبيات المفصل : «إلياس إسم أعجمى ، وقد سمت العرب به ، وهو إلياس بن مضر ، وكان يجب قطع همزته ، ألا ترى إلى قوله تعالى (وَإِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) لكنه وصلها للضرورة» هذا كلامه

وقصىّ ناظم هذا الرجز هو أحد أجداد النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، قال السهيلى (1): «اسمه زيد ، وهو تصغير قصى : أى بعيد ؛ لأنه بعد عن عشيرته فى بلاد قضاعة حين احتملته أمه فاطمة مع بعلها ربيعة بن حرام ؛ فنشأ ولا يعلم لنفسه [أبا] إلا ربيعة ، ولا يدعى إلا له ، فلما كان غلاما سابّه رجل من قضاعة فعيره بالدّعوة ، وقال : لست منا ، وإنما أنت فينا ملصق ، فدخل على أمه وقد وجم لذلك ، فقالت له : يا بنى ، صدق ؛ إنك لست منهم ، ولكن رهطك خير من رهطه ، وآباؤك أشرف من آبائه ، وإنما أنت قرشى ، واخوك وبنو عمك بمكة ، وهم جيران بيت الله الحرام ، فدخل فى سيارة حتى أتى مكة ، ثم


1) أنظر الروض الأنف (ح 1 ص 6 ، 84)

تزوج فيها ، وأخرج منها خزاعة ، وقام بأمرها


وأنشد بعده - وهو الشاهد الخمسون بعد المائة - : [من المتقارب]

150 - إذا الأمّهات قبحن الوجوه

فرجت الظّلام بأمّاتكا

على أن الأغلب استعمال الأمات فى البهائم ، والأمهات فى الانسان ، وقد جاء العكس كما فى البيت ، وقبحه يقبحه - بفتح العين فيهما - بمعنى أخزاه وشوهه. والخزى : انكسار يعترى وجه الإنسان بذل. والوجوه : مفعول قبح ، وأما قبح يقبح - بضم العين فيهما - فهو خلاف حسن ، وفرجه فرجا من باب ضرب لغة فى فرّجه تفريجا بمعنى كشفه. وصف أمهات المخاطب بنقاء الأعراض ، وقال : إذا قبحت الأمهات بفجورهن وجوه أولادهن عند الناس كشفت الظلام بضياء أفعالهن ، والمراد طهارتهن عما يتدنس به العرض

والبيت لمروان بن الحكم ، كذا قاله ابن المستوفى وغيره.


وأنشد بعده - وهو الشاهد الواحد والخمسون بعد المائة - : [من السريع]

151 - قوّال معروف وفعّاله

عقّار مثنى أمّهات الرّباع

لما تقدم قبله ، والبيت من قصيدة للسفاح بن بكير اليربوعى رثى بها يحيى بن ميسرة صاحب مصعب بن الزبير مذكورة فى المفضليات ، وقبله :

يا سيّدا ما أنت من سيّد

موطّأ البيت رحيب الذّراع

وقد شرحناهما مع أبيات أخر منها فى الشاهد الخامس والثلاثين بعد الأربعمائة من شواهد شرح الكافية

وقوله «قوّال معروف وفعّاله * عقّار» الثلاثة بالجر صفات لسيد مبالغة قائل ، وفاعل ، وعاقر من العقر ، وهو ضرب قوائم الإبل بالسيف ، لا يطلق العقر

فى غير القوائم ، وربما قيل : عقره ؛ إذا نحره فهو عقير ، وفعله من باب ضرب ، وفى رواية وهّاب مثنى الخ والرباع - بالكسر - : جمع ربع - بضم ففتح - قال ابن الأنبارى : «المعنى أنه لا يقول إلا فعل ، ولا يعد إلا وفى ، ولا يخلف وعدا ، والربع واحد الرّباع ، وهو ما نتج فى أول النّتاج ، وهو أحمد النتاج ، وخص أم الرباع لأنها أطيب الإبل ، وقوله «مثنى» أى : واحدة بعد أخرى» انتهى


وأنشد بعده :

ما بال عينى كالشّعيب العيّن

وتقدم الكلام عليه فى الشاهد الخامس والعشرين من هذا الكتاب


وأنشد الجاربردى - وهو الشاهد الثانى والخمسون بعد المائة - : [من الرجز]

152 - أطعمت راعىّ من اليهيرّ

على أن صاحب الصحاح قال : «يهيرّ يفعلّ ، بمعنى صمغ الطلح ، وأنشد متصلا به

فظلّ يعوى (1)حبطا بشرّ

خلف استه مثل نقيق الهرّ

ثم قال بعده : وقال الأحمر : الحجر اليهيرّ : الصّلب ، ومنه سمى صمغ الطلع يهيرا ، وقال أبو بكر بن السراح : ربما زادوا فيه الألف فقالوا يهيرّى (2)

لمّا رأت شيخا لها ودرّى

فى مثل خيط العهن لمعرّى

ظلّت كأنّ وجهها يحمرّا

تربد فى الباطل اليهيرّى

والدودرى : من قولك : فرس درير : أى جواد» اه


1) كذا فى الأصول كلها ، وهو موافق لما فى اللسان عن أبى عمرو ، وفى الصحاح «يغرى» مضارع أغراه بالشىء إغراء

2) فى اللسان : «يقال للرجل إذا سألته عن شىء فأخطأ : ذهبت فى اليهيرى ، وأين تذهب تذهب فى اليهيرى ، وأنشد :

قال : وهو من أسماء الباطل ، وقولهم : أكذب من اليهير هو السراب» انتهى.

وقال الصاغانى فى العباب بعد ما ذكر : «وقال الليث : اليهير حجارة أمثال الكف ، ويقال : دويبة تكون فى الصحارى أعظم من الجرز ، الواحدة يهيرة ، قال : واختلفوا فى تقديرها ؛ فقالوا : يفعلّة ، وقالوا فعللّة ، وقالوا فعيلّة» انتهى.

فحكى ثلاثة أقوال : أصالة الياءين ، أصالة الأولى ، أصالة الثانية :

والطّلح الموز ، وشجر من شجر العضاه ، و «يعوى» من عوى الكلب والذئب وابن آوى يعوى عواء : أى صاح ، وحبط - بفتح المهملة وكسر الموحدة - وصف من الحبط - بفتحتين - : وهو أن تأكل الماشية فتكثر حتى ينتفخ لذلك بطنها ولا يخرج عنها ما فيها. والنقيق : صوت الضفدع والدجاجة ، وفى العباب «يقال : نقت الضفدع تنق - بالكسر - نقيقا : أى صاحت ، ويقال أيضا : نقت الدجاجة ، وربما قيل للهر أيضا» وأنشد هذا الرجز ومراده الضّراط ، ولم يكتب ابن برى فى أماليه على الصحاح هنا شيئا ، ولم أقف على قائله ، والله تعالى أعلم


الامالة

أنشد فيها - وهو الشاهد الثالث والخمسون بعد المائة - : [من المنسرح]

153 - أنّى ومن أين آبك الطّرب

وهو صدر ، وعجزه :

من حيث لا صبوة ولا ريب

على أن «أنّى» فيه للاستفهام ، بمعنى كيف ، أو بمعنى من أين ، والجملة المستفهم عنها محذوفة ؛ لدلالة ما بعده عليها ، والتقدير أنى آبك ، ومن أين آبك فحذف للعلم به ، واكتفى بالثانى.

وأنشده الزمخشرى فى المفصل فى غير باب الامالة على أن فيه «أنّى» بمعنى

كيف ، كقوله تعالى : (فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) قال ابن يعيش : «الشاهد فيه أنى بمعنى كيف ، ألا ترى أنه لا يحسن أن تكون بمعنى من أين؟ لأن بعدها من أين ؛ فيكون تكريرا ، ويجوز أن تكون بمعنى من أين ، وكررت على سبيل التوكيد ، وحسن التكرار لاختلاف اللفظين ، فاعرفه» انتهى.

وأورده الزجاج فى تفسيره عند قوله تعالى : (أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ) على أن أنّى فيهما بمعنى كيف.

وآبك : جاءك وغشيك ، وهو فعل ماض من الأوب ، والطرب : خفة من فرح أو حزن ، والمراد الأول. والصبوة : الصّبى ، والشوق. والرّيب : جمع ريبة وهى الشبهة. يقول : كيف طربت مع كبر سنّك من حيث لا يوجد الطرب ومواضعه؟ الصبوة للفرح ، والرّيب للحزن ، وعدّد ما يقع معه الطرب ؛ فقال :

لا من طلاب المحجّبات إذا

ألقى دون المعاصر الحجب

إلى أن انتهى إلى قوله : فاعتتب الشوق والعامل فى «أنى» آبك المحذوفة

والبيت مطلع قصيدة للكميت بن زيد الأسدى ، رضى الله عنه ، مدح بها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وعدّد بعده ما يقع منه الطرب وأطال ، وذكر غيره ، فقال :

فاعتتب الشّوق من فؤادى وال

شّعر إلى من إليه معتتب

إلى السّراج المنير أحمد لا

تعدلنى رغبة ولا رهب

عنه إلى غيره ولو رفع ال

نّاس إلىّ العيون وارتقبوا

وقيل : أفرطت ، بل قصدت ولو

عنّفنى القائلون أو ثلبوا

إليك يا خير من تضمّنت ال

أرض ولو عاب قولى العيب

لجّ بتفضيلك اللّسان ولو

أكثر فيك الضّجاج والصّخب

فى الصحاح : «الاعتتاب : الانصراف عن الشىء» وأنشد هذا البيت. وثلبه ثلبا ، إذا صرّح بالعيب وتنقّصه ، وفيه أيضا : «الصّخب : الصياح والجلبة ، تقول منه : صخب - بالكسر - فهو صخّاب». قال السيد المرتضى فى أماليه وابن رشيق فى العمدة : «وقد عيب عليه هذا المدح ، قالوا : من هذا الذى يقول له فى مدح رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : أفرطت ، أو يعنفه ويثلبه ويعيبه ، حتى يكثر الضّجاج والصخب ، هذا كله خطأ منه وجهل بمواقع المدح». وقال من احتج له : «لم يرد النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وإنما أراد عليّا كرم الله وجهه ، فورّى عنه بذكر النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم خوفا من بنى أمية». وقال السيد : «فوجّه القول إليه صلى‌الله‌عليه‌وسلم والمراد غيره ؛ إذ مراده وإن أكثر فى مدح أهل بيته وذريته عليه‌السلام الضّجاج والتقريع والتعنيف»

والقصيدة طويلة تزيد على مائة وثلاثين بيتا


وأنشد الجاربردى هنا - وهو الشاهد الرابع والخمسون بعد المائة - : [من الرجز]

154 - بين رماحى مالك ونهشل

على أنه يجوز تثنية الجمع ؛ لتأويله بالجماعتين

واستشهد به صاحب الكشاف عند قوله تعالى : (اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً) على جمع الأسباط ، مع أن مميز ما عدا العشرة لا يكون مفردا ؛ لأن المراد بالأسباط القبيلة ، ولو قيل سبطا لأوهم أن المجموع قبيلة واحدة ، فوضع (أسباطا) موضع قبيلة ، كما وضع الرماح وهو جمع رمح موضع جماعتين من الرماح ، وثنى على تأويل رماح هذه القبيلة ورماح هذه القبيلة ؛ فالمراد لكل فرد من أفراد هذه التثنية جماعة ، كما أن لكل فرد من أفراد هذا الجمع - وهو أسباط - قبيلة

والبيت من أرجوزة طويلة لأبى النجم العجلى أولها :

الحمد لله العلىّ الأجلل

الواسع الفضل الوهوب المجزل

أعطى فلم يبخل ولم يبخّل

كوم الذّرى من خول المخوّل

تبقّلت من أوّل التّبقّل

بين رماحى مالك ونهشل

والبخل : منع السائل مما يفضل ، والمبخّل : من بخّله - بالتشديد - إذا نسبه إلى البخل ، وأما أبخله بالهمزة فمعناه وجده بخيلا ، و «كوم الذرى» مفعول أعطى ، وهو جمع كوماء - بالفتح والمد - وهى الناقة العظيمة السنام ، والذّرى بالضم : جمع ذروة - بالكسر والضم - : أعلى السّنام ، والخول - بفتح المعجمة والواو - : العطية ، والمخوّل : اسم فاعل من خوّله تخويلا ، إذا أعطاه وملكه ، وتبقلت : رعت البقل ، وهو كل نبات يأكله الإنسان والحيوان ، وفاعل «تبقلت» ضمير كوم الذرى ، ومالك : قبيلة من هوازن ، ونهشل : قبيلة من ربيعة ، قال الاصبهانى فى الأغانى : «إنما ذكر هاتين القبيلتين لأنه كانت دماء وحروب بينهما ، فتحامى جميعهم الرعى فيما بين فلج والصّمّان - وهما موضعان فى طريق الحج من البصرة - مخافة الشر ؛ حتى كثر النبت وطال ، فجاءت بنو عجل لعزها وقوتها إلى ذينك الموضعين فرعته ولم تخف رماح هذين الحيّين ، ففخر به أبو النجم». وبين : ظرف متعلق بقوله «تبقلت»

وقد تكلمنا على هذه الأبيات وأبيات أخر من هذه الأرجوزة بأبسط مما هنا مع ترجمة أبى النجم فى الشاهد الثامن والأربعين بعد المائة من شواهد شرح الكافية

تخفيف الهمزة

أنشد فيه - وهو الشاهد الخامس والخمسون بعد المائة - : [من الكامل]

155 - ما شدّ أنفسهم وأعلمهم بما

يحمى الذّمار به الكريم المسلم

على أن أصله «ما أشد أنفسهم» فحذفت الألف لضرورة الشعر ، وأنشده ابن عصفور فى كتاب الضرائر لذلك ، وقال المرادى فى شرح التسهيل : حذف الألف فى هذا البيت نادر ، وهو تعجب من شدة أنفسهم ، من شدّ الشىء يشدّ - من باب ضرب - شدّة ، إذا قوى ، وكذا تعجب من كثرة علمهم بما ذكر ، وحميت الشىء من كذا - من باب رمى - إذا منعته عنه وصنته ، والذمار مفعوله ، والكريم فاعله ، والذمار - بكسر الذال المعجمة - قال صاحب الصحاح : وقولهم فلان حامى الذمار : أى إذا ذمّر غضب وحمى ، وفلان أمنع ذمارا من فلان ، ويقال : الذمار ما وراء الرجل مما يحق عليه أن يحميه ، وسمى ذمارا لأنه يجب على أهله التذمر له ، وهو من قولهم : ظلّ يتذمر على فلان ؛ إذا تنكر له وأوعده.


وأنشد بعده - وهو الشاهد السادس والخمسون بعد المائة - : [من المتقارب]

156 - أريت امرأ كنت لم أبله

أتانى فقال اتّخذنى خليلا

على أن أصله «أرأيت» فحذفت الهمزة ، وهى عين الفعل ، والهمزة الأولى للاستفهام ، وأريت : بمعنى أخبرنى ، وفيه تجوز إطلاق الرؤية وإرادة الإخبار ؛ لأن الرؤية سبب الإخبار ، وجعل الاستفهام بمعنى الأمر بجامع الطلب ، والرؤية هنا منقولة من رؤية البصر ، ولهذا تعدت إلى مفعول واحد ، ولم أبله - بضم اللام والهاء - من بلاه يبلوه بلوا ، إذا جربه واختبره ، والخليل : الصديق الخالص المودة ، وأراد به هنا امرأته

والبيت من أبيات لأبى الأسود الدؤلى ، روى الأصبهانى فى الأغانى ، قال : كان أبو الأسود يجلس إلى فناء امرأة بالبصرة ، فيتحدث اليها ، وكانت جميلة ، فقالت : يا أبا الأسود ، هل لك أن أتزوجك فانى صناع الكف حسنة التدبير قانعة بالميسور؟ قال : نعم ، فجمع أهلها وتزوجته ، فوجدها بخلاف ما قالت ، وأسرعت فى ماله ، ومدت يدها إلى جبايته ، وأفشت سره ، فغدا على من كان حضر تزويجها ، فسألهم أن يجتمعوا عنده ، ففعلوا ؛ فقال لهم :

أريت امرأ كنت لم أبله

أتانى فقال : اتّخذنى خليلا

فخاللته ثمّ أكرمته

فلم أستفد من لديه فتيلا

وألفيته حين جرّبته

كذوب الحديث سروقا بخيلا

فذكّرته ثمّ عاتبته

عتابا رفيقا وقولا جميلا

فالفيته غير مستعتب

ولا ذاكر الله إلّا قليلا

ألست حقيقا بتوديعه

وإتباع ذلك صرما طويلا

فقالوا : بلى والله يا أبا الأسود ، فقال : تلك صاحبتكم ، وقد طلقتها ، وأنا أحب أن أستر ما أنكرته من أمرها ، فانصرفت معهم» انتهى

وخاللته : اتخذته خليلا ، والفتيل : الشىء الحقير ، والرفيق : من الرّفق ، وهو ضد العنف ، وألفيته : وجدته ، يتعدى إلى مفعولين ، ومستعتب : اسم فاعل ، وهو الراجع بالعتاب ، وحذف التنوين للضرورة من «ذاكر الله» ، ولفظ الجلالة منصوب ، وروى بالإضافة ، والتوديع : هنا الترك والفراق ، والصرم - بالضم - : الهجر.

وقد تكلمنا على هذه الأبيات بأبسط مما هنا فى الشاهد الثانى والأربعين بعد التسعمائة من شواهد شرح الكافية


وأنشد بعده - وهو الشاهد السابع والخمسون بعد المائة - : [من الخفيف]

157 - صاح هل ريت أو سمعت براع

ردّ فى الضّرع ما قرى فى العلاب

على أن أصله «هل رأيت» فحذفت الهمزة

واستشهد به صاحب الكشاف على قراءة الكسائى (أريت الّذى يكذّب بالدّين) وروى :

صاح أبصرت أو سمعت براع

وعلى هذا لا شاهد فيه ، ومعناه كقول المتنبي : [من الوافر]

وما ماضى الشّباب بمستردّ

وما يوم يمرّ بمستعاد

وصاح : منادى مرخم صاحب ، وهل ريت : استفهام انكارى ، ويجوز أن يكون تقريريا ، وقوله «براع» متعلق بسمعت ، وسمع له استعمالات أربعة ذكرناها فى شواهد شرح الكافية : منها أن يتعدى بالباء ، ومعناه الإخبار ، ويدخل على غير المسموع ، ولا يحتاج إلى مصحح من صفة ونحوه ، تقول : ما سمعت بأفضل منه ، وفى المثل : تسمع بالمعيدى خير من أن تراه ، قابله بالرؤية لأنه بمعنى الاخبار عنه المتضمن للغيبة ، وقال الشاعر [من البسيط].

وقد سمعت بقوم يحمدون فلم

أسمع بمثلك لا حلما ولا جودا

والراعى : الذى يرعى الماشية ، ومن شأنه أن يحلبها ، ورده : رجعه ، والضّرع لذوات الظلف كالثدى للمرأة ، والظّلف - بالكسر - من الشاء والبقر ونحوهما كالظفر من الإنسان ، وما : مفعول رد ، وهو اسم موصول : أى اللبن الذى قراه : أى جمعه ، والعلاب - بكسر العين المهملة - جمع علبة - بضمها - وهى محلب من جلد ، وقال ابن دريد فى الجمهرة : «العلبة : إناء من جلد جنب بعير ، وربما كان من أديم ، والجمع علاب ، يتخذ كالعسّ ، يحتلب فيه» وأنشد هذا البيت (1)،


1) قبل أن ينشد البيت قال : «أحسب هذا البيت للربيع بن ضبع الفزارى»

وروى «فى الحلاب» بكسر الحاء المهملة ، قال صاحب العباب : الإناء الذى يحلب فيه ، وأنشد هذا البيت لإسماعيل بن يسار النّسائى ، ونقل خضر الموصلى من الصحاح أنه لإسماعيل المذكور ، وهذا لا أصل له ؛ فانه لم ينشده إلا فى مادة الرؤية ، ولم ينشده إلا غفلا غير معزو ، ولهذا قال ابن برى فى أماليه عليه : هذا البيت مجهول لا يعرف قائله ، وقد أورده صاحب الأغانى فى قصيدة لإسماعيل أولها :

ما على رسم منزل بالجناب

لو أبان الغداة رجع الجواب

غيّرته الصّبا وكلّ ملثّ

دائم الودق مكفهرّ السّحاب

دار هند وهل زمانى بهند

عائد بالهوى وصفو الجناب

كالّذى كان والصّفاء مصون

لم تشنه (1)بهجرة واجتناب

ذاك منها إذ أنت كالغصن غضّا (2)

وهى رود كدمية المحراب

غادة تستبى العقول بثغر (3)

طيّب الطّعم بارد الأنياب

وأثيث من فوق لون نقىّ

كبياض اللّجين فى الزّرياب

فأقلّ الملام فيها وأقصر

لجّ قلبى من لوعتى واكتئابى (4)


1) فى الأغانى (ح 4 ص 411): «لم تشبه»

2) فى الأغانى «غض»

3) فى الأغانى «بعذب»

4) فى الأغانى : «من لوعة واكتئاب» وفى نسخة أخرى من الأغانى : «من عولتى واكتئابى»

صاح أبصرت أو سمعت براع

ردّ فى الضّرع ما قرى فى الحلاب (1)

وقال فيها يفخر على العرب بالعجم :

ربّ خال متوّج لى وعمّ

ماجد المجتدى (2)كريم النّصاب

إنّما سمّى الفوارس بالفر

س مضاهاة رفعة الأنساب

فاتركى الفخر يا أمام علينا

واتركى الجور وانطقى (3)بالصّواب

إذ نربّى بناتنا وتدسّو

ن سفاها بناتكم فى التّراب

قال صاحب الأغانى : «كان إسماعيل بن يسار النّسائى مولى بنى تيم بن مرة تيم قريش ، وكان منقطعا إلى ابن الزبير ، فلما أفضت الخلافة إلى عبد الملك بن مروان وفد إليه مع عروة بن الزبير ، ومدحه ، ومدح الخلفاء من ولده ، وعاش عمرا طويلا إلى أن أدرك آخر سلطان بنى أمية ، ولم يدرك الدولة العباسية

وإنما سمى إسماعيل بن يسار النّسائىّ لأن أباه كان يصنع طعام العرس ويبيعه ، فيشتريه منه من أراد التعريس [من المتجملين و](4)ممن لا تبلغ حاله اصطناع ذلك ، وقيل : إنما سمى به لأنه كان يبيع النّجد والفرش التى تتخذ للعرائس ، وقيل : إنما لقب به لأن أباه كان يكون عنده طعام العرسات مصلحا أبدا ، فمن طرقه وجده عنده معدّا


1) فى الأغانى : «فى العلاب»

2) فى الأغانى : «ماجد مجتدى»

3) فى الأصول : «وانصفى» والصواب ما أثبتناه

4) الزيادة عن الأغانى (ح 4 ص 408)

وروى المدائنى قال : استأذن اسماعيل على الغمر بن يزيد بن عبد الملك يوما فحجبه ساعة ، ثم أذن له ، فدخل يبكى ؛ فقال له : مالك تبكى؟ قال : كيف لا أبكى وأنا على مروانيتى ومروانية أبى أحجب عنك؟ فجعل الغمر يعتذر إليه ، وهو يبكى ، فما سكت حتى وصله الغمر بحلة لها قدر ، وخرج من عنده ، فلحقه رجل ، فقال له : أخبرنى - ويلك يا إسماعيل - أىّ مروانية كانت لك ولأبيك؟ قال : بغضنا إياهم ، امرأته طالق إن لم يكن يلعن مروان وآله كل يوم مكان التسبيح ، وإن لم يكن أبوه حضره الموت ، فقيل له : قل لا إله إلا الله ، فقال : لعن الله مروان ، تقربا بذلك إلى الله ، وإقامة له مقام التوحيد

وكان إسماعيل يكنى أبا فائد ، وكان أخواه محمد وإبراهيم شاعرين أيضا ، وهم من سبى فارس ، وكان إسماعيل شعوبيّا (1)شديد التعصب للعجم ، له شعر كثير يفخر بالأعاجم ، أنشد يوما فى مجلس فيه أشعب :

إذ نربّى بناتنا وتدسّو

ن سفاها بناتكم فى التراب

فقال أشعب : صدقت والله يا أبا فائد ، أراد القوم بناتهم لغير ما أردتموهن له ، قال : وما ذاك؟ قال : دفن القوم بناتهم خوفا من العار عليهن ، وربيتموهن لتنكحوهن ، فضحك القوم حتى استغربوا ، وخجل إسماعيل ، حتى لو قدر أن يسيخ فى الأرض لفعل

ومدح إسماعيل رجلا من أهل المدينة يقال له عبد الله بن أنس ، وكان قد لحق ببنى مروان ، وأصاب منهم خيرا ، وكان إسماعيل صديقا له فرحل إليه إلى دمشق ، فأنشده مدائح له ، ومتّ إليه بالجوار والصداقة فلم يعطه شيئا ؛ فقال يهجوه [من الوافر]


1) الشعوبى - بضم الشين - : الرجل الذى يحتقر أمر العرب ويصغر من شأنهم ، وهو منسوب إلى شعوب ، وهو جمع شعب ، والنسب إلى الجمع مما أجازه الكوفيون.

لعمرك ما إلى حسن رحلنا

ولا زرنا حسينا يا ابن أنس

ولا عبدا لعبدهما فنحظى

بحسن الحظّ منهم غير بخس

ولكن ضبّ جندلة أتينا

مضبّا فى مكامنه يفسّى

فلمّا أن أتيناه وقلنا

بحاجتنا تلوّن لون ورس

فقلت لأهله : أبه كزاز؟

وقلت لصاحبى : أتراه يمسى؟

فكان الغنم أن قمنا جميعا

مخافة أن نزنّ بقتل نفس

وترجمته فى الأغانى طويلة ، واكتفينا منها بهذا القدر

وقال خضر الموصلى فى شرح أبيات التفسيرين : البيت الشاهد لمضاض ابن عمرو الجرهمى ، من أبيات أولها :

قد قطعت البلاد فى طلب الثّروة

والمجد قالص الأثواب

وسريت البلاد قفرا لقفر

بقناتى وقوّتى واكتسابى

فأصاب الرّدى بنات فؤادى

بسهام من المنايا صيابى

فانقضت شرّتى وأقصر جهلى

واستراحت عواذلي من عتابى

ودفعت السّفاه بالحلم لمّا

نزل الشّيب فى محلّ الشّباب

صاح هل ريت أو سمعت براع

... البيت

وقال السهيلى فى الأرض الأنف (1): «كان عبد الله بن جدعان فى ابتداء أمره صعلوكا وكان مع ذلك شرّيرا فاتكا لا يزال يجنى الجنايات فيعقل عنه أبوه وقومه حتى أبغضته عشيرته ونفاه أبوه ؛ فخرج فى شعاب مكة حائرا يتمنى الموت ، فرأى شقا فى جبل فظن به حية فتعرض للشق يرجو أن يكون فيه ما يقتله ؛ فدخل فيه فإذا به ثعبان عظيم له عينان كالسّراجين ، فحمل عليه الثعبان فأفرج له فانساب عنه ؛ فوقع فى قلبه أنه مصنوع ؛ فأمسكه بيده فإذا هو مصنوع من


1) أنظر الروض الأنف (ح 1 ص 92)

ذهب وعيناه ياقوتتان ؛ فكسره وأخذ عينيه ، ودخل البيت فإذا جثث على سرر طوال (1)

(ق 2 - 21)

لم ير مثلهم طولا وعظما ، وعند رءوسهم لوح من فضة فيه تاريخهم ، وإذا هم رجال من ملوك جرهم ، وآخرهم موتا الحارث بن مضاض ، وعليهم ثياب لا يمس منها شىء إلا انتثر كالهباء من طول الزمن ؛ وشعر مكتوب [فى اللوح] فيه عظات ، آخر بيت منه :

صاح هل ريت أو سمعت براع

... البيت

وقال ابن هشام : «كان اللوح من رخام ، وفيه : أنا نفيلة بن عبد المدان بن خشرم بن عبد يا ليل بن جرهم بن قحطان بن هود نبى الله عليه صلوات الله ، عشت خمسمائة عام وقطعت الأرض فى طلب الثروة والمجد والملك ؛ فلم يكن ذلك ينجينى من الموت ، وتحته مكتوب الأبيات السابقة :

قد قطعت البلاد ... إلى آخرها

وفى ذلك [البيت] كوم عظيم من اليواقيت والزبرجد والذهب والفضة ؛ فأخذ منه ما أخذ ، ثم علّم على الشّق بعلامة وأغلق بابه بالحجارة وأرسل إلى أبيه بالمال الذى خرج به ليسترضيه ، ووصل عشيرته كلهم فسادهم ، وجعل ينفق من الكنز ويطعم الناس ويفعل المعروف ؛ حتى ورد أنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يستظل فى الهاجرة بظل جفنته ، وكانت بحيث يأكل منها الراكب على بعيره ، وسقط فيها مرة غلام فغرق فيها فمات

ومضاض بن عمرو الجرهمى جاهلى ، من شعره المشهور من قصيدة :

كان لم يكن بين الحجون إلى الصّفا

أنيس ولم يسمر بمكة سامر»

انتهى ما أورده خضر الموصلى باختصار


1) فى الأصول «على سرير طويل» والتصحيح عن الروض الأنف

ورأيت هذه الأبيات لأبى نفيلة وكان من المعمّرين


وأنشد بعده - وهو الشاهد الثامن والخمسون بعد المائة - : [من الطويل]

158 - إذا قام قوم يأسلون مليكهم

عطاء فدهماء الّذى أنا سائله

على أنه قدم فيه الهمزة التى هى عين الفعل على السين التى هى فاء الفعل ؛ للاستكراه من تخفيفها بالحذف لو أبقيت على حالها

و «الذى» مبتدأ ، وجملة «أنا سائله» من المبتدأ والخبر صلة الموصول ، ودهماء - وهى اسم امرأة - خبر الذى ، والجملة جواب إذا ، و «دهماء» يحتمل أن يكون اسم امرأة ، ويحتمل أن يكون اسم فرس (1)


وأنشد بعده - وهو الشاهد التاسع والخمسون بعد المائة - : [من الوافر]

159 - أرى عينى ما لم ترأياه

كلانا عالم بالتّرّهات

على أنه جاء لضرورة الشعر إثبات الهمزة فى «ترأياه» والقياس نقل حركتها إلى الراء وحذفها ؛ قال ابن جنى فى سر الصناعة : «وقد رواه أبو الحسن «ما لم ترياه» على التخفيف الشائع عنهم فى هذا الحرف» انتهى

وقال فى المحتسب من سورة البقرة : «قرأ أبو عبد الرحمن السلمى (ا لم ترأ إلى الملإ) ساكنة الراء ، وهذا لعمرى أصل هذا الحرف ، رأى يرأى كرعى يرعى ، إلا أن أكثر لغات العرب فيه تخفيف همزته بحذفها وإلقاء حركتها على الراء قبلها ، وصار حرف المضارعة كأنه بدل من الهمزة ، وكذلك أفعل منه كقوله تعالى (لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللهُ») أصله أرأك الله ، وحكاها صاحب الكتاب عن أبى الخطاب ، ثم إنه قد جاء مع هذا تحقيق هذه الهمزة وإخراجها على أصلها كقوله :


1) قد اضطرب كلام المؤلف هنا ، فتأمله.

أرى عينى ما لم ترأياه

فخفف أرى وحقق ترأياه ، ورواه أبو الحسن «ترياه» على زحاف الوافر ، وأصله «ترأياه» على أن مفاعلتن لحقها العصب بسكون لامها ؛ فنقلت إلى مفاعيلن ، ورواية أبى الحسن «يمالمت» مفاعيل ؛ فصار الجزء بعد العصب إلى النقص» انتهى.

وقال الزجاجى فى أماليه الكبرى (1): «أما قوله ترأياه فإنه رده إلى أصله ، والعرب لم تستعمل يرى وترى ونرى وأرى إلا باسقاط الهمزة تخفيفا ، فأما فى الماضى فإنها مثبتة ، وكان المازنى يقول : الاختيار عندى أن أرويه «لم ترياه» بغير همز ؛ لأن الزحاف أيسر من ردّ هذا إلى أصله ، وكذلك كان ينشد قول الآخر : [من الطويل]

ألم تر ما لاقيت والدّهر أعصر

ومن يتملّ العيش يرأ ويسمع

بتخفيف الهمزة (2)

ألم تر ما لاقيت ... البيت

كذا قرأته عليه مخففا ، ورواه غيره

ألم ترأ ما لاقيت ..*

وقرأت عليه أيضا :

ثمّ استمرّ بها شيحان مبتجح

بالبين منك بما يرآك شنئانا

بوزن يرعاك ، ووزن «يرأ» يرع ، كما أن وزن «ترأياه» ترعياه ، هذا كله على التحقيق المرفوض فى هذه الكلمة فى غالب الأمر وشائع الاستعمال» اه

» انتهى.

1) انظر أمالى أبى القاسم الزجاجى (ص 57) طبع مصر سنة 1324

2) قوله «بتخفيف الهمزة» كذا فى جميع الأصول ، والمراد الهمزة التى فى «ألم تر» وأصله «ألم ترأ» ووقع فى أمالى الزجاجى «بتحقيق الهمزة» وهى صواب أيضا ، والمراد الهمزة التى فى قوله «يرأ ويسمع» ، ويدل لصحة ما ذكرنا - من أن الرواية فى عجز البيت بالتحقيق وفى صدره به أو بالتخفيف - قول شيخ هذه الصناعة أبى الفتح بن جنى فى سر الصناعة : وقرأت على أبى على فى نوادر أبى زيد

وقال قبل هذا (1)«أخبرنا أبو عبد الله محمد بن حمدان البصرى وأبو غانم الغنوى قالا : أخبرنا أبو خليفة الفضل بن الحباب [الجمحىّ] عن محمد بن سلام ، قال : كان سراقة البارقى شاعرا ظريفا زوارا للملوك حلو الحديث ، فخرج فى جملة من خرج لقتال المختار فوقع أسيرا فأتى به المختار ، فلما وقف بين يديه قال : يا أمين آل محمد (2)إنه لم يأسرنى أحد ممن بين يديك ، قال : ويحك! فمن أسرك؟ قال : رأيت رجالا على خيل بلق يقاتلوننا ما أراهم الساعة : هم الذين أسرونى ، فقال المختار لأصحابه : إن عدوكم يرى من هذا الأمر ما لا ترون ، ثم أمر بقتله ، فقال : يا آمين آل محمد (3): إنك لتعلم أنه ما هذا أوان تقتلنى فيه ، قال : فمتى أقتلك؟ قال : إذا فتحت دمشق ونقضتها حجرا حجرا ثم جلست على كرسى فى أحد أبوابها ، فهناك تدعونى فتقتلنى وتصلبنى ، فقال المختار : صدقت ، ثم التفت إلى صاحب شرطته ، فقال : ويحك! من يخرج سرى إلى الناس ، ثم أمر بتخلية سراقة ، فلما أفلت أنشأ يقول - وكان المختار يكنى أبا إسحق - :

ألا أبلغ أبا إسحق أنّى

رأيت البلق دهما مصمتات

أرى عينىّ ما لم ترأياه

كلانا عالم بالتّرّهات


1) انظر أمالى الزجاجى (ص 56)

2) فى أمالى الزجاجى «يا أمير آل محمد» وما هنا أوضح

3) فى أمالى الزجاجى «يا أمير آل محمد» وما هنا أوضح

كفرت بوحيكم وجعلت نذرا (1)

علىّ قتالكم حتّى الممات»

انتهى كلام الزجاجى

وحديث القتل وفتح دمشق نسبه الجاحظ لغير سراقة ، قال فى كتاب المحاسن والأضداد فى فضل محاسن الدهاء والحيل : «الهيثم بن الحسن بن عمارة ، قال : قدم شيخ من خزاعة أيام المختار ، فنزل على عبد الرحمن بن أبان الخزاعى ، فلما رأى ما يصنع سوقة المختار بالمختار من الإعظام جعل يقول : يا عباد الله ، أبا لمختار يصنع هذا؟ والله لقد رأيته يتبع الاماء بالحجاز (2)فبلغ ذلك المختار ، فدعا به وقال : ما هذا الذى بلغنى عنك؟ قال : الباطل ، فأمر بضرب عنقه ، فقال : لا والله لا تقدر على ذلك ، قال : ولم؟ قال : أمّا دون أن أنظر إليك وقد هدمت مدينة دمشق حجرا حجرا وقتلت المقاتلة وسبيت الذرية ثم تصلبنى على شجرة على نهر [فلا](3)والله إنى لأعرف الشجرة الساعة ، وأعرف شاطىء ذلك النهر ، فالتفت المختار إلى أصحابه فقال لهم : أما إن الرجل قد عرف الشجرة ، فحبس ، حتى إذا كان الليل بعث إليه فقال : يا أخا خزاعة ، أو مزاح عند القتل؟ قال : أنشدك الله أن أقتل ضياعا ، قال : وما تطلب هاهنا؟ قال : أربعة آلاف درهم أقضى بها دينى ، قال : ادفعوا له ذلك ، وإياك أن تصبح بالكوفة ، فقبضها وخرج ،

وعنه قال : كان سراقة البارقىّ من ظرفاء أهل الكوفة ، فأسره رجل من أصحاب المختار فأتى به المختار فقال له : أسرك هذا؟ قال سراقة : كذب ، والله ما أسرنى إلا رجل عليه ثياب بيض على فرس أبلق ، فقال المختار : أما إن الرجل قد عاين الملائكة ، خلوا سبيله ، فلما أفلت أنشأ يقول :


1) فى أمالى الزجاجى «ورأيت نذرا»

2) فى نسخة «رأيته بالحجاز يتبع الاماء»

3) زيادة لا بد منها

ألا أبلغ أبا إسحق ... إلى آخر الأبيات الثلاثة.

وكذا روى هذه الحكاية الأصبهانى فى الأغانى من طريق الأعمش عن إبراهيم النخعى.

وفى هذه الروايات اختصار ؛ فإن هذه الأبيات قالها بعد ما أسر ثالثا ، قال ابن عبد ربه فى العقد الفريد (1): أبو حاتم قال : حدثنا أبو عبيدة ؛ قال : أخذ سراقة بن مرداس البارقى أسيرا يوم جبّانة السّبيع (2)فقدّم فى الأسرى إلى المختار ، فقال : [من الرجز]

امنن علىّ اليوم يا خير معدّ

يا خير من لبّى وصلّى وسجد

فعفى عنه المختار وخلى سبيله ، ثم خرج مع [إسحق] ابن الأشعث ، فأتى به المختار أسيرا ، فقال له : ألم أعف عنك وأمنن عليك؟ أما والله لأقتلنك ، قال :

لا ، والله لا تفعل إن شاء الله ، قال : ولم؟ قال : لأن أبى أخبرنى أنك تفتح الشام حتى تهدم مدينة دمشق حجرا حجرا وأنا معكم ، ثم أنشده : [من الوافر]

ألا أبلغ أبا إسحق أنّا

حملنا حملة كانت علينا (3)

خرجنا لا نرى الضّعفاء شيئا (4)

وكان خروجنا بطرا وحينا (5)

نراهم فى مصفّهم قليلا

وهم مثل الدّبا لمّا التقينا

فأسجح إذ قدرت فلو قدرنا

لجرنا فى الحكومه واعتدينا

تقبّل توبة منّى ؛ فإنّى

سأشكر إن جعلت النّقد دينا


1) انظر العقد (ج 1 ص 183) طبع بولاق

2) جبانة السبيع : محلة بالكوفة ، وكانت فيها وقعة المختار بن عبيد الخارجى

3) فى عيون الأخبار (ح 1 ص 203): «نزونا نزوة»

4) كذا فى الأصل وهو الموافق لما فى عيون الأخبار ، وفى العقد «منا» وهو تحريف

5) فى الأصول «بطرا علينا» وهو خطأ

قال : فخلى سبيله ، ثم خرج [إسحق] ابن الأشعث ومعه سراقة فأخذ أسيرا واتى به المختار ، فقال : الحمد لله الذى أمكننى منك ، يا عدو الله ، هذه ثالثة ، فقال سراقة : أما والله ما هؤلاء الذين أخذونى ، فأين هم؟ لا أراهم! إنا لما التقينا رأينا قوما عليهم ثياب بيض وتحتهم خيل بلق تطير بين السماء والأرض ، فقال المختار : خلوا سبيله ليخبر الناس ، ثم عاد (1)لقتاله ، فقال :

ألا من مبلغ المختار عنّى

بأنّ البلق دهم مضمرات

أرى عينىّ ما لم ترأياه

إلخ الشعر» انتهى

وقوله «رأيت البلق دهما الخ» هو جمع أبلق وبلقاء ، وأراد الخيل البلق ، وهى ما فيها بياض وسواد ، ودهم : جمع أدهم ودهماء ، من الدّهمة - بالضم - وهى السواد ، وأراد أن الخيل البلق التى ذكرت أنها تطير إنما هى خيل دهم نحاربك عليها ، والمصمت - بضم الميم الأولى وفتح الثانية - قال الجوهرى : هو من الخيل البهيم : أىّ لون كان لا يخالط لونه لون آخر ، وروى بدله «مضمرات» بوزنه ، يقال : أضمرت الفرس ؛ إذا أعددته للسباق ، وهو أن تعلفه قوتا بعد السمن (2)، وقوله «أرى عينىّ الخ» بضم الهمزة ، مضارع من الإراءة خفف بحذف الهمزة من آخره ، و «ما» نكرة بمعنى شىء مفعول ثان لأرى ، والأول هو عينىّ ، وكلانا : أى أنا وأنت

والبيت كذا أورده أبو زيد بمفرده فى نوادره (3)ورواه أبو حاتم عن أبى عبيدة «ما لم تبصراه الخ» وحينئذ لا شاهد فيه ، والترهة : بضم المثناة وتشديد الراء المفتوحة


1) كذا فى عيون الأخبار ، وفى العقد «ثم دعا لقتاله»

2) فى الصحاح : وتضمير الفرس أن تعلفه حتى يسمن ، ثم ترده إلى القوت ، وذلك فى أربعين يوما وهذه المدة تسمى المضمار ، والموضع الذى تضمر فيه الخيل أيضا مضمار

3) انظر (ص 185) من النوادر

قال الأخفش فيما كتبه على النوادر : التّرّهات الأباطيل ، وفى الصحاح قال الأصمعى : التّرّهات : الطرق الصغار غير الجادّة ، تتشعب عنها ، الواحدة ترّهة فارسىّ معرب ، ثم استعير فى الباطل

وسراقة بن مرداس البارقى بضم السين وآخره قاف ، ومرداس بكسر الميم ، قال الآمدى فى المؤتلف والمختلف : بارق اسم جبل نزل به سعد بن على بن حارثة بن عمرو بن عامر ؛ فنسبوا إلى ذلك الجبل ، وبارق : أخو خزاعة ، وهذا هو سراقة بن مرداس الأصغر ، وهو شاعر مشهور خبيث قال يهجو جريرا من قصيدة : [من الكامل]

أبلغ تميما غثّها وسمينها

والحكم يقصد مرّة ويجور

أنّ الفرزدق برّزت حلباته

عفوا وغودر فى التّراب جرير

هذا قضاء البارقىّ وإنّنى

بالميل فى ميزانهم لبصير

فهجاه جرير فى القصيدة التى خاطب فيها بشر بن مروان [من الكامل] :

يا بشر حقّ لوجهك التّبشير (1)

هلّا غضبت لنا وأنت أمير

...

قد كان بالك أن تقول لبارق

يا آل بارق فيم سبّ جرير

وذكر الآمدى شاعرين آخرين متقدمين عليه فى الزمان ، يقال لكل منهما : سراقة بن مرداس البارقى : أحدهما سراقة بن مدراس الأكبر ، والآخر هو شاعر فارس له شعر فى يوم أوطاس ، (2)ثم قال الآمدى : «وفى شعراء العرب


1) هذا صدر بيت ليس أول القصيدة ، وتمامه :

2) قال ياقوت فى معجم البلدان : «وأوطاس واد فى ديار هوازن ، فيه كانت وقعة حنين للنبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم ببنى هوازن ، ويومئذ قال النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم : حمى الوطيس ، وذلك حين استعرت الحرب ، وهو صلى‌الله‌عليه‌وسلم أول من قاله» اه.

من يقال له سراقة جماعة لم نقصد إلى ذكرهم وإنما ذكرت سراقة بن مرداس لاتفاق الاسم واسم الأب» انتهى ، ولم يرفع نسب واحد من الثلاثة إلى قبيلة

وأنشد الجاحظ لسراقة صاحب البيت الشاهد [من البسيط] :

قالوا سراقة عنّين فقلت لهم

الله يعلم أنّى غير عنّين

فإن طلبتم بى الشّىء الّذى زعموا

فقرّبونى من بنت ابن يامين


وأنشد الجاربردى هنا - وهو الشاهد الستون بعد الماية - : [من الطويل]

160 - ألم تر ما لاقيت والدّهر أعصر

ومن يتملّ العيش يرء ويسمع

على أنه جاء على الأصل لضرورة الشعر ، كما تقدم قبله

وقال ابن جنى فى سر الصناعة : «قرأت على أبى على فى نوادر أبى زيد :

ألم تر ما لاقيت والدّهر أعصر

كذا قرأته عليه «تر» مخففا ، ورواه غيره ، «ترء ما لاقيت» على وزن ترع ، وهذا على التحقيق المرفوض فى هذه الكلمة فى غالب الأمر وشائع الاستعمال» انتهى.

ولم يتعرض لما فى المصراع الثانى ؛ لأنه لم يتزن إلا بذكر الهمزة ؛ فيكون على غير رواية أبى على فى كل من المصراعين ضرورة

وهذا البيت والذى قبله كذا فى الصحاح ، وقد أنشدهما أبو زيد فى النوادر وفى كتاب الهمز ، قال فى كتاب الهمز : «وعامة كلام العرب فى يرى ونرى وترى وأرى ونحوه على التخفيف ، وبعضهم يحققه وهو قليل فى كلام العرب ، كقولك زيد يرأى رأيا حسنا ، نحو يرعى رعيا حسنا ، قال سراقة البارقى :

أرى عينىّ ما لم ترأياه * .... البيت.

وقال الأعلم بن جرادة السعدى - وأدرك الاسلام - :

ألم تر ما لاقيت والدّهر أعصر

ومن يتملّ العيش يرء ويسمع

بأنّ عزيزا ظلّ يرمى بجوزه

إلىّ وراء الحاجزين ويفرع

وأنشدنى أعرابى من بنى تميم لنفسه [من البسيط] :

هل ترجعنّ ليال قد مضين لنا

والعيش منقلب إذ ذاك أفنانا

إذ نحن فى غرّة الدّنيا وبهجتها

والدّار جامعة أزمان أزمانا

لمّا استمرّ بها شيحان مبتجح

بالبين عنك بما يرآك شنآنا

فكل هؤلاء حقق الهمزة من يرى ، وهو قليل فى الكلام ، والتحقيق الأصل» انتهى كلامه.

وقوله «ألم تر» استفهام والرؤيا بصرية ، و «ما» مفعولها ، ولاقيت بضم التاء ، والدهر مبتدأ وأعصر خبره ، وهو جمع عصر يريد أن الدهر مختلف أزمانه لا يبقى على حال سرور وصفاء ، بل غالبه كدر ، وقوله «ومن يتمل العيش الخ» من شرطية ، ويتمل : شرط مجزوم بحذف الألف ، ويرء : جواب الشرط ، ويسمع : معطوف عليه ، وكسر للقافية ، وقافية البيت الثانى مرفوع فيكون فى الأول إقواء ، وكذا رواهما أبو زيد فى الكتابين ، قال ابن برى فى أماليه على الصحاح : «ويروى ويسمع بالرفع على الاستئناف ؛ لأن القصيدة مرفوعة» وذكر البيت الثانى.

أقول : ليس المعنى على الاستئناف ، ولعله أراد بالاستئناف ابتناءه على مبتدأ محذوف ، والتقدير وهو يسمع ، وإطلاق الاستئناف على هذا شائع ؛ فيكون موضع الجملة جزما بالعطف على يرء ، وجازف ياقوت فيما كتبه على الصحاح قال : بخط أبى سهل يرء ويسمع بجزمهما ، وهو سهو منه والقصيدة مرفوعة ، وصوابه :

ومن يتملّ العيش يرأى ويسمع

بالرفع يريد أن «من» فيه موصولة مبتدأ ويتملى : صلته ، ويرأى ويسمع : خبره ، وتحقيق الهمزة ضرورة أيضا ، وهذا صحيح معنى وإعرابا ؛ إلا أنه طعن فى رواية أبى زيد :

وتملى عيشه : استمتع به ملاوة ، والملاوة - مثلثة الميم - : الزمان الواسع ، يريد من يعش كثيرا يرو يسمع ما لم يكن رآه وسمعه ، والعيش : مصدر عاش ؛ إذا صار ذا حياة ؛ فهو مصدر عائش ، والأنثى عائشة ، وقوله «بأنّ عزيزا» خبر أن غير مذكور فى هذا البيت ، وإنما هو فى بيت بعده ، وظل : استمر ، والجوز : بفتح الجيم وآخره زاى معجمة ، ورمى الجوز عبارة عن الإسراع فى الذهاب ، «وإلىّ» متعلق بيرمى ، وكذلك وراء ، والحاجزين : جمع حاجز من حجزه ؛ إذا منعه ، يريد أن الأعداء قدامه تمنعه من الوصول إليه ، و «يفرع» معطوف على يرمى ، وهو مضارع أفرع ، قال أبو زيد بعد إنشاده : أى يصير فى الفرع ، ويقال : أفرع إذا أخذ فى بطن الوادى خلاف المصعد ، قال : [من البسيط]

لا يدركنّك إفراعى وتصعيدى

وفرع رأسه بالعصا إذا علاه» انتهى

وفى الصحاح : فرعت الجبل صعدته ، وأفرعت فى الجبل انحدرت

وقد أورد أبو تمام البيت الشاهد من أبيات للأعلم فى كتاب مختار أشعار القبائل ، وليس فيها البيت الثانى الذى أورده أبو زيد ، وأبو تمام كذا أوردها [من الطويل] :

وإنّى لأقتاد القرين إلى الهوى

ويقتادنى يوما قرينى فأتبع

وأطمع ما لم يحتضرنى يأسه

وأيأس ممّا لا يرى فيه مطمع

وأبغض أصحاب الملاذة والقلى

ويطلب بالمعروف خيرى فأخدع

وتزعم هند أنّنى قاتلى الهوى

إليها وقد أهوى فلا أتوجّع

ألكنى إليها بالسّلام فلا يسؤ

بنا ظنّها ؛ إنّ النّوى سوف تجمع

ولا ترع للواشى الظّنون فإنّه

بتفريق ما بين الأحبّة مولع

أل تر ما لاقيت ...

..... البيت

نصحت لهم ما يعملون فضيّعوا

لنصحى فلا يحزنك نصح مضيّع

هذا ما أورده أبو تمام ، وقال : الملاذة : كذب المودة»

وقوله «هل ترجعنّ ليال .. البيت» أورده ابن هشام فى بحث إذ من المغنى ، قال : «وقد يحذف أحد شطرى الجملة فيظن من لا خبرة له أنها أضيفت إلى المفرد ، كهذا البيت ، والتقدير إذ ذاك كذلك». واسم الإشارة الأول أشير به إلى العيش باعتبار حاله ، والثانى المحذوف إلى حال الأفنان ، وهى الأغصان والأحوال ، ونصبه حال من ليال ، و «إذ» متعلقة بمنقلب ، والمعنى هل ترجع ليالينا حال كونها مثل الأغصان الملتفة فى نضارتها وحسنها؟ أو حال كونها ذات فنون من الحسن

وقال أبو زيد بعد إنشاد الأبيات فى النوادر : الشّيحان : الغيور ، والمبتجح : المفتخر والذى يعرف (1)» انتهى


وأنشد بعده - وهو الشاهد الحادى والستون بعد المائة ، وهو من شواهد سيبويه - : [من البسيط]

161 - أان رأت رجلا أعشى أضرّ به

ريب المنون ودهر متبل خبل

ونص سيبويه : «والمخففة فيما ذكرنا بمنزلتها محققة فى الزنة ، يدلك على ذلك قول الأعشى

أان رأت رجلا .. البيت


1) هذه العبارة غير واضحة المراد ، والذى وجدناه فى النواد لأبى زيد وشرحها لأبى حسن الأخفش بعد الأبيات هو «أبو حاتم : مبتجحا أو مبتجح ، وجعل الكاف مخاطبة المذكر. الرياشى : الذى نعرف شيحان (بكسر الشين) والشيحان : الغيور ، والمبتجح : المفتخر ، قال أبو الحسن : لا اختلاف بين الرواة أنه يقال : رجل شيحان (كعطشان) والأنثى شيحى (كعطشى) فسروه تفسيرين : أحدهما أنه الجاد فى أمره ، والآخر الغيور السيىء الخلق ، ولأن أنثاه فعلى لم يصرفوه ، ولو كان كما حكى عن الرياشى لكان قد ترك صرف ما ينصرف ، وهذا لا يجوز عند القياسيين المفسرين ، وهذا سهو من الرياشى» اه

فلو لم تكن بزنتها محققة لانكسر البيت» انتهى

وقال الأعلم : «استشهد به على تخفيف الهمزة الثانية من قوله : أان ، وجعلها بين بين ، والاستدلال بها على أن همزة بين بين فى حكم المتحركة ، ولو لا ذلك لانكسر البيت ، لأن بعد الهمزة نونا ساكنة ، فلو كانت الهمزة المخففة فى الحكم ساكنة لالتقى ساكنان ، وذلك لا يكون فى الشعر إلا فى القوافى» انتهى

والبيت من قصيدة الأعشى المشهورة التى أولها :

ودّع هريرة ؛ إنّ الرّكب مرتحل

وهل تطيق وداعا أيّها الرّجل

وهى ملحقة بالقصائد المعلقات ، وقد شرحنا غالبها فى مواضع متعددة من شواهد شرح الكافية ، وقبله :

صدّت هريرة عنّا ما تكلّمنا

جهلا بأمّ خليد ، حبل من تصل؟

وبعده :

قالت هريرة لمّا جئت زائرها

ويلى عليك وويلى منك يا رجل

وقوله «صدّت هريرة الخ» روى أبو عبيدة : صدت خليدة ، وقال : هى هريرة ، وهى أم خليد ، وخليد : مصغر خالد تصغير الترخيم ، وصدت : أعرضت وقوله «جهلا بأم خليد» علة للنفى ، والباء للملابسة ، وأعاد اسمها للتلذذ به ، وحسنه ذكره بغير لفظه الأول ، و «حبل» مفعول تصل ، وقدم وجوبا لاضافته إلى ماله الصدارة ، وهو من ، فانها للاستفهام التعجبى ؛ يريد : حبل أىّ رجل تصل إذا لم تصلنا؟ كذا قال الخطيب التبريزى وغيره ، وعليه تبقى الجملة غير مرتبطة بما قبلها ، والجيد أن تكون من موصولة. «وحبل» مفعول لقوله «جهلا» والحبل هنا مستعار للعلقة. والوصل : ضد القطع ، وقوله «أان رأت رجلا إلخ» الهمزة الأولى للاستفهام. و «أن» بالفتح هى أن المصدرية. وهى مع مدخولها مجرورة بلام العلة ، أو من التعليلية ، والتقدير أصدّت لأجل أن رأت رجلا هذه صفته. و «رأت» أبصرت ، و «رجلا» مفعوله ، و «أعشى» صفته. والأعشى الذى

لا يبصر بالليل ، والأجهر - بالجيم - : الذى لا يبصر نهارا ، والمؤنث عشواء وجهراء ، وجملة «أضرّبه» حال من أعشى ، ويجوز أن تكون صفة ثانية لرجلا.

قال صاحب المصباح : «ضره يضره - من باب قتل - إذا فعل به مكروها ، وأضرّ به يتعدى بنفسه ثلاثيا وبالباء رباعيا». قال الأزهرى : «كل ما كان سوء حال وفقر وشدة فى بدن فهو ضرّ - بالضم - وما ضد النفع فهو بفتحها ، ورجل ضرير : به ضرر من ذهاب عين أو ضنى»

والريب : التردد بين موقعى تهمة ، بحيث يمتنع من الطمأنينة على كل منهما ، وأصله قلق النفس واضطرابها ، ومنه ريب الزمان لنوائبه المزعجة ومصائبه المقلقة ، كذا فى مهمّات التعاريف للمناوى. و «المنون» المنية ، قال الأصمعى : هو واحد لا جمع له ، وذهب إلى أنه مذكر ، وقال الأخفش : هو جمع لا واحد له ، ومتبل : اسم فاعل ، قال صاحب العباب : «وأتبله الدهر مثل تبله ، وأنشد هذا البيت ، وقال : أى يذهب بالأهل والولد ، وتبله الحب : أى أسقمه ، وتبلهم الدهر : أى أفناهم ، والتبل كفلس : التّرة والذّحل (1)يقال : أصيب بتبل وهو متبول ، وروى بدله «مفسد» من الإفساد ، وروى «مفند» أيضا بمعناه ، قال التبريزى : والمفند من الفند وهو الفساد ، ويقال : فنّده ؛ إذا سفّهه ، قال تعالى (لَوْ لا أَنْ تُفَنِّدُونِ) وخبل - بفتح المعجمة وكسر الموحدة - قال صاحب العباب : ودهر خبل : أى ملتو على أهله ، وأنشد البيت ، وقوله «قالت هريرة الخ» قال بعضهم : هذا أخنث بيت قالته العرب ، و «زائرها» حال من التاء : أى زائرا لها


وأنشد بعده - وهو الشاهد الثانى والستون بعد المائة ، وهو من شواهد سيبويه - : [من الكامل]


1) الذحل : الثأر ، أو طلب مكافأة بجناية جنيت عليك

162 - راحت بمسلمة البغال عشيّة

فارعى فزارة لا هناك المرتع

على أن أصله هنأك - بالهمز - فأبدلت ألفا ، قال سيبويه : «واعلم أن الهمزة التى يحقق أمثالها أهل التحقيق من بنى تميم وأهل الحجاز وتجعل فى لغة أهل التخفيف بين بين تبدل مكانها الألف إذا كان ما قبلها مفتوحا ، والياء إذا كان ما قبلها مكسورا ، والواو إذا كان ما قبلها مضموما ، وليس ذا بقياس متلئب ، (1)وإنم يحفظ عن العرب كما يحفظ الشىء الذى تبدل التاء من واوه ، نحو أتلجت ؛ فلا يجعل قياسا فى كل شىء من هذا الباب ، وإنما هى بدل من واو أولجت ، فمن ذلك قولهم : منساة ، وإنما أصلها منسأة (2)، وقد يجوز فى ذا كله البدل حتى يكون قياسا متلئبا إذا اضطر الشاعر ، قال الفرزدق :

راحت بمسلمة البغال .. البيت

فأبدل الألف مكانها ، ولو جعلها بين بين لانكسر البيت ، وقال حسان ابن ثابت رضى الله عنه :

سالت هذيل رسول الله ... البيت الآتى

وقال القرشى زيد بن عمرو :

سالتانى الطّلاق ... البيت الآتى

فهؤلاء ليس من لغتهم سلت ولا يسال ، وبلغنا أن سلت تسال لغة ، وقال عبد الرحمن بن حسان :

وكنت أذلّ من وتد ... البيت الآتى :

يريد الواجىء ، وقالوا : نبىّ وبريّة ؛ فألزمها أهل التحقيق البدل ، وليس كل شىء نحوهما يفعل به ذا ، إنما يؤخذ بالسمع ، وقد بلغنا أن قوما من أهل الحجاز من أهل التحقيق يحققون نبيئا وبريئة ، وذلك قليل ردىء ، فالبدل ههنا


1) بهامش الأصل : قوله متلئب «فى الصحاح اتلأب الأمر اتلئبابا استقام» انتهى من خط المؤلف

2) المنسأة : العصا

كالبدل فى منساة ، وليس بدل التخفيف ، وإن كان اللفظ واحدا» انتهى كلام سيبويه

قال الأعلم : «الشاهد فى إبداله الألف من الهمزة فى قوله : هناك ؛ ضرورة وإن كان حقها أن تجعل بين بين لأنها متحركة ، يقول هذا حين عزل مسلمة بن عبد الملك عن العراق ووليها عمر بن هبيرة الفزارى فهجاهم الفرزق ودعا على قومه أن لا يهنئوا النعمة بولايته ، وأراد بغال البريد التى قدمت بمسلمة عند عزله» انتهى.

وكذا قال المبرد فى الكامل عند ما أنشد قول العديل بن الفرخ العجلىّ [من الطويل] :

فلو كنت فى سلمى أجا وشعابها

لكان لحجّاج علىّ دليل

قال : أجا وسلمى : جبلا طيىّء ، وأجأ مهموز ، والشاعر إذا احتاج إلى قلب الهمز قلبه على حركة ما قبله ، وأنشد هذه الأبيات ، وقال : أما الفرزدق فانه يقول لما عزل مسلمة بن عبد الملك عن العراق بعد قتله يزيد بن المهلب لحاجة الخليفة إلى قربه وولى عمر بن هبيرة الفزارى فقال :

راحت بمسلمة البغال عشيّة

فارعى فزارة لا هناك المرتع

ولقد علمت إذا فزارة امّرت

أن سوف تطمع فى الإمارة أشجع

فأرى الأمور تنكّرت أعلامها

حتّى أميّة عن فزارة تنزع

ولخلق ربّك ما هم ولمثلهم

فى مثل ما نالت فزارة يطمع

عزل ابن بشر وابن عمر وقبله

وأخو هراة لمثلها يتوقّع

فلما ولى خالد بن عبد الله القسرى على عمر بن هبيرة قال رجل من بنى أسد يجيب الفرزدق [من الكامل] :

عجب الفرزدق من فزارة إذ رأى

عنها أميّة فى المشارق تنزع

فلقد رأى عجبا وأحدث بعده

أمر تضجّ له القلوب وتفزع

بكت المنابر من فزارة شجوها

فاليوم من قسر تذوب وتجزع

وملوك خندف أسلمونا للعدى

لله درّ ملوكنا ما تصنع!

كانوا كتاركة بنيها جانبا

سفها وغيرهم تصون وترضع

انتهى.

وفى الأغانى : «كان مسلمة بن عبد الملك على العراق بعد قتل يزيد بن المهلب ، فلبث بها غير كثير ، ثم عزله يزيد بن عبد الملك واستعمل عمر بن هبيرة على العراق فأساء وعزل مسلمة عزلا قبيحا ، فقال الفرزدق :

ولّت بمسلمة البغال عشيّة

إلى آخر الأبيات الخمسة ابن بشر : عبد الملك بن بشر بن مروان ، كان على البصرة ، أمّره عليها مسلمة ، وابن عمرو : سعيد بن عمرو بن الوليد بن عقبة بن أبى معيط ، وأخو هراة : سعيد بن عبد العزيز بن الحكم بن أبى العاص» انتهى.

وقال ابن السيرافى : «ابن عمرو هو سعيد بن عمرو بن الحارث بن الحكم ابن أبى العاص ، عزل عن الكوفة ، وأخو هراة سعيد بن الحارث بن الحكم» انتهى.

وقوله «راحت بمسلمة الخ» قال صاحب المصباح : راح يروح رواحا - وتروح مثله - يكون بمعنى الغدو ، وبمعنى الرجوع ، وقد يتوهم بعض الناس أن الرواح لا يكون إلا فى آخر النهار ، وليس كذلك ، بل الرواح والغدو عند العرب يستعملان فى المسير أىّ وقت كان : من ليل أو نهار ، قاله الأزهرى وغيره ، وعليه قوله عليه الصلاة والسّلام «من راح إلى الجمعة فى أوّل النّهار فله كذا» أى : من ذهب ، والعشية : واحدة العشىّ ، قال صاحب المصباح : العشى : قيل : ما بين الزوال إلى الغروب ، ومنه يقال للظهر والعصر : صلاتا العشى ، وقيل : هو آخر

(ق 2 - 22)

النهار ، وقيل : من الزوال إلى الصباح ، وقوله «فارعى فزارة» هو أمر من الرعى ، من رعت الماشية ترعى إذا سرحت بنفسها إلى المرعى ، وهو ما ترعاه الدواب ، وفزارة : أبو قبيلة من غطفان ، وهو هنا مبنى على الضم ؛ لأنه منادى وحرف النداء مقدر ، وباعتبار القبيلة [قال] فارعى بالخطاب إلى المؤنث وجعلهم بهائم ترعى ، وقوله «لا هناك المرتع» لا : هنا دعائية ، دعا عليهم بأن لا يكون مرتعهم هنيئا لهم ، وهنأنى الطعام يهنؤنى - بفتح العين فيهما - ومهموز الآخر : أى ساغ ولذّ بلا مشقة ، والكاف مكسورة ، والمرتع : مصدر ميمى ، يقال : رتعت الماشية رتعا ، من باب نفع ، ورتوعا : رعت كيف شاءت ، والمرتع : موضع الرتوع أيضا ، وقد صار هذا المصراع مثلا ، قال الميدانى فى أمثاله : «ارعى فزارة لا هناك المرتع» يضرب لمن يصيب شيئا ينفس به عليه ، وقد استشهد بالبيت فى التفسيرين فى سورة طه على أن طه فى قراءة الحسن رحمه‌الله أمر للرسول صلّى الله تعالى عليه وسلم أن يطأ الأرض بتدميه معا ؛ فإنه كان عليه‌السلام يقوم فى تهجده على إحدى رجليه. والأصل «طأ» قلبت الهمزة ألفا كما فى لا هناك ، ثم بنى الأمر عليه ، كالأمر من يرى «ر» ثم ألحق هاء السكت فصار طه

وقد خبط خضر الموصلى خبط عشواء فى شرح أبياتهما قال : «الرواح نقيض الغدو ؛ ومسلمة هذا هو عبد الملك بن بشر ، وهو الممدوح ، وكان على العراق فعزل عنها ، وولى موضعه عمر بن هبيرة ، ولا هناك المرتع : دعاء على الناقة أى لا هناك رعى هذا المرتع ، والمعنى أن ممدوحك مسلمة قد عزل وراح على البغال عشية فاقصدى بنى فزارة وارعى مرعاها ، وفى بعض الحواشى ارعى يا فزارة فان الخطاب لهم ، قال : وكان مسلمة هذا يمنعهم المرعى ، فلما عزل خاطبهم بذلك وأمرهم بالمرعى» هذا كلامه.

وخطؤه من وجوه ظاهرة ، وقبيح بمثله أن يكتب على العمياء من غير مراجعة

وتنقير ، مع أن البيت من أبيات سيبويه والمفصل وغيرهما ؛ والله الموفق للصواب.


وأنشد بعده - وهو الشاهد الثالث والستون بعد المائة ، وهو من شواهد سيبويه - : [من الخفيف]

163 - سالتانى الطّلاق أن رأتاما

لى قليلا قد جئتانى بنكر

لما تقدم قبله ، ونقلنا كلام سيبويه فيه ، وقبله.

تلك عرساى تنطقان بهجر

وتقولان قول زور وهتر

وقوله «تلك عرساى» مبتدأ وخبر ، و «عرساى» مثنى عرس ، مضاف إلى الياء ، والعرس - بالكسر - الزوجة : أى هما عرساى ، ويجوز أن يخالف اسم الاشارة المشار إليه كقوله تعالى : (عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ) والهجر - بالضم - الفحش من الكلام ، والهتر : مصدر هتره ، من باب نصر ، إذا مزق عرضه ، وقوله «سالتانى الطلاق» قال الأعلم : هذه لغة معروفة ، وعليه قراءة من قرأ (سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ) وروى «تسألانى الطلاق» فلا شاهد فيه ، وقوله «قد جئتمانى بنكر» التفات من الغيبة إلى الخطاب ، والنّكر - بالضم - الأمر القبيح ، وروى أيضا :

سالتانى الطّلاق أن رأتانى

قلّ ما لى قد جئتمانى بنكر

وهما من أبيات قد شرحناها مفصلة مع ترجمة قائلها ، والاختلاف فيه ؛ فى الشاهد الثامن والسبعين بعد الأربعمائه من شواهد شرح الكافية


وأنشد بعده - وهو الشاهد الرابع والستون بعد المائة ، وهو من شواهد سيبويه - : [من البسيط]

164 - سالت هذيل رسول الله فاحشة

ضلّت هذيل بما قالت ولم تصب

لما تقدم قبله ، وتقدم نقل كلام سيبويه فيه

قال المبرد فى الكامل : «وأما قول حسان : سالت هذيل ؛ فليس من لغته سلت أسال مثل خفت أخاف ، وهما يتساولان ؛ هذا من لغة غيره ، وكانت هذيل سألت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يحل لها الزنا ، ويروى أن أسديّا وهذليّا تفاخرا فرضيا برجل ، فقال : إنى ما أقضى بينكما إلا على أن تجعلا لى عقدا وثيقا أن لا تضربانى ولا تشتمانى ؛ فانى لست فى بلاد قومى ، ففعلا ، فقال : يا أخا بنى أسد ، كيف تفاخر العرب وأنت تعلم أنه ليس حى أحب إلى الجيش ولا أبغض إلى الضيف ولا أقل تحت الرايات منكم؟ وأما أنت يا أخا هذيل فكيف تظلم الناس وفيكم خلال ثلاث : كان منكم دليل الحبشة على الكعبة ، ومنكم خولة ذات النّحيين ، وسألتم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يحل لكم الزنا ، ولكن إذا أردتم بيتى مضر فعليكم بهذين الحيين من تميم وقيس ، قوما فى غير حفظ الله» انتهى.

وفى الروض الأنف للسّهيلى : «قوله : سالت هذيل ؛ ليس على تسهيل الهمزة ، ولكنها لغة ، بدليل قولهم : تسايل القوم ، ولو كان تسهيلا لكانت الهمزة بين بين ، ولم يستقم وزن الشعر بها ؛ لأنها كالمتحركة ، وقد تقلب ألفا ساكنة كما قالوا : المنساة ، لكنه شىء لا يقاس عليه ، وإذا كانت سال لغة فى سأل فيلزم أن يكون المضارع يسيل ، ولكن حكى يونس سلت تسال مثل خفت تخاف ، وهو عنده من ذوات الواو ، وقال الزجاج : الرجلان يتسايلان ، وقال النحاس والمبرد : يتساولان ، وهو مثل ما حكى يونس

وقال صاحب مختصر أسد الغابة : إن أبا كبير الهذلى الشاعر أسلم ، ثم أتى النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقال : أحلّ لى الزنا ، فقال : أتحب أن يؤتى إليك مثل ذلك؟ قال : لا ، قال : فارض للناس ما ترضى لنفسك ، قال : فادع الله أن يذهب ذلك عنى ، وقال حسان يذكر ذلك :

سالت هذيل رسول الله فاحشة

ضلّت هذيل بما سالت ولم تصب

سالوا رسولهم ما ليس معطيهم

حتّى الممات وكانوا سبّة العرب

انتهى.

وزاد ابن هشام فى السيرة بعدهما بيتين آخرين ، وهما :

ولن ترى لهذيل داعيا أبدا

يدعو لمكرمة عن منزل الحرب

لقد أرادوا خلال الفحش ويحهم

وأن يحلّوا حراما كان فى الكتب


وأنشد بعده - وهو الشاهد الخامس والستون بعد المائة ، وهو من شواهد سيبويه - : [من الوافر]

165 - وكنت أذلّ من وتد بقاع

يشجّج رأسه بالفهر واجى

على أن أصله واجىء - بالهمز - فقلبت الهمزة ياء لضرورة الشعر عند سيبويه كما تقدم نصه

واعترض عليه الشارح المحقق تبعا لابن الحاجب بأن هذا القلب جائز فى الوقف قياسا ، والقلب فى مثله إنما يكون ضرورة لو كان فى غير الوقف

واعتراض ابن الحاجب فى شرح المفصل ، قال : «وأصله واجىء ، فقلبت الهمزة ياء ، وقد أنشده سيبويه أيضا على ذلك ، وهو عندى وهم ؛ فان هذه الهمزة موقوف عليها ، فالوجه أن تسكن لأجل الوقف ، وإذا سكنت جرها حركة ما قبلها ؛ فيجب أن تقلب ياء ؛ فليس لإيرادهم لها فيما خرج عن القياس من إبدال الهمزة حرف لين وجه مستقيم ، وقد اعتذر لهم عن ذلك بأن القصيدة مطلقة بالياء ، وياء الاطلاق لا تكون مبدلة عن همزة ؛ لأن المبدل عن الهمزة فى حكم الهمزة ؛ فجعلها ياء الاطلاق ضرورة ؛ فصح إيرادهم لها فيما خرج عن القياس فى قلب الهمزة حرف لين ، والجواب أن ذلك لا يدفع كون التخفيف ياء جائزا على القياس ؛

لأن الضرورة فى جعل الياء مبدلة عن الهمزة ياء للإطلاق ، لا أن إبدالها على خلاف القياس ؛ لأنهما أمران متقاطعان ، فتخفيفها إلى الياء أمر ، وجعلها ياء للاطلاق أمر آخر ، والكلام إنما هو فى إبدالها ياء ، ولا ينفع العدول إلى الكلام فى جعلها ياء الاطلاق ، فثبت أن قلبها ياء فى مثل هذا مثل قياس تخفيف الهمزة ، وأن كونها إطلاقا لا يضر فى كونها جارية على القياس فى التخفيف ، نعم يضر فى كونه جعل ما لا يصح أن يكون إطلاقا ، وتلك قضية ثانية ، هذا بعد تسليم أن الياءات والواوات والألفات المنقلبات عن الهمزة لا يصح أن تكون إطلاقا ، وهو فى التحقيق غير مسلم ؛ إذ لا فرق فى حرف الاطلاق بين أن يكون عن همزة وبين أن يكون غير ذلك ، كما فى حرف الردف وألف التأسيس» هذا آخر كلامه

وكأنه لم يقف على ما كتبه الزمخشرى هنا من مناهيه على المفصل ، وهو قوله : «لا يقال : وقف على الهمزة فى واجىء ثم قلبها ياء لكسرة ما قبلها ؛ لأنه لو وقف لوقف على الجيم الذى هو حرف الروى» انتهى.

وهذا تحقيق منه وشرح لمراد سيبويه ؛ لأنه إنما منع الوقوف على الهمزة فى واجىء ؛ لأنه كان يصير حرف الروى همزة ، فيختلف الرويان اختلافا شديدا ؛ بخلاف الإكفاء فى نحو قوله : [من الرجز]

بنىّ إنّ البرّ شىء هيّن

المنطق الّليّن والطّعيّم

فلا يجوز أن يقال : وقف على الهمزة ، وأنه فعل به بعد الوقف على الجيم ما فعل من إسكان الهمزة وقلبها ياء للضرورة ، إنما يقال : أبدل منها إبدالا محضا ولا يخففها التخفيف القياسى ؛ فإن التخفيف القياسى هو إبدالها إذا سكنت بالحرف الذى منه حركة ما قبلها ، نحو راس فى رأس ، وإذا خففت تخفيفا قياسيا كانت فى حكم المحققة ، وإذا كانت فى حكم المحققة اختلف الرويان ، ولذلك أبدلوا فى الشعر ولم يحققوا ؛ خوفا من انكساره ، ومن اختلاف رويه ، وهذا البدل

هو الذى ذكره سيبويه فى قوله : «وقد يجوز فى ذا كله البدل حتى يكون قياسا إذا اضطر الشاعر» وذكر أن البدل فى المفتوحة بالألف وفى المكسورة بالياء وفى المضمومة بالواو ليس بقياس (1)، يريد أن القياس أن تجعل بين بين ، وقلبها على وجه البدل شاذ وهو من ضرورة الشعر ، وقول الزمخشرى «لأنه لو وقف لوقف على الجيم إلخ» يريد أنه إذا أدى الأمر إلى أن تقلب الهمزة ياء صار واجى كقاضى ، وحكم الوقف على المنقوص المنون فى الرفع والجر فى الاختيار حذف الياء والوقف على الحرف الذى قبلها ، نحو هذا قاض ومررت بقاض ، وإن جاز إثبات الياء فيهما ، لكن المختار حذفها

هذا ، والبيت من قصيدة لعبد الرحمن بن حسان بن ثابت رضى الله عنه هجا بها عبد الرحمن بن الحكم بن أبى العاص وكان يهاجيه ، وقبله :

وأمّا قولك الخلفاء منّا

فهم منعوا وريدك من وداجى

ولولاهم لكنت كحوت بحر

هوى فى مظلم الغمرات داجى

وكنت أذلّ من وتد بقاع

... البيت

افتخر ابن الحكم على ابن حسّان بأن الخلفاء منا لا منكم ؛ وأن الخلافة فى قريش ، وبنو أمية منهم ، وابن حسان من الأنصار ، والأنصار هم الأوس والخزرج ، وهم من أزد غسّان من عرب اليمن قحطان.

والوريد : عرق غليظ فى العنق ، وهما وريدان فى صفحتى مقدّم العنق ، ويقال له : الودج - بفتحتين - والوداج أيضا بكسر الواو ، والودجان : عرقان غليظان يكتنفان نقرة النحر يمينا وشمالا ، وقيل : هما عرقان فى العنق يتفرعان من الوريدين ، ويقال للودج الأخدع أيضا ، والأخدعان : الودجان ، وقوله «وداجى» كذا جاء بالإضافة إلى الياء ، والوداج : مصدر وادج ، فاعل ،


1) انظر كتاب سيبويه (ح 2 ص 159)

وليس بمراد ، وإنما المراد مصدر وادج كسافر بمعنى سفر ، يقال : ودجت الدابة ودجا - من باب وعد - إذا قطعت ودجها ، وهو لها كالفصد للانسان ، ولو روى وداج ، بدون ياء ، لحمل على أنه جمع ودج ، كجمال جمع جمل ، وقدر مضاف : أى صفع وداج ، ونحوه ، ويكون الجمع باعتبار ما حوله ، يقول : لو لا أن الخلفاء من قومك وقد احتميت بهم لذبحتك أو لصفعتك على أخدعيك ؛ والغمرات : جمع غمرة - بالفتح - وهى قطع الماء التى بعضها فوق بعض ، وداجى : أسود ؛ من دجا الليل يدجو دجوا إذا أظلم ، يريد لولاهم لكنت خاملا لعدم نباهتك مختفيا لا يراك أحد كالحوت فى البحر لا يرى لعمقه وتكاثف المياه عليه ، ورواه شراح أبيات المفصل ولولاهم لكنت كعظم حوت وقالوا : لكنت كعظم سمكة وقع فى البحر لا يشعر به.

وقوله «وكنت أذلّ الخ» الوتد : بفتح الواو وكسر التاء ، والقاع المستوى من الأرض ، ويشجج : مبالغة يشجّ رأسه ؛ إذا جرحه وشق لحمه ، والفهر - بكسر الفاء - : الحجر ملء الكف ، ويؤنث ، والواجى : الذى يدق ، اسم فاعل من وجأت عنقه - بالهمز - إذا ضربته ؛ وفى أمثال العرب «أذلّ من وتد بقاع» لأنه يدق ومن أمثالهم أيضا «أذلّ من حمار مقيّد» وقد جمعهما الشاعر فقال : [من البسيط]

ولا يقيم بدار الذّلّ يألفها

إلّا الأذلّان عير الدّار والوتد

هذا على الخسف مربوط برمّته

وذا يشجّ فلا يرثى له أحد

وقال المبرد فى الكامل : «كانا يتهاجيان ، فكتب معاوية إلى مروان بن الحكم أن يؤدبهما ، وكانا تقاذفا ، فضرب ابن حسان ثمانين ، وضرب أخاه عشرين ، فقيل لابن حسان : قد أمكنك فى مروان ما تريد ، فأشد بذكره وارفعه إلى

معاوية ، فقال : والله إذن لا أفعل وقد حدّنى حد الرجال الأحرار وجعل أخاه كنصف عبد ، فأوجعه بهذا القول :


وأنشد الجاربردى هنا - وهو الشاهد السادس والستون بعد المائة ، وهو من شواهد سيبويه - : [من الرجز]

166 - وأمّ أو عال كها أو أقربا

على أن دخول الكاف على الضمير شاذ فى الاستعمال ، لا فى القياس ؛ إذ القياس أن يدخل الكاف على الاسم ، ظاهرا كان أو مضمرا ، كسائر حروف الجر ،

والبيت من أرجوزة للعجاج ، وقبله :

خلّى الذّنابات شمالا كثبا

وهذا فى وصف حمار الوحش أراد أن يرد الماء مع أتنه فرأى الصياد ، وفاعل «خلّى» ضمير ، وهو مضمن معنى جعل ، والذّنابات : مفعوله الأول ، وشمالا : ظرف فى موضع المفعول الثانى ، والذنابات : جمع ذنابة - بالكسر - وهو آخر الوادى ينتهى إليه السيل ، والكثب - بفتح الكاف والمثلثة - : القرب ، وأراد القريب ، وأم أوعال : قيل بالنصب معطوف على الذّنابات ، وقيل مرفوع بالابتداء ، و «كها» الجار والمجرور فى موضع خبر المبتدأ ، و «أقرب» معطوف على مدخول الكاف ، وأم أوعال : هضبة فى ديار بنى تميم ، والهضبة : الجبل المنبسط على وجه الأرض ، وضمير «كها» للذّنابات

وقد تكلمنا عليه بأبسط من هذا فى الشاهد السادس والثلاثين بعد الثمانمائة من شواهد شرح الكافية.


وأنشد أيضا بعده - وهو الشاهد السابع والستون بعد المائة - [من الطويل] :

167 - ويستخرج اليربوع من نافقائه

ومن جحره بالشّيحة اليتقصّع

على أن دخول «أل» على الفعل شاذ مخالف للقياس والاستعمال ؛ إذ هى خاصة بالاسم ، وصوابه فيستخرج بالفاء السببية ، ونصبه بأن مضمرة بعدها ، وبالبناء للمفعول ، و «اليربوع» نائب الفاعل ، وهو دويبّة تحفر الأرض ، وله جحران : أحدهما القاصعاء ، وهو الذى يدخل فيه ، وثانيهما النافقاء ، وهو الجحر الذى يكتمه ويظهر غيره ، وهو موضع يرققه ؛ فإذا أتى من قبل القاصعاء ضرب النافقاء برأسه ؛ فانتفق : أى خرج ، والجحر - بضم الجيم - يطلق على مأوى اليربوع والضب والحية ، وقوله «بالشّيحة» رواه أبو عمرو الزاهد وغيره تبعا لابن الأعرابى «ذى الشيحة» وقال : لكل يربوع شيحة عند جحره ، ورد عليه أبو محمد الأعرابى فى «ضالّة الأديب» : صوابه بالشيخة - بالخاء المعجمة - وهى رملة بيضاء فى بلاد بنى أسد وحنظلة ، وقوله «اليتقصّع» رواه الرياشى بالبناء للمفعول ، يقال : تقصّع اليربوع دخل فى قاصعائه ؛ فيكون صفة للجحر ، وصلته محذوفة : أى من جحره الذى يتقصع فيه ، وروى بالبناء للفاعل ؛ فيكون صفة اليربوع ، ورواه أبو زيد فى نوادره «المتقصّع» باسم المفعول ؛ فيكون من صفة اليربوع أيضا ، لكن فيه حذف الصلة.

والبيت من أبيات شرحناها شرحا وافيا فى أول شاهد من شواهد شرح الكافية


وأنشد بعده - وهو الشاهد الثامن والستون بعد المائة ، وهو من شواهد سيبويه - : [من الطويل]

168 - أيا ظبية الوعساء بين جلاجل

وبين النّقا آأنت أم أمّ سالم

على أنه فصل بين الهمزتين بألف

قال سيبويه. «ومن العرب ناس يدخلون بين ألف الاستفهام وبين الهمزة ألفا إذا التقتا ، وذلك أنهم كرهوا التقاء همزتين ففصلوا ، كما قالوا : اخشينانّ ؛ ففصلوا بالألف كراهية التقاء هذه الحروف المضاعفة ، قال ذو الرمة :

أيا ظبية الوعساء بين جلاجل

... البيت» اه (1)

وبزيادة الألف يكون قوله «نقا آ أن» مفاعيلين ، جزءا سالما ، ويجوز أن تحقق الهمزتان بلا زيادة ألف فيكون قوله «نقا أ أن» مفاعلن ؛ جزءا مقبوضا ، وأورده الشارح والزمخشرى فى المفصل تبعا لسيبويه بزيادة الألف ؛ لأنه معها يمتد الصوت ويكون جزءا سالما ، وهو أحسن ، وحملا على الأصل ؛ لأن الزحاف فرع ومراعاة الأصل أولى ؛ وأما البيت بعده فلا يستقيم إلا بإقحام الألف بين الهمزتين ، قال أبو على فى كتاب الشعر : فيه حذف خبر المبتدأ ، التقدير أ أنت هى أم أمّ سالم ، فان قلت : فما وجه هذه المعادلة؟ وهل يجوز أن يشكل هذا عليه حتى يستفهم عنه ، وهو بندائه لها قد أثبت أنها ظبية الوعساء؟ ألا ترى أنه لو نادى رجلا بما يوجب القذف لكان فى ندائه له بذلك كالمخبر عنه؟ فكذلك إذا قال : يا ظبية الوعساء قد أثبتها ظبية للوعساء ، وإذا كان كذلك فلا وجه لمعادلته إياها بأم سالم حتى يصير كأنه قال : أيكما أمّ سالم؟ فالقول فى ذلك أن المعنى على شدة المشابهة من هذه الظبية لأم سالم ؛ فكأنه أراد التبستما على واشتبهتما ، حتى لا أفصل بينكما ؛ فالمعنى على هذا الذى ذكرناه شدة المشابهة ، لأنه ليس ظبية الوعساء من أم سالم ... إلى آخر ما ذكره»

والبيت من قصيدة طويلة لذى الرمة ، وقبله :


1) انظر كتاب سيبويه فى (ح 2 ص 168)

أقول لدهناويّة عوهج جرت

لنا بين أعلى عرفة فالصّرائم

وبعده :

هى الشّبه إلّا مدرييها وأذنها

سواء وإلّا مشقة فى القوائم

وقوله «أقول لدهناوية» أى : لظبية منسوبة إلى الدهناء - بالمد وبالقصر وهو موضع فى بلاد تميم ، والعوهج - بفتح العين المهملة وآخره جيم - : الطويلة العنق ، وجرت : سنحت ، والعرفة - بضم العين المهملة وبالفاء - : القطعة المشرفة من الرمل ، والصرائم : قطع من الرمل ، جمع صريمة ، وقوله «أيا ظبية الخ» هو مقول القول ، ويروى «فيا ظبية» - بالفاء - وليس بالوجيه ، والوعساء : الرابية اللينة من الرمل ، ويقال : الوعساء : الأرض اللينة ذات الرمل ، والمكان أوعس ، و «جلاجل» بجيمين أولاهما مضمومة ، وروى بفتحها أيضا ، وروى «حلاحل» - بمهملتين أولاهما مضمومة - وهو اسم مكان ، والنقا : التل من الرمل ، وأم سالم : هى محبوبته ، وقوله «هى الشّبه إلخ» المدرى - بكسر الميم وسكون الدال المهملة - : القرن ، والمشقة : الدّقة ، يقال : فلان ممشوق الجسم : أى دقيق خفيف ، يقول : هى أشبه شىء بأم سالم إلا قرنيها وأذنيها ، وإلا حموشة (1)

وحمش القوائم حدب لظّهور

طرقن بليل فأرّقننى

فى قوائمها ، فأما العنق والعين والملاحة فهى شبيهة بها ، قال الأصمعى فى شرح ديوانه هنا : «يقال : إن مسعودا أخاه وهشاما عابا عليه كثرة تشبيهه المرأة بالظبية ، وقيله : إنها دقيقة القوائم ، وغير ذلك ، فقال هذه القصيدة ، واستثنى هذا الكلام فيها»

وأنشد بعده - وهو الشاهد التاسع والستون بعد المائة - : [من الطويل]


1) الحموشة : الدقة ، قال الشاعر يصف براغيث :

169 - حزقّ إذا ما النّاس أبدوا كاهة

تفكّر آ إيّاه يعنون أم قردا

لما تقدم قبله

والبيت أورده أبو زيد فى كتاب الهمز ، وقال : وبعض العرب يقول : يا زيد ؛ آ أعطيت فلانا؟ فيفرق بين الهمزتين بالألف الساكنة ، ويحققهما ، قال الشاعر :

حزقّ إذا ما القوم أبدوا فكاهة

... البيت

وأورده ابن جنى فى سر الصناعة ، والزمخشرى فى المفصل

و «الحزق» بضمتى الحاء المهملة والزاى المعجمة وتشديد القاف ، فسره أبو زيد بالقصير ، وكذا فى العباب. قال : والحزقّ والحزقّة القصير ، قال جامع بن عمرو بن مرخية الكلابى :

وليس بحوّاز لأحلاس رحله

ومزوده كيسا من الرّأى أو زهدا

حزقّ إذا ما القوم ...

... البيت

وفى حديث النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه كان يرقّص الحسن أو الحسين رضى الله عنهما ، ويقول : حزقّة حزقّه ترقّ عين بقّه ؛ فترقى الغلام حتى وضع قدميه على صدره عليه الصلاة والسّلام ، قال ابن الأنبارى : حزقّة حزقّه : معناها المداعبة والترقيص له ، وهى فى اللغة الضعيف الذى يقارب خطوه من ضعف بدنه ؛ فقال له النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم ذلك لضعف كان فيه فى ذلك الوقت ، قال : والحزقّة فى غير هذا الضّيق (1)

وأعجبنى مشى الحزقّة الد

كمشى أتان حلّئت المناهل

، قالها الأصمعى ، وقال أبو عبيدة : الحزقة القصير العظيم البطن الذى إذا مشى أدار أليته ، ومعنى ترقّ : أى اصعد ، عين بقّه : أى

1) قد أطلق الضيق فى عبارة الأصمعى هنا ، ولكن قيده صاحب اللسان فقال : «قال الأصمعى : رجل حزقة ، وهو الضيق الرأى من الرجال والنساء وأنشد بيت امرىء القيس :

يا صغير العين ؛ لأن عين البقة نهاية فى الصغر» انتهى

وهذان البيتان من قصيدة لجامع المذكور أورد منها أبو محمد الأعرابىّ فى ضالة الأديب ثلاثة عشر بيتا وهى هذه :

تعالى بأيد ذارعات وأرجل

منكّبة روح يخدن بنا وخدا

سعالى ليل ما تنام وكلّفت

عشيّة خمس القوم هاجرة صخدا

فجئن بأغباش وما نزل القطا

قراميص مأواه وكان لها وردا

وجئن ينازعن الأزمّة مقدما

محاويق قد لاقت ملاويحها جهدا

إلى طاميات فوقها الدّمن لم نجد

لهنّ بأوراد ولا حاضر عهدا

فشنّ عليها فى الإزاء بسفرة

فتى ماجد تثنى صحاباته حمدا

كأنّهم أربابه وهو خيرهم

إذا فزعوا يوما وأوراهم زندا

وأجدرهم أن يعمل العيس تشتكى

مناسمها فى الحجّ أو قائدا وفدا

خفيف لهم فى حاجهم وكأنّما

يعدّون للأبطال ذا لبدة وردا

إذا ما دعوا للخير أو لحقيقة

دعوا رعشنيّا لم يكن خاله عبدا

وليس بحوّاز لأحلاس رحله

ومزوده كيسا من الرأى أو زهدا

حزقّ إذا ما القوم أبدوا فكاهة

تذكر آ إيّاه يعنون أم قردا

ولا هجرع سمج إذا مات لم يجد

به قومه فى النّائبات له فقدا

وقوله «تعالى بأيد» أى : تتعالى وترتفع الإبل بأيد ، ذارعات : أى مسرعات ، والذرع والتذريع : تحريك الذراعين فى المشى ، و «منكّبة» اسم فاعل من نكب تنكيبا ؛ إذا عدل عن الطريق ، ويقال : نكب عن الطريق ينكب نكوبا ، بالتخفيف أيضا ، وروح : جمع أروح ، وروحاء ، من الرّوح - بفتحتين ومهملتين - وهو سعه فى الرجلين ، وهو أن تتباعد صدور القدمين وتتدانى العقبان ، والوخد - بالخاء المعجمة - : ضرب من سير الإبل ، وهو رمى القوائم

كمشى النعام ، وقوله «سعالى ليل» أى : كسعالى ليل ، شبه الإبل بالسّعلاة ، وهى أنثى الغول وأخبثها ، وأضافها إلى الليل لكمال قوتها فيه ، و «كلّفت» بالبناء للمفعول ، والخمس - بالكسر - هو أن ترد الإبل الماء يوما ولا ترد بعده إلا فى اليوم الخامس ؛ فيكون صبرها عن الماء ثلاثة أيام ، والهاجرة : نصف النهار عند اشتداد الحر ، وأراد كلّفت سير هاجرة ، والصّخد - بالصاد المهملة والخاء المعجمة - : مصدر بمعنى اسم الفاعل ، يقال : صخدته الشمس ، من باب منع : أى أصابته وأحرقته ، وقوله «فجئن بأغباش» : أى جاءت الإبل بأغباش جمع غبش - بفتحتين - وهو البقية من الليل ، ويقال : ظلمة آخر الليل ، والقطا أسبق الطير إلى الماء ، والقراميص : حفر صغار يستكنّ فيها الإنسان من البرد ، الواحد قرموص ، والورد - بالكسر - : ورود الماء ، يريد أن الإبل سبقت القطا إلى الورد ، وقوله «وجئن ينازعن إلخ» أى يجاذبن ، والأزمّة : جمع زمام ، والمقدم : اسم فاعل من أقدم إذا جدّ ، وهو المنازع منه ، و «محاويق» حال من فاعل ينازعن ، وهو جمع محوقة - بالفتح - وهى التى دعكها السفر وأتعبها ، اسم مفعول من حاقه يحوقه حوقا ، وهو الدلك والتمليس ، و «ملاويحها» فاعل لافت ؛ جمع ملواح - بالكسر - وهى الشديدة العطش ، من لاح لوحا من باب نصر ؛ إذا عطش ، ولاحه السفر : أى غيره ، والجهد : المشقة ، وقوله «إلى طاميات» أى : جاءت الإبل إلى مياه طاسيات : أى مرتفعات فى الأحواض ، من طما الماء يطمو طموّا - بالطاء المهملة - إذا ارتفع وملأ النهر ، والدّمن - بكسر الدال - : البعر ، وماء متدمن ؛ إذا سقط فيه أبعار الإبل والغنم ، وأوراد : جمع ورد - بالكسر - والورد هنا. القوم الذين يردون الماء ، والحاضر : المقيم ، يقال : على الماء حاضر ، وقوم حضّار ؛ إذا حضروا المياه ، وقوله «فشنّ عليها» أى : على الإبل ، وشنّ الماء على الشراب : أى فرّقه عليه ، والإزاء - بكسر

الهمزة بعدها زاى معجمة والمد - : مصب الماء فى الحوض ، قال أبو زيد : هو صخرة ، وما جعلت وقاية على مصب الماء حين يفرغ الماء ، والسّفرة - بالضم - الجلدة التى يؤكل عليها الطعام ، و «فتى» فاعل شن ، و «تثنى» من الثناء وهو الذكر الجميل ، و «أربابه» ساداته ، والمناسم : جمع منسم - كمجلس - : طرف خف البعير ، وحاج : جمع حاجة ، و «يعدّون» من أعدّه لكذا : أى هيأه ، و «ذالبدة» مفعوله ، أراد به الأسد ، واللبدة - بكسر اللام - وهو الشعر المتلبد بين كتفى الأسد ، قال صاحب الصحاح : الورد : الذى يشمّ ، وبلونه قيل للأسد ورد ، وللفرس ورد ، وقوله «إذا ما دعوا إلخ» أراد إذا دعا القوم لبذل الخير أو لحماية حقيقة ، وأراد به من يحق عليه حمايته من عشيرة وغيرها ، والرعشى : المسرع ، وقوله «وليس بحوّاز إلخ» هو مبالغة حائز ، من حاز الشىء ؛ إذا جمعه ، والأحلاس : جمع حلس - بالكسر - : أثاث البيت ، والرّحل : المنزل والمأوى ، ومزوده معطوف على أحلاس ، والمزود - بالكسر - : ما يجعل فيه الزاد ، وهو طعام السفر ، وكيسا : مفعول لأجله : أى لا يحوز : إمّا لكيسه وإما لزهده ، والكيس : الكياسة ، وهى خلاف الحمق ، وقوله «حزق» بالجر صفة لحوّاز ، والفكاهة - بالضم - المزاح وانبساط النفس ، يقول : هو ليس ممن إذا تمازح القوم تفكر أيعنونه ويريدونه أم يعنون القرد لشبهه به ، فيشتبه عليه الأمر ، وقوله «ولا هجرع» بالجر معطوف على حزقّ ، والهجرع بكسر الهاء والراء (1)وسكون الجيم بينهما ، وهو الطويل ، و «سمج» صفته من السماجة ، أى : ليس بطويل قبيح ، وقوله «إذا مات إلخ» يقول : هو ليس ممن لا يبكى عليه قومه فى الشدائد بعد موته ، بل يبكون عليه ؛ لأنه يدفع عنهم نوائب الدهر.


1) هجرع : فيها لغتان حكاهما صاحب القاموس : إحداهما كدرهم ، والثانية كجعفر ، وليس فيها كسر الراء كما يتوهم من عبارة المؤلف

الإعلال

أنشد فيه - وهو الشاهد السبعون بعد المائة - : [من الوافر]

170 - أعارت عينه أم لم تعارا

على أنه قد يعل باب فعل من العيوب ، فإن عارت أصله عورت - بكسر الواو - فقلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ، وهو قليل ، والكثير عور يعور ؛ لأنه فى معنى اعورّ يعورّ ؛ فلما كان اعورّ لا بد له من الصحة لسكون ما قبل الواو صحت العين فى عور وحول ونحوهما ؛ لأنها قد صحت فيما هو بمعناها ؛ فجعلت صحة العين فى فعل أمارة لأنه فى معنى افعلّ

قال سيبويه : لم يذهب به مذهب افعلّ ؛ فكأنه قال : عارت تعور ، ومن قال هكذا فالقياس أن يقول : أعار الله عينه ، وقد رواه صاحب الصحاح - وتبعه صاحب العباب - بالعين المهملة والغين المعجمة ، ومعنى عارت عينه صارت عوراء ، وقالا فى المعجمة : وغارت عينه تغور غورا وغؤورا : دخلت فى الرأس ، وغارت تغار لغة فيه ، وصدره عنده :

وسائلة بظهر الغيب عنّى

أى : رب سائلة

وأنشده ابن قتيبة فى أدب الكاتب :

تسائل بابن احمر من رآه

على أن الباء بمعنى عن

قال الجواليقى فى شرحه : «عمرو بن أحمر من باهلة ، وهو أحد عوران قيس ، وهم خمسة شعراء : تميم بن أبىّ بن مقبل ، والراعى ، والشماخ ، وحميد بن ثور ، وابن أحمر ، يقول : تسائل هذه المرأة عن ابن أحمر أصارت عينه عوراء أم لم تعورّ؟ يقال : عارت العين وعرتها أنا وعوّرتها ، ويروى تعارا - بفتح التاء

(ق 2 - 23)

وكسرها - وهى لغة فيما كان مثله ، وأراد تعارن بالنون الخفيفة - التى للتأكيد فأبدل منها ألفا لينه للوقف» انتهى.

وروى ابن دريد صدره فى الجمهرة

وربّت سائل عنىّ حفىّ

قال : وربما قالوا : ربت فى معنى ربّ ، وأنشد البيت

و «الحفى» بالحاء المهملة والفاء : المستقصى فى السّؤال

وقال ابن السّيد فى شرح أدب الكاتب : «هذا البيت لعمرو بن أحمر ، وهذا من الشعر الذى يدل على قائله ، ويغنى عن ذكره ، ووقع فى شعره : وربّت سائل عنّى حفىّ ، وهو الصحيح ؛ لأنه ليس قبل هذا البيت مذكور يعود إليه الضمير من قوله : تسائل ، ولعل الذى ذكر ابن قتيبة رواية ثانية مخالفة للرواية التى وقعت إلينا من هذا الشعر ، وبعد هذا البيت :

فإن تفرح بما لاقيت قومى

لئامهم فلم أكثر حوارا

والحوار - بالحاء المهملة - : مصدر حاورته فى الأمر إذا راجعته فيه ، يقول : لم أكثر مراجعة من سرّ بذلك من قومى ، ولا أعنفه فى سروره لما أصابنى ، وكان رماه رجل يقال له مخشىّ بسهم ففقأ عينه ، وفى ذلك يقول : [من البسيط]

شلّت أنامل مخشىّ فلا جبرت

ولا استعان بضاحى كفّه أبدا

أهوى لها مشقصا حشرا فشبرقها

وكنت أدعو قذاها الإثمد القردا

أعشو بعين وأخرى قد أضرّ بها

ريب الزّمان فأمسى ضوءها خمدا

وقوله «أم لم تعارا» قياسه أن يقول : أم لم تعر كلم تخف ، ولكنه أراد النون الخفيفة» انتهى كلامه

واورده ابن عصفور فى الضرائر قال : «ومنها ردّ حرف العلة المحذوف لالتقاء

الساكنين اعتدادا بتحريك الساكن الذى حذف من أجله وإن كان تحريكه عارضا ، كقوله :

أعارت عينه أم لم تعارا

كان الوجه لم تعر ؛ إلا أنه اضطر فرد حرف العلة المحذوف واعتد بتحريك الآخر وإن كان عارضا ، ألا ترى أن الراء من تعارا إنما حركت لأجل النون الخفيفة المبدل منها الألف؟ والأصل لم تعرن ، ولحقت النون الخفيفة الفعل المنفى بلم كما لحقته فى قول الآخر :

يحسبه الجاهل ما لم يعلما»

انتهى

ولم يتصل خبر عور عينه بسهم إلى بعض فضلاء العجم فقال فى شرح أبيات المفصل : «وأراد بغؤور العين ما هو سببه ، وهو الهزال والنحافة ، فسألت عنه أنحف جسمه وضعف بعدى أم هو على حاله؟» هذا كلامه ، وظن أن هذا الكلام من التغزل ، وأجحف ابن المستوفى وظن أن عينيه عورتا فحمل عارت عينه على الواحدة وتعارا على العينين ، واعتذر للإفراد أولا بأن كل شىء لا يخلو عن قرين يجوز أن يعبّر [فيه] بالواحد عن الاثنين ، فالألف فى «تعارا» على قوله ضمير تثنية ، والجزم بحذف النون ، وتندفع الضرورتان عنه برد الألف والتوكيد مع لم ، لكنه خلاف الواقع

وعمرو بن أحمر شاعر مخضرم إسلامى قد ترجمناه فى الشاهد الستين بعد الأربعمائة من شواهد شرح الكافية


وأنشد الجاربردى هنا - وهو الشاهد الواحد والسبعون بعد المائة - : [من الرجز]

171 - أىّ قلوص راكب تراها

طاروا علاهنّ فطر علاها

على أن القياس عليهنّ وعليها ؛ لكن لغة أهل اليمن قلب الياء الساكنة المفتوح ما قبلها ألفا ، وهذا الشعر من كلامهم

كذا أوردهما الجوهرى فى الصحاح ، وهما من رجز أورده أبو زيد فى نوادره نقلناه وشرحناه فى الشاهد الثامن عشر بعد الخمسمائة من شواهد شرح الكافية

وقوله «أى قلوص راكب» باضافة قلوص إلى راكب ، و «أى» استفهاميه تعجبية ، وقد اكتسبت التأنيث من قلوص ، ولهذا أعاد الضمير إليها مؤنثا ، و «أى» منصوب ، من باب الاشتغال ، ويجوز رفعه على الابتداء ، والقلوص - بفتح القاف - : الناقة الشابة ، وطاروا : أسرعوا


وانشد بعده : [من المنسرح]

نستوقد النّبل بالحضيض ونصطاد نفوسا بنت على الكرم

وتقدم شرحه فى الشاهد التاسع عشر من هذا الكتاب


وانشد بعده - وهو الشاهد الثانى والسبعون بعد المائة ، وهو من شواهد سيبويه - : [من مجزوء الكامل]

172 - عيّوا بأمرهم كما

عيّت ببيضتها الحمامه

جعلت لها عودين من

نشم وآخر من ثمامه

على أنه أدغم المثلان جوازا فى عيّوا

قال سيبويه : «وقد قال بعضهم : حيّوا وعيّوا لمّا رأوها فى الواحد والاثنين والمؤنث ؛ إذا قالوا : حيّت المرأة ؛ بمنزلة المضاعف من غير الياء ، أجروا الجمع على ذلك ؛ قال الشاعر :

عيّوا بأمرهم ... البيت (1)»


1) انظر الكتاب (ح 2 ص 387)

قال الأعلم : «الشاهد فيه إدغام عيّوا وجعله كالمضاعف الصحيح السالم من الإعلال والحذف ؛ لإدغامه»

والبيتان من قصيدة لعبيد بن الأبرص الأسدىّ خاطب بها حجرا أبا امرىء القيس ، واستعطفه لبنى أسد ، وذلك أن حجرا كان يأخذ منهم إتاوة فمنعوه إياها فأمر بقتلهم بالعصى ؛ فلذلك سموا عبيد العصى ، ونفى من نفى منهم إلى تهامة ، وأمسك منهم عمرو بن مسعود وعبيد بن الأبرص وحلف أن لا يساكنوه ، فلما خاطبه بها رق لهم حجر ، وأمر برجوعهم إلى منازلهم ؛ فاضطغنوا عليه ما فعل بهم فقتلوه ، وأولها :

يا عين ما فابكى بنى

أسد هم أهل النّدامه (1)

«يا عين فابكى ما بنى»

أهل القباب الحمر والنّعم

المؤبّل والمدامه

وذوو الجياد الجرد والأسل

المثقّفة المقامه (2)

حلّا أبيت اللّعن حللا

إنّ فيما قلت آمه

فى كلّ واد بين

يثرب فالقصور إلى اليمامه

تطريب عان أو صيا

ح محرّق وزقاء هامه (3)

ومنعتهم نجدا فقد

حلّوا على وجل تهامه

عيّوا بأمرهم كما

عيّت ببيضتها الحمامه (4)

«برمت بنو أسد كما

برمت ببيضتها الحمامه»

جعلت لها عودين من

نشم وآخر من ثمامه


1) رواية الأغانى

2) رواية الأغانى «وذوى الجياد»

3) رواية الأغانى «أو صوت هامه»

4) رواية الأغانى

فنمت بها فى رأس شا

هقة على فرع البشامه

إمّا ترت تركت عفوا

أو قتلت فلا ملامه

أنت المليك عليهم

وهم العبيد إلى القيامه

ذلّوا وأعطوك القيا

د كذلّ أدبر ذى حزامه (1)

ذلّوا بسوطك مثلما

ذلّ الأشيقر ذى الخزامه

والخزامة - بكسر الخاء المعجمة - : برة تجعل فى أنف البعير ليذل ويقاد

قوله «يا عين ما فابكى» ما : زائدة ، والنعم : المال الراعى ، وهو جمع لا واحد له من لفظه ، وأكثر ما يقع على الأبل ، قال أبو عبيد : النعم : الجمال فقط ، وقيل :

الإبل خاصة (2)، يؤنث ويذكر ، وهو هنا مذكر لوصفه بالمؤبّل ، باسم المفعول ، ومعناه المقتنى ، يقال : أبّل الرجل تأبيلا : أى اتخذ إبلا واقتناها ، والأسل : القنا ، والتثقيف : التعديل ، والمقامة : اسم مفعول من أقام الشىء بمعنى عدّله وسواه ، وفى العباب : يقال : حلّا : أى استثن ، ويا حالف اذكر حلّا ، قال عبيد بن الأبرص لأبى امرىء القيس - وحلف أن لا يساكنوه - :

حلّا أبيت اللّعن ... البيت

و «آمه» وفيه أيضا فى مادة (أوم) : الآمة العيب ، وأنشد البيت أيضا ، وطرّب تطريبا : أى مدّ صوته ، والعانى : الأسير ، والزّقاء - بضم الزاى المعجمة بعدها قاف - : صياح الديك ونحوه ، و «الهامة» تزعم العرب أن روح القتيل الذى لم يدرك بثأره تصير هامة - وهو من طيور الليل - فتزقو تقول : اسقونى اسقونى (3)

يا عمرو إلّا تدع شتمى منقصتى

أضربك حتّى تقول الهامة سقونى

؛ فاذا أدرك بثأره طارت ، وقوله «عيّوا بأمرهم» الضمير لبنى أسد ،

1) فسر المؤلف الحزامة على أنها بالحاء المهملة مفتوحة ، والذى فى الأغانى :

2) هذا مقابل لقول لم يذكر ، وهو : النعم يطلق على الأبل والبقر والغنم

3) قال ذو الأصبع العدوانى :

وفى الصحاح : يقال : عىّ بأمره وعييى إذا لم يهتد لوجهه ، والإدغام أكثر ، وأنشد البيت ، والنشم - بفتح النون والشين المعجمة - : شجر يتخذ منه القسّىّ ، والثمام - بضم المثلثة - : نبت ضعيف له خوص أو شبيه بالخصوص ، وربما حشى به وسد به خصاص البيوت ، الواحدة ثمامة

قال ابن السيّد فى شرح أبيات أدب الكاتب : «أصحاب المعانى يقولون :

إنه أراد جعلت لها عودين : عودا من نشم ، وآخر من ثمامة ؛ فحذف الموصوف وأقام صفته مقامه ؛ فقوله : وآخر ؛ على هذا التأويل ليس معطوفا على عودين ؛ لأنك إن عطفته عليهما كانت ثلاثة ، وانما هو معطوف على الموصوف الذى حذف وقامت صفته مقامه ؛ فهو مردود على موضع المجرور ، وهذا قبيح فى العربية ؛ لأن إقامة الصفة مقام الموصوف إنما يحسن فى الصفات المحضة ؛ فإذا لم تكن محضة وكانت شيئا ينوب مناب الصفة من مجرور أو جملة أو فعل لم يجز إقامتها مقام الموصوف ؛ لا يجوز جاءنى من بنى تميم وأنت تريد رجل من بنى تميم ، وقد جاء شىء قليل من ذلك فى الشعر ، وأما تشبيه أمر بنى أسد بأمر الحمامة فتلخيصه أنه ضرب النشم مثلا لذوى الحزم وصحة التدبير ، وضرب الثّمام مثلا لذوى العجز والتقصير ؛ فأراد أن ذوى العجز منهم شاركوا ذوى الحزم فى آرائهم فأفسدوا عليهم تدبيرهم ؛ فلم يقدر الحكماء على إصلاح ما جناه السفهاء ، كما أن الثمام لما خالط النشم فى بنيان العش فسد العش وسقط ؛ لو هن الثمام وضعفه ، ولم يقدر النشم على إمساكه بشدته وقوته» هذا كلامه

وفيه نظر من وجهين : أما أولا : فلأنه لا ضرورة فى تخريجه على الضرورة ، ولا مانع فى المعنى من عطف «آخر» على عودين ؛ إذ المراد جعلت عشها من هذين الجنسين : النشم ، والثمامة : سواء كان أحدهما أكثر من الآخر أم لا ، وليس المراد أنها لم تجعله سوى عودين لعدم ؛ إمكانه بديهة ، والمراد من العدد القلة لا ظاهره ،

وأما ثانيا : فلأنه ليس معنى التشبيه على ما ذكره ، وإنما المراد من تشبيههم بها عدم الاهتداء لصلاح الحال

قال الأعلم : «وصف خرق قومه وعجزهم عن أمرهم ، وضرب لهم مثلا بخرق الحمامة وتفريطها فى التمهيد لعشها ؛ لأنها لا تتخذ عشها إلا من كسار العيدان ؛ فربما طارت عنها فتفرق عشها وسقطت البيضة فانكسرت ، ولذلك قالوا فى المثل : أخرق من حمامة ، وقد بين خرقها فى بيت بعده ، وهو : جعلت لها عودين ... البيت : أى : جعلت لها مهادا من هذين الصنفين من الشجر ، ولم يرد عودين فقط ولا ثلاثة كما يتأول بعضهم ؛ لأن ذلك غير ممكن» انتهى.

واستدل ابن يسعون والصّقلىّ وجماعة ممن شرح أبيات الإيضاح الفارسىّ على أنه لا بد من حذف الموصوف بأن العرب فيما زعموا لا تقول : ما رأيت رجلين وآخر ؛ لأن آخر إنما يقابل به ما قبله من جنسه : من إفراد أو تثنية أو جمع ؛ فلزم لذلك أن يكون التقدير عودا من نشم وآخر من ثمامة ، حتى يكون قد قابل مفردا بمفرد ، وهو الذى ذكروا من أنه إنما يكون على وفق ما قبله من إفراد أو تثنية أو جمع ، هذا ما قالوه ، وهو ليس بصحيح ؛ بدليل قول ربيعة بن مكدّم : [من الكامل]

*ولقد شفعتهما بآخر ثالث (1)

وأبى الفرار لى الغداة تكرّمى

*

ألا ترى أنه قابل بآخر اثنين؟ وقول أبى حية : [من البسيط]

وكنت أمشى على رجلين معتدلا

فصرت أمشى على أخرى من الشّجر


1) هذا صدر بيت لربيعة بن مكدم ، وعجزه قوله :

وقول امرىء القيس : [من الطويل]

فوالى ثلاثا واثنتين وأربعا

وغادرت أخرى فى قناة رفيض

وقول أبى ذؤيب : [من الطويل]

فأبلغ لديك معقل بن خويلد

مألك تهديها إليه هداتها

على إثر أخرى قبل ذلك قد أتت

إلينا فجاءت مقشعرّا شواتها

المآلك : الرسائل ، والشّواة : جلدة الرأس ، وهى أول ما يقشعر من الإنسان إذا فزع ، وهذا مثل ، ألا ترى أن أخرى فى البيت مفردة مع أن ما قبلها ليس كذلك؟ وأما ما ذكروه من أن آخر إنما يقابل به ما قبله من جنسه فأنهم يعنون به أن يكون الاسم الموصوف بآخر فى اللفظ والتقدير يصح وقوعه على التقدير الذى قوبل بآخر على جهة التواطىء ، نحو جاءنى زيد ورجل آخر ، وكذلك جاءنى زيد وآخر ؛ لأن التقدير ورجل آخر ، وكذلك جاءنى زيد وأخرى ، تريد ونسمة أخرى ، فكذلك اشتريت فرسا ومركوبا آخر وأنت تريد بالمركوب جملا ؛ لأن المركوب يصح وقوعه على الفرس والجمل على جهة التواطىء ، وامتنع رأيت المشترى والمشترى الآخر تريد بأحدهما الكوكب وبالآخر عاقد البيع ، وإذا قوبل بآخر ما هو من جنسه فهل يشترط مع صحة وقوعه عليهما اتفاقهما فى التذكير؟ فيه خلاف : ذهب المبرد إلى أنه غير شرط ، والصحيح أنه شرط ، تقول : أتتنى جاريتك وامرأة أخرى ، فإن قلت أتتنى جاريتك ورجل آخر لم يجز ، وكذلك لو قلت أتانى أخوك وامرأة أخرى ، وإن قلت أتانى أخوك وإنسان آخر جاز إن قصدت بالإنسان المرأة ، وكذا جاءنى أخوك وإنسان آخر إن أريد بالإنسان الرجل ، وهذ الذى ذكروه من أن آخر يقابل به ما قبله من جنسه هو المختار ، وقد يستعملونه من غير أن يتقدمه شىء من جنسه ، وزعم أبو الحسن فى الكبير له : أن ذلك لا يجوز إلا فى الشعر ؛ فقال : لو قلت جاءنى

آخر من غير أن يتكلم قبله بشىء لم يجز ، ولو قلت : أكلت رغيفا وهذا قميص آخر لم يحسن ، ثم قال : وهذا جائز فى الشعر كقول ، أم الضحاك : [من الطويل]

فقالوا شفاء الحبّ حبّ يزيله

من اخر أو نأى طويل على هجر

أى من محبوب آخر ، ولم يتقدم ذكر المحبوب ، وإنما ذكر الحب الدال عليه ، وأحسن من ذلك قوله : [من الوافر]

إذا نادى مناد باسم أخرى

على اسمك سرّنى ذاك النّداء

لأن أخرى ، وإن لم يتقدم قبلها فى اللفظ شىء من جنسها فقد تقدم فى النية ؛ لأنه أراد إذا نادى مناد على اسمك باسم أخرى

وروى جماعة :

جعلت لها عودين من

ضعة وآخر من ثمامه

والضّعة - بفتح الضاد المعجمة بعدها عين مهملة - : شجر من الحمض ، يقال : ناقة واضعة للتى ترعاها ، ونوق واضعات ، قال ابن حبيب فى أمثاله التى على أفعل من كذا : «يقال : هو أخرق من حمامة ، وذلك أنها تجىء إلى الغصن فى الشجرة فتبنى عليه عشا وتستودعه بيضها ، قال عبيد بن الأبرص :

جعلت لها عودين من

ضعة ... الخ

والضعة : شبيه بالأسل ، والثّمام : فوق الذراع شبيه بالأسل وليس به ، وروى الخوارزمى : عودين من نشم» هذا كلامه

قال ابن المستوفى : رواية ضعة أجود ؛ لضعف شجره وإن جاز النشم ، وقالوا :

أحمق من حمامة ؛ لأنها تعشّ بثلاثة أعواد فى مهب الريح وبيضها أضيع شىء ،

وقال ابن السيرافى :

«وضعت لها عودين من

ضعة ... الخ

يريد أنهم لم يتوجهوا للخلاص مما وقعو فيه ، وإنما جعلهم كالحمامة لأن فيها خرقا ، وهى قليلة الحيلة ، ويقال فى الأمثال : هو أخرق من حمامة ؛ وذلك

لأنها تبيض فى شر المواضع وأخوفها على البيض ؛ فان اشتدت الريح وتحركت الشجرة سقط بيضها ، والضعة : ضرب من الشجر» انتهى.

وقوله «فنمت بها» أى : بالبيضة ، والنّموّ معروف ، وأراد فى رأس شجرة شاهقة : أى عالية ، والفرع : الغصن ، والبشامه : شجرة طيبة الريح يستاك بعيدانها ، وقوله «كذلّ ادبر ذى حزامة» الأدبر : وصف بمعنى المدبر من الإدبار ضد الإقبال ، والحزامة - بالفتح - : مصدر حزم الرجل - بالضم - حزامة فهو حازم ، والحزم : ضبط الرجل أمره وأخذه بالثقة

وعبيد بن الأبرص - بفتح العين وكسر الموحدة - شاعر جاهلى ترجمناه فى الشاهد السادس عشر بعد المائة من شواهد شرح الكافية.


وأنشد بعده - وهو الشاهد الثالث والسبعون بعد المائة ، وهو من شواهد سيبويه - : [من الطويل]

173 - وكنّا حسبناهم فوارس كهمس

حيوا بعد ما ماتوا من الدّهر أعصرا

على أنه من أظهر فى حيى ولم يدغم قال فى الجمع حيوا كخشوا مخففا كما فى البيت ، وأصلهما حييوا وخشيوا ، نقلت ضمة الياء الثانية إلى الياء الأولى بعد حذف كسرتها ؛ فاجتمع ساكنان : الياء الثانية والواو فحذفت الياء ؛ فصار حيوا وخشوا

قال سيبويه : «فاذا قلت : فعلو وأفعلوا قلت : حيوا وأحيوا ؛ لأنك قد تحذفها فى خشوا وأخشوا ، قال الشاعر :

وكنّا حسبناهم ... البيت»

وقال ابن السراج فى الأصول : «فاذا قلت : فعلوا وأفعلوا قلت : حيوا كما تقول : خشوا ، فتذهب الياء ؛ لأن حركتها قد زالت كما زالت فى ضربوا ، فتحذف لالتقاء الساكنين ولا تحرك بالضم ؛ لثقل الضمة فى الياء ، واحيوا مثل

اخشوا» وأنشد البيت أيضا.

وقد اشتهر رواية البيت بكنّا حسبناهم ، واستشهد به جماعة كذا ، وصوابه : وحتّى حسبناهم ، وفيه شاهد آخر وهو جمع فاعل الوصفى على فواعل

وهو آخر أبيات أربعة لأبى حزابة أوردها الأصبهانى فى الأغانى ، قال : «أخبرنى الحسن بن على قال : حدثنى هارون بن محمد بن عبد الملك قال : حدثنى محمد بن الهيثم الشامى قال : حدثنى عمى أبو فراس عن العذرى قال : دخل أبو حزابة على عمارة بن تميم ومحمد بن الحجاج وقد قدما سجستان لحرب عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث ، وكان عبد الرحمن لما قدماها هرب ولم يبق بسجستان من أصحابه إلا نحو سبعمائة رجل من بنى تميم كانوا مقيمين بها ؛ فقال لهما أبو حزابة : إن الرجل قد هرب منكما ولم يبق من أصحابه أحد ، وإنما بسجستان من كان بها من بنى تميم قبل قدومه ، فقالا له : ما لهم عندنا أمان ؛ لأنهم قد كانوا مع ابن الأشعث وخلعوا الطاعة ؛ فقال ما خلعوها ولكنه ورد عليهم فى جمع عظيم لم يكن لهم بدفعه طاقة ؛ فلم يجيباه إلى ما أراد ، وعاد إلى قومه وحاصرهم أهل الشام فاستقتلت بنو تميم ؛ فكانوا يخرجون إليهم فى كل يوم فيدافعونهم ويكبسونهم بالليل ، وينهبون أطرافهم حتى ضجروا بذلك ؛ فلما رأى عمارة فعلهم صالحهم وخرجوا إليه ؛ فلما رأى قلتهم قال : أما كنتم إلا ما أرى؟ قالوا : لا ، فإن شئت أن نقيلك الصلح أقلناك وعدنا للحرب ، فقال : أنا غنىّ عن ذلك ، فأمّنهم ؛ فقال أبو حزابة فى ذلك :

فلله عينا من رأى من فوارس

أكرّ على المكروه منهم وأصبرا

وأكرم لو لاقوا سدادا مقاربا

ولكن لقواطمّا من البحر أخضرا

فما برحوا حتّى أعضّوا سيوفهم

ذرى الهام منهم والحديد المسمّرا

وحتّى حسبناهم فوارس كهمس

حيوا بعد ما ماتوا من الدّهر أعصرا»

انتهى ما أورده الأصبهانى

و «كهمس» على وزن جعفر ؛ قال صاحب الصحاح : الكهمس : القصير ، وكهمس : أبو حى من العرب ، وأنشد هذا البيت بلفظ «وكنا حسبناهم» ، وكذا قال صاحب العباب ، قال ابن برى فى أماليه على الصحاح : «البيت لمودود العنبرى ، وقيل لأبى حزابة الوليد بن حنيفة ، وكهمس هذا هو كهمس ابن طلق الصريمىّ ، وكان من جملة الخوارج مع بلال بن مرداس ، وكانت الخوارج وقعت بأسلم بن زرعة الكلابى ، وهم فى أربعين رجلا وهو فى ألفى رجل ؛ فقتلت قطعة من أصحابه وانهزم إلى البصرة ؛ فقال مودود هذا الشعر فى قوم من بنى تميم فيهم شدة ، وكانت لهم وقعة بسجستان ؛ فشههم فى شدتهم بالخوارج الذين كان فيهم كهمس ابن طلق ، وقوله «حيوا» يعنى الخوارج أصحاب كهمس : أى كأن هؤلاء القوم أصحاب كهمس فى شدتهم وقوتهم ونصرتهم ، وأنشد الأبيات قبله

وعلم من هذا أن كهمسا فى البيت ليس أبا حى من العرب وإنما هو أحد الخوارج من أصحاب بلال بن مرداس الخارجى

قال المبرد فى الكامل : «وكان مرداس أبو بلال بن حدير - وهو أحد بنى ربيعة ابن حنظلة - يعظمه الخوارج وكان مجتهدا كثير الصواب فى لفظه ، وكان مرداس قد شهد صفّين مع على بن أبى طالب رضى الله عنه وأنكر التحكيم ، وشهد النّهروان ، ونجا فيمن نجا ، وكان حبسه ابن زياد بن أبيه فلما خرج من حبس ابن زياد ورأى جدّا ابن زياد فى طلب الشّراة عزم على الخروج ؛ فاجتمع إليه أصحابه زهاء ثلاثين رجلا ، منهم حريث ابن حجل ، وكهمس بن طلق الصّريمىّ ، فأرادوا أن يولوا أمرهم حريثا فأبى ؛ فولوا أمرهم مرداسا ، فلما مضى بأصحابه لقيه عبد الله بن رباح الأنصارى - وكان له صديقا - فقال له : يا أخى أين تريد؟ فقال : أريد أن أهرب بدينى وأديان أصحابى من أحكام هؤلاء الجورة ، فقال له : أعلم بكم أحد؟ قال : لا ، قال : فارجع ، قال : أو تخاف على مكروها؟ قال : نعم ، وأن يؤتى بك ، قال : فلا

تخف ؛ فإنى لا أجرد سيفا ولا أخيف أحدا ولا أقاتل إلا من قاتلنى ، ثم مضى حتى نزل آسك ، وهو ما بين رامهرمز وأرّجان ، فمر به مال يحمل لابن زياد - وقد قارب أصحابه الأربعين - فحط ذلك المال فأخذ منه عطاءه وأعطية أصحابه ورد الباقى على الرسل ، وقال : قولوا لصاحبكم : إنما أخذنا أعطيتنا ؛ فجهز عبيد الله بن زياد أسلم بن زرعة فى أسرع وقت ؛ فلما صار إليهم أسلم صاح بهم أبو بلال : اتق الله يا أسلم ؛ فإنا لا نريد قتالا ، فما الذى تريده؟ قال : أريد أن أردكم إلى ابن زياد ، قال مرداس : إذا يقتلنا ، قال وإن قتلكم؟ قال تشركه فى دمائنا ، قال : إنى أدين بأنه محق وأنكم مبطلون ، فصاح به حريث ابن حجل : أهو محق وهو يطيع الفجرة - وهو أحدهم - ويقتل بالظنة ويخص بالفىء ويجور فى الحكم؟ ثم حملوا عليه حملة رجل واحد فانهزم هو وأصحابه من غير قتال ؛ فلما ورد على ابن زياد غضب عليه ، وقال : ويلك ، أتمضى فى ألفين فتنهزم لحملة أربعين؟ ثم ندب ابن زياد لهم الناس فاختار عبّاد بن أخضر فوجهه فى أربعة آلاف والتقوا بهم فى يوم جمعة ، فلم يزالوا يجتلدون حتى جاء وقت الصلاة ؛ فناداهم أبو بلال : يا قوم هذا وقت الصلاة ؛ فوادعونا حتى نصلى وتصلوا ، قالوا : لك ذلك ، فرمى القوم أجمعون بأسلحتهم وعمدوا للصلاة ؛ فأسرع عبّاد ومن معه - والحرورية مبطئون ؛ فهم من بين راكع وساجد وقائم فى الصلاة وقاعد - حتى مال عليهم عباد ومن معه فقتلوهم جميعا ، وكان فيهم كهمس ، روى أنه كان من أبر الناس بأمه فقال لها يوما : يا أمّه لو لا مكانك لخرجت ، فقالت : يا بنىّ قد وهبتك لله ؛ فخرج مع مرداس فقتل وصلب» هذا ما لخصته من الكامل باختصار

وأبو حزابة : بضم الحاء المهملة بعدها زاى معجمة وبعد الألف موحدة ، قال صاحب الأغانى : «أبو حزابة اسمه الوليد بن حنيفة ، أحد بنى ربيعة بن حنظلة

ابن مالك بن زيد مناة بن تميم ، شاعر من شعراء الدولة الأموية القدماء ، بدوىّ حضرى سكن البصرة ، واكتتب فى الديوان ، وضرب عليه البعث إلى سجستان ؛ فكان بها مدة وعاد إلى البصرة ، وخرج مع ابن الأشعث لما خرج على عبد الملك ، وأظنه قتل معه ، وكان شاعرا راجزا خبيث اللسان هجّاء».

وروى بسنده إلى العذرى قال : «دخل أبو حزابة على طلحة الطلحات الخزاعى وقد استعمله يزيد بن معاوية على سجستان ، وكان أبو حزابه قد مدحه فابطأت عليه الجائزة من جهته ، ورأى ما يعطى غيره ، فأنشده : [من الطويل]

وأدليت دلوى فى دلاء كثيرة

فجئن ملاء غير دلوى كماهيا

وأهلكنى أن لا تزال رغيبة

تقصّر دونى أو تحلّ ورائيا

أرانى إذا استمطرت منك سحابة

لتمطرنى عادت عجاجا وسافيا

قال : فرماه طلحة بحقّ فيه درّة ، فأصاب صدره ، ووقعت فى حجره ، ويقال : بل أعطاه أربعة أحجار ، وقال : لا تخدع عنها ، فباعها بأربعين ألفا ، وكان هوى طلحة الطلحات أمويّا ، وكان بنوا أمية يكرمونه ، وأنشده أبو حزابة يوما : [من الرجز]

يا طلح يأبى مجدك الإخلافا

والبخل لا يعترف اعترافا

إنّ لنا أحمرة عجافا

يأكلن كلّ ليلة إكافا

فأمر له طلحة بإبل ودراهم ، وقال له : هذه مكان أحمرتك»


وأنشد بعده - وهو الشاهد الرابع والسبعون بعد المائة ، وهو من شواهد سيبويه - : [من الرجز]

174 - لاث به الأشاء والعبرىّ

على أن فيه قلبا مكانيا ، وأصله لائث

وأورده سيبويه فى موضعين من كتابه : الأول فى باب تحقير ما كان فيه قلب ، قال : «اعلم أن كل ما كان فيه قلب لا يرد إلى الأصل ، وذلك لأنه اسم بنى على ذلك كما بنى قائل على أن يبدل من الواو الهمزة ، ولكن الاسم يثبت على القلب فى التحقير كما تثبت الهمزة فى أدؤر إذا حقرت ، وفى قائل ، وإنما قلبوا كراهية الواو والياء ، كما همزوا كراهية الواو والياء ، فمن ذلك قول العجاج :

لاث به الأشاء والعبرىّ

إنما أراد لائث ، ولكنه أخر الواو وقدم الثاء ، وقال طريف بن تميم : [من الكامل]

فتعرّفونى إنّنى أنا ذاكم

شاك سلاحى فى الحوادث معلم

فإنما أراد الشائك فقلب» (1)انتهى.

والموضع الثانى فى باب ما الهمزة فيه فى موضع اللام من ذوات الياء والواو ، قال فيه : «وأما الخليل فكان يزعم أن قوله جاء وشاء ونحوهما اللام فيهنّ مقلوبة ، وقال : ألزموا ذلك هذا ، واطرد فيه ؛ إذ كانوا يقلبون كراهية الهمزة الواحدة ، وذلك نحو قولهم للعجاج :

لاث به الأشاء والعبرىّ

وقال :

فتعرّفونى إنّنى ... البيت

وأكثر العرب تقول : لاث وشاك سلاحه ، فهؤلاء حذفوا الهمزة» انتهى (2).

قال ابن جنى فى شرح تصريف المازنى : «ولاث من لاث يلوث إذا جمع


1) هذا تلخيص لكلام سيبويه ، انظر الكتاب (ح 2 ص 129)

2) انظر الكتاب (ح 2 ص 378)

ولفّ ، وأصله لائث ، فقلبوا العين إلى موضع اللام ، فزالت الهمزة التى إنما وجبت لمصاحبة العين ألف فاعل ، وحكى أنهم يقولون : شاك ولاث ، بحذف العين أصلا ، وأنشد :

لاث به الأشاء والعبرىّ

ووجه هذا أنهم لما قالوا فى الماضى : شاك ، ولاث ، وسكنت العين بانقلابها ألفا وجاءت ألف فاعل التقت ألفان ، فحذفت الثانية حذفا ، ولم يحركها حتى تنقلب همزة كما فعل من يقول : قائم ، وبائع» انتهى.

وفى العباب : «ونبات لائث ولاث ، على القلب ، إذا التف والتبس بعضه على بعض ، قال العجاج :

فى أيكة فلا هو الضّحىّ

ولا يلوح نبته الشّتىّ

لاث به الأشاء والعبرىّ

فتمّ من قوامها قومىّ»

انتهى

والأيكة : غيضة تنبت السّدر والأراك ونحوهما من ناعم الشجر ، وقال أيضا فى مادة (ع ب ر) بالعين المهملة والباء الموحدة : والعبرى - بالضم - : ما نبت من السّدر على شطوط الأنهار وعظم ، وقال عمارة : العبرى من السّدر ضخم الورق قليل الشوك ، وهو أطول من الضّال.

وقال أبو زياد : العبرىّ ما لا شوك فيه من السّدر ، وإنما الشوك فى الضال من السدر ، ولم يقل أبو زياد إن العبرىّ من السدر ما نبت على الماء ، والرواة على أن العبرى منه ما نبت على الماء ، قال العجاج يصف البردىّ :

لاث به الأشاء والعبرىّ» انتهى

والغيضة : الشجر الملتف ، وقوله «فى أيكة» أى : ذلك البردىّ فى أيكة ، والبردى : نبات ضعيف يعمل منه الحصر على لفظ المنسوب إلى البرد ، و «هو»

(ق 2 - 24)

ضمير البردى ، والضّحىّ : البارز للشمس ، وهو فعيل من ضحى للشمس - بكسر الحاء وفتحها - ضحاء بالمد وفى المستقبل بفتحها لا غير : أى برز إليها ، والشّتى : فعيل المنسوب إلى الشتاء

وفى الصحاح «الأشاء بالفتح والمد صغار النخل الواحدة أشاء ، والهمزة فيه منقلبة من الياء لأن تصغيرها أشىّ ، ولو كانت الهمزة أصلية لقيل أشيّىء ، و «تم» فعل ماض من التمام ، والقوام - بالفتح - : الاعتدال ، والقومى - بالضم - : القامة وحسن الطول»

وقال الأعلم : «وصف مكانا مخصبا كثير الشجر ، والأشاء : صغار النخل واحدتها أشاءة ، والعبرىّ : ما نبت من الضال على شطوط الأنهار ، وهو منسوب إلى العبر ، وهو شاطىء النهر ، واللائث : الكثير الملتف»


وأنشد بعده - وهو الشاهد الخامس والسبعون بعد المائة ، وهو من شواهد سيبويه - : [من الكامل]

175 - فتعرّفونى إنّنى أنا ذاكم

شاك سلاحى فى الحوادث معلم

على أن أصله شائك ، فقلبت العين إلى موضع اللام ، وتقدم نقل كلام سيبويه والبيت ثانى أبيات لطريف بن تميم العنبرى وقبله :

أو كلّما وردت عكاظ قبيلة

بعثوا إلىّ عريفهم يتوسّم

وبعده :

تحتى الأغرّ وفوق جلدى نثرة

زغف تردّ السّيف وهو مثلّم

ولكلّ بكرىّ لدىّ عداوة

وأبو ربيعة شانئ ومحرّم

حولى أسيد والهجيم ومازن

وإذا حللت فحول بيتى خضّم

وقوله «أو كلما وردت عكاظ» هو شاهد من شواهد سيبويه ، قال : «وقد جاء شىء من هذه الأشياء المتعدية التى هى على فاعل على فعيل حين لم يريدوا به الفعل شبهوه بظريف ونحوه ، وقالوا : ضريب قداح ، وصريم للصارم ، والضريب : الذى يضرب بالقداح بينهم ، وأنشد البيت ، وقال : يريد عارفهم» انتهى.

وقوله «أو كلما» استفهام ، وعكاظ : أعظم أسواق العرب قريبة من عرفات ، كانت تقوم فى النصف من ذى القعدة إلى هلال ذى الحجّة ، قال صاحب العباب : «العارف والعريف بمعنى ، كالعالم والعليم ، وأنشد البيت ، ثم قال : والعريف هو النقيب ، وهو دون الرئيس ، وعرف فلان - بالضم - عرافة - بالفتح - أى : صار عريفا ، وإذا أردت أنه عمل ذلك قلت عرف فلان علينا سنين يعرف عرافة مثل كتب يكتب كتابة» انتهى

ورواه ابن دريد فى الجمهرة «بعثوا إلىّ قبيلهم» قال : قبيل القوم : عريفهم ، يقال : نحن فى قبالة فلان : أى فى عرافته ، وأنشد البيت. وقال : قالوا : معناه عريفهم ؛ ويتوسم : يتفرس ويتطلب الوسم ، وهى العلامة ، وهو مشروح بأبسط من هذا فى المطول

وقوله «فتعرفونى إلخ» أى : فقلت لهم : تعرفونى ، وتعرّفه : تطلب معرفته بالعلامات ، وقوله «إننى» بالكسر استئناف : أى أنا ذاكم الذى حدّثتم حديثه ، ورى أيضا «فتوسمونى» : أى تطلبوا سمتى وعلامتى

وقوله «شاك سلاحى» الشاكى : التام السلاح ، وقيل : معناه الحاد السلاح ، شبه بالشوك ، روى بكسر الكاف وضمها ، فمن كسر جعله منقوصا مثل [قاض] وفيه قولان : قيل : أصله شائك فقلب ، كما قالوا : جرف هار ؛ واشتقاقه على هذا من الشوكة ، وقيل : أصله شاكك من الشّكّة وهى

السلاح ، كرهوا اجتماع المثلين فأبدلوا الآخر منهما ياء وأعلوه إعلال قاض ، ومن ضم الكاف ففيه قولان أيضا : أحدهما أن أصله شوك - بكسر الواو - قلبت ألفا ، وقيل : أصله شائك ، فحذفت الهمزة كما قالوا : جرف هار - بضم الراء - وفيه لغة ثالثة لا تجوز فى هذا البيت ، وهى شاكّ - بتشديد الكاف - وهذا مشتق من الشّكّة لا غير

و «معلم» اسم فاعل من أعلم نفسه فى الحرب بعلامة : أى شهر نفسه بها ليعرف ، والأغر : اسم فرسه ، ومعناه الفرس الذى له غرة ، والنّثرة - بفتح النون - : الدرع السابغة ، وكذلك الزّغف - بفتح الزاى وسكون الغين المعجمتين - ومنه يقال : زغف فى الحديث ؛ إذا زاد فيه ، وقيل : هى اللينة المجسّة ؛ وأسيد والهجيم - بتصغيرهما - ومازن : قبائل من تميم ، وخضّم - بفتح الخاء وتشديد الضاد المعجمتين - : لقب لبنى العنبر بن عمرو بن تميم

وسبب هذا الشعر على ما رواه المفضل بن سلمة فى الفاخر ومحمد بن حبيب فى كتاب المقتولين ، وابن عبد ربه فى العقد الفريد. قالوا : كانت سوق عكاظ يتوافون بها من كل جهة ، ولا يأتيها أحد إلا ببرقع ، ويعتم على برقعه خشية أن يؤسر فيكثر فداؤه ؛ فكان أول عربى استقبح ذلك وكشف القناع طريف ابن تميم العنبرىّ لمّا رآهم يتطلعون فى وجهه ويتفرسون فى شمائله ، قال : قبح الله من وطن نفسه على الأسر ، وأنشد يقول :

أو كلّما وردت ... الأبيات

وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى : كانت الفرسان إذا وردت عكاظ فى الأشهر الحرم أمن بعضهم بعضا فتلثموا أو تقنعوا ؛ لئلا تعرف فيقصد إليها فى الحرب ، وكان طريف بن تميم لا يتقنع كما يتقنعون ، فوافى عكاظ - وقد حشدت بكر بن وائل ، وكان طريف قبل ذلك قتل شراحيل أحد بنى أبى ربيعة بن ذهل بن شيبان

ابن ثعلبة ، فقال حمصيصة أحد بنى شيبان : أرونى طريفا ، فأروه إياه ، فجعل كلما مر به طريف تأمله ونظر إليه حتى فطن له طريف فقال : مالك تنظر ، قال : أتوسمك لأعرفك فان لقيتك فى حرب فلله علىّ أن أقتلك إلا أن تقتلنى ، فقال طريف فى ذلك :

أو كلّما وردت عكاظ قبيلة ... الأبيات

فمضت مدة ، ثم إن عائذة - وهم يقولون : إنهم من قريش يقال لها : عائذة بن لؤى بن غالب ، وهم حلفاء لبنى أبى ربيعة - خرج منهم رجلان يتصيدان فعرض لهما رجل من بنى شيبان فذعر صيدا لهما فقتلاه ؛ فتنادت بنو مرّ بن ذهل فأرادوا قتلهما بصاحبهم ، فمنعهم بنو أبى ربيعة ، فقال هانىء بن مسعود : يا بنى أبى ربيعة إن إخوتكم قد أرادوا ظلمكم فامتازوا عنهم ، فاعتزلتهم بنو أبى ربيعة وساروا حتى نزلوا ماء لهم يقال له : مبائض ، فلما نزلوه هرب عبد منهم فأتى بلاد تميم فأخبرهم أن حيّا جريدا من بنى بكر بن وائل قد نزلوا على مبائض وهم بنو أبى ربيعة ، فقال : طريف هؤلاء من كنت أبغى ، إنما هم أكلة رأس ، وهو أول من قال هذا المثل ، يراد بذلك القلة ، أى : عدتهم عدة يسيرة رأس يشبعها ، فأقبل طريف فى بنى عمرو بن تميم واستغزى قبائل من بنى تميم فأقبلوا متساندين وتقاتلوا وتشاغلت تميم بالغنائم ، وأقبل حمصيصة بن جندل وليس له همّ غير طريف ، فلما رآه طعنه فقتله فانهزمت بنو تميم ، وقال حمصيصة يرد على طريف : [من الكامل]

ولقد دعوت ، طريف ، دعوة جاهل

سفها وأنت بمنظر قد تعلم

فأتيت حيّا فى الحروب محلّهم

والجيش باسم أبيهم يستهزم

فوجدت قوما يمنعون ذمارهم

بسلا إذا هاب الفوارس أقدموا

وإذا دعوت بنى ربيعة أقبلوا

بكتائب دون النّساء تلملم

سلبوك درعا والأغرّ كليهما

وبنو أسيد أسلموك وخضّم

وطريف بن تميم شاعر فارس جاهلى ، وقيل : هو ابن عمرو ، والعنبر : قبيلة من بنى تميم.


وأنشد بعده - وهو الشاهد السادس والسبعون بعد المائة ، وهو من شواهد سيبويه - : [من الرجز]

176 - وكحّل العينين بالعواور

على أن أصله العواوير فحذفت الياء ضرورة وبقيت كسرتها دليلا عليها.

قال الأعلم : «الشاهد فيه تصحيح واو العواور الثانية ؛ لأنه ينوى الياء المحذوفة والواو إذا وقعت فى هذا الموضع لم تهمز لبعدها من الطرف الذى هو أحق بالتغيير والاعتلال ، ولو لم تكن فيه ياء منوية للزم همزها ، كما قالوا فى جمع أوّل :

أوائل ، والأصل أواول ، والعواوير : جمع عوّار ، وهو وجع العين ، وهو أيضا ما يسقط فى العين ، وجعل ذلك كحلا للعين على الاستعارة» انتهى.

والبيت من رجز لجندل بن المثنى الطّهوىّ ، وقبله :

غرّك أن تقاربت أباعرى

وأن رأيت الدّهر ذا الدّوائر

حتى عظامى وأراه ثاغرى

وكحّل العينين بالعواور

قال ابن السيرافى : «خاطب امرأته وأراد أنه ترك السفر لكبره ، وقوله : تقاربت أباعرى ؛ يريد أنه ترك السفر والرحلة إلى الملوك فإبله مجتمعة لا يفارق بعضها بعضا» ورد عليه أبو محمد الأعرابى فى فرحة الأديب بأنه غلط ، وإنما معناه قلّت : يعنى من قلتها قرب بعضها من بعض ، وقال العينى : «معناه قربت من

الدّناءة ، من قولك : شىء مقارب ؛ إذا كان دونا ، وكذلك رجل مقارب» انتهى.

وقوله «غرك» بكسر الكاف ، وهو من قولهم : ما غرك بفلان غرّا ، من باب قتل : أى كيف اجترأت عليه؟ فيكون التقدير هنا غرك بى ، و «أن تقاربت» و «أن رأيت» فاعله ، ويمكن أن يكون من قولهم غرّته الدنيا ، من باب قعد : أى خدعته بزينتها. فهى غرور ؛ مثل رسول ، ولا يجوز أن يكون من قولهم : غر الشخص يغر من باب ضرب غرارة - بالفتح - فهو غار ، وغر - بالكسر - : أى جاهل بالأمور غافل عنها ، لأنه فعل لازم ، و «أباعر» جمع بعير ، قال الأزهرى : «البعير مثل الانسان يقع على الذكر والأنثى ، يقال : حلبت بعيرى ، والجمل بمنزلة الرجل ، والناقة بمنزلة المرأة ، والبكر والبكرة ، مثل الفتى والفتاة ، والقلوص كالجارية ، هكذا حكاه جماعة منهم ابن السّكيت ، وهذا كلام العرب ، ولكن لا يعرفه إلا خواص أهل العلم باللغة» وكذا قال ابن جنى

والدوائر : جمع دائرة وهى المصيبة والنائبة ، و «ذا» صفة الدهر ، والرؤية بصرية ، وجملة «حنى عظامى» حال من الدهر ، وحنيت الشىء : عطفته وأملته ، و «عظامى» مفعول حنى ، وقوله «وأراه ثاغرى» أرى بالبناء للمفعول من أرانى الله زيدا فاضلا ، يتعدى إلى ثلاثة مفاعيل ؛ فلما بنى للمفعول ناب المفعول الأول - وهو هنا ضمير المتكلم - مناب الفاعل ، والهاء من أراه ضمير الدهر هو المفعول الثانى ، و «ثاغرى» المفعول الثالث ، هذا هو الأصل ، ولكن غلب على استعمال المبنى للمفعول بمعنى الظن ، وثاغرى - بالثاء المثلثة والغين المعجمة - مضاف إلى الياء ، قال الجوهرى : ثغرته : أى كسرت ثغره ، وفى المصباح : الثّغر : المبسم ، ثم أطلق على الثنايا ، وإذا كسر ثغر الصبى قيل : ثغر ثغورا ، بالبناء للمفعول ، وثغرته أثغره - من باب نفع - كسرته ، وإذا نبتت

بعد السقوط قيل : أثغر إثغارا مثل أكرم إكراما ، وإذا ألقى أسنانه قيل : اثّغر - على افتعل - قاله ابن فارس ، وبعضهم يقول إذا نبتت أسنانه : قيل اثّغر - بالتشديد - وقال أبو زيد : ثغر الصبى بالبناء للمفعول يثغر ثغرا ، وهو مثغور ؛ إذا سقط ثغره ، وكحلت عينه كحلا - من باب قتل - : أى جعلت فيها الكحل ، وأما كحلت عينه كحلا - من باب تعب - فهو سواد يعلو جفونها خلقة ، والرجل أكحل والمرأة كحلاء ، وجملة «كحّل» معطوفة على جملة «حنى عظامى» ورواه أبو محمد الأعرابى : «وكاحل» فيكون معطوفا على ثاغرى ، والأول أولى ؛ لأنه يصف عجزه وضعف بصره ، والعوّار - بضم العين المهملة وتشديد الواو - قال الجوهرى : هو القذى فى العين ، وقان ابن جنى : هو الرمد ، وقيل : الرمد الشديد ، وقيل : هو وخز يجده الانسان فى عينه ، يريد أن الدهر جعل فى عينيه القذى والرمد بدل الكحل.

وجندل الطّهوىّ : قال أبو عبيد البكرى فى شرح أمالى القالى : هو شاعر راجز إسلامى مهاج للراعى ، وجندل من بنى تميم ، وطهيّة هى بنت عبد شمس بن سعد بن زيد مناة بن تميم غلب نسبة أولادها إليها.


وأنشد بعده - وهو الشاهد السابع والسبعون بعد المائة ، وهو من شواهد سيبويه - : [من الرجز]

177 - فيها عيائيل أسود ونمر

على أن أصله عيائل بهمزة مكسورة ، والياء حصلت من إشباع كسرتها لضرورة الشعر كياء الصياريف (1)

تنفى يداها الحصا فى كلّ اجرة

نفى الدّراهيم تنقاد لصّياريف

؛ فلم يعتدّ بها فصارت الياء بعد الألف

1) وذلك كقول الفرزدق

فى الحكم مجاورة للطرف فهمزت لذلك ، كذا فى المفصل وشروحه

وقال السخاوى فى سفر السعادة : «والياء الثانية فى عيائيل مثل ياء الصياريف للإشباع ؛ لأنه جمع عيّل ، وإنما يجمع عيّل على عيائل ؛ فلهذا يهمز ولا يعتد بياء الإشباع ، وتكون الياء فيه كأنها قد وليت الطرف ، ومن جعل عياييل جمع عيّال من عال يعيل ؛ إذا تمايل فى مشيه ؛ كما قال فى وصف الأسد : [من البسيط]

كالمرزبانىّ عيّال بآصال

فالياء على هذا التقدير بعيدة من الطرف ؛ لأن الياء الثانية ليست للإشباع فلا تهمز.

فإن قيل : فكيف جمع عيّالا على عياييل؟ قيل : لأن فعّالا مؤاخ لفعّول وفعّيل ، وهما يجمعان على فعاعيل ، والمؤاخاة من أجل وقوع حرف اللين فى الثلاثة بين العين واللام» انتهى.

وبهذا فسره ابن السيرافى فى شرح أبيات سيبويه ، قال : «العيّال المتبختر وجمعه عياييل» وكذا فى شرحها للأعلم ، قال : «العياييل جمع عيّال ، وهو الذى يتمايل فى مشيه لعبا أو تبخترا ، يقال : عال فى مشيه يعيل ؛ إذا تبختر». وتبعهما ابن برى فى حواشى الصحاح.

وحمل الصاغانى فى العباب ما فى البيت على الأول قال : «وعيال الرجل : من يعوله ، وواحد العيال عيّل ، والجمع عيائل ، مثل جيد وجياد وجيائد ، وقد جاء عيائيل كما فى البيت»

وقال ابن السيرافى : «كأنه قال فيها متبخترات أسود ، ولم يجعلها جمع عيّل ، لكن جعلها جمع عيال - بالفتح والتشديد -» انتهى.

وخبط الأندلسىّ فى شرح المفصل خبط عشواء قال : «روى أبو عثمان قال :

سمعت الأصمعى يقول فى جمع عيّل - بكسر العين - وهو المتبختر : عيائيل ، وهو من عال يعيل ؛ إذا افتقر» انتهى

وكتب عليه : «عيل : بكسر العين الملفوظ بها عينا المكتوبة صورتها خطا ، ولعله أراد بها عين اللفظ التى هى ياء» هذا كلامه.

وقد نسب إليه شيئا ولم يقله ، وإنما قال أبو عثمان المازنى فى تصريفه ما نصه : «وكذلك إذا جمعت سيّدا وعيّلا [على هذا المثال (1)] قلت : عيائل وسيائد ، شبهوا هذا بأوائل ، وسألت الأصمعى عن عيّل كيف تكسّره العرب؟ فقال : عيائل ، يهمزون كما يهمزون فى الواوين» انتهى كلامه.

وأنت ترى أنه لم يقيد عيّلا بكسر أوله ، ولم يقل : إنه بمعنى المتبختر ، وكذا أورده ابن جنى فى شرحه عيّل وعيائل ، والكسر فى عيّل إنما هو فى الياء المشددة ، والذى هو بمعنى المتبختر إنما هو العيّال ، وكذا لم يصب صدر الأفاضل على ما نقل عنه بعض أفاضل العجم فى شرح أبيات المفصل فى قوله : عيائيل ، تكسير ، والمراد به المتبختر ، وقول الأندلسى : إنه من عال يعيل إذا افتقر لا يصح ؛ لأن المتبختر بعيد من المفتقر ، وكان الواجب أن يقول : من عال يعيل إذا تبختر ، أو من عال الفرس يعيل إذا تكفّأ فى مشيه وتمايل ، فهو فرس عيّال ، وذلك لكرمه ، وكذلك الرجل إذا تبختر فى مشيه وتمايل ، وقد زاد فى الطّنبور نغمة أبو محمد الاعرابى فى فرحة الأديب : «صحف ابن السيرافى فى قوله : عيائيل إنه بالعين غير المعجمة ، فكذب ، والصواب غياييل - بالغين المعجمة - جمع غيل على غير قياس» انتهى.

وهذه مجازفة منه ؛ فإن الأئمة الثقات نقلوا كما قال ابن السيرافى ، وهو تابع


1) ما بين القوسين زيادة من تصريف المازنى ، ويريد بهذا المثال «فواعل» ولم ينقل المؤلف عبارة المازنى هنا بنصها ، وإنما لخصها

لهم فيه ، ولم يختلفوا فيه ، وإنما اختلفوا فى مفرده هل هو عيّل أم عيّال؟ وحمله على أنه جمع غيل - بكسر المعجمة - وهى الأجمة لم يرد ، ولم يقل به أحد

هذا ، وقد أورد سيبويه البيت فى باب جمع التكسير فيما كان على ثلاثة أحرف وتحركت جميع حروفه ، أنشده وقال : «فعل به ما فعل بالأسد حين قالوا : أسد»

قال الأعلم : «الشاهد فيه جمع نمر على نمر كما جمع أسد على أسد ؛ لأنهما متساويان فى عدد الحروف وتحرك جميعها ، وحرّك الميم بالضم إتباعا للنون فى الوقف» انتهى.

وحمله الجوهرى على أنه مخفف من نمور ، وصحف عيائيل بتماثيل ، قال : «النّمر سبع ، والجمع نمور ، وقد جاء فى الشعر نمر وهو شاذ ، ولعله مقصور منه ، قال :

فيها تماثيل أسود ونمر»

وقد نبه على تصحيفه ابن برى فى أماليه ، والمشهور أن أسودا وما بعده بالرفع ، قال الأعلم : والأسود بدل من عيائيل وتبيين لها ، قال ابن السيرافى : والذى فى شعره أسود مجرورة باضافة عيائيل إليه ، وقال صدر الأفاضل : «أسود بالرفع عطف بيان لعيائيل ، ويروى بالجر بإضافة عيائيل إليه إضافة بيان ، وقال العينى : هو من إضافة الصفة إلى موصوفها على قول ابن السيرافى

وأقول : هذا جميعه على تقدير عياييل جمع عيّال بمعنى المتبختر ، ويلزم منه أن يكون عياييل بياءين دون همز ، كما تقدم عن سفر السعادة ، وأما على قول من جعله جمع عيّل واحد العيال فالمراد به أولاد الاسود والنمور إن روى بجر ما بعد عيائيل ، وإن روى بالرفع فالمراد بعيائيل نفس الأسود والنمور ، وفيه ركاكة لا تخفى ، والجر هى الرواية الجيدة ، والأجمة إذا كان فيها أولادها تكون أحمى من غيرها ، وضمير «فيها عيائيل» راجع إلى «أشب الغيطان» فى بيت

قبله ؛ وروى أيضا «فيه عيائيل» بتذكير الضمير على أنه راجع إلى أشب.

والبيت من رجز لحكيم بن معيّة الرّبعى من بنى تميم ، وهو :

أحمى قناة صلبة ما تنكسر

صمّاء تمّت فى نياف مشمخرّ

حفّت بأطواد عظام وسمر

فى أشب الغيطان ملتفّ الحظر

فيها عيائيل أسود ونمر

خطّارة تدمى خياشيم النّعر

إذا الثّقاف عضّها لم نأطر

وكأن هذه الأبيات لم تبلغ الأعلم ؛ زعم أن ضمير «فيها» لفلاة ، قال :

«وصف فلاة كثرت السباع فيها» هذا كلامه ، وقال ابن السيرافى : وصف قناة نبتت فى موضع محفوف بالجبال والشجر ، وقد أطال لسانه عليه أبو محمد الأعرابى ، فقال : قوله «وصف قناة» يهوّس الإنسان فيتوهم أنه أراد بالقناة رمحا طعن به ، وإنما المراد بالقناة هنا العزة القعساء والشرف العرد

وأقول : هذا بعيد من معنى الشعر ، غير دال عليه ، وجميع ألفاظه أولى بالدلالة على ما ذكره ابن السيرافى وغيره من العلماء

و «أحمى» من حميت المكان من الناس حميا من باب رمى ، وحمية - بالكسر - إذا منعته عنهم ، والحماية : اسم منه ، وأما على قول أبى محمد فهو من حميت القوم حماية ، إذا نصرتهم ، والقناة : الرمح ، والصلبة - بالضم - : وصف من صلب الشىء - بالضم - صلابة إذا اشتد وقوى ، فهو صلب وهى صلبة ، والصّماء : التى جوفها غير فارغ ، وتمت : كملت واستوت فى منبتها ، وقوله «فى نياف» أى : فى جبل نياف ، والنياف - بكسر النون - : العالى المرتفع ، قال صاحب العباب : وجمل نياف وناقة نياف : أى طويل وطويلة فى ارتفاع ، والأصل نواف ، وكذلك جبل نياف ، ومشمخر : اسم فاعل من اشمخرّ اشمخرارا : أى ارتفع وعلا ،

وقوله «حفّت - إلخ» قال ابن السيرافى : «يريد حفّ موضع هذه القناة التى نبتت فيه بأطواد الجبال ، الواحد طود ، والسّمر - بفتح فضم - : جمع سمرة ، وهى شجرة عظيمة ، والأشب - بفتح الهمزة وكسر الشين - : الموضع الملتف الذى يتداخل حتى لا يمكن أن يدخل فيه إلا بشدة ، والغيطان : جمع غائط ، وهو المنخفض من الأرض ، والحظر - بفتح المهملة وكسر المعجمة - : الموضع الذى حوله الشجر مثل الحظيرة ، وقوله «فيه» أى : فى هذا الموضع أسود تقيل تذهب وتجىء فيه وتتبختر» انتهى كلام ابن السيرافى

وقال العينى : الحظر - بضمتين - : جمع حظيرة ، وقوله «خطّارة» أى : تلك الأسود والنمر خطّارة من خطر يخطر - من باب نصر - خطرانا ؛ إذا اهتز فى المشى وتبختر ، وتدمى : مضارع أدماه ، أى : أخرج دمه بالجرح ، والنّعر - بفتح النون وكسر العين المهملة - : المتكبر ، والثّقاف - بكسر المثلثة - : ما تسوّى به الرماح ، وثقّفت الرماح تثقيفا ؛ إذا سوّيتها ، وتنأطر : مطاوع أطرته : أى حنيته وثنيته

وحكيم بن معيّة راجز إسلامى معاصر للعجاج وحميد الأرقط ، ومعيّة : مصغر معاوية


وأنشد بعده - وهو الشاهد الثامن والسبعون بعد المائة - : [من الطويل]

178 - فما أرّق النّيّام إلّا سلامها

على أن النّيّام أشذّ من صيّم ؛ لأن ألف فعّال لما حجزت بين العين واللام قويت العين ؛ فلم يجز قلبها ، وصوّم لما كان مع قرب واوه من الطرف الوجه فيه التصحيح كان التصحيح إذا تباعدت الواو من الطرف لا يجوز غيره

قال ابن جنى فى شرح تصريف المازنى : «وقد جاء حرف شاذ ، وهو قولهم :

فلان فى صيّابة قومه ، يريدون صوّابة : أى فى صميمهم وخالصهم ، وهو من صاب يصوب ؛ إذا نزل ، كأن عرقه فيهم قد ساخ وتمكن ، وقياسه التصحيح ، ولكن هذا ممّا هرب فيه من الواو إلى الياء لثقل الواو ، وليس ذلك بعلة ، وأنشد ابن الأعرابى :

ألا طرقتنا ميّة ابنة منذر

فما أرّق النّيّام إلّا سلامها

وقال : أنشدنيه أبو الغمر هكذا بالياء ، وهو شاذ» انتهى

وقوله «أنشدنيه أبو الغمر» هو أبو الغمر الكلابى ، وفى مثله يحتمل أن يكون أنشده لنفسه وأن يكون أنشده لغيره ، وجزم العينى بأنه له ، وهو خلاف الصواب ؛ فإن البيت من قصيدة لذى الرمة ، والرواية فى ديوانه كذا :

ألا خيّلت مىّ وقد نام صحبتى

فما أرّق النّيّام إلّا سلامها

وروى أيضا :

فما نفّر التّهويم إلّا سلامها

وهذا لا شاهد فيه ؛ وبعده :

طروقا وجلب الرّحل مشدودة به

سفينة برّ تحت خدّى زمامها

أنيخت فألقت بلدة فوق بلدة

قليل بها الاصوات إلّا بغامها

وقوله «ألا خيلت مىّ» أى بعثت خيالها ، ومية : معشوقة ذى الرمة ، وأرّقه تأريقا : أسهره ، والنّيّام : جمع نائم ، ونفّره تنفيرا : شرّده تشريدا ، والتهويم : هزّ الرأس من النعاس ، والسّلام : التحية ، والطروق : المجىء فى الليل ، وجلب الرحل - بكسر الجيم وسكون اللام - : خشبه ، وأراد بسفينة البر الناقة ، وقوله «أنيخت فألقت إلخ» هذا البيت شرحناه فى باب الاستثناء من أبيات شرح الكافية

قال بعض فضلاء العجم : «قوله : ألا طرقتنا - إلخ ؛ يجوز أن يريد بطروقها

طروق خيالها ، فإنهم يقيمون الخيال مقام صاحبته ، واستيقاظهم بسلام الخيال لاستعظامهم إياه ، والحمل على ظاهره من إتيانها نفسها ظاهر» انتهى كلامه

وقد ظهر لك من الرواية الأخرى أن الطارق خيالها ، لا هى ، وروى العينى «كلامها» بدل سلامها ، وهذا بعيد ساقط.


وأنشد الجاربردى هنا - وهو الشاهد التاسع والسبعون بعد المائة - : [من الطويل]

179 - وكنت إذا جارى دعا لمضوفة

أشمّر حتّى ينصف السّاق مئزرى

على أن مضوفة شاذ

قال المازنى فى التصريف الملوكى (1): أصلها مضيفة ؛ فنقلت الضمة إلى الضاد فانقلبت الياء واوا لسكونها وانضمام ما قبلها ، وهو حرف شاذ ، لا يعلم له نظير ؛ فينبغى أن لا يقاس عليه

وقال الزمخشرى فى المفصل : والمضوفة كالقود والقصوى عند سيبويه ، وعند الأخفش قياس

قال ابن يعيش : «فى مضوفة تقوية لمذهب أبى الحسن الأخفش ، لأنه جاء على قياسه ، وعند سيبويه شاذ فى القياس والاستعمال ، كالشذوذ فى القود والقصوى ، والقياس مضيفة ، والقاد كباب ، والقصيا كالدنيا ، ومضوفة هنا من ضفت إذا نزلت عنده ضيفا ، والمراد بالمضوفة ما ينزل من حوادث الدهر


1) كذا ، والتصريف الملوكى لابن جنى لا للمازنى ، وللمازنى كتاب التصريف ، غير موصوف

ونوائب الزمان : أى إذا جارى دعانى لهذا الأمر شمّرت عن ساقى وقمت فى نصرته» انتهى.

وقال الزمخشرى فى مناهيه على المفصل : هى من ضاف يضيف ، إذا مال والتجأ ، وأضافه ألجأه ، وفلان يحمى المضاف : أى الملجأ والمحرج ؛ وقال الأصمعى : أضفت من الأمر : أى أشفقت وحذرت ، ومنه المضوفة ؛ وهو الأمر يشفق منه ؛ كقوله :

وكنت إذا جارى ... البيت

وفلان يضيف من كذا أى يشفق ، والإضافة : الشّفقة.

قال أبو سعيد : والبيت يروى عن ثلاثة أوجه : المضوفة ، والمضيفة ، والمضافة ، وكل من تكلم على هذه الكلمة جعلها يائية ، إلا الصاغانى ؛ فانه نظر إلى ظاهرها فجعلها واوية ، قال فى مادة (ض وف) : المضوفة الهم ، ويقال بى إليك مضوفة : أى حاجة ، وأنشد البيت ، ولم يذكر فى هذه المادة غيرها ، فان ثبت أنها واوية فهى على القياس كمقولة ، من القول

والبيت من أبيات لأبى جندب بن مرّة الهذلى الجاهلى أخى أبى خراش الهذلى الصحابى ، وهى :

ألا أبلغا سعد بن ليث وجندبا

وكلبا أثيبوا المنّ غير المكدّر

ونهنهت أولى القوم عنكم بضربة

تنفّس منها كلّ حشيان مجحر

وكنت إذا جار دعا لمضوفة

أشمّر حتّى ينصف السّاق مئزرى

فلا تحسبن جارى لدى ظلّ مرخة

ولا تحسبنه فقع قاع بقر قر

ولكنّنى جمر الغضا من ورائه

يخفّرنى سيفى إذا لم أخفّر

أبى النّاس إلّا الشّرّ منّى فذرهم

وإيّاى ما جاءوا إلىّ بمنكر

قوله «أثيبوا» من الإثابة ، وهى إعطاء الثواب ، يقال : أثابه ، أى جازاه وكافأه ، والمن : الإنعام ، ونهنهت : كففت ، وأولى الناس : أى الجماعة المتقدمة ، والحشيان - بفتح المهملة - : الذى قد حشى جوفه من خوف العدو ، والمجحر : المنهزم ، وهو اسم مفعول من أجحرته - بتقديم الجيم على الحاء المهملة - أى : ألجأته إلى أن دخل جحره : أى تنفس من ضربتى الذى كان لا يقدر أن يتنفس

وقوله «وكنت إذا جار» كذا فى شعره بالتنكير ، وهو أفخر ، ونصف الشىء ينصفه - من باب نصر - إذا بلغ نصفه ، والساق : مفعول مقدم ، ومئزرى : فاعل مؤخر ؛ يقول : إذا دعانى جار للأمر الشاق الذى نزل به شمّرت حتى يصل مئزرى إلى نصف ساقى ، جعله مثلا لاجتهاده فى كف ما دعاه جاره إليه ، قوله «فلا تحسبن» بنون التوكيد الخفيفة ، والمرخة - بالخاء المعجمة - : شجرة صغيرة لا تمنع من لاذبها ، والفقع - بفتح الفاء وسكون القاف - : ضرب ردىء من الكمأة ؛ أى لا يمتنع على من أراده ، والقرقر : الصلب ، أى : لا تحسبه كالكمأة التى توطأ وتؤخذ ليس عليها ستر فلا شىء أذل منها ، وفى شرح إصلاح المنطق : «يقولون : هذا فقع قرقرة ، الفقع - بفتح الفاء وكسرها - : الكمأة الأبيض ، رواه أبو زيد والأحمر ، والقرقرة : الأرض الملساء المستوية ، وقيل : القاع من الأرض ويقال للذليل : فقع قرقرة ، أى أنه بمنزلة الكمء النابت فى السهل ، فكلما وطئته القدم شدخته ، وإذا نبت فى دكادك الرمل لم تكد القدم تأخذه» انتهى

وقوله «إلا الشرمنى» ويروى «منهم» وما : مصدرية ظرفية


وأنشد أيضا بعده - وهو الشاهد الثمانون بعد المائة - : [من الطويل]

180 - تبيّن لى أنّ القماءة ذلّة

وأنّ أعزّاء الرّجال طيالها

على أن «طيالها» شاذ قياسا واستعمالا ، والقياس طوالها ، وهو الكثير

(ق 2 - 25)

المستعمل ، وقوله «لصحتها فى المفرد» ليس كذلك ، بل لتحركها فيه ، ولو كانت ساكنة لأعلّت ، ولو كانت صحة العين فى المفرد سببا لصحتها فى الجمع لما أعل نحو حياض وثياب وسياط.

والقماءة - بفتح القاف والمد - : مصدر قمؤ الرجل - بضم الميم مهموز اللام - أى : صار قميئا ، على وزن فعيل ، وهو الصغير الذليل ، ويقال : قماء أيضا ، بدون الهاء على وزن فعال وفعالة ، كذا فى الصحاح فى نسخة صحيحة ، ولم يورد ابن ولّاد فى المقصور والممدود إلا فعالة ، قال : «والقماءة : الذل والمهانة ، يقال : قمؤ فهو قمىء بين القماءة» انتهى. وذكر أبو بكر بن الأنبارى فى كتاب المقصور والممدود همزه على فعل - بفتحتين - ، وأورده مع سبأ ونبأ ، ومدّه على فعالة ، قال : والقمأ من القماءة ، قال الشاعر :

تبيّن لى أنّ القماءة ذلّة ... البيت

ونقله عنه القالى فى كتاب المقصور والممدود ، قال : باب ما جاء من المقصور المهموز على مثال فعل من الأسماء والصفات ، وعدّد أمثلة إلى أن قال : والقمأ من القماءة ، وهو الصغير ، كذا قال أبو بكر بن الأنبارى على فعل ، قال الشاعر :

تبيّن لى أنّ القماءة ذلّة ... البيت

وقال أبو زيد : «قمؤ الرجل قماءة ، إذا صغر ، وقمأت الماشية قمؤا وقمئا وقموءة وقمؤت قماءة ، إذا سمنت» انتهى.

فمصدر قمؤ الرجل على كلام أبى زيد فعالة ، ومصدر قمأت الماشية - بفتح الميم - فعول وفعولة - بضم فائهما ، وفعل - بفتح الفاء وسكون العين - ومصدر قمؤت - بضم الميم - فعالة.

والعجب من العينى أنه قال بعد أن نقل كلام القالى : «الحاصل أن مصدر قمؤ على قمأ ، على وزن فعل - بالتحريك - وقمأة - بالتاء - وإنما مدّ فى الشعر

المذكور للضرورة» هذا كلامه.

وهو ناشىء من قراءته قماءة على وزن فعالة بسكون الميم والهمز على وزن فعلة ، ولم يقل به أحد.

قال ابن المستوفى فى شرح أبيات المفصل : البيت من قصيدة لأنيف بن زبّان النّبهانى من طىّ ، وهو إسلامى ، ومطلعها :

تذّكّرت حبّى واعتراك خيالها

وهيهات حبّى ليس يرجى وصالها

وقد أورد أبو تمام منها بيتين (1)فى أوائل الحماسة ، وهما :

فلمّا أتينا السّفح من بطن حائل

بحيث تلاقى طلحها وسيالها

دعوا لنزار وانتمينا لطىّء

كأسد الشّرى إقدامها ونزالها

وأنيف - بضم الهمزة وفتح النون - : مصغر أنف ، وزبّان بالزاى المعجمة وتشديد الموحدة ، ونبهان بفتح النون وسكون الموحدة.


وأنشد الشارح المحقق من [الكامل] :

عن مبرقات بالبرين وتبدو

بالأكفّ اللّامعات سور

وتقدم شرحه فى الشاهد الثالث والستين من هذا الكتاب.


وأنشد بعده - وهو الشاهد الحادى والثمانون بعد المائة - : [من الكامل]

181 - قد كان قومك يحسبونك سيّدا

وإخال أنّك سيّد مغيون


1) ذكر أبو تمام عشرة أبيات من هذه الكلمة ، انظر شرح التبريزى (1 : 166).

على أن قوله «مغيون» جاء على لغة تميم ، ولغة غيرهم مغين

والبيت من أبيات للعباس بن مرداس السّلمى ؛ روى صاحب الأغانى بسنده عن أبى عبيدة وأبى عمرو الشيبانى : «أن حرب بن أمية لما انصرف من حرب عكاظ هو وإخوته مرّ بالقريّة ، وهى غيضة شجر ملتفّ لا يرام ، فقال له مرداس بن أبى عامر : أما ترى هذا الغرس؟ قال : بلى ، فماله؟ قال : نعم المزدرع هو ، فهل لك أن نكون شريكين فيه ، ونحرق هذه الغيضة ثم نزدرعه بعد ذلك؟ فقال : نعم ، فأضرما النار فى الغيضة ، فلما استطارت وعلا لهيبها سمع من الغيضة أنين وضجيج كثير ، ثم ظهرت منه حيّات بيض تطير حتى قطعتها وخرجت منها ، وقال مرداس بن أبى عامر : [من البسيط]

إنّى انتخبت لها حربا وإخوته

إنّى بحبل وثيق العهد دسّاس

إنّى أقوّم قبل الأمر حجّته

كيما يقال : ولىّ الأمر مرداس

قال : فسمعوا هاتفا يقول لما احترقت الغيضة : [من الرجز]

ويل لحرب فارسا

مطاعنا مخالسا

ويل لعمرو فارسا

إذ لبسوا القوانسا

لنقتلن بقتله

جحاجحا عنابسا

ولم يلبث حرب بن أمية ومرداس بن أبى عامر أن ماتا ؛ فأما مرداس فدفن بالقريّة. ويقال : إن الجن قتلتهما لإحراقهما شجر القريّة وازدراعهما إياها ، وهذا شىء قد ذكرته العرب فى أشعارها وتواترت الروايات بذكره فذكرته ، ثم إن القريّة ادّعاها بعد ذلك كليب بن عييمة السلمى ثم الظّفرى ، فقال فى ذلك عبّاس بن مرداس :

أكليب مالك كلّ يوم ظالما

والظّلم أنكد غبّه ملعون

قد كان قومك يحسبونك سيّدا

وإخال أنّك سيّد مغيون

أتريد قومك ما أراد بوائل

يوم القليب سميّك المطعون

وأظنّ أنّك سوف ينفذ مثلها

فى صفحتيك سنانى المسنون

إنّ القريّة قد تبيّن أمرها

إن كان ينفع عندك التّبيين

حين انطلقت بحظّها لى ظالما

وأبو يزيد بجوّها مدفون

وأبو يزيد : هو مرداس بن أبى عامر» انتهى.

قال ابن الشجرى فى أماليه : عييمة منقول من محقر العيمة ، وهى شهوة اللبن ، أو محقر العيمة - بكسر العين - وهى خيار المال ، ومنه قولهم : اعتام الرجل : أى أخذ العيمة ، وقوله «أكليب» الهمزة للنداء ، وقوله «مالك» ما : استفهامية مبتدأ ، ولك : الخبر ، وكل : ظرف ، والنّكد : العسر ، وخروج الشىء إلى طالبه بشدة ، وغبّه : عاقبته ، واللعن : الطرد والإبعاد ، وأخال - بفتح الهمزة - وهو الأصل ، وإخال بالكسر فيه لغة الذين كسروا حرف المضارعة مما جاء على مثال تفعل نحو تعجب وتعلم وتركب ؛ لتدل كسرته على كسرة العين من عجب وعلم وركب ونحو ذلك ، يقولون : أنا إعجب وأنت تعلم ونحن نركب ، واستثقلوا الكسرة على الياء فألزموها الفتح ، ومغيون - بالغين المعجمة - : اسم مفعول من قولهم : غين على قلبه ، أى : غطّى عليه ، وفى الحديث «إنّه ليغان على قلبى» ولكن الناس ينشدونه بالباء ، وهو تصحيف ، وقد روى بالعين غير المعجمة : أى مصاب بالعين ، والأول هو الوجه ، وكلاهما مما جاء فيه التصحيح وإن كان الاعتلال فيه أكثر ، كقولهم : طعام مزيوت ، وبرّ مكيول ، وثوب مخيوط ، والقياس مغين ومزيت ومكيل ومخيط ، حملا على غين وزيت وكيل وخيط. قال أبو على : «ولو جاء التصحيح فيما كان من الواو لم ينكر ،

ألا تراهم قد قالوا : الغؤور ، فهو مثل مفعول من الواو لو صح» انتهى.

وقد صححوا أحرفا من ذوات الواو ، قالوا : مسك مدووف ، وثوب مصوون ، وفرس مقوود ، والغؤور : مصدر غارت عينه تغور غؤورا ، وإنما صح اسم المفعول من هذا التركيب فخالف بذلك اسم الفاعل ؛ لأن اسم المفعول غير جار على فعله فى حركاته وسكونه كما تجرى أسماء الفاعلين على أفعالها ، فلما خالف اسم المفعول فعله فيما ذكرناه خالفه فى إعلاله.

وقوله «أتريد قومك - إلخ» الهمزة للاستفهام ، وأراد بقومك ، بدليل ما بعده ، ولما حذف الباء ظهر النصب ، وفاعل «أراد» سميّك ، ويوم القليب ويروى يوم الغدير ، وهو اليوم الذى قتل فيه كليب وائل ، والقليب : البئر وأراد بوائل بكرا وتغلب ابنى وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمىّ ابن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معدّ بن عدنان ، وأراد بسميّه المطعون كليب بن ربيعة بن مرّة بن الحارث بن زهير بن خثيم بن حبيب بن تغلب ابن وائل ، طعنه جسّاس بن مرّة بن ذهل بن شيبان بن ثعلبة ، فقتله ، وكانت العرب تضرب المثل بكليب فى العز ، فيقولون : أعزّ من كليب وائل ، وكان سيّد ربيعة بن نزار فى دهره ؛ هو الذى كان ينزلهم فى منازلهم ، لم يكونوا يظعنون من منزل ولا ينزلون إلا بأمره ، فبلغ من عزه وبغيه أنه اتخذ جرو كلب ، وكان إذا نزل منزلا مكلئا قذف بذلك الجرو فيه فيعوى ، فلا يقرب أحد ذلك الكلأ إلا باذنه ، أو أن يؤذن بحرب ، وكذلك كان يفعل فى الماء ، وفى أرض الصيد ، وكان إذا ورد الماء قذف بالجرو عند الحوض فلا يقرب أحد ذلك الماء حتى تصدر إبله ، وكان يحمى الصيد ، فيقول : صيد أرض كذا فى جوارى ، فلا يهاج ذلك الصيد ، وكان لا يخوض معه أحد فى حديث ولا يمرّ أحد بين يديه وهو جالس ، ولا يحتبى فى مجلسه غيره ، فصار فى العز والبغى مثلا.

وكان سبب قتله أن البسوس - وهى امرأة من غنىّ ، وضربت العرب بها المثل فى الشؤم ، فقالوا : أشأم من البسوس - كانت فى جوار جسّاس بن مرّة ، فمرت إبل لكليب تريد الماء ، فاختلطت بها ناقة للبسوس ، فوردت معها الماء ، فرآها كليب ، فأنكرها ، فقال : لمن هذه الناقة؟ فقال الرّعاء : للبسوس جارة جسّاس ، فرماها بسهم ، فانتظم ضرعها ، فأقبلت الناقة تعجّ وضرعها يسيل دما ولبنا ، فلما رأتها البسوس قذفت خمارها ، ثم صاحت : واذلّاه! وجاراه! فأغضبت جسّاسا ، فركب فرسه ، وأخذ رمحه ، وتبعه عمرو بن الحارث ابن ذهل بن شيبان على فرسه ، ومعه رمح ، فركضا نحو الحمى والخباء ، فلقيا رجلا فسألاه : من رمى الناقة؟ فقال : من حلّأكما عن برد الماء وسامكما الخسف ، فأقررتما به ، فزادهما ذلك حميّة وغضبا.

يقال : حلأه عن الماء : إذا طرده عنه ، وسام فلان فلانا الخسف : إذا أولاه الدّنيّة.

فأقبلا حتى وقفا على كليب ، فقال له جساس : يا أبا الماجد ، أما علمت أنها [ناقة] جارتى؟ فقال كليب : وإن كانت ناقة جارتك! فمه؟ أتراك مانعى أن أذبّ عن حماى؟ فأغضبه ذلك ، فحمل عليه ، فطعنه وطعنه عمرو ، فقتلاه ، وفيه هاجت حرب بكر وتغلب ابنى وائل أربعين عاما ؛ وقالت الشعراء فى بغى كليب ، وضربوه مثلا.

وقوله «ينفذ مثلها» أى : مثل الطعنة التى طعنها جسّاس بن مرة كليب ابن ربيعة ، وحسن إضمار الطعنة وإن لم يجر لها ذكر ؛ لأن ذكر المطعون دلّ عليها

وتقدمت ترجمة العباس بن مرداس فى الشاهد السابع عشر من شواهد شرح الكافية.

وأنشد بعده - وهو الشاهد الثانى والثمانون بعد المائة - : [من الرجز]

182 - يا ليت أنّا ضمّنا سفينه

حتّى يعود الوصل كيّنونه

على أن «كينونة» أصلها بياء مشددة ، فحذفت الياء الزائدة ، وبقيت عين الكلمة ، وهى الياء الثانية المنقلبة عن الواو ، والأصل كيونونة ، فانقلبت الواو ياء لاجتماعها مع الياء الساكنة وأدغمت فيها ، ثم حذفت الياء الأولى تخفيفا وجوبا ، ولا يجوز ذكرها إلا فى الشعر ، كما فى البيت

قال أبو العباس المبرد : أنشدنى النهشلى :

قد فارقت قرينها القرينه

وشحطت عن دارها الظّعينه

قوله «يا ليت أنا - إلخ» وقرينها : مفعول مقدم ، والقرين : زوج المرأة ، والقرينة : فاعل ، وهى زوجة الرجل ، وشحط الرجل - من باب (1)فرح - إذا بعد ، والظعينة : المرأة ما دامت فى الهودج ، وقوله «يا ليت أنا» بفتح الهمزة - أنا مع اسمها وخبرها فى تأويل مصدر سادّ مسد معمولى ليت ، وضمنا : جمعنا ، وسفينة : فاعل ، وكينونة : مصدر كان ، والمراد به اسم المفعول : أى حتى يعود الوصل موجودا.

والبيتان كذا أنشدهما ابن جنى فى شرح تصريف المازنى وابن برى فى أماليه على الصحاح.


وأنشد بعده : [من الرجز]

ما بال عينى كالشّعيب العيّن

وتقدم شرحه فى الشاهد الخامس والعشرين من هذا الكتاب.


1) واللغة المشهورة من باب منع

وأنشد الجاربردى هنا - وهو الشاهد الثالث والثمانون بعد المائة - : [من الخفيف]

183 - كلّ أنثى وإن بدا لك منها

آية الحبّ حبّها خيتعور

على أن فيعلولا موجود كخيتعور ، وما فسره به هو كلام صاحب الصحاح ، وفسره بعضهم بالغرور الذى لا يصح منه شىء.

وقال صاحب العباب : وربما سموا الذئب خيتعورا ؛ لأنه لا عهد له ، ولا وفاء ، والخيتعور : الغول والداهية والدنيا والأسد.

والبيت من أبيات لجدجدّ امرىء القيس واسمه حجر آكل المرار ، وقبله (1)

لمن النّار أوقدت بحفير

لم ينم عند مصطل مقرور

أو قدتها إحدى الهنود قالت

أنت ذا موثق وثاق الأسير

:

إنّ من غرّه النّساء بشىء

بعد هند لجاهل مغرور

حلوة القول واللّسان ومرّ

كلّ شىء أجنّ منها الضّمير

كلّ أنثى وإن بدا لك منها

... البيت

وحجر : بضم الحاء المهملة وسكون الجيم ، والمرار - كغراب - : اسم شجر مرّ ، وحجر : هو ابن عمرو بن معاوية بن الحارث ، وينتهى نسبه إلى كندة ، ومن كندة إلى يعرب بن قحطان ؛ قال الأصبهانى فى الأغانى : «أخبرنى ابن دريد إجازة عن عمه عن ابن الكلبى عن أبيه عن الشّرقى بن القطامىّ قال : أقبل تبّع حين سار إلى العراق فنزل بأرض معدّ فاستعمل عليهم حجر بن عمرو ، وهو آكل المرار ، فلم يزل ملكا حتى خرف ، ثم إن زياد بن الهبولة بن عمرو بن عوف


1) روى صاحب الأغانى قبل هذه الأبيات بيتين ، وهما :

ابن ضجعم ، وهو حماطة بن سعد بن سليح القضاعىّ أغار على حجر آكل المرار وهو غائب فأخذ مالا كثيرا وسبا امرأة حجر ، وهى هند بنت ظالم بن وهب ابن الحارث بن معاوية ، وأخذ نسوة من نساء بكر بن وائل ، فلما بلغ حجرا وبكر ابن وائل مغاره وما أخذ أقبلوا عليه ، ومعه يومئذ أشراف بكر بن وائل منهم عوف ابن محلّم بن ذهل بن شيبان ، فأقبل حجر فى أصحابه حتى إذا كان بمكان يقرب من عين أباغ (1)بعث سدوسا وصليعا (2)يتجسسان له الخبر ؛ فخرجا حتى هجما على عسكره وقد أوقد نارا ونادى مناد [له] من جاء بحزمة من حطب فله فدرة (3)من تمر ، وكان ابن الهبولة قد أصاب فى عسكر حجر تمرا كثيرا فضرب قبابه وأجّج ناره ونثر التمر بين يديه ، فاحتطب سدوس وصليع ثم أتيا به ابن الهبولة فطرحاه بين يديه فناولهما من التمر وجلسا قريبا من القبّة ، فأما صليع فقال : هذه آية ؛ فانصرف إلى حجر فأعلمه بعسكره وأراه التمر ، وأما سدوس فقال : لا أبرح حتى آتيه بخبر جلىّ ، فلما ذهب هزيع من الليل أقبل ناس من أصحابه يحرسونه وقد تفرق أهل العسكر ، فقرب سدوس إلى جليس له فقال له : من أنت؟ مخافة أن يستنكر ، فقال : أنا فلان بن فلان ، قال : نعم ودنا سدوس من القبة فكان بحيث يسمع الكلام ، فدنا ابن الهبولة من هند امرأة حجر فقبلها وداعبها ، ثم قال لها : ما ظنك بحجر لو علم بمكانى منك؟ قالت : ظنى والله أنه لن يدع طلبك حتى يطالع القصور الحمر ، وكأنى أنظر إليه فى فوارس من بنى شيبان وهو شديد الكلب سريع الطلب يزبد شدقاه كأنه بعير آكل مرار ؛ فسمى آكل المرار يومئذ ، قال : فرفع يده فلطمها ثم قال : ما قلت هذا إلا


1) بضم الهمزة وفتحها وكسرها ، وهى موضع بين الرقة والكوفة

2) فى الأصول «ضبيعا» وهو تحريف والتصحيح عن الأغانى

3) الفدرة : القطعة

من عجبك به وحبك له ، فقالت : والله ما أبغضت ذا نسمة قط بغضى له ، ولا رأيت رجلا قط أحزم منه نائما ومستيقظا ؛ إن كان لتنام عيناه وبعض أعضائه حىّ لا ينام ، وكان إذا أراد النوم أمرنى أن أجعل عنده عسّا (1)مملوءا لبنا ، فبينما هو ذات ليلة نائم وأنا قريبة منه أنظر إليه إذ أقبل أسود سالخ (2)فمال إلى العس فشربه ثم مجه ، فقلت : يستيقظ فيشرب فيموت فأستريح منه ، فانتبه من نومه فقال : علىّ بالإناء ، فناولته فشمه فاضطربت يداه حتى سقط الإناء فأريق ، وكل هذا يسمعه سدوس ، فلما نامت الأحراس خرج يسرى ليلته حتى صبح حجرا ، فقال : [من الوافر]

أتاك المرجفون برجم غيب

على دهش وجئتك باليقين

فمن يك قد أتاك بأمر لبس

فقد آتى بأمر مستبين

ثم قص عليه ما سمع ، فأسف ونادى فى الناس بالرحيل ؛ فساروا حتى انتهوا إلى عسكر ابن الهبولة ، فاقتتلوا قتالا شديدا ، فانهزم ابن الهبولة وعرفه سدوس فحمل عليه فاعتنقه وصرعه فقتله ، وبصر به عمرو بن أبى ربيعة (3)فشد عليه فأخذ رأسه منه وأخذ سدوس سلبه وأخذ حجر هندا فربطها بين فرسين ثم ركضا بها حتى قطعاها قطعا ، هذه رواية ابن الكلبى

وأما أبو عبيدة فإنه ذكر أن ابن الهبولة لما غنم عسكر حجر غنم مع ذلك زوجته هند بنت ظالم وأم أناس بنت عوف بن محلم الشيبانى - وهى أم الحارث بن حجر - وهند بنت حجر ، قال : وكان ابن الهبولة بعد أن غنم يسوق ما معه من السبايا والنعم ويتصيد فى المسير لا يمر بواد إلا أقام به يوما أو يومين حتى أتى


1) العس - بالضم - : القدح العظيم ، وجمعه عساس

2) الأسود السالخ : الحية العظيمة تخرج عن قشرها

3) فى الأغانى عمرو بن معاوية

على ضريّة (1)فوجدها معشبة فأعجبته فأقام بها أياما ، وقالت له أم أناس : إنى لأرى كأنى قد نظرت إلى رجل أسود أدلم (2)كأن مشافره مشافر بعير آكل مرار قد أخذ برقبتك ؛ فسمى حجر آكل المرار بذلك ، وذكر باقى القصة نحو ما مضى ، وروى أيضا أنه إنما سمى آكل المرار لأن سدوسا لما أتاه بخبر ابن الهبولة ومداعبته لهند وأن رأسه كان فى حجرها وحدثه بقولها له ، جعل يسمع ذلك وهو يعبث بالمرار - وهو نبت شديد المرارة - وكان جالسا فى موضع فيه منه شىء كثير ، فجعل يأكل من ذلك المرار غضبا وهو يسمع من سدوس وهو لا يعلم أنه يأكله من شدة الغضب ، حتى انتهى سدوس إلى آخر الحديث فعلم حينئذ بذلك ، ووجد طعمه ، فسمى يومئذ آكل المرار ، قال ابن الكلبى :

وقال جحر فى هند :

*إنّ من غرّه النّساء بشىء ... الأبيات»

انتهى ما ساقه صاحب الأغانى باختصار قليل.

ولا يخفى أن المشهور أن أم أناس زوجة عمرو المقصور بن حجر بن الحارث ابن عمرو (3)

هلّا على حجر بن أمّ

أناس تبكى لا علينا

، وإنما سميت أم أناس لأن أباها عوف بن محلّم أمر أمّها لما ولدتها أن تئدها ، فقالت : قد فعلت ؛ فربتها حتى أدركت فنظر إليها عوف يوما مقبلة فأعجبه شبابها فقال : من هذه يا أمامة؟ قالت : وصيفة لنا ، ثم قالت : أيسرك أنها ابنتك؟ فقال : كيف لى بذلك؟ قالت : فانها التى أمرتنى أن أئدها ، فقال : دعيها فلعلها أن تلد لنا أناسا ، فسميت أم أناس ، وهى أم الحارث بن عمرو المقصور بن حجر.

1) ضرية : بلدة بين البصرة ومكة.

2) الأدلم : الشديد السواد.

3) يدل على ذلك قول عبيد بن الأبرص بعد مقتل حجر :

وابن الهبولة - بفتح الهاء وضم الموحدة - : هو عمرو بن عوف بن ضجعم ، وهو بطن ، وهم الضجاعمة ، وكانو الملوك بالشام قبل غسّان ، وضجعم هو حماطة كما تقدم


وأنشد بعده أيضا - وهو الشاهد الرابع والثمانون بعد المائة - : [من الكامل]

184 - درس المنا بمتالع فأبان

فتقادمت بالحبس فالسّوبان

على أن أبان فيه قيل : وزنه أفعل ، وقيل : وزنه فعال

والبيت من قصيدة للبيد بن ربيعة الصحابى ، وأراد المنازل جمع منزل ، وهو حذف قبيح ، ودرس يكون فعلا لازما ومتعديا ، والمراد هنا الأوّل ، يقال :

درس المنزل يدرس دروسا : أى عفى وانمحى أثره ، ودرسته الريح ، ومتالع - بضم الميم بعدها مثناة فوقية واللام مكسورة والعين مهملة - قال أبو عبيد فى معجم ما استعجم : هو جبل لغنى بالحمى قاله الخليل ، وأبان قال ياقوت فى معجم البلدان : «أبان الأبيض وأبان الأسود : فأبان الأبيض شرقى الحاجر فيه نخل وماء يقال له : أكرة - وهو العلم - لبنى فزارة [وعبس ، وأبان الأسود : جبل لبنى فزارة](1)خاصة وبينه وبين الأبيض ميلان ، وقال أبو بكر بن موسى : أبان جبل بين فيد والنّبهانية أبيض ، وأبان جبل أسود : وهما أبانان وكلاهما محدد الرأس كالسنان ، وهما لبنى مناف بن دارم بن تميم بن مرّ ، وقال الأصمعى : وادى الرّمة يمر بين أبانين ، وهما جبلان يقال لأحدهما : أبان الأبيض ، وهو لبنى فزارة ثم لبنى جريد منهم ، وأبان الأسود لبنى أسد ، ثم لبنى والبة بن الحارث بن ثعلبة بن دودان بن أسد ، وبينهما ثلاثة أميال ، وقال آخرون : أبانان تثنية أبان ومتالع ، غلّب أحدهما


1) سقطت العبارة التى بين القوسين من أصول الكتاب ولا يتم الكلام إلا بها ، وهى فى ياقوت.

كما قالوا : القمران ؛ فى الشمس والقمر ، وهما بنواحى البحرين ، واستدلوا على ذلك بقول لبيد :

درس المنا بمتالع فأبان

أراد درس المنازل ؛ فحذف بعض الاسم ضرورة ، وهو من أقبح الضرورات

وقال أبو سعيد السكرى فى قوله (1)

ألا بان الخليط ولم زاروا

وقلبك فى الظّعائن ستعار

أسائل صاحبى ولقد أرانى

بصيرا بالظّعائن حيث اروا

: [من الوافر]

تؤمّ بها الحداة مياه نخل

وفيها عن أبانين ازورار

«أبان جبل معروف ، وقيل : أبانين ؛ لأنه يليه جبل نحو منه يقال له : شرورى ؛ فغلّبوا أبانا عليه فقالوا : أبانان» انتهى.

«والحبس» قال أبو عبيد فى معجم ما استعجم : «بكسر الحاء المهملة ، وقد تضم ، وسكون الباء الموحدة ، وبالسين المهملة : موضع فى ديار غطفان ، قال لبيد :

درس المنا ... البيت

وقال الحارث بن حلزة : [من الكامل]

لمن الدّيار عفون بالحبس

آياتها كمهارق الفرس

والأعرف فى بيت الحارث ضم الحاء ، كما أن الأعرف فى بيت لبيد كسرها ، ولعلهما موضعان» انتهى ؛ والسّوبان - بضم السين المهملة وبعد الواو باء موحدة - اسم واد ، كذا فى الصحاح ، وفى بعض نسخه وسوبان اسم واد ، وصوبه ياقوت فى هامشه باللام كما فى البيت.


1) هو من كلام بشر بن أبى خازم وقبله :

وأنشد أيضا بعده - وهو الشاهد الخامس والثمانون بعد المائة - : [من الرجز]

185 - يا عجبا لهذه الفليقه

هل تغلبنّ القوباء الرّيقه

على أن القوباء داء يعالج بالريق

قال ابن السيد فى شرح أبيات الجمل : «هذا الشعر لأعرابى أصابته القوباء فقيل له : اجعل عليها شيئا من ريقك وتعهدها فإنها تذهب ، فتعجب من ذلك واستغربه ، وروى «هل تذهبنّ القوباء»

قال ابن السيرافى : «عجب هذا الشاعر من تفل الناس على القوباء ورقيتها لتذهب ؛ قال : كيف تغلب الريقة القوباء؟ ومن روى القوباء بالرفع فقد أفسد المعنىّ» وقال التبريزى : ورواية الرفع على القلب ، وقال التّدميرىّ : هو على جهة المفاعلة كأن القوباء والريقة يتغالبان ، وكل من غالب شيئا فقد غالبه ذلك الشىء ، فكل واحد منهما فى المعنى فاعل ومفعول ، وقال الشمنى : أو على معنى أن الأعرابى كان يعتقد أن الريقة تبرىء من القوباء فسمع قائلا يقول : إن الريقة لا تبرئها ، فأنكر ذلك ، وفيه نظر ؛ لاقتضائه أن يكون المنكر المتعجب منه أن لا تبرىء ، وقال اللخمى فى شرح أبيات الجمل : هذان البيتان مجهولان لا يعلم قائلهما

والفليقة : الداهية ، والريقة : القطعة من الريق ، يقول : إن من العجب أن تذهب هذه القوباء الريقة ؛ لأنهم يزعمون أن ريقة الصائم إذا نفث بها على القوباء أزالتها

وقال الصاغانى فى العباب : «الفليق والفليقة : الداهية ، والعرب تقول : يا للفليقة :

وتقول فى مثل هذا : «يا عجبى لهذه الفليقة الخ» ويروى «يا عجبا وهذه الفليقة» قال أبو عمرو : معناه أنه يعجب من تغير العادات ؛ لأن الريقة تذهب القوباء على العادة فتفل على قوبائه فما برئب ؛ فتعجب مما تعهده ، وجعل القوباء على الفاعلة والريقة على المفعولة» انتهى.

وقال اللخمى : «يروى يا عجبا بالتنوين ويا عجبا بغير تنوين»

أقول : التنوين على وجهين : أحدهما أن يكون عجبا منادى منكرا أو مطولا لطوله بما اتصل به ، والثانى أن يكون مفعولا مطلقا والمنادى محذوف ، كأنه قال : يا قوم اعجبوا عجبا ، وروايته بلا تنوين له أيضا وجهان : أحدهما أن يكون منادى مضافا على لغة من يقول : يا غلاما أقبل ، بابدال ياء المتكلم ألفا ، وثانيهما أن يريد يا عجباه ، واكثر ما يستعمل مثل هذا فى الندبة ، وقد جاء فى غير الندبة ؛ كقول الآخر : [من الرجز]

يا مرحباه بحمار ناجيه

إذا أتى قرّبته للسّانيه

وقال ابن هشام فى المغنى : «ألف يا عجبا لمدّ الصوت بالمنادى المتعجب منه ، ولا يخفى أن المتعجب منه إنما هو قوله :

هل تغلبنّ القوباء الرّيقه»


وأنشد الشارح - وهو الشاهد السادس والثمانون بعد المائة ، وهو من شواهد سيبويه - : [من الطويل]

186 - أنا الّليث معديّا عليه وعاديا

على أن أصله معدوّا عليه ، وهو القياس ، وقلب الواو ياء فى مثله نادر ؛ لأنه غير جمع ، قال الأعلم : «الشاهد فيه قلب معدو إلى معدى استثقالا للضمة والواو تشبيها له بالجمع ، وبعض النحويين يجعل معديا جاريا على عدى فى القلب والتغيير ، والصحيح ما ذهب إليه سيبويه من شذوذه تشبيها بالجمع ؛ لأن مفعولا يجرى على فعلته كما يجرى على فعل ، تقول : عدوت عليه فهو معدو عليه كما يقال : عدى عليه فهو معدو عليه ، وقد استويا فى التغيير مع اختلاف فعليهما فيه» انتهى. وكذا فى شرح تصريف المازنى لابن جنى قال : «وينبغى أن تكون الألف

فى آخر أرطى فيمن قال : مرطىّ منقلبة عن ياء ؛ لأنه لو كان من الواو لقالوا : مرطوّ ، وإنما مرطىّ كمرمى ، ولا يحمله على قوله :

أنا اللّيث معديّا عليه وعاديا

وهو يريد معدوّا عليه ، ولا على مسنيّة ، وهم يريدون مسنوّة ؛ لأن هذا شاذ لا يقاس عليه» انتهى.

وكذا قال فى سر الصناعة

وجعل الزمخشرى فى المفصل المفرد والمصدر شيئا واحدا مقابلا للجمع ، قال ابن يعيش : «ويجوز القلب فى الواحد فيقال : مغزىّ ومدعىّ قال :

أنا اللّيث معديّا عليه وعاديا

أنشده أبو عثمان معدوّا بالواو على الأصل ، ورواه غيره معديّا» انتهى.

وفيه أن أبا عثمان إنما أنشده فى تصريفه بالياء لا غير

والمصراع عجزه ، وصدره :

وقد علمت عرسى مليكة أنّنى

والعرس - بالكسر - : زوجة الرجل ، ومليكة بالتصغير

والبيت من قصيدة لعبد يغوث الحارثى الجاهلى ، قالها لما أسرته تيم الرّباب ، وقد أوردناها برمتها مع سببها فى شواهد المنادى من شواهد شرح الكافية.

وقد وقع هذا المصراع عجزا فى شعر لحنظلة بن فاتك ، وصدره :

تسائلنى ما ذا تكون بداهتى

والبداهة - بضم الموحدة - : الفجاءة والمباغتة ، والأول هو المشهور ، وقد أنشده سيبويه وغيره.


(ق 2 - 26)

وأنشد بعده - وهو الشاهد السابع والثمانون بعد المائة - : [من البسيط]

187 - موالى ككباش العوس سحّاح

على أن تحريك الياء بالرفع شاذ ، كذا فى المفصل ، وفى فرحة الأديب : وروى موالىء بالهمز ، وفيهما ضرورة أخرى وهى صرف ما لا ينصرف.

قال ابن المستوفى : أنشده أبو بكر السراج فى كتابه لجرير رضى الله عنه :

قد كاد يذهب بالدّنيا ولذّتها

موالئ ككباش العوس سحّاح

ما منهم واحد إلّا بحجزته

لبابه من علاج القين مفتاح

وقال : أبدل الهمزة فى موالىء من الياء فى الشعر ضرورة ؛ لأنهم يبدلون الحرف من الحرف فى الشعر فى الموضع الذى لا يبدل مثله فى الكلام لمعنى يحاولونه : من تحريك ساكن ، أو تسكين متحرك ؛ ليصح وزن الشعر ، أوردّ شىء إلى أصله أو تشبيه بنظير ؛ لأنه لو فعل بها ما فعل بالياء فى المنقوص لانكسر البيت.

أقول : يريد لو قال فى البيت : موالى ، بتسكين الياء ، لانكسر ، ولو حركت بالضمة لاستثقلت ، قال ابن السيرافى : همز الياء من موالىء لاستقامة البيت

وكذا فى الضرائر لابن عصفور ، قال : «ومنه إبدال الهمزة من الياء حيث لا يجوز ذلك فى الكلام نحو قوله :

قد كاد يذهب بالدّنيا وبهجتها

موالىء ككباش العوس سحّاح

وقوله : [من الطويل]

كمشترىء بالخيل أحمرة بترا

وإنما أبدلت الياء من موال ومشتر همزة للاضطرار إلى التحريك واستثقال الضمة والكسرة فى الياء ، وكان المبدل همزة إجراء لها فى ذلك مجرى الألف لمشابهتها لها فى الاعتلال واللين» انتهى.

قوله «قد كاد يذهب إلخ» قال بعض فضلاء العجم : موالى فاعل يذهب وفى كاد ضمير الشأن ، و «موالى» جمع مولى ، وله معان : المولى السيد ، والمولى ابن العم ، والمولى العصبة ، والمولى الناصر ، والمولى الحليف ، وهو الذى يقال له : مولى الموالاة ، والمولى المعتق ، وهو مولى النعمة ، والمولى العتيق ، وهم موالى بنى هاشم : أى عتقاؤهم ، وكأنه يريد المعنى الأول ، يذم رؤساء زمانه ، و «كباش» جمع كبش ، وهو الفحل من الضأن ، و «العوس» بضم العين المهملة ، قال الزمخشرى فى مناهى المفصل : العوس مكان أو قبيلة ، يقال : كبش عوسىّ ، وقال أبو سهل الهروى فى شرح فصيح ثعلب : يقال كبش عوسىّ ؛ إذا كان قويا يحمل عليه ، وقيل : بل هو منسوب إلى موضع يقال له العوس بناحية الجزيرة ، وقيل : بل هو السمين ، وما فى البيت لا يوافق المعنى الأخير ، وفى الصحاح : العوس بالضم ضرب من الغنم و «سحّاح» بالضم جمع ساحّ ، يقال : سحّت الشاة تسحّ - بالكسر - سحوحا وسحوحة : أى سمنت ، وغنم سحّاح : أى سمان ، وهو - بالرفع - نعت لموالى ، شبههم بهذه الكباش لطول رعيهم فى مراتع اللذات ، و «بحجزته» جار ومجرور خبر مقدم ، ومفتاح مبتدأ مؤخر ، والحجزة - بضم الحاء المهملة وسكون الجيم بعدها زاى معجمة - : هى معقد الإزار ، وحجزة السراويل التى فيها التّكّة ، يريد أنهم يحملون مفاتيح أبوابهم ؛ فهى مقفلة لا يدخلها أحد من الضيوف ، والقين - بفتح القاف - : الحداد ، وأراد بعلاج القين صنيعه ، يقال : عالجت الشىء معالجة وعلاجا ؛ إذا زاولته فإذا كان المفتاح مما يزاوله القين بعمله فقفله محكم.


وأنشد بعده - وهو الشاهد الثامن والثمانون بعد المائة - : [من الكامل]

188 - كجوارى يلعبن بالصّحراء

على أن قوما من العرب يجرون الياء مجرى الحرف الصحيح فى الاختيار فيحركونها بالجر والرفع ، وقال فى شرح الكافية : إن هذا ضرورة ، وهو المشهور ، قال ابن عصفور فى كتاب الضرائر : «فيه ضرورتان : إحداهما إثبات الياء وتحريكها وكان حقه أن يحذفها فيقول : كجوار ، والثانية أنه صرف ما لا ينصرف ، وكان الوجه لما أثبت الياء إجراء لها مجرى الصحيح أن يمنع الصرف ؛ فيقول : كجوارى» انتهى.

وهذا المصراع عجز ، وصدره :

ما إن رأيت ولا أرى فى مدّتى

و «إن» زائدة ، وجملة «ولا أرى فى مدتى» : أى فى مدة عمرى معترضة بين أرى البصرية وبين مفعولها ، وهو الكاف من قوله كجوارى ؛ فانها اسم ، ولا يجوز أن تكون هنا حرفا ، والجوارى : جمع جارية وهى الشابة ، والصحراء : هى البرية والخلاء

وقد تكلمنا عليه بأكثر من هذا فى الشاهد الواحد والثلاثين بعد الستمائة من شواهد شرح الكافية.


وأنشد بعده - وهو الشاهد التاسع والثمانون بعد المائة - : [من الطويل]

189 - أبى الله أن أسمو بأمّ ولا أب

على أن تسكين الواو من أسمو مع الناصب شاذ.

قال ابن عصفور فى كتاب الضرائر : حذف الفتحة من آخر أسمو إجراء للنصب مجرى الرفع.

والمصراع عجز وصدره :

وما سوّدتنى عامر عن وراثة

والبيت من قصيدة لعدو الله ورسوله عامر بن الطّفيل العامرىّ ، وقوله : «وما سودتنى عامر» أى : ما جعلتنى سيد قبيلة بنى عامر بالإرث عن آبائهم ؛ بل سدت بأفعالى ، وقوله «أبى الله» أبى له معنيان : أحدهما كره ، وهو المراد هنا ، والثانى امتنع ، و «أن أسمو» فى موضع المفعول لأبى ، والسموّ : العلو والشرف وقد شرحناه شرحا وافيا فى الشاهد الثانى والثلاثين بعد الستمائة هناك.


وأنشد بعده - وهو الشاهد التسعون بعد المائة - : [من الطويل]

190 - ولو أنّ واش باليمامة داره

ودارى بأعلى حضرموت اهتدى ليا

على أن تسكين الياء من واش مع الناصب شاذ ، وحذفت لالتقائها ساكنة مع نون التنوين ، وروى «فلو كان واش» فلا شاهد فيه ولا ضرورة ، والواشى : النّمام الذى يزوّق الكلام ليفسد بين شخصين ، وأصله من وشى الثوب يشيه وشيا ؛ إذا نقشه وحسنه ، واليمامة : بلد فى نجد ، وحضرموت : مدينة فى اليمن ،

والبيت من قصيدة طويلة لمجنون بنى عامر أوردنا مع هذا البيت بعضا منها فى الشاهد الخامس والثمانين بعد الثمانمائة من شواهد شرح الكافية


وأنشد بعده - وهو الشاهد الواحد والتسعون بعد المائة - : [من الرجز]

191 - كأنّ أيديهنّ بالقاع القرق

أيدى جوار (1)يتعاطين الورق


1) فى نسخة «عذارى» بدل جوار ، وهى جمع عذراء

على أن تسكين الياء مع الناصب شاذ ، كما تقدم.

قال ابن الشجرى : «قال المبرد : هذا من أحسن الضروروات ؛ لأنهم ألحقوا حالة بحالتين ، يعنى أنهم جعلوا المنصوب كالمجرور والمرفوع ، مع أن السكون أخف من الحركات ، ولذلك اعتزموا على إسكان الياء فى ذوات الياء من المركبات ، نحو معدى كرب وقالى قلا» انتهى

والبيتان من الرجز نسبهما ابن رشيق فى العمدة إلى رؤبة بن العجاج ، ولم أرهما فى ديوانه (1)

وضمير «أيديهن» للإبل ، والقاع : المكان المستوى ، والقرق - بفتح القاف وكسر الراء - : الأملس ، وقال الشريف المرتضى : هو الخشن الذى فيه الحصا ، وجوار - بفتح الجيم - : جمع جارية ، ويتعاطين : يناول بعضهن بعضا ، والورق - بكسر الراء - : الدراهم ، شبه حذف مناسم الإبل للحصى بحذف جوار يلعبن بدراهم ، وخص الجوارى لأنهن أخف يدا من النساء

وقد شرحناه بأكثر مما هنا فى الشاهد الثالث والثلاثين بعد الستماية من شواهد شرح الكافية


وأنشد بعده - وهو الشاهد الثانى والتسعون بعد المائة - : [من البسيط]

192 - هجوت زبّان ثمّ جئت معتذرا

من هجو زبّان لم تهجو ولم تدع

على أنه سكنت الواو من تهجو شذوذا مع وجود المقتضى لحذفها وهو الجازم ، قال ابن جنى فى سر الصناعة : «يجوز أيضا أن يكون ممن يقول فى الرفع : هو


1) رجعنا إلى ديوان رؤبة فلم نجدهما ، ولكننا وجدناهما فى زيادات الديوان

يهجو ، فيضم الواو ويجريها مجرى الصحيح ، فاذا جزم سكنها ؛ فيكون علامة الجزم على هذا القول سكون الواو من يهجو ، كما أسكن الآخر ياء يأتى فى موضع الجزم ؛ فقال :

ألم يأتيك والأنباء تنمى

وكأنه ممن يقول : هو يأتيك ، بضم الياء ، وقد يتوجه عندى أن يكون على إشباع الضمة ، وكأنه أراد لم تهج فحذف الواو للجزم ، ثم أشبع ضمة الجيم فنشأت بعدها واو» انتهى.

و «هجوت» بالخطاب من الهجو ، وهو الذم ، و «زبّان» - بالزاى المعجمة والباء الموحدة - : اسم رجل ، واشتقاقه من الزّبب وهو كثرة الشعر وطوله ، وثم للترتيب وتراخى الزمان ، أشار إلى أن اعتذاره من هجوه إنما حصل بعد مدة ، و «من» متعلقة بالحال وهو معتذر ، وقوله «لم تهجو ولم تدع» مفعولهما محذوف :

أى لم تهجوه ولم تدعه ، وتدع مجزوم ، وكسرت العين للقافية ، والمعنى أنك هجوت واعتذرت فكأنك لم تهج ، على أنك لم تدع الهجو ، وقال العينى : والجملتان كاشفتان لما قبلهما ؛ فلذا ترك العاطف بينهما وأراد بهذا الكلام الانكار عليه فى هجوه ثم اعتذاره عنه ؛ حيث لم يستمر على حالة واحدة.

والبيت مع شهرته لم يعرف قائله (1)

لم أهجو ولم أدع

وهذا يستدعى أن يكون هجوت وما بعده بتاء المتكلم ؛ فيكون القائل هو من هجا أبا عمر.

والله أعلم :

1) ينسبه بعضهم إلى عمرو بن العلاء ، واسمه زبان ، يقوله للفرزدق الشاعر المعروف ، وكان قد هجاه ثم اعتذر إليه ، وروى المرتضى فى شرح القاموس :

وأنشد بعده - وهو الشاهد الثالث والتسعون بعد المائة ، وهو من شواهد سيبويه : [من الوافر]

193 - ألم يأتيك والأنباء تنمى

بما لاقت لبون بنى زياد

لما تقدم قبله

قال ابن جنى فى شرح تصريف المازنى : قدّر الشاعر ضمة الواو فى «لم تهجو» فأسكنها للجزم كما أسكن الياء فى ألم يأتيك للجزم ، وهذا فى الياء أسهل منه فى الواو ؛ لأن الواو وفيها الضمة أثقل من الياء وفيها الضمة ، و «ما» فاعل يأتى ، والباء زيدت فيه ضرورة ، والأنباء : جمع نبأ ، وهو الخبر ، وتنمى : تشيع من نمى الشىء ينمى إذا ارتفع وزاد ، والجملة معترضة بين الفعل وفاعله ، واللبون : الإبل ذوات اللبن ، وهو اسم مفرد أراد به الجنس ، وبنو زياد : هم الربيع ، وعمارة ، وقيس ، وأنس ؛ بنو زياد بن سفيان العبسى ، والمراد لبون الرّبيع ابن زياد ، وكان سيد عبس.

والبيت مطلع قصيدة لقيس بن زهير العبسى ، وكان سيد قومه ، وحصل بينه وبين الربيع عداوة فى شأن درع ساومه فيها ، فلما نظر إليها الربيع وهو على ظهر فرسه وضعها على القربوس (1)ثم ركض بها فلم يردها عليه ، فنهب قيس بن زهير إبله وإبل إخوته ، فقدم بها مكة ، فباعها من عبد الله بن جدعان التيمى القرشى معاوضة بأدراع وسيوف ، فافتخر بهذا وبما بعده ، وهو :

ومحبسها على القرشىّ تشرى

بأدراع وأسياف حداد

ومحبسها : معطوف على فاعل يأتيك ، وهو - بكسر الباء - مصدر ميمى ، والقرشى : هو ابن جدعان


1) القربوس - بفتح القاف والراء - حنو السرج

وقد شرحناهما مع القصيدة شرحا لا مزيد عليه فى الشاهد السادس والثلاثين بعد الستمائة من شواهد شرح الكافية


وأنشد بعده - وهو الشاهد الرابع والتسعون ، بعد المائة - : [من الرجز]

194 - ولا ترضّاها ولا تملّق

لما تقدم ، وقبله :

إذا العجوز غضبت فطلّق

قال ابن جنى فى شرح تصريف المازنى : «شبهت الألف بالياء فى أن ثبتت فى موضع الجزم ، فإنه قدر الحركة هنا وحذفها للجزم ، وهذا بعيد ؛ لأن الألف لا يمكن تحريكها أبدا» انتهى.

ويجوز تخريجه على أن «لا» فيه نافيه لا ناهية ، والتقدير فطلّقها غير مترضّ لها ، ويكون قوله «ولا تملق» معطوفا على قوله فطلق ، قاله ابن عصفور فى كتاب الضرائر.

وقد شرحناه بأكثر من هذا فى الشاهد الخامس والثلاثين بعد الستمائة من شواهد شرح الكافية.


وأنشد الجابردى هنا - وهو الشاهد الخامس والتسعون بعد المائة - : [من الطويل]

195 - كمشترى بالخيل أحمرة بترا

لما تقدم فى قوله :

موالى ككباش العوس سحّاح

والقياس فيهما كمشتر وموال ، بحذف الياء والتنوين ، ورواهما ابن عصفور فى كتاب الضرائر كمشترىء وموالىء ، بالهمز والتنوين ، كما تقدم ، والمعنى كمن أعطى الخيل وأخذ الحمير بدلها ، وهو جمع حمار ، والبتر : جمع أبتر ، وهو المقطوع الذنب


وأنشد أيضا بعده - وهو الشاهد السادس والتسعون بعد المائة ، وهو من شواهد سيبويه - : [من البسيط]

196 - يا دار هند عفت إلّا أثافيها

هو صدر ، وعجزه :

بين الطّوىّ فصارات فواديها

على أنه كان حق «أثافيها» النصب على الاستثناء ، وسكنت الياء شذوذا

قال سيبويه : «وسألت الخليل رحمه‌الله عن الياءات لم تنصب فى موضع النصب ؛ إذا كان الأول مضافا؟ وذلك قولك : رأيت معدى كرب ، واحتملوا أيادى سبا ، فقال : شبهوا هذه الياءات بألف مثنى حيث عرّوها من الجر والرفع ، فكما عرّوا الألف منه عرّوها من النصب أيضا ، فقالت الشعراء حيث اضطروا ، قال بعض السعديين :

• يا دار هند عفت إلّا أثافيها

ونحو ذلك ، وإنما اختصت هذه الياءات فى هذا الموضع بذا لأنهم يجعلون الشيئين ههنا اسما واحدا ، فتكون الياء غير حرف الإعراب ، فيسكنونها بياء زائدة ساكنة ، نحو ياء دردبيس» إلى آخر ما ذكره

قال الأعلم : «الشاهد فيه تسكين الياء من الأثافى فى حال النصب ، حملا

لها عند الضرورة على الألف ؛ لأنها أختها ، والألف لا تتحرك» انتهى.

وقال صدر الأفاضل : «يحتمل أن يكون قوله : إلا أثافيها ؛ من باب الحمل على المعنى ، كأنه قال : لم يبق إلا أثافيها ، وحينئذ لا يكون البيت شاهدا لاسكان الياء ، وهذا تحسر على اندراس الدار معنى ، وإن كان لفظه خبرا» انتهى.

وكذا قال ابن المستوفى فى شرح أبيات المفصل ، وقال : «ولو نصب أثافيها على أن يكون البيت غير مصرّع لجاز ، وهذا على لغة من يقول : أثافى ؛ بتخفيف الياء ، وفيها لغتان : تخفيف الياء ، وتشديدها ، قال الجوهرى : الاثفيّة للقدر ، تقديره أفعولة ، والجمع الأثافىّ ، وإن شئت خففت ، وثفّيت القدر تثفية : أى وضعتها على الأثافى ، وأثفيت القدر : جعلت لها أثافى ، وقال الأخفش : قولهم أثاف ، لم يسمع من العرب بالتثقيل ، وقال الكسائى : سمع ، وأنشد : [من الطويل]

أثافىّ سفعا فى معرّس مرجل

والطوىّ : البئر المطوية بالحجارة ، والصارة - بالصاد والراء المهملتين - : رأس الجبل والوادى ، معروف ، و «بين الطوىّ» نصب على الحال ، والعامل فيها ما فى النداء من معنى الفعل ، مثل قول النابغة : [من البسيط]

يا دار ميّة بالعلياء فالسّند


وأنشد أيضا بعده - وهو الشاهد السابع والتسعون بعد المائة - : [من البسيط]

197 - يا بارى القوس بريا ليس يحكمه

لا تفسد القوس أعط القوس باريها

على أنه سكن ياء «باريها» شذوذا ، والقياس فتحها ؛ لأن باريها المفعول الثانى لأعط.

قال الزمخشرى فى أمثاله : «أعط القوس باريها ؛ قيل : إن الرواية عن العرب باريها بسكون الياء لا غير ، يضرب فى وجوب تفويض الأمر إلى من يحسنه ويتمهّر فيه» انتهى.

وكذا أورده فى المفصل بعد البيت السابق.

وقال الميدانى فى أمثاله : أى استعن على عملك بأهل المعرفة والحذق فيه ، وينشد :

يا بارى القوس بريا لست تحسنها

لا تفسدنها وأعط القوس باريها

قال ابن المستوفى : «قرأت هذا البيت على شيخنا أبى الحرم مكى بن زيان فى الأمثال لأبى الفضل أحمد بن محمد الميدانى : أعط القوس باريها ، بفتح الياء ، وكان فى الأصل «ليس يحسنه» وجعله «بريا لست تحسنها» ، وهو كذلك فى نسخ كتاب الميدانى ، ولعل الزمخشرى إنما أراد بالمثل آخر هذا البيت المذكور فأورده على ما قاله الشاعر ، لا على ما ورد من المثل فى النثر فانه ليس بمحل ضرورة ، ويروى :

يا بارى القوس بريا ليس يصلحه

لا تظلم القوس أعط القوس باريها

والأول أصح ، ويحوز أن يسكّن ياء باريها - وإن كان مثلا - برأيه» هذا كلامه.

ولو رأى ما فى أمثال الزمخشرى لاستغنى عما أورده

وقال المفضل بن سلمة فى كتاب الفاخر : يقال : إن أول من قال ذلك المثل هو الحطيئة ، وساق حكايته مع سعيد بن العاص أمير المدينة فى آخر الفاخر.


وأنشد أيضا بعده - وهو الشاهد الثامن والتسعون بعد المائة - : [من الكامل]

198 - ما أنس لا أنساه آخر عيشتى

ما لاح بالمعزاء ريع سراب

على أنه أثبت الياء (1)فى أنساه شذوذا ، كما ثبت الواو فى لم تهجو ولم تدع ، والقياس لا أنسه ولم تهج ، بحذفهما.

و «ما» اسم شرط يجزم فعلين ، وهو هنا منصوب بشرطه ، والمعنى مهما أنس من شىء من الأشياء لا أنس هذا الميت ، وهو كثير فى الأشعار وغيرها ، قال ابن ميّادة : [من الطويل]

ما أنس م الأشياء لا أنس قولها

وأدمعها يذرين حشو المكاحل

تمتّع بذا اليوم القصير فإنّه

رهين بأيّام الشّهور الأطاول

ومعناه مهما أنس من شىء لا أنس قولها ، والمكاحل : مواضع الكحل ، وآخر عيشتى : منصوب على الظرف ، والعيشة : الحياة ، والمعنى إلى آخر عيشتى ، وما : مصدرية دوامية ، والتقدير : مدة دوام لوح المعزاء ، وهو ظرف لقوله : لا أنساه ، والمراد التأبيد ، وهو أعم من قوله آخر عيشتى ، وجوز ابن المستوفى أن يكون بدلا من آخر ، والمعزاء - بفتح الميم وسكون العين المهملة بعدها زاى معجمة - الأرض الصّلبة الكثيرة الحصا ، ومكان أمعز بيّن المعز ، بفتح العين ؛ والرّيع - بمهملتين - : مصدر راع السّراب يريع : أى جاء وذهب ، وكذلك تريّع السّراب تريّعا. وقال ابن المستوفى : «وأنشده ابن الأعرابى ريع - بكسر الراء - والريع : الطريق ، وكأنه أراد بريع سراب بياضه ، وقال ابن دريد : الريع : العلو فى الأرض حتى يمتنع أن يسلك ، وكذلك هو فى التنزيل»


1) كذا ، وصوابه الألف

هذا ما سطره .. وأورده ابن الأعرابى فى نوادره مع بيت قبله ، وهو

بكر النّعىّ بخير خندف كلّها

بعتيبة بن الحارث بن شهاب

وقال : هما لحصين بن قعقاع بن معبد بن زرارة ، وبكر هنا : بمعنى بادر وسارع ، والنّعىّ فعيل بمعنى الناعى ، وهو الذى يأتى بخبر الميت ، ويكون النعىّ بالتشديد أيضا مصدرا كالنّعى بسكون العين وهو إشاعة موت الميت ، قال الأصمعى : كانت العرب إذا مات فيهم ميت له قدر ركب راكب فرسا وجعل يسير فى الناس ، ويقول : نعاء فلانا ، أى انعه وأظهر خبر وفاته ، وهى مبنية مثل نزال ، بمعنى انزل ، وعتيبة بالتصغير : فارس من فرسان الجاهلية ، وهو ابن الحارث بن شهاب بن عبد قيس بن الكباس بن جعفر بن يربوع ، اليربوعى وكان قد رأس بيت بنى يربوع ؛ وقتله ذؤاب بن ربيعة لما قاتل بنى نصر بن قعين ، وكانت تحت عتيبة يومئذ فرس فيها مراح واعتراض ، فأصاب زجّ غلام من بنى أسد يقال له : ذؤاب بن ربيعة ؛ أرنبة عتيبة ، فنزف حتى مات ، فحمل ربيع بن عتيبة على ذؤاب فأخذه من سرجه ، وقتلوا ثمانية من بنى نصر وبنى غاضرة ، واستنقذوا النعم ، وساروا إلى منزلهم فقتلوه ، فقال ربيعة أبو ذؤاب : [من الكامل]

إن يقتلوك فقد ثللت عروشهم

بعتيبة بن الحارث بن شهاب

بأشدّهم ضرّا على أعدائهم

وأعزّهم فقدا على الأصحاب

والحصين بن القعقاع صاحب الشعر من بنى حنظلة بن دارم التميمى.


الابدال

أنشد فيه الجاربردى فى أوله - وهو الشاهد التاسع والتسعون بعد المائة - : [من الكامل]

199 - ترّاك أمكنة إذا لم أرضها

أو يرتبط بعض النّفوس حمامها

على أن أبا عبيدة قال : «بعض» فى البيت بمعنى كل ، واستدل به لقوله تعالى : (وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ) ولم يرتضه الزمخشرى ، قال القاضى : هو مردود ؛ لأنه أراد بالبعض نفسه ، وقال فى الآية : فلا أقل من أن يصيبكم بعضه ، وفيه مبالغة فى التحذير وإظهار الانتصاف (1)وعدم التعصب ، ولذلك قدم كونه كاذبا ، أو يصيبكم ما يعدكم من عذاب الدنيا ، وهو بعض مواعيده كأنه خوفهم بما هو أظهر احتمالا عندهم ، وقال الزمخشرى فى سورة المائدة عند قوله تعالى (فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ) : «يعنى بذنب التولى عن حكم الله وإرادة خلافه ، فوضع ببعض ذنوبهم موضع ذلك ، وأراد أن لهم ذنوبا جمة كثيرة العدد ، وأن هذا الذنب مع عظمة بعضها واحد منها ، وهذا الإبهام لتعظيم التولى ، ونحو البعض فى هذا الكلام ما فى قول لبيد :

أو يرتبط بعض النّفوس حمامها

أراد نفسه ، وإنما قصد تفخيم شأنها بهذا الإبهام ، كأنه قال : نفسا كبيرة ونفسا أىّ نفس ، فكما أن التنكير يعطى معنى التكبير وهو فى معنى البعضية فكذلك إذا صرح بالبعض» انتهى. وكذا قال القاضى

والبيت من معلقة لبيد بن ربيعة العامرى الصحابى رضى الله عنه ، قال الزوزنى فى شرحه : «أراد ببعض النفوس هنا نفسه ، ومن جعل بعض النفوس بمعنى كل النفوس فقد أخطأ ، لأن بعضا لا يفيد العموم والاستيعاب» انتهى.

و «ترّاك» مبالغة تارك ، وأمكنة : جمع مكان ، و «إذا» ظرف لتراك لا شرطية - والحمام - بكسر الحاء المهملة - الموت وهو فاعل يرتبط ، و «بعض» مفعوله


1) فى نسخة الانصاف

ويرتبط بمعنى يعلق ، وأو بمعنى إلا ، والفعل بعدها ينتصب بأن ، وسكن يرتبط هنا لضرورة الشعر ، والمعنى إنى أترك الأمكنة إذا رأيت فيها ما أكره ، إلا أن يدركنى الموت فيحبسنى.

قال ابن عصفور فى كتاب الضرائر : «ومنه حذفهم الفتحة التى هى علامة الإعراب من آخر الفعل المضارع كقول لبيد : أو يرتبط ، ألا ترى أنه أسكن يرتبط وهو فى الأصل منصوب لأنه بعد أو التى بمعنى «إلا أن» وإذا كانت بمعنى «إلا أن» لم يكن الفعل الواقع بعدها إلا منصوبا باضمار أن وحذفها من آخر الفعل المعتل أحسن ؛ كقوله :

أبى لله أن أسمو بأمّ ولا أب». انتهى

وهذا مرضىّ الزوزنى ، قال : «معناه إنى تراك أمكنة إذا لم أرضها إلا أن يرتبط نفسى حمامها ، فلا يمكنها البراح ، هذا أوجه الأقوال وأحسنها ، وتحرير المعنى : إنى لأترك الأماكن التى أجتويها وأقليها إلا أن أموت».

وقال أبو جعفر النحوى فى شرحه : «جزم يرتبط عطفا على قوله إذا لم أرضها ، وهذا أجود الأقوال ، والمعنى على هذا إذا لم أرضها وإذا لم يرتبط بعض النفوس حمامها ، وقيل : إنّ يرتبط فى موضع رفع إلا أنه أسكنه لأنه رد الفعل إلى أصله ؛ لأن أصل الأفعال أن لا تعرب وإنما أعربت للمضارعة ، وقيل : يرتبط فى موضع نصب ، ومعنى «أو» معنى «إلا أن» أى : إلا أن يرتبط بعض النفوس حمامها ، إلا أنه أسكن ؛ لأنه رد الفعل أيضا إلى أصله ، وإنما اخترنا القول الأول ، وهو أن يكون مجزوما ؛ لأن أبا العباس قال : لا يجوز للشاعر أن يسكن الفعل المستقبل لأنه قد وجب له الإعراب لمضارعته الأسماء وصار الإعراب فيه يفرق بين المعانى» هذا كلامه

وعلى مختاره لا ضرورة فيه ؛ إلا أن علة اختياره واهية ؛ لأن تسكين المرفوع

والمنصوب ثابت فى أفصح الكلام نثرا ونظما ، ومحصل الجزم بالعطف أنّى إذا لم يكن أحد الأمرين : الرضا والموت ؛ فالترك حاصل ، أما إذا رضيت بها بأن رأيت فيها ما أحب فلا ، وأما إذا مت فلعدم الإمكان ، وهذا يدل على شهامة نفسه فى أنه لا يقيم فى موضع ذل.

وتراك : خبر بعد خبر «لأنّ» فى البيت قبله ، وهو :

أو لم تكن تدرى نوار بأنّنى

وصّال عقد حبائل جذّامها

الألف للاستفهام ، ونوار - بفتح النون - اسم امرأة ، و «وصّال» خبر أنّنى ، و «جذّامها» خبر ثان و «ترّاك» خبر ثالث ، و «وصّال» مبالغة واصل ، و «وجذّامها» بالجيم والذال المعجمة مبالغة جاذم من الجذم وهو القطع ، والحبائل : جمع حبالة ؛ وحبالة : جمع حبل ، وهو هنا مستعار للعهد والمودة ، يقول : أليست تدرى نوار أنى واصل عقد العهود والمودات وقطّاعها؟ يريد أنه يصل من استحق الوصل ويقطع من استحق القطع.


وأنشد أيضا بعده - وهو الشاهد الموفى المائتين ، وهو من شواهد سيبويه - : [من الرجز]

200 - يستنّ فى علقى وفى مكور

على أن من رواه علقى - بلا تنوين - جعل ألفه للتأنيث ولم يقل فى واحده : علقاة ، ومن نونه جعل ألفه للالحاق وجعل واحده علقاة ، وهذا جواب ما استشكله أبو عبيدة.

قال الصاغانى فى العباب : «قال سيبويه العلقى نبت يكون واحدا وجمعا وألفه للتأنيث ، قال العجاج يصف ثورا :

(ق 2 - 27)

فحطّ فى علقى وفى مكور

بين تواري الشّمس والذّروو

وقال غيره : ألفه للالحاق وينون ، الواحدة علقاة ، وقال أبو نصر : العلقى شجرة تدوم خضرتها فى القيظ ، ومنابت العلقى الرّمل والسهول ، وقال أبو حنيفة الدينورىّ : أرانى بعض الأعراب نبتا زعم أنه العلقى له أفنان طوال دقاق وورق لطاف يسمى بالفارسية «خلواه» يتخذ منه المجتلّون مكانس الجلّة (1)، وعن الأعراب الأوائل : العلقاة. شجرة تكون فى الرمل خضراء ذات ورق ، قالوا : ولا خير فيها» انتهى.

والمكور : جمع مكر - بفتح الميم وسكون الكاف - قال الجوهرى والصاغانى : هو ضرب من الشجر ، وأورده سيبويه فى باب ما لحقته الألف فمنعته من الانصراف ، قال الأعلم : «الشاهد فيه ترك صرف علقى ؛ لأنها آخره ألف التأنيث ، ويجوز صرفه على أن تكون للإلحاق ، ويؤنث واحده بالهاء ، فيقال : علقاة ، وصف ثورا يرتعى فى ضروب الشجر ، ومعنى يستنّ يرتعى ، وسنّ الماشية : رعيها ، وأصله أن يقام عليها حتى تسمن وتملاسّ جلودها ؛ فتكون كأنها قد سنت وصقلت كما يسن الحديد» انتهى

وهذا خلاف ما فسره الجاربردى (2)، والعجاج وصف ثورا وحشيا شبه جمله به وقوله «حط فى علقى وفى مكور» ، أى : اعتمدهما فى رعيه ، قال شارح شواهد أبى على الفارسى : «وسمع علقى فى هذا البيت من رؤبة غير منون ، وكذا روى عن أبيه ؛ فدل على أن ألفه للتأنيث ، ولو كان للإلحاق لنون» انتهى.

وفى رواية الصحاح والعباب «فحطّ» والفاعل فى الروايتين ضمير الثور ،


1) الجلة - بكسر الجيم - البعر ، والمجتلون : الذين يلقطونها

2) حيث فسر الاستنان بالقماص فقال : «واستن الفرس وغيره : أى قمص ، وهو أن يرفع يديه ويطرحهما معا ويعجن برجليه».

وتوارى الشمس : غيبوبتها ، وذرورها : طلوعها وإشراقها ، يريد أنه يستن من طلوع الشمس إلى غروبها

وأول الأرجوزة :

جارى لا تستنكرى عذيرى

يريد يا جارية ، والعجاج تقدمت ترجمته فى الشاهد الأول.


وأنشد الشارح - وهو الشاهد الواحد بعد المائتين - : [من الرجز]

201 - تضحك منّى أن رأتنى أحترش

ولو حرشت لكشفت عن حرش

على أن الشين فى حرش شين الكشكشة ، وهى بدل من كاف المؤنث ، وأصله حرك ، وهى لغة بنى عمرو بن تميم ، وقوله «أن رأتنى الخ» بدل اشتمال من الياء «فى منّى» والاحتراش : صيد الضب خاصة ، والعرب تأكله ؛ يقال : حرش الضب يحرشه حرشا ، من باب ضرب ، وكذلك احترشه ، وهو أن يحرك الحارش يده على جحره فيظنّه حية فيخرج ذنبه ليضربها فيأخذه ، وإنما ضحكت منه استخفافا به ؛ لأن الضب صيد العجزة والضعفاء ، وقوله «ولو حرشت» التفات من الغيبة إلى الخطاب ؛ يعنى لو كنت تصيدين الضب لأدخلته فى فرجك دون فمك إعجابا به وإعظاما للذته.

وقد تكلمنا عليه بأبسط من هذا فى الشاهد السادس والخمسين بعد التسعمائة من آخر شرح شواهد شرح الكافية.


وأنشد بعده - وهو الشاهد الثانى بعد المائتين - : [من الرجز]

202 - ينفحن منه لهبا منفوحا

لمعا يرى لا ذاكيا مقدوحا

على أنه قد جاء فى الشعر شذوذا إبدال الخاء المعجمه حاء مهملة.

قال ابن جنى فى سر الصناعة : «الحاء حرف مهموس يكون أصلا لا غير ، ولا يكون بدلا ولا زائدا ، إلا فيما شد عنهم ، أنشد ابن الأعرابى :

ينفحن منه لهبا منفوحا الخ

قال : أراد منفوخا ، فأبدل المعجمة حاء ، قال : ومثله قول رؤبة : [من الرجز]

غمر الأجارىّ كريم السّنح

أبلج لم يولد بنجم الشّحّ

قال : يريد السّنخ ، وأما حثّث تحثيثا وحثحث حثحثة فأصلان ، قال أبو على : فأما الحاء فبعيدة من الثاء وبينهما تفاوت يمنع من قلب إحداهما إلى أختها. وإنما حثحثت أصل رباعى ، وحثّث أصل ثلاثى ، وليس واحد منهما من لفظ صاحبه ؛ إلا أن حثحث من مضاعف الأربعة ، وحثث من مضاعف الثلاثة ؛ فلما تضارعا بالتضعيف الذى فيهما اشتبه على بعض الناس أمرهما ، وهذا هو حقيقة مذهب البصريين. ألا ترى أن أبا العباس قال : ليس ثرّة عند النحويين من لفظ ثرثارة. وإن كانت من معناها ، هذا هو الصواب ، وهو قول كافة أصحابنا ، على أن أبا بكر محمد بن السّرىّ قد كان تابع الكوفيين ، وقال فى هذا بقولهم ، وإنما هذه أصول تقاربت ألفاظها فتوافقت معانيها ، وهى مع ذلك مضعفة ، ونظيرها من غير التضعيف قولهم : دمث ودمثر ، وسبط وسبطر ، ولؤلؤ ولئّال ، وحيّة وحواء ، ودلاص ودلامص ، وله نظائر كثيرة ، وإذا قامت الدلالة على أن أصل حثحث ليس من لفظ حثّث ، فالقول فى هذا وفى جميع ما جاء منه واحد ، نحو تململ وتملّل ورقرق ورقّق وصرصر وصرّ» انتهى كلام ابن جنى.

وينفحن أيضا أصله بالخاء المعجمة ، ولهب النار معروف ، و «لمعا» بفتح اللام وسكون الميم ، و «يرى» بالبناء للمفعول.


وأنشد بعده - وهو الشاهد الثالث بعد المائتين - : [من الرجز]

203 - غمر الأجارىّ كريم السّنح

أبلج لم يولد بنجم الشّحّ

لما تقدم قبله ، فإن المعروف السّنخ - بكسر السين وسكون النون ، وآخره خاء معجمة - ومعناه الأصل ، والحاء المهملة بدل من المعجمة.

وجعل الصاغانى فى العباب السنح - بالمهملة - لغة أصلية كالسنخ بالمعجمة من غير إبدال ، قال فى مادة سنح بالمهملة : «والسنح الأصل ، قال رؤبة :

غمّر الأجارىّ كريم السّنح

وبعضهم يروى السنخ - بالخاء المعجمة - ويجعله إكفاء ، والصحيح أنه ليس باكفاء» انتهى.

وقد أنشده ابن قتيبة فى أدب الكاتب فى أبيات الإكفاء ، قال شارح بياته ابن السيد : «السنخ والسنج - بالخاء والجيم - الأصل ، وقد روى السنح بالحاء غير معجمة» انتهى ، ولم أر فى الصحاح والعباب السنج - بالجيم - بهذا المعنى

وممن أورده فى الإكفاء قدامة فى فصل عيوب القافية من نقد الشعر ، قال شارحه عبد اللطيف البغدادى : «وما كان من هذا التغيير فى موضع التصريع فقد يمكن أن لا يكون عيبا وأن يكون الشاعر لم يقصد التصريع ، لكن أتى بما يشبه التصريع» هذا كلامه.

ولا يخفى أن التصريع إنما يكون فى أول بيت من القصيدة أو عند الخروج

فى القصيدة من معنى إلى معنى غيره ؛ وبيتا رؤبة من آخر القصيدة لم يخرج بهما من معنى إلى غيره

هذا ، وقد أورد يعقوب بن السكيت اثنى عشر كلمة من هذا النمط فى كتاب القلب والإبدال ، قال (1): «باب الخاء والحاء ، قال : الخشىّ والحشىّ اليابس ، ويقال : خبج وحبج إذا ضرط ، وقد فاحت منه رائحة طيبة وفاخت ؛ أبو زيد ، قال : ويقال : خمص الجرح يخمص خموصا وحمص يحمص حموصا وانحمص انحماصا إذا ذهب ورمه ، أبو عبيدة : المخسول والمحسول المرذول ، وقد خسلته وحسلته ؛ أبو عمرو الشيبانى : الجحادىّ والجخادىّ الضخم ، قال : ويقال : طحرور وطخرور للسحابة ، قال الأصمعى : الطّخارير من السحاب قطع مستدقة رقاق والواحدة طخرورة والرجل طخرور إذا لم يكن جلدا ولا كثيفا ، ولم يعرفه بالحاء ، وسمعت الكلابى يقول : ليس على السماء طحرور وليس على الرجل طحرور ، ولا يتكلم به إلا مع الجحد ، والطخارير [من السحاب] شيء قليل فى نواحى السماء واحدها طخرور يتكلم به بجحد وبغير جحد ، اللحيانى ، يقال : شرب حتى اطمحرّ وحتى اطمخرّ : أى امتلأ ، وقد دربح ودربخ إذا حنى ظهره ، ويقال : هو يتحوف مالى ويتخوفه : أى يتنقصه ويأخذ من أطرافه ، قال تعالى : (أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ) أى : تنقص ، ويقال : قرىء (إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلاً) و (سبخا) قرأها يحيى بن يعمر قال الفراء : معناهما واحد ، وقال غيره : سبحا : فراغا ، وسبخا : نوما ، ويقال : قد سبخ الحر إذا حاد وانكسر ، ويقال : اللهم سبّح عنه الحمى : أى خفّفها ، ويقال لما يسقط من ريش الطائر : السبيخ ، وقال النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم لعائشة رضى الله تعالى عنها حين دعت على سارق سرقها (لا تسبّخى عنه) أى لا تخففى


1) انظر (ص 30) من كتاب القلب والابدال طبع بيروت سنة 903

عنه إثمه ، ويقال : زاخ عن كذا وزاح» هذا ما أورده ابن السكيت ببعض اختصار

وأورد الزجاجى فى أماليه الكبرى فى باب المعاقبة والإبدال كلمات أخر لم يذكرها ابن السكيت ، قال : «باب الحاء والخاء : يقال : رحمته ورحمته ومرحوم ومرخوم ، ومنه نضحته ونضخته ، قال تعالى (فِيهِما عَيْنانِ نَضَّاخَتانِ) وقال الأعشى : [من الكامل]

ووصال ذى رحم نضحت بلالها

ويروى نضخت ، ويقال : صمحته الشمس وصمخته : أى غيّرت لونه ، وأحرقته ، يقال : مخّ (1)ومحّ ، ولحم ولخم ، وشحم وشخم ، ومطر سحّ وسخ كثير الماء ؛ قال الراجز : [من الرجز]

يا هند أسقيت السّحاب السّخّخا

لا تجعلنّى كهجان أبزخا

ويقال : رجل رحوث ورخوث : أى كبير البطن ، وأورد كلمتين مما أورده ابن السكيت ، وهما فاح ريح المسك يفوح وفاخ يفوخ فيحانا وفيخانا ، وفوحانا وفوخانا ، وتخوّفت الشىء وتحوّفته : أى تنقصته» هذا جميع ما أورده الزجاجى.

والبيتان وقعا فى أدب الكاتب كذا :

أزهر لم يولد بنجم الشّحّ

ميمّم البيت كريم السّنح

وقال شارحه ابن السيد : «هذا الرجز يروى لرؤبة بن العجاج ، ولم أجده فى ديوان شعره ، والميمّم : المقصود لكرمه» هذا كلامه

وهما من قصيدة ثابتة فى ديوانه من رواية الأصمعى (2)مدح بها أبان بن


1) مخ كل شىء : خالصه ، وكذا محه ، بالخاء والحاء جميعا.

2) أكثر هذه الأبيات غير موجود فى ديوان رؤبة بن العجاج المطبوع فى لبزج ، ولا فى زيادات هذا الديوان ، ولا فى الأصمعيات ، ولكن الشاهد موجود فى زيادات الديوان مع أبيات سابقة عليه قد ذكرناها فى كتابتنا على شرح الرضى (ح 3 ص 200 وما بعدها)

الوليد البجلىّ ، وهى طويلة ، إلى أن قال :

منه فرات فاض غير ملح

غمر الأجارىّ كريم السّنح

إذا قتام الباخلين البلح

أغبر فى هيج كذوب اللّمح

أمطر عصرا مدجن مسحّ

أبلج لم يولد بنجم الشّحّ

وهذا آخر القصيدة ؛ وقوله «غمر الأجارىّ» الغمر - بفتح الغين المعجمة - الماء الكثير الساتر ، والأجارىّ جمع إجريّا - بكسر الهمزة والراء - بمعنى الجرى والقتام - بفتح القاف والمثناة الفوقية - : الغبار ، والبلح : جمع أبلح من بلح الرجل بلوحا : أى أعيا ، قال الأصمعى : البلح المعيون (2) ، وأراد البخل و «أغبر» بالغين المعجمة والموحدة ، قال الأصمعى : هو من قولك : أغبر فى أمرك فهو مغبر إذا جد ، و «الهيج» قال الأصمعى : هو سحاب لا ماء فيه ، والكذوب :

مبالغة الكاذب ، واللّمح : مصدر لمح البرق والنجم لمحا : أى لمع ، وأمطر :

فعل ماض جواب إذا ، و «عصرا» فاعله وهو مثنى عصر حذفت نونه للاضافة قال الأصمعى : العصران الغدوة والعشية ، و «أبلج» مفعول أمطر ، فى الصحاح :

مطرت السماء وأمطرها الله ، والمدجن - بالجيم - : اسم فاعل من أدجنت السماء دام مطرها ، وسحابة داجنة ومدجنة ، والدجن المطر الكثير ، كذا فى الصحاح ، والمسحّ - بكسر الميم - : الكثير السّح ، مفعل من سحّ المطر سحّا : أى سال ؛ والأبلج بالجيم : المشرق المضىء ، والشح بالضم البخل مع حرص ، والنجم الوقت المعين

وأنشد بعده - وهو الشاهد الرابع بعد المائتين : [من الرجز]

204 - يا ابن الزّبير طالما عصيكا

وطالما عنّيتنا إليكا

لنضر بن بسيفنا قفيكا

على أنه قد جاء الكاف بدلا من التاء كما فى عصيكا ، والأصل عصيت

قال ابن جنى فى سر الصناعة : «أبدل الكاف من التاء ؛ لأنها أختها فى الهمس وكان سحيم إذا أنشد شعرا قال : أحسنك والله ، يريد أحسنت» انتهى

وسحيم هذا عبد حبشى كانت (1)فى لسانه لكنة ، وكان فى زمن النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ولم تعرف له صحبة

وقد أورد الزجاجى هذا الشعر فى أماليه الكبرى فى بحث إبدال الحروف بعضها من بعض ، قال فى باب التاء والكاف فى المكنى : «يقال : ما فعلت وما فعلك قال الراجز :

يابن الزّبير طالما عصيكا

وطالما عنّيكنا إليكا

لنضربن بسيفنا فيكا

يريد عصيتا وعنيتنا» انتهى.

ولم يذكر ابن السكيت هذا الإبدال فى كتاب القلب والإبدال.

قال الشارح : «ويجوز أن يكون من وضع الضمير المنصوب مقام المرفوع» وكذا جوز الوجهين أبو على فى المسائل العسكرية عن الأخفش ، قال : «إن شئت قلت : أبدل من التاء الكاف لاجتماعهما فى الهمس ، وإن شئت قلت : أوقع الكاف - وإن كان فى أكثر الاستعمال للمفعول لا للفاعل - [موقع التاء] لإقامة القافية ، ألا تراهم بقولون : رأيتك أنت ، ومررت به هو ؛ فيجعلون علامات الضمير المختص بها بعض الأنواع فى أكثر الأمر موقع الآخر ، ومن ثمّ


1) فى نسخة «كان»

جاء لولاك ، وإنما ذلك لأن الاسم لا يصاغ معربا ، وإنما يستحق الإعراب بالعامل» انتهى.

ورد ابن هشام فى بحث «عسى» من المغنى الوجه الثانى ، قال : «إنابة ضمير عن ضمير إنما ثبت فى المنفصل [نحو] : ما أنا كأنت ولا أنت كأنا ، وأما قوله :

يا بن الزّبير طالما عصيكا

فالكاف بدل من التاء بدلا تصريفيا ، لا من إنابة ضمير عن ضمير كما ظن ابن مالك» ولم يكتب الدمامينى هنا شيئا ، وقال ابن المنلا : «قيل : كيف يكون هذا البدل تصريفيا ولم يذكر فى كتب الصرف؟ وأجيب بأن التصريفى ما شأنه أن يذكر فى كتب التصريف ذكر أو لم يذكر» هذا ما كتبه ، وقد نقلنا لك عن الفارسى وابن جنى وغيرهما أنه بدل تصريفى ، وكذا قال الشارح وقول ابن المنلا - بعد قول ابن هشام : لا من إنابة ضمير عن ضمير ، ما نصه : «إذ لو كان من باب الإنابة لم يسكن آخر الفعل ؛ إذ لا تسكين لاتصال الضمير المنصوب» انتهى - ساقط ؛ لأن الكاف قامت مقام التاء فأعطيت حكمها.

وقوله : «وطالما عنّيتنا إليكا» أى : أتعبتنا بالمسير إليكا ، وقوله : «لنضربن» بنون التوكيد الخفيفة ، واللام فى جواب قسم مقدّر ، وقوله : «قفيكا» أصله قفاكا ، فأبدلت الألف ياء عند الإضافة إلى الكاف ، وخصه الشارح فى شرح الكافية فى باب الإضافة بالشعر ، وإنما كان سبيله الشعر لأنه ليس مع ياء المتكلم ؛ فإنها تقلب معه ياء نثرا ونظما فى لغة هذيل ، يقولون : هوىّ وقفىّ فى إضافة الهوى والقفا إلى الياء ، وإنما قيد بالكاف لأن السماع جاء معه.

وقد بسطنا الكلام على هذا فى الشاهد الحادى والعشرين بعد الثلثماية من شواهد شرح الكافية.

وهذا الرجز أورده أبو زيد فى نوادره ونسبه لراجز من حمير ، والله تعالى أعلم.


وأنشد بعده - وهو الشاهد الخامس بعد المائتين - : [من البسيط]

205 - أعن ترسّمت من خرقاء منزلة

ماء الصّبابة من عينيك مسجوم

على أن الأصل أأن ترسمت ، فأبدلت الهمزة المفتوحة عينا فى لغة تميم ، قال الشارخ : «هذه الأبدال فى الأبيات وغيرها جميعها شاذ ، ولهذا لم يذكرها ابن الحاجب».

وأقول : سيأتى إن شاء الله تعالى فى شرح قوله :

أباب بحر ضاحك هزوق

أن هذا كثير

والبيت من قصيدة لذى الرمة ، والهمزة للاستفهام التقريرى ، و «عن» حرف مصدرى ، واللام مقدر قبله علة للمصراع الثانى ، وترسمت الدار : تأملت رسمها - بالراء المهملة ، والتاء للخطاب - و «خرقاء» اسم معشوقتة ، و «منزلة» مفعول ترسمت ، والصبابة : رقة الشوق ، و «مسجوم» من سجمت العين الدمع : أى أسالته ، والتقدير ألأجل ترسمك ونظرك دارها التى نزلت فيها بكت عينك

وقد تكلمنا عليه فى فصل حروف المصدر من أواخر شرح الكافية


وأنشد بعده :

صبرا فقد هيّجت شوق المشتئق

وتقدم شرحه فى الشاهد التسعين من هذا الكتاب


وأنشد بعده وهو الشاهد السادس بعد المائتين : [من الراجز]

206 - يا دار سلمى يا اسلمى ثمّ سلمى

فخندف هامة هذا العألم

على أن العجاج همز العألم ، ليكون موافقا لقوافى القصيدة ، نحو «اسلمى» فى عدم التأسيس ، فلو لم يهمز للزم السناد وهو من عيوب القافية

قال ابن جنى فى سر الصناعة : «قد روى عن العجاج أنه كان يهمز الخأتم والعألم ، وقد روى عنه فى هذا الهمز ، وعده ابن عصفور من ضرائر الشعر ، وقال : أبدل (1)الألف همزة لتكون القافية غير مؤسسة كأخواتها ، وكانت الهمزة المبدلة منها ساكنة ؛ لأن التحريك يبطل الوزن ، ولأنها بدل من ألف زائدة ساكنة فى اللفظ والتقدير» انتهى

والسناد على خمسة أقسام : أحدها سناد التأسيس ، وهو أن يجىء بيت مؤسس مع بيت غير مؤسس. والتأسيس : ألف قبل حرف الروى (2)بحرف يسمى الدخيل ، كاللام فى العالم بين الألف والميم.

وقوله «يا دار سلمى يا اسلمى ثم اسلمى» هذا مطلع الأرجوزة ، دعا لدار سلمى بالسلامة ، و «يا» الثانية للتنبيه ، واسلمى أمر بمعنى دومى على السلامة ، وبعده :

بسمسم وعن يمين سمسم

و «سمسم» بفتح السينين المهملتين : مكان (3)، ثم قال بعد أبيات كثيرة :

فخندف هامة هذا العألم


1) فى نسخة أخرى «إبدال»

2) فى الأصول «قبل حرف التأسيس» وهو خطأ

3) قال ابن السكيت : هى رملة معروفة ، وقال الحفصى : سمسم نقى بين القصيبة وبين البحر بالبحرين ، وأنشد بيت رؤبة

وإنما جمع الشارح بينهما ليبين القافية غير المؤسسة مع المؤسسة على تقدير عدم الهمز ، و «خندف» هى امرأة إلياس بن مضر ، وهى أم مدركة وطابخة وقمعة (1)وأبو الثلاثة إلياس ؛ وأراد نسل خندف ، وقد ترجمناها بالتفصيل فى الشاهد التاسع والأربعين بعد المائة من هذا الكتاب


وأنشد بعده - وهو الشاهد السابع بعد المائتين : [من الوافر]

207 - أحبّ المؤقدين إلىّ مؤسى

تمامه :

وجعدة إذ أضاءهما الوقود

على أنه روى بهمز المؤقدين ومؤسى ، حكاه ابن جنى فى سر الصناعة عن أبى على ، قال : «وروى قنبل عن ابن كثير (بالسؤق) فهمز الواو ، ووجه ذلك أن الواو وإن كانت ساكنة فإنها قد جاورت ضمة الميم فصارت الضمة كأنها فيها ، فمن حيث همزت الواو فى نحو (أقّتت) وأجوه وأعد لانضمامها ، كذلك كان همز الواو فى المؤقدين ومؤسى على ما قدمناه» وقال فى المحتسب : «همز الواو فى الموضعين جميعا من البيت لأنهما جاورتا ضمة الميم قبلهما فصارت الضمة كأنها فيهما ، والواو إذا انضمت ضما لازما فهمزها جائز ، نحو (أقّتت) فى وقّتت ، وأجوه فى وجوه ، ونظائر ذلك كثيرة ، وكذلك الفتحة قبل الألف فى باز لما جاورتها صارت على ما ذكرنا كأنها فيها ، والألف إذا حركت همزت على ما ذكرنا فى الضّألّين ، وجأنّ ، فهذا وجهه» وكذا قال فى الخصائص ، وقال


1) اسمها ليلى بنت حلوان بن عمران ، وكان إلياس خرج فى نجعة فنفرت إبله من أرنب فخرج إليها ابنه عمرو فأدركها ، وخرج عامر فتصيد الأرنب وطبخها ، وانقمع عمير فى الخباء ، وخرجت أمهم تسرع ، فقال لها إلياس : أنت تخندفين ، فقالت : ما زلت أخندف فى إثركم ، فلقبوا مدركة وطابخة وقمعة وخندف

فى شرح تصريف المازنى بعد إنشاد البيت : «همز الواو الساكنة لأنه توهم الضمة قبلها فيها ، وإنما يجوز مثل هذا الغلط منهم لما يستهويهم من الشّبه ؛ لأنهم ليست لهم قياسات يعتصمون بها ، وإنما يميلون إلى طبائعهم ؛ فمن أجل ذلك قرأ الحسن البصرى (وما تنزّلت به الشّياطون) لأنه توهمه جمع التصحيح نحو الزيدون ، وليس منه ، وكذلك قراءته (ولا أدرأتكم به) جاء به كأنه من درأته : أى دفعته ، وليس منه ، إنما هو من دريت الشىء : أى علمت به ، وكذلك قراءة من قرأ (عادا لؤلى) فهمز فهو خطأ منه بمنزلة قول الشاعر :

لحبّ المؤقدان إلىّ مؤسى

فهمز الواو الساكنة لأنه توهم الضمة قبلها فيها ، ولهذا الغلط فى كلامهم نظائر ، فإذا جاء فاعرفه لتستعمله كما سمعته ولا تقس عليه» انتهى.

وأورد ابن عصفور هذا الإبدال فى الضرائر ، وخصه بالشعر ، وقال العصام فى حاشية القاضى : «روى سيبويه البيت بهمز مؤقدان ومؤسى» وهذا لا أصل له ؛ فإن سيبويه لم يرو هذا البيت فى كتابه ، وروى ابن جنى صدره فى سر الصناعة ، وفى إعراب الحماسة أحبّ المؤقدين بصيغة أفعل التفضيل فيكون أحب مبتدأ مضافا إلى المؤقدين بالجمع ، و «مؤسى» خبره - ورواه فى الخصائص وفى شرح تصريف المازنى وفى المحتسب لحبّ المؤقدان فيكون اللام فى جواب قسم محذوف و «حبّ» للمدح والتعجب وأصلها حبب - بفتح العين - فعل متعد كقوله :

*فو الله لو لا تمره ما حببته (1)

ولا كان أدنى من عبيد ومشرق

*

1) هذا صدر بيت لغيلان بن شجاع النهشلى وعجزه :

ثم نقل إلى باب فعل بالضم للمدح للإلحاق بنعم ، ولنا نقل ضمة العين إلى الفاء ، ولنا حذفها لأجل الإدغام فى الصورتين ، وقد روى بالوجهين فصارت كنعم فعلا جامدا ، ولهذا لم تدخل قد مع اللام عليها كما لم تدخل قد على نعم ، و «المؤقدان» فاعل حب ، و «مؤسى وجعدة» هو المخصوص بالمدح ، و «إلىّ» بمعنى عندى ، و «إذ» ظرف متعلق بحب ، و «أضاءهما» بمعنى أنارهما وأظهرهما ، ويأتى أضاء لازما ، يقال : أضاء الشىء بمعنى أشرق ، والاسم الضياء ، و «الوقود» بالضم مصدر وقدت النار : أى اشتعلت ، والوقود - بالفتح - الحطب الذى يوقد ، وقد روى هنا بالوجهين ، وأريد به هنا وقود نار القرى كما هو عادة العرب ، يوقد الكريم منهم نارا على موضع عال ليهتدى بها إليه الغريب والمسافر فيأتى إلى قراه ، قال خضر الموصلى : «مدح ابنيه بالكرم والاشتهار به فكنى عن الأول بإيقاد نار القرى ، وعن الثانى بإضاءة الوقود إياهما ، والمعنى ما أحبهما إلىّ وقت إضاءة وقودهما ، واستعمال الإضاءة شديد الطباق فى هذا المقام لترددها بين الحقيقة والمجاز» انتهى.

وقال العصام : «عنى بالإضاءة بالوقود الاشتهار ، وصف ابنيه ونفسه بالكرم ؛ حيث جعل محبته لهما من حين اشتهارهما بالكرم ، وفى ذلك كمال وصفه بالكرم حتى غلبت محبته الطبيعية لهما المحبة للاشتهار بالكرم ، والتحقت فى مقابلة المحبة للاشتهار بالعدم إلى أن جعل محبته لهما من وقت الاشتهار» هذا كلامه

وقال السيوطى فى شرح أبيات المغنى : «مؤسى وجعدة عطفا بيان للمؤقدان ، كانا يوقدان نار القرى ، وإذ أضاءهما : بدل اشتمال منهما» انتهى.

وتبعه ابن المنلا فى شرح المغنى ، وخضر الموصلى فى شرح أبيات التفسيرين ، وهذا غير جيد ؛ فان حبّ هنا بمنزلة نعم تطلب فاعلا ومخصوصا بالمدح ، وهو إما

مبتدأ أو خبر لمبتدأ ، وإذا كان كذلك لا يجوز أن يكون إذ بدلا منهما ؛ لأنه ظرف غير متصرف.

والبيت من أول قصيدة لجرير مدح بها هشام بن عبد الملك المروانى ، وموسى وجعدة : ولدا جرير ، وروى حزرة بدل جعدة ، وهو ابنه أيضا ، وقال السيوطى رحمه‌الله : جعدة بنته ، وفيه بعد ، والبيت مستقل فى معناه لا حاجة لنا إلى إيراد شىء من القصيدة.


وأنشد بعده - وهو الشاهد الثامن بعد المائتين - : [من الرجز]

208 - أباب بحر ضاحك هزوق

على أن أصله «عباب بحر» فأبدلت العين همزة ، وهذا أشذ مما قبله ؛ لأنه لم يثبت قلب العين همزة فى موضع ، وما نقله عن ابن جنى قاله فى سر الصناعة ، وهذه عبارته : «فأما ما أنشده الأصمعى من قول الراجز :

أباب بحر ضاحك هزوق

فليست الهمزة فيه بدلا من عين عباب ؛ وإن كان بمعناه ، وإنما هو فعال من أبّ إذا تهيأ ، قال الأعشى : [من الطويل]

*وكان طوى كشحا وأبّ ليذهبا (1)

صرمت ولم أصرمكم وكصارم

أخ قد طوى كشحا وأبّ يذهبا

وكذلك هو فى الديوان (ص 89) وسيأتى للمؤلف الاعتراض بهذه الرواية على ما رواه الرضى تبعا لابن جنى

*

1) رواه فى اللسان :

وذلك أن البحر يتهيأ لما يزخر به ، فلهذا كانت الهمزة أصلا غير بدل من عين ، ولو قلت : إنها بدل منها فهو وجه ، وليس بالقوى» انتهى.

ومفهومه أن إبدال العين همزة ضعيف لقلته ، وإليه ذهب ابن مالك ، قال فى التسهيل : «وتبدل الهمزة قليلا من الهاء والعين» ومثل شراحه بالبيت ، ولم يقيد الزمخشرى فى المفصل بقلة ، بل قال : «الهمزة أبدلت من حروف اللين ومن الهاء والعين» ثم مثل ، إلى أن قال : «فأبدالها من الهاء فى ماء وأمواء ، ومن العين فى قوله : «أباب بحر ... البيت» نعم تفهم القلة من ذكره أخيرا بالنسبة إلى ما قبله ، ولم يقيده بشىء شارحه ابن يعيش ، وإنما قال : «أبدل الهمزة لقرب مخرجيهما كما أبدلت العين من الهمزة فى نحو

أعن ترسّمت ... البيت»

وليس فى هذا شذوذ فضلا عن الأشذّيّة ، وتوجيه الشارح الأشذّيّة بما قاله تبعا للمصنف ممنوع ؛ فانه جاءت كلمات كثيرة ، وقد ذكر له ابن السكيت فى كتاب القلب والابدال بابا ، وكذا عقد له فصلا أبو القاسم الزجاجى فى أماليه الكبرى ، أما ابن السكيت فقد قال : «باب العين والهمزة : قال الأصمعى :

يقال : آديته على كذا وكذا وأعديته : أى قويته وأعنته ، ويقال : استأديت الأمير على فلان فى معنى استعديت ، ويقال : قد كثأ اللبن وكثع وهى الكثأة والكثعة ، وهو أن يعلو دسمه وخثورته على رأسه فى الإناء ، قال : [من الطويل]

وأنت امرؤ قد كثّأت لك لحية

كأنّك منها بين تيسين قاعد

والعرب تقول : موت زعاف وزؤاف وذعاف وذؤاف ، وهو الذى يعجل

(ق 2 - 28)

القتل ، ويقال : عباب الموج وأبابه ، ويقال : لأطه بعين ولأطه بسهم ولعطه : إذا أصابه به ، أبو زيد : يقال : صبأت على القوم أصبأ صبأ وصبعت عليهم أصبع صبعا ، وهما واحد ، وهو أن تدخل عليهم غيرهم ، الفراء : يقال : يوم عكّ ، ويوم أكّ من شدة الحر ، ويقال : ذهب القوم عباديد وأباديد ، وعبابيد وأبابيد ، ويقال : انجأفت النخلة وانجعفت ؛ إذا انقلعت من أصلها ، وقال الأصمعى : سمعت أبا الصقر ينشد : [من الطويل]

أرينى جوادا مات هزلا لألّنى

أرى ما ترين أو بخيلا مخلّدا

يريد لعلّنى ، وقال أبو عمرو : سمعت أبا الحصين العبسى يقول : الأسن قديم الشحم ، وبعضهم يقول العسن ، الاصمعى : يقال : التمىء لونه والتمع لونه ، وهو السّأف والسّعف ، وقال الفراء : سمعت بعض بنى نبهان من طيىء يقول : دأنى ؛ يريد دعنى ، وقال : ثؤاله ؛ يريد ثعاله ، فيجعلون مكان العين همزة ، كما جعلوا مكان الهمزة عينا فى قوله : لعنّك قائم ، وأشهد عنّك رسول الله ، وهى لغة فى تميم وقيس كثيرة ، ويقال : ذأته وذعته إذا خنقه» هذا ما أورده ابن السكيت.

ولا شك أن هذه الكلمات المشهور فيها بالعين والهمزة بدل منها ، وقد أسقطنا من كلامه ما المشهور فيه الهمزة والعين بدل منها ، ومنها قال الأصمعى : سمعت أبا ثعلب ينشد بيت طفيل : [من الطويل]

فنحن منعنا يوم حرس (1)

نظرت بمفضى سيل حرسين الضّحى

يلوح بأطراف المخارم لها

وحرس أيضا واد بنجد ، وقيل : جبل ، وقالوا فى تفسير بيت طفيل الذى أنشده المؤلف ؛ إن حرسا ماء لغنى.

نساءكم

غداة دعانا عامر غير معتلى


1) حرس - بالحاء المهملة مفتوحة - : ماء من مياه بنى عقيل بنجد ، وهما ماءان اثنان يسميان حرسين ، قال مزاحم العقيلى :

يريد مؤتلى ، يعنى غير مقصّر ، ومنها يقال : أردت أن تفعل كذا ، وبعض العرب يقول : أردت عن تفعل ، ومنها إن بينهم لعهنة : أى إحنة

وأما ما أورده الزجاجى فهو عبد عليه وأبد : أى غضب عليه ، وهو عيصك وإيصك : أى أصلك ، وهو يوم عكّ وأكّ ، وعكيك وأكيك : أى حارّ ، وذكر محمد ابن يحيى العنبرى أن رجلا من فصحاء ربيعة أخبره أنه سمع كثيرا من أهل مكة : يا أبد الله ، يريدون يا عبد الله ، ويقال : الخنأبة والخنعبة ؛ لخنأبة الأنف ، وهى صفحته ؛ تهمز ولا تهمز ، وهى دون المحجر مما يلى الفم ، وتكعكع وتكأكأ عن الشىء ، قال الأعشى : [من المتقارب]

تكأكأ ملّاحها فوقها

من الخوف كوثلها يلتزم

وهذا ما أورده الزجاجى ، وقد أسقطنا منه أيضا ما توافق فيه مع ابن السكيت وما المشهور فيه الهمزة وأبدلت عينا ، وقلب العين همزة أقيس من العكس ؛ لأن الهمزة أخف من العين.

ولو استحصر ابن جنى عدة الكلمات لم يقل ما قال ، ولا ذهب ابن الحاجب إلى ما ذهب ، ولله در الزمخشرى فى صنعه ، والله الموفق تبارك وتعالى.

و «الهزوق» فسره الشرح بالمستغرق فى الضحك ، وهو كذا فى سر الصناعة وغيره ، وفى العباب للصاغانى : «وأهزق الرجل فى الضحك إذا أكثر منه» انتهى.

ولم أر فيه أكثر من هذا ، وعليه يكون الهزوق فعولا من أهزق ، والقياس أن يكون من الثلاثى.

ووقع فى المفصل زهوق - بتقديم الزاى على الهاء - قال بعض أفاضل العجم فى شرح أبياته : «الا باب العباب ، وهو معظم الماء وكثرته وارتفاعه ، أبدل الهمزة من العين ، وضحك البحر كناية عن امتلائه ، وقال بعض الشارحين : الظاهر أنه كناية عن أمواجه ، وقال الجوهرى : البئر البعيدة القعر ، وعن المصنف زهوق : مرتفع ، يصف بحرا ممتلئا أو ذا أمواج بعيد القعر أو مرتفع الماء» انتهى كلامه.

وقال ابن المستوفى : «عباب البحر : معظم مائه وكثرته وارتفاعه ، والضاحك من السحاب كالعارض إلا أنه إذا برق ضحك ، وقال الخوارزمى : الزهوق : البئر البعيدة القعر ، وقال فى الحواشى : ضاحك : أى يضحك بالموج ، وزهوق : مرتفع ، والزهوق المرتفع أولى بالوصف من البئر البعيدة القعر ؛ لأن العباب إذا كان الكثير المرتفع فإنما يكون ذلك لارتفاع ماء البحر» انتهى

ولم أقف عليه بأكثر من هذا والله سبحانه وتعالى أعلم


وأنشد بعده - وهو الشاهد التاسع بعد المائتين - : [من الطويل]

209 - وكان طوى كشحا وأبّ ليذهبا

هكذا وقع فى سر الصناعة ، وصوابه كذا :

فأبلغ بنى سعد بن قيس بأنّنى

عتبت فلمّا لم أجد لى معتبا

صرمت ولم أصرمكم وكصارم

أخ قد طوى كشحا وأبّ ليذهبا

وهو من قصيدة للأعشى ميمون الجاهلى ، قال أبو عبيد القاسم بن سلام

فى الغريب المصنف : أببت أؤبّ أبّا ، من باب نصر ؛ إذا عزمت على المسير وتهيأت ، وأنشد البيت

وفى العباب : أبو زيد : أب يؤبّ أبّا وأبابا وأبابة تهيأ للذهاب وتجهز ، يقال : هو فى أبابه إذا كان فى جهازه ، وأنشد البيت أيضا ، وقال ابن دريد فى الجمهرة : طويت كشحى على كذا إذا أضمرته فى قلبك وسترته ، وأنشد البيت أيضا ، وفى الصحاح : طوى كشحه إذا أعرض بوده ، يقول لبنى سعد : لما عتبت عليكم لترجعوا عن مساءتى وما أكرهه لم أجد عندكم موضع عتب ، يريد أنه لم يجد فيهم من يسمع عتبه ويسعى فى إزالة ما يكره ، يقول : لما يئست من عودكم إلى ما أحب تركتكم غير صارم (1)لكم بقلبي ولا مفارق فراق بغضة ، إنما فارقتكم لأجل ما عاملتمونى به ، ومن طوى كشحه عنكم يرى (2)أنه انصرف ، فهو كالذى صرم : أى هجر عن قلى وبغضة ، ويجوز أن يكون «معتب» اسم فاعل من أعتبه : أى أزال عتبه ، والعتب مصدر عتب عليه : أى وجد عليه وغضب


وأنشد بعده - وهو الشاهد العاشر بعد المائتين - : [من الرجز]

210 - وبلدة قالصة أمواؤها

يستنّ فى رأد الضّحى أفياؤها

على أن الأصل أمواهها فأبدلت الهاء همزة ، وهو شاذ

قال ابن جنى فى سر الصناعة : «وأما إبدال الهمزة عن الهاء فقولهم : ماء ، وأصله موه ؛ لقولهم أمواه ، فقلبت الواو ألفا ، وقلبت الهاء همزة ، وقد قالوا فى الجمع


1) فى الأصول «ترك الصارم» وهو غير مستقيم المعنى

2) فى الأصول «يريد» ولم يظهر لنا وجهه ، والظاهر أنه محرف عما أثبتناه ومن اسم موصول مبتدأ خبره جملة «فهو كالذى صرم»

أيضا : أمواء ، فهذه الهمزة أيضا بدل من هاء أمواه ، أنشدنى أبو على :

وبلدة قالصة أمواؤها»

وقال فى شرح تصريف المازنى بعد البيت : «فهذه الهمزة فى الجمع إما أن تكون الهمزة التى كانت فى الواحد ، وإما أن تكون بدلا من الهاء التى تظهر فى أمواه ، فكأنه لفظ بالهاء فى الجمع ، ثم أبدل منها الهمزة ، كما فعل فى الواحد» انتهى

وأورد ابن السكيت فى كتاب القلب والإبدال (1)كلمات أبدلت هاؤها همزة وبالعكس ، فالأول قال الأصمعى : يقال للصّبا : هير وهير وإير وأير ، وأنشد :

[من الطويل]

وإنّا لأيسار إذا هبّت الصّبا

وإنّا لأيسار إذا الأير هبّت

ويقال للقشور التى فى أصول الشعر : إبرية وهبرية ؛ الأصمعى : يقال : اتمألّ السّنام واتمهلّ ؛ إذا انتصب ، ويقال للرجل الحسن القامة : إنه لمتمهلّ ومتمئلّ ؛ أبو عبيدة عن يونس : [يقال] : دع المتاع كأيأته ، يريدون كهيئته ، الفراء : ازمأرّت عينه وازمهرّت ؛ إذا احمرت ، وهيهات وأيهات ، ويقال : قد أبزت له وهبزت له ، وهو الوثب

ومما أورده الزجاجى فى أماليه : رأيت منه هشاشا وأشاشا ، وقد هشّ إلىّ وأشّ إلى ، والهزل والأزل ، وقد أهزلته وأزلته ، وهو مهزول ومأزول ، وما زال ذلك إجريّاه وهجريّاه : أى دأبه ، وصهل الفرس وصأل ، وصهّال وصئّال

ومما أورده ابن السكيت من الثانى : يقال : أيا فلان وهيا فلان ، ويقال : أرقت الماء وهرقته فهو ماء مراق ومهراق ، وحكى الفراء : أهرقت الماء فهو مهراق ، ويقال : إياك أن تفعل وهيّاك أن تفعل ، وإنما يقولون : هياك فى موضع زجر ،


1) انظره (ص 25)

ولا يقولون : هياك أكرمت ؛ الكسائى يقال : أرحت دابتى وهرحتها ، وقد أنرت له وهنرت له ، يونس : وتقول العرب : أما والله لأفعلن وهما والله لأفعلنّ وأيم الله وهيم الله ؛ الأصمعى : ينشد هذا البيت (1)

أتجعل نهبى ونهب العبيد

بين عيينة والأقرع

وما كان حصن ولا حابس

يفوقان مرداس فى مجمع

: [من المتقارب]

وقد كنت فى الحرب ذا تدرإ

فلم أعط شيئا ولم أمنع

وبعض العرب يقول : ذاتدره

ومما أورده الزجاجى : هرّشت وأرّشت ، وهم أهل عبد الله وآل عبد الله ، وهم آلى وهالى ، وهؤلاء وآؤلاء ، انتهى

قلت : وفى هل فعلت ؛ يقال : أل فعلت ، نقله المرادى فى الجنى الدانى عن قطرب ، وكذلك ابن هشام فى المغنى عنه

وبما سقناه يعلم أن قلب الهاء همزة ليس من ضرائر الشعر كما زعمه ابن عصفور وأنشد له هذا الشعر

قال ابن جنى فى شرح تصريف المازنى : وأما قولهم الباءة والباهة فى النكاح ؛ فقد يمكن أن يكونا أصلين ، وقد يجوز أن تكون الهاء بدلا من الهمزة ؛ لأنه من لأنه من الباءة والبواء ، وهو الرجوع والتكافؤ ؛ لأن الإنسان كأنه يرجع إلى أبيه ويقوم مقامه ، فيكون على هذا معتل العين واللام ، وإن كانت الهاء فيه أصلا فهو من لفظ بوهة ، فالألف فيه منقلبة عن الواو ، والبوهة : الأحمق


1) البيت للعباس بن مرداس السلمى ، يقوله لسيدنا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، من كلمة أولها :

العاجز (1)

أيا هند لا تنكحى بوهة

عليه عقيقته أحسبا

مرسّعة بين أرساغه

به عسم يبتغى أرنبا

فيكون من هذا ؛ لأن النكاح مؤدّ إلى العجز والهرم ، أو لأن البوهة لم يكمل ولم يتوفر عقله فكأنه نىء لم ينضج ؛ فهو كالموات على حاله الأولى وقت حصوله فى الرحم

وقال فى سر الصناعة : وأما قولهم : رجل تدرأ وتدره للدافع عن قومه فليس أحد الحرفين فيهما بدلا من صاحبه ، بل هما أصلان ، يقال : درأ ودره

وقوله «وبلدة» بجر واو ربّ ، و «قالصة» صفة بلدة ، وأمواؤها : فاعل قالصة ، والبلدة فى اللغة : مطلق الأرض والبقعة ، وقالصة : من قلص الماء فى البئر إذا ارتفع ؛ فهو ماء قالص ، وقليص ، ويقال للماء الذى يجمّ فى البئر : أى يكثر ويرتفع : قلصة بفتحات ، ويستنّ : يجرى فى السّنن - بفتحات - وهو وجه الطريق والأرض ، وأفياؤها : فاعله ، والجملة صفة ثانية لبلدة. وجواب ربّ فى بيت آخر وهو «قطعتها» أو «جبتها» ورأد الضحى - بالهمز والتسهيل - بمعنى ارتفاعه ، والرواية فى سر الصناعة والمفصل : ما صحة رأد الضّحى ، من مصح الظلّ بمهملتين : أى ذهب ، ورأد : منصوب على الظرف ، والمعنى أن هذه البلدة كثيرة الفىء لكثرة ظلال أشجارها حتى يذهبه ارتفاع الضحى بارتفاع الشمس ، وأفياء : جمع فىء - بالهمز - والمشهور أنه ما نسخته الشمس ، والظل : ما نسخ الشمس ، من فاء فيئا : أى رجع ؛ لأنه كان ظلا فنسخته الشمس فرجع ، وقال ابن كيسان : المعروف أن الفىء والظل واحد ، كذا قاله اللّبلىّ فى شرح أدب الكاتب ، وقال صاحب المقتبس : المعنى أن تلك البلدة قليلة الأشجار لا تدوم ظلالها ، بل إذا


1) ومنه قول امرىء القيس

ارتفع الضحى ذهبت ظلالها ، ولم تبق ، فتأمل.


وأنشد الجاربردى - وهو الشاهد الحادى عشر بعد المائتين - : [من الطويل]

211 - فآليت لا أملاه حتّي يفارقا

على أن أصله لا أملّه ، من مللت الشىء بالكسر ومللت منه أيضا مللا وملالة وملّة ؛ إذا سئمته


وأنشد الشارح - وهو الشاهد الثانى عشر بعد المائتين ، وهو من شواهد سيبويه - : [من الرجز]

212 - ومنهل ليس له حوازق

ولضفادى جمّه نقانق

على أن أصله ولضفادع ، فأبدلت العين ياء ضرورة

وأورده سيبويه فى باب ما رخمت الشعراء فى غير النداء اضطرارا ، قال : «وأما قوله وهو رجل من بنى يشكر : [من البسيط]

لها أشارير من لحم تتمّره

من الثّعالى ووخز من أرانيها

فزعم أن الشاعر لما اضطر إلى الياء أبدلها مكان الباء ، كما يبدلها مكان الهمزة ، وقال أيضا :

ومنهل ليس له حوازق

ولضفادى جمّه نقانق

وإنما أراد ضفادع ، فلما اضطر إلى أن يقف آخر الاسم كره أن يقف حرفا لا يدخله الوقف فى هذا الموضع ، فأبدل مكانه حرفا يوقف فى الجر والرفع» انتهى

قال الأعلم : «ووجه الإبدال أنه لما اضطر إلى إسكان الحرفين لإقامة الوزن ، وهما مما لا يسكن فى الوصل ، أبدل مكان الباء والعين الياء ؛ لأنها تسكن فى حالة الرفع والخفض ، وإنما ذكر سيبويه هذا لئلا يتوهم أنه من باب الترخيم ،

وأن الياء زيدت كالعوض ؛ لأن المطرد فى الترخيم أن لا يعوض من الحرف المحذوف شىء ، لأن التمام منوى فيه ، ولأن الترخيم تخفيف ؛ فلو عوض منه لرجع فيه إلى التثقيل ؛ والمنهل : المورد ، والحوازق : الجماعات ، واحدتها حزيقة ، فجمعها جمع فاعلة كأن واحدتها حازقة ، لأن الجمع قد يبنى على غير واحده : أى هو منهل قفرلا وارد له ، والجمّ : جمع جمّة ، وهى معظم الماء ومجتمعه ، والنقانق : أصوات الضفادع واحدتها نقنقة» انتهى.

فيكون وصف المنهل بالبعد والمخافة ، يعنى أن هذا المنهل لا يقدر أحد أن يرده لبعده وهوله ، ولكنى لإقدامى وجرأتى أرد مثله من المياه ، وأراد أنه ليس به إلا الضفادع النقاقة.

ومنهل : مجرور بربّ المقدرة بعد الواو ، وجوابها فى بيت آخر ، وحوازق - بالحاء المهملة والزاى المعجمة ؛ وهو اسم ليس ، وله : خبرها ، والجملة صفة لمنهل ، ولضفادى جمّه : خبر مقدم ، وضفادى : مضاف إلى جمه ، وجمّ مضاف إلى ضمير المنهل ، ونقانق : مبتدأ مؤخر ، والجملة صفة ثانية لمنهل ، والحم - بالجيم - : وصف بمعنى الكثير ، وأصله المصدر ؛ قال صاحب المصباح : «جمّ الشىء جما من باب ضرب : كثر ؛ فهو جمّ تسمية بالمصدر ، ومال جم : أى كثير» انتهى ، والجم أيضا : ما اجتمع من ماء البئر ، وقد ذكر الجوهرى الحازقة بمعنى الجماعة ، فيكون جمعه على القياس ، والنّقنقة - بفتح النونين ، وسكون القاف الأولى - : صوت الضفدع إذا ضوعف والدّجاجة تنقنق للبيض ، ويقال : نقّت الضفدعة تنق ، بالكسر نقيقا : أى صاحت قال الشاعر : [من الرجز]

تسامر الضّفدع فى نقيقها

وكذلك النقيق للعقرب والدجاجة ، قال : (1)[من الطويل]


1) البيت لجرير

كأنّ نقيق الحبّ فى حاويائه

فحيح الأفاعى أو نقيق العقارب

وربما قيل للهر ، قال (1)

أطعمت راعىّ من اليهيرّ

فظلّ يبكى حبجا بشرّ

: [من الرجز]

خلف استه مثل نقيق الهرّ

كذا فى العباب

وقال بعض أفاضل العجم فى شرح أبيات المفصل : «قال صدر الأفاضل الحزق :

الشّدّ والحبس ، والمراد بالحوازق الجوانب ؛ لأنها تمنع الماء أن ينبسط ، وقيل :

إنه لا يمنع الواردة لسهولة جوانبه ؛ لأنها منبسطة ، يصف منهلا واسعا فيقول :

ربّ منهل ليس له جوانب تمنع الماء من انبساطه فانبسط ماؤه حوله ؛ إذ ليس [له] موانع وحوابس تمنع الواردين ؛ لأنه سهل الورود» هذا كلامه ، وتبعه الجاربردى ؛ قال الأعلم : هذا الرجز يقال صنعه خلف الأحمر


وأنشد بعده - وهو الشاهد الثالث عشر بعد المائتين ، وهو من شواهد سيبويه - : [من البسيط]

213 - لها أشارير من لحم تتمّره

من الثّعالى ووخز من أرانيها

على أن الأصل من الثعالب وأرانبها ، فأبدلت الموحدة فيهما ياء لضرورة الشعر ، كما تقدم

وقال ابن عصفور فى كتاب الضرائر : «وقد يمكن أن يكون جمع ثعالة ، فيكون الأصل فيه إذ ذاك الثّعائل إلا أنه قلب» انتهى.


1) قد أنشد أبو عمرو قبله :

والبيت من قصيدة لأبى كاهل اليشكرى ، وقبله

كأنّ رحلى على شغواء حادرة

ظمياء قد بلّ من طلّ خوافيها

لها أشارير من لحم تتمّره

من الثّعالى ووخز من أرانيها

فأبصرت ثعلبا من دونه قطن

فكفّتت من ذناباها تواليها

ضغا ومخلبها فى دفّه علق

يا ويحه إذ تفرّيه أشافيها

وأبو كاهل : هو والد سويد بن أبى كاهل ، وسويد : شاعر مخضرم. قد ترجمناه فى الشاهد التاسع والثلاثين بعد الأربعمائة من شواهد شرح الكافية. وأبو كاهل شبه ناقته فى سرعتها بالعقاب ، الموصوفة بما ذكره ، والرحل للابل أصغر من القتب ، وهو من مراكب الرجال دون النساء ، والشغواء - بالشين والغين المعجمتين - العقاب ، وروى «كأنّ رحلى على صقعاء» وهى العقاب التى فى وسط رأسها بياض ، والأصقع من الخيل والطير : ما كان كذلك ، والاسم الصّقعة - بالضم - وموضعها : الصّوقعة ، وحادرة - بمهملات - من الحدور ، وهو النزول من عال إلى أسفل كالصّبب

وقال بعض أفاضل العجم فى شرح أبيات المفصل : «حاذرة - بالذال المعجمة - المتيقظة ، وإنما وصف العقاب بأنها حاذرة ليشير إلى حذر فؤاد ناقته ؛ لأنه مدح لها قال أبو العلاء : [من البسيط]

فؤاد وجناء مثل الطّائر الحذر

ورواه بعض الشارحين بالدال المهملة ، وقال : الحادرة المكتنزة الصّلبة» هذا ما سطره

قال ابن برى فى أماليه على الصحاح : والظمياء العطشى إلى دم الصيد ، وقيل : التى تضرب إلى السواد ، وبلّ : فعل مبنى للمجهول من البلل ، فإذا بلها المطر

أسرعت إلى وكرها ، وكذلك جميع الطير ، والطّلّ : المطر الضعيف ، والخوافى : جمع خافية ، وهى ريشة الجناح القصيرة تلى الإبط ، والخوافى : أربع ريشات ، وسميت خوافى لأن الطائر ضمّ جناحه خفيت ، والأشارير : جمع إشرارة - بكسر الهمزة - وهى اللحم القديد ، وتتمّره : فعل مضارع ، والجملة صفة أشارير أو حال منها ، وروى متمّرة - على وزن اسم المفعول - وبالجر على الصفة ، وبالنصب على الحال ، والتّتمير - بالمثناة الفوقية لا بالمثلثة - : هو تجفيف اللحم والتمر ، قال النحاس فى شرح أبيات سيبويه : ويقال : إن المبرد صحفه بالثاء المثلثة ، وتعجب منه ثعلب ، وكان معاصره ، فقال : إنما كان يتمّر اللحم بالبصرة فكيف غلط فى هذا؟ والوخز - بفتح الواو وسكون الخاء المعجمة بعدها زاى - : الشيء القليل ، كذا فى الصحاح ، وقيل : الوخز قطع اللحم واحدتها وخزة ، والمتمرة المقددة ، يريد أنه يبقى فى وكرها حتى يجفّ لكثرته. وقال الأعلم : الوخز : قطع اللحم ، وأصله الطعن الخفيف وأراد ما تقطعه بسرعة ، يريد أنها قطعته وجففته ؛ وأضاف الأرانب إلى ضميرها لكونها صادته ، ثم وصف صيدها فقال : فأبصرت ثعلبا - الخ ، وقطن بفتحتين - جبل لبنى أسد ، وكفّتت - بتشديد الفاء للمبالغة ، والتاء الثانية للتأنيث ، يقال : كفت الشىء كفتا - من باب ضرب - إذا ضمه إلى نفسه ، والذّنابى : بضم الذال المعجمة بعدها نون وبعد الألف موحدة فألف مقصورة ، قال صاحب الصحاح : «وفى جناح الطائر أربع ذنابى بعد الخوافى» ، ولم يذكرها ابن قتيبة فى أدب الكاتب ، قال : «قالوا جناح الطائر عشرون ريشة : أربع قوادم ، وأربع مناكب ، وأربع أباهر ، وأربع خوافى ، وأربع كلى» انتهى. ولم ينبه عليها شرحه ، وإنما قال شارحه اللّبلىّ : وقداماه أوله ، وذناباه آخره ، انتهى. وتواليها : الضمير للذنابى ، والتوالى : جمع تالية ، وهى الريشات التى تلى الذنابى ، يريد أنها لما انحدرت على الثعلب ضمت جناحها إليها كما تفعل الطيور المنقضة على الصيد ، وتواليها : مفعول

كفّتت ووجب تأخيره لأن الضمير فيها راجع للذّنابى ، وقوله «ضغا» بالضاد والغين المعجمتين ، قال صاحب الصحاح : ضغا الثعلب والسّنّور يضغو ضغوا : أى صاح ، وكذلك صوت كل ذليل مقهور ، والمخلب - بالكسر - للطائر والسباع بمنزلة الظفر للانسان ، والدف - بفتح الدال المهملة وتشديد الفاء - : الجنب ، وعلق - بفتح العين وكسر اللام - أى : ناشب به ، وقوله «يا ويحه» المنادى محذوف وويج : كلمة ترحّم وتوجع ، والضمير للثعلب ، وتفرّيه : تشققه وتقطعه ، مبالغة فرته - بتخفيف الراء - والأشافى : جمع إشفى - بكسر الهمزة وبعد الفاء ألف مقصورة - وهى آلة للإسكاف ، قال ابن السكيت : الإشفى : ما كان للأسقية والمزاود وأشباهها ، والمخصف للنعال ، وأراد هنا المخالب ، شبهها بالأشافى

وبما شرحنا ظهر أنه شبه راحلته بعقاب ذاهبة إلى وكرها وقد بلها المطر ، وهو أشدّ لسرعتها ، ثم وصف صيدها وسرعة انقضاضها عليه من جو السماء

وزعم الجوهرى أنه وصف فرخة عقاب تسمى غبّة - بضم الغين المعجمة وتشديد الموحدة - وهو اسم فرخ بعينه ، لا اسم جنس ، وليس فى الشعر شىء منه ، وتبعه على هذا عبد اللطيف البغدادى فى شرح نقد الشعر لقدامة ، فقال : يصف فرخة عقاب تسمى غبّة كانت لبنى يشكر ، ولها حديث ، وكذا قال العينى ، وأنشده صاحب الصحاح فى ثلاثة مواضع : فى مادة تمر ، ومادة شر ، ومادة وخز ، وفى هامشه قيل : هو لآبى كاهل ، وقيل للنمر بن تولب اليشكرى ، وجمع بينهما العينى فقال : قائله هو أبو كاهل النمر بن تولب اليشكرى ، وهذا غير جيد منه


وأنشد بعده - وهو الشاهد الرابع عشر بعد المائتين - : [من الوافر]

214 - إذا ما عدّ أربعة فسال

فزوجك خامس وأبوك سادى

على أن أصله سادس ، فأبدلت السين ياء ، وهذا لضرورة الشعر.

ومثله ما فى كتاب القلب والإبدال ، قال : «كان رجل له امرأة تقارعه ويقارعها أيهما يموت قبل ؛ وكان تزوج نساء قبلها فمتن وتزوجت هى أزواجا قبله فماتوا ، فقال : [من الطويل]

ومن قبلها أهلكت بالشّؤم أربعا

وخامسة أعتدّها من نسائيا

بويزل أعوام أذاعت بخمسة

وتعتدّنى إن لم يق الله ساديا

وقوله «بويزل أعوام» أى مسنّة ، حال من خامسة ، مصغر بازل ، وهو مستعار من البازل فى الإبل ، وهو الداخل فى السنة التاسعة ، وهو آخر أسنانه ، ويقال فى العاشرة : بازل عام ، وبازل عامين ، وبازل أعوام ، ومثله قول الآخر : [من البسيط]

خلا ثلاث سنين منذ حلّ بها

وعام حلّت وهذا التّابع الخامى

وأصلهما سادسا ، والخامس ، فأبدلت الياء من السين فيهما.

وأما قول الآخر : [من الطويل]

ثلاثة أيّام كرام ورابع

وما الخام فيهم بالبخيل الملوّم

فإن لما أبدل السين من الخامس ياء اكتفى بالكسرة منها ، كذا قال ابن عصفور فى كتاب الضرائر.

وأما البيت الأول فقد أورده الجوهرى فى مادة فسل ، قال : الفسل من الرجال الرّذل ، والمفسول مثله ، وقد فسل - بالضم - فسالة وفسولة فهو فسّل من قوم فسلاء وأفسال وفسال وفسول ، قال الشاعر :

إذا ما عدّ أربعة الخ

وروى ابن السكيت حموك بدل أبوك ، ولم يكتب ابن برى ولا الصفدى

على المادة شيئا ، وقال ياقوت فيما كتبه على هامش الصحاح : البيت يروى للنابغة الجعدى ، يهجو به ليلى الأخيلية.

وأما قوله «خلا ثلاث سنين - البيت» فقال ابن السكيت : أنشدنيه القاسم بن معن ، ونقل عنه ابن المستوفى : أنه للحادرة ، ولم أره فى ديوانه.

وصريح كلام ابن عصفور أن هذا كله ضرورة ، ويرد عليه ما نقله ابن السكيت عن الفراء عن الكسائى أنه قال : العرب تقول : جاء ساتّا ، وجاء ساتيا ، تريد سادسا ، فلما ثقل المشدد بدل بالياء ، وكانت خلفا من التاء ، وأخرجت الدال لأنها من الأصل ، ومن قال ساتا فعلى لفظ ستة وستين ، ومن قال سادسا فعل الأصل ، قالوا : جاء سادسهم ، وساتّهم ، وساديهم ، وساديتهنّ ، للمرأة ، قال : وزعم الكسائى أنه سمع أعراييا يقول : وكانت آخر ناقة نحرها والدى أو جدى سادية وستين ، وأنشد بعض العرب : [من البسيط]

يا لهف نفسى لهفا غير ما كذب

على فوارس بالبيداء أنجاد

كعب وعمرو وعبد الله بينهما

وابناهما خمسة والحارث السّادي

أى السادس


وأنشد بعده - وهو الشاهد الخامس عشر بعد المائتين - : [من الرجز]

215 - يفديك يا زرع أبى وخالى

قد مرّ يومان وهذا الثّالى

وأنت بالهجران لا تبالى

على أن الأصل «وهذا الثالث» فأبدل الياء من الثاء.

وخصه ابن عصفور بالضرورة أيضا ، ولم يذكره ابن السكيت فى كتاب الإبدال ،

ولا الزجاجى فى أماليه ، ولا رأيته إلا فى كتب التصريف ، وقائله مجهول ، والله أعلم به ، وزرع : مرخم زرعة.


وأنشد بعده : [من الطويل]

هما نفثا فى فىّ من فمويهما

على النّابح العاوى أشدّ رجام

على أن «فما» عند الأخفش أصله فوه ، بدليل رجوعها فى التثنية

وقد تقدم فى الشاهد السابع والخمسين من هذا الكتاب.


وأنشد بعده - وهو الشاهد السادس عشر بعد المائتين - : [من الرجز]

216 - لا تقلواها وادلواها دلوا

إنّ مع اليوم أخاه غدوا

على أن «غدا» أصله غدو ، بدليل هذا البيت.

وجاء فى بيت لبيد الصحابى رضى الله تعالى عنه كذلك ، قال من قصيدة : [من الطويل]

وما النّاس إلّا كالدّيار وأهلها

بها يوم حلّوها وغدوا بلاقع

واستدل سيبويه بهذا البيت على أن أصله غدو ، باسكان الدال ، وإذا نسب إلى الأصل فقيل «غدوىّ» لم تسلب الدال الحركة ، لأن النسبة جرت على التحرك بعد الحذف ، خلافا للأخفش ؛ فانه زعم أن الحركة تحذف عند النسبة إلى الأصل ، فيقول : غدوىّ ويديىّ ، باسكان دالهما.

قال ابن جنى فى شرح تصريف المازنى : «والقول قول سيبويه ، ألا ترى

(ق 2 - 29)

أن الشاعر لما ردّ الحرف المحذوف بقّى الحركة التى أحدثها الحذف بحالها قبل الرد فى قوله :

يديان بيضاوان عند محلّم

فتحريك الدال بعد رد الياء دلالة على صحة ما ذهب اليه سيبويه ، قال أبو على : فإن قيل : فما تصنع بغدوا فى البيتين ، فإنه يشهد لصحة قول الأخفش؟

فالجواب أن الذى قال : غدوا ليس من لغته أن يقول : غد ؛ فيحذف ، بل الذى يقول : غد غير الذى يقول : غدوا» انتهى كلامه.

وأنشده صاحب الكشاف عند قوله تعالى (أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ) على أن التقدير كمثل ذوى صيّب ؛ لأن التشبيه ليس بين ذات المنافقين والصيّب نفسه ، بل بين ذواتهم وذوات ذوى الصيّب ، كما فعل لبيد بإدخاله حرف التشبيه على الديار ، مع أنه لم يرد تشبيه الناس بالديار ؛ إذ لا يستقيم ذلك ، وإنما شبه وجودهم فى الدنيا وسرعة زوالهم وتركهم منازلهم خالية ، بحلول أهل الديار فيها ونهوضهم عنها وتركها خالية ؛ فهى بالحلول مأهولة ، وبالرحيل خالية ، والتقدير :

وما الناس إلا كالديار حال كون أهلها بها يوم حلولهم فيها وهى فى غد خالية ، وأهلها : مبتدأ ، وخبره : بها ، ويوم : ظرف متعلق بمتعلق الخبر ، وغدوا : ظرف لبلاقع ، وبلاقع : خبر مبتدأ محذوف : أى وهى خالية غدوا.

والبيت من قصيدة يرثى بها أخاه لأمه فى الجاهلية ، وهو أربد ، ومطلعها :

بلينا وما تبلى النّجوم الطّوالع

وتبقى الجبال بعدنا والمصانع

ولا جزع أن فرّق الدّهر بيننا

وكلّ امرىء يوما له الدّهر فاجع

وما النّاس إلّا كالدّيار وأهلها

بها يوم حلّوها وغدوا بلاقع

وما المرء إلّا كالشّهاب وضوءه

يحور رمادا بعد إذ هو ساطع

وأما البيت الأول فقوله «لا تقلواها» نهى : أى لا تسوقا الناقة سوقا عنيفا ، من قلا الحمار أتانه يقلوها قلوا ؛ إذا طردها وساقها ، وقوله «وادلواها دلوا» هو أمر ، والجملة معطوفة على جملة النهى ، قال صاحب الصحاح : دلوت النّاقة دلوا سيّرتها سيرا رويدا ، وأنشد هذا الشعر. وقول الآخر :

لا تعجلا بالسّير وادلواها

ولم يذكر قائله ، ولا كتب عليه شيئا ابن برى ، ولا الصفدى ، وقوله «إن مع اليوم - إلخ» قال الزمخشرى فى مستقصى الأمثال : إن مع اليوم غدا ، مثل يضربه الراجى للظفر بمراده فى عاقبة الأمر ، وهو فى بدئه غير ظافر ، وأنشد هذا الشعر.


وأنشد الجاربردى هنا - وهو الشاهد السابع عشر بعد المائتين - : [من المنسرح]

217 - ذاك خليلى وذو يعاتبنى

يرمى ورائى بامسهم وامسلمه

على أن إبدال لام «أل» المعرفة ميما ضعيف.

وقال ابن جنى فى سر : الصناعة هذا الإبدال شاذ لا يسوغ القياس عليه ، وفيه نظر ؛ فإنه لغة قوم بأعيانهم ، قال صاحب الصحاح : هى لغة لحمير ، وقال الرضى رضى الله عنه فى شرح الكافية : هى لغة حمير ونفر من طئ ، وقال الزمخشرى فى المفصل : وأهل اليمن يجعلون مكانها الميم ، ومنه ليس من امبرّ امصيام فى امسفر ، وقال : يرمى ورائى ... البيت وحينئذ لا يجوز الحكم على لغة قوم بالضعف ، ولا بالشذوذ ، نعم لا يجوز القياس بابدال كل لام ميما ، ولكن يتبع إن سمع ،

وقد حكى الزجاجى أربع كلمات وقع التبادل [فيها] بينهما ، قال : «غرلة وغرمة ، وهى القلفة ، وامرأة غرلاء وغرماء ولا يقال قلفاء ، وأصابته أزلة وأزمة : أى سنة ، وانجبرت يده على عثم وعثل ، وشممت ما عنده وشملت ما عنده : أى خبرته» انتهى ، ولم يرو ابن السكيت فيهما شيئا.

والبيت من أبيات لبجير بن عنمة الطائى الجاهلى ؛ قال الآمدى فى المؤتلف والمختلف : «بجير بن عنمة الطائى : أحد بنى بولان بن عمرو بن الغوث بن طىء ، وأراه أخا خالد بن غنمة الطائى الشاعر الجاهلى ، وبجير القائل فى أبيات :

وإنّ مولاى ذو يعاتبنى

لا إحنة عنده ولا جرمه

ينصرنى منك غير معتذر

يرمى ورائى بامسهم وامسلمه»

انتهى

والمولى : ابن العم ، والناصر ، والحليف ، والمعتق ، والعتيق ، والظاهر أن المراد هنا إما الأول وإما الثانى ، وذو : كلمة طائية بمعنى الذى محلّها الرفع خبر إنّ ، ويعاتبنى : صلتها ، والمعاتبة : مخاطبة الإدلال ، والاسم العتاب ، قال الشاعر :

ويبقى الودّ ما بقى العتاب

وروى بدله «يعيّرنى» وهو غير مناسب ، وقوله «لا إحنة» مبتدأ ، وعنده الخبر ، والجملة حال من فاعل يعاتبنى ، ويجوز أن تكون خبرا ثانيا لإن ، وجرمة : معطوف على إحنة - بكسر الهمزة - وهى الضغينة والحقد ، والجرمة - بفتح الجيم وكسر الراء - هو الجرم والذنب ، كذا فى القاموس ، وقوله «يرمى ورائى» قال بعض أفاضل العجم فى شرح أبيات المفصل : «وراء : من الأضداد ، بمعنى قدام وخلف ، ويحتمل المعنيين هنا ، والرمى وراءه عبارة عن الذبّ والمدافعة عنه» اه ؛ والمعنى هذا الرجل يعاتبنى ويسلك طريق بقاء الود ، يدافع عنى مرة بالسهام ومرة

بالسّلام ، وقيل : يشكو إعراضه ، يقول : إذا غبت رمانى بهما ، وهذا ليس بصحيح كما هو ظاهر ، وورائى بالمد وفتح الياء (1)وقوله «بامسهم» بكسر الميم دون تنوين ؛ لأنه معرف باللام لكن الكسرة مشبعة للوزن (2)وقوله «وبامسلمة» بباء الجر بعد الواو ، وبها يتزن (3)الشعر ، والسّلمة - بفتح السين وكسر اللام - : واحدة السّلام ، رهى الحجارة ، كذا روى البيتين الآمدى وابن برى فى أماليه على الصحاح ، ورواه الجوهرى فى مادة سلم كذا.

ذاك خليلى وذو يعاتبنى

يرمى ورائى بالسّهم وامسلمه

وقال : يريد والسلمة ، وكذا رواه صدر الأفاضل ، وقال : «الرواية بالسهم - بتشديد السين - على اللغة المشهورة ، وامسلمه - بالميم الساكنة بعد الواو - على اللغة اليمانية» انتهى.

ولا يخفى أن هذا غير متّزن ، إلا إن حركت الهمزة بعد الواو ، وتحريكها لحن ، قال ابن برى : وصواب الرواية ما ذكرنا ، قال ابن هشام فى المغنى : «قيل إن هذه اللغة مختصة بالأسماء التى لا تدغم لام التعريف فى أولها ، نحو : غلام ، وكتاب ، بخلاف رجل وناس ، وحكى لنا بعض طلبة اليمن أنه سمع فى بلادهم من يقول :

خذ الرمح ، واركب امفرس ، ولعل ذلك لغة بعضهم ، لا لجميعهم ، ألا ترى إلى البيت السابق وأنها فى الحديث على النوعين؟» انتهى.

وقد تابع الناس الجوهرى فى ذكر المصراع الأول من هذا البيت ، قال ابن هشام فى شرح أبيات ابن الناظم : «روى الجوهرى (يعاتبنى) بدل يواصلنى ، وزعم


1) لا ، بل بسكون الياء ، والبيتان من المنسرح : يرمى ورا مستفعلن ، ئى بامسهم مفعولات ، وامسلمه مفتعلن

2) لا ، بل بكسرة غير مشبعة ، لأن الوزن لا يستقيم مع الاشباع

3) لا ، بل بدون باء الجر

أن الواو زائدة ، وكأن ذلك لأنه رأى أن قوله : يرمى ، محط الفائدة ؛ فقدره خبرا وقدر خليلى تابعا للاشارة ، وذو : صفة لخليلى ، فلا يعطف عليه ، وتبعية خليلى للاشارة بأنه بدل منها ، لانعت ، بل ولا بيان ؛ لأن البيان بالجامد كالنعت بالمشتق ، ونعت الاشارة بما ليست فيه أل ممتنع ، وبهذا أبطل أبو الفتح كون بعلى فيمن رفع شيخا بيانا ، ولك أن تعرب خليلى خبرا ، وذو عطفا عليه ، ويرمى حالا منه وإن توقف المعنى عليه ، مثل (وهذا بعلى شيخا)» انتهى كلامه

أقول : ليس فى كلام الجوهرى ما يدل على زيادة الواو ، ولعل القائل غيره ، وأما الحديث الذى أورده الزمخشرى - وهو مشهور فى كتب النحو والصرف - فقد قال السخاوى فى شرح المفصل : يجوز أن يكون النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم تكلم بذلك لمن كانت هذه لغته ، أو تكون هذه لغة الراوى التى لا ينطق بغيرها ؛ لا أن النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم أبدل اللام ميما ، قال الأزهرى : الوجه أن لا تثبت الألف فى الكتابة ؛ لأنها ميم جعلت كالألف واللام ، ووجد فى خط السيوطى فى كتاب الزبرجد رسمه كذا «ليس من ام بر ام صيام فى ام سفر»

وقد اشتهر أنها رواية النمر بن تولب ، وليس كذلك

قال ابن جنى فى سر الصناعة : «وأما إبدال الميم من اللام فيروى أن النمر بن تولب قال : سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : ليس من امبر امصيام فى امسفر ، فأبدل اللام المعرفة ميما ، ويقال : إن النمر لم يرو عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم غير هذا الحديث ، إلا أنه شاذ لا يسوغ القياس عليه» انتهى.

وتبعه الزمخشرى فى المفصل ، وابن يعيش فى شرحه ، وابن هشام فى المغنى ، قال : «تكون أم للتعريف ، ونقلت عن طيىء ، وعن حمير ، وأورد البيت والحديث ، وقال : كذا رواه النمر بن تولب» انتهى.

قال السيوطى فى حاشيته على المغنى : «هذا الحديث أخرجه أحمد فى مسنده ،

والطبرانى فى معجمه الكبير من حديث كعب بن عاصم ، ومسنده صحيح ، وقوله «كذا رواه النّمر بن تولب» وكذا ذكره ابن يعيش والسخاوى : كلاهما فى شرح المفصل ، وصاحب البسيط ، زاد ابن يعيش : ويقال : إن النمر لم يرو عن النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلا هذا الحديث ، وكلهم تواردوا على ما لا أصل له ، أما أولا فلان النمر بن تولب مختلف فى إسلامه وصحبته ، وأما ثانيا فإن هذا الحديث لا يعرف من رواية النمر ، والحديث الذى رواه النمر عند من أثبت صحبته غير هذا الحديث ، قال أبو نعيم فى «معرفة الصحابة» : النمر بن تولب الشاعر ، كتب له النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم كتابا ، وروى من طريق مطرّف عنه ، قال : سمعت النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : من سره أن يذهب كثير من وحر صدره ، فليصم شهر الصبر رمضان وثلاثة أيام من كل شهر» انتهى كلام السيوطى رحمه‌الله

قلت : وكذا قال ابن عبد البر فى الاستيعاب ، وابن حجر فى الإصابة ، إن النمر بن تولب لم يرو إلا حديثا واحدا ، قال : سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : صوم شهر الصبر وثلاثة أيام من كل شهر يذهبن وغر الصدر

و «بجير» بضم الموحدة وفتح الجيم بعدها ياء ساكنة فراء مهملة ، و «عنمة» بفتح العين المهملة والنون بعدها ميم و «بولان» بفتح الموحدة وسكون الواو


وأنشد بعده - وهو الشاهد الثامن عشر بعد المائتين - : [من الرجز]

218 - يا هال ذات المنطق التّمتام

وكفّك المخضّب البنام

على أن الأصل البنان ؛ فأبدلت النون المتحركة ميما بضعف كما أبدلت فى طامه الله على الخير ، والأصل طانه ، قال ابن جنى فى سر الصناعة : «فأما قول رؤبة :

وكفّك المخضّب البنام

فإنه أراد البنان ، وإنما جاز ذلك لما فيها من الغنة والهوىّ ، وعلى هذا جمعوا بينهما فى القوافى فقالوا : [من السريع]

يا ربّ جعد فيهم لو تدرين

يضرب ضرب السّبط المقاديم

وقال الآخر :

يطعنها بخنجر من لحم

دون الذّنابى فى مكان سخن

وهو كثير» انتهى

ولم يذكروا إبدال النون من الميم

وقد أورد ابن السكيت فى كتاب الإبدال كلمات كثيرة للقسمين

فمن القسم الأول : ماء آجن وآجم للمتغير ، ويقال لريح الشّمال : نسع ومسع ، والحلّان والحلّام ، وهو الجدى الصغير ، قال أبو عبيدة (1)فى قول مهلهل : [من السريع]

كلّ قتيل فى كليب حلّام

حتّى ينال القتل آل همّام

ويقال : نجر من الماء ينجر نجرا ومجر يمجر مجرا ؛ إذا أكثر من شربه ولم يكد يروى ، وقال اللحيانى : يقال رطب محلقن ومحلقم ، وقال الأصمعى : إذا بلغ الترطيب ثلثى البسرة فهى حلقانة ، وحلقان للجميع ، وهى محلقنة ، والمحلقن للجميع ، والحزن والحزم : ما غلظ من الأرض ، وهى الحزون والحزوم ، وقال غير الأصمعى من الأعراب : الحزم أرفع ، والحزن أغلظ ، يقال : قد أحزنّا : أى صرنا إلى الحزونة ، ولا يقال أحزمنا ، أبو عبيدة يقال : انتطل فلان من الزق


1) لم يذكر ما قال أبو عبيدة فى شرح بيت المهلهل ، وقوله هو : «أى فرغ ، ويقال : الفرغ ، للباطل الذى لا يؤدى ؛ يقال : ذهب دمه فرغا : أى باطلا» اه نقلا عن كتاب القلب والأبدال لابن السكيت (ص 19). والفرغ بكسر الفاء وسكون الراء

نطلة : أى امتص منه شيئا يسيرا ، وتقول : امتطل من الزّق مطلة ، والمعنى واحد ويقال : قد نشنشها الرجل والفحل : أى قد نكحها ، وقال بعضهم : مشمشها ، فى ذلك المعنى ، ويقال : إن فلانا لشراب بأنقع ، جمع ، وقال بعضهم : بأمقع ، قال الأصمعى : معناه المعاود لما يكره مرة بعد مرة

ومن القسم الثانى : الأصمعى ، يقال : للحية أيم وأين ، والأصل أيّم ، فخفف ويقال : الغيم والغين ، وقال بعضهم : الغين إلباس الغيم السماء ، ومنه : إنه ليغان على قلبى : أى يغطى عليه ويلبس ، وسمعت أبا عمرو يقول : الغيم العطش ، يقال : غيم وغين ، وقد غامت وغانت : أى عطشت ، وهى تغيم وتغين ، الأصمعى : يقال : امتقع لونه وانتقع لونه ؛ إذا تغير لفزع ، وهو ممتقع اللون ومنتقع اللون ، الفراء : يقال : مخجت بالدّلو ونخجتها ؛ إذا جذبتها لتمتلىء ، الأصمعى : المدى والنّدى للغاية ، يقال : بلغ فلان المدى والنّدى ، الكسائى : تمدّلت بالمنديل وتندّلت ، الأصمعى : يقال : أمغرت الناقة والشاة وأنغرت ؛ إذا خالطت لبنها حمرة من دم ، الأصمعى : يقال للبعير إذا قارب الخطو وأسرع : بعير دهامج وبعير دهانج ، وقد دهمج يدهمج دهمجة ودهنج يدهنج دهنجة ، ويقال : أسود قاتم وقاتن ، أبو عمرو والفراء : يقال : كرزم ، «للفأس الثقيلة وكرزن ؛ الكسائى يقال : عراهمة وعراهنة ، وسمع الفراء حنظل وحمظل ، وقال أبو عمرو : الدّمدم الصّلّيان المحيل فى لغة بنى أسد ، وهو فى لغة تميم الدّندن ، الكلابى : يقال : أطمّ يده وأطنّها» هذا ما ذكره ابن السكيت بحذف الشواهد

وزاد الزجاجى من الأول : نثّ جسده من السمن ، ينت نثا ، ومثّ يمثّ مثا ، ومن الثانى : تكهّم به وتكهن : أى تهزأ به

وأما الشعر الشاهد فقد نسبه ابن جنى والزمخشرى والشارح إلى رؤبة ؛ وليس موجودا فى ديوانه ، و «هال» مرخم هالة ، و «ذات» بالنصب صفة لهالة

تبعه على المحل ، والمنطق : هو النطق ، و «التّمتام» صفة لمنطق ، وأصل التمتام الإنسان الذى يتردد فى التاء عند نطقه ، قال ابن المستوفى : عطف «كفّك» على المنطق ، وكان الواجب أن يقول : والكفّ المخضب ؛ لأن ذا وذات يتوصل بها إلى الوصف بأسماء الأجناس ، غير أن المعطوف يجوز فيه ما لا يجوز فى المعطوف عليه ، وقال بعض فضلاء العجم : «التمتام الذى فيه تمتمة : أى تردد فى كلامه ، ووصف المنطق بالتّمتام مجاز ، وتمتمتها فى المنطق عبارة عن حيائها ، قال صاحب المقتبس : ورأيت فى نسخة الطباخى بخطه أن الواو فى : وكفّك : واو القسم ، هذا كلامه ، وقيل : يجوز أن يكون جواب القسم محذوفا دل عليه قوله : ذات المنطق ، يريد أقسم بكفك أن منطقك تمتام وأنك مستحية ، وقال بعض الشارحين : أقسم بكفها ، والمقسم عليه فى بيت بعده ، ولم يذكر ذلك البيت ، ويجوز أن يكون (وكفّك) معطوفا على المنطق ، وإنما قال : المخضب ولم يقل المخضبة ؛ لأن المؤنث بغير علامة يجوز تذكيره حملا على اللفظ ، أو لأنه ذهب بالكف إلى العضو» هذا ما ذكره ذلك الفاضل

وقوله «لأن المؤنث بغير علامة إلخ» هذا يقتضى جواز (الشمس طلع) مع أنه يجب إلحاق العلامة عند الإسناد إلى ضمير المؤنث المجازى ، وفى المصباح المنير : «الكف من الإنسان وغيره أنثى ، قال ابن الأنبارى : وزعم من لا يوثق به أن الكف مذكر ، ولا يعرف تذكيرها من يوثق بعلمه ، وأما قولهم : كف مخضب ؛ فعلى معنى ساعد مخضب ، قال الأزهرى : الكف الراحة مع الأصابع سميت بذلك لأنها تكف الأذى عن البدن» انتهى.

وفيه أن الخضاب لا يوصف به الساعد ، وقال العينى : ذات المنطق ؛ يجوز رفعه حملا على اللفظ ونصبه حملا على المحل.

أقول : لا يجوز هنا إلا النصب ؛ فإن المنادى إذا كان موصوفا بمضاف يجب

نصب وصفه ، نحو : يا زيد أخا عمرو ، وقال أيضا : يجوز أن يكون : كفك ؛ مرفوعا على الابتداء وخبره فى البيت الآتى ، أو محذوف ، أقول : هذا عدول عن واضح إلى خفى مجهول.


وأنشد بعده - وهو الشاهد التاسع عشر بعد المائتين - : [من الطويل]

219 - ألا كلّ نفس طين منها حياؤها (1)

قال ابن السكيت فى كتاب الإبدال : «قال الأحمر : يقال طانه الله على الخير وطامه : يعنى جبله ، وهو يطيمه ويطينه ، وأنشد :

ألا تلك نفس طين فيها حياؤها

وسمعت الكلابى يقول : طانه الله على الخير وعلى الشر» انتهى.

وكذا نقله الجوهرى عنه ، قال ابن برى فى أماليه على الصحاح : «صواب الشعر : إلى تلك ؛ بإلى الجارّة ، والشعر يدل على ذلك ، أنشد الأحمر :

لئن كانت الدّنيا له قد تزيّنت

على الأرض حتّى ضاق عنها فضاؤها

لقد كان حرّا يستحى أن تضمّه

إلى تلك نفس طين فيها حياؤها

يريد أن الحياء من جبلتها وسجيتها» انتهى.

ففى ما فى الشرح ثلاث تحريفات ، وفى الصحاح تحريف واحد تبعا لابن السكيت ، والأحمر : هو خلف بن حيّان بن محرز ، ويكنى أبا محرز البصرى ، وهو مولى بلال بن أبى بردة بن أبى موسى الأشعرى رضى الله عنه من أبناء الصغد الذين سباهم قتيبة بن مسلم لبلال ، وهو أحد رواة الغريب واللغة والشعر


1) انظر (ص 20) من كتاب القلب والأبدال لابن السكيت

ونقاده والعلماء به ، قال الأصمعى : أول من نعى أبا جعفر المنصور بالبصرة خلف الأحمر ، وذلك أنا كنا فى حلقة يونس فمر بنا خلف فسلم ، ثم قال :

قد طرّقت ببكرها بنت طبق

فقال له يونس : هيه ، فقال :

فنتجوها خبرا ضخم العنق

فقال : وما ذاك ، قال :

موت الإمام فلقة من الفلق

كذا فى طبقات النحويين لمحمد بن الحسين اليمنى ، وساق له نوادر وأشعارا وحكايات كثيرة.


وأنشد بعده - وهو الشاهد العشرون بعد المائتين - : [من الرجز]

220 - هل ينفعنك اليوم إن همت بهم

كثرة ما توصى وتعقاد الرّتم

على أن ميم الرتم أصلية من الرتيمة غير مبدلة من الياء ، وهذا الفصل جميعه من سر الصناعة لابن جنى ، قال صاحب الصحاح : الرتيمة : خيط يشد فى الإصبع لتستذكر به الحاجة ، وكذلك الرتمة ، تقول منه : أرتمت الرجل إرتاما ، قال الشاعر : [من الطويل]

إذا لم تكن حاجاتنا فى نفوسكم

فليس بمغن عنك عقد الرّتائم

والرتمة بالتحريك : ضرب من الشجر ، والجمع رتم ، قال الشاعر :

نظرت والعين مبينة التّهم

إلى سنانار وقودها الرّتم

وكان الرجل إذا أراد سفرا عمد إلى شجرة فشد غصنين منها فان رجع

ووجدهما على حالهما قال : إن أهله لم تخنه ، وإلا فقد خانته ، وقال :

هل ينفعنك اليوم إن همت بهم

...... البيت

وقال ابن برى فى أماليه : «قوله : وكذلك الرتمة ، قال ابن حمزة : الرتمة - بفتح التاء - : هى الرتيمة ، والرتم فى قوله : وتعقاد الرتم : جمع رتمة ، وهى الرتيمة ، وليس هو النبات المعروف ؛ لأن الأغصان التى كانت تعقد لا تخص شجرا دون شجر» انتهى.

ويؤيده ما نقله الزيلعى فى شرح الكنز ، فإنه ذكر مثل كلام الجوهرى ، وقال : «هكذا المروى عن الثقات ، إلا أن الليث ذكر الرتم بمعنى الرتيمة كذا فى المغرب» انتهى.

وقال ياقوت فيما كتبه على هامش الصحاح : صواب البيت الأول :

إذا لم تكن حاجاتنا فى نفوسنا

لإخواننا لم يغن عقد الرّتائم

وقائل الشعر الثانى هو شيطان بن مدلج ، وفى كلام ابن جنى بعض مخالفة لصاحب الصحاح ، فإنه قال : عمد إلى شجرة فشد غصنين منها ، وقال ابن جنى : عمد إلى غصنين من شجرتين تقرب إحداهما من الأخرى.

وحاصل ما ذكره الشارح والمصنف تبعا لابن جنى أن الميم تكون بدلا من الياء فى ثلاث كلمات.

وقد ذكر ابن السكيت فى كتاب الإبدال كلمات كثيرة فى تبادلهما قال : «يقال :

للظليم أربد وأرمد ، وهولون إلى الغبرة ، وأربد : أغبر ، ومنه تربّد وجهه واربدّ ، ويقال : سمعت ظأب تيس بنى فلان ، وظأم تيسهم ، وهو صياحه ؛ والظأب والظأم أيضا سلف الرجل ، يقال : قد تظاءبا وتظاءما ، إذا تزوجا أختين ، ويقال للرجل إذا كبر ويبس من الهزال : ما هو إلا عشمة وعشبة ، ويقال : قد عشم الخبز وعشب ؛

إذا يبس ، وقد عشم الشجر ، ويقال : سابّ فلان فلانا فأربى عليه وأرمى عليه ؛ إذا زاد عليه فى سبابه ، ويقال : قد أرمى على الخمسين : أى زاد عليها ، قال الفراء : يقال منه : قد أرميت ورميت ، وكذا يقال : أرميت على السبعين ورميت ، وأربيت وربيت ، بألف فيهما وبلا ألف : أى زدت ، وقال أبو عبيدة : الرّجبة والرّجمة أن تطول النخلة ، فإذا خافوا عليها أن تقع أو تميل رجّبوها : أى عمدوها ببناء حجارة ، أبو عبيدة عن يونس قال : ينشد هذا البيت : [من المتقارب]

وأهدى لنا أكبشا

تبحبح فى المربد

وإن شئت تمحح : أى تلزم المكان وتتوسطه ، ويقال : قد سمّد شعره وسبّده ، والتسبيد : أن يستأصل شعره حتى يلصقه بالجلد ، ويكون التسبيد أن يحلق الرأس ثم ينبت منه الشىء اليسير ، قال الأصمعى : يقال للرجل حين ينبت شعره ويسود ويستوى : قد سبّد ، وإذا اسود الفرخ من الريش فغطى جلده ولم يطل فقد سبّد ، أبو عمرو : يقال : صبأت الجيش عليهم وصمأته عليهم ؛ إذا هجمته عليهم ، أبو عبيدة السأسم والسأسب شجر ، ويقال : هو الشّيز ، الفراء : يقال : أومأت إليه وأوبأت إليه ، اللحيانى : يقال للعجوز : قحمة وقحبة ، أبو عبيدة : إذا شربت بطرف فم السقاء ثنيته أو لم تثنه أو شربت من وسطه قيل : قد اقتبعت السقاء واقتمعت ، اللحيانى : يقال : أتانا وما عليه طحربة وطحرمة : أى خرقه ، وكذلك يقال : ما فى السماء طحربة : أى لطخ من غيم ، ويقال : ما فى نحى فلان عبقة ولا عمقة : أى لطخ ؛ ولا وضر ، وقئمت فى الشراب وقئبت وصئمت وصئبت وصئم من الماء وصئب ، إذا امتلأ ، والقرهم والقرهب السيّد ، وهو أيضا الثور المسن ، يونس : يقال : رجمته بقول سيئ ورجبته : يعنون صككته ، الفراء : اطمأننت إليه ، ولغة بنى أسد

اطبأننت ، الكسائى : النّغمة والنّغبة من الشراب ؛ إذا تناولت منه شيئا قليلا ، وقد نغب ونغم ، ويقال : هو يتمجّح ويتبجّح بمعنى واحد ، وهو من الفخر ، الفراء : ذهب القوم شذر مذر ، وشذر بذر - بفتح أولهما وكسرهما - أبو زيد : الرّميز من الرجال العاقل الثخين ، وقال بعضهم الرّبيز ، وقد رمز رمازة وربز ربازة ، أبو عبيدة : العقمة والعقبة ضرب من الوشى ، الفراء : يقال : تعرف فيه عقبة الكرم وعقمته أيضا ، والعقمة والعقبة أيضا ضروب ثياب الهودج ، اللحيانى : أسود غيهب وغيهم ، وإنه لميمون النقيبة والنقيمة ، وعجب الذنب وعجمه : أى أصله ، والعمرىّ والعبرىّ للسدر الذى ينبت على الأنهار والمياه ، اللحيانى : ضربة لازب ولازم ، ويقال : ثوب شبارق وشمارق ، ومشبرق ومشمرق ؛ إذا كان ممزقا ، ويقال : وقع فى بنات طمار ، وطبار : أى داهية ، ويقال : رجل دنّبة ودنّمة للقصير ، ويقال : أدهقت الكأس إلى أصبارها وأصمارها : أى ملأتها إلى رأسها ، الواحد صبر وصمر ، الأصمعى : يقال : أخذ الأمر بأصباره وأصماره : أى بكلّه ، وأخذها بأصبارها وأصمارها : أى تامة بجميعها ، اللحيانى : أصابتهم أزمة وأزبة ، وآزمة وآزبة ، وهو الضيق والشدة ، الكسائى : اضمأكّت الأرض واضبأكّت ؛ إذا اخضرت من النبات ، ويقال : كمحته باللجام وكبحته وأكمحته وأكبحته ، أبو عمرو : الذام والذاب والذان العيب ، اللحيانى : ذأبته وذأمته ؛ إذا طردته وحقرته ، ورأبت القدح ورأمته ؛ إذا شعبته ، ويقال : زكم بنطفته وزكب ؛ إذا حذف بها ، ويقال : هو ألأم زكمة فى الأرض وزكبة معناه ألأم شىء لقطه شىء ، ويقال أبد عليه وأمد : أى غضب ، ويقال : وقعنا فى بعكوكاء ومعكوكاء : أى فى غبار وجلبة وشر ، الفراء : جردبت فى الطعام وجردمت ، وهو أن يستر بيده ما بين يديه من الطعام لئلا يتناوله أحد ، وتكبكب الرجل فى ثيابه وتكمكم : أى تزمل ، وكبن اللصوص فى الجبل

وكمنوا ، وقال أبو صاعد : العطاميل هى البكرات التّوامّ الخلق ، والعطابيل» هذا ما أورده ابن السكيت وقد حذفنا منه الشواهد.

وزاد الزجاجى مكّة وبكّة ، ورجل سهلب وسلهم : أى الطويل ، والموماة والبوباة : أى الصحراء الخالية : ورجل شيظم وشيظب : أى طويل


وأنشد الجاربردى - وهو الشاهد الواحد والعشرون بعد المائتين - : [من الوافر]

221 - هل أنتم عائجون بنا لعنّا

نرى العرصات أو أثر الخيام

على أن الأصل لعلنا ، فأبدلت اللام نونا بضعف.

وقد أورد ابن السكيت فى كتاب الإبدال كلمات كثيرة وقع التبادل فيها بين اللام والنون ، وهى : «قال الأصمعى : هتنت السماء تهتن تهتانا وهتلت تهتل تهتالا ، وهن سحائب هتن وهتّل ، وهو فوق الهطل ، والسدول والسّدون : ما جلل به الهودج من الثياب وأرخى عليه ، والكتل والكتن التلزج ولزوق الوسخ بالشىء ، ويقال : رأيت فى بنى فلان لعاعة حسنة ونعاعة حسنة ، وهو بقل ناعم فى أول ما يبدو رقيق ولم يغلظ ، وتلعيت اللعاعة إذا اجتنيتها ، ويقال : بعير رفنّ ورفلّ ؛ إذا كان سابغ الذنب ، ويقال : للحرّة لوبة ونوبة ، ومنه قيل : للأسود لوبىّ ونوبى ، الأصمعى : يقال : طبرزن وطبرزل للسكّر ، ويقال : رهدنة ورهدلة ورهادين ورهاديل ، وهى الرهادن والرهادل ، وهو طوير شبيه القبرة إلا أنه ليست له قنزعة (1)والرهدن والرهدل : الضعيف أيضا ، ويقال :


1) يريد أنها ليس لها ريشات فى رأسها

لقيته أصيلالا وأصيلانا : أى عشيا ، وأصيلال تصغير أصيل على غير قياس ، والدّحن والدّحل ، قال أبو زيد : الدّحن من الرجال العظيم البطن ، وقد دحن دحنا ، وقال الأصمعى : هو الدّحل باللام ، أبو عبيدة : صلّ اللحم صلولا وأصلّ اللحم ، وقوم يجعلون اللام نونا فيقولون : قد أصنّ اللحم ، أبو عمرو الشيبانى : الغرين والغريل : ما يبقى من الماء فى الحوض ، والغدير ، أبو عمرو : الدّمال السرجين (1)ويقال : الدّمان ، الفراء : هو شثن الأصابع وشثلها ، وقد شثنت كفه شثونة وشثانة ، وشثلت ، وهو الغليظ الخشن ، وأتن الرجل يأتن وأتل يأتل ، وهو الأتلان والأتنان ، وهو أن يقارب خطوه فى غضب ، الكسائى : أتانى هذا الأمر وما مأنت مأنه وما مألت مأله : أى ما تهيأت له ، وهو حنك الغراب وحلكه لسواده ، وهو العبد زلمة وزلمة وزنمة وزنمة : أى قدّه قدّ العبد ، معناه إذا رأيته رأيت أثر العبد فيه ، وأبّنته وأبّلته إذا أثنيت عليه بعد موته ، وتأسّن أباه وتأسّله ، إذا نزع إليه فى الشبه ، وعنوان الكتاب وعلوانه ، اللحيانى : يقال : عتلته إلى السجن وعتنته ، وأنا أعتله - بالضم والكسر - وأعتنه كذلك ، وارمعلّ الدّمع وارمعنّ ؛ إذا تتابع ، ويقال : لابن ولابل ، وإسماعيل وإسماعين ، وميكائيل وميكائين ، وإسرافيل وإسرافين ، وإسرائيل وإسرائين ؛ وشراحيل وشراحين وجبرئيل وحبرئين. وسمعت الكلابى يقول : آلصت الشىء أليصه إلاصة وآنصته أنيصه إناصة ؛ إذا أدرته ، ويقال ذلاذل القميض وذناذنه لأسافله ، الواحدة ذلذل وذنذن : ويقال : هو خامل الذكر وخامن الذكر ، الفراء : ما أدرى أىّ الطّبن هو وأىّ الطّبل (2)

(ق 2 - 30)

هو ، وحكى : بن أنا فعلت ، يريد بل ، أبو زيد : نمّق اسمه ينمّقه ولمّقه يلمّقه ، وقنّة الجبل وقلّته لأعلاه»

1) السرجين : الزبل ، وهو معرب فارسيته سركين - بالفتح وبالكاف -

2) أى : أى الناس هو

هذا ما ذكره ابن السكيت باختصار الشواهد.

وزاد الزّجاجى : السّليط والسّنيط (1)، ونفحته بالسيف ولفحته ، ولفحته النار ونفحته ، وكلعت يده وكنعت : أى درنت ووسحت ، ولجلج فى كلامه ونجنج ، ونقس القوم ينقسهم نقسا ، ولقس لقسا : أى لقيهم

والبيت الشاهد مطلع قصيدة للفرزدق مدح بها هشام بن عبد الملك وهجا جريرا ؛ وروى أيضا :

ألستم عائجين بنالعنّا

و «عائج» اسم فاعل من عجت البعير أعوجه عوجا إذا عطفت رأسه بالزمام ، والباء بمعنى مع ، وعرصة الدار : ساحتها ، وهى البقعة الواسعة التى ليس فيها بناء ، وسميت عرصة لأن الصبيان يعترصون فيها : أى يلعبون ويمرحون ، وقد شرحنا بعض أبياتها فى الشاهد الحادى والثلاثين بعد السبعمائة من شواهد شرح الكافية.


وأنشد بعده - وهو الشاهد الثانى والعشرون بعد المائتين : [من المديد]

222 - ربّ رام من بنى ثعل

متلج كفّيه فى قتره

على أن أصله مولج فأبدلت الواو تاء ، وأورد ابن جنى فى سر الصناعة شيئا كثيرا من هذا ، ثم قال : «وهذه الألفاظ وإن كانت كثيرة فانه لا يجوز القياس عليها ؛ لقلتها بالإضافة إلى ما لم تقلب فاؤه تاء ، فأما ما تقيس عليه لكثرته فهو افتعل وما تصرف منه إذا كانت فاؤه واوا ، نحو اتّزن واتّلج واتّصف ، والأصل اوتزن ، واوتلج واوتصف وجميع ما ذكره ابن جنى أخذه من كتاب الإبدال لابن السكيت ، ولم يورد الزجاجى شيئا من هذا


1) السليط : الزيت

والبيت مطلع قصيدة لامرىء القيس ، وجواب ربّ فى بيت بعده ، وهو :

قد أتته الوحش واردة

فتنحّى النّزع فى يسره

فرماها فى فرائصها

بإزاء الحوض أو عقره

برهيش من كنانته

كتلظّى الجمر فى شرره

راشه من ريش ناهضة

ثمّ أمهاه على حجره

فهو لا تنمى رميّته

ماله لا عدّ من نفره

مطعم للصّيد ليس له

غيرها كسب على كبره

قوله «رب رام الخ» ثعل - بضم المثلثة وفتح المهملة - : هو أبو قبيلة من طى هم أرمى العرب ، ويضرب المثل بهم فى جودة الرمى ؛ وهو ثعل بن عمرو بن الغوث بن طى ، وهو غير منصرف للعلمية والعدل ، وجره هنا للضرورة ، و «متلج» بالجر صفة ثانية لرام ، وقتر - بضم القاف وفتح المثناة الفوقية - : جمع قترة - بضم فسكون - وهى حفيرة يكمن فيها الصياد لئلا يراه الصيد فينفر ، وإنما أدخل كفيه فى قتره لئلا يعلم به الوحش فيهرب ، وصفه بحذق الرمى ، وروى فى ستره : جمع سترة ، وهو الموضع الذى يستتر فيه ، وقيل هو الكمّ ، وهو سترة اليد والذراع ، وأراد بقوله «ربّ رام» عمرو بن المسبّح بن كعب بن طريف بن عبد بن عصر بن غنم بن حارثة بن ثوب بن معن بن عتود بن عنين بن سلامان ابن ثعل ، والمسبّح بوزن اسم الفاعل من التسبيح ، وابنه عمرو صحابى ، قال صاحب الاستيعاب : «قال الطبرى عاش عمرو بن المسبح مائة وخمسين ، ثم أدرك النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ووفد إليه وأسلم ، قال : وكان أرمى العرب ، وله يقول امرؤ القيس

ربّ رام من بنى ثعل

وقال فيه أيضا :

يحاذرن عمرا صاحب القترات» انتهى

وكذا قال أبو حاتم فى كتاب المعمّرين ، وقال : «إنه مات فى زمن عثمان ابن عفان رضى الله عنه ، وهو القائل :

لقد عمّرت حتّى شفّ عمرى

على عمر ابن عكوة وابن وهب

وعمر الحنظلىّ وعمر سيف

وعمر ابن الوداة قريع كعب»

انتهى.

وقال ابن المستوفى فى شرح أبيات المفصل : «قدم على النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم - وهو يومئذ ابن مائة وخمسين سنة - فسأله عن الصيد ، فقال : كل ما أصميت ودع ما أنميت ، وله يقول الشاعر : [من الكامل]

نعب الغراب وليته لم ينعب

بالبين من سلمى وأمّ الحوشب

ليت الغراب رمى حماطة قلبه

عمرو بأسهمه الّتى لم تلغب»

انتهى.

وقوله «قد أتته الخ» هذا جواب ربّ ، وتنحّى : اعترض ، وروى «فتمتّى» أى مدّ ونزع القوس ، وقيل : التمتى فى نزع القوس مدّ الصلب ، واليسر : حيال الوجه والشّزر يمنة ويسرة ، وقالوا : إنما هو اليسر فحركه بالفتح ، يقال : حرّف لها السهم حيال وجهه ، وقال بعضهم من يسره : أراد يسرى يديه ،

وقوله «فرماها» الخ» الفريصة : لحمة فى الإبط ، وإزاء الحوض - بكسر الهمزة - : مصب الماء فيه ، والعقر - بضمتين - : مقام الشاربة من الحوض ، والرهيش : السهم الخفيف ، والكنانة : الجعبة ، وشبه السهم بالجمر فى التهابه ، والناهضة : العقاب وأمهاه : سنّه وحدده ، وأراد بالحجر المسنّ ، وقوله «فهو لا تنمى» في المصباح نمى الصيد ينمى من باب وفى : غاب عنك ، ومات بحيث لا تراه ، ويتعدى

بالألف ؛ فيقال : أنميته ، وفى الحديث : كل ما أصميت ودع ما أنميت رأى لا تأكل مامات بحيث لم تره ؛ لأنك لا تدرى هل مات بسهمك وكلبك أو بغير ذلك ، وصمى الصيد - من باب رمى - : مات وأنت تراه ، ويتعدى بالألف فيقال : أصميته ، إذا قتلته بين يديك وأنت تراه ، والبيت يروى بالوجهين لا تنمى - بالبناء للمفعول - من أنماه : ولا تنمى - من نمى الصيد ، بإسناد الفعل إلى الرّميّة ، وقوله «ماله» استفهام تعجبى ، وجملة «لا عد من نفره» دعاء عليه ، والمراد مدحه كقولهم فى المدح : قاتله الله ما أشعره ، وأراد بالنفر قومه ، والضمير للرامى : أى لا كان معدودا فى قومه ، بأن عدموه وفقدوه ، وهذا تأكيد لمعنى التعجب فى «ماله» وقوله «مطعم» هو اسم مفعول من أطعم ، يريد أن وجه كسبه من الصيد فهو يرزق منه.


وأنشد بعده - وهو الشاهد الثالث والعشرون بعد المائتين - : [من الرجز]

223 - يا قاتل الله بنى السّعلات

عمرو بن يربوع شرار النّات

غير أعفّاء ولا كيات

على أن الأصل شرار الناس ، ولا أكياس ، فأبدلت السين فيهما تاء كما فعل بست ، وأصلها سدس بدليل قولهم التسديس وسديسة ؛ فقلبوا السين تاء فصارت سدت ، فتقارب مع الدال فى المخرج ، فأبدلت الدال تاء فأدغمت فيها ، وقالوا أيضا فى طسّ طست ، وفى حسيس (1)حتيت ؛ هذا ما ذكره ابن جنى فى سر الصناعة ولم يزد على هذه الأربعة ، وزاد عليها ابن السكيت فى كتاب الإبدال عن الأصمعى : «يقال : هو على سوسه وتوسه : أى خليقته ، ويقال :


1) الحسيس : الصوت الخفى قال تعالى : (لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ)

رجل خفيسا وخفيتأ ؛ إذا كان ضخم البطن إلى القصر».

وزاد الزجّاجىّ : الأماليس والأماليت ؛ لما استوى من الأرض ، ونصيب خسيس وختيت ، ومنه أخسّ حقه وأختّه : أى قلّله ، وهو شديد الخساسة والختاتة.

وهذه الأبيات الثلاثة أوردها أبو زيد فى موضعين من نوادره ونسبها فى الموضع الأول إلى قائلها ، وهو علياء بن أرقم اليشكرى ، وهو شاعر جاهلى ، وكذا نسبها إليه الأسود أبو محمد الأعرابى ، وقال فى ضالة الأديب وهى أمالى أملاها على نوادر ابن الأعرابى : هى ثلاثة أبيات لا غير ، وأنشدها الجوهرى فى مادة (س ى ن) من الصحاح ، ونسبها ابن برى فى أماليه عليه لعلياء أيضا ، وقال أبو زيد فى الموضع الثانى : «قال المفصل : بلغنى أن عمرو بن يربوع بن حنظلة تزوج السّعلاة فقال له أهلها : إنك تجد بها خير امرأة ما لم تر برقا ؛ فستر بيتك إذا خفت ذلك ، فمكثت عنده حتى ولدت له بنين ؛ فأبصرت ذات يوم برقا فقالت : [من الرجز]

إلزم بنيك عمرو إنّى آبق

برق على أرض السّعالى آلق

فقال عمرو : [من الوافر]

ألا لله ضيفك يا أماما

رأى برقا فأوضع فوق بكر

فلا بك ما أسال وما غاما

وقال الشاعر فى عمرو هذا :

يا قاتل الله بنى السّعلاة

إلى آخر الأبيات الثلاثة» انتهى.

وقوله «يا قاتل الله الخ» المنادى محذوف تقديره يا قوم ، أو أنها للتنبيه ، ولا حذف ، وجملة «قاتل الله الخ» دعاء عليهم بالهلاك لعدم عفتهم ، وعدم كياستهم ، وروى «يا قبّح الله» يقال : قبحه الله يقبحه - بفتح العين فيهما - قبحا : أى نحاه عن الخير ، وفى التنزيل : (هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ) أى : المبعدين عن الفوز ،

والسّعلاة بالكسر ، وهى أنثى الغول ، وقيل : ساحرة الجن

اشتهر فى العرب أن عمرو بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة ابن تميم تزوج سعلاة فأقامت دهرا فى بنى تميم وأولدها عمرو أولادا ، وكان عمرو إذا رأى برقا أسبل عليها الستور فغفل عنها يوما وقد لاح برق من ناحية بلاد السّعالى فحنت إلى أهلها فقعدت على بكر من الإبل وذهبت فكان ذاك آخر عهده بها ، واشتهر أولادها من عمرو ببنى السّعلاة

قال ابن دريد فى كتاب الاشتقاق : عسل بن عمرو بن يربوع وضمضم أبناء عمرو بن يربوع من السعلاة ، وجاء الاسلام وهم : يمانية فاختطوا خطّة بالبصرة ، ومنهم ربيعة بن عسل ، ولاه معاوية رضى الله عنه هراة

وقوله «عمرو بن يربوع» بالجر بدل من السّعلاة ، ولم يصب بعض أفاضل العجم فى شرح أبيات المفصل فى قوله : «عمرو بدل من بنى السّعلاة ، أو نصب على الذم ، وشرار النات : صفة عمرو ؛ لأنه قبيلة هنا ، جعل أمهم سعلاة لقبحها ، وقيل : تزوج عمرو بن يربوع سعلاة وولدت له أولادا ، ثم تناسل الأولاد فصار عمرو بن يربوع اسم القبيلة» هذا كلامه مع عجره وبجره (1)

وروى فى بعض نسخ الشرح وغيره عمرو بن مسعود ، وهو غير صحيح ، و «شرار» بالجر صفة لبنى ، وهو جمع شرير ككرام جمع كريم ، و «غير» بالجر أيضا صفة أخرى لبنى ، وأعفاء : جمع عفيف من العفة وهى هيئة للقوة الشهوية متوسطة بين الفجور الذى هو إفراط هذه القوة والجمود الذى هو تفريطها ، وأكياس : جمع كيّس بالتشديد كأجياد جمع جيّد ، مأخوذ من الكيس - كفلس - وهو الظّرف والفطنة ، وقال ابن الأعرابى : هو العقل ، وقولها «الزم بنيك عمرو» هو منادى وآبق : هارب ، وآلق : لامع ، وقوله «ألا لله ضيفك يا أماما» قال أبو زيد : «لم نسمع بقافيته ، ويروى :


1) العجر والبجر : العيوبه

ألا لله ضيفك

والضّيف : الناحية والمحلة ، وكذلك ضيف الوادى ناحيته ومحلته ، وقوله «فلا بك ما أسال» أى : فلا بك ما وافقت سيلانه وإغامته ، وأراد الغيم الذى رأت فيه البرق» انتهى كلامه.

يريد أن «ضيفك» روى بفتح الضاد وكسرها ، وقوله «فلا بك» أورده ابن جنى فى موضعين من سر الصناعة على أن الباء فيه للقسم ، وقال السخاوى فى سفر السعادة : ذكّر «رأى ، وأوضع» وهو يريد السعلاة ؛ لأنه ذهب إلى معنى الحبيب والخليل ؛ فيكون فى قوله «فلا بك» التفات من الغيبة إلى خطابها ، وأوضع : متعدى وضع البعير وغيره : أى أسرع فى سيره ، وأوضعه راكبه : أى جعله واضعا : أى مسرعا ، والبكر - بفتح الموحدة - الفتىّ من الإبل ، وجملة «ما أسال الخ» جواب القسم.


وأنشد بعده - وهو الشاهد الرابع والعشرون بعد المائتين - : [من الرجز]

224 - صفقة ذى ذعالت سمول

بيع امرىء ليس بمستقيل

على أن الذعالت أصله الذعالب ، فأبدلت الموحدة مثناة فوقية.

قال ابن جنى فى سر الصناعة : «قال أعرابى من بنى عوف بن سعد : صفقة ذى ذعالت سمول الخ ؛ وهو يريد ذعالب ، فينبغى أن يكونا لغتين ، وغير بعيد أن تبدل التاء من الباء ، وقد أبدلت من الواو وهى شريكة الباء فى الشفة ، والوجه أن تكون التاء بدلا من الباء ؛ لأن الباء أكثر استعمالا ، ولما ذكرناه أيضا من إبدالهم التاء من الواو» انتهى كلامه.

ولم يذكر ابن السكيت شيئا من هذا فى كتاب الابدال ، ولا الزجاجى.

و «صفقة» منصوبة بخط ابن جنى على أنه مفعول مطلق ، يقال : صفقت له

بالبيعة صفقا : أى ضربت بيدى على يده ، وكانت العرب إذا وجب البيع ضرب أحدهما على يد صاحبه ، ثم استعملت الصفقة فى العقد ؛ فقيل بارك الله لك فى صفقة يمينك ، قال الأزهرى : وتكون الصفقة للبائع والمشترى ، و «الذعالب» بالذال المعجمة قطع الخرق ، وقد فسرها الشارح ، و «سمول» بضم السين المهملة والميم ، جمع سمل - بفتحتين - : الثوب الخلق المقطع ، و «بيع» مفعول مطلق ، و «مستقيل» من استقاله البيع : أى طلب فسخه


وأنشد الجاربردى هنا - وهو الشاهد الخامس والعشرون بعد المائتين - [من الرجز]

225 - منسرحا عنه ذعاليب الحرق

على أن صاحب الصحاح أنشده وقال : الذعاليب : قطع الخرق ، واحدها ذعلوب.

والبيت من أرجوزة طويلة لرؤبة بن العجاج تزيد على مائتى بيت ، شبه ناقته فى الجلادة وقطع الفيافى بسرعة بحمار الوحش وأتنه ، وقبله :

أحقب كالمحلج من طول القلق

كأنّه إذراح مسلوس الشّمق

نشّر عنه أو أسير قد عتق

منسرحا عنه ذعاليب الحرق

والأحقب : حمار الوحش ، والأنثى حقباء ، والمحلج : آلة الحلج ، وهو تخليص الحبّ من القطن ، وقال الأصمعى فى شرحه : شبههه بالمحلج لصلابته ، وينبغى أن يقال : لكثرة حركته واضطرابه ، ومن طول القلق : وجه الشبه ، وهو كناية عن عدم سكونه ، والقلق : الاضطراب ، وراح : نقيض غدا ، يقال : سرحت الماشية بالغداة ، وراحت بالعشى : أى رجعت ، والعامل فى «إذ» ما فى كأنّ من معنى التشبيه ، يصف رجوعه إلى مأواه «ومسلوس» خبر كأنه ، وهو من السّلاس - بالضم - وهو ذهاب العقل ، والشّمق : النشاط ، وقيل :

مرح الجنون ، ونشّر - بالبناء للمجهول بالتخفيف والتشديد - : أى رقى وعوّذ ، كما نشر عن المسحور فبرأ ، والنشرة - بالضم - : الرقية والعوذة ، وعتق : خلص من الأسر ، يقول : كأن هذا الحمار الذى شبه ناقته به كالّامن كثرة حركته فحين أراد الرجوع إلى مأواه نشط شوقا إليه فكأنه مجنون نشاط ، أو أسير صادف غرّة فتفلت من أسره ، فهرب أشد الهرب ، والمنسرح : الخارج من ثيابه ، وهو حال من ضمير راح سببية ، وذعاليب : فاعلها ، وضمير عنه للأحقب ، وهذا تمثيل ؛ يريد أن هذا الحمار تساقط عنه وبره وشعره وهذا مما ينشّطه ، والرواية فى ديوانه :

منسرحا إلّا ذعاليب الحرق

يعنى أنه انسرح من وبره إلا بقايا بقيت عليه ، والحرق - بالحاء والراء المهملتين المفتوحتين - : تحاتّ الوبر ، من قولهم : حرق شعره - من باب فرح - : أى تقطع ونسل ، وضبطه بعضهم بكسر الخاء المعجمة وفتح الراء ، وليس له وجه هنا وإنما جعله كذلك اتباعا لما شرحوا به الذعاليب.

وقد شرحنا منها أبياتا كثيرة فى الشاهد الخامس ، وفى الشاهد الواحد والثلاثين بعد الثمانمائة ، من شرح شواهد شرح الكافية.


وأنشد أيضا بعده - وهو الشاهد السادس والعشرون بعد المائتين - : [من البسيط]

226 - وقد أكون على الحاجات ذا لبث

وأحوذيّا إذا انضمّ الذّعاليب

وقد شرحه وأغنانا عن شرحه (1)


1) البيت لجرير ، واللبث : المكث ، والأحوذى : الخفيف فى العمل لحذقه والذعاليب : أطراف الثياب ، واحدها ذعلوب ، وإذا انضمت أطراف الثياب كان ذلك أعون على النشاط

وأنشد الشارح - وهو الشاهد السابع والعشرون بعد المائتين - : [من الكامل]

227 - فتركن نهدا عيّلا أبناؤها

وبنى كنانة كالّلصوت المرّد

على أن أصله كاللصوص ؛ فأبدلت الصاد تاء

قال ابن السكيت فى كتاب الإبدال : «قال الفراء : وطيىء يسمون اللّصوص اللصوت ، ويسمون اللص لصتا ، وهم الذين يقولون للطّسّ طست ، وأنشد لرجل من طى :

فتركن نهدا البيت»

وقال أيضا فى كتاب المذكر والمؤنث : «وبعض أهل اليمن يقول : الطّست ، كما قالوا فى اللص : لصت»

ونسب الصاغانى فى العباب هذا البيت إلى عبد الأسود بن عامر بن جوين الطائى

قال ابن الحاجب فى أماليه على المفصل : «معناه أن هؤلاء تركوا هذه القبيلة أبناؤها فقراء ؛ لأنهم قتلوا آباءهم ، وبنى كنانة كذلك ، وانضم إلى ذلك أنهم بقوا من شدة الفقر لصوصا مردة» انتهى.

ونهد : أبو قبيلة : من اليمن ، وهو نهد بن زيد بن ليث بن سود بن قضاعة ، ووقع فى موضعين من جمهرة بن دريد «فتركن جرما» بفتح الجيم ، وجرم بطنان فى العرب : أحدهما فى قضاعة ، وهو جرم بن زبّان ، والآخر فى طى ، وعيّل : جمع عائل ، كركّع جمع راكع ، من عال يعيل عيلة ، إذا افتقر فهو عائل ، وأبناؤها : فاعل عيّل ، ومرّد : جمع مارد ، من مرد يمرد - من باب قتل - إذا عتا وخبث ، ورواه ابن جنى فى سر الصناعة «فتركت» بضمير المتكلم

وعامر بن جوين : شاعر فارس جاهلى ، وابنه مثله جاهلى

وأنشد بعده - وهو الشاهد الثامن والعشرون بعد المائتين - : [من الطويل]

228 - فهيّاك والأمر الّذى إن توسّعت

موارده ضاقت عليك المصادر

على أن أصله «إياك» فأبدلت الهمزة هاء

وهذا الفصل كله من سر صناعة الإعراب لابن جنى ، وأطال الكلام فى أمثلته إن شئت راجع باب الهاء منه

والبيت أنشده أبو تمام فى باب الأدب من الحماسة بحذف الفاء على أنه مخروم مع بيت ثان ، وهو :

فما حسن أن يعذر المرء نفسه

وليس له من سائر النّاس عاذر

ونسبهما إلى مضرّس بن ربعىّ الفقعسى ، وإياك : منصوب على التحذير ، والأمر : معطوف عليه ، وعاملهما محذوف ، تقديره : إياك باعد من الأمر ، والأمر منك ، والمورد : المدخل ، والمصدر : المصرف ، وعذرته فيما صنع عذرا - من باب ضرب - : رفعت عنه اللوم ، والاسم العذر - بالضم - وجملة «وليس له» حال من المرء

ومضرّس : شاعر جاهلىّ قد ترجمناه فى الشاهد الرابع والثلاثين بعد الثلاثمائة من شواهد شرح الكافية

وأورده أبو تمام فى كتاب مختار أشعار القبائل لطفيل الغنوىّ الجاهلى من جملة أبيات كذا :

«فمالئ كرام القوم وانم إلى العلى

ودع من غوى لا يجدين لك طائره

ولا تك من أخدان كلّ يراعة

خريع كسقب الباز جوف مكاسره

وإيّاك والأمر الّذى إن تراحبت

موارده ضاقت عليك مصادره

ولا تمنعنّ الدّهر ماء عمرته

وإن كان أولى النّاس بالماء عامره

وإن قيل قول سيّىء فى مقامة

فلاتك مولى قول سوء تبادره»

انتهى.

وأنشد بعده - وهو الشاهد التاسع والعشرون بعد المائتين - : [من الكامل]

229 - وأتت صواحبها فقلن هذا الّذى

منح المودّة غيرنا وجفانا

على أن أصله أذا الذى ؛ فأبدلت همزة الاستفهام هاء

قال ابن جنى فى المحتسب : «لا يريد هذا الذى ، بل يريد أذا الذى ، ثم أبدل همزة الاستفهام هاء ، وقد يجوز مع هذا أن يكون أراد هذا الذى مخبرا ، ثم حذف الألف» انتهى.

فيكون حذفت الألف من هاء التنبيه المركبة مع ذا الإشارية ، ويكون الكلام خبرا لا إنشاء

والبيت مشهور : أنشده الجوهرى فى آخر الصحاح ، وأنشده ابن جنى فى سر الصناعة عن الأخفش ، والزمخشرى فى المفصل ، وغيرهم ، وقائله مجهول ، ويشبه أن يكون من شعر عمر بن أبى ربيعة المخزومى ؛ فإن فى غالب شعره أن النساء يتعشقنه ، وروى «وأتى صواحبها» فاعل جمع صاحبة ، وزعم الجاربردى أنه مفعول ، والفاعل ضمير ، ويرده رواية «وأتت صواحبها»

وروى الأزهرى فى التهذيب عجزه كذا :

رام القطيعة بعدنا وجفانا

والقطيعة : الهجر ، ومنح : بمعنى أعطى ، والله سبحانه أعلم بقائله :


وأنشد الجاربردى - وهو الشاهد الثلاثون بعد المائتين ، وهو من شواهد سيبويه - : [من الطويل]

230 - بحيّهلا يزجون كلّ مطيّة

أمام المطايا سيرها المتقاذف

على أن حيّهلا جاء بالألف كما فى البيت ، وهو مركب من حىّ ومن هلا ، كتركيب خمسة عشر ، وهو محكىّ أريد لفظه بدون تنوين

قال الأعلم فى شرح أبيات سيبويه : «الشاهد فى قوله «بحيّهلا» فتركه على لفظه محكيا ، يقول : لعجلتهم يسوقون المطايا بقولهم : حيّهلا ، ومعناه الأمر بالعجلة ، على أنها متقدمة فى السير متقاذفة عليه : أى مترامية ، وجعل التقاذف للسير اتساعا ومجازا» انتهى.

والإزجاء - بالزاى والجيم - : السوق ، والمطية : الدابة ، وأمام - بالفتح - قال ابن الحاجب فى أماليه : «يريد أنهم مسرعون فى السير يسوقون بهذا الصوت لتسرع فى سيرها ، وقال : أمام المطايا ؛ لأنه إذا سبقت الأولى تبعها ما بعدها ، بخلاف سوق الأواخر ، وقال : سيرها المتقاذف ؛ يعنى أنهم يسوقونها مع كون سيرها متقاذفا ، والتقاذف : الترامى فى السير ، وإذا سيق المتقاذف كان سيره أبلغ مما كان عليه ، وأمام المطايا : فى موضع وصف لمطية ، وسيرها المتقاذف : جملة ابتدائية صفة لمطية ، والجار والمجرور متعلق بيزجون» انتهى.

والأجود أن يكون سيرها فاعل الظرف ؛ لاعتماده على الموصوف ، والمتقاذف صفة لسيرها ، ويجوز ما قاله الجاربردى (1)

وقد شرحناه بأكثر من هذا فى الشاهد الثالث والستين بعد الأربعمائة من شواهد شرح الكافية

وأما «حيهلا» فى الحديث فقد قال ابن الأثير فى النهاية : «من حديث ابن


1) ذكر الجاربردى أن «سيرها» مبتدأ ، و «المتقاذف» صفته و «أمام المطايا» متعلق بمحذوف خبر ، والجملة صفة لمطية

مسعود (إذا ذكر الصّالحون فحيّهلا بعمر) أى : أقبل به وأسرع ، وهى كلمتان جعلتا كلمة واحدة ، فحىّ : بمعنى أقبل ، وهلا : بمعنى أسرع ، وقيل : بمعنى اسكن عند ذكره حتى تنقضى فضائله» انتهى.


وأنشد بعده - وهو الشاهد الواحد والثلاثون بعد المائتين - : [من مشطور الرجز]

231 - قد وردت من أمكنه

من هاهنا ومن هنه

إن لم أروّها فمه

على أن الأولى أن تكون الهاء فى مه بدلا من الألف ، وأن تكون دعامة لما الاستفهامية بعد حذف ألفها بدون جارّ على قلة ، وهذا الوجه الثانى لم أره لأحد غيره ، ولم يقل أحد إن «ما» الاستفهامية تحذف ألفها بلا جار ، نعم قالوا : إن ألفها تثبت مع الجار ، وخرّجوا على هذا آيات ، وأما الوجه الأول فهو المعروف ،

وذكره ابن جنى فى شرح تصريف المازنى وفى المحتسب ، وفى سر الصناعة ، قال فى المحتسب بعد إنشاد الأبيات : «يريد إن لم أروّها فما أصنع؟ أو فما مغناى؟ أو فما مقدارى؟ فحذف الألف وألحق الهاء لبيان الحركة» انتهى.

وقال فى سر الصناعة : «أخبرنا بهذه الأبيات بعض أصحابنا يرفعه بإسناده إلى قطرب ، ويريد بقوله : من هنه ، من هنا ، فأبدل الألف فى الوقف هاء ، فأما قوله : فمه ؛ فالهاء فيه يحتمل تأولين : أحدهما أنه أراد فما : أى إن لم أروّ هذه الإبل الواردة من هنا ومن هنا ، فما أصنع؟ منكرا على نفسه أن لا يرويها ، فحذف الفعل الناصب لما التى فى معنى الاستفهام ، والوجه الآخر أن يكون أراد إن لم أروّها فمه : أى فاكفف عنى فلست بشىء ينتفع به ، وكأن التفسير الأول أقوى فى نفسى» انتهى.

وقوله «قد وردت» أى : الإبل ، والورود : الوصول إلى الماء من غير دخول

فيه ، وقد يكون دخولا ، وأمكنه : جمع مكان ، ومن هاهنا - إلى آخره : بدل من أمكنه ، وروى «إن لم تروّها بالخطاب»


وأنشد بعده : [من الرجز]

لمّا رأى أن لا دعه ولا شبع

مال إلى أرطاة حقف فالطجع

على أن أصله اضطجع ، فأبدلت الضاد لاما ، قال ابن جنى فى المحتسب : «إن قيل : قد أحطنا علما بأن أصل هذا الحرف اضتجع ، افتعل من الضّجعة ، فلما جاءت الضاد قبل تاء افتعل أبدلت لها التاء طاء فهلا لما زالت الضاد فصارت بإبدالها إلى اللام ردّت التاء فقيل : التجع كما تقول : التجم والتجأ؟ قلنا : هذا إبدال عرض للضاد فى بعض اللغات. فلما كان أمرا عارضا أقرّوا الطاء بحالها إيذانا بقلة الحفل بما عرض من البدل ، ودلالة على الأصل المعتمد ، وله غير نظير ، ألا ترى إلى قوله وكحّل العينين بالعواور وكيف صحّح الواو الثانية وإن كان قبلها الواو الأولى وبينهما ألف ، وقد جاورت الثانية الطرف ، ولم يقلبها كما قلبها فى أوائل ، وأصلها أو اول ؛ لما ذكرنا؟ إذ كان الأصل العواوير ، وإنما حذفت الياء تخفيفا وهى مرادة ، فجعل تصحيح الواو دليلا على إرادة الياء ، وقد حكى إدغام الضاد فى الطاء فى قولهم فى اضطجع : اطّجع ، ومنه قراءة ابن محيصن (ثمّ أطّرّه) هذه لغة مرذولة ؛ لما فيها من الامتداد والفشو ، وأنها من الحروف الخمسة التى يدغم فيها ما يجاورها ، ولا تدغم هى فيما يجاورها ، وهى : الشين ، والضاد ، والراء ، والفاء ، والميم ؛ ويجمعها قولهم : ضمّ شفر ، ويروى «فاضطجع» وهو الأكثر والأقيس

وقد تقدم شرح هذا الرجز فى الشاهد الثالث والثلاثين بعد المائة من هذا الكتاب


وأنشد الجاربردى هنا - وهو الشاهد الثانى والثلاثون بعد المائتين - : [من البسيط]

232 - وقفت فيها أصيلا لا أسائلها

أعيت جوابا وما بالرّبع من أحد

على أن أصله أصيلان ، فأبدلت النون لاما ، وأصيلان : مصغر جمع أصيل والبيت من قصيدة للنابغة الذبيانى ، وقبله وهو مطلع القصيدة :

يا دار ميّة بالعلياء فالسّند

أقوت وطال عليها سالف الأبد

والمطلع شرحناه فى الشاهد التاسع والثمانين بعد الثمانمائة ، وشرحنا الثانى فى الشاهد الثانى والسبعين بعد المائتين ، وقد ذكرنا سبب القصيدة مع شرح أبيات من أولها فى الشاهد السابع والأربعين بعد المائتين من شواهد شرح الكافية ، وقد شرحت هذه القصيدة جميعها فى مواضع متعددة هناك


وأنشد بعده - وهو الشاهد الثالث والثلاثون بعد المائتين - : [من الوافر]

233 - فقلت لصاحبى لا تحبسانا

بنزع أصوله واجدزّ شيحا

على أن أصله اجتزّ ، فقلبت تاء الافتعال دالا

والبيت من أبيات للمضرّس بن ربعىّ الفقعسىّ الأسدىّ ، وهى

وضيف جاءنا واللّيل داج

وريح القرّ تحفز منه روحا

فطرت بمنصلى فى يعملات

خفاف الوطء يخبطن السّريحا

فعضّ بساق دوسرة عليها

عتيق النّىّ لم تحفز لقوحا

وقلت لصاحبى لا تحبسنّى

بنزع أصوله واجدزّ شيحا

فلمّا أن تعجّلنا شواء

قليل النّضج لكن قد أليحا

خلطت لهم مدامة أذرعات

بماء سحابة خضلا نضوحا

(ق 2 - 31)

وفتيان شويت لهم شواء

سريع الشّىّ كنت به نجيحا

قوله «وضيف - الخ» الواو واو رب ، وجملة «جاءنا» صفة مجرورها ، وجملة «والليل داج» أى : مظلم ؛ حال ، وكذلك جملة «وريح القر - الخ» والقر - بالضم - : البرد ، وتحفز - بالحاء المهملة والفاء والزاى - : تدفع ، كأنه لضعفه تدفع روحه ريح القر وتنازعها ، وجواب ربّ محذوف : أى تلقّيته بإكرام ، وجملة «فطرت» : أى أسرعت ؛ معطوفة على الجواب المحذوف ، والمنصل - بضم الميم والصاد المهملة - : السيف ، واليعملة : الناقة القوية على العمل ، وخفاف : جمع خفيفة ، وأنشد سيبويه هذا البيت فى موضعين من كتابه كذا :

دوامى الأيد يخبطن السّريحا

على أن الشاعر حذف الياء من الأيدى لضرورة الشعر ، والسريح : سيور نعال الإبل ، ويخبطن السريح : يطأن بأخفافهن الأرض ، وفى الأخفاف السريح ، والدوامى : التى قد دميت من شدة السير ووطئها على الحجارة ، وقيل : السريح خرق تلفّ بها أيدى الجمال إذا دميت وأصابها وجع ، وقوله «بمنصلى» فى موضع الحال من التاء : أى أسرعت ومعى سيفى ، وأقبلت على اليعملات فعرقبت ناقة منها وأطعمت لحمها لضيفى ، يريد أنه نحر لضيفه راحلة من رواحله وهو مسافر ، وقوله «فعضّ» فاعله ضمير المنصل ، والدّوسرة : الناقة الضخمة ، والجمل دوسر ، وجملة «عليها عتيق النّىّ» صفة لدوسرة ، والنّىّ - بفتح النون - : الشحم ، والعتيق : القديم ، يريد أنها سمينة ، وفاعل تحفز ضمير الدّوسرة ، ولقوحا : حال ، واللّقوح : الحلوب : أى لم تكن الدوسرة قريبة العهد بالنّتاج فتكون ضعيفة ، وقوله «وقلت لصاحبى» أراد بالصاحب من يحتطب له ، بدليل رواية «وقلت لحاطبى» وقوله «لا تحبسانا» يأتى توجيهه ، وروى «لا تحبسنّى» وهذا ظاهر ، وقوله «بنزع أصوله» الباء سببية ، وروى بدل الباء باللام التعليلية ، والضمير فى

«أصوله» راجع إلى الحطب المفهوم من حاطبي ، والجز : القطع ، وأصله فى الصوف ، يقول : لا تقلع أصول الحطب وعروقه واكتف بقطع الشّيح فهو أسهل وأسرع ، وأليح : من قولهم : ألحت الشىء بالنار - ولوّحته : أى أحميته بها ، والمدامة : الخمر ، وأجودها عندهم خمر أذرعات ، وهى قرية بالشام ، والخضل : الشىء الرّطب ، وأراد مزجها بالماء ، والنّضح : الشرب دون الرى ، والنضوح من قولهم : نضح عطشه ينضحه : أى أزاله ، وضمير «كنت به» للشى : أى كنت بشيى لهم ، ويجوز أن يريد كنت بعملى ؛ لأن الذى ذكره عمل ، والنجيح : المنجح.

وما ذكرناه من الشعر وقائله رواية الخالديّين ، ونسب الجوهرى البيت الشاهد ليزيد بن الطثرية ، ورواه كذا عن الكسائى فى مادة (ج ز ز) :

فقلت لصاحبى لا تحبسانا

بنزع أصوله واجتزّ شيحا

قال : ويروى «وأجدزّ شيحا» وقوله «لا تحبسانا» فإن العرب ربما خاطبت الواحد بلفظ الاثنين ، كما قال الراجز : [من الطويل]

فإن تزجرانى يا ابن عفّان أنزجر

وإن تدعانى أحم عرصا ممنّعا»

انتهى.

قال ياقوت فيما كتبه على الصحاح : «هذا البيت الذى عزاه إلى يزيد ابن الطثرية وجدته لمضرّس بن ربعىّ الفقعسى ، وعوض صاحبى «فقلت لحاطبى» قرأت بخط الخلال أبى الغنائم ، وذكر أنه نقله من خط اليزيدى» انتهى.

قلت : ولا ينبغى أن يقول : قال الراجز ، بل يقول : قال الشاعر ؛ لأن البيت الثانى ليس من الرجز.

وقال ابن برى فى أماليه على الصحاح : البيت إنما هو لمضرس ابن ربعى الأسدى ، وليس هو ليزيد كما ذكره عن الكسائى ، وقبله :

وفتيان شويت لهم شواءا

سريع الشّىّ كنت به نجيحا

فطرت بمنصلى فى يعملات

دوامى الأيد يخبطن السّريحا

وقلت لصاحبى لا تحبسنّا

كذا فى شعره ، يقول : لا تحبسنا عن شىّ اللحم بأن تقلع أصول الشجر ، بل خذ ما تيسر من قضبانه وعيدانه وأسرع لنا فى الشىّ ، وقوله «وإن تزجرانى ...

البيت» هو لسويد بن كراع العكلى ، وكان سويد قد هجا به عبد الله بن دارم فاستعدوا عليه سعيد بن عثمان فأراد ضربه ، فقال سويد قصيدة أولها :

تقول ابنة العوفىّ ليلى ألا ترى

إلى ابن كراع لا يزال مقزّعا

مخافة هذين الأميرين سهّدت

رقادى وغشّتنى بياضا مفرّعا

وهذا يدل على أنه خاطب اثنين سعيد بن عثمان ومن ينوب عنه أو من يحضر معه ؛ ثم قال بعد أبيات :

فإن أنتما أحكمتمانى فازجرا

أراهط تؤذينى من النّاس رضّعا

وإن تزجران يا ابن عفّان أنزجر

... البيت

فقوله «فان أنتما أحكمتمانى» دليل على أنه يخاطب اثنين ، وقوله «أحكمتمانى» أى منعتمانى من هجائه ، وأصله من أحكمت الدابة ؛ إذا جعلت فى فيها حكمة اللجام ، وقوله «وإن تدعانى» أى : إن تركتمانى حميت عرضى ممن يؤذينى ، وإن زجرتمانى انزجرت وصبرت ، والرّضّع : جمع راضع ، وهو اللئيم ، هذا آخر كلام ابن برى :


وأنشد بعده : [من الرجز]

لا همّ إن كنت قبلت حجّتج

وتقدم شرحه فى الشاهد السادس بعد المائة


وأنشد بعده - وهو الشاهد الرابع والثلاثون بعد المائتين - : [من الرجز]

234 - كأنّ فى أذنابهنّ الشّوّل

من عبس الصّيف قرون الأجّل

على أن أصله الايّل فأبدلت الياء المشددة جيما للوقف ، كما فى المفصل

قال ابن السكيت فى كتاب الإبدال : «بعض العرب إذا شدّد الياء جعلها جيما ، وأنشد عن ابن الأعرابى

كأنّ فى أذنابهنّ الخ»

انتهى.

ونقله ابن جنى فى سر الصناعة ، ولم يقيداه بالوقف

والبيتان من أرجوزة طويلة لأبى النجم العجلى وصف فيها الإبل لهشام ابن عبد الملك ، أولها :

الحمد لله الوهوب المجزل

والضمير فى «أذنابهن» للإبل ، والشّوّل : جمع شائل بلا هاء ، وهى الناقة التى تشول بذنبها للقاح ، ولا لبن بها أصلا ، وأما الشائلة فجمعها شول - بفتح فسكون - وهى النوق التى جفّت ألبانها وارتفع ضرعها وأتى عليها من نتاجها سبعة أشهر أو ثمانية ، والعبس - بفتحتين - : ما يتعلق فى أذناب الإبل من أبعارها وأبوالها فيجف عليها ، يقال منه : أعبست ، وعبس الوسخ فى يد فلان : أى يبس ، وخص العبس بالصيف لأنه يكون أقوى وأصلب ، فشبهه بقرون الإيّل لأنها أصلب من قرون غيرها ، والأيّل - بضم الهمزة وكسرها - : الذكر من الأوعال ، وأنشد أبو عبيد البكرى فى شرح أمالى القالى قبلهما :

حتّى إذا ما بلن مثل الخردل

وأنشد بعدهما :

ظلّت بنيران الحروب تصطلى

وقال : إذا أكلت اليبس خثرت أبوالهن فتراها تتلزق بأسوقهن كالخطمى

والخردل ؛ فإذا ضربن بأذنابها على أعجازها وهى رطبة من أموالها ثم بركت اجتمع الشّعر وتلصّق وقام قياما كأنه قرون الأيّل.

قال ابن المستوفى : إنما اختص إبدال الجيم من الياء المشددة فى الوقف ؛ لأن الياء تزداد خفاء فى الوقف لسكونها ، فأبدلوا منها حرفا أظهر منها ، وهو الجيم ؛ لقربهما فى المخرج ، واجتماعهما فى الجهر ، ومتى خرج هذا الإبدال عن هذين الشرطين ، وهما الياء المشددة والوقف ، عدوه شاذا.


وأنشد بعده - وهو الشاهد الخامس والثلاثون بعد المائتين - : [من الرجز]

235 - حتّى إذا ما أمسجت وأمسحا

على أن أصله أمسيت وأمسى ، فأبدلت الياء فيهما جيما.

قال ابن جنى فى سر الصناعة : «هذا من أحد ما يدل على ما ندعيه من أن أصل رمت رميت ، ألا ترى أنه لما أبدل الياء من أمسيت جيما ، والجيم حرف صحيح يحتمل الحركات ولا يلحقه الانقلاب الذى يلحق الياء والواو ، صحّحها كما يجب فى الجيم ، فبهذا ونحوه استدل أهل التصريف على أصول الأشياء المغيّرة ، كما استدلوا بقوله عز اسمه : (اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ) أن أصل استقام استقوم ، ولو لا ما ظهر من هذا ونحوه لما أقدموا على القضاء بأصول هذه الأشياء ، أو لما جاز ادعاؤهم إياها» انتهى.

وقال ابن المستوفى : «وأورد الزمخشرى الأجّل ؛ لأن الإبدال فيه وقع حشوا فى كلمة وهو أشد شذوذا من الأول ، وأشد منه بعدا إبدال الجيم من الياء فى أمسجت وأمسجا : أبدلها حشوا وأجرى الوصل مجرى الوقف متوهّما أنها ملفوظ بها ياء ؛ لأن أصل الألف فيها الياء» انتهى.

وقال أحد شراح أبيات الإيضاح للفارسى : قيل : «إن هذا الشطر للعجاج ،

يريد أمست الأتن وأمسى العير ، وقيل : أراد أمست النعامة وأمسى الظليم ، ولم أعرف له صلة فأتبين الصحيح من ذلك» انتهى.

ولم أقف أنا أيضا على تتمة هذا الرجز وقائله بشىء ، والله تعالى أعلم :


باب الإدغام

أنشد الجاربردى فى أوله - وهو الشاهد السادس والثلاثون بعد المائتين - : [من الرجز]

236 - وقبر حرب بمكان قفر

وليس قرب قبر حرب قبر

على أن هذا البيت لثقله بقرب مخارج حروفه لا يكاد يقوله أحد ثلاث مرات.

قال الزمخشرى فى ربيع الأبرار : «يزعمون أن علقمة بن صفوان وحرب بن أمية من قتلى الجن ، قالوا : وقالت الجن :

وقبر حرب بمكان قفر الخ

قالوا : ومن الدليل على أن هذا من شعر الجن أن أحدا لا يقدر أن ينشد ثلاث مرات متصلة من غير تتعتع ويقدر على تكرار أشق بيت من أبيات الانس عشر مرات من غير تتعتع ، والله أعلم» انتهى.

وكذا قال الجاحظ فى كتاب البيان ، وفى شرح تلخيص المفتاح للقونوىّ :

«وفى البيت الاقواء ، وهو من عيوب الشعر ، وإنما قلنا فيه الاقواء ؛ لأن البيت مصرّع ، وكل واحد من المصراعين فيه كبيت كامل» هذا كلامه.

وقال بعضهم : قفر : مرفوع على تقدير : هو قفر ، ويكون من القطع فى النكرة بقلة ، والقفر : المفازة وأرض لا نبات فيها ولا ماء ، وحرب : هو جد معاية بن أبى سفيان رضى الله تعالى عنه.


وأنشد بعده أيضا - وهو الشاهد السابع والثلاثون بعد المائتين - : [من الطويل]

237 - يذكّر نيك الخير والشّرّ والّذى

أخاف وأرجو والّذى أتوقّع

على أن هذا البيت خفيف على اللسان لبعد مخارج حروفه.

والبيت أورده أبو تمام فى الحماسة مع بيت قبله فى باب النسيب ، وهو :

رعاك ضمان الله يا أمّ مالك

ولله أن يشفيك أغنى وأوسع

ووقع مثله فى شعر مسلم بن الوليد ، قال :

وإنّى وإسماعيل يوم وداعه

لكالغمد يوم الرّوع فارقه النّصل

أما والخيالات الممرّات بيننا

وسائل أدّتها المودّة والوصل

لما خنت عهدا من إخاء ولا نأى

بذكرك نأى عن ضميرى ولا شغل

وإنّى فى مالى وأهلى كأنّنى

لنأيك لا مال لدىّ ولا أهل

يذكرنيك الدّين والفضل والحجى

وقيل الخنى والعلم والحلم والجهل

فألقاك فى مذمومها متنزّها

وألقاك فى محمودها ولك الفضل

وأحمد من أخلاقك البخل إنّه

بعرضك لا بالمال حاشا لك البخل

ثناء كعرف الطّيب يهدى لأهله

وليس له إلّا بنى خالد أهل

فإن أغش قوما بعدهم أو أزورهم

فكالوحش يستدنيه للقنص المحل


وأنشد بعده أيضا - وهو الشاهد الثامن والثلاثون بعد المائتين ، وهو من شوهد سيبويه - : [من البسيط]

238 - لا درّ درّى إن أطعمت نازلهم

قرف الحتّى وعندى البرّ مكنوز

لو أنّه جاءنى جوعان مهتلك

من بؤّس النّاس عنه الخير محجوز

على أن بؤّسا فيه الإدغام للهمزتين ، وهو جمع بائس ، وهو الفقير ، والرواية إنما هى «من جوّع الناس عنه الخير محجوز».

والبيتان أول قصيدة لأبى ذؤيب الهذلى ، والأول من شواهد سيبويه ، قال الأعلم : الشاهد رفع مكنوز خبرا عن البر ، على إلغاء الظرف ، ولو نصب على الحال لكان حسنا ، قال السّكّرىّ فى أشعاره : قال أبو نصر : ويقال إنها للمتنخل الهذلى ، وجواب لو بعد أبيات أربعة ، وهو :

لبات أسوة حجّاج وإخوته

فى جهدنا أوله شفّ وتمزيز

قال شارح أشعار الهذليين : كان نزل بقوم فجفى ، وكان قراه عندهم الحتىّ وهو سويق المقل ، والحتى - بالحاء المهملة بعدها المثناة الفوقية على وزن فعيل - والمقل - بالضم - : ثمر الدّوم ، والقرف - بكسر القاف وسكون الراء بعدها فاء - : القشر ، يقول : إن أطعمت نازلهم مثل ما أطعمونى فلا درّ درّى ، وقوله «لو أنه جاءنى جوعان - الخ» ضمير أنه للشأن وجوعان - بفتح الجيم - بمعنى الجائع فاعل جاءنى ، وروى «جوعان مهتلكا» بنصبهما على الحالية ، فتكون الهاء فى «أنه» ضمير نازلهم ، والمحجوز : المحروم والممنوع ، ومن : بيانية ، وعن : متعلقة بمحجوز ، وحجاج : ابن الشاعر ، والجهد - بفتح الجيم وضمها - : القوت ، وأصل معناه الطاقة ، وقيل : الضر الذى قد أصابه ، وأصل معناه المشقة ، والشّف - بالكسر - : الفضل ، وتمزيز : تفضيل من المز - بالكسر - أى : يكون له مزّ على أولادى ، يقال : هذا أمزّ من هذا : أى أفضل ، وكذلك أشفّ ، يقول : لو نزل بى مثل هذا ما قصّرت به ولا أطعمته قشر المقل ، بل بات عندنا أسوة أولادى ، بل كان متميزا عنهم بزيادة الاكرام.


وأنشد الشارح - وهو الشاهد التاسع والثلاثون بعد المائتين ، وهو من شواهد سيبويه - : [من البسيط]

239 - مهلا أعاذل قد جرّبت من خلقى

أنّى أجود لأقوام وإن ضننوا

على أن «ضننوا» شاذ للضرورة ، والقياس ضنّوا بالادغام ، وأنشده سيبويه فى موضعين من كتابه : الأول فى باب ما يحتمل الشعر من أول كتابه ، والثانى فى باب اختلاف العرب فى تحريك الآخر من أواخر كتابه ، قال فيه : «واعلم أن الشعراء إذا اضطروا إلى ما يجتمع أهل الحجاز وغيرهم على إدغامه أجروه على الأصل ، قال قعنب ابن أم صاحب :

*مهلا أعاذل ... البيت»

وقال آخر :

يشكو الوجا من اظلل واظلل» انتهى.

قال ابن خلف : مهلا منصوب بإضمار فعل ، كأنه قال أمهلى يا عاذلتى ولا تبادرى باللوم ، ومهلا : فى موضع إمهالا ، وعاذل : منادى مرخم عاذلة ، أراد يا عاذلة قد جربت من خلقى أنى أجود على من بخل علىّ وأعطى من لا ألتمس منه المكافأة ؛ وإن ضنوا شرط محذوف الجواب ، كأنه قال : وإن ضنوا لم أضنّ ، وصف أنه جواد لا يصرفه العذل عن الجود.

وقعنب بفتح القاف وسكون العين المهملة وفتح النون ، ومعناه فى اللغة الشديد الصلب من كل شىء ، وهو غطفانى.


وأنشد بعده - وهو الشاهد الأربعون بعد المائتين ، وهو من شواهد سيبويه - : [من الرجز]

240 - تشكو الوجى من أظلل وأظلل

على أنه شاذ ضرورة ، والقياس أظلّ بالادغام

قال الأعلم : «الشاهد فيه إظهار التضعيف فى الأظلّ ضرورة ، وهو باطن خف البعير ، والوجى : الحفى ، يعنى أنه حمل عليه فى السير حتى اشتكى خفيه» انتهى

وبعده :

من طول إملال وظهر مملل

وتشكو بالمثناة الفوقية ، وفاعله ضمير الإبل ، والوجى بالجيم ، قال الزجاج :

ملّ عليه السفر وأملّ ، إذا طال عليه ، والمراد بالإملال السفر ، أو أنه من أملّه وأملّ عليه : أى أسامه ، ومملل : شاذ أيضا ، والقياس مملّ ، بالادغام

والبيتان من رجز طويل لأبى النجم العجلىّ وصف فيه الإبل لهشام بن عبد الملك وأوله :

الحمد لله العلىّ الأجلل

وهذا أيضا ضرورة ، والقياس الأجل.


وأنشد بعده - وهو الشاهد الواحد والأربعون بعد المائتين - : [من الطويل]

241 - لها بشر مثل الحرير ومنطق

رخيم الحواشى لا هراء ولا نزر

على أن الرّخيم الصوت الّليّن ، والترخيم : تليين الصّوت

والبيت من قصيدة لذى الرّمّة نسب فيها بميّة محبوبته

وبشرة الإنسان - بالتحريك - : ظاهر بدنه ، والجمع بشر ، ويقال : فلان رقيق البشرة والبشر ، بمعنى واحد ، والمنطق : اسم مصدر بمعنى النطق ، والرخيم :

الناعم اللين ، والهراء - بالضم والمد - قال أبو عبيد فى الغريب المصنف : هو المنطق الفاسد ، ويقال : الكثير ، وأنشد البيت ، والنّزر : القليل ، قال ابن جنى فى المحتسب : «وما أظرف قوله : رخيم الحواشى : أى لا ينتشر حواشيه فتهرأ فيه ، ولا يضيق عما يحتاج من مثلها إليه للسماع والفكاهة ، لكنه على اعتدال» انتهى. ومثله للسيد المرتضى فى أماليه قال : «الهراء الكثير ، فكأنه قال إن حديثها لا يقلّ عن الحاجة ولا يزيد عليها» انتهى. وقال ابن السيرافى «وصفها باعتدال الخلقة والأخلاق»


وأنشد بعده - وهو الشاهد الثانى والأربعون بعد المائتين - : [من البسيط]

242 - واذكر غدانة عدّانا مزنّمة

من الحبلّق تبنى حولها الصّير

على أن عدّانا أصله عتدان ، فأبدلت التاء دالا فأدغم

وهو جمع عتود ، وهو الجذع من المعزى ، وهو مارعى وقوى وأتى عليه حول ، والحبلّق - بفتح الحاء المهملة والباء الموحدة واللام المشددة - : أولاد المعز الصغار الأجسام القصار ، وغدانة - بضم الغين المعجمة - : أبو قبيلة من تميم ، وهو غدانة بن يربوع ، يريد واذكر لغدانة : أى لهذه القبيلة أولاد المعز ؛ فانها رعاة ليس لها ذكر ولا شرف ، والمزنّمة : التى لها زنمة ، والزّنمة - بالتحريك - : شىء يقطع من أذن البعير والمعز فيترك معلّقا ، والضأن لا زنمة لها ، وضمير «حولها» للعدّان ، وتبنى - بالبناء للمفعول - : من البناء ، والصير - بكسر ففتح - : جمع صيرة ، قال الجوهرى : الصيرة حظيرة الغنم ، وجمعها صير مثل سيرة ، وأنشد هذا البيت

وهو من قصيدة طويلة للأخطل النصرانى مدح بها عبد الملك بن مروان وذكر فيها قتل عمير بن الحباب ، وكان قد خرج على عبد الملك ، ويغريه بقتل زفر بن الحارث الكلابى ثم تدرّج لهجو قبائل قيس عيلان لكونهم كانوا مع

ابن الحباب وزفر بن الحارث ، وهذه أبيات منها :

أمّا كليب بن يربوع فليس لهم

عند المكارم لا ورد ولا صدر

مخلّفون ويقضى النّاس أمرهم

وهم بغيب وفى عمياء ما شعروا

ملطّمون بأعقار الحياض فما

ينفكّ من دارمىّ فيهم أثر

الآكلون خبيث الزّاد وحدهم

والسّائلون بظهر الغيب ما الخبر

واذكر غدانة عدّانا مزنّمة

من الحبلّق تبنى حولها الصّير

وما غدانة فى شىء مكانهم

الحابسو الشّاء حتّى تفضل السّؤر

جمع سؤر ، وهو الفضلة

قد أقسم المجد حقّا لا يحالفهم

حتّى يحالف بطن الرّاحة الشّعر


وأنشد بعده - وهو الشاهد الثالث والأربعون بعد المائتين ، وهو من شواهد سيبويه - : [من البسيط]

243 - هو الجواد الّذى يعطيك نائله

عفوا ويظلم أحيانا فيظطلم

على أنه جاء بالأوجه الثلاثة ، وهو ترك الإدغام والإدغام على الوجهين بالظاء والطاء.

وقال ابن جنى فى سر الصناعة : «روى على أربعة أوجه هذه الثلاثة ، والرابعة فينظلم ، وهذه ينفعل»

وأورده سيبويه على الإدغام بالوجهين ، قال الأعلم : «الشاهد فيه قلب الطاء من يظطلم ظاء معجمة ، لما أرادوا إدغام الطاء فيها ، والظاء أصلية ، والطاء مبدلة من تاء الافتعال الزائدة ، فلما أرادوا الإدغام قلبوا الأصلى ليدغم فيه

الزائد ، والأقيس الأكثر فيطّلم - بطاء غير معجمة - لأن حكم الإدغام أن يدغم الأول فى الثانى ، ولا يراعى فيه أصل ولا زيادة ، والبيت يقوله لهرم بن سنان المرى ، ومعنى يظلم يسأل فى حال عسرته ويكلف ما ليس فى وسعه أى : فيظّلم : أى يتحمل ذلك ويتكلفه» ، انتهى.

والبيت من قصيدة لزهير بن أبى سلمى ، مدح بها هرما المذكور ، وأولها :

قف بالدّيار الّتى لم يعفها القدم

بلى وغيّرها الأرواح والدّيم

والنائل : الإحسان ، والعفو : ما كان سهلا من غير مطل ، ومعنى «ويظلم أحيانا - الخ» أنه يطلب منه فى غير وقت الطلب ولا موضعه فيعطى ، جعل السؤال منه فى غير وقت السؤال ظلما ، وجعل إعطاءه ما سئل على تلك الحال وتكلّفه لذلك اظّلاما


وأنشد الجادبردى - وهو الشاهد الرابع والأربعون بعد المائتين ، وهو من شواهد سيبويه - : [من الطويل]

244 - وفى كلّ حىّ قد خبطّ بنعمة

فحقّ لشأس من نداك ذنوب

على أن أصله خبطت ، فقلب وأدغم

قال سيبويه : «وسمعناهم ينشدون هذا البيت لعلمقة بن عبدة

وفى كلّ حىّ قد خبطّ - الخ

وأعرف اللغتين وأجودهما أن لا تقلبها طاء ؛ لأن هذه التاء علامة الإضمار ، وإنما تجىء لمعنى ، وليست تلزم هذه التاء الفعل ، ألا ترى أنك إذا أضمرت غائبا قلت فعل؟ فلم تكن فيه تاء ... إلى آخر ما ذكره»

قال الأعلم : «الشاهد فيه إبدال التاء من خبطت طاء لمجاورتها الطاء ومناسبتها فى الجهر والإطباق ، فأراد أن يكون العمل من وجه واحد ، وأن يكون الحرفان فى الطبع وجهارة الصوت كحرف واحد ، وهذا البدل يطرد فى تاء مفتعل إذا وقعت بعد الطاء ، كقولك مطّلب فى مفتعل من الطّلب ، ولا يطرد فى مثل خبطت ؛ لأن الفعل يكون لغير المخاطب والمتكلم ، فلا تقع التاء فى آخره ، قلم تلزمه لزوم التاء للطاء فى مفتعل ، يقول : هذا للحارث بن أبى شمر الغسّانى ، وكان قد أوقع ببنى تميم وأسر منهم تسعين رجلا فيهم شأس بن عبدة أخو علقمة بن عبدة فوفد عليه علقمة مادحا له وراغبا فى أخيه فلما أنشده القصيدة وانتهى منها إلى هذا البيت قال له الحارث : نعم ، وأذنبة ، والذّنوب : الدّلو ملأى ، فضربت مثلا فى القسمة والحظّ ومعنى خبطت أسديت وأنعمت ، وأصل الخبط ضرب الشجر بالعصا ليتحاتّ ورقها فتعلفه الإبل ، فجعل ذلك مثلا فى العطاء ، وجعل كل طالب معروفا مختبطا ، وكل معط خابطا.

وبعد البيت :

فلا تحرمنّى نائلا عن جنابة

فإنّى امرؤ وسط القباب غريب

والجبابة : الغربة ؛ فخيره الحارث بين الحباء الجزل وإطلاق أسرى بنى تميم ، فقال له علقمة : عرّضتنى لألسن بنى تميم ، دعنى يومى هذا حتى أنظر فى أمرى ، فأتاهم فى السجن ، فعرفهم تخيير الحارث له ، فقالوا له : ويلك! أتدعنا وتنصرف؟ قال : فإن الملك سيكسوكم ويحملكم ويزودكم ، فاذا بلغتم الحى فلى الكسوة والحملان وبقية الزاد إن اخترت إطلاقكم؟ قالوا : نعم ، فدخل من غده على الحارث وعرفه أنه قد اختار إطلاقهم على الحباء ، فأطلقهم وكساهم وحملهم ، فلما انتهوا إلى الحى وفوا لعلقمة بما جعلوا له ، وهذا البيت آخر أبيات كتاب سيبويه» ، انتهى كلام الأعلم.

أقول : القصيدة التى منها البيت الشاهد مذكورة فى المفضليات ، وذكر ابن الأنبارى فى شرحها ما ذكره الأعلم ، والبيت الذى أورده الأعلم ليس بعده ، وإنما هو قبله بأبيات كثيرة ، ومطلع القصيدة :

طحابك قلب فى الحسان طروب

بعيد الشّباب عصر حان مشيب

ويعجبنى منها قوله :

فإن تسألونى بالنّساء فإنّنى

بصير بأدواء النّساء طبيب

إذا شاب رأس المرء أو قلّ ماله

فليس له من ودّهنّ نصيب

يردن ثراء المال حيث علمنه

وشرخ الشّباب عندهنّ عجيب

وعلقمة بن عبدة - بفتح العين والموحدة - : شاعر جاهلى من الفحول ، وكان صديقا لامرىء القيس. وقد ترجمناه فى الشاهد الثانى عشر بعد المائتين من شرح أبيات شرح الكافية.


الحذف

أنشد المصنف فى المتن - وهو الشاهد الخامس والأربعون بعد المائتين - : [من الطويل]

245 - تق الله فينا والكتاب الّذى تتلو

على أن «تق أمر من يتقى بفتح التاء المخففة ، وماضيه تقى ، وأصلهما اتّقى يتّقى بالتشديد على افتعل يفتعل من الوقاية ، والأصل اوتقى يوتقى ، فقلبت الواو فى الأولى ياء لانكسار ما قبلها ، ثم أبدلت تاء وأدغمت وأبدلت فى الثانية تاء ، وأدغمت ، ولم تحذف لعدم انكسار ما بعدها ، فلما كثر الاستعمال

كذا حذفوا التاء الساكنة منهما ، وهى فاء الفعل ، فصارا : تقى يتقى بتخفيف التاء المفتوحة ، وحذفت الهمزة من الماضى لعدم الحاجة إليها فصار تقى ، ووزنه تعل محذوف الفاء ، فأخذ الأمر وهو تق من يتق ، بدون همزة وصل ؛ لأن ما بعد حرف المضارعة محرّك.

وقول الجاربردى : قالوا تقى يتقى كرمى يرمى يلزمه أن يقال فى أمره : اتق ، وفى اسم فاعله تاق ، وغير ذلك ، ولم يسمع شىء منها.

وقد بينا فيما كتبناه على البيت الأول من شرح بانت سعاد لابن هشام منشأ قوله هذا ، وبسطنا الكلام عليه.

وهذا المصراع عجز وصدره :

زيادتنا نعمان لا تنسينّها

وهو من قصيدة لعبد الله بن همام السّلولى خاطب بها النعمان بن بشير الأنصارى ، وكان أميرا على الكوفة فى مدة معاوية رضى الله عنه ، وكان معاوية قد زاد ناسا فى عطائهم عشرة ، فأنفذها النعمان ، وترك بعضهم ، لأنهم جاءوا بكتب بعد ما فرغ من الجملة ، وكان ابن همام ممن تخلف ، فكلمه ؛ فأبى عليه ، فقال ابن همام هذه القصيدة يرقّقه عليه ، ويتشفع بالأنصار ، ويمدح معاوية رضى الله عنه ، وقد أوردنا أبياتا منها هناك وشرحناها.

وقوله «زيادتنا» منصوب بفعل محذوف يفسره الفعل المؤكد بالنون ، قال الرضى : إن الفعل المؤكد بالنون لا يعمل فيما قبله ، وروى «لا تحرمنّنا» بدل لا تنسينها ، ونعمان : منادى ، وهو النعمان بن بشير الأنصارى الخزرجى ، ولد قبل وفاة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بثمانى سنين ، وحدث حديثين أو ثلاثة ، وكان أميرا على الكوفة لمعاوية تسعة أشهر ثم صار أميرا على حمص له ، ثم ليزيد ، فلما مات يزيد صار النعمان زبيريا ، فخالفه أهل حمص ، فأخرجوه وقتلوه ، كذا فى الاستيعاب


(ق 2 - 32)

وأنشد الجاربردى - وهو الشاهد السادس والأربعون بعد المائتين - [من الطويل]

246 - غداة طفت علماء بكر بن وائل

وعاجت صدور الخيل شطر تميم

على أن أصله «على الماء» كما بيّنه.

قال المبرد فى الكامل : يريد على الماء ، والعرب إذا التقت فى مثل هذا اللامان استجازوا حذف إحداهما استثقالا للتضعيف ؛ لأن ما بقى دليل على ما حذف ، يقولون : علماء بنو فلان ، وكذلك كل اسم من أسماء القبائل تظهر منه اللام المعرفة ؛ فإنهم يجيزون معه حذف النون التى فى قولك : بنو ؛ لقرب النون من اللام ، وذلك قولك : فلان من بلحارث ، وبلعنبر ، وبلهجيم

والبيت من قصيدة عدتها اثنا عشر بيتا لأحد الخوارج قالها فى وقعة دولاب (1)وهزموا أهل البصرة حتى غرق أكثرهم وعطفوا على بنى تميم فأصابوا

وقوله «غداة» بدل من يوم فى قوله «ولو شهدتنى يوم دولاب» فى البيت قبله ، وقوله «طفت علماء» أى : علت على الماء جثث الذين غرقوا فى الماء من بكر لما فرّوا من الخوارج ، وعاجت : عطفت ومالت ، وصدور : فاعل ، واللام فى «الخيل» عوض من ضمير المتكلم : أى صدور خيلنا ، وشطر : ظرف بمعنى


1) دولاب - قريه بينها وبين الأهواز أربعة فراسخ ، كانت بها وقعة بين أهل البصرة وأميرهم مسلم بن عبيس بن كريز بن حبيب بن عبد شمس وبين الخوارج ، قتل فيها نافع بن الأزرق رئيس الخوارج وخلق منهم ، وقتل مسلم بن عبيس فولوا عليهم ربيعة بن الأجذم وولى الخوارج عبد الله بن الماخور ، فقتلا أيضا ، وولى أهل البصرة الحجاج بن ثابت وولى الخوارج عثمان بن الماخور ، ثم التقوا فقتل الأميران ، فاستعمل أهل البصرة حارثة بن بدر الغدانى ، واستعمل الخوارج عبيد الله ابن الماخور ، فلما لم يقدم بهم حارثة قال لأصحابه : كرنبوا ودولبوا وحيث شئتم فاذهبوا ، وكرنبى. موضع بالأهواز أيضا ، وكان ذلك سنة 65 ه ، انظر ياقوت

جهة متعلق بعاجت ، ويأتى عاج متعديا أيضا ، وهو الأكثر ، يقال : عجت البعير أعوجه عوجا ومعاجا ؛ إذا عطفت رأسه بالزمام ، وبه روى أيضا ، «وعجنا صدور الخيل شطر تميم» وكأنّ الجاربردى لم يقف على منشأ الشعر حتى قال : «يعنى قتل هؤلاء وقصد هؤلاء ، وقيل : طفت علماء يذكر فى موضع المدح ، والمعنى أنهم علوا فى المنزلة والعزّ بحيث لا يعلوهم أحد ، كما أن الميتة تطفو على الماء. وتعلو عليه» هذا كلامه ؛ وكذا لم يفهم معناه خضر الموصلى فى شرح أبيات التفسيرين ، قال : «المعنى أن هذه القبيلة زمان علوا فى المنزلة والغلبة على العدو حتى كأنهم طفوا وعدوّهم رسب ، وأقبلت صدور خيلهم وعطفتها نحو القبيلة المسماة بتميم ، والبيت لم اطلع على قائله» انتهى كلامه

أقول : البيت من قصيدة أوردها المبرد فى قصص الخوارج من الكامل ، ونسبها لقطرىّ بن الفجاءة المازنى ، وهى :

لعمرك إنّى فى الحياة لزاهد

وفى العيش ما لم ألق أمّ حكيم

من الخفرات البيض لم ير مثلها

شفاء لذى بثّ ولا لسقيم

لعمرك إنّى يوم ألطم وجهها

على نائبات الدّهر جدّ لئيم

ولو شهدتنى يوم دولاب أبصرت

طعان فتى فى الحرب غير ذميم

غداة طفت علماء بكر بن وائل

وعجنا صدور الخيل نحو تميم

وكان لعبد القيس أوّل جدّها

وأحلافها من يحصب وسليم

وظلّت شيوخ الأزد فى حومة الوغا

تعوم وظلنا فى الجلاد نعوم

فلم أر يوما كان أكثر مقعصا

يمجّ دما من فائظ وكليم

وضاربة خدّا كريما على فتى

أغرّ نجيب الأمّهات كريم

أصيب بدولاب ولم تك موطنا

له أرض دولاب ودير حميم

فلو شهدتنا يوم ذاك وخيلنا

تبيح من الكفّار كلّ حريم

رأت فتية باعوا الإله نفوسهم

بجنّات عدن عنده ونعيم

وقال الأصبهانى فى الأغانى : «ذكر المبرد أن الشعر لقطرىّ بن الفجاءة ، وذكر الهيثم بن عدى وخالد بن خداش أنه لعمرو القنا ، وذكر وهب بن جرير أنه لحبيب ابن سهم التميمى ، وذكر أبو مخنف أنه لعبيدة بن هلال اليشكرى ، وقال المدينى : هو لصالح بن عبد الله العبشمى» والله تعالى أعلم

وقوله «ما لم ألق أم حكيم» بفتح الحاء وكسر الكاف ، قال صاحب الأغانى : «أخبرنى احمد بن جعفر جحظة ، قال : حدثنى ميمون بن هارون ، قال : حدّثت أن امرأة من الخوارج كانت مع قطرىّ بن الفجاءة يقال لها أم حكيم ، وكانت من أشجع الناس وأجملهم وجها وأحسنهم بدينهم تمسّكا ، وخطبها جماعة منهم فردتهم ، ولم تجب إلى ذلك ، فأخبر من شهدها أنها كانت تحمل على الناس ، وترتجز : [من الرجز]

أحمل رأسا قد سئمت حمله

وقد مللت دهنه وغسله

ألا فتى يحمل عنّى قله

قال : وهم يفدّونها بالآباء والأمهات ، فما رأيت قبلها ولا بعدها مثلها»

وقوله «جدّ لئيم» بكسر الجيم - خبر إنى ، يريد أنى لئيم جدا ، ودولاب - بالضم - : قرية من عمل الأهواز بينها وبين الأهواز أربعة فراسخ ، وكانت بها الحرب بين الأزارقة من الخوارج وبين مسلم بن عبيس (1)بن كريز خليفة عبد الله


1) كذا فى الكامل ، والذى فى ياقوت فى مادة (دولاب) «ابن عنبس» وفى نسختين من أصول هذا الكتاب (عنبسة)

ابن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب ، وكان ذلك فى أيام ابن الزبير سنة خمس وستين. وقوله «غداة طفت علماء - البيت» هكذا رأيته فى نسختين قديمتين صحيحتين جدا من نسخ الكامل ، وكذلك هو المشهور أيضا ، ورأيت صاحب الأغانى أدرج بينهما بيتا ، ورواه هكذا

غداة طفت علماء بكر بن وائل

وألّافها من حمير وسليم

ومال الحجازيّون دون بلادهم

وعجنا صدور الخيل نحو تميم

وقوله «وكان لعبد القيس - الخ» هو قبيلة ، وأحلافها - بالجر - معطوف عليه ، جمع حلف - بالكسر - وهو المحالف والمعاهد ، ويحصب وسليم : قبيلتان ، بيان لأحلافها ، وأول جدها - بالرفع - : اسم كان ، وخبرها المجرور قبله ، والجد - بفتح الجيم - : الاجتهاد ، والمعنى كقول الشاعر :

إذا لم يكن عون من الله للفتى

فأوّل ما يجنى عليه اجتهاده

وقوله «وظلت شيوخ الأزد - الخ» أى : شجعانها تعوم فى دمائها ، والجلاد - بكسر الجيم - : المجالدة والمضاربة بالسيف ، والمقعص : اسم مفعول : الذى قتل فى مكانه فلم يبرح ، والفائظ : الذى فاظت نفسه : أى خرجت روحه ، والكليم :

المجروح ، وقوله «رأت فتية باعوا الإله نفوسهم» بزعمهم هذا سمّوا أنفسهم شراة ، وهو جمع ، شار ، قال الجوهرى : والشراة الخوارج ، الواحد شار ، سموا بذلك لقولهم : إنا شرينا أنفسنا فى طاعة الله تعالى : أى بعناها بالجنة حين فارقنا الأئمة الجائرة ، يقال منه : تشرّى الرجل

وهذا خبر وقعة دولاب. روى صاحب الأغانى (1)بسنده إلى خالد بن خداش قال : «إن نافع بن الأزرق لما تفرقت آراء الخوارج ومذاهبهم فى أصول مقالتهم أقام بسوق الأهواز وأعمالها لا يعترض الناس وقد كان متشككا فى ذلك ؛ فقالت له امرأته


1) انظر (ح 6 ص 142) دار الكتب و (6 ص 3) بولاق

إن كنت قد كفرت بعد إيمانك وشككت فدع نحلتك ودعوتك ، وإن كنت قد خرجت من الكفر إلى الإسلام فاقتل الكفار حيث لقيتهم وأثخن فى النساء والصبيان ، كما قال نوح عليه‌السلام (لا تذر على الأرض من الكافرين ديّارا) فقبل قولها وبسط سيفه فقتل الرجال والنساء والولدان ، وجعل يقول : إن هؤلاء إذا كبروا كانوا مثل آبائهم ؛ فاذا وطىء بلدا فعل هذا به إلى أن يجيبه أهله ، ويدخلوا فى ملته فيرفع السيف ويضع الجباية ؛ فعظم أمره واشتدت شوكته وفشا عماله فى السواد ، فارتاع لذلك أهل البصرة ومشوا إلى الأحنف بن قيس وشكوا إليه أمرهم ، قالوا : ليس بيننا وبين القوم إلا ليلتان وسيرتهم ما علمت ، فقال لهم الأحنف : إن سيرتهم فى مصركم إذا ظفروا به مثل سيرتهم فى سوادكم ، فخذوا فى جهاد عدوكم ، وحرضهم فاجتمع إليه عشرة آلاف رجل بالسلاح فأتى عبد الله بن الحارث بن نوفل وسأله أن يؤمر عليهم أميرا ؛ فاختار لهم مسلم بن عبيس بن كريز بن ربيعة وكان فارسا شجاعا ديّنا ، فأمّره عليهم فلما نفذ من جسر البصرة أقبل على الناس وقال : إنى ما خرجت لامتيار ذهب ولا فضة ، وإنى لأحارب قوما إن ظفرت بهم فما وراءهم إلا سيوفهم ورماحهم ؛ فمن كان من شأنه الجهاد فلينهض ، ومن أحب الحياة فليرجع ، فرجع نفر يسير ؛ فلما صاروا بدولاب خرج إليهم نافع واقتتلوا قتالا شديدا حتى تكسرت الرماح ، وعقرت الخيل ، وكثرت الجراح والقتلى ، وتضاربوا بالسيوف والعمد فقتل فى المعركة ابن عبيس وذلك فى جمادى الآخرة سنة خمس وستين ، وقتل نافع بن الأزرق ، والشّراة يومئذ ستمائة رجل ، وكانت الحدّة وبأس الشّراة واقعا ببنى تميم وبنى سدوس ، واستخلف ابن عبيس وهو يجود بنفسه الربيع بن عمرو الغدانىّ وكان يقال له : الأجذم ، وكانت يده أصيبت بكابل مع عبد الرحمن بن سمرة ، واستخلف نافع بن الأزرق عبيد الله بن بشير أحد بنى سليط ابن يربوع ، ولم يزل الربيع يقاتل الشّراة نيفا وعشرين يوما ، ثم أصبح ذات يوم فقال لأصحابه : إنى مقتول لا محالة ، إنى رأيت البارحة كان يدى التى أصيبت بكابل

انحطت من السماء فجذبتنى ، فلما كان من الغد قاتل إلى الليل ثم غاداهم فقتل يومئذ ، فلما قتل الربيع تدافع أهل البصرة الراية حتى خافوا العطب ؛ إذ لم يكن لهم رئيس ، ثم أجمعوا على الحجّاج بن باب الحميرىّ ، وقد اقتتل الناس يومئذ وقبله يومين قتالا شديدا لم يقتتلوا مثله : تطاعنوا بالرماح حتى تقصّفت ، ثم تضاربوا بالسيف والعمد حتى لم يبق لأحد منهم قوة ، حتى كان الرجل يضرب الرجل فلا يغنى شيئا من الإعياء ، وحتى كانوا يترامون بالحجارة ويتكادمون بالأفواه ، فلما تدافع القوم الراية اتفقوا على الحجاج وامتنع من أخذها ، فقال له كريب بن عبد الرحمن : خذها ولا تخف ؛ فانها مكرمة ، فقال إنها لراية مشئومة ما أخذها أحد إلا قتل ، فقال له كريب : يا أعور تقارعت العرب [على أمرها] ثم صيروها إليك فتأبى خوف القتل؟ خذ اللواء ، فان حضر أجلك قتلت : كانت معك أو لم تكن ، فأخذ اللواء وناهضهم واقتتلوا حتى انتقضت الصفوف وصاروا كراديس (1)، والخوارج أقوى عدّة بالدروع والجواشن (2)، فجعل الحجاج يغمض عينيه ويحمل حتى يغيب فى الشّراة ويطعن فيهم ، ويقتل حتى يظن أنه قد قتل ، ثم يرفع رأسه وسيفه يقطر دما ، ويفتح عينيه فيرى الناس كراديس يقاتل كلّ قوم فى ناحية ، ثم التقى الحجاج وعمران بن الحارث الراسبىّ فاختلفا ضربتين : كل منهما قتل صاحبه ، ثم تحاجزوا فأصبح أهل البصرة وقد هرب عامتهم وولوا حارثة بن بدر الغدانىّ أمرهم ؛ فلما تسلم الراية نادى فيهم أن يثبتوا فإذا فتح الله عليهم فللعرب زيادة فريضتين وللموالى زيادة فريضة ، وندب الناس فالتقوا وليس بأحد منهم قوة وقد فشت فيهم الجراحات ، وما تطأ الخيل إلا على القتلى ؛ فبيناهم كذلك إذ أقبل من اليمامة جمع من الشّراة يقول المكثّر إنهم مائتان ، والمقلّل : إنهم أربعون ، فاجتمعوا وهم مريحون مع أصحابهم فصاروا كوكبة واحدة ؛ فحملوا على الناس فلما رآهم حارثة بن بدر نكص برايته فانهزم وقال :


1) الكراديس جمع كردوسة - كعصفورة - وهو كتيبة الخيل.

2) الجواشن : جمع جوشن ، وهو الزرد يلبس على الصدر

كرنبوا ودولبوا

وحيث شئتم فاذهبوا

وقال :

أير الحمار فريضة لعبيدكم

والخصيتان فريضة الأعراب

فتتابع الناس على أثره منهزمين ، وتبعهم الخوارج فألقوا أنفسهم فى دجيل (1)فغرق منهم خلق كثير ، وسلمت بقيتهم ، وكان ممن غرق دغفل بن حنظلة أحد بنى عمرو بن شيبان ، ولحقت قطعة من الشّراة خيل عبد القيس فأكبوا عليهم فعطفت عليهم خيل بنى تميم فعاونوهم وقاتلوا الشّراه حتى كشفوهم ؛ فانصرفوا إلى أصحابهم وعبرت بقية الناس ؛ فصار حارثة ومن معه بنهر تيرى والشّراة بالأهواز ، فأقاموا ثلاثة أيام ؛ وكان على الأزد يومئذ قبيصة بن أبى صفرة أخو المهلّب ، وغرق من الأزد يومئذ عدد كثير ؛ فقال شاعر الأزارقة : [من الوافر]

يرى من جاء ينظر فى دجيل

شيوخ الأزد طافية لحاها»


وأنشد أيضا : [من الرجز]

يا قاتل الله بنى السّعلاة

عمرو بن يربوع شرار النّات

وتقدم شرحه مفصلا فى الشاهد الثالث والعشرين بعد المائتين.

مسائل التمرين

أنشد فيها : [من الرجز]

لا تقلواها وادلواها دلوا

إنّ مع اليوم أخاه غدوا

وتقدم شرحه فى الشاهد السادس عشر بعد المائتين.


وأنشد بعده - وهو الشاهد السابع والأربعون بعد المائتين - : [من الوافر]


1) دجيل : نهر صغير بالاهواز حفره أزدشير بن بابك.

متى ما تلقنى فردين ترجف

روانف أليتيك وتستطارا

على أن قوله «وتستطارا» من استطاره : أى طيره.

«ومتى» اسم شرط ، و «تلقنى» شرطه و «ترجف» جزاؤه ، وروى بدله «ترعد» بالبناء للمفعول ، و «روانف» فاعل ترجف ، و «فردين» حال من الفاعل والمفعول.

قال أبو على : «تستطارا ؛ جزم عطف على ترعد ، حملته على الأليتين أو على معنى الروانف ؛ لأنهما اثنان فى الحقيقة ، وهذا أحسن من أن تحمله على أن فى (تستطارا) ضمير الروانف ، وتجعل الألف بدلا من النون الخفيفة ؛ لأن الجزاء واجب» انتهى.

والروانف : جمع رانفة ، بالراء المهملة والنون والفاء ، وهى طرف الألية الذى يلى الأرض إذا كان الإنسان قائما ، و «تستطارا» بمعنى تطلب منك أن تطير خوفا وجبنا ، والعرب تقول : لمن اشتد به الخوف : طارت نفسه خوفا.

وقد شرحنا هذا البيت على وجوه شتى من الإعراب ، ونقلنا ما للناس فيه فى الشاهد التاسع والستين بعد الخمسمائة من شواهد شرح الكافية.

وهو من أبيات ثلاثة عشر لعنترة العبسى الجاهلى خاطب بها عمارة بن زياد العبسى ، وقد شرحناها هناك على وجه لا مزيد عليه بعون الله وفضله.


وأنشد بعده : [من الرجز]

ما بال عينى كالشّعيب العيّن

وتقدم الكلام عليه فى الشاهد الخامس والعشرين من أوائل هذا الكتاب

مقدمة علم الخط

أنشد فيها : [من الطويل]

قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل

وتقدم الكلام عليه أيضا فى الشاهد الرابع والعشرين بعد المائة من هذا الكتاب.


وأنشد بعده : [من الرجز]

بل جوزتيهاء كظهر الحجفت

وهذا أيضا قد تقدم شرحه فى الشاهد الواحد بعد المائة من هذا الكتاب.


وأنشد الجاربردىّ فيها - وهو الشاهد الثامن والأربعون بعد المائتين - : [من الرجز]

248 - باعد أمّ العمر من أسيرها

حرّاس أبواب على قصورها

على أن عمرا إذا دخله اللام لضرورة الشعر لا تلحقه الواو المميزة بينه وبين عمر

وحرّاس : جمع حارس ، فاعل باعد : أى جعلوه بعيدا لا يقدر على القرب من بابها ، وأم العمر : مفعول باعد ، والقصور : جمع قصر وهو بيت على بيت ، و «على» بمعنى اللام.

وهذا البيت أنشده ابن جنى فى سر الصناعة عن الأصمعى لزيادة اللام فى العلم ضرورة ، وتبعه ابن هشام فى بحث «أل» من المغنى ، وهو لأبى النّجم العجلىّ ، وبعده :

وغيرة شنعاء من غيورها

فالسّحر لا يفضى إلى مسحورها

وغيرة : معطوف على حرّاس ، وأراد بالغيور زوجها ، وأراد بالسّحر كلامها اللذيذ الذى يستميل القلوب كما تستمال بالسحر ، والافضاء : الوصول ، وأراد بالمسحور نفسه.

وأبو النجم من بنى «عجل» ، واسمه الفضل بن قدامة ، وهو أحد رجاز الاسلام المتقدمين فى الطبقة الأولى ، قال أبو عمرو بن العلاء : هو أبلغ من العجاج فى النعت ، وله مع هشام بن عبد الملك نوادر وحكايات مضحكات أوردها

الأصبهانى فى كتاب الأغانى :


وأنشد بعده أيضا - وهو الشاهد التاسع والأربعون بعد المائتين - : [من الرجز]

249 - هم الألى إن فاخروا قال العلى

بفى امرىء فاخركم عفر البرى

على أن الألى المقصور لا يكتب بعد ألفه واو ؛ لأن الألف واللام قبله تدفع اشتباهة بإلى الجارة.

والبيت من مقصورة ابن دريد اللّغوىّ ، وقبله :

بل قسما بالشّمّ من يعرب هل

لمقسم من دون هذا منتهى

كان أقسم أولا بابل الحجّاج على طريقة العرب ، ثم أضرب فأقسم بالشّمّ من يعرب ، والشم : السادات والأشراف ، جمع أشم ، وهو المرتفع الأنف ، وهو من صفات الشريف ، و «من يعرب» فى موضع الحال للشّم ، أو صفه له ؛ لأن لامه للجنس ، ويعرب : أبو قبيلة من عرب اليمن ، وهو يعرب بن قحطان بن هود عليه‌السلام ، وإنما أقسم به لأنه أبو الأزد ، وابن دريد أزدى ؛ فيكون أقسم بآبائه وأجداده العظماء ، و «هل» للاستفهام التقريرى ، وهو حمل المخاطب على الإقرار و «مقسم» اسم فاعل من أقسم ، و «دون» بمعنى غير ، واسم الإشارة ليعرب ، و «منتهى» غاية ينتهى إليها ، وهو فاعل الظرف ، والجملة اعتراض بين القسم وبين جوابه الآتى بعد أربعة أبيات.

وقوله «هم الألى الخ» استئناف بيانى فى جواب لم لا يكون دون يعرب منتهى للمقسم ، و «الالى» بمعنى الذين ، واحده الذى من غير لفظه و «فاخروا» عارضوا بالفخر ، والفخر : التمدح بالخصال المحمودة ، والعلى : الرفعة ، وقوله «بفى امرىء» خبر مقدم ، وجملة «فاخركم» صفة امرىء و «عفر البرى» مبتدأ مؤخر

والجملة دعائية مقول القول ، والعفر - بفتح العين المهملة وسكون الفاء - : التراب المنبث فى الهواء ، والبرى - بفتح الموحدة - : التراب ، و «هم» مبتدأ و «الألى» خبره ، والجملة الشرطية مع جوابها صلة الألى ، وجواب القسم بعد أبيات ثلاثة على هذا النمط ، وهو :

أزال حشو نثرة موضونة

حتّى أوارى بين أثناء الجثى

أى : لا أزال ، فحذفت لا النافية ، كقوله تعالى : (تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ) وحشو : بمعنى لابس ؛ لأن حشو الشىء يلبس الشىء ، والنثرة : الدرع السابغة ، والموضونة : المحكمة ، وأوارى : بالبناء للمفعول بمعنى أغطّى ، والأثناء : جمع ثنى - بكسر فسكون - وهو تراكب الشىء بعضه على بعض ، والجثى - بضم الجيم - : جمع جثوة بفتحها ، وهو التراب المجموع ويعنى به تراب القبر.

وابن دريد هو أبو بكر محمد بن الحسن الأزدىّ ، ولد بالبصرة ونشأ بها ، أخذ العلم عن جم غفير من المشاهير ، كأبى حاتم ، والرّياشىّ ، والأشناندانىّ ، وابن أخى الأصمعى ، ثم خرج إلى نواحى فارس ، وصحب جماعة من ملوكها وصحب ابن ميكال الشاه ، وأخاه ، وكانا يومئذ على عمالة فارس ، فعمل لهما كتاب الجمهرة فى اللغة ، وقلداه ديوان فارس ، ثم مدحهما بهذه القصيدة المقصورة وهى تشتمل على نحو الثلث من المقصور ، وفيها كل مثل سائر ، وخبر نادر ، والمواعظ الحسنة ، والحكم البالغة ، وقد شرحتها قديما شرحا مختصرا فيه حلّ ألفاظها وبيان معانيها

وعاش رحمه‌الله ثلاثا وتسعين سنة ، ومات فى سنة إحدى وعشرين وثلثمائة ، وقد استوفينا الكلام على ترجمته وسرد مؤلفاته وأحواله فى شرح المقصورة

ولنختم الكلام بحمد الله ذى الإنعام ، والصلاة والسّلام على أفضل رسله الكرام محمد وعلى آله وصحبه العظام

[فهرس تراجم الشعراء]

اشارة

(بسم الله الرحمن الرحيم)

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسّلام على سيدنا محمد وآله وصحبه الطاهرين ، وبعد فهذا فهرس تراجم الشعراء الذين ترجمتهم فى شرح شواهد شرحى الشافية لنجم الأئمة الرضى ، والفاضل الجاربردى ، ولم تذكر فى شرح شواهد الكافية

حرف الالف

أبو الأخزر الحمّانىّ : فى الشاهد الثلاثين

والأزرق العنبرىّ : فى الخامس والستين

وأعشى همدان : فى الواحد والأربعين بعد المائة

وإسماعيل بن يسار النسّاء : فى السابع والخمسين بعد المائة

والأعلم بن جرادة : فى الستين بعد المائة

وأنيف بن زبان : فى الثمانين بعد المائة

حرف الجيم

جامع بن عمرو الكلابى : فى الشاهد التاسع والستين بعد المائة

وجندل بن المثنّى الطّهوىّ : فى السادس والسبعين بعد المائة

حرف الحاء

حيىّ بن وائل : فى الشاهد التاسع والأربعين

وأبو حزابة التميمى : فى الثالث والسبعين بعد المائة

وحجر والد امرىء القيس : فى الثالث والثمانين بعد المائة

وحصين بن قعقاع : فى الثامن والتسعين بعد المائة

حرف الخاء

خلف الأحمر : فى الشاهد الثانى بعد المائتين.

حرف الدال

دكين الراجز : فى الشاهد الخامس والأربعين.

حرف الراء المهملة

رهيم بن حزن : فى الشاهد الواحد والخمسين.

حرف السين

سؤر الذئب : فى الشاهد الواحد بعد المائة

وسكين بن نضرة : فى الثانى عشر بعد المائة.

حرف الشين

الشاطبى المقرىء : فى الشاهد المائة

حرف الصاد

الصّمّة الجشمىّ : فى الشاهد الثالث والأربعين

حرف الطاء

طريف بن تميم : فى الشاهد الخامس والسبعين بعد المائة

حرف العين

أبو عمرو بن العلاء : فى الشاهد السادس عشر

وعياض بن درّة : فى الثانى والأربعين

وعذافر الكندى : فى الثانى عشر بعد المائة.

وعمرو بن المسبّح الطائى : فى الثانى والعشرين بعد المائتين.

وعبد الله خازن كتب الصاحب بن عباد : فى السادس والأربعين بعد المائة.

حرف الفاء

الفضل بن العباس : فى الشاهد السادس والعشرين

حرف القاف

قصىّ بن كلاب : فى التاسع والأربعين بعد المائة.

وقعنب ابن أم صاحب : فى الثامن والثلاثين بعد المائتين.

حرف الكاف

أبو كاهل اليشكرىّ : فى الشاهد الثالث عشر بعد المائتين.

حرف اللام

لقيم بن أوس : فى الشاهد الثانى والثلاثين بعد المائة.

حرف الميم

مرّة بن محكان : فى الشاهد الرابع والثلاثين بعد المائة.

ومضاض بن عمرو الجرهمى : فى السابع والخمسين بعد المائة.

حرف النون

أبو النجم العجلى : فى الشاهد الثامن والأربعين بعد المائتين.

حرف الواو

الوليد بن عقبة بن أبى معيط : فى الشاهد الثامن والثلاثين بعد المائة وعدة الجميع أربعة وثلاثون

وكان الفراغ من تسويد هذه الأوراق بعد المغرب من ليلة الجمعة الثالثة عشر من صفر الخير عام ثمانين وألف بعد الهجرة النبوية

قال ذلك وكتبه مؤلفه الفقير إلى رحمة ربه وغفرانه عبد القادر بن عمر البغدادى ، لطف الله به وبآبائه وبجميع المسلمين آمين. انتهى من خط المؤلف