ghaemiyeh.com
پدیدآوران:یزدي، محمدكاظم بن عبدالعظیم (نویسنده)،سند، محمد (نویسنده)
عنوانهای دیگر: العروه الوثقی. برگزیده. كتاب الحج. شرح كتاب الحج
عنوان و نام پدیدآور: سند العروه الوثقی (كتاب الحج) الجزء الثالث / تالیف محمد سند
ناشر:مؤسسة ام القری للتحقیق و النشر
مكان نشر:بیروت - لبنان
تعداد جلد:4ج
سال نشر:1426 ق
یادداشت:عربی
عنوان دیگر:العروه الوثقی. شرح
موضوع:یزدي، محمدكاظمبن عبدالعظیم، ۱۲۴۷؟ - ۱۳۳۸؟ق. العروه الوثقی -- نقد و تفسیر
موضوع:فقه جعفري -- قرن ۱۴
شناسه افزوده:یزدي، محمدكاظم بن عبدالعظیم، ۱۲۴۷؟ - ۱۳۳۸؟ق. العروه الوثقی. شرح
رده بندي كنگره:1384 402359ع4ی-5-183 BP
رده بندي دیویي:۲۹۷/۳۴۲
شماره كتابشناسی ملي:م۷۴-۶۶۲۸
بسم اللّه الرحمن الرحیم
سند العروه الوثقی (كتاب الحج) الجزء الثالث
تالیف محمد سند
الحمد للّه الذي لا یبلغ مدحته القائلون، و لا یحصي نعماءه العادون، و لا یؤدي حقه المجتهدون، الذي لا یدركه بُعد الهمم، و لا یناله غوص الفطن، الذي لیس لصفته حد محدود و لا نعت موجود، و لا وقت معدود و لا أجل ممدود.
و الصلاة و السلام علی أشرف أصفیائه و خاتم أنبیائه، و أحب أهل أرضه و سمائه الرسول المسدد، المحمود الأحمد أبي القاسم محمد، و علی آله الذين رزقوا فهمه و علمه، و الذين اختارهم اللّه و اصطفاهم لإكمال دینه إذ بهم أتمّ نعمته، فصلی اللّه علیهم أجمعین.
و بعد..
فهذا هو الجزء الثالث من كتاب الحج، و الذي تبدأ مسائله من تروك الإحرام و تنتهی بالسعي، و التي ألقاها أستاذنا الفقیه المحقّق دامت افاضاته خلال أیام التعطیل و لیالیه علی جمع من طلبته الفضلاء، و قد حزنا شرف تقریره و إعداده لیظهر بالصورة التي هو علیها. و قد اشتمل علی مجموعة من البحوث التحقیقیة و التدقیقیة المهمة، و جاءت في طیاته جملة من القواعد:
الأولی: قاعدة تكرر أو وحدة الكفار بتكرر سببها.
الثانية: قاعدة في عموم كفارة الدم في التروك.
الثالثة: قاعدة في صحة النسك مع الخلل غیر العمدي في الطواف و السعي.
الرابعة: قاعدة في موالاة الطواف.
الخامسة: قاعدة في كون أفعال النسك و العبادات أربع مراتب.
و من المؤمّل أن ینتفع بها أهل التحقیق و الغور الفقهي، سائلین من المولی تبارك و تعالی أن یدیم عطاءه و توفیقاته علینا إنه سمیع الدعاء.
11 ذو القعدة الحرام المصادف
لمیلاد أبي الحسن الرضا 1424 هـ.
السید أحمد الماجد -- الشیخ حسن آل عصفور
قلنا في ما سبق: إن الإحرام یتحقق بالتلبیة أو الإشعار أو التقلید، و لا ینعقد الإحرام بدونها و إن حصلت منه نیة الإحرام، فإذا أحرم المكلف حرمت علیه أمور، و هي خمسة و عشرون كما یلي:
1 - الصید البرّي، 2 - مجامعة النساء، 3 - تقبیل النساء، 4 - لمس المرأة، 5 - النظر إلی المرأة، 6 - الاستمناء، 7 - عقد النكاح، 8 - استعمال الطیب، 9 - لبس المخیط للرجال، 10- التكحل، 11- النظر في المرآة، 12 - لبس الخف و الجورب للرجال، 13 - الكذب و السبّ، 14 - المجادلة، 15 - قتل القمل و نحوه من الحشرات التي تكون علی جسد الإنسان، 16 - التزین، 17 - الادّهان، 18 - إزالة الشعر من البدن، 19 - ستر الرأس للرجال، و هكذا الارتماس في الماء حتی علی النساء، 20 - ستر الوجه للنساء، 21 - التظلیل للرجال، 22 - إخراج الدم من البدن، 23 - التقلیم، 24 - قلع السن، 25 - حمل السلاح.
(مسألة 199): لا یجوز للمحرم سواء كان في الحل أو الحرم صید الحیوان البرّي أو قتله كان محلل الأكل أم لم یكن كما لا یجوز له قتل الحیوان البرّي و إن تأهل بعد صیده، و لا یجوز صید الحرم مطلقاً و إن كان الصائد محلاً (1).
اما المحرم فیحرم علیه الصید أو قتل الحیوان البري الممتنع المحلل أو المحرم الأكل و إن تأهل و في الحل أو الحرم. و یدل علیه قوله تعالی: «یا أَیُّهَا الذينَ آمَنُوا
..........
لا تَقْتُلُوا الصَّیْدَ وَ أَنْتُمْ حُرُمٌ» (1).
و قوله تعالی: «وَ حُرِّمَ عَلَیْكُمْ صَیْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً (2).
و قوله تعالی: «یا أَیُّهَا الذينَ آمَنُوا لَیَبْلُوَنَّكُمُ اللّه بشيء مِنَ الصَّیْدِ تَنالُهُ أَیْدِیكُمْ وَ رِماحُكُمْ لِیَعْلَمَ اللّه مَنْ یَخافُهُ بِالْغَیْبِ (3).
و الإطلاق فیها یشمل الشقوق المزبورة كلها كما لا یخفی.
و یدل علیه النصوص المتواترة:
كصحیح الحلبي عن أبي عبد اللّه : (لا تستحلن شیئاً من الصید و أنت حرام) (4).
و في صحیح عمر بن یزید عن أبي عبد اللّه قال: (و اجتنب في إحرامك صید البرّ كله) (5).
و صحیحة معاویة بن عمار عن أبي عبد اللّه - في حدیث - قال: (ثمّ اتقی قتل الدواب كلها) (6). و غیرها من الروایات المتفرقة في الوسائل من أبواب تروك الإحرام . و أبواب كفارات الصید.
(مسألة 200): كما یحرم علی المحرم صید الحیوان البري تحرم علیه الإعانة علی صیده، و لو بالإشارة، و لا فرق في حرمة الإعانة بین أن یكون الصائد
و أما صید الحرم فیحرم مطلقاً حتی علی المحل و یدل علیه قوله تعالی: «وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً» (1). و الموصول و إن كان للعاقل لكنه یشمل غیره عند اشتراك الحكم لتغلیب العاقل علی غیره.
و في صحیح عبد اللّه بن سنان أنه سئل أبا عبد اللّه عن قول اللّه عز و جل وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً قال: (و من دخل الحرم مستجیراً به كان آمناً من سخط اللّه، و من دخله من الوحش و الطیر كان آمناً من أن یهاج أو یؤذی حتی یخرج من الحرم) (2).
و في صحیح الحلبي المتقدم عن أبي عبد اللّه (لا تستحلن شیئاً من الصید و أنت حرام و لا أنت حلال في الحرم) (3).
بل في صحیح علی بن جعفر قال سألت أخي موسی عن حمام الحرم یصاد في الحلّ فقال: (لا یصاد حمام الحرم حیث كان إذا علم أنه من حمام الحرم) (4). و ظاهره التعمیم لمن أنتسب من الحیوان للحرم و أن وجد في الحلّ كما في الحمام.
و مثله إطلاق مصححة إبراهیم بن میمون، و غیرها من الروایات في الأبواب المزبورة.
محرماً أو محلاً(1).
(مسألة 201): لا یجوز للمحرم إمساك الصید البرّي و الاحتفاظ به و ان كان اصطیاده له قبل إحرامه، و لا یجوز له أكل لحم الصید، و ان كان الصائد محلا و یحرم الصید الذي ذبحه المحرم علی المحل أیضاً، و كذلك ما ذبحه المحل في الحرم و الجراد ملحق بالحیوان البرّي فیحرم صیده و إمساكه و أكله(2).
ففي صحیح الحلبي المتقدم عن أبي عبد اللّه (... لا تدلن علیه محلاً و لا محرماً فیصطاده، و لا تشر إلیه فیستحل من أجلك فإن فیه فداء لمن تعمده) (1).
نعم قد یقال، إن هذه الصحیحة لا إطلاق فیها لما كان الصید في الحلّ للمحل لكن الإطلاق تام في صحیحة منصور بن حازم عن أبي عبد اللّه قال: (المحرم لا یدل علی الصید فإن دل فعلیه فقتل علیه الفداء) (2).
و كذا صحیحة عمر بن یزید المتقدمة (و لا تشر إلیه فیصیده) (3). و غیرها من الروایات.
و أما مرسل بن شجرة حیث فیه (یجوز للمحرم أن یشیر بصید علی محلّ) فمتروك أو فیه تصحیف من سقوط كلمة (لا).
و لا یخفی ان الإشارة و الدلالة متنوعة عرفاً بانحاء مختلفة.
تعرض الماتن لعدة فروع:
..........
الأول: حرمة الإمساك و إن صید قبل الإحرام.
و یدل علیه إطلاق تحریم الصید في الآیة الشامل للامساك لا سیما و أن الإشارة و الإعانة علی صیده أیضاً محرمة و هي أخف من الإمساك، و كذلك یدل علیه ما تقدم من صحیح معاویة بن عمار (1)من عموم اتقاء الدواب و كذا صحیح عمر بن یزید (2)في عموم الاجتناب و كذا صحیح الحلبي (3)في عموم النهي عن استحلال الصید بل إن الصید المنهي عنه صادق علی الإمساك و ان لم یذبحه، و كذا الصحیح إلی ابن أبي عمیر عن أبي سعید المكاري عن أبي عبد اللّه قال: (لا یحرم أحد و معه شيء من الصید حتی یخرجه من مكة) (4).
الثاني: حرمة أكل الصید و إن كان الصائد محلاً.
و یدل علیه مضافاً إلی ما تقدم في الفرع الأدلة من عموم الأولی الناهیة ما في صحیح عمر بن یزید عن أبي عبد اللّه ، قال: (و لا تأكل مما صاده غیرك) (5)، و مثله في صحیح الحلبي و معاویة بن عمار و محمد بن مسلم (6).
الثالث: حرمة صید المذبوح بید المحرم أو المذبوح بید المحل في الحرم.
..........
اُدّعي الإجماع علی الحرمة في الشق الأول و خالف الصدوق و ابن الجنید و المفید و السید المرتضی و مال إلیه في المدارك. و أما الشق الثاني فهو محل اتفاق.
اما میتة ذبح المحرم فیدل علیه موثق إسحاق عن جعفر ان علیاً كان یقول: (إذا ذبح المحرم الصید في غیر الحرم فهو میتة لا یأكله محل و لا محرم) (1). و مثله روایة وهب (2)و صحیح خلاّد السري عن أبي عبد اللّه في رجل ذبح حمامة من حمام الحرم قال: (علیه الفداء قلت فیأكله؟ قال: لا قلت فیطرحه قال: إذا طرحه فعلیه فداء آخر قلت: فما یصنع به؟ قال: یدفنه) (3)، و لا یخفی ان الموثق في ذبح الصید بخلاف مرسل ابن أبي عمیر، و یعارضه عدة روایات أخری كصحیح منصور بن حازم قال: قلت: لأبي عبد اللّه رجل أصاب صیداً و هو محرم آكل منه و انا حلال؟ قال: انا كنت فاعلاً، قلت: رجل أصاب مالاً حراماً؟ فقال: (لیس هذا مثل هذا یرحمك اللّه. ان ذلك علیه) (4).
و في صحیحه الآخر قال: قلت: لأبي عبد اللّه رجل أصاب من صید أصابه محرم و هو حلال قال: (فلیأكل منه الحلال، و لیس علیه شيء انما الفداء علی المحرم) (5)، و مثله صحیح حریز (6)و صحیح معاویة بن عمار (7).
..........
و صحیح الحلبي قال: (المحرم إذا قتل الصید فعلیه جزاءه و تصدق بالصید علی مسكین) (1).
و قد یجمع بینها و بین الموثق المتقدم بان موردها في القتل بالصید و مورد الموثق في ذبح الصید، و الجمود علی ألفاظ الروایات یقتضي ذلك.
و جمع بینها أیضاً بحمل الروایات المجوزة علی وقوع التذكیة بید المحل و وقوع الإمساك بید المحرم و یحتمله بدواً صحیح منصور الثاني.
و قد تدعم روایات الحلّ بطائفة أخری من روایات المضطر إلی أكل الصید أو المیتة كصحیح الحلبي عن أبي عبد اللّه قال: سألته عن المحرم یضطر فیجد المیتة و الصید أیهما یأكل؟ قال: یأكل من الصید اما یحب ان یأكل من ماله، قلت: بلی، قال: ( انما علیه الفداء فلیأكل و لیفده) (2).
و في صحیح منصور بن حازم قال: قلت، لأبي عبد اللّه محرماً اضطر إلی صید و إلی میتة من أیهما یأكل ؟ قال: (یأكل من الصید)، قلت: أ لیس اللّه قد أحل المیتة لمن اضطر إلیها، قال: (بلی، و لكن یفدي، ألاّ تری انه انما یأكل من ماله فیأكل الصید و علیه فداؤه) (3).
و تقریب تأییده الحل بها بان صید المحرم لو كان میتة لاجتمعت في أكل الصید حرمتان حرمة الإحرام و حرمة أكل المیتة فكان الاجتناب عنه أولی من المیتة غیر الصید.
..........
و فیه: ان حرمة إصابة الصید مقرر علی كل تقدیر علی المحرم. و لیس الرافع لها الاضطرار و مع رفع الاضطرار لتلك الحرمة لا یترتب عنوان المیتة لانها في لسان الأدلة مترتبة علی الحرمة التكلیفية الناشئة من تروك الإحرام .
هذا و الصحیح ترجیح روایات الحل لمخالفتها للعامة و موافقة موثق إسحاق الدال علی الحرمة لفتواهم، و الملحوظ أن إسحاق الراوي لمیتة ذبح المحرم للصید قد روی أیضاً الحرمة للمضطر عن جعفر عن أبیه ان علیاً كان یقول: (إذا اضطر المحرم إلی الصید و إلی المیتة فلیأكل المیتة التي أحلَّ اللّه له) (1)و مثلها روایة عبد الغفار الجازی و مرسلة الصدوق، أي ان إسحاق كما روی حرمة أكل المحل من صید المحرم و انها میتة روی أیضاً حرمة الصید علی المضطر المحرم و ترجیح أكل المیتة علیه و في كلا الروایتین یسند الإمام الحكم إلی جده أمیر المؤمنین و هو یومئ إلی التقیة و قد ذهب في مسألة المضطر إلی ترجیح المیتة علی الصید جملة من العامة كأبي حنیفة و مالك و أحمد و الحسن البصري و الثوري و محمد بن الحسن كما حكی ذلك عنهم العلامة في المنتهی مما یدل علی ذهابهم إلی الحرمة في المقام و ان ما أصابه المحرم من الصید میتة فترجح روایات الحل المخالفة للعامة علی موثق إسحاق الموافق لهم.
و یعضد هذا الحمل أیضاً ما في قوله في صحیحة منصور بن حازم الأولی (انا كنت فاعلاً) أي إسناده إلی ذاته الشریفة في مقابل أئمة العامة و فقهائهم.
1) أبواب كفارات الصید، ب43، ح8، ح11، ح12.
..........
ان قلت: ان موثق إسحاق في خصوص الذبح و روایات الحلّ موردها الإصابة في الصید و بعضها الآخر مطلق فلا تعارض مستقر في البین بل یمكن الجمع العرفي بینهما فلا تصل النوبة للترجیح كما نسب التفصیل للشیخ المفید في المقنعة.
قلت: ان الظاهر من روایات الحلّ و الحرمة عدم خصوص الذبح أو الصید و لو بمعونة الفهم العرفي بل الحكم متقوم بالحیوان البرّي نفسه و یعضد عدم الخصوصیة للذبح ما في ذیل الموثق من ذبح المحل للصید في الحرم فإن الحكم كما سیأتي غیر مختص بالذبح بل یشمل القتل بالصید. و ما نسب للشیخ المفید من التفصیل لم نقف علیه بل الموجود من عبارته (و لا بأس أن یأكل المحلّ مما صاده المحرم و علی المحرم فداءه) (1).
ثمّ إن ما في صحیح الحلبي من الروایات المتقدمة حیث قال : (و تصدق بالصید علی مسكین) حاكمة علی ما دل علی روایات الحرمة من وجوب الدفن بالحكومة التفسیریة أي أن وجوب الدفن لیس لحرمة أكله علی المحل بل لأجل تجنب وجوب الفداء الآخر بسبب الأكل، و ظاهر صحیح الحلبي حصول التجنب المزبور بالتصدق به علی المسكین.
أما الشق الثاني و هو ما ذبح في الحرم من المحلّ أو المحرم
فیدل علیه ذیل موثق إسحاق السابق و روایات وهب المتقدمة أیضاً و في صحیح منصور بن حازم عن أبي عبد اللّه - في الحمام - (و اذا دخل الحرم حیّاً ثمّ ذبح في الحرم فلا یأكله لأنه ذبح بعد ما دخل مأمنه) (2).
..........
و في صحیح الحلبي قال سئل أبو عبد اللّه ... فقال: إذا أدخله الحرم و هو حیّاً فقد حرم لحمه و إمساكه قال: لا تشتریه في الحرم إلاّ مذبوحاً قد ذبح في الحلّ ثمّ أدخل في الحرم، فلا بأس (1)و في طریق الكلیني (فلا بأس للحلال) (2)و في صحیح الحلبي الآخر قال سألت أبا عبد اللّه عن محرم أصاب صیداً و اهدی اليّ منه قال: (لا، أنه صید في الحرم) (3).
و صحیحة شهاب بن عبد ربه قال قلت لأبي عبد اللّه و إني اتسحر بفراخ أوتی بها من غیر مكة فتذبح في الحرم فاتسحر بها ؟ فقال: (بئس السحور سحورك اما علمت أن ما دخلت به الحرم حیّاً فقد حرم علیك ذبحه و امساكه) (4).
و مصحح عبد الاعلی بن أعین قال سألت ابا عبد اللّه عن رجل أصاب صیداً في الحلّ فربطه إلی جانب الحرم فمشی الصید برباطه حتی دخل الحرم و الرباط في عنقه فاجتر الرجل بحبله حتی أخرجه من الحرم و الرجل في الحلّ فقال (ثمنه و لحمه حرام مثل المیتة) (5)
هذا و الإنصاف أنه لا یظهر من هذه الروایات أجمعها كون حرمة الذبح و حرمة أكل المذبوح من جهة الخلل في شرائط التذكیة ب-ل الحرمة في جهة دخول
(مسألة 202): الحكم المذكور انما یختص بالحیوان البرّي و أما صید البحر كالسمك فلا بأس به و المراد بصید البحر ما یعیش فیه فقط، و أما ما یعیش في البر و البحر كلیهما فملحق بالبري، و لا بأس بصید ما یشك في كونه برّیاً
الصید في مأمنه لقول تعالی «وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً» (1)كما هو مفاد صحیحة الحلبي المتقدمة.
عن أبي عبد اللّه قال: (لا تستحلن شیئاً من الصید و أنت حرام و لا و أنت حلال في حرم) فإنه ظاهر فیها مع كونه في سیاق واحد من المحرم و الحرم هو من جهة الحرم
و المتصفح لأبواب الكفارات یری سكوت الروایات عن میتة المذبوح و أن عمدة حكمه الفداء و الكفارة و في كثیر من فروض تلك الروایات قد فرض حصول الأكل من الصید فكان من المناسب التنبیه علی میتته و نجاسته و نحو ذلك، و یعضده إطلاق روایات المضطر إلی الصید أو المیتة (2)الشاملة لكل من المحلّ و المحرم في الحرم كما في موثق یونس بن یعقوب قال: سألت ابا عبد اللّه عن المضطر إلی میتة و هو یجد الصید قال: (یأكل الصید، قلت: إن اللّه عز و جل قد أحل له المیتة إذا اضطر إلیها و لم یحلّ له الصید! قال: أ تأكل من مالك أحب إلیك أم المیتة؟ قلت: من ما لي، قال، هو مالك لأن علیك فداؤه قلت: فإن لم یكن عندي مال قال: تقضیه إذا رجعت إلی مالك) (3)و غیرها.
علی الأظهر، و كذلك لا بأس بذبح الحیوانات الأهلية كالدجاج و الغنم و البقر و الإبل و الدجاج الحبشي و إن توحّشت، كما لا بأس بذبح ما یشك في كونه أهلیاً(1).
و فیما تقدم و إن أشكلنا علی دلالتها علی عدم میتة الصید برافعیة الاضطرار لحرمة الصید الرافع للمیتة - و ذلك لدلالة الفداء بمقتضی تلك الروایات علی ثبوت مالیة للمذبوح بخلاف ما لو كان میتة حیث قد دلت الروایات الأخری (1)علی ثبوت الفداء للأكل زیادة علی فداء آخر لارتكاب الصید.
و بعبارة أخری أن التعلیل الوارد في روایات المضطر بثبوت الفداء الموجب لملكیة الصید بغض النظر عن الاضطرار دال علی المالیة و عدم میّتیته اما موثق إسحاق الدال علی المیتة فقد عرفت موافقته للعامة في ثمة رجح المیتة علی الصید.
الرابع: حرمة صید الجراد:
یدل علیه نصوص متعددة (2)كصحیح محمد بن مسلم عن أبي جعفر قال: مرّ علی (صلوات اللّه و سلامه علیه ) علی قوم یأكلون جراداً و هم محرمون فقال: سبحان اللّه و انتم محرمون فقالوا: انما هو من صید البحر. فقال: (ارمسوه في الماء إذن) (3).
في المتن عدة فروع:
الأول: اختصاص الحرمة بصید البرّي دون البحري:
..........
و یدل علیه قوله تعالی: «أُحِلَّ لَكُمْ صَیْدُ الْبَحْرِ وَ طَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَ لِلسَّیّارَةِ وَ حُرِّمَ عَلَیْكُمْ صَیْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً» (1).
و هو تفصیل لما أطلق في الآیة السابقة «یا أَیُّهَا الذينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّیْدَ وَ أَنْتُمْ حُرُمٌ» و یدل علی التفصیل روایات مستفیضة أیضاً (2).
كصحیح عمر بن یزید المتقدم عن أبي عبد اللّه (و اجتنب في إحرامك صید البر كله و لا تأكل مما صاده غیرك) الحدیث (3)و صحیح معاویة عن أبي عبد اللّه في حدیث قال: (و السمك لا بأس بأكل طریه و مالحه و كذلك كل صید یكون في البحر مما یجوز أكله) (4).
ثمّ انه لا فرق في صید البري بین محلل الأكل و محرمه و ما ثبتت فیه الكفارة و ما لم تثبت خلافاً لجماعة كل ذلك لإطلاق الأدلة الناهیة مضافاً لخصوص النصوص الواردة للنهي عن قتل السباع إذا لم ترده (5).
الثاني: یلحق بالبريّ ما یعیش في البرّ و البحر:
و یدل علیه عدة نصوص كصحیح معاویة بن عمار قال: قال أبي عبد اللّه : الجراد من البحر: و قال: كل شيء أصله في البحر و یكون في البرّ و البحر فلا
..........
ینبغي للمحرم أن یأكله فإن قتله فعلیه الجزاء كما قال اللّه عز و جل) (1)و مثله صحیحة الآخر (2).
نعم وقع الكلام في التمییز بین الطیر البري و البحري ففي صحیح حریز عن أبي عبد اللّه : (قال السمك لا بأس بأكل طریه و مالحه و یتزود قال اللّه تعالی: «أُحِلَّ لَكُمْ صَیْدُ الْبَحْرِ وَ طَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ» قال: فلیخیر الذين یأكلون، و قال: فصل ما بینهما كل طیر یكون في الآجام یبیض في البرّ و یفرخ في البرّ فهو من صید البرّ، و ما كان من الطیر یكون في البحر و یفرخ في البحر فهو من صید البحر) (3).
و في مرسل حریز الآخر (و فصل ما بینهما كل طیر یكون في الآجام یبیض في البرّ و یفرخ في البرّ فهو من صید البرّ، و ما كان من صید البرّ یكون في البرّ و یبیض في البحر فهو من صید البحر) (4).
و إسناد صحیح حریز إلی معاویة بن عمار كما وقع في الوسائل من سهو القلم إذ الموجود في التهذیب المطبوع إسناده إلی حریز.
و في الوافي كالتهذیب أسندها إلی حریز (5)فما في كشف اللثام و الجوهر و غیرها من إسنادها إلی معاویة بن عمار منشأها ما وقع في الوسائل.
..........
ثمّ أن في طریق الكافي و الصدوق ذیل الروایة (و ما كان من صید البرّ یكون في البرّ و یبیض في البحر فهو من صید البحر) بخلاف طریق الشیخ حیث عبر (و ما كان من الطیر یكون في البرّ...) حسب ما هو موجود في الوسائل و التهذیب إلاّ أن في الوافي نقل الذيل عن التهذیب بلفظ (و ما كان من صید البرّ) و علی ذلك یظهر أن التعبیر بالطیر في الذيل في الوسائل و التهذیب المطبوع من سهو القلم أو اشتباه النساخ. و إلا فلا یتحصل للروایة معنی لأن صدرها حینئذ دال علی أن ما یكون من الطیر یبیض حول الماء كالذي في الآجام هو من صید البرّ و مقتضی المقابلة حینئذ أن یبیض الطیر في الماء و یفرخ في الماء و هو كما قال صاحب الجواهر (لا نعرف ما یبیض و یفرخ في نفس الماء) (1)و قال (لم نجد ذلك منقحاً في كلامهم).
فالصحیح أن الطیر كله صید بريّ كما في موثق الطیار عن أحدهما قال: (لا یأكل المحرم طیر الماء) اما الضابطة المزبورة في الروایة فهي تمییز للحیوانات البرمائیة أي التي تعیش في البرّ و البحر سواء كانت من الطیر أو الدواب غایة الأمر أن الطیور تندرج في الشق الأول من الضابطة و بعض البرمائیات الآخر تندرج في الشق الثاني. فیكون هذه الضابطة للحیوانات المشتركة.
ثمّ لا منافاة بین هذه الضابطة و ما ذكر من ضابطة في صحیح معاویة بن عمار المتقدم في الجراد قال: قال أبي عبد اللّه (الجراد من البحر) و قال: (كل شيء أصله في البحر فیكون في البرّ و البحر فلا ینبغي للمحرم أن یقتله فإن قتله فعلیه الجزاء كما قال اللّه...) (2) و ذلك أن الضابطة المذكورة في روایات الجراد
1) الجواهر 297 :18.
..........
مطلقة و الشق الثاني من روایة حریز مقیدة لها بغیر من یفرخ في الماء مع أن الجراد یتكاثر في البرّ أو فوق سطح الماء في الهواء لا داخل الماء.
الثالث: ما یشك في كونه بریّا.
و الشك تارة في الشبهة الحكمية و أخری الموضوعية، و الحكمية أیضاً تارة في المتولد بین البري و البحري أو البري و الأهليّ و ثالثة الشك في اندراج نوعه في البري ثمّ أن كلاً من الشبهتین تارة في الحلّ و أخری في الحرم فقد یقرر التمسك بعموم حرمة الصید كما في الآیة و الروایات و غایة ما خرج عنها صید البحر بضمیمة تنقیح العدم الأزلیّ لعدم الخاص، إلاّ انه یشكل علیه بأن ذلك تام في غیر المخصص المنوع أي الذي یبقی نوعاً واحداً تحت العام كما هو الحال في عمومات النكاح بعد خروج المنقطع عنها.
و قد یقرر العموم بالصیغة الواردة في صحیح معاویة (... ثمّ اتقی قتل الدواب كلها إلاّ الأفعي و العقرب و الفأرة) الحدیث (1)أو بعموم قوله تعالی: «وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً» (2)فیما إذا كان في الحرم.
و أشكل علیهما أیضاً بتخصیص هذین العمومین بما ورد عن صحیح حریز عن أبي عبد اللّه (المحرم في إحرامه یذبح ما أحل للحلال أن یذبحه في الحرم) (3)فإنه لا ریب في حلیة دبح المشكوك في هذه الشقوق للمحل في الحرم لأن
..........
الذي یحرم هو خصوص الصید البري و مع الشك فیه لا یمكن التمسك بعموم الصید البري فیكون المشكوك للمحل مورداً للأصول المفرغة و هي أصالة الإباحة، و بالتالي یحلّ للمحرم بتبع ذلك.
كما یشكل في العموم الثاني فإنه غیر صادق في بعض موارد الشك حیث أنه لا یصدق علی الحیوان المشكوك المتولد في الحرم مثلاً أنه دخل من الحلّ إلی الحرم.
و فیه: اما الإشكال الثاني فمدفوع بأن الدخول لیس قیداً للحكم و انما هو كنایة عن الكینونة في الحرم و لذلك لو تولد الصید البري في الحرم كما یقع ذلك في بعض أنواع الصید البري من الطیور و الدواب فلا ریب في حرمة صیده للمحل في الحرم.
و أما الإشكال الأول فالظاهر من الأدلة و كثیر من الروایات أن موضوع حرمة الصید علی المحلّ في الحرم هو بعینة موضوع حرمة الصید علی المحرم في إحرامه أي أن الحرمتین في عرض واحد تواردتا علی موضوع واحد لا أن أحدهما في طول الأخری.
و كذلك الحال في جانب الحلّ فما ورد في صحیحة حریز إنما هو كنایة عن وحدة الموضوع و تلازم الحكمين لأجل ذلك، فحینئذ یصح عكس هذا التلازم بأن كل ما حرم علی المحرم من صید في إحرامه یحرم علی المحل في الحرم فلاحظ ما تقدم في موثق إسحاق (1)المتضمن لكون ما یذبحانه میتة فإن لسانه توارد الحكمين علی
1) أبواب تروك الإحرام، ب10.
..........
موضوع واحد، و كذلك ما تقدم في صحیح الحلبي عن أبي عبد اللّه قال: (لا تستحلن شیئا من الصید و أنت حرام، و لا أنت حلال في الحرم) (1)
و في موثق معاویة بن عمار عن أبي عبد اللّه : قال: (لا تأكل شیئاً من الصید... فإن أصبته و أنت حلال في الحرم فعلیك قیمة واحدة، و أن أصبته و أنت حرام في الحلّ فعلیك القیمة و أن أصبته و أنت حرام في الحرم فعلیك الفداء مضاعفاً) الحدیث (2).
فإذا تنقح الموضوع في المحرم، یتنقح للمحل في الحرم أیضاً.
فالتمسك بهذین العمومین بضمیمة استصحاب عدم المخصص تام.
و قد یقال: أن المخصص لهذین العمومین بعنوان الصید البحري منوع للعموم - نظیر الكلام في الآیة - فالباقي هو عنوان صید البرّ. فإنه یقال: أن موضوع العموم في صحیحة معاویة بن عمار لیس عنوان الصید بل مطلق الدواب صیداً كان أو غیره، غایة الأمر قد خرج منه الدواب الأهلية - كما سیأتي - و المؤذي من السباع و العقرب و الفأرة و الحیّة من الحشرات كما أن الخارج لیس نوعاً واحداً مما یكشف عن كون المستثنی منه ذا أنواع عدیدة مأكول اللحم و غیر مأكول كذلك من البهائم أو السباع أو الوحش أو الحشرات أو غیرها.
الرابع: حلیّة ذبح الحیوانات الأهلية كالدجاج و الغنم و البقر و الدجاج الحبشي و ان توحش.
..........
و یدل علیه صحیح أبي بصیر البختري عن أبي عبد اللّه قال: (تذبح في الحرم الإبل و البقر و الغنم و الدجاج) (1)و في صحیح حریز عن أبي عبد اللّه قال: (المحرم یذبح ما حلَّ للحلال في الحرم ان یذبحه و هو في الحلّ و الحرم جمیعاً) (2)و في حسنة أو مصححة أبي بصیر عن أبي عبد اللّه قال: (لا یذبح بمكة إلاّ الإبل و البقر و الغنم و الدجاج)(* (3)) (4)و ظاهره حصر الحلیة في الأربعة لا مطلق عنوان الحیوان الأهلي و لعل وجه التعمیم في الكلمات كون الحرمة مناطة بالصید و هو غیر صادق علی مطلق الأهلي كالحمار و الفرس نعم عبارة المحقق في الشرائع استثنی خصوص النعم و الدجاج، و یعضد ذلك صحیح معاویة بن عمار قال: (سألت أبا عبد اللّه عن الدجاج الحبشي فقال لیس من الصید انما الصید ما كان بین السماء و الأرض، قال و قال أبو عبد اللّه ما كان من الطیر لا یصف فلك أن تخرجه من الحرم و ما صف منها فلیس لك أن تخرجه من الحرم) (5)فتعلیله بالحلیة بنفي الصید ظاهر في تعمیم الحلیة و اناطة الحرمة بعنوان الصید و في صحیح محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه التعلیل لحلیة الدجاج الحبشي بقوله
(مسألة 203): فراخ هذه الأقسام الثلاثة من الحیوانات البریة و البحرية و الأهلية و بیضها تابعة للأصول في حكمها(1).
(إنها لا تستقل بالطیران...) و یعضد ذلك أیضاً ما في صحیح حریز المتقدم من حلیّة الذبح للمحرم لكل ما یجوز ذبحه للمحل (1)ثمّ ان مقتضی إطلاقها حلیة الأهلي و ان توحش لكن ذلك مبنيٌّ علی كون العنوان مشیراً إلی الطبائع و الأنواع و لو استظهر منه النعت بلحاظ الحالة الفعلیة أشكل الحال فیما توحش كما أشكلت الحرمة فیما صار أهلیاً فیما كان ممتنعاً لتبدل عادته، ثمّ إن ما یقال من التعارض بین نقل الشیخ لصحیحة أبي بصیر و نقل الصدوق حیث عبّر بالحصر في نقل الصدوق دون نقل الشیخ و ترجیح نقل الشیخ لقول صاحب الوسائل بعد ذكر نقل الشیخ و رواه الصدوق بإسناده لابن مسكان مثله، و لا أقل من التعارض و التساقط.
ففیه: أن نقل الكلیني عن أبي بصیر مطابق لنقل الصدوق و في الوافي نقل عن الصدوق بصورة الحصر و أما تعبیر صاحب الوسائل بكلمة (مثله) فالظاهر جری اصطلاح صاحب الوسائل علی التماثل في أصل المضمون لا التماثل في خصوصیات الألفاظ و قد تكرر منه في موارد عدیدة في الوسائل.
إلاّ أن الذي یوجب رفع الید عن هذا الحصر هو ما ذكرناه ثمة.
ثمّ أنه قد علم من الفرع السابق الحكم فیما یشك في كونه أهلیاً و انه مقتضی النصوص التجنب فلاحظ.
و استدل علیه بما ورد في ثبوت الفداء في أكله و كسره كما في صحیح أبی
1) أبواب كفارات الصید ب40، ح6.
(مسألة 204): لا یجوز للمحرم قتل السباع إلا فیما إذا خیف منها علی النفس، و كذلك إذا آذت حمام الحرم، و لا كفارة في قتل السباع حتی الأسد علی الأظهر بلا فرق بین ما جاز قتلها و ما لم یجز(1).
عبیدة (1)و قد یشكل بأن ثبوت الكفارة أعم من الحرمة؟
و فیه: مضاف إلی أن الظهور الأولی لمفاد و مقتضی الكفارة هو الحرمة و ما ثبت من الكفارة في موارد الاضطرار أو الجهل و نحوه لا یدفع هذا الاقتضاء لأن غایة الأمر هو العذر عن الحرمة الواقعیة لا عدمها، مضافاً إلی أن صحیح حریز قد اشتمل علی ثبوت الكفارة للمحل أیضاً و هو ظاهر في حرمة التعرض لحرمة الحرم.
و یدل علی الحرمة استثناء الحلیّة في صحیح حریز عن أبي عبد اللّه : (كل ما یخاف المحرم علی نفسه من السباع و الحیات و غیرها فلیقتلها و أن لم یردك فلا ترده) مثله صحیح معاویة بن عمار (2).
و یدل علی الاستثناء الثاني صحیح معاویة بن عمار (3)
و أما عدم الكفارة في السباع فلعدم الدلیل. نعم عن الشیخ في الخلاف القول ثبوت الكبش في مطلق السباع و لعله تعدیا لما في معتبرة أبي سعید المكاري قال: قلت: لأبي عبد اللّه رجل قتل أسداً في حرم قال (علیه كبش یذبحه)(4 (4))
(مسألة 205): یجوز للمحرم أن یقتل الأفعي و الأسود الغدر و كل حیة سوء و العقرب و الفأرة، و لا كفارة في قتل شيء من ذلك(1).
و تضعیف الروایة بأبی یزید العطار و بأبی سعید المكاري لا وجه له بعد توثیقهما و إن كان واقفي.
و وجه التعمیم من الشیخ في الخلاف و إن خص الكفارة في المبسوط بالأسد كون لفظة الأسد تستعمل في مطلق السبع المشابه كالنمر و الفهد و نحوهما من السباع المفترسة دون الذئب و الثعلب و ما شبهها.
و قد حكی القول بثبوت الكفارة في الأسد علی بن بابویه و الفقیه الرضوي.
و یدل علیه عدة نصوص و الاستثناء في صحیحة معاویة بن عمار المتقدمة (اتقی قتل الدواب كلها إلاّ الأفعي و العقرب فأما الفأرة فانها توهی السقاء و تضرم علی أهل البیت و أما العقرب فإن رسول اللّه مدّ یده إلی حجر فلسعته فقال: لعنك اللّه لا برّاً تدعینه و لا فاجرا و الحیة ان ارادتك فاقتلها و إن لم تردك فلا تردها، و الأسود الغدر فاقتله علی كل حال و ارم الغراب و الحداة رمیاً علی ظهر بغیرك.). و ظاهر هذا النص عدم خصوصیة هذه العناوین بل من باب كونها عادیة علی الإنسان فتدرج في الضابطة السابقة.
و قد قید بقتلهن في صحیحة الحسین بن أبي علاء (1)و في موثق غیاث بن إبراهیم عن أبیه 2و في موثق سدیر زیادة (و الغراب إلاّ بقع ترمیه) (2)و كذا فی
(مسألة 206): لا بأس للمحرم أن یرمی الغراب و الحدأة، و لا كفارة لو أصابهما الرمي و قتلهما (1) .
صحیح الحلبي (1)بل فیه (الأفعي و كل حیة سوء) (2)و في موثق غیاث زیادة ذكر الزنبور و النسر و الذئب (3).
قد تقدم ما یدل علیه في نصوص المسألة السابقة فراجع.
كفارات الصید
(مسألة 207): في قتل النعامة بدنة، و في قتل بقرة الوحش بقرة، و في قتل حمار الوحش بدنة أو بقرة، و في قتل الظبي و الأرنب شاة، و كذلك في الثعلب علی الأحوط(1).
(مسألة 208): من أصاب شیئاً من الصید فإن كان فداؤه بدنة و لم یجدها فعلیه إطعام ستین مسكیناً، لكل مسكین مُدّ، فإن لم یقدر صام ثمانیة عشر یوماً، و إن كان فداؤه بقرة و لم یجدها فلیطعم ثلاثین مسكیناً، فإن لم یقدر صام
و یدل علیه نصوص كصحیح یعقوب بن شعیب عن أبي عبد اللّه و فیه. أن في النعامة بدنة و كذا في حمار الوحش، و في البقرة بقرة) (1)
و في صحیح حریز عن أبي عبد اللّه أنه في النعامة بدنة و في حمار الوحش بقرة و في الضبي شاة و في البقرة بقرة) (2)و غیرها من الروایات (3)كصحیح سلیمان ابن خالد و أما الأرنب فیدل علیه صحیح البزنطي عن أبي الحسن (4)و الحلبي (5).
تسعة أیام، و إن كان فداؤه شاة و لم یجدها فلیطعم عشرة مساكین، فإن لم یقدر صام ثلاثة أیام(1).
و أما الثعلب فیدل علیه معتبرة أبي بصیر (1)و اشتمال السند علی سهل سهل و اشتمالها علی ابن أبي حمزة فهو و إن كان ملعوناً إلاّ أن الراوي عنه هو البزنطي و احمد بن محمد الأشعري أو البرقي مما یدل علی كون رویتهما عنه أیام استقامته لأن الطائفة قد قاطعته بعد ذلك. سكوته في صحیح البزنطي السابق عن الثعلب دون الأرنب غیر معارض إذ لعل اكتفاءه بالإجابة عن الأرنب عنه بعد وحدة الحكم فیهما.
و فیها أمور:
الأول: أن من كانت علیه كفارة بَدَنَة فلم یتمكن منها، أو إذا عجز عنها فوظیفته اطعام ستین مسكیناً. و یدل علیه عدّة روایات منها صحیح علی بن جعفر سألته عن رجل محرم أصاب نعامة ما علیه؟ قال: علیه بدنة، فإن لم یجد فلیتصدق علی ستین مسكینا فإن لم یجد فلیصم ثمانیة عشر یوماً (2).
و مثله صحیح محمد بن مسلم و زرارة (3). و مثلها صحیح أبي بصیر بطریق الصدوق (4).
..........
ثمّ إن صحیح محمد بن مسلم و زرارة قوله فإن كانت قیمة البدنة أكثر من إطعام ستین مسكیناً لم یزد علی إطعام ستین مسكیناً، و إن كانت قیمة البدنة أقل من إطعام ستین مسكیناً لم یكن علیه إلاّ قیمة البدنة.
و مثلها صحیح جمیل بن دراج عن بعض أصحابنا (1)و كذا ما في بعض الروایات من جعل مقدار المساكین عدلُ قیمة الهدي كصحیح محمد بن مسلم و غیره، و هو مفاد ظاهر الآیة، فإن مقتضی إطلاق العدلیة هو المطابقة لقیمة البدنة و إن قلّ عن ستین مسكیناً أو عدل ذلك صیاماً. و قد حكی التزامه بذلك بعض .
و أشكل علیه: بأن قیمة البدنة في الغالب تزید علی ستین مسكین و انخفاظها إلی ما دون ذلك نادر و شاذ.
و قد یقرب الاشكال بعبارة أخری. أن قیمة البدنة لیس من الضروري أن تعدل قیمتها مقدار ستین مسكیناً، بل إما تزید كما هو الغالب أو تنقص. اضف إلی ذلك أن المدّ من الطعام الذي یقدّر عدده بعدد المساكین إن جعل من البرّ فیختلف عن القیمي أو غیره من الأطعمة.
أقول: قد حكی صاحب الحدائق ثلاثة أقوال عن الأصحاب و أن الأكثر أختار التعدیل و المقابلة في القیمة فلم یحدده بالستین كما لم یحدد بالصیام بثمانیة عشر، و هذا هو مقتضی الظهور البدويّ في الآیة، إلاّ أن اكثر الروایات قد نفت الزیادة علی ستین مسكین حتی الروایتین المزبورتین فلا مناص من رفع الید عن إطلاق التعدیل في الآیة.
1) نفس الباب، ح2.
..........
و إما النقصان عن ستین فهو و إن كان له وجه لصحیح محمد بن مسلم و زرارة و هو مقتضی التعدیل أیضاً إلاّ أن الاحوط الوقوف علی الستین لقوة كون ذلك العدد تحدیداً شرعياً لمتوسط القیمة فیكون تحدیداً في تقریب، نظیر ما وقع في تحدید مثل الصید من النعم مع أن الآیة مطلقة و كما سیأتي في ترتیب هذه الكفارة مع أن ظاهر البدوي للآیة یقتضی التخییر بل إن في ذیل الآیة الشریفة العدید من الروایات المعتبرة الواردة (1)المفسرة لقوله «یَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ» أن العدل رسول اللّه و الإمام من بعده أي مما فوض حكمه إلیهم (صلوات اللّه علیهم).
الثاني: ظاهر الأصحاب بل حكی عنه الاجماع أن الكفارة مرتبة و حكی عن العلامة التخییر و مال إلیه في الحدائق.
و ظاهر الأخبار المزبورة یقتضی الترتیب و ظاهر الآیة و إن كانت یقتضی التخییر إلاّ أن لفظة (أو) تستعمل بمعنی (الواو) لمطلق الجمع كما في قوله تعالی: «وَ لا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً» (2)و قوله تعالی: «وَ لا عَلی أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُیُوتِكُمْ أَوْ بُیُوتِ آبائِكُمْ أَوْ» (3)فیرفع الید عن الظهور المنسبق لها.
و استدل في الحدائق بصحیحة حریز عن أبي عبد اللّه أنه قال: (و كل شيء في القرآن (أو) فصاحبه بالخیار یختار ما شاء، و كل شيء في القرآن فمن لم یجد فعلیه كذا فالأول بالخیار) (4)
..........
و فیه: ان مفاد هذه الروایة لا یزید عن الظهور الإطلاقي للآیة فیقید إطلاقها.
الثالث: في جنس الطعام فقد عبّر في العدید من الكلمات بالبُرّ، و في كلمات أخری أطلق الإطعام، و عن العلامة و الشهید الثاني التصریح باجزاء مطلق الطعام و لو غیر البر و في لسان العرب عن الخلیل: العالي في كلام العرب أن الطعام هو البرّ خاصة) - و قال أیضاً - و أهل الحجاز إذا أطلقوا اللفظ بالطعام عنوا به البرّ خاصة) و في مجمع البحرين الطعام: (ما یؤكل و ربما خص بالبُرّ)
و أما الروایات فقد ورد في كفارة الیمین ما یعطی الاختصاص كصحیحي الحلبي و هشام بن الحكم (1)و في بعض ما ورد في كفارة الإفطار في شهر رمضان الإطعام بالتمر. و في خصوص المقام روی الكلیني بإسناده إلی الزهري عن علی بن الحسین فیه (قال: یقوم الصید قیمة عدل ثمّ یغض تلك القیمة علی البرّ، ثمّ یكال ذلك البرّ أصواعاً...) (2)و في الفقه الرضوي أورد عین العبارة (3)هذا و التعدي عن كفارة الیمین في الروایات (4)الأولی علی تقدیر تسلیم دلالتها علی الحصر، محل تأملٍ. و كذا الحال في دلالة روایة الزهري فإن استفادة الحصر منها محل تأمل . مضافاً إلی أن نزول القرآن الكریم علی لغة الحجاز في استعمال الألفاظ و تفهیم المعاني محل تأمل فضلاً عن الروایات، و تمام الكلام موكول لباب الكفارات.
..........
الرابع: في المراد من البدنة: فقد نقل في لسان العرب عن أكثر اللغويین تعمیمها إلی الإبل و البقرة و حكی في مجمع البحرين عمن حكی أن أئمة اللغة قد خصوها بالإبل و یدفع التعمیم ظاهر قوله تعالی: «وَ الْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللّه لَكُمْ فِیها خَیْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللّه عَلَیْها صَوافَّ فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها» (1)و هو كنایة عن النحر نعم العامة حیث بنو علی تعمیم النحر إلی البقر فعمموا البدنة مضافاً لأخذهم المعنی الوصفي للمادة لمطلق السنم و عظم الجسم.
و علی أي تقدیر فیرفع إرادة التعمیم في المقام المقابلة في الروایات الواردة بین كفارة النعامة و غیرها من الحمار و نحوه بثبوت البدنة في الأول و البقرة في الثاني مما یدل علی المقابلة بینهما.
و في روایة أبي الصباح عبر (و في النعامة جزور) (2)و هو دال علی الاختصاص بالإبل و التعمیم إلی الذكر و الأنثی.
الخامس: أن المقدار اللازم من الطعام هو مدّ، و أن أستحب أن یكون علی الضعف نصف صاع جمعاً بین الروایات الدالة علی كل منها.
و نظیره ورد في روایات كفارةً الیمین مع التصریح بانتداب ما زاد علیه مدّ في روایات أخری.
السادس: في الصیام الذي هو بدلٌ عن الإطعام، قولان: الأوّل: ستون یوماً، و الثاني: ثمانیة عشر یوماً. و نسب الأول لجماعة . و وجه القولین اختلاف الروایات،
..........
فیدل علی الأول صحیحة أبي عبیدة عن أبي عبد اللّه (و فیها) لكل مسكین نصف صاع فإن لم یقدر علی الطعام صام لكل نصف صاع یوماً (1).
و صحیح محمد بن مسلم عن أبي جعفر : فلیصم بقدر ما بلغ لكلِّ طعام مسكین یوماً (2).
و في موثق ابن بكیر عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه ... ثمّ یصوم لكل یوماً، فإن زادت الإمداد علی شهرین فلیس علیه اكثر منه (3).
و یدل علی الثاني صحیح علی بن جعفر (4). و صحیح أبي بصیر (5). و كذا معتبرة داود الرقي (6). و أبان بن تغلب (7). و صحیح معاویة ابن عمار قال: قال أبو عبد اللّه : (و من أصاب شیئاً فداؤه بدنة من الإبل، فإن لم یجد ما یشتري بدنه فأراد أن یتصدق فعلیه أن یطعم ستین مسكیناً لكل مسكین مداً، فإن لم یقدر علی ذلك صام مكان ذلك ثمانیة عشر یوماً، مكان كل عشرة مساكین ثلاثة أیام،...) الحدیث (8).
(مسألة 209): إذا قتل المحرم حمامة و نحوها في خارج الحرم فعلیه شاة، و في فرخها حمل أو جدي، و في كسر بیضها درهم علی الأحوط، و اذا قتلها المحل في الحرم فعلیه درهم، و في فرخها نصف درهم، و في بیضها ربعه، و اذا قتلها المحرم في الحرم فعلیه الجمع بین الكفارتین، و كذلك في قتل الفرخ و كسر البیض، و حكم البیض إذا تحرك فیه الفرخ حكم الفرخ(1).
و الروایة نص في الثمانیة عشر و أن العدلیة هي بین كل عشرة مساكین و ثلاثة أیام من الصیام، و یعضد مفادها ما في الآیات السابقة علی كفارة الصید من ذكر كفارة الیمین حیث جعل فیها بدل إطعام عشرة مساكین صیام ثلاثة أیام، فیحمل ما تقدم في النصوص السابقة في القول الأول علی الاستحباب لا سیّما الإشعار الموجود في مرسل ابن بكیر المتقدم.
ثمّ لا یخفی أن مقتضی الروایات الواردة في المقام عدم تقیید الصیام بالتتابع كما هو مقتضی حسنة سلیمان بن جعفر الجعفري عن أبي الحسن في حدیث قال: (انما الصیام الذي لا یفرق كفارة الظهار و كفارة الدم و كفارة الیمین) (1).
و یدل علی كل ذلك النصوص الواردة في المقام، و یحمل المطلق منهما علی المقید بلا مئونة في مراجعة النصوص فلاحظ الأبواب المزبورة (2).
نعم بیضها في الحلّ ورد في صحیحة حریز أن علی المحرم درهم (3)و ورد فی
(مسألة 210): في قتل القطاة و الحَجَل و الدُرّاج و نظیرها حمل قد فطم من اللبن و أكل من الشجر، و في العُصفور و القُبَّرة و الصعوة مد من الطعام علی المشهور، و الأحوط فیها حمل فطیم، و في قتل جرادة واحدة تمرة، و في أكثر من واحدة كف من الطعام، و في الكثیر شاة(1).
صحیحة سلیمان بن خالد (و ان لم یكن تحریك فدرهم و للبیض نصف درهم ) (1)فمقتضی الصحیحة الثانية التفصیل في البیض أن الدرهم للبیض إن اشتمل علی الفرخ لم یتحرك، و إن لم یشتمل فنصف درهم. كما یظهر من صحیحة سلیمان بن خالد أن الفرخ في البیض إن تحرك حكم الفرخ الخارج عن البیضة.
أما كفارة القطاة و الحجل و الدُراج و نظیرها فیدل علیه صحیح سلیمان بن خالد عن أبي جعفر قال: في كتاب أمیر المؤمنین علی (من أصاب قطاة أو حجلة أو دراجة أو نظیرهن فعلیة دمٌ).
و في صحیح مسكان عنه عن أبي عبد اللّه في القطاة.. حملٌ قد فطم من اللبن و اكل من الشجر (2).
و أما العصفور و القبّرة و الصعوة فقیل أنه یندرج في نظائر ما تقدم فیكون فیه حمل فطیم. و فیه ما لا یخفی إذا النظیر لما تقدم ما یكون بحجمها و حكی عن الصدوقین أن الكفارة فیه شاة، و قد یكون تمسكاً منهما بعموم الفداء علی مطلق الصید كصحیح زرارة (3). و موثق أبي بصیر (4). إلاّ أنه لا مجال للاطلاق مع ورود
..........
النصوص الخاصة الآتیة.
و قد یؤید بأن كفارة كسر بیض القطاة هو نتاج بكارة الغنم (1). حیث أن العصفور و نحوه لا یقل عن ذلك.
هذا و قد روی عن صفوان بن یحیی عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه : القنبرة و العصفور و الصعوة یقتلها المحرم. قال: علیه مدّ من طعام لكل واحد (2). و الروایة و إن وصفت بالإرسال إلاّ أن المرسل هو صفوان، مضافاً إلی أن التعبیر ببعض أصحابنا، و هو یختلف عن التعبیر عن رجل أو عمن أخبره أو..، مؤیداً ذلك بعمل القدماء بهذه الروایة .
و أما الجراد فقیل بأن كفارتها تمرة كما عن الشیخ في المبسوط، و قیل كفّ من طعام، و قیل بالتخییر.
و الروایات الواردة في المقام منها صحیح معاویة عن أبي عبد اللّه قال: قلت: ما تقول في من قتل جرادة و هو محرم: قال: تمرة خیرٌ من جرادة (3).
و مثله صحیح زرارة، و صحیح ممد بن مسلم عن أبي عبد اللّه قال: سألته عن محرم قتل جرادة؟ قال: (كفٍ من طعام، و إن كان أكثر فعلیة شاة) (4).
و قد رواه الكلیني بطریق آخر عن محمد بن مسلم إلاّ أنه ذكر في السؤال
(مسألة 211): في قتل الیربوع و القُنفُذ و الضب و ما أشبهها جدي، و في قتل العظایة كف من الطعام(1).
(قتل جرادة) فیكون الجواب التفصیل بین الجرادة و الكثیر بخلاف ما في الاستبصار فإنه تفصیل بین الكثیر و الجمع. و قد رویت صورة الروایة في نسخ آخر، كما ذكر صاحب الوسائل و الحدائق بجعل فرض السؤال: (جراداً كثیراً)، أي التفصیل بین الكثیر و الأكثر و علی أي تقدیر فلا تنافي بین ما ورد في الجرادة إنه تمرة و ما ورد من أنه كف من طعام. فإن تمرة في الجرادة الواحدة، و الكف في أدنی الجمع فما فوق و الشاة في المجموعات الكثیرة.
و صورة الروایة في طریق الكلیني الواقع فیه سهل بن زیاد لا یعارض به صورة الروایة في طریقی الشیخ لعدم إتقان و ضبط سهل كما وقفنا علیه في موارد هذا و في روایة عروة الحناط (1): إن أصاب جرادة و أكلها علیه دم.
و یدل علیه صحیح مسمع بن عبد الملك (2)و صحیح معاویة (3). نعم في الأول لاشتماله علی تعلیل دال علی عموم ثبوت الجدي في أمثال تلك الحیوانات و غیرها مما لا یؤكل. أي أنه صالحٌ لثبوت الكفارة المزبورة في مطلق ما لا یؤكل و ما لا ینتفع به. نعم حكی عن أبي الصلاح القول بأن كفارة الثلاثة حملٌ قد فطم و لم نقف علی روایة خاصة في ذلك سوی الاطلاقات المشار إلیها المتقدمة.
(مسألة 212): في قتل الزنبور متعمداً إطعام شيء من الطعام، و إذا كان القتل دفعاً لإیذائه فلا شيء علیه(1).
(مسألة 213): یجب علی المحرم أن ینحرف عن الجادة إذا كان فیها الجراد، فإن لم یتمكن فلا بأس بقتلها(2).
و قد اختلف تعبیر الأصحاب عن الكفارة في العمد بالتصدق بشيء أو بتمرة و إن كانت كثیرة فمدٍّ من طعام، و ثالث بكف من تمر و طعام. الوجه في اختلاف الأقوال اختلاف السن الروایات. ففي صحیح معاویة بن عمار عن أبي عبد اللّه التفصیل بین الخطأ و العمد و بین ما إذا أراده أو لم یرده. و قال : یطعم شیئاً من الطعام (1). و في موثق غیاث ابن إبراهیم عن ابیه عن أبي عبد اللّه قال: یقتل المحرم الزنبور و النسر و الأسود الغدر و الذئب ما خاف أن یعدو علیه ... الحدیث (2). یستفاد منها جواز القتل عند الخوف و معرضیة الإیذاء. و إن لم یرده. و مثلهما روایة وهب بن وهب (3). و لعل من اسقط الكفارة في الزنبور اعتمد علی الموثق المزبور. لكن الصحیح التفصیل بین ما كان في معرض الإیذاء و ما لم یكن كذلك في ثبوت الكفارة في الثاني و هي مطلق ما صدق علیه القلیل من الطعام و لعل من بنی علی التمرة تعدیاً لما ورد في الجرّاد.
لتجنب قتل الصید فإن لم یتمكن فالعجز عذرٌ رافع للحرمة مضافاً إلی
(مسألة 214): لو اشترك جماعة محرمون في قتل صید فعلی كل واحد منهم كفارة مستقلة(1).
(مسألة 215): كفارة أكل الصید ككفارة الصید نفسه، فلو صاده المحرم و أكله فعلیه كفارتان(2).
النصوص الواردة (1).
للنصوص الواردة (2).
و حكی في الحدائق قولین للأصحاب في فرض اجتماع القتل و الأكل للصید الأول بوجوب الفداء عن النهایة و المبسوط و التذكرة و المختلف و المسالك و الثاني بوجوب القیمة عن الخلاف و الشرائع و ذهب المحقق الاردبیلي و تلمیذه إلی نفي كفارة الأكل مع اجتماعها بالصید و البحث في مقامین:
الأول: في مماثلة كفارة الأكل لكفارة الصید.
الثاني: في تكرر الكفارة بهما.
و الروایات الواردة في المقام علی ألسن منها ما كان بلسان ثبوت (قیمة الصید) كصحیح معاویة بن عمار عن أبي عبد اللّه قال: (اجتمع قوم علی صید و هم محرمون في صیده أو أكلوا منه، فعلي كل واحد منهم قیمته) (3).
و مثله موثقة الآخر عن أبي عبد اللّه - في حدیث - قال: و أي قوم اجتمعوا
..........
علی صید فأكلوا منه فإن علی كل إنسان منهم قیمتاً (1)فإن اجتمعوا في صید فعلیهم مثل ذلك) (2)، مثلها صحیحة منصور بن حازم قال قلت لأبي عبد اللّه أهدی لنا طیراً مذبوحاً بمكة فأكله أهلنا فقال: (لا یری به أهل مكة بأساً قلت: فأي شيء تقول أنت؟ فقال علیهم ثمنه) (3). إلاّ ان الصحیحة لم یقید موردها بأكل المحرم.
و منها ما كان بلسان الفداء كصحیح علی بن جعفر عن أخیه موسی بن جعفر (عن قوم اشتروا ظبیا فأكلوا منه جمیعاً و هم حرم ما علیهم ؟ قال: علی كل من أكل منهم فداء صید، كل إنسان منهم علی حدته فداء صید كاملاً) (4).
و مثلها الروایات الواردة في الاضطرار للصید إنه یأكله و یفدیه (5)و مثلها أیضاً الصحیح إلی ابن عمیر عمن ذكره عن أبي عبد اللّه قال: قلت له المحرم یصیب الصید فیفدیه أ یطعمه أم یطرحه قال: (یكون علیه فداء آخر قلت: فما یصنع به؟ قال یدفنه) (6).
و لا تعارض هذه الروایة بالروایات الدالة علی جواز أكل المحلّ مما اصطاده
..........
المحرّم إذ الحلیة للمحل لا تنافي ثبوت الفداء علی أكل المحرم له أو تمكینه الآخرین من الأكل و مثلها الصحیحة الأخری لابن أبي عمیر عن خلاد السري (1).
و منها ما دل علی ثبوت فداء مخصوص.
مثل صحیح أبان بن تغلب قال سألت أبا عبد اللّه عن محرمین أصابوا فراخ نعام فذبحوها و أكلوها فقال: (علیه مكان كل فرخ أصابوه و أكلوه بدنة یشتركون فیهن فیشترون علی عدد الفراخ و عدد الرجال) الحدیث (2).
و الصدوق روی الروایة بإسقاط كلمة (فذبحوها) و هي علی التقدیرین دالة علی وحدة الكفارة عند اجتماع القتل و الأكل لأن الإصابة بمعنی القتل و الصید و حینئذ تكون الروایة خاصة في فراخ النعام في مقابل الروایات السابقة العدیدة الدالة علی تعدد الكفارة كما هو مقتضی القاعدة أیضا فلا تصلح مستندا لقول الاردبیلي و تلمیذه. و موثق یوسف الطاطري قال قلت لأبي عبد اللّه صید أكله قوم محرمون؟ قال: (علیهم شاة شاة و لیس علی الذي ذبحه إلاّ شاة) (3).
و موثق أبي بصیر عن أبي عبد اللّه سألته عن قوم محرمین اشتروا صیداً فاشتركوا فیه فقالت رفیقة لهم اجعلوا لی فیه بدرهم فجعلوا لها فقال: (علی كل إنسان منهم شاة) (4).
..........
و صحیح زرارة قال سمعت أبا جعفر یقول: (من نتف إبطه أو قلم ظفره... أو أكل طعاماً لا ینبغي له أكله و هو محرم... و من فعله متعمداً فعلیه دم شاة) (1).
و حسنة الحارث بن المغیرة عن أبي عبد اللّه قال: سئل عن رجل أكل من بیض حمام الحرم و هو محرم. قال: علیه لكل بیضة دم، و علیه ثمنها سدس أو ربع. - الوهم من صالح - ثمّ قال: إن الدماء لزمته و هو محرم و إن الجزاء لزمه لأخذه بیض حمام الحرم (2).
و المفروض في مورد هذه الروایة تعدد الكفارة إلی ثلاث حیث أنه كسر البیض و هو محرم و اكله كذلك و كون البیض في الحرم. فهذه الروایة قد وحدت بین كفارة كسر المحرم و أكله، نظیر صحیحة أبان بن تغلب المتقدمة.
و بعبارة أخری إن الكفارة هنا اثبتت للأكل و هي شاة و لم تماثل كفارة كسر البیض فالحكم خاص بالمورد من جهتین، الأولی من جهة تغایر جنس الأكل مع كفارة اصابة الصید الثانية من جهة عدم تعدد كفارتهما. فیكون الحكم خاصاً ببیض حمام الحرم، إلاّ أن التعلیل في هذه الروایة یصلح لعموم ثبوت أصل الكفارة أو مطلق الكفارة للأكل.
ثمّ إن الجمع بین الطائفتین الأولیتین هو بحمل ما دل علی القیمة في موارد كون اصابة الصید كفارته القیمة، حیث لم ینص علی فداء خاص له. كما قیل في الإبل و الیحمور و الوعل و غیرها فیقید إطلاقها بخصوص مفاد الطائفة الثانية
(مسألة 216): من كان معه صید و دخل الحرم یجب علیه إرساله، فإن لم یرسله حتی مات لزمه الفداء، بل الحكم كذلك بعد إحرامه و إن لم یدخل الحرم علی الأحوط(1).
الواردة في الصید الذي عین لإصابته فداء خاص. اما الطائفة الثالثة فمفاد صحیحة زرارة ثبوت الشاة لأكل كل الصید، و یعضده موثق الطاطري و یؤیده موثق أبي بصیر و حینئذ فیحمل الفداء الذي في الطائفة الثانية علی الشاة.
نعم یبقی الكلام في النسبة بین الطائفة الثالثة و الأولی فهل هي التباین لیجمع بینهما بالتخییر، أو تلحظ النسبة بینهما بعد انقلاب النسبة بتوسط الطائفة الثانية، و هو إن لم یكن أقوی فهو أحوط. و الأظهر تماثل كفارة القتل و الأكل و تكررها و ذلك لدلالة روایات القیمة علی تماثل الاكل و القتل بعد حملها علی القیمي الذي لم یعین له فداء مخصوص و امكان حمل روایات الشاة علی كون فداء الصید ذلك و لو بقرینة ذكر كفارة الذبح في بعضها انه شاة و نظیره اكل بیض الحمام حیث في كفارة اكله شاة مضافاً إلی ما في صحیح خلاد أن في الأكل فداء آخر متكرر مع الاصابة و أما صحیح منصور فالقیمة الواحدة هي للحرم لا للإحرام. و كذلك صحیح علی بن جعفر فإن مفاده أن كفاء الأكل هو الفداء المقرر في الصید.
یقتضی أصل الحكم عموم الروایات المتقدمة المشیرة إلی عموم قوله تعالی: «وَ مَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا» (1)، و یدل علیه في خصوص المقام موثق ابن بكیر و صحیح بكیر قال سألت أحدهما عن رجل أصاب طیراً في الحل فاشتراه فأدخله الحرم فمات فقال ان كان حین أدخله الحرم خلی سبیله فمات ف فلا شيء علیه، و إن كان
1) آل عمران: 97.
(مسألة 217): لا فرق في وجوب الكفارة في قتل الصید و أكله بین العمد و السهو و الجهل(1).
(مسألة 218): تتكرر الكفارة بتكرر الصید جهلاً أو نسیاناً أو خطأً، و كذلك في العمد إذا كان الصید من المحل في الحرم، أو من المحرم مع تعدد الإحرام،
أمسكه حتی مات عنده في الحرم فعلیه الفداء) (1). مضافاً إلی ما تقدم من أن اصابة الصید في الحرم توجب ضمان القیمة علی المحل و المحرم و الامساك حتی الموت نوع من الاتلاف أما ذیل روایة أبي سعید المكاري فهي من عبارة الشیخ في شرح المقنعة. ثمّ إن ظاهر الروایة لزوم الفداء علی المُحلِّ و المحرم لإطلاق عنوان الرجل فیهما. نعم یبقی الكلام في ان مقتضی الروایة لزوم الفداء، و مقتضی ما تقدم من اصابة الصید في الحرم هو القیمة. و الظاهر حمل الفداء علی القیمة كما تقدم في روایات صید المحلّ في الحرم حیث تضمّن بعضها عنوان الفداء (2).
و أما المحرم فقد تقدم حرمة امساك الصید علیه مطلقاً كما حكی عن العلامة (3)الاجماع علی لزوم الفداء علیه و إن كان في الحلّ. و الوجه في ذلك ما ذكرناه من أنه اتلاف للصید فیندرج في اصابة الصید.
للنصوص المستثنیة له عن رافعیة الجهالة (4)
و أما إذا تكرر الصید عمداً من المحرم في إحرام واحد لم تتعدد الكفارة(1).
مقتضی القاعدة تكرّر كفارة الصید لعدم تداخل الاسباب و المسببات، مضافاً إلی تنصیص صحیحة معاویة بن عمار عن أبي عبد اللّه في المحرم یصیب الصید. قال: (علیه الكفارة في كلِّ ما أصاب) (1).
و خصص هذا العموم بقوله تعالی: «وَ مَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ ... لِیَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ عَفَا اللّه عَمّا سَلَفَ وَ مَنْ عادَ فَیَنْتَقِمُ اللّه مِنْهُ» (2).
و مورد الآیة ما إذا أرتكب قتل الصید مرتین عمداً لأخذ العمد في صدر الآیة، و التعبیر في ذیلها بالعود و الانتقام. لكن الكلام في معنی العمد هل هو أن یقتله و هو ذاكر لإحرامه أو عالم أن ما یقتله مما یحرم علیه قتله، فلو كان ناسیاً لإحرامه أو جاهلاً بالحكم فیصدق علیه أنه مخطئ كما ذكر ذلك في الكشاف؟ أو أن العمد هو العمد للقتل و إن كان ناسیاً لإحرامه، فالمتعمد یعمّ الجاهل و العالم بالحكم كما ذكر ذلك في مجمع البیان.
و الأظهر ما ذكره الكشاف، و الفاضل الجواد في مسالكه، و البیضاوي في تفسیره، و كثیر من المفسرین، و ذلك لأخذ معنی الإثم في العمد و هو لا یتحقق مع نسیان الحكم أو الجهل به.
و تعریف العمد و إن طلق في كثیر من كلمات اللغويین أنه مطلق القصد و إرادة الشيء عن التفات، إلاّ أن الأقوی هو ما ذكرناه كما یلاحظ فی
..........
موارد استخدامه. مضافاً إلی القرینة في خصوص المقام من ذكر الانتقام و هو في موارد تنجیز الحكم و كون الاصطیاد في حاله ذكر الإحرام.
نعم في صدق العمد مع الجهل أو الجهل القصوري أو ناسي الحكم دون الإحرام إشكال كما وقع الكلام فیه في كتاب الصوم.
و بعبارة أخری: إن كان العمد مضافاً و مسنداً للقتل المقید بحالة الإحرام كما هو ظاهر الآیة فلا یصدق مع نسیان الإحرام و لكن یصدق مع نسیان الحكم و الجهل به، و إن كان العمد مضافاً و أسند للإحرام أي الفعل بوصف الحرمة - فلا یصدق مع الجهل بالحكم و نسیانه، نظیر التردید في باب الصوم من أن العمد مضافاً للأكل و الفعل في الصوم أو إلی الفعل بعنوان المفطر أو الفعل بما هو حرام فالاختلاف منشؤه الاختلاف في استظهار العنوان المضاف إلیه العمد و إلا فالعمد هو قصد الشيء و اختیاره و التوجه إلیه زائداً علی الفعل الاختیاري، و الأظهر إضافة العمد إلی الفعل بقید الإحرام أن الظاهر من الإحرام هو حالة تحریم التروك فلا یصدق مع الجهل المركب و لا مع الجهل القصوري و علی كل تقدیر فالمورد الخارج عن العموم بالآیة هو ما إذا تكرر العمد.
و یدل علی تخصیص العموم أیضاً صحیح الحلبي عن أبي عبد اللّه قال (المحرم إذا قتل الصید فعلیه جزاءه و تصدّق بالصید علی مسكین، فإن عاد فقتل صیداً آخر لم یكن علیه جزاء و ینتقم اللّه منه، و النقمة في الآخرة) (1).
و مثله الصحیح إلی ابن أبي عمیر إلی بعض أصحابه عن أبي عبد اللّه
1) أبواب كفارات الصید، ب48، ح1.
..........
قال (إذا صاب المحرم الصید خطأ فعلیه الكفارة فإن أصابه ثانیاً خطأ فعلیه الكفارة أبداً إذا كان خطأ فإن أصابه متعمداً كان علیه الكفارة فإن أصابه ثانیاً متعمداً فهو ممن ینتقم اللّه منه و النقمة في الآخرة و لم یكن علیه كفارة) (1).
و صحیح حفص الاعور عن أبي عبد اللّه (2)و قد اشتمل علی نفس التفصیل و بهذه الروایات یندفع ما ذهب إلیه جماعة منهم الشیخ في بعض كتبه و العلامة في المختلف و ابن الجنید من عدم سقوط الكفارة في المتعمد بدعوی أن الانتقام في الآخرة لا ینافي ثبوت الكفارة و منع كون التقسیم و المقابلة في الآیة یقتضی قطع الشركة. و هذا القول مضافاً إلی ضعفه في قبال تنصیص الروایات أن نقمة الأخری لا تجتمع مع الكفارة في الدنیا كما ورد في الحدود من أن اللّه لا یجمع بین عقوبتین في الدنیا و الآخرة أي الجمع بین تشریع العقوبة في الدنیا و الجزاء بها في الآخرة فلا ینافي موارد تعجیل العقوبة التكوینیة في الدنیا مع عذاب الآخرة.
ثمّ إن ظاهر صحیح الحلبي و إن لم یؤخذ في القتل الاول قتل العمد إلاّ أنه بقرینة عدم أخذه لفظاً في الصید الثاني أي التسویة بین التعبیر في الصید الاول مع الصید الثاني یظهر كون المراد منهما متحداً و هو كون الصید عمدیاً لا سیما و أن الصحیحة في طریق آخر قد صرح فیها بذكر الآیة التي موردها ذلك.
(مسألة 219): یحرم علی المحرم الجماع أثناء عمرة التمتع، و أثناء العمرة المفردة، و أثناء الحج، و بعده قبل الإتیان بصلاة طواف النساء(1).
و یدلّ علیه قوله تعالی: «الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِیهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَ لا فُسُوقَ وَ لا جِدالَ في الْحَجِّ» (1)و هي دالة علی الحرمة في إحرام الحج سواء كان في التمتع أو غیره و بالتالي تندرج عمرة التمتع فیه لكون فرض الحج ینشأ بها و یدل علی اطلاق الحكم في العمرة المفردة عدة طوائف من الروایات.
منها: ما دل علی لزوم طواف النساء في مطلق النسك حتی المفردة و أن بدونه لا یمكن التحلل من النساء إلاّ به (2).
و منها: ما دل علی تحریم النساء علی المحرم مطلقاً (3).
و منها: ما دل علی ثبوت الكفارة في لاستمتاع بالنساء (4)و غیرها من الطوائف.
أما امتداد الحرمة إلی صلاة الطواف فمبني علی جزئیة الصلاة في الاعمال، و هو خلاف المشهور كما سیأتي.
(مسألة 220): إذا جامع المتمتع أثناء عمرته قبلا أو دبرا عالما عامدا، فان كان بعد الفراغ من السعي لم تفسد عمرته، و وجبت علیه الكفارة و هي علی الأحوط جزور، و مع العجز عنه بقرة، و مع العجز عنها شاة و ان كان قبل الفراغ من السعي فكفارته كما تقدم، و لا تفسد عمرته أیضاً علی الأظهر، و الأحوط إعادتها قبل الحج مع الإمكان، و إلاّ أعاد حجه في العام القابل(1).
و الأولی: تحریر البحث في هذه المسألة في مطلق العمرة، ثم البحث عن خصوص عمرة التمتع.
قال المجلسي في ملاذ الأخیار: و مذهب الأصحاب أن من جامع في إحرام العمرة قبل السعي فسدت عمرته، و علیه بدنة و قضاؤها و لا نعلم فیه مخالف بل ظاهر عبارة المنتهی أنه موضع وفاق. و نقل عن ابن أبي عقیل التوقف، و خص الشیخ هنا الحكم بالمفردة، و ظاهر الاكثر عدم الفرق بینهما و بین المتمتع بها، و لم یذكر الشیخ و الاكثر وجوب اتمام العمرة الفاسدة و قطع العلامة في القواعد و الشهیدان و غیرهما بالوجوب انتهی. و مال إلیه صاحب الجواهر بل استظهر أن یكون الفساد في العمرة تجوزاً كما هو في الحج، و أن العمرة الثانية عقوبة و الأولی هي الفرض و اختاره صاحب الحدائق قبله (1)، و قال ابن سعید في الجامع (و اذا جامع في عمرة مبتولة قبل الطواف أو السعي فعلیه بدنة و اتمامها و العمرة في الشهر الداخل) في الغنیة و الاصباح و المختصر النافع لم یعبروا بإفساد العمرة ب-ل ذكروا لزوم الكفارة و إعادة العمرة في الشهر اللاحق (2). لكن الظاهر من
..........
المشهور عدم فساد النسك بمعنی البطلان و إن استظهره غیر واحد من كلماتهم، و ذلك بشهادة ما ذكروه في مسألة من افسد نسكه بالجماع ثمّ احصر كان علیه بدنة، للافساد و دمٌ للإحصار مما یدل علی أنه لا یخرج من إحرامه بالجماع بل یبقی علیه و لا یتحلل إلاّ بالمضي و اتمام النسك. ذكر ذلك في الشرائع في الحج في ذیل ترك الاستمتاع، و عطف صاحب الجواهر علی نفس الفرض فیما لو اعتمر و كذا ما ذكروه من تكرر كفّارة الوطي بتكرر الوطء . قال في الغنیة: و لیس للمخالف أن یقول إن الحج قد فسد بالوطي الأول، و الثاني لم یفسده فلا یجب به كفارة لأنه و إن فسد بالاول فحرمته باقیة بدلیل وجوب المضي فیه فتعلقت الكفارة بالمستأنف منه. انتهی.
و الظاهر عدم اختصاص ذلك بالحج و شموله للعمرة. كما اطلق ذلك الشهید في الدروس (1)و قال في الانتصار و مما انفردت به الامامیة القول بأن الجماع إذا تكرر من المحرم تكررت الكفارة سواء كان ذلك في مجلس واحد أو في أماكن كثیرة و سواء كفَّر عن الأول أو لم یكفر و خالف باقي الفقهاء في ذلك. نعم في ذیل استدلاله یظهر أن كلامه في الحج.
أما الروایات الواردة في المقام:
فصحیح برید بن معاویة البجلي قال: سألت أبا جعفر عن رجل اعتمر عمرة مفردة فغشي أهله قبل أن یفرغ من طوافه و سعیه. قال: علیه بدنه لفساد عمرته و علیه أن یقیم إلی الشهر الآخر فیخرج إلی بعض المواقیت فیحرم بعمرة.
1) الدروس 370 :1.
..........
و صحیح مسمع عن أبي عبد اللّه في الرجل یعتمر مفردة، ثمّ یطوف بالبیت طواف الفریضة ثمّ یغشی أهله قبل ان یسعی بین الصفا و المروة، قال: قد افسد عمرته علیه بدنة و علیه أن یقیم بمكة (1)حتی یخرج الشهر الذي اعتمر فیه، ثمّ یخرج إلی الوقت الذي وقته رسول اللّه لأهله فیحرم منه و یعتمر (2).
و التقیید ب-(یقیم بمكة محلاً) في روایة الكلیني و الشیخ دون الصدوق، و قد یستظهر من هذا التقیید الاحلال بفساد العمرة مضافاً إلی ظهور الفساد في البطلان كما نص علیه الشیخ في المبسوط، و العلامة في بعض كتبه، و نسب إلی المشهور، و لكن لم نقف علی التعبیر بالبطلان عند كثیر من المتقدّمین، بل بعضهم لم یعبر بالفساد أیضاً، و قد عرفت ان بعضهم نص علی الاتمام و الصحیح أن الافساد هنا في الروایات لیس بمعنی البطلان بل بمعنی النقصان، و یشهد لذلك عدّة قرائن: منها: جملة متقدمة في (مسألة 10) من فصل النیابة.
و منها: ما ورد في صحیح أبي بصیر أنه سأل الصادق عن رجل واقع امراته و هو محرم. قال: علیه جزور كوماء. فقال لا یقدر. فقال ینبغي لأصحابه أن یجمعوا له و لا یفسدوا حجه (3). فقد أسند الإفساد هنا إلی ترك الكفارة.
و منها: ما تكرر التعبیر بالافساد في من جامع قبل الموقف في الحج مع إرادة النقصان دون البطلان كما مرّ و أن حجته هي الأولی و الثانية عقوبة.
..........
و منها: أن من لبّي فقد احرم و لا یتحلل من إحرامه إلاّ بالنسك، و غایة ما في هذه الروایات هو إسناد الفساد إلی النسك من دون إسناده إلی الإحرام. و الإحرام في النسك بمنزلة الطهارة في الصلاة أي أنه شرط في صحتها من دون أن تكون هي شرط، في صحته، كما بنوا علی ذلك في العدید من الموارد، كمن احرم للحج ففاته الموقفان فإنه یتحلل بعمرة مفردة.
و منها: أن تقیید الإقامة بالإحلال لدفع وهم كون الإقامة الواجبة لقضاء النسك، و الاحتباس به موجب لبقاء حالة الإحرام و عدم التحلل من النسك السابق الذي وقع فیه الجماع، نظیر توهم البقاء علی الإحرام بعد عمرة التمتع للاحتباس بالحج، كما ذهب إلی ذلك جملة من العامة. فلم یسند الاحلال في الروایة السابقة إلی فساد العمرة، بل إن مقتضی وصف خصوص الاقامة بالاحلال كون الحالة السابقة هي الإحرام و لا یتحلل منها إلاّ باتیان النسك.
و منها: الامر بالفصل بین العمرتین بشهر، سواء حمل الامر المزبور علی الندب كما هو الصحیح و ذهب إلیه الفاضلان و جماعة أو حمل علی الوجوب فإنه دال، علی الاعتداد بالنسك السابق، و حملُ الفصل علی التعبدية في خصوص المقام و إن كانت العمرة السابقة قد بطلت لیس بأولی من جعل ذلك قرینة علی حمل لفظة الفساد علی النقصان.
و منها: ما سیأتي من امكان اطلاق ما دلّ علی الصحة في عمرة التمتع بالجماع قبل التقصیر. و دعوی اختلاف حكم العمرتین مدفوعٌ بأن عمرة التمتع هي عمرة مفردة أدخلت في الحج فمن ثمّ اعتبر فیها كل ما اعتبر في المفردة إلاّ ما أخرجه الدلیل كسقوط طواف النساء و نحو ذلك.
..........
فتحصل أن اللازم في المفردة وجوب الاتمام و إن وجب علیه الاتیان بعمرة أخری عقوبة و التكفیر ببدنة. كما أن غایة ما دلت علیه الروایات السابقة انما هو في من جامع قبل السعي، و أما من جامع بعده و قبل التقصیر فیلزمه بدنة من دون لزوم القضاء لإطلاق ما دل علی لزوم التكفیر ببدنة بالجماع كصحیح أبي بصیر المتقدم و غیره (1).
اما الكلام في عمرة التمتع فالتفصیل في وجوب قضاء العمرة بالجماع في الأولی قبل السعي لا بعده كما مرّ في المفردة بعد كون الحكم في المتعة هو الحكم في المفردة إلاّ ما أخرجه الدلیل.
و یدل علی الصحة اختصاص الكفارة بالبدنة دون قضاء العمرة فیما كان الجماع قبل التقصیر، صحیح الحلبي أنه قال سألت ابا عبد اللّه عن متمتع طاف بالبیت و بین الصفا و المروة و قبل امرأته قبل أن یقصر من رأسه؟ قال: (علیه دم یهریقه، و إن كان الجماع فعلیه جزور أو بقرة) (2).
و صحیح معاویة بن عمار سألت أبا عبد اللّه عن متمتع وقع علی أهله قبل أن یقصر قال (ینحر جزور، و قد خشیت أن یكون قد ثلم حجه) (3)
و قد أستدل بمفهوم هذه الروایة بأنه لو كان الجماع قبل السعي و الطواف لوقع ما كان یخشی و هو الثلم (4).
(مسألة 221): إذا جامع المحرم للحج امرأته قبلا أو دبرا عالما عامدا قبل الوقوف بالمزدلفة وجبت علیه الكفارة و الإتمام و إعادة الحج من عام قابل سواء كان الحج فرضا أم نفلا، و كذلك المرأة إذا كانت محرمة و عالمة بالحال و مطاوعة
و فیه: أن الثلم بمعنی النقص لا الفساد فهو أدل علی الصحة لا الفساد. هذا كله في صحة أو فساد العمرة.
إما كون الكفّار مرتبة بین البدنة فإن لم یقدر فالبقرة فإن لم یقدر فالشاة فقد استشكل فیه بأن في ظاهر صحیح الحلبي الآخر عن أبي عبد اللّه (.. و إن جامع فعلیه جزور أو بقرة). و في معتبرة ابن مسكان عن أبي عبد اللّه قال: قلت: متمتع وقع علی امراته قبل أن یقصر. فقال: علیه دم شاة و التخییر بین الامور الثلاثة.
و في موثق أو روایة اسحاق بن عمار عن أبي الحسن موسی : (... إن كان موسراً و كان عالماً أنه لا ینبغي له و كان هو الذي امرها بالإحرام فعلیه بدنة و إن شاء بقرة و إن شاء شاة... و إن كان امرها و هو معسر فعلیه دم شاة أو صیام) (1).
و الصحیح هو الترتیب كما علیه المشهور لصحیح عليّ بن جعفر عن أخیه - في حدیث - قال: (فمن رفث فعلیه بدنة ینحرها و إن لم یجد فشاة) (2)
له علی الجماع، و لو كانت المرأة مكرهة علی الجماع لم یفسد حجها، و تجب علی الزوج المكره كفارتان، و لا شيء علی المرأة، و كفارة الجماع بدنة مع الیسر و مع العجز عنها شاة، و یجب التفریق بین الرجل و المرأة في حجتهما، و في المعادة إذا لم یكن معهما ثالث إلی أن یرجعا إلی نفس المحل الذي وقع فیه الجماع، و إذا كان الجماع بعد تجاوزه من منی إلی عرفات لزم استمرار الفصل بینهما من ذلك المحل إلی وقت النحر بمنی، و الأحوط استمرار الفصل إلی الفراغ من تمام أعمال الحج(1).
و حسنة خالد بیاع القلانس قال: سألت ابا عبد اللّه عن رجل أتی أهله و علیه طواف النساء. قال: (علیه بدنة). ثمّ جاءه آخر فسأله عنها فقال: (علیك بقرة). ثمّ جاءه آخر فسأله عنها. فقال: (علیه شاة). فقلت بعد ما قاموا اصلحك اللّه كیف قلت علیه بدنة؟ فقال: (انت موسر و علیك بدنة، و علی الوسط بقرة، و علی الفقیر شاة) (1)، و ذیل روایة إسحاق المتقدم لا تخلو من إشعار أو دلالة علی الترتیب أیضاً.
و یؤیده ما یأتي في من أمنی و موثق (2)أبي بصیر من الترتیب بین الثلاثة.
و تشتمل المسألة علی خمس جهات:
الجهة الأولی: في ثبوت الكفارة..
و حكی صاحب الحدائق للأصحاب قولین فیها احدهما كونها ترتیبیة كما في العمرة، و الآخر: رتب بین البدنة ثمّ التخییر بین البقرة و الشاة. و تأمل بعض الاعلام في الاجتزاء بالبقرة في الكفارة.
..........
أقول: و یدل علی الترتیب و الاجتزاء بالبقرة ما تقدم في الترتیب في العمرة حیث أن موضوع الروایات المتقدمة هي مطلق المحرم، مضافاً إلی أن ما ورد في عمرة التمتع ظاهر في أن الكفارة لأجل الخدش في حج التمتع.
الجهة الثانية: وجوب اتمام الحج الذي بیده، و قد تقدم في النائب إذا افسد حجه جملة من الروایات دالة علی ذلك (1)، و أن حجته هي الأولی و الثانية عقوبة. مضافاً إلی ما ذكرناه من مقتضی القاعدة و أن الافساد بمعنی النقص.
الجهة الثالثة: وجوب الحج علیه من قابل و تدل علیه الروایات المتقدمة.
الجهة الرابعة: في وجوب التفریق بینهما من موضع الجماع إلاّ أن الخلاف قد وقع في منتهی حدّ التفریق. و قد نسب الإجماع علی التفریق في حجة القضاء و الخلاف في الحجة الأولی و قال الشریف المرتضی فإن من وطأ عامداً زوجته أو أمته فأفسد بذلك حجه یفرق بینهما .انتهی.
و الظاهر التعمیم للأمة، و حكی عن الصدوق و الفاضلین وجوب التفریق في الحجة الثانية إذا سلكا نفس الطریق و إلاّ فلا و مستندهم. صحیح الحلبي الآتي. و العمدة التعرض إلی الروایات و هي علی السن.
فمنها: ما دل علی أن منتهی التفریق هو المحل الذي اصابا فیه الجماع كصحیح معاویة بن عمار قال: سألت ابا عبد اللّه .. و إن لم یكن جاهلاً فإن علیه ان یسوق بدنة و یفرّقا بینهما حتی یقضیا المناسك و یرجعا إلی المكان الذي
1) أبواب كفارات الاستمتاع، ب3.
..........
اصابا منه ما اصابا و علیه الحج من قابل) (1)و ظاهرها وجوب التفریق في الحجة الأولی من دون التعرض للحجة الثانية.
و مثلها صحیح زرارة قال سألته... قال: (.. و ان كانا عالمین فرق بینهما من المكان الذي احدثا فیه و علیهما بدنة و علیهما الحج من قابل، فإذا بلغا المكان الذي احدثا فیه فرق بینهما حتی ینقضا نسكهما و یرجعا إلی المكان الذي اصابا منه ما اصابا) (2)و صریح هذه الروایة وجوب التفریق في كلتی الحجتین و لا ینافیها الروایة السابقة و نظائرها مما لم یتعرض لوجوب التفریق في الحجة الثانية. نعم ظاهرها شرطیة المرور علی المكان الذي احدثا فیه.
و مثلهما صحیح الحلبي عن أبي عبد اللّه في حدیث ... و یفرق بینهما حتی ینفر الناس و یرجعا إلی المكان الذي اصابا منه ما أصابا. قلت: أ رأیت إن أخذا في غیر ذلك الطریق إلی ارض اخری یجتمعان؟ قال: (نعم).. الحدیث (3). و هي صریحة في اشتراط التفریق في الحجة الثانية في سلوك نفس الطریق و مثله في خصوص ذلك روایة محمد بن مسلم (4). و مثل هذه الروایات صحیحة سلیمان بن خالد (5).
و منها: ما دل علی ان منتهی التفریق هو بلوغ الهدي محله، كصحیح معاویة
..........
ابن عمار الآخر عن أبي عبد اللّه في المحرم یقع علی اهله فقال: (یفرق بینهما و لا یجتمعان في خباء إلاّ ان یكون معهما غیرهما حتی یبلغ الهدي محله) (1).
و هذه الصحیحة دالة علی تعمیم الحكم للامة كما ذكر السید المرتضی و غیره. كما ان هذه الصحیحة تفید أن معنی التفریق هو حرمة الخلوة.
و منها: ما حدد بكون منتهی التفریق مكة. كروایة علي بن أبي حمزة قال: سألت ابا الحسن (.... و یفترقان من المكان الذي كانا فیه ما كان حتی ینتهیا إلی مكة و علیهما الحج من قابل لا بد منه. قال قلت: فإذا انتهیا إلی مكة فهي امرأته كما كانت؟ فقال: نعم هي امرأته كما هي فإذا انتهیا إلی المكان الذي كان منهما ما كان افترقا حتی یحلا فإذا احلا فقد انقضی عنهما فإن أبي كان یقول ذلك) (2).
و ظاهر هذه الروایة و إن كان مجرد بلوغ مكة و إن لم یأتيا بالأعمال إلاّ أنه حیث عبّر في الذيل بیحلا دلّ علی أن المراد إتمام الأعمال في مكة.
و التدافع بین الروایات لیس في الحد المكاني فقط، بل في الحد الزماني أیضاً.
و قد جمع بینهما بحمل الحد الزائد علی الاستحباب و أن اللازم هو بلوغ الهدي محله.
و فیه: و إن كان متینا إلاّ أنه یرد علیه، أن محل الاصابة لیس من الضروري أن یكون متأخراً عن منی، إذ قد یكون محل الاصابة قبل منی كما لو كان في المزدلفة، فبین الحدین عموم و خصوص من وجه
..........
و قیل بأن صحیح الحلبي المتقدم أخصّ بالنسبة إلی كل من الطائفتین فیخصص الطائفة الثانية و تنقلب النسبة بینهما و بین الأولی و النتیجة التفصیل بینما إذا وقع الجماع قبل منی فیكون هو المنتهی، و ما إذا وقع بعدها فیكون المنتهی منی، و بالتالي سیكون المدار علی اقصی الحدین، و هو موافق للاحتیاط. إلاّ أن الكلام في كون صحیح الحلبي أخص فإن ذكر الاصابة بعد النفر لا یستلزم تأخر موضع الاصابة عن منی لیدل علی أن موضع الاصابة كان قبل منی من ناحیة مكة.
نعم الروایة دالة علی لزوم تحقق القیدین فتكون النتیجة مفادها لزوم اقصی الحدین فتكون نسبتها مع الطائفتین نسبة الخصوص المطلق إن لوحظت النسبة بین الادلة بلحاظ المحمول أیضاً لا الموضوع فقط.
و قد یقال أن الغایة حیث انها سبب الحلیة و النسبة بینهما من وجه فمقتضی القاعدة الجمع بینهما ب-(أو) كما في حد الترخص في التقصیر. إلاّ أن هذا و إن كان مقتضی القاعدة في الجمع بین الاسباب الواردة علی مسبب واحد، إلاّ أن خصوص صحیح الحلبي دالة علی أن الجمع بینهما جمعٌ واوي.
الجهة الخامسة: لو اكره الزوج زوجته تضاعفت علیه الكفارة، و انتفت عنها الكفارة، و یدل علیه صحیح معاویة بن عمار قال سألت ابا عبد اللّه عن رجل [محرم] وقع علی اهله فیما دون الفرج. قال: (علیه بدنة، و لیس علیه الحج من قابل. و إن كان استكرهها فعلیه بدنتان و علیه الحج من قابل) (1).
1) أبواب كفارات الاستمتاع، ب7، ح1.
..........
و مثلها روایة علي بن أبي حمزة قال سألت ابا الحسن ... و إن كان استكرهها. قال: (فعلیة بدنتان..) (1).
و في صحیح سلیمان ابن خالد و إن كانت المرأة لم تُعن بشهوة و استكرهها صاحبها فلیس علیها شيء (2)و مثلها صحیح الحلبي (3)
ثمّ ان انتفاء الكفارة عن المرأة علی وفق القاعدة أیضاً، و أما لو كانت هي مكرهة - بالكسر - و الرجل مكرَه - بالفتح - فانتفاء الكفارة عنه علی مقتضی قاعدة رافعیة الاستكراه. و أما تحملها للكفارة عنه فلا دلیل علیه، كما هو الحال في باب الصوم نعم لو كان الزوج المكرِه بالكسر - محلاً فتحتمل عنها الكفارة لظهور النصوص السابقة في كون موضوع التحمل كونها محرمة. مضافاً إلی خصوص موثق إسحاق بن عمار المتقدم قال: قلت لأبي الحسن موسی : عن رجل وقع علی أمة له محرمة... الحدیث (4).
و نظیر البحث في المقام التعمیم في باب الصوم.
ثمّ إن فساد الحج و العمرة یأتي فیه القولان و ثبوت الكفارة علی الجماع الظاهر عدم اختصاصه بجماع الحلیلة بل یعم الزنا لظهور أخذ المرأة و الاهل في الروایات من باب الغلبة . و یؤیده أخذ مطلق الرفث في صحیح علی بن جعفر
(مسألة 222): إذا جامع المحرم امرأته عالما عامدا بعد الوقوف بالمزدلفة، فان كان ذلك قبل طواف النساء وجبت علیه الكفارة علی النحو المتقدم، و لكن لا تجب علیه الإعادة، و كذلك إذا كان جماعه قبل الشوط الخامس من طواف النساء، و أما إذا كان بعده فلا كفارة علیه أیضاً(1).
المتقدم في ثبوت كفارة البدنة. كما استظهره العلامة في القواعد. قال في الانتصار: و مما ظن انفراد الامامیة به القول بأن المُحرم إذا تلوّط بغلام أو أتی بهیمة أو أتی امرأة في دبرها فسد حجه و علیه بدنة، و أن ذلك جاري مجری الوطء في القبل. و نظیره في الخلاف (1). و كذا في تذكرة الفقهاء (2).
تعرض الماتن إلی ثبوت كفارة البدنة للجماع بعد الوقوف بالمزدلفة، و قبل الشوط الخامس من طواف النساء، و عدم وجوب الحج علیه من قابل.
أما الأخیر فلأن ثبوت الإعادة من قابل یحتاج إلی دلیل، هذا مع تقیید النصوص المتضمنة للإعادة بالجماع قبل المزدلفة، و الظاهر تقیید الإعادة بقبلیة المزدلفة، فلو وقع الجماع في المزدلفة و لو لیلاً فلا یفسد حجه و لا إعادة علیه لعدم شمول النصوص له و تقیدها بقبل أن یأتي المزدلفة. اما ثبوت البدنة فیدل علیه جملة من النصوص ، كصحیح معاویة بن عمار (3). و صحیح العیس (4). و حسنة أبي خالد
..........
القماط (1). و كذا حسنة خالد بیاع القلانس المتقدّمة (2). و صحیح علي بن جعفر (3). و معتبرة زرارة (4).
أما تحدید ذلك بقبل الشوط الخامس من طواف النساء فیدل علیه صحیحة حمران بن أعین عن أبي جعفر قال: سألته عن رجل كان علیه طواف النساء وحده فطاف منه خمسة أشواط ثمّ غمزه بطنه فخاف أن یبدره، فخرج إلی منزله فانقض ثمّ غشی جاریته. قال: (یغتسل ثمّ یرجع فیطوف بالبیت طوافین تمام ما كان قد بقی علیه من طوافه و یستغفر اللّه و لا یعود، و إن كان طاف طواف النساء فطاف منه ثلاثة أشواط ثمّ خرج فغشی فقد أفسد حجه و علیه بدنة و یغتسل، ثمّ یعود فیطوف أسبوعاً) (5).
و الظاهر من الروایة التفصیل بلحاظ نصف الطواف و التقیید بالخمسة في فرض السائل لدلالة استثناء الذيل علی كون ما قبل النصف هو منتهی حد ثبوت الكفارة.
أما التعبیر في الذيل بإفساد الحج فقد یوهم بلزوم الإعادة من قابل و لكن قد تقدم من أن الإفساد لیس بمعنی البطلان و انما بمعنی النقصان كما ورد في معتبرة
(مسألة 223): من جامع امرأته عالما عامدا في العمرة المفردة وجبت علیه الكفارة علی النحو المتقدم، و لا تفسد عمرته إذا كان الجماع بعد السعي، و أما إذا كان قبله بطلت عمرته أیضاً، و وجب علیه أن یقیم بمكة إلی شهر آخر ثمّ یخرج إلی أحد المواقیت و یحرم منه للعمرة المعادة، و الأحوط إتمام العمرة الفاسدة أیضاً(1).
(مسألة 224): من أحل من إحرامه، إذا جامع زوجته المحرمة وجبت الكفارة علی زوجته، و علی الرجل أن یغرمها، بناء علی ما روي و الكفارة بدنة(2).
أبي بصیر أن من لم یكفّر ببدنه قد افسد حجه (1). و لیس إفساد الحج بترك كفارة البدنة موجب لإعادة الحج من قابل.
قد تقدم الكلام فیها مفصلاً في المسألة 220.
و یدل علیه صحیح أبي بصیر قال: قلت لأبي عبد اللّه : رجل احل من إحرامه و لم تحل امرأته فوقع علیها. قال: (علیها بدنة یغرمها زوجها) (2). حیث لم یقیّد السائل الوقاع باكراه الزوج فیدل علی كون الفرض اعم من الاكراه.
و یدعم التعمیم ما تقدم من موثق إسحاق بن عمار - علی الأقوی - عن رجل محل وقع علی أمة له محرمة... فقال : (إن كان موسراً و كان عالماً أنه لا ینبغي له و كان هو الذي أمرها بالإحرام فعلیة بدنة) (3). إلاّ أن ظاهر الموثق ثبوت
(مسألة 225): إذا جامع المحرم امرأته جهلا أو نسیانا صحت عمرته و حجه، و لا تجب علیه الكفارة، و هذا الحكم یجري في بقیة المحرمات الآتیة التي توجب الكفارة، بمعنی أن ارتكاب أي عمل علی المحرم لا یوجب الكفارة إذا كان صدوره منه ناشئاً عن جهل أو نسیان، و یستثنی من ذلك موارد:
1 - ما إذا نسی الطواف في الحج و واقع أهله، أو نسي شیئا من السعي في عمرة التمتع فاحل لاعتقاده الفراغ من السعي، و ما إذا أتی أهله بعد السعي و قبل التقصیر جاهلا بالحكم.
2 - من أمر یده علی رأسه أو لحیته عبثا فسقطت شعرة أو شعرتان.
3 - ما إذا دهن عن جهل، و یأتي جمیع ذلك في محالها(1).
الكفارة علی الرجل. و یشهد للإطلاق في صحیح أبي بصیر التعبیر فیه بثبوت الكفارة علی المرأة غایة الأمر أن الزوج یغرم عن أدائها. فلو كان الفرض كونها مكرهة لما ثبت علیها الكفارة، بل علیه دونها إذا قد مر في النصوص المتقدمة أن المكرهة لیس علیها شيء . إلاّ أن بین موثق إسحاق و صحیح أبي بصیر اختلاف حیث أن مفاد الأول تحمل الرجل المحل الكفارة عن أمته، و لعل الوجه فیه تحمل السید كفارات الإحرام عن عبده.
و یدل علیه عموماً صحیح عبد الصمد بن بشیر عن أبي عبد اللّه في حدیث أن رجلاً أعجمیاً دخل المسجد یلبي و علیه قمیصه فقال لأبي عبد اللّه اني كنت رجلاً اعمل بیدي و اجتمعت لي نفقة فجئت أحج لم اسأل احداً عن شيء و افتونی هؤلاء أن اشق قمیصي و انزعه من قبل رجلي، و ان حجي فاسدٌ و ان علی بدنة، فقال له: (متی لبست قمیصك، ابعد ما لبیت أم قبل؟) قال: قبل أن ألبي، قال: (فأخرجه من رأسك، فانه لیس علیك بدنة و لیس علیك الحج من قابل)
..........
أي رجل ركب امراً بجهالة فلا شيء علیه، طف بالبیت سبعاً وصلی ركعتین عند مقام إبراهیم و اسع بین الصفا و المروة و قصّر من شعرك فاذا كان یوم الترویة... الخ) (1). و كذلك یدل علیه عموم حدیث الرفع و یدل بالخصوص في الجماع جملة من الروایات كصحیح معاویة بن عمار عن أبي عبد اللّه (... إن كان جاهلاً فلیس علیه شيء ، و إن لم یكن جاهلاً..) (2). فقد قابلت بین الحالتين و جعلت الاعادة من قابل و البدنة في صورة العلم. و مثله صحیح زرارة (3).
ثمّ إنه قد عرفت أن الاعادة في العمرة المفردة أو الحج لیس من باب البطلان بل هي كفارة و عقوبة فترتفع بالجهالة أیضاً، و لو بنی علی البطلان فیهما أو احدهما فقد عرفت أیضاً ان الفساد في روایات الحج خصص بالعلم و نفي عن الجهل.
و أما في روایات العمرة فقد علل ثبوت البدنة لفساد العمرة الدال علی انتفاء الفساد بانتفاء البدنة، أي اختصاص الفساد بالعلم كما في صحیح برید العجلي (4). اما موارد الاستثناء فستأتي في محلها.
(مسألة 226): لا یجوز للمحرم تقبیل زوجته عن شهوة، فلو قبلها و خرج منه المنی فعلیه كفارة بدنة أو جزور، و كذلك إذا لم یخرج منه المنی علی الأحوط، و أما إذا لم یكن التقبیل عن شهوة فكفارته شاة(1).
فصّل جملة من الأصحاب بین التقبیل بشهوة و التقبیل بغیر شهوة فأثبتوا كفّارة الشاة في الثاني و البدنة و الجزور في الأول و اطلقوا في الأول سواء أمنی أو لم یمني. نعم قیّد في كلمات بعضهم بالامناء كالمقنعة و الحليّ.
و الصحیح: هو التفصیل الأول كما سیظهر من جمع الروایات التي في المقام.
منها: صحیح الحلبي قال سألته عن المحرم یضع یده... قلت: المحرم یضع یده بشهوة قال: (یهریق دم شاة) قلت: فإن قبل؟، قال: (هذا أشد ینحر بدنة) (1).
و منها: صحیحة مسمع أبي سیّار قال لي أبو عبد اللّه : (یا ابا سیّار إن حال المحرم ضیقة فمن قبّل امراته علی غیر شهوة و هو محرّم فعلیة دم شاة، و من قبّل امرأته علی شهوة فأمنی فعلیة جزور و یستغفر ربه... ) (2)الحدیث.
و في روایة علی بن أبي حمزة عن أبي الحسن قال سألته عن رجل قبل امرأته و هو محرم؟ قال: علیه بدنة و ان لم ینزل، و لیس له أن یأكل منها) (3).
(مسألة 227): إذا قبل الرجل بعد طواف النساء امرأته المحرمة فالأحوط أن
و اشكل بالتعارض بین صحیحة الحلبي و صحیح مسمع حیث قید كفارة الجزور بالتقبیل بشهوة مع الإمناء بینما أطلق ذلك في صحیح الحلبي فهل یحمل المطلق علی المقید أم یعمل بكل منهما؟ و الصحیح عدم التدافع بین المدلولین من رأس، و لو سلم فلا یحمل المطلق علی المقید.
اما عدم التدافع فلأن صحیح مسمّع لم یتعرض للتقبیل كسبب للكفارة بل انما هو متعرض للاستمناء و الذي سیأتي أنه موجب للبدنة حیث أن الاستمناء هو الإقدام علی فعل شهوي لا یأمن فیه بعدم الإنزال و ذكر التقبیل في الصحیح المزبور من باب تداخل الأسباب لا سیما من درجات ترك واحد و هو الاستمتاع الجنسي كما هو الحال في صحیح الحلبي حیث تعرض في صدره إلی المسّ بشهوة أنه فیه شاة ثمّ إلی التقبیل و ان فیه بدنة مع أن التقبیل مسّ و زیادة إلاّ أنه یندك في ما هو اشد منه كما یندك المساوي في المساوي فلا تدافع بین صحیح مسمّع و الحلبي.
إما عدم حمل المطلق علی المقید لو سلّم التدافع فلأنّ المطلق البدلي یحمل علی المقید لا المطلق الاستغراقي. هذا مضافاً إلی نصوصیة صدر صحیح الحلبي أن المسّ بشهوة من غیر تقبیل فیه شاة. المؤكد لأشدیة كفارة التقبیل بشهوة من جهة افتراقها عن مطلق المسّ. نعم في صحیح آخر للحلبيّ سألت أبا عبد اللّه عن متمتع طاف بالبیت و بین الصفا و المروة و قبل امرأته قبل أن یقصر من رأسه؟ قال: (علیه دم یهریقه، و إن كان الجماع فعلیه جزور أو بقرة) (1). و هو محمول علی التقبیل بغیر الشهوة.
1) أبواب كفارات الاستمتاع ب13، ح1.
یكفر بدم شاة(1).
و یدل علیه صحیح معاویة بن عمار عن أبي عبد اللّه في حدیث قال: سألته عن رجل قبل امرأته، و قد طاف طواف النساء، و لم تطف هي، قال: علیه (دم یهریقه من عنده) (1). و مثلها روایة زرارة (2).
و أشكل علی دلالتها بأن المحلّ لا یحرم علیه التقبیل و المحرّمة لا دلیل علی حرمة تقبیلها هي فضلا عن أن تقبیل الرجل لها فثبوت الكفارة من دون حرمة في البین لتحمل الرجل عن امرأته ذلك.
و فیه: أن المحكي عن الشیخ المفید: و ان هویت المرأة ذلك كان علیها مثل ما علیه و قال الدیلمي في المراسم العلویة في فصل ذكر أحكام الخطأ و رابعه ما فیه دم مطلق... و من قبل امرأته و قد طاف طواف النساء و هي لم تطف و هو مكره لها فعلیه دمٌ، فإن كانت مطاوعة فالدم علیها دونه، و سیأتي في الملاعبة تنصیص البعض علی عمومیة الترك للمرأة كیحیی بن سعید في الجامع و صاحب الحدائق للنص الأتي.
كما أن في نصوص الجماع أنها إن طاوعته، و في بعضها إن اعانت بشهوة، و في بعضها إن لم یستكرهها. كل ذلك مما یدعم عموم حرمة التقبیل و المس الآتي و الاستمناء لكل من الرجل و المرأة، و أنّ ذكر الرجل من باب أن ابتداء الفعل یكون منه غالباً، حتی أن في بعض نصوص الجماع كروایة خالد الأصم (3)السؤال عن كفارة المحرم الذي شكز بامرأته، أجاب بثبوت البدنة علیه و لم یتعرض للمرأة،
..........
فعاودت المرأة بالسؤال أنها قد اشتهت. فأجاب بثبوت البدنة علیها، مع أن الحكم شامل لهما إلاّ أنه خص الجواب بالرجل . و سیأتي أن مفاد الروایة و هو الشكز مفاده الملاعبة. و هذا مما یدل علی أن تركیز السؤال و الجواب حول الرجل لأجل ابتداء الفعل به لا التخصیص دون المرأة، مع أن حرمة الاستمتاع بنحو الملاعبة إن كانت ثابتة للمرأة فكیف لا یثبت حرمة الاستمناء لها بالرجل و سیأتي أن حرمة الاستمناء شاملة لها أیضاً، و لا تخلو بعض النصوص عن الدلالة علیه. فتحریم الجماع و الملاعبة و الاستمناء علیها من دون استفادة التعمیم من روایات التقبیل و المس یمجّه الظهور العرفي، مضافاً إلی أن المماسة و التقبیل نحو من الملاعبة، مضافاً إلی دعوی استفادة الحرمة من باب التلازم و لا یكون الفعل من جهة محلل و أخری محرّم.
ثمّ إن من قبیل مفاد هذه الروایة في التقبیل ما تقدّم من روایة و موثق اسحاق الوارد فیمن احل و جامع أمته المحرمة حیث أنه تثبت علیه الكفارة عنها، و كذا بالنسبة إلی زوجته كما في صحیح أبي بصیر المتقدّم و قد تقدّم افتاء غیر واحد من الأصحاب بمضمونها، و دعوی الاعراض عن العمل بهما في الجماع ممنوعة. كما تقدم أن الدیلمی قد حمل هذه الصحیحة و حسنة زرارة علی ما إذا اكره الرجل امرأته علی ذلك، فلو طاوعته تحملت كفارتها. و الظاهر منه حمل صحیحة أبي بصیر أیضاً علی ذلك، فلو طاوعته كانت كفارة الجماع علیها، و علی هذا التقریب الذي ذكره تكون صحیحة معاویة بن عمار دالة بوضوح علی حرمة مطاوعة الزوجة لتقبیل الزوج في الإحرام و انها إذا طاوعته تثبت علیها الكفارة بل إن دلالة صحیحة معاویة علی الحرمة المزبورة تامة حتی علی التقریب السابق فإن ثبوت الكفارة علی المحل دالّ علی تحمله للكفارة عنها المقتضی لحرمة مطاوعتها له،
..........
فالروایة دالة علی حرمة مطاوعتها له فضلاً عن تقبیلها له، و أنه لو كان محرماً تثبت علیهما الكفارة. فما استشكله صاحب الحدائق و السید الخوئي في دلالة الروایتین ناظر إلی فعل المحل و غفلة عن فعلها و دعوی عدم حرمة فعلها یدفعه هذه النص.
(مسألة 228): لا یجوز للمحرم أن یمس زوجته عن شهوة، فان فعل ذلك لزمه كفارة شاة، فإذا لم یكن المس عن شهوة فلا شيء علیه(1).
و یدل علیه النصوص الواردة في المقام كصحیح الحلبي المتقدم (1)و صحیح محمد بن مسلم (2). و قد نص الاخیر علی ثبوت الدم إذا مسّ بشهوة و إن لم یمن. و كذا صحیح مسمع أبي سیّار (3). و أما صحیح معاویة عن أبي عبد اللّه قال: سألته عن محرم نظر إلی امرأته فأمنی أو امذی و هو محرم. قال: لا شيء علیه، و لكن لیغتسل و یستغفر ربه، و ان حملها علی غیر شهوة فأمنی أو امذی و هو محرم فلا شيء علیه. و إن حملها أو مسها بشهوة فأمنی أو أمذی فعلیه دم. و قال: في المحرم ینظر إلی امرأته أو ینزّلها بشهوة حتی ینزل. قال: علیه بدنة (4). فلا یتدافع مع الروایات المتقدمة لأنه قد صرح في ذیل الصحیحة بأن المس مع الإنزال علیه بدنة لا مطلق الدم، فتحمل الفقرة المتوسطة في الصحیحة علی ذیلها، و هذا بخلاف المس مع الشهوة فإن فیه مطلق الدم.
ثمّ هل تختص هذه الحرمة بالرجل أو تعم المرأة سواء في صورة مطاوعتها
..........
و تلذذها بمس الرجل لها أو صدور الفعل منها؟ قد یقرب الحرمة بما في صحیحة عبد الرحمن بن الحجاج قال: سألت ابا الحسن عن الرجل یعبث بأهله و هو محرم حتی یمنی من غیر جماع، أو یفعل ذلك في شهر رمضان ما ذا علیهما؟ قال: (علیهما جمیعاً الكفارة مثل ما علی الذي یجامع) (1).
و روایة خالد الأصم قال: حججت و جماعة من أصحابنا و كانت معنا امرأة فلما قدمنا مكة جاءنا رجل من أصحابنا فقال: یا هؤلاء قد بلیت. قالوا: بما ذا؟ قال: شكزتُ بهذه المرأة فسألوا أبا عبد اللّه . فسألناه فقال: (علیه بدنة)، فقالت المرأة: (اسألوا لي ابا عبد اللّه فاني قد اشتهیت. فسألناه، فقال: (علیها بدنة) (2).
و تقریب الدلالة في الأولی أن الظاهر من تثنیة الضمیر عوده علی الرجل و أهله، و إن احتمل عوده علی الرجل في الصورتین، المحرم و الصائم، إلاّ أن التعبیر ب-(جمیعاً) قرینة علی المعیة بین الرجل و المرأة لا سیما أنه لو ارید ثبوت الكفارة في الصورتین لكان الأولی التعبیر (علیه الكفارة فیهما) و علی هذا التقریب فالروایة مطلقة من حیث إمناء المرأة و عدمه، و إن كان في الغالب امناء المرأة قبل الرجل.
و أما تقریب الروایة الثانية فكالأولی إذا الشكز هو الجماع من وراء الثیاب كما في اللغة (3)و ان ذكر في القاموس المحیط أنه الجماع، و ذكر في اللسان أیضاً عن أبي الهیثم أن الشكاز هو الذي ینزل قبل أن یجامع ، لا سیما و أن تعبیر السؤال من
..........
المرأة قد نص فیه بمجرد الاشتهاء و التلذذ . هذا مضافاً إلی ما مرّ في مسألة التقبیل من كون اختصاص ذلك بالرجل للتغلیب و ابتداء الفعل منه، فالقول بعموم الحرمة لا یخلو من قوة و هو مطابق للاحتیاط.
ثمّ أنه قد نصت الروایات السابقة علی المس من غیر شهوة لا شيء فیه.
(مسألة 229): إذا لاعب المحرم امرأته حتی یمنی لزمته كفارة بدنة، و إذا نظر إلی امرأة أجنبیة عن شهوة أو غیر شهوة فأمنی وجبت علیه الكفارة، و هي بدنة أو جزور علی الموسر، و بقرة علی المتوسط و شاة علی الفقیر، و أما إذا نظر إلیها و لو عن شهوة و لم یمن فهو و ان كان مرتكبا لمحرم إلا أنه لا كفارة علیه(1).
تدل علیه صحیحة عبد الرحمن بن الحجاج و روایة خالد الأصم المتقدمتان و في الحقیقة إن هذا یندرج في الاستمناء الأتي. و كذا النظر إلی المرأة الاجنبية بشهوة أو بغیر شهوة فیمنی، و وجه افتراق الاجنبية عن الحلیلة أن النظر إلی الاجنبية لا یكون إلا بغایة التلذذ بخلاف الحلیلة فلو نظر إلیها من دون شهوة ففاجأه الأمناء لا یعدُ طالباً مستمنیاً.
و حكی عن الشهید الثاني في الاستثناء إذا كان معتاد الامناء من النظر إلی حلیلته فإنه لا یفصل بین قصد الشهوة و عدمه لأن نظره في المآل یعد من الاقدام علی فعل لا یأمن من الأمناء و هو جید.
و في صحیح زرارة عن أبي عبد اللّه قال سألت عن رجل محرم نظر إلی غیر أهله فأنزل؟ قال: (علیه جزور أو بقرة فإن لم یجد فشاة) (1).
1) نفس المصدر، ح1.
..........
و الروایة مطلقة من جهة قصد الشهوة و عدمه.
و صحیح أبي بصیر قال قلت لأبي عبد اللّه رجل محرم نظر إلی ساق امرأة فأمنی؟ فقال: (إن كان موسراً فعلیه بدنة، و إن كان وسطاً فعلیه بقرة، و إن كان فقیراً فعلیه شاة) (1).
ثمّ قال: أما اني لم أجعل علیه هذا لأنه أمنی، انما جعلته علیه لأنه نظر إلی ما لا یحل له (2).
و صحیح معاویة بن عمار في محرم نظر إلی غیر أهله فانزل. فقال: (علیه دم لأنه نظر إلی غیر ما یحل له، و إن لم یكن انزل فلیتقی اللّه و لا یعد و لیس علیه شيء ) (3). و الظاهر أن مراده في موثق أبي بصیر من جعل الكفارة علی النظر المحرم لا علی الأمناء مع أن الكفارة لا تثبت من دون ضمیمة الأمناء هو الإشارة إلی ثبوت الكفارة بالنظر و الأمناء و إن لم یكن النظر عن شهوة، لأن النظر المستدام إلی ما لا یحل عنوانه التلذذ. كما أن ذیل صحیح معاویة یدل علی نفي الكفارة إن لم یكن إمناء و إن كان من تروك الإحرام. و أما الترتیب في الكفارة فتدل علیه موثقة أبي بصیر و هي نفس الترتیب الآتی في كفارة الاستمناء، و قد نزلت كفارة الاستمناء منزلة كفارة الجماع، و قد تقدم الترتیب فیها أیضاً، و أن هذا التنزیل من شواهد الترتیب في الكفارتین.
(مسألة 230): إذا نظر المحرم إلی زوجته عن شهوة فأمنی وجبت علیه الكفارة، و هي بدنة أو جزور، و أما إذا نظر إلیها بشهوة و لم یمن، أو نظر إلیها بغیر شهوة فامنی فلا كفارة علیه(1).
(مسألة 231): یجوز استمتاع المحرم من زوجته في غیر ما ذكر علی
و یدل علی الحرمة صحیح مسمّع أبي سیار عن أبي عبد اللّه : (... و من نظر إلی امرأته نظر شهوة فأمنی فعلیه جزور) (1). و صحیحة معاویة بن عمار عن أبي عبد اللّه : قال: سألته عن محرم نظر إلی امرأته فأمنا أو أمذی و هو محرم. قال: لا شيء علیه و لكن لیغتسل و یستغفر ربه... و قال: (فی المحرم ینظر إلی امرأته أو ینزلها بشهوة حتی ینزل. قال: علیه بدنة) (2). و ذیلها مقید لإطلاق الصدر، فیكون مفاد الصحیحة التفصیل في ثبوت الكفارة بین النظر بشهوة و غیر شهوة. و الاستغفار فیها بلحاظ ترك التحفظ.
نعم توجد روایة معارضة و هي موثق اسحاق عن أبي عبد اللّه في محرم نظر إلی امرأته بشهوة فأمنی. قال: (لیس علیه شيء ) (3). و هذه الروایة لیست في قبال الروایتین المتقدمتین، بل هي في قبال ما دل علی ثبوت الكفارة بالاستمناء بنحو العموم. فلو بنی علی تساقطهما مع الروایتین فتصل النوبة إلی عموم ما دل علی ثبوتها بالاستمناء مع أن الموثق موافق للعامة النافین للكفارة.
الأظهر، إلا أن الأحوط ترك الاستمتاع منها مطلقاً(1).
قال الحلبي في الكافي (ففي النظر للمرأة بشهوة و الاصغاء إلی حدیثها أو حملها أو ضمها الاثم فإن أمنی فدم شاة) (1). و نقل في الحدائق عن المدارك حكایته عن الشهید الثاني ان كان من عادته الإمناء بالإصغاء و الاستماع أو قصد ذلك فامنی فعلیه الكفارة.
و فرض المسألة یتصور في مثل التلذذ و الإصغاء و الاستماع للصوت و كذا الشم في بعض الموارد، أو النظر إلی خیال الظل، أو الصورة الفوتوغرافیة و نحوها. و یستدل للعموم بصحیح معاویة بن عمار الوارد في دعاء الشرط و الإحرام عن أبي عبد اللّه قال: (.. احرم لك شعري و بشري و لحمي و دمي و عظامي و مخي و عصبي من النساء و الثیاب و الطیب...) (2). و غیرها في روایات ادعیة الإحرام. و یؤید بنصوص إحلال المحرم (3)حیث دلت علی أن المحرم إذا حلق حل له كل شيء إلاّ النساء و الطیب، و إنه إذا طاف طواف النساء حلت له النساء، بدعوی ظهور النساء في مطلق الاستمتاع بهنّ.
و دعوی انصراف الروایات الأولی لمثل التقبیل و النظر و اللمس و الجماع دون بقیّة الاستمتاعات التي كانت متعارفة في التداول من دون تحرج عن ارتكابها بین الأزواج، و من ثمّ لم یقع السؤال عنها.
..........
و فیه: ان دعوی الانصراف لا منشأ لها، بل قد وقع السؤال عن ثبوت الكفارة لمن استمع إلی رجل یجامع أهله فأمنی، و لمن استمع التشبیب بامرأة جمیلة فأمنی، و لمن استمع لكلام امرأة من خلف حائط فتشاهي (1)، و إن نفیت الكفارة في هذه الموارد، إلاّ أنه لا یدل علی نفي الحرمة، بل قید قید إطلاق تلك الروایات الآتیة غیر واحد من الأصحاب بما إذا لم یكن معتاداً و قاصداً للإمناء (2). و یؤید ذلك ثبوت الكفارة في مطلق الاستمناء و لو بغیر المرأة. و یعضد الإطلاق ما ورد في حكمة تحریم محرمات الإحرام أنه لترك اللذة .
(مسألة 232): إذا عبث المحرم بذكره فأمنی فحكمه حكم الجماع، و علیه فلو وقع ذلك في إحرام الحج قبل الوقوف بالمزدلفة وجبت الكفارة، و لزم إتمامه و إعادته في العام القادم، كما أنه لو فعل ذلك في عمرته المفردة من السعي بطلت عمرته و لزمه الإتیان و الإعادة علی ما تقدم، و كفارة الاستمناء كفارة الجماع، و لو استمنی بغیر ذلك كالنظر و الخیال و ما شاكل ذلك فأمنی لزمته الكفارة، و لا تجب إعادة حجه و لا تفسد عمرته علی الأظهر، و ان كان الأولی رعایة الاحتیاط(1).
الأقوال في المسألة: لا خلاف في إیجاب الاستمناء للبدنة، و إنما وقع الخلاف في إفساد الحج قبل الموقف، أو العمرة قبل السعي و وجوب إعادة النسك.
فقد عبر الشیخ و غیره بأن من عبث بذكره حتی امنی كان حكمه حكم من جامع قبل الموقف في لزوم الحج من قابل، و هو لا یفید التعمیم في مطلق الاستمناء. و قد حكی عن ابن إدریس نفي الفساد و نسبه إلی الاستبصار و الخلاف و المحقق في الشرائع و النافع و صاحب المدارك. نعم حكی في المختلف عن ابن الجنید قوله (و علی المحرم إذا أنزل الماء إما بعبث بحرمته أو بذكره أو بإدمان نظر مثل الذي یجامع في حدیث الكلیني عن مسمع بن عبد الملك عن أبي عبد اللّه ) انتهی. و حكی میل الشهید في الدروس إلی العمل بروایة إسحاق الآتیة في من عبث بذكره فأمنی أن علیه القضاء.
و أما الروایات الدالة علی الحرمة، فقد مرّ العدید من الروایات الدالة علی
..........
ثبوت الكفارة فیمن نظر إلی امرأة أو امرأته فأمنی، و إلی من مسّ أو حمل امرأته فأمنی، و كذا صحیح عبد الرحمن بن الحجاج، قال سألت أبا بالحسن : عن الرجل (المحرم) یعبث بأهله و هو محرم حتی یمنی من غیر جماع أو یفعل ذلك في شهر رمضان ما ذا علیهما؟ قال: (علیهما جمیعاً الكفارة مثل ما علی الذي یجامع) (1).
و ذكر صاحب المدارك أن مفاد هذا الصحیح یدل علی عدم وجوب القضاء علی من عبث بأهله و انما اللازم خصوص الكفارة.
و رده صاحب الحدائق بأن الروایة ساكتة نفیاً و إثباتاً عن القضاء فلا ینافي ما یدل علیه. و الصحیح أن في الروایة نحو دلالة علی القضاء بناء علی أن الإعادة عقوبة و كفارة.
و یعضد الدلالة أیضاً ثبوت الإعادة في شهر رمضان. و كذا موثق إسحاق بن عمار عن أبي عبد اللّه قال ما تقول في محرم عبث بذكره فأمنی؟ قال: (أری علیه مثل ما أری علی من أتی أهله و هو محرم بدنة و الحج من قابل) (2).
و دلالتها عاضدة لما استظهرناه من صحیح عبد الرحمن من كون ما علی الذي یجامع كلا من البدنة و الحج من قابل نعم في مقابل هاتین الروایتین صحیحة معاویة بن عمار سألت ابا عبد اللّه عن رجل محرم وقع علی أهله فیما دون الفرج، قال: (علیه بدنة و لیس علیه الحج من قابل، و إن كانت المرأة تابعته علی الجماع فعلیها مثل ما علیه، و إن كان استكرهها فعلیه بدنتان و علیه الحج من قابل)
..........
الحدیث (1).
و مثلها ما رواه الكلیني عن معاویة بن عمار بسند صحیح، و الظاهر انها روایة واحدة بدعوی ظهور الوقاع في الإمناء. و لفظ روایة الكلیني عن معاویة بن عمار عن أبي عبد اللّه في المحرم یقع علی أهله. قال: (إن كان أفضی إلیها فعلیه بدنة و الحج من قابل، و إن لم یكن أفضی إلیها فعلیه بدنة و لیس علیه الحج من قابل) (2). و لكن للتأمل في دلالة الروایتین مجال حیث أنه لم یعبر في الروایة بلفظ واقع بصیغة فاعل لیكون ظاهراً في الإمناء و الوقاع، بل التعبیر الوارد یقع، و قد جعل المدار علی الجماع و الدخول و عدمه، فبإطلاق الشق الثاني لما لو امنی تكن دالة علی فرض المقام و نفي الحج من قابل عنه، لكن الاطلاق قابل للتقیید بالروایتین السابقتین فیما لو امنی إن قلت: لازم ذلك أنّ الوقوع علی الزوجة من دون امناء فیه بدنه مع أنه من مصادیق المس الذي كفارته شاة.
قلت: إن التقبیل بشهوة قد مر أن فیه بدنة و هو مس و زیادة، و كذلك وقوع الرجل علی امرأته دون الفرج فیه مسّ و زیادة فلا غرابة في ثبوت البدنة علیه فمقتضی الجمع بین الروایات هو التفصیل في قضاء الحج و عدمه بین الامناء و عدمه لا التفصیل في الامناء بین العبث بذكره و العبث بأهله.
و مقتضی الجمع المزبور بین الروایات الظاهر عدم التفصیل بین افراد الامناء. و منه یظهر وجه تعمیم جماعة من القدماء الجماع المفسد للواط و وطي البهیمة.
(مسألة 233): یحرم علی المحرم التزویج لنفسه أو لغیره، سواء أ كان ذلك الغیر محرما أم كان محلا و سواء أ كان التزویج تزویج دوام أم كان تزویج انقطاع، و یفسد العقد في جمیع هذه الصور(1).
و الأولی جعل فرض المسألة بالصورة التالیة، و هو أن كل عقد كان للمحرم نحو ملابسة به، سواء كان هو أحد طرفي العقد الأصلیین، أو كان مجرّد وكیل في الإنشاء عن أحدهما، فإن ذلك یسبب حرمة العقد و بطلانه، و الحرمة عامة لجمیع الأطراف و إن كانوا محلین.
و یدل علی التحریم بشقوقه عدّة روایات منها صحیح عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه قال: (لیس للمحرم أن یتزوج و لا یزوج (فإن تزوج) أو زوج محلاً فتزویجه باطل) (1). و تقریب دلالة الروایة و إن كان مفادها الاصلي متعرضا إلی الحرمة المخاطب بها المحرم سواء أن كان طرفاً اصلیاً في العقد أو كان وكیلاً في إنشاء العقد بین محلین، أو ولیاً عن أحد الطرفین، إلاّ أن الحكم في الروایة ببطلان العقد بقول مطلق دالّ علی توجه الحرمة التكلیفية إلی بقیة الأطراف، و ذلك لان الحرمة التكلیفية لو كانت متعلقة بخصوص فعل المحرم فیما لو كان وكیلاً في الإنشاء لما استلزم ذلك بطلان العقد، لأن حرمة الإنشاء لا توجب حرمة المنشأ وضعاً، كما في حرمة البیع وقت النداء، فذلك دلیل علی امتداد الحرمة التكلیفية للمنشأ و المسبب المعنوي، و هو من فعل الطرفین الأصلیین و إن كانا محلین.
1) أبواب تروك الإحرام، ب14، ح1.
..........
و منها موثقة سماعة بن مهران عن أبي عبد اللّه قال: لا ینبغي للرجل الحلال أن یزوج محرماً و هو یعلم أنه لا یحل له. قلت: فإن فعل فدخل بها المحرم؟ قال: إن كانا عالمین فإن علی كل واحد منهما بدنة، و علی المرأة إن كانت محرمة بدنة، و ان لم تكن محرمة فلا شيء علیها إلاّ ان تكون قد علمت أن الذي تزوجها محرم، فإن كانت علمت ثمّ تزوجت فعلیها بدنة (1).
و هذه الروایة تتمم الدلالة علی عموم الحرمة في بقیة الشقوق، حیث أن موردها كون العاقد في العقد اللفظي محلاً واحد الطرفین الاصلیین محرماً. فثبوت الكفارة علی الاطراف الثلاثة دال علی ثبوت الحرمة علیهم جمیعا، و في صحیحة معاویة بن عمار قال: المحرم لا یتزوج (و لا یُزوج) (2)فإن فعل فنكاحه باطل (3).
و صحیحة أبي صباح الكناني قال: سألت أبا عبد اللّه عن محرم یتزوج، قال: (نكاحه باطل) (4). و تقریب الدلالة علی عموم الحرمة من البطلان و لو كان العاقد له محلاً كما تقدم.
و مثلها صحیحة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه (5). و غیرها من الروایات في الباب.
(مسألة 234): لو عقد المحرم أو عقد المحل للمحرم امرأة و دخل بها و كان العاقد و الزوج عالمین بتحریم العقد في هذا الحال فعلی كل منهما كفارة بدنة، و كذلك علی المرأة إن كانت عالمة بالحال(1).
(مسألة 235): المشهور حرمة حضور المحرم مجلس العقد و الشهادة علیه، و هو الأحوط، و ذهب بعضهم إلی حرمة أداء الشهادة علی العقد السابق أیضاً و لكن دلیله غیر ظاهر(2).
و یدل علیها موثقة سماعة بن مهران المتقدمة. و عموم الحكم للعقد علی المحرمة و ان كان الزوج و العاقد محلین مع الدخول وجه.
و استدل للمشهور بموثقة الحسن بن علی بن فضال عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه قال: (المحرم لا یَنكح و لا یُنكح و لا یشهد، فإن نكح فنكاحه باطل) (1). و زاد الكلیني علی الشیخ في طریقه (و لا یخطب) و قد ادعی تسالم الفتوی بحرمة شهادته للنكاح حتی رمی من تأمل فیها من بعض متأخري المتأخرین بالوسوسة و الخروج عن متسالم الأصحاب. و طریق الروایة و إن كان في الصورة مرسل إلاّ أن التعبیر ببعض أصحابنا لا یقصر عن درجة الحسن في طریق الروایة. لا سیما من كبّار الرواة امثال الحسن بن علي بن فضال والد أسرة بنی فضال، و كتعبیر جمیل بن دراج بنحو متكرر كثیراً، و غیره من وجوه الرواة، فإنه دال علی أن المروي عنه هو من الامامیة و یستحسن حاله علی أقل تقدیر، فضلاً عما لو قلنا أنه یدل علی أنه من مشایخه الذين یدمن الروایة عنهم. فالروایة لا تقل عن كونها حسنة. و كذا الموثق إلی ابن أبي شجرة عمن ذكره عن أبي عبد اللّه في المحرم
1) نفس الباب، ح7.
..........
یشهد علی نكاح محلّین. قال: لا یشهد ثمّ قال: یجوز للمحرم ان یشیر بصید علی محل (1). إلاّ أنه وقع الكلام بین الاعلام في أن المراد من الشهادة هي مطلق الحضور أو ما إذا كان قاصداً لذلك، و كذا في اقامتها. لكن الصحیح هو العموم لمطلق الحضور، و أما اقامة الشهادة فالروایة الأولی لا تشمله، لأنه لم تتعد الشهادة في الروایة بحرف جر لكی تكون ظاهرة في الاداء و الاقامة.
و أما الروایة الثانية فهي و إن كانت ظاهرة بدواً في الاداء إلاّ أن التأمل قاضٍ بظهورها في التحمل ایضاً، و ذلك لظهور السیاق من تشبیهه مورد السؤال بالصید مما یدلل علی أن المحذور في الشهادة هو متعلقها و هو وجود عقد النكاح، أي حضوره.
اما الخطبة فالمعروف حمل النهي الوارد في الروایة علی الكراهة، و التجنب احوط. ثمّ إن حرمة تزویج المحرم للمحلین یشمل ما لو كان هو وكیلاً في انشاء اللفظ، كما یشمل ما لو كان ولیاً لصدق إسناد التزویج إلیه، كما أن الحرمة تشمل إجازة المحرم لعقد النكاح فیما لو كان العقد وقع في فترة الإحلال السابقة، إلاّ أن الإجازة أصدرت في فترة الإحرام، فإنه یبطل أیضاً سواء كان كون الإجازة ناقلة أو كاشفة غیر الكشف الحقیقي، بل حتی علی الحقیقي أیضاً، لأنه إنما التزم به في الحكم الوضعي لا التكلیفي، فالإجازة بالنسبة للحكم التكلیفي لا محالة لا تكون كاشفة بالكشف الحقیقي و لا بغیره فتسبیبه یكون حالة الإحرام و هو محرّم مبطلٌ للعقد . هذا بناء علی الكشف الحقیقي، اما بقیة وجوه الكشف فضلاً عن النقل
1) أبواب تروك الإحرام ب1، ح8.
(مسألة 236): الأحوط أن لا یتعرض المحرم لخطبة النساء، نعم لا باس بالرجوع إلی المطلقة الرجعیة، و بشراء الإماء، و ان كان شراؤها بقصد الاستمتاع، و الأحوط أن لا یقصد بشرائه الاستمتاع حال الإحرام، و الأظهر جواز تحلیل أمته، و كذا قبوله التحلیل (1).
فتسبب الإجازة حالة الإحرام مأخوذ بعین الاعتبار. فلا تصح الإجازة حال الإحرام لعقد النكاح السابق علیه.
هذا و لو و كلّ أو أذن و أجاز لإیقاع عقد النكاح لمصلین من دون أن یقیده بحال الإحرام أي أطلقه، أو قیده بما بعد الإحرام ثمّ أوقع الوكیل العقد بعد الإحرام، فهل یصحّ؟ استشكل البعض في الصحة لكون الإجازة للعقد لها نحو تعلق بالإحرام، و الصحیح صحة العقد فیما لو اوقع بعد الإحرام و إن بنی علی حرمة تلك الإجازة أو التوكیل، لأن حرمة الإجارة أو التوكیل كما ذكر صاحب الجواهر لا یوجب اعدام صحة إسناد العقد إلی الاذن السابق، كما حرر ذلك في باب الوكالة من أن فسادها لا یوجب قطع الإسناد و الاستناد، و البناء المزبور لا یخلو من وجه.
قد تقدم أن الموثق إلی ابن فضال عن بعض أصحابنا قد اشتمل في طریق الكلیني علی النهي عن الخطبة و عدم اشتمال طریق الشیخ علی هذه الزیادة لا یوجب خدشاً، إلاّ أن المشهور حمل الحكم علی الكراهة. فالاحتیاط لا یترك، و قد عمم صاحب الوسیلة الكراهة للمرأة المحرمة و إن كان الخاطب محلاً، تعمیماً للفعل لكل من الرجل و المرأة، كما تقدم في التقبیل. و أما الرجوع إلی المطلقة الرجعیة فلأنه لیس بعقد جدید و لا بسبب للإبقاء بل هو ممانعة للطلاق عن أن یؤثر في الفرقة و أما شراء الإماء فمضافاً لقصور دلیل الحرمة عن الشمول له یدل علیه صحیحة سعد بن سعد الأشعري القمي عن أبي الحسن الرضا قال : سألته
..........
عن المحرم یشتري الجواري و یبیعها قال: (نعم) (1).
و كذا الحال في تحلیل الامة و قبوله بناء علی اندراجه في توابع الملك كما هو الصحیح، فتكون الصحیحة المزبورة دالة علی الحلیة.
1) أبواب تروك الإحرام ب16، ح1.
(مسألة 237): یحرم علی المحرم استعمال الزعفران و العود و المسك و الورس و العنبر بالشم و الدلك و الأكل، و كذلك لبس ما یكون علیه أثر منها، و الأحوط الاجتناب عن كل طیب(1).
و في المسألة جهات الجهة الأولی: في إطلاق الحكم أم تقییده بالأربعة:
وقع الاختلاف في حرمته علی الإطلاق كما هو قول المشهور، أو في خصوص الخمسة المسك و العنبر و الزعفران و الورس (1)و العود، أو الستة بإضافة الكافور كما اختاره جماعة كالصدوق في المقنع و الشیخ في التهذیب و ابن زهرة، و اختاره جماعة كثیرة في عصرنا و المهم في المقام التأمل في عبارة الشیخ في المبسوط و الفاضل في التذكرة في الریاحین قال الشیخ و یحرم علیه الطیب علی اختلاف أجناسه، و اغلظها خمسة أجناس المسك و العنبر و الزعفران و العود و قد الحق بذلك الورس و أما خلوق الكعبة فلا بأس فیه. و قال و أما الریاحین الطیبة فمكروه استعمالها غیر انها لا تحلق في الحظر بما قدمناه (2).
و قال في الخلاف: ما عدا المسك و العنبر و الكافور و الزعفران و الورس و العود عندنا لا تتعلق به كفارة إذا استعمله المحرم، هذا و المشهور في الحرمة في عموم الطیب و جعلوا ما ورد في بعض الروایات من حصر الحرمة في بعض الأنواع
..........
كونه بالإضافة إلی التكفیر أو شدة الحرمة أو بالإضافة إلی ما بذاته طیب فرقا عما هو طیب بالاتخاد. و هذه المعاني من تفسیر الحصر ترجع إلی معنی واحد تقریباً و ان أمكن اختلافها في الأثر.
و حكی عن التذكرة تبعاً للشیخ تقسیم النبات الطیب إلی ثلاثة
الأول: ما لا ینبت للطیب و لا یتخذ منه كنبات الصحراء من الشیح و القیصوم و الخزامي و الدارصین و المصطكي و الزنجبیل و السعد و حبق الماء... و الفواكه كالتفاح و السفرجل و النارنج و الاترج قال: و هذا كله لیس بحرم و لا تتعلق به كفارة إجماعاً.
و الثاني: ما ینبته الآدمیون للطیب، و لا یتخذ منه طیب كالریحان الفارسي و المرزنجوش النرجس و البرم قال الشیخ هذا لا تتعلق به كفارة، و یكره استعماله.
الثالث: ما یقصد شمه و یتخذ منه الطیب كالیاسمین و الورد و النیلوفر و الظاهر أن هذا یحرم شمه و تجب فیه الفدیة. انتهی.
و المتحصل من هذا الكلام أنهم یمیزون بین ذات الطیب الذي یكون في الغالب مادة عارضة علی مواد طبیعة أخری نباتیة أو جمادیة فیجعلون فیه الحرمة الشدیدة و الكفارة، و لا شك أن الرائحة الزكیة فیه شدیدة. و هذا كغالب الادهان الطیبة فلا یحصرون مادة الطیب بالأنواع الأربعة أو الخمسة أو الستة المذكورة في بعض الروایات.
فالطیب المستخلص من أي مادة أخری حكم استعماله الحرمة و الكفارة، و هذا بخلاف المواد النباتیة أو غیرها التي لا یكون الطیب فیها إلاّ منتشراً مبثوثاً مع أجزاء موادها الأخری لكنه ینبت بغایة رائحته الطیبة أو لأجل أن یستخلص و یتخذ منه الطیب و هذا یحرم استعماله بحرمة أقل وطئة لكن لیست فیه الكفارة.
..........
و هذا بخلاف ما إذا كانت الرائحة الطیبة منبثة في مادة لم تزرع لاجلها و لا اعتید اتخاذ و استخلاص الطیب منهما، فهذا لا یحرم استعماله و لا كفارة فیه.
نعم یقع في تشخیص أمثله الاقسام و ترددها بین القسمین اللذین هما في قبال الطیب الذاتي لا سیما و أن عادة الاتخاذ و الاستخلاص قد تختلف من زمن لآخر.
و ممن نصّ علی عموم الحرمة فیما ذاتیه الطیب ابن زهرة في الغنیة قال: و یحرم أن یدّهن بما فیه طیب أو یأكل بما فیه ذلك و قال ابن ادریس في السرائر الدهن فیه طیب فمتی استعمله المحرم فعلیه دم. و قد نصّ الشیخ علی الحرمة في الأدهان الطیبة في النهایة قال الحلبي في الكافي یكره للمحرم الادهان الطیبة إلاّ للمضطر و فیما عدا ذلك من الطیب الاثم دون الكفارة.
و كذا ابن حمزة في الوسیلة إلاّ أنه عمم الحرمة لغیر الطیبة أیضاً. و مثله في الشرائع نصّ علی الأدهان الطیبة و غیرها هذا و الغرض من نقل كلامهم في الادهان و إن كان تركاً أخر هو تشریكهم الكفارة في الطیب من الادهان مع استعمال الطیب.
أما الروایات الواردة في المقام فهي علی طائفتین.
الأولی: ما ظاهرها تحریم مطلق الطیب: كصحیح معاویة بن عمار عن أبي عبد اللّه قال: (لا تمس شیئاً من الطیب، و لا من الدهن في إحرامك، و اتق الطیب في طعامك و امسك علی انفك من الرائحة الطیّبة (و لا تمسك علیه من الرائحة المنتنة) فإنه لا ینبغي للمحرم أن یتلذذ بریح طیبة) (1). و في طریق الشیخ
1) أبواب تروك الإحرام، ب18، ح5.
..........
زیادة. و اتقي الطیب في زادك، فمن ابتلی بشيء من ذلك فلیعد غسله و بصدقة بقدر ما صنع، و انما یحرم علیه من الطیب أربعة اشیاء: المسك و العنبر و الورس و الزعفران، غیر أنه یكره للمحرم الادهان الطیبة إلاّ المضطر علی الزیت أو شبهه یتداوی به (1). و قد رویت هذه الروایة بطرق مختلفة و ألفاظ متعددة (2).
و منها صحیحة حریز عن أبي عبد اللّه قال: (لا یمس المحرم شیئاً من الطیب و لا الریحان و لا یتلذذ به، فمن ابتلی بشيء من ذلك فلیتصدق بقدر ما صنع بقدر شبعه - یعني من الطعام -) (3).
و منها صحیحة محمد بن إسماعیل - یعني ابن بزیغ - قال: رأیت ابا الحسن كُشف بین یدیه طیب ینظر إلیه و هو محرم فأمسك بیده علی انفه بثوبه من ریحه (4).
و منها مصححة النضر ابن سوید عن أبي الحسن قال: سألته عن المرأة المحرمة أي شيء تلبس من الثیاب قال: (تلبس الثیات كلها إلاّ المصبوغة بالزعفران و الورس... و لا تمس طیباً..) (5)و اشتمال السند علی منصور بن عباس غیر ضائر بعد كونه صاحب كتاب ، و قد روی عنه محمد بن أحمد بن یحیی الأشعري القمی
..........
صاحب النوادر و لم یستثنه القمیون. و أما سهل فالأمر فیه سهل.
و منها موثق سدیر قال: قلت لأبي جعفر : ما تقول في الملح فیه زعفران للمحرم؟ قال: (لا ینبغي للمحرم أن یأكل شیئاً من زعفران، و لا یطعم شیئاً من الطیب) (1).
و منها صحیح الحلبي و محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه قال: (المحرم یمسك علی أنفه من الریح الطیبة، و لا یمسك علی انفه من الریح الخبیثة) (2).
و منها مفهوم صحیحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه قال سألته عن الحناء. فقال: (ان المحرم لیمسه و یداوي بعیره و ما هو بطیب و ما به بأس) (3).
و منها صحیح آخر لمحمد بن مسلم عن أحدهما في قول اللّه عز و جل: ثُمَّ لْیَقْضُوا تَفَثَهُمْ حفوف الرجل من الطیب (4). و كذا روایات تجنب المیت الطیب كما في صحیح عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه و غیره و یجنب الحنوط أیضاً (5)و غیرها من الروایات المطلقة الدالة مطابقة أو مفهوماً علی عموم المنع عن الطیب مما یجده المتتبع في الأبواب (6).
..........
الثانية: ما دلّ علی حصر المحرم من الطیب في الأربعة أو الخمسة أنواع.
منها ذیل صحیح معاویة بن عمار المتقدم و هي العمدة في هذه الطائفة، عنه قال: (و إنما یحرم علیك من الطیب أربعة أشیاء المسك و العنبر و الورس و الزعفران، غیر أنه یكره للمحرم الادهان الطیبة) (1).
و منها مرسل الصدوق قال: قال الصادق : (یكره من الطیب أربعة أشیاء للمحرم: المسك و العنبر و الزعفران و الورس)، و كان یكره من الادهان الطیبة الریح (2).
و منها صحیحة عبد الغفار قال: سمعت أبا عبد اللّه یقول: الطیب: (المسك و العنبر و الزعفران و الورس) (3)
و منها صحیحة بن أبي یعفور عن أبي عبد اللّه قال: (الطیب المسك و العنبر و الزعفران و العود) (4).
و قد وقع الكلام في كیفیة الجمع بین الطائفتین فذهب صاحب الجواهر إلی الاعتماد علی الطائفة الأولی العامة لكثرتها فلا یرفع الید عنها مقابل صحیحة معاویة بن عمار و التي هي العمدة في الحصر و التخصیص. و قال آخرون أن الطائفة
..........
الأولی العامة آبیة عن التخصیص. فالكلام یقع في مدلول الصحیحة المزبورة.
فیحتملُ بدواً كما هو المتراءي أن الصحیحة للحصر الحقیقي فحینئذ یرتكب تخصیص الطیب بها في بقیة الروایات كما في التقیید المحتمل لصحیحتي ابن أبي یعفور و عبد الغفار، لا سیما أن المقابلة فیها بین الحرمة و الكراهة في بقیة أنواع الطیب.
و الصحیح ما ذهب إلیه المشهور من كون الحصر فیها إضافیاً، بالإضافة إلی التكفیر أو الحرمة الشدیدة، أو بالإضافة إلی ما بذاته طیب فرقاً بینه و بین ما هو طیب بالاتخاذ و الاستخلاص. و الوجه في ذلك عدة قرائن.
الأولی: ما تقدم في صدر صحیح معاویة المتقدم الذي نقلناه بطوله في الطائفة الأولی من ذكر النهي عن شمّ الروائح الطیبة، و هو عنوان مغایر لعنوان مسّ الطیب بوجوه لا تخفی، حیث أن الأول من حیث الشمّ فقط و مورده اعم من كونه في النبات أو الشيء الذي بذاته طیب أو الذي یتخذ منه الطیب، أو لا یتخذ منه و لكنه انبت للطیب. من الأقسام التي مرّ ذكرها في كلام الشیخ و العلامة في التذكرة. و النهي عن الطیب اعم من المس و الشمّ و الأكل و الاحتقان و الدلك و غیر ذلك، و من ذلك كان حرمته اشد لتعدد أفراد النهي فیه.
و وجه القرینیة في ذلك أن عموم النهي عن شم الروائح الطیبة لم یخصص بالحصر المزبور، إذ ظاهر التخصیص هو لعنوان الطیب، لا للروائح الطیبة، و الأول منهي عنه مطلقاً، و الثاني منهي عن شمّه، و علی ذلك تكون مطلق أنواع الطیب منهیاً عن شم ریحها، و هذا یقرب كون الحصر اضافیاً.
الثانية : حرمة سدّ الأنف من الروائح الكریهة، فإنه یدعم عموم حرمة شم
..........
الطیب مطلقاً بمقتضی المقابلة، إذ كراهة الثاني ینافي حرمة الأول. كما هو الحال في الأضداد التشكیكیة ذات الدرجات المتوسطة في البین، كالعقوق و طاعة الوالدین و بمثل هذا التقریب یعضد بإطلاق حرمة الریحان و الشامل للشمّ.
الثالثة: ذكر العود في الأربعة كما في صحیح ابن أبي یعفور، حیث أنه لیس بطیب بذاته كما هو واضح، و إنما یتطیّب بدخانه و تجمیره، أو باستخلاص الدهن منه، و هذا یشعر بأن المحرم لیس محصوراً في الطیب الذاتي، و هو القسم الثالث في كلام العلامة، بل یعمم إلی القسم الثاني.
الرابعة: انتقاض الحصر في الأربعة بالعود و الكافور، فالحصر مع مجیئه بعنوان الأربعة آب عن التخصیص، فلیس هو إلاّ إضافیاً للتفرقة بین ما هو بذاته و ما هو بالاتخاذ، و سیأتي بیان الغرض من تفرقته المزبورة الذي هو الغرض من الحصر الإضافي.
الخامس: الاستثناء و الاستدراك من الحصر عقیب قوله (غیر أنه یكره...) دال علی عدم كون الحصر حقیقیا مطلقاً، و إلا لما ساغ الاستثناء بعنوان عام ذا أفراد كثیرة من مستثنی منه خاص و هو الأربعة. مضافاً إلی أن الاستثناء علی أیة حال لیس هو من منطوق الحصر، بل هو من مفهوم الحصر و هو الحلیّة في بقیة أنواع الطیب، فكأنه لا یبقی للمفهوم فردٌ، و هو معنی عدم كون الحصر حقیقیاً.
السادسة: أن المقابلة بین العناوین الاربعة أو الخمسة، و بین الادهان الطیبة، دال علی أن التقابل لأجل بیان ما هو طیب بذاته، و ما هو طیب بالاستخلاص و الاتخاذ بأصله.
السابعة: تقید الادهان الطیبة بطیبة الریح في أحد طرق الصحیحة دال علی أن الكراهة في الروایة و التي هي بمعنی الحرمة لیست بلحاظ الادهان، بل بلحاظ
..........
الطیب و رائحته، لا ما ادعاه السید الخوئي في باب الادهان أن الطیب بمعنی الموافقة للطبع، مع ما ذكره صاحب الجواهر أن الادهان علی أیة حال محرّم، و هو یغایر شمه إذا كان مطیباً.
الثامنة: أن الكراهة في الروایات استعملت كثیراً في الحرمة، و المقابلة في الروایة مع مادة الحرمة للدلالة علی شدّة الحرمة و خفتها و وجه الفرق ما ذكرناه في تعدد أفراد الحرمة في الطیب من أنواع الاستعمال في الطیب بخلاف الرائحة الطیبة.
التاسعة: قد ذكر لشمّ الریح في الروایة كفارة و هو التصدّق بقدر ما صنع، و هي مغایرة لكفارة مسّ الطیب، و هذا مما یدل علی اختلاف المتعلق و الحكم كما قدّمنا، سواء جعلنا هذه الكفارة موردها النسیان أو العمد، حیث أنه علی الأول تكون دالة أیضاً علی عزیمة الكفارة في فرض العمد، و إلا فالندب لا یكفر عنه في نسیانه، إذ عمده لیس بلزومی فكیف بنسیانه، مضافاً إلی الأمر بإعادة الغسل الذي هو و إن كان ندبیاً إلاّ أنه في مورد مسخ الإحرام بارتكاب التروك التي هي عزیمة.
العاشرة: التعلیل للنهي عن الشم للریح الطیبة بأنه لا ینبغي لك أن تتلذذ بریح طیبة، و هذا التعلیل یفید العموم، مضافاً إلی ما تقدم من التأكید علی المغایرة بین الشم و سائر أنواع استعمال الطیب في الكفارة.
الحادي عشر: أن العمومات الناهیة عن الطیب بحدّ من الاستفاضة و التواتر (1)مع كون لسانها من التشدد بمكان مما یوجب اباءها عن التخصیص أو
1) أبواب تروك الإحرام، ب18 - ب27، و أبواب بقیة الكفارات، ب4 و5 و25 - 26 - 1 - 30 - 33 - 40 - 43. و أبواب الإحرام ب13 - 14 - 16 - 2 - 52، و أبواب أقسام الحج، ب17 - 5 أبواب غسل المیت، ب13 / أبواب یمسك عنه الصائم، ب25 و23 / أبواب الحلق ب13 - 14 - 18 - /19 أبواب زیارة البیت، ب1.
..........
الحكومة كما اعترف به غیر واحد.
الثانية عشر: قد ورد في عدّة روایات في المیت المحرم النهي عن كلّ من الطیب و الحنوط مما یدلل علی إرادة مطلق الطیب من النهي، لا خصوص الكافور، إذ یستحب في المیت ذریرة الطیب من غیر الكافور، و یكره ذریرة المسك و نحوها في غیر الإحرام مما یدل علی عموم الطیب المنهي عنه.
الثالث عشر: إن المسألة مطروحة بین الفریقین و هي مدار تشویش في ضابطة الموضوع، و یشیر إلی ذلك (1)ما في الخلاف مسألة 88 حیث افتی العامة بثبوت الفدیة في كل شيء یتخذ منه الطیب خلافاً للخاصة كما یلاحظ ذلك بمراجعة كتبهم، فمع فرض كون المسألة بهذا الحال من الاختلاف یكون قرینة منضمة إلی ظهور النهي عن الطیب المشدّد علی العموم. فهو مدعاة للحیطة عن مس كلّ ذي رائحة طیبة أعم من الذي یكون في ذاته كذلك أو أنه اتخذ و استخلص.
و لك ان تقول: أن الحصر في الأربعة أي فیما هو طیب بذاته هو حصر للكفارة بذلك تعریضاً للعامة حیث عمموها، دون عموم موضوع الحرمة و إلا لما ورد بلسان العموم.
1) لاحظ: ب40 من أبواب تروك الإحرام.
..........
فمفاد الصحیحة هو التعرض للفرق بین ما یكون طیباً بذاته و لما یكون طیباً بالاتخاذ و الاستخلاص، فهي في صدد الحصر الإضافي بذلك اللحاظ، و في دفع توهم اندراج كل شيء فیه رائحة طیبة في عنوان الطیب فلا یكون حكمه حكم الطیب في حرمة مطلق المسّ و غیرها من الاستعمالات غیر الشم حیث أن مثل هذا الوهم حاصل لتشدید النهي و كثرته. و یظهر وقوع مثل هذا الوهم بمراجعة المسألة في كتب العامة، و من ذلك یتضح اختلاف كل من الحكم و الكفارة في القسمین.
فتحصل: أن القسم الثالث الذي مرّ في كلام العلامة، و هو ما یكون طیبا بذاته أو مستخلصاً من أشیاء أخری، یحرم مطلق استعمالاته فیه، و یثبت فیه الكفارة. و أما القسم الثاني و هو ما ینبت لأجل الطیب، و لأن یتخذ و یستخلص منه، فلا یحرم الا شمّه و لا كفارة فیه. و أما القسم الأول، و هو ما فیه رائحة طیب لكنه لم ینبت لأجل الطیب و لم تجر العادة لاستخلاص الطیب منه، فلا یحرم استعماله و لا شمّه. و سیأتي في المسائل الآتیة الاستشهاد بمزید من الروایات الأخری للتفرقة بین حكم الأقسام الثلاثة. هذا كله في إطلاق الحكم بلحاظ الموضوع.
الجهة الثانية:الطیب موضوعاً: ثمّ إنه یجب التنبه إلی أن القسم الثالث و هو الطیب بذاته ینقسم إلی قسمین، طیب للثیاب و البدن كالعود و العنبر و المسك و الورس و نحوها، و الثاني هو طیب بذاته للأكل أو الشراب، كالزعفران فإنه في الاصل طیب لذاته لرائحة الأكل و الشراب، و الهیل و الدارصیني و الزنجبیل، و كماء الورد، و ماء لقاح النخیل و نحوها فإنه طیب للشراب .
و قد أغفل ذكر هذا الشق في الطیب الذاتي في جملة من الكلمات. و لكن قد أشار إلیه غیر واحد و ینص علیه موثق سدیر المتقدّم عن أبي جعفر : لا ینبغي
..........
للمحرم أن یأكل شیئاً فیه زعفران و لا شیئاً من الطیب (1). مما یدل علی وجود الطیب الذاتي فیما هو للطعام و الشراب . كما أن الزعفران المذكور في عدّة صحاح هو طیب للطعام و الشراب، و إن اتخذ منه ما هو طیب للبدن و الثیاب باستخلاص الدهن منه، فذكره دال علی وجود هذا الشق من الطیب. و یترتب علی ذلك حرمة مطلق الاستعمال كما سیأتي توضیحه، فرقاً بینه و بین القسم الثاني الذي ینبت لاجل الرائحة الطیبة أو یتخذ منه و لیس طیباً بذاته.
و قد نص أیضاً علی هذا القسم في صحیحة معاویة بن عمار المتقدّمة، عن أبي عبد اللّه : (و اتق الطیب في طعامك) (2).
أما ما یكون لتطیب نكهة الطعام و ذائقته أو لونه دون رائحته، فهل یصدق علیه طیب الطعام؟
قال في الحدائق: و لو استهلك الطیب في المأكول أو الممسوس بحیث زالت أوصافه من ریحه و طعمه و لونه فالظاهر لا یحرم مباشرته و اكله، و بذلك صرح العلامة في التذكرة. إلی أن قال: و الظاهر أن الاعتبار بالرائحة خاصة دون سائر الأوصاف للنهي عن التلذذ بالرائحة الطیبة انتهی (3). فیظهر منه احتمال صدق الطیب للطعام بلحاظ الأوصاف الأخری و قال في الجواهر: لكن ینبغي اعتبار عدم استهلاكه فیه علی وجه بعد آكلاً له و مستعملاً إیاه و لو ببقاء رائحته التي هی
..........
المقصد الأعظم منه، كما أن المقصد الأعظم من الزعفران لونه أیضاً. أما إذا استهلك علی وجه لم یبقی شيء من صفاته لم یحرم (1).
و یظهر منه أیضاً احتمال صدق طیب الطعام بلحاظ الطعم أو اللون.
قال في لسان العرب: و نكهة طیبة إذا لم یكن فیها نتن، و إن لم یكن فیها ریح طیبة كرائحة العود و الند... و طعام طیب للذي یستلذ الآكل طعمه
و في المصباح: الشيء یطیب طیباً إذا كان لذیذاً أو حلالاً فهو طیّب.
و قد یقال بتلازم ما یوجب بذاته طیب الطعم مع ما یوجب طیب الرائحة، مع اختلاف أنواع الرائحة المناسبة لما یستطاب و یستلذ من الطعام. و علی أي تقدیر فوجود ما یوجب طیب النكهة أو اللون غیر مستنكر في الطعام، إلاّ أن صدق الطیب كصفة مشبّهة لو فرض استقلال هاتین الصفتین عن الرائحة محل تأمل، و إن كان الاحوط الاجتناب.
الجهة الثالثة:في أنواع الاستعمال:
قال في كشف الغطاء: و یحرم استعماله شماً من متصل أو منفصل أو لمساً و دهناً و لطخاً و بخوراً و سعوطاً و تقطیراً و احتقاناً و اكلاً و شرباً و اكتحالاً و إیصالاً ببدن أو ثوب ابتداء أو استدامة، علوقاً أو اصالة، مباشرة أو بواسطة، قلیلاً أو كثیراً، مستقلاً أو مضافاً، ما لم تقض الاضافة بسلب الصفة من جمیع ما یسمّی طیباً مع بقاء صفته و عدم زوال رائحته.
1) الجواهر 322 :18.
(مسألة 238): لا باس بأكل الفواكه الطیبة الرائحة كالتفاح و السفرجل، و لكن یمسك عن شمها حین الأكل علی الأحوط(1).
و نظیره عبارة جملة من الأصحاب كالعلامة في التذكرة و صاحب الحدائق و غیرهما.
أما الأكل و الشم فلا ریب فیهما لذكر عنوانهما في الأدلة. اما بقیة الاستعمالات فیدل علیها إطلاق النهي عن مسّه، كما في صحیح معاویة بن عمّار، و النضر بن سوید و غیرهما، فإن عنوان المس یشمل كثیر من أنحاء الاستعمال المتقدمة في كلام كشف الغطاء، و مثل ذلك مفهوم صحیح إسماعیل بن جابر عن أبی
عبد اللّه (1)حیث دل علی جواز سعوط الطیب للمضطر.
و في صحیح أبي بصیر عن أبي جعفر (و أكره للمحرم).
هذا هو القسم الأول الذي مرّ في كلام الشیخ و العلامة، و هو ما لا ینبت لأجل الطیب، و لا یعتاد استخلاص الطیب منه. و هذا القسم و ان كان مشمولاً بدواً لعموم النهي عن شمّ الرائحة الطیبة الذي تقدم في روایات المسألة السابقة إلاّ أنه یدل علی الجواز فیه صحیح عبد اللّه بن سنان المتقدم عن أبي عبد اللّه قال: سألته عن الحناء. فقال: (إن المحرم لیمسه و یداوي به بعیره و ما هو بطیب و ما به بأس) (2). و التقریب في هذه الروایة أن تعلیله بعدم كونه مصداقاً للطیب ظاهر في تعمیم موضوع الحكم لغیر الحناء. إلاّ أن الكلام في هذا الحكم المعلل هل هو
..........
جواز المس و نحوه من الاستعمالات، أو ما یعم الشم، فعلی الأول تكون الروایة في صدد دفع توهم اندراج كل ما له رائحة طیبة في الطیب، و أنه لا یحرم مطلق استعمالاته كالطیب، فلا تخصص عموم النهي عن شم الرائحة الطیبة. و هذا التردید جاري في بقیة الروایات الآتیة في أمثلة عناوین القسم الأول، و من ثمّ احتاط جملة الأعلام المعاصرین في شم الرائحة الطیبة من القسم الأول، بل أفتی البعض بالحرمة.
هذا و یقرِّب استفادة جواز الشم انّ الاستعمال بنحو المسّ و غیره یلازم في العادة الغالبة الشم، و لو كان محرماً لاستثناه في الصحیحة المزبورة. و قد یخدش في هذا التقریب بأن هذه الدلالة الالتزامیة علی جواز الشم غایة درجة الدلالة فیها هو الظهور العادي، فلا یقاوم صراحة عموم النهي عن الشم، لا سیّما و أن هذه الصحیحة و امثالها في صدد تجویز بقیة الاستعمالات فرقاً بین القسم الثالث و غیره.
و كصحیحة معاویة بن عمار قال: قال أبو عبد اللّه : (لا بأس أن تشم الاذخر و القیصوم و الخزامی و الشیح و أشباهه و أنت محرم) (1).
و الاذخر كما في اللغة نبات عریض الأوراق طیّب الرائحة، و القیصوم نبت برّي طیب الرائحة، و مثله الخزامي و له ورد كورد البنفسج. و كذلك الشیح.
و قال في مجمع البحرين: نبت من نبات البادیة أطیب الأزهار نفحة لها نورٌ كنور البنفسج.
قال في القاموس: و التبخّر به یذهب كل رائحة منتنة. و نقل في المصباح عن
1) أبواب تروك الإحرام، ب25، ح1.
..........
الازهري بقلة طیبة الرائحة لها نور كنور البنفسج.
و قال في اللسان: الاذخر حشیش طیب الریح.. یطحن فیُدخل في الطیب، و اذا جفّ الاذخر ابیضّ. و قال ابن الاثیر في النهایة و في حدیث الفتح و تحریم مكة فقال العباس (إلاّ الاذخر فإنه لبیوتنا و قبورنا).
الاذخر بكسر الهمزة حشیشة طیبة الرائحة تسقف بها البیوت فوق الخشب.
و قال في مجمع البحرين: الاذخر نبات عریض الأوراق طیب الرائحة یسقف به البیوت یحرقه الحداد بدل الحطب و الفحم.
و قال في مجمع البحرين: القیصوم.. هو نبات بالبادیة معروف.. و شرب سحیقه نافع لعسر النفس و البول.
أقول المتحصل من كلماتهم عدم اندراج هذه النباتات فیما یعتاد اتخاذه للروائح الطیبة، فضلاً عن كونه طیباً بذاته. و لك أن تقول إن هناك تقسیم آخر لما فیه الرائحة الطیبة غیر الأقسام الثلاثة التي مرت في كلامي الشیخ و العلامة، فإن ما فیه الرائحة الطیبة قد یتخذ لتطیب رائحة الثیاب و البدن، و منه ما یتخذ لتطیب الزاد من الطعام و الشراب، و منه ما یتخذ لتطیب فضاء الدور و البیوت و الأمكنة حتی بیوت الخلاء و بعض الفضاء الواسع كالحدائق. و الظاهر من الأدلة الناهیة عن شم الرائحة الطیبة هي ما ینبت للطیب لتطیب رائحة البدن أو الثیاب أو الزاد من الأكل و الشراب دون عداها من الأقسام، و ذلك بقرینة ذكر الموارد و الأمثلة و عناوین الأقسام الأربعة. فمثلاً في أسماء الطیب الأربعة أو الخمسة المذكورة في صحیح معاویة بن عمار كلها من الأنواع الأربعة التي فیه الرائحة الطیبة دون الأنواع الأخر من الأقسام التسعة التي ذكرناها . و علی ذلك یكون خروج هذه
..........
النباتات البریة تخصصاً عن عموم شم الرائحة الطیبة لا تخصیصاً. و بذلك یظهر عدم الخصوصیة من ذكر هذه العناوین في الصحیحة المزبورة.
و یظهر من كشف الغطاء أن جواز الرائحة في هذه العناوین استثناء من عموم الریاحین و ذلك لكونها من ریاحین الحرم و یظهر من أخر أن الجواز المزبور لكونها من الریاحین البریّة و أن النهي في الریاحین إنما هو في المزروع منها.
هذا و الجواز في الصحیح المزبور نص في الشم.
و في موثق عمار بن موسی عن أبي عبد اللّه قال سألته عن المحرم یأكل الاترج؟ قال: (نعم، قلت له رائحة طیبة، قال، الاترج طعام لیس هو من الطیب) (1).
و في صحیح علي بن مهزیار قال: سألت ابن أبي عمیر عن التفاح و الاترج و النبق و ما طاب ریحه قال: (تمسك عن شمه و تأكله) (2).
و في الصحیح إلی ابن أبي عمیر عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّه قال: سألته عن التفاح و الاترج و النبق، و ما طاب ریحه. فقال: (یمسك علی شمّه و یأكله) (3).
و المحصل من هذه الروایات الثلاث نفی كون الفواكه و نحوها مما فیه رائحة طیبة مما یصدق علیه الطیب، أي الذي بذاته طیب فلا یحرم مطلق الاستعمال فیه
..........
من الأكل و غیره، و هو الفرق بین الطیب و ما فیه رائحة طیبة.
نعم یبقی الكلام في شمّ الرائحة الطیبة منها.
قد یقال ان ظاهر النهي هو الحرمة فیدعم عموم النهي عن شم الرائحة الطیبة و شمولها إلی كل ما فیه رائحة طیبة و انما ورد من تجویز ما فیه رائحة طیبة انما هو بلحاظ بقیة الاستعمالات دون الشم.
و یخدش في استفادة الحرمة من النهي بأن سائر الاستعمالات لا سیما الأكل یلازم الشم و یلازم بقاء الرائحة مدة مدیدة فلا محال یكون النهي عن الشم محمول علی ضرب من الكراهة بإرادة، التجنب و التوقي عن الرائحة الشدیدة و تخفیفها بقدر الوسع فنصوصیة هذه الروایات في جواز الأكل رافع لظهور النهي في الحرمة فالمراد من الإمساك عن الشم هو تخفیف درجة الشم لها و إلا فاصل الشم حاصل لا محال كما تبین.
و منها: صحیحة أبي المعزی (1)قال سألت ابا عبد اللّه عن المحرم یغسل یده بالاشنان قال: (كان أبي یغسل یده بالحرض الأبیض) نعم في روایة (2)إبراهیم ابن سفیان أنه كتب إلی أبي الحسن المحرم یغسل یده بالاشنان فیه اذخر فكتب لا أحب لك ذلك و هي محمولة علی الكراهیة جمعا بینها و بین الصحیحة المزبورة و هو داعم لاستفادة الكراهة عن النهي عن الشم الفواكه و قد تكون محمولة علی
..........
الاشنان الذي یخلط فیه الطیب كما في مصححة الحسن ابن زیاد (1)عن أبي عبد اللّه الصادق . فتحصل من مجموع الروایات عدم حرمة شم ما فیه رائحة طیبة مما لا ینبت لأجلها و لا یعتاد اتخاذ و استخلاص الطیب منها مضافاً إلی التأمل في شمول عموم النهي عن شم الرائحة الطیبة إلی هذا القسم لأنّه ظاهر فیما ینبت لأجلها أو یتخذ لأجلها.
و أما القسم الثاني: و هو ما ینبت لأجل الرائحة الطیبة أو یتخذ و یستخلص الطیب منه، كالریاحین و الورود كالرازقي و الیاسمین و ورد القرنفل و المحمدي و غیرها، و قد ورد في صحیح عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه قال: (لا تمس ریحاناً و انت محرم، و لا شیئاً فیه زعفران) (2).
و في صحیح حریز عن أبي عبد اللّه قال: (لا یمس المحرم شیئاً من الطیب و لا الریحان و لا یتلذذ به، فمن ابتلی بذلك فلیتصدق بقدر ما صنع بقدر شبعه من الطعام) (3).
و روی البرقي عن بعض أصحابنا رفعه عن حریز قال: سألت أبا عبد اللّه : عن المحرم یشمّ الریحان؟ قال: (لا) (4).
و الظهور الأولی في النهي هو الحرمة، لا سیما أنه في سیاق النهي عن الطیب،
..........
بل إنه قد جعل متعلق النهي مطلق النهي و الاستعمال، و هو یفید شدّة النهي. لكن قد ذهب جماعة إلی الكراهة و قد ینسب إلی المشهور. فاختاره الشیخ في النهایة و الحلي في السرائر و ابن حمزة في الوسیلة، و المحقق في الشرائع و المختصر، و العلامة في القواعد، و نسب القول بالحرمة إلی المفید في المقنعة و جماعة، و العلامة في بقیة كتبه و احتاط جملة من المعاصرین.
و استدلّ علی الكراهة بأمور:
الأوّل: بأولویة الجواز في رائحة الریاحین من رائحة الطیب فیما عدا الخمسة أو الستة.
و فیه: أنه مبني علی حصر الحرمة بالخمسة أو الستة. و قد عرفت ضعفه.
الثاني: ورود الترخیص في جملة من الریاحین كالقیصوم و الشیح و الاذخر و الخزامي، بل في صحیح معاویة المتقدّم بالتعمیم بلفظ (و اشباهه). و كذا ورد في شم رائحة الاترج كما في موثق عمار الساباطي المتقدّم، و بما ورد في جواز استعمال الاثنان المتقدّم، مؤیداً بما ورد من جواز شمّ خلوق الكعبة و مسّه، و رائحة العطارین ما بین الصفا و المروة.
و فیه: أن ما مورد في القیصوم و الشیح الاذخر و الخزامي و اشباهه انما هو النباتات البریة التي لا تندرج في الریاحین التي تزرع و تنبت لأجل الرائحة الخاصة في ورودها و أوراقها، و هي تمتاز علی تلك بنداوتها و شدّة ریحها المفعمة، بخلاف النباتات البریّة فانها كما مر تستخدم بمعالجة، و في الغالب هي لطرد الروائح النتنة، كما تقدمت الاشارة إلیه في كلمات اللغويین. فالاختلاف النوعي بین الصنفین بین، قول صاحب الجواهر بأن هذا التقسیم لا یرجع إلی محصل لا وجه له بعد تباین النوعین ماهیةً، و كذا الحال في الاشنان.
(مسألة 239): لا یجب علی المحرم أن یمسك علی أنفه من الرائحة الطیبة حال سعیه بین الصفا و المروة، إذا كان هناك من یبیع العطور، و لكن الأحوط لزوما أن یمسك علی أنفه من الرائحة الطیبة في غیر هذا الحال،
و أما الاترج فقد مرّ أنه من القسم الأول الذي لا ینبت لأجل الرائحة الطیبة، و لا یندرج في الریاحین. و قد مرّ عدم العموم في النهي عن الرائحة الطیبة لغیر القسم الثاني و الثالث، فلا یشمل القسم الأول كالنباتات البریة و الفواكه و غیرها. و لا یخفی ما في التأیید بجواز خلوق الكعبة و رائحة العطارین في السعي فإنها قد استثنیت لحرمة الكعبة و للحرج.
الثالث: عدم الكفارة دال علی الجواز، إذ لو بنی علی الحرمة لكان یستوي مع حرمة الطیب في ثبوت الكفارة.
و فیه: أن الفارق هو الدلیل مع ثبوت الحرمة، كما في حرمة سدّ الانف عن الروائح الكریهة مع أن فیه كفارة مغایرة لكفارة الطیب كما سیأتي.
ثمّ أن الظاهر خروج مثل السدر و الخطمی و الحناء عن الریاحین كما نص علیه الشهید و غیره، و إن عرّف الریاحین في اللغة تارة بكل نبتة له رائحة طیبة و كان مشموماً، و أخری بكل بقلة لها رائحة طیبة، أو أطراف النبات ذو الرائحة. إلاّ أن معناها معروف كالیاسمین و النرجس و الریحان الفارسي و غیره، دون الفواكه و النباتات البریة.
ثمّ إن الضابطة في الرائحة الطیبة كما ذكرها في المبسوط و التذكرة و كشف الغطاء هو بلحاظ الصدق العرفي و هو یدور مدار ما ینبت و یزرع للطیب سواء اتخذ منه الطیب أو لم یتخذ، لا ما لا ینبت للطیب و إن كان فیه رائحة طیبة قد تظهر بالمعالجة فالتعارف النوعی المتداول هو ضابطة الصدق.
و لا بأس بشم خلوق الكعبة و هو نوع خاص من العطر(1).
(مسألة 240): إذا استعمل المحرم متعمدا شیئا من الروائح الطیبة فعلیه كفارة شاة علی المشهور، و لكن في ثبوت الكفارة في غیر الأكل إشكال، و ان كان الأحوط التكفیر(2).
لا خلاف في ذلك في استثناء الموردین للنصوص الواردة كصحیح هشام بن الحكم (1). و صحیح عبد اللّه بن سنان قال: سألت ابا عبد اللّه عن خلوق الكعبة یصیب ثوب المحرم. قال: (لا بأس و لا یغسله فإنه طهور) (2). و غیرها.
فقد عمم في المقنع الفدیة لأكل الزعفران و مطلق الطیب، و عمم في الخلاف (3)الفدیة لاستعمال الستة، و لاستعمال الادهان الطیبة، و كذا لذریرتها حتی ماء الورد و الورد. و الغریب الحكایة عن الشیخ نفي الكفارة عن ما عدا الستة، مع أن مراد الشیخ هو مفاد صحیحة معاویة بن عمار من النفي عمّا لیس بطیب بذاته و ان اتخذ منه، في مقابل قول العامة ثبوت الفدیة مطلقاً، فتوهم نفي الشیخ للفدیة عن بقیة أفراد الطیب الذاتي. و قد ذكر الشیخ هذا البحث في ثلاث مسائل في الخلاف فلاحظ، و العلامة في التذكرة عممها لمطلق الطیب في تقسیمه، و ظاهره شمول الفدیة لذي الرائحة الطیبة الذي یتخذ منه الطیب كالیاسمین و الورد و النیلوفر. و خص جماعة كثیرة في الاعصار المتأخرة و منهم صاحب المدارك الكفارة بالاكل خاصة في الستة جموداً علی ظاهر صحیح زرارة عن أبي جعفر قال: (من
..........
أكل زعفران متعمداً أو طعاماً فیه طیب فعلیه دم، فإن كان ناسیاً فلا شيء علیه و یستغفر اللّه و یتوب إلیه (1).
و في صحیح معاویة بن عمار في محرم كانت به قرحة فداواها بدهن البنفسج. قال: إن كان فعله بجهالة فعلیه طعام مسكین، و إن كان تعمد فعلیه دم شاة یهریقه (2).
و قد تقدم في صحیح الحسن بن زیاد (3)فیمن استعمل الأشنان الذي فیه طیب أنه یتصدق بشيء . و هو محمول علی النسیان أو الضرورة. و قد تقدم في صحیح حریز و معاویة بن عمار أن من ابتلی بشيء من ذلك فلیتصدق بقدر ما صنع (4). و هما محمولان علی النسیان و الاضطرار أیضاً علی تقدیر كون المشار إلیه باسم الإشارة هو الطیب، و أما لو جعلت الرائحة الطیبة فلا تنافي مع صحیح زرارة المتقدم و الصحیح الاول لمعاویة بن عمار، و الأقوی بناء علی ما ذكرناه من مفاد صحیح معاویة السابقة الحاصرة من كونها في صدد نفي توهم العامة القائلین بالفدیة لكلّ من الطیب و لما لیس طیب بذاته إذا اتخذ منه الطیب و قد اشار إلی قولهم المزبور الشیخ في الخلاف (5)- فالصحیحة لتبیان الفرق بین ما هو طیب بذاته
..........
و ما هو لیس كذلك، لا أنها بصدد الحصر الحقیقي في الأفراد الأربعة، بل في صدد الحصر في نوع الطیب في مقابل ماله رائحة طیبة و لیس طیباً في ذاته.
فتختص فدیة الدم الذي هو طیب بذاته سواء الأربع المذكورة في الصحیحة أو ما هو مستخلص من ماله رائحة طیبة دون ما فیه رائحة طیبة سواء ما أنبت لأجل الرائحة الطیبة كالریاحین أو غیره. مضافاً إلی أن صحیح زرارة و معاویة الواردین في كفارة الدم قد أخذ في موضوعها عنوان الطیب الأعم منه فما یظهر من العلامة (1)من ثبوتها في الیاسمین و الورد و النیلوفر و من الشیخ في المبسوط في ماء الورد محل تأمل. و لعل لكلام التذكرة محملاً علی غیر ذلك حیث قال: الثالث. ما یقصد شمّه و یتخذ منه الطیب، كالیاسمین و الورد و النیلوفر و الظاهر أن هذا یحرم شمه، و تجب منه الفدیة. و به قال الشافعي لأن الفدیة تجب فیما یتخذ منه. فكذا في أصله (2)لان تعلیله بثبوت الفدیة في الطیب الذي یتخذ في العناوین الثلاثة ظاهر في كونه تعلیلاً بالحرمة و علی أي تقدیر فلا دلیل عام یتمسك به لثبوتها في غیر ما هو طیب بذاته، سواء كان طیباً بحسب طبیعته الاولیة أو كان مستخلصاً.
ثمّ إنه لا اختصاص في ثبوت الكفارة بالأكل بل تثبت في مطلق استعمال الطیب كما هو مقتضی صحیح معاویة، و توهم أن الكفارة فیه للادهان لا للطیب مدفوع، بما سیأتي في الادهان من أن الكفارة خاصة بما فیه الطیب دون غیره من
..........
الادهان و إن كان محرماً.
هذا و ما في روایة الاحمسي مما قد یوهم أن دهن البنفسج لیس من الطیب فلا تكون صحیحة معاویة مما نحن فیه قال: سئل أبا عبد اللّه سعید بن سیار عن المحرم تكون به القرحة أو البثرة أو الدمّل قال: (اجعل علیه البنفسج [أو الشیرج] و اشباهها مما لیس فیه الریح الطیبة) (1).
قال في المنجد: البنفسج واحدته البنفسجة أزهار سنویة أو معمرة مشهورة بدوام أزهارها اللطیفة (بیضاء، صفراء، بنفسجیة) من أنواعها البنفسج العطر.. المستعمل في الطب كملین (و بنفسج الثالوث) الكبیر الازهار..
قال في المحیط: نبات زهري من جنس فیولا من الفصیلة البنفسجیة یزرع للزینة و لأجل زهوره عطر الرائحة.. .
قد تحمل روایة الأحمس علی نوع البنفسج غیر المعطر منه مع أنه في مورد الضرورة و یدل علیه أن صحیحة معاویة بن عمار في الكفارة في مورد القرحة - و لو كان أدهان بغیر طیب - لم تثبت الكفارة لجوازه و لا معنی حینئذ للتفصیل بین العمد و الجهالة مضافاً إلی تقیید روایة الاحمس بالذي لیس فیه رائحة طیبة و هو في بعض انواع البنفسج أو ما إذا عتق و طالت مدته. نعم الصحیحة دالة علی ثبوت الكفارة في استعمال الطیب و لو عند الاضطرار. ثمّ أن ما تقدم من الروایات قد ذكر ثبوت الكفّارة لشم الرائحة الطیبة و هي التصدق بقدر ما صنع أو بقدر شبعه في الطعام إلاّ أن التعبیر فیها بثبوت الكفارة (لمن ابتلی بشيء من ذلك) و هو یعطی
1) أبواب تروك الإحرام، ب31، ح3.
(مسألة 241): یحرم علی المحرم أن یمسك علی أنفه من الروائح الكریهة. نعم لا بأس بالإسراع في المشي للتخلص من ذلك(1).
ثبوتها في سدّ الانف من الرائحة الكریهة كما أن التعبیر بالابتلاء ظاهر في غیر العمدي و من ثمّ ذهب البعض لاستحباب تلك الكفارة و لا أقل من عمومه لغیر العمد نعم موضوع تلك الكفارة هي شم الرائحة أعم من كونها رائحة طیب أو ریحان و نحوه بخلاف استعماله بالمس الذي تقدم أن كفارته الدم لكن صریح الروایات ثبوت الكفارة الثانية في مسّ الطیب أیضاً فلا محاله تكون في غیر العمد و حینئذ فیبقی شم الطیب و ان لم یكن بمس مندرج في عموم الاستعمال المستظهر لكفارة الدم المتقدمة.
قد مرّ في الروایات السابقة النهي عن الإمساك للریح النتنة (1)و هو ظاهر في المعالجة في عملیة الإمساك عن الریح الخبیثة لا مجرد حبس النفس، نعم قد یقال أن النهي المزبور كنایة عن عدم الشمّ كما هو الحال في الرائحة الطیبة و قد مرّ في الفواكه النهي عن شمها مع جواز أكلها مما یظهر منه النهي عن الشم بطریق الأنف، و علی أي تقدیر فالإسراع لا ریب في جوازه لأنه لیس تصرفاً في الشمّ بل تصرفا في متعلقه و هو مكان المشموم.
1) أبواب تروك الإحرام، ب24.
(مسألة 242): یحرم علی المحرم أن یلبس القمیص و القباء و السروال و الثوب المزرور مع شد أزراره و الدرع، و هو كل ثوب یمكن أن تدخل فیه الیدان و الأحوط الاجتناب عن كل ثوب مخیط، بل الأحوط الاجتناب عن كل ثوب یكون مشابها للمخیط، كالملبد الذي تستعمله الرعاة، و یستثنی من ذلك (الهمیان)، و هو ما یوضع فیه النقود للاحتفاظ بها و یشد علی الظهر أو البطن، فان لبسه جائز و ان كان من المخیط، و كذلك لا بأس في التحزم بالحزام المخیط الذي یستعمله المبتلی بالفتق لمنع نزول الامعاء في الانثیین، و یجوز للمحرم أن یغطي بدنه ما عدا الرأس باللحاف و نحوه من المخیط حالة الاضطجاع للنوم و غیره(1).
و هو من محرمات الإحرام بالضرورة بین المسلمین إجمالاً إلاّ أنه وقع التأمل للشهید في الدروس في العنوان حیث أنه لم ترد النصوص به و انما ورد النهي عن لبس الثیاب الخاصة لا النهي عن العنوان المزبور.
و في المقنعة عبر بما ورد في الروایات أیضاً و تبعه غیر واحد في ذلك و الثمرة تظهر من وجوه فإنه علی الثاني (عنوان الثیاب) یعم الثیاب سواء كانت مخیطة أو ملبدة أو منسوجة أو ملصقة و علیه لا حاجة لتمحل الإلحاق و تنقیح المناط بخلافه علی الأول، كما أنه علی الثاني لا یعم النهي مطلق المخیط.
و قد خص أصحاب القول الثاني الثیاب من حیث الشكل بالقباء و السراویل و القمیص و الرداء و المدرعة و العباء و العمامة و نحوها مما ورد في طائفة ثانیة من الروایات باستظهار الحصر منها فلا یعم مطلق أشكال و أزیاء الثیاب.
..........
اما الروایات الواردة في المقام فهي علی طوائف.
الطائفة الأولی: ما ورد النهي فیها عن عناوین خاصة.
كصحیح محمد بن مسلم قال. إذا اغتسل الرجل و هو یرید أن یحرم فلبس قمیصا قبل أن یلبي فعلیه الغسل (1).
و في صحیح معاویة بن عمار عن أبي عبد اللّه النهي عن السراویل و الخفین (2)و الإزار و في صحیح یعقوب بن شعیب (3)و عن مجمع البحرين: الطیلسان مثلث اللام واحد الطیالسة، و هو ثوب محیط بالبدن ینسج للبس خال عن التفصیل و الخیاطة و هو من لباس العجم و الهاء في الجمع للعجمة، لأنه معرب كالشان. انتهی.
و في المنجد: كساء أخضر یلبسه الخواص من المشایخ و العلماء و هو من لباس العجم.
و مفهوم صحیح الحلبي (4).
و في صحیح علی بن جعفر النهي عن القلنسوة (5).
و في الصحیح إلی صفوان عن خالد بن محمد الأصم النهي عن الكساء (6).
..........
الطائفة الثانية: ما ورد النهي فیها مقید بقید خاص:
ففي صحیحة معاویة بن عمار عن أبي عبد اللّه قال: (لا تلبس ثوبا له إزار إلاّ ان تنكسه و لا ثوباً تدرعه) الحدیث (1).
و في صحیحة الآخر (ثوباً تزرّه و لا تدرعه) (2)و مثله صحیح زرارة (3).
الطائفة الثالثة: ما كان لسانه النهي عن مطلق الثیاب. كصحیح زرارة عن احدهما - في الحج بالصغار - (و تبقی علیهم ما تبقی علی المحرم من الثیاب و الطیب) (4). و في موثق أبي بصیر عن أبي عبد اللّه في حدیث - (احرم لك شعري و بشري و لحمي و دمي من النساء و الثیاب و الطیب) - الحدیث (5). و مثلها في صحیحة معاویة بن عمار (6). و مثله صحیح عبد اللّه بن سنان (7). و في صحیح آخر لمعاویة بن عمار عن أبي عبد اللّه قال: (إن لبست ثوباً في إحرامك لا یصلح لك لبسه فلبّ) (8)و مثله صحیح زرارة عن أبي جعفر و فیه (أو لبس ثوباً
..........
لا ینبغي له لبسه) (1).
و في صحیح محمد بن مسلم قال سألت أبا جعفر عن المحرم إذا احتاج إلی ضروب من الثیاب یلبسها؟ قال: (علیه لكل صنف منها فداء) (2).
و یقرب عموم النهي عن الثیاب المخیطة و غیرها بوجوه:
الأوّل: أن للجمع بین مفاد الطوائف الثلاث لا بد فیه من الالتفات إلی أن نزع الثیاب و الإحرام بلباس خاص كان من الملة الحنیفیة الإبراهیمیة كما في بعض الروایات و إنه قد أتی به الأنبیاء السابقون، و هو نمط من التجرّد عن الراحة المعهودة في تروك الإحرام، غایة الأمر أن اللبس للثیاب بحسب المادة اللغوية هو من الاختلاط و الاستعمال و التغطیة كما یلاحظ في مشتقات المادة كالتلبیس و الالتباس و لبس الحق بالباطل و غیرها من الموارد. و علی ذلك فارتداء الثیاب المخیطة و غیرها المعتادة و إن لم یكن علی الهیئة المناسبة للثوب الخاص بالشكل و الزي المذكور في الطائفة الأولی، إلاّ أنه لبس بالمعنی العام و إن لم یكن لبساً خاصاً مناسباً له كالتوشح و غیره، فاللبس للثیاب عموماً من التروك إلاّ أنه استثنی منه أخفّ درجاته، و هو لبس الثوبین الإزار و الرداء لمكان الستر، و لذلك كان استفادة النهي عن المخیط باعتباره أعلی درجات اللبس و أكملها. و من ثمّ یتضح وجه حكم جماعة بمنع كون ثوبي الإحرام من الجلد أو اللبد حیث انهما عند طائفة من الناس نمط من الثیاب تلبس بهیئة الإزار و الرداء.
..........
الثاني: المقابلة بین النهي عن العناوین الخاصة في الروایات مع الأمر بالرداء و الإزار دالة علی كون لبس ثوبي الإحرام كالاستثناء من ترك الثیاب مطلقاً.
الثالث: اقتران النهي عن السراویل بالنهي عن الخف و الجورب في سیاق واحد دال علی أن الثیاب المخیطة شاملة للحجم الصغیر المختص ببعض أعضاء البدن، و أن المنهي عنه هو المخیط لأنه عبارة عن ضم الثوب لبعض أعضاء البدن بنحو التفصیل و العنایة بالخیط و هو درجة معتادة في رفاه و حفظ البدن.
الرابع: تقیید جواز لبس الخف و الجورب عند الاضطرار بشق أعلاه من ظاهر القدم. كصحیح أبي بصیر، و صحیح محمد بن مسلم (1)- دال علی كون جهة النهي لیست ستر ظاهر القدم فقط، بل كونه مخیطاً مصنوعاً لضم عضو البدن، بل إن النهي عن ستر ظاهر القدم وجهه ذلك أیضاً.
الخامس: التعبیر عن تجرد المحرم عن ثیابه و تجرد الصغار عن ثیابهم دالان علی العموم، و كذا ما ورد في التلبیة (أحرم لك بدني و بشري من الثیاب و النساء و الطیب...) و وجه دلالته مضافاً إلی عموم عنوان الثیاب و أن عنوان التجرد دال علی كونه مطلوبا، غایة الأمر استثنی الساتر و هو ثوبي الإحرام للزومه.
السادس: أن ما ورد في استثناء الهمیان و المنطقة الآتي سیاقه سیاق الاستثناء المشعر بعموم المستثنی منه.
السابع: ما ورد في البحار عن الكشي عن القتیبي عن أبي عبد اللّه الشاذاني
1) أبواب تروك الإحرام ب51، ح3 و ح5.
..........
قال: سألت الریان بن الصلت و فیه (و غیر ثیابك المخیطة...) (1)و الروایة و ان لم تكن مسندة للرضا حیث أن الجواب من ابن الصلت إلاّ أنه دال علی الارتكاز المتشرعي من مثله و هو من أصحاب الرضا .
و الغریب عن الشهید حیث أشكل علی المشهور استفادة حكم المخیط من الأدلة قد استدل - هو - علی حرمة عقد الرداء بفحوی النهي عن ازرار الطیلسان لتجنب الترفه و هذا التعلیل بعینه موجود في مطلق المخیط المفصل من الثیاب.
الثامن: أن النهي الوارد في العناوین الخاصة في الطائفة الأولی ظاهره التمثیل للمخیط المتعارف الملبوس لا الحصر و لم ترد أداة حصر في روایات الباب.
التاسع : ما ورد في مكاتبة الحمیري الآتیة من النهي عن تغیر الإزار عن حده بالقرض أو الخرز بالإبرة و نحوه صریح في عموم المخیط و غیره مما هو مفصل.
العاشرة: ما ورد من النهي عن عقد الثوبین و تخلیلهما و نحو ذلك صریح في قصر اللبس بهما من دون ترفع في درجة اللبس إلی الأفضل و قد تقدم أن كیفیات اللبس للثوب هي علی درجات تتصاعد بحسب الزی و التفصیل و المعالجة التي أوقعت في الثوب.
الحادیة عشر: أن النهي عن اللبس شامل للبس العمامة، و إن كان هو محرم من جهة أخری و هي تغطیة الرأس، مع أن العمامة لیست مخیطة و لا مفصلة و لا مدرعة و هو داعم لعموم كل من اللبس و الثیاب المنهي عنه.
هذا، قد یدعی أن مقتضی الطائفة الثانية تقیید الإطلاق للطائفة الثالثة
1) بحار الأنوار 143 :99.
..........
حیث قد اشتملت الطائفة الثانية علی تقید الثیاب بالجملة الفعلیة (تدرعه) و هي تدل علی أن اللبس الفعلي هو المنهي عنه و كذا التعبیر في بعضها (یلبس كل ثوب إلاّ ثوباً یتدرعه) (1)الدال علی الجواز إلاّ ما استثنی و علی ذلك فیجوز لبس المخیط بنحو التوشح دون إدخال الیدین أو عقد الإزار. و فیه: أنهما بلسان النهي فلیسا متخالفین في النسبة
مع النهي المقید في الطائفة الثانية فالتقیید من باب حمل المطلق علی المقید و هو لا یصار إلیه بعد كون العموم استغراقیاً لا بدلیاً، مع أن القید صفة للثوب لا بدل عن اللبس.
و أما عموم الجواز المستثنی فهو بالإضافة للقمیص فإن كل ثوب لا یدرع لا یكون إلاّ الرداء و أمثاله.
ثمّ إنه هاهنا فروع:
الأوّل: في استثناء الهمیان، و مثله الحزام المخیط للفتق. و عرّف الهمیان بكیس توضع فیه النفقة و یشد بما یشدُّ الوسط، و المنطقة ما یشد علی الوسط و یوضع فیه النفقة. و قال في المصباح: المنطقة اسم لما یسمیه الناس الحیاصة - و الأصل الحواصة و هي سیرٌ یشدُّ به حزامُ السَّرجِ، كما عن القاموس.
و في لسان العرب: و المِنطَقْ و المِنطَقةُ و النطاق كلُّ ما شَدَّ به وسطه، و المِنْطَقَةُ معروفة اسمٌ لها خاصة. و النطاق شبهُ إزار فیه تكَّةٌ كانت المرأة تَنْتِطقُ به... و هو أن تلبس المرأة ثوبها ثمّ تشدّ وسطها بشيء و ترفع وسط ثوبها و ترسله علی الأسفل
1) أبواب تروك الإحرام، ب37، ح5.
..........
عند معاناة الاشغال لئلا تعثر في ذیلها.
و في المحكم النِّطاق شِقَّة أو ثوبٌ تلبسه المرأة ثمّ تشد وسطها بحبل ثمّ ترسل الاعلی علی الأسفل إلی الركبة فالأسفل ینجر علی الأرض، و لیس لها حُجزة و لا نَیْفَقْ و لا ساقان.
و یدل علی الجواز صحیح یعقوب بن شعیب قال: سألت ابا عبد اللّه عن المحرم یصیر الدراهم في ثوبه. قال: (نعم و یلبس المنطقة الهمیان) (1).
و في صحیح أبي بصیر عن أبي عبد اللّه قال: (كان أبي یشد علی بطنه المِنْطَقَة التي فیها نفقته یستوثق منها فإنها من تمام حجه) (2).
و سیأتي بقیة الكلام في كیفیة استعمالها و حكم شدّ الإزار بها.
الثاني: في الطیلسان و كل ثوب لا یدرع و له ازرار: و ذهب إلی جواز لبسه العلامة و الشهید في الدروس إلاّ أنه قیده في الإرشاد بالضرورة. و یدل علیه صحیح یعقوب بن شعیب قال سألت أبا عبد اللّه المحرم یلبس الطیلسان المزرور، فقال : (نعم و في كتاب علی لا تلبس الطیلسان حتی تنزع إزراره، فحدثني أبي انه إنما كره ذلك مخافة أن یزره الجاهل) (3).
و مثله صحیح الحلبي إلاّ انه زاد (فأما الفقیه فلا بأس أن یلبسه) (4).
..........
و في روایة أبي بصیر عن أبي عبد اللّه (و إن لبس الطیلسان فلا یزره علیه) (1).
و ظاهر هذه الصحاح عدم تقییده بالضرورة كما أنه ظاهر بالكراهة الاصطلاحیة لخوف معرضیة ارتكاب المحرم في كیفیة اللبس لا الملبوس، و هذا دال علی ما تقدم من تعدد درجات اللبس كما هو الحال في تعدد درجات الملبوس.
و فیه: ان النهي عن المزرور - في صحیح یعقوب - (حتی ینزعه) محمول علی الكراهة.
ثمّ أن في صحیح معاویة بن عمار عن أبي عبد اللّه : (قال لا تلبس ثوباً له أزرار و أنت محرم إلاّ أن تنكسه) (2)و یظهر منه عموم الجواز للطیلسان و غیره من الثیاب غیر المخیطة و غیر المفصلة.
و قد عرفت ان الطیلسان ثوب و كساء ملبد أو منسوج غیر مخیط و لا مفصل.
الثالث: في حزام الفتق و هو تارة مخیط و أخری غیر مخیط. أما الثاني فلا ریب في جوازه لعدم صدق اللبس و الثوب علیه، و أما الأول فیستفاد جوازه بالاولویة من الهمیان و المنطقة لفهم كون مناط الجواز فیها هو الضرورة و الحاجة.
الرابع: في العمامة.
ففي صحیح أبي بصیر عن أبي عبد اللّه في المحرم یشدّ علی بطنة العمامة
(مسألة 243): الأحوط أن لا یعقد الازار في عنقه بل لا یعقده مطلقاً و لو بعضه ببعض و لا یغرزه بابرة و نحوها و الاحوط أن لا یعقد للرداء أیضاً و لا بأس بغرزه بالابرة و أمثالها(1) .
قال: (لا) (1).
و في صحیح عمران الحلبي عن أبي عبد اللّه قال: (المحرم یشدّ علی بطنه العمامة و إن شاء یعصبها علی موضع الإزار، و لا یرفعها إلی صدره) (2).
و مقتضی الصحیح الثاني حمل الأول علی الكراهة، إلاّ أن الجواز مقیّد بعدم التوغل في كیفیة لبسها، بأن یرفعها إلی صدره، أو أن تكون مخیطة و هي كیفیة في الملبوس، و من ثمّ لا یبنی علی جواز لبس الهمیان و المنطقة إذا كانا مخیطین و كانت الحاجة في لبسهما هو شد الوسط لا الاحتفاظ بالنقود. و حكم شد إلاّ زار بها سیأتي في محله.
و ینسب إلی المشهور جواز عقد الازار، و حرمة إزراره و ظاهر الحنفیة في مبسوط السرخسي أن شدّ المنطقة و الهمیان علی البدن لا علی الازار. أما الروایات الواردة في المقام فصحیح سعید الاعرج أنه سأل أبا عبد اللّه عن المحرم یعقد أزرار في عنقه. قال: (لا) (3). و في هامش الفقیه أن في بعض النسخ (عقد الأزرار) بالراءین و كذا في الروضة للمجلس قال . إن الممنوع عنه أزرار قمیصه أو قبائه ثمّ
..........
قال - و یمكن أن تكون النسخة (إزاره) من دون راء متقدمة و یكون المراد به عقد الرداء في عنقه اختیاراً.
و علی تقدیر كون النسخة (إزاره) فقد أختلف في مرجع الضمیر (في عنقه) هل هو عنق المحرم أو الإزار فعلی الأول فالنهي عن عقد الرداء في عنق البدن، و علی الثاني فالنهي عن عقد الإزار في عنقه في وسط البدن و استظهر جماعةٍ كثیرة الأول و یأتي ما یؤیده في بقیة الروایات.
و في روایة الاحتجاج عن محمد بن عبد اللّه بن جعفر الحمیري عن صاحب الزمان انه كتب إلیه یسأله عن المحرم یجوز أن یشدّ المئزر من خلفه علی عنقه (1)بالطول و یرفع طرفیه إلی حقویه، و یجمعهما في خاصرته، و یعقدهما، و یخرج الطرفین الآخرین من بین رجلیه و یرفعهما إلی خاصرته، و یشدّ طرفیه إلی وركیه، فیكون مثل السراویل یستر ما هناك، فإن المئزر الأول كنا نتزر به إذا ركب الرجل جمله یكشف ما هناك، و هذا استر . فأجاب : (جائز أن یتزر الإنسان كیف شاء إذا لم یحدث في المئزر حدثاً بمقراض و لا إبرة تخرجه به) - عن حدّ المئزر، و غرزه غرزاً [غزراً] و لم یعقده و لم یشدّ بعضه ببعض، و إذا غطّی سرته و ركبته كلاهما فإن السنة المجمع علیها بغیر خلاف تغطیة السرّة و الركبتین، و الاحب إلینا و الأفضل لكل أحد شدّه علی السبیل المألوفة المعروفة للناس جمیعاً إن شاء اللّه و عنه انه سأله هل یجوز أن یشدّ علیه مكان العقد تكّة؟ فأجاب: لا یجوز شدّ المئزر بشيء سواه من تكة
1) و في نسخة بدل: عقبه.
..........
أو غیرها (1)أن النهي عن العقد في العنق في ظاهر هذه الروایة كون العنق عنق الإزار، و هو كنایة عن عقد المئزر و شدّ بعضه ببعض، الذي هو عقدة ناقصة مع ثنی، و النهي عن شدّه بالتكة و هي ما یُربط به السراویل، فظاهرها المنع عن شدّ الازار بما یتعارف كونه رباطاً للسراویل و نحوه.
و صحیح علی بن جعفر عن أخیه موسی بن جعفر قال: (المحرم لا یصلح له أن یعقد إزاره علی رقبته و لكن یثنیه علی عنقه و لا یعقده) (2).
و قد یستظهر من الصحیح إرادة عنق البدن بقرینة اقترانه بالرقبة و لكن قد یقال بأن لفظة الازار حیث انها تطلق في مقابل الرداء، و إن كان الازار یستعمل كما في روایات كفن المیت فیما یغطي تمام البدن، إلاّ أنه إذا قوبل بالرداء فیراد به المئزر. و المعروف في كلمات أعلام العصر إرجاع ضمیر العنق إلی المحرم، فمن ثمّ فسروا الازار بالرداء فمنعوا عن عقد الرداء في الرقبة أو مطلقاً، و اجازوا عقد المئزر عكس ما صنع الماتن.
إلاّ انك عرفت أن التعبیر في الصحیح المزبور بالإزار في مقابل الرداء و التعبیر بالرقبة أو العنق یطلق علی رأس المئزر و الإزار. مضافاً إلی ما مرّ في المكاتبة من التصریح بالمئزر، و كذا في صحیح سعید الأعرج حیث عبّر بالإزار.
ثمّ إنه قد یخدش في استفادة حرمة عقد الإزار علی أي من التقدیرین سواء فسرناه بالمئزر أو الرداء - بأن صحیح سعید الاعرج مختلف النسخة و أن الارجح ف-یه
..........
هو الازرار، و الازرار مسلم الحرمة من روایات الطیلسان المعتبرة و غیرها. و في صحیح علي بن جعفر یستظهر من العنق و الرقبة بقرینة اقترانهما انهما عنق البدن و رقبته، فیكون المراد عقد الرداء أو الازار الطویل بحیث یكون ثوبي الاحرام ثوباً واحداً یلف علی الرقبة ثمّ علی الحقوین، فیكون هیئة ارتدائه كالثیاب المعتادة، و النهي إنما هو لأجل ذلك. و قد یكون عنوان الازار المنهي عن عقده في الروایات مستعملاً للمعنی الجنسي الشامل للثوبین فإن هیئة الثوبین قبل لبسهما علی الموضعین واحدة یطلق علیهما إزارین عنق و ان كانت التسمیة بعد لبسهما تتباین بلحاظ موضع اللبس في البدن و هذا هو الأقرب في كون النهي عن مطلق الإزار و من ثمّ كان المحكي عن العلامة و الشهید المنع عن عقد الرداء و تجویز العقد في المئزر لورود النصوص الآتیة فیه دون الرداء. كما قد یستشهد للجواز بصحیح یعقوب بن شعیب المتقدم عن أبي عبد اللّه قال: سألت ابا عبد اللّه عن المحرم یصرُّ الدراهم في ثوبه. قال: (نعم و یلبس المنطقة و الهیمان) (1). بأن سؤال الراوي عن صر الثوب أي عن عقده، فأجابه بالجواز، و أردف ذلك بلبس المنطقة و الهمیان مما یظهر منه لبسهما فوق الازار و الشدّ به. و بصحیحة صفوان الجمال قال: قلت لأبي عبد اللّه إن معي أهلي و أنا ارید أن اشدّ نفقتي في حقوي. فقال: (نعم فإن أبي كان یقول: (من قوّة المسافر حفظ نفقته) (2). و الحقو الكشح و الازار و معقده . فیطلق علی الازار و علی معقده، ففي اللسان أنه في الاصل اسمٌ
..........
للخصر و معقد الإزار ثمّ سمي به الازار لأنه یشدّ علی الخصر، و یقال رمی فلان بحقوه أي رمی بإزاره، فهذه الصحیحة كالنص علی جواز العقد علی الازار.
و یعضد ذلك بروایة میمون القداح عن جعفر أن علیاً كان لا یری بأساً بعقد الثوب إذا قصر، ثمّ یصلی فیه إذا كان محرماً (1). و یستفاد منهما جواز عقد المئزر عند الحاجة كما هو الحال في الهمیان. و من ثمّ یشكل الجزم بحرمة العقد مع الحاجة إلاّ أن یوجب ذلك تغییر هیئة الثوبین عن كونهما رداء و مئزر كما أن من ذلك یظهر جواز شدّ الهمیان و المنطقة فوق الازار لما مرّ و المتعارف وجود الحاجة لشدّهما فوق الثیاب لیكونا في معرض التناول، و الا لكان حرجاً الانتفاع بهما. و قد مرّ في تعریف المنطقة أنها ما یوضع علی الثیاب و علی الوسط.
و في موثق یونس بن یعقوب قال: قلت لأبي عبد اللّه : المحرم یشدّ الهمیان في وسطه. فقال: (نعم) (2). و ظاهر الشد في الوسط یطلق علی الوضع علی الثیاب علی موضع الوسط كما هو المتعارف المنصوص، و یؤید كل ذلك تخصیص المنع في المكاتبة عن الشدّ بنحو یخرج الثوبین عن المتعارف بنحو رباط السراویل و نحوها.
أما شدّ العمامة علی الازار فقد عرفت أن الجواز المتقدم في شدها رتب علی عنوان البطن و من ثمّ منع البعض عن شدها علی الإزار بل منع بعض من شدها علی البدن ثمّ ثنی الازار علیها و عمم المنع المزبور للمنطقة و الهمیان و لكن تقدم
(مسألة 244): یجوز للنساء لبس المخیط مطلقاً عدا القفازین و هو لباس خاص یلبس للیدین(1).
اطلاق الجواز في المنطقة و الهمیان و اطلاق العقد بها و خصوص بعض الروایات في ذلك و كذا الحال في اطلاق دلیل جواز شد العمامة بل ان التعبیر في صحیح الحلبي هو التخییر بشدها علی بطنه أو تعصیبها علی موضع الازار. و ظاهر المشهور جواز ذلك. نعم احتاط في ذلك صاحب الجواهر و هو حسن و أما غرز الإبرة (و هو ما یطلق علیه المشقص) في الثوبین فیشكل الحال فیه، لا سیما إذا أوجب احداث هیئة في الرداء أو المئزر. و قد عرفت أن النهي عن عموم اللبس كیفیة مطلق و هو تشكیكي كعموم فوقاني، غایة ما خرج عنه لبس الثوبین مجرّدین، أو بعض العناوین الخاصة. كما قد یستأنس للمنع عنه بالمنع عن الازرار.
و یدل علیه صحیح العیص بن القاسم قال: قال أبو عبد اللّه : (المرأة المحرمة تلبس ما شاءت من الثیاب غیر الحریر و القفازین) الحدیث (1).
و في حسنة النضر بن سوید عن أبي الحسن قال سألته عن المحرمة، أي شيء تلبس من الثیاب؟ قال: تلبس الثیاب كلها إلاّ المصبوغة بالزعفران و الورس، و لا تلبس القفازین... الحدیث (2).
و في صحیح یعقوب بن شعیب جواز لبسها للقمیص تزره علیها (3).
(مسألة 245): إذا لبس المحرم متعمدا شیئا مما حرم لبسه علیه فكفارته شاة، و الأحوط لزوم الكفارة علیه و لو كان لبسه للاضطرار(1).
و لبسها الحریر و الخز و الدیباج و الحریر و الخلخالین. و في صحیح الحلبي جواز لبسها السراویل (1)لكن قد تقوم قوة منع لبسها الحریر المبهم في فصل كیفیة الاحرام فلاحظ.
و یدل علیه صحیح زرارة بن أعین قال سمعت أبا جعفر یقول: (من نتف إبطه... أو لبس ثوباً لا ینبغي له لبسه.. ففعل ذلك ناسیاً أو جاهلاً فلیس علیه شيء ، و من فعله متعمداً فعلیه دم شاة) (2).
و مقتضی المقابلة في التقسیم ثبوتها للاضطرار.
و في صحیح محمد بن مسلم قال سألت أبا جعفر عن المحرم إذا احتاج إلی ضروب من الثیاب یلبسها قال: (علیه لكل صنف منها فداء) (3).
هذا و قد حكی الاجماع أو الشهرة علی ثبوتها في مورد الاضطرار.
و قد یخدش في عموم صحیح زرارة للاضطرار تخصیصه بحدیث الرفع و یخدش في صحیح محمد بن مسلم بظهور لفظة (الحاجة) في الحاجة العقلائیة المتعارفة و ان لم تبلغ مبلغ الاضطرار فیكون مطلقا كصحیح زرارة یخصص بحدیث الرفع. مضافاً إلی خصوص صحیح الحمیري الوارد في إحرام العقیق فیمن یحرم من المسلخ و یلبس
..........
الثوبین تقیة إلی ذات عرق انه كتب لصاحب الزمان یسأله عن ذلك فكتب إلیه في الجواب (یحرم من میقاته ثمّ یلبس الثیاب و یلبي في نفسه فإذا بلغ إلی میقاتهم أظهره) (1).
و كذا صحیح حمران عن أبي جعفر قال: (المحرم یلبس السراویل إذا لم یكن معه إزاره) (2)و مثله صحیح معاویة بن عمار (3). بل إن في غالب الروایات (4)الواردة المجوّزة للبس المخیط في الضرورة ساكتة عن ذكر الكفارة و حكی في الجواهر عن الخلاف نفي الفدیة علیه في فرض الروایة، و عن التذكرة نسبته إلی علمائنا، و في المنتهی اتفق علیه العلماء.
و یظهر من صاحب الجواهر (5)اختصاص نفي الكفارة بذلك الفرض من الاضطرار و هو الذي لأجل ستر العورة كما قد یدعی خصوصیة مكاتبة الحمیري في لبس الثیاب تقیة بل یظهر من آخر كلام صاحب الجواهر میله إلی عموم ثبوت الكفارة مطلقاً و ان خلو الخبرین المزبورین للاتكال علی وجوده في غیرهما، مضافاً إلی أن بعضها آمر بلبسه منكوسا و نحو ذلك بغیر المتعارف كي لا یصدق لبس المخیط علیه.
..........
و قد تقدم في فصل المواقیت میقات العقیق ما یظهر من كاشف اللثام و جماعة ثبوت الكفارة في الفرض المزبور بل قال في الحدائق (1)من اضطر إلی لبس ثوب
یحرم علیه لبسه مع الاختیار جاز له لبسه و علیه دم شاة و الحكم بذلك مقطوع به في كلامهم كما نقله غیر واحد مضافاً إلی أن دعوی ظهور صحیح محمد بن مسلم في الحاجة المتعارفة لا بجد الاضطرار خلاف الظاهر و الا لبیّن محذوریة الفعل و لأكد النهي عنه فثبوت الكفارة ان لم یكن أولی فهو أحوط لا سیّما في غیر التقیة و اضطرار الساتر.
1) الحدائق 437 :15.
(مسألة 246): الاكتحال علی صور:
1 - أن یكون بكحل أسود، مع قصد الزینة و هذا حرام علی المحرم قطعا، و تلزمه كفارة شاة علی الأحوط الأولی.
2 - أن یكون بكحل أسود، مع عدم قصد الزینة.
3 - أن یكون بكحل غیر أسود مع قصد الزینة، و الأحوط الاجتناب في هاتین الصورتین، كما أن الأحوط الأولی التكفیر فیهما.
4 - الاكتحال بكحل غیر أسود، و لا یقصد به الزینة، و لا باس به، و لا كفارة علیه بلا إشكال(1).
و المشهور علی الحرمة في الجملة و عن الشیخ في عدة من كتبه و ابن زهرة الكراهة و كذا في النافع، و یظهر من القواعد التوقف . لكن كلام الشیخ و ابن زهرة لا یبعد ارادة الحرمة منه كما هو الدراج في تعبیر المتقدمین تبعاً للروایات و أما الروایات الواردة في المقام فهي علی ألسن:
منها: ما سوغ الاكتحال بمطلق الكحل ما لم یكن فیه طیب كصحیح عبد اللّه بن سنان قال سمعت أبا عبد اللّه یقول (یكتحل المحرم ان هو رمد بكحل لیس فیه زعفران) (1)و مثله روایة هارون بن حمزة (2).
..........
و مثله أیضاً صحیح محمد بن مسلم (1)و غیرها.
و منها: ما جوز مطلق الكحل ما لم یكن للزینة كصحیح معاویة بن عمار عن أبي عبد اللّه قال (لا بأس أن یكتحل و هو محرم بما لم یكن فیه طیب یوجد ریحه فأما للزینة فلا) (2).
و منها: ما جواز الكحل مطلقاً إلاّ ما كان كحلا أسود معللاً في بعضها بأنه زینة. كصحیح معاویة الآخر عن أبي عبد اللّه قال: (لا یكتحل الرجل و المرأة المحرمان بالكحل الاسود إلاّ من علّة) (3)و مثله صحیح الحلبي (4)و في صحیح زرارة عنه (تكتحل المرأة المحرمة بالكحل كله إلاّ الكحل الأسود الزینة) (5).
و صحیح حریز قال: (لا تكتحل المرأة المحرمة بالسواد إن السواد زینة) (6).
و مثله صحیح أبي بصیر (7). و مثله صحیح ثانٍ للحلبي (8)إلاّ أن في ذیله قال : (إذا اضطرت إلیه فلتكتحل) و مقتضی الجمع بین الروایات تحریم الكحل
..........
فیما إذا كان زینة كما هو الحال في الكحل الأسود و إلاّ فالكحل في نفسه لیس من محرمات الاحرام إذ اسوداد الكحل إنما یتم بحرقة أو حرق مادة أخری تخلط معه بغیة إیجاد اللون المنحصر فائدته في التزین و الا فالكحل في نفسه لیس بأسود و من هذه الروایات یظهر أن موضوع الحرمة هو الزینة للمحرم أو حرمة الزینة الخاصة في العین لكن الاظهر هو الأول كما في صحیح حریز المتقدم عن أبي عبد اللّه قال: (لا تنظر في المرآة و أنت محرم لأنّه من الزینة و لا تكتحل المرأة المحرمة بالسواد إن السواد زینة) (1)فوحدة السیاق مع وحدة التعلیل تقتضي وحدة الموضوع و عمومه و هو حرمة الزینة.
و مثلها حسنة النضر بن سوید عن أبي الحسن قال: سألته عن المرأة المحرمة أي شيء تلبس من الثیاب قال: (...و لا تلبس القفازین و لا حلّي تتزین لزوجها و لا تكتحل إلاّ من علة) (2)و التقریب فیها كما تقدم.
مضافاً لما سیأتي من تكرر التعلیل لحرمة النظر في المرآة و لبس الحليّ للمرأة و لبس الخاتم للمحرم بأن تلك الأمور زینة و قد ذكر المجلسي في مرآة العقول في ذیل شرح صحیح حریز أنه یستفاد منه أن كلما یحصل فیه الزینة یحرم علی المحرم.
و منه یظهر أنه لا وجه لتقیید الحرمة في الكحل الأسود بقصد الزینة لأن موضوع الحرمة هو ما یعد و یكون زینة و ان لم یقصد ذلك منه.
أو لك أن تقول أن قصده قصداً للزینة بالتبع قهراً و كذا فیما سیأتي في الحلی
..........
و نحوه نعم لو لم یعدّ الكحل من عنوان الزینة كما هو في غیر الأسود ربما كان قصد الزینة موجباً لتعنون الفعل بالزینة. و علی أي تقدیر فالزینة لیس أمراً قصدیاً بحتاً بل هي هیئة و كیفیة خاصة.
هذا و قد و یظهر من صحیح الكاهلي عموم حرمة الكحل عن أبي عبد اللّه قال: سأله رجل ضریر و انا حاضر فقال أكتحل إذا احرمت قال: (لا و لم تكتحل؟) قال: إني ضریر البصر و إذا انا اكتحلت نفعني و ان لم اكتحل ضرني، قال: (فاكتحل) الحدیث (1).
إلاّ أنه محمول علی الكحل الأسود لا سیما و ان اطلاقه بترك الاستفصال فلا یقاوم الطوائف المتعددة الدالة بالنصوصیة علی أن وجه الحرمة فیه هو الزینة كما في الأسود.
اما الكفارة بشاة فمبنیة علی عموم ثبوتها في التروك بدلالة صحیح علي بن جعفر و سیأتي الكلام فیها في نهایة التروك.
1) أبواب تروك الاحرام، ب33، ح10.
(مسألة 247): یحرم علی المحرم النظر في المرأة للزینة و كفارته شاة علی الأحوط الأولی، و أما إذا كان النظر فیها لغرض آخر غیر الزینة كنظر السائق فیها لرؤیة ما خلفه من السیارات فلا بأس به، و یستحب لمن نظر فیها للزینة تجدید التلبیة، أما لبس النظارة فلا بأس فیه للرجل أو المرأة إذا لم یكن للزینة، و الأولی الاجتناب عنه، و هذا الحكم لا یجري في سائر الأجسام الشفافة، فلا بأس بالنظر إلی الماء الصافي أو الأجسام الصقیلة الأخری(1).
و المشهور علی الحرمة، و عن الشیخ في الجمل و العقود و الخلاف و ابن حمزة و ابن براج و ابن زهرة و المحقق في النافع أنه مكروه، و توقف في القواعد، و لكن یحتمل في غیر النافع إرادة الحرمة كما هو مستعمل في كتب المتقدّمین تبعاً للروایات.
أما الروایات الواردة في المقام:
فصحیحة حماد بن عثمان عن أبي عبد اللّه قال: (لا تنظر في المرآة و انت محرم فإنه من الزینة) (1). و في صحیح حریز (لأنّه من الزینة) (2). و في صحیح معاویة ابن عمار عن أبي عبد اللّه (لا تنظر المرأة المحرمة في المرآة للزینة) (3). و فی
..........
صحیحه الآخر عنه قال: (لا ینظر المحرم في المرآة لزینة فإن نظر فلیلبي) (1). و لا یخفی أن الصحیحین الأولین مطلقان، غایة الأمر قد تعبد بأن مطلق النظر زینة، بخلاف صحیحي ابن عمار فانهما مقیدان بكون الداعیپي من النظر هو الزینة. نعم یحتمل في الأولین أن التعلیل فیهما مخصِّص، لإطلاق النهي لكن الأقرب هو الاحتمال الأول فیهما، لأن لسان التعلیل التعبّد بمصداقیة النظر للزینة. و لا تنافي بین الأولین و الآخرین لأن المفادین مثبتین للحرمة، و حیث أن الحرمة استغراقیة فلا یحمل المطلق علی المقیّد.
لا یقال أن التعلیل في الآخرین مفهومه یقدم علی إطلاق المطلق.
فإنه یقال: إن ظاهر الصحیحین الآخرین لیس هو تعلیل الحرمة بالزینة، بل هو تقیید متعلق الحرمة. فنظر الشخص إلی نفسه و لو بغیر داعي الزینة مشمول لدلیل الحرمة.
نعم ظاهر المطلق هو نظر المحرم إلی نفسه، و أما النظر في المرآة لا إلی نفسه كنظر السائق لما خلفه، و نحوه من ضروب النظر الخارجة عن باب التأمل في الهندام و التأنق و إن لم یكن بداعي ذلك، و لكن یحصل ذلك تلقائیاً من نظر الشخص نفسه في المرآة.
و أما الأجسام الشفافة العاكسة للصورة أو غیر الشفافة كالصیقلیة العاكسة للصورة، فهل یعمها الحكم أم لا؟
و لا یخفی أن عكس الصورة في هذه الأجسام فیه شدّة و ضعف، فالشدید منها
1) نفس الباب، ح4.
..........
لا یقلّ عن المرآة، فشمول الحكم لها قوي، و قد توسع في تنزیل المرآة لها بحسب الاستعمال العرفي. نعم فیما إذا كان عكسها ضعیفاً دون المرآة فلا یخلو شمول الحكم عن تأمل و الاحوط الاجتناب.
(مسألة 248): یحرم علی الرجل المحرم لبس الخف و الجورب، و كفارة ذلك شاة علی الأحوط، و لا باس بلبسهما للنساء، و الأحوط الاجتناب عن لبس كل ما یستر تمام ظهر القدم، و إذا لم یتیسر للمحرم نعل أو شبهه ودعت الضرورة إلی لبس الخف فالأحوط الأولی خرقه من المقدم، و لا باس بستر تمام ظهر القدم من دون لبس(1).
لم یحك خلاف فیهما، و اقتصر الكثیر علیهما. نعم اضاف في المبسوط و الخلاف و الجامع الشمشك، و قال في الجواهر: نعم الظاهر اختصاص الحرمة بما كان لبساً ساتراً لظهر القدم بتمامه فلا یحرم الساتر لبعضه و الا لم یجز النعل (1).
لكن عن الروضة المنع عنه . و قال في كشف اللثام. و لا یحرم عندنا إلاّ ستر ظهر القدم بتمامه باللبس لا ستر بعضه و الا لم یجز لبس النعل، و أوجب أحمد قطع القید منه و العقب. و لا الستر بغیر اللبس كالجلوس و القاء طرف الإزار، و الجعل تحت ثوب عند النوم و غیر، للأصل و الخروج عن النصوص و الفتاوی. و هل یعم التحریم النساء، ظاهر النهایة و المبسوط العموم و اظهر منهما الوسیلة، لعموم الأخبار و الفتاوی، و خیرة الشهید العدم و حكاه عن الحسن (2)، انتهی. و حكم فی
..........
الوسیلة بثبوت الفدیة، و لا یظهر منه العموم للمرآة، بل لا یبعد ظهوره في الرجل. و كذا النهایة و المبسوط. و في المسالك لا فدیة في لبس الخفین عند الضرورة عند علمائنا نص علیه في التذكرة و حكی الجواهر عن بعضهم وجوبها (1).
و أما الروایات الواردة في المقام فصحیحة معاویة بن عمار المتقدم في لبس المخیط عن أبي عبد اللّه قال: (لا تلبس و أنت ترید الإحرام ثوباً تزره و لا تدرعه و لا تلبس سراویل إلاّ أن لا یكون لك إزار، و لا خفین إلاّ أن لا یكون لك نعلان) (2). و مثله صححه الآخر.
و صحیحة الحلبي عن أبي عبد اللّه قال: (و أي محرمٍ هلكت نعلا فلم یكن له نعلاه فله أن یلبس الخفین إذا اضطر إلی ذلك، و الجوربین یلبسهما إذا اضطر إلی لبسهما) (3).
و معتبرة أبي بصیر عن أبي عبد اللّه في رجل هلكت نعلاه و لم یقدر علی نعلین، قال: ( له أن یلبس الخفین إن اضطر إلی ذلك و یشقه عن ظهر القدم..) الحدیث (4).
و صححه رفاعة بن موسی أنه سأل ابا عبد اللّه عن المحرم یلبس الجوربین؟ قال: (نعم و الخفین إذا اضطر إلیهما) (5).
..........
و صحیح محمد بن مسلم عن أبي جعفر في المحرم یلبس الخفّ إذا لم یكن له نعل؟ قال: (نعم لكن یشق ظهر القدم) (1)و ظاهر دلالة هذه الروایات أن حرمة لبس الجورب و الخفین من أمثلة و مصادیق لبس الثیاب و المخیط كما مال إلیه صاحب الحدائق، مضافاً لما قررناه في لبس المخیط من كون النهي عاماً عن مطلق الثیاب بلحاظ أي عضوٍ، فما أحتمله صاحب الجواهر و غیره من كون النهي عن الجورب و الخفین هو عنوانٌ ثاني مغایرٌ عما تقدم لفرزهم إیّاه في باب مستقل، و من ثمّ یختص النهي بالملبوس الساتر للقدم دون ما إذا كان ساتراً لبعضه كما هو الحال في جواز لبس النعل، و من ثمّ رتب علی ذلك عدم الدلیل علی الكفارة لخروجه عن المخیط فضلاً عما إذا اضطر إلی ذلك، و یعضد نفي الكفارة في الاضطرار بخلو نصوص لبسهما للاضطرار عن الأمر بالفدیة، إلاّ ان الاحتمال المزبور ضعیف، فكذا ما رتب علیه من آثار و تجویز النصوص للنعلین لیس هو الممنوع عنه الساتر لظهر القدم، بل المنهي عنه مطلق الملبوس الذي هو من افراد الألبسة مما یصدق علیه لبس الثیاب، و إن كان الجورب و الخف مفصّل بنحو لا یستر تمام ظهر القدم، بل یستر الاصابع فقط، كما یشاهد في بعض اشكالها فإنه داخل تحت عموم عنوان النهي، و أَمر روایات الاضطرار بشق ظهر القدم إنما هو لتغیر هیئة الملبوس، نظیر روایات اضطرار لبس القباء انه یلبسه مقلوباً و جاعلاً اسفله اعلاه، و من ثمّ تعدی الشیخ الطوسي و جماعة إلی الشمشك، و من ثمّ أیضاً یقید المشهور الساتر لظهر القدم بالملبوس و هو تنصیص منهم علی درجة في لبس المخیط ، مع ان في كثیر من
1) نفس المصدر، ح5.
..........
الكلمات لم یعبّر بالساتر لظهر القدم، و ظاهر كثیر من عبائرهم ذكره في سیاق أمثلة الملبوس، لا أنه عنوان مستقل بل عبّر بالجورب و الخفین مع أن جملة منهم قیّد جواز لبسه مع الاضطرار بشقة عن ظهر القدم مما یفهم منه عدم جواز لبس المشقوق عن ظهر القدم في حالة الاختیار، و علی ذلك فیعم النهي مثل الاحذیة التي تلبس حدیثاً و نحوها من الاشكال الآخر، و منه یظهر حكم الكفارة في الاختیار و الاضطرار أنه معطوف علی البحث المتقدم في لبس المخیط، كما یظهر من ذلك اختصاص الحكم بالرجل دون المرأة، و قد عرفت ضعف نسبة التعمیم إلی بعض المتقدمین.
(مسألة 249): الكذب و السب محرمان في جمیع الأحوال، لكن حرمتهما مؤكدة حال الإحرام، و المراد من الفسوق في قوله تعالی: «فَلا رَفَثَ وَ لا فُسُوقَ وَ لا جِدالَ في الْحَجِّ»، هو الكذب و السب.
أما التفاخر و هو إظهار الفخر من حیث الحسب أو النسب، فهو علی قسمین: الأول: أن یكون ذلك لاثبات فضیلة لنفسه مع استلزام الحط من شان الآخرین، و هذا محرم في نفسه. الثاني: أن یكون ذلك لاثبات فضیلة لنفسه من دون أن یستلزم إهانة الغیر، و حطاً من كرامته، و هذا لا باس به، و لا یحرم لا علی المحرم و لا علی غیره(1).
لا كلام في حرمة الفسوق في الحج، بل في نفسه كتاباً و سنة، و إنما وقع الكلام في المراد به، فعن جماعة أنه الكذب خاصة منهم الشیخ الصدوق في المقنع و المفید، و الشیخ في النهایة و المبسوط، و ابن إدریس، و یحیی بن سعید، و أبو الصلاح، و عن جمل العلم و العمل، و العلامة في المختلف و الدروس إنه الكذب و السباب، و عن الحسن أنه الكذب و البذاء و اللفظ القبیح، و عن جمل العقود و ابن زهرة و ابن براج و الكیدري و أبي المجد الحلبي أنه الكذب علی اللّه و رسوله أو أحد الأئمّة ، و عن الشیخ في التبیان أن الأولی حمله علی جمیع المعاصي التي نهي المحرم عنها، و تابعه الراوندي في فقه القرآن. و عن بعض أنه الكذب و السباب و المفاخرة. و عن المفید أن الكذب مفسد للإحرام.
و تنقیح الحال بالتعرض إلی مفاد الآیة و الروایات الواردة في المقام . فقد قال
..........
تعالی: «الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِیهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَ لا فُسُوقَ وَ لا جِدالَ في الْحَجِّ».
و قد ورد عنوان الفسوق في قوله تعالی: «وَ اعْلَمُوا أَنَّ فِیكُمْ رَسُولَ اللّه لَوْ یُطِیعُكُمْ في كَثِیرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَ لكِنَّ اللّه حَبَّبَ إِلَیْكُمُ الْإِیمانَ وَ زَیَّنَهُ في قُلُوبِكُمْ وَ كَرَّهَ إِلَیْكُمُ الْكُفْرَ وَ الْفُسُوقَ وَ الْعِصْیانَ» (1).
و قال تعالی: «وَ لا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِیمانِ» (2).
و قال تعالی: «وَ لا یُضَارَّ كاتِبٌ وَ لا شَهِیدٌ وَ إِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ» (3).
و الجامع بین معاني الاستعمال في هذه الآیات هو إیذاء المؤمن لا مطلق الخروج عن طاعة اللّه و إن كان هو الأصل في المادة لغة.
و الرفث في اللغة كلمة جامعة لما یرید الرجل من المرأة في الاستمتاع بها من غیر كنایة و رفث في كلامه صرّح بكلام قبیح. و قیل الرفث الإفحاش في النطق، و قیل الرفث بالفرج الجماع، و باللسان المواعدة بالجماع، و بالعین الغمز للجماع. و الجدال: المجادلة و المنازعة و المشاجرة و المخاصمة.
و أما الروایات الواردة فهي علی السن منهما:
ما فسر بالكذب و السباب، ففي صحیح معاویة بن عمار: قال: قال أبو عبد اللّه : إذا احرمت فعلیك بتقوی اللّه و ذكر اللّه و قلة الكلام إلاّ بخیر فإن تمام الحج
..........
و العمرة ان یحفظ المرء لسانه إلاّ من خیر كما قال اللّه عز و جل، فإن اللّه عز و جل یقول: «فَمَنْ فَرَضَ فِیهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَ لا فُسُوقَ وَ لا جِدالَ في الْحَجِّ». فالرفث الجماع و الفسوق الكذب و السباب، و الجدال قول الرجل: لا و اللّه و بلی و اللّه (1).
و ظاهر هذه الروایة أن الفسوق بلحاظ معصیة جارحة اللسان بالإضافة إلی إیذاء الآخرین. فإطلاق الكذب من دون ذلك محل تأمل. و حفظ اللسان إلاّ من خیر في مقابل الشر، لا سیما ان الفسوق ذكر في سیاق الجدال و في سیاق الرفث، و هو و إن أرید به الجماع إلاّ أنه الفحش من القول كنایة عن الجماع كما مرّ.
هذا مع أن دعوی استعمال الفسوق في كل من الكذب و السباب خاصة بنحو التعدّد من استعمال اللفظ في اكثر من معنی و هو في المقام بعید، و استعماله بجامع بینهما لا یخصصه فیهما خاصة. مع أن الصحیحة المزبورة قد رواها الكلیني بطریق آخر، و مع أن صحیح معاویة المزبور قد رواه الكلیني بطریق آخر قد تضمن لكل من الكذب و السباب و المفاخرة و مطلق الكلام القبیح فتأمل.
و منها: ما فُسّر بالكذب و المفاخرة كصحیح علي بن جعفر قال: سألت أخي موسی عن الرفث و الفسوق و الجدال ما هو؟ و ما علی من فعله؟ فقال: (الرفث: جماع النساء، و الفسوق: الكذب و المفاخرة، و الجدال: قول الرجل: لا و اللّه و بلی و اللّه...) الحدیث.
و في صحیح معاویة بن عمار بطریق الكلیني تتمة بعد الفقرة المتقدمة في طریق الشیخ : (و اعلم أن الرجل إذا حلف بثلاث أیمان ولاءً في مقام واحد و هو
1) أبواب تروك الإحرام، ب32، ح1.
..........
محرم فقد جادل فعلیه دم یهریقه و یتصدق به، و اذا حلف یمیناً واحدة كاذبة فقد جادل و علیه دم یهریقه و یتصدق به). و قال: (اتقی المفاخرة و علیك بورع یحجزك عن معاصی اللّه فإن اللّه عز و جل یقول: «ثُمَّ لْیَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَ لْیُوفُوا نُذُورَهُمْ وَ لْیَطَّوَّفُوا بِالْبَیْتِ الْعَتِیقِ». قال أبو عبد اللّه : من التفث أن تتكلم في إحرامك بكلام قبیح، فإذا دخلت مكة و طفت بالبیت و تكلمت بكلام طیب فكان ذلك كفّارة). قال و سألته عن الرجل یقول: لا لعمري و بلی لعمري. قال: (لیس هذا من الجدال، انما الجدال لا و اللّه و بلی و اللّه) (1).
و یمكن تقریب هذا الذيل بنحوین:
الأوّل: أن یكون ذكر المفاخرة و الكلام القبیح من باب بقیة مصادیق الفسوق أو الرفث بارادة الجماع و الأعم منه.
الثاني: أن ذكر المفاخرة و الكلام القبیح مصادیق للتفث، و لذلك علّل النهي عن المفاخرة بالآیة الثانية الآمرة بالتكفیر عن التفث و إزالته، فلا ربط للمفاخرة و الكلام القبیح حینئذ بعنوان الفسوق و الرفث.
إلاّ أنه علی هذا التقریب أیضاً تتم الدلالة علی الحرمة لدلالة الروایة علی كون التفث من تروك الاحرام و إن كان ازالته و التكفیر عنه ندبیّة، لا سیما و أن النهي عن المفاخرة قد ذكر مقروناً بالأمر بالورع الحاجز عن معاصي اللّه، و هذا یقرب قول الشیخ في التبیان أن الأولی حمله علی جمیع المعاصي التي نهي المحرم عنها. و سیأتي في بحث الجدال تعلیل بعض الروایات الواردة في حرمته بكونه معصیة أو
1) الكافي 338 :4.
..........
ما یستشعر منه أن علة الحرمة هي المعصیة (1).
و منها: ما خصّ الفسوق بالكذب.
كروایة زید الشحام قال: سألت ابا عبد اللّه عن الرفث و الفسوق و الجدال. قال: (اما الرفث فالجماع، و أما الفسوق فهو الكذب، إلاّ تسمع لقوله تعالی یا أَیُّهَا الذينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَیَّنُوا أَنْ تُصِیبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ . و الجدال هو قول الرجل لا و اللّه و بلی و اللّه، و سباب الرجل الرجل) (2). و ظاهر هذه الروایة و إن خصص الفسوق بالكذب، إلاّ أن استشهاده بالاستعمال القرآني قرینة علی عموم المعنی حیث قد ورد في الاستعمال القرآني استعماله في مطلق المنابزة في الالقاب و لو لم تكن سباباً كما مرّ، لا سیما و أنها في سورة الحجرات المادة هي بنفس الهیئة، بهیئة فعول.
و أما ادراج السباب فلعله وهمٌ من الراوي بدل أن یذكره في الفسوق و یحتمل بعیداً أنه درجة من درجات المخاصمة حیث تستعر فتصل إلی السباب.
هذا و بیان المحصل من مفاد الروایات قد یقرب بأنه في ثلاث عناوین، و هو الكذب، و السباب، و المفاخرة. بل الصحیح هو الأولین دون ضم الثالث لأن المفاخرة إن كانت بصفة غیر موجودة فهو یرجع إلی الكذب، و ان كانت بصفة موجودة فاما أن یراد به الحط من الآخرین و اهانتهم فهو سباب، و إلاّ فلا دلیل علی حرمة المفاخرة في نفسها. و فیه:
..........
أولاً: ان صحیحة معاویة بن عمار كما تقدم بطریق الكلیني دالة علی حرمة الكلام القبیح كما قد مر ان صدر الصحیحة المزبورة دال علی أن الآیة في صدد تحریم المعنی الجامع بین الكذب و السباب و المفاخرة و هو یشمل الكلام البذیء مضافاً إلی ما مر من ان الرفث هو الفحش بالقول و ان أرید به في الآیة الجماع، و ان الفسوق بحسب الاستعمال القرآني في الآیات الأخری هو مطلق الكلام المؤذي للغیر و الطاعن فیه بل قد مرت عدة قرائن علی كون المحرم عموم الكلام البذيء معصیة.
ثانیاً: ان المفاخرة المحرمة عند ما ترد من جهة التكبر و هو اعم من الإیذاء للغیر نعم لو كانت المفاخرة صوریة لأجل التكبر علی المتكبر أو اظهاراً لنعم اللّه أو ما شابه ذلك فلیس هي مفاخرة حقیقیة و ان كانت في صورة المفاخرة.
فالأقوی ان المحرم هو المعنی الجامع بین الكذب و السباب و المفاخرة و الكلام القبیح و البذاء.
(مسألة 250): لا یجوز للمحرم الجدال، و هو قول (لا و اللّه)، و(بلی و اللّه) و الأحوط ترك الحلف حتی بغیر هذه الألفاظ(1).
الأقوال في المسألة:
و قد تعددت الأقوال في تحدید موضوع الجدال، فمن قائل أنه الخصومة المؤكدة بالیمین بمثل الصیغتین، و مال إلیه في الریاض. و من قائلٍ بأنه مطلق الخصومة، و ثالث بأنه مطلق الحلف، كما عن النافع و الدروس و الانتصار و جمل العلم و العمل. و رابع باختصاص الجدال المحرم بمورد الكذب و المعصیة دون الصدق كما استظهر من عبارة الجعفي، و عن القواعد الاستشكال في الحكم في دفع الدعوة الكاذبة، و قوي في كشف اللثام عدم الحرمة حینئذ، و عن جماعة منهم النراقي الرخصة في الیمین في طاعة اللّه وصلة الرحم، إلاّ انه قد یقال ان ذلك خارج تخصصاً عن الجدال.
و الوجه في هذا الاختلاف تعدد ألسنة الروایات بضمیمة مفاد الآیة أن النهي عن الجدال فیها مقتضاه النهي عن مطلق الخصومة، و ان لم یكن حلفا كما أنه لیس مجرّد قول لا و اللّه و بلی و اللّه و إن لم یكن خصومة كما یستعمل باللغو في الأیمان في المحاورات الدارجة، فحینئذ یحتمل في ألسن الروایات الدارجة أما أن تكون محددة لمتعلق الحرمة و أن لم یكن جدالاً عرفاً لمجرد الحلف، أو انه تحدید درجة الخصومة، أو أنها محددة موضوع الكفارة.
قبل استعراض ألسنة الروایات لا بد من التعرض لتحدید الجدال المحرم فی
..........
نفسه تمییزاً له عن المباح، و كالذي یكون في طاعة اللّه (تعالی). فلا ریب بأن الخصومة في الإیذاء للغیر من القسم الأول، و كذا ما أوجبه الاغراء بالعداوة و الشحناء و استشاطة القوي الغضبیة، و أما لو كان بمجرد العناد و اللجاج من دون انضمام العناوین المحرمة السابقة فقد یقال بالحرمة أیضاً لاستلزامها الكذب فیما لو كان أحدهما مبطلا، و المنسوب للمولی النراقي عموم حرمة الخصومة و النزاع إلاّ في مورد إحقاق الحق الراجح شرعاً و عقلاً.
أما الروایات الواردة فهي علی ألسن.
الأوّل: ما كان بلسان تحدید ماهیة الجدال
كصحیح معاویة بن عمار قال: سألت أبا عبد اللّه عن رجل یقول: لا لعمري و هو محرم قال: لیس بالجدال انما الجدال قول الرجل (لا و اللّه و بلی و اللّه) و أما قوله (لاها فانما طلب الاسم و قوله یا (هناه)، فلا بأس به، و أما قوله: لا بل شانیك، فإنه من قول الجاهلیة) (1). قال في الشرائع في كتاب الأیمان: و لو قال (ها اللّه كان یمیناً). و عللّه في الجواهر لأنّه مما یُقسم به لغتاً و تقدیره في مثل (لاها اللّه فعلت لا و اللّه فعلت) و هاء التنبیه یأتي بها في القسم عند حذف حرفه (2). و في النهایة لابن الأثیر: ها مقصورة كلمة تنبیه للمخاطب ینبّه بها علی من یساق إلیه الكلام، و قد یقسم بها فیقال: لا ها اللّه ما فعلت، أي لا و اللّه أبدلت الهاء من الواو.
و أما قوله (یا هناه( فمعناه یا هذا و یا فلان، و یقال في المؤنث یا هنتاه.
..........
و مقتضی المقابلة في الروایة بین القسم باللّه و القسم بغیره تعالی عدم حصر وقوع الجدال بالحلف بخصوص لفظ الجلالة، بل بكل ما وقع علیه الحلف في كتاب الأیمان من بقیة أسماء الجلالة المختصة به تعالی المشتركة مع غیره، و كذا بغیر العربیة من الأسماء المختصة باللغات الأخری أو الإشارة عند الأخرس.
و في صحیح معاویة بن عمار (1)الآخر، الجدال قول الرجل: (لا و اللّه و بلی و اللّه). و مثله صحیح علي بن جعفر (2). و روایة زید الشحام (3). و یدعم التعمیم لمطلق الحلف بغیر لفظة (اللّه) ما ورد من الروایات في باب الأیمان بیان شرائط الحلف مع ذكر لفظة (اللّه)، مع انه لا یراد بها ثمة خصوص اللفظة الكریمة بل مطلق الحلف باللّه و اسمائه الحسنی.
اللسان الثاني: ما كان بلسان تقید الحلف بالجدال في معصیته كصحیحة أبي بصیر لیث بن البختري قال: سألته عن المحرم یرید أن یعمل عملاً فیقول له صاحبه و اللّه لا تعمله فیقول: و اللّه لأعملنّه، فیخالفه مراراً یلزمه ما یلزم الجدال؟ قال: (لا، إنما أراد بهذا إكرام أخیه، إنما كان ذلك ما كان فیه معصیة) (4)و رویت هذه الروایة بطرق متعددة. و في الكافي (إنما ذلك ما كان فیه معصیة) (5). و مقتضی هذه
..........
الروایة تقیّد الحلف بالجدال الذي فیه معصیة في نفسه، لا الذي یكون محرماً بسبب الإحرام، و إلا لما كان للتعلیل في جوابه معنی محصلاً. و الجدال و ان كان هو المدافعة الكلامیة و التنازع في الحوار و الحدیث، إلاّ أنه كما تقدم یلازم أو یتعنون و یؤدي إلی عناوین مختلفة كالعناد و البغضاء أو الإهانة و الإیذاء، و من ثمَّ ذهب جماعة إلی تقید الجدال المحرّم بالحلف في التنازع المحرم، دون ما كان مباحاً أو في طاعة اللّه.
اللسان الثالث: مفاده ترتیب الكفارة علی الجدال، منها ثبوت الشاة علی مطلق الجدال، كصحیحة سلیمان بن خالد قال: سمعت ابا عبد اللّه یقول: (في الجدال شاة) (1).
و منها: ما قیّد الكفارة بالجدال مرتین في الصادق، بخلاف الكاذب. ففي صحیح الحلبي عن أبي عبد اللّه في حدیث. قال: قلت: فمن ابتلی بالجدال ما علیه؟ قال: (إذا جادل فوق مرتین فعلی المصیب دمٌ یهریقه، و علی المخطئ بقرة) (2).
و منها: ما قیّد ترتب الكفارة علی الجدال بالحلف ثلاث مرات. كصحیح معاویة بن عمار قال: قال أبو عبد اللّه في حدیث: و الجدال قول الرجل لا و اللّه و بلی و اللّه. و اعلم أن الرجل إذا حلف بثلاثة أیمان ولاء في مقام واحد و هو محرم فقد جادل فعلیه دم یهریقه و یتصدق به. و إذا حلف یمیناً واحدة كاذبة فقد جادل و علیه دم یهریقه و یتصدق به (3).
..........
و في معتبرة أبي بصیر عن أحدهما : (إذا حلف بثلاث ایمان متتابعات صادقاً فقد جادل و علیه دم، و إذا حلف بیمین واحدة كاذباً فقد جادل و علیه دم) (1).
و قد استدل جماعة بهذا اللسان علی عدم حرمة الجدال و الحلف صادقاً في المرة الأولی و الثانية لأن مقتضی مفهوم الشرطیة نفي الجدال المحرم فیهما. و هذا الاستظهار مبني علی كون الجزاء في الشرطیة هو الجدال فقط، و أن الأمر بالكفارة و هو الدمُ جملة مستقلة مترتبة علی الجزاء.
و یردّ هذا الاستظهار أنه من المحتمل أن یكون الجزاء مجموع الجملتین، كما هو ظاهر معتبرة أبي بصیر، و صحیح معاویة الآخر، حیث أن لفظ الجزاء فیه (فقد جادل و علیه دم). و الظاهر أن روایة معاویة بن عمار واحدة رویت بطریقین، مع أن الطریق الأول للصحیحة یحتمل فیه ذلك أیضاً، و إن عبّر بالفاء العاطفة للجملة الثانية علی الأولی، إذ قد تكون لتقیید الحصة من الجدال المترتب علی تلك الشرطیة، فلا یكون مطلق الجدال مشروطاً بالشرط. و یعضد هذا الاستظهار فیها أن في صدر الروایة قد عرف الجدال بإطلاق قول الرجل لا و اللّه و بلی و اللّه، مع انه في صدد تحدید الماهیة، فلم یقیّدها بالثلاث، مما یشهد علی كون الذيل و الجملة الشرطیة في سیاق بیان موضوع الكفارة كما ذهب إلی ذلك المشهور، و یعضد ما ذهب إلیه المشهور أیضاً من عموم الحرمة للمرة الأولی صحیح محمد بن مسلم عن أبي جعفر قال: سألته عن الجدال في الحج؟ فقال: (من زاد علی مرتین فقد وقع
1) نفس المصدر، ح4.
..........
علیه الدم، فقیل له: الذي یجادل و هو صادق؟ قال: علیه شاة و الكاذب علیه بقرة) (1).
فإن ظاهر سؤال الراوي المفروغیة عن الحرمة، و كذا تقریر الجواب لذلك. غایة الأمر أنه حدد الكفارة فیما زاد علی المرتین.
و مثلها في الدلالة صحیحة یونس بن یعقوب. قال: سألت أبا عبد اللّه عن المحرم یقول: لا و اللّه و بلی و اللّه و هو صادق علیه شيء ؟ قال: (لا) (2).
فإنه محمول علی نفي الكفارة في المرة الأولی و الثانية مع ظهوره في المفروغیة عن الحرمة.
اللسان الرابع: ما یظهر منه حرمة مطلق الجدال و لو لم یكن حلفاً. كما في صحیحة معاویة بن عمار، قال: قال أبو عبد اللّه : (إذا أحرمت فعلیك بتقوی اللّه و ذكر اللّه و قلة الكلام إلاّ بخیر، فإن تمام الحج و العمرة أن یحفظ المرء لسانه إلاّ من خیر، كما قال اللّه عز و جل - ثمّ ذكر الآیة و معنی الرفث و الفسوق - ثمّ قال (و الجدال قول الرجل لا و اللّه و بلی و اللّه) (3). بتقریب أنه جعل حرمة الجدال مندرجة في الكلام الذي یتقی منه و یحفظ اللسان عنه في الحج. و نظیره روایة زید الشحام عن أبي عبد اللّه و فیها (و الجدال هو قول الرجل بلی و اللّه و لا و اللّه و سباب الرجل الرجل) (4).
..........
و في روایة العیاشي عن أبي الحسن موسی و فیها (و الجدال قول لا و اللّه و بلی و اللّه و المفاخرة) (1).
و المحصل من هذه الروایات أن مقتضی اللسان الثاني المقیِّد للجدال بالمعصیة هو عدم حرمة الجدال في غیر الخصومة، بناء علی التوسع في استعمال الجدال لغیر تلك الموارد. إلاّ أنه قد یقال استعمال الحلف في المحاورة و التنازع هي بدایة للخصومة تعبّد بها الشارع. و یعضد ذلك ترتیب الكفارة في الحلف الصادق علی ثلاث مما یدعم اشتداد الخصومة، لا اختصاص موضوع الحرمة و التفصیل في الحلف الصادق، فیبقی إطلاق اللسان الأول علی حالة، لكن یخرج من عموم الحرمة موارد إثبات الحق، و ابطال الباطل في الدعاوی و الخصوصیات. كما تبین مما مرّ أن الحلف الصادق المحرم لا یختص بالمرة الثالثة، كما تبین عموم حرمة الحلف في الجدال بالأسماء الالهیة، و كذا بغیر اللغة العربیة، كما هو مقرر في باب الیمین.
ثمّ إنه لا یشترط في الجدال ذكر للفظین من الطرفین، بل یتحقق و لو من طرف واحد، كما أنه یتحقق بغیر لفظة (لا) من أدوات النفي، و بغیر لفظة (بلی) من أدوات الإثبات، إذ إتیانهما في المقام البیان المدافعة الكلامیة، و لإنكار الاثبات الذي هو طبیعة الجدال.
أما الخصومة الشدیدة من دون حلف: فلا تخلو الحرمة من وجه كما مرّ، بعد استظهار أن ما ورد في تحدید ماهیة الجدال بلفظتي الحلف، إما هو من باب ذكر تحقق ادنی الجدال بالحلف، أو من باب تحدید موضوع الكفارة، فالاحتیاط في ذلك
1) أبواب كفارات، ب1، ح10.
..........
لازم، لا سیما و أن ذكر الفسوق في سیاق الجدال من باب واحد و هو التنازع.
اما الكفارة: فقد تقدم صحیحة سلیمان بن خالد التي رتّب فیها كفارة الشاة علی مطلق الجدال، صادقاً كان أو كاذباً، مرة كان أو اكثر و هو بمثابة العموم الفوقاني، و لكن في عدة صحاح أخری التفصیل بین الصادق و الكاذب، فقد قیدت الكفارة بلسان الجملة الشرطیة منطوقاً و مفهوماً في الصادق بقید الثلاث في الصادق بخلاف الكاذب، كما في صحیح الحلبي عن أبي عبد اللّه قال: (إذا جادل فوق مرتین فعلی المصیب دم یهریقه و علی المخطئ بقرة) (1). و هي كما تدل علی ترتب الكفارة في المصیب بقید الثلاث تدل علی كون الكفارة في المخطئ بقرة.
و مثلها : صحیحة محمد بن مسلم و الحلبي جمیعاً بطریق الصدوق، إلاّ ان فیها التصریح بكون الكفارة دم شاة.
و في صحیح معاویة بن عمار (2)التفصیل بین الصادق و الكاذب، و أن في الكاذب في المرة الاولی شاة. و مثلها في التفصیل معتبرة أبي بصیر (3).
نعم في صحیح معاویة التقیید بثلاث أیمان ولاءً و في المعتبرة التقیید بمتتابعات بخلاف بقیّة الروایات فقد اطلقت الثلاث. و هو و إن اقتضی في المتراءي الأولی تقیید الكفارة بالحلف الصادق ب-كونها في مجلس واحد . إلاّ أنه قد تقدّم في الحرمة أن هذا
..........
التقیید من باب بیان أدنی الافراد لدفع توهم صدق الثلاث فیما إذا كانت في مجلس واحد، و أن بوحدة المجلس أو التتابع و الولاء تعدُّ حلفاً واحداً، فلدفع مثل هذا التوهم ورد هذا التقید، و بهذا المقدار لا یكون هذا القید ظاهراً في الاحتراز. و في معتبرة أخری لأبي بصیر عن أبي عبد اللّه قال: (إذا جادل الرجل و هو محرم فكذب متعمداً فعلیة جزور) (1).
كما أن ظاهر صحیحة الحلبي الأولی المتقدمة أن الكفارة مترتبة بالتفصیل المزبور علی الكذب الخبري و الصدق الخبري، لا علی الصدق و الكذب المخبري. و قد حكی في الجواهر عن صریح جماعة من غیر خلاف یظهر فیه وجوب البقرة بالمرتین، و البدنة بالثلاث إذا لم یكن كفّر عن السابق، فلو كفّر عن كل واحد فالشاة لیس إلاّ، أو اثنتین فالبقرة، و الضابط اعتبار العدد السابق ابتداء أو بعد التكفیر، و لو كنّ ازید من ثلاث و لم یكن قد كفّر فلیس بدنة (انتهی).
و في روایة العیاشي - فیمن جادل في الحج - (فإن عاد مرتین فعلی الصادق شاة و علی الكاذب بقرة ( الحدیث (2).
و في الفقه الرضوي (و إن جادلت ثلاثاً و أنت صادق فعلیك دم شاة، و ان جادلت مرة و أنت كاذب فعلیك دم شاة، و ان جادلت مرتین كاذباً فعلیك دم بقرة، و ان جادلت ثلاثاً و أنت كاذب فعلیك بدنة) (3).
..........
و حكی اتفاق الأصحاب علی هذا التفصیل أو انه المشهور، و یدعم هذا التفصیل الإطلاق في معتبرة أبي بصیر الشامل للمرة الأولی و الثانية و الثالثة، إلاّ أن ما دل علی ثبوت الشاة في المرة الأولی مقید، كما أن ما دل علی ثبوت البقرة فیما زاد علی الاثنتین - للكاذب كصحیح محمد بن مسلم و الحلبي - دل علی ثبوت البقرة في المرة الثانية فما فوق، و الوجه في ذلك ان التعبیر (بفوق اثنین أو ما زاد علی الاثنتین) یراد به نفس العدد المذكور فما فوق فالاستعمال الدارج كما في قوله تعالی: «فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَیْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا» الآیة (1). كما قد یستخدم الجمع في الاثنتین.
قاعدة تكرر أو وحدة الكفارة بتكرر سببها
هذا و قد یحرر الكلام في المقام بانه من باب تعدد السبب و المسبب، و المسبب قابل للتكرر فیتعدد كما تكرر السبب من دون تداخل و لا سقوط كفر أم لم یكفر، و استقربه صاحب الجواهر و أفتی به جماعة من أعلام هذا العصر. و نُسب إلی المشهور التفصیل بین ما إذا كفر فیلغی ما سبق (و أن التائب من الذنب كمن لا ذنب له) فیبدأ بالعدّ و الحساب من جدید، و بینما إذا لم یكفر بل في الشق الثاني أن الكفارة الاشد تنسخ الكفارة التي هي دون و إنها لا تتكرر و إن بلغت ما بلغت. و قد یظهر المقام بتعدد النصاب في باب الزكاة و هذا التفصیل یعتمد علی أمرین:
الأوّل: كون التوبة التي هي اداء للكفارة غیر مشروط قبولها بعدم المعاودة، و الا فیتصور كفارة الاشد و الاضعف علی محل واحد.
1) النساء: 11.
..........
و الأمر الثاني: أن موضوع الكفارة الأشد قد یكون الماهیة المجموعیة، أي مجموع الثلاثة و الاربعة. و قد یكون الماهیة الفردیة الخاصة و هي ثالث المجموعة، و قد یكون الماهیة بنحو صرف الوجود، فعلی الأول یتصادف موضوع الكفارة الأشد مع موضوع كفارة الأقل، و علی الثاني لا تصادق إلاّ أنه لا یصدق علی الرابع و الخامس، بل السادس و التاسع لكونه ثالث كل مجموعة، فهو من حیث الزیادة یتفق مع الوجه الأول و یختلفان مع الوجه الثالث للماهیة، لصدقه علی الرابع و الخمس و السادس و هكذا، و ظاهر لسان صحیحة سلیمان بن خالد المتقدمة، و كذا صحیحة الحلبي و محمد بن مسلم هو الوجه الثالث، و مقتضاه ثبوت البقرة أو الجزور في كل رتبة تزید في العدد، فإن قوله (فوق مرّتین) نحو صرف الوجود أو (من زاد علی مرتین).
لكن قد یستظهر من هذا اللسان عدم التكرر، و أنه كالحال في نصاب الزكاة، بدعوی كون الماهیة مأخوذة بنحو الطبیعة الساریة.
و قد یقال أن المدار في الكفارات هو علی كون الماهیة المأخوذة في السبب و الموضوع إن كان علی انبساطها السعي في الوجود كما هو الحال في بعض الأفعال المنافیة للعفة الأخلاقیة، و كما هو الحال في جملة الحدود الشرعية و التعزیرات فانها لا تتكرر بتكرر الموضوع. و أما إن كان أخذ الماهیة بصرف الوجود كما هو الظهور الأولی في الفعل حیث أن التقدیر السابق یحتاج لقرینة فإن الكفارة تتكرر بتكرر الفعل. ثمّ إن هناك قرائن قد یخرج بها أحد الظهورین عن الآخر، أو یدعم ظهور أحدهما بها.
منها: تقیید الفعل بوحدة زمنیة كالیوم في باب الصیام فإنه یقتضی التكرر معاضداً للظهور الأولی.
..........
و منها: ما لو كان الموضوع أو الكفارة غیر قابلة للتكرر كما في إفطار الیوم الواحد من الصیام، فإن تكرر الفعل لا یوجب تكرر الافطار، و كذلك تكرر الجماع قبل الموقف لا یوجب تكرر إفساد الحج و لا الحج من قابل عقوبة قابل لتكرر.
و منها: ما لو أخذ في الموضوع بصیغة الصفة للفاعل لا بهیئة الفعل فإن الصفات طراً ظاهرة في الماهیة الانبساطیة بسعة الوجود، كالصفة المشبهة، و قد عدّ منها في علوم الأدب الصلة و الموصول.
و علی ذلك فالأقوی في باب كفارة الجدال هو عدم التعدد ما لم تتخلل الكفارة، و ذلك لظهور العدد في الوحدة الكمیة اللاّبشرط، لا البشرط، أي من باب بیان الحدود، الحدّ فما فوق، و قد عبر بصریح هذا العنوان في بعض الروایات كما مرّ، كما قد عبر بالصلة و الموصول أیضاً. فالصحیح ما ذهب إلیه المشهور في المقام. و أما الطیب فالأقوی فیه التكرر بحسب أنواع الأصناف كما ذهب إلیه صاحب الحدائق، و بالإضافة إلی التعدد بحسب المجالس كما ذهب إلیه الفاضلان.
و أما لبس المخیط فقد تقدم تعدده بحسب ضروب الثیاب كما مرّ في النص، و كذا الحال في إزالة الشعر بلحاظ الأعضاء الرئیسیة كالرأس و الإبط العانة و نحوها فإنه یتعدد بتعدد العضو دون أبعاضه، أما أبعاض العضو فهي بالإضافة إلی العضو كالماهیة الانبساطیة فإنّه یصدق العضو بالبعض المعتدّ منه، و لا یتعدد باستمرار الإزالة إلی أن یستتمّ العضو و إن تعدد المجلس، و لعلّه إلی ذلك یشیر ما سیأتي من التفصیل الابط و الإبطین فمدار التعدد علی العضو لا علی المجلس و الزمان.
(مسألة 253): لا یجوز للمحرم قتل القمل و لا إلقاؤه من جسده، و لا بأس بنقله من مكان إلی مكان آخر، و إذا قتله فالأحوط التكفیر عنه بكف من الطعام للفقیر، أما البق و البرغوث و أمثالهما فالأحوط عدم قتلهما إذا لم یكن هناك ضرر یتوجه منهما علی المحرم، و أما دفعهما فالأظهر جوازه و إن كان الترك أحوط(1).
في المسألة جهات:
الجهة الأولی: في حرمة إلقاء هوام الحسد عنه، سواء جسد الإنسان أو الحیوان. و هذا العنوان و إن لم یرد بلفظه في الروایات، إلاّ أنه مستفاد من عدّة روایات منها: صحیحة حریز عن أبي عبد اللّه قال: (إن القراد لیس من البعیر، و الحلمة من البعیر بمنزلة القملة من جسدك فلا تقلها والق القراد) (1). و مثلها روایة أبي بصیر المتضمنة لنفس التعلیل.
و في صحیح معاویة بن عمار (2)و صحیح عمر بن یزید (3)و غیرها من الروایات في الباب التفصیل بین القراد و الحلمة (4)من إلقائها عن البعیر من دون تعلیل.
..........
و في قویة الحسین بن علوان ( في المحرم ینزع عن بعیره القردان و الحلم أنّ علیه الفدیة) (1)و صحیح معاویة بن عمار عن أبي عبد اللّه قال: قال: (المحرم یلقي عنه الدواب كلها إلاّ القملة فانها من جسده، و أن أراد أن یحول قمله من مكان إلی مكان فلا یضره) (2). و في صحیح الحسن بن أبي لعلاء قال: قال أبو عبد اللّه : (لا یرمي المحرم القملة من ثوبه و لا من جسده متعمداً فإن فعل شیئاً من ذلك فلیطعم مكانها طعاماً). قلت: كم. قال: (كفّاً واحد) (3). و لا یعارضها ما سیأتي من معتبرة أبي الجارود في نفي الفداء في نقل القملة.
و مثلها صحیحة حماد بن عیسی (4)و صحیح محمد بن مسلم (5). و في موثق الحلبي قال: (حككت رأسي و أنا محرم فوقع منه قملات فأردت ردّهن فنهاني و قال: تصدّق بكفّ من طعام) (6)و في صحیح معاویة بن عمار قال: قلت لأبي عبد اللّه عن المحرم یحك رأسه فتسقط منه القملة و الثنتان، قال: (لا شيء علیه و لا یعود) (7).
..........
و في طریقها الآخر (و لا ینبغي أن یتعمّد قتلها) (1). المحمول علی عدم العمد. و مثلها معتبرة أبي الجارود حیث نفي فیها الفداء المحمول علی نفي الدم، و نفی الشيء مطلقاً في طریقها الآخر محمولٌ علی ذلك أیضاً.
و في روایة مرّة مولی خالد قال: سألت أبا عبد اللّه عن المحرم یلقی القملة قال: (ألقوها أبعدها اللّه غیر محمودة و لا مفقودة) (2). و هي محمولة علی التأذي، حیث استثنی فیه القتل فضلاً عن الإلقاء
و في صحیح عبد اللّه بن سنان قال: قلت لأبي عبد اللّه : أ رأیت إن وجدت عليّ قراد أو حلمه اطرحهما؟ قال: (نعم، و صغار لهما إنهما رقیا في غیر مرقاهما) (3).
فیتحصل من مجموع الروایات أن إلقاء هوام البدن و غیرها من الدواب جائز إلاّ ما كان من الجسد، أي ممن یتولد في الجسد و یتكاثر. سواء جسد الإنسان أو الحیوان.
الجهة الثانية: في حرمة قتل هوام البدن: قال في الحدائق: اختلف الأصحاب في قتل البرغوث فذهب جمعٌ منهم المحقق و العلامة في الإرشاد إلی الجواز، و ذهب الشیخ و جماعة منهم العلامة في جملة من كتبه إلی التحریم و استظهر إن محل الخلاف إنما هو فما یردّه و لم یؤذیه.
..........
و التعرض لحرمة قتل الدواب، و إن تقدّم في بحث الصید لصحیح معاویة بن عمار (فاتّق قتل الدواب كلها إلاّ الأفعي و العقرب و الفأرة) الحدیث (1)إلاّ أن التعرض له في المقام للتنبیه علی اندراجها في العموم المزبور.
و في صحیحة زرارة قال: (سألت أبا اللّه هل یحك المحرم رأسه قال: یحك رأسه ما لم یتعمد قتل دابة...) الحدیث (2).
و معتبرة أبي الجارود قال: سأل رجل ابا جعفر (عن رجل قتل قملة و هو محرم؟ قال بئس ما صنع..) الحدیث (3).
و صحیحة معاویة بن عمار حیث قال فیها (و لا ینبغي أن یتعمد قتلها) (4). و اشتمال بعض الروایات علی (لا ینبغي) لیس ظاهراً في الجواز لاستخدامها في مطلق الزجر و في مورد الحرمة كثیراً، لا سیما بعد قوة ظهور عموم التحریم في الشمول للحشرات بعد استثناء خصوص العقرب و الحیة المعلّل بخوف الأذیة منها. مضافاً إلی دلالة إلقاء القملة علی حرمة القتل بالأولویة، و كذا ما ورد من جواز إلقاء غیر القملة من الحشرات.
و في صحیح جمیل قال: سألت أبا عبد اللّه : عن المحرم یقتل البقة و البراغیث
..........
إذا آذاه. قال: (نعم) (1). و مثلها صحیح زرارة (2)و مفهومها الحرمة مع عدم الایذاء و منطوقهما استثناء الجواز في الصورة المزبورة.
و في حسنة زرارة عن أبي عبد اللّه قال: (لا بأس بقتل البرغوث و القملة و البقة في الحرم) (3). و هي مطلقة و ظاهر الجواز فیها بلحاظ المحلّ في الحرم، و مقتضی ظاهرها جواز قتل هوام البدن في الحرم للمحلّ دون بقیة الحیوانات إذ ما ورد في عموم التحریم للحرم انما هو بعنوان الصید.
(مسألة 254): یحرم علی المحرم التختم بقصد الزینة، و لا بأس بذلك بقصد الاستحباب، بل یحرم علیه التزین مطلقاً، و كفارته شاة علی الأحوط الأولی (1).
(مسألة 255): یحرم علی المحرم استعمال الحناء فیما إذا عد زینة خارجاً
و الروایات فیه علی ألسن منها ما یدل علی اطلاق الجواز كروایة نجیح عن أبي الحسن قال: (لا بأس بلبس الخاتم للمحرم) (1).
و منها ما دل علی لبس المعصوم لكن لا إطلاق فیه كصحیحة محمد بن إسماعیل أنه رأی علی أبي الحسن الرضا و هو محرم خاتماً (2).
و منها ما قید بعدم الزینة كصحیح مسمع عن أبي عبد اللّه في حدیث و سألته أ یلبس المحرم الخاتم؟ قال: (لا یلبسه للزینة) (3).
و الظاهر ان المراد بالزینة لیس هو بحسب القصد الداعي بل بحسب الوضع النوعي، هذا كله في الرجل و سیأتي التفصیل فیها في المسألة اللاحقة.
و قد تقدم في بحث الاكتحال. و النظر في المرآة أنها من مصادیق الزینة و هي المحرّمة في الإحرام أصالةً.
و إن لم یقصد به التزین، نعم لا بأس به إذا لم یكن زینة، كما إذا كان لعلاج و نحوه (1).
(مسألة 256): یحرم علی المرأة المحرمة لبس الحلي للزینة، و یستثنی من ذلك ما كانت تعتاد لبسه قبل إحرامها و لكنها لا تظهره لزوجها و لا لغیره من الرجال (2).
تقدم في روایات الاكتحال و النظر في المرآة أن موضوع الحرمة هو الزینة لمكان التعلیل فیها و العلة تُخصص و تُعمم لا سیما مع تطبیق هذا الموضوع علی لبس الخاتم كما تقدم و علی ما سیأتي في لبس المرأة للحلّي مما یدعم عموم موضوع الزینة للحرمة فیشمل الحناء و غیره إذا استعمل بنحو تحصیل به الزینة، بخلاف ما إذا كان بقصد المداواة، و یشیر إلی ذلك صحیح أبي الصباح الكناني عن أبي عبد اللّه قال: سألته عن امرأة خافت الشقاق فأرادت أن تحرم هل تخضب یدها بالحناء قبل ذلك؟ قال: (ما یعجبني أن تفعل) (1).
و الروایات الواردة علی أنحاء من الدلالة:
منها: ما یدل علی جواز لبسها المعتاد مع عدم اظهاره، كصحیحة عبد الرحمن بن الحجاج قال: سألته أبي الحسن عن المرأة یكون علیها الحلّي و الخلخال و المسكة و القرطان من الذهب و الورق تحرم فیه و هو علیها، و قد كانت تلبسه في بیتها قبل حجها أ تنزعه إذا احرمت أو تتركه علی حاله؟ قال: (تحرم فیه و تلبسه من غیر أن تظهره للرجال [الرجل] في مركبها و مسیرها) (2).
..........
و مثلها صحیح حریز عن أبي عبد اللّه قال: (إذا كان للمرأة حلّي لم تحدثه للاحرام لم تنزع حلیها) (1).
نعم الصحیحة الثانية لیست مقیدة بعدم الإظهار. و في صحیح الكاهلي عن أبي عبد اللّه أنه قال: (تلبس المرأة الحلّي كله إلاّ القرط المشهور و القلادة المشهورة) (2). و الشهر بمعنی الإظهار، نعم هي لم تقید بالمعتادة علی عكس صحیحة حریز إلاّ أن صحیح عبد الرحمن أخص منه.
و منها: ما أطلق فیه الجواز كصحیح یعقوب بن شعیب قال: قال أبو عبد اللّه: (لا بأس أن تلبس المرأة الخلخالین لین و المسك) (3)(4).
و في صحیح الحلبي عن أبي عبد اللّه قال: (لا بأس أن تحرم المرأة بالذهب و الخز) (5).
و في موثق عمار بن موسی الساباطي عن أبي عبد اللّه قال: (تلبس المحرمة الخاتم من ذهب) (6).
و منها: ما نهی مطلقاً كصحیح آخر للحلبي عن أبي عبد اللّه في حدیث
..........
قال: (المحرمة لا تلبس الحلي و لا المصبّغات [و لا الثیاب المصبوغات] إلاّ صبغاً لا یردع) (1).
و في روایة النضر بن سوید عن أبي الحسن قال: - عن المرأة المحرمة - قال : (لا تلبس القفازین، و لا حلّي تتزین به لزوجها، و لا تكتحل إلاّ من علة و لا تمس طیبا، و لا تلبس حلیاً و لا فرنداً) (2)الحدیث (3).
هذا و المحصل من الروایات بعد حمل المطلق علی المقید هو جواز لبسها للمحلّي المعتادة التي كانت تلبسها في بیتها غیر المحدثة، لكن لا تظهره للرجال، و مقتضی ذلك جواز إظهاره للزوج و المحارم لقرائن في المقام.
منها: أن التعبیر بالرجال منصرف للاجانب.
و منها: أن المعتاد لبسه في البیت یطلع علیه الزوج و المحارم و لا یكون بالنسبة إلیهم زینة مثیرة.
و منها: أن النهي في روایة النضر بن سوید (و لا حلیاً تتزین به لزوجها) ظاهر في الزینة و الحلّي المحدثة التي تلبس في الأعراس و الأعیاد و نحوها مما یكون فیه لفت نظر للزوج.
و منه یظهر مغزی التعقید بالحليّ لأن المحدث یكون زینة سواء أظهرته للأجانب أو لم تظهره، إذ فیه إظهار للزوج و المحرم علی أي حال، بخلاف المعتاد فإنه
..........
لا یكون زینة و تزین إلاّ بالإضافة للأجانب، حیث أنه بالإضافة إلیهم نظر جدید. نعم لو فرض أنه بالإضافة إلی بعض المحارم مما قلت خلطته أحداث زینة له و لو بالمعتادة لصدق التزین بالإضافة إلیه.
(مسألة 257): لا یجوز للمحرم الادهان و لو كان بما لیست فیه رائحة طیبة، و یستثنی من ذلك ما كان لضرورة أو علاج (1).
لم یحكی خلاف فیه إلاّ عن ابن أبي عقیل و المقنعة و الكافي و المراسم حیث ذهبوا إلی الكراهة، و یدل علیه صحیح معاویة بن عمار عن أبي عبد اللّه قال: (لا تمس شیئاً من الطیب و أنت محرم و لا من الدهن... و یكره للمحرم الأدهان الطیبة إلاّ المضطر إلی الزیت یتداوي به) (1).
و صحیح الحلبي عن أبي عبد اللّه في حدیث (فإذا أحرمت فقد حرم علیك الدهن حتی تحل) (2)و مثله روایة علي بن أبي حمزة، و لا یعارض هذه الروایات ما ورد في جواز الادهان قبل غسل الاحرام و بعده، حیث ورد مستفیضاً جواز ذلك مثل صحیح محمد بن مسلم قال: قال أبو عبد اللّه : (لا بأس بأن یدّهن الرجل قبل أن یغتسل للاحرام و بعده. و كان یكره الدهن الخاثر الذي یبقی) (3)و مثله صحیح الحسین بن أبي العلاء و صحیح الحلبي و صحیح هشام بن سالم و غیرها (4).
..........
و قد یتوهم دلالته علی الجواز بتقریب أنها دالة علی جواز الدهن بعد غسل الإحرام من دون تنبیهها علی إعادة الغسل، مع أن الغسل یعاد إذا أرتكب بعض تروك الإحرام، فمقتضی دلالتها عدم كون الدهن من تروك الإحرام. و یقرب دلالتها أیضاً بإطلاق جوازها للأدهان قبل الإحرام و لو بدهن یبقی أثره، فإبقاء الدهن إلی ما بعد الإحرام كاستعمال الدهن بعد الإحرام، إذا المدار علی اثر الدهن في حالة الإحرام، و من ثمّ فصلت هذه الروایات بین الدهن الذي فیه طیب و الخالي منه و قیدت استعماله بعد الغسل و قبل الإحرام بما لا تبقی رائحة طیبة منه و ذلك لكون الطیب من تروك الإحرام، فالتفصیل شاهدُ، علی اختلاف الحكم و أنه في الدهن بنحو الكراهة، و یؤیده التعبیر في صحیح محمد بن مسلم بكراهة الدهن الخاثر، و في روایة الاحتجاج عن محمد بن عبد اللّه بن جعفر الحمیري عن صاحب الزمان (أنه كتب إلیه یسأله عن محرم هل یجوز أن یصیر علی إبطیه المرتك أو التوتیّا لریح العرق أم لا یجوز؟ فأجاب یجوز ذلك و باللّه التوفیق (1).
و فیه: أن إعادة الغسل بارتكاب تروك الإحرام لیس عزیمة بعد عدم كون الغسل عزیمة، مضافاً إلی أن الإعادة لیس لبطلان الغسل كما تقدم بل لفوات كماله مع أن عموم الإعادة بارتكاب التروك لیس آبیاً عن التخصیص، و قد تأمل في عمومة جماعة. و أما استعمال الدهن بنحو یبقی أثره فمحل تأمل و إشكال و حمل (یكره) في صحیح محمد بن مسلم علی الكراهة الاصطلاحیة ممنوع، إذ الاستعمال الروائی هو بمعنی مطلق المبغوضیة و الزجر، و قد استُعمل كثیراً في الحرمة
1) أبواب تروك الأحرام، ب31، ح4.
..........
فالصحیحة المزبورة دالة علی منع ما یبقی أثره بنحو ملحوظ و دعوی - أن ما في صحیح الحلبي من قوله (و ادّهن بما شئت من الدهن حین ترید أن تحرم) (1). قرینة علی حمل الكراهة علی الاصطلاحیة - فمخشوشة بأن الإطلاق المزبور قابل للتقید كما قد قید صحیح الحلبي بغیر المطیّب في سیاق واحد، كما هو الحال في الطیب أیضاً، حیث ورد في صحیح آخر للحلبي أنه سأله عن دهن الحناء و البنفسج أ ندهن به إذا أردنا أن نحرم؟ فقال: (نعم) (2)حیث حُمل علی ما لا یبقی أثره بعد الإحرام جمعاً بینه و بین الروایات المعتبرة المقیدة بذلك، ففي صحیح معاویة بن عمار عن أبي عبد اللّه قال: (الرجل یدهن بأي دهن شاء إذا لم یكن فیه مسك و لا عنبر و لا زعفران و لا ورس قبل أن یغتسل للإحرام). قال: (و لا تجمّر ثوباً لإحرامك) (3).
و في صحیح الفضلاء عن أبي عبد اللّه أنه سئل عن الطیب عند الاحرام و الدهن فقال: (كان عليٌّ لا یزید عن السلیخة) (4)و سلیخة البان نوع من العطر متكون من قشر شجر و دهن التمر ثمر البان كما في لمجمع (5).
و مثلها صحیحة الحسین بن أبي العلاء المفصِّلة بین الدهن بسلیخة البان
(مسألة 258): كفارة الادهان شاة إذا كان عن علم و عمد، و إذا كان عن جهل فإطعام فقیر، علی الأحوط في كلیهما(1).
و بین الدهن بالغالیة و ما فیه مسك و عنبر، و هو تفصیل بین ما یبقی أثره و ما لا یبقی كما لا یخفی، و أما روایة الاحتجاج فالمرتك و التوتیّا فهما عقاران طبیان و أحدهما من الكحل و الثاني حجر یكتحل بمسحوقه. نعم و هو اسم لورق شجر یربّی علیه دود القز و أنواعه كثیرة (1).
ظاهر التقید بالدهن المطیّب فیندرج في استعمال الطیب حیث ورد أن في أكله كفارة شاة، و تقتضیه ظاهر روایة معاویة بن عمار (في محرمٍ كانت به قرحة فداواها بدهن بنفسج. قال: أن كان فعله بجهالة فعلیه إطعام مسكین و إن كان تعمّد فعلیة دم شاة یهریقه) (2).
و دعوی أن البنفسج لیس من الطیب كما في روایة الأحمسي قال: سأل أبا عبد اللّه سعید بن یسار عن المحرم تكون به القرحة أو البثرة أو الدمل. فقال: (اجعل علیه البنفسج و أشباهه مما لیس فیه الریح الطیّبة) (3)و كما في صحیح الحلبي المتقدم الدال علی جواز استعمال دهن البنفسج عند الإحرام حیث یظهر منه عدم الرائحة الطیبة فیه.
و فیه : انه قد تقدم في بحث الطیب عن اللغويین أن البنفسج أزهار ذو أنواع
..........
متعددة، بعضها یزرع للعطر و البعض الآخر للتداوي و غیرها، مضافاً إلی أن الأدهان المستعملة للتداوي غالباً ما تعتّق لتكون أقوی مفعولاً مما یوجب ذهاب الرائحة الطیبة.
و روایة الأحمسي صریحة في التقید بدهن البنفسج الذي لیس فیه رائحة طیبة بخلاف صحیحة معاویة بن عمار فإن ظاهرها كون استعمال محظوراً و لو عند الضرورة مع أن الدهن غیر المطیّب استعماله سائغ عندها - أي عند الضرورة - هذا و قد یشكل علی دلالة الروایة علی إنها مقطوعة أي غیر مسندة إلی المعصوم فلعلها فتوی لمعاویة بن عمار اجتهاداً منه لا متی روایة، مضافاً إلی أن ثبوت الكفارة في الجهالة خلاف القاعدة المطّردة في باب الكفارات، كما أن ظاهرها حرمة الاستعمال عند الضرورة و لم یقل به أحد.
و فیه: ان الروایة و ان كانت بظاهرها مقطوعة و لعلها من فتاوي معاویة بن عمار لا من مسموعاته من المعصوم كما وقع ذلك في جملة من الأبواب لری بعض الرواة، إلاّ انه یُضعف هذا الاحتمال كون معاویة بن عمار هو راویة الحج فإنه اختص بهذا الباب و لم یضاهیه في عدد المرویات فیه أحدٌ مع كون الراوي عنه ابن أبي عمیر المعروف بشدة التثبیت و الضبط و الاجتناب عن روایة غیر المعصوم، مع أن الأصحاب یعتمدون فتاوی علی بن بابویه كنصوص روایة إذا اعوزتهم النصوص لكون فتاوی القدماء في الغالب متون روایات.
و أما ثبوت الكفارة في الجهالة فلیست هي كفارة العمد كي تخالف القاعدة المزبورة، بل هي نظیر ثبوت التصدق بتمر أو برّ في الموارد العدیدة من التروك نسیاناً و غفلة كسقوط الشعر و النظر في المرآة و قتل الحشرات و نحوها، و أما ظهورها في الحرمة عند الاضطرار فلأن الاضطرار یُرفع بالادهان
..........
غیر المطیب فاستعمال المطیب أرتكب من دون مسوغ كما أشیر إلی ذلك في روایة الأحمسي المتقدمة.
فالأقوی و الأحوط ما علیه المشهور، نعم یسوغ استعمال الدهن عند الاضطرار بالدهن المطیب كما في صحیح هشام بن سالم و محمد بن مسلم و روایة الأحمسي (1).
1) أبواب تروك الإحرام ب31، ح1 و2 و3.
(مسألة 259): لا یجوز للمحرم أن یزیل الشعر عن بدنه أو بدن غیره المحرم أو المحل، و تستثنی من ذلك حالات أربع:
1 - أن یتكاثر القمل علی جسد المحرم و یتأذی بذلك.
2 - أن تدعو ضرورة إلی إزالته. كما إذا أوجبت كثرة الشعر صداعاً أو نحو ذلك.
3 - أن یكون الشعر نابتاً في أجفان العین و یتألم المحرم بذلك.
4 - أن ینفصل الشعر من الجسد من غیر قصد حین الوضوء أو الاغتسال(1).
و یدل علی الحرمة النصوص المستفیضة و هي تأتلف علی عنوان الأخذ، و الأولی التعبیر به بدل الإزالة إذ قد لا تصدق علی القص، ففي صحیح الحلبي قال: سألت أبا عبد اللّه عن المحرم یحتجم؟ قال: (لا، إلاّ أن لا یجد بداً و لا یحلق مكان المحاجم) (1)و مثله صحیح حریز و فیه: (ما لم یحلق أو یقطع الشعر) (2).
و مثله مصحح علي بن جعفر (لا یحلق مكان المحاجم و لا یجزه) (3).
هذا مضافاً لروایات الكفارة الآتیة. و هذا بالنسبة لأخذه من شعر بدنه، أما
..........
شعر غیره فقد دلت صحیحة معاویة بن عمار عن أبي عبد اللّه (قال: لا یأخذ المحرم من شعر الحلال) (1). حیث لا یحتمل قیدیة الحلال في الحكم فیعم بذلك المحرم بخلاف ما لو أُخذ المحرم قیداً في الغیر فإنه یمكن أن یقال بخصوصیة العنوان.
و یستثنی من ذلك مواضع الضرورة كما هو الشأن في بقیة التروك، نظیر الأذیّة من القمل و المرض، أو التأذي الحاصل من نبات الشعر في العین، و كذا الحاجة الحاصلة لإسباغ الوضوء و الغسل مع عدم القصد و قد دلت علی ذلك النصوص، ففي صحیح حریز عن أبي عبد اللّه - في طریق الكلیني عمن أخبره عن أبي عبد اللّه -
قال مرّ رسول اللّه علی كعب بن عجرة الأنصاري و القمل یتناثر من رأسه [و هو محرم] قال: (أ تؤذیك هوامك) فقال: نعم. قال: (فانزلت هذه الآیة: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِیضاً أَوْ بِهِ أَذیً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْیَةٌ مِنْ صِیامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فأمره رسول اللّه بحلق رأسه) الحدیث (2).
و في صحیح زرارة عن أبي عبد اللّه (قال: أحصر الرجل فبعث بهدیته فآذاه رأسه قبل أن ینحر هدیه فإنه یذبح شاة في المكان الذي احصر فیه أو.. ( الحدیث (3). و مثلها مصحح عمر بن یزید عن أبي عبد اللّه (4)و في صحیح
(مسألة 260): إذا حلق المحرم رأسه من دون ضرورة فكفارته شاة، و إذا حلقه لضرورة فكفارته شاة، أو صوم ثلاثة أیام، أو إطعام ستة مساكین، لكل واحد مدان من الطعام، و إذا نتف المحرم شعره النابت تحت إبطیه فكفارته شاة، و كذا إذا نتف أحد إبطیه. و إذا نتف شیئا من شعر لحیته و غیرها فعلیه أن یطعم مسكینا بكف من الطعام، و لا كفارة في حلق المحرم رأس غیره محرما كان أم محلا(1).
الهیثم بن عروة التمیمي (قال: سأل رجل ابا عبد اللّه عن المحرم یرید اسباغ الوضوء فتسقط من لحیته الشعر أو الشعرتان فقال لیس بشيء ما جعل علیكم في الدین من حرج) (1).
في المسألة جهات: الأولی: في حلق الرأس، فإن ظاهر كثیر من العبارات ثبوت الكفارة مخیرة بین الشاة أو إطعام عشرة مساكین لكل واحد منهم مدّ، و قیل ستة لكل واحدة منهم مدان، أو صیام ثلاثة أیام من غیر فرق بین الضرورة و غیرها، و لكن عن النزهة تقید التخییر بالضرورة دون غیرها و اختاره جماعة، و عن المنتهی و التذكرة عدم الفرق في الحلق بین شعر الرأس و البدن و نسبه إلی الاتفاق، بل قال غیر واحد أن المراد بالحلق و النتف في الابطین الآتي هو مطلق الإزالة و من ثمّ جعل في بعض الكلمات بدلهما عنوان الازالة، و في صحیح زرارة بن عین عن أبي جعفر قال: (من حلق رأسه أو نتف إبطه ناسیاً أو ساهیاً أو جاهلاً فلا شيء علیه، و من فعله متعمداً فعلیه دم) (2)و في طریق الشیخ ذكر في نفس السیاق (أو
..........
قلم ظفره.. أو لبس ثوباً لا ینبغي له لسبه أو أكل طعاماً لا ینبغي له أكله و هو محرم... (1).
و ظاهر الروایة أنها في مطلق العمد، بل لعل المسبق منها بقرینة الناسي و الجاهل أنه في غیر الضرورة.
و في تتمة صحیحة حریز المتقدمة عن أبي عبد اللّه (فأمره رسول اللّه بحلق رأسه و جعل علیه الصیام ثلاثة أیام، و الصدقة علی ستة مساكین لكل مسكین مدان، و النسك شاة) (2).
و مقتضی الاطلاق و التقیید هو التفصیل بین مورد الضرورة و غیره.
تنبیه: قاعدة في عموم كفارة الدم في التروك
و یدعم هذا التفصیل ما لو بنی علی ثبوت الكفارة في عموم تروك الحج، ففي مصحح عمر بن یزید عن أبي عبد اللّه قال: (قال اللّه تعالی في كتابه «فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِیضاً أَوْ بِهِ أَذیً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْیَةٌ مِنْ صِیامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ» فمن عرض له أذیً أو وجع فتعاطی ما لا ینبغي للمحرم إذا كان صحیحاً فالصیام ثلاثة أیام، و الصدقة علی عشرة مساكین یشبعهم من الطعام، و النسك شاة یذبحها فیأكل و یطعم و إنما علیه واحد من ذلك) (3).
و مفادها عموم التخییر في الكفارة عند ارتكاب أي ترك من التروك للضرورة
..........
إلاّ ما خرج بالدلیل، و لیس في السند من یتوقف فیه إلاّ محمد بن عمر بن یزید و هو مضافاً إلی أنه من البیوتات المعروفة، و صاحب كتاب، و روی عنه غیر واحد من الثقات الأكابر كموسی بن القاسم، و یعقوب بن یزید، و محمد بن الجبار، و قد اعتمده الشیخ في مشیخة كتابیة.
و بضمیمة المصحح المزبور مصحح علي بن جعفر عن اخیه موسی بن جعفر قال لكل شيء خرجت (جرحت) من حجك فعلیه (فعلیك) فیه دمٌ تهریقه حیث شئت (1).
و هو مطلق للضرورة و عدمها مع العمد، و لیس في الروایة من یتوقف فیه الاّ عبد اللّه بن الحسن العلوي. و هو مضافاً إلی البیتوتة حیث أنه حفید علي بن جعفر، و هو ممن اعتمد علیه الفقیه الأجل عبد اللّه بن جعفر في كتابه قرب الاسناد بكثرة كاثرة، مع أن عنوان هذا التألیف یعتمد فیه علی عالي الأسانید، مضافاً إلی مطابقة ما یرویه عنه في قرب الإسناد عن جده مع روایات علي بن جعفر في كتابه، و الذي لصاحب الوسائل سندٌ متصل صحیح إلیه، مما یدل علی ضبطه و نقاوة روایاته. فالاعتماد علیه في محله.
و قد یشكل علی كلا الروایتین بالجزم ببطلان مدلولهما حیث لم ینسب إلی أحد من الفقهاء ثبوت الكفار المخیرة في موارد الخلاف و عند الاضطرار كما لم ینسب إلی أحد ثبوت كفارة الدم في ارتكاب تروك الإحرام و ان روایة علي بن جعفر لا تتم دلالتها إلاّ إذا كانت (جرحت) بمعنی ارتكاب المحظورات في الحج و أما
1) أبواب بقیة كفارات الاحرام، ب8، ح5.
..........
علی نسخة (خرجت) أي بمعنی أن كل فعل ارتكبه أوجب علیك الدم و خرجت به من حجك فإنه یهریقه حیث یشاء، أي أن الروایة متعرضة إلی مكان ذبح الكفارات.
و فیه: أما بالنسبة إلی دلالة روایة علی بن جعفر بالخصوص فعلی كلا النسختین الروایة متعرضة لإیجاب الجزاء علیه و هو الدم لمكان الفاء غایة الأمر قد قید الدم بحكم مكان ذبحه و الا لكان لازم دخول الفاء علی الهراقة و أما عدم افتاء احد من الفقهاء بثبوت الدم في جمیع موارد ارتكاب التروك فلانه قد ورد الدلیل علی نفي الكفارة في موارد تروك عدیدة و هو بمثابة المخصص لهذا العموم. و أما دلالة روایة عمر بن یزید فهي و إن كانت في ذیل الآیة الكریمة الواردة في خصوص الحلق إلاّ أنها دالة علی عدم اختصاص الحكم بمورد الحلق.
و أنه عام في موارد التروك إلاّ ما خصص بالدلیل و قد خصص في جملة من موارد الاضطرار حیث نفي الكفارة في بعضها و عین في بعضها الآخر بخصوص الشاة و هذا هو وجه عدم ثبوت التخییر في جمیع موارد الاضطرار، فیكون العمل بمفاد الروایتین إن لم یكن أقوی فهو موافق للاحتیاط.
ثمّ أنه قد أستظهر صاحب الجواهر من صحیحة زرارة الدالة علی تعین الشاة دون المخیرة أنه بسبب ذكر حلق الرأس في سیاق نتف الابط و تقلیم الأظفر و لبس الثوب و أنه وجه الاشتراك بین هذه الأمور. لا أن الكفارة معینة في الحلق من دون اضطرار.
و فیه: انما دل علی التخییر قد قید بالاضطرار و الایذاء و لیس هناك من روایة دالة علی التخییر بنحو مطلق و الظاهر في القیود الاحترازیة و حملها علی التمثیل أو نحوه یحتاج إلی قرینة أخری و علی ذلك فلو بُنی علی تردد مفاد صحیح زرارة و أجماله ف فالقدر المتیقن منه كون الكفارة معینة ثمّ ان ما استظهره العلامة و نسبه إلی
..........
الاتفاق من عدم اختصاص الكفارة بحلق الرأس و عمومه لحلق الإبطین و العانة و نحو ذلك و كل موضع بحسبه و كذا عمومها لإزالة الشعر بغیر الحلق كالحف و الأطلاء بالنورة و نحو ذلك - متجه بعد أرداف نتف الإبط و حلق الرأس في سیاق واحد لا سیما في التعمیم لحلق الإبط و الإزالة لشعر للرأس بغیر الحلق و لا سیما مع أرداف تقلیم الأظافر لهما، و لا سیما و أن النتف المذكور في الإبط هو من ادنی درجات الإزالة، و الا فالحلق انقی منه، و الاطلاء أنقی منهما، فلا محالة یكون ذكر الأدنی دال علی الاشد.
هذا مضافاً إلی ذكر الكفارة في إزالة الشعرة و الشعرتین فلا محالة تثبت الكفارة في إزالة الشعر في غیر الابطین و الرأس، و لیست هي الكف أو الكفین من الطعام مما یكون قرینة علی التمثیل في عنوان الابط و الرأس.
الجهة الثانية: ثمّ إنه بهذا التعمیم یتضح الحال في التردید في ثبوت الكفارة في الإبط، فإنه قد ورد في صحیحة حریز في أحد طرق الشیخ إذا نتف الرجل ابطیه بعد الإحرام فعلیه دم. إلاّ أن الصدوق رواه إبطه بغیر تثنیة. و كذلك روی الشیخ عن زرارة أیضاً ابطه من دون تثنیة. نعم في حسنة عبد اللّه بن جبلة عن أبي عبد اللّه : في محرم نتف إبطه، قال: (یطعم ثلاثة مساكین) (1).
و الأقوی هو التفصیل الذي ذهب إلیه المشهور بین الإبط و الإبطین لما تقدم في كفارة الجدال من أن المدار علی العضو الكامل لا التعدد في المجلس و الزمان و الإبطین یعدان بمثابة عضو واحد ، فالتفصیل بین الإبط و الإبطین متجه و ان كان قد
1) أبواب بقیة كفارات الاحرام، ب11، ح3.
..........
یقرّب صدق الحلق أو نتف الابط بما هو ماهیة انبساطیة بالإبط الواحد فیتجه ما ذهب إلیه بعض متأخری المتأخرین من التخییر بین الشاة و الاطعام.
الجهة الثالثة: في عدد المساكین المتصدق علیهم و المقدار الذي یتصدق به.
ففي صحیح حریز المتقدم قال : (و الصدقة علی ستة مساكین لكل مسكین مدان) (1)و مثله زرارة، إلاّ أن في مصحح عمر بن یزید قال : (و الصدقة علی عشرة مساكین یشبعهم من الطعام) و هي كما تری مطلقة من حیث المقدار و إن حدد العدد بعشرة، و قد جمع الشیخ بینهما بالتخییر و هو متجه مع الاعتماد علی المصححة، و الاشباع قابل للانطباق علی المدّ فما فوق بحسب إختلاف نوع الطعام، و أما ما رواه الصدوق مرسلاً من التحدید بصاع من تمر أو مدّ من التمر (2).
فلعله سقطاً في المرسل الأول و یحمل الثاني علی الاشباع في مكان العدد عشرة نعم قد اشتمل مصحح عمر بن یزید علی ما لا یقول به أحد من جواز الأكل من النسك مع الاطعام منها مع انه حكی التسالم علی لزوم التصدق بتمام النسك كما هو مقتضی اطلاقات الكفارات و ظاهر خصوص مرسل الصدوق الثاني (3)إلاّ إن غایة ذلك التبعیض في الحجیة.
نعم العمل بمقتضی صحیحة زرارة أحوط.
..........
الجهة الرابعة : إذا نتف شیئاً من لحیته فقد وردت النصوص بالتصدق بكف من الطعام كما في صحیح هشام بن سالم (1)و الحلبي (2)و غیرهما.
نعم في صحح معاویة و عمار اطلق التصدق بقوله (یطعم شیئاً) (3). و في روایة الحسن بن هارون التصدق بتمرة عن سقوط الشعرة (4). لكن صحیحة معاویة ابن عمار و ان كانت خاصة من جهة الموضوع إلاّ انها مطلقة من جهة المحمول فتقید بالكف و أما الثانية فلا تنهض للتقیید و ما في جملة من الروایات كمصحح الفضل ابن عمر و روایة لیث المرادي و صحیح الهیثم بن عروة نفي ثبوت شيء علیه أو أن ذلك لا یضره - ان كان منصرفاً إلی الفداء - كما هو الأقوی - فهو و الا فیقید النفي بالمثبت و هذا هو مختار الشیخ المفید في المقنعة و اطلق السید و الصدوق و سلار ثبوتها من غیر الاستثناء و نسب للمشهور سقوطها في مثل الوضوء وعد السقوط بعض من الغسل و الضرورات. و قد یؤید بأن سقوط الكفارة لأجل التسبیب بالامر الشرعي فكیف یثبت الضمان و یدفع بما لو وجب علیه الحج بالاستطاعة و كان عالماً بالضرر للتظلیل فإنه لا تسقط كفارة التظلیل عنه فثبوتها ان لم یكن أقوی فهو أحوط و نفي الحرج لا یقتضی إلاّ نفي الحرمة نعم في روایة منصور (5)یظهر استحباب
(مسألة 261): لا باس بحك المحرم رأسه ما لم یسقط الشعر عن رأسه و ما لم یدمه، و كذلك البدن، و إذا أمرّ المحرم یده علی رأسه أو لحیته عبثا فسقطت شعرة أو شعرتان فلیتصدق بكف من طعام، و أما إذا كان في الوضوء و نحوه فلا شيء علیه(1).
الكفین ثمّ أن الظاهر من الادلة الاطلاق لغیر موارد العمد.
اما حلق المحرم رأس غیره سواء كان محلاً أو محرماً بأذن منه أو لا فلا مقتضی للكفارة بحسب ظاهر الادلة الواردة.
و قد تقدم بیان ذلك بشقوق في المسألة السابقة.
(مسألة 262): لا یجوز للرجل المحرم ستر رأسه، و لو جزء منه بأي ساتر كان حتی مثل الطین، بل و بحمل شيء علی الرأس علی الأحوط، نعم لا باس بستره بحبل القربة، و كذلك تعصیبه بمندیل و نحوه من جهة الصداع، و كذلك لا یجوز ستر الأذنین(1).
و الروایات الواردة علی ألسن كصحیح عبد اللّه بن میمون عن جعفر عن ابیه قال: (المحرمة لا تتنقب لأن احرام المرأة في وجهها و احرام الرجل في رأسه) (1). و یظهر من هذه الصحیحة ان المراد من الرأس ما یقابل الوجه لا ما یشمله كما في باب الغسل و لا خصوص شعر الرأس و منابته فیشمل الأذنین كما یظهر منها ان تغطیة الرأس عنوان مغایر لترك التظلیل و في صحیح عبد الرحمن - و الظاهر انه ابن حجاج لانصراف الاسم إلی المشهور - قال سألت أبا الحسن عن المحرم یجد البرد في أذنیه یغطیهما قال: (لا) (2). و في صحیح حریز عنه في ناسي غطي رأسه أنه: (یلقی القناع عن رأسه و یلبي و لا شيء علیه) (3). و في روایة سماعة عن أبي عبد اللّه قال سألته عن المحرم یصیب أذنه الریح فیخاف أن یمرض هل یصلح له أن یسدّ أذنیه بالقطن قال : (نعم لا بأس بذلك إذا خاف
..........
ذلك و الا فلا) (1). و یظهر منها عموم النهي لستره بغیر الثوب.
و في صحیح زرارة قال قلت لأبي جعفر الرجل المحرم یرید أن ینام یغطي وجهه من الذباب؟ قال: (نعم لا یخمر رأسه و المرأة المحرمة لا بأس أن تغطي وجهها كله) (2).
و یظهر منه التفصیل بین المرأة و الرجل في الموضع المحرم تغطیته عند المنام نعم في صحیح زرارة الآخر عن أحدهما في المحرم قال: ( له ان یغطی رأسه و وجهه إذا أراد ینام) (3). و حمل علی الاضطرار و الوجه فیه ظهور صحیح زرارة بقوة في الحرمة في حالة النوم بعد المقابلة مع المرأة و ذكره للجواز في الوجه مع أنه الكراهة في الوجه ثابتة.
و في صحیح معاویة بن وهب عن أبي عبد اللّه (لا بأس بأن یعصب المحرم رأسه من الصداع) (4). و مقتضاها جواز ستر الرأس عند الضرورة كما أن مفهومها دال علی عموم المنع الشامل لبعض الرأس و كما هو مقتضی روایات المنع لستر الأذنین حیث انها بعض الرأس.
و في صحیح عبد اللّه بن سنان قال سمعت أبا عبد اللّه یقول لأبي و شكی إلیه حرّ الشمس و هو محرم و هو یتأذی به فقال: أ تری أن استر بطرف ثوبي قال:
..........
(لا بأس بذلك ما لم یصب رأسك) (1). و هي ظاهرة في العموم المنع لستر الرأس أیضاً.
ثمّ أن الاستتار المنهي عنه انما هو بالثوب أو بأي جسم غیر البدن كالطین و الحناء، أو الشيء المحمول من الثقل كالمكتل كما ذكر ذلك الاصحاب.
و أما الستر ببعض بدنه فلا بأس كما في مصحح المعلی ابن خیس عن أبي عبد اللّه قال: (لا یستتر المحرم من الشمس بثوب و لا بأس أن یستر بعضه ببعض) (2).
و مثله صحیح معاویة بن عمار و ان لم یذكر فیه الرأس.
و أما في صحیح سعید الاعرج انه سأل ابا عبد اللّه عن المحرم یستتر من الشمس بعود و بیده قال: (لا إلاّ من علة) فمحمول علی الكراهة جمعاً و لعل المراد و بیده لیس للعطف و انما واو للحال أي یستتر بالعود بعد ان یثبته بیده.
ثمّ انه یظهر من الروایات كراهة ستر الوجه و ان تقدم دلالة الروایات علی الجواز كصحیح معاویة بن عمار عن أبي عبد اللّه (یكره للمحرم أن یجوز بثوبه فوق أنفه و لا بأس أن یمدّ المحرم ثوبه حتی یبلغ أنفه) (3)و مثله صحیح حفص و هشام بن الحكم إلاّ ان فیه تعلیل الكراهة بقوله (أضحی لمن احرمت له) (4).
(مسألة 263): یجوز ستر الراس بشيء من البدن كالید، و الأولی تركه(1).
و في صحیح منصور بن حازم قال رایت ابا عبد اللّه و قد توضئ و هو محرم ثمّ اخذ مندیلاً فمسح به وجه (1). نعم في صحیح الحلبي عن أبي عبد اللّه قال: (المحرم إذا غطی وجهه فلیطعم مسكیناً في یده) (2).
و مثله روایة أبي البختري المتضمنة لتقیید تغطیة الوجه بالنوم و عند الغبار إلاّ أنه محمول علی الاستحباب.
ثمّ انه قد نقل عدم الخلاف في استثناء عصام القربی لصحیح محمد بن مسلم، انه سأل أبا عبد اللّه عن المحرم یضع عصام القربی علی رأسه إذا استسقی. فقال: (نعم) (3). و احتمل البعض التوسع في مطلق التعصیب، لا سیما بالانضمام إلی صحیحة معاویة بن وهب في التعصب من الصداع المتقدمة.
و فیه: أن الظاهر منها غایته في موارد الحرج و المشقة و بمقدار بعض الرأس و ان كان ظاهر المشهور الاطلاق في عصام القربی إلاّ إن الاحوط أن لم یكن أظهر هو ما ذكرناه لا سیما بعد قیام الدلیل علی عموم النهي لستر بعض الرأس كالذي ورد في الأذنین و صحیح عبد اللّه بن سنان في الظرف الثاني بل أن في ما ورد في الأذنین المنع عن الجزء الظئیل كالقطن في الأذن فدعوی التفصیل بین ما یقصد به الستر و ما لا یقصد ضعیف.
تقدم بیان ذلك و ما في المتن من أن الأولی تركه إنما هو بلحاظ روایة سعید
(مسألة 264): لا یجوز للمحرم الارتماس في الماء، و كذلك في غیر الماء علی الأحوط، و الظاهر أنه لا فرق في ذلك بین الرجل و المرأة(1).
(مسألة 265): إذا ستر المحرم رأسه فكفارته شاة علی الأحوط، و الظاهر
الاعرج.
و الروایات الواردة في المقام علی لسانین:
الأوّل: النهي عن مطلق الارتماس كصحیح یعقوب بن شعیب: (لا یرتمس المحرم في الماء و لا الصائم) الحدیث (1)و مثله صحیح حریز (2).
الثاني: ما خصص النهي للرأس كصحیح عبد اللّه بن سنان قال عن أبي عبد اللّه قال سمعته یقول: (لا تمس الریحان و انت محرم) - إلی ان قال - (و لا ترتمس في ماء یدخل فیه رأسك) (3)و قریب منه صحیح اسماعیل بن عبد الخالق و لو كنّا نحن و هذین اللسانین لما كان هناك موجب لحمل المطلق علی المقید بعد كونه استغراقیاً فیصدق رمس بعض البدن و ان لم یكن الرأس إلاّ انه بقرینة السیاق مع الصائم ورود جواز ارتماس بدنه عدا الرأس (4)و ان كان مكروهاً ثمّ ان الظاهر بقرینة السیاق مع الصائم أن النهي شامل للمرأة و الرجل و انه عنوان برأسه فادراجه في ستر الرأس لا وجه له و ان كان هناك عموم في الستر.
عدم وجوب الكفارة في موارد جواز الستر و الاضطرار (1).
و الروایة الواردة في ذلك ما اشار إلیه صاحب الحدائق من صحیح الحلبي قال: (المحرم إذا غطی رأسه فلیطعم مسكیناً في یده) (1).
و لفظ الحدیث (رأسه) كما في الوسائل إلاّ انه لا توجد في نسخ التهذیب المطبوعة اللفظة بذلك بل بلفظ (وجهه) (2). و صاحب الحدائق نقل اللفظ بالصورة الأولی.
و في صحیحة حریز قال سألت ابا عبد اللّه عن محرم غطی رأسه ناسیاً قال: (یلقی القناع عن رأسه و یلبي و لا شيء علیه) (3).
نعم المحكي عن الاصحاب اتفاقهم علی وجوب الشاة و یمكن الاستدلال له بما تقدم من مصحح علي بن جعفر و مفهوم حسنة عمر بن یزید المتقدمتان في إزالة الشعر و هذا المورد یعضد ما تقدم ثمّة من بناء الاصحاب. علیها. و یؤید بثبوت الكفارة ندباً في تغطیة الوجه.
ثمّ أن ظاهر المحكي عن الشهیدین كما في الحدائق ثبوتها في الاضطرار إلاّ أنهما فصلا بینه و بین الاختیار بتكرر الكفارة في الثاني دون الأول عند تكرر الارتكاب و له وجه بناء علی الاعتماد علی الروایتین السابقتین و أن ظاهر كفارة الاضطرار ثبوتها مرة واحدة للاضطرار و ان استوعب كل مدة الاحرام و هو في معنی
..........
تكرر الارتكاب بخلاف مفاد كفارة الاختیار و هذا ظهور مطرد في كل الكفارات الاضطرار و مقتضاه التفصیل.
(مسألة 266): لا یجوز للمرأة المحرمة أن تستر وجهها بالبرقع أو النقاب أو ما شابه ذلك و الاحوط أن لا تستر وجهها بأي ساتر كان كما ان الاحوط أن لا تستر بعض وجهها أیضاً، نعم یجوز لها ان تغطي وجهها حال النوم، و لا بأس بستر بعض وجهها مقدمة لستر الراس في الصلاة، و الأحوط رفعه عند الفراغ منها(1).
الأقوال في المسألة:
فقد عبّر الأكثر بما في المتن، و عبّر البعض بالنهي عن التنقب و لبس البرقع، و لا یخفی أنه علی الثاني یكون جواز الاسدال تخصص لا تخصیص. و أما الاسدال فقد اختلفت عبائرهم فیه، فمنهم من قیده إلی العینین أو إلی الأنف أو الذقن أو النحر أو الصدر إذا كانت راكبة، و منهم من قید الاسدال بوجود الاجنبي، و قد قیّده الشیخ بان یكون متجافي و الروایات الواردة منها ما نهی عن تغطیة الوجه كصحیح عبد اللّه بن میمون عن جعفر عن ابیه قال: (المحرمة لا تتنقب لأن احرام المرأة في وجهها، و احرام الرجل في رأسه) (1). و مفادها عموم حرمة تغطیته للبعض أو الكل، لا سیّما و انه في سیاق حرمة تغطیة الرجل لرأسه، و التي مرّ أنها عامة للتقدیرین. نعم هذه الصحیحة قد جمعت بین لسانین، بین النهي عن التنقب، و بین حرمة تغطیة المرأة لوجهها، و أنه الموضوع الاصلي للنهي الأول.
1) أبواب تروك الاحرام، ب55، ح2.
..........
و مثله مفهوم صحیح زرارة قال: قلت لأبي جعفر : الرجل المحرم یرید أن ینام یغطي وجهه من الذباب. قال: (نعم، و لا یخمّر رأسه. و المرأة لا بأس أن تغطي وجهها كلّه عند النوم) (1).
و في موثق سماعة أنه سأله عن المحرمةُ فقال: إن مرّ بها رجل استترت منه بثوبها، و لا تستتر بیدها من الشمس (2). و ظاهر الموثقة تقیید الاسدال بوجود الاجنبي، كما أن ظاهرها النهي عن التستّر بالید خلافاً لما مرّ في الرجل و قد یحمل النهي عن التستّر بالید علی الكراهة بقرینة جواز تظلیل المرأة، لا سیّما إذا لم تلامس الید الوجه.
و في صحیح الحلبي عن أبي عبد اللّه قال: مرّ أبو جعفر بامرأة متنقبة و هي محرمة. فقال: (احرمي و أسفري و أرخي ثوبك من فوق رأسك فإنك إن تنقّبت لم یتغیّر لونك). فقال رجل إلی این ترخیه؟ قال: (تغطي عینیها). قال قلت:تبلغ فمها؟ قال: (نعم) (3). و مفاد هذه الصحیحة و ان كان النهي عن التنقب إلاّ أن موضوع الاصلي في الحكم هو الاسفار للوجه و في الروایة دلالة علی ان الاسدال لا یكون بنحو التغطیة للوجه كلاً و الا لنافی الاسفار.
مضافاً إلی أن الثوب لا یری من خلاله فلا بد ان تمسكه بیدها لتبعده عن وجهها حتی تبصر أمامها و في مصحح أبي نصر عن أبي الحسن قال : مرّ أبو
..........
جعفر بامراة محرمة استترت بمروحة فأماط المروحة بنفسه عن وجهها (1).
و ظاهرها منع الستر بمطلق الساتر و ان لم یكن من الثیاب و الجمع بین مفادها و ما دل علی جواز الأسدال لا سیما بلزوم الاسفار الذي مرّ هو ما ذهب إلیه الشیخ من لزوم تجافي الثوب المسدول عن الوجه و في صحیح العیص بن القاسم قال قال أبو عبد اللّه (المرأة المحرمة... و كره النقاب) و قال (تسدل الثوب علی وجهها) قلت حد ذلك إلی این قال: (إلی طرف الانف حد ما تبصر) (2)و مقتضی هذه الروایة كما في الثوب المسدول علی الوجه إلاّ فكیف یحصل الابصار و لا یضر حمل طرف الانف علی الطرف الاعلی في الدلالة المزبورة و في صحیح حریز قال: قال أبو عبد اللّه (المحرمة تسدل الثوب علی وجهها إلی الذقن) و في صحیح زرارة إلی نحرها و في صحیح معاویة بن عمار (من اعلاها إلی نحر إذا كانت راكبة) (3). و التقیید بالركوب ظاهر في عدم جواز هذا القدر في غیر الركوب لحصول درجة من التغطیة و لكون الستر من الأجنبي في حالة الركوب یقتضی هذا القدر من الاسدال حیث یكون الناظر الماشي اسفل من الراكبة و بالتالي هو دال علی ان قدر الاسدال بحسب الحاجة و الضرورة.
و المحصل من هذه الروایات ان مسمی اسفار الوجه لا بدّ منه و ان اجتمع مع الاسدال ، و ذلك حین تجافیه عن وجهها إذ الفرض انه اسدال الثوب مما لا یمكن
(مسألة 267): للمرأة المحرمة أن تتحجب من الاجنبي بان تنزل ما علی رأسها من الخمار أو نحوه إلی ما یحاذي أنفها، و الأحوط أن تجعل القسم النازل بعیدا عن الوجه بواسطة الید أو غیرها(1).
(مسألة 268): كفارة ستر الوجه شاة علی الأحوط(2).
الابصار معه إلاّ بإبعاده بالید عن بشرة الوجه كي یحصل الابصار بذلك و هذا هو عمدة الفارق بین البرقع و التنقب مع اسدال الثوب حیث أن في الأولین لا یتوقف الابصار علی تجافیهما بخلاف الثوب المسدول من الاعلی و المدار و ان لم یكن علی الابصار إلاّ أن التقیید به و كون الثوب من اعلی هو من أجل اضطرار المرأة حینئذ لإبعاده عن سطح الوجه و بالتالي حصول الاسفار للوجه في الجملة فما یستخدم في هذه الایام من الغطاء المسمی (بالبوشیة) مشمولاً للمنع في الادلة.
قد تقدم حكم هذه المسألة في المسألة المتقدمة.
حكی عن الشیخ ثبوت الفداء فیها و عن الحلبي كل یوم شاة في حال الاختیار و شاة واحدة للاضطرار و قد مرّ الوجه في ثبوت الفدیة بمصحح علي بن جعفر و عمر بن یزید و عبارة الشیخ لا تأبی التعدد كما هو نظیر عبائرهم في مواطن أخری و ان التكرر بحسب المرات العرفية مجلساً أو مكاناً أو زماناً كما ان دلیل الفدیة في الاضطرار ظاهر في المرة بحسب ظهور عنوان الاضطرار و شمولها لموارد الاضطرار مستوعباً كما تشمل موارد عدم الاستیعاب علی نسق واحد.
(مسألة 269): لا یجوز للرجل المحرم التظلیل حال مسیره بمظلة أو غیرها و لو كان بسقف المحمل أو السیارة أو الطائرة و نحوها، و لا باس بالسیر في ظل جبل أو جدار أو شجر و نحو ذلك من الأجسام الثابتة، كما لا باس بالسیر تحت السحابة المانعة من شروق الشمس، و لا فرق في حرمة التظلیل بین الراكب و الراجل علی الأحوط، و الأحوط بل الأظهر حرمة التظلیل بما لا یكون فوق رأس المحرم بأن یكون ما یتظلل به علی أحد جوانبه، نعم یجوز للمحرم أن یتستر من الشمس بیدیه، و لا بأس بالاستظلال بظل المحمل حال المسیر، و كذلك لا بأس بالاحرام في القسم المسقوف من مسجد الشجرة(1).
الاختلاف واقع من جهة عمومه للیل و النهار و ان كان كلمات الطبقات المتقدمة للفقهاء لم تتعرض إلی التظلیل اللیلي كما انه لم یُعبر بالاضحاء. و من جهة المسیر السفري أو مطلق المسیر و الحركة و عمومه لكل من التظلیل الفوقي أو الجانبي و لعمومه من الشمس خاصة أو البرد و الحر و المطر أیضاً.
الجهة الأولی في عمومه للیل
و منشأ الاختلاف في هذه الجهات هو في كون معنی التظلیل انه حدثیاً أو بمعنی استعمال المظلة و الساتر كآلة و بالتالي یختلف متعلق التظلیل اطلاقاً و انصرافاً.
و هو في اللغة كما في كلمات اكثر اللغويین هو تستر عن الشمس بالمعنی الحدثي لا استعمال الآلة الخاصة و انه مشتق اشتقاق جعلي من الظل ظل في الشمس
..........
كالتمار من التمر و التشمس من الشمس أي الستر من الشمس خاصة فالستر من غیرها توسع عن حدود المعنی اللغوي و كذا الحال في لفظ الاضحاء - الأتی - في بعض الروایات فإنه في البروز للشمس. نعم في (لمقاییس فسره بستر كل شيء لشيء لكنه اعترف بانصرافه إلی التستر عن الشمس و ان ظلل هو في من أتی للفعل نهاراً) هذا مضافاً إلی ما یأتي من القرائن في الروایات.
ثمّ انه علی القول باختصاصه بالمسیر السفري لا وجه للتفصیل - كما عن بعض الأعلام المعاصرین - بین المسیر من مكة الحدیثة إلی مكة القدیمة و بین السیر في نفس مكة، و كذا المنع منه في المسیر داخل عرفة أو منی أو مزدلفة و وجه الضعف في هذا التفصیل ان عنوان مكة لم یؤخذ قیداً في التظلیل كي یردد بین القدیمة و الحدیثة كما في تردید حدّ قطع التلبیة بل المدار علی عنوان المسیر السفري و الفرض عدم صدقه و كذا الحال في التجول في الموضع الواحد كداخل عرفة أو مزدلفة و منی فلا یصدق علیه عنوان السفر كما هو الحال في النزول اثناء طریق المدینة إلی مكة نعم الانتقال من منطقة إلی أخری مختلفة في الاسم كالسیر من مشعر إلی موضع آخر یعد مسیراً سفیریاً.
و العناوین الواردة في الروایات الأكثر فیها هي مادة التظلیل و بعضها التغطیة للبدن و الاضحاء. و التظلیل كما مرّ من الظل مقابل الشمس لا ما ادعاه السید الخوئي انه استعمال الظلة أو المظلة التي بمعنی الغاشیة.
فانه علی الثاني یكون مقتضی اطلاق صرف المتعلق شاملاً للیل و إن لم یكن عن حرّ أو مطر أو برد أو شمس نعم ورد في اللغة الظلة و المظلة لكنها لیست من مادة عنوان التظلیل نعم عند اضافة مادة التظلیل لعنوان خاص كمطر أو الحر أو البرّ یكون الاستعمال كنائیا، بمعنی استعمال الحاجب و الساتر عن تلك الاشیاء إلاّ
..........
ان ذلك لا یدفع ان الأصل في وضعه في مقابل الشمس.
و أما لفظ التغطیة فهي لغة في مطلق الساتر إلاّ انه لا اطلاق في الروایة المتضمنة للفظة المزبورة.
و أما لفظ الاضحاء فهو لغة في البروز نهاراً في قبال التظلیل و ذكر في لسان العرب یقال لكل من كان بارزاً في غیر مكان یظله و یكنّه انه لضاح قاله ابن عرفة - و فسر (اضح لمن أحرمت له) أي اظهر و اعتزل الكنّ و الظل و فسره الأصمعي امره بالبروز إلی الشمس، و الضحیان من كل شيء البارز للشمس، و ضحوت للشمس و الریح و لغیرها. قاله بن جني. فیظهر من ذلك استعماله لمطلق الظهور و البروز مقابل الكنّ. هذا و المتبادر عند اطلاق صرف المتعلق و عدم القرائن الخاصة هو ما یقابل التظلیل النهاري بحسب أصل الوضع.
و نستعرض الروایات الواردة و هي علی السن.
منها: ما ورد فیه النهي عن القبة و نحوها كصحیحة محمد بن مسلم عن أحدهما قال: سألته عن المحرم یركب القبة؟ فقال: (لا) قلت: فالمرأة المحرمة قال: (نعم) (1).
و مثله صحیح الحلبي إلاّ أن فیه (إلاّ ان یكون مریضاً). و مثله صحیح هشام بن سالم قال: سألت أبا عبد اللّه عن المحرم یركب في الكنیسة. فقال: (لا). و هو للنساء جائز (2). و حسنة قاسم بن الصیقل قال : ما رأیت أحداً كان اشد تشدیداً فی
..........
الظل من أبي جعفر كان یأمر بقلع القبة و الحاجبین إذا أحرم (1). و ظاهر الحاجبین هو التظلیل الجانبي من جهة الصدر فما فوق.
و روایة الحسین بن مسلم عن أبي جعفر أنه سأل ما فرق بین الفسطاط و بین ظل المحمل؟ فقال: (لا ینبغي أن یستظل في المحمل و الفرق بینهما أن المرأة تطمث في شهر رمضان فتقضي الصیام و لا تقضي الصلاة)، قال: صدقت جعلت فداك (2). و مثلها مرسلة الاحتجاج (3).
و لسان هذه الروایات مطلق من حیث اللیل و النهار و قد اعتمده البعض في حرمة التظلیل لیلاً و لا سیما أن السیر لیلیاً في الغالب و لا یعارضه ما أخذ فیه التظلیل بلحاظ النهار لان كلا اللسانین نافیان.
و منها ما ورد بلسان التغطیة و التستر.
كموثق زرارة قال سألته عن المحرم أیتغطي قال: (اما من الحرّ و البرد فلا) (4). و قد یقرب دلالتها ان الممنوع من التغطیة و التستر یستوي فیه الحرّ و البرد كما ینهی عن التستر عن الحرّ كذلك ینهی عن التستر المتخذ للبرد فكأن هذه الروایة في صدد تحدید الماهیة و انها مطلقة علی استواء من الحرّ و البرد و لك ان تقول انه كنایة عن النهار و اللیل . و كذا صحیحة اسماعیل بن عبد الخالق قال سألت أبا عبد اللّه
..........
هل یستتر المحرم من الشمس؟ فقال: (لا إلاّ ان یكون شیخاً كبیرا) أو قال (ذا علة) (1).
و في مصحح المعلی بن خنیس عن أبي عبد اللّه قال: (لا یستتر المحرم عن الشمس بثوب و لا بأس من ان یستر بعضه ببعض) (2).
و منها ما ورد النهي فیه عن مادة التظلیل.
ففي صحیحة عبد اللّه بن المغیرة قال قلت لأبي الحسن الأول أظلل و انا محرم؟ قال: (لا)، قلت فاظلل و اكفر؟ قال: (لا) قلت فإن مرضت؟ قال (ظلل و كفر) - ثمّ قال - (اما علمت ان رسول اللّه قال: ما من حاج یضحي ملبیاً حتی تغیب الشمس إلاّ غابت ذنوبه معها) (3).
و مثلها صحیح عبد الرحمن بن الحجاج (4)إلاّ ان فیها (شق علیه و صداع) و في موثق اسحاق بن عمار عن أبي الحسن سألته عن محرم یظلل علیه و هو محرم؟ قال: (لا إلاّ مریضا و به علة و الذي لا یطیق الشمس) (5). و مثله روایة محمد بن منصور إلاّ ان فیه عنوان (الظلال) (6).
..........
و في صحیح جمیل بن دراج عن أبي عبد اللّه : (لا بأس بالظلال للنساء و قد رخص فیه للرجال) (1).
و في موثق عثمان بن عیسی الكلابي قال قلت لأبي الحسن الأول إن علي بن شهاب یشكو رأسه و البرد شدید، و یرید ان یحرم فقال: (ان كان كما زعم فلیظلل و أما انت فاضحي لمن أحرمت له) (2).
و في صحیح البزنطي عن الرضا قال: قال أبو حنیفة أیش فرق ما بین ظلال المحرم و الخباء فقال أبو عبد اللّه (إن السنة لا تقاس) (3).
و في صحیح محمد بن الفضیل قال كنا في دهلیز یحیی بن خالد بمكة و كان هناك أبو الحسن موسی و ابو یوسف فقام إلیه أبو یوسف و تربع بین یدیه فقال لأبي الحسن جعلت فداك المحرم یظلل قال: (لا) قال: فیظلل بالجدار و المحمل و یدخل البیت و الخباء قال: (نعم) فضحك أبو یوسف شبه المستهزئ فقال له أبو الحسن (یا أبا یوسف ان الدین لیس یقاس كقیاسك و قیاس اصحابك) - إلی ان قال - (حج رسول اللّه فأحرم و لم یظلل و دخل البیت و الخباء و استظل بالمحمل و الجدار ففعلنا كما فعل ) (4)و مثلها روایات (5)عدیدة قوبل فیها بین
..........
الاستظلال علی المحمل و الاستظلال عند النزول بالخباء و البیت و الجدار و في مكاتبات الحمیري و الطریق صحیح في غیبة الشیخ الطوسي انه سأله عن المحرم یستظل من المطر بنطع او غیره حذرا علی ثیابه و ما في محمله أن یبتل فهل یجوز ذلك الجواب: (اذا فعل ذلك في المحمل في طریقه فعلیة دم) (1).
و في صحیحة إبراهیم بن أبي محمود قال قلت للرضا المحرم یظلل علی محمله و یفدي اذا كانت الشمس و المطر یضران به قال: (نعم) الحدیث (2).
و مثلها صحیح محمد بن اسماعیل بن بزیع الا ان فیها (من اذی مطر أو شمس) (3). و مثلها روایة علي بن محمد (4).
و قد جعلت هذه الطائفة هي المدار في موضوع متعلق الحكم لكثرة روایتها و لكون الموضوع هو في التروك دون واجبات الاحرام فلا مجال لتوهم موضوعیة لعنوان الإضحاء الوارد في بعض الروایات بل هو لترك التظلیل و كذا الحال في اللسان الآتي المشتمل علی النهي عن التغطیة و التستر و النهي الوارد في هذا اللسان تارة عن التظلیل مطلقاً و أخری عن التظلیل عن الشمس، و ثالثة عن الحرّ و البرد و المطر و المطلق كما مرّ موضوع للنهاري.
اما المسند للعناوین الثلاثة فاطلاقه یشمل مضافاً إلی الاضحاء الوارد و متعلق
..........
بالبرد و مقتضی ذلك المنع عن التظلیل النهاري و عن التظلیل المقابل للمطر و البرد و لو لیلاً كما ذهب إلیه جملة من اعلام العصر الا ان مقتضی مادة التظلیل كما تقدم هو الكنّ في مقابل النهار و الاسئلة عن البرد و المطر و كذا المرض من جهة ان الابتلاء بذلك یتزاحم مع التظلیل المنهي لا ان السؤال منصب ابتداء عن التظلیل عن البرد و المطر لیكون استعماله بمعنی الستر عنه لیكون مطلقاً.
و بعبارة أخری السؤال عن البرد و المطر بعد مفروغیة حكم التظلیل و هو الحرمة، و السؤال هو عن الاستثناء من هذا الحكم بتوسط تلك الاعذار لا ان السؤال هو عن عموم منع التظلیل و شموله للبرد و المطر و من ثمة بنی الجماعة المزبورة علی جواز التظلیل لیلاً اذا لم یكن برد او مطر أو ریح و كان التظلیل مع عدمه سیان مما یدلل علی ارتكاز ان التظلیل بمادته نهاري و لا یشمل اللیل و لذلك لو فرض احتجاب الشمس بالغیوم الكثیفة لما جاز مع ذلك التستر نهاراً.
هذا و قد یقرّب عموم التحریم للیل بان النهي عن القبة و الكنیسة و نحوهما مطلق شامل للیل و النهار و لو مع عدم البرد و المطر و الحرّ و الشمس و كذلك مقتضی اللسان الثاني و المتقدم لعنوان التغطیة و التستر لا سیما موثق زرارة المتقدم.
و فیه: إن المدار علی عنوان التظلیل لكثرة الروایات الواردة في ذلك بل في صحیح عبد الرحمن بن الحجاج المتقدم ارجاع عنوان التستر المذكور في سؤال السائل إلی الاستظلال في جوابه و علیه یحمل مفاد موثق زرارة بكون الحرّ و البرد لیسا عذرین مسوغین لارتكاب التظلیل المحرم و الا لو قرر ان السؤال عن أصل حكم التغطیة و التستر لكان اللازم دلالتها علی الجواز مع عدم الحرّ و البرد و ان كان نهاراً و هو كما تری و الحاصل انه لا موضوعة لعنوان القبة و الكنیسة او التستر او غیرها من العناوین الواردة بعد ظهور الادلة المتكثرة في موضوعیة عنوان
..........
التظلیل و الذي أثار جدالاً بین المخالفین من العامة و الأئمة فالعناوین الاخری مشیرة إلیه، و الوضع اللغوي لمادة التظلیل من الظل المقابل لنور الشمس غایة الأمر قد ورد استعماله في التستر عن اشیاء اخری بقرینة ذكر المتعلق الخاص و هاهنا و ان ذكره متعلقات أخری كالمطر و البرد و غیرهما و مقتضی ذلك هو المعنی الثاني الكنائي الا ان الاظهر ان السؤال وقع عن تلك الاشیاء بعد الفراغ لدی السائلین عن ممنوعیة التظلیل بما له من المعنی اللغوي الوضعي فالاسئلة ظاهرة في مرخصیة المطر و البرد و نحوهما في التظلیل الممنوع فذكرها وقع غرضاً لمزاحمة محذور الابتلاء بها و المشقة الحاصلة منها فیرتكب التظلیل بسبها و مفاد تلك الروایات حرمة التظلیل النهاری و ان ابتلی المحرم بالمطر و البرد و كون مفاد مادة التظلیل هو اتخاذ المظلة و الظلة قد تقدم انه لا شاهد علیه في اللغة و یدعم المختار ما ورد في صحیح عبد اللّه بن المغیرة و غیره من تقید الاضحاء بغروب الشمس فان فیه وجوه من الدلالة علی ذلك من كون مادة الاضحاء في الأصل للبروز النهاري للشمس كما في قول تعالی «وَ الضُّحی * وَ اللَّیْلِ» نعم قد استعملت في مطلق البروز بقرینة المتعلق الخاص كما هو الحال في التظلیل و منها التقیید بغروب الشمس و منها اذهاب ذنوب المحرمین المضحین بذهاب الشمس الدال علی ان ثواب ترك التظلیل و امتثال هذه الحرمة هو في ظرف النهار و سبب الایذاء الخاص من الشمس و منها تكرر ذكر الشمس كمتعلق للتظلیل. و منها ان الخلاف الدائر بین الخاصة و العامة هو في النهار (1).
1) قال بن قدامة في المغني: في ذیل قول الخرقي (و لا یظلل (المحرم) علی رأسه في المحمل فإن فعل فعلیه الدّم. كره أحمد الاستظلال في المحمل خاصة و ما كان في معناه كالهودج و العماریة
..........
فعبائرهم ظاهرة في ان محلّ النزاع معهم في التظلیل من الشمس و أن القبة و الهودج المدار فیها التظلیل.
نعم ، تعلیل من قال بالكراهة و الحرمة بانه كتغطیة الرأس و انه ترفه یفید و یوهم
..........
التعمیم لكنه ضعیف لان الترفه یعم بقیة التروك كما ان تغطیة الرأس تعم النزول فلا محالة من اختلاف حیثیة العلة مع حكم التظلیل المعلل و من ذلك یظهر الجواب عن اللسان الرابع في الروایات التي قد مزج فیها بین النهي عن الستر و التظلیل و تغطیة الرأس مما قد یوهم التعمیم في التظلیل مثل صحیحة عبد اللّه بن سنان قال سمعت ابا عبد اللّه یقول لأبي و شكی إلیه حرّ الشمس و هو محرم و هو یتاذی به فقال تری ان استتر بطرف ثوبی؟ قال: (لا بأس بذلك ما لم یصب رأسك) (1).
و من قرائن الاختصاص ایضا ظهور فتوی المشهور من فقهائنا شهرة مطبقة علی اختصاصة بالنهاري لعدم اشارة واحد منهم علی التعمیم للیل بل لم ترد في عبارة واحد منهم مع اهتمام العدید منهم بالتشقیق و التفریع و ذكر الفروض النادرة عدا احتمال صاحب الجواهر بانیاً له علی تعدد التكلیف في التظلیل و الاضحاء.
و یتحقق الاول في اتخاذ الساتر و الثاني في البروز مطلقاً و هو ضعیف لعدم تعدد التكلیف و المتعلق كما مرّ مضافاً لاختصاص الاثنین في الوضع اللغوي للنهار و منها تكرر لفظ التأذي في روایات السؤال عن التظلیل عن المطر و البرد و الشمس مما یدل علی ان مصب السؤال هو الحكم الثانوي و عذریة الحرج و المشقة لا عن أصل ماهیة التظلیل و انه من المطر او البرد او لا. لا سیما ان المطلق من مادة التظلیل في الوضع اللغوي هو النهاري فمحور السؤال و الجواب في تلك الروایات (2)هو عن الحكم الثانوي. هذا و یمكن أن یقال مادة (الظل) لم ترد بهیئة
..........
التظلیل بكثرة و ان جعله جملة كثیرة في عبائرهم انه المدار في هذا الترك بل ان هیئة (الظلال) هي أكثر ورودا في الروایات و هو ظاهر في الآلة للظل و هو و ان كان في الاصل مقابل الشمس و الحرور و لكن الاستعمال اللغوي أعم فظلال المحمل هو الساتر و ما یغشاه من غطاء و یعضده ما تقدم نقله في (لسان العرب) یقال لكل من كان بارزا في غیر مكان یظله و یكنّه انه لضاح و عن ابن عرفه (اضح..) أي اظهر و اعتزل الكنّ و الظل و ضاحیة كل شيء ما برز منه و ضحی الشيء و اضحیت أنا أي اظهرته و قیل للضحی لظهور الشمس في ذلك الوقت كما یظهر من حوارهم مع المخالفین ان المدار علی ظلال المحمل مضافا إلی ما یظهر من مرسل الاحتجاج الذي هو مسند في غیبة الشیخ (عن المحرم یستظل من المطر بنطع أو غیره حذرا علی ثیابه و ما في محمله أن یبتل) (1)یدعم عمومیة استعمال المادة لا سیما في هیئة (ظلال كآلة فیساوی عنوان القبة و الكنیسة و أما التقیید في الثوب بـ(حتی تغیب الشمس) فلا مفهوم له بل غایته بیان الأثر، ثمّ انه علی ضوء ذلك فیتم الاطلاق في النهي عن الظلال سواء كان نهاراً أو لیلاً و سواء كان حراً أو برداً ام لا و سواء كان مطراً ام لا، فكما أن الاطلاق في النهار مطلق فكذلك الحال في اللیل فالتفصیل في اللیل دون النهار ضعیف كما هو الحال في ستر المرأة وجهها فإنه لا یفصل فیه بین النهار و اللیل و بین وجود البرد و الحر و عدمهما و الاطلاق فیه معاضد لاستظهار الاطلاق في المقام، و الغریب التمسك بالاطلاق في النهار و ان كانت السماء غائمة و ان التأذی من الشمس حكمة لا علة و من جانب آخر لا یتمسك بالاطلاق في اللیل
1) أبواب تروك الإحرام، ب67، ح7.
..........
و أنه یدور مدار التوقي الفعلی عن مطر أو برد، فالاطلاق محكم لا سیما و انه في لسان بعض الروایات المدار علی الإضحاء و هو البروز مطلقا كما مر و هو یطابق ترك الظلال كآلة.
الجهة الثانية: في تقیید التظلیل بالسیر السفري دون الحضري، و دون مطلق الحركة و یدل علیه أمور:
الأوّل: أن التعبیر في الكثیر منها (ما من حاج یضحي ملبیاً حتی تغرب الشمس...) دال علی كونه في طریقه إلی مكة او إلی عرفات لانهما موضعا التلبیة.
الثاني: المقابلة في الروایات (1)بین ركوبه الراحلة و بین نزوله و دخوله الخباء او المحرم اذا ركب المحمل (و هي وسیلة النقل في السفر) و اذا نزل ضرب الخباء و الفسطاط و تلك المقابلة هي التي احتدم البحث عنها بین الأئمة و المخالفین و هي المقابلة بین الحركة في الطریق السفري و النزول فیه لان الخباء لیس في الحضر و كذا الفسطاط نعم الجدار و البیت یعم كلا من القری العدیدة في الطریق كما یشمل مكة فلا یختص بها فتبقی قرینة التقابل الركوب و النزول الظاهرة في السفر.
الثالث: لو كان التظلیل یعم مطلق الحركة حتی في الحضر لأدرجه المخالفون في البحث لقولهم بالجواز مطلقاً مما یدل علی عدم منع الأئمة منه.
الرابع: قوله - في معتبرة محمد بن الفضل (2)- (احرم رسول اللّه
..........
و لم یظلل و نزل و ظلل) ظاهر في كون التظلیل في ابتداء حدوث الاحرام لا طوال فترة الاحرام كما ان التعبیر بالنزول في كثیر من الروایات المستثنی من حرمة التظلیل ظاهر في اثناء الطریق.
الخامس: صحیحة الحمیري بسند الشیخ في الغیبة (1)في جواب السائل عن التظلیل بسبب العذر (اذا فعل ذلك في المحمل في طریقه فعلیه دم) فقید الكفارة بالطریق و هو احترازي.
السادس: ذكر المحمل و القبة و الكنیسة و غیر ذلك من العناوین الواقعة في أوصاف الغطاء اثناء السفر و بذلك یتضح الحال في العدید من شقوق التظلیل في محل الاقامة. و یمكن ان یقال انه بناءً علی اطلاق التظلیل للیل كما مر تقریبه فیتم تقریب اطلاق التظلیل الركوب بتقریب اطلاق عنوان (الظلال) الواردة بكثرة في المحمل و كذلك ما یرادفه من القبة و الكنیسة و یعضده ما في صحیحة معاویة بن عمار عنه في وصف حج رسول اللّه حیث فیه ان قریش كانت ترجو ان تكون إفاضته من المزدلفة لا من عرفات (فلما رأت قریش أن قبة رسول اللّه قد مضت كأنه دخل في أنفسهم) (2)فالروایة شاهد علی استعمال القبة في الطریق بین المشاعر و كذا المقابلة بین الركوب علی المحمل و النزول یقتضی الاطلاق. الجهة الثالثة: في التظلیل الجانبي:
ظاهر عبائر جملة من الاصحاب تحریم التظلیل الجانبي في الراكب دون الماشی
..........
كما حكی ذلك في الحدائق عن الشهید الثاني و العلامة في المنتهی انه یجوز للمحرم ان یمشي تحت الظلال و ان یستظل بثوب ینصبه اذا كان سائراً او نازلاً لكن لا یجعله فوق رأسه ساتراً خاصاً للضرورة و غیر ضرورة عند جمیع أهل العلم (1). و استظهر صاحب الحدائق ذلك منها أیضاً.
و یدل علی التحریم صدق عموم الاستتار عن الشمس و ظلل عنها و عدم الاضحاء الیها علی التظلیل الجانبي فیما هو حذاء الحاجبین او الكتفین و الصدر اما ما دون ذلك من الجانبين فصدق العمومات علیه محل تأمل بل منع: بل في صحیحة الحمیري بسند الشیخ في الغیبة انه كتب إلی صاحب الزمان سأله عن المحرم یرفع الظلال هل یرفع خشب العماري او الكنیسة و یرفع الجناحین ام لا؟ فكتب إلیه (لا شيء علیه لترك رفع الخشب) (2).
و في صحیح محمد بن اسماعیل بن بزیع قال كتب إلی الرضا هل یجوز للمحرم أن یمشي تحت ظل المحمل؟ فكتب (نعم) (3).
و في مصحح محمد بن الفضل عن أبي الحسن موسی یستظل - المحرم - بالجدار و المحمل و یدخل البیت و الخباء؟ قال (نعم) (4).
و في روایة الحسین بن مسلم عن أبي جعفر الثاني أنه سئل: ما فرق بین
..........
الفسطاط و بین ظل المحمل فقال: (و لا ینبغي ان یستظل في المحمل) الحدیث (1)و هذه الروایة لیست في الاستظلال بالمحمل بل هي في منع الاستظلال بالمحمل حالة الركوب.
و في صحیح عبد اللّه بن سنان قال سمعت ابا عبد اللّه یقول لأبي و شكی إلیه حرّ الشمس و هو محرم و هو یتأذی به؟ فقال تری أن أستتر بطرف ثوبي، فقال: (لا بأس ما لم یصب رأسك) (2).
و یقرب دلالة الروایة تارة علی جواز الظل الجانبي، و أخری علی جواز التظلیل للراجل حال السیر كما ذهب إلیه العلامة و الشهید الثاني و لو كان الظل متحركاً بحركته و لا یخلو كلا التقریبین من التأمل اذ لیس في فرض السائل تقدیر الحركة و الظاهر كون الروایة في صدد المنع عن ستر الرأس و تغطیته و المحصل من الروایات جواز الاستظلال بظل المحمل بالنسبة للسائر و كذا الراكب بالنسبة إلی أعواد المحمل او نحوها من أعواد شبابیك السیارة. و هل یتعدی من ظل المحمل للسائر إلی كل استظلال جانبي متحرك بحركته كالمظلة لو عطف بها علی جانبه بدعوی عدم الفرق بما لو كان المحرم السائر قائداً للجمل مستظلاً به و بین عموم الظل المتحرك .
و فیه تأمل لاحتمال خصوصیة المحمل من جهة الابتلاء به و مساورته للقوافل، و تعارف وجود المشاة معها نعم مثل السیارة و نحوها من وسائل النقل داخل في فرض
..........
الروایة.
و أما ما في روایة القاسم بن الصیقل قال ما رأیت احداً كان أشد تشدیداً في الظل من أبي جعفر كان یأمر بقلع القبة و الحاجبین اذا أحرم و هو و ان تناول الظل الجانبي الا أنه لا یتناول الجانبي المحاذي لما دون الصدر.
و قد تقدمت عدة روایات (1)دالة جواز التستر ببعض الجسد.
الجهة الثالثة: قد استشكل السبزواري في لزوم الحكم في التظلیل لورود التعبیر في الروایات بـ(لا ینبغي) و قد رخص للرجال او ظلل و كفّر و كذا التعبیر بأن الشمس تغرب بذنوب الحجیج و...
و یدفعه بإن الرخصة تتلاءم مع الاستثناء من اللزوم و لو سلم مناسبتها مع الكراهة فلا صراحة لها في ذلك لتقاوم ما دل بصراحة علی اللزوم مع مقابلتها بنفي البأس للنساء و لفظ (لا ینبغي) یستعمل في موارد اللزوم بكثرة في الروایات فلا صراحة له في الكراهة.
و التعلیل بحكمة الاحكام بكثرة في موارد اللزوم. و قد مرّ اشتمال الروایات علی التشدید كما في الموثق لابن المغیرة فإنه مع فقاهته یسأل عن اللزوم و ثبوت الكفارة و هو لا یتناسب مع عدم اللزوم.
و كالإصرار منهم في الحكم قبال أبي حنیفة و تلمیذیه، و منه یفهم أن التعابیر التي استشهد بها هي للمداراة و الإیهام.
ثمّ إنه لوصلت النوبة إلی الشك في بعض الشقوق فلم نقف علی عموم
1) أبواب تروك الاحرام، ب67 و66.
(مسألة 270): المراد من الاستظلال التستر من الشمس أو البرد أو الحر أو المطر أو الریح و نحو ذلك، فإذا لم یكن شيء من ذلك بحیث كان وجود المظلة كعدمها فلا بأس بها، و لا فرق فیما ذكر بین اللیل و النهار(1).
(مسألة 271): لا باس بالتظلیل تحت السقوف للمحرم بعد وصوله إلی مكة. و إن كان بعد لم یتخذ بیتا كما لا باس به حال الذهاب و الایاب في المكان الذي ینزل فیه المحرم، و كذلك فیما إذا نزل في الطریق للجلوس أو لملاقاة الاصدقاء أو لغیر ذلك، و الأظهر جواز الاستظلال في هذه الموارد بمظلة و نحوها
فوقاني في الباب إذ هي اما واردة في انشاء أصل الوجوب لدفع تردد السائل بانه مستحب أي في بیان حكم المتعلق دون الماهیة او هي في مقام اطلاق المتعلق بلحاظ حالة الستر كما في اكثرها أو بلحاظ متعلق المتعلق و هو المكلف الكبیر أو الشاب عدل المریض أو المتأذي او بلحاظ حالات المكلف اما الاطلاق بلحاظ ظرف المتعلق المكاني فلم نقف علی روایة في ذلك و كذلك الظرف الزماني، و علی ذلك فیبنی علی القدر المتیقن في موارد الشك.
قد تقدم في الجهة الأولی من المسألة السابقة أن الاستظلال هو من الشمس و ان ما ذكر في الروایات من المطر و البرد و الریح و نحوها إنما ذكره في الأسئلة كأعذار مسوغة للتظلیل المفروغ عن حرمته في نفسه في رتبة سابقة فلم یكن مصب السؤال عن حكم التظلیل من تلك الطوارئ فمن ثمّ یسوغ التظلیل لیلاً.
ثمّ انه لو فرض عدم تأثیر التظلیل نهاراً لاحتجاب الشمس بالسحاب الكثیف فالظاهر عدم سقوط الحرمة لشمول عموم (اضح لمن أحرمت الیه) و التعلیل بالتأذي من حرّ الشمس من قبیل الحكمة لا العلة.
أیضاً و ان كان الأحوط الاجتناب عنه(1).
(مسألة 272): لا باس بالتظلیل للنساء و الاطفال، و كذلك للرجال عند الضرورة و الخوف من الحر أو البرد(2).
اما التظلیل في القدوم من السفر خاصة إلی مكة القدیمة عند العبور في مكة الحدیثة بعد كونه لم یتخذ فیها بیتاً فقد یقرب المنع بصدق عموم (ما من حاج یضحي ملبیاً...) اذ التلبیة تنقطع عند مكة القدیمة كما في النص للتوقیت بها بفعله و من ثمّ عمم المنع عن التظلیل في مسیره من مكة إلی عرفات في احرام الحج لشمول العموم المزبور فیصدق علی مبتدأ مسیره داخل مكة و هو آخذ باتّجاه عرفة.
و بعبارة أخری: الحركة المتصلة بالسفر انتهاءً او مقدمة لا یستبعد صدق العنوان و لو توسعاً و من ثمّ تحسب المسافة في السفر الشرعي من سور المدینة المبدأ إلی سور المدینة المقصد و إن حدد عنوان السفر بحد الترخیص في كلا الطرفین بل قد ذهب الصدوق إلی حساب المسافة من المنزل إلی المنزل و هذا الوجه ان لم یكن أقوی فهو أحوط.
نعم الشقوق الأخری في المتن قد اتضح مما سبق جواز التظلیل فیها لاختصاص الحرمة بالسیر السفري كما مرّ. اما الاحتیاط في الاستظلال بالمظلة و نحوها في تلك الموارد مما كان بظل متحرك فلظهور جملة من الروایات في جواز الاستظلال في تلك الموارد بالظل الثابت لا المتحرك بحركة المحرم كالخباء و الفسطاط و الدار الا أن أدلة الحرمة قاصرة الشمول لتقیدها بحالة السیر السفري.
و یدل علی الجواز في الأولین صحیحة حریز عن أبي عبد اللّه قال (لا بأس بالقبة علی النساء و الصبیان و هم محرمون) (1)و مثله صحیح الكاهلي (2).
(مسألة 273): كفارة التظلیل شاة، و لا فرق في ذلك بین حالتي الاختیار و الاضطرار، و إذا تكرر التظلیل فالأحوط التكفیر عن كل یوم، و إن كان الأظهر كفایة كفارة واحدة في كل إحرام(1).
و في صحیح جمیل ابن دراج عن أبي عبد اللّه قال: (لا بأس بالظلال للنساء و قد رخص فیه للرجال) (1)و مثله صحیح هشام بن سالم و الحلبي و محمد بن مسلم (2)و في موثق اسحاق بن عمار عن أبي الحسن سألته عن المحرم یظلل علیه و هو محرم قال: (لا الا المریض او به علة و الذي لا یطیق الشمس) (3).
و أما ترتب الجواز في الأطفال بمقتضی القاعدة بحدیث رفع القلم فمحل تأمل و ان كان حكم التظلیل تكلیفاً محضاً و ذلك لورود عموم تجنیب الولی الصبیان ما یجتنبه المحرم، و قد مرت الاشارة إلیه في حج الصبیان فلاحظ.
كما ذهب إلیه الأصحاب. عدا ما عن الصدوق انه یتصدق لكل یوم بمدّ و ما عن ابن أبي عقیل انه یتخیر بین الشاة و الصیام و التصدق. و تدل علی الاول الروایات العدیدة كصحیحة محمد بن إسماعیل بن بزیع عن الرضا قال: (سأله رجل عن الظلال للمحرم من اذی مطر او الشمس و انا أسمع فأمره ان یفدي شاة و یذبحها بمنی) (4)و مثله صحیح إبراهیم ابن أبي محمود (5).
..........
نعم في عدة من الروایات اطلاق الفدیة و الكفارة (1)و اطلاقه محمول علی الشاة كما في سائر الموارد.
و في صحیح علي بن جعفر قال سألت أخي أظلل و أنا محرم؟ قال فقال: (نعم و علیك الكفارة) قال (فرأیت علیا إذا قدم مكة ینحر بدنة كفارة الظل) (2)و هي محمولة علی أفضلیة البدنة كما تقدم فیما سبق من الكفارات ان الشاة و البقرة و البدنة من قبیل الأقل و الأكثر فیها لا من قبیل المتباینات. و النحر بمكة محمول علی كفارة العمرة. ثمّ ان مقتضی اطلاق ما تقدم من الروایات الاكتفاء بشاة واحدة.
و في روایة أبي بصیر قال سألته (في حدیث) الرجل یضرب علیه الظلال و هو محرم قال (نعم اذا كانت به شقیقة و یتصدق بمد لكل یوم) (3).
و هو اما محمول علی الاستحباب او العجز عن الشاة و هي مستند الصدوق و الوجه في هذا الحمل اطلاق الامر بالشاة تكرر في الروایات السابقة من دون تقیید لا سیما مع عموم القاعدة المتقدمة من كون التصدق بدلاً اضطراریاً عن الدم و في صحیح علي بن راشد قال قلت له جعلت فداك انه یشتد علیّ كشف الظلال في الاحرام لاني محرور یشتد عليّ حرّ الشمس فقال ظلل و أرق دماً فقلت له دم ام دمین؟ قال للعمرة قلت انا نحرم بالعمرة و ندخل مكة فنحل و نحرم بالحج
..........
قال (فأرق دمین) (1)و مثله ما رواه عنه الكلیني فیه دم لعمرته و دم لحجته و هو نص في أن لكل إحرام و نسك كفارة واحدة.
و مستند ابن أبي عقیل صحیح عمر بن یزید المتقدم عن أبي عبد اللّه قال: (قال اللّه في كتابه «فَمَن كَانَ مِنكُم مَرِیضاً أَوْ بِهِ أَذًی مِن رأْسِهِ فَفِدْیَةٌ مِن صِیَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ» فمن عرض له اذی او وجع فتعاطی ما لا ینبغي للمحرم اذا كان صحیحاً فالصیام ثلاثة أیام، و الصدقة علی عشرة مساكین یشبعهم من الطعام، و النسك، شاة یذبحها فیأكل و یطعم، و إنما علیه واحد من ذلك) (2).
و هي و ان كانت مطلقة الا انها تقدمت في الحلق و ازالة الشعر من البدن فلاحظ و الروایات ناصة علی ثبوت الكفارة في حالة الاختیار او الاضطرار.
22 - إخراج الدم من البدن
لا یجوز للمحرم إخراج الدم من جسده و ان كان ذلك بحك بل بالسواك علی الأحوط، و لا باس به مع الضرورة أو دفع الاذی، و كفارته شاة علی الأحوط الأولی(1).
حكی في الحجامة قولان الحرمة و ذهب إلیه الشیخ المفید و المرتضی و جماعة من المتقدمین و الثاني الكراهة ذهب إلیه الشیخ في الخلاف و ابن حمزة و المحقق في الشرائع و النافع و جماعة من متأخري المتأخرین. و منشأ الخلاف اختلاف الدلالة في الروایات. فما دل علی الحرمة كصحیح الحلبي قال سألت ابا عبد اللّه عن المحرم یحتجم قال: (لا إلاّ أن لا یجد بداً فیحتجم، و لا یحلق مكان المحاجم) (1)و مثله صحیح زرارة و فیه (إلاّ ان یخاف علی نفسه ان لا یستطیع الصلاة) (2)و لا یخفی ان لسانهما هو الحرمة لا بإطلاق النهي فقط بل من جهة حصر الاستثناء بالخوف و الضرورة و مثلها روایة حسن الصیقل و قد تضمنت خوف التلف او إیذاء الدم.
و في صحیح ذریح (إذا خشي الدم) (3).
و في صحیح معاویة بن عمار قال: سألت أبا عبد اللّه عن المحرم كیف
..........
یحك رأسه قال بأظافره ما لم یدم او یقطع الشعر (1). و هي بقرینة استثناء قطع الشعر دالة علی تقید الجواز بعدم الإدماء. و مثله صحیح عمر بن یزید (2).
و في صحیح الحلبي قال سألت ابا عبد اللّه عن المحرم یستاك؟ قال: (نعم و لا یدم) (3).
و استدل للكراهة بصحیح حریز عن أبي عبد اللّه قال: (لا بأس ان یحتجم المحرم ما لم یحلق او یقطع الشعر) (4)و هي و ان كانت مطلقة الا انها قابلة للتقیید بالضرورة.
و بعبارة أخری ان دلالة الصحیحة في الجواز في حال الاختیار انما هو بدرجة الظهور بالاطلاق، بین ما دل علی الحرمة ظاهر فیها بالقرائن اللفظیة لا مجرد اطلاق النهي و مثله صحیح علي بن جعفر (5)و في روایة یونس بن یعقوب عن أبي عبد اللّه قال: (لا أحبه) (6)و هذا التعبیر و ان كان مستعملاً في الكراهة الا أنه أستعمل في الحرمة في الروایات الكثیرة ایضا فلا یقوی علی معارضة ما دل علی الحرمة.
..........
و بعبارة أخری ظهوره في الكراهة من باب القدر المتیقن و في روایة مقاتل بن مقاتل (1)و فضل بن شاذان (2)احتجام رسول اللّه و أبي الحسن و هما محرمان لكن لا دلة فیهما علی كون ذلك في حالة الاختیار.
و لك أن تقول: ان الحجامة في الغالب انما ترتكب عند الحاجة و الضرورة لفوران الدم و خشیة طغیانه.
و موثق عمار بن موسی عن أبي عبد اللّه قال سألت عن المحرم یكون به الجرب فیؤذیه قال: (یحكه فإن سال الدم فلا بأس) (3). و فیه انه مقید بالاذیة.
و صحیح معاویة عن أبي عبد اللّه قال: قلت المحرم یستاك قال: (نعم) قلت فإن أدمی یستاك قال (نعم هو من السنة) (4).
و في صحیح علی بن جعفر عن أخیه موسی قال سألته عن المحرم هل یصلح له أن یستاك قال: (لا بأس و لا ینبغي أن یدمی فمه) (5).
و فیه ان تعبیر صحیح معاویة ظاهر في اتفاق حدوث ذلك مترتباً علی الاستیاك فتعبیر السائل المزبور یختلف عن ما لو عبر (و كان یدمي) و التعلیل فیها بانه من السنة لرفع غضاضة اجتراح التروك من غیر عمد لوجوب الكفارة ندباً
..........
و أما التعبیر (بلا ینبغي) فقد استعمل في كل من الحكمين كثیراً بل ظهوره الاولی في الحرمة ایضا و أن كان ظهوره ضعیفاً.
و استدل بروایات (1)عصر الدمّل و بطها و هي مورد التداوي و الضرورة.
و تحصل أن ظاهر الادلة هو حرمة الادماء كما ذهب إلیه المشهور الا أنه یسوغ ارتكابه بأدنی اضطرار و هذا محصل أدلة الجواز.
و أما الكفارة فقد حكی عن بعض معاصري الشهید انها شاة و هو مبتني علی عموم ثبوت الدم للتروك و سیأتي في روایة قلع الضرس و روایة تقلیم الاظفر ما یحتمل فیه ثبوت الكفارة لأجل الادماء و أما قول الحلبي بالاطعام فكأن وجهه ما ورد من عموم ثبوت التصدق لاجتراح التروك و لو عن غفلة و ان الادماء لا یخرج حكمه عن الكراهة فیساوي موارد الغفلة في التروك المحرمة.
1) أبواب تروك الاحرام، ب70.
لا یجوز للمحرم تقلیم ظفره و لو بعضه إلا أن یتضرر المحرم ببقائه، كما إذا انفصل بعض ظفره و تألم من بقاء الباقي فیجوز له حینئذ قطعه، و یكفر عن كل ظفر بقبضة من الطعام(1).
(مسألة 274): كفارة تقلیم كل ظفر مد من الطعام، و كفارة تقلیم أظافیر الید جمیعها في مجلس واحد شاة، و كذلك الرجل، و إذا كان تقلیم أظافیر الید و أظافیر الرجل في مجلس واحد فالكفارة أیضاً شاة، و إذا كان تقلیم أظافیر الید في مجلس و تقلیم أظافیر الرجل في مجلس آخر فالكفارة شاتان(2).
یدل علی الحرمة صحیحة معاویة بن عمار عن أبي عبد اللّه قال (سألته عن الرجل المحرم تطول أظافیره قال لا یقص شیئا منها ان استطاع فإن كانت تؤذیه فلیقصها و لیطعم مكان كل ظفر قبضة من طعام) (1)و غیرها من الروایات (2).
یدل علیه صحیح أبي بصیر قال سألت ابا عبد اللّه عن رجل قص ظفر من أظافره و هو محرّم قال علیه في كل ظفر قیمة مدّ من طعام حتی یبلغ عشرة فان قلم اصابع یدیه كلها فعلیه دم شاة فان قلم اظافیر یدیه و رجلیه جمیعاً فقال: (ان
..........
كان فعل ذلك في مجلس واحد فعلیه دم و ان كان فعله متفرقا فعلیه دمان) (1).
الا أن في طریق الصدوق لفظ الروایة مدّ من الطعام و یعضد روایة الصدوق مصحح الحلبي و مثله صحیح زرارة (2)الا انه مقید بالعمد و في صحیح آخر له نفي الكفارة عن غیر العمد، لكن تقدم في صحیح معاویة بن عمار ثبوت الكفارة مع الاضطرار.
و في صحیح إلی حریز عمن اخبره عن أبي جعفر في محرم قلم ظفر قال (یتصدق بكف من الطعام) قلت ظفرین قال (كفین) قلت ثلاثة قال (ثلاثة أكف) قلت أربعة قال (أربعة أكف) قلت خمسة قال (علیه دم یهریقه فإن قص عشرة او اكثر من ذلك فلیس علیه إلاّ دم یهریقه) (3).
الا ان في طریق الشیخ الطوسي عن حریز عن أبي عبد اللّه في المحرم ینسی فیقلم ظفراً من أظافیره ثمّ ذكر الحدیث فمورده الناسي و ظاهره اتحاد الروایة مع سابقتها فالكفارة محمولة علی الاستحباب لما مرّ من روایة زرارة و لا یخفی دلالتها كون كفارة الدم في حالة العمد في خمسة اصابع فهي بضمیمة ما تقدم دالة علی كون الدم و الاطعام من قبیل الأقل و الأكثر في باب كفارة التروك ان لم یكن في مطلق الكفارات.
نعم أحتمل صاحب الحدائق حمل ثبوت الدم علی الید الواحدة و علی التقیة
(مسألة 275): إذا قلم المحرم أظافیره فأدمی اعتماداً علی فتوی من جوّزه وجبت الكفارة علی المفتي علی الأحوط(1).
لكونه مذهب أبي حنیفة، و الأمر في الاستحباب و إن كان هینا الا ان ثبوته مع الخلل في جهة الصدور لا سیما و أن كفارة النسیان و لو ندباً لا تزید علی كفارة العمد.
ثمّ أن في الاضطرار و ان ورد عنوان القبضة الا أن الظاهر الاشارة به إلی المدّ لان القبضة وحدة في الحجم و الكم و المدّ وحدة في الوزن و هل یثبت الدم في الاضطرار في العشرة اصابع یحتمل ذلك بدعوی اشارة صحیح معاویة إلی ثبوت فدیة العمد في الاضطرار و لم نقف علی من تعرض إلی ذلك فالاحتیاط متعین.
ثمّ أن الحرمة غیر مخصوصة بالتقلیم بل بمطلق الازالة للظفر كما نبه علی ذلك صاحب الحدائق.
قد تقدم أن الناسي و الجاهل لا وجوب للكفارة علیه الا انه یقع الكلام هل علی المفتي الكفارة أم لا ففي روایة اسحاق الصیرفی قال قلت لأبي ابراهیم ان رجلاً أحرم فقلم اظفاره فكانت له إصبع علیلة فترك ظفره لم یقصه فافتاه رجل بعد ما أحرم فقصه فأدماه فقال: علی الذي أفتی شاة (1).
و هذه الروایة مضافاً إلی ضعف السند ظاهر مورد الروایة أن مورد الافتاء هو في الاصبع الواحد بعد الاحرام و كفارته في نفسه لیست شاة و أما الادماء فقد تقدم الاشكال في ثبوت الكفارة مع انه غیر ما نحن فیه و في موثق اسحاق بن عمار قال
1) أبواب بقیة كفارات الاحرام، ب13، ح1.
..........
سألت أبا الحسن عن رجل نسي ان یقلم أظفاره عند إحرامه؟ قال یدعها قلت: فإن رجلاً من اصحابنا افتاه بأن یقلم اظفاره و یعید إحرامه ففعل قال (علیه دم یهریقه) (1)و الضمیر یحتمل عوده للرجل المفتي فإن السؤال الثاني في الروایة انصب علیه كما یحتمل عوده للمحرم لكونه أقرب مرجع یعود علیه الضمیر المستتر في (ففعل) و علی الاحتمال الثاني فثبوت الكفارة ندبي كما مرّ و علی أي حال فثبوت الضمان علی المفتي محل اشكال بالروایتین و من ثمّ حكی عن الشهید في الدروس احتمال كونه في المقام من باب عموم (كل مفت ضامن) الوارد في صحیحة عبد الرحمن بن الحجاج (2). لكن الاستدلال بالقاعدة في مقامنا محلّ تأمل لأن المحرم المرتكب للتقلیم لم تثبت علیه الكفارة لجهله بالحكم مع انه مبني علی ثبوت القاعدة في غیر المالیات من التكالیف المحضة المستلزمة للضمان المالي لا سیما ان القاعدة من صغریات قاعدة الاتلاف.
نعم قد یستأنس للمقام بثبوت الكفارة علی الزوج في ما لو اكره زوجته علی الجماع في الاحرام و الصیام و الحیض.
(مسألة 276): ذهب جمع من الفقهاء إلی حرمة قلع الضرس علی المحرم و ان لم یخرج به الدم، و اوجبوا له كفارة شاة، و لكن في دلیله تأملا بل لا یبعد جوازه (1).
حكی ذلك عن الشیخ استنادا لروایة مرسلة عن رجل من أهل خراسان أن مسألة وقعت في الموسم لم یكن عند موالیه فیها شيء محرم قلع ضرسه فكتب (یهریق دماً) (1)لكن في الحدائق لم یثبت لفظ (علیه السلام) لكنها مثبتة في التهذیب المطبوع و في روایة الحسن الصیقل انه سأل ابا عبد اللّه عن المحرم تؤذیه ضرسه أ یقلعه قال: (نعم لا بأس به) (2)لكنه لا یدل علی الجواز مطلقاً لتقید مورده بالضرورة، بل هي لا تخلو من إشعار بالحزازة في غیر الضرورة.
و قد یدعی أنه من التفث فهو نحو تقصیر في أثناء الاحرام.
(مسألة 277): لا یجوز للمحرم حمل السلاح كالسیف و الرمح و غیرهما مما یصدق علیه السلاح عرفا، و ذهب بعض الفقهاء إلی عموم الحكم لآلات التحفظ أیضاً كالدرع و المغفر، و هذا القول أحوط(1) .
كما هو المحكي عن المشهور و عن الفاضلین و صاحب المدارك الكراهة و یدل علیه مفهوم صحیحة عبد اللّه بن سنان قال سألت ابا عبد اللّه أ یحمل السلاح المحرم فقال (إذا خاف المحرم عدواً أو سرقاً فلیلبس السلاح) (1)و مثله صحیح الحلبي الا ان فیه (و لا كفارة علیه) (2)و نفي الكفارة معاضد لثبوت المفهوم و ثبوت الكفارة في الاختیار.
نعم ثبوت الكفارة بدلالة الاقتضاء اذ لو لم یكن في الترك كفارة فلا یختص الاضطرار بالنفي و حكی عدم افتاء أحد بالكفارة.
ثمّ لا اختصاص للسلاح بالآلات القدیمة بل یعم الحدیثة سواء القاتلة او الجارحة و في شموله للألبسة الحربیة كالدرع و المغفر و الخوذة العسكریة و نحوها من ألبسة الوقایة العسكریة تأمل و ان كان قد یُقرب صدق عنوان التسلح علی التهیؤ للحرب مطلقاً بآلاته و لوازمه ، لا سیما و أن معنی اللبس یساعده ثمّ ان اللبس كما
..........
یصدق بوضع آلة السلاح علی البدن محمول بالحمائل و نحوها یصدق بالامساك بالید ایضاً لعموم عنوان الحمل في أسئلة الروایات كما ان الآلات القتالة المشتركة تتبع القصد كالسكین و الفأس و نحوهما
و في المغازي للواقدي ان رسول اللّه لما خرج مع أصحابه لعمرة الحدیبیة خرجوا بغیر سلاح إلاّ سیوف في القرب و لما سئل عن عدم اخذه للحرب عدتها قال: و لست أحب احمل السلاح معتمراً .. و قال له سعد بن عباد یا رسول اللّه لو حملنا السلاح معنا فان رأینا من القوم ریب كنا معدین لهم فقال لست احمل السلاح انما خرجت معتمراً.. (1)
و قد یقرب أصل الحكم بان من احكام الحرم المكي الآمن و حرمة احلال الأمن كما یدل علیه قوله تعالی: «لا تُحِلُّوا شَعائِرَ ... آمِّینَ الْبَیْتَ الْحَرامَ و قوله تعالی وَ مَنْ یُرِدْ فِیهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِیمٍ» (2)و قد سمی الحرم حرام لحرمته و حرمة من دخله فإن كان ذلك من احكام الحرم فإنها تزداد غلظة علی المحرم كما في صحیح معاویة بن عمار (اذا احرمت فعلیك بتقوی اللّه) (3). و ما في صحیح حریز و أبي بصیر الآتیین (4)من النهي عن اظهار السلاح في الحرم.
(مسألة 278): لا باس بوجود السلاح عند المحرم إذا لم یكن حاملا له. و مع ذلك فالترك أحوط(1).
(مسألة 279): تختص حرمة حمل السلاح بحال الاختیار، و لا باس به عند الاضطرار(2).
(مسألة 280): كفارة حمل السلاح شاة علی الأحوط(3).
إلی هنا انتهت الأمور التي تحرم علی المحرم.
لأن العنوان المنهي عنه هو لبس السلاح و العنوان المقارب له و أما اقتنائه و الاحتفاظ به في متاعه فغیر مشمول الا بتوسع استعمال الحمل لذلك و من ثمّ احتاط الماتن.
تقدم في المسألة الأولی في هذا الترك اختصاص الحرمة.
كما دلت علیه مفهوم صحیحة الحلبي الا انه نسب إلی جل الاصحاب عدم الافتداء بالكفارة و من ثمّ احتاط الماتن ثمّ ان الكفارة مع الاطلاق تنصرف للدم و لو لعموم قاعدة (من اجترح شیئا في احرامه فعلیه دم یهریقه).
أحكام الحرم
و هناك ما تعم حرمته المحرم و المحل و هو أمران: احدهما: الصید في الحرم، فانه یحرم علی المحل و المحرم كما تقدم. ثانیهما: قلع كل شيء نبت في الحرم أو قطعه من شجر و غیره، و لا باس بما یقطع عند المشي علی النحو المتعارف، كما لا باس بان تترك الدواب في الحرم لتاكل من حشیشه، و یستثنی من حرمة القلع أو القطع موارد:
1 - الاذخر و هو نبت معروف.
2 - النخل و شجر الفاكهة.
3 - الاعشاب التي تجعل علوفة للابل.
4 - الاشجار أو الاعشاب التي تنمو في دار نفس الشخص أو في ملكه أو یكون الشخص هو الذي غرس ذلك الشجر أو زرع العشب، و أما الشجرة التي كانت موجودة في الدار قبل تملكها فحكمها حكم سائر الاشجار(1).
ذكر الماتن من أحكام الحرم عدة أمور:
الأوّل: حرمة الصید في الحرم، و قد تقدم في التروك في حرمة الصید و عموم الروایات (1)ب-ل و تنصیصها علی الحرمة في المحل و المحرم، فالمحرم یحرم علیه الصید فی
1) أبواب تروك الاحرام، ب1.
..........
الحل و الحرم و المحل یحرم علیه الصید في الحرم. و المراد هو الصید البري.
و سیأتي في الروایات حرمة تنفیر صید الحرم أو اذیته أیضاً، و بكلمة جامعة لا بد ان یكون آمناً.
الثاني: قلع نبات الحرم أو قطعه و یدل علیه جملة من الروایات كصحیح حریز عن أبي عبد اللّه قال: (كل شيء ینبت في الحرم فهو حرام علی الناس أجمعین) (1)
و في صحیحه الآخر عن أبي عبد اللّه في حدیث قال: (قال رسول اللّه ألا إن اللّه قد حرم مكة یوم خلق السموات و الأرض فهي حرام بحرام اللّه إلی یوم القیامة، لا یُنفر صیدها و لا یعضد شجرها و لا یختلی خلاها و لا تحل لقطتها إلاّ لمنشدٍ. فقال العباس: یا رسول اللّه إلاّ الاذخر فإنه للقبر و البیوت فقال رسول اللّه إلاّ الاذخر) (2).
و قد اشتملت هذه الصحیحة علی جملة من الأحكام لم تذكر في المتن، و أحكام لقطة الحرم مذكورة في باب اللقطة.
و الخلی في اللغة الحشیش و الرطب من النبات و عضد الشجر قطعها بالمعضد و مثلها موثقة زرارة (3)إلاّ انها تضمنت أیضاً تحریم رسول اللّه للمدینة ما بین لابتیها صیدها و حرم ما حولها بریداً في برید ان یختلی خلاها أو یعضد شجرها إلاّ عودي الناضح و الموثقة دالة علی ثبوت جملة من الأحكام لحرم المدینة أیضاً كمكة
..........
و حكی في الحدائق عن الشیخ القول بالحرمة المزبورة و حكی قولاً آخر بالكراهة اعتماداً علی الأصل و هو كما تری.
و في صحیحة عبد اللّه بن سنان قال سألته عن قول اللّه عز و جل وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً البیت عني أو الحرم؟ فقال: (من دخل الحرم من الناس مستجیراً به فهو آمن من سخط اللّه عز و جل، و من دخله من الوحش و الطیر كان آمنا من ان یهاج أو یؤذي حتی یخرج من الحرم) (1).
و هي أیضاً قد اشتملت علی أحكام لم تذكر في المتن.
و قد استثنی من عموم حرمة القطع موارد في الروایات، ففي صحیح حریز عن أبي عبد اللّه : (إلا ما أنبته أنت و غرسته) (2)، و في موثق سلیمان بن خالد عن أبي عبد اللّه : (إلاّ النخل و شجر الفاكهة) (3)، و في صحیح محمد بن عثمان قال: سألت ابا عبد اللّه عن الرجل یقلع الشجرة من مضربه أو داره في الحرم. فقال: (ان كانت الشجرة لم تزل قبل أن تبنی الدار أو یتخذ المضرب فلیس له ان یقلعها؛ و ان كانت طریة علیه فله قلعها) (4). و هي مشتملة علی استثناء ما نبت بعد اتخاذ الدار و المسكن و مثله ما في مصحح اسحاق بن یزید (5).
(مسألة 281): الشجرة التي تكون أصلها في الحرم و فرعها في خارجه أو بالعكس حكمها حكم الشجرة التي یكون جمیعها في الحرم(1).
(مسألة 282): كفارة قلع الشجرة قیمة تلك الشجرة، و في القطع منها
و في موثق زرارة الذي تقدمت الاشارة إلیه استثناء الاذخر و عودي الناضح إلاّ ان الظاهر من استثناء عودي الناضح كونه استثناء من احكام حرم المدینة إلاّ أن یقال ان وحدة السیاق تقتضی الاستثناء من كلا الحرمتین.
و في المرسل عن زرارة عن أبي جعفر قال: (رخص رسول اللّه في قطع عودي المحالة و هي البكرة التي یستقی بها من شجر الحرم و الأذخر) (1).
و حكی في الحدائق عن الاصحاب استثناءها.
و في صحیح آخر لحریز بن عبد اللّه عن أبي عبد اللّه قال: (یخلی عن البعیر في الحرم یأكل ما شاء) (2). و مثله صحیح محمد بن حمران (3).
و ظاهر صحیحة حریز عموم الجواز للشجر و الأعشاب و ان كان الظاهر البدوي لمصححة ابن حمران انها منصرفة للأعشاب فلا وجه لتخصیص الجواز كما في المتن.
و یدل علی التفصیل المزبور صحیحة معاویة بن عمار (4).
قیمة المقطوع، و لا كفارة في قلع الاعشاب و قطعها(1).
فصل الشیخ في المبسوط و الخلاف و كذا ابني زهرة و ابن حمزة في كفارة الشجرة الكبیرة بقرة و في الصغیرة شاة و في الابعاض القیمة، و عن ابن براج البقرة مطلقاً، و عن ابن جنید القیمة مطلقاً و عن ابن ادریس نفي الكفارة مطلقاً.
و یقتضی التفصیل الذي ذكره الشیخ الجمع بین الروایات.
ففي مصحح منصور بن حازم انه سأل ابا عبد اللّه عن الاراك یكون في الحرم فاقطعه قال: (علیك فداءه) (1). و التعبیر (بقطعه) أي اسناد الفعل لكل الشجرة ظاهرٍ في إلاّ زالة بالكلیة لها كما ان التعبیر بـ(الفداء) منصرف في باب الحج (2)بفداء الدم و هو الشاة بل قد جعل في الكلمات الثمن في مقابل الفداء نعم في صحیحة أبي عبیدة عن أبي جعفر قد استعمل الفداء في القیمة و الدم (3). كما لو اخرج صیداً من الحرم فتلف فإنه یتخیر بین الثمن و الفداء (4).
فالمصحح ظاهر في لزوم الدم علی قلع الشجرة نعم شجر الاراك قد یكون منه الكبیر و قد یكون منه الصغیر، و في صحیح سلیمان بن خالد عن أبي عبد اللّه قال سألته عن الرجل یقطع من الاراك الذي بمكة قال: (علیه ثمنه یتصدق به و لا ینزع من شجر مكة شیئاً إلاّ النخل و شجر الفواكه) (5).
..........
و التعبیر (من الاراك) حمل علی التبعیض فیكون دالا علی التفصیل المزبور اما ان حمل علی التعدیة و البیان فیكون قبال المصحح المتقدم لكن الأظهر الأول و لا ینافیه التعبیر بمن في الجواب أیضاً لإمكان ارادة التبعیض منه أیضاً أو یكون الجواب تتمیماً بعد ذیل جواب قطع البعض لا سیما انه قد غایر بین التعبیر القطع و النزع.
و الصحیح إلی موسی بن القاسم قال روی اصحابنا عن احدهما انه قال: (اذا كان في دار الرجل شجرة من شجر الحرم لم تنزع فإن أراد نزعها و كفّر بذبح بقرة یتصدق بلحمها علی المساكین) (1). و في الوسائل اسقاط الواو (نزعها كفر).
و خدش فیها تارة بالسند بالارسال بإختلاف تعبیر الراوي المذكور في الطریق عما لو عبر موسی بن القاسم عن اصحابنا عن احدهما فإنها تدل علی تعدد الراوي عن احدهما كما لو عبر (عن عدة من اصحابنا) بخلاف التعبیر الوارد في متن طریق الروایة مضافاً إلی أن ظاهر الروایة جواز نزع الشجرة سواء بالتكفیر قبل ذلك كما في نسخة اسقاط الواو أو بالتكفیر بعد النزع كما في نسخة التهذیب.
و یدفع كلا الخدشین اما الارسال فبتغایر التعبیر المذكور في المتن عن التعبیر (یروی بعض اصحابنا) فحمله علی الراوي الواحد و الطریق الواحد لا سیما مع عدم اعتباره خلاف دیدن تعابیر الرواة فلا أقل من كون هذا الطریق بمنزلة الطریق الحسن و هو كافي بالعمل عندنا.
1) نفس المصدر، ح3.
..........
اما الدلالة فهي محمولة علی موارد الاضطرار و الضرورة لدلالة ثبوت الكفارة علی أصل الحرمة فیها و قرینة علی حمل الجواز علی ذلك و الروایة نص في قلع الشجرة. و بمناسبة حجم الكفارة قرینة علی حجم الشجرة. و من ثمّ یقید اطلاق مصحح منصور بن حازم بالشجرة الصغیرة.
و قد یعكس أن ظاهر المصحح في الشجرة الصغیرة فتقید اطلاق روایة موسی ابن القاسم و قد جمع بین الروایات بطریق آخر بإن یقال أن القیمة لحرمة الحرم و الكفارة لأجل حرمة الاحرام و هذا بناء علی أن الحرمة من تروك الاحرام كما هي من تروك الحرم و لكن لا یخفی ضعف ذلك لعدم حرمة قلع الشجر في غیر الحرم علی المحرم إلاّ أن تكون الحرمة مغلظة علی المحرم في خصوص الحرم.
و الحاصل أن هذا الجمع لا شاهد له إلاّ التنظیر بباب الصید فالاحتیاط لا یترك.
(مسألة 283): إذا وجبت علی المحرم كفارة لاجل الصید في العمرة فمحل ذبحها مكة المكرمة، و إذا كان الصید في احرام الحج فمحل ذبح الكفارة منی(1).
و حكی عن المشهور ان كل ما یلزم المحرم من فداء فیلزم ذبحه أو نحره بمكة إن كان معتمراً و بمنی ان كان حاجّاً و هناك اقوال أخری عدیدة بتفصیل بغیر ذلك فعن الشیخ كفارة غیر الصید في العمرة تجوز بمنی بل عن الصدوق الأول التخییر في مطلق كفارة العمرة بین مكة و منی و عن ابن ادریس التفصیل في جزاء الصید بین عمرة التمتع و المفردة فالأولی بمنی و الثانية بمكة و مثله ابن حمزة و عن ابن براج ان جزاء غیر الصید في العمرة المفردة مخیراً بین مكة و منی و عن المقدس الاردبیلي و صاحب المدارك التفصیل بین جزاء الصید فیتعین التفصیل المشهور و بین غیره فیجوز في أي موضع و لو خارج الحرم. اما الاعلام المعاصرین فلهم تفصیلات أخری فبعضهم ذهب إلی التفصیل بین التمكن و عدمه و آخرون إلی لزوم ما علیه فإن لم یفعل و لو متعمداً أجزأه الفداء حیث كان و ثالث ذهب إلی جواز الفداء حیث شاء مطلقاً و ان تفصیل المشهور ندبي حتی في كفارة الصید.
و قد اشكل السید الخوئي علی الأخیر بأنه مباین للكتاب فلا یعتمد علی الروایات الدالة علیه أي قوله تعالی: «یا أَیُّهَا الذينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّیْدَ وَ أَنْتُمْ حُرُمٌ وَ مَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ ... هَدْیاً بالِغَ الْكَعْبَةِ» (1)الآیة فیتعین العمل بمفاد الآیة
1) المائدة: 95.
..........
و الروایات الدالة علی التفصیل في كفارة الصید.
و فیه: انه علی تقدیر وجود روایات دالة علی الجواز لأداء الكفارة في غیر الحرم فلیس مفادها مباین للكتاب بل غایة الأمر یحمل البلوغ للكعبة علی الاستحباب لعدم نصوصیة الآیة بالوجوب اذ لیس إلاّ ظهور هیئة الطلب من دون اذن في الترخیص ظهورها في الوجوب فیرفع الید عنه بالترخیص و لو بتوسط الروایات. هذا مع ان مفاد الآیة كون جزاء الصید مطلقاً في الحج و العمرة موضع فداؤه مكة فإستثناء الحج أیضاً مخالف لإطلاق الآیة إلاّ أن یراد من الكعبة مطلق الحرم و هو كما تری. إلاّ أن الصحیح كما سیأتي عدم دلالة الروایات علی الجواز مطلقاً بل غایة دلالتها الاجزاء كمفاد وضعي لا الجواز التكلیفي. بل الصحیح كما سیأتي دلالة الآیة علی لزوم الذبح في مكة تكلیفاً للتعبیر فیها بالمهدي و هو لبیت اللّه الحرام هذا و غایة مفاد الآیة الكریمة أن جزاء الصید متعمداً موضعه مكة، نعم في الآیة دلالة أخری و هو الأمر باتّخاذ الفداء حیث اصاب الصید ثمّ سوقه إلی الكعبة و ذلك لموضع كملة (بالغ) حیث انها تدل علی نهایة سیاق الهدي و هذا المفاد في الآیة سیأتي دلالة طائفة من الروایات علیه أیضاً و أما قوله تعالی: «وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ للّه فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَیْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَ لا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتّی یَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ» و الآیة الثالثة قوله تعالی: «هُمُ الذينَ كَفَرُوا وَ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَ الْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ یَبْلُغَ مَحِلَّهُ» (1)و الآیة و ان
1) الفتح: 48.
..........
كانت في مورد هدي السیاق إلاّ ان الآیة الثانية هي في هدي التحلل من الاحرام بسبب الحصر مع ان هدي السیاق غیر منحصر بما یساق عند عقد الاحرام، بل قد تقدم عموم دلالة الآیة في بلوغ الهدي محله و شموله لهدي حج التمتع و غیره من الهدي الواجب و عدم اختصاصة بهدي التحلل من الاحصار، و الآیة الرابعة قوله تعالی: «لَكُمْ فِیها مَنافِعُ إِلی أَجَلٍ مُسَمًّی ثُمَّ مَحِلُّها إِلَی الْبَیْتِ الْعَتِیقِ» (1)و تقریبها اجمالا و دلالتها كما تقدم في الآیات السابقة و ان المراد من البیت مطلق الحرم و الضمیر عائد إلی الانعام و القدر المتیقن منها و ان كان هدي السیاق إلاّ انه لا یبعد الاطلاق كما یظهر من الآیات المتقدمة للكفارات التي تساق من موضع اصابة الصید و كذلك الحال في الآیة الثانية فإن الهدي شامل لهدي كفارة الصید الذي یساق.
و الروایات الواردة في المقام علی طوائف.
الأولی: ما دل علی الفداء مطلقاً في أي موضع.
كموثق اسحاق بن عمار عن أبي عبد اللّه قال: قلت له الرجل یخرج من حجه و علیه شيء یلزمه فیه دم یجزیه أن یذبح إذا رجع إلی أهله؟ فقال: (نعم و قال: - في ما أعلم - یتصدق به) (2). و زاد الكلیني في طریقه قال اسحاق (و قلت لأبي إبراهیم الرجل یخرج من حجته ما یجب علیه الدم و لا یهریقه حتی یرجع إلی اهله؟ قال: یهریقه في أهله و یأكل منه الشيء ) (3).
..........
و لا یخفی ان هذه الموثقة غایة دلالتها علی اجزاء ذبح الهدي خارج الحرم - كما إذا رجع إلی أهله إذا لم یأت به في الحرم و لا تعرض لها للجواز التكلیفي نعم هي مطلقة من جهة الترك سواء كان عمدیاً أو لعذر و من ثمّ أوهم الاطلاق المزبور الجواز التكلیفي. و موثقة یونس بن یعقوب قال سألت أبا عبد اللّه عن المضطر إلی میتة و هو یجد الصید قال یأكل الصید و علیه فداءه قلت فإن لم یكن عندي قال فقال (تقضیه إذا رجعت إلی مالك) (1). و مفادها أخص من الروایة المتقدمة أي فیمن لا یتمكن من الفداء في المكان المخصص. نعم هي دالة علی إجزاء القضاء من دون اشتراط ذلك بعدم التمكن من النائب، و مثلها صحیحة منصور بن حازم (2)و في روایة أحمد بن محمد عن بعض رجاله عن أبي عبد اللّه قال من وجب علیه هدي في إحرامه فله ان ینحره حیث شاء، الا فداء الصید فإن اللّه عز و جل یقول: «هَدْیاً بالِغَ الْكَعْبَةِ» (3)و هي مضافاً لضعف السند قد تحمل علی التخییر في الحرم في مقابل التعین في مكة و لو بالتقید من الروایات الأخری بداخل الحرم لأن دلالتها بالاطلاق.
و مصحح علي بن جعفر عن أخیه موسی بن جعفر قال كل شيء خرجت [جرحت] من حجك فعلیه [فعلیك] فیه دم تهریقه حیث شئت) (4).
..........
و خدش في الروایة تارة بالسند لاشتمالها علی عبد اللّه بن الحسن العلوي و أخری بحمل الدلالة علی موارد ارتكاب السبب الندبي للكفارة و بان مضمون الروایة اعرض عنه المشهور لعدم القول بثبوت الكفارة في كل التروك و قد اجبنا عن الاشكالات الثلاثة كما مرّ.
و الروایة و ان كانت مطلقة إلاّ انها مخصصة بما ورد في الصید فإنه أخص و نسبته هي الخصوص المطلق مضافاً إلی ما سیأتي من الروایات الدالة علی فوریة اتخاذ هدي الصید من حیث صاده و تعین الهدي و اشعاره و سوقه و غایته بلوغ الهدي محله و هو منی في الحج و هذا المصحح غایة دلالته جواز التكفیر حیث شاء إذا خرج من اعمال الحج فلا تنافي ما دل علی لزوم التكفیر في الحرم بالتفصیل بین العمرة و الحج أثناء النسك لما ارتكبه من تروك و یكون مفادها حینئذ یقارب مفاد موثق اسحاق بن عمار الدال علی الاجزاء للذبح في أي موضع بعد خروجه من حجه.
و الطائفة الثانية : ما دل علی تقید كفارة الصید بموضع خاص و التفصیل بین العمرة و الحج. كصحیحة عبد اللّه بن سنان قال: قال أبو عبد اللّه (من وجب علیه فداء صید اصابه و هو محرم فإن كان حاج نحر هدیه الذي یجب علیه بمنی و ان كان معتمراً نحره بمكة قبالة الكعبة) (1)، و مثله مصحح زرارة (2).
و في مرسل أحمد بن محمد عن بعض رجاله عن أبي عبد اللّه قال من وجب علیه هدي في إحرامه فله ان ینحره حیث شاء الإفداء الصید فإن اللّه عز و جل
..........
یقول: «هَدْیاً بالِغَ الْكَعْبَةِ» (1). و هو دال علی تعیین موضع فداء الصید و إن لم یذكر فیه التفصیل كما أن صدره مؤید لمفاد الطائفة الأولی.
و في صحیح منصور بن حازم قال سألت أبا عبد اللّه عن كفارة العمرة المفردة أین تكون؟ فقال: (بمكة إلاّ أن یشاء صاحبها أن یؤخرها إلی منی و یجعلها بمكة احب اليّ و افضل) (2). و النسبة بین صحیحة منصور و الروایات المتقدمة هي العموم من وجه لان الصحیحة و ان كانت مختصة بالمفردة إلاّ أنها تعم الصید و غیره بینما الروایات السابقة تختص بالصید و تعم المفردة و المتمتع بها فالنسبة من وجه.
إلاّ ان الشیخ حمل صحیحة منصور بن حازم علی كفارة غیر الصید و قد یقال ان النسبة عموم و خصوص مطلق فصحیحة منصور بن حازم و ان كانت في العمرة المفردة إلاّ أنها تعم المتمتع بها لكون شرائط المتمتع بها هي شرائط المفردة إلاّ ما استثنی بالدلیل لا سیما و ان الجواب في الروایة مشعر بتعقب الحج للعمرة و لو بنحو الاتفاق و انقلابها متمتعاً بها بعد ذلك و علی ذلك فتكون صحیحة عبد اللّه بن سنان أخص مطلقاً و علی أي تقدیر فالمستفاد من هذه الروایة مطلوبیة المسارعة في أداء الكفارة و ان ادائها في مكة في العمرة من جهة الرجحان في المسارعة و بالتالي یظهر منها أن تعیین الموضع هو أمر تكلیفي مستقل لا قید وضعي.
و صحیحة معاویة بن عمار قال سألته عن كفارة المعتمر أین تكون قال بمكة
..........
إلاّ أن یؤخرها إلی الحج فتكون بمنی و التعجیل أحب اليّ) (1). و هذه الروایة حملت علی عمرة التمتع لتعقب العمرة بمنی أي الحج و من ثمّ قیل باضطراب المتن في صحیحة منصور بن حازم لأن المفردة لا یعقبها الذهاب لمنی.
و فیه أن المفردة في الاشهر الثلاثة یمكن ان یشاء الحج بعدها و بذلك تبین إطلاق صحیحة معاویة بن عمار لكل من المفردة و المتمتع بها و كذلك صحیحة منصور بن حازم مضافاً إلی ما مرّ سابقاً إلی ماهیة النسك بمقتضی ان عمرة التمتع تتضمن كل ما في المفردة إلاّ ما خصص بالدلیل.
الطائفة الثالثة: ما دل علی عموم تقیید الهدي الواجب بمنی أو مكة.
و في حسنة إبراهیم الكرخي عن أبي عبد اللّه في رجل قدم بهدیه مكة في العشر فقال (ان كان هدي واجباً فلا ینحره إلاّ بمنی و ان كان لیس بواجب فلینحر بمكة ان شاء و ان كان قد أشعره أو قلده فلا ینحر إلاّ یوم الأضحی) (2).
و هي و ان كانت مطلقة إلاّ أن موردها بعد تعین الهدي و اتخاذه و لا یبعد القول بالوجوب مطلقاً لمن دخل الحرم هدي أو اتخذ أو عین هدیا في الحرم أیضاً أن یلزم بذبحه في الحرم و لا یجوز اخراجه عنه بل من هذه الروایة. قد یتنبه إلی وجه مستقل أي إلی عنوان (هدي) هو ما یهدي لبیت اللّه الحرام فیصرف علی الفقراء عند البیت الحرام.
و لا ریب أن كفارة الصید قد اطلق علیها هدي فلا بدّ من بلوغ الكعبة . نعم
..........
بمقتضی ما تقدم من الطائفة الأخری لو ترك ذلك أي فعل الاهداء و التصدق به لبیت اللّه الحرام فیبقی علیه لزوم الدم إذا رجع إلی أهله و التصدق به علی الفقراء و یكون ذلك قضاءً قد فات منه بعض الواجب
و بذلك یتم الاستدلال بالآیة في الصید علی انها دالة علی لزوم الذبح بالحرم فیمكن التفصیل بین الصید و غیره بأن الواجب في كفارته الاهداء بخلاف ما ورد في كفارة غیر الصید بالتعبیر (ان علیه دم) من دون عنوان الهدي أو الاهداء.
و كذلك الحال لو اتخذ هدیا اداء لكفارة غیر الصید فیتعین علیه ذبحه في الحرم لحصول التصدق به لبیت اللّه الحرام.
و نظیر روایة الكرخي صحیح معاویة بن عمار (1)و صحیح شعیب العقرقوفي (2)و صحیح مسمع (3)و صحیح معاویة بن عمار الأخر (4). فانها كلها واردة في تعین الذبح في الحرم مكة أو منی بعد تعین الهدي، و مثلها حسنة عبد الأعلی قال: قال أبو عبد اللّه (لا هدي إلاّ من الإبل و لا ذبح إلاّ بمنی) (5). فان ظاهرها الحصر بالهدي لا مطلق الكفارة.
..........
و مثلها حسنة مسمع عن أبي عبد اللّه قال: (منی كله منحر) (1). و صحیحة حریز عن أبي عبد اللّه الواردة في كفارة كسر البیض قال (یتصدق به بمكة و منی) (2).
و صحیح محمد بن إسماعیل قال سألت أبا الحسن عن الظل للمحرم من أذی مطر أو شمس فقال: (أری أن یفدیه بشاة یذبحها بمنی) (3)و حمل الروایة علی الاستحباب بقرینة موثق إسحاق و نحوه المتقدم في الطائفة الأولی في غیر محله كما مرّ لان غایة مفاد موثق إسحاق هو الاجزاء لا الجواز مضافاً لكون مورده بعد تمام الاعمال أي لما لو أخر التكفیر بعد قضاء النسك.
و الظاهر تعدي المشهور عن مورد التظلیل لمطلق كفارة الحج معتضداً هذا التعمیم بما مرّ من استفادة الفوریة في الكفارة و عموم الآیة من بلوغ الهدي محله و ان الكفارة من شرائط التوبة و یجب فیها الفوریة مضافاً لما مرّ استظهاره من أن كفارة العمرة المفردة بل مطلقاً في الحرم مخیرة بین مكة و منی.
و في مرسلة الاحتجاج عن الریان بن شبیب في حدیث الجواد في مجلس المأمون قال (و اذا اصاب المحرم ما یجب علیه الهدي فیه و كان احرامه بالحج نحره بمنی و ان كان كان بالعمرة نحره بمكة ) (4)و رواه عنه ابن شعبة في تحف
..........
العقول (1)و رواه المفید في الارشاد و رواه علي بن إبراهیم عن محمد بن الحسن عن محمد بن عون النصیبي عنه و سیاقه و ان كان في الصید إلاّ انه قابل لتقریب الاطلاق.
و المحصل مما تقدم من الطوائف الثلاث تعین كفارة الصید في العمرة بمكة و كفارة الصید للحج بمنی. و أما كفارة غیر الصید فیتخیر بین مكة و منی في العمرة فیما لو تعقبت بالحج و إلاّ ففي مكة و یتعین منی في كفارات الحج، ثمّ ان هذا التعین عبارة عن وجوب الفوریة التكلیفية فلو عصی أو غفل و أخّر فیجزیه التكفیر و الذبح حیث شاء في كفارة غیر الصید و أما كفارة الصید فیجزیه في غیر الحرم ان لم یتمكن في الحرم كما في موثقة یونس بن یعقوب و غیرها المتقدمة، كما انه قد تقدم أن الهدي إذا تعین أثناء النسك بإن اشتراه و اتخذه فیجب نحره في الحرم و یكون من قبیل هدي السیاق الذي دلت الآیة علی لزوم ذبحه في محله من الحرم.
الطائفة الرابعة : ما دل علی لزوم كفارة الصید حیث صاد.
كصحیحة معاویة بن عمار قال: (یفدي المحرم فداء الصید من حیث أصابه) (2)
و صحیح محمد بن مسلم قال سألت ابا عبد اللّه عن رجل أهدي إلیه حمام أهلي جیء به و هو في الحرم محل قال (إن أصاب منه شيء فلیتصدق مكانه بنحو من ثمنه) (3).
..........
و صحیحة أبي عبیدة عن أبي عبد اللّه قال (إذا أصاب المحرم الصید و لم یجد ما یكفره من الموضع الذي أصاب فیه الصید قوّم جزاءه من النعم دراهم) (1).
و مرسلة المفید قال: قال : (المحرم یهدي فداء الصید من حیث صاده) (2).
و هذه الروایات لا دلالة فیها علی ذبح الصید من حیث صاده و إن أوهمت ذلك في الوهلة الأولی بل المراد منها وجوب اتخاذ الهدي و الفداء في المكان الذي أصابه فالتعبیر (یفدي) (و یهدي) أي یتخذ و یشتري و یعین الكفارة في حیوان یتصدق به و یهدیه إلی بیت اللّه الحرام، و بعبارة أخری فهناك واجبان أحدهما الفداء و التعویض للصید بصدقة الهدي. و ثانیها: ذبح الهدي و تقسیمه علی الفقراء نظیر ما سیأتي في هدي التمتع.. فروع: الأوّل: الظاهر كما ذكر العلامة و الشهید و غیرهما ان بدل الهدي في الصید أو غیره من الإطعام أو التصدق بالقیمة موضع أداءه موضع المبدل و كانه هو و كان المبدل فیه و یدل علیه التعبیر في صحیحة منصور بن حازم المتقدمة بلفظ (الكفارة) الشاملة إلی الهدي و لبدله و مثلها صحیحة معاویة بن عمار في المعتمر (3).
و كذلك صحیحة حریز عن أبي عبد اللّه قال (و ان وطئ المحرم بیضة و كسرها فعلیه درهم كل هذا یتصدق به بمكة و منی) (4)الحدیث.
(مسألة 284): إذا وجبت الكفارة علی المحرم بسبب غیر الصید فالأظهر جواز تأخیرها إلی عودته من الحج فیذبحها أین شاء و الافضل إنجاز ذلك في حجه، و مصرفها الفقراء، و لا باس بالأكل منها قلیلا مع الضمان(1).
و الثاني: في وقت الكفارة فقد حكی عن المنتهی أنه لا یختص بأیام النحر فیخرجها متی شاء كغیرها من الكفارات و یقتضیه اطلاق الادلة و ان كان فیها ما یشعر بالفوریة لا سیما قبل التحلل من الاحرام.
الثالث: لا یعتبر في هدي الكفارة شرائط هدي التمتع لإطلاق النصوص.
ثمّ ان المراد بلفظة (مكانه) في صحیحة محمد بن مسلم أي بدله لا الموضع المكاني.
و قد تبین مما مرّ حكم غیر الصید من كفارات العمرة و الحج و أن الواجب أدائها في الحرم علی التفصیل المتقدم فإن لم یفعل فیجزیه حیث شاء.
و أما مصرف الكفارة: فقد ذكر الماتن شرطیة الفقر كأكثر المعاصرین و خالف بعض أعلام العصر. و صرح بعض بشرطیة الإیمان بینما سكت آخرون عن التصریح به بل في الجواهر في هدي حج التمتع ان لم یكن الاجماع لا یعتبر فیه الإیمان خصوصاً مع الندرة في تلك الامكنة و الازمنة فیلزم اما سقوط وجوب الهدي أو تكلیف بالمحال و لیس هو كالزكاة التي یمكن فیها الانتظار علی أنه ورد ما یدل علی عدم إعطاء المشرك و علی جواز إعطاء الحروریة و ان لكل كبد حری أجر و لكن مع ذلك لا ریب في مراعاته مع الامكان كما ان الأولی منع المعلوم نصبه بل یعطی المستضعف أو مجهول الحال (1).
1) الجواهر 160 :19.
..........
و ذهب المعاصرون إلی تأخیر الكفارة إلی بلده إن لم یجد من یتصدق علیه من المؤمنین اما شرطیة الایمان فیمكن الاستدلال له بالاطلاق من صحیحة علي بن بلال كتبت إلیه أسأله هل یجوز أن ادفع زكاة المال و الصدقة إلی محتاج غیر اصحابي فكتب (لا تعطي الصدقة و الزكاة إلاّ لأصحابك) (1)صحیحة ابن سنان، عن أبي عبد اللّه أنه كره أن یطعم المشرك من لحوم الأضاحي (2). و مقابلة الصدقة للزكاة صریحة في ارادة عموم الصدقات الواجبة غیر الزكاة فیشمل الهدي الواجب سواء لهدي حج التمتع أو للتحلل أو الكفارات مضافاً للتعلیل الوارد في عدة روایات نظیر (لا ما لغیرهم إلاّ الحجر) (3)و كما في صحیحة ابن أبي یعفور في قوله ( لا و اللّه إلاّ التراب) (4).
و أما النواصب فقد تعددت الروایات في منعهم مطلقا و ظاهر الروایات ارادة سائر أقسام الناصب غیر المستضعف.
و أما ما في صحیحة هارون بن خارجة عن أبي عبد اللّه أن علي بن الحسین كان یطعم من ذبیحته الحروریة قلت و هو یعلم أنهم حروریة قال (نعم) (5)
..........
فلیس فیها تصریح بكونه في الحج فضلاً عن كونه في الهدي الواجب و مثلها صحیح أبي الصباح الوارد في لحوم الاضاحي و ان علي بن الحسین و أبي جعفر كانوا یتصدقان بثلث علی جیرانهم و ثلث علی السؤال (1).
و إما شرطیة الفقر و حكم الأكل فقد قال في المنتهی (و لا یجوز له الأكل من كل واجب غیر هدي التمتع)، و ذهب إلیه علماؤنا أجمع و في الحدائق حكی عن صاحب المدارك طرح روایات جواز الأكل عملاً بالاخبار الناهیة المعتضدة بإجماع الاصحاب و حمل صاحب الحدائق روایات الجواز علی التقیة و لا یخفی تلازم حكم المسالتين فإنه مع جواز الأكل لكل الذبیحة لازمه عدم لاشتراط الفقر في التصدق كما انه لازم جواز الأكل لابعاض الذبیحة أن الفقر في التصدق في ثلث الذبیحة بعد البناء علی وحدة الحكم مع هدي التمتع
و الذي ورد من الروایات...
الأولی: صحیح أبي بصیر قال سألته عن رجل أهدی هدیاً فانكسر فقال: إن كان مضموناً - المضمون ما كان في یمین یعني نذراً أو جزاء - فعلیه فداؤه، قلت أ یاكل منه فقال لا انما هو للمساكین فإن لم یكن مضموناً فلیس علیه شيء قلت: أ یأكل منه! قال یأكل منه) (2)و هي صریحة في تلازم حرمة الأكل مع شرطیة الفقر في المصرف و تلازم جواز الأكل و عدم الشرط المزبور إلاّ في الثلث و الروایة صریحة في التفصیل ما كان كان واجباً و هو المراد بالمضمون و بین ما كان ندباً و هو غیر
..........
المضمون
و قد رویت في الباب روایات عدیدة دالة علی جواز الأكل من المندوب و تقسیمه اثلاثاً و المراد من المندوب و الواجب ما كان سبب الاهداء مندوباً أو واجباً.
الثانية: صحیحة الحلبي قال سألت أبا عبد اللّه عن فداء الصید یأكل [صاحبه] من لحمه؟ فقال (یأكل من أضحیته و یتصدق بالفداء) (1)و مفادها مثل الصحیحة المتقدمة، و دلالتها ظاهرة بقوة في التصدق بجمیع الهدي لا التصدق في الجملة لان الاضحیة أیضاً مما یتصدق بها في الجملة فمن ثمّ بنی مشهور المتقدمین و المتأخرین علی المعارضة بین مثل هذین الصحیحین و نحوهما مما یأتي من الروایات مع ما دل علی جواز الأكل.
الثالثة: موثق عبد الرحمن عن أبي عبد اللّه قال سألته عن الهدي ما یؤكل منه؟ [أ شيء یهدیه في المتعة أو غیر ذلك] قال (كل هدي من نقصان الحج فلا تأكل منه و كل هدي من تمام الحج فكل) (2)و هي أیضاً مفصلة بین هدي الكفارة لأنه الذي یجب بسبب الخداش و الاجتراح لتروك الحج الذي یوجب نقصانه، و أما الهدي الذي من تمام الحج فهو الذي یتم نسك و اعمال الحج به و هو هدي التحلل و هو هدي التمتع و قد نصت الآیة بتثلیثه و كذلك الهدي المندوب. و المقابلة في هذه الموثقة ظاهر بقوة و صراحة في التصدق بجمیع الهدي و النهي التحریمي عن الأكل اذ الأكل من هدي التمتع كما سیأتي الأكل منه جائز أو راجح لا واجب.
..........
الرابعة: موثقة السكوني عن جعفر عن أبیه قال: (إذا أكل الرجل من الهدي تطوعاً فلا شيء علیه و ان كان واجباً فعلیه قیمة ما أكل) (1)و قد استدل بهذه علی الجواز و دفع القیمة و الصحیح إنها صریحة في الحرمة بل هي أصرح مما في الروایات الثلاث المتقدمة، و ذلك بدلالتها علی كون المأكول منه ملك للفقراء فله الحرمة الوضعية الملازمة للحرمة التكلیفية بحسب الطبع الأولی ما لم یكن هناك مسوغ، و من ثمّ لم یثبت الضمان فیما یأكل من هدي التمتع.
الخامسة: صحیحة حریز في حدیث یقول في أخره (ان الهدي المضمون لا یؤكل منه إذا عطب فان أكل منه غرم) (2)قد تضمنت الدلالة بنحوین علی الحرمة أي نحو دلالة الروایات الثلاث الأولی و دلالة الروایة الرابعة أیضاً و یمكن تقریب الدلالة، بنحو أصرح أیضاً بإن النهي عن الأكل إذا عطب أي كان في معرض التلف، فالتلف إذا لم یسوغ الأكل فهو مما یقتضی لزومیة الحكم.
السادسة: روایة أبي البختري عن جعفر عن ابیه (ان علي بن أبي طالب كان یقول لا یأكل المحرم من الفدیة و لا من الكفارات و لا جزاء الصید و یأكل مما سوی ذلك) (3).
اما ما دل علی الجواز:
الأولی: صحیحة الكاهلي عن أبي عبد اللّه قال : یؤكل من الهدي كله
..........
مضموناً كان أو غیر مضمون) (1).
الثانية: صحیحة عبد الملك القمي عن أبي عبد اللّه قال یؤكل من كل هدي نذراً كان أو جزاء) (2).
الثالثة : صحیحة جعفر بن بشیر، عن أبي عبد اللّه قال سألته عن البدن التي تكون جزاء الایمان و النساء و لغیره، یؤكل منها؟ قال: نعم یؤكل من كل البدن) (3).
و حمل الروایات الأولی علی الكراهة جمعاً بینهما و بین ما دل علی الجواز غیر متجه لما عرفت من ظهور الروایات الأولی بقوة و صراحتها في الحرمة و ان الضمان الوضعي فرع الحرمة فحمل الروایات المجوزة علی التقیة كما صنع المشهور متجه. و منه یظهر ما لو ارتكب الأكل لكان ضامناً.
شرائط الطواف
الطواف: هو الواجب الثاني في عمرة التمتع و یفسد الحج بتركه عمدا سواء أ كان عالما بالحكم أو كان جاهلا به و یتحقق الترك بالتأخیر إلی زمان لا یمكنه ادراك الركن من الوقوف بعرفات و الأحوط الاتیان باعمال العمرة المفردة للخروج من الإحرام و علی كلا التقدیرین، تجب إعادة الحج في العام القابل(1).
اما كونه ركناً اجمالاً فضلاً عن وجوبه فیدل علیه اطلاق قوله تعالی: «وَ أَذِّنْ في النّاسِ بِالْحَجِّ یَأْتُوكَ رِجالاً ... ثُمَّ لْیَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَ لْیُوفُوا نُذُورَهُمْ وَ لْیَطَّوَّفُوا بِالْبَیْتِ الْعَتِیقِ» (1)و اطلاق ما دل علی وجوبه من الروایات.
منها: الروایات البیانیة لماهیة الحج (2)و ابواب الطواف (3).
و منها: الروایات الناصة علی فرضیة الطواف في عموم النسك (4).
و منها: ما دل علی لزوم الاعادة في الخلل في الطواف و لو من جهة شرائطه.
..........
مضافاً إلی انه مقتضی القاعدة في الاجزاء و الشرائط مع اطلاقها الشامل لحالة العلم و الجهل و العمد و الغفلة كما حرر في بحث مركبات الشرعية في علم الأصول
قاعدة
في صحة النسك مع الخلل غیر العمدي في الطواف و السعي
و حكی الاجماع علی البطلان مع الترك عمداً و إن كان عن جهالة و استدل بالاضافة إلی ما مضی بالروایتین الآتیتین إلاّ أنه أشكل دلالتهما المحقق الاردبیلي و حمل الاعادة علی اعادة الطواف لا الحج و مال في الحدائق إلی حمل الروایة علی إعادة الطواف و أن عمدة الدلیل في العامد في إعادة الحج هو الاجماع فلم یلتزم بإعادة الحج في غیر العامد و تمسك بنفي البدنة و الاعادة بدلیل الرفع.
اما الروایتان فصحیحة علي بن یقطین (قال سألت ابا الحسن عن رجل جهل أن یطوف بالبیت طواف الفریضة، قال: إن كان علی وجه جهالة في الحج أعاد و علیه بدنه) (1)و روایة علی بن أبي حمزة قال: سئل عن رجل جهل ان یطوف بالبیت حتی رجع إلی أهله قال: إذا كان علی وجه جهالة أعاد الحج و علیه بدنة) (2)ثمّ أن في طریق الصدوق قال (سها أن یطوف) فالروایة علی الصورة الثانية محمولة علی الاستحباب لما دل علی صحة الحج مع السهو و النسیان و لا كفارة علیه إلاّ أن
..........
یواقع أهله لما دل (1)علی لزوم بعث الهدي في الناسي للطواف إذا واقع أهله و مفهومها عدم الكفارة مع عدم الجماع.
و في موثقة اسحاق بن عمار ( في المرأة تطوف و هي حائض و تقضي النسك ثمّ واقعها زوجها) فقال (علیها سوق بدنه و الحج من قابل...) (2)الحدیث.. إلاّ أنها في تعمد ترك الطواف، و علی أي تقدیر فصحیحة علي بن یقطین في الجهل بالحكم مع تعمد ترك الموضوع و لیست في الجهل في الموضوع و كذلك روایة علي ابن أبي حمزة في طریق الشیخ مع أن دلالة روایة علي بن یقطین بدرجة الظهور لا الصراحة لأن الاعادة تستعمل في الخلل في العبادات بقضاء الجزء المتروك بلحاظ أن محله قد فات الذي ینبغي أن یؤتی به فیه و أما روایة علي بن أبي حمزة فصورتها مختلفة كما عرفت.
و الحاصل:- ان اطلاقات ادلة جزئیة الطواف و ان اقتضت الركنیة إلاّ أن المقابلة بین ما ورد في الروایتین (3)في الناسي للطواف من صحة حجة و لزوم قضاء الطواف علیه خاصة لا یبعد الاستفادة منه عموم صحة الحج لتارك الطواف عن غیر عمد للنسیان أو للغفلة أو الجهل بالموضوع أو الجهل بتحقق الشرائط خارجاً. أي ان هذا البحث مطرد في كل شرائط الطواف بل السعي أیضاً من أن الخلل تارة من جهة الجهل بالحكم و أخری من جهة الجهل بالموضوع و انه هل یطرد ما ورد فی
..........
صحة النسك (1)مع نسیانها في مطلق الخلل من جهة الموضوع أي غیر العمد أو لا؟
و ظاهر كلمات المشهور ناصة علی اعادة الحج في العامد حتی انه قد استظهر من تقییدهم بالعامد خصوص العالم و احتیج في تعدیته إلی الجاهل إلی الاستدلال بالروایة المتقدمة أو تصریح بعضهم كالشیخ، فلا یظهر من كلماتهم في المقام بطلان النسك بالترك غیر العمدي و ان كان بسبب الجهل بالموضوع كجهله بوجود الحاجب علی اعضاء الوضوء فطاف بغیر طهارة
و قال الشیخ في الخلاف (2)لو طاف علی غیر وضوء و عاد إلی بلده رجع و أعاد الطواف مع الامكان فإن لم یمكنه استناب من یطوف عنه - إلی أن قال - دلیلنا اجماع الفرقة و اخبارهم و طریقة الاحتیاط.
و ذكر المحقق الاردبیلي في مسألة الطواف في الحجر انه بمنزلة تركه و ان البطلان مخصوص بالعامد دون غیره (3).
قال العلامة في التذكرة في ذیل مسألة الشك في الطواف (تذنیب و لو تحلل من إحرام العمرة ثمّ أحرم بالحج و طاف و سعی له ثمّ ذكر انه طاف محدثاً أحد الطوافین و لم یعلم انه طواف عمرة التمتع أو طواف الحج قیل یطوف للحج و یسعی له ثمّ یعتمر بعد ذلك عمرة مفردة، و یصیر حجة مفردة، لاحتمال أن یكون في طواف العمرة فیبطل و قد فات وقتها ، و أن یكون للحج، فیعیده فلهذا اوجبنا علیه
..........
إعادة طواف الحج و سعیه و الاتیان بعمرة بعد الحج، لبطلان متعته، قال بعض العامة و الوجه: انه یعید الطوافین، و لان العمرة لا تبطل بفوات الطواف (1).
و ذكر المحقق الاردبیلي أیضاً في مسألة الشاك في الطواف حیث یبطل طوافه و لا یستأنف للجهل بالحكم قال: ثمّ اعلم انه علی تقدیر وجوب الاعادة فالظاهر من الادلة أن ذلك مع الامكان و عدم الخروج من مكة و المشقة في العود... إلی أن قال: فلو وقع لشخص و خرج و لم یلتفت لا یمكن الحكم ببطلان طوافه ثمّ الحكم ببطلان حجة لأنه جاهل، و الجاهل كالعامد فیكون حجه باطلاً لترك الطواف الموجب لذلك فیكون باقیاً علی احرامه و یجب علیه اجتناب محرمات الاحرام و الذهاب لإعادة الحج - بمجرد ما رأی في بعض المواضع أن الجاهل كالعامد و أن من شك یجب اعادة طوافه خصوصاً إذا بنی علی الأقل و أكمل لما مرّ فتأمل (2).
و ممن ذهب إلی ذلك في مسألة الشك في الطواف صاحب المدارك و المجلسي في البحار و صاحب الحدائق، و المسألة كما تری خلل في الطواف حكمي، أي من ناحیة الجهل بالحكم فضلاً عن الخلل الموضوع الذي ارسل في كلام العلامة في التذكرة ارسال المسلمات أنه لا یوجب البطلان.
و سیأتي في مسألة الشك ذكر الروایات الدالة علی ذلك و انها طائفة ثانیة دالة علی صحة النسك مع الخلل في صحة الطواف و السعي سواء كان حكمیاً أو موضوعیاً إذا لم یكن ترك الطواف و السعي عمدیاً.
ثمّ انه اذا بطلت العمرة بطل احرامه أیضاً علی الأظهر(1).
و الأحوط الأولی حینئذٍ العدول إلی حج الافراد، و علی التقدیرین تجب إعادة الحج في العام القابل(2).
و قال الشهید في الدروس في أحكام الطواف، الأوّل: كل طواف واجب ركن إلاّ طواف النساء فلو تركه عمداً تبطل نسكه و إن كان جاهلاً.. إلی أن قال: و لو تركه ناسیاً عاد له فإن تعذر استناب فیه (1). و یظهر من عبارته أن مقابل النسیان و العمد، أي أن ما یقابل النسیان مطلق الخلل العمدي. و سیأتي تتمة لذلك.
و ذلك لما بنی علیه الماتن من كون الاحرام لیس من قبیل السبب و المسبب و انه معنی اعتباري یتوصل إلیه بالتلبیة و یقارن النسك كما في الطهارة المسببة عن الوضوء و هو الذي ذهب إلیه المشهور و هو المنصور كما تقدم في بحث الاحرام و القول الآخر الذي ذهب إلیه الماتن: هو ان الاحرام فعل من افعال النسك كتكبیرة الاحرام جزء من اجزاء الصلاة و تبطل لعدم تعقبها ببقیة الاجزاء و فوات المحل و من ثمّ التزم ببطلان احرام عمرة التمتع مع عدم الاتیان بأعمالها إلی الزوال من عرفة حیث یفوت محل التدارك و كذلك بطلان احرام الحج لفوات الموقفین أو بقیة اعمال الحج فیما لو انقضی شهر ذي الحجة، بخلاف عمرة المفردة حیث لا یفوت محلها و لو بتمادي الوقت فیبقی علی الاحرام.
قد تقدم (2)في بحث حج التمتع قاعدة فوات عمرة التمتع لمن فرضه التمتع
و یعتبر في الطواف أمور:
الأول: النیة، فیبطل الطواف إذا لم یقترن بقصد القربة(1).
و انتقال وظیفته إلی الافراد و ان كان مقصراً آثماً دخل في إحرام العمرة أم لم یدخل، ترك اعمال العمرة أو افسدها ثمّ انه یتبع حج الافراد بعمرة مفردة و یجتزي بذلك عن الفرض في خصوص إفساد عمرة التمتع، و قد یظهر من جماعة وجوب الحج علیه من قابل إما كعقوبة أو كإعادة استناداً إلی صحیح علی بن یقطین (1)المتقدم و روایة علي بن حمزة (2)و هما و ان كانتا في الجاهل بالحكم إلاّ انها تشمل العالم العامد بالاولویة و قد تقدم تأمل كل من المحقق الاردبیلي و صاحب الحدائق في ذلك بل في النافع (الطواف ركن لو تركه عامداً بطل حجه و لو كان ناسیاً أتی به و لو تعذر العود استناب فیه و في روایة لو [تركه] علی وجه جهالة أعاد و علیه بدنة) (3).
هذا و قد یتأمل في التمسك بالصحیحة المزبورة في كون موردها الحج لا العمرة و سیأتي للمقام تتمة.
و هي تارة بمعنی الفعل قصدیاً و أخری بمعنی كونه قربیاً و اعتبار الثاني لا محالة دال علی اعتبار الأول، و الأول یقع علی معاني أیضاً فتارة یراد منه الإنشاء و الاعتبار و أخری مجرد الالتفات و الصدور عن ارادة اختیاریة و المراد هاهنا هو قصد العنوان لان الحركة حول الكعبة قد تقع بغرض آخر كالتفرج أو المرور أو العبور
الثاني: الطهارة من الحدثین الاكبر و الاصغر، فلو طاف المحدث عمدا أو جهلا أو نسیانا لم یصح طوافه(1).
(مسألة 285): إذا أحدث المحرم أثناء طوافه فللمسألة صور:
الأولی: أن یكون ذلك قبل بلوغه النصف، ففي هذه الصورة یبطل طوافه و تلزمه إعادته بعد الطهارة.
الثانية: أن یكون الحدث بعد إتمامه الشوط الرابع و من دون اختیاره، ففي هذه الصورة یقطع طوافه و یتطهر و یتمه من حیث قطعه.
الثالثة: أن یكون الحدث بعد النصف و قبل تمام الشوط الرابع، أو
للطرف الآخر و نحوها فلا یصدق علیه طواف بالبیت لا سیما و قد ضُمّن الطواف بالبیت معنی اللواذ به (تعالی) و الاستعاذة به و الالتجاء إلیه و كل هذه المعاني و العناوین انشائیة و دواعي و اغراض تعنون الافعال الخارجیة.
و أما العبادیة فیدل علیه مضافاً إلی ذات معنی الحج و هو القصد إلیه تعالی أن معنی الطواف المتقدم حیث ان فیه اضافة ذاتیة للباري (سبحانه) و كذلك الاضافة في قوله تعالی: «للّه عَلَی النّاسِ حِجُّ الْبَیْتِ» (1)فضلا عن الضرورة.
و یدل علیه جملة من النصوص كصحیح معاویة بن عمار قال: قال أبو عبد اللّه : (لا بأس ان یقضي المناسك كلها علی غیر وضوء إلاّ الطواف بالبیت و الوضوء افضل) (2)و صحیح محمد بن مسلم قال سألت احدهما عن رجل
یكون بعد تمامه مع صدور الحدث عنه بالاختیار، و الأحوط في هذین الفرضین أن یتم طوافه بعد الطهارة من حیث قطع ثمّ یعیده، و یجزئ عن الاحتیاط المذكور أن یأتي بعد الطهارة بطواف كامل یقصد به الاعم من التمام و الاتمام. و معنی ذلك أن یقصد الاتیان بما تعلق بذمته سواء أ كان هو مجموع الطواف، أم هو الجزء المتمم للطواف الأول، و یكون الزائد لغوا(1).
طاف طواف الفریضة و هو علی غیر طهور، قال: (یتوضأ و یعید طوافه، و ان كان تطوعاً توضأ و صلی ركعتین) (1)و في صحیح عبید بن زرارة التصریح بنفي البأس عن طواف النافلة من دون وضوء دون صلاته.
و في صحیح علي بن جعفر أن الناسي للطهور یعید ما طافه (2)و غیرها من الروایات (3)و ما في روایة زید الشحام (4)من نفي البأس بالطواف بغیر وضوء اطلاقه محمول علی التفصیل السابق.
قاعدة: في موالاة الطواف
و في المسألة صور:
الأولی: صدور الحدث قبل بلوغه النصف و المحكي عن المشهور بطلان الطواف و لزوم إعادته بعد الطهارة ، و عن الصدوق ان الحائض تبني مطلقاً و إن
..........
كانت قبل النصف و الكلام تارة بحسب مقتضی القاعدة و أخری بحسب الروایات. فقد یقرر مقتضی القاعدة بإن الاصل عدم اعتبار الشرط المشكوك و هي الموالاة.
و بعبارة أخری: الاصل عدم مانعیة أو ناقضیة الحدث إذ ان شرطیة الطهارة غایة ما تقتضیه هو لزوم اتصاف الاجزاء بالطهارة لا لزوم اتصاف الاكوان المتخللة بالطهارة و الصحیح ان مقتضی القاعدة و ان كان أصالة عدم اعتبار الشرط المشكوك أو المانع أو الناقض المشكوك إلاّ أن مقتضی أخذ العدد في ماهیة المركبات كما في الطواف و الصلاة یقتضي اعتبار الهیئة الاتصالیة لان تقید الماهیة المركبة بالعدد موجب لظهور الكم في الاتصال، نعم غایة ذلك هو اعتبار الموالاة العرفية و قاطعیة الفصل الطویل زماناً أو الفصل البعید مكاناً. و لك ان تقول ان الهیئة الاتصالیة هي الموجبة لاجتماع عدد الاشواط في طواف متمایز عن طواف آخر و إلاّ لاختلطت اجزاء المجموعات، فالاتصال كالخیط الواصل بین اجزاء الخرز، اما القواطع التعبدية المشكوكة فلا بدّ من اقامة الدلیل علیها. و علی ذلك فلو لم یدل الدلیل علی قاطعیة المشكوك كما لو فرض ذلك في الحدث لكان غایة ما یلزم هو تجدید الطهارة في المطاف ثمّ البناء علی ما سبق بعد توفر الموالاة العرفية
فتحصل ان القاطع التعبدي انما تعتبر مانعیته في الاكوان المتخللة و ان كانت متصلة عرفاً. و یستدل للمشهور،
بالصحیح إلی جمیل و ابن أبي عمیر عن بعض اصحابنا عن أحدهما في الرجل یحدث في طوافه الفریضة و قد طاف بعضه قال (یخرج و یتوضی فإن كان جاز النصف بنی علی طوافه، و إن كان أقل من النصف أعاد الطواف) (1).
1) أبواب الطواف، ب40، ح1.
..........
و صورة الطریق في الكافي عن ابن أبي عمیر عن بعض أصحابنا عن أحدهما و أما صورته في التهذیب عن ابن أبي عمیر عن جمیل عن بعض اصحابنا عن أحدهما فلو بنی علی أضبطیة الكافي فالظاهر من البعض هو جمیل المصرح به في طریق الشیخ.
و علی أي تقدیر فالسند لیس بذلك الضعف و ذلك لأن التعبیر ببعض اصحابنا دال علی كونه من الإمامیة بل دال علی أنه ممن یعتاد أن یروي عنه من الامامیة، و لا سیما إذا كان الراوي عنه مثل جمیل بن دراج، و لا سیما في المقام بعد عمل القدماء بها و اعتضادها بجملة عدیدة من الروایات الآتیة في فروع الموالاة و القواطع و یعضدها خصوص ما رواه الصدوق عن ابن أبي عمیر عن بعض اصحابنا عن احدهما (1)و في طریق الشیخ عن ابن أبي عمیر عن جمیل عن احدهما (2)و اختلاف صورة الطریق كما تقدم في الكافي و التهذیب عن أحدهما في رجل یطوف ثمّ تعرض علیه الحاجة قال لا بأس أن یذهب في حاجته أو حاجة غیره و یقطع الطواف و ان أراد ان یستریح و یعقد فلا بأس بذلك فإذا رجع بنی علی طوافه. فإن كان نافلة بنی علی الشوط و الشوطین و إن كان طواف فریضة ثمّ خرج في حاجة مع رجل لم یبني و لا في حاجة نفسه (3)و في طریق الصدوق مثله إلی قوله ( فإذا رجع بنی علی طوافه و إن كان أقل من النصف) الحدیث (4).
..........
فلم یفصل بین النافلة و الفریضة . و اطلاق صورة المتن في طریق الصدوق محمول علی صورة التقیید في طریق الشیخ ثمّ ان مفاد الروایتین السابقتین صریح في التفصیل ما بین قبل النصف و بعده، و قد ذكر في مفاد الروایة الأولی احتمالین.
الأوّل: التعبد بناقضیة الحدث للاكوان المتخللة بین الاجزاء فقط كما هو الحال في الصلاة.
الثاني: اعتبار الموالاة كما ذهب إلیه المشهور، و بعبارة أخری: ان هناك مسالتين أحدهما مانعیة الحدث و الأخری الموالاة.
و فیه: لا مبانیة بین الاحتمالین بل ملازمة و الوجه في ذلك،
ان النقض و القطع في الاكوان المتخللة إنما یعتبر إذا اعتبرت تلك الاكوان لتحقیق الاتصال بین الاجزاء و بقاء الصورة المجموعیة بین الاجزاء و إلاّ فمع عدم اعتبار الاتصال لا لحاظ للاكوان حینئذ فلا یمكن لحاظ و لا صدق معنی القطع و النقض. و قد بین ذلك بوضوح في باب خلل الصلاة.
فالاتصال هو لحاظ الهیئة الاجتماعیة أي صورة العمل كوحدة مجموعیة قابلة للانمحاء و الانقطاع و الانتقاض و بذلك یكون مفاد الروایة و ما یأتي من النواقض و القواطع هو مفادان في الحقیقة احدهما اعتبار القاطع التعبدي، الثاني اعتبار الموالاة مفروغ عنها في الرتبة السابقة. و هي قابلة للانقطاع بالقاطع العرفي كالخروج عن المطاف بالابتعاد كثیراً أو بالقاطع التعبدي كالحدث و غیره.
بالالتفات لذلك استفاد المشهور مفاداً مشتركاً من روایات القواطع و النواقض و هو اعتبار الموالاة قبل النصف دون ما بعده و من ثمّ تكون شرطیتها كالكبری في موارد القواطع، و یحمل الاطلاق في بعض ادلة القواطع علی ما قبل النصف دون ما بعده بعد عدم اعتبار الموالاة في النصف الثاني فضلاً عن تصور
..........
القاطع و سیأتي في الفروع اللاحقة مزید من الادلة علی هذه الكبری.
لا یقال: أن من تمكن أن یتوضأ و هو في المطاف لا تنتقض الموالاة لدیه، و مع ذلك فهو ناقض للطواف و هو یقتضي تباین اعتبار مانعیة الحدث و ناقضیته عن اعتبار الموالاة.
فإنه یقال: أن معنی الناقض التعبدي هو ذلك أي ان الموالاة عرفاً و ان كانت محفوظة بین الاجزاء إلاّ أنه بالتعبد مرفوعة. و معنی الموالاة هو اشترط الهیئة الاتصالیة للطواف فالناقض للطواف ناقض للّهیئة فالتقابل إنما هو بین النقض و الاتصال.
فالتعبیر في الادلة بالنقض أو القطع دال بذاته علی اعتبار مقابله شرطاً في ماهیة المركب و مما یشیر إلی التفصیل المزبور صحیحة حمران بن أعین عن أبي جعفر قال سألته عن رجل كان علیه طواف النساء وحده، فطاف منه خمسة أشواط ثمّ غمزه بطنه فخاف أن یبدره فخرج إلی منزله فنفض ثمّ غشي جاریته. قال (یغتسل ثمّ یرجع فیطوف بالبیت طوافین تمام ما بقی علیه من طواف و یستغفر اللّه و لا یعود و ان كان طاف طواف النساء فطاف منه ثلاث أشواط ثمّ خرج فغشي فقد أفسد حجه و علیه بدنه و یغتسل ثمّ یعود فیطوف أسبوعاً) (1).
نعم في روایة عبید بین زرارة (أنه لو كان طاف أربعة یرجع فیطوف أسبوعاً) و هي متروكة الظاهر كما سیأتي أو مؤولة كما صنعه الشیخ في التهذیب و قد روی فی
1) أبواب كفارات الاستمتاع، ب11، ح1.
..........
الدعائم (1)روایتین دالتين علی نفس التفصیل المتقدم و قد ذكر فیهما عموم العذر من رعاف أو وجع أو حدث و ما اشبه ذلك.
و أما ما نسب إلی الصدوق من العمل بصحیحة محمد بن مسلم قال سألت أبا عبد اللّه عن امرأة طافت ثلاثة أشواط أو أقل من ذلك ثمّ رأت دماً قال: (تحفظ مكانها فإذا طهرت طافت و اعتدت بما مضی) (2)فأشكل علی دلالتها بأنها خاصة بالحائض و بأن مفادها عدم البطلان بالخلل بالموالاة لا عدم مانعیة و ناقضیة الحدث للطواف اذ اقل الحیض یستلزم التأخر بثلاثة أیام، و في كلا الاشكالین نظر.
أما الأوّل: فلأن طرو الحیض لا یوجب إخلال إلاّ من جهة فقد الطهارة المعتبرة في الطواف.
و أما الثاني: فقد تقدم ضعفه و ان القواطع انما یعتبر قطعها بعد مفروغیة اعتبار الموالاة. و الشیخ حمل مفاد الروایة علی النافلة و الموجب لحمل اطلاقها علی ذلك هو معارضتها بعدة من الروایات (3)الدالة علی التفصیل المتقدم أي بین النصف و ما بعده.
هذا مضافاً إلی معارضة ما تقدم من الروایات في خصوص المقام، و معارضة ما یأتي من الروایات في القواطع علی كبری التفصیل المزبورة.
الثانية: أن یكون الحدث بعد إتمامه الشوط الرابع و من دون اختیاره، ففي هذه الصورة یقطع طوافه و یتطهر و یتمه من حیث قطعه.
الثالثة: أن یكون الحدث بعد النصف و قبل تمام الشوط الرابع، أو یكون بعد تمامه مع صدور الحدث عنه بالاختیار، و الأحوط في هذین الفرضین أن یتم طوافه بعد الطهارة من حیث قطع ثمّ یعیده، و یجزئ عن الاحتیاط المذكور أن یأتي بعد الطهارة بطواف كامل یقصد به الاعم من التمام و الاتمام. و معنی ذلك أن یقصد الاتیان بما تعلق بذمته سواء أ كان هو مجموع الطواف الجزء المتمم للطواف الأول، و یكون الزائد لغوا (1).
و في هذه الصورة ثلاث جهات:
الأوّل: في تحدید النصف الذي علیه مدار التفصیل في اعتبار الموالاة و عدمه.
الثانية: في كیفیة الاحتیاط في الطواف.
الثالثة: في قطع الموالاة في النصف الثاني اختیاراً و لو من دون داعي راجح.
اما الأولی: فسیأتي في مسألة طرو المرض أو العلة أو العجز عن اتمام الطواف أن النصف هو النصف الحقیقي أي الكسري (ثلاثة و نصف) دون النصف الصحیح و هو الاربعة إلاّ أن ما ورد (1)في مسألة اختصار الطواف الآتیة من انه یلزم اعادة الشوط الذي أختصره و ان ذلك دال علی قاعدة في طبیعة الاشواط ان الموالاة في الشوط الواحد لا بدّ منها كما ذهب إلیه العلامة من إعادة الشوط الناقص من الأدلة إذا قطع لا من حیث قطع في موارد حدوث العذر و غیره و هذا
1) أبواب الطواف، ب31.
..........
هو سرّ الجمع بالتعبیر بین النصف و الاربعة في أغلب روایات القواطع و النواقض حیث أنها تفصل و تجعل المدار النصف و مع ذلك تجعل إتمام الاربعة مداراً، و بالتالي فلو حصل لدیه العذر قبل إتمام الأربعة فهو و إن تجاوز النصف من حیث مجموع الطواف إلاّ ان شوطه الرابع یبطل من رأس لأنه یعتبر تحقق الموالاة في الشوط الواحد و المفروض عدم تحقق الموالاة فیه فیكون حاله كمن اتی بثلاثة اشواط فقط فهذا وجه اقتران التعبیرین في الروایات في العدید من المسائل و من الموارد المتعددة لكبری التفصیل المتقدمة.
و یدل علی مجمل ما ذكرناه في خصوص المقام الصحیح إلی ابراهیم بن اسحاق عن من سأله ابا عبد اللّه (عن امرأة طافت أربعة أشواط و هي معتمرة ثمّ طمثت قال: تتم طوافها و لیس علیها غیره و متعتها تامة، و لها أن تطوف بین الصفا و المروة لانها زادت عن النصف و قد قضت متعتها، فلتستأنف مع بعد الحج، و إن هي لم تطف إلاّ ثلاثة اشواط فلتستأنف الحج) (1)و في نسخة (بعد الحج) فتری مع جعل المدار علی النصف و تصریحه بإن الاربعة زیادة علی النصف إلاّ أنه جعل مصداق الصحة هي الاربعة في قبال الثلاثة و علی ذلك لا بد من اتمام أربعة أشواط لتحقیق موالاة الطواف و إلاّ تعید من رأس.
الثانية: في كیفیة الاحتیاط: و قد ذهب إلی الكیفیة المذكورة في المتن جملة أعلام هذه العصر و وجه هذه الكیفیة هو الذي أشار إلیه الماتن إلاّ أن هذه الكیفیة لا تخلو من اشكال بناء علی مانعیة القران ذلك لاحتمال تحققه علی تقدیر صحة
1) أبواب الطواف، ب85، ح4.
..........
الطواف السابق و لزوم البناء علی ما مضی لان الزیادة سوف تكون قرانا.
ان قلت: ان الزیادة لم تقصد كطواف مستقل كي تحقق القران بل علی تقدیر عدم الأمر بالزیادة أي عدم الأمر بالاعادة لم یقصد المكلف أمر آخر جدید و انما الذي نواه هو خصوص الأمر بالفریضة فلا تقع الزیادة عبادة لعدم قصد أمر الأخر و هذا وجه آخر لعدم تحقق القران.
قلت: ان الظاهر من أدلة القران الآتیة هو تحققه بمجرد قصد الشواط الزائد فمن ثمّ یستحب اتمام الشوط الزائد اسبوعاً آخر فیما لو اتی به سهواً (1)مما یدل علی تحقق واقع القران و ان لم یقصد به الطواف المستقل و لم یقصد به عنوان الزیادة ما دام قاصداً لأصل الشوط.
و أما قصد العبادیة لهذا الشوط فقصد امر الفریضة لیس بنحو الحیثیة التقیدیة بل بنحو الداعي و ذلك بتحقق العبادیة بأدنی اضافة و ان كان منشأ الاضافة غیر مطابق للواقع.
و علی ذلك فصورة الاحتیاط المذكورة في المتن محتملة لإیجاد المانع المبطل فلا توجب الیقین بالفراغ بل صورة الاحتیاط الصحیحة هو ما ذكره المشهور من اتمام ما بیده من الطواف السابق ثمّ الصلاة ركعتین ثمّ الاتیان بأسبوع آخر مع ركعتیه.
الثالثة: و قد صرح جماعة باعتبار الموالاة في النصف الثاني أیضاً عند عدم العذر أو الداعي الراجح و لعل ذلك هو الاظهر لما تقدم من أن مقتضی القاعدة من الطواف المقید بالعدد الخاص هو الموالاة مطلقاً غایة الأمر رفع الید عن ذلك
1) مسألة: 314.
(مسألة 286): إذا شك في الطهارة قبل الشروع في الطواف أو أثنائه، فان علم أن الحالة السابقة كانت هي الطهارة و كان الشك في صدور الحدث بعدها لم یعتن بالشك، و الا وجبت علیه الطهارة و الطواف أو استینافه بعدها(1)
بالنصوص الدالة علی كفایة الموالاة للنصف الأول و موردها ظاهره أو منصرفه إلی موارد العذر الداعي الراجح لا الاختیار الاقتراحي العبطي فتعبیر الماتن بالاختیار محمول علی ذلك لا علی ما یقابل سلب الارادة.
الشك تارة قبل الطواف و أخری في اثنائه و ثالثة بعد الطواف.
أما الصورة الأولی: فیلزمه الطهارة ان لم یكن مستیقناً من قبل . و بعبارة أخری. ان كان لدیه استصحاب الطهارة فیحرز بها الشرط الوجودي، و إلاّ فاللازم علیه احرازها لان الشرائط الوجودیة في الافعال لا بدّ من احرازها بخلاف الموانع فإنه یكفي في احرازها أصالة العدم هذا فضلاً عما كان مستیقناً بالحدث السابق ثمّ شك.
الصورة الثانية: و هي ما لو شك في الاثناء فقد احتمل في الجواهر جریان قاعدة التجاوز و الفراغ في الاشواط السابقة ثمّ یلزمه التوضؤ للاشواط اللاحقة فیحرز الطهارة بالتعبد في الاشواط السابقة و بالوجدان في الاشواط اللاحقة نظیر جریان قاعدة الفراغ في صلاة الظهر عند الشك في الطهارة مع عدم الیقین السابق في الطهارة و یلزمه أیضاً التوضؤ لصلاة العصر.
و الصحیح أن جریان قاعدة التجاوز و الفراغ في الاثناء في الصلاة أو الطواف عند الشك في الطهارة متوقف علی دعوی مضی محل الطهارة و هو الوضوء قبل الصلاة كي یصدق عنوان التجاوز أو عنوان الفراغ من الاشواط السابقة و الركعات كذلك ، فیقرر أن الشرط هو الوضوء الذي هو السبب دون الطهور الذي هو المسبب
..........
و إلاّ فلو بنی علی أن الشرط هو الطهارة فلم یمضي محلها. بل الصحیح لو بنی علی ان الشرط هو الوضوء نفسه لأشكل مضی المحل لان محل الوضوء ما زال باقیاً لعدم اشتراط صحته بتعقب الصلاة أو الطواف بعده و ان اشترط في الصلاة و الطواف تقدم الوضوء علیها و لكن یمكن دفع الاشكال الأخیر بانه یتم لو أرید إجراء القاعدة في نفس الوضوء بخلاف ما لو أجریت في نفس الصلاة و الطواف بلحاظ الاجزاء الماضیة و حیث أن الصحیح شرطیة الطهارة فلا مجال لجریان القاعدة في الاثناء.
و لا یخفی ما في تمثیل صاحب الجواهر في المقام بصلاة الظهر و العصر من الفرق.
الصورة الثالثة: ما لو شك بعد الفراغ ففي كشف اللثام أجری استصحاب الحدث فیما كان متیقناً سابقاً أو لم یكن متیقناً بالطهارة مع أنه حكی عن العلامة في التذكرة و التحریر جریان قاعدة الفراغ بعد العمل، و لعل وجه منع جریان القاعدة بدعوی بقاء المحل كما لو شك في عدد الطواف بعد ان رفع الید عن الطواف و لكن كان واقفا في المطاف و لم یتخلل فاصل زماني طویل و لم یدخل في صلاة الطواف فمحل الطواف باقي مع عدم الفصل المكاني و الزماني و عدم الدخول في العمل المترتب.
و فیه: ان المحل و ان كان باقیاً بذلك في صور الشك الأخری الا انه في خصوص المقام و الفرض استیقانه بإتیان السبعة أي الفراغ من العمل و تمحض الشك في الشرط بخلاف الصور الأخری من الشك فانها لا یقین فیها بحصول العدد فلا یقین بالفراغ مع فرض عدم الفاصل.
(مسألة 287): إذا شك في الطهارة بعد الفراغ من الطواف لم یعتن بالشك، و ان كانت الاعادة أحوط، و لكن تجب الطهارة لصلاة الطواف(1).
(مسألة 288): إذا لم یتمكن المكلف من الوضوء یتیمم و یأتي بالطواف، و إذا لم یتمكن من التيمم أیضاً جری علیه حكم من لم یتمكن من أصل الطواف، فإذا حصل له الیاس من التمكن لزمته الاستنابة للطواف، و الأحوط الأولی أن یأتي هو أیضاً بالطواف من غیر طهارة(2).
قد تقدم الكلام حولها في الصور الثلاث نعم استثنی السید الخوئي ما لو علم بالجنابة ثمّ غفل فطاف ثمّ شك انه اغتسل قبل طواف ام لا ثمّ أحدث بالاصغر بعد الطواف، فان استصحاب الجنابة و ان لم یعارض قاعدة الفراغ في الطواف السابق الا انه یعارضها بلحاظ صلاة الطواف فانه یقتضي الاكتفاء بالغسل من دون وضوء فیتولد علم اجمالي اما بالبطلان للطواف السابق ان كان جنباً أو بطلان صلاته إن كان محدثاً بالاصغر فیجب علیه في خصوص هذه الصورة اعادة الطواف بعد الغسل و الوضوء.
ثمّ إن احتیاط الماتن وجهه ما تقدم في توجیه كلام كاشف اللثام.
أما مشروعیة التيمم عند العجز عن الوضوء فلعموم أدلته بدلا عن الوضوء لما هو مشروط بالطهارة، أما لو عجز عن التيمم فهو فاقد للطهورین فلیس لدیه ما یستبیح الطواف فتصل النوبة لمشروعیة الاستنابة للطواف لما سیأتي في مسألة العجز عن الطواف من مشروعیة الاستنابة (1).
و قد یتوهم ان الطواف به مقدم علی الطواف عنه.
1) أبواب الطواف، ب47.
(مسألة 289): یجب علی الحائض و النفساء بعد انقضاء أیامهما و علی المجنب الاغتسال للطواف و مع تعذر الاغتسال و الیاس من التمكن منه یجب الطواف مع التيمم، و الأحوط الأولی حینئذ الاستنابة أیضاً، و مع تعذر التيمم تتعین الاستنابة (1).
و فیه : ان الطواف به إن وجد الطهارة. و لا یتوهم مشروعیة الطواف به و ان لم یكن واجداً للطهارة لما ورد في الطواف بالمریضة التي لا تعقل و المغمی علیه انه یطاف بهما (1)و ذلك لان المغمی علیه و التي لا تعقل یمكن ایقاع الطهارة فیهما كالصبي نعم الاحتیاط الاستحبابي لا ضیر فیه.
حكی عن الفخر عن والده العلامة الاستشكال في مشروعیة التيمم و صحة الطواف من جهة حرمة اللبث في المسجد الحرام للمحدث بالاكبر.
و اجیب بأن التيمم إنما یشرع للطواف لفقد الماء فإذا شرع و أتی به یترتب علیه آثار الطهارة المائیة و منها جواز الدخول و اللبث في المسجد الحرام.
و قد یقرب اشكال العلامة بالدور فلا یتم الجواب المزبور و تقریره ان مشروعیة التيمم متوقفة علی الأمر بالطواف و الأمر بالطواف متوقف علی عدم حرمة اللبث في المسجد و ارتفاع الحرمة متوقف علی مشروعیة التيمم، فدار توقف الشيء علی نفسه. و الصحیح في الجواب عن ذلك أن الأمر بالطواف مباشر لیس متوقف علی عدم حرمة اللبث بل غایة الأمر هو تزاحم الأمر مع حرمة اللبث و لو في ضمن اجتماع الامر و النهي و التزاحم الملاكي لا التزاحم الامتثالي فعلی
1) أبواب الطواف، ب47، ح1 و ح4.
(مسألة 290): إذا حاضت المرأة في عمرة التمتع حال الإحرام أو بعده و قد وسع الوقت لأداء أعمالها صبرت إلی أن تطهر فتغتسل و تأتي باعمالها، و ان لم یسع الوقت فللمسألة صورتان:
الأولی: أن یكون حیضها عند إحرامها أو قبل أن تحرم، ففي هذه الصورة ینقلب حجها إلی الافراد، و بعد الفراغ من الحج تجب علیها العمرة المفردة إذا تمكنت منها.
ذلك فغایة تقدیم الحرمة لیس هو انعدام فعلیة الأمر بل سقوط تنجیزیة و عزیمیة الحكم، ففعلیة وجوب الطواف علی حالها و هي المسوغة للتیمم فحینئذ یترتب علیه جمیع آثار الطهارة المائیة التي منها استباحة الدخول للمسجد الحرام.
و قد یجاب أیضاً بما ذكره صاحب الجواهر بالنقض أو الاستشهاد بجواز الطواف للمستحاضة الكثیرة أو المتوسطة (1)بالطهارة المائیة مع كونها ناقصة غیر رافعة للحدث الاكبر و انما هي مبیحة، و قد یتأمل فیه باعتبار أن الطهارة المائیة للمستحاضة غیر مقیدة بالعجز أو بالامر بالطواف. و لكن یندفع بأن الطهارة المائیة الناقصة للمستحاضة لیست مطلوبة نفساً بنحو الندب النفسي المتعلق بالوضوء و الغسل التامین، فمشروعیة الناقص منها آتیة بالأمر بالطواف أیضاً فحالها حال التيمم و الحاصل ان الأمر بالطواف مباشراً و ان كان له بدل هو النیابة في الطواف المقید بالعجز عن الطواف مباشراً إلاّ أن الطواف مباشراً و هو المبدل لم تقید مشروعیته بالقدرة كما هو وتیرة عموم الابدال الاضطراریة فإن تقید البدل بالعجز
1) أبواب الطواف، ب91 و أبواب الاستحاضة، ب2 و3 و النفساء ب3.
الثانية: أن یكون حیضها بعد الإحرام، ففي هذه الصورة تتخیر بین الاتیان بحج الافراد كما في الصورة الأولی و بین أن تاتي باعمال عمرة التمتع من دون طواف، فتسعی و تقصر ثمّ تحرم للحج و بعد ما ترجع إلی مكة بعد الفراغ من أعمال منی تقتضي طواف العمرة قبل طواف الحج، و فیما إذا تیقنت ببقاء حیضها و عدم تمكنها من الطواف حتی بعد رجوعها من منی استنابت لطوافها، ثمّ أتت بالسعي بنفسها، ثمّ إن الیوم الذي یجب علیها الاستظهار فیه بحكم أیام الحیض، فیجری علیه حكمها(1).
لا یقتضي تقید المبدل بالقدرة.
و من ثمّ كان الأمر بالوضوء غیر مقید بالقدرة و وجدان الماء و أن تقید الامر بالتيمم بعدم وجدان الماء و العجز عن الوضوء و فیما نحن فیه الأمر بالطواف مباشراً مطلق غیر مقید بالقدرة و ان تقیدت مشروعیة النیابة في الطواف بالعجز عن الطواف مباشرة.
نعم الاحوط ان یستنیب و لو لدعوی أن الطواف مباشرة له بدلان الأوّل: الطواف بالطهارة الترابیة و الثاني الاستنابة بالطهارة المائیة أو لاحتمال عدم اباحة دخول المحدث بالاكبر بتوسط التيمم.
و أما ان لم یستطع التيمم كالمجروح و المتنجسه اعضائه فیتعین علیه الاستنابة كما سیأتي في ابدال الطواف مباشراً.
تقدم الكلام في هذه المسألة مفصلاً في فصل حج التمتع في المسألة الرابعة (1).
1) سند العروة الحج 226 :2.
(مسألة 291): إذا حاضت المحرمة أثناء طوافها فالمشهور علی أن طروء الحیض إذا كان قبل تمام أربعة أشواط بطل طوافها، و إذا كان بعده صح
و تقدم ان الاقوی هو التفصیل الذي هو في المتن و ان كان الاحوط بقائها علی المتعة في الصورة الثانية لا سیما في الفریضة.
اما لو كانت شاكة و هي صورة ثالثة: لم یتعرض لها الماتن، فالأقوی و الاظهر انها تحرم بنیة التمتع ثمّ تنظر فإن وسعها الوقت فهو إلاّ فتعدل إلی الافراد أو ینكشف لها ان علیها الافراد كما نصت علی ذلك بعض الروایات.
ثمّ ان الماتن أشار إلی انها إذا اختارت المتعة تؤخر الطواف و تسعی و تقصر ثمّ تقضي الطواف قبل طواف الحج و تعید السعي. و لعل تكرار السعي جمعاً بین ما دل (1)علی الأمر به قبل تقصیر العمرة، و ما دل علی أن الطامث لا تطوف بین الصفا و المروة كموثق عمر بن یزید (2)و صحیح الحلبي، و ان كان الاقوی حمل ما دل علی عدم سعیها علی ما لو عدلت إلی الافراد.
نعم في روایة سعید الاعرج (3)التعلیل بجواز طوافها بین الصفا و المروة لانها زادت في طوافها علی النصف بل في روایة أبي اسحاق صاحب اللؤلؤ انها تؤخر السعي و إن زادت في طوافها علی أربعة اشواط (4).
ما أتت به و وجب علیها إتمامه بعد الطهر و الاغتسال، و الأحوط في كلتا الصورتین أن تاتي بطواف كامل تنوی به الاعم من التمام و الاتمام، هذا فیما إذا وسع الوقت، و الا سعت و قصرت و احرمت للحج و لزمها الاتیان بقضاء طوافها بعد الرجوع من منی و قبل طواف الحج علی النحو الذي ذكرناه(1) .
التفصیل بطرو الحیض قبل النصف و بعده هو ما ذهب إلیه المشهور علی طبق الكبری التي بنوا علیها في سائر الموارد من اعتبار الموالاة في خصوص النصف الأول دون الثاني في موارد العذر أو الداعي الراجح، و قد تقدمت الروایات الدالة علی هذه الكبری جملة منها و تأتي جملة أخری في المسائل الآتیة مضافاً إلی تعدد الروایات في خصوص المقام بنحو یوجب الوثوق بالصدور علی أقل تقدیر إن لم یوجب الاستفاضة.
و منها: الصحیح إلی صفوان عن بن مسكان عن أبي اسحاق صاحب اللؤلؤ قال حدثني من سمع أبا عبد اللّه یقول في المرأة المتمتعة إذا طافت بالبیت أربعة أشواط ثمّ حاضت فمتعتها تامة و تقضي ما فاتها من الطواف بالبیت بین الصفا و المروة و تخرج إلی المنی قبل أن تطوف الطواف الآخر (1). و الروایة لیس فیها من یتوقف فیه إلاّ أبو اسحاق إلاّ أن الراوي عنه اثنین من اجماع و مفهومها بطلان الطواف قبل الأربعة.
و مثلها روایة سعید الاعرج و في طریقها إبراهیم ابن أبي اسحاق (2)و مثلها
..........
أیضاً روایة إبراهیم بن اسحاق عمن سأل أبا عبد اللّه . و الظاهر أنها الروایة المتقدمة (1).
و مثلها روایة أحمد بن عمر الحلال (2). مثلها روایة أبي بصیر (3)و لیس فیها من یتوقف فیه إلاّ سلمة بن الخطاب، و تضعیف النجاشي راجع إلی حدیثه لا إلی شخصه مع ان كتبه قد رواها الصفار و سعد و احمد بن ادریس و لم یستثنه القمیون و روی عنه أیضاً محمد بن یحیی العطار و محمد بن علي بن محبوب و علي بن إبراهیم القمي.
و هذه إن لم توجب وثاقته في نفسه فلا أقل من حسن حاله لا سیما أن الظاهر كونه في طریق لكتاب علی بن الحسن بن فضال، فتبین من مجموع الروایات المتقدمة أن جمیعها لیس في منتهی الضعف فهي ان لم تكن مستفیضة فلا أقل من الوثوق من الصدور، هذا مضافاً إلی ما عرفت أن هذه الروایة علی طبق الكبری للموالاة المعتبرة في الموارد المختلفة و یعضد الروایات الخاصة في المقام أیضاً موثق الفضیل بن یسار عن أبي جعفر قال إذا طافت المرأة طواف النساء فطافت أكثر من النصف فحاضت نفرت إن شاءت (4). حیث أن القدر المتیقن من دلالتها هو أصل صحة الطواف و ان لزم علیها الاستنابة في إتمامه . ثمّ ان ظاهر تلك الروایات مطلق
..........
لمن تتمكن من إتیان الطواف قبل الحج أو بعده ان كان حیضها بعد النصف. نعم في خصوص روایة إبراهیم بن أبي إسحاق عن سعید الاعرج أو عمن سأل أبا عبد اللّه قد تضمنت انها تطوف بین الصفا و المروة لانها زادت علی النصف و مقتضي هذا التعلیل إعطاء قاعدة ان الحائض انما تاتي بالسعي لو كانت قد أتت بما یزید علی نصف الطواف و انها لا تعید السعي بعد اكمال الطواف لكن تقدم في روایات تخییر من - حاضت بعد الاحرام قبل الطواف - بین المتعة و الافراد انها تسعی و تقصر و ان لم تأتي بشيء من الطواف و سیأتي لهذه المسألة تتمة اما الصدوق فقد استند إلی صحیحة محمد بن مسلم قال سألت أبا عبد اللّه عن امرأة طافت ثلاثة أشواط أو أقل من ذلك ثمّ رأت دماً، قال: تحفظ مكانها، فإذا طهرت طافت و اعتدت بما مضی) (1).
و هي مضافاً إلی كونها مطلقة تشمل طواف النافلة أیضاً فتخصص بما تقدم من الروایات (2)الخاصة في الفریضة، و من ثمّ حملها الشیخ الطوسي علی النافلة، و هي معارضة أیضاً بما دل علی بطلان الطواف بالحدث الاصغر قبل النصف إذ لا یحتمل الفرق بین الحدث الأكبر و الاصغر بعد كون منشأ القطع هو زوال الطهارة لا سیما و ان الحدث الاصغر غیر موجب لزوال الطهارة عن الحدث الأكبر بخلاف الحدث الاكبر.
هذا و ظاهر جملة من الروایات الدالة علی التفصیل كحسنة أبي بصیر و غیرها
(مسألة 292): إذا حاضت المرأة بعد الفراغ من الطواف و قبل الاتیان بصلاة الطواف صح طوافها و اتت بالصلاة بعد طهرها و اغتسالها و ان ضاق الوقت سعت و قصرت و قضت الصلاة قبل طواف الحج(1).
هو البناء من موضع القطع لا باستئناف الشوط المقطوع كما ذهب إلیه العلامة لدلالة الروایات (1)في اختصار الشوط بالحجر.
و نظیر روایات المقام في ذلك روایات الحاجة انه یتم طوافه من موضع القطع و جملة منها لا تخلو من ضعف السند و سیأتي في اختصار الشوط في الحجر بیان مسألة الموالاة في الشوط.
لا ریب في صحة طوافها و متعتها بمقتضی ما تقدم في المسألة السابقة مضافاً إلی موثق زرارة قال سألته عن المرأة طافت بالبیت قبل أن تصلی الركعتین قال: (لیس علیها اذا طهرت الا الركعتین و قد قضت الطواف) (2). و مثلها أبي الصباح الكناني (3).
و التعبیر ب- (قضت الطواف) ظاهر في طواف الفریضة.
و ظاهر الماتن أنها تؤخر السعي إلی ما بعد الطهر و الاتیان بصلاة الطواف فیما اذا تتمكن من ذلك قبل الحج و الا سعت و قصرت و من ثمّ تقضي الصلاة قبل طواف الحج و ذلك لبنائه علی شرطیة الترتیب بین الصلاة و السعي مع أن مقتضی
(مسألة 293): إذا طافت المرأة و صلت ثمّ شعرت بالحیض و لم تدر أنه كان قبل الطواف أو قبل الصلاة أو في أثنائها أو أنه حدث بعد الصلاة بنت علی صحة الطواف و الصلاة، و إذا علمت أن حدوثه كان قبل الصلاة و ضاق الوقت سعت و قصرت و اخرت الصلاة إلی أن تطهر و قد تمت عمرتها(1).
الترتیب هو تأخیر السعي كالصلاة فیما اذا لم تتمكن الا أن یبني علی قصور ادلة الترتیب حینئذ.
هذا و سیأتي عدم لزوم الترتیب بین الصلاة و السعي، مضافاً إلی شرطیة الموالاة الزمانية بین السعي و الطواف فاللازم علیها الاتیان موالاة بالسعي بعد الطواف و لو تمكنت من الصلاة قبل أعمال الحج، و یدل علیه صحیحة معاویة بن عمار قال سألت ابا عبد اللّه عن امرأة طافت بالبیت ثمّ حاضت قبل أن تسعی قال (تسعی) (1). و مثلها روایة عبد اللّه بن صالح (2). نعم في صحیح آخر لمعاویة بن عمار قال (فإذا طهرت فلتسعی بین الصفا و المروة) و قد یفهم منه الدلالة علی الترتیب بین السعي و صلاة الطواف و الا فإن الطهارة في السعي أمر مندوب لا یرفع الید عنه في قبال شرطیة الموالاة الزمانية بین السعي و الطواف و لو تمت الدلالة المزبورة في هذا الصحیح لكانت الصحیحة الاولی معارضة له و دالة علی عدم لزوم الترتیب.
فالاقوی العمل بالصحیح الأول لأنه علی مقتضي القاعدة كما تقدم.
لقاعدة الفراغ عند الشك و لو مع الغفلة مضافاً إلی استصحاب الطهارة
(مسألة 294): إذا دخلت المرأة مكة و كانت متمكنة من أعمال العمرة و لكنها أخرتها إلی أن حاضت حتی ضاق الوقت مع العلم و العمد فالظاهر فساد عمرتها، و الأحوط أن تعدل إلی العمرة المفردة، و لا بد لها من إعادة الحج في السنة القادمة(1).
(مسألة 295): الطواف المندوب لا تعتبر فیه الطهارة، فیصح بغیر طهارة، و لكن صلاته لا تصح إلا عن طهارة(2).
من الحدث و الخبث و لا یعارضه استصحاب عدم الطواف إلی حدوث الحدث لأن زمان الشك غیر محرز اتصاله بزمان الیقین لاحتمال تخلل الیقین التفصیلي بوقوع الطواف.
و أما الشق الثاني فقد تقدم حاله في المسألة السابقة.
قد تقدم (1)الكلام في هذه المسألة فیمن أفسد عمرته و أن الأقوی العدول إلی حج الافراد نعم في صورة العمد عن جماعة وجوب الحج من قابل عقوبةً فلاحظ.
و یدل علی ذلك صحیح عبید بن زرارة عن أبي عبد اللّه لا بأس أن یطوف الرجل النافلة علی غیر وضوء ثمّ یتوضأ و یصلي) الحدیث (2).
و في صحیح محمد بن مسلم قال سألت أحدهما عن رجل طاف طواف الفریضة و هو علی غیر طهور ؟ قال: (یتوضأ و یعید طوافه، و إن كان تطوعاً توضأ
(مسألة 296): المعذور یكتفي بطهارته العذریة كالمجبور و المسلوس، أما المبطون فالأحوط أن یجمع مع التمكن بین الطواف بنفسه و الاستنابة، و أما المستحاضة فالأحوط في حقها ان تعتبر الطواف بمنزلة صلاة واحدة و علیه یكون الطواف و صلاته بمنزلة الظهرین أو العشاءین فیجب علیها العمل بوظیفة الظهرین بالنسبة إلی الطواف و صلاته و بحسب احوالها المختلفة من (القلیلة و المتوسطة و الكثیرة).
الثالث: من الامور المعتبرة في الطواف: الطهارة من الخبث علی الأحوط، فلا یصح الطواف مع نجاسة البدن أو اللباس، و النجاسة المعفو عنها في الصلاة كالدم الاقل من الدرهم لا تكون معفوا عنها في الطواف علی
و صلی ركعتین) (1)، و مثلها روایات أخری في الباب الا أنه لا اطلاق فیها لنفي شرطیة الطهور عن الحدث الأكبر لان لسانها نفي الطهور عن الحدث الاصغر حتی مثل صحیح محمد بن مسلم، نعم الروایات (2)الواردة في الباب الدالة علی عدم الاعتداد بالطواف من دون وضؤ مطلقاً محمولة علی طواف الفریضة فحینئذ یكون ما دل علی مانعیة الحدث الأكبر في الطواف اطلاقه علی حاله شامل لطواف النافلة. و في كشف اللثام حكی عن التهذیب صحة طواف النافلة للجنب ناسیاً لعدم حرمة لبثه بسبب الغفلة (3).
الأحوط(1).
مقتضی القاعدة فیما یشترط فیه الطهارة هو استباحته بالطهارة العذریة سواء كانت مائیة او ترابیة.
و قد ورد في المستحاضة ما یدل علی ذلك كموثق عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه قال سألت ابا عبد اللّه عن المستحاضة یطؤها زوجها و هل تطوف بالبیت - إلی أن قال - (تصلی كل صلاتین بغسل واحد و كل شيء استحلت به الصلاة فلیأتها زوجها و لتطف بالبیت) (1).
و هي ناصة علی أن ما یستحل به الصلاة یستحل به الطواف و غیرها من الروایات (2).
و المراد من الروایة كما هو مقتضی القاعدة هو أن المستحاضة سواء القلیلة او المتوسطة او الكثیرة كما تستحل الصلاة بالوضوء او الغسل فكذلك لا بدّ لها من ایقاعها لاجل الطواف لان المستحاضة دائم الحدث كالمبطون و المسلوس، فلا بدّ لها - في استباحة احد الغایات الواجبة المشروطة بالطهارة - من ایقاعه لكل غایة و لا تكتفي بإیقاعه لغایة عن ایقاعه لغایة أخری لان الطهارة حكمیة و لیست حقیقیة فمع استمرار الحدث تنتقض الطهارة و غایة ما حصل التعبد الحكمي بوجودها هي لاجل الغایة التي وقعت لاجلها، فمن ثمّ توقع المتوسطة غسلاً واحداً لكل من الطواف و الصلاة كما استفید ذلك من ما ورد لمجموع صلاتها الیومیة مع
..........
ایقاع وضوء لكل غایة. و من ثمّ توقع الكثیرة غسلاً لكل غایة كما استفید ذلك من ما ورد من تكرارها الغسل لكل صلاة و الاكتفاء بغسل واحد لكلا الصلاتین انما هو بقدر ادائهما مع كونهما من فردي جنس غایة واحدة، بخلاف الطواف و الصلاة فإن مدتهما اكثر مع كونهما فردي غایتین مختلفتین. و كل هذا التحریر لمقتضی القاعدة مطابق لمقتضی الاحتیاط أیضاً و من ثمّ احتاط الماتن بذلك و تمام الكلام في بحث الطهارة.
اما المبطون فقد ذكر في كشف اللثام (1)انه یطاف عنه فلا یجزئه طهارته و الاصحاب قاطعون به و لعل الفارق هو النص و ذكر في القواعد في شرائط النیابة (و تجوز النیابة عن الغائب و المعذور كالمغمي علیه و المبطون و قال في كشف اللثام في ذیله و أما المبطون الذي لا یستملك الطهارة بقدر الطواف فذكره الشیخ و ابن حمزة و ابن إدریس و ابن البراج و غیرهم و الاخبار به كثیرة ثمّ ذكر الاخبار ثمّ ادرج الحائض التي ضاق وقتها او لم تتمكن من المقام حتی تطهر قال انها داخله فیمن لا یستمسك الطهارة اذا ضاق الوقت و الا لم یستنب للطواف الا اذا غابت فلا یطاف عنها ما دامت حاضرة و ان علمت مسیرها قبل الطهر (2)، و في الشرائع (و لا یجوز النیابة في الطواف الواجب للحاضر، الا مع العذر، كالاغماء او البطن و ما شابهها و یجب ان یتولی ذلك بنفسه . و لو حمله حامل فطاف به، أمكن ان یحتسب
..........
لكل منهما طوافه عن نفسه (1). و في السرائر: و المریض الذي یستمسك الطهارة فإنه یطاف به و لا یطاف عنه و ان كان مرضه مما لا یتمكن معه استمساك الطهارة... طیف عنه و یصلي هو الركعتین و قد اجزائه (2).
و قید في المستند العنوان بقوله فإن لم یتمكن من ان یحمله أحد لعدم استمساك طهارته المانع من دخول المسجد ففسر عدم استمساك الطهارة لا لفقد الطهارة الحدثیة بل بفقد الطهارة الخبثیة و نسب ذلك إلی المدارك و المفاتیح و شرحه.
و الروایات الواردة في المبطون:
كصحیح معاویة بن عمار عن أبي عبد اللّه (ان المبطون و الكسیر یطاف عنهما و یرمی عنهما) (3)و مثله صحیح حبیب الخثعمي (4). و قد رویت روایة بن عمار بطرق أخری صحیحة أیضاً عن أبي عبد اللّه قال: (الكسیر یحمل فیطاف به، و المبطون یرمی و یطاف عنه و یصلی عنه) (5)علی هذا الطریق قد یستظهر عبارة الروایة بمباشرة المبطون للرمي دون الطواف و الصلاة و ان كانت العبارة محتملة لتنازع فعل الرمي و الطواف للجار و المجرور فتكون النیابة في الأمور الثلاثة إلاّ ان تكرار الجار و المجرور في الفعلین الآخرین دون الأول یعطي ترجیح المعنی السابق
..........
و قد أحتمل غیر واحد من اعلام العصر أن ذكر المبطون هاهنا لیس عنواناً لفاقد الطهارة إذ هو لا یختلف عن المستحاضة لا سیما المتوسطة و الكثیرة بل هو (المغلوب علیه) العاجز عن الطواف لا من جهة أن طهارته ناقصة و استشهدوا لذلك بعدة قرائن أیضاً:
منها: عطف الكسیر علیه. و منها أن في عدة روایات ذكر النیابة عنه في الرمي.
و منها: النیابة عنه في الصلاة مع أن الصلاة تجزي بالطهارة العذریة.
و منها: ما ذكر في روایات أخری عنوان المریض المغلوب علیه في قبال المغمي علیه و هو ینطبق علی كلا من المبطون و الكسیر فیما اذا كانا عاجزین.
و منها: ما في صحیحة یونس بن عبد الرحمن عن البجلي قال: سألت ابا الحسن او كتبت إلیه عن سعید بن یسار انه سقط من جمله فلا یستمسك بطنه أطوف عنه و اسعی؟ قال: لا، و لكن دعه فإن برئ قضی هو و الا فاقض أنت عنه) (1)و هي صریحة في كون النیابة في العجز لاقتران النیابة في السعي عنه في السؤال.
و منها: أن جهة العجز في المبطون قد تتصور من جهة تلویث المسجد الحرام و قد عرفت تصریح النراقي انه المراد من الطهارة الخبیثة اللازمة لدخول المسجد و من ثمّ كان الاوفق للمبطون استظهار المعنی الثاني و انه مراد المتقدمین و استظهار متأخري الاعصار من كلمات المتقدمین الاحتمال الأول لیس التام.
1) أبواب الطواف، ب45، ح3.
الرابع: من الأمور المعتبرة في الطواف: الطهارة من الخبث، فلا یصح الطواف مع نجاسة البدن أو اللباس، و النجاسة المعفو عنها في الصلاة كالدم الأقل من الدرهم لا تكون معفواً عنها في الطواف علی الأحوط(1).
و حكی ذلك عن الشیخ و الاشهر و خالف فیه ابن جنید بالكراهة و استظهر ذلك من ابن حمزة و نسب ذلك إلی جماعة من متأخري المتأخرین و یدل علی الحكم موثقة او مصححة یونس بن یعقوب قال قلت لأبي عبد اللّه رأیت في ثوبي شیئاً من دم و أنا اطوف قال: (فأعرف الموضع ثمّ أخرج فاغسله ثمّ عدّ فابن علی طوافك) (1).
و مثلها روایة الشیخ عنه (2)في الصحیح إلی ابن أبي نصر عن بعض اصحابه عن أبي عبد اللّه قال قلت له رجل في ثوبه دم مما لا تجوز الصلاة في مثله، فطاف في ثوبه، فقال: (أجزأه الطواف، ثمّ ینزعه و یصلّی في ثوب طاهر) (3)و استظهر منه المعارضة لمعتبرة یونس المتقدمة لدلالته علی صحة الطواف مع النجاسة و من ثمّ قیل انها مهجورة العمل عند الاصحاب مضافاً لضعفها بالارسال.
و فیه: لا دلالة في الروایة علی كون الفرض في الطواف مع العلم و العمد أي مع الالتفات إلی النجاسة غایة الأمر انها مطلقة أو فقل ان للاطلاق موجب لانسباق الالتفات إلی النجاسة و لكن یرفع الید عن الاطلاق بالمعتبرة السابقة، و من ثمّ دعوی الهجران من الاصحاب في غیر محلها بعد تقید اطلاقها بصورة الجهل
..........
و نحوه.
و أما الارسال فهو لیس في منتهی درجات الضعف من الارسال اذ التعبیر دال علی كون الواسطة امامیا بل دال علی كونه ممن یعتاد البزنطي الروایة عنه أي من مشایخه في الروایة فالروایة لا تقل عن درجة الحسن و هذا كافي في العمل بها لا سیما بعد تأیدها - بلحاظ تضمنها وحدة شرائط الصلاة مع شرائط لباس الطواف - بصحیحة حریز المتقدمة في ثوبي الاحرام - (كل ثوب تصلی فیه فلا بأس ان تحرم فیه) (1)مضافاً إلی الروایات الأخری الدالة علی مانعیة الحریر و غیره في ثوبي الاحرام (2)و هي و ان كانت واردة في شرائط الاحرام لا شرائط لباس الطواف الا انها لا تخلو من تأیید و إشعار مضافاً إلی انفهام هذا الارتكاز من سؤال السائل من معتبرة یونس ایضا ابتداراً منه و تقریره لارتكاز السائل بل ان العنوان الموجود في مرسل البزنطي هو عنوان ما لا تجوز الصلاة فیه و هو یقتضي ان حدود الشرط في العبادتین واحدة اطلاقا و تقییداً و ان التدبر في مرسلة یونس بن یعقوب یقتضي عدم شرطیة الطهارة من دم الجروح و القروح و ذلك لعدم تأتی اطلاقها له كما لا یخفی اذ یعاود التلوث الثوب بالجروح بل الغسل یوجب زیادة النجاسة فیه.
الثاني: ما یعفی عنه في الصلاة مما یكون دون الدرهم فمرسل البزنطي دال علی العفو عنه و یؤید بصحیح حریز المتقدم حیث ان ثوبي الاحرام یجوز ان یكون
(مسألة 297): لا باس بدم القروح و الجروح فیما یشق الاجتناب عنه، و لا تجب إزالته عن الثوب و البدن في الطواف إذا كان الوقت ضیقا، كما لا باس بالمحمول المتنجس، و كذلك نجاسة ما لا تتم الصلاة فیه(1).
(مسألة 298): إذا لم یعلم بنجاسة بدنه أو ثیابه ثمّ علم بها بعد الفراغ من الطواف صح طوافه، فلا حاجة إلی إعادته، و كذلك تصح صلاة الطواف إذا لم یعلم بالنجاسة إلی أن فرغ منها(2).
فیهما الدم دون الدرهم لكن ادّعی الاطلاق في معتبرة یونس المتقدمة و هو لا یخلو من تأمل لما تقدم و إن كان أحوط. و لا سیما و أن ارتكاز السائل في محدودیة الدم هو بلحاظ الطهارة التي تعتبر في الساتر الصلاتي.
الثالث: نجاسة الثوب الذي ما لا تتم فیه الصلاة، و قد تبین مما مرّ عدم اطلاق معتبرة یونس لان الظاهر من الثوب فیها هو الذي یتم الصلاة فیه فضلاً عن مرسلة البزنطي و كذلك صحیحة حریز.
الرابع: الطواف في المحمول المتنجس فقد توسع في الظرفیة (في) في باب الصلاة أي عنوان (الصلاة في المتنجس) صادقة و لو كان محمولاً و أما في المقام فكل من مرسلة البزنطي و معتبرة یونس موردهما الثوب الملبوس فعلاً و لا دلیل علی التوسعة الا ما قد یستشعر من ما عبّر في ثوبي الاحرام في صحیحة حریز (كل ثوب تصلی فیه فلا بأس أن تحرم فیه) و لكن موردها الثوب الملبوس فلا اطلاق في الادلة للشمول للمحمول.
قد تقدم الكلام في المسألة السابقة.
لدلالة كلا من معتبرة یونس و مرسلة البزنطي علی صحة الطواف مع الجهل بالنجاسة إما الصلاة فلقاعدة لا تعاد.
(مسألة 299): إذا نسي نجاسة بدنه أو ثیابه ثمّ تذكرها بعد طوافه صح طوافه علی الأظهر، و ان كانت إعادته أحوط، و إذا تذكرها بعد صلاة الطواف أعادها(1).
(مسألة 300): إذا لم یعلم بنجاسة بدنه أو ثیابه و علم بها أثناء الطواف أو طرأت النجاسة علیه قبل فراغه من الطواف فان كان معه ثوب طاهر مكانه طرح الثوب النجس و اتم طوافه في ثوب طاهر، و ان لم یكن معه ثوب طاهر فان كان ذلك بعد إتمام الشوط الرابع من الطواف قطع طوافه و لزمه الاتیان بما بقي منه بعد إزالة النجاسة، و ان كان العلم بالنجاسة أو طروها علیه قبل اكمال الشوط الرابع قطع طوافه و ازال النجاسة و یأتي بطواف كامل بقصد الاعم من التمام و الاتمام علی الأحوط(2).
قد تقدم تقریب تطابق الشرطیة في ساتر الصلاة مع ساتر الطواف و هو یقتضي الاعادة هنا، و بعبارة أخری ان معتبرة یونس و مرسل البزنطي دالان علی اعتبار شرطیة الطهارة غایة الأمر قد دلتا علی التقید بما عدا الجهل فتدبر فإنه قد یقرب عدم الاطلاق في دلالتهما الا في صورة العلم و العمد و علی أي تقدیر فالاحتیاط لازم.
و أما صلاة الطواف فالاعادة لما دل علی إعادة ناسي النجاسة.
ظاهر معتبرة یونس اطلاق الصحة بالخروج من المطاف لتدارك طهارة الثوب ثمّ البناء علی ما تقدم من طوافه الا ان الصحیح عدم الاطلاق فیها لانها لیست في صدد بیان الصحة و عدمها من جهة الموالاة بل هي في صدد بیان الصحة من جهة ما مضی من الجهل بالنجاسة و الارشاد إلی تدارك الشرط فیما یأتي فلا یرفع الید عن كبری الموالاة المتقدمة في مسألة (285) و قد تقدم ان التفصیل مداره
الرابع: الختان للرجال، و الأحوط بل الأظهر اعتباره في الصبي الممیز أیضاً إذا أحرم بنفسه. و أما إذا كان الصبي غیر ممیز أو كان إحرامه من ولیه فاعتبار الختان في طوافه غیر ظاهر و ان كان الاعتبار أحوط(1).
علی تمام الاربع و ان الاحتیاط بتكرار الطواف مع الفصل بالصلاة.
تتمة
هل یشترط في ساتر الطواف كل ما اعتبر في ثوبي الاحرام من شرائط ام لا؟
لا یخلو الأول من قوة مع العمد.
و لم نقف في كلمات الاصحاب علی من نبه علی اعتبار كل شرائط ثوبي الاحرام في ساتر الطواف مثل كونه مما یؤكل لحمه و عدم كونه من الحریر الخالص و غیرها من شرائط الصلاة في ثوبي الاحرام.
و یمكن تقریب اعتبارها في ساتر الطواف بوجهین:
الأوّل: بالاستظهار من صحیحة حریز المتقدمة بتقریب أن ساتر الطواف هو ثوبي الاحرام و قد تقدم امكان التفكیك بینهما.
الثاني: أن لبس ما لا یجوز في ثوبي الاحرام منهي عنه بالنهي التكلیفي كالحریر و الذهب و النجاسة و لا یبعد ذلك فیما لا یؤكل لحمه و ذلك لان لسان صحیحة حریز المتقدمة هو نفس لسان الوارد في النهي عن المخیط و الحریر و حیث یحرم لبس الفاقد للشرائط في ثوبي الاحرام فیكون الساتر في الطواف منهي عنه فیلزم اجتماع الامر و النهي فیشكل صحة الطواف مع العمد.
و ظاهر عبائر جملة من المتقدمین و المتأخرین في اطلاق اعتباره في الذكر رجلاً كان أو صبیاً ممیزاً كان ام غیر ممیز، نعم عن الشهید في الدروس التقیید بالرجل و خالف في اصل الوجوب ابن ادریس الحلي و السبزواري و قواه النراقي فی
..........
المستند. و الروایات الواردة في المقام تقتضي الاطلاق كما في صحیح معاویة بن عمار عن أبي عبد اللّه قال: (الاغلف لا یطوف بالبیت، و لا بأس أن تطوف المرأة) (1)و الاغلف لغة صادق علی مطلق الذكر، و قد تقید دلالة هذه الصحیحة بقرینتین:
أحدهما: ان الخطاب (بلا یطوف) انما یتوجه لمن یطوف بنفسه و یحرم كذلك.
ثانیها: أن المقابلة في الروایة مع المرأة تقتضي أخذ الرجل و كلتیهما محل نظر.
اما الأولی: فإن الخطاب ارشادي للشرطیة كما هو ظهور الادلة في المركبات فمن ثمّ لم یجعل نهیاً استقلالیاً و انما هو للارشاد للمانعیة مع أن التعبیر المزبور شامل للطواف مباشرة و لمن یطاف به و لمن یوقع الطواف فیه و لمن یطوف نیابة، كما هو الحال في ألسن شرائط الطواف الأخری كلا یطوف الا علی وضوء.
و أما الثانية: فإن المقابلة بالمرأة كنایة عن تقابل الجنسین كما هو الحال في بقیة الشرائط في الحج و غیره.
و في صحیح حریز عن أبي عبد اللّه قال: لا بأس أن تطوف المرأة غیر المخفوضة فأما الرجل فلا یطوف الا و هو مختتن (2).
و في موثقة حنان بن سدیر قال: سألت أبا عبد اللّه عن نصراني اسلم و حضر الحج و لم یكن اختتن. یحج قبل أن یختتن؟ قال: لا. و لكن یبدأ بالسنة (3).
(مسألة 301): إذا طاف المحرم غیر مختون بالغا كان أو صبیا ممیزا فلا یجتزي بطوافه، فان لم یعده مختونا فهو كتارك الطواف یجری فیه ماله من الاحكام الآتیة(1).
(مسألة 302): إذا استطاع المكلف و هو غیر مختون فان أمكنه الختان و الحج في سنة الاستطاعة وجب ذلك، و الا أخر إلی السنة القادمة، فان لم یمكنه الختان أصلا لضرر أو حرج أو نحو ذلك فاللازم علیه الحج، لكن الأحوط أن یطوف بنفسه في عمرته و حجه و یستنیب أیضاً من یطوف عنه و یصلي هو صلاة الطواف بعد طواف النائب(2).
الخامس: ستر العورة حال الطواف علی الأحوط، و یعتبر في الساتر
و المقابلة في صحیحة حریز بین المرأة و الرجل المراد بها المقابلة بین الجنسین، و لو سلّم قصور ظهورها عن الشمول للصبي فصحیحة معاویة بن عمار كافیة.
كما هو مقتضی الشرطیة. و تقدم ان الشرط عام لمن یطاف به او یوقع الطواف فیه كالرضیع.
تعرض الماتن إلی صورتین الأولی: ان لم یمكنه الختان في سنة الاستطاعة و حكم بوجوب تأخیره إلی السنة القادمة لعدم تحقق الاستطاعة علی افعال الحج بعد عدم دلیل علی مشروعیة النیابة في الطواف عنه، و هو لا یخلو من نظر و منع، لعموم مشروعیة النیابة في الطواف لغیر القادر كفاقد الطهورین كما سیأتي. هذا مع ان التأخیر إلی السنة القادمة قد یفوّت الاستطاعة مضافاً إلی عدم الفرق مع الصورة الثانية و هي ما لو لم یتمكن من الختان أصلاً لضرر و حرج فإن دلیل النیابة في هذه الصورة هو بنفسه دلیلاً لمشروعیة النیابة في الصورة الأولی، نعم الأحوط استحباباً ان یطوف بنفسه ایضا و أما صلاة الطواف فیأتي بها بنفسه بعد طواف
الاباحة. و الأحوط اعتبار جمیع شرائط لباس المصلي فیه(2).
النائب و لا یبعد أن یأتي بها النائب لما سیأتي من أن صلاة الطواف من الواجبات المستقلة المسببة عن ایقاع الطواف الواجب كما ذهب إلیه المشهور.
ذهب إلیه الشیخ و ابن زهرة، و العلامة في القواعد، و كذا الاصباح. و توقف العلامة في المختلف، و استجوده في المدارك. و استند في ذلك إلی الواقعة المستفیضة بین الفریقین في كتب السیر و الآثار و هي ابلاغ سورة براءة بتوسط امیر المؤمنین علی بن أبي طالب و كان من جملة ما حمله النبي ابلاغه في منی ان لا یحج بعد هذا العام مشرك و أن لا یطوف بالبیت عریان. و قد عقد صاحب الوسائل باباً لذلك قد اورد فیها جملة من الروایات اكثرها مراسیل من تفسیر النجاشي . نعم روی علي بن إبراهیم في تفسیره عن أبیه عن محمد بن الفضیل عن الرضا قال: (قال أمیر المؤمنین إن رسول اللّه امرني عن اللّه أن لا یطوف بالبیت عریانا و لا یقرب المسجد الحرام مشرك بعد هذا العام) (1).
و محمد بن الفضیل في الطریق مردد بین محمد بن القاسم بن فضیل بن یسار النهدي الثقة، و بین محمد بن الفضیل بن كثیر الازدي الصیرفي المرمي بالغلو و الضعف. و قد ذكر في جامع الرواة أن الذي یروي عن أبي الصباح الكناني عن الصادق كثیراً هو الثقة. و قد روی علي بن إبراهیم الروایة السابقة علی هذه الروایة بنفس السند عن محمد بن الفضیل عن أبي الصباح الكناني عن الصادق نفس مضمون الواقعة و إن لم یصرح فیها بالنهي عن طواف العریان،
1) أبواب الطواف، ب53، ح2.
..........
الا أنه قد صرح فیها بأن سنة العرب قبل أن یمنعوا هي الطواف بالبیت كذلك لمن افتقد الثیاب. مع أن الأقوی في الازدي الصیرفي الاعتماد علیه لأن التضعیف معلل بالغلو كما صرح الشیخ في الفهرست و هو صاحب كتاب یرویه عنه علي بن الحكم الثقة و جماعة، و یروي عن جماعة من الثقات الأجلاء كالحسین بن علي بن یقطین و أخوه الحسن و الوشاء و غیرهم من الرواة الثقات المشتركین في الروایة عنه و عن بن یسار الثقة المتقدّم، مضافاً إلی أنه كثیر الروایة.
هذا و قد روی روایة أخری صاحب تفسیر الفرات في نفس المضمون حكاها صاحب الجواهر عنه.
و قد اشكل علی دلالة النهي عن طواف العریان بأن النسبة بینه و بین شرطیة ستر العورة هي العموم و الخصوص من وجه، إذ قد تستر العورة بالحشیش و الطین مع صدق أنه عاري، و قد یلبس اللباس و لا یستر العورة فلا یقال أنه عاري. نعم لو كان لسان الدلیل ستر العورة باللباس كما في الصلاة لتمّ الاستدلال بالروایات الواردة في المقام.
و فیه: أن العري العمدة فیه هو بلحاظ العورة لا بقیة اجزاء البدن فقط و یشهد لذلك صحیحة الكناني المتقدمة حیث ذكر تعري المرأة المشركة. فالصحیح أن هذا العنوان یدل علی ستر العورة باللباس كما هو الحال في باب الصلاة، فلو سترها بالاعشاب و نحوه لبقی صدق عنوان العاري علیه. و أما عري بعض الصدر و نحوه فلا یشمله العنوان لا سیما و قد ورد النص بجواز الاتشاح في الاحرام.
ثمّ إنه یشترط في الساتر أن لا یكون لبسه محرماً كما في الصلاة للزوم اجتماع الامر و النهي علی ما هو الأقوی من تعلق الوجوب النفسي ضمناً
..........
بالشرائط الشرعية بنحو التعلق الحرفي و إن كانت الشرائط توصلیة.
و أما بقیة شرائط لباس المصلي فقد تقدم الكلام فیها.
واجبات الطواف
تعتبر في الطواف أمور سبعة:
الأول: الابتداء من الحجر الاسود، و الأحوط الأولی ان یمر بجمیع بدنه علی جمیع الحجر، و یكفي في الاحتیاط أن یقف دون الحجر بقلیل فینوي الطواف من الموضع الذي تتحقق فیه المحاذاة واقعا علی أن تكون الزیادة من باب المقدمة العلمیة(1).
الثاني: الانتهاء في كل شوط بالحجر الاسود و یحتاط في الشوط الاخیر بتجاوزه عن الحجر بقلیل علی أن تكون الزیادة من باب المقدمة العلمیة(2).
و هو مقطوع به بین المسلمین مأخوذاً به یداً بید، و تدل علیه العدید من الروایات منها صحیح معاویة بن عمار عن أبي عبد اللّه قال: (من اختصر في الحجر (في الطواف) فلیعد طوافه من الحجر الأسود إلی الحجر الأسود) (1).
و صحیح الحسن بن عطیة قال: سأله سلیمان بن خالد و أنا معه عن رجل طاف بالبیت ستة أشواط، قال أبو عبد اللّه : و كیف طاف ستة أشواط، قال: استقبل الحجر، و قال: اللّه اكبر و عقد واحداً، فقال أبو عبد اللّه : یطوف شوطاً. فقال سلیمان: فإنه فاته ذلك حتی أتی أهله، قال: یأمر من یطوف عنه (2).
و یظهر الحال فیه مما تقدم.
الثالث: جعل الكعبة علی یساره في جمیع أحوال الطواف، فإذا استقبل الطائف الكعبة لتقبیل الاركان أو لغیره أو ألجأه الزحام إلی استقبال الكعبة أو استدبارها أو جعلها علی الیمین فذلك المقدار لا یعد من الطواف، و الظاهر ان العبرة في جعل الكعبة علی الیسار بالصدق العرفي كما یظهر ذلك من طواف النبي راكبا، و الأولی المداقة في ذلك و لا سیما عند فتحي حجر إسماعیل و عند الاركان(1).
ثمّ إن المراد من المحاذاة لیست هي المحاذاة بالدقة العقلیة بل المحاذاة العرفية و هي صادقة بنحو مثلث حاد الزوایة رأسه من الحجر الأسود و یتسع كلّما ابتعد الطائف عن الكعبة بمقدار یصدق علیه محاذاة الركن و الزاویة المنعطفة من الكعبة.
و أما إمرار جمیع البدن علی الحجر فقد ذكره العلامة، ثمّ وقع التردید في أن أول جزء هو الانف او البطن او...، و كل ذلك من باب الاحتیاط مع عدم بناء الشریعة علیه، كما هو الحال في السعي. نعم بناء علی توسعة المحاذاة للحجر من بعد لو ابتدأ من نقطة فاللازم الختم بها كي لا تنقص الاشواط دوریاً.
و العمدة في دلیله السیرة القطعیة بین المسلمین المتداولة یداً بید مضافاً إلی اتفاق الاصحاب، و كذلك ما یظهر من بعض الروایات. كصحیح معاویة بن عمار قال: قال أبو عبد اللّه : اذا فرغت من طوافك و بلغت مؤخر الكعبة و هو بحذاء المستجار دون الركن الیماني بقلیل فابسط یدیك علی البیت، و الصق بدنك بالبیت - إلی أن قال - ثمّ استلم الركن الیماني ثمّ ائت الحجر الاسود (1).
1) أبواب الطواف، ب26، ح4.
..........
و في صحیحه الآخر عن أبي عبد اللّه قال: ثمّ تطوف بالبیت سبعة أشواط - إلی أن قال - فإذا انتهیت إلی مؤخر الكعبة و هو المستجار دون الركن الیماني بقلیل في الشوط السابع فابسط یدیك علی الارض، و الصق خدك و بطنك بالبیت - إلی أن قال: - ثمّ استقبل الركن الیمانی و الركن الذي في الحجر الاسود و اختم به، فإن لم تستطع فلا یضرك، و تقول:.. الحدیث (1).
و صحیح عبد اللّه بن سنان قال: قال أبو عبد اللّه : (اذا كنت في الطواف السابع فائت المتعوّذ، و هو اذا قمت في دبر الكعبة حذاء الباب) - إلی أن قال - (ثمّ ائت الحجر فاختم به) (2).
و هذا المقدار من الادلة لا یعین و لا یستفاد منه اكثر من جهة الدوران بأن تكون علی الیسار لا علی الیمین، أما محاذاة الكتف الایسر للكعبة في كل خطوة خطوة طوال الطواف بامتداده من البدء إلی الانتهاء فلا دلیل علیه. بل ظاهر الروایات المتقدمة جواز استقبال الكعبة ما دامت الحركة یصدق علیها أنها باتجاه الیسار. و كذا لو حصل الاستدبار الیسیر بحیث لم ینتفي عن الحركة انها باتجاه الیسار. نعم الحركة بنحو القهقری، او الاستقبال و الحركة الجانبية مستقبلاً الكعبة طوال الشوط خلاف الارتكاز الجاري في السیرة.
و بكلمة جامعة لا بدّ من الحركة و الدوران الطوافي بجهة الیسار مع كون حركته باتجاه مقادیم بدنه و إن لم تحصل محاذاة كتفه الایسر للكعبة، و بالتالي
الرابع: إدخال حجر إسماعیل في المطاف بمعنی أن یطوف حول الحجر من دون أن یدخل فیه(1).
فلا یشترط تساوي قطر الدائرة التي یتحرك فیها فلو قصر القطر و زاده ما دامت حركته باتجاه الیسار لم یضر و إن لم تكن هناك محاذاة بین كتفه و الكعبة. و علی القول الآخر یلزم في الفرض الاخیر أن تكون الحركة جانبیة لا بالمقادیم و هو خلاف الاحتیاط من جهة أخری.
و یدل علی ما ذكرنا ایضا الروایات الواردة في وقوع المحادثة بینه و بین اصحابه فانها بطبیعة الحال یكون فیها عدم مداقة بمحافظة الكتف الایسر تجاه الكعبة، و یشهد لذلك ایضا ان من یقترب من حجر اسماعیل في طوافه بدأ من الركن الثاني و انتهاءً بالركن الثالث فانه یحصل في البدأة لا محاله استدبار و في الانتهاء استقبال، و هذا لا یضر باتفاق الجمیع و لیس الا لصدق الطواف في جهة الیسار.
و الحاصل ان اللازم هو الحركة بالمقادیم حول الكعبة اجمالاً في جهة الیسار بنحو یصدق علیه أنه یطوف حول الكعبة في جهة الیسار.
بلا خلاف و تدل علیه صحیحة الحلبي و حفص و معاویة بن عمار الآتیة (1). إما لكون هذا الشرط هو شرط تعبدي او لكون ما حواه الحجر من الكعبة و هذه الروایات غیر دالة علی أحدهما بالتعیین، بل هناك العدید من الروایات الدالة علی نفي الاحتمال الثاني (2). و إن ذهب إلیه جملة من الاصحاب
الخامس: خروج الطائف عن الكعبة و عن الصفة التي في أطرافها المسماة بشاذروان(1).
السادس: أن یطوف بالبیت سبع مرات متوالیات عرفا ، و لا یجزئ الاقل
لروایات عامیة.
حكی الاتفاق علیه بین الفریقین، كما حكی عن التواریخ أنه من اساس الكعبة، إلاّ أن قریش بنت الكعبة دون ذلك. لا سیما و أن الشاذروان كلمة فارسیة معرّبة بمعنی أساس البناء (1).
و قد ذكر في البحار جملة من الروایات العامة التي فیها قول النبي لعائشة.. لو لا أن قومك حدیثوا عهدٍ بالكفر لهدمت الكعبة و ادخلت فیها ما أخرج منها و أدخلت الجدار.. (2).
و علی أي تقدیر فلو فرض الشك فمقتضی الاصل هو الاشتغال للشك في صدق الطواف بالبیت لو جعل طوافه فوق الشاذروان إذ یحتمل أنه طواف في البیت لا حوله.
(و دعوی) أن المقام لیس من الشك في المكلف به بل من الشك في التكلیف لكون الشبهة مفهومیة مرددة بین الأقل و الأكثر، كما في المبیت في منی في المواضع المشكوكة أنها منها، و كذا الذبح فیها، و كذلك الوقوف في عرفات و المزدلفة في الحدود المشكوكة أنها منها، فإن إخراج المشكوك عن اطلاق المتعلق تقیید زائد. من
السبع، و یبطل الطواف بالزیادة علی السبع عمدا كما سیأتي(1).
(مسألة 303): اعتبر المشهور في الطواف أن یكون بین الكعبة و مقام إبراهیم ، و یقدر هذا الفاصل بستة و عشرین ذراعا و نصف ذراع، و بما أن حجر إسماعیل داخل في المطاف فمحل الطواف من الحجر لا یتجاوز ستة أذرع و نصف ذراع، و لكن الظاهر كفایة الطواف في الزائد علی هذا المقدار أیضاً، و لا سیما لمن لا یقدر علی الطواف في الحد المذكور أو أنه حرج علیه، و رعایة الاحتیاط مع التمكن أولی(2).
(غیر صحیحة) و ذلك لان المقام لیس من الشبهة المفهومیة و انما هو من الشبهة الصدقیة لأن ألفاظ الاعلام موضوعة للموجودات الخارجیة، فالشك في صدق العنوان علیها و بالتالي في المكلف به.
بالضرورة عند المسلمین، و تدل علیه الروایات المتواترة (1). أما الموالاة فقد تقدمت، و ان وحدة المركب قائمة بالموالاة بمقتضی القاعدة و أما الزیادة فسیأتي حكمها.
نسب إلی المشهور تعین ذلك عدا الاضطرار، و خالف في ذلك ابن الجنید الا أن التتبع یقضي بمخالفة الصدوقین حیث انهما لم یقیداه في الفقه الرضوي و في المقنع و الهدایة بل اقتصر في الفقیه بذكر صحیح الحلبي من دون الاشارة إلی خبر ابن مسلم، و كذا لم یقید الحلبي في الكافي و المفید في المقنعة، و سلار و الدیلمي في المراسم ، و المرتضی في الانتصار مما یدل علی عدم كون ذلك سیرة
1) أبواب اقسام الحج، ب2 و ب3 أبواب الطواف 19 و33 و34 و36 و غیرها.
..........
مرتكزة لدی الطائفة تفرّدت بها. نعم قید بذلك الشیخ في المبسوط و التهذیب، و القاضي بن براج في المهذب، و ابن ادریس في السرائر و ابن حمزة في الوسیلة و الفاضلان، و ادعی ابن زهرة الاجماع.
اما الروایات الواردة في المقام فروایة محمد بن مسلم قال: سألته عن حد الطواف بالبیت الذي من خرج عنه [منه] لم یكن طائفاً بالبیت؟ قال: كان الناس علی عهد رسول اللّه یطوفون بالبیت و المقام، و انتم الیوم تطوفون ما بین المقام و البیت، فكان الحد موضع المقام الیوم فمن جازه فلیس بطائف. و الحد قبل الیوم و الیوم واحد قدر ما بین المقام و بین البیت من نواحي البیت كلها فمن طاف فتباعد من نواحیه ابعد من مقدار ذلك كان طائفاً بغیر البیت. بمنزلة من طاف بالمسجد لأنه طاف في غیر حدّ و لا طواف له (1).
و الطریق لیس فیه من یتوقف فیه سوی یاسین الضریر، فقیل بجبر الخبر بعمل المشهور، و قد عرفت ان نسبة ذلك للمشهور محل تأمل. لكن حال یس الضریر مستحسن بعد ما اشار إلیه في التنقیح من روایته العهد للأئمة و ظلم الشیخین و نحو ذلك، مضافاً لروایة محمد بن عیسی البغدادي عنه، و محمد بن یحیی، و كونه صاحب كتاب في روایاته عن الكاظم عند نزوله بالبصرة، و لم یغمز علیه بشيء عند النجاشي و الشیخ، مضافاً إلی أن القمیین رووا كتابه كسعد بن عبد اللّه و الحمیري و أحمد بن محمد بن یحیی صاحب النوادر، و لم یستثنه القمیون من النوادر ، و روی عنه أحمد بن محمد بن عیسی الأشعري روایة لا ربا بین المسلم
1) أبواب الطواف، ب28، ح1.
..........
و الكافر الذي افتی به الكل او الجل، و لا سیما أن الشیخ روی هذه الروایة في التهذیب عن الأشعري عنه و إن كانت في الكافي روایة العبیدي عنه و هو الذي یروي كفارة الجمع في الافطار علی المحرم و قد عمل بها المشهور، فمع مجموع كل ذلك لا بأس باعتبار حاله و لو بدرجة الحسن.
الروایة الثانية صحیحة الحلبي قال: سألت أبا عبد اللّه عن الطواف خلف المقام؟ قال: (ما أحب ذلك و ما أری به بأساً فلا تفعله الا أن لا تجد منه بداً) (1).
و تجدر الاشارة إلی بعض النقاط قبل الخوض في الجمع بین الروایتین.
الأولی: إن ما یلوح من صاحب المدارك من استظهار اناطة الطواف بذلك الحد لكون الصلاة خلف المقام لأنها توقع خارج المطاف، یدفعه أن المدار في الصلاة عند المقام او خلفه هو المقام بمعنی الحجر لا موضعه كي یكون تحدیداً مكانیاً، فلما كان لصیق البیت في عهده كانت الصلاة خلفه جنب البیت، و الآن خلفه بعیدة عن البیت.
الثانية: فصل بعض اعلام العصر (2). بین اتصال الصفوف و بین خلو المطاف، فیجوز خلف المقام في الأولی دون الثانية. و كأن وجهه أن الطواف في الصورة الثانية لا یكون بالبیت بالدقة بل طوافاً بحریم البیت او بموضع المسجد القدیم و نحو ذلك، بخلافه في الصورة الأولی فإنه بالاتصال یكون السیل و المجموع البشري طائفاً بالبیت لا سیما مع صدق المسجد الحرام علی التوسعة.
..........
الثالثة: إنه یستفاد من جواز الصلاة خلف المقام بعیداً عنه بمسافة علی أن تكون بحیاله عند الزحام قریباً من ظلال المسجد كما في صحیح الحسین بن عثمان (1). أن المطاف متسعٌ حیث أن المسجد الحرام صادق علی التوسعة في زمن الصادق و الكاظم ، و الواجب في المطاف هو كونه في فناء المسجد المحیط بالبیت كما هو الحال في صلاة الطواف.
و بعبارة أخری : أنه یستفاد من هذه الصحیحة توسعة المسجدیة، و سیأتي أنها المدار في صحة الطواف.
الرابعة: الظاهر أن اصل القول بالتحدید نشأ من الشیخ الطوسي و تبعه علیه بعض من تأخر عنه كالكیدري في الاصباح و ابن سعید في الجامع و أبي المجد الحلبي في اشارة السبق و ابن زهرة مدعیاً الاجماع في الغنیة . و قد استند في الخلاف (م133) إلی قاعدة الاشتغال، و حكی تجویز خصوص الشافعي له من العامة و لو مع الحائل كسقاء زمزم و نحوه. نعم منعه ابن حرزم في المحلي لسیرته و لكون الابتعاد عبثاً، و في المغني لابن قدّامة یستحب الدنو بالبیت لانه هو المقصود و إن تباعد من البیت في الطواف اجزأه ما لم یخرج من المسجد سواء حال بینه و بین البیت حائل من قبة او غیره او لم یحل، و قد روت أم سلمة في المتفق علیه قالت: شكوت إلی رسول اللّه إني اشتكی. فقال: طوفي من وراء الناس و انت راكبة. فقالت: طفت و رسول اللّه یصلي إلی جنب البیت.
1) أبواب الطواف، ب75، ح2.
..........
أما فقه الروایتین:
أن المدعي في مفادها أنها لیست في صدد تحدید المقام شرعاً بتوقیت خاص بما بین المقام و البیت، بل هي في صدد بیان أن المدار علی الصدق العرفي لعنوان (الطواف بالبیت)، غایة الامر أن الصدق العرفي في عهد رسول اللّه و عهد الباقر هو ما بین البیت و المقام، لا لامتناع توسع ذلك الصدق العرفي و لا للتوقیت الشرعي. و یشهد لذلك انه ابتدأ الجواب بذكر ما یفعله الناس في عهد رسول اللّه ، و ما یفعله الناس في زمنه و لم یسند ذلك إلی رسول اللّه و لا إلیه في زمانه فهو دال علی أنه لیس هو توقیت منهم: و إنما هو یدور علی الصدق العرفي لوجود العنوان المزبور. كما أنه ذكر ایضا (و أنتم الیوم تطوفون ما بین المقام و البیت) و هو دال علی أن المتعارف في الطواف بالبیت في زمنه و هو زمن محمد بن مسلم السائل عن حد الطواف هو ما بین المقام و البیت، و تفریعه علی المتعارف المزبور بقوله (فكان الحد موضع المقام الیوم فمن جازه فلیس بطائف) فالانتفاء عرفي لا بتوقیت خاص شرعي.
و كذا قوله (و الحد قبل الیوم و الیوم واحد) دال ایضا علی عدم التوقیت الشرعي من رسول اللّه و إلاّ لما تصدی في اثبات الاتحاد في الحد. و اللام في الیوم یشار بها إلی عهده اذا المواقیت الشرعية توقت بمجرد توقیت الرسول و یكون الاخذ بها لازم إلی یوم القیامة، فالتصدي لذلك و التعبیر بحدین بحسب الزمنین قرینة علی عدم التوقیت، بل علی كونه بنحو القضیة الحقیقية و أنه عنوان قابل للاتساع، كما في التعبیر الدارج مكة في الماضي و مكة في الحاضر واحد . و یعضد ذلك أیضاً التعبیر بـ(فكان الحد) بـ(فهو الحد او فالحد) مما یدل علی
..........
التقیید للفرد لا للماهیة و الطبیعة فكان في صدر التنبیه و الارشاد إلی عدم اختلاف موضوع القضیة الحقیقية و عدم وقوع اتساعه، و ما ذكره بعد ذلك من قوله (قدر ما بین المقام و بین البیت من نواحي البیت كلها فمن طاف فتباعد من نواحیه ابعد من ذلك كان طائفاً بغیر البیت) نفي لصدق العنوان العرفي في حدّ الطواف علی عهده إذ قیده بالیوم. و الوجه فیه واضح حیث أن المسجد في زمنه لم یكن متسعاً بالسعة الموجودة في عصرنا الحاضر او ما بعد عصره ، فكان من یطوف خلف المقام یقارب جدران المسجد، او ربما یحول بینه و بین البیت في طوافه حائل مما یتعارف وجوده قرب الجدران كالقبب و نحوها. و قوله معللاً الانتفاء بمنزلة من طاف بالمسجد هو تعلیل بالنكتة العرفية لانتفاء العنوان. إذ التعبیر بطاف بالمسجد یغایر عرفاً الطواف بالبیت و لا ینسجم مع التوقیت الشرعي و الحاصل ان التعلیل لعدم صحة الطواف بانه طواف بغیر البیت و بأنه طواف بالمسجد لا یصدق مع توسعة المسجد لانه یكون طواف في المسجد لا بالمسجد و طواف بالبیت لا بغیر البیت. و هذا مما یدل علی أن التعلیل هو بمقتضی العنوان المأمور به في عمومات الطواف لا بتعبّد خاص.
و بذلك یظهر عدم دلالتها علی التحدید و عدم معارضتها لصحیح الحلبي. نعم الروایة الثانية تدل علی افضلیة المطاف بین الركن و المقام و لا یخفی وجهه.
ثمّ إنه لا بد من التنبیه علی قید ذكره بعض الاعلام و هو لزوم اتصال صفوف الطائفین حول الكعبة لمن یطوف وراء المقام مطلقاً، و كأنه لما تقدم من أن الطواف المزبور مع عدم الاتصال و الخلوة لا یصدق معه الطواف بالبیت بل بحریم البیت لكن ذلك في البعد المفرط مع الخلوة.
و في صحیح جمیل بن دراج قال قال له الطیار و انا حاضر هذا الذي زید هو
..........
من المسجد؟ فقال نعم انهم لم یبلغوا بعد مسجد إبراهیم و اسماعیل (1).
و روایة الحسن بن النعمان قال سالت أبا عبد اللّه عما زادوا في المسجد الحرام فقال: (ان إبراهیم و اسماعیل حدّا المسجد الحرام ما بین الصفا و المروة) (2).
و في صحیح عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه قال (كان خط إبراهیم بمكة ما بین الحزورة إلی المسعی فذلك الذي كان خط إبراهیم یعني المسجد) (3).
و في صحیح الحسین بن النعیم قال سألت ابا عبد اللّه عما زاد في المسجد الحرام عن الصلاة فیه فقال (ان إبراهیم و اسماعیل حدّا المسجد ما بین الصفا و المروة فكان الناس یحجون من المسجد إلی الصفا) (4).
و هذه الروایات ناصة علی كون حدّ المسجد في عهد النبي إبراهیم اوسع مما كان في عهد النبي و أن الناس في عهد ابراهیم كانوا یطوفون و یحجون إلی قرب الصفا و هو اكبر مما علیه المسجد الیوم فعلاً لانه لا یمتد إلی المروة.
و من ذلك یتضح قول الامام في روایة یاسین الضریر كان الناس في عهد رسول اللّه ما بین المقام و الحجر لانه حدّ في ذلك الوقت مما یومي أن حد المسجد في عهد إبراهیم مغایر لذلك الحدّ و هذا یعزز تفسیرنا السابق للروایة
(مسألة 304): إذا خرج الطائف عن المطاف فدخل الكعبة بطل طوافه و لزمته الاعادة، و الأولی إتمام الطواف ثمّ إعادته إذا كان الخروج بعد تجاوز النصف(1).
المزبورة، لا سیما و ان الرواة في هذه الروایات یسألون عن فضیلة الصلاة المعهودة في المسجد و أقرّه عن ان الزیادة الجدیدة في المسجد الزائد عن حدّ المسجد في عهد الرسول هي داخلة في المسجد.
ثمّ انه قید بعض أخر عدم كونه خلف زمزم و كأنه لحیلولة البناء فیكون طائفاً بها لا بالبیت، و لا بأس بالتقید المزبور في كل حائل للوجه المذكور.
ذهب المشهور إلی التفصیل بین ما قبل النصف و بعده لما بنوا علیه من لزوم الموالاة في النصف الأول دون الثاني كما تقدم الدلیل علی تلك الكبری، فالقاطع و الناقض انما یزیل الهیئة الاتصالیة المعتبرة في النصف الأول، و حیث لا تعتبر في النصف الثاني فلا مجال و لا مورد لاعتبار القاطع و الناقض فیه. و یشیر إلی أن دخول الكعبة ناقض ما في الصحیح إلی ابن مسكان قال: حدثني من سأله عن رجل طاف بالبیت طواف الفریضة ثلاثة اشواط ثمّ وجد خلوة من البیت فدخله قال: نقض طوافه و خالف السنة فلیعد (1).
و مثله صحیح الحلبي (2). فلا مجال للتمسك باطلاق صحیح حفص بن البختري عن أبي عبد اللّه فیمن كان كان بالبیت فیعرض له دخول الكعبة
(مسألة 305): إذا تجاوز عن مطافه إلی الشاذروان بطل طوافه بالنسبة إلی المقدار الخارج عن المطاف، و الأحوط إتمام الطواف بعد تدارك ذلك المقدار ثمّ إعادته، و الأحوط أن لا یمد یده حال طوافه من جانب الشاذروان إلی جدار الكعبة لاستلام الاركان أو غیره(1).
(مسألة 306): إذا دخل الطائف حجر إسماعیل بطل الشوط الذي وقع ذلك فیه فلا بد من إعادته، و الأولی إعادة الطواف بعد إتمامه، هذا مع بقاء الموالاة، و أما مع عدمها فالطواف محكوم بالبطلان و ان كان ذلك عن جهل أو نسیان، و في حكم دخول الحجر التسلق علی حائطه علی الأحوط، بل الأحوط أن لا یضع الطائف یده علی حائط الحجر أیضاً(2).
فدخلها قال: یستقبل طوافه (1).
تقدم أن الشاذروان في اقوال الاكثر هو جزء من الكعبة، و لا أقل من الشك في ذلك، فلو طاف في بعض الشوط سائراً علیه لما تحقق الطواف بالبیت في تمام الشوط، فلا بدّله من اعادة ذلك المقدار، و هل یعد ذلك من الدخول في الكعبة فیبطل الطواف كله فیما اذا كان في النصف الأول الاقوی العدم و ذلك لعدم صدق العنوان الوارد في الروایات في المسألة السابقة مضافاً لما سیأتي من جملة من الروایات (2)المتضمنة لاستحباب استلام الاركان و الحجر الاسود في اثناء الطواف و لو كان فریضة، مع أنه یستلزم میل غالب الجسد فوق الشاذروان.
أما إعادة الشوط فهو المعروف في الكلمات عدا ما عن التذكرة و المنتهی
(مسألة 307): إذا خرج الطائف من المطاف إلی الخارج قبل تجاوزه النصف من دون عذر، فان فاتته الموالاة معرفية بطل طوافه و لزمته إعادته، و ان لم تفت الموالاة أو كان خروجه بعد تجاوز النصف فالأحوط إتمام الطواف ثمّ إعادته(1).
و الشهید من كون الحجر جزءاً من البیت الموجب لإعادة الطواف من رأس فیما اذا كان الاختصار في النصف الاول. و الصحیح ما ذهب إلیه المشهور لما في صحیح الحلبي عن أبي عبد اللّه قال: قلت: رجل طاف بالبیت فاختصر شوطاً واحداً في الحجر. قال: یعید ذلك الشوط (1). و یحمل الاطلاق في صحیح حفص بقضاء الطواف، و كذا الاطلاق في صحیح معاویة بن عمار و روایة إبراهیم بن سفیان علی التصریح في صحیحة الحلبي باعادة خصوص الشوط، و للصحیحة في طریق الصدوق التعبیر ب- (یعید الطواف الواحد) و هو بمعنی الشوط. بل قد یستظهر من صحیح معاویة كذلك لمكان التعبیر فیها (من الحجر الاسود إلی الحجر الاسود) للدلالة علی اعادة الشوط من رأس لا تدارك ما اختصره من الشوط.
ثمّ إن هذه الروایات دالة علی عدم كون اختصار الطواف في الحجر دخولاً في الكعبة المبطل لمجموع الطواف، خلافاً لما عن العلامة و الشهید. مضافاً للروایات (2)العدیدة الدالة علی خروج الحجر عن البیت.
قد ذكر الماتن في هذه المسألة و في خمس مسائل لاحقة فروض متعددة لخروج الطائف عن المطاف و قطعه للطواف ، و ظاهر فرض المسألة ان خروجه من دون
..........
داعي راجح. و أما بقیة الفروض فمنها للحدث او الخبث او الحیض، او عجز طارئ، او لعیادة مریض، او قضاء حاجة نفسه او اخوانه، او للاستراحة.
و قد تقدم بیان كبری الموالاة بحسب مقتضی القاعدة الأولیة، و بحسب النصوص الواردة في الابواب المتعددة، و أن الموالاة معتبرة في مجموع الطواف بحسب مقتضی القاعدة الأولیة دون مقتضی القاعدة المنصوصة فانها اعتبرت الموالاة في النصف الأول دون الثاني، و تحقق النصف بتمام الأربعة فإن هناك موالاة أخری معتبرة هي الموالاة في الشوط الواحد، فإن اجزاء الشوط الواحد هي هیئة اتصالیة ایضا ینحفظ بها وحدة الشوط، و سیأتي الكلام عنها بعد الفراغ من البحث في الموالاة في مجموع الطواف.
الموالاة في الطواف:
قد تقدم شطر وافر من الكلام في ذلك، و نضیف إلیه في المقام ذكر بقیة الروایات علی القاعدة.
الفرض الأوّل: الخروج من دون داعي راجح.
أما في النصف الأول فیوجب بطلان الطواف لاعتبار الموالاة فیه بحسب القاعدة المنصوصة. و أما النصف الثاني فلم یظهر من النصوص المتقدمة علی القاعدة و لا الآتیة رفع الید عن الموالاة في النصف الثاني من دون غرض راجح فیبقی هذا الفرض تحت مقتضی القاعدة الأولیة. و لم یظهر لنا من كلمات الاصحاب أنهم یصححون الطواف مع الخروج من دون داعي راجح او غرض عقلائي بمجرّد الارادة الاقتراحیة عبطاً.
الفرض الثاني: الحدث.
..........
فقد تقدمت نصوصه (1)و التفصیل بین قبل النصف و بعده.
الفرض الثالث: الخبث:
فالروایات (2)الواردة فیه دالة علی جواز مطلق البناء فیه إلاّ أن القاعدة المنصوصة المخصصة لها كالصحیح إلی جمیل عن بعض اصحابنا عن احدهما قال في الرجل یطوف ثمّ تعرض له الحاجة. قال: لا بأس أن یذهب في حاجته او حاجة غیره و یقطع الطواف، و إن اراد أن یستریح و یقعد فلا بأس بذلك فإذا رجع بنی علی طوافه و إن كان نافلة بنی علی الشوط او الشوطین. و ان كان طواف فریضة ثمّ خرج في حاجة مع رجل لم یبن و لا في حاجة نفسه (3)و هذه الصحیحة دالة علی عموم جواز القطع في النصف الثاني لمطلق الغرض العقلائي او الشرعي دون القطع الاقتراحي.
الفرض الرابع: الحیض.
و قد تقدم الكلام فیه
الفرض الخامس: العجز الطارئ كالصداع و وجع البطن و غیره.
و یدل علی التفصیل بمقتضی الكبری صحیح الحلبي عن أبي عبد اللّه قال: إذا طاف الرجل بالبیت ثلاثة أشواط ثمّ اشتكی اعاد الطواف - یعني الفریضة (4).
..........
و تفسیر الراوي بالفریضة لما دلّ (1)علی جواز البناء في النافلة حتی في الشوط الواحد و موثق اسحاق بن عمار عن أبي الحسن في رجل طاف طواف الفریضة ثمّ اعتل علة لا یقدر معها علی اتمام الطواف، فقال: إن كان طاف أربعة أشواط أمر من یطوف عنه ثلاثة اشواط فقد تم طوافه... الحدیث (2).
الفرض السادس: عیادة المریض:
و قد تقدم جملة من النصوص الدالة علی ذلك عموماً (3)، و یدل علیه بالخصوص روایة أبي الفرج قال: طفت مع أبي عبد اللّه خمسة اشواط ثمّ قلت إني ارید أن اعود مریضاً. فقال: احفظ مكانك ثمّ اذهب فعده، ثمّ ارجع فأتم طوافك (4).
الفرض السابع: قضاء حاجة نفسه أو اخوانه
و قد تقدمت الروایات في ذلك في الفروع السابقة، مضافاً إلی صحیحة صفوان الجمال قال: قلت لأبي عبد اللّه : الرجل یأتي أخاه و هو في الطواف. فقال: یخرج معه في حاجته ثمّ یرجع و یبنی علی طوافه (5). و اطلاق الصحیحة مقیّد بالروایات المتقدمة و بصحیح ابان بن تغلب، عن أبي عبد اللّه في رجل طاف
(مسألة 308): إذا أحدث أثناء طوافه جاز له أن یخرج و یتطهر ثمّ یرجع و یتم طوافه علی ما تقدم، و كذلك الخروج لإزالة النجاسة من بدنه أو ثیابه، و لو حاضت المرأة أثناء طوافها وجب علیها قطعه و الخروج من المسجد الحرام فورا، و قد مر حكم طواف هؤلاء في شرائط الطواف(1).
(مسألة 309): إذا التجا الطائف إلی قطع طوافه و خروجه عن المطاف
شوط او شوطین ثمّ خرج مع رجل في حاجته. قال: إن كان نافلة بنی علیه، و إن كان طواف فریضة لم یبن (1).
الفرض الثامن: الاستراحة
و قد تقدم في صحیح جمیل ذكر الاستراحة و التفصیل بین النصف الأول و الثاني و النافلة و الفریضة، فما في اطلاق صحیحة علی بن رئاب و صحیح بن أبي یعفور (2)مقیّد بالتفصیل المزبور، او محمول علی عدم الاخلال بالموالاة بعدم حصول الفاصل الزماني المخل بها ففي صحیح علی بن رئاب قال: قلت لأبي عبد اللّه الرجل یعي في الطواف له أن یستریح؟ قال: نعم یستریح ثمّ یقوم فیبنی علی طوافه في فریضة او غیرها، و یفعل ذلك في سعیه و جمیع مناسكه (3). و مثله صحیح ابن أبي یعفور.
قد مرّ الكلام فیها.
لصداع أو وجع في البطن أو نحو ذلك فان كان ذلك قبل إتمامه الشوط الرابع بطل طوافه و لزمته إعادته، و ان كان بعده فالأحوط أن یستنیب للمقدار الباقي و یحتاط بالاتمام و الاعادة بعد زوال العذر بنیة التمام و الاتمام(1).
(مسألة 310): یجوز للطائف أن یخرج من المطاف لعیادة مریض أو لقضاء حاجة لنفسه أو لأحد إخوانه المؤمنین، و لكن تلزمه الاعادة إذا كان الطواف فریضة و كان ما أتی به شوطا أو شوطین، و أما إذا كان خروجه بعد ثلاثة أشواط فالأحوط أن یأتي بعد رجوعه بطواف كامل یقصد به الاعم من التمام و الاتمام(2).
(مسألة 311): یجوز الجلوس أثناء الطواف للاستراحة، و لكن لا بد أن یكون مقداره بحیث لا تفوت به الموالاة العرفية، فان زاد علی ذلك بطل طوافه و لزمه الاستئناف علی الأحوط. النقصان في الطواف(3).
قد مرّ الكلام فیها.
قد مرّ الكلام فیها.
قد مرّ الكلام فیها.
(مسألة 312): إذا نقص من طوافه عمدا فان فاتت الموالاة بطل طوافه، و الا جاز له الاتمام ما لم یخرج من المطاف، و قد تقدم حكم الخروج من المطاف متعمدا(1).
(مسألة 313): إذا نقص من طوافه سهوا فان تذكره قبل فوات الموالاة و لم یخرج بعد من المطاف أتی بالباقي و صح طوافه، و أما إذا كان تذكره بعد فوات الموالاة أو بعد خروجه من المطاف فان كان المنسي شوطا واحدا أتی به و صح طوافه أیضاً، و ان لم یتمكن من الاتیان به بنفسه و لو لاجل أن تذكره كان بعد إیابه إلی بلده استناب غیره، و ان كان المنسي أكثر من شوط واحد و اقل من أربعة رجع و اتم ما نقص، و الأولی إعادة الطواف بعد الاتمام، و ان
النقص تارة یلازم قطع الموالاة، و تارة لا یستلزم ذلك. ففي الثاني یمكنه التدارك بخلاف الأول، و قد تقدم اعتبار الموالاة في النصف الأول دون الثاني فیما عدا القطع الاقتراحي فإنه تعتبر الموالاة مطلقة. نعم یتأتی الكلام في أن نیة القطع او القاطع هل هي موجبة للبطلان أولا؟ و الصحیح في المقام كما في الصلاة عدم الابطال بهما خلافاً للصوم، و ذلك لعدم كون الآنات المتخللة من اجزاء العمل فیها و إن كانت من أجزاء الهیئة الاتصالیة إلاّ أنها حیث لم تكن من أجزاء الصلاة فلیست بقصدیة، بخلاف آنات الصوم. نعم لو نوی القطع في الأثناء عند الشروع بنحو یؤول إلی تغییر صورة الصلاة المقصودة فإنه تشكل الصحة من جهة عدم قصد الصلاة و الطواف المطلوبین . و أما إذا لم یؤول إلی تغییر صورتي الصلاة
كان المنسي أربعة أو أكثر فالأحوط الامام ثمّ الاعادة(1).
و الطواف في افق القصد فلا موجب للخلل في الصحة.
ذكر الماتن عدة صور لنقصان الطواف سهواً:
منها: ما لو كان تذكره قبل فوات الموالاة بان لم یخرج من المطاف و لم یحدث فاصل زماني كبیر فیتدارك و لو كان نقصه لأكثر من النصف.
و منها: ما اذا تذكر بعد فوات الموالاة الزمانية أو المكانية بأن خرج من المطاف، و كان المنسي دون النصف فقد ذهب المشهور إلی الصحة استناداً إلی صحیحة الحسن بن عطیة قال: سأله سلیمان بن خالد و أنا معه عن رجل طاف بالبیت ستة أشواط. قال أبو عبد اللّه : و كیف طاف ستة أشواط؟ قال: استقبل الحجر و قال اللّه أكبر و عقد واحداً. فقال أبو عبد اللّه یطوف شوطاً. فقال سلیمان: فإنه فاته ذلك حتی اتی اهله فقال: یأمر من یطوف عنه (1). و موثق اسحاق بن عمار قال: قلت لأبي عبد اللّه : رجل طاف بالبیت ثمّ خرج إلی الصفا، فطاف بین الصفا و المروة، فبینما هو یطوف إذ ذكر أنه قد ترك بعض طوافه بالبیت. قال: یرجع إلی البیت فیتم طوافه ثمّ یرجع إلی الصفا و المروة فیتم ما بقی (2).
و الروایة الأولی دالة علی جواز التبعیض في الطواف نیابة مع عدم القدرة، و مثلها في هذا المضمون موثقته الأخری (3).
..........
و منها: ما لو تذكر نقص أكثر من نصف الطواف، فظاهر اطلاق موثق اسحاق المتقدّم یقتضي جواز البناء علی ما سبق، إلاّ أن اطلاقه مقید كما ذهب إلیه المشهور و هو الصحیح بما دلّ علی اعتبار الموالاة في النصف الأول في طواف الفریضة كما تقدم في مسائل الفصل السابق.
الزیادة في الطواف
الأولی: أن لا یقصد الطائف جزئیة الزائد للطواف الذي بیده أو لطواف آخر، ففي هذه الصورة لا یبطل الطواف بالزیادة(1).
الثانية: أن یقصد حین شروعه في الطواف أو في أثنائه الاتیان بالزائد علی أن یكون جزءا من طوافه الذي بیده و لا إشكال في بطلان طوافه حینئذ و لزوم إعادته(2).
الصورة الأولی: فلا تتحقق فیها الزیادة حقیقة، و إن كان في الصورة الخارجیة هو دور زائد، و ذلك لأن المركبات الاعتباریة إنما تأتلف أجزاؤها بتوسط قصد تضمینها في ماهیة واحدة، و إلاّ فلا رابط بینها بدون ذلك و من ثمّ لا تتحقق الزیادة فیها إلاّ بقصد التضمین أي الجزئیة و ظاهر المتن في هذه الصورة عدم قصده الطواف ایضا بالدور الزائد، و إنما یأتي بها بداعي آخر.
الصورة الثانية: و هي من قصد الزیادة ابتداء او في الاثناء مع اتیان الزیادة في الخارج. فقد استدل لبطلان الزیادة في الطواف بصحیحة أبي بصیر قال: سألت أبا عبد اللّه عن رجل طاف بالبیت ثمانیة أشواط المفروض. قال: یعید حتی یثبته. و في طریق الشیخ حتی یستتمه (1).
1) أبواب الطواف، ب34، ح1.
..........
و اشكل صاحب الحدائق علی دلالتها علی نسخة الشیخ بأن ظاهرها بقرینة الجواب هو أن موردها زیادة الشوط الثامن سهواً فیتمه أسبوعاً ثانیاً، و هذا الاستظهار قریب علی هذه النسخة، و أما علی طریق الكلیني فظاهرها بقرینة الجواب هو اتیان الزائد في حالة الشك ثمّ تبین ذلك، لأن التعبیر بـ(حتی یثبته) أي یحرزه للإشارة إلی شرطیة الاحراز في الطواف و أن الشك مبطل له، و علی هذا فتكون الروایة من ادلة بطلان الشك في الطواف، و سیأتي أن الادلة المزبورة دالة بالأولویة، او بالدلالة الالتزامیة علی بطلان الزیادة العمدية و استدل ایضا بروایة عبد اللّه بن محمد عن أبي الحسن قال: الطواف المفروض اذا زدت علیه مثل الصلاة المفروضة إذا زدت علیها فعلیك الاعادة و كذلك السعي (1). و هذه الروایة من حیث الدلالة صریحة في ابطال الزیادة مطلقاً و إن وردت روایات مخصصة لها بما عدا السهو و الغفلة في الموضوع.
و لكن اشكل علی السند باشتراك عبد اللّه بن محمد بین أربعة، بین الحجال الثقة و الحضیني الاهوازي الثقة، و عبد اللّه بن محمد بن علي بن العباس بن هارون التمیمي الرازي الذي له نسخة عن الرضا و لم یوثق، و عبد اللّه بن محمد الاهوازي الذي له مسائل لموسی بن جعفر و لم یوثق ایضا. و احتمل في جامع الرواة اتحاد الرابع مع الثاني. و الصحیح عدم الاشتراك في الطریق و إن كان هناك اشتراك في الطبقة، و ذلك لانصراف الاسم في دیدن المحدثین و الرجالیین إلی المشهور في الطبقة، و الآخرین نزیرین الروایة، بل قیل إنه لم یعثر علی مورد لروایة لهما.
1) أبواب الطواف، ب34، ح11.
الثالثة: أن یأتي بالزائد علی أن یكون جزءا من طوافه الذي فرغ منه بمعنی أن یكون قصد الجزئیة بعد فراغه من الطواف و الأحوط في هذه الصورة أیضاً البطلان(1).
الرابعة: أن یقصد جزئیة الزائد لطواف آخر و یتم الطواف الثاني، و الزیادة في هذه الصورة و ان لم تكن متحققة حقیقة إلا أن الأحوط بل الأظهر فیها البطلان، و ذلك من جهة القران بین الطوافین في الفریضة(2).
و یستدل أیضاً بالروایات الواردة في ابطال الشك في الطواف، و جعلها صاحب الحدائق مؤیدة. و ذكر في وجه التأیید و عدم الاستدلال أنها مسوقة لبیان بطلان المضي في الطواف مع الشك لا لاحتمال الزیادة عند الشك.
و الصحیح دلالتها علی بطلان الزیادة العمدية، و تقریب ذلك أن شرطیة الحفظ و الیقین المأخوذة في الطواف او في الصلاة إنما أخذت بنحو الیقین الموضوعي علی نحو الطریقیة، أي أنه و إن كان شرطاً موضوعیاً في الصحة إلاّ أن الملحوظ فیه جهة احرازه لعدد الطواف، فغایته حصر العدد كي لا تحصل النقیصة و الزیادة.
الصورة الثالثة: و في هذه الصورة و إن وقع قصد الزیادة بعد تمام العمل فضلاً عن نفس الزیادة، إلاّ أن الصحیح بطلان الطواف إیضاً بالزیادة فیه، و ذلك لعدم حصول الفراغ بمجرد تمام العمل إذ الموالاة باقیة ما دام هو في المطاف و لم یأت بالصلاة، و من ثمّ لا تجري قاعدة الفراغ لو شك في العدد ثمّة، بخلاف ما لو خرج عن المطاف او كان في صلاة الطواف بخلاف الصلاة لو شك في عدد الركعات بعد التسلیم لأنه مخرج تعبدي.
فالحاصل أن الكون في المطاف یبقی موالاة الطواف علی حالها فیكون قابلاً لإلحاق الزیادة به، فتشمله ادلة ابطال الزیادة.
الصورة الرابعة: و في هذه الصورة لا یكون الدور الزائد زیادة فی
..........
الطواف لعدم قصد التضمین في الطواف إلا أن البطلان من جهة القران و ستدل له بصحیح زرارة قال قال أبو عبد اللّه إنما یكره ان یجمع الرجل بین الأسبوعین و الطوافین في الفریضة فإما في النافلة فلا بأس (1).
و الكراهة في الروایات بمعنی الحرمة ما لم تأتي قرینة علی الخلاف و صحیحة عمر بن یزید قال سمعت ابا عبد اللّه یقول انما یكره القران في الفریضة فأما النافلة فلا و اللّه ما به بأس (2). و تقریب الدلالة كما تقدم مضافاً إلی أن نفي البأس عن النافلة مع الكراهة الاصطلاحیة فیها إیضاً كما في بقیة الروایات دال علی أن البأس في الروایات بمعنی الفساد و هاتان الصحیحتان خاصة في الفریضة.
و مثله صحیح ابن أبي نصر قال سأل رجل أبي الحسن عن الرجل یطوف سباع جمیعاً فیقرن فقال: لا إلاّ أسبوع و ركعتان و إنما قرن أبو الحسن لانه كان یطوف مع محمد بن إبراهیم لحال التقیة (3).
و مصحح زرارة عن أبي جعفر - في حدیث - قال: و لا قران بین اسبوعین في فریضة و نافلة (4). و لا یتوهم منها تخصیص القران بما بین الفریضة و النافلة بجعل الواو للمعیة و ذلك للغویة ذكر الاسبوعین بل ان تثنیة الاسبوع صریح في كون كل منهما واقع في الفریضة و النافلة . و في قبال هذه الروایات روایات
..........
أخری دالة علی جواز القران في مطلق الطواف كصحیح زرارة أنه قال ربما طفت مع أبي جعفر و هو ممسك بیدي الطوافین و الثلاثة ثمّ ینصرف و یصلي الركعات ستاً (1).
و في صحیحه الآخر ثلاثة عشر أسبوعاً قرنها جمیعاً (2).
و في مصحح علی بن جعفر عن اخیه موسی قال یضم أسبوعین و ثلاثة ثمّ یصلي لها و لا یصلي عن اكثر من ذلك و هذه الروایات مضافاً لكونها مطلقة تقید بخصوصیة الصحیحتین السابقتین بأن الجواز في النافلة. مضافاً إلی احتفافها بقرینة مقامیة و هو كون تكرار الطواف ثلاثاً و ما فوق إنما یكون في النافلة
ثمّ ان هاهنا فروع لا بدّ من ذكرها في القران:
الأوّل: قد خالف المحقق الاردبیلي و غیره في اصل حكم القران فذهب إلی الكراهة، و استدل باطلاق صحیح محمد بن مسلم عن احدهما قال: سألته عن رجل طاف طواف الفریضة ثمانیة اشواط. قال: یضیف الیها ستة (3)و اطلاقها شامل لما إذا اتی بها عمداً. و كذلك اطلاق صحیحة رفاعة قال: كان علي یقول: اذا طاف ثمانیة فلیتم أربعة عشر. قلت: یصلي أربع ركعات؟ قال: یصلي ركعتین (4). و بخصوص صحیحة معاویة بن وهب عن أبي عبد اللّه قال: إن علیاً طاف ثمانیة
..........
اشواط فزاد ستة ثمّ ركع أربع ركعات (1).
و مثلها صحیح زرارة (2)الا انه صرح فیها بطواف الفریضة. و تقریب الاستدلال بها ان صدور الزیادة السهویة عنه منفیّة، فلا بد أن یحمل طواف الثمانیة علی قصده انشاء طواف جدید و القرن بین الطوافین، و الظاهر منه العمد لذلك لعدم تحقق السهو منه ، فبهذا التقریب تكون الصحیحتان الأخیرتان ناصّتین علی جواز القران في الفریضة كالنافلة غایة الامر یحمل ما ورد من النهي عنه في الفریضة بصورة مؤكدة علی صورة الكراهة الشدیدة.
و الجواب عنه: أن فرض الصحیحتین الأولیتین إنما هما في الزیادة في الطواف الواحد، لا في انشاء طواف مستأنف ثاني كي یكون مورد القران. غایة الأمر أن جوابه استتمام الشوط الزائد بستة لیقع طوافاً ثانیاً جدیداً هو تعبد باعتبار الشوط الزائد طواف مستأنف، فیكون تعبداً بتوسعة القران إلی اتیان الشوط و الشوطین زیادة، و إن لم یأت بطواف كامل زائداً.
و أما الصحیحتین الاخیرتین، فظهور الفرض فیهما ایضا كذلك، أي في الاتیان بشوط زائد في طواف الفریضة نفسه، غایة الأمر أن نسبة ذلك إلی المعصوم هي للتقیة نظیر ما ورد ذلك في ابواب اخری، و صحیح زرارة كما سیأتي صریح في عدم الاعتداد بالطواف الأول لا صحته فریضة. و بعبارة أخری القرآن یبطل الطواف المتقدم.
..........
فالصحیح ما هو المعروف عند الاصحاب من مبطلیة القران.
الثاني و الثالث: فیما لو أتی بشوط زائد سهواً، فهل یجب علیه اتمامه بستة، ام یستحب له ذلك كما ذهب إلیه جماعة و علی كلا التقدیرین فهل الفریضة هو الثاني او الأول، و هل الحال في السهو و العمد سیّان، أم انهما یبطلان في العمد و یعید بمرّة ثالثة.
اختار العلامة أن الفریضة هو الأول، و هو ظاهر جماعة ایضا، و اختار في الحدائق أن الفریضة هو الثاني و نسبه إلی الاصحاب، و اختار بعض المعاصرین بطلانهما في العمد. و الصحیح هو مانعیة القران لصحة الأول فریضة بمعنی أن طواف الفریضة یشترط أن لا یلحق به طواف مقرون بدون فصل ركعتین، و هذه المانعیة مطلقة في العمد و السهو فمانعیة القران لیست بنحو التضایف، كما أن هذه المانعیة بنحو الكراهة في طواف النافلة، فلو أتی بطواف نافلة، ثمّ قرن به فریضة لصح كل منهما بخلاف العكس. و یدل علی ذلك في كلا الفرعین ما ورد في من زاد في طوافه سهواً أنه یتمه بستة، و قد تقدمت صحیحة محمد بن مسلم و صحیحة رفاعة و صحیحة معاویة بن وهب و مثلها صحیحة أبي أیوب (1)، و غیرها من الروایات. و هذه الروایات و إن كانت مطلقة في من زاد سهواً و عمداً فتباین ما دلّ علی بطلان الزیادة مطلقاً سهواً و عمداً. إلا أن هناك روایات خاصة في من زاد سهواً فتوجب تخصیص كلّ من الطائفتین فتنقلب النسبة بینهما. و من تلك الروایات الخاصة صحیحة أخری لمحمد بن مسلم عن أحدهما قال: إن في كتاب
1) أبواب الطواف، ب34، ح13.
..........
علی اذا طاف الرجل بالبیت ثمانیة أشواط الفریضة فاستیقن ثمانیة اضاف الیها ستاً و كذلك اذا استیقن انه سعی ثمانیة اضاف إلیها ستاً (1). و الوجه في اختصاص مورد الصحیحة بالساهی التعبیر ب- (استیقن) أي انكشف له و علم بعد ذلك.
و مثلها مصحح أبي بصیر قال: قلت له: في حدیث فانه طاف و هو متطوع ثماني مرات و هو ناسٍ قال: فلیتمه طوافین ثمّ یصلي أربع ركعات، فأما الفریضة فلیعد حتی یتم سبعة أشواط (2). و هذه الروایة قد استظهر منها البعض نفي وجوب الاتمام و جواز اعادة الفریضة من رأس في طواف مستقل جدید، فیكون إتمام الشوط الزائد مستحباً و هو ضعیف، لأن المقابلة في الروایة بین النافلة و الفریضة لیس بلحاظ الاتمام و عدمه إذ قد عبّر في كلا الشقین بالاتمام، بل المقابلة بلحاظ الصحة و الفساد، أي أن في النافلة لیس الثاني اعادة للاول بخلاف الفریضة فإن الثاني اعادة لعدم صحة الأول، و بالتالي فیلزم الاعادة، فالصحیحة دالة علی بطلان القران و لو سهواً في الفریضة و لزوم الاعادة سواء باتمام ما بیده كما هو مفادها، او رفع الید عنه بعد حصول الفصل بطواف مستأنف بناء علی عدم حرمة إبطال العمل العبادي في مثل الطواف و غیره، و یتطابق مع مفاد هذه الروایة صحیحة أبي بصیر المتقدمة التي فیها قوله یعید حتی یثبته او حتی یستتمه. و لعل ظاهر القائلین باستحباب الاتمام هو عدم مبطلیة القران في الفریضة سهواً و لو بشوط
زائد، و دلالة الروایات السابقة تبطله.
و في صحیح زرارة عن أبي جعفر قال: إن علیاً طاف طواف الفریضة ثمانیة فترك سبعة و بنی علی واحد و اضاف إلیه ستاً، ثمّ صلی ركعتین خلف المقام ثمّ خرج إلی الصفا و المروة فلما فرغ من السعي بینهما رجع فصلی الركعتین اللتین ترك في المقام الأول (3). و صریح هذه الروایة أنه ترك الطواف الأول عن الاعتداد به فریضة، مضافاً إلی قرینة أخری و هو تركه لصلاة الطواف الأول، إذ لو كان هو الفریضة لما أخرها بعد السعي، و تعبیره بالركعتین اللتین ترك في المقام الأول أي الطواف الأول، لكون ذلك الترك المزبور هو الذي سبب القران، و قد روی الصدوق روایة مرسلة بنفس المفاد حیث قال: و في خبر آخر أن الفریضة هي الطواف الثاني، و الركعتان الاولتان لطواف الفریضة، و الركعتان الأخیرتان و الطواف الأول تطوع. و الظاهر أن هذه الروایة نقل لما فهمه من صحیحة زرارة. نعم في روایة علي بن أبي حمزة عن أبي عبد اللّه قال سئل و انا حاضر عن رجل طاف بالبیت ثمانیة أشواط فقال: نافلة او فریضة؟ فقال: فریضة. فقال: یضیف الیها ستة فإذا فرغ صلی ركعتین عند مقام إبراهیم ثمّ خرج إلی الصفا و المروة فطاف بینهما فإذا فرغ صلی ركعتین اخراوین فكان طواف نافلة و طواف فریضة (4). و هي ظاهرة بقوة في كون طواف الفریضة هو الثاني.
فتحصل أولاً: ان صحیحة زرارة و مصححة أبي بصیر، و صحیحة أبي بصیر
..........
الأولی كلها دالة علی بطلان الطواف الأول فریضة و صحة الثاني فریضة.
ثانیاً: كما انها دالة مع بقیة الروایات المطلقة علی أن مانعیة القران بمعنی ممنوعیة لحوق الطواف بطواف آخر، لا بمعنی مسبوقیّة الطواف بطواف آخر،
ثالثاً: و ان هذه المانعیة غیر مخصوصة بحالة العمد بل تشمل السهو أیضا،
رابعاً: كما أن مقتضی مجموع هذه الروایات توسعة القران لملحوقیة الطواف و لو بشوط زائد. و من ثمّ یظهر ان الاحتیاط في الشبهات الحكمية او الموضوعية بالاعم من التمام و الاتمام لا یوجب الیقین بالفراغ، لانه علی تقدیر صورة الاتمام یكون الزائد قراناً مبطلاً.
خامساً: یظهر من صحیح محمد بن مسلم المروي بطریقین أن البحث في القران شامل للسعي ایضا إجمالاً، و إن كان سعي النافلة غیر مشروع في نفسه و من ثمّ ما قیل من أن الاحتیاط في السعي في موارد الشك في الصحة في الشبهة الحكمية و الموضوعية هو بالاتیان بالاعم من التمام و الاتمام في غیر محله إیضاً.
سادساً: أنه قد ظهر مما سبق لو قرن عمداً فیبطل المتقدم و یصح الثاني. و أما في النافلة فهو مكروه، و تشتد الكراهة اذا زاد علی الثلاثة كما في مصحح علي بن جعفر (1).
الرابع: هل القران یتحقق ببعض الشوط الثامن او بتمامه؟
ظاهر صحیحة عبد اللّه بن سنان الأول. فقد روی عن أبي عبد اللّه قال: سمعته یقول : من طاف بالبیت فوهم حتی یدخل في الثامن فلیتم أربعة عشر شوطاً،
1) أبواب الطواف، ب36، ح13.
..........
ثمّ لیصلی ركعتین (1)و ظاهر بقیة الروایات المتقدمة شرطیة تمام الطواف الثامن، كما في صحیح محمد بن مسلم و غیره و مفهوم الشرطیة عدم تحقق القران بما دون تمام الشوط الواحد، مضافاً إلی روایة أبي كهمز قال: سألت أبا عبد اللّه عن رجل نسي فطاف ثمانیة اشواط. قال: ان ذكر قبل أن یبلغ الركن فلیقطعه (2). و قد حملت صحیحة بن سنان لأجل التعارض علی الوهم بمعنی الشك فمن ثمّ یكون الحكم فیها مخالف لما دل علی مبطلیة الشك، و هذا الحمل لا شاهد علیه.
و احتمل بعض أن الدخول اعم من الاتمام و اتیان البعض، فیقیّد اطلاقه بما دلّ علی لزوم الاتمام. و هو و إن كان خلاف الظاهر إلاّ أنه لا بأس به لعدم كون دلالة الدخول علی البعض بدرجة الصراحة.
الخامس: هل الصلاة للطواف الأول الذي وقع نافلة یؤتی بها بعد السعي، أم یسوغ اتیانها بعد صلاة الطواف الثاني؟.
نسب في الحدائق للأصحاب الأول، و أن ذلك مقتضی الجمع بین الروایات المطلقة الآمرة بصلاة أربع ركعات، أي الأعم من وصلها او التفریق بینهما بالسعي. و الروایات المفصلة صراحة بذلك، مضافاً إلی أن الروایات المفصلة هي في طواف الفریضة، و جملة من الروایات المطلقة هي في الاعم.
هذا و قد یقال أن ركعتي الطواف الأول بعد انقلابه نافلة فالخطب فیه هین لعدم اشتراط صحته بالصلاة فالامر ندبي. و قد یتنظر فیه بأن الحال و إن كان كذلك
(مسألة 314): إذا زاد في طوافه سهوا فان كان الزائد أقل من شوط قطعه و صح طوافه . و ان كان شوطا واحدا أو أكثر فالأحوط أن یتم الزائد و یجعله طوافا كاملا بقصد القربة المطلقة(1).
في الطواف الأول و صلاته إلاّ أن طواف الفریضة و سعیها و الموالاة بینهما من شرائط الصحة، فلعل صلاة النافلة للطواف الأول ممانعة لها و هو كما تری فالصحیح جواز الجمع بین الركعات و إن كان الأولی و الاحوط الفصل.
قد تقدم الكلام في ذلك مفصلاً.
الشك في عدد الأشواط
(مسألة 315): إذا شك في عدد الاشواط بعد الفراغ من الطواف و التجاوز من محله لم یعتن بالشك، كما إذا كان شكه بعد دخوله في صلاة الطواف.
(مسألة 316): إذا تیقن بالسبعة و شك في الزائد كما إذا احتمل أن یكون الشوط الاخیر هو الثامن لم یعتن بالشك و صح طوافه، إلا ان یكون شكه هذا قبل تمام الشوط الاخیر، فان الأظهر حینئذ بطلان الطواف. و الأحوط إتمامه رجاء و اعادته.
(مسألة 317): إذا شك في عدد الاشواط كما إذا شك بین السادس و السابع أو بین الخامس و السادس و كذلك الاعداد السابقة حكم ببطلان طوافه. و كذلك إذا شك في الزیادة و النقصان معا كما إذا شك في أن شوطه الاخیر هو السادس أو الثامن.
(مسألة 318): إذا شك بین السادس و السابع و بنی علی السادس جهلا منه بالحكم و اتم طوافه لزمه الاستئناف، و ان استمر جهله إلی أن فاته زمان التدارك لم تبعد صحة طوافه(1).
الكلام في مجموع هذه الفروع الأربعة في مبطلیة الشك في الاثناء و كون الحفظ من شرائط الصحة أم لا؟ و علی التقدیر الأول لو جهل الحكم بالبطلان وفاته تدارك الطواف فهل یصح نسكه ام لا؟ أي أن الفرض في الخلل في الطواف یوجب بطلان النسك أولا ؟ و هذا البحث الثاني یندرج في الكبری التي تقدمت
..........
في أوائل شرائط الطواف من أن الخلل في شرائط الطواف و السعي من الجهة الموضوعية لا یوجب بطلان النسك، بل غایته وجوب قضائهما مباشرة او استنابة، إلاّ أن بعض روایات المقام الآتیة مما یظهر منها صحة النسك أیضا لو كان الخلل حكمیاً أیضاً كما ذهب إلیه جماعة كالمحقق الاردبیلي، و صاحب المدارك، و المجلسي، و صاحب الحدائق، و جماعة من اعلام العصر في خصوص الشك في الطواف لا مطلق الخلل الحكمي، و لا الخلل الموضوعي فیما عدا النسیان. فتعمم حینئذ قاعدة عدم مبطلیة الخلل في الطواف و السعي لكل من الموضوعي و الحكمي. فالكلام في مقامین.
الأوّل: في مبطلیة الشك.
الثاني: عدم مبطلیة الشك للنسك مع الجهل و فوات المحل.
أما الأول: فقد ذهب إلی البطلان المشهور كالشیخ الطوسي، و الصدوق كما في المختلف و ابن براج، و ابن ادریس، و ابن زهرة، و ابن سعید، و العلامة، و الفاضلان، و غیرهم. و خالف في ذلك علي بن بابویه، و المفید، و ابو الصلاح، و ابن الجنید، فبنوا علی الصحة و أنه یبنی علی الاقل فیتم طوافه.
و یدل علی القول الأول صحیحة معاویة بن عمار عن أبي عبد اللّه في رجل لم یدر أ ستة طاف او سبعة، قال یستقبل (1). و مثلها صحیحة الحلبي (2)، و صحیحة
..........
منصور بن حازم (1). و صحیحة محمد بن مسلم (2). و كذلك موثق حنان ابن سدیر (3). و معتبرة أبي بصیر (4). و كذلك صحیحة صفوان (5).
و یستدل للقول الثاني بصحیحة رفاعة عن أبي عبد اللّه أنه قال في رجل: لا یدري ستة طاف او سبعة. قال یبني علی یقینه (6). و ذیل صحیحة محمد بن مسلم المتقدمة. قال: سألت أبا عبد اللّه عن رجل طاف بالبیت فلم یدر ستة طاف او سبعة طواف الفریضة. قال: فلیعد طوافه. قیل: أنه قد خرج وفاته ذلك قال: لیس علیه شيء (7). و ذیل صحیحة منصور بن حازم قال: قلت لأبي عبد اللّه عن رجل طاف طواف الفریضة فلم یدر أ ستة طاف او سبعة، قال: فلیعد طوافه. قلت: ففاته. قال: ما اری علیه شيء و الاعادة أحب إلی و افضل (8). و مثله صحیحة الأخر (9). و صحیحة معاویة بن عمار قال سألته عن رجل طاف بالبیت
..........
طواف الفریضة فلم یدر ستة طاف أم سبعة؟ قال: یستقبل. قلت: ففاته ذلك، قال لیس علیه شيء (1). و اجیب عنها، أما عن صحیحة رفاعة فبأن البناء علی الیقین لیس البناء علی الأقل بل هو نظیر ما ورد في الصلاة بمعنی اللزوم من تحصیل الیقین بالفراغ، و هو في المقام لا یحصل الا باعادة الطواف لأن البناء علی الأقل لا یأمن فیه الزیادة المحتملة.
و أما بقیة الروایات فغایة دلالتها علی عدم بطلان النسك لا علی عدم بطلان الطواف و لزوم قضائه و یشهد لذلك.
أولاً: ما في ذیل صحیحة منصور بن حازم المتقدمة من الجمع بین نفي الشيء علیه و طلب الاعادة، فما في بقیة الروایات من نفي الشيء علیه هو كما في بقیة الأبواب من نفي لزوم اعادة الحج من قابل و نحو ذلك،
و یشهد ثانیاً لكون مورد السؤال الثاني في الروایات هو عن صحة الحج أن الراوي سئل ثانیا بعد علمه بلزوم تدارك الطواف في الاثناء من جوابه الأول فكان ذلك موجباً للشك في صحة النسك حینئذ، لأن تدارك الطواف هو الوظیفة التي فرض الجهل بها بعد ما بیّن في صدر تلك الروایات أنها وظیفة الشاك.
و ثالثاً: ان فرض كون السؤال الثاني هو عن خصوص الطواف و قضائه دون صحة النسك یستلزم مفروغیة صحة الحج عند الراوي و هو خلاف الظاهر مع فرض لزوم تدارك المذكور في الجواب الأول.
و هذا المفاد في الروایات هو الاقوی لا ما ذهب إلیه الشیخ و جماعة من حمل
1) نفس الباب، ح10.
..........
الشك علی ما بعد الفراغ، و لا ما ذهب إلیه جماعة من متأخري المتأخرین كالاردبیلي و صاحب المدارك و المجلسي، و صاحب الحدائق، و جملة من اعلام العصر من تفسیر نفي الشيء بنفي لزوم تدارك الطواف.
و رابعاً: یشهد لذلك تكرر هذا التعبیر في أبواب الصلاة المنصب لصحتها أولا، لا لنفي لزوم التدارك بالقضاء و نحوه الا بالاطلاق الذي هو محل تأمل بعد مسبوقیة الأمر بتدارك الطواف، و أما التعبیر في صحیحة منصور ب- الاعادة احب الی و افضل - فقد تكرر في الروایات استعماله في موارد الوجوب، و لعل هذا الحمل یظهر من الاردبیلي في نهایة كلامه بقرینة أنه ساوی بین الخلل الموضوعي و هذا الخلل الحكمي، و جعل بطلان النسك منحصراً في الخلل العمدي، و بالتالي تبین لنا عموم قاعدة صحة النسك بالخلل في الطواف و السعي غیر العمدي، سواء كان حكمیاً او موضوعیاً فیما إذا لم یتركه من رأس فیتضح الحال في المقام الثاني.
و أما حمل الشیخ الشك علی ما بعد الفراغ فخلاف الظاهر لوحدة مورد السؤال الثاني مع السؤال الأول.
و هاهنا فروع:
الأوّل: لو شك بعد الفراغ و تجاوز المحل فلا یعتني بشكه لعموم قاعدة التجاوز و الفراغ. انما الكلام في تحدید المحل. فقد ذهب في كشف اللثام إلی أن الفراغ یحصل بالنیة و البناء و هو محل تأمل كما حرر في القاعدة، مضافاً إلی ما مرّ من دلالة روایات القران علی بقاء الموالاة بالكون في المحل، فالفراغ كما مر لا یحصل إلاّ بالخروج عن المطاف او بالاشتغال بالصلاة او السعي، او بالفاصل المزیل للموالاة.
الثاني: اذا تیقن السبعة و شك في الزائد ثمانیة فصاعداً فطوافه صحیح، و یدل علی ذلك صحیحة الحلبي قال : سألت أبا عبد اللّه عن رجل طاف بالبیت
(مسألة 319): یجوز للطائف أن یتكل علی إحصاء صاحبه في حفظ عدد أشواطه إذا كان صاحبه علی یقین من عددها(1).
طواف الفریضة فلم یدر أ سبعة طاف ام ثمانیة. قال: اما السبعة فقد استیقن، و انما وقع وهمه علی الثامن فلیصلي ركعتین (1). و في موثقته الأخری (فلم یدر سبعة طاف أم ثمانیة). قال : (یصلیيركعتین) (2). و مثلها مصححة جمیل (3). ثمّ إن تعبیره باستیقن و حصره للوهم بالثامن دال علی لزوم تیقن و اتمام السابع، و مثله مورد السؤال في الروایتین الاخیرتین و إن لم یكن في جوابه حیث عبّر فیهما و في الأول بكلمة (طاف) أي تم شوطه و منه یتضح أن الاظهر البطلان لو لم یتم السابع.
الثالث: لا فرق في البطلان فیما لو شك في عدد الأشواط في النصف الأول او الثاني، ما دام أحد طرفي الشك النقصان.
و یدل علیه صحیح الاعرج قال: سألت أبا عبد اللّه عن الطواف أ یكتفي الرجل بإحصاء صاحبه. قال: (نعم) (4). و مثله مضمرة صفوان قال: سألته عن ثلاثة دخلوا في الطواف فقال واحد منهم احفظوا الطواف، فلما ظنوا أنهم قد فرغوا قال واحد منهم معي ستة أشواط . قال: إن شكوا كلهم فلیستأنفوا، و إن لم
(مسألة 320): إذا شك في الطواف المندوب یبني علی الاقل و صح طوافه(1).
(مسألة 321): إذا ترك الطواف في عمرة التمتع عمدا مع العلم بالحكم أو مع الجهل به و لم یتمكن من التدارك قبل الوقوف بعرفات بطلت عمرته و علیه إعادة الحج من قابل، و الأظهر الاتیان باعمال العمرة المفردة لاجل الخروج من إحرامه. و إذا ترك الطواف في الحج متعمدا و لم یمكنه التدارك بطل حجه و لزمته الاعادة من قابل، و إذا كان ذلك من جهة الجهل بالحكم لزمته كفارة بدنة أیضاً(2).
(مسألة 322): إذا ترك الطواف نسیانا وجب تداركه بعد التذكر، فان
یشكوا و علم كل واحد منهم ما في یدیه فلیبنوا (1). و غیرها.
و تدل علیه موثقة حنان بن سدیر المتقدّمة (2)، و معتبرة أبي بصیر (3).
قد تقدم الكلام في ذلك مفصلاً في قاعدة صحة النسك مع الخلل غیر العمدي سواء من جهة الحكم او من جهة الموضوع، و لزوم قضاء الطواف و السعي، عدا ترك الطواف عمداً عالماً كان او جاهلاً و أنه یجب علیه كفارة بدنه كما تقدم ذكر النص علی ذلك (4)، فلاحظ اول مبحث شرائط الطواف و المسائل السابقة فی
تذكره بعد فوات محله قضاه و صح حجه، و الأحوط إعادة السعي بعد قضاء الطواف، و إذا تذكره في وقت لا یتمكن من القضاء أیضاً كما إذا تذكره بعد رجوعه إلی بلده وجبت علیه الاستنابة، و الأحوط أن یأتي النائب بالسعي أیضاً بعد الطواف(1).
هذا الفصل، و یأتي له تتمة في المسائل اللاحقة.
و هذه المسألة هي المورد الثاني الذي یتضمن الطائفة الأخری الدالة علی قاعدة صحة النسك عند الخلل غیر العمدي في الطواف و السعي، و قد تقدم في أول شرائط الطواف نقل كلمات المشهور بذهابهم إلی ذلك و استظهارهم من النسیان مطلق الخلل غیر العمدي الموضوعي، و هو في محله كما سیأتي في الروایات، و هي صحیحة علي بن جعفر عن أخیه قال: سألته عن رجل نسي طواف الفریضة حتی قدم بلاده و واقع النساء كیف یصنع؟ قال: یبعث بهدي إن كان تركه في حج بعث به في حج، و إن كان تركه في عمرة بعث به في عمرة، و وكل من یطوف عنه ما تركه من طوافه (1). و صحیح منصور بن حازم قال: سألت أبا عبد اللّه عن رجل بدأ بالسعي بین الصفا و المروة قال: یرجع فیطوف بالبیت، ثمّ یستأنف السعي. قلت: إن ذلك قد فاته قال: علیه دم، أ لا تری إنك اذا غسلت شمالك قبل یمینك كان علیك ان تعید علی شمالك (2). و یعتضد بصحیحة الحسن بن عطیة قال : سأله سلیمان بن خالد و انا معه عن رجل طاف بالبیت ستة اشواط . قال أبو
..........
عبد اللّه . و كیف طاف ستة اشواط. قال: استقبل الحجر و قال اللّه اكبر و عقد واحداً. فقال أبو عبد اللّه : یطوف شوطاً. فقال سلیمان: فانه فاته ذلك حتی اتی اهله قال: یأمر من یطوف عنه (1).
و حمل الشیخ في التهذیب للروایة الأولی علی خصوص طواف النساء لا وجه له بعد اطلاق عنوان طواف الفریضة لطواف النسك، بل انصرافه إلی ذلك فضلاً عن الاطلاق. مضافاً إلی اطلاق العمرة إلی عمرة التمتع و لیس فیها طواف نساء، و أما الروایة الثانية فتصریحه باتیان الطواف دال علی أن المنسي اصالة هو الطواف الذي اوجب الخلل في الترتیب فیتدارك بالاعادة كما انها دالة علی لزوم اعادة السعي إذا لم یأت بالطواف الا ما یستثنی مما سیأتي كما لو طاف بعض الاشواط و لم یتم ثمّ سعی. و یدل علی لزوم اعادة السعي ایضا. صحیحة منصور بن حازم قال: سألت أبا عبد اللّه عن رجل طاف بین الصفا و المروة قبل أن یطوف بالبیت. قال: یطوف بالبیت ثمّ یعود إلی الصفا و المروة فیطوف بینهما (2). و دلالتها بالاطلاق بخلاف السابقة فانها صریحة في من فاته محل التدارك بلزوم اعادتها. نعم في موثق اسحاق بن عمار التفصیل قال قلت لأبي عبد اللّه رجل طاف بالكعبة ثمّ خرج فطاف بین الصفا و المروة. فبینما هو یطوف إذ ذكر أنه قد ترك من طوافه بالبیت. قال: یرجع إلی البیت فیتم طوافه ثمّ یرجع إلی الصفا و المروة فیتم ما بقی. قلت: فان بدأ بالصفا و المروة قبل أن یبدأ بالبیت فقال : یأتي البیت فیطوف
(مسألة 323): إذا نسي الطواف حتی رجع إلی بلده، و واقع أهله لزمه بعث هدي إلی منی إن كان المنسي طواف الحج، و إلی مكة إن كان المنسي طواف العمرة، و یكفی في الهدي أن یكون شاة(1).
(مسألة 324): إذا نسي الطواف و تذكره في زمان یمكنه القضاء قضاه بإحرامه الأول من دون حاجة إلی تجدید الإحرام، نعم إذا كان قد خرج من
به ثمّ یستأنف طوافه بین الصفا و المروة. قلت: فما الفرق بین هذین. قال: لأن هذا قد دخل في شيء من الطواف و هذا لم یدخل في شيء منه (1). و منه یظهر أن الأقوی اعادة السعي علی التفصیل المزبور و جعل المدار فیه علی الاتیان بنصف السعي و عدمه علی الأقوی و ذلك لإطلاق اعتبار الموالاة في الطواف و السعي كما تقدم بضمیمة مفاد الموثقة المتقدّمة و تحصل من ذلك أنه لو نسي بعض الطواف و تذكره أثناء السعي فإنه كان دون النصف استأنفهما و إن كان دون النصف من الطواف خاصة اعادهما ایضا و ذلك لأن ما أتی به من الطواف فاسد لفقد الموالاة فیكون حاله كما لو لم یأت بالطواف من رأس فیلزمه اعادة السعي بعد اعادة الطواف، و إن كان تذكره دون النصف من السعي خاصة اعاده خاصة بعد إتمامه للطواف و ان كان فوق النصف منهما اتممها مع الترتیب و بیان ذلك أن اطلاق قوله في الموثقة باتمام السعي مقید بما دلّ علی اعتبار الموالاة في النصف الأول في كلٍّ من الطواف و السعي.
قد ظهر الكلام فیها مما تقدم.
1) أبواب الطواف، ب63، ح3.
مكة و مضی علیه شهر أو أكثر لزمه الإحرام لدخول مكة كما مر(1).
(مسألة 325): لا یحل لناسي الطواف ما كان حله متوقفا علیه حتی یقضیه بنفسه أو بنائبه(2).
(مسألة 326): إذا لم یتمكن من الطواف بنفسه لمرض أو كسر و اشباه ذلك لزمته الاستعانة بالغیر في طوافه و لو بان یطوف راكبا علی متن رجل آخر، و إذا لم یتمكن من ذلك أیضاً وجبت علیه الاستنابة فیطاف عنه، و كذلك الحال بالنسبة إلی صلاة الطواف فیأتي المكلف بها مع التمكن و یستنیب لها مع عدمه.
و قد تقدم حكم الحائض و النفساء في شرائط الطواف(3).
یظهر الكلام في هذه المسألة مما مرّ في أبواب العمرة و أحكام دخول مكة.
و قد مرّ الكلام في ذلك في مبحث الاحرام من أنه حالة مسببیة لا یتحلل منها الا باتیان جمیع الاعمال مضافاً إلی المحلل و یدل علیه في خصوص المقام صحیح علي بن جعفر المتقدم (1).
قاعدة في كون افعال النسك و العبادات اربع مراتب:
و المراد بذلك أن النسكین بدأ من الاحرام إلی التقصیر بل كذلك الموقفین و كل اجزائها من الافعال هي ذات مراتب أربع و سواء كان النسك ندبیاً أو واجباً. فالمرتبة الأولی هي ان یأتي بالفعل بنفسه مباشرة استقلالاً، و المرتبة الثانية عند العجز عن الأولی أن یأتي بالفعل مباشرة بمعونة غیره ، و المرتبة الثالثة أن یوقع الفعل
1) أبواب الطواف، ب58، ح1.
..........
فیه إن عجز عن الأولیتین، كما هو الحال في المغمي او الصبي الذي لا یدرك و لا یمیّز و هذه المرتبة هي نحو من النیابة الا أن النائب لا یوقع الفعل النیابي في بدن النائب نفسه، بل یوقع الفعل في بدن المنوب عنه، فالنیة و الایجاد هي من النائب، و قد شرحنا ذلك مفصلاً في حج الصبیان فلاحظ نعم اللازم نیة من یوقع الفعل في العاجز اذ هو النائب كما دلت علی ذلك روایات ایقاع الحج في الصبي فلاحظ ثمة. و المرتبة الرابعة أن یؤتی بالفعل نیابة عنه باتیان النائب نفسه. و قد ذهب إلی ذلك المشهور في عموم افعال النسك حتی الاحرام كما لو اغمی علیه قبل أن یحرم و كذلك في الصبي و كذلك في الموقفین، بل لا یبعد التزام الاجزاء في الحج الواجب في المغمی علیه أیضاً.
بل إن هذه القاعدة ساریة في جملة من أبواب العبادات كما في الصلاة و الوضوء و الغسل و كما هو الحال في غسل و تیمم المیت.
و یدل علیه صحیح حریز عن أبي عبد اللّه قال: المریض المغلوب و المغمی علیه یرمی عنه و یطاف به (1). و في صحیحه الآخر عن أبي عبد اللّه سألت عن الرجل یطاف به و یرمی عنه فقال نعم إذا لا یستطیع (2). و صحیحة معاویة بن عمار عن أبي عبد اللّه قال: إذا كانت المرأة مریضة لا تعقل فلیحرم عنها و یتقی علیها ما یتقی علی المحرم و یطاف بها او یطاف عنها و یرمی عنها (3).
..........
و مقتضی هذه الروایة جواز عقد النسك نیابة في العاجز كما هو الحال في الصبي و إن كان للحج المفروض، و ذكر الافعال تلو بعضها البعض دال علی العموم و أن ذكرها من باب التمثیل. و في موثق اسحاق بن عمار أنه سئل أبا الحسن موسی عن المریض ترمی عنه الجمار؟ قال: نعم یحمل إلی الجمرة و یرمی عنه. قلت: لا یطیق قال: یترك في منزله و یرمی عنه (1). قال: قلت: المریض المغلوب یطاف عنه ؟ قال: لا و لكن یطاف به (2). و هذه الروایة دالة علی أن المرتبة الرابعة متأخرة عن المرتبة الثالثة المتقدمة. و في صحیح معاویة بن عمار عن أبي عبد اللّه قال: الصبیان یطاف بهم و یرمی عنهم قال. و قال أبو عبد اللّه : إذا كانت المرأة مریضة لا تعقل یطاف بها او یطاف عنها (3). و مفاد هذه الروایة هو الفعل في المرتبتین الثالثة و الرابعة و في صحیحة اخری لمعاویة بن عمار عن أبي عبد اللّه قال: الكسیر یحمل فیطاف به و المبطون یرمی و یطاف عنه و یصلي عنه (4). هذا و قد مرت روایات احجاج الصبیان (5). و غیرها من الروایات (6)كصحیح
..........
حفص بن البختري (1). و معتبرة اسحاق بن عمار (2).
و في الصحیح إلی جمیل بن دراج عن بعض اصحابنا عن أحدهما في مریض اغمی علیه فلم یعقل حتی اتی الموقف [ اتی الوقت] فقال: یحرم عنه رجل (3).
و هذه الروایة علی تقدیر نسخة الموقف تدل علی اجزاء الوقوف بالمغمی علیه كما افتی بذلك المشهور. و أما علی النسخة الاخری [الوقت] فتدل علی جواز
صلاة الطواف
و هي الواجب الثالث من واجبات عمرة التمتع، و هي ركعتان یؤتی بهما عقیب الطواف، و صورتها كصلاة الفجر و لكنه مخیر في قراءتها بین الجهر و الاخفات، و یجب الإتیان بها قریباً من مقام ابراهیم ، و الأحوط بل الأظهر لزوم الإتیان بها خلف المقام، فإن لم یتمكن فیصلی في أي مكان من المسجد مراعیاً الأقرب فالأقرب إلی المقام علی الأحوط، هذا في طواف الفریضة، أما في الطواف المستحب فیجوز الإتیان بصلاته في أي موضع من المسجد اختیارا(1).
ایقاع الاحرام فیه ونیة الاحرام عنه.
و في صحیحة أبي علي بن راشد قال: كتبت إلیه اساله عن رجل محرم سكر و شهد المناسك و هو سكران أ یتم حجه علی سكره. فكتب لا یتم حجه (1). و هذه الروایة دالة علی أن العجز و الاغماء اذا كان في معصیة فلا تشرع في حقه المرتبة الثالثة فضلاً عن الرابعة.
و یدل علیه قوله تعالی: «وَ إِذْ جَعَلْنَا الْبَیْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ وَ أَمْناً وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِیمَ مُصَلًّی» (2). و المثابة الفرد البارز فیها الطواف ، فعطف الامر بالصلاة
..........
في ذلك الموضع لا یخلو من اشعار بترتب الصلاة علی الطواف. فیكون ذكر جعل البیت مثابة توطئة إلی مناط تشریع الصلاة كما ذكر ذلك بعض المفسرین.
و تدل علیه إیضاً طوائف عدیدة من الروایات (1).
إلاّ أن الكلام یقع في أمور:
الأوّل: هل أن ركعتي الطواف من اجزاء النسك، أم أنها لازم مترتب علی الطواف كترتب الكفارة علی سببها. و علی الأول فهل هي ركن یبطل النسك بتركها عمداً او بالجهل التقصیري أم لا.
نسب إلی المشهور الثاني بل حكی في الخلاف عن قوم من اصحابنا انهما غیر واجبتین (2). ففي المستند للنراقي حكی عن المسالك أن التارك عمداً لهما كالناسي و قال في الجواهر حاكیاً عن المسالك أن الاصحاب لم یتعرضوا لذكر الترك العمدي و الذي یقتضیه الاصل أنه یجب علیه العود مع الامكان، و مع التعذر یصلیهما حیث امكن، ثمّ حكی عن المدارك الاشكال في صحة الافعال المتأخرة عنهما، كما حكی في المستند استشكال صاحب الذخیرة ایضا و استجود كل من صاحب الحدائق و الریاض اشكال المدارك. و قال في الجواهر: قد یقال بتناول صحیح الجاهل للمقصر الذي هو كالعامد، كما أنه قد یقال بأن الادلة المزبورة خصوصاً الآیة و ما اشتمل علی الاستدلال بها من النصوص إنما تدل علی وجوبها بعد الطواف
..........
لا اشتراط صحته بهما، و لذا كان له تركهما في الطواف المندوب و لم یؤمر باعادة السعي و غیره من الافعال لناسیهما و الجاهل بهما، فلیس حینئذ في عدم فعلهما بعد الطواف عمداً الا الاثم و وجوب القضاء كما ذكره ثاني الشهیدین لا بطلان ما تعقبهما من الافعال، و جعلهما في المتن من لوازم الطواف أعم من ذلك، و حكی في المستند عن صاحب الریاض في من قصر في صحة الركعتین أنه لا وجه لبطلان النسك ببطلانهما لانهما لیستا من أركان الحج و حكی عن والده الاشكال في صحة النسك و مال هو لذلك أیضا (1). و ألحق المیرزا النائیني في مناسكه العامد بالناسي.
هذا و یستدل للأول بما في الاخبار البیانیة من الحج حیث تضمنت التعبیر (طاف ثمّ صلی ثمّ سعی) الدالة لمكان التعبیر بثم علی الترتیب، و كذا ما ورد فیمن نسي ركعتي الطواف حتی دخل السعي أنه ینصرف فیأتي بهما ثمّ یرجع إلی السعي فیتمه (2)، فتدل علی لزوم ترتب السعي حال الذكر علی الصلاة، و بما في بعض النصوص أیضاً كصحیح معاویة بن عمار (و لا تأخرهما ساعة تطوف و تفرغ فصلهما) (3)و مثله صحیح منصور (4).
و فیه: انما ذكر أعم من الترتب و وجوب الفوریة فیها إذ لعل وجه تقدیمه
..........
الصلاة في الاخبار البیانیة هو فوریتهما و اتساع وقتي السعي و كذلك الحال في روایات قطع السعي و الاتیان بهما فإنه ینطبق مع الفوریة لاتساع وقت السعي بخلافها، لا ترتب السعي علیهما لا سیما و ان روایات الفوریة الآتیة تشدد علی أن وقتهما یحدث بمجرد الطواف.
و بعبارة أخری: ان أدلة الفوریة مانع عن استظهار الترتب من الادلة المزبورة نعم تلك الادلة لو لا الفوریة الثابتة لكانت دالة علی الترتب و كذا الحال فیما دلّ (1)علی قطع السعي لمن نسي ركعتي الطواف و المبادرة لإتیانهما.
و بعبارة ثالثة: ان العمدة في عدم الشرطیة ما اشار إلیه صاحب الجواهر من أن ظاهر ادلة الركعتي الطواف هو كون وجوبهما مسبب عن الطواف أي أن سبب وجوبها الطواف و هو بنحو الفوریة و قد تقدم أن الآیة تشعر بذلك.
و یستفاد ذلك من صحیحة محمد بن مسلم قال سألت ابا جعفر عن من طاف طواف الفریضة و فرغ من طوافه حیث غربت الشمس قال وجبت علیه تلك الساعة الركعتان فلیصلهما قبل المغرب) (2)مع أن النصف الثاني من السعي یجوز قطعه لأداء الفریضة، كما أن التعبیر (بوجبت علیه تلك الساعة) ظاهر في سبب الطواف لوجوبها بنحو الفوریة.
و بعبارة أدق إن ما في صحیح محمد بن مسلم من ترتب وجوب الركعتین علی الطواف لا ذات الركعتین علی الطواف مقتضاه الارتباط بین الطواف، و حكم
..........
الركعتین أي أنّ الطواف من قبیل قیود الوجوب لا قیود الواجب فالارتباط لیس بین ذات الطواف و ذات الركعتین كأجزاء عملٍ واحد بل بین ذات الطواف و حكم الركعتین، و من ثمَّ یصحُّ التعبیر بأن الطواف سببُ لوجوب الركعتین نظیر سببیّة الزوال لوجود الظهر، لا سیما و أنّ في صحیح محمد بن مسلم قد عبر عن الوجوب بلفظ وجبت علیه أي بالمعنی الاسمي لا بالمعنی الحرفي من قبیل هیئة الامر مما یؤكّد إرادة الحكم لا التوطئة لإرادة المتعلق و بیان الارتباط بین ذاتي الطواف و الصلاة، فیكون التعبیر المزبور نظیر من ظلّلَ فلیكفر أي أنَّه من قبیل الواجب المستقل الذي حصل سببه في ظرف الحج لا الواجب الارتباطي الضمني، فیكون نظیر أعمال منی في الیوم الحادي عشر و الثاني عشر من رمي الجمرات و لزوم المبیت في منی أي من أنها واجبات مستقلة ظرفها الحج.
و یؤیّد هذا الاستظهار ما في طواف النافلة من عدم كون ركعتي الطواف شرطاً لصحته فیجوز للطائف نفلاً أن یؤخّر إتیان الركعتین بإتیانه لاسابیع متعددة نفلیة ثمّ یأتي بصلواتها بل لو لم یأت بها لما ضرّ ذلك بصحة الطواف.
و یعضد ذلك أیضاً ما ورد في التي تحیض بعد الطواف مباشرةً أنّها تسعی ثمّ تقضي الركعتین بعد طهرها كما في صحیح زرارة قال سألته عن امرأة طافت بالبیت فحاضت قبل أن تصلي ركعتین فقال لیس علیها إذا طهرت إلاّ الركعتین و قد قضت الطواف. و الروایة كما تری صریحة في تمامیّة صحة الطواف من دون الركعتین و أن الركعتین واجبٌ مستقل (1). و مثله صحیحة أبي الصباح الكناني ، و فی
1) أبواب الطواف، ب88، ح1.
..........
صحیح معاویة بن عمّار قال سألت أبا عبد اللّه عن امرأةٍ طافت بالبیت ثمّ حاضت قبل أن تسعی؟ قال: (تسعی) الحدیث (1)، و مثلها روایة سعید الاعرج: قال سئل أبو عبد اللّه عن امرأةٍ طافت بالبیت أربعة اشواط و هي معتمرة ثمّ طمثت؟ قال تتم طوافها فلیس علیها غیره متعتها تامّة فلها أن تطوف بین الصفا و المروة و ذلك لأنّها زادت علی النصف و قد مضت متعتُها و لتستأنف بعد الحج.
و دعوی خصوصیة الحكم بالحائض في هذه الروایات كما هو الحال في المتمتعة التي طمثت و لم تطف أنها تسعی و تقصر ثمّ تقضي طواف العمرة قبل طواف الحج بعد الطهر، مع أن الترتیب لازم بین السعي و الطواف، و قد رفعت الید عنه للعجز.
و فیه: أولاً أن ظاهر الروایات في المقام أن ذلك بمقتضی القاعدة مع أن مسألة تأخیر الطواف و تقدیم السعي لیس متفق علیه كما سیأتي في السعي . و ثانیاً: أن لسان صحیحة زرارة أنّ تمامیّة الطواف من دون صلاة و إن كانت الصلاة واجباً مستقلاً هو بمقتضی طبیعة الطواف نفسه. و قد یستدل للشرطیة مضافاً إلی ما تقدم من الوجوه السابقة و التي تقدم النظر فیها بصحیحة معاویة بن عمار عن أبي عبد اللّه قال سألته عن امرأة تطوف بالبیت ثمّ تحیض قبل أن تسعی بین الصفا و المروة قال فإذا طهرت فلتسعی بین الصفا و المروة) (2)و حمله الشیخ علی الافضلیة مع سعة الوقت ، فیستظهر منها الدلالة علی الترتب بین السعي و صلاة الطواف إذ
..........
تأخیر السعي لیس لأجل الحیض فإنه غیر مشروط بالطهارة مع أن السعي مشروط صحته بالموالاة مع الطواف بمقدار الیوم فالتأخیر لیس الا لأجل شرطیة الترتیب بین الصلاة و السعي.
و یستدل أیضاً بصحیحة رفاعة قال سألت أبا عبد اللّه عن الرجل یطوف الطواف الواجب بعد العصر أ یصلي الركعتین حین یفرغ من طوافه فقال: نعم اما بلغك قول رسول اللّه یا بني عبد المطلب لا تمنعوا الناس من الصلاة بعد العصر فتمنعوهم من الطواف) (1).
و فیه: ان الصحیحة الأولی معارضة بصحیحة أخری لمعاویة بن عمار المتقدمة الدالة علی أنها تقدم السعي و تراعی الموالاة بینه و بین الطواف، و الترجیح للأولی لأنها بمقتضی القاعدة لمراعاة شرطیة الموالاة. مضافاً إلی اعتضادها بروایات اخری في الأبواب (2)آمرة بتقدیم السعي. و یعزز ذلك ما ورد فیمن نسی ركعتي الطواف حتی شرع في السعي حیث أنه ورد لسانان في ذلك: أحدهما أمر بالقطع و تدارك الصلاة ثمّ العود إلی مكانه و ثانیهما: ما في صحیحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر أنه رخص له أن یتم طوافه ثمّ یرجع فیركع خلف المقام (3)و قال الصدوق بالتخییر.
الفرع الثاني : تجب الركعتان بنحو الفوریة بعد الطواف و قال الشیخ فی
..........
التهذیب: فاما وقت ركعتي الطواف فحین یفرغ من الطواف ما لم یكن وقت صلاة الفریضة سواء كان ذلك بعد الغداة او بعد العصر - إلی ان قال - و قد رویت كراهة ذلك عند اصفرار الشمس، ثمّ استدل له بصحیحتي محمد بن مسلم فیظهر من كلامه ندبیة الفوریة (1)كما دلت علیه جملة من الروایات كصحیح محمد بن مسلم المتقدم و صحیحتي معاویة بن عمار و منصور بن حازم المتقدمین و غیرها من الروایات.
نعم في صحیح محمد بن مسلم الأخر قال سألت ابا جعفر عن ركعتي طواف الفریضة فقال: (وقتهما اذا فرغت من طوافك، و أكرهه عند اصفرار الشمس و عند طلوعها) (2).
و حمله الشیخ علی التقیة لموافقة العامة، لكن الحمل لا یقتضي ابقاء ظهور الأمر بالفوریة علی الوجوب إذ غایته هو مشروعیة و ندبیة الصلاة فوراً.
و في صحیح علي بن یقطین قال سألت ابا الحسن عن الذي یطوف بعد الغداة و بعد العصر و هو في وقت الصلاة أ یصلي ركعات الطواف نافلة كانت أو فریضة؟ قال: (لا) (3).
و حمله الشیخ علی تأخیر ركعتي الطواف عن الفریضة الحاضرة. و في موثق اسحاق بن عمار عن أبي الحسن قال: ما رأیت الناس أخذوا عن الحسن
..........
و الحسین إلا الصلاة بعد العصر و بعد الغداة في طواف الفریضة (1). و في صحیحة رفاعة سألت أبا عبد اللّه عن الرجل یطوف الطواف الواجب بعد العصر أ یصلي الركعتین حین یفرغ من طوافه؟ فقال: نعم. اما بلغك قول رسول اللّه (2).. الخ. و قد تقدم نقله.
و یظهر من هاتین الصحیحتین أن الامر بالفوریة هو لدفع توهم الحضر عند العامة في اوقات الصلاة المحظورة، مما قد یخدش في استظهار لزوم الفوریة.
و في صحیح محمد بن مسلم قال سألت ابا جعفر عن رجل طاف طواف الفریضة و فرغ من طوافه حین غربت الشمس قال: وجبت علیه تلك الساعة الركعتان فلیصلها قبل المغرب و ظاهرها بدواً و إن كان هو الفوریة الا أن الأمر بذلك حیث أنه في مورد توهم الحظر بسبب كون وقت الفریضة الیومیة فلا یتم الظهور في الوجوب بل غایته الندبیة.
و في صحیح معاویة بن عمار قال: قال أبو عبد اللّه : (اذا فرغت من طوافك فائت مقام إبراهیم فصل ركعتین) إلی أن قال (و هاتان الركعتان هما الفریضة لیس یكره لك أن تصلیهما في أي الساعات شئت، عند طلوع الشمس و عند غروبها و لا تؤخرها ساعة تطوف و تفرغ فصلیهما) (3).
و التقریب في دلالتها، كما تقدم لتعرضه لدفع توهم الحظر فیكون الامر
..........
وارداً هذا المورد لكن ذیلها شاهد بالفوریة لتأكیده النهي عن التأخیر بعد ما دفع توهم الحظر في صدر الجواب، فالأقوی البناء علی الفوریة كما هو مقتضی صحاح عدیدة متقدّمة.
الفرع الثالث: صورة ركعتي الطواف كركعتي صلاة الصبح لإطلاق الامر بالركعتین و كما تدل علیه الروایات الواردة أیضاً (1)، المتضمنة للأمر بالسورة بعد الفاتحة، و هي التوحید في الأولی و الجحد في الثانية، و اطلاقها دال ایضا علی التخییر في كیفیة القراءة جهراً و إخفاتاً.
الفرع الرابع: اللازم الاتیان بها خلف المقام فإن لم یتمكن فالأقرب الاقرب إلیه.
و المعروف في الكلمات لزوم ذلك إلاّ إذا زوحم او ازدحم فمن الجانبين، او وراء المقام بحیاله، إلاّ الصدوق فاستثنی طواف النساء و الشیخ في الخلاف ذهب إلی استحبابه، و یدل علیه قوله تعالی: «وَ إِذْ جَعَلْنَا الْبَیْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ وَ أَمْناً وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِیمَ مُصَلًّی» (2)و ظاهر الآیة الصلاة في المقام أو عنده لأنه معنی اتخاذه مصلی أي مكاناً للصلاة سواء كانت (من) بیانیة او اتصالیة او ابتدائیة نشویة فهي تقارب عنوان العندیة.
و الروایات الواردة في المقام: كصحیح إبراهیم بن أبي محمود قال: قلت للرضا أصلي ركعتین طواف الفریضة خلف المقام حیث هو الساعة أو حیث
..........
كان علی عهد رسول اللّه قال: حیث هو الساعة (1). و صحیح معاویة ابن عمار قال: قال أبو عبد اللّه : إذا فرغت من طوافك فأت مقام إبراهیم فصلي ركعتین و اجعله إماماً... الحدیث (2). و في حسنة زرارة عن أحدهما قال: لا ینبغي أن تصلي ركعتي الطواف الفریضة الا عند مقام إبراهیم . و أما التطوع فحیث شئت من المسجد (3). و في صحیح جمیل بن دراج عن أحدهما أن الجاهل في ترك الركعتین عند مقام إبراهیم بمنزلة الناسي (4). و في موثق عبید بن زرارة المتقدم عنه یرجع فیصلي عند المقام أربعاً (5). و في صحیح أبي الصباح الكناني المتقدم عنه إن كان بالبلد صلی ركعتین عند مقام إبراهیم فإن اللّه عز و جل یقول و اتخذوا من مقام إبراهیم مصلی (6).
و الروایات كما تری علی ألسن مختلفة فأكثرها تضمنت التعبیر بخلف المقام، و الظاهر منه المنسبق هو الوراء القریب، و في جملة أخری منها التعبیر ب- (عند المقام) و النسبة بین هذا اللسان و السابق هي من وجه إذ الثاني یشمل الجانبين دون الوراء البعید علی تقدیر شمول اللسان الأول له ، و إلاّ فتكون النسبة أعم مطلقاً ، و اللسان
..........
الثالث فیها اجعله (إماماً) و هذا علی الكسر (إماماً) ظاهر في مفاد اللسان الأول، و علی الفتح (أَماماً) ظاهر في مطلق الحیال و الموازاة في جهة القبلة و لو من بعد، و الارجح هو الكسر لكونه تفسیراً للآیة في الروایة، و هو الانسب بخلاف الفتح أي اتخذوا من مقام إبراهیم مصلاً أي إماماً - بالكسر - و اللسان الرابع فیها حیال المقام كما في صحیح الحسین بن عثمان قال: رأیت أبا الحسن موسی یصلي ركعتي طواف الفریضة بحیال المقام قریباً من ظلال المسجد (1). و في طریق الشیخ التعلیل في الروایة لكثرة الناس (2). و هو ظاهر في الاختصاص بالاضطرار علی طریق الشیخ و علی أي تقدیر الفعل مجمل و لذلك حمله صاحب الجواهر علی عدم اتساع الوقت ایضا إذ هو القدر المتیقن.
فتحصل من هذه الألسن عمومات علی درجات.
الأوّل: هو عنوان عند المقام.
الثاني: عنوان خلفه او إماماً.
الثالث: الحیال و الموازاة عند الاضطرار.
و مقتضی تقیید الأول بالثاني هو تعیّن الخلف و هو یتّسع بالمقدار الصادق عرفاً إلی أذرع و نحوه لأنّ الخلف من مادة خَلَف و یخلف و خلیفة و ما یأتي تلو الشيء . نعم لو اضیف إلی المساحات الكبیرة یتسع بخلاف ما لو كانت إضافته إلی المساحات المتوسطة أو الصغیرة، مضافاً إلی ورود التعبیر في الروایات بالأمر بإتیان المقام و كذلك
..........
مفاد الآیة حیث أن الخلف بیانٌ له و تحدید و أنّه معنی العندیّة، و مقتضی القاعدة حین تعذّر الخلف هو سقوطه و بقاء إطلاق الدرجة الأولی من العموم (عند المقام) فیتعیّن الجانبان بنحو لا یتقدّم علیه، إذ الخاص و هو العموم من الدرجة الثانية إنما یقید العموم من الدرجة الأول في فرض القدرة و لا إطلاق له في فرض العجز مضافاً إلی القطع بعدم سقوط صلاة الطواف علی كل حال مع تعذّرها خلف المقام و مع تعذرهما یرجع إلی العموم الثالث كما اختاره صاحب الجواهر.
و منه یظهر ضعف التخییر فضلاً عن تعیّن العموم من الدرجة الثالثة و تقدّمه علی الجانبين، نعم لو كان قد ورد التعبیر بكونه قبلةً أماماً (بالفتح) لكان عموماً من الدرجة الأولی و نسبته مع لسان (عنده) هي من وجه فمقتضی القاعدة حینئذٍ عند التعذر هو التخییر في العمل بین العمومین بعد عدم إمكان تقیید كلٍّ بالآخر في صورة الاضطرار، نعم لو بنی علی عدم التخییر في التعارض فاللازم الاحتیاط بالجمع لكنّ ذلك كلّه علی فرض وجود (أماماً و قبلةً) و لو قرئت أَماماً بالفتح فلا بد من حملها علی القدّام القریب لكونه تفسیراً للاتخاذ المذكور في الآیة لیكون المقام موضع الصلاة.
و أما صحیحة الحسین بن عثمان فحیث أن مفادها فعلٌ لا إطلاق له فلا یرفع الید عن العمومات السابقة مع القدرة علی اتخاذ المقام مصلاً و مكاناً للصلاة، لا سیما و أن الروایة في طریقها الآخر معلّلة بكثرة الناس فتكون الصلاة بحیال المقام من بعد ملحقة بعنوان الاتخاذ.
و أما تقیید صاحب الجواهر الصلاة من بعد بضیق الوقت كقدرٍ متیقن فلم یرتكبه المشهور استئناساً بما ورد من التوسعة في ناسي الصلاة أنه یأتي بها عند المشقة خارج المسجد مضافاً إلی بعد التقیید المزبور في فعله .
(مسألة 327): من ترك صلاة الطواف عالماً عامداً بطل حجه لاستلزامه فساد السعي المترتب علیها(1).
(مسألة 328): تجب المبادرة إلی الصلاة بعد الطواف بمعنی أن لا یفصل بین الطواف و الصلاة عرفاً(2).
(مسألة 329):إذا نسي صلاة الطواف و ذكرها بعد السعي أتی بها، و لا تجب إعادة السعي بعدها و إن كانت الإعادة أحوط، و إذا ذكرها في أثناء
ثمّ إن صدق العندیّة إلی سبعة أمتار و نحوها ظاهر أما الزائد بأكثر فالصدق فیها خفي و قد یفصل في الزائد بین اتصال الصفوف و عدمها، لكن الاتصال بصفوف الطائفین لا یخلو من إشكال للحیلولة، و علی أي تقدیر فعند الدوران بین مشكوك الصدق و الجانبين یتعین الثاني لإحراز الامتثال في الثاني دون الأول كما أن الخلف یصدق مع عدم المقابلة بنحو الخط المستقیم مع المقام و الكعبة و كذا امام بالكسر او الفتح هذا اذا ما كان الانحراف یسیراً، و لك ان تقول أن الحیال یتسع كلما ابتعد المصلي عن المقام بنحو المثلث رأسه عند المقام و قاعدته عند جدران المسجد نظیر ما ذكرناه في محاذاة الحجر الأسود عند بدأ الطواف.
هذا مبتني علی القول بجزئیة الصلاة للنسك، بل قد ذهب القائل بالجزئیة إلی فساد الحج فیما لو أخر الصلاة بنحو تنفي الموالاة العرفية بین الطواف و الصلاة، و یظهر من البعض ایضا بطلان الطواف مع التأخیر لا خصوص السعي، فعلیه إعادة الطواف أیضاً، و كل هذا مبتني علی القول بالجزئیة. و قد عرفت ضعفه فیما تقدم.
قد تقدم أن الأقوی لزوم الفوریة، و انها تكلیفیة لا وضعیة، كما قد عرفت أن البعض قد بنی علی كون الفوریة وضعیة.
السعي قطعه و أتی بالصلاة في المقام ثمّ رجع و أتم السعي حیثما قطع، و إذا ذكرها بعد خروجه من مكة لزمه الرجوع و الإتیان بها في محلها، فان لم یتمكن من الرجوع أتی إلی الحرم رجع إلیه و أتی بالصلاة في علی الأحوط الأولی، و حكم التارك لصلاة الطواف جهلاً حكم الناسي، و لا فرق في الجاهل بین القاصر و المقصر(1).
و في المسألة فروع:
الفرع الأول: اذا نسی صلاة الطواف إلی أن أتم السعي فیأتي بالصلاة و لا یعید السعي و یدل علیه اطلاق النصوص الواردة فیمن نسي ركعتي الطواف حتی فرغ او انتقل إلی نسك أخر فانها اطلقت الامر باعادة الصلاة من دون التقیید باعادة السعي و كذلك الروایات الواردة في من نسي ركعتي الطواف حتی أتی ببعض السعي فإنه یأتي بالصلاة ثمّ یتم ما بقي من دون اعادة (1). و قد نصت الروایات ان الجاهل كالناسي.
الفرع الثاني: إذا نسي الصلاة و أتی ببعض السعي. فمقتضی اطلاقات الروایات الواردة الاتیان بالصلاة ثمّ البناء علی السعي حیث قطعه سواء كان قبل النصف او بعده كما في صحیح معاویة بن عمار عن أبي عبد اللّه أنه قال في رجل طاف طواف الفریضة و نسي الركعتین حتی طاف بین الصفا و المروة ثمّ ذكر. قال: یعلم ذلك مكان ثمّ یعود فیصلي الركعتین ثمّ یعود إلی مكانه (2). و مثلها صحیح
..........
محمد بن مسلم (1)و الصحیح إلی حماد عیسی عمّن ذكره (2). نعم روی الصدوق باسناده عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر أنه رخص له أن یتم طوافه ثمّ یرجع فیركع خلف المقام (3). و قال الصدوق في ذیلها بأي الخبرین أخذ جاز.
و الجمع بین اللسانین أسهل مئونة بناء علی عدم جزئیة صلاة الطواف في النسك و انما اللازم هو الفوریة فیمكن رفع الید في هذه الصورة لا سیما إذا كان لم یكمل النصف أي أربع أشواط فانه یوجب ابطال ما في یده، و إن كانت الروایات المتقدمة مصححة للبناء مطلقا لما أتی به لو قطعه للصلاة، و لكن لا بد من رفع الید عن اطلاقها للكبری المتقدمة في شرطیة الموالاة في الطواف و السعي في النصف الأول، و هو بمقدار أربعة اشواط و اطلاق عبائر الاصحاب في المقام محمول علی هذا التفصیل و سیأتي تنصیص بعض الروایات (4)الواردة فیمن نسي إكمال الطواف حتی شرع في السعي.
الفرع الثالث: إذا نسي الصلاة و ذكرها بعد خروجه من مكة او في منی و نحو ذلك، فعن المشهور التفصیل بالمشقة و عدمه في الرجوع لأدائها خلف المقام، و كذا التفصیل في الرجوع إلی الحرم إذا تعذر المقام.
..........
و الفروض المذكورة في الروایات ثلاثة منها ما إذا كان في منی، و الثاني ما اذا كان في الطریق إلی منی، و منها ما اذا ارتحل عن مكة.
الأوّل: ما اذا تذكر في منی و الروایات الواردة علی لسانین، اللسان الأول ما دل علی جواز أدائهما في منی كموثقة عمر بن یزید و صحیح هاشم بن المثنی (1). و كذا موثق حنان بن سدیر (2)الوارد في قرن الثعالب التي هي من منی كما مرّ في میقات قرن المنازل. و الروایتین الأخیرتین هما الروایة المشتركة التي رواها بن بشار عن هشام بن المثنی و حنان، و الاقوی اتحاد هشام و هاشم لما ذكره جامع الرواة من قرائن فلاحظ. نعم في الطریق الأول لروایة هاشم بن المثنی قوله أ فلا صلاهما حیث ما ذكر.
و اللسان الثاني ما دلّ علی رجوعه إلی المقام كصحیح أحمد بن عمر الحلال (3).
و كذا الروایات الآتیة في الأبطح و الطریق في منی بناء علی عدم الخصوصیة و كذا ایضا بعض الروایات الواردة فیمن ارتحل عن مكة و مضی قلیلاً انه یرجع إلی المقام بل في بعض الروایات (إن جاوز میقات أهل ارضه فلیرجع یصلیها).
و الجمع بین اللسانین بحمل الأولی علی ما اذا لم تكن مشقة و الثانية علیها و ان كان أحوط ، و معاضد بما سیأتي بمن ارتحل عن مكة بتعلیل الصلاة حیث ذكر
..........
لكي لا یشق علیه كما في صحیح أبي بصیر (1). الا أن فرض عدم المشقة في منی لا سیما في زمن صدور النص بعید، نعم قد یتصور أن تذكره للصلاة كان في وقت بقی علیه من اعمال مكة او كانت له حاجة في مكة یذهب الیها فلا تكون المشقة للرجوع للصلاة و الجمع المزبور علی أي تقدیر اوفق بالقواعد الاولیة.
ثمّ انه لو كان في المزدلفة او عرفات و ذكر نسیان صلاة طواف العمرة فالكلام هو الكلام نعم ظاهر المحكي عن الدروس انه یصلی في الحرم مع القدرة، و علی أي تقدیر لا بد من مراعاة فوریة الصلاة و ان كان الاولی اعادتها عند رجوعه إلی المقام.
الثاني: ما اذا كان في طریقه إلی منی كالأبطح و نحوه فظاهر الروایات أنه یرجع و یدل علیه صحیح محمد بن مسلم و موثقتي زرارة.
و كذا الروایات الآتیة المفصلة بین مكة و غیرها.
و الثالث: من ارتحل عن مكة و الروایات الواردة فیها بعضها مفصلة بین مكة و خارجها كصحیحة أبي صباح الكناني (2)، و مثلها صحیحة معاویة بن عمار (3). و بعضها الأخر الأمر بالتوكیل مطلقا كصحیح محمد بن مسلم (4). كصحیح ابن مسكان (5)عمن حدثه و مثلها صحیح عمر بن یزید المتضمن الامر بقضائه بنفسه
..........
أو ولیه أو رجل من المسلمین (1).
و بعض ثالث كصحیحة عمر بن یزید الاخری عن أبي عبد اللّه فیمن نسي ركعتي الطواف حتی ارتحل من مكة. قال: إن كان قد مضی قلیلاً فلیرجع فلیصلیهما، او یأمر بعض الناس فلیصلیهما عنه (2).
و بعض رابع أمر بالرجوع مطلقاً كصحیح بن مسكان قال: و في حدیث آخر إن كان جاوز میقات أهل أرضه فلیرجع و لیصلهما فإن اللّه تعالی یقول «وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِیمَ مُصَلًّی» (3)و قد عرفت جمع المشهور بالتفصیل بین المشقة و عدمها و تعذّر الحرم و عدمه، و ذهب بعض اعلام العصر إلی الاحتیاط بالجمع بین الاستنابة و التوكیل و بین الصلاة حیث یذكر، لكن ظاهر صحیحة عمر بن یزید الأخری أن التوكل و الاستنابة مقیدة بما إذا كان مرتحلاً عن مكة بقرب منها. و مثله صحیح بن مسكان ایضا (4). و هذا التقیید في التوكیل و الاستنابة أوفق بقاعدة فوریة الصلاة لأن التوكیل من بلده یلزم منه التأخیر إلا أن یفرض في یومنا الحاضر في بعض الموارد إمكان مراعاة الفوریة، و الظاهر أنها مقدمة علی الصلاة من بعد. و من التفصیل في هذه الروایات یتبین أن مراتب اداء الصلاة الاولی هي اتیان الصلاة عند المقام مباشرة ، فإن لم یمكن فنیابة، فإن لم یمكن ففي الحرم و إلاّ فحیث یذكر، و هذا بحسب
(مسألة 330): إذا نسي صلاة الطواف حتی مات وجب علی الوليّ قضاءها(1).
القدرة و عدم المشقة مع مراعاة الفوریة. و الذي یدل علی اعتبار الحرم في الرتبة اللاحقة كما ذهب إلیه الشهید في الدروس یستفاد مما ورد من الامر بالصلاة في منی لمن تذكرهما فیها حیث هي مصداق للحرم. بل قد یستفاد من صحیح معاویة بن عمار (1)المتقدم باستظهار قضائهما في كل البلد أي مكة.
و یستدل له بصحیح عمر بن یزید المتقدم عن أبي عبد اللّه قال من نسي أن یصلي ركعتي طواف الفریضة حتی خرج من مكة فعلیه أن یقضي او یقضي عنه ولیه او رجل من المسلمین (2). باطلاق یقضي عنه ولیه و تقریب أن الاطلاق ایضا یقتضي أن القضاء علی الولي و إن لم یأمر بذلك الناسي بوصیة و نحوها.
و یمكن أن یستدل أیضاً بما ورد في المعذور كالكسیر و المبطون، و المغمی علیه و نحوهم مثل صحیحة معاویة بن عمار عن أبي عبد اللّه قال: الكسیر یحمل فیرمي الجمار و المبطون یرمی عنه و یصلی عنه (3).
و في صحیح حریز عن أبي عبد اللّه قال: المریض المغلوب و المغمی علیه یرمی عنه و یطاف عنه (4). و غیرها من الروایات . الدالة علی أن المغمی علیه العاجز
(مسألة 331): إذا كان في قراءة المصلي لحن فإن لم یكن متمكناً من تصحیحها فلا إشكال في اجتزائه بما یتمكن منه في صلاة الطواف و غیرها، و أما اذا تمكن من التصحیح لزمه ذلك، فإن أهمل حتی ضاق الوقت عن تصحیحها فالأحوط أن یأتي بصلاة الطواف حسب إمكانه و أن یصلیها جماعة و یستنیب لها أیضاً(1).
(مسألة 332): إذا كان جاهلاً باللحن في قراءته و كان معذوراً في جهله صحت صلاته و لا حاجة إلی الإعادة حتی إذا علم بذلك بعد الصلاة، و أما إذا لم یكن معذوراً فاللازم علیه إعادتها بعد التصحیح، و یجري علیه حكم تارك صلاة الطواف نسیاناً.
عن الاستنابة یجب علی ولیه أن یأتي بالاعمال عنه و یصلي عنه. نعم یمكن أن یستدل ایضا بالعمومات الواردة في الصلاة و الصیام التي علی المیت انه یقضیها اولی الناس بمیراثه، كصحیح حفص بن البختري عن أبي عبد اللّه : في الرجل یموت و علیه صلاة او صیام. قال: یقضي عنه أولی الناس بمیراثه. قلت: فإن كان اولی الناس به امرأة. قال: لا إلا الرجال (1). و غیره.
قد ذكر الماتن في هذه المسألة و الآتیة أربعة شقوق، الأوّل: من كان عاجزاً عن القراءة الصحیحة فیجزئه الصلاة بالقراءة الملحونة، و یدل علی الصحة، ما دل علی الصحة في سائر الأبواب كموثقة مسعدة بن صدقة قال: سمعت جعفر ابن محمد یقول: إنك قد تری من المحرم من العجم لا یراد منه ما یراد من العالم الفصیح، و كذلك الاخرس في القراءة في الصلاة و التشهد و ما اشبه ذلك، فهذا
1) أبواب احكام شهر رمضان، ب22، ح5.
..........
بمنزلة العجم، و المحرم لا یراد منه ما یراد من العاقل المتكلم و الفصیح الحدیث (1). و موثقة السكوني عن أبي عبد اللّه قال: تلبیة الاخرس و تشهده و قراءته القرآن
في الصلاة تحریك لسانه و اشارته باصابعه (2).
الثاني: من تمكن من تعلم القراءة الصحیحة و لم یفعل حتی ضاق الوقت فاللازم علیه أن یصلیها بنفسه و ان یستنیب ایضا للعلم بأن الواجب احداهما علیه. اما الصلاة جماعة فالظاهر انها غیر مشروعة، و دعوی مشروعیتها في العجز دون التمكن غریبة جداً غیر معهودة في أبواب الصلوات الواجبة. نعم لو بنی علی عمومات مشروعیة الجماعة إلا ما أخرجه الدلیل لاتجه الاحتمال، الا أن السیرة القائمة علی عدم الجماعة فیها، و لم یشر في روایة قط إلی ذلك یقتضي عدم المشروعیة.
الثالث: إذا كان جاهلاً باللحن مع العذر و صلی فانه تصح منه الصلاة لجریان لا تعاد علی الاقوی من عمومها للجهل و عدم اختصاصها بالنسیان.
الرابع: من جهل اللحن في صلاته و صلی من دون عذر، فهو مبني علی جریان لا تعاد و عدمه، كما بنی علی الأول المحقق الخراساني و المیرزا محمد تقي الشیرازي ، لكن ما دل علی مؤاخذة المقصر یصلح لتقیید الاطلاق فلا تجري لا تعاد فیكون ترك الصلاة الصحیحة عن جهل كالناسي كما تقدم.
و هو الرابع من واجبات عمرة التمتع، و هو أیضاً من الأركان، فلو تركه عمداً بطل حجه سواء في ذلك العلم بالحكم و الجهل به، و یعتبر فیه قصد القربة، و لا یعتبر فیه ستر العورة و لا الطهارة من الحدث أو الخبث، و الأولی رعایة الطهارة فیه(1).
اما كونه من واجبات عمرة التمتع فلما تقدم في بحث العمرة مطلقاً من كونه من واجباتها مضافاً للروایات البیانیة (1).
و أما كونه من الأركان فلا ریب فیه ایضا في ما لو ترك مطلقاً و لكن علی التفصیل المتقدم في الطواف في القاعدة التي حررناها من أن الخلل غیر عمدي لا یوجب البطلان بل یلزم التدارك اما الترك العمدي فیدل علی البطلان مقتضی ادلة الجزئیة و مثلها قوله تعالی: «إِنَّ الصَّفا وَ الْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللّه فَمَنْ حَجَّ الْبَیْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَیْهِ أَنْ یَطَّوَّفَ بِهِما وَ مَنْ تَطَوَّعَ خَیْراً فَإِنَّ اللّه شاكِرٌ عَلِیمٌ» (2)مضافاً إلی الروایات الخاصة.
كصحیح معاویة بن عمار قال: قال أبو عبد اللّه من ترك السعي متعمداً فعلیه الحج من قابل و غیرها من الروایات (3).
..........
و أما الترك غیر عمدي و لو بالاتیان به فاسداً بسبب الجهل بالحكم و شرائط الصحة فالاقوی فیه الصحة و لزوم القضاء كما سیأتي في الناسي و تقدم شطراً وافراً في الطواف.
و أما اعتبار القربة فمضافاً لكونه من أجزاء النسك أن الاضافة في ماهیته ذاتیة بمقتضی الآیة الكریمة من شعائر اللّه.
و أما ستر العورة فلم یدل علی اعتباره دلیل و عموم لبس الأحرام انما هو لستر العورة او في حالة عقد الاحرام لا بلحاظ اجزاء النسك و كذلك عدم اعتبار الطهارة من الخبث و ان وجب تطهیر ثوبي الاحرام اذا تنجس بنحو الفوریة.
و أما الطهارة من الحدث فیدل علی عدم الشرطیة صحیحة معاویة بن عمار عن أبي عبد اللّه قال: (لا بأس ان تقضي المناسك كلها علی غیر وضوء إلاّ الطواف فإن فیه الصلاة) (1)و مثلها صحیحة رفاعة (2).
و في صحیح معاویة بن عمار الأخر أنه سأل ابا عبد اللّه عن امرأة طافت بین الصفا و المروة و حاضت بینهما قال تتم سعیها، و سأله عن امرأة طافت بالبیت ثمّ حاضت قبل أن تسعی قال: تسعی (3)و غیرها من الروایات.
نعم في صحیحة الحلبي قال سألت ابا عبد اللّه عن المرأة تطوف بین الصفا و المروة و هي حائض قال لا إن اللّه یقول: «إِنَّ الصَّفا وَ الْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ
مسألة 333: محل السعي إنما هو بعد الطواف و صلاته، فلو قدّمه علی الطواف او علی صلاته وجبت علیه الاعادة بعدهما، و قد تقدم حكم من نسي الطواف و تذكر بعد سعیه(1).
اللّه» (1)و حملها الشیخ علی الاستحباب جمعا مع ما تقدم و ان كان ظاهرها الطهارة من الحدث الأكبر و التعلیل فیها یناسب الافضلیة لأن الموقفین قد وصفا بالوصف المزبور و لا یعتبر فیها ذلك.
و مثله موثق بن فضال قال قال أبو الحسن لا تطوف و لا تسعی إلاّ بوضوء) (2)و كذلك صحیح علي بن جعفر (3). مضافاً لروایات عدیدة في المرأة الحائض أنها تسعی و تؤخر الطواف (4).
و تدل علیه الروایات البیانیة (5)و الروایات في الأبواب الأخری (6).
و أما من نسي و تذكره بعد سعیه فقد تقدم في مسألة (322) أن الاقوی التفصیل بین ما اذا كان قد اتی ببعض الطواف فلا یعید السعي و بین ما اذا لم یأت بالطواف من رأس فیلزمه الاعادة علی تفصیل مبسوطٍ تقدّم ثمّت فراجع.
(مسألة 334): یعتبر في السعي النیة، بأن یأتي به عن العمرة إن كان في العمرة، و عن الحج إن كان في الحج، قاصداً به القربة إلی اللّه تعالی(1).
(مسألة 335): یبدأ بالسعي من أول جزء من الصفا ثمّ یذهب بعد ذلك إلی المروة، و هذا یعد شوطاً واحداً، ثمّ یبدأ من المروة راجعاً إلی الصفا إلی أن یصل إلیه، فیكون الایاب شوطاً آخر، و هكذا یصنع إلی أن یختم السعي بالشوط السابع في المروة، و الأحوط لزوماً اعتبار الموالاة بأن لا یكون فصل معتد به بین الأشواط(2).
الأقوال في المسألة:
یعتبر في النیة امران مقومان كما هو الحال في بقیة أبواب العبادات احدهما هو المعنی و المقصود، اذ الافعال العبادیة عناوین قصدیة فلا ینطبق العنوان علی الحركات الخارجیة الا بقصد العنوان. و ثانیهما و هو الداعي أي الداعي القربی، لكنا قد ذكرنا في مبحث النیة من الوضوء أن الافعال العبادیة طراً عبادیتها ذاتیة لتضمنها الاضافة الذاتية كما هو الحال في الركوع و السجود، و هذا هو الحال في السعي، حیث أن السعي المقصود و المنوي هو عنوان السعي الذي هو جزء النسك و هو الحج أي القصد إلی بیت اللّه الحرام و المسمی بما هو من شعائر اللّه حیث تعددت حیثیات الاضافة فیه. نعم لو نوی بداعي الامر او غیرها من الدواعي القربیة تأكدت العبادیة.
تعرض الماتن إلی عدة أمور:
الأوّل: لزوم البدأة بالصفا و الختم بالمروة كما هو ظاهر مفاد الآیة الكریمة «إِنَّ الصَّفا وَ الْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللّه فَمَنْ حَجَّ الْبَیْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَیْهِ أَنْ یَطَّوَّفَ
..........
بِهِما و قد أشارت الیها الروایات العدیدة و كذلك الروایات البیانیة (1). كصحیح معاویة بن عمار عن أبي عبد اللّه أن رسول اللّه حیث فرغ من طوافه و ركعتیه قال: ابدءوا بما بدأ اللّه به من اتیان الصفا فان اللّه عز و جل یقول: إِنَّ الصَّفا وَ الْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللّه 2 و في موثقة معاویة بن عمار الأخر و كان المسعی اوسع مما هو الیوم و لكن الناس ضیقوه (2). و في موثق غیاث بن ابراهیم عن جعفر عن ابیه قال: كان أبي یسعی بین الصفا و المروة ما بین باب ابن عباد إلی أن یرفع قدمیه من المسیل لا یبلغ زقاق آل أبي حسین (3)و ظاهر الروایة عدم لزوم الصعود علی الصفا و المروة، و أن حدّ الواجب للطواف بینهما هو صدق البینیة لا الصعود او اللصوق بهما كما عن العلامة في المنتهی و الشهید الأول و ذهب إلی الثاني جماعة كثیرة و یشهد لذلك ایضا ما في موثق معاویة بن عمار - المتقدم - من الأمر بالركوب علیهما في الشوط الأول دون بقیة الاشواط حیث قال (فاصعد علیها حتی یبدو لك البیت فاصنع علیها كما صنعت علی الصفا ثمّ طف بینهما سبعة اشواط تبدأ بالصفا و تختم بالمروة ثمّ قصّر) (4)حیث انه قال (طف بینهما) فبین أن حد الواجب الطواف بینهما مع حدّ الاشواط واحد بل قد یظهر من الموثق بالتدبر أن الصعود علی الصفا و المروة مستحب و الأدعیة التي تذكر
..........
هو قبل الشوط الأول لانه قال: ثمّ طف بینهما سبعة أشواط تبدأ بالصفا و تختم بالمروة) بعد أن أمر بالصعود علی المروة من بعد الصفا نعم قد یقال أن ظاهر الآیة الكریمة (أن یطّوف بهما) هو لزوم إدخال بعضهما في الطواف، لأن الطواف هو الدوران حول الشيء ، و حیث لم یمكن فیهما فلا أقل من ادخال بعضهما في السعي.
و فیه: حیث لم یراد المعنی الاصلي من الدوران حولهما فتعیین احد المعنیین لا بد له من شاهد، فإن الملابسة تصدق بجعلهما منتهی الدوران في طرفیه كما هو صریح الموثق المتقدم. بل إن استخدام النقاط كحدود لمحض محیط الدوران یطلق علیه طواف بتلك النقاط كما في قوله تعالی: «یَطُوفُ عَلَیْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ» فیكون استعمال الطواف بمعنی المرور بهم بنحو یكون المجموع دوراني، و مثله قوله تعالی: «یَطُوفُونَ بَیْنَها وَ بَیْنَ حَمِیمٍ آنٍ» (1).
هذا مضافاً إلی ما ورد من جواز الركوب علی الدابة في السعي (2). بل في صحیح عبد الرحمن بن الحجاج قال سألت الحسن عن النساء یطفن علی الابل و الدواب أ یجزیهن أن یقفن تحت الصفا و المروة؟ فقال: نعم بحیث یرین البیت (3). و في طریق الصدوق (تحت الصفا). و في صحیح محمد بن مسلم عنه
..........
إن رسول اللّه طاف علی راحلته و سعی علیها بین الصفا و المروة (1). و مفادهما كالصریح بعدم المداقة في استیعاب الحد، بل القرب العرفي من الجبلین. فالالصاق او الصعود مبني علی الاحتیاط، و أما العنوان الواجب الوارد في الادلة الطواف بینهما لا بالبینیة الهندسیة.
الثاني: أن اللازم البدأة بالصفا و أن حساب الشوط هو بالسعي من أحدهما للآخر، أما الرجوع للأول فهو شوط ثاني، و لم یحك خلاف فیه الا ما حكاه السیوري في كنز العرفان و الظاهر أنهم من العامة (2)اذ الروایات متواترة في ذلك (3).
الثالث: في اعتبار الموالاة في السعي أي في النصف الأول دون ما بعده فقط اختاره المفید و الحلبيون و الشهید الأول، و بعض متأخري المتأخرین كصاحب الریاض و غیره، خلافا للمحكي عن الاكثر. و في التذكرة أطلق جواز الجلوس اثناءه للاستراحة، و كذلك لقضاء الحاجة له او لغیره ثمّ یعود فیتم ما قطع علیه. و قال و لو دخل وقت فریضة و هو في اثناء السعي قطعه و ابتدأ بالصلاة فإذا فرغ منها تمم سعیه و لا نعلم فیه خلافاً، ثمّ استدل علیه بصحیحة معاویة بن عمار الآتیة و اطلاق كلامه یمكن حمله علی النصف الثاني (4). لكن في المستند قال: لا تجب الموالاة في السعي
..........
بالاجماع كما عن التذكرة للأصل و الاطلاقات (1). انتهی.
و قد عرفت أن اجماع التذكرة في خصوص قطعه صلاة الفریضة، و أن اطلاق كلامه محمول علی النصف الثاني او لما لو كانت الصلاة في المسعی فلا تنقطع الموالاة بالخروج عنه.
هذا و استدل لعدم الموالاة باطلاق الروایات الواردة في جواز قطع السعي لأداء الفریضة كصحیح معاویة قال قلت لأبي عبد اللّه الرجل دخل في السعي بین الصفا و المروة فیدخل وقت الصلاة أ یخفف او یقطع و یصلي ثمّ یعود او یلبث كما هو علی حاله حتی یفرغ قال: بل یصلي ثمّ یعود او لیس علیهما مسجد) (2).
و في موثق علي بن فضال قال: سأل محمد بن علی أبا الحسن فقال له: سعیت شوطاً واحداً ثمّ طلع الفجر فقال: صلّی ثمّ عد فأتم سعیك) (3).
و مثلها روایة محمد بن الفضیل (4)، و مثلها ایضا صحیحة یحیی بن عبد الرحمن الازرق الآتیة (5)الواردة في قضاء حاجة المؤمن. و كذلك روایات جواز الاستراحة (6).
..........
و یستدل للموالاة:
أولاً: بموثق اسحاق بن عمار عن أبي الحسن في الرجل طاف طواف الفریضة ثمّ اعتل علة لا یقدر معها علی اتمام الطواف، فقال: إن كان طاف أربعة أشواط أمر من یطوف عنه ثلاثة أشواط فقد تم طوافه، و إن كان طاف ثلاثة أشواط و لا یقدر علی الطواف فإن هذا مما غلب اللّه علیه فلا بأس بأن یؤخر الطواف یوماً و یومین فإن خلته العلّة عاد فطاف اسبوعاً، و إن طالت علته أمر من یطوف عنه أسبوعاً و یصلي هو ركعتین و یسعی عنه و قد خرج من احرامه و كذلك یفعل في السعي و الرمي (1). و مفادها اعتبار الموالاة في النصف الأول في السعي و الرمي علی حذو الطواف فیقید بها اطلاقات الروایات المتقدمة. و لا یتوهم أن التشبیه في ذیل الروایة هو بلحاظ الحكم الثاني في الروایة و قد ذكر الذيل متصلاً به، و هو جواز الاستنابة عند العجز، و ذلك لأن في الحكم المزبور قد نص علی الاستنابة في السعي كالطواف فلا معنی لتكرار التسویة بینهما مرّة اخری و كأنها لم تذكر، فلا محالة هي بلحاظ الموالاة التي سأل عنها الراوي و التي كان معظم الجواب عنها.
كما أنه لا یتوهم الاقتصار في دلالة الروایة علی خصوص المورد و هي الاعتلال في الاثناء دون بقیة الموارد فلا تدل علی عموم الموالاة، و قد تقدم نظیره في الطواف و الجواب عنه مفصلاً فلاحظ.
و صحیحة أبي بصیر عن أبي عبد اللّه : إذا حاضت المرأة و هي في الطواف
1) أبواب الطواف، ب45، ح2.
..........
و بین الصفا و المروة [او بین الصفا و المروة] فجاوزت النصف فعلَّمت ذلك الموضع فإذا طهرت رجعت فأتمت بقیة طوافها من الموضع الذي علّمته، فان هي قطعت طوافها في أقل من النصف فعلیها أن تستأنف الطواف من أوله (1).
و اضطرار المرأة إلی قطع السعي بمجیء الحیض و إن لم یكن الحیض مانعاً عن صحة السعي إلا أنه بسبب التلوث الحاصل بالحیض، مع أن البعض و منهم صاحب الوسائل ذهب إلی استحباب تاخیر السعي للطمث و الطهارة تحمل علی معنیین في الطواف بالبیت بمعنی من الحدثیة و في السعي بمعنی النقاء من التلوث. و الحاصل أنه لا خدشة في الروایة من هذه الجهة و مثلها روایة الحلال (2). و ما فیها من قطعه للطمث غیر ضائر بعد ذهاب بعض منهم صاحب الوسائل إلی استحباب تأخیره للطمث او تبعض الحجیة بلحاظ الطواف و الموالاة دونه، او تحمل علی ما ذكرناه في صحیحة أبي بصیر.
و صحیحة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه قال: لا یجلس بین الصفا و المروة الا من جهد (3). و ظاهرها اعتبار الموالاة و استثناء مقدار ما یرد رمقه علی نفسه، و هي و إن كانت مطلقة للنصفین الا أنها مقیدة بالموثقة الأولی. و لا یعارض الصحیحة ما دل علی جواز الاستراحة و الجلوس في صحیحة الحلبي، و ذلك لأن صحیحة الحلبي و إن كانت صریحة في الجواز إلا أنها ظاهرة في اطلاق مدة الجلوس
مسألة 336: لو بدأ بالمروة قبل الصفا فإن كان في شوطه الأول ألغاه و شرع من الصفا، و إن كان بعده ألغی ما بیده و ستأنف السعي من الأول(1).
بینما صحیحة عبد الرحمن صریحة في اعتبار الموالاة، و ظاهرة في النهي عن أصل الجلوس فیأخذ بصریح كل منها و یحمل الظاهر علیه. نعم یظهر من صحیحة عبد الرحمن إیضاً أن الموالاة في الشوط الواحد أشدّ من الموالاة بین الاشواط.
ثانیا: أن الروایات المستدل باطلاقها علی عدم شرطیة الموالاة لا اطلاق فیها للنصف الأول، و ذلك لأن صحیحة معاویة بن عمار لیس فیها خروجه عن المسعی للصلاة بل محتملة الصلاة فیه لا سیما بقرینة ذیلها حیث ذكر أن المسجد علی حافة المسعی، أي أنه لا یبتعد عنه كثیراً لتقطع الموالاة، بل الظاهر إرادة انه یصلي علی المسعی فلا یحصل قطع للسعي.
و أما موثق بن فضال فالقطع فیه بمقدار صلاة الصبح ركعتین لا سیما إذا اتی بهما علی المسعی بل في طریق الصدوق اسقط لفظ (واحداً) الذي هو تمییز للشوط مع انهم التزموا بعدم قطع الموالاة في الطواف حول الكعبة فیما لو اتی بالفریضة و لو الرباعیة ما دام هو في المطاف. و أما صحیح الازرق فقد نصف فیه علی الاربعة و إن ذكر الثلاثة عدلاً له، و أما روایات الاستراحة فقد عرفت محصل الجمع بینها بل بعضها دال علی الموالاة.
هذا مع أن جملة منها لا تعرض فیها للإتمام من حیث قطع.
هذا و یقرر مقتضی القاعدة في السعي في اعتبار الموالاة كما تقدم تقریرها في الطواف فلاحظ. نعم قد تقدم في موالاة الطواف أن الموالاة في النصف الثاني غیر معتبرة فیما إذا كان القطع لغرض راجح كما دلت علیه النصوص.
سواء كان كان أو جاهلاً أو ناسیاً یبطل كل ما أتی به من السعي كما
..........
هو المشهور للروایات الواردة الأمرة بطرح ما سعی و الامر بالبدء من الصفا و بالاعادة، إلاّ أن القرائن في مفاد الروایات متدافعة جداً و متعاكسة كما سیظهر، و إن كان الأقوی مذهب المشهور كما سیأتي، خلافاً لما ذهب إلیه في الجواهر و إن لم یعتمده في منسكه من الغاء خصوص الشوط الأول و احتساب الباقي، فعلی المشهور تكون البدأة بالمروة أحد الموانع كالحدث و التكتف في الصلاة، و علی القول الثاني یكون الخلل حاصل في الترتیب في الجزء خاصة.
و الروایات الواردة هي:
صحیحة معاویة بن عمار عن أبي عبد اللّه قال: من بدأ بالمروة قبل الصفا فلیطرح ما سعی و یبدأ بالصفا قبل المروة (1). و مثلها صحیحه الأخر عن أبي عبد اللّه في حدیث قال: و إن بدأ بالمروة فلیطرح ما سعی و یبدأ بالصفا (2). و في صحیحه الثالث فلیطرح و یبدأ بالصفا (3). و في روایة ابن أبي حمزة قال: سألت أبا عبد اللّه عن رجل بدأ بالمروة قبل الصفا. قال: یعید أ لا تری أنه لو بدأ بشماله قبل یمینه في الوضوء أراد أن یعید الوضوء (4)و الرواي و ان كان بن أبي حمزة البطائني الملعون الا أن الراوي عنه لما كان علی بن الحكم فالظاهر روایته عنه أیام استقامته لمقاطعة الطائفة له بعد وقفه . و معتبرة علی الصائغ إلاّ أن فیها زیادة ( كان علیه أن
..........
یبدأ بیمینه ثمّ یعید علی شماله) (1).
و یستدل للقول الثاني بأمور :
الأوّل: غایة مفاد الروایات هو الاشارة إلی الاخلال بالترتیب و لذلك أمر فیها بالبدأة بالصفا عقیب الأمر بالطرح او الاعادة و استفادة المانعیة تحتاج إلی مئونة لا یتكفلها لسان الروایات.
الثاني: التشبیه بالوضوء الوارد في الروایتین الأخیرتین مانع عن اطلاق الطرح و الاعادة لكل ما سعی و تفسیر الراوي بالتشبیه بإعادة الوضوء لا حجیة فیه بعد كون الحكم المسلم في الوضوء بحسب النصوص الواردة ه-و لزوم الترتیب في الجزء خاصة لا الاعادة من الرأس.
الثالث: البدأة قهریة لا قصدیة حیث ان البدأة بالمروة بعد لغوها تقع البدأة من الصفا قهراً و بعبارة أخری أن التعبیر بیبدأ بالجزء المتقدم قد ورد في باب الوضوء لا بمعنی استئناف الجزء المتقدم و تكرره من رأس بل بمعنی جعله متقدماً و اعادة المتأخر. نعم لو كان التفت إلی الخلل قبل أن یأتي بالمتقدم لكان بدؤه باحداثه، و یشهد لعدم قصدیة البدأة ما في صحیح معاویة بن عمار عن أبي عبد اللّه قال إن طاف الرجل بین الصفا و المروة تسعة أشواط فیسعی علی واحد و لیطرح ثمانیة و ان طاف بین الصفا و المروة ثمانیة أشواط فلیطرحها و یستأنف السعي) الحدیث (2)حیث أن صدرها و الفرض الأول فیها كان ما أتی به من الشوط
..........
التاسع لم یقصد به البدأة بل اتی به ملحقاً بالسعي الأول و مع ذلك اعتد به كمبدا سواء حمل الفرض علی خصوص العامد او الساهي او كلاهما.
و مثلها صحیح محمد بن مسلم (1)الواردة في كل من الطواف و السعي و انه ان زاد شوطاً ثامناً انه یتمه اسبوعاً ثانیاً و قد افتی المشهور بمضمونها في كل من الطواف و السعي و نظیرها ایضا صحیح هشام بن سالم الوارد فیمن زاد سهواً اسبوعاً كاملاً انه یعتد بسبعة و یطرح الباقي بناء علی ما مال إلیه الشهید في الدروس من كون الواجب هو الثاني نظیر القران في الطواف فالبدأة قهریة لا قصدیة و لك أن تقول ان ذات الجزء المتقدم قصدي لا وصف البدأة و التقدم.
و بعبارة ثالثة: انه لو سلم أن البدأة قصدیة فیكفي في قصدیتها قصدها بقاء.
الرابع: ان صحیحتي معاویة الآمرة بالطرح هي ذیل لروایة صدرها في الزیادة و قد امر فیها بالطرح للبعض لا للكل (2). و قد تقدمتا في الدلیل الثالث فیستفاد من السیاق أن الطرح أعم من الكل و البعض.
الخامس: ان الطرح مادة تناسب اسقاط شيء من شيء و ان كان ذلك یوجب تقید متعلق الطرح الا انه یغایر الاعادة لا محالة.
السادس: ان التعلیل بالاخلال بالترتیب ظاهر في أنه هو منشأ البطلان دون مانعیة البدأة بالمتأخر في نفسها.
و یستدل للقول المشهور - الأول - أمور:
..........
الأوّل: اطلاق الأمر بالطرح لما سعی و اطلاق الأمر بالاعادة الظاهر في المجموع لا خصوص الشوط الواحد بل لا محصل له بدواً في نفسه و ان تحصل بالنسبة إلی حساب المجموع لعدد الاشواط.
الثاني: ان التذكر في الساهي لا یخلو اما عند تمام الشوط الأول علی الصفا أو بعده في الاثناء او آخر الاشواط. ففي الصورة الأولی لا تردید في لزوم قصد البدأة بالصفا و قطع نیة الاعتداد بالشوط المبدو بالمروة.
و أما في الصورتین الأخیرتین فتلزم الزیادة العمدية في الصورة الثانية، و السهویة غیر المغتفرة في الصورة الثالثة، لكون الزیادة السهویة المغتفرة هي المتأخرة عن الاسبوع لا المتقدمة علیه المبدوّة بالمروة و حینئذ تلزم الزیادة المبطلة، فمانعیة الزیادة هو وجه لبطلان كل ما سعاه بدواً بالمروة.
إن قلت: إن الزیادة تتحقق سهواً علی كل تقدیر في الصور الثلاث لتحققها بمجرد الشوط الأول قبل الالتفات بعد عدم مصداقیتها للواجب فلا یكون اتیان الباقي من الزیادة العمدية.
قلت: لو سلّم ذلك فقد اتضح عدم الدلیل علی اغتفار الزیادة السهویة المتقدمة علی السعي. مضافاً إلی كونها زیادة عمدیة بقاء في الاثناء، حیث أن الثمانیة لا تتحقق إلاّ باتیان الباقي، و هذا بخلاف الصورة الأولی، فإن رفع الید عن النیة و الارتباطیة الأولی موجب لانفصال البدأة بالصفا عمّا تقدم.
و لك أن تقول إن بین الوضوء و السعي فرقاً و هو أن الزیادة في الوضوء غیر مبطلة بخلافها في السعي و الطواف و الصلاة، و بالتالي فإن الهیئة الارتباطیة في الوضوء تختلف عن الهیئة الارتباطیة في السعي و الصلاة.
..........
الثالث: ان التشبیه بالوضوء لا محالة هو من وجه لا بقولٍ مطلق إذ لا یشترط في الوضوء العدد في ماهیته أي بشرط لا فلا تُبطل الغسلة الثالثة للوجه و للید الیمني الوضوء و إن ابطلت في الیسری للخلل في المسح ببلّة الوضوء، و هذا بخلاف السعي فهو مركب ما هوی مأخوذ فیه العدد كالصلاة، فمقتضی القاعدة في السعي هو البطلان بالزیادة او بالبدء بالمروة كما هو الحال في الصلاة إلا ما استثنی بالدلیل لعدم تحقق عنوان العدد المأخوذ في الماهیة، و علی ذلك فاطلاق الامر بالطرح لما سعی و الاعادة لا یدفعه و لا یقیّده التشبیه بالوضوء إذ هو من وجه.
الرابع: ما استظهره الصدوق و تبعه كاشف اللثام و جماعة من صحیحة معاویة بن عمار المتقدمة (1)المتضمنة لذكر فرضین في الزیادة تسعاً و ثمانیة و ظاهر السیاق و اتحاد مورد الزیادة مكاناً أي و هو علی المروة في الانتهاء، و علی ذلك یكون بدأته في الفرض الثاني من المروة و تكون الروایة دالة علی البطلان في الفرض الثاني و أن اللازم استیناف السعي، فتدل علی بطلان كل ما اتی به المبدوّ بالمروة، و قد استظهر نظیر ذلك من صحیح محمد بن مسلم (2)المتضمن لمن استیقن ثمانیة أنه یضیف ستاً و أن ذلك و هو علی المروة فیكون السبعة الأولی باطلة للبدأ فیها من المروة، و الثامن مبدأ للأسبوع الثاني و قد بدأه من الصفا، لا أن الفرض فیها و هو علی الصفا كي تدل علی استحباب اتیان السعي الثاني كما ذهب إلیه المشهور في مفادها في تلك المسألة.
(مسألة 337): لا یعتبر في السعي المشي راجلاً، فیجوز السعي راكباً علی حیوان أو علی متن إنسان أو غیر ذلك، و لكن یلزم علی المكلف أن
و یمكن تأیید هذا الاستظهار في صحیح محمد بن مسلم بعد تنبیه بقیة الروایات الواردة في الزیادة السهویة علی استحباب السعي الزائد بل لسانها طرحه و الغاؤه. و لكن ذكر الطواف بالبیت في سیاق واحد في من زاد علی العدد الموظف في صحیحة محمد بن مسلم ظاهر فیما ادعاه المشهور في دلالة الصحیح. و أما عدم تنبیه الروایات الواردة في الزیادة السهویة فبمعنی عدم احتسابها من الواجب.
نعم الاحتمال السابق في صحیح معاویة بن عمار یمكن اعتضاده بأن ظاهر الروایة لیس جهل الطائف بلزوم الختم بالمروة، و أن استیقانه بالزیادة عند ختمه ظاهر في كونه علی المروة و هو عالم بلزوم الختم بها.
لكن الاستدلال به ضعیف ایضا لتصریح ذیل الصحیح بفرضٍ ثالث و هو من بدأ بالمروة كما رواه الشیخ و قطّعه صاحب الوسائل (1)، فالفرضین الأولین فیها في الخلل من جهة الزیادة لا الترتیب في البدأة.
الخامس: أن الاخلال بالترتیب في المقام یتلازم مع وجود المانع و هو الزیادة، فذكر احدهما صالح لبیان الآخر، فمن بدأ بالمروة و تذكر في الاثناء بین محذورین، اما الاخلال بالترتیب مع الحفاظ علی العدد، او العكس. فتحصل قوة ما ذهب إلیه المشهور. و من ذلك یتضح الحال في الطواف فیما لو بدأ بركن آخر.
1) بین ب11 و12 من أبواب السعي.
ابتداء سعیه من الصفا و اختتامه بالمروة(1).
(مسألة 338): یعتبر في السعي أن یكون ذهابه و إیابه فیما بین الصفا و المروة من الطریق المتعارف، فلا یجزئ الذهاب أو الإیاب من المسجد الحرام أو أي طریق آخر، نعم لا یعتبر أن یكون ذهابه و إیابه بالخط المستقیم(2).
و تدل علیه النصوص المتقدمة و غیرها، كما طاف رسول اللّه في الطواف و السعي علی راحلته، مضافاً إلی كون ذلك علی مقتضی القاعدة لإطلاق الامر بالطواف و السعي شامل لذلك، إذ ماهیة الطواف و السعي غیر متقومة بالمشي او مباشرة الرجل للأرض.
نعم قد یتأمل في عنوان السعي، و علی أي تقدیر فالروایات كافیة في المقام. نعم قد ورد فیها أن المشي أفضل (1).
هذا كله لو كانت وسیلة الحركة بارادة من الطائف، و أما حمل شخص لآخر فلا یسوغ الا مع العجز، و كذا دفع شخص للطائف علی كرسي متحرك.
و ذلك لأخذ عنوان الطواف بهما في الآیة و السعي بینهما في الروایات و هو لا یصدق مع الخروج عن المسعی و المطاف كما نقحنا ذلك مفصلا في الطواف حول الكعبة و إلا لما كان طوافاً بینهما ایضا وسعی بین اشیاء أخری لا بینهما بنحو تكون المقابلة بین طرفین خاصة. نعم قد تقدم في صحیحة معاویة بن عمار قوله و كان المسعی اوسع مما هو الیوم و لكن الناس ضیقوه) (2)كما انها قد وردت
(مسألة 339): یجب استقبال المروة عند الذهاب إلیها، كما یجب استقبال الصفا عند الرجوع من المروة إلیه، فلو استدبر المروة عند الذهاب الیها أو استدبر الصفا عند الایاب من المروة لم یجزئه ذلك، و لا بأس بالالتفات إلی الیمین أو الیسار أو الخلف عند الذهاب أو الایاب(1).
مسألة 340: یجوز الجلوس علی الصفا أو المروة أو فیما بینهما للاستراحة، و إن كان الأحوط ترك الجلوس فیما بینهما(2).
في الروایات البیانیة أن بدأ تشریع السعي هو لسعی آدم أو إبراهیم أو هاجر في الوادي الذي بین الجبلین (1). و هو یقتضی المطلوب في المقام نعم كل ذلك لا یقتضي الاستقامة في المسعی و الوادي ما دامت الحركة هي فیما بینهما.
و ذلك للزوم الصدق السعي إلیه و مع الاستدبار او الحركة الجانبية لا یصدق ذلك العنوان و قد اخذ في لسان الادلة و الأبواب و كذا مبدأ تشریعه بل العنوان الصادق حینئذ أنه استدبر راجعاً او رجع قهقری للمروة او مال منعطفاً نحو المروة - في الحركة الجانبية - دون عنوان السعي بینهما.
نعم حركة الرأس یمیناً و یساراً او الجسم یسیرا لا یضر بالاستقبال لعنوان السعي المقوّم إلیهما و كذلك الالتفات بالرأس إلی الخلف یسیراً و یؤیده مرسلة الصدوق عن أبي عبد اللّه و أبي الحسن في من سها عن الهرولة أنه لا یصرف وجه منصرفاً بل یرجع القهقری (2).
و یدل علی الجواز صحیح الحلبي قال: سألت ابا عبد اللّه عن الرجل
..........
یطوف بین الصفا و المروة أ یستریح؟ قال: (نعم إن شاء جلس علی الصفا و المروة و بینهما فلیجلس) (1)و مورد السؤال فیها هو الاستراحة اثناء السعي فأجاب بأن الجلوس موكولاً إلیه فاستفادة اطلاق الجلوس من الصحیح لا مجال له، لأن مادة الاستراحة في السؤال انما تصدق في مورد التعب لا الجلوس المطلق و الایكال؛ إلی المشیئة هو في ذلك المورد و هو التعب، هذا فضلاً عما تقدم في ادلة اعتبار الموالاة الموجبة لحمل الجلوس علی ما لا ینافي الموالاة.
و كذا صحیح معاویة بن عمار أنه سأل ابا عبد اللّه عن الرجل یدخل في السعي بین الصفا و المروة، یجلس علیهما؟ قال: (أ و لیس هو ذا یسعی علی الدواب) (2)و مراده من الجواب هو دفع ما توهمه الراوي من منافاة أصل عنوان الجلوس و لو الیسیر لعنوان السعي حیث أن عنوان السعي منطو فیه الحركة البدنیة، حتی ان في بعض الروایات وقع السؤال عن لزوم الهرولة طیلة السعي فأجاب بأن الهرولة في بعضه. و في صحیحه الأخر (عن الجلوس علی الصفا و المروة قال نعم (3)، و في صحیحة عبد الرحمن بن عبد اللّه عن أبي عبد اللّه قال لا یجلس بین الصفا و المروة الا من جهد) (4). و قد تقدم في الموالاة بیان وجه الجمع بین هذا الصحیح و الروایات التي سبقته و هو كون الصحیح المزبور دالاّ علی الموالاة
..........
و انه یقتصر في الجلوس علی مقدار الضرورة بما لا ینافیها نعم الروایات السابقة دالة علی جواز أصل الجلوس في مطلق التعب و أن لم یكن جهداً، فاطلاق النهي في صحیحة عبد الرحمن بلحاظ أصل الجلوس محمول علی الكراهة هذا مضافاً إلی أن أسئلة الرواة في الروایات الأولی مرتكز فیها لزوم الموالاة في السعي و من ثمّ حصل لدیهم التردد في منافاة أصل الجلوس لذلك و من ثمّ یكون مورد السؤال و الجواب بلحاظ أصل الجلوس لا المقدار الممتد الماحي للموالاة. و قد یقال اذا جاز الجلوس للاستراحة جاز مطلقاً و لو للتفرج لعدم الفرق في الهیئة الاتصالیة تحققاً و زوالاً، لكنه ضعیف لوجود الفرق بین الاستراحة و غیرها حیث انها نحو تشاغل بالسعي و یعدّ الجلوس لها مقدمة للسعي، بخلاف الجلوس اقتراحاً كما هو الحال في الصلاة و من ثمّ احتاط الكثیر في الجلوس بغیر عذر. هذا كله في الجلوس عند العذر، ان لم یكن ماحیا للاتصال و الا فإن وقع قبل النصف الأول فیلزم الاعادة ثمّ إن العاجز یؤخر حتی تحصل القدرة فیسعی به و الا فیستنیب كما في صحیح معاویة المتقدم (1).
و هنا فروع:
الأوّل: في جواز قطع السعي لقضاء حاجة مؤمن كما ورد في صحیح یحیی الازرق قال سألت ابا الحسن عن الرجل یدخل في السعي بین الصفا و المروة فیسعی ثلاثة أشواط او اربعة ثمّ یلقاه الصدیق له فیدعوه إلی الحاجة او إلی الطعام قال : (إن اجابه فلا بأس) (2)، و في طریق الصدوق زاد لكن یقضي حق اللّه عز و جل
..........
أحبّ الیّ من ان یقضی حق صاحبه، و كذا في طریق الشیخ و هو محمول علی عدم ضیق وقت الحاجة و إلا فما ورد في الطواف الذي هو اكثر ضیقاً من السعي دال علی خلاف ذلك.
ثم ان الاطلاق في الصحیح الأول انما هو بلحاظ الحكم التكلیفي و أما الوضعي و هو صحة البناء علی ما أتی به من الاشواط فالمدار فیه علی تجاوز النصف الأول لكبری الموالاة. مضافاً إلی خصوص مصحح زرارة قال سألت ابا عبد اللّه عن رجل طاف بالبیت أسبوعاً طواف الفریضة ثمّ سعی بین الصفا و المروة أربعة أشواط، ثمّ غمزه بطنه فخرج فقضی حاجته ثمّ غشي أهله قال: یغتسل ثمّ یعود و یطوف ثلاثة اشواط و یستغفر ربه و لا شيء علیه) (1)و هو دال علی جواز البناء بعد الاربعة في السعي لمن خرج لقضاء حاجته.
الثاني: جواز قطع السعي لأداء الصلاة و قد تقدمت جملة من الروایات في ذلك (2)و ذكرنا ان جملة مفادها لا إطلاق فیه بنحو ینافي الموالاة في السعي، إما لعدم كون الخروج من المسعی و ان علیها مسجد او لكون الخروج یسیراً زمناً بغیر فاصل مكاني بعید.
المقدمة 7
تروك الإحرام 9
1 - الصید البرّي 12
في المسألة فروع 13
الأول: حرمة الامساك و إن صید قبل الاحرام.. 13
الثاني: حرمة أكل الصید و إن كان الصائد محلاً.. 13
الثالث: حرمة صید المذبوح بید المحرم أو المذبوح بید المحل في الحرم 13
الرابع: حرمة صید الجراد 20
لا بأس بصید البحر 20
في المسألة فروع 20
الأول: اختصاص الحرمة بالصید البري 20
الثاني: یحلق بالبري ما یعیش في البرّ و البحر 21
الثالث: ما یشك في كونه بریاً 24
الرابع: حلیّة ذبح الحیوانات الأهلية 26
كفارة الصید 32
في المسألة أمور: 33
الأول: من كانت علیه كفارة بدنه لم یتمكن منها 33
الثاني: حكی الاجماع أن الكفارة مرتّبة 35
الثالث: جنس الطعام 36
الرابع: في المراد من البدنة 37
الخامس: المقدار اللازم من الطعام مدّ 37
السادس: الصیام ستون یوماً أم ثمانیة عشر یوماً 37
كفارة أكل الصید ككفّارة الصید نفسه 44
البحث في مقامین 44
الأول: في مماثلة كفارة الأكل لكفارة الصید 44
الثاني: في تكرر الكفارة بهما 44
تكرر الكفارة بتكرر الصید جهلاً أو نسیاناً أو خطأ 49
2 - مجامعة النساء 53
إذا جامع المحرم في مطلق العمرة، أو خصوص عمرة التمتع 54
إذا جامع المحرم للحج امرأته 60
تشتمل المسألة علی أربع جهات 60
الجهة الأول: في ثبوت الكفارة 60
الجهة الثانية: وجوب إتمام الحج الذي بیده 61
الجهة الثالثة: وجوب الحج علیه من قابل 61
الجهة الرابعة: وجوب التفریق بینهما من موضع الجماع 61
الجهة الخامسة: لو أكره الزوج زوجته 64
3 -- تقبیل النساء 71
لا یجوز للمحرم تقبیل زوجته عن شهوة 71
لو قبّل المحرم زوجته بعد طواف النساء و قبل صلاته 73
4 - مس النساء 76
لا یجوز للمحرم مسّ زوجته بشهوة 76
5 - النظر إلی المرأة و ملاعبتها 80
إذا لاعب المحرم امرأته حتی یمني فعلیه كفارة بدنة 80
6 - الاستمناء 84
إذا عبث بذكره فأمنی فحكمه حكم الجماع 84
7 - عقد النكاح 87
یحرم علی المحرم التزویج لنفسه أو لغیره 87
8 - استعمال الطیب 93
في المسألة جهات
الجهة الأولی: في اطلاق الحكم أم تقییده بالأربعة 93
الصحیح ما ذهب إلیه المشهور من كون الحصر في الأربعة إضافیاً 99
و ذلك لقرائن ثلاث عشر 99
الجهة الثانية: الطیب موضوعاً 103
الجهة الثالثة: في أنواع الاستعمال 105
الفواكه و حكم أكلها و شمها 106
القسم الأول: ما لا ینبت من أجل الطیب 106
القسم الثاني: ما ینبت لأجل الرائحة الطیبة 111
كفارة استعمال الطیب هل تختص بمطلق الاستعمال أم هي بخصوص الأكل 114
9 - لیس المخیط للرجال 120
یحرم علی المحرم لبس المخیط بالضرورة بین المسلمین 120
یقرب عموم النهي عن الثیاب المخیطة و غیرها بأحد عشر وجهاً 122
هاهنا فروع 125
في عقد الإزار و الرداء 128
كفارة لبس المخیط 134
10 - الاكتحال 137
الاكتحال علی صور 137
11 - النظر في المرآة 141
یحرم علی المحرم النظر في المرآة للزینة 141
12 - لبس الخف و الجورب 144
یحرم علی الرجل المحرم لبس الخف و الجورب 144
13 - الكذب و السب 148
و تنقیح الحال بالتعرض إلی مفاد الآیة و الروایات في المقام 148
14 - الجدال 155
لا یجوز للمحرم الجدال 155
قاعدة تكرر أو وحدة الكفارة بتكرر سببها 163
15 - قتل هوام الجسد 166
في المسألة جهات 166
الجهة الأولی: في حرمة إلقاء هوام الجسد عنه 166
الجهة الثانية: حرمة قتل هوام الجسد 168
16 - التزیّن 171
حرمة علی المرأة لبس الحلي للزینة 172
17 - الادّهان 176
لا یجوز للمحرم الادّهان 176
كفارة الادهان شاة إذا كان عن علم و عمد 179
18 - إزالة الشعر عن البدن 182
و یستثنی من ذلك حالات أربع 182
إذا حلق المحرم رأسه من دون ضرورة 184
في المسألة جهات: الجهة الأولی: في حلق الرأس 184
تنبیه: قاعدة في عموم كفارة الدم في التروك 185
الجهة الثانية: في ثبوت الكفارة في الإبط 188
الجهة الثالثة: في عدد المساكین المتصدق علیهم و المقدار
الذي یُتصدق به 189
الجهة الرابعة: في نتف شيء من اللحیة 190
19 - ستر الرأس للرجل 192
لا یجوز للرجل المحرم ستر رأسه 192
20 - ستر الوجه للنساء 199
لا یجوز للمرأة المحرمة ستر وجهها بالملاصق 199
21 - التظلیل للرجال 203
لا یجوز للرجل المحرم التظلیل حال المسیر 203
الجهة الأولی: في عمومه للّیل 203
الجهة الثانية: في تقیید التظلیل بالسیر السفري دون الحضري 215
الجهة الثالثة: استشكال السبزواري في لزوم الحكم
في التظلیل لورود لا ینبغي 219
كفارة التظلیل شاة 222
22 - إخراج الدم من البدن 225
لا یجوز للمحرم إخراج الدم من جسده 225
23 - التقلیم 229
لا یجوز للمحرم تقلیم ظفره 229
إذا قلم أظافره فأدمی 231
24 - قلع الضرس 233
25 - حمل السلاح 234
أحكام الحرم 237
الصید في الحرم و قلع شجره و نبته 237
هناك ما تعم حرمته المحرم و المحل 237
كفارة قلع الشجرة قیمة تلك الشجرة 240
محل ذبح الكفارة و مورد مصرفها
كفارة الصید في العمرة مكة، و الحج منی 244
الروایات في المقام علی طوائف 246
الطائفة الأولی: ما دلّ علی الفداء مطلقاً في أي موضع 246
الطائفة الثانية: ما دل علی تقید كفارة الصید بموضع خاص 248
الطائفة الثالثة: ما دل علی عموم تقیید الهدي الواجب بمنی أو مكة 250
الطائفة الرابعة: ما دل لزوم كفارة الصید حیث صاد 253
مصرف الكفارة 255
الطواف
شرائط الطواف 261
قاعدة: في صحة النسك مع الخلل غیر العمدي في الطواف
و السعي 262
قاعدة: في موالاة الطواف 269
في المسألة صور: الأولی: صدور الحدث قبل بلوغه النصف 269
الثانية: أن یكون الحدث بعد إتمامه الشوط الرابع دون اختیاره 275
و في هذه الصورة ثلاث جهات:
الأولی: في تحدید النصف الذي علیه مدار التفصیل 275
الثانية: في كیفیة الاحتیاط في الطواف 276
الثالثة: في قطع الموالاة في النصف الثاني اختیاراً 277
الشك في الطهارة تارة قبل الطواف و أخری في أثنائه
و ثالثة بعد الطواف 278
إذا حاضت المرأة أثناء طوافها 285
المعذور یكتفي بطهارته العذریة 292
ما یعتبر في الطواف الطهارة من الخبث 296
تتمّة: هل یشترط في سائر الطواف كل ما اعتبر في ثوبي الاحرام
من شرائط أم لا 300
واجبات الطواف 306
تعتبر في الطواف أمور سبعة 306
كون الطواف بین البیت و المقام 311
الموالاة في الطواف 321
النقصان في الطواف 326
الزیادة في الطواف
للزیادة في الطواف خمس صور 329
الشك في عدد الأشواط 341
و هاهنا فروع 345
قاعدة: في كون أفعال النسك و العبادات أربع مراتب 351
صلاة الطواف 355
و یدل علیها 355
الكلام یقع في أمور 356
الفرع الأول: هل أن ركعتي الطواف من أجزاء النسك 356
الفرع الثاني: تجب الركعتان بنحو الفوریة بعد الصلاة 361
الفرع الثالث: صور ركعتي الطواف 364
الفرع الرابع: اللازم الإتیان بها خلف المطاف 364
إذا نسي صلاة الطواف و ذكرها بعد السعي أتی بها 369
و في المسألة فروع 369
الفرع الأول: إذا نسي صلاة الطواف إلی أن أتمّ السعي 369
الفرع الثاني: إذا نسي الصلاة و أتی ببعض السعي 369
الفرع الثالث: إذا نسي الصلاة و ذكرها بعد خروجه من مكة 370
السعي 378
و هو من الأركان 378
یبدأ بالسعي من أول جزء من الصفا ثمّ یذهب بعد ذلك إلی المروة 380
في المسألة عدّة أمور 380
الأول: لزوم البدأة بالصفا و الختم بالمروة 380
الثاني: حساب الشوط هو بالسعي من أحدهما للآخر 383
الثالث: في اعتبار الموالاة في السعي في النصف الأول 383
لو بدأ بالمروة قبل الصفا 387
یستدل للقول المشهور خمسة 390
یجوز الجلوس علی الصفا أو المروة أو فیما بینهما للاستراحة 395
و هنا فرعان 397
الفهرس 399