ghaemiyeh.com
سرشناسه : رضیالدین استرآبادی، محمد بن حسن، -686ق.
عنوان قراردادی : الشافیه .شرح
عنوان و نام پديدآور : شرح شافیة ابن الحاجب / تألیف الشیخ رضي الدین محمد بن الحسن الأسترآباذی النحوي مع شرح شواهده للعالم الجلیل عبدالقادر البغدادي صاحب خزانة الأدب؛ حققها و ضبط غریبها و شرح مبهمها الأساتذة : محمد نور الحسن، محمد الزّفزاف، محمد محي الدین عبدالحمید
عنوان دیگر : شرح الرضي علی الشافیة
مشخصات نشر : بیروت : دار الکتب العلمیة، 1402 ق.= 1982 م.= 1359
مشخصات ظاهری : 4ج
يادداشت : عربی.
یادداشت : کتابنامه.
موضوع : ابن حاجب، عثمان بن عمر، 646 - 570ق . الشافیة-- نقد و تفسیر
موضوع : زبان عربی -- صرف و نحو
موضوع : زبان عربی -- صرف
شناسه افزوده : ابن حاجب، عثمان بن عمر، 646 - 570ق . الشافیه.شرح
توضیح : «شرح شافیه ابن حاجب» تألیف رضیالدین محمد بن حسن استرآبادی نحوی (686 ق)، شرحی است بر کتاب «شافیه» ابن حاجب که به زبان عربی و در اواخر قرن هفتم قمری، نوشته شده است.در انتهای کتاب، اثر دیگری با عنوان «شرح شواهد ابن حاجب»، اثر عبدالقادر بغدادی (متوفی 1093 ق) صاحب کتاب «خزانة الادب» آمده است.
برخی مباحث کلی کتاب، عبارتند از: صحیح و معتل؛ افعال ثلاثی، رباعی و خماسی؛ احکام تصغیر؛ احکام منسوب؛ جمع مکسر؛ تخفیف همزه؛ احکام اعلال؛ احکام ادغام؛ ابدال و مبحث حروف.
پاورقیها که از طرف محققین کتاب، آقایان محمد نور الحسن، محمد الزفزاف و محمد محیی الدین عبدالحمید میباشد، به شرح مبهمات کتاب و توضیح بعضی از واژگان اختصاص یافته است.
فهارس هر جلد، در ابتدای همان جلد آمده است. این فهارس، عبارتند از: فهرست موضوعات، اعلام، کلمات لغوی و شواهد وارد شده در هر جزء و امثالی که در شرح و تعلیقات ذکر شده است.
جزء دوم کتاب، شرح شواهد کتاب شافیه ابن حاجب، اثر ابن حسن جاربردی است که شامل ابیاتی در شرح کتاب شافیه میباشد. رضی الدین این شرح را در جزء دوم کتاب، بنا بر درخواست بعضی از افاضل و دوستان خود، جهت استفاده بیشتر، اضافه نموده است که شامل 52 بیت میباشد.
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسّلام على إمام المتقين ، قائد الغر المحجلين ، سيدنا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه أجمعين
قال : «المنسوب الملحق بآخره ياء مشدّدة ليدلّ على نسبته إلى المجرّد عنها ، وقياسه حذف تاء التّأنيث مطلقا ، وزيادة التّثنية والجمع إلّا علما قد أعرب بالحر كات ؛ فلذلك جاء قنّسرىّ وقنّسرينىّ»
أقول : قوله : «على نسبته إلى المجرد عنها» يخرج ما لحقت آخره ياء مسددة للوحدة كرومىّ وروم ، وزنجىّ وزنج ، وما لحقت آخره للمبالغة كأحمرىّ ودوّارىّ (1)
والدّهر بالإنسان دوّارىّ
أفنى القرون وهو قعسرىّ
أى : أنه يدور ويتقلب بالانسان حالا بعد حال وأنه يفنى قرونا كثيرة وهو باق على شدته وقوته ، وأصل القعسرى الجمل الضخم الشديد ، فشبه الدهر به فى قوته وشدته
، وما لحقته لا لمعنى كبردىّ (2)وكرسىّ ، فلا يقال لهذه الأسماء : إنها منسوبة ، ولا ليائها : إنها ياء النسبة (3)، كما يقال لتمرة والتاء فيه للوحدة ،1) قال فى اللسان : «والدهر دوار بالانسان ودوارى : أى دائر به على إضافة الشىء إلى نفسه. قال ابن سيده : هذا قول اللغويين. قال الفارسى : هو على لفظ النسب وليس بنسب ، ونظيره بختى وكرسى» وقد قال العجاج :
2) البردى : إما أن يكون بضم فسكون ، وإما أن يكون بفتح فسكون ، وهو على الأول نوع من تمر الحجاز جيد ، وعلى الثانى نبت معروف واحدته بردية. (انظر ج 1 ص 203) من هذا الكتاب
3) قد اختلفت عبارات المؤلف فى هذه الياء ، فهو أحيانا يذكر أنها ياء النسبة كما فى قوله (ح 1 ص 203): «وكان على المصنف أن يذكر ياء النسبة أيضا نحو بريدى فى بردى» وأحيانا يذكر أنها ليست للنسبة كما هنا ، وقد حل هو هذا الاشكال بقوله فى هذا الباب فى شان ياء الوحدة كرومى : «ولقائل أن يقول : ياء الوحدة أيضا فى الأصل للنسبة ، لأن معنى زنجى شخص منسوب إلى هذه الجماعة بكونه واحدا منهم فهو غير خارج عن حقيقة النسبة ، إلا أنه طرأ عليه معنى الوحدة» وملخص هذا أنه ينظر أحيانا إلى الأصل فيعتبرها باء نسبة ، وينظر أحيانا أخرى إلى ما طرا من معنى الوحدة فينفى عنها ذلك ، وما قاله فى ياء الوحدة يجرى مثله تماما فى ياء المبالغة ، لكن ياء نحو الكرسى والبردى ، وهى المزيدة لا لغرض ، لا يجرى فيها مثل ذلك ، ولا عذر له فى تسميتها ياء نسبة إلا أن صورتها صورة ياء النسبة
ولعلّامة وهى فيه المبالغة ، ولغرفة ولا معنى لتائها : إنها أسماء مؤنثة وتاءها تاء التأنيث ؛ وذلك لجريها مجرى التأنيث الحقيقى فى أشياء ، كتأنيث ما أسند إليها ، وكصيرورتها غير منصرفة فى نحو طلحة ، وانقلاب تائها فى الوقف هاء
قوله «حذف تاء التأنيث مطلقا» أى : سواء كان ذو التاء علما كمكة والكوفة ، أو غير علم كالغرفة والصفرة ، بخلاف زيادتى التثنية والجمع ؛ فإنهما قد لا يحذفان فى العلم كما يجىء ، وسواء كانت التاء فى مؤنث حقيقى أولا كعزّة وحمزة ، فى العلم كما يجىء ، وسواء كانت التاء فى مؤنث حقيقى أولا كعزّة وحمزة ، وسواء كانت بعد الألف فى جمع المؤنث نحو مسلمات ، أولا ،
وأما نحو أخت وبنت فان التاء تحذف فيه ، وإن لم تكن للتأنيث ، بدليل صرف أخت وبنت إذا سمى بهما (1)، وذلك لما فى مثل هذه التاء من رائحة
1) قال سيبويه فى الكتاب (ح 2 ص 13): «وإن سميت رجلا ببنت أو أخت صرفته ؛ لأنك بنيت الاسم على هذه التاء وألحقتها ببناء الثلاثة كما ألحقوا سنبتة بالأربعة ، ولو كانت كالهاء لما سكنوا الحرف الذى قبلها ، فأنما هذه التاء فيها كتاء عفريت ، ولو كانت كألف التأنيث لم ينصرف فى النكرة ، وليست كالهاء لما ذكرت لك ، وإنما هذه زيادة فى الاسم بنى عليها وانصرف فى المعرفة ، ولو أن الهاء التى فى دجاجة كهذه التاء انصرف فى المعرفة» اه وكتب أبو سعيد السيرافى فى شرح كلامه هذا فقال : «التاء فى بنت وأخت منزلتها عند سيبويه منزلة التاء فى سنتة وعفريت ، فهى فيهما زائدة للالحاق بجذع وقفل ، فاذا سمينا بواحدة منهما رجلا صرفناه لأنه بمنزلة مؤنث على ثلاثة أحرف ليس فيها علامة تأنيث كرجل سميناه بفهر وعين ، والتاء الزائدة التى للتأنيث هى التى يلزم ما قبلها الفتحة وبوقف عليها بالهاء كقولنا دجاجة وما أشبه ذلك» اه ملخصا. والمراد فى كلام سيبويه والسيرافى من التاء المزيدة للالحاق فى سنبتة التاء الأولى لا الثانية كما هو ظاهر
التأنيث (1)
وإنما حذفت تاء التأنيث حذرا من اجتماع التاءين : إحداهما قبل الياء ، والأخرى بعدها ، لو لم تحذف ، إذا كان المنسوب إلى ذى التاء مؤنثا بالتاء (2)إذ كنت تقول : امرأة كوفتية ، ثم طرد حذفها فى المنسوب المذكر ، نحو رجل كوفى قبل : إنما حذفت لأن الياء قد تكون مثل التاء على ما ذكرنا ، فى إفادة الوحدة والمبالغة ، وفى كونها لا لمعنى ، فلو لم تحذف لكان كأنه اجتمع ياءان أو تاآن ، ويلزمهم على هذا التعليل أن لا يقولوا نحو كوفية وبصرية ، إذ هذا أيضا جمع بينهما.
1) قال المؤلف فى شرح الكافية (ح 1 ص 43): «ونريد بتاء التأنيث تاء زائدة فى آخر الاسم مفتوحا ما قبلها تنقلب هاء فى الوقف ، فنحو أخت وبنت ليس مؤنثا بالتاء ، بل التاء بدل من اللام ، لكنه اختص هذا الابدال بالمؤنث دون المذكر لمناسبة التاء للتأنيث ، فعلى هذا لو سميت ببنت وأخت وهنت مذكرا لصرفتها» اه. وقوله «لكنه اختص هذا الابدال بالمؤنث الخ» هو مراده بقوله هنا» لما فى مثل هذه التاء من رائحة التأنيث» ، يدلك على أن هذا مراده قوله فى هذا الباب كما يأتى قريبا : «فان أبدل من اللام فى الثلاثى التاء وذلك فى الأسماء المعدودة المذكورة فى باب التصغير نحو أخت وبنت وهنت وثنتان وكيت وذيت فعند سيبويه تحذف التاء وترد اللام ، وذلك لأن التاء وإن كانت بدلا من اللام الا أن فيها رائحة من التأنيث لاختصاصها بالمؤنث فى هذه الأسماء» اه
2) قيد المؤنث المنسوب إلى ذى التاء بكونه بالتاء فى جميع النسخ ، والصواب حذف هذا القيد ، لأن اجتماع التاءين لازم فى المنسوب إلى ذى التاء ولو كان المنسوب مؤنثا بغير تاء كزينب فانك كنت تقول فى نسبها الى البصرة : بصرتية
ويحذف الألف والتاء فى نحو مسلمات (1)لإفادتهما معا للتأنيث كإفادتهما للجمع ، فيلزم من إبقائهما اجتماع التاءين فى نحو عرفاتية ، ولا ينفصل إحدى الحرفين من الأخرى ثبوتا وزوالا ؛ لكونهما كعلامة واحدة ، تقول فى أذرعات وعانات : أذرعىّ (2)
وفى اللسان : «وقال سيبويه : أذرعات بالصرف وغير الصرف ، شبهوا التاء بهاء التأنيث ولم يحفلوا بالحاجز لأنه ساكن والساكن ليس بحاجز حصين ، إن سأل سائل فقال : ما تقول فى من قال هذه أذرعات ومسلمات وشبه تاء الجماعة بهاء الواحدة فلم ينون للتعريف والتأنيث فكيف يقول إذا نكر أينون أم لا ، فالجواب أن التنوين مع التنكير واجب هنا لا محالة لزوال التعريف فأقصى أحوال أذرعات إذا نكرتها فى من لم يصرف أن تكون كحمزة إذا نكرتها ، وكما تقول : هذا حمزة وحمزة آخر (بالتنوين) فتصرف النكرة لا غير فكذلك تقول : عندى مسلمات ونظرت إلى مسلمات أخرى (بالتنوين) فتنون مسلمات لا محالة ، وقال يعقوب أذرعات ويذرعات موضع بالشأم حكاه فى المبدل» اه
وفى القاموس : «وأذرعات بكسر الراء وتفتح : بلد بالشأم والنسبة أذرعى بالفتح» اه ومثل قوله : «والنسبة أذرعى بالفتح» فى اللسان عن ابن سيده ،
نقول : أما النسبة بفتح الراء إلى أذرعات (بفتح الراء) فواضحة ، فانها لا تعدو حذف تاء التأنيث ثم تحذف الألف لكونها خامسة كألف خوزلى ، مثلا ، وأما النسبة بفتح الراء إلى أذرعات بكسر الراء فانها بعد حذف علامة الجمع ، وهى الألف والتاء صار الاسم على أربعة أحرف ثالثها مكسور فلو بقى على حاله لاجتمع كسرتان بعدهما ياءان فخففوا ذلك بفتح الراء كما قالوا فى تغلب تغلبى بفتح اللام وأبو العباس محمد بن يزيد المبرد يطرد ذلك ويقيسه ، وغيره يقصره على السماع
1) ظاهر عبارة ابن الحاجب والرضى هنا أن جمعى التصحيح الباقيين على الجمعية إذا أريد النسبة إليهما حذفت منهما علامة الجمع : أى الألف والتاء فى جمع المؤنث والواو والنون والياء والنون فى جمع المذكر ، مع أن الذى يقتضيه كلام الرضى عند شرح قول ابن الحاجب : «والجمع يرد إلى الواحد» ويقتضيه تعليل النحويين رد الجمع إلى الواحد عند النسبة إليه : أن يرد جمعا التصحيح عند النسبة إليهما الى الواحد لا أن تحذف منهما علامة الجمع ، وفرق بين الرد إلى الواحد وحذف علامة الجمع فإن أرضين مثلا إذا نسبت إليه وهو باق على جمعيته قلت : أرضى بسكون الراء - وإذا نسبت إليه مسمى به حاكيا إعرابه الذى كان قبل التسمية به قلت : أرضى بفتح الراء وحذف علامة الجمع ، وكذلك تمرات فى جمع تمرة : إذا نسبت إليه جمعا قلت تمرى - باسكان الميم - أى : برده إلى واحده ، وإذا نسبت إليه مسمى به قلت : تمرى - بفتح الميم وحذف علامة الجمع : أى الألف والتاء -. وتحقيق المقام أنك إذا نسبت إلى المثنى والجمع مطلقا : أى سواء أكان جمع تصحيح أم جمع تكسير ، فان كانت غير مسمى بها ردت إلى واحدها ، وإن كانت مسمى بها ففى المثنى وجمع المذكر السالم التفصيل الذى ذكره الرضى هنا ، أما جمع المؤنث السالم فليس فيه إلا حذف علامة الجمع أى الألف والتاء للعلة التى ذكرها المحقق الرضى
2) أذرعات - بفتح فسكون فراء مكسورة - وقال ياقوت : «كأنه جمع أذرعة جمع ذراع جمع قلة ، وهو بلد فى أطراف الشام يجاور أرض البلقاء وعمان ينسب إليه الخمر ، وقال الحافظ أبو القاسم : أذرعات مدينة بالبلقاء ، وقال النحويون : بالتثنية والجمع تزول الخصوصية عن الأعلام فتنكر وتجرى مجرى النكرة من أسماء الأجناس فاذا أردت تعريفه عرفته بما تعرف به الأجناس ، وأما نحو أبانين وأذرعات وعرفات فتسميته ابتداء تثنية وجمع ، كما لو سميت رجلا بخليلان أو مساجد ، وإنما عرف مثل ذلك بغير حرف تعريف وجعلت أعلاما لأنها لا تفترق فنزلت منزلة شىء واحد فلم يقع إلباس ، واللغة الفصيحة فى عرفات الصرف ، ومنع الصرف لغة ، تقول : هذه عرفات وأذرعات (بالرفع منونا) ورأيت عرفات وأذرعات (بالكسر منونا) ومررت بعرفات وأذرعات (بالجر منونا) لأن فيه سببا واحدا ، وهذه التاء التى فيه للجمع لا للتأنيث ، لأنه اسم لمواضع مجتمعة فجعلت تلك المواضع اسما واحدا وكأن اسم كل واحد منهما عرفة وأذرعة ، وقيل : بل الاسم جمع والمسمى مفرد ، فلذلك لم يتنكر ، وقيل : إن التاء فيه لم تتمحض للتأنيث ولا للجمع ، فأشبهت التاء فى بنات وثبات ، وأما من منعها الصرف فانه يقول : إن التنوين فيها للمقابلة أى يقابل النون التى فى جمع المذكر السالم ، فعلى هذا غير منصرفة ... وينسب إلى أذرعات أذرعى» اه
1) عانات : جمع عانة ، وعانة بلد مشهور بين الرقة وهيت يعد فى أعمال الجزيرة ، وربما قالوا فى الشعر : عانات ، كأنهم جمعوها بما حولها. قال الشاعر [نسبه ابن برى إلى الأعشى]
ويحذف أيضا كل ياء مشددة مزيدة فى الآخر (1)، سواء كانت للنسب أو للوحدة أو للمبالغة أو لا لمعنى (2)؛ فتقول فى المنسوب إلى بصرى ورومى وأحمرى وكرسى : بصرىّ ورومى وأحمرى وكرسى ؛ كراهة لاجتماعهما
قوله : «وزيادة التثنية والجمع» أى : جمع السلامة ، زيادة التثنية الألف والنون أو الياء والنون ، فى نحو مسلمان ومسلمتان ومسلمين ومسلمتين ، وزيادة الجمع الواو والنون أو الياء والنون ، فى نحو مسلمون ومسلمين ، والألف والتاء فى نحو مسلمات.
1) احترز المؤلف بالياء المشددة المزيدة عن ياء القاضى فان فيها خلافا سيأتى تفصيله ، وحاصله أن منهم من يرى حذفها ومنهم من يرى جواز حذفها وقلبها واوا ، وعن الياء المشددة المكونة من ياءين إحداهما أصل والأخرى زائدة كما فى اسم المفعول من الثلاثى الناقص اليائى نحو مكنى ومرمى ومبغى عليه ، فان هذه الياء المشددة لا يتحتم حذفها ، بل يجوز حذفها وهو الراجح ويجوز حذف الزائدة من الياءين وقلب الأصلية واوا ، فيقال : مكنى أو مكنوى ، ومرمى أو مرموى ومبغى أو مبغوى ، وسيأتى إتمام بحث ذلك
2) ياء الوحدة ياء تدخل على اسم الجنس الجمعى لتكون دالة على الواحد منه نحو روم ورومى ، وعرب وعربى وفرس وفرسى ، وعجم وعجمى ، وترك وتركى ، ونبط ونبطى ، وياء المبالغة ياء تلحق الآخر للدلالة على نسبة الشىء إلى نفسه ، فيكون المنسوب والمنسوب إليه شيئا واحدا كأحمر وأحمرى ، ودوار ودوارى ، ووجه المبالغة أنهم لما رأوا المنسوب كاملا فى معناه ولم يجدوا شيئا ينسبونه إليه أكمل منه فى معناه نسبوه إلى نفسه. وأما الياء الزائدة لا لمعنى فهى ياء بنى عليها الاسم وليس له معنى بدونها نحو كرسى
أما حذف النون فواضح ؛ لدلالتها على تمام الكلمة ، وياء النسبة كجزء من أجزائها ، وأما حذف الألف والواو والياء المذكورة فلكونها إعرابا ولا يكون فى الوسط إعراب ، وأيضا لو لم تحذف لاجتمع العلامتان المتساويتان فى نحو مسلمانيان ومسلمونيون ، وعلامتا التثنية والجمع فى نحو مسلمونيان ومسلمانيون ، فيكون للكلمة إعرابان ، فان جعلت المثنى والمجموع بالواو والنون علمين فلا يخلو من أن تبقى الإعراب فى حال العلمية كما كان ، أولا (1)؛ فان أبقيته وجب الحذف أيضا فى النسبة ؛ إذ المحذور باق ، ولهذا إذا سميت شخصا بعشرين أو مسلمين لم يجز أن تقول عشرونان وعشرونون ومسلمونان ومسلمونون ، وإن أعربتهما بالحركات وجعلت النون بعد الألف فى المثنى والنون بعد الياء فى الجمع معتقب الإعراب كما عرفت فى شرح الكافية لم يكن الألف والياء للإعراب ، ولم يفد النون تمام الكلمة ، بل كانت الكلمة كسكران وغسلين (2)فيجب أن
1) للعلماء فى إعراب المثنى وجمع المذكر السالم بعد التسمية بهما أقوال : أما المثنى فمنهم من يعربه بالحروف كما كان قبل التسمية ، ومنهم من يلزمه الألف والنون ويعربه إعراب ما لا ينصرف كحمدان ، ومنهم من يلزمه الألف والنون ويصرفه كسرحان. وأما جمع المذكر السالم فمنهم من يعربه بالحروف كما كان قبل العلمية ، ومنهم من يجريه مجرى غسلين : أى يلزمه الياء ويعربه بالحركات على النون ويصرفه ، ومنهم من يجريه مجرى هرون : أى يلزمه الواو والنون ويمنعه من الصرف للعلمية وشبه العجمة ، ومنهم من يجريه مجرى عربون - بضم العين وسكون الراء أو بفتحهما - أى : يلزمه الواو والنون ويصرفه ، ومنهم من يلزمه الواو مع فتح النون ويعربه بحركات مقدرة على الواو منع من ظهورها حكاية أصله حالة رفعه التى هى أشرف حالاته
2) الغسلين : ما يخرج من الثوب بالغسل ، ومثله الغسالة ، والغسلين فى القرآن العزيز : ما يسيل من جلود أهل النار من قيح وغيره ، وقال الليث : الغسلين : شديد الحر (يريد أنه وصف). وقيل : شجر فى النار
ينسب إليهما بلا حذف شىء ، نحو بحرانىّ وقنّسرينىّ (1)
وألزم الجمع الياء دون الواو لكونها أخف منها وقد جاء البحرين فى المثنى على خلاف القياس ، يقال : هذه البحرين بضم النون ودخلت البحرين (بفتحها). قال الأزهرى : ومنهم من يقول البحران على القياس ، لكن النسبة إلى البحران الذى هو القياس أكثر ، فبحرانى أكثر من بحرينى وإن كان استعمال البحرين مجعولا نونه معتقب الأعراب أكثر من استعمال البحران كذلك ، وجاء فى الجمع الواو قليلا مع الياء ، قالوا : قنسرين وقنسرون ، ونصيبين ونصيبون ، ويبرين ويبرون ، لأن مثل زيتون فى كلامهم موجود ، وقال الزجاج نقلا عن المبرد : يجوز الواو قبل النون المجعول معتقب الأعراب قياسا ، قال : ولا أعلم أحدا سبقنا إلى هذا قال أبو على : لا شاهد له وهو بعيد عن القياس» اه
قال ياقوت : «البحرين : هكذا يتلفظ بها فى حال الرفع والنصب والجر ، ولم يسمع على لفظ المرفوع من أحد منهم إلا أن الزمخشرى قد حكى أنه بلفظ التثنية ، فيقولون : هذه البحران وانتهينا إلى البحرين ، ولم يبلغنى من جهة أخرى ... وهو اسم جامع لبلاد على ساحل بحر الهند بين البصرة وعمان. قيل : هى قصبة هجر ، وقيل : هجر قصبة البحرين ، وقد عدها قوم من اليمن ، وجعلها آخرون قصبة برأسها» اه ، وقنسرين بكسر أوله وفتح ثانيه وتشديده - وقد كسره قوم - ثم سين مهملة : مدينة من مدن الشام تقع على خط تسع وثلاثين درجة طولا وخمس وثلاثين درجة عرضا قرب حمص ، افتتحها أبو عبيدة بن الجراح سنة سبع عشرة من الهجرة. ونصيبين - بالفتح ثم الكسر ثم ياء علامة الجمع الصحيح : مدينة عامرة من بلاد الجزيرة على جادة القوافل من الموصل إلى الشام ، وفيها وفى قراها بساتين كثيرة ، بينها وبين الموصل ستة أيام ، وعليها سور كانت الروم بنته ، ويبرين - بالفتح ثم السكون وكسر الراء وياء ثم نون ، ويقال فيه أبرين : اسم قرية كثيرة النخل والعيون العذبة بحذاء الأحساء من بنى سعد بالبحرين ، وقال الخارزنجى رمل أبرين ويبر بن بلد قيل هى فى بلاد العماليق (اليمامة). ويبرين أيضا : قرية من قرى حلب ثم من نواحى عزاز. قال أبو زياد الكلبى
أراك إلى كثبان يبرين صبّة
وهذا لعمرى لو قنعت كثيب
وإنّ الكثيب الفرد من أيمن الحمى
إلىّ وإن لم آته لحبيب
وقال جرير :
لمّا تذكّرت بالدّيرين أرّقنى
صوت الدّجاج وضرب بالنّواقيس
فقلت للرّكب إذ جدّ الرّحيل بنا
يا بعد يبرين من باب الفراديس
وأما إذا نسبت1) قال المؤلف فى شرح الكافية (ح 2 ص 131) : «إذا أردت التسمية بشىء من الألفاظ : فان كان ذلك اللفظ مثنى أو مجموعا على حده كضاربان وضاربون ، أو جاريا مجراهما كائنان وعشرون ، أعرب فى الأكثر إعرابه قبل التسمية ، ويجوز أن تجعل النون فى كليهما معتقب الاعراب بشرط ألا يتجاوز حروف الكلمة سبعة ، لأن حروف قرعبلانة غاية عدد حروف الكلمة ، فلا تجعل النون فى مستعتبان ومستعتبون معتقب الاعراب ، فاذا أعربت النون ألزم المثنى الألف دون الياء ، لأنها أخف منها ، ولأنه ليس فى المفردات ما آخره باء ونون زائدتان وقبل الياء فتحة ، قال (ابن أحمر وقيل ابن مقبل)
إلى نحو سنين وكرين غير علمين (1)فإنه يجب رده إلى الواحد كما سيجىء
1) سنين : جمع سنة ، وكرين : جمع كرة ، وهما ملحقان بجمع المذكر السالم فى الاعراب بالواو والنون أو الياء والنون لكونهما غير علمين ولا وصفين لمذكر عاقل ولكون بناء واحدهما لم يسلم فى الجمع ، إذ قد حذفت لامه وأكثر هذا النوع يغير بعض حركات واحده ، ومراد المؤلف من «نحو سنين وكرين» كل ثلاثى حذفت لامه وعوض عنها فى المفرد تاء التأنيث ولم يسمع له جمع تكسير على أحد أبنية جموع التكسير المعروفة ، وهذا النوع كما يعرب إعراب جمع المذكر السالم يعرب بالحركات الظاهرة على النون ، وقد ورد من ذلك قوله صلىاللهعليهوسلم دعاء على أهل مكة «اللهم اجعلها عليهم سنينا كسنين يوسف» وغرض المؤلف مما ذكر دفع ما يتوهم من أن نحو سنين كالجمع والمثنى المسمى بهما إذا أعربا بالحركات فين أن هذا النوع يرد إلى واحده فى كل حال
من وجوب رد الجموع فى النسب إلى آحادها ، سواء جعلت النون معتقب الإعراب ، أو لا
قوله «جاء قنّسرىّ» يعنى فى المنسوب إلى ما لم يجعل نونه معتقب الإعراب «وقنسرينى» [يعنى] فى المنسوب إلى المجعول نونه معتقب الإعراب.
واعلم أن علامة النسبة ياء مشددة فى آخر الاسم المنسوب إليه يصير بسببها الاسم المركب منها ومن المنسوب إليه شيئا واحدا منسوبا إلى المجرد عنها فيدل على ذات غير معينة موصوفة بصفة معينة وهى النسبة إلى المجرد عنها فيكون كسائر الصفات : من اسم الفاعل ، واسم المفعول ، والصفة المشبهة ، فإن كلا منها ذات غير معينة موصوفة بصفة معينة ، فيحتاج إلى موصوف يخصص تلك الذات ، إما هو أو متعلقه نحو : مررت برجل تميمى ، وبرجل مصرى حماره ، فيرفع فى الأول ضمير الموصوف وفى الثانى متعلقه ، مثل سائر الصفات المذكورة ، ولا يعمل فى المفعول به ، إذ هو بمعنى اللازم : أى منتسب أو منسوب ، ولعدم مشابهته للفعل لفظا لا يعمل إلا فى مخصّص تلك الذات المبهمة المدلول عليها إما ظاهرا كما فى «برجل مصرى حماره» أو مضمرا كما فى «برجل تميمى» ولا يعمل فى غيره إلا فى الظرف الذى يكفيه رائحة الفعل ، نحو «أنا قريشىّ أبدا» أو فى الحال (1)المشبه له ، كما
1) نريد أن نبين لك أولا : أن قول المؤلف المشبه له ليس للاحتراز وإنما هو صفة كاشفة الغرض منها التعليل لعمل المنسوب فى الحال كعمله فى الظرف الذى يكفيه رائحة الفعل ، وثانيا : أن وجه الشبه بين الحال والظرف من ناحية أن معناهما واحد ، ألا ترى أن قولك جاء زيد راكبا مثل قولك جاء زيد وقت ركوبه ، ولهذا صح أن كل شىء دل على معنى الفعل يعمل فيهما فاسم الفاعل واسم المفعول وسائر الصفات وأسماء الأفعال والحروف المتشبهة للفعل ، كل ذلك يعمل فى الظرف والحال جميعا ، وثالثا : أنهما وإن تشابها فيما ذكرنا فان بينهما فرقا ، ألا ترى أن الحال لا يجوز أن تتقدم على عاملها المعنوى إذا كان ظرفا أو جارا ومجرورا على الصحيح والظرف يتقدم عليهما ، ومثال عمل المنسوب فى الحال أنت قرشى خطيبا وهو تميمى متفاخرا
مضى فى بابه ، قال عمران بن حطّان :
44 - يوما يمان إذا لاقيت ذا يمن
وإن لقيت معدّيّا فعدنانى (1)
يا روح كم من أخى مثوى نزلت به
قد ظنّ ظنّك من لخم وغسّان
حتّى إذا خفته فارقت منزله
من بعد ما قيل عمران بن حطّان
قد كنت جارك حولا ما تروّعنى
فيه روائع من إنس ومن جان
حتّى أردت بى العظمى فأدركنى
ما أدرك النّاس من خوف ابن مروان
فاعذر أخاك ابن زنباع فإنّ له
فى النّائبات خطوبا ذات ألوان
يوما يمان إذا لاقيت ذا يمن
وإن لقيت معدّيّا فعدنانى
لو كنت مستغفرا يوما لطاغية
كنت المقدّم فى سرّى وإعلانى
لكن أبت لى آيات مطهّرة
عند الولاية فى طه وعمران
ولم يشرح البغدادى هذا البيت فى شرح شواهد الشافية وقد ذكر قصة عمران وأبياته فى شرح شواهد الكافية (ش 397)
انظر خزانة الأدب (2 : 435 - 441) وكامل المبرد ح 2 ص 108 وما بعدها)
1) هذا البيت لعمران بن حطان السدوسى الخارجى وهو أحد المعدودين من رجالات الخوارج علما ومعرفة وحفظا وكان عبد الملك بن مروان قد أهدر دمه فطلبه عماله على الجهات فكان دائم النقلة وكان إذا نزل على قوم انتسب لهم نسبا قريبا من نسبهم ، والبيت من كلمة له يقولها لروح بن زنباع الجذامى وكان عمران قد نزل عليه ضيفا وستر عنه نفسه وانتسب له أزديا ، فلما انكشفت حاله ترك له رقعة مكتوبا فيها :
أما سائر الصفات المذكورة فلمشابهتها للفعل لفظا أيضا تتعدّى فى العمل إلى غير مخصّص تلك الذات المدلول عليها من الحال والظرف وغيرهما.
فان قيل : فاسم الزمان والمكان أيضا نحو المضرب والمقتل واسم الآلة يدلان على ذات غير معينة موصوفة بصفة معينة ؛ إذ معنى المضرب مكان أو زمان يضرب فيه ، ومعنى المضرب آلة يضرب بها ، فهلّا رفعا ما يخصص تينك الذاتين أو ضميره.
فيقال : صمت يوما معطشا : أى معطشا هو ، وصمت يوما معطشا نصفه ، وسرت فرسخا معسفا : (1)أى معسفا هو ، وسرت فرسخا معسفا نصفه.
فالجواب أن اقتضاء الصفة والمنسوب لمتبوع يخصّص الذات المبهمة التى يدلّان عليها وضعىّ بخلاف الآلة واسمى الزمان والمكان فانها وضعت على أن تدل على ذات مبهمة متصفة بوصف معين غير مخصصة بمتبوع ولا غيره ، فلما لم يكن لها مخصص لم تجر عليه ، ولم ترفعه ، ولم تنصب أيضا شيئا ، لأن النصب
1) المعسف : اسم مكان من العسف ، وهو الأخذ فى غير الجادة ، وأصله السير على غير الطريق ، وبابه ضرب
فى الفعل الذى هو الأصل فى العمل بعد الرفع فكيف فى فروعه ، فمن ثم أوّلوا قوله :
45 - كأنّ مجرّ الرّامسات ذيولبا
عليه قضيم نمّقته الصّوانع (1)
عفا ذو حسا من فرتنى فالفوارع
فجنبا أريك فالتّلاع الدّوافع
وقبل البيت المستشهد به قوله :
توهّمت آيات لها فعرفتها
لستّة أعوام وذا العام سابع
رماد ككحل العين ما إن تبينه
ونؤى كجذم الحوض أثلم خاشع
وذو حسا ، وفرتنى ، وأريك : مواضع. ويروى* عفا حسم من فرتنى* وهو موضع أيضا. وتوهمت : تفرست ، والآيات : العلامات ، واللام فى قوله «لستة أعوام» بمعنى بعد ، وما فى قوله «ما إن تبينه» نافية ، وإن بعدها زائدة ، وتبينه : تظهره ، والنؤى - بضم فسكون - : حفيرة تحفر حول الخباء لئلا يدخله المطر ، والجذم - بكسر فسكون - : الأصل ، والخاشع : اللاصق بالأرض ، والضمير فى عليه راجع إلى النؤى ، والرامسات : الرياح الشديدة الهبوب وهى مأخوذة من الرمس وهو الدفن ، ومنه سمى القبر رمسا ، لأنها إذا هبت أثارت الغبار فيدفن ما يقع عليه ، والمراد من ذيولها أواخرها التى تكون ضعيفة ، والقضيم - بفتح فكسر - : الجلد الأبيض ، ويقال : هو حصير خيوطه من سيور. ونمقته : حسنته. والصوانع : جمع صانعة وهى اسم فاعل من الصنع ، والاستشهاد بالبيت على أن مجر الرامسات مصدر ميمى بمعنى الجر ، وإضافته إلى الرامسات من إضافة المصدر لفاعله ، وذيولها مفعوله والكلام على تقدير مضاف ، وكأنه قد قال : كأن أثر جر الرامسات ذيولها ، فأما أن مجر مصدر فلما ذكره المؤلف من أن اسم المكان والزمان لا ينصبان المفعول ، لأنهما لا يرفعان وعمل النصب فرع عمل الرفع ، وأما تقدير المضاف فليصح المعنى ، لأنك لو لم تقدره لكنت قد شبهت الحدث وهو الجر بالذات وهو القضيم ، وإنما يشبه الحدث بالحدث أو الذات بالذات ، وهذا واضح بحمد الله إن شاء الله
1) هذا البيت للنابغة الذبيانى من قصيدة طويلة أولها
بقولهم : كان أثر مجر أو موضع ، على حذف المضاف ، وعلى أن مجر بمعنى جر مصدر.
وأما المصغر فموضوع لذات مخصوصة بصفة مخصوصة ؛ إذ معنى رجيل رجل صغير ، فليس هناك مخصص غير لفظ المصغر حتى يرفعه ،
هذا ، واعلم أن المنسوب إليه يلزمه بسبب ياء النسب تغييرات : بعضها عام فى جميع الأسماء ، وبعضها مختص ببعضها ؛ فالعام كسر ما قبلها ليناسب الياء ، والمختص : إما حذف الحرف ، كحذف تاء التأنيث وعلامتى التثنية والجمعين وياء فعيلة وفعيلة وفعيل وفعيل المعتلى اللام وواو فعولة ، وإما قلب الحرف كما فى رحوى وعصوى وعموى فى عم ، وإما رد الحرف المحذوف كما فى دموى ، وإما إبدال بعض الحركات ببعض كما فى نمرى وشقرى (1)، وإما زيادة الحرف كما فى كمّى ولائى ، وإما زيادة الحركة كما فى طووى وحيوى ، وإما نقل بنية إلى أخرى كما تقول فى المساجد مسجدى ، وإما حذف كلمة كمرئى فى امرىء القيس ، هذا هو القياسى من التغييرات ، وأما الشاذ منها فسيجىء فى أماكنه.
قال : «ويفتح الثّانى من نحو نمر والدّئل بخلاف تغلبىّ على الأفصح»
1) شقرى - بفتح الشين والقاف جميعا - : منسوب إلى شقرة - بفتح فكسر - وهى شقائق النعمان ، وشقائق النعمان : نبات له نور أحمر ، يقال : أضيفت إلى النعمان بن المنذر لأنه حماها ، وقيل : إنها أضيفت إلى النعمان بمعنى الدم لأنها تشبهه فى اللون ، وهو الأظهر عندنا
أقول : أعلم أن المنسوب إليه إذا كان على ثلاثة أحرف أوسطها مكسور وجب فتحه فى النسب ، وذلك ثلاثة أمثلة : نمر ، ودئل ، وإبل ، تقول : نمرى ودؤلى وإبلى ، وذلك لأنك لو لم تفتحه لصار جميع حروف الكلمة المبنية على الخفة : أى الثلاثيّة المجردة من الزوائد ، أو أكثرها ، على غاية من الثقل ؛ بتتابع الأمثال : من الياء ، والكسرة ، إذ فى نحو إبلى لم يخلص منها حرف ، وفى نحو يمرى ودئلىّ وخربى (1)لم يخلص منها إلا أول الحروف ، وأما نحو عضدى وعنقى فإنه وإن استولت الثقلاء أيضا على البنية المطلوبة منها الخفة إلا أن تغاير الثقلاء هون الأمر ، لأن الطبع لا ينفر من توالى المختلفات وإن كانت كلها مكروهة كما ينفر من توالى المتمائلات المكروهة ، إذ مجرد التوالى مكروه حتى فى غير المكروهات أيضا ، وكل كثير عدو للطبيعة.
وأما إذا لم يكن وضع الكلمة على أخف الأبنيه بأن تكون زائدة على الثلاثة فلا يستنكر تتالى الثقلاء الأمثال فيها ، إذ لم تكن فى أصل الوضع مبنية على الخفة ، فمن ثمّ تقول تغلبى ومغربى وجندلىّ (2)وعلبطى (3)ومستخرجى ومدحرجى وجحمرشى.
1) خربى : منسوب إلى خربة - كنبقة - وهى موضع الخراب الذى هو ضد العمران ، أو هو منسوب إلى خرب بزنة كتف - وهو جل قرب تعار (جبل ببلاد قيس) ، وأرض بين هيت (بلد بالعراق) والشام ، وموضع بين فيد (قلعة بطريق مكة) والمدينة
2) جندلى : منسوب إلى جندل وهو المكان الغليظ الذى فيه الحجارة ، قال ابن سيده : «وحكاه كراع بضم الجيم. قال : ولا أحقه» اه
3) العلبط والعلابط : القطيع من الغنم ، ويقال : رجل علبط ، وعلابط ، إذا كان ضخما عظيما ، وصدر علبط ، إذا كان غليظا عريضا ، ولبن علبط ، إذا كان رائبا خاثرا جدا ، وكل ذلك محذوف من فعالل وليس بأصل ، لأنه لا تتوالى أربع حركات
هذا عند الخليل ، فتغلبى بالفتح عنده شاذ لا يقاس عليه ،
واستثنى المبرد من جملة الزائد على الثلاثة ما كان على أربعة ساكن الثانى نحو تغلبى ويثربى فأجاز الفتح فيما قبل حرفه الأخير مع الكسر ، قياسا مطردا ، وذلك لأن الثانى ساكن والساكن كالميت المعدوم ؛ فلحق بالثلاثى.
والقول ما قاله الخليل ، إذ لم يسمع الفتح إلا فى تغلبي (1).
ومن كسر الفاء إتباعا للعين الحلقى المكسور فى نحو الصّعق قال فى المنسوب صعقى - بكسر الصاد وفتح العين - قال سيبويه : سمعناهم (2)
وملخص هذا أن من يقول صعقا كابل ينسب إليه على لفظه وقياسه فتح العين مع بقاء كسر الصاد ، وأن خيرا من ذلك أن يقال فى المنسوب إليه صعق - بفتح وكسر - وينسب إليه صعقى - بفتحتين -
يقولون صعقى - بكسر الصاد والعين - وهو شاذ ، ولعل ذلك ليبقى سبب كسر الصاد بحاله أعنى كسر العين.1) دعوى المؤلف أنه لم يسمع الفتح إلا فى تغلبى غير صحيحة فقد قال صاحب اللسان : «النسب إلى يثرب يثربى ويثربى ، وأثربى وأثربى (بفتح الراء وكسرها فيهما). فتحوا الراء استثقالا لتوالى الكسرات» ، اه وفى حواشى ابن جماعة على الجار بردى : أنهم نسبوا إلى المشرق والمغرب بالفتح والكسر ،
2) الصعق - بفتح الصاد وكسر العين - وبعضهم يقوله بكسرتين ، فيتبع الفاء للعين ، وهو صفة مشبهة ، ومعناه المغشى عليه ، والفعل صعق كسمع صعقا - بفتح فسكون أو بفتحين - وقد لقب بالصعق خويلد بن نفيل. قال فى القاموس : «ويقال فيه الصعق كابل والنسبة صعقى محركة ، وصعقى كعنبى على غير قياس ، لقب به لأن تميما أصابوا رأسه بضربة فكان إذا سمع صوتا صعق ، أو لأنه اتخذ طعاما فكفأت الريح قدوره فلعنها فأرسل الله عليه صاعقة» اه وقال سيبويه (2 : 73) «وقد سمعنا بعضهم يقول فى الصعق : صعقى (بكسر الصاد والعين) يدعه على حاله وكسر الصاد لأنه يقول صعق (بكسرتين) والوجه الجيد فيه صعقى (بفتحتين) وصعقى (بكسر ففتح) جيد» اه
قال : «وتحذف الواو والياء من فعولة وفعيلة بشرط صحة العين ونفى التّضعيف كحنفىّ وشنئىّ ، ومن فعيلة غير مضاعف كجهنىّ بخلاف طويلىّ وشديدىّ ؛ وسليقىّ وسليمىّ فى الأزد ، وعميرىّ فى كلب ؛ شاذ ، وعبدىّ وجذمىّ فى بنى عبيدة وجذيمة أشذ ، وخريبىّ شاذّ ، وثقفىّ وقرشىّ وفقمىّ فى كنانة ، وملحىّ فى خزاعة ؛ شاذّ
وتحذف الياء من المعتلّ اللّام من المذكّر والمؤنّث ، وتقلب الياء الأخيرة واوا كغنوىّ وقصوىّ وأموىّ ، وجاء أمّىّ بخلاف غنوىّ ، وأموىّ شاذّ ، وأجرى تحوىّ فى تحيّة مجرى غنوىّ ، وأمّا فى نحو عدوّ فعدوّيّ اتّفاقا ، وفى نحو عدوّة قال المبرّد مثله وقال سيبويه عدوىّ»
أقول : اعلم أن سبب هذا التغيير فريب من سبب الأول ، وذلك أن فعيلا وفعيلا قريبان من البناء الثلاثى ، ويستولى الكسر مع الياء على أكثر حروفها لو قلت فعيلى وفعيلى ، وهو فى الثانى أقل ، وأما إذا زادت الكلمة على هذه البنية مع الاستيلاء المذكور نحو إزميلىّ (1)وسكّيتىّ وسكّيتىّ (2)بتشديد الكاف فيهما
1) إزميلى منسوب إلى إزميل - بكسر أوله وثالثه وسكون ثانيه - وهو شفرة الحذاء ، والحديدة فى طرف الرمح لصيد البقر ، والمطرقة ، والازميل من الرجال الشديد والضعيف ، فهو من الأضداد
2) سكيتى بكسر أوله وتشديد ثانيه وآخره ياء مشددة - : منسوب إلى سكيت ، وهو كثير السكوت ، وسكيتى - بضم أوله وتشديد ثانيه وآخره ياء مشددة - : منسوب إلى سكيت ، وهو الذى يجىء فى آخر الحلبة آخر الخيل
فلا يحذف منها حرف المد ، سواء كانت مع التاء أولا ، إذ وضعها إذن على الثقل فلا يستنكر الثقل العارض فى الوضع الثانى ، أعنى وضع النسبة ، لكن مع قرب بناء فعيل وفعيل من البناء الثلاثى ليسا مثله ، إذ ذاك موضوع فى الأصل على غاية الخفة ، دون هذين ، فلا جرم لم يفرق فى الثلاثى بين فعل وفعلة نحو نمر ونمرة ، وفتح العين فى النسب إليهما ، وأما ههنا فلكون البناءين موضوعين على نوع من الثقل بزيادتهما على الثلاثى لم يستنكر الثقل العارض فى النسب غاية الاستنكار حتى يسوّى بين المذكر والمؤنث ، بل نظر ، فلما لم يحذف فى المذكر حرف لم يحذف حرف المد أيضا ، ولما حذف فى المؤنث التاء كما هو مطرد فى جميع باب النسب صار باب الحذف مفتوحا ، فحذف حرف اللين أيضا ، إذ الحذف يذكر الحذف ، فحصل به مع التخفيف الفرق بين المذكر والمؤنث ، وكذا ينبغى أن يكون : أى يحذف للفرق بين المذكر والمؤنث ، لأن المذكر أول ، وإنما حصل الالتباس بينهما لما وصلوا إلى المؤنث ؛ ففصلوا بينهما بتخفيف الثقل الذى كانوا اغتفروه فى المذكر وتناسوه هناك ، وإنما ذكروه ههنا بما حصل من حذف التاء مع قصد الفرق ، فكان على ما قيل :
إنّ لها بالمشرفىّ حاديا
ذكّرتنى الطّعن وكنت ناسيا» اه
والضمير فى «أقربها» يعود إلى الابل المفهومة من الحال وإن لم يجر لها ذكر فى الكلام ، والأقاصى : جمع أقصى أفعل تفضيل من قصى كدعا ورضى : أى بعد والمشرفى - بفتح الميم والراء : منسوب إلى مشارف ، وهى قرى قرب حوران منها بصرى من الشام ثم من أعمال دمشق ، إليها تنسب السيوف المشرفية. قال أبو منصور الأزهرى : قال الاصمعى : السيوف المشرفية منسوبة إلى مشارف ، وهى قرى من أرض العرب تدنو من الريف ، وحكى الواحدى : هى قرى باليمن ، وقال أبو عبيدة : سيف البحر شطه ، وما كان عليه من المدن يقال لها المشارف تنسب إليها السيوف المشرفية ، قال ابن إسحاق : مشارف قرية من قرى البلقاء. نقول : فمن قال إن مشارف قرى فهو جمع لفظا ومعنى ، فالنسبة إليه برده إلى واحده ، فيقال : مشرفى ، وهو قياس ، ومن قال : إن مشارف قرية فهو جمع لفظا مفرد فى المعنى ، فالنسبة إليه تكون على لفظه ، فيقال : مشارفى ، فقولهم مشرفى على هذا الوجه شاذ
1) قال الميدانى فى مجمع الأمثال (1 : 45 طبع بولاق): «قيل إن أصله أن رجلا حمل على رجل ليقتله وكان فى يد المحمول عليه ومح فأنساه الدهش والجزع ما فى يده ؛ فقال له الحامل : ألق الرمح ، فقال الآخر : إن معنى رمحا لا أشعربه؟! ذكرتنى الطعن - المثل ، وحمل على صاحبه فطعنه حتى قتله أو هزمه. يضرب فى تذكر الشىء بغيره ، يقال : إن الحامل صخر بن معاوية السلمى والمحمول عليه يزيد بن الصعق ، وقال المفضل : أول من قاله رهيم بن حزن الهلالى - رهيم ككميت ، وحزن كفلس - وكان انتقل بأهله وماله من بلده يريد بلدا آخر فاعترضه قوم من بنى تغلب فعرفوه ، وهو لا يعرفهم ، فقالوا له : خل ما معك وانج ، قال لهم : دونكم المال ولا تتعرضوا للحرم ، فقال له بعضهم : إن أردت أن نفعل ذلك فألق رمحك ، فقال : وإن معى لرمحا؟! فشد عليهم فجعل يقتلهم واحدا بعد واحد وهو يرتجز ويقول :
ردّوا على أقربها الأقاصيا*
ويذكرون التخفيف أيضا بسبب آخر غير حذف التاء ، وهو كون لام الفعل فى فعيل وفعيل ياء نحو على وقصى ، خففوا لأجل حصول الثقل المفرط لو قيل عليّىّ وقصيّىّ فى البناء القريب من الثلاثى ، ولم يفرقوا فى هذا السبب. لقوته بين ذى التاء وغيره ، فالنسبة إلى على وعلية علوى ، وكذا قصى وأمية ، كما استوى فى نمر ونمرة ؛ خففوا هذا بحذف الياء الأولى الساكنة لأن ما قبل ياء النسبة لا يكون إلا متحركا بالكسر كما مر ، والأولى مد فلا يتحرك ، وتقلب الياء الباقية واوا لئلا يتوالى الأمثال ؛ فان الواو وإن كانت أثقل من الياء
لو انفردت لكنهم استراحوا إليها من ثقل تتالى الأمثال كما ذكرنا ، ولا تكاد تجد ما قبل ياء النسبة ياء إلا مع سكون ما قبلها نحو ظبيىّ لأن ذلك السكون يقلل شيئا من الثقل المذكور ، ألا ترى أن حركة الياء تستثقل فى قاض إذا كانت ضمة أو كسرة ، بخلاف ظبى ، وليس الثقل فى نحو أميّىّ لا نفتاح ما قبل أولى الياءين المشددتين كالثقل فى نحو عليّيّ ؛ لأن ههنا مع الياءين المشددتين كسرتين ؛ فلهذا كان استعمال نحو أميى بياءين مشددتين أكثر من استعمال نحو عديى كذلك ، وقد جاء نحو أميى وعديى بياءين مشددتين فيهما فى كلامهم كما حكى يونس ، وإن كان التخفيف فيهما بحذف أولى الياءين وقلب الثانية واوا أكثر.
وأما فعول وفعولة فسيبويه (1)يجريهما مجرى فعيل وفعيلة فى حذف حرف اللين فى المؤنث دون المذكر قياسا مطردا ، تشبيها لواو المد بيائه لتساويهما فى المد وفى المحل أعنى كونهما بعد العين ، ولهذا يكونان ردفا فى قصيدة واحدة كما تقول مثلا فى قافية غفور وفى الأخرى كبير ، وقال المبرد شنئىّ فى شنوأة شاذ لا يجوز القياس عليه ، وقال : بين الواو والياء والضم والكسر فى هذا الباب فرق ، ألا ترى أنهم قالوا نمرى بالفتح فى نمر ولم يقولوا فى سمر سمرى اتفاقا ،
1) قال العلامة الشيخ خالد الأزهرى : «وما ذكرناه فى فعيلة وفعيلة من وجوب حذف الياء فيهما وقلب الكسرة فتحة فى الأولى فلا نعلم فيه خلافا ، وأما فعولة فذهب سيبويه والجمهور إلى وجوب حذف الواو والضمة تبعا واجتلاب فتحة مكان الضمة ، وذهب الأخفش والجرمى والمبرد إلى وجوب بقائهما معا ، وذهب ابن الطراوة إلى وجوب حذف الواو فقط وبقاء الضمة بحالها» اه ومنه تعلم أن المذهب المنسوب إلى أبى العباس محمد بن يزيد المبرد أصله للأخفش والجرمى ، فأنهما سابقان عليه ، وتعلم أيضا أن فى المسألة رأيا ثالثا وهو مذهب ابن الطراوة
وكذا قالوا فى المعتل اللام فى نحو عدىّ عدوى وفى عدو عدوّى اتفاقا ، فكيف وافق فعولة فعيلة ولم يوافق فعل فعلا ولا فعول المعتل اللام فعيلا ، وكذا فعولة المعتل اللام بالواو أيضا ، عند المبرد فعولىّ ، وعند سيبويه فعلى كما كان فى الصحيح.
فالمبرد يقول فى حلوب وحلوبة حلوبى ، وكذا فى عدوّ وعدوّة عدوّى ، ولا يفرق بين المذكر والمؤنث لا فى الصحيح اللام ولا فى المعتله ، ولا يحذف الواو من أحدهما ، وسيبويه يفرق فيهما بين المذكر والمؤنث ، فيقول في حلوب وعدوّ : حلوبى وعدوى ، وفى حلوبة وعدوة : حلبى وعدوى ، قياسا على فعيل وفعيلة ، والذى غره شنوءة فإنهم قالوا فيها شنئىّ ، ولو لا قياسها على نحو حنيفة لم يكن لفتح العين المضمومة بعد حذف الواو وجه ، لأن فعليا كعضدى وعجزى موجود فى كلامهم ، فسيبويه يشبه فعولة مطلقا قياسا بفعيلة فى شيئين : حذف اللين ، وفتح العين ، والمبرد يقصر ذلك على شنوءة فقط ، وقد خلط المصنف (1)ههنا فى الشرح فاحذر تخليطه ، وقول المبرد ههنا متين كما ترى (2).
1) قال ابن جماعة فى حواشى الجاربردى : «زعم الشارح تبعا للشريف والبدر ابن مالك أن كلام المصنف فى الشرح المنسوب إليه يقتضى أن يكون الحاذف المبرد وغير الحاذف سيبويه ، وإنه خطأ وقع منه ، وساق كلامه على حسب ما وقع فى نسخته ، والذى رأيته فى الشرح المذكور عكس ذلك الواقع موافقا لما فى المتن ، ولعل النسخ مختلفة ، فلنحرر» اه ومنه تعلم أن التخليط الذى نسبه المؤلف إلى ابن الحاجب ليس صحيح النسبة إليه ، وإنما هو من تحريف النساخ ، والشريف الذى يشير اليه هو الشريف الهادى وهو أحد شراح الشافية ، وليس هو الشريف الجرجانى
2) قد قوى مذهب أبى العباس المبرد بعض العلماء من ناحية القياس والتعليل والأخذ بالنظائر والأشباه فقد قال العلامة ابن يعيش (5 : 147): «وقول أبى العباس متين من جهة القياس ، وقول سيبويه أشد من جهة السماع ، وهو قولهم شنئى وهذا نص فى محل النزاع» اه ، لكن ابن جماعة قال بعد حكاية الأقوال فى هذه المسألة : «والأول مذهب سيبويه وهو الصحيح ، للسماع ، فان العرب حين نسبت إلى شنوءة قالوا : شنئى ، فان قيل : شنئى شاذ ، أجيب بأنه لو ورد نحوه مخالفا له صح ذلك ، ولكن لم يسمع فى فعولة غيره ، ولم يسمع إلا كذلك ، فهو جميع المسموع منها ، فصار أصلا يقاس عليه» اه ، والذى ذكره ابن جماعة فى مذهب سيبويه وجيه كما لا يخفى
قوله : «بشرط صحة العين ونفى التضعيف» يعنى إن كان فعولة معتلة العين نحو قوولة وبيوعه فى مبالغة قائل وبائع ، أو كانت مضاعفة نحو كدودة ، وكذا إن كانت فعيلة معتلة العين كحويزة وبييعة من البيع ، أو مضاعفة كشديدة ، لم تحذف حرف المد فى شىء منها ، إذ لو حذفته لقلت قولىّ وبيعىّ وكددىّ وحوزى (1)وبيعىّ وشددىّ ، فلو لم تدغم ولم تقلب الواو ولا الياء ألفا
1) الذى فى القاموس : الحويزة كدويرة : قصبة بخوزستان ، وكجهينة ممن قاتل الحسين ، وبدر بن حويزة محدث» اه والذى فى اللسان : «وبنو حويزة قبيلة قال ابن سيده : أظن ذلك ظنا» اه وليس فيهما حويزة - بفتح فكسر - كما يؤخذ من كلام المؤلف ، ولكن الذى فى ابن يعيش يقتضى صحة كلام المؤلف ، فانه قال فى (5 : 146): «وكذلك لو نسبت إلى بنى طويلة وبنى حويزة وهم فى التيم قلت : طويلى وحويزى ، والتصريف يوجب أن الواو إذا تحركت وانفتح ما قبلها قلبت ألفا كقولهم : دار ، ومال ، وحذف الياء إنما هو لضرب من التخفيف ، فلما آل الحال إلى ما هو أبلغ منه فى الثقل أو إلى اعلال الحرف احتمل ثقله وأقر على حاله» اه وفى كلام سيبويه ما يؤيد صحة ما يؤخذ من كلام ابن يعيش ، فقد قال فى (2 : 71) : «وسألته عن شديدة ، فقال : لا أحذف لاستثقالهم التضعيف ، وكأنهم تنكبوا التقاء الدالين وسائر هذا من الحروف ، قلت : فكيف تقول فى بنى طويلة ، فقال : لا أحذف لكراهيتهم تحريك هذه الواو فى فعل (بفتحتين) ألا ترى أن فعل من هذا الباب العين فيه ساكنة والألف مبدلة فيكره هذا كما يكره التضعيف ، وذلك قولهم فى بنى حويزة حويزى»
لكنت كالساعى إلى مثعب موائلا من سبل (1)
فررت من معن وإفلاسه
إلى اليزيدىّ أبى واقد
وكنت كالسّاعى إلى مثعب
موائلا من سبل الرّاعد
ومعن المذكور هنا هو معن بن زائدة الشيبانى الذى يضرب به المثل فى الجود ، وإنما أضاف الافلاس إليه لأن الأفلاس لازم للكرام غالبا ، والمراد باليزيدى أحد أولاد يزيد بن عبد الملك ، والمثعب - بفتح الميم وسكون الثاء المثلثة وفتح العين المهملة - : مسيل الماء. وموائل : اسم فاعل من واءل إلى المكان مواءلة ووئالا : أى بادر. والسبل - بفتحتين - : المطر. والراعد : السحاب ذو الرعد
الراعد ، إذ المد فى مثله ليس فى غاية الثقل كما ذكرنا ، ولذلك لم يحذف فى المجرد عن التاء الصحيح اللام ، بل حذفه لأدنى ثقل فيه ، حملا على الثلاثى كما مر ، مع قصد الفرق بين المذكر والمؤنث ، واجتماع المثلين المتحركين فى كلمة (2)وتحرك الواو والياء عينين مع انفتاح1) أخذ هذه العبارة من بيت لسعيد بن حسان بن ثابت وهو مع بيت قبله :
2) هذا الذى ذكره المؤلف فى تعليل عدم حذف المد من فعولة وفعيلة المضاعفين مسلم فى فعولة وليس بمسلم فى فعيلة ، لأنه بعد حذف حرف المد من نحو شديدة تفتح العين فيصير شددا كلبب ومثل هذا الوزن يمتنع الأدغام فيه لخفته ولئلا يلتبس بفعل ساكن العين. قال المؤلف فى باب الأدغام : «وإن كان (يريد اجتماع المثلين) فى الاسم ، فأما أن يكون فى ثلاثى مجرد من الزيادة أو فى ثلاثى مزيد فيه ، ولا يدغم فى القسمين إلا إذا شابه الفعل ، لما ذكرنا فى باب الأعلال من ثقل الفعل فالتخفيف به أليق ، فالثلاثى المجرد إنما يدغم إذا وازن الفعل نحو رجل صب. قال الخليل : هو فعل - بكسر العين - لأن صببت صبابة فأنا صب كقنعت قناعة فأنا قنع ، وكذا طب طبب ، وشذ رجل ضفف ، والوجه ضف ، ولو بنيت مثل نجس (بضم العين) من رد قلت : رد بالأدغام ، وكان القياس أن يدغم ما هو على فعل كشرر وقصص وعدد لموازنته الفعل ، لكنه لما كان الأدغام لمشابهة الفعل الثقيل وكان مثل هذا الاسم فى غاية الخفة لكونه مفتوح الفاء والعين - ألا ترى الى تخفيفهم نحو كبد وعضد دون نحو جمل - تركوا الأدغام فيه ، وأيضا لو أدغم فعل (بفتح الفاء والعين) مع خفته لالتبس بفعل ساكن العين فيكثر الالتباس ، بخلاف فعل وفعل بكسر العين وضمها فانهما قليلان فى المضعف ، فلم يكترث بالالتباس القليل ، وإنما اطرد قلب العين فى فعل (بفتحتين) نحو دار وباب ونار وناب ولم يجز فيه الأدغام مع أن الخفة حاصلة قبل القلب كما هى حاصلة قبل الأدغام ، لأن القلب لا يوجب التباس فعل (بفتحتين) بفعل (بفتح فسكون) ، إذ بالألف يعرف أنه كان متحرك العين لا ساكنها بخلاف الأدغام» اه
ما قبلهما قليلان متروكان عندهم ، ولو أدغمت وقلبت لبعدت الكلمة جدا عما هو أصلها لا لموجب قوى.
فإن قلت : لم تقلب الواو والياء ألفا فى قوول وبيوع وبييع مع تحركهما وانفتاح ما قبلهما ، فما المحذور لو لم تقلبا أيضا مع حذف المد؟
فالجواب أنهما لم تقلبا مع المد لعدم موازنة الفعل معه التى هى شرط فى القلب كما يجىء فى باب الاعلال ؛ ومع حذف المد تحصل الموازنة.
قوله : «ومن فعيلة غير مضاعف» ، إنما شرط ذلك لأنه لو حذف من مديدى فى مديدة (1)لجاء المحذور المذكور فى شديدة ، ولم يشترط ههنا صحة العين لأن [نحو] قويمة (2)إذا حذف ياؤه لم تكن الواو متحركة منفتحا ما قبلها كما كان يكون فى طويلة وقوولة لو حذف المد.
1) مديدة : تصغير «مدة» ويجوز أن يكون المكبر بضم أوله ومعناه الزمان وما أخذت من المداد على القلم. وبالفتح ومعناه واحدة المد الذى هو الزيادة فى أى شىء. وبالكسر ومعناه ما يجتمع فى الجرح من القبح
2) قويمة : تصغير قامة أو قومة أو قيمة ، فأما القامة فمصدر بمعنى القيام ، أو هى جمع قائم كقادة فى جمع قائد ، أو حسن طول الانسان ، أو اسم بمعنى جماعة الناس. وأما القومة فمصدر بمعنى القيام أيضا ، أو المرة الواحدة منه. وأما القيمة فثمن الشىء بالتقويم وأصلها قومة قلبت الواو ياء لسكوتها إثر كسرة
قوله «وسليقى شاد» السليقة : الطبيعة ، والسليقى : الرجل يكون من أهل السليقة ، وهو الذى يتكلم بأصل طبيعته [ولغته] ويقرأ القرآن كذلك ، بلا تتبع للقراء فيما نقلوه من القراآت ، قال :
ولست بنحوىّ يلوك لسانه
ولكن سليقىّ أقول فأعرب (1)
قوله «وسليمى فى الأزد وعميرىّ فى كلب» ، يعنى إن كان فى العرب سليمة فى غير الأزد وعميرة فى غير كلب ، أو سميت الآن بسليمة أو عميرة شخصا أو قبيلة أو غير ذلك قلت : سلمى وعمرى على القياس ، والذى شذ هو المنسوب إلى سليمة قبيلة من الأزد ، وإلى عميرة قبيلة من كلب ، كأنهم قصدوا الفرق بين هاتين القبيلتين وبين سليمة وعميرة من قوم آخرين.
قوله «وعبدى وجذمى» قال سيبويه : تقول فى حى من بنى عدى يقال : لهم بنو عبيدة : عبدىّ ، وقال : وحدثنا من نثق به أن بعضهم يقول :
فى بنى جذيمة جذمى فيضم الجيم ويجريه مجرى عبدىّ ؛ فرقا بين هاتين القبيلتين وبين مسمى آخر بعبيدة وجذيمة ، وحذف المضاف : أعنى «بنو» فى الموضعين ؛ لما يجىء بعد من كيفية النسبة إلى المضاف والمضاف إليه ، ولو سميت بعبيدة وجذيمة شيئا آخر جرى النسبة إليه على القياس ، كما قلنا فى عميرة وسليمة.
وإنما كان هذا أشذ من الأول لأن فى الأول ترك حذف الياء كما فى فعيل ، وغايته إبقاء الكلمة على أصلها ، وليس فيه تغيير الكلمة عن أصلها ،
1) لم نعثر على نسبة هذا البيت إلى قائل معين ، وهو من شواهد كثير من النحاة ، والمراد أنه يفتخر بكونه لا يتعمل الكلام ولا يتتبع قواعد النحاة ولكنه يتكلم على سجيته ويرسل الكلام إرسالا فيأتى بالفصيح العجيب. و «يلوك لسانه» : يديره فى فمه والمراد يتشدق فى كلامه ويتكلفه
وأما ههنا ففيه ضم الفاء المفتوحة ، وهو إخراج الكلمة عن أصلها.
قوله «وخريبىّ شاذ» كل ما ذكر كان شاذا فى فعيلة - بفتح الفاء وكسر العين - وخريبى شاذ فى فعيلة - بضم الفاء وفتح العين - وخريبة قبيلة ، والقصد الفرق كما ذكرنا ، إذ جاء خريبة اسم مكان أيضا ، وكذلك شذ رماح ردينيّة ، وردينة زوجة سمهر المنسوب إليه الرماح.
قوله «وثقفى» هذا شاذ فى فعيل والقياس إبقاء الياء
قوله «وقرشى وفقمىّ وملحىّ» هى شاذة فى فعيل بضم الفاء ، والقياس إبقاء الياء أيضا ، وإنما قال «فى كنانة» لأن النسب إلى فقيم بن جرير بن دارم من بنى تميم فقيمىّ على القياس ، وقال «ملحى فى خزاعة» لأن النسب إلى مليح بن الهون بن خزيمة مليحىّ على القياس ، وكذا إلى مليح بن عمرو بن ربيعة فى السّكون ، والقصد الفرق فى الجميع كما ذكرنا
قال السيرافى (1): أما ما ذكره سيبويه من أن النسبة إلى هذيل هذلىّ فهذا الباب عندى لكثرته كالخارج عن الشذوذ ، وذلك خاصّة فى العرب الذين بتهامة وما يقرب منها ؛ لأنهم قالوا قرشيّ وملحىّ وهذلى وفقمى ، وكذا قالوا فى
1) اعلم أن فى هذه المسألة ثلاثة أقوال : الأول ، وهو مذهب سيبويه وجمهور النحاة أن قياس النسب الى فعيل كأمير ، وفعيل كهذيل ، بقاء الياء فيهما ، فان جاء شىء مخالفا لذلك كثقفى فى الأول وهذلى فى الثانى فهو شاذ ، الثانى ، وهو مذهب أبى العباس المبرد ، أنك مخير فى النسب إليهما بين حذف الياء وبقائها قياسا مطردا ، فيجوز أن تقول فى النسب إلى شريف وجعيل : شريفى وجعيلى ، وأن تقول : شرفى وجعلى ، وما جاء على أحد هذين الوجهين فهو مطابق للقياس ، الثالث ، مذهب أبى سعيد السيرافى الذى أرمأ اليه المؤلف ، وهو أنك مخير فى فعيل - بضم الفاء - بين إثبات الياء وحذفها ، فأما فى فعيل - بفتح الفاء - فليس لك إلا اثبات الياء ، وإنما فرق بينهما لكثرة ما ورد من الأول بالحذف فى حين أنه لم يرد من الثانى بالحذف إلا ثقفى هذا كله فى صحيح اللام منهما ، فأما معتل اللام نحو على وغنى ففيه ما ذكره المؤلف من كلام يونس والمصنف
سليم وخثيم وقريم وحريث وهم من هذيل : سلمى وخثمى وقرمى وحرثى ، وهؤلاء كلهم متجاورون بتهامة وما يدانيها ، والعلة اجتماع ثلاث ياآت مع كسرة فى الوسط
قوله «وتحذف الياء من المعتل اللام» ، لا فرق فى ذلك بين المذكر والمؤنث بالتاء ، بخلاف الصّحيح فانه لا يحذف المد فيه إلا من ذى التاء كما ذكرنا
قوله «وتقلب الياء الأخيرة واوا» لئلا يجتمع الياآت مع تحرك ما قبلها لما ذكرنا
قوله «وجاء أميّيّ» ، يعنى جاء فى فعيل من المعتل اللام إبقاء الياء الأولى لقلة الثقل بسبب الفتحة قبلها ، ولم يأت نحو غنيّىّ ، هذا قوله ، وقد ذكرنا قبل أنه قد يقال غنيّىّ ، على ما حكى يونس ، وقال السيرافى : إن بعضهم يقول عديّىّ إلا أنه أثقل من أميىّ ؛ لزيادة الكسرة فيه ، وقال سيبويه : بعض العرب يقول فى النسب إلى أمية أموىّ بفتح الهمزة ، قال : كأنه رده إلى مكبره طلبا للخفة (1)
1) اعلم أن أمية تصغير أمة ، وهى الجارية ، والتاء فى أمة عوض عن اللام المحذوفة ، وأصلها الواو ، والدليل على أن أصلها الواو جمعهم لها على أموات ، فلما أرادوا تصغيرها ردوا اللام كما هو القياس فى تصغير الثلاثى الذى بقى على حرفين ثم قلبوا الواو ياء لاجتماعها مع الياء وسبق إحداهما بالسكون ، وأدغمت ياء التصغير فيها ، وزادوا تاء التأنيث على ما هو قياس الاسم الثلاثى المؤنث بغير التاء فأما تاء العوض فقد حذفت حين ردت اللام ، لأنه لا يجمع بين العوض و المعوض عنه ، والنسب إلى أمة المكبر أموى برد اللام وجوبا كما هو قياس النسب إلى الثلاثى المحذوف اللام ، إذ كانت قد ردت فى جمع التصحيح
قوله «وأجرى تحوى فى تحيّة مجرى غنوى» إنما ذكر ذلك لان كلامه كان فى فعيلة ، وتحيّة فى الأصل تفعلة إلا أنه لما صار بالادغام كفعيلة فى الحركات والسكنات ، فشارك بذلك نحو عدى وغنى فى علة حذف الياء فى النسب وقلب الياء واوا (1)فحذفت ياؤه الأولى وقلبت الثانية واوا لمشاركته له فى العلة ، وإن خالفه فى الوزن وفى كون الياء الساكنة فى تحية عينا وفى أمية (2)للتصغير
واعلم أنك إذا نسبت إلى قسىّ وعصىّ علمين (3)قلت : قسوى وعصوىّ
1) وقع فى أصول الكتاب كلها «فشارك بذلك نحو عدى وغنى فى علة حذف الياء فى التصغير وقلب الياء واوا» والذى يتجه عندنا أن كلمة «التصغير» وقعت سهوا وأن الصواب «فى علة حذف الياء فى النسب» لأن حذف الياء الأولى مع قلب الثانية واوا لا يكون إلا فى النسب وعلى هذا تكون إضافة «علة» الى «حذف» على معنى اللام ، وعلة الحذف هى استثقال الياءات مع الكسرتين. نعم إن تحية وغنيا يشتركان فى باب التصغير فى حذف إحدى الياءات لوجود ياءين بعد ياء الصغير ، لكنهما عند المؤلف تحذف ياؤهما الأخيرة نسيا ، وعند ابن مالك تحذف الياء التى تلى ياء التصغير كما نص عليه فى التسهيل ، وليس من اللائق حمل كلام المؤلف على غير مذهبه ، على أنه لو أمكن تصحيح بقاء كلمة «التصغير» على حالها بالنسبة إلى حذف الياء لم يمكن بقاؤها بالنسبة إلى قلب الياء واوا ، لأن محله النسب لا التصغير ، فلا جرم وجب ما ذكرناه
2) قوله «وفى أمية للتصغير» هذه كلمة مستدركة ، لأنه لا يشبه تحية بأمية وانما يشبهها بنحو غنية ، ألا ترى أن وجه الشبه أنهما سواء فى الحركات والسكنات والأصل فى ذلك أن يكونا سواء فى نوع الحركة لا فى جنسها فكان الأوفق أن يقول وفى «غنية» زائدة
3) إنما قال «علمين» للاحتراز عن النسب إليهما جمعين فأن النسب إليهما حينئذ يرد كل واحد منهما إلى مفرده ، فتقول عصوى وقوسى
فضممت الفاء لأن أصله الضم ، وإنما كنت كسرته إتباعا لكسرة العين ، فلما انفتح العين فى النسبة رجع الفاء إلى أصلها
قال : «وتحذف الياء الثّانية فى نحو سيّد وميّت ومهيّم من هيّم ، وطأئىّ شاذ ، فإن كان نحو مهيّم تصغير مهوّم قيل مهيّمىّ بالتّعويض»
أقول : اعلم أنه إذا كان قبل الحرف الأخير الصحيح ياء مشددة مكسورة فألحقت ياء النسب به وجب حذف ثانيتهما المكسورة على أىّ بنية كان الاسم : على فيعل كميّت ، أو على مفعّل كمبيّن ، أو على أفيعل كأسيّد ، أو على فعيّل كحميّر أو على غير ذلك ، لكراهتهم فى آخر الكلمة الذى اللائق به التخفيف اكتناف ياءين مشددتين بحرف واحد مع كسرة الياء الأولى وكسرة الحرف الفاصل ، وكان الحذف فى الآخر أولى ، إلا أنه لم يجز حذف إحدى ياءى النسب لكونهما معا علامة ، ولا ترك كسرة ما قبلهما لالتزامهم كسره مطردا ، ولا حذف الياء الساكنة لئلا يبقى ياء مكسورة بعدها حرف مكسور بعدها ياء مشددة ، فان النطق بذلك أصعب من النطق بالمشددتين بكثير ، وذلك ظاهر فى الحس ، فلم يبق إلا حذف المكسورة ، فان كان الأخير حرف علة كما فى المحيّي فسيجىء حكمه ، فان كانت الياء التى قبل الحرف الأخير مفتوحة كمبيّن ومهيّم اسمى مفعول لم بحذف في النسبة شىء لعدم الثقل
قوله «وطائى شاذ» أصله طيّئىّ كميّتىّ فحذف الياء المكسورة كما هو القياس ، فصار طيئىّ بياء ساكنة ، ثم قلبوا الياء الساكنة ألفا على غير القياس قصدا للتخفيف لكثرة استعمالهم إياه ، والقياس قلبها ألفا إذا كانت عينا أو طرفا وتحركت وانفتح ما قبلها كما يجىء ، ويجوز أن يكون الشذوذ فيه من جهة حذف
الياء الساكنة فتنقلب الياء التى هى عين ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها على ما هو القياس
قوله : «ومهيم من هيم» هو اسم فاعل من هيّمه الحب : أى صيره هائما متحيرا.
قوله «فإن كان نحو مهيّم تصغير مهوم اسم فاعل من هوم» أى نام نوما خفيفا ، فاذا صغرته حذفت إحدى الواوين ، كما تحذف فى تصغير مقدّم إحدى الدالين ، وتجىء بياء التصغير ، فإن أدغمته فيها صار مهيّما ، وإن لم تدغمه كما تقول فى تصغير أسود : أسيود (1)قلت : مهيوم ، ثم إن أبدلت من المحذوف قلت : مهيّيم ومهيويم ، كما تقول : مقيديم ، قال جار الله وتبعه المصنف : إنك إذا نسبت إلى هذا المصغر المدغم فالواجب إبدال الياء من الواو المحذوفة ، فتقول :
مهيّيمىّ لأنك لو جوزت النسب إلى ما ليس فيه ياء البدل وهو على صورة اسم فاعل من هيّم فان لم تحذف منه شيئا حصل الثقل المذكور ، وإن حذفت التبس المنسوب إلى هذا المصغر بالمنسوب إلى اسم الفاعل من هيّم ، فألزمت ياء البدل ليكون الفاصل بين الياءين المشددتين حرفين : الياء الساكنة والميم ، فتتباعدان أكثر من تباعدهما حين كان الفاصل حرفا ، فلا يستثقل اجتماع الياءين المشددتين فى كلمة حتى يحصل الثقل بترك حذف شىء منهما أو الالتباس بحذفه ، وكذا ينبغى أن ينسب على مذهبهما إلى مصغر مهيم اسم فاعل من هيّم ، أعنى بياء العوض ، وهذا الذى ذكرنا فى تصغير مهيّم ومهوّم أعنى حذف أحد المثلين مذهب سيبويه فى تصغير عطوّد (2)على ما ذكرنا فى التصغير ، أما المبرد فلا يحذف منه شيئا ، لأن الثانى وإن كان متحركا يصير مدة رابعة فلا يختل به بنية
التصغير كما قال سيبويه فى تصغير مسرول (1)مسيريل ، فعلى مذهبه ينبغى أن لا يجوز فى تصغير مهوّم ومهيّم إلا مهيّم بياء ساكنة بعد المشددة كما تقول فى تصغير عطوّد : عطييد لا غير ، فعلى مذهبه لا يجىء أنه إذا نسب إلى مصغر مهوم أو مهيم يجب الإبدال من المحذوف لأنه لا يحذف شيئا حتى يبدل ، فلا ينسب هو أيضا إلى المصغر إلا مهيّيمى ، لكن الياء ليس بعوض كما ذكرنا ، ومذهب سيبويه وإن كان على ما ذكرنا من حذف إحدى الواوين فى نحو عطود ، إلا أنه لم يقل ههنا انك لا تنسب إلى المصغر إلا مع الإبدال كما ذكر جار الله ، بل قال : إنك إذا نسبت إلى مهييم الذى فيه ياء ساكنة بعد المشددة لم تحذف منه شيئا ، قال : لأنا إن حذفنا الياء التى قبل الميم بقى مهيم والنسبة إلى مهيم توجب حذف إحدى الياءين فيبقى مهيمى ، كما يقال فى حميّر : حميرى ، فيصير ذلك إخلالا به ، يعنى يختل الكلمة بحذف الياءين منها ، فاختاروا ما لا يوجب حذف شيئين ، يعنى إبقاء الياء التى هى مدة ، ليتباعد بها وبالميم الياءان المشددتان أكثر فيقل استثقال تجاورهما ، هذا قوله ، ويجوز أن يكون سيبويه ذهب ههنا مذهب المبرد من أن النسبة إلى مثله لا تكون إلا بالمد ، إذ لا يحذف من الكلمة شىء ، فلا يكون الياء فى مهيّيمى للتعويض ويجوز أن يكون ذهب ههنا أيضا إلى ما ذهب إليه فى عطوّد ، أعنى حذف أحد المثلين وجواز التعويض منه وتركه إلا أنه قصد إلى أنك إن نسبت إلى ما فيه ياء العوض لم تحذف منه شيئا خوف إجحاف الكلمة بحذف الياءين ، وإن نسبت إلى المصغر الذى ليس فيه ياء العوض حذفت الياء المكسورة وقلت : مهيمى ، كما تقول فى المنسوب إلى اسم الفاعل من هيّم وفى المنسوب إلى حميّر إذ لا إجحاف
1) انظر (1 : 250) من هذا الكتاب
فيه إذن ، ولا يبالى باللبس ، وثانى الاحتمالين فى قول سيبويه أرجح ؛ لئلا يخالف قوله فى عطوّد ، وعلى كل حال فهو مخالف لما ذكر جار الله والمصنف
قال : «وتقلب الألف الأخيرة الثّالثة والرّابعة المنقلبة واوا كعصوىّ ورحوىّ وملهوىّ ومرموىّ ، ويحذف غيرهما كحبلىّ وجمزىّ ومرامىّ وقبعثرىّ ، وقد جاء فى نحو حبلى حبلوىّ وحبلاوىّ ، بخلاف نحو جمزى»
أقول : اعلم ان آخر الاسم المنسوب إليه إما أن يكون ألفا أو واوا أو ياء أو همزة قبلها ألف أو همزة ليس قبلها ذلك ، أو حرفا غير هذه المذكورة ، فالقسمان الأخيران لا يغيّر حرفهما الأخير لأجل ياء النسبة ، ونذكر الآن ما آخره ألف فنقول :
الذى آخره ألف إن كانت ألفه ثانية : فإما أن تكون لامه محذوفة كما إذا سمى بفازيد وذا مال وشاة (1)، ولا رابع لها أولا لام له وضعا ، كما إذا سمى
1) أصل فازيد قبل الأضافة فوه - بفتح أوله وسكون ثانيه - بدليل جمعه على أفواه وتصغيره على فويه ، ثم حذفت لامه اعتباطا فكره بقاء الاسم المعرب على حرفين ثانيهما لين فأبدل الثانى ميما فصار فم ، فأذا أضيف زال المقتضى لا بداله ميما ، لأن المضاف والمضاف إليه كالشىء الواحد فنزلوا المضاف إليه منزلة لام الكلمة فرجع حرف العلة ، فجعلوه قائما مقام حركة الأعراب فى الرفع ثم جعلوا الواو ألفا فى النصب وياء فى الجر لتكون الألف والياء مثل الفتحة والكسرة وضموا ما قبل الواو فى الرفع وفتحوا ما قبل الألف فى النصب وكسروا ما قبل الياء فى الجر طلبا للتجانس والخفة. وأما ذا مال فأصله قبل الأضافة ذوى - بفتح أوله وثانيه - على الراجح ، فحذفت لامه اعتباطا ثم جعلت عينه التى هى الواو قائمة مقام حركة الأعراب فى الرفع ، وجعلت الألف والياء قائمتين مقام الفتحة والكسرة فى حالتى النصب والجر ، ثم حركت الفاء بحركة مناسبة للعين طلبا للتجانس والخفة وأما شاة فأصلها شوهة - بفتح أوله وسكون ثانيه - بدليل قولهم فى التصغير شويهة فحذفت لام الكلمة اعتباطا ، ثم حركت العين بالفتح لاتصال تاء التأنيث بها ، ثم أعلت العين بقلبها ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ، وهذه الحركة وإن كانت عارضة إلا أنها لازمة ، فجعلت كالأصلية فاعتد بها فى الأعلال بخلاف حركة نحو شى فى شىء وضو فى ضوء ونحو اشتروا الضلالة ، ولا تنسوا الفضل بينكم
بذا (1)وما ولا ، وإن كانت ثالثة : فإما أن تكون منقلبة عن اللام كالعصى والفتى وهو الأكثر ، أو تكون أصلية كما فى متى وإذا ، وإن كانت رابعة : فاما أن تكون منقلبة عن اللام كالأعلى والأعمى ، أو للإلحاق كالأرطى (2)والذفرى (3)، أو للتأنيث كحبلى وبشرى ، أو أصلية نحو كلّا وحتّى ، والخامسة قد تكون منقلبة ، وللالحاق ، وللتأنيث ، كالمصطفى والحبنطى (4)والحبارى (5)، والسادسة قد تكون منقلبة كالمستسقى ؛ وللإلحاق كالمسلنقى (6)واسلنقى علما ، وقد تكون للتأنيث كحولايا (7)، وقد تكون لتكثير البناء فقط كقبعثرى (8).
1) مراده ب «ذا» ذا الأشارية ، وقد تبع فى جعلها ثنائية الوضع ابن يعيش فى شرح المفصل. انظر (1 : 285) من هذا الكتاب
2) انظر (1 : 57)
3) انظر (1 : 70) - و (1 : 195) من هذا الكتاب
4) انظر (1 : 54) - و (1 : 255) من هذا الكتاب
5) انظر (1 : 244) - و (1 : 257) من هذا الكتاب
6) مسلنقى : اسم مفعول من اسلنقى ، وهو مطاوع سلقاه ؛ إذا صرعه وألقاه على ظهره
7) حولايا : اسم قرية من عمل النهروان على ما فى القاموس ، وقد ذكر المؤلف فى باب التصغير أنها اسم رجل : انظر (1 : 246) من هذا الكتاب
8) انظر (1 : 9) من هذا الكتاب
فالثانية التى لامها محذوفة إن وقع موقعها قبل النسب حرف صحيح على وجه الأبدال قلب الألف فى النسبة إليه ؛ فيقال فى النسب إلى فازيد علما : فمىّ ، بحذف المضاف إليه كما يجىء ، وأما قلبها فى النسب ميما فلأن ياء النسب كأنها الاسم المنسوب ، والمجرد عنها هو المنسوب إليه ؛ فلا جرم لا يلحق هذه الياء أسما إلا ويمكنه أن يستقلّ بنفسه من دون الياء ويعرب ، وكذا ينسب إلى فوزيد وفى زيد علمين ، وإن لم يقع موقعها حرف صحيح على وجه الابدال رد اللام كما تقول فى المسمى بذا مال وفى شاة : ذووىّ وشاهىّ ، (1)وكذا تقول فى المسمى بذو مال وذى مال ، والثانية التى لا لام لها وضعا يزاد عليها مثلها. كما يجىء ؛ لأن الملحق به ياء النسب كما قلنا يجب أن يمكن كونه اسما معربا من دون الياء ، فإذا زدت عليها ألفا اجتمع ألفان ؛ فتجعل ثانيتهما همزة ؛ لأن الهمزة من مخرج الألف ومخرج الفتحة التى قبلها ، ولم تقلب الألف واوا وإن كان إبدال حروف العلة بعضها من بعض أكثر من إبدالها بغيرها ، كما تقول فى الرحى : رحوىّ على ما يجىء ، لأن وقوع الهمزة طرفا بعد الألف أكثر من وقوع الواو بعدها ، فتقول ذائىّ فى ذا للاشارة ، ولائىّ ومائىّ ، فقولهم : مائيّة الشىء منسوب إلى ما المستفهم بها عن حقيقة الشىء كما مر فى الموصولات ومن قال ماهيّة فقد قلب
1) ذووى على أن أصل ذا مال «ذوو» واضح ، وأما على أن أصلها ذوى فوجهه أن الياء قلبت واوا دفعا لاستثقال الياءات والكسرة كما فى عم وشج وشاهى فى النسبة إلى شاة مبنى على مذهب سيبويه من أن ساكن العين إذا تحرك بعد حذف لامه يبقى على حركته عند رد اللام فى النسب ؛ لأن ياء النسبة عارضة ولا اعتداد بالعارض ، أما على مذهب الأخفش من أن العين إذا تحركت بعد حذف اللام ترجع إلى سكونها بعد رد اللام فيقال شوهى لا شاهى ؛ لأن المقتضى لتحريك العين هو حذف اللام فاذا ردت اللام زال المقتضى لتحريك العين فترجع إلى سكونها
الهمزة هاء لتقاربهما ، وحال الواو والياء ثانيتين لا ثالث لهما كحال الألف سواء ، فتقول فى المنسوب إلى لو : لوّىّ وفى المنسوب إلى فى : فيوىّ ، وأصله فيّيىّ فعمل به ما عمل بالمنسوب إلى حى كما يجىء.
وإن كانت الألف ثالثة قلبت واوا مطلقا ، وإنما لم تحذف الألف للساكنين كما تحذف فى نحو الفتى الظريف لأنها لو حذفت وجب بقاء ما قبل الألف على فتحته دلالة على الألف المحذوفة ، لأن ما حذف لعلة لا نسيا تبقى حركة ما قبل المحذوف فيه على حالها كما فى قاض وعصا فكنت تقول فى النسبة إلى عصا وفتى : عصىّ وفتىّ بالفتح ، إذ لو كسر ما قبل الياء لا التبس بالمحذوف لامه نسيا كيدىّ ودمىّ فكان إذن ينخرم أصلهم الممهد ، وهو أن ما قبل ياء النسبة لا يكون إلا مكسورا فى اللفظ ليناسبها ، بخلاف ما قبل ياء الإضافة فإنه قد لا يكون مكسورا كمسلماى وفتاى ومسلمىّ ، وذلك لكون ياء الاضافة اسما برأسه ، بخلاف ياء النسبة ، فأنها أوغل منها فى الجزئية وان لم تكن جزأ حقيقيا كما مر ، وإنما لم تبدل الألف همزة لأن حروف العلة بعضها أنسب إلى بعض
وأما إبدالهم الألف همزة فى نحو صفراء وكساء ورداء دون الواو والياء فلما يجىء من أنها لو قلبت إلى أحدهما لوجب قلبها ألفا ، فكان يبطل السعى ، وإنما لم تقلب ياء كراهة لاجتماع الياءات ، وإنما لم يقلب واو نحور جوىّ ألفا مع تحركها وانفتاح ما قبلها لعروض حركتها (1)لأن ياء النسب كما مر ليس له اتصال تام بحيث يكون كجزء مما قبله بل هو كالاسم المنسوب ، وأيضا لئلا يصار إلى ما فرّ منه
1) الأولى أن يقتصر فى عدم قلب واو نحو رحوى ألفا على التعليل الثانى ؛ إذ لا يظهر لدعوى عروض حركة الواو وجه ، اللهم إلا أن يقال إن الواو لما كانت منقلبة عن الألف الساكنة لأجل ياء النسبة العارضة كان أصل الواو السكون وتحريكها إنما جاء لياء النسبة
وأما الألف الرابعة فإن كانت منقلبة ، أو للالحاق ، أو أصلية ، فالأشهر الأجود قلبها واوا دون الحذف ؛ لكونها أصلا أو عوضا من الأصل أو ملحقة بالأصل ، وإن كانت للتأنيث فالأشهر حذفها لأنه إذا اضطر إلى إزالة عين العلامة فالأولى بها الحذف ، فرقا بين الزائدة الصرفة والأصلية أو كالأصلية ، ويتحتم حذفها إذا تحرك ثانى الكلمة كجمزى (1)؛ لزيادة الاستثقال بسبب الحركة ، فصارت الحركة - لكونها بعض حروف المد كما ذكرنا غير مرة - كحرف ، فإذا كان الأولى بألف التأنيث من دون هذا الاستثقال الحذف كما ذكرنا صار معه واجب الحذف
وكما يتحتم حذف الألف خامسة كما يجىء يتحتم حذفها رابعة مع تحرك ثانى الكلمة ، والحركة قد تقوم مقام الحرف فيما فيه نوع استثقال كما مر فيما لا ينصرف ألا ترى أن قدما يتحتم منع صرفه علما كعقرب دون هند ودعد ، (2)وإن
1) يقال : جمز الانسان والبعير والدابة يجمز ، كيضرب ، جمزا وجمزى ؛ إذا عدا عدوا دون الجرى الشديد ، ويقال : حمار جمزى إذا كان وثابا سريعا
2) قال المؤلف فى شرح الكافية (1 : 44): «فالمؤنث بالتاء المقدرة حقيقيا كان أولا إذا زاد على الثلاثة وسميت به لم ينصرف سواء سميت به مذكرا حقيقيا أو مؤنثا حقيقيا أولا هذا ولا ذاك ، وذلك لأن فيه تاء مقدرة وحرفا سادا مسده ؛ فهو بمنزلة حمزة ، وإن كان ثلاثيا فأما أن يكون متحرك الأوسط أولا ، والأول إن سميت به مؤنثا حقيقيا كقدم فى اسم امرأة أو غير حقيقى كسقر لجهنم فجميع النحويين على منع صرفه ، للتاء المقدرة ولقيام تحرك الوسط مقام الحرف الرابع القائم مقام التاء ، والدليل على قيام حركة الوسط مقام الحرف الرابع أنك تقول فى حبلى : حبلى وحبلوى ، ولا تقول فى جمزى إلا جمزى ، كما لا تقول فى جمادى إلا جمادى ، وخالفهم ابن الأنبارى فجعل سقر كهند فى جواز الأمرين نظرا إلى ضعف الساد مسد التاء ، وإن سميت به مذكرا حقيقيا أو غير حقيقى فلا خلاف عندهم فى وجوب صرفه ، لعدم تقدير تاء التأنيث ، وذلك كرجل سميته يسقر وكتاب سميته بقدم» اه
كان ثانى الكلمة ساكنا جاز تشبيه ألف التأنيث بالألف المنقلبة ، والأصلية والتى للالحاق ، فتقول : حبلوى ، وبألف التأنيث الممدودة ، فتزيد قبلها ألفا آخر ، وتقلب ألف التأنيث واوا فتقول : حبلاوىّ ودنياوىّ كصحراوىّ ، وكما جاز تشبيه ألف التأنيث بالمنقلبة والأصلية والتى للالحاق جاز تشبيه المنقلبة والأصلية والتى للالحاق بألف التأنيث المقصورة فى الحذف ، فتقول : ملهىّ وحتّىّ وأرطىّ ، وبألف التأنيث الممدودة ، تقول : ملهاوىّ وحتّاوى وأرطاوى ، وقد شبهوا - فى الجمع أيضا - المنقلبة بألف التأنيث لكن قليلا ، فقالوا : مدارى فى جمع مدرى (1)، كحبالى فى جمع حبلى كما يجىء فى بابه (2)
وأما الخامسة فما فوقها فانها تحذف فى النسب مطلقا ، منقلبة كانت أو غيرها ، بلا خلاف بينهم ؛ للاستثقال ؛ إلا أن تكون خامسة منقلبة وقبلها حرف مشدد ؛
1) قال : فى اللسان : «والمدرى والمدراة (بكسر أولهما وسكون ثانيهما) والمدرية (بفتح أوله وسكون ثانيه وكسر ثالثه) : القرن ، والجمع مدار ، ومدارى الألف بدل من الياء ، ودرى رأسه بالمدرى : مشطه. قال ابن الأثير : المدرى والمدراة : شىء يعمل من حديد أو خشب على شكل سن من أسنان المشط وأطول منه يسرح به الشعر المتلبد ، ويستعمله من لم يكن له مشط ، ومنه حديث أبى : أن جارية له كانت تدرى رأسها بمدراها : أى تسرحه ، يقال : ادرت المرأة تدرى ادراء ، إذا سرحت شعرها به ، وأصلها تدترى : تفتعل من استعمال المدرى ، فأدغمت التاء فى الدال» اه
2) قال المؤلف فى باب الجمع من هذا الكتاب : «وقد جاء فى بعض ما آخره ألف منقلبة ما جاء فى ألف التأنيث من قلب الياء ألفا تشبيها له به ، وذلك نحو مدرى ، ومدار ، ومدارى - بالألف - وذلك ليس بمطرد. وقال السيرافى : هو مطرد ، سواء كان الألف فى المفرد منقلبة أو للألحاق وإن كان الأصل إبقاء الياء ، فتقول على هذا فى ملهى : ملاه وملاهى ، وفى أرطى : أراط وأراطى ، وقال : إنه لا يقع فيه إشكال ، والأولى الوقوف على ما سمع» اه
فإن يونس جعلها كالرابعة فى جواز الإبقاء والحذف ، فمعلّى عنده كأعلى وألزمه سيبويه أن يجوز فى الخامسة للتأنيث القلب أيضا نحو عبدّى (1)كما أجاز فى الرابعة للتأنيث كحبلى ، ولا يجيزه يونس ولا غيره ، ولا يلزم ذلك يونس ؛ لان أصل الرابعة التى للتأنيث الحذف كما تقدم فلزم فيما هو كالرابعة ، بخلاف المنقلبة فان أصل الرابعة المنقلبة القلب (2)، وألزمه سيبويه أيضا أنه لو
1) انظر (1 : 245 ه 2) من هذا الكتاب
2) حاصل هذا الكلام أن العلماء أجمعوا فى الألف الرابعة على جواز القلب والحذف إذا كان ثانى الكلمة ساكنا بلا فرق بين الألف المنقلبة عن أصل كملهى والتى للتأنيث كحلى ، تقول : ملهى وملهوى وحبلى وحبلوى ، اتفاقا ، ومع اتفاقهم على جواز الوجهين اتفقوا على أن القلب فى المنقلبة أرجح من الحذف وعلى أن الحذف فى ألف التأنيث أرجح من القلب ، فأما إذا كانت الألف خامسة ليس فيما قبلها حرف مشدد فقد أجمعوا أيضا على وجوب حذفها فى النسب مطلقا تقول فى حبارى ومصطفى : حبارى ومصطفى ، فان كانت الألف خامسة وفيما قبلها حرف مشدد فان كانت للتأنيث فقد أجمعوا على وجوب الحذف ، تقول فى عبدى وكفرى وزمكى : عبدى وكفرى وزمكى ، وإن كانت الألف فى هذه الحال لغير التأنيث مثل معدى ومصلى ومعلى (بضم ففتح فتشديد الثالث فيهن) فيونس يجوز فيها القلب والحذف حملا لها على الرابعة لأن الحرف المشدد بمنزلة الحرف الواحد ، وسيبويه يوجب فيها حينئذ الحذف اعتدادا بالحرف المشدد كحرفين ، وقد قال سيبويه : إنه يجب إذا اعتبرنا الحرف المشدد حرفا واحدا أن يجوز فى ألف التأنيث فى هذه الحال الوجهان لوجود العلة التى اقتضت الجواز فيها كوجودها فى المنقلبة ، مع أنهم أجمعوا فى التى للتأنيث على وجوب الحذف ، وقد ذكر المؤلف رحمهالله أن ذلك لا يلزم يونس ، لأن بين ألف التأنيث الرابعة والألف التى لغير التأنيث فرقا ، لأن الأصل فى ألف التأنيث الحذف والأصل فى التى لغير التأنيث القلب ، فلما حملت الخامسة التى قبلها حرف مشدد على الرابعة أعطى كل نوع ما هو الأصل فيه فجعل حكم التى للتأنيث الحذف وحكم غيرها جواز القلب ، ونقول : كان مقتضى هذا الذى ذكره من الفرق أن يجب فى المنقلبة القلب لأنه أصل فى الذى حمل عليه وهو الرابعة المنقلبة ، كما وجب الحذف فى التى للتأنيث لأنه أصل فى المحمول عليه وهو الرابعة التى للتأنيث
جاء مؤنث على مثل معدّ وخدبّ (1)ونحو ذلك فسمى به مذكر يصرف ؛ لأنه يكون إذن كقدم إذا سمى به مذكر (2)ولا قائل به
قوله : «كحبلىّ وجمزىّ» الألف فيهما رابعة للتأنيث ؛ إلّا أن جمزى متحرك الثانى بخلاف حبلى ، وألف مرامى خامسة منقلبة ، وفى قبعثرى سادسة لتكثير البنية فقط
قال : «وتقلب الياء الأخيرة الثّالثة المكسور ما قبلها واوا ويفتح ما قبلها كعموىّ وشجوىّ ، وتحذف الرّابعة على الأفصح كقاضىّ ، ويحذف ما سواهما ، كمشترىّ ، وباب محىّ جاء على محوىّ ومحيىّ كأميّىّ»
أقول : اعلم أن الياء الأخيرة فى المنسوب إليه لا تخلو من أن تكون ثانية محذوفة اللام كما إذا سمى بفى زيد وذى مال ، أو ثانية لا لام لها وضعا كفى وكى ، وقد ذكرنا حكم القسمين ، أو ثانية حذفت فاؤها كشية (3)، ويجىء حكمها ،
1) أنظر (1 : 59 ه 6) من هذا الكتاب
2) حاصل هذا الوجه الذى ألزم به سيبويه يونس أن علم المؤنث إذا سمى به مذكر يشترط فى منع صرفه الزيادة على ثلاثة أحرف ، فلو جعلنا احرف المشدد بمنزلة حرف واحد كما يقتضيه جعل يونس نحو معلى بمنزلة أعلى فى جواز الحذف والابقاء لزمنا أن نصرف علم المؤنث الذى سمينا به مذكرا وكان على أربعة أحرف وفيه حرف مشدد ، والاجماع على وجوب منع صرف مثل هذا
3) الشية - بكسر الشين وفتح الياء مثل عدة - مصدر وشى الثوب يشيه وشيا وشية ، مثل وعد يعد وعدا وعدة ، إذا حسنه ونمقه وجعله ألوانا
أو تكون ثالثة ، وهى إما متحرك ما قبلها ولا تكون الحركة إلا كسرة كالعمى والشّجى ، أو ساكن ما قبلها ، وهو إما حرف صحيح كظبى ورقية (1)
فما تركا من عوذة يعرفانها
ولا رقية إلا بها رقيانى
وقنية (2)أو ألف كراى وراية ، أو ياء مدغم فيها كطىّ وحىّ ، أو تكون رابعة ، وهى إما أن ينكسر ما قبلها كالقاضى والغازى ، أو يسكن ، والساكن إما ألف كسقاية أو ياء مدغم فيها كعلىّ وقصىّ ، أو غير ذلك كقرأى (3)، وكذا الخامسة : إما أن ينكسر ما قبلها كالمرامى ، أو يسكن ، والساكن إما ألف كدرحاية (4)وحولايا ، أو ياء مدغم فيها ككرسى ومرمىّ ، أو غير ذلك كإنقضى على وزن إنقحل (5)من قضى.والواو الأخيرة إما أن تكون ثانية محذوفة اللام كفو زيد وذو مال ، أو ثانية لا لام لها وضعا كلو وأو ، وقد ذكرنا حكم هذين القسمين أيضا ، أو تكون ثالثة ساكنا ما قبلها كغزو وغزوة ورشوة وعروة ، أو متحركا ما قبلها بالضم نحو سروة من سرو على مثال سمرة من غير طريان التاء ، وكذا الرابعة يكون
1) الرقية : العوذة التى يرقى بها صاحب الآفة كالحمى والصرع وغير ذلك من الآفات ، قال عروة بن حزام.
2) القنية (بكسر فسكون ، وبضم فسكون ويقال قنوة وقنوة) ما يتخذه الانسان من الغنم وغيرها لنفسه لا للتجارة
3) يريد ما أخذته من قرأ على وزان قمطر ، وأصله بهمزتين أولاهما ساكنة فأبدلت ثانيتهما ياء ، لأن ثانية الهمزتين الواقعتين طرفا تبدل ياء
4) الدرحاية - بكسر فسكون - الرجل الكثير اللحم القصير الضخم البطن اللئيم الخلقة ، ووزنه فعلاية ، وهو ملحق بفعلالة كجعظارة ، والجعظارة : القصير الرجلين الغليظ الجسم
5) الانقحل - بكسر الهمزة وسكون النون وفتح القاف وسكون الحاء المهملة - الذى يبس جلده على عظمه من الكبر (أنظر ج 1 ص 61 ه 1)
ما قبلها ساكنا كشقاوة ، أو مضموما كعرقوة وقرنوة (1)، وكذا الخامسة ما قبلها إما ساكن كحنطأو (2)ومغزوّ ، أو مضموم كقلنسوة.
ولو انفتح ما قبل الياء والواو طرفين لانقلبتا ألفا ، ولو انكسر ما قبل الواو الأخيرة لانقلبت ياء ، ولو انضم ما قبل الياء طرفا فى الاسم لانقلبت الضمة كسرة كما يجىء فى ناب الاعلال.
فكل ما ذكرنا أو نذكر من أحكام الياءات والواوات المذكورة فى باب النسب فهو على ما ذكر ، وما لم نذكر حكمه منها لا يغير فى النسب عن حاله.
فنقول : إن الياء الثالثة المكسور ما قبلها تقلب واوا لاستثقال الياءات مع حركة ما قبل أولاها ، وتجعل الكسرة فتحة ، وإذا فتحوا العين المكسورة فى الصحيح اللام فهو فى معتلها أولى ، لئلا تتوالى الثقلاء.
وإذا كانت المكسور ما قبلها رابعة ، فان كان المنسوب إليه متحرك الثانى كيتقى مخفف يتّقى (3)فلا بد من حذف الياء ، وكذا إن كان الثانى ساكنا عند سيبويه والخليل كقاضىّ ويرمىّ لأن الألف المنقلبة والأصلية رابعة جاز
1) القرنوة - بفتح القاف وسكون الراء وضم النون ، ولا نظير لها سوى عرقوة وعنصوة وترقوة وثندوة - وهى نوع من العشب وقال فى اللسان : «القرنوة نبات عريض الورق ينبت فى ألوية الرمل ودكادكه. ورقها أغبر يشبه ورق الحندقوق» اه ، وفيه عن أبى حنيفة «قال أبو زياد : من العشب القرنوة ، وهى خضراء غبراء على ساق يضرب ورقها إلى الحمرة ولها ثمرة كالسنبلة ، وهى مرة يدبغ بها الأساقى ، والواو فيها زائدة للتكثير ، لا للمعنى ولا للالحاق ، ألا ترى أنه ليس فى الكلام مثل فرزدقة» اه
2) الحنطأو - بكسر الحاء المهملة وسكون النون وبعدها طاء مهملة أو ظاء مشالة - وهو القصير (انظر ج 1 ص 256 ه 2)
3) أنظر (ج 1 ص 157 ه 1)
حذفها مع خفتها ، كما ذكرنا ؛ فحق الياء مع ثقلها بنفسها وبالكسرة قبلها وجوب الحذف إذا اتصل بها ياء النسبة
فان قلت : افعل به ما فعلت بالثلاثى نحو العمى من قلب الكسرة فتحة والياء واوا ، (1)وقد استرحت من الثقل ؛ لأنه يصير كالأعلى ،
قلت : ثقل الرباعى فى نفسه إلى غاية التخفيف : أى الحذف ، أدعى منه إلى ما دون ذلك (2)، وهو ما ذكر السائل من القلب ، بخلاف الثلاثى ؛ فان خفته فى نفسه لا تدعو إلى مثل ذلك ، ومن أجرى فى الصحيح نحو تغلبيّ مجرى نمرىّ - وهو المبرد - لكون الساكن كالميت المعدوم ؛ يجرى أيضا فى المنقوص نحو قاض مجرى عم ؛ فيقول : قاضوىّ ويرموىّ ،
وأما الياء المكسور ما قبلها إذا كانت خامسة فصاعدا فلا كلام فى حذفها ، نحو مستقىّ ومستسقىّ ؛ إذ الألف مع خفتها تحذف وجوبا فى هذا المقام كما مر
قوله «وباب محىّ» الياء الأخيرة فى محىّ خامسة يجب حذفها ، كما فى مستق ، فيبقى محىّ بعد حذفها كقصىّ ، وإن خالف الياء الياء ، فيعامل معاملته ، كما قلنا فى تحيّة ، وليس محىّ مثل مهيّيم لوجوب حذف الياء الخامسة ، فتلتقى الياءان المشددتان ، بخلاف نحو مهيّيم ، قال أبو عمرو : محوىّ أجود ، وقال المبرد : بل محيّىّ بالتشديدين أجود (3)، وإذا وقع الواو ثالثة أو فوقها مضموما
1) الذى فى الأصول «والواو ياء» وهو خطأ صوابه ما أثبتناه
2) معنى هذه العبارة أن الاسم الرباعى الذى هو بطبعه ثقيل محتاج إلى التخفيف أكثر من الثلاثى فلم يكتف فيه بما دون منتهى التخفيف وهو الحذف بخلاف الثلاثى الذى لم يبلغ مبلغه فى الثقل ، فأنه اكتفى فيه بأول مراتب التخفيف وهو قلب الياء واوا ، فقوله «إلى غاية التخفيف» متعلق بأدعى ، وكذلك قوله «منه» وقوله «إلى ما دون ذلك» متعلق كذلك بأدعى ، و «أدعى» هو خبر المبتدأ
3) قال ابن جماعة : «قال مبرمان : سألت أبا العباس (يعنى المبرد) هل يجوز أن يحذف من المحيى ياء لاجتماع الياءات؟ فقال : لا ، لأن محييا (الذى هو اسم فاعل حيى بالتضعيف) جاء على فعله ، واللام تعتل كما تعتل فى الفعل ، قال : والاختيار عندى محيى (أى بأربع ياءات) لأنى لا أجمع حذفا بعد حذف» إه كلامه ، وقوله «واللام تعتل كما تعتل فى الفعل» يريد أن الياء فى محى الذى هو اسم فاعل تعل بحذفها لأنها تعل فى الفعل بالاسكان فى المضارع والقلب ألفا فى الماضى ، فالاعلال فى الفعل سبب الاعلال فى المشتق وإن اختلف نوع الاعلال ، وقوله «لأنى لا أجمع حذفا بعد حذف» معناه أن الياء الخامسة قد حذفت ، فلو حذف الثالثة وقلب الرابعة واوا كما فى نحو على فقالوا محوى لكانوا قد جمعوا على الكلمة؟؟؟ جحاف بها ، فأما قول أبى عمرو «محوى أجود» فوجهه الخفة إذ لا يلزم عليه اجتماع الأمثل الثقلاء وهى الياءات
ما قبلها كسروة وقرنوة فالواجب فى النسب قلب الواو ياء والضمة كسرة حتى يصير كعم وقاض ، ثم ينسب إليه الثلاثى : بفتح العين وقلب الياء واوا ، وذلك لأنك تحذف التاء للنسبة ، وقد ذكرنا أن ياء النسبة كالاسم المستقل من جهة أن المنسوب إليه قبلها ينبغى أن يكون بحيث يصح أن يستقل ويعرب فبعد حذف التاء يتطرف الواو المضموم ما قبلها فى الاسم المتمكن ، فتقلب ياء كما فى الأدلى ، وتقول فيما واوه رابعة أو فوقها نحو عرقوة وقمحدوة (1): عرقىّ وقمحدىّ كما تقول قاضىّ ومشترىّ وبعض العرب يجعل الياء قائما مقام التاء حافظا للواو من التطرف لأن فى الياء جزئية ما بدليل انتقال الإعراب إليها كما فى تاء التأنيث فيقول : قرنوىّ وقمحدوىّ ، ويقول أيضا : سروىّ فى سروة ، وبعض العرب يقول فى الرابعة :
عرقوىّ بفتح القاف كقاضوىّ ، فأما فى الخامسة وما فوقها : فليس إلا الحذف كقمحدىّ ، كما فى مشترىّ ومستسقىّ
قال : (ونحو ظبية وقنية ورقية وغزوة وعروة ورشوة
1) القمحدوة : العظم الناتىء فوق القفا خلف الرأس (انظر ج 1 ص 261 ه 3)
على القياس عند سيبويه ، وزنويّ وقروىّ شاذّ عنده ، وقال يونس ظبوىّ وغزوىّ ، واتّفقا فى باب غزو وظبى ، وبدويّ شاذّ»
أقول : الذى ذكر قبل هذا حكم الواو والياء لامين إذا تحرك ما قبلهما ، وهذا حكمهما ساكنا ما قبلهما ، فنقول : إذا كان قبل الواو ساكن صحيحا كان أولا لم يغير الواو فى النسب اتفاقا : ثالثة كانت كغزوى ودوّىّ (1)
قد لفّها اللّيل بعصلبىّ
أروع خرّاج من الدّوّىّ
وقال العجاج :
دوّيّة لهولها دوىّ
للرّيح فى أقرابها هويّ
وفى القاموس أنه أيضا اسم بلد ، وفى المعجم أنه اسم أرض بعينها
وساوى (2)فى ساوة وقصيدة واوية ، أو رابعة كشقاوىّ ، أو خامسة كحنطأوىّ ومغزوّىّ ، إذ الواو لا تستثقل قبل الياء إذا سكن (3)ما قبلها ، إذ تغاير حرفى العلة وسكون ما قبل أولاهما يخففان أمر الثقل ، وإذا كان يلتجأ إلى الواو مع تحرك ما قبلها فى نحو عموىّ وقاضوىّ عند بعضهم فما ظنّك بتركها على حالها مع سكون ما قبلها؟ فعلى هذا لا بحث فى ذى الواو الساكن ما قبلها إلا فى نحو عروة فان فى فتح عينه وإسكانها خلافا كما يجىء ؛ وإنما البحث فى ذى الياء الساكن ما قبلها1) دوى : منسوب إلى الدو (بفتح الدال المهملة وتشديد الواو) وهو الفلاة الواسعة ، وقيل : الأرض المستوية ، وقال :
2) ساوى : منسوب لساوة ، وهى مدينة بين الرى وهمذان بينها وبين كل منهما ثلاثون فرسخا
3) ليس لقوله «إذا سكن ما قبلها» مفهوم ، لأن الواو لا تستثقل قبل ياء النسب سكن ما قبلها أو تحرك ، فهذا القيد لبيان الواقع لا للاحتراز
فنقول : إن كانت الياء ثالثة والساكن قبلها حرف صحيح فلا يخلو من أن يكون مع التاء كظبية أولا كظبى ؛ فالمجرد لا تغيير فيه اتفاقا لحصول الخفة بسكون العين وصحتها ، ولعدم ما يجرىء على التغيير من حذف التاء ، وأما الذى مع التاء فسيبويه والخليل ينسبان إليه أيضا بلا تغيير سوى حذف التاء ، فيقولان : ظبيّ وقنييّ ورقيىّ ، وكذا فى الواوىّ غزوىّ وعروى ورشوىّ ؛ لسكون عين جميعها ، إذ التخفيف حاصل والأصل عدم التغيير ، وكان يونس يحرك عين جميع ذلك واويا كان أو يائيا بالفتح ، أما فى اليائى فلتخفّ الكلمة بقلب الياء واوا ، وخص ذلك بالثلاثى ذى التاء ، أما الثلاثى فلأن مبناه على الخفة فطلبت بقدر الممكن ، فلا تقول فى إنقضية (1)إلّا إنقضيىّ ، وأما ذو التاء فلأن التغيير بحذف التاء جرّا على التغيير بالفتح ، مع قصد الفرق بين المذكر والمؤنث كما ذكرنا فى فعيل وفعيلة ، وأما الفتح فى الواوى فحملا على اليائى ، والذى حمل يونس على ارتكاب هذا في اليائى والواوى مع بعده من القياس قولهم فى القرية قروىّ وفى بنى زنية وبنى البطية - وهما قبيلتان (2)- زنوىّ وبطوىّ ، وكان الخليل يعذر يونس فى ذوات الياء دون ذوات الواو ، لأن ذوات الياء بتحريك عينها تنقلب ياؤها واوا ، فتخف شيئا ، وإن كان يحصل بالحركة أدنى ثقل ، لكن ما يحصل بها من الخفة أكثر مما يحصل من الثقل ، وأما ذوات الواو فيحصل بتحريك عينها ثقل من دون خفة ، ولم يرد به أيضا سماع كما ورد فى اليائى قروى وزنوى وبطوى ، ومع ذلك فاختيار الخليل ما ذكرنا أولا
قوله «وبدوى شاذّ» لأنه منسوب إلى البدو ، وهو مجرد عن التاء فهو عند الجميع شاذ
قال : «وباب طىّ وحىّ تردّ الأولى إلى أصلها وتفتح نحو طووىّ وحيوىّ بخلاف دوّىّ وكوّىّ وما آخره ياء مشدّدة بعد ثلاثة إن كان نحو مرمىّ قيل مرموىّ ومرمىّ وإن كانت زائدة حذفت ككرسىّ وبخاتىّ فى بخاتى اسم رجل»
أقول قوله «دوّى وكوىّ» (1)إنما ذكر مثالين لبيان أن حكم ذى التاء والمجرد عنها سواء ، بخلاف نحو غزو وغزوة كما تقدم فى الفصل المتقدم ، والذي تقدم حكم الياء الثالثة إذا كان قبلها ساكن صحيح ، فان لم يكن ما قبلها حرفا صحيحا فإما أن يكون ياء أو ألفا ، ولو كان واوا صار ياء كما فى طىّ لما يجىء فى باب الإعلال من أن الواو والياء إذا اجتمعا وسكن سابقهما قلبت الواو ياء
فنقول : إن كانت ثالثة وما قبلها ياء ساكنة ، ولا بد أن تكون مدغمة (2)فيها فإذا نسب إلى مثله وجب فكّ الإدغام ، لئلا يجتمع أربع ياءات فى البناء الموضوع على الخفة فيحرك العين بالفتح الذى هو أخف الحركات ، فيرجع العين
1) الكوى : المنسوب إلى الكوة ، وهى بفتح الكاف أو ضمها مع تشديد الواو فيهما ، ويقال كو أيضا بغير تاء - وهى الثقب غير النافذ فى البيت أو الحائط
2) محل ما ذكره من وجوب الادغام إذا كانت الياء الساكنة أصلا أو منقلبة عن واو ، فالأول نحو حى وعى ، والثانى نحو طى ولى ؛ فإن كانت الياء الساكنة منقلبة عن همزة لم يكن الإدغام واجبا ، وذلك لأن حكم الياء المنقلبة عن همزة انقلابا غير لازم كحكم الهمزة مثل ريى مخفف رئى (وانظر ج 1 ص 28)
إن كانت واوا إلى أصلها لزوال سبب انقلابها ياء - وهو اجتماعهما مع سكون الأول - فتقول فى طىّ : طووىّ ، ويبقى الياء بحالها نحو حيوىّ لأنه من حيى وتنقلب الياء الثانية فى الصورتين واوا : إما بأن تنقلب أولا ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ثم تقلب واوا كما فى عصوى ورحوى ، أو تقلب الياء من أول الأمر واوا لاستثقال ياء متحرك ما قبلها قبل ياء النسب ، ولا ينقلب ألفا لعروض حركتها وحركة (1)ما قبلها ، لأنهما لأجل ياء النسبة التى هى كالاسم المنفصل على ما مر ، ولم يقلب العين ألفا : إما لعروض حركتها ، وإما لأن العين لا تقلب إذا كانت اللام حرف علة ، سواء قلبت اللام كما فى هوى أو لم تقلب كما فى طوى على ما يجىء فى باب الإعلال
قال سيبويه ومن قال أميّىّ قال حيّىّ وطيّىّ لأن الاستثقال فيهما واحد ؛ والذى يظهر أن أميّيّا أولى من حيّىّ لأن بناء الثلاثى على الخفة فى الأصل يقتضى أن يجنّب ما يؤدى إلى الاستثقال أكثر من تجنيب الزائد على الثلاثة ، ألا ترى إلى قولهم نمرى بالفتح دون جندلىّ
1) أما أن حركة ما قبل اللام فى نحو طووى وحيوى عارضة فمسلم إذ أصلها قبل فك الادغام السكون ، وأما أن حركة اللام نفسها عارضة فغير مسلم لأنها محل الحركة الإعرابية حال الادغام ، على أن عروض حركة العين لا يمنع من قلب اللام إذا كانت واوا أو ياء ألفا ، فان أحدا من العلماء لم يشترط لقلب كل من الياء والواو ألفا أصالة تحرك ما قبلهما ، بل القلب حاصل مع عروض الحركة ، وانظر إلى باب أقام وأجاب واستقام واستضاف ومقام ومجاب ومستقام ومستضاف فانك تجد كلا من الواو والياء قد انقلب ألفا مع طرو حركة ما قبلهما ، ثم هم يقولون : تحركت الواو أو الياء بحسب الأصل وانفتح ما قبلها الآن فانقلبت ألفا - وهذا واضح إن شاء الله. نعم التعليل الصحيح لعدم قلب الواو ألفا مع تحركها وانفتاح ما قبلها هو ما ذكره سابقا من أنك لو قلبتها ألفا للمزمك أن تقلبها واوا ثانية للزوم تحرك ما قبل ياء النسب والألف لا تقبل الحركة فيبطل سعيك.
والياء الثالثة إذا كان قبلها ألف ، ولا تكون تلك الألف زائدة ، بل تكون منقلبة عن العين نحو آية وآى وغاية وغاى وراية وراى ، (1)فالأقيس ترك الياء بحالها ، كما فى ظبيىّ ، ومن فتح هناك فى ظبية وقال ظبوى لم يفتح العين ههنا ؛ لأنه لا يمكنه إلا بقلبها همزة أو واوا أو ياء فيزيد الثقل ، وإنما لم يقلب الياء فى آى وراى ألفا ثم همزة كما فى رداء لأن الألف قبلها ليست بزائدة ، وهو شرطه كما يجىء فى باب الاعلال.
ويجوز ههنا فى النسبة قلب الياء همزة لأن الياء لم تستثقل قبل المجىء بباء النسب ، فلما اتصلت حصل الثقل فقلبت همزة قياسا على سائر الياآت المتطرفة المستثقلة بعد الألف ، وإن كان بين الألفين فرق ، فإنها تقلب ألفا ثم همزة فقلبت هذه أيضا همزة ، فقيل : رائى ، فى راى وراية.
1) هذا الذى ذكره المؤلف من أن الألف أصلية لا زائدة فى هذه الكلمات مبنى على رأى غير الكسائى رحمهالله من العلماء ، فأما على رأيه فهى زائدة ، وحاصل الكلام فى هذه الكلمات أن العلماء اختلفوا فى أصلهن ووزنهن ، فقال الجمهور أصل آية أبية (بوزن شجرة) قلبت العين ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ، وكان القياس يقتضى بقاء العين وقلب اللام فيقال أياة ؛ لأن اللام طرف وهى أولى بالاعلال والتغيير ، وقال قوم : أصل آية أبية كشجرة أيضا ، ثم قلبت اللام ألفا على ما يقتضيه القياس فصار أياة مثل حياة ، ثم قدمت اللام على العين فصار آية ، فوزنها على الأول فعلة وعلى الثانى فلعة (بفتحات فيهما) وقال قوم : أصلها أييه بوزن سمرة ثم أعلت العين ألفا على خلاف القياس أيضا ، ووزنها فعلة (بفتح فضم) وقيل : أصلها أوية أو أوية (كتمرة فى الأول وكشجرة فى الثانى) ثم أعلت العين على خلاف القياس ، وقال الفراء أصلها أية كحية ثم قلبت العين ألفا لانفتاح ما قبلها كقلبهم إياها فى طائى وياجل ، وقال الكسائى : أصلها آيية على مثال ضاربة ، فكرهوا اجتماع الياءين مع انكسار أولاهما فحذفت الأولى فزنتها فالة ، ومثل ذلك يجرى فى غير آية من هذه الكلمات
ويجوز قلبها واوا أيضا لأن الياء الثالثة المتطرفة المستثقلة لأجل ياء النسب بعدها تقلب واوا كما فى عموى وشجوى.
هذا كله إذا كانت الياء الساكن ما قبلها ثالثة ؛ فإن كانت رابعة نظرنا : فإن كانت بعد ألف منقلبة. ولا تكون إلا عن الهمزة ، نحو قراى فى تخفيف قرأى ؛ لأن العين لا تقلب ألفا مع كون اللام حرف علة كما فى هوى وطوى ، فلا تغير الياء فى النسب عن حالها ؛ لأن قلب الهمزة ألفا إذن غير واجب ، فالألف فى حكم الهمزة ، وإن كانت الألف زائدة - وهو الكثير الغالب كما فى سقاية (1)ونقاية (2)- قلبت الياء همزة فى النسب لأن القياس كان قلبها ألفا ثم همزة لو لا التاء المانعة من التطرف ، فلما سقطت التاء للنسبة وياء النسبة فى حكم المنفصل كما تقدم صارت الياء كالمتطرفة ، ومع ذلك هى محتاجة إلى التخفيف بمجامعتها لياء النسب ، فقلبت ألفا ثم همزة كما فى رداء ، ولم تقلب لمجرد كونها كالمتطرفة كما فى رداء وسقاء (3)
يجبن بنا عرض الفلاة وما لنا
عليهنّ إلّا وخدهنّ سقا
لأن لياء النسب نوع اتصال ، بل قلبت لهذا ولاستثقال اجتماع الياآت فمن ثم لم يقلب واو شقاوة فى شقاوىّ إذ لا استثقال كما1) السقاية - بكسر السين - الاناء الذى يشرب به ، ومنه قوله تعالى : (فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ) وهى أيضا البيت الذى يتخذ مجمعا للماء ويسقى منه الناس ، وهى أيضا مصدر بمعنى السقى ، ومنه قوله تعالى : (أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ) الآية.
2) نقاية الشىء (بضم النون) خياره ، ونقاية الطعام (بفتح النون وتضم أيضا) رديئه
3) السقاء - بكسر السين - جلد السخلة إذا أجذع ، يقال : لا يكون إلا للماء ، ويقال : إنه يكون للماء وللبن ، والوطب للبن خاصة ، والنحى للسمن خاصة ، قال :
كان مع الياآت ، وبعضهم يقلب ياء سقاية فى النسب واوا لأن الياء المستثقلة قبل ياء النسب تقلب واوا كما فى عموىّ وشجوى إذا لم تحذف كما فى قاضىّ.
وكذا يجوز لك فى الياء الخامسة التى قبلها ألف زائدة نحو درحاية (1)قلب الياء همزة وهو الأصل أو واوا كما فى الرابعة.
وإن كان الساكن المتقدم على الياء الرابعة ياء نحو علىّ وقصىّ فقد تقدم حكمه
بقى علينا حكم الياء الخامسة إذا كان الساكن قبلها ياء ؛ فنقول : ذلك على ضربين ؛ لأنه إما أن يكون الياءان زائدتين كما فى كرسىّ وبردىّ وكوفى فيجب حذفهما فى النسب فيكون المنسوب والمنسوب إليه بلفظ واحد ، وإما أن يكون ثانيهما أصليا ، فإن سكن ثانى الكلمة نحو مرمىّ وكذا يرمىّ فى النسب إلى يرمى على وزن يعضيد (2)
يتحلّب اليعضيد من أشداقها
صفرا مناخرها من الجرجار
من رمى ، فالأولى حذفهما أيضا للاستثقال ويجوز حذف الأول فقط وقلب الثانى واوا احتراما للحرف الأصلى فتقول : مرموى ويرموى ، وإنما فتحت ما قبل الواو استثقالا للكسرتين مع اجتماع ثلاثة أحرف معتلة ، فيكون كقاضوىّ عند المبرد ، وإن تحرك ثانى الكلمة فلا بد من حذفهما مع أصالة الثانى ، كما تقول فى النسب إلى قضوية (3)على وزن حمصيصة من قضى :1) تقدم قريبا شرح هذه الكلمة (انظر : ص 43 من هذا الجزء)
2) اليعضيد - بفتح الياء وسكون العين المهملة - قال ابن سيده : اليعضيد بقلة زهرها أشد صفرة من الورس (الزعفران) وقيل : هى من الشجر ، وقال أبو حنيفة : «اليعضيد بقلة من الأحرار مرة لها زهرة صفراء تشتهيها الابل والغنم والخيل أيضا تعجب بها وتخصب عليها قال النابغة ووصف خيلا :
3) أصل قضوية قضيية بثلاث ياءات أولاهن مكسورة لأنه من قضيت ، فقلبوا أولى الياءات واوا حين كرهوا اجتماعهن كما فعلوا ذلك فى فتوى
قضوىّ ، لا غير ، وهذا بناء على أن أول المكرر هو الزائد كما هو مذهب الخليل على ما يجىء فى باب ذى الزيادة.
وإن كانت الياء المشددة خامسة وجب حذفها بلا تفصيل ، سواء كان الثانى أصلا كما فى الأحاجىّ (1)والأوارىّ (2)
إلّا الأوارىّ لأيا ما أبيّنها
والنّؤي كالحوض بالمظلومة الجلد
، أو كانا زائدين كما فى بخاتىّ اسم رجل فهو غير منصرف لكونه فى الأصل أقصى الجموع ، والمنسوب إليه يكون منصرفا لأن ياء النسبة لكونها كالمنفصل لا تعد فى بنية أقصى الجموع كما تقدم فى باب ما لا ينصرف ، ألا ترى إلى صرف جماليّ وكماليّ.قال : «وما آخره همزة بعد ألف إن كانت للتّأنيث قلبت واوا ، وصنعانىّ وبهرانىّ وروحانىّ وجلولىّ وحرورىّ شاذ ، وإن كانت أصليّة ثبتت على الأكثر كقرّائىّ ، وإلّا فالوجهان ككسائىّ وعلباوىّ».
أقول : اعلم أن الهمزة المتطرفة بعد الألف : إما أن تكون بعد ألف زائدة ، أولا ، فالتى بعد ألف زائدة على أربعة أقسام ؛ لأنها إما أن تكون أصلية
1) الأحاجى : جمع أحجية (بضم الهمزة وسكون الحاء المهملة وكسر الجيم بعدها ياء مشددة) ويقال أحجوة (بتشديد الواو وقبلها ضمة) ، وهى الكلمة التى يخالف معناها لفظها
2) الأوارى : جمع الآرى ، وهو الحبل تشد به الدابة فى محبسها ، وهو أيضا عود يدفن طرفاه فى الأرض ويبرز وسطه كالحلقة تشد إليه الدابة ، قال النابغة
والمرء يلحقه بفتيان النّدى
خلق الكريم وليس بالوضّاء
، والأكثر بقاؤها قبل ياء النسب بحالها ، وإما أن تكون زائدة محضة وهى للتأنيث ، ويجب قلبها فى النسب واوا ، لأنهم قصدوا الفرق بين الأصلى المحض والزائد المحض ، فكان الزائد بالتغيير أولى ، ولو لا قصد الفرق لم تقلب ، لأن الهمزة لا تستثقل قبل الياء استثقال الياء قبلها ، لكنهم لما قصدوا الفرق والواو أنسب إلى الياء من بين الحروف وأكثر ما يقلب إليه الحرف المستثقل قبل ياء النسب قلبت إليه الهمزة ، وقد تشبه قليلا حتى يكاد يلحق بالشذوذ الهمزة الأصلية بالتى للتأنيث فتقلب واوا نحو قرّاوىّ ووضّاوى ، وإما أن لا تكون الهمزة زائدة صرفة ولا أصلية صرفة ، وهى على ضربين : إما منقلبة عن حرف أصلى ككساء ورداء ، وإما ملحقة بحرف أصلى كعلباء (3)، وحرباء (4)، ويجوز فيهما وجهان : قلبها واوا ، وإبقاؤها بحالها ، لأن لها نسبة إلى الأصلى من حيث كون إحداهما منقلبة عن أصلى والأخرى ملحقة بحرف أصلى ،1) القراء (بضم القاف وتشديد الراء مفتوحة) الناسك المتعبد ، والقراء (بفتح القاف وتشديد الراء) الحسن القراءة أو الكثيرها ، والهمزة فى كليهما أصلية
2) الوضاء (بضم الواو وتشديد الضاد مفتوحة) الوضىء الحسن الوجه ، قال أبو صدقة الدبيرى
3) العلباء - بكسر فسكون - عصب عنق البعير ، ويقال : الغليظ منه خاصة. وقال اللحيانى : العلباء مذكر لا غير ؛ وهما علباوان يمينا وشمالا بينهما منبت العنق ، والجمع العلابى
4) الحرباء - بكسر فسكون - ذكر أم حبين ، ويقال : هو دويبة نحو العظاءة أو أكبر يستقبل الشمس برأسه ويكون معها كيف دارت ، ويقال : إنه يفعل ذلك لبقى جسده برأسه ويتلون ألوانا بحر الشمس ، والجمع الحرابى ، والأنثى الحرباءة ، والحرباء أيضا : مسمار الدرع ، ويقال : هو المسمار فى حلقة الدرع.
ولها نسبة إلى الزائد الصرف من حيث إن عين الهمزة فيهما ليست لام الكلمة كما كانت فى قرّاء ووضّاء ، لكن الإبقاء فى المنقلبة لشدة قربها من الأصلى أولى منه فى الملحقة ، فنقول : كل ما هى لغير التأنيث يجوز فيه الوجهان ، لكن القلب فى الملحقة أولى منه فى المنقلبة ، والقلب فى المنقلبة أولى منه فى الأصلية ، والقلب فى الملحقة أولى من الإبقاء ، وفى المنقلبة بالعكس ، وهو فى الأصلية شاذ.
وأما الهمزة التى بعد ألف غير زائدة كماء وشاء فإن الألف فيهما منقلبة عن الواو وهمزتهما بدل من الهاء فحقها أن لا تغير (1)
ولست بشاوىّ عليه دمامة
إذا ما غدا يغدو بقوس وأسهم
وأنشد الجوهرى لمبشر بن هذيل الشمخى :
وربّ خرق نازح فلاته
لا ينفع الشّاوىّ فيها شاته
ولا حماراه ولا علاته
إذا علاها اقتربت وفاته
هذا بيان ما ذكره المؤلف ، وهو موافق لما ذكره سيبويه حيث قال (ج 2 ص 84): «وأما الإضافة إلى شاء فشاوى ، كذلك يتكلمون به ، قال الشاعر : فلست بشاوى عليه دمامة (البيت) وإن سميت به رجلا أجريته على القياس ، تقول : شائى ، وإن شئت قلت شاوى كما قلت عطاوى ، كما تقول فى زبينة وثقيف إذا سميت به رجلا بالقياس» اه ، وحاصل هذا الكلام أن القياس فى نحو شاء - من كل همزة أبدلت من غير حرف من حروف العلة وقبلها ألف غير زائدة - بقاء الهمزة عند النسب ، لكنهم خالفوا القياس فى كلمة شاء فقالوا شاوى ، وأنت إذا سميت بشاء يجوز لك أن تقول شائى على ما يقتضيه القياس وأن تقول شاوى كما كانوا يقولون قبل التسمية. والذى فى شرح الأشمونى وحواشى الصبان نقلا عن ابن هشام يخالف هذا ويخالف بعضه بعضا ، قال الأشمونى : «إذا نسبت إلى ماء وشاء فالمسموع قلب الهمزة واوا نحو ماوى وشاوى ، ومنه قوله * لا ينفع الشاوى فيها شاته* (البيت) فلو سمى بماء أو شاء لجرى فى النسب إليه على القياس فقيل مائى وماوى وشائى وشاوى» اه ، وهذا يخالف ما ذكره المؤلف من وجهين : الأول أنه ذكر أن العرب قد قالت ماوى بالواو فى النسب إلى ماء ، ولم يحكه المؤلف ، الثانى أنه يؤخذ منه أن القياس فى هذا النوع جواز القلب واوا والابقاء على نحو ما يجوز فى عطاء وكساء ورداء. وقال الصبان فى حاشيته : «قال ابن هشام : إذا نسب إلى ماء نسب إليه كما ينسب إلى كساء فتقول مائى وماوى ، لأن الهمزة بدل ، غاية ما فيه أن المبدل منه مختلف فيهما ، فهو فى كساء واو ، وفى ماء هاء ، لأن أصله موه اه يس : أى فأطلق ابن هشام جواز الوجهين وفصل الشارح بين ما قبل التسمية فيتعين القلب وقوفا على ما سمع ، وما بعدها فيجوز الوجهان» اه. وهذا يخالف ما ذكره المؤلف ههنا كما يخالف ما ذكره الأشمونى ، أما مخالفته ما ذكره مؤلف هذا الكتاب فلأنه جعل القياس فى النسب إلى ماء وشاء جواز القلب والابدال ، سواء أكنت قد سميت به أم لم تكن. وأما مخالفته لما ذكره الأشمونى فقد ذكرها الصبان فى عبارته التى نقلناها لك.
، فالنسب إلى ماء مائى بلا1) أنت تعرف أنهم جوزوا فى همزة كساء ورداء ونحوهما قلبها واوا وبقاءها فأجازوا أن تقول كساوى أو كسائى ورداوى أو ردائى ، وأوجبوا فى همزة شاء وماء بقاء الهمزة فلم يجيزوا إلا أن تقول شائى ومائى ، قياسا ، مع اشتراك هذين النوعين فى أن الهمزة فى كل منهما منقلبة عن أصل ، ولعل السر فى تغاير الحكمين أن انقلاب حرف العلة إلى الهمزة فى رداء وكساء قياس لعلة اقتضته ، فجعلوا قيام سبب القلب مذكرا بالأصل وهو الألف التى انقلبت عن الواو أو الياء فرجعوا إليه فى النسب ، فأما فى ماء وشاء ونحوهما فالهمزة فيهما منقلبة انقلابا شاذا لغير علة تقتضيه ، فانصرف الذهن عن أصل الهمزة - وهو الهاء - لعدم قيام سبب الابدال ، فاعتبرت الهمزة كالأصلية فى نحو قراء ووضاء. ولم يرجعوا إلى الأصل الذى هو الهاء فيقولوا ماهى وشاهى ؛ ولأن الهمزة أخف من الهاء لكون الهمزة أخت حروف العلة ، على أنهم ربما قالوا شاوى تشبيها للهمزة المنقلبة عن الهاء بالهمزة المنقلبة عن حرف العلة ، قال الشاعر :
تغيير ، وكذا كان القياس أن ينسب إلى شاء ، لكن العرب قالوا فيه شاوىّ على غير القياس ؛ فإن سمى بشاء فالأجود شائى على القياس لأنه وضع ثان ، ويجوز شاوى كما كان قبل العلمية.
صنعاء : بلد فى اليمن ، وبهراء : قبيلة من قضاعة ، وروحاء : موضع قرب المدينة ، وجلولاء : موضع بالعراق ، وكذا حروراء ، وقالوا فى دستواء : دستوانىّ (1)، ووجه قلب الهمزة نونا وإن كان شاذا مشابهة ألفى التأنيث الألف والنون ، وهل قلبت الهمزة نونا أو واوا ثم قلبت الواو نونا؟ مضى الخلاف فيه فى باب ما لا ينصرف (2)، وحذف فى جلولاء وحروراء لطول الاسم ، شبهوا
1) كذا فى جميع النسخ ، وكلام المؤلف صريح فى أن الكلمة ممدودة ، والذى فى القاموس والمعجم لياقوت أن الكلمة مقصورة ، قال فى القاموس : «ودستوا بالقصر قرية بالأهواز ، والنسبة دستوانى ودستوائى» اه ، وقال ياقوت : «دستوا بفتح أوله وسكون ثانيه وتاء مثناة من فوق : بلدة بفارس ، وقال حمزة : المنسوب إلى دستبى دستفائى ، ويعرب على الدستوائى ، وقال السمعانى : بلدة بالأهواز ، وقد نسب إليها قوم من العلماء ، وإليها تنسب الثياب الدستوائية» وقد ضبطت التاء المثناة فى مادة (د س ت) من القاموس بالضم بخط القلم ، وفى مادة (د س ا) منه بالفتح بضبط القلم أيضا.
2) قال المؤلف فى شرح الكافية (ج 1 ص 52): «اعلم أن الألف والنون إنما تؤثران لمشابهتهما ألف التأنيث الممدودة من جهة امتناع دخول تاء التأنيث عليهما ، وبفوات هذه الجهة يسقط الألف والنون عن التأثير ، وتشابهانها أيضا بوجوه أخر لا يضر فواتها ، نحو تساوى الصدرين وزنا ؛ فسكر من سكران كحمر من حمراء ، وكون الزائدين فى نحو سكران مختصين بالمذكر كما أن الزائدين فى نحو حمراء مختصان بالمؤنث ، وكون المؤنث فى نحو سكران صيغة أخرى مخالفة للمذكر ، كما أن المذكر فى نحو حمراء كذلك ، وهذه الأوجه الثلاثة موجودة فى فعلان فعلى غير حاصلة فى عمران وعثمان وغطفان ونحوها ، وتشابهانها أيضا بوجهين آخرين لا يفيدان من دون الامتناع من التاء ، وهما زيادة الألف والنون معا كزيادة زائدى حمراء معا ، وكون الزائد الأول فى الموضعين ألفا ؛ فانه اجتمع الوجهان فى ندمان وعريان مع انصرافهما ، فالأصل على هذا هو الامتناع من تاء التأنيث ، وقال المبرد : جهة الشبه أن النون كانت فى الأصل همزة بدليل قلبها إليه في صنعانى وبهرانى فى النسب إلى صنعاء وبهراء ، وليس بوجه ، إذ لا مناسبة بين الهمزة والنون حتى يقال إن النون أبدل منها ، وأما صنعانى وبهرانى فالقياس صنعاوى وبهراوى كحمراوى ، فأبدلوا النون من الواو شاذا ، وذلك للمناسبة التى بينهما ، ألا ترى إلى إدغام النون فى الواو ، وجرأهم على هذا الابدال قولهم فى النسب إلى اللحية والرقبة : لحيانى ورقبانى ، بزيادة النون من غير أن تبدل من حرف ، فزيادتها مع كونها مبدلة من حرف يناسبها أولى» اه ، وقال ابن يعيش فى شرح المفصل (ج 10 ص 36): «القياس فى صنعاء وبهراء أن يقال فى النسب إليهما صنعاوى وبهراوى ، كما تقول فى صحراء صحراوى ، وفى خنفساء خنفساوى ، تبدل من الهمزة واوا فرقا بينها وبين الهمزة الأصلية ، على ما تقدم بيانه فى النسب ، وقد قالوا صنعانى وبهرانى على غير قياس ، واختلف الأصحاب فى ذلك ، فمنهم من قال : النون بدل من الهمزة فى صنعاء وبهراء ، ومنهم من قال : النون بدل من الواو ، كأنهم قالوا صنعاوى كصحراوى ثم أبدلوا من الواو نونا ، وهو رأى صاحب هذا الكتاب (الزمخشرى) وهو المختار ، لأنه لا مقاربة بين الهمزة والنون ، لأن النون من الفم والهمزة من أقصى الحلق ، وإنما النون تقارب الواو فتبدل منها» اه
ألف التأنيث بتائه فحذفوها (1)
الحروريّة : هم الخوارج ، سماهم بهذا الاسم أمير المؤمنين على رضى الله تعالى عنه لما نزلوا بحروراء حين قارقوه.
قال : «وباب سقاية سقائىّ بالهمزة ، وباب شقاوة شقاوىّ بالواو ، وباب راى وراية رايىّ ورائىّ وراوىّ».
أقول : يعنى بباب سقاية وشقاوة ما فى آخره واو أو ياء بعد ألف زائدة ، لم تقلب ياؤه وواوه ألفا ثم همزة لعدم تطرفهما بسبب التاء غير الطارئة ، ويعنى بباب
1) بقى أن يقال : هل حذفت ألف التأنيث - التى هى الهمزة فى اللفظ - أولا ثم حذفت الألف التى قبلها لأنها خامسة وقياس الألف الخامسة أن تحذف فى النسب؟ أم حذفت الهمزة والألف التى قبلها معا لكونهما معا كعلامة وكون زيادتهما فى الكلمة معا على ما تقدم بيانه فى الهامشة السابقة ، والظاهر الأول ، وإن كان الثانى له وجه.
راى وراية ما فى آخره ياء ثالثة بعد ألف غير زائدة ، وقد مضى شرح جميع ذلك
قال : «وما كان على حرفين إن كان متحرّك الأوسط أصلا والمحذوف هو اللّام ولم يعوّض همزة الوصل أو كان المحذوف فاء وهو معتلّ اللّام وجب ردّه كأبوىّ وأخوىّ ، وستهىّ فى ست ووشوىّ فى شية ، وقال الأخفش وشيىّ على الأصل ، وإن كانت لامه صحيحة والمحذوف غيرها لم يردّ كعدىّ وزنىّ وسهىّ فى سه وجاء عدوىّ وليس بردّ ، وما سواهما يجوز فيه الأمران نحو غدىّ وغدوىّ وابنىّ وبنوىّ وحرىّ وحرحىّ ؛ وأبو الحسن يسكّن ما أصله السّكون فيقول غدوىّ وحرحىّ ، وأخت وبنت كأخ وابن عند سيبويه وعليه كلوىّ ، وقال يونس أختىّ وبنتىّ وعليه كلتىّ وكلتوىّ وكلتاوىّ»
أقول : اعلم أن الاسم الذى على حرفين على ضربين : ما لم يكن له ثالث أصلا ، وما كان له ذلك فحذف ؛
فالقسم الأول لا بد أن يكون فى أصل الوضع مبنيا ؛ لأن المعرب لا يكون على أقل من ثلاثة فى أصل الوضع ، فاذا نسبت إليه فإما أن تنسب إليه بعد جعله علما للفظه ، أو تنسب إليه بعد جعله علما لغير لفظه ، كما تسمى شخصا بمن أو كم
ففى الأول لا بد من تضعيف ثانيه ، سواء كان الثانى حرفا صحيحا أولا ، كما تبين فى باب الأعلام ، فتقول فى الصحيح : الكمّيّة واللّمّيّة بتشديد الميمين ، وفى غيره : المائية ، وهو منسوب إلى ما ، ولوّىّ ولوئى ، (1)فيمن يكثر لفظة لو ،
1) فى بعض النسخ سقطت كلمة «ولوئىّ» والصواب ثبوتها ، وأراد الشارح بذلك الاشارة إلى ما حكى عن بعض العرب من أنه يجعل الزيادة المجتلبة بعد حرف العلة همزة على الاطلاق ، فيقول : لائى ، وكيئى ، ولوئى ، وما أشبه ذلك
وكذا تقول فى لا : لائى ، لأنك إذا ضعفت الألف واحتجت إلى تحريك الثانى فجعله همزة أولى ، كما فى صحراء وكساء ، وكذا تقول فى اللات (1): لائى ، لأن التاء للتأنيث ، لأن بعض العرب يقف عليها بالهاء نحو اللّاه ، وتقول فى كى وفى : كيوىّ وفيوى ، لأنك تجعلهما كيّا وفيّا كحىّ ، ثم تنسب إليهما كما تنسب إلى حىّ وطىّ ، ومبنى ذلك كله على أنّ ياء النسبة فى حكم الكلمة المنفصلة
وفى الثانى : أى المجعول علما لغير لفظه ؛ لا تضعّف ثانى حرفيه الصحيح (2)، نحو جاءنى منىّ وكمىّ ، بتخفيف الميم والنون ، كما تبين فى باب الأعلام ، وإذا كان الثانى حرف علة ضعفته عند جعله علما قبل النسبة كما مر فى باب الأعلام
والقسم الثانى الذى كان له ثالث فحذف ان قصدت تكميله ثلاثة ثم نسبت إليه ردّ إليه ذلك الثالث فى النسبة ؛ لأن ما كان من أصل الكلمة أولى بالرد من المجىء بالأجنبى
فنقول : لا يخلو المحذوف من أن يكون فاء ، أو عينا ، أو لاما
1) اللات : اسم صنم ، واختلف فى تائه ، فقيل : أصلية مشددة ، سمى الضم برجل كان يلت السويق عنده للحاج ، فلما مات هذا الرجل عبد الصنم وسمى بوصفه ، وقيل : هذه التاء زائدة للتأنيث ، وهى مخففة ، قال فى اللسان : «وكان الكسائى يقف عليها بالهاء ، قال أبو إسحاق : هذا قياس ، والأجود اتباع المصحف والوقوف عليها بالتاء» اه بتصرف
2) وجه الفرق بين ما جعل علما للفظه وما جعل علما لغير لفظه أن الأول لم يبعد عن أصله ؛ لأنه إنما نقل من المعنى إلى اللفظ ، فلا بأس بتغيير لفظه بتضعيف ثانيه ليصير على أقل أوزان المعربات ، وأما الثانى - وهو ما جعل علما لغير لفظه - فقد انتقل من المعنى إلى معنى آخر أجنبى منه فلو غير لفظه بالتضعيف لكان تغييرا فى اللفظ والمعنى جميعا فيبعد جدا
فان كان فاء ، والمطرد منه المصدر الذى كان فاؤه واوا ومضارعه محذوف الفاء ، نحو عدة ومقة ودعة وسعة وزنة ؛ فان كان لامه صحيحا لم ترد فى النسب فاؤه نحو عدىّ وسعىّ ، لأن الحذف قياسى لعلة ، وهى إتباع المصدر للفعل ، فلا يرد المحذوف من غير ضرورة مع قيام العلة لحذفه ، وأيضا فالفاء ليس موضع التغيير كاللام حتى يتصرف فيه برد المحذوف بلا ضرورة ، كما كانت فى التصغير ، وإن كان لامه معتلا كما فى شية وجب رد الفاء ؛ لأن ياء النسب كالمنفصل كما تكرر ذكره ، واتصاله أوهن من اتصال المضاف إليه ، ألا ترى أنك تقول : ذو مال ، وفو زيد ، فلا ترد اللام من ذو ، ولا تبدل عين فو ميما ، فاذا نسبت قلت : ذووى وفمىّ ، وأوهن اتصالا من التاء أيضا ، لأنك تقول : عرقوة وقلنسوة وعرقىّ وقلنسىّ وسقاية بالياء لا غير وسقائىّ بالهمزة عند بعضهم ، ولو لا أن الواو قبل ياء النسب أولى من الهمزة وأكثر لناسب أن يقال فى شقاوة شقائى أيضا بالهمزة ، فنقول : جاز حذف الفاء فى شية وإن لم يكن فى الكلمات المعربة الثنائية ما ثانيه حرف علة لأن التاء صارت كلام الكلمة فلم يتطرف الياء بسببها وكذا فى الشاة والذات واللات ، فلما سقطت التاء فى شية وخلفتها الياء وهو أوهن اتصالا منه كما مر بقيت الكلمة المعربة على حرفين ثانيهما حرف لين كالمتطرف ؛ إذ الياء كالعدم ، ولا يجوز فى المعرب تطرف حرف اللين ثانيا ، إذ يسقط بالتقاء الساكنين إما لأجل التنوين أو غيره ، فيبقى الاسم المعرب على حرف ؛ فلما لم يجز ذلك رددنا الفاء المحذوفة أعنى الواو حتى تصير الكلمة على ثلاثة آخرها لين كعصا وعم ، فلما رد الفاء لم تزل كسرة العين عند سيبويه ، ولم تجعل ساكنة كما كانت فى الأصل ؛ لأن الفاء وإن كانت أصلا إلا أن ردها ههنا لضرورة كما ذكرنا ، وهذه الضرورة عارضة فى النسب غير لازمة فلم يعتدّ بها فلم تحذف كسرة العين اللازمة لها عند
حذف الفاء ، فصار وشيىّ كإبلى ، ففتح العين كما فى إبلى ونمرى ، فانقلبت الياء ألفاء ثم واوا أو انقلبت من أول الأمر واوا كما ذكرنا فى حيوى ، وأما الأخفش فانه رد العين إلى أصلها من السكون لما رد الفاء فقال وشبيّ كظبيّ ولا تستثقل الياآت مع سكون ما قبلها ، والفراء يجعل الفاء المحذوفة فى هذا الباب من الصحيح اللام كان أو من المعتله ، بعد اللام ، حتى يصير فى موضع التغيير : أى الآخر ، فيصح ردها ، فيقول : عدوى وزنوى وشيوى ، فى عدة وزنة وشية ، وحمله على ذلك ما روى عن ناس من العرب عدوى فى عدة فقاس عليه غيره
وإن كان المحذوف عينا ، وهو فى اسمين فقط (1): سه اتفاقا ، ومذ عند قوم ، لم ترده فى النسب ؛ إذ ليس العين موضع التغيير كاللام ، والاسم المعرب يستقل بدون ذلك المحذوف
وإن كان المحذوف لاما فان كان الحذف للساكنين كما فى عصا وعم فلا كلام فى رده فى النسبة ؛ لزوال التنوين قبل ياء النسب فيزول التقاء الساكنين ، وإن كان نسيا لا لعلة مطردة نظر : إن كان العين حرف علة لم يبدل منها قبل النسب حرف صحيح وجب رد اللام كما فى شاة وذو مال ، تقول : شاهى ، وذووى ، وإن أبدل منها ذلك لم يرد اللام نحو فمى فى «فوزيد» ، كما مر قبل ، وإن لم يكن العين حرف علة قال النحاة : نظر ؛ فان كان اللام ثبت رده من غير ياء النسبة فى موضع من المواضع - وذلك إما فى المثنى ، أو فى المجموع بالألف والتاء ، أو فى حال الاضافة وذلك فى الأسماء الستة - ردّ فى النسبة وجوبا ؛ لأن النسبة يزاد لها فى موضع اللام ما لم يكن فى الأصل كما قلنا فى كمية ولائى ، فكيف
1) أورد على هذا الحصر رب المخففة ، بناء على أن المحذوف عينها كما هو رأى جماعة من العلماء ، وليس ذلك بوارد على المؤلف لأنه يرى أن المحذوف من رب هو اللام على ما سيأتى له
بلام كان فى الأصل وثبت عوده فى الاستعمال بعد الحذف؟ وقد ذكرنا فى باب المثنى ضابط ما يرد لامه فى التثنية من هذا النوع ، وهو أب وأخ وحم وهن ، وأما الجمع بالألف والتاء فلم يذكر لما يرد لامه فيه من هذا النوع ضابط ، بلى قد ذكرنا فى باب الجمع أن مضموم الفاء نحو ظبة لا يرد لامه نحو ظبات ، ويرد من المكسورة الفاء قليل نحو عضوات ، والمفتوح الفاء يرد كثير منه (1)نحو سنوات وهنوات وضعوات ، وبعضه لا يجمع بالألف والتاء استغناء عنه بالمكسر ، نحو شفة وأمة ، قالوا : فإن لم يثبت رد اللام فى موضع فأنت فى النسب مخير بين الرد وتركه نحو غدىّ وغدوىّ وحرىّ وحرحىّ وابنى وبنوىّ ودمىّ ودموىّ ، ولا اعتبار بقوله :
48 - * جرى الدّميان بالخبر اليقين (2)
والجحر : الشق فى الأرض ، وقوله «جرى الدميان الخ» قال ابن الأعرابى : معناه لم يختلط دمى ودمه من بغضى له وبغضه لى بل يجرى دمى يمنة ودمه يسرة ، اه وكلام الشاعر إشارة إلى ما اشتهر عند العرب من أن دم المتباغضين لا يمتزج ، وقد ذكر المؤلف هذا البيت على أن رد اللام فى تثنية الدم شاذ ، والقياس دمان ، ومن العلماء من يخرج ذلك البيت ونحوه على أنه
ثناه على لغة من قال «دما» مثل الفتى ،
فقال دميان كما يقال فتيان
*وبقوله :
49 - * يديان بيضاوان عند محلّم (1)
ولم نقف لهذا البيت على نسبة إلى قائل معين ، ومحلم : اسم رجل يقال : إنه من ملوك اليمن ، ويروى فى مكانه «محرق» و «عند» فى قوله «عند محلم» بمعنى اللام ، فكأنه قد قال يديان بيضاوان لمحلم. وقد ذكر المؤلف هذا البيت على أن رد لام يد فى التثنية شاذ ، وكان القياس أن يقول يدان ، ومن العلماء من يقول : إنه ثناه على لغة من قال «يدى» مثل الفتى مقصورا ، فكما تقول فى تثنية الفتى فتيان تقول فى تثنية اليدى بديان ، فاعرف ذلك
*لشذوذهما ، قالوا : فمن قال هنك وهنان وهنات جوز هنيّا وهنويّا ، ومن قال هنوك وهنوان وهنوات أوجب هنويّا ، وقال المصنف : إن الرد إلى المثنى والمجموع إحالة على جهالة ، فأراد أن يضبط بغير ذلك ، فقال : إن لم يكن العين حرف علة نظر فإن كان فى الأصل متحرك الأوسط ولم يعوض من اللام المحذوفة همزة وصل وجب ردها لئلا يلزم فى النسب الإجحاف بحذف اللام وحذف حركة العين ، مع أن الحذف فى الآخر الذى هو محل التغيير أولى ، فمن ثم لم يجز إلا أبوى وأخوى ، وإن كان فى الأصل ساكن العين جاز الرد وتركه ، نحو غدى وغدوى وحرى وحرحى ؛ إذ لا يلزم الإجحاف ، وكذا إن عوض الهمزة من اللام جاز رد اللام وحذف الهمزة وجاز الاقتصار على المعوض نحو ابنى وبنوى واستى وستهى.
قلت : الذى التجأ إليه خوفا من الرد إلى جهالة ليس فى الاحالة عليها بدون ما قال النحاة ، لأن كثيرا من الأسماء الذاهبة اللام مختلف فيها بين النحاة هل
1) هذا صدر بيت ، وعجزه قوله :
هو فعل بالسكون أو فعل كيد ودم ، وأكثر ما على نحو ظبة ومائة وسنة (1)مجهول الحال هل هو ساكن العين أو متحركها.
واعلم أن بعض هذه الأسماء المحذوفة اللام لامها ذو وجهين كسنة لقولهم سانهت وسنوات ، وكذا عضة لقولهم عضيهة وعضوات ، قال السيرافى : من قال سانهت قال سنهىّ وسنىّ لأن الهاء لا ترجع فى الجمع لا يقال سنهات (2)، ومن قال سنوات يجب أن يقول سنوى ، وكذا من قال عضيهة قال عضهىّ وعضىّ إذ لم يأت عضهات ، ومن قال عضوات قال عضوىّ لا غير ، قال سيبويه : النسبة إلى فم فمى وفموى لقولهم فى المثنى فمان ، قال : ومن قال فموان كقوله :
50 - * هما نفثا فى فىّ من فمويهما (3)
ونفثا : ألقيا على لسانى ، وضمير التثنية يرجع إلى إبليس وابنه ، وأراد بالنابح من تعرض لهجوه من الشعراء وأصله الكلب ، وكذلك العاوى ، والرجام : المراماة بالحجارة ، وقد ذكر المؤلف هذا الشاهد على أنه قد قيل فى تثنية فم فموان
*قال : فموىّ لا غير ، قال المبرد : إن لم تقل فمىّ فالحق أن ترده إلى أصله وتقول فوهىّ.
وعلى أى ضابط كان فاعلم أن ما تردّ لامه وأصل عينه السكون نحو دموى ويدوى وغدوى وحرحىّ يفتح عينه عند سيبويه ، إلا أن يكون مضاعفا ،
لمثل ما ذكرنا فى تحريك عين شية ، وذلك أن العين كانت لازمة للحركة الإعرابية ، فلما رددت الحرف الذاهب قصدت أن لا تجردها من بعض الحركات تنبيها على لزومها للحركات قبل ، والفتحة أخفها ، ففتحتها ، وأبو الحسن يسكن ما أصله السكون ردا إلى الأصل ، كما ذكرنا فى شية ، فيقول : يديىّ ودميىّ وغدوىّ وحرحىّ باسكان عيناتها ، وأما إذا كان مضاعفا كما إذا نسبت إلى رب المخففة فانك تقول : ربّىّ باسكان العين للادغام اتفاقا ، تفاديا من ثقل فك الادغام ، وقد نسبوا إلى قرة وهم قوم من عبد القيس والأصل قرّة فخفف فقالوا قرّى مشددة الراء
واعلم أن كل ثلاثى محذوف اللام فى أوله همزة الوصل تعاقب اللام فهى كالعوض منها ، فان رددت اللام حذفت الهمزة ، وإن أثبتّ الهمزة حذفت اللام ، نجوا بنى وبنوى ، واسمى وسموى بكسر السين أو ضمه لقولهم سم وسم وجاء سموى بفتح السين أيضا ، وأما امرؤ فلامه موجودة ، فلا يكون الهمزة عوضا من اللام فلذا قال سيبويه لا يجوز فيه إلا امرئى قال وأما مرئىّ فى «امرىء القيس» فشاذ ، قال السيرافى : هذا قياس منه ، وإلا فالمسموع مرئى فى امرىء القيس ، لا امرئى ؛ واعلم أن الراء فى مرئى المنسوب إلى امرىء مفتوح ، وذلك لأنك لما حذفت همزة الوصل على غير القياس بقى حركة الراء بحالها ، وهى تابعة لحركة الهمزة التى هى اللام ، والهمزة لزمها الكسر لأجل ياء النسب ، فكسرت الراء أيضا ، فصار مرئى كنمرى ، ثم فتحت كما فى نمرى ، وحكى الفراء فى امرىء فتح الراء على كل حال وضمها على كل حال ، وأما ابنم فكأن الهمزة مع الميم عوضان من اللام ؛ فاذا رددت اللام حذفتهما ، قال الخليل : ولك أن تقول ابنمى ؛ قال سيبويه : ابنمى قياس من الخليل لم تتكلم به العرب
فان أبدل من اللام فى الثلاثى التاء ، وذلك فى الأسماء المعدودة المذكورة فى
باب التصغير نحو أخت (1)وبنت وهنت وثنتان وكيت وذيت ، فعند سيبويه تحذف التاء وترد اللام ، وذلك لأن التاء وإن كانت بدلا من اللام إلا أن فيها رائحة من التأنيث لاختصاصها بالمؤنث فى هذه الأسماء ، والدليل على أنها لا تقوم مقام اللام من كل وجه حذفهم إياها فى التصغير نحو بنية وأخية ، وكذا فى الجمع نحو بنات وأخوات وهنات ، فاذا حذفت التاء رجع إلى صيغة المذكر ؛ لأن جميع ذلك كان مذكرا فى الأصل ، فلما أبدلت التاء من اللام غيرت الصيغة بضم الفاء من أخت وكسرها من بنت وثنتان ، وإسكان العين فى الجميع تنبيها على أن هذا التأنيث ليس بقياسى كما كان فى ضارب وضاربة وأن التاء ليست لمحض التأنيث بل فيها منه رائحة ، ولذا ينصرف أخت علما ، فتقول فى أخت : أخوى كما قلت فى أخ ، وفى بنت وثنتان بنوى وثنوىّ ، والدليل على أن مذكر بنت فعل فى الأصل بفتح الفاء والعين قولهم بنون فى جمعه السالم وأبناء فى التكسير (2)وكذا قالوا فى جمع الاثنين أثناء ، قال سيبويه (3): إن قيل إن بنات لم يرد اللام
1) انظر الجزء الأول من هذا الكتاب (ص 220)
2) الدليل على أن الفاء فى ابن مفتوحة قولهم فى جمع السلامة بنون ، والدليل على أن العين مفتوحة أيضا مجىء تكسيره على أبناء ؛ إذ لو كانت عينه ساكنة لجمع على أفعل مثل فلس وأفلس
3) بين عبارة سيبويه وما نقله المؤلف عنه اختلاف ، ونحن نذكر لك عبارة سيبويه ، قال (ج 2 ص 82): «فان قلت بنى جائز كما قلت بنات ، فانه ينبغى له أن يقول بنى فى ابن كما قلت فى بنون ، فانما ألزموا هذه الرد فى الاضافة لقوتها على الرد ولأنها قد ترد ولا حذف ، فالتاء يعوض منها كما يعوض من غيرها» اه ، وقال أبو سعيد السيرافى فى شرحه : «فان قال قائل فهلا أجزتم فى النسبة إلى بنت بنى من حيث قالوا بنات كما قلتم أخوى من حيث قالوا أخوات فان الجواب عن ذلك أنهم قالوا فى المذكر بنون ولم يقولوا فيه بنى. إنما قالوا بنوى أو ابنى ، فلم يحملوه على الحذف ، إذ كانت الاضافة قوية» اه ، وقول سيبويه «فان قلت بنى جائز كما قلت بنات» معناه أنه كان ينبغى جواز حذف اللام فى النسب إلى بنت كما يجوز ذكرها لأن هذه اللام لم ترد فى الجمع ، وكل ما لم يرد فى الجمع ولا فى التثنية فانه يجوز فى النسب رده وعدم رده ، وقوله بعد ذلك «فانه ينبغى له أن يقول بنى فى ابن كما قلت فى بنون» معناه أنه لو كان مدار الأمر على الرد فى الجمع أو التثنية لكان يجوز فى النسب إلى ابن الرد وعدمه لأن جمعه لم يرد فيه اللام وكذا تثنيته ، فلما لم نجدهم أجازوا الرد وعدمه ، بل التزموا الرد أو التعويض فقالوا بنوى أو ابنى ، علمنا أن هناك شيئا وراء الرد فى الجمع والتثنية ، وهو ما ذكره سيبويه بقوله «فانما ألزموا هذه الرد فى الاضافة لقوتها - الخ»
فيه فكان القياس أن يجوز فى النسب بنى وبنوىّ لما أصلتم من أن النظر فى الرد فى النسبة إلى المثنى والمجموع بالألف والتاء. فالجواب أنهم وإن لم يردوا فى بنات ردوا فى بنون ، والغرض رجوع اللام فى غير النسب فى بعض تصاريف الكلمة ، وكان يونس يجيز فى بنت وأخت مع بنوى وأخوى بنتىّ وأختىّ أيضا ، نظرا إلى أن التاء ليست للتأنيث ، وهى بدل من اللام ، فألزمه الخليل أن يقول منتى (1)وهنتى أيضا ، ولا يقوله أحد
وتقول فى كيت وذيت : كيوىّ وذيوى ، لأنك إذا رددت اللام صارت كيّة وذيّة كحيّة ، فتقول : كيوى كحيوى
1) أصل منتى «من» ثم زيدت فيه التاء عند الحكاية وقفا فى غير اللغة الفصحى ، واللغة الفصحى إبدال تائه هاء وتحريك نونه ، وبهذا يتبين أن إلزام الخليل ليونس يتم فى هنت لأنه ثلاثى الوضع ، لا فى منت الثنائى الوضع ، إذ كلام يونس فيما حذفت لامه وعوض عنها التاء ، فالظاهر أن منتا يجرى عليه حكم الثنائى الوضع الصحيح الثانى الذى قدمه المؤلف ، على أن ليونس أن يجيب عن هنت بأن كلامه فيما لزمته التاء وقفا ووصلا ، وهنت تلزمه التاء فى الوصل لا فى الوقف
والتاء فى «كلتا» (1)عند سيبويه مثلها فى أخت ، لما لم تكن لصريح التأنيث بل كانت بدلا من اللام ولذا سكن ما قبلها وجاز الإتيان بألف التأنيث بعدها وتوسيط التاء ولم يكن ذلك جمعا بين علامتى التأنيث لأن التاء كما ذكرنا ليست لمحض التأنيث بل فيها رائحة منه ، فكلتا عنده كحبلى الألف للتأنيث فهى لا تنصرف لا معرفة ولا نكرة ، فاذا نسبت إليه رددت اللام ، ورددت الكلمة إلى صيغة المذكر ، كما فى أخت وبنت ، فيصير كلوى بفتح العين فيجب حذف ألف التأنيث كما مر فى جمزى ، وفتح عين مذكره ظاهر ، قال السيرافى : من ذهب إلى أن التاء ليس فيه معنى التأنيث بل هو بدل من الواو كما فى ستّ وأصله سدس وكما فى تكلة وتراث قال كلتى ، فيجىء على ما قال السيرافى كلتوى وكلتاوى أيضا كحبلوى وحبلاوى ، وعند الجرمى أن ألف كلتا لام الكلمة ، وليست التاء بدلا من اللام ولا فيه معنى التأنيث ، فيقول : كلتوى كأعلوى ، وقوله مردود لعدم فعتل فى كلامهم ، وليس ليونس فى كلتا قول ، ولم يقل إنه ينسب إليه مع وجود التاء كما نسب إلى أخت وبنت ، وليس ما جوّز من النسب مع وجود التاء فيهما مطردا عنده فى كل ما أبدل من لامه تاء حتى يقال إنه يلزمه كلتىّ وكلتوى وكلتاوى كحبلىّ وحبلوى وحبلاوى ، ولو كان ذلك عنده مطردا لقال منتى وهنتى أيضا ولم يلزمه الخليل ما ألزمه ، فقول المصنف «وعليه كلتوى وكلتى وكلتاوى» فيه نظر ، إلا أن يريد أنك لو نسبت إليه تقديرا على قياس ما نسب يونس إلى أخت وبنت لجاز الأوجه الثلاثة
قوله «متحرك الأوسط أصلا» أى فى أصل الوضع
قوله «والمحذوف هو اللام ولم يعوض همزة الوصل» شرط لوجوب الرد
1) انظر الجزء الأول من هذا الكتاب (ص 221)
ثلاثة شروط : تحرك الأوسط ، إذ لو سكن لجاز الرد وتركه نحو غدى وغدوى ، وكون اللام هو المحذوف ، إذ لو كان المحذوف هو العين نحوسه لم يجز رده ، وعدم تعويض همزة الوصل ، إذ لو عوضت جاز الرد وتركه نحو ابنى وبنوى
قوله «أو كان المحذوف فاء» هذا موضع آخر يجب فيه رد المحذوف مشروط بشرطين : كون المحذوف فاء ؛ إذ لو كان لاما مع كونه معتل اللام لم يلزم رده كما فى غدى ، وكونه معتل اللام ؛ إذ لو كان صحيحا لم يجب رده كما فى عدىّ
قوله «أبوى وأخوى وستهىّ» ثلاثة أمثلة للصورة الأولى ، وإنما قال فى ست لئلا يلتبس بالمنسوب إلى سه بحذف العين فانه لا يجوز فيه رد المحذوف ، وفى است لغتان أخريان : ست بحذف اللام من غير همزة الوصل ، وسه بحذف العين.
قوله «ووشوىّ فى شية» مثال للصورة الثانية
قوله «وإن كانت لامه» أى : لام الاسم الذى على حرفين
قوله «غيرها» أى : غير اللام ، وهو إما عين كما فى سه ، أو فاء كعدة وزنة
قوله «وليس برد» إذ لو كان ردا لكان فى موضعه ، بل هذا قلب
قوله «وما سواهما» أى : ما سوى المواجب الرد ، وهو الصورتان الأوليان ، والممتنع الرد ، وهو الصورة الثالثة ، يجوز فيه الأمران : أى الرد ، وتركه
قال : «والمركّب ينسب إلى صدره كبعلىّ وتأبّطىّ وخمسىّ فى خمسة عشر علما ، ولا ينسب إليه عددا ، والمضاف إن كان الثّانى مقصودا أصلا كابن الزّبير وأبى عمرو قيل : زبيرىّ وعمرىّ ، وإن كان كعبد مناف وامرىء القيس قيل : عبدىّ ومرئىّ»
أقول : اعلم أن جميع أقسام المركبات ينسب إلى صدرها ، سواء كانت جملة محكية كتأبط شرا ، أو غير جملة ، وسواء كان الثانى فى غير الجملة متضمنا
للحرف كخمسة عشر وبيت بيت (1)
هو جارى بيتا لبيت - بنصب الأول - ويقولون : هو جارى بيت لبيت - برفع الأول - ، وعلى أى حال هو فى موضع الحال وفعلى الوجه الأول والثانى هو حال مفرد ، وعلى الثالث هو جملة
، أولا كبعلبك ، وكذا ينسب إلى صدر المركب من المضاف والمضاف إليه على تفصيل يأتى فيه خاصة ، وإنما حذف من جميع المركبات أحد الجزءين فى النسب كراهة استثقال زيادة حرف النسب مع ثقله على ما هو ثقيل بسبب التركيبفان قلت : فقد ينسب إلى قرعبلانة (2)واشهيباب وعيضموز (3)مع ثقلها
قلت : لا مفصل فى الكلمة الواحدة يحسن فكه. بخلاف المركب فان له مفصلا حديث الالتحام متعرضا للانفكاك متى حزب حازب
وإنما حذف الثانى دون الأول لأن الثقل منه نشأ ، وموضع التغيير الآخر ، والمتصدر محترم
وأجاز الجرمى النسبة إلى الأول أو إلى الثانى أيهما شئت فى الجملة أو فى غيرها ، فتقول فى بعلبك : بعلى أو بكّى ، وفى تأبط شرا : تأبّطىّ أو شرى
وقد جاء النسب إلى كل واحد من الجزءين ، قال :
51 - تزوّجتها راميّة هرمزيّة
بفضل الّذى أعطى الأمير من الرّزق (4)
1) تقول العرب : هو جارى بيت بيت ، فيبنونه على فتح الجزين ، ويقولون :
2) انظر كلمة «قرعبلانة» (ح 1 ص 10 و 200 و 264)
3) انظر كلمة «عيضموز» (ح 1 ص 263)
4) هذا البيت من الشواهد التى لم نقف لها على نسبة إلى قائل معين ولا عثرنا له على سوابق أو لواحق ، والاستشهاد به على أن الشاعر قد نسب إلى المركب المزجى بالحاق ياء النسب بكل جزء من جزأيه - قال أبو حيان فى الارتشاف : «وتركيب المزج تحذف الجزء الثانى منه فتقول فى بعلبك بعلى ، وأجاز الجرمى النسب إلى الجزء الثانى مقتصرا عليه. فتقول : بكى ، وغير الجرمى كأبى حاتم لا يجيز ذلك إلا منسوبا إليهما (أى إلى الصدر والعجز معا) قياسا على «رامية هرمزية» أو يقتصر على الأول
نسبها إلى «رامهرمز»
وقد ينسب إلى المركب من غير حذف إذا خفّ اللفظ ، نحو بعلبكّى
وإذا نسبت إلى «اثنى عشر» حذفت عشر كما هو القياس ثم ينسب إلى اثنان اثنىّ أو ثنوىّ ، كما ينسب إلى اسم اسمى أو سموىّ ، ولا يجوز النسب إلى العدد المركب غير علم ؛ لأن النسب إلى المركب بلا حذف شىء منه مؤدّ إلى الاستثقال كما مر ، ولا يجوز حذف أحد جزأى المركب المقصود منه العدد ؛ إذ هما فى المعنى معطوف ومعطوف عليه ، إذ معنى خمسة عشر خمسة وعشر ، ولا يقوم واحد من المعطوف والمعطوف عليه مقام الآخر ، وإنما جاز النسب إلى كل واحد من المضاف والمضاف إليه كما يجىء وإن كان فى الأصل لكل واحد منهما معنى لأنه لا ينسب إلى المركب الإضافى إلا مع العلمية كابن الزبير وامرىء القيس ، والعلم المركب لا معنى لأجزائه أى تركيب كان ، ولو لم ينمح أيضا معناهما بالعلمية لجاز النسب إليهما لأنك إن نسبت إلى المضاف فقلت فى غلام زيد غلامى فقد نسبت إلى ما هو المنسوب إليه فى الحقيقة لأن المضاف إليه فى الحقيقة كالوصف للمضاف ، إذ معنى غلام زيد غلام لزيد ، وإن نسبت إلى المضاف إليه فانه وإن لم يكن هو المنسوب إليه فى الحقيقة لكنه يقوم مقام المضاف فى غير باب النسب كثيرا ، حتى مع الالتباس أيضا ، كقوله :
52 - * طبيب بما أعيا النّطاسىّ حذيما* (1)
وكان بنو الحرث بن سدوس بن شيبان اقتسموا معزاه ، وقوله : فهل لكم فيها ، هو على تقدير مضاف ، والأصل فهل لكم فى ردها ، وأعيا : أعجز ، والنطاسى - بكسر النون - هو العالم الشديد النظر فى الأمور ، وحذيما : يراد به ابن حذيم ، وهو محل الاستشهاد بالبيت ، والمعنى : هل لكم ميل إلى رد معزاى إلى فاننى حاذق خبير بالداء الذى يعجز الأطباء عن مداواته
1) هذا عجز بيت لأوس بن حجر ، وصدره :
أى ابن حذيم ، فكيف لا يجوز فى النسب وأنت لا تنسب إلى المضاف إليه إلا لدفع الالتباس ، كما يجىء باقامة المضاف إليه مقام المضاف ، وأما إذا نسبت إلى خمسة عشر علما بحذف أحدهما فلا يلزم منه فساد ؛ إذ لا دلالة لأحد الجزأين مع العلمية على معنى ؛ وقد أجاز أبو حاتم السجستانى فى العدد المركب غير علم إلحاق ياء النسب بكل واحد من جزأيه نحو ثوب أحدى عشرى نحو قوله «رامية هرمزية» وفى المؤنث إحدى - أو إحدوىّ - عشرىّ - بسكون شين عشرة - أى ثوب طوله أحد عشر ذراعا ؛ وعلى لغة من يكسر شين عشرة فى المركب إحدى عشرىّ - بفتح الشين كنمرى - وكذا تقول فى اثنى عشر : اثنى عشرى ، أو ثنوىّ عشرى ، إلى آخر المركبات
وإذا نسبت إلى المركب الإضافى فلا بد من حذف أحد الجزأين للاستثقال ولأنك إن أبقيتهما فان ألحقت ياء النسبة بالمضاف إليه فان انتقل إعراب الاسم المنسوب إليه إلى ياء النسب ، كما فى نحو كوفى وبصرى وغير ذلك من المنسوبات ؛ لزم تأثر الياء بالعوامل الداخلة على المضاف وعدم تأثره بها للحاقه بآخر المضاف إليه اللازم جره ، وإن لم ينتقل التبس باسم غير منسوب مضاف إلى اسم منسوب نحو غلام بصرىّ ، وإن ألحقتها بالمضاف نحو عبدىّ القيس توهم أن المنسوب مضاف إلى ذلك المجرور ، مع أن قصدك نسبة شىء إلى الاسم المركب من المضاف والمضاف إليه ، فاذا ثبت أن حذف أحدهما واجب فالأولى حذف الثانى لما ذكرنا
فتقول فى عبد القيس : عبدى ، وفى امرىء القيس : مرئى ، وأيضا فانك لو نسبت إلى المركب الاضافى قبل العلمية فالمنسوب إليه فى الحقيقة هو المضاف كما ذكرنا فالأولى بعد العلمية أن ينسب إليه دون المضاف إليه
فان كثر الالتباس بالنسبة إلى المضاف وذلك بأن يجىء أسماء مطردة والمضاف فى جميعها واحد والمضاف اليه مختلف كقولهم فى الكنى : أبو زيد ، وأبو على ، وأبو الحسن ، وأم زيد ، وأم على ، وأم الحسن ، وكذا ابن الزبير ، وابن عباس ، فالواجب النسبة إلى المضاف إليه نحو زبيرى فى ابن الزبير ، وبكرى فى أبى بكر ، إذ الكنى مطرد تصديرها بأب وأم ، وكذا تصدير الأعلام بابن كالمطرد ، فلو قلت فى الجميع : أبوى ، وأمى ، وابنى ، لا طرد اللبس ، وإن لم يطرد ذلك بل كثر كعبد الدار وعبد مناف وعبد القيس فالقياس النسب إلى المضاف كما ذكرنا نحو عبدى فى عبد القيس ، وقد ينسب للالتباس إلى المضاف إليه فى هذا أيضا نحو منافى فى عبد مناف
وهذا الذى ذكرنا تقرير كلام سيبويه ، وهو الحق ؛ وقال المبرد : بل الوجه أن يقال : إن كان المضاف يعرف بالمضاف إليه والمضاف إليه معروف بنفسه كابن الزبير وابن عباس فالقياس حذف الأول والنسبة إلى الثانى ، وإن كان المضاف إليه غير معروف فالقياس النسبة إلى الأول كعبد القيس وامرىء القيس ، لأن القيس ليس شيئا معروفا يتعرف به عبد وامرؤ ، وللخصم أن يمنع ويقول : بم علمت أن القيس ليس شيئا معروفا مع جواز أن يكون شيئا معروفا إما قبيلة أو رجلا أو غير ذلك أضيف إليه امرؤ وعبد فى الأصل للتخصيص والتعريف كما فى عبد المطلب وعبد شمس وعبد العزى وعبد اللات
قال السيرافى : ويلزم المبرد أن ينسب إلى الأول فى الكنى لأنهم يكنون الصبيان بنحو أبى مسلم وأبى جعفر مثلا قبل أن يوجد لهم ولد اسمه مسلم أو جعفر وقبل أن يمكن ذلك منهم فليس المضاف إليه إذن فى مثله معروفا إذ هو اسم على
معدوم مع أنه ينسب إليه ، فكأن المصنف أجاب السيرافى نيابة عن المبرد ، وقال : الثانى فى أمثال هذه الكنى فى الأصل مقصود ، وذلك أن هذه الكنى على سبيل التفاؤل فكأنه عاش إلى أن ولد له مولود اسمه ذلك ، فالثانى وإن لم يكن مقصودا الآن ولا معرّفا للأول إلا أنه مقصود فى الأصل : أى الأصل أن لا يقال أبو زيد مثلا إلا لمن له ولد اسمه زيد ، وللسيرافى أن يقول : إن الأصل أن لا يقال عبد القيس إلا فى شخص هو عبد لمن اسمه قيس ، فقول المصنف «وإن لم يكن الثانى مقصودا فى الأصل كما فى عبد القيس وامرىء القيس فالنسبة إلى الأول» مردود بما مر من الاعتراض على قول المبرد
هذا ، وقد جاء شاذا مسموعا فى «عبد» مضافا إلى اسم آخر أن يركب من حروف المضاف والمضاف إليه اسم على فعلل بأن يؤخذ من كل واحد منهما الفاء والعين ، نحو عبشمى فى عبد شمس ، وإن كان عين الثانى معتلا كمل البناء بلامه نحو عبقسى وعبد رى فى عبد القيس وعبد الدار ، وجاء مرقسى فى امرىء القيس (1)من كندة وكل من اسمه امرؤ القيس من العرب غيره يقال فيه مرئى ، والعذر فى هذا التركيب مع شذوذه أنهم إن نسبوا إلى المضاف بدون المضاف إليه التبس ، وإن نسبوا إلى المضاف إليه نسبوا إلى ما لا يقوم مقام المضاف ولا يطلق اسمه عليه مجازا ، بخلاف ابن الزبير فان اطلاق اسم أحد الأبوين على الأولاد كثير ، نحو قريش وهاشم وخندف (2)وكذا إطلاق اسم الابن على الأب غير مبتدع
1) لم يعين شخص امرىء القيس الكندى الذى قالوا فى النسب إليه : مرقسى ، وقد عينه صاحب القاموس بأنه امرؤ القيس بن حجر الشاعر ، وقد ذكر الشارح المرتضى : أن الصواب أن امرأ القيس الذى ينسب إليه مرقسى هو امرؤ القيس بن الحرث بن معاوية ، وهو أخو معاوية الأكرمين الجد الثالث لامرىء القيس بن حجر
2) خندف : لقب امرأة إلياس بن مضر ، واسمها ليلى ، وهى بنت عمران بن الحاف ابن قضاعة ، وإنما لقبت كذلك لأن إبل الياس انتشرت ليلا فخرج مدركة فى طلبها فردها فسمى مدركة ، وخندفت الأم فى أثره : أى أسرعت ، فلقبت خندف
قال سيبويه : وسمعنا من العرب من يقول فى النسب إلى كنت كونىّ ، وذلك لأنه أضاف إلى المصدّر ، فحذف الفاعل وهو التاء ، فانكسر اللام لأجل ياء النسب فرجع العين الساقطة للساكنين ، وهذه الكسرة وإن كانت لأجل الياء التى هى كالكلمة المنفصلة إلا أنه إنما رد العين لأن أصل اللام الحركة وسكونها عارض ، وكان الوجه أن يقال كانىّ ، لأنا قد بينا قبل فى شرح قوله «وأما باب سدته فالصحيح أن الضم كذا» أن الضمائر فى نحو قلت وقلنا تتصل بقال فتحذف الألف للساكنين ، لكنه أبقى الفاء فى كونىّ على أصل ضمه قبل النسبة ، تنبيها على المنسوب إليه ، قال الجرمىّ : يقال رجل كنتىّ لكون الضمير المرفوع كجزء الفعل فكأنهما كلمة واحدة وربما قالوا كنتنىّ بنون الوقاية ليسلم لفظ كنت بضم تائه ، قال :
53 - وما أنا كنتىّ وما أنا عاجن
وشرّ الرّجال الكنتنىّ وعاجن (1)
وقد فسر المؤلف مفرداته ، والاستشهاد فيه فى قوله فأصبحت كنتيا ، وفى قوله الكنتنى حيث نسب إلى المركب الاسنادى على لفظه وجاء من غير نون الوقاية فى الأول ومعها فى الثانى
الكنتى : الشيخ الذى يقول كنت فى شبابى كذا وكذا ، والعاجن :
الذى لا يقدر على النهوض من الكبر إلا بعد أن يعتمد على يديه اعتمادا تاما كأنه يعجن
قال : «والجمع يردّ إلى الواحد ، يقال فى كتب وصحف ومساجد وفرائض : كتابىّ وصحفىّ ومسجدىّ وفرضىّ ، وأما باب مساجد علما فمساجدىّ ككلابىّ وأنصارىّ»
1) لم نقف لهذا البيت على نسبة إلى قائل معين ، ويروى صدره :
أقول : اعلم أنك إذا نسبت إلى ما يدل على الجمع فان كان اللفظ جنسا كتمر وضرب أو اسم جمع كنفر ورهط (1)وإبل نسبت إلى لفظه نحو تمرى وإبلى ، سواء كان اسم الجمع مما جاء من لفظه ما يطلق على واحده كراكب (2)فى ركب أو لم يجىء كغنم وإبل ، وكذا إن كان الاسم جمعا فى اللفظ والمعنى لكنه لم يستعمل واحده لا قياسيا ولا غير قياسى كعباديد (3)، تقول : عباد يدى ، قال سيبويه : كون النسب إليه على لفظه أقوى من أن أحدث شيئا لم يتكلم به العرب وإن كان قياسيا نحو عبدودى أو عبد يدى أو عبدادى ، وكذا قولهم أعرابى لأن أعرابا جمع لا واحد له من لفظه ، وأما العرب فليس بواحده الآن ، لأن الأعراب ساكنة البدو ، والعرب يقع على أهل البدو والحضر ، بل الظاهر أن الأعراب فى أصل اللغة كان جمعا لعرب ثم اختص
وإن كان الاسم جمعا له واحد لكنه غير قياسى ، قال أبو زيد : ينسب إلى لفظه كمحاسنىّ ومشابهىّ ومذاكيرىّ وبعضهم ينسبه إلى واحده الذى هو غير قياسى نحو حسنى وشبهى وذكرىّ
وإن كان جمعا له واحد قياسى نسبت إلى ذلك الواحد ، ككتابى فى كتب وأما قولهم ربّىّ وربابىّ فى رباب ، وهم خمس قبائل تحالفوا فصاروا يدا واحدة : ضبّة وثور وعكل وتيم وعدى ، واحدهم ربّة كقبّة وقباب ، والرّبّة
1) النفر ما دون العشرة من الرجال ومثله النفير ، وقد يطلق على الناس كلهم ، والرهط - باسكان ثانيه أو فتحه - قوم الرجل وقبيلته ، ويطلق على الجماعة من ثلاثة إلى عشرة أو من سبعة إلى عشرة بشرط أن يكونوا كلهم رجالا
2) الركب : الجماعة الراكبون الابل من العشرة فصاعدا ، وله واحد من لفظه وهو راكب وسيأتى الخلاف فى ركب أهو جمع أو اسم جمع فى باب الجمع
3) عباديد : انظر (ح 1 ص 268)
الفرقة من الناس ، فانما جاز النسب إلى لفظ الجمع أعنى ربابا لكونه بوزن الواحد لفظا ، ولغلبته من بين ما يصح وقوعه عليه لغة على جماعة معينين فصار كالعلم نحو مدائنى (1)وأما أبناوى فى النسب إلى أبناء ، وهم بنو سعد بن زيد مناة ، وأنصارى فى النسبة إلى الأنصار ؛ فللغلبة المذكورة ولمشابهة لفظ أفعال للمفرد حتى قال سيبويه إن لفظه مفرد ، ولقوة شبهه بالمفرد كثر وصف المفرد به نحو برمة أعشار (2)، وثوب أسمال (3)
ولقائل أن يقول : ياء الوحدة أيضا فى الأصل للنسبة لأن معنى زنجى شخص منسوب إلى هذه الجماعة بكونه واحدا منهم ، فهو غير خارج عن حقيقة النسبة ، إلا أنه طرأ عليه معنى الوحدة ، فعلى هذا يكون العذر فى لحاق الياء بهذه الأسماء ما تقدم أولا ، وقالوا فى النسبة إلى أبناء فارس ، وهم الذين استصحبهم سيف بن
1) مدائى : منسوب إلى المدائن وهى مدينة كسرى قرب بغداد ؛ سميت بذلك لكبرها
2) البرمة : قدر من حجارة ، ويقال : برمة أعشار وقدر أعشار وقدح أعشار ، ذا كانت عظيمة لا يحملها إلا عشرة ، وقيل : إذا كانت مكسرة على عشر قطع
3) يقال : ثوب أسمال ، ويقال : ثوب أخلاق ، إذا كان قد صار مزقا. قال الراجز
4) النطفة - بالضم - الماء الصافى قل أو كثر ، وأمشاج : مختلطة بماء المرأة ودمها
ذى يزن إلى اليمن : بنوى ، على القياس ، مع أنهم جماعة مخصوصة كبنى سعد بن زيد مناة ، وقالوا فى النسبة إلى العبلات : عبلى ، بسكون الباء وهم من بنى عبد شمس : أمية الأصغر ، وعبد أمية ، ونوفل ، لأن كل واحد منهم سمى باسم أمه ، ثم جمع ، وهى عبلة بنت عبيد ، من بنى تميم ، وإنما قالوا فى المهالبة والمسامعة مهلّبى ومسمعىّ ؛ لأنك رددتهما إلى واحدهما وحذفت ياء النسبة التى كانت فى الواحد ثم نسبت إليه ، ويجوز أن يقال سمى كل واحد منهم مهلّبا ومسمعا أى باسم الأب ثم جمع كما سمى كل واحد فى العبلات باسم الأم ثم جمع ، فيكون مهلبى منسوبا إلى الواحد الذى هو مهلب ، لا إلى مهلّبى
وإن كان اللفظ جمعا واحده اسم جمع نسبت ايضا إلى ذلك الواحد ، كما تقول فى النسبة إلى نساء : نسوى ، لأن واحده نسوة ، وهو اسم جمع ، وكذا تقول فى أنفار وأنباط : نفرى ونبطىّ
وإن كان جمعا واحده جمع له واحد نسبت إلى واحد واحده ، كما تقول فى النسبة إلى أكالب : كلبى
وإنما يرد الجمع فى النسبة إلى الواحد لأن أصل المنسوب إليه والأغلب فيه أن يكون واحدا ، وهو الوالد أو المولد أو الصنعة ، فحمل على الأغلب ، وقيل : إنما رد إلى الواحد ليعلم أن لفظ الجمع ليس علما لشىء ، إذ لفظ الجمع المسمى به ينسب إليه ، نحو مدائنى وكلابى ، كما يجىء
ولو سميت بالجمع فان كان جمع التكسير نسبت إلى ذلك اللفظ نحو مدائنى وأنمارى وكلابى وضبابى ، وأنمار : اسم رجل ، وكذا ضباب وكلاب
وإن كان جمع السلامة فقد ذكرنا أن جمع المؤنث بالألف والتاء يحذف منه الألف والتاء ، تقول فى رجل اسمه ضربات : ضربى ؛ بفتح العين لأنك لم ترده إلى واحده ، بل حذفت منه الألف والتاء فقط ، بخلاف عبلى فى المنسوب إلى
العبلات ؛ فانه بسكون الباء لأنه نسب إلى الواحد كما ذكرنا ، وكذا يحذف من المجموع بالواو والنون علما الحرفان ، إن لم يجعل النون معتقب الإعراب ، ولا يرد إلى الواحد ، فلهذا قيل فى المسمى بأرضين : أرضىّ ، بفتح الراء ، وإن جعل النون معتقب الاعراب لم يحذف منه شىء ، كما مر فى أول الباب (1)
قال : «وما جاء على غير ما ذكر فشاذّ»
أقول : اعلم أنه قد جاءت ألفاظ كثيرة على غير ما هو قياس النسب ، بعضها مضى نحو جذمى وقرشى وحرورى ، ولنذكر الباقى ؛ قالوا فى العالية - وهو موضع بقرب المدينة - علوىّ ، كأنه منسوب إلى العلو ، وهو المكان العالى ضد السفل ؛ لأن العالية المذكورة مكان مرتفع ، والقياس عالىّ أو عالوى ، فهو منسوب إليها على المعنى ، وقالوا فى البصرة : بصرى ، بكسر الباء ؛ لأن البصرة فى اللغة حجارة بيض وبها سميت البصرة ؛ والبصر بكسر الياء من غير تاء بمعنى البصرة ، فلما كان قبل العلمية بكسر الباء مع حذف التاء ومع النسبة بحذف التاء كسرت الباء فى النسب ، وقيل : كسر الباء فى النسب إتباعا لكسر الراء ،
1) هذا الذى ذهب إليه الرضى وابن الحاجب من رد الجمع إلى الواحد هو الذى عليه جمهور علماء العربية ، وقد ذهب قوم إلى جواز النسب إلى لفظ الجمع ، قال السيوطى فى همع الهوامع (2 : 197): «وأما الجمع الباقى على جمعيته وله واحد مستعمل فانه ينسب إلى الواحد منه فيقال فى الفرائض : فرضى ، وفى الحمس : أحمسى ، وفى الفرع : أفرعى ، قال أبو حيان : بشرط ألا يكون رده إلى الواحد يغير المعنى ، فان كان كذلك نسب إلى لفظ الجمع كأعرابى ، إذ لو قيل فيه عربى ردا إلى المفرد لالتبس الأعم بالأخص ، لاختصاص الأعراب بالبوادى وعموم العرب ، وأجاز قوم أن ينسب إلى الجمع على لفظه مطلقا وخرج عليه قول الناس فرائضى وكتبى وقلانسى ، وذهب هؤلاء إلى أن القمرى والدبسى منسوب إلى الجمع ، من قولهم : طيور قمر ودبس ، وعند الأولين هو منسوب إلى القمرة ، وهى البياض ، والدبسة ، أو مثل كرسى مما بنى على الياء التى تشبه ياء النسب» اه والدبسة : لون بين السواد والحمرة
ويجوز بصرى بفتح الباء على القياس ، وقالوا : بدوىّ ، والقياس إسكان العين لكونه منسوبا إلى البدو ، وإنما فتح ليكون كالحضرى لأنه قرينه ، وقالوا : دهرى بضم الدال للرجل المسن فرقا بينه وبين الدّهرى الذى هو من أهل الالحاد ، وقالوا فى النسب إلى السهل وهو ضد الحزن : سهلى ، بضم السين فرقا بينه وبين المنسوب إلى سهل اسم رجل ، وقيل فى بنى الحبلى حى من الأنصار : حبلى ، بفتح الباء فرقا بينه وبين المنسوب إلى المرأة الحبلى ، وإنما قيل لأبيهم حبلى لعظم بطنه ، وقالوا فى الشّتاء : شتوى ، بسكون التاء ، قال المبرد : شتاء جمع شتوة كصحاف جمع صحفة فعلى هذا شتوى قياس ؛ لأن الجمع فى النسب يرد إلى واحده ، وإطلاق الشتاء على ما يطلق عليه الشتوة يضعف (1)قوله ، وقالوا فى الخريف : خرفىّ بفتح العين كما قالوا فى ثقيف : ثقفى ، وقالوا : خرفى أيضا بسكون العين بالنسبة إلى المصدر ، والخرف : قطع الشىء ، وقالوا : بحرانى ، فى النسبة إلى البحرين المجعول نونه معتقب الإعراب ، والقياس بحرينىّ ووجهه أن نون البحرين بالياء تجعل معتقب الإعراب ، وقياس المثنّى المجعول نونه معتقب الإعراب أن يكون فى الأحوال بالألف كما مر فى باب العلم ، فالزام البحرين الياء شاذ إذن
1) هذه مسألة ثار فيها خلاف طويل بين العلماء ، قال فى اللسان : «الشتاء معروف : أحد أرباع السنة ، وهى الشتوة ، وقيل : الشتاء جمع شتوة. قال ابن برى : الشتاء اسم مفرد لا جمع بمنزلة الصيف ، لأنه أحد الفصول الأربعة ، ويدلك على ذلك قول أهل اللغة : أشتينا دخلنا فى الشتاء وأصفنا دخلنا فى الصيف ، وأما الشتوة فانما هى مصدر شتا بالمكان شتوا وشتوة للمرة الواحدة ، كما تقول : صاف بالمكان صيفا وصيفة واحدة ، والنسبة إلى الشتاء شتوى على غير قياس ، وفى الصحاح النسبة اليها شتوى (بفتح فسكون) وشتوى (بفتح الشين والتاء جميعا) مثل خرفى وخرفى قال ابن سيده : وقد يجوز أن يكونوا نسبوا إلى الشتوة ورفضوا النسب إلى الشتاء» اه
وإذا جعل نون المثنى معتقب الإعراب لم يحذف فى النسب لا هو ولا الألف فقيل : بحرانى ، على أنه منسوب إلى البحران المجعول نونه معتقب الإعراب لكونه هو القياس فى المثنى المجعول نونه كذلك ، وإن قل استعماله كما مر فى باب العلم ، وقيل : أفقىّ بفتحتين ، فى النسبة إلى الأفق ؛ لأنهم قالوا فيه أفق بضم الهمزة وسكون الفاء وهو مخفف الأفق كعنق وعنق ، ثم جوزوا فيه الأفقى لاشتراك الفعل والفعل فى كثير من الأسماء كالعجم والعجم والعرب والعرب والسّقم والسّقم ، وقالوا : خراسى ، تشبيها للألف والنون بألف التأنيث التى قد تشبه بتاء التأنيث فتحذف وإن كان شاذا كما فى جلولىّ وحرورى ، ومن قال خرسى بحذف الألف وسكون الراء فقد خفف ، وقالوا : طلاحيّة ، بضم الطاء ، للابل التى ترعى الطّلح ، وإنما بنى على فعال لأنه بناء المبالغة فى النسب كأنا فى للعظيم الأنف كما يجىء ، ويروى طلاحيّة بكسر الطاء بالنسب إلى الجمع كما قالوا عضاهى منسوب إلى عضاه جمع عضه ، وقيل : هو منسوب إلى عضاهة بمعنى عضه وهو قليل الاستعمال ، أعنى عضاهة ، والجنس عضاه كقتادة وقتاد ، وقيل : إبل حمضية بفتح الميم ، قال المبرد يقال حمض وحمض ، فعلى هذا ليس بشاذ. وقالوا : يمان وشآم وتهام ، ولا رابع لها ، والأصل يمنى وشأمى وتهمى ، والتّهم تهامة ؛ فحذف فى الثلاثة إحدى ياءى النسبة وأبدل منها الألف ، وجاء يمنىّ وشأمى على الأصل وجاء تهامىّ بكسر التاء وتشديد الياء منسوبا إلى تهامة ، وجاء يمانى وشآمىّ وكأنهما منسوبان إلى يمان وشآم المنسوبين بحذف ياء النسبة دون ألفها إذ لا استثقال فيه كما استثقل النسبة إلى ذى الياء المشددة لو لم تحذف ، والمراد بيمان وشآم فى هذا موضع منسوب إلى الشأم واليمن فينسب الشىء إلى هذا المكان المنسوب ، ويجوز أن يكون يمانى وشآمى جمعا بين العوض والمعوض منه ، وأن
يكون الألف فى يمانىّ للاشباع كما فى قوله :
وشآمى محمول عليه ، وقيل فى طهيّة : طهوى ، بسكون الهاء على الشذوذ ، وطهوىّ على القياس ، وقيل : طهوى ، بفتح الطاء وسكون الهاء وهو أشذ ، وقالوا فى زبينة قبيلة من باهلة : زبانى ، والقياس زبنى كحنفى فى حنيفة ، وقالوا فى مرو : مروزىّ وفى الرّىّ رازى
واعلم أنك إذا نسبت إلى الأسماء المذكورة بعد أن تجعلها أعلاما إن لم تكن كدهر وطلح أو جعلتها أعلاما لغير ما كانت له فى الأول كما إذا سميت بزبينة ابنا لك ؛ فانك تجرى جميعها على القياس نحو دهرى وطلحى وزبنى ؛ لأن هذه الأسماء شذت فى المواضع المذكورة ، وجعلها أعلاما لما يقصد وضع لها ثان ، فيرجع فى هذا الوضع إلى القياس
وقد يلحق ياء النسب أسماء أبعاض الجسد للدلالة على عظمها : إما مبنية على فعال كأنافى للعظيم الأنف ، أو مزيدا فى آخرها ألف ونون كلحيانى ورقبانى وجمّانى للطويل الجمّة ، وليس البناءان بالقياس ، بل هما مسموعان ، وإذا سميت بهذه الأسماء ثم نسبت إليها رجعت إلى القياس ، إذ لا تقصد المبالغة إذن ، فتقول جمّى ولحيىّ على قول الخليل ولحوىّ على قول يونس
قال : «وكثر مجىء فعّال فى الحرف كبتّات وعوّاج وثوّاب وجمّال ، وجاء فاعل أيضا بمعنى ذى كذا كتامر ولابن ودارع ونابل ، ومنه عيشة راضية وطاعم كاس».
أقول : اعلم أنه يجىء بعض ما هو على فعّال وفاعل بمعنى ذى كذا ، من
1) قد مضى قولنا على هذا الشاهد ، فارجع إليه فى الجزء الأول (ص 70)
غير أن يكون اسم فاعل أو مبالغة فيه ، كما كان اسم الفاعل نحو غافر ، وبناء المبالغة فيه نحو غفّار ؛ بمعنى ذى كذا ، إلا أن فعّالا لما كان فى الأصل لمبالغة الفاعل ففعّال الذى بمعنى ذى كذا لا يجىء إلا فى صاحب شىء يزاول ذلك الشىء ويعالجه ويلازمه بوجه من الوجوه ، إما من جهة البيع كالبقّال (1)، أو من جهة القيام بحاله كالجمال والبغال ، أو باستعماله كالسّيّاف ، أو غير ذلك ، وفاعل يكون لصاحب الشىء من غير مبالغة ، وكلاهما محمولان على اسم الفاعل وبناء مبالغته ، يقال لابن لصاحب اللبن ، ولبّان لمن يزاوله فى البيع أو غيره ، وقد يستعمل فى الشىء الواحد اللفظان جميعا كسيّاف وسائف ، وقد يستعمل أحدهما دون صاحبه كقوّاس (2)وترّاس (3)وفعّال فى المعنى المذكور أكثر استعمالا من فاعل ، وهما مع ذلك مسموعان ليسا بمطردين ، فلا يقال لصاحب البر : برّار ، ولا لصاحب الفاكهة : فكّاه ، قال النحاة : إنهما فى المعنى المذكور بمعنى النسبة ؛ لأن ذا الشىء منسوب إلى ذلك الشىء ، وأيضا جاء فعّال والمنسوب بالياء بمعنى واحد كبتى وبتّات لبائع البت ، وهو الكساء ،
ويعرف أنه ليس باسم فاعل ولا للمبالغة فيه : إما بأن لا يكون له فعل ولا مصدر كنابل وبغّال ، ومكان آهل : أى ذو أهل ، أو بأن يكون له فعل ومصدر لكنه إما بمعنى المفعول : كماء دافق وعيشة راضية ، وإما مؤنث مجرد عن التاء : كحائض
1) لم نقف على كلمة بقال بمعنى بائع البقل فى اللسان ولا فى الصحاح ، وقد نص المجد فى القاموس (ب د ل ، ب ق ل) على أن البقال بمعنى بائع المأكولات عامية ، وصوابها بدال
2) القواس : الذى يبرى القوس ، وقد قالوا فيه «قياس» أيضا ، شذوذا
3) التراس : صاحب الترس ، وهى ما يتقى بها وقع السلاح ، وقد جاء عنهم فى هذا المعنى تارس ، فتمثيل المؤلف به لما جاء على وجه واحد غير مستقيم إذن.
وطالق ، وقالوا فى نحو مرضع (1)
قال ثعلب : «إذا أردت الفعل أدخلت الهاء وجعلته نعتا ، وإذا أردت الاسم لم تدخل الهاء» اه ، ومراده بالفعل اسم الفاعل ، إذ هو دال على الحدث. ومراده بالاسم المنسوب ، وفى اللسان : «وفى التنزيل العزيز : (يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت) اختلف النحويون فى دخول الهاء فى المرضعة ، فقال الفراء :
المرضعة والمرضع التى معها صبى ترضعه ، قال : ولو قيل فى الأم مرضع لأن الرضاع لا يكون إلا من الاناث كما قالوا : امرأة حائض وطامث ، كان وجها ، قال : ولو قيل فى التى معها صبى مرضعة كان صوابا ، وقال الأخفش : أدخل الهاء فى المرضعة لأنه أرادو الله أعلم الفعل ، ولو أراد الصفة لقال : مرضع ، وقال أبو زيد : المرضعة التى ترضع وثديها فى فم ولدها ، وعليه قوله تعالى : (تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ).) قال : وكل مرضعة أم ، قال : والمرضع التى دنا لها أن ترضع ولم ترضع بعد ، والمرضع التى معها الصبى الرضيع ، وقال الخليل : امرأة مرضع ذات رضيع كما يقال : امرأة مطفل ذات طفل بلاهاء ، لأنك تصفها بفعل منها واقع أو لازم ، فاذا وصفتها بفعل هى تفعله قلت مفعلة كقوله تعالى : (تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ) وصفها بالفعل فأدخل الهاء فى نعتها ، ولو وصفها بأن معهار ضيعا قال : كل مرضع ، قال ابن برى : أما مرضع فهو على النسب ، أى ذات رضيع ، كما تقول : ظبية مشدن : أى ذات شادن ، وعليه قول امرىء القيس :
فمثلك حبلى قد طرقت ومرضعا
فألهيتها عن ذى تمائم مغيل
فهذا على النسب ، وليس جاريا على الفعل ، كما تقول : رجل دارع وتارس. معه درع وترس ، ولا يقال منه درع ولا ترس ، فلذلك يقدر فى مرضع أنه ليس بجار على الفعل وإن كان قد استعمل منه الفعل ، وقد يجىء مرضع على معنى ذات إرضاع أى لها لبن وإن لم يكن لها رضيع» اه.
ومطفل (2)والسماء منفطر (3)به : إنه على1) المرضع : التى لها ولد فى سن الرضاع ، والمرضعة - بالتاء - التى ترضع وإن كان الرضيع ليس ولدها.
2) المطفل : ذات الطفل من الانسان والوحش : أى معها طفلها ، وهى قريبة عهد بالنتاج ، ويقال : ليلة مطفل ، إذا كانت تقتل الأطفال ببردها.
3) حكى عن الفراء أن السماء تذكر وتؤنث ، فان كان ذلك صحيحا فقوله تعالى : (مُنْفَطِرٌ بِهِ) اسم فاعل جار على موصوفه ولا تأويل فيه ، وأكثر العلماء على أن السماء مؤنث ولهذا احتاجوا إلى التأويل فى هذه الجملة ، فمنهم من أول فى السماء فذكر أنها بمعنى السقف أو الشىء المرتفع ، فلهذا جاء الخبر عنها مذكرا ، ومنهم من أول فى منفطر فذكر أنه نسب وليس اسم فاعل كالمؤلف ، وليس بجيد.
معنى النسبة لهذا أيضا ، وهذا يقدح فى قولهم : إن ما هو بمعنى النسبة من المجرد عن الياء إما على فعّال أو فاعل فقط ، وإما جار (1)على ما تضمنه على وجه المبالغة نحو : عزّ عزيز ، وذلّ ذليل ، وشعر شاعر ، وموت مائت ، وهمّ ناصب ؛ فإن جميع ذلك معنى أطلق عليه اسم صاحب ذلك المعنى مبالغة ، إذ العزيز والذليل والشاعر والمائت والهامّ (2)صاحب العز والذل والشعر والموت والنصب ؛ كما يطلق على صاحب المعنى اسم ذلك المعنى مبالغة نحو رجل صوم وعدل وماء غور : جعل الشعر كأنه صاحب شعر آخر ، كما قال المتنبى :
وما أنا وحدى قلت ذا الشّعر كلّه
ولكن لشعرى فيك من نفسه شعر (3)
أطاعن خيلا من فوارسها الدّهر
وحيدا ، وما قولى كذا ومعى الصّبر
ومعنى هذا البيت - كما قال العكبرى - أنا ما انفردت بعمل هذا الشعر ، ولكن شعرى أعاننى على مدحك ، لأنه أراد مدحك كما أردته ، وهو مأخوذ من قول أبى تمام :
تغاير الشّعر فيه إذ أرقت له
حتّى ظننت قوافيه ستقتتل
1) هذا معطوف على قوله : «إما بمعنى المفعول الخ».
2) الذى تقدم التمثيل به «ناصب» فكان الواجب أن يقول ههنا : «والناصب» على أن نفس التمثيل بقوله «هم ناصب» ليس متفقا مع ما قبله من الأمثلة ولا مع ما ذكره من الأصل الذى مثل له ، إلا أن يتمحل له بأن الهم بمعنى النصب فكأنه قال : «ونصب ناصب» أو قال «وهم هام» فيكون متفقا ، ثم إن صاحب اللسان نقل عن العلماء أنهم جعلوا قولهم : «هم ناصب» من قبيل «ماء دافق» و «عيشة راضية» فكأن الهم ينصب فيه : أى فهو اسم فاعل بمعنى اسم المفعول
3) هذا البيت من قصيدة لأبى الطيب المتنبى يمدح بها على بن أحمد بن عامر الأنطاكى أولها قوله :
والموت كأنه يستصحب موتا آخر ، والنصب كأنه يستلزم نصبا آخر : أى ليس هو شعرا واحدا ، ولا الموت موتا واحدا ، ولا الهم همّا واحدا ، بل كل منها مضاعف مكرر ، وقد يستعمل الفعل أيضا بهذا المعنى نحو قولهم : جدّ جدّه ، وتمّ تمامه ، وأما قولهم : شغل شاغل ؛ فليس من هذا ، بل هو اسم فاعل على الحقيقة : أى شغل يشغل المشتغل به عن كل شغل آخر لعظمه فلا يتفرغ صاحبه لشىء آخر
وكما استعملوا فعّالا. لما كان فى الأصل للمبالغة فى اسم الفاعل فى معنى ذى الشىء الملازم له استعملوا فعلا أيضا ، وهو بناء مبالغة اسم الفاعل ، نحو عمل للكثير العمل ، وطعن ولبس ولسن فى معنى النسبة ، فاستعملوه فى الجوامد نحو رجل نهر لصاحب العمل بالنهار ، ورجل حرح وسته بمعنى حرىّ واستىّ : أى الملازم لذلك الشغل ؛ فعلى هذا ليس معنى النسب مقصورا على فاعل وفعّال ، بل يجىء عليه اسم الفاعل من الثلاثى وغيره نحو مرضع ومنفطر ، ويجىء من أبنية مبالغة اسم الفاعل فعّال وفعل ؛ قال الخليل : وقالوا طاعم كاس على ذا : أى على النسبة : أى هو ذو كسوة وذو طعام ، وهو مما يذم به ، أى ليس له فضل غير أن يأكل ويلبس ، قال :
دع المكارم لا ترحل لبغيتها
واقعد فإنّك أنت الطّاعم الكاسى (1)
علام كلّفتنى مجد ابن عمّكم
والعيس تخرج من أعلام أوطاس
وقال السكري فى شرح بيت الشاهد : يقول : حسبك أن تأكل وتشرب. وقد استشهد بالبيت على أنهم قالوا : إن الطاعم الكاسى من باب النسبة ، ثم رد المؤلف ذلك فى الطاعم وسلمه فى الكاسى على ما تراه. ونقول : لا وجه لانكار أن يكون الطاعم من باب النسبة ويكون من باب «عيشة راضية» و «ماء دافق» كما قاله فى الكاسى. وكأنه رأى الفراء قد ذكر هذا فى الكاسى وسكت عنه فى الطاعم فظن أن له حكما آخر ، قال الفراء : «الكاسى بمعنى المكسو ، كما أن العاصم فى قوله تعالي (لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ) بمعني المعصوم ، ولا تنكرن أن يخرج المفعول على فاعل. ألا ترى أن قوله تعالى (مِنْ ماءٍ دافِقٍ) بمعنى مدفوق ، و (عِيشَةٍ راضِيَةٍ) بمعنى مرضية ، يستدل على ذلك بأنك تقول : رضيت هذه العيشة ، ودفق الماء ، وكسى العريان ، بالبناء للمفعول. ولا تقول ذلك بالبناء للفاعل» اه
1) هذا البيت من قصيدة للحطيئة هجا فيها الزبرقان بن بدر ، وأولها :
ولا ضرورة لنا إلى جعل طاعم بمعنى النسبة ، بل الأولى أن نقول : هو اسم فاعل من طعم يطعم مسلوبا منه معنى الحدوث ، وأما كاس فيجوز أن يقال فيه ذلك ؛ لأنه بمعنى مفعول : كماء دافق ، ويجوز أن يقال : المراد الكاسى نفسه ، والأظهر هو الأول ؛ لأن اسم الفاعل المتعدى إذا أطلق فالأغلب أن فعله واقع على غيره
أقول : اعلم أن جموع التكسير أكثرها محتاج إلى السماع ، وقد يغلب بعضها فى بعض أوزان المفرد ؛ فالمصنف يذكر أولا ما هو الغالب ، ويذكر بعد ذلك غير الغالب الذى هو كالشاذ.
قوله : «الجمع» لا إعراب له ، ولا لقوله : «الثلاثى» ؛ لأنهما اسمان غير مركبين. كما تقول : باب ، فصل ، ويجوز أن يرتفعا على أن كل واحد منهما خبر
المبتدأ. أى : هذا باب الجمع ؛ وهذا باب الثلاثى كيف يجمع ، ثم ابتدأ وقال : «الغالب فى نحو فلس أن يجمع على أفلس»
اعلم أن الغالب أن يجمع فعل المفتوح الفاء الساكن العين فى القلة على أفعل ، إلا أن يكون أجوف واويا أو يائيا ، فإن الغالب فى قلته أفعال : كثوب واثواب وسوط وأسواط وبيت وأبيات وشيخ وأشياخ ، وذلك لأنهم لو قالوا فيه أيضا أفعل نحو أسوط وأبيت لثقلت الضمة على حرف العلة وإن كان قبلها ساكن ؛ لأن الجمع ثقيل لفظا ومعنى فيستثقل فيه أدنى ثقل ، وقد جاء فيه أفعل قليلا نحو أقوس وأثوب وآير وأعين ؛ وقد يجىء غير الأجوف فى القلة على أفعال أيضا قليلا كفرخ وأفراخ وفرد وأفراد ، لكن الأغلب فى الأجوف وفيما سواه ما ذكرناه أولا ، والغالب فى كثرة فعل أن يكون على فعول وفعال ككعوب (1)وكعاب وقد ينفرد أحدهما عن صاحبه كبطن وبطون وبغل وبغال ، وكذا المضاعف نحو صكّ وصكوك (2)وصكاك ، والناقص : كدلو ودلىّ ودلاء ، وثدى وثدى (3)وظبى وظباء ، وأما الأجوف فإن كان واويا ففعول فيه قليل ، والأكثر الفعال لاستثقال الضمة على الواو فى الجمع وبعده الواو ، ولا يستثقل ذلك فى المصدر
1) الكعوب : جمع كعب ، وهو العظم الناشز فوق القدم ، وكل مفصل للعظام كعب.
2) الصك : الكتاب ، وذكر فى القاموس أنه جمع فى القلة على أصك (بفتح الهمزة وضم الصاد : وأصله أصكك مثل أفلس ، ثم نقلت صمة أول المثلين إلى الساكن قبله وأدغم المثلان) وعلى صكوك وصكاك كما قال المؤلف.
3) الثدى : بفتح فسكون ، أو بزنة العصا - خاص بالمرأة ، وقيل : عام ، ويجمع على أثد ، مثل أدل ، وعلى فعول فيقال ثدي - بكسر الدال ، وثاؤه مضمومة أو مكسورة.
كالغؤور (1)والسّؤور (2)، وقد يجىء فى الجمع كالفؤوج فى جمع الفوج ، فأما إذا جمعته على فعال فإن الكلمة تخف بانقلاب الواو ياء ، ولما استبد الواوى بأحد الجمعين المذكورين استبد اليائى بالآخر ، أعنى فعولا ، فلم يجىء فيه فعال ، وأيضا لو قيل فيه بيات كحباض لالتبس الواوى باليائى [وشذّ ضياف فى جمع ضيف] وقد يزاد التاء على فعول وفعال لتأكيد معنى الجمعية كعمومة وخؤولة وخيوطة وعيورة وفحالة.
فالوجه على ما قررنا أن يقال : الغالب فى قلة فعل أفعل فى غير باب بيت وثوب ، فانهما على أثواب وأبيات ، وفى كثرته فعول ، فى غير باب ثوب ؛ فانه على ثياب ، وفعال ، فى غير باب سيل ، فانه على سيول
قال سيبويه : القياس فى فعل ما ذكرناه ، وما سوى ذلك يعلم بالسمع ، فلو اضطر شاعر أو ساجع فى جمع فعل إلى شىء مما ذكرنا أنه قياسه فلا عليه أن يجمعه عليه ، وإن لم يسمع
فالمسموع فى قلة فعل فى غير الأجوف أفعال كأنف وآناف ، وفى كثرته فعلان كجحشان ورئلان (3)وفعلان كظهران وبطنان (4). قال سيبويه : وفعلان - بالكسر - أقلهما ، وفعلة كغردة فى غود ، وهو الكمأة ، وكذا جبأة وفقعة فى جبء وفقع للكمأة أيضا ، وفعل بضمتين كسقف ودهن (5)
1) الغؤور : مصدر غار يغور ، ومثله الغور ، ومعناه الدخول فى الشيء ، وذهاب الماء فى الأرض ، وإتيان الغور ، وغروب الشمس.
2) السؤور : مصدر سار الشراب فى رأس شار به يسور ، ومثله السور ، والسؤور ، إذا دار وارتفع
3) الرئلان (بكسر فسكون) جمع رأل (بفتح فسكون) وهو ولد النعام
4) انظر (1 : 11 و 16) من هذا الكتاب
5) الدهن (بفتح فسكون) وقد تضم داله : هو قدر ما يبل وجه الأرض من المطر ، ويجمع على دهان مثل رجال ، ولم نقف فيما بين أيدينا من كتب اللغة على أنه يجمع على فعل كما قال المؤلف ، ولعل ما ذكر المؤلف أنه جمع ليس كما توهمه بل هو مفرد ، وأصله دهن مثل قفل فأتبعت عينه لفائه فصار بضمتين كعنق كما هو مذهب عيسى بن عمر فى نحو عسر ويسر.
ويجوز أن يخفف عند بنى تميم كما فى عنق ، وهو فى الجمع لثقله أولى ، وأفعلة في جمع فعل شاذ كأنحدة فى نجد ، وهو المكان المرتفع ، قال الجوهرى : هو جمع نجود جمع نجد ، جمع فعول على أفعلة تشبيها له بفعول بفتح الفاء فانه يجمع عليه كعمود وأعمدة ، وأما نحو الكليب والمعيز فهو عند سيبويه جمع ، وعند غيره اسم الجمع ، ففعيلّ فى فعل أقل من فعلة. وفعلة أقل من فعلان ، بالكسر ، وهو أقل من فعلان بالضم
وربما اقتصر فى فعل على أفعل وأفعال فى القلة والكثرة. كالأكفّ والأرآد (1)
واعلم أن جمع القلة ليس بأصل فى الجمع ، لأنه لا يذكر إلا حيث يراد بيان القلة ، ولا يستعمل لمجرد الجمعية والجنسية كما يستعمل له جمع الكثرة. يقال فلان حسن الثياب ، فى معنى حسن الثوب ، ولا يحسن حسن الأثواب ، وكم عندك من الثوب أو الثياب ، ولا يحسن من الأثواب ، وتقول : هو أنبل الفتيان ، ولا تقل أنبل الفتية ، مع قصد بيان الجنس
1) الأرآد : جمع رأد ، والرأد : الشابة الحسناء ، وهو أيضا رونق الضحى ، ويقال : هو ارتفاعه ، والرأد أيضا : أصل اللحى الناتىء تحت الأذن.
2) الحمل - بكسر أوله - ما حملته على عاتقك أو نحوه ، فاذا فتحت أوله فهو ما حملته الأنثى فى بطنها.
3) القداح : جمع قدح بكسر أوله وسكون ثانيه ، وهو السهم قبل أن يراش وينصل.
وصنوان وذؤبان وقردة»
أقول : اعلم أن ما كان على فعل فانه يجمع فى القلة على أفعال ، فى الصحيح كان أو فى الأجوف أو فى غيرهما ، وربما كان أفعال لقلة وكثرة كأخماس (1)وأشبار ، قال سيبويه : وفى الكثرة على فعول وفعال ، والفعول أكثر ، وربما اقتصروا على واحد منهما فى القليل والكثير معا ، فان كان أجوف يائيا لزمه الفعول كالفيول والجيود ، ولا يجوز الفعال كما مر فى فعل ، وإن كان واويا لزمه الفعال ولا يجوز الفعول كريح ورياح ، كما ذكرنا فى فعل ، هذا الذى ذكرناه فى فعل هو الغالب ، وقد يجىء على أفعل كأرجل ، وعلى فعلان كصنوان (2)وقنوان (3)وبعضهم يضم فاءهما ، وعلى فعلان كذؤبان وصرمان فى صرم وهو القليل من الابل ، وعلى فعلة كقردة ، وجاء فيه فعيل كضريس (4)
قال : «ونحو قرء على أقراء وقروء (5)، وجاء على قرطة وخفاف وفلك ؛ وباب عود على عيدان»
1) الأخماس : جمع خمس - بكسر فسكون - وهو من أظماء الابل ، وذلك أن ترعي أربعة أيام ثم ترد الماء فى الخامس.
2) صنوان : جمع صنو ، وهو الأخ الشقيق ، والابن ، والعم ، والشىء يخرج مع آخر من أصل واحد.
3) قنوان : جمع قنو ، وهو من التمر بمنزلة العنقود من العنب.
4) الضريس : جمع ضرس ، ويقال : هو اسم جمع له ، مثل المعيز والكليب ؛ والضرس من الأسنان.
5) القرء - بضم فسكون - الحيض والطهر ، وهو من الأضداد ، قال أبو عبيد : القرء يصلح للحيض والطهر ، وأظنه من أقرأت النجوم إذا غابت ، والجمع أقراء ، وفى الحديث «دعى الصلاة أيام أقرائك» وقروء على فعول ، وأقرؤ والأخيرة عن اللحياني ، ولم يعرف سيبويه أقراء ولا أقرؤا ، قال : استغنوا عنه بفعول
أقول : اعلم أن فعلا يكسر فى القلة على أفعال ، فى الأجوف كان أو فى غيره ، وقد يجىء للقليل والكثير ، نحو أركان وأجزاء ، وقد شذ فى قلته أفعل كأن كن ، ويكسر فى الكثرة على فعال وفعول ، وفعول أكثر كبروج وبرود وجنود ، وفعال فى المضاعف كثير كقفاف (1)وخفاف وعشاش (2)؛ هذا هو الغالب فى فعل.
وقد يجىء فيه فعلة كقرطة (3)وحجرة (4)وخرجة (5)؛ وفعل كفلك فى فلك ، قال تعالى فى الواحد : (فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ) وفى الجمع : (حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ) وذلك لأن فعلا وفعلا يشتركان فى أنهما جمعا على أفعال كصلب وأصلاب وجمل وأجمال ، وفعل يجمع على فعل كأسد وأسد ، ففعل جمع عليه أيضا ، وفعل وفعل يشتركان فى كثير من المصادر ، كالسّقم والسّقم والبخل والبخل ،
وفَعْل وفِعْل بتفح الفاء وكسرها وسكون عينهما كثيران فى كلامهم فتصرف فى تكسيرهما أكثر من التصرف فى باقى جموع الثلاثى ، وفعل بالضم قريب منهما فى الكثرة
قوله «وباب عود على عيدان» يعنى أن فعلا إذا كان أجوف لا يجمع فى الكثرة إلا على فعلان كعيدان وحيتان ، وأما فى القلة فعلى أفعال كما هو قياس
1) القفاف : جمع قف ، وهو ما ارتفع من الأرض وصلبت حجارته ولم يبلغ أن يكون جبلا
2) العشاش : جمع عش ، وهو وكر الطائر يجمعه من دقاق الحطب ويجعله فى أفنان الشجر.
3) القرطة : جمع قرط ، وهو ضرب من حلى الأذن ، وهو أيضا نبات ، وهو أيضا شعلة النار ، والضرع
4) الجحرة : جمع جحر ، وهو ما تحتفره السباع أو الهوام لتسكنه
5) الخرجة : جمع خرج ، وهو وعاء ذو جانبين
الباب كأكواز وأكواب ، ويشارك الأجوف فى فعلان غيره أيضا كحشّ - وهو البستان - وحشّان ؛ ويجمع حشّان (1)بالضم على حشاشين كما جمع مصران وهو جمع مصير على مصارين ، ولا يمتنع أن يكون حشّان جمع حشّ بالفتح ؛ لأنه لغة فى الحش بالضم كثور وثيران ، والأول قول سيبويه.
قال : «ونحو جمل على أجمال وجمال ، وباب تاج على تيجان ، وجاء على ذكور وأزمن وخربان وحملان وجيرة وحجلى»
أقول : اعلم أن ما كان على فعل فإنك تقول فى قلته أفعال ، فى الأجوف أو فى غيره ، نحو أجمال (2)وأتواج وأقواع (3)وأنياب ، وجاء قلته على أفعل نادرا كأزمن وأجبل وأعص فى عصا ، ويجوز أن يكون أزمن جمع زمان كأمكن فى مكان ، وذلك لحمل فعال المذكر على فعال المؤنث ؛ فإن أفعل فيه قياس ، على ما يجىء ، نحو عناق (4)وأعنق ، وجاء فى الأجوف اليائى أنيب ، وفى الواوى أدؤر وأنؤر [وأسوق ، قال يونس : إذا كان فعل مونثا بغير تاء فجمعه على أفعل هو القياس](5)كما أن فعالا وفعيلا إن كانت مؤنثة
1) اتصال هذا الكلام بما قبله غير واضح ، والذى نعتقده أن فى الكلام سقطا ، وأن أصل العبارة هكذا : «كحش وهو البستان وحشان بالكسر ، وقد جمع على حشان بالضم ، ويجمع حشان بالضم على حشاشين كما جمع مصران - الخ»
2) فى نسخة «أجبال» بالباء الموحدة ، وهى صحيحة أيضا
3) الأقواع : جمع قاع ، وهو الأرض السهلة المطمئنة التي انفرجت عنها الجبال
4) العناق : الأنثي من أولاد المعز
5) سقطت هذه العبارة من جميع النسخ المطبوعة وهي فى النسخ الخطية
فقياسها أفعل كما يجىء ، قال سيبويه : بل أفعل فيه شاذ ، وإن كان مؤنثا ، ولو كان قياسا لما قيل رحى وأرحاء وقدم وأقدام وغنم وأغنام ، وتقول فى كثرته فعال وفعول فى غير الأجوف ، والفعال أكثر ، وقد تزاد التاء كالحجارة والذّكارة والذّكورة لتأكيد الجمعية ، وأما الأجوف فالقياس فيه الفعلان كالتّيجان والجيران والقيعان والسّيجان (1)وقد جاء فى الصحيح أيضا قليلا كالشّبثان (2)وقد جاء فى الأجوف فعل أيضا كالدّور والسّوق والنّيب ، كأنهم أرادوا أن يكسّروا على فعول فاستثقلوا ضم حرف العلة فى الجمع وبعدها الواو فبنوه على فعل ، وجاء سؤوق أيضا على الأصل ، لكنه همز الواو للاستثقال ، وكل واو مضمومة ضمة غير إعرابية ولا للساكنين جاز همزها ، فألزمت ههنا للاستثقال ، وكذا جاء نيوب ، وليس فعول فيه مستمرا ، بل بابه فعل كما مر ، وجاء فى غير الأجوف فعل أيضا كأسد ووثن ، وقال بعضهم : لفظ الجمع لا بد أن يكون أثقل من لفظ الواحد ، فأسد أصله أسود ثم أسد ثم أسد فخفف ، والحق أن لا منع من كونه أخف من الواحد كأحمر وحمر ، وحمار [وحمر] وغير ذلك ، وأصل نيب فعل كالسّوق قلبت الضمة كسرة لتصح الياء ، وليس فعل من أبنية الجمع ، ولم يأت فى أجوف هذا الباب فعال ، كأنه جعل فعلان عوض فعال وفعل عوض فعول ، هذا الذى ذكرت قياس هذا الباب ، ثم جاء فى غير الأجوف فعلان أيضا كحملان (3)وسلقان فى سلق وهو المطمئن من الأرض
وفعلان كخربان (1)وبرقان (2)وشبثان ، وفعلة كجيرة وقيعة وإخوة ، وفعلى كحجلى (3)، وهو شاذّ لم يأت منه إلا هذا (4)، وقال الأصمعى. بل هو لغة فى الحجل ، والصحيح أنه جمع ، ولم يأت فى قلة المضاعف ولا كثرته إلا أفعال كأمداد (5)وأفنان (6)، وألباب (7)، كما لم يجاوزوا فى بعض الصحيح ذلك كالأقلام والأرسان (8)والأغلاق (9)، قال سيبويه : فإن بنى المضاعف على فعال أو فعول أو فعلان [أو فعلان] فهو القياس ، ولم يذكر فيه شيئا عن العرب ، فلزوم فعل مفتوح العين لأفعالى أكثر من
1) الخربان : جمع خرب - بفتحتين - وهو ذكر الحبارى ، ويطلق على الشعر يكون فى الخاصرة ووسط المرفق
2) البرقان : جمع برق - بفتحتين - وهو الحمل وزنا ومعنى
3) الحجل - بفتح الحاء المهملة والجيم - : طائر على قدر الحمام كالقطا أحمر المنقار والرجلين ويسمى الكروان أيضا. (انظر ج 1 ص 199)
4) قول المؤلف «وهو شاذ لم يأت منه إلا هذا» إن أراد به أن هذا الوزن من الجموع غريب نادر لم يرد عليه سوى هذه الكلمة فغير مسلم ؛ لأنه قد ورد عليها ظربى فى جمع ظربان ، وهو دويبة منتنة الريح ، وإن أراد أنه لم يأت من فعل - بفتح الفاء والعين - اسم جمع على فعلى سوى حجل وحجلى فهو كلام مستقيم لا غبار عليه. ومن العلماء من ذهب إلى أن حجلى اسم للجمع
5) الأمداد : جمع مدد ، وهو العسكر تلحق بالغزاة
6) الأفنان : جمع فنن ، وهو الغصن
7) الألباب : جمع لبب ، وهو موضع القلادة من الصدر وما يشد فى صدر الدابة ليمنع تأخر الرحل
8) الارسان : جمع رسن ، وهو الزمام إذا كان على الأنف ، ويطلق على الحبل
9) الأغلاق : جمع غلق ، وهو مفتاح الباب
لزوم فعل ساكن العين لأفعل ، وذلك لخفة فعل وكثرته فتوسعوا فيه أكثر من توسعهم فى فعل ؛ ولذلك كان الشاذ فى جمع فعل مفتوح العين أقلّ من الشاذ فى جمع فعل ساكنه
قال : «ونحو فخذ على أفخاذ فيهما ، وجاء على نمور ونمر»
أقول : يعنى أن فعلا المكسور العين يكسر فى الكثرة والقلة على أفعال ، وذلك لأنه أقل من باب فعل مفتوح العين بكثير ؛ كما أن فعلا مفتوح العين أقل من فعل ساكنه ، والبناء إذا كثر توسع فى جموعه ، فلهذا جاء لمضاعف فعل ساكن العين بناء قلة وكثرة نحو صكّ وأصكّ وصكاك وصكوك ، ولم يأت لمضاعف فعل مفتوح العين إلا أفعال فى القلة والكثرة كأمداد وأفنان وفعل بكسر العين أقل من فعل بفتحها فنقص تصرفه عنه بأن لزم فى جمعه أفعال فى قلة الصحيح وغيره وكثرتهما ، وجاء نمور على التشبيه بباب الأسود ، ونمر مخفف منه.
قال : «ونحو عجز على أعجاز ، وجاء سباع ، وليس رجلة بتكسير»
أقول : اعلم أن فعلا بضم العين أقل من فعل بكسرها ، فهو أولى بأن يكون قلته وكثرته على لفظ واحد ، وهو أفعال ، وقد يجىء على فعال كسباع ورجال ، وذلك لتشبيهه بفعل مفتوح العين.
قوله «رجلة» بفتح الراء وسكون الجيم «ليس بتكسير» بل هو اسم جمع ؛ لأن فعلة ليس من أوزان الجموع وقياسه أرجال كأعجاز ، رجلة للقليل ، ورجال للكثير.
قال : «ونحو عنب على أعناب ، وجاء أضلع وضلوع»
أقول : قال سيبويه : باب عنب أكثر من باب عجز ، وباب كبد أكثر من باب عنب ، وباب جبل أكثر من باب كبد ، وباب بحر أكثر من باب جبل ؛ فباب عنب على أفعال فى القلة والكثرة ، وقد يجىء فى القلة على أفعل كأضلع ، قال سيبويه : شبه بالأزمن فى جمع الزّمن ، وقد يجىء فى الكثرة الفعول كالضلوع والأروم (1)
قال : «ونحو إبل على آبال فيهما»
أقول : أى فى القليل والكثير ؛ لقلّة فعل ، وهو لغات معدودة كما ذكرنا.
قال : «ونحو صرد على صردان فيهما ، وجاء أرطاب ورباع فيهما»
أقول : أى فى القلة والكثرة ، لما اختص فعل بنوع من المسميات ، وهو الحيوان كالنغر والصّرد (2)، خصّوه بجمع ، وأيضا كأنه منقوص من فعال كغراب وغربان. أو مشبه به ، وشذ منه ربع [وأرباع] ورباع (3)تشيها بجمل وأجمال وجمال ، لأنه منه ، وأما رطب وأرطاب ورطاب فليس رطب فى الحقيقة من باب فعل الموضوع لواحد ؛ لأنه جنس لرطبة ، وكأنه جمعها ، ومثله مصع ومصعة لجنى العوسج (4)
قال : «ونحو عنق على أعناق فيهما»
أقول : قال سيبويه باب عنق كباب عضد فى القلة ؛ وجمعه أفعال فى القلة والكثرة
قال : «وامتنعوا من أفعل فى المعتلّ العين ، وأقوس وأثوب وأعين وأنيب شاذّ ، وامتنعوا من فعال فى الياء دون الواو ، كفعول فى الواو دون الياء ، وفؤوج وسؤوق شاذّ»
أقول : يعنى أن أفعل لا يجىء فى الأجوف من هذه الأمثلة العشرة المذكورة واو يا كان أو يائيا ، وفعالا لا يجىء فى الأجوف اليائى من جميع الأمثلة المذكورة ؛ وقد يجىء فى الواوى كحياض وثياب ، وفعولا يجىء فى اليائى دون الواوى ، كفيوح (1)وسيول ، وقد ذكرنا ذلك فى شرح جمع فعل
لما فرغ من جموع أبنية الثلاثى المجرد إذا كان اسما مذكرا شرع فى جموعها إذا كانت مؤنثة بالتاء ، فقال :
«المؤنّث : نحو قصعة على قصاع وبدور وبدر ونوب ، ونحو لقحة على لقح غالبا ، وجاء على لقاح وأنعم ، ونحو برقة على برق غالبا ، وجاء على حجوز وبرام»
أقول : اعلم أن فعلة تكسر على فعال غالبا فى الصحيح وغيره ، كقصاع
1) الفيوح : جمع فيح - بفتح الفاء وسكون الياء المثناة وآخره حاء مهملة - وهو خصب الربيع فى سعة البلاد. وفى نسخة «فيوج» - بالجيم مكان الحاء - وهى صحيحة أيضا ، والفيوج : جمع فيج ، وهو رسول السلطان الذى يسعى على رجله ، أو هو المسرع فى مشيه الذى يحمل الأخبار من بلد إلى بلد ، قيل : هو فارسى معرب.
وركاء (1)ودباب (2)، وجاء على فعل وكأنه مقصور فعال نحو هضبة (3)وهضب وحلقة (4)وحلق ، وقد جاء فيه فعول أيضا لأن فعولا وفعالا أخوان فى جمع فعل مذكر فعلة إلا أن فعولا ههنا قليل كمأنة (5)ومؤون وبدرة (6)وبدور ، وفى جمع فعل كثير ؛ لأن فعلا أخف من فعلة وأكثر استعمالا ؛ فكان أكثر تصرفا ، وإنما غلب فى فعلة فعال دون فعول لأنه أخف البناءين.
وإذا كان فعلة أجوف واويا فقد يجمع على فعل كدول ونوب (7)
1) الركاء : جمع ركوة - مثلثة الراء - وهى إناء صغير من جلد يشرب فيه الماء ، وتجمع على ركوات أيضا
2) الدباب : جمع دبة بفتح الدال المهملة وتشديد الباء الموحدة - وهى الكثيب من الرمل
3) الهضبة : كل صخرة راسية صلبة ضخمة ، وقيل : الجبل المنبسط على الأرض
4) الحلقة - بفتح الحاء وسكون اللام - : كل شىء مستدير كحلقة الحديد والفضة والذهب والناس ، وقد روى فى اللام الفتح ، قال فى اللسان : «وقد حكى سيبويه فى الحلقة فتح اللام وأنكرها ابن السكيت وغيره ، وقال اللحيانى : حلقة الباب وحلقته بأسكان اللام وفتحها ، وقال كراع : حلقة القوم وحلقتهم (باسكان اللام وفتحها) وحكى الأموى : حلقة القوم بالكسر (يريد كسر الحاء) ، قال : وهى لغة بني الحرث بن كعب» اه بتصرف
5) المأنة : قيل : هى الخاصرة ، وقيل : هى السرة وما حولها ، وقيل : هى لحمة تحت السرة إلى العانة
6) البدرة : جلد السخلة إذا فطمت ، وهى أيضا كيس فيه ألف أو عشرة آلاف درهم أو سبعة آلاف دينار
7) النوب : جمع نوبة - بفتح أوله وسكون ثانيه - وهى المصيبة من مصائب الدهر ، قال ابن جنى : مجىء فعلة (بفتح فسكون) على فعل (بضم ففتح) يريك كأنها إنما جاءت عندهم من فعلة فكان نوبة نوبة (الأولى بفتح فسكون والثانية بضم فسكون) وإنما ذلك لأن الواو مما سبيله أن يأتى تابعا للضمة ، قال : وهذا يؤكد عندك ضعف حروف اللين الثلاثة» اه ملخصا من اللسان
وجوب (1)وليس هذا قياس فعلة - بفتح الفاء - بل هو محمول فى ذلك على فعلة - بضمها - نحو برقة وبرق ودولة ودول ، وقد جاء فى ناقصه فعل أيضا شاذا كقرية وقرى ، قال أبو على : وبروة (2)وبرى ، قال : وهو الذى يجعل فى أنف البعير ، والمعروف فى هذا المعنى البرة ، وفى كتاب سيبويه نزوة (3)ونزى - بالنون والزاى - ولا شك أن أحدهما تصحيف الآخر
1) الجوب : جمع جوبة - بفتح فسكون وهى الحفرة المستديرة الواسعة وكل فضاء أملس سهل بين أرضين
2) قال فى اللسان : «والبرة الخلخال ، حكاه ابن سيده فيما يكتب بالياء ، والجمع براة (كقضاة) وبرى وبرين ، وبرين (بضم الباء وكسرها). والبرة : الحلقة فى أنف البعير وقال اللحيانى : هي الحلقة من صفر أو غيره تجعل فى لحم أنف البعير ، وقال الأصمعى : تجعل فى أحد جانبى المنخرين والجمع كالجمع (يريد أن جمعها بمعنى الحلقة كجمعها بمعنى الخلخال) على ما يطرد فى هذا النحو ، وحكى أبو على الفارسى فى الأيضاح بروة وبرى وفسرها بنحو ذلك ، وهذا نادر ، قال الجوهرى : قال أبو على : أصل البرة بروة ؛ لأنها جمعت على برى مثل قرية وقرى. قال ابن برى رحمهالله : لم يحك بروة فى برة غير سيبويه وجمعها برى ونظيرها قرية وقرى ، ولم يقل أبو على إن أصل برة بروة ؛ لأن أول برة مضموم وأول بروة مفتوح ، وإنما استدل على أن لام برة واو بقولهم : بروة لغة فى برة» اه بتصرف
3) النزوة : القصير ، وجبل بعمان كما ذكره فى القاموس ، وقال ياقوت فى معجم البلدان : «نزوة ، بالفتح ثم السكون وفتح الواو - والنزو : الوثب ، والمرة الواحدة نزوة : جبل بعمان وليس بالساحل ، عنده عدة قرى كبار يسمى مجموعها بهذا الاسم ، فيها قوم من العرب كالمعتكفين عليها وهم خوارج أباضية ، يعمل فيها صنف من الثياب منمقة بالحرير جيدة فائقة لا يعمل فى شىء من بلاد العرب مثلها ، ومآزر من ذلك الصنف يبالغ فى أثمانها رأيت منها واستحسنتها» اه
وإذا كان أجوف يائيا لم يجز ضم فائه فى الجمع ، بل يكسر كحيم (1)وضيع (2)كما قيل فى الصحيح هضب ، وليس هذا بقياس ، لا فى الصحيح ولا فى غيره ، وأما فعلة فانه يكسر على فعل ، فى الصحيح كان أو فى غيره ، ككسر وقدد (3)ولحى ورشى (4)وذكر غير سيبويه فعلا بضم الفاء كلحى وحلى ، والكسر فيهما أجود ، قال سيبويه : الجمع بالألف والتاء قليل فى فعله ، فى الصحيح كان أو فى غيره ؛ لأن إتباع العين للفاء فيما يجمع هذا الجمع هو القياس ، وفعل كإبل بناء عزيز ، بخلاف فعلات كخطوات ، إذ نحو عنق وطنب (5)كثير ؛ فلهذا كان استعمال فعل فى القلة أكثر وأحسن من استعمال فعل فيها ، فثلاث كسر أقوى من ثلاث غرف ، بل الأولى ثلاث غرفات مع جواز ثلاث غرف أيضا ، قال سيبويه : ولا يكادون يجمعون بالألف والتاء فى الناقص واويا كان أو يائيا ، يعنى مع الاتباع ، فلو قلت
1) الخيم : جمع خيمة وهى كل بيت مستدير من بيوت الأعراب من شعر أو غيره ، أو كل بيت يبنى من عيدان الشجر
2) الضيع : جمع ضيعة - بفتح أوله وسكون ثانيه - وهى العقار ، وحرفة الرجل وصناعته
3) القدد : جمع قدة وهى القطعة من الشىء والفرقة من الناس إذا كان هوي كل واحد على حدة ، ومنه قوله تعالى : (وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ كُنَّا طَرائِقَ قِدَداً) أى كنا جماعات متفرقين مسلمين وغير مسلمين
4) رشى : جمع رشوة - مثلثة الراء وهي الجعل. قال ابن الأثير : الرشوة والرشوة (بكسر الراء وضمها) الوصلة إلى الحاجة بالمصانعة ، وأصله من الرشاء الذى يتوصل به إلي الماء ، فالراشى من يعطي الذى يعينه على الباطل ، والمرتشى الآخذ ، والرائش الذى يسعى بينهما يستزيد لهذا ويستنقص لهذا ، فاما ما يعطى توصلا إلى أخذ حق أو دفع ظلم فغير داخل فيه» اه من اللسان بتصرف
5) الطنب - بضمتين أو بضم فسكون - حبل الخباء والسرادق
فى رشوة رشوات لانقلبت الواو ياء فاجتزءوا بفعل فى القلة والكثرة ، وقد عرفت أن الكسر فى الصحيح قليل ، فكيف فى المعتل ، قال السيرافى : وأما نحو فريه ولحية فيجوز كسر العين فى جمعهما بالألف والتاء ، لأنه لا ينقلب حرف إلى حرف.
قلت : قول سيبويه أولى لاستثقال الكسرتين مع الياء ، وأما المعتل العين فيجوز جمعه بالألف والتاء ؛ إذ يجب إسكان عينه ولا يجتمع كسرتان نحو قيمات وديمات (1)
وقد جاء فى فعلة فعال كلقاح (2)وحقاق (3)، كذا ذكره سيبويه ، لكنه فى غاية القلة ، وذكر الجوهرى أن لقاحا جمع لقوح ومى الحلوب كقلاص وقلوص (4)واللقحة بمعنى اللقوح ، قال سيبويه : قد يجمع فعلة على أفعل كأنعم وأشد فى نعمة وشدّة ، وذلك قليل عزيز ليس بالأصل ، وقيل : إن أشدّا جمع شدّ فى التقدير ككلب وأكلب أو جمع شدّ كذئب وأذؤب ، ولم يستعمل شدّ ولا شدّ فيكون كأبابيل (5)جمعا لم يستعمل واحده ، وقال المبرد : أنعم جمع نعم على القياس ، يقال : يوم بؤس ويوم نعم والجمع أبؤس وأنعم
1) الديمات : جمع ديمة ، وهو المطر الدائم فى سكون ليس فيه رعد ولا برق وأصلها دومة ؛ فقلبت الواو ياء لسكونها إثر كسرة
2) لقاح : جمع لقحة ، وهي الناقة القريبة العهد بالنتاج ، ويقال : الغزيرة اللبن الحلوب ، واللام مفتوحة أو مكسورة ، والقاف ساكنة على الوجهين
3) الحقاق : جمع حقة ، وهى الناقة التي استوفت ثلاث سنين ودخلت فى الرابعة
4) القلوص : الناقة الشابة الفتية
5) الأبابيل : الجماعات ، وقد اختلف العلماء فيه ، فذهب قوم إلى أنه جمع لا واحد له من لفظه ، وذهب جماعة آخرون إلى أن له واحدا ، ثم قالوا : واحده إبول مثل عجول وعجاجيل ، ويقال : واحده إبيل
وأما فعلة - بضم الفاء - فعلى فعل غالبا ، وقد يستعمل فى القليل أيضا نحو ثلاث غرف ، وهو قليل كما ذكرنا ، وربما كسر على فعال فى غير الأجوف كبرام وبراق وجفار (1)وهو كثير فى المضاعف كخلال (2)
ألا أبلغا خلّتى راشدّا
وصنوى قديما إذا ما اتّصل
وقلال (3)وجباب (4)وقباب (5)، ويقتصر فى الأجوف على فعل كسور ودول ، وأما الحجوز فى جمع حجزة (6)السراويل : أى معقدها ؛ فشاذ1) البرام : جمع برمة (2 : 79) والبراق : جمع برقة ، وهى أرض غليظة مختلطة بحجارة ورمل ، فاذا اتسعت فهى الأبرق ، والجفار مع جفرة ، وهى بضم فسكون جوف الصدر ، وقيل : ما يجمع البطن والجنبين ، وقيل : منحنى الضلوع ، وجفره كل شىء : وسطه ومعظمه
2) الخلال : جمع خلة ، بالضم ، وهى الصداقة والمحبة ، ويقال للصديق خلة أيضا ، قال الحماسي :
3) القلال : جمع قلة ، وهي الجرة العظيمة ، وقيل : الجرة ما كانت ، وقيل : الكوز الصغير
4) الجباب : جمع جبة ، وهى ضرب من الثياب ، وتطلق على الدرع وعلى ما دخل فيه الرمح من السنان
5) القباب : جمع قبة ، وهى البناء من الأدم ، ويقال : بيت صغير مستدير وهو من بيوت العرب
6) فى النسخة الخطية «الحجز» وفى المطبوعتين «الحجوز» بواو بين الجيم والزاى ، والذى فى كتب اللغة الحجوز فى جمع حجزة ، وهو الذى أثبتناه وفيها جمعه على حجز - كدول وغرف - وهو غير شاذ ، قال فى اللسان : «وفى حديث عائشة رضياللهعنها لما نزلت سورة النور عمدن إلى حجز مناطقهن فشقفنها فاتخذنها خمرا ، أرادت بالحجز المآزر ، قال ابن الأثير : وجاء فى سنن أبى داود حجوز أو حجور - بالشك ، وقال الخطابى : الحجور بالراء لا معني لها ههنا ، وإنما هو بالزاى جمع حجز ، فكانه جمع الجمع ، وأما الحجور بالراء فهو جمع حجر الانسان. وقال الزمخشري : واحد الحجوز حجز بكسر الحاء وهى الحجزة ، ويجوز أن يكون واحدها حجزة» اه ، فان قريء ما فى النسخة الخطية بضم الحاء المهملة وفتح الجيم كان صوابا فى ذاته ، ولكنه لا يتفق مع قول المؤلف إنه شاذ ، وإن قرىء بضم الحاء والجيم جميعا كان موافقا لقوله إنه شاذ ، ولكنه يعكر عليه أنا لم نجد هذا الجمع ، فلعله ثابت فيما لم نقف عليه
قال : «ونحو رقبة على رقاب ؛ وجاء على أينق وتير وبدن ، ونحو معدة على معد ، ونحو تخمة على تخم»
أقول : اعلم أن فعلة كرقبة قياسه فعال كرقاب ونياق وإماء ، وجاء على أفعل كآكم (1)فى الصحيح وأينق (2)فى الأجوف وآم (3)
تركت الطّير حاجلة عليه
كما تردى إلى العرشات آم
وقال الكميت :
تمشى بها ربد النّعا
م تماشى الآمى الزّوافر
وقال الآخر :
محلّة سوء أهلك الدّهر أهلها
فلم يبق فيها غير آم خوالف
وقال السليك بن السلكة :
يا صاحبىّ ألا لا حىّ بالوادى
إلا عبيد وآم بين أذواد
تردى : تحجل. العرشات : جمع عرش - بضمتين - وهو جمع عريش والعريش : الخيمة ، ويقال : الصواب فى البيت العرسات جمع عرس - بضم فسكون - وهو طعام الوليمة. وربد : جمع ربداء وهى السوداء المنقطة بحمرة والزوافر : جمع زافرة وهى اسم فاعل من زفر - من باب ضرب - إذا ردد نفسه. أذواد : جمع ذود ، وهو جماعة الأبل من ثلاثة إلى عشرة. وأصل أمة أمو. انظر تصريفها فى (ص 30 من هذا الجزء)
فى الناقص1) الآكم : جمع أكمة - بفتحات - وهى التل من حجارة واحدة ، وهى الموضع يكون أشد ارتفاعا من غيره ، وأصل الجمع أأكم على أفعل كافلس فقلبت الهمزة الثانية ألفا لسكونها إثر أخرى مفتوحة فى أول الكلمة ، وهذا إبدال واجب
2) أينق : جمع ناقة ، وانظر فى تصريفها الجزء الأول (ص 22 و 23)
3) آم : جمع أمة ، وهي المملوكة. قال الشاعر :
وعلى فعل كتير (1)وقيم ، وكأن أصله فعال لقلبهم الواو ياء ، وإنما يكون ذلك قبل الألف كما يجىء فى باب الإعلال ، وجاء على فعل كبدن (2)وخشب (3)ونوق ولوب (4)وسوح (5)، وليس بالكثير ، ويجوز فى الصحيح ضم العين : إما على أنه فرع الإسكان ، أو أصله ، كما ذكرنا فى أول هذا الكتاب
وفعلة من الناقص كثير كقناة (6)وحصاة ، وأكثر ما يستعمل فى معنى الجمع منه محذوف التاء كالحصا والقنا والأضا (7)، أو بالألف والتاء ، وقد يجمع
1) التير - بكسر التاء وفتح الياء - : جمع تارة ، وهى المرة ، وجاء فى جمعه تارات ، قال الجوهرى : «تير مقصور من تيار كما قالوا اقامات وقيم» ووقع فى بعض نسخ الأصل «ثير» بالمثلثة وهو تصحيف
2) البدن : جمع بدنة ، وهي ما يهدى إلى مكة من الأبل والبقر ، قال الجوهرى : البدنة ناقة أو بقرة تنحر بمكة سميت بذلك لأنهم كانوا يسمنونها
3) الخشب : جمع خشبة وهى قطعة الشجر
4) اللوب : جمع لابة ، وهي أرض ذات حجارة سوداء ، ومنه ما فى الحديث «ما بين لا بتيها أفقر منى»
5) السوح : جمع ساحة ، وهو فضاء يكون بين الدور
6) القناة : هى من الرماح ما كان أجوف كالقصبة ، وهى أيضا الآبار التى تحفر فى الأرض متتابعة ليستخرج ماؤها ويسيح على وجه الأرض ، والقناة أيضا : القامة
7) الأضا : اسم جنس جمعى ، واحده أضاة ، وهى الغدير أو الماء المستنقع من سيل أو غيره وتجمع على أضوات وإضاء وإضين
على فعول كدوىّ (1)
عرفت الدّيار كرقم الدّوىّ
يحبّره الكاتب الحميرىّ
وصفى (2)فى دواة وصفاة ، وعلى فعال أيضا كإضاء وإماء ، وجاء الإموان كالإخوان (3)أنا ابن أسماء أعمامى لها وأبى
إذا ترامى بنو الأموان بالعار
ويجمع على أموان بضم الهمزة أيضا
واما الفعلة - بفتح الفاء وكسر العين - كالمعدة ، فيجمع بكسر الفاء وفتح العين ، كالمعد والنّقم ؛ قال السيرافى : ومثله قليل غير مستمر ، لا يقال فى كلمة وخلفة (4)
وقيل : الخلفة هى التى استكملت سنة بعد النتاج ثم حمل عليها فلقحت
كلم وخلف ، وإنما جمع معدة ونقمة على فعل بكسر الفاء وفتح العين لأنهم يقولون فيهما عند بنى تميم وغيرهم معدة ونقمة ككسرة نحو كتف فى كتف ، فجمعا على ذلك ، فمعد ونقم فى الحقيقة جمع فعلة لا جمع فعلة ، وأما غيرهما نحو كلمة وخلفة فلا يجىء على وزن كسرة إلا عند بنى تميموأما فعلة نحو تخمة فعلى تخم ، شبهوا فعلة بضم الفاء وفتح العين بفعلة بضم الفاء وسكون العين ، فجمع على فعل ، وليس ذلك مما يكون الفرق بين جمعه وواحده بالتاء كالرّطبة والرّطب ؛ لأن الرطب مذكر كالبر والتمر ، ونحو
1) دوى : جمع دواة ، وهي ما يوضع فيها المداد للكتابة ، وأصله دووى قلبت الواو ياء لاجتماعها مع الياء وسبق إحداهما بالسكون ثم أدغمت الياء فى الياء ثم كسرت الواو الأولى لمناسبة الياء. قال أبو ذؤيب
2) الصفى : جمع صفاة ، وهى الصخرة الملساء ، وأصل صفى صفوى فعل به ما تقدم فى دوى
3) من ذلك قول القتال الكلابى :
4) الخلفة : الحامل من النوق ، وجمعها خلف - بكسر اللام - وقيل : جمعها مخاض من غير لفظه كما قالوا لواحد النساء امرأة. قال ابن برى : شاهده قول الراجز :
التّخم والتّهم مؤنث كالغرف ، وتصغير رطب رطيب ، وتصغير تخم وتهم لا يكون إلا على تخيمات وتهيمات ، بالرد إلى الواحد ، فليسا إذن كالرطب والمصع (1)؛ إذ هما جنسان كالتمر والتفاح (2)؛
لئيمة مذمومة الحوّاط
1) المصع : اسم جنس جمعى واحده مصعة - بوزان همزة وغرفة - وهى ثمرة العوسج (أى الشوك) وهي أيضا طائر أخضر
2) اعلم أنه إذا فرق بين الواحد وجماعته بالتاء فاما أن يكون اللفظ الدال على الجماعة على وزن من أوزان الجموع مثل غرفة وغرف ومدية ومدى وكسرة وكسر وقربة وقرب وإما أن يكون اللفظ الدال على الجماعة على غير وزن من أوزان الجموع مثل كلمة وكلم وشجرة وشجر وبقرة وبقر وسمرة وسمر ؛ فان كان اللفظ الدال على الجماعة من النوع الثانى فهو اسم جنس جمعى وإن كان من النوع الأول فاما أن يكون مذكرا مثل رطب ومصع وإما أن يكون مؤنثا كغرف وتخم وتهم وقرب (ويستبين ذلك بالضمير العائد عليها) فان كان مذكرا فهو اسم جنس جمعى ، وإن كان مؤنثا فهو جمع ، وسيأتى لذلك مزيد بحث للمؤلف فى آخر هذا الباب
3) العرس - كقفل - : طعام الوليمة ، وربما قيل فيه عرس - كعنق - كما قال الراجز :
إنّا وجدنا عرس الحنّاط
وعير (1)كذلك ، وباب سنة جاء فيه سنون وقلون وثبون ، وجاء قلون وسنوات وعضوات وثبات وهنات ، وجاء آم كآكم»
أقول : قد مضى شرح جميع هذا فى شرح الكافية(2)
أبت ذكر عوّدن أحشاء قلبه
خفوقا ، ورقصات الهوى فى المفاصل
وجاء فى المعتل اللام نحو أخوات وجديات - بسكون عينهما وقد يقاس عليهما قصدا للتخفيف لأجل الثقل الحاصل من اعتلال اللام ، ويجوز أيضا فى القياس أن يقال : نسوة كلبات (بالسكون) اعتبارا للصفة العارضة كما تقول : صعبات بفتح العين إذا سميت بصعبة. وأهل فى الأصل اسم دخله معنى الوصف فقيل فى جمعه : أهلون ، وأدخلوه التاء فقالوا : أهلة. قال :
وأهلة ودّ قد تبرّيت ودّهم
وأبليتهم فى الحمد جهدى ونائلى
أى : وجماعة مستأهلة للود. قال :
فهم أهلات حول قيس بن عاصم
إذا أدلجوا باللّيل يدعون كوثرا
ويقال : أهلات أيضا - بسكون الهاء - اعتدادا بالوصف العارض.
وتفتح هذيل العين المعتلة كجوزات وبيضات. وقال :
وقريء فى الشواذ : (ثلاث عورات). وإنما سكن عين الصفة وفتح عين الاسم فرقا ، وكان الصفة بالسكون أليق لثقلها باقتضائها الموصوف ومشابهتها للفعل ، ولذلك كانت إحدى علل منع الصرف ، وسكن المضاعف والمعتل العين استثقالا : أى فرارا من الثقل العارض بتحريك أول المثلين وتحريك الواو والياء. فأن قيل : فلتقلبا ألفا لتحركهما وانفتاح ما قبلهما. قلت : إن الحركه عارضة فى الجمع ، ولذلك لم تقلبهما هذيل مع تحريكهما كما لم تقلب واو خطوات المضموم ما قبلها ياء لعروض الضمة.
وأما فعلة - بضم الفاء وسكون العين - كغرفة ، وكذا فعل المؤنث كجمل فأن كانت مضاعفة فالاسكان لازم مع الألف والتاء كغدات ، وإن كانت معتلة العين - ولا تكون إلا بالواو - كسورة فلا يجوز الاتباع إجماعا ، وقياس لغة هذيل جواز فتحها كما فى بيضات وروضات ، لأنهم عللوه بخفة الفتحة على حرف العلة وبكونها عارضة ، لكن سيبويه قال : لا تتحرك الواو فى دولات ، والظاهر أنه أراد بالضم. وإن كانت صحيحة العين : فأن كانت صفة كحلوة فالاسكان لا غير ، وإن كانت اسما : فأن لم تكن اللام ياء جاز فى العين الاسكان والفتح والاتباع ، سواء كان اللام واوا كخطوات أولا كغرفات ، والاتباع ههنا أكثر منه فى فعلة وإن كان الكسر أخف ، وذلك لأن نحو عنق أكثر من نحو إبل ، وإن كانت اللام ياء نحو كلية لم يجز الاتباع اتفاقا ، للثقل ، وأما الفتح فالمبرد نص على جوازه ، وليس فى كلام سيبويه ما يدل عليه. وأما أم فلفظ أمهات في الناس أكثر من أمات ، وفى غيرهم بالعكس. والهاء زائدة بدليل الأمومة. وقيل : أصلية ، بدليل تأمهت ، لكونه على وزن تفعلت. قال :
ووزنها فعلة (بضم الفاء وتشديد العين مفتوحة) فحذف اللام
وأما فعلة - بكسر الفاء - وفعل مؤنثا كهند : فأن كانت مضاعفة فلا يجمع بالألف والتاء إلا بسكون العين ، نحو قدات ، وإن كانت معتلة العين ولا تكون إلا ياء إما أصلية كبيعة أو منقلبة كديمة فلا يجوز فيه الاتباع إجماعا ، ولا الفتح إلا على قياس لغة هذيل ، وعيرات (بكسر أوله وفتح ثانيه) فى جمع عير شاذ عند غير هذيل ، وإن كانت صحيحة العين : فأن كانت صفة فالاسكان كعلجات ، وإن كانت اسما : فأن كانت اللام واوا امتنع الاتباع اتفاقا للاستثقال وجاز الفتح والاسكان على ما نص المبرد كرشوات ، ومنع الأندلسى الفتح ، وإن كانت اللام ياء كلحية ؛ جاز الفتح والاسكان ؛ وأما الاتباع فمنعه سيبويه لقلة باب فعل (بكسر أوله وثانيه) فى الصحيح فكيف بالمعتل اللام؟ وأجازه السيرافى ، لعروض الكسر ، وقياسا على خطوات ، وإن صحت اللام نحو كسرة جاز الاتباع والفتح والاسكان ، والفراء يمنع ضم العين مطلقا فى المضمومة الفاء وكسرها فى المكسورة الفاء صحت العين أولا إلا فيما سمع نحو خطوات وغرفات» اه كلامه
، فنقتصر على حل ألفاظه1) العير - بكسر أوله - : القافلة ؛ قال الله تعالى (ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ) ،) أو هى الابل تحمل الميرة ، أو كل ما امتير عليه إبلا أو حميرا أو بغالا
2) قال المؤلف فى شرح الكافية (ج 2 ص 175): «ولنذكر شيئا من أحكام المجموع بالألف والتاء وإن كان المصنف يذكره فى قسم التصريف فنقول : كل ما هو على وزن فعل وهو مؤنث بتاء مقدرة أو ظاهرة كدعد وجفنة ، فأن كان صفة كصعبة أو مضاعفا كمدة أو معتل العين كبيضة وجوزة وجب إسكان عينه فى الجمع بالألف والتاء ، وإن خلا من هذه الأشياء وجب فتح عينه فيه كتمرات ودعدات : والتزم فى جمع لجبة لجبات - بفتح العين - لأن فى لجبة لغتين فتح العين وإسكانها ، والفتح أكثر ، فحمل الجمع على المفرد المشهور ، وقيل لما لزم التاء فى لجبة لكونها صفة للمؤنث ولا مذكر لها ، يقال : شاة لجبة ، إذا قل لبنها ، صار كالأسماء فى لزوم التاء نحو جفنة وقصعة ، وأجاز المبرد إسكان عين لجبات قياسا لا سماعا ، وغلب الفتح فى جمع ربعة لتجويز بعضهم فتح عين الواحد ، وقيل : إنها كانت فى الأصل اسما ثم وصف به فلوحظ فيه الأصل كما يقال فى جمع امرأة كلبة : نسوة كلبات - بفتح العين - ولا يقاس عليه غيره نحو ضخمات وصعبات ، خلافا لقطرب ، ويجوز إسكان ما استحق الفتح من عين فعلات للضرورة ، قال ذو الرمة :
قوله «والمعتل العين ساكن» كجوزات وبيضات (1)
أخو بيضات رائح متأوّب
رفيق بمسح المنكبين سبوح
؛ لاستثقال الحركة1) البيضات : جمع بيضة ، وهي بيضة الطائر ، وما يلبس على الرأس من الحديد فى الحروب للاحتماء به وغير ذلك ، وقد جمع على بيضات - بالاسكان - كما هو القياس ، وعلى بيضات - بالفتح - وهو شاذ ، ومنه قول الشاعر :
على الواو والياء المفتوح ما قبلهما.
قوله «وهذيل تسوى» أى : تفتح فى الأجوف كما تفتح فى الصحيح ، استخفافا للفتحة ، ولا تقلب الواو والياء ألفا ؛ لعروض الحركة عليهما
قوله «والمعتل العين والمعتل اللام بالواو يسكن ويفتح» أما المعتل العين فنحو قيمات وديمات ، ولا يكسر العين استثقالا للكسرة على الياء المكسور ما قبلها ، وأما الناقص الواوى فنحو رشوات ؛ لا يكسر العين لئلا ينقلب الواو ياء فيلتبس ، ولو خليت واوا لاستثقلت.
قوله «والمعتل العين والمعتل اللام بالياء يسكن ويفتح» أما المعتل العين فنحو دولات (1)ولا يضم العين للاستثقال ، وأما الناقص اليائى فلا يضم عينه ؛ لاستثقال الياء المضموم ما قبلها لاما ، وإن قلبت واوا اعتدادا بالحركة العارضة لالتبس بالواوى.
قوله «وقد يسكن فى تميم نحو حجرات وكسرات» بخلاف نحو تمرات ، استثقالا للضمتين والكسرتين اللتين هما أكثر وأظهر فى هذين البابين.
قوله «والمضاعف ساكن فى الجميع» نحو شدّات وغدّات (2)وردّات.
وأما الصفات فنحو صعبات وحلوات وعلجات (3)تسكن للفرق ، وتسكينها
1) الدولات : جمع دولة - بضم الدال - وهى ما يتداوله الناس بينهم ، من فىء المال ومنه قوله تعالى : (كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ). انظر (ص 105 من هذا الجزء)
2) الغدات : جمع غدة ، وهى كل عقدة يحيط بها شحم فى الجسد ، ومنه المثل : غدة كغدة البعير وموت فى بيت سلولية. أنظر (ج 1 ص 88)
3) العلجات : جمع علجة - بكسر أوله وسكون ثانيه - وهى مؤنث العلج ، وهو الرجل من كفار العجم ، وهو أيضا الشديد الغليط. أنظر شرح الشاهد الثامن والثلاثين (ح 1 ص 242)
أولى من تسكين الأسماء ؛ لأن الصفات أثقل.
قوله «لجبات (1)وربعات (2)للمح اسمية أصلية» لم أر فى موضع أن لجبة فى الأصل اسم ، بلى قيل ذلك فى ربعة.
1) اللحبة : هى الشاة التى قل لبنها. قال فى اللسان : «وشاة لجبة (كتمرة) ولجبة (كغرفة) ولجبة (كفرية) ولجبة (كشجرة) ولجبة (كنبقة) ولجبة (كعنبة) الأخيرتان عن ثعلب : مولية اللبن ، وخص بعضهم به المعزى ، قال الأصمعى : إذا أتى على الشاء بعد نتاجها أربعة أشهر فجف لبنها وقل فهي لجاب ، ويقال منه : لجبت (ككرم) لجوبة ، وشياه لجبات (بالتحريك) ويجوز لجبت (بالتضعيف). قال ابن السكيت : اللجبة النعجة التى قل لبنها ، قال : ولا يقال للعنز لجبة ، وجمع لجبة (بالتحريك) لجبات على القياس ، وجمع لجبة (بالتسكين) لجبات بالتحريك وهو شاذ لأن حقه التسكين إلا أنه كان الأصل عندهم أنه اسم وصف به ، كما قالوا : امرأة كلبة ؛ فجمع على الأصل ، وقال بعضهم : لجبة ولجبات نادر ؛ لأن القياس المضطرد فى جمع فعلة إذا كانت صفة تسكين العين. قال سيبويه : وقالوا : شياه لجبات فحركوا الأوسط لأن من العرب من يقول : شاة لجبة (بالتحريك) فانما جاءوا بالجمع على هذا» اه بتصرف ؛ والحاصل أن للعلماء فى تخريج لجبات بالتحريك ثلاثة أوجه : أولها أنه جمع لجبة بالتحريك ، وقد ترك فى هذه اللغة جمع لجبة بالاسكان استغناء بالمحرك عن الساكن ، ثانيها أن لجبات - بالتحريك - جمع لجبة - بالاسكان - نظرا إلى أنها فى الأصل اسم كتمرات وزفرات ، ثالثها : أن لجبات - بالتحريك - شاذ ، وهذا تخريج الذى لا يلاحظ اسميتها فى الأصل ولا مجىء المفرد محركا
2) الربعة - باسكان الباء وفتحها - : يوصف به الرجل والمرأة ، يقال : رجل ربعة ، وامرأة ربعة ، وهو الذى ليس بالطويل ولا بالقصير. قال فى اللسان : «وصف المذكر بهذا الاسم المؤنث كما وصف المذكر بخمسة ونحوها حين قالوا : رجال خمسة ، والمؤنث ربعة وربعة كالمذكر ، وأصله له ، وجمعهما جميعا ربعات ، حركوا الثانى وإن كان صفة لأن أصل ربعة اسم مؤنث وقع على المذكر والمؤنث فوصف به ، وقد يقال ربعات بسكون الباء فيجمع على ما يجمع عليه هذا الضرب من الصفة ، حكاه ثعلب عن ابن الأعرابي» اه
قوله «وحكم أرض» أى أن المؤنث بتاء مقدرة كالمؤنث بتاء ظاهرة ، يجوز فيها الأوجه المذكورة.
قوله «وباب سنة» أى : إذا كان فعلة محذوف اللام يجمع بالواو والنون ، جبرا لما حذف منها ، وقد تغير أوائلها بكسر ما انضم منها أو انفتح.
قوله «وسنوات وعصوات (1)
أعوذ بربّى من النّافثا
ت فى عضه العاضه المعضه
» أى : قد يجمع بالألف والتاء مع رد اللام.قوله «ثبات (2)
ومثل ثبة فى الوزن وحذف اللام قلة ، ولم يذكرها الرضى وإن كان ابن الحاجب قد ذكرها. والقلة - بضم ففتح - : عودان يلعب بهما الصبيان ، وقد اختلفوا فى لامها المحذوفة ؛ فقيل : واو ؛ لأن العرب قالت : قلوت القلة أقلوها قلوا ، وقيل : ياء ؛ لأنهم قالوا : قليت أقلى قليا
1) عضوات : جمع عضة ، وهى الفرقة والقطعة من الشىء ، والكذب ؛ وقد اختلفوا فى المحذوف من هذه الكلمة ؛ فقال جماعة : المحذوف واو بدليل جمعهم إياها على عضوات ، وبدليل أنهم قالوا : عضيت الناقة ؛ إذا جزأتها ، وقال قوم : المحذوف هاء بدليل قولهم فى جمعه : عضاه ، كما قالوا شفاه فى جمع شفة ، وبدليل قولهم : عضهه يعضهه عضها ورجل عاضه. إذا جاءه بالأفك والبهيتة ، وقال الشاعر :
2) ثبات : جمع ثبة ، وهى الجماعة ، قال الله تعالى (فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً) وهى مأخوذة من ثبيت بالتضعيف : أى جمعت ، أو من ثاب يثوب : قال فى اللسان : «قال ابن جنى : الذاهب من ثبة واو ، واستدل على ذلك بأن أكثر ما حذفت لامه إنما هو من الواو نحو أب وأخ وسنة وعضة فهذا أكثر مما حذفت لامه ياء ، وقد تكون ياء على ما ذكر. قال ابن برى : والاختيار عند المحققين أن ثبة من الواو وأصلها ثبوة (كغرفة) حملا على أخواتها لأن أكثر هذه الاسماء الثنائية أن تكون لامها واوا نحو عزة وعضة ، ولقولهم : ثبوت له خيرا بعد خير أو شرا ، إذا وجهته إليه. قال الجوهرى : والثبة وسط الحوض الذى يثوب إليه الماء ، والهاء هاهنا عوض من الواو الذاهبة من وسطه ، لأن أصله ثوب كما قالوا أقام إقامة ، وأصله إقواما ، فعوضوا الهاء من الواو الذاهبة من عين الفعل» اه
وهنات (1)» أى : قد يجمع بالالف والتاء من غير رد اللام.
قوله «وجاءآم كآكم» هو أفعل ، وأصله أأمو ، قلبت الواو ياء والضمة كسرة كما فى أدل (2)وحذفت الياء كما فى قاض ؛ وقلبت الهمزة الثانية ألفا كما فى آمن.
قال : «الصّفة ؛ نحو صعب على صعاب غالبا ، وباب شيخ على أشياخ ، وجاء ضيفان ووغدان وكهول ورطلة وشيخة وورد وسحل وسمحاء ؛ ونحو جلف على أجلاف كثيرا ، وأجلف نادر ؛ ونحو حرّ على أحرار»
أقول : اعلم أن الأصل فى الصفات أن لا تكسر ، لمشابهتها الأفعال وعملها عملها ، فيلحق للجمع بأواخرها ما يلحق بأواخر الفعل ، وهو الواو والنون ، فيتبعه الألف والتاء ؛ لأنه فرعه ، وأيضا تتصل الضمائر المستكنة بها ، والأصل أن يكون فى لفظها ما يدل على تلك الضمائر ، وليس فى التكسير ذلك ، فالأولى أن تجمع : بالواو والنون ليدل على استكنان ضمير العقلاء الذكور ، وبالألف والتاء ليدل على جماعة غيرهم ، ثم إنهم مع هذا كله كسّروا بعض الصفات لكونها أسماء كالجوامد وإن شابهت
الفعل ، وتكسير الصفات المشبهة أكثر من تكسير اسم الفاعل فى الثلاثى ؛ إذ شبهها بالفعل أقل من شبهه ، وتكسير اسم الفاعل الثلاثى أكثر من تكسير اسم المفعول منه واسم الفاعل والمفعول من غير الثلاثى ؛ لأن الأخيرين أكثر مشابهة لمضارعهما لفظا من اسم الفاعل الثلاثى لمضارعه ، وأما اسم المفعول من الثلاثى فأجرى لأجل الميم فى أوله مجرى اسمى الفاعل والمفعول من غير الثلاثى فى قلة التكسير.
ثم نقول : فعل يكسّر فى الغالب على فعال ، ولا يكسر على أفعل ؛ لأن للوصف فى الأغلب موصوفا يبين القلة والكثرة ، والأصل فى الجموع جمع الكثرة كما مر ، والغالب فى الأجوف اليائى أفعال كأشياخ ، وقد جاء فعلان بكسر الفاء فى الأجوف وغيره كضيفان ووغدان بكسر الواو ، كما جاء فى الاسم وئلان ، وقد جاء فعلان كوغدان (1)، كما جاء فى الاسم ظهران ، ويجوز أن يكون نحو ضيفان وشيخان فى الأصل فعلان مضموم الفاء فكسرت لتسلم الياء ، وجاء فيه ضيوف وشيوخ ، دخل هنا فعول على فعال كما دخل فى الأسماء نحو كعاب وكعوب ، إلا أن الاسم أقعد فى التكسير فكان التوسع فيه أكثر ؛ ففعول فيه أكثر منه فى الصفة ، وقد جاء فيه فعلة كرطلة فى رطل ، وهو الشابّ الناعم ، وجاء فعلة بسكون العين كشيخة ، وجاء فعل نحو كثّ (2)وثطّ (3)
وجون (1)وخيل (2)وورد (3)، وجاء فعل بضمتين ، والظاهر أن أحد البناءين فرع الآخر ، نحو سحل وسحل (4)وصدق اللقاء وصدق اللقاء (5)، وربما لا يستعمل إلا أحدهما ، وقالوا سمحاء تشبيها لفعل وهو الصفة المشبهة باسم الفاعل بفاعل ؛ فسمح وسمحاء كعالم وعلماء ، أو شبّه فعل بفعيل فكأنه جمع سميح ككريم وكرماء ، وإذا استعمل بعضها استعمال الأسماء نحو عبد جمع على أفعل فى القلة فقالوا أعبد ، فان سمى بفعلى أو بغيره من الصفات جمعت جمع الأسماء
وأما فعل فانه يكسر على أفعال نحو أجلاف فى جلف ، وهو الشاة المسلوخة بلا رأس ولا قوائم (6)، وأنقاض (7)وأنضاء (8)؛ وجاء أجلف تشبيها بالأسماء كأذؤب ، وهو نادر فى الصفات
وأما فعل فانه أقل فى الصفات من فعل ، كما كان كذلك فى الأسماء ، ويجمع على ما جمع عليه فعل بالكسر كأمرار وأحرار ، وفعل بالكسر أقل من فعل بالفتح كما فى الأسماء
1) جون : جمع جون - بفتح الجيم - وهو الأسود المشرب حمرة ، والأحمر الخالص ، والأبيض
2) خيل : جمع خيل - بفتح فسكون - وهو الكبر
3) ورد : جمع ورد - بفتح فسكون - وهو من الخيل بين الكميت والأشقر
4) سحل : جمع سحل - بفتح فسكون - وهو الثوب لا يبرم غزله ، أو الأبيض من القطن
5) صدق : جمع صدق - بفتح فسكون - وهو الثبت عند اللقاء ، والصلب المستوى من الرماح والرجال ، والكامل من كل شىء
6) ومن معانى الجلف الرجل الجافى فى خلقه وخلقه
7) أنقاض : جمع نقض - بكسر فسكون - وهو البناء المنقوض
8) أنضاء : جمع نضو - بكسر فسكون - وهو المهزول من الابل وغيرها ، وهو أيضا اسم لحديدة اللجام
قال : «ونحو بطل على أبطال وحسان وإخوان وذكران ونصف ، ونحو نكد على أنكاد ووجاع وخشن ، وجاء وجاعى وحباطى وحذارى ، ونحو يقظ على أيقاظ ، وبابه التّصحيح ، ونحو جنب على أجناب»
أقول : ظاهر كلام سيبويه أن الغالب فى تكسير فعل فى الصفات فعال ، قال : وكسّروا عليه كما يكسر فعل عليه ، فقد اتفقا فيه كما اتفقا فى الأسماء نحو كلب وكلاب وجمل وجمال ، قال : وربما كسروه على أفعال ؛ لأنه مما يكسر عليه فعل فاستغنوا به عن فعال ، وأما فعلان وفعلان كإخوان وذكران فلاستعمال أخ وذكر استعمال الأسماء فهما كخربان (1)وحملان (2)، وكذا نصف (3)بضمتين ونصف بسكون العين لكونه كالأسماء ، وعده سيبويه فى الأسماء ، فهو كأسد وأسد عنده ، وما كان للمصنف أن يعد الثلاثة فى الصفات ، لأنها إنما كسرت عليها لاستعمالها كالأسماء من دون الموصوف ، وفعل بفتح العين أقل فى الصفات من فعل بسكونها
وأما فعل فانه يكسر على أفعال كأنكاد (4)، فهو كأكباد فى الأسماء
واعلم أن الأسماء أشد تمكنا فى التكسير ، والصفات محمولة عليها ، فاذا اشتبه عليك تكسير شىء من الصفات ، فإن كنت فى الشعر فاحملها على الأسماء وكسّرها تكسيرها ، وإن كنت فى غير الشعر فلا تجمع إلا جمع السلامة.
1) الخربان : جمع خرب - كبطل - وهو ذكر الحبارى ، وقد تقدم قريبا (ص 97) وجمع على أخراب أيضا
2) الحملان : جمع حمل - كبطل - وهو الجذع من ولد الضأن فما دونه ، وجمع على أحمال أيضا
3) امرأة نصف - بفتح الأول والثانى - إذا كانت بين الحدثة والمسنه ، وقيل : هي الكهلة ، ويقال : امرأة نصفة - بالتاء أيضا - وقد جمع على أنصاف أيضا
4) أنكاد : جمع نكد - ككتف - وهو اللئيم المشئوم
وأما وجاع (1)فلحمل فعل بالكسر على فعل بالفتح كحسان ، وقلّ فيه فعل بضمتين كخشن ، وهو محمول على الاسم كنمر.
قوله «وجاء وجاعى» فعالى كثير فى جمع فعلان ، وفى مؤنثه الذى هو فعلى نحو سكارى فى سكران وسكرى ، وليس بغالب ، بل الغالب فيه فعال كغراث (2)وجياع فى غرثان وغرثى وجوعان وجوعى ، لكن لما شابه الألف والنون ألف التأنيث الممدودة نحو صحراء وقياسه فى التكسير فعالى كما يجىء جمع جمعه فحمل فعل على فعلان المحمول على فعلاء ، وإنما حمل فعل على فعلان لتشاركهما فى باب فعل يفعل فى كثير من المواضع ، نحو عجل وعجلان وفرح وفرحان وعطش وعطشان ، والحبط : المنتفخ البطن من كثرة أكل الربيع ، وقالوا وجعى أيضا فى جمع وجع ، مع أن قياس فعلى أن يكون جمع فعيل بمعنى مفعول كقتلى وجرحى ، لكنه حمل وجع وميت وهالك وأجرب ومريض وأشباه ذلك عليه ؛ لأن هذا أمر يبتلون به إذ دخلوا فيه وهم له كارهون ، وفعيل بمعنى مفعول غالب فى هذا المعنى كما يجىء ، فلما كان معنى هذه الأمثلة معنى فعيل بمعنى مفعول كسرت تكسيره كما يجىء فى موضعه ، مثل وجع ووجعى وهرم وهرمى وضمن (3)
1) وجاع : جمع وجع - ككتف - وهو المريض وقال فى اللسان : «الوجع : اسم جامع لكل مرض مؤلم ، والجمع أوجاع ، وقد وجع فلان يوجع (كعلم يعلم) وييجع وياجع فهو وجع ، من قوم وجعى ، ووجاعي ، ووجعين ، ووجاع ، وأوجاع
2) غراث : جمع عرثان - كعطشان - وهو الجوعان ، وتقول : غرث الرجل يغرث - كفرح يفرح - فهو غرث وغرثان ، وامرأة غرثى وغرثانة ، والجمع غرثى - كجرحى ، وغراثى - كسكارى ، وغراث - كعطاش.
3) الضمن - ككتف - : العاشق ، أو الزمن ، أو المبتلى فى جسده. قال فى اللسان : «رجل ضمن (كبطل) لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث : مريص ، وكذلك ضمن (ككتف) ، والجمع ضمنون ، وضمين والجمع ضمنى ، كسر على فعلى وإن كانت إنما يكسر بها المفعول نحو قتلى وأسرى ، لكنهم تجوزوه على لفظ فاعل أو فعيل على تصور معنى مفعول. قال سيبويه : كسر هذا النحو على فعلى لأنها من الأشياء التى أصيبوا بها وأدخلوا فيها وهم لها كارهون» اه
وضمنى وزمن وزمنى (1).
قوله «ونحو يقظ (2)على أيقاظ» ومثله نجد : أى شجاع ، وأنجاد ، قيل : لم يجىء فى هذا الباب مكسر إلا هاتان اللفظتان ، والباقى منه مجموع جمع السلامة ، وإنما جمعا على أفعال حملا لفعل على فعل لاشتراكهما كيقظ وندس (3)
1) الزمن - ككتف - : ذو العاهة. قال فى اللسان : «زمن يزمن (من باب فرح) زمنا ، وزمنة (كشهبة) وزمانة ، فهو زمن والجمع زمنون ... وزمين والجمع زمنى ، لانه جنس للبلايا التى يصابون بها ويدخلون فيها وهم لها كارهون ، فطابق باب فعيل الذى بمعنى مفعول ، وتكسيره على هذا البناء نحو جريح وجرحى ، وكليم وكلمي» اه
2) اليقظ - ككتف ، واليقظ - كرجل ، واليقظان : ذو الفطنة والحذر قال فى اللسان : «ورجل يقظ ويقظ كلاهما على النسب : أى متيقظ حذر ، والجمع أيقاظ ، وأما سيبويه فقال : لا يكسر يقظ لقلة فعل (كرجل) فى الصفات وإذا قل بناء الشيء قل تصرفه في التكسير ، وإنما أيقاظ عنده جمع يقظ ، لأن فعلا (ككتف) فى الصفات أكثر من فعل. قال ابن برى : جمع يقظ (ككتف) أيقاظ وجمع يقظان يقاظ (كرجال) وجمع يقظى صفة المرأة يقاظى (كعذارى)» اه
3) رجل ندس - كرجل وضخم وفرح - : إذا كان فهما سريع السمع ، وهو أيضا العالم بالأمور والأخبار. قال فى اللسان : «قال سيبويه : الجمع ندسون (بضم الدال) ولا يكسر لقلة هذا البناء فى الصفات ؛ ولأنه لم يتمكن فيها للتكسير كفعل (بكسر العين) فلما كان كذلك وسهلت فيه الواو والنون تركوا التكسير وجمعوه بالواو والنون» اه
وفطن (1)، وقد جاء أفعال فى جمع فعل اسما أيضا كعضد وأعضاد وعجز وأعجاز ؛ وحكى أبو عمرو الشيبانى يقظ ويقاظ كما فى الاسم نحو سبع وسباع ، وهو فى فعل الاسمى قليل كما ذكرنا فكيف بالصفة التى هى أقل تمكنا منه فى التكسير ، والحق أن يقاظا جمع يقظان لكون فعال غالبا فى فعلان كعطاش وجياع فى عطشان وجوعان.
قوله «ونحو جنب على أجناب» فعل فى الصفات فى غاية القلة ، فلا يكسر إلا على أفعال ، وإنما اختاروه لخفته ، وحكى جناب وجنبان.
فأوزان الثلاثى من الصفات التى جاء لها تكسير سبعة ، وأعم جموعها أفعال ؛ فانه يجىء لجميعها كما ذكرنا ، نحو أشياخ وأجلاف وأحرار وأبطال وأيقاظ وأنكاد وأجناب ، ثم فعال لمجيئه لثلاثة منها ، نحو صعاب وحسان ووجاع ، وبواقى جموعها متساوية : أما الأمثلة الثلاثة الباقية من الصفات ففعل كحطم (2)
قد لفّها اللّيل بسوّاق حطم
ليس براعى إبل ولا غنم
وفى المثل «شر الرعاء الحطمة» قال ابن الأثير : هو العنيف برعاية الابل فى السوق والايراد والاصدار ويلقى بعضها على بعض ويعسفها. ضربه مثلا لوالى السوء
وختع (3)وفعل كأتان إبد : أى ولود ، وامرأة بلز : أى ضخمة ، ولا غيرهما (4)1) رجل فطن - كعضد وكتف وفلس - وفطين وفطون وفطونة. كفروقة - : أى غير غبي ، وقد جمعوه على فطن - بضم فسكون ،
2) الحطم : الراعى الذى يعنف ويشتد فى سوقه ، وقال الراجز :
3) الختع : الحاذق فى الدلالة ، وهو السريع المشي الدليل ، ويقال : رجل ختع وختعة (بضم ففتح فيهما) وختع (ككتف) وخوتع (ككوثر)
4) قوله «ولا غيرهما» أراد لم يأت على فعل - بكسر أوله وثانيه - من الصفات إلا هاتان الكلمتان
إذا كنت فى قوم عدى لست منهم
فكل ما علفت من خبيث وطيّب
وقال الأخطل :
ألا يا اسلمى يا هند هند بنى بدر
وإن كان حيّانا عدى آخر الدّهر
وقد قال الأصمعي : «يقال هؤلاء قوم عدى مقصور يكون للأعداء وللغرباء ولا يقال قوم عدى (بضم أوله) إلا أن تدخل الهاء فتقول عداة فى وزن قضاة» ويشهد للمعنى الأول بيت الأخطل وللمعنى الثانى بيت الحماسى ، وقد تكون اسم جمع قال فى اللسان : «وأما عدى وعدى فاسمان للجمع لأن فعلا وفعلا ليسا بصيغتى جمع إلا لفعلة أو فعلة (بكسر أوله وضمه) وربما كانت لفعلة وذلك قليل كهضبة وهضب ، وبدرة وبدر» اه
ولا غيرهما ، (3)فلم يسمع فيها تكسير ، وقولهم أعداء جمع عدوّ كأفلاء جمع (4)كان لنا وهو فلوّ نرببه
مجعثن الخلق يطير زغبه
ومعنى نرببه نربيه ، وأصل نربيه نرببه بثلاث باءات فلما استثقلوا ثلاثة الأمثال فلبوا ثالثها ياء ، كما قالوا : تظنى وتقضى ، فى تظنن وتقضض ، قال الراجز :
ومعنى مجعثن الخلق غليظه ، شبه بأصل الشجرة فى غلظه ، وأصل الشجرة يقال له جعثن بزنة زبرج
فلو ، لا جمع عدى.1) سوى : هو وصف فى نحو قولهم : مكان سوى ، قال الله تعالى : (فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكاناً سُوىً) : أى مكانا معلما معروفا ، وقالوا : هذا رجل سوى والعدم ؛ يريدون وجوده وعدمه سواء ، والسين مكسورة أو مضمومة فيهما ، وقالوا : مكان سوى - بكسر السين وضمها أيضا - وسواء : أى نصف عدل ووسط
2) عدى : هو وصف فى نحو قولهم : قوم عدى. قال شاعر الحماسة (يقال هو زرارة بين سبيع الأسدي ، ويقال هو نضلة بن خالد الأسدى) :
3) «قوله ولا غيرهما» ليس صحيحا ، فقد حكى كثير من العلماء منهم ابن برى فى حواشى الصحاح : ماء روى ، وماء صرى ، وملامة ثنى ، وواد طوى ، ولحم زيم ، وسبي طيبة ، وكل ذلك بكسر أوله وفتح ثانيه ، وقد جاء فى بعضه ضم أوله
4) الفلو - كعدو ، وكسمو ، وكقنو : الجحش والمهر إذا فطم. قال الجوهرى : لأنه يفتلى : أي يفطم. قال دكين
قال : «ويجمع الجميع جمع السّلامة للعقلاء الذكور ، وأمّا مؤنّثه فبالألف والتّاء لا غير ، نحو عبلات وحلوات وحذرات ويقظات ، إلّا نحو عبلة وكمشة فإنّه جاء على عبال وكماش ، وقالوا علج فى جمع علجة»
أقول : قال سيبويه : يجمع فعلة نحو حسنة على حسان ، ولا يجمع على فعال إلا ما جمع مذكره عليه ، كما تقول فى جمع حسن وحسنة : حسان ، ولما لم يقل فى جمع بطل بطال لم يقل فى جمع بطلة أيضا ، فكل صفة على فعل جمعت على فعال يجمع مؤنثها أيضا عليه ، فهذا الذى قاله سيبويه مخالف قول المصنف.
قوله «إلا نحو عبلة (1)» قال سيبويه : كل ما هو على فعلة من الأوصاف يكسر على فعال نحو كمشة وكماش ، والكمش : السريع الماضى ، وجعدة وجعاد ، (2)وذلك لكثرة مجىء هذا البناء ، فتصرفوا فى جمعه ، وأما علج
فى جمع علجة فلجريه مجرى الأسماء نحو كسرة وكسر ، والعلج : العظيم من حمر الوحش.
قال : «وما زيادته مدّة ثالثة فى الاسم نحو زمان على أزمنة غالبا ، وجاء قذل وغزلان وعنوق ، ونحو حمار على أحمرة وحمر غالبا ، وجاء صيران وشمائل ؛ ونحو غراب على أغربة ، وجاء قرد وغربان وزقّان ؛ وغلمة قليل ، وذبّ نادر ، وجاء فى مؤنّث الثّلاثة أعنق وأذرع وأعقب ؛ وأمكن شاذّ»
أقول : اعلم أن أفعلة مطرد فى قلة فعال ، كأزمنة وأمكنة وأفدنة (1)وأقذلة (2)، وقد يكون فى بعض الأسماء للكثرة أيضا ، كأزمنة وأمكنة ، والغالب فى كثرته فعل كقذل وفدن ، وإن شئت خففته فى لغة تميم بإسكان العين ، وما كان منقوصا كسماء وأسمية ، وهو المطر ، ودواء وأدوية ؛ اقتصر فى قلته وكثرته على أفعلة كراهة التغير الذى يتأدى الأمر إليه لو جمع على فعل ، إذ كانوا يقولون سم ودو ، كأدل ، فيكون الجمع الكثير على حرفين ؛ فإن قيل : فهلا خففوا باسكان العين كما فى عنق ، حتى لا يؤدى إلى ما ذكرت ، قيل : التخفيف ليس فى كلام جميع العرب ، وليس بلازم أيضا فى كلام من يجفف ، وأيضا فالمخفف
1) أفدنة : جمع فدان - بفتح الفاء وتخفيف الدال ، وقد تشدد - وهو الذى يجمع أداة الثورين في القران للحرث ، وقيل : هو الثوران يقرنان فيحرث عليهما ، ولا يقال للواحد : فدان ، وقيل : يقال ، وجمع الفدان مخففا أفدنة ؛ كأرغفة ، وفدن ، كسحب ، وجمع المثقل فدادين
2) القذال - كسحاب - : ما بين الأذنين من مؤخر الرأس ، وجمعه أقذلة وقذل ، وتقول : قذله قذلا - من باب نصر ، إذا ضرب قذاله أو عابه أو تبعه
فى حكم المثقل ، ألا ترى إلى قولهم قضو الرّجل ، بالواو التى كانت بدلا من الياء للضمة ، كيف بقيت مع حذف الضمة.
قوله : «وغزلان» جاء فعلان فى فعال ، وليس من بابه ، لكنه لتشبيه فعال بفعال كغربان وحيران ، فى غراب وحوار (1).
قوله «وعنوق» ليس هذا موضعه ؛ لأن العناق مؤنث ، وهو الأنثى من ولد المعز ، يقال فى المثل : «العنوق بعد النوق (2)» فى الذى يفتقر بعد الغنى ؛ وقد أورده سيبويه على الصحة فى جمع فعال المؤنث ، قال : حق فعال فى المؤنث أفعل كعناق وأعنق ، لكن فعولا لما كان مؤاخيا لأفعل فى كثير من المواضع ؛ إذ هو فى الكثير كأفعل فى القليل ؛ جمعوه فى الكثير على عنوق ، وكذا قالوا فى سماء بمعنى المطر : سمىّ ؛ لأنه يذكر ويؤنث ، يقال : أصابتنا سماء : أى مطر.
قوله «ونحو حمار على أحمرة» فعال وفعال يتساويان فى القليل والكثير ، إذ لا فرق بينهما إلا بالفتحة والكسرة المتقاربتين ؛ فأحمرة للقلة ، وحمر للكثرة
وقد يخفف فعل فى تميم ، وقد يستغنى بجمع الكثرة عن جمع القلة ، نحو ثلاثة جدر وأربعة كتب ، ولا يقال : أجدرة ، ولا أكتبة ، والمضاعف منه
1) الحوار - كغراب وككتاب - : ولد الناقة ساعة يولد ، وقيل : إلى أن يفصل عن أمه ، وجمعه أحورة ، وحيران ، وحوران ، وفى المثل : «حرك لها حوارها تحن»
2) قال فى اللسان : «قال ابن سيده ، وفى المثل «هذه العنوق بعد النوق» ، يقول : مالك العنوق بعد النوق ، يضرب للذى ينحط من علو إلى سفل ، والمعنى أنه صار يرعى العنوق بعد ما كان يرعى الابل ، وراعى الشاء عند العرب مهين ذليل ، وراعى الابل عزيز شريف» اه
لا يجىء إلا على أفعلة فى القلة والكثرة ، نحو خلال (1)وأخلّة ، وعنان (2)وأعنّة ؛ لاستثقالهم التضعيف المفكوك ، ولا يجوز الإدغام لما يجىء فى بابه ، وكذا الناقص واويا كان أو يائيا ، لا يجىء إلا على أفعلة كما ذكرنا فى فعال بفتح الفاء ، قال سيبويه : وفعال بفتح الفاء فى جميع الأشياء بمنزلة فعال بالكسر ، والأجوف الواوى منه مسكن العين : كأخونة (3)وخون ، وأبونة (4)وبون ، استثقلت الضمة على الواو ، وقد يضطر الشاعر فيردها إلى أصله من الضم قال :
56 - عن مبرقات بالبرين وتب*
دو بالأكفّ اللّامعات سور (5)
قد حان إن صحوت أن تقصر
وقد أتى لما عهدت عصر
وبعده بيت الشاهد ، ثم قوله :
بيض عليهنّ الدّمقس وفى ال
أعناق من تحت الأكفّة درّ
حان : قرب ، صحوت : أفقت من السكر ، تقصر : تقلع وتكف عما أنت عليه ، وعصر - بضمتين - لغة فى العصر - بفتح فسكون - وقوله : «عن مبرقات» متعلق بتقصر ، ومبرقات : جمع مبرقة اسم فاعل من أبرقت المرأة إذا تحسنت ، والبرين : جمع برة - بضم ففتح - وهى الخلخال ، والسور : جمع سوار وهو ما تلبسه المرأة فى ساعدها. يقول : قد حان لك أن تكف عن الصبوة إلى النساء اللائى يتجملن بالخلاخيل والأسورة ، والاستشهاد بالبيت على أن ضم الواو فى «سور» لضرورة الشعر
وإن كان الأجوف يائيا بقيت الياء مضمومة ؛ إذ الضمة عليها ليست فى ثقل الضمة على الواو ؛ فيقال فى جمع عيان ، وهو حديدة الفدان : «عين» كما قالوا فى
1) الخلال : ما تخلل به الأسنان ، وهو أيضا عود يجعل فى لسان الفصيل لئلا يرضع
2) العنان : سير اللجام الذى تمسك به الدابة
3) الخوان - ككتاب وغراب - : ما يوضع عليه الطعام ، وضع بالفعل أو لم يوضع ، والمائدة : ما يكون عليه الطعام بالفعل ، وقيل : هما واحد ، وانظر (ج 1 ص 110)
4) البوان - ككتاب وغراب - : أحد أعمدة الخباء ،
5) هذا البيت من قصيدة لعدى بن زيد العبادي أولها قوله :
بيوض : بيض (1)ومن خفف من بنى تميم كسر الضم لتسلم الياء ؛ فتقول : عين ؛ كما قالوا بيض فى جميع أبيض ، وجاء فيه فعلان كصيران فى صوار ، وهو القطيع من بقر الوحش ، حملا على فعال ؛ لأن فعلان بابه فعال بالضم ، وما حمل عليه من فعل كصردان ونغران (2)كما ذكرنا
قوله «وشمائل» ليس هذا موضع ذكره كما قلنا فى عنوق ؛ لأن شمالا مؤنث بمعنى اليد ، والقياس أشمل كأذرع ، وفعائل فى جمع فعال جمع لم يحذف من مفرده شىء ؛ فشمال وشمائل كقمطر (3)وقماطر ، وهو جمع ما لحقته التاء من هذا المثال كرسالة ورسائل ، ولما كان شمال فى تقدير التاء جعل كأن التاء فيه ظاهرة فجمع جمعه
قوله «ونحو غراب على أغربة» وهو يساوى فى القلة أخويه (4): أى
1) تقول : دجاجة بيوض وبياضة ، ودجاج بيض ، إذا كانت تبيض كثيرا.
2) الصرد : طائر ضخم الرأس ... أنظر (ج 1 ص 35 ، 281) والنغر : طائر أحمر المنقار كالعصفور ، وأهل المدينة يسمونه البلبل. أنظر (ج 1 ص 281)
3) القمطر : الجمل القوي السريع ، وهو أيضا ما تصان فيه الكتب. أنظر (ج 1 ص 3 ، 51)
4) يريد أن فعالا - كغراب - يساوى فى القلة أخويه ، وهما فعال - بالفتح - وفعال - بالكسر - وقد وقع في بعض النسخ «أخونة» وهو جمع خوان. وليس بشيء
يجمع على أفعلة كأغربة وأخرجة (1)وأبغثة (2)وبابه فى الكثير فعلان كغلمان وخرجان وغربان وذبّان (3)
قوله «وجاء فى مؤنث الثلاثة أفعل» فرقوا بين مذكرها ومؤنثها ، ولما كان تاء التأنيث فيها مقدرا كما فى العدد القليل نحو ثلاث وأربع جمعوها جمع القلة غالبا ، وأثبتوا التاء فى جمع قلة المذكر فقالوا أفعلة ، وحذفوها فى جمع قلة المؤنث فقالوا أفعل ، كما فى العدد ، وإذا ظهر التاء فى الأمثلة الثلاثة كجمالة (4)
1) أخرجة : جمع خراج - كغراب - وهو ما يخرج فى البدن من القروح
2) أبغثة : جمع بغاث ، وهو ضرب من الطير أبيض بطىء الطيران صغير دوين الرخمة : (أنظر ج 1 ص 111)
3) الذبان - بكسر الذال - : جمع ذباب بغير هاء ، ولا يقال : ذبابة ، وجمع أيضا على أذبة ، مثل غراب وأغربة وغربان ، قال النابغة :
4) الجمالة بتثليث أوله : الطائفة من الجمال ، وقيل : هي القطعة من النوق لا جمل فيها ، وقال ابن السكيت : يقال للابل إذا كانت ذكورة ولم يكن فيها أنثى : هذه جمالة بنى فلان
وذؤابة (1)وصلاية (2)لم يكسر جمع [القلة] إذ لا يشابه العدد القليل فى تقدير التاء ، بل يجمع : إما بالألف والتاء ، أو يكسر على فعائل أو فعل كما يجىء قوله «وأمكن شاذ» ويجوز أن يكون أزمن مثله جمع زمان لا جمع زمن ، وإنما جاز جمعهما على أفعل لحملهما على فعال المؤنث مع تذكيرهما ، كما حمل شمال المؤنث المجرد عن التاء على ذى التاء نحو رسالة فقيل شمائل كرسائل ، وحمل أيضا على فعال المذكر فقيل شمل ، قال :
57 - * فى أقوس نازعتها أيمن شملا (3)
والبيت فى وصف طير ، شبه صوتها فى سرعة طيرانها بصوت الأوتار وقد انقطعت عن القوس عند الجذب ، وانقطاعة : مصدر مبين للنوع ، وهو مفعول مطلق ، والمحظربة : المحكمة الفتل ، والأقوس : جمع قوس ، والأيمن : جمع يمين ، والشمل : جمع شمال مثل جدار وجدر ، والاستشهاد بالبيت فى «شمل» حيث جمع شمالا عليه ، والمستعمل أشمل فى القليل وشمائل فى الكثير
وكذا حمل فعال المؤنث كعقاب على المذكر نحو غراب فقيل : عقبان كغربان
1) الذؤابة - بضم أوله - الناصية ، أو منبتها من الرأس ، وشعر فى أعلى ناصية الفرس ، وأعلى كل شىء ، أنظر : 1 - 213)
2) الصلابة : مدق الطيب ، وكل حجر عريض يدق عليه ، وهى أيضا الجبهة ، وجمعه صلى وصلى - بضم أوله وكسره - ويقال : صلاءة ، بقلب الياء همزة والقياس سلامتها لكون الكلمة قد بنيت عليها ، وسيأتى للرضى فى باب الاعلال أن يذكر أن ذلك القلب شائع مقيس فى كل ما كان مختوما بتاء الوحدة من أسماء الأعيان كعباية وعباءة وعظاية وعظاءة
3) هذا عجز بيت للازرق العنبرى وهو من شواهد سيبويه ، وصدره قوله : -
ومؤنث فعيل المجرد عن التاء كمؤنث الثلاثة المذكورة ، نحو يمين وأيمن ، وقد كسر على أيمان أيضا ، لاشتراك أفعل وأفعال فى كثير من أبواب الثلاثى كأفرخ وأفراخ
قال : «ونحو رغيف على أرغفة ورغف ورغفان غالبا ؛ وجاء أنصباء وفصال (1)وأفائل ؛ وظلمان قليل ، وربّما جاء مضاعفه على سرر ، ونحو عمود على أعمدة وعمد ، وجاء قعدان (2)وأفلاء وذنائب»
أقول : اعلم أن فعيلا مثل فعال فى أن الزيادة فيه مدة ثالثة ، وفى عدد الحروف ، فقلّته كقلتها ، نحو أجربة (3)وأقفزة (4)وأرغفة ، وأما صبية فنائب عن أصبية كما قلنا فى أغلمة ؛ ولهذا يصغر [صبية] على أصيبية ويكسّر فى الكثرة على فعل كما يكسر فعال بفتح الفاء وكسرها عليه ، نحو قذل وحمر ؛ وذلك نحو قضب (5)وعسب (6)ورغف وسرر ؛ ويكسر على فعلان أيضا
1) الفصال : جمع فصيل ، وهو ولد الناقة إذا فصل عن أمه
2) القعدان : جمع قعود - كعمود - وهو من الابل البكر الذكر إذا أتى عليه سنتان
3) الأجربة : جمع جريب وهو المزرعة ، والوادى ، ومكيال يسع أربعة أقفزة ، ومقدار معلوم من الأرض يساوى ما يحصل من ضرب ستين ذراعا فى نفسها : أى ستمائة ذراع وثلاثة آلاف ذراع
4) الأقفزة : جمع قفيز ، وهو مكيال يسع ثمانية مكاكيك ، والمكوك : مكيال يسع صاعا ونصف صاع ، والقفيز من الأرض قدر مائة وأربع وأربعين ذراعا
5) القضب : جمع قضيب ، وهو السهم الدقيق ، والناقة التى لم ترض ، وهن الانسان وغيره من الحيوان
6) العسب : جمع عسيب ، وهو عظم الذنب ، والجريدة من النخل
وهو فى الغلبة كفعل سواء ، نحو رغفان وكثبان (1)وقلبان (2)وربما كسر على أفعلاء كأنصباء (3)وأخمساء ، وعلى فعال أيضا كإفال (4)تشبيها بفعيل فى الوصف نحو ظراف ورام ، وأما أفائل (5)ونظائره فلحمل فعيل المذكر على فعيلة ذى التاء كما حمل فعيلة على فعيل المذكر فى نحو صحف وسفن جمع صحيفة وسفينة
قوله «وظلمان (6)قليل» حكى أحمد بن يحيى ظليم وظلمان وعريض - وهو التيس - وعرضان ، وجاء صبى وصبيان ، وقال بعضهم فى ضرير (7): ضرّان ، والضم فيه أشهر
قوله «وربما جاء مضاعفه» يعنى أن الأصل أن يكسر على فعل - بضمتين ، ولكن حكى أبو زيد وأبو عبيدة أن ناسا فتحوا عين سرر فقالوا : سرر ، والأشهر الضم وجاء شاذا فى فعيل المذكر أفعل حملا على المؤنث ، قال :
58 - * حتّى رمت مجهوله بالأجنن (8)
واجتزن فى ذى نسع ممحّن
تفتنّ طول البلد المفتّن
وبعده بيت الشاهد ، ثم قوله :
سرين أو عاجوا بلا ملهّن
وخلّطت كلّ دلاث علجن
يصف قطعه المفاوز على ناقته حتى وصل إلى الممدوح ، وهو بلال بن أبى بردة بن أبى موسى الأشعرى
والنسع : جمع نسعة ، وهى السير بضفر على هيئة أعنة النعال تشد به الرحال ، والممحن : الممدد ، وتفتن : تشق ، والمفتن : الذى على غير جهة واحدة ، والأجنن جمع جنين ، ويروى فى مكانه «الأجبن» بالباء الموحدة من تحت ، وهو جمع جبين ، والملهن : مصدر ميمى بمعنى التلهين ، وهو إعطاء اللهنة - كغرفة - وهى الزاد يتعلل به قبل الغداء ، ويراد منه هنا الزاد مطلقا ، فهو يعنى أنه يعود بغير صلة. والدلاث - بكسر الدال - : اللينة الأعطاف ، والعلجن : الناقة المكتنزة اللحم ، وقد استشهد المؤلف بالبيت على أنه جمع جنينا على أجنن شذوذا لأن أفعل إنما يجمع عليه فعيل وشبهه إذا كان مؤنثا نحو ذراع وأذرع وعناق وأعنق ويمين وأيمن ، وكذلك هو فى الرواية التى أخبرناك خبرها ؛ إذ الجبين ليس مؤنثا حتى يجمع على أجبن
*1) الكثبان : جمع كثيب ، وهو ما اجتمع واحدودب من الرمل
2) القلبان : جمع قليب ، وهى البئر
3) الأنصباء : جمع نصيب ، وهو الحظ من كل شىء
4) الأخمساء : جمع خميس ، وهو أحد أيام الاسبوع ، والجيش. وقيل : الجرار منه ، وقيل : الخشن منه
5) الافال والأفائل : جمع أفيل - كرغيف ، وهو ابن المخاض فما فوقه ، والفصيل ، وفى المثل : إن القرم من الأفيل : أى إن الكبير من الصغير
6) الظلمان : جمع ظليم ، وهو الذكر من النعام
7) الضرير : ذاهب البصر ، والمريض المهزول ، وكل شىء خالطه ضر فهو ضرير.
8) هذا بيت من الرجز المشطور من أرجوزة طويلة لرؤية بن العجاج يمدح فيها بلال بن أبى بردة ، وفبل الشاهد قوله :
قوله «ونحو عمود» فعول يكسر فى القلة على أفعلة كفعيل سواء ، والغالب فى كثرته فعل وفعلان فى غير الناقص الواوى ، كما فى فعيل ، وأما الناقص فبابه أفعال كأفلاء وأعداء ، وجاء فيه فعول قليلا ، نحو فلىّ بضم الفاء وكسرها ، وإنما لم يقولوا فيه فعل بضمتين لما ذكرنا فى باب سماء ورداء ، ولم يجىء أيضا فعلان كفلوان للاستثقال ، وحق باب عدوّ أن يجمع بالواو والنون ، لكنه لما استعمل استعمال الأسماء كسر تكسيرها ، والمؤنث منه فعائل كذنوب (1)
لعمرك والمنايا غالبات
لكلّ بنى أب منها ذنوب
والذنوب أيضا الدلو فيها ماء ، وقيل : هي التى يكون الماء دون ملئها ، وقيل : هى الدلو الملأى ، وقيل : هى الدلو ما كانت
وذنائب ، ويجمع على فعل ؛ فصار فعول فى المؤنث مخالفا لفعال وفعيل1) الذنوب : الحظ والنصيب. قال تعالى : (فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ) وقال أبو ذؤيب :
مؤنثات ، وذلك لأنه ألحق بذى التاء ، أعنى فعولة ، فى الجمع لكونه أثقل من أخواته بسبب الواو ، فكأن مؤنثه المجرد عن التاء ذو تاء نحو تنوفة وتنائف (1)
وما سعد إلّا صخرة بتنوفة
من الأرض لا يدعو لغىّ ولا رشد
وقيل : التنوفة : التى لا ماء بها من الفلوات ولا أنيس وإن كانت معشبة
، بخلاف الأربعة المذكورة ، وقيل فى قدوم وهو مذكر : قدائم (2)، تشبيها بالمؤنث نحو ذنوب ، والأصل القدم ، كما جاء فى نظير نظائر ، وهو شاذ ، قال على رضى الله تعالى عنه : حتى صرت أقرن إلى هذه النظائر ، وإن اتفقت التاء فى الأمثلة المذكورة ، نحو رسالة وتنوفة وجفالة (3)وكتيبة (4)وكفالة ، فلا يكسر إلا على فعائل ، ولم يذكره المصنف ، وإذا سمى بشىء من هذه الأبنية ولم يعلم تكسيرها كسرت على القياس ، كما تقول مثلا فى بهاء ونداء علمين : أبهية وأندية ، وقس عليهقال : «الصّفة. نحو جبان على جبناء وصنع وجياد ، ونحو كناز على
1) التنوفة : القفر من الأرض ، قال الشاعر وكان قد أتى صنما اسمه سعد يستقسم عنده فلم يحمده :
2) قال فى اللسان : «القدوم التى ينحت بها ، مخفف أنثى» اه وعلى هذا فجمعه على قدائم قياس مثل حلوبة وحلائب ، وقلوص وقلائص ، وفى القاموس ما يؤيد ذلك حيث قال : «القدوم آلة للنجر مؤنثة. الجمع قدائم وقدم» اه ، فقول المؤلف إن جمعه على قدائم شاذ لكونه مذكرا غير مسلم
3) الجفالة - بضم أوله - : الجماعة من الناس ذهبوا أو أتوا
4) الكتيبة : الجيش ، أو القطعة العظيمة منه
كنز وهجان ، ونحو شجاع على شجعاء وشجعان وشجعة ، ونحو كريم على رماء وكرام ونذر وثنيان وخصيان وأشراف وأصدقاء وأشحّة وظروف ، ونحو صبور على صبر غالبا ، وعلى ودداء وأعداء»
أقول : جعل سيبويه فعلا هو الأصل فى جمع فعال الصفة ، قال : فعال بمنزلة فعول ، قالوا : جماد وجمد كصبور وصبر ، وجاء فى بنات الواو فعل بسكون العين نحو نوار (1)ونور وعوان (2)وعون ، سكن والأصل الضم ، ثم قال سيبويه : رجل جبان وقوم جبناء ، شبهوه بفعيل لكونه مثله فى الصفة والزنة والزيادة ، وأيضا يمتنع مثله من التاء ، وقال بعضهم : امرأة جبانة ، فعلى هذا لا يمتنع جمعه بالواو والنون ؛ فجبناء كظرفاء ، وجاء على فعال قليلا كجواد للفرس وحياد
قوله «ونحو كناز» هو المكتنز اللحم ، يستوى فيه المذكر والمؤنث ، نحو ناقة كناز وجمل كناز ، وكذا رجل لكاك : أى قليل اللحم ، وامرأة لكاك ، وجمل دلاث ، وهو السريع السير ، وناقة دلاث ، وجمعه كجمع فعال بالفتح على فعل فى الغالب
قوله «وهجان» هذا هو مذهب الخليل وسيبويه ، تقول : هذا هجان : أى كريم خالص ، وهذان هجانان ، وهؤلاء هجان ، شبهوا هجانا الواحد بفعيل ، فكما يجمع فعيل على فعال ككريم على كرام جمعوا فعالا على فعال ؛ ففعال فى المفرد ككتاب وفى الجمع كرجال ، وذكر الجرمى هذا هجان وهذان هجان
وهؤلاء هجان ، المفرد والمثنى والمجموع بلفظ واحد ؛ لجريه مجرى المصدر ، وفى دلاص ما فى هجان من المذهبين ، وكذا شمال فى الأسماء بمعنى الطّبع واحد وجمع ، كما قال أبو الخطاب (1)ومنه قوله
59 - وما لومى أخى من شماليا (2)
ألا لا تلومانى كفى اللّوم ما بيا
فما لكما فى الّلوم خير ولاليا
ألم تعلما أنّ الملامة نفعها
قليل وما لومى أخى من شماليا
والاستشهاد بالبيت على ن شمالا بمعني الطبع يكون واحدا وجمعا ، والمراد هنا الجمع ، قال سيبويه : «وزعم أبو الخطاب أن بعضهم يجعل الشمال جمعا» اه. وقال السيرافى هو فى هذا البيت جمع ، وتبعه ابن جنى فقال فى سر الصناعة : «وقالوا أيضا فى جمع شمال وهى الخليقة والطبع : شمال. قال عبد يغوث* وما لومى أخى من شماليا* أى : من شمائلى» اه ، وإنما قيدوا الشمال بمعنى الطبع للاحتراز عن الشمال بمعنى الريح فأنه لم يقل أحد إنها تكون جمعا ومفردا وفى شينها الفتح والكسر ، بخلافها بمعنى الطبع ، فان شينها مكسورة لا غير
أى : من شمائلى ، ويجمع شمال على شمائل ، كجمع هجان على هجائن ؛ حملا للمذكر على المؤنث ، ويجوز أن يكونا جمعين لمفردين وللجمعين
قوله «ونحو شجاع على شجعاء وشجعان» قال سيبويه : فعال بمنزلة فعيل ؛ لأنهما أخوان فى بعض المواضع ، نحو طوال وطويل وبعاد وبعيد وخفاف وخفيف ، ويدخل فى مؤنثه التاء كما يدخل فى مؤنث فعيل ، نحو امرأة طويلة وطوالة ، فلما كان بمعناه وعديله جمع على فعلان وفعلاء كما يجمع فعيل عليهما هذا قوله ، والظاهر أن فعالا مبالغة فعيل فى المعنى ؛ فطوال أبلغ من طويل ، وإذا أردت زيادة المبالغة شدّدت العين فقلت طوّال
قوله «ونحو كريم على كرماء وكرام» هذان غالبان فيه ، والمضاعف من فعيل يكسر على أفعلاء بدل فعلاء نحو شديد وشداد وأشدّاء وشحيح وشحاح وأشحّاء ؛ استثقالا لفك الإدغام لو قالوا شححاء ، وأفعلاء فى الصحيح قليل كأصدقاء ، وقد يكسر المضاعف على أفعلة أيضا ؛ إذ هو نظير أفعلاء ، إلا أن بدل ألف التأنيث هاؤه ، وقد جاء أفعلة فى جمع فعيل اسما أيضا ، كما مر ، نحو أجربة وأكثبة ، وكذا عدلوا فى الناقص الواوى واليائى من فعلاء إلى أفعلاء كأغنياء وأشقياء وأقوياء ، استثقالا لفعلاء فى مثله ، قالوا : وشذ تقى وتقواء ، ولما شذ غيروا الياء فيه إلى الواو ، وحكى الفراء سرىّ وسرواء وأسرياء (1)، وما كان فى هذا البناء من الأجوف ، واويا كان أو يائيا ، فلا يبنى على فعلاء وعلى أفعلاء ، بل على فعال كطوال وقوام ، فى طويل وقويم (2)
وكسر فعيل على فعل تشبيها بفعيل الاسمى ؛ وذلك نحو نذر وجدد (3)وسدس (4)
1) قال فى اللسان : «ورجل سري من قوم أسرياء وسرواء كلاهما عن اللحيانى ، والسراة (بفتح السين) اسم للجمع وليس بجمع عند سيبويه. قال ودليل ذلك قولهم سروات» اه ، يريد أنه لو كان سراة جمعا لما جمع على سروات فجمعه على ذلك يدل على أنه ليس بجمع لأن جمع الجمع خلاف القياس ، وجمع اسم الجمع قياس كأقوام وأنفار وأرهط. ثم ذكر مذهبا آخر فى سراة فقال : «وقولهم قوم سراة جمع سرى جاء على غير قياس أن يجمع فعيل على فعلة (بفتحات) قال : ولا يعرف غيره ، والقياس سراة مثل قضاة ودعاة وعراة»
2) القويم : المستقيم ، تقول : دين قويم ورمح قويم ، وقالوا : رجل قويم - ككريم ، وقوام - كشداد ، إذا كان حسن القامة ، والجمع لكل ذلك قوام كجبال
3) الجديد : ضد القديم ، والرجل العظيم الحظ ، ووجه الأرض ، والأتان السمينة ، والجمع جدد - كسرر جمع سرير
4) «السديس» : يقال ناقة سديس ، إذا أتت عليها السنة السادسة ، ويقال :
كما قيل فى الاسم : كثب ، وكذا قيل فى المضاعف : لذذ ولذّ (1)، على حد رسل ورسل ، ومثل ذلك فى الناقص اليائى ثنىّ وثن (2)والأصل ثنى كسدس ، وقد يخفف فيقال ثنى كسدس
وكسر على فعلان كثنيان وشجعان ، تشبيها بالاسم كجربان (3)ورغفان
وعلى فعلان كخصيان تشبيها بظلمان
وجاء فيه أفعال كشريف وأشراف وأبيل وآبال (4)تشبيها بشاهدو أشهاد وصاحب وأصحاب ؛ لأن فعيلا وفاعلا متساويان فى العدّة والزيادتين مع اختلاف موضعيهما فى البناءين
وأما ظروف فقد قال الخليل : هو جمع ظرف بمعنى ظريف ، وإن لم يستعمل ظرف بمعنى ظريف ، إلا أن هذا قياسه ، كما أن مذاكير جمع مذكار بمعنى ذكر ، وإن لم يستعمل ، وقال الجرمى : ظروف جمع ظريف ، وإن كان غير قياسى ، قال : والدليل على أنه جمعه أنك إذا صغرته قلت : ظريّفون. أقول : ولا
1) اللذيذ : اسم من أسماء الخمر ، وتقول : هذا شىء لذيذ ؛ فيكون وصفا ، وجمعه لذذ - كسرر - فان سكنت لم يكن بد من الادغام ، فتقول : لذ - كقوم لد ،
2) الثنى من البعران : ما طعن فى السادسة ، ومن الخيل ما دخل فى الرابعة ومن الشاء والبقر ما دخل فى الثالثة ، والثني من الأضراس : الأربع التى فى مقدم الفم : ثنتان من فوق وثنتان من أسفل ،
3) الجربان : جمع جريب. انظر (ص 131 من هذا الجزء)
4) الأبيل : العصا ، والحزين بالسريانية ، ورئيس النصارى أو الراهب أو صاحب الناقوس ، وجمعه آبال - كأجمال ، وأبل - كحمر ،
دليل فيما قال ، لما ذكرنا فى باب التصغير أن مشابه (1)يصغر على شبيه ، وإن كان خالف فيه أبو زيد
وقالوا فى سرىّ : سراة ، والظاهر أنه اسم جمع لا جمع ، كما يأتى
وقد جاء شى من فعيل بمعنى فاعل مستويا فيه المذكر والمؤنث ، حملا على فعيل بمعنى مفعول ، نحو جديد ، وسديس ، وريح خريق (2)، ورحمة الله قريب ؛ ويلزم ذلك فى سديس وخريق.
قوله «ونحو صبور على صبر غالبا» سواء كان للمذكر أو للمؤنث ، ويستوى فى هذا البناء المذكر والمؤنث ، والتاء فى فروقه (3)وملولة (4)للمبالغة ، فمن قال فروقة قال فروقات ، ومن قال فروق قال فى جمعه فرق ، كما ذكرنا فى شرح الكافية فى باب الجمع.
وقد يجمع مؤنث فعول المجرد على فعائل كعجوز وعجائز وقلوص وقلائص وجدود وجدائد (5)وذلك لأن علامة التأنيث فيه مقدرة ، فكأنه فعولة كما ذكرنا فى فعيل الاسمى ، وفعائل أكثر فيه من فعل ، ولا سيما فيما اختص بالمؤنث
1) قد مضى هذا الكلام كما ذكر هنا ، ومضى مذهب أبى زيد مع ردنا عليه فى (ح 1 ص 269)
2) تقول : ريح خريق ؛ إذا كانت باردة شديدة هبابة ، وإذا كانت لينة سهلة ، فهو ضد ومثله ريح خروق ، والجمع فيهما خرائق وخرق - كسرر - ، ويقع فى بعض النسخ : ريح حريق - بالمهملة أوله ، وهي التى تحرق النبات لشدتها
3) تقول : رجل فروقة ، وأمرأة فروقة ، ورجل فاروقة ، وامرأة فاروقة ، ورجل فرق - ككتف وكعضد - إذا كان شديد الفزع
4) تقول : رجل ملول - كصبور ، ورجل ملولة ومالولة ، وملالة - كفهامة وامرأة ملول وملولة ، إذا كان شديد السأم
5) الجدود : - بفتح الجيم - النعجة التى قل لبنها
كقلوص وجدود ، ولا يجمع فعول جمع السلامة كما ذكرنا فى شرح الكافية
وقالوا : صفىّ ، للناقة الغزيرة وصفايا ؛ فيجوز أن يكون فعولا جمع على فعائل كقلوص وقلائص ، وأن يكون فعيلا حمل على فعيلة لكونه مؤنثا
وقالوا : ودداء ، فى جمع ودود ، وهو شاذ من وجهين : أحدهما أن فعولا لا يجمع على فعلاء بل هو قياس فعيل ، لكنه شبه به لموافقته له حركة وسكونا ، والثانى أن المضاعف لا يأتى فيه فعلاء فى فعيل أيضا ، بل أفعلاء نحو شديد وأشدّاء ، لكنه لما شذ الشذوذ الأول احتملوا الثانى ؛ فصار ودداء كخششاء (1)فى الاسم المفرد ، وإنما أدخلوا التاء عدوّة وإن كان يستوى المذكر والمؤنث فى هذا البناء حملا له على صديقة ، وقالوا فى الجمع عدوّ وصديق ، قال تعالى : (فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي) وقال الشاعر :
60 - * ودعها فما النّحوىّ من صديقها (2)
تنحّ للعجوز عن طريقها
قد أقبلت رائحة من سوقها
وكان رؤبة يقعد بعد صلاة الجمعة فى رحبة بنى تميم فينشد ويجتمع الناس إليه فازدحموا يوما فضيقوا الطريق فأقبلت عجوز معها شىء تحمله فقال هذه الأبيات ، والاستشهاد به على أن صديقا فى قوله من صديقها مما يستوى فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث ، وهو في البيت للجمع من قبل أن «من» للتبعيض وليس يجوز أن يكون النحوى بعض صديق واحد فتعين أن يكون بعض أصدقاء وهذا هو المراد ، ومما يدل على ذلك قول قعنب ابن أم صاحب
ما بال قوم صديق ثمّ ليس لهم
دين وليس لهم عهد إذا اؤتمنوا
وقول جرير :
دعون الهوى ثمّ ارتمين قلوبنا
بأعين أعداء وهنّ صديق
وقول الآخر :
فلو أنك فى يوم الرّخاء سألتنى
طلاقك لم أبخل وأنت صديق
ومن هنا تعلم أن قول من قال إن «صديقا» فى البيت كالكليب والعبيد من صيغ الجموع غير سديد ، لأنه قد أخبر به عن الواحدة كما فى البيت الثالث ، ولو كان كالعبيد والكليب لم يستعمل إلا فى الجمع ، ويجب حمل كلام المؤلف على ما ذكرنا
*وجمع غدوّ على أعداء وإن لم يكن بابه ؛ لاستعماله استعمال الأسماء كما مر قبل
قال : «وفعيل بمعنى مفعول بابه فعلى كجرحى وأسرى وقتلى ، وجاء أسارى ، وشذّ قتلاء وأسراء ، ولا يجمع جمع الصّحيح ، فلا يقال جريحون ولا جريحات ليتميّز عن فعيل الأصل ، ونحو مرضى محمول على جرحى ، وإذا حملوا عليه هلكى وموتى وجربى فهذا أجدر كما حملوا أيامى ويتامى على وجاعى وحباطى»
أقول : اعلم أن فعيلا إذا كان بمعنى مفعول يستوى فيه المذكر والمؤنث ، إلا إذا لم تجر على صاحبها ، كما مضى فى شرح الكافية (1)، وليس يجمع كل
1) الذى ذكره فى شرح الكافية خاصا بهذا الموضوع هو قوله : «إن أصل التاء فى الأسماء أن تكون فى الصفات فرقا بين مذكرها ومؤنثها ؛ وإنما تدخل على الصفات إذا دخلت فى أفعالها ، فالصفات فى لحاق التاء بها فرع الأفعال : تلحقها إذا لحقت الأفعال نحو قامت فهى قائمة ، وضربت فهي ضاربة ، فاذا قصدوا فيها الحدوث كالفعل قالوا : حاضت فهى حائضة ؛ لأن الصفة حينئذ كالفعل فى معنى الحدوث ، وإذا قصدت الاطلاق لا الحدوث فليست بمعنى الفعل ، بل هى بمعنى النسب وإن كانت على صورة اسم الفاعل كلابن وتامر ، فكما أن معناهما ذو لبن وذو تمر مطلقا لا بمعنى الحدوث : أي لبنى وتمرى ، كذلك معنى طالق وحائض ذات طلاق وذات حيض» ثم قال بعد كلام : «ومما يستوي فيه المذكر والمؤنث ولا يلحقه التاء فعيل بمعنى مفعول ، إلا أن يحذف موصوفه نحو هذه قتيلة فلان وجريحته ، ولشبهه لفظا بفعيل بمعنى فاعل قد يحمل عليه فيلحقه التاء مع ذكر الموصوف أيضا نحو امرأة قتيلة ، كما يحمل فعيل بمعني فاعل عليه فيحذف منه التاء نحو ملحفة جديد ، من جد يجد جدة عند البصرية ، وقال الكوفية : هو بمعنى مجدود من جده : أى قطعه ، وقيل : إن قوله تعالى (إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ) منه ، وبناء فعيل بمعنى مفعول مع كثرته غير مقيس ، وقد تجيء بمعنى مفعل قليلا كالذكر الحكيم أى المحكم على تأويل ، وبمعنى مفاعل كثيرا كالجليس والجليف» اه
فعيل بمعنى مفعول على فعلى ، بل إنما يجمع عليه من ذلك ما كان متضمنا للآفات والمكاره التى يصاب بها الحى ، كالقتل وغيره ، حتى صار هذا الجمع يأتى أيضا لغير فعيل المذكور إذا شاركه فى المعنى المذكور كما يتبين ، فان أتى شىء منه بغير هذا المعنى لم يجمع هذا الجمع ، نحو رجل حميد ؛ ومنه سعيد فى لغة من قال سعد - بضم السين على بناء ما لم يسم فاعله (1)- فلا يقال : حمدى ولا سعدى ، وكذلك لا يقال فعلى فى جمع ما انتقل إلى الاسمية من هذا الباب وهو ما دخله التاء ، كالذّبيحة والأكيلة والضّحية والنّطيحة ، وإنما قلنا انتقلت إلى الاسمية لأن الذبيحة ليست بمعنى المذبوح فقط حتى يقع على كل مذبوح كالمضروب الذى
1) قال فى اللسان : «سعد يسعد سعادة فهو سعيد : نقيض شقى ، مثل سلم فهو سليم ، وسعد - بالضم - فهو مسعود ، والجمع سعداء ، والأنثى بالهاء. قال الأزهرى : وجائز أن يكون سعيد بمعنى مسعود من سعده الله (بفتح العين) ، ويجوز أن يكون من سعد يسعد (كفرح يفرح) فهو سعيد» اه والحاصل أن سعيدا يجوز أن يكون فعيلا بمعنى فاعل فيكون مأخوذا من الفعل اللازم الذى من باب فرح ويجوز أن يكون فعيلا بمعنى مفعول فيكون مأخوذا من الفعل المتعدى الذى من باب فتح ، فقول المؤلف. «فى لغة من قال سعد بضم السين» لا يريد أنه مأخوذ من المبنى للمجهول لأن المبني للمجهول ليس هو أصل المشتقات إجماعا ، ولأن من بنى الفعل للمجهول جاء باسم المفعول على مفعول فقال : مسعود ، وإنما يريد بهذه العبارة الاشارة إلى الفعل المتعدى ، لأن المبنى المجهول لا يكون إلا من متعد
يقع على كل من يقع عليه الضرب ، بل الذبيحة مختص بما يصلح للذبح ويعدّ له من النعم ، وكذا الأكيلة ليس بمعنى المأكول ، إذ لو كان كذا لكان يسمى الخبز والبقل أكيلة إذا أكل ، بل الأكيلة مختص بالشاة ، وكذا الضحية مختص بالنعم ، والرّميّة بالصيد ، والنطيحة بالشاة الميتة بالنطح ، وليس كل منطوح أو كل شاة منطوحة نطيحة ، فهذه هى العلة فى خروجها عن مذهب الأفعال إلى حيز الأسماء بسبب اختصاصها ببعض ما وقعت عليه فى الأصل وغلبتها فيه ، كما قلنا فى الآلة نحو المنخل والمدهن والمسعط ، والموضع كالمسجد ؛ والدليل عليه أن نحو الذبيحة والأكيلة ليست بمعنى اسم المفعول ، لأن حقيقة اسم المفعول هو ما وقع عليه الفعل وأما ما لم يقع ويقع بعد عليه فالظاهر أن اسم المفعول فيه مجاز (1)، فالمضروب ظاهر فيمن وقع عليه الضرب لا فيمن سيضرب أو يصلح للضرب ، والأكيلة ما يعد للأكل وإن لم يؤكل ، والضحية كالمنخل والمدهن والمسجد ، ونحوه مما ذكرنا قبل ، وأيضا اسم المفعول فى الحقيقة هو ما وقع عليه الفعل (2)والذبيحة
1) ظاهر قوله «اسم المفعول فى الحقيقة هو ما وقع عليه الفعل» أنه يرى أن الوصف إذا وقع مدلوله وانقضى فهو حقيقة ، وهو أحد ثلاثة آراء فى المسألة ونحن نذكر لك ذلك على التفصيل فنقول : قال العلامة العضد (1 : 172) من شرحه على مختصر بن لحاجب : «المشتق عند وجود معنى المشتق منه كالضارب لمباشر الضرب حقيقة اتفاقا ، وقبل وجوده كالضارب لمن لم يضرب وسيضرب مجاز اتفاقا ، وبعد وجوده منه وانقضائه كالضارب لمن قد ضرب قبل الآن وهو الآن لا يضرب قد اختلف فيه على ثلاثة أقوال : أولها مجاز مطلقا ، وثانيها : حقيقة مطلقا ، وثالثها : إن كان مما يمكن بقاؤه (كالقيام والقعود) فمجاز ، وإلا (أى وإن لم يكن بقاؤه كالتكلم والاخبار ونحوهما) فحقيقة» اه كلامه ، فان كان قول الرضى «هو ما وقع عليه الفعل» قد أراد به ما وقع وانقضى فهو من موضع الخلاف على ما قدمنا ، وإن كان المراد ما وقع عليه الفعل وهو مستمر الوقوع فهو مما اتفق على أنه حقيقة ، وهذا هو الذى يشعر به قوله فى مقابل ما تقدم. «لا فيمن سيضرب أو يصلح للضرب» إذ ذلك خاص بحالة ما قبل الوقوع
2) ظاهر قوله «اسم المفعول فى الحقيقة هو ما وقع عليه الفعل» أنه يرى أن الوصف إذا وقع مدلوله وانقضى فهو حقيقة ، وهو أحد ثلاثة آراء فى المسألة ونحن نذكر لك ذلك على التفصيل فنقول : قال العلامة العضد (1 : 172) من شرحه على مختصر بن لحاجب : «المشتق عند وجود معنى المشتق منه كالضارب لمباشر الضرب حقيقة اتفاقا ، وقبل وجوده كالضارب لمن لم يضرب وسيضرب مجاز اتفاقا ، وبعد وجوده منه وانقضائه كالضارب لمن قد ضرب قبل الآن وهو الآن لا يضرب قد اختلف فيه على ثلاثة أقوال : أولها مجاز مطلقا ، وثانيها : حقيقة مطلقا ، وثالثها : إن كان مما يمكن بقاؤه (كالقيام والقعود) فمجاز ، وإلا (أى وإن لم يكن بقاؤه كالتكلم والاخبار ونحوهما) فحقيقة» اه كلامه ، فان كان قول الرضى «هو ما وقع عليه الفعل» قد أراد به ما وقع وانقضى فهو من موضع الخلاف على ما قدمنا ، وإن كان المراد ما وقع عليه الفعل وهو مستمر الوقوع فهو مما اتفق على أنه حقيقة ، وهذا هو الذى يشعر به قوله فى مقابل ما تقدم. «لا فيمن سيضرب أو يصلح للضرب» إذ ذلك خاص بحالة ما قبل الوقوع
والأكيلة والنطيحة ما سيذبح وسيؤكل ، وكذا الضحية ما يصلح للتضحى وإن لم بضح به بعد ، ومثله القتوبة (1)والحلوبة لما يصلح للقتب والحلب ، فلما خرجت الكلمات المذكورة من حيز الصفات إلى حيز الأسماء لم تجمع على فعلى ، وما لم يخرج منه من هذه الأسماء جاز جمعه على فعلى ، كما حكى سيبويه شاة ذبيح وغنم ذبحى ، فيما ذبح
فإذا تقرر هذا قلنا : أصل فعلى أن يكون جمعا لفعيل فى معنى مفعول بمعنى مصاب بمصيبة ، ثم حمل عليه ما وافقه فى هذا المعنى ، فأقرب ما يحمل عليه فعيل بمعنى الفاعل ، نحو مريض ومرضى ، لمشابهته له لفظا ومعنى ، ويحمل عليه فعل كزمن وزمنى ، وفيعل كميّت وموتى ، وأفعل كحمقى وجربى ، وفاعل كهلكى ، وفعلان كرجل سكران وقوم سكرى ورجل روبان (2)
فأمّا تميم تميم بن مرّ
فألفاهم القوم روبى نياما
وهو فى الجمع شبيه بهلكى وسكرى ، واحدهم روبان ، وقال الأصمعى : واحدهم رائب مثل مائق وموقى وهالك وهلكى» اه
، وهو الذى أثخنه1) قال فى اللسان : «القتوبة من الابل : الذى يقتب بالقتب إقتابا ، قال اللحيانى : هو ما أمكن أن يوضع عليه القتب ، وإنما جاء بالهاء لأنها للشىء مما يقتب. وفى الحديث «لا صدقة فى الابل القتوبة». القتوبة بالفتح التى توضع الأقتاب على ظهورها ، فعولة بمعنى مفعولة كالركوبة والحلوبة ، أراد ليس فى الابل العوامل صدقة ، قال الجوهرى : وإن شئت حذفت الهاء فقلت : القتوب ، ابن سيده وكذلك كل فعولة من هذا الضرب من الأسماء» اه
2) قال فى اللسان : «راب الرجل روبا ورءوبا : تحير وفترت نفسه من شبع أو نعاس ، وقيل : سكر من النوم ، وقيل : إذا قام من النوم خائر البدن والنفس. ورجل رائب وأروب وروبان ، والانثي رائبة ، عن اللحيانى ، لم يزد على ذلك ، من قوم روبى إذا كانوا كذلك ، وقال سيبويه : هم الذين أثخنهم السفر والوجع فاستثقلوا نوما ، ويقال : شربوا من الرائب فسكروا ، قال بشر :
السفر ، وقوم روبى ، ولا يبعد أن يكون سكرى وروبى فى مثل هذا الموضع مفردا مؤنثا لفعلان ، وذلك لأن مؤنث فعلان الصفة من باب فعل يفعل قياسه فعلى وصفة المفرد المؤنث تصلح للجمع المؤنث والقوم يؤنث كقوله تعالى : (كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ) وأما قولهم كيسى (1)
والله ما معشر لاموا امرأ جنبا
فى آل لأى بن شمّاس بأكياس
وقوله ، وأنشده ثعلب :
فكن أكيس الكيسى إذا كنت فيهم
وإن كنت فى الحمقى فكن أنت أحمقا
إنما كسره هنا على كيسي لمكان الحمقى ، أجرى الضد مجرى ضده» اه
والبيت الذى أنشده ثعلب هو لعقيل بن علفة المرى ، وهو من شعر الحماسة وانظره فى باب الأدب (ج 3 ص 86 من شرح التبريزى طبع بولاق)
فمحمول على الحمقى ، بالضدية ، وليس هذا الحمل مطردا ، فلا يقال بخلى ولا سقمىقوله «كما حملوا أيامى ويتامى على وجاعى وحباطى» اعلم أن أصل فعالى فى جمع المذكر أن يكون جمع فعلان فعلى كما يجىء ، نحو سكران وسكارى ، وفعلان كما مر فى باب الصفة المشبهة بابه فعل يفعل مما يدل على حرارة الباطن والامتلاء ، وفعل من هذا الباب فيما يدل على الهيجانات والعيوب الباطنة ، فلما تقارب معناهما واتحد مبناهما ، أعنى باب فعل يفعل ، تشاركا فى كثير من
1) قال فى اللسان : «الكيس الخفة والتوقد ، كاس كيسا ، وهو كيس وكيس (بالتخفيف والتشديد) والجمع أكياس ، قال الحطيئة :
المواضع ، نحو عطش وعطشان وصد وصديان وعجل وعجلان ، ثم حمل فعل فى بعض المواضع فى الجمع على فعلان ، فقيل فى جمع وجع وحبط : وجاعى وحباطى ، حملا على نحو سكران وسكارى وغرثان وغراثى ، ثم شارك أيمّ ويتيم باب فعل من حيث المعنى لأن الأيمة واليتم لا بد فيهما من الحزن والوجع ، ويقربان أيضا منه من حيث اللفظ ، فجمع على أيامى ويتامى ، فهما محمولان على فعل المحمول على فعلان ، وفى الكشاف : أصل أيامى ويتامى يتائم وأيائم فقلب (1)
وقال فى تفسير سورة النور : «الأيامي واليتامى أصلهما أيائم ويتائم فقلبا ، والأيم للرجل والمرأة ، وقد آم وآمت وتأيما ؛ إذا لم يتزوجا ، بكرين كانا أو ثيبين ، قال :
فإن تنكحى أنح وإن تتأيّمى
وإن كنت أفتى منكم أتأيّم
وعن رسول الله صلىاللهعليهوسلم : اللهم إنا نعوذ بك من العيمة والغيمة والأيمة والكزم والقرم» اه وقد تبعه على ذلك فى الموضعين القاضى البيضاوى فى تفسيره ، وقال العلامة الشهاب في حاشيته على تفسير البيضاوى فى تفسير سورة النساء : «وجمع على يتامى وإن لم يكن فعيل يجمع على فعالى ، بل على فعال وفعلاء وفعل وفعلى ، نحو كرام وكرماء ونذر ومرضى ، فهو إما جمع يتمى جمع يتيم إلحاقا له بباب الآفات والأوجاع ، فأن فعيلا فيها يجمع على فعلى ، ووجه الشبه ما فيه من الذل والانكسار المؤلم ، وقيل : لما فيه من سوء الأدب المشبه بالآفات ، كما جمع أسير على أسرى ثم على أسارى - بفتح الهمزة ، أو هو مقلوب يتائم ، فان فعيلا الاسمى يجمع على فعائل كأفيل وأفائل ، وقل ذلك فى الصفات لكن يتيم جرى مجرى الأسماء كصاحب وفارس ، ولذا قلما يجرى على موصوف ، ثم قلب فقيل يتامى - بالكسر - ثم خفف بقلب الكسرة فتحة ، فقلبت الياء ألفا ، وقد جاء على الأصل في قوله :
وقال فى الحاشية المذكورة فى تفسير سورة النور : «ذهب المصنف تبعا للزمخشري ومن تابعه إلى أن أيامي مقلوب أيائم لأن فعيلا وفيعلا لا يجمعان على فعالى ، فأصل يتامى يتائم وأصل أيامي أيائم فقدمت الميم وفتحت للتخفيف فقلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ، ويتيم أيضا جرى مجرى الأسماء الجامدة ، لأن فعيلا الوصفى يجمع على فعال ككريم وكرام لا على فعائل وقد مر فى تفسير سورة النساء أنه لما جرى مجرى الأسماء الجامدة كفارس وصاحب جمع على يتائم ثم قلب فقيل : يتامى ، أو جمع على يتمى كأسرى ، لأنه من باب الآفات ، ثم جمع يتمى على يتامى. وذهب ابن مالك ومن تبعه إلى أنه شاذ لا قلب فيه ، وهو ظاهر كلام سيبويه ، وذهب ابن الحاجب إلى أنهم حملوا يتامى وأيامى على وجاعى وحباطى ، لقرب اللفظ والمعنى» اه ويريد بقرب اللفظ أن منشأهما وهو الفعل بابه فى الجميع واحد ، وبقرب المعنى أن الجميع من الآفات على ما ذكره الرضى
ونقول : إن نسبة القول بالقلب فى يتامى وأيامى إلى الزمخشرى لا تخلو عن مسامحة ، فانه وإن كان قائلا بذلك مسبوق بهذا القول ، وأصله لأبى على الفارسى أحد علماء النصف الأول من القرن الرابع الهجرى ، فقد قال فى اللسان : «وأما أيامى فقيل : هو من باب الوضع ، وضع على هذه الصيغة ، وقال الفارسى : هو مقلوب موضع العين إلى اللام» اه
، وليس بوجه ؛ لأن إبدال الياء ألفا فى مثله نحو1) قال جار الله الزمخشرى فى أول تفسير سورة النساء من الكشاف : «فأن قلت : كيف جمع اليتيم وهو فعيل كمريض على يتامي؟ قلت : فيه وجهان : أن يجمع على يتمى كأسرى ، لأن اليتم من وادى الآفات والاوجاع ، ثم يجمع فعلى على فعالى كأسارى ، ويجوز أن يجمع على فعائل لجرى اليتيم مجرى الأسماء نحو صاحب وفارس ، فيقال يتائم ثم يتامى على القلب» اه
معايا (1)جمع معى شاذ كما يجىء فى هذا الباب ، وأيضا جمع فعيل المذكر
1) قال فى اللسان : «أعيا السير البعير ونحوه : أكله وطلحه ، وإبل معايا : معيية ، قال سيبويه : سألت الخليل عن معايا ، فقال : الوجه معاى. وهو المطرد ، وكذلك قال يونس ، وإنما قالوا معايا كما قالوا مدارى وصحارى ، وكانت مع الياء أثقل إذ كانت تستثقل وحدها» اه وقوله «الوجه معاى» أصله معايى بياءين أولاهما مكسورة ، فحذفت الثانية بعد حذف حركتها ، وقوله «وإنما قالوا معايا» يريد فتحوا الياء الأولى فانقلبت الثانية ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ، وذلك كما فتحوا الراء فى مدارى وصحارى ، لقصد التخفيف ، وقوله «وكانت مع الياء أثقل» يريد وكانت الكسرة مع الياء فى معايى أشد ثقلا منها وحدها فى مدار وصحار ، لا سيما أن بعد الياء ياء أخرى
صفة على فعائل شاذ (1)كنظائر
قوله «وإذا حمل نحو هالك وميّت وأجرت على نحو قتيل» أى : إذا حملت عليه مع أن وزنها خلاف وزنه لمجرد المشاركة فى المعنى فلأن يحمل عليه مريض مع مشاركته له فى اللفظ والمعنى أجدر
قوله «ليتميز عن فعيل الأصل» يعنى أن الأصل فعيل بمعنى فاعل لكونه أكثر من فعيل بمعنى مفعول ، ولأن الفاعل مقدم على المفعول ، والذى بمعنى الفاعل يجمع جمع السلامة نحو رحيمون ورحيمات وكريمون وكريمات ؛ فلم يجمع الذى بمعنى المفعول جمع السلامة فرقا بينهما (2)
قوله : «شذ قتلاء وأسراء» وجه ذلك مع شذوذهما أن فعيلا بمعنى المفعول حمل على فعيل بمعنى الفاعل ، نحو كريم وكرماء
1) قد علمت مما نقلناه لك آنفا عن الكشاف ومن تابعه أن الزمخشرى ذهب إلى ما ذهب إليه لأنه اعتبر يتيما اسما. وفعيل إذا كان اسما جمع على فعائل مثل أفيل وأفائل ، فلا محل لقول المؤلف «وأيضا جمع فعيل المذكر اسما على فعائل شاذ»
2) ذكر ابن يعيش وجها آخر لعدم جمع فعيل بمعنى مفعول جمع التصحيح قال فى شرح المفصل (ح 5 ص 51): «ولا يجمع شىء من ذلك إذا كان مذكرا بالواو والنون كما لم يجمع مؤنثه بالألف والتاء ؛ فلا يقال : قتيلون ولا جريحات ، لأنهم لم يفصلوا فى الواحد بين المذكر والمؤنث بالعلامة فكرهوا أن يفصلوا بينهما فى الجمع فيأتوا فى الجمع بما كرهوا فى الواحد ، فاعرفه» اه
قوله «وجاء أسارى» اعلم أن أصل فعالى فى المذكر كما ذكرنا أن يكون جمع فعلان ، وقد يضم فاء فعالى الذى هو جمع فعلان فعلى خاصة كما يجىء ، نحو سكارى وكسالى ، دون المحمول عليه ؛ إلا أسارى ، وذلك لأنه لما حمل أسير على حرّان ولهفان لأنه لا يخلو من حرارة الجوف ضموا أوله كما يضم أول فعالى جمع فعلان ، والتزموا الضم فى هذا المحمول
واعلم أنه قد يجىء الفعيلة بمعنى الآلة كالوسيلة لما يتوسّل به : أى يقرّب ، والذريعة لما يتذرّع به ، والدّريئة للبعير (1)
ظللت كأنّى للرّماح دريئة
أقاتل عن أبناء جرم وفرّت
قال الأصمعى : هو مهموز. وفي حديث دريد بن الصمة في غزوة حنين : «دريئة أمام الخيل» الدريئة : حلقة يتعلم عليها الطعن. وقال أبو زيد : الدريئة مهموز : البعير أو غيره الذى يستتر به الصائد من الوحش يختل حتى إذا أمكن رميه رمى» اه ؛ وتقول : دريت الصيد أدريه دريا مثل رميته أرميه رميا ، وادريته على افتعلت ، وتدريته على تفعلت ؛ إذا ختلته ، قال الشاعر :
فإن كنت لا أدرى الظّباء فإنّنى
أدسّ لها تحت التراب الدّواهيا
وقال الأخطل :
فإن كنت قد أقصدتنى إذ رميتنى
بسهمك ؛ فالرّامى يصيد ولا يدرى
يريد ولا يختل ولا يستتر. وقال سحيم بن وثيل الرياحى :
وما ذا يدّرى الشّعراء منّى
وقد جاوزت حدّ الأربعين
وقال أيضا :
أتتنا عامر من أرض رام
معلّقة الكنائن تدّرينا
وشبهه يدرى به الصيد : أى يختلقال : «المؤنّث ، نحو صبيحة على صباح وصبائح ، وجاء خلفاء ، وجعله جمع خليف أولى ، ونحو عجوز على عجائز»
أقول : إذا لحقت التاء فعيلا فى الوصف فإنه يجمع على فعال ، كما جمع قبل لحاقه ، فيقال : صباح وظراف ، فى جمع صبيح وصبيحة وظريف وظريفة ،
1) قال فى اللسان : «والدريئة : الحلقة التى يتعلم الرامى الطعن والرمى عليها قال عمرو بن معديكرب :
ويختص ذو التاء - سواء كان بمعنى المفعول كالذبيحة أولا كالكبيرة - بفعائل ، دون المذكر المجرد ، وقد شذ نظائر فى نظير ، وكرائه فى كريه ، بمعنى مكروه ، وهو جمع من غير حذف شىء من واحده ، فهو فى الصفة نظير صحيفة وصحائف فى الاسم ، وقد يستغنى عن فعائل بفعال كصغار وكبار وسمان ، فى صغيرة وكبيرة وسمينة ، ولم يقولوا نسوة كبائر وصغائر وسمائن ، وجاء فيه حرفان فقط على فعلاء ، نحو نسوة فقراء وسفهاء ، قالوا : وإنما جاء خلفاء فى جمع خليفة ؛ لأنه وإن كان فيه التاء إلا أنه للمذكر ، فهو بمعنى المجرد ككريم وكرماء ، فكأنهم جمعوا خليفا على خلفاء ، وقد جاء خليف ، أيضا ، فيجوز أن يكون الخلفاء جمعه ، إلا أنه اشتهر الجمع دون مفرده ، قال :
61 - إنّ من القوم موجودا خليفته
وما خليف أبى وهب بموجود (1)
1) هذا البيت لأوس بن حجر من كلمة له يرثى فيها عمرو بن مسعود بن عدى الأسدى ، وكان النعمان بن المنذر اللخمي قد قتله. والذى فى جميع النسخ «أبى موسى» والموجود فى شعر أوس وفى شرح الشواهد للبغدادى وفي اللسان (خ ل ف) وفى شرح المفصل لابن يعيش «وما خليف أبي وهب» كما أثبتنا وأبو وهب كنية عمرو بن مسعود. والاستشهاد فى البيت على أنه قد ورد عنهم خليف بغير تاء بمعنى خليفة بالتاء ، والخليفة الذى يخلف غيره : أي يعقبه ويقوم مقامه ويغنى غناءه وإن لم يستخلفه ، وإذا صح مجىء خليف بمعنى خليفة كان خلفاء جمع خليف ككريم وكرماء ، وكان خلائف جمع خليفة كظريفة وظرائف ، قال فى بعض شروح إيضاح الفارسى : «إن كان لم يثبت خليف بمعنى خليفة الا فى هذا البيت - وهو الأظهر - فلا حجة فيه ، لأنه يحتمل أن يكون مما رخم فى غير النداء ضرورة نحو قوله
وقياس جمع فعالة كامرأة طوالة ، أن يكون كجمع فعيلة ، لمساواة مذكره مذكّره كما ذكرنا.
قوله «ونحو عجوز» فعول لا يدخله التاء كما مر ، والذى هو بمعنى المؤنث من هذا الوزن يجمع على فعائل ، حملا على فعيلة ، نحو عجوز وعجائز (1)، ونخوص ونخائص (2)، وإذا دخله التاء للمبالغة كفروقة جمع بالألف والتاء
واعلم أنه قد جاء فى فعال المؤنث من غير تاء فعائل ، وهو قليل ، كهجائن فى جمع ناقة هجان ، حملا على فعالة ، ولم يثبت جمع فعال المؤنث المجرد كامرأة جبان على فعائل ، بل مذكره ومؤنثه فى الجمع سواء
قال : «وفاعل الاسم ؛ نحو كاهل على كواهل ، وجاء حجران وجنّان ، والمؤنّث نحو كاثبة على كواثب ، وقد نزّلوا فاعلاء منزلته فقالوا قواصع ونوافق ودوامّ وسواب»
أقول : قياس فاعل - بفتح العين وكسرها - فى الاسم ؛ فواعل ، قياسا لا ينكسر ، وقد جاء فواعيل بإشباع الكسر كطوابيق (3)ودوانيق (4)وخواتيم ،
1) العجوز : «قال فى القاموس : الشيخ والشيخة ، ولا تقل عجوزة ، أو هو لغية رديئة ، الجمع عجائز وعجز» اه
2) النخوص : التي أضعفها الكبر ، تقول : عجوز ناخص ، وعجوز نخوص ، إذا نخصها الكبر : أى أضعفها وأذهب لحمها
3) طوابيق : جمع طابق - بفتح الباء وكسرها - وهو العضو من أعضاء الانسان كاليد والرجل ونحوها. ويجمع على طوابق ، وقد جاء فيه طوابيق باشباع الكسرة
4) دانق - بفتح النون وكسرها - من الأوزان ، وهو سدس الدرهم والدينار ، وربما قالوا : داناق ، فاذا صح كان الدوانيق قياسا ، وكان جمعا لداناق ، كما قال المؤلف فى الخواتيم
وليس بمطرد ، وقيل : خواتيم جمع خاتام ، قال :
62 - * أخذت خاتامى بغير حقّ (1)
ويقال : خاتم - بفتح التاء وكسرها - وخيتام بوزن ديار - بتشديد الياء - وخاتام - كساباط - وهو نوع من الحلى ، وهو أيضا ما يوضع على الطين ويختم به الكتاب. ورواية ابن برى فى البيت : خيتامى ، قال فى اللسان : «وشاهد الخاتام ما أنشده الفراء لبعض بنى عقيل :
لئن كان ما حدّثته اليوم صادقا
أصم فى نهار القيظ للشّمس باديا
وأركب حمارا بين سرج وفروة
وأعر من الخاتام صغرى شماليا
قال سيبويه : الذين قالوا خواتيم إنما جعلوه تكسير فاعال وإن لم يكن فى كلامهم ، وهذا دليل على أن سيبويه لم يعرف خاتاما» اه
*فخواتيم على هذا قياس ، قال الفراء : قد جاء فى كلام المولدين بواطيل فى جمع باطل
وقد جاء فعلان كحجران (2)وفعلان كجنّان (3)، والأول أكثر : أى مضموم الفاء ، ويجوز أن يكون حيطان من الأول قلبت الضمة كسرة لتسلم الياء
وإذا انتقل فاعل من الصفة إلى الاسم ؛ كراكب الذى هو مختص براكب البعير كما قلنا فى أكيلة ونطيحة وقتوبة وحلوبة ، وفارس المختص براكب الفرس ، وراع المختص برعى نوع مخصوص ؛ ليست كما ترى على طريق الفعل من العموم ؛ فإنه يجمع فى الغالب على فعلان كحجران فى الاسم الصريح ، وقد يكسر هذا الغالب على فعال أيضا كرعاء وصحاب ، وذلك لأن فاعلا
شبه بفعيل حين جمع على فعلان كجريب وجربان ، وفعيل يجمع على فعال كأفيل وإفال ، فأجيز ذلك فى فاعل أيضا ، قال سيبويه : ولا يجوز فى هذا الوصف الغالب فواعل ، كما كان فى الاسم الصريح ؛ لأن له مؤنثا يجمع على فواعل ، ففرقوا بين جمع المذكر وجمع المؤنث ، قال : وقد شذ فوارس ، وقال غيره : جاء هوالك أيضا ، يقال : فلان هالك فى الهوالك ، قال السيرافى : وجاء فى الشعر
63 - ومثلى فى غوائبكم قليل (1)
وأحامى : مضارع من الحماية وهو الحرص. والذمار - ككتاب - : ما يجب على الرجل أن يحميه ، وقالوا : فلان حامى الذمار ، وحامى الحقيقة. والغوائب : جمع غائب. روى أن عتيبة بن الحرث قال لجزء بن سعد هذا البيت فقال له جزء : نعم وفى شواهدنا. والشواهد : جمع شاهد ، وهو مثل الغوائب. والاستشهاد بالبيت فى قوله «غوائبكم» حيث جمع فاعلا على فواعل شذوذا ، وسيأتى فى شرح الشاهد التالى مزيد بحث لذلك
وذكر المبرد أن فواعل فى فاعل الغالب أصل ، وأنه فى الشعر سائغ حسن قال :
64 - وإذا الرّجال رأوا يزيد رأيتهم
خضع الرّقاب نواكس الأبصار (2)
فلأمدحنّ بنى المهلّب مدحة
غرّاء ظاهرة على الأشعار
وقد وقع فى النسخ المطبوعة كلها* نواكسى الأذقان* وقد عرفت أن القصيدة رائية ، فالذى في النسخ تحريف ، وخضع : جمع أخضع مثل حمر فى جمع أحمر ، والأخضع الذى فى عنقه تطامن فى أصل الخلقة ، ويروى «خضع» بضمتين ، وهو جمع خضوع صيغة مبالغة لخاضع نحو غفور وغفر ، والنواكس : جمع ناكس ، وهو المطأطيء رأسه ، ويروى : نواكسى الأبصار : على أنه جمع مذكر سالم لجمع التكسير ، والاستشهاد بالبيت هنا فى قوله : نواكس ، حيث جمع ناكسا وهو وصف لمذكر عاقل على فواعل وذلك شاذ لم يرد إلا فى حروف قليلة منها : حارس وحوارس ، وحاجب - من الحجابة - وحواجب ، وحواج بيت الله ودواجه ، جمع حاج وداج ، وهو المكارى ورافدو روافد ، وفارس وفوارس ، وهالك وهوالك ، وخاشع وخواشع ، وناكس ونواكس ، وغائب وغوائب ، وشاهد وشواهد
قلت : لا دليل فى جميع ما ذكروا ؛ إذ يجوز أن يكون الهوالك جمع هالكة : أى طائفة هالكة ، وكذا غيره كقولهم «الخوارج» أى الفرق الخوارج ، كقوله تعالى : (وَالصَّافَّاتِ صَفًّا) أى : طوائف الملائكة
وإذا سمى بفاعل الوصف كضارب فقياسه فواعل كالاسم الصريح ؛ إذ لا مؤنث له يشتبه جمعاهما ، وقد كسر فاعل الاسم على أفعلة كواد وأودية ، كأنهم استثقلوا الواوين فى أول الكلمة أو جمعوه على فواعل ، وانضمام الواو وانكسارها لو جمع على فعلان
قوله «والمؤنث نحو كائبة على كواثب (1)
لهنّ عليهم عادة قد عرفنها
إذا عرّض الخطّئ فوق الكواثب
وفى الحديث : يضعون رماحهم على كواثب خيلهم.
» لم يخافوا فى الاسم التباس جمع المذكر بجمع المؤنث مع كون كل منهما على فواعل ، كما خافوا فى الصفة ذلك ؛ فلم يجمعوهما معا على فواعل ؛ لأن لفظ المذكر والمؤنث في الصفة لا فرق بينهما إلا التاء ، فاذا حذفتها وجمعت حصل الالتباس ، وأما الاسم فلا يتلاقى مذكره ومؤنثه ، ألا ترى أنك لا تقول [للمذكر] كاثب وللمؤنث كاثبة ، حتى يلتبسا فى كواثب1) الكاثبة : اسم لما بين كتفى الفرس قدام السرج ، قال النابغة :
قوله «وقد نزلوا فاعلاء منزلته» وذلك لإجرائهم ألف التأنيث مجرى تائه لكونها علامة التأنيث مثلها كما يجىء بعد : النّافقاء والقاصعاء والدّامّاء جحرة من جحر اليربوع (1)، والسابياء : الجلدة التى تخرج مع الولد ، وعلى ذلك قالوا فى خنفساء : خنافس ، كما قالوا فى قنبرة : قنابر (2)
يا لك من قبّرة بمعمر
خلالك الجوّ فبيضى واصفرى
ونقّرى ما شئت أن تنقّرى
قد ذهب الصّيّاد عنك فابشرى
قال : «الصّفة ؛ نحو جاهل على جهّل وجهّال غالبا ، وفسقة كثيرا ، وعلى قضاة فى المعتلّ اللّام ، وعلى بزل وشعراء وصحبان وتجار وقعود ، وأمّا فوارس فشاذّ ، والمؤنّث نحو نائمة على نوائم ونوّم ، وكذلك حوائض وحيّض»
أقول : اعلم أن الغالب فى فاعل الوصف فعّل ، كشهّد وغيّب ونزّل وصوّم وقوّم ؛ وقيل : صيّم وقيّم ، كما يجىء فى باب الإعلال ، وقيل : صيّم وقيّم. وليس بخارج عن فعّل بضم الفاء ؛ وكسرها لأجل الياء ، كشيوخ وشييخ وتقول فى الناقص : غاز وغزّى
1) قال فى اللسان : «قال ابن الأعرابى : قصعة اليربوع - بضم ففتح - أن يحفر حفيرة ثم يسد بابها بترابها ، ويسمى ذلك التراب الداماء ، ثم يحفر حفرا آخر يقال له : النافقاء والنفقة (بضم ففتح) والنفق (بفتحتين) ، فلا ينفذها ، ولكنه يحفرها حتى ترق ، فاذا أخذ عليه بقاصعائه عدا إلى النافقاء فضربها برأسه ومرق منها ، قال ابن برى : جحرة اليربوع سبعة : القاصعاء ، والنافقاء ، والداماء ، والراهطاء ، والعاتقاء ، والحاثياء ، واللغز (بضم ففتح) وهى اللغيزى أيضا» اه بتصرف
2) القنبرة ، ويقال : القبرة - بضم القاف وتشديد الباء مفتوحة - وهو أفصح : ضرب من الطير يكنى الذكر منه أبا صابر وأبا الهيثم ، وتكنى أنثاه أم العلعل ، قال طرفة :
ويكسر أيضا كثيرا على فعّال ، كزوّار وغيّاب ، وهما أصل فى جمع فاعل الوصف ، أعنى فعّلا وفعّالا
ويجىء على فعلة أيضا كثيرا ، لكن لا كالأولين ، نحو عجزة وفسقة وكفرة وبررة وخونة وحوكة ، ويقال : حاكة وباعة أيضا ، كما يجىء فى الإعلال
وإذا كسر على فعلة فى المعتل اللام يضمّ الفاء ؛ لتعتدل الكلمة بالثقل فى أولها والخفة بالقلب فى الأخير ، وقال الفراء : أصله فعّل بتشديد العين فاستثقل ذلك ، فأبدل الهاء من أحد المثلين ، وذهب المبرد إلى أنه اسم جمع كفرهة (1)وغزىّ (2)
سريت بهم حتّى تكلّ غزيّهم
وحتّى الحياد ما يقدن بأرسان
ويجمع غاز على غزاء - بالمد - مثل فاسق وفساق. قال تأبط شرا :
فيوما بغزّاء ويوما بسرية
ويوما بخشخاش من الرّجل هيضل
وعلى غزاة ، مثل قاض وقضاة ، وعلى الغزى ، مثل راكع وركع ، قال الله تعالى (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى - الآية) وقال الأزهرى : رجل غاز من قوم غزى مثل سابق وسبق ، وغزي مثل حاج وحجيج ، وقاطن وقطين ، ونادوندى ، وناج ونجى ، فجعل الغزى جمعا ونسب مثله لسيبويه» اه عن لسان العرب بتصرف
وليس بجمع ، وذلك لعدم فعلة جمعا فى غير هذا النوع1) قال فى اللسان : «فره الشىء - بالضم - يفره فراهة وفراهية ، وهو فاره بين الفراهة والفروهة ؛ إذا كان حاذقا بالشىء ، وإذا كان نشيطا قويا أيضا ، قال الجوهرى : فاره نادر مثل حامض ، وقياسه فريه وحميض مثل صغر فهو صغير وملح فهو مليح ، ويقال للبرذون والبغل والحمار : فاره بين الفروهة والفراهية والفراهة ، والجمع فرهة مثل صاحب وصحبة ، وفره أيضا مثل بازل وبزل وحائل وحول. قال ابن سيده : وأما فرهة فاسم للجمع عند سيبويه وليس بجمع ، لأن فاعلا ليس مما يكسر على فعلة. قال : ولا يقال للفرس : فاره ، إنما يقال فى البغل والحمار والكلب وغير ذلك. وفى التهذيب : يقال : برذون فاره وحمار فاره ، إذا كانا سيورين ، ولا يقال للفرس إلا جواد ، ويقال له : رائع ، وفى حديث جريج دابة فارهة : أى نشيطة حادة قوية» اه بتصرف. والجمع القياسى لفاره فره مثل ركع ، وفرهة مثل سكرة ، وقد ذكرهما صاحب القاموس
2) اختلفت كلمة العلماء فى الغزى - بفتح فكسر - فقال ابن سيده : الغزي : اسم للجمع. قال الشاعر (وهو امرؤ القيس)
ويجمع كثيرا على فعل بضمتين ، كبزل (1)وشرف (2)، تشبيها بفعول لمناسبته له فى عدد الحروف ثم يخفف عند بنى تميم باسكان العين ، وأما الأجوف نحو عوط (3)وحول (4)، جمع عائط وحائل ؛ فيجب عند الجميع إسكان واوه للاستثقال ، وأما عيط بمعنى عوط فانه من اليائى ، كسر الفاء لتسلم الياء كما فى بيض جمع أبيض
ويكسر على فعلاء كجهلاء وشعراء ، تشبيها له بفعيل نحو كريم وكرماء ، ففعل وفعلاء ليسا بمتمكنين فى هذا الباب ، بل هما للتشبيه بباب آخر كما مر
وأكثر ما يجىء فعلاء فى هذا الباب وغيره إذا دلّ على سجية مدح أو ذم
1) البزل - بضمتين - : جمع بازل ، والبازل أصله الجمل إذا طلع نابه ، وذلك إذا كان فى السنة التاسعة ، وقالوا : رجل بازل ؛ إذا كان كاملا ، على التشبيه ،
2) الشرف - بضمتين - : جمع شارف : وهو من السهام العتيق ، ومن النوق الهرمة المسنة ، وجمع أيضا على شوارف ، وعلى شرف - كركع ، وعلى شروف كعدول.
3) العوط : جمع عائط ، وهى التى لم تحمل سنين من غير عقر ، يقال : عاطت المرأة والناقة تعوط وتعيط ،
4) الحول : جمع حائل ، وهى التى حمل عليها فلم تلقح ، أو التى لم تلقح سنتين أو سنوات ، ويجمع أيضا على حيال.
كجهلاء وجبناء وشجعاء ، ويجىء أيضا فعلاء كثيرا جمعا لفعيل بمعنى مفاعل كجلساء وحلفاء
وجاء فاعل على فعلان أيضا كشبّان ورعيان ، تشبيها بفاعل الاسم كحجران
وجاء على فعال كجياع ونيام ورعاء وصحاب ، وعلى فعول كشهود وحضور وركوع ، وذلك فيما جاء مصدره على فعول أيضا
قوله «وأما فوارس فشاذ» قد ذكرنا أن ذلك لغلبته
وإذا كان فاعل وصفا لغير العقلاء جاز جمعه على فواعل قياسا ؛ لإلحاقهم غير العقلاء بالمؤنث فى الجمع ، كما مر فى شرح الكافية فى باب التذكير والتأنيث ، فيقال جمال بوازل ، وأيام مواض
وإذا كان فى فاعل الوصف تاء ظاهرة كضاربة أو مقدرة كحائض فقياسه فواعل وفعّل بحذف التاء.
قال «المؤنّث بالألف رابعة : نحو أنثى على إناث ، ونحو صحراء على صحارى ، والصّفة نحو عطشى على عطاش ، ونحو حرمى على حرامى ، ونحو بطحاء على بطاح ، ونحو عشراء على عشار ، وفعلى أفعل كالصّغرى على الصّغر ؛ وبالألف خامسة نحو حبارى على حباريات»
أقول : اعلم أن ألف التأنيث الممدودة أو المقصورة إما أن تكون رابعة ، أو فوقها ؛ فما ألفه رابعة : إذا لم يكن فعلى أفعل ، ولا فعلاء أفعل ؛ يطّرد جمعه بالألف والتاء ، ويجوز أيضا جمعه مكسّرا ، لكن غير مطرد ، وتكسيره على ضربين : الأول أن يجمع الجمع الأقصى ، وذلك إذا اعتد بالألف لكون وضعها على اللزوم ، فيقال فى المقصورة فعال وفعالى فى الاسم كدعاو ودعاوى ، وفى الصفة فعالى بالألف لا غير كحبالى وخناثى ، والألف فى فعالى مبدلة من الياء على ما يجىء ،
ويقال فى الممدودة فعالي بالألف المبدلة وفعال كجوار فى الأحوال الثلاث ، ويجوز فعالىّ قليلا ، وهو الأصل كما يجىء بيانه ، والثانى : أن يجمع على فعال كإناث وعطاش وبطاح وعشار ، فى أنثى وعطشى وبطحاء وعشراء (1)، وإنما يجىء هذا الجمع فيما لا يجىء فيه الجمع الأقصى ، فلما قالوا إناث لم يقولو أناثى ، ولما قالوا خناثى لم يقولوا خناث (2)
لعمرك ما الخناث بنو قشير
بنسوان يلدن ولا رجال
ولعل العذر للمؤلف فى نفيه أن الجوهرى لم يذكره فى صحاحه
، وكان الأصل فى هذا الباب الجمع الأقصى اعتدادا بألف التأنيث للزومها ، فتجعل كلام الكلمة ، وأما حذفها فى الجمع على فعال فنظرا إلى كون الألف علامة للتأنيث فيكون كالتاء فيجمع الكلمة بعد إسقاطه كما فى التاء ، فيجعل نحو عطشى وبطحاء (3)وأنثى كقصعة وبرمة ؛ فيكون عطاش وبطاح وإناث كقصاع وبرام ، وإنما اختير هذا من بين سائر جموع فعلة وفعلة لكونه أشبه بفعالى الذى هو الأصل كما تقرر ، وحمل نحو نفساء وعشراء على فعلى فجمعا على فعال وإن لم يكسر فعلة بضم الفاء وفتح العين على فعال ؛ لما قلنا من مناسبته لفعالى التى هى الأصل فى مثله لما ذكرنا ، ولم يجمع نحو نفساء الجمع الأقصى كما جمع الساكن العين لكون الألف كالخامسة بسبب حركة العين. كما عرفت فى النسب فى نحو حبارى (4)وجمزى (5)1) العشراء من النوق : التى أتى على حملها عشرة أشهر ، وقيل : ثمانية أشهر ، وقيل : هى كالنفساء من النساء.
2) حكي صاحب القاموس أنه قد قيل : أناثى أيضا فى جمع الأنثى كما حكى فى اللسان أن خنثى جمع على خناث كاناث - وأنشد شاهدا لذلك قول الشاعر :
3) البطحاء والأبطح : مسيل واسع فيه دقاق الحصى
4) انظر (ص 36 ه 5 من هذا الجزء)
5) جمزى : ضرب من السير دون الجري الشديد. انظر (ص 39 من هذا الجزء)
ولم يسمع بجمع فعلى كأربى (1)وشعبى (2)
أعبدا حلّ فى شعبى غريبا
ألؤما لا أبالك واغترابا
ولا فعلى كالمرطى (3)والدّقرى (4)ولا فعلاء كالثأداء (5)وما كنّا بنى ثأداء لمّا
شفينا بالأسنّة كلّ وتر
، لا على صيغة الأقصى ولا على فعال ، ولو كسرت فالقياس فعال كما ذكرنا فى نحو نفساء ، مع أن الأولى جمع الجميع بالألف والتاء ، وإنما وجب فى الوصف الذى ألفه مقصورة قلب الياء فى الجمع ألفا دون الاسم كما ذكرنا لأن الوصف أثقل من الاسم من حيث المعنى فالتخفيف به أنسب ، والألف فى الاسم أيضا أكثر من الياء (6)، والدليل على أن ألف فعالى فى الأصل ياء أنا لو سمينا بحبالى وصغرناه لم نفعل به ما فعلنا بحبارى ، وذلك أنا جوزنا هناك حبيرى وحبيّرا ، كما بين فى باب التصغير ، بل يجب ههنا أن نقول : «حبيل» بحذف الألف المتوسطة كما نقول فى تصغير جوار ومساجد علمين : جوير ومسجد ، وإنما فروا فى هذه الجموع من الياء إلى الألف بخلاف نحو جواء فى جائية ، تطبيقا للجمع بالواحد فى الموضعين ، أعنى حبالى وجواء ، فرقا بين ألف التأنيث وغيره : من الألف المنقلبة كما فى ملهى ، وألف الإلحاق كما فى1) الأربى - بضم الهمزة وفتح الراء - : اسم للداهية
2) شعبى - بضم ففتح وآخره ألف مقصورة - : اسم موضع بعينه فى جبل طيء ، قال جرير يهجو العباس بن زيد الكندى
3) المرطى - بفتحات - : أصله ضرب من العدو فوق التقريب ودون الاهذاب ، وقد يوصف به ، فيقال : فرس مرطى ، وناقة مرطى ، إذا كانت سريعة.
4) الدقرى : الروضة الحسناء العميمة النبات
5) الثأداء : المرأة الحمقاء ، وقيل : الأمة ، قال الكميت :
6) يريد أن قلب الياء ألفا في الاسم أكثر من بقائها ، مع جواز الوجهين.
أرطى (1)، وهذا كما يجىء فى باب الإعلال من تطبيق الجمع بالمفرد ، نحو شائية وشواء وإداوة (2)وأداوى ، بخلاف بريّة وبرايا ، لما كان الألف فى شائية وإداوة ثابتة كما فى الجمع بخلاف بريّة ، هذا ، وقد جاء فى بعض ما آخره ألف منقلبة ما جاء فى ألف التأنيث من قلب الياء ألفا تشبيها له به ، وذلك نحو مدرى ومدار (3)ومدارى ، بالألف ، وذلك ليس بمطرد ، وقال السيرافى : هو مطرد ، سواء كان الألف فى المفرد منقلبة أو للإلحاق ، وإن كان الأصل إبقاء الياء ، فتقول على هذا فى ملهى : ملاه وملاهى ، وفى أرطى : أراط وأراطى ، وقال : إنه لا يقع فيه إشكال ، والأولى الوقوف على ما سمع
وأما ذو الممدودة الرابعة فانه جاء فيه ثلاثة أوجه مع أن الأكثر فيه فعالى بالألف ، وذلك لأنك تقلب في الجمع الأقصى ألفه التى قبل الهمزة ياء لأجل كسرة ما قبلها كما فى مصابيح فترجع الهمزة إلى أصلها من الألف ، وذلك لأنها فى الأصل ألف تأنيث عند سيبويه كما فى حبلى زيدت قبلها ألف إذ صارت باللزوم كلام الكلمة كما زيدت فى كتاب وحمار فاجتمع ألفان فحركت الثانية دون الأولى ؛ لأنها للمد كما فى حمار ، ولم تحذف الأولى للساكنين خوفا من نقض الغرض ، ولم تقلب الثانية عند الاحتياج إلى تحريكها واوا ولا ياء مع أن انقلاب حروف العلة بعضها إلى بعض أكثر ؛ لشدة تناسبها بالوصف مع تباينها فى المخارج ، وذلك لأن الواو والياء فى مثل هذا الموضع تقلبان ألفا كما فى كساء ورداء ، فلم يبق بعد الواو والياء حرف أنسب إلى الألف من الهمزة لكونهما من الحلق ، فلما انقلبت الألف قبلها ياء رجعت الهمزة إلى أصلها من الألف لزوال موجب انقلابها همزة ،
أعنى الألف ، ثم انقلبت ياء لأن انقلاب حروف العلة بعضها إلى بعض أولى كما يجىء فى باب الإعلال ثم أدغمت الياء فى الياء ؛ فيجوز على قلة استعمال هذا الأصل ، قال :
ر يغتال الصّحاريّا* (1)
والأكثر أن يحذف الياء الأولى لاستثقال الياء المشددة فى آخر الجمع الأقصى ، ولا سيما إذا لم تكن فى الواحد حتى تحتمل فى الجمع للمطابقة كما فى كرسىّ وكراسىّ ، وأيضا الحذف فى مثله تسبّب إلى جعل الياء ألفا كما كان ، وإذا كانوا يحذفون المد من نحو الكرابيس (2)والقراقير (3)فيقولون : الكرابس والقراقر فما ظنك به مع الياءين؟ ألا ترى إلى قولهم أثاف (4)
(انظر ج 1 ص 139)
وتقول على الثانى : قدر مثفاة - بتشديد عين الكلمة - وأصله مثفية –كمقتلة - قلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ، وتقول على الثالث : قدر مؤثفة - بتشديد الثاء ، وتقول على الرابع : قدر مؤثفة - كمكرمة : فوزن «أثفية» فى لغة من قال : ثفيت - أفعولة ، وفى لغة الباقين : فعلية ، وأصلها على كل حال أثفوية ؛ فاجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء فى الياء ثم كسر ما قبلها لمناسبتها
وعوار وكراس1) قد تقدم شرح هذا البيت فى (ج 1 ص 194)
2) الكرابيس : جمع كرباس - بكسر الكاف - وهو ثوب من القطن أبيض معرب فارسيته بالفتح ، غيروه لغزة فعلال
3) القراقير : جمع قرقور - كعصفور - وهو السفينة مطلقا ، أو الطويلة خاصة ، أو العظيمة
4) الأثافى - بتخفيف الياء - جمع أثفية - بضم الهمزة وسكون الثاء بعدها فاء مكسورة فياء مشددة وقد تخفف - وهي حجر يوضع عليه القدر ، وهي ثلاثة أحجار ، وبعض العرب يقول : أثفيت القدر - مثل أكرمت ، وبعضهم يقول : ثفيت - بتضعيف الوسط ، وبعضهم يقول : أثفت - بتشديد الثاء ، وبعضهم يقول : آثفت على أفعل ، كل ذلك يقولونه فى معنى نصبت لها الحجارة لتضعها عليها ، وتقول على الأول : قدر مثفاة ، وربما قالوا مؤثفاة على الأصل كما قال خطام المجاشعي :
فى أثافىّ وعوارىّ وكراسىّ ، فيبقى إذن صحار كجوار سواء فى جميع أحوالها ، والأولى بعد الانتقال إلى هذا الحال الانتقال إلى درجة ثالثة ، وهى قلب الياء ألفا لصيرورته كدعاو ، بسقوط المد الذى كان قبل ألف التأنيث ، فتقول : صحارى وعذارى وصلافى (1)، ولا يجوز هذا فى ألف الإلحاق ؛ لا تقول فى حرباء : حرابى (2)
أحكم الجنثىّ من عوراتها
كلّ حرباء إذا أكره صلّ
والحرباء أيضا : الظهر ، والحرباء أيضا : الذكر من أم حبين ، وقيل : هو دويبة نحو العظاءة (أنظر ص 55 من هذا الجزء)
، بل يجب فى مثله حرابىّ ، مشددا أو مخففا ، وذلك لأن جعلها ألفا إنما كان لتصير الياء ألفا كما كان ، وألف التأنيث أولى بالمحافظة عليها لكونها علامة ؛ من ألف الإلحاق ، وأناسى جمع إنسىّ ككراسى جمع كرسى ، وقيل : هو جمع إنسان ، قلبت نونه ياء كظرابىّ جمع ظربانوقد ألحق بباب صحارى وإن لم يكن فى المفرد ألف التأنيث لفظان ، وهما
بخاتى (1)
إن يعش مصعب فإنّا بخير
قد أتانا من عيشنا ما نرجّى
يهب الألف والخيول ويسقى
لبن البخت فى قصاع الخلنج
الواحد بختى ، جمل بختى وناقة بختية ، وفى الحديث «فأتى بسارق قد سرق بختية» ، البختية : الأنثى من الجمال البخت ، وهى جمال طوال الأعناق ، ويجمع على بخت وبخات ، وقيل : الجمع بخاتى (بياء مشددة) غير مصروف ، ولك أن تخفف الياء فتقول : البخاتى (بكسر التاء) وقيل فى جمعها : بخاتى (بفتح التاء) اه بتصرف
ومهارى (2)، فجوز فيهما الأوجه الثلاثة ، والتشديد أولى ، ولا يقاس عليهما ، فلا يقال فى أثفيّة وعاريّة : أثافى وعوارى (3)بالألف ، وألحق1) البخاتى : جمع بختي - ككرسى - قال فى اللسان : «البخت والبختية دخيل فى العربية أعجمى معرب ، وهي الابل الخراسانية ، تنتج من عربية وفالج ، وبعضهم يقول : إن البخت عربى ؛ وينشد لابن قيس الرقيات يمدح مصعب بن الزبير :
2) المهارى - بزنة الصحارى ، ويقال : مهارى بزنة الكراسى ، ومهار - كجوار - : جمع مهرية ، وهى الابل المنسوبة إلى مهرة - بفتح فسكون ، وقد قيل : مهرة قبيلة أبوها مهرة بن حيدان ، وقيل : مهرة مخلاف فى اليمن (أنظر ج 1 ص 256)
3) العواري - بتشديد الياء ، وقد تخفف - : جمع عارية - مشددة أو مخففة - وهى اسم للشىء تستعيره من غيرك ، وكأن العارية - بالتشديد - منسوبة إلى العار لكونها مما يجلبه ، قال فى اللسان : «الأزهري : وأما العارية والاعارة والاستعارة فان قول العرب فيها : هم يتعاورون العوارى ، ويتعورونها - بالواو المشددة - كأنهم أرادوا تفرقة بين ما يتردد من ذات نفسه وبين ما يردد ، قال : والعارية منسوبة إلى العارة ، وهو اسم من الاعارة ؛ تقول : أعرته الشىء أعيره إعارة وعارة ، كما قالوا : أطعته إطاعة وطاعة ، وأجبته إجابة وجابة ، قال : وهذا كثير فى ذوات الثلاث : منها العارة والدارة والطاقة وما أشبهها ، ويقال : استعرت منه عارية فأعارنيها ، قال الجوهرى : العارية بالتشديد كأنها منسوبة إلى العار ؛ لأن طلبها عار وعيب» اه
بنحو فتاو وفتاوى لفظ واحد من المنقوص ، وهو قولهم : جمل معى وناقة معيية وجمال أو نوق معاى (1)ومعايا
وإنما أبقيت المقصورة الرابعة فى التصغير بحالها نحو حبيلى وقلبت فى الجمع الأقصى ياء ثم ألفا ؛ لأن بنية التصغير تتم قبل الألف بخلاف بنية الجمع الأقصى ، ولذلك قيل فى التصغير : أنيعام ، وفى التكسير : أناعيم ؛ لأن بعض أبنية التصغير تتم قبل الألف وهو فعيل ، فجاز المحافظة على الألف التى هى علامة الجمع ، بخلاف بناء الجمع الأقصى فلم يكن بد من قلب الألف فيه
وإن كانت ألف التأنيث خامسة فالممدودة يجوز جمع ما هى فيه بالألف والتاء ، ويجوز أن تحذف ويجمع الاسم أقصى الجموع ، كقواصع وخنافس فى قاصعاء (2)وخنفساء ، وكذا قرائث وبرائك وجلائل فى قربثاء (3)وبراكاء (4)وجلولاء (5)
وأما المقصورة كحبارى فقال سيبويه : لا يجمع ما هى فيه إلا بالألف والتاء ؛ إذ لو قالوا حبائر وحبارى كما قيل فى التصغير حبيّر وحبيرى ؛ لالتبس حبائر بجمع فعالة ونحوها ، وحبارى بجمع فعلى وفعلاء ، وفى التعليل نظر ، لأن حبيّرا فى التصغير يلتبس بنحو حميّر. وقواصع فى الجمع يلتبس بجمع فاعلة ، ولم يبال
فى الموضعين ، فنقول : السماع كما ذهب إليه سيبويه ، لكن لا يمنع القياس - كما ذكر المالكى - أن يقال فى نحو حبارى حبائر وحبارى ، كما فى التصغير ، وكذا لا يمنع القياس أن يقال فى جمع عرضنى (1)عراضن ، وإنما لم يجز فى نحو قريثاء وبراكاء وجلولاء حذف المد المتوسط كما جاز مع المقصورة لأن المقصورة أشد اتصالا بالكلمة لكونها ساكنة على حرف واحد ، والممدودة على حرفين ثانيهما متحرك ، ولذلك قيل عريضن فى تصغير عرضنى بحذف الألف لكونها كاللام ، وخنيفساء لكون الألف كالكلمة المنفصلة كما فى نحو بعلبك ، وإنما لم يجز خنافساء وزعافران كما جاز خنيفساء وزعيفران للثقل المعنوى فى الجمع ، فصار التخفيف اللفظى به أليق ؛ فلا يكاد يجىء بعد بنية أقصى الجموع إلا ما هو ظاهر الانفكاك ، كتاء التأنيث فى نحو ملائكة
وإن كانت الألف فوق الخامسة كما فى حولايا (2)فالحذف لا غير ، نحو حوال
وأما فعلى أفعل وفعلاء أفعل فلم يجمعا أقصى الجموع ؛ فرقا بينهما وبين نحو أنثى وصحراء.
ولما كانا أكثر من غيرهما طلب تخفيفهما فاقتصر فى فعلاء على فعل إتباعا لمذكره ، نحو أحمر وحمراء وحمر ، وفى الفعلى على الفعل تشبيها لألفه بالتاء ؛ فالكبر فى الكبرى كالغرف فى الغرفة ، والفعل فى الفعلى غير فعلى أفعل شاذ ، كالرّؤى فى الرؤيا ، خلافا للفراء
وكان حق ربّى (3)أن يجمع على رباب - بكسر الراء - لكنه قيل : رباب
بالضم ، وليس بجمع ، بل هو اسم جمع كرخال (1)وتؤام (2)
وأرى أن صحراء [فى الأصل فعلاء أفعل ؛ كأن أصله أرض صحراء : أى فى أولها صحرة ، كما تقول : حمار أصحر ، وأتان صحراء](3)فتوغل فى باب الاسمية ، فلم يجمع على فعل ، بل على فعالى ، وكذا البطحاء أصله باب حمراء ، ألا ترى إلى قولهم : الأبطح ، فغلبت الاسمية عليهما حتى لا يعتبر الوصف الأصلى فى أبطح ، كما اعتبر فى أسود وأرقم (4)، بل يصرف ، وحتى لم يجمعا على البطح ، بل جمع الأبطح على الأباطح والبطحاء على البطاح ، وكذا حرمى فى الأصل من باب عطشى ، أعنى فعلى فعلان ، من «حرمت النعجة» إذا اشتهت البضاع ، فلو لم يمنع المعنى مجىء فعلان منه لكنت تقول حرمان وحرمى
وإنما جمع فعلان كسكران على فعالى ، تشبيها للألف والنون بالألف الممدودة ، فسكران وسكارى كصحراء وصحارى
1) رخال - كغراب - : اسم جمع واحده رخل - بكسر فسكون - وهى الأنثى من ولد الضأن ، وقد جمع على أرخل - كأرجل ، ورخال - كقداح ،
2) التؤام - كغراب - : اسم جمع واحده توءم ، وهو الذى يولد مع غيره فى بطن ، من الاثنين فأكثر ، وجمع التؤام توائم. قال فى اللسان : «قال الأزهرى : ومثل تؤام غنم رباب وإبل ظؤار ، وهو من الجمع العزيز» اه
3) هذه العبارة فى النسخ الخطية ، والموجود فى المطبوعات «وأرى أن صحراء من باب حمراء فتوغل الخ»
4) الأسود : العظيم من الحيات وفيه سواد ، وأصله وصف فسمى به ، ويقال لأنثاه : أسودة ، نظرا لما طرأ من الاسمية ، ويجمع الأسود على أساود ، نظرا لذلك ، وربما قيل : أساويد ؛ باشباع الكسرة ، وتجمع الأسودة على أسودات أيضا. والأرقم : أخبث الحيات وفيه سواد وبياض ، وأصله وصف فسمى به أيضا
قال : «وأفعل : الاسم كيف تصرّف نحو أجدل وإصبع وأحوص ، على أجادل وأصابع وأحاوص ، وقولهم حوص للمح الوصفيّة الأصليّة ، والصّفة نحو أحمر على حمران وحمر ، ولا يقال أحمرون لتميّزه عن أفعل التّفضيل ، ولا حمراوات لأنه فرعه ، وجاء الخضراوات لغلبته اسما ، ونحو الأفضل على الأفاضل والأفضلين»
أقول : قوله «كيف تصرف» أى : تصرف حركة همزته وعينه
قوله «أحاوص (1)
أتانى وعيد الحوص من آل جعفر
فيا عبد عمرو لو نهيت الأحاوصا
» جمع أحوص ، وأحوص فى الأصل من باب أحمر حمراء ، فجمعه فعل ، ولكن لما جعل أفعل فعلاء اسما جاز جمعه على أفاعل كأفعل الاسمى ، وجاز جمعه على فعل نظرا إلى الأصل ، وعلى أفعلون إذا كان علما للعاقل ، وعلى أفعلات إذا كان علما للمؤنثقوله «والصفة نحو أحمر على حمران وحمر» الوصف إما أن يكون [على] أفعل فعلاء ، وأفعل فعلى ، والأول أظهر فى باب الوصف ؛ لصحة تقديره بالفعل ، نحو «مررت برجل أحمر» أى برجل أحمرّ ، وليس لأفعل التفضيل فعل منه بمعناه ، كما مر فى بابه ، ولهذا لا يرفع الظاهر إلا بشروط ، ولضعف معنى الوصفية فى أفعل التفضيل لا خلاف فى صرفه إذا نكر بعد التسمية ، كما اختلف فى نحو أحمر إذا نكر
1) أصل الأحوص : الذى به الحوص - بفتح الحاء والواو - وهو ضيق فى مؤخر العين ، وبابه حول ، وسمي بالأحوص جماعة : منهم الأحوص بن جعفر ابن كلاب ، وجمعوا على الأحاوص ، نظرا لما عرض من الاسمية ، وقد قيل : أحاوصة - بزيادة التاء عوضا عن ياء النسب كالأشاعرة والمهالبة ، كأنه جعل كل واحد أحوصيا - وجمعوا أيضا على الحوص ، نظرا إلى الأصل ، وقد جمع الأعشى بين الجمعين فى قوله :
بعد العلمية (1)
أما الأول فلضعف أفعل التفضيل فى معنى الوصف ولذا لا يعمل فى الظاهر كما يعمل أفعل فعلاء ، فاذا تجرد من من التبس بأفعل الاسمى الذى لا معنى للوصف فيه كأفكل وأيدع ، ولا يظهر فيه معنى الوصف ، وأما أفعل فعلاء ، فلثبوت عمله فى الظاهر قبل العلمية وإشعار لفظه بالألوان والخلق الظاهرة فى الوصف يكفى فى بيان كونه موضوعا صفة ، فاذا اتصل أفعل بمن فقد تميز عن نحو أفكل وظهر فيه معنى التفضيل الذى هو وصف
وأما الثانى : فانما وافق الأخفش سيبويه فى منع الصرف مع من لظهور وصفه إذن كما ذكرنا ، ولكون من مع مجروره كالمضاف إليه ، ومن تمام افعل التفضيل من حيث المعني الوضعى ، فلو نون لكان الثانى متصلا منفصلا ، لأن التنوين يشعر بالانفصال بسبب وجود علامته للوصف أعنى من ، بخلاف باب أحمر لعريه عن العلامة الدالة على الوصف» اه
والمطرد فى تكسير أفعل فعلاء وفى مؤنثه فعل ، ولا يضم عينه إلا1) جاء فى الكافية وشرحها متعلقا بهذا قول ابن الحاجب : (ح 1 ص 60) «وخالف سيبويه الأخفش فى مثل أحمر علما ثم ينكر اعتبارا للصفة بعد التنكير ، ولا يلزمه باب حاتم ، لما يلزم من إيهام اعتبار متضادين فى حكم واحد» وقول الرضى فى شرح هذا الكلام : قوله «ولا يلزمه باب حاتم» هذا جواب عن إلزام الأخفش لسيبويه فى اعتبار الصفة بعد زوالها ، وتقريره أن الوصف الأصلى لو جاز اعتباره بعد زواله لكان باب حاتم غير منصرف للعلمية الحالية والوصف الأصلى فأجاب المصنف عن سيبويه بأن هذا الالزام لا يلزمه ، لأن فى حاتم ما يمنع من اعتبار ذلك الوصف الزائد ، بخلاف أحمر المنكر ، وذلك المانع اجتماع المتضادين وهما الوصف والعلمية ، إذ الوصف يقتضى العموم والعلمية الخصوص ، وبين العموم والخصوص تناف. قوله «فى حكم واحد» يعنى فى الحكم بمنع الصرف ، لأنك تحتاج فى هذا الحكم إلى اجتماع سببين فتكون قد جمعت المتضادين ، فى حالة واحدة ، ولو لم يكن اعتبار المتضادين فى حكم واحد جاز ، إذ لا يلزم اجتماعهما فى حالة واحدة ، كما إذا حكمنا بجمع أحمر على حمر لأن أصله صفه وعلى أحامر لأجل العلمية فقد حصل فى هذه اللفظة متضادان لكن بحكمين ، فلم يجتمعا فى حالة ، فاذا نكر أحمر فانه يصح اعتبار الوصف ، وليس معنى الاعتبار أنه يرجع معنى الصفة الأصلية حتى يكون معنى رب أحمر رب شخص فيه معنى الحمرة ، بل معنى رب أحمر رب شخص مسمى بهذا اللفظ سواء كان أسود أو أبيض أو أحمر فمعنى اعتبار الوصف الأصلى بعد التنكير أنه كالثابت مع زواله ، لكونه أصليا ، وزوال ما يضاده وهو العلمية ، فصار اللفظ بحيث لو أراد مريد إثبات معنى الوصف الأصلى فيه لجاز بالنظر إلى اللفظ ، لزوال المانع ، هذا ، والحق أن اعتبار ما زال بالكلية ولم يبق منه شىء خلاف الأصل إذ المعدوم من كل وجه لا يؤثر بمجرد تقدير كونه موجودا ، فالأولى أن يقال : إن اعتبر معنى الوصف الأصلى فى حال التسمية كما لو سمى مثلا بأحمر من فيه حمرة وقصد ذلك ثم نكر جاز اعتبار الوصف بعد التنكير لبقائه فى حال العلمية أيضا ، لكنه لم يعتبر فيها ، لأن المقصود الأهم فى وضع الأعلام المنقولة غير ما وضعت له لغة ، ولذلك تراها فى الأغلب مجردة عن المعنى الأصلى كزيد وعمرو ، وقليلا ما يلمح ذلك ، وإن كان لم يعتبر فى وضع العلم الوصف الأصلى بل قطع النظر عنه بالكلية كما لو سمي بأحمر أسود أو أشقر لم يعتبر بعد التنكير أيضا ، وقال الأخفش فى كتاب الأوسط : إن خلافه فى نحو أحمر إنما هو فى مقتضى القياس ، وأما السماع فهو على منع الصرف ، هذا كله فى أفعل فعلاء ، وكذا فعلان فعلى ، وأما أفعل التفضيل نحو أعلم ، فانك إذا سميت به ثم نكرته : فان كان مجردا من من التفضيلية انصرف إجماعا ، ولا يعتبر فيه سيبويه الوصف الأصلى كما اعتبر فى نحو أحمر ، وإن كان مع من لم يصرف إجماعا بلا خلاف من الأخفش كما كان فى أحمر
لضرورة الشعر. ويجىء فعلان أيضا كثيرا كسودان وبيضان
قوله : «ولا يقال أحمرون لتميزه عن أفعل التفضيل» قد ذكرنا علة امتناعه من جمع التصحيح فى شرح الكافية (1)
فما وجدت بنات بنى نزار
حلائل أسودين وأحمرينا
وهو عند غيره شاذ ، وأجاز أيضا حمراوات وسكريات ؛ بناء على تصحيح جمع المذكر ، والأصل ممنوع فكذا الفرع»
ويجوز أفعلون وفعلاوات لضرورة الشعر. قال :1) قال فى شرح الكافية (ج 2 ص 169): «وأما الخاص من شروط الجمع بالواو والنون فشيئان : العلمية ، وقبول تاء التأنيث ، أما العلمية فمختصة بالأسماء ، وأما قبول التاء فمختص بالصفات ، فلم يجمع هذا الجمع أفعل فعلاء وفعلان فعلى وما يستوى مذكره ومؤنثه كما ذكرنا فى باب التذكير والتأنيث وإنما اعتبر فى الصفات قبول التاء لأن الغالب فى الصفات أن يفرق بين مذكرها ومؤنثها بالتاء لتأديتها معنى الفعل ، والفعل يفرق بينهما فيه بالتاء ، نحو الرجل قام والمرأة قامت ، وكذا فى المضارع التاء وإن كان فى الأول نحو تقوم ، والغالب فى الأسماء الجوامد أن يفرق بين مذكرها ومؤنثها بوضع صيغة مخصوصة لكل منهما كعير وأتان ، وجمل وناقة ، وحصان وحجراء ؛ ويستوى مذكرها ومؤنثها كبشر وفرس ، هذا هو الغالب فى الموضعين ، وقد جاء العكس أيضا فى كليهما نحو أحمر وحمراء والأفضل والفضلى وسكران وسكرى فى الصفات ، وكامرىء وامرأة ورجل ورجلة فى الأسماء ، فكل صفة لا يلحقها التاء فكأنها من قبيل الأسماء ؛ فلذا لم يجمع هذا الجمع أفعل فعلاء وفعلان فعلى ، وأجاز ابن كيسان أحمرون وسكرانون ، واستدل بقوله :
64 - فما وجدت بنات بنى نزار
حلائل أسودين وأحمرينا (1)
1) هذا البيت من قصيدة لحكيم الأعور بن عياش أحد شعراء الشام يهجو بها مضر وخص من بينهم الكميت بن زيد الأسدى وامرأته ، و «بنات» فاعل وجدت ، و «حلائل» جمع حليل - بالحاء المهملة - وهو الزوج ، ويقال للزوجة : حليلة ، وسميا بذلك لأن كل واحد منهما يحل للآخر أو يحل منه محلا لا يحل فيه سواه ، وهو مفعول «وجدت» ؛ و «أسودين» جمع أسود ، و «أحمرين» جمع أحمر ، وهما صفتان لحلائل ، والاستشهاد بالبيت فى قوله «أسودين وأحمرين» حيث جمع أسود وأحمر جمع المذكر السالم بالواو والنون وهو عند ابن كيسان مما يسوغ القياس عليه ، وعند عامة النحاة أن القياس على ذلك لا يجوز وأنه خاص بضرورة الشعر
وأجاز ذلك ابن كيسان اختيارا
قوله «وجاء الخضراوات لغلبته اسما» غلب الخضراوات فى النباتات التى تؤكل رطبة ، فكما يجوز جمع فعلاء بالألف والتاء مع العلمية لزوال الوصف جاز مع الغلبة لأن الغلبة تقلل معنى الوصفية أيضا ، ويجوز فى نحو أرمل (1)
هذى الأرامل قد قضّيت حاجتها
فمن لحاجة هذا الأرمل الذّكر
وأرملة أرملون وأرملات ؛ لأنه مثل ضاربون وضارباتقال : «ونحو شيطان وسلطان وسرحان على شياطين وسلاطين وسراحين ، وجاء سراح ، الصّفة نحو غضبان على غضاب وسكارى ، وقد ضمّت أربعة كسالى وسكارى وعجالى وغيارى».
أقول : كل اسم على فعلان مثلث الفاء ساكن العين كان أو متحركه ، كورشان (2)والسّبعان (3)والظّربان (4)، يجمع على فعالين ؛ إلا أن يكون علما مرتجلا ، كسلمان وعثمان وعفّان وحمدان وعطفان ، وذلك لأن التكسير فى المرتجل مستغرب ، بخلافه فى المنقول ؛ إذ له عهد بالتكسير ، ولا سيما إذا كان فى المرتجل ما ينبغى أن يحافظ عليه من الألف والنون لشبهه بألف التأنيث ، كما مر فى التصغير ، وإنما تصرف فى ألف نحو صحراء بالقلب حين قالوا «صحار» مع كونها أصلا للألف والنون للضرورة الملجئة إليه لما قصدوا بناء الجمع الأقصى لخلوه من الاستغراب المذكور ، ألا ترى أنه قيل فى التصغير «صحيراء» لما لم
يكن مثل تلك الضرورة لتمام بناء فعيل قبل الألف ، فلهذا قالوا «ظريبان» فى التصغير ، و «ظرابين» فى الجمع ، وللمحافظة على الألف والنون فى المرتجل قالوا فى تصغير سلمان «سليمان» وفى تصغير سلطان «سليطين».
واعلم أنهم قالوا فى جمع ظربان «ظربى» أيضا كححلى فى جمع حجل ، ولم يأت فى كلامهم مكسر على هذا الوزن غيرهما ، وإنما جاء فى سرحان (1)وضبعان (2)سراح وضباع تشبيها بغرثان وغراث.
قوله «الصفة» اعلم أن الوصف إذا كان على فعلان بفتح الفاء سواء كان له فعلى ، كسكران وسكرى ، أو لم يكن ، كندمان وندمانة ؛ جاز جمعه وجمع مؤنثه على فعالى ، وكذا فعال ؛ لمشابهة فعلان لفعلاء بالزيادتين والوصف ، وليس شىء من الجمعين مطردا ؛ لا فى فعلان فعلى ولا فى فعلان فعلانة ، وقد يجمع فى فعلان فعلانة بينهما كندامى وندام ، ومع ألف التأنيث لم يجمع بينهما كما ذكرنا ، فقيل بطاح دون بطاحى ، وصحارى دون صحار ، بالكسر.
وإذا كان صفة على فعلان بالضم كعريان وخمصان (3)
أعجب بشرا حور فى عينى
وساعد أبيض كاللّجين
ودونه مسرح طرف العين
خمصانة ترفل فى حجلين
؛ لم تجمع على فعالى ؛ لأن فعلاء بسكون العين لم يجىء مؤنثا حتى يشبه فعلان به ، فقالوا فى خمصان وخمصانة «خماص» تشبيها بغرثان وغراث (4)، وقال بعض العرب1) السرحان : الذئب (انظر ح 1 ص 201)
2) الضبعان - بكسر فسكون - الذكر من الضباع ، والأنثى ضبع - كعضد - وضبعانة - كسرحانة - وضبعة ، وقيل : لا يقال : ضبعة ، وجمع الضبع أضبع وضباع ، وجمع الضبعان ضباعين وضبعانات
3) الخمصان - بضم فسكون - : الضامر البطن ، وهى خمصانة - بالتاء - قال الراجز :
4) الغرثان : الجائع أيسر الجوع ، ويقال : هو الجائع أشد الجوع ، والفعل غرث - كفرح - والانثى غرثى - كسكرى ، وغرثانة - كندمانة انظر (ح 1 ص 144) وانظر (ص 120 من هذا الجزء)
«خمصانون وخمصانات» نظرا إلى أنه لا يستوى مذكره ومؤنثه ، وكذا قالوا «ندمانون وندمانات».
وأما فعلان فعلى فلا يجمع جمع السلامة إلا لضرورة الشعر ، كما قلنا فى أفعل فعلاء ، وقد مضى هذا كله فى شرح الكافية (1).
ولم يجىء فى عريان عراء ، اكتفاء بعراة جمع عار ؛ لأن العريان والعارى بمعنى واحد ، فاكتفى بجمع أحدهما عن جمع الآخر.
وجاء الضم فى جمع بعض فعلان الذى مؤنثه على فعلى خاصة ، وهو فى كسالى وسكارى أرجح من الفتح ، وإنما ضم فى جمع فعلان خاصة لكون تكسيره على أقصى الجموع خلاف الأصل ، وذلك لأنه إنما كسر عليه لمشابهة الألف والنون فيه لألف التأنيث ، فغير أول الجمع غير القياسى عما كان ينبغى أن يكون عليه ، لينبه من أول الأمر على أنه مخالف للقياس ، وأنبع جمع المؤنث جمع المذكر فى ضم الأول وإن لم يكن مخالفا للقياس ، وأوجب الضم فى قدامى الطير : أى قوادم (2)ريشه ، وفى أسارى ، جمع قادمة وأسير ، وإلزام الضم فيهما دلالة على شدة مخالفتهما لما كان ينبغى أن يكسرا عليه ، ولا يجوز الضم فى غير ما ذكرنا ،
1) قد نقلنا لك قريبا (ص 170) عبارته التى تتعلق بهذا عن شرح الكافية
2) ريش جناح الطائر أربعة أنواع : القوادم ، وهي أوائل ريش الجناح مما يلى رأسه ؛ ثم المناكب ، وهى اللاتى تليها إلى أسفل الجناح ؛ ثم الخوافى ، وهي التى بعد المناكب : ثم الأباهر ، وهى التى تلى الخوافى ، والأشهر أن القوادم أربع ريشات فى مقدم الجناح ، ويقال : عشر ريشات ، وواحدة القوادم قادمة ، وقد يقال فى الواحدة : قدامى - مثل حبارى - ويقال قدامى للجمع أيضا فيكون مثل سكارى
وقال بعض النحاة - لما رأى مخالفته لأقصى الجموع بضم الأول - : إنه اسم جمع كرباب وقوم ورهط ونفر ، وليس بجمع ، وقال آخرون : إن نحو عجالى ليس جمع فعلى على توفية حروفه ، وعجالى بالفتح جمعه على توفية حروفه ، فالأول : كقلاص فى قلوص ، والثانى كقلائص ، حذف الزائد فى عجلى فبقى عجل فجمع ، وجعل ألف الجمع فى الوسط وألف التأنيث فى الأخير ، وأما ألف عجالى بالفتح فليست للتأنيث بل منقلبة عن ياء هى ياء منقلبة عن ألف التأنيث كما تقدم ، فالألف فى عجالى بالضم مجلوبة للتأنيث كما فى ضمنى وزمنى (1)جمع ضمن وزمن ، قال السيرافى : هذا أقوى القولين ؛ أقول : وأول الأقوال أرجح عندى
قوله «وقد ضمت أربعة» لم أر أحدا حصر المضموم الأول فى أربعة ، بلى فى المفصّل أن بعض العرب يقول : كسالى ، وسكارى ، [وعجالى] وغيارى ، بالضم ، ولا تصريح فيه أيضا بالحصر ، وقد ذكر فى الكشاف فى قوله تعالى : (ذُرِّيَّةً ضِعافاً) أنه قرىء ضعافى وضعافى كسكارى وسكارى (2)
قال : «وفيعل نحو ميّت على أموات وجياد وأبيناء ، ونحو شرّابون وحسّانون وفسّيقون ومضروبون ومكرمون ومكرمون ، استغنى فيها بالصّحيح ، وجاء عواوير وملاعين [وميامين] ومشائيم ومياسير ومفاطير ومناكير ومطافل ومشادن»
أقول : اعلم أن فيعلا بكسر العين لا يجىء إلا فى المعتل العين كسيّد ، وبفتحها لا يجىء إلا فى الصحيح كصيقل وحبدر ، إلا حرفا واحدا ، قال :
وهذا مذهب سيبويه ، قال : ويختص بعض الأوزان ببعض الأنواع كاختصاص فعلة المضموم فاؤه بجمع الناقص ، كقضاة ، وفعلة بفتح الفاء فى غيره ككفرة وبررة ؛ ومذهب الفراء أن وزن ميّت فعيل ككريم ، والأصل مويت ، أعلت عينه كما أعلت فى الماضى والمضارع ، فقدم وأخر ، ثم قلبت الواو ياء لاجتماعهما وسكون الأول ، وطويل عنده شاذ ، قال : وأما ما ليس مبنيا على فعل معلّ فانه لا يعل بالقلب ، نحو سويق (2)
تكلّفنى سويق الكرم جرم
وما جرم؟ وما ذاك السّويق؟
وعويل (3)وحويل (4)وسيجىء الكلام فيه فى باب الإعلال ؛ وكذا قال الفراء فى قضاة : إنه فى الأصل مضعف العين نحو كفّر ، وأصله قضّى ، فجذف التضعيف وعوض عنه التاء كما مر قبل (5)، واستدل الفراء على كون ميت فى الأصل فعيلا بنحو أهوناء وأبيناء ، فى هين وبين ، والمشهور فى أفعلاء أن يكون جمع فعيل ، وقال سيبويه : إنما جمعا على أفعلاء لمناسبة فيعل لفعيل فى عدد الحروف ، كما حمل فى سادة وجياد على فاعل نحو بررة وصيام ، وفى أموات وأكياس وأقوال جمع قيل (6)لها غلل من رازقىّ وكرسف
بأيمان عجم ينصفون المقاولا
وقال الأعشى :
ثمّ دانت بعد الرّباب وكانت
كعذاب عقوبة الأقوال
مخفف قيّل على فعل كحوض وأحواض ، إذ كثيرا ما1) قد سبق قولنا فى شرح هذا الشاهد فانظره (ح 1 ص 150)
2) السويق : ما يتخذ من الحنطة والشعير ، وهو الخمر أيضا ، قال الشاعر :
3) العويل : البكاء مع رفع الصوت ، وقد أعول الرجل وأعولت المرأة إعوالا ، وعول - بالتضعيف - أيضا
4) الحويل : الشاهد ، وهو الكفيل أيضا.
5) انظر (ص 156 من هذا الجزء)
6) القيل : الملك ، أو هو خاص بملوك حمير ، وهو عندهم خاص بما دون الملك الأعلى ، وأصله قيل - بتشديد الياء كسيد - فخفف بحذف إحدى الياءين ، وأصل اشتقاقه من القول. سمى بذلك لأنه يقول ما يشاء فينفذ ما يقول ، ويجمع على أقوال نظرا إلى أصله ، وعلى أقيال نظرا إلى لفظه ، وعلى مقاول ومقاولة وكأنهم فى هذين جمعوا مقولا لكونه بمعناه. قال لبيد :
يخفف فيعل بحذف العين فيصير كفعل فى الحركة والسكون ، وكذا نحو ميت وسيد ولين وهين ، ومن قال فى جمع قيل أقيال فقد حمله على لفظه ، والأول أكثر.
وأصل فيعل أن يجمع جمع السلامة : فى المذكر بالواو والنون ، وفى المؤنث بالألف والتاء ، وكذا إذا خفف بحذف العين ، نحو الميتون والميتات ، ويجمع المذكر والمؤنث منه على أفعال كأموات فى جمع ميت وميتة ، كما قيل أحياء فى جمع حىّ وحيّة ، وهذا كما يقال : أنقاض فى جمع نقض (1)ونقضة ، وأنضاء فى جمع نضو (2)ونضوة.
وجاء ريّض (3)
فكأنّ ريّضها إذا استقبلتها
كانت معاودة الرّكاب ذلولا
قال : وهو عندى على وجه التفاؤل ، لأنها إنما تسمى بذلك قبل أن تمهر الرياضة» اه
للمذكر والمؤنث سواء ، حملا على فعيل بمعنى مفعول ؛ لأنها فى معنى مروضة.1) النقض : المنقوض من غزل أو بناء أو غيرهما ، والمهزول بسبب السير ناقة أو جملا
2) النضو : حديدة اللجام ، وسهم فسد من كثرة ما رمى به ، والثوب الخلق ، والمهزول من الابل وغيرها
3) الريض - كسيد - : الناقة إذا كانت فى أول عهدها بالرياضة ، وهى صعبة بعد ، وقال فى اللسان : «الريض من الدواب : الذى لم يقبل الرياضة ، ولم يمهر المشية ، ولم يذل لراكبه. قال ابن سيده : والريض من الدواب والابل ضد الذلول ، الذكر والأنثي فى ذلك سواء ، قال الراعى :
قوله «شرّابون وحسّانون» (1)
كأنّا يوم قرّى إنّما
نقتل إيّانا
قياما بينهم كلّ
فتى أبيض حسّانا
وقال الشماح :
دار الفتاة الّتى كنّا نقول لها
يا ظبية عطلا حسّانة الجيد
بضم الفاء وفتحها ، وفسّيقون ، أبنية للمبالغة لا يستوى فيها المذكر والمؤنث ، فيجمع الجميع جمع الصحة : المذكر بالواو والنون. والمؤنث بالألف والتاء ، وإنما دخلتها الهاء لمشابهتها مفعّلا : لفظا بالتضعيف ، ومعنى بالمبالغة ، فهذه الأوزان الثلاثة لا تكسر ، وإنما قالوا فى عوّار (2)غير ميل ولا عواوير فى الهي
جا ولا عزّل ولا أكفال
قال سيبويه : لم يكتف فيه بالواو والنون لأنهم قلما يصفون به المؤنث ، فصار كمفعال ومفعيل ، ولم يصر كفعال (كشداد) ، وقال الجوهرى : العوار : الجبان ، وجمعه العواوير ، وإن شئت قلت : العواور ، فى الشعر ؛ قال لبيد يخاطب عمه ويعاتبه :
وفى كلّ يوم ذى حفاظ بلوتنى
فقمت مقاما لم تقمه العواور
وهو الجبان : عواوير ، لجريه مجرى الأسماء ؛ لأنهم لا يقولون للمرأة : عوّارة ؛ لأن الشجاعة والجبن فى الأغلب مما يوصف به الرجال الذين يحضرون فى القتال ، فشبهوا عوّارا1) حسانون : جمع حسان - بضم الحاء وتشديد السين - وهو بمعنى الحسن إلا أنه يدل على الزيادة فى الحسن ، وحسان - بتخفيف السين - أقل منه فى معنى الحسن ، والحسن أقل منهما جميعا ، وتقول للأنثى : حسانة - بتشديد السين - وهذا معنى قول المؤلف «لا يستوى فيها المذكر والمؤنث». وقال ذو الأصبع العدوانى :
2) العوار : الضعيف الجبان ، وجمعه عواوير ، قال الأعشى :
وعواوير بكلّاب (1)وكلاليب ، وكذا فعّل كزمّل (2)
ولا وأبيك ما يغنى غنائى
من الفتيان زمّيل كسول
وجبّإ (3)ما عاب قطّ إلّا لئيم فعل ذى كرم
ولا جفا قطّ إلّا جبّأ بطلا
وقال مفروق بن عمرو الشيبانى :
فما أنا من ريب الزّمان بجبّأ
ولا أنا من سيب الإله بيائس
وفعّيل كزمّيل وسكّيت (4)، مثالا مبالغة تدخلهما التاء للمؤنث ، ولا يجمعان إلا جمع التصحيح بالواو والنون وبالألف والتاء ، وأما بناء المبالغة الذى على مفعال كمهداء (5)ومهذار (6)، أو على مفعيل كمحضير (7)ومعطير (8)، أو على مفعل كمدعس (9)ومطعن ، أو على فعال كصناع (10)وحصان (11)حصان رزان ما تزنّ بريبة
وتصبح غرثى من لحوم الغوافل
وقال الآخر :
وحاصن من حاصنات ملس
من الأذى ومن قراف الوقس
ولا يقال : رجل حصان ، وإنما يقال : رجل محصن ، كما يقال : امرأة محصنة
، أو على1) الكلاب : المهماز ، وهو الحديدة التى على خف الرائض ، ويرادفه كلوب - بفتح الكاف وتشديد اللام -
2) الزمل ، والزميل : الجبان الضعيف الرذل ؛ قال أحيحة بن الجلاح :
3) الجبأ ، ويمد : الجبان ؛ قال الشاعر :
4) السكيت - وتخفف الكاف - : العاشر من الخيل الذي يجىء فى آخر الحلبة من العشر المعدودات (انظر ص 281 ج 1)
5) المهداء : المرأة الكثيرة الاهداء
6) المهذار : الكثير الهذر ، والهذر : الكلام الذى لا يعبأ به
7) المحضير : الكثير الحضر - بضم فسكون - ، والحضر : ارتفاع الفرس فى العدو
8) المعطير : الكثير التعطر
9) المدعس - كمنبر - : الطعان : أى الكثير الطعن ، والمدعس أيضا اسم للآلة التى يدعس بها : أي يطعن
10) الصناع - بفتح الصاد وتخفيف النون - : الصانع الحاذق. يقال : رجل صناع وامرأة صناع ؛ إذا كان كل منهما حاذقا ماهرا (انظر ج 1 ص 197)
11) «الحصان» : تقول : امرأة حصان. وحاصن وحصناء ؛ إذا كانت عفيفة وإذا كانت متزوجة أيضا. قال حسان :
فعال كهجان (1)، أو على فعول كصبور ، فيستوى فى جميعها المذكر والمؤنث ، ولا يجمع شىء منها جمع السلامة ، إلا فى ضرورة الشعر ، وقد ذكرنا تكسير فعال وفعال وفعول صفات ، وأما تكسير مفعال ومفعيل فعلى مفاعيل كمقاليت ومآشير فى مقلات (2)
(ويقال : هو كثير) :
بغاث الطّير أكثرها فراخا
وأمّ الصّقر مقلات نزور
قال فى اللسان : «وامرأة مقلات ، وهى التى ليس لها إلا ولد واحد ، وأنشد :
وجدى بها وجد مقلات بواحدها
وليس يقوى محبّ فوق ما أجد
وأقلتت المرأة ، إذا هلك ولدها» اه
ومئشير (3)، وجمع مفعل مفاعل كمداعس فى جمع مدعس ، وأما قولهم : مسكينون ومسكينات ؛ فلقولهم : مسكين ومسكينة ، تشبيها بفقير وفقيرة.قوله «مضروبون ومكرمون ومكرمون» أى : كل ما جرى على الفعل من اسمى الفاعل والمفعول وأوله ميم فبابه التصحيح لمشابهة الفعل لفظا ومعنى ، وجاء
فى اسم المفعول من الثلاثى نحو ملعون ومشئوم وميمون ملاعين ومشائيم (1)
مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة
ولا ناعب إلّا ببين غرابها
وميامين (2)ولقد غدوت وكنت لا
أغدو على واق وحاتم
فإذا الأشائم كالأيا
من والأيامن كالأشائم
، تشبيها ، بمغرود (3)وملمول (4)، وكذا قالوا فى مكسور : مكاسير ، وفى مسلوخة : مساليخ ، وقالوا أيضا فى مفعل المذكر كموسر ومفطر ، وفى مفعل كمنكر : مياسير (5)استقدر الله خيرا وارضينّ به
فبينما العسر إذ دارت مياسير
ومفاطير ومناكير ، وإنما أوجبوا الياء فيهما مع1) المشائيم : جمع مشئوم ، وهو ضد الميمون ، قال الشاعر :
2) الميامين : جمع ميمون ، وهو صفة من اليمن وهو البركة ، تقول : رجل أيمن وميمون ويامن ويمين ، وقالوا : يمن الرجل - على بناء المجهول - فهو ميمون ، ويمن الرجل - بفتح الميم - قومه فهو يامن ، إذا صار مباركا عليهم ، وجمعوا الأيمن على أيامن ، قال خزر - كعمر - بن لوذان - كعدنان - :
3) المغرود : ضرب من الكمأة (انظر ح 1 ص 187)
4) الملمول : المكحال ، والحديدة التى يكتب بها فى ألواح الدفتر
5) جعل المؤلف المياسير جمع موسر الذى هو اسم فاعل من أيسر ، وأصل الموسر ميسر فقلبت الياء واوا لسكونها إثر ضمة فلما أريد الجمع رجعت الياء إلى أصلها لزوال مقتضى قلبها واوا ، وهذه الياء التى قبل الطرف مزيدة للاشباع كما قالوا فى طوابيق وخواتيم - على رأى - (انظر ص 151 ، 152 من هذا الجزء) وكلمة مياسير نحتمل غير ما ذكره وجهين : الأول أن تكون جمع ميسور وهو اسم مفعول جاء على غير فعله إن كان من يسره بالتضعيف ، وعلى فعله ان كان من قولهم يسر فلان فرسه فهو ميسور ، إذ اسمنه ؛ الثانى : أن يكون جمع ميسور مصدرا بمعنى اليسر عند غير سيبويه (انظر ح 1 ص 174) وجمع المصدر جائز إذا أريد به الأنواع وقد جاء فى هذه الكلمة بعينها ، قال الشاعر :
ضعفها فى نحو معاليم جمع معلم ليتبين أن تكسيرهما خلاف الأصل ، والقياس التصحيح ، والأغلب فى المفعل المختص بالمؤنث التجرد عن التاء ، فلا يصحح ، بل يجمع على مفاعل كالمطافل والمشادن (1)والمراضع ؛ لما مر فى شرح الكافية فى باب المذكر والمؤنث ، وقد يجىء هذا الباب بالتاء أيضا ، نحو ناقة متل ومتلية للتى يتلوها ولدها ، وكلبة مجر ومجرية للتى لها جرو ، وإنما أثبتوا الهاء فى الناقص خوف الإجحاف بحذف علم التأنيث ولام الكلمة فى المنون ، وجوزوا فى جمع هذا المؤنث زيادة الياء أيضا ليكون كالعوض من الهاء المقدرة فتقول : مطافيل ، ومراضيع ، ومشادين ، ويجوز تركه ، قال تعالى : (وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ) وقال : -
65 - * حى النّحل فى ألبان عوذ مطافل* (2)
الجنى : أصله الثمر المجتنى ، واستعاره هنا للعسل. والعوذ : جمع عائذ وهى الحديثة النتاج من الأبل والظباء. والمطافل : جمع مطفل وهي التى معها طفلها ويقال فيه : مطافيل أيضا كما قال المؤلف. ومعنى البيت إن حلاوة حديثك لو تفضلت به هى حلاوة العسل مشوبا بألبان الابل الحديثة العهد بالنتاج والتى خلفها طفلها ، والاستشهاد بالبيت على أنهم جوزوا فى جمع مفعل إذا كان وصفا لمؤنث حذف الياء كما في البيت وزيادتها كما فى قول أبى ذؤيب أيضا - وهو من قصيدة الشاهد السابق ويليه فى ترتيبها - :
مطافيل أبكار حديث نتاجها
تشاب بماء مثل ماء المفاصل
قال «والرّباعيّ نحو جعفر وغيره على جعافر قياسا ، ونحو قرطاس على قراطيس ، وما كان على زنته ملحقا أو غير ملحق بغير مدّة أو معها يجرى مجراه نحو كوكب وجدول وعثير وتنضب ومدعس وقرواح
وقرطاط ومصباح ، ونحو جواربة وأشاعثة فى الأعجمىّ والمنسوب»
أقول «قوله جعفر وغيره» أى : غير هذا الوزن من أوزان الرباعى كدرهم وزبرج وبرثن وقمطر وبرقع (1)، على قول الأخفش ، جميعه على فعالل ، سواء كان للقلة أو للكثرة ؛ إذ لا يحذف من حروفه الأصلية شىء حتى يرد بسببه إلى جمع القلة ، وأما ذو التاء من الرباعى فقيل : يكسر فى الكثرة على ما كسر عليه المذكر ، وفى القلة يجمع جمع السلامة بالألف والتاء ، نحو جماجم وجمجمات فى جمجمة ، وكذا ما هو على عدد حروفه من ذى زيادة الثلاثى غير المذكور قبل ، كمكرمة ومكرمات ومكارم وأنملة وأنملات وأنامل
قوله «ونحو قرطاس على قراطيس» أى : كل رباعى قبل آخره حرف مد كعصفور وقرطاس وقنديل ، فإنك تجمعه على فعاليل
قوله «وما كان على زنته» أى : زنة الرباعى ، أعنى عدد حروفه ، سواء كان مثله فى الحركات المعينة والسكنات كجدول وكوثر ، أو لا كتنضب (2)
كأنّ الدّخان الّذى غادرت
ضحيّا دواخن من تنضب
، وهذا القول منه تجوّز ؛ لأنه يعتبر فى الوزن الحركات المعينة والسكنات ، فلا يقال : تنضب على زنة حعفر نظرا إلى مطلق الحركات إلا على مجاز بعيد ، وكذا يعتبر فى الزنة زيادة الحروف وأصالتها ، كما مر فى صدر الكتاب (3)، لكن يتجوز تجوزا قريبا فى الملحق فيقال : إنه على زنة الملحق به ؛ فيقالجدول وكوثر على زنة جعفر ، ولا يقال إن حمارا على زنة قمطر ، لما لم يكن ملحقا به
قوله «ملحقا» يعنى نحو كوثر وحدول وعثير (1)
قوله «أو غير ملحق» يعنى نحو تنضب ومدعس
قوله «بغير مدة» من تمام قوله : أو غير ملحق ؛ لأن المدة عندهم لا تكون للالحاق كما مر فى موضعه : أى لا يكون ملحقا بالرباعى ، لكن يساويه فى عدد الحروف ، بشرط أن لا تكون المساواة بسبب زيادة المدة ، احترازا عن مثل فاعل وفعال وفعول وفعيل ، فان هذه تساوى الرباعى بسبب زيادة المدة ، وليست للالحاق ، وإنما احترز عن مثل هذه الأمثلة لأن تكسيرها قد لا يكون كتكسير الرباعى ، بل لها جموع معينة كما مر
قوله «وقرواح (2)وقرطاط (3)ومصباح» يعنى هذه الأمثلة تكسيرها كتكسير الرباعى الذى قبل آخره مدة ، نحو قرطاس ، وإن لم تكن رباعية ، وكذا غير ما ذكره المصنف من الثلاثى المزيد فيه حرفان أحدهما حرف لين رابعة مدة كانت نحو كلّوب وكلّاب (4)وإصباح وإجفيل (5)وأملود (6)،
1) العثير : الغبار ، وقيل : هو كل ما قلبت من تراب أو مدر أو طين بأطراف أصابع رجليك ، إذا مشيت لا يرى من القدم أثر غيره
2) القرواح - بكسر أوله وسكون ثانيه - : الناقة الطويلة القوائم ، والجمل يعاف الشرب مع الكبار فاذا جاءت الصغار شرب معها ، والنخلة الطويلة الملساء ، والبارز الذى لا يستره من السماء شيء
3) القرطاط - بضم أوله وكسره مع سكون ثانيه فيهما - : الداهية ، وما يوضع تحت رحل البعير (انظر ح 1 ص 17)
4) قد مضى قريبا شرح الكلوب والكلاب فانظره فى (ص 179 من هذا الجزء)
5) الاجفيل - بكسر فسكون - : الظليم ينفر من كل شىء ، وهو أيضا الجبان. والقوس البعيدة السهم ، والمرأة المستة
6) الأملود - بضم فسكون - : الناعم اللين من الناس ومن الغصون
أو غير مدة كسنّور (1)وسكّيت ، وعلى ما قاله سيبويه فى تصغير مسرول (2)مسيريل ينبغى أن يكسر إذا كسر على مساريل ، وكذا فى كنهور كناهير (3)كما يقال فى تصغيره : كنيهير ، ولو قال «ونحو قرواح وقرطاط ومصباح كقرطاس» لكان أوضح ، لكنه أراد وما كان على زنة الرباعى بلا مدة رابعة كجعفر أو معها كقرطاس يجرى مجراه ، ثم مثل من قوله نحو كوكب إلى قوله مدعس بما يوازن الرباعى بلا مدة رابعة ، ومن قوله قرواح إلى مصباح بما يوازن الرباعى مع مدة رابعة
قوله «ونحو جواربة (4)وأشاعثة (5)فى الأعجمى والمنسوب» اعلم أن كل جمع أقصى واحده معرّب كجورب (6)أو منسوب كأشعثى(7)فانهم يلحقونه الهاء ؛ أما الأول فعلى الأغلب ، وأما الثانى فوجوبا ، وذلك نحو موازجة (8)
1) السنور : حيوان ، وهو الهر
2) (انظر ح 1 ص 250 ه 3)
3) الكنهور - كسفرجل - : الضخم من الرجال ، والمتراكم من السحاب
4) الجورب : معرب. قال ابن إياز : معرب «كوربا» وترجمته الحرفية قبر الرجل (القدم) ، وجمعه جوارب وجواربة (انظر شفاء الغليل ص 68 طبعة الوهبية)
5) الأشاعثة : جمع أشعثى ، والأشعثى المنسوب إلى أشعث ، والأشاعثة قوم من الخوارج منسوبون إلى الأشعث بن قيس الكندى ، وابنته جعدة بنت الأشعث هى التى سمت الحسن بن على رضى الله تعالى عنه ، وكانت زوجه فحرضها معاوية على ذلك.
6) الجورب : معرب. قال ابن إياز : معرب «كوربا» وترجمته الحرفية قبر الرجل (القدم) ، وجمعه جوارب وجواربة (انظر شفاء الغليل ص 68 طبعة الوهبية)
7) الأشاعثة : جمع أشعثى ، والأشعثى المنسوب إلى أشعث ، والأشاعثة قوم من الخوارج منسوبون إلى الأشعث بن قيس الكندى ، وابنته جعدة بنت الأشعث هى التى سمت الحسن بن على رضى الله تعالى عنه ، وكانت زوجه فحرضها معاوية على ذلك.
8) الموازجة : جمع موزج - ككوثر - وهو الخف ، فارسى معرب ، والجمع موازج ، وموازجة ألحقوا الهاء للعجمة. قال ابن سيده : وهكذا وجد أكثر هذا الضرب الأعجمى مكسرا بالهاء فيما زعم سيبويه ، وأصل الموزج بالفارسية «موزه»
وصوالجة (1)وطيالسة (2)وجواربة فى المعرب ، وقد جاء كيالج (3)وجوارب تشبيها بالجمع العربى كالمساجد ، ونحو أشاعثة ومهالبة (4)ومشاهدة (5)فى المنسوب ، واحدها أشعثىّ ومهلّبى ومشهدى ، وقد اجتمع العجمة والنسبة فى برابرة جمع بربرىّ ، وسيابجة جمع سيبجىّ ، على وزن ديلمىّ ، وهم قوم من الهند يبذرقون المراكب (6)
وطماطيم من سبابيج خزر
يلبسونى مع الصّباح القيودا» اه
وتبعه فى اللسان قال : «والسبابجة قوم ذو وجلد من السند والهند يكونون مع رئيس السفينة البحرية يبذرقونها ، واحدهم سبيجى (بياء النسب) ، ودخلت الهاء للعجمة والنسب كما قالوا : البرابرة ، وربما قالوا : السابج ، قال هميان :
لو لقى الفيل بأرض سابجا
لدقّ منه العنق والدّوارجا
وإنما أراد هميان سابجا (بفتح الباء) فكسر لتسوية الدخيل ، لأن دخيل هذه القصيدة كلها مكسور. قال ابن السكيت : السبابجة قوم من السند يستأجرون ليقاتلوا فيكونون كالمبذرقة ، فظن هميان أن كل شىء من ناحية السند سبيج فجعل نفسه سبيجا» اه
ونحن ننقل لك عبارة سيبويه فى هذا الموضوع ؛ فان جميع ألفاظ هذا الفصل قد أخذها المؤلف عنه ، قال (ح 2 ص 201): «هذا باب ما كان من الأعجمية على أربعة أحرف وقد أعرب فكسرته على مثال مفاعل .. زعم الخليل أنهم يلحقون جمعه الهاء إلا قليلا ، وكذلك وجدوا أكثره فيما زعم الخليل ، وذلك موزج وموازجة ، وصولج وصوالجة ، وكربج وكرابجة ، وطيلسان وطيالسة ، وجورب وجواربة ، وقد قالوا : جوارب ، جعلوها كالصوامع والكواكب ، وقد أدخلوا الهاء أيضا فقالوا : كيالجة ، ونظيره فى العربية صيقل وصياقلة ، وصيرف وصيارفة ، وقشعم وقشاعمة ، فقد جاء إذا أعرب كملك وملائكة ، وقالوا :
أناسية لجمع إنسان. وكذلك إذا كسرت الاسم وأنت تريد آل فلان أو جماعة الحى أو بنى فلان ، وذلك قولك : المسامعة والمناذرة والمهالبة والأحامرة والأزارقة ، وقالوا : الدياسم وهو ولد الذئب ، والمعاول ، كما قالوا : جوارب ، شبهوه بالكواكب حين أعرب ، وجعلوا الدياسم بمنزلة الغيالم والواحد غيلم ، ومثل ذلك الأشاعر ، وقالوا البرابرة والسيابجة فاجتمع فيها الأعجمية وأنها من الاضافة إنما يعنى البربريين والسيبجيين كما أردت بالمسامعة المسمعيين ، فأهل الارض كالحي» اه
فى البحر ، وقد يقال «سابج» بألف كخاتم ،1) الصوالجة : جمع واحده صولج وصولجان وصولجانة ، وهو العود المعوج ، فارسى معرب ، قال الأزهرى فى التهذيب : الصولجان : عصا يعطف طرفها يضرب بها الكرة على الدواب ، فأما العصا التى اعوج طرفاها خلقة فى شجرتها فهى محجن ،
2) الطيالسة : جمع طيلسان - بفتح اللام وضمها - وطيلس أيضا - كزينب - وهو ضرب من الأكسية أسود ، فارسى معرب ، وجاء فى جمعه طيالس أيضا
3) قال فى اللسان : «قال ابن الأعرابى : الكيلجة : مكيال ، والجمع كيالج وكيالجة أيضا ، والهاء للعجمة» اه ، وقال فى الشفاء (ص 193 طبعة الوهبية): «كيلجة ، وكيلقة ، وكيلكة ، وجمعه كيالج وكيالجة» اه
4) المهالبة : جمع مهلبى - بتشديد اللام مفتوحة - وهو المنسوب إلى المهلب ، والمهالبة فرقة نسبت إلى المهلب ابن أبي صفرة
5) المشاهدة : جمع مشهدى ، وهو المنسوب إلى المشهد ، وهو مفعل من الشهود : أى الحضور ، فمعناه محضر الناس. ومشاهد مكة : المواطن التى يحضرها الناس
6) يبذرقون المراكب : أى يخفرونها ؛ وصنيع الشارح يقتضى أن السيابجة بياء مثناة تحتية ، وهو الموجود فى شفاء الغليل (ص 120 الطبعة الوهبية) وفى سيبويه (ج 2 ص 101) وصنيع الصحاح يقتضى أنها سبابجة - بباء موحدة - قال فى (س ب ج): «والسبابجة قوم من السند كانوا بالبصرة جلاوزة وحراس السجن ، والهاء للعجمة والنسب ، قال يزيد بن مفرغ الحميري :
والتاء عند سيبويه فى جمع المنسوب عوض من ياء النسبة المحذوفة فى الجمع حذفا لازما ، وإنما حذفت فيه لكون أقصى الجموع ثقيلا لفظا ومعنى فلا يركب إذا
ركب وجعل مع شىء كاسم واحد ، إلا مع ما هو خفيف ، والتاء أخف من الياء المشددة وبينهما مناسبة كما مر فى أول باب النسبة ، فلذا اختيرت للعوض ، وأما جمع الأعجمى فليست التاء عوضا من شىء ، فلذا لم تلزم كما لزمت فى جمع المنسوب ، بل هى فيه دليل على كون واحده معربا ، وقد يبدل التاء فى أقصى الجموع من ياء غير ياء النسبة ، نحو جحا جحة فى (1)
جمع جحجاح ، والهاء فيه لتأكيد الجمع ، وجحجحت المرأة : جاءت بجحجاح ، وجحجح الرجل : ذكر جحجاحا من قومه. قال :
وجمع الجحجاح جحاجح ، وقال الشاعر :
ماذا ببدر فالعقنقل
من مرازبة جحاجح
وإن شئت جحاجحة ، وإن شئت جحاجيح ، والهاء عوض من الياء المحذوفة ، لا بد منها أو من الياء ، ولا يجتمعان» اه بتصرف
جحجاح ، والأصل جحاجيح ، والتاء فى زنادقة (2)1) الجحجاح : السيد السمح ، وقيل : الكريم ، ويقال فيه : جحجح أيضا ، وجمع الأول جحاجحة وجحاجيح أيضا ، وجمع الثانى جحاجح لا غير ، وقد يجمع الجحجاح على الجحاجح كما جمع المفتاح على المفاتح ، وكما قالوا : طوابق فى جمع طاباق ؛ قال فى اللسان : «والجحجح السيد السمح ... وفى حديث سيف بن ذى يزن
2) الزنادقة : جمع زنديق ، وهو من لا يؤمن بالآخرة وبالربوبية ، أو من يبطن الكفر ويظهر الايمان ، قال فى شفاء الغليل (ص 112): «الزنديق ليس من كلام العرب ، إنما تقول العرب : رجل زندق وزندقي : أى شديد البخل ، وإذا أرادوا ما تقول له العامة : ملحد ؛ قالوا. دهرى (بفتح الدال نسبة إلى الدهر ، وكأنهم نسبوا إليه لقولهم : وما يهلكنا إلا الدهر) ، وإذ أرادوا المسن قالوا : دهرى - بالضم - للفرق بينهما ، والهاء فى زنادقة وفرازنة عوض عن الياء عند سيبويه ، وقال أبو حاتم : هو فارسى معرب «زنده كرد» : أى عمل الحياة ؛ لأنه يقول ببقاء الدهر ودوامه ، وقال الرياشى : هو مأخوذ من قولهم : رجل زندقى : أى نظارفى الأمور ، وقال غيره : معرب «زند» : أى الحياة ، وقيل : هو معرب «زندي» : أى متدين بكتاب يقال له : زند ، ادعى المجوس أنه كتاب زرادشت ، ثم استعمل فى العرف لمبطن الكفر ، وهم أصحاب مزدك الذى ظهر فى أيام قباذ بن فيروز ، وقال الجوهرى : الزنادقة الثنوية ، وتزندق الرجل ، والاسم الزندقة. وفى القاموس : هو معزب «زن دين» وقيل : هو وهم ، والصواب معرب «زنده». وفى المغرب : هو من لا يؤمن بالوحدانية والآخرة ، وعن ثعلب : هو والملحد : الدهرى ، وعن ابن دريد هو القائل بدوام الدهر معرب «زنده» كتاب لمزدك. اه ؛ وقال المسعودى فى مروج الذهب : «وفى أيام مانى ظهر اسم الزندقة الذى أضيف إليه الزنادقة ، وذلك أن الفرس حين أتاهم زرادشت بكتابهم المعروف ب (النسناه) باللغة الأولى من الفارسية ، وعمل له التفسير وهو الزند ، وعمل لهذا التفسير شرحا سماه البازند ، وكان الزند بالتأويل غير المقدم المنزل ، وكان من أورد فى شريعتهم شيئا بخلاف المنزل الذى هو النسناه وعدل إلى التأويل الذى هو الزند قالوا : هذا زندى ، فأضافوه إلى التأويل وأنه منحرف عن الظواهر من المنزل إلى تأويل هو بخلاف التنزيل ، فلما أن جاءت العرب أخذت هذا المعني من الفرس وقالوا : زنديق ، وعربوه ، والثنوية هم الزنادقة ، ولحق بهؤلاء سائر من اعتقد القدم وأبى حدوث العالم» اه (انظر ح 1 ص 212 طبعة دار الرجاء)
وفرازنة (1)يجوز أن يكون بدلا من الياء ، إذ يقال : زناديق ، وفرازين ،
1) قال فى اللسان : «الفرزان : من لعب الشطرنج ؛ أعجمى معرب ، وجمعه فرازين» اه. وقال في القاموس : «فرزان الشطرنج معرب فرزين ، والجمع فرازين» اه وليس فى اللسان ولا فى القاموس أن الفرزان يجمع على الفرازنة إلا أن القياس لا يأباه كما يعلم مما أثبتناه عن اللسان فى جمع جحجاح (انظر ص 188 من هذا الجزء)
وزنادقة ، وفرازنة ، وأن تكون دليل العجمة.
وقد تكون التاء فى أقصى الجموع لتأكيد الجمعية ، نحو ملائكة وصياقلة (1)وقشاعمة (2)، كما تكون فى غيره من الجموع نحو حجارة وعمومة ، والتاء فى «أناسية» ، قيل : عوض من إحدى (3)ياءى أناسىّ ، قال تعالى : (وَأَناسِيَّ كَثِيراً) وقيل : لتأكيد الجمعية كما فى ملائكة ، على أنه جمع إنسان وأصله إنسيان ، فحذفت الألف والنون فى الجمع ، كما يقال فى زعفران : زعافر ، وقيل فى جمع المنسوب نحو أشاعثة : إن التاء ليست عوضا من الياء ، إذ ليست فى واحده الياء ؛ بل التاء فى الجمع دليل على أنك سميت كل واحد من المنسوب باسم المنسوب إليه ، فهو جمع أشعث على تسمية كل واحد من الحى باسم الأب [الأكبر] كما قيل فى إلياسين (4)
1) الصياقلة : جمع صيقل ، وهو الذى يشحذ السيوف ويجلوها. فيعل. من الصقل.
2) القشاعمة : جمع قشعم كجعفر ، وهو المسن من الرجال والنسور ، وهو الضخم أيضا ، والأسد. وأم قشعم : الحرب ، والداهية ، والضبع ، والعنكبوت ، وقرية النمل
3) قال أبو سعيد السيرافى : «فى هذا الجمع وجهان : أحدهما أن تكون الهاء عوضا من إحدى ياءى أناسى ، وتكون الياء الأولى منقلبة من الألف التى بعد السين ، والثانية من النون ، والثانى : أن تحذف الألف والنون فى إنسان تقديرا ويؤتى بالياء التى تكون فى تصغيره إذا قالوا : أنيسيان ، فكأنهم ردوا فى الجمع الياء التى يردونها فى التصغير فيصير أناسى ، ويدخلون الهاء لتحقيق التأنيث. وقال المبرد : أناسية جمع إنسى ، والهاء عوض من الياء المحذوفة ، لأنه كان يجب أناسى» اه
4) قال العلامة البيضاوى فى تفسير سورة الصافات : «إل ياسين لغة فى إلياس كسيناء وسينين. وقيل : جمع له مراد به هو وأتباعه كالمهلبين ، لكن فيه أن العلم إذا جمع يجب تعريفه باللام ، أو للمنسوب إليه بحذف ياء النسب كالأعجمين ، وهو قليل ملبس. وقرأ نافع وابن عامر ويعقوب على إضافة «آل» إلى «ياسين» لأنهما فى المصحف مفصولان فيكون ياسين أبا إلياس» اه. وقال الشهاب : قوله «كسيناء وسينين» وجه الشبه بينهما أن الأول علم غير عربى تلاعبوا به فجعلوه بصيغة الجمع ، أو أن زيادة الياء والنون في السريانية لمعنى كما فى الكشاف لا فى الوزن ، وإلا لكان حقه أن يقول : كميكال : وميكائيل ، واختار هذه اللغة على هذا رعاية للفاصلة. قوله «وقيل : جمع له» على طريق التغليب باطلاقه عليه وعلى أتباعه وقومه ، كما يقال : المهالبة ، لمهلب وقومه ، وضعفه بما ذكره النحاة من أن العلم إذا جمع أو ثنى وجب تعريفه بالألف واللام جبرا لما فاته من العلمية ولا فرق فيه بين التغليب وغيره كما صرح به ابن الحاجب فى شرح المفصل ، فالاعتراض بأن النحاة إنما ذكروه فيما إذا قصد به مسماه أصالة - وهذا ليس منه - وهم ، وإنما يرد هذا على من لم يجعل لام الياس للتعريف ، لكن هذا غير متفق عليه. قال ابن يعيش فى شرح المفصل : يجوز استعماله نكرة بعد التثنية والجمع ووصفه بالنكرة نحو زيدان كريمان وزيدون كريمون ، وهو مختار عبد القاهر. قوله «أو للمنسوب» معطوف على قوله : له : أى قيل : إنه جمع إلياسى فخفف بحذف ياء النسب لاجتماع الياءات فى الجر والنصب كما قيل أعجمين في أعجميين ... وضعفه بقلته والتباسه بالياس إذا جمع ؛ وإن قيل : حذف لام إلياس مزيل للالباس لما مر» اه
والأشعرون (1): إن الاسم المنسوب إليه أطلق على كل واحد من الجماعة المنسوبة ،
1) الأشعرون : جمع مذكر سالم مفرده أشعرى ، وهو المنسوب إلى الأشعر ، وهو أبو قبيلة باليمن منهم أبو موسى الأشعرى ، قال فى القاموس «ويقولون : جاءتك الأشعرون بحذف ياء النسب» اه ونقول : إنما وجب أن يكون الأشعرون جمع الأشعرى لا الأشعر - بغير ياء - لأن الأشعر وصف بمعنى كثير الشعر ومؤنثه شعراء ، وقد علمنا فيما مضى قريبا أن أفعل فعلاء لا يجمع جمع المذكر السالم على ما هو مذهب البصريين والفراء من الكوفيين. فان جاز جمع هذا الوصف كما هو مذهب بقية الكوفيين صح أن يكون الأشعرون جمع الأشعر ، ومثل ذلك الأعجمون فى قوله تعالى (وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ)
وفى هذا الوجه ضعف ؛ لأنه لا يطرد ذلك فى المنسوب إلى المكان ، نحو المشاهدة والبغاددة (1)، إذ الشخص لا يسمى باسم بلده كما يسمى باسم أبيه ، مع قلة ذلك أيضا
واعلم أنك تحذف من الثلاثى المزيد فيه نحو منطلق ومستخرج ومفعنسس وقلنسوة (2)وحبنطى واستخراج وغير ذلك ، ومن الرباعى المزيد فيه نحو مدحرج ومحرنجم واحرنجام ؛ ما حذفت فى التصغير سواء : بأن تخلى الفضلى من الزوائد وتحذف غيرها مما يخلّ وجوده ببناء مفاعل ومفاعيل ، وإن لم يكن لإحداها الفضل كنت مخيّرا كما فى أرطى (3)وحبنطى ، كما فعلت فى التصغير سواء ، ولك بعد الحذف زيادة الياء رابعة عوضا من المحذوف كما مر فى التصغير.
قال «وتكسير الخماسىّ مستكره كتصغيره بحذف خامسه».
أقول : إنما استكره تصغير الخماسى وتكسيره لأنك تحتاج فيهما إلى حذف حرف أصلى منه ؛ ولا شك فى كراهته ، فلا تصغره العرب ولا تكسره فى سعة
1) البغاددة : جمع بغدادى ، وهو المنسوب إلى بغداد
2) أنظر فى شرح «مفعنسس» (ح 1 ص 54) وانظر فى «قلنسوة» (ح 1 ص 68) وأنظر فى «حبنطى» (ح 1 ص 54 ، 255)
3) أخطأ المؤلف فى جعل «أرطى» من هذا النوع ، فليس هو ذا زيادتين ولكنه ذو زيادة واحدة ، غاية ما فى الباب أنه اختلف فى المزيد فيه : أهو الهمزة أوله فيكون على أفعل ، أم الألف التى فى آخره فيكون على فعلى ، كما سيأتى قريبا فى باب ذى الزيادة ، وانظر (ح 1 ص 57) تجد المؤلف نفسه قد ذكره في الثلاثي الذى زيد عليه حرف واحد لالحاقه بالرباعي
كلامهم ، لكن إذا سئلوا : كيف قياس كلامكم لو صغرتموه أو كسرتموه؟ قالوا : كذا وكذا ؛ ولك زيادة ياء العوض كما فى التصغير.
قال «ونحو تمر وحنظل وبطّيخ ممّا يتميّز واحده بالتّاء ليس بجمع على الأصحّ ، وهو غالب فى غير المصنوع ، ونحو سفين ولبن وقلنس ليس بقياس ، وكمأة وكم وجبأة وجبء عكس تمرة وتمر».
أقول : اعلم أن الاسم الذى يقع على القليل والكثير بلفظ المفرد فإذا قصد التنصيص على المفرد جىء فيه بالتاء ؛ يسمى باسم الجنس ، وقد ذكرنا فى شرح الكافية حاله (1)
ثم قال فى بيان اسم الجنس والفرق بينه وبين الجمع واسم الجمع ما نصه : «ويخرج عن الجمع أيضا اسم الجنس : أى الذى يكون الفرق بينه وبين مفرده : إما بالتاء نحو تمرة وتمر ، أو بالياء نحو رومى وروم ، وذلك لأنها لا تدل على آحاد ، إذ اللفظ لم يوضع للآحاد ، بل وضع لما فيه الماهية المعينة سواء كان واحدا أو مثنى أو جمعا ، ولو سلمنا الدلالة عليها فانه لا يدل عليها بتغيير حروف مفرده فان قيل : أليس آحاده أخذت وغيرت حروفها بحذف التاء أو الياء؟ قلت : ليس ذو التاء ولا ذو الياء مفردين لاسم الجنس للأوجه الثلاثة المذكورة فى اسم الجمع ، ونزيد عليه أن اسم الجنس يقع على القليل. والكثير ، فيقع التمر على التمرة والتمرتين والتمرات ؛ وكذا الروم ، فان أكلت تمرة أو تمرتين وعاملت روميا أو روميين جاز لك أن تقول : أكلت التمر وعاملت الروم ، ولو كانا جمعين لم يجز ذلك كما لا يقع رجال على رجل ولا رجلين ، بلى قد يكون بعض أسماء الأجناس مما اشتهر فى معني الجمع فلا يطلق على الواحد والاثنين وذلك بحسب الاستعمال لا بالوضع كلفظ الكلم ؛ وعند الاخفش جميع أسماء الجموع التى لها آحاد من تركيبها كجامل وباقر وركب جمع خلافا لسيبويه ، وعند الفراء كل ما له واحد من تركيبه سواء كان اسم جمع كباقر وركب أو اسم جنس كتمر وروم فهو جمع ، وإلا فلا ؛ وأما اسم الجمع واسم الجنس اللذان ليس لهما واحد من لفظهما فليسا بجمع اتفاقا نحو إبل وتراب ، وإنما لم يجىء لمثل تراب وخل مفرد بالتاء إذ ليس له فرد متميز عن غيره كالتفاح والتمر والجوز
والفرق بين اسم الجمع واسم الجنس - مع اشتراكهما فى أنهما ليسا على أوزان جموع التكسير لا الخاصة بالجمع كأفعلة وأفعال ولا المشهورة فيه كفعلة نحو نسوة - أن اسم الجمع لا يقع على الواحد والاثنين بخلاف اسم الجنس ؛ وأن الفرق بين واحد اسم الجنس وبينه فيما له واحد متميز : إما بالياء وإما بالتاء ، بخلاف اسم الجمع» اه
والحاصل أن الجمع يكون البتة دالا على الجماعة ، ويكون البتة على صيغة من صيغ الجموع المعروفة فى باب الجمع ، ويكون البتة مغايرا فى اللفظ أو التقدير لمفرده ، ويكون له مفرد من لفظه غالبا ، وأما اسم الجمع فهو البتة دال على الجماعة ولا يجوز استعماله فى الواحد ولا فى الاثنين ، وليس له واحد من لفظه غالبا ، بل له واحد من معناه ، فان كان له واحد من لفظه فرق بين الواحد وبينه بغير الياء والتاء ، وهو البتة لا يكون على وزن من أوزان الجموع المعروفة ، وأما اسم الجنس الجمعى فانه ليس مختصا بالدلالة على الجماعة من حيث الوضع بل هو من حيث ذلك صالح للواحد والاثنين والأكثر ؛ لأن وضعه لما توجد فيه الماهية كما قال المؤلف ، فلا يحتاج إلى الفرق بينه وبين الجمع ولا اسم الجمع من حيث الوضع ؛ لأن معناهما مختلف ، فان عرض بسبب الاستعمال تخصيصه بالدلالة على الجماعة كان الفرق بينه وبين الجمع من ثلاثة أوجه : الأول أن اسم الجنس ليس على وزن من أوزان الجموع غالبا ، والثانى أنه يفرق بينه وبين واحده بالتاء أو الياء لا غير بخلاف الجمع ؛ والثالث أن اسم الجنس مذكر والجمع مؤنث ، والفرق بين اسم الجمع واسم الجنس الجمعى من وجهين : الأول أن اسم الجنس لا بد أن يكون له واحد من لفظه بخلاف اسم الجمع فقد يكون له واحد من لفظه وقد لا يكون ؛ والثانى أن الفرق بين اسم الجنس وواحده لا يكون إلا بالياء أو التاء بخلاف اسم الجمع
ومن اسم الجنس نوع يسمى اسم الجنس الافرادى ، وهذا لا يعرض له بالاستعمال التخصيص بالكثير فلا يحتاج الى الفرق بينه وبين الجمع واسمه
بقي أنه قد يقال : إن من الجموع مالا واحد له من لفظه كعباديد وشماطيط وعبابيد فما الفرق بين هذا النوع من الجموع وبين أسماء الجموع التى ليس لها آحاد من لفظها؟ والجواب حينئذ أن هذه الجموع التى ذكرت وما أشبهها لا بأن تكون على وزن من أوزان الجموع المعروفة ، أما اسم الجمع فلا يكون كذلك البتة
.1) صدر المؤلف رحمهالله كلامه في شرح الكافية بذكر وجوه الفرق بين الجمع واسم الجمع ، وتتلخص هذه الفروق فى ثلاثة أوجه : الأول أن الجمع على صيغة خاصة من صيغ معدودة معروفة ، وهذه الصيغة تغاير صيغة المفرد : إما؟؟؟ وإما تقديرا ، فالمغايرة الظاهرة : إما بالحركات كأسد وأسد ونمر ونمر ، وإما بالحروف كرجال وكتب ، والمغايرة المقدرة كهجان وفلك ، ومن المغايرة الظاهرة الجمع السالم مذكرا أو مؤنثا ؛ والثانى أن للجمع واحدا من لفظه وليس لاسم الجمع واحد من لفظه ، بل له واحد من معناه ، فواحد الابل بعير أو ناقة ، وواحد الغنم شاة ؛ والثالث أن الجمع يرد الى واحده فى النسب مطلقا وفى التصغير إن كان جمع كثرة ، وأما اسم الجمع فلا يرد ؛ لأنه إما أن لا يكون له واحد حتى يرد إليه ، وإما أن يكون له واحد لكن لا يصح الرد إليه لأن اسم الجمع لم يكن على صيغة من صيغ الجمع فهو كالمفرد فى اللفظ
وهو عند الكوفيين جمع مكسّر واحده ذو التاء ، وقولهم فاسد من حيث
اللفظ والمعنى : أما اللفظ فلتصغير مثل هذا الاسم على لفظه ، فلو كان جمعا وليس على صيغة جمع القلة لكان يجب رده إلى واحده ، وأيضا لغلبة التذكير على المجرد من التاء فيها ، نحو : تمر طيب ، ونخل منقعر (1)، ولا يجوز رجال فاضل ؛ وأما المعنى فلوقوع المجرد من التاء منه على الواحد والمثنى أيضا ؛ إذ يجوز لك أن تقول : أكلت عنبا أو تفاحا ، مع أنك لم تأكل إلا واحدة أو اثنتين ، بلى قد يجىء شىء منه لا يطلق إلا على الجمع ، وذلك من حيث الاستعمال لا من حيث الوضع ، كالكلم والأكم (2)، وهو قليل.
فنقول : مثل هذا الاسم إذا قصدت إلى جمع قلته جمعته بالألف والتاء ، وإذا قصدت الكثرة جردته من التاء ، فيكون المجرد بمعنى الجمع الكثير ، نحو نملة ونمل ، ونملات.
ثم هذه الأسماء فى الثلاثى : إما فعل كتمر وطلح ونخل ونمل وبهم (1)، وقد يكسر ذو التاء منه على فعال ، نحو بهمة وبهام وطلحة وطلاح ، تشبيها بقصعة وقصاع ، وقد قال بعضهم : صخرة وصخور ، تشبيها بمأنة ومؤون وبدرة وبدور (2)، وكذا الأجوف منه قد يجمع على فعال كخيام (3)ورياض (4)، وكذا الناقص ، نحو صعاء فى جمع صعوة (5)، وليس التكسير فيه ولا فى غيره من هذا الباب بمطرد.
وإما فعلة بكسر الفاء ، وحكمه حكم فعلة بفتحها : فى أن المجرد للكثرة والألف والتاء للقلة ، وقد يكسر ذو التاء منه على فعل كسدرة وسدر ، تشبيها بكسرة وكسر ، وتقول فى الأجوف : تين وتينة وتينات.
وإما فعلة كدخنة (6)ودرّة وبرّة ، وقد يجىء فى ذى تائه فعل كدرر وثوم ، تشبيها بغرف.
1) البهم : أولاد الضأن والمعز والبقر ، واحده بهمة
2) أنظر فى مأنة وبدرة (ص 101 من هذا الجزء)
3) الخيام : جمع خيمة ، وهى كل بيت مستدير ، أو كل بيت يبنى من عيدان الشجر
4) الرياض : جمع روضة ، وهى مستنقع الماء ، والأرض ذات الخضرة ، والبستان الحسن ، وتجمع على روضات ، وريضان أيضا ، وأما روض فهو اسم جنس.
5) الصعوة : عصفور صغير ، وقد جمعت على صعوات وصعاء ، وأما الصعو فاسم الجنس
6) الدخنة : واحدة الدخن وهو حب يكثر زرعه فى المناطق الجارة ويؤكل
وإما فعلة كبقرة وشجرة ، وقد يكسر ذو التاء منه على فعال ، كإكام وثمار وحداث (1)، تشبيها بالرّحبة والرّحاب (2)وعلى أفعل كآكم ، وعلى أفعال كآجام (3)وأشجار ، والتكسير فى ناقصه قليل نادر ، كحصاة وقذاة (4)
قذى بعينك أم بالعين عوّار؟
أم أقفرت إذ خلت من أهلها الدّار؟
وقال فى اللسان : وجمعها قذى وأقذاء وقذى - كدلى ، وكذلك جمعت الحصاة على حصى - كدلى ،
، وقد جاء فى أضاة (5)إضاء ، قال سيبويه : قد جاء ذو التاء فعلة بسكون العين والمجرد بفتحها ، نحو حلقة (6)أقسم بالله نسلم الحلقه
ولا حريقا وأخته الحرقه
وانظر فى تمام ذلك (ص 101 من هذا الجزء)
وفلكة (7)، والجنس حلق وفلك ، قال : خففوا الواحد بتسكين العين لما ألحقوه الزيادة : أى التاء ، كما غيروا نحو نمرىّ1) الحداث : جمع حدثة - بفتحات - وهى الصغيرة الفتية من الناس والدواب
2) الرحاب : جمع رحبة - بفتحات - وهى من الوادى مسيل الماء ، وأصلها المكان المتسع
3) الآجام : جمع أجمة - بفتحات - وهى الشجر الكثير الملتف ، وجمعت على أجم - بضمتين - أيضا ، واسم الجنس أجم - بفتحتين ،
4) القذاة : واحدة الفذى ، وهو ما يقع فى العين وفى الشراب ، قالت الحنساء :
5) الاضاة : الماء المجتمع من سيل أو غيره ، وقد جمعت جمع السلامة على أضوات وأضيات وإضين ، وجمعت جمع التكسير على إضاء - كرقاب ،
6) الحلقة : كل شىء مستدير من الحديد أو الفضة أو الذهب أو الناس ، وقد اختلفوا فى تحريك لامها ؛ فأجازه قوم وعليه قول الشاعر :
7) الفلكة - بسكون اللام - المستدير من الأرض فى غلظ أو سهولة ، وهي كالرحا ، والفلك - بفتحتين - اسم الجنس ، قال سيبويه : وليس بجمع ، والجمع فلاك ، كصحفة وصحاف.
لما لحقه ياء النسب ؛ إذ التاء تناسب الياء كما ذكرنا فى أول باب النسب ، وحكى عن أبى عمرو فى ذى التاء حلقة بفتح العين فليس إذن بشاذ ، ومن العرب من يقول حلقة بسكون العين وحلق بكسر الفاء فى المجرد وهو جمع تكسير ؛ فيكون كبدرة وبدر ، وتقول فى الأجوف : هامة وهامات (1)
يا عمرو ؛ إن لا تدع شتمى ومنقصتى
أضربك حيث تقول الهامة اسقونى
وهام وراحة وراحات وراح ، وإنما جعلنا المكسر فى جميع هذا الباب لذى التاء لا للمجرد عنها ، لأن المجرد فى معنى الجمع الكثير ؛ فالأولى أن لا يجمع.وإما فعلة كنبقة وكلمة ، وإما فعلة كعنبة وحدأة ، وإما فعلة كسمرة ، وهو أقل من باب كلمة وعنبة ، وإما فعلة بضمتين كهدبة (2)وبسرة (3)، وهو أيضا قليل ، وإما فعلة كعشرة (4)ورطبة ، ومن الناقص مهاة ، وهو ماء الفحل فى رحم الناقة ومها ، والقياس فى قلة جميع هذه الأوزان كما ذكرنا أولا أن تكون بالألف والتاء ، وكثرته بحذف التاء
وفى غير الثلاثى نحو نعام ونعامة ، وسفرجل وسفرجلة ، وقد يكون اسم مفرد فى آخره ألف تأنيث مقصورة أو ممدودة يقع على الجمع نحو حلفاء (5)
1) الهامة : رأس كل شىء ، وطائر من طير الليل ، وهو الصدى ، ورئيس القوم ، وجمعه هامات ، واسم الجنس هام ، قال ذو الاصبع :
2) الهدبة - بضم فسكون ، وبضمتين - واحدة الهدب. وهو شعر أشفار العينين
3) البسرة - بضم فسكون ، وبضمتين - واحدة البسر ، وهو التمر قبل أن يصير رطبا ، والغض من كل شىء
4) العشرة - بضم ففتح - واحدة العشر ، وهو شجر يخرج من زهره وشعبه سكر ، ويحشي فى المخاد
5) الحلفاء : نبت من نبات الأغلاف ، وهو اسم جنس ، وواحدته حلفة - بفتح الحاء ، واللام مكسورة أو مفتوحة - وقال الازهرى : الحلفاء نبت أطرافه محددة كأنها أطراف سعف النخل والحوص ينبت فى مغايص الماء والنزوز ، قال سيبويه : الحلفاء واحد وجمع ، وكذلك طرفاء وبهمى وشكاعى
وطرفاء (1)وبهمى (2)؛ فاذا قصدت الوحدة وصفته بالواحد نحو طرفاء واحدة ، وحلفاء واحدة ، وبهمى واحدة ، ولم يلحق التاء للوحدة إذ لا يجتمع علامتا تأنيث ، وحكى بهماة ؛ وهو عند سيبويه شاذ ؛ لأن الألف فيه عنده للتأنيث ، والألف عند الأخفش للإلحاق ببرقع ؛ فبهمى عنده منون منصرف ، وبهماة ليس بشاذ عنده ، وقد ذكر أهل اللغة للطرفاء والحلفاء والقصباء واحدة على غير هذا اللفظ ؛ فقالوا : طرفة وقصبة بتحريك العين ، واختلفوا فى الحلفاء فقال الأصمعى : حلفة بكسر العين ، وقال أبو زيد : بفتحها كطرفة ، وقد كسر حلفاء كصحراء على حلافى وحلافى ، وإنما قالوا فى أرطى وعلقى : أرطاة وعلقاة (3)لأن ألفهما للالحاق لا للتأنيث ، ومن العرب من لا ينون علقى ويجعل الألف للتأنيث ؛ فيقول : علقى واحدة كقصباء واحدة
والأغلب فى الاسم الذى يكون التنصيص على الواحد فيه بالتاء أن يكون فى المخلوقات دون المصنوعات ، قالوا : لأن المخلوقات كثيرا ما يخلقها الله سجية ، يعنى جملة ، كالتمر والتفاح ؛ فيوضع للجنس اسم ، ثم إن احتيج إلى تمييز الفرد أدخل فيه التاء ؛ وأما المصنوعات ففردها يتقدم على مجموعها ، ففى اللفظ أيضا يقدم فردها على جمعها ، وفيه نظر ؛ لأن المجرد من التاء من الأسماء المذكورة ليس موضوعا للجمع كما توهموا ، حتى يستقيم تعليلهم ، بل هو لمجرد الماهية ، سواء كان مع القلة أو مع الكثرة
وقد جاء شىء يسير منها فى المصنوعات ، كسفينة وسفين ولبنة ولبن وقلنسوة وقلنس وبرة (1)وبرى
وليس أسماء الأجناس التى واحدها بالتاء قياسا ، إلا فى المصادر ، نحو ضربة وضرب ، ونصرة ونصر ؛ لما مر
بلاد يبز الفقع فيها قناعه
كما ابيضّ شيخ من رفاعة أجلح
وجمع الفقع - بالفتح - فقعة مثل جبء وجبأة ، وجمع الفقع - بالكسر - فقعة أيضا ، مثل قرد وقردة ، وفى حديث عاتكة قالت لابن جرموز : يا ابن فقع القردد ؛ قال ابن الأثير : الفقع : ضرب من أردأ الكمأة ، والقردد : أرض مرتفعة إلى جنب وهدة ، وقال أبو حنيفة : الفقع يطلع من الارض فيظهر أبيض ، وهو ردىء ، والجيد ما حفر عنه واستخرج ، والجمع أفقع وفقوع وفقعة ، قال الشاعر :
ومن جنى الأرض ما تأنى الرّعاء به
من ابن أوبر والمغرود والفقعة»
اه كلامه
وقال فى القاموس : «الفقع ، ويكسر : البيضاء الرخوة من الكمأة ، جمعه كعنبة ويقال للذليل : هو أذل من فقع بقرقرة ؛ لأنه لا يمتنع على من اجتناه» اه ، ولم ينص أحد من أصحاب المعاجم التى اطلعنا عليها على الخلاف فى هذه الكلمة ، كما أن صيغة اللفظ الدال على الجمع وهو فقعة من أوزان الجموع ، فوجب أن يكون جمعا لا اسم جنس ، فان كان مفرده بالكسر كان قياسيا ، وإن كان مفرده بالفتح كان شاذا مع كونه جمعا كما يأتى فى جبء وجبأة.
وجبأة(4)أن ذا التاء للجمع والمجرد عنها1) انظر (ج 2 ص 102 و 127)
2) الكمأة : نبات ينقب الأرض ، قال في اللسان : «الكمأة واحدها كمء على غير القياس ، وهو من النوادر ؛ فإن القياس العكس : والجمع أكمؤ ، وكمأة. قال ابن سيده : هذا قول أهل اللغة ، قال سيبويه : ليست الكمأة بجمع كمء ؛ لأن فعلة ليس مما يكسر عليه فعل ؛ إنما هو اسم للجمع ، وقال أبو خيرة وحده : كمأة للواحد وكمء للجميع ، وقال منتجع : كمء للواحد ، وكمأة للجميع ، فمر رؤبة ، فسألاه ، فقال : كمء للواحد ، وكمأة للجميع ، كما قال منتجع. وقال أبو حنيفة : كمأة واحدة وكمأتان وكمآت ، وحكى عن أبى زيد أن الكمأة تكون واحدا وجمعا ، والصحيح من ذلك كله ما ذكره سيبويه» اه
3) قال فى اللسان : «الفقع - بالفتح والكسر - : الأبيض الرخو من الكمأة وهو أردؤها ، قال الشاعر :
4) الجبء ـ بفتح فسكون ـ الكمأة الحمراء ، وقال أبو حنيفة : الجبأة هنة بيضاء كأنها كمء ، ولا ينتفع بها ، والجمع أجبؤ وجبأة كعنبة ، مثل فقع وفقعة ، قال سيبويه : «وليس ذلك بالقياس ، يعني تكسير فعل (بفتح فسكون) على فعلة (بكسر ففتح) وأما الجبأة (بفتح فسكون) فاسم للجمع كما ذهب إليه فى كمء وكمأة ؛ لأن فعلا ليس مما يكسر على فعلة (بفتح فسكون فيهما) ؛ لأن فعلة ليس من أبنية الجموع وتحقيره جبيئة على لفظه ، ولا يرد إلى واحده ثم يجمع بالالف والتاء ؛ لان أسماء الجموع بمنزلة الآحاد» اه كلامه ، وقال فى القاموس : «الجبء : الكمأة ولأكمة ، ونقير يجتمع فيه الماء ، والجمع أجبؤ ، وجبأة كقردة ، وجبأ كنبأ» اه ، ولم نجد للعلماء فى هذه الكلمة خلافا. والحاصل أن نصوص أهل اللغة تدل على أن الجبء ـ بفتح فسكون ـ مفرد ، وأنه جمع على أجبؤ ، مثل فلس وأفلس ، كما جمع على جبأة مثل قردة ، وهذا الجمع غير قياسى ؛ لأن فعلا ـ بفتح فسكون ـ لا ينقاس جمعه على فعلة ، وورد له اسمان يدلان على الجمع : أحدهما جبأة بفتح فسكون ، وثانيهما جبأ مثل نبأ
للمفرد ، وقد قيل عكس ذلك ، كما مر فى شرح الكافية
قال «ونحو ركب وحلق وجامل وسراة وفرهة وغزىّ وتؤام ليس بجمع»
أقول : الذى مضى فى الفصل المتقدم كان اسم الجنس ، والذى يذكره فى هذا الفصل اسم الجمع ،
والفرق بينهما من حيث المعنى أن المجرد من التاء من القسم الأول يقع على
الواحد والمثنى والمجموع ؛ لأنه فى الأصل موضوع للماهية ، سواء كانت مشخصاتها قليلة أو كثيرة ، فالقلة والكثرة فيه غير داخلتين فى نظر الواضع ، بل إنما وضعه صالحا لهما ، بخلاف اسم الجمع ؛ فانه اسم مفرد موضوع لمعنى الجمع فقط ، ولا فرق ببنه وبين الجمع إلا من حيث اللفظ ، وذلك لأن لفظ هذا مفرد بخلاف لفظ الجمع ، والدليل على إفراده جواز تذكير ضميره ، قال :
66 - * مع الصّبح ركب من أحاظة مجفل (1)
يصف قطاة وردت الماء وكان قد سبقها إليه فلما وردت شربت فضلته. والعب : شرب الماء بلا مص ، وفعله عب يعب - كخف يخف - والضمير المستتر فيه للقطا. والغشاش - بزنة كتاب - يأتى لمعان : تقول : لقيته غشاشا : أى على عجلة ، وتقول أيضا : انطلقت غشاشا : أى فى الوقت الذى قبل الاسفار وقد بقي من ظلمة الفجر شىء ، وتقول : كلمته غشاشا : أى قليلا ؛ فاذا جريت على المعنى الأول جاز لك أن تجعل غشاشا حالا كأنه قال : عبت متعجلة ، وجاز لك أن تجعله مفعولا مطلقا على حذف الموصوف وإبقاء صفته ، فكأنه قال : عبت عبا عجلا ، وجاز لك أن تجعله منصوبا على نزع الخافض وهو أضعف الوجوه الثلاثة ، وإذا جريت على المعنى الثانى نصبت غشاشا فى البيت على الظرفية الزمانية ، وإذا جريت على المعنى الثالث نصبته على أنه مفعول مطلق ليس غير. والركب : أصحاب الابل إذا كانوا عشرة فأكثر. وأحاظة - بضم الهمزة - : قبيلة من الأزد فى اليمن. ومجفل : اسم فاعل من أجفل بمعنى أسرع. والاستشهاد بالبيت على أن ركبا لفظه مفرد بدليل عود الضمير عليه مفردا فى قوله «مجفل»
*وأيضا تصغيره على لفظه كقوله :
67 - * أخشى ركيبا أو رجيلا عادبا (2)
بنيته بعصبة من ماليا
والشّرّ ممّا يتبع القواضيا
وكان أحيحة مسودا فى قومه الأوس ، وكان رجلا صنعا للمال ضنينا به حريصا عليه ، وكان يتعامل بالربا حتى كاد يحيط بجميع أموال قومه. والمستظل والضاحي : حصنان له. والعصبة : مكان بعينه بقباء كانا يقعان فيه ، فالباء فى قوله «بعصبة» بمعنى فى. و «من ماليا» يتعلق ببنيته. واسم الحصنين فى الحقيقة المستظل والضحيان ، ولكنه لما لم يستقم له الوزن غير الثانى كما ترى. والقواضيا : أراد بها الأقضية المحتومة. والاستشهاد بالبيت على أن ركبا اسم جمع ولفظه مفرد بدليل تصغيره على لفظه كما تصغر المفردات
*وقال الأخفش : كل ما يفيد معنى الجمع على وزن فعل وواحده اسم فاعل كصحب وشرب فى صاحب وشارب فهو جمع تكسير واحده ذلك الفاعل ؛ فعلى هذا القول تصغّر لفظ الواحد ثم تجمع جمع السلامة كما فى رجال ودور ؛ فتقول فى تصغير ركب وسفر : رويكبون وسويفرون ، كما يقال : رجيلون ودويرات ، فى تصغير رجال ودور ، وقول الشاعر :
ردّ عليه.
واعلم أن فعلا فى فاعل ليس بقياس ؛ فلا يقال جلس وكتب فى جالس وكاتب ، وقال الخليل - ونعم ما قال - : إن الكمأة اسم للجمع ، فهو بالنسبة إلى كمء كركب إلى راكب ؛ فعلى هذا لا يقع كمأة على القليل والكثير كتمر ، بل هو مثل رجال فى المعنى ، ومثله فقعة وفقع وجبأة وجبء (1)ومقتضى مذهب الأخفش - وإن لم يصرح به - أن يكون مثل صحبة فى صاحب وظؤار فى ظئر (2)وجامل فى جمل (3)
فإن تك ذا مال كثير فإنّهم
لهم جامل ما يهدأ اللّيل سامره
ويقال : الجامل جماعة الابل معها رعيانها وأربابها ، وقال ابن الأعرابى : الجامل الجمال ، وعلى هذا يختص بالذكور ويكون له واحد من لفظه وهو الجمل كما قال المؤلف
وسراة فى سرىّ (1)وفرهة فى فاره وغزىّ فى غاز وتؤام فى توأم (2)وغيب وخدم وأهب فى خادم وغائب وإهاب ، وبعد فى بعيد ، ومشيوخاء ومعيوراء وماتوناء فى شيخ وعير وأتان ، ومعيز وكليب فى معز وكلب ، ومشيخة فى شيخ ، وعمد فى عمود ، كل ذلك جمع مكسر ؛ إذ هى مثل ركب وسفر ونحوهما ؛ لأن للجميع من تركيبه لفظا يقع على مفرده.
هذا ، وإنما يعرف هذا النوع بأن لا يقع ذو التاء منه على الواحد ، ولا يكون من أبنية الجمع المذكورة ، ولا يفيد إلا معنى الجمع ، واستدل سيبويه على أنها ليست بجمع بتذكيرها فى الأغلب ، نحو ركب مسرع ، وبمجىء التصغير على لفظها ، وأما ما لا يجىء من تركيبه لفظ يقع على المفرد كالغنم والإبل والخيل والنفر والرهط والقوم ، فلا خلاف فى أنها اسم جمع ، وليست بجمع ، وفى الأصل فى القائم كالركب فى الراكب ؛ إذ الرجال قوّامون على النساء ، وأكثر هذا النوع : أى الذى لم يأت له من لفظه واحد ، مؤنث
قال : «ونحو أراهط وأباطيل وأحاديث وأعاريض وأقاطيع وأهال ولبال وحمير وأمكن على غير الواحد منها»
أقول : اعلم أن هذه جموع لفظا ومعنى ، ولها آحاد من لفظها ، إلا أنها
جاءت على خلاف القياس الذى ينبغى أن يجىء عليه الجموع
فأراهط جمع رهط ، وكان ينبغى أن يكون جمع أرهط ، قيل : وجاء أرهط ، قال :
68 - * وفاضح مفتضح فى أرهطه (1)
يابؤس للحرب الّتى
وضعت أراهط فاستراحوا
جمع أرهط ، وهو جمع رهط ، ورهط الرجل : قومه وقبيلته دنية ، والدليل أيضا على أن الرهط قد جمع على أرهط قول رؤبة :
وهذا يرد على أبى على الفارسي حيث ذهب إلى أن اسم الجمع كرهط وطير وقوم لا يجمع جمع القلة
*فهو إذن قياس
وأباطيل : جمع باطل ، والقياس (2)بواطل ، وأحاديث : جمع حديث (3)
من الخفرات البيض ودّ جليسها
إذا ما انقضت أحدوثة لو تعيدها
،1) هذا بيت من الرجز المشطور أنشده الأصمعى ولم ينسبه إلى أحد بعينه ، ولم نقف له بعذ البحث على نسبة إلى قائل معين ، والاستشهاد به على أن الأراهط فى نحو قول الحماسى :
2) قياس جمع باطل بواطل كما قال المؤلف ، وقياس أباطيل أن يكون جمع أبطولة كأحدوثة وأكرومة ، قال فى اللسان : «والباطل نقيض الحق ، والجمع أباطيل على غير قياس ، كأنه جمع إبطال أو إبطيل ، هذا مذهب سيبويه ، وفى التهذيب : ويجمع الباطل بواطل ، قال أبو حاتم : واحدة الأباطيل أبطولة ، وقال ابن دريد : واحدتها إبطالة» اه
3) الأحاديث : جمع حديث جمعا غير قياسي ، وقياس الحديث أن يجمع على حدث - كسرر - أو على حدثان - كرغفان - وقياس الأحاديث أن تكون جمع أحدوثة ، وقد وردت الأحدوثة بمعنى الحديث ، قال الشاعر :
وأعاريض : جمع عروض (1)، وأقاطيع : جمع قطيع ، وأهال : جمع أهل ، وقياسه أن يكون جمع أهلاة ، وكذا قياس ليال أن يكون جمع ليلاة ، ومثله فى التصغير لييلية ، قيل : وقد جاء فى الشعر :
وهو غريب
وكذا قياس الأراضى (3)أن يكون جمع أرضاة ، وأما حمير فهو عند سيبويه من صيغ الجموع ، لكن كان القياس أن يكون جمع فعل ككليب ومعيز وضئين ، وقال غير سيبويه : إنه ليس من أبنية الجموع ، فهو اسم جمع كركب وفرهة (4).
وعند سيبويه أيضا فعال من أبنية الجموع ، خلافا لغيره ، لكن قياسه عنده أن يكون جمع فعل كظؤار (5)فى ظئر ، وفعل كرخال فى رخل (6)، قال
1) الأعاريض : جمع غير قياسى للعروض ، وهي آخر تفعيلة من الشطر الأول من بيت الشعر ، وقياس العروض أن تجمع على عرائض كحلوب وحلائب وقلوص وقلائص ، كما أن قياس الأعاريض أن تكون جمعا لا عراضة أو إعريضة أو أعروضة ، قال ابن يعيش فى شرح المفصل (ح 5 ص 73): «والعروض ميزان الشعر ، وهى مؤنثة لا تجمع ، لأنها كالجنس يقع على القليل والكثير ، والعروض أيضا اسم لآخر جزء فى النصف الأول من البيت ، ويجمع على أعاريض على غير قياس ، كأنهم جمعوا إعريضا فى معنى عروض ولم يستعمل» اه ، وانظر (ح 1 ص 208 ه 2)
2) قد سبق شرح هذا البيت فى (ح 1 ص 277) فارجع إليه
3) الاراضى : جمع أرض جمعا غير قياسى ، وقياسه أن يجمع على آرض ، ككلب وأكلب ، أو على إراض ككلاب ، وقياس الأراضى أن تكون جمعا لأرضاة كما قال المؤلف
4) انظر (ص 156 من هذا الجزء)
5) انظر (ص 203 من هذا الجزء)
6) الرخال : اسم جمع واحده رخل - ككتف - ورخل - كعجل - وهو الأنثي من أولاد الضأن.
«وتؤام فى توأم شاذ» وعند غيره هو اسم الجمع.
وأمكن وأزمن فى جمع مكان وزمان شاذان ، كما تقدم ، وكذا محاسن ومشابه جمع حسن وشبه ، وكذا أكارع (1)فى كراع ، وكذا دوانيق وخواتيم (2)وزواريق فى دانق وخاتم وزورق (3)، والقياس ترك الياء ؛ فالشذوذ فى هذه إشباع الكسر ، وقريب من هذا الباب ما يجمع بالألف والتاء من المذكرات التى لم تجمع جمع التكسير ، كجمال (4)سبحلات وربحلات (5)وحمّامات وسرادقات ، ولما قالوا فراسن (6)وجواليق (7)لم يقولوا فرسنات
1) الأكارع : جمع غير قياسي للكراع - كغراب - وهو من البقر والغنم بمنزلة الوظيف من الفرس ، وهو مستدق الساق ، وهو أيضا أنف يتقدم من الجبل ، وطرف كل شىء أيضا ، واسم يجمع الخيل والسلاح ، والقياس فى جمعه كرعان وأكرعة - كغربان وأغربة - وكأنهم جمعوا كراعا على أكرعة ثم جمعوا الأكرعة على أكارع ، فهو جمع الجمع ، كما قالوا فى أراهط : إنه جمع أرهط ، وقد جمعوا بالفعل كراعا على أكرع فى قولهم : أكرع الجوزاء ، يريدون أواخراها ، فلا يمتنع إذن أن يكون الأكارع جمعا للاكرع
2) انظر (ص 151 ، 152 من هذا الجزء)
3) الزورق : السفينة الصغيرة
4) السبحلات : جمع سبحل - كقمطر - وهو الضخم من بعير ، وضب ، وجارية ، وسقاء
5) الربحلات : جمع ربحل - كقمطر - وهو التام الخلق من الناس والابل ، ويقولون : جارية ربحلة ، إذا كانت طويلة جيدة الخلق
6) الفراسن : جمع الفرسن - كالزبرج - وهو من البعير بمنزلة الخف من الدابة (انظر ح 1 ص 59)
7) الجواليق ، والجوالق أيضا : جمع جوالق - بضم الجيم وفتح اللام أو كسرها ، وبكسر الجيم واللام جميعا - وهو وعاء من اللبد ، وقد نص فى اللسان على موافقة كلام المؤلف حيث قال : «ولم يقولوا فى جمع جوالق : جوالقات ،لأنهم قد كسروه فقالوا : جواليق» اه وفى القاموس أنهم جمعوه بالألف والتاء فقالوا : جوالقات ،
ولا جوالقات ، وقد جاء فى بعض الأسماء المذكورة ذلك مع التكسير ، نحو بوانات فى بوان ، وهو عمود (1)الخيمة. مع قولهم بون ، وإما جمع بالألف والتاء فى مثله مع أنه لبس قياسه لاضطرارهم إليه ؛ لعدم مجىء التكسير ، وامتناع الجمع بالواو والنون لعدم شرطه.
وقريب من ذلك نحو الأرضين والعزين والثّبين (2)، ونحو ذلك من المؤنثات المجموعة بالواو والنون
وقد يجىء جمع لا واحد له أصلا ، لا قياسى ولا غير قياسى ؛ كعباديد وعبابيد (3)، وقد مضى القول فى أكثر ذلك مبسوطا فى شرح الكافية فى باب الجمع ، فليرجع إليه.
قال «وقد يجمع الجمع نحو أكالب وأناعيم وجمائل وجمالات وكلابات وبيوتات وحمرات وجزرات»
أقول : اعلم أن جمع الجمع ليس بقياس مطرد ، كما قال سيبويه وغيره ، سواء كسّرته أو صححته ، كأكالب وبيوتات ، بل يقال فيما قالوا ولا يتجاوز ، فلو قلت أفلسات وأدليات فى أفلس وأدل لم يجز ، وكذلك أسماء الأجناس كالتمر والشعير لا تجمع قياسا ، وكذا المصدر لأنه أيضا اسم جنس ، فلا يقال الشّتوم والنّصور فى الشتم والنصر ، بل يقتصر على ما سمع كالأشغال والحلوم والعقول ، وكذا لا يقال الأبرار فى جمع البرّ ، بل يقتصر فى جميع ذلك على المسموع ، إلا أن يضطر شاعر فيجمع الجمع ، قال :
69 - * بأعينات لم يخالطها القذى* (1)
وقد سمع فى أفعل وأفعال وأفعلة كثيرا ، كالأيدى والأيادى والأوطب والأواطب (2)
فراخ القطا لاقين أجدل بازيا
والأنملة والأنامل ، وقالوا : الأقوال والأقاويل ، والأسورة والأساورة ، (5)والأنعام والأناعيم (6)وقالوا فى الصحيح : أعطيات (7)وأسقيات كأنملات ، وجمعوا1) لم نقف لهذا الشاهد على نسبة إلى قائل معين ولا على سابق له أولا حق عليه. والأعينات : جمع أعين ، وهو جمع عين. والقذى : ما يسقط فى العين أو غيرها من الوسخ. والفعل قذى من باب فرح.
2) الأوطب : جمع وطب - كفلس - وهو وعاء اللبن من جلد الجذع فما فوقه ، وجمع الأوطب الأواطب ، وقد أنشد سيبويه :
3) الأسقية : جمع سقاء ، وهو جلد السخلة إذا أجذعت (انظر ص 52 من هذا الجزء) والأساقى جمع الجمع ، وقد جمع على أسقيات أيضا كأعطيات ،
4) الأجدل : الصقر ، وأصله من الجدل الذى هو الشدة ثم سمى به قال الشاعر :
كأنّ بنى الدّعماء إذ لحقوا بنا
5) الأسورة : جمع سوار - بضم السين وكسرها - وهو حلية من الذهب أو الفضة تلبسها النساء فى سواعدهن ، والأساور جمع الجمع ، قال تعالى : (يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ). وقد يقولون : أساورة ، بزيادة التاء لتأكيد الجمع ، وقرىء (فلولا ألقى عليه أساورة من ذهب). وانظر (ص 127 من هذا الجزء)
6) الأنعام : جمع نعم ، وهو الابل والشاء ، ويقال : هو خاص بالابل
7) الأعطيات : جمع أعطية ، وهو جمع عطاء بالمد والقصر ، والعطاء : الشىء المعطى ، ومنه أعطيات الجند لأرزاقهم ، والعطية بمعنى العطاء ، وجمعها عطايا
أيضا فعالا على فعائل كجمال وجمائل وشمائل ، وصححوه ككلابات ورجالات وجمالات ، وقالوا فى فعول نحو بيوتات ، وفى فعل نحو جزرات (1)وحمرات وطرقات ، وفى فعل نحو عوذات (2)ودورات جمع عائذ ودار ، وإنما جمع الجمع بالألف والتاء لأن المكسر مؤنث ، وقالوا فى فعلان فعالين كمصارين وحشاشين جمع مصران جمع مصير وجمع حشّان جمع (3)حشّ ؛ فهو كسلطان وسلاطين ، ولا يقاس على شىء من ذلك.
قال : «التقاء السّاكنين يغتفر فى الوقف مطلقا ، وفى المدغم قبله لين فى كلمة نحو خويصّة والضّالّين وتمودّ الثّوب ، وفى نحو ميم وقاف وعين ممّا بنى لعدم التّركيب ، وقفا ووصلا ، وفى نحو آلحسن عندك وآيمن الله يمينك ؛ للالتباس ، وفى نحو لاها الله وإى الله جائز ، وحلقتا البطان شاذّ»
أقول : اعلم أن الحرفين الساكنين إذا كان أولهما [حرفا] صحيحا لا يمكن التقاؤهما إلا مع إتيانك بكسرة مختلسة غير مشبعة على الأول منهما ، فيحسب المستمع أن الساكنين التقيا ، ويشاركه فى هذا الوهم المتكلم أيضا ؛ فإذا تفطّن كل منهما علم أن على الأول منهما كسرة خفيفة ، نحو بكر بشر بسر ، حركت عين الثلاثة بكسرة خفيفة ، وإلا استحال أن تأتى بعدها بالراء الساكنة ، وإنما تحس بذلك وتتفطنه بعد تثبتك وتأنّقك فيما تتكلم به ، وإذا
خلّيت نفسك وسجيتها وجدت منها أنها لا تلتجىء فى النطق بالساكن الثانى المستحيل مجيئه بعد الساكن الأول من بين الحركات إلا إلى الكسرة ، وإن حصل لها هذا المقصود بالضمة والفتحة أيضا ، وكذلك إذا فرضت أول كلمة تريد النطق بها ساكنا ، وذلك مما لا يجىء فى العربية فى ابتداء الكلام إلا مع همزة الوصل ، ويوجد فى الفارسية كقولهم شتاب وسطام ؛ وجدت من نفسك أنك تتوصل إلى النطق بذلك الساكن بهمزة مكسورة فى غاية الخفاء ، حتى كأنها من جملة حديث النفس ، فلا يدركها السامع ، ثم تجهر بالحرف الساكن فى أول الكلمة ، فيتحقق لك أن إزالة كلفة النطق بالساكن بالكسرة ، سواء كان ذلك الساكن فى أول الكلمة أو فى آخرها أو فى وسطها ؛ من طبيعة النفس وسجيتها إذا خليتها وشأنها
فظهر لك أنهم لأىّ سبب كسروا همزة الوصل ، ولم اجتلبوها دون غيرها ، ولم كسروا أول الساكنين فى نحو اضرب اضرب ، و (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ)
وأما إذا كان أولهما حرف لين فانه يمكن التقاؤهما لكن مع ثقل ما ، وإنما أمكن ذلك مع حروف العلة لأن هذه الحروف هى الروابط بين حروف الكلمة بعضها ببعض ، وذلك أنك تأخذ أبعاضها ، أعنى الحركات ، فتنظم بها بين الحروف ، ولولاها لم تتّسق ، فإذا كانت أبعاضها هى الروابط وكانت إحداها وهى ساكنة قبل ساكن آخر مددتها ومكنت صوتك منها حتى تصير ذات أجزاء ؛ فتتوصل بجزئها الأخير إلى ربطها بالساكن الذى بعدها ، ولذلك وجب المد التام فى أول مثل هذين الساكنين ، ويقلّ المد فى حروف اللين إذا كانت حركة ما قبلها من غير جنسها ، نحو قول وبيع ، بخلاف ما إذا كان ما قبلها من الحركات من جنسها ، نحو قول وبيع ، وذلك لأن فى نحو قول المضموم قافه تتهيأ بعد النطق بالقاف للواو ، وذلك لأن الضمة بعض
الواو ، فيسهل عليك المجىء بعد الضمة بالواو كاملة لأنه لم يخالطها إذن نوع آخر من المد كما خالطها فى نحو قول المفتوح قافه ، فإنك إذن تهيأت فيه بعد القاف للمد الألفى : أى الفتحة ، ثم انتقلت فى الحال إلى المد الواوى شائبا شيئا من المد الأول بالمد الثانى ، وميل كل واحد من المدين إلى جانب غير جانب الآخر ، فلا جرم لم تتمكن من إشباع المد الواوى تمام التمكن
فإذا تقرر هذا فاعلم أن أول مثل هذين الساكنين إذا كان ألفا فالأمر أخف لكثرة المد الذى فى الألف ؛ إذ هو مد فقط ، فلذلك كان نحو مادّ وسادّ أكثر من نحو تمودّ الثوب ، ثم بعد ذلك إذا كان أولهما واوا أو ياء ما قبلهما من الحركات من جنسهما ، ولم يأت مثل ذلك فى الياء فى كلامهم نحو سير ، والدرجة الأخيرة أن يكون أول الساكنين واوا أو ياء قبلها فتحة لقلة المد الذى فى مثل ذلك ، ولم يأت مثل ذلك إلا فى المصغر نحو خويصّة ، فلا تقول فى الأفعل من اليلل (1)والود : أيلّ وأودّ ، بحذف حركة اللام الأولى كما فى أصيمّ ، بل تنقل حركة أول الساكنين عند قصد الإدغام إلى الواو والياء ، نحو أيلّ وأودّ (2)، لقلة المد الذى فيهما ، كما فعلت فى نحو أشد وأمر ، وإنما اختص ياء التصغير بعدم جواز نقل حركة ما بعده إليه عند قصد الإدغام لوضعهم له ساكنا ولزومه للسكون
هذا ، ومع المد الذى فى حروف اللين يشترط فى الساكن الثانى أحد الشرطين : أحدهما : أن يكون مدغما بشرط أن يكون المدغم والمدغم فيه معا من كلمة حرف المد ، وذلك أنه إذا كان مدغما فى متحرك فهو فى حكم المتحرك ، وذلك لشدة التصاقه به فإن اللسان يرتفع بالمدغم والمدغم فيه ارتفاعة واحدة ، فيصيران كأنهما حرف واحد متحرك ، وإنما اشترطنا أن يكون المدغم من كلمة
حرف المد احترازا من نحو خافا الله وخافوا الله وخافى الله فإنه يحذف حرف المد للساكنين ، وذلك لأن فى التقائهما مطلقا وإن حصل جميع الشرائط كلفة ما ، كما ذكرنا ، فإذا كان أولهما فى مكان يليق به الحذف وهو آخر الكلمة كان تخفيف الكلمة بحذفه أولى ، وإنما حذف الأول دون الثانى لضعفه ، واشترطنا كون المدغم فيه من كلمة حرف المد إذ لو لم يكن منها لكان الإدغام الذى هو شرط اغتفار اجتماع الساكنين بمعرض الزوال فلا يعتد به ، فلهذا لا تقول فى النون المخففة فى المثنى (1)اضربان نعمان ، بإدغام نون اضربان فى نون نعمان ، وجاز فى «ها الله» فى أحد الوجوه اجتماع الساكنين وإن لم يكن المدغم من كلمة حرف المد لما مر فى شرح (2)
هذا ما يتعلق بلفظ هذه الكلمة من حيث النطق بها وإعرابها ، فأما ما يتعلق بها من حيث المعنى فقد ذكر المؤلف فى شرح الكافية (ح 2 ص 311 ، 312) أن معناها القسم ، ثم اختلفوا فى هذه الهاء
قال ما نصه : «وإذا حذف حرف القسم الأصلى : أعنى الباء : فان لم يبدل منها فالمختار النصب بفعل القسم. ويختص لفظة الله بجواز الجر مع حذف الجار بلا عوض ، نحو الكعبة لأفعلن ، والمصحف لآتين وتختص لفظة الله بتعويض «ها» أو همزة الاستفهام من الجار ، وكذا يعوض من الجار فيها قطع همزة الله فى الدرج ، فكأنها حذفت للدرج ثم ردت عوضا من الحرف ، وجار الله جعل هذه الأحرف بدلا من الواو ، ولعل ذلك لاختصاصها بلفظة «الله» كالتاء ، فاذا جئت بهاء التنبيه بدلا فلا بد أن تجى بلفظة «ذا» بعد المقسم به ، نحو لاها الله ذا ، وإى ها الله ذا ، وقوله :
تعلّمن ها لعمر الله دا قسما
[فاقصد بذرعك وانظر أين تنسلك]
والظاهر أن حرف التنبيه من تمام اسم الاشارة ... قدم على لفظ المقسم به عند حذف الحرف ليكون عوضا منه» اه
الكافية ؛ الشرط الثانى1) يريد أن نون التوكيد الخفيفة لا تقع بعد الألف اسما كانت الألف أو حرفا ، حتى لو وقع بعدها نون يمكن إدغامها فيها ، لأن النون التي بعدها لما كانت من كلمة أخرى كان الادغام بمعرض الزوال ؛ فلا يعتد به. فان قلت : إنهم اغتفروا التقاء الساكنين فى المؤكد بالنون الثقيلة مضارعا كان أو أمرا نحو لا تضربان واضربان يا زيدان ، مع أن المدغم فيه ليس من كلمة حرف المد ؛ إذ الألف والنون كلمتان مستقلتان ، فالجواب : أنهم اغتفروه وإن لم يكن على حده للضرورة ، وذلك أنهم لو حذفوا الألف كما هو القياس فى التقاء الساكنين لفتحوا النون ، إذ كسرها لتشبيهها بنون المثنى فى وقوعها بعد الألف ، ولو فتحوا النون التبس المسند إلى الاثنين بالمسند إلى الواحد ؛ فليس مراد المؤلف أن النون الخفيفة تقع بعد الالف ولا تدغم فى النون التى بعدها ، بل مراده أنه لا يصح وقوع الخفيفة بعد الالف ولو كان بعدها نون يمكن إدغامها فيها ، فاقتصر على نفى الصورة المتوهمة
2) قال فى شرح الكافية (ح 2 ص 32): «وإذا دخلت «ها» على الله ففيه أربعة أوجه : أكثرها إثبات ألف ها وحذف همزة الوصل من الله فيلتقى ساكنان : ألف ها ، واللام الاولى من «الله» ؛ وكان القياس حذف الالف ؛ لأن مثل ذلك إنما يغتفر فى كلمة واحدة كالضالين ، أما فى كلمتين ، فالواجب الحذف نحو ذا الله وما الله ، إلا أنه لم يحذف فى إلا غلب ههنا ليكون كالتنبيه على كون ألف ها من تمام ذا ، فان «ها الله ذا» بحذف ألف ها ربما يوهم أن الهاء عوض عن همزة الله كهرقت فى أرقت ، وهياك فى إياك. والثانية - وهي المتوسطة فى القلة والكثرة - ها الله ذا» بحذف ألف «ها» للساكنين كما فى «ذا الله» و «ما الله» ولكونها حرفا كلا وما وذا. والثالثة - وهى دون الثانية فى الكثرة - : إثبات ألف ها وقطع همزة الله مع كونها فى الدرج ، تنبيها على أن حق ها أن يكون مع ذا بعد الله ، فكأن الهمزة لم تقع فى الدرج. والرابعة حكاها أبو على - وهي أقل الجميع - : هألله ، بحذف همزة الوصل وفتح ألف ها للساكنين بعد قلبها همزة كما فى الضألين ودأبة ، قال الخليل : ذا من جملة جواب القسم ، وهو خبر مبتدأ محذوف : أى الأمر ذا ، أو فاعل : أى ليكونن ذا ، أو لا يكون ذا ، والجواب الذى يأتى بعد نفيا أو إثباتا نحوها الله ذا لأفعلن أو لا أفعل بدل من الأول ، ولا يقاس عليه ، فلا يقال : ها الله أخوك : أى لأنا أخوك ونحوه وقال الأخفش : ذا من تمام القسم : إما صفة لله : أي الله الحاضر الناظر ، أو مبتدأ محذوف الخبر : أى ذا قسمي ، فبعد هذا : إما أن يجيء الجواب أو يحذف مع القرينة» اه
من الشرطين المعتبر واحد منهما فى الساكن الثانى : أن يكون موقوفا عليه بالسكون ، أو مجرى محرى الموقوف عليه ، وذلك لأن الوقف لقصد
الاستراحة ، ومشارفة الراحة تهون عليك أمر الثقل الذى كنت فيه (1)
والوقف على ضربين : إما أن يكون فى نظر الواضع ، أولا
فالأول فى أسماء حروف الهجاء ، وإنما كانت هذه الأسماء كذلك لأن الواضع وضعها لتعلّم بها الصبيان أو من يجرى مجراهم من الجهال صور مفردات حروف الهجاء ، فسمى كل واحد منها باسم أوله ذلك الحرف ، حتى يقول الصبى : ألف مثلا ، ويقف هنيهة قدر ما يميزها عن غيرها ، ثم يقول : با ، وهكذا إلى الآخر ، فلا ترى ساكنين ملتقيين فى هذه الأسماء إلا وأولهما حرف لين ، نحو جيم
1) قد علل هذا العلامة ابن يعيش فى شرحه على المفصل (ح 9 ص 120) فقال : «وإنما سد الوقف مسد الحركة لأن الوقف على الحرف يمكن جرس ذلك الحرف ويوفر الصوت فيصير توفير الصوت عليه بمنزلة الحركة له ، ألا ترى أنك إذا قلت : عمرو ، ووقفت عليه ؛ وجدت للراء من التكرر وتوفير الصوت ما ليس لها إذا وصلتها بغيره؟ وذلك أن تحريك الحرف يقلقله قبل التمام ويجتذبه إلى جرس الحرف الذى منه حركته ، ويؤيد عندك ذلك أن حروف القلقلة وهى القاف والجيم والطاء والباء والدال لا تستطيع الوقوف عليها إلا بصوت ، وذلك لشدة الحفل والضغط ، وذلك نحو : الحق ، واذهب ، واخلط ، واخرج ؛ ونحو الزاى والذال والطاء ، والصاد ، فبعض العرب أشد تصويتا ، فجميع هذه لا تستطيع الوقوف عليها إلا بصوت ، فمتى أدرجتها وحركتها زال ذلك الصوت ، لأن أخذك فى صوت آخر وحرف سوى المذكور يشغلك عن إتباع الحرف الأول صوتا ، فبان لك بما ذكرته أن الحرف الموقوف عليه أتم صوتا وأقوى جرسا من المتحرك ، فسد ذلك مسد الحركة ، فجاز اجتماعه مع ساكن قبله» اه
دال نون ، وكذا الأصوات ، نحو قوس (1)، وطيخ (2)، الوقف فيها وضعى ، لأنها لم توضع لقصد التركيب كما مضى فى بابها (3)
تردّ بحيّهل وعاج وإنّما
من العاج والحيهلّ جنّ جنونها
وقال :
تداعين باسم الشّيب فى متثلّم
جوانبها من بصرة وسلام
وقال :
[دعاهنّ ردفى فارعوين لصوته]
كما رعت بالجوت الظّماء الصّواديا
على الحكاية مع الالف واللام ، وتقول : زجرته بهيد (بفتح الهاء وكسرها) وبهيد (الاول محكي والثانى معرب) ، وهذا كما تقول فى الكلمات المبنية إذا قصدت ألفاظها :
[ليت شعرى وأين منّى ليت]
إنّ لوّا وإنّ ليتا عناء
ولا يحد الله بأين ولا بأين ... والاعراب مع اللام أكثر من البناء نحو من العاج والحيهل - بالجر - وباسم الشيب ، لكونها علامة الاسم الذى أصله الاعراب» اه
1) قوس : اسم صوت يزجر به الكلب ليبتعد ، فيقال له : قوس قوس ، وهو مبنى على السكون ، فاذا دعوته ليقبل قلت : قس قس ، وقد اشتقوا من ذلك فعلا فقالوا : قوقس الرجل ، إذا أشلى كلبه : أى دعاه أو أغراه
2) طيخ : حكاية صوت الضحك ، وهو اسم صوت ، والذى ذكره صاحب اللسان والقاموس أنه مبنى على الكسر ، وكذلك ذكر المؤلف نفسه فى شرح الكافية (ح 2 ص 77) حيث قال : «من الأصوات التى هى حكاية عن أصوات الانسان أو العجماوات أو الجمادات «طيخ» وهو حكاية صوت الضاحك ، وعيط حكاية صوت الفتيان إذا تصايحوا فى اللعب ، وغاق - بكسر القاف - وقد ينون ، وهو صوت الغراب ... وشيب صوت مشافر الابل عند الشرب. كلها مكسورة الأواخر» اه ، فعلم من هذا أنه قد خالف هنا ما ذكره هناك وما هو نقل علماء اللغة
3) الذى مضى هو قوله فى (ح 2 ص 75): «اعلم أن الألفاظ التى تسميها النحاة أصواتا على ثلاثة أقسام : أحدها حكاية صوت صادر إما عن الحيوانات العجم كغاق (حكاية صوت الغراب) أو عن الجمادات كطق (حكاية صوت حجر وقع على آخر) وشرط الحكاية أن تكون مثل المحكى ، وهذه الألفاظ مركبة من حروف صحيحة محركة بحركات صحيحة ، وليس المحكى كذلك لأنه شبه المركب من الحروف وليس مركبا منها ؛ إذ الحيوانات والجمادات لا تحسن الافصاح بالحروف إحسان الانسان ؛ لكنهم لما احتاجوا إلى إيراد أصواتها التى هى شبه المركب من الحروف فى أثناء كلامهم أعطوها حكم كلامهم من تركيبها من حروف صحيحة ؛ لأنه يتعسر عليهم أو يتعذر مثل تلك الأجراس الصادرة منها ، كما أنها لا تحسن مثل الكلام الصادر من جنس الانس ، إلا فى النادر كما فى الببغاء ، فأخرجوها على أدنى ما يمكن من الشبه بين الصوتين ، أعنى الحكاية والمحكي ، قضاء لحق الحكاية : أى كونها كالمحكى سواء ، فصار الواقع فى كلامهم كالحكاية عن تلك الأصوات. وثانيها أصوات خارجة عن فم الانسان غير موضوعة وضعا ، بل دالة طبعا على معان فى أنفسهم ، كأف وتف ، فان المتكره لشىء يخرج من صدره صوتا شبيها بلفظ أف ، ومن يبزق على شىء مستكره يصدر منه صوت شبيه بتف ، وكذلك آه للمتوجع أو المتعجب ، فهذه وشبهها أصوات صادرة منهم طبعا كأح لذى السعال ، إلا أنهم لما ضمنوها كلامهم لاحتياجهم إليها ، نسقوها نسق كلامهم وحركوها تحريكه وجعلوها لغات مختلفة ... ، وثالثها أصوات يصوت بها للحيوانات عند طلب شىء : إما المجىء كألفاظ الدعاء ، نحو جوت ، وقوس ، ونحوهما ، وإما الذهاب كهلا ، وهج ، وهجا ، ونحوها ، وإما أمر آخر ، كسأ للشرب ، وهدع للتسكين ، وهذه الألفاظ ليست مما يخاطب به هذه الحيوانات العجم حتى يقال : إنها أوامر أو نواه ، كما ذهب إليه بعضهم ، لأنها لا تصلح لكونها مخاطبة ، لعدم فهمها للكلام ، كما قال الله تعالى : (كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً) بل كأن أصلها أن الشخص كان يقصد انقياد بعض الحيوانات لشىء من هذه الأفعال فيصوت لها : إما بصوت غير مركب من الحروف كالصفير للدابة عند إيرادها الماء وغير ذلك ، وإما بصوت معين مركب من حروف معينة لا معنى تحته ، ثم يحرضه مقارنا لذلك التصويت على ذلك الأمر : إما بضربه وتأديبه ، وإما بايناسه وإطعامه ، فكان الحيوان يمتثل المراد منه إما رهبة من الضرب أو رغبة فى ذلك البر ، وكان يتكرر مقارنة ذلك التصويت لذلك الضرب أو البر إلى أن يكتفى الطالب لذلك الصوت عن الضرب أو البر ؛ لأنه كان يتصور الحيوان من ذلك الصوت ما يصحبه من الضرب أو ضده فيمتثل عقيب الصوت عادة ودربة ، فصار ذلك الصوت المركب من الحروف كالأمر والنهى لذلك الحيوان ، وإنما وضعوا لمثل هذا الغرض صوتا مركبا من الحروف ولم يقنعوا بساذج الصوت لأن الصوت من حيث هو هو مشتبه الأفراد ، وتمايزها بالتقطيع والاعتماد بها على المخارج سهل ، فلما كانت الأفعال المطلوبة من الحيوانات مختلفة أرادوا اختلاف العلامات الدالة عليها ، فركبوها من الحروف ، وما ذكرنا من الترتيب يتبين من كيفية تعليم الحيوانات كالدب والفرد والكلب وغير ذلك» ثم قال : «وإنما بنى أسماء الأصوات لما ذكرنا من أنها ليست فى الأصل كلمات قصد استعمالها فى الكلام ، فلم تكن فى الأصل منظورا فيها إلى التركيب الذى هو مقتضى الاعراب ، وإذا وقعت مركبة جاز أن تعرب اعتبارا بالتركيب العارض ، وهذا إذا جعلها بمعنى المصادر كآها منك وأف لكما ، إذا قصدت ألفاظها لا معانيها ، قال جهم بن العباس :
والثانى أن لا يكون الوقف بنظر الواضع ، بل يطرأ ذلك فى حال الاستعمال
فى غير أسماء حروف الهجاء والأصوات ، نحو المؤمنون ، والمؤمنات ، والفوت ، والميت ، وكذا الأسماء المعدودة نحو زيد ثمود سعيد عماد ، وذلك أن الواضع وضعها لينطق بها مركبة تركيب إعراب فيقف عليها المستعمل إما مع تركيبها مع عاملها نحو جاءنى المؤمنون أولا مع تركيبها معه نحو ثمود وزيد
والأسماء التى وضعها الواضع لتستعمل مركبة فى الكلام على ضربين : أحدهما ما علم الواضع أنه يلزمه سبب البناء فى التركيب ، أعنى مشابهة المبنى ، والثانى ما علم أنه لا يلزمه ذلك
ففى الأول جوز وضع بناء بعضه على أقل من ثلاثة نحو من وماوذا ، وفى الثانى لم يجوز ذلك ؛ إذ الثلاثة أقل أبنية المعرب ،
وأما أسماء حروف الهجاء والأصوات فمما لم يقصد بوضعها وقوعها مركبة ، فلهذا جوز أيضا وضع بعضها على أقل من ثلاثة ، نحو باتاثا وصه وسأ (1)؛ إذ ليست فى نظره مركبة ، فلا تكون فى نظره معربة ،
وأما إن كان أول الساكنين من غير حروف اللين ، ولا يكون إذن سكون ثانيهما إلا للوقف فى حال الاستعمال لا بنظر الواضع ؛ فلا بد من تحريك الأول منهما بكسرة مختلسة خفيفة كما ذكرنا ، حتى يمكن النطق بالثانى ساكنا ، نحو عمر وبكر وبشر ، وإنما جوّز هذا الشبيه بالتقاء الساكنين لما قلنا إن الوقف لطلب استراحة ؛ فيحتمل معه أدنى ثقل ، ولما استحال اجتماعهما إلا مع تحريك الأول وإن كان بحركة خفيفة اختار بعض العرب نقل حركة الحرف الموقوف عليه إلى الساكن الأول على التحريك بالكسرة الخفيفة التى اقتضاها الطبع كما ذكرنا ، لفائدتين : إحداهما : دفع الضرورة من غير اجتلاب حركة أجنبية ، والثانية إبقاء دليل الإعراب لكن فيما اختاره ضعفا من جهة دوران الإعراب على وسط الكلمة فلذلك اجتنبه أكثر العرب
قوله «يغتفر فى الوقف مطلقا» أى : سواء كان أولهما حرف لين كالمؤمنون والمؤمنين والمؤمنات ، أولا نحو بكر عمرو ، وقد عرفت أن الثانى ليس فيه التقاء الساكنين حقيقة ، إذ هو مستحيل فيما أولهما فيه حرف صحيح
قوله «وفى المدغم قبله لين فى كلمة» احتراز من نحو (قالوا اطّيّرنا) وخافى الله ، وخافا الله
1) سأ : اسم يزجر به الحمار ليحتبس ، أو ليمضى ، أو يدعى به ليشرب ، وفى المثل «قرب الحمار من الردهة ولا تقل له سأ» والردهة : نقرة فى الصخرة يستنقع فيها الماء
قوله «خويصّة» تصغير خاصه
قوله «تمود الثوب» فعل ما لم يسم فاعله من «تماددنا الثوب» أى : مده بعضنا من بعض
قوله «نحو ميم قاف عين» يعنى به التقاء ساكنين سكون ثانيهما لعدم موجب الإعراب ، سواء كانت الكلمة من أسماء حروف التهجى كقاف لام ميم ؛ أو من غيرها ، كمرصاد ثمود عميد ، وسواء كان الحرف الأول حرف لين كما ذكرنا ، أولا كعمرو بكر ، وقد ذكرنا أن هذا الأخير شبيه بالتقاء الساكنين وليس به فى التحقيق ، وإنما جاز التقاء الساكنين فى مثل هذا لكون الكلمات مجراة مجرى الموقوف عليه كما يجىء وإن لم تكن موقوفا عليها
قوله «وقفا» كما إذا وقفت على ص فى كهيعص
قوله «وصلا» كما تصل عين بصاد فى هذه الفاتحة ؛ فسكون أواخرها ليس لأنها كانت متحركة ثم قطعت حركتها لأجل الوقف ؛ بل لكونها مبنية على السكون ، وقال جار الله (1)
ومن هنا تعلم أن ادعاء المؤلف الاضطراب والتناقض فى عبارة جار الله غير صحيح ، لأن معنى قول جار الله «إنها معربة» هو أنها ليست مبنية بل هى مهيأة للاعراب ومعدة له وتقبله لعدم وجود مقتضى البناء ، ومعنى قوله «لكنها لم تعرب لعريها عن سبب الأعراب» هو أنها فى حال عدم تركيبها لم تعرب بالفعل ، وذلك لا غبار عليه ؛ لأن كل الاسماء قبل تركيبها لا يجرى عليها الاعراب بالفعل وإن كانت بعرضة أن يجرى عليها ، واستمع لأبى حيان حيث يقول : «الأسماء المتمكنة قبل التركيب كحروف الهجاء المسرودة : ا ب ت ث ، وأسماء العدد ، نحو واحد اثنان ثلاثة أربعة ، فيها للنحاة ثلاثة أقوال : فاختار ابن مالك رحمهالله أنها مبنية على السكون لشبهها بالحروف فى كونها غير عاملة ولا معمولة ، وهذا عنده يسمى بالشبه الاهمالى. وذهب غيره إلى أنها ليست معربة لعدم تركبها مع العامل ، ولا مبنية لسكون آخرها فى حالة الوصل وما قبله ساكن ، وليس فى المبنيات ما هو كذلك. وذهب بعضهم إلى أنها معربة ، يعنى حكما لا لفظا ، والمراد به قابلية الاعراب وأنه بالقوة كذلك ، ولولاه لم يعل فتى لتحركه وانفتاح ما قبله. وهذا الخلاف مبنى على اختلافهم فى تفسير المعرب والمبني ؛ فان فسر المعرب بالمركب الذى لم يشبه مبني الأصل شبها تاما والمبنى بخلافه ؛ فهي مبنية ، وإن فسر بما شابهه وخلافه ولم نقل بالشبه الاهمالى فهى معربة ، تنزيلا لما هو بالقوة منزلة ما هو بالفعل ، وإن قلنا : المعرب ما سلم من الشبه وتركب مع العامل والمبنى ما شابهه ، فهي واسطة ، وللناس فيما يعشقون مذاهب ، فالخلاف لفظي ، والأمر فيه سهل ، وكلام الكشاف مبنى على الثانى (من تفسيرات المعرب والمبنى) وكلام البيضاوى محتمل له ولما بعده وإن كان الأول أظهر ، ثم إنه قيل : إن المحققين حصروا سبب بناء الأسماء فى مناسبة ما لا تمكن له أصلا (يريد شبه الحرف) ، وسموا الاسماء الخالية عنها معربة ، وجعلوا سكون أعجازها قبل التركيب وقفا لا بناء ، واستدلوا على ذلك بأن العرب جوزت فى الأسماء قبل التركيب التقاء الساكنين كما فى الوقف فقالوا زيد ، عمرو ، ص ، ق ، ولو كان سكونها بناء لما جمعوا بينهما كما فى سائر الأسماء المبنية نحو كيف وأخواتها. لا يقال : ربما عددت الاسماء ساكنة الاعجاز متصلا بعضها ببعض فلا يكون سكونها وقفا بل بناء ؛ لأنا نقول : هى قبل التركيب فى حكم الوقف سواء كانت متفاصلة أو متواصلة ؛ إذ ليس فيها قبل ما يوجب الوصلة ؛ فالمتواصلة منها فى نية الوقف فتكون ساكنة ، بخلاف كيف وأين ، وحيث ، وجير ، إذا عددت وصلا ، فان حركتها لكونها لازمة لا تزول إلا بوجود الوقف حقيقة» اه
: هى معربة ، لكنها لم تعرب لعريها عن سبب1) قال جار الله الزمخشرى فى تفسير سورة البقرة من الكشاف (ح 1 ص 9) فان قلت : من أي قبيل هى (يريد الألفاظ التى يتهجي بها) من الاسماء : أمعربة أم مبنية؟ قلت : بل هى أسماء معربة ، وإنما سكنت سكون زيد وعمرو وغيرهما من الاسماء حيث لا يمسها إعراب لفقد مقتضيه وموجبه ، والدليل على أن سكونها وقف وليس ببناء أنها لو بنيت لحذى بها حذو كيف ، وأين ، وهؤلاء ولم يقل : ص ق ن مجموعا فيها بين الساكنين» اه ، وقد حقق العلامة البيضاوى مراد جار الله من هذه العبارة بأوجز لفظ فقال «وهى (أى : أسماء حروف التهجى) ما لم تلها العوامل موقوفة خالية عن الاعراب ؛ لفقد موجبه ومقتضيه ، لكنها قابلة إياه معرضة له ؛ إذ لم تناسب مبنى الاصل ، ولذلك قيل : «ص» و «ق» مجموعا فيهما بين ساكنين ، ولم تعامل معاملة أين وهؤلاء» اه
الإعراب ، وهذا منه عجيب ، كيف يكون الاسم معربا بلا مقتض للإعراب؟
وإنما قلنا إنها لم تكن متحركة بحركة لأن الحركة إما إعرابية وكيف تثبت الحركة الإعرابية من دون سبب الإعراب الذى هو التركيب مع العامل؟ وإما بنائية ، ولا يجوز ؛ لأن بناء ما لم يثبت فيه سبب الإعراب أقوى من بناء ما عرض فيه مانع من الإعراب ، فينبغى أن يكون أقوى وجهى البناء على أصل البناء ، وهو السكون ؛ لأن أصل الإعراب الحركة ، وأصل البناء السكون ، ثم نقول : إن [مثل] هذه الكلمات سواء كانت من أسماء حروف الهجاء أو من أسماء العدد كواحد اثنان ثلاثة ، أو من غيرهما كزيد عمرو بكر ، وإن اتصل بعضها ببعض فى اللفظ ؛ إلا أن آخر كل واحد منها فى حكم الموقوف عليه ، وإنما وجب ذلك فيها لأن كل كلمة منها مقطوعة عما بعدها من حيث المعنى ، وإن كانت فى اللفظ متصلة به ، والدليل على كون كل واحدة فى حكم الموقوف عليه إثبات ألف الوصل فى اثنان إذا عددت ألفاظ العدد ، وقلب تاء أربعة وثلاثة هاء ، نحو واحد إثنان ثلاثة أربعة ، اتفاقا منهم ، وألف الوصل تسقط فى الدرج ولا ينقلب التاء هاء إلا فى الوقف ؛ فهذه أسماء مبنية على السكون أجريت عليها حكم الوقف ، كما يوقف على كم ومن وسائر الكلم المبنية على السكون ؛ فيجرى فى آخر كل واحدة منها حكم الوقف ؛ لعدم تعلق شىء منها بما بعده ، كما أنه لما لم يتعلق نحو قوله تعالى : (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) بما بعده من أول السورة كقوله تعالى : (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ) وقفت على الرحيم ، لكن لا تسكت على كل واحدة كما هو حق الوقف فى آخر الكلام التام ؛ لأن ذلك إنما هو للاستراحة بعد التعب ، ولا تعب ههنا بالتلفظ بكل كلمة ، فمن حيث تجرى أواخرها مجرى
الموقوف عليه قلبت التاء فى ثلاثة أربعة هاء ، ومن حيث وصلتها بما بعدها ولم تقف عليها نقلت حركة همزة أربعة إلى الهاء ، على ما حكى سيبويه ، كما ينقل فى نحو مسألة ، وقد أفلح ، ومثله قول الشاعر :
70 - أقبلت من عند زياد كالخرف
تخطّ رجلاى بحطّ مختلف
بنقل حركة همزة ألف إلى ميم لام ، ونقل المبرد عن المازنى منع نقل حركة الهمزة فى ثلاثه أربعه إلى الهاء ، وسيبويه أوثق من أن تردّ روايته (2)عن العرب ، ولا سيما إذا لم يمنعها القياس ، وفرق سيبويه بين ما سكونه بنظر الواضع كأسماء حروف التهجى وبين ما سكونه يعرض عند قصد التعديد نحو واحد اثنان ثلاثة ، وزيد عمرو بكر ، فقال : ما أصله الإعراب جاز أن يشمّ فيه الرفع ؛ فيقال واحد اثنان ، بإشمام الرفع [وإنما أشم الرفع] دون غيره لأنه أقوى الإعراب
1) هذه الأبيات لأبي النجم العجلى الفضل بن قدامة ، وكان لأبى النجم صديق يسقيه الشراب فاذا انصرف من عنده انصرف ثملا. وزياد : هو صديق أبى النجم الذي كان يسقيه. والخرف : الذى فسد عقله لكبر أو نحوه ، وهو صفة مشبهة ، وبابه فرح. وتخط : تعلم ، ومعنى الابيات أنه خرج من عند صديقه يترنح فتخط رجلاه خطا كالألف تارة وكاللام تارة أخرى ، يريد أنه لا يمشى على استقامة. والاستشهاد بالبيت على أنه نقل حركة همزة ألف إلى ميم لام كما نقلت حركة همزة أربعة إلى الهاء فى قولك ثلاثه اربعه حين تصل الثلاثة بما بعدها. وهذا البيت من شواهد سيبويه (ح 2 ص 34)
2) قال سيبويه رحمهالله (ح 2 ص 34): «وزعم من يوثق به أنه سمع من العرب من يقول : ثلاثة اربعة ، طرح همزة أربعة على الهاء ففتحها ولم يحولها تاء ؛ لأنه جعلها ساكنة والساكن لا يتغير فى الادراج ، تقول : اضرب ، ثم تقول : اضرب زيدا» اه ، وبعد أن ذكر سيبويه أنه ينقل ذلك عن من يوثق به عن العرب لا محل لانكار المبرد الذى ذكره المؤلف عنه
وأسبقه ، وأما ألف لام ميم فلا يشمّ شىء منها حركة لكونها أعرق فى السكون من الأول ، إذ سكون مثلها بنظر الواضع ، ومنع الأخفش من الإشمام ، ولا وجه لمنعه مع وجه الاستحسان المذكور ، وعلى ما قاله سيبويه لا بأس باشمام الرفع فى المضاف فى نحو غلام زيد إذا لم تركبه مع عامله
قوله «وفى نحو آلحسن عندك ، وآيمن الله يمينك ؛ للالتباس» يعنى إذا دخلت همزة الاستفهام على ما أوله همزة وصل مفتوحة لم يجز حذف همزة الوصل ، وإن وقعت فى الدرج ؛ لئلا يلتبس الاستخبار بالخبر ؛ لأن حركتى الهمزتين متفقتان ؛ إذ هما مفتوحتان ، وللعرب فى ذلك طريقان : أكثرهما قلب الثانية ألفا محضا ، والثانى تسهيل الثانية بين الهمزة والألف ، والأول أولى ؛ لأن حق الهمزة الثانية كان هو الحذف ؛ لوقوعها فى الدرج ، والقلب أقرب إلى الحذف من التسهيل ؛ لأنه إذهاب للهمزة بالكلية كالحذف ، وقرىء فى الكتاب العزيز بالوجهين ، فاذا قلبت الثانية ألفا التقى ساكنان لا على حدهما ؛ لأن الثانى ليس بمدغم فى نحو آلحسن ولا موقوف عليه كما شرطنا ، وفى قولك «آلله» وإن كان مدغما إلا أن المدغم ليس من كلمة حرف المد ، ولا المدغم فيه ، وإنما لم يحذف الألف المنقلبة من الهمزة لئلا يلزمهم ما فروا منه من التباس الاستخبار بالخبر ، وهوّن ذلك كون الألف أمكن فى المد من أخويه
قوله «وحلقتا البطان» يقال فى المثل : التقت حلقتا البطان ؛ (1)
ليبكك الشّرب والمدامة والفتيان
طرّا وطامع طمعا
وذات هدم عار نواشرها
تصمت بالماء تولبا جدعا
والحىّ إذ حاذروا الصّباح وإذ
خافوا مغيرا وسائرا تلعا
وازدحمت حلقتا البطان بأق
وام وجاشت نفوسهم جزعا
الهدم : الأخلاق من الثياب والنواشر : عروق ظاهر الكف. والجدع : السيء الغذاء. والبطان : الحزام الذى يجعل تحت بطن البعير ، وفيه حلقتان ، فاذا التقتا فقد بلغ الشد غايته
إذا1) هذا مثل تقوله العرب إذا اشتد الكرب ، ومنه قول أوس بن حجر من قصيدته التى يمدح فيها فضالة بن كلدة ويرثيه بعد وفاته
تفاقم الشر ، وذلك لأنهما لا يلتقيان إلا عند غاية هزال البعير أو فرط شد البطان
قال : «فإن كان غير ذلك وأوّلهما مدّة حذفت ، نحو خف وقل وبع وتخشين واغزوا وارمى واغزنّ وارمنّ ويخشى القوم ويغزو الجيش ويرمى الغرض»
أقول : كان حق قوله «وحلقتا البطان شاذ» أن يكون بعد قوله «ويرمى الغرض» لأن حق الألف الحذف كما فى «يخشى القوم» ولم تحذف
قوله «فإن كان غير ذلك» أى : إن كان التقاء الساكنين غير ذلك المذكور ، وذلك على ضربين : إما أن يكون أولهما مدّة ، أولا ، ونعنى بالمدة حرف لين ساكنا ، حركة ما قبله من جنسه ؛ فان كان فلا يخلو من أن يكون حذف المدة يؤدّى إلى لبس ، أولا ؛ فإن أدى إليه حرك الثانى ؛ إذ المد لا يحرك كما فى مسلمون ومسلمان ، فإن النون فى الأصل (1)ساكن ، فلو حذفت الألف والواو للساكنين لالتبسا بالمفرد المنصوب والمرفوع المنونين ، وكذا فى يسلمان
1) وجهه أن النون فى المثنى والجمع هى التنوين الدال على تمكن الاسم ، والتنوين نون ساكنة ، فلما اجتمعت مع حرف المد وهو ساكن أيضا ، واجتماعهما ههنا ليس مما يغتفر ، وتعذر حذف حرف المد لأنه مفض إلى اللبس ، وتعذر تحريكه لأنه نقض للغرض ؛ لأن المطلوب من المد التخفيف وتحريكه نقض لهذا الغرض ؛ حركت النون ، والأصل فى تحريك الساكن إذا اضطر إليه أن يكسر وفتحت النون فى الجمع للفرق بين نون المثنى ونون الجمع ، ولم يعكس ليحصل التعادل فى المثنى نخفة الألف وثقل الكسرة ، وفى الجمع بثقل الواو وخفة الفتحة
ويسلمون وتسلمين لو حذفت المدّات لالتبس الفعل بالمؤكد بالنون الخفيفة فى بدء النظر ، وإن لم يؤدّ الحذف إلى اللبس حذف المدّ ، سواء كان الساكن الثانى من كلمة الأول كما فى خف وقل وبع ، أو كان كالجزء منها ، وذلك بكونه ضميرا مرفوعا متصلا ، نحو تخشين وتغزون وترمين ، كان أصلها تخشى وتغزو وترمى ، (1)فلما اتصلت الضمائر الساكنة بها سقطت اللامات للساكنين ، أو بكونه أول نونى التأكيد المدغم أحدهما فى الآخر ، نحو اغزنّ وارمنّ ؛ فإنه سقط فيهما الضميران لاتصال النون الساكنة بهما ، أو كان الساكن الثانى أول كلمة منفصلة كما فى يخشى القوم ، ويغزو الجيش ، ويرمى الغرض (2)
وإنما حذف الأول إذا كان مدة مع عدم اللبس ، وحرك هو إذا كان غيرها نحو اضرب اضرب إلا مع مانع كما فى لم يلده (3)
عجبت لمولود وليس له أب
وذى ولد لم يلده أبوان
وقد مضى ذكر البيت ووجه التخفيف فيه (أنظر ح 1 ص 45) وانظر (ص 238 من هذا الجزء)
على ما يجىء ، ولم1) هذا الذى ذكره مبنى على ما ذهب إليه المؤلف وقرره مرارا من أن الضمائر إنما تلحق الأفعال بعد إعلالها على ما تقتضيه أسباب الاعلال (أنظر ح 1 ص 79) وسيقرر ذلك قريبا. وأما بناء على ما ذهب إليه غيره من أن الضمائر تلحق الأفعال قبل الاعلال فأصل تخشين تخشيين - كتعلمين - تحركت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا فصار تخشاين ، فحذفت الألف للتخلص من التقاء الساكنين ، وأوثرت هى بالحذف لأمرين : الأول أنها جزء كلمة ، والثانى أنها لام ، واللام محل التغيير والحذف. وأصل تغزون تغزوون - كتنصرون - استثقلت الضمة على الواو فحذفت الضمة فالتقى ساكنان ، فحذفت الواو الأولى للتخلص من التقائهما. وأصل ترمين ترميين كتضربين ، استثقلت الكسرة على الياء فحذفت الكسرة فالتقى ساكنان ، فحذفت الياء الأولى للتخلص من التقائهما
2) الغرض : الهدف الذى ينصب فيرمى بالسهام
3) وردت هذه الكلمة فى بيت من الشعر لرجل من أزد السراة وهو :
يحذف الثانى ولم يحرك هو فى جميع المواضع لأن الثانى من الساكنين هو الذى يمتنع التلفظ به إذا كان الأول صحيحا ، والذى يستثقل فيه ذلك إذا كان الأول حرف لين ، وسبب الامتناع أو الاستثقال هو سكون الأول فيزال ذلك المانع : إما بحذف الأول إذا استثقل عليه الحركة ، وذلك إذا كان مدا ؛ أو بتحريكه إذا لم يكن كذلك ، وأما أول الساكنين فانك تبتدىء به قبل مجىء الثانى فلا يمتنع سكونه ولا يستثقل ، وإنما استثقل تحريك المد الذى هو الواو والياء لأن المطلوب من المد التخفيف وذلك بأن سكن حرف اللين وجعل ما قبله من جنسه ليسهل النطق به ، وتحريكه نقض لهذا الغرض ، وأما الألف فلا يجىء فيه ذلك ؛ لأن تحريكه مستحيل ؛ إذ لا يبقى إذن ألفا ، وإنما حذف الواو من اغزنّ والياء من ارمنّ وإن كان نون التأكيد كجزء الكلمة الأولى فيكون لو خلّى مثل الضالّين وتمودّ الثوب لأنها كلمة أخرى على كل حال ، وليست بلازمة ، فتعطى من جهة اللزوم حكم بعض الكلمة
فان قيل : فلم عد فى نحو اضربانّ كجزء الكلمة فلم يحذف الألف؟
قلت : الغرض الفرق بين الواحد والمثنى ، كما مر فى شرح الكافية
فنقول : النون من حيث لا يستثقل يمكن أن يكون له حكم جزء الكلمة ، ومن حيث هو على حرفين وليس بلازم للكلمة ليس كجزئها ، فحيث كان لهم غرض فى إعطائه حكم الجزء أعطوه ذلك ، أعنى فى نحو اضربانّ ، وحيث لم يكن لهم غرض لم يعطوه ذلك كما فى اغزنّ وارمنّ ، وفى تمثيل المصنف باغزوا وارمى - نظرا إلى أن أصلهما اغزووا وارميى فسكنت اللام استثقالا ثم حذفت لالتقاء الساكنين - نظر ؛ لأن الواو والياء فاعلان يتصلان بالفعل بعد الإعلال ، كما ذكرنا أول الكتاب (1)فى تعليل ضمة قلت وكسرة بعت ، فالحق أن يقال : الواو
1) أنظر (ح 1 ص 79)
والياء فى اغزوا وارمى إنما اتصلا باغز وارم محذوفى اللام للوقف ؛ لا أنهما ثابتا اللام
اعلم أن الضمائر المرفوعة المتصلة بالمجزوم والموقوف (1)نحو اغزوا ولم يغزوا واغزوا ولم تغزوا واغزى ولم تغزى وارميا ولم ترميا وارموا ولم ترموا وارمى ولم ترمى وارضيا ولم ترضيا وارضوا ولم ترضوا وارضى ولم ترضى ؛ إنما تلحق الفعل بعد حذف اللام للجزم أو الوقف ، كما لحقت فى اضربا وقولوا ولم يضربا ولم يقولوا بعد الجزم والوقف ، ثم تعود اللامات لحقوقها ، لأن الجزم والوقف معها ليسا على اللام ، ثم تسقط اللامات مع الواو والياء لاجتماع الساكنين بعد حذف حركاتها ، ولا تسقط مع الألف نحو اغزوا وارميا وارضيا ولم تغزوا ولم ترميا ولم ترضيا ؛ لعدم الساكنين ، ولم يقلب اللام ألفا فى ارضيا واخشيا حملا على ترضيان وتخشيان ، على ما يجىء فى باب الإعلال
قال : «والحركة فى نحو خف الله واخشوا الله واخشى الله واخشونّ واخشين غير معتدّ بها ، بخلاف نحو خافا وخافنّ»
أقول : يعنى أن حركة الواو فى اخشوا الله وحركة اللام فى خف الله عرضتا لأجل كلمة منفصلة ، وهى الله ، فلم يعتد بها ، فلم ترجع الألف المحذوفة لأجل سكون الواو واللام ، وكذلك حركة واو اخشونّ وياء اخشينّ لأن النون المتصلة بالضمير كالكلمة المنفصلة ، على ما قرر المصنف فى آخر الكافية
فان قيل : هب أن النون كالكلمة المنفصلة عن الفعل بسبب توسط الضمير بينهما ، أليست كالمتصلة بالضمير اتصالها باللام فى خافنّ؟ فلما كان حركة اللام فى خافنّ كالأصلية بسبب ما اتصل به : أى النون ، فلذا رجع الألف المحذوفة فى خف ، فكذا كان ينبغى أن يكون حركة الواو والياء فى اخشونّ واخشينّ ، فكان ينبغى أن ترجع اللام المحذوفة فيهما لسكون الواو والياء المتصلين بهما
1) المراد بالموقوف المبنى وهو تعبير شائع فى عبارات المتقدمين من النحاة
قلنا : بين اتصال النون بلام الكلمة وبين اتصالها بالضمير فرق ، وذلك لأن النون إذا اتصلت لفظا بالضمير فهى غير متصلة به معنى ؛ لأنها لتأكيد الفعل لا لتأكيد الضمير ، وأيضا فإن لام الكلمة عريق فى الحركة فاعتذّ بحركته العارضة ، بخلاف واو الضمير ويائه ؛ فانهما عريقان فى السكون
فان قلت : أليس النون فى نحو اضربانّ بعد الضمير؟ فهلا حذفت الألف كما فى اضربا الرّجل؟
قلت : خوفا من التباس المثنى بالمفرد كما مر ، وأما حركة اللام فى خافا وخافوا وخافى وخافنّ فإنها مع عروضها صارت كالأصلية ، بسبب اتصال الضمير المرفوع المتصل الذى هو كجزء الفعل ، واتصال نون التأكيد بنفس الفعل ، وكذا فى ليخافا وليخافوا وليخافنّ ، مع أن حركات اللام فى الكلمات المذكورة وإن كانت عارضة بسبب إلحاق الضمائر والنون ، لكنها ثابتة الأقدام لأجل خروج اللام عن كونه فى تقدير السكون ، كما كان فى قم الليل ولم يقم الليل ؛ إذ الجزم والوقف مع نون التأكيد المتصلة بلام الكلمة زالا بالكلية لصيرورتها معها مبنية على الحركة على (1)الأصح ، كما مر فى شرح الكافية ، ومع اتصال
1) هذا أحد أقوال ثلاثة فى الفعل المضارع الذى اتصلت به نون التوكيد ، وحاصله أن الفعل المضارع يبي على الفتح إذا باشرته نون التوكيد ولم يفصل بينهما فاصل ظاهر أو مقدر ، وذلك فى الفعل المضارع المسند إلى اسم ظاهر أو إلى ضمير الواحد المذكر ، وعلة بنائه حينئذ تركبه مع النون كتركب خمسة عشر ، والفاصل الظاهر ألف الاثنين ، والمقدر واو الجماعة وياء المخاطبة ، والقول الثانى أن المضارع مع نون التوكيد مبنى مطلقا سواء أباشرته النون أم لم تباشره ، وهو مبنى على فتح ظاهر مع المباشرة ، وعلى فتح مقدر منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة المناسبة مع غير المباشرة. والقول الثالث أن الفعل المضارع مع نون التوكيد معرب مطلقا ، وعلامة إعرابه النون المحذوفة لتوالى الأمثال إذا كانت النون غير مباشرة للفعل بأن فصل بينهما فاصل ملفوظ به أو مقدر ، أما مع النون المباشرة فعلامة إعرابه حركة مقدرة منع من ظهورها حركة التمييز بين المسند إلى الواحد والمسند إلى الجماعة والمسند إلى الواحدة.
الضمائر البارزة فى نحو قولا ولم يقولا وقولوا ولم يقولوا وقولى ولم تقولى بلا نون تأكيد ينتقل الجزم والوقف عن اللام إلى النون التى بعد اللام ؛ ففى الحالتين لم يبق اللام فى تقدير السكون ، فلا جرم رجعت العينات ؛ ولزوال الجزم والوقف تثبت اللامات فى اغزون وليغزونّ واغزوا
هذا ، وإنما لم يحذف أول الساكنين ، أعنى الألف فى رمى وغزا ، عند اتصال ألف المثنى فى غزوا ورميا وأعليان وحبليان ، بل قلبت واوا أو ياء كما رأيت ، وحرك ؛ خوفا من التباس المثنى بالمفرد ، أعنى رمى وغزا وأعلى زيد وحبلى عمرو
وإنما لم ترد اللام المحذوفة فى مثل رمت وغزت وإن تحركت التاء فى غزتا ورمتا لأن حركتها وإن كانت لأجل الألف التى هى كالجزء ، لكن تاء التأنيث الفعلية عريقة السكون ، بخلاف لام قوما ، كما مر ، وأيضا حق التاء أن تكون بعد الفاعل ، لأنها علامة تأنيثه لا علامة تأنيث الفعل ، فهى مانعة للألف من الاتصال التام كما قلنا فى اخشونّ واخشينّ ، على أن بعضهم جوز ردّ الألف فى مثله ، مستشهدا بقوله
71 - لها متنتان خظاتا كما
أكبّ على ساعديه النّمر (1)
لها حافر مثل قعب الوليد
ركّب فيه وظيف عجر
لها ثنن كخوافى العقا
ب سود يفين إذا تزبئرّ
لها ذنب مثل ذيل العروس
تسدّ به فرجها من دبر
القعب : قدح مقعر من خشب ، والوليد : الصبى ؛ يريد أن جوف حافرها واسع. والوظيف : مقدم الساق ، وهو من الحيوان ما فوق الرسغ إلى الساق. وعجر : غليظ ، والثنن : جمع ثنة (كعرفة) ، وهي الشعرات التى فى مؤخر رسغ الدابة ، ويفين : أصله يفئن ، وتزبئر : تنتفش ، والمتنتان : تثنية متنة ، وهي بمعنى المتن ؛ وأراد جانبى ظهرها. وخظاتا : اكتنزتا وارتفعتا ، وقوله «كما أكب على ساعديه النمر» قال ثعلب : أى فى صلابة ساعد النمر إذا اعتمد على يديه ، فكأنه قال لها جانبا ظهر مكتنزان شديدان. والاستشهاد بالبيت فى قوله «خظاتا» وهو فعل ماض أصله خظي - كرمي - ومعناه اكتنز ، فأذا ألحقت به تاء التأنيث قلت خظت كما تقول رمت ، فان جئت بألف المثنى مع تاء التأنيث فالقياس أن تقول : خظتا ، كما تقول : رمتا ، كما قال المؤلف ، ولكن هذا الشاعر أعاد الألف التى هى لام الفعل نظرا إلى تحرك التاء ، ولم يبال بعراقة التاء فى السكون ، وهذا تخريج جماعة من العلماء منهم الكسائي ، وذهب الفراء إلى أن خظاتا مثنى خظاة ، حذفت نون الرفع كما حذفت فى نحو قول الراجز :
أراد «والفمان» ، وكما حذفت فى قول الشاعر :
لنا أعنز لبن ثلاث فبعضها
لأولادها ثنتا وما بيننا عنز
أراد «ثنتان» ؛ وذهب أبو العباس المبرد إلى أن النون حذفت للاضافة ، وعنده أن خظاتا مضاف إلى «كما أكب على ساعديه النمر» وهو كلام لا معنى له ؛ إذ لا يمكن تخريجه على وجه صحيح
1) هذا بيت من قصيدة تنسب لامريء القيس بن حجر الكندى ، وهو فى وصف فرس ، وقبله قوله.
قال : «فإن لمّ يكن مدّة حرّك ، نحو اذهب اذهب ولم أبله وألم الله واخشوا الله واخشى الله ، ومن ثمّ قيل اخشونّ واخشينّ لأنّه كالمنفصل»
أقول : اعلم أن أول الساكنين إن لم يكن مدة وجب تحريكه ، إلا إذا أدّى تحريكه إلى نقض الغرض كما فى لم يلده وانطلق ، كما يجىء ، وإنما وجب تحريك الأول من دون هذا المانع لأن سكونه كما ذكرنا هو المانع
من التلفظ بالساكن الثانى ، فيزال ذلك المانع بتحريكه ، إذ لا يؤدى التحريك إلى استثقال كما أدى إليه تحريك حرف المد على ما ذكرنا
ويستثنى من هذا الباب نون التأكيد الخفيفة فى نحو قوله :
72 - لا تهين الفقير علّك أن
تركع يوما والدّهر قد رفعه (1)
لكلّ همّ من الهموم سعه
والصّبح والمسى لا فلاح معه
ما بال من سرّه مصابك لا
يملك شيئا من أمره وزعه
وقبل البيت الشاهد قوله :
قد يجمع المال غير آكله
ويأكل المال غير من جمعه
فاقبل من الدّهر ما أتاك به
من قرّ عينا بعيشه نفعه
وصل حبال البعيد إن وصل الحبل
وأقص القريب إن قطعه
والأضبط بن قريع جاهلى قديم ، وهو الذى أساء قومه مجاورته فانتقل عنهم إلى آخرين ففعلوا مثل ذلك فقال : أينما أوجّه ألق سعدا ، وقال : بكلّ واد بنو سعد (فذهبتا مثلين) ، والفلاح : البقاء والعيش ، وهو أيضا الفوز ، وعليه يحمل قول المؤذن «حى على الفلاح» والاستشهاد بالبيت على أن أصله «لا تهينن» بنون التوكيد الخفيفة الساكنة بعد النون التى هى لام الكلمة ، فلما وقع بعدها ساكن آخر وهو لام التعريف حذفت نون التوكيد للتخلص من التقاء الساكنين
فإنه يحذف كما ذكرنا فى شرح الكافية فرقا بينها وبين التنوين (2)
1) هذا البيت من بحر المنسرح ، وآخر النصف الأول منه قوله : «علك أن» وقد حذف من أوله سبب خفيف. وهو من قصيدة للأضبط بن قريع أولها :
2) يريد أنهم قصدوا عدم تسويتها بالتنوين ، وذلك لأن التنوين لازم للاسم المتمكن فى الوصل إذا خلا عن المانع ، وهو الاضافة واللام ، بخلاف النون الخفيفة ، فانها قد تترك من الفعل بلا مانع ، فلما اضطروا إلى تحريكهما أو حذفهما - وذلك عند التقائهما مع ساكن آخر - أجروا التنوين على الأصل فى التخلص من التقاء الساكنين ، وهو تحريك أولهما إذا لم يكن مدة ، وأجروا النون على خلاف الأصل ، وهو حذف أول الساكنين ، مع أنها ليست مدة ، فرقا بينها وبين التنوين ، ولم يعكسوا ؛ لأن التنوين لازم للاسم المتمكن بخلاف النون ، والخلاصة أن التنوين إذا التقى مع ساكن آخر فلا يحذف قياسا إلا فى ابن وابنة إذا كانا نعتين لعلم وكانا مضافين لعلم آخر ، وإنما حذف التنوين من الموصوف بهما لأنه قد كثر استعمالهما نعتين على هذا الوجه ، واللفظ إذا كثر استعماله طلب التخفيف فيه ، فلما اضطروا بسبب التقاء الساكنين إلى تحريك التنوين أو حذفه اختاروا حذفه طلبا للخفة ، والنون الخفيفة إذا التقت مع ساكن آخر حذفت قياسا ؛ قصد اللفرق بينها وبين التنوين
ويستثنى أيضا نون لدن ، وحذفه شاذ ، ووجهه مع الشذوذ أنه كان فى معرض السقوط من دون التقاء الساكنين ، نحو :
73 - من لد لحييه إلى منحوره
يستوعب البوعين من جريره (1)
يستوعب البوعين من جريره
من لد لحييه إلى منحوره
وصف بعيرا ، أو فرسا ، بطول العنق فجعله يستوعب من حبله الذى يربط به مقدار باعين فيما بين لحييه ونحره. والبوعان : مثنى بوع ، وهو مصدر بعت الشىء أبوعه بوعا إذا ذرعته بباعك ، والجرير : الحبل والاستشهاد بالبيت فى قوله : «لد لحييه» على أن أصله لدن فحذفت النون قال سيبويه. «فأما لدن فالموضع الذى هو أول الغاية ، وهو اسم يكون ظرفا ، يدلك على أنه اسم قولهم : من لدن ، وقد يحذف بعض العرب النون حتى يصير على حرفين ، قال الراجز : «يستوعب البوعين ... البيت» اه
فيجوز حذفه إذا وقع موقعا يحسن حذف حرف المد فيه ، وذلك لأجل مشابهته للواو ، ولا يقاس عليه نون لم يكن ، وإن شاركه فيما قلنا : من مشابهة
1) هذا البيت من شواهد سيبويه ، وقد وقع فى نسخ الأصل كلها على ما ترى ، والذى فى سيبويه وفى شرح الشواهد للبغدادى
الواو ، وجواز حذفه لغير الساكنين ؛ لأن حذف نون لدن للساكنين شاذ ، وما ذكرناه وجه استحسانه ، وليس بعلة موجبة
ويستثنى أيضا تنوين العلم الموصوف بابن مضافا إلى علم كما مر فى موضعه (1)
نبّئت أنّ عقالا بن خويلد
بنعاف ذى عزم وأنّ الأعلما
ينمى وعيدهما إلىّ وبيننا
شمّ فوارع من هضاب يرمرما
ما نصه : «والأجود فى العلم وقد وصف بالابن أو الابنة مضافين إلى علم أو ما يجرى مجراه ترك التنوين فيه ، وقد نون هذا الشاعر «عقالا» ؛ وإذ قد فعل ذلك فالأجود فى ابن خويلد أن يجعل بدلا ، ويجوز أن يجعل صفة على اللغة الثانية» اه ، وعلى ذلك يحمل قول الراجز :
على أنه لغة ، وليس ضرورة كما ذكره بعض النحاة
وأما حذف التنوين للساكنين فى قوله :
74 - وحاتم الطّائىّ وهّاب المئى (2)
وحيدة ولقيط وعلى وحاتم : أعلام ، والطائى : نسبة إلى طييء على خلاف القياس. والاستشهاد بالبيت فى قوله «وحاتم الطائى» حيث حذف التنوين من حاتم ضرورة ، وفيه شاهد آخر فى قوله «المئي» حيث حذف النون ضرورة ، وأصله المئين وليس هذا الاستشهاد الثانى مرادا هنا
1) المعروف من مذاهب النحاة أن كلمة «ابن» إذا وقعت بين علمين ثانيهما أبو الأول وكانت وصفا لأولهما وجب أمران : أحدهما حذف ألف ابن فى الخط ، وثانيهما حذف تنوين العلم الأول إن كان منونا ؛ لكن حكى التبريزي فى شرح الحماسة فى هذا لغتين : الأولى حذف التنوين كالمشهور عن النحاة ، وثانيتهما جواز التنوين. قال (ح 4 ص 34 طبعة المكتبة التجارية) فى شرح قول قرواش بن حوط الضبى
2) هذا بيت من الرجز المشطور لامرأة تفتخر بأخوالها ، وقبله :
وفيما قرىء من قوله تعالى (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ اللهُ الصَّمَدُ) فشاذ
والأصل فى تحريك الساكن الأول الكسر ، لما ذكرنا أنه من سجية النفس إذا لم تستكره على حركة أخرى ، وقيل : إنما كان أصل كل ساكن احتيج إلى تحريكه من هذا الذى نحن فيه ومن همزة الوصل الكسر لأن السكون فى الفعل : أى الجزم ؛ أقيم مقام الكسر فى الاسم : أى الجر ، فلما احتيج إلى حركة قائمة مقام السكون مزيلة له أقيم الكسر مقامه على سبيل التقاصّ ، وقيل : إنما كسر أول الساكنين وقت الاحتياج إلى تحريكه لأنه لم يقع إلا فى آخر الكلمة فاستحب أن يحرك بحركة لا تلتبس بالحركة الإعرابية ، فكان الكسر أولى ؛ لأنه لا يكون إعرابا إلا مع تنوين بعده أو ما يقوم مقامها من لام وإضافة ، فاذا لم يوجد بعده تنوين ، ولا قائم مقامها علم أنه ليس باعراب ، وأما الضم والفتح فقد يكونان إعرابا بلا تنوين ، ولا شىء قائم مقامه ، نحو جاءنى أحمد ، ورأيت أحمد ، ويضرب ولن يضرب ، فلو حرك باحدى الحركتين لالتبست بالحركة الإعرابية
قوله «ولم أبله» أصله أبالى ، سقطت الياء بدخول الجازم ، فكثر استعمال «لم أبال» فطلب التخفيف ؛ فجوّز جزم الكلمة بالجازم مرة أخرى ، تشبيها لها بما لم يحذف منه شىء كيقول ويخاف ، لتحرك آخرها ، فأسقط حركة اللام ، فسقط الألف للساكنين ، فألحق هاء السكت لأن اللام فى تقدير الحركة ، إذ هى إنما حذفت على خلاف القياس ، فكأنها ثابتة كما فى «لم يره» و «لم يخشه» فالتقى ساكنان فكسر الأول كما هو القياس ، وأيضا فان الكسر حركته الأصلية
وأما قوله (ألم الله) فمن وقف على (ألم) وعدها آية وابتدأ بالله محركا لهمزته
بالقتح فلا كلام فيه ، وأما من وصل ألم بالله فانه يحرك ميم ميم بالفتح لا غير ، وهو مذهب سيبويه ، والمسموع من كلامهم ، واختلف فى هذه الفتحة ، والأقرب كما قال جار الله أنها فتحة همزة الله نقلت إلى ميم ، كما قلنا فى ثلاثهربعة. وقال بعضهم : هى لإزالة الساكنين ، وإنما كان الأول هو المختار لما تقدم أن أسماء حروف الهجاء إذا ركبت غير تركيب الإعراب جرى كل واحد منها مجرى الكلمة الموقوف عليها ، لعدم اتصال بعضها ببعض من حيث المعنى ، وإن اتصلت من حيث اللفظ ؛ ومن ثم قلبت تاآت نحو ثلاثة أربعة هاء ، فلما كانت ميم كالموقوف عليها ثبتت همزة الوصل فى الله ؛ لأنها كالمبتدأ بها ، وإن كانت متصلة فى اللفظ بميم ، فلما نقلت حركة همزة القطع إلى ما قبلها وحذفت فى ثلاثهربعة وفى قوله «لام الف» كذلك حذفت همزة الوصل بعد نقل حركتها إلى ما قبلها لأنها صارت كهمزة القطع من حيث بقاؤها مع الوصل ؛ إلا أن حذفها مع نقل الحركة فى (ألم الله) أولى من إثباتها ، كراهة لبقاء همزة الوصل فى الدرج ، بخلاف الهمزة فى ثلاثهربعة ولام ألف ؛ فان حذفها لا يترجح على إثباتها لكونها همزة قطع ، واختار المصنف جعل حركة ميم للساكنين ، بناء على أن الكلمات المعدودة ليست أواخرها كأواخر الكلم الموقوف عليها ، فيسقط إذن همزة الوصل لكونها فى الدرج ، فيلتقى ساكنان : الميم ، واللام الأولى ، فلم يكسر الميم كأخواته لأن قبله ياء وكسرة ، فلو كسرت لتوالت الأمثال ، وأيضا فيما فعلوا حصول التفخيم فى لام الله ، إذ هى تفخم بعد الفتح والضم وترقق بعد الكسر ، والذى حمله على هذا بناؤه كما مر على أن سكون أواخر الكلمات المعدودة ليس للوقف ؛ لأنه إنما يسكن المتحرك ، ولا حركة أصلا لهذه الكلمات ، وذهب عنه أنه يوقف على الساكن أيضا ، والحق أنها مبنية على السكون ، فجرى آخر كل واحدة منها مجرى الموقوف عليه ، كما يوقف على من وكم ونحوهما ، وقلب التاء هاء وثبوت همزة الوصل فى نحو واحد اثنان دليل الوقف ، وأجاز الأخفش الكسر أيضا فى (ألم الله) قياسا
لا سماعا ، كما هو عادته فى التجرد بقياساته على كلام العرب الذى أكثره مبنى على السماع [وهذا من الأخفش] بناء على أن الحركة للساكنين وليست للنقل ، وبه قرأ عمرو بن عبيد
قوله «واخشوا الله ، وأخشى الله» إنما لم يحذف الواو والياء لأن الأصل أن يتوصل إلى النطق بالساكن الثانى بتحريك الساكن الأول لا بحذفه ، لأن سكونه هو المانع من النطق به ، فيرفع ذلك المانع فقط ، وذلك بالتحريك ، وإنما ينتقل إلى حذفه إذا كان مدة كما ذكرنا ، والواو والياء إذا انفتح ما قبلهما ليستا بمدتين فلا يستثقل تحريكهما ، مع أنه لو حذف الواو والياء ههنا - وهما كلمتان برأسهما - لم يكن عليهما دليل ؛ لأن قبلهما فتحة ، بخلاف «اغزوا القوم» و «اغزى الجيش» فان الضمة قبل الواو والكسرة قبل الياء دليلان عليهما بعد حذفهما
قوله «ومن ثم قيل اخشونّ واخشينّ لأنه كالمنفصل» لا وجه لا يراد هذا الكلام ههنا أصلا ؛ لأن الساكن الأول يحرك إذا لم يكن مدة ، وإن كان الثانى متصلا مثل الهاء فى «لم أبله» أو منفصلا كاخشوا الله واخشى الله أو كالمنفصل كاخشونّ واخشينّ ؛ فأى فائدة لقوله «لأنه كالمنفصل» وحكم المتصل أيضا كذلك؟
وهذا مثل ما قال فى آخر الكافية «وهما فى غيرهما مع الضمير البارز كالمنفصل» كأنه توهم ههنا أن حق الواو والياء فى مثله الحذف كما فى اغزنّ ، لكن لما كان النون المؤكدة التى بعد الضمة كالكلمة المنفصلة لم يحذفا ، كما لم يحذفا فى نحو اخشوا الله واخشى الله ، وقد ذكرنا الكلام عليه هناك ، وتحريك لام التعريف الداخلة على همزة الوصل ، نحو الابن والاسم والانطلاق والاستخراج ، من باب تحريك أول الساكنين بالكسر ليمكن النطق بالثانى فى نحو قد استخرج وهل احتقر ؛ لأن همزة الوصل حركتها تسقط فى الدرج فيلتقى ساكنان : لام التعريف ،
والساكن الذى كان بعد همزة الوصل ، وروى الكسائى عن بعض العرب جواز نقل حركة الهمزة إذا أردت حذفه فى الدرج إلى ما قبله ، فروى (بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله) بفتح ميم الرحيم إذا وصلته بأول الحمد ، وكذا قرىء فى الشواذ (قم اللّيل) بفتح الميم ، فعلى هذا يجوز أن يكون كسرة اللام فى الابن والانطلاق منقولة عن همزة الوصل ، وكذا الضم فى نحو (قد استهزىء) و (قالت اخرج) وهو ضعيف ، ولو جاز هذا لجاز (لم يكن الّذين) وعن الّذين ؛ بفتح النونين
قال «إلّا فى نحو انطلق ولم يلده ، وفى نحو ردّ ولم يردّ فى تميم ممّا فرّ من تحريكه للتّخفيف فحرّك الثّانى ؛ وقراءة حفص ويتّقه ليست منه على الأصحّ»
أقول : يعنى إذا لم يكن الأول مدة حرك الأول ؛ إلا إذا حصل من تحريك الأول نقض الغرض ، وهذا فى الفعل فقط ، نحو انطلق ، وأصله انطلق أمر من الانطلاق ، فشبه طلق بكتف فى لغة تميم ، فسكن اللام ، فالتقى ساكنان ، فلو حرك الأول على ما هو حق التقاء الساكنين لكان نقضا للغرض وكذا الكلام فى لم يلده ، قال :
عجبت لمولود وليس له أب
وذى ولد لم يلده أبوان (1)
واختير فتح ثانى الساكنين على الكسر الذى هو الأصل فى تحريك الساكنين لتنزيه الفعل عنه ، ومن ثم توقى منه بنون العماد ، وأما الضم فلا يصار إليه فى دفع الساكنين لثقله ، إلا للاتباع كما فى منذ ، أو لكونه واو الجمع كما فى اخشونّ ، وقيل : إنما فتح إتباعا لحركة ما قبل الساكن الأول مع كون الفتح أخف
قوله «وفى نحو ردّ ولم يردّ فى تميم» اعلم أن أهل الحجاز لا يدغمون فى
1) قد سبق القول فى هذا البيت (ج 1 ص 45) فارجع إليه هنالك ، وانظر (ص 226 من هذا الجزء)
المضاعف الساكن لامه للجزم أو للوقف ، نحو اردد ولم يردد ؛ لأن شرط الإدغام تحريك الثانى ، وبنو تميم وكثير من غيرهم لما رأوا أن هذا الاسكان عارض للوقف أو للجزم وقد يتحرك وإن كانت الحركة عارضة فى نحو «اردد القوم» لم يعتدوا بهذا الاسكان ، وجعلوا الثانى كالمتحرك ، فسكنوا الأول ليدغم ، فتخف الكلمة بالادغام ، فالتقى ساكنان ، فلو حرك الأول لكان نقضا للغرض ، وقد جاء به الكتاب العزيز أيضا ، قال تعالى : (وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ) وإذا ثبت أن بعض العرب يدغم الأول فى الثانى فى نحو يرددن مع أن تحريك الثانى مع وجود النون ممتنع فما ظنك بجواز إدغام نحو اردد ولم يردد مع جوز تحريك الثانى للساكنين؟ واتفق الجميع على ترك إدغام أفعل تعجبا نحو أحبب به ، لكونه غير متصرف ، وقد يحرك الثانى أيضا إذا كان آخر الكلمة المبنية ؛ إذ لو حرك الأول والساكنان متلازمان على هذا التقدير لالتبس وزن بوزن ، كما فى أمس ومنذ ، فكان يشتبه فعل وفعل الساكنا العين بالمتحركيها ، ويجوز أن يعلل أين وكيف وحيث بمثله ، وباستثقال الحركة على حرف العلة إن لم يقلب ، ولو قلب لكان تصرفا فى غير متمكن
قوله : «وقراءة حفص - الخ» رد على الزمخشرى (1)
ذهب النحاة فى توجيه هذه القراءة أربعة مذاهب : أولها - وهو ما ذهب إليه الجمهور وعزاه المؤلف للزمخشرى - وثانيها مذهب ذهب إليه عبد القاهر وحكاه عنه الجاربردى واختاره المصنف وذكر المؤلف أنه الحق ؛ وقد تكفل المؤلف ببيان هذين المذهبين ، فلا داعى للاطالة فى شرحهما ، والثالث - وهو مذهب ذهب إليه أبو على الفارسي - وحاصله أن الهاء هاء الضمير المفرد المذكر ، وأنها قد سكنت على لغة بنى عقيل وكلاب ، وذلك أنهم يجوزون تسكين هاء ضمير المفرد المذكر إذا تحرك ما قبلها ، ثم سكنت القاف من يتقه على لغة بنى تميم ، تشبيها بنحو كتف ، فالتقى ساكنان أولهما ليس مدة ، فلو حرك الأول منهما على القاعدة لكان نقضا للغرض ؛ فلذلك حرك الثانى ؛ فعلى هذا جاز أن تكون قراءة حفص منه ، والرابع أن الهاء هاء الضمير وأن القاف سكنت لا للتشبيه بنحو كتف فى لغة بنى تميم ، بل لتسليط الجازم عليها ، كما سكنت اللام فى «لم أبله» ، وكما سكنت القاف فى قول من قال :
ومن يتّق فإنّ الله معه
ورزق الله مؤتاب وغادى
وعلى هذا لا تكون قراءة حفص من باب التقاء الساكنين ، كما أنها ليست كذلك على الوجه الذي ذهب إليه المصنف تبعا لعبد القاهر ، والفرق بين هذا المذهب الأخير وبين ما ذهب إليه المصنف أن القاف سكنت على ما ذهب إليه المصنف تخفيفا تشبيها له بنحو كتف ، وعلى المذهب الأخير سكنت القاف للجازم ، والخلاصة أن قراءة حفص تكون من هذا الباب على المذهب الأول والثالث ولا تكون منه على المذهب الثانى والرابع
، فانه قال : أصله1) لم ينفرد الزمخشرى بما ذكره المؤلف ، بل هو تابع فيما ذهب إليه لجمهرة النحاة ، ونحن نلخص لك ما ذهبوا إليه فى توجيه قراءة حفص ؛ فنقول :
يتّق ألحقت به هاء السكت فصار تقه ككتف فخفف بحذف حركة القاف كما هو لغة تميم ، فالتقى ساكنان ، فحرك الثانى : أى هاء السكت ؛ لئلا يلزم نقض الغرض لو حرك الأول ، وفيما قال ارتكاب تحريك هاء السكت ، وهو بعيد ، وقال المصنف - وهو الحق - : بل الهاء فيه ضمير راجع إليه تعالى فى قوله (وَيَخْشَ اللهَ) وكان تقه ككتف ، فخفف بحذف كسر القاف ، ثم حذف الصلة التى بعد هاء الضمير : أى الياء ؛ لأنها تحذف إذا كان الهاء بعد الساكن نحو منه وعنه وعليه ، كما مر فى باب المضمرات
قال : «والكسر الأصل فإن خولف فلعارض : كوجوب الضّمّ فى ميم الجمع ومد ، وكاختيار الفتح فى ألم الله»
أقول : قد ذكرنا لم كان الكسر أصلا فى هذا الباب
قوله : «كوجوب الضم فى ميم الجمع» ليس على الإطلاق ، وذلك أن ميم
الجمع إذا كانت بعد هاء مكسورة فالأشهر فى الميم الكسر ، كقراءة أبى عمرو (عليهم الذّلّة) و (بهم الأسباب) وذلك لاتباع الهاء وإجراء الميم مجرى سائر ما حرك للساكنين ، وباقى القراء على خلاف المشهور ، نحو (بهم الأسباب) و (عليهم القتال) بضم الميم ، تحريكا لها بحركتها الأصلية لما احتيج إليها : أى الضم ، كما مر فى باب المضمرات (1)، وإن كانت الميم بعد ضمة ، سواء كانت على الهاء كما فى قوله تعالى : (هُمُ الْمُؤْمِنُونَ) وفى قراءة حمزة (عليهم القتال) أو على غيرها نحو (أَنْتُمُ الْفُقَراءُ) و (لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ) و «لم يأت بكم الله» فالمشهور ضم الميم تحريكا لها بحركتها الأصلية وإتباعا لما قبلها ، وجاء فى بعض اللغات كسرها للساكنين كما فى سائر أخواتها من ساكن قبل آخر
قوله «ومذ» لا يجب ضم ذال مذ كما ذكر المصنف ، بل ضمها للساكنين أكثر من الكسر : إما لأن أصلها الضم على ما قيل من كونها فى الأصل منذ ،
1) ملخص ما ذكره فى شرح الكافية : أنهم زادوا الميم قبل الواو مع ضمير الجمع لئلا يلتبس ضمير الجمع بضمير المتكلم إذا أشبعت ضمته ، فأصل «ضربتم» مثلا ضربتو ، فدفعا للبس زادوا الميم قبل الواو وضموها لمناسبة الواو ، ثم إن وقع بعد الواو ضمير وجب إثبات الواو على الصحيح ، وإن لم يقع بعدها ضمير : فمنهم من يحذف الواو استثقالا لواو مضموم ما قبلها فى آخر الاسم ، ومنهم من لا يحذف ؛ لأن الاستثقال عنده خاص بالاسم المعرب ؛ فاذا حذفت الواو سكنت الميم لزوال المقتضى لضمها ؛ فاذا التقت مع ساكن آخر فان كانت بعد ضمة فالأشهر الأقيس ضمها إتباعا ، ولأن الضم حركتها الأصلية ؛ ومنهم من يكسرها على أصل التخلص من التقاء الساكنين. وهو فى غاية القلة ، ومنعه أبو على الفارسى ؛ وإن كانت بعد كسرة فالأشهر الأقيس كسرها إتباعا أو على أصل التخلص ، ومنهم من يضمها تحريكا لها بحركتها الأصلية لأنه لما اضطر إلى تحريك الميم كان تحريكها بحركتها الأصلية أولى من اجتلاب حركة أجنبية
وإما لاتباع الذال للميم ، وإما لكونه كالغايات كما مر فى بابه ، والتزموا الضم فى «نحن» ليدل على الجمعية كما فى همو وأنتمو
قوله «وكاختيار الفتح» «فى ألم» قد ذكرنا ما فيه ، والفتح فى نحو اضربنّ.
وليضربنّ للساكنين عند الزجاج والسيرافى ، كما مر فى شرح الكافية
قال : «وكجواز الضّمّ إذا كان بعد الثّانى منهما ضمّة أصليّة فى كلمته نحو وقالت اخرج وقالت اغزى ، بخلاف إن امرؤ وقالت ارموا وإن الحكم».
أقول : يعنى إذا كان بعد الساكن الثانى من الساكنين ضمة
قوله «أصلية» ليدخل نحو «وقالت اغزى» لأن أصل الزاى الضمة ، إذ الياء لحقت باغز بضم الزاى ، وليخرج نحو «وقالت ارموا» لأن أصل الميم الكسر ، إذ الواو لحقت بارم بكسر الميم ، وليخرج نحو (إن امرؤ هلك) لأن ضمة الراء تابعة لضمة الاعراب العارضة وتابع العارض عارض
قوله «فى كلمته» صفة بعد صفة لضمة : أى ضمة ثابتة فى كلمة الساكن الثانى ، ليخرج نحو «إن الحكم» لأن ضمة الحاء وإن كانت لازمة للحاء لكن الحاء المضمومة ليست لازمة للساكن الثانى ، إذ تقول : إن الحكم ، وإن الفرس ، والمطلوب من كونها فى كلمته لزومها له حتى يستحق أن تتبع حركتها حركة الساكن الأول ، وكان المبرد لا يستحسن ضم الساكن الأول إذا كان بعد كسرة ، لاستثقال الخروج من الكسرة إلى الضمة نحو (عذاب اركض) وربما ضم أول الساكنين وإن لم يكن بعد ثانيهما ضمة أصلية ، إتباعا لضمة ما قبله ، نحو قل اضرب ، وقرىء فى الشواذ (قم الليل) وقاس بعضهم عليه فتح المسبوق بفتحة ، نحو «اصنع الخير»
قال : «واختياره فى نحو اخشوا القوم عكس لو استطعنا»
أقول : قوله «واختياره» أى : اختيار الضم فى واو الجمع المفتوح ما قبلها نحو اخشوا القوم واخشونّ ؛ لتتماثل حركات ما قبل النون فى جمع المذكر فى جميع الأبواب نحو اضربنّ واغزنّ وارمنّ واخشون ، ويجوز أن يقال : قصدوا الفرق بين واو الجمع وغيره ، نحو لو استطعنا ، وكان واو الجمع بالضم أولى ، جعلا لما قبل نون التأكيد فى جمع المذكر على حركة واحدة فى جميع الأبواب كما ذكرنا ، وكذا واو الجمع فى الاسم نحو «مصطفوا الله» ليجانس نحو «ضاربو القوم» واختير فى واو «لو استطعنا» الكسر على الأصل ؛ لانتفاء داعى الضم كما كان فى واو الجمع ، وقد يشبه واو الجمع بواو نحو «لو استطعنا» فيكسر ، وكذا قد يشبه واو نحو لو بواو الجمع فيضم ، وكلاهما قليل ، واختاروا الضم فى حيث لكونه كالغايات كما مر فى بابه
قال «وكجواز الضّمّ والفتح فى نحو ردّ ولم يردّ بخلاف ردّ القوم على الأكثر ، وكوجوب الفتح فى نحو ردّها ، والضّمّ فى نحو ردّه على الأفصح ، والكسر لغيّة ، وغلّط ثعلب فى جواز الفتح»
أقول : اعلم أن بنى تميم ومن تبعهم إذا أدغموا مثل هذا الموقوف والمجزوم كما ذكرنا ذهبوا فيه مذاهب : منهم من يفتحه كما فى نحو انطلق ولم يلده ، نظرا إلى كونه فعلا فتجنيبه الكسرة اللازمة أولى ، وأما فى اردد القوم فعروضها سهل أمرها ، فيقول : مدّ وعضّ وعزّ ، وفتح عضّ عنده ليس للإتباع ، وإلا قال مدّ بالضم وعزّ بالكسر ؛ ومنهم من يفر من الكسر إلى الإتباع كما فى منذ ، فيقول : مدّ وعزّ وعضّ ، والكسر فى عزّ ليس عنده لأن الساكن يحرك بالكسر ، وإلا كسر عضّ ومدّ أيضا ، ومنهم من يبقى الجميع على الكسر الذى هو الأصل فى إزالة الساكنين ، وهم كعب وغنىّ ، فيقول : مدّ وعضّ وعزّ ، والكسر فى عز عنده ليس للاتباع ، وإلا أتبع فى مد وعض أيضا
وقد اجتمعت العرب حجازيّهم وغيرهم على الإدغام فى «هلمّ» مع الفتح ؛ لتركبه مع «ها» فخففوه بوجوب الإدغام ووجوب الفتح (1)
وإن اتصل هذا المجزوم أو الموقوف بساكن بعده ، نحو ردّ ابنك ولم تردّ القوم ، اتفق الأكثر ممن كان يدغم على أنه يكسر قياسا على سائر ما يكون ساكنا قبل مثل هذا الساكن ، نحو اضرب القوم ، ومن العرب من تركه مفتوحا مع هذا الساكن أيضا ، ذكر يونس أنه سمعهم ينشدون :
75 - فغضّ الطّرف إنّك من نمير
فلا كعبا بلغت ولا كلابا (2)
أقلّى اللّوم عاذل والعتابا
وقولى إن أصبت : لقد أصابا
وعاذل : مرخم عاذلة ، وهو منادى ، وجواب الشرط الذى هو قوله «إن أصبت» محذوف لدلالة ما قبله عليه ، والمبرد يجعل المتقدم جوابا. وقوله «لقد أصابا» مقول القول. والمراد لا تعتز ولا تتكبر. ونمير قبيلة الراعى المهجو ، وكعب وكلاب قبيلتان بلغتا عند الشاعر غاية السمو والرفعة. والاستشهاد بالبيت فى قوله «فغض الطرف» فان يونس على ما حكاه عنه سيبويه سمع العرب ينشدونه بفتح الضاد ، والفتح لغة بنى أسد كما قاله جار الله فى المفصل
1) قال المؤلف فى شرح الكافية (ح 2 ص 68): «وهو (يريد هلم) عند الخليل هاء التنبيه ركب معها «لم» أمر من قولك لم الله شعثه : أى جمع : أى اجمع نفسك إلينا فى اللازم ، واجمع غيرك فى المتعدى ، ولما غير معناه عند التركيب ؛ لأنه صار بمعنى أقبل أو أحضر بعد ما كان بمعنى اجمع ؛ صار كسائر أسماء الأفعال المنقولة عن أصولها فلم يتصرف فيه أهل الحجاز مع أن أصله التصرف ، ولم يقولوا فيه : هلمم ، كما هو القياس عندهم في «اردد وامدد» ولم يقولوا : هلم وهلم (بضم الأول للاتباع وكسر الثانى على أصل التخلص من التقاء الساكنين) كما يجوز ذلك فى مد ، كل ذلك لثقل التركيب» اه
2) البيت من قصيدة لجرير بن عطية هجابها الراعى النميرى ، ومطلعها :
بفتح الضاد ، كأنهم حركوه بالفتح قبل دخول اللام ، فلما جاء اللام لم يغيروه ، ولم يسمع من أحد منهم الضم قبل الساكن ، وقد أجازه المصنف فى الشرح ، وهو وهم (1)
فغضّ الطّرف إنّك من نمير
فلا كعبا بلغت ولا كلابا
نعم الضم قليل ، قال فى التسهيل فى باب التقاء الساكنين : «ولا يضم قبل ساكن بل يكسر وقد يفتح» هذا لفظه» اه كلام الأشمونى ، وقال الجاربردى فى شرح الشافية : «بخلاف ما إذا لقى ساكنا بعده نحو رد القوم ؛ فإن المختار حينئذ الكسر ؛ لأنه لو لم يدغم وقيل «اردد القوم» لزم الكسر ؛ فلما أدغموا أبقوا الثانى على حركته ؛ ومنهم من يفتحه ؛ قال جرير :
ذمّ المنازل بعد منزلة اللّوى
والعيش بعد أولئك الأيّام
قد روى «ذم» بالكسر أيضا ، ومنهم من يضم وهو قليل شاذ» اه ، وبعد سماع هذا لا محل لتوهيم الرضى ابن الحاجب فيما حكاه من أن الضم لغة ، وإذا كان معتمد الرضى أن سيبويه لم يحكه أو أنكره فلا يجوز تعدية ذلك إلى غير سيبويه من العلماء ، وقد رأيت فى نص الأشمونى أن ابن جنى ممن حكى الضم ، وهذا القدر وحده كاف لابن الحاجب فى الاستناد إليه ، وكفى بابن جنى مستندا
واتفقت العرب كلهم على وجوب الفتح إذا اتصلت به هاء بعدها ألف ، نحو ردّها وعضّها واستعدّها ، وذلك لأن الهاء خفية فكأن الألف ولى المدغم فيه ، ولا يكون قبلها إلا الفتحة ، وإذا كانت الهاء مضمومة للواحد المذكر ضموا كلهم نحو ردّه وعضّه واستعدّه ؛ لأن الواو كأنها وليت المدغم فيه لخفاء الهاء ، فكأنك قلت ردّوا وعضّوا واستعدوا ، وليس الضم فى ردّه لإتباع ما قبله ؛
1) قال الأشموني فى شرحه على الألفية فى باب الادغام : «والتزم أكثرهم الكسر قبل ساكن فقالوا رد القوم ، لأنها حركة التقاء الساكنين فى الأصل ، ومنهم من يفتح ، وهم بنو أسد ، وحكى ابن جنى الضم ، وقد روى بهن قول جرير :
وإلا لم يضم فى عضّه واستعدّه ، وورد فى بعض اللغات كسر المدغم فيه ، وذلك لأنه إذا كسر انكسر الهاء أيضا تبعا له كما هو عادته فى به وغلامه ، فينقلب الواو ياء ، فلو بقيت الهاء على أصلها لاستكره ؛ لأن الواو الساكنة كأنها بعد الضمة بلا فصل ، لخفاء الهاء ، وجوز ثعلب فى الفصيح من غير سماع فتح المدغم فيه مع مجىء هاء الغائب بعده ، نحو ردّه وعضّه ، وقد غلطه جماعة ، والقياس لا يمنعه ؛ لأن مجىء الواو الساكنة بعد الفتحة غير قليل كقول وطول
واعلم أنه إذا اتصل النون وتاء الضمير بالمضاعف ، نحو رددت ورددنا ورددن وغيرها ، فإن بنى تميم وافقوا فيه الحجازيين فى فك الإدغام للزوم سكون الثانى ، وزعم الخليل وغيره أن أناسا من بنى بكر بن وائل وغيرهم يدغمون نحو ردّن ويردّن وردّن فى المضارع والماضى والأمر ، وكذا ردّت ، نظرا إلى عروض اتصال الضمائر ؛ فيحركون الثانى بالفتح للساكنين ، قال السيرافى : هذه لغة رديئة فاشية فى عوام أهل بغداد
قال : «والفتح فى نون من مع اللّام نحو من الرّجل ، والكسر ضعيف ، عكس من ابنك ، وعن على الأصل ، وعن الرّجل بالضّمّ ضعيف»
أقول : أى وكوجوب الفتح فى نون «من» اعلم أن نون «من» إذا اتصل به لام التعريف فالأشهر فتحه ، وذلك لكثرة مجىء لام التعريف بعد من ، فاستثقل توالى الكسرتين مع كثرته ، وليس ذلك لنقل حركة الهمزة ، وإلا جاز هل الرّجل ، قال الكسائى : وإنما فتحوا فى نحو من الرّجل ؛ لأن أصل من منا ، ولم يأت فيه بحجة ، وهذا كما قال أصل كم كما ، وأما إذا ولى نون «من» ساكن آخر غير لام التعريف فالمشهور كسر النون على الأصل ، نحو من ابنك ، ولم يبال بالكسرتين لقلة الاستعمال ، قال سيبويه : وقد فتحه
جماعة من الفصحاء فرارا من الكسرتين ، وقد كسر أيضا بعض العرب - وليس بمشهور - نون من مع لام التعريف على الأصل ، ولم يبال بالكسرتين لعروض الثانية
والتزموا أيضا الفتح فى الساكن الثانى إذا كان الأول ياء نحو أين وكيف ، فرارا من اجتماع المتماثلين ، أعنى الياء والكسرة ، لو كسروا على الأصل ، واستثقالا للضمة بعد الياء لو ضموا ، وقد شذ من ذلك حيث فإنهم جوزوا ضمه فى الأفصح الأشهر وفتحه على القياس المذكور وكسره على ضعف ، والأخيران قليلان ، ووجه الضم قد تقدم ، وأما الكسر فعلى الأصل وإن كان مخالفا للقياس المذكور ؛ لأن الأول ياء ، لكن مجىء الضم مخالفا للقياس المذكور جوز المخالفة بالكسر أيضا
قوله «وعن على الأصل» أى : يكسر نونه مع أى ساكن كان ، إذ لا يجتمع معه كسرتان كما فى من ، وحكى الأخفش «عن الرّجل» بالضم ، قال : وهى خبيثة شبه بقولهم : قل انظروا ، يعنى أنه حرك النون بالضم إتباعا لضمة الجيم ، ولم يعتد بالراء المدغمة ، وفيه ضعف ؛ لعدم جواز الضم فى «إن الحكم» مع أن الضمة بعد الساكن الثانى بلا فصل ، فكيف بهذا؟ فلو صح هذه الحكاية فالوجه أن لا يقاس عليه غيره ، ولو قيس أيضا لم يجز القياس إلا فى مثله مما بعد الساكن فيه ضم ، نحو عن الحكم ، أو بينهما حرف نحو عن العضد.
قال : «وجاء فى المغتفر النّقر ومن النّقر واضربه ودأبّة وشأبّة [وجأنّ] ؛ بخلاف تأمرونّى»
أقول : يعنى جاء فى نوعين مغتفرين من التقاء الساكنين تحريك أولهما ، وذلك لكراهتهم مطلق التقاء الساكنين : أحدهما ما يكون سكون الثانى فيه
للوقف وأولهما غير حرف اللين ، نحو جاءنى عمرو ومررت بعمرو ، فتحرك الأول بحركة الثانى ، وذلك لأنه لم يكن بد من الحركة الخفية ، كما ذكرنا فى أول هذا الباب ، فتحريكه بحركة كانت ثابتة فقصد حذفها دالة على معنى أولى ، كما يجىء فى باب الوقف ، فإن كان الساكن الثانى هاء المذكر ، نحو اضربه ومنه وضربته ، جاز نقل حركة الهاء إلى الساكن الذى قبله ، فتقول اضربه ومنه وضربته ، وبعض بنى تميم من بنى عدى يحذفون حركة الهاء ويحركون الأول بالكسر فيقولون : ضربته وأخذته ، كما تقول : ضربت المرأة ، على ما يجىء فى باب الوقف ، وثانى النوعين ما يكون الساكن الثانى فيه مدغما والأول ألف نحو الضّالّين ، فتقلب الألف همزة مفتوحة ، كما يحكى عن أيوب السخستيانى فى الشواذ (وَلَا الضَّالِّينَ) وحكى أبو زيد عنه دأبّة وشأبّة ، وأنشد :
76 - يا عجبا لقد رأيت عجبا
حمار قبّان يسوق أرنبا
خاطمها زأمّها أن تذهبا
فقلت أردفنى فقال مرحبا (1)
أى : رامّها ، فقلبها همزة مفتوحة ، إذ لا يستقيم هنا وزن الشعر باجتماع
1) هذه أبيات من الرجز المشطور أنشدها فى اللسان (ق ب ب) و (ق ب ن) ولم نقف لها على نسبة إلى قائل معين ، وحمار قبان : دويبة مستديرة تتولد في الأماكن الندية ، مرتفعة الظهر كأن ظهرها قبة ، إذا مشت لا يرى منها سوى أطراف رجليها ، وهي أقل سوادا من الخنفساء وأصغر منها ولها ستة أرجل. ووزنها فعلان على الراجح ، ومنهم من يقول : وزنها فعال ، وليس بشىء ، لأن منعهم إياها من الصرف دليل على أن وزنها فعلان. وقوله : زأمها ، أصله زامها : أى ممسكا بزمامها. وأن تذهب : على تقدير حرف الجر : أى من أن تذهب ، أو على تقدير مضاف محذوف ، والأصل : مخافة أن تذهب ، أو نحو ذلك. والاستشهاد بالبيت فى قوله «زأمها» حيث همز الألف فرارا من التقاء الساكنين ، وفتحة الألف لما ذكر المؤلف
الساكنين ، وروى أبو زيد عن عمرو بن عبيد (عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ) قال المبرد : قلت للمازنى : أتقيس ذلك؟ قال : لا ، ولا أقبله (1)
فإن قيل : فالتقاء الساكنين فى نحو دابّة أسهل من نحو تمودّ الثوب ؛ لأن الألف أقعد فى المد من أخويه ، فلم لم يفر من الساكنين فى تمود؟
فالجواب أنه وإن كان أثقل إلا أنه أقل فى كلامهم من نحو دابّة وشابّة ، وإنما قلبت الألف همزة دون الواو والياء لاستثقالهما متحركين مفتوحا ما قبلهما ، كما يجىء فى باب الإعلال ، ولأنه يلزم قلبهما ألفين فى مثل هذا الحال ، ويجوز
1) قول المؤلف حكاية عن المازنى في جوابه على المبرد : «ولا أقبله» معناه محتمل لأحد وجهين : الأول أن الضمير المنصوب عائد على القياس المفهوم من قوله : «أتقيس ذلك» وحاصل المعنى حينئذ : لا أقيس ولا أقبل القياس إن قال به قائل ، والثانى أن الضمير المنصوب راجع إلى اسم الاشارة المقصود به قراءة عمرو بن عبيد ، وحاصل المعنى حينئذ : لا أقيس على هذه القراءة ولا أقبلها ، وفى الوجه الثانى نظر ، فقد كان عمرو بن عبيد من الجلالة والامامة بحيث لا يدفع ما يرويه. نعم يمكن أن يوجه عدم القبول إلى صحة الاسناد إليه فكأنه يقول : لا أقبل نسبة هذه القراءة إلى عمرو بن عبيد ، بقى أن نقول : إن مثل هذه القراءة قد جاء فى قوله تعالى (وَلَا الضَّالِّينَ) عن أيوب السختيانى فلا محل لأنكارها ، قال العلامة القرطبى (ج 1 ص 131) وقرأ أيوب السختيانى (وَلَا الضَّالِّينَ) بهمزة غير ممدودة كأنه فر من التقاء الساكنين ، وهي لغة ، حكي أبو زيد قال : سمعت عمرو بن عبيد يقرأ (فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جأنّ) فظننته قد لحن ، حتى سمعت من العرب دأبّة وشأبّة ، قال أبو الفتح : وعلى هذا قول كثير :
أن يقال : إن قلب الألف فى نحو دابة همزة ليس للفرار من الساكنين ، بل هو كما فى العألم والبأز ، كما يجىء فى باب الإبدال ، فلما قلبوها همزة ساكنة لم يمكن مجىء الساكن بعدها كما أمكن بعد الألف ، فحرك أول الساكنين كما هو الأصل ؛ إلا أنه فتح لأن الفتحة من مخرج البدل والمبدل منه : أى الهمزة والألف ؛ لأنهما من الحلق ،
وإن كان للألف أصل متحرك بحركة حركت الهمزة بتلك الحركة ، قال :
77 - يا دارمىّ بدكاكيك البرق
صبرا فقد هيّحت شوق المشتئق (1)
قوله «بخلاف تأمرونّى» يعنى أول الساكنين إذا كان ألفا فى هذا الباب فرّ من الساكنين بقلبه همزة متحركة
وأما إذا كان واوا كتمودّ وتأمرونّى ، أو ياءا كدويبّة وخويصّة ، فلا ؛ لكثرة الساكنين كذلك ، وأولهما ألف دون الواو والياء
قال : «الابتداء : لا يبتدأ إلّا بمتحرّك كما لا يوقف إلّا على ساكن ؛ فإن كان الأوّل ساكنا - وذلك فى عشرة أسماء محفوظة ، وهى ابن ، وابنة ، وابنم واسم ، واست ، واثنان ، واثنتان ، وامرؤ ، وامرأة ، وأيمن الله ؛ وفى كلّ
1) هذا البيت لرؤبة بن العحاج ، والدكاديك : جمع دكداك ، وهو الرمل المتلبد فى الأرض من غير أن يرتفع ، والبرق : جمع برقة ، وهي غلظ فى حجارة ورمل ، ورواه الجوهرى : بالدكاديك البرق ، على الوصف. وصبرا : مفعول مطلق ، والمشتئق : المشتاق ، وهو محل الاستشهاد بالبيت ، حيث همز الألف حين أراد الوقف وحرك الهمزة بحركة الحرف الذى كان أصلا للالف. وبيان ذلك أن المشتئق اسم فاعل ، وأصله مشتوق - بكسر الواو ، لأن الاصل فيه الشوق ، فتحركت الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا فصار مشتاقا فلما همز الألف حركها بالحركة التى كانت للواو
مصدر بعد ألف فعله الماضى أربعة فصاعدا ، كالاقتدار والاستخراج ، وفى أفعال تلك المصادر من ماض وأمر ، وفى صيغة أمر الثّلاثىّ ، وفى لام التّعريف وميمه - ألحق فى الابتداء خاصّة همزة وصل مكسورة ؛ إلّا فيما بعد ساكنه ضمّة أصليّة فإنّها تضمّ ، نحو اقتل ، اغز ، اغزى ، بخلاف ارموا ، وإلّا فى لام التّعريف وايمن فإنها تفتح»
أقول : الأكثرون على أن الابتداء بالساكن متعذر ، وذهب ابن جنى إلى أنه متعسر لا متعذر ، وقال : يجىء ذلك فى الفارسية نحو شتر وسطام ، والظاهر أنه مستحيل ولا بد من الابتداء بمتحرك ، ولما كان ذلك المتحرك فى شتر وسطام فى غاية الخفاء كما ذكرنا ظنّ أنه ابتدىء بالساكن ، بل هو معتمد قبل ذلك الساكن على حرف قريب من الهمزة مكسور ، كما يحسّ فى نحو عمرو ، وقفا ، بتحريك الساكن الأول بكسرة خفية ، وللطف الاعتماد لا يتبين ، وأما الوقف على متحرك فليس بمستحيل ، ولا يريد بالوقف الوقف الصناعى ؛ فإنه ليس إلا على الساكن أو شبهه مما يرام حركته ، بل يريد به السكوت والانتهاء
واعلم أن الأصل أن يكون أول حروف الكلمة متحركا ، ولا يكون أولها ساكنا على وجه القياس ، إلا فى الأفعال وما يتصل بها من المصادر على ما سيأتى ، وذلك لكثرة تصرف الأفعال وكونها أصلا فى الإعلال من القلب والحذف ونقل الحركة ، على ما سيأتى ؛ فجوّز فيها تسكين الحرف الأول ، ولم يأت ذلك فى الاسم الصّرف إلا فى أسماء معدودة غير قياسية ، وهى العشرة المذكورة فى المتن ، ولا فى الحرف إلا فى لام التعريف وميمه ، والهمزة فى الأسماء العشرة عوض مما أصابها من الوهن ؛ إذ هى ثلاثية فتكون ضعيفة الخلقة ، وقد حذف لاماتها نسيا ، أو هى فى حكم المحذوف ، وهو وهن على وهن ؛ لأن المحذوف نسيا كالعدم ، وليس يجب فى جميع الثلاثى المحذوف اللام إبدال الهمزة منها ، ألا ترى إلى غد ويد وحر ؛
فنقول : لما نهكت هذه الأسماء بالإعلال الذى حفه أن يكون فى الفعل شابهت الأفعال ؛ فلحقها همزة الوصل عوضا من المحذوف ، بدلالة عدم اجتماعهما ، نحو ابىّ وبنوىّ ، وقولك : ابنم وامرؤ وايمن ليست بمحذوفة الأواخر ، وميم ابنم بدل من اللام : أى الواو ، لكن لما كانت النون والراء فى ابنم وامرىء تتبع حركتهما حركة الإعراب بعدهما صارتا كحرف الإعراب ، على أنه قيل : إن ميم ابم زائدة (1)
ولدنا بنى العنقاء وابنى محرّق
فأكرم بنا خالا وأكرم بنا ابنما
وزيادة الميم فيه كما زادوها فى شدقم وزرقم وشجعم (كجعفر فى الأول والثالث وكبرثن فى الثانى) لنوع من الحيات ، وأما قول الشاعر :
فأنه يريد الابن ، والميم زائدة» اه وبيت حسان لا يرجح أحد المذهبين على الآخر ؛ لجواز أن تكون فتحة النون تابعة لفتحة الميم. ولجواز أن تكون هى الفتحة الملتزمة فى الوجه الثانى ، و «ابنما» فيه تمييز ، وإنما جىء بالبيت دليلا على استعمال ابنم بالميم
كميم زرقم (2)ليست بكحلاء ولكن زرقم
ولا برسحاء ولكن ستهم
وقال اللحيانى : رجل أزرق وزرقم ، وامرأة زرقاء بينة الزرق وزرفمة» اه
وستهم (3)شأتك قعين غثّها وسمينها
وأنت السّه السّفلى إذا دعيت نصر
يقول : أنت فيهم بمنزلة الاست من الناس ، وفى الحديث «العين وكاء السه» بحذف عين الفعل ، ويروى «وكاء الست» - بحذف لام الفعل ، ويقال للرجل الذى يستذل : أنت الاست السفلى ، وأنت السه السفلى ، ويقال لأرذال الناس : هؤلاء الأستاه ، ولأفاضلهم : هؤلاء الأعيان والوجوه ؛ قال ابن برى : ويقال فيه ست أيضا ، لغة ثالثة ؛ قال ابن رميض (بصيغة التصغير) العنبرى :
يسيل على الحاذين والسّت حيضها
كما صبّ فوق الرّجمة الدّم ناسك
وقال أوس بن مغراء :
لا يمسك السّت إلّا ريث يرسلها
إذا ألحّ على سيسائه العصم
يعنى : إذا ألح عليه بالحبل ضرط ، قال ابن خالويه : فيها ثلاث لغات : سه ، وست ، واست ؛ والسته : عظم الاست ، والسته : مصدر الأسته ، وهو الضخم الاست ، ورجل أسته : عظيم الاست بين السته إذا كان كبير العجز ، والستاهى والستهم مثله ، قال الجوهرى : والمرأة ستهاء ، وستهم ، والميم زائدة ... قال ابن سيده : رجل أسته ، والجمع سته وستهان ، هذه عن اللحيانى ، وامرأة ستهاء كذلك ، ورجل ستهم ، والأنثى ستهمة كذلك ، الميم زائدة ... قال أبو منصور :
رجل ستهم ؛ إذا كان ضخم الاست ، وستاهي مثله والميم زائدة ؛ قال النحويون :
أصل الاست سته ؛ فاستثقلوا الهاء لسكون التاء ؛ فلما حذفوا الهاء سكنت السين ؛ فاحتيج إلى ألف الوصل كما فعل بالاسم والابن ، فقيل : الاست ، قال : ومن العرب من يقول السه - بالهاء عند الوقف ، يجعل التاء هى الساقطة ، ومنهم من يجعلها هاء عند الوقف وتاء عند الادغام ، فاذا جمعوا أو صغروا ردوا الكلمة إلى أصلها فقالوا فى الجمع : أستاه ، وفى التصغير ستيهة ، وفى الفعل سته يسته فهو أسته» اه بتصرف
واللام محذوفة ،1) قال فى اللسان : «وروى عن أبى الهيثم أنه قال : يقال : هذا ابنك ، ويزاد فيه الميم فيقال : هذا ابنمك ؛ فاذا زيدت الميم فيه أعرب من مكانين ؛ فقيل : هذا ابنمك ؛ فضمت النون والميم ، وأعرب بضم النون وضم الميم ، ومررت بابنمك ورأيت ابنمك ؛ تتبع النون الميم فى الاعراب ، والألف مكسورة على كل حال ، ومنهم من يعربه من مكان واحد فيعرب الميم ، لأنها صارت آخر الاسم ، ويدع النون مفتوحة على كل حال ؛ فيقول : هذا ابنمك ، ومررت بابنمك ، ورأيت ابنمك ، وهذا ابنم زيد ، ومررت بابنم زيد ، ورأيت ابنم زيد ، وأنشد لحسان :
2) قال اللسان : «الزرقم : الأزرق الشديد الزرق (بوزن فرح) والمرأة زرقم أيضا ، والذكر والأنثى فى ذلك سواء ، قال الراجز :
3) قال فى اللسان : «الجوهرى : والاست العجز ، وقد يراد بها حلقة الدبر وأصله سته على فعل - بالتحريك ، يدل على ذلك أن جمعه أستاه ، مثل جمل وأجمال ولا يجوز أن يكون مثل درع وقفل اللذين يجمعان أيضا على أفعال ؛ لأنك إذا رددت الهاء التى هى لام الفعل وحذفت العين قلت : سه - بالفتح ، قال الشاعر أوس :
.............................
وأما أيمن الله (1)
فقال فريق القوم لمّا نشدتهم :
نعم ، وفريق لايمن الله ما ندرى
وهو مرفوع بالابتداء وخبره محذوف ، والتقدير لا يمن الله قسمى ، ولا يمن الله ما أقسم به ، وإذا خاطبت قلت : لا يمنك ، وفى حديث عروة بن الزبير أنه قال : لا يمنك لئن كنت ابتليت لقد عافيت ، ولئن كنت سلبت لقد أبقيت ، وربما حذفوا منه النون ، قالوا : أيم الله ، وإيم الله أيضا - بكسر الهمزة ، وربما حذفوا منه الياء ، قالوا : أم الله ، وربما أبقوا الميم وحدها مضمومة ، قالوا : م الله ثم يكسرونها ؛ لأنها صارت حرفا واحدا فيشبهونها بالباء ؛ فيقولون : م الله وربما قالوا : من الله - بضم الميم والنون ، ومن الله - بفتحهما ، ومن الله - بكسرهما ، قال ابن الأثير : أهل الكوفة يقولون : أيمن جمع يمين القسم ، والألف فيها ألف وصل تفتح وتكسر ، قال ابن سيده : وقالوا : أيمن الله وأيم الله ، وإيمن الله ، وإيم الله ، وم الله (بضم الميم) فحذفوا ، وم الله (بفتح الميم) أجرى مجرى م الله (بكسر الميم). قال سيبويه : وقالوا : لآيم الله ، واستدل بذلك على أن ألفها ألف وصل ، قال ابن جنى : أما أيمن فى القسم ففتحت الهمزة منها ، وهي اسم ؛ من قبل أن هذا اسم غير متمكن ولم يستعمل إلا فى القسم وحده ، فلما ضارع الحرف بقلة تمكنه فتح تشبيها بالهمزة اللاحقة بحرف التعريف ، وليس هذا فيه إلا دون بناء الاسم لمضارعة الحرف ، وأيضا فقد حكى يونس : إيم الله - بالكسر ، ويؤكد عندك أيضا حال هذا الاسم فى مضارعة الحرف أنهم قد تلاعبوا به وأضعفوه ؛ فقالوا مرة : م الله ، ومرة م الله ، ومرة م الله (بضم الميم وفتحها وكسرها) فلما حذفوا هذا الحذف المفرط وأصاروه من كونه على حرف إلى لفظ الحروف قوى شبه الحرف عليه ؛ ففتحوا همزته تشبيها بهمزة لام التعريف» اه كلام اللسان ، وقال المؤلف فى شرح الكافية (ح 2 ص 313) ما نصه : «وأيمن الله عند الكوفيين جمع يمين ؛ فهو مثل يمين الله ، جعلت همزة القطع فيه وصلا تخفيفا لكثرة الاستعمال كما قال الخليل فى همزة أل المعرفة ، وعند سيبويه هو مفرد مشتق من اليمن وهو البركة : أى بركة الله يمينى ، وهمزته للوصل فى الأصل ، والدليل عليه تجويز كسر همزته ، وإنما كان الأغلب فتح الهمزة ؛ لكثرة استعماله ، ويستبعد أن تكون الهمزة فى الأصل مكسورة ثم فتحت تخفيفا ؛ لعدم إفعل - بكسر الهمزة فى الأسماء والأفعال (يريد بكسر الهمزة مع سكون الفاء وضم العين) ولذا قالوا فى الأمر من نحو نصر : انصر - بضم الهمزة ، ويستبعد أصالة إفعل فى المفردات أيضا ، فيصدق ههنا قوله :
فأصبحت أنّى تأتها تبتئس بها
كلا مركبيها تحت رجليك شاجر»
اه كلام المؤلف
ويريد المؤلف بقوله «ويستبعد أصالة إفعل فى المفردات أيضا» أنه لا يجوز أن يكون إيمن مكسور الهمزة فى الأصل مع كونها فاء الكلمة ؛ لأنه يؤدى إلى أن يكون وزنه فعللا - بكسر الفاء وسكون العين وضم اللام الأولى - وهو غير موجود فى كلامهم. ومما نقلناه لك من عبارة المؤلف فى شرح الكافية تعلم أن ابن الأثير أراد من العبارة التى حكاها صاحب اللسان عنه وهى قوله «والألف فيها ألف وصل» أن همزة أيمن صيرت همزة وصل لكسرة الاستعمال وإن كانت همزة قطع فى أصل الوضع ؛ فيتفق ما حكاه ابن الأثير عن الكوفيين مع ما حكاه المؤلف عنهم ، لأن همزة افعل صيغة للجمع لا تكون إلا همزة قطع فغير معقول أن يزعم الكوفيون أنها همزة وصل وضعا
فإن نونه لما كانت تحذف كثيرا نحو ايم الله ؛ والقسم موضع التخفيف صار النون الثابت كالمعدوم1) قال فى اللسان : «قال الجوهرى : وايمن : اسم وضع للقسم هكذا بضم الميم والنون ، وألفه ألف وصل عند أكثر النحويين ، ولم يجىء فى الأسماء ألف وصل مفتوحة غيرها ، قال : وقد تدخل عليه اللام لتأكيد الابتداء ؛ تقول : لايمن الله ؛ فتذهب الألف فى الوصل ، قال نصيب :
وأصل ابن بنو - بفتح الفاء والعين (1)- لأن جمعه أبناء ، والأفعال قياس
1) قال فى اللسان : «والابن : الولد ، ولامه فى الأصل منقلبة عن واو عند بعضهم ، وقال (يريد ابن سيده) فى معتل الياء : الابن الولد فعل (بفتح أوله وثانيه) محذوفة اللام مجتلب لها ألف الوصل. قال : وإنما قضى أنه من الياء لأن بنى يبنى أكثر فى كلامهم من يبنو ؛ والجمع أبناء ، قال ابن سيده : والأنثي ابنة وبنت ، الاخيرة على غير بناء مذكرها ، ولام بنت واو والتاء بدل منها ، قال أبو حنيفة : أصله بنوة (بكسر أوله وسكون ثانيه) ووزنها فعل ، فألحقتها التاء المبدلة من لامها بوزن حلس ، فقالوا : بنت ، وليست التاء فيها بعلامة تأنيث كما ظن من لا خبرة له بهذا اللسان. وذلك لسكون ما قبلها. هذا مذهب سيبويه ، وهو الصحيح ، وقد نص عليه فى باب مالا ينصرف فقال : لو سميت بها رجلا لصرفتها معرفة ، ولو كانت للتأنيث لما انصرف الاسم ، على أن سيبويه قد تسمح فى بعض ألفاظه فى الكتاب فقال فى بنت : هى علامة تأنيث ، وإنما ذلك تجوز منه فى اللفظ لأنه أرسله غفلا ، وقد قيده وعلله في باب ما لا ينصرف ، والأخذ بقوله المعلل أقوى من القول بقوله المغفل المرسل ، ووجه تجوزه أنه لما كانت التاء لا تبدل من الواو فيها إلا مع المؤنث صارت كأنها علامة تأنيث ، قال : وأعنى بالصيغة فيها بناءها على فعل (بكسر أوله وسكون ثانيه) وأصله فعل (بفتح الأول والثانى) بدلالة تكسيرهم إياها على أفعال ، وإبدال الواو فيها لازم لأنه عمل اختص به المؤنث ، ويدل أيضا على ذلك إقامتهم إياه مقام العلامة الصريحة ، وتعاقبهما فيها على الكلمة الواحدة ، وذلك نحو ابنة وبنت ؛ فالصيغة فى بنت قائمة مقام الهاء فى ابنة ، فكما أن الهاء علامة تأنيث فكذلك صيغة بنت علامة تأنيثها ، وليست بنت من ابنة كصعب من صعبة ، إنما نظير صعبة من صعب ابنة من ابن ، ولا دلالة فى البنوة على أن الذاهب من بنت واو ، لكن إبدال التاء من حرف العلة يدل على أنه من الواو ؛ لان إبدال التاء من الواو أكثر من إبدالها من الياء ... قال الزجاج : ابن كان فى الأصل بنو أو بنو (بكسر فسكون فى الأول وبفتحتين فى الثانى) والألف ألف وصل فى الابن ، يقال : ابن بين البنوة ، قال : ويحتمل أن يكون أصله بنيا ، قال : والذين قالوا «بنون» كأنهم جمعوا بنيا بنون وأبناء جمع فعل أو فعل (بكسر فسكون فى الاول وبفتحتين فى الثانى) قال : وبنت تدل على أنه يستقيم أن يكون فعلا (بكسر فسكون) ، ويجوز أن يكون فعلا (بفتحتين) نقلت إلى فعل (بكسر فسكون) كما نقلت أخت من فعل (بفتحتين) إلى فعل (بضم فسكون). فأما بنات فليس بجمع بنت على لفظها ، إنما ردت إلى أصلها ؛ فجمعت بنات على أن أصل بنت فعلة (بفتح الأول والثانى) مما حذفت لامه. قال : والأخفش يختار أن يكون المحذوف من ابن الواو ، قال : لأنه أكثر ما يحذف ؛ لثقله ، والياء تحذف أيضا لأنها تثقل ، قال : والدليل على ذلك أن يدا قد أجمعوا على أن المحذوف منه الياء ، ولهم دليل قاطع مع الاجماع يقال : يديت إليه يدا ، ودم محذوف منه الياء ، والبنوة ليس بشاهد قاطع للواو لأنهم يقولون : الفتوة ، والتثنية فتيان ؛ فابن يجوز أن يكون المحذوف منه الواو أو الياء ، وهما عندنا متساويان ، قال الجوهرى : والابن أصله بنو ، والذاهب منه واو كما ذهب من أب وأخ ؛ لأنك تقول فى مؤنثه : بنت وأخت ، ولم نر هذه الهاء تلحق مؤنثا إلا ومذكره محذوف الواو ؛ يدلك على ذلك أخوات وهنوات فيمن رد ، وتقديره من الفعل فعل - بالتحريك ؛ لأن جمعه أبناء مثل جمل وأجمال ، ولا يجوز أن يكون فعلا (بكسر فسكون) أو فعلا (بضم فسكون) اللذين جمعهما أيضا أفعال مثل جذع وقفل ؛ لانك تقول فى جمعه : بنون - بفتح الباء ، ولا يجوز أيضا أن يكون فعلا - ساكنة العين ؛ لأن الباب فى جمعه إنما هو أفعل مثل كلب وأكلب أو فعول مثل فلس وفلوس» اه
فعل مفتوح العين ، كأجبال ، وقياس فعل ساكن العين إذا كان أجوف
كأثواب وأبيات ، ولا يجوز أن يكون أبناء كأقفال فى جمع قفل ولا كأجذاع فى جمع جذع ؛ لدلالة بنون علي فتح باء واحده
وابنة فى الأصل بنوة ؛ لكونه مؤنث ابن ولام ابن واو ؛ لقولهم فى المؤنث بنت ، وإبدال التاء من الواو أكثر منه من الياء ، وأيضا البنوة يدل عليه ، وأما الفتوة فى الفتى فعلى غير القياس (1)
وبهذا تعلم أن قول من قال : إن البنوة لا تصلح دليلا على أن لام ابن واو محتجا بالفتوة ؛ ليس بشىء ، كما أن قول الرضى «وأما الفتوة فى الفتى فعلى غير القياس» غير سديد أيضا ، ولعل منشأه ظنهم أن العرب لم تقل فى تثنية الفتى إلا فتيان
1) قد بان لك مما نقلناه عن اللسان أن البنوة لا تصلح دليلا على أن لام ابن واو لأنها مثل الفتوة ، وهي لا تصلح دليلا على أن لام الفتي واو ؛ لأنهم قالوا فى تثنيته : فتيان ، ولم يقولوا : فتوان ، ولو أنهم قالوا فتوان لكانت تصلح دليلا ، ولكن صريح كلام القاموس يقضى بأن الفتى مما جاءت لامه عن العرب بوجهين بالواو وبالياء ، إذ يقول : «والفتى : الشاب والسخى الكريم ، وهما فتيان ، وفتوان ، الجمع فتيان وفتوة وفتووفتى (كدلى)» اه
واسم فى الأصل سمو أو سمو كحبر وقفل ؛ بدليل قولهم سم أيضا من غير همزة وصل ، قال :
78 - * باسم الّذى فى كلّ سورة سمه* (1)
فهو بها ينحو طريقا يعلمه*
والضمير فى «أرسل» يعود إلى الراعى ، والضمير من «فيها» يعود إلى الابل ، والبازل : البعير الذي انشق نابه ، وذلك إذا كان فى السنة التاسعة. ومعنى يقرمه : يمنعه عن الاستعمال ليتقوى للفحلة : أى الضراب ، والضمير فى «فهو» يعود إلى البازل ، وفى «بها» يعود إلى الابل ، ومعنى ينحو : يقصد ، والجار فى قوله «باسم» من بيت الشاهد يتعلق بأرسل ، والمعنى أرسل هذا الراعى باسم الله الذي يذكر اسمه فى كل سورة هذا الفحل فى هذه الابل للضراب فهو يقصد فى ضرابها الطريق التي تعودها. والاستشهاد بالبيت على أنه قد جاء فى اسم سم من غير همزة وصل ، وقد رويت كلمة «سمه» فى هذا البيت بضم السين وكسرها كما ذكره ابن الانبارى فى كتابه «الانصاف فى مسائل الخلاف»
وروى غير سيبويه اسم - بضم همزة الوصل - وهو مشتق من سما ؛ لأنه يسمو بمسماه ويشهره ، ولو لا الاسم لكان خاملا ، وقال الكوفيون : أصله وسم ؛ لكون الاسم كالعلامة على المسمى ؛ فحذف الفاء وبقى العين ساكنا
1) هذا البيت من الرجز المشطور ، وقد نسبه أبو زيد فى نوادره إلى رجل من كلب ، وأورد قبله بيتين هما :
فجىء بهمزة الوصل ، ولا نظير له على ما قالوا ؛ إذ لا يحذف الفاء ويؤتى بهمزة الوصل ، والذى قالوا وإن كان أقرب من قول البصريين من حيث المعنى لأن الاسم بالعلامة أشبه ، لكن تصرفاته - من التصغير والتكسير كسمىّ وأسماء وغير ذلك كالسّمىّ على وزن الحليف ، ونحو قولهم تسميّت وسميت - تدفع ذلك ، إلا أن يقولوا : إنه قلب الاسم بأن جعل الفاء فى موضع اللام لما قصدوا تخفيفه بالحذف ؛ إذ موضع الحذف اللام ، ثم حذف نسيا ، ورد فى تصرفاته فى موضع اللام ؛ إذ حذف فى ذلك المكان
وأصل است سته - كجبل - بدليل أستاه ، ولا يجوز أن يكون كأقفال وأجذاع ؛ لقولهم فى النسب إلى است : ستهىّ ، وفيه ثلاث لغات : است.
وست ، وسه ، كما ذكرنا فى النسبة ، وأصل اثنان ثنيان (1)- كفتيان - لقولهم فى النسب إليه : ثنوى ، وكذا اثنتان ، كما مر فى باب النسب ، وقد ذكرنا ايمن الله والخلاف فيه فى شرح الكافية (2)
قوله «فى كل مصدر بعد ألف فعله الماضى أربعة» احتراز من نحو أكرم ، فان بعد ألف فعله الماضى ثلاثة ؛ فالهمزة فى ماضيه وأمره ومصدره همزة قطع ، وإنما جاز تسكين أوائل الأفعال لما ذكرنا من قوة تصرفاتها ، فجوزوا تصريفها على الوجه المستبعد أيضا ، أعنى سكون الأوائل ، وخصوا ذلك بما ماضيه على أربعة أو أكثر دون الثلاثى ؛ لأن الخفة بالثقيل أولى ، وأما فى فاء الأمر من الثلاثى ، نحو اخرج ؛ فلكونه مأخوذا من المضارع الواجب تسكين فائه ؛ لئلا يجتمع أربع متحركات فى كلمة ، وإنما لم يسكن عينه لأنها لمعرفة الأوزان ، وأما اللام فللإعراب ، ولم يسكن حرف المضارعة ؛ لأنه
زاد على الماضى بحرف المضارعة ، فلو سكّنت أوله لاحتجت إلى همزة الوصل ؛ فيزداد الثقل ، فلما حذف حرف المضارعة فى أمر المخاطب للتخفيف - لكونه أكثر استعمالا من أمر الغائب - احتيج فى الابتداء إلى همزة الوصل ، وألحقوا بالأفعال التى فى أوائلها همزة وصل مصادرها وإن كانت المصادر أصول الأفعال فى الاشتقال على الصحيح ؛ لأنها فى التصرف والاعتلال فروع الأفعال ، كما يبين فى باب الإعلال ، نحو لاذ لياذا ولاوذ لواذا ، وأما أسماء الفاعل والمفعول فانما سقطت من أوائلهما همزة الوصل وإن كانا أيضا من الأسماء التابعة للفعل فى الإعلال ؛ للميم المتقدمة على الساكن ، كما سقطت فى المضارع لتقدم حرف المضارعة
قوله «وفى أفعال تلك المصادر من ماض وأمر» وإنما لم يكن فى المضارع ؛ لما ذكرناه ، وهذه الأفعال أحد عشر مشهورة : تسعة من الثلاثى المزيد فيه ، كانطلق ، واحمرّ ، واحمارّ ، واقتدر ، واستخرج ، واقعنسس ، واسلنقى ، واجلوذ ، واعشوشب ، واثنان من الرباعى المزيد فيه ، نحو احرنجم ، واقشعر ؛ وقد يجىء فى تفعّل وتفاعل إذا أدغم تاؤهما فى الفاء ، نحو اطّيّر واثّاقل
قوله «وفى صيغة أمر الثلاثى» أى : إذا لم يتحرك الفاء فى المضارع ؛ احترازا عن نحو قل ، وبع ، وخف ، وشدّ ، وعدّ ، من تقول وتبيع وتشد وتخاف وتعد
قوله «وفى لام التعريف وميمه» قد مر ذلك فى باب المعرفة والنكرة (1)
أزف التّرحّل غير أنّ ركابنا
لمّا تزل برحالنا وكأن قد
وذلك قوله :
يا خليلىّ اربعا واستخبرا
المنزل الدّارس من أهل الحلال
وإنما حذف عنده همزة القطع في الدرج لكثرة الاستعمال ، وذكر المبرد فى كتاب الشافى أن حرف التعريف الهمزة المفتوحة وحدها ، وإنما ضم اللام إليها لئلا يشتبه التعريف بالاستفهام ، وفى لغة حمير ونفر من طىء إبدال الميم من لام التعريف كما روى النمر بن تولب عنه صلىاللهعليهوسلم «ليس من امبر امصيام فى امسفر» اه
1) قال المؤلف فى شرح الكافية (ح 2 ص 122) عند شرح قول ابن الحاجب فى تعداد أنواع المعرفة «وما عرف باللام» ما نصه : «هذا مذهب سيبويه ، أعنى أن حرف التعريف هى اللام وحدها ، والهمزة للوصل ، فتحت مع أن أصل همزات الوصل الكسر ؛ لكثرة استعمال لام التعريف ، والدليل على أن اللام هى المعرفة فقط تخطى العامل الضعيف إياها نحو بالرجل ، وذلك علامة امتزاجها بالكلمة وصيرورتها كجزء منها ، ولو كانت على حرفين لكان لها نوع استقلال ؛ فلم يتخطها العامل الضعيف ، وأما نحو ألا تفعل وإلا تفعل وبلا مال فلجعلهم «لا» خاصة من جميع ما هو على حرفين كجزء الكلمة ؛ فلذا يقولون : اللافرس واللانسان ، وأما نحو «بهذا» و (فَبِما رَحْمَةٍ) فأن الفاصل بين العامل والمعمول ما لم يغير معنى ما قبله ولا معنى ما بعده عد الفصل به كلا فصل ، وللامتزاج التام بين اللام وما دخلته كان نحو الرجل مغايرا لرجل حتى جاز تواليهما فى قافيتين ولم يكن إيطاء ، وإنما وضعت اللام ساكنة ليستحكم الامتزاج ، وأيضا دليل التنكير : أى التنوين ؛ على حرف ، فالاولى كون دليل التعريف مثله ، وقال الخليل : أل بكمالها آلة التعريف ، نحو هل وقد استدل بفتح الهمزة ، وقد سبق العذر عنه ، وبأنه يوقف عليها فى التذكر ، نحو قولك أل إذا تذكرت ما فيه اللام كالكتاب وغيره ، وبفصلها عن الكلمة والوقف عليها عند الاضطرار ، كالوقف على قد فى نحو قوله :
قوله «فى الابتداء خاصة» لأن مجيئها لتعذر الابتداء بالساكن ، فإذا لم يبتدأ به لوقوع شىء قبله لم يحتج إلى الهمزة ، بل إن كان آخر الشيء - إن كان أكثر من حرف كغلام الرجل ، أو ذلك الشىء إن كان على حرف واحد - متحركا ، نحو والله ؛ اكتفى به ، وإن كان ساكنا حرك ، نحو قل الله والاستغفار
قوله «مكسورة» الكوفيون على أن أصل الهمزة السكون ؛ لأن زيادتها ساكنة أقرب إلى الأصل ؛ لما فيها من تقليل الزيادة ، ثم حركت بالكسر كما هو حكم أول الساكنين إذا لم يكن مدّا المحتاج إلى حركته ، وظاهر كلام سيبويه
يدل على تحركها فى الأصل ؛ لقوله : فقدّمت الزيادة متحركة لتصل إلى التكلم بها ، وهو الأولى ؛ لأنك إنما تجلبها لاحتياجك إلى متحرك ؛ فالأولى أن تجلبها متصفة بما يحتاج إليه : أى الحركة ، وأيضا فقد تقدم أن التوصل إلى الابتداء بالساكن بهمزة خفية مكسورة من طبيعة النفس
قوله : «ضمة أصلية» ليدخل نحو اغزى ، ويخرج نحو ارموا وامرؤ وابنم وإنما ضموا ذلك لكراهية الانتقال من الكسرة إلى الضمة وبينهما حرف ساكن ، وليس فى الكلام مثله ، كما ليس فيه فعل ، فاذا كرهوا مثله والضمة عارضة للاعراب كما قالوا فى أجيئك : أجوءك ، فما ظنك بالكسر والضم اللازمين؟ وكذا قالوا فى أنبئك ، وهو منحدر من الجبل : أنبؤك ، ومنحدر ، على ما حكى الخليل ، قال :
79 - وقد أضرب السّاقين إمّك هابل (1)
فجعل «قال» بدل قد ، وجعل «اضرب» فعل أمر ، مع أنها فى رواية المؤلف فعل مضارع. وقد استشهد المؤلف بالبيت على أنهم أتبعوا الثانى للاول فكسروا همزة «إمك» إتباعا للكسرة قبلها كما أتبعوا الأول للثانى فى الأمثلة التى ذكرها ، وهو على رواية المؤلف يكون من قبيل إتباع البناء للبناء ، ولكن ابن جنى قد استشهد بالبيت على أنهم قد يتبعون حركة الاعراب لحركة البناء حيث قال فى المحتسب عند الكلام على قراءة من قرأ (الحمد لله) بكسر الدال اتباعا لكسرة اللام : «ومثل هذا فى إتباع الاعراب البناء ما حكاه صاحب الكتاب في قول بعضهم
كسر الميم لكسرة الهمزة» اه كلام ابن جنى ، وقد رجعنا إلى كتاب سيبويه فوجدنا فيه (ح 2 ص 272) ما نصه : «واعلم أن الألف الموصولة فيما ذكر فى الابتداء مكسورة أبدا إلا أن يكون الحرف الثالث مضموما فتضمها ، وذلك قولك : اقتل ، استضعف ، احتقر ، احرنجم ، وذلك أنك قربت الألف من المضموم إذ لم يكن بينهما إلا ساكن فكرهوا كسرة بعدها ضمة وأرادوا أن يكون العمل من وجه واحد كما فعلوا ذلك فى مذ اليوم يافتي ، وهو فى هذا أجدر ؛ لأنه ليس فى الكلام حرف أوله مكسور والثانى مضموم ، وفعل هذا به كما فعل بالمدغم إذا أردت أن ترفع لسانك من موضع واحد ، وكذلك أرادوا أن يكون العمل من وجه واحد ، ودعاهم ذلك إلى أن قالوا : أنا أجوءك ، وأنبؤك ، وهو منحدر من الجبل ، أنبأنا بذلك الخليل ، وقالوا أيضا : لأمك ، وقالوا : اضرب الساقين إمك هابل ، فكسرهما جميعا كما ضم فى ذلك» اه ومن هذا تعلم أمرين :
الاول : أنه لم يجعل قوله : وقالوا اضرب ... الخ بيتا من الشعر بخلاف ما صنع المؤلف وابن جنى
والثانى : أنه قد جعل الميم من «إمك» مكسورة كما فعل ابن جنى ، بخلاف ما يظهر من كلام المؤلف ، حيث جعل الاستشهاد بالبيت على كسر الهمزة إتباعا لكسر نون الساقين ، ولم يتعرض لحركة الميم ، وذلك الصنيع منه يدل على أن حركة الميم باقية على أصلها وهو الضم
*1) هذا شطر بيت من الطويل ، وهكذا وجدناه فى جميع النسخ المطبوعة والمخطوطة ، ولم نقف له على قائل ولا تتمة ، وقد رواه البغدادى من غير أن ينسبه أيضا إلى قائله ولم يذكر له تتمة ، إلا أنه رواه هكذا :
بكسر ضم الهمزة إتباعا لكسر نون الساقين ، كما أنبعوا الأول الثانى فى أنبؤك ، ومثله قوله تعالى (فِي أُمِّها) (1)بكسر الهمزة فى بعض القراءات ، وقولهم : ويلمّها (2)
ولقد شفى نفسى وأبرأ سقمها
قول الفوارس ويك عنتر أقدم
فيكون على هذا قد حذفت همزة أم لا غير واللام جارة ، وهذا أحسن الوجوه ؛ لأنه أقل للحذف والتغيير ، وأجاز ابن جنى أن تكون اللام المسموعة لام ويل ، على أن تكون حذفت همزة أم ولام الجر ، وكسر لام ويل إتباعا لكسرة الميم ، وهو بعيد جدا ، وأما من رواه بضم اللام فأن ابن جنى أجاز فيه وجهين :
أحدهما أنه حذفت الهمزة واللام ، وألقيت ضمة الهمزة علي لام الجر ، كما حكى عنهم (الحمد لله) بضم لام الجر ، وهي قراءة إبراهيم بن أبى عبلة الشامى ، والثانى : أن يكون حذف الهمزة ولام الجر ، وتكون اللام المسموعة هي لام ويل لا لام الجر ، وقال الامام المرزوقي : الاختيار فى ويل إذا أضيف باللام الرفع ، وإذا أضيف بغير اللام النصب ، يقولون. ويل لزيد ، وويل زيد ، فأما قولهم : ويلمه فقد حذفت الهمزة من أمه فيه حذفا لكثرته على ألسنتهم ، ولا يجوز أن تكون الضمة فى اللام منقولة إليها من الهمزة ؛ لأن ذلك يفعل إذا كان ما قبلها ساكنا ، كقولك من بوه (بحذف همزة أبوه بعد نقل حركتها إلى نون من) وإذا كان كذلك فقد ثبت أنها غيرها ، والشىء إذا خفف على غير القياس يجرى على المألوف فيه» اه
بكسر اللام ، أصله : وى لأمّها ، حذفت الهمزة شاذا :1) هذا بعض آية من سورة القصص وهي (وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلَّا وَأَهْلُها ظالِمُونَ)
2) قال فى اللسان : «ورجل ويلمه وويلمه (بكسر اللام فى الأولى وضمها فى الثانية) كقولهم فى المستجاد : ويلمه ، يريدون ويل أمه ، كما يقولون : لاب لك يريدون لا أب لك ، فركبوه وجعلوه كالشيء الواحد ... ثم قال : وفى الحديث فى قوله لأبى بصير «ويلمّه مسعر حرب» تعجبا من شجاعته وجرأته وإقدامه ومنه حديث على «ويلمّه كيلا بغير ثمن لو أنّ له وعى» أى يكيل العلوم الجمة بلا عوض إلا أنه لا يصادف واعيا ، وقيل : وى ، كلمة مفردة ، ولامه مفردة ، وهى كلمة تفجع وتعجب ، وحذفت الهمزة من أمه تخفيفا وألقيت حركتها على اللام ، وينصب ما بعدها على التمييز ، والله أعلم» اه ، وقال الشهاب الخفاجي فى شفاء الغليل (ص 238 الطبعة الوهبية): «ويلمه : أصله للدعاء عليه ، ثم استعمل فى التعجب مثل قاتله الله ، وكذا وقع فى الحديث كما فى الكرمانى ، وفى المقتضب لابن السيد (يريد الاقتضاب شرح أدب الكتاب : انظره «ص 365») يروى بكسر اللام وضمها ، فمن كسر اللام ففيه ثلاثة أوجه : أحدها أن يكون ويل أمه ، بنصب ويل وإضافته إلى الأم ثم حذف الهمزة لكثرة الاستعمال ، وكسرت لامه إتباعا لكسرة ميمه ، والثانى أن يكونوا أرادوا ويل لامه ، برفع ويل على الابتداء ، ولأمه خبر ، وحذفت لام ويل وهمزة أم كما قالوا : أيش لك يريدون أى شىء لك ، واللام المكسورة لام الجر ؛ والثالث أن يريدوا «وى» التى فى قول عنترة :
إما بعد إتباع حركتها حركة اللام ، أو قبله ، وأما قولهم : ويلمّها - بضم اللام ؛
فيجوز أن يكون أصله وى لأمّها ؛ فحذفت الهمزة بعد نقل ضمتها على لام الجر ، وهو شاذ على شاذ ، ويجوز أن يكون الأصل ويل أمّها ؛ فحذفت الهمزة شاذا. ويدخل فى قوله «إلا فيما بعد ساكنه ضمة أصلية» كل ماض لم يسم فاعله ، من الأفعال المذكورة ، نحو اقتدر عليه وانطلق به ، قيل : وقد تكسر همزة الوصل قبل الضمة ، نحو انصر ، واقتدر عليه ، وليس بمشهور ، وإذا جاءت همزة مضمومة قبل ضمة مشمة كما فى اختير ، وانقيد ، أشمّت ضمتها أيضا كسرة ، وإنما فتحت مع لام التعريف وميمه لكثرة استعمالها ؛ فطلب التخفيف بفتحها ، وفتحت فى أيمن لمناسبة التخفيف ؛ لأن الجملة القسميّة يناسبها التخفيف إذ هى مع جوابها فى حكم جملة واحدة ، ألا ترى إلى حذف الخبر فى «أيمن» ، و «لعمرك» وجوبا ، وحذف النون من ايمن؟ وحكى يونس عن بعض العرب كسر همزة ايمن وايم
قال : «وإثباتها وصلا لحن ، وشذّ فى الضّرورة ، والتزموا جعلها ألفا لا بين بين على الأفصح فى نحو آلحسن وآيمن الله يمينك؟ للّبس»
أقول : قوله «شذ فى الضرورة» كقوله :
80 - إذا جاوز الإثنين سرّ فإنّه
بنثّ وتكثير الوشاة قمين (1)
أجود بمضنون التّلاد وإنّنى
بسرّك عمّن سالنى لضنين
وبعده :
وإن ضيّع الإخوان سرّا فإنّنى
كتوم لأسرار العشير أمين
والتلاد : المال القديم ، والنث - بنون فمثلثة - : مصدر نث الحديث ينثه إذا أفشاه ، ويروى بدله «ببث» بباء موحدة فمثلثة ، وهو مصدر بث الخبر يبثه إذا نشره ، والوشاة : جمع واش وهو النمام الذى يزين الكلام ويحسنه عند نقله للافساد بين المتحابين ، وقمين : معناه جدير وخليق وحرى ، والباء فى بنث أو ببث متعلقة بقمين ، والاستشهاد بالبيت على أن إثبات همزة الوصل فى الدرج شاذ فى الضرورة ، ونظير البيت المستشهد به قول جميل :
ألا لا أرى إثنين أحسن شيمة
على حدثان الدّهر منّى ومن جمل
وقول حسان رضى الله تعالى عنه :
لتسمعنّ وشيكا فى دياركم
ألله أكبر يا ثارات عثمانا
وقول الآخر :
لا نسب اليوم ولا خلّة
إتّسع الخرق على الرّاقع
وقد روى بيت الشاهد «إذا جاوز الخلّين ... الخ» وكذلك روى بيت جميل «ألا لا أرى خلّين ... الخ» وعلى هذه الرواية لا شاهد فيهما
1) البيت من قصيدة لقيس بن الخطيم ، وقبل البيت المستشهد به :
فإذا كان قبلها مالا يحسن الوقف عليه وجب فى السعة حذفها ، إلا أن تقطع كلامك الأول وإن لم تقف مراعيا حكم الوقف ؛ بل لعذر من انقطاع النفس وشبهه ؛ وقد فعل الشعراء ذلك فى أنصاف الأبيات ؛ لأنها مواضع الفصل ، وإنما يبتدؤن بعد قطع ، نحو قوله :
81 - ولا تبادر فى الشّتاء وليدنا
القدر تنزلها بغير جعال (1)
يا كنّة ما كنّت غير لئيمة
للضّيف مثل الرّوضة المحلال
ما إن تبيّتنا بصوت صلّب
فيبيت منه القوم فى بلبال
والكنة - بفتح الكاف وتشديد النون - : زوج الابن ، و «ما» يحتمل أن تكون زائدة إبهامية تفيد الفخامة أو الحقارة ويكون ما بعدها خبر مبتدأ محذوف ، ويحتمل أن تكون استفهامية مبتدأ ، ويكون كنة التى بعدها خبرا وغير لئيمة صفته ، والروضة : البستان الحسن ، والمحلال : التى تحمل الماربها على الحلول حولها للنظر إلى حسنها ، والصلب - بصم الصاد وتشديد اللام مفتوحة - : الشديد ، والبلبال : الحزن ، والمراد بالشتاء زمن الشدة والقحط ، والوليد : يطلق على الصبي وعلى الخادم أيضا ، والجعال - بكسر الجيم - : الخرقة التى تنزل بها القدر ، والضمير فى تبادر يعود إلى الكنة ووليدنا مفعول لتبادر ، ويجوز فى القدر الرفع على الابتداء وما بعده خبر ، والنصب على الاشتغال ، والمراد من البيت مدح الكنة بعدم الشره للطعام فهى لا تسبق الوليد إلى الطعام ولا تسرع فى إنزال القدر حتى تنزلها بغير خرقة. والاستشهاد بالبيت فى قوله «ألقدر» حيث قطع الشاعر همزة الوصل لضرورة الشعر ، وقد أنشد سيبويه البيت على غير الوجه الذي أنشده عليه المؤلف ، قال في الكتاب (ح 2 ص 274): «واعلم أن هذه الألفات ألفات الوصل تحذف جميعا إذا كان قبلها كلام ، الا ما ذكرنا من الألف واللام فى الاستفهام ، وفى أيمن فى باب القسم ؛ لعلة قد ذكرناها ، فعل ذلك بها فى باب القسم حيث كانت مفتوحة قبل الاستفهام ، فخافوا أن تلتبس الألف بألف الاستفهام ، وتذهب في غير ذلك إذا كان قبلها كلام ، إلا أن تقطع كلامك وتستأنف كما قالت الشعراء فى الأنصاف ؛ لأنها مواضع فصول ، فأنما ابتداؤها بعد قطع ؛ قال الشاعر :
ولا يبادر فى الشّتاء وليدنا
ألقدر ينزلها بغير جعال» اه
وقال الاعلم الشنتمرى فى شرحه للبيت : «الشاهد فيه قطع ألف الوصل من قوله «القدر» ضرورة ، وسوغ ذلك أن الشطر الأول من البيت يوقف عليه ثم يبتدأ ما بعده ، فقطع على هذه النية ، وهذا من أقرب الضرورة ، يقول : إذا اشتد الزمان فوليدنا لا يبادر القدر حسن أدب ، والجعال : خرقة تنزل بها القدر» اه
1) قد نسب ابن عصفور هذا البيت للبيد العامرى الصحابي رضياللهعنه ، وقبله :
قوله «وقد التزموا جعلها ألفا لابين بين» قد مر فى باب التقاء الساكنين
أن للعرب فى مثله مذهبين : الأفصح جعل همزة الوصل ألفا ، والثانى جعلها بين بين ، كقوله :
82 - أالخير الّذى أنا أبتغيه
أم الشّرّ الّذى هو يبتغينى (1)
وما أدرى إذا يمّمت أمرا
أريد الخير أيّهما يلينى
ويممت : قصدت ، وجملة «أريد الخير» حال من فاعل يممت ، وجملة «أيهما يلينى» سدت مسد مفعولى أدرى ، وقوله «أالخير» بدل من «أى» فى قوله «أيهما يلينى» ولذلك قرن بهمزة الاستفهام ؛ لأن البدل من اسم الاستفهام يقترن بالهمزة. والاستشهاد بالبيت على أنهم إذا أدخلوا همزة الاستفهام على همزة الوصل المفتوحة فقد يجعلونها بين بين : أى بين الهمزة وبين حرف حركتها ، وحركتها هنا فتحة فتجعل بين الهمزة والألف
والمثقب : اسم فاعل من ثقب - بالثاء المثلثة وتشديد القاف : لقب الشاعر ، واسمه محصن (كمنبر) بن ثعلبة ، ولقب بالمثقب لقوله فى هذه القصيدة :
رددن تحيّة وكننّ أخرى
وثقّبن الوصاوص للعيون
والوصاوص : البراقع الصغار ، يريد أنهن حديثات الأسنان قبر اقعهن صغار ، وقد قال فى هذه القصيدة أبو عمرو بن العلاء : «لو كان الشعر كله على هذه القصيدة لوجب على الناس أن يتعلموه»
قوله «للبس» يعنى التزموا أحد الشيئين ولم يحذفوا للبس ؛ إذ لو حذفوا التبس الاستخبار بالخبر ؛ إذ همزة الوصل فى الموضعين مفتوحة كهمزة الاستفهام ، بخلاف نحو (أصطفى البنات)؟ وقوله :
83 - أستحدث الرّكب من أشياعهم خبرا (2)
وقبل البيت المذكور مطلع القصدة وهو :
ما بال عينك منها الماء ينسكب
كأنّه من كلى مفريّة سرب
والركب : أصحاب الأبل ، والأشياع : الأصحاب ، والطرب : استخفاف القلب فى فرح أو فى حزن ، يريد أبكاؤك وحزنك لخبر حدث أم راجع قلبك طرب؟ والاستشهاد بالبيت على أن همزة الاستفهام إذا دخلت على همزة وصل غير مفتوحة فأن همزة الوصل تحذف حينئذ ، لعدم اللبس ؛ لأن اختلاف حركتى الهمزتين رافع للبس بعد حذف همزة الوصل
فإن اختلاف حركتى الهمزتين رافع للبس بعد حذف همزة الوصل
قال : «وأمّا سكون هاء وهو ووهى وفهو وفهى [ولهو ولهى] فعارض فصيح ، وكذلك لام الأمر ، نحو وليوفوا ، وشبّه به أهو وأهى وثمّ ليقضوا. ونحو أن يملّ هو قليل»
أقول : قد ذكرنا جميع هذا الفصل فى فصل رد الأبنية بعضها إلى بعض فى أول الكتاب (1)، يعنى المصنف أن أوائل هو وهى مع واو العطف وفائه وهمزة الاستفهام ، وكذا لام الأمر التى قبلها واو أو فاء ؛ تسكن ؛ فكان القياس أن يجتلب لها همزة الوصل ، لكنها إنما لم تجتلب لعروض السكون ، وليس هذا بجواب مرضىّ ؛ لأن هذا الإسكان بناء على تشبيه أوائل هذه الكلم بالأوساط ، فنحو وهو وفهو مشبه بعضد ، ونحو وهى وفهى مشبه بكتف ، وكذا القول فى (وليوفوا) فلم يسكنوها إلا لجعلهم إياها كوسط الكلمة ، فكيف تجتلب لما هو كوسط الكلمة همزة وصل؟ وهب أنه ليس كالوسط أليس غير مبتدأ به؟ وأليس السكون العارض أيضا فى أول الكلمة يجتلب له همزة الوصل إذ ابتدئ بها؟
ألا ترى أنك تقول : اسم ، مع أنه جاء سم ، وكذا است وست؟ فكان عليه أن يقول : لم تجتلب الهمزة لأنها إنما تجتلب إذا ابتدىء بتلك الكلمة كما ذكرنا ، وهذا السكون فى هذه الكلمات إنما يكون إذا تقدمها شىء ، ووجه تشبيههم
1) انظر (ج 1 ص 45)
لأوائلها بالوسط عدم استقلال ما قبلها ، واستحالة الوقف عليه ، وقولك أهو وأهى؟ أقل استعمالا من وهو وفهو ووهى وفهى ؛ فلهذا كان التخفيف فيه أقل ، وقولك : لهو ولهى مثل فهو وفهى يجوز تخفيف الهاء فيه ؛ على ما قرىء به فى الكتاب العزيز ، وأما نحو ليفعل - بلام كى - فلم يجز فيه التخفيف ؛ لقلة استعمالها ، وتحريك هاء هو وهى بعد اللام وبعد الواو والفاء ، وكذا تحريك لام الأمر بعدهما ؛ هو الأصل ؛ قال سيبويه : وهو جيد بالغ ، وقرأ الكسائى وغيره (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ) بإسكان لام الأمر على تشبيه ثم بالواو والفاء ؛ لكونها حرف عطف مثلهما ، واستقبح ذلك البصريون ؛ لأن ثم مستقلة يوقف عليها ، وقرىء فى الشواذ (أَنْ يُمِلَّ هُوَ) بإسكان الهاء ، يجعل «لهو» كعضد ، وهو قبيح ؛ لأن يمل كلمة مستقلة ، ولا يمكن تشبيهها بحرف العطف كما شبه به ثم ، وقوله :
أولى من مثله ؛ لكونه فى كلمة واحدة.
قوله «فصيح» أى : يستعمله الفصحاء ، بخلاف (أَنْ يُمِلَّ هُوَ) ونحو قوله «بات منتصبا» وذلك لكثرة الاستعمال فى الأول
قوله «وشبه به أهو» لكون الهمزة على حرف وإن لم يكثر استعمالها مع هو وهى ، كاستعمال الواو والفاء معهما ، فلهذا كان التخفيف فى أهو وأهى أقلّ
1) قد تقدم الكلام فى شرح هذا البيت (ح 1 ص 45). وقد استشهد به هنا على أن التخفيف بالأسكان فى «منتصبا» أولى من التخفيف بالأسكان فى «أن يملّ هو» ، لأن الأول فى كلمة واحدة والثانى فى كلمتين ، مع أن الكل شاذ
قال : «الوقف : قطع الكلمة عمّا بعدها ، وفيه وجوه مختلفة فى الحسن والمحلّ ؛ فالإسكان المجرّد فى المتحرّك ، والرّوم فى المتحرّك ، وهو أن تأتى بالحركة خفيّة ، وهو فى المفتوح قليل ، والإشمام فى المضموم ، وهو أن تضمّ الشّفتين بعد الإسكان»
أقول : قوله «قطع الكلمة عما بعدها» أى : أن تسكت على آخرها قاصدا لذلك مختارا ؛ لجعلها آخر الكلام ، سواء كان بعدها كلمة أو كانت آخر الكلام ؛ فيدخل فيه الرّوم والإشمام والتضعيف وغير ذلك من وجوه الوقف ، ولو وقفت عليها ولم تراع أحكام الوقف التى نذكرها كما تقف على آخر زيد مثلا بالتنوين لكنت واقفا ، لكنك مخطىء فى ترك حكم الوقف ، فالوقف ليس مجرد إسكان الحرف الأخير وإلا لم يكن الرّوم وقفا ، وكان لفظ من فى من زيد موقوفا عليه مع وصلك إياه بزيد
قوله «عما بعدها» يوهم أنه لا يكون الوقف على كلمة إلا وبعدها شىء ، ولو قال : السكوت على آخر الكلمة اختيارا لجعلها آخر الكلام - لكان أعم
قوله «وفيه وجوه مختلفة فى الحسن» أى : فى الوقف وجوه ، يعنى بها أنواع أحكام الوقف ، وهى : الإسكان ، والرّوم ، والإشمام ، والتضعيف ، وقلب التنوين ألفا أو واوا أو ياء ، وقلب الألف واوا أو ياء أو همزة ، وقلب التاء هاء ، وإلحاق هاء السكت ، وحذف الواو والياء ، وإبدال الهمزة حرف حركتها ، ونقل الحركة ؛ فإن هذه المذكورات أحكام الوقف : أى السكوت على آخر الكلمة مختارا ؛ لتمام الكلام ، ونعنى بالحكم ما يوجبه الشىء ؛ فان الوقف فى لغة العرب يوجب أحد هذه الأشياء
قوله «وجوه مختلفة فى الحسن» أى : هذه الوجوه متفاوتة فى الحسن ، فبعضها أحسن من بعض ؛ كما يجىء من أن قلب الألف واوا أو ياء أو همزة ضعيف ، وكذا نقل الحركة والتضعيف ، وقد يتفق وجهان أو أكثر فى الحسن ؛ كالإسكان وقلب تاء التأنيث هاء
قوله «والمحل» يعنى به محالّ الوجوه المذكورة ، وهى ما يذكره المصنف بعد ذكر كل وجه مصدّرا بفى ، كقوله : الإسكان المجرد فى المتحرك والرّوم فى المتحرك ، فقوله «الإسكان المجرد والروم» وجهان للوقف ، وقوله «المتحرك» محل هذين الوجهين ؛ إذ يكونان فيه دون الساكن ، وكذا قوله «إبدال الألف فى المنصوب المنون» إبدال الألف وجه ، والمنصوب المنون محله ، وهلم جرّا إلى آخر الباب ، فهذه الوجوه مختلفة فى المحل : أى لكل وجه منها محل آخر ثبت فيه ، وقد يشترك الوجهان أو أكثر فى محل واحد ، كاشتراك الإسكان والرّوم فى المتحرك
قوله «فالإسكان المجرد» أى : الإسكان المحض بلا روم ولا إشمام ولا تضعيف ، والإسكان فى الوقف أكثر فى كلامهم من الرّوم والإشمام والتضعيف والنقل ، ويجوز فى كل متحرك إلا فى المنصوب المنون ؛ فإن اللغة الفاشية فيه قلب التنوين ألفا ، وربيعة يجيزون إجراءه مجرى المرفوع والمجرور ؛ قال
84 - وآخذ من كلّ حىّ عصم (1)
والسرى : السير ليلا ، والحى : القبيلة ، والعصم : مفعول آخذ ، وهو بضمتين جمع عصام ، والعصام يطلق فى الأصل على وكاء القربة ، وعلى عروتها أيضا ، والمراد به هنا العهد ، يعنى أنه يأخذ من كل قبيلة يمر بها عهدا ألا يؤذوه ؛ لان له فى كل قبيلة أعداء ممن هجاهم أو ممن يكره ممدوحه ، فيخشى الأذى منهم ، فيأخذ العهد ليصل سالما إلى ممدوحه. والاستشهاد بالبيت على أن «عصما» وقف عليه بالسكون فى لغة ربيعة ؛ لأنهم يجيزون تسكين المنصوب المنون فى الوقف
وإن كان آخر الكلمة ساكنا فقد كفيت مؤونة الإسكان ، نحو كم
1) هذا عجز بيت من قصيدة للأعشى ميمون ، مدح بها قيس بن معدى كرب ، وصدره :
ومن ؛ فلا يكون معه وجه من وجوه الوقف ، بل تقف بالسكون فقط ، ولو قيل إن سكون الوقف غير سكون الوصل لم يبعد ، كما قيل فى نحو هجان (1)وفلك (2)، وإذا كان آخر الكلمة تنوينا لم يعتد بسكونه ، ولم يكتف به فى
1) قال ابن سيده : «والهجان من الأبل البيضاء الخالصة اللون والعتق ، من نوق هجن وهجائن وهجان. فمنهم من يجعله من باب جنب ورضا (يريد أنه مما يستوى فيه الواحد وغيره) ، ومنهم من يجعله تكسيرا ، وهو مذهب سيبويه ؛ وذلك أن الألف فى هجان الواحد بمنزلة ألف ناقة كناز ، وامرأة ضناك ، والألف فى هجان الجمع بمنزلة ألف ظراف وشراف ، وذلك لأن العرب كسرت فعالا على فعال كما كسرت فعيلا على فعال ، وعذرها فى ذلك أن فعيلا أخت فعال ، ألا ترى أن كل واحد منهما ثلاثى الأصل وثالثه حرف لين؟ وقد اعتقبا أيضا على المعنى الواحد نحو كليب وكلاب وعبيد وعباد؟ فلما كانا كذلك ، وإنما بينهما اختلاف فى حرف اللين لا غير ، ومعلوم مع ذلك قرب الياء من الألف ، وأنها إلى الياء أقرب منها إلى الواو - كسر أحدهما على ما كسر عليه صاحبه ، فقيل : ناقة هجان ، وأنيق هجان ، كما قيل : ظريف وظراف ، وشريف وشراف» اه
2) قال فى اللسان : «الفلك - بالضم - : السفينة ، تذكر وتؤنث ، وتقع على الواحد والاثنين والجميع ، فأن شئت جعلته من باب جنب ، وإن شئت من باب دلاص وهجان ، وهذا الوجه الأخير هو مذهب سيبويه ، أعنى أن تكون ضمة الفاء من الواحد بمنزلة ضمة باء برد وخاء خرج ، وضمة الفاء فى الجمع بمنزلة ضمة حاء حمر وصاد صفر جمع أحمر وأصفر ، قال الله تعالى فى التوحيد والتذكير (فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ) فذكر الفلك ، وجاء به موحدا ، ويجوز أن يؤنث واحده ، كقول الله تعالى : (جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ) فقال «جاءتها» فأنث ، وقال (وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ) فجمع ، وقال الله تعالى : (وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ) فأنث ، ويحتمل أن يكون واحدا وجمعا ، وقال تعالى : (حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ) فجمع وأنث ، فكأنه يذهب بها إذا كانت واحدة إلى المركب فيذكر ، وإلى السفينة فيؤنث. قال الجوهرى. وليس هو مثل الجنب الذى هو واحد وجمع ، والطفل ، وما أشبههما من الأسماء ؛ لأن فعلا وفعلا يشتركان فى الشىء الواحد مثل العرب والعرب ، والعجم والعجم ، والرهب والرهب ، ثم جاز أن يجمع فعل على فعل - مثل أسد وأسد - ولم يمتنع أن يجمع فعل على فعل (بضم فسكون فيهما). قال ابن برى : إذا جعلت الفلك واحدا فهو مذكر لا غير ، وإن جعلته جمعا فهو مؤنث لا غير ، وقد قيل : إن الفلك يؤنث وإن كان واحدا ، قال الله تعالى (قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ)»اه
الوقف ؛ بل يحذف فى الرفع والجر حتى يصير الحرف الذى قبله آخر الكلمة ، فيحذف حركته ، وإنما حذف التنوين فى الرفع والجر لأنك قصدت كون الكلمة فى الوقف أخف منها فى الوصل ؛ لأن الوقف للاستراحة ، ومحل التخفيف الأواخر ؛ لأن الكلمة تتثاقل إذا وصلت إلى آخرها ، والتنوين كحرف الكلمة الأخير من حيث كونها على حرف ساكن مفيد للمعنى فى الكلمة المتلوة ، وإن كانت فى الأصل كلمة برأسها ، فهى : أى التنوين : إما أن تخفف بالقلب كما هو لغة أزد السّراة ، وهو قلبهم المضموم ما قبلها واوا والمكسور ما قبلها ياء ، وهو مكروه ؛ لأن الواو ثقيل على الجملة ، ولا سيما المضموم ما قبلها فى الآخر ، وكذا الياء ، وإما أن تحذف ، فاختير الحذف على القلب ، وسهله كون التنوين فضلة على جوهر الكلمة فى الحقيقة ، وإذا كان يحذف الياء المكسور ما قبلها فى نحو القاضى للوقف وهى من جوهر الكلمة فما ظنك بالتنوين؟ فلما خففت الكلمة بحذف حرف كجزئها كان تخفيفها بحذف ما هو أشد اتصالا بها منه - أعنى الضم والكسر اللذين هما جزءا الحرفين ، أعنى الواو والياء - أولى ، وأما فى المنصوب المنون فتخفيف الكلمة غاية التخفيف يحصل من دون حذف التنوين ، وذلك بقلبها ألفا ؛ إذ الألف أخف الحروف ، وكذلك فى المثنى وجمع سلامة المذكر يحصل التخفيف فيهما بحذف حركة النون فقط
واعلم أن علامة الإسكان فى الخط الخاء فوق الحرف الموقوف عليه ، وهى حرف أول لفظ الخفيف ؛ لأن الإسكان تخفيف
قوله «والرّوم فى المتحرك» الرّوم الاتيان بالحركة خفية حرصا على بيان الحركة التى تحرك بها آخر الكلمة فى الوصل ، وذلك : إما حركات الإعراب ، وهم بشأنها أعنى ؛ لدلالتها على المعانى فى الأصل ، وإما حركات البناء كأين ، وأمس ، وقبل ؛ وعلامة الرّوم خط بين يدى الحرف هكذا : زيد - ، وسمى روما لأنك تروم الحركة وتريدها حين لم تسقطها بالكلية ، ويدرك الروم الأعمى الصحيح السمع ؛ إذا استمع ؛ لأن فى آخر الكلمة صويتا خفيفا ، وإن كان آخر الكلمة حرفا ساكنا قد يحذف فى الوصل ويبقى ما قبله على حركته نحو يسرى والقاضى فاذا وقفت على مثله جاز لك رومه تلك الحركة ، وإن كان لا يبقى ما قبله على حركته فى الوصل بعد حذفه نحو عليكمو وعليهمى لم يجز الروم على ما يجىء
قوله «وهو فى المفتوح قليل» إذا كان المفتوح منونا نحو زيدا ورجلا فلا خلاف أنه لا يجوز فيه الرّوم إلا على لغة ربيعة القليلة ، أعنى حذف التنوين نحو قوله :
وإذا لم يكن منونا ، نحو رأيت الرجل وأحمد ، فمذهب الفراء من النحاة أنه لا يجوز روم الفتح فيه ؛ لأن الفتح لا جزء له لخفته. وجزؤه كله ، وعند سيبويه وغيره من النحاة يجوز فيه الروم كما فى المرفوع والمجرور
قوله «والإشمام» الاشمام : تصوير الفم عند حذف الحركة بالصورة التى تعرض عند التلفظ بتلك الحركة بلا حركة ظاهرة ولا خفية ، وعلامته نقطة بين يدى الحرف ؛ لأنه أضعف من الرّوم ؛ إذ لا ينطق فيه بشىء من الحركة ، بخلاف الروم ، والنقطة أقل من الخط ، وعزا بعضهم إلى الكوفيين تجويز الاشمام فى
1) تقدم شرح هذا الشاهد (انظر ص 272 من هذا الجزء)
المجرور والمكسور أيضا ، والظاهر أنه وهم ؛ لم يجوزه أحد من النحاة إلا فى المرفوع والمضموم ؛ لأن آلة الضمة الشفة ، وقصدك بالاشمام تصوير مخرج الحركة للناظر بالصورة التى يتصور ذلك المخرج بها عند النطق بتلك الحركة ؛ ليستدل بذلك على أن تلك الحركة هى الساقطة دون غيرها ، والشفتان بارزتان لعينه ، فيدرك نظره ضمهما ، وأما الكسرة فهى جزء الياء التى مخرجها وسط اللسان والفتحة جزء الألف التى مخرجها الحلق ، وهما محجوبان بالشفتين والسّنّ ، فلا يمكن المخاطب إدراك تهيئة المخرجين للحركتين
قال : «والأكثر على أن لا روم ولا إشمام فى هاء التّأنيث وميم الجمع والحركة العارضة»
أقول : لم أر أحدا : لا من القراء ولا من النحاة ، ذكر أنه يجوز الروم والإشمام فى أحد الثلاثة المذكورة ؛ بل كلهم منعوهما فيها مطلقا ، وأرى أن الذى أوهم المصنف أنه يجوز الرّوم والإشمام فيها قول الشاطبى - رحمهالله تعالى - بعد قوله :
85 - وفى هاء تأنيث وميم الجميع قل
وعارض شكل لم يكونا ليدخلا
وفى الهاء للاضمار قوم أبوهما
ومن قبله ضمّ أو الكسر مثّلا
أو امّاهما واو وياء وبعضهم
يرى لهما فى كلّ حال محلّلا (1)
1) أورد المؤلف هذه الأبيات الثلاثة من كلام الشاطبى فى لاميته المشهورة ب (الشاطبية) ليبين منشأ وهم ابن الحاجب فى أن بعض النحاة أو القراء جوز الروم والاشمام في هاء التأنيث ، وميم الجمع ، والحركة العارضة ، وذلك أنه فهم فى قول الشاطبى «وبعضهم يرى لهما فى كل حال محللا» أن بعض القراء يجيز الروم والاشمام فى كل حال من أحوال الحرف الموقوف عليه من الحروف المذكورة ، ثم ذكر أن الشاطبي إنما عنى بقوله : «... وبعضهم يرى لهما فى كل حال محللا» أن بعضهم جوز الروم والاشمام فى هاء الاضمار للمذكر فقط فى كل حال من أحوالها المذكورة فى قوله «ومن قبله ضم ... الخ» لكن يؤيد ما ذهب إليه ابن الحاجب ما ذكره البغدادى فى شرح شواهد الشافية نقلا عن السمين فى شرحه للشاطبية حيث قال : «وممن ذهب إلى جواز الروم والاشمام مطلقا أبو جعفر النحاس ، وليس هو مذهب القراء ، وقد تحصل مما تقدم أن أمر الروم والاشمام دائر بين ثلاثة أشياء : استثناء هاء التأنيث وميم الجمع والحركة العارضة ، وهذا أشهر المذهب ؛ الثانى : استثناء هذه الثلاثة مع هاء الكناية عند بعض أهل الآراء ؛ الثالث : عدم استثناء شىء من ذلك ، وهو الذى عبر عنه بقوله «(وبعضهم يرى لهما في كل حال محللا)» اه كلام السمين. قال البغدادى : «فقوله : وهذا أشهر المذاهب» يؤيد ما حكاه ابن الحاجب من جوازهما (يريد الروم والاشمام) فى الثلاثة أيضا ، وقول الشارح المحقق لم أر أحدا من القراء ولا من النحاة ذكر أنهما يجوزان فى أحد الثلاثة - وهم ؛ فان بعض القراء صرح بجوازهما فى ميم الجمع» اه والبعض الذى عناه البغدادى هو «مكى» كما صرح به أبو شامة والسمين فى شرحيهما على الشاطبية
فظن أنه أراد بقوله «فى كل حال» فى هاء التأنيث وميم الجمع وعارض الشكل وهاء المذكر ، كما وهم بعض شرّاح كلامه أيضا ، وإنما عنى الشاطبى فى كل حال من أحوال هاء المذكر فقط ، كما يجىء
فنقول : إنما لم يجز فى هاء التأنيث الروم والإشمام لأنه لم يكن على الهاء حركة فينبّه عليها بالروم أو بالإشمام ، وإنما كانت على التاء التى هى بدل منها ، فمن ثم جازا عند من يقف على التاء بلا قلب ، كقوله :
86 - * بل جوز تيهاء كظهر الحجفت (1)
ما ضرّها أمّا عليها لو شفت
متيّما بنظرة وأسعفت
وبعده :
قطعتها إذا المها تجوّفت
مآزقا إلى ذراها أهدفت
والجوز - بفتح الجيم وآخره زاى معجمة : الوسط ، والتيهاء - بتاء مثناة مفتوحة : المفازة التى يتيه فيها السالك ، والحجفة - بفتح الحاء المهملة والجيم والفاء : الترس ، وقوله «قطعتها» جواب رب المقدرة بعد بل ، والمها : اسم جنس جمعى واحده مهاة ، وهى البقرة الوحشية ، وتجوفت : دخلت ، والمآزق : جمع مأزق ، وهو المضيق ، وذراها - بفتح الذال المعجمة : ناحيتها ، وأهدفت : من الاهداف وهو الدنو من الشىء والاستقبال له - يصف نفسه بالقوة والجلادة فيقول : رب مفازة يضل فيها السالك ملساء كظهر المجن قطعتها فى الوقت الذى تهرب فيه أبقار الوحش إلى مخابئها
*1) هذا البيت من الرجز المشطور ، وقد نسبه ابن برى فى أماليه على الصحاح لسؤر الذئب ضمن أبيات كثيرة ، وقبله :
وأما ميم الجمع فالأكثر على إسكانه فى الوصل ، نحو عليكم وعليهم ، والروم والاشمام لا يكونان فى الساكن ، وأما من حركها فى الوصل ووصلها بواو أو ياء فإنما لم يرم ولم يشمّ أيضا بعد حذف الواو والياء كما رام الكسرة فى القاضى بعد حذف يائه ، لأن تلك الكسرة قد تكون فى آخر الكلمة فى الوصل ، كقوله تعالى (يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ) ولم يأت عليكم وإليهم إذا وصلتهما بمتحرك بعدهما متحركى الميمين محذوفى الصلة ، فكيف ترام أو تشم حركة لم تكن آخرا قط ؛ وأما نحو (عليكم الكتاب) و (إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ) فان آخر الكلمة فيها الواو والياء المحذوفتان للساكنين ، وما حذف للساكنين فهو فى حكم الثابت ، هذا إن قلنا : إنهما كانا قبل اتصالهما بالساكن عليكمو وإليهمى على ما هو قراءة ابن كثير ، وإن قلنا : إنهما كانا قبل ذلك عليكم وإليهم - بسكون الميم فيهما - فالكسر والضم إذن عارضان لأجل الساكنين والعارض لا يرام ولا يشم كما فى قوله تعالى (مَنْ يَشَأِ اللهُ يُضْلِلْهُ) (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ) لأن الروم والإشمام إنما يكونان
للحركة المقدرة فى الوقف ، والحركة العارضة للساكنين لا تكون إلا فى الوصل ، فاذا لم تقدر فى الوقف فكيف ينبه عليها؟
قال : «وإبدال الألف فى المنصوب المنوّن وفى إذن وفى نحو اضربن ، بخلاف المرفوع والمجرور فى الواو والياء ، على الأفصح»
أقول : المنصوب المنون تقلب نونه ألفا ؛ لأنه لا يستثقل الألف ، بل تخف به الكلمة ، بخلاف الواو والياء لو قلبت النون إليهما فى الرفع والجر ، والخفة مطلوبة فى الوقف كما تقدم ، وقد ذكرنا أن ربيعة يحذفون التنوين فى النصب مع الفتحة فيقفون على المنصوب كما يقفون على المرفوع والمجرور ، قال شاعرهم :
وذلك لأن حذفها مع حذف الفتحة قبلها أخف من بقائها مقلوبة ألفا معها ، وأما «إذن» فالأكثر قلب نونها ألفا فى الوقف ؛ لأنها تنوين فى الأصل ، كما ذكرنا فى بابه (1)
«إذن لقام بنصرى ...» وللمستقبل نحو جئتنى إذن أكرمك ، وللحال نحو إذن أظنك كاذبا ، وإذن ههنا هى إذ فى نحو قولك حينئذ ويومئذ. إلا أنه كسر ذلك فى نحو حينئذ ليكون فى صورة ما أضيف إليه الظرف المقدم ، وإذا لم يكن قبله ظرف فى صورة المضاف فكسره نادر ، كقوله :
نهيتك عن طلابك أمّ عمرو
بعاقبة وأنت إذ صحيح
والوجه فتحه ليكون فى صورة ظرف منصوب ؛ لأن معناه الظرف» اه
، ومنع المازنى ذلك ، وقال : لا يوقف عليه إلا بالنون ، لكونه كلن1) قال المؤلف فى شرح الكافية (ح 2 ص 219): (الذى يلوح لى فى إذن ويغلب فى ظنى أن أصله إذ ؛ حذفت الجملة المضاف إليها وعوض منها التنوين لما قصد جعله صالحا لجميع الأزمنة الثلاثة بعد ما كان مختصا بالماضى ، وذلك أنهم أرادوا الاشارة إلى زمان فعل مذكور فقصدوا إلى لفظ إذ الذى هو بمعنى مطلق الوقت ، لخفة لفظه ، وجردوه عن معنى الماضى وجعلوه صالحا للأزمنة الثلاثة ، وحذفوا منه الجملة المضاف هو إليها ؛ لأنهم لما قصدوا أن يشيروا به إلى زمان الفعل المذكور دل ذلك الفعل السابق على الجملة المضاف إليها ، كما يقول لك شخص مثلا : أنا أزورك ، فتقول : إذن أكرمك : أى إذ تزورنى أكرمك : أى وقت زيارتك لى أكرمك : وعوض التنوين من المضاف إليه ، لأنه وضع فى الأصل لازم الاضافة فهو ككل وبعض ؛ إلا أنهما معربان وإذ مبنى ، فاذن على ما تقرر صالح للماضى. كقوله :
وأن من نفس الكلمة ، وأجاز المبرد الوجهين ، فمن قلبها ألفا كتبها به ، وإلا فبالنون ، وذلك لأن مبنى الخط على الابتداء والوقف ، كما يجىء
قوله «وفى نحو اضربن» يعنى به نون التأكيد المخففة المفتوح ما قبلها ، وعلة قلبها ألفا إذا انفتح ما قبلها وحذفها إذا انضم أو انكسر ما قلنا فى التنوين سواء
قوله «بخلاف المرفوع والمجرور فى الواو والياء» عبارة ركيكة ، ولو قال بخلاف الواو والياء فى المرفوع والمجرور لكان أوضح ، يعنى لا يقلب تنوين المرفوع واوا وتنوين المجرور ياء ، كما قلبت تنوين المنصوب ألفا ، لأداء ذلك إلى الثقل فى موضع الاستخفاف ، وإذا كانوا لا يجيزون مثل الأدلو مطلقا ، ويجيزون حذف ياء مثل القاضى فى الوصل ، والواو والياء فيهما أصلان ، فكيف يفعلون فى الوقف الذى هو موضع التخفيف شيئا يؤدى إلى حدوث واو وياء قبلهما ضمة وكسرة؟ وزعم أبو الخطاب أن أزد السراة يقولون : هذا زيدو ، ومررت بزيدى ، كما يقال : رأيت زيدا ، حرصا على بيان الإعراب
قال : «ويوقف على الألف فى باب عصا ورحى باتّفاق»
أقول : اختلف النحاة فى هذا الألف فى الوقف ، فنسب إلى سيبويه أنها فى حال الرفع والجر لام الكلمة ، وفى حال النصب ألف التنوين ، قياسا على الصحيح ، وليس ما عزى إليه مفهوما من كلامه ؛ لأنه قال (1)
أفى كلّ عام مأتم تبعثونه
على محمر ثوّيتموه وما رضا
وقال طفيل الغنوى :
ويقولون فى فخذ : فخذ ، وفى عضد : عضد ، ولا يقولون فى جمل : جمل ، ولا يخففون ؛ لأن الفتح أخف عليهم والألف (أنظر : ج 1 ص 43 وما بعدها من كتابنا هذا) ، فمن ثم لم تحذف الألف ، إلا أن يضطر شاعر فيشبهها بالياء لأنها أختها وهى قد تذهب مع التنوين ، قال الشاعر - حيث اضطر - وهو لبيد :
وقبيل من لكيز شاهد
رهط مرجوم ورهط ابن المعلّ
يريد المعلى» اه
: «وأما الألفات التى1) لم يذكر المولف عبارة سيبويه بنصها ، وإنما ذكر مفادها ، وإليك العبارة ، قال (ج 2 ص 290): «وأما الألفات التى تذهب فى الوصل فانها لا تحذف فى الوقف ؛ لأن الفتحة والألف أخف عليهم ، ألا تراهم يفرون من الياء والواو إذا كانت العين قبل واحد منهما مفتوحة ، وفروا إليها فى قولهم : قد رضا (ماض مبنى للمجهول) ونها (مثله) وقال الشاعر وهو زيد الخيل :
تذهب فى الوصل فانها لا تحذف فى الوقف ؛ لأن الفتحة والألف أخف ، ألا ترى أنهم يفرون من الواو والياء المفتوح ما قبلهما إلى الألف؟ وقد يفر إليه فى الياء المكسور ما قبلها نحو دعا ورضا». وقال أيضا : «إنهم يخففون عضدا وفخذا بحذف حركتى عينيهما ، ولا يحذفون حركة عين جمل» قال السيرافى - وهو الحق - : «هذا الموضع يدل على أن مذهب سيبويه أن الألف التى تثبت فى الوقف هى التى كانت فى الوصل محذوفة» أقول : معنى كلام سيبويه أنك إذا قلت «هذا قاض» و «مررت بقاض» فانك تحذف فى الوقف الياء التى حذفتها فى الوصل للساكنين ، وإن زال أحد الساكنين ، وهو التنوين ، وذلك لعروض زواله ؛ إذ لو لم يحذف الياء والكسرة فى الوقف وقد ذكر أبو حيان فى الارتشاف هذه المذاهب ونسبها لأصحابها فقال : «والمقصور المنون يوقف عليه بالألف ، وفيه مذاهب : أحدها : أن الألف بدل من التنوين واستصحب حذف الألف المنقلبة وصلا ووقفا ، وهو مذهب أبى الحسن والفراء والمازنى وأبى على فى التذكرة. والثانى : أنها الألف المنقلبة لما حذف التنوين عادت مطلقا ، وهو مروى عن أبى عمرو والكسائى والكوفيين وسيبويه فيما قال أبو جعفر الباذش. والثالث : اعتباره بالصحيح ، فالألف فى النصب بدل من التنوين ، وفى الرفع والجر هى بدل من لام الفعل ، وذهب إليه أبو على فى أحد قوليه ، ونسبه أكثر الناس إلى سيبويه ومعظم النحويين» اه
وقال ابن يعيش فى شرح المفصل : «وقد اختلفوا فى هذه الألف (يريد ألف المقصور المنون) فذهب سيبويه إلى أنه فى حال الرفع والجر لام الكلمة وفى حال النصب بدل من التنوين وقد انحذفت ألف الوصل ، واحتج لذلك بأن المعتل مقيس على الصحيح ، وإنما تبدل من التنوين فى حال النصب دون الرفع والجر ، وبعضهم يزعم أن مذهب سيبويه أنها لام الكلمة فى الأحوال كلها ، قال السيرافى : وهو المفهوم من كلامه ، وهو قوله «أما الألفات التى تحذف فى الوصل فانها لا تحذف فى الوقف». ويؤيد هذا المذهب أنها وقعت رويا فى الشعر فى حال النصب ، نحو قوله :
وربّ ضيف طرق الحىّ سرى
صادف زادا وحديثا ما اشتهى
فألف «سرى» هنا روى ، ولا خلاف بين أهل القوافى فى أن الألف المبدلة من التنوين لا تكون رويا. وقال قوم - وهو مذهب المازنى - : إنها فى الأحوال كلها بدل من التنوين وقد انحذفت ألف الوصل ، واحتجوا بأن التنوين إنما أبدل منه الألف فى حال النصب من الصحيح لسكونه وانفتاح ما قبله وهذه العلة موجودة فى المقصور فى الأحوال كلها ، وهو قول لا ينفك عن ضعف ؛ لانه قد جاء عنهم «هذا فتى» بالامالة ، ولو كانت بدلا من التنوين لما ساغت فيها الامالة ؛ إذا لا سبب لها» اه
لبقيت الكلمة فى حال الوقف على وجه مستثقل عندهم ، مع كونها أخف مما كانت فى الوصل ؛ لأن الياء على كل حال أخف من التنوين
وأما الألف المحذوفة فى المقصور فى الأحوال الثلاث للساكنين فانك تردها فى حال الوقف فى الأحوال الثلاث ، لزوال الساكن الأخير : أى التنوين ؛ لأن الألف أخف من كل خفيف ، فاعتبرت زوال التنوين فى المقصور مع عروضه ؛ لأن اعتباره كان يؤدى إلى كون حال الوقف على وجه مستثقل ، وقد رأيت كيف عمّم سيبويه علة رد الألف التى هى اللام حالات الرفع والنصب والجر لأنها كانت محذوفة فى الحالات الثلاث للساكنين
ولا يعطى كلام سيبويه ما نسب إليه ، لا تصريحا ولا تلويحا ، وما نسب إليه مذهب أبى على فى التكملة ، وأقصى ما يقال فى تمشيته أن يقال : إن فتى فى قولك فى الوقف «جاءنى فتى» و «مررت بفتى» و «رأيت فتى» كان فى الأصل فتى وفتى وفتيا ، حذف التنوين فى الرفع والجر كما يحذف فى الصحيح ، وسكن اللام للوقف ، ثم قلبت ألفا لعروض السكون ، فكأنها متحركة مفتوح ما قبلها ، وأما فى حالة النصب فقد قلبت التنوين ألفا للوقف ، ثم قلبت اللام ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ، ثم حذفت الألف الأولى للساكنين كما هو حق الساكنين إذا التقيا وأولهما مد
وهذا كله خبط ؛ لأنك وقفت على الكلمة ثم أعللتها ، ونحن نعرف أن الوقف عارض للوصل ، والكلمة فى حال الوصل معلّة بقلب لامها ألفا وحذفها للساكنين
فلم يبق فى المقصور إذن فى الوقف إلا مذهبان : أحدهما أنك إذا حذفت التنوين رددت اللام الذى حذفته لأجله مع عروض حذف التنوين ، وذلك لاستخفاف الألف والفتحة كما ذكر سيبويه ، واستدل السيرافى على كون الألف لام الكلمة فى الأحوال بمجيئها رويا فى النصب ، قال :
87 - وربّ ضيف طرق الحىّ سرى
صادف زادا وحديثا ما اشتهى
ونعم مأوى طارق إذا أتى
والاستشهاد بما ذكره المؤلف على أن الألف من المقصور لام الكلمة فى الأحوال كلها ؛ لأنها وقعت رويا ، وليست مبدلة من التنوين فى الوقف ؛ لأنها لو كانت كذلك ووقعت رويا لجاز أن تقع الألف المبدلة من التنوين فى الاسم المنصوب فى الروى أيضا ، وكان يقع مثل رأيت زيدا مع مثل رأيت الفتي فى قصيدة واحدة ، وهو مما لا يقول به أحد ؛ فثبت أن الألف فى «سرى» وفى «اشتهى» وفي «القرى» هى لام الكلمة كما قدمنا
*ولا يجوز «زيدا» مع «محيى» لما ثبت فى علم القوافى ، وأيضا فإنها تمال فى حال النصب كقوله تعالى (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى) وإمالة ألف التنوين فليلة ، كما يجىء فى بابها ، وأيضا تكتب ياء ، وألف التنوين تكتب ألفا
والمذهب الثانى أنك لا ترد الألف المحذوفة ؛ لأنك لا تحذف التنوين الموجب لحذفها ، بل تقلبها فى الأحوال الثلاث ألفا ؛ لوقوعها فى الأحوال بعد الفتحة ، كما قلبتها ألفا فى «زيدا» المنصوب ؛ لأن موقعها فى الأحوال الثلاث مثل موقع تنوين زيدا المنصوب ، بل هنا القلب أولى ؛ لأن فتحة «زيدا» عارضة إعرابية والفتحة فى المقصور لازمة. وهذا المذهب لابن برهان ، وينسب إلى أبى عمرو بن العلاء والكسائى أيضا. والأول أولى ؛ لما استدل به السيرافى.
وأما المقصور المجرد من التنوين فالألف الذى فى الوقف هو الذى كان فيه فى الوصل ، بلا خلاف ، كأعلى والفتى ، وقد يحذف ألف المقصور اضطرارا ، قال :
1) هذه أبيات من الرجز المشطور يقولها الشماخ بن ضرار الغطفاني فى عبد الله بن جعفر بن أبى طالب ، وقد اختارها أبو تمام فى باب الأضياف والمديح من ديوان الحماسة ، وقبلها قوله :
إنّك يابن جعفر خير فتى
88 - وقبيل من لكيز شاهد
رهط مرجوم ورهط ابن المعلّ (1)
قال : «وقلبها وقلب كلّ ألف همزة ضعيف»
أقول : يعنى قلب ألف المقصور وقلب غيرها من الألفات ، سواء كانت للتأنيث كحبلى ، أو للالحاق كمعزى ، أو لغيرهما نحو يضربها ، فان بعض العرب يقلبها همزة ، وذلك لأن مخرج الألف متسع ، وفيه المد البالغ ، فاذا وقفت عليه خليت سبيله ولم تضمه بشفة ولا لسان ولا حلق كضم غيره ، فيهوى الصوت إذا وجد متسعا حتى ينقطع آخره فى موضع الهمزة ، وإذا تفطنت وجدت ذلك كذلك ، فاذا وصلوا لم يمتد الألف إلى مخرج الهمزة ؛ لأنك تأخذ بعد الألف فى حرف آخر ، وفى الواو والياء أيضا مد ينتهى آخره إلى مخرج الهمزة ، قال الخليل :
ولذلك كتبوا نحو «ضربوا» بهمزة بعد الواو ، لكن مدهما أقل من مد الألف ، وقال الأخفش : زادوا الألف خطا فى نحو «كفروا» للفصل بين واو العطف وواو الجمع ، وقال غيرهما : بل ليفصلوا بين ضمير المفعول نحو «ضربوهم» وبين ضمير التأكيد نحو «ضربواهم» ثم طردوا فى الجميع ، وإن لم يكن هناك ضمير
قال : «وكذلك قلب ألف نحو حبلى همزة أو واوا أو ياء»
أقول : قوله «همزة» لم يكن محتاجا إليه مع قوله قبل «قلب كل ألف همزة»
1) ينسب هذا البيت إلى لبيد بن ربيعة الصحابى المعروف ؛ يصف فيه مقاما فاخرت فيه قبائل ربيعة قبيلة من مضر ، وقوله «قبيل» مبتدأ ، و «من لكيز» صفته ، و «شاهد» خبره ، و «رهط مرجوم» وما عطف عليه بدل منه ، ومرجوم وابن المعل سيدان من سادات لكيز. والاستشهاد بالبيت فى قوله «وابن المعل» حيث أراد ابن المعلى ؛ فحذف الألف المقصورة فى الوقف ضرورة تشبيها للألف بما يحذف من الياءات فى الأسماء المنقوصة ، قال الأعلم : «وهذا من أقبح الضرورة ؛ لأن الألف لا تستثقل كما تستثقل الياء والواو وكذلك الفتحة ؛ لأنها من الألف»
قوله «أو واوا أو ياء» اعلم أن فزارة وناسا من قيس يقلبون كل ألف فى الآخر ياء ، سواء كان للتأنيث كحبلى ، أولا كمثنّى ، كذا قال النحاة ، وخص المصنف ذلك بألف نحو حبلى ، وليس بوجه ، وإنما قلبوها ياء لأن الألف خفية ، وإنما تبين إذا جئت بعدها بحرف آخر ، وذلك فى حالة الوصل ؛ لأن أخذك فى جرس حرف آخر يبين جرس الأول وإن كان خفيا ، وأما اذا وقفت عليها فتخفى غاية الخفاء حتى تظن معدومة ، ومن ثم يقال : هؤلاه ويا رباه ، بهاء السكت بعدها ، فيبدلونها إذن فى الوقف حرفا من جنسها أظهر منها ، وهى الياء ، وإنما احتملوا ثقل الياء التى هى أثقل من الألف فى حالة الوقف التى حقها أن تكون أخف من حالة الوصل للغرض المذكور من البيان ، مع فتح ما قبلها ، فانه يخفف شيئا من ثقلها ، وهذا عذر من قلبها همزة أيضا ، وإن كانت أثقل من الألف ، وطيىء يدعونها فى الوصل على حالها فى الوقف ، فيقولون : أفعى ، بالياء فى الحالين ، وبعض طيىء يقلبونها واوا ؛ لأن الواو أبين من الياء ، والقصد البيان ، وذلك لأن الألف أدخل فى الفم لكونه من الحلق ، وبعده الياء لكونه من وسط اللسان ، وبعده الواو لكونه من الشفتين ، والياء أكثر من الواو فى لغة طيىء فى مثله ؛ لأنه ينبغى أن يراعى الخفة اللائقة بالوقف مع مراعاة البيان ، والذين يقلبونها واوا يدعون الواو فى الوصل بحالها فى الوقف ، وكل ذلك لإجراء الوصل مجرى الوقف ، وإنما قلبت واوا أو ياء لتشابه الثلاثة فى المد وسعة المخرج ، وقريب من ذلك إبدال بنى تميم ياء «هذى» فى الوقف هاء فيقولون : هذه ، بسكون الهاء ، وإنما أبدلت هاء لخفاء الياء بعد الكسرة فى الوقف ، والهاء بعدها أظهر منها ، وإنما أبدلت هاء لقرب الهاء من الألف التى هى أخت الياء فى المد ، فاذا وصل هؤلاء ردوها ياء فقالوا : هذى هند ؛ لأن ما بعد الياء يبينها ، وقيس وأهل الحجاز يجعلون الوقف والوصل سواء بالهاء ، كما جعلت طيىء الوقف والوصل
سواء فى أفعى ، إلا أن قلب الهاء من الياء لا يطرد فى كل ياء كما اطرد قلب الياء من كل ألف عند طيىء فى الوقف ، والأغلب بعد قلب ياء هذى هاء تشبيه الهاء بهاء المذكر المكسور ما قبلها ، نحو بهى وغلامهى ، فتوصل بياء فى الوصل ، ويحذف الياء فى الوقف كما يجىء بعد ، ويجوز هذه بسكون الهاء ، وصلا ووقفا ، لكنه قليل ، ويبدل ناس من بنى تميم الجيم مكان الباء فى الوقف ، شديدة كانت الياء أو خفيفة ، لخفاء الياء كما ذكرنا ، وقرب الجيم منها فى المخرج مع ونه أظهر من الياء ، فيقول : تميمجّ وعلج [فى تميمى وعلى] وقوله :
89 - خالى عويف وأبو علجّ
المطعمان اللّحم بالعشجّ (1)
وبالغداة فلق البرنجّ
يقلع بالودّ وبالصّيصجّ
من باب إجراء الوصل مجرى الوقف عند النحاة ، ويجىء الكلام عليه ، وأنشد أبو زيد فى الياء الخفيفة :
90 - يا ربّ إن كنت قبلت حجّتج
فلا يزال شاحج يأتيك بج
خالى عويف وأبو علجّ
المطعمان الشّحم بالعشجّ
وبالغداة فلق البرنجّ
يريد بالعشى والبرني ، فزعم أنهم أنشدوه هكذا» اه
*1) نسبوا هذه الأبيات لبدوى راجز ولم يعينوه ، وقوله «أبو علج» يريد أبو على ، و «بالعشج» يريد : بالعشى ، وفلق : جمع فلقة وهى القطعة ، ويروى فى مكانه «كتل» بضم الكاف وفتح التاء ، وهي جمع كتلة ، و «البرنج» يريد به البرني ، وهو نوع من أجود التمر ، والود : الوتد ، قلبت تاؤه دالا ثم أدغمت ، و «الصيصج» يريد به الصيصي ، وهو واحد الصياصى ، وهى قرون البقر. والاستشهاد بالبيت على أن بعض بنى سعد يبدلون الياء المشددة جيما
2) هذه أبيات ثلاثة من الرجز المشطور أنشدها أبو زيد فى نوادره ، وقوله «حجتج» أراد به حجتى ؛ فأبدل من ياء المتكلم الساكنة جيما ، والشاحج : المراد به البغل أو الحمار ، والشحيج الصوت ، تقول : شحج البغل والحمار والغراب يشحج شحيجا وشحاجا : أى صوت ، ويروى فى مكانه شامخ ، والأقمر : الأبيض ، والنهات : النهاق ، والنهيت والنهيق واحد ، و «بج» يريد : بى ، وينزى : يحرك ، و «وفرتج» يريد به وفرتى ، فأبدل الياء جيما ، والوفرة - بفتح فسكون - : الشعر إلى شحمة الأذن. والاستشهاد بالبيت على أنه قلب الياء الخفيفة جيما ، كما يظهر مما ذكرناه
قال سيبويه (ح 2 ص 288) ما نصه : «وأما ناس من بنى سعد فانهم يبدلول الجيم مكان الياء فى الوقف لأنها خفيفة فأبدلوا من موضعها أبين الحروف ، وذلك قولهم : هذا تميمج ، يريدون تميمى ، وهذا علج ، يريدون على ، وسمعت بعضهم يقول : عربانج ، يريد عربانى ، وحدثني من سمعهم يقولون :
قال : «وإبدال تاء التّأنيث الاسميّة هاء فى نحو رحمة على الأكثر ، وتشبيه تاء هيهات به قليل ، وفى الضّاربات ضعيف ، وعرقات إن فتحت تاؤه فى النّصب فبالهاء ، وإلّا فبالتّاء ، وأمّا ثلاثة اربعة فيمن حرّك فلأنّه نقل حركة همزة القطع لمّا وصل ، بخلاف ألم الله فإنّه لمّا وصل التقى ساكنان».
أقول : لا خلاف فى تاء التأنيث الفعلية أنها فى الوقف تاء ، وفى أن أصلها تاء أيضا ، وأما الاسمية فاختلف فى أصلها ؛ فمذهب سيبويه والفراء وابن كيسان وأكثر النحاة أنها أصل ، كما فى الفعل ، لكنها تقلب فى الوقف هاء ليكون فرقا بين التاءين : الاسمية ، والفعلية ، أو بين الاسمية التى للتأنيث كعفرية (1)والتى لغيره كما فى عفريت وعنكبوت ، وإنما قلبت هاء لأن فى الهاء همسا
1) أنظر فى كلمة عفريت (ح 1 ص 15 ، 256) وأنظر فى كلمة عفرية (ح 1 ص 255 ه 2)
ولينا أكثر مما فى التاء ، فهو بحال الوقف الذى هو موضع الاستراحة أولى ، ولذلك تزاد الهاء فى الوقف فيما ليس فيه - أعنى هاء السكت - نحو : أنه ، وهؤلاه ، وإنما تصرف فى الاسمية بالقلب دون الفعلية لأصالة الاسمية ؛ لأنها لاحقة بما هى علامة تأنيثه ، بخلاف الفعلية فإنها لحقت الفعل دلالة على تأنيث فاعله ، والتغيير بما هو الأصل أولى ؛ لتمكنه.
وقال ثعلب : إن الهاء فى تأنيث الاسم هو الأصل ، وإنما قلبت تاء فى الوصل إذ لو خليت بحالها هاء لقيل : رأيت شجرها ، بالتنوين ، وكان التنوين يقلب فى الوقف ألفا كما فى «زيدا» فيلتبس فى الوقف بهاء المؤنث ، فقلبت فى الوصل تاء لذلك ، ثم لما جىء إلى الوقف رجعت إلى أصلها ، وهو الهاء
وإنما لم يقلب التنوين عند سيبويه ألفا بعد قلب التاء هاء خوفا من اللبس أيضا ، كما قلنا
وزعم أبو الخطاب أن ناسا من العرب يقفون على الاسمية أيضا [بالتاء] قال :
91 - الله نجّاك بكفّى مسلمت
من بعد ما وبعد ما وبعدمت (1)
يا من رأى عارضا أسرّ به
بين ذراعى وجبهة الأسد
وكقولهم : قطع الله يد ورجل من قالها ، ومثل ما قالوه فى نحو : يا تيم تيم عدى. والغلصمة : رأس الحلقوم. يريد نجاك الله من الأعداء بكف هذا الرجل المسمى مسلمة بعد ما كاد يتعسر عليك الافلات وكادت النساء الحرائر يسبين فيصرن إماء. والاستشهاد بالبيت على أن الألف قلبت تاء فى قوله «وبعدمت».
1) هذه الأبيات من الرجز المشطور ، ولم نقف لها على قائل ، ومسلمت - بفتح الميم واللام - : اسم شخص ، وأصله مسلمة ، و «ما» فى قوله «من بعد ما» يجوز أن تكون مصدرية ، وأن تكون كافة مسوغة لبعد أن يليها الفعل ؛ لأن من حق بعد أن تضاف إلى المفرد ، لا إلى الجمل ، والفعل على الوجهين هو قوله «صارت» وما عطف عليه. وقد كرر «بعد ما» ثلاث مرات لقصد التهويل وتفخيم الحال ، وحينئذ يجوز أن تكون الثانية والثالثة توكيدا للاولى من توكيد المفرد بالمفرد ، ويجوز أن تكون كل واحدة منها مضافة إلى فعل مثل المذكور ، وعلى هذا الوجه الثاني يجوز أن يكون الفعل المذكور مضافا إليه الأول أو الثانى أو الثالث ، كقوله :
صارت نفوس القوم عند الغلصمت
وكادت الحرّة أن تدعى أمت
والظاهر أن هؤلاء لا يقولون فى النصب «رأيت أمتا» كزيدا بألف ، بل «رأيت أمت» كما فى قوله «وكادت الحرة أن تدعى أمت» وذلك لحمله على «أمه» بالهاء ؛ فإنه هو الأصل فى الوقف
قوله «وتشبيه تاء هيهات به قليل» قد ذكرنا حكمه فى أسماء الأفعال (1)
1) قال المؤلف فى شرح الكافية (ح 2 ص 69): «ومن أسماء الأفعال التى بمعنى الخبر «هيهات» وفى تائها الحركات الثلاث ، وقد تبدل هاؤها الأولى همزة مع تثليث التاء أيضا ، وقد تنون فى هذه اللغات الست ، وقد تسكن التاء فى الوصل أيضا ، لا جرائه فيه مجراه فى الوقف ، وقد تحذف التاء نحو هيها ، وأيها ، وقد تلحق هذه الرابعة عشر كاف الخطاب ، نحو أيهاك ، وقد تنون أيضا نحو أيها ، وقد يقال أيهان - بهمزة ونون مفتوحتين ، وقال صاحب المغني (وليس هو ابن هشام) : بنون مكسورة ، وقال بعض النحاة : إن مفتوحة التاء مفردة وأصلها هيهية - كزلزلة ، نحو قوقاة ، قلبت الياء الأخيرة ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ، والتاء للتأنيث ، فالوقف عليها إذن بالهاء ، وأما مكسورة التاء فجمع مفتوحة التاء كمسلمات فالوقف عليها بالتاء ، وكان القياس هيهيات ، كما تقول : قوقيات ؛ فى جمع قوقاة ، إلا أنهم حذفوا الألف لكونها غير متمكنة كما حذفوا ألف هذا وياء الذى فى المثنى ، والمضمومة التاء تحتمل الافراد والجمع ؛ فيجوز الوقف عليها بالهاء والتاء ، وهذا كله توهم وتخمين ، بل لا منع أن نقول : التاء والألف فيها زائدتان ، فهى مثل كوكب ، ولا منع أيضا من كونها فى جميع الأحوال مفردة مع زيادة التاء فقط ، وأصلها هيهية ، ونقول : فتح التاء على الأكثر نظرا إلى أصله حين كان مفعولا مطلقا ، وكسرت للساكنين ؛ لأن أصل البناء السكون ، وأما الضم فللتنبيه بقوة الحركة على قوة معنى البعد فيه ، إذ معناه ما أبعده ، كما ذكرنا ، وكان القياس بناء على هذا الوجه الأخير - أعني أن أصله هيهية فى الأحوال - أن لا يوقف عليه إلا بالهاء ، وإنما يوقف عليه بالتاء فى الأكثر تنبيها على التحاقها بقسم الأفعال من حيث المعنى ، فكان تاؤها مثل تاء قامت ، وهذا الوجه أولى من الوجه الأول ، وأيضا من جعل الألف والتاء زائدتين ، لأن باب قلقال أكثر من باب سلس وببر» اه
وأن بعض النحاة قال : إنك إذا كسرت تاءه فهو فى التقدير جمع هيهية وأصله هيهيات فحذف الياء شاذا لكونه غير متمكن ، كما حذفت فى اللّذان ، والقياس اللذيان ، وإذا ضممت تاءه أو فتحتها جاز أن يكون مفردا وأصله هيهية ، فيوقف عليه بالهاء ، وأن يكون مجموعا فيوقف عليه بالتاء ، وقد ذكرنا هناك أنه يجوز أن يكون أصله هيهية سواء كان مضموم التاء أو مفتوحها أو مكسورها ، لكنه إنما قل الوقف عليها بالهاء لالتحاقه بالأفعال ؛ لكونه اسم فعل ، فكان تاؤه كتاء قامت وقعدت ، وذكرنا أيضا أنه يجوز أن يكون الألف والتاء زائدتين ، وتركيبه من هيهى ككوكب ، وأما تجويز قلب تائه هاء على هذا فلتشبيهه لفظا بنحو قوقاة (1)ودوداة (2)
قوله «وفى الضاربات ضعيف» يعنى أن بعضهم يقلب تاء الجمع أيضا فى الوقف
1) قوقاة : مصدر قولك : قوقت الدجاجة : إذا صوتت عند البيض ، وأصلها قوقية - كدحرجة ، فقلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ، وتقول : قاقت الدجاجة ، أيضا
2) الدوداة : الجلبة ، والأرجوحة ، وعلى الأول هى مصدر لقولك : دوديت : أي صوت ، وعلى الثانى هى من أسماء الأجناس غير المصادر ، ويجوز أن تكون منقولة عن المصدر
هاء لكونها مفيدة معنى التأنيث كإفادتها معنى الجمع ، فيشبه بتاء المفرد ، حكى قطرب «كيف البنون والبناه» والأكثر أن لا تقلب هاء ؛ لأنها لم تتخلص للتأنيث ، بل فيها معنى الجمعية ، فلا تقلب هاء ، وأما تاء نحو «أخت» فلا خلاف فى أنها يوقف عليها تاء ؛ لأنها وإن كان فيها رائحة التأنيث لاختصاص هذا البدل بالمؤنث إلا أنها من حيث اللفظ مخالفة لتاء التأنيث ؛ لسكون ما قبلها ، وبكونها كلام الكلمة بسبب كونها بدلا منها ، بخلاف تاء الجمع ؛ فإن ما قبلها ألف ، فكأن ما قبلها مفتوح كتاء المفرد ، وليست بدلا من اللام ، بل هى زائدة محضة كتاء المفرد ، فلهذا جوز بعضهم إجراءها مجراها
قوله «وعرقات (1)إن فتحت تاؤه فى النصب فبالهاء» لأنه يكون مفردا كما ذكرنا فى شرح الكافية ، ويكون ملحقا بدرهم كمعزى ، وإن كسرت تاؤه فى النصب دل على أنه جمع عرق ؛ إذ قد يؤنث جمع المذكر بالألف والتاء مع مجىء التكسير فيه : أى العروق ، كما قيل البوانات مع البون فى البوان ، على ما مر فى شرح الكافية فى باب الجمع ؛ فالأولى الوقف عليه بالتاء كما فى مسلمات
1) قال المؤلف فى شرح الكافية (ح 2 ص 175): «وجاء فى بعض اللغات فيما لم يرد المحذوف فيه فتح التاء حالة النصب ، قالوا : سمعت لغاتهم ، وجاء فى الشاذ (انفروا ثباتا) ولعل ذلك لأجل توهمهم تاء الجمع عوضا من اللام ، كالتاء فى الواحد ، وكالواو والنون فى «كرون» و «ثبون» وقال أبو على : بل هو تاء الواحد ، والألف قبلها اللام المردودة ؛ فمعنى سمعت لغاتهم : أى لغتهم ، قال : وذلك لأن سيبويه قال : إن تاء الجمع لا تفتح فى موضع ، وفيما قال نظر ، إذ المعنى فى سمعت لغاتهم ، وقوله (انفروا ثباتا) الجمع ، وحكي الكوفيون فى غير محذوف اللام : استأصل الله عرقاتهم - بفتح التاء ، وكسرها أشهر ؛ فاما أن يقال : إنه مفرد والألف للالحاق بدرهم ، أو يقال : إنه جمع فتح تاؤه شاذا ؛ فالعرق إذن كالبوان مذكر له جمع مكسر ، وهو العروق ، جمع بالألف والتاء مثله» اه
قوله «وأما ثلاثه اربعة» هذا اعتراض على قوله «وإبدال تاء التأنيث الاسمية هاء» يعنى أنك قلت : إن التاء تبدل هاء فى الوقف ، و «ثلاثة» فى قولك «ثلثهربعة» ليس موقوفا عليه ؛ لكونه موصولا بأربعة ، وإلا لم ينقل حركة الهمزة إلى الهاء ، فأجاب بأن الوصل أجرى مجرى الوقف ، وذلك أنه وصل ثلاثة بأربعة ، ومع ذلك قلب تاؤه هاء ، قال : وأما (ألم اللهُ) فلا يجوز أن يكون فتحة الميم فيه منقولة إليها من همزة أل كما فى ثلثهربعة لأن هذه الكلمات - أعنى أسماء حروف التهجى - عند المصنف ليس موقوفا عليها ، بخلاف ثلثهربعة ؛ فإن ثلاثة موصولة مجراة مجرى الموقوف عليها بسبب قلب التاء هاء ، فإذا لم يكن ألم موقوفا عليه ولا موصولا مجرى مجراه ، بل كان موصولا بالله ، فلا بد من سقوط ألف الله فى الدرج ، والهمزة إذا سقطت فى الدرج سقطت مع حركتها ، ولا ينقل حركتها إلى ما قبلها إلا على الشذوذ ، كما روى الكسائى فى (بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله) بفتح ميم الرحيم فإذا سقطت همزة الوصل مع حركتها التقى ساكنان : ميم ألم ، ولام الله ، فحرك الميم بالفتح للساكنين ، وإنما فتحت إبقاء على تفخيم الله تعالى وفرارا من الكسرة بعد الياء والكسرة ، كما مر فى بابه ، وهذا من المصنف عجيب ، وذلك لأن ألم كلمات معدودة كواحد اثنان ثلاثة ، لا فرق بينهما ، وقد ثبت رعاية حكم الوقف فى كل واحدة من كلمات ألفاظ العدد ، بدليل قلب تائها هاء وإثبات همزة الوصل فى اثنان ، وذلك لعدم الاتصال المعنوى بين الكلمات ، وإن اتصلت لفظا ، فهلا كان نحو ألم أيضا هكذا؟ ولو كان فى أسماء حروف التهجى همزات الوصل فى الأوائل وتاءات التأنيث فى الأواخر لثبتت تلك وانقلبت هذه وجوبا كما فى ألفاظ العدد ، وكذلك إذا عدّدت نحو رجل امرأة ناقة بغلة ، فإنك تثبت همزة الوصل وتقلب التاء هاء ، وهما من دلائل كون كل كلمة كالموقوف عليه ، لكن قلب التاء هاء لازم ، وحذف همزة الوصل مع نقل حركتها إلى ما قبلها مختار ، كما مر فى التقاء الساكنين ، فلما ثبت أن كل كلمة
من أسماء حروف الهجاء فى حكم الموقوف عليه قلنا : ثبت همزة الوصل فى الله إذ هو فى حكم المبتدأ به ، ثم لما وصلها لفظا بميم نقل حركتها إلى الساكن كما نقل حركة همزة القطع فى ثلاثه اربعة
«قوله ثلاثه اربعة فيمن حرك» يعنى من لم يحرك الهاء وقال ثلاثه أربعة فإن ثلاثه موقوف عليه غير موصول بأربعة ؛ فلا اعتراض عليه بأنه كيف قلب التاء هاء فى الوصل ، وهو أيضا وهم ؛ لأن من لم ينقل حركة الهمزة إلى الهاء أيضا لا يسكت على الهاء ، بل يصله بأربعة مع إسكان الهاء ، وليس كل إسكان وقفا ؛ لأنه لا بد للوقف من سكتة بعد الإسكان ولو كانت خفيفة ، وإلا لم يعد المسكن واقفا ؛ لأنك إذا قلت «من أنت» ووصلت من بأنت لا تسمى واقفا مع إسكانك نون من ، فعلى هذا يجب فى الأسماء المعدودة - سواء كانت من أسماء العدد أو أسماء حروف التهجى أو غيرهما - أن يراعى فيها أحكام الأسماء الموقوف عليها ، مع أنك لا تقف على كل منها.
قال : «وزيادة الألف فى أنا ، ومن ثمّ وقف على لكنّا هو الله بالألف ، ومه وأنه قليل»
أقول : قال سيبويه : إنهم كما يبينون حركة البناء بهاء السكت ببينونها فى حرفين فقط بالألف ، وهما أنا وحيّهلا.
قلت : أما «حيّهلا» فيجوز أن يكون الألف فيه بدلا من التنوين فى حيّهلا ، لأن كل نون ساكنة زائدة متطرفة قبلها فتحة وإن لم يكن تنوين تمكن فإنها تقلب فى الوقف ألفا ، كما فى اضربن ، وقد بينا فى باب المضمرات أن الألف فى «أنا» عند الكوفيين من نفس الكلمة ، وبعض طيىء يقف عليه بالهاء مكان الألف ، فيقول : أنه ، وهو قليل ، قال حاتم : هكذا فزدى أنه (1)
ولم نجد فى هذا الكتاب ولا فى غيره من كتب اللغة والأمثال نسبة هذا المثل إلى حاتم ، ولا روايته بهذا اللفظ. وانظر فى معنى الفصد (ح 1 ص 43)
، وبعض1) الذى فى مجمع الأمثال للميدانى (ح 2 ص 293): «هكذا فصدى» قيل : إن أول من تكلم به كعب بن مامة وذلك أنه كان أسيرا فى عنزة فأمرته أم منزله أن يفصد لها ناقة فنحرها فلامته على نحره إياها ، فقال : هكذا فصدى ، يريد أنه لا يصنع إلا ما تصنع الكرام» اه
العرب يصل أنا بالألف فى الوصل أيضا فى السعة ، والأكثر أنهم لا يصلونه بها فى الوصل ، إلا ضرورة ، قال :
92 - أنا سيف العشيرة فاعرفونى
حميدا قد تذرّيت السّناما (1)
وقرأ نافع بإثباتها قبل الهمزة المضمومة والمفتوحة ، دون المكسورة ودون غير الهمزة من الحروف ، وقال أبو على : لا أعرف الوجه فى تخصيص ذلك بما ذكر
قوله «ومن ثم وقف» أى : من جهة زيادة الألف فى آخر «أنا» وقفا وقف على (لكِنَّا) بالألف ؛ لأنه «أنا» فى الأصل جاءت بعد «لكن» ثم نقلت حركة همزة أنا إلى النون وحذفت ، كما فى نحو (قَدْ أَفْلَحَ) ، ثم أدغمت النون فى النون ، وابن عامر يثبت الألف فى (لكِنَّا هُوَ اللهُ) وصلا أيضا ليؤذن من أول الأمر بأنه ليس لكن المشددة ؛ بل أصله لكن أنا
قوله «مه وأنه قليل» أما أنا فقد مر أن بعض طيىء يقفون عليها بالهاء مكان الألف ، وأما «مه» فيريد أن الوقف عليها بالهاء إذا لم تكن مجرورة
1) هذا البيت لحميد بن حريث بن بحدل الكلبى ، وقوله «حميدا» منصوب على أنه بدل من الياء فى «فاعرفونى» أو بفعل محذوف يدل على الاختصاص أو المدح ؛ هذا كله إن رويته «حميدا» بالتصغير ، على أنه علم ، فان رويته «حميدا» - بفتح الحاء - على أنه صفة بمعنى محمود فهو حال ، وإن كان اسما غير صفة جاز فيه ما جاز فى المصغر ، وقد اختلف فى اسم الشاعر على وجهين ؛ فقيل : هو مصغر ، وقيل : مكبر. و «تذريت» : علوت ، وأصله من بلوغ الذروة وهى أعلى الشيء ، والسنام للبعير معروف ، وأراد هنا عالى المجد والرفعة. والاستشهاد بالبيت فى قوله «أنا» حيث جاء بالألف مع الوصل ، وهو من ضرائر الشعر
قليل ، وأما إذا كان مجرورة فيجىء حكمها بعيد ، فنقول : إنه أجاز بعضهم حذف ألف ما ، والوقف عليه بالهاء ، وإن لم يكن مجرورا ، كما فى حديث أبى ذؤيب : قدمت المدينة ولأهلها ضجيج بالبكاء كضجيج الحجيج أهلوا بالإحرام ، فقلت : مه ، فقيل : هلك رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، وذلك لأنك إذا حذفت الألف منها شابهت الفعل المحذوف آخره جزما أو وقفا ، نحو ره واغزه وليرمه ، فيلحق بها هاء السكت بعد حذف الألف ، والأولى أن يوقف عليها بالألف التى كانت لها ، أعنى على ما الاستفهامية غير المجرورة ، ومذهب الزمخشرى أن الهاء بدل من الألف ، وحملها على المجرورة فى نحو : مثل مه ومجىء مه ، أولى ، أعنى جعله هاء السكت جىء بها بعد حذف الألف كالعوض منه
قال : «وإلحاق هاء السّكت لازم فى نحو ره وقه ومجىء مه ومثل مه [فى مجىء م جئت ، ومثل م أنت](1)، وجائز فى مثل لم يخشه ولم يغزه ولم يرمه وغلاميه [وعلى مه](2)وحتّامه وإلامه ممّا حركته غير إعرابيّة ولا مشبّهة بها ، كالماضى وباب يا زيد ولا رجل ، وفى نحو ههناه وهؤلاه»
أقول : قد ذكرنا أحكام هاء السكت فى آخر شرح الكافية ، ونذكر ههنا ما ينحل به لفظه
قوله «فى نحو ره وقه» أى : فيما بقى بالحذف على حرف واحد ، ولم يكن كجزء مما قبله ، لا يلزم الهاء إلا ههنا ، وإنما لزم فيه لأن الوقف لا يكون إلا على ساكن أو شبهه ، والابتداء لا يكون إلا بمتحرك ، فلا بد من حرف بعد الابتداء يوقف عليه ، فجىء بالهاء لسهولة السكوت عليه ، و «مه» فى قولك «مثل مه» [و «مجىء مه» مثل](3)ره وقه من وجه ؛ لأن الكلمة
التى قبل ما مستقلة لكونها اسما ، بخلاف الجار فى حتّام ، وليس مثلهما من وجه آخر ، وذلك لأن المضاف إليه كالجزء من المضاف ، لكن سقوط الألف بلا علة ظاهرة ألزمه التعويض بهاء السكت ، ألا ترى أنه لم يلزم مع الكاف والياء فى نحو غلامى وغلامك وإن كانا أيضا على حرف ، لما لم يحذف منهما شىء ، وأما علامه وإلامه وحتّامه فما فيها أشد اتصالا بما قبلها منها بالمضاف فى نحو مثل مه ؛ لأن ما قبلها حروف ، فلا تستقل بوجه ، فيجوز لك الوقف عليها بالهاء كما ذكر ، وبسكون الميم أيضا ؛ لكون علام مثلا كغلام ، قال :
93 - يا أبا الأسود لم خلّيتنى
لهموم طارقات وذكر (1)
فأجرى الوصل مجرى الوقف ، وبعض العرب لا يحذف الألف من «ما» الاستفهامية المجرورة ، كقوله :
94 - على ما قام يشتمنى لئيم
كخنزير تمرّغ فى رماد (2)
فلم أنفكّ أهجو عابديّا
طوال الدّهر ما نادى المنادى
وقد سارت قواف باقيات
تناشدها الرّواة بكلّ وادى
فقبّح عابد وبنى أبيه
فإنّ معادهم شرّ المعاد
وبيت الشاهد يروي على غير الوجه الذي أنشده المؤلف وغيره من النحاة ، ففى الديوان (ص 55 طبع ليدن)
ففيم تقول : يشتمنى لئيم
كخنزير تمرّغ فى رماد؟
وعلى هذه الرواية لا شاهد فى البيت. والاستشهاد بما رواه المؤلف على أن من العرب من يثبت ألف «ما» الاستفهامية المجرورة غير مبال بالالباس ، وقد قريء قوله تعالى (عَمَّ يَتَساءَلُونَ) بالألف. قال ابن جنى : وإثبات الألف أضعف اللغتتين
1) هذا بيت من بحر الرمل لا نعرف له قائلا ، ولا وقفنا له على سابق ولا لاحق ، والطارقات : جمع طارقة ، وهي مؤنث طارق ، وهو الذي يأتى ليلا ، والذكر - بكسر الذال وفتح الكاف - : جمع ذكرة ، والمعروف ذكرى بألف التأنيث ، تقول : ذكرته بلسانى وبقلبى ذكرا وذكرى - بكسر فسكون فيهما ، والاستشهاد بالبيت على أنه قال «لم» بالسكون فى حال الوصل إجراء له مجرى الوقف
2) هذا البيت لحسان بن ثابت الأنصارى رضياللهعنه يقوله فى رفيع بن صيفى بن عابد وكان قد قتل يوم بدر كافرا ، وبعد البيت قوله
فهذا لا يقول «علامه» وقفا ، بل يقف بالألف التى كانت فى الوصل ، والأولى حذف ألف «ما» الاستفهامية المجرورة ، لما ذكرنا فى الموصولات
وكل ما لحقه هاء السكت على سبيل الجواز فان كان محذوفا منه شىء نحو لم يخش ولم يغز ولم يرم وعلام وإلام وحتّام فالهاء به أولى منها بما لحقته ولم يحذف منه شىء ، نحو غلاميه وضربتكه وإنّه ، وهى بما حذف منه حرفان نحو إن تع أعه أولى منها بما حذف منه حرف نحو اخشه واغزه ، وأما ما صار بالحذف إلى حرف واحد فالهاء له لازم إن لم يتصل بما قبله اتصالا تاما كما اتصل فى علام وإلام وفيم ، وذلك نحو ره وقه ومثل مه ومجىء مه ، على ما مر ، وإن لم يحذف منه شىء فانه بما قبل آخره ساكن نحو إنّه وليته وكيفه أولى منه بما قبل آخره متحرك ، نحو هوه وهيه وغلاميه وضربتكه ؛ لأنك إن لم تلحقه فى القسم الأول سكنت المتحرك الأخير فيلتقى ساكنان ، وعدم التقائهما أولى ، وإن كان ذلك مغتفرا فى الوقف.
قوله «لم يخشه ولم يرمه ولم يغزه» أمثلة المحذوف اللام
وحكى أبو الخطاب عن ناس من العرب : ادعه واغزه من دعوت وغزوت ، كأنهم سكنوا العين المتحركة بعد حذف اللام للوقف ، توهما منهم أنهم لم يحذفوا شيئا للوقف كما قلنا فى «لم أبله» فى الجزم ، قال :
95 - قالت سليمى اشتر لنا دقيقا (1)
والاستشهاد بالبيت فى قوله «اشتر» حيث سكن الراء وهى عين الفعل وكان حقها الكسر ، وكأن الراجز توهم أنها لام الفعل فسكنها كما يسكن باء اضرب ، ومفردات البيت ومعناه لا تحتاج إلى شرح
1) وهذا بيت من الرجز المشطور ينسب للعذافر الكندى ، وبعده قوله :
وقال الآخر فى الجزم :
96 - ومن يتّق فإنّ الله معه*
ورزق الله مؤتاب وغاد (1)
والمؤتاب : اسم فاعل من ائتاب ، افتعل ، من الأوب ، وتقول : آب يؤوب أوبا ؛ إذا رجع ، والغادى : اسم فاعل من غدا يغدو إذا جاء فى الغداة ، يريد أن تقوى الله تسهل للانسان رزقه وتيسر عليه أسبابه ، والاستشهاد بالبيت فى قوله «ومن يتق» حيث سكن القاف وهي عين الفعل ، وسلط الجازم عليها ، وقياسها الكسر على ما مر فى البيت السابق
ثم ألحقوا هاء السكت ، لكون العين فى تقدير الحركة ، ثم كسروا أول الساكنين (2)
بدا لى أنّى لست مدرك ما مضى
ولا سابق شيئا إذا كان جائيا» اه
فكلام سيبويه يقتضى ان كسر العين من «ادعه» لالتقائها ساكنة مع الدال وكلام الرضي يقتضى أن كسر العين لالتقائها ساكنة مع هاء السكت ، فعلى كلام سيبويه لا يحتاج عند إلحاق هاء السكت إلى ملاحظة أن العين فى تقدير الحركة ، وعلى كلام الرضي يحتاج إلى ذلك ؛ لأن هاء السكت لا تلحق إلا المتحرك
كما هو حقه على ما ذكرنا فى «لم أبله»قوله «حتّامه وإلامه» مثال للمحذوف الآخر ، لا للجزم
1) لم نقف لهذا البيت على نسبة إلى قائل ، وقد أنشده صاحب الصحاح (أوب) و (وق ي) وقد ذكرناه فيما مضى (انظر ص 240 من هذا الجزء).
2) وهذا مخالف لما ذكره سيبويه فى الكتاب ؛ إذ قال (ج 2 ص 278) : «وزعم أبو الخطاب أن ناسا من العرب يقولون : ادعه ، من دعوت ، فيكسرون العين كأنها لما كانت فى موضع الجزم توهموا أنها ساكنه ؛ إذ كانت آخر شيء فى الكلمة فى موضع الجزم ، فكسروا حيث كانت الدال ساكنة ، لأنه لا يلتقى ساكنان ، كما قالوا : رد يا فتي ، وهذه لغة رديئة وإنما هو غلط كما قال زهير :
قوله «غلاميه» مثال لغير المحذوف الآخر
قوله «كالماضى» مثال لما حركته مشابهة للإعرابية ؛ لأنه إنما بنى الماضى على الحركة ، وحق البناء السكون لمشابهته المعرب ، إذ معنى «زيد ضرب» زيد ضارب ، ومعنى «إن ضربت ضربت» إن تضرب أضرب
قوله «وباب يا زيد» لأن الضمة تحدث بحدوث حرف النداء ، وتزول بزواله ، كحدوث الإعراب بحدوث العامل وزواله بزواله ، وكذا باب «لا رجل»
قوله «وفى نحو ههناه وهؤلاه» يعنى كل حرف أو اسم عريق فى البناء آخره ألف مثل ذا وما ، يجوز إلحاق هاء السكت به وقفا ، ولا يجب ، وذلك ليتبين الألف فى الوقف إذ هو خاف إذا لم يتلفظ بعده بشىء ، كما مر ، وأما نحو فتى وحبلى فإنك لا تبين ألفاتها فى الوقف بالهاء كما مر فى آخر شرح الكافية
قال : «وحذف الياء فى نحو القاضى وغلامى حرّكت أو سكّنت ، وإثباتها أكثر ، عكس قاض ، وإثباتها فى نحو يامرى اتّفاق»
أقول : اعلم أن المنقوص المنصوب غير المنون ، كرأيت القاضى وجوارى ، لا كلام فى أنه لا يجوز حذف يائه ، بل يجب إسكانه ، وكذا فى غلامى وغلاماى وغلامىّ وإنّى ، بفتح الياء فيها ، بل إنما تسكن ياؤها أو تلحقها هاء السكت كما مر ، قال سيبويه : إنما لم تحذف الياءات لأنها إذا تحركت قويت كالحروف الصحيحة
وأما المنقوص ذو اللام رفعا وجرا فالأكثر بقاء يائه فى الوقف ؛ إذ المطلوب وجود الحرف الساكن ليوقف عليه ، وهو حاصل ، وبعض العرب يحذف الياء فى الوقف ؛ لكونه موضع استراحة ، والياء المكسور ما قبلها ثقيل ، ومن حذف الياء فى الوصل نحو (الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ سَواءٌ مِنْكُمْ) أوجب حذفها وقفا باسكان ما قبلها وأما ياء المتكلم الساكنة فان كانت فى الفعل فالحذف حسن ؛ لأن قبلها نون عماد مشعرا بها ، كقوله تعالى (رَبِّي أَكْرَمَنِ) (رَبِّي أَهانَنِ) وإن كانت
فى اسم فبعض النحاة لم يجوز حذفها والوقف على الحرف الذى قبلها بالاسكان ، نحو «غلام» كما جاز فى المنقوص ؛ حذرا من الالتباس ، وأجازه سيبويه اعتمادا فى إزالة اللبس على حال الوصل ، فعلى هذا قول المصنف «حرّكت أو سكنت» وهم ؛ لأنها إذا تحركت لم يوقف عليها بالحذف ، بل بالإسكان كما نص عليه سيبويه وغيره
وإذا كان المنقوص منادى مفردا نحو «يا قاضى» فاختار الخليل والمبرد إثبات الياء ، كما فى «جاءنى القاضى» سواء ؛ لأنه لا مدخل للتنوين فيها حتى يحذف الياء لتقديره كما حذف فى «جاءنى قاض» وقفا ، واختار يونس وقوّاه سيبويه حذف الياء ؛ لأن المنادى موضع التخفيف ، ألا ترى إلى الترخيم وقلبهم الياء ألفا فى نحو «يا غلاما» ؛ وحذفهم الياء فى نحو «يا غلام» أكثر من حذفهم إياها فى غير النداء ، وأجمعوا كلهم على امتناع حذفها فى نحو «يا مرى» ؛ لأنهم حذفوا الهمزة ، فلو حذفوا الياء أيضا لأجحفوا بالكلمة بحذف بعد حذف بلا علة موجبة ، وإذا كان المنقوص محذوف الياء للتنوين - أعنى فى حالتى الرفع والجر - فالأكثر حذف الياء ؛ لأن حذف التنوين عارض ، فكأنه ثابت ، وتقديره ههنا أولى ؛ لئلا يعود الياء فيكون حال الوقف ظاهر الثقل ، وحكى أبو الخطاب ويونس عن الموثوق بعربيتهم رد الياء اعتدادا بزوال التنوين
وأما حال النصب نحو «رأيت قاضيا» فالواجب قلب تنوينه للوقف ألفا إلا على لغة ربيعة كما مر
قال : «وإثبات الواو والياء وحذفهما فى الفواصل والقوافى فصيح ، وحذفهما فيهما فى نحو لم يغزوا ولم ترمى وصنعوا قليل»
أقول : قال سيبويه : جميع ما لا يحذف فى الكلام وما يختار فيه ترك الحذف يجوز حذفه فى الفواصل والقوافى ، يعنى بالكلام ما لا وقف فيه ، وبالفواصل
رءوس الآى ومقاطع الكلام ، يعنى أن الواو والياء الساكنين فى الفعل الناقص نحو يغزو ويرمى لا يحذفان وقفا ، لأنه لم يثبت حذفهما فى الوصل ؛ لئلا يلتبس بالمجزوم ، إلا للضرورة أو شاذّا ، كقولهم «لا أدر» ، وقوله تعالى (ما كُنَّا نَبْغِ) و (يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ) ولا يقولون «لا أرم» وهذا كما قالوا «لم يك زيد» ولم يقولوا «لم يه» بمعنى يهن ، فاذا وقع الواو والياء المذكوران فى الفواصل وصلا جاز حذفهما والاجتزاء بحركة ما قبلهما ، كقوله تعالى (وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ) وذلك لمراعاة التجانس والازدواج ، فيجب إذن بناء على ذلك حذفهما إذا وقفت على تلك الفواصل المحذوفة اللامات فى الوصل ، وكذا القوافى يحذف فيها كثيرا مثل ذلك ؛ للازدواج ، لا للوقف ، وإلا حذف للوقف فى غير القوافى أيضا ؛ فثبت أنه يحذف فيهما ما لا يحذف فى غيرهما ، قال :
97 - ولأنت تفرى ما خلقت وبع
ض القوم يخلق ثمّ لا يفر (1)
لمن الدّيار بقنّة الحجر
أقوين مذ حجج ومذ دهر
ويقال : بل مطلعها قوله :
دع ذا وعدّ القول فى هرم
خير البداة وسيّد الحضر
والقنة : أعلى الشيء ، والحجر : اسم مكان بعينه ، وأقوين : خلون وأصبحن ولا أنيس بهن ، وقوله «مذحجج» يروى في مكانه «من حجج» والحجج : السنون. و «تفرى ما خلقت» ضربه مثلا لعزمه ، وتقول : فرى فلان الأديم يفريه ، إذا قطعه على وجه الاصلاح ، ويقال : أفراه ، إذا قطعه على وجه الافساد ، وكأن الهمزة فيه للسلب ، و «تخلق» بمعنى تقدر. والمراد أنك إذا تهيأت لأمر وقدرت له أسبابه أمضيته ، وبعض الناس يقدر ثم تقعد به همته عن إنفاذه. والاستشهاد بالبيت فى قوله «يفر» على أن أصله يفري ؛ فحذفت الياء وسكنت الراء للوقف ، وهم لا يبالون عند الوقف بتغيير الوزن وانكساره
1) هذا البيت من قصيدة طويلة لزهير بن أبي سلمى المزنى يمدح فيها هرم بن سنان ، وقد ذكروا أن أولها :
هكذا أنشد باسكان الراء وتقييد القافية
قوله «وما يختار فيه ترك الحذف» يعنى الاسم المنقوص نحو «القاضى» ؛ فانه قد يحذف ياؤه فى غير الفواصل والقوافى فى الوصل قليلا ، كقوله تعالى (يَوْمَ التَّنادِ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ) وقوله تعالى (وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ) وذلك لعدم التباسه بالمجزوم ؛ وأما فى الفواصل فى الوصل فحذف لامه أحسن من حذف ياء [نحو] «يرمى» فيها ؛ لأن لام نحو «الرامى» يحذف فى الوصل فى غير الفواصل من غير شذوذ ، كقوله تعالى (يَوْمَ التَّلاقِ يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ) ولا يحذف ياء نحو «يرمى» فى مثله إلا شاذا ، كما ذكرنا ، فاذا وقف على الاسم المنقوص [المحذوف اللام وجب حذف اللام فى الوقف ، فاذا وقفت على الفعل الناقص والاسم المنقوص] الثابت لامهما فى الوصل فحذف لامهما جائز ، لا واجب ، قال سيبويه : إثبات الواوات والياءات فى مثله أقيس الكلامين
هذا ، وأما الألف فلا يحذف : لا فى الفواصل ، ولا فى القوافى ، إلا للضرورة كما قال :
وذلك لخفة الألف وثقل الواو والياء ، قال سيبويه ما معناه : إنك تحذف فى القوافى الواو والياء الأصليتين تبعا للواو والياء الزائدتين التابعتين للضمة والكسرة المشابهتين للواو والياء فى وقف أزد السّراة ، يعنى أنك تحذف الياء من «يفرى» تبعا لحذف الياء فى البيت الذى قبله ، وهو
98 - ولأنت أشجع من أسامة إذ
دعيت نزال ولجّ فى الذّعر (1)
ولنعم حشو الدّرع أنت إذا
دعيت نزال ولجّ فى الذّعر
وهو لزهير بن أبي سلمى من قصيدة الشاهد السابق ، والبيت الثانى هو :
ولأنت أشجع من أسامة إذ
يقع الصّراخ ولجّ فى الذّعر
وهو للمسيب بن علس. وأسامة : علم للاسد ، ونزال : اسم فعل أمر بمعنى انزل ، وقد قصد هنا لفظها ، ولذلك وقعت نائب فاعل ، والذعر : الفزع ، ولجاج الناس فيه معناه تتابعهم فيه أو اشتداده بهم ، والاستشهاد بالبيت فى قوله «الذعر» حيث حذف الياء التى تنشأ من كسرة الراء إذا كانت القافية مطلقة ؛ والفرق بين هذا والذي قبله أن الياء المحذوفة من السابق لام الكلمة ، وهي هنا حرف زائد للروى
1) هكذا وقع هذا البيت فى كل النسخ ، وهو كذلك فى كثير من كتب النحاة وفى صحاح الجوهرى ، والحقيقة أن البيت ملفق من بيتين : أحدهما
فلما جوّز حذف ياء «الذعر» لأنه مثل وقف أزد السراة نحو «مررت بعمرى» تبعه فى حذف الياء الأصلىّ ؛ إذ القوافى يجب جريها على نمط واحد ، وكذا فى الواو ، نحو قوله :
99 - وقد كنت من سلمى سنين ثمانيا
على صير أمر ما يمرّ وما يحل (1)
وإنما جوزت ههنا حذف الواو - وإن كان أصلا - لأنك حذفت الواو الزائد الناشىء للاطلاق فى «الثقل» قبل هذا البيت لما قصدت التقييد فى قوله :
100 - صحاالقلبعنسلمى وقدكاد لايسلو
وأقفر من سلمى التّعانيق والثّقل (2)
1) هذا البيت لزهير بن أبى سلمى المزنى من قصيدة له مطلعها الشاهد الآتي بعد هذا ، وقوله «على صير أمر» أي : على مشارفة أمر ، ويمر ويحلو : أى يصير مرا وحلوا ، يريد أنه من محبوبته على حال لا تعد وصالا ولا هجرانا ؛ ولو أنها هجرته ليئس ، ولو واصلته لنعم ، فهو غير يائس منها ولا ناعم فى هواها. والاستشهاد بالبيت فى قوله «يحل» حيث حذف الواو التى هى لام الكلمة ثم سكن ما قبلها
2) هذا البيت مطلع قصيدة زهير بن أبي سلمى المزنى التى منها الشاهد السابق ، وأقفر : خلا ؛ والتعانيق والثقل : موضعان ، ومعنى البيت قد أفاق قلبى عن اللجاج فى هوى سلمى وما كاد يفيق. والاستشهاد بالبيت فى قوله «والثقل» حيث حذف الواو التى تكون للاشباع إذا كانت القصيدة مطلقة ، ثم سكن ما قبلها ليجرى على سنن واحد مع الشاهد السابق ، وقد علمت أنهم لا يبالون إذا وقفوا بأن يختل وزن البيت ، والفرق بين هذا والبيت السابق أن الواو المحذوفة من هذا الشاهد واو الاشباع ، والواو المحذوفة من الشاهد السابق لام الكلمة
وإنما حذف هذا الواو الزائد تشبيها له بالواو الزائد فى لغة أزد السراة فى «جاءنى زيد»
وأما الألف فلا تحذف فى القوافى نحو قوله :
101 - داينت أروى والدّيون تقضى
فمطلت بعضا وأدّت بعضا (1)
لأن الألف الموقوف عليه لا يحذف فى الأشهر فى نحو «زيدا» كما يحذف جمهور العرب الواو والياء الحادثتين فى الوقف فى لغة أزد السراة ، قال سيبويه : وقد دعاهم حذف ياء نحو «يقضى» وواو نحو «يدعو» فى القوافى إلى أن حذف ناس كثير من قيس وأسد الواو والياء اللتين هما ضميران ، ولم يكثر حذفهما كثرة حذف نحو ياء «يرمى» وواو «يدعو» لأنهما كلمتان وليستا حرفين ، وينشد :
1) هذا الشاهد من الرجز المشطور لرؤبة بن العجاج ، وأروى : اسم امرأة ، وقوله «والديون تقضى» جملة حالية ، يريد أنه أسلف هذه المرأة محبة وودادا وانتظر أن تجزيه بهما محبة وودادا مثلهما لأن الديون يقضيها المدينون ، ولكنها أدت إليه بعض هذا الدين ولوته فى بعضه الآخر. والاستشهاد بالبيت فى قوله «تقضى» ، و «بعضا» حيث أثبت الألف فى الموضعين ولم يحذفها كما تحذف الواو والياء ، من قبل أن الألف ليس حكمها كحكمهما ، وألف تقضى لام الكلمة ، وألف بعضا هى ألف الأطلاق التى تنشأ من إشباع الفتحة
102 - لا يبعد الله إخوانا تركتهم
لم أدر بعد غداة البين ما صنع (1)
ناط الفؤاد مناطا لا يلائمه
حيّان : داع لإصعاد ، ومندفع
وناط : علق ، والمناط : مصدر ميمى منه ، ويلائمه : يوافقه ، والأصعاد : الارتقاء ، تقول : أصعد فلان إذا ارتقى شرفا أو نحوه ، والاندفاع : الهبوط والانحدار ، والبين : الفراق ، والاستشهاد بالبيت فى قوله «صنع» وأصلها صنعوا فحذف واو الضمير كما يحذفون واو يسمو ويحلو ، وياء يقضى ويرمى ، غير مبالين باختلال الوزن
بحذف الواو وإسكان العين ، وأنشد أيضا :
103 - يا دار عبلة بالجواء تكلّم
وعمى صباحا دار عبلة واسلم (2)
باسكان الميم ، ولا يحذف ألف الضمير فى نحو قوله
104 - خليلىّ طيرا بالتّفرّق أوقعا (3)
لما ذكرنا قبيل
قوله «وحذفهما فيهما قليل» أى حذف الواو والياء فى الفواصل والقوافى ،
1) هذا البيت من قصيدة لتميم بن أبى بن مقبل ، وقبله قوله :
2) هذا مطلع قصيدة طويلة لعنترة بن شداد العبسى ، وتعتبر عند بعضهم من المعلقات ، وعبلة : اسم امرأة وهى محبوبته ، والجواء - بكسر الجيم ممدودا - : اسم موضع ، وعمى : مقتطع من انعمى أو أمر من وعم يعم - كوعد يعد. والاستشهاد بالبيت فى قوله «تكلم» و «اسلم» حيث حذف ياء الضمير منهما ، وأصلهما تكلمى واسلمى فحذف الياء كما حذف الشاعر الذى قبله الواو فى قوله «صنع»
3) هذا نصف بيت من الطول لم نعثر له على تتمة ولا على نسبة إلى قائل معين ، والاستشهاد به فى قوله «قعا» حيث لم يحذف الألف التى هى ضمير الاثنين كما حذفت الياء التى هى ضمير الواحدة المخاطبة فى بيت عنترة ، وكما حذف واو جماعة المذكرين فى بيت تميم السابق
وأنا لا أعرف حذف واو الضمير فى شىء من الفواصل كما كان فى القوافى ، وحذف ياء الضمير فى الفواصل ، نحو : (فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ)
قال : «وحذف الواو فى ضربه وضربهم فيمن ألحق»
أقول : قد بيّنّا فى باب المضمرات أن غائب الضمير المتصل منصوبه أو مجروره مختصر من غائب المرفوع المنفصل بحذف حركة واو هو ، لكنهم لما قصدوا التخفيف فى المتصل لكونه كجزء الكلمة المتقدمة نظروا
فان كان قبل الهاء ساكن نحو منه وعليه لم يأتوا فى الوصل بالواو والياء الساكنين ، فلا يقولون على الأكثر : منهو ، وعليهى ؛ لثقل الواو والياء ، ولكون الهاء لخفائها كالعدم ، فكأنه يلتقى ساكنان إن قالوا ذلك ، ولم يحذفوا من عليها ومنها - وإن كان كاجتماع ساكنين أيضا - لخفة الألف ، فهذا نظير تركهم فى الأكثر قلب التنوين فى المرفوع والمجرور حرف لين فى الوقف وقلبهم له ألفا فى المنصوب ، وقد اختار سيبويه إثبات الصّلة بعد الهاء إذا كان الساكن الذى قبلها حرفا صحيحا نحو منهو وأصابتهو ، وحذفها إذا كان الساكن حرف علة ، نحو ذوقوه وعصاه ولديه وفيه ، ولم يفرق المبرد بين الصحيح وحرف العلة الساكنين قبل الهاء ، وهو الحق ؛ إذ شبه التقاء الساكنين فى الكل حاصل ، وعليه جمهور القراء ، نحو (مِنْهُ آياتٌ) و (فِيهِ آياتٌ) ولو عكس سيبويه لكان أنسب ؛ لأن التقاء الساكنين إذا كان أولهما لينا أهون منه إذا كان أولهما صحيحا ،
وإن كان قبل الهاء متحرك نحو به وغلامه فلا بد من الصلة ، إلا أن يضطر شاعر فيحذفها ، كقوله :
105 - وأيقن أنّ الخيل إن تلتبس به
يكن لفسيل النّخل بعده آبر (1)
1) هذا البيت من الطويل ، وقائله حنظلة بن فاتك ، ولم يتعرض له البغدادى فى شرح شواهد شرح الشافية ، وهو من شواهد سيبويه أورده فى باب «ما يجوز فى الشعر ولا يجوز فى الكلام» (ح 1 ص 11) وقد قال الأعلم فى شرح هذا الشاهد من كتابه شرح شواهد سيبويه : «أراد بعد هو ، فحذف الواو ضرورة ، والبيت يتأول على معنيين : أحدهما - وهو الأصح - أن يكون وصف جبانا ؛ فيقول : أيقن أنه إن التبست به الخيل قتل فصار ماله إلى غيره فكع (أى : جبن) وانهزم ، والمعنى الآخر أن يكون وصف شجاعا ؛ فيقول : قد علم أنه إن ثبت وقتل لم تتغير الدنيا بعده وبقى من أهله من يخلفه فى حرمه وماله ، فثبت ولم يبال بالموت ، وفسيل النخل : صغاره ، واحدته فسيلة ، والآبر : المصلح له القائم عليه ، والأبار : تلقيح النخل» اه
وقال المتنيي :
106 - تعثّرت به فى الأفواه ألسنها
والبرد فى الطّرق والأقلام فى الكتب (1)
طوى الجزيرة حتّى جاءنى خبر
فزعت فيه بآمالى إلى الكذب
يقول : لقد كان من هول هذا الخبر وفداحته أن عثرت الألسن فى الأفواه فلم تستطع الكلام ، وعثرت البرد فى الطرق وعثرت الأقلام فى الكتب. والبرد : جمع بريد ، وأصله برد - بضمتين - فخفف كما يخفف عنق
فحذف الصلة فى مثله كحذف الألف فى قوله
وذهب الزجاج إلى أن الصلة بعد الهاء ليست من أصل الكلمة ، وهو ظاهر
1) هذا البيت من قصيدة للمتنبى كما قال المؤلف يرثى فيها خولة أخت سيف الدولة بعد عودته من مصر ، والمتنبى ليس ممن يحتج بشعره ، ولكن المؤلف قد جرى فى هذا الكتاب وفى شرح الكافية على أن يذكر بعض الشواهد من شعر المتنبى وشعر أبى تمام والبحترى ، ولعله متأثر فى ذلك بجار الله الزمخشرى فأنه كان يستشهد على اللغة والقواعد بشعر هؤلاء ، وكأنه كما قال عن أبى تمام - وقد استشهد ببيت له فى الكشاف - : أجعل ما يقوله بمنزلة ما يرويه. والشاهد فى بيت المتنبى قوله «به» حيث حذف صلة الضمير المجرور المكسور ما قبله ، وهى الياء ، وأصله «بهى» والضمير فى به يعود إلى الخبر الذى ذكره فى بيت قبله وهو قوله :
مذهب سيبويه ، واستدل الزجاج عليه بحذفها فى الوقف ، ولبس بقوى ؛ لأن ما هو من نفس الكلمة من حروف اللين قد يحذف كما فى القاضى. وأما وجوب حذف الصلة فى الوقف دون ياء القاضى فلكونها مما له حظ فى السقوط فى حال الوصل ، نحو منه وفيه
هذا الذى ذكرنا كله حال الضمير الغائب المفرد المذكر فى الوصل ؛ فاذا وقفت عليه فلا بد من ترك الصلة ، سواء كانت ثابتة فى الوصل ، نحو بهى ولهو ، اتفاقا ، ومنهو وعليهى عند بعضهم ، أولا ، نحو منه وعليه عند الأكثرين ، وذلك لأن من كلامهم أن يحذفوا فى الوقف مالا يذهب فى الوصل ، نحو ضربنى وغلامى ، فالتزموا حذف هذا الحرف الذى ثبت حذفه فى الوصل كثيرا ، نحو عليه ومنه ، ولا بد من إسكان الهاء فى الوقف سكن ما قبله أو تحرك
قوله «وضربهم فيمن ألحق» أى : فيمن ألحق الواو فى ميم الجمع ، أو الياء فى الوصل ، كما بينا فى المضمرات من أن بعضهم يقول : عليكمو أنفسكم ، وعليهمى مال ، فمن لم يلحق الصلة فى ميم الجمع وصلا فلا كلام فى الوقف عليها بالإسكان ، ومن ألحقها وصلا أوجب حذفها فى الوقف أيضا ؛ لأن ما كثر حذفه فى الوصل من الواو والياء وجب حذفه فى الوقف ، نحو منه وعليه
قال : «وحذف الياء فى ته وهذه»
أقول : اعلم أن الهاء فى «هذه» و «ته» بدل من الياء فى هذى وتى ، كما تقدم ، والياء بعد الهاء فى الأغلب لأجل تشبيه الهاء بهاء المذكر المكسور ما قبلها ، نحو بهى وغلامهى ، كما تبين قبل ، إلا أن هاء الضمير قد يوصل - عند أهل الحجاز مع كون ما قبلها مكسورا أو ياء - بالواو ، نحو بهو وعليهو ، وذلك لكون الضمير المجرور فى الأصل هو المرفوع المنفصل ، كما مر فى بابه ، ولا يوصل هاء «ذهى» و «تهى» بواو أصلا ، وبعض العرب يبقيها على سكونها كميم الجمع ؛ فلا يأتى بالصلة ، وهو الأصل ، ولكنه قليل الاستعمال ، يقول : هذه
وصلا ووقفا ، وبعضهم يحذف الياء منها فى الوصل ، ويبقى كسرتها ، فاذا وقفت عليها فلا خلاف فى إسكان الهاء وترك الصلة كما ذكرنا فى منه ولديه
واعلم أن بعض الناس منع من الرّوم والإشمام فى هاء الضمير ، إذا كان قبله ضم أو كسر ، نحو يعلمه وبغلامه ، وكذا إذا كان قبله واو أو ياء ، نحو عقلوه وبأبيه ، وذلك لأن الهاء الساكنة فى غاية الخفة حتى صارت كالعدم ؛ فاذا كانت فى الوقف بعد الضمة والواو فكأنك ضممت الحرف الأخير الموقوف عليه أو جئت فى الآخر بواو ، إذ الهاء كالعدم للخفاء ، فلو رمت عقيبها بلا فصل : أى أتيت ببعض الضمة ، أو أشممت : أى ضممت الشفتين ، لم يتبينا ؛ إذ يحسب السامع والناظر أن ذلك البعض من تمام الضم الأول ، وضمّ شفتيك للإشمام من تمام الضم الأول ، إذ الشىء لا يتبين عقيب مثله ، كما يتبين عقيب مخالفه ، وكذلك الكلام فى الرّوم بعد الهاء المكسور ما قبلها أو الهاء التى قبلها ياء ، وأيضا فإن الرّوم والإشمام لبيان حركة الهاء ، وعلى التقديرات المذكورة لا يحتاج إلى ذلك البيان ؛ لأن الهاء التى قبلها ضمة أو واو لا تكون إلا مضمومة ، والتى قبلها كسرة أو ياء لا تكون إلا مكسورة فى الأغلب ، وأما إذا كانت الهاء المضمومة بعد الفتحة نحو إن غلامه أو بعد الساكن الصحيح نحو منه فانه يجوز الرّوم والإشمام بلا خلاف ، وبعضهم أجازهما بعد هاء الضمير مطلقا ، سواء كان بعد واو أو ياء أو غيرهما من الحروف ، وسواء كان بعد فتح أو ضم أو كسر وإن لم يتبينا حق التبين كما مر.
قال : «وإبدال الهمزة حرفا من جنس حركتها عند قوم ، مثل هذا الكلو والخبو والبطو والرّدو ، ورأيت الكلا والخبا والبطا والرّدا ، ومررت بالكلى والخبى والبطى والرّدى ، ومنهم من يقول : هذا الرّدى ومن البطو فيتبع».
أقول : اعلم أن الهمزة هى أبعد الحروف وأخفاها ؛ لأنها من أقصى الحلق ، فإذا وقفوا عليها - وبالوقف يصير الجرف الموقوف عليه أخفى مما كان فى الوصل ، وذلك لأن الحرف أو الحركة التى تلى الحرف تبين جرسه ، ولذلك يقلب بعضهم الألف فى الوقف واوا أو ياء ، لأنهما أبين منها - احتاجوا إلى بيانها فنقول : الهمزة الموقوف عليها إما أن تخففها بالقلب ، أو الحذف ، كما هو مذهب أهل الحجاز على ما يجىء ، أو تحققها كما هو مذهب غيرهم ، والمحققة تحتاج إلى ما يبيّنها ؛ لأنها تبقى فتخفى ، بخلاف المخففة ، فالمحققة لا تخلو من أن يكون قبلها ساكن أو متحرك ، فان سكن ما قبلها وقفت عليها بحذف حركتها فى الرفع والجر ، كما تقف على نحو عمرو وبكر ، فيجرى فيها مع الاسكان الروم والاشمام ، لا التضعيف ، كما يجىء
وناس كثير من العرب يلقون حركتها على الساكن الذى قبلها أكثر مما يلقون الحركة فى غير الهمزة ، وذلك لأنها إذا كانت بعد الساكن كانت أخفى ؛ لأن الساكن خاف فيكون خاف بعد خاف ، فإذا حركت ما قبلها كان أبين لها ، فلما كانت أحوج إلى تحريك ما قبلها من سائر الحروف لفرط خفائها ألقوا حركاتها على ما قبلها ، فتحة كانت أو ضمة أو كسرة ، ولم ينقلوا فى غير الهمزة الفتحة إلى ما قبل الحرف ، كما يجىء ، وأيضا ألقوا ضم الهمزة إلى ما قبلها فى الثلاثى المكسور الفاء ، نحو هذا الرّدء ، وكسرها إلى ما قبلها فى الثلاثى المضموم الفاء نحو من البطىء ، وإن انتقل اللفظان بهذا النقل إلى وزن مرفوض ، ولم يبالوا بذلك لعروض ذلك الوزن فى الوقف وكونه غير موضوع عليه الكلمة ، ولم يفعلوا ذلك فى غير الهمزة ، فلم يقولوا : هذا عدل ، ولا من البسر ، كل ذلك لكراههم كون الهمزة ساكنة ساكنا ما قبلها ، ولا يجىء فى المنقول إعرابها إلى ما قبلها الروم والإشمام ؛ لأنهما لبيان الحركة ، وقد حصل ذلك بالنقل
وبعض بنى تميم يتفادى من الوزنين المرفوضين فى الهمزة أيضا مع عروضهما ، فيترك نقل الحركة فيما يؤدى إليهما : أى الثلاثى المكسور الفاء والمضمومها ، بل يتبع العين فيهما الفاء فى الأحوال الثلاث ، فيقول : هذا البطؤ ، ورأيت البطؤ ، ومررت بالبطؤ ، وهذا الرّدىء ، ومررت بالرّدىء ، ورأيت الرّدىء ، وذلك أنهم لما رأوا أنه يؤدى النقل فى البطء فى حال الجر وفى الرّدء فى حال الرفع إلى الوزنين المرفوضين أتبعوا العين الفاء فى حال الجر فى البطؤ وفى حال الرفع فى الردء ؛ فتساوى الرفع والجر فيهما ، فكرهوا مخالفة النصب إياهما ، فأتبعوا العين الفاء فى الأحوال الثلاث ، فيجرى فى هذين المتبع عينهما فاءهما فى الإسكان الروم والإشمام لأنهما لبيان حركة الآخر وهى نقلت إلى ما قبله لكنها أزيلت بإتباع العين للفاء فاحتيج إلى بيانها
وبعض العرب لا يقنع من بيان الهمزة مما ذكرناه ، بل يطلب أكثر من ذلك ، وهم على ضربين : بعضهم يحذف حركة الهمزة ولا ينقلها ، ثم يقلب الهمزة إلى حرف علة يجانس حركة الهمزة ، فيقول : هذا الوثو (1)والبطو والرّدو ، ومررت بالوثى (2)والبطى والرّدى ، بسكون العين فى الجميع ، وأما فى حالة النصب فلا يمكنه تسكين ما قبل الألف ؛ إذ الألف لا تجىء إلا بعد فتحة ، فيقول : رأيت الوثا (3)والبطا والرّدا ، بالنقل والقلب ، فههنا بين الهمزة بقلبها ألفا كما بين بعضهم الألف فى نحو حبلى بقلبها همزة ؛ لأن الألف المفتوح ما قبلها ههنا أبين من الهمزة الساكن ما قبلها ، كما أن الهمزة المتحرك ما قبلها كانت أبين من الألف هناك
وبعضهم ينقل الحركات إلى العين فى الجميع ، ثم يدبر الهمزة فى القلب بحركة ما قبلها ، فيقول : هذا البطو : والوثو والرّدو ، ومررت بالبطى والوثى والرّدى.
ورأيت البطا والوثا والرّدا ، وليس هذا القلب تخفيفا للهمزة كما فى بير وراس ومومن ؛ لأنهم ليسوا من أهل التخفيف ، بل هذا القلب للحرص على بيان الحرف الموقوف عليه
ثم إن الذين تفادوا مع الهمزة من الوزن المرفوص مع عروضه من الناقلين للحركة يتفادون من ذلك مع قلب الهمزة أيضا ، فيقولون : هذا البطو ، ومررت بالبطو ، ورأيت البطو ، وهذا الرّدى ، ومررت بالرّدى ، ورأيت الرّدى ، فألزموا الواو فى الأول والياء فى الثانى ، وفى هذا المقلوب لامه حرف لين لا يكون روم ولا إشمام ؛ لأن الحركة كانت على الهمزة لا على حرف اللين ، كما مر فى تاء التأنيث.
هذا كله إذا كان ما قبل الهمزة ساكنا ؛ فإن كان متحركا ، نحو الرّشأ وأكمؤ وأهنىء ، فإنك تقف عليه كما تقف على الجمل والرّجل والكبد من غير قلب الهمزة ، لأن حركة ما قبلها تبينها ، فيجرى فيه جميع وجوه الوقف ، إلا التضعيف كما يجىء ، وإلا النقل لتحرك ما قبلها
وبعض العرب - أعنى من أهل التحقيق - يدبرون المفتوح ما قبلها بحركة نفسها ، حرصا على البيان لعدهم الفتحة لخفتها كالعدم ، فلا تقوم بالبيان حق القيام ، فيقولون : هذا الكلو ، ورأيت الكلا ، ومررت بالكلى ، يقلبون المضمومة واوا ، والمفتوحة ألفا ، والمكسورة ياء ؛ لأن الفتحة لا يستثقل بعدها حروف العلة ساكنة ، وأما المضموم ما قبلها والمكسوره ، نحو أكمؤ وأهنىء ، فلا يمكن تدبيرهما بحركة أنفسهما ، لأن الألف لا تجىء بعد الضمة والكسرة ، والياء الساكنة لا تجىء بعد الضم ، ولا الواو الساكنة بعد الكسر ، وأيضا فالضمة والكسرة تقومان بالبيان حق القيام ، فبقّوا الهمزتين على حالهما ، ولم يقلبوهما كما قلبوا المفتوح ما قبلها
هذا كله على مذهب الذين مذهبهم تحقيق الهمزة ، فأما أهل التخفيف فإنهم
يخففونها كما هو حق التخفيف ؛ فإن كان ما قبلها ساكنا نقلوا حركتها إلى ما قبلها وحذفوها ، ثم حذفوا الحركة للوقف ، نحو الخب والرّد والبط ، فيجىء فيه الإسكان والروم والإشمام والتضعيف ، وفى المنصوب المنون يقلب التنوين ألفا لا غير ، نحو رأيت بطا وردا وخبا ، وإن كان ما قبلها متحركا دبرت بحركة ما قبلها ؛ فالخطا ألف فى الأحوال الثلاث ، وأكمؤ واو ، وأهنىء ياء ، فلا يكون فيها إلا الإسكان دون الروم والاشمام كما قلنا فى تاء التأنيث ، ولا يمكن فيها التضعيف ؛ لأنه لا يكون إلا فى الصحيح كما يجىء ، ويجىء تمام البحث على مذهب أهل التخفيف فى باب تخفيف الهمزة
فنقول : قول المصنف «إبدال الهمزة حرفا من جنس حركتها نحو هذا الكلو» هذه هى المفتوح ما قبلها ، وكذا فى بالكلى ورأيت الكلا
قوله : «الخبو والبطو والردو والخبا والبطا والردا والخبى والبطى والردى» هذه أمثلة الهمزة المدبرة بحركة ما قبلها المنقولة من الهمزة إليه
قوله «ومنهم من يقول هذا الردى ومن البطو فيتبع» الإتباع فى الأحوال الثلاث كما ذكرنا ، لا فى الرفع والجر فقط
وكلّ ما ذكر فى هذا الفصل فهو وقف غير أهل التخفيف
قال : «والتّضعيف فى المتحرّك الصّحيح غير الهمزة المتحرّك ما قبله ، نحو جعفر ، وهو قليل ، ونحو القصبّا شاد ضرورة»
أقول ؛ اعلم أن المقصود بالرّوم والاشمام والتضعيف ثلاثتها شىء واحد ، وهو بيان أن الحرف الموقوف عليه كان متحركا فى الوصل بحركة إعرابية أو بنائية ، فالذى أشمّ نبه عليه بهيئة الحركة ، والذى رام نبه عليه بصويت ضعيف ، فهو أقوى فى التنبيه على تحرك الحرف من الإشمام ، والذى ضعف فهو أقوى تبيينا لتحرك الحرف فى الوصل ممن رام ، لأنه نبه عليه بالحرف ، وذاك ببعض الحركة ، وإنما قلنا إنه نبه بتضعيف الحرف على كونه متحركا فى الوصل
لأن الحرف المضعف فى الوصل لا يكون إلا متحركا ؛ إذ لا يجمع بين ساكنين ، هذا ما قيل ، والذى أرى أن الرّوم أشد تبيينا ؛ لأن التضعيف يستدل به على مطلق الحركة وبالروم على الحركة وخصوصها ، وأيضا فان الروم الذى هو بعض الحركة أدل على الحركة من التضعيف الذى يلازم الحركة فى حال دون حال : أى فى حال الوصل دون حال الوقف ، والتضعيف أقل استعمالا من الروم والاشمام ؛ لأنه إتيان بالحرف فى موضع يحذف فيه الحركة ، فهو تثقيل فى موضع التخفيف ، وعلامة التضعيف الشين على الحرف ، وهو أول [حرف] «شديد»
وشرط التضعيف أن يكون الحرف المضعف متحركا فى الوصل ؛ لأن التضعيف كما تقدم لبيان ذلك ، وأن يكون صحيحا ؛ إذ يستثقل تضعيف حرف العلة ، وأن لا يكون همزة ، إذ هى وحدها مستثقلة ، حتى إن أهل الحجاز يوجبون تخفيفها مفردة إذا كانت غير أول كما يجىء فى باب تخفيف الهمزة ، وإذا ضعفتها صار النطق بها كالتهوع ، وإنما اشترط أن يتحرك ما قبل الآخر لأن المقصود بالتضعيف بيان كون الحرف الأخير متحركا فى الوصل ، وإذا كان ما قبله ساكنا لم يكن هو إلا متحركا فى الوصل لئلا يلتقى ساكنان ، فلا يحتاج إلى التنبيه على ذلك
فان قيل : أليس الأسماء المعدودة التى قبل آخرها حرف لين كلام ميم زيد اثنان يجوز فيها التقاء الساكنين فى الوصل لجريه مجرى الوقف؟ فهلانبه فى نحو «جاءنى زيد» و «أتانى اثنان» بالتضعيف على أنه ليس من تلك الأسماء الساكن أواخرها فى الوصل بل هى متحركة الأواخر فيه
قلت : تلك الأسماء لا تكون مركبة مع عاملها ، وزيد فى قوله «جاءنى زيد» مركب مع عامله ، فلا يلتبس بها
وأجاز عبد القاهر تضعيف الحرف إذا كان قبله مدة كسعيد وثمود ، نظرا إلى إمكان الجمع بين اللين والمضعف الساكن بعده ، ويدفعه السماع والقياس ،
والتضعيف يكون فى المرفوع والمجرور مطلقا ، وأما المنصوب فان كان منونا
فليس فيه إلا قلب التنوين ألفا إلا على لغة ربيعة ؛ فانهم يجوزون حذف التنوين فلا منع إذن عندهم من التضعيف ؛ وإن لم يكن منونا ، نحو رأيت الرّجل ، ولن نجعل ، ورأيت أحمد ، فلا كلام فى جواز تضعيفه كما فى الرفع والجر
قوله «ونحو القصبّا شاذ ضرورة» اعلم أن حق التضعيف أن يلحق المرفوع والمضموم والمجرور والمكسور والمنصوب غير المنون ، كما ذكرنا ، والمفتوح ، وأما المنصوب المنون فيكتفى فيه كما قلنا بقلب التنوين ألفا ، وينبغى أن يكون الحرف المضعف ساكنا ؛ لأنك إنما تضعفه لبيان حركة الوصل ؛ فاذا صار متحركا فأنت مستغن عن الدلالة على الحركة ، إذ هى محسوسة ، لكنهم جوزوا فى القوافى خاصة بعد تضعيف الحرف الساكن أن يحركوا المضعف لقصد الإتيان بحرف الإطلاق ؛ لأن الشعر موضع الترنم والغناء وترجيع الصوت ، ولا سيما فى أواخر الأبيات ، وحروف الإطلاق : أى الألف والواو والياء هى المتعينة من بين الحروف للترديد والترجيع الصالحة لها ، فمن ثم تلحق فى الشعر لقصد الإطلاق كلمات لا تلحقها فى غير الشعر نحو قوله :
107 - * قفانبك من ذكرى حبيب ومنزلى (1)
وقفا : أمر بالوقوف مؤكد بالنون الخفيفة ، أو مسند إلى ألف الاثنين ، والسقط : مثلث السين ، والقاف فيه ساكنة ، وهو منقطع الرمل ، واللوى : ما تراكم منه ، والمراد هنا مكان بعينه ، والدخول وحومل : موضعان ، وقد كان الأصمعى يعيب امرأ القيس فى قوله «بين الدخول فحومل» وذلك لأن من شروط «بين» أن تضاف إلى متعدد نحو جلست بين العلماء أو متعاطفين بالواو نحو جلست بين زيد وعمرو ، والعلماء يقولون فى الاعتذار عن ذلك : إن المراد بالدخول أماكن متعددة كل واحد منها يسمى بذلك ، وكأنه قال : بين أماكن الدخول ؛ فهو كالمثال الأول ؛ والاستشهاد بالبيت هنا على أنه ألحق حرف الأطلاق فى الوقف ، وذلك مما يختص بالشعر ولا يجوز فى الكلام لأنهم قد يتغنون بالشعر فهم فى حاجة إلى مد الصوت به
*1) هذا صدر بيت هو مطلع معلقة امرىء القيس ، وعجزه قوله :
ولا تقول «مررت بعمرى» إلا على لغة أزد السراة ، ونحو قوله
108 - * آذنتنا ببينها أسماءو (1)
وبعده قوله :
آذنتنا بيينها ثمّ ولّت
ليت شعرى متى يكون اللّقاء
آذنتنا : أعلمتنا ، والبين : الفراق ، والثاوى : المقيم ، والثواء : مصدره ، وولت : أعرضت ، وخبر ليت فى قوله «ليث شعرى» محذوف ناب الاستفهام منابه يقول : إن هذه الفتاة قد أعلمتنا بأنها على وشك الرحيل ثم أعرضت عنا ، واعترض بين الكلام بقوله «رب ثاو يمل منه الثواء» يريد رب مقيم مملول غير مرغوب فى إقامته. والاستشهاد بالبيت فى قوله «أسماء» حيث زادوا الواو فى الوقف كما زادوا فى بيت امرىء القيس الياء ، وهذا مما يختص بالشعر على ما قدمنا
*ولا تقول «جاءتنى أسماءو» وتقول فى الشعر : الرجلو ، والرّجلى ، والرجلا ، ولا يجوز ذلك فى غير الشعر فى شىء من اللغات ، وكذا قوله :
109 - ومستلئم كشّفت بالرّمح ذيله
أقمت بعضب ذى شقاشق ميله (2)
فجاء بالصلة بعد هاء الضمير ، ولا يجوز ذلك إذا وقفت عليه فى غير الشعر ، نحو «جاءنى غلامه» فلما جاز لهم فى الشعر أن يحركوا لأجل المجىء بحرف الإطلاق ما حقّه فى غير الشعر السكون جوزوا تحريك اللام المضعف فى نحو قوله
1) هذا صدر بيت هو مطلع معلقة الحارث بن حلزة اليشكرى ، وعجزه قوله :
2) المستلئم : الذى يلبس اللأمة ، وهى الدرع ، تقول : استلأم الرجل ، إذا لبسها ، وكشفت : طعنت ، والتشديد فيه للمبالغة ، والعضب : السيف القاطع ، والشقاشق : جمع شقشقة ، وهى ما يخرجه البعير من فيه إذا هاج. والاستشهاد بالبيت فى قوله «ذيله» وقو «ميله» حيث زاد الواو فى الوقف ، والوجه فيه ما ذكرناه من قبل فى الشاهدين السابقين.
110 - * ببازل وجناء أو عيهلّ (1)*
مع أن حقه السكون لأجل حرف الإطلاق. وكذا الباء المضعف فى قوله
111 - * أو الحريق وافق القصبّا (2)*
أصله السكون فحرك لأجل حرف الاطلاق ، كما أن حق نون الأندرين فى قوله :
112 - * ولا تبقى خمور الأندرينا (3)
وألا : حرف يفتتح به الكلام ، ويقصد به تنبيه المخاطب لما يأتى بعده ، وهبى : فعل أمر من الهبوب ، وهو الانتباه من النوم ، واصبحينا : فعل أمر من صبح القوم يصبحهم - من باب نفع - أى : سفاهم الصبوج وهو شرب الغداة ، ويقابله الغبوق ، والأندرين : قرية بالشام مشهورة بالخمر ، ويقال : إن اسم القرية أندر ، وإنما جمعها يريدها وما حولها. والاستشهاد بالبيت فى قوله «الأندرينا» حيث ألحق بها ألف الأطلاق ، وحقها السكون لو لا الاضطرار
*1) هذا بيت من الرجز المشطور ، وهو لمنظور بن مرثد الأسدى ، وهو من شواهد سيبويه. والاستشهاد به فى قوله «عيهل» حيث ضعف لامه وحركه وحقه السكون فى غير الشعر ، وقد أخطأ المؤلف فى قوله «وليس فى كلام سيبويه ما يدل على كون مثله شاذا أو ضرورة» فأن عبارة سيبويه فيها ما يدل على أنه ضرورة. قال (ح 2 ص 282): «وأما التضعيف فقولك : هذا خالد ، وهو يجعل ، وهذا فرج. حدثنا بذلك الخليل عن العرب ، ومن ثم قالت العرب فى الشعر فى القوافى : سبسبا يريد السبسب ، وعيهل يريد العيهل ، لأن التضعيف لما كان فى كلامهم فى الوقف أتبعوه الياء فى الوصل والواو على ذلك ، كما يلحقون الواو والياء فى القوافى فيما لا يدخله ياء ولا واو فى الكلام ، وأجروا الألف مجراهما ، لأنها شريكتهما فى القوافى ويمد بها فى غير موضع التنوين ويلحقونها فى غير التنوين فألحقوها بهما فيما ينون فى الكلام ، وجعلت سبسب كأنه مما لا تلحقه الألف فى النصب إذا وقفت» اه فقوله فى الشعر فى القوافى دليل على أنه لا يجىء مثله فى الكلام ، وهذا معنى الضرورة ، وقد صرح الأعلم بذلك حيث قال : «الشاهد فيه تشديد عيهل فى الوصل ضرورة وإنما يشدد فى الوقف ليعلم أنه متحرك فى الوصل» اه والعيهل : السريع ، والوجناء : الغليظة الشديدة ، والبازل : المسنة الغليظة
2) هذا بيت من الرجز المشطور لرؤبة بن العجاج وسيأتى قريبا فى أثناء أبيات رواها المؤلف وسنشرحه هناك
3) هذا عجز بيت لعمرو بن كلثوم التغلبى ، وهو مطلع معلقته ، وصدره قوله :
السكون ، كما فى قولك «مررت بالمسلمين» والقوافى كلها موقوف عليها وإن لم يتم الكلام دون ما يليها من الأبيات ، ولهذا قلما تجد فى الشعر القديم نحو الشجرتى بالتاء وبعدها الصلة ، بل لا يجىء إلا بالهاء الساكنة ، وإنما كثر ذلك فى اشعار المولدين ؛ فعلى هذا التقرير ليس قوله «القصبّا» بشاذ ضرورة كما ليس تحريك نون «الأندرينا» وتحريك الراء فى قوله :
113 - لعب الرّياح بها وغيّرها
بعدى سوافى المور والقطر (1)
لأجل حرف الاطلاق بشاذين اتفاقا ، مع أن حق الحرفين السكون لو لم يكونا فى الشعر ، ولعدم كونه شاذا ترى تحريك المضعف للاطلاق فى كلامهم كثيرا ، قال رؤبة :
لقد خشيت أن أرى جدبّا
فى عامنا ذا بعد أن أخصبّا (2)
1) هذا البيت من قصيدة لزهير بن أبى سلمى المزنى ، وقد مضى قريبا ذكر شاهدين منها ، وذكرنا هناك مطلعها مشروحا ، والضمير فى قوله «بها» يعود إلى الديار ، والسوافى : جمع سافية ، اسم فاعل من قولك : سفت الريح التراب تسفيه إذا ذرته ، والمور - بضم الميم - : الغبار ، والقطر : المطر ، وكان أبو عبيد يقول : ليس للقطر سوافى ، ولكنه أشركه فى الجر. يريد تغيرت هذه الديار بما أثارته الرياح عليها من الغبار ، وبما تتابع عليها من المطر. والاستشهاد بالبيت فى قوله «والقطر» حيث حرك الراء بالكسر لأجل حرف الأطلاق وهو الياء
2) هذه أبيات من الرجز المشطور لرؤبة بن العجاج ، و «جدبا» : يريد الجدب فنقل حركة الباء إلى الدال الساكنة ثم ضعف الباء ، والدبا : الجراد ، والمور : الغبار والسبسب - بزنة جعفر - : القفر والمفازة ، وتشديد الباء فيه ضرورة كما سيقول المؤلف ، واسلحب : امتد ، والقصبا : يريد القصب فشدد الباء ، والتهبا كذلك ، والاستشهاد بهذه الأبيات فى قوله «جدبا ، والقصبا ، والتهبا ، وأخصبا ، وسبسبا» حيث ضعف أواخرها للوقف ثم حركها ضرورة
إنّ الدّبا فوق المتون دبّا
وهبّت الرّيح بمور هبّا
تترك ما أبقى الدّبا سبسبّا
كأنّه السّيل إذا اسلحبّا
أو الحريق وافق القصبّا
والتّبن والحلفاء فالتهبّا
وليس فى كلام سيبويه ما يدل على كون مثله شاذا أو ضرورة ، بلى إنما لم يكثر مثله غاية الكثرة لقلة تضعيفهم فى الوقف لما ذكرنا أن الوقف حقه التخفيف لا التثقيل ؛ فقلة مثل القصبّا وعيهلّ مثل قلة نحو جاءنى جعفرّ ويجعلّ ، وكان الواجب أن لا يلحق التضعيف المنصوب المنون فى نحو قوله :
لأن حقه أن يتحرك حرف إعرابه فى الوقف ويقلب تنوينه ألفا لا غير ، ومع تحرك حرف الإعراب فى الوقف ، لا لأجل الإتيان بحرف الاطلاق ؛ لا يضعف ، لكن الشاعر حمل النصب على الرفع والجر وقاسه عليهما كما فى لغة ربيعة
واعلم أن النحاة قالوا : إن الشاعر فى نحو قوله عيهلّ والقصبّا أجرى الوصل مجرى الوقف ، يعنون أن حرف الإطلاق هو الموقوف عليه ، إذ لا يؤتى به إلا للوقف عليه ، فاذا كان هو الموقوف عليه لم يكن ما قبله موقوفا عليه ، بل فى درج الكلام ، وهذا إجراء الوصل مجرى الوقف ، هذا ، وقال سيبويه : حدثنى من أثق به أنه سمع أعرابيا يقول : أعطنى أبيضّه ، يريد أبيضّ ، والهاء للسكت ، وهو
أقبح الشذوذ ؛ لأن هاء السكت لا يلحق إلا ما حركته غير إعرابية ، وأيضا حرك المضعف لا لأجل حرف الإطلاق كما ذكرنا
قال : «ونقل الحركة فيما قبله ساكن صحيح إلّا الفتحة إلّا فى الهمزة ، وهو أيضا قليل ، مثل هذا بكر وخبؤ ، ومررت ببكر وخبىء ، ورأيت الخبأ ، ولا يقال رأيت البكر ، ولا هذا حبر ، ولا من قفل ، ويقال : هذا الرّدؤ ومن البطىء ، ومنهم من يفرّ فيتبع»
أقول : قوله «ونقل الحركة» هذا وجه آخر من وجوه الوقف ، وهو قليل كقلة التضعيف ، إلا فى الهمزة كما ذكرنا ، وذلك لغرض لهم ذكرناه فى نقل حركة الهمزة ، وإنما قلّ هذا لتغير بناء الكلمة فى الظاهر بتحرك العين الساكن مرة بالضم ومرة بالفتح ومرة بالكسر ، وإن كانت الحركات عارضة ، وأيضا لاستكراه انتقال الإعراب الذى حقه أن يكون على الأخير إلى الوسط ، وإنما سهل لهم ذلك الفرار من الساكنين والضن بالحركة الإعرابية الدالة على المعنى ، ولو ثبت ذلك فى نحو منذ من المبنيات فالمسهل الفرار من الساكنين فقط ، وهذا النقل ثابت فى الرفع والجر اتفاقا ، وأما فى النصب : فإن كان الاسم منونا فلا يثبت إلا فى لغة ربيعة لحذفهم الفتحة أيضا ، وإن لم يكن منونا فقد منعه سيبويه ، وقال : لا يقال رأيت البكر ، بناء على أن اللام عارضة ، والأصل التنوين ، فالمعرف باللام فى حكم المنون ، وغير سيبويه جوزه ؛ لكونه مثل المرفوع والمجرور سواء فى وجوب إسكان اللام ، وأما إن كان المنصوب غير المنون مهموز الآخر فقد ثبت النقل فيه اتفاقا ، لما ذكرنا قبل من خفاء الهمزة ساكنة بعد الساكن ، ولكراهتهم ذلك فى الهمزة جوزوا فيها النقل مع الأداء إلى الوزن المرفوض ، نحو هذا الرّدؤ ومن البطىء ، ولم يجوزوا ذلك فى غيرها ؛ فلم يقولوا : هذا عدل ولا من قفل ، بل من كان ينقل فى نحو بكر إذا اتفق له مثل عدل وقفل
أتبع العين الفاء فى الرفع والنصب والجر ، فيقول : هذا العدل والقفل ، ورأيت العدل والقفل ومررت بالعدل والقفل ؛ لأنه لما لزمه تسوية الرفع والجر فيهما لئلا يؤدى إلى الوزن المرفوض أتبعهما المنصوب وجعل الأحوال الثلاث متساوية
قوله «ومنهم من يفر فيتبع» يعنى فى المهموز فى الأحوال الثلاث ، وكذا غير المهموز ، وإن لم يذكره المصنف ، والفرق بين المهموز وغيره أن المهموز يغتفر فيه الأداء إلى الوزن المرفوض فيجوز ذلك كما يجوز الاتباع ، وأما غير المهموز فلا يجوز فيه إلا الإتباع
ولم يذكر المصنف فى هذا الفصل أيضا وقف أهل الحجاز
هذا ، وقد ذكرنا قبل أن هاء الضمير كالهمز فى الخفاء ، فإذا سكن ما قبلها وهو صحيح جاز نقل ضمتها لبيانها إلى ذلك الساكن ، نحو منه وعنه ، قال :
114 - عجبت والدّهر كثير عجبه
من عنزىّ سبّنى لم أضربه (1)
وبعض بنى عدى من بنى تميم يحركون ما قبل الهاء للساكنين بالكسر
1) هذا بيت من الرجز لزياد الأعجم - وهو من شواهد سيبويه (ح 2 ص 287). العنزى : نسبة إلى عنزة وهى قبيلة من ربيعة بن نزار ، وهى عنزة بن أسد ابن ربيعة ، وزياد الأعجم قائل هذا البيت أحد بنى عبد القين. والاستشهاد بالبيت فى قوله «لم أضربه» حيث نقل حركة الهاء إلى الباء ليكون أبين لها فى الوقف ، وذلك من قبيل أن الهاء الساكنة خفية ، فاذا وقف عليها بالسكون وقبلها ساكن كان ذلك أخفى لها ، قال أبو سعيد السيرافى : «إنما اختاروا تحريك ما قبل الهاء فى الوقف إذا كان ساكنا لأنهم إذا وقفوا أسكنوا الهاء ، وما قبلها ساكن ، فيجتمع ساكنان والهاء خفية ، ولا تبين إذا كانت ساكنة وقبلها حرف ساكن فحركوا ما قبلها بالفاء حركتها على ما قبلها ، وبعضهم - وهم بنو عدى - لما اجتمع الساكنان فى الوقف وأرادوا أن يحركوا ما قبل الهاء لبيان الهاء حركه بالكسر كما يكسر الحرف الأول لاجتماع الساكنين فى نحو قولنا : لم يقم الرجل ، وذهبت الهندات» اه
فيقولون : ضربته وقالته ، والأول هو الأكثر ، ولا ينقل الحركة إلى الساكن إذا كان مدغما لئلا يلزم انفكاك الإدغام ، نحو الرّدّ والشّدّ
قوله «صحيح» وإنما اشترط ذلك لأن حرف العلة لا تنقل الحركة إليه لثقلها عليه ، وذلك نحو زيد وحوض
واعلم أنه يجوز أن يوقف على حرف واحد كحرف المضارعة فيوصل بهمزة بعدها ألف ، وقد يقتصر على الألف ، قال :
115 - بالخير خيرات وإن شرّافا
ولا أريد الشّرّ إلّا أن تا (1)
أى : إن شرا فشر ، ولا أريد الشر إلا أن تشاء ، ويروى «فأا» و «تأا» كأنه زيد على الألف ألف آخر كإشباع الفتحة ، ثم حركت الأولى للساكنين فقلبت همزة كما ذكرنا فى دأبّة
1) هذا بيت من الرجز لم نعثر له على قائل ، وقد استشهد به سيبويه (ح 2 ص 62) والشاهد فيه قوله «فا» وقوله «تا» يريد فشر ، وتشاء ؛ فاقتصر على الفاء وهى أول الكلمة الأولى ، وعلى التاء وهى أول الثانية ، ولما لفظ بهما وفصلهما مما بعدهما ألحقهما الألف للسكت عوضا من الهاء التى يوقف عليها ، وذلك كما وقفوا على «أنا» و «حيهلا» بالألف ، قال أبو سعيد السيرافى : «إذا سميت رجلا بالباء من ضرب فمذهب الأخفش أن يزيد عليه ما يصيره بمنزلة اسم من الأسماء المعربة ، وفيها ما يكون على حرفين كيد ودم ، وأولى ما ترده إليه ما كان فى الكلمة ، فترد الضاد فنقول : ضب ، وقال المازنى : أرد أقرب الحروف إليه وهو الراء فأقول : رب ، وقال أبو العباس : أرد الحروف كلها فأقول : ضرب» اه. قال سيبويه : «وسمعت من العرب من يقول : ألا تا ، بلى فا ، فأنما أرادوا «ألا تفعل» و «بلى فافعل» ولكنه قطع كما كان قاطعا بالألف فى أنا ، وشركت الألف الهاء كشركتها فى قوله : أنا ، بينوها بالألف كبيانهم بالهاء فى «هى» - «هن» و «بغلتيه» قال الراجز : * بالخير خيرات ... البيت* يريد إن شرا فشر ، ولا يريد الشر إلا أن تشاء» اه
وقد يجرى الوصل مجرى الوقف والغالب منه فى الشعر للضرورة الداعية إليه ، قال :
116 - لمّا رأى أن لادعه ولا شبع
مال إلى أرطاة حقف فالطجع (1)
يا ربّ أبّاز من العفر صدع
تقبّض الذّئب إليه واجتمع
والأباز : العداء ، وفعله أبز من باب ضرب ، تقول : أبز الظبى يأبز ، إذا عدا. والعفر : جمع أعفر ، وهو الأبيض الذى ليس بشديد البياض. والصدع : الخفيف اللحم. وتقبض : انزوى وانضم. والدعة : خفض العيش ، والتاء فيه بدل من الفاء الذاهبة فى أوله. والأرطاة واحدة الأرطى ، وهو شجر من شجر الرمل. والحقف - بكسر الحاء وسكون القاف - : التل المعوج. والطجع : أصله اضطجع ، فأبدل الضاد لاما ، ويروى «فاطجع» بابدال الضاد طاء ، ويروى «فاضجع» بابدال الطاء ضادا ، ويروى «فاضطجع» على الأصل. والاستشهاد بالبيت فى قوله «ألادعه» حيث أبدل التاء هاء فى الوصل إجراء له مجرى الوقف.
وربما جاء فى غير الشعر نحو ثلاثه اربعه ، وكذا جميع الأسماء المعددة تعديدا كما ذكرنا ، وذلك واجب فيها كما مر ، وقوله تعالى : (لكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي) فى قراءة ابن عامر ، وقوله تعالى (كِتابِيَهْ) و (حِسابِيَهْ) وصلا كما فى بعض القراءات ، وقوله تعالى : (أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ) بإثبات ألف «أنا»
قال : «المقصور : ما آخره ألف مفردة كالعصا والرّحى ، والممدود ما كان بعدها فيه همزة كالكساء ، والرّداء ؛ والقياسىّ من المقصور ما يكون قبل آخر نظيره من الصّحيح فتحة ، ومن الممدود ما يكون ما قبله ألفا ؛ فالمعتلّ اللّام من أسماء المفاعيل من غير الثّلاثىّ المجرّد مقصور ، كمعطى ومشترى ؛
1) هذا بيت من الرجز لمنظور بن مرثد الأسدى ، وقد استشهد به كثير من النحاة منهم الزمخشرى وابن جنى وابن هشام والمرادى ، وقبله :
لأنّ نظائرهما مكرم ومشترك ، وأسماء الزّمان والمكان والمصدر ممّا قياسه مفعل ومفعل كمغزى وملهى ، لأنّ نظائرهما مقتل ومخرج ، والمصدر من فعل فهو أفعل أو فعلان أو فعل كالعشى والطّوى والصّدى ؛ لأنّ نظائرها الحول والعطش والفزع ، والغراء شاذّ ، والأصمعىّ يقصره ، وجمع فعلة وفعلة كعرى وجزى لأنّ نظائرهما قرب وقرب»
أقول : قوله «ألف مفردة» احتراز عن الممدودة ؛ لأنها فى الأصل ألفان قلبت الثانية همزة ، ولا حاجة إلى هذا ؛ فان آخر قولك كساء وحمراء ليس ألفا ، بلى قد كان ذلك فى الأصل ، ولو نظر إلى الأصل لم يكن نحو الفتى والعصا مقصورا.
قوله «بعدها فيه» أى : بعد الألف فى الآخر ، فتخلوا الصلة عن العائد إلى الموصول ، وإن قلنا إن الضمير فى «فيه» لما ؛ فسد الحد بنحو جاء وجائية ، والأولى أن يقال : الممدود ما كان آخره همزة بعد الألف الزائدة لأن نحو ماء وشاء لا يسمى فى الاصطلاح ممدودا
والمقصور القياسى : مقصور يكون له وزن قياسى ، كما تقول مثلا : إن كل اسم مفعول من باب الإفعال على وزن مفعل ، فهذا وزن قياسى ، فاذا كان اللام حرف علة - أعنى الواو والياء - انقلبت ألفا
قوله «ومن الممدود» يعنى أن القياسى من الممدود أن يكون ما قبله : أى ما قبل آخر نظيره من الصحيح ؛ ألفا ، والأولى أن يقال : الممدود القياسى ممدود يكون له وزن قياسى ، فاذا عرفنا المقصور والممدود أولا كفى فى حد المقصور والممدود القياسيين أن نقول : هما مقصور وممدود لهما وزن قياسى
والحدان اللذان ذكرهما المصنف لا يدخل فيهما نحو الكبرى تأنيث الأكبر ، وحمراء تأنيث الأحمر ، مع أنهما قياسيان ؛ لأن كل مؤنث لأفعل التفضيل مقصور ، وكل مؤنث لأفعل الذى للألوان والحلى ممدود
والأولى فى تسمية المقصور مقصورا أنه لكونه لا مد فى آخره ، وذلك لأنه فى مقابلة الممدود ، يقال : يجوز فى الشعر قصر الممدود : أى الإتيان بالألف فقط ، وقال بعضهم : سمى مقصورا لكونه محبوسا ممنوعا من الحركات ، من قولهم : «قصرته» أى حبسته ، ولا يسمى بالمقصور والممدود فى الاصطلاح إلا الاسم المتمكن ، فلا يقال : إن إذا ومتى وما ولا مقصورة ، وأما قولهم : هؤلاء مقصورا أو ممدودا ؛ فتجوّز وقصد للفرق بين لغتى هذه اللفظة
قوله «من غير الثلاثى المجرد» فمن أفعل نحو معطى ، ومن فعّل نحو : مسمّى ، ومن فاعل نحو مرامى ، ومن افتعل نحو مشترى ، ومن انفعل نحو منجلى عنه ، ومن استفعل نحو مستدعى ، ومن تفعّل نحو متسلّى عنه ، ومن تفاعل نحو متقاضى منه ، ومن افعلّ وافعالّ مرعوى عنه ومحواوى له ، ومن فعلل مقوقى فيه ، وكذا كل موضع وزمان من فعلى وافعنلى كسلقى (1)واغرندى (2)
قوله «وأسماء الزمان والمكان والمصدر» يعنى من المعتل اللام ، وكذا كل ما يذكر بعده من قياسات المقصور والممدود ، فالزمان والمكان والمصدر من ناقص الثلاثى المجرد مفعل بفتح العين ، سواء كان من يفعل أو يفعل أو يفعل ، كما مر فى أسماء الزمان والمكان ، وأما من غير الثلاثى المجرد فالثلاثة على وزن مفعوله كما مضى فى الباب المذكور ، سواء كان المفعول مفعلا أو مفتعلا أو مستفعلا أو غير ذلك ، ولم يذكر المصنف إلا مفعلا
قوله «والمصدر من فعل» أى المصدر المعتل اللام ، وليس كل مصدر من فعل الناقص الذى نعته على أحد الثلاثة الأوجه بمقصور ، ألا ترى إلى قولهم خزى يخزى خزيا فهو خزيان وروى يروى ريّا فهو ريّان ، بل يجب أن
يكون مقصورا إذا كان مفتوح الفاء والعين ، وإنما شرط أن يكون النعت من المصدر المقصور على الأوزان المذكورة احترازا عن نحو فنى يفنى فناء
قوله «والغراء شاذ» حكى سيبويه غرى يغرى (1)غراء ، وظمى يظمى ظماء ، وقال الأصمعى : هو غرى ، على القياس
قوله : «جمع فعلة وفعلة» أى : إذا كان معتل اللام ، وذلك لما ذكرنا أن جمع فعلة فعل وجمع فعلة فعل.
ومن المقصور القياسى : كل مؤنث لأفعل التفضيل ، وكل مؤنث بغير هاء لفعلان الصفة ، وكل جمع لفعيل بمعنى مفعول إذا تضمن معنى البلاء والآفة ، وكل مذكر لفعلاء المعتل لامه من الألوان والحلى والخلق ، كأحوى وحوّاء ، وكل مؤنث بالألف من أنواع المشى كالقهقرى (2)، والخوزلى (3)
ألا كلّ ماشية الهيدبا
فدا كلّ ماشية الخوزلى
، والبشكى (4)، والمرطى (5)، وكل ما يدل على مبالغة المصدر من المكسور فاؤه المشدد عينه ،1) تقول : غرى بالشىء يغرى - كفرح يفرح - غرى وغراء ، إذا أولع به ، كما تقول : أغرى به ؛ بالبناء للمجهول ، والذى ذهب إليه المصنف من أن الغراء - بالفتح والمد - مصدر غرى هو ظاهر عبارة سيبويه ، وهو ما حكاه ابن عصفور وغيره ، وقد جزم صاحب الصحاح بأنه اسم مصدر وليس بمصدر ، وعلى هذا يكون من الممدود السماعى كالغراء - بالكسر والمد - الذى يلصق به الشىء.
2) القهقرى : الرجوع إلى خلف ، ومثله القهقرة بالتاء
3) الخوزلى : مشية فيها تثاقل وتبختر كالخيزل والخيزلى ، قال المتنبى :
4) البشكى : خفة المشى ، يقال : ناقة بشكى ، إذا كانت خفيفة المشى ، وكأنه من الوصف بالمصدر
5) المرطى : الاسراع فى المشى ، يقال : مرط يمرط - كنصر ينصر - مرطا ومروطا ومرطى ، إذا أسرع
كالرّمّيّا (1)، والخلّيفى (2)، وروى الكسائى المد فى الخصّيصى (3)، كما مر فى باب المصدر
ومما الغالب فيه القصر كل مفرد معتل اللام يجمع على أفعال : كندى وأنداء ، وقفا وأقفاء ، وجاء غثاء (4)وأغثاء ؛ وروى قفاء بالمد مع أن جمعه أقفاء
قال : «ونحو الإعطاء ، والرّماء ، والاشتراء ، والاحبنطاء ؛ ممدود ؛ لأنّ نظائرها الإكرام والطّلاب والافتتاح والاحرنجام ، وأسماء الأصوات المضموم أوّلها ، كالعواء والثغاء (5)؛ لأنّ نظائرهما النّباح والصّراخ ، ومفرد أفعلة ، نحو كساء وقباء (6)، لأنّ نظائرهما حمار وقذال ، وأندية شاذ ، والسّماعىّ نحو : العصا والرّحى والخفاء والأباء (7)ممّا ليس له نظير يحمل عليه»
1) الرميا : انظر (ح 1 ص 168)
2) الخليفى : أنظر (ح 1 ص 168)
3) الخصيصى : مصدر خصه بالشىء يخصه خصا وخصوصا وخصوصية وخصوصية - بفتح الخاء أو ضمها - وخصيصى ، إذا أفرده به دون غيره. وانظر (ح 1 ص 168)
4) الغثاء : ما يحمله السيل من الزبد والوسخ وغيره ، والغثاء بالتشديد - مثله ، وهما أيضا الهالك البالى من ورق الشجر ، وفى التنزيل (وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى)
5) العواء : صوت الكلب والذئب. والثغاء : صوت الغنم والظباء
6) القباء - بالفتح والمد - : نوع من الثياب
7) الأباء - بفتح الهمزة - : اسم جنس جمعى ، واحدته أباءة - كعباءة - وهو القصب. وقد وقع فى بعض النسخ «الاناء» بالنون ، فى مكان الأباء ، وهو خطأ فأن الأناء ممدود قياسى ، لأن جمعه آنية - كقذال وأقذلة - فيكون نظير كساء وأكسية وقباء وأقبية
أقول : قوله «ونحو الإعطاء والرّماء» يعنى كل مصدر لأفعل وفاعل ناقص غير مصدّر بميم زائدة ، احترازا عن نحو المعطى والمرامى ، وكل مصدر لافتعل وانفعل واستفعل وافعلّ وافعالّ ناقص فهو ممدود ، كالإعطاء والرماء والاشتراء والانجلاء والاستلقاء والارعواء والاحويواء ، وكذا كل مصدر معتل اللام لفعلل على غير فعللة ، نحو : قوقى قيقاء ، وكل مصدر لا فعنلى كاحبنطى ، وكذا كل صوت معتل اللام مضموم الفاء ، احترازا عن نحو الدّوىّ ، وقد ذكرنا فى المصادر أن الأصوات على فعال أو فعيل ، وكذا كل مفرد لأفعلة معتل اللام مفتوح الفاء والعين ، احترازا عن نحو ندىّ وأندية ، وشذ رحى وأرحية ، وقفا المقصور وأقفية ، وأما قفاء بالمد وأقفية فقياس ، وشذ أيضا ندى وأندية ، قال :
117 - فى ليلة من جمادى ذات أندية
لا يبصر الكلب من ظلمائها الطّنبا (1)
يا ربّة البيت قومى غير صاغرة
ضمّى إليك رحال القوم والقربا
وبعده بيت الشاهد ، وبعده قوله
لا ينبح الكلب فيها غير واحدة
حتّى يلفّ على خرطومه الذنبا
ربة البيت : المراد منها امرأته ، وقوله «غير صاغرة» أراد غير مستهان بك ، وذلك لأن إكرام الضيف عنده من أقدس الواجبات ، والرحال : جمع رحل يريد به متاع الضيفان. والقرب : جمع قراب مثل كتاب وكتب ، وهو جفن السيف ، وإنما أمرها أن تضم إليها قرب سيوفهم لأنهم إذا نزلوا عنده أمنوا أن يصيبهم مكروه ، وقوله «فى ليلة من جمادى» أراد فى ليلة من ليالى الشتاء ، وذلك لأن الشتاء عندهم زمان الجدب والحاجة ، والأندية : جمع ندى ، والندى : البلل ، وتميل ما سقط آخر الليل ، والطنب : الحبل الذى تشد به الخيمة. والاستشهاد بالبيت فى قوله «أندية» حيث جمع ندى عليه ، وذلك شاذ ، لأن أفعلة جمع للممدود لا للمقصور ، ومن الناس من قال : الأندية جمع نداء - بكسر النون - وهو جمع ندى ؛ فيكون أندية جمع الجمع ، وحينئذ يكون قياسا
1) هذا بيت من بحر البسيط من قصيدة لمرة بن محكان وهو من شعراء الحماسة ، وقد اختار أبو تمام منها أبياتا فى باب الأضياف والمديح ، وقبل البيت الشاهد قوله :
وكذا كل مؤنث بغير التاء لأفعل الذى للألوان والحلى كأحمر وحمراء
قوله «مما ليس له نظير» أى : من ناقص ليس له نظير من الصحيح ، والحق أن يقال : مما ليس له ضابط ؛ ليدخل فيه نحو القرنبي (1)
ترى التّيمىّ يزحف كالقرنبى
إلى تيميّة كعصا المليل
وفى المثل «القرنى فى عين امها حسنة». والمليل : الخبز الذى يخبز فى الملة وهى الرماد الحار ، ويريد من عصا المليل العصا التى يحرك بها الخبز
والكمّثرى والسّيراء (2)والخشّاء (3)ونحوهاقال : «ذو الزيادة : حروفها اليوم تنساه ، أو سألتمونيها ، أو السّمان هويت : أى الّتى لا تكون الزّيادة لغير الإلحاق والتّضعيف إلّا منها ، ومعنى الإلحاق أنّها إنّما زيدت لغرض جعل مثال على مثال أزيد منه ليعامل معاملته ، فنحو قردد ملحق ، ونحو مقتل غير ملحق لما ثبت من قياسها لغيره ، ونحو أفعل وفعّل وفاعل كذلك ؛ لذلك ولمجىء مصادرها مخالفة ، ولا يقع الألف للإلحاق فى الاسم حشوا ؛ لما يلزم من تحريكها»
1) القرنبى : دويبة شبه الخنفساء أو أعظم منها قليلا طويلة الرجل ، قال جرير :
2) السيراء - بكسر السين وفتح الياء ممدودا ، وبقصر - : ضرب من البرود ، وضرب من النبت ، والجريدة من جرائد النخل
3) الخشاء - بضم الخاء وتشديد الشين ممدودا ، والخششاء - بضم الخاء والشين الأولى - : العظم الدقيق العارى من الشعر الناتىء خلف الأذن ، والخشاء - بفتح الخاء وتشديد الشين - الأرض التى فيها رمل ؛ فقول المؤلف «والخشاء» يحتمل أن يكون بضم الخاء وفتحها
أقول : قيل : سأل تلميذ شيخه عن حروف الزيادة فقال : سألتمونيها ؛ فظن أنه لم يجبه إحالة على ما أجابهم به قبل هذا ؛ فقال : ما سألتك إلا هذه النوبة ؛ فقال الشيخ : اليوم تنساه ؛ فقال : والله لا أنساه ؛ فقال : قد أجبتك يا أحمق مرتين
وقيل : إن المبرد سأل المازنى عنها فأنشد المازنى :
هويت السّمان فشيّبننى
وقد كنت قدما هويت السّمانا
فقال : أنا أسألك عن حروف الزيادة وأنت تنشدنى الشعر ؛ فقال : قد أجبتك مرتين ، وقد جمع ابن خروف منها نيفّا وعشرين تركيبا محكيا وغير محكى ، قال : وأحسنها لفظا ومعنى قوله
سألت الحروف الزّائدات عن اسمها
فقالت ولم تبخل : أمان وتسهيل
وقيل : هم يتساءلون ، وما سألت يهون ، والتمسن هواى ، وسألتم هوانى ، وغير ذلك
قوله «أى التى لا تكون الزيادة الخ» يعنى ليس معنى كونها حروف الزيادة أنها لا تكون إلا زائدة ؛ إذ ما منها حرف إلا ويكون أصلا فى كثير من المواضع ؛ بل المعنى أنه إذا زيد حرف على الكلمة لا يكون ذلك المزيد إلا من هذه الحروف ، إلا أن يكون المزيد تضعيفا ، سواء كان التضعيف للإلحاق أو لغيره كقردد (1)، وعبّر ، فإن الدال والباء ليستا منها ، فالحرف المضعف به - مع زيادته - يكون من جميع حروف الهجاء : من حروف الزيادة كعلّم وجمّع ، ومن غيرها كقطّع وسرّح ، وقد يكون ذلك التضعيف الزائد للالحاق كقردد (2)وجلبب ، ولغيره كعلّم ، والذى للالحاق لا للتضعيف لا يكون إلا من حروف
اليوم تنساه ، كجدول وزرقم (1)وعنسل (2)فلا وجه لقول المصنف «لغير الإلحاق والتضعيف» فإنه يوهم أن يكون الإلحاق بغير التضعيف من غير هذه الحروف ، وكان يكفى أن يقول : لا تكون الزيادة بغير التضعيف إلا منها ، فأما الزيادة بالتضعيف سواء كان التضعيف للإلحاق أو لغيره فقد تكون منها وقد لا تكون
قوله «ومعنى الإلحاق إلخ» قد تقدم لنا فى أبنية الخماسى بيان حقيقة الإلحاق والغرض منه
قوله «ونحو مقتل غير ملحق» قد ذكرنا هناك أن ما اطرد زيادته لمعنى لا يجعل زيادته للالحاق ، ولو كان نحو مقتل للالحاق لم يدغم نحو مردّ ومشدّ كما لم يدغم نحو ألندد ومهدد (3)
قوله «لما ثبت من قياسها لغيره» أى : من قياس زيادة الميم فى مثل هذه المواضع لغير الإلحاق
قوله «كذلك لذلك» أى : ليست للالحاق لكون الزيادة لمعنى غير الإلحاق
قوله «ولمجىء مصادرها مخالفة» أما كون إفعال وفعال وفيعال كدحراج فليس بدليل على الإلحاق ؛ لأن مخالفة الشىء للشىء فى بعض التصرفات تكفى فى الدلالة على عدم إلحاقه به ، ولأن فعلالا فى الرباعى ليس بمطرد كما مر فى باب المصادر ، ولو كان أفعل وفاعل ملحقين بدحرج لم يدغم نحو أعدّ وحادّ
قوله «ولا يقع الألف للالحاق فى الاسم حشوا» إنما قال : فى الاسم احترازا
عن تفاعل فانه عنده ملحق بثفعلل كما ذكر قبل ، وهو ممنوع كما ذكرنا ؛ لكون الزيادة مطردة فى معنى ، أعنى لكون الفعل بين أكثر من واحد ، ولثبوت الإدغام فى نحو تسارّا وتمادّا
قوله «لما يلزم من تحريكها» مضى شرحه فى أول الكتاب (1)
قال : «ويعرف الزّائد بالاشتقاق وعدم النّظير ، وغلبة الزّيادة فيه ، والتّرجيح عند التّعارض ، والاشتقاق المحقّق مقدّم ؛ فلذلك حكم بثلاثيّة عنسل وشأمل وشمأل ونئدل ورعشن وفرسن وبلغن وحطائط ودلامص وقمارص وهرماس وزرقم وقنعاس وفرناس وترنموت»
أقول : العنسل : الناقة السريعة ، مشتق من العسلان وهو السرعة ، وقال بعضهم : هو كزيدل من العنس ، وهو بعيد ؛ لمخالفة معنى عنسل معنى عنس ، وهى الناقة الصلبة ، ولقلة زيادة اللام
الشأمل والشّمل والشّمأل بمعنى الشّمال ، يقال : شملت الريح : أى هبت شمالا.
النّئدل - بكسر النون والدال وسكون الهمز - والنّيدلان بفتحهما مع الياء ، والنّيدلان بضم العين : الكابوس ، من النّدل ، وهو الاختلاس ، كأنه يندل الشخص : أى يختلسه ويأخذه بغتة ، والهمزة فى نئدل زائدة ؛ لكونه بمعنى النّيدلان ، والياء فيه زائدة ، لكونها مع ثلاثة أصول
الرّعشن كجعفر : بمعنى المرتعش
الفرسن : مقدم خف البعير ؛ لأنه يفرس : أى يدق
البلغن : البلاغة.
الحطائط : الصغير ، كأنه حط عن مرتبة العظيم
1) أنظر (ح 1 ص 57)
الدّلامص : الدرع البراقة اللينة ، بمعنى الدّليص والدّلاص ، وقد دلصت الدرع : أى لانت
القمارص : بمعنى القارص
الهرماس والفرناس : الأسد الشديد ، من الهرس والفرس
الزرقم : الأزرق
القنعاس : البعير العظيم ، من القعس ، وهو الثبات ، يقال : عزة قعساء : أى ثابتة ؛ لأن العظيم يثبت ويقل براحه ، والقعوس : الشيخ الكبير الهرم التّرنموت : ترنّم القوس عند النزع ، قال
118 - تجاوب القوس بترنموتها (1)
شريانة ترزم من عنتوتها
تجاوب القوس بترنموتها
والشريانة - بكسر الشين فتحها - : شجر تتخذ منه القسى ، وهو من جيد العيدان يزعمون أن عوده لا يكاد يعوج. وترزم : مضارع من قولك : أرزمت الناقة إرزاما إذا أنت وصوتت من غير أن تفتح فاها ، والعنتوت : الحزفى القوس ، وتجاوب مصدر تشبيهى نصب على أنه مفعول مطلق ، ويروى «تجاوب» بصيغة المضارع ، والترنموت : الترنم ، والمراد من الحبة سويداء القلب ، وجعل القلب تابوتها كما قيل : القلب تابوت الحكمة. والاستشهاد بالبيت فى قوله «ترنموتها» ومعناه الترنم ، وهذا الاشتقاق يدل على زيادة التاء فى آخرها كما يستدل على زيادة التاء فى ملكوت وجبروت ورهبوت ورحموت وطاغوت بالملك والجبر والرهبة والرحمة والطغيان.
فقد عرفنا زيادة الأحرف بالاشتقاق المحقق : أى الظاهر القريب ، على ما ذكرنا فى كل واحد ، ونعنى بالاشتقاق كون إحدى الكلمتين مأخوذة من الأخرى ، أو كونهما مأخوذتين من أصل واحد ، ولم يعرف زيادتها بغلبة
1) هذا بيت من الرجز المشطور ، وهو مع بيتين آخرين
الزيادة ؛ لأنها ليست من الغوالب فى مواضعها المذكورة ، على ما يجىء ، ولا بعدم النظير ؛ لأن تقدير أصالة الحروف المذكورة لا يوجب ارتكاب وزن نادر ، فلما ثبت الاشتقاق المحقق لم ينظر إلى غلبة الزيادة وعدم النظير وحكمنا بالاشتقاق
قال : «وكان ألندد أفنعلا ، ومعدّ فعلّا لمجىء تمعدد ، ولم يعتدّ بتمسكن وتمدرع وتمندل لوضوح شذوذه ، ومراجل فعالل لقولهم : ثوب ممرجل ، وضهيأ فعلأ لمجىء ضهياء ، وفينان فيعالا لمجىء فنن ، وجرائض فعائلا لمجىء جرواض ، ومعزى فعلى لقولهم معز ، وسنبتة فعلتة لقولهم سنب ، وبلهنية فعلنية من قولهم عيش أبله ، والعرضنة فعلنة لأنّه من الاعتراض ، وأوّل أفعل لمجىء الأولى والأول ، والصّحيح أنّه من وول ، لا من وأل ، ولا من أول ، وإنقحل إنفعلا لأنّه من قحل : أى يبس ، وأفعوان أفعلانا لمجىء أفعى ، وإضحيان إفعلان من الضّحى ، وخنفقيق فنعليلا من خفق ، وعفرنى فعلنى من العفر»
أقول : إنما كان ألندد أفنعلا لأن ألنددا ويلنددا بمعنى الألدّ ، وهن مشتقات من اللدد ، وهو شدة الخصومة ، ولو لا ذلك لقلنا : إن فيه ثلاثة أحرف غالبة زيادتها فى مواضعها : الهمزة فى الأول مع ثلاثة أصول ، والنون الثالثة الساكنة ، والتضعيف ، فلنا أن نحكم بزيادة اثنين منها : إما الهمزة والنون فهو من لدد ، وإما النون وأحد الدالين فهو من ألد ، وإما الهمزة وإحدى الدالين فهو من لند ؛ لكنا اخترنا الوجه الأول لما ذكرنا من الاشتقاق الواضح
قوله «معدّ فعلّا» هذا مذهب سيبويه ، واستدل بقول عمر رضى الله تعالى عنه : اخشوشنوا وتمعددوا : أى تشهوا بمعد ، وهو معد بن عدنان
أبو العرب : أى دعوا التنعم وزى العجم ، كما ورد فى حديث آخر «عليكم باللبسة المعدّية» وقيل : معناه كونوا غلاظا فى أنفسكم بحيث لا يطمع أحد فيكم ، قال
119 - * ربّيته حتّى إذا تمعددا (1)
وآض نهدا كالحصان أجردا
كان جزائى بالعصا أن أجلدا
وتمعدد : أراد اشتد وقوى. وآض : صار. والنهد : العالى المرتفع. والأجرد : القصير الشعر.
والاستشهاد بالبيت فى قوله «تمعددا» إذ هو على وزان تفعلل لقلة تمفعل فتكون الميم أصلا ، وإذا كان كذلك كان معد فعلا. قال ابن جنى : «تمعدد من لفظ معد بن عدنان ، وإنما كان منه لأن معنى تمعدد تكلم بكلام معد : أى كبر وخطب ، هكذا قال أبو على ، ومنه قول عمر «اخشوشنوا وتمعددوا» وقال أحمد ابن يحيى : تمعددوا : أى كونوا على خلق معد» اه
*أى : غلظ
قال سيبويه : لو لم يكن الميم أصليا لكان تمعدد تمفعل ، ولم يجىء فى كلامهم وخولف سيبويه فقيل : معد مفعل ؛ لأنه كثير وفعلّ فى غاية القلة كالشّربة فى اسم موضع ، والهبىّ الصغير ، والجربّة العانة من الحمير ، وأما قوله تمفعل لم يثبت فممنوع ؛ لقولهم : تمسكن وتمندل وتمدرع وتمغفر ، وهى تمفعل بلا خلاف ، فكما توهموا فى مسكين ومنديل أنهما فعليل وفى مدرعة أنها فعللة وفى مغفور أنه فعلول للزوم الميم فى أوائلها كذلك توهموا فى معد أنه فعلّ ، فقيل : تمندل ، وتمسكن ، وتدّرع ، وتمغفر [وتمعدد] على أنها تفعلل كتدحرج ، وهذا كما توهموا أصالة ميم مسيل فجمعوه على مسلان كما جمع قفيز على قفزان ، ولو سلم أنهم لم يتوهموا ذلك وبنوا تمدرع وأخواته على أنها تمفعل قلنا : فعلّ غريب غرابة تمفعل
1) هذا بيت من الرجز المشطور ، وهو للعجاج ، وبعده :
فبجعل معدّ فعلّا يلزم ارتكاب الوزن الغريب كما يلزم بجعله مفعلا ارتكاب تمفعل الغريب ، فلا يترجح أحدهما على الآخر ؛ فالأولى تجويز الأمرين ، ولسيبويه أن يرجح كونه فعلّا بكون تمدرع وتمسكن وتمندل وتمغفر قليلة الاستعمال رديئة ، والمشهور الفصيح تدرّع وتسكن وتندل وتغفر ، بخلاف شربّة وجربّة وهبىّ ؛ فانها ليست برديئة
قوله «ومراجل فعالل» كان ينبغى نظرا إلى غلبة الزيادة أن يحكم بزيادة الميم ؛ لكونه فى الأول وبعده ثلاثة أصول ، لكن سيبويه حكم بأصالتها لقول العجّاج
120 - * بشية كشية الممرجل (1)
ما بال جارى دمعك المهلّل
والشّوق شاج للعيون الحذّل
وقبل بيت الشاهد قوله :
تبدّلت عين النّعاج الخذّل
وكلّ برّاق الشّوى مسرول
وانظر أراجيز العجاج (ص 45 طبع لبزج). والاستشهاد بالبيت على أن ميم الممرجل أصلية ، وهو مفعلل ، فالميم الأولى زائدة للدلالة على المفعول ، والميم الثانية فاء الكلمة ؛ لأنها لو كانت زائدة لكان وزن ممرجل ممفعلا ، وهو مما لا وجود له فى كلامهم ، وهذا مذهب سيبويه فى هذه الكلمة ، وذهب غيره إلى أن الممرجل ممفعل وميماه زائدتان ، ولم يبال بعدم النظير ؛ محتجا بأنهما كذلك فى نحو ممدرع فقد قالوا : تمدرعت الجارية ، إذا لبست المدرع ، وهو ضرب من الثياب كالدرع ، ولكن لما كثر استعمال المدرع والمدرعة ظن أن ميمهما أصلية ، فاشتقوا منه على ذلك ، هذا. ومذهب سيبويه أولى أن يؤخذ به ، لأن مفعللا كثير ، وممفعلا لا وجود له إلا فى الشذوذ.
*1) هذا بيت من الرجز المشطور من أرجوزة طويلة للعجاج يمدح فيها يزيد ابن معاوية ، وأولها :
والممرجل : الثوب الذى فيه نقوش على صور المراجل ، كالمرجّل : أى الذى فيه كصور الرجال ، قال
121 - * على إثرنا أذيال مرط مرجّل (1)
والرواية المشهورة فى عجز البيت على غير ما ذكر المؤلف ، ففى رواية الزوزنى والأعلم :
وذكر التبريزى الروايتين جميعا
وصدر البيت الذى أنشدناه مما يستشهد به النحاة على تعدد الحال لمتعدد. والمرط - بكسر الميم وسكون الراء - : الازار المعلم من الخز ، والمرحل - بالحاء المهملة - : الذى فيه صور الرحال ، والاستشاد بالبيت فى كلام المؤلف هنا على أن المرجل - بالجيم - الذى فيه صور كصور الرجال ، وذلك يدل على أنه مفعل كمعظم ومكرم ، فالميم زائدة ، وأصول الكلمة (ر ج ل)
*ولا يبعد أن يقال : إن المرجل مفعل (2)ولزوم الميم أوهم أصالتها كما فى مسكين ، فقيل : ممرجل ، كما قيل : ممسكن ، وأيضا إنما قال ممرجل خوف اللبس ؛ إذ لو قال مرجل لم يعرف اشتقاقه من المرجل
قوله «ضهيأ فعلأ» هذا مذهب سيبويه ، وقال الزجاج : هو فعيل لا فعلأ ، من قولهم : ضاهأت ، بمعنى ضاهيت ، وقرىء (يضاهئون) (3)و (يضاهون)
1) هذا عجز بيت لامرىء القيس من قصيدته المعلقة ، وصدره قوله :
2) المرجل - كمنبر - : المشط ، والقدر من الحجارة والنحاس ، وقيل : من النحاس خاصة ، وقيل : كل ما طبخ فيه
3) هذه كلمة من آية كريمة فى سورة التوبة ، وهى قوله تعالى : (وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ)
قال : ولم يجىء فى الكلام فعيل إلا هذا ، وقولهم ضهيد (1)مصنوع ، والضّهيأ : التى لا تحيض فانها تضاهى الرجال ، وكذلك قيل للرملة التى لا تنبت ، وفعلأ وفعيل كلاهما نادران ، لكن يترجح مذهب سيبويه لشيئين : أحدهما أن ضاهيت بالياء أشهر من ضاهأت ، والثانى أن ضهيأ بمعنى ضهياء ، وهو فعلاء بلا خلاف ؛ لكونه غير منصرف ؛ فالهمزة فيه زائدة ، وكذا الأول الذى بمعناه
قوله «فينان» يقال : رجل فينان : أى حسن الشعر طويله ، وهو منصرف ، وفيه غالبان فى الزيادة غير الألف ؛ فانه لا كلام مع إمكان ثلاثة أصول غيره فى زيادته : أحدهما النون ، إما لأنه تضعيف مع ثلاثة أصول ، وإما لكون الألف والنون فى الآخر مع ثلاثة أصول ، والثانى الياء مع ثلاثة أصول ، والواجب الحكم بزيادة الياء بشهادة الاشتقاق ؛ لأن الفنن الغصن والشعر كالغصن ، فقد رجحت بالاشتقاق زيادة الياء ، وقال الجوهرى : هو فعلان من الفين (2)
قوله «وجرائض» لو عملنا بالغلبة أو عدم النظير لم نحكم بزيادة الهمزة ؛ لأن الهمزة غير أول ؛ فلا تكون زيادته غالبة ، وفعالل موجود كعلابط ، لكن جرواضا بمعنى جرائض وهو العظيم الضخم من الإبل ، وليس فى جرواض همز ، فيكون أيضا همز جرائض زائدا وهما من تركيب جرض بريقه : أى غصّ [به] ؛ لأن الغصص مما ينتفخ له
1) الضهيد : الصلب الشديد
2) قال الجوهرى : «ورجل فينان الشعر : أى حسن الشعر طويله ، وهو فعلان» اه. وقال فى اللسان : «وإن أخذت قولهم : شعر فينان ؛ من الفين - وهو الغصن - صرفته فى حالى النكرة والمعرفة ، وإن أخذته من الفينة - وهو الوقت من الزمان - ألحقته بباب فعلان وفعلانة فصرفته فى النكرة ولم تصرفه فى المعرفة ، ورجل فينان : حسن الشعر طويله ، وهو فعلان ، وأنشد ابن برى للعجاج :
وكذلك معزى فيه غالبان ؛ لأن الألف مع ثلاثة أصول والميم كذلك ، ولو حكمنا بعدم النظير لم نحكم بزيادة واحد منهما ؛ لكونه بوزن درهم ، لكنه ثبت معز بمعناه ، فثبت زيادة الألف دون الميم
وكذا سنبتة - وهى حين من الدهر - يقال : مضى سنب من الدهر وسنبة وسنبتة ، ولا منع من الحكم بزيادة نون سنبتة ؛ لأن السبت أيضا هو الحين من الدهر
قوله «بلهنية» لولا الاشتقاق وغلبة الزيادة لم نحكم بزيادة الياء ، ولولا الاشتقاق لم نحكم بزيادة النون ، ولكان ملحقا بخبعثن (1)بزيادة الياء فقط ، لكنه مشتق من قولهم : عيش أبله : أى غافل عن الرزايا ، كالرجل الأبله ؛ فانه غافل عن المصائب ولا يبالى بها ، فيصفو عيشه ، وبلهنية العيش : خفضه
قوله «العرضنة» العرضنة والعرضنى : مشية فى اعتراض : أى أخذ على عرض الطريق من النشاط ، ولو لا الاشتقاق لكان كقمطر من غير زيادة
قوله «وأول أفعل» ؛ لأن تصريفه على أولى وأول دليل على أنه أفعل التفضيل ، وليس بفوعل كما قال الكوفيون ، والصحيح أنه أفعل من تركيب «وول» وإن لم يستعمل فى غير هذا اللفظ ، لا من «أول» ولا من «وأل» لئلا يلزم قلب الهمزة شاذا كما ذكرنا فى أفعل التفضيل (2)
1) الخبعثن : الرجل الضخم الشديد ، والأسد ، والناعم البدن ؛ ومثله الخبعثنة
2) الذى ذكره المؤلف فى أفعل التفضيل هو قوله فى شرح الكافية (ج 2 ص 202): «أما أول فمذهب البصريين أنه أفعل ثم اختلفوا على ثلاثة أقوال : جمهورهم على أنه من تركيب وول - كددن - ولم يستعمل هذا التركيب إلا فى أول ومتصرفاته ؛ وقال بعضهم أصله «أو أل» من وأل : أى نجا ؛ لأن النجاة فى السبق ، وقيل : أصله «أأول» من آل : أى رجع ؛ لأن كل شىء يرجع إلى أوله ، فهو أفعل بمعنى المفعول ، كأشهر وأحمد ، فقلبت فى الوجهين الهمزة واوا قلبا شاذا ، وقال الكوفيون : هو فوعل من «وأل» فقلبت الهمزة إلى موضع الفاء ، وقال بعضهم : فوعل من تركيب «وول» فقلبت الواو الأولى همزة. وتصريفه كتصريف أفعل التفضيل واستعماله بمن مبطلان لكونه فوعلا ، وأما قولهم : أولة ، وأولتان ؛ فمن كلام العوام وليس بصحيح ، وإنما لزم قلب واو «أولى» همزة على مذهب جمهور البصريين كما لزم فى نحو أواصل على ما يجىء فى التصريف ، وعند من قال هو من «وأل» أصل أولى وؤلى ، قلبت الواو همزة كما فى أجوه ، ثم قلبت الهمزة الثانية الساكنة واوا كما فى أومن ، ولهذا رجع إلى أصل الهمزة فى قراءة قالون (عاد لؤلى) لأنه حذفت الأولى وحركت لام التعريف بحركتها فزال اجتماع الهمزتين ، فأول كأسبق معنى وتصريفا واستعمالا ، تقول فى تصريفه : الأول ، الأولان ، الأولون ، الأوائل ، الأولى ، الأوليان ، الأوليات ، الأول. وتقول فى الاستعمال : زيد أول من غيره ، وهو أولهم ، وهو الأول ، ولما لم يكن لفظ أول مشتقا من شىء مستعمل على القول الصحيح لا مما استعمل منه فعل كأحسن ، ولا مما استعمل منه اسم كأحنك - خفى فيه معى الوصفية ؛ إذ هى إنما تظهر باعتبار المشتق منه واتصاف ذلك المشتق به ، كأعلم : أى ذو علم أكثر من علم غيره ، وأحنك : أى ذو حنك أشد من حنك غيره ، وإنما تظهر وصفية أول بسبب تأويله بالمشتق وهو أسبق ، فصار مثل مررت برجل أسد : أى جرىء ، فلا جرم لم تعتبر وصفيته إلا مع ذكر الموصوف قبله ظاهرا ، نحو يوما أول ، أو ذكر من التفضيلية بعده ظاهرة ؛ إذ هى دليل على أن أفعل ليس اسما صريحا كأفكل وأيدع ، فان خلا منهما معا ولم يكن مع اللام والاضافة دخل فيه التنوين مع الجر ؛ لخفاء وصفيته كما مر ، وذلك كقول على رضى الله عنه : أحمده أولا بادئا ، ويقال : ما تركت له أولا ولا آخرا» اه
قوله «إنقحل» هو الشيخ القحل : أى اليابس ، وهو إنفعل ، ولولا الاشتقاق لكان كجردحل ؛ لأن النون فيه ليس من الغوالب ، والهمزة فى أول الرباعى أصل كإصطبل
قوله «وأفعوان أفعلان» (1)
رأته على فوت الشّباب وإنّه
تفعّى لها إخوانها ونصيرها» اه
وقال فى اللسان : «وفوعة السم : حدته وحرارته. قال ابن سيده : وقد قيل : الأفعوان منه ، فوزنه على هذا أفلعان» اه والذى غر ابن الحاجب والرضى أن سيبويه قال : إن وزن أفعى أفعل ، وإن وزن أفعوان أفعلان (انظر الكتاب ح 2 ص 317 ، 345) وقد ذكر مثل ذلك الجوهرى فى الصحاح
إنما ذلك لمجىء فعوة السم ، وأرض مفعاة ، ولولا1) الذى ذكره المؤلف من مجىء «فعوة» بتقديم العين على الواو غير صحيح والذى جاء هو «فوعة» بتقديم الواو ، وأفعى مما حدث فيه قلب مكانى. وكذا الأفعوان ، وأصل أفعى أفوع ، وأصل أفعوان أفوعان ، قال أبو العلاء : زعم سيبويه أن أكثر ما يستعمل أفعى اسما ؛ فيجب على هذا أن تنون أفعى ، والناس يقولونه بغير تنوين ، وكلا الوجهين حسن ، ويدل على أنه عندهم كالاسم لا الوصف قولهم فى الجمع : الأفاعى ، ولو كان الوصف غالبا عليه لقالوا : فعو ، فى الجمع ، كما قالوا : أقنى وقنو ، وإنما هو مقلوب كأنه أفوع من فوعة السم ، وهو حدته وسورته فقلب كما قالوا : عاث وعثا ، وتفعى الرجل إذا تنكر للقوم كأنه صار كالأفعى ، قال :
ذلك لجاز أن يكون فعلوان كعنفوان ؛ لأن فيه ثلاثة غوالب غير الألف ، فانه لا كلام فى زيادته إذا أمكن ثلاثة أصول غيره : النون مع ثلاثة أصول ، وكذا الواو ، والهمزة ، فإن حكمت بزيادة الهمزة مع الواو فهو أفعوال ، ولم يأت فى الأوزان ، وإن حكمت بزيادة الهمزة مع النون فهو أفعلان كأستقان (1)وأقحوان (2)وأسحوان (3)وإن حكمت بزيادة الواو والنون فهو فعلوان كعنفوان ، فقد تردد بين الأفعلان والفعلوان فحكمنا بأنه أفعلان ؛ لشهادة الفعوة
1) الاستقان بضم الهمزة والتاء بينهما سين مهملة ساكنة - كذا وقع فى جميع الأصول ، وقد بحثنا عن هذه الكلمة فى كتب اللغة والصرف التى بأيدينا فلم نعثر عليها ، ولعلها محرفة عن الأثعبان ، وهو الوجه الفخم فى حسن وبياض ووزنه أفعلان
2) الأقحوان : نبت طيب الريح حواليه ورق أبيض ووسطه أصفر ، وجمعه أقاح ، وتصغيره أقيحيان
3) الأسحوان : الجميل الطويل ، والكثير الأكل
والمفعاة ، ولا دليل فى أفعى سواء صرفته أولا على أنه أفعل ؛ إذ يجوز أن يكون المنون ملحقا بجعفر كعلقى وغير المنون بنحو سلمى ، فقوله «لمجىء أفعى» فيه نظر
قوله «إضحيان» يقال : يوم إضحيان : أى مضىء ، وليلة إضحيانة ، من «ضحى» أى : ظهر وبرز ، ولو لا الاشتقاق هنا أيضا لعرفنا بعدم النظير أنه إفعلان كإسحمان لجبل ، وإربيان لنوع من السمك معروف بالروبيان ؛ لأن فعليان وإفعيالا لم يثبتا
قوله «خنفقيق» هو الداهية ، من الخفق ، وهو الاضطراب ؛ لأن فيها اضطرابا وقلقا لمن وقع فيها ، وهى أيضا مضطربة متزلزلة ، ولو لا الاشتقاق لجاز أن يكون التضعيف هو الزائد فقط ؛ لكونه غالبا فى الزيادة ، وتكون النون أصلية ؛ لأنها ليست من الغوالب ؛ فيكون خنفقيق ملحقا بسلسبيل بزيادة النون والتضعيف
قوله «عفرنى» هو الأسد القوى المعفّر لفريسته ، والعفر [بالتحريك] التراب ، ولو لا الاشتقاق لم نحكم إلا بزيادة الألف ؛ لأن النون ليست من الغوالب فى موضعها ، وهو ملحق بسفرجل ، ويقال للناقة : عفرناة
قال : «فإن رجع إلى اشتقاقين واضحين كأرطى وأولق حيث قيل : بعير آرط وراط ، وأديم مأروط ومرطىّ ، ورجل مألوق ومولوق جاز الأمران ، وكحسّان وحمار قبّان حيث صرف ومنع»
أقول : يجوز أن يكون أرطى فعلى ؛ لاشتقاق آرط ومأروط منه ، والألف للالحاق ؛ لقولهم أرطاة ، وأن يكون أفعل ، بدليل راط ومرطىّ ، والأرطى : من شجر البرّ يدبغ بورقه ، والأولق : الجنون ، يجوز أن يكون فوعلا ، بدليل مألوق ، وأن يكون أفعل بدليل مولوق
وقوله «جاز الأمران» أى : زيادة أول الحرفين وأصالة الأخير ، والعكس
قوله «وكحسان وحمار قبّان (1)» فإن الأول يرجع إلى الحسن أو إلى الحسّ ، وهما اشتقاقان واضحان ، لجواز صرفه ومنع صرفه ، وكذا الثانى يرجع إلى القبب ، وهو الضّمور ، أو إلى القبن ، وهو الذهاب فى الأرض ، وهما أيضا فيه واضحان ؛ لجواز صرفه ومنع صرفه ؛ فجواز صرف الكلمتين وترك صرفهما دليل على رجوعهما إلى اشتقاقين واضحين
قال : «وإلا فالأكثر التّرجيح كملأك ، قيل : مفعل من الألوكة ، ابن كيسان : فعأل من الملك ، أبو عبيدة : مفعل من لأك : أى أرسل ، وموسى مفعل من أوسيت : أى حلقت ، والكوفيّون فعلى من ماس ، وإنسان فعلان من الأنس ، وقيل : إفعان من نسي ؛ لمجىء أنيسيان ، وتربوت فعلوت من التّراب عند سيبويه ؛ لأنّه الذّلول ، وقال فى سبروت : فعلول ، وقيل : من السّبر ، وقال فى تنبالة : فعلالة ، وقيل : من النّبل للصّغار ؛ لأنه القصير ، وسرّيّة قيل : من السّرّ ، وقيل : من السّراة ؛ ومئونة قيل : من مان يمون ، وقيل : من الأون ؛ لأنّها ثقل ، وقال الفرّاء : من الأين ، وأمّا منجنيق فإن اعتدّ بجنقونا فمنفعيل ، وإلّا فإن اعتدّ بمجانيق ففنعليل ، وإلّا فإن اعتدّ بسلسبيل على الأكثر ففعلليل ، وإلّا ففعلنيل ، ومجانيق يحتمل الثّلاثة ، ومنجنون مثله ، لمجىء منجنين ، إلّا فى منفعيل ، ولولا منجنين لكان فعللولا كعضر فوط ، وخندريس كمنجنين»
أقول : قوله «وإلا» أى : إن لم يكن فى الكلمة اشتقاق واضح ، بل فيها اشتقاق غير واضح ، كما فى تنبالة وتربوت وسبروت ، أو فيها اشتقاقان
1) انظر (ص 248 من هذا الجزء)
أحدهما أوضح من الآخر ، كما فى ملك وموسي وسرّية ، فالأكثر أن فى كلا الموضعين الترجيح
ففى الأول : أى الذى فيه اشتقاق واحد غير واضح ، يرجّح بعضهم غلبة الزيادة أو عدم النظير على ذلك الاشتقاق إن عارضه واحد منهما ، وبعضهم يعكس ، ولا منع من تجويز الأمرين ، وإن لم يعارضه أحدهما فاعتباره أولى ؛ فمثال تعارض الاشتقاق البعيد وقلة النظير تنبالة ، قال سيبويه : هو فعلالة ، فان فعلالا كثير كسرداح (1)، وتفعال قليل كتلقاء وتهواء ، كما ذكرنا فى المصادر ، ورجح بعضهم الاشتقاق البعيد فقال : هو تفعالة من النّبل ، وهو الصغار ؛ لأن القصير صغير ، وكذا فى سبروت (2)
تطعم المعتفين ممّا لديها
من جناها والعائل السّبرورا
قال ابن سيده : فأذا صح هذا فتاء سبروت زائدة» اه ، ولم نعثر فيما بين يدينا من كتب اللغة على أن السبروت بمعنى الدليل الحاذق كما قال المؤلف
، رجّح سيبويه عدم النظير على الاشتقاق ، فقال هو فعلول كعصفور ، وليس بفعلوت لندرته ، والأولى ههنا كما ذهب إليه بعضهم ترجيح الاشتقاق والحكم بكونه فعلوتا ملحقا بعصفور - وإن ندر - بشهادة الاشتقاق الظاهر ، لأن السبروت الدليل الحاذق الذى سبر الطرق وخبرها ، وهذا اشتقاق واضح غير بعيد حتى يرجح عليه غيره ، ولم يحضرنى مثال تعارض الاشتقاق البعيد وغلبة الزيادة ، ومثال مالا تعارض لشىء منهما لا لعدم1) وقع فى جميع أصول الكتاب «كسرواح» بالواو قبل الألف ، وهو خطأ ، والصواب ما أثبتناه. والسرداح ومثله السرتاح : الناقة الكريمة
2) قال فى اللسان (س ب ر ت): «السبروت : الشىء القليل ، مال سبروت قليل ، والسبروت أيضا : المفلس ، وقال أبو زيد : رجل سبروت وسبريت ، وامرأة سبروتة وسبريتة ، إذا كانا فقيرين. والسبروت : الأرض الصفصف ، وفى الصحاح الأرض القفر ، والسبروت الطويل» اه بتصرف. وقال أيضا. فى مادة (س ب ر) : «والسبرور : الفقير كالسبروت ، حكاه أبو على وأنشد
النظير ولا للغلبة تربوت ، فسيبويه اعتبر الغلبة والاشتقاق البعيد ، وقال : هو من التراب ، لأن التّربوت الذّلول ، وفى التراب معنى الذلة ، قال تعالى (أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ) وقال بعضهم : التاء بدل من الدال ، وهو من الدربة ، وهو قريب لو ثبت الإبدال ، ولو ترك اعتبار الاشتقاق أيضا لم يكن فعلولا كقربوس (1)؛ لأن التاء من الغوالب
وفى الثانى : أى الذى فيه اشتقاقان أحدهما أوضح من الآخر. الأكثر ترجيح الأوضح ، وجوز بعضهم الأمرين ، وذلك نحو ملك وأصله ملأك بدليل قوله :
121 - فلست لإنسيّ ولكن لملأك
تنزل من جوّ السّماء يصوب (2)
طحابك قلب فى الحسان طروب
بعيد الشّباب عصر حان مشيب
يكلّفنى ليلى وقد شطّ وليها
وعادت عواد بيننا وخطوب
ولم يرو بيت الشاهد فى هذه القصيدة أحد ممن جمع ديوان علقمة ولا ممن شرحه ، ولكن بعض الناشرين لديوان علقمة مع شرح الاعلم زعم أن المفضل زاد فى هذه القصيدة أبياتا منها بيت الشاهد ، وقد رجعنا إلى المفضليات وإلى شرحها لابن الأنبارى فلم نعثر على هذا البيت فيما رواه أحدهما ، وقال ابن برى - كما فى اللسان - : البيت لرجل من عبد القيس يمدح النعمان ، وقيل : هو لأبى وجزة يمدح عبد الله بن الزبير ، وقيل : هو لعلقمة. والانسى : واحد الانس ، ويروى فى مكانه «لجنى» وهو واحد الجن ، وقوله «ولكن لملأك» روى فى مكانه صاحب اللسان «ولكن ملأكا» وخبر لكن على هذا محذوف : أى ولكن ملأكا أنت ، وقد يكون ملأكا على هذه الرواية معمول خبر لكن وقد حذف اسمها وخبرها جميعا ، والأصل ولكنك تشبه ملأكا ، أو نحو ذلك ، وجو السماء : هو الهواء الذى بينها وبين الأرض ، وبصوب : ينزل ، يريد إن أفعالك لا تشبه أفعال الأنس فلست بولد إنسان إنما أنت ملأك ، أفعاله عظيمة لا يقدر عليها أحد. والاستشهاد بالبيت فى قوله «لملأك» حيث يدل على أن أصل الملك ملأك نقلت حركة الهمزة إلى الساكن قبلها ثم حذفت الهمزة ، وذلك كما يقولون فى مسألة مسلة ، ولكنهم التزموا هذا التخفيف فى ملك كما التزموه فى ذرية ونبى على المشهور من كلام النحاة ، وسيأتى فى باب تخفيف الهمزة
وأيضا بدليل قولهم فى الجمع ملائكة ألزموا الواحد التخفيف لكثرة استعماله ، كما ألزموا يرى وأرى ، فقال الكسائى : هو مفعل من الألوكة ، وهى الرسالة ، فالملك رسول من قبله تعالى إلى العباد ، وكذا ينبغى أن يقول فى قولهم «ألكنى إليه» أى كن رسولى إليه : إن أصله أألكنى ثم الئكنى ثم خفف بالنقل والحذف لزوما ، وقال أبو عبيدة : ملأك مفعل من لأكه أى أرسله ، فكأنه مفعل بمعنى المصدر جعل بمعنى المفعول ؛ لأن المصادر كثيرا ما تجعل بمعنى المفعول ؛ قال
122 - * دار لسعدى إذه من هواكا (1)
وتبراك : موضع ببلاد بنى فقعس ، والاستشهاد بالبيت هنا فى قوله «هواكا» حيث استعمل المصدر بمعنى اسم المفعول كما استعمل الخلق بمعنى المخلوق فى قوله تعالى : (هذا خَلْقُ اللهِ فَأَرُونِي ما ذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ)
*أى : مهويّك ، و «ألكنى» عنده ليس بمقلوب ، وملأك عند الكسائى بمعنى الصفة المشبهة ، ومذهب أبى عبيدة أولى ؛ لسلامته من ارتكاب القلب ، وقال ابن كيسان : هو فعأل من الملك ؛ لأنه مالك للأمور التى جعلها الله إليه ، وهو اشتقاق بعيد ، وفعأل قليل لا يرتكب مثله إلا لظهور الاشتقاق ، كما فى شمأل
قوله : «موسى» موسى التى هى موسى الحديد عند البصريين من «أوسيت» أى حلقت ، وهذا اشتقاق ظاهر ، وهو مؤنث سماعى كالقدر والنار والدار ، قال :
1) هذا بيت من مشطو الرجز ، وقبله :
123 - فإن تكن الموسى جرت فوق بظرها
فما ختنت إلّا ومصّان قاعد (1)
لعمرك ما أدرى وإنّى لسائل
أبظراء أم مختونة أمّ خالد
وبعده بيت الشاهد ، وبعده قوله :
ترى سوأة من حيث أطلع رأسه
تمرّ عليها مرهفات الحدائد
وفى بيت الشاهد الأقواء ، وهو اختلاف حركة الحرف الذى عليه روى القصيدة. والبيت فى هجاء خالد القسرى. والمصان : الحجام ، لأنه يمص الدماء ، ويقال : المراد بالمصان ابنها خالد ، من قولهم : ياماص بظر أمه ، وعلى الأول يهجوه بأن أمه متبذلة قليلة الحياء فكنى عن ذلك بأنه قد ختنها رجل ، وعلى الثانى يهجوه بأنها لم تخنتن حتى كبر ابنها
وهى منصرفة قبل العلمية غير منصرفة معها كعقرب ، ثم تنصرف بعد التنكير ، وقال أبو سعيد الأموى : هو مذكر لكونه مفعلا ، قال أبو عبيدة : لم يسمع التذكير فيه إلا من الأموى ، وجوز السيرافى اشتقاقه من «أسوت الجرح» أى أصلحته ، فأصله ، مؤسي بهمز الفاء ، وقال الفراء : هى فعلى ؛ فلا تنصرف فى كل حال ؛ لكونه كالبشرى ، وهو عنده من الميس ، لأن المزين يتبختر ، وهو اشتقاق بعيد ، قلبت عنده الياء واوا لانضمام ما قبلها ، على ما هو مذهب الأخفش (2)فى مثله ، كما يجىء فى باب الاعلال
وأما موسى اسم رجل فقال أبو عمرو بن العلاء : هو أيضا مفعل ؛ بدليل إنصرافه بعد التنكير ، وفعلى لا ينصرف على كل حال ، وقال أيضا : إن مفعلا أكثر من فعلى ؛ فحمل الأعجمى على الأكثر أولى وهو ممنوع ؛ لأن فعلى يجىء مؤنثا لكل أفعل تفضيل ، ومفعل لا يجىء إلا من باب أفعل يفعل ، فهو عنده لا ينصرف [علما ؛ للعجمة والعلمية ، وينصرف (3)] بعد التنكير كعيسى ، وقال الكسائى :
هو فعلى فينبغى أن يكون ألفه للالحاق بجخدب ، وإلا وجب منع صرفه بعد التنكير
قوله «إنسان» الأولى أن يقال : فعلان ، وأنيسيان شاذ كعشيشيان ، على ما مر فى التصغير ، فهو مشتق من الأنس ؛ لأنه يأنس ، بخلاف الوحش ، وقيل : هو من الإيناس : أى الإبصار ، كقوله تعالى : (آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً) لأنه يؤنس : أى يبصر ولا يجتن ، بخلاف الجن ، وقيل : إنسيان كإضحيان ، من النسيان ، إذ أصل الإنسان آدم ، وقد قال تعالى فيه : (فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً) ويقويه تصغيره على أنيسيان ، والاشتقاق من النسيان فى غاية البعد ، وارتكاب شذوذ التصغير كما فى لييلية أهون من ادعاء مثل ذلك الاشتقاق
قوله «وسرّيّة» الظاهر أنها مشتقة من السّر ، وضم السين من تغييرات النسب الشاذة ، كدهرىّ وسهلىّ ، وهو إما من السّر بمعنى الخفية ، لأنها أمة تخفى من الحرة ، وهذا قول أبى بكر بن السرىّ ، وإما من السّرّ بمعنى الجماع ؛ لأنها لذلك ، لا للخدمة ، وهذا قول السيرافى ، يقال : تسرّرت جارية ، وتسرّيت كتظنيت ، وقال الأخفش : هى من السرور ؛ لأنه يسربها ، وقيل : هو من السّرىّ : أى المختار ؛ لأنها مختارة على سائر الجوارى ، وقيل : من السّراة ، وهى أعلى الشىء ؛ لأنها تركب سراتها ، فهى على هذين القولين فعّيلة كمرّيق ، وهو العصفر ، وهذا وزن نادر ، وأيضا قولهم : «تسرّرت» براءين - يمنعهما ، وإن كان تسرّيت يوافقهما
قوله «ومئونة» يقال : هو [من] «مانه يمونه» إذا احتمل مئونته وقام بكفايته ، وهذا اشتقاق ظاهر ، وأصله موونة بالواو ، قلبت الواو المضمومة همزة ، وقيل : هو من الأون ، وهو أحد العدلين ؛ لأن المئونة ثقل ؛ فهمزته أصلية ؛ وأصله مأونة
كمكرمة ، وهو أبعد من الاشتقاق الأول ؛ لأن الثقل لازم المئونة فى الأغلب ، وقال الفراء : هو من الأين ، وهو الإعياء ، وهو أبعد من الاشتقاق الثانى ، وأصله مأينة ، نقلت الضمة إلى ما قبلها ، وقلبت الياء واوا ، على ما هو أصل الأخفش
قوله «فإن اعتد بجنقونا» حكى الفراء «جنقناهم» وزعم أن المنجنيق مولّدة : أى أعجمية ، وهم إذا اشتقوا من الأعجمى خلّطوا فيه ؛ لأنه ليس من كلامهم ، فقولهم «جنقونا» وقول الأعرابى «كانت بيننا حروب عون ، تفقأ فيها العيون ، مرة نجنق ، وأخرى نرشق» (1)
لقد تركتنى منجنيق ابن بحدل
أحيد عن العصفور حين يطير
من معنى منجنيق ، لا من لفظه ، كدمث ودمثر (2)، وثرّة وثرثار ، وإنما تجنبوا من كونه من تركيب جنق لأن زيادة حرفين فى أول اسم غير جار على الفعل كمنطلق قليل نادر عندهم ، وذلك كإنقحل ، وكون منجنيق منفعيلا لشبهة جنقونا مذهب المتقدمينقوله «وإلا» أى : وإن لم يعتد نجنقونا كما ذكرنا ، فإن اعتد بمجانيق فهو فنعليل ؛ لأن سقوط النون فى الجمع دليل زيادته ، فإذا ثبت زيادة النون فالميم أصل ؛ لئلا يلزم زيادة حرفين فى أول اسم غير جار على الفعل
قوله «وإلا» أى : وإن لم يعتد بمجانيق ، فيه نظر ، وذلك لأنه جمع منجنيق عند عامة العرب ، فكيف لا يعتد به؟ وفى الجمع لا يحذف من حروف
1) هذا من كلام أعرابى وقد سئل : كيف كانت حروبكم؟ فقاله ، والعون : جمع عوان ، وهى الحرب التى تقدمتها حرب أخرى ، ونجنق : نرمى بالمجانيق ، ونرشق : ترمى بالسهام ، والمجانيق : جمع منجنيق - بفتح الميم وكسرها - ومثله المنجنون ، وهى القذافة التى ترمى بها الحجارة ، وهو أعجمى معرب. وهى مؤنثة ؛ قال زفر بن الحرث :
2) الدمث : السهل الخلق ، وبابه فرح ، ودماثه أيضا ، وأصل ذلك من الدمث بمعنى الأرض السهلة اللينة التى لا يشق السير عليها ، والدمثر - كسبطر ، وعليط وجعفر - بمعناه
مفرده الأصول إلا الخامس منها ، فحذفهم النون بعد الميم دليل على زيادتها ، وليس مجانيق كجنقونا حتى لا يعتدّ به ؛ لأن ذلك حكاية عن بعض الأعراب ، ومجانيق متفق عليه ، وكونه فنعليلا مذهب سيبويه ، وإنما حكم بذلك لأنه ثبت له بجمعه على مجانيق زيادة النون وأصالة الميم كما ذرنا ، ولم يحكم بزيادة النون الثانية أيضا لوجهين : أحدهما ندور فنعنيل ، بخلاف فنعليل كعنتريس ، وهى الناقة الشديدة ، من العترسة وهى الشدة ، والثانى أن الأصل أصالة الحروف ، إلا أن يقوم على زيادتها دليل قاهر
قوله «فان اعتدّ بسلسبيل على الأكثر» يعنى إن ثبت فى كلامهم فعلليل بزيادة الياء فقط ، وذلك أن أكثر النحاة على أن سلسبيلا فعلليل ، وقال الفراء : بل هو فعفليل ، وكذا قال فى درد بيس ، وذلك لتجويزه تكرير حرف أصلى مع توسط حرف [أصلى] بينهما ، كما مر ، وفى قول المصنف هذا أيضا نظر ، وذلك لأن فعلليلا ثابت ، وإن لم يثبت أن سلسبيلا فعلليل ، وذلك بنحو برقعيد لقصبة فى ديار ربيعة ، وعلطميس (1)للشابة. ولو لم يجمع منجنيق على مجانيق لكان فعلليلا ، سواء ثبت بنحو برقعيد فعلليل أولا ، وذلك لأن جنقونا كما قلنا غير معتد به ، والأصل أن لا نحكم بزيادة حرف إلا إذا اضطررنا إليه : إما بالاشتقاق ، أو بعدم النظير ، أو بغلبة الزيادة
فان قيل : إذا لزم من الحكم بزيادة حرف وزن غريب ، ومن الحكم بأصالته وزن [آخر] غريب ، فالحكم بزيادته أولى ، لأن ذوات الزوائد أكثر من أبنية الأصول
قلت : ذاك إن لم يكن فى اللفظ زائد متفق عليه ، والياء فى نحو منجنيق
1) فى القاموس : العلطميس - كزنجبيل - : من النوق الشديدة الغالية ، والهامة الضخمة الصلعاء ، والجارية التارة الحسنة القوام ، والكثير الأكل الشديد البلع
مقطوع بزيادته ، فمثل هذا البناء على أىّ تقدير كان من ذوات الزوائد ، فلو لم يثبت مجانيق لكنا نجمع منجنيقا على مناجن بحذف الحرف الأخير كسفارج
قوله «وإلا ففعلنيل» يعنى إن لم يثبت أن سلسبيلا فعلليل ، بل كان فعفليلا كما قال الفراء فمنجنيق فعلنيل ، وفى هذا كما تقدم نظر ؛ لأنه وإن لم يثبت كون سلسبيل فعلليلا بنحو برقعيد وعلطميس فهو وزن ثابت على كل حال
قوله «ففعلنيل» لأن الوجوه العقلية المحتملة سبعة ، وذلك لأن الميم إما أصلية أو زائدة ، فان كانت أصلية فان كان النونان أيضا كذلك فهو فعلليل ، وإن كانا زائدين فهو فنعنيل من مجق ، وإن كان الأول أصلا دون الثانى فهو فعلنيل من منجق ، وإن كان العكس فهو فنعليل من مجنق ، وإن كان الميم زائدا فان كان النونان أصليين فهو مفعليل من نجنق ، وإن كان الأول أصلا دون الثانى فهو مفعنيل من نجق ، وإن كان العكس فهو منفعيل من جنق ، ومع زيادة الميم لا يجوز أن يكون النونان أيضا زائدين لبقاء الكلمة على أصلين وهما الجيم والقاف ، والياء زائدة على كل تقدير ؛ إذ أمكن اعتبار ثلاثة أصول دونها ، فمن هذه السبعة الأوجه لا يثبت فعلليل إن لم يثبت سلسبيل على الأكثر على ما ادعى المصنف ، وقد ذكرنا ما عليه ، ومنفعيل بعيد لاجتماع الزيادتين فى أول الاسم غير الجارى ، وكذا مفعليل ؛ إذ لا يزاد الميم فى الأول مع أربعة أصول بعدها كما يجىء إلا فى الجارى على الفعل ، مع غرابة الوزنين ، أعنى منفعيلا ومفعليلا ، فيبقى بعد الثلاثة : فنعنيل ، وفعلنيل ، ومفعنيل ، وفنعليل ، والكل نادر ، إلا فنعليلا كعنتريس
قوله «ومجانيق يحتمل الثلاثة» لأنه إن كانت الميم زائدة فهو مفاعيل لا غير ، وإن كانت أصلية فهو إما فعاليل أو فعانيل (1)، والثانى لم يثبت ، فهو إما مفاعيل
1) أنت تعلم أن ابن الحاجب رحمهالله قد بنى كلامه فى منجنيق على وجهين : الأول أن يعتد بقولهم : جنقونا ، والثانى أن لا يعتد به ، وأنه حكم على منجنيق على الوجه الأول بأنه على زنة «منفعيل» فأصوله الجيم والنون التى بعدها والقاف ، والميم والنون الواقعتان فى أول الكلمة زائدتان ، وعلى الوجه الثانى بأنه يحتمل «فنعليلا» فالميم والجيم والنون الثانية والقاف أصول ، والنون الأولى والياء زائدتان ، ويحتمل «فعلليلا» فالزائد الياء ويحتمل «فعلنيلا» فالنون الثانية والياء زائدتان ، وعلى هذا يكون قوله «ومجانيق يحتمل الثلاثة» إشارة إلى الأوزان المذكورة بعد عدم الاعتداد بجنقونا ، وعلى هذا يكون «مجانيق» إما على زنة «فعاليل» إن كان مفرده «فنعليلا» أو «فلاليل» إن كان مفرده «فعلليلا» ، أو يكون على زنة «فلانيل» إن كان مفرده «فعلنيلا» ومن هذا كله يتبين لك أن قول الرضى «أو فعانيل» خطأ ، والصواب أن يقول «إما فعاليل أو فلاليل أو فلانيل» ، وقوله «لأنه إن كانت الميم زائدة فهو مفاعيل لا غير» لا يدخل فى شرح هذه العبارة من كلام المصنف ولكنه من تتمة الفروض فى هذه الكلمة
على ما اختاره بعضهم فى منجنيق أنه من جنق ، وإما فعاليل على ما اختار سيبويه فى منجنيق ، وأظن أن هذا اللفظ - أعنى «ومجانيق يحتمل الثلاثة» - ليس من المتن ، إذ لا فائدة فيه لأن الجمع يعتبر وزنه بوزن واحده ويتبعه فى أصالة الحروف وعدم أصالتها ، ولا يكون له حكم برأسه ، ولم يتعرض المصنف فى الشرح لهذا اللفظ ، ولو كان من المتن لشرحه
قوله «ومنجنون مثله» [أى مثل] منجنيق فى احتمال الأوجه المذكورة ، وذلك لكون منجنين ، وهو لغة فى منجنون ، يحتمل الأوجه المذكورة ؛ لكونه كمنجنيق ، إلا أن إحدى اللامين فيه لا بد من الحكم بزيادتها إذا حكمت بأصالة الميم والنون الأولى معا أو بأصالة إحداهما ؛ لأن التضعيف لا يكون أصلا مع ثلاثة أصول دونه أو أربعة ، كما مر فى أول الكتاب ، ويسقط من الأوجه السبعة فنعنيل وفعلنيل ومفعنيل ، ويجىء فعلليل وفنعليل ومفعليل ومنفعيل ، ويستبعد منفعيل كما ذكرنا فى منجنيق ، ولم يجىء جن فى منجنين كما جاء جنق فى منجنيق حتى يرتكب هذا الوزن المستبعد ، ومفعليل غريب ، وفعلليل ثابت
كبرقعيد ، فمنجنين إما فعلليل ملحق ببرقعيد بتكرير اللام والنون الأولى أصلية فيكون كعرطليل ، والعرطل والعرطليل : الطويل ، وإما فنعليل ملحق به أيضا بزيادة النون وتكرير اللام ، فهو كخنشليل (1)وقد ذكر سيبويه فى منجنون أيضا مثل هذين الوجهين ، فقال مرة : هو ملحق بعضرفوط (2)بتكرير النون ، فيكون رباعيا ملحقا بالخماسى ، وقال مرة : إنه ملحق بعضرفوط بزيادة النون الأولى وإحدى النونين الأخيرين ، فهو إذن ثلاثى ملحق بخماسى ، والأولى الحكم عليه بفعللول وعلى منجنين بفعلليل ؛ لعدم الدليل على زيادة النون الأولى ، والأولى الحكم بأصالة الحرف ما لم يمنع منه مانع ، وأما إحدى النونين الأخيرين فالغلبة دالة على زيادتها ، وجمع منجنون ومنجنين على مناجين ، كذا يجمعهما عامة العرب ، سواء كان فنعلولا أو فعللولا ؛ لأن حذف إحدى النونين الأخيرين لكونها طرفا أو قريبة من الطرف أولى من حذف النون التى بعد الميم ، والظاهر أن الزائد من المكرر هو الثانى كما يجىء ، إذ لو كان الأول لجاز مناجن ومناجين ، بالتعويض من المحذوف وترك التعويض (3)، كما فى سفارج وسفاريج ،
1) الخنشليل : المسن ، ويقال : عجوز خنشليل ، إذا كانت مسنة وفيها بقية
2) العضر فوط : دويبة (انظر ج 1 ص 9 ، 51)
3) اعلم أن منجنونا إما أن يكون «فنعلولا» وإما أن يكون «فعللولا» ومعنى هذا أن الميم فى أولها أصل والواو بين النونين الأخيرتين زائدة ، والنون التى بعد الميم زائدة على الأول أصلية على الثانى ، وإحدى النونين الأخريين زائدة على الخلاف الآنى ذكره فى كلام المؤلف ، ثم اعلم أن مناجين الذى سمع فى جمعه لا يقطع بالدلالة على زيادة أولى النونين الأخريين ، كما لا يقطع بزيادة ثانيتهما ، وبيان ذلك أنك إن فرضت زيادة أولاهما وأردت جمعه وجب أن تقول : مناجين ، بحذف هذه النون الزائدة وقلب الواو ياء لأنها مد قبل الآخر الأصلى ، وإن فرضت ، زيادة الثانية جاز لك أن تقول فى الجمع : مناجين ، فتحذف النون الأخيرة والواو التى قبلها ثم تعوض عن المحذوف ياء قبل الآخر ، فالفرق بين الحالين أن الياء على الأول واجبة ، وهى منقلبة عن الواو ، وعلى الثانى جائزة ، وهى زائدة للعوض ، ومن هنا تعلم أن كلام المؤلف فاسد ؛ لأنه علل الحكم بزيادة الثانية بالتزامهم مناجين ، ووجه فساده أن هذا الالتزام لا يقطع بأحد الوجهين وإنما يكون مرجحا ، ثم هو يرجح الذى نفاه المؤلف وهو أن الأولى هى الزائدة ، وهذا بعينه يجرى فى منجنين
قوله «ولو لا منجنين لكان فعللولا» يعنى منجنين كمنجنيق فيحتمل جميع ما احتمله منجنيق من الأوزان ؛ فلذلك يحتمل منجنون ما احتمله منجنين ، ولو لا منجنين لكان منجنون كعضر فوط ، وهذا قول فيه ما فيه ؛ وذلك أنابينا أن منجنينا لا يحتمل إلا فعلليلا على الصحيح ، وفنعليلا على زيادة النون الأولى كما أجاز سيبويه ، وقد ضعفناه ، وكذ منجنون فعللول على الصحيح ، وفنعلول على ما أجازه سيبويه ، وعلى كلا التقديرين هو ملحق بعضرفوط ؛ فما معنى قوله «ولو لا منجنين لكان فعللولا» وهو مع وجوده فعللول أيضا؟
قوله «وخندريس (1)كمنجنين» لا شك فى زيادة إحدى النونين الأخيرين فى منجنين ، وليس ذلك فى خندريس ، ونون خندريس أصل على الصحيح ؛ لعدم قيام الدليل على زيادتها ؛ ومن قال فى منجنين إنه فنعليل كعنتريس لم يمتنع أن يقوله فى خندريس أيضا
هذا آخر ما ذكره المصنف من حكم الاشتقاق.
وتقسيمه أن يقال : إن كان فى الاسم اشتقاق فهو إما واحد أولا ، والواحد إما ظاهر أولا ، والذى فوق الواحد إما أن يكون الجميع ظاهرا ، أو الجميع غير ظاهر ، أو بعضه ظاهرا دون الآخر
فالواحد الظاهر يحكم به كما فى رعشن (2)وبلغن
والواحد غير الظاهر إن عارضه مرجح آخر من الغلبة أو خروج الكلمة عن الأصول اختلف فيه : هل يحكم به أو بالمرجح [الآخر]؟ وإن لم يعارضه فهل يحكم بالاشتقاق أو بكون الأصل أصالة الحروف؟ فيه تردد
وما فوق الواحد إن كانا ظاهرين احتملهما كأولق ، وإن كان أحدهما ظاهرا دون الآخر فالأولى ترجيح الظاهر كما فى مؤونة وسرّيّة ، وإن كانا خفيين وفيه مرجح آخر فهل يحكم بأحدهما أو بالمرجح الآخر؟ فيه التردد المذكور ؛ فإن حكم بهما : فان استويا احتملهما ، وإن كان أحدهما أظهر حكم به ، وإن لم يكن فيه مرجح آخر حكم بهما على الوجه المذكور
وإنما قدم الاشتقاق المحقق على الغلبة وعدم النظير وكون الأصل أصالة الحروف لأن المراد بالاشتقاق كما ذكرنا اتصال إحدى الكلمتين بالأخرى كضارب بالضرب ، أو اتصالهما بأصل كضارب ومضروب بالضرب ، وهذا الاتصال أمر معنوى محقق لا محيد عنه ، بخلاف الخروج عن الأوزان ؛ فإنه ربما تخرج الكلمة عن الأوزان بنظر جماعة من المستقرئين ، ولا تخرج فى نفس الأمر ؛ إذ ربما لم يصل إليهم بعض الأوزان ، وبتقدير الخروج عن جميع الأوزان يجوز أن تكون الكلمة شاذة الوزن ، وكذا مخالفة غلبة الزيادة لا تؤدى إلى مستحيل ، بل غاية أمرها الشذوذ ومخالفة الأكثر ، وكذا مخالفة كون أصل الحروف الأصالة
ثم إن فقدنا الاشتقاق ظاهرا أو خفيا نظرنا : فإن كان حرف الكلمة الذى هو من حروف «سألتمونيها» من الغوالب فى الزيادة كما سيجىء ، أو كان الحكم بأصالة ذلك الحرف يزيد بناء فى أبنية الرباعى أو الخماسى الأصول ، أعنى المجردة عن الزائد ؛ أىّ الأمرين كان حكمنا بزيادة ذلك الحرف ، ولا نقول : إن الأصل أصالة الحرف ؛ لأن الأمرين المذكورين مانعان من ذلك الأصل
ولو تعارض الغلبة وعدم النظير رجّحنا الغلبة ، كما لو كان الحكم بزيادة الغالب يؤدى إلى وزن مجهول والحكم بأصالته لا يؤدى إلى ذلك ، حكمنا بزيادة الغالب ، كما نقول فى سلحفية (1)فعلّية ، وهو وزن غريب ، وفعلّلة كقذعملة غير (2)غريب ، وذلك لأنا نقول إذن : هذا الغريب ملحق بسبب هذه الزيادة بذلك الذى هو غير غريب
فنقول : إن كان الحكم بأصالة الغالب يؤدى إلى وزن غريب فى الرباعى أو الخماسى المجردين عن الزائد ، والحكم بزيادته يؤدى إلى غريب آخر فى ذى الزيادة كتتفل (3)؛ فإن فعللا بضم اللام وتفعلا نادران ، وكذا قنفخر (4)فإن فعللّا وفنعلّا غريبان ، حكمنا بزيادة الغالب ؛ لأن الأوزان المزيد فيها أكثر من المجرد ، إلا المزيد فيه من الخماسى ؛ فإنه لا يزيد زيادة بينة على المجرد من أبنية الخماسى ، كما تبين قبل ، لكن المزيد فيه منه لا يلتبس بالمجرد من الزيادة ؛ إذ الاسم المجرد لم يأت فوق الخماسى
وإن كان الحكمان لا يزيد واحد منهما بناء غريبا ، فالحكم بزيادة الغالب واجب ؛ لبقاء مرجح الغلبة سليما من المعارض
1) انظر (ح 1 ص 261 ه 3)
2) انظر (ح 1 ص 51)
3) التنفل - بفتح التاء الأولى وسكون الثانية وضم الفاء ، أو بضمتين بينهما سكون ، أو بكسر أوله وفتح ثالثه ، أو بفتح الأول والثالث ، أو بكسرهما - : الثعلب ، وقيل : ولده
4) القنفخر - بضم القاف وسكون النون وفتح الفاء وسكون الخاء ، ويكسر أوله أيضا - : الفائق فى نوعه ، والتار الناعم ، وأصل البردى ؛ ولم يحك فى القاموس إلا مكسور الأول - كجردحل ؛ ومثله القفاخر - كعلابط ، والقفاخرى بزيادة ياء مشددة
وإن كان الحكم بأصالته يزيد بناء نادرا دون الحكم بزيادته تعين الحكم بالزيادة أيضا ؛ لتطابق المرجحين على شىء واحد
وإن كان الأمر بالعكس : أى الحكم بزيادته يؤدى إلى زيادة بناء غريب دون الحكم بأصالته ؛ حكم بزيادة الغالب للإلحاق ، كما ذكرنا فى سلحفية ، لأنه كأنه فعلّلة ؛ لكونه ملحقا به
وإن كان الحكم بأصالة الغالب والحكم بزيادته يزيد كل واحد منهما وزنا نادرا فى ذى الزيادة لا فى المجرد عنها حكمنا بزيادة الغالب أيضا ، لثبوت المرجح بلا معارض
فإن كان الحكمان لا يزيد شىء منهما بناء غريبا فى المزيد فيه ، أو يزيد فيه أحدهما دون الآخر ؛ حكمنا بزيادة الغالب ؛ لما ذكرنا الآن سواء
وأمثلة التقديرات المذكورة لم تحضرنى فى حال التحرير
فعلى ما ذكرنا إذا تعارض الغلبة وعدم النظير يرجح الغلبة ، كما يجىء فى سلحفية ، ففى تقديم المصنف عدم النظير كما يجىء من كلامه على الغلبة نظر
هذا ، وإن كان الحرف من حروف «سألتمونيها» ليس من الغوالب ، ولا يؤدى أصالته إلى عدم النظير ؛ فلا بد من الحكم بأصالته ، بلا خلاف ، كما حكمت بأصالة الهاء والميم من درهم ولام سفرجل وميم علطميس وسينه ، وهذا الذى ذكرنا كله إذا لم يتعدد الغالب ؛ فإن تعدد فيجىء حكمه
قال : «فإن فقد فبخروجها عن الأصول ، كتاء تتفل وترتب ونون كنتأل وكنهبل ، بخلاف كنهور ونون خنفساء وقنفخر ، أو بخروج زنة أخرى لها : كتاء تتفل وترتب مع تتفل وترتب ، ونون قنفخر وخنفساء مع قنفخر وخنفساء ، وهمزة ألنجج مع ألنجوج»
أقول : التتفل ولد انثعلب ، يقال : أمر ترتب : أى راتب ثابت من رتب
مرتوبا : أى ثبت ، وما كان له أن يعده فى المفقود اشتقاقه ؛ إذ اشتقاقه ظاهر كما قلنا ، الكنتأل بالهمز : القصير ، الكنهبل : من أشجار البادية ، الكنهور : العظيم من السحاب ، القنفخر : الفائق فى نوعه ، الألنجج والألنجوج (1)واليلنجوج : العود
قوله «فإن فقد» أى : الاشتقاق الظاهر والخفى
قوله «فبخروجها عن الأصول» أى : يعرف زيادة الحرف بخروج زنة الكلمة بتقدير أصالة الحرف ، لا بتقدير زيادته عن الأصول : أى الأوزان المشهورة المعروفة ، هذا ، وليس مراده بالأصول أوزان الرباعى والخماسى المجردة عن الزوائد ، بدليل عده ألنجوجا وخنفساء - بفتح الفاء - فى الأوزان الأصول ، وهذه الكلمات التى ذكرها لم يعارض عدم النظير فيها بالغلبة ، لأن الحروف المذكورة ليس شىء منها من الغوالب ، إلا همزة ألنجوج ، ولا تعارض فى ألنجوج بين الغلبة وعدم النظير ؛ لأن عدم النظير لا يرجح إذا كان يلزم بكلا التقديرين زيادة وزن فى المزيد فيه ؛ إذ لا يمكن الخلاص من عدم النظير أيضا فى المزيد فيه : حكمت بزيادة الحرف أو بأصالته ؛ فالترجيح فى هذه الكلمات بعدم النظير على كون الأصل أصالة الحرف
1) قال فى اللسان : «والألنجج ، واليلنجج : عود الطيب ، وقيل : هو شجر غيره يتبخر به ، قال ابن جنى : إن قيل لك إذا كان الزائد إذا وقع أولا لم يكن للألحاق فكيف ألحقوا بالهمزة فى «ألنجج» وبالياء فى «يلنجج» والدليل على صحة الألحاق ظهور التضعيف ، قيل : قد علم أنهم لا يلحقون بالزائد من أول الكلمة إلا أن يكون معه زائد آخر فلذلك جاز الألحاق بالهمزة والياء فى «ألنجج» و «يلنجج» لما انضم إلى الهمزة والياء النون ، والألنجوج واليلنجوج كالألنجج واليلنجج : عود بتبخر به به ، وهو يفنعل وأفنعل ، وقال اللحيانى : عود يلنجوج وألنجوج وألنجج ، فوصف بجميع ذلك ، وهو عود طيب الريح» اه
وكان ينبغى أن لا يذكر المصنف ههنا إلا ما يخرج عن الأصول بأحد التقديرين دون الآخر ؛ لأنه يذكر بعد هذا ما يخرج عن الأصول بالتقديرين معا ، وهو قوله «فإن خرجتا معا» ، وتتفل وترتب ، يخرج عن الأصول بكلا التقديرين ؛ إذ ليس فى الأوزان الاسمية تفعل وفعلل ، وكذا كنتأل ؛ لأن فعللّا وفعلألا وفنعلّا نوادر ، وكذا كنهبل ؛ لأن فعلّلا وفنعللا نادران ، وكذا خنفساء ؛ لأن فعللاء وفنعلاء غريبان ، وكذا ألنجوج ؛ لأن فعنلولا وأفنعولا شاذان
قوله «بخلاف كنهور» يعنى لو جعلنا نون كنتأل أصلا لكان فعللّا وهو نادر بخلاف نون كنهور ، فإنا إذا جعلناه أصلا كان فعلولا ملحقا - بزيادة الواو - بسفرجل فلا يكون نادرا ، فلذا جعلنا نونه أصلا دون نون كنتأل
قوله «أو بخروج زنة أخرى لها» أى : إذا كان فى كلمة لغتان وبتقدير أصالة حرف من حروف سألتمونيها فى إحدى الزنتين لا تخرج تلك الزنة عن الأصول لكن الزنة الأخرى التى لتلك الزنة تخرج عن الأصول بأصالة ذلك الحرف حكمنا بزيادة ذلك الحرف فى الزنتين معا ، فإن تتفلا بضم التاء الأولى كان يجوز أن يكون كبرثن فلا يخرج عن الأصول بتقدير أصالة التاء ، لكن لما خرجت تتفل بفتح التاء عن الأصول بتقدير أصالتها حكمنا بزيادة التاء فى تتفل - بضم التاء أيضا تبعا للحكم بزيادتها فى تتفل - بفتحها ، وكذا تاء ترتب ، وكذا نون قنفخر - بكسر القاف ، وإن كان يجوز أن يكون فعللّا كجردحل ، وكذا نون خنفساء - بضم الفاء ، وإن لم يمتنع لو لا اللغة الأخرى أن يكون كقرفصاء ، وكذا همزة ألنجج وإن جاز أن يكون فعنللا ؛ حكمنا بزيادة الحروف المذكورة لثبوت زيادتها فى اللغات الأخر ، والحق الحكم بأصالة نون خنفساء فى اللغتين ؛ لأن وزن الكلمة على التقديرين من أبنية المزيد فيه ؛ إذ الألف
والهمزة من الزيادات اتفاقا ، وقد تقدم أن عدم النظير فى أبنية المزيد فيه بالتقديرين معا ليس بمرجح ؛ فعلى هذا لم يعرف زيادة همزة ألنجوج بعدم النظير ؛ لأنه مزيد فيه بالاتفاق ؛ إذ الواو فيه زائد من غير تردد ، بل عرفنا زيادة همزته وهمزة ألنجج بشبهة الاشتقاق والغلبة ؛ إذ فيهما ثلاثة غوالب : الهمزة ، والنون ، والتضعيف ، ولا يجوز الحكم بزيادتها معا ؛ لئلا يبقى الكلمة على حرفين ، فحكمنا بزيادة اثنين منها ، ولا يجوز الحكم بزيادة النون والتضعيف ، ولا بزيادة الهمزة والتضعيف ؛ لأن ألج ولنج مهملان ، فحكمنا بزيادة الهمزة والنون ؛ فهو من لجّ ، كأنه يلج فى نشر الرائحة ، وألنجج : ملحق بسفرجل بزيادة الهمزة والنون
قال : «فإن خرجتا معا فزائد أيضا ، كنون نرجس وحنطأو ، ونون جندب إذا لم يثبت جخدب ، إلّا أن تشذّ الزّيادة ، كميم مرزنجوش دون نونها ، إذ لم تزد الميم أوّلا خامسة ، ونون برناساء. وأمّا كنابيل فمثل خزعبيل»
أقول : الحنطأو : العظيم البطن ، والبرناساء والبرنساء : الإنسان ، يقال : ما أدرى أى البرناساء هو ، والجندب : ضرب من الجراد ، وهو من الجدب ، واشتقاقه ظاهر ؛ فلم يكن لإيراده فيما لا اشتقاق فيه وجه ، والجخدب : الجراد الأخضر الطويل الرجلين ، وكنابيل : أرض معروفة ، وهو غير منصرف
قوله : «فإن خرجتا معا» أى : خرجت الزنتان معا بتقدير أصالة الحرف وزيادته عن الأوزان الأصول حكمنا بالزيادة أيضا ؛ لما قلنا من كثرة المزيد فيها وقلة المجرد عن الزائد ؛ فنقول فى نرجس : نفعل ، وإن لم يأت فى الأسماء نفعل كما لم يأت فعلل - بكسر اللام - وأما حنطأ وفقال السيرافى : الأولى أن يحكم
بأصالة جميع حروفه فيكون كجردحل ، ومثله كنتأو (1)، وسندأو (2)، وقندأو (3)، وقال الفراء فى مثلها : الزائد إما النون وحدها فهو فنعلّ ، وإما النون مع الواو فهو فنعلو ، وإما النون مع الهمزة فهو فنعأل ، وجعل النون زائدة على كل حال ، وقال سيبويه : الواو مع ثلاثة أصول من الغوالب فيحكم بزيادتها ، وكل واحدة من النون والهمزة رسيلتها (4)فى الأمثلة المذكورة ؛ فيجعل حكم إحداهما فى الزيادة حكم الواو ، وإن لم يكونا من الغوالب ، والحكم بزيادة النون أولى من الحكم بزيادة الهمزة ؛ لكون زيادة النون فى الوسط أكثر من زيادة الهمزة ؛ قال : وإنما لزم الواو الزائدة فى الأمثلة المذكورة بعد الهمزة لأن الهمزة تخفى عند الوقف والواو تظهرها ، فوزنه عند سيبويه فنعلو ، وإليه ذهب المصنف ؛ إذ لو ذهب إلى ما ذهب إليه السيرافى من أصالة الواو ، لم يكن يزيد فى الأبنية المجردة وزن بتقدير أصالة النون ؛ إذ يصير فعللّا كجردحل ؛ فعلى ما ذهب إليه ليس عدم النظير بمرجح فى هذا الوزن ؛ لأنه من ذوات الزوائد بالتقديرين كما قلنا فى ألنجوج وخنفساء
قوله «ونون جندب إذا لم يثبت جخدب» يعنى إذا ثبت جخدب - بفتح الدال - فلا يخرج جندب بأصالة النون عن الأصول ، والأولى أن جندبا فنعل ثبت جخدب أولا ؛ للاشتقاق ؛ لأن الجراد يكون سبب الجدب ، ولهذا سمى جرادا لجرده وجه الأرض من النبات
1) قال فى القاموس : «والكنتأو - كسندأو : الجمل الشديد والعظيم اللحية الكثها ، أو الحسنها» اه
2) السندأو : الخفيف ، وقيل : هو الجرىء المقدم ، وقيل : هو القصير ، وقيل : هو الرقيق الجسم مع عرض رأس ، والسندأو من الابل : الفسيح فى مشيه
3) القندأو : السىء الخلق ، والقصير من الرجال ، والصغير العنق الشديد الرأس ، والجرى المقدم
4) يريد أن كلا من الهمزة والنون تبع للواو فى الحكم
قوله «إلا أن تشذ الزيادة» يعنى لو أدى الحكم بزيادة الحرف إلى شذوذ الزيادة لم نحكم بزيادته ولو خرجت الكلمة بأصالته عن الأوزان أيضا ، فلا يحكم بزيادة ميم مرزنجوش (1)؛ لأن الميم تشذ زيادتها فى أول اسم غير جار إذا كان بعده أربعة أحرف أصول ، أما فى الجارى كمدحرج فثابت
قوله «دون نونها» أى : النون لا تشذ زيادتها فلما ثبت أصالة الميم وجب زيادة النون ؛ لأن الاسم لا يكون فوق الخماسى فهى فعلنلول
قوله «ونون برناساء» أى : أن وزنه فعنالاء وإن كان غريبا غرابة فعلالاء ؛ إذ عدم النظير لا يرجح فى المزيد فيه بالتقديرين ، كما مر فى خنفساء ونحوه.
وما يوجد فى النسخ «وأما كنأبيل (2)
وقال الطرماح بن حكيم ، وقيل : ابن مقبل.
دعتنا بكهف من كنابيل دعوة
على عجل دهماء والرّكب رائح
وهو من أبنية الكتاب» اه
فمثل خزعبيل (3)» الظن أنه وهم : إما من المصنف ، أو من الناسخ ؛ لأن كنابيل بالألف لا بالهمزة ، والألف فى الوسط عنده لا يكون للالحاق كما تقدمقال : «فإن لم تخرج فبالغلبة كالتّضعيف فى موضع أو موضعين مع ثلاثة أصول للالحاق وغيره كقردد ومرمريس وعصبصب وهمّرش ، وعند
1) قال فى اللسان : المرزجوش : نبت ، وزنه فعللول ، بوزن عضرفوط والمرزنجوش لغة فيه» اه
2) قال ياقوت فى معجم البلدان : «كنابيل بالضم ، وبعد الألف باء موحدة ثم ياء مثناة من تحت ، ولام - : موضع ، عن الخارزنجى وغيره
3) الخزعبيل والخزعبل - باسقاط الياء - : الباطل ، والفكاهة والمزاح ، ومن أسماء العجب ، وقال ابن دريد : الخزعبيل الأحاديث المستظرفة
الاخفش أصله هنمرش كجحمرش ؛ لعدم فعّلل ، قال : ولذلك لم يظهروا»
أقول : اعلم أنهم [إنما] حكموا بزيادة جميع الحروف الغالبة فى غير المعلوم اشتقاقه لأنه علم بالاشتقاق زيادة كثير من كل واحد منها ؛ فحمل ما جهل اشتقاقه على ما علم فيه ذلك ؛ إلحاقا للفرد المجهول حاله بالأعم الأغلب ، وقد ذكرنا الكلام على تقديم المصنف المعرفة بعدم النظير على المعرفة بغلبة الزيادة ، فلا نعيده
القردد : الأرض المستوية ، المرمريس : الداهية ، وهو من الممارسة ، لأنها تمارس الرجال ، ففيه معنى الاشتقاق وإن كان خفيا ، والمرمريس أيضا : الأملس ، والعصبصب : الشديد ، وفيه اشتقاق ظاهر ؛ لأنه بمعنى عصيب ، والهمّرش : العجوز المسنة ، وهو عند الخيل وسيبويه ملحق بجحمرش بتضعيف الميم ، وقال الأخفش : بل هو فعللل ، والأصل هنمرش ، وليس فيه حرف زائد ، قال : النون الساكنة إنما وجب إدغامها فى الميم إذا كانتا فى كلمتين نحو من مالك ، وأما فى كلمة واحدة نحو أنملة فلا تدغم ، وكذا لو بنيت من عمل مثل قرطعب بزيادة النون قبل الميم قلت : عنملّ ، بالإظهار ؛ لئلا يلتبس بفعّل لكنه أدغم فى هنمرش ؛ لأنه لا يلتبس بفعّلل ؛ لأن فعّللا لم يثبت فى كلامهم ، قال : والدليل على أنه ليس مضعف العين للالحاق أنا لم نجد من بنات الأربعة شيئا ملحقا بجحمرش ، قال السيرافى : بل جاء فى كلامهم جرو نخورش (1): أى يخرش ؛ لكونه قد كبر
1) تقول : جرونخورش - كجحمرش - إذا تحرك وخدش ، ويقال : هو الخبيث المقاتل ، ذكره فى القاموس مادة (ن خ ر ش) فيدل على أن النون أصلية وذكره مرة أخرى فى مادة (خ ر ش) فقال : «كلب نخورش كنفوعل - وهو من أبنية أغفلها سيبويه - : كثير الخرش» اه والقول بزيادة النون هو ما ذهب إليه ابن سيده ، وتبعه أبو الفتح محمد بن عيسى العطار ، وقالا : ليس فى الكلام نفوعل غيره ، والاشتقاق يؤيد ما ذهبا إليه ، فان الخرش هو الخدش
وأما همّقع (1)فلم يختلف فيه أنه مضعف العين لا هنمقع لعدم فعللل ، فإذا صغرت همّرشا عند الأخفش قلت : هنيمر ، وعند سيبويه : هميرش.
قوله «لعدم فعّلل» الأخفش لا يخص فعّللا ، بل يقول : لم يلحق من الرباعى بجحمرش شىء ، لا على فعّلل ولا على غيره.
قوله «ولذلك لم يظهروا» أى : لعدم التباسه بفعلل إذ لم يوجد.
قال : «والزّائد فى نحو كرّم الثّانى ، وقال الخليل : الأوّل ، وجوّز سيبويه الأمرين».
أقول : قال سيبويه : سألت الخليل عن الزائد فى نحو سلّم ، فقال : الأول لأن الواو والياء والألف يقعن زوائد ثانية كفوعل وفاعل وفيعل ، وكذا قال فى نحو جلبب وخدبّ ، لوقوع الواو والياء والألف زائدة ثالثة كجدول وعثير وشمال ، وكذا فى نحو عدبّس (2)لكونه كفدوكس (3)وعميثل (4)، وكذا قفعدد (5)لكونه ككنهور (6)، وغير الخليل جعل الزوائد هى الأخيرة فى
1) الهمقع - بضم الهاء وتشديد الميم مفتوحة بعدها قاف مكسورة فعين مهملة - : الأحمق ، وأنثاه همقعة ، وهو أيضا ثمر التنضب ، ولا نظير له فى الوزن إلا زملق ، ويقال : همقع - كعلبط ، والزملق : من يقضى شهوته قبل أن يفضى إلى المرأة ، ويقال فيه : زملق ، وزمالق - كعلبط وعلابط
2) العدبس - كعملس - : الشديد الموثق الخلق من الأبل وغيرها ، والشرس الخلق ، والضخم الغليظ ، وكنوا أبا العدبس
3) الفدوكس - كسفرجل - : الأسد ، والرجل الشديد ، وجد الأخطل التغلبى
4) عميثل - كسفرجل - : البطىء ، والضخم الشديد ، والجلد النشيط
5) القفعدد - كسفرجل - : القصير ، مثل به سيبويه وفسره السيرافى
6) أنظر (ح 1 ص 56)
المضعف ، فجعل السّلّم كجدول (1)وعثير ، ونحو مهدد (2)كتترى (3)وخدبّا (4)كخلفنة (5)وقفعددا كحبركى (6)، وقرشبّا (7)كقندأو (8)وصوب سيبويه كلا الوجهين ، وقال المصنف : لما ثبت فى نحو قردد (9)أن الزائد هو الثانى لأنه جعل فى مقابلة لام جعفر ، وأما الأول فقد كان فى مقابلة العين ، فلم يحتج إلى الزيادة لها ، وحكم سائر المضعفات حكم المكرر للالحاق - حكمنا فى الكل أن الزائد هو الثانى ، وفيه نظر ، لأن سائر المكررات لا يشارك المكرر للالحاق فى كون المزيد فى مقابلة الأصلى حتى تجعل مثله فى كون الزائد هو الثانى ، فالأولى الحكم بزيادة الثانى فى المكرر للالحاق ، والحكم بزيادة أحدهما لا على التعيين فى غيره ، وأما استدلال الخليل ومعارضيه فليس بقطعى كما رأيت.
قال : «ولا تضاعف الفاء وحدها ، ونحو زلزل وصيصية وقوقيت وضوضيت رباعىّ وليس بتكرير لفاء ولا عين للفصل ، ولا بذى زيادة لأحد حرفى لين لدفع التّحكّم ، وكذلك سلسبيل خماسىّ على الأكثر. وقال الكوفيون : زلزل من زلّ وصرصر من صرّ ودمدم من دمّ لاتّفاق المعنى».
1) العثير - كدرهم - : الغبار
2) أنظر (ح 1 ص 14)
3) أنظر (ح 1 ص 195 ه 1)
4) أنظر (ح 1 ص 59)
5) يقال : فى خلقه خلفته : وخلفنات : أى خلاف
6) الحبركى : القراد الطويل الظهر القصير الرجلين
7) أنظر (ح 1 ص 61)
8) القندأو - كجردحل - : السىء الخلق ، وقيل : الجرىء المقدم (انظر ص 362 من هذا الجزء)
9) أنظر (ح 1 ص 13)
أقول : قوله «ولا تضاعف الفاء وحدها» أى : لا يقال مثلا فى ضرب : ضضرب ، وذلك لعلمهم أنه لا يدغم ، لامتناع الابتداء بالساكن ، فيبقى الابتداء بالمستثقل ، ولهذا قلّ الفاء والعين مثلين نحو ببر وددن (1)، ويقل الكراهة شيئا إذا حصل هناك موجب الإدغام كما فى أوّل ، أو فصل بينهما بحرف زائد نحو كوكب وقيقبان (2)، [و] ليس أحد المثلين فيه زائدا ، بل هما أصلان ، وقد أجاز بعضهم تكرير الفاء وحدها مع الفصل بحرف أصلى ، كما يجىء ، بل يضاعف الفاء والعين معا كما فى مرمريس (3)كما مر فى أول الكتاب.
وقال الكوفيون فى نحو زلزل (4)وصرصر (5)مما يفهم المعنى بسقوط ثالثه : إنه مكرر الفاء وحدها ، بشهادة الاشتقاق ، وهو أقوى ما يعرف به الزائد من الأصلى ، واستدل المصنف على أنه ليس بتكرير الفاء بأنه لا يفصل بين الحرف وما كرر منه بحرف أصلى ، وهذا استدلال بعين ما ينازع فيه الخصم ، فيكون مصادرة ؛ لأن معنى قول الخصم إن زلزل من زل أنه فصل بين الحرف ومكرره الزائد بحرف أصلى ، ولم يقل أحد : إن العين مكرر مزيد فى نحو زلزل وصيصية (6)، لكن المصنف أراد ذكر دليل يبطل به ما قيل من تكرير الفاء وحدها ، وما لعله [يقال] فى تكرير العين وحدها ، وبعض النحاة يجوز تكرير الفاء وحدها ، سواء كان العين مكررا كما فى زلزل وصيصية ، أو لم يكن كما فى
1) الببر : ضرب من السباع شبيه بالنمر ، وانظر (ح 1 ص 34)
2) القيقبان : خشب تتخذ منه السروج ، ويطلق على السرج نفسه
3) أنظر (ح 1 ص 63)
4) أنظر (ح 1 ص 15)
5) أنظر (ح 1 ص 62)
6) الصيصية - بكسر الصادين وسكون الياء ، والياء الثانية مخففة - شوكة الحائك التى يسوى بها السداة واللحمة ، وصيصية البقرة : قرنها ، وكل شىء امتنع به وتحصن فهو صيصية ، وهى أيضا الوتد الذى يقلع به التمر
سلسبيل (1)، إذا فصل بين المثلين حرف أصلى ، ولم يجوز أحد تكرير الفاء من غير فصل بحرف أصلى بين المثلين.
هذا ، وإن كان ثانى الكلمة ياء والثالث والرابع كالأول والثانى نحو صيصية لم يقل : إن إحدى الياءين من الغالبة ، وتكون زائدة ؛ لأن معها ثلاثة أصول ، وذلك لأن هذا القول يؤدى إلى التحكم ؛ إذ ليس إحدى الياءين أولى من الأخرى ، وأيضا لو قلنا إن الأولى زائدة لكان الكلمة من باب يين (2)
أدار سليمى ، بين يين فمثعر
أبينى فما استخبرت إلّا لتخبرى
ويقال : يين بئر بوادى عباثر ، قال علقمة بن عبدة :
وما أنت أم ما ذكره ربعيّة
تحلّ بيين أو بأكناف شربب
وببر ، ولو قلنا بزيادة الثانية لكانت من باب قلق ، وكلاهما قليل ، ولا يمكن الحكم بزيادتهما معا ؛ لئلا تبقى الكلمة على حرفين ، وكذا لا نحكم فى نحو قوقيت بزيادة إحدى حرفى العلة ؛ لدفع التحكم ، وكذا فى عاعيت (3)يا عنز هذا شجر وماء
عاعيت لو ينفعنى العيعاء
قال فى اللسان : «وقال الليث : عا مقصورة زجر للضئين ، وربما قالوا : عو ، وعاء ، وعاى ، كل ذلك يقال ، والفعل منه عاعى يعاعى معاعاة وعاعاة ، ويقال أيضا : عوعى يعوعى عوعاة ، وعيعى يعيعى عيعاة وعيعاء ، وأنشد :
وإنّ ثيابى من ثياب محرّق
ولم أستعرها من معاع وناعق» اه
1) انظر (ح 1 ص 9 ، 50)
2) يين - بفتح الياء الأولى وسكون الثانية - : عين بواد يقال له : حورتان. قاله الزمخشرى ، وقال غيره بين : اسم واد بين ضاحك وضويحك ، وهما جبلان أسفل الفرش ، ذكره ابن جنى ، وقال نصر : يين : ناحية من أعراض المدينة على بريد منها ، وهى منازل أسلم بن خزاعة ، وقال ابن هرمة :
3) قال فى القاموس : «وفى كتب التصريف : عاعيت عيعاء ، ولم يفسروه ، وقال الأخفش : لا نظير لها سوى حاحيت وهاهيت» اه ، وتقول : عاعى ، إذا دعا ضأنه بقوله «عا». و «عا» اسم صوت ، وقال الراجز :
وحاحيت (1)
ألجأنى القرّ إلي سهوات
فيها وقد حاحيت بالذّوات
قال الجوهرى : «حاء : زجر للأبل ، بنى على الكسر لالتقاء الساكنين ، وقد يقصر ، فان أردت التنكير نونت ، قال سيبويه : أبدلوا الألف بالياء لشبهها بها ، لأن قولك : حاحيت ، إنما هو صوت بنيت منه فعلا ، كما أن رجلا لو أكثر من قوله «لا» لجاز أن يقول : لا ليت ، يريد قلت : لا ؛ ويدلك على أنها ليست فاعلت قولهم : الحيحاء والعيعاء بالفتح ، كما قالوا : الحاحاة والهاهاة ، فأجرى حاحيت وعاعيت وهاهيت مجرى دعدعت ؛ إذ كن للتصويت» اه من اللسان بتصرف
، والأولى أن يقال فى ياء قوقيت : إنها كانت واوا قلبت ياء كما فى أغزيت وغازيت ، على ما يجىء فى باب الإعلال ، فيكون فى قوقيت فى الأصل واوان ، كما أن فى صيصية ياءين.وقال الخليل : أصل دهديت دهدهت (2)؛ لاستعمالهم دهدهت بمعناه ، ولا منع أن يقال : ياء نحو قوقيت أصلية ، وإنها ليست ببدل من الواو ، وأما نحو حاحى يحاحى فهو عند سيبويه فعلل يفعلل ؛ بدليل أن مصدره حاحاة وحيحاء كزلزلة وزلزال ؛ وقال بعضهم : هو فاعل يفاعل ، بدليل قولهم : محاحاة ومعاعاة ، وقال سيبويه : بل هو مفعللة للمرة كزلزل يزلزل مزلزلة ، والأصل محاحية ، قلبت الياء ألفا ، والألف الأولى عند البصريين فى حاحى وعاعى ياء قلبت ألفا ، وإن كانت ساكنة ، لانفتاح ما قبلها كما قالوا فى ييأس ويوجل : ياءس وياجل ، قالوا : وإنما اطرد قلب الياء الأولى ألفا مع شذوذ ذلك فى ياءس وطائى لأنه استكره
1) حاحى : دعا معزاه بقوله : حا ، ويقال : حاحيت حيحاء ومحاحاة ، إذا صحت ، قال أبو زيد : حاح بضأنك وبغنمك : أى ادعها ، وقال :
2) دهدهت الحجر ودهديته : إذا دحرجته ، فتدهده وتدهدى ، كرهوا التضعيف فأبدلوا ثانى المثلين ياء ، كما قالوا : تظنيت فى تظننت ، وتربيت فى تربيت ، وهذا عندهم مقصور على السماع على ما يجىء فى باب الأبدال
اجتماع ياءين بعد مثلين لو قيل : عيعيت ، وأما فى نحو صيصية فاحتمل فيه ذلك لكونه اسما ، وهو أخف من الفعل ، كما يجىء فى باب الإعلال ، وإنما جاز مجىء الواوين بعد المثلين فى قوقيت وضوضيت لوجوب قلب الثانية ياء ، كما فى أغزيت ، وإنما قالوا فى دهدهت الحجر : دهديته ، تشبيها للهاء لرخاوتها بالياء ، وأما نحو صلصلت وزلزلت فجاز ذلك لأن الثانى حرف صحيح ، وهم لاجتماع حروف العلة المتماثلة أكره ، وإن كانت أخف من الحروف الصحيحة.
وقال بعضهم : الألفان فى حاحى وعاعى وهاهى (1)أصلان ، وليسا بمنقلبين لا عن واو ولا عن ياء ، لأن الأصل فى جميعها الصوت الذى لا أصل لألفاته قلبت الألف الثانية ياء بعد اتصال ضمير الفاعل المتحرك كما قلبت فى حبليان ، وذلك للقياس على سائر الألفات المنقلبة الرابعة فى نحو أغزيت واستغزيت ، وألف الإلحاق نحو سلقيت (2)، لأن ضمير الفاعل ، أعنى النون والتاء ، لا يلى الألف فى الماضى فى نحو رميت ودعوت ، لأن بقاءها ألفا دليل على كونها فى تقدير الحركة ، إذ الواو والياء قلبتا ألفين لتحركهما وانفتاح ما قبلهما ، وما قبل الضمائر فى الماضى يلزم سكونها ، فردت ألفا أغزيت واستغزيت إلى الأصل ، أعنى الواو ، ثم قلبت الواو ياء لاستثقالها رابعة فصاعدا مفتوحا ما قبلها ، كما يجىء فى باب الإعلال ، وقد جاء فى بعض اللغات نحو أعطاته وأرضاته بالألف فى معنى أعطيته وأرضيته ومنه قراءة الحسن ولا أدرأتكم به (3)
طاروا علاهنّ فطر علاها
ناجية وناجيا أباها
يريد طاروا عليهن فطر عليها ، ولكن فى كلام الشهاب المتقدم النص على أن قراءة الحسن بالهمز ، نعم قد قرىء بالألف ، لكن هذه القراءة ليست قراءة الحسن ثم إنه قد يكون ما فى كلام المؤلف منسوبا إلى الحسن بالهمز على ما هو المشهور من قراءته ، ويكون انقلاب الهمز عن الألف المنقلبة عن الياء ، فيصح الاستشهاد بقراءة الحسن على قلب الياء ألفا إذا كان ما قبلها مفتوحا نظرا إلى أصل الهمزة القريب
)1) قال فى اللسان : «وهاء زجر الأبل ، ودعاء لها ، وهو مبنى على الكسر إذا مددت ، وقد يقصر ، وتقول : هاهيت بالأبل ، إذا دعوتها» اه
2) انظر (ح 1 ص 55 ، 68)
3) هذه قطعة من آية كريمة من سورة يونس ونصها الكريم (قُلْ لَوْ شاءَ اللهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ) قال القاضى البيضاوى : وقرئ (ولا أدرأكم ولا أدرأتكم) بالهمز فيهما : على لغة من يقلب الألف المبدلة من الياء همزة ، أو على أنه من الدرء بمعنى الدفع» اه قال العلامة الشهاب «هذه قراءة الحسن وابن عباس رضى الله تعالى عنهما بهمزة ساكنة ، فقيل : إنها مبدلة من ألف منقلبة عن ياء ، وهى لغة عقيل كما حكاه قطرب ؛ فيقولون فى أعطاك : أعطاك ، وقيل : لغة بالحرث ، وقيل : الهمزة أبدلت من الياء ابتداءكما يقال فى لبيت لبأت ، وهذا على كونها غير أصلية ، وقد قرئ بالألف أيضا» اه والمنادر من عبارة المؤلف أن قراءة الحسن بالألف مع تاء المتكلم ، وأصلها أدريتكم : أى أعلمتكم ، فلما وقعت الياء ساكنة مفتوحا ما قبلها قلبت هذه الياء ألفا على لغة عقيل الذين يقولون فى عليك ولديك وإليك : علاك ولداك وإلاك ، وعلى هذا جاء قول راجزهم :
قوله «قوقيت» من قوقى الديك قوقاة : أى صاح ، وضوضيت من الضوضاء وهو الجلبة والصياح ، ومن صرف الغوغاء (1)فهو مثل القمقام (2)، ومن لم يصرفه فالألف للتأنيث كما فى العوراء ، والألف فى الفيفاة (3)زائدة لقولهم : فيف
بمعناه ، وكذلك الزّيزاء (1)والصّيصاء (2)، إذ ليس فى الكلام فعلال إلا مصدرا كزلزال ، وقولهم المروراة (3)والشّجوجاة (4)نحو صمحمح (5)وبرهرهة (6)، وليس كعثوثل (7)، لأن الأول أكثر.
قال : «وكالهمزة أوّلا مع ثلاثة أصول فقط ، فأفكل أفعل ، والمخالف مخطىء ، وإصطبل فعللّ كقرطعب ، والميم كذلك ، ومطّردة فى الجارى على الفعل ؛ والياء زيدت مع ثلاثة أصول فصاعدا إلا فى أوّل الرّباعىّ إلّا فيما يجرى على الفعل ، ولذلك كان يستعور كعضرفوط ، وسلحفية فعلّية ، والألف والواو زيدتا مع ثلاثة فصاعدا ، إلّا فى الأوّل ؛ ولذلك كان ورنتل كجحنفل»
أقول : لما ثبت لنا بالاشتقاق غلبة زيادة الهمزة أولا إذا كان بعدها ثلاثة أصول فى نحو أحمر وأصغر وأعلم رددنا إليه ما لم نعلم منه ذلك بالاشتقاق ،
1) الزيزاء - بالكسر وبالفتح ، ومثله الزيزى ، والزازية ، والزبزاءة ، والزيزاة - بكسر الأخيرتين - : ما غلظ من الأرض ، والأكمة الصغيرة ، والريش أو أطرافه ،
2) الصيصاء : الحشف من التمر ، وهو أيضا حب الحنظل الذى ليس فى جوفه لب
3) المروراة : الأرض أو المفازة التى لا شىء فيها ، ووزنها فعلعلة لا فعوعلة وهى واحدة المرورى. قال سيبويه (ح 2 ص 386) «هو بمنزلة صمحمح وليس بمنزلة عثوثل ؛ لأن باب صمحمح أكثر من باب عثوثل» اه
4) يقال : ريح شجوجى ، وشجوجاة ، إذا كانت دائمة الهبوب ، والشجوجى والشجوجاة أيضا : العقعق ، وهو طائر
5) انظر (ح 1 ص 60 ، 253)
6) انظر (ح 1 ص 63 ، 253)
7) انظر (ح 1 ص 60)
كأرنب وأيدع (1)، وهو قليل بالنسبة إلى الأول
وبعض المتقدمين خالفوا ذلك ، وقالوا : ما لم نعلم بالاشتقاق زيادة همزته المصدرة حكمنا بأصالتها ، فقالوا : أفكل (2)كجعفر ، ورد عليهم سيبويه بوجوب ترك صرف أفكل لو سمى به ، ولو كان فعللا لصرف ، وأيضا لو كان فعللا لجاء فى باب فعلل يفعلل فعللة ما أوله همزة
قوله «إصطبل فعللّ» لأن بعده أربعة أصول ، ولم يثبت بالاشتقاق غلبة زيادة الهمزة فى مثله حتى يحمل عليه ما جهل اشتقاقه
قوله «والميم كذلك» أى : يغلب زيادتها فى الأول مع ثلاثة أصول بعدها ولا تزاد مع أربعة فصاعدا ؛ فمنبج (3)
وقال فى اللسان : «ومنبج : موضع ، قال سيبويه : الميم فى منبج زائدة بمنزلة الألف ؛ لأنها إنما كثرت مزيدة أولا ، فموضع زيادتها كموضع الألف وكثرتها ككثرتها إذا كانت أولا فى الاسم والصفة» اه
محمول فى الزيادة على نحو مقتل ومضرب حمل المجهول على المعلوم ، وأما معدّ ومعزى فقد مضى حكمهما ، ومخالفتهما لهذا1) الأيدع : صبغ أحمر ، وقيل : هو الزعفران ، وقيل : هو صمغ أحمر يجلب من سقطرى تداوى به الجراحات ، وطائر أيضا
2) الأفكل : رعدة تعلو الانسان من برد أو خوف ، ولا فعل له ، واسم الأفوه الأودى الشاعر ، سمى بذلك لرعدة كانت فيه
3) منبج - بالفتح ثم السكون وباء موحدة مكسورة وجيم - قال ياقوت : «هو بلد قديم ، وما أظنه إلا روميا ، إلا أن اشتقاقه فى العربية يجوز أن يكون من أشياء : يقال : نبج الرجل (كضرب) إذا قعد فى النبجة (كالشجرة) وهى الأكمة ، والموضع منبج ، ويقال : نبج الكلب ينبج (من باب ضرب) بمعنى نبح ينبح ، والموضع منبج ، ويجوز أن يكون من النبج (كالضرب) وهو طعام كانت العرب تتخذه فى المجاعة ؛ يخاض الوبر فى اللبن فيجدع ويؤكل ، ويجوز أن يكون من النبج ، وهو الضراط ، فأما الأول وهو الأكمة فلا يجوز أن يسمى به ؛ لأنه على بسيط من الأرض لا أكمة فيه ، فلم يبق إلا الوجوه الثلاثة ؛ فليختر مختار منها ما أراد ... وهى مدينة كبيرة من مدن الشام ، بينها وبين الفرات ثلاثة فراسخ وبينها وبين حلب عشرة فراسخ» اه بتصرف.
الأصل ، فاذا تقدم على أربعة أصول فصاعدا كما فى مرزنجوش (1)حكم بأصالتها ، إلا إذا كان ما هى فى أوله من الأسماء المتصلة بالأفعال كالمدحرج اسم فاعل من دحرج والمدحرج اسم مفعول ومكانا وزمانا ومصدرا ، وكذا الهمزة الزائدة يكون بعدها أربعة أصول فى الاسم المتصل بالفعل وهى همزة وصل نحو اقشعرار واحرنجام ، والهمزة والميم غير الأولين لا يحكم بزيادتهما إلا بدليل ظاهر ، كشمأل ودلامص (2)وضهيأ (3)وزرقم (4)، بلى غلب زيادة الهمزة آخرا بعد الألف الزائدة إذا كان معها ثلاثة أصول فصاعدا ، كعلباء (5)وسوداء وحرباء (6)وحمراء ، وأصلها الألف كما تقدم ، ولو قال فى موضع «الجارى على الفعل» : المتصل بالفعل ، لكان أعم ؛ إذ لا يقال للموضع والزمان هما جاريان على الفعل.
قوله «والياء زيدت مع ثلاثة» أى : إذا ثبت ثلاثة أصول غير الياء فالياء زائدة ، سواء كانت فى الأول كيلمع (7)ويضرب ، أو فى الوسط كرحيم وفلّيق (8)أو فى الآخر كاللّيالى ، وكذا إذا كانت الياء غير المصدرة مع أربعة
1) انظر (ص 363 من هذا الجزء)
2) انظر (ص 334 من هذا الجزء)
3) انظر (ص 339 من هذا الجزء)
4) انظر (ص 252 ، 334 من هذا الجزء)
5) انظر (ص 55 من هذا الجزء)
6) انظر (ص 55 من هذا الجزء)
7) انظر (ح 1 ص 59)
8) يجوز أن تقرأ هذه الكلمة بفتح الفاء وكسر اللام كرحيم ، وهو باطن عنق البعير فى موضع الحلقوم ، ويجوز أن تقرأ بضم الفاء وتشديد اللام مفتوحة بعدها ياء ساكنة ، وهو ضرب من الخوخ يتفلق عن نواه (انظر ح 1 ص 250)
أصول فصاعدا كخيتعور (1)
كلّ أنثى وإن بدالك منها
آية الحبّ حبّها خيتعور
وسلسبيل وسلحفية ، وأما إذا كانت مصدرة مع أربعه أصول بعدها : فان كانت الكلمة فعلا كيدحرج فهى زائدة أيضا ، وإلا فهى أصل كيستعور ، وهو الباطل ، يقال : ذهب فى اليستعور ، وهو أيضا بلد بالحجازقوله «إلا فيما يجرى على الفعل» وهم وحقه إلا فى الفعل كيدحرج ، لأن الاسم الجارى على الفعل لا يوجد فى أوله ياء ، والواو والألف مع ثلاثة أصول فصاعدا لا يكونان إلا زائدين فى غير الأول ، فالواو نحو عروض وعصفور وقرطبوس (2)وحنطأو (3)، والألف كحمار وسرداح (4)وأرطى (5)وقبعثرى (6)، وأما فى الأول فالألف لا يمكن وقوعها فيه ، والواو لا تزاد فيه مطلقا ، ولذلك كان ورنتل (7)كجحنفل ، يقال : وقع الناس فى ورنتل : أى فى شر ، والجحنفل : العظيم الجحفلة (8).
1) الخيتعور : السراب ، ودويبة سوداء تكون على وجه الماء لا تلبث فى موضع إلا ريثما تطرف ، والداهية ، وتقول : هذه امرأة خيتعور ؛ إذا كان ودها لا يدوم ، وكل شىء يتلون ولا يدوم على حال فهو خيتعور ، قال الشاعر :
2) انظر (ح 1 ص 51 ، 264)
3) انظر (ح 1 ص 256)
4) انظر (ح 1 ص 57)
5) انظر (ح 1 ص 57)
6) انظر (ح 1 ص 9)
7) انظر (ح 1 ص 33)
8) الجحفلة : الشفة الغليظة
قال : «والنّون كثرت بعد الألف آخرا ، وثالثة ساكنة نحو شرنبث وعرند ، واطّردت فى المضارع والمطاوع ، والتّاء فى التّفعيل ونحوه ، وفى نحو رغبوت ، والسّين اطّردت فى استفعل ، وشذّت فى أسطاع ، قال سيبويه : هو أطاع فمضارعه يسطيع بالضّمّ ، وقال الفرّاء : الشّاذّ فتح الهمزة وحذف التّاء ، فمضارعه بالفتح ؛ وعدّ سين الكسكسة غلط لاستلزامه شين الكشكشة.»
أقول : أى أن النون كثرت زيادتها إذا كانت أخيرة بعد ألف زائدة ، وقد حصل من دونها ثلاثة أحرف أصول أو أكثر كسكران وندمان وزعفران ، أما فينان (1)فبالاشتقاق علمنا أنه لم يحصل فى الكلمة دونها ثلاثة أصول إذ هو من الفنن ، وكذا قولهم حسّان وحمار قبّان (2)منصرفين ، فبالصرف عرفنا أن النون أحد الأصول الثلاثة
قوله «واطردت فى المضارع» يعنى نفعل
قوله «والمطاوع» يعنى انفعل وافعنلل وفروعهما من المصدر والأمر والمضارع ؛ وعندى أن حروف المضارعة حروف معنى لا حروف مبنى (3)
والحرف إن يلزم فأصل والّذى
لا يلزم الزّائد مثل تا احتذى
«تاسعها دلالة الحرف على معنى ، كحروف المضارعة ، وألف اسم الفاعل» اه
كنونى التثنية والجمع1) انظر (ص 339 من هذا الجزء)
2) انظر (ص 248 من هذا الجزء)
3) يريد المؤلف بهذا أن يعترض على ابن الحاجب فى عده النون الواقعة فى أول المضارع من حروف الزيادة ، وحاصل الاعتراض أن حروف المضارعة حروف معان كالتنوين ، وسيأتى لابن الحاجب نفسه عدم عد التنوين من حروف الزيادة معللا ذلك بأنه حرف معنى ؛ فلا وجه لعده نون المضارعة من حروف الزيادة ولكنا لو نظرنا لوجدنا أن المؤلف قد سلم لابن الحاجب عد السين فى الاستفعال من حروف الزيادة مع أنها دالة على معنى ، وكذلك سلم له عد النون فى الفعل المطاوع من حروف الزيادة ، مع أنها دالة على معنى ، ولا يستطيع المؤلف ولا غيره أن ينكر أن الهمزة فى أفعل من حروف الزيادة ، وكذا الألف فى فاعل وتفاعل ، والتاء فى تفعلل وما أشبه ذلك من الحروف الدالة على المعانى فى الأفعال المزيد فيها ، وكذا الألف فى اسم الفاعل من الثلاثى والميم فى اسم الفاعل واسم المفعول واسم الزمان واسم المكان والمصدر الميمى ؛ وحينئذ لا وجه لأنكاره أن تكون حروف المضارعة من حروف الزيادة محتجا بدلالتها على معنى ، بقى أن يقال : كيف يوفق بين عدم عدهم التنوين وباء الجر ولام الجر وهاء السكت من حروف الزيادة لأنها دالة على معنى وبين عد حروف المضارعة وغيرها من الحروف الداخلة فى الأفعال والاسماء المتصلة بها مما ذكرنا مع أنها دالة على معان فى الكلمات الداخلة فيها ، والجواب : أن الحرف الدال على معنى إن كان مما يتغير به وزن الكلمة ومعناها فهو من حروف الزيادة وإن لم يكن كذلك فليس من حروف الزيادة ؛ بل قد جعل أبو الحسن الأشمونى دلالة الحرف على معنى من جملة أدلة زيادته فقال فى باب التصريف عند قول ابن مالك :
والتنوين ؛ على ما تقدم فى أول شرح الكافية
قوله «وثالثة ساكنة» كان ينبغى أن يضم إليه قيدا آخر ، بأن يقول : ويكون بعد النون حرفان ، كشرنبث (1)وقلنسوة (2)
1) الشرنبث - كسفرجل ، والشرابث - كعلابط - : القبيح الشديد ، وقيل : هو الغليظ الكفين والرجلين ، والشرنبث أيضا : الأسد. قال سيبويه : النون والألف يتعاوران الاسم فى معنى ، نحو شرنبث وشرابث
2) قال فى اللسان : «والقلسوة (بفتح أوله وسكون ثانيه وضم ثالثه) والقلساة (بفتح أوله وسكون ثانيه) والقلنسوة (بفتح أوله وثانيه وسكون ثالثه وضم رابعه) والقلنسية (بضم أوله وفتح ثانيه وسكون ثالثه وكسر رابعه) والقلنساة (بفتح أوله وثانيه وسكون ثالثه) والقلسية (بفتح أوله وسكون ثانيه وكسر ثالثه) من ملابس الرأس - معروف ، والواو فى قلنسوة للزيادة غير الالحاق وغير المعنى أما الألحاق فليس فى الأسماء مثل فعللة (بفتح أوله وثانيه ، وثالثه مشدد مضموم) وأما المعنى فليس فى قلنسوة أكثر مما فى قلساة. وجمع القلنسوة والقلنسية
وحبنطى (1)، أو أكثر من حرفين كحعنظار (2)وأما ما ذكر من «عرند (3)» فليس النون فيه من الغوالب بل إنما عرفنا زيادته بالاشتقاق ، لأنه بمعنى العرندد والعرد : أى الصلب ، وأيضا بأنا لو جعلنا النون فى عرند أصلية لزم زيادة بناء فى أبنية الرباعى المجرد ، وأما زيادة النون فى عنسل (4)ورعشن (5)فلم يعرف بالغلبة ، بل بالاشتقاق ، وكذا ذرنوح فى معنى ذرّوح (6)
الشرنبث : الغليظ الكفين والرجلين ، ومثله الشّرابث - بضم الشين
قوله «والتاء فى التفعيل ونحوه» يعنى بنحوه التّفعال والتّفعّل والتّفاعل والتّفعلل والافتعال والاستفعال ، وفروعهن
واعلم أن المصنف كثيرا ما يورد فى هذه الغوالب ما يعلم زيادته بالاشتقاق ؛ فإن بنى جميع ذلك على قوله قبل «فإن فقد» أى : الاشتقاق ؛ فهو غلط ، وإن
1) انظر (ح 1 ص 54 ، 255)
2) يقال : رجل جعنظر - كسفرجل ، وجعنظار ؛ إذا كان قصير الرجلين غليظ الجسم ، وإذا كان أكولا قويا عظيما جسيما أيضا
3) العرند ، والعرد - كعتل - : الشديد من كل شىء ؛ قال فى اللسان : «ونون العرند بدل من الدال» اه يريد انها بدل من الدال فى العرد
4) انظر (ح 1 ص 59) وكذا (ص 333 من هذا الجزء)
5) انظر (ح 1 ص 59) وكذا (ص 333 من هذا الجزء)
6) الذرنوح ، والذروح - كعصفور - والذرحرح - بضم أوله وفتح ثانيه ورابعه وسكون ثالثه -. الذرحرح - بضم أوله وثانيه ورابعه وسكون ثالثه - : دويبة أعظم قليلا من الذباب
قصد ترك ذلك ، وبيان الغوالب سواء عرف زيادتها بمجرد الغلبة أو بها وبشىء آخر من الاشتقاق وعدم النظير ؛ فصحيح
قوله «وفى نحو رغبوت» يعنى إذا كانت التاء فى آخر الكلمة بعد الواو الزائدة وقبلهما ثلاثة أصول فصاعدا ، وسيبويه لم يجعل ذلك من الغوالب ؛ فلهذا قال فى سبروت (1)فعلول ، بل جعل الزيادة فى مثله إنما تعرف بالاشتقاق كما فى جبروت وملكوت ، لأنهما من الجبر والملك ، وكذا الرغبوت والرحموت والرهبوت ، وكذا لم يجعل سيبويه التاء فى الآخر بعد الياء - إذا كان قبلها ثلاثة أصول كعفريت (2)- من الغوالب ، فعفريت عنده عرف زيادة تائه باشتقاقه من العفر - بكسر العين - وهو الخبيث الداهى ، فهو كما عرفت زيادة التاء فى التّحلىء (3)باشتقاقه من حلأت ، وفى التّتفل (4)بالخروج من الأوزان ، وأما تاء التأنيث فحرف معنى لا حرف مبنى
قوله «والسين اطردت» أى : فى باب استفعل كاستكره واستحجر
قوله «وشذت فى أسطاع» اعلم أنه قد جاء فى كلامهم أسطاع - بفتح الهمزة وقطعها - واختلفوا فى توجيهه : فقال سيبويه : هو من باب الإفعال ، وأصله أطوع كأقوم ، أعلت الواو وقلبت ألفا بعد نقل حركتها إلى ما قبلها ، ثم جعل السين عوضا من تحرك العين الذى فاته ، كما جعل الهاء فى أهراق - بسكون الهاء - عوضا من مثل ذلك ، كما يجىء ، ولا شك أن تحرك العين فات بسبب تحرك الفاء بحركته ، ومع هذا كله فإن التعويض بالسين والهاء شاذان ؛ فمضارع
أسطاع عند سيبويه يسطيع - بالضم - ورد ذلك المبرد ، ظنا منه أن سيبويه يقول : السين عوض من الحركة ، فقال : كيف يعوض من الشىء والمعوض منه باق؟ يعنى الفتحة المنقولة إلى الفاء ، وليس مراد سيبويه ما ظنه ، بل مراده أنه عوض من تحرك العين ، ولا شك أن تحرك العين فات بسبب تحرك الفاء بحركته ؛ وقال الفراء : أصل أسطاع استطاع من باب استفعل ؛ فحذفت التاء لما يجىء فى باب الإدغام (1)، فبقى إسطاع - بكسر الهمزة - ففتحت وقطعت شاذا ، فالمضارع عنده يستطيع بفتح حرف المضارعة ، واللغة المشهورة إذا حذفت التاء من استطاع لتعذر الإدغام بقاء الهمزة مكسورة موصولة كما كانت ، قال تعالى (فَمَا اسْطاعُوا)
قوله «وعدسين الكسكسة غلط» رد على جار الله ؛ فإنه عده من حروف الزيادة ، وقال المصنف : هو حرف معنى لا حرف مبنى ، وأيضا لو عدّ للزم شين
1) لم يذكر المؤلف شيئا عن حذف التاء فى «أسطاع» فى باب الادغام ، وإنما ذكره فى باب الحذف فقال : «وإسطاع يسطيع - بكسر الهمزة فى الماضى وفتح حرف المضارعة - وأصله استطاع يستطيع ، وهى أشهر اللغات : أعنى ترك حذف شىء منه وترك الأدغام ، وبعدها إسطاع يسطيع - بكسر الهمزة فى الماضى وفتح حرف المضارعة وحذف تاء استفعل حين تعذر الأدغام مع اجتماع المتقاربين ، وإنما تعذر الأدغام لأنه لو نقل حركة التاء إلى ما قبلها لتحرك السين التى لاحظ لها فى الحركة ، ولو لم ينقل لالتقى الساكنان كما فى قراءة حمزة (قراءة حمزة «فما اسطاعوا» بابدال التاء طاء وإدغامها فى الطاء مع بقاء سكون السين) فلما كثر استعمال هذه اللفظة ، بخلاف استدان ، وقصد التخفيف وتعذر الأدغام ؛ حذف الأول ، كما فى ظلت وأحست ، والحذف ههنا أولى ، لأن الأول وهو التاء زائد ، قال تعالى (فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ) وأما من قال : يسطيع - بضم حرف المضارعة - فماضيه أسطاع بفتح همزة القطع - وهو من باب الأفعال كما مر فى باب ذى الزيادة» اه
الكشكشة (1)إذ لا فرق بينهما فيلزم كون الشين من حروف الزيادة ، وليس منها بالاتفاق
قال : «وأمّا اللّام فقليلة كزيدل وعبدل ، حتّى قال بعضهم فى فيشلة : فيعلة ، مع فيشة ، وفى هيقل مع هيق ، وفى طيسل مع طيس للكثير ، وفى فحجل - كجعفر - مع أفحج»
أقول : اعلم أن الجرمى أنكر كون اللام من حروف الزيادة ، ولا يرد عليه لام البعد فى نحو ذلك وهنالك ؛ لكونه حرف معنى كالتنوين ، فذهب إلى أن فيشلة (2)وهيقلا وطيسلا فيعل ، والهيقل : الذكر من النعام ، ومثله الهيقم ، والهيق والهقل : الفتىّ من النعام ، والأنثى هقلة ، وقال : إنه قد يكون لفظان بمعنى يظن بهما أنهما متلاقيان اشتقاقا للتقارب فى اللفظ ويكون كل واحد من
1) قال المؤلف فى شرح الكافية (ح 2 ص 381): «وأما سين الكسكة - وهى فى لغة بكر بن وائل - فهى السين التى تلحقها بكاف المؤنث فى الوقف ؛ إذ لو لم تلحقها لسكنت الكاف فتلتبس بكاف المذكر ، وجعلوا ترك السين فى الوقف علامة للمذكر ، فيقولون : أكرمنكس ، فأذا وصلوا لم يأتوا بها ، لأن حركة الكاف إذن كافية فى الفصل بين الكافين ، وقوم من العرب يلحقون كاف المؤنث الشين فى الوقف فأذا وصلوا حذفوا ، وغرضهم ما مر فى إلحاق السين» اه ، وقد نسب صاحب القاموس الكسكة لتميم لا لبكر ، فقال : «والكسكة لتميم لا لبكر : إلحاقهم بكاف المؤنث سينا عند الوقف ، يقال : اكرمتكس وبكس» اه وقد نسب فى القاموس الكشكشة لبنى أسد أو ربيعة ، وعرفها بأوسع مما عرف المؤلف ، فقال : «والكشكشة الهرب ، وكشيش الأفعى ، وقد كشكشت ، وفى بنى اسد أو ربيعة إبدال الشين من كاف الخطاب للمؤنث ، كعليش فى عليك ، أو زيادة شين بعد الكاف المجرورة ، تقول : عليكش ولا تقول : عليكش بالنصب ، وقد حكى كذا كش بالنصب» اه
2) الفيش ، والفيشلة : رأس الذكر ، قال فى اللسان : «وقال بعضهم : لامها زائدة كزيادتها فى زيدل وعبدل وأولى لك ، وقد يمكن أن تكون «فيشلة» من غير لفظ «فيشة» فتكون الياء فى «فيشلة» زائدة ، ويكون وزنها فيعلة ، لأن زيادة الياء ثانية أكثر من زيادة اللام ، وتكون الياء فى فيشة عينا فيكون اللفظان مفترنين والأصلان مختلفين ، ونظير هذا قولهم : رجل ضياط (بفتح أوله وتشديد ثانيه) وضيطار (بفتح أوله)» اه كلامه. والضياط : المتمايل فى مشيته ، وقيل الضخم الجنبين العظيم الاست ، والضيطار بمعناه ، ووزن ضياط فعال ، من ضاط الرجل يضيط ضيطا ، والضيطار فيعال من ضطر ، فالأصلان مختلفان والمعنى واحد
تركيب آخر ، كما فى ثرّة وثرثار ، ودمث ودمثر (1)، كما يجىء ، وكذا يقول فى فحجل : إنه فعلل كجعفر ، وهو بمعنى الأفحج : أى الذى يتدانى صدرا قدميه ويتباعد عقباهما ، والطيسل والطيس : الكثير من كل شىء ، وكل ذلك تكلف منه ، والظاهر زيادة اللام فى جميع ذلك ؛ فإن زيادتها ثابتة مع قلتها ، كما فى زيدل وعبدل ، بمعنى زيد وعبد ، وليس كذا نحو دمث ودمثر ؛ إذ زيادة الراء لم تثبت فألجئنا إلى الحكم بأصالتها
قال : «وأمّا الهاء فكان المبرّد لا يعدّها ولا يلزمه نحو اخشه فإنّها حرف معنى كالتّنوين وباء الجرّ ولامه وإنّما يلزمه [نحو] أمّهات ونحو * أمّهتى خندف والياس أبى (2)
إنّى لدى الحرب رخىّ اللّبب
عند تناديهم بهال وهب
والرخى : المرتخى. واللبب : ما يشد على ظهر الدابة ليمنع السرج والرحل من التأخر ، وارتخاء اللبب إنما يكون من كثرة جرى الدابة ، وهو كناية عن كثرة مبارزته للأقران. وهال : اسم فعل تزجر به الخيل. وهب : اسم فعل تدعى به الخيل ، والصولة : من قولهم : صال الفحل صولة ؛ إذا وثب على الابل يقاتلها ، وخندف - بكسر الخاء المعجمة والدال بينهما نون ساكنة - ام مدركة بن إلياس بن مضر ؛ فهى جدة قصى ، وكذا إلياس بن مضر جده ؛ فيكون قد نزل الجدة منزلة الأم ونزل الجد منزلة الأب فسماهما أما وأبا والاستشهاد بالبيت فى قوله «أمهتى» حيث زاد الهاء على أم التى هى بوزن فعل بدليل الأمومة.
* وأمّ فعل بدليل الأمومة ، وأجيب بجوازأصالتها ، بدليل تأمّهت ، فتكون أمّهة فعّلة كأبّهة ثمّ حذفت الهاء ، أو هما أصلان كدمث ودمثر وثرّة وثرثار ولؤلؤ ولأّل ويلزمه نحو أهراق إهراقة ، وأبو الحسن يقول : هجرع للطّويل من الجرع للمكان السّهل وهبلع للأكول من البلع ، وخولف ، وقال الخليل : الهركولة للضّخمة هفعولة ؛ لأنّها تركل فى مشيها ، وخولف»
أقول : «والياس أبى» يريد «إلياس» فوصل الهمزة المقطوعة ضرورة ، قالوا : الأغلب استعمال الأمّات فى البهائم والأمهات فى الإنسان ، وقد يجىء العكس ؛ قال :
124 - إذا الأمّهات قبحن الوجوه
فرجت الظّلام بأمّاتكا (1)
وقال :
125 - قوّال معروف وفعّاله
عقّار مثنى أمّهات الرّباع (2)
يا سيّدا ما أنت من سيّد
موطّإ البيت رحيب الذّراع
وقوله «موطأ البيت» - وما بعده ، صفات لسيد ؛ فهى مجرورة وقوله «عقار» مبالغة فى عاقر ، من العقر ، وهو ضرب قوائم الابل بالسيف ، والرباع - بكسر الراء - : جمع ربع - بضم ففتح - وهو ما يولد من الابل فى الربيع ، يريد أن المرثى لا يقول إلا فعل ، ولا يعد إلا وفى ، وأنه كريم ينحر أطايب الابل واحدة بعد أخرى. والاستشهاد بالبيت فى قوله «أمهات» حيث استعمله فى البهائم على خلاف الغالب فى الاستعمال
1) البيت لمروان بن الحكم ، و «قبحن الوجوه» بمعنى أخزينها وأدللنها ، من قولهم : قبحه يقبحه - بفتح العين فى الماضى والمضارع - إذا أخزاه. و «فرجت الظلام» بمعنى كشفته ، لغة فى فرجه تفريجا : يعنى كشفه ؛ يريد أن أمهات المخاطب نقيات الأعراض لم يتدنس عرضهن بالفجور إذا ما تدنس عرض أمهات الناس بالفجور فأخزين أولادهن بذلك. والاستشهاد بالبيت فى قوله «أماتكا» حيث استعمل الأمات فى الانسان ، على خلاف الغالب ؛ إذ الغالب استعمال الأمهات فى الانسان والأمات فى البهائم
2) البيت من قصيدة للسفاح بن بكير اليربوعى رثى بها يحيى بن ميسرة صاحب مصعب بن الزبير ، وقبله :
حكى صاحب كتاب العين «تأمّهت فلانة» : أى اتخذتها أمّا ، والمشهور : تأمّمتها بالميم ، أشار المصنف بقوله «أجيب بجواز أصالتها» إلى أن أصل الأم يجوز أن يكون أمّهة فحذف الهاء التى هى لام وقدر تاء التأنيث ، كما فى قدر ونار ، ولا يتمشى مثل هذا العذر فى لفظ الأمومة ، إذ هو فعولة بلا خلاف ، ولا يجوز أن يكون فعوعة ؛ بحذف الهاء التى هى لام ، والأصل أمومهة ؛ إذ فعوعلة غير موجود ؛ فهذا الجواب منه غير تام ؛ بلى قوله «أو هما أصلان» جواب آخر أقرب من الأول مع بعده ؛ لأن نحو دمث ودمثر ولؤلؤ ولاءّل من الشاذ النادر ، والمتنازع فيه لا يحمل على الشاذ ؛ فالأولى القول بزيادة الهاء فى الأمهة والأمهات ، والدّمث والدّمثر : المكان اللين ذو الرمل وعين ثرّة وثرثارة : أى كثيرة الماء ، وعند الكوفيين الثاء الثانية فى «ثرثارة» زيادة ، كما قلنا فى زلزل وصرصر ودمدم ؛ فثرة وثرثارة على قولهم من أصل واحد
قوله «ويلزمه نحو أهراق» ليس هاهنا شىء آخر حتى يقول المصنف نحو أهراق
اعلم أن اللغة المشهورة أراق يريق ، وفيها لغتان أخريان : هراق بإبدال الهمزة هاء ، يهريق - بابقاء الهاء مفتوحة ؛ لأن الأصل يؤريق : حذفت الهمزة لاجتماع الهمزتين فى الحكاية عن النفس ؛ فلما أبدلت الهمزة هاء لم يجتمع الهمزتان ؛ فقلت : يهريق مهريق مهراق ، والمصدر هراقة ؛ هرق ، لا تهرق ،
الهاء فى كلها متحركة ، وقد جاء أهراق - بالهمزة ثم بالهاء الساكنة - وكذا يهريق إهراقة ، مهريق ، مهراق ، أهرق ، لا تهرق - بسكون الهاء فى كلها - قال سيبويه : الهاء الساكنة عوض من تحريك العين الذى فاتها كما قلنا فى أسطاع ، وللمبرد أن يقول : بل هذه الهاء الساكنة هى التى كانت بدلا من الهمزة ، ولما تغير صورة الهمزة - واللغة من باب أفعل ، وهذا الباب يلزم أوله الهمزة - استنكروا خلو أوله من الهمزة ؛ فأدخلوها ذهولا عن كون الهاء بدلا من الهمزة ، ثم لما تقرر عندهم أن ما بعد همزة الإفعال ساكن لا غير أسكنوا الهاء فصار أهراق ، وتوهّمات العرب غير عزيزة ، كما قالوا فى مصيبة : مصائب - بالهمزة - وفى مسيل : مسلان (1)
الجرع - بفتح الراء - : المكان السهل المنقاد ، وهو يناسب معنى الطول ، ولا شك أن هذا اشتقاق خفى ، وهبلع للاكول من البلع أظهر اشتقاقا ، وكذا سلهب بمعنى السّلب ، وهما بمعنى الطويل
والهركولة : الضخمة الأوراك ، وجاء فى الهركولة الهرّكلة - بكسر الهاء وضمها ، وتشديد الراء ، بسكون الكاف - والضخامة تناسب الركل لأنها لضخامتها لا تقدر أن تمشى مشيا خفيفا ؛ بل تركل الأرض برجلها
وأكثر الناس على ما قال ابن جنى ، وهو أن الهجرع والهبلع فعلل ، وهركولة فعلولة ؛ لقلة زيادة الهاء
1) يريد أن مصيبة «مفعلة» وأصلها مصوبة ، من صاب يصوب ؛ إذا نزل نقلت كسرة الواو إلى الصاد الساكنة قبلها فقلبت الواو ياء ، والقياس فى جمعها أن يقال : مصاوب بتصحيح العين ، إلا أنهم توهموا زيادتها فى المفرد فقالوا فى الجمع : مصائب بالهمزة ومسيل أصله مسيل على مفعل من سال يسيل ، فنقلوا كسرة الياء إلى السين الساكنة قبلها ، توهموا فيه أنه على فعيل - كقفيز - فجمعوه على مسلان كقفزان ، والقياس أن يقال فى جمعه : مسايل ؛ لأن مفعلا لا يجمع على فعلان قياسا
قال : «فإن تعدّد الغالب مع ثلاثة أصول حكم بالزّيادة فيها أو فيهما كحبنطى ؛ فإن تعيّن أحدهما رجّح بخروجها كميم مريم ومدين وهمزة أيدع ، وياء تيّحان ، وتاء عزويت ، وطاء قطوطى ولام اذلولي ، دون ألفهما لوجود فعوعل وافعوعل ، وعدم افعؤلى وافعولى ، وواو حولايا دون يائها ، وأوّل يهيرّ والتّضعيف دون الثّانية ، وهمزة أرونان دون واوها وإن لم يأت إلّا أنبجان ، فإن خرجتا رجّح بأكثرهما كالتّضعيف فى تئفّان ، والواو فى كوألل ، ونون حنطأو وواوها ، فإن لم تخرج فيهما رجّح بالإظهار الشّاذّ ، وقيل : بشبهة الاشتقاق ، ومن ثمّ اختلف فى يأجج ومأجج ، ونحو محبب علما يقوّى الضّعيف ، وأجيب بوضوح اشتقاقه ، فإن ثبتت فيهما فبالإظهار اتّفاقا ، كدال مهدد ، فإن لم يكن إظهار فبشبهة الاشتقاق كميم موظب ومعلى ، وفى تقديم أغلبهما عليها نظر ، ولذلك قيل رمّان فعّال ؛ لغلبتها فى نحوه ، فإن ثبتت فيهما رجّح بأغلب الوزنين ، وقيل : بأقيسهما ، ومن ثمّ اختلف فى مورق دون حومان ، فإن ندرا احتملهما كأرجوان ، فإن فقدت شبهة الاشتقاق فيهما فبالأغلب كهمزة أفعى ، وأوتكان ، وميم إمّعة ، فإن ندرا احتملهما كاسطوانة إن ثبتت أفعوالة ، وإلا ففعلوانة ، لا أفعلانة ، لمجىء أساطين»
أقول : اعلم أن الحرف الغالب زيادته إذا تعدد مع عدم الاشتقاق : فإما أن يمكن الحكم بزيادة الجميع ، وذلك أن يبقى دونها ثلاثة أصول فصاعدا ، أولا يمكن ؛ فإن أمكن حكم بزيادة الجميع. اثنين كانا كحبنطى ، أو أكثر كقيقبان ، وهو شجر ، وإن لم يمكن الحكم بزيادة الجميع لبقاء الكلمة بعدها على أقل من ثلاثة ، فإما أن لا يخرج وزن الكلمة عن الأوزان المشهورة بتقدير زيادة شىء من تلك الغوالب ، أو يخرج عنها بتقدير زيادة كل واحد منها ، أو
يخرج بزيادة بعض دون الآخر ، فإن لم يخرج بتقدير زيادة منها : فإما أن يكون فى الكلمة إظهار شاذ بتقدير زيادة بعضها ، أو لا يكون ، فإن كان فإما أن يعارضه شبهة الاشتقاق أولا ، وأعنى بالمعارضة أن الاجتناب عن الإظهار الشاذّ يقتضى زيادة أحدهما ، وشبهة الاشتقاق تقتضى زيادة الآخر ، كما فى يأجج ومأجج ، فإن التجنب عن الإظهار الشاذ يقتضى أن يكون فعللا ؛ فيكون التضعيف للإلحاق ، فيكون الإظهار قياسا كما فى قردد ، ولو كانا يفعل ومفعلا وجب الإدغام ؛ لأن هذين الوزنين لا يكونان للإلحاق ؛ لما ذكرنا أن الميم والياء مطرد زيادتهما فى أول الكلام لمعنى ، وما اطرد زيادته لمعنى لم يكن للالحاق ، وشبهة الاشتقاق تقتضى أن يكونا يفعل ومفعلا ، لأن يأج ومأج مهملان فى تراكيب كلام العرب ، بخلاف أجج (1)
فنقول : إن عارضت الإظهار الشاذّ شبهة الاشتقاق كما فى المثال المذكور قيل : إن الترجيح للاظهار الشاذ ، فنحكم بأن يأجج فعلل حتى لا يكون الإظهار شاذا ، وقيل : الترجيح لشبهة الاشتقاق ، فنحكم بأنه يفعل ، وهو الأقوى عندى ؛ لأن إثبات تركيب مرفوض فى كلام العرب أصعب من إثبات إظهار شاذ ؛ إذ الشاذ كثير ، ولا سيما فى الأعلام ؛ فان مخالفة القياس فيها غير عزيزة ، كمورق ومحبب وحيوة ، وإن لم تعارضه شبهة الاشتقاق - وذلك بأن تكون الشبهة فيهما معا كمهدد ، فإن مهدا وهدّا مستعملان. أو لا تكون فى شىء منهما ، أو تكون [وتكون] حاكمة بزيادة عين ما يحكم بزيادته الإظهار الشاذّ لو اتفق هذان التقديران فى كلامهم - حكم بالإظهار الشاذ اتفاقا ، وإن لم يكن فى الكلمة
1) يقال : أج فى سيره يئج ويؤج أحا وأجيجا إذا أسرع ، ويقال : أجت النار تئج وتؤج أجيجا ؛ إذا احتدمت وسمع صوت لهيبها ، ويقال للماء الملح الشديد الملوحة : أجاج - كدخان ؛ فهذا كله يشهد لما قال المؤلف من استعمال «أ ج ج»
إظهار شاذ : فإما أن تثبت فى أحد الوزنين شبهة الاشتقاق دون الآخر ، أو فيهما معا ، أو لا تثبت فى شىء منهما ؛ فإن ثبتت فى أحدهما ، فإما أن يعارضها أغلب الوزنين أولا ، فإن عارضها بمعنى أن أغلبهما يقتضى زيادة أحدهما وشبهة الاشتقاق تقتضى زيادة الآخر ؛ فالأولى الحكم بالشبهة ، لأن ارتكاب إثبات تركيب مهمل أصعب ، وقيل : الأولى الحكم بأغلب الوزنين ، وذلك كما فى رمّان ، قال الأخفش : هو فعّال ، وإن كان تركيب (ر م ن) مهملا (1)، لأن فعّالا أكثر من فعلان ، وإن لم يعارضها - وذلك بتساوى الوزنين إن اتفق ذلك ، أو بكون الأغلبيّة مساعدة للشبهة فى الحكم بزيادة حرف كموظب ومعلى فإن مفعلا أكثر من فوعل وفعلى وبجعلهما فوعلا وفعلى يلزم إثبات تركيب مهمل - حكم بشبهة الاشتقاق اتفاقا ، فإن ثبتت شبهة الاشتقاق فيهما : فإما أن يكون أحدهما أغلب الوزنين ، أولا ، فان تساويا احتملهما ، كأرجوان (2)، فإن أفعلان فى القلة كأسحوان وأقحوان (3)مثل فعلوان كعنفوان (4)وعنظوان (5)، وإن كان أحدهما أغلب فإما أن يعارضه أقيس الوزنين ، أولا ، فان عارضه اختلف كما فى مورق ، وترجيح الأغلب أولى ، وخاصة فى الأعلام ؛ لأن خلاف الأقيسة
1) هذا الذى ذكره المؤلف من أن تركيب (ر م ن) مهمل هو الموافق لما فى كتب اللغة ، لكن نقل الجار بردى عن ابن الحاجب فى شرح المفصل أنه يحتمل أن يكون رمان من «رم م» أو من «رمن» بمعنى أقام ، وعلى ذلك فلا تعارض بين الغلبة وشبهة الاشتقاق فى رمان
2) الأرجوان : الأحمر الشديد الحمرة ، وقال الزجاج : الأرجوان صبغ أحمر شديد الحمرة
3) انظر (ص 342 من هذا الجزء)
4) انظر (ص 251 من الجزء الأول)
5) العنظوان - بضم أوله ، والعنظيان - بكسر أوله - : الفاحش من الرجال ، والأنثى عنظوانة وعنظيانة
فيها كثير ، وإن لم يعارضه رجّح بأغلبهما ، كما فى حومان ، فان فعلان أكثر من فوعال ، كتوراب (1)؛ فإن فقدت شبهة الاشتقاق فيهما ، فان كان أحدهما أغلب الوزنين رجح به ، كميم إمّعة ، فان فعّلة ، كدنّبة وقنّية (2)أكثر من إفعلة كإوزّة ، وإن تساويا فى القلة احتملهما ، كأسطوانة (3)
وإن خرجت عن الأوزان بتقدير زيادة كل واحد منهما ، ولا يكون إذن فى الكلمة إظهار شاذ بأحد التقديرين ؛ لأنه إنما يكون ذلك فى الأغلب إذا كان شاذا بأحدهما قياسيا بالآخر لكونه ملحقا بوزن ثابت ، وفرضنا أنه خارج عن الأوزان على كل تقدير ؛ بلى قد جاءنا الإظهار شاذا فى كليهما ، فى بعض ذلك : روى الرواة يأجج - بكسر الجيم - فيكون الإظهار فى فعلل شاذا أيضا ، كما هو شاذ فى يفعل ؛ إذ لم يجىء مثل جعفر - بكسر الفاء - حتى يكون يأجج ملحقا به.
وقال سيبويه : نحو قعدد ودخلل - بفتح لامهما الأولى - ملحق بجندب ، وإن كان جندب عنده فنعلا ؛ لأنه جعل النون كالأصل كما يجىء فى المضاعف لقلة زيادته بين الفاء والعين.
فإذا خرجت الكلمة عن الأوزان بتقدير زيادة كل واحد من الغوالب - ولم يكن فى الكلمة إظهار شاذ - نظر : فإن ثبتت فى أحدهما شبهة الاشتقاق دون الآخر رجح بها ، كتئفّان ؛ لأن الأفف (4)مستعمل دون تأف ، وإن
1) التوراب ، والتيراب ، والتورب ، والتيرب : التراب
2) الدنبة ، والدنابة ، والدنب : القصير ، والقنبة : واحدة القنب ، وهو العبد الآبق ، وضرب من الكتان
3) الاسطوانة : السارية ، وقوائم الدابة ، وهو فارسى معرب استون
4) الأفف : القلة ، ومثله الأف - بضم الهمزة ، والأف أيضا : الوسخ الذى حول الظفر ، وقيل : هو وسخ الأذن
لم تثبت فى شىء منهما كما فى كوألل ، أو ثبتت فيهما إن اتفق ذلك كالسّير (1)- بكسر السين - مثلا ، فإن كانت إحدى الزيادتين أغلب رجح بها ، كحولايا ، فإنّ فوعالا وفعلايا خارجان عن الأوزان المشهورة ، إلا أنّ زيادة الواو الساكنة أغلب من زيادة الياء المتحركة ، وإلا احتملهما ، فإن خرجت عن الأوزان بتقدير زيادة بعض دون البعض الآخر - ولا يمكن أيضا أن يكون فيه إظهار شاذ باعتبار الوزن الذى لا يخرج به عن الأوزان المشهورة حتى يتعارض هو والخروج عن الأوزان ؛ إذ لو كان باعتباره الإظهار شاذا لكان باعتبار الوزن الذى يخرج به عنها قياسيا : أى للإلحاق كتلبب (2)مثلا ، وكيف يلحق بما لم يثبت؟ - فينظر : هل عارضت الخروج عن الأوزان شبهة الاشتقاق أولا؟ فإن عارضته - وذلك بأن تكون فى الوزن الذى يخرج به عن الأوزان شبهة الاشتقاق ، ولا تكون فيما لا يخرج به عنها ، نحو مسيك (3)، فإنك إن جعلته فعيلا كان الوزن معدوما ، لكن التركيب أعنى (م س ك) موجود ، وإن جعلته مفعلا فالوزن موجود ، لكن تركيب (س ى ك) مهمل - فههنا يحتمل الوجهين ؛ إذ يلزم من كل واحد منهما محذور ، ولا يجوز أن يقال : لا نحكم بزيادة أحدهما فيكون فعللا ؛ إذ داعى الغلبة يستحق أن
1) هكذا هو فى جميع النسخ ، ولا يظهر له وجه ؛ لأن الكلام فيما تعددت فيه الزيادة الغالبة ، وليس فيه زيادة ما ، فضلا عن زيادة متعددة ، ولعل الصواب «سيروان» بكسر أوله وسكون ثانيه وفتح ثالثه ، وهو اسم بلد
2) لم نجد فى القاموس ولا فى اللسان «تلببا» بفك الأدغام ، والذى فيهما تلب - كفلز ، وهو اسم رجل
3) كلام المؤلف صريح فى أنه بفتح الميم وسكون السين وفتح الياء ، ولم نجد له معنى فى كتب اللغة ، وإنما الذى فيها مسيك - كبخيل - وزنا ومعنى ، ومسيك - كسكير - بمعنى بخيل أيضا ، وسقاء مسيك ؛ إذا كان يحبس الماء فلا ينضح
يجاب ، ولا سيما إذا لزم من جعل الجميع أصولا تركيب مهمل أيضا ، فإن لم يعارض شبهة الاشتقاق الخروج عن الأوزان : بأن تكون شبهة الاشتقاق فيهما معا كما فى مدين (1)أو فى الوزن الثابت كمريم (2)؛ رجح بالخروج اتفاقا ؛ فيقال : هما على وزن مفعل.
قوله «بالزيادة فيها» أى : فى الغوالب ، كما فى قيقبان (3) وسيسبان(3)
قوله «أو فيهما» أى : الغالبين ، كما فى حبنطى ، وقد عرفت زيادة النون والألف فيه بالاشتقاق أيضا ؛ لأنه العظيم البطن ، من حبطت الماشية حبطا ، وهو أن ينتفخ بطنها من أكل الذّرق (4)
قوله «فإن تعين أحدهما» أى : تعين أحدهما للزيادة ولم يجز الحكم بزيادتهما معا ؛ لبقاء الكلمة على أقل من ثلاثة أحرف
قوله «رجّح بخروجها» الفعل مسند إلى الجار والمجرور : أى يكون ترجيح أصالة أحدهما بخروج الزنة عن الأوزان المشهورة ، بتقدير زيادته ؛ فيحكم بزيادة مالا يخرج الزنة عن الأوزان المشهورة إذا قدّر زائدا كميم مريم ؛ فإنك لو حكمت بزيادتها بقى الزنة مفعلا ، وليست بخارجة عن الأوزان ، ولو قدرت الياء زائدا
1) مدين : اسم قرية شعيب على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسّلام ، يجوز أن يكون اشتقاقه من مدن بالمكان إذا أقام به ، ويجوز أن يكون من دان ، إذا خضع ، أو من دانه دينا ، إذا جازاه
2) قال فى اللسان : «ومريم : مفعل من رام يريم : أى برح ، يقال : ما يريم يفعل ذلك : أى ما يبرح» اه بتصرف ، وهو صريح فى أن زيادة ميم مريم معلومة بالاشتقاق ، لا بالخروج عن الأبنية الأصول على تقدير أصالتها
3) السيسبان : شجر
4) الذرق ـ كصرد ـ : بقلة
بقيت الزنة فعيلا ، وهى خارجة عن الأوزان (1)
قوله «وهمزة أيدع» ليس بوجه ؛ لأن فيعلا - بفتح العين - ليس بخارج عن الأوزان فى الصحيح العين ، كصيرف وضيغم ؛ بلى ذلك خارج فى المعتل العين ؛ لم يجىء إلا عيّن ، قال :
وفيعل - بكسر العين - كثير فيه ، كسيّد وميّت وبيّن ، مفقود فى الصحيح العين
قوله «وياء تيّحان» هو بفتح الياء كما قال سيبويه ، وقال ابن يعيش : يجوز كسر الياء فى تيّحان (3)وهيّبان (4)؛ فتفعلان غير موجود ، وفعّلان موجود ، كهيّبان ؛ فلذا حكمنا بزيادة ياء تيّحان ، وهذا مما يثبت فيه الاشتقاق الظاهر ، وعرفت الزيادة به ؛ إذ يقال فى معناه : متيح وتيّاح ، ويجوز أن يكون تيّحان وتيّهان وهيّبان فيعلان لا فعّلان ، كقيقبان وسيسبان
قوله «وتاء عزويت» ليس التاء فى نحو عفريت من الغوالب كما ذكرنا ؛
1) قال فى اللسان : «العثير (بكسر أوله وسكون ثانيه وفتح ثالثه) : العجاج الساطع ... ولا تقل فى العثير التراب : عثيرا ؛ لأنه ليس فى الكلام فعيل بفتح الفاء ، إلا ضهيد ، وهو مصنوع ، ومعناه الصلب الشديد ... والعيثر والعثير (كجعفر) : الأثر الخفى ، مثال الغيهب ، وفى المثل «ماله أثر ولا عثير» ويقال : ولا عيثر ؛ مثال فيعل : أى لا يعرف راجلا فيتبين أثره ، ولا فارسا فيثير الغبار فرسه» اه ؛ فقد أثبت العثير وهو فعيل ، فقول المؤلف وصاحب اللسان إن فعيلا خارج عن الأوزان ولا يوجد فى الكلام غير مسلم ، إلا أن يقال : إن عثيرا مقلوب عيثر وهو فيعل
2) انظر (ح 1 ص 150)
3) التيحان : الذى يعرض فى كل شىء ويدخل فيما لا يعنيه ، والطويل أيضا
4) الهيبان : الذى يخاف الناس
فلم يكن للمصنف عدها منها ؛ فنحن إنما عرفنا زيادة تاء عزويت (1)دون واوه بثبوت فعليت كعفريت ، دون فعويل
قوله «وطاء قطوطى» لأن فعوعلا موجود كعثوثل ، وهو المسترخى ، ونحن قد عرفنا زياد طاء قطوطى بالاشتقاق ، لأنه بمعنى القطوان : أى الذى يتبختر فى مشيه ؛ وكذا اذ لولى افعوعل ، كاعشوشب ، وفعولي وافعولى غير موجودين قوله «وواو حولايا دون يائها» قد ذكرنا أن فوعالا وفعلايا لم يثبتا ، إلا أن الحكم بزيادة الواو أولى ، لكون زيادة الواو الساكنة أكثر من زيادة الياء المتحركة ، وأيضا فوعال كتوراب ثابت ، وإن لم يثبت فوعالا بالألف ، وأما فعلاى وفعلايا فلم يثبتا
قوله «وأول يهيرّ والتضعيف» فى يهير ثلاثة غوالب : التضعيف ، والياءان ؛ فهو إما يفعلّ ، أو فعيلّ ، أو يفيعل ، والثلاثة نوادر ، ففى عد المصنف له فيما يخرج بأحدهما عن الأوزان دون الآخر نظر ، بلى إنه يقبله سيبويه ، فانه لم يبال بتشديد الراء وجعله كالمخفف اللام ، وقال : يفعل موجود كيرمع ويلمع (2)وفعيل معدوم ، والحق أن يقال : إنه يفعلّ من الأوزان الثلاثة المذكورة ؛ إذ لو جعلناه فعيلّا لم يكن فيه شبهة الاشتقاق ، إذ تركيب (ى ه ر) غير مستعمل ، فهو إما يفعلّ من الهير ، أو يفيعل من الهرّ ، والتضعيف فى الأسماء أغلب زيادة من الياء المتحركة فى الأول ، وأيضا يفعلّ قريب من الوزن الموجود وهو يرمع ويلمع ، وأيضا فان يفعلّ ثابت وإن كان فى الأفعال ، كيحمرّ ، بخلاف يفيعل
قوله «وهمزة أرونان» لأن أفعلان جاء ولو لم يكن إلا أنبجان ، وفعولان لم يثبت
قوله «كوألل» فيه غالبان : الواو والتضعيف ، فجعلناهما زائدين ؛ فوزنه فوعلل ، ملحق بسفرجل ، وليست الهمزة غالبة ، ففى عدها من الغوالب نظر ، وفى حنطأو غالب واحد وهو الواو ، وأما النون والهمزة فليستا بغالبتين ، إلا أن النون مساو للهمزة فى مثل هذا المثال ، نحو كنتأو (1)وسندأو ؛ فجعل كالغالب
قوله «فان لم تخرج الزنة فى التقديرين» أى : فى تقدير زيادة كل واحد من الغالبين رجح بالإظهار الشاذ : أى يكون ترجيح أصالة أحدهما بحصول الإظهار الشاذ بزيادته ، ويحكم بزيادة ما لم يثبت بزيادته إظهار شاذ ؛ فيحكم فى مهدد بزيادة الدال ؛ فيكون ملحقا بجعفر ؛ فلا يكون الإظهار شاذا ، ولو جعلته مفعلا من هدد لكان الإظهار شاذا ؛ لأن مفعلا لا يكون ملحقا كما ذكرنا
قوله «وقيل بشبهة الاشتقاق» فقيل : يأجج ومأجج يفعل ومفعل ؛ لأن فى هذين الوزنين شبهة الاشتقاق ، لأن (أ ج ج) مستعمل فى كلامهم ، وقيل : هما فعلل ؛ لئلا يلزم إظهار شاذ ، وقد روى الرواة يأجج - بكسر الجيم - فان صحت فانه مما يخرج بأحدهما دون الآخر ؛ إذ فعلل - بكسر اللام - لم يثبت ، والمشهور الفتح فى يأجج ، ومأجج ويأجج غير منصرفين : إما للوزن والعلمية والتأنيث ، وإما للعلمية والتأنيث ، وهى اسم أرض
قوله «ونحو محبب يقوى الوجه الضعيف» يعنى أن محببا من الحب مع أن فيه إظهارا شاذا
قوله «وأجيب بوضوح اشتقاقه» وللخصم أيضا أن يقول : يأجج أيضا واضح الاشتقاق ، من أجّ مثل محبب من حبّ
قوله «وفى تقديم أغلبهما عليها» أى ترجيح أغلب الوزنين على شبهه الاشتقاق
1) انظر (ص 362 من هذا الجزء)
فإن موظب ومعلى إن جعلتهما مفعلا ففيهما شبهة الاشتقاق ، وإن جعلتهما فوعلا لم تكن فيهما ؛ فشبهة الاشتقاق وأغلب الوزنين يرجحان زيادة الميم ، وأما رمان فان جعلته فعلان ففيه شبهة الاشتقاق ، لكن ليس أغلب الوزنين ؛ وإن جعلته فعّالا فليس فيه شبهة الاشتقاق ؛ إذ (ر م ن) غير مستعمل ورمّ مستعمل ، لكنه أغلب الوزنين
قوله «لغلبتها فى نحوه» أى لغلبة زنة فعّال فى نحو معنى رمّان ، وهو ما ينبت من الأرض كالقلّام (1)
أتونى بقلّام وقالوا تعشّه
وهل يأكل القلّام إلّا الأباعر
والجمّار (2)والكرّاث والسّلّاء (3)والقرّاص (4)وفعلان قليل فى مثل هذا المعنىقوله «فإن ثبتت فيهما» أى : ثبتت شبهة الاشتقاق فى الوزنين
قوله «مورق» إن جعلته فوعلا فليس بأغلب الوزنين ، لكنه لا يستلزم مخالفة القياس ، وإن جعلته مفعلا فهو أغلب الوزنين لكن فيه مخالفة القياس ؛ لأن المثال الواوى لا يجىء إلا مفعلا - بكسر العين - كالموعد ، أما حومان فليس فيه خلاف الأقيسة ، وفعلان أكثر من فوعال ؛ فجعله من (ح و م) أولى
قوله «فإن ندرا» أى : الوزنان «احتملهما» : أى احتمل اللفظ ذينك الوزنين وفى قوله ندرا نظر ، أما أولا فلأنه فى أقسام ما لا يخرج الوزنان فيه عن الأوزان المشهورة ، فكيف يندران؟ وأما ثانيا فلأن أفعلان قد جاء فيه أسحمان وهو جبل ، وألعبان فى اللّعّاب ، وكذا أقحوان ، بدليل قولك : دواء مقحوّ ، وأفعوان لقولهم مفعاة ، وفعوة السم (5)، وفعلوان جاء فيه عنفوان وعنظوان ، (6)ولعله
أراد كون الوزنين لقلتهما فى حدّ النّدرة ؛ وفى أرجوان ثلاثة غوالب : النون ، والهمزة ، والواو ؛ فيحكم بزيادة اثنين منها ، فهو إما أفعلان كاسحمان ، أو فعلوان كعنفوان أو أفعوال ، ولم يثبت ، فبقى الأولان ، واحتملهما ، وفيهما أيضا شبهة الاشتقاق
قوله «وهمزة أفعى» إذا جعلته أفعل ففيه الاشتقاق الظاهر فضلا عن شبهته ؛ لقولهم : فعوة السم وأرض مفعاة ، فكيف أورده فيما ليس فى وزنيه شبهة الاشتقاق؟
قوله «وأوتكان» الألف والنون لا كلام فى زيادتهما ، بقى التعارض بين الواو والهمزة ، ووتك وأتك مهملان ، وأفعلان ثابت وإن كان قليلا ، كأنبجان ، وفوعلان غير موجود ؛ فكان يجب أن يورد هذا المثال فيما تعين فيه أحدهما
قوله «وميم إمّعة» لأن أمع وممع مهملان ، لكنّ فعّلة أكثر كدنّبة للقصير والقنّبة والإمّرة ، وإفعلة كاوزّة قليل ، وكأنه كلمة مركبة من حروف كلمتين ، وهما «أنا معك» كما أن الإمّرة مركبة من «أنا مأمورك»
قوله «فان ندرا احتملها» الكلام فيه كالكلام فى قوله قبل «فان ندرا» والعذر كالعذر
قوله «إن ثبتت أفعوالة» يعنى إن ثبت ذلك احتمل أسطوانة الوزنين :
أفعوالة ، وفعلوانة ، وهما الوزنان اللذان لا شبهة اشتقاق فى الكلمة باعتبارهما ، وإنما قلنا : إن هذين الوزنين هما المحتملان لا أفعلانة كاسحمان مع أن فيه شبهة الاشتقاق لثبوت السطو ؛ لأن جمعه على أساطين يمنعه ؛ إذ لو كان أفعلانة فالطاء عين الكلمة والواو لامها ، وفى الجمع لا يحذف لام الثلاثى ؛ فلا يجوز إذن أن يقال : حذف الواو وقلب الألف ياء حتى يكون وزن أساطين أفاعين ، ولا يجوز أن يقال : حذف الألف وقلب الواو التى هى لام ياء ؛ فوزنه أفاعلن ؛ إذ هو وزن مفقود
فى الجموع والأفراد ؛ فلم يبق إلا أن يقال : هو فعالين ، من تركيب (أ س ط) المهمل ؛ فأسطوانة فعلوانة كعنفوان ، من اعتنفت الشىء : أى استأنفته ، أو هو أفاعيل من تركيب سطن المهمل أيضا ، فهى أفعوالة ؛ لكن أفعوالة لم تثبت ، فلم يبق إلا أن يكون فعلوانة ، وأساطين فعالين
الحبنطى : العظيم البطن ، يهمز ولا يهمز. القطوطى والقطوان : المتبختر. إذلولى : انطلق فى استخفاء. حولايا : اسم رجل. اليهيرّ واليهيرّى : السراب والباطل. يوم أرونان : أى شديد ، ويقال : ليلة أرونانة. عجين أنبجان : أى سقى ماء كثيرا وأحكم عجنه وبقى زمانا ، فارسى من النّبج وهو الجدرىّ وكل ما ما يتنفّط ويمتلىء ماء ، يقال : جاء على تئفّان ذلك وتئفّته وتفئته أى أوله ، الكوألل : القصير ، الحنطأو : القصير ، وقيل : العظيم البطن. يأجج ومأجج : موضعان ، وأصحاب الحديث يروون يأجج بكسر الجيم ، وقد تقدم ذلك. محبب : اسم رجل. مهدد : اسم امرأة. موظب : اسم أرض ، وهو غير منصرف للعلمية والتأنيث معلى : اسم رجل ، وكدا مورق. الحومان : الأرض الغليظة. الإمّعة : الذى يكون مع كل أحد
قد تم بعون الله تعالى. وحسن توفيقه - مراجعة الجزء الثانى من كتاب «شرح شافية ابن الحاجب» للعلامة رضى الدين الأستراباذى ، وتحقيقه والتعليق عليه ، فى خمسة أشهر آخرها الثامن من شهر المحرم الحرام مستهل شهور عام 1358 ثمان وخمسين وثلاثمائة وألف ، ويليه - إن شاء الله تعالى - الجزء الثالث ، ومفتتحه باب «الإمالة». نسأل الله جلت قدرته أن يعين على إكماله بمنه وفضله وحسن تيسيره. آمين