سند العروه الوثقی کتاب الحج جلد 2

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

پدیدآوران:یزدی، محمدکاظم بن عبدالعظیم (نویسنده)،سند، محمد (نویسنده)

عنوان‌های دیگر: العروه الوثقی. برگزیده. کتاب الحج. شرح کتاب الحج

عنوان و نام پدیدآور: سند العروه الوثقی (کتاب الحج) الجزء الثانی / تالیف محمد سند

ناشر:مؤسسة ام القری للتحقیق و النشر

مکان نشر:بیروت - لبنان

تعداد جلد:4ج

سال نشر:1426 ق

یادداشت:عربی

عنوان دیگر:العروه الوثقی. شرح

موضوع:یزدی، محمدکاظم‌بن عبدالعظیم، ۱۲۴۷؟ - ۱۳۳۸؟ق. العروه الوثقی -- نقد و تفسیر

موضوع:فقه جعفری -- قرن ۱۴

شناسه افزوده:یزدی، محمدکاظم‌بن عبدالعظیم، ۱۲۴۷؟ - ۱۳۳۸؟ق. العروه الوثقی. شرح

رده بندی کنگره:1384 402359ع4ی-5-183 BP

رده بندی دیویی:۲۹۷/۳۴۲

شماره کتابشناسی ملی:م‌۷۴-۶۶۲۸

اشارة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ اَلْرَحیمْ

عکس

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الظاهر ليس يرى والباطن ليس يخفى والغائب غير مفقود والشاهد غير مشهود يطلب فيصاب ولم يخل منه السماوات والأرض وما بينهماطرفة عين.

والصلاة والسلام على أشرف أصفياء وخاتم الأنبياء الرسول المبين وعلى آلهالذين رزقوا فهمه وعلمه، وبعد...

فهذا هو الجزء الثاني من كتاب الحج وبه تمام مسائل حج المروة، وقداشتمل على عدة من القواعد :

الأولى : تباين أو وحدة أنواع الحج.

الثانية : تقوم مشروعية التمتع بالاحرام من بعد.

الثالثة : عدم بطلان الاحرام ببطلان النسك. الرابعة: انعقاد الاحرام ولو لم يعين نسكاً أو أهل بنسك باطل. الخامسة : تعين الإفراد مع عمرة بتفويت المتعة مطلقاً.

كما اشتمل على عدة فوائد:

الأولى: في اختلاف الشروط العقلية عن الشرعية في العقود.

الثانية: في كون مدينة جدة ميقاتاً للتمتع.

الثالثة: في ادخال نسك بإنشاء احرامه في نسك سابق قد أحرم له في الجملة. الرابعة في عموم الضمان للأمر التبعي ولتوابع العمل المأمور به.

الخامسة : في نية النائب ما يأتي به من الأعمال.

السادسة : في عدم تقييد مطلق الوصية بالثلث.

وهو حصيلة مجموعة من البحوث أمليتها على جمع من الأفاضل أيام التعطيل وقد قام بالقسط الأوفر من عبد وجهد التلقي والعناية بتهذيبه وتتميقه الفاضلان الملمان السيد أحمد الماجد والشيخ حسن آل عصفور فلله تعالى درهما وتوفيقهما للمزيد من مراتب العلم والعمل.

16 شوال 1422 ه-. ق

فصل في النيابة

اشارة

ف-ص-ل ف-ي ال-ن-ي-اب-ة

لا اشكال في صحّة النيابة عن الميت في الحج الواجب والمندوب(1) وعن الحي في المندوب(2) مطلقاً. وفي الواجب في بعض الصور(3).

(مسألة 1): يشترط في النائب أمور:

(أحدها): البلوغ على المشهور فلا يصح نيابة الصبي عندهم وإن كان مميزاً وهو الأحوط لا لما قيل من عدم صحّة عباداته لكونها تمرينيّة، لأن الأقوى كونها شرعية، ولا لعدم الوثوق به لعدم الرادع له من جهة عدم تكليفه لأنه أخّص من المدّعى، بل لأصالة عدم فراغ ذمّة المنوب عنه بعد دعوى انصراف الأدلّة خصوصاً مع اشتمال جملة من الأخبار على لفظ الرجل، ولا فرق بين أن يكون حجّه بالاجارة أو بالتبرع باذن الولي أو عدمه، وإن كان لا يبعد دعوى صحّة نيابته

(1) كما دلّت عليه طوائف عديدة من الروايات((1)).

(2) ويدلّ عليه روايات((2)) كمعتبرة محمد بن عيسى اليقطيني قال: ((بعث إليّ أبي الحسن الرضا - عليه السلام - رزم ثياب وغلماناً وحجةً لي وحجّةً لأخي موسى بن عبيد وحجّة ليونس بن عبدالرحمن وأمرنا أن نحج عنه فكانت بيننا مائة اثلاثاً فيما بيننا...))((3)) الحديث.

(3) كما تقدم في العاجز لشيخوخة أو لمرض أو غيرهما انّه ينيب عن نفسه، فلاحظ مسائل النيابة من الفصل المتقدم، ويأتي لذلك تتمة.


1) ([1]) أبواب وجوب الحج، باب 25 و26 و27 و28 و29 و31 وباب 25 من أبواب النيابة وباب 1 - 31 منه.

2) ([2]) باب 34 و28 من أبواب النيابة.

3) ([3]) باب 34 أبواب النيابة ح1 .

في الحج المندوب بأذن الولي(1).

الثاني: العقل، فلا تصحّ نيابة المجنون الذي لا يتحقق منه القصد مطبقاً كان

(1) قد استدلّ على عدم صحّة نيابة الصبي المميز في الحج الواجب بوجوه غير تامّة:أحدها: كون عبادة الصبي غير شرعية بل تمرينية. وقد تقدم في شرطية البلوغ لوجوب الحج أن الصحيح شرعية عبادته بالعمومات الأولية وعدم كون حديث الرفع مخصصاً لها بل رافع لقلم المؤاخذة أو الفعلية التامّة.

ثانيها: عدم الوثوق باتيانه للعمل. وفيه انّه لا ربط له بالصحّة الواقعية وانما هو في مقام احراز افراغ الذمّة مع أنه ممنوع أيضاً.

ثالثها: دعوى انصراف أدلّة النيابة عنه أو عدم وجود إطلاق في باب النيابة لأن غالبها مشتمل على لفظة الرجل، أو ما اشتمل بالخصوص على سؤال عن نيابة المرأة.

وفيه: انّه مناقض الالتزام بالاطلاق في أدلّة النيابة في المندوب، إذ أدلّة النيابة في المندوب هي أيضاً امّا في مقام أصل تشريع النيابة فيه أو مشتملة على لفظة الرجل ونحوه.

مع أن في الروايات ما يظهر المثالية من اللفظة كصحيح حكم بن حكيم قال: ((قلت لأبي عبداللّه - عليه السلام - إنسان هلك ولم يحج ولم يوصي بالحج فأحج عنه بعض أهله؟ رجل أو امرأة هل يجزي ذلك ويكون قضاءً عنه؟ ويكون الحج لمن حجّ ويؤجر من حجّ عنه، فقال: إن كان الحاج غير صرورة أجزأ عنهما جميعاً، وأجر الذي أحجّه))((1))

وفي رواية مصادف ((عن المرأة تحجّ عن الرجل ان كانت قد حجّت وكانت مسلمة فقيهة


1) ([1]) ابواب وجوب الحج ب28 / 8، وأبواب النيابة 8 / ح3 .

جنونه أو ادوارياً في دور جنونه ولابأس بنيابة السفيه(1).

(الثالث): الايمان لعدم صحّة عمل غير المؤمن وان كان معتقداً بوجوبه

فرُبّ امرأةً أفقه من رجل - وفي طريق اخر - ربّما امرأةً خير من رجل))((1)).

مما يظهر أن المدار على صحّة عمل النائب ومعرفته بأحكام الحج، مضافاً الى ورود التعبير ((يحجّ وليه عنه)) - الميت - أو أنها على بعض ولده أو يتطوع ابنه فيحج عنه((2)).

هذا ولعل منشأ الانصراف في المدّعى هو ما سيأتي في بعض الوجوه الأخرى.

رابعها: كون حجّ الصبي عن نفسه لا يحتسب اداءً للواجب بعد البلوغ، يستلزم عدم صحّة ادائه الواجب عن الغير.

وفيه: النقض بالعبد كما سيأتي مع أنّه مجرّد دعوى.

خامسها: وهو العمدة - انّ عبادات الصبي وان كانت شرعية بالعمومات الأولية إلا أن مقتضى رفع القلم عنه وقاعدة عمد الصبي خطأ - المتقدمة في فصل الاستطاعة، هو عدم الفعلية التامّة للحكم التكليفي في حقّه، وإن كان بقية مراحل الحكم السابقة متوفرة في حقّه كمرحلةالانشائية والفعلية الناقصة، ومن ثمّة يكون فعله بمرتبة ناقصة فلا يجتزء به عن اداء البالغين كما هو الحال في صلاته على الميت وغيرها من موارد الواجبات الكفائية فانّها لا تسقط بفعله عن البالغين، وهذا هو منشأ الانصراف عنه في ادلّة النيابة في الواجب دون المندوب. وأما اذن الولي في المندوب فقد تقدم في حجّ الصبي انّه شرط تكليفي لا وضعي فلاحظ.

(1) ظاهر المتن تقييد المجنون بالذي لا يتحقق منه القصد، وكأنه احتراز عما لو تحقق منه القصد. ولكنه مشكل لأن القسم الثاني هو ذو مراتب وإن كان رفع القلم فيه شرعياً إلا انّه يتأتى فيه ما ذكرناه في الصبي مادام العنوان صادق عليه.


1) ([2]) 8 ابواب النيابة ح 4 وح7 .

2) ([3]) ب 29 ابواب وجوب الحج وب 26 .

وحصل منه نيّة القربة ودعوى انّ ذلك في العمل لنفسه دون غيره كماترى(1)

الرابع: العدالة، أو الوثوق بصحّة عمله. وهذا الشرط انّما يعتبر في جواز الاستنابة لا في صحّة عمله(2).

(1) قد تقدم في مسألة (75) من فصل الاستطاعة، قاعدة عدم صحّة عبادات غير المؤمن المخالف وعدم صحّة تقرّبه ولا يفرق في ذلك في العبادة التي يأتي بها عن نفسه أو غيره كما هو واضح، بل انّ في روايات المقام ما يشعر بذلك كما في رواية مصادف بطريقيها حيث قيّد - عليه السلام - المرأة بكونها مسلمة المشعر ولو بقرينة انّ الراوي ليس في صدد السؤال عن استنابة المرأة الكافرة من الفرق المنتحلة للاسلام، فيكون التقييد بذلك ظاهر بالاحتراز عن المرأة المخالفة، كما يعتضد برواية ابن طاووس عن كتاب أصل عمار الساباطي المروي عن الصادق - عليه السلام - في الرجل يكون عليه صلاة أو صوم هل يجوز أن يقضيه غير عارف؟ قال - عليه السلام - ((لا يقضيه إلا مسلم عارف))((1)).

ولا يخفى ايماء دلالتها لما استظهرناه من رواية مصادف المتقدمة، ثم انّه لا يفرق في ذلك بين المخالف والمستضعف كما قد تقدم.

(2) المراد من الجواز المزبور جواز الاكتفاء بالاستيجار لفراغ الذمّة والشك تارةً يكون في أصل اتيان النائب العمل النيابي، واخرى في صحّة عمله. وكل منهما تارة قبل الاستنابة واخرى بعده. أما الشك في أصل العمل مطلقاً فليس مجرى لأصالة الصحّة لعدم وجود بناء للمتشرعة على ذلك فيما هو واجب عيني وما بحكمه.

وأما الشك في الصحّة بعد العمل فهي مجرى لأصالة الصحّة، وأما قبله فقد يتأمل في كونه مجرى لأصالة الصحّة، لأن مجراها فيما كان هناك مقتضي للظن بها كما في الصلاة خلف من يحسن القراءة، ويؤيّد ذلك أخذ الشرط اللاحق في النائب وهو امكان معرفته للأحكام ولو بتوسطارشاد معلم له، كما يؤيد ذلك ما في روايتي


1) ([1]) ب 12 ابواب قضاء الصلاة ح5 .

الخامس: معرفته بأفعال الحج وأحكامه وإن كان بارشاد معلم حال كل عمل(1)

السادس:(2) عدم اشتغال ذمّته بحج واجب عليه في ذلك العام فلا تصح نيابة من وجب عليه حجة الاسلام، أو النذر المضيق مع تمكنه من اتيانه وأما مع عدم تمكنه لعدم المال فلابأس فلو حجّ عن غيره مع تمكنه من الحج لنفسه بطل على المشهور، لكن الاقوى انّ هذا الشرط انّما هو لصحّة الاستنابة والاجارة وإلا فالحج صحيح وإن لم يستحق الاجرة، وتبرء ذمّة المنوب عنه على ما هو الأقوى من عدم كون الامر بالشيء نهياً عن ضده، مع انّ ذلك على القول به وايجابه للبطلان انّما يتم مع العلم والعمد وأما الجهل والغفلة فلا، بل الظاهر صحّة الاجارة أيضاً على هذا التقدير لأن البطلان انّما هو من جهة عدم القدرة الشرعية على العمل المستأجر عليه حيث ان المانع الشرعي كالمانع العقلي ومع الجهل أو الغفلة لا مانع لأنه قادر شرعاً.

(مسألة 2): لا يشترط في النائب الحرّية، فتصحّ نيابة المملوك بأذن مولاه ولا

مصادف من تقييد المرأة بالفقيهة.

نعم ليس ذلك بمعنى لزوم الوثوق بمعنى الاطمئنان بإتيان العمل صحيحاً، بل بمعنى وجود ما يقتضي المظنة بإتيانه والمظنة بصحّته.

(1) هذا الشرط لتحقيق القدرة كمقدمة وجودية للعمل اذ العلم بماهية العمل وان كان بطبعه مقدمة علمية لاحراز الامتثال، إلا انّه اذا تعلّق بتفاصيل الشرائط والاجزاء في الماهيات المركبة من الاجزاء العديدة والشرائط يكون مقدمة وجودية لامتناع الايجاد بدونه. وقد تقدم وجه اعتبار احراز هذا الشرط في الشرط السابق.

(2) قد تقدم الكلام في صحّة حجّ النائب وحجة اجارته في مسألة (110) من فصل الاستطاعة فلاحظ.

تصلح استنابته بدونه، ولو حجّ بدون اذنه بطل(1).

(مسألة 3): يشترط في المنوب عنه الاسلام(2)، فلا تصح النيابة عن الكافر لا لعدم انتفاعه بالعمل عنه لمنعه وامكان دعوى انتفاعه بالتخفيف في عقابه، بل لانصراف الأدلّة، فلو مات مستطيعاً وكان الوارث مسلماً لا يجب عليه استيجاره عنه، ويشترط فيه أيضاً كونه ميتاً أو حياً عاجزاً في الحج الواجب فلا تصحّ النيابة من الحيّ في الحج الواجب إلا اذا كان عاجزاً، وأما في الحج الندبي فيجوز عن الحي والميت تبرعاً أو بالاجارة.(1) لاطلاق أدلّة النيابة وعدم ما يوجب التقييد سواى ما يحكى عن بعض العامّة من أن حجّه غير مجزي عن الواجب لنفسه فيما لو اعتق فلا يجزي ما يأتي به من غيره، وهو قياس مع الفارق، اما اشتراط اذن المولى فلأنه تصرف في ملك الغير.

(2) حكي عليه الاجماع المحقق والمنقول واستدل عليه بأمور:

الأول: أن الكافر ليس مكلّفاً بالفروع. وفيه ما قد عرفت.

الثاني: عدم أهلية الكافر والناصب للتّقرّب، إذ النيابة والاستنابة كليهما فعل عبادي الأول من النائب والثاني من المنوب عنه، بان يتقرب بالتسبيب الى صدور الفعل من النائب أو يتقرب بما يصدر من النائب من فعل تبرعي.

وفيه: انّه لا دليل على لزوم تقرب المنوب عنه بما يصدر من النائب تبرعاً، فما تشرع فيه النيابة كذلك كما في الندبيات أو ما كان على الميت، مع أن الفائدة في المقام ليست هي حصول القرب للكافر. اذ هو ممتنع في حقّه بل الفائدة هو سقوط العقاب على الواجب بسقوط موضوعه، نعم في النيابة عن الكافر الحي في الواجب لا تشرع لاحتياجها الى التسبيب من المنوب عنه بقصد القربة.

الثالث: أن النيابة في العبادات عن الكافر استغفار له لأنه يسبب محو المعصية عنه والاستغفار عنه منهي عنه في قوله تعالى (ما كان للنبي والذين أمنو أن يستغفروا…

للمشركين ولو كانوا أولي قربى)((1)).

وفيه: أن الاستغفار هو طلب المغفرة مع تحقق المخالفة الموجبة للعقوبة وأما فعل ما يعدم المخالفة ويعدم موضوع العقاب فليس باستغفار بل هو وفاء عن موجب العقاب.

الرابع: أن النيابة فيها نحو مودة وهي منهي عنها في قوله تعالى (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حادّ اللّه ورسوله)((2))

واشكل عليه: بأن الاحسان والجري الخارجان أعم من التودد والتحبب، لكن الصحيح أن الاحسان المبتديء متصف بالمودة وان كان محتاجاً للقصد بأن يكون معلولاً للمحبة القلبية، إلا أن الابتداء به من دون قصد عنوان آخر لا محالة ينطبق عليه عنوان المودة والمحبّة. فمن ثمة يتجه التفصيل بما اذا قصد الآتي بالنيابة عن الكافر عنواناً آخر كصلة الرحم ونحوها، وبينما اذا لم يقصد عنواناً بخصوصه فانّه على الثاني تكون مودة محرّمة.

وهذا التفصيل هو الذي يتراى من الوجه الروائي الآتي.الخامس: الروايات الواردة في المقام:

الأولى: صحيحة وهب بن عبدربّه قال: ((قلت: لأبي عبداللّه - عليه السلام - أيحج الرجل عن الناصب فقال: لا، قلت: فإن كان أبي، قال: فإن كان اباك فنعم))((3)) وقد رواه المشايخ الثلاثة بطرقهم.

الثانية: معتبرة علي بن مهزيار قال: ((كتب اليه الرجل يحجّ عن الناصب هل عليه اثماً اذا حجّ عن الناصب؟ وهل ينفع الناصب ذلك أم لا؟ فقال: لا يحج عن الناصب ولا يحج به))((4))


1) ([1]) التوبة: 113 .

2) ([2]) سورة المجادلة / 22 .

3) ([1]) ب20 ابواب النيابة ح1 .

4) ([2]) ب 20 ابواب النيابة ح2 .

(مسألة 4): تجوز النيابة عن الصبي المميز والمجنون، بل يجب الاستيجار عن المجنون(1) اذا استقر عليه حال افاقته ثم مات مجنوناً.

والسند وإن كان مشتملاً على سهل بن زياد ولكن الأمر في سهل سهلاً.

والثالثة: موثق اسحاق بن عمّار قال: ((سألته عن الرجل يحجّ فيجعل حجّته وعمرته أو بعض طوافه لبعض اهله وهو عنه غائب ببلد آخر، قال: فقلت: فينقص ذلك من أجره؟ قال: لا، هي له ولصاحبه، وله أجر سوى ذلك بما وصل، قلت: وهو ميت، هل يدخل ذلك عليه؟ قال: نعم، حتى يكون مسخوطاً عليه فيغفر له، أو يكون مضيقاً عليه فيوسّع عليه، فقلت: فيعلم هو في مكانه أن عمل ذلك لحقه؟ قال: نعم، قلت: وإن كان ناصبياً ينفعه؟ قال: نعم، يخفف عنه))((1)).

والرابعة: طائفة من الروايات الواردة في باب الصدقة((2)) الدالّة على جواز الصدقة المندوبة للكافر والمخالف بالقدر اليسير الذي يتحقق به أدنى الاحسان دون الكثير الذي هو نحو تواد.

والمحصّل من هذه الروايات ينطبق على الوجه السابق، والظاهر أنها تشير الى مقتضى النهي عن الموادة لا أنها تعبد خاص، ومن ثمّة وقع فيها التفصيل.

(1) أما في الصبي المميز فلمشروعية عبادته كما تقدم مراراً بل لا يبعد المشروعية حتى في غير المميز لما ثبت من جواز الحج به، مما يدلّ على قابلية المحلّ للكمال وبالتالي للنيابة عنه، ومن ذلك يتبين مشروعية الحج عن المجنون بقسميه أي الذي الرفع فيه عقلياً أو شرعياً وذلك لجواز الحج به بكلا قسميه.

وأما وجوب الاستيجار أو الاستنابة عنه فهو تابع لتحقق شرائط الوجوب، ولا يبعد دعوى أن المجنون اذا أفاق لا بقدر يسع الحج مباشراً بل بقدر الحج الذي يسع للاستنابة فقط، لا يبعد وجوب الاستنابة حينئذ لما تقدم في مبحث الاستطاعة من انّ المدار على وجوب الاستنابة على القدرة المالية فقط والفرض تحقق الافاقة


1) ([3]) ب 25 ابواب النيابة ح5 .

2) ([4]) ب 21 و19 ابواب الصدقة.

(مسالة 5): لا تشترط المماثلة بين النائب والمنوب عنه في الذكورية والانوثة، فتصحّ نيابة المرأة عن الرجل كالعكس، نعم الأولى المماثلة(1).

(مسألة 6): لابأس باستنابة الصرورة رجلاً كان أو امرأة عن رجل أو امرأة والقول بعدم جواز استنابة المرأة صرورة مطلقاً أو مع كون المنوب عنه رجلاً ضعيف، نعم يكره ذلك خصوصاً مع كون المنوب عنه رجلاً، بل لا يبعد كراهة استيجار الصرورة ولو كان رجلاً عن رجل(2).

بمقدار يؤدي الاستنابة الواجبة.

(1) لورود النصوص المعتبرة بذلك((1)) كصحيحة معاوية بن عمّار قال: ((قلت لأبي عبداللّه - عليه السلام -: الرجل يحجّ عن المرأة والمرأة تحج عن الرجل قال: لابأس)). وللكلام تتمة في المسألة الآتية.

(2) قد عرفت أن عموم الصحاح الواردة في عدم اشتراط المماثلة وجواز نيابة كلاً من المرأة والرجل عن الاخرين من دون تقييد كون النائب أو المنوب عنه صرورة أو حياً أو ميتاً، إلا انّه حكي عن الشيخ وابن البرّاج المنع عن نيابة المرأة الصرورة مطلقاً أو مع كون المنوب عنه رجل. وذهب صاحب الجواهر الى كراهة استيجار أو استنابة الصرورة عن الصرورة ولو رجل عن الرجل، وذهب بعض أعلام هذا العصر الى وجوب كون النائب رجل صرورة عن الحي العاجز فيقع الكلام في هذه الصور الثلاث عن وجود ما يخصص العموم السابق.

وقد استدلّ للعدم بعدّة أخبار:

الأول: صحيحة حكم بن حكيم قال: ((قلت لأبي عبداللّه - عليه السلام - انسان هلك ولم يحج ولم يوصي بالحج فأحج عنه بعض أهله رجلاً أو امرأة هل يجزيء ذلك ويكون قضاء عنه؟ ويكون الحج لمن حج؟ ويؤجر من أحج عنه؟ فقال: إن كان الحاج غير صرورة أجزأ عنهما جميعاً…


1) ([1]) ب 8 ابواب النيابة.

وأجر الذي أحجّه))((1)) وهذه الصحيحة ظاهرها المنع عن نيابة مطلق الصرورة رجلاً كان أو امرأة وسواء كان المنوب عنه الصرورة رجلاً كان أو امرأة.الثاني: رواية زيد الشحّام عن أبي عبدالله - عليه السلام - قال سمعته يقول: ((يحج الرجل الصرورة عن الرجل الصرورة ولا تحجّ المرأة الصرورة عن الرجل الصرورة))((2)) وهذه الرواية ليس في سندها من يتوقّف فيه إلا المفضّل بن صالح وحاله معروف عند المشهور وإن كنا لا نبني على ضعفه لكون القدح فيه بدعوى غلوه، وهي غير قادحة على اطلاقها مع رواية عدّة من أكابر أصحاب الاجماع عنه بسند صحيح، ولاحظ ما ذكره في منتهى المقال، ومثلها روايتا مصادف حيث قيّد فيهما جواز نيابة المرأة عن الرجل الصرورة بما اذا كانت قد حجت((3)).

الثالث: موثق عبيد بن زرارة قال: ((قلت لأبي عبداللّه - عليه السلام - الرجل الصرورة يوصي أن يحج هل تجزي عنه امرأة؟ قال: لا، كيف تجزيء امرأة وشهادته شهادتان قال انّما ينبغي أن تحج المرأة عن المرأة والرجل عن الرجل، وقال: لابأس أن يحج الرجل عن المرأة))((4)). ومفادها عدم اجزاء حج المرأة صرورة كانت أو غيرها عن الرجل الصرورة.

الرابع: رواية سليمان بن جعفر قال: ((سألت الرضا - عليه السلام - عن المرأة صرورة حجت عن امرأة صرورة؟ فقال: لا ينبغي))((5)).

و ((لا ينبغي)) وإن لم تكن صريحة في النفي إلا أن فيها ادنى الظهور في ذلك، والسند قد اشتمل على علي بن أحمد بن أشيم، والشيخ وإن لم يوثّقه إلا انّه ذكره من أصحاب الرضا - عليه السلام -، إلا أن للصدوق في المشيخة اليه طريق معتبر عن البرقي عنه…


1) ([2]) ب 28 ابواب وجوب الحج ح8، وأبواب النيابة باب 8 ح3 .

2) ([1]) ب 9 ابواب النيابة ح1 .

3) ([2]) ب 8 ابواب النيابة ح4 و7 .

4) ([3]) ب 9 ابواب النيابة ح2 .

5) ([4]) ب 9 ابواب النيابة ح3 .

ومؤداه أنه صاحب كتاب معروف كما انّ الراوي عنه أحمد بن محمد بن عيسيى الاشعري ويكفي ذلك في حسن حاله.

الخامس: رواية ابراهيم بن عقبة قال: ((كتبت اليه أسأله عن رجل صرورة لم يحج قط حج عن صرورة لم يحج قط، أيجزي كل واحد منهما تلك الحجّة عن حجّة الإسلام أو لا؟ بيّن لي ذلك يا سيدي، إن شاء الله، فكتب - عليه السلام -: لا يجزي ذلك))((1)) وظاهرها عين مفاد صحيحة حكم بن حكيم المتقدمة.

السادس: رواية بكر بن صالح قال: ((كتبت الى أبي جعفر - عليه السلام - أن ابني معي وقد أمرته أن يحجّ عن أمّي، أيجزي عنها حجّة الإسلام؟ فكتب لا، وكان ابنه صرورة وكانت أمّهصرورة؟))((2)). ومفاد هذه الرواية عين مفاد الرواية السابقة أيضاً وقد استدلّ بهما صاحب الجواهر على الكراهة.

السابع: صحيحة معاوية بن عمار قال: ((سألت ابا عبداللّه - عليه السلام - عن الرجل يموت ولم يحج حجّة الإسلام ويترك مالاً، قال: عليه أن يحجّ من ماله صرورة لا مال له))((3)) ومفادها وجوب استنابة الرجل الصرورة عن الميت الذي استقر عليه الحج.

ومثلها صحيحة معاوية بن عمار الاخرى الواردة في الشيخ الذي لم يحج قط وكذلك في صحيح الحلبي ((صرورة لا مال له)) وكذا صحيحة عبداللّه بن سنان((4)). ومفادها وجوب استنابة الرجل الصرورة عن الحيّ العاجز. هذا، والصحيح عدم تمامية ما استدلّ به للعدم.

أما الرواية الأولى: فقد تقدم في مسألة (110) من فصل الاستطاعة من دلالة الصحيحتين على اجزاء حج النائب الصرورة الذي له مال فضلاً عن الذي لا مال له،…


1) ([5]) ب 6 ابواب النيابة ح3 .

2) ([1]) ب6 ابواب النيابة ح4 .

3) ([2]) ب 28 ابواب وجوب الحج ح1 .

4) ([3]) ب 24 ابواب وجوب الحج.

وتقدم أن السؤال عن الاجزاء في نيابة الصرورة هو بلحاظ كل من المنوب عنه والنائب في كفاية ما أتى به من النيابة عن حجّة الاسلام التي عليه وانّ كلا الجهتين محط سؤال عند العامّة والخاصّة.

فمن ثمّة يتبين عدم دلالة هذه الرواية على الكراهة أيضاً لأن الاجزاء المنفي فيها بلحاظ النائب الصرورة عن التكليف المتوجه اليه عن نفسه.

وأما الرواية الثانية: فظاهر من النهي فيها أخذ قيدين في موضوعه أحدهما كون امرأة عن الرجل والثاني كونها صرورة، وسيأتي انّ نيابة المرأة عن الرجل مجزية ولكن مكروهة بكراهة معلله بعدم القوة على أداء النسك، وكذا كون النائب صرورة مكروهاً كما سيأتي بكراهة معلله بعدم اتقانه لمسائل الحج. فالمرجوحية على درجات، ومن ثمّة يرفع اليد عن اطلاق هذا النهي بقرينة درجات الكراهة المدلول عليها في بقية الروايات المتقدمة والآتية وسيأتي ذكر القرائن على ذلك.

وأما الرواية الثالثة: فمحمولة على الكراهة بدلالة العمومات المتقدمة اذ النسبة بينهما التباين وان قيل انّها كالصريحة في عدم الاجزاء.

وأما الرواية الرابعة: فلفظ ((لا ينبغي)) ليس ظهورها الأولي في اللزوم كما حررناه في مواضع ولو لم تكن قرينة على الترخيص.مضافاً الى ما قد عرفت أن كلاً من كونها امرأة وكونها صرورة يقتضي الكراهة والمرجوحية كما هو مفاد كلاً من القيدين على حدة، بل التعبير في هذه الرواية ب- ((لا ينبغي)) في نيابة المرأة الصرورة قرينة على ارادة المرجوحية في الروايات السابقة.

وكذا تسوية الكراهة لنيابة الصرورة بين المرأة والرجل في الرواية قرينة اخرى أيضاً.

وكذا ما في روايتي مصادف من تعليل خيرية المرأة على الرجل في بعض…

الأحيان من كونها فقيهة متقنةً للعمل قرينة اخرى على أن كون النائب امرأة أو صرورة ليس فيه منعاً وضعياً عن الصحّة أن منشأ المرجوحية من جهة عدم اتقان الاداء وكذا يعضد ذلك حسنة بشير النبّال قال: ((قلت لأبي عبداللّه - عليه السلام - انّ والدتي توفيت ولم تحج، قال: يحج عنها رجل أو امرأة، قلت: أيّهما أحب اليك؟ قال: رجل أحب اليّ))((1)).

وأما الرواية الخامسة والسادسة: فقد ذكرنا في جواب الاستدلال بالرواية الأولى انّ نفي الاجزاء هو بلحاظ ما على النائب نفسه من تكليف لا بلحاظ الاجزاء عن المنوب عنه، وقد دلّت على ذلك الصحيحتين المتقدمتين في نهاية بحث الاستطاعة فلاحظ، ورواية ابراهيم بن عقبة صريحة في تعدد جهة السؤال التي ادعيناها في مفاد الروايات. ومن ثمّة يتأمل في دلالة الروايتين على الكراهة.

وأما الرواية السابعة: فيرفع اليد عن ظاهر مفادها في وجوب كون النائب عن الميت صرورة لا مال له بدلالة الرواية الأولى صحيحة حكم بن حكيم وغيرها من الروايات الدالّة على اجزاء نيابة غير الصرورة ومن ثمّة يتأمل في دلالة الروايات الاخرى الدالّة على لزوم ذلك عن الحي العاجز اذ وجوب الاستنابة كما عرفت تمام موضوعه هو الاستطاعة المالية من غير فرق بين الميت والحي مع انتفاء القدرة البدنية مضافاً الى أن التقييد ب- ((ما لا مال له)) تحرزاً عن ذي المال الذي لا يجوز له ترك الحج عن نفسه مضافاً الى ما عرفت من أن كون النائب صرورة في نفسه مرجوحاً كما يفهم من روايتي مصادف وصحيح محمد بن مسلم((2)) النافي للبأس عن حج الصرورة عن الصرورة، وغيرها من الروايات التي بنفس المضمون الواردة لنفي توهم الحضر المشعر بعدم الرجحان وإن كان قد يشكل في دلالة هذا الاشعار بأنه لدفع توهّم الحضر المزعوم عند العامّة فليس في ذلك تقرير للمرجوحية، وتكون صحيحة


1) ([1]) ب8 ابواب النيابة ح8 .

2) ([2]) ب6 ابواب النيابة ح1 .

(مسألة 7): يشترط في صحّة النيابة قصد النيابة وتعيين المنوب عنه في النية ولو بالاجمال ولا يشترط ذكر اسمه وإن كان يستحب ذلك في جميع المواطن والمواقف(1).معاوية بن عمّار ونحوها دالّة على رجحان الرجل الصرورة الذي لا مال له ولعل جهة الرجحان حينئذ تكون هو احجاج المؤمن الذي لم يحج لا الرجحان الذاتي من حيث النيابة ويحتمل في مفادها أيضاً انّ الأمر في الصرورة الذي لا مال له. حيث انّه في مورد توهّم الحضر المزعوم من العامّة فلا دلالة على الرجحان فضلاً عن اللزوم ولأجل ذلك كان السؤال عن حج النائب الصرورة كثيراً في أسئلة الرواة.

(1) مقتضى القاعدة في متعلقات الأحكام المتباينة عنواناً المشتركة في الصورة الخارجية هو تحقيق التباين بتوسط القصد كما هو الحال في نافلة الصبح وركعتي الفريضة وكذلك الحال في الحج عن النفس والاتيان به نيابةً.

ولك أن تقول: انّ ماهيات الأعمال اذا كانت مشتركة في الصورة الخارجية لا تقع امتثالاً لأحد الأوامر المتعلقة بها إلا بقصد ذلك الأمر، والمفروض أن الأوامر تارة يخاطب بها الشخص نفسه وأخرى المخاطب به الغير. ثم انّ هناك تصورين للنيابة:

أحدهما: ظاهر المشهور من انّ النائب يقصد الأمر المتوجه للمنوب عنه ويمتثله بأن ينزل عمله منزلة عمل المنوب عنه.

ثانيهما: ما ذهب اليه المحقق الاصفهاني من انّ النائب يقصد الامر المتوجه اليه بالنيابة عن غيره، فالاتي بالحج مخاطب بأمرين، أمر بالحج عن نفسه ولو ندباً، وأمر بالحج عن الغير نيابةً، ولا يتعيّن الامتثال لأحدهما إلا بالقصد.

والصحيح التلفيق بين ما هو ظاهر المشهور والمبنى الثاني وذلك لأن الامر المتوجه للنائب بالنيابة التي هي عبارة عن تنزيل النائب عمله منزلة عمل المنوب عنه في مقام الامتثال للأمر المتوجه للمنوب عنه.

(مسألة 8): كما تصحّ النيابة بالتبرع والإجارة وكذا تصح بالجعالة(1) ولا تفرغ ذمّة المنوب عنه إلا بإتيان النائب صحيحاً، ولا تفرغ بمجرّد الاجارة، وأما ما دلّ من الأخبار على كون الأجير ضامناً وكفاية الاجارة في

ففي المقام أمران طوليان يقع امتثالهما على نحو الطولية أيضاً، وعلى أية حال لابد من قصد النيابة كي يقع العمل امتثالاً للأمر المتعلّق بها وللأمر المتعلق بالمنوب عنه دون الأمر المتعلق أصالة بالاتي نفسه.

ثم انّ كانت النيابة متعددة من حيث امكان الوقوع فلابد من قصد خصوص المنوب عنه ليقع امتثالاً للامر المتوجه الى خصوصه لا الى الآخرين، نعم يكفي في النية الاشارة الاجمالية كما في بقية الموارد المتقومة بالقصد والى ذلك تشير الروايات الواردة في المقام كصحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر - عليه السلام - قال: ((قلت له: ما يجب على الذي يحج عن الرجل؟ قال:يسمّيه في المواطن والمواقف))((1)) ، ومثلها معتبرة الحلبي وصحيحة معاوية بن عمّار((2)) لكن في صحيح البزنطي أنه قال: ((سأل رجل أبا الحسن الأول - عليه السلام - عن الرجل يحج عن الرجل يسمّيه باسمه؟ قال: اللّه لا تخفى عليه خافية))((3))ومثلها رواية محمد بن عبدالله بن جعفر الحميري((4)) ورواية مثنى بن عبدالسلام ما يدل على ندبية التلفظ وهو مطابق لمقتضى القاعدة من كون مدار القصد على النية لا التلفظ، وسيأتي للبحث تتمّة في المسألة اللاحقة.

(1) حكي الخلاف من بعض ولعل وجهه التأمل في حصول التسبيب للعمل أي في حصول الاستنابة فيما كانت النيابة عن الحي العاجز باعتبار انّ الجعالة فيما اذا كانت بنحو العموم من دون توجيه الخطاب إلى أحد بخصوصه، ليس فيها امراً تعلق بخصوص العامل، أو انّ الجعالة وإن كانت خاصّة إلا انّها بنحو التعليق فليس فيها امراً


1) ([1]) ابواب النيابة ب16 / 1 - 2 - 3 .

2) ([2]) ابواب النيابة ب16 / 1 - 2 - 3 .

3) ([3]) ب16 ابواب النيابة ح5.

4) ([4]) ب17 ابواب النيابة.

فراغها منزلة على أن اللّه تعالى يعطيه ثواب الحج اذا قصر النائب في الاتيان، أو مطروحة لعدم عمل العلماء بها بظاهرها(1)

منجزاً بالفعل ولكن لا يخفى عليك ما في كلا التقريبين لهذا الوجه فانّ التسبب المطلوب في الاستنابة يكفي فيه أدنى التسبب.

(1) مقتضى القاعدة العقلية في باب الامتثال هو عدم سقوط الامر بما اشتغلت به الذمّة إلا بالاتيان الخارجي للعمل المطابق حده لحدّ متعلّق الأمر من دون أية نقيصة إلا اذا ورد تعبد بالاكتفاء بمرتبة ناقصة عن المأمور به.

وادعى صاحب الحدائق في المقام ورود التعبد بفراغ الذمّة بمجرّد الاستيجار وانّه تشتغل ذمّة الأجير بدلاً عن ذمّة المستأجر وهو المنوب عنه ويكون ضامناً للعمل، نظير ما ورد الدليل - كما سيأتي في المسائل اللاحقة - من الاجتزاء بإحرام الأجير ودخوله الحرام عند موته عند ذلك عن اتيان العمل كاملاً، فانّه ذهب بعضهم لاختصاص ذلك الحكم بما اذا كان النائب أجيراً لا متبرعاً.

والروايات((1)) المستدل بها في المقام هي:

الصحيح الى ابن ابي عمير عن بعض أصحابه عن أبي عبدباللّه - عليه السلام - في رجل أخذ عن رجل مالاً ولم يحج عنه ومات ولم يخلف شيئاً فقال: ((ان كان حج الاجير أخدت حجّته ودفعت لصاحب المال وان لم يكن حجّ كتب لصاحب المال ثواب الحج)) ومثلها موثق عمّارالساباطي عن ابي عبداللّه - عليه السلام - وفيه قال: ((ان كانت له عند اللّه حجّة أخذها منه فجعلها للذي أخذ منه الحجّة)) . وفي مرسلة الصدوق في النائب الذي مات ولا يترك شيئاً قال - عليه السلام -: ((اجزأه عن الميت وإن كان له عند الله حجة اثبتت لصاحبه)) .

ورواية ابن ابي حمزة والحسين عن ابي عبداللّه - عليه السلام - في رجل أعطاه رجل مالاً ليحج عنه فحجّ عن نفسه، فقال: ((هي عن صاحب المال)).


1) ([5]) ب23 ابواب النيابة.

..........

ومثلها مرفوعة محمد بن يحيى((1)).

وموثقة اسحاق بن عمار قال: ((سألته عن الرجل يموت فيوصي بحجة فيعطي رجلاً دراهم يحجّ بها عنه فيموت قبل أن يحج، ثم اعطي الدراهم غيره، فقال: إن مات في الطريق أو بمكّة قبل أن يقضي مناسكه فانّه يجزي عن الأول، قلت: فإن ابتلي بشيء يفسد عليه حجه حتى يصير عليه الحج من قابل، أيجزي عن الأول؟ قال: نعم، قلت: لأن الأجير ضامن للحج؟ قال: نعم))((2)).

وهناك روايات أخرى دالّة على اجزاء حجّ النائب الذي يموت في الطريق - كما سيأتي نقلها في المسألة العاشرة من هذا الفصل، لكن المفهوم منها بل المنطوق من بعضها عدم الاجزاء لو مات قبل ذلك.

وفي موثق عمّار الساباطي عن أبي عبداللّه - عليه السلام - ((في رجل حجّ عن آخر ومات في الطريق قال: قد وقع أجره على اللّه ولكن يوصي فان قدر على رجل يركب في رحله ويأكله زاده فعل))((3))، ومفادها صريح في انّه ما يكتب من ثواب حج انما هو امر تفضلي غير مرتبط بالاجزاء وفراغ الذمّة، كما انّ التمعّن في لسان الروايات المتقدّمة يظهر منه ذلك فانّ كتابة الحجّة أو ثوابها ليس في مقام الاجزاء والاداء وسقوط الامر ومن ثمّة فصل في مصحح ابن أبي عمير في كيفية التفضل. كما انّ موثّق اسحاق قد تعرض لصورتين وهما غير ما نحن فيه، الأولى: في من أحرم ودخل الحرم. والثانية: في الأجير الذي أتى بحجّة فاسدة فوجبت عليه الحجّة في القابل والاجزاء فيهما تام كما سيأتي في المسائل اللاحقة، وأما التعبير في موثق اسحاق بن عمار أن الأجير ضامن للحج فمن المحتمل عوده الى حج العقوبة لأنه هو الذي افسد الحج أو بمعنى ضمان الاجارة


1) ([1]) ب22 أبواب النيابة ح1 وح2 .

2) ([2]) ب15 ابواب النيابة ح1.

3) ([3]) ب 15 ابواب النيابة ح5 .

…....

مع أن التفصيل في صدرها بدخول مكّة والحرم وعدمه صريح في عدم الاجزاء بمجرّد الاجارة، بل ان التعبير الوارد في صلاة الجماعة في أن الامام ضامن قراءة المأمون لا يعني فراغ الذمّة من رأس بل بمعنى نحو أداء لما في ذمّة المأمون، بل انّ تفصيل صاحب الحدائق جمعاً بين الروايات بينما اذا كان النائب قادراً على الحج وبينما اذا لم يكن كذلك مقتضاه عدم فراغ ذمّة المنوب عنه غاية الأمر يكون المنوب عنه معذوراً ويؤخذ النائب بمقتضى عقد الاجارة بالحج.

وأما رواية ابن أبي حمزة والحسين ومرفوعة محمد بن يحيى فليستا ظاهرة الدلالة في الضمان إذ من المحتمل ارادة انّ النائب حجّ عن نفسه غفلةً مع كونه قد أنشأ الحج نيابةً أو ان ثوابها لصاحب المال.

وذكر المجلسي في ذيل مرفوعة محمد بن يحيى انّ المقطوع به في كلام الأصحاب انّه لا يجوز للنائب عدول النيّة الى نفسه واختلفوا في ما اذا عدل بالنيّة فذهب أكثر المتأخّرين الى انّه لا يجزي عن واحد منهما فيقع باطلاً، وقال الشيخ بوقوعه عن المستأجر واختاره المحقق في المعتبر وهذا الخبر يدلّ على مختارهما وطعن فيه بضعف السند ومخالفته الأصول ويمكن حمله على الحج المندوب ويكون المراد انّ الثواب لصاحب المال وقال في الدروس: فلو أحرم عنه ثم عدل إلى نفسه لغى العدول فإن أتم الأفعال عن نفسه أجزأ عند الشيخ عن المنوب عنه بناء على أن فيه الاحرام كافية عن نية باقي الأفعال وان الاحرام يستتبع باقي الأفعال وان النقل فاسد لمكان النهي وتبعه في المعتبر دون الشرائع، وفي رواية ابن أبي حمزة لو حجّ الاجير عن نفسه وقع عن المنوب عنه.

وفي رواية أبي حمزة لو حجّ الأجير عن نفسه وقع عن المنوب عنه، ولو أحرم عن نفسه وعن المنوب عنه فالمروي عن الكاظم - عليه السلام - وقوعه عن نفسه ويستحق المنوب

…

ثواب الحج وإن لم يقع عنه، وقال الشيخ لا ينعقد عنهما ولا عن أحدهما، انتهى((1)).

أقول: مقتضى القاعدة انّ العمل العبادي القصدي يقع بحسب ما قصد فإن قصد عن نفسه وقع عنه اصالةً وإن قصد عن غيره وقع نيابةً كما انّ مقتضى القاعدة انّ أعمال الحج وإن كانت ارتباطية في مقام تحصيل تمام ماهيّة الحج إلا انّ لها نحو استقلال وصورة نية مستقلّة وإن كانت في ضمن نيّة نوع ماهيّة الحج ومن ثم لابدّ من نيّة الوقوف في الموقف ونيّة ماهيّة الطواف انّه طواف الزيارة أو النساء أو المندوب فلا يكفي ما نواه عند انشاء الاحرام عن نيّة باقي الاجزاء وعن قصد خصوص ماهياتها التي تقع على وجوه مختلفة، ومن ثم يتّضح انّ مقتضىالقاعدة في الصورة الأولى فيما لو أنشأ الاحرام عن الغير ثم عدل بنيّته الى نفسه وأتى بالأعمال بهذه النيّة انّه لا يقع صحيحاً عن المنوب عنه ولا عن نفسه لعدم قصده النيابة ولعدم مشروعية الأعمال عن نفسه من دون احرام لها أو من دون انشاء تلبية، مع انّه نحو ادخال نسك في نسك وهو نظير ما لو صلّى بنيّة القضاء عن الميت ثم عدل في اثناء الصلاة بنيته عن نفسه فانّه لا تقع عنهما لولا دليل الصلاة على ما فتحت عليه .

ولعل الشيخ كما ذكره الشهيد الأول حمل الحج على باب الصلاة أو بنى على أن الحج كباب الصوم يكفي فيه ابتداء النيّة، ولكنه أيضاً محل تأمّل لأن باب الصوم أيضاً النيّة فيه في باقي الاجزاء تقديرية بحيث لو سئل أجاب لا أنها خالية عن النيّة بالمرّة، ومن ثم لو عدل في نيّة الصوم كان الاكتفاء بما نواه ابتداءً محل اشكال، فما ذكره الشهيد وجهاً للشيخ لا يتجه.

أما الصورة الثانية: وهي ما لو نوى عند الاحرام عن نفسه وغيره فيقع مندوباً عنهما خلافاً للشيخ ولا يقع عن الواجب المنوب عنه. والروايتان مضافاً لضعف


1) ([1]) الدروس ج1 ص321 .

(مسألة 9): لا يجوز استئجار المعذور في ترك بعض الأعمال، بل لو تبرّع المعذور يشكل الاكتفاء به(1).

(مسألة 10): اذا مات النائب قبل الاتيان بالمناسك فإن كان قبل الاحرام لم يجزىء عن المنوب عنه، لما مرّ من كون الأصل عدم فراغ ذمّته الا بالاتيان بعد حمل الأخبار الدالّة على ضمان الأجير على ما أشرنا اليه، وإن مات بعد الاحرام ودخول الحرم اجزأ عنه، لا لكون الحكم كذلك في الحاج عن نفسه، لاختصاص ما دلّ عليه به، وكون فعل النائب فعل المنوب عنه لا يقتضي الالحاق، بل لموثقة اسحاق بن عمّار المؤيدة بمرسلتي حسين بن عثمان والحسين بن يحيى، الدالّة

السند ليس ظاهرهما نصاً في خلاف مقتضى القاعدة اذ مفادهما يمكن حمله على باب الثواب والاجر، ثم انّ البحث في هذين الفرعين المستدركين على المتن هما بلحاظ النيّة والقصد قلباً لا بلحاظ التلفظ.

كما انّه قد يصور ان ينوي الشخص اجمالاً شيء ثم يتصوره تفصيلاً شيء آخر ولا يبعد الحاق الغفلة في مثل ذلك بالغفلة في التلفظ، ولعله مراد الشيخ في الفرع الأول ويكون أحد محامل الروايتين السابقتين أيضاً.

(1) ظاهر عبارة الماتن عدم الاجزاء مطلقاً ويؤيّده ما يأتي في المسألة (24) فيما لو طرأ ضيق الوقت عليه وعجز عن اتيان عمرة التمتع. ولكن المعروف في الكلمات التفصيل بين العذر قبل الأعمال وبين الذي يطرأ عليه العذر في الأثناء، وقيل - وإن لم يعرف قائله - يجوز استنابة المعذور في الاعمال التي يشرع فيها ان يستنيب المعذور لاطلاق أدلّة الاستنابة.

واستدلّ للتفصيل الأول بأن مقتضى القاعدة الاولى هو لزوم الاستنابة في العمل التام والمفروض قدرة المنوب عنه على ذلك فلا تصل النوبة للاستنابة في العمل الناقص. وأماالاجزاء في العذر الطاريء في الأثناء لعموم أدلّة النيابة للمعذور في

على انّ النائب اذا مات في الطريق أجزأ عن المنوب عنه المقيّدة بمرسلة المقنعة: ((من خرج حاجاً فمات في الطريق، فانّه ان كان مات في الحرم فقد سقطت عنه الحجّة)) الشاملة للحاج عن الغير أيضاً، ولا يعارضها موثقة عمّار الدالّة على انّ النائب اذا مات في الطريق عليه أن يوصي لأنها محمولة على ما اذا مات قبل الاحرام أو على الاستحباب مضافاً الى الاجماع على عدم كفاية مطلق الموت في الطريق وضعفها سنداً بل ودلالة منجبر بالشهرة والاجماعات المنقولة، فلا ينبغي الاشكال في الاجزاء في الصورة المزبورة.

وأما اذا مات بعد الاحرام وقبل دخول الحرم ففي الاجزاء قولان، ولا يبعد الاجزاء وإن لم نقل به في الحاج عن نفسه لاطلاق الأخبار في المقام والقدر المتيقن من التقييد هو اعتبار كونه بعد الاحرام لكن الأقوى عدمه، فحاله حال الحاج عن نفسه في اعتبار الامرين في الاجزاء، والظاهر عدم الفرق بين حجة الاسلام وغيرها من أقسام الحج، وكون النيابة بالاجرة أو بالتبرّع(1).

الاثناء أي ان المعذور في الاثناء يشرع له ان يستنيب في بعض الأعمال وبضميمة ان طروء العذر في الاثناء بأقسامه المختلفة متعارف وقوعه فيكون مندرجاً في عموم أدلّة النيابة والاستنابة. ثم ان هذا كلّه في غير موارد تبدل الموضوع اذ ليس هو من باب العذر والعمل الناقص.

(1) ذهب المشهور بل حكى عليه الاجماع أن التفصيل في النائب هو التفصيل في الأصل خلافاً لظاهر ما تقدم من صاحب الحدائق من الاجزاء مطلقاً بمجرّد الاجارة.

ويستدل للمشهور بموثقة اسحاق بن عمار المتقدم حيث فيه قوله - عليه السلام - ((إن مات في الطريق أو بمكّة قبل أن يقضي مناسكه فإنّه يجزء عن الأول)) ، وبموثق عمّار ((في رجل حجّ عن آخر ومات في الطريق قال: قد وقع أجره على اللّه ولكن يوصي فإن قدر على رجل يركب

(مسألة 11): اذا مات الأجير بعد الاحرام ودخول الحرم يستحق تمام الاجرة اذا كان أجيراً على تفريغ الذمّة وبالنسبة الى ما أتى به من الأعمال اذا كان أجيراً على الاتيان بالحج بمعنى الأعمال المخصوصة، وإن مات قبل ذلك لا يستحق شيئاً سواء مات قبل الشروع في المشي أو بعده وقبل الاحرام أو بعده وقبل الدخول في الحرم، لأنه لم يأت بالعمل المستأجر عليه لا كلاً ولا بعضاً بعد فرض عدم اجزائه من غير فرق بين أن يكون المستأجر عليه نفس الأعمال أو مع المقدمات من المشي ونحوه. نعم لو كان المشي داخلاً في الاجارة على وجه الجزئية بأن يكون مطلوباً في الاجارة نفساً استحق مقدار ما يقابله من الأجرة بخلاف ما اذا لميكن داخلاً أصلاً أو كان داخلاً فيها نفسابل بوصف المقدمية، فما ذهب اليه بعضهم من توزيع الأجرة عليه أيضاً مطلقاً لا وجه له، كما انّه لا وجه

في رحله ويأكل زاده فعل)) ، ومرسلة الحسين بن يحيى عمّن ذكره عن أبي عبداللّه - عليه السلام -((في رجل أعطى رجلاً مالاً يحج عنه فمات قال: فإن مات في منزله قبل أن يخرج فلا يجزء عنه، وإن مات في الطريق فقد أجزأ عنه)) ومثله رواية الحسين بن عثمان عمّن ذكره.

والظاهر بدواً وإن كان التعارض بين الموثقتين، لكن التدبر قاض بعدم ذلك حيث انّ موثق عمّار الذي ظاهره عدم الاجزاء ظاهر في الموت قبل الاحرام أو قبل الحرم، حيث أن تعبير ((فإن قدر على رجل يركب في رحله ويأكل زاده فعل)) مؤداه موت النائب قبل المواقيت وقبل الحرم لأن الرجل الاخر الذي يفترض استنابته ثانياً يفترض فيه أن يكون احرامه قبل المواقيت.

وأما موثق اسحاق فالتعبير فيها ((مات بمكة قبل أن يقضي مناسكه)) صريح في الاحرام ودخول الحرم. فيكون فرض الموثقتين متغايرين. نعم الشقّ الأول في موثق اسحاق ((ان مات في الطريق)) مطلق والظاهر عدم رجوع قيد ((قبل أن يقضي مناسكه)) اليه، بل هو قيد مات في مكة لأن الموت في مكّة قابل لتقديرين فيقيد بذلك القيد

لما ذكره بعضهم من التوزيع على ما أتى به من الأعمال بعد الاحرام اذ هو نظير ما اذا استؤجر للصلاة فأتى بركعة أو أزيد ثم ابطلت صلاته فانّه لا اشكال في انّه لا يستحق الأجرة على ما أتى به.

بخلاف الموت في الطريق فانّه تقييده بذلك القيد يكون توضيحاً له لا احترازياً.

ولكن يمكن أن يقال انّ اطلاق ((مات في الطريق)) غير محرز مع احتفاف الكلام بما يصلح للقرينية لأن الموت في الطريق تارة قبل الاحرام وأخرى بعده، ولا يصح تعبير ب- ((قبل أن يقضي مناسكه)) إلا أن يكون بعد الاحرام، لأن ((يقضي)) بمعنى يتم وهو يستعمل في من انقطع عليه العمل في الأثناء لا من لم يتلبس بالعمل، وعلى هذا فتكون موثقة اسحاق دالّة على الاجزاء بمجرّد الاحرام، وعلى أية حال يقيد موثقة اسحاق موثقة عمّار لو سلم الاطلاق وكذا الحال مع المرسلتين المتقدمتين.

وأما الاستدلال بما ورد في الحاج عن نفسه من التفصيل في الاجزاء بين قبل دخوله الاحرام والحرم وبين بعده، فهو وإن أمكن تعميمه للحج النيابي أيضاً بتقريب أنه وارد في بيان الاكتفاء بالماهيّة الناقصة الخاصّة عن التامّة، إلا انّه قد يشكل عليه بأن مورده تعذر الاتيان بالماهيّة التامة في الحج الذي يأتي به الأصل عن نفسه بخلاف مورد النيابة فانّه يمكن للمنوب عنه أن يستنيب مرة أخرى.

وإن كان يتأمل فيه، بأنه قد يفرض التعذر في المنوب عنه أيضاً كما لو ذهبت قدرته المالية، مع انّه في تلك الروايات قد فرض القدرة على الاستنابة، لذكر التفصيل فيها بين القبل والبعد وانّهعلى الولي أن يستنيب للميت قبل ذلك. وحينئذ هذا الاشكال مآله الى ما ذكره جماعة من التفصيل، وبعبارة أخرى أن تلك الروايات الواردة مورد الحج المباشري أي اصالةً عن نفسه لا نيابة، وإلا لما كان فرض التعذر مطلقاً لامكان فرض أن الميت له مال يحج عنه.

لكن قد عرفت انّه يقرب ظاهر الرواية بأنها في مقام اجزاء الماهيّة الناقصة عن

ودعوى: انّه وإن كان لا يستحق من المسمّى بالنسبة لكن يستحق أجرة المثل لما أتى به حيث أن عمله محترم.

مدفوعة: بأنه لا وجه له بعد عدم نفع المستأجر فيه والمفروض انّه لم يكن مغروراً من قبله، وحينئذ فتنفسخ الاجارة اذا كانت للحج في سنة معيّنة ويجب عليه الاتيان به اذا كان مطلقة من غير استحقاق لشيء على التقديرين(1)

التامّة. ومن ثم كان لسان هذه الروايات مع الروايات الواردة لنائب الاجير بمفاد واحد كما استظهره المشهور، وعليه يقيد موثق اسحاق بدخول النائب الأجير الحرم ومن ثم يعمم الحكم في النائب بين الأجير وغيره وإن كان الأولى في التبرّع عدم الاجزاء.

وأما الاستدلال للعموم في النائب باطلاق موثق عمّار فمحلّ تأمّل حيث انّ ذيله قرينة على انّه في مورد الأجير.

(1) نسب إلى اتفاق الأصحاب استحقاق تمام الأجرة في ما لو أحرم ودخل الحرم، كما نسب اليهم التبعيض في الاجرة المسمّاة فيما اذا كان قبل ذلك، والمسألة قابلة للوقوع على صور، فمضافاً للصورتين المتقدمتين قد يفرض نقص اتيانه بالأعمال وان كان صحيحاً، فقد يأتي بحج الافراد بدل حج التمتع لضيق الوقت وقد يدرك أحد الوقوفين الاختياريين، وقد تتلف أمواله فيأتي بالصوم بدل الهدي، وقد ينسى الطواف والسعي فيقضيهما ولو بالاستنابة ونحو ذلك.

كما انّ صيغة عقد الاجارة قد يصرح وتعقد على تفريغ الذمّة، وأخرى على اتيان الأعمال، وثالثة تطلق في عبارتها، والمراد من وقوعها على تفريغ الذمّة هو الوقوع على السبب أعم من الأعمال التامّة أو الناقصة المجزية.

ويستدل لاستحقاق الأجرة بعضاً أو كلاً بأمور:

الأول: دعوى استحقاق تمام الأجرة تعبداً فيما اذا مات بعد دخول الحرم، وذلك بالاستظهار من الروايات الواردة حيث أنها كما تتعرض الى ذمّة المنوب عنه فهي

…

تتعرض لذمّة النائب كأجير، كما هو صريح موثق عمّار الساباطي المتقدم، وكذا ذيل موثق اسحاق المتقدم حتى تعرض فيه الى ضمان الأجير للحج وانّما يأتي به النائب الأجير كعمل نيابي اجاري مجزء عن المنوب عنه، أي ان الروايات كما تتعرض في فرض عدم الاجزاءلايجاب الحج على الأجير مرة أخرى فتكون متعرضة في الفرض الاخير لسقوط ما في ذمّة الأجير، وذلك بلحاظ الجمع بين الموثقتين وبضميمة المرسلتين، فموثق عمّار متعرض ابتداءً لذمّة الأجير وبتبع ذلك يكون متعرضاً لذمّة المنوب عنه.

أما موثق اسحاق فهو متعرض ابتداءً لاشتغال ذمّة المنوب عنه فبالجمع بينه وبين مفاد الأول يقيد اشتغال ذمّة الأجير بموارد اشتغال ذمّة المنوب عنه، ولعل هذا وجه الاجمال الذي اشار اليه صاحب الحدائق في المسألة وهذا الوجه يقتضي استحقاق تمام الأجرة في صورة الاجزاء وقد يستظهر منه تقسط الأجرة في غير موارد الاجزاء لدعوى ظهور موثق عمّار في ايصاء الأجير غيره من حيث انقطع الدال على اكتفاء ما أتى به من السير كأداء لمتعلق الاجارة الذي هو الحج البلدي.

فائدة في عموم الضمان للأمر التبعي ولتوابع العمل المأمور به

اشارة

الوجه الثاني كون عمل المسلم محترماً وقد وقع بتسبب من أمر المنوب عنه وان كان باعثية الأمر بالنيابة في الحج بالنسبة إلى المقدمات هي بدرجة الأمر الغيري، كما انّ ذلك المقدار من العمل مما فيه منفعة للمنوب عنه المستأجر اذ في فرض الاجزاء فنفعه واضح، أما في فرض عدم الاجزاء فما أتى به من السعي الى الحج ثوابه يعود اليه لأنه أوقع عنه، والضمان بأجرة المثل لا الضمان بحسب أجرة المسمّاة اذ ليس ما أتى به متعلقاً للاجارة بعد فرض وقوعها على تفريغ الذمّة والاجزاء.

…

واشكل عليه تارةً بأن الأمر الغيري غير موجب للضمان، وأخرى بأن الأمر الغيري لم يتعلّق بالمقدمة غير الموصلة، وثالثة بأن المقدمة هاهنا بني على أن يأتي بها مجانية توطئة لعمل الاجارة.

ويندفع الأول بأنّه لا فرق في حصول التسبيب والاتلاف للعمل المحترم بين الأمر النفسي والغيري بل المحرر في محلّه أن الضمان يكفي فيه استيفاء وانتفاع الغير به بأذنه مع عدم قصد العامل التبرع.

ويندفع الثاني: بالنقض في مثل ما لو أجاره على بناء أو طلاء جدار فأتى العامل بالآلات ونقلها مما استلزم كلفة مالية ثم هدم الجدار وانتفى موضوع الاجارة بنحو ما، فانّ هذا نحو تسبيب منه ولو بنحو التغرير حيث انّ وجود الأمر الغيري وان فرض اختصاصه بالمقدمة الموصلة صورةً لكنه محرك وباعث للعمل نحو مطلق.ولك أن تقول: ان الايصال وإن كان مطلوباً إلا أنه لا ينافي باعثية الأمر الغيري لموارد الامتناع بطارىء سماوي.

وبعبارة أدق: انّ الأمر الغيري وإن كان مختصاً بالموصلة، إلا أن الباعثية العقلية لذلك الأمر والتي هي نحو من الاطوار العقلية المترتبة على الأمر المتولّدة منه هي متعلقة بمطلق المقدمة، نظير الأمر العقلي في أطراف العلم الاجمالي المتعلق بمطلق المقدمة الاحرازية المتولد من الامر الشرعي المعلوم بالعلم الاجمالي.

ومن ثم ذكر هناك انّه بطروء الحرج والاضرار - ولو بسبب الأمر العقلي الاحرازي - يرفع وجوب الموافقة القطعية وذلك لتسبب ذلك الوجوب العقلي عن الوجوب الشرعي، وإن كان الشرعي خاصاً بالطرف الواقعي لا لكل الأطراف، فاختصاص الأمر الغيري أو النفسي بشيء بخصوصه لا ينفي كون تأثيره العقلي وأثاره العقلية المتولّدة منه تتعلق بما هو أوسع مما هو تعلّق به، ومن ثم يصح التسبيب.

(مسألة 12): يجب في الاجارة تعيين نوع الحج من تمتع أو قران أو افراد ولايجوز للمؤجر العدول عمّا عين له وان كان الى الأفضل كالعدول من أحد الاخيرين

وهذا أمر نافع في باب الضمانات.

ويندفع الثالث: بأن المراد من المجانية في المقدمات إن كان أنها لم تقابل بالمال والعوض في العقد ولم تعاوض به فهذا صحيح، ولكن ذلك لا يعني المجانية المسقطة للحرمة الوضعية لمالية العمل نظير ما لو اشترط عليه الخياطة في عقد ثم تبيّن فساد العقد فان الخياطة مضمونة بسبب الأمر الشرطي لشارطه، والسرّ في ذلك انّ الأفعال أو الأعيان المالية التي لا تقابل بالمال في المعاوضة لا تكون مجانية تبرعية حقيقةً، بل هي دخيلة ولو بنحو الحيثية التعليلية في مالية العوض أو المعوض وبالتالي لا تكون تبرعية.

وهذا أمر نافع في باب الضمانات، ومنه يظهر انّ دائرة الضمان الواقعي (ما يضمن بفاسده) أوسع من دائرة الضمان الجعلي (ما يضمن بصحيحه). نعم المجانية بمعنى التبرع بها من دون أخذها جزءً ولا قيداً ولا شرطاً في المعاوضة، لا ضمان فيها بعد فرض الاذن في اتلافها، وهذا الوجه لا يخفى انّه يعم كل الصور والفروض على تقدير عدم ثبوت الاجرة بحسب المسمّى عدى ما لو صرّح بمجانية المقدمات على تقدير عدم الايصال.

الوجه الثالث: الضمان بحسب أجرة المسمّى بتقريب انّه في النظر العرفي انّ المقدمات فضلاً عن الاحرام والدخول في الحرم هي من الاجزاء المقابلة بالعوض (اجرة المسمّى) غاية الأمر انّ الأجير لم يسلم العمل كاملاً فيما اذا مات قبل أو بعد وان برأت الذمّة على تقدير، ويكون ذلك بنحو تعدد المطلوب كما هو الحال في موارد تبعّض الصفقة في المعاوضات.

أقول: لا ريب في تمامية هذا الوجه فيما اتفق الموت بعد ذلك في صورة اطلاق

الى الأول إلا اذا رضي المستأجر بذلك فيما اذا كان مخيراً بين النوعين أو الأنواع كما في الحج المستحبي والمنذور المطلق، أو كان ذا منزلين في مكة وخارجها، وأما اذا كان ما عليه من نوع خاص فلا ينفع رضاه أيضاً بالعدول الى غيره، وفي صورة جواز الرضا يكون رضاه من باب اسقاط حق الشرط ان كان التعيين بعنوان الشرطية، ومن باب الرضا بالوفاء بغير الجنس ان كان بعنوان القيدية، وعلى أي تقدير يستحق الاجرة المسمّاة وان لم يأت بالعمل المستأجر عليه على التقدير الثاني، لأن المستأجر اذا رضي بغير النوع الذي عيّنه فقد وصل اليه ماله على المؤجر كما في الوفاة بغير الجنس في سائر الديون فكأنه قد أتى بالعمل المستأجر عليه، ولا فرق فيما ذكرنا بين العدول الى الأفضل أو الى المفضول، هذا ويظهر من جماعة جواز العدول الى الأفضل كالعدول الى التمتع تعبداً من الشارع لخبر أبي بصير عن أحدهما ((في رجل أعطى رجلاً دراهم يحج بها مفردة ايجوز له أن يتمتع بالعمرة الى الحج قال - عليه السلام -: نعم انّما خالف الى الأفضل)) والأقوى ما ذكرناه والخبر منزل على صورة العلم برضى المستأجر بذلك مع كونه مخيراً بين النوعين جمعاً بينه وبين خبر آخر ((في رجل اعطى رجلاً دراهم يحج حجّة مفردة قال - عليه السلام -: ليس له أن يتمتع بالعمرة الى الحج لا يخالف صاحب الدراهم)) وعلى ما ذكرنا من عدم جواز العدول إلا مع العلم بالرضا اذا عدل بدون ذلك لا يستحق الأجرة في صورة التعيين على وجه القيدية وان كان حجّه صحيحاً عن المنوب عنه ومفرغاً لذمّته اذا

العقد أو تصريح بوقوعه على براءة الذمّة. وأما قبل ذلك فمحل تأمّل لاحتمال كونه بنحو الحيثية التقييدية أو التعليلية لا الجزء وإن كان أصل الضمان لا اشكال فيه كما تقدم، فلا تترك المصالحة بين اجرة المثل والنسبة لأجرة المسمّى، هذا لو كانت الاجارة في سنة معينة أو بقيد مباشرة الأجير نفسه، وإلا فيجب في ذمة الأجير الميت الحج النيابي ويؤديه وليه عنه من تركته.

لم يكن ما في ذمّته متعيناً فيما عين، وأما اذا كان على وجه الشرطية فيستحق، إلا اذا فسخ المستأجر الاجارة من جهة تخلف الشرط اذ حينئذ لا يستحق المسمّى بل أجرة المثل(1).

(مسألة 13): لا يشترط في الاجارة تعيين الطريق وان كان في الحج البلدي لعدم تعلّق الغرض بالطريق نوعاً، ولكن لو عيّن تعيّن ولا يجوز العدول عنه الى غيره، إلا اذا علم انّه لا غرض للمستأجر في خصوصيته وانما ذكره على المتعارف فهو راض بأي طريق كان. فحينئذ لو عدل صح واستحق تمام الأجرة، وكذا اذا اسقط بعد العقد حق تعيّنه، فالقول بجواز العدول مطلقاً أو مع عدم العلم بغرض في الخصوصية ضعيف، كالاستدلال له بصحيحة حريز ((عن رجل أعطى رجلاً حجّة يحج عنه من الكوفة فحجّ عنه من البصرة فقال: لابأس اذا قضى جميع(1) تعرض الماتن الى أحكام:

منها: لزوم تعيين نوع الحج المستأجر عليه ووجهه ظاهر التفاوت المالي بين أقسام الحج الموجب للغرر في المعاوضة وان كان قد يتأمّل في ذلك صغروياً بحسب سوق الاجارة لاسيما في زماننا الان.

ومنها: عدم جواز عدول الأجير عمّا عين له في الاجارة، وهذا يفرض تارةً في اشتغال ذمّة المنوب عنه بأحدها تعيناً في تكليف الأولي أو بنذر أو شبهه، وأخرى مع عدم ذلك، كما انّ الصورة الثانية تارة يتعلّق غرض المستأجر بذلك ولو الشخصي، وأخرى لا يتعلّق.

امّا في صورة اشتغال ذمّة المنوب عنه بحسب حجّة الاسلام فمن الواضح تعيّن ذلك على الأجير بمقتضى تعينه بالاجارة وعدم التغيير فيه.

واما اذا كان تعينه في ذمّة المنوب عنه بنذر أو شبهه فقد مرّ في فصل وجوب الحج بالنذر في مسألة انّه يجوز الامتثال بأفضل مما عيّنه في النذر بعدة تقريبات

المناسك فقد تمّ حجّه)) اذ هي محمولة على صورة العلم بعدم الغرض كما هو الغالب، مع انّها دلّت على صحّة الحج من حيث هو لا من حيث كونه عملاً مستأجراً عليه كما هو المدّعى، وربّما تحمل على محامل أخر. وكيف كان لا

ذكرناها آنفاً ويمكن تخريج صحيحة أبي بصير((1)) في المقام شاهداً على ذلك، وعلى هذا لا يكون مثال النذر ونحوه من الشق الأول.

وأما الشق الثاني فانّ فرض تعلّق غرض بذلك ولو بحسب شخص المستأجر ويقرّه العقلاء على ذلك كمثل من يشتري خط أبيه بأغلى الأثمان، لا بمعنى رغبتهم في خصوص ذلك الخط بل انّ رغبة الابن في خط ابيه متخذة عند نوعهم، فإن كان كذلك فلا ريب انّ مقتضى القاعدة تقييد المتعلق للعقد وتعيين ذلك على الأجير أو المتعاقد في بقية المعاوضات وذلك لفرض اعتبار العقلاء للملكية وحق السلطنة متعلقاً بالخصوصية، بل ان اعتبار الملكية المتعلقة بالمتعين يكفي فيه عندهم احتمال الغرض.

وأما لو فرض عدم الغرض لا بحسب العموم ولا بحسب الشخص في نظر العموم، بل بأن كان هناك غرضاً شخصياً يزعمه الشخص يعدّوه سفهياً، ففي هذا الغرض لا يعتبر عندهم الملكية ولا تعلقه بذلك التعين أو الخصوصية، وان اعتبره المتعاقدين أو أحدهما في الاعتبار الشخصي، ومن ثم لا يلزم الطرف الآخر عندهم بأداء الخصوصية وله أن يؤدي بما هو أفضل.

ولعل الحال في أنواع الحج فيما كان الحكم التخيير هو كذلك واليه تشير صحيحة أبي بصير عن أحدهما في رجل أعطى رجلاً دراهم يحج بها حجة مفردة فيجوز له أن يتمتع بالعمرة الىالحج، قال ((نعم انّما خالف الى الأفضل))((2)) وفي اسناد الصدوق ((انّما خالفه الى الفضل والخير)) اذ مقتضى الخيرية بقول مطلق هو عدم تعلّق غرض معتد به


1) ([1]) ابواب النيابة ب12 / 1 .

2) ([1]) ابواب النيابة ب 12 / 1 .

اشكال في صحّة حجّه وبراءة ذمّة المنوب عنه اذا لم يكن ما عليه مقيداً بخصوصية الطريق المعين، انّما الكلام في استحقاقه الأجرة المسمّاة على تقدير العدول وعدمه والأقوى انّه يستحق من المسمّى بالنسبة ويسقط منه بمقدار المخالفة اذا كان الطريق معتبراً في الاجارة على وجه الجزئية ولا يستحق شيئاً على تقدير اعتباره على وجه القيدية لعدم اتيانه بالعمل المستأجر عليه حينئذ وان برئت ذمّة المنوب عنه بما أتى به لأنه حينئذ متبرع بعمله.

بخصوصية الادون.

وأما ما في مضمرة علي بن رئاب في رجل اعطى رجلاً دراهم يحج بها حجّة مفردة قال: ((ليس له أن يتمتع بالعمرة الى الحج لا يخالف صاحب الدراهم))((1)) فمحمولة على تعين حج الافراد عن المنوب عنه. وأما الخدشة في سندها بالاضمار أو بأن علي الواقع في السند مردد بين عدّة من الرواة وقد يراد به أحد المعصومين(عليهم السلام).

فالثاني مدفوع بأن ديدن الرواة والمحدّثين عند اشتهار أحد الرواة في طبقة أنهم يطلقون الاسم الأول من دون ذكر اسم الأب أو النسبة أو اللقب اختصاراً منهم بالانصراف الى ما هو المشهور وقد لا يكون هذا الاختصار من سلسلة رواة الحديث، بل يرتكبه صاحب الكتاب مثل الشيخ الطوسي، فإنّا وجدنا انّه ينقل سنداً في رواية في باب مفصح عن الكنية واللقب ونقل الطريق في موضع آخر مع ارتكاب الاختصار بما يدلّ على انّه منه وكذلك الكليني والصدوق وعلى ذلك فالمنصرف اليه في هذه الطبقة ممن يروي عنه الحسن بن محبوب هو علي بن رئاب.

واما الاضمار من الرواة ممّن احترف الرواية وامتهنها فضلاً عن كبارهم انهم لا يضمرون في غير موارد ارادة المعصوم، لاسيما اذا كان المضمر صاحب كتاب نظير علي بن جعفر وسماعة وككثير من الرواة، فانّه يبدأ كتابه أو فصل كتابه بذكر اسم


1) ([2]) ابواب النيابة ب 12 / 2 .

ودعوى: انّه يعد في العرف انّه أتى ببعض ما استؤجر عليه فيستحق بالنسبة، وقصد التقييد بالخصوصية لا يخرجه عرفاً عن العمل ذي الاجزاء كما ذهب اليه في الجواهر، لا وجه لها، ويستحق تمام الأجرة ان كان اعتباره على وجه الشرطية الفقهية بمعنى الالتزام في الالتزام، نعم للمستأجر خيار الفسخ لتخلّف الشرط فيرجع الى أجرة المثل(1)المعصوم ثم يعطف بقية الروايات بالاضمار وعلي بن رئاب صاحب أصل كبير.

ومنها: في موارد تعلّق الغرض بالخصوصية والتعين قد يكون التعين بنحو التقيد، وقد يكون بنحو الشرطية والاختلاف بينهما ليس بصيغة الألفاظ التي جزى عليها صيغة العقد، بل هي راجعة الى أن الخصوصية ان كانت منوعة وموجبة لتغاير الذوات في النظر والاغراض العرفية فتكون حينئذ تقيدية، فقد يقع ولو بحسب العناوين الصنفية كما هو الحال في الأرز بلحاظ اختلاف البلدان، وأما اذا كان العنوان غير منوع في نظرهم، فيكون أخذه بنحو الشرط وإن كان العنوان من العناوين النوعية في الحدّ الماهوي كالحلوة المتخذة من طحين الأرز أو الحنطة، ثم انّه على الأول لا يكون ما أتى به الأجير وفاءاً ولا اداءاً للمتعلّق فلا يستحق أجرة المسمّى ولا أجرة المثل، بخلافه على الثاني فانّه قد أتى به غاية الأمر للمستأجر حق تخلف الشرط وله أن يفسخ.

(1) قد تقدم في المسألة السابقة ان القيدية والشرطية ليست بصورة الألفاظ التي جرى عليها العقد، وانّما هي بحسب نوعية الاغراض ولو الشخصية ولكن بحسب نظر العرف، وكذلك الفرق بينهما وبين الجزئية يكون المدار بحسب تقسيط الثمن في النظر العرفي فتعين أحد أقسام الثلاثة ليس بمجرّد لحاظ المستأجر كما هو ظاهر الماتن في هذه المسألة، بل هو بلحاظ واقع الاغراض أو تقسط الثمن في نظر العرف ولعل ذلك هو مراد صاحب الجواهر كما حكاه الماتن، ففي الموارد التي لا يقسط

(مسألة 14): اذا آجر نفسه للحج عن شخص مباشرة في سنة معينة ثم آجر عن شخص آخر في تلك السنة مباشرة أيضاً بطلت الاجارة الثانية لعدم القدرة على العمل بها بعد وجوب العمل بالأولى ومع عدم اشتراط المباشرة فيهما أو في أحدهما صحتا معاً، ودعوى بطلان الثانية وان لم يشترط فيها المباشرة مع اعتبارها في الأولى لأنه يعتبر في صحّة الاجارة تمكن الأجير من العمل بنفسه فلا يجوز اجارة الأعمى على قراءة القرآن وكذا لا يجوز اجارة الحائض لكنس المسجد وإن لم يشترط المباشرة ممنوعة، فالأقوى الصحّة.

الثمن بلحاظه ويكون من قبيل تعدد المطلوب فلا محالة يعود الى الشرطية. وإن لم يكن كذلك وكان من وحدة المطلوب، وان واجد للقيد وعدمه متباينان فهو من القيدية. وأما إن كان يقسط الثمن بلحاظه فهو مضاف الى تعدد المطلوب ويتوزع الثمن وأجرة المسمّى بلحاظه، ويمكن التمثيل للقيدية بمثل حج النذري المطلق من بلده وبالحج البلدي عن الحي فيما اذا بني على وجوبه كذلك، وبالحج من طريق جده والاحرام بالنذر حيث يحتمل عدم صحّة الاحرام والحج بذلك وان كان هذا الاحتمال بحسب الواقع لا بحسب الأدلّة، فإن التقيد يكون من قبيل وحدة المطلوب، ويمكن التمثيل للشرطية بما اذا قيد الحج الذي من مدينة أخرى على نفس البعدوالمسير الى الحج، ويمكن التمثيل للجزئية بما اذا قيد له الحج من الكوفة فبدأ الحج من المدينة أو من الميقات أو من نصف الطريق.

أجرة الأجير في فرض العدول

ثم ان تحرير الكلام في استحقاق الأجير للأجرة في فرض العدول يتم في ثلاثة شقوق:

الأول: في موارد التقييد لا يكون الأجير قد أتى بمتعلق الاجارة وحينئذ ان كانت

هذا اذا آجر نفسه ثانياً للحج بلا اشتراط المباشرة، وامّا اذا آجر نفسه لتحصيله فلا اشكال فيه، وكذا تصح الثانية مع اختلاف السنتين أو مع توسعة الاجارتين أو توسعة احداهما بل وكذا مع اطلاقهما أو اطلاق احداهما اذا لم يكن انصراف الى التعجيل. ولو اقترنت الاجازتان كما اذا آجر نفسه من شخص وآجره وكيله من آخر في سنة واحدة وكان وقوع الاجارتين في وقت واحد بطلتا معاً مع اشتراط المباشرة فيهما.

الاجارة مطلقة فله أن يعيد من قابل، وان كانت مقيدة في سنة معينة فيكون قد فوت على المستأجر متعلق الاجارة وامتنع اداء المتعلّق، وحينئذ يكون الأجير ضامناً للمستأجر قيمة الحجة المخصوصة بحسب القيمة الواقعية السوقية، اذا لم يفسخ المستأجر الاجارة كما يستحق الأجير أجرة المسمّاة، نعم من يبني على بطلان الاجارة بامتناع التسليم مطلقاً فتنفسخ الاجارة ولا يستحق أحدهما على الأخر شيئاً. ثمّ انّ التقيد بسنة معينة اذا كان بنحو القيدية وإلا لو كان بنحو الشرطية فسيكون من الشق الثاني.

أما الشق الثاني: وهو الشرطية، فهاهنا يكون من باب تخلّف الشرط ولا يستحق المستأجر على الأجير شيئاً فإن فسخ الاجارة واسترجع المسمّى فيكون ضامناً للأجير أجرة المثل.

وأما الشق الثالث: هو كون الطريق بنحو الجزئية فيكون الأجير قد فوت على المستأجر بعض العمل وقد تقدم حكم التفويت في الشق الأول والخلاف فيه. هذا كلّه بحسب القاعدة.

وأما بحسب الروايات في المقام:

فقد وردت صحيحة حريز بن عبداللّه قال: سألت أبي عبداللّه - عليه السلام - ((عن رجل أعطى رجلاً حجّة يحج عنه من الكوفة فحج عنه من البصرة فقال: لابأس اذا قضى جميع المناسك

ولو آجره فضوليان من شخصين مع اقتران الاجارتين يجوز له اجازة احداها كما في صورة عدم الاقتران ولو آجر نفسه من شخص ثم علم انّه آجره فضولي من شخص آخر سابقاً على عقد نفسه ليس له اجازة ذلك العقد وان قلنا بكون الاجازة كاشفة بدعوى انّها حينئذ تكشف عن بطلان اجارة نفسه، لكون اجارته نفسه مانعاً عن صحّة الاجازة حتى تكون كاشفة وانصراف أدلّة صحّة الفضولي عن مثل ذلك(1).فقد تم حجّه))((1)).

واستدلّ بها على استحقاق الأجير أجرة تامّة حيث انّه عبّر في جوابه - عليه السلام -ب- ((لابأس)) مضافاً الى حكمه - عليه السلام - بتمامية الحجة، فيكون ظاهر نفي البأس جواز ذلك، ولكن نفي البأس محتملاً رجوعه الى صحّة الحج، أو انّه محمولاً كما ذكره الماتن على عدم تعلّق غرض المستأجر ببدء الطريق من الكوفة، وهما وإن كانا خلاف الظاهر إلا انّه لا يصار الى خلاف القاعدة المحكمة في المعاملات بمجرّد هذا المقدار من الظهور.

في المسألة مقامات: المقام الأول: في كلمات الأصحاب

(1) المعروف لديهم في الكلمات انّ الأجير اذا آجر نفسه لشخص ما وقيّد الاجارة في صورة اللفظ بالمباشرة ووقت معين - امّا بالتصريح بالقيد أو في موارد انصراف الاطلاق اللفظي لذلك - بطلان الاجارة الثانية فيما اذا وقعت متأخرة وبطلانهما اذا اقترنتا، وقد بنوا ذلك على انّ التخصيص بالمباشرة أو بالوقوع في وقت معين هو من قبيل القيدية في متعلّق الاجارة لا من قبيل الشرط أو الجزء لكي يتعدد المطلوب. وقد صرّح بعض المحققين في العصر الأخير بالبطلان ولو على نحو


1) ([1]) ب 11 ابواب النيابة.

(مسألة 15): اذا أجر نفسه للحج في سنة معينة لا يجوز له التأخير بل ولا

الشرطية. ثم على تقدير القيدية عمدة ما يستدلّ به للبطلان هو تضاد المنفعتين وامتناع وقوعهما معاً واذا كانتا كذلك فلا يمكن فرض وجودهما، وبالتالي لا يمكن اعتبار ملكيتهما معاً وهذا سرّ اعتبار القدرة على الاداء والتسليم في كل المعاوضات اذ مع عدمها لا يفرض للمتعاقدين قبل العقد ملكية لذلك الشيء، وكذلك الحال في باب الاجارة، وهذا بخلاف ما اذا كانت الاجارتان أو احدهما مطلقة من حيث المنشأ معنىً لا مجرد صورة اللفظ فقط، وان حكي عن الشهيد في بعض تحقيقاته الاشكال في هذا الشق أيضاً مستدلاً على ذلك بأن مقتضى السلطنة والملكية للغير فورية التسليم فتزاحم الاجارة الثانية فتبطل. ولكنه ضعيف بأنه مع فرض الاطلاق معنى في المنشأ لا في مجرّد اللفظ يكون المالك قد أذن في التأخير، وكأن اشكال الشهيد أشبه بالنقاش اللفظي وخلف الفرض اذ أي فرق بين أن ينشأ المتعاقد بالتصريح في التأخير وبين أن يطلق في لفظ - مع عدم فرض الانصراف - فإن كلاً منهما المنشأ متسع باختيار ورضا من المتعاقد.

المقام الثاني: في تحقيق الحال

فائدة: ليس مطلق التخصيص في تعلّق الاجارة يعني القيدية.

وقد بنى الأصحاب في كثير من فروع الاجارة على هذا المبنى، وهو وإن كان تاماً على فرض القيدية إلا أن الكلام والتأمل في كون التخصيص بالمباشرة أو بوقت معين سواء في منافع الانسان أو الحيوان أو الأعيان هو بنحو القيدية في المتعلق مطلقاً، بل لا يبعد دعوى أنه في كثير من الموارد من قبيل تعدد المطلوب بنحو الشرطية أو الجزئية بحسب عرف سوق الاجارات، اذ لا يرون تفاوتاً مالياً في ذلك كما انّهم يبنون على تحقق أصل الغرض المعاملي وان لم يتحقق تمامه، وقد أشرنا في المسألة السابقة الى أن المدار في القيدية أو الشرطية أو الجزئية ليس بحسب الألفاظ التي

التقديم إلا مع رضى المستأجر، ولو أخّر لا لعذر اثم وتنفسخ الاجارة ان كان

جرى عليها العقد ولا بحسب اعتبار المتعاقدين، وانّما هي بحسب الاغراض أو المعاوضة في تقسيط العوض ولو بحسب الغرض الشخصي ولكن في نظر نوع العقلاء والعرف، وعلى ذلك فلا يمكن المصير الى ما هو ظاهر عبائرهم. فمثلاً قد يعقد المستأجر مع الأجير المحترف في الصنعة المعينة على أن يأتي بالعمل بنفسه، فاذا أوقع العمل شخص آخر مما تعلم على يديه لا يرون بحسب النظر العرفي ان أصل متعلّق الاجارة لم يتحقق وان الاجارة منفسخة، وان العمل الذي أتى به لا ضمان له ولو بحسب أجرة المثل بل يرون أن للمستأجر خيار الفسخ لتخلّف الشرط ولكنه يغرم أجرة المثل حينئذ دون المسمّى. نعم في موارد أخرى مما يتفاوت أصل الغرض وتتفاوت المالية تفاوتاً ملحوظاً يكون من قبيل قيد المتعلّق نظير منفعة البيوت المختلفة. على ذلك ففي مثل هذه الموارد يكون من تخلّف الشرط.

المقام الثالث: تحقيق الحال فيما اذا كانت الاجارتان بنحو الشرطية.

أما دعوى بطلان الاجارة الثانية ولو كانتا من قبيل الشرطية، لأن الشرط في الاجارة الأولى يوجب تعلّق حق للمستأجر الأول في الحصّة الخاصّة في المنفعة، فلا يستطيع الأجير أن يتصرف فيها وينقلها الى المستأجر الآخر، فضعيف أيضاً لأنه وان بنينا على انّ الشرط يوجب حقاً للمشروط له المتعلّق بالحصّة الخاصّة إلا انّ هذا الحق لا يزاحم الاجارة الثانية وانّما يزاحم الشرط فيها فيفسد الشرط، وذلك لان فرض الاجارة الثانية أيضاً هو بنحو تعدد المطلوب وليس متعلّقها خصوص الحصّة الخاصّة فلا مزاحمة معها، نعم هناك مضادة مع الشرط فيها فيفسد فيكون للمستأجر الثاني خيار تخلّف الشرط.

المقام الرابع: مقتضى الاطلاق في ألفاظ العقد

ثمّ انّ اطلاق ألفاظ الاجارة للحج النيابي منصرف الى كل من المباشرة والى

…

التعجيل في سنة الاجارة - وان كان هذا التخصيص بنحو الشرطية لا القيدية.نعم في موثقة عثمان بن عيسى قال: ((قلت لأبي الحسن الرضا - عليه السلام - ما تقول في الرجل يعطي الحجّة فيدفعها الى غيره، قال: لابأس))((1)) لكنه محمول على اطلاق الاجارة انشاءً وان غرض المستأجر وقوع الحجّة لما أشرنا اليه سابقاً من أن أدنى الظهور في الرواية لا يرفع اليد بها عن القاعدة.

المقام الخامس: في تعدد وقوع الاجارة من الفضولي والمالك

فقد ذكر الماتن لها صور: الأولى اقتران الاجارتين من فضوليين فيجوز له اجارة أحدها فتصح ولا يتوهم تزاحم الاجارتين في مقام الصحّة التأهلية، اذ النقل فيهما ليس بفعلي حتى يقع التضاد اذ لا تضاد في الامكانين الاستعداديين.

الثانية: فيما اذا آجر نفسه من شخص وآجره فضولي من آخر سابقاً على عقد نفسه، فهاهنا قد يتوهم صحّة الاجازة واجارة الفضولي بناءً على الكشف لأنه يكشف عن ارتفاع موضوع اجارة الشخص لنفسه. ولكنه توهم ضعيف لأن الصحيح في الكشف كما حررناه هو الكشف البرزخي أو الكشف بالانقلاب، وهو مشتمل على جهتين، جهة كشف بلحاظ متعلّق الاجازة والمجاز، وجهة نقل وهي بلحاظ نفس الاجارة وسلطنته على الامضاء، فمع فرض عدم ولاية الأجير على المنفعة لكونه قد ملّكها للغير فلا ولاية له على الاجازة، والالتزام بذلك في مثل هذا الفرع شاهد على ارتكاز الكشف البرزخي في اجازة عقد الفضولي، والا لو بني على الكشف الحقيقي بقول مطلق لكان الصحيح هو الاجارة السابقة من الفضولي لأنه يكفي في الاجازة مجرّد انشائها إلا ان المبنى غير صحيح.

هذا كله بناءً على القيدية بالتخصيص بالمباشرة، وإلا فبناءً على الشرطية قد


1) ([1]) ب 14 ابواب النيابة 1 .

التعين على وجه التقييد، ويكون للمستأجر خيار الفسخ لو كان على وجه الشرطية وان أتى به مؤخراً لا يستحق الأجرة على الأولى وان برئت ذمّة المنوب عنه به، ويستحق المسمّاة على الثاني إلا اذا فسخ المستأجر فيرجع الى أجرة المثل، واذا اطلق الاجارة وقلنا بوجوب التعجيل لا تبطل مع الاهمال، وفي ثبوت الخيار للمستأجر حينئذ وعدمه وجهان: من ان الفورية ليست توقيتاً ومن كونها بمنزلة الاشتراط(1)

(مسألة 16): قد عرفت عدم صحّة الاجارة الثانية فيما اذا آجر نفسه من شخص في سنة معينة ثم آجر من آخر في تلك السنة، فهل يمكن تصحيح الثانية باجازة المستأجر الأول أو لا؟ فيه تفصيل، وهو أنه إن كانت الأولى واقعة على العمل في الذمّة لا تصح الثانية بالإجازة لأنه لا دخل للمستأجر بها إذا لم تقع على ماله حتى تصح له اجازتها، وإن كانت واقعة علىمنفعة الأجير في تلك السنة بأن تكون منفعته من حيث الحج أو جميع منافعه له جاز له اجازة الثانية، لوقوعها على ماله،

...

عرفت انّه يمكن تصحيح الاجارتين في كلتا الصورتين سواء كانتا مقترنتين أو متعاقبتين، غاية الأمر يفسد الشرط فيثبت للمستأجر خيار تخلّف الشرط.

(1) قد ظهر الحال في هذه المسألة اجمالاً مما تقدم في المسألة السابقة، وعلى كلا التقديرين من الشرطية أو التقيدية لا يسوغ التأخير، وامّا التقديم فهو تابع للقرينة في تلك الموارد.

ثم انّه على الاطلاق في المنشأ لو بني على ما ذهب اليه الشهيد من كون التعجيل بمقتضى حق كونه ملك الغير وسلطنته فظاهر ان حكم الاهمال لا يوجب الخيار ولا الانفساخ اذ المخالفة هي للحكم التكليفي المحض غير المعاملي نظير ما لو تصرف غصباً في عوض الطرف الآخر فهو حكم تكليفي متعلّق بالعين أو ذات العوض لا بما هو عوض ولا المعوض.

وكذا الحال في نظائر المقام، فلو آجر نفسه ليخيط لزيد فى يوم معيّن ثم آجر نفسه ليخيط أو ليكتب لعمرو في ذلك اليوم ليس لزيد إجازة العقد الثاني، وأما إذا ملّكه منفعته الخياطيّ فآجر نفسه للخياطة أو للكتابة لعمرو جاز له اجازة هذا العقد، لأنه تصرّف في متعلّق حقّه وإذا أجاز يكون مال الاجارة له، لا للموجر، نعم لو ملك منفعة خاصة كخياطة ثوب معيّن أو الحج عن ميّت معين على وجه التقييد يكون كالأول في عدم امكان اجازته(1)

فائدة: في اختلاف الشروط العقلية عن الشرعية في العقود

(1) عدم صحّة الاجارة الثانية انما هو حيث كان لجهة التزاحم مع الاجارة الأولى، فلا يكون هذا المانع مبطلاً للاجارة الثانية من رأس، نظير الغرر والجهالة بل يكون مانعاً قابلاً للزوال فتصح الاجارة الثانية بزواله.

فالبطلان في موارد تزاحم الاجارات بمعنى عدم الصحّة الفعلية لا عدم الصحّة التأهلية، وعلى ذلك فمع اجارة المستأجر الأول تصح الاجارة الثانية المضادة، غاية الأمر تكون اجازة المستأجر الأول اما بمعنى الاقالة من العقد الأول، أو اسقاط ملكه وحقه وبراءة ذمّة الأجير، أو بمعنى الرضا باستيفاء ملكه بالبدل وحينئذ تصح الاجارة الثانية للأجير لا للمستأجر الأول.

هذا كله في فرض التقييد، وأما في فرض الشرطية في كل منهما فقد عرفت في المسألة (14) انه لا حاجة في تصحيح الاجارة الثانية الى اجازة المستأجر الأول.

نعم اذا كانت الأولى بنحو الشرطية والثانية بنحو القيدية أحتيج الى اجازته، وكأن الماتن(قدس سره) بنى على أن التضاد في كلتا الاجارتين من قبيل الغرر والحال ان الموانع والشرائط العقلية لصحّة ماهية الاجارة ليست من قبيل الشروط الشرعية للصحّة، بل من قبيل الشرائط العقلية للحكم التكليفي المتوقف عليها فعليته لا أصل المشروعية. وهذا ليس في ماهيةالاجارة فقط بل مطلق ماهيّة العقد والمعاملات بالمعنى الأعم،

(مسالة 17): اذا صد الأجير أو أحصر كان حكمه كالحاجّ عن نفسه فيما عليه من الأعمال، وتنفسخ الاجارة مع كونها مقيّدة بتلك السنة ويبقى الحج في ذمّته مع الاطلاق، وللمستأجر خيار التخلّف إذا كان اعتبار تلك السنة على وجه الشرط في

بل الحال في بعض الشروط الشرعية كذلك كرضا المتعاقدين.

هذا كلّه فيما اذا كان متعلّق الاجارة الثانية مضاداً للاجارة الأولى، وأمّا اذا كان متعلّق الثانية هو عين متعلّق الأولى فليس من باب التضاد حينئذ انّما هو من ايقاع العقد على ملك المستأجر فضولاً فان اجاز صحّت الاجارة الثانية، وانّما الشأن في تعيين وتمييز أمثلة القسمين.

وأما دعوى لزوم اجازة الأجير أيضاً في القسم الثاني لأنه انّما آجر نفسه في ايقاع العمل نيابةً عن زيد لا عن عمرو فيحتاج في تصحيح الاجارة الثانية الى اجازة الأجير، ففي غير محلها، لأن ذلك من أمثلة القسم الأول لا الثاني.

وعلى أية حال قد يكون متعلق الاجارة كلياً في الذمّة، وقد يكون من قبيل الكلّي في المعين، وقد يكون خاصاً على عمل خارجي إلا أن فرض القسم الثالث محل تأمل لأن المنفعة والعمل لا يتشخّص إلا بعد الوقوع وأما قبله فيبقى كلياً وان كان بنحو الجزء الاضافي من جهة تقيده بوقت معين أو متخصصاً بمتعلق معين وهذا نظير ما يذكر من الاشكال في تعريف نوعية الاجارة من انّ المنفعة التي تملك فيها هل هي موجودة أو معدومة وقد ذكر في حل ذلك الاشكال بأن التمليك يتعلق بقابلية الانتفاع.

وعلى أية حال فاتّحاد متعلقي الاجارة يتم بتطابقهما ولو بنحو العموم والخصوص وأما مثال الماتن من انّه آجر نفسه ليخيط لزيد ثم آجر نفسه ليخيط لعمر، فيكون من التضاد فيما اذا قيد الخياطة بمتعلق خاص يغاير الخياطة بمتعلّق آخر بخلاف ما اذا كان متعلّق الاجارة الأولى مطلق الخياطة.

ضمن العقد، ولا يجزى عن المنوب عنه وإن كان بعد الاحرام ودخول الحرم، لأن ذلك كان فى خصوص الموت من جهة الاخبار، والقياس عليه لا وجه له، ولو ضمن الموجر الحج في المستقبل في صورة التقييد لم تجب اجابته، والقول بوجوبه ضعيف وظاهرهم استحقاق الأجرة بالنسبة إلى ما أتى به من الأعمال، وهو مشكل لأن المفروض عدم اتيانه للعمل المستأجر عليه وعدم فائدة فيما أتى به، فهو نظير الانفساخ في الاثناء لعذر غير الصدّ والحصر، وكالانفساخ في أثناء سائر الاعمال المرتبطة لعذر في اتمامها وقاعدة احترام عمل المسلم لا تجري، لعدم الاستناد إلى المستأجر، فلا يستحق أجرة المثل أيضا(1)

(مسألة 18): اذا أتى النائب بما يوجب الكفارة فهو من ماله(2)(1) الكلام في هذه المسألة في مقامات ثلاثة:

المقام الأول: في انفساخ اجارة النائب المصدود والمحصور.

المقام الثاني: في اجزاء ما أتى به المصدود أو المحصور بعد دخول الحرم.

المقام الثالث: في استحقاق النائب الأجرة على ما أتى به.

أما المقام الأول والثالث فقد تقدم في المسائل المتقدمة((1)).

أما المقام الثاني: فقد حكي عن الشيخ في الخلاف انّه استند الى اجماع الطائفة على الاجزاء وحمل على سهو القلم منه(قدس سره) أو الناسخ لأنه لم يذهب أحد الى ذلك والروايات الواردة في الأصيل أو النائب انّما وردت في الموت، كيف وفرض المحصور والمصدود لو كان في الاصيل المنوب عنه لما اجزأ عنه فضلاً عن النائب، ثم انّ النائب المصدود أو المحصور يتحلل من احرامه كما في الحج عن نفسه لأن الاحرام والتحليل من أحكام من يقوم بالاداء لا من أحكام الماهيّة بما هي هي.

(2) كما أشرنا اليه في المسألة السابقة من انّ الاحرام والتحلل من أحكام الأداء


1) ([1]) مسألة 14 و11 .

(مسألة 19): اطلاق الاجارة يقتضي التعجيل، بمعنى الحلول في مقابل الأجل لا بمعنى الفورية، اذ لا دليل عليها، والقول بوجوب التعجيل إذا لم يشترط الاجل ضعيف فحالها حال البيع في أن اطلاقه يقتضي الحلول بمعنى جواز المطالبة ووجوب المبادرة معها(1).

(مسألة 20): اذا قصرت الأجرة لا يجب على المستأجر إتمامها، كما انّها لو زادت ليس له استرداد الزائد، نعم يستحب الاتمام كما قيل، بل قيل: يستحب على الأجير أيضاً ردّ الزائد، ولا دليل بالخصوص على شيء من القولين، نعم يستدلّ على الأول بأنه معاونة على البرّ والتقوى، وعلى الثاني بكونه موجباً للإخلاص في

والمؤدي لا من أحكام الماهيّة كي تكون من أحكام المنوب عنه، وقد قسّم الأصوليون الاجزاء والشرائط الى ما تؤخذ في الماهية بما هي هي والى ما يؤخذ في المؤدى والآتي بالعمل وعبر عن ذلك أيضاً بشرائط الماهيّة كالصلاة المغايرة لشرائط المصلّي وعلى ذلك لو قضت المرأة الصلاة عن رجل ميت لكان اللازم عليها التستر بستار المرأة في الصلاة لا بستار الرجل والعكس كذلك.

ومن ثم النائب لا يستطيع الدخول في الحرم إلا باحرام وفي ضمن نسك ولو عن آخر، كما انّه لا يتحلل إلا باتيان النسك ولو عن غيره، وحال الخطاب في محرمات الاحرام كذلك فانّه المخاطب بها لا المنوب عنه اذ هو ليس في حالة احرام.

(1) اذ فرق بين الفورية في الواجبات العبادية المؤقتة وبين التعجيل في باب المعاملات فانّ الأولى مبنية على المداقة بحسب القدرة العرفيّة.وأما الثانية فهي مبنية على الأمد بحسب الأغراض الماليّة.

والقول بوجوب التعجيل هو القول الذي مرّ عن الشهيد الأول في المسألة 14 وقد تقدم وجه النظر فيه.

العبادة(1).

(1) حكي عن النهاية والمبسوط والمنتهى استحباب الاتمام في الأول للتعليل المذكور في المتن وحكي عن التذكرة والمنتهى والتحرير استحباب الردّ في الثاني للتعليل الآخر أيضاً.

هذا والمال الذي يعطيه المنوب عنه للنائب تارة في عقد اجارة ولو معاطاتية وحينئذ يملك المستأجر الحج في ذمّة الأجير، ويملك الأجير الأجرة شأن بقيّة المعاوضات سواء ناقصة كانت عن أجرة المثل والكلفة الواقعية أو زائدة، وأخرى يعطي المال ويأذن له في صرفه نيابةً ومقتضى القاعدة حينئذ ردّ الزيادة ولزوم اتمام النقص على المستأجر لتسبيبه لذلك.

هذا هو مقتضى القاعدة وهو الذي تشير اليه رواية محمد بن عبداللّه القمّي في رجل يعطى الحجّة فيوسع على نفسه ويفضل منها أيردّها عليه قال - عليه السلام - ((لا هي له))((1)).

وفي موثق((2)) عمار الساباطي تصريح بالتفصيل المتقدّم .

وفي صحيح بريد العجلي عن أبي عبداللّه - عليه السلام - قال: سألته عن رجل استودعني مالاً وهلك وليس لوليّه شيء ولم يحج حجّة الإسلام، قال: ((حجّ عنه وما فضل فأعطهم))((3)) المحمولة على الإذن الشرعي في الحج عن الميت خوفاً من عدم أداء الورثة دَيْن الحج فيكون المال مأذوناً فيه للحج النيابي لا من باب الاجارة.

هذا كلّه بحسب القاعدة والروايات. وقد يكون هناك شرطاً في البين ضمنياً على تتميم أو ردّ الزيادة ولا يرد عليه انّه يؤدي الى الجهالة لأنه يمكن حمله على تعين أجرة المثل بهذا النحو، أو على أن الشرط المزبور دلالة على عدم عقد الاجارة وانّما هو نحو بدل للمال مأذون فيه للحج النيابي.


1) ([1]) ب10 ابواب النيابة.

2) ([2]) ب 10 ابواب النيابة.

3) ([3]) ب13 ابواب النيابة.

(مسألة 21): لو أفسد الأجير حجّه بالجماع قبل المشعر فكالحاج عن نفسه يجب عليه اتمامه، والحج من قابل، وكفّارة بدنة، وهل يستحق الأجرة على الأول أو لا؟ قولان مبنيان على أن الواجب هو الأول، وأن الثانى عقوبة، أو هو الثاني وأن الأول عقوبة، قد يقال بالثانىللتعبير في الأخبار بالفساد الظاهر في البطلان، وحمله على ارادة النقصان وعدم الكمال مجاز لا داعي إليه وحينئذ فتنفسخ الاجارة إذا كانت معيّنة ولا يستحق الاجرة، ويجب عليه الاتيان في القابل بلا أجرة، ومع اطلاق الاجارة تبقى ذمّته مشغولة، ويستحق الاجرة على ما يأتي به في القابل، والأقوى صحّة الأول، وكون الثاني عقوبة لبعض الأخبار الصريحة في ذلك في الحاج عن نفسه، ولا فرق بينه وبين الأجير، ولخصوص خبرين في خصوص الأجير عن اسحاق بن عمّار عن أحدهما(عليهما السلام) قال: قلت فإن ابتلي بشيء يفسد عليه حجّه حتى يصير عليه الحج من قابل، أيجزي عن الأول؟ قال: نعم، قلت: فإنّ الأجير ضامن للحج؟ قال: نعم، وفي الثاني سئل الصادق - عليه السلام - عن رجل حجّ عن رجل فاجترح في حجّه شيئاً يلزم فيه الحج من قابل وكفّارة؟ قال - عليه السلام -: هي للأول تامّة، وعلى هذا ما اجترح فالأقوى استحقاق الأجرة على الأول وإن ترك الاتيان من قابل عصياناً، أو لعذر، ولا فرق بين كون الاجارة مطلقة أو معينة، وهل الواجب اتيان الثاني بالعنوان الذي أتى به الأول، فيجب فيه قصد النيابة عن المنوب عنه وبذلك العنوان، أو هو واجب عليه تعبّداً ويكون لنفسه؟ وجهان لا يبعد الظهور في الأول، ولا ينافي كونه عقوبة، فانّه يكون الاعادة عقوبة، ولكن الأظهر الثاني، والأحوط أن يأتي به بقصد ما في الذمّة، ثم لا يخفى عدم تمامية ما ذكره ذلك

وبعد ذلك كلّه لم يتبيّن وجه للاستحباب الذي ذهب اليه من تقدم وما ذكروه من التعليل أخص من المدّعى، نعم يخرّج من باب الاداب العامّة الراجحة غير المختصّة بالمقام.

القائل من عدم استحقاق الاجرة في صورة كون الاجارة معينة ولو على ما يأتي به في القابل، لانفساخها وكون وجوب الثاني تعبّداً، لكونه خارجاً عن متعلّق الاجارة، وان كان مبريءً لذمّة المنوب عنه، وذلك لأن الاجارة وإن كانت منفسخة بالنسبة إلى الأول لكنها باقية بالنسبة إلى الثاني تعبداً لكونه عوضاً شرعياً تعبّدياً عمّا وقع عليه العقد فلا وجه لعدم استحقاق الأجرة على الثاني، وقد يقال بعدم كفاية الحج الثاني أيضاً في تفريغ ذمّة المنوب عنه، بل لابد للمستأجر أن يستأجر مرة أخرى في صورة التعيين، وللاجير أن يحج ثالثاً في صورة الاطلاق، لأن الحج الأول فاسد، والثاني انّما وجب للافساد عقوبة فيجب ثالث، اذ التداخل خلاف الأصل، وفيه انّ هذا انّما يتمّ إذا لم يكن الحج في القابل بالعنوان الأول، والظاهر من الأخبار على القول بعدم صحّة الأول وجوب اعادة الأول وبذلك العنوان، فيكفي في التفريغ، ولا يكون من باب التداخل، فليس الافساد عنواناً مستقلاً، نعم انّما يلزم ذلك إذا قلنا: انّ الافساد موجب لحج مستقل لا على نحو الأول، وهو خلاف ظاهر الأخبار، وقد يقال في صورة التعيين: انّ الحج الأول إذا كان فاسداً وانفسخت الاجارة يكون لنفسه، فقضاؤه في العام القابل أيضاً يكونلنفسه، ولا يكون مبريءً لذمّة المنوب عنه، فيجب على المستأجر استيجار حج آخر، وفيه أيضاً ما عرفت من أنّ الثاني واجب بعنوان اعادة الاول وكون الاول بعد انفساخ الاجارة بالنسبة إليه لنفسه لا يقتضي كون الثاني له، وان كان بدلاً عنه، لانه بدل عنه بالعنوان المنوي، لا بما صار إليه بعد الفسخ، هذا، والظاهر عدم الفرق في الاحكام المذكورة بين كون الحج الاول المستأجر عليه واجباً أو مندوباً، بل الظاهر جريان حكم وجوب الاتمام والاعادة في النيابة تبرعاً أيضاً، وان كان لا يستحق الاجرة أصلاً(1).

(1) في المسألة جهات تعرض لها الماتن:

الجهة الأولى: في وجوب الحج من قابل على النائب اذا أفسد حجّه بالجماع قبل

…

الموقفين.

ويدلّ عليه موثقتي اسحاق بن عمّار((1)) المتقدمتين، ومقتضاهما انّ الحجّة من قابل هو من أحكام الاداء لا من أحكام اجزاء الماهيّة بما هي هي، وحينئذ فهو امّا من أحكام تروك الاحرام فقط وعليه تكون الحجّة صحيحة أو من شرائط صحّة الماهيّة أيضاً من قبيل سائر شروط الاداء وعليه تكون الحجّة الأولى فاسدة أو ناقصة محتاجة الى الاعادة أو التتميم.

الجهة الثانية: في كون الحجّة الأولى صحيحة أو فاسدة، وكون الثانية عقوبة وكفّارة أو انّها أداء، وقد نسب صاحب الجواهر الى ظاهر الفتاوى والنص القول الثاني لورود التعبير بفساد الحج ((وان لا حجّ له)) وقد ورد التعبير ((يفسد حجّه)) في كثير من الروايات((2)).

لكن الصحيح هو القول الأول ويدلّ عليه أولاً صحيحة زرارة قال: سألته عن محرم غشي امرأة وهي محرمة، قال: ((جاهلين أم عالمين؟ قلت أجبني في الوجهين جميعاً - الى أن قال - عليه السلام - - وان كان عالمين فرق بينهما من المكان الذي أحدثا فيه وعليهما بدنة وعليهما الحج من القابل - الى أن قال - قلت فأي الحجتين لهما قال: الأولى التي أحدثا فيها ما أحدثا والأخرى عليهما عقوبة))((3)).

ويدلّ عليه ثانياً أيضاً صحيحة حمران بن أعين عن أبي جعفر - عليه السلام -: ((قال: سألته عن رجل كان عليه طواف النساء وحده فطاف منه خمسة أشواط ثم غمزه بطنه فخاف أنيبدره فخرج الى منزله فقضى ثم غشي جاريته قال - عليه السلام -....وان كان طاف طواف النساء فطاف منه ثلاثة


1) ([1]) ب15 ابواب النيابة ح1 وح2 .

2) ([2]) ب11 ابواب كفّارات الاستمتاع، ب3 ابواب كفّارات الاستمتاع ح8،13 .

3) ([3]) ب3 ابواب كفّارات الاستمتاع ح9 .

…

أشواط ثم خرج فغشيها فقد أفسد حجّه وعليه بدنة ويغتسل ثم يعود فيطوف اسبوعاً)) ومثله صحيحة عبيد بن زرارة قال: ((سألت أبا عبداللّه - عليه السلام -....فان كان طاف بالبيت طواف الفريضة فطاف بالبيت اربعة أشواط ثم غمزه بطنه فخرج فقضى حاجته فغشى أهله فقال أفسد حجّه وعليه بدنة ويغتسل ثم يرجع فيطوف اسبوعاً ثم يسعى ويستغفر ربّه))((1)).

أقول: فانّه من البيّن انّ الفساد هاهنا ليس بمعنى بطلان الماهيّة من رأس بل بمعنى الخلل والنقص لاسيما الصحيحة الأولى لأن الثانية يحتمل بعيداً الحمل على ما اذا قدم طواف الفريضة قبل الموقفين وان كان بعيداً.

ويدلّ عليه ثالثاً: موثقتي اسحاق فانّ اللفظ في الأولى ((قلت فإن ابتلي بشيء يفسد عليه حجّه حتى يصير عليه الحج من القابل ايجزىء عن الأول قال: نعم، قلت: لأن الأجير ضامن للحج؟ قال: نعم)) واللفظ في الثانية عن ابي عبداللّه - عليه السلام - في رجل يحج عن آخر فاجترح في حجّه شيئاً يلزمه فيه الحج من قابل أو كفّارة قال: ((هي للأول تامّة وعلى هذا ما اجترح)) فانّ الثانية صريحة من أنّ الحج من القابل من أحكام تروك الاحرام فقط كعقوبة وليس من أحكام الخلل في ماهيّة الحج.

وقد تفسّر الأولى منهما بأن الاجزاء عن الأول - أي عن المنوب عنه - معللاً بأن الأجير ضامن للتدارك وهو الحج من قابل، فالحج الثاني عوض بدلي مجعول من قبل الشارع عن الفساد والخلل الذي وقع في الحج الأول وهذا المعنى يحتمل في الثانية منهما.

وفيه انّه قد تقدم ان معنى الأجير ضامن مردد بين معان؟ منه ما ذكره صاحب الحدائق من انّ ضمان الأجير موجب لنقل الحجّة من المنوب عنه الى ذمّة الأجير النائب وقد ضعّفنا هذا المعنى فيما سبق.


1) ([1]) ب11 ابواب كفّارات الاستمتاع ح1 وح2 .

…

الاحتمال الثاني: وهو الذي فسّره الجماعة المزبورة بأن الأجير ضامن، بمعنى اشتغال ذمّته بتوابع الخلل بالأداء نظير كفّارات التروك.أقول: ويظهر من الروايتين الأولتين في المقام انّ الفساد الوارد في روايات((1)) العمرة أيضاً بمعنى الثلمة والنقيصة بسبب الخلل لا بمعنى البطلان فمن ثم يلزم عليه اتمامها ولذلك قيدت اعادة العمرة فيها بالشهر الاخر حتى يخرج الشهر الذي اعتمر فيه مما يدلّ على الاعتداد بما أتى به عمرةً، مضافاً الى عدم التعبير فيها بلفظ الاعادة. بل بلفظة عليه بدنة لفساد عمرته وعليه ان يقيم الى الشهر الآخر فليخرج الى بعض المواقيت ويأتي بعمرة كما في صحيح بريد العجلي((2)) فانّ التعبير ب- ((عليه)) في سياق واحد للبدنة والعمرة الثانية يفيد انّه من باب العقوبة والكفّارة، ويؤيّد ذلك أيضاً ان انشاء العمرة الثانية والنسك الثاني بنفسه يولد وجوباً آخر لاتيان نسك آخر مغاير للوجوب الأول المنشأ بالانشاء الأول فلو بني على عدم الاتمام لبقي الوجوب الأول بلا امتثال إلا أن يقال: انّ الجماع عصياناً مسقط له، وللبحث في العمرة تتمّة.

فائدة: في نيّة النائب ما يأتي به من الأعمال

الجهة الثالثة: في عنوان ونيّة الحجّة الثانية؟

وقد ظهر بما ذكرناه في الجهة الثانية انّ الحجّة الثانية حجّة عقوبة ياتي بها النائب كبقية الكفّارات أي عن نفسه، بخلاف ما لو بنينا على كون الحجّة الأولى باطلة فيجب عليه اتيان الثانية إعادة للأولى.

ولكن يظهر من صحيحة أبي بصير انّه سأل الصادق - عليه السلام - عن رجل واقع امرأته وهو محرم قال: ((عليه جزور كوما، فقال: لا يقدر، فقال: ينبغي لأصحابه أن يجمعوا له ولا يفسدوا


1) ([1]) ابواب كفّارات الاستمتاع ب12 / 1 .

2) ([2]) ابواب كفّارات الاستمتاع .

(مسألة 22): يملك الأجير الأجرة بمجرد العقد لكن لا يجب تسليمها إلا بعد العمل إذا لم يشترط التعجيل ولم تكن قرينة على ارادته من انصراف أو غيره، ولا فرق في عدم وجوب التسليم بين أن تكون عيناً أو ديناً، لكن إذا كانت عيناً ونمت كان النماء للأجير، وعلى ما ذكر من عدم وجوب التسليم قبل العمل إذا كان المستأجر وصياً أو وكيلاً وسلّمها قبله كان ضامناً لها على تقدير عدم العمل من الموجر، أو كون عمله باطلاً، ولا يجوز لهما اشتراط التعجيل من دون اذن الموكل أو الوارث، ولو لم يقدر الاجير على العمل مع عدم تسليم الاجرة كان له الفسخ وكذا للمستأجر، لكن لمّا كان المتعارف تسليمها أو نصفها قبل المشي يستحق

حجّه))((1))، انّ الكفّارة ونحوها من التوابع وان ترتب على الخلل في الأداء - أي وإن كانت من الأحكام التي تترتب على كيفية الاداء لا الماهيّة بما هي هي - إلا أنها دخيلة في تمامية الملاكأو الصحّة فلازم على النائب حينئذ أن ينوي بها ما قد نوى في العمل المتبوع. فمثلاً ينوي النائب في الصلاة عن الميت في سجدتي السهو اللتين يأتي بهما انهما اداء للخلل في العمل النيابي وتميماً للعمل النيابي لا أنه ينوي بهما عن نفسه.

ونظير جهر النائب الرجل في الصلاة عن امرأة ميتة فإنّ الجهر وإن كان من أحكام الأداء إلا انّه مأمور به في العمل النيابي، فعلى هذا لا مجال للترديد في بعض أعمال الحج كصلاة الطواف وطواف النساء والمبيت في منى ورمي الجمار في أيام التشريق ونحوها انّه هل ينوي ايقاعها عن نفسه أو عن المنوب عنه حيث انّه لا عمل يأتي به النائب بالأصالة عن نفسه بل الترديد هو في كون العمل من الجزء أو الشرط هل هو من شرائط الماهيّة بما هي هي أو شرائط الماهيّة في مقام الأداء فالجزء والشرط لا محالة تابع أو مرتبط بصحّة العمل أو بتمامية ملاكه ولا يخاطب به بخطاب يغاير


1) ([3]) ب3 ابواب كفّارات الاستمتاع ح13 .

الأجير المطالبة في صورة الاطلاق، ويجوز للوكيل والوصي دفعها من غير ضمان(1)

خطاب الماهيّة.

فالصحيح في الترديد انّه في نيّة كون العمل مأخوذ في الماهيّة أو في أدائها وكذلك الحال فيما يترتب على الأداء، وهذا هو تفسير ((انّ الأجير ضامن)) أي انّه الذي يخاطب بلواحق الأداء في اداء العمل النيابي وتشتغل ذمّته بتلك اللواحق لا بالأصالة بل بما هو نائب يؤدي العمل النيابي.

وبذلك اتّضح انّ الأجير يأتي بالحج في القابل كفّارةً وجبراً للخلل في أداء الحج النيابي لا انّه ينوي به عن نفسه.

الجهة الرابعة: في استحقاق الأجير الأجرة.

وقد اتّضح استحقاقه بناءً على ما هو الصحيح من كون ما يأتي به في العام القابل كفّارة وعقوبة وهو ضامن أي مشتغلة ذمّته بجبر الخدش الذي وقع في العمل النيابي.

وأما على القول الآخر فقد عرفت مما تقدم في المسائل السابقة أنّ الاجارة المخصصة بزمن معين ليست على نحو التقيد غالباً كما هو المشهور في الكلمات بل من قبيل تعدد المطلوب وتخلّف الشرط فيجري عليه أحكامه.

(1) ما ذكره الماتن في هذه المسألة هو على مقتضى القاعدة في باب العقود فضلاً عن باب الاجارة وفضلاً عن اجارة الحج، اذ التقابض وكونه متقارناً أو أحد العوضين سابق على الاخر ليس من مقتضى ذات ماهيّة المعاوضة بل من احكامها والوفاء بها والالزام بأصل التقابل متقارنا أو بتقدم هو بمقتضى المشارطة بين المتعاوضين، سواء بالشرط الضمني البنائي عند نوع العرف في صنف ذلك العقد أو بالمشارطة الخاصّة المصرّح بها.

وأما ضمان الوصي أو الوكيل فهو تابع لتصرفهم غير المأذون فيه.

(مسألة 23): اطلاق الاجارة يقتضي المباشرة، فلا يجوز للأجير أن يستأجر غيره إلا مع الاذن صريحاً أو ظاهراً، والرواية الدالة على الجواز محمولة على صورة العلم بالرضا من المستأجر(1).

(مسألة 24): لا يجوز استئجار من ضاق وقته عن اتمام الحج تمتعاً وكانت وظيفته العدول إلى حج الافراد عمّن عليه حج التمتع، ولو استأجره مع سعة الوقت فنوى التمتع ثم اتفق ضيق الوقت فهل يجوز له العدول ويجزي عن المنوب عنه أو

(1) وجه تعبير الماتن بأن مقتضى الاطلاق المباشرة ولم يعبّر بمقتضى العقد هو انّ ماهيّة العقد من حيث هي لا تقتضي المباشرة كما لا تقتضي التعجيل، وانّما هما من مقتضيات إما التخصيص في متعلّق العقد أو الاشتراط سواء المصرّح به أو الضمني المبني عليه العقد.

والاطلاق في المقام امّا يرجع الى ظهور اسناد الفعل للأجير في الشرطية أو الى الشرط الضمني المتباني عليه عقلائياً مالم يصرّح بالخلاف.

وعلى أي حال التقيد بالمباشرة هي من تعدد المطلوب بحسب الاغراض المالية فلو خالف كان للمستأجر فسخ الاجارة مع ضمان أجرة المثل.

هذا وأما رواية عثمان بن عيسى قال: ((قلت لأبي الحسن الرضا - عليه السلام -: ما تقول في رجل يعطى الحجّة فيدفعها الى غيره قال: لابأس))((1)).

فليست ظاهرة في الحج النيابي بل هي تحتمل الحج البذلي وان يكون الدفع قبل الموسم مضافاً الى احتمالها العلم بالاذن والى ضعف السند بالأحول الراوي عن عثمان بن عيسى حيث انّه لا يحتمل أن يكون مؤمن الطاق الذي هو من أصحاب الصادقين(عليهما السلام)، وكيف يروي عنه من يكون من أصحاب العسكريين(عليهما السلام) أو هو يروي عن أصحاب الرضا - عليه السلام - .


1) ([1]) ابواب النيابة باب 14 .

لا؟ وجهان، من اطلاق أخبار العدول، ومن انصرافها إلى الحاج عن نفسه، والاقوى عدمه، وعلى تقديره فالاقوى عدم اجزائه عن الميت وعدم استحقاق الاجرة عليه لأنه غير ما على الميّت، ولأنه غير العمل المستأجر عليه(1)

(1) ذكر الماتن صورتين:

أحدهما: استئجار من ضاق وقته من الإبتداء واطلاق العبارة يقتضي التسوية بين انحصار الاجارة به أو التمكن من اجارة غيره القادر على التمتع. كما انّ الظاهر تعميم هذه الصورة لمناستؤجر في سعة الوقت الا انّه ضاق به الوقت قبل التلبس بالاحرام للعمرة بناءً على عدم جواز العدول من التمتع الى الافراد من الأول لمن ضاق به الوقت فالأولى على ذلك تحرير عبارة الصورة الأولى بنحو يعم ذلك ثم انّ الوجه في عدم الجواز عدم مشروعية العدول.

ثانيهما: ما اذا استأجر نائباً في سعة الوقت ثم ضاق به الوقت اتفاقاً ويجب تقييد العبارة في هذه الصورة بطروّ ضيق الوقت بعد التلبس بالاحرام بناءً على اختصاص العدول بذلك. والأقوى جواز العدول للنائب لاطلاق ما ورد فيه كصحيحة الحلبي وصحيحة زرارة((1))، اذ لم تقيّد بكون الحج أصالةً عن نفسه ففي الأولى ((قال سألت ابا عبداللّه - عليه السلام -عن رجل أهلّ بالحج والعمرة جميعاً...)) وفي الثانية ((عن الرجل يكون في يوم عرفة وبينه وبين مكّة ثلاثة أميال وهو متمتعاً بالعمرة الى الحج...))، لاسيّما وان ظاهر روايات العدول انّها علاج لمن تلبس بنسك لا يقدر على ادائه، ودعوى الماتن الانصراف نظير ما تقدم منه في المسألة العاشرة في النائب اذا مات بعد دخول الحرم حيث ادّعى ظهور أدلّة الاجزاء والبدلية فمن يحج عن نفسه، لولا ورود روايات مصرّحة باجزاء ذلك في النائب، مع انّ الصحيح أن تلك الروايات المزبورة في تلك المسألة مؤيّدة لاجزاء الابدال الاضطرارية في النيابة وللاطلاق في المقام.


1) ([1]) ب 21 ابواب أقسام الحج ح6 وح7 .

(مسألة 25): يجوز التبرع عن الميت في الحج الواجب أيّ واجب كان والمندوب بل يجوز التبرع عنه بالمندوب وان كانت ذمّته مشغولة بالواجب ولو قبل الاستيجار عنه للواجب، وكذا يجوز الاستيجار عنه في المندوب كذلك. وأما الحي فلا يجوز التبرع عنه في الواجب إلا اذا كان معذوراً في المباشرة لمرض أو هرم فإنه يجوز التبرع عنه ويسقط عنه وجوب الاستنابة على الأقوى، كما مرّ سابقاً، وأما الحج المندوب فيجوز التبرع عنه كما يجوز له أن يستأجر له حتى اذا كان عليه الحج الواجب لا يتمكن من ادائه فعلاً،وأما ان تمكن منه فاستيجارالمندوب قبل ادائه مشكل،بل التبرع عنه حينئذ أيضاً لا يخلو عن اشكال في الحج الواجب(1).

نعم يمكن التفكيك بين مشروعية العدول في النيابة بين المستحب والواجب، بدعوى أن كلاً من نوعي الحج الافراد والتمتع حيث كانا مشروعين ندباً أصالةً ونيابةً ساغ دعوى العموم للنيابة الندبية.

ولكن الصحيح انّ التفكيك بين الواجب والندب تحكم بادر، ومن ثمّة يلزم على مسلك الماتن عدم جواز العدول في النيابة في المندوب وهو كماترى.نعم قد يدّعى اختصاص أدلّة العدول بما اذا كان الحج الواجب فورياً كما في الحي المستطيع الاتي بالحج عن نفسه أو بنائبه بخلاف الميت المنوب عنه، حيث انّه مع عدم الفورية يكون مقتضى القاعدة عدم اجزاء الناقص الاضطراري مع التمكن من الفرد التام، غاية الامر انّ الناقص مشروع ندباً فيشرع فيه العدول. وفيه انّ الفورية بمعنى فوراً ففوراً لازم في حق الميت أيضاً.

(1) وتحرير الكلام في المسألة يقع في جهات:

الأولى: في مشروعية أصل التبرّع أعم من المندوب والواجب، وقد وردت بذلك روايات مستفيضة في خصوص المندوب((1))، وأما الواجب فقد وردت فيه روايات


1) ([1]) ب 25 و27 و28 ابواب النيابة.

…

ايضاً كصحيحة معاوية بن عمار والصحيح الى ابن مسكان عن عامر بن عميرة قال: ((قلت لابي عبداللّه - عليه السلام - بلغني عنك انّك قلت: لو انّ رجلاً مات ولم يحج حجّة الاسلام فحجّ عنه بعض أهله أجزأ ذلك عنه؟ فقال: نعم، اشهد بها على أبي انّه حدّثني أن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) أتاه رجل فقال: يا رسول اللّه انّ أبي مات ولم يحج، فقال له رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) حج عنه فإن ذلك يجزي عنه))((1)) ويظهر منها امكان الاستدلال بالتبرع للواجب بالروايات الواردة في حج أولياء الميت عنه مع عدم وجود تركة له نظير صحيحة ابن ابي يعفور حيث عبّر فيها ((أو يتطوع ابنه ويحج عن أبيه))((2)) وكذا صحيح حكم بن حكيم((3)) وكذا التعبير في روايات معتبرة اخرى ((انه دين عليه))((4)) وكذا اطلاق التعبير ((يقضى عنه)) وغير ذلك من التعابير.

الثانية: في جواز التبرّع عن الميت بالمندوب مع اشتغال ذمّته بالواجب ولو قبل الاستئجار عنه للواجب.

وتصوير ذلك انّ التبرّع عنه ندباً امّا بما ماثل ما اشتغل ذمّته به من نوع الحج أو بنوع آخر، كأن تبرّع عن الميت النائي بحج القران والافراد أو تبرّع عن الميت الحاضر لبيت الله الحرام القريب بحج التمتع.

أما الصورة الثانية فيدل على مشروعية اطلاقات التبرّع بالندب المتقدمة، وأما الصورة الأولى فقد يقال بشمول الاطلاقات المزبورة لها أيضاً، الا انّ فرض أصل الصورة الأولى مبني علىتباين حقيقة الندب والواجب بمجرّد القصد، وقد عرفت فيما تقدم من مباحث الاستطاعة((5)) عدم التباين بين ماهية الندب والواجب مع تحقق ماهيّة الوجوب، فمن ثم يكون ما يأتي به بقصد الندب يقع مصداقاً للواجب ويكون


1) ([2]) ب31 ابواب وجوب الحج ح2 .

2) ([3]) ب29 ابواب وجوب الحج ح3 .

3) ([4]) ب28 ابواب وجوب الحج ح8 .

4) ([5]) ابواب الحج ب 25، 26 .

5) ([1]) سند العروة كتاب الحج ج1: 68 .

(مسألة 26): لا يجوز أن ينوب واحد عن اثنين أو أزيد في عام واحد وإن كان

اداء لما في ذمّة الميت.

الثالثة: في جواز التبرّع عن الحي في الفروض المتقدمة.

فتارة يتبرّع عنه في الواجب وأخرى في المندوب، أما المندوب فقد نصت عليه الروايات المتقدمة الاشارة اليها، واما التبرّع عنه في الواجب فإن أريد منه المجانية مع فرض استدعاء الحي وطلبه واذنه فلا ريب في الجواز حيث ان ما ورد من الأمر باستئجار الحي عن نفسه رجلاً هو من الأمر المقدمي نظير حج الحي القادر من غير المال المستطاع به بل من مال آخر ولو من ملك الآخرين أو بالتسكع، اما ان أريد من التبرّع نيابة الغير عنه من دون حصول استنابة من الحي للنائب المتطوع، فالاجزاء محل تأمّل بل منع، وان كان ما يأتي به المتبرّع من دون استنابة يقع مشروعاً ندباً عن الحي، والوجه في ذلك ان مقتضى القاعدة في الأمور العبادية والنيابية هو لزوم اسناد الفعل الى المكلّف اما بأن يأتي به مباشرةً أو يأتي به بالتسبيب فالذي يقابل الايجاد المباشري هو الايجاد التسبيبي الحاصل بالاستنابة، غاية الأمر قد ثبت مشروعية النيابة الندبية بدون استنابة.

وبعبارة أخرى: انّ المكلّف لابد من أن يتقرّب بالعبادة المتوقف على استنادها اليه فلا يكفي عبادية الفعل في نفسه كما لا يغني تقرّب النائب نيابةً عن المنوب عنه عن تقرّبه نفسه فلابد في موارد النيابة من تقرّب كلٌ منهما، ومن ثم يجب على الحي عند بدو امارات الموت الايصاء بما عليه في ذمته من العبادات كالحج والصوم والصلاة كي يكون ايجادها منه بالتسبيب مع حصول تقربه بما يؤتى عنه بعد مماته.

والحاصل: ان الأمر التعبدي المتعلّق بالفعل امّا بايجاده مباشرةً أو تسبيباً فالتسبيب المباشرة عدلاً عرضياً أو طولياً هما من متعلّق الأمر التعبدي، فلابد أن يقعا بقصد الأمر القربي.

الاقوى فيه الصحّة إلا إذا كان وجوبه عليهما على نحو الشركة، كما إذا نذر كل منهما أن يشترك مع الاخر في تحصيل الحج، واما في الحج المندوب فيجوز حج واحد عن جماعة بعنوان النيابة، كما يجوز بعنوان اهداء الثواب لجملة من الاخبار الظاهرة في جواز النيابة ايضاً، فلا داعي لحملها على خصوص اهداء الثواب(1).

(1) في المسألة صورتان:

الأولى: نيابة النائب عن جماعة في الحج الواجب، فلا يجزىء عنهم اداءً للواجب لأن المفروض انّما تعلّق في ذمّتهم هو بنحو متعدد ومستقل فلن يكون المأتي به أداءً له.

ولك أن تقول لا دليل على مشروعية النيابة بنحو مجموع في الواجب. نعم، لو أتى به مع ذلك عنهم صحّ وقوعه ندباً وإن قصد به الوجوب. وذلك لأن ماهيّة ما أتى به مشروعة ندباً وإن قصد بها خطأ الوجوب إلا انّه غير مضر بصحّة المندوب.

الثانية: أن يأتي بها عن جماعة ندباً، وقد وردت روايات معتبرة مثل صحيحة ابن اسماعيل قال: ((سألت أبا الحسن - عليه السلام -: كم اشرك في حجّتي؟ قال: كم شئت))((1)) إلا انّه اشكل في الجواهر على دلالتها باحتمال ارادة الاشتراك في ثواب الحج الذي يأتي به عن نفسه لا نيابة عن جماعة، حيث انّه أسندت الحجّة في أسئلة الرواة الى الراوي نفسه ((حجّتي))، وربّما يؤيد بما رواه الصدوق مرسلاً قال: قال للصادق - عليه السلام -: ((جعلت فداك اني كنت نويت أن أدخل في حجّتي العام أبي أو بعض أهلي فنسيت، فقال - عليه السلام - الان فاشركها))((2))حيث انّه لو كان من باب النيابة لما كان لايقاعها بعد العمل مجال. ونظيره مصحح الحارث بن المغيرة قال: ((قلت لأبي عبداللّه - عليه السلام -: وأنا بالمدينة بعدما رجعت من مكّة أني أردت أن أحج عن ابنتي، قال: فاجعل ذلك لها الان))((3)) إلا انّ الصحيح ارادة المعنى الأول


1) ([1]) ب28 ابواب النيابة ح1 .

2) ([2]) ب 29 ابواب النيابة ح1 .

3) ([3]) ب 29 ابواب النيابة ح2 .

(مسالة 27): يجوز أن ينوب جماعة عن الميت أو الحي في عام واحد في الحجّ المندوب تبرّعاً أو بالاجارة، بل يجوز ذلك في الواجب أيضاً، كما إذا كان على الميّت والحيّ الذي لا يتمكّن من المباشرة لعذر حجّان مختلفان نوعاً كحجّة الاسلام والنذر، أو متّحدان من حيث النوع كحجّتين للنذر، فيجوز أن يستأجر اجيرين لهما في عام واحد، وكذا يجوز إذا كان أحدهما واجباً، والاخر مستحباً، بل يجوز أن يستأجر أجيرين لحج واجب واحد كحجّة الاسلام في عام واحد احتياطاً، لاحتمال بطلان حج أحدهما، بل وكذا مع العلم بصحّة الحج من كل منهما، وكلاهما آت بالحج الواجب، وان كان احرام أحدهما قبل احرام الاخر، فهو مثل ما إذا صلّى جماعة على الميّت في وقت واحد، ولا يضرّ سبق أحدهما بوجوب الاخر، فانّ الذمّة مشغولة مالم يتمّ العمل فيصحّ قصد الوجوب من كل

لجعل ظرف الاشتراك الحج في نفسه لا ثوابه، بل في صحيح معاوية بن عمّار قال: ((قلت لأبي عبداللّه - عليه السلام -: انّ أبي قد حجّ ووالدتي قد حجّت، وان اخوي قد حجّا، وقد أردت أنأدخلهم في حجّتي كأني قد أحببت أن يكونوا معي فقال: اجعلهم معك، فانّ اللّه جاعل لهم حجّاً ولك حجّاً ولك أجراً بصلتك إيّاهم))((1)) ظاهر في العمل نفسه كأنهم معه في الحج النيابي، وكذلك رواية علي بن أبي حمزة قال: ((سألت ابا الحسن - عليه السلام - عن الرجل يشرك في حجّته الأربعة والخمسة من مواليه؟ فقال: إن كانوا صرورة جميعاً فلهم أجر، ولا يجزيء عنهم الذي حجّ عنهم من حجّة الإسلام والحجّة للذي حجّ))((2)) صريحة في كون ما أتى به من الحج نيابة فمن ثم نفى - عليه السلام - اجزائه عن الواجب عنه.

ومن مصحح الحارث بن المغيرة ومرسلة الصدوق يتّضح جواز الاهداء أيضاً، مع انّه على مقتضى القاعدة بحسب العمومات الواردة في اهداء ثواب أعمال الخير.


1) ([1]) ب28 ابواب النيابة ح6 .

2) ([2]) ب28 ابواب النيابة ح5 .

منهما ولو كان أحدهما أسبق شروعاً(1)

(1) في المسألة صور:

الأولى: أن ينوب جماعةً عن الميت أو الحي في عام واحد في الحج المندوب ويدل على مشروعيته مضافاً لمقتضى القاعدة بعد مشروعية النيابة حيث انّ وحدة الظرف الزماني لا توجب وحدة العمل بعد كون الأفعال متعددة من فاعلين متعددين فهو بمنزلة الحج المتعدد في أعوام مختلفة والعمدة في هذه المسألة في كل صورها هي هذه النكتة انّه لم يدلّ دليل على عدم قابلية الظرف الزماني الواحد لتكرار الفعل من شخص واحد، كما هو الحال في الصيام عن الميت فلو تعدد الأشخاص في القضاء عمّا في ذمّته من شهور في يوم واحد، وكذا في الصلاة عنه ومضافاً الى صحيحة محمد بن عيسى اليقطيني قال: ((بعث أبي أبو الحسن الرضا - عليه السلام - رزم ثياب وغلماناً وحجّة لي وحجّة لأخي موسى بن عبيد وحجّة ليونس بن عبدالرحمن وأمرنا أن نحجّ عنه فكانت بيننا مائة دينار اثلاثاً فيما بيننا..)) الحديث((1)).

الثانية: فيما اذا كان الحج واجباً سواء أتّحد نوع الواجب أو تعدد فرده كنذر المتعدد ويدل على المشروعية ما تقدم في الصورة الأولى.

الثالثة: أن ينوب جماعةً عن واحد لحجّ واحد امّا لاحتمال بطلان أحدهما أو مع عدم احتمال ذلك.أما مع احتمال البطلان يشرع التعدد احتياطاً أو ندباً مع افتراض وقوع صحّة الاخر وإن قصد به الوجوب لصحّة وقوعه ندباً مع ذلك .

أما مع عدم الاحتمال البطلان فلأن مقتضى القاعدة في أداء الواجب هو جواز الامتثال بأكثر من فرض في عرض واحد بل انّه بناءً على عدم سقوط ملاك الوجوب بالامتثال وكون الامتثال معد لايجاد الملاك لا علّة له يجوز تبديل الامتثال وتكريره


1) ([3]) ب34 ابواب النيابة ح1 .

…

بافراد طولية أيضاً.

ثم انّه لو افترض سقوط الأمر بأحدهما السابق فانّه يصح من الثاني ندباً وإن قصد الوجوب خطأً.

فصل في الوصية بالحج

اشارة

(مسألة 1): اذا أوصى بالحج، فان علم انّه واجب أخرج من أصل التركة وإن كان بعنوان الوصيّة، فلا يقال مقتضى كونه بعنوانها خروجه من الثلث. نعم لو صرّح باخراجه من الثلث اخرج منه، فان وفى به وإلا يكون الزائد من الأصل، ولا فرق في الخروج من الأصل بين حجّة الاسلام والحج النذري والافسادي لانّه بأقسامه واجب مالىّ وإجماعهم قائم على خروج كل واجب مالي من الأصل مع انّ في بعض الأخبار انّ الحج بمنزلة الدين، ومن المعلوم خروجه من الأصل بل الأقوى خروج كل واجب من الأصل وان كان بدنياً كما مرّ سابقاً. وان علم انه ندبي فلا اشكال في خروجه من الثلث. وان لم يعلم أحد الأمرين ففي خروجه من الأصل أو الثلث وجهان، يظهر من سيد الرياض خروجه من الأصل حيث انّه وجّه كلام الصدوق الظاهر في كون جميع الوصايا من الأصل بأن مراده ما إذا لم يعلم كون الموصى به واجباً أو لا، فانّ مقتضى عمومات وجوب العمل بالوصية خروجها من الأصل، خرج عنها صورة العلم بكونها ندبياً، وحمل الخبر الدال بظاهره على ما عن الصدوق أيضاً على ذلك، لكنه مشكل، فانّ العمومات مخصصة بما دلّ على انّ الوصية بأزيد من الثلث، تردّ إليه إلا مع إجازة الورثة، هذا مع انّ الشبهة مصداقية، والتمسك بالعمومات فيها محل اشكال، وأما الخبر المشار إليهوهو قوله - عليه السلام -: الرجل أحق بماله مادام فيه الروح، ان أوصى به كلّه فهو جايز فهو موهون باعراض العلماء عن العمل بظاهره، ويمكن أن يكون المراد بماله هو الثلث الذي أمره بيده،

نعم يمكن أن يقال في مثل هذه الازمنة بالنسبة إلى هذه الأمكنة البعيدة عن مكة: الظاهر من قول الموصي: حجّوا عنّي هو حجّة الاسلام الواجبة لعدم تعارف الحج المستحبّي في هذه الأزمنة والأمكنة، فيحمل على أنه واجب من جهة هذا الظهور والانصراف، كما أنه إذا قال: أدّوا كذا مقداراً خمساً أو زكاة، ينصرف إلى الواجب عليه فتحصّل أن في صورة الشك في كون الموصى به واجباً حتى يخرج من أصل التركة، أو لا حتى يكون من الثلث مقتضى الأصل الخروج من الثلث لأن الخروج من الأصل موقوف على كونه واجباً وهو غير معلوم، بل الأصل عدمه الا إذا كان هناك انصراف كما في مثل الوصية بالخمس أو الزكاة أو الحج ونحوها، نعم لو كانت الحالة السابقة فيه هو الوجوب كما إذا علم وجوب الحج عليه سابقاً ولم يعلم أنهأتى به أولا فالظاهر جريان الاستصحاب والاخراج من الأصل ودعوى أن ذلك موقوف على ثبوت الوجوب عليه وهو فرع شكّه لا شك الوصى أو الوارث ولا يعلم أنه كان شاكاً حين موته أو عالماً بأحد الامرين مدفوعة بمنع اعتبار شكه بل يكفي شك الوصي أو الوارث أيضاً، ولا فرق في ذلك بين ما إذا أوصى أو لم يوص، فانّ مقتضى أصالة بقاء اشتغال ذمّته بذلك الواجب عدم انتقال ما يقابله من التركة إلى الوارث، ولكنه يشكل على ذلك الأمر في كثير من الموارد لحصول العلم غالباً بأنّ الميت كان مشغول الذمّة بدين أو خمس أو زكاة أو حج أو نحو ذلك، إلا ان يدفع بالحمل على الصحة، فانّ ظاهر حال المسلم الاتيان بما وجب عليه، لكنه مشكل في الواجبات الموسعة، بل في غيرها أيضاً في غير الموقتة، فالأحوط في هذه الصورة الاخراج من الأصل.(1)

(1) وفيها جهات:

الأولى: كون قضاء الحج من الأصل، أوصى به أم لم يوص، وقد تقدم في بحث الاستطاعة انّه كذلك في الحج الواجب كحجّة الإسلام، وأما الحج النذري فقد تقدم

…

انّه بمقتضى القاعدة أيضاً دين يخرج من أصل التركة، إلا انّه وردت روايتان صحيحتان في اخراجه من الثلث((1))، وادّعي في الكلمات انهما معرض عنهما وقد بيّنا عدم صحّة تلك الدعوى، فلا ينبغي ترك الاحتياط وإن قوّينا العمل بصحيحة مسمع الدالّة على الاخراج من أصل التركة لظهور الصحيحتين السابقتين في كون النذر تنجز وحصل المعلّق عليه بعد الموت فيكون بحكم الوصيّة من الثلث .

وأما الحج الافسادي فإن بني على انّه حج عقوبة وكفّارة كما هو الصحيح فحكمه حكم بقية الكفّارات والواجبات التكليفية وإن كانت مالية إلا أنها تخرج من الثلث، وأما لو بني على القول الآخر من كونها حج الأصل فحكمها حكم الأصل حينئذ.

فائدة: في عدم تقييد مطلق الوصية بالثلث

اشارة

الثانية: اذا شُكّ في كون الحج ندبياً أو واجباً فما هو مقتضى الأصل؟

نسب الى الشيخ الصدوق ونسب الماتن الى صاحب الرياض أنها تخرج من الأصل، تمسكاً بعمومات وجوب العمل بالوصية عند الشك في مصداق المخصص، وحملت رواية عمّار بن موسى عن أبي عبداللّه - عليه السلام - قال: ((الرجل أحق بماله مادام فيه الروح اذا أوصى بهكلّه فهو جائر))((2)) على ذلك. وأشكل عليه بأن عموم العمل بالوصية لم يبق على حاله مقابل العمومات المحددة للوصيّة بالثلث وأما الخبر فهو معرض عن مفاده مقابل الروايات المستفيضة المحددة للوصية وتصرف الميت بالثلث.

وقد يقرّب أن العموم الفوقاني في باب الوصية هو النفوذ كقوله تعالى (كتب


1) ([1]) مسألة 8 من فصل الحج الواجب بالنذر - ج1 ص342 سند العروة.

2) ([1]) ابواب الوصايا ب 11 ح19 .

…

عليكم اذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقّاً على المتقين فمن بدّله بعدما سمعه فانّما اثمه على الذين يبدلونه إن اللّه سميع عليم)((1)) وكذا قوله تعالى: (وأوفوا بالعقود) على تقدير كونها عقد في الوصية التمليكية. أو عموم ((الناس مسلّطون على أموالهم)) غاية الأمر خرج منه الوصية في المندوبات أو الواجبات غير المالية، فتكون الروايات المستفيضة المقيدة للوصية بالثلث بمنزلة المخصص لهذه العمومات.

ولك أن تقول انّ لدينا ثلاث درجات من الأدلّة، العموم الأول هو ما أشرنا اليه من عموم الآية وغيرها، والعموم الثاني هو ما دلّ على تحديد الوصية بالثلث، والرتبة الثالثة ما دلّ على انّ الواجبات المالية الدينية (الديون الشرعية) الموصى بها تخرج من الأصل، والدليل الذي في الرتبة الثالثة مخصص للدليل الذي في الرتبة الثانية، أي انّه مبقي لبعض الافراد تحت العموم الذي في الرتبة الأولى، وبين هاتين الفذلكتين في تعديل النسبة بين رتب الأدلّة فرقٌ لا يخفى ثمرته. إلا انّه في المقام لا تتحقق الثمرة لكون المخصص بعد التعديل المزبور عنوانه عدمي وهو غير الواجب الديني فمقتضى الأصل العدمي احراز المخصص أي كونه مقيداً بالثلث.

ولا يتوهم أن الوصية في الواجبات الدينية ليست وصية حقيقية لأنها تخرج لا محالة من الأصل، وذلك لأن وجوبها بالوصية وجوباً زائداً على وجوب اخراج الدين، مضافاً الى تصور الثمرة فيما لو وصّى باخراج الواجب الديني من بعض التركة بعينها وكان قدر الدين زائداً على الثلث فانّه على قول - مرّ في فصل الاستطاعة - لا يحتاج الى اجازة الورثة. بل الثمرة تظهر وان لم يزد على الثلث فإن في وجوب الدين يحق للورثة اداءه من غير التركة لتسلم وتبقى التركة لهم، وهذا بخلاف الوصية سواء بقدر الثلث أو غير المحددة بالثلث، فإن الوصية إن تعلّقت بأعيان التركة فليس


1) ([2]) البقرة: 180 - 181 .

…

للوراث عدم إنفاذها، نعم قد يقال بأن لهم اعدام موضوع الوصية في الديون بتسديدها من مال آخر فينتفي موضوعها.إن قلت: انّ كون الواجب ديناً يعني اخرجه من الأصل بذلك ينعدم موضوع الوصية، وهذا مراد من قال بأن الوصية بالدين والواجبات ليست وصية حقيقةً، على انّه لو حسب وصية فاللازم فيما لو وصى بأجرة معينة لحجّ واجب تزيد على أجرة المثل وكانت تلك الأجرة المعينة زائدة على الثلث كان اللازم أن لا تنفذ وصيته في ما زاد على اجرة المثل، لأن قدر أجرة المثل يعطى من الثلث فيكون الأجر المعين زائداً على الثلث، غير نافذ اذ الفرض انّ مجموع الوصية بالحج الواجب وبالزيادة على أجرة المثل هو وصية وهذا ما لا يلتزم به لأن الأصحاب بين قائل بنفوذ الأجرة مطلقاً وقائل بأن الزائد يخرج من الثلث ثم ما هو سنخ هذه الوصية بالواجبات هل هو اعلام وخبر أو هي وصية تمليكية أو وصية عهدية.

قلت: انّ احتساب الواجبات والديون الموصى بها من الأصل غير ادائها خارجاً والمعدم لموضوع الوصية الثاني دون الأول، نعم مع احتسابها من الأصل لا مجال لاحتسابها من الثلث مرة أخرى، وحينئذ يحسب الزائد على أجرة المثل بلحاظ ثلث ما بقي من التركة، ومع كل ذلك فليس ذلك يعدم عنوان الوصية، لاسيّما اذا افترضنا انّ المتعلّق منها بالواجب والدين هو وصية عهدية.

ثم انّ هذا كلّه بناءً على ظاهر المشهور على أخذ الاستطاعة في موضوع الوجوب وأما على القول بأنها مأخوذة في تنجيز الوجوب لا في أصل الوجوب فيستصحب عدم اتيانه للواجب أو بقاء الوجوب، والمفروض ان قيد التنجيز متوفر وهو المكنة المالية هذا بالنسبة لحجّة الإسلام.

ثمّ انّه قد استشكل في اجراء الاستصحاب في حق الميت بأمور:

منها: بلزوم الاخراج من التركة عمّا اشتغلت به ذمّة الميت سابقاً في كثير من الموارد كديون الناس أو الخمس أو الزكاة أو الحج أو نحو ذلك مما يشك في بقائها،

(مسألة 2): يكفي الميقاتية سواء كان الحج الموصى به واجباً أو مندوباً ويخرج الأول من الأصل، والثانى من الثلث إلا إذا أوصى بالبلدية، وحينئذ فالزائد عن أجرة الميقاتية في الأول من الثلث، كما انّ تمام الاجرة في الثاني منه.(1)

(مسألة 3): اذا لم يعين الأجرة فاللازم الاقتصار على أجرة المثل للانصراف اليها، ولكن إذا كان هناك من يرضى بالأقل منها وجب استيجاره، إذا الانصراف إلى أجرة المثل انّما هو نفي الازيد فقط، وهل يجب الفحص عنه لو احتمل وجوده؟ الأحوط ذلك توفيراً على الورثة خصوصاً مع الظن بوجوده، وان كان في وجوبه

مع انّه كما ترى مخالف للحمل على الصحّة.

ومنها: انّ ما ورد في القضاء من أن المدّعي على الميت بدين أو حق يلزم بالحلف، بضميمة البيّنة مما يدلّ على انّ البيّنة لأجل اثبات الدين والحلف لبقائه، الدال على عدم اعتبار الاستصحاب في حق الميت.وتنقيح الحال في ذلك ما قد تقدم في مسألة (106) في فصل الاستطاعة((1))، من انّ اليمين جبراً لحقّ الميت في اقامة دعوى سداد الدين ووفائه، وحقّه في مطالبة المنكر للوفاء باليمين لا لسقوط الاستصحاب، وأما أصالة الصحّة فقد تقدم تماميتها في غير من أحرز عدم مبالاته، أو كان متهماً في التقيّد والالتزام بالوظائف الشرعية، وفي غير الموارد التي قامت فيها قرائن موجبة للشك من جهة القصور في الاداء فانّها غير مشمولة لأصالة الصحّة التي هي ظاهر حال المسلم.

هذا كلّه فيما لو فرض الشك وعدم ظهور معتد به في الفاظ وصية الميت.

(1) تقدم في المسألة (88) من فصل استطاعة الحج أن الواجب في القضاء عن الميت هو الحج الميقاتي دون البلدي، فحينئذ ان أوصى بالحج البلدي كما لا يبعد دعوى الانصراف اليه فيكون الزائد عن الأجرة الميقاتية من الثلث، وأما المندوب أو ما لا يخرج من الأصل من الواجبات فتمام الأجرة من الثلث.


1) ([1]) سند العروة: ج1، 308 .

اشكال، خصوصاً مع الظن بالعدم، ولو وجد من يريد أن يتبرّع فالظاهر جواز الاكتفاء به، بمعنى عدم وجوب المبادرة إلى الاستيجار، بل هو المتعين توفيراً على الورثة، فان أتى به صحيحاً كفى، وإلا وجب الاستيجار، ولو لم يوجد من يرضى بأجرة المثل فالظاهر وجوب دفع الازيد إذا كان الحج واجباً، بل وان كان مندوباً أيضاً مع وفاء الثلث، ولا يجب الصبر إلى العام القابل ولو مع العلم بوجود من يرضى بأجرة المثل أو أقل، بل لا يجوز لوجوب المبادرة إلى تفريغ ذمّة الميت في الواجب، والعمل بمقتضى الوصية في المندوب، وان عيّن الموصى مقداراً للأجرة تعيّن وخرج من الأصل في الواجب ان لم يزد على أجرة المثل، وإلا فالزيادة من الثلث كما انّ في المندوب كلّه من الثلث(1).

(1) ذكر الماتن في المسألة أمور:

الأول: لزوم اقتصار الوصي في العمل بالوصية على الأقل أجرةً وانّ اللازم عليه الفحص عن ذلك أيضاً والوجه في ذلك أمران:

الأول: انّ الوصي حيث انّه بمنزلة الوكيل أو المأذون فالازم عليه مراعات مصلحة الموكل وهي الاقتصار على الأقل والفحص عن ذلك لأنه المقدار المأذون فيه.

الثاني: انّ التركة محقوقة للورثة بمعنى انّ لهم أن يرثوا بعد اخراج الوصية والديون، مضافاً أن لهم أن يسددوا من غير التركة ليرثوها جملةً، فالازم على ذلك هو الاقتصار على قدر الضرورة في انفاذ الوصية لا غيره. نعم اللازم في الفحص هو القدر المتعارف دون البالغالمتمادي، ومن ثم لو وجد متبرّع تعيّن الاكتفاء به اذ ليس في ذلك ترك للعمل بالوصية مع لزوم مراعات حق الورثة، إلا أن يكون ذلك موجباً للمنّة وعدم مناسبته للميت، وسيأتي الوجه فيه.

الثاني: لا يجب الصبر والتأخير ولو مع العلم بوجود من يرضى بالأقل أجرة أو من يتبرّع، وذلك لوجوه:

(مسالة 4): هل اللازم في تعيين أجرة المثل الاقتصار على أقل الناس أجرة أو يلاحظ أجرة من يناسب شأن الميت في شرفه وضعته؟ لا يبعد الثاني والاحوط الاظهر الاول، ومثل هذا الكلام يجري أيضاً في الكفن الخارج من الأصل أيضاً(1)

(مسالة 5): لو أوصى بالحج وعيّن المرة أو التكرار بعدد معيّن تعيّن وإن لم يعيّن كفى حج واحد إلا أن يعلم أنه أراد التكرار، وعليه يحمل ما ورد في الأخبار

الأول: للفورية في الحج الواجب سواء كان حجّة الاسلام أو النذري أو الافسادي لفحوى ما يستفاد من أدلّة حرمة التسويف، بل في روايات القضاء عن الميت انّه مرتهن ونحو ذلك، وأما الفور في النذري فهو مقتضى النذر، وأما حجّ كفّارة الافساد فلأن مقتضى وجوب التوبة الفورية.

الثاني: ان العمل بالوصية حيث انّه تنفيذ لحق الميت المسلط على ماله واللازم في اداء الحقوق الفورية ويعم هذا الوجه الوصية بالمندوب.

الثالث: ظهور الفاظ الوصية غالباً في الفورية فتكون المسارعة نحو من الوصية العهدية فيلزم العمل بها.

الثالث: لو عيّن مقداراً للأجرة فيؤخذ به سواء في الواجب أو المندوب مالم يزد على أجرة المثل في الواجب وإلا فالزيادة تحسب من الثلث، وذلك لأن مقدار الواجب الذي يخرج من الأصل في الواجبات انّما هو أقل ما يؤدّى به وأما الزائد فيحسب من الثلث. كما تقدم بيانه في المسألة(1). وأمّا المندوب فتمامه من الثلث.

(1) أما وجه القول الأول فلما تقدم من أن الذي يخرج من الأصل أدنى قيمةً لتحقق الواجب به من دون موجب تخصيص زائد في عمومات الارث.

وأما وجه القول الثاني فقيل لإنصراف استثناء الواجب الى ما يناسب شأن الميت والصحيح انّ منشأ هذا الانصراف هو ظهور أداء الواجبات من التركة في كونه نفعاً للميت من ماله يلحقه بعد مماته فينصرف بسبب ذلك الى ما يناسبه.

من أنه يحجّ عنه مادام له مال، كما في خبرين، أو ما بقي من ثلثه شيء كما في ثالث، بعد حمل الاولين على الأخير من ارادة الثلث من لفظ المال، فما عن الشيخ وجماعة من وجوب التكرار مادام الثلث باقياً ضعيف، مع أنه يمكن أن يكون المراد من الأخبار أنه يجب الحج مادام يمكن الاتيان به ببقاء شيء من الثلث بعد العمل بوصايا اخر، وعلى فرض ظهورها في ارادة التكرار ولو مع عدم العلم بارادته لابد من طرحها لاعراض المشهور عنها، فلا ينبغيالاشكال في كفاية حج واحد مع عدم العلم بارادة التكرار، نعم لو أوصى باخراج الثلث ولم يذكر الا الحج يمكن أن يقال بوجوب صرف تمامه في الحج، كما لو لم يذكر إلا المظالم أو إلا الزكاة أو إلا الخمس، ولو أوصى أن يحج عنه مكرراً كفى مرتان لصدق التكرار معه.(1)

(1) الوصية تارة يكون لها ظهور في المرة ولو بتوسط الاطلاق بانصرافه لذلك كما في هذه الأزمنة، ولاسيّما في البلدان البعيدة أو التي يؤدي منها الحج بمشقة في المقدمات المعدة له. وأخرى تكون ظاهرة في تكرار كما اذا نصّ عليه أو عيّن مقداراً معيّناً من المال يعطي اطلاقه تكرار الحج.

وأما اذا لم يكن هناك اطلاق ولم يدل على التكرار لوجود قرائن مجملة في الفاظ الوصية فعن الشيخ وجماعة والمحقق في الشرائع بل نسب الى أغلب المتقدمين انّه يصرف تمام الثلث في الحج مكرراً، وكذا حكي عن النراقي في المستند وصاحب الحدائق استناداً الى الصحيح الى عبداللّه بن ابي نجران عن محمد بن الحسن انّه قال لأبي جعفر - عليه السلام -: ((جعلت فداك قد اضطررت الى مسألتك فقال: هات، فقلت: سعد بن سعد أوصى حجّوا عني مبهماً ولم يسمّ شيئاً، ولا ندري كيف ذلك قال: يحج عنه مادام له مال))((1)).

والى الصحيح الى العباس بن معروف عن محمد بن الحسين بن ابي خالد قال:


1) ([1]) ب4 ابواب النيابة ح1 .

(مسالة 6): لو اوصى بصرف مقدار معيّن في الحج سنين معينة وعيّن لكلّ سنة

((سألت ابا جعفر - عليه السلام - عن رجل أوصى أن يحج عنه مبهماً؟ فقال: يحج عنه ما بقي من ثلثه شيء))((1)) لكن المتأخرين أعرضوا عن ظاهرها وذكروا لها وجوهاً أخرى:

منها: أن يكون قد عيّن مقداراً من المال وذكر أن مصرفه الحج ويؤيده اضافة المال الى الميت.

ومنها: ما ذهب اليه كشف اللثام من ارادة لزوم العمل بالوصية بالحج إذا بقي مقدار من الثلث يفي به فيما لو فرض وجود وصايا مقدمة عليه ويؤيد بالتعبير في الروايات ((مادام)) و ((ما بقي)) .

ومنها: كونها قضية في واقعة لكنه يخالف ظهور الرواية الثالثة.

ومنها: ما لو فهم منه التكرار كما ذكره صاحب الوسائل وغيره. لكنه خلاف فرض السائل من ابهام الوصية. ومن ثم حكموا بمقتضى القاعدة في الأخذ بالمقدار المتيقن من الوصية كما هو مقتضى قاعدة اجمال المخصص صغروياً.

واحتمل في الجواهر ظهور الايصاء في تعلقه بالثلث.ومنها: أن يكون المراد الابهام في كونه حجّاً واجباً أو مستحباً وفي جهالة القدر الذي يخرج من التركة، لأجل الحج به. فيكون مفاد الجواب على هذا ان اخراج الحج عنه لازم بسبب الوصية مادام يقتدر على ذلك بالثلث.

وهذه الاحتمالات وان كانت لا تخلو من ظرافة في الاستظهار إلا انها خلاف الظاهر لأن محطّ سؤال السائل ليس في أصل لزوم الحج عنه بسبب الوصية، بل سؤاله عن القدر اللازم اخراجه في الحج بعد كون وصيته مبهمة من حيث مرات الحج، أي من حيث القدر المالي اللازم صرفه في ذلك المورد، ويتعاضد هذا الظهور في السؤال مع التعبير في الجواب بالجملة الفعلية المقيّدة بدوام المال وبقائه الظاهرة في الاستمرار


1) ([2]) ب4 ابواب النيابة ح2 .

مقداراً معيّناً واتّفق عدم كفاية ذلك المقدار لكلّ سنة صرف نصيب سنتين في سنة، أو ثلاث سنين في سنتين مثلاً، وهكذا لا لقاعدة الميسور لعدم جريانها في غير مجعولات الشارع، بل لأن الظاهر من حال الموصي ارادة صرف ذلك المقدار في الحج وكون تعيين مقدار كل سنة بتخيل كفايته، ويدلّ عليه أيضاً خبر علي بن محمد الحضيني، وخبر ابراهيم بن مهزيار، ففي الاول تجعل حجتين في حجة، وفي الثاني تجعل ثلاث حجج في حجّتين، وكلاهما من باب المثال كما لا يخفى، هذا ولو فضل من السنين فضلة لا تفي بحجّة فهل ترجع ميراثاً، أو في وجوه البر أو تزاد على أجرة بعض السنين؟ وجوه، ولو كان الموصى به الحج من البلد ودار الأمر بين جعل أجرة سنتين مثلاً لسنة، وبين الاستيجار بذلك المقدار من الميقات لكل سنة ففي تعيين الاول أو الثاني وجهان ولا يبعد التخيير بل أولوية الثاني، إلا أن مقتضى اطلاق الخبرين الأول، هذا كلّه إذا لم يعلم من الموصي ارادة الحج بذلك المقدار على وجه التقييد، وإلا فتبطل الوصية إذا لم يرج امكان ذلك بالتأخير، أو كانت الوصية مقيدة بسنين معيّنة.(1)

والتكرار. وأما سند الرواية فليس فيه من يتوقّف فيه إلا محمد بن الحسن الاشعري ابن شنبولة، والظاهر حسن حاله فرفع اليد عن الرواية مشكل.

هذا كلّه مع فرض الشك وإلا فلو أقيم الظهور بأي قرينة أخذ بها وهي تختلف بحسب الموارد العديدة، ولا يبعد أن يقال في مثل الوصية باخراج المال في المظالم أو الزكاة أو الخمس انّه يستوعب الثلث، ثم انّه لو أوصى ان يحج عنه مكرراً فالظاهر انّه بمقدار ما يستوعب الثلث لا المرتان خلافاً لما استظهره الماتن لظهور هذا الاستعمال في استمرار التكرار.

(1) قد تعرض الماتن إلى صور في المسألة: الأولى: لو أوصى بصرف مقدار معيّن في الحج سنين معيّنة فلم تفي بذلك ويمكن فرض ذلك تارة بقدر الثلث أو يزيد عنه

…

ولكن مع اجازة الورثة، وأخرى دون الثلث لكن الظاهر في الشق الأخير هو صرف ما يزيد على المقدار المعين إلى قدر الثلث لصدق تحقق الوصية وظهور التقيد بما دون الثلث في تعدد المطلوب أو المثالية.

وأما الشق الأول: فيتعين اخراج المال في ما يكفي من العدد للحج.

والوجه في ذلك مضافاً للروايتين الاتيتين - وهما تشيران لمقتضى القاعدة - هو انّ مقتضى القاعدة بحسب ظهور ألفاظ الوصايا في الخيرات وكذا ألفاظ الأوقاف ومطلق باب الصدقات قائماً على كون الغرض من قبيل تعدد المطلوب حيث انّ أصل الطلب هو لتحصيل البر والثواب مع تحقق الغرض الآخر في تحصيل القدر المخصص وإلا فالأقل منه فالأقل أي الأقرب منه فالأقرب إلى ذلك القدر.

وفذلكة ذلك صناعياً بجعل متعلّق الوصية ونحوها عبارة عن جعل عدّة متعلّقات في طول بعضها البعض، فيكون من التعليق في المتعلّق لا في أصل الوصية والوقف، وهذا غير قاعدة الميسور لأنها انّما تجري في الواجبات الشرعية لا في تحديد مقصود الأشخاص في انشاء الوصية والوقف ونحوهما، وبعبارة أخرى هي جارية في الاغراض الشرعية لا العرفية، نعم هي في الاغراض العرفية بمعنى آخر وهو الذي تقدم في ظهور كلامهم في تعدد المطلوب.

الروايتان الواردتان في المقام

فالأولى حسنة ابراهيم بن مهزيار - ان لم تكن معتبرة - قال: ((كتب إليه علي بن محمد الحصيني: ان ابن عمي أوصى أن يحج عنه بخمسة عشر ديناراً في كل سنة، وليس يكفي، ما تأمر في ذلك فكتب - عليه السلام -: يجعل حجتين في حجّة فانّ اللّه تعالى علم بذلك))((1)).

والثانية حسنة ابراهيم بن مهزيار كذلك ((وكتبت إليه - عليه السلام -: إن مولاك علي بن مهزيار


1) ([1]) ب3 ابواب النيابة ح1 .

…

أوصى أن يحج عنه من ضيعة صيّر ربعها لك في كل سنة حجة إلى عشرين ديناراً وانّه قد انقطع طريق البصرة فتضاعف المؤن على الناس. فليس يكتفون بعشرين ديناراً وكذلك أوصى عدة من مواليك في حججهم، فكتب - عليه السلام -: يجعل ثلاث حجج حجتين، ان شاء الله))((1)) .

والظاهر انهما تشيران لمقتضى القاعدة، والظهور في هذه الأبواب، لا انّه تعبد خاص. والثمرة بين الاحتمالين انّه على الثاني يؤخذ باطلاقهما حتى في موارد التقييد كما يؤخذ باطلاقهما عندالدوران بين الحج البلدي بعدد أقل وبين الحج الميقاتي بنفس العدد المذكور في الوصية بعد ظهورهما في الحج البلدي بخلافه على الاحتمال الأول وله تتمة في المسألة التاسعة.

الصورة الثانية: فيما لو فضل من السنين فضلة لا تفي للحج مطلقاً فانّها تصرف في وجوه البر أو أنها تزاد على أجرة بعض السنين، أما الرجوع بها إلى الورثة فالظاهر انتفائه لما تقدم في الصورة الأولى من القاعدة الأولية من ظهور الوصية ونحوها، كما انّ الظاهر هو الثاني مع اشتراط الزيادة في مستحبات الحج أو لواحقه الندبية كزيارة النبي(صلى الله عليه وآله) والائمة(عليهم السلام) في المدينة لأنها أقرب لمتعلّق الوصية.

الصورة الثالثة: لو دار الأمر بين الحج البلدي الموصى به بعدد أقل مما ورد في الوصية مع الحج الميقاتي بنفس العدد الوارد في الوصية قيل: بتقدم الأول عملاً باطلاق ظاهر الرواتين المتقدمتين في الحج من البلد، وقيل: بتقدم الثاني عملاً بالروايات الواردة في لزوم الحج الميقاتي فيما لو قصر مال الوصية في الحج البلدي - وقد تقدمت هذه الروايات في فصل الاستطاعة - مثل موثقة ابن بكير عن أبي عبداللّه - عليه السلام - انّه سئل عن رجل أوصى بماله في الحج فكان لا يبلغ ما يحج به من بلاده، قال: ((فيعطى في الموضع الذي يحج به عنه))((2)).


1) ([2]) ب3 ابواب النيابة ح2 .

2) ([1]) ابواب النيابة ب2 / ح2 .

…

وكرواية محمد بن عبداللّه قال: ((سألت أبا الحسن الرضا - عليه السلام - عن الرجل يموت فيوصي بالحج من أين يحج عنه؟ قال: على قدر ماله، إن وسعه ماله فمن منزله، وان لم يسعه ماله فمن الكوفة فإن لم يسعه من الكوفة فمن المدينة))((1)).

ولاسيّما وان ظهورهما في المطلق، ويقرّب تقديمهما على روايتي ابن مهزيار بالورود أو الحكومة حيث انّه أخذ فيهما عدم امكان الحج من رأس وهذه مبينة لامكانه في البدل وهو الحج الميقاتي.

وقد يقال النسبة بين الطائفتين هو التوارد والتعارض لأنه قد أخذ في موضوع كل منهما تعذر الحج وقد جعل في محمول كل منهما ما هو بدل عن التعذر وحيث لدينا علم اجمالي أو دلالة التزامية متحدة في الطائفتين على لزوم العمل بالوصية مضافاً للزوم العمل بالوصية اجمالاً بمقتضى القاعدة كما عرفت في الصورة الأولى، فلابد من اعمال الترجيح والظاهر انّه في جانب العدد لأنه عند الدوران بين الطبيعية ووصفها فالترجيح لأصل الطبيعية بعد عدم كونه وصفاً فيالصحة وان غرض الموصي في الوصية هو الثواب، والظاهر انّه في جانب العدد وهو أقرب للغرض بحسب تعدد المطلوب في الوصية.

إن قلت: ان الوصية بالعدد المزبور تنحل إلىوصايا مستقلة عن بعضها البعض مترتبة، فمع عدم وفاء القدر الموصى به أو الثلث يؤتى بالوصايا المقدمة دون المتأخرة، وهذا مما يعضد الطائفة الدالّة على القول الأول.

قلت: في كون الوصية بالحج عدداً بنحو الانحلال محل نظر، ومن ثم توسّل الأعلام في المقام بقاعدة تعدد المطلوب، أو الروايات الواردة في التنزل إلى ما دون العدد الموصى به فلم يستظهروا انّه من الوصايا المتعددة المتباينة، على انّه لو سلّمنا


1) ([2]) ابواب النيابة ب2 / ح3 .

(مسألة 7): إذاأوصى بالحج وعيّن الأجرة في مقدار فإن كان الحج واجباً ولم يزد ذلك المقدار عن أجرة المثل، أو زاد وخرجت الزيادة من الثلث تعيّن، وان زاد ولم تخرج الزيادة من الثلث بطلت الوصية ويرجع إلى أجرة المثل، وان كان الحج مندوباً فكذلك تعيّن أيضاً مع وفاء الثلث بذلك المقدار، وإلا فبقدر وفاء الثلث، مع عدم كون التعيين على وجه التقييد، وإن لم يف الثلث بالحج أو كان التعيين على وجه التقييد بطلت الوصيّة، وسقط وجوب الحج(1).

(مسألة 8): إذاأوصى بالحج وعين أجيراً معيّناً تعيّن استيجاره بأجرة المثل، وإن لم يقبل إلا بالأزيد، فإن خرجت الزيادة من الثلث تعيّن أيضاً، وإلا بطلت الوصية، واستوجر غيره بأجرة المثل في الواجب مطلقاً، وكذا في المندوب إذا وفي به الثلث ولم يكن على وجه التقييد، وكذا إذا لم يقبل أصلاً.

(مسالة 9): إذاعيّن للحج أجرة لا يرغب فيها أحد وكان الحج مستحباً بطلت الوصية إذا لم يرج وجود راغب فيها، وحينئذ فهل ترجع ميراثاً أو تصرف في وجوه البر، أو يفصل بين ما إذا كان كذلك من الأول فترجع ميراثاً أو كان الراغب موجوداً ثم طرأ التعذّر؟ وجوه والأقوى هو الصرف في وجوه البر، لا لقاعدة الميسور، بدعوى أن الفصل إذا تعذّر يبقى الجنس، لأنها قاعدة شرعية، وانّما

ذلك الترتيب الزمني فإنه لا يعني الترتيب الرتبي في مقام الوصية، بل لو سلّم الترتيب في الوصية فهناك كلام في توزيع المال الموصى به بالنسبة على العناوين المذكورة في الوصية لا انّه تقدم بعضها على بعض وتقدم ذلك في مبحث الاستطاعة فراجع.

(1) قد ظهر الحال في هذه المسألة والمسألة اللاحقة مما تقدم أيضاً، حيث ان الحج الواجب يخرج من الأصل، وإذا عين له مقداراً فأجرة المثل منه خارجة لا بالوصية وما زاد فيخرج من الثلث، وأما المندوب فيخرج من الثلث كله فإن وفى بالبلدي وإلا فميقاتي.

تجري في الاحكام الشرعية المجعولة للشارع، ولا مسرح لها في مجعولات الناس، كما أشرنا إليه سابقاً، مع انّ الجنس لا يعدّ ميسوراً للنوع فمحلّها المركبات الخارجية إذا تعذّر بعضأجزائها، ولو كانت ارتباطية، بل لأن الظاهر من حال الموصي في أمثال المقام ارادة عمل ينفعه، وانما عيّن عملاً خاصاً لكونه أنفع في نظره من غيره، فيكون تعيينه لمثل الحج على وجه تعدد المطلوب وان لم يكن متذكراً لذلك حين الوصية نعم لو علم في مقام كونه على وجه التقييد في عالم اللبّ أيضاً يكون الحكم فيه الرجوع إلى الورثة، ولا فرق في الصورتين بين كون التعذّر طارياً أو من الأول، ويؤيد ما ذكرنا ما ورد من الأخبار في نظائر المقام، بل يدلّ عليه خبر علي بن سويد عن الصادق - عليه السلام - قال: قلت: مات رجل فأوصى بتركته أن أحج بها عنه، فنظرت في ذلك فلم تكف للحج فسألت من عندنا من الفقهاء فقالوا، تصدق بها، فقال - عليه السلام - ما صنعت؟ قلت، تصدقت بها فقال - عليه السلام -، ضمنت إلا أن لا تكون تبلغ أن يحج بها من مكة، فإن كانت تبلغ أن يحج بها من مكة فأنت ضامن ويظهر ممّا ذكرنا حال سائر الموارد التي تبطل الوصية لجهة من الجهات هذا في غير ما إذا أوصى بالثلث وعيّن له مصارف وتعذّر بعضها، وأما فيه فالأمر أوضح، لأنه بتعيينه الثلث لنفسه أخرجه عن ملك الوارث بذلك فلا يعود إليه.(1)

(1) قد ظهر من المسألة السادسة أن مقتضى القاعدة في باب الوصايا والأوقاف والنذور والصدقات بلحاظ ظهور لفظ ايجابها وانشائها انّه قائم على تعدد المطلوب، وذكرنا انّ تحليله الصناعي راجع إلى التعليق في المتعلّق لا إلى التعليق في الانشاء أو المنشأ.

ويمكن أيضاً تخريجه انّه من الانشاء بعنوان عام شرط فيه العنوان الخاص وكان المشروط والشرط بنحو تعدد المطلوب كما في شراء العبد الكاتب. وقد نسب إلى المشهور الالتزام بذلك في الأبواب المذكورة، ويعضد مقتضى القاعدة

(مسألة 10): إذا صالحه على داره مثلاً وشرط عليه أن يحج عنه بعد موته صحّ ولزم وخرج من أصل التركة وإن كان الحجّ ندبياً، ولا يلحقه حكم الوصية، ويظهر من المحقق القمي(قدس سره) في نظير المقام اجراء حكم الوصية عليه، بدعوى أنه بهذا الشرط ملك عليه الحج، وهو عمل له اجرة فيحسب مقدار أجرة المثل لهذا العمل، فإن كانت زائدة عن الثلث توقّف على امضاء الورثة، وفيه: أنه لم يملك عليه الحج مطلقاً في ذمّته، ثم أوصى أن يجعله عنه بل انّما ملك بالشرط الحج عنه، وهذا ليس مالاً تملكه الورثة فليس تمليكاً ووصية، وانّما هو تمليك على نحو خاص لا ينتقل إلى الورثة، وكذا الحال إذا ملّكه داره بمائة تومان مثلاً بشرط أن يصرفها في الحج عنه أو عن غيره، أو ملكه إيّاها أن يبيعها ويصرف ثمنها في الحج أو نحوه، فجميع ذلك صحيح لازم من الأصل وان كان العمل المشروط عليه ندبياً، نعم له الخيار، عند تخلّف الشرط، وهذا ينتقل إلى الوارث، بمعنى أن حق الشرط ينتقل إلىالاستظهاري ما ورد في العديد من مسائل الوصايا كالوصية بالحج البلدي أنها عند قصور مال التركة أو العجز ينتقل إلى الحج الميقاتي((1))، وكالوصية بعدد معيّن من الحجج((2)) إذا قصر المال فانّه ينتقل إلى الأقل، وكالوصية بعتق العبد المؤمن((3))، والوصية التي نسي الوصي مصرفها((4))، وما ورد في نذر الحج ماشياً حافياً فإن عجز اجزأه راكباً((5)) وكمن أوصى بالحج فلم يف ماله به أنه يتصدق به وهي الرواية التي أشار اليها الماتن((6)) واذا نذر حج الافراد...وكذا ما ورد في الوقف الذي جهل مصرفه، فانّ ذلك وغيره مما ورد هو على مقتضى القاعدة المزبورة لا انّه تعبّد خاص كما ذهب إليه جملة من المحشين على هذه المسألة، وقد حرر هذه القاعدة المحقق الشيخ الانصاري(قدس سره) في بيع الوقف وذكر جملة من محققي المحشين لكتاب


1) ([1]) ابواب النيابة باب 2 .

2) ([2]) ابواب النيابة باب 3 .

3) ([3]) ابواب الوصايا باب 73 .

4) ([4]) ابواب الوصايا باب 61 .

5) ([5]) ابواب الوصايا باب 87 .

6) ([6]) ابواب وجوب الحج ب34 .

الوارث فلو لم يعمل المشروط عليه بما شرط عليه يجوز للوارث أن يفسخ المعاملة.(1)

المكاسب تخريج ذلك.

(1) تنقيح الحال في المسألة يتم بأمور:

الأول: قد اختلف في الشرط الضمني في العقود انّ مفاده تكليفي محض أو وضعي كذلك، والوضعي هل هو خصوص حق خيار الفسخ عند تخلّف الاداء أو في افادته أيضاً حقاً للمشروط له قابل للاسقاط.

وبعبارة أخرى: هو نوع من ملك الفعل فيضمن إلى غير ذلك من الأثار المترتبة على الحق المزبور. والصحيح هو الأخير كما هو حررناه في بحث الشروط بمقتضى اللام ومسلمية قابليته للاسقاط إلى غير ذلك من الأحكام والآثار.

الثاني: قد حرر في الشروط أيضاً انّ ملكية المشروط له للشرط لا تتوقف على كون منفعة الفعل عائدة إليه فلو شرط المشتري مثلاً على البائع خياطة ثوب شخص ثالث لكان مقتضى ملكية المشتري بسبب الاشتراط على البائع أن يخيط ثوب الشخص الثالث وليس مؤدى ذلك الشرط ملكية الشخص لخياطة ثوبه، وهذا نظير ما لو استأجر المستأجر الخياط لخياط ثوب شخص ثالث، وكذا ما لو نذر ناذر خياطة ثوب شخص أو تصدق عليه بشيء بنحو نذر الفعل.الثالث: بمقتضى الأمرين المتقدمين يتّضح جلياً شمول عموم ما ترك الميت فلوارثه لحق الشرط المتقدم فيما لو مات المشروط له فانّ وارثه يقوم مقامه، سواء كان متعلّق الشرط وهو الفعل نفعه راجع إلى الميت أو إلى شخص أجنبي، ومن ثم لو تخلّف المشروط عليه في أداء الشرط كان لهم حق خيار الفسخ، لما عرفت انّ ملكية شرط الفعل للمشروط له لا تتقوم بعود نفع المملوك له، كما هو الحال في ملك الأعيان فقد يملك الانسان عيناً لا ينتفع بها شخصياً سواى الصفة المالية بأن يتعاوض بها، وعلى ذلك فاذا تخلّف المشروط عليه في أداء الشرط يكون للورثة حق خيار الفسخ.

…

إذا اتضحت هذه الموارد الثلاثة يتّضح لك ضعف ما ذهب إليه الماتن فانّ اشتراط الميت لنفسه على المشروط عليه - الذي صالحه - بأن يحج عنه شرطاً يفيد حقاً وضعياً للميت يمكن له ان يتعاوض على اسقاطه أو يضمن المشروط عليه إذافوته ومن ثم ينتقل هذا الحق للورثة ولهم أن يسقطوه بالتعاوض عليه كما انّ لهم فسخ العقد فيما إذاتخلّف المشروط عليه عن أدائه.

وأما منع الورثة عن تملكه اما لدعوى انّ الشرط لا يفيد حقاً أو ملكاً أو لأن ملكهم للشرط الذي يعود نفعه للميت لغواً أو انصراف عموم ما ترك الميت فلوارثه عن هذا الحق، وكلاً من الأمور الثلاثة قد عرفت ضعفها فلا حاجة للتكرار، كما عرفت ضعف عدم ارث الورثة لحق خيار الفسخ بدعوى عدم عود النفع اليهم، وأما ما ذهب إليه الميرزا القمّي من اجراء حكم الوصية عليه فيتأمل فيه، من جهة انّ ملك الميت للفعل متفرع على الاشتراط أي أن اشترط للحج عنه بعد مماته فتتحقق ملكية الميت بينما الوصية هي تصرف فيما هو ملك أي ان التصرف وارد على الملك غاية الأمر ان التصرف معلّق على الموت، فمن ثم لا يكون الاشتراط المزبور وصية ويجوز للورثة اسقاطه والمعاوضة عليه وعدم انفاده، ولكن قد يدفع الاعتراض المزبور بأن الملك وان تفرع على الشرط والتصرف إلا انّه يفهم من ذلك ارادة الميت لصرف ذلك الملك والمال في الحج بعد مماته أي ان الايصاء والوصية ليست بالشرط والاشتراط بل ان الاشتراط كما هو موجب للملك موجب لتحقق الدلالة الالتزامية على الوصية ويكفي في الوصية تحققها بالأدلّة الالتزامية ولا يشكل الحال في تأخير الوصية رتباً عن الملك ولا يخلو هذا من قوّة.

هذا والمثال الصحيح لما يريده الماتن هو ما لو تصالح شخصان على شىء وشرط أحدهما على الآخر الحج عن ثالث بعد مماته، وكذا لو استأجر شخصاً آخر

(مسألة 11) لو أوصى بأن يحج عنه ماشياً أو حافياً صحّ واعتبر خروجه من الثلث إن كان ندبياً، وخروج الزائد عن أجرة الميقاتية عنه إن كان واجباً ولو نذر في حال حياته أن يحج ماشياً أو حافياً ولم يأت به حتى مات واوصى به أو لم يوص وجب الاستيجار عنه من أصل التركة كذلك، نعم لو كاننذره مقيّداً بالمشي ببدنه أمكن أن يقال بعدم وجوب الاستيجار عنه، لأن المنذور هو مشيه ببدنه فيسقط بموته، لأن مشي الأجير ليس ببدنه، ففرق بين كون المباشر قيداً في المأمور به أو مورداً.(1)

ان يحج عن ثالث بعد مماته، فإن ورثة الثالث ليس لهم في منع الحج عنه ولا المطالبة بالحج، وأما المثال الثاني الذي ذكره الماتن وهو ما إذاملكه داره بمائة بشرط أن يصرفها في الحج فهي أوضح اشكالاً من الصورة الأولى اذ الاشكال في كون الثمن في ذمّة الغير ملكاً له يرثها الوارث فيكون شرطه من قبيل الوصية.

وأما المثال الثالث الذي ذكره الماتن فهو كالمثال الأول ولعله أوضح في كونها وصية.

(1) قد تعرض الماتن لصور:

الأولى: الوصية بالحج ماشياً وحافياً وتصح وصيّته لما عرفت من رجحان المشي((1))والحفاء، غاية الامر إذاكان ندبياً يخرج من الثلث أما إذاكان واجباً فيخرج من الأصل والزائد على أجرة المثل يخرج من الثلث إلا انّه في المتن أضاف الزائد إلى أجرة الميقاتية والمفروض أن يضاف الزائد بلحاظ الحج راكباً وإن كان بلدياً فالزيادة لخصوص المشي والحفاء فتخرج من الثلث وأما كون وصف الحج بلدياً فيخرج من الأصل بناءاً على وجوب البلدي عن الميت.

الثانية: وقد فصل الماتن بين أن ينذر مطلقاً وبين أن يقيده ببدنه فحكم بسقوط


1) ([1]) سند العروة مسألة 28 من فصل نذر الحج.

(مسألة 12): إذاأوصى بحجتين أو أزيد، وقال انّها واجبة عليه صدّق وتخرج من اصل التركة، نعم لو كان اقراره بالوجوب عليه في مرض الموت وكان متّهماً في اقراره فالظاهر انه كالاقرار بالدين فيه في خروجه من الثلث إذا كان متّهماً على ما هو الاقوى.(1)

القضاء عنه في الثاني دون الأول فيقضى عنه مع وصف المشي. والصحيح هو قضاء الحج عنه مطلقاً لما تقدم في قضاء الحج النذري((1)) مضافاً إلى انّه لا فارق بين انشاء الحج على نفسه ماشياً بأن يسند الحجة والمشي إلى ضمير مستتر بنحو النسبة الحرفية او يصرح بتلك النسبة الحرفية بمعنى اسمي فإن في كلا الفرضين الحج مسنداً ومقيداً به نفسه.

وأمّا قضاءه بوصف المشي أو الحفي فهو مبني على أن مطلق النذر دين يجب قضاءه كبقية الديون. وأما بناءً على ان قضاء النذر على خلاف مقتضى القاعدة غاية ما ثبت بالروايات الخاصة قضاء الصوم المنذور والحج المنذور، ونذر الحج ماشياً يؤول إلى نذر كلاً من الحجوالمشي معاً فلا يجب قضاء إلا الأول دون الثاني لعدم الدليل، نعم لو كان نذره بالحج ماشياً بقصد الأعم من المباشري والتسببي لكان يجب عليه الوصية بالحج ماشياً وفاءً للنذر ولكن تخرج الزيادة على أصل الحج وهي خصوصية المشي من الثلث لا من أصل التركة على القول بعدم كونه ديناً.

(1) قد فصل الماتن في الاقرار بينما إذالم يكن في مرض الموت، وبينما إذاكان في مرض الموت، فحكم بنفوذ الاقرار في الأول مطلقاً، وفصل في الثاني بين ما إذاكان متهماً أولا، أما تفصيله في الثاني فيدلّ عليه الروايات الواردة الكثيرة في باب الوصية((2)). وأما الأول فيستدل له بعموم قاعدة اقرار العقلاء على أنفسهم جائز المقررة في محلها. ولكن ظاهر الروايات المزبورة وإن ذكر في بعضها مرض الموت،


1) ([2]) سند العروة مسألة 8 من فصل نذر الحج.

2) ([1]) ابواب الوصايا باب 16، وأبواب الاقرار باب 1 - 2 .

(مسألة 13): لو مات الوصي بعدما قبض من التركة اجرة الاستئجار وشك في أنه استأجر الحجّ قبل موته أو لا فإن مضت مدّة يمكن الاستيجار فيها فالظاهر حمل أمره على الصحّة مع كون الوجوب فورياً منه، ومع كونه موسّعاً اشكال، وان لم تمض مدّة يمكن الاستيجار فيها وجب الاستيجار من بقية التركة إذا كان الحج واجباً ومن بقيّة الثلث إذا كان مندوباً، وفي ضمانه لما قبض وعدمه لاحتمال تلفه عنده بلا ضمان وجهان، نعم لو كان المال المقبوض موجوداً أخذ حتى في الصورة الأولى، وان احتمل أن يكون استأجر من مال نفسه إذا كان ممّا يحتاج إلى بيعه وصرفه في الاجرة وتملّك ذلك المال بدلاً عمّا جعله أجرة لأصالة بقاء ذلك المال على ملك الميت.(1)

إلا انّ في العديد منها أخذ عنوان الاقرار بنحو الوصية، أو الوصية بالديون وهو أعم من كون المقر والموصي في مرض الموت أو غيره.

وبعبارة أخرى: تارة يكون ما ينشأه الحي اقرار بحت وأخرى ايصاء بديون ونحوها وإن كان لازمه الاقرار، بل قد يكون بلفظ الاقرار لكن ينشأ به الوصية العهدية وأنه عهد للورثة بأن يخرجوا من التركة المقر به فيكون وصية بالديون، وعلى هذا فالتفصيل يجب بين أن يكون متهماً في وصيته وبين ما إذاكان مرضياً، وتمام الكلام في باب الوصية.

ثم انّه لا يخفى أمثلة الاقرار بالحج الذي يخرج من أصل التركة كالاقرار بحجة الاسلام أو الحج النذري أو الحج الاستئجاري.

(1) تقدم في المسألة الأولى من هذا الفصل انّ هناك أصالة الصحّة لا بمعنى المفاد الاخلاقي، أي حسن الظن بالمسلم ولا بقاعدة التجاوز والفراغ الجارية في وصف العمل بعد احرازأصل العمل في الجملة حتى في قاعدة التجاوز، بل مستندها السيرة المتشرعية عند الشك في أصل العمل من البناء على وقوع العمل

…

بمقتضى ظاهر حال المسلم كما لو شوهدت جنازة ميت فانّه يبني على وقوع تجهيزها من المشيعين وغيرها من الواجبات الكفائية، كما في مشاهدة النجاسة في الحرم أو المسجد ورأى من يبادر لذلك فانّه يبني على وقوع العمل من دون أن يتوقف على حصول العمل الوجداني، وكما لو وكل شخصاً وأعطاه مالاً للنفقه على عياله مدّة سفره شهور عديدة إلى غير ذلك من موارد الاستنابة والتوكيل في الأمور الشخصية والواجبات التكليفية الفردية التي تتعلّق في ذمّة الشخص، كما لو حلّ دين مطالب به الدائن ووكل ان يسدده ويوصل المبلغ إليه مع فرض انقطاع الخبر بعد ذلك، فانّ في هذه الموارد وغيرها البالغ كثرةً لا يتوقف المتشرعة في البناء على وقوع العمل شريطة علمهم بتقيد الغير بالوظائف الشرعية في الظاهر وعدم كونه متهماً.

ودعوى انّ حسن الظاهر غير كونه مرضياً أو أميناً يوجب حصول الاطمئنان بحصول العمل غير ما نحن فيه من فرض الشك، ممنوع فانّ الاطمئنان وإن كان لا ريب فيه بحسب النوع، إلا انّ الاطمئنان النوعي لابد عند العقلاء والمتشرعة من تولّده من منشأ صحيح معتد به، وإلا فلا يعذر المتبع له بل يعدّ منه نحو تهجس وتخرّص.

والحاصل انّه لابد عندهم من اعتبار المنشأ والمفروض في ذلك المنشأ لا يولد علماً وجدانياً، بل اطمئناناً نوعياً والذي حقيقته ظن مسكون إليه عند النوع.

هذا وأصالة الصحّة المزبورة مقيدة بعدم كون الشخص متهماً أو ظهر منه تهاون، كما انّها مقيدة بغير الموارد المحتفة بالقرائن الموجبة للشك أو الظن بالخلاف من جهة القصور لا التقصير، والظاهر من أمثلة تلك القرائن بقاء العين ونحو ذلك، ثم انّه بمقتضى ما تقدم يظهر لك عدم الفرق بين الوجوب فورياً أو موسعاً مادام ترك العمل يعدّ تهاوناً بادائة،بخلاف ما إذالم يكن كذلك، وبخلاف مدة ما لو لم يمكن الاستئجار

(مسالة 14): إذا قبض الوصي الأجرة وتلف في يده بلا تقصير لم يكن ضامناً، ووجب الاستيجار من بقيّة التركة أو بقية الثلث، وإن أقتسمت على الورثة استرجع منهم، وإن شكّ في كون التلف عن تقصير أو لا فالظاهر عدم الضمان أيضاً، وكذا الحال إن استأجر ومات الأجير ولم يكن له تركة أو لم يمكن الأخذ من ورثته.(1)

فيها وبذلك اتّضح الحال في الصور التي ذكرها الماتن.

أما حكم الشك في ضمان الوصي فالأصل عدم موجب للضمان بعد كون يده يد أمانة، نعم قد يقال وظيفة وارث الوصي عند الشك في اتيانه لمورد الوصية بناءً على عدم جريان أصالةالصحّة هو لزوم اتيانه بالعمل أو دفع مقدار أجرة العمل للموصي ولكنه ضعيف لأن الواجب على الوصي لم يكن بنحو الدين الذي يشتغل به ذمّته مع انّه يحتمل تلف المال من دون تقصير.

وأما حكم المال إذاكان موجوداً فبأصالة بقائه على ملك الميت الموصي فيأخذه ورثة الموصي، لكن استشكل بعض المحشين فيما إذاكان الوصي حال حياته يتعامل مع ذلك المال معاملة الملك، ولعلّه لأمارية اليد على الملكية ولا يضر العلم بالمالك السابق مادام احتمال السبب الصحيح للناقل موجود، لاسيّما مع القول بجريان أصالة الصحّة في احراز العمل الذي تكفّل به الوصي.

(1) قد تعرض الماتن إلى مسائل:

أما عدم ضمان الوصي فلأن يده يد مأذونة مأمونة إلا أن يكون قد اشترط عليه الضمان في صورة عدم التفريط أيضاً.

وأما وجوب الاستئجار للحج ان كان واجباً فلأنه بحكم الدين لا تبرأ ذمّة الميت ولا ينقطع تعلّقه بالتركة إلا بالتسديد اذ هو من قبيل الكلي في المعين كما تقدم في بحث الاستطاعة.

وأما وجوب الاستئجار في مورد الوصية في الحج الندبي ثانيةً فلأن ظاهر الوصية

(مسألة 15): إذاأوصى بما عنده من المال للحجّ ندباً ولم يعلم أنه يخرج من الثلث أو لا لم يجز صرف جميعه، نعم لو ادّعى أن عند الورثة ضعف هذا أو أنه أوصى سابقاً بذلك والورثة أجازوا وصيّته ففي سماع دعواه وعدمه وجهان(1).

تعلّق غرض الميت بالحج نفسه فاذا تلف ما خصص للصرف في مورد الوصية تبقى الوصية بحالها فيلزم انفادها لأن المفروض انّ الميت أحق بماله من الورثة غاية الأمر ان تقدير الثلث ليس بحسب مقدار التركة قبل التلف بل بحسب ما تبقى من التركة لأن الوصية نسبة تعلّقها مع حق الارث بنحو الاشاعة فيرد التلف عليهما معاً وان كانت الوصية متقدمة ترتيباً على الارث في الاثار الاخر.

وظاهر تعبير الماتن (بقية الثلث) يوهم تعليق وجوب الاجارة في الحج الندبي مرّة أخرى على ما إذابقي من ثلث المقدار قبل التلف.

أما حكم الشك في الضمان فكما تقدم في المسالة السابقة الأصل عدم تحقق موجب للضمان .

(1) المراد من فرض المسألة انّه إذاأوصى بقدر من المال عنده بالحج ندباً ولم يعلم انّ ما عنده كل تركته فما أوصى به زائد على الثلث أو انّ له مالاً غيره ليكون ما أوصى به بقدر الثلث أو من الثلث.والصورة الثانية ان ينضم إلى ذلك دعوى الموصي بوجود مال ضعف الذي عنده في يد الورثة.

والصورة الثالثة هي ان ينضم إلى الشك دعوى الموصي بأجازة الورثة للوصية. أما حكم الصورة الأولى فلا يجوز العمل بالوصية مع الشك لاحتمال انّه يزيد على الثلث فلا يحرز موضوع وجوب أو صحّة الوصية.

وهل على الوصي لزوم التحري؟ قد يقال بالأول لاحتمال كونه بقدر الثلث فيكون الوصي قد عطّل الوصية، وبعبارة اخرى المقام يندرج في الفحص في الشبهات

…

الموضوعية والأقوى فيها لزوم الفحص في الموضوعات التي تتقوم بقدر محدد لا يعلم إلا بالفحص.

أما حكم الصورة الثانية: فهل تسمع دعواه أم لا؟ ظاهر بعض المحشين والشراح للمتن هو سماع دعواه لمطابقة قوله لقاعدة حجية قول ذي اليد بما في يده، نعم للورثة معارضة الدعوى بإقامة ما يثبت خلاف ذلك فيكون الموصي بمثابة المنكر. وظاهر بعض سماع دعواه بمعنى كونه بمثابة المدعي وللورثة انكار ذلك في مقابل عدم سماع دعواه من رأس.

والصحيح عدم جريان قاعدة ذي اليد بما في يده في المقام، لا لما قيل من اختصاص القاعدة المزبورة بالاقرار على نفسه وذلك لما حررناه في مباحث الطهارة من عدم اختصاصها بذلك أو اختلافها عن قاعدة الاقرار((1))، بل لعدم تحقق موضوعها فيما نحن فيه وذلك لأن الاخبار بكون ما عنده بقدر الثلث ليس اخباراً بوصف من أوصاف ما في يده ولا شأن من شؤونه، بل انّ هذا الاخبار والوصف متقوم بغير ما في يده أيضاً والمفروض عدم احراز غيره فكيف يفرض أن ذلك اخبار بما في يده، وكذلك الحال في الصورة الثالثة حيث انّ اجازة الورثة لا تحرز بالقاعدة المزبورة وليس موضوعاً ولا متعلقاً لها. وبعبارة اخرى انّ الحكم بنفوذ الوصية ليس موضوعه مجرّد المال الذي في يده، بل يتقوم الموضوع لذلك الوجوب ايضاً اما بوجود ضعف هذا المال أو باجازة الورثة، فلا يكون نفوذ الوصية من أحكام ما في يده الخاصة، نعم لو احرز وجود ضعف المال أو اجازة الورثة وشك في تحقق الوصية لكان قول ذي اليد نافذاً، ومورد القاعدة ما إذاكان مورد الشك في حكم ما في اليد منشأه راجع إلى امر تحت حيطة ذي اليد، فبمقتضى اخبريته بما تحت حيطته يسمع قوله فيه لا


1) ([1]) سند العروة، كتاب الطهارة ج2 / 251 .

(مسألة 16): من المعلوم انّ الطواف مستحب مستقلاً من غير أن يكون في ضمن الحجّ ويجوز النيابة فيه عن الميّت، وكذا عن الحيّ إذا كان غائباً عن مكّة أو حاضراً وكان معذوراً في الطواف نفسه، وأما مع كونه حاضراً وغير معذور فلاتصحّ النيابة عنه، أما سائر أفعال الحج فاستحبابها مستقلاً غير معلوم، حتى مثل السعي بين الصفا والمروة(1)

ما إذاكان شيئاً خارجاً عن حيطته فظهر انّ المتعين هو القول الثاني.

(1) ويدل على استحباب الطواف مستقلاً الروايات المستفيضة بل المتواترة((1)).

وأمّا النيابة في الطواف المندوب عن الميت والحي الغائب فقد دلّت عليه أيضاً نصوص عديدة((2)) بل يظهر منها اطلاق مشروعية النيابة في المندوب. وأما النيابة عن الحي الحاضر المعذور كالمغمى عليه وكالكسير والمبطون وغيرهم فانّه دلّت عليه نصوص عديدة أخرى((3)).

وما في بعضها من تقديم الطواف به على الطواف عنه فهو محمول على الواجب لمراعاة الأقرب للوظيفة الأولية في الابدال الاضطرارية، وأما الطواف عن الحي الحاضر الصحيح فيظهر التفصيل من عبارة المحقق في الشرائع حيث قال: ((ولا يجوز النيابة في الطواف الواجب للحاضر إلا مع العذر))

وكذا عبارات شراح الشرائع تخصيص عدم المشروعية بالطواف الواجب دون المندوب ونص جملة ممن في هذا العصر على عدم المشروعية في الندب أيضاً تمسكاً بالصحيح الى عبدالرحمن بن أبي نجران عمّن حدّثه عن أبي عبداللّه - عليه السلام -قال: ((قلت له الرجل يطوف عن الرجل وهما مقيمان بمكّة؟ قال: لا، ولكن يطوف عن الرجل وهو غائب عن مكّة قال: قلت: وكم مقدار الغيبة؟ قال: عشرة أميال))((4))، وصحيح اسماعيل بن


1) ([1]) ب73 ابواب الطواف وباب 79 و83 و38 و42 و17 و4 و9 و10 .

2) ([2]) ابواب النيابة ب18 و26 ابواب الطواف باب 51 .

3) ([3]) ابواب الطواف ب47 و49 .

4) ([4]) ب18 ابواب النيابة ح3 .

…

عبدالخالق قال: ((كنت إلى جنب ابي عبداللّه - عليه السلام - وعنده ابنة عبداللّه أو ابنه الذي يليه، فقال له رجل: أصلحك اللّه يطوف الرجل عن الرجل وهو مقيم بمكّة ليس به علّة؟ فقال: لا، لو كان ذلك يجوز لأمرت ابني فلاناً فطاف عنّي - سمّى الأصغر وهما يسمعان -))((1)).

وأطلق العلاّمة في القواعد عدم المشروعية عن الحاضر الصحيح من دون تقييده بوصف الواجب وتبعه في ذلك كشف اللثام، هذا ويمكن أن يقال: انّ الظاهر البدوي في الروايتين الاطلاق الشامل للواجب والمندوب، فيخصص الاطلاق الوارد في عموم النيابة في الطواف، إلا أن دعوى الانصراف للطواف الواجب غير بعيدة، وذلك لظهور العذر المأخوذ عدمه في الرواياتأو العلّة المأخوذة عدمها في العذرية عن إتيان الطواف الالزامي الواجب، مضافاً إلى انّ باب المندوبات الظهور العام فيها مبني على تعدد المطلوب عدا ما يكون مشتركاً من الشرائط بين المندوب والواجب من الأمور الوضعية التي لا تختص بالواجب .

أما السعي فظاهر قوله تعالى (انّ الصفا والمروة من شعائر اللّه فمن حجّ البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوّف بهما ومن تطوع خيراً فإنّ اللّه شاكر عليم)((2)).

مشروعية التطوع فيه وكذا بعض الروايات((3)) المبينة لثواب السعي، ويخدش في دلالة الروايات أنها سيقت لبيان ثواب أعمال الحج والعمرة لا في مقام الحث عليه مستقلاً، وسيأتي في بحث السعي كلام صاحب الحدائق(رحمه الله) من قوله انّه لم يذهب أحد من الأصحاب لذلك، وأمّا الأضحية التي ذكرها بعض الأعلام فالظاهر استحبابها النفسي للحاج وغيره كما في إضحاء أمير المؤمنين - عليه السلام - عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) بعد وفاته(صلى الله عليه وآله).


1) ([5]) ب51 ابواب الطواف ح1 .

2) ([1]) البقرة: 158 .

3) ([2]) ابواب السعي ب1.

(مسألة 17): لو كان عند شخص وديعة، ومات صاحبها وكان عليه حجّة الاسلام وعلم أو ظنّ أن الورثة لا يؤدّون عنه إن ردّها اليهم، جاز بل وجب عليه أن يحجّ بها عنه، وان زادت عن أجرة الحج ردّ الزيادة اليهم لصحيحة بريد عن رجل استودعني مالاً فهلك وليس لوارثه شيء ولم يحجّ حجّة الاسلام، قال - عليه السلام - حجّ عنه وما فضل فاعطهم، وهي وإن كانت مطلقة إلا أن الأصحاب قيّدوها بما إذا علم أو ظنّ بعدم تأديتهم لو دفعها اليهم، ومقتضى اطلاقها عدم الحاجة إلى الاستئذان من الحاكم الشرعي، ودعوى أن ذلك للإذن من الامام - عليه السلام - كماترى، لأن الظاهر من كلام الامام - عليه السلام - بيان الحكم الشرعي، ففي مورد الصحيحة لا حاجة إلى الإذن من الحاكم، والظاهر عدم الاختصاص بما إذا لم يكن للورثة شيء، وكذا عدم الاختصاص بحج الودعيّ بنفسه لانفهام الأعم من ذلك منها، وهل يلحق بحجة الاسلام غيرها من أقسام الحج الواجب أو غير الحج من سائر ما يجب عليه مثل الخمس والزكاة والمظالم والكفارات والدين أو لا؟ وكذا هل يلحق بالوديعة غيرها مثل العارية والعين المستأجرة والمغصوبة والدين في ذمّته أو لا؟ وجهان، قد يقال بالثاني، لأن الحكم على خلاف القاعدة إذا قلنا: انّ التركة مع الدين تنتقل إلى الوارث وإن كانوا مكلّفين بأداء الدين، ومحجورين عن التصرف قبله، بل وكذاعلى القول ببقائها معه على حكم مال الميّت لأن أمر الوفاء اليهم، فلعلّهم أرادوا الوفاء من غير هذا المال، أو أرادوا أن يباشروا العمل الذي على الميّت بأنفسهم، والأقوى مع العلم بأنّ الورثة لا يؤدّون بل مع الظن القويّ أيضاً جواز الصرف فيما عليه، لا لما ذكره في المستند من أنّ وفاء ما على الميّت من الدين أو نحوه واجب كفائيّ على كلّ من قدر على ذلك، وأولوية الورثة بالتركة انما هي مادامت موجودة، وأما إذا بادر أحد إلى صرف المال فيما عليه لا يبقى مال حتى تكون الورثة أولى به، اذ هذه الدعوى فاسدة جداً، بل لإمكان فهم المثال من الصحيحة، أو دعوى تنقيح

المناط، أو انّ المال إذا كان بحكم مال الميت فيجب صرفه عليه، ولا يجوز دفعه إلى من لا يصرفه عليه، بل وكذا على القول بالانتقال إلى الورثة، حيث انّه يجب صرفه في دينه، فمن باب الحسبة يجب على من عنده صرفه عليه، ويضمن لو دفعه إلى الوارث لتفويته على الميت، نعم يجب الاستيذان من الحاكم لأنه ولي من لا ولي له، ويكفي الاذن الاجمالي، فلا يحتاج إلى إثبات وجوب ذلك الواجب عليه، كما قد يتخيّل، نعم لو لم يعلم ولم يظنّ عدم تأدية الوارث لا يجب الدفع إليه بل لو كان الوارث منكراً أو ممتنعاً وأمكن اثبات ذلك عند الحاكم أو أمكن إجباره عليه لم يجز لمن عنده أن يصرفه بنفسه (1)

(1) لم يحك خلاف في أصل المسألة الذي هو مورد صحيحة بريد، وإن وقع الخلاف في التعدي عنها إلى الشقوق المماثلة، والصحيحة هي عن بريد العجلي عن أبي عبداللّه - عليه السلام - قال: ((سألته عن رجل استودعني مالاً وهلك وليس لولده شيء، ولم يحج حجّة الاسلام، قال: حجّ عنه وما فضل فاعطهم))((1)) وتنقيح الحال فيها برسم نقاط:

الأولى: انّ سند الرواية لا غبار عليه سواء كان أيّوب هو أيّوب الحر كما في طريق الصدوق أو هو أيوب بن عطيةوالظاهر انّه ابن الحرّ لرواية سويد عنه، ولا يحمل على غيرهما لإنصراف الاسم في أي طبقة للمشهور فيها صاحب الكتاب لا قليل أو نادر الرواية، وفي طريق الكليني أيّوب عن بريد، لكن في طريق الشيخ أيّوب عن حريز عن بريد، وفي طريق الصدوق أيّوب بن الحرّ عن بريد، وفي طريق ثاني للشيخ عن مروان بن مسلم عن حريز عن برير، وسواء كانت النسخة الأصلية بتوسط حريز أو بدونه فالسند صحيح.

الثانية: الظاهر اختصاص الرواية بمورد الريبة ومظنة عدم اقدام الوارث على أداء الحجّة فضلاً عن العلم بذلك وان زعم جماعة الاطلاق في الرواية وذلك لأن طرح


1) ([1]) الوسائل ب13 - ابواب النيابة، ان من اودع مالاً فمات صاحبه ح1 .

…

الراوي لهذا السؤال مع علمه بأن الوارث أولى بالميت دالّ على تردده واسترابته الناشئة من كون الوارث معدم المال فيظن من ذلك عدم اقدامه على أداء الحجة، وإلا يكون ذكره لفقر الوارث فضولاً من الكلام.ومقتضى ظاهر الرواية هو المظنة المعتد بها عقلائياً لا خصوص المعتبرة شرعاً.

الثالثة: في الحاجة إلى الاستئذان من الحاكم الشرعي، فقد يدّعى ذلك بتقريب أن أمره - عليه السلام - الراوي بالحج إذن منه له، ولكن ذلك مبني على حمل مورد الرواية على القضية الخارجية، مع انّ ظاهر فرض الراوي القضية الحقيقية. وقد يقرّب عدم الحاجة إلى الاذن بدعوى عدم دليل على ولاية الحاكم في ذلك. وفيه: انّ عموم ما ورد مستفيضاً انّ الامام وارث من لا وارث له بضميمة انّ أولى الناس بالميت وارثه، أو بتفسير الوراثة بالقيام مقام المورث في الملك أو الولاية لا خصوص ارث المال بل في القيام مقام الميت، مضافاً إلى انّ الأمور الحسبية القدر المتيقن في نفوذ التصرفات فيها والقيام بها هو فيما إذاكانت تحت نظر الحاكم الشرعي.

والصحيح حيث انّ مفاد الرواية ليس من باب التخصيص في ولاية الوارث بل من باب تزاحم حق الميت مع حق الوارث وتقدمه عليه كان مفاد الرواية حينئذ على مقتضى القاعدة معيناً وبياناً لكيفية أداء الودعي ما استؤمن عليه، فالاستئذان أحوط لمطابقته مقتضى القاعدة في الحسبيات، وإن كان تعيين طريق أداء الأمانة وبراءة ذمّة الودعي منها فيه شائبة تعبّد خاص.

الرابعة: قيّد جماعة مفاد الرواية بما إذالم يكن للورثة مال وكانوا في ضيق اقتصاراً على مورد الرواية بعد عدم كون مفادها من باب التخصيص بل من باب تزاحم الحقين كما عرفت.

وفيه: انّ ظاهر تقييد الراوي ((وليس لولده شيء)) هو لأجل بيان استرابته وسبب

…

المظنة بعدم أداء الوارث.

الخامسة: في التعدي عن مورد النص إلى بقية الديون الشرعية والعرفية، كالخمس والزكاة والمظالم والديون التي للناس، وكذا التعدي فيه للوصية كما لو أوصى الميت بثلثه وعلم أو ظن الودعي بعدم عمل الورثة بالوصية، وكذلك في التعدي عن الوديعة إلى مطلق من كان عنده مال للميت كعين خارجية أو كلي في الذمّة بسبب أي عقد من العقود أو الأسباب الأخرى.

فقد يقال بالعدم لأن الحكم على خلاف القاعدة الأولية من احقية الوارث لتركة الميت وشؤونه، وإن قلنا بأن التركة مع وجود الدين هي على ملك الميت فانّ عموم (أولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض) دال على انّ الوارث أولى بالميت وشؤونه، فليس الدليل على ولاية الوارث للميت خصوص ما ورد في تغسيل الميت والصلاة عليه، مع انّ الذي ورد فيهما يشير إلى عموم الآية.

هذا وظاهر الرواية العمومية في كلا الجهتين، حيث انّ ذكر الوديعة من باب المثال لوجود مال الميت بحوزة الشخص وذكر الوديعة بيان لطريق حصول مال الميت عنده.

وبعبارة أخرى: ان محط سؤال السائل عن وظيفته باتجاه مال الميت انّه هل يعطي للوارث، أو يصرف فيما على الميت من دين الحج، مع فرض الاسترابة في اداء الوارث لذلك، كما انّ ابتداء الراوي لفرض كون المال عند الغير ثم عطفه على ذلك كون الوارث معدماً، أي هو محلحاجة للمال ومظنة لإقدامه على أكل التركة من دون مراعاة اولوية تقديم الوصية والديون، التي على الميت، ثم عطفه بعد ذلك باشتغال ذمّة الميت بحجة الإسلام يفيد أن ذكره الاشتغال بها من باب المثال، اذ جعل صدر سؤاله ومحط كلامه عن وظيفته في مال الميت وتركته مع الخوف من أكل

…

الوارث لها وعدم أدائه لما على الميت، فلو كان في فرض السائل السؤال عن خصوصية الحج لصدّر كلامه به، كما انّ جوابه - عليه السلام - بمقتضى المطابقة مع فرض السائل - وكذا ذكره لردّ الفاضل - ظاهر في بيان حكم التركة من حيث هي باخراج ما على الميت أولاً ثم ردّ الفاضل إلى الورثة، لا انّ الحكم عن خصوصية الحج، مضافاً إلى ما ذكرناه أن مفاد الرواية ليس ما ذهب إليه جملة من كونه تخصيصاً في ولاية الوارث كي يقتصر في مخالفة القواعد الثابتة والمحكمة في الأبواب على القدر المتيقن وعدم تاتي المثالية ورفع الخصوصية حينئذ، بل المفاد من باب تزاحم حقّ الميت مع حق الورثة، والأول مقدم على الثاني، ومن الواضح أن التنافي بين الدليلين إذاأمكن فرضه من باب التزاحم فلا تصل النوبة إلى باب التعارض ولو غير المستقر (كالتقييد والتخصيص) وعلى ذلك فيتعدى إلى الوصية أيضاً إذالم يكن الميت قد قيّد بوصي خاص، نعم الأحوط كما ذكر الماتن انّه إن أمكن اثبات ما على الميت عند الحاكم، أو أمكن اجباره عليه لم يجز أن يصرفه الغير بنفسه لأنه كلّما أمكن الجمع بين الحقّين فهو أولى من مراعاة احدهما فقط، كما انّ الأحوط أيضاً في موارد التعدي الاستئذان من الحاكم لما ذكرناه في النقاط السابقة وان كان قد يشكل بأنه مع ولاية الوارث لا تصل النوبة إلى ولاية الحاكم.

وفيه: انّ ولاية الوارث قد يقال بسقوطها وعدمها في المقام لأنها مجعولة بقيد الغبطة والمصلحة للمولى عليه وهو الميت، بمعنى عدم ولاية الوارث على التركة في صورة فعل الامتناع، أو يقال بأن الحاكم ولي الممتنع كما هو المقرر في كتاب القضاء.

وقد يشكل أيضاً في التعدي إلى مال الميت الكلي في ذمّة المديون بأنه كيف يتعيّن من دون قبض ولي الميت وهو الوارث، بخلاف ما لو كان مال الميت عيناً خارجية.

(مسألة 18): يجوز للنائب بعد الفراغ عن الأعمال للمنوب عنه أن يطوف عن نفسه وعن غيره، وكذا يجوز له أن يأتي بالعمرة المفردة عن نفسه وعن غيره(1)

وفيه: انّه نظير باب ردّ المظالم حيث انّه يستفاد من الاذن المستكشف من كون الفعل حسبياً تعينه بقصد المديون أو عند الصرف في المصرف المأذون فيه، أو باذن الحاكم في القبض بعد فرضه ولياً.

السادسة: هل يجب على الغير صرف مال الميت في الحج وتصديه لاتيان الحج ولو تسبيباً؟حكي الوجوب عن المستند.

وقد يقال: انّ ظاهر الرواية هو الأمر في مورد الحضر حيث ان مقتضى القاعدة حضر تصرفات الغير في تركة الميت واختصاصها بالوارث.

وقد يقال: بأن ظاهر الأمر في الوجوب لا يرفع اليد عنه.

كما انّه قد يقال: حيث انّ المورد من الأمور الحسبية فهو واجب كفائي، والصحيح هو وجوب صرف المال فيما على الميت لا لما ذكر، اذ كون الأمر في مورد الحضر لا ينكر، والامور الحسبية على قسمين: واجب وترخيصي والجامع بينهما كون الغرض في مواردها راجحاً ومطلوباً، وجوده من الشارع على كل حال أعم من كونه الزامياً أو ندبياً، بل وجه الوجوب هو انّ ذمّة الغير لا تبرأ من عهدة مال الميت إلا بصرفه في المورد المأذون والمفروض ان اعطائه للوارث غير مأذون فيه لأنه تضييع لحق الميت وابقائه عنده موجب للتصرف في مال الغير من دون اذنه فبقي الصرف فيما على الميت هو المتعين في براءة ذمّته.

ومن ذلك يتّضح أن الحج عن الميت ليس واجباً على الودعي بل صرف المال في الحج هو الواجب لا كما توهمه جملة من العبائر.

(1) وذلك لأن مقتضى الاجارة متعلّق بالحج فقط أما ما قبل ذلك أو بعده مما قد

(مسألة 19): يجوز لمن اعطاه رجل مالاً لاستيجار الحج أن يحج بنفسه مالم يعلم أنه أراد الاستيجار من الغير، والأحوط عدم مباشرته إلا مع العلم بأنّ مراد المعطى حصول الحج في الخارج وإذا عيّن شخصاً تعيّن إلا إذا علم عدم أهليته، وأن المعطى مشتبه في تعيينه، أو انّ ذكره من باب أحد الأفراد.(1)

يأتي به النائب عن نفسه أو عن غير المنوب عنه فلا يكون متعلّق الاستحقاق الايجاري. نعم قد يدعى في مثل زماننا في اجارة الحج البلدي أنها بضميمة زيارة النبي(صلى الله عليه وآله)والمعصومين(عليهم السلام) في المدينة المنورة. ثم انّه لا مانع من اتيان الأجير عمرةً عن نفسه أو عن ثالث من دون فصل بشهر بعد تغاير من اوقعت العمرتين لهما، هذا وقد أشير في النصوص إلى ذلك كما في روايتي يحيى الازرق قال: ((قلت لأبي الحسن - عليه السلام - الرجل يحج عن الرجل، يصلح له أن يطوف عن أقاربه؟ فقال: إذاقضى مناسك الحج يصنع ما شاء))((1)).

(1) تارة يكون في كلام صاحب المال اطلاق أو تصريح يفيد انّ الغرض هو وقوع الحج النيابي كيف ما كان فلا ريب في جواز استئجار الآخذ لنفسه للحج النيابي.وأخرى يصرح المعطى بالتقييد بغير الآخذ أو بقيد يعلم عدم توفره في الآخذ فلا يسوغ له ايجار نفسه. أما إذاشك في ذلك ولم يعلم ان غرض المعطي هو مجرّد الحج النيابي أم لا فحكمه حكم الصورة الثانية لعدم احراز الاذن في ذلك.

وهذا التقسيم جار في الموارد الاخرى كاعطاء الخمس أو الصدقات أو التزويج وغيرها، وههنا صورة رابعة وهي ما إذاعلم ارادة المعطي الشمول للآخذ ولكن شك في التخصيص به أو العموم للاخرين فيتعين حينئذ ايقاع الاجارة لنفسه دون غيره لعدم احراز الاذن في ذلك.


1) ([1]) ب21 ابواب النيابة.

فصل في الحج المندوب

(مسألة 1): يستحب لفاقد الشرائط من البلوغ والاستطاعة وغيرهما أن يحجّ مهما أمكن، بل وكذا من أتى بوظيفته من الحج الواجب، ويستحبّ تكرار الحج، بل يستحب تكراره في كلّ سنة، بل يكره تركه خمس سنين متوالية، وفي بعض الاخبار من حجّ ثلاث حجّات لم يصبه فقر أبدا(1).

(مسألة 2): يستحب نيّة العود إلى الحج عند الخروج من مكّة، وفي الخبر إنها توجب الزيادة في العمر، ويكره نيّة عدم العود، وفيه أنها توجب النقص في العمر(2)

(مسألة 3): يستحب التبرّع بالحج عن الأقارب وغيرهم أحياءً وأمواتاً، وكذا عن المعصومين(عليهم السلام) أحياءً وأمواتاً وكذا يستحبّ الطواف عن الغير وعن المعصومين(عليهم السلام) أمواتاً وأحياءً مع عدم حضورهم في مكّة، أو كونهم معذورين(3)

(مسألة 4): يستحب لمن ليس له زاد وراحلة أن يستقرض ويحجّ إذا كان واثقاً بالوفاء بعد ذلك(4).

(1) قد ورد في الوسائل((1)) ما يدلّ على ذلك.

(2) قد ورد في الوسائل((2)) ما يدلّ على ذلك.

(3) قد ورد في الوسائل((3)) ما يدلّ على ذلك.

(4) قد ورد في الوسائل((4)) ما يدلّ على ذلك.


1) ([1]) ب45 و29 و49 ابواب وجوب الحج وباب 10 أحكام الدواب.

2) ([2]) ب45 و57 ابواب وجوب الحج.

3) ([3]) ب18 و39 ابواب النيابة .

4) ([4]) ب50 ابواب وجوب الحج .

(مسألة 5): يستحب احجاج من لا استطاعة له(1)

(مسألة 6): يجوز اعطاء الزكاة لمن لا يستطيع الحج ليحج بها(2).

(مسألة 7): الحج أفضل من الصدقة بنفقته(3).(مسألة 8): يستحب كثرة الانفاق في الحج، وفي بعض الأخبار انّ اللّه يبغض الإسراف إلا بالحج والعمرة(4).

(مسألة 9): يجوز الحج بالمال المشتبه كجوائز الظلمة مع عدم العلم بحرمتها(5).

(مسألة 10): لا يجوز الحج بالمال الحرام، لكن لا يبطل الحج إذا كان لباس إحرامه وطوافه وثمن هديه من حلال(6).

(1) قد أورد في الوسائل((1)) ما يدلّ على ذلك.

(2) للنصوص الواردة((2)) في ذلك وان كان بعضها في مورد الفقير إلا انّ عدّة منها مطلق وبعضها صريح في الصرف على الحج لا اقباضه.

(3) قد ورد في الوسائل((3)) ما يدلّ على ذلك.

(4) قد ورد في الوسائل((4)) ما يدلّ على ذلك.

(5) والمسألة معنونة في المكاسب المحرّمة وقد أورد صاحب الوسائل في تلك الأبواب ما يدل على ذلك((5)).

(6) تقدم الكلام في المسألة (70) من فصل الاستطاعة. نعم قد ذكر غير واحد من المحشّين في المقام انّه لو وقف في الموقفين في محل غصبي كبساط أو نعل أو مركوب وكذلك ما لو طاف وسعى بنعل غصبي أو مركوب غصبي ولكنه محل منع لأن الواجب في الموقف الكينونة في المشعرين وان لم يستند للارض، كما لو كان


1) ([1]) ب39 ابواب وجوب الحج .

2) ([2]) ب42 ابواب مستحقي الزكاة.

3) ([3]) ب42 ابواب وجوب الحج.

4) ([4]) ب55 ابواب وجوب الحج.

5) ([5]) ب52 ابواب وجوب الحج وأبواب ما يكتسب به باب 51 .

(مسألة 11): يشترط في الحج الندبي اذن الزوج والمولى بل الأبوين في بعض الصور، ويشترط أيضاً أن لا يكون عليه حجّ واجب مضيّق لكن لو عصى وحج صحّ(1).

(مسألة 12): يجوز اهداء ثواب الحج إلى الغير بعد الفراغ عنه، كما يجوز أن

معلقاً في الهواء بقدر يصدق عليه الكون في عرفة فليس حال الوقوف حال السجود في التقوم بالاعتماد على الارض، وكذا الحال في السعي فانّه الحركة بين الجبلين أو الموضعين وهو غير التصرف في النعال والمركوب اذ هما من مقولتين. نعم قد يستشكل فيه من جهة الالتزام أو التسبيب وقبح حيثية الايجاد الواحد لكلا المتعلقين، وهذا غير اتحاد المتعلّق لو تم.(1) أما اذن الزوج فقد تقدم ذلك في المسألة (79) من فصل الاستطاعة وأما اذن المولى فقد تقدم أيضا في المسألة الأولى من الفصل الثاني من شرائط وجوب الحج وأما اذن الأبوين فقد تقدم في مسألة(2) من الفصل الثاني من فصل شرائط وجوب الحج أيضاً. وأما خلو ذمّته من الحج الواجب المضيق فان كان في ذمّته حجة الاسلام فقد تقدم عدم تباين طبعية المندوب والواجب فلاحظ. وأما لو كان في ذمّته حجاً نذرياً فالظاهر كذلك يجزي المندوب عن المنذور بل متعلّق الثاني هو الأول وأما لو كان ما في ذمّته حج عقوبة فالظاهر أيضاً الاجتزاء لما عرفت من اتحاد طبعية الواجب والمندوب.

وأما لو كان ما في ذمّته حج استئجاري نيابي فلا يجتزي ما يأتي به عن نفسه عن الحج النيابي وان اوهمته بعض الروايات وتقدم الحال في دلالتها في بحث الاستطاعة.

ثم على فرض القول بعدم الاجتزاء في بقية الفروض يصح ما يأتي به ندبياً على نحو الترتيب أو التوفيق العقلي بعد اطلاق مشروعية المندوب في كل عام.

يكون ذلك من نيّته قبل الشروع فيه.(1).

(مسألة 13): يستحب لمن لا مال له يحجّ به أن يأتي به ولو بإجارة نفسه عن غيره، وفي بعض الأخبار انّ للأجير من الثواب تسعاً، وللمنوب عنه واحد(2).

(1) وقد دلّت عليه روايات((1)).

(2) وقد دلّت عليه روايات((2)).


1) ([1]) ب29 ابواب النيابة.

2) ([2]) ب1 ابواب النيابة.

فصل في أقسام العمرة

اشارة

(مسألة 1): تنقسم العمرة - كالحج - إلى واجب أصلي وعرضي ومندوب، تجب بأصل الشرع على كل مكلّف بالشرائط المعتبرة في الحج في العمر مرّة بالكتاب والسنّة والاجماع، ففي صحيحة زرارة، العمرة واجبة على الخلق بمنزلة الحج، فانّ الله تعالى يقول: وأتموا الحجّ والعمرة للّه. وفي صحيحة الفضيل في قول الله تعالى: وأتمّوا الحجّ والعمرة، قال - عليه السلام -: هما مفروضان. ووجوبها بعد تحقق الشرائط فوريّ كالحج، ولا يشترط في وجوبها استطاعة الحج، بل تكفي استطاعتها في وجوبها، وان لم تتحقق استطاعة الحج، كما انّ العكس كذلك، فلو استطاع للحج دونها وجب دونها، والقول باعتبار الاستطاعتين في وجوب كلّ منهما وأنهما مرتبطان ضعيف، كالقول باستقلال الحجّ، في الوجوب دون العمرة(1)

(1) وفي المقام جهات:

الجهة الأولى: وجوبها بلا خلاف كما عبّر بذلك في كثير من الكلمات، لكن حكي عن الشهيد في الدروس أنها لا تجب بدون الحج في من استطاعها بخلاف الحج إذااستطاع عليه دونها، وفصل الشهيد الثاني وكذا كاشف اللثام وكثير من متأخري هذا العصر بين القريب والنائي فأنكروا وجوب العمرة المستقل في النائي من رأس.

نعم تجب بوجوب الحج كعمرة التمتع، والتدبر في كلام كاشف اللثام يعطي انّه ينكر فورية وجوب العمرة في فرض توقع استطاعة الحج بخلاف ما إذاعلم بعدم استطاعة الحج.

…

وقال صاحب الجواهر انّه لم يجد للأصحاب كلاماً منقّحاً في التفصيل الثاني، ولكن مقتضى اطلاق كلامهم في فورية العمرة بمجرّد الاستطاعة عليها ولو في غير أشهر الحج يصحح نسبة القول بالوجوب المستقل في النائي لهم، وأما العامّة فقد حكى في مجمع البيان عن الشافعي في الجديد أنها مسنونة، وحكى في كنز العرفان عن ابي حنيفة ومالك ذهابهما إلى انّها مسنونة أيضاً. وكذا النخعي.

وتنقيح الحال في المقام بذكر ما يدل على عموم وجوبها:أولاً: قوله تعالى (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْىِ وَلاَ تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْىُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذىً مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَام أَوْ صَدَقَة أَوْ نُسُك فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْىِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَ-ثَةِ أَيَّام فِى الْحَجِّ وَسَبْعَة إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَ لِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ )((1)) وعن مصحف ابن مسعود ((وأتموا الحج والعمرة إلى البيت لله)) وروى عنه ((وأقيموا الحج والعمرة إلى البيت)) بتقريب ان الأمر فيها بأداء الحج والعمرة........لا ما ينسبق إلى الذهن أولاً من كونها في صدد ايجاب الاتمام بعد الشروع نظير قوله تعالى في الصيام (ولتكملوا العدّة لله...)((2)) وقوله تعالى في عدّة الطلاق (يَ-أَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا طَ-لَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَطَ-لِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَ أَحْصُوا الْعِدَّةَ)((3)) ونظير قوله تعالى (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الليْلِ) أي ائتوا بالصيام. مضافاً إلىوجود اللام في (للّه) مفيدة للملكية، نظير آية الاستطاعة، ويعضد هذا التقريب ما دلّت عليه الروايات الصحيحة من أن نزول صدر الآية انّما هو في المدينة كصحيحة معاوية بن عمار((4)) عن ابي عبداللّه في حديث ((..لأن الله عزّ وجل


1) ([1]) البقرة 159 .

2) ([2]) البقرة: 185 .

3) ([3]) الطلاق: 1 .

4) ([4]) ابواب وجوب الحج ب 1 ح 5 .

…

يقول (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) وإنما انزلت العمرة بالمدينة)) كما انّه في صحيحة عمر بن اذينة تفسير اتمامها قال - عليه السلام -:

((يعني بتمامهما اداءهما، واتقاء ما يتقي المحرم فيهما))((1)) وسيأتي في ظاهر الروايات ان تشريع عمرة التمتع يجتزء بها عن العمرة المفردة فليس ذيل الآية الذي نزل في حجّة الوداع بعد ذلك مخصص أو ناسخ لوجوب العمرة المفردة في النائي بل غاية الأمر انّ النائي إذاوجب عليه الفرضان يأتي بهما بنحو التمتع، وسيأتي تتمّة لذلك.

ثانياً: قوله تعالى (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً) بتقريب انّ الحج يعمّ كل من الحج والعمرة، بقرينة قوله تعالى (وَ أَذَنٌ مِّنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الاَْكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِىءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَ رَسُولُهُ)((2))، وفي صحيح معاوية بن عمار قال: ((سألت ابا عبداللّه - عليه السلام - عن يوم الحج الأكبر؟ قال: هو يوم النحر، والأصغر هوالعمرة))((3))وفي تفسير العيّاشي عن عمر بن أذينة عن زرارة عن أبي عبداللّه - عليه السلام - قال: ((الحج الأكبر الوقوف بعرفة ورمي الجمار بمنى، والحج الأصغر العمرة))((4)) بل هي مسندة صحيحة في الكافي. فيشترط في كل من الفرضين الاستطاعة، ويعضد هذا الظهور ما في الصحاح الآتية المفسّرة لآية الاستطاعة بكل منهما. ومنه يظهر دلالة قوله تعالى (وَ أَذِّن فِى النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَ عَلَى كُلِّ ضَامِر يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجّ عَمِيق)((5)).

ثالثاً: الروايات وهي على طوائف:

الأولى: ما دلّت على أصل افتراض العمرة كما في معتبرة الفضل أبي العبّاس عن أبي عبداللّه - عليه السلام - في قول اللّه عزّوجل (وأتموا الحج والعمرة للّه) قال: ((هما


1) ([5]) ابواب وجوب الحج ب 1 ح 2 .

2) ([6]) التوبة: 3 .

3) ([1]) ابواب العمرة ب 1 ح4 .

4) ([2]) ابواب العمرة ب 1 ح 11 .

5) ([3]) الحج / 28 .

…

مفروضان))((1)). وصحيح زرارة عن ابي جعفر - عليه السلام - في حديث العمرة واجبة على الخلق بمنزلة الحج لأن اللّه تعالى يقول (وأتموا الحج والعمرة للّه) وانّما نزلت العمرة بالمدينة، وأفضل العمرة عمرة رجب، وقال: ((المفرد للعمرة ان اعتمر ثم أقام للحج بمكّة كان عمرته تامّة وحجّته ناقصة مكيّة))((2)).

وفي صحيح عمر بن أذينة قال: ((سألت ابا عبداللّه - عليه السلام - عن قول الله عزّوجل (ولله على الناس حجّ البيت من استطاع إليه سبيلا) يعني به الحج دون العمرة؟ قال: لا، ولكنه يعني الحج والعمرة جميعاً لأنهما مفروضان))((3)) وصحيح معاوية بن عمار عن ابي عبداللّه - عليه السلام - قال: ((العمرة واجبة على الخلق بمنزلة الحج على من استطاع (إليه سبيلا) فإن اللّه عزّوجل يقول (وأتموا الحج والعمرة للّه)))((4)) وانّما انزلت العمرة بالمدينة((5)).

والمستفاد من هذه الطائفة نظير ما تقدم في الآيات من افتراض كل من الحج والعمرة بوجوب مستقل مأخوذ في موضوع كل من الوجوبين الاستطاعة، وهو باطلاقه يعمّ القريب والنائي.الثانية: ما دلّ على الاجتزاء بعمرة التمتع عن العمرة الواجبة، مثل ذيل صحيحة معاوية بن عمّار المتقدمة قال: ((قلت له: فمن تمتع بالعمرة إلى الحج ايجزي ذلك عنه؟ قال: نعم)) وفي صحيح الحلبي ((إذااستمتع الرجل بالعمرة فقد قضى ما عليه من فريضة العمرة))((6))ومصحح أحمد بن محمد بن ابي نصر قال: ((سألت أبا الحسن عن العمرة أواجبة هي قال: نعم، قلت: فمن تمتع جزى عنه قال نعم))((7)). وفي صحيح يعقوب بن شعيب قال: ((قلت لأبي عبداللّه - عليه السلام -: قول اللّه عزّوجل (وأتموا الحج والعمرة للّه) يكفي الرجل إذااستمتع


1) ([4]) ابواب العمرة ب1 ح1 .

2) ([5]) ابواب العمرة ب1 ح2 .

3) ([6]) ابواب العمرة ب1 ح7 .

4) ([7]) ابواب العمرة ب 1 ح8 .

5) ([8]) ابواب وجوب الحج ب 1 ح5 .

6) ([1]) ابواب العمرة ب5 ح1 .

7) ([2]) الباب المتقدم ح3 .

…

بالعمرة إلى الحج مكان تلك العمرة المفردة؟ قال: كذلك أمر رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) أصحابه))((1)) يظهر من تقريره - عليه السلام - للراوي أن وجوب العمرة مستقل غاية الأمر انّ المتعة نحو اداء لها. وفي صحيح نجية عن أبي جعفر - عليه السلام - قال: ((إذادخل المعتمر مكّة غير متمتع فطاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة وصلى الركعتين خلف مقام ابراهيم - عليه السلام - فليلحق بأهله إن شاء، وقال: انما انزلت العمرة المفردة والمتعة لأن المتعة دخلت في الحج ولم تدخل العمرة المفردة في الحج))((2)). ومفاد هذه الصحيحة انّ كلاً من العمرة المفردة والمتعة نزل بها الكتاب الكريم وهو اشارة إلى الآية الأولى التي تقدمت. ومقتضى ذلك انّ العمرة المفروضة في الأصل وجوبها مستقل عن وجوب الحج، وهو يقتضي تعلّق ذلك الوجوب بطبيعي العمرة. غاية الأمر انّ عمرة التمتع أحد فردي العمرة الذي شرّع في الحج وأنها مرتبطة في الصحة بأداء الحج، وفي تفسير العيّاشي عن زرارة عن أبي جعفر - عليه السلام -قال: ((ان العمرة واجبة بمنزلة الحج لأن اللّه يقول: (وأتمو الحج والعمرة للّه) ما ذلك؟ هي واجبة مثل الحج ومن تمتّع أجزائته، والعمرة في أشهر الحج متعة))((3)) ومفادها عين مفاد مصححة نجية، وتزيد عليها بمطابقة دلالتها للآية الأولى التي تقدمت في الاستدلال من انّ مفادها انّ العمرة واجبة في الأصل بوجوب مستقل فاذا أديت في غير أشهر الحج فهي مفردة وان أديت في أشهر الحج من النائي فلابد من أن يوقعها متعة.

ويشير إلى هذا التفصيل ذيل رواية زرارة وعدّة صحاح أخر دالّة على أن من يريد العمرة والحج في أشهر الحج فلابد من أن يوقعهما بنحو التمتع المحمولة على ثبوت الوجوب المفروغ عنه منهما مثل ما في صحيح معاوية بن عمّار في حديث قال: ((قال


1) ([3]) الباب المتقدم ح4 .

2) ([4]) الباب المتقدم ح5 .

3) ([5]) أبواب العمرة باب 5 ح8 .

…

أبي عبداللّه - عليه السلام -ولابأس بالعمرة في ذي الحجة لمن لا يريد الحج))((1)).

وفي صحيح آخر ليعقوب بن شعيب قال: ((سألت أبا عبداللّه - عليه السلام - عن المعتمر في أشهر الحج قال: هي متعة))((2)).

وفي رواية علي بن حمزة البطائني قال: ((سأله أبو بصير وأنا حاضر عن من أهل بالعمرة في أشهر الحج له أن يرجع قال: ليس في أشهر الحج عمرة يرجع منها إلى أهله ولكنه يحتبس بمكة حتى يقضي حجه لأنه انّما أحرم لذلك))((3)). وفي الصحيح إلى موسى بن القاسم قال: ((أخبرني بعض أصحابنا أنه سأل ابا جعفر - عليه السلام - في عشر من شوال أني أريد أن أفرد عمرة هذا الشهر فقال: أنت مرتهن بالحج))((4)) وهاتان الروايتان محمولتان على من وجب عليه النسكان.

ومحصل الأدلّة المتقدمة عموم افتراضها على القريب والنائي غاية الأمر انّ الثاني إذااستطاع إلى الحج أيضاً فعليه الإتيان بهما بصورة حج التمتع.

هذا وقد استدلّ لعدم وجوب العمرة مستقلاً عن وجوب الحج في الفرض الثاني بوجوه:

الأول: سيرة المتشرعة على عدم لزومها منفردةً عن الحج فيما لو استطاع لها فقط، ويعضده عدم الورود في الروايات بلزوم الوصية بالعمرة أو قضائها عن الميت فيما لو استطاع اليها منفردةً. فلم تتعرض روايات نيابة الصرورة لغير المستطيع للحج إلى لزوم اتيانه للعمرة المفردة بعد قضائه لنسك النيابة.

وفيه: انّ السير إلى مكّة حيث انّه شاق على النائي فالغالب عند الناس في القرون المتطاولة إلى ما قبل نصف قرن تقريبا هو توظيف هذه الاستطاعة إلى كل من الحج


1) ([1]) أبواب العمرة باب 7 ح2 .

2) ([2]) الباب المتقدم ح4 .

3) ([3]) الباب المتقدم ح7 .

4) ([4]) الباب المتقدم ح8 .

…

والعمرة حتى انّ الكثير يمكث أشهر في الحرمين كما هي العادة في سير القوافل من البلدان النائية هو ذلك. وأما عدم تعرض الروايات لذلك فيكفي في وجود التعرض الروايات المتقدمة الموجبة له، بل في رواية يحيى الازرق قال: ((قلت لأبي الحسن - عليه السلام -الرجل يحج عن الرجل يصلح له أن يطوف عن أقاربه فقال: إذا قضى المناسك فليصنع ما يشاء)) وفي روايته الأخرى عن أبي عبداللّه - عليه السلام - ((من حجّ عن انسان اشتركا حتى إذاقضى طوافالفريضة انقطعت الشركة، فما كان بعد ذلك من عمل كان لذلك الحاج))((1)) احتمال الاشارة لذلك، هذا مع انّ الذي يلزم عليه الوصيّة بالمتعة أو قضاء الورثة عنه من تركته يتعيّن عليه في ذمّته كليهما لأن الاستطاعة المالية للعمرة بعينها كافية للاستطاعة المالية للحج فيتعيّن عليه كليهما وجوباً استنابياً، وهذا بخلاف المباشري فانّه يتصور فيه الاختلاف بحسب الاستطاعة الزمانية، ومن ثم اختصت الاشارة في الروايات إلى الايصاء بالحج.

الثاني: انّ ما دلّ على انّ فرض النائي هو التمتع دالّ على نفي وجوب العمرة المفردة عليه، وإلا للزم ايجاب عمرتين عليه وهو كماترى، أو كون عمرة التمتع وجوبها غيري لصحّة حجه ونفسي لأداء المفروضة بها وهو أيضاً بعيد عن المستفاد من الأدلّة. ومما دلّ على انّ فرض الثاني هو التمتع صحيح الحلبي عن أبي عبداللّه - عليه السلام -، قال: ((دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة لأن اللّه تعالى يقول (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فمااستيسر من الهدي) فليس لأحد إلا أن يتمتع لأن اللّه انزل ذلك في كتابه وجرت به السنّة من رسول اللّه(صلى الله عليه وآله)))((2)).

وفي صحيح آخر للحلبي عن ابي عبداللّه - عليه السلام - حيث ذكر - عليه السلام - فيه نزول تشريع متعة الحج وان الأمر بها للابد، وقال - عليه السلام -: ((إذااستمتع الرجل بالعمرة فقد قضى ما عليه من فريضة


1) ([1]) أبواب النيابة باب 21 ح2 .

2) ([2]) ابواب أقسام الحج باب 3 ح2 .

…

المتعة، وقال ابن عباس: دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة)) وكذا العديد من الصحاح((1))التي مفادها انّهم - عليه السلام - أخذو بالمتعة أخذاً بكتاب اللّه وان القوم قد عملو بغير ذلك أخذاً برأيهم وأهوائهم، وهي تفيد تعين التمتع على النائي، بل انّ صحيح الحلبي المتقدم وابن أبي نصر البزنطي وصحيح معاوية((2)) وكذا رواية أبي بصير عن أبي عبداللّه - عليه السلام - قال: ((العمرة مفروضة مثل الحج فاذا ادى المتعة فقد أدّى العمرة المفروضة))((3))وهي عين لسان الصحاح المتقدمة في بيان انّ العمرة المفترضة على النائي هي المتعة.

وفيه: انّ غاية دلالة ما دلّ على افتراض التمتع على النائي وتعينه عليه وهو فيمن استطاع الحج لا فيمن لم يستطع للحج، مع انّ دلالتها في المستطيع للحج لا يخصص كما لم ينسخ الاطلاقات الدالّة على وجوب العمرة لأنها كما تقدم، وان دلّت على وجوبها بوجوب مستقل إلاأنها من حيث المتعلّق دالّة على لزوم طبيعي العمرة الشامل للمفردة والمتعة لا خصوص المفردة لكي يتمحّل التخصيص أو النسخ كما يظهر من الشهيد الثاني فيما استظهره من كلامه صاحب الجواهر. فالعموم الفوقاني لوجوب العمرة المستقل على حاله حتى للمستطيع للحج، غاية الأمر انّ ما دلّ على تعين التمتع عليه - في نائي - انّما هو بيان لكيفية أداء الواجب من العمرة في فرض استطاعته للحج فلا يصح للمستطيع للحج النائي ان يأتي بغير التمتع وهذا هو مفاد صحيحي الحلبي المتقدمين فليس له أن لا يتمتع بأن يأتي بعمرة مفردة وحج افراد، وهو معنى افتراض المتعة عليه ودخولها إلى الابد في الحج لاسيّما وأن


1) ([3]) ابواب أقسام الحج باب3 .

2) ([4]) تقدمت هذه الروايات في الطائفة الثانية من الروايات التي استدلّ بها على وجوب العمرة.

3) ([5]) ابواب العمرة باب 5 ح6 .

…

الغالب تلازم تحقق الاستطاعتين لكل منهما في النائي، وأما الصحاح الثلاث ورواية أبي بصير فظاهرها عين صحيح يعقوب بن شعيب المتقدم من كون عمرة التمتع يجتزأ بها في أدنى العمرة المفروضة وإلا لما كان للتفريع والاجتزاء معنىً محصل، وإلا لكان من تفرع الشيء على نفسه نعم تعبيرهم بالاجتزاء وان أوهم الرخصة وعدم عزيمة خصوص المتعة، ومن ثم قد يقال بأن هذا التعبير محمول على التقيّة الموافق لمسلك العامّة من أن العمرة الواجبة هي المفردة إلا انّ الصحيح أن التعبير المزبور هو بلحاظ الأمر في الآية باتمام كل من الحج والعمرة على حدة الظاهر في الافراد، وقد ذكرت الآية في تلك الروايات دفعاً لذلك التوهم مع انّ جملة من العامّة كما تقدم لا يذهبون إلىوجوب العمرة من رأس، كما انّ بعضهم قال بمشروعية المتعة، وعلى أية حال فلا ريب في كون المراد عزيمة غاية الأمر انّه في من استطاع الحج فيبقى العموم الفوقاني على حاله.

وأما الاشكال بلزوم عمرتين عليه فيما لو استطاع للعمرة قبل الحج. ففيه: انّه سيأتي في بحث الفورية أنها غير ثابتة بنحو تمانع التأخير إلى موسم الحج في من يحتمل بقاء استطاعته إلى الموسم، وإلى ذلك يشير كاشف اللثام فيما ذهب إليه أي ان الاستطاعة المالية للعمرة كافية للحج لاسيّما عند من يبني على أن وجوب الحج يكون فعلياً بمجرّد الاستطاعة المالية وإن لم يكن في الموسم. وأما لو فرض استطاعته لمجرّد العمرة كما في النائب بعد تمام نسك النيابة، أو في من تيقن المانع عن الحج في الموسم مع اقتداره قبله على العمرة فأتى بها ثم تجددت استطاعته للحج فظاهر صحيحة زرارة قال: ((قلت لأبي جعفر - عليه السلام -: الذي يلي الحج في الفضل قال: العمرة المفردة ثم يذهب حيث يشاء، وقال: العمرة واجبة على الخلق بمنزلة الحج لأن اللّه تعالى يقول: (وأتموا الحج والعمرة للّه) وانّما نزلت العمرة بالمدينة فأفضل العمرة عمرة

…

رجب، وقال: المفرد للعمرة إن اعتمر في رجب ثم أقام للحج بمكة كانت عمرته تامّة وحجّته ناقصة مكية))((1)) والمراد من كون حجّته ناقصة مكية انّه يحرم من أدنى الحل وانهاحجّة افراد، وقد ورد التعبير بالنقص والتمام وارادة ذلك به كما في صحيح معاوية بن عمّار قال: ((قلت لأبي عبداللّه - عليه السلام - ونحن بالمدينة: انّي اعتمرت في رجب وأنا أريد الحج فأسوق الهدي أو أفرد أو أتمتع؟ قال: في كل فضل وكلٌ حسن، قلت: فأي ذلك أفضل؟ فقال: إن علياً - عليه السلام -كان يقول لكل شهر عمرة تمتع فهو واللّه أفضل، ثم قال: إن أهل مكة يقولون إن عمرته عراقية وحجّته مكية، وكذبوا أوليس هو مرتبط بحجة لا يخرج حتى يقضيه))((2)) وانّما اطلقوا على عمرته عراقية لبيان تماميتها بالاحرام من بعد، وأطلقوا على حجته مكية لبيان نقصها بالاحرام من قرب، فبين - عليه السلام - أن في حج التمتع لا نقص لأن إنشاءه للنسك كان من بعد، فاذا أنشأ من بعد عمرة التمتع فقد أوجب على نفسه حج التمتع لارتباطها. فيتبيّن من ذلك أن مراده - عليه السلام - في صحيح زرارة من افراده للعمرة وكون حجّته ناقصة هو كون حجّه افراد واحرامه من أدنى الحل ونظير صحيح زرارة صحيح ابراهيم ابن عمر اليماني عن أبي عبداللّه - عليه السلام - أنه سئل عن رجل خرج في أشهر الحج معتمراً ثم خرج إلى بلاده. قال: ((لابأس وإن حج من ]في[ عامه ذلك وأفرد الحج فليس عليه دم، وإن الحسين بن علي - عليه السلام - خرج يوم التروية إلى العراق وكان معتمراً))((3))، نعم في مصحح علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر - عليه السلام - قال: ((سألته عن رجل اعتمر في رجب ورجع إلى أهله هل يصلح له إن هو حج أن يتمتع بالعمرة إلى الحج؟ قال: لا يعدل بذلك))((4))، وفي صحيح البزنطي قال: ((قلت لأبي الحسن - عليه السلام - كيف صنعت في عامك فقال اعتمرت في رجب ودخلت


1) ([1]) الوسائل أبواب العمرة ب 3 ح2 - التهذيب ج5 ص433.

2) ([2]) أبواب أقسام الحج ب 4 ح18 .

3) ([3]) أبواب العمرة ب7 ح2 .

4) ([4]) أبواب أقسام الحج ب 4 ح13 .

…

متمتعاً وكذلك افعل إذا اعتمرت))((1)) والصحيح حمل صحيح زرارة واليماني على الحج الندبي دون الواجب لأنه في الصحيح الثاني قد فرض الراوي دخوله في أشهر الحج للعمرة المفردة، وهو في النائي لا يجوز إلا متمتعاً لو كان فريضة للروايات المستفيضة في ذلك. مضافاً إلى أن الصحيحتين الاخيرتين قرينة على كون الترديد بين التمتع والافراد هو في الندب فلا وجه لرفع اليد عن المستفيضة أو المتواترة ((فليس لاحد إلا أن يتمتع)) ، وأن التمتع هو عمل بالكتاب فيما هو الفرض على النائي وأن الافراد في الحج أو القران عمل بالرأي والاهواء في حج الفريضة للنائي، وحينئذ فغاية الأمر أن ما يأتي به من عمرة التمتع بعد فرض ادائه للعمرة المفروضة عليه لا تكون واجبة نفساً وانّما هي واجبة غيرية لأجل صحّة الحج الواجب.

الثالث: دعوى أن اطلاقات وجوب فريضة العمرة انّما هي واردة لأصل التشريع للوجوب ولا اطلاق فيها لبيان المتعلّق بعد كونه حقيقة شرعية، وعلى ذلك تكون مجملة من ناحية المتعلّق، فلا يستفاد منها ما هو الواجب انّه عمرة افراد وتمتع أو خصوص التمتع، ففي فرض المقام وهو ما لو استطاع لخصوص العمرة لا يمكن استفادة الوجوب من تلك الاطلاقات فتصل النوبة إلى الأصل العملي وهو البراءة.

وفيه: انّ الروايات الواردة لبيان ماهية العمرة رافعة لذلك الاجمال، كما أن اطلاق الوجوب مقتضاه استقلالية وجوب العمرة عن وجوب الحج ولا يضرّ به اجمال المتعلّق لو سلّم، وتعيّن المتعة للنائي المستطيع للحج لا يعني كون وجوب العمرة والحج في حقه مجموعي وإن كان متعلّق الوجوبين ارتباطي، نظير صلاة الظهرين وصلاة العشائين، ونظير اشتراط صحّة صلاة العيد باخراج زكاة الفطرة على قول، ونظير صحّة صوم المندوب بأداء الصوم الواجب، إلى غير ذلك من الأمثلة. ومن ثم


1) ([5]) الباب المتقدم ح12 .

…

يتجّه أن عمرة التمتع واجبة نفساً من حيث هي عمرة، وغيرياً من حيث هي متعة.

هذا كله في وجوب العمرة على النائي فيما لو استطاع اليها وحدها، ولابد من التنبه إلى أن في غالب فروض الاستطاعة للعمرة هو استطاعة للحج أيضاً لاسيّما في الاستطاعة المالية المنفردة عن البدنية المحققة لوجوب الاستنابة.

وأما ما ذهب إليه الشهيد الأول من منع وجوبها حتى في المفرد القريب، فقد يستدل له بأن ظاهر ما ورد من تشريع الافراد له قد ذكر فيه الاتيان بالعمرة بعد اتمامه، ومن ذلك استفاد المشهور - كما نسب اليهم العلاّمة الطباطبائي وصاحب الرياض الاتفاق على ذلك - شريطة تأخر عمرة الافراد عن حجه في صحة تلك العمرة، بخلاف حج الإفراد لم يشترط فيه تعقب العمرة له كما هو الحال في صلاتي الظهر والعصر فلا يشترط في صحة الظهر تعقب العصر لها، ولعله وجه تفصيل الشهيد، فهو منشأ لانصراف اطلاقات وجوبها لذلك ولعدم صحتها بدون الحج، ولكن لا يخفى ضعفه اذ هو لا يصلح منشأ للانصراف بعدما عرفت من وضوح الاطلاقات.

الجهة الثانية: في فورية العمرة قال في كشف اللثام ((انّ المراد بالفورية انّما هي المبادرة بها في وقتها ووقت المتمتع بها أشهر الحج، ووقت المفردة لمن يجب عليه حج الافراد أو القران بعد الحج، ولا تجب عمرتان أصالة حتى تجب المبادرة اليها أول الاستطاعة لها إلا إذالم يستطع إلالها، فإن ذلك أول وقتها، ولا تستقر في الذمّة إذااستطاع لها وللحج إذاأخرها إلى الحج أو أشهره فزالت الاستطاعة)).

ومؤدى كلامه انّ كلاً من النائي والقريب إذااستطاعا لها فلا تجب العمرة فوراً لاشتراط معيتها بالحج في صحتها، غاية الامر في النائي يأتي بالعمرة في الموسم متمتعاً بها إلى الحج، وفي القريب الحاضر يأتي بها بعد الحج كما هو منسوب

…

إلى الشهرة والاتفاق بينهم، وقد تنظّر صاحب الجواهر في ذلك وفي تمامية الاجماع عليه بالنسبة إلى القريب ومنع وجود دليل عليه، وقال: انّ ظاهر الأدلّة خلافه. وسيأتي انّ ذلك هو مقتضى الشهرة المحققة إن لم يكن اجماع، وان هناك وجه يقرّب ذلك، وعلى الاشتراط فيجب اتيان العمرة مع الحج على التفصيل المتقدم، ولا يصح اتيانها في أول وقت الاستطاعة، هذا في من تحققت لديه استطاعة كل منهما، وأما من تحققت لديه استطاعة العمرة دون الحج فلا تشمله أدلّة اشتراط العمرة بالحج سواء في النائي والحاضر، اذ وجوب العمرة كما تقدم لم يقيد بالاستطاعة على الحج، بل غاية الامر أن العمرة قيدت بالحج في فرض تحقق الاستطاعة لهما معاً كقيد واجب في ذلك الفرض، فما افاده كاشف اللثام من التفصيل متين. وأما ما ذكره من عدم استقرار العمرة عند من استطاع الاتيان بها والاتيان بالحج ثم تلفت قبل الموسم فيقرب وجهه بعدم تنجز الفورية عليه بعد فرض عدم علمه بالحال. لكن الصحيح كما تقدم في الفصل الأول من استطاعة الحج((1)) انّها تستقر عليه فلاحظ ما تقدم.

هذا وقد ذكر صاحب الجواهر انّه لا خلاف يجده انها على الفور، ونسبه إلى الشيخ والحلبي والفاضلان وغيرهم، وعن السرائر نفي الخلاف فيه، وعن التذكرة الاجماع عليه، والدليل على الفورية هو ما تقدم من أدلّة حرمة تسويف الحج، حيث انّ تلك الروايات المستفيضة ناظرة إلى آية استطاعة الحج ومبينة لوجوب الفورية بدلالة ذيل الآية (ومن كفر فإن اللّه غني عن العالمين) وقد عرفت في أدلّة وجوب العمرة انّ آية الاستطاعة شاملة لكل من الحج والعمرة بنحو الاستغراق لا العموم المجموعي، بقرينة الحج الأكبر والروايات الصحيحة المفسّرة لها بحسب الارادة


1) ([1]) سند العروة ج1 ص19 - 27 / مسألة 2 .

…

الاستعمالية والظهور لا التأويل والتنزيل، ولازمه الفورية بمقتضى تلك الآية.

الجهة الثالثة: إذا تمكن القريب من أحدهما دون الآخر وجب عليه ما يتمكن منه خاصة، وإذا تمكن من أحدهما في زمان ومن الآخر في زمان آخر وجب عليه القيام بما تقتضيه وظيفتهفي كل وقت، وإذا تمكن منهما في وقت واحد وجب عليه - حينئذ - الاتيان بهما والمشهور بين الفقهاء في هذه الصورة وجوب تقديم الحج على العمرة المفردة وهو الأحوط، وقد حكى صاحب الجواهر الاجماع عن العلاّمة الطباطبائي وصاحب الرياض على لزوم تأخير عمرة الافراد الواجبة على القريب عن اتيان الحج الواجب، إلا انه تأمل في حصوله وذكر أن ظاهر الأدلة والروايات خلافه.

هذا وقد قال في المبسوط: ((وإن أفرد أو قرن كان عليه أن يعتمر بعد انقضاء الحج إن أراد بعد انقضاء أيّام التشريق إن شاء آخرها إلى استقبال المحرّم))((1)) وقال في النهاية بعد بيان حج القارن: ((وكانت عليه العمرة بعد ذلك))((2))، وفي مراسم أبي يعلى الديلمي قال: ((فأما العمرة فلا وقت لها مخصوص))((3)) لكن سياق عبارته حيث قدّم في التمتع العمرة على الحج وأخّر ذكر العمرة في القران والافراد عنهما هو تأخيرها أيضاً، غاية الأمر لا تقيّد بوقت مخصوص. وقال ابن براج في المهذب بعد بيانه صفة القران في الحج: ((فاذا فعل ذلك فقد تم حجّه قارناً وقضى مناسكه كذلك وعليه بعد هذا العمرة.. والمتمتع لا يجب قضاؤها لأن تمتعه بها إلى الحج أسقط عنه فرضها))((4)). وقال أبو الصلاح الحلبي في الكافي: ((والعمرة المبتولة واجبة على أهل مكةوحاضريها مرّة في العمر والمتمتع بالعمرة إلى الحج يجزيه مثل عمرة مفردة))((5))


1) ([1]) المبسوط ص 304 - ج1 .

2) ([2]) النهاية ج1 ص465 .

3) ([3]) مراسم العلوية ص104 .

4) ([4]) المهذب ج1 ص210 .

5) ([5]) الكافي ص 221 .

…

ولكن ظاهر سياق كلامه عند بيان صفة التمتع والقران والافراد هو تقديم الحج للمفرد على عمرته وإن لم يكن بدرجة الصراحة. وقال في المعتبر بعد بيان أفعال حج الافراد: ((وعليه عمرة بعد ذلك يأتي بها من خارج الحرم))((1)). ونظير ذلك عبارته في الشرايع، ونظيرها العلامة في القواعد، وقال الشهيد في الدروس عند بيان أقسام الحج وصفة التمتع: ((وهذه الأفعال لقسيميه ويؤخران العمرة عن الحج))((2)) وقال في اشارة السبق: ((ثم الحج اما تمتع بالعمرة بتقديمها واستيفاء مناسكها احراماً وطوافاً وسعياً والاحلال منها تقصيراً والاتيان بعدها بمناسك الحج... أو قران باقران سياق الهدي إلى الاحرام واستيفاء مناسك الحج كلها والاعتمار بعدها... ولا فرق بين مناسك الحج على الوجوه الثلاثة إلا بتقديم عمرة التمتع وافرادها بعد الحج للقارنوالمفرد...))((3))، وقال في التذكرة: ((.. ثم يأتي بعمرة مفردة بعد الحج والاحلال منه يأتي بها من أدنى الحل))((4)) وقال في الجامع للشرائع: ((والعمرة على المكي فريضة بعد الحج يفعلها بعد التشريق أو استقبال المحرم وأفضل أنواع الحج التمتع، ويليه القران ويليه الافراد))((5)) وغيرها من كلمات الأصحاب التي يجدها المتتبع، وظاهر عبارة ابن براج يشير إلى وجه ذلك من ظهور قوله تعالى (وأتموا الحج والعمرة لله... فمن تمتع بالعمرة إلى الحج) في كون العمرة المفروضة بعد الحج قضاء للترتيب الذكري، ومن ثم عكس في ذيل الآية بتقديم العمرة إلى الحج مما يفيد العناية بالترتيب الذكري المذكور في صدرها، وان كانت الواو العاطفة هي لمطلق العطف أو


1) ([6]) المعتبر ص337 .

2) ([7]) الدروس ج1 ص329 .

3) ([1]) اشارة السبق ص124 .

4) ([2]) التذكرة ج7 ص168 .

5) ([3]) الجامع للشرائع ص179 .

…

الجمع. ويؤيد هذه الاستفادة من الآية ما في قوله تعالى (إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما) حيث ورد انهاللترتيب الذكري، وكما هو الحال في آية الوضوء والتيمم((1))، وبالجملة فموارد الافعال التي بينها ارتباط وضعي يكون الترتيب الذكري دالاً على شرطية الترتيب في الماهية.

ولا يشكل على ذلك بأن ارتباط العمرة بالحج أول الكلام فكيف يكون الترتيب الذكري دالاً عليه؟ وذلك لأن ذيل الآية من التمتع بالعمرة إلى الحج بيّن ظاهر في الارتباط، إلا أنه بنحو التقديم على عكس الصدر، وكأن الذيل نحو تقسيم لصدر الآية الذي هو كالمقسم، وإلى ذلك يشير تعبير ابن براج المتقدم من أن من تمتع بالعمرة فقد قضى ما عليه من العمرة فلا يأتي بها بعد، وكذلك يشير تعبير ابي المجد الحلبي في اشارة السبق أن الفرق بين ماهية التمتع والافراد أن في الأول العمرة قبل وفي الثاني بعدُ، يشير إلى ما في الروايات كصحيحة يعقوب بن شعيب قال ((سألت ابا عبدالله - عليه السلام - عن المعتمر في أشهر الحج، قال: هي متعة))((2)). وفي صحيحة عمر بن يزيد عن أبي عبدالله - عليه السلام - قال: ((من دخل مكة معتمراً مفرداً للعمرة فقضى عمرته ثم خرج كان ذلك له، وان أقام إلى أن يدرك الحج كانت عمرته متعة))((3))، ومثلها موثق سماعة بن مهران((4))، وصحيح عبدالرحمن بن ابي عبدالله عن أبي عبدالله - عليه السلام - قال: ((العمرة في العشرة متعة))((5)).

ولا يوهم ظاهرها أن من الاعتمار عمرة مفردة في اشهر الحج موجب لارتهانه بالحج، بل المراد منها أن من اعتمر عمرة مفردة في اشهر الحج ثم أوقع الحج متصلاً


1) ([4]) الوضوء، سورة المائدة آية 6 .

2) ([5]) ابواب العمرة ب 7 ح4 .

3) ([6]) ابواب العمرة ب 7 ح5 .

4) ([7]) ابواب العمرة ب 7 ح10 .

5) ([8]) ابواب العمرة ب 7 ح13 .

…

بها فانه يقع تمتعاً. لكن نطاق هذه الروايات عدم وقوع العمرة مفردة في اشهر الحج إذا تعقبها الحج، لا ما إذا وقعت العمرة قبلها كشهر رجب أو شهر رمضان، كما في صحيح زرارة المتقدم عن أبي جعفر - عليه السلام - قال: ((العمرة واجبة على الخلق بمنزلة الحج لأن الله تعالى يقول (وأتموا الحج والعمرة لله) وانما نزلت العمرة بالمدينة فأفضل العمرة عمرة رجب)) وقال: ((المفرد للعمرة ان اعتمر في رجب ثم أقام إلى الحج بمكة كانت عمرته تامة وحجته ناقصة مكية))((1)). لكن في الصحيحة تقريراً بالنقصان في أداء الحج.

وصحيح عبدالله بن زرارة قال: ((قال لي ابو عبدالله - عليه السلام -: اقرأ مني على والدك السلام، وقل: انما أعيبك دفاعاً مني عنك، فانّ الناس والعدو يسارعون إلى كل من قرّبناه وحمدنا مكانه بإدخال الأذى فيمن نحبّه ونقرّبه - إلى أن قال - وعليك بالصلاة الستة والاربعين وعليك بالحج أن تهلّ بالافراد، وتنوي الفسخ إذا قدمت مكة فطفت وسعيت فسخت ما أهللت به، وقلبت الحج عمرة، وأحللت إلى يوم التروية، ثم استأنف الاهلال بالحج مفرداً إلى منى، وأشهد المنافع بعرفات والمزدلفة، فكذلك حج رسول اللّه(صلى الله عليه وآله)، وهكذا أمر اصحابه أن يفعلوا أن يفسخوا ما أهلوا به ويقلبوا الحج عمرة، وانما اقام رسول الله(صلى الله عليه وآله) على ارحامه لسوق الذي ساق معه، فإن السائق قارن، والقارن لا يحلّ حتى يبلغ الهدي محلّه، ومحله النحر بمنى، فاذا بلغ أحلّ، هذا الذي أمرناك به حج التمتع فالزم ذلك ولا يضيقن صدرك، والذي أتاك به ابو بصير من صلاة احدى وخمسين والاهلال بالتمتع بالعمرة إلى الحج وما أمرنا به من أن يهلّ بالتمتع فلذلك عندنا معان وتصاريف لذلك ما يسعنا ويسعكم، ولا يخالف شيء من ذلك الحق ولا يضادّه والحمد لله رب العالمين))((2)).


1) ([1]) التهذيب ج5 ص433 .

2) ([2]) ب5 ابواب أقسام الحج ح11 .

(مسالة 2): تجزي العمرة المتمتع بها عن العمرة المفردة بالاجماع والأخبار وهل تجب على من وظيفته حجّ التمتّع إذا استطاع لها ولم يكن مستطيعاً للحج؟ المشهور عدمه، بل أرسله بعضهم ارسال المسلّمات وهو الأقوى، وعلى هذا فلا تجب على الأجير بعد فراغه عن عمل النيابة وإن كان مستطيعاً لها وهو في مكّة، وكذا لا تجب على من تمكّن منها ولم يتمكّن من الحج لمانع، ولكن الاحوط الاتيان بها(1)

(مسألة 3): قد تجب العمرة بالنذر والحلف والعهد والشرط في ضمن العقد والاجارة والافساد، وتجب أيضاً لدخول مكّة بمعنى حرمته بدونها فانّه لا يجوز دخولها إلا محرماً الا بالنسبة إلى من يتكرر دخوله وخروجه كالحطّاب والحشاش، وما عدا ما ذكر مندوب، ويستحب تكرارها كالحج، واختلفوا في مقدار الفصل بين العمرتين فقيل: يعتبر شهر، وقيل: عشرة أيّام، والأقوى عدم اعتبار فصل فيجوز اتيانها كل يوم، وتفصيل المطلب موكول إلى محله(2).

(1) قد تقدم في المسألة السابقة الروايات الدالّة على اجزاء المتمتع بها عن العمرة المفروضة، وانّ النائي إذااستطاع لكل منهما فيتعين عليه اداؤهما بحج التمتع، وان استطاع للعمرة دون الحج فوجبت عليه دونه، وعلى هذا فتجب على الأجير بعد فراغه عن عمل النيابة أو تمكن عليها خاصة في غير أشهر الحج لقلّة كراء السفر.

(2) وفيها جهات:

الجهة الأولى: تجب العمرة بالنذر والعهد واليمين والاجارة والشرط للعمومات الواردة في كل عنوان، غاية الأمر لابد من الالتفات إلى المتعلق سعة وضيقاً من جهة انطباقه على ما هو واجب في الرتبة السابقة، أو يختص بالمندوب، وقد تقدم ماله نفع في فصل نذر الحج والنيابة.

الجهة الثانية: تجب العمرة لافساد عمرة سابقة كما إذاجامع قبل السعي في

…

عمرته، وسيأتي أن ما بيده من تلك العمرة يجب عليه اتمامها لأن الافساد فيها على نسق الافساد في الحج بمعنى النقص لا بمعنى البطلان، غاية الأمر انّ ما تجب عليه من العمرة هي عقوبة، والروايات الواردة منها صحيحة بريد العجلي قال: ((سألت أبا جعفر - عليه السلام - عن رجل اعتمر عمرة مفردة فغشي أهله قبل أن يفرغ من طوافه وسعيه؟ قال: عليه بدنة لفساد عمرته، وعليه أن يقيم إلى الشهر الآخر فيخرج إلى بعض المواقيت فيحرم بعمرة))((1)). وتمام الكلام سيأتي في تروك الاحرام.

الجهة الثالثة: تجب لدخول مكة وفيها صور:

الأولى: أن يدخل من خارج الحرم إلى مكة فيكون داخلاً في كل من الحرم ومكة.

الثانية: أن يكون في الحرم ويدخل مكة خاصة.الثالثة: أن يقصد دخول الحرم خاصة دون مكة المكرمة.

وقد ادّعى صاحب المدارك الاجماع على عدم وجوب النسك في الصورة الثالثة، واستظهر قيامه على العدم في الصورة الثانية أيضاً، ويردّه أن في العديد من كلمات الأصحاب التعبير بوجوب الاحرام لدخول الحرم، وفي العديد الآخر منها بوجوب الاحرام لدخول مكة، والتعبيران مطلقان شاملان للصورتين الاخيرتين كما لا يخفى، كما انّ ظاهر الروايات الآتية جعل المدار على كل من العنوانين الحرم ومكة وجعل كل منهما سبباً للاحرام، والنسبة بينهما من وجه نظير ما في تقصير الصلاة إذا خفيت الجدران فقصر وإذاخفي الاذان فقصر من الجمع بينهما ب-(أو) لا بالواو كما هو المحرر في محلّه، وحمل أحدهما على الآخر بدعوى القطع أو الاستبعاد لا وجه له معتد به. ويعضد التعدد بما في ظاهر الروايات من أن وجوب الاحرام للحرم لأجل تعظيمه، ففي الصحيح إلى العباس بن معروف عن بعض


1) ([1]) ابواب كفارات الاستمتاع ب12 ح1 .

…

أصحابنا عن أبي عبداللّه - عليه السلام - قال: ((حرّم المسجد لعلّة الكعبة، وحرم الحرم لعلّة المسجد، ووجب الاحرام لعلّة الحرم))((1)).

وفي رواية العلل للفضل بن شاذان عن الرضا - عليه السلام - قال: ((وانما أمروا بالاحرام ليخشعوا قبل دخولهم حرم اللّه وأمنه))((2)).

وكذا ظاهر الروايات تحريم نفس مكة وذلك تعظيماً لها كما في صحيح معاوية بن عمّار قال: ((قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) يوم فتح مكة: ان اللّه حرم مكة يوم خلق السماوات والارض، وهي حرام إلى أن تقوم الساعة، لم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، ولم تحل لي إلا ساعة من نهار))((3))، ومثلها رواية بشير النبال إلا انّه زاد ((قال - عليه السلام -: ودخل مكة بغير احرام وعليهم السلاح ودخل البيت لم يدخله في حج ولا عمرة)) الحديث((4)).

وكذا صحيح سعيد الاعرج عن أبي عبداللّه - عليه السلام - قال: ((انّ قريشاً لما هدموا الكعبة وجدوا في قواعده حجراً فيه كتاب لم يحسنوا قراءته حتى دعوا رجلاً فقرأه فاذا فيه: أنا اللّه ذو بكة، حرمتها يوم خلقت السماوات والأرض ووضعتها بين هذين الجبلين، وحففتها بسبعة أملاك حفاً))((5)) .فيظهر تعظيم كلا منهما وايجابه للاحرام وان اختلفت مراتب التعظيم بين الكعبة والمسجد والحرم كما في روايات كتاب الايمان من الكافي.

وأما الروايات الواردة في الاحرام لأجل دخول الحرم كصحيح عاصم بن حميد قال: ((قلت لأبي عبداللّه - عليه السلام - أيدخل أحد الحرم إلا محرماً؟ قال: لا، إلا مريض أو مبطون))((6)) .

وصحيح محمد بن مسلم قال: ((سألت أبا جعفر - عليه السلام - هل يدخل الرجل الحرم بغير


1) ([1]) باب 1 ابواب الاحرام ح5 .

2) ([2]) الباب السابق ح4 .

3) ([3]) باب 50 ابواب الاحرام ح7 .

4) ([4]) باب 50 ابواب الاحرام ح 12 .

5) ([5]) الباب السابق ح6 .

6) ([1]) ح1 ب5 ابواب الاحرام.

…

احرام؟ قال: لا، إلا أن يكون مريضاً أو به بطن))((1)). والصحيح إلى حفص وأبان عن رجل عن أبي عبداللّه - عليه السلام - في الرجل يخرج في الحاجة من الحرم، قال: ((إن رجع في الشهر الذي خرج فيه دخل بغير احرام، وان دخل في غيره دخل باحرام))((2)).

وأما الروايات الواردة في الاحرام لدخول مكة كصحيح محمد بن مسلم الآخر، قال: ((سألت أبا جعفر - عليه السلام - هل يدخل الرجل مكة بغير احرام؟ قال: لا، إلا مريضاً أو من به بطن))((3))، ومصحح رفاعة بن موسى عن أبي عبداللّه - عليه السلام - قال: ((سألته عن الرجل يعرض له المرض الشديد قبل أن يدخل مكة؟ قال: لا يدخلها إلا باحرام))((4))، ومثله صحيحه الثاني: ((قال: سألت أبا جعفر - عليه السلام - عن رجل به بطن ووجع شديد يدخل مكة حلالاً؟ قال: لا يدخلها إلا محرماً))((5)) وقد تقدم صحيحي معاوية بن عمّار وسعيد الأعرج ورواية علي بن أبي حمزة قال: ((سألت أبا الحسن - عليه السلام - عن رجل يدخل مكة في السنة المرّة والمرّتين والاربعة كيف يصنع؟ قال: إذادخل فليدخل ملبياً، وإذاخرج فليخرج محلاً، قال: ولكل شهر عمرة)) الحديث((6))، نعم في رواية وردان عن أبي الحسن الأول - عليه السلام - قال: ((منكان من مكة على مسير عشرة أميال لم يدخلها إلا محرماً))((7)) يظهر تقييد دخول مكة بما إذاكان من خارج الحرم اذ العشرة أميال اشارة إلى حدود الحرم.

وقد يقال: انّ التقييد المزبور لأجل تحقق الخروج من الحرم، فتكون بمثابة الطائفة الأولى.

وفيه: انّ صريح دلالة الرواية في تقييد سببية دخول مكة بذلك الحد فكيف يعدّ


1) ([2]) الباب السابق ح2 كما في الوسائل والاستبصار صفحة 245 ح856 ج2 ولكن في التهذيب بدل «الحرم»، «مكة».

2) ([3]) ابواب الاحرام ب51 ح4 .

3) ([4]) ب 50 ح4 ابواب الاحرام.

4) ([5]) ب 50 ح8 ابواب الاحرام.

5) ([6]) ب 50 ح3 ابواب الاحرام.

6) ([7]) ابواب العمرة ب 6 ح3 .

7) ([1]) ابواب الاحرام ب 50 ح5 .

…

هذا اللسان من ألسنة سببية دخول الحرم وأن لا تعرّض له لعنوان دخول مكة. مضافاً إلى ما يعضد ظهور هذه الرواية من أن النهي عن عدم الاحرام، أي الأمر بالاحرام انّما يتصور فيما إذاكان في الحل لا ما إذاكان في الحرم - وإن كان خارجاً عن مكة - اذ الاحرام كما سيأتي متقوّم بالمرور بالحل والحرم معاً حتى في احرام حج التمتع حيث يمرّ بعرفة ثم يدخل الحرم، وعلى ذلك فيكون الخطاب بالاحرام لدخول مكة منطوياً فيه انّه خارج الحرم.

ويؤيّد أيضاً بأن في رواية بشير النبال تفسير تحريم مكة بحرمة صيدها وقطع شجرها وخلاها وهو حكم يعم الحرم وليس لها خاصة، إلا انّ الرواية قد تضعف سنداً لعدم توثيق وردان اذ هو اسمٌ لأبي خالد الكابلي كنكر، وقال الشيخ في رجاله انّه اسم لأبي خالد الكابلي الأصغر وهو من أصحاب الباقر والصادق(عليهم السلام) وهنا يروي عن أبي الحسن الأول وهو الكاظم - عليه السلام -. فالاسم مردد بين أن يكون لشخص متّحد أو لشخصين أو لثلاثة، وإن كان الاحتمال الأخير ضعيفاً. والراوي قبله أحمد بن عمرو بن سعيد وهو مجهول، وإن كان الراوي عنه عبداللّه بن المغيرة وهو من أصحاب الاجماع. وأما التأييد بكون الاحرام لابد فيه من الحل والمحرم فهو مع تسليمه يتحقق في الفرض بايجاب الخروج عليه من الحرم كي يأتي به من أدنى الحل، ومجرّد ذلك لا يوجب انصراف الخطاب به عمّن هو كائن في الحرم، فرفع اليد عن اطلاقات الطائفتين بمجرّد ذلك مشكل. نعم لو ثبت أن تحريم الحرم هو عين تحريم مكة اتّجه الالتزام بتسبيب الصورة الأولى والثالثة دون الثانية. وقد تعضد رواية وردان في كون التحديد بعشرة أميال كناية عن حدّ الحرم وأن حرمة مكة بعين حرمة الحرم الصحيح إلى عبدالرحمن بن أبي نجران عمّن حدّثه عن أبي عبداللّه - عليه السلام - قال: ((قلت له: الرجل يطوف عن الرجل وهما مقيمان بمكة؟ قال: لا. ولكن يطوف عن الرجل وهو غائب عن

…

مكة. قال: قلت: وكم مقدار الغيبة؟ قال: عشرة أميال))((1)).نعم روى الشيخ عن موسى ابن القاسم عن بعض أصحابنا أنه سأل أبا جعفر - عليه السلام -: في عشر من شوال فقال: ((انّي أريد أن أفرد عمرة هذا الشهر، فقال: أنت مرتهن بالحج، فقال له الرجل: إن المدينة منزلي، ومكة منزلي ولي بينهما أهل، وبينهما أموال، فقال له: أنت مرتهن بالحج، فقال له الرجل: فإن لي ضياعاً حول مكة، وأحتاج إلى الخروج إليها، فقال: تخرج حلالاً، ترجع حلالاً إلى الحج))((2)).

وقد روى الشيخ عن موسى بن القاسم عن صفوان بن يحيى عن عبدالرحمن بن الحجاج وعبدالرحمن بن أعين في حديث عن أبي الحسن موسى - عليه السلام - قالا: ((فسأله بعد ذلك رجل من أصحابنا أني أريد أن أفرد عمرة هذا الشهر - يعني شوال -، فقال له: أنت مرتهن بالحج. فقال له الرجل: إن أهلي ومنزلي بالمدينة، ولي بمكة أهل ومنزل، وبينهما أهل ومنازل، فقال له: أنت مرتهن بالحج، فقال له الرجل: فان لي ضياعاً حول مكة، وأريد أن أخرج حلالاً، فاذا كان ابان الحج حججت))((3)). وظاهر الرواية أن دخوله بغير احرام وإن كان في غير شهر العمرة لاسيّما وأنه قد افترضها واقعة في شوال فرجوعه للحج في العادة يقع في شهر ذي الحجة، وهذه الاستفادة لا تنافي أن المقصود بالسؤال والجواب أمر آخر وهو الارتهان بالحج وعدمه بعدما أكد - عليه السلام - في صدر الرواية الطويلة بالتمتع بالحج في أجوبة أسئلة عديدة من الرواة، والوجه في عدم التنافي أن هذه الاستفادة ليست من اطلاق الجواب بل من التنصيص بالدخول حلالاً لمكة مع أن دخوله في غير شهر خروجه وعمرته التي أتى بها، وان خروجه حولها لا خارج الحرم، وبالجملة مفاد هذه الرواية يعضد ما تقدم من انّ حرمة مكة والحرم عنوان واحد. هذا، وسيأتي تتمة للبحث في (مسألة 2) من فصل أحكام المواقيت.


1) ([2]) ابواب النيابة ب18 ح3 .

2) ([1]) ابواب أقسام الحج ب22 ح3 .

3) ([2]) ابواب أقسام الحج ب 7 ح1 .

…

وفي ذيل هذه المسألة أمور:

الأول: أن وجوب الاحرام انّما هو كناية عن ايجاب أحد النسكين ويكون بمثابة صلاة التحية للمسجد، إلا أن التحية والنسك هنا واجب، والوجه في ذلك ما سيأتي في عقد الاحرام بالتلبية أنها عبارة عن صيغة لانشاء وجوب أحد النسكين، وبتبع ذلك ينعقد الاحرام فمن الغريب ما احتمله صاحب الجواهر من امكان مشروعية الاحرام في نفسه لإطلاق الأدلّة في المقام وغيرها ولأنه وجب لعلّة الحرم.

الثاني: هل يجب عليه قضاء الاحرام إذاأخلّ به الداخل أو لا؟ وهل يحرم مكثه بقاءً؟فعن العلامة في التذكرة الاجماع على وجوب القضاء، وفي المسالك وجوب القضاء. وفي المنتهى والكركي وصاحب المدارك عدم وجوب القضاء، وذهب أبو حنيفة من العامّة إلىوجوب القضاء.

وقد يقرّب وجوب القضاء بكونه نظير وجوب النسك بالاستطاعة أو بالنذر فيكون ديناً عليه، وكذلك حج الافساد، ومثل ما لو نسى طواف النساء أو طواف الزيارة يقضى عنه وإن كان النسك ندبياً، وإن مات، فكل ذلك يقرب أن وجوب العمرة أو الحج كالدين يبقى في ذمّة المكلّف وإن لم يخرج من أصل التركة في غير حج الاسلام.

ويمكن الجواب عن ذلك بأن ثبوت القضاء في تلك الموارد بالدليل، فحج الاسلام قد عبّر فيه بلام الملكية، والنذر ورد فيه الدليل الخاص، وحج الافساد دليل وجوبه مطلق، وقضاء بعض الاجزاء وإن مات لدلالة الدليل الخاص على ذلك أيضاً، وهذا بخلاف المقام فإن ظاهر الدليل أنه لأجل التعظيم وكتحية احترام للحرم، ومن ثم كان فورياً عند الدخول، فمع عدم ادائه يرتكب المعصية ويفوت محله اذ لو الزم بالخروج والدخول لكان الدخول الثاني سبباً مستقلاً لايجاب النسك لا أنه قضاء

…

عن الدخول الأول. نعم لو الزم بالاحرام من محله لكان ذلك اداء غاية الأمر أنه عصى في التأخير، والحاصل أنه لا اطلاق في دليله ولو كان هناك اطلاق لتعيّن القضاء، وسيأتي للكلام تتمة في فصل أحكام المواقيت (مسألة 2).

الثالث: في من استثني من وجوب الاحرام للدخول.

المريض وقد استثني في الروايات المتقدمة، وأما الروايتان الدالتان على وجوب الاحرام عليه محمولتان على الاستحباب جمعاً، أو على تحفظه - عليه السلام - عن اتخاذ السائل عنوان المرض ذريعة لدرجاته غير الحرجية أيضاً.

ومنه الحطّاب والمجتلبة(المختلبة)، والخلا كما في مجمع البحرين (الرطب من النبات، ويختلي يقطع) ومنه التعبير في الروايات المتقدمة أن مكة لا يختلي خلاها، ومنه المختلية، ففي صحيحة رفاعة بن موسى قال: وقال ابو عبداللّه - عليه السلام -: ((ان الحطّاب والمجتلبة (والمختلية) أتوا النبي(صلى الله عليه وآله) فسألوه فأذن لهم أن يدخلوا حلالاً))((1)).

وقد فسّر هذا الاستثناء عند المشهور بكل من يتكرر دخوله إلى مكة، واستظهر في الجواهر عدم اعتبار تكرر دخولهم قبل انقضاء شهر، وحكى عن كشف اللثام اعتبار تكرر دخوله كل شهر فأدرج فيه الراعي، واستدل بصحيح جميل بن دراج عن أبي عبداللّه - عليه السلام - فيالرجل يخرج إلى جدة في الحاجة، قال: ((يدخل مكة بغير احرام))((2)). والصحيح إلى حفص البختري وأبان بن عثمان عن رجل عن أبي عبداللّه - عليه السلام - في الرجل يخرج في الحاجة عن الحرم. قال: ((إن رجع في الشهر الذي خرج فيه دخل بغير احرام، وإن دخل في غيره دخل باحرام))((3)).

والظاهر من كاشف اللثام ادراج هذا الاستثناء في الاستثناء الآتي في من دخل في


1) ([1]) ابواب الاحرام ب 51 ح2 .

2) ([1]) ابواب العمرة ب51 ح3.

3) ([2]) ابواب العمرة ب51 ح4.

…

الشهر الذي اعتمر فيه، مع أن ظاهر الأصحاب والروايات تغاير الاستثنائين. إلا أن يقال أنه لم يقيد الاستثناء الثاني بسبق الاحرام. وعلى أية حال فظاهر الروايتين في الاستثناء الآتي كما سنوضحه لاسيّما مرسل حفص، وهناك تفسير ثاني لهذا الاستثناء وهو كل من يقوم بتكرر الدخول بسبب القيام بنقل حاجيات ينتفع بها الناس عامة في مكة، فيدرج في العنوان سوّاق الشاحنات الذين يجلبون الماء والنفط ونحوهما.

وعلى هذا التفسير هل يندرج سواق الباصات لنقل الحجاج أم لا؟

وهناك احتمال ثالث للرواية باضافة قيد زائد على ما ذكر وهو كون من يتكرر دخوله من مقيمي مكة المكرمة، باعتبار أن الحطّاب والمجتلبة والحشاشة في العادة قاضية بأن يكونوا من أهالي أو مقيمي أهل البلد نفسها. لكن قد يقال بأن هذا القيد وإن كان هو مورد العنوانين إلا انّه غير داخل في مفهومها، إلا أنه من قبيل القدر المتيقن في مورد التخاطب الذي لا يسقط الاطلاق إلا على مسلك المحقق صاحب الكفاية، وكذلك قد يقال القيد المأخوذ في التفسير الثاني. هذا لو بني على وجود الاطلاق في المقام، إلا انّه ليس كذلك اذ تقريب التعميم من باب التعدي عن خصوصية العنوان وأنه من باب التمثيل ومع وجود القدر المتيقن من التخاطب يكون مانعاً عن استظهار التمثيل وعن تنقيح المناط.

نعم لو تمت دلالة الروايتان اللتان استدل بهما كاشف اللثام على المقام لكان الاطلاق اللفظي موجوداً في المقام فيعمل به لكل ذي حاجة يتكرر خروجه ودخوله.

الجهة الرابعة: أن ايجاب الاحرام للدخول انّما هو لكل شهر مرّة، قال في الدروس في معرض كلامه عن أسباب وجوب العمرة: ولوجوب الدخول إلى مكة...ولو كان متكرراً.. سقط الوجوب، وكذا لو كان عقيب احلال من احرام ولما يمض شهر من

…

الاحلال، ولو دخلها بغير احرام دخلها ولا قضاء عليه((1))، وقال في النهاية: في المتمتع فإن خرج بغير احرام ثم عاد فإن كان عوده في الشهر الذي خرج فيه لم يضره أن يدخل مكة بغير احرام، وان دخل في غير الشهر الذي دخل فيه، دخلها محرماً بالعمرة إلى الحج وتكون عمرته الأخيرة هي التي لا تمتع بها إلى الحج.((2)).

وقال المحقق في النكت في ذيل عبارة النهاية قال: فإن عاد في شهر جاز الاتيان بالحج والاجتزاء بمتعته الأولى وان دخل في غير الشهر استأنف عمرة يدخل بها إلى مكة، ويجعل الأخيرة هي متعته لا الأولى، لأن العمرة المتمتع بها تدخل في الحج لا يفترق بينهما((3)). وقال ابن ادريس: وإذادخل مكة بعد خروجه فإن كان بين خروجه ودخوله أقل من شهر فلابأس أن يدخل مكة بغير احرام، ويجوز له أن يتمتع بعمرته الأولى، وإن كان شهراً فصاعداً فلا يجوز له أن يدخل مكة إلا محرماً، ولا يجوز له أن يتمتع بعمرته الأولى، بل الواجب عليه انشاء عمرة يتمتع بها((4)).

هذا ويتحصل من الجواهر أن الأقوال في المسألة:

الأول: هو الوجوب إلا أن يكون دخوله قبل مضي شهر عمرته.

الثاني: الوجوب إلا أن يكون قبل مضي شهر من خروجه من مكة إذاتقدم منه احرام في الدخول السابق وإن كان شهر خروجه غير شهر عمرته، وينسب هذا القول إلى ظاهر تعبير المشهور.

الثالث: الوجوب إلا أن يكون دخوله قبل مضي شهر من عمرته دون الحج فلو خرج بعد حج التمتع ودخل في الشهر نفسه وجب. حكي ذلك عن الجامع وكشف اللثام والرياض. واحتمل في الجواهر الوجوب إلا أن يكون دخوله قبل مضي شهر


1) ([1]) الدروس ج1 ص337 .

2) ([2]) النهاية ج1 ص515 طبعة قم.

3) ([3]) المصدر السابق.

4) ([4]) السرائر: ج1 ص633 .

…

من خروجه وإن لم يتقدمه احرام، كما أنه وقع الاختلاف في القول الأول أن شهر العمرة هل هو شهر الاهلال أو شهر الاحلال كما عن الأكثر.

وتنقيح الحال أن مقتضى العمومات السابقة المتقدمة في وجوب الاحرام لدخول مكة هو وجوب الاحرام لكل دخول، حتى انّه قال بعض الأجلّة أن هذا العموم يقتضي ذلك وإن لم تشرع العمرة في الشهر الواحد أكثر من مرّة، اذ بامكانه أن يأتي بالنسك النيابي عن آخرين، كما هو الحال في الأجير في الحج أنه يؤدي هذا الاحرام الواجب بحجه النيابي. إلا أن هناك رواياتاخرى في المقام عوّل عليها المشهور، منها صحيح حماد بن عيسى عن أبي عبداللّه - عليه السلام - في حديث ((فمن دخل مكة متمتعاً في أشهر الحج أن لا يخرج منها قلت: فإن جهل فخرج للمدينة أو نحوها بغير احرام ثم رجع في ابّان الحج، في أشهر الحج، يريد الحج، فيدخلها محرماً أو بغير احرام؟ قال: إن رجع في شهره دخل بغير احرام، وان دخل في غير الشهر دخل محرماً، قلت: فأي الاحرامين والمتعتين، متعته الأولى أو الأخيرة؟ قال: الأخيرة هي عمرته، وهي المحتبس بها التي وصلت بحجّته؟ قلت: فما فرق بين المفردة وبين عمرة المتعة إذادخل في أشهر الحج؟ قال: أحرم بالعمرة وهو ينوي العمرة ثم أحل منها ولم يكن عليه دم، ولم يكن محتسباً بها، لأنه لا تكون ينوي الحج))((1)).

فانّ قوله - عليه السلام -: ((دخل بغير احرام إن رجع في شهره)) دالاً على تخصيص العموم السابق بغير الشهر الذي أتى به بالنسك - العمرة - بخلاف ما إذادخل مكة في شهر آخر ومن ثم تنقطع عمرة تمتعه عن حج التمتع اذ بدخوله بالشهر اللاحق يجب عليه الاحرام ومن ذلك يظهر أن الوصل والفصل بينهما معلولاً لسقوط الاحرام بالدخول في شهر أو ثبوته في شهر آخر لا العكس، ومن ثم يندفع توهّم كون السقوط مخصوصاً بشهر


1) ([1]) ب22 ابواب أقسام الحج ح5 .

…

عمرة التمتع أو كونه مختصاً بالعمرة دون الحج أي لو أتى بعمرة التمتع في ذي القعدة ثم أتى بالحج في ذي الحجة فخرج بعد قضاء أعمال الحج ثم أراد الدخول مكة مرة أخرى في شهر ذي الحجة فعلى التوهّم الثاني من اختصاص مفاد الحديث بالعمرة يجب بدخوله في المثال عمرة مرة أخرى، وقد يتوهّم الوصل والفصل بين عمرة التمتع وحجة هو بالخروج عن مكة والبقاء إلى الشهر اللاحق فينقطع الوصل الذي بينهما فمن ثم إذادخل مكة في الشهر اللاحق وجب عليه الاحرام للدخول بخلاف ما لو لم يمضي عليه شهر وهو خارج مكة فإن العمرة تبقى مرتبطة بالحج فيسقط الاحرام لو أراد الدخول في ذلك الشهر فسقوط الاحرام وثبوته معلولاً لبقاء الارتباط وانقطاعه، ويدفع بأنه لو كان الأمر كذلك لتأتى الانقطاع في ما لو أحرم للحج قبل أن يخرج ثم مكث خارج مكة إلى شهر آخر، وهو شهر الحج.

وفي موثق اسحاق ما يفيد ما قررناه وهو ما رواه عن أبي عبداللّه - عليه السلام - قال: ((سألت أبا الحسن - عليه السلام - عن المتمتع يجيء فيقضي متعته، ثم تبدو له الحاجة فيخرج إلى المدينة وإلى ذات عرق، أو إلى بعض المعادن، قال: يرجع إلى مكة بعمرة إن كان في غير الشهر الذي تمتع فيه، لأن لكل شهر عمرة، وهو مرتهن بالحج، قلت: فانّه دخل فيالشهر الذي خرج فيه، قال: كان أبي مجاوراً هاهنا فخرج يتلقى هؤلاء، فلما رجع فبلغ ذات عرق أحرم من ذات عرق بالحج ودخل وهو محرم بالحج))((1)) وهو صريح في ما تقدم، كما أن مفاده مفسر للشهر بأنه الشهر الذي أتى النسك فيه لا شهر الخروج بما هو هو وان غاير شهر النسك والذي تقدم في احتمال صاحب الجواهر له وكما يتوهم من بعض الروايات.

وعلى هذا المفاد يحمل الصحيح إلى ابن حفص بن البختري وأبان بن عثمان عن رجل((2)) المتقدم في الجهة السابقة، الذي فصل بين شهر الخروج وغيره، وفي مرسل


1) ([1]) ب22 ابواب أقسام الحج ح8 .

2) ([2]) ابواب الاحرام باب 51 ح4 .

…

الصدوق قال: ((قال الصادق - عليه السلام -: إذاأراد المتمتع الخروج من مكة إلى بعض المواضع فليس له ذلك لأنه مرتبط بالحج حتى يقضيه، إلا أن يعلم انّه لا يفوته الحج، وإن علم وخرج وعاد في الشهر الذي خرج فيه دخل مكة محلاً، وإن دخلها في غير ذلك الشهر دخلها محرماً))((1)). وأما صحيح جميل بن دراج المتقدم في الذي خرج في حاجة إلى جدة أنه يدخل مكة بغير احرام((2))، فمحمول على الرجوع في الشهر نفسه لقرب جدة. وكذا رواية ميمون قال: ((خرجنا مع أبي جعفر إلى أرض بطيبة ما شاء اللّه - إلى أن قال - ثم دخل مكة ودخلنا معه بغير احرام))((3)). وطيبة اسم موضع قرب مكة((4)). ولاجل ذلك حملها المجلسي في مرآة العقول على عدم مضي شهر من الاحرام الأول. ومثله مرسل جميل عن أحدهما في الرجل يخرج من الحرم إلى بعض حاجته ثم يرجع من يومه. قال: ((لابأس بأن يدخل بغير احرام))((5)) ومثلها موثق ابن بكير عن غير واحد من أصحابنا عن أبي عبداللّه - عليه السلام -: ((انه خرج إلى الربذة يشيع أبا جعفر ثم دخل مكة حلالاً))((6)).

فالمحصل: انّ الروايات متظافرة على تخصيص عموم سببية الدخول للاحرام والقدر المتيقن من ذلك هو ما إذاكان الدخول في الشهر الذي أتى بالعمرة فيه والخروج محمول على الخروج بعد قضاء أعمال النسك، وهاهنا رواية لعلي بن أبي حمزة قال: ((سألت أبي الحسن - عليهالسلام - عن رجل يدخل مكة في السنة المرّة والمرتين والأربعة كيف يصنع؟ قال: إذادخل فليدخل ملبياً، وإذاخرج فليخرج محلاً.

قال: ولكلّ شهر عمرة، فقلت: يكون أقل؟ فقال: ((في كل عشرة أيّام عمرة، ثم قال:


1) ([3]) ب22 ابواب أقسام الحج ح10 .

2) ([4]) ابواب الاحرام ب 51 ح3 .

3) ([5]) ابواب الاحرام ب 51 ح1 .

4) ([6]) الكافي ج6 ص543 .

5) ([7]) ابواب الاحرام ب 50 ح11 .

6) ([8]) ابواب الاحرام ب 51 ح5 .

…

كنت مع محمد بن ابراهيم بالطائف، فكان كلّما دخل دخلت معه))((1)).

وقد رواها كلاً من المشايخ الثلاثة والطريق إلى علي بن ابي حمزة معتبر والظاهر انّه البطائني الملعون ولكن قد ذكرنا مراراً انّ الطائفة قد قاطعته بعد انحرافه فيما يروونه عنه فالرواية عنه في أيام استقامته فالطريق قابل للاعتبار، وهذا ليس في كل من كان له فترة استقامة ثم انحراف بل في خصوص من قوطع مقاطعة شديدة كالبطائني والعبرتائي.

وأما دلالة الرواية فقد يقال أنها دالّة على وجوب الاحرام للدخول لكل عشرة أيّام لاناطة الرواية وجوب الاحرام للدخول بمشروعية العمرة وقد بيّنت انّ مشروعية العمرة لكل عشرة أيّام ولذلك عقب - عليه السلام - بيان حدّ مشروعية العمرة بعد بيان الوجوب.

وفيه: انّ اقتصاره - عليه السلام - في الجواب على كل شهر واناطته الوجوب به ابتداءً دالاً على أن مدار الوجوب على كل شهر وان جوابه بعد ذلك لسؤال الثاني للراوي دال على اوسعية ومشروعية العمرة من موضوع الوجوب وان كان الوجوب يناط بالمشروعية في الجملة، ثم انّ هذه الرواية دالّة أيضاً بوضوح على تخصيص عمومات وجوب الاحرام للدخول بكل شهر لا بكل دخول.

كما انّ الرواية هذه دالّة بوضوح على ما دلّت عليه موثق اسحاق بن عمّار المتقدم من أن وجوب الاحرام لكل شهر ليس مخصوصاً بعمرة التمتع بل لكل عمرة بل لكل نسك.

وهل شهر النسك هو بالاهلال أو الاحلال؟

نسب في الجواهر الثاني إلى المشهور واختار جماعة الأول كما عن بعض اعلام


1) ([1]) ابواب العمرة باب 6 ح3 .

…

العصر، ومقتضى القاعدة الاحلال وذلك لأن الاحرام بمنزلة الشرط والاعمال هي المشروطة، والاعتداد على وقت العمل ولو بني على جزئية الاحرام فالمدار على أغلب الاجزاء أيضاً بحسب النسبة العرفية، مضافاً إلى ظهور موثق اسحاق بن عمار المتقدم حيث قال - عليه السلام -: ((ان كان في غير الشهر الذي تمتع فيه)) ، وكذا ظهور صحيحة حمّاد أيضاً على التقريب المتقدم.

أدلة القول الأولويستدل للقول الأول بصحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه - عليه السلام - قال: ((إذاأحرمت وعليك من رجب يوم وليلة فعمرتك رجبية))((1))، وبصحيحة أبي أيوب الخزاز أو معاوية ابن عمّار عن أبي عبداللّه - عليه السلام - في حديث قال: ((انّي كنت أخرج الليلة والليلتين تبقيان من رجب فتقول أم فروة أي به أبه إن عمرتنا شعبانية فأقول لها أي بنيّة انّها فيما اهللتي وليس فيما احللتي))((2)).

ومصحح علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر - عليه السلام - قال: ((سألته عن عمرة رجب ما هي؟ قال: إذاأحرمت في رجب وان كان في يوم واحد منه فقد ادركت عمرة رجب، وان قدمت في شعبان فانّما عمرة رجب أن تحرم في رجب))((3)) وقد يعضد بروايات أخر دالّة على لزوم ايقاع احرام حج التمتع في أشهر الحج، مما يفيد أن مدار النسك على ظرف الاحرام لصحيحة عمر بن أذينة قال: قال ابو عبداللّه - عليه السلام -: ((من أحرم بالحج في غير أشهر الحج فلا حجّ له، ومن أحرم دون الميقات فلا إحرام له))((4)) .

وفي صحيحة ابان ]زرارة[ عن أبي جعفر - عليه السلام -: ((في قوله عزوجل (الحج أشهر


1) ([1]) ابواب العمرة ب 3 ح4 وح10 .

2) ([2]) ابواب العمرة ب3 ح14 .

3) ([3]) ابواب العمرة ب 3 ح14 .

4) ([4]) باب 11 ابواب أقسام الحج ح4 .

…

معلومات) قال: شوال وذو القعدة وذو الحجة، ليس لأحد أن يحرم بالحج فيما سواهن))((1)).

وفيه: أما الروايات الواردة في رجب الدالّة على احتساب العمرة بالاحرام فهي في مقام الثواب والتنزيل بلحاظ ذلك ويدل على ذلك صحيح عبدالرحمن بن الحجاج عن أبي عبداللّه - عليه السلام -: في رجل أحرم في شهر وأحل في آخر، قال: ((يكتب له في الذي نوى))((2))، وكذلك الموثق إلى ابن بكير عن عيسى الفراء عن أبي عبداللّه - عليه السلام -: ((قال: إذا أهل بالعمرة في رجب وأحل في غيره كانت عمرته لرجب، وإذاأهل في غير رجب وطاف في رجب فعمرته لرجب))((3)) وغيرها من روايات الباب المزبور الدالّة على أن المدار ليس هو ظرف الاحرام بل المدار على وقوع جزء من أعمال العمرة في شهر رجب، وان ذلك لأجل اصابة فضل الثواب لا انّه في مقام احتساب العمرة بحسب ظرف الاحرام، وأما الطائفة الثانية من الروايات فهي في مقام اشتراط حجالتمتع بظرفية الثلاثة أشهر بما في ذلك من الحج والعمرة واحرامهما، وليست في مقام أن مدار احتساب ظرف النسك هو على مجرّد الاحرام.

فتحصل: انّ لا مخرج عن القاعدة في المقام، وان المدار على ظرف الأعمال. ومراعاة ضميمة الأهلال لكونه ظرف انشاء الوجوب والنسك أحوط ان لم يكن أقوى، وأما كون المدار على شهر الخروج فقد عرفت أن المراد منه في الروايات هو شهر الخروج بعد الفراغ من الأعمال.

الجهة الخامسة: مشروعية العمرة مطلقاً

الأقوال في المسألة:

قال في النهاية: ويستحب أن يعتمر الانسان في كل شهر إذاتمكّن من ذلك، وقد


1) ([5]) الباب السابق ح8 .

2) ([6]) ابواب العمرة باب 3 ح5 .

3) ([7]) ابواب العمرة باب 3 ح11 .

روي انّه يجوز أن يعتمر في كل عشرة أيام، فمن عمل على ذلك لم يكن به بأس((1)).

ومثلها عبارته في المبسوط. وقال في الدروس: ويجوز الاتباع بين العمرتين إذامضى عشرة أيّام، لرواية ابن أبي حمزة، وأصح الروايات اعتبار شهر واعتبر الحسن سنة، وجوّزه المرتضى وابن ادريس بغير حدّ لقول النبي(صلى الله عليه وآله) ((العمرة إلى العمرة كفارة فيما بينهما))((2)) وقال العلاّمة في الارشاد: وتستحب المفردة في كل شهر وأقله عشرة أيام((3)). وقال في الكافي: وكلٌ منهم مرغب بعد تأدية الواجب عليه إلى الاعتمار في كل شهر مرّة أو في كل سنة مرّة((4)). وقال ابن براج في المهذب: ويستحب للانسان أن يعتمر في كل شهر أو في كل عشرة أيّام إن تمكّن((5)). وقال الفخر في الايضاح: الأول(سنة) لابن أبي عقيل لقول الصادق - عليه السلام - والعمرة في كل سنة مرّة، ولقول الباقر - عليه السلام - ((لا يكون عمرتان في سنة واحدة)) . والثاني(شهر) قول ابي الصلاح وابن حمزة. والثالث(عشرة أيام) قول الشيخ وابن الجنيد وابن البرّاج لقول أبي الحسن - عليه السلام -ولكل شهر عمرة، فسأله علي ابن ابي حمزة أيكون أقل؟ فقال: ((يكون لكل عشرة أيّام عمرة)) . والرابع(التوالي) قول السيد المرتضى في المسائل الناصرية وابن ادريس واختاره في الجواهر والماتن وبعض أعلام العصر لقول النبي(صلى الله عليه وآله) ((العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما)) ولم يفصل. والأصح عندي جواز التوالي، وعن الرواياتالأول بمنع صحّة السند والدلالة))((6)) وزاد في الجواهر في الفصل شهر ابن زهرة والشيخ في التهذيب والمحقق في النافع والعلامة في المختلف والفصل بعشرة أيّام قال به العلامة في التحرير والتذكرة والمنتهى والارشاد والتبصرة.


1) ([1]) النهاية ج1 ص554 .

2) ([2]) الدروس ج1 ص337 .

3) ([3]) الارشاد ج1 ص338 .

4) ([4]) الكافي ص221 .

5) ([5]) المهذب ج1 ص211 .

6) ([1]) الايضاح ج1 ص321 .

…

عمدة ما استدل به

والعمدة في المقام الروايات ولابد من الالتفات إلى انّ مقتضى العمومات الأولية في المقام مشروعية العمرة مطلقاً كقوله تعالى (فمن حجّ البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما)((1)) وكصحيح زرارة بن أعين في حديث قال قلت لأبي جعفر - عليه السلام -: الذي يلي الحج في الفضل؟ قال: ((العمرة المفردة، ثم يذهب حيث شاء))((2)).

وفي رواية خالد القلانسي عن أبي عبداللّه - عليه السلام - قال: ((قال علي بن الحسين - عليه السلام - حجّوا واعتمروا تصح أبدانكم، وتتسع ارزاقكم، وتكفون مؤنات عيالاتكم، وقال: الحاج مغفور له، وموجوب له الجنة، ومستأنف له العمل، ومحفوظ في أهله وماله))((3)) ومثلها الصحيح إلى علي بن أسباط رفعه إلى أبي عبداللّه - عليه السلام - قال: ((كان علي بن الحسين - عليه السلام - يقول حجوا واعتمروا تصح أجسامكم وتتسع ارزاقكم، ويصلح ايمانكم، وتكفوا مؤنة الناس ومؤنة عيالاتكم))((4)) وفي مرسل الصدوق قال قال الرضا - عليه السلام -: ((العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما))((5)) وروى أيضاً ((أن العمرة كفارة لكل ذنب))((6)).

وقد يقال انّ هذه العمومات هي في صدد أصل مشروعية العمرة، وليست في صدد بيان اطلاق مشروعيتها فضلاً عن اطلاق شرائط الماهية فيها، لاسيّما الآية الشريفة فهي في صدد بيان جزئية السعي في النسكين.

وفيه: انّ مقتضى بيان الأجر والثواب هو الحث والبعث نحو العمل، ولم يقيد بموضوع خاص، والتقييد في المقام المشكوك فيه قيد الحكم اولاً وبالذات وقيد للماهية بتبع ذلك، لا انّه قيدللماهية بالأصالة كالطهارة في الطواف، والآية لا تخلو من اشعار الترغيب وكذلك قوله تعالى (وأتموا الحج والعمرة للّه) فانها وإن كانت


1) ([2]) البقرة: 158 .

2) ([3]) ابواب العمرة باب 2 ح2 .

3) ([4]) ابواب وجوب الحج باب 1 ح7 .

4) ([5]) ابواب وجوب الحج باب 1 ح20 .

5) ([6]) ابواب العمرة باب3 ح6 .

6) ([7]) الباب السابق ح7 .

…

لبيان افتراض العمرة كما تقدم الا انّه يستفاد منها رجحان العمل.

وأما الروايات الخاصة

فاستدل للقول الأول: وهو الفصل بشهر في صحيحة عبدالرحمن بن الحجاج عن أبي عبداللّه - عليه السلام - قال: ((في كتاب علي - عليه السلام - في كل شهر عمرة))((1)).

ومثلها موثق يونس بن يعقوب((2)) بطريق الكليني أو صحيحه بطريق الشيخ ومثله صحيح معاوية بن عمّار((3)) وكذا موثق اسحاق بن عمّار قال: قال ابو عبداللّه - عليه السلام -: ((السنة أثناء عشر شهر، يعتمر لكل شهر عمرة))((4)). وصحيح ابن ابي نصر((5)) وصحيح علي بن جعفر((6)) ولأجل استفاضة الروايات بهذا المفاد بنى المشهور عليه ويستدل للقول الثاني: وهو كل عشرة أيام برواية علي بن أبي حمزة قال: سألت أبا الحسن - عليه السلام -عن رجل يدخل مكة في السنة المرّة والمرّتين والاربعة كيف يصنع؟ قال: ((إذادخل فليدخل ملبياً، وإذاخرج فليخرج محلاً، قال: ولكل شهر عمرة)) فقلت: يكون أقل؟ فقال: ((في كل عشرة أيام ذلك؟ قال: كنت مع محمد بن ابراهيم بالطائف فكان كلّما دخل دخلت معه))((7)).

نكتة رجالية

وقد روى هذه الرواية المشايخ الثلاثة بطرق مختلفة عن علي بن أبي حمزة فقد رواه الصدوق بطريق معتبر عنه((8)) بتوسط أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي وان وقع في الطريق إليه محمد بن علي بن ماجيلويه فانّ الأقوى اعتبار حاله، وروى الكليني عنه أيضاً بطريق معتبر بتوسط يونس بن عبدالرحمن وان وقع في طريقه اسماعيل بن مرّار فقد وثقّه الميرداماد في الرواشح استناداً إلى عدم استثناء القميين


1) ([1])ابواب العمرة ب 6 ح1 .

2) ([2]) ابواب العمرة باب 6 ح2 .

3) ([3]) ابواب العمرة باب 6 ح4 .

4) ([4]) ابواب العمرة باب 6 ح8 .

5) ([5]) الباب السابق ح11 .

6) ([6]) الباب السابق ح10 .

7) ([7]) الباب السابق ح3 .

8) ([8]) لا يخفى انّ هذا الطريق هو للنصف الثاني للرواية.

…

له من كتاب نوادر الحكمة وروى الصدوق بطريق آخر عن القاسم بن محمد. وأما طريق الشيخ فهو عن محمد بن يعقوب الكليني، وعلى أي حال فان رواية اثنين من أصحاب الاجماع عن علي بن أبي حمزة البطائني قرينة واضحة على أن روايتهما عنه كانت أيّام استقامته، حيث قاطعته الطائفة بعد انحرافه لاسيّما انّ طريق الصدوق الأول استخرج الرواية من الأصل الذي الفه البطائني والراوي لذلك الأصل البزنطي ومن الواضح انّه قد رواه أيام استقامته. فاعتبار الرواية لا غبار عليه، وحينئذ فيقع الكلام في الجمع بينها وبين الطائفة الأولى من الروايات، فقيل بترجيح الطائفة الأولى لكثرة الروايات الصحيحة فيها وضعف رواية البطائني، ولكن الترجيح فرض التعارض المستقر وهو ممنوع في المقام لأن القرينة المتبعة في باب المندوبات على تعدد مراتب الطلب، لاسيّما وأن لسان الطائفة الأولى هو للحث والندب للعمرة، فهي في صدد تأكيد الطلب لكل شهر لا في صدد بيان الحكم الوضعي وشرح الماهية وحينئذ فلا تنافي وجود الندب والطلب بنحو أخف لكل عشرة أيام، وعلى ذلك يكون مفاد العشرة أيضاً محمول على الندب الخاص غير المخصص لعمومات مشروعية العمرة ويعضد هذا الجمع ما سيأتي في الطائفة الثالثة أن العمرة في كل سنة المحمول على شدة الطلب، كصحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه - عليه السلام - قال: ((العمرة في كل سنة مرّة))((1)) ولك أن تقول انّ لسان الوضع في المندوبات محمول على شرائط الكمال ك- ((لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد)) وحملها على شرائط الصحة محتاج إلى مؤنة زائدة كالاشتراك بين ماهية الواجب والمندوب أو كون اللسان في صدد بيان مجموع أجزاء الماهية المندوبة وتحديدها ونحو ذلك، وإلا فيحمل على مراتب الفضل.

فالمحصل انّ العمرة مشروعة مطلقاً إلا أن الحق الثابت لكل عمرة يتأكد الطلب


1) ([1]) ابواب العمرة ب 6 ح6 .

…

عند عشرة أيّام أي يخص كل عشرة عمرة مندوبة وكذلك يخص كل شهر عمرة مندوبة أي طلب متأكد. ويزداد لكل شهر ويشتد لكل سنة نظير روايات الحج لأهل الجدة بأنه ثابت عليهم في كل عام.

نعم صحيحة حريز وزرارة عنهما - عليه السلام - قالا: ((لا تكون عمرتان في سنة))((1)) محمولة على عمرة التمتع لأنها التي لا تشرع في السنة مرتين. ويؤيد ما ذهبنا إليه ما ورد من استحباب العمرة بعد الحج وهو مطلق شامل لمن أتى بعمرة التمتع في ذي الحجة كصحيحعبدالرحمن بن أبي عبداللّه، قال: سالت أبا عبداللّه - عليه السلام - عن المعتمر بعد الحج، قال: ((إذاامكن الموسي من رأسه فحسب))((2)) وغيرها.

تنبيه:

المراد من الشهر على القول به هو الشهر الهلالي بقرينة ما تقدم من روايات وجوب الاحرام لدخول مكة، حيث انّه فسّر الشهر في محلّه ((لكل شهر عمرة)) بذلك. أما العشرة أيام فقد يقال انّ المراد منها هي العشرات الثلاث للشهر ولو بقرينة كون الشهر هلالياً، ولكن لا يبعد ظهور عنوان الوحدة العددية وهي العشرة في المقدار العددي فيكون بمعنى الفاصل. والصحيح هو الأول لأن لفظا الرواية التعبير بالظرفية في كل عشرة مما يدلّ على أن العشرة ظرف لها لا فاصل، وكذلك التعبير ((لكل عشرة)) أي أن حق كل عشرة أن يؤتى فيها بعمرة.

إن قلت: إذاقال قائل لاخر ائتني بالمتاع كل عشرة أيام فانّه يفهم من ذلك أن اللازم عليه الاتيان بالمتاع مع الفصل بعشرة أيام، لا لأن يفصل بأقل من ذلك بدعوى انّ كلا من العشرتين ظرف، فله أن يأتي بالمتاع في آخر العشرة الأولى وأول العشرة الثانية، فهذا الاستعمال دارج في الفصل بعشرة أيّام.

قلت: في هذا المثال أيضاً المنسبق في الفهم العرفي انّ يعدّ من يوم اتيانه في


1) ([2]) الباب السابق ح7 .

2) ([1]) ابواب العمرة ب8 ح2 .

…

المرّة الأولى ويأتى بالمرة الثانية في عاشر يوم من العدة، وهكذا فيما يأتي وهذا شاهد على انّ العشرة وقعت ظرفاً لا فاصلاً، وإلا كان اللازم ان يأتي في المثال بالمرّة الثانية في يوم الحادي عشر منه ان جعل مبدأ الحساب من يوم المرّة الأولى وان جعل مبدأ الحساب من اليوم الذي يلي المرّة الأولى، فاللازم على القول بالفصل أن يفصل بين يومي المرتين بعشرة فيكون المجموع اثنى عشر وهو خلاف المنفهم عرفاً، فظرفية العشرة هي المتعينة غاية الأمر ان ظرفية العشرة تارة تكون بنحو كل أيامها ظرفاً، واخرى بأن يكون عاشرها ظرفاً فقط.

وبعبارة أخرى لو فرض أن المكلّف لم يأت بالعمرة لمدة شهرين مثلاً فهل يكون قد ترك خمس أو ست طلبات ندبية، أم أنه مخاطب بطلب ندبي واحد في طيلة هذه المدة، والثاني كماترى اذ ظاهر الدليل لمكان اللام - لكل عشرة أيام - اختصاص كل عشرة بطلب ندبي مختص بتلك العشرة مغاير للطلب في العشرة الاخرى فيكون كل طلب ينتهي ويفوت بفوات عشرته، فمع فوت الطلب الأول في العشرة الأولى من الشهرين في المثال لا محالة يبتدأ الطلب الثاني ببداية العشرة الثانية فتكون العشرة بتمامها ظرف للطلب لا أن يكون ظرف الطلب عاشر العشرة.

ملحق تتمة مسائل العمرة فى مناسك الحج

ملحق تتمة مسائل العمرة فى مناسك الحج((1))

(مسألة 139): تشترك العمرة المفردة مع عمرة التمتع في أعمالها وسيأتي بيان ذلك. وتفترق عنها في أمور:

1 - أن العمرة المفردة يجب لها طواف النساء ولا يجب ذلك لعمرة التمتع .

2 - أن عمرة التمتع لا تقع إلا في أشهر الحج وهي شوال وذو القعدة وذو الحجة، وتصح العمرة المفردة في جميع الشهور، وأفضلها شهر رجب وبعده شهر رمضان .

3 - ينحصر الخروج عن الاحرام في عمرة التمتع بالتقصير ولكن الخروج عن الاحرام في عمرة المفردة قد يكون بالتقصير وقد يكون بالحلق.

4 - يجب أن تقع عمرة التمتع والحج في سنة واحدة على ما يأتي وليس كذلك في العمرة المفردة فمن وجب عليه حج الافراد والعمرة المفردة جاز له أن يأتي بالحج في سنة والعمرة في سنة أخرى(1).

(1) لا خلاف في لزوم وقوع عمرة التمتع وحجّه في عام واحد، فلو أوقع العمرة في عام والحج في عام آخر لفسد التمتع. ويدلّ عليه ان حج التمتع مشروع في كل عام أعم من الأمر الندبي أو الوجوبي، غاية الأمر أن الوجوب منه لا يسقط لو تركه في عام بل يبقى الى العام اللاحق، بخلاف الندبي منه فإن لكل عام أمر ندبي يخصّه ويفوت بانقضائه، فلكل عام أمر يخصه بالنسكين، ومقتضاه معية النسكين في العام الواحد لمتعلّق الأمر، فلو لم يؤدّ النسك الثاني فسد المتعلّق بفوات وقت أمره، إذ كل


1) ([1]) مناسك الحج للمرجع الديني السيد أبي القاسم الخوئي(قدس سره) .

5 - إن من جامع في العمرة المفردة عالماً عامداً قبل الفراغ من السعي فسدت عمرته بلا اشكال ووجبت عليه الاعادة بأن يبقى في مكة الى الشهر القادم فيعيدها

ما هو قيد الحكم فهو قيد للمتعلّق، ومن الواضح أن ماهية المندوب هي بعينها ماهية الواجب.

وأما الاستدلال على ذلك بالارتباط بين النسكين، أو بكونه محتبساً بالنسك الثاني، أو بخلو الأخبار عن مشروعية التأخير لعام ثاني، أو بما دلّ على أن عمرة التمتع آخر وقتها قبل زوال عرفة وهو أعم من الدلالة على شرطية الاقتران في عام واحد، اذ غاية الأمر انّه محتبس ومرتبطبالنسك الثاني وباق على الارتهان حتى يأتي بالنسك الثاني ولو في العام الثاني، بعد أن يأتي بعمرة التمتع، إلا أن يرجع ذلك الى الاستدلال بالقدر المتيقن من مشروعيتهما.

نعم يمكن الاستدلال لذلك أيضاً بما دلّ على لزوم وقوعهما في أشهر الحج((1))وإلا لفسد التمتع مما يدلّ على ان وصلهما هو بايقاعهما معاً في أشهر الحج، وإلا لانقطع بمجيء الأشهر الأخرى، وعلى هذا يقرب الاستدلال بالارتباط وان العمرة دخلت في الحج كما شبّك بين يديه(صلى الله عليه وآله)((2)). وأيضاً يمكن الاستدلال بما دلّ على كيفية حج التمتع المشتمل على الأمر بايقاع الحج عقيب عمرة التمتع في نفس أشهر الحج من تلك السنة((3)).

وأما عمرة الافراد فيسوغ ايقاعها ولو في عام آخر لاطلاق الأمر لكل منهما، لكن سيأتي أن المشهور ذهب الى اشتراط تأخّر عمرة الافراد عن حجه وعدم صحّة تقديمها على الحج ولو قبل أشهر الحج، بل يظهر من البعض التقييد بعدم التأخير الى ما بعد الحج القابل، وسيأتي تحرير ذلك في حج الافراد.


1) ([1]) ابواب أقسام الحج ب10 و11 .

2) ([2]) ابواب أقسام الحج ب2 و15 .

3) ([3]) المصدر السابق ب22 .

فيه، وأما من جامع في عمرة التمتع ففي فساد عمرته اشكال، والأظهر عدم الفساد كما يأتي(1).

(مسألة 140): يجوز الاحرام للعمرة المفردة من نفس المواقيت التي يحرم منها لعمرة التمتع - ويأتي بيانها - واذا كان المكلّف في مكة واراد الاتيان بالعمرة المفردة جاز له أن يخرج من الحرم ويحرم، ولا يجب عليه الرجوع الى المواقيت والاحرام منها. والأولى أن يكون احرامه من الحديبية أو الجعرانة، أو التنعيم(2).

(مسالة 142): من أتى بعمرة مفردة في أشهر الحج وبقي اتفاقاً في مكة الى أوان الحج جاز له أن يجعلها عمرة التمتع ويأتي بالحج، ولا فرق في ذلك بين الحج الواجب والمندوب(3).

(1) سيأتي الكلام عنها في تروك الاحرام في الترك الثاني من مجامعة النساء.

(2) أو يجب على القولين في من أراد عمرة الافراد ماراً بالمواقيت البعيدة، ويدلّ عليه صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبداللّه - عليه السلام - قال: ((الحج والعمرة أن تحرم من المواقيت التي وقتها رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) لا تجاوزها إلا وأنت محرم)) الحديث((1)).

وكصحيح الحلبي قال: ((قال ابو عبداللّه - عليه السلام -: الاحرام من مواقيت خمسة وقّتهارسول اللّه(صلى الله عليه وآله) لا ينبغي لحاج ولا لمعتمر أن يحرم قبلها ولا بعدها))((2)) وتمام الكلام في المواقيت.

أما من كان في مكة وأراد عمرة الافراد فيسوغ له الاتيان من أدنى الحل، لصحيحة عمر بن يزيد عن أبي عبداللّه - عليه السلام - قال: ((من أراد أن يخرج من مكة ليعتمر أحرم من الجعرانة أو الحديبية أو ما أشبهها))((3)) وفي مرسل الصدوق أنه(صلى الله عليه وآله) اعتمر عمرتين من أدنى الحل، عمرة الحديبية وعمرته بعد غزوة حنين.

(3) كما حكي ذلك عن المشهور خلافاً لابن برّاج حيث قال في آخر كتاب الحج: من دخل مكة بعمرة مفردة في أشهر الحج جاز له أن يقضيها ويخرج لأي موضع أراد


1) ([4]) ابواب المواقيت ب 1 ح2 .

2) ([1]) ابواب المواقيت ب 1 ح3 .

3) ([2]) ابواب المواقيت ب22 ح1 .

…

مالم يدركه يوم التروية والأفضل له أن يقيم حتى يحج ويجعلها متعة((1)). ثم إن مقتضى تعبيرهم (من أحرم بالمفردة ودخل مكة جاز أن ينوي التمتع ويلزمه دم)((2))يوهم انقلاب عمرته المفردة الى المتعة بمجرّد نيّة القلب، ومن ثم يحتبس بالحج ويلزم عليه الدم، لكن الظاهر انّه غير مراد لهم، بل مرادهم جواز ايقاع الحج بعدها بنيّة التمتع وانّه يلزمه الدم، كما أن مقتضى الجمود على تعبيرهم أنه مخيّر فيما يأتي به من الحج الموصول بالعمرة المزبورة أن ينويه تمتع أو افراد. ولكن ظاهر الروايات الآتية خلاف ذلك حيث أن مفادها أن وصل العمرة في الأشهر الثلاثة بالحج يعيّن كون ماهية الحج المأتي به تمتع.

وروايات الباب على طوائف ثلاث:

الأولى: ما دلّ على جواز العمرة المفردة في أشهر الحج، ومن ثم يجوز له الرجوع الى أهله، كصحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه - عليه السلام - قال: ((لابأس بالعمرة المفردة في أشهر الحج ثم يرجع الى أهله))((3)) وكصحيح ابراهيم بن عمر اليماني عن أبي عبداللّه - عليه السلام - أنه سئل عن رجل خرج في أشهر الحج معتمراً ثم خرج (رجع) الى بلاده. قال: ((لابأس، وإن حج من عامه ذلك وأفرد الحج فليس عليه دم، وان الحسين بن علي(عليهما السلام) خرج يوم التروية الى العراق وكان معتمراً))((4)) ونظيرها مصحح معاوية بن عمّار((5))،

وكذا صدرصحيحة عمر بن يزيد((6)) وكذا صدر الصحيحة الأخرى لعبداللّه بن سنان في المملوك((7)) وكذا صدر موثق سماعة بن مهران((8)).

الثانية: ما دلّ على الاحتباس بالحج بمجرّد اتيان العمرة في الأشهر الثلاثة كصحيح عمر بن يزيد عن أبي عبداللّه - عليه السلام - قال: ((من اعتمر عمرة مفردة فله أن يخرج الى


1) ([3]) المهذب ص272 .

2) ([4]) الجواهر ص485 ج7 .

3) ([5]) ابواب العمرة ب7 ح1 .

4) ([6]) الباب المتقدم ح2.

5) ([7]) الباب المتقدم ح3.

6) ([1]) الباب المتقدم ح9.

7) ([2]) الباب المتقدم ح11.

8) ([3]) الباب المتقدم ح13.

…

أهله متى شاء إلا أن يدركه خروج الناس يوم التروية))((1)) والصحيح الى موسى بن القاسم قال: أخبرني بعض أصحابنا أنه سال أبا جعفر - عليه السلام - في عشر من شوال فقال: ((انّي أريد أن افرد عمرة هذا الشهر فقال له: انت مرتهن بالحج))((2))، ورواية علي ابن أبي حمزة قال: ((ساله أبو بصير وأنا حاضر عمّن أهلّ بالعمرة في أشهر الحج له أن يرجع؟ قال: ليس في أشهر الحج عمرة يرجع منها الى أهله ولكنه يحتبس بمكة حتى يقضي حجّه لأنه إنما أحرم لذلك))((3))، وحسنة عمر بن يزيد عن أبي عبداللّه - عليه السلام - قال: ((من دخل مكة بعمرة فأقام الى هلال ذي الحجة فليس له أن يخرج حتى يحج مع الناس))((4))، وصحيحة عبداللّه بن سنان أنه سأل أبا عبداللّه - عليه السلام - عن المملوك يكون في الظهر يرعى وهو يرضى أن يعتمر ثم يخرج فقال: ((إن كان اعتمر في ذي القعدة فحسن، وإن كان في ذي الحجة فلا يصلح إلا الحج))((5)).

الثالثة: وهي ما دلّ على أن الحج الموصول بالعمرة في الأشهر الثلاثة من دون فصل خروج يتعين ماهيته في حج التمتع ولا يقع افراد فيلزمه الدم باعتبار حقيقة التمتع هو بالوصل بين النسكين والافراد بالفصل بينهما كصحيحة يعقوب بن شعيب قال: ((سألت ابا عبداللّه - عليه السلام - عن المعتمر في أشهر الحج، قال هي متعة))((6)).وصحيحة عمر بن يزيد عن أبي عبداللّه - عليه السلام - قال: ((من دخل مكة معتمراً مفرداً للعمرة فقضى عمرته ثم خرج كان ذلك له وان أقام الى أن يدرك الحج كانت عمرته متعةً))((7)).

وصحيحة عبدالرحمن بن أبي عبداللّه عن أبي عبداللّه - عليه السلام - قال: ((العمرة في العشر متعة))((8)).

وموثق سماعة بن مهران عن أبي عبداللّه - عليه السلام - أنه قال: ((من حجّ معتمراً في شوال ومن


1) ([4]) الباب المتقدم ح9 .

2) ([5]) الباب السابق ح8 .

3) ([6]) الباب السابق ح7 .

4) ([7]) الباب السابق ح6 .

5) ([8]) الباب السابق ح11 .

6) ([9]) الباب السابق ح4 .

7) ([1]) الباب السابق ح5 .

8) ([2]) الباب السابق ح10 .

…

نيته أن يعتمر ويرجع الى بلاده فلابأس بذلك وان أقام الى الحج فهو متمتع، لأن أشهر الحج شوال وذو القعدة وذو الحجة)) الحديث((1)).

وبالجمع بين الطائفة الأولى والثانية والثالثة يتحصل أن مفاد الثانية محمول على الندب أو على مفاد الثالث، أو على نيته للتمتع من أول الأمر وإن كان الأقوى الأولين.

فروع ابتلائية في العمرة

الفرع الأول: هل يجوز لمن أنهى أعمال مكة في اليوم العاشر أو الحادي عشر أو الثاني عشر وقبل النفر من منى الاتيان بعمرة مفردة عن نفسه أو عن الغير، وعلى فرض عدم الجواز ما هو حكم من أتى بها؟

الجواب: توجد في المقام طوائف من الروايات يمكن أن ينقح بها الحال بعد القول بمشروعية العمرة مطلقاً من دون فصل.

الطائفة الأولى: ما تدلّ على مشروعية العمرة مطلقاً بعد الحلق، المحمولة على التحلل التام ولو في أيام التشريق كصحيحة معاوية بن عمّار قال: ((سئل أبو عبداللّه - عليه السلام -عن رجل أفرد الحج، هل له أن يعتمر بعد الحج؟ قال: نعم، اذا أمكن الموس من رأسه فحسن))((2))وكصحيحة عبدالرحمن بن أبي عبداللّه قال: ((سألت ابا عبداللّه - عليه السلام - عن العمرة بعد الحج؟ قال: اذا أمكن الموس من رأسه فحسن))((3)) ومصحح عبدالرحمن ابن أبيعبداللّه عن أبي عبداللّه - عليه السلام - قال: ((قلت له: العمرة بعد الحج، قال: اذا أمكن الموس من الرأس))((4)).

الطائفة الثانية: ما دلّ على المنع كصحيحة معاوية بن عمار قال: ((قلت لأبي


1) ([3]) الباب السابق ح14 .

2) ([4]) ابواب استحباب العمرة بعد الحج ح1 .

3) ([5]) ابواب استحباب العمرة بعد الحج ح2 .

4) ([1]) ابواب استحباب العمرة بعد الحج ح3 .

…

عبداللّه - عليه السلام - رجل جاء حاجاً ففاته الحج ولم يكن طاف قال: يقيم مع الناس حراماً أيّام التشريق ولا عمرة فيها، فاذا انقضت طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة وأحل وعليه الحج من قابل يحرم من حيث أحرم))((1)). ولكن قد روى صاحب الوسائل في نفس الباب ما يعارضها كصحيحة حريز قال: ((سئل أبو عبداللّه - عليه السلام - عن مفرد الحج فاته الموقفان جميعاً فقال له: الى طلوع الشمس من يوم النحر، فإن طلعت الشمس يوم النحر فليس له حج ويجعلها عمرة وعليه الحج من قابل: قلت كيف يصنع؟ قال: يطوف بالبيت وبالصفا وبالمروة، فإن شاء اقام بمكة وإن شاء اقام بمنى مع الناس وإن شاء ذهب حيث شاء ليس هو من الناس في شيء))((2)) ومثلها معتبرة داود بن كثير الرقي، قال: ((كنت مع أبي عبداللّه - عليه السلام - بمنى اذ دخل عليه رجل فقال: قدم اليوم قوم قد فاتهم الحج، قال: نسأل اللّه العافية، قال: أرى عليهم أن يهريق كل واحد منهم دم شاة ويحلون] يحلق[ وعليهم الحج من قابل إن انصرفوا الى بلادهم، وإن أقاموا حتى تمضي أيام التشريق بمكة ثم خرجوا الى بعض مواقيت أهل مكة فأحرموا منه فاعتمروا فليس عليهم الحج من قابل))((3)).

معتبرة ضريس بن أعين، قال: ((سألت أبا جعفر - عليه السلام - عن رجل خرج متمتعاً بالعمرة الى الحج فلم يبلغ مكة إلا يوم النحر فقال: يقيم على احرامه ويقطع التلبية حتى يدخل مكة فيطوف ويسعى بين الصفا والمروة، ويحلق رأسه وينصرف الى أهله، إن شاء، وقال: هذا لمن اشترط على ربّه عند احرامه، فان لم يكن اشترط فانّ عليه الحج من قابل))((4)).

ومثلها رواية علي بن الفضل الواسطي عن أبي الحسن - عليه السلام -((5))

ومقتضى الجمع بينهما هو حمل صحيحة معاوية على الكراهة ولعلّ معتبرة الرقي أيضاً دالّة على مثل مفادصحيحة معاوية اذا فسرنا ((ويحلون)) بسبب هراقة الدم لا بإتيان العمرة لكن مقتضى الجمع ما عرفت.


1) ([2]) ابواب الوقوف بالمشعر ب27 ح3 .

2) ([3]) ابواب الوقوف بالمشعر ب27 ح4.

3) ([4]) ابواب الوقوف بالمشعر ب27 ح5 .

4) ([5]) ابواب الوقوف بالمشعر ب27 ح2 .

5) ([6]) ابواب الوقوف بالمشعر ب27 ح6 .

فصل فى أقسام الحج

اشارة

وهي ثلاثة بالاجماع والاخبار: تمتع، وقران، وافراد، والأول فرض من كان بعيداً عن مكة، والاخران فرض من كان حاضراً - أي غير بعيد - وحد البعد الموجب للأول ثمانية وأربعون ميلاً من كل جانب على المشهور الأقوى لصحيحة زرارة عن أبي جعفر - عليه السلام -: قلت له قول اللّه عزّوجل في كتابه (ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام) فقال - عليه السلام -: يعني أهل مكّة ليس عليهم متعة، كلّ من كان أهله دون ثمانية واربعين ميلاً ذات عرق وعسفان كما يدور حول مكّة فهو ممّن دخل في هذه الآية، وكلّ من كان أهله وراء ذلك فعليه المتعة، وخبره عنه - عليه السلام - سألته عن قول اللّه عزّوجل ذلك الخ قال: لأهل مكّة ليس لهم متعة ولا عليهم عمرة، قلت: فما حدّ ذلك؟ قال: ثمانية وأربعون ميلاً عن جميع نواحي مكّة دون عسفان وذات عرق. ويستفاد أيضاً من جملة من أخبار أخر. والقول بأن حدّه اثنا عشر ميلاً من كلّ جانب كما عليه جماعة ضعيف، لا دليل عليه إلا الأصل، فإنّ مقتضى جملة من الأخبار وجوب التمتع على كلّ أحد والقدر المتيقّن الخارج منها من كان دون الحدّ المذكور، وهو مقطوع بما مرّ، أو دعوى أن الحاضر مقابل للمسافر، والسفر أربعة فراسخ، وهو كماترى، أو دعوى انّ الحاضر المعلّق عليه وجوب غير التمتع أمر عرفي، والعرف لا يساعد على أزيد من اثني عشر ميلاً، وهذا أيضاً كماترى، كما انّ دعوى انّ المراد من ثمانية وأربعين التوزيع على الجهات الاربع فيكون من كلّ جهة اثنا عشر ميلاً منافية لظاهر تلك الأخبار، وأما صحيحة حريز الدالّة على أن حدّ البعد ثمانية عشر ميلاً فلا عامل بها، كما لا عامل بصحيحتي حمّاد بن عثمان

والحلبي الدالتين على انّ الحاضر من كان دون المواقيت إلى مكّة وهل يعتبر الحدّ المذكور من مكّة أو من المسجد؟ وجهان، اقربهما الأول ومن كان على نفس الحدّ فالظاهر انّ وظيفته التمتع، لتعليق حكم الإفراد والقران على ما دون الحدّ، ولو شك في كون منزله في الحدّ أو خارجه وجب عليه الفحص، ومع عدم تمكّنه يراعى الاحتياط، وإن كان لا يبعد القول بأنه يجري عليه حكم الخارج فيجب عليه التمتع، لأن غيره معلّق على عنوان الحاضر، وهومشكوك فيكون كما لو شك في انّ المسافة ثمانية فراسخ أو لا، فإنه يصلي تماماً، لأن القصر معلّق على السفر وهو مشكوك ثم ما ذكر انّما هو بالنسبة إلى حجّة الاسلام حيث لا يجزي للبعيد إلا التمتع، ولا للحاضر إلا الإفراد أو القران، وأما بالنسبة إلى الحج الندبي فيجوز لكلّ من البعيد والحاضر كلّ من الأقسام الثلاثة بلا اشكال، وان كان الافضل اختيار التمتع، وكذا بالنسبة إلى الواجب غير حجّة الاسلام كالحج النذري وغيره(1).

(1) وفي المسألة جهات:

الجهة الأولى: كون الفرض على النائي التمتع

ولم يحك خلاف في تعين التمتع على النائي خلافاً للعامّة، ويستدل له مضافاً الى ذلك بالآية الكريمة (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْىِ وَلاَ تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْىُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذىً مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَام أَوْ صَدَقَة أَوْ نُسُك فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْىِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَ-ثَةِ أَيَّام فِى الْحَجِّ وَسَبْعَة إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَ لِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ)((1)) بتقريب أن قوله تعالى (فمن تمتع) وإن كان ظاهره البدوي هو في أصل مشروعية حج التمتع وليس بلفظ هيئة الطلب كي يقال أن اطلاقها دالّ على التعيينية ولأجل ذلك ذكر غير واحد أن ظاهر الآية حصر التمتع في النائي لا


1) ([1]) البقرة: 196 .

…

حصر النائي في التمتع، فلا يستفاد التعيين منها، إلا انّ الصحيح استفادة ذلك حيث أن ورود مشروعية التمتع هو في مقام دفع توهم حضر التحلل في الاحرام الواحد للحج بعد كون التلبية هي للنسكين بنحو الطولية، وبعد كون القصد للبيت هو لفرض وأداء الحج، ومن ثم اعترض غير واحد ممّن صحب رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) جهالة، فالتعبير بما يفيد المشروعية هو لأجل ذلك من غير منافاة ارادة التعيين زيادة على المشروعية نظير ما في آية التقصير، وآية الطواف بين الصفا والمروة بلفظ (لاجناح)وحينئذ تكون الآية دالّة على التعيين.

نعم قد يقال: انّ لازم ذلك كون الآية في صدد حصر تعيين المتعة في النائي ونفي ذلك التعيين عن الحاضر لا نفي مشروعية التمتع للحاضر.

فأقول: سيأتي أن المحصل من الروايات في الحاضر أن مشروعية التمتع يدور مدار الميقات لا مدار وطن المستطيع فقط. ويستدل على تعيين التمتع بالروايات المستفيضة كصحيحة الحلبي، عن أبي عبداللّه - عليه السلام - قال: ((دخلت العمرة في الحج الى يوم القيامة لأن اللّهتعالى يقول: (فمن تمتع بالعمرة الى الحج فما استيسر من الهدي) فليس لاحد إلا أن يتمتع لأن اللّه أنزل ذلك في كتابه وجرت به السنّة من رسول اللّه(صلى الله عليه وآله)))((1)) وغيرها من الروايات((2)).

قاعدة تباين أو وحدة أنواع الحج

اشارة

الجهة الثانية: في كون الافراد والقران وظيفة الحاضر

ولم يذكر خلاف في ذلك إلا عن الشيخ وابن سعيد، قال في المبسوط: (فان تمتع من قلناه - الحاضر - من أصحابنا من قال انّه لا يجزيه، وفيهم من قال يجزيه، وهو الصحيح لأن من تمتع قد اتى بالحج وبجميع افعاله، وانّما أضاف اليه أفعال العمرة قبل ذلك، ولا ينافي ذلك ما يأتي به من أفعال الحج في المستقبل، ومن الناس من


1) ([1]) ب3 ابواب أقسام الحج ح2 .

2) ([2]) ب3 ابواب أقسام الحج باب2 نفس الأبواب.

…

قال المكي لا يصح منه التمتع أصلاً، وفيهم من قال يصح ذلك منه غير انّه لا يلزمه دم المتعة وهو الصحيح، لقوله تعالى (ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام)يعني الهدي الذي تقدم ذكره قبل هذا الكلام بلا فصل((1)) لكنه في النهاية منع الاجزاء عن التمتع((2))، واشكل عليه في كشف اللثام انّه يتم في أهل مكة دون غيرهم من الحاضرين، فإن عليهم الاحرام بالحج من الميقات أو منازلهم والمتمتع يحرم به من مكة، واستدلال الشيخ في المبسوط يرجع الى وجهين:

الأول: كون التمتع فيه حقيقة الافراد وزيادة.

الثاني:رجوع اسم الاشارة في الآية الى الهدي فيكون صدر الآية عاماً للحاضر.

وتنقيح الحال في الوجه الأول: فقد تقرب دعوى الشيخ بأن ما ورد من تقسيم الحج في الروايات الى المفرد والقارن والمتمتع كصحيحة معاوية بن عمّار قال: ((سمعت أبا عبداللّه - عليه السلام - يقول: الحج ثلاث أصناف حج مفرد وقران وتمتع بالعمرة الى الحج وبها أمر رسول اللّه(صلى الله عليه وآله)...الحديث((3)) ان التقسيم عرض وليس في نوع الماهية، فالمقسم هو النوع والاقسام هي الاصناف، وان الافراد هو الطبيعة النوعية للحج لا بشرط، بخلاف التمتع والقران فهو الطبيعة بشرط شيء نظير ما قيل في صلاتي الفرادى والجماعة، ويظهر من اشكال كاشف اللثام على الشيخ بالتفصيل ارتضاءه لذلك، ويمكن أن يستشهد له بأن القران كيفية لعقد الاحرامبديلة عن التلبية كما هو مفاد صحيح معاوية بن عمّار عن أبي عبداللّه - عليه السلام - قال: ((يوجب الاحرام ثلاثة اشياء: التلبية والاشعار والتقليد، فاذا فعل شيئاً من هذه الثلاثة فقد احرم))((4)). وفي صحيح حريز عن أبي عبداللّه - عليه السلام - في حديث قال - عليه السلام -: ((فانّه اذا اشعرها وقلّدها وجب عليه الاحرام وهو بمنزلة


1) ([3]) المبسوط ج1 ص306 .

2) ([4]) النهاية ج1 ص462 .

3) ([5]) ابواب أقسام الحج ب 1 ح1 .

4) ([1]) ابواب أقسام الحج ب12 ح20 .

…

التلبية))((1)) فيكون الخلاف بين الافراد والقران هو في كيفية عقد الاحرام، ومن المعلوم انّ الاحرام خارج عن حقيقة النسك، غاية الأمر يترتب على كيفية الاحرام أحكام من قبيل عدم امكان تبديل الافراد الى تمتع ونحو ذلك. وحيث يكون التقسيم اليها عرضي لا تنويعي فلا محالة يكون التقسيم اليهما والى التمتع عرضي أيضاً بكون التمتع تسبقه العمرة الخارجة عن ماهية الحج النوعية، غاية الأمر مرتبطة بالحج، وهذا الارتباط وإن كان وضعياً إلا انّه لصحة التمتع الذي هو ماهيّة صنفية لا لأجل صحّة أصل ماهية الحج النوعية.

ثانياً: يستشهد له أيضاً بما ذهب اليه المشهور - كما سيأتي - من جواز التمتع للحاضر اذا خرج ومرّ في رجوعه بأحد المواقيت فانّ ذلك يعني تخيره مطلقاً بين القسمين لأن المتمتع اذا أراد أن يأتي به لابد أن يأتي به من المواقيت البعيدة.

ثالثاً: ما في صحيح عبداللّه بن زرارة من اطلاق حج الافراد على حج التمتع بعد عمرته قال - عليه السلام -: ((ثم استأنف الاهلال بالحج مفرداً الى منى))((2)).

ويشكل عليه:

أولاً: بأن التغاير العرضي لا يعني عدم التباين في الاعراض، وعلى تقدير كونها بنحو لا بشرط وبشرط شيء فقد يتعين في ذمّة المكلّف صنف دون صنف آخر واللازم على الشيخ اثبات الافراد بنحو الماهية لا بشرط.

ثانياً: ما ذكره كاشف اللثام من أن غير أهل مكة من الحاضرين ميقات حج الافراد لهم دويرية أهلهم وليس داخل مكة بخلاف احرام حج التمتع.

ثالثا: انّ غاية ما يستشهد به للشيخ هو مشروعية التمتع للحاضرين من المواقيت البعيدة لا مشروعية لهم من مواقيتهم القريبة.


1) ([2]) ابواب أقسام الحج ب 12 ح19 .

2) ([3]) ب5 ابواب أقسام الحج ح11 .

…نعم بناءً على الالتزام بمشروعية التمتع للحاضرين من المواقيت البعيدة لابد من حمل الروايات الاتية الدالّة على أن الحاضرين لا متعة لهم جمعاً بينها وبين ما دلّ على ذلك، حملها على انّ المتعة غير مشروعة من قرب وان قوام المتعة على الاحرام من المواقيت البعيدة كما انّ قوامها في تقدم العمرة على حجها في اشهر الحج من دون فصل نسك آخر وان ميقات احرام الحج فيه مكة.

رابعاً: انّ القران ليس بسبب لعقد الاحرام مطلقاً وإن كان هو ظاهر عدة روايات إلا انّ المستفيضة الواردة كصحيح معاوية عن أبي عبداللّه - عليه السلام - انّه قال في القارن ((لا يكون قران إلا بسياق الهدي وعليه طواف بالبيت... وطواف بعد الحج))((1)) ومثله صحيح الفضيل بن يسار عن أبي عبداللّه - عليه السلام - قال قال ((الذي يسوق الهدي عليه طوافان بالبيت وسعي واحد بين الصفا والمروة وينبغي له أن يشترط على ربه إن لم تكن حجّة فعمرة))((2)) ومثلها كثير من الروايات، وهذا اللسان في صدد شرح نفس القران ولم يؤخذ كوصف للحج بل أخذ الحج كأثر مترتب على ايجاده وهذا وجه حصر المشهور له في الحج وتتمة ذلك يأتي في الاحرام.

فتحصل انّ الاتحاد بين الافراد والتمتع ليس بقول مطلق كما ذكره الشيخ اذ بينهما اختلاف في المواقيت في الجملة. وفي صحيح عبداللّه بن زرارة قال - عليه السلام -: ((والقارن لا يحل حتى يبلغ الهدي محله النحر بمنى))((3))

أما الوجه الثاني: فظاهر اسم الاشارة رجوعه الى المفاد الأصلي الى صدر الآية وهو مشروعية التمتع.

نعم على التقريب الذي ذكرنا للآية من انّ المشروعية بمعنى التعين يصلح أن يكون


1) ([1]) ب2 ابواب أقسام الحج ح1 .

2) ([2]) ب2 ابواب أقسام الحج ح2 .

3) ([3]) ب5 ابواب أقسام الحج ح11 .

…

المشار اليه هو تعين التمتع، لكن بالالتفات الى وجود اللام بعد اسم الاشارة ينحصر المشار اليه في مشروعية التمتع لا الهدي ولا تعينية التمتع، كما هو صريح الروايات الآتية. غاية الأمر انّ نفي المشهور مطلق سواء من ميقاتهم أو من المواقيت البعيدة فتقيد على القول بجوازها لهم من بعد.هذا واستدلّ المشهور مضافاً لظهور الآية بصحيح الفضلاء عن أبي عبداللّه - عليه السلام -قال: ((ليس لأهل مكة، ولا لأهل مر، ولا لأهل سرف، متعة، وذلك لقول اللّه عزوجل (ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام)))((1)).

وفي صحيح علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر - عليه السلام -: ((لأهل مكة أن يتمتعوا بالعمرة الى الحج؟ فقال: لا يصلح أن يتمتعوا))((2))، لكن في صحيح زرارة فسر - عليه السلام - الآية قال: ((يعني أهل مكة ليس عليهم متعة، كل من...))((3)) لكن في أغلب الصحاح ((ليس لهم متعة))((4)).

وفي صحيح زرارة الآخر ((ليس لهم متعة ولا عليهم عمرة))((5)).

والوجه في التعبير باللام تارة و(على) اخرى ان التحلل في الأثناء في التمتع يطلق عليه متعة فمن ثم عبر في نفيها باللام.

وأما العمرة في التمتع فهو كلفة فعبر عن نفيها ب-(على).

الجهة الثالثة: تحديد المسافة حدّ البعد الموجب للتمتع

فيه أقوال: الأول: ما ذهب اليه المشهور وهو ثمانية واربعين ميلاً من كل جانب.

الثاني: ما ذهب اليه جماعة منهم المحقق والعلامة والشيخ والطبرسي والراوندي والشهيد الثاني، وفي الجواهر أنه أقوى وهو اثني عشر ميلاً.


1) ([1]) ب6 ابواب أقسام الحج ح1 .

2) ([2]) ب6 ابواب أقسام الحج ح2 .

3) ([3]) ب6 ابواب أقسام الحج ح3 .

4) ([4]) ب6 ابواب أقسام الحج .

5) ([5]) ب6 ابواب أقسام الحج .

…

واستدل للقول الأول بالروايات منها:

الأولى: صحيحة زرارة عن أبي جعفر - عليه السلام - قال: ((قلت لأبي جعفر - عليه السلام -: قول اللّه عزوجل في كتابه (ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام) قال: يعني أهل مكة ليس عليهم متعة، كل من كان أهله دون ثمانية وأربعين ميلاً ذات عرق وعسفان كما يدور حول مكة فهو ممّن دخل في هذه الآية وكل من كان أهله وراء ذلك فعليهم المتعة))((1)) وعسفان تبعد ما يقارب مرحلتين، وكما في الخرائط الحديثة تبعد ما يقارب ثمانين كيلو متراً على الطريق الحديث، فالظاهر انّ الطريق القديم يختلف عنه وهو بحد ضعف المسافة الشرعية.وذات عرق وهي الحد الفاصل بين نجد وتهامة، وهي ميقات أهل العراق، وهي على مرحلتين من مكة كما في تاريخ البلدان لليعقوبي.

وتقريب دلالة الرواية انّ ظاهرها جعل الثمانية والاربعين حداً فاصلاً بين الحاضر والنائي بل هو صريحها بقرينة ذكر ذات عرق وعسفان، سواء كان ذكرهما عطف بدل للثمانية والاربعين، أو نسخة الرواية كما حكي عن بعض نسخ التهذيب هي بلفظ ((دون ذات عرق)) فتكون عطف بدل لذات عرق، فتكون صريحة في ارادة ذلك البعد من نفس مكة، ويكون المراد من ((كما يدور حول مكة)) أن هذا البعد كنصف قطر يرسم دائرة حول مكة لا ما احتمله أصحاب القول الثاني من تفسير الدوران حول مكة بتوزيع المسافة المذكورة على الأبعاد الأربعة وان كان هذا التفسير محتمل ومتجه لولا هذه القرينة الصريحة.

الثانية: وفي رواية أخرى لزرارة مصححة قال سألته عن قول اللّه (ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام)؟ قال: ((ذلك أهل مكة، ليس لهم متعة، ولا عليهم عمرة، قال: قلت: فما حد ذلك؟ قال: ثمانية وأربعين ميلاً من جميع نواحي مكة دون عسفان ودون ذات


1) ([6]) ابواب أقسام الحج ب 6 ح3 .

…

عرق))((1)).

وتقريب دلالتها كالسابقة والتعبير فيها بدون عسفان وذات عرق لا ينافي جعل الحد ثمانية وأربعين اذ المراد من ذلك الحد ما دونه فلا تدافع بين هذا المفاد في نفسه ولا مع روايته السابقة.

الثالثة: نعم ما في رواية أبي بصير عن أبي عبداللّه - عليه السلام - قال: ((قلت: لأهل مكة متعة؟ قال: لا، ولا لأهل بستان، ولا لأهل ذات عرق، ولا لأهل عسفان ونحوها))((2)) ينافي كون ذات عرق وعسفان هما على نفس الحد ويفيد أنهما دونه داخل في المنطقة المحددة، لكنها على أي حال أيضاً صريحة في القول الأول. و(مر) قرية قرب مكة على وادي اسمه وادي ظهران فسميت القرية باسمه (مر الظهران) كما في معجم البلدان.

وعن القاموس انّه موضع من مكة على مرحلة، وعن الواقدي وان سرف موضع قريب من تنعيم، وعن النهاية انّه على عشرة أميال من مكة.

الرابعة: وما في عدة من الروايات المعتبرة من نفي المتعة لأهل مكة ولأهل مر ولأهل سرف ولأهل بستان((3)) وهي مناطق تقع في الطريق بين مكة وعسفان ثم انّ هناك طائفة أخرى منالروايات جعلت الحد مادون الاوقات كصحيحة حماد بن عثمان عن أبي عبداللّه - عليه السلام - في حاضري المسجد الحرام قال: ((مادون الأوقات الى مكة))((4)).

صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه - عليه السلام -: قال: ((في حاضري المسجد الحرام قال: مادون المواقيت الى مكة فهو حاضري المسجد الحرام، وليس لهم متعة))((5)).


1) ([1]) ب6 ابواب أقسام الحج ح7 .

2) ([2]) ب6 ابواب أقسام الحج ح13 .

3) ([3]) ب6 ابواب أقسام الحج ح .

4) ([1]) ب6 ابواب أقسام الحج ح5 .

5) ([2]) ب6 ابواب أقسام الحج ح4 .

…

ومن المحتمل قوياً في مفاد هذه الطائفة انّ المراد بها هو مادون المواقيت كلها كما ذكر صاحب الوسائل وغيره اذ انّ قرن المنازل ويلملم وذات عرق (العقيق) كلها على مرحلتين من مكة وهي تساوي ثمانية وأربعين ميلاً وذلك بنفسه قرينة على تعيين هذا الاحتمال في هذه الطائفة ولاسيّما وانّ التعبير بلفظة الجمع في المواقيت.

وهناك طائفة ثالثة: وهي صحيحة حريز عن أبي عبداللّه - عليه السلام - في قول اللّه عزوجل (ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام) قال: ((من كان منزله على ثمانية عشر ميلاً من بين يديها، وثمانية عشر ميلاً من خلفها، وثمانية عشر ميلاً عن يمينها، وثمانية عشر ميلاً عن يسارها، فلا متعة له مثل مر وأشباهه))((1)).

وهذه الرواية كما ذكر غير واحد ليس فيها لسان تحديد للحد وانّما فيها بيان انّ من كان على ذلك المقدار فلا متعة له اذ هو داخل في الحد بمقتضى الروايات فلا تنهض هذه الرواية للمعارضة.

هذا وقد استدل للقول الثاني بأمور:

الأول: حمل الروايات المحددة لثمانية واربعين على التحديد من الجهات الأربع بقرينة ((يدور حول مكة)) وهو وإن كان متجه لولا قرينة عسفان وذات عرق.

الثاني: انّ مفهوم الحضور والنائي والابتعاد المحقق لعنوان السفر هو بتحديد الشرع الوارد في صلاة المسافر والصوم قد أخذ في تفصيل الآية.

وقد أشكل على هذا الاستدلال تارةً بأن العنوان في الآية هو حضور الأهل لا حضور المكلّف نفسه، وأخرى بانّه لو كان الحضور في مقابل المسافر لكان اللازم دوران الحكم على السفر والحضر كقصر الصلاة وتمامها.

وثالثة مع وجود الروايات المحددة بثمانية وأربعين لا مجال للأخذ باطلاق


1) ([3]) ب6 ابواب أقسام الحج ح10 .

…

الحاضر ومقابليه.

والصحيح عدم ورود الاشكالين الأولين فان الثاني يدفع بالأول منهما أي بأن الحضور أخذ وصفاً لموطن المكلف لا لتواجده الفعلي.

وأما عدم ورود الأول فلأن الحضور وان اضيف إلى الأهل، إلا انّه لا يخرج عن معنى اللغوي الذي قد حدده الشارع بحد معين، فالعمدة هو الثالث. وببركة القرينة التي ذكرناها في الروايات وإلا لكان الاستدلال بهذا الثاني لحمل الثمانية والأربعين على الجهات الاربع متجه جداً، لأن اثني عشر ميلاً ذهاباً وإياباً محققة للمسافة.

وفي المقام فروع:

الأول: لو شك في كون منزله في الحد أو خارجه وجب عليه الفحص لما حررناه في صلاة المسافر((1)) من عدم صحة ما شاع في الأعصار الأخيرة من عدم لزوم الفحص في الشبهة الموضوعية مطلقا، بل الصحيح هو التفصيل ويندرج فيما يلزم الفحص عنه الموضوعات التي أخذ فيها تقدير معين.

هذا ولو لم يتمكن من الفحص أو لم يصل لكشف حال الواقع فمتقضى القاعدة عند الشك بالنسبة للأصل اللفظي هو بتقريب العموم الأولي وهو عموم (واتموا الحج والعمرة للّه)((2)) وقوله تعالى (وللّه على الناس حج البيت)((3)) بشموله للأنواع الثلاثة والخدشة فيه انّه في مقام أصل التشريع أو تشريع الحكم لا بيان المتعلّق مدفوعة، اذ يمكن تعميم ذلك العموم بمعاضدة الاطلاقات الواردة في ماهية الحج وانّه على ثلاثة أنواع من دون اخذ موضوع خاص في تلك الاطلاقات البيانية في ماهية الحج، بل انّ الطائفة المستفيضة((4)) بأفضلية حج التمتع الدالة على مشروعية


1) ([1]) سند العروة الوثقى، المسألة الخامسة من الفصل الأول / صلاة المسافر.

2) ([2]) البقرة: 196 .

3) ([3]) آل عمران: 97 .

4) ([4]) ابواب أقسام الحج ب4.

…

الأنواع غاية الأمر خرج ما خرج بالدليل وتبقى الافراد المشكوكة تحت العموم كما قد بقي المندوب.نعم هناك عموم في الدرجة الثانية وهو قوله تعالى (فمن تمتع بالعمرة الى الحج)((1)) إلا انّه خدش فيه تارة بأن المخصص المجمل متصل به، وأخرى بأن هذا المخصص يكسب العموم عنواناً وجودياً وهو النائي فالاجمال في كل من العنوانين الوجوديين العام والخاص أو أنه يكسبه عنواناً عدمياً وهو من لم يكن حاضر إلا انّه مجمل أيضاً لأنه نفي للعنوان المجمل.

والصحيح انّ التمسك بالعموم تارة يراد في الشبهة الحكمية وأخرى في الشبهة الموضوعية المصداقية وعلى كلا التقديرين فالصحيح الذي قد حررناه في باب العام والخاص أن المخصص لا يكسب العام عنواناً وجودياً إلا اذا كان من قبيل الضدين اللذين لا ثالث لهما، كما لا يكسبه عنواناً عدمياً ناعتاً الذي يكون بمنزلة العنوان الوجودي فيتسبب في اجمال العام بل يكون من قبيل السلب المحصل. ثمّ انّه في الشبهة الحكمية ان كان المخصص منفصلاً مجملاً فلا يسري اجماله الى العام بناءً على ما ذكرنا بل يقتصر على القدر المتيقن بخلاف ما لو كان متصلاً، وأما في الشبهة المصداقية والموضوعية فيتم التمسك بالعموم بمعونة الأصل العدمي المنقح للموضوع بعدم صدق الخاص عليه سواء العدم الازلي أو العدم السابق.

ودعوى كون الخاص في المقام متصلاً بمجرّد اتصال السياق ممنوعة. ان الجملة اللفظية للعموم قد استتمت وذكر بعدها جملاً أخرى مشتملة على أحكام مترتبة ثم بدأ بجملة أخرى مستأنفة. نعم قد يقرب بأن اسم الاشارة بمنزلة تكرر العموم ثم فسّر موضوعه بنفي الخاص وهو متين يخدش بالتمسك بالعموم في الشبهة الحكمية


1) ([1]) البقرة: 196 .

…

دون الموضوعية لأن السلب فيه محصل ولكن يمكن الاستعاضة عنه بالروايات الصحيحة مثل صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه - عليه السلام - قال: ((دخلت العمرة في الحج الى يوم القيامة لأن اللّه تعالى يقول (فمن تمتع بالعمرة الى الحج فما استيسر من الهدي) الا انّ يتمتع لأن اللّه أنزل ذلك في كتابه وجرت به السنّة من رسول اللّه(صلى الله عليه وآله)))((1)) ومثلها صحيح معاوية بن عمّار وصحيح ليث المرادي قال: ((ما نعلم حج للّه غير المتعة))((2)) الحديث.

ثم انّ الشك في الشبهة الموضوعية قد يكون مسبوقاً بحالة سابقة بتوطنه في دخل الحد أو توطنه خارج الحد ويشك في زوال ذلك التوطن فيستصحب وهو غير فرض المقام فتنتهي النوبة فيه الى الأصل العدمي.

الجهة الرابعة: مشروعية الاقسام الثلاثة في الندبانه يشرع في الحج الندبي الأنواع الثلاثة لكل من الحاضر والنائي ولا خلاف فيه يذكر، وتدل على مشروعية الأنواع الثلاثة في الندب المستفيضة((3)) الواردة بأن المتمتع أفضل من المفرد والقارن والتعبير بالأفضلية دال على مشروعية الأنواع الثلاثة غاية الأمر أفضلية التمتع وسيأتي تتمة فيما هو أفضل للحاضر.

الجهة الخامسة: بالنسبة للحج النذري وأخويه فيتبع أهل النادر ومتعلّق النذر اما الحج الواجب بالافساد فالظاهر انّه يتبع الحج الذي يقع فيه الفساد بالنوع .

الجهة السادسة: حكم من كان على الحد

من كان على الحد فهل يكون فرضه التمتع أو الافراد مثل ذات عرق وعسفان بناءً على أنها على ثمانية وأربعين من مكة.

مقتضى التعبير في صحيح زرارة: من كان أهله دون ثمانية وأربعين ذات عرق وعسفان كونهما بحكم النائي، ولكن التعبير في ذيلها، كل من كان أهله وراء ذلك


1) ([2]) ب3 ابواب أقسام الحج ح2 .

2) ([3]) ب3 ابواب أقسام الحج ح8 وح13 .

3) ([1]) ب4 ابواب أقسام الحج.

…

فعليهم المتعة، مقتضاه كونها بحكم الحاضر. أما رواية زرارة الأخرى فهي كصدر روايته الأولى. وأما رواية أبي بصير المتقدمة فهي صريحة في نفي المتعة عنهما، وقد يقال بتقديمها على الروايتين السابقتين لخصوصية الدلالة فيها، بينما الروايتان المتقدمتان مفادهما بمنزلة الاطلاق، وسند رواية أبي بصير ليس فيه من يتوقف فيه إلا البطائني الملعون، لكن حيث انّ الراوي عنه علي بن الحكم فيكون قرينة على كون الرواية منه أيام استقامته، اذ الطائفة قد قاطعته بعد انحرافه.

أما مقتضى الأصل اللفظي فقد عرفت وجود العموم الثاني الدال على عموم التمتع فمقتضاه عند الشك التمتع لاجمال المخصص المنفصل، ولو بني على وصول النوبة الى العموم في الدرجة الأولى فالتمتع أيضاً مجزي.

أما مقتضى القاعدة بحسب الأصل العملي، فهو الاحتياط لدوران الأمر بين المتباينين، وقد صوّر الاحتياط بصور:

الصورة الأولى: ان يحرم من دويرة أهله بنيّة الأعم من التمتع والافراد فيأتي بالطواف والسعي ويقصر رجاء، ثم ينشيء احراماً اخر من دويرية أهله ويجدد التلبية في مكة ويأتي ببقية الأعمال بنيّة الأعم. وقد ذكر انّ المحذور في هذه الصورة التقصير إلا انّه حيث يدور بين محذورين فلا اشكال في ارتكابه.الصورة الثانية: أن يأتي بعمرة من دويرية أهله، ثم يأتي باحرام الحج من دويرية أهله ويلبي في مكة أيضاً بنيّة عقد الاحرام احتياطاً بنيّة الأعم. والفارق بين الصورتين انّ في الثانية يأتي بالعمرة تعييناً. إلا انّه يرد على الاحتياط في هذه الصورة انّ هذا الاحتياط يتعيّن كونه متعة لما تقدم من انّ العمرة المفردة في أشهر الحج الموصولة بالحج متعة.

وقيل في تقريب هذه الصورة بأن ينوي التمتع بالعمرة، وفيه ما لا يخفى من

(مسألة 1): من كان له وطنان: أحدهما في الحد والآخر في خارجه لزمه فرض أغلبهما، لصحيحة زرارة عن أبي جعفر - عليه السلام -: من أقام بمكّة سنتين فهو من أهل مكّة ولا متعة له، فقلت لأبي جعفر - عليه السلام -: ارأيت ان كان له أهل بالعراق وأهل بمكّة؟ فقال - عليه السلام -: فلينظر أيّهما الغالب فإن تساويا فإن كان مستطيعاً من كلّ منهما تخيّر بين الوظيفتين وإن كان الأفضل اختيار التمتع، وإن كان مستطيعاً من أحدهما دون الآخر لزمه فرض وطن الاستطاعة(1).

الاشكال لأنه بذلك يكون حجّه تمتع ولا يقع افراد، وإن كان وظيفته في الواقع افراد لأن التمتع الندبي مشروع من الحاضر، فظهر انّ أسلم الصور هي الأولى.

الصورة الثالثة: وهي الاحتياط بأن يأتي في عام بنوع وفي آخر بآخر، وهو لا تصل اليه النوبة مع عدم التمكن من الجمع في عام واحد مراعاة للفورية.

(1) أما في صورة كون أحدهما الغالب في ذي الوطنين فقد دلّت صحيحة زرارة التي ذكرها في المتن((1)) أن المدار على الغالب، وأما اذا تساويا فبعض ذهب الى انّه مخيّر مطلقاً، وآخر ذهب الى الاحتياط، والقول الثالث ما ذهب اليه كاشف اللثام وصاحب الجواهر والماتن من التفصيل أي انّ المدار على وطن الاستطاعة فإن كان منهما فمخيّر، وإن كان من أحدهما فيتعين.

والبحث تارةً بحسب القاعدة، وأخرى بحسب الصحيحة المتقدمة.

أما بحسب القاعدة فقد يقرب بأن كلاً من عموم النائي والحاضر شامل له، فيتعارضان وتصل النوبة الى العموم الذي تقدم في الدرجة الثانية فيتعين التمتع وقد يقال: بأنه لا تصل النوبة الى التعارض لعدم شمول أدلّة التمتع له لكون موضوعه سلبي وهو منتفي بتحقق الموضوع الايجابي وهو كونه حاضر فيتعين عليه الافراد.

وفيه: انّ العنوان السلبي يصدق بلحاظ الفترة الزمنية التي يقيمها نائياً، وكذلك


1) ([1]) ابواب أقسام الحج ب9 ح1 .

…

عنوان الحاضر بلحاظ الفترة الزمنية الأخرى. فلا تنافي بين السلب والايجاب في الصدق في موضوعي العام والخاص، ولك أن تستشهد بالعنوان الوجودي للنائي فانّه يصدق عليه ومن تلك الحيثية لا يصدق عليه أنه حاضر المسجد الحرام فيصح السلب، نعم قد تقرب هذه الدعوى بأن اطلاق المخصص مقدم على اطلاق العام فحاضر المسجد الحرام سواء كان نائياً أيضاً وذا وطن آخر، أو كان ذا وطن واحد وهو مكة، فالحاضر بقول مطلق مخصص لوجوب التمتع فيتعين عليه الافراد سواء حصلت الاستطاعة من أي من الوطنين.

نعم لو فرض انّ الاستطاعة متحققة من مكة دون الخارج فقد يقال بتعين الافراد لعدم فرض الاستطاعة على التمتع.

وفيه: انّ من وجب عليه التمتع هو النائي وهو صادق على فرض المقام، وحيث أن المخصص في المقام منوع فتكون نسبته مع العام نسبة الخاص مع الخاص، وقد يقرر عدم التعارض برفع اليد عن ظهور الأدلة في التعينية فيلتزم بالتخيير، وقد يقرب أن الموضع التي حصلت منه الاستطاعة أولاً والمكلّف مقيم فيه، هو المتعين، دون الآخر وفيه أن العنوانين صادقين عليه في الحال الواحد وان فرض تواجده الفعلي في أحدهما، وعلى كل تقدير فالمكلّف في الفرض إذا أتى بالتمتع لا محالة يكون مشروعاً له امّا لأنه نائي أو لأنه حاضر والحاضر يشرع له التمتع اذ ابتعد كما سيأتي.

هذا كلّه بحسب مقتضى القاعدة في الأصل اللفظي، وأما بحسب الرواية الواردة وهي صحيحة زرارة المتقدمة في المتن فقد يقال انّ الظاهر من مفهوم الرواية هو التخيير مع عدم غلبة أحدهما فيتساوى، والرواية أخص دلالة منطوقاً ومفهوماً من العموم اللفظي في الآيات والروايات المطلقة لأنها خاصة بذي الوطنين.

نعم قد يقال انّه يستفاد من الروايات الخاصة الواردة في المجاورة في المسألة الآتية أن موضوعها هو ذو الوطنين، اذ المقصود من المجاور هو ذي الوطن النائي الذي يتخذ من مكة وطناً لسنين قد تمتد وقد تتوسط عدداً، اذ لا يختص اطلاقه على

…

من هجر وطنه الأصلي اذ الجوار فعل متشرعي عند المسلمين يأتون به بالاضافة الى الأماكن المقدسة تبركاً. ومقتضى تلك الروايات الآتية أنه قبل السنتين هو بحكم النائي وبعد السنتين بحكم الحاضر، نعم ربّما يقال انّه قد تقع المعارضة بين صحيحة زرارة وتلك الروايات فتحمل على من لم يكن قصده التوطن كما ذهب اليه جماعة كثيرة من عصرنا المتأخر.

وفيه: انّ مورد صحيحة زرارة هي نفس مورد روايات المجاور، حيث انّ صدرها الذي ابتدأه الامام - عليه السلام - في حكم المجاور بعد السنتين وقبلها، ومن ثم سأل السائل عن متعدد الأهل كشق من عموم الموضوع الذي افترضه الامام - عليه السلام - في صدر الرواية، وهذابنفسه دليل وقرينة على أن الروايات الآتية لا تختص بغير المتوطن بل تعم المقيم والقاصد المتوطن، لاسيّما وأن لفظة الجوار والمجاور في عرف المتشرعة تطلق على كل من أراد الاقامة أو التوطن في أحد الأماكن المتبركة، ويطلق على المقيم أو المتوطن عنوان الجوار اشارة الى انّه بداعي التبرك.

فحينئذ يكون روايات الجوار في غير ما اذا غلب عليه أحد الاقامتين أو الوطنين سواء كان ذا وطن واقامة واحدة أو كان متساوي الاقامتين والوطنين وحينئذ يكون حكم التساوي قبل السنتين حكم النائي، وبعد السنتين حكم الحاضر وكذا صحيح عبدالرحمن بن الحجاج وعبدالرحمن بن أعين عن أبي جعفر - عليه السلام - ساله رجل من أصحابنا فقال انّي أريد أن أفرد عمرة هذا الشهر - يعني شوال - فقال له ((أنت مرتهن بالحج فقال له الرجل: انّ أهلي ومنزلي بالمدينة ولي بمكة أهل ومنزل وبينهما أهل ومنازل فقال له: أنت مرتهن بالحج فقال له الرجل فإن لي ضياعاً حول مكة وأريد أن أخرج حلالاً فاذا كان ابّان الحج حججت))((1)).

نعم لو بني على أن الروايات الآتية انّما تتعرض لحكم مابعد السنتين دون ما اذا


1) ([1]) ب7 ابواب أقسام الحج ح1 .

(مسألة 2): من كان من أهل مكة وخرج الى بعض الأمصار ثم رجع اليها فالمشهور جواز حجّ التمتع له، وكونه مخيراً بين الوظيفتين، واستدلّوا بصحيحة عبدالرحمن بن الحجاج عن أبى عبدالله - عليه السلام - عن رجل من أهل مكّة يخرج إلى

بعض الأمصار، ثم يرجع إلى مكّة فيمرّ ببعض المواقيت. أله أن يتمتع؟ قال - عليه السلام -: ما

كان قبلها لتم التمسك حينئذ اما بمفهوم صحيح زرارة أو بالعموم اللفظي.

وفيه: انّ الأقوال في روايات الجوار ثلاثة فبعض قال بالأعم وقد نسب ذلك للمشهور وبعض خصّها بالمتوطن كما حكى ذلك صاحب الجواهر في المسألة الآتية وبعض خصّها بالمقيم غير المتوطن كما اختاره كثير أهل هذا العصر وان صحيح زرارة مورده مورد تلك الروايات، والتفصيل فيه في حكم المجاور وقد فهم منه المشهور تعرضه لما قبل وبعد، مضافاً الى تصريح الروايات الآتية لحكم المجاور قبل السنتين فيتحصل انّ المتساوي في الاقامة والوطن حكمه هو التفصيل الموجود في المجاور.

وقد يقال: انّ الروايات في المجاور مختصة بالمقيم غير القاصد للتوطن بقرينتين:

الأولى: انّ الغلبة والقلّة والتساوي في المكث انّما يتصور في مدد الاقامة امّا في صدق الوطن والتوطن فلا يدور مدار ذلك، ومع موجب التوطن يصدق كلا الوطنين من دون اختلاف في النسبة.الثانية: انّ روايات المجاور تتعرض للتنزيل الموضوعي وانّه بمنزلة اهل مكة مما يدلل على عدم تحقق الموضوع تكويناً.

وفيه: انّ الغلبة والقلّة والتساوي متصورة في المتوطن أيضاً بلحاظ المكث فيؤثر في إنسباق أو صدق النسبة.

وأما التنزيل في الموضوع فليس تعبداً محضاً بل تحديداً في الصدق العرفي بعد كونه مشككاً في الكمية كما حررنا ذلك في صلاة المسافر في موضوع السفر والاقامة وحد الترخص مضافاً الى أن هذا التعبير موجود في صدر صحيح زرارة مع انّ ذيلها فهم منه المشهور الشمول للمتوطن.

أزعم انّ ذلك ليس له لو فعل، وكان الإهلال أحبّ اليّ ونحوها صحيحة اخرى عنه وعن عبدالرحمن بن أعين عن أبى الحسن - عليه السلام -. وعن ابن أبي عقيل عدم جواز ذلك، وأنه يتعيّن عليه فرض المكّى إذا كان الحج واجباً عليه، وتبعه جماعة لما دلّ من الأخبار على أنه لا متعة لأهل مكّة وحملوا الخبرين على الحج الندبي بقرينة ذيل الخبر الثانى، ولا يبعد قوّة هذا القول مع أنه أحوط، لأن الأمر دائر بين التخيير والتعيين، ومقتضى الاشتغال هو الثانى، خصوصاً إذا كان مستطيعاً حال كونه في مكّة فخرج قبل الإتيان بالحج، بل يمكن أن يقال: انّ محلّ كلامهم صورة حصول الاستطاعة بعد الخروج عنها، وأما إذا كان مستطيعاً فيها قبل خروجه منها فيتعيّن عليه فرض أهلها(1).

(1) ذهب المشهور كما في المتن الى جواز تمتع الحاضر اذا خرج الى بعض الأمصار وحكى ذلك في كشف اللثام عن المعتبر والتهذيبين والتذكرة ونهاية الشيخ والتحرير، ولا يخفى انّ الشيخ في المبسوط وابن سعيد في الجامع قد ذهبا الى مشروعية التمتع للمكّي مطلقاً كما تقدم ذلك عنهما، بل قد حكى الشيخ عن غيره ذلك، بل وحكى عن اخر مشروعية التمتع إلا انّه لا يلزمه دم متعة ومال اليه الشيخ.

وذهب ابن ابي عقيل الى عدم جواز ذلك وتبعه جماعة وكثير من متأخري هذا العصر حملاً للروايتين الاتيتين على المستحب وانّه على تقدير الاطلاق فيهما للواجب فانهما معارضتان باطلاق المستفيضة النافية للمتعة في حق الحاضر وحينئذ فترجح المستفيضة بالاستفاضة وموافقة الكتاب.

لكنك عرفت انّ مفاد الآية محتمل لتخصيص تعينية الوجوب بغير الحاضر. أما الروايتان:

فالأولى: صحيحة عبدالرحمن بن الحجاج وعبدالرحمن بن أعين قالا: سألنا أبا الحسن موسى - عليه السلام - عن رجل من أهل مكة خرج الى بعض الأمصار ثم رجع فمرّ

…

ببعض المواقيت التي وقت رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) له انّ يتمتع؟ فقال: ((ما أزعم أن ذلك ليس له، والاهلال بالحج أحب اليّ))((1)).

وصحيح عبدالرحمن بن الحجاج الاخر عن أبي عبداللّه - عليه السلام - في حديث قال سألته عن رجل من أهل مكة يخرج لبعض الأمصار ثم يرجع الى مكة فيمرّ ببعض المواقيت أله أن يتمتع قال: ((ما ازعم انّ ذلك ليس له لو فعل، وكان الاهلال أحب اليّ))((2)).

وقد قرب اختصاصهما بالندب بعدة قرائن:

الأولى: أن حاضري المسجد الحرام من الندرة فرض كونهم صرورة، فينصرف مورد سؤال الراوي عن كونه في الحج الواجب.

الثانية: ذيل الرواية الأولى حيث فيها ((ورأيت من سأل أبا جعفر - عليه السلام - وذلك أول ليلة من شهر رمضان - الى أن قال - فقال له: قد نويت أن أحج عنك أو عن أبيك فكيف أصنع؟ فقال له: تمتع - ثم سأله أيضاً عن حج ندبي آخر - فقال له: تمتع، فردّ عليه القول ثلاث مرات، يقول: اني مقيم بمكة وأهلي بها فيقول: تمتع)) وهو في الحج الندبي.

الثالثة: التعبير في الروايتين باللام في سؤال السائل المشعر بمورد الندب.

وفيه: إن دعوى الندرة ممنوعة، كما شاهدناه من بعضهم وقد بلغ مبلغاً من السن،مع أن السائل قد ذكر سؤاله في ذلك الفرض القليل، كما أنه يمكن فرض خروج الحاضر في سنة استطاعته، وخروجهم الى المدن الحجازية متعارف عندهم كثيراً، بل ما سيأتي من روايات المجاور شاهدة على تأخير الحج الواجب عن السنتين في المقيم.

واما القرينة الثانية فذيل الرواية رواية ثانية يرويها الراوي عن الباقر - عليه السلام - لأن الكاظم - عليه السلام - لم يدرك أبا جعفر - عليه السلام - .


1) ([1]) ب7 ابواب أقسام الحج ح1 .

2) ([2]) ب7 ابواب أقسام الحج ح2 .

…

وأما الثالثة فالتعبير باللام نظير التعبير بها في الآية (ذلك لمن لم يكن أهله) ونكتة التعبير بها أن في المتعة تخفيف، فلا أقل من كون الروايتين مطلقتين، ومن حملهما على الندب واسقط الاطلاق فقد بنى على مانعية القدر المتيقن في مقام التخاطب عن الاطلاق، مع انّه قد استظهر اختصاصه بالواجب لأن في ذيل الروايتين قد ذكر - عليه السلام -انّ الاهلال بالحج أحب اليه، وقد مضى وسياتي أن التمتع في الحج المندوب أفضل للحاضر أيضاً، فأفضلية الافراد قرينةعلى الحج الواجب وان خدش فيها بأن الافضلية للأفراد في كلامه - عليه السلام - لتعليم التقيّة للراوي، أو أن أمره بالحج صورة لا نيّة وحقيقة لتتأدى التقية.

واستدل بقرينة أخرى على كونه في الواجب وهو تردد السائل في المتعة، وتعبيره - عليه السلام - ب- ((ما أزعم)) لأن مشروعية المتعة في المندوب لا ترديد فيها، وإن خدش في هذه القرينة بأن عمومات نفي مشروعية المتعة عن الحاضر مقتضى اطلاقها نفي المشروعية مطلقاً لولا الروايات الخاصّة الواردة في أفضلية التمتع للحاضر، وإلا فعمومات أفضلية التمتع في المندوب إن لم تكن منصرفة للنائي فإطلاقها نسبته من وجه مع الاطلاقات النافية. وحينئذ فاذا كانت الروايتين مطلقتين فالنسبة بينهما وبين الاطلاقات النافية هو من وجه فحينئذ قد يقرر انقلاب النسبة في المقام بتوسط الروايات الخاصّة في أفضلية التمتع في المندوب للحاضر فتخصص الاطلاقات النافية فتنقلب نسبتها مع الروايتين فتخصصهما بالمندوب.

لكن قد يقال بعدم المعارضة بين الاطلاقين وذلك لأن الروايتين قد أخذ فيهما النظر إلى الروايات النافية إذ سؤال السائل وكذا جواب الإمام - عليه السلام - مفروض ومقدر فيه وجود النفي للمشروعية، فيكون حيثية الجواز من جهة الخروج إلى المواقيت البعيدة، وعلى ذلك فيكون المعنى المحصل لمفاد الروايات النافية حينئذ هو نفي مشروعية المتعة للحاضرين من قرب سواء في الواجب أو المندوب.

(مسألة 3): الآفاقيّ إذا صار مقيماً في مكة فإن كان ذلك بعد استطاعته ووجوب التمتع عليه فلا اشكال في بقاء حكمه، سواء كانت اقامته بقصد التوطن أو المجاورة ولو بأزيد من سنتين، وأما إذا لم يكن مستطيعاً ثم استطاع بعد اقامته في مكّة فلا اشكال في انقلاب فرضه إلى فرض المكي في الجملة، كما لا اشكال في عدم الانقلاب بمجرّد الاقامة، وانما الكلام في الحدّ الذي به يتحقق الانقلاب، فالأقوى ما هو المشهور من أنه بعد الدخول في السنة الثالثة، لصحيحة زرارة عن أبي جعفر - عليه السلام -من أقام بمكّة سنتين فهو من أهل مكّة ولا متعة له الخ. وصحيحة عمر بن يزيد عن الصادق - عليه السلام - المجاور بمكة يتمتع بالعمرة إلى الحج إلى سنتين، فإذا جاور سنتين كان قاطناً، وليس له أن يتمتع، وقيل بأنه بعد الدخول في الثانية لجملة من الأخبار وهو ضعيف لضعفها بإعراض المشهور عنها، مع انّ القول الأول موافق للأصل، وأما القول بأنه بعد تمام ثلاث سنين فلا دليل عليه الا الأصل المقطوع بما

نعم لو بني على التعارض لكان انقلاب النسبة في محله ولو غض النظر عن انقلاب النسبة فالترجيح بالكتاب ولو بالاطلاق متعين بعد كون الاطلاق من الدوال الحالية المحتفة بالكلام وإن كانت المقدمات عقلية إلا أنّها ليست نظرية بل بيّنة معتمدة متعارفة في اسلوب التحاور فمن ثمة كان الاطلاق من اجزاء الظهور، ومن الغريب الجمع بين كونه من الظهور الذاتي للألفاظ وبين نفي كونه من مداليل الكلام كما في اطلاقات القران الكريم.

ثم انّه لا فرق في ذلك بين حصول الاستطاعة في مكة أو حصولها بعد خروجه لأن المدار ليس على محل الاستطاعة وأما على تبدل الموضوع فنظير الزوال بالنسبة للحضر والسفر. ثم انّ مقتضى الأصل العملي في المقام لو فرض وصول النوبة إليه هو البراءة وإن كان الأمر دائر بين التعيين والتخيير الشرعي في التكليف، وذلك لرجوعه إلى الأقل والأكثر بعد وجود الجامع الشرعي في المقام.

ذكر مع انّ القول به غير محقق لاحتمال ارجاعه إلى القول المشهور بارادة الدخول في السنة الثالثة، وأما الاخبار الدالّة على أنه بعد ستّة أشهر أو بعد خمسة أشهر فلا عامل بها مع احتمال صدورها تقيّة، وإمكان حملها على محامل اخر، والظاهر من الصحيحين اختصاص الحكم بما إذا كانت الاقامة بقصد المجاورة، فلو كانت بقصد التوطن فينقلب بعد قصده من الاول فما يظهر من بعضهم من كونها أعمّ لا وجه له، ومن الغريب ما عن آخر من الاختصاص بما إذا كانت بقصد التوطّن، ثم الظاهر انّ في صورة الانقلاب يلحقه حكم المكّي بالنسبة إلى الاستطاعة أيضاً. فيكفي في وجوب الحج الاستطاعة من مكّة ولا يشترط فيه حصول الاستطاعة من بلده، فلا وجه لما يظهر من صاحب الجواهر من اعتبار استطاعة النائي في وجوبه لعموم أدلّتها، وأن الانقلاب انّما أوجب تغيير نوع الحج، وأما الشرط فعلى ما عليه فيعتبر بالنسبة إلى التمتع. هذا ولو حصلت الاستطاعة بعد الاقامة في مكة لكن قبل مضي السنتين فالظاهر أنه كما لو حصلت في بلده فيجب عليه التمتع، ولو بقيت إلى السنة الثالثة أو أزيد، فالمدار على حصولها بعد الانقلاب، وأما المكي إذا خرج إلى سائر الامصار مقيماً بها فلا يلحقه حكمها في تعيّن التمتع عليه، لعدم الدليل وبطلان القياس إلا إذا كانت الاقامة فيها بقصد التوطن وحصلت الاستطاعة بعده، فانّه يتعيّن عليه التمتّع بمقتضى القاعدة ولو في السنة الاولى، وأما إذا كانت بقصد المجاورة أو كانت الاستطاعة حاصلة في مكة فلا، نعم الظاهر دخوله حينئذ في المسألة السابقة، فعلى القول بالتخيير فيها كما عن المشهور يتخيّر، وعلى قول ابن أبي عقيل يتعيّن عليه وظيفة المكي(1).

(1) تعرض الماتن إلى جهات في الفرض.

الأولى: إذاأقام الافاقي في مكة وكان مستطيعاً قبل ذلك من وطنه النائي، وقد حكي الاجماع والاتفاق على عدم انقلاب فريضته وإن بقي سنتين فيجب عليه التمتع، إلا

…

انّه استشكل في المدارك في ذلك وتبعه في الحدائق نظراً لإطلاق الروايات الآتية من تبدل وظيفة المقيم بعد المدّة، واستوجهه بعض لولا الاجماع.هذا ولكن اطلاق الروايات انّما يتم بناء على أخذ عنوان الحاضر والنائي بنحو القيد المقارن، كما في السفر والحضر للصلاة، وأما لو أخذ بنحو الحدوث فلا اطلاق لها شامل لهذه الصورة.

الثانية: ما إذااستطاع بعد اقامته فينقلب فرضه إلى فرض أهل مكة بعد العدّة المحددة، وانّما اختلف في قدر تلك المدّة، فعن المشهور الذهاب إلى تقديرها بتمام السنتين، وعن الشيخ التقدير بثلاث سنين، وعن الصدوق في المقنع التقدير بسنة، واستظهره الشهيد من الروايات، وكذا كاشف اللثام، وقوّاه في الجواهر جمعاً بين الروايات الآتية وحملاً للسنتين على الدخول فيها.

أما الروايات الواردة فالطائفة الأولى: ما دلّ على السنتين كصحيح زرارة عن أبي جعفر - عليه السلام - قال: ((من أقام بمكة سنتين فهو من أهل مكة لا متعة له))((1)). وصحيح عمر بن يزيد قال: ((قال ابو عبداللّه - عليه السلام -: المجاور لمكة يتمتع بالعمرة إلى الحج إلى سنتين، فاذا جاوز السنتين كان قاطناً وليس له أن يتمتع))((2)). وفي صحيح الحلبي ((سألت أبا عبداللّه - عليه السلام - لأهل مكة أن يتمتعوا؟ فقال: لا، ليس لأهل مكة أن يتمتعوا، قال: فقلت: فالقاطنين بها؟ قال: إذاأقاموا سنة أو السنتين صنعوا كما يصنع أهل مكة، فاذا أقاموا شهراً فإن لهم أن يتمتعوا))((3)). وحسنة حمّاد - كالمعتبرة - قال: ((سألت أبا عبداللّه - عليه السلام - عن أهل مكة أيتمتعون؟ قال: ليس لهم متعة. قلت: فالقاطن بها؟ قال: إذا أقام بها سنة أو سنتين صنع صنع أهل مكة. قلت: فإن مكث الشهر. قال: يتمتع))((4)).


1) ([1]) ابواب أقسام الحج ب 9 ح1 .

2) ([2]) ابواب أقسام الحج ب 9 ح2 .

3) ([3]) ابواب أقسام الحج ب 9 ح3 .

4) ([4]) ابواب أقسام الحج ب 9 ح7 .

…

وظاهر مفاد هذه الروايات إتمام السنتين، نعم عطف السنتين على السنة يجمل دلالة بعضها.

الطائفة الثانية: ما دلّ على السنة

مصحح عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه - عليه السلام - قال: ((المجاور بمكة سنة يعمل عمل أهل مكة (يعني يفرد الحج مع أهل مكة) وما كان دون السنة فله أن يتمتع))((1)). مصحح محمد بن مسلم عن أحدهما - عليه السلام - قال: ((من أقام بمكة سنة فهو بمنزلة أهلمكة))((2)). والصحيح إلى حريز عمّن أخبره عن أبي جعفر - عليه السلام - قال: ((من دخل مكة بحجة عن غيره ثم أقام سنة فهو مكي))((3)) .

هذا مضافاً إلى الروايات المتقدمة في الطائفة السابقة المشتملة على لفظة سنة.

الطائفة الثالثة: ما كان مفادها ستة أشهر

صحيح البختري عن أبي عبداللّه - عليه السلام - في المجاور بمكة يخرج إلى أهله ثم يرجع إلى مكة بأي شيء يدخل؟ فقال: ((إن كان مقامه بمكة أكثر من ستة أشهر فلا يتمتع، وإن كان أقل من ستة أشهر فله أن يتمتع))((4)).

وقريب منها مرسل الحسين بن عثمان عن أبي عبداللّه - عليه السلام - قال: ((من أقام بمكة خمسة أشهر فليس له أن يتمتع))((5)).

وقد جمع بين الطوائف الثلاث بعدة وجوه:

الأول: بحمل الطائفة الثالثة على ذي الوطنين، وأن مقامه بمكة أكثر في كل سنة، فمن ثم يكون فرضه فرض أهل مكة بعد السنتين وإن لم تكن اقامته مستمرة تمام


1) ([5]) ابواب أقسام الحج ب 9 ح8 .

2) ([1]) ابواب أقسام الحج ب 8 ح4 .

3) ([2]) ابواب أقسام الحج ب 9 ح9 .

4) ([3]) ابواب أقسام الحج ب 8 ح3 .

5) ([4]) ابواب أقسام الحج ب 8 ح5 .

…

السنة في كل عام.

الثاني: وعن المدارك بالجمع بينها بالتخيير بين الفرضين بعد الستة أشهر بخلاف ما بعد السنتين.

الثالث: بحمل السنة على من لا يقيم إلى سنتين، بل يزيد على السنة فقط، وحمل السنتين على من تستمر به إقامته إلى السنتين فزائداً، فمن كان قاصداً الرجوع إلىوطنه بعد سنة يكفيه اقامة سنة لتبدل فرضه، بخلاف من كان لا يريد ذلك فإن الشرط فيه إقامة سنتين فما زاد.

الرابع: ما ذكره في المختلف من حمل روايات السنة بمعنى اقامة سنة بعد سنة أخرى، وذلك لأن السؤال وقع عن القاطنين، ولا يتحقق الاستيطان إلا باقامة سنة كاملة.

ولعلّ الأوجه في الجمع هو ما ذكره كاشف اللثام من حمل السنة على زمان يسع لمضي حجتين، والسنتين تحمل على الحجتين، كما يقال: حج هذا العام وحج العام الماضي، فتحسب الاعوام بحسب الحجة، كما هو الحال في شهور الحيض بمعنى مضي الحيض في شهر، لا بمعنى حساب مجموع الشهور عدداً، كما في حساب الشهر التلفيقي عدداً، وحينئذ فالمدار على مضي حجتين لا على السنة عدداً بما هي هي، كما قد يظهر من صاحب الجواهر اتحاده معتوجيه صاحب كاشف اللثام، إذ على الثاني ليس من الضروري مصادفة الحجتين في سنة واحدة، وحينئذ ينتقل فرضه في الحجة الثانية فلا يكون جمع بين السنة والسنتين، بل إن التدبر في المعنى الأول يعطي الوفاق مع المشهور من اعتبار السنتين والدخول في الثالثة، وذلك لأن الانتقال في الفرض لا محالة سوف يكون في الحجة الثالثة وبذلك يكون قد مضى مجموع سنتان عددا، اذ انتقال فرضه بعد الحجتين لا يثمر في العمرة، لأن أهل مكة

…

كما سيأتي ميقاتهم ادنى الحلّ فالثمرة تنحصر في الحج، وبهذا الاعتبار سوف يكون انتقال فرضه بالدخول في السنة الثالثة، سواء فسرت السنة بالعددية أو بمعنى سنة الحج، وبذلك يكون وفاق في مفاد الروايات .

وأما روايات الستة أشهر فقد تقدم أنّها محمولة على ذي الوطنين وأن مكثه في مكة أكثر من نصف السنة، أي هو الغالب فيكون حكمه حكم المجاور بعد مضي الحجتين.

الثالثة: هل تحديد انقلاب الفرض خاص بمن قصد المجاورة أو بمن قصد التوطن أو بأنه أعم. حكي عن المسالك والمدارك والجواهر الثالث وأكثر المحشين اختاروا الأول وعن بعض الحواشي الثاني وهو أضعف الأقوال، وقد حررنا في المسألة الأولى من هذا الفصل قوّة القول الثالث مفصلاً فلاحظ.

الرابعة: في تقدير الاستطاعة في من انقلب فرضه أنها بقدر استطاعة المكي لا الاستطاعة من بلده، وقد حكي عن صاحب الجواهر الثاني، وهو غريب اذ تقدير الاستطاعة لمن لم ينقلب فرضه فيما قبل السنتين بحج التمتع، هو القدرة باتيان حج التمتع من المواقيت لا من بلده، لما عرفت في باب الاستطاعة من انّ القدرة من البلد لا خصوصية لها إلا من باب تحقق القدرة الخاصة على الحج من حيث تواجد المكلّف في ذلك المكان وارادة رجوعه إلى بلده بعد ذلك.

وقد تقدم هناك بأنه لو حصلت له الاستطاعة في ميقات لأداء الحج كفى ذلك لتحقق الموضوع.

الخامسة: لو بقيت الاستطاعة إلى السنة الثالثة بأن كان حصولها قبل تمام مدة الاقامة.

ظاهر الماتن انقلاب الفرض وقد يستظهر من كلمات الأصحاب انّ تكليفه هو

…

تكليف النائي أي انّ المدار على حصول الاستطاعة لا وقت الاداء والعمدة هو دلالة الروايات.

وحصول الاستطاعة تارة يفرض قبل الاقامة وقبل موسم الحج السابق واخرى قبل تمام الاقامة ولكن بعد اشهر الحج السابقة.

أما الصورة الثانية فلا ريب في شمول اطلاقات انقلاب الفرض له، انّما الكلام في الصورة الأولى حيث انّ اطلاقات انقلاب الفرض وان كانت شاملة له إلا انّ وجوب التمتع الذي يتعلقبذمته قبل تمام المدة قد استقرّ عليه فتعارض أدلّة استقرار الحج لأدلّة انقلاب الفرض. إلا أن يقال انّ أدلّة الاستقرار ناظرة لأصل وجوب الحج دون نوعه وما هو متعلق الأمر، بخلاف أدلّة انقلاب الفرض فانّها ناظرة إلى ذلك. نظير ما لو استقر عليه حج التمتع ثم أحرم وقد فات وقت العمرة، فانّه ينقلب فرضه إلى الافراد وعمرة مفردة يأتي بها بعد ذلك ولا يعارض بين أدلّة الاستقرار وأدلّة انقلاب الفرض لفوت الوقت. إلا انّ مقتضى ذلك هو انقلاب الفرض في صورة اخرى سابقة وهي ما لو استطاع في بلده النائي ولم يحج ثم أقام تمام المدة فاللازم انقلاب فرضه، مع انّه قد ذكر غير واحد الاجماع على عدم تبدل فرضه، ولكن حكي عن المدارك التحظّر في استفادة عدم انقلاب الفريضة من الروايات، وعن الحدائق انّه استجود ما ذكره المدارك.

واستدل لبقاء الفرض وعدم الانقلاب بإنصراف ما دلّ على الانقلاب إلى حدوث الاستطاعة بعدها، وانه القدر المتيقن من دلالتها ولكنه محلّ نظر اذ اطلاق الشرطية في الروايات شامل لمثل هذه الصورة أيضاً من غير تقييد بالاستطاعة الحاصلة بعد المدة المزبورة.

نعم إذا أراد المكلّف أن يأتي بما هو موافق للاحتياط فله أن يذهب إلى المواقيت

(مسألة 4): المقيم في مكة إذاوجب عليه التمتع كما إذاكانت استطاعته في بلده أو استطاع قبل انقلاب فرضه فالواجب عليه الخروج إلى الميقات لاحرام عمرة التمتع، واختلفوا في تعيين ميقاته على أقوال:

أحدها: أنه مهلّ أرضه، ذهب إليه جماعة، بل ربما يسند إلى المشهور كما في الحدائق، لخبر سماعة عن أبي الحسن - عليه السلام - سألته عن المجاور أله أن يتمتع بالعمرة إلى الحج؟ قال - عليه السلام -: نعم يخرج إلى سهل أرضه فليلبّ إن شاء. المعتضد بجملة من الأخبار الواردة في الجاهل والناسي الدالّة على ذلك بدعوى عدم خصوصية للجهل والنيسيان، وانّ ذلك لكونه مقتضى حكم التمتّع. وبالأخبار الواردة في توقيت المواقيت، وتخصيص كلّ قطر بواحد منها أو من مرّ عليها، بعد دعوى أنّ الرجوع إلى الميقات غير المرور عليه.

ثانيها: أنه أحد المواقيت المخصوصة مخيراً بينها، وإليه ذهب جماعة اخرى، لجملة اخرى من الأخبار مؤيّدة بأخبار المواقيت، بدعوى عدم استفادة خصوصية كلّ بقطر معيّن.

ثالثها: أنه أدنى الحلّ، نقل عن الحلبي، وتبعه بعض متأخري المتاخرين لجملة ثالثة من الأخبار، والأحوط الأول وان كان الأقوى الثاني، لعدم فهم الخصوصية من خبر سماعة، وأخبار الجاهل والناسي، وانّ ذكر المهلّ من باب أحد الافراد، ومنع خصوصية للمرور في الأخبار العامّة الدالّة على المواقيت وأما أخبار القول الثالث

البعيدة ويهلّ بالتمتع، اذ على تقدير انقلاب فرضه يبقى مخيراً بإتيان التمتع من المواقيت البعيدة.

قاعدة في تقوّم مشروعية التمتع بالاحرام من بعدويتم الكلام في تحريرها مضافاً إلى الاحاطة بما تقدم منذ صدر الفصل حتى هذه المسألة وتنقيح الكلام فيها أنه:

فمع ندرة العامل بها مقيّدة بأخبار المواقيت، أو محمولة على صورة التعذّر، ثم الظاهر انّ ما ذكرنا حكم كلّ من كان في مكّة واراد الاتيان بالتمتع ولو مستحبّاً هذا كله مع امكان الرجوع إلى المواقيت، وأما إذا تعذّر فيكفي الرجوع إلى أدنى الحلّ، بل الاحوط الرجوع إلى ما يتمكّن من خارج الحرم ممّا هو دون الميقات وان لم يتمكّن من الخروج إلى أدنى الحلّ أحرم من موضعه، والأحوط الخروج إلى ما يتمكّنن(1).

(1) ذهب إلى القول الأول الشيخ وأبو صلاح ويحيى بن سعيد والمحقق في النافع والفاضل في جملة كتبه، وذهب إلى القول الثاني المحقق في ظاهر الشرائع والنهاية والمقنع والمبسوط والارشاد والقواعد بمقتضى ظاهر اطلاقهم، وعن الدروس التصريح بذلك وكذا المسالك والروضة.

وذهب للقول الثالث الحلبي في الكافي قال: وميقات المجاور ميقات بلده ويجوز له أن يحرم من جعرانة وإن ضاق عليه الوقت فمن خارج الحرم((1)).

ونسب أيضاً إلى المقدس الاردبيلي، وقوّاه في المدارك، واستحسنه في الكفاية.

واستدلّ للقول الأول:

اولاً: بالروايات الواردة في المواقيت الدالّة على انّ لكل قطر ميقات.

وفيه: انّ ظاهر تلك الروايات في الخارج عن محدودة المواقيت لا في المقيم في مكة وإن كان من أهالي ذلك القطر والبلد.

نعم غاية ما يمكن أن يدّعى مشروعية ميقات أهل بلده لو ذهب إليه لا انّه ملزم بالذهاب إليه بمفاد تلك الروايات والكلام في الثاني.

ثانياً: بأنه مقتضى أصالة الاحتياط عند الدوران بين التعيين والتخيير.

وفيه: انّما تصل النوبة إليه بعد عدم دلالة الأخبار على غيره، مع انّه سيأتي في


1) ([1]) الكافي ص202 .

بحث المواقيت عدم كون مقتضى الأصل التعيين عند الدوران مطلقاً.

وثالثاً: بالروايات الخاصّة:

مثل موثق سماعة عن أبي الحسن - عليه السلام - قال: ((سألته عن المجاور أله أن يتمتع بالعمرة إلى الحج قال: نعم يخرج إلى مهل أرضه فيلبي، إن شاء))((1)).وأشكل على طريقها بضعف معلّى بن محمد بتضعيف النجاشي له، ولكنه صاحب كتاب وقد روى الأصحاب عنه كثيراً وطعن النجاشي لا ينافي الوثاقة، واشكل على الدلالة تارة بوجود لفظة ((إن شاء)) بأنه من التعليق على المشيئة فيكون مورده من الحج المستحب.

وفيه: إنه لا فرق ظاهر بين شرائط الماهية للواجب والمستحب. وأخرى أن ((إن شاء)) تعليق لخروجه للميقات فلا يدل على تعين ميقات مهل أرضه، وهذا وإن كان محتملاً إلا انّ الأظهر رجوعه لأصل الحج لأنه محور سؤال السائل وجواب الامام - عليه السلام -.

واستدلّ أيضاً بالروايات الواردة في الناسي والجاهل((2)) بدعوى أنها تشير إلى مقتضى القاعدة.

وفيه: انّه سيأتي في المواقيت انّ مقتضى القاعدة هو الاحرام من أي ميقات وأنّ المدار على المرور، وانّما ورد في الجاهل والناسي فيحتمل بل ظاهر في خصوصية حصول المرور على الميقات، هذا مع انّ المجاور ليس المفترض فيه المرور على المواقيت من غير احرام بل فيمن دخل باحرام ونسك ثم أقام.

واستدلّ للقول الثاني:

أولاً: بالروايات الخاصة:

بموثق سماعة بن مهران عن أبي عبداللّه - عليه السلام - في حديث قال: ((وان اعتمر في شهر


1) ([2]) ب8 ابواب أقسام الحج ح1 .

2) ([1]) ب14 ابواب المواقيت .

رمضان أو قبله وأقام إلى الحج فليس بتمتع وأنما هو مجاور أفرد العمرة، فإن هو أحب أن يتمتع في أشهر الحج بالعمرة إلى الحج فليخرج منها حتى يجاور ذات عرق أو يجاوز عسفان فيدخل متمتعاً بالعمرة إلى الحج، فإن هو أحب أن يفرد الحج فليخرج إلى الجعرانة فيلبي منها))((1)).

والصحيح إلى حريز عمّن أخبره عن أبي جعفر - عليه السلام - قال: ((من دخل مكة بحجّه عن غيره ثم أقام سنة فهو مكي فإذا أراد أن يحج عن نفسه أو أراد أن يعتمر بعدما انصرف من عرفة فليس له أن يحرم من مكة ولكن يخرج إلى الوقت، وكل ما حول (حوله) رجع إلى الوقت))((2)).وخبر إسحاق بن عبدالله قال: ((سألت أبا الحسن - عليه السلام - عن المعتمر ]المقيم[ يجرّد الحج أو يتمتع مرة أخرى، فقال: يتمتع أحبّ إليّ وليكن إحرامه من مسيرة ليلة أو ليلتين))((3))

واشكل على دلالة الأولى باشتمالها على عسفان التي هي ليست من المواقيت. وعلى الثانية بضعف السند، وعلى الثالثة بضعف السند واضطراب الدلالة حيث انّ أقرب المواقيت لا تطوى بليلة مع انّ المناسب بالترديد ذكر ما يزيد على الليلتين للمواقيت البعيدة.

وفيه: انّ عسفان بعد على مرحلتين من مكة أي بقدر أقرب المواقيت لمكة كذات عرق وقرن المنازل ويلملم، وسيأتي انّ من لم يمر على ميقات يسوغ له الاحرام بمحاذاة أحدها وإن لم تكن محاذاة يمين أو يسار فيحرم بقدر بعد أقرب ميقات إلى مكة لأنه معنى المحاذاة عندنا كما سيأتي، ومن ثم يسوغ لمن يذهب إلى مكة عن طريق جدة أن يحرم منها لأنها بقدر ذلك كما سيأتي بيان ذلك مفصلاً، وفي مرسل الصدوق قال: ((وانّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) اعتمر ثلاث عمر متفرقات كلّها في ذي القعدة عمرة أهلّ فيها من عسفان وهي عمرة الحديبية...))((4)). ويشهد لذلك أيضاً تحديد النائي بكل من ذات عرق وعسفان فيشرع لمن دويرته منها وما وراءها التمتع والاحرام منها، وأمّا


1) ([2]) ب10 ابواب أقسام الحج ح2 .

2) ([3]) ب9 ابواب أقسام الحج ح9 .

3) ([1]) ابواب أقسام الحج ب 4 / 20 .

4) ([2]) ب22 ابواب المواقيت.

الرواية الثانية فليس الارسال فيها بذلك الضعف لاسيّما وانّ ظاهر الارسال ليس من حريز وانّما نسيان من روى عن حريز بقية السند، لاسيّما وانّ حريز بتلك المنزلة وأكثر رواياته عن الكبار.

وأما الرواية الثالثة: فتصلح معاضدة، وأما دلالتها فتامّة اذ الليلة تكون كناية عن المسير مقدار ليل ونهار وهي في سير القوافل يطوي بها مرحلتان كما في صلاة المسافر فضلاً عمّا كان على دابّة سريعة، ومن ثم تكون الليلتان كناية عن الجحفة التي هي على أربع مراحل.

وثانياً: بمقتضى القاعدة نظراً للروايات الدالّة على توقيت رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) لأهل كل قطر ومن يليهم ميقات وظاهرها تعيين ذلك الميقات، وغاية الأمر يرفع اليد عن لزوم خصوص ذلك الميقات بالتخيير بينه وبين المواقيت البعيدة بالروايات الواردة على انّ من مرّ على أحد تلك المواقيت جاز له الاحرام منها.

وفيه: انّ ظاهر تلك الروايات في الخارج عن محدودة المواقيت، وأجيب بصدق المرور عليها لمن يقصد الحج من مكة، وهو ضعيف اذ ليس الكلام في مشروعية الاحرام منها أو وجوبه بعد الخروج اليها، انّما الكلام في الالزام بالخروج اليها وتعينها على المقيم قبل خروجه، فالأولى تقرير مقتضى القاعدة بالآية الكريمة المشرّعة لمتعة النائي دون الحاضر، وذلك بعد تفسير النائيبالذي يبعد عن مكة بمرحلتين أي بمقدار بعد أقرب المواقيت البعيدة، وإن كان مكياً كما تقدم في المسألة الثانية من هذا الفصل، والحاضر بمن دون تلك المسافة وإن كان آفاقياً بعد السنتين كما تقدم في المسألة الثالثة من هذا الفصل أي انّ مقتضى الروايات المفصلة في المجاور قبل السنتين وبعدها ادراج المجاور في النائي، والنائي بحسب كبرى الآية هو الذي يشرع له التمتع، وقد تقدم في المسألة تفسير انّ نفي مشروعية المتعة لأهل مكة هو نفي مشروعيتها من قرب أي من أدنى الحلّ أو من مكة وانّها مشروعة لهم إذاابتعدوا.

ويستدل للقول الثالث: بالروايات الخاصة:

كصحيحة أبي الفضل - وهو سالم الحنّاط بقرينة رواية صفوان عنه - قال: ((كنت مجاوراً بمكة فسألت أبا عبداللّه - عليه السلام -: من أين أحرم بالحج؟ فقال: من حيث أحرم رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) من الجعرانة أتاه في ذلك المكان فتوح، فتح الطائف وفتح خيبر والفتح فقلت: متى أخرج؟ قال: إن كنت صرورة فاذا مضى من ذي الحجة يوم، فإذا كنت قد حججت قبل ذلك فاذا مضى من الشهر خمس)) .

وحسنة - كالمعتبرة - حمّاد قال: ((سألت أبا عبداللّه - عليه السلام - عن أهل مكة، أيتمتعون؟ قال: ليس لهم متعة، قلت: فالقاطن بها، قال: إذاأقام بها سنة أو سنتين صنع صنع أهل مكة، قلت: فإن مكث الشهر قال: يتمتع، قلت: من أين ]يحرم[؟ قال: يخرج من الحرم، قلت: من أين يهلّ بالحج؟ قال: من مكة نحواً مما يقول الناس))((1)).

وصحيح الحلبي قال: ((سألت أبا عبداللّه - عليه السلام -: لأهل مكة أن يتمتعوا؟ فقال: لا ليس لأهل مكة أن يتمتعوا، قال: قلت فالقاطنين بها قال: إذاأقاموا سنة أو سنتين، صنعوا كما يصنع أهل مكة، فاذا أقاموا شهراً فإن لهم ان يتمتعوا قلت من أين قال يخرجون من الحرم، قلت: من أين يهلّون بالحج؟ فقال: من مكة نحواً مما يقول الناس))((2)).

وموثق سماعة عن أبي عبداللّه - عليه السلام - قال: ((المجاور بمكة إذادخلها بعمرة في غير أشهر الحج في رجب أو شعبان أو شهر رمضان أو غير ذلك من الشهور الا أشهر الحج فانّ أشهر الحج شوال وذي القعدة وذي الحجة، من دخلها بعمرة في غير أشهر الحج، ثم أراد أن يحرم فليخرج إلى الجعرانة فيحرم منها، ثم ياتي مكة ولا يقطع التلبية حتى ينظر إلى البيت ثميطوف بالبيت ويصلّي ركعتين عند مقام ابراهيم - عليه السلام - ثم يخرج إلى الصفا والمروة فيطوف بينهما، ثم يقصر ويحلّ ثم يعقد التلبية يوم التروية))((3)).

أما رواية حمّاد فيشكل على دلالتها بأن قوله - عليه السلام - ((يخرج من الحرم)) مطلق فيقيد


1) ([1]) ب9 ابواب أقسام الحج ح6،7 .

2) ([2]) ب9 ابواب أقسام الحج ح3 .

3) ([1]) ب8 ابواب أقسام الحج ح2 .

بما سبق بخروجه إلى الوقت في قبال ذيل الرواية حيث جعل الاهلال بالحج من مكة وكذلك الحال في صحيحة الحلبي.

وأما موثق سماعة فهو مطلق من حيث الاضطرار وعدمه فيمكن تقيده بالاضطرار لأن الروايات المتقدمة الدالّة على الوقت مخصصة بغير الاضطرار لما ورد بأن المضطر((1)) يحرم من حيث أمكنه فتنقلب نسبتها معها.

وبعبارة أخرى: يكون من قبيل انقلاب النسبة بتوسط روايات الاضطرار، وحمل الروايات المطلقة على الاضطرار غير عزيز لاسيّما في باب الحج نظير الروايات المطلقة الواردة في تأخير الاحرام إلى الجحفة المحمولة عليه، وكذلك الروايات المطلقة بتقديم المتمتع طوافه وسعيه على الوقوف، مضافاً لإعتضاد الروايات المتقدمة بمفاد الآية المبين لاشتراط التمتع بالبعد، كما تقدم في صدر الفصل من أنها في صدد تحديد مشروعية التمتع بالاحرام من الموضع النائي والحاضر ليس له إلا الافراد أعم من المندوب والواجب، ويساعده التعبير فيها ((فمن تمتع)) كالتعليق على ارادته ومطلق المشروعية أعم منها، ويشهد لذلك أيضاً نفي مشروعية التمتع مطلقاً لأهل مكة أي من قرب سواء الواجب أو المندوب، ويشهد له أيضاً مشروعية التمتع لأهل مكة عند خروجهم إلى الموضع النائي كما في (المسألة 2) سواء اختصت رواياتها بالمندوب أو الواجب والاعم، ويشهد له أيضاً ما ورد في تحديد النائي والحاضر تفسير الآية بالثمانية والاربعين وهي حد أدنى المواقيت البعيدة.

هذا ولكن قد يجاب عن هذا الحمل بأن ما ورد في المسألة الثالثة المتقدمة في هذا الفصل من التفصل في المجاور بين تمام السنتين وقبلها. بأن حكمه بعد السنتين حكم أهل مكة وقبل السنتين تجوز له المتعة فإن الجواز المزبور إن كان من على بعد


1) ([2]) ب14 و15 و16 ابواب المواقيت.

فلم يفترق حال المجاور قبل السنتين وبعدها، لأن أهل مكة أيضاً يجوز لهم التمتع من بعد كما تقدم في المسألة الثانية في هذا الفصل، فالتفصيل لا محالة يكون بلحاظ جواز ايقاع التمتع منقرب قبل المدة بخلافه بعدها، ولعل ذلك تخفيف من الشارع على المجاور اذ قد يكون آت بنسك سابق من المواقيت البعيدة من زمن قريب، أو يكون للتفصيل بلحاظ وجوب التمتع قبل السنتين من المواقيت البعيدة وجوباً تعينياً عليه أما بعد السنتين فيتعين عليه الافراد مادام حاضراً لدى المسجد الحرام، نعم، إذاابتعد ونأى يتبدل لديه الموضوع فيكون المكي مخيراً كما في المسألة المتقدمة. والجواب الثاني هو العمدة.

ثمّ انّ الماتن ذكر انّ هذا حكم من كان في مكة وأراد الاتيان بالتمتع ولو مستحباً وما أفاده واضح بحسب الروايات المتقدمة حيث انّ عدّة من الروايات التي وردت لم تاخذ عنوان المجاور والمقيم في الموضوع بل عنوان من دخل بنسك ثم أراد أن يتمتع مضافاً إلى ما عرفت انّ ذلك مقتضى القاعدة في ماهية التمتع فانّها متقوّمة بالاحرام من أحد المواقيت البعيدة ولا أقل من أقربها وهو حدّ النائي كما هو مقتضى الآية.

وأما أهل مكة إذاأرادوا التمتع استحباباً فكذلك لما عرفت من أن مفاد الآية في تحديد ماهية التمتع للاحرام من بعد((1))، مضافاً إلى ضميمة ما تقدم من الروايات في المسألة الثانية في المكي إذاخرج إلى بعض الأمصار.

هذا وإن كان احرام أهل مكة من أدنى الحلّ كما سيأتي كما في صحيح أبي الفضل((2)) وصحيح عبدالرحمن بن الحجاج((3)) وغيرهما من الروايات، إلا انّها امّا


1) ([1]) وهو لا يختص بالنائي وانّما يخصص تعين التمتع بالاحرام من موضوع النائي.

2) ([2]) ب9 ابواب أقسام الحج ح6 .

3) ([3]) ب9 أبواب أقسام الحج ح5 .

خاصّة في حج الافراد أو عامّة تعمّ العمرة المفردة فلا اطلاق فيها للتمتع وهكذا صحيح عمر بن يزيد عن أبي عبداللّه - عليه السلام - ((قال: من أراد أن يخرج من مكة ليعتمر، أحرم من الجعرانة أو الحديبية أو ما أشبهها))((1)).

ولو سلم اطلاقها لعمرة التمتع فقد عرفت انّ الروايات الواردة في المسالة الثانية في المكي إذاخرج انّها شاملة للحج الندبي وان فيها تقرير لارتكاز السائل بعدم المشروعية من قرب، مضافاً لما عرفت من عموم مفاد الآية في تحديد ماهية التمتع بالاحرام من بعد ونسبتها من وجه مع الروايات الدالّة لأدنى الحلّ لو سلم اطلاقها لحج التمتع.

ثم انّ هذا كلّه مع امكان الرجوع للمواقيت البعيدة أما مع التعذر فيكفي الرجوع لأدنى الحلّ لما عرفت من روايات القول الثالث المحمولة على الاضطرار ولما سيأتي في المواقيت من انّهمقتضى القاعدة عند التعذر، وسياتي في الابتعاد عن أدنى الحلّ بقدر ما يمكنه وإن لم يتمكن فمن موضعه وان هذا هل يعم التمتع الندبي كما هو الصحيح أم يخص الواجب.


1) ([4]) ب22 أبواب المواقيت ح1 .

فصل في حج التمتع

اشارة

صورة الحج التمتع على الاجمال: أن يحرم في أشهر الحج من الميقات بالعمرة المتمتع بها إلى الحجّ، ثم يدخل مكة فيطوف فيها بالبيت سبعاً، ويصلّى ركعتين في المقام، ثم يسعى لها بين الصفا والمروة سبعاً، ثم يطوف للنساء احتياطاً وإن كان الأصح عدم وجوبه(1)، ويقصّر، ثم ينشيء إحراماً للحج من مكة في وقت يعلم أنه

(1) قال الشهيد في الدروس((1)) ونقل - أي الجعفي - عن بعض الأصحاب انّ في المتمع بها طواف النساء وفي المبسوط الأشهر في الروايات عدمه وأشار به إلى رواية سليمان بن حفص عن الفقيه - عليه السلام -: ((المتمتع إذاقصر فعليه لتحلة النساء طواف وصلاة))((2)).

ويدل على المشهور بل المجمع عليه من سقوط طواف النساء في عمرة التمتع صحيحة معاوية بن عمّار قال عن أبي عبداللّه - عليه السلام - ((على المتمتع بالعمرة إلى الحج ثلاثة أطواف بالبيت، وسعيان بين الصفا والمروة وعليه إذاقدم مكة طواف بالبيت، وركعتان عند مقام ابراهيم - عليه السلام -، وسعي بين الصفا والمروة، ثم يقصّر وقد أحل هذا للعمرة، وعليه للحج طوافان، وسعي بين الصفا والمروة، ويصلي عند كل طواف بالبيت ركعتين عند مقام ابراهيم))((3)). ونظيره صحيحته الأخرى((4)) وبنفس الصراحة صحيحة منصور بن حازم((5)). وفي صحيح محمد بن عيسى حيث روى مكاتبة الرازي إلى الرجل - عليه السلام - وفيها ((وامّا التي يتمتع بها


1) ([1]) الدروس: ج1 ص329 .

2) ([2]) الوسائل باب 28 ابواب الطواف ح7 .

3) ([3]) باب 2 ابواب اقسام الحج ح8 .

4) ([4]) باب 3 ابواب أقسام الحج ح1 و2 .

5) ([5]) باب 3 ابواب أقسام الحج ح9 .

يدرك الوقوف بعرفة، والأفضل إيقاعه يوم التروية، ثم يمضى إلى عرفات فيقف بها من الزوال إلى الغروب ثم يفيض ويمضي منها إلى المشعر فيبيت فيه ويقف به بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ثم يمضى إلى منى فيرمى جمرة العقبة، ثم ينحر أو يذبح هديه ويأكل منه ثم يحلق أو يقصّر فيحلّ من كلّ شيء إلا النساء والطيب، والأحوط اجتناب الصيد أيضاً وإن كان الأقوى عدم حرمته عليه من حيث الاحرام ثم هو مخيّر بين أن يأتي إلى مكّة ليومه فيطوف طواف الحج ويصلّي ركعتيه ويسعى سعيه فيحلّ له الطيب، ثم يطوف طواف النساءويصلّى ركعتيه فتحلّ له النساء ثمّ يعود إلى منى لرمي الجمار فيبيت بها ليالي التشريق وهي الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر، ويرمي في أيّامها الجمار الثلاث، وأن لا يأتي إلى مكة ليومه بل يقيم بمنى حتى يرمي جماره الثلاث يوم الحادي عشر ومثله يوم الثاني عشر، ثم ينفر بعد الزوال إذا كان قد أتّقى النساء والصيد، وإن أقام إلى النفر الثاني وهو الثالث عشر ولو قبل الزوال لكن بعد الرمي جاز أيضاً، ثم عاد إلى مكة للطوافين والسعي ولا إثم عليه في شيء من ذلك على الأصح، كما انّ الأصح الاجتزاء بالطواف والسعي تمام ذي الحجة، والأفضل الأحوط هو اختيار الأول بأن يمضي إلى مكة يوم النحر.

إلى الحج فليس على صاحبها طواف النساء))((1)).

وكذلك صحيحة صفوان قال: سأله أبو الحرث عن رجل تمتع بالعمرة إلى الحج فطاف وسعى وقصّر، هل عليه طواف النساء؟ قال: ((لا، انّما طواف بعد الرجوع من منى))((2)).

وبذلك تحمل رواية المروزي على التقية لصرحتها في عمرة التمتع حيث فرض التقصر بعد السعي.

لا يقال: انّ التعارض الموجود في عمرة التمتع بعينه موجود في روايات طواف


1) ([1]) باب 28 ابواب الطواف ح1 .

2) ([2]) الباب السابق ح6 .

بل لا ينبغي التأخير لغده فضلاً عن أيّام التشريق إلا لعذر(1).

ويشترط في حج التمتع أمور:

أحدها: النيّة بمعنى قصد الإتيان بهذا النوع من الحجّ حين الشروع في إحرام العمرة، فلو لم ينوه أو نوى غيره أو تردّد في نيّته بينه وبين غيره لم يصح(2)

النساء في العمرة المفردة.

فانّه يقال: انّ بين الموردين فارق حيث انّ الروايات النافية لطواف النساء للمفردة أقل عدداً من الروايات المثبتة. نعم هي موافقة للتقية لأن العامّة لا طواف للنساء عندهم، مع تضمن الروايات المثبتة له في المفردة التأكيد والتكرير لثبوته فيها وهذا بخلاف المتمتع بها فانّ الروايات النافية أكثر عدداً وهي غير قابلة للحمل على التقية لتضمنها للأمر به في حج التمتع دون عمرته، مع انّه قد يقرب انّ نفي حلية النساء بعد عمرة التمتع من طواف النساء موافق للعامّة حيث لا يستحل بعضهم الاحلال بين عمرة التمتع وحجّه حيث يدخلهما في نسك واحد، نعم لولا ذلك لكان مقتضى القاعدة وجوب طواف النساء للعمومات الدالّة على وجوبه لكل نسك واحراموإن كان قد يقرب انّ عمرة التمتع مع حجه حيث قد تداخلا كما في النصوص فهما بحكم نسك واحد.

(1) سيأتي قوة ما عليه المشهور أو الأكثر من عدم جواز تأخير أعمال مكة إلى ما بعد أيّام التشريق وان صحّ وضعاً إلى آخر ذي الحجة.

(2) عن المسالك التنظر في وجوبها، ومال إليه في المدارك موجهاً له أن لازمه الجمع بينها وبين نية كل فعل وأنّ الأخبار خالية عنها، وعن الدروس انّ المراد منها نيّة الاحرام، هذا والصحيح كما سياتي في بحث الاحرام ونيّته انّ الاحرام لا ينعقد كما هو مفاد رواياته إلا بقصد النسك مع التلبية، فقصد النسك بمنزلة قصد ماهية الصلاة الخاصة والتلبية بمنزلة تكبيرة الاحرام والاحرام بمنزلة التحريم الحاصل من تكبيرة الافتتاح، فمن ثم بنينابمقتضى روايات الاحرام والتلبية وفرض النسك الآتية في

نعم في جملة من الأخبار أنه لو أتى بعمرة مفردة في أشهر الحج جاز أن يتمتع بها بل يستحب ذلك إذا بقي في مكة إلى هلال ذي الحجة ويتأكد إذا بقي الى يوم التروية بل عن القاضي وجوبه حينئذ ولكن الظاهرتحقق الاجماع على خلافه ففي موثق سماعة عن الصادق - عليه السلام -: من حجّ معتمراً في شوال ومن نيته أن يعتمر ورجع إلى بلاده فلابأس من ذلك، وان هو أقام إلى الحج فهو متمتع لأن أشهر الحج شوال وذي القعدة وذي الحجة فمن اعتمر فيهن فأقام إلى الحج فهي متعة ومن رجع إلى بلاده ولم يقم إلى الحج فهي عمرة وان اعتمر في شهر رمضان أو قبله فأقام إلى الحج فليس بمتمتع وانّما هو مجاور أفرد العمرة فإن هو أحب أن يتمتع في أشهر الحج بالعمرة إلى الحج فليخرج منها حتى يجاوز ذات عرق أو يتجاوز عسفان متمتعاً بعمرته إلى الحج فإن هو أحب أن يفرد الحج فليخرج إلى الجعرانة فليبّ منها، وفي صحيحة عمر بن يزيد عن أبي عبدالله - عليه السلام -: من اعتمر عمرة مفردة فله أن يخرج إلى أهله إلا أن يدرك خروج الناس يوم التروية، وفي قوية عنه - عليه السلام -: من دخل مكة معتمراً مفرداً للحج فيقض عمرته كان له ذلك فإن أقام إلى أن يدرك الحج كانت عمرته متعته، قال - عليه السلام -: وليس تكون متعة إلا في أشهر الحج وفي صحيحة عنه - عليه السلام -: من دخل مكة بعمرة فأقام إلى هلال ذي الحجة فليس له أن يخرج حتى يحج مع الناس. وفي مرسل موسى بن القاسم: من اعتمر في أشهر الحج فليتمتع

محلّها على انّ نية الاحرام ليست هي نيّة التروك بل هو قصد التلبية لعقد النسك الخاص بإخطار صورته مع لبس ثبوي الاحرام، وبالتالي فتخصص التلبية باضافتها إلى عنوان النسك الخاص، أي أنّها اجابة للأمر المتعلّق بالنسك الخاص من تمتع أو افراد أو قران أو عمرة مفردة فلابد في الملبي حينما يريد أن ياتي بالتلبية الأولى أن يقصد اضافتها إلى نسك معين سواء أبرزه في اللفظ أو نواه في خاطره ويدل على كل ذلك الروايات الواردة في فرض النسك وفي انشاءالاحرام، ومنه يظهر الحال في

إلى غير ذلك من الأخبار وقد عمل جماعة، بل في الجواهر لا أجد فيه خلافا ومقتضاه صحة التمتع مع عدم قصده حين إتيان العمرة بل الظاهر من بعضها أنه يصير تمتعاً قهراً من غير حاجة إلى نية التمتع بها بعدها، بل يمكن أن يستفاد منها(1) انّ التمتع هو الحج عقيب عمرة وقعت في أشهر الحج بأيّ نحو أتى بها، ولابأس بالعمل بها،لكن القدر المتيقن منها(2) هو الحجّ الندبي ففيما إذا وجب عليه التمتع فأتى بعمرة مفردة ثم أراد أن يجعلها عمرة التمتع يشكل الاجتزاء بذلك عمّا وجب عليه، سواء كان حجّة الاسلام أو غيرها ممّا وجب بالنذر أو الاستيجار.

الثاني: أن يكون مجموع عمرته وحجّه في أشهر الحج، فلو أتى بعمرته أو بعضها في غيرها لم يجز له أن يتمتع بها، وأشهر الحج شوّال وذوالقعدة وذوالحجة بتمامه على الأصح لظاهر الآية، وجملة من الأخبار كصحيحة معاوية بن عمار، وموثقة سماعة، وخبر زرارة، فالقول بأنها الشهران الأولان مع العشر الأول من ذي الحجّة كما عن بعض أو مع ثمانية أيام كما عن آخر أو مع تسعة أيام وليلة يوم النحر إلى طلوع فجره كما عن ثالث أو إلى طلوع شمسه كما عن رابع ضعيف،

كلمات الشهيدين وصاحب المدارك مع انّ المحذور الذي زعمه صاحب المدارك يتأتى في الصلاة أيضاً وكذا ما ذكره من خلو الأخبار عن ذلك.

وقد تقدم في قاعدة شرطية أو جزئية الاحرام((1)) حكاية قول المبسوط والوسيلة والتذكرة وكشف اللثام الذي ظاهره جواز انشاء الاحرام من دون تعين ثم صرفه إلى نسك معين، لكنه ليس خلاف في لزوم النيّة للنسك، وانّما هو خلاف في موضعها.

(1) قد تقدم الكلام مفصلاً في فصل أقسام العمرة في الملحق مسألة 142 .

(2) فيه نظر لأن اطلاق الأدلّة يدفعه.


1) ([1]) سند العروة ج1 ص65 / كتاب الحج .

على انّ الظاهر انّ النزاع لفظي فانّه لا اشكال في جواز اتيان بعض الأعمال إلى آخر ذي الحجّة فيمكن أن يكون مرادهم انّ هذه الأوقات هي آخر الأوقات التي يمكن بها ادراك الحج(1).

(مسألة 1): إذاأتى بالعمرة قبل أشهر الحج قاصداً بها التمتع فقد عرفت عدم صحتها تمتّعاً، لكن هل تصح مفردة أو تبطل من الأصل؟ قولان، اختار الثاني في المدارك، لأن ما نواه لم يقع، والمفردة لم ينوها، وبعض اختار الأول لخبر الأحول عن أبي عبدالله - عليه السلام - في رجل فرض الحج في غير أشهر الحج، قال: يجعلها عمرة وقد يستشعر ذلك من خبر سعيد الأعرج قال أبو عبدالله - عليه السلام -: من تمتّع في أشهر الحج ثم أقام بمكة حتى يحضرالحج من قابل فعليه شاة، وإن تمتع في غير أشهر الحج ثم جاور حتى يحضر الحج فليس عليه دم، إنما هي حجة مفردة. إنما الأضحى على أهل الأمصار. ومقتضى القاعدة وإن كان هو ما ذكره صاحب المدارك لكن لابأس بما ذكره ذلك البعض للخبرين(2).

(1) يدلّ على التقييد بالأشهر قوله تعالى (الحجّ أشهر معلومات...)((1)) وكذا الروايات المتواترة((2))، واختلاف الأقوال في تحديد مقدار ذي الحجّة الظاهر انّه بلحاظ منتهى عقد الاحرام وإلا فطواف الحج والسعي يصحّ إلى أخر ذي الحجة وضعاً وإن وجب تقديمه قبل انقضاء أيّام التشريق تكليفاً كما سيأتي.

قاعدة عدم بطلان الاحرام ببطلان النسك

اشارة

(2) مقتضى القاعدة في المقام يحرّر تارة على القول بشرطية الاحرام في النسك، وأخرى بناءً على جزئيته، فعلى الأول لا يفسد الاحرام بفساد النسك، لأن ذات الشرط عبادة في نفسه وصالح أن ينضم إلى أي نوع من أنواع النسك.


1) ([1]) البقرة: 197 .

2) ([2]) ب11و15 ابواب أقسام الحج.

وعن المبسوط والوسيلة والمهذب والتذكرة في مسألة تعين النسك في النيّة للاحرام انّه يجوّز انشاء الاحرام من دون تعيين، ثم صرفه إلى نسك معين لأنه شرط، ووافقهم على ذلك في كشف اللثام.

مضافاً إلى ما سنذكره من وجه لصحّة الاحرام على القول بالجزئية أيضاً ومن ثم ورد في موارد عديدة التحلل بالعمرة من فساد الحج بعضه منصوص، والآخر التزم به المشهور من دون نص ولعلّه لبنائهم على ما ذكرنا بل انّ النصوص في الموارد المزبورة صالحة لأن تخرج وجهاً ثالثاً لعدم فساد الاحرام بفساد النسك، وقد تقدم((1))انّ الأصح كون الاحرام شرطاً، والبحث في المقام جار في موارد الخلل المبطل للنسك.

أما على القول بالجزئية فمقتضى القاعدة الفساد لفساد الجزء الارتباطي لعدم تعقبه ببقية الاجزاء. ولكن قد يقال بأن قصد النسك ان كان بنحو الداعي فلا يبطل الاحرام لكون قصدهمتعلقاً بالأمر الواقعي، فيكون من باب الاشتباه في التطبيق، بخلاف ما إذانوى التقيد إلا انّه قليل الوقوع.

وفيه: انّ قصد النسك وان كان متصور بكل من القسمين، إلا انّ فرض ذلك من الملتفت إلى تباين أنواع النسك ممتنع، مضافاً إلى انّ الأمر الواقعي قد يكون مردداً بين أنواع متعددة من النسك نعم في خصوص فرض المقام وموارد الخلل الكثيرة هو متعين في العمرة المفردة.

فالحاصل انّ هذا الوجه تام في الجملة في الموارد المتوفرة على القيود التي أشرنا اليها.


1) ([3]) سند العروة الوثقى الحج ج1 ص65 - 68 .

وأمّا بحسب الروايات:

قد استدل بمعتبرة أبي جعفر الأحول عن أبي عبداللّه - عليه السلام - في رجل فرض الحج في غير أشهر الحج قال: ((يجعلها عمرة))((1)).

وقد يخدش فيها تارة بالسند بأن طريق الصدوق مشتمل على محمد بن علي بن ماجيلويه وهو لم يوثق .

وفيه: انّه من مشايخ الصدوق وقد ترضّى عنه واعتمده في المشيخة في العديد من الطرق إلى الكتب، وقد صحح العلاّمة بعضها مضافاً إلى كونه من القميين ولهم مصاهرة مع بيت البرقي ولم يرو فيه طعن منهم كل ذلك مما يدل على صلاح الحال ولا أقل من حسن الظاهر.

وأخرى بالدلالة بأن الرواية ليست صريحة في انشائه للاحرام اذ قول الراوي ((رجل فرض الحج)) محتمل لإرادة نية الحج التي اطلق عليها في الروايات لفظة فرض الحج، ومن ثم يكون معنى جعلها عمرة يعني انشاء الاحرام لها. واشكل أيضاً بأن موردها انشاء الحج لا انشاء عمرة التمتع فلا يتعدى منه إلى غيره.

وفيه: انّ كلمة ((فرض)) فعل ماضي ظاهر في التحقق وانشاء الحج نظير قوله تعالى (الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهنّ الحج)((2)) وقد استعمل الفرض في الروايات بمعنى التلبية بالاشعار والتقليد ففي صحيح معاوية بن عمّار عنه - عليه السلام - ((فأي ذلك فعل فقد فرض الحج ولا يفرض الحج إلا في هذه الشهور))((3)).وأمّا اختصاص موردها بالحج فالعنوان مطلق لم يقيد بحج الافراد أو القران فهو شامل للتمتع، مضافاً إلى فهم عدم الخصوصية لو سلّمنا اختصاص موردها لأنه من


1) ([1]) باب 11 أبواب أقسام الحج ح7 .

2) ([2]) البقرة 197 .

3) ([3]) باب 11 ابواب أقسام الحج ح2 .

جهة فساد النسك لعدم صلاح الظرف له وهو مشترك بين انواع الحج مع الارتهان بالاحرام، فجعلها عمرة لأجل التحلل لا لكونها بدل أو عقوبة أو كفارة عن النسك الفاسد، ولأجل ذلك يستفاد من الروايات الواردة في التحلل بالعمرة في موارد الخلل المبطل للحج عدم بطلان الاحرام ببطلان النسك وان الأمر بالعمرة لأجل التحلل منه.

ثم انّه لا يخفى انّ التعبير (بجعلها) ظاهر في تبديل ما قد فرضه وهو قرينة ثانية لكون مورد سؤال الراوي هو عن الحكم بعد انشاء الاحرام. واستدلّ بمعتبرة سعيد الأعرج قال أبو عبداللّه - عليه السلام -: ((من تمتع في أشهر الحج ثم أقام بمكّة حتى يحضر الحج من قابل فعليه شاة، ومن تمتع في غير أشهر الحج ثم جاور حتى يحضر الحج فليس عليه دم انّما هي حجّة مفردة. وانّما الاضحى على أهل الأمصار)) واشكل على سنده باشتماله على محمد بن سنان والحال فيه معروف فلا يضر باعتبار السند.

واشكل على الدلالة بأنّها غير متعرضة لصحّة العمرة، وانّها في المجاور ولا يتعدى إلى غيره.

وفيه: انّ الرواية وإن لم تصرح بحكم العمرة التي أقامها بعنوان التمتع في غير أشهر الحج، إلا انّ حكمه - عليه السلام - بنفي الهدي وإن حجته مفردة دال على أن ما أوقعه من العمرة غير مرتبط بالحج أي مفردة قد استحل بها دخول مكة، ومن ثم فرض فيها الجوار والمراد من الجوار هنا كما في روايات أخرى أيضاً هو مطلق من أقام بمكة قبل أشهر الحج ولو بشهر أو أيّام ثم تدخل عليه أشهر الحج فالرواية لا تخلو من دلالة فوق حدّ الاشعار.

ثمّ انّه ظاهر الروايتين في هذه المسألة وكذا الروايات المتقدمة في الشرط الثاني الدالّة على لزوم ظرفية الحج في الأشهر الثلاثة كون انشاء الاحرام لعمرة التمتع أو

(الثالث) أن يكون الحج والعمرة في سنة واحدة كما هو المشهور المدّعى عليه الإجماع، لأنه المتبادر من الاخبار المبيّنة لكيفية حج التمتع، ولقاعدة توقيفية العبادات، وللأخبار الدالة على دخول العمرة في الحج وارتباطها به، والدالة على عدم جواز الخروج من مكة بعد العمرة قبل الاتيان بالحج بل وما دلّ من الأخبار على ذهاب المتعة بزوال يوم التروية أو يوم عرفة ونحوها، ولا ينافيها خبر سعيد الأعرج المتقدم، بدعوى انّ المراد من القابل فيه العام القابل فيدلّ على جواز ايقاع العمرة في سنة، والحج في أخرى، لمنع ذلك، بل المراد منه الشهر القابل على أنه لمعارضة الأدلّة السابقة غير قابل، وعلى هذا فلو أتى بالعمرة في عام وأخّر الحج إلى العام الآخر لم يصح تمتعاً، سواء أقام في مكة إلى العام القابل، أو رجع إلى أهله ثم عاد اليها، وسواء احلّ من احرام عمرته أو بقي عليه إلى السنة الاخرى، ولا وجه لما عن الدروس من احتمال الصحّةفي هذه الصورة، ثم المراد من كونهما في سنة واحدة أن يكونا معاً في أشهر الحج من سنة واحدة، لا أن لا يكون بينهما أزيد من اثني عشر شهراً، وحينئذ فلا يصح أيضاً لو أتى بعمرة التمتع في أواخر ذي الحجّة، وأتى بالحج في ذي الحجّة من العام القابل(1)

الحج الافراد لابد من وقوعه في شوال وما بعد ومقتضاه انّ احتساب شهر العمرة بايقاع مجموع العمرة فيه لا مجرّد الاحلال ولا مجرّد الاحرام ولا بمعظم العمل بل بمجموعه وإلا لصحّ أن ينشأ احرام عمرة التمتع في آخر شهر رمضان ويأتي بأعمال العمرة في شوال مع أن الروايات المزبورة قاضية بالبطلان.

(1) استدلّ بوجوه عديدة غير خالية من النظر والتأمّل لأن غاية ما يدلّ على ارتباط العمرة بالحج هو احتباسه بها من دون دلالتها على مبطلية التفريق في عامين، والأولى في المقام الاستدلال بما دلّ على فوات الحج بفوات الموقفين ولو لمن اعتمر بعمرة التمتع مع انّ اللازم بناء على صحّة وقوع العمرة في عام والحج في عام

(الرابع): أن يكون احرام حجّه من بطن مكة مع الاختيار للاجماع والأخبار وما في خبر اسحاق عن أبي الحسن - عليه السلام - من قوله: كان أبي مجاوراً هاهنا فخرج يتلقّى بعض هؤلاء، فلمّا رجع فبلغ ذات عرق احرم من ذات عرق بالحج ودخل وهو محرم بالحج، حيث انّه ربما يستفاد منه جواز الاحرام بالحج من غير مكّة،

آخر هو احتباسه بالحج إلى العام القابل وعدم جواز خروجه من مكة إلا أن يفرض اضطرار أو حرج، مع انّه ليس في الروايات اشارة إلى ذلك هذا أولاً.

وثانياً: لازم جواز تفرقة العمرة عن الحج في عامين أو بأن يفرق بين احرام العمرة من جهة وأفعالها من جهة أخرى أو أن يفرق بين العمرة واحرام الحج من جهة وأفعال الحج من قابل، لازم القول بصحّة ذلك هو القول بصحّة التفريق بين الموقفين في الحج في عامين أو يفرق بين الموقفين وأعمال مكة في عامين وغيرها من الصور التي يمكن التفريق في الأعمال في عامين، بل لا يختص ذلك في حج التمتع بل يشمل الافراد والقران أيضاً، وهذا اللازم مخالف للروايات العديدة الدالّة على بطلان الحج وفساده بترك بعض أعمال الحج في العام الواحد بل في بعضها انّ عليه الحج من قابل. ووجه الملازمة المزبورة أنّه لا فرق بين عمرة التمتع وبقية أعمال واجزاء الحج من حيث الجزئية وان وقعت في احرام مستقل عن أعمال الحج.

هذا وأمّا رواية سعيد الأعرج فليس الظاهر من مفادها التفريق بين عمرة التمتع وحجه، بل ظاهر مفادها انّ من أتى بحج التمتع وأقام في مكة حتى تحضر أشهر الحج من العام القابل تقع عمرته وحجّه اللاحقين تمتعاً وان عليه الهدي لكونه تمتع، بخلاف ما إذااعتمر قبل أشهر الحج ثم جاور وأتى بالحج فانّ حجّته مفردة ولا تعتبر تمتع فليس عليه دم، أي انّ الرواية في صدد انالتمتع ضابطه وقوع العمرة والحج في الأشهر الثلاثة بلا فصل، وان كرر ذلك في كل عام وان كان مجاوراً وأما من اوقع العمرة في غير الأشهر وجاور وأقام حتى يحضر الحج فلا يعتد بعمرته انّها تمتع.

محمول على محامل أحسنها أن المراد بالحج عمرته، حيث انّها أول أعماله، نعم يكفي أيّ موضع منها كان ولو في سككها للاجماع وخبر عمرو بن حريث عن الصادق - عليه السلام - من أين أهلّ بالحجّ؟ فقال: إن شئت من رحلك، وان شئت من المسجد، وان شئت من الطريق، وأفضل مواضعها المسجد وأفضل مواضعه المقام أو الحجر، وقد يقال: أو تحت الميزاب، ولو تعذّر الاحرام من مكّة أحرم ممّا يتمكّن، ولو أحرم من غيرها اختياراً متعمداً بطل احرامه، ولو لم يتداركه بطل حجّه، ولا يكفيه العود اليها بدون التجديد، بل يجب أن يجدده لأن احرامه من غيرها كالعدم، ولو أحرم من غيرها جهلاً أو نسياناً وجب العود اليها، والتجديد مع الامكان، ومع عدمه جدّده في مكانه(1).

(1) تنقيح الكلام في مقامين:

كون مكة ميقات لحج التمتع

الأول: في كون مكة ميقات لحج التمتع.

وهو متّفق عليه في الكلمات، عدا ما يحكى عن الشيخ في الخلاف والعلاّمة في التذكرة، والفاضل الهندي في كشف اللثام من الاجتزاء بالاحرام من غيرها في صورة الجهل والنسيان. ويدلّ عليه من الروايات صحيح الحلبي قال: ((سألت أبا عبداللّه - عليه السلام -في حديث فاذا أقاموا شهراً فانّ لهم أن يتمتعوا. قلت: من أين؟ قال: يخرجون من الحرم. قلت: من أين يهلّون بالحج؟ قال: من مكة نحواً مما يقول الناس))((1)) .

وبنفس اللفظ صحيح حمّاد((2)). ومنها الروايات الآتية في فضيلة الاحرام من المسجد في مواضع منه خاصّة، فانّه يستفاد منها اجمالاً أن مكة ميقات، اذ لولا ما دلّ على أن مكة بأكملها ميقات لقلنا بأنّ المسجد هو الميقات.

ومنها طائفة الروايات الدالّة على وجوب الاحرام من مكة لمن أتى بعمرة التمتع عند ارادته الخروج منها لقضاء حاجة كصحيحة الحلبي قال: ((سألت أبا عبداللّه - عليه السلام - عن


1) ([1]) ابواب أقسام الحج ب 9 ح3 .

2) ([2]) الباب السابق ح7 .

الرجل يتمتع بالعمرة إلى الحج، يريد الخروج إلى الطائف. قال: يهلّ بالحج من مكة وما أحب أن يخرج منها إلا محرماً)) الحديث((1)).ووجه دلالتها أنّها وقتت احرام الحج بمكة.

أمّا رواية عمر ابن حريث الصيرفي قال: ((قلت لأبي عبداللّه - عليه السلام -: من أين أهل بالحج؟ قال: إن شئت من رحلك، وإن شئت من الكعبة، وإن شئت من الطريق))((2)).

فلا دلالة فيها على خلاف ذلك، اذ المراد من الرحل هو منزله في مكة، والطريق هو طريقه بين رحله والمسجد بل الرواية في طريق الشيخ قيّد فرض السؤال وهو بمكة. وسيأتي الكلام في أحكام المواقيت من كون المراد بمكة هو مكة القديمة وما اتسعت.

ومنها الروايات البيانية((3)).

الثاني: في أفضل المواضع للاحرام المزبور.

المسجد وأفضل منه مقام ابراهيم - عليه السلام - أو الحِجر. كما هو مفاد صحيح معاوية بن عمّار عن أبي عبداللّه - عليه السلام - قال: ((إذاكان يوم التروية إن شاء اللّه فاغتسل ثم ألبس ثوبيك وادخل المسجد، إلى أن قال.... ثم صلّي ركعتين عند مقام ابراهيم - عليه السلام - أو في الحجر ثم احرم بالحج))((4)).

وفي موثق يونس عنه - عليه السلام - ((من أي المسجد شئت))((5)).

وفي كلمات جملة من الأصحاب تعيين الأفضلية بتحت الميزاب. ولعلهم عثروا على رواية، أو لكون ذلك الموضع موطن الرحمة واستجابة الدعاء.


1) ([3]) ابواب أقسام الحج ب 22 ح7 .

2) ([1]) ابواب المواقيت ب21 ح2 .

3) ([2]) ابواب أقسام الحج ب 2 .

4) ([3]) ابواب المواقيت ب 21 ح1 .

5) ([4]) الباب السابق ح3 و4 .

(الخامس): ربما يقال انّه يشترط فيه أن يكون مجموع عمرته وحجّه من واحد وعن واحد، فلو استوجر اثنان لحج التمتع عن ميّت أحدهما لعمرته والأخرى لحجّه لم يجز عنه، وكذا لو حجّ شخص وجعل عمرته عن شخص وحجّه عن آخر لم يصح، ولكنه محلّ تأمّل بل ربّما يظهر من خبر محمد بن مسلم عن أبي جعفر - عليه السلام - صحّة الثاني حيث قال: سألته عن رجل يحج عن أبيه أيتمتّع؟ قال: نعم المتعة له والحج عن أبيه(1).

الثالث: إذانسي أو جهل الاحرام في مكة وأحرم من غيرها، فمقتضى اطلاق الأدلّة كون الشرط واقعياً مطلقاً لا ذكرياً كما هو الحال في بقية المواقيت. وما عن كاشف اللثام من الاستدلال بعذرية النسيان والجهل أو البراءة، أو دعوى مساواة ما أتى به لاستئناف فعله في مكة، فيه ما لا يخفى بعد اطلاق الأدلّة.هذا كلّه فيما لو كان قادراً على الرجوع، أمّا إذالم يكن قادراً على الرجوع إلى مكة فيجزيه الاحرام من مكانه كما دلّت عليه الروايات الواردة في بقية أنواع النسك((1))وعمرة التمتع، في انّ من نسي أو جهل الاحرام من الميقات، وتعذر عليه الرجوع إليه يجزيه الاحرام من مكانه، بعد عدم استظهار الخصوصية فيها بقرينة ما يشبه التعليل فيها من خشية فوت الحج. وبعد عدم اختصاص ذلك الحكم بحج الافراد أو القران وشموله لعمرة التمتع. ويدلّ عليه بالخصوص صحيحة علي بن جعفر عن أخيه - عليه السلام -، قال: ((سألته عن رجل نسي احرام الحج فذكر وهو في عرفات فما حاله؟ قال: يقول اللّهمّ على كتابك وسنّة نبيّك، فقد تمّ احرامه))((2)).

وهل يجب عليه الرجوع إلى الأقرب فالأقرب إلى مكة؟

والكلام فيه موكول إلى أحكام المواقيت كما سيأتي.

(1) لم يعنون هذا الشرط في كلمات المتقدمين كما ذكر ذلك صاحب الجواهر،


1) ([1]) ابواب المواقيت ب 14 و20 .

2) ([2]) ابواب المواقيت ب 20 ح3 .

والوحدة وعدم التبعيض في العمل تارة من النائب أي ما منه حج التمتع، وأخرى عن المنوب عنه، وهو ما عنه يقع الحج. ويستدلّ له بما دلّ:

أولاً: على دخول العمرة في الحج المقتضي لإرتباطية العمرة بالحج كعمل واحد((1))، ومقتضى وحدة العمل وحدة تعلّقه في ذمّة المنوب عنه سواء كان ندبياً أو مفروضاً، اذ الجزئية منتزعة من تعلّق الأمر الواحد المجموعي بمجموع العمل فمن ثم لا يكون الخطاب في الأمر الندبي أو الوجوبي إلا بالمجموع.

هذا فيمن يقع عنه الحج، وأما في النائب فمقتضى القاعدة الأولية في النيابة استواء أحكام النائب مع المنوب عنه لأنه في أدائه نازل منزلة المنوب عنه، مضافاً إلى أن مقتضى ارتباطية العمل انّ النائب إذابعّض العمل لا يكون ما أتى به صحيحاً بمقتضى الارتباطية، واتيان النائب الثاني بالبعض الآخر لا دليل على التحامه بالبعض السابق الذي أتى به النائب الأول فيكون ما أتيا به متباينين بل يكفينا الشك في ذلك لأن الوحدة والاتصال مقومة للعمل فلابد من احرازها.

وثانياً: بأنّ النائب الأول إذاأنشأ التلبية بعمرة التمتع وجب عليه اتمام ذلك النسك لأنه مرتهن بذلك الاحرام وبعد احلاله من ذلك محتبس بالحج وقد أنشأ التلبية بنفسه فيجب عليه اتمام العمل. وهذا الحكم في انشاء التلبية هو من أحكام الأداء لا من أحكام الماهيّة بما هي هي فمن ثم يكون مخاطباً بها المؤدي، نظير كيفية الستر في الصلاة والجهر والاخفاء فما أنشأ من فرد النسكالذي أوقع عن شخص بعينه يجب اتمامه على المؤدي ولا يجوز له التلبس بفرد آخر، أمّا صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر - عليه السلام - قال: ((سألته عن رجل يحج عن أبيه أيتمتع قال: نعم المتعة له والحج عن أبيه))((2)) فظاهر السؤال فيها واقع عن أنواع الحج الذي يمكن أن يوقع الرجل عن


1) ([3]) ابواب أقسام الحج باب 2 .

2) ([1]) أبواب النيابة باب 27 الحديث 1 .

(مسألة 2): المشهور انّه لا يجوز الخروج من مكة بعد الاحلال من عمرة التمتع قبل أن يأتي بالحج، وأنه إذا أراد ذلك عليه أن يحرم بالحج فيخرج محرماً به، وإن خرج محلاً ورجع بعد شهر فعليه أن يحرم بالعمرة، وذلك لجملة من الأخبار الناهية للخروج، والدالّة على أنه مرتهن ومحتبس بالحج، والدالة على أنه لو أراد الخروج خرج ملبياً بالحج، والدالة على أنه لو خرج محلاً فإن رجع في شهره دخل محلاًّ، وإن رجع في غير شهره دخل محرماً، والأقوى عدم حرمة الخروج وجوازه محلاً حملاً للأخبار على الكراهة كما عن ابن ادريس وجماعة أخرى بقرينة

أبيه بل عن نوع بخصوصه وهو حج التمتع فأجابه - عليه السلام -بالجواز وحيث انّ في حج التمتع احلال متخلل بين العمرة والحج مما يعود نفعه لنفس المؤدي لا إلى من يوقع عنه الحج (المنوب عنه)، فتوهّم الراوي عدم مشروعية التمتع عن الافاقي المستناب عنه لأن ذلك التخفيف لا يعود اليه، فأجاب - عليه السلام - بأن حكمة تشريع الاحلال والتلذذ فيما بين العمرة والحج هي عائدة إلى المؤدي الذي يكون منه الحج لا الذي يكون عنه الحج، فالمراد من المتعة هو الاحلال والتلذذ لا المراد منها عمرة التمتع ولا التشريك في مجموع حج التمتع وغيرها مما ذكر في مفاد الروايات، وأما رواية الحرث بن المغيرة عن أبي عبداللّه - عليه السلام - ((في رجل تمتع عن أمّه وأهلّ بحجه عن أبيه قال: إن ذبح فهو خير له، وإن لم يذبح فليس عليه شيء لأنه انّما تمتع عن أمّه وأهلّ بحجه عن أبيه))((1))، فالظاهر منها ابتداءاً وان أوهم انّ الحج حجّ التمتع في فرض الرواية، بل بالأحرى انّ الراوي فرض انّ الحج حجّ التمتع إلا انّ حقيقة ما قصده وفرضه ليس هو بحج التمتع، بل هو عمرة مفردة وحج أفراد لأنه قد نوى العمرة عن أمّه والحج عن أبيه من ابتداء نيته، وهذه الماهيّة افراد للنسكين لا تمتع وان أطلق الراوي عليه اسم التمتع فالحقيقة ما قصده ذلك، ومن ثمّ أجاب - عليه السلام - بعدم لزوم الهدي عليه وعلل - عليه السلام - ذلك


1) ([2]) ابواب الذبح ب 1 ح5 .

التعبير بلا أحبّ في بعض تلك الأخبار، وقوله - عليه السلام - في مرسلة الصدوق: إذا أراد المتمتع الخروج من مكّة إلى بعض المواضع فليس له ذلك، لأنه مرتبط بالحج حتى يقضيه إلا أن يعلم أنه لا يفوته الحج، ونحوه الرضويّ، بل وقوله - عليه السلام - في مرسل أبان: ولا يتجاوز إلا على قدر ما لا تفوته عرفة، إذ هو وإن كان بعد قوله: فيخرج محرماً، إلا أنه يمكنأن يستفاد منه أن المدار فوت الحج وعدمه، بل يمكن أن يقال: إن المنساق من جميع الأخبار المانعة انّ ذلك للتحفّظ عن عدم ادراك الحج وفوته لكون الخروج في معرض ذلك، وعلى هذا فيمكن دعوى عدم الكراهة أيضاً مع علمه بعدم فوات الحج منه، نعم لا يجوز الخروج لا بنيّة العود أو مع العلم بفوات الحج منه إذا خرج، ثم الظاهر انّ الأمر بالاحرام إذا كان رجوعه بعد شهر انّما هو من جهة أن لكلّ شهر عمرة لا أن يكون ذلك تعبّداً، أو لفساد عمرته السابقة، أو لأجل وجوب الاحرام على من دخل مكة، بل هو صريح خبر اسحاق بن عمّار قال: سألت أبا الحسن - عليه السلام - عن المتمتع يجيء فيقضي متعته ثم تبدو له حاجة فيخرج إلى المدينة أو إلى ذات عرق أو إلى بعض المنازل، قال - عليه السلام -: يرجع إلى مكة بعمرة ان كان في غير الشهر الذي تمتّع فيه، لأن لكلّ شهر عمرة، وهو مرتهن بالحج، الخ. وحينئذ فيكون الحكم بالاحرام إذا رجع بعد شهر على وجه الاستحباب لا الوجوب، لأن العمرة التي هي وظيفته كلّ شهر ليست واجبة، لكن في جملة من الأخبار كون المدار على الدخول في شهر الخروج أو بعده كصحيحتي حمّاد وحفص البختري ومرسلة الصدوق والرضويّ، وظاهرها الوجوب إلا أن تحمل

بأن الرجل قد قصد افتراق النسكين فيمن يقع عنه فحجه حجة مفردة ومن ثم فلا يجب عليه الهدي، وقد التفت إلى هذا المفاد صاحب الوسائل وذكر انّ وجه اطلاق التمتع على العمرة تقدمه على الحج، اي أنه يتحلل في البين ويكون احرامه للحج من قرب.

على الغالب من كون الخروج بعد العمرة بلا فصل، لكنه بعيد، فلا يترك الاحتياط بالاحرام إذا كان الدخول في غير شهر الخروج، بل القدر المتيقّن من جواز الدخول محلاًّ صورة كونه قبل مضيّ شهر من حين الاهلال، أي الشروع في احرام العمرة والاحلال منها، ومن حين الخروج، اذ الاحتمالات في الشهر ثلاثة، ثلاثين يوماً من حين الاهلال، وثلاثين من حين الاحلال بمقتضى خبر اسحاق بن عمّار، وثلاثين من حين الخروج بمقتضى هذه الأخبار، بل من حيث احتمال كون المراد من الشهر في الأخبار هنا والأخبار الدالّة على انّ لكلّ شهر عمرة الأشهر الاثني عشر المعروفة، لا بمعنى ثلاثين يوماً، ولازم ذلك أنه إذا كانت عمرته في آخر شهر من هذه الشهور فخرج ودخل في شهر آخر أن يكون عليه عمرة الاولى مراعاة الاحتياط من هذه الجهة أيضاً، وظهر ممّا ذكرنا انّ الاحتمالات ستّة: كون المدار على الاهلال، أو الاحلال، أو الخروج، وعلى التقادير، الشهر بمعنى ثلاثين يوماً أو أحد الأشهر المعروفة، وعلى أي حال إذا ترك الاحرام مع الدخول في شهر آخر ولو قلنا بحرمته لا يكون موجباً لبطلان عمرته السابقة فيصح حجّه بعدها، ثم انّ عدم جواز الخروج على القول به انّما هو في غير حال الضرورة، بل مطلق الحاجة، وأما مع الضرورة أو الحاجة مع كون الاحرام بالحج غير ممكنأو حرجاً عليه فلا اشكال فيه، وأيضاً الظاهر اختصاص المنع على القول به بالخروج إلى المواضع البعيدة فلابأس بالخروج إلى فرسخ أو فرسخين بل يمكن أن يقال باختصاصه بالخروج إلى خارج الحرم وإن كان الأحوط خلافه ثم الظاهر أنّه لا فرق في المسألة بين الحج الواجب والمستحبّ، فلو نوى التمتع مستحباً ثم أتى بعمرته يكون مرتهناً بالحج، ويكون حاله في الخروج محرماً أو محلاً والدخول كذلك، كالحج الواجب، ثم انّ سقوط وجوب الاحرام عمّن خرج محلاً ودخل قبل شهر مختص بما إذا أتى بعمرة بقصد التمتع، وأما من لم يكن سبق منه عمرة فيلحقه حكم من

دخل مكة في حرمة دخوله بغير الاحرام الا مثل الحطّاب والحشّاش ونحوهما، وأيضاً سقوطه إذا كان بعد العمرة قبل شهر انّما هو على وجه الرخصة بناء على ما هو الأقوى من عدم اشتراط فصل شهر بين العمرتين، فيجوز الدخول باحرام قبل الشهر أيضاً، ثم إذا دخل بإحرام فهل عمرة التمتع هي العمرة الاولى أو الأخيرة مقتضى حسنة حمّاد أنها الأخيرة المتّصلة بالحجّ، وعليه لا يجب فيها طواف النساء، وهل يجب حينئذ في الأولى أو لا؟ وجهان أقواهما نعم، والأحوط الاتيان بطواف مردد بين كونه للأولى أو الثانية، ثم الظاهر أنه لا اشكال في جواز الخروج في أثناء عمرة التمتع قبل الاحلال منها(1)

(1) هل الحرمة تكليفية ووضعية معاً أي انّه يفسد حجّه بالخروج في غير الموارد الاستثنائية أو انّه تكليفية فقط؟

ظاهر متقدمي الأصحاب الحرمة، وظاهر الطبقة الثانية والثالثة الكراهة. نعم اتّفقوا على انّ الخروج بأزيد من شهر يوجب عدم اتصال العمرة بالحج وانقلاب ما أتى به إلى عمرة مفردة فيلزم عليه الاتيان بعمرة أخرى. وهل يجب الحج باتيان عمرة التمتع المستحبة؟ ولذلك يحرم الخروج مطلقاً أو بأكثر من شهر بحيث يقلبها إلى مفردة، وهل يلزم الفصل بين العمرة المفردة وعمرة التمتع بأزيد من شهر أو لا؟ وهل يتوقف البحث في مجمل هذه الشقوق أو يرتبط بحكم عدم جواز الدخول إلى مكة إلا محرماً في غير الشهر الواحد؟

ظاهر المشهور الأول خلافاً لمتأخري العصر.

أما أقوال العامّة في المسألة: قال في الشرح الكبير على متن المغنى أن لا يسافر بين العمرة والحج سفراً بعيداً تقصر في مثله الصلاة ذهب إليه عطاء والمغيرة والمدني واسحاق وذهب الشافعي أنّ المسافة إذاذهب إلى الميقات، وذهب أبو حنيفة وأصحابه انّه إذارجع إلى مصره وكذا مالك، ورووه عن عمر وابنه واستدلّوا

على انّه اذا رجع إلى الميقات أو ما دونه لزمه الاحرام منه، واستدلّوا أيضاً بأنه إذاسافر بينهما فقد ترك الترفّه بترك أحد السفرين فلا يلزمه دم المتعة أي لا تكون متعة. انتهى.

أما الروايات الواردة:

الأولى: صحيحة زرارة((1)) عن أبي جعفر - عليه السلام - قال: ((قلت له كيف أتمتع؟ قال: تأتي الوقت فتلبي إلى أن قال وليس لك أن تخرج من مكة حتى تحج)) وظاهرها حرمة الخروج. نعم لا يستفاد منها الحرمة الوضعية بعد كون ظهورها الأولى في المنع بلحاظ الفعل الاختياري لا الماهيّة المركّبة.

الثانية: صحيحة معاوية ابن عمّار فقد ذكرها صاحب الوسائل((2)) كاملة وذيلها((3))((قلت لأبي عبداللّه - عليه السلام - ونحن في المدينة: انّي اعتمر في رجب وأنا أريد الحج فأسوق الهدي أو أفرد الحج أو أتمتع؟ قال: في الكل فضل وكل حسن. قلت: فأي ذلك أفضل؟ فقال: انّ علياً - عليه السلام -كان يقول لكل شهر عمرة، تمتع فهو أفضل، ثم قال: انّ أهل مكة يقولون انّ عمرته عراقية، وحجته مكية، كذبوا أوليس هو مرتبط لا يخرج حتى يقضيه)) والتدبر في دلالة صدرها حيث أنه فرض فيه اتيان الراوي للعمرة المفرد في رجب أمره - عليه السلام - بعمرة التمتع لكي يأتي بحج التمتع وعلل - عليه السلام - ذلك بأن لكل شهر عمرة ممّا يظهر منه:

أولاً: انّ العمرة إذاأتي بها في شهر غير شهر الحج مع تخلل الخروج لا يكتفى بها كعمرة متعة.

ثانياً: ويظهر منه أيضاً انّ العمرة المفردة المنوي بها المفردة لو وقعت في شهر من أشهر الحج ثم نوى التمتع فلا يأتي بعمرة للتمتع بل يحسب ما أتى به ويكتفي بها


1) ([1]) أقسام الحج ب22 ح1 .

2) ([2]) الابواب المزبورة ب4 ح18 .

3) ([3]) المصدر السابق ب22 ح2 .

ويوصلها بالحج. ومن ذلك يظهر من المفاد الأخير انّه يلزم الفصل بين المفردة والتمتع بشهر وإلا لكان ما أتى به من عمرة مفردة سابقة محسوبة متعةً له. والوجه في استفادة هذه المفادات من الصدر انّه - عليه السلام - كان في صدد الاجابة عن سؤال الراوي عمّا هو أفضل الأنواع في الحج، فأجابه - عليه السلام - بأفضلية التمتع مدللاً - عليه السلام - ذلك بأنه بالتمتع يمتثل خطاباً أخر وهو لكل شهر عمرة، أي انّ ما يأتي به من عمرة التمتع هي مصداق وامتثال لاستحباب العمرة في كل شهر، ومن ثم يظهر انّ هذا العموم وهو لزوم الفصل في العمرة شاملبهذا التنصيص والتطبيق منه - عليه السلام - لعمرة التمتع، خلافاً لما ادّعاه صاحب الجواهر(قدس سره) وجملة من متأخري عصرنا من انصراف هذا العموم الوارد في الروايات الاخرى المطلقة، انصرافه عن عمرة التمتع وبنوا على ذلك عدة فروع.

ثالثاً: كما أنّه يستفاد من الصدر أنّ اتصال العمرة بالحج لكي تكون متعة ويكون تمتعاً مع فرض الخروج لا يكون الاتصال إلا في الشهر الواحد، فمع فرض الشهر الواحد يتعين احتساب المفردة متعة فيما لو أراد الحج، ويدلّ على خصوص هذا المفاد صحيحة عمر بن يزيد عن أبي عبداللّه((1)) قال: ((من دخل مكة معتمراً مفرداً للعمرة فقضى عمرته فخرج كان ذلك له، وإن أقام إلى أن يدركه الحج كانت عمرته متعة)). وقال: ((ليس يكون متعة إلا في أشهر الحج)).

وكذلك صحيحة يعقوب بن شعيب ((عن المعتمر في أشهر الحج قال - عليه السلام - هي متعة))((2))، ومن ثمّ يظهر منها أن العمرة في أشهر الحج مع عدم الخروج وإن لم تكن في ذي الحجة أي في الشهرين الأولين من أشهر الحج تكون موصولة بالحج، ووجه وصلها أن الفصل بينهما هو بعدم تخلل نسك آخر، وهو يتحقق إما بعدم الخروج من مكة أو


1) ([1]) ب15 ابواب أقسام الحج ح1 .

2) ([2]) ابواب أقسام الحج ب15 / 2 .

بالخروج والإياب في شهر واحد فلا يكون ملزماً بنسك متخلل بل لا يشرع له حينئذ، وهذا معنى وصلها بالحج فمعنى الوصل حينئذ هو عدم تخلل نسك بينهما فيكون حج تمتع حينئذ، حيث انّ الحج المؤتّى به قد تحلل قبله، وبعبارة أخرى أنه لم يتحمّل مشقة الاحرام من بعد للحج بل اكتفى في دخول واحد باتيان كلّ من العمرة والحج كما في رواية ابن شاذان عن الرضا - عليه السلام -تعليل تيسير الله تعالى بتشريع حج التمتع انّه يكون آتياً لكل منهما في سفر واحد احرامي وإن تخلل سفر غير احرامي أي مع الترفّه بالاحلال، وهو ما تنبّه له بعض العامّة فيما تقدم من أقوالهم، إلا انّه أخطأ في ذهابه إلى لزوم النسك بمجرّد الخروج إلى المواقيت أو خارج مكة.

وأمّا ذيلها فهو دال على أن من يأتي بعمرة التمتع يجب عليه أن يأتي بالحج حيث أنه مرتهن بالحج فيبقى في مكة حتى يأتي بالحج. نعم لو نوى في الأول أن يأتي بها مفردة فليس عليه أن يبقى ويأتي بالحج.

الثالثة: رواية موسى بن القاسم عن بعض أصحابنا انّه سال أبا جعفر - عليه السلام - في عشر من شوال فقال: ((انّي أريد أن أفرد عمرة هذا الشهر فقال: أنت مرتهن بهذا الحج فقال له الرجل: انّ المدينة منزلي ومكة منزلي ولي بينهما أهلاً وبينهما أموال، فقال له: أنت مرتهن بالحج، فقال له الرجل، فان لي ضياعاً حول مكة، واحتاج إلى الخروج اليها، فقال: تخرج حلالاًوترجع حلالاً إلى الحج))((1)). وهي حسنة وليست شديدة الضعف في الإرسال وظاهر مورد فرض السائل أنّها حجة الإسلام وإلا لما كان يمنع من إفراد العمرة في أشهر الحجّ، وحيث أنّ سؤاله كان بالمدينة فأجاب

• عليه السلام - بأنك مرتهن بالحج أي حجّ التمتع، فسأل الراوي مرّة أخرى عن جواز إفراد العمرة بالنسبة إليه لكونه ذا منزلين في المدينة ومكّة، فمن ثم احتمل أن يسوغ له الاتيان بحج الافراد وبالعمرة المفردة فأجابه - عليه السلام - بتعيّن التمتع عليه بعد كونه متساوي النسبة إليهما وافتراض وجوده في

1) ([1]) ب22 أبواب أقسام الحج ح3 .

المدينة، ثم سأل ثالثة عن جواز خروجه لضياعه إلى أطراف مكة حيث أن المعتمر محتبس في مكة فهل يسوغ له، فأجابه - عليه السلام - بجواز خروجه حلالاً ورجوعه حلالاً، أي أنّ حجّه تمتع لا إفراد، وهذا الخروج المستفاد من الرواية على مقتضى القاعدة بعد عدم كونه خارجاً عن الحرم ولو صادف أنه خرج في آخر يوم من شهر هلالي ودخل في أول يوم من آخر بعد عدم كونه خارجاً من الحرم، إذ إنّما يجب الاحرام لدخول مكة لمن خرج من الحرم.

بل لو كانت الضياع خارج مكة فإنّه على المشهور لا يجب له الإحرام في الصورة المزبورة لبنائهم على لزوم الاحرام كلّما دخل مكة فيما لو مضت ثلاثين يوماً لا بمضي الشهر الهلالي.

الرابعة: وظاهر صحيحة حفص بن البختري عن أبي عبداللّه - عليه السلام - في رجل قضى متعته وعرضت له حاجة أراد أن يمضي اليها، قال: فقال: ((فليغتسل للاحرام وليهل بالحج وليمض في حاجته، فإن لم يقدر على الرجوع إلى مكة مضى إلى عرفات))((1)). لزوم الاحرام بالحج عند خروجه لحاجته، ومن المحتمل قوياً أن وجه لزوم الاحرام هو تخلصاً من تخلل نسك عمرة أخر بين متعته وحجه فتنقطع متعته عن حجّه ولربما يبتلى حينئذ بضيق الوقت فلا يتمكن حينئذ من الاتيان بعمرة التمتع، بل لا يسع وقته إلا للذهاب إلى عرفات فيكون حينئذ قد ابتلى ببطلان متعته التي قد أنشأها مع أنّه قد وجب عليه حجّ التمتع ولو بإتيان عمرة التمتع السابقة المقطوعة المستحبة، فيكون قد فوّت الواجب عليه وهو حج التمتع، ويشهد لذلك ما في ذيل الرواية من أمره - عليه السلام - بالمضي إلى عرفات بدل أن يأتي إلى مكة أي انّه لا يأتي بعمرة بديلة وإنّما يمضي إلى عرفات. ويحتمل موردها انّه في الشك وعدم العلم بوقت الرجوع لادراك


1) ([2]) ب22 ابواب أقسام الحج ح4 .

الحج فيما إذاانفصلت عمرته.

الخامسة: وظاهر صحيحة زرارة عن أبي جعفر - عليه السلام - قال: ((قلت لأبي جعفر - عليه السلام - كيف أتمتع؟ فقال: تأتي الوقت فتلبي بالحج، فاذا أتى مكة طاف وسعى وأحلّ من كل شيء وهو محتبس ليس له أن يخرج من مكة حتى يحج))((1)). أنه يجب الحج وإن لم يكن صرورة مادام قد أتى بالمتعة، كما أنها دالّة على حرمة الخروج من مكة تكليفاً كما في صحيح زرارة الأول. نعم قد يقال حيث أنّه في الصحيحين ذكر - عليه السلام - في الذيل ((حتى يحج)) فإذا استظهر أنّها تعليلية فحينئذ يقيّد عدم جواز الخروج بما إذاكان خروجه مفوّتاً للحج أو قاطعاً لاتصال عمرته بحجّه، لكن الأظهر في ((حتى)) التوقيتية الغائية فحينئذ يكون ظاهر الحرمة هو الأول أي تكليفية. وتعقيب ((ليس له أن يخرج)) على ((محتبس)) يلوح بتحفظية الحرمة، وهذا الكلام جار في صحيح الأول.

السادسة: صحيحة حماد بن عيسى عن أبي عبداللّه - عليه السلام - قال: ((من دخل مكة متمتعاً في أشهر الحج لم يكن له أن يخرج حتى يقضي الحج، فإن عرضت له حاجة إلى عسفان أو إلى الطائف أو إلى ذات عرق خرج محرماً ودخل ملّبياً بالحج، فلايزال على احرامه، فإن رجع إلى مكة رجع محرماً ولم يقرب البيت حتى يخرج مع الناس إلى منى على احرامه وإن شاء وجهه ذلك إلى منى، قلت: فإن جهل فخرج إلى المدينة أو إلى نحوها بغير احرام، ثم رجع في أبان الحج، في أشهر الحج، يريد الحج، فيدخلها محرماً أو بغير احرام؟ قال: إن رجع في شهره دخل بغير احرام، وان دخل في غير الشهر دخل محرماً، قلت: فأي الاحرامين والمتعتين، متعته الأولى أو الأخيرة؟ قال: الاخيرة هي عمرته، وهي المحتبس بها التي وصلت بحجته، قلت: فما فرق بين المفردة وبين عمرة المتعة إذا دخل في أشهر الحج؟ قال: أحرم بالعمرة وهو ينوي العمرة، ثم أحل منها ولم يكن عليه دم، ولم يكن محتبساً بها، لأنه لا يكون ينوي الحج))


1) ([1]) ب22 ابواب أقسام الحج ح5 .

الحديث((1)).

وصدرها يدل على حرمة الخروج إلا حال الحاجة فيخرج محرماً بالحج كما هو مفاد عدّة روايات متقدمة، وأمّا الفقرة الثانية فيها فإنها دالّة على كل ما استفيد من صحيحة معاوية المتقدمة بل فيها تصريح بالأمور التي تقدمت، بل هي من أصرح روايات الباب في ذلك، كما انّ فيها تصريح بالتفكيك بين الحرمة الوضعية والتكليفية فإنّه لو ارتكب الحرمة التكليفية جهلاً فلا تفسد متعته ويدخل من غير احرام إلا أن يدخل في شهر آخر، هذا إن لم يستظهر من تفكيك الحرمة الوضعية عن التكليفية أن الحرمة التكليفية والامر بالخروج بالاحرام عند الحاجةإنّما هو تحفظ على عدم فوات حج التمتع الذي قد وجب بالمتعة، ويؤيد هذه الاستفادة تصريح هذه الصريحة والروايات المتقدمة بأنه محتبس بالحج، فيكون قرينة على أن النهي عن الخروج من مكة لأجل عدم تفويت الحج الذي قد وجب بالمتعة، لا أنه حكم آخر نفسي تكليفي مستقل ملاكه التحفظ، ويؤيده أيضاً ما تقدم في صحيح زرارة من استظهار الحرمة التحفظية.

السابعة: صحيحة الحلبي، قال: ((سألت أبا عبداللّه - عليه السلام - عن الرجل يتمتع بالعمرة إلى الحج يريد الخروج إلى الطائف قال: يهل بالحج من مكة، وما أحب أن يخرج منها إلا محرماً ولا يتجاوز الطائف انهاقريبة من مكة))((2)) وهي أكثر دلالة واشعاراً بكون عدم الخروج من مكة تحفظاً للحج الذي وجب عليه لمكان التعليل فيها انّ الطائف قريبة، وأيضاً التعبير فيها ((وما أحب أن يخرج منها إلا محرماً)) يشعر بكراهة عدم الاحرام عند الخروج للحاجة.

الثامنة: موثقة اسحاق بن عمّار، قال: سألت أبا الحسن - عليه السلام - عن المتمتع يجيء فيقضي متعته، ثم تبدو له الحاجة فيخرج إلى المدينة وإلى ذات عرق، أو إلى بعض


1) ([2]) ب22 ابواب أقسام الحج ح6 .

2) ([1]) ب22 ابواب أقسام الحج ح7 .

المعادن، قال: ((يرجع إلى مكة بعمرة إن كان في غير الشهر الذي تمتع فيه، لأن لكل شهر عمرة، وهو مرتهن بالحج، قلت: فانّه دخل في الشهر الذي خرج فيه، قال: كان أبي مجاوراً هاهنا فخرج يتلقى بعض هؤلاء فلمّا رجع فبلغ ذات عرق أحرم من ذات عرق بالحج ودخل وهو محرم بالحج))((1)). صدرها أيضاً صريح فيما ذكرناه في صحيحة معاوية بن عمّار وصحيحة حمّاد بن عيسى، كما أن تعبيره - عليه السلام - لكل شهر عمرة صريح وتنصيص على أن لكل شهر عمرة واحدة، وتعبيره - عليه السلام - ((وهو مرتهن بالحج)) بعد أمره بالاعتمار إذادخل في شهر ثاني تنبيه منه - عليه السلام - على أنه بفساد عمرته السابقة لصيرورتها منقطعة عن الحج لا يعني سقوط الحج عنه بانقطاع عمرته، أي بقاء ارتهانه بالحج، وذلك لاطلاق كل من الأمر بالرجوع في جوابه - عليه السلام - واطلاق قوله ((وهو مرتهن بالحج)) لصورة الانقطاع بل تصريحه بذلك في صورة الانقطاع، وذلك لأن فساد المتعلّق لا يعدم موضوع الوجوب وهو انشاءه لحج التمتع بالتلبية التي أتى بها سابقاً.

وأمّا الذيل فبمقتضى مطابقة الجواب للسؤال الذي هو في الرجوع في نفس الشهر الذي خرج منه يكون استشهاده - عليه السلام - بما فعل أبيه أن حجّ الصادق - عليه السلام - كان تمتعاً وخرج في نفس الشهر الذي تمتع فيه، إلا انّه أحرم من ذات عرق تقية مداراة وتقية لبعض هؤلاء كما ذكر في الرواية، وليس في جوابه اشارة إلى أنه أحرم بالحج حال الخروج أو خرج حلالاً.ثم انّه قد يستفاد من موثق إسحاق بن عمّار عدم وجوب الاحرام للخروج من صدرها حيث انّه - عليه السلام - لم يأمر به بل فصّل في الجواب من لزوم اتيان العمرة إذارجع في غير الشهر أو عدمه إذارجع فيه فيكون - عليه السلام - فارضاً لكون الخروج حلالا لا باحرام. فحينئذ يعضد هذا المفاد ما تقدم في صحيحة الحلبي، وما قرّبناه في الروايات


1) ([2]) ب22 ابواب أقسام الحج ح8 .

المتقدمة. إلا أن يقال انّ الراوي قد فرض تحقق الخروج وسؤاله عن حكم الرجوع فجوابه - عليه السلام - كان متمركزاً عن حكم الرجوع لا الخروج.

التاسعة: مرفوعة أبان بن عثمان عمّن أخبره عن أبي عبداللّه - عليه السلام - قال: ((المتمتع محتبس لا يخرج من مكة حتى يخرج إلى الحج إلا أن يأبق غلامه، أو تضل راحلته، فيخرج محرماً، ولا يجاوز إلا على قدر ما لا تفوته عرفة))((1)). وفيه زيادة التشدد في الدلالة على حرمة الخروج، إلا انّ ما احتملناه في الروايات المتقدمة في التعبير بمحتبس وتعقيبه بألا يخرج وما ذكر في الذيل بقدر ما لا تفوته قد يلوح منه الاحتمال الثاني أي الكراهة.

العاشرة: مرسلة الصدوق، قال: قال الصادق - عليه السلام -: ((إذاأراد المتمتع الخروج من مكة إلى بعض المواضع فليس له ذلك لأنه مرتبط بالحج حتى يقضيه، إلا أن يعلم انّه لا يفوته الحج، وإن علم وخرج وعاد في الشهر الذي خرج فيه دخل مكة محلاً، وان دخلها في غير ذلك الشهر دخلها محرماً))((2)). والتي هي بحسب الظاهر تلفيق من عدّة روايات أنّ حرمة الخروج نفسيّة ملاكها طريقي في مورد الشك في الفوت، وأما في مورد العلم بعدم الفوت فسائغ الخروج حلالاً.

وحسنة علي بن جعفر دلالتها كالسابق.

الحادي عشر:ما هو كالمصحح لعلي بن جعفر، قال: ((وسألته عن رجل قدم مكة متمتعاً فأحلّ، أيرجع؟ قال: لا يرجع حتى يحرم بالحج، ولا يجاوز الطائف وشبهها مخافة أن لا يدرك الحج، فإن أحب ان يرجع إلى مكة رجع، وان خاف أن يفوته الحج مضى على وجهه إلى عرفات))((3)). دالّ على أن عدم الخروج حكم طريقي ملاكه خوف عدم ادراك الحج


1) ([1]) 11 ابواب أقسام الحج ح9 .

2) ([2]) 11 ابواب أقسام الحج 10 .

3) ([3]) 11 ابواب أقسام الحج ح12 .

(مسألة 3): لا يجوز لمن وظيفته التمتع أن يعدل إلى غيره من القسمين الأخيرين اختياراً، نعم إن ضاق وقته عن إتمام العمرة وإدراك الحج جاز له نقل النيّةفهو حكم ثابت في مورد الشك لا في مورد العلم، وغير بعيد بعد التلفيق بين وجوه الروايات المتقدمة أن يبنى على كون الحكم نفسياً ملاكه تهيىء تحفظي طريقي، ويكون مورده عند الشك وعدم العلم بادراك الحج، وأما مع العلم بالادراك كمن خرج من الحرم إلى عرفة ونحوها فلا يجيء حينئذ الحكم الطريقي في حقّه، ولا يشمله عموم النهي عن الخروج الظاهر في تعلقه بالخروج إلى الاماكن البعيدة التي يشك في الرجوع للأعمال في تلك الأزمنة التي تكون فيها وسائل السير بطيئة وما أشبه ذلك.

ثم انّ في الروايات المتقدمة ظهوراً قوياً في كون الشهر هلالياً، مضافاً إلى ما حققناه في محلّه من كون الشهر هلالياً.

والوجه في ذلك أن التعبير المتكرر فيها هو فرض الدخول في الشهر الذي خرج منه أو الدخول في غير الشهر الذي تمتع فيه، وهذا يغاير التعبير ب- ((خرج شهراً ثم عاد))، ووجه المغايرة أنه في التعبير الثاني يكون المراد ثلاثين يوماً، وأما في التعبير الأول فيراد الشهر الهلالي الذي وقع ظرفاً للعمرة، ولم يفترض أن الخروج بمقدار شهر، بل افترض أن الدخول في الشهر الهلالي الذي وقعت العمرة فيه أو في الشهر الهلالي الآخر.

وبعبارة اخرى انّ افترض في الرواية في الرتبة السابقة وجود الشهر وهو لا يكون إلا الهلالي، أما المقداري فانّما يحسب ويتحقق بفرض مبدأ ومنتهى.

وهناك رواية أخرى تدلّ على لزوم اتصال العمرة بالحج كصحيحة معاوية بن عمّار((1))، وكل الروايات التي دلّت على دخول عمرة التمتع في الحج دالّة على لزوم


1) ([1]) ب2 ابواب أقسام الحج.

إلى الافراد، وأن يأتي بالعمرة بعد الحجّ بلا خلاف، ولا اشكال، وإنّما الكلام في حدّ الضيق المسوّغ لذلك، واختلفوا فيه على أقوال: أحدها: خوف فوات الاختياري من وقوف عرفة، الثاني: فوات الركن من الوقوف الاختياريوهو المسمّى منه. الثالث: فوات الاضطراري منه. الرابع: زوال يوم التروية. الخامس: غروبه

اتصالها بالمعنى المتقدم وكذلك صحيحة الفضل بن شاذان((1)) والحديث الثاني فيه دلالة على أن الرجوع المنهي عنه الرجوع إلى البلد ونحوه أي انّ الخروج هو الرجوع إلى أهله.

فتحصّل ممّا تقدم أمور:

الأول: انّ الحرمة في الخروج تكليفية ووضعية. أما الأولى فهي طريقية تحفظية في مورد الشك في ادراك أعمال الحج، لا انّ المدار على الحاجة وعدمها، كما في ظاهر العديد من الكلمات. وأما الثانية فهي بمعنى اشتراط صحّة عمرة التمتع بكونها موصولة بالحج.الثاني: انّ وصل وقطع العمرة هو بوقوع عمرة التمتع في شهر متقدم على ذي الحجة مع تخلل الخروج بحيث تكون العودة في غير شهر العمرة، كما انّ الانقطاع هو مجرّد حصول الخطاب بالنسك الجديد لدخول مكة، سواء أتى به أم أنه عصى ودخل محلاً، وذلك لأن لازم الأمر بايجاد نسك متخلل هو انقطاع عمرة التمتع المتقدمة عن الحج، وإلا لكان الشارع يأمر بادخال نسك في نسك سابق ولمّا يبطل. مضافاً إلى ظهور الأمر بالعمرة الثانية المتخللة في الروايات في المفاد الوضعي في شرطية صحّة الحج بها. خلافاً لظاهر الجواهر ولجماعة من أعلام العصر منهم السيد الخوئي(قدس سره).

الثالث: انّ المراد من الشهر في الروايات الشهر الهلالي لا العددي سواء بلاحظ


1) ([2]) ح27 من نفس الباب وحديث 33 من نفس الباب وحديث 6 و7 من باب سبعة من أبواب العمرة.

السادس: زوال يوم عرفة. السابع: التخيير بعد زوال يوم التروية بين العدول والاتمام إذا لم يخف الفوت والمنشأ اختلاف الأخبار فإنّها مختلفة أشدّ الاختلاف، والأقوى أحد القولين الأولين، لجملة مستفيضة من تلك الأخبار فإنّها يستفاد منها على اختلاف ألسنتها أن المناط في الاتمام عدم خوف فوت الوقوف بعرفة. ((منها)) قوله - عليه السلام - في رواية يعقوب بن شعيب الميثمي: لابأس للمتمتع إن لم يحرم من ليلة التروية متى ما تيسّر له ما لم يخف فوات الموقفين، وفي نسخة: لابأس للمتمتع أن يحرم ليلة عرفة الخ. وأما الأخبار المحددة بزوال يوم التروية أو بغروبه أو بليلة عرفة أو سحرها فمحمولة على صورة عدم امكان الادراك إلا قبل هذه الاوقات، فانّه مختلف باختلاف الاوقات والاحوال والاشخاص، ويمكن

ظرف اتيان العمرة أو بلحاظ العود.

الرابع: انّ الارتهان بالحج باق سواء قطع عمرة التمتع أو لم يقطعها عن الحج وذلك بسبب التلبية التي أنشأها لعمرة التمتع.

الخامس: انّ الواجب في دخول مكة والحرم من النسك انّما هو لكل شهر مرّة.

السادس: قد عرفت انّ انقطاع العمرة هو بتخلل الخروج الموجب لوجوب دخوله بعمرة أخرى ويترتب عليه فساد العمرة السابقة بمعنى انقطاعها .

السابعة: انّ الاحتساب بعمرة التمتع انّما هي الأخيرة المتصلة بالحج دون الأولى لانقطاعها كما تدلّ عليه غير واحدة من الروايات السابقة وعلى ذلك فيجب لها طواف النساء.

الثامن: ما ذكره الماتن من جواز خروج المتمتع في أثناء عمرته قبل التحلل منها لا غبار عليه لعدم حصول الانقطاع حينئذ.

نعم اللازم تقييد الجواز بما إذا لم يخف الفوت عند الشك يحرم عليه الخروج ويجب عليه التحفظ لادراك الأعمال.

حملها على التقية إذا لم يخرجوا مع الناس يوم التروية، ويمكن كون الاختلاف لأجل التقيّة كما في أخبار الأوقات للصلوات، وربما تحمل على تفاوت مراتب أفراد المتعة في الفضل بعدالتخصيص بالحج المندوب فانّ أفضل أنواع التمتع أن تكون عمرته قبل ذي الحجة، ثم ما تكون عمرته قبل يوم التروية، ثم ما يكون قبل يوم عرفة، مع أنا لو اغمضنا عن الأخبار من جهة شدّة اختلافها وتعارضها نقول: مقتضى القاعدة هو ما ذكرنا، لأن المفروض انّ الواجب عليه هو التمتع، فمادام ممكناً لا يجوز العدول عنه، والقدر المسلّم من جواز العدول صورة عدم امكان ادراك الحج، واللازم ادراك الاختياري من الوقوف فانّ كفاية الاضطراري منه خلاف الاصل، يبقى الكلام في ترجيح أحد القولين الاولين ولايبعد رجحان أولهما، بناءً على كون الواجب استيعاب تمام ما بين الزوال والغروب بالوقوف، وإن كان الركن هو المسمّى، ولكن مع ذلك لا يخلو عن اشكال، فإنّ من جملة الأخبار مرفوع سهل عن أبي عبدالله - عليه السلام - في متمتع دخل يوم عرفة، قال: متعته تامّة إلى أن يقطع الناس تلبيتهم، حيث انّ قطع التلبية بزوال يوم عرفة، وصحيحة جميل: المتمتع له المتعة إلى زوال الشمس من يوم عرفة، وله الحج إلى زوال الشمس من يوم النحر، ومقتضاهما كفاية ادراك مسمّى الوقوف الاختياري، فانّ من البعيد إتمام العمرة قبل الزوال من عرفة وادراك الناس في أول الزوال بعرفات، وأيضاً يصدق ادراك الموقف إذا أدركهم قبل الغروب إلا أن يمنع الصدق فإن المنساق منه ادراك تمام الواجب، ويجاب عن المرفوعة والصحيحة بالشذوذ كما ادّعي، وقد يؤيّد القول الثالث وهو كفاية ادراك الاضطراري من عرفة بالأخبار الدالّة على انّ من يأتي بعد إفاضة الناس من عرفات وأدركها ليلة النحر تمّ حجّه، وفيه أنّ موردها غير ما نحن فيه وهو عدم الادراك من حيث هو، وفيما نحن فيه يمكن الادراك، والمانع كونه في أثناء العمرة فلا يقاس بها، نعم لو أتمّ عمرته في

سعة الوقت ثمّ اتّفق أنه لم يدرك الاختياري من الوقوف كفاه الاضطراري، ودخل في مورد تلك الأخبار، بل لا يبعد دخول من اعتقد سعة الوقت فأتمّ عمرته ثم بان كون الوقت مضيّقاً في تلك الأخبار، ثم انّ الظاهر عموم حكم المقام بالنسبة إلى الحج المندوب وشمول الأخبار له، فلو نوى التمتع ندباً وضاق وقته عن إتمام العمرة وإدراك الحج جاز له العدول إلى الافراد، وفي وجوب العمرة بعده إشكال والأقوى عدم وجوبها، ولو علم مَن وظيفته التمتع ضيق الوقت عن إتمام العمرة وإدراك الحج قبل أن يدخل في العمرة هل يجوز له العدول من الأول إلى الافراد؟ فيه إشكال، وإن كان غير بعيد ولو دخل في العمرة بنيّة التمتع في سعة الوقت وأخّر الطواف والسعي متعمّداً إلى ضيق الوقت ففي جواز العدول وكفايته إشكال والأحوط العدول وعدم الاكتفاء إذا كان الحج واجباً عليه(1).(1) قد اختار كل من الأقوال السبعة جماعة من المتقدمين والمتأخرين ومتأخري المتأخرين فلاحظ الجواهر والمستند للنراقي، وربّما نسب الثاني إلى الأكثر ونسب الثالث لابن ادريس ومحتمل أبي الصلاح الحلبي، ولابد أولاً من تقرير مقتضى القاعدة ومن ثم التعرض للروايات الواردة الخاصة في هذا المقام.

أمّا مقتضى القاعدة فقد يقرر بأنّ الزوال من يوم عرفة حد وغاية لنهاية وقت العمرة وذلك لكونه مبدأ لأعمال الحج. وقد يقرر بامتداد وقتها إلى ما بعد الزوال وقبل الغروب بنحو يدرك الركن الاختياري لوقوف عرفة وهو مسمّى الكون فيها.

وقد يقرر ثالثاً بأنّه إلى ما قبل طلوع الفجر من يوم النحر بمقدار يدرك الركن الاضطراري في المشعر، كما ذهب إليه ابن ادريس. والعمدة هو تحرير انّ الدوران بين وقوف عرفة وعمرة التمتع هل هو من باب التزاحم أو من باب التنافي والتعارض لإطلاق دليلها مع دليل الوقوف، فعلى الأول قد يتوجه التقرير الثالث بأن الوقوف له بدل اضطراري بخلاف عمرة التمتع، إلا أن يتأمل في موضوع الوقوف الاضطراري

انّه غير شامل للفرض ولا أقل في تمامية التقرير الثاني بناءً على التزاحم. وأمّا بناءً على التنافي وتعارض الأدلّة فالتقرير الأول هو المتعين لتقييد دليل الوقوف لاطلاق دليل العمرة. وقد يقال بأن الوقوف بين الحدين ليس بتمامه من أجزاء الحج بل هو واجب مستقل وما هو جزء هو مقدار المسمّى وهو الركن، وذلك لأن ترك الوقوف عدا المسمّى عمداً لا يبطل الحج وإن أوجب الكفارة، وهذا لا يتلائم مع الجزئية وعلى ذلك فالتقرير الثاني تام لمقتضى القاعدة وإن كان الدوران بين العمرة والوقوف بتنافي دليلهما وتعارضهما.

وفيه: انّه لا تنافي بين عدم البطلان بالترك عمداً والجزئية وذلك لبقاء الأثر وهو الأثم بتركه وان أجزىء الركن الناقص وحصل ايفاء الملاك بالمرتبة الناقصة غير القابل للتكرار، نظير ما التزم به جماعة من المحققين من عموم قاعدة لا تعاد في الصلاة لموارد الترك العمدي وان أثم بالترك، مضافاً إلى أن ظاهر الأدلّة البيانية للحج كون الوقوف من أجزاء الحج، كما انّ هناك عدة من أجزاء الحج المسلمة كأعمال يوم النحر بمنى الواجب ايقاعها في يوم النحر هي من أجزاء الحج لكن لو تركها يوم النحر أثم ولم يبطل حجّه.

ثم انّ تحقيق الدوران في المقام هل هو تزاحم أو تعارض؟ هو بالتفصيل بين الركن الاختياري والوقوف الواجب غير الركني فعند الدوران بين الركن الاختياري وعمرة التمتع فالتنافي بنحو التعارض، لا بنحو التزاحم ولا الورود ولا الحكومة لدليل العمرة على دليل الوقوف الركني الاختياري وذلك لاطلاق موضوع الوقوف من دون تقيده بالقدرة الشرعية ونحوها، كما انّ موضوع الوقوف الاضطراري خاص بمن فاته الاختياري بسبب تأخر وصوله إلى المشاعر من سفروطريق. فعلى هذا يكون الركن الاختياري مقدماً مطلقاً لبطلان الحج بتركه فيخصص دليله دليل العمرة، وأما بالنسبة

للوقوف غير الركني فالتنافي بعد فرض انّه اتفاقي لا دائمي هو التزاحم لاسيّما بعد كون عمرة التمتع ركناً في حج التمتع بخلاف الوقوف المزبور. وكأن المقام نظير البحث في الوقت المختص للظهر والوقت المختص للعصر فيما بين الحدين أوله واخره فانّ دليل كلا منهما لا يقيد دليل مشروعية الآخر في الوقتين المزبورين، وصرف تقيد الوقوف بالوقت وتقيد الحج بسبق العمرة في التمتع لا يقتضي تقيد السابق بما قبل ذلك الوقت، بعد كون كلا من العمرة والحج ذات احرام مستقل.

فتحصّل انّ مقتضى القاعدة هو بقاء وقت العمرة إلى قدر يدرك به مسمّى الوقت الاختياري للوقوف الركني. ولا تخفى انّ مقتضى القاعدة المزبورة لا يفرق فيه بين افراد المضطر سواء لضيق الوقت للتأخّر في السفر أو كالحائض التي لم تطهر وسواء كان بسوء الاختيار أم بعذر أو لغير ذلك من الفروض.

الروايات الخاصة:

امّا بحسب الروايات الخاصّة فهي على طوائف، ولابد من الالتفات ابتداءاً إلى انّ الروايات الواردة في الحائض هي من جملة الروايات في المقام أيضاً، وذلك بعدما عرفت، عموم مقتضى القاعدة لافراد المضطر وهي من جملتهم، وبعد كون لسان الروايات الواردة فيها كما سيأتي بلسان التحديد لماهية حجة التمتع وغاية الوقت الذي يمكن ادراكه فيه، والذي يتبدل بعده العمل إلى الافراد، فلم يؤخذ فيها الحيض أو الطهر قيداً في موضوع الحكم، بل القدرة على الادراك وعدمها، وستأتي صحيحتا مرازم وابن بزيع وغيرهما.

الطائفة الأولى:

ما دلّ على بقاء وقت عمرة التمتع إلى ما يمكن به ادراك مسمّى الوقوف من الركن الاختياري:

منها: صحيحة جميل بن دراج عن أبي عبداللّه - عليه السلام - قال: ((من أدرك المشعر يوم النحر

قبل زوال الشمس فقد أدرك الحج، ومن أدرك ]أدركه[ يوم عرفة قبل زوال الشمس فقد أدرك المتعة))((1)) فانّ مقتضاها امكان ادراك عمرة التمتع ولو بايقاع احرام عمرة التمتع قبل الزوال ولازمه فوت مقدار من الوقوف غير الركني أي الاكتفاء بالوقوف الركني، والظاهر من التحديدبما قبل الزوال كحد أقصى لايقاع احرام العمرة هو لأجل التمكن من الركن الاختياري في الوقوف بحسب وسائل الحركة من مكة إلى عرفة في عصر الرواية.

منها: صحيحة جميل بن دراج الأخرى عن أبي عبداللّه - عليه السلام - قال: ((المتمتع له المتعة إلى زوال الشمس من يوم عرفة وله الحج إلى زوال الشمس من يوم النحر))((2)).

وتقريب دلالتها كما تقدم في صحيحته السابقة.

ومنها: مصحح يعقوب بن شعيب قال: ((سمعت أبا عبداللّه - عليه السلام - يقول: لابأس للمتمتع إن لم يحرم من ليلة التروية متى تيسر له مالم يخف فوت الموقفين))((3)).

وتقريب الدلالة بتحديد المدة بعدم فوت الموقف، والظاهر من الفوت هو فوت الركن لأنه لا يفوت إلا بتركه فلا يقال: فاته الموقف إلا بذلك لكن محتمل الرواية هو النظر إلى احرام حج التمتع.

ومنها: رواية محمد بن سرور (سرو) قال: ((كتبت إلى أبي الحسن الثالث - عليه السلام - ما تقول في رجل متمتع بالعمرة إلى الحج وافى غداة عرفة وخرج الناس من منى إلى عرفات أعمرته قائمة أم ذهبت منه؟ إلى أي وقت عمرته قائمة إذاكان متمتعاً بالعمرة إلى الحج فلم يواف يوم تروية ولا ليلة التروية فكيف يصنع؟ فوقّع - عليه السلام -: ساعة يدخل مكة إن شاء اللّه يطوف ويصلّي ركعتين ويسعى ويقصر ويخرج ]ويحرم[ بحجته ويمضي إلى الموقف ويفيض مع الإمام))((4)).


1) ([1]) ب33 ابواب الوقوف بالمشعر ح8 .

2) ([1]) ب20 ابواب أقسام الحج ح15 .

3) ([2]) ب20 ابواب أقسام الحج ح5 .

4) ([3]) ب20 أقسام الحج ح16 .

وتقريب الدلالة فيها انّ ظاهر الذيل تحديد الغاية بادراك الوقوف الركني لتقيد الوقوف فيها بنحو يفيض مع الإمام أي ما قبل الغروب.

ومنها: صحيح الحلبي قال: ((سألت أبا عبداللّه - عليه السلام - عن رجل أهلّ بالحج والعمرة جميعاً ثم قدم مكة والناس بعرفات فخشي إن هو طاف وسعى بين الصفا والمروة أن يفوته الموقف، قال: يدع العمرة فاذا أتم حجّه صنع كما صنعت عائشة ولا هدي عليه))((1)).

فانّ في ارتكاز الراوي وهو الحلبي الفقيه امتداد وقتها إلى ما يمكن ادراك الركن الاختياري حيث قد جعل الغاية هو فوت الموقف وفوته لا يتحقق إلا بترك الركن كما عرفت.وهذا الارتكاز وإن كان عند الراوي إلا انّه يظهر منه - عليه السلام - في الجواب تقريره على ذلك وإن العدول للافراد هو عند خوف فوات الموقف.

ومرفوعة سهل بن زياد عن أبي عبداللّه - عليه السلام - في متمتع دخل يوم عرفة قال: ((متعته تامّة إلى أن يقطع التلبية))((2)).

وتقريب الدلالة فيها كما سبق، حيث انّ قطع التلبية بدخول عرفة، أي عند الزوال من يومها.

الطائفة الثانية:

ما دلّ على كون الحد هو زوال عرفة

وبعض روايات الطائفة الأولى حيث قد صرّح فيها بأن حدّ المتعة إلى زوال عرفة، بتقريب انّه غاية انتهاء لها نظير حدود الأوقات في الصلاة، لكنه قد تقدم انّ مفادها هو عدم فوت الوقوف الركني.

نعم معتبرة أبي بصير متعين مفادها لهذه الطائفة، حيث انّه جعل الغاية ادراك الناس بمنى قبل افاضتهم إلى عرفات. وبنفس التقريب صحيحة مرازم، وكذا موثق


1) ([4]) ب21 أقسام الحج ح6 .

2) ([1]) ابواب اقسام الحج ب20 ح7 .

ابن بكير.

ومعتبرة أبي بصير قال: ((قلت لأبي عبداللّه - عليه السلام -: المرأة تجيء متمتعة فتطمث قبل أن تطوف بالبيت فيكون طهرها ليلة عرفة، فقال: إن كانت تعلم أنّها تطهر وتطوف بالبيت وتحلّ من احرامها وتلحق الناس بمنى، فلتفعل))((1)).

وكذا صحيح مرازم بن حكيم قال: ((قلت لأبي عبداللّه - عليه السلام -: المتمتع يدخل ليلة عرفة مكة، أو المرأة الحائض متى يكون لها المتعة؟ قال: ما أدركوا الناس بمنى))((2)) والصحيحة صريحة في كون الحائض أحد أفراد المضطر الذي ضاق وقته، وان حكمها من هذا الباب.

وموثق ابن بكير عن بعض أصحابنا، انّه سأل أبا عبداللّه - عليه السلام - عن المتعة، متى تكون؟ قال: ((يتمتع ما ظن انّه يدرك الناس بمنى))((3)).

ونظيرها مما حدد بادراك الناس بمنى كصحيحة الحلبي((4)).

الطائفة الثالثة:

ما دلّ على انّ غاية المتعة نهاية ليلة عرفة أو سحرهاكصحيحة محمد بن مسلم قال: ((قلت لأبي عبداللّه - عليه السلام -: إلى متى يكون للحاج عمرة؟ قال: إلى السحر من ليلة عرفة))((5)) .

ونظيرها صحيح الثقات هشام ومرازم وشعيب((6)) وكذا صحيح الحلبي((7)) إلا انّ مفادهما مشروعية المتعة ليلة عرفة من دون نفي ما وراء ذلك.

وكذا صحيح شعيب الثالث((8)) وغيرها من روايات الباب.


1) ([2]) ب 20 ابواب أقسام الحج ح3 .

2) ([3]) ب 20 ابواب أقسام الحج ح14 .

3) ([4]) ب 20 ابواب أقسام الحج ح6 .

4) ([5]) ب 20 ابواب أقسام الحج ح8 .

5) ([1]) ب20 ابواب أقسام الحج ح9 .

6) ([2]) الباب السابق ح1 .

7) ([3]) الباب السابق ح2 .

8) ([4]) الباب السابق ح4 .

الطائفة الرابعة:

ما دلّ على انّ نهاية المتعة هي نهاية يوم التروية أو زوالها

كرواية اسحاق بن عبداللّه قال: ((سألت أبا الحسن موسى - عليه السلام - عن المتمتع يدخل مكة يوم التروية، فقال: للمتمتع((1)) ما بينه وبين الليل))((2)).

ونظيرها صحيحة عمربن يزيد((3)) ونظيره صحيح العيص((4)) وصحيح علي بن يقطين((5)) وصحيح محمد بن اسماعيل بن بزيع قال: ((سألت أبا الحسن الرضا - عليه السلام - عن المرأة تدخل مكة متمتعة فتحيض قبل أن تحل، متى تذهب متعتها؟ قال: كان جعفر - عليه السلام - يقول: زوال الشمس من يوم التروية وكان موسى - عليه السلام - يقول: صلاة المغرب من يوم التروية، فقلت جعلت فداك عامّة مواليك يدخلون يوم التروية ويطوفون ويسعون ثم يحرمون بالحج، فقال: زوال الشمس، فذكرت له رواية عجلان أبي صالح فقال: إذازالت الشمس ذهبت المتعة، فقلت: فهي على احرامها، أو تجدد احرامها للحج؟ فقال: لا، هي على احرامها، قلت: فعليها هدي؟ قال: لا، إلا أن تحب أن تطوع، ثم قال: أما نحن فاذا رأينا هلال ذي الحجة قبل أن نحرم فاتتنا المتعة))((6)) وهي صريحة في انّ الحائض من أحد افرادالمضطر الذي ضاق وقتها. وفي هذه الرواية دلالة على ما تقدم من عدم بطلان الاحرام بفوت النسك الذي أنشأ به الاحرام، وجواز صرفه إلى نسك آخر مشروع.

الطائفة الخامسة:

ما دلّ على انّ نهاية المتعة هو بداية يوم التروية أو نهاية ليلتها

وهو ما ورد في الحائض كرواية عجلان أبي صالح قال: ((سألت أبا عبداللّه - عليه السلام - عن امرأة متمتعة قدمت مكة فرأت الدم، قال: تطوف بين الصفا والمروة، ثم تجلس في بيتها فإن طهرت طافت بالبيت، وإن لم تطهر فاذا كان يوم التروية أفاضت عليها الماء وأهلت بالحج من بيتها،


1) ([5]) نسخة بدل ليتمتع .

2) ([6]) ابواب أقسام الحج ب20 ح11 .

3) ([7]) نفس المصدر ح12 .

4) ([8]) نفس المصدر ح10 .

5) ([9]) ابواب أقسام الحج ب21 ح11 .

6) ([10]) ابواب أقسام الحج ب 21 ح14 .

وخرجت إلى منى وقضت المناسك كلها، فاذا قدمت مكة طافت بالبيت طوافين، ثم سعت بين الصفا والمروة، فاذا فعلت ذلك فقد حل لها كل شيء ما خلا فراش زوجها))((1)).

وقد رويت هذه الرواية بعدّة طرق برواية العديد من الثقات وبألفاظ مختلفة متقاربة المضمون. وتقريب دلالتها انّه - عليه السلام - أمر باهلال الحائض بالحج يوم التروية كأمد وغاية للمتعة فيكون طوافها قد فات وقته وتأتي به بعد الطهر قضاءً.

وكذا صحيحة جميل بن دراج قال: ((سألت أبا عبداللّه - عليه السلام - عن المرأة الحائض إذاقدمت مكة يوم التروية؟ قال: تمضي كما هي إلى عرفات فتجعلها حجّة، ثم تقيم حتى تطهر فتخرج إلى التنعيم فتحرم فتجعلها عمرة، قال ابن أبي عمير: كما صنعت عائشة))((2)) وهذه الصحيحة مضافاً إلى دلالتها على المقام دالة كصحيحة ابن بزيع على عدم بطلان الاحرام وجواز صرفه إلى نسك آخر مشروع. وقريب منها صحيحة الحلبي((3)).

وأما الجمع بين هذه الروايات حيث انّ التنافي بينها بلحاظ المفهوم أو التصريح به، فقد بنى جماعة على انّ التعارض مستقر، فحمل الاختلاف على التقية، أو على تفاوت الفضيلة، وثالث رجح الطائفة الأولى أو الثانية لمطابقتها لمقتضى القاعدة بحسب تقريرها، والرابع حمل معنى ذهاب المتعة ونفيها على قلّة وقت التحلل بين الاحرامين فما ان يتحلل من العمرة يحرم بالحج أي يضيق به الوقت فكأن فائدة وثمرة المتعة وهو التحلل والذي أطلق عليه المتعة في بعض الروايات قد زال وذهب وفات.

ويشهد للتقية في العمل التعبير الوارد في كثير منها بادراك الناس في منى ونحوه من التعابير، ولكن هذا الحمل مفاده حصول العجز بسبب ذلك.


1) ([1]) ابواب الطواف ب 84 ح2 .

2) ([2]) ابواب أقسام الحج ب 21 ح2 .

3) ([3]) نفس المصدر ح3 .

ويشهد للثاني - تفاوت الفضيلة - التعبير في بعضها ((ولا يبيتنّ في مكة)) أي في ليلة عرفة، ومفاد هذا الحمل على أي تقدير هو التخيير شرعاً، ويقتضي ذلك صحيح اسماعيل بن بزيع المتقدم، وصحيح البزنطي، حيث انّه - عليه السلام - مع تحديده لأمر المتعة إلا انّه اختار الافراد في الحج لضيق الوقت المراد به قلّته. نعم قد يستشكل في دلالتها على التخيير بأنه من التخيير بين النوعين قبل الاحرام وفي خصوص المندوب لا التخيير بعد الاحرام.

وفيه: انّ فرض عدول المرأة في صحيح ابن بزيع إلى الافراد هو بعد الاحرام بالمتعة مضافاً إلى انّ الأسئلة من الرواة هو السؤال عن شرائط ماهية النسكين بما هما بغض النظر عن الندبية والوجوبية إلا أن يقال: انّ العدول إلى الافراد في المقام نظير ما ورد من العدول من الافراد إلى التمتع وانّه أفضل المحمول على الندب، لأن من كان وظيفته الافراد في حجة الاسلام دلّت الروايات الخاصة على عدم مشروعية التمتع له، وكذلك من وظيفته التمتع دلّت الروايات على عدم مشروعية الافراد له فتكون هذه الروايات قرينة على اختصاص التخيير بالمندوب من كلا الطرفين ويشهد للتخيير أيضاً انّ التعبير بذهاب المتعة وفواتها وان كان ظاهراً بقوة في التحديد إلا انّه ليس نصاً في ذلك، بخلاف ما دلّ على بقاء مشروعية المتعة إلى ما قبل فوات الموقفين فانّه نص في مشروعية المتعة فيقدم على الظهور القوي الدال على انتهاء الأمد، ويكون معنى الفوت فيها هو فوت كمالها بتقدير لفظ الكمال، كما انّ ما دلّ على العدول نص في مشروعية العدول إلى الافراد فيرفع اليد به عن ظهور ما دلّ على تعين بقاء المتعة إلى حد فوت الموقف لأن دلالته على ذلك هو بدرجة الظهور لكون اطلاق الأمر ظاهر في التعينية فيرفع اليد عن ظهور كل منهما بنصوصية الاخر وإن كان الظهور قوياً.

فتحصّل: انّ مقتضى القاعدة مع مفاد الروايات في الحج الواجب متطابق من بقاء المتعة إلى حد فوات الموقف، أي الركن منه. وأما المندوب فالعدول وإن كان خلاف مقتضى الأصل، إلا انّ الروايات دلّت على جوازه بدءً ببدء يوم التروية.

ثم انّه ينبغي التعرض إلى فروع ذكرها الماتن:

الفرع الأول: لو اعتقد سعة الوقت فأتم عمرته ثم بان كون الوقت مضيقاً، بنى الماتن على دخوله في الأخبار الدالّة على كفاية الموقف الاضطراري، ولا ريب في شمول الأخبار المزبورة له، إنما الكلام في كون حجه افراداً أو تمتعاً؟ قد يظهر من الماتن الثاني، ولكنه خلاف مقتضى القاعدة، وخلاف مقتضى الأخبار المحددة للمتعة بما قبل فوت الموقف، والثمرة تظهر في وجوبالعمرة المفردة على الأول كبدل عن عمرة التمتع التي فاتته سواء قلنا بوجوبها في خصوص حجة الاسلام أو مطلقاً.

ودعوى((1)) انّ مقدار ما قيدته أدلّة العدول هو لمن يتمكّن من ادراك الوقوف الاختياري، وأما من فاته الاختياري فلا دليل مقيد لاطلاقات المتعة، فتصح منه ثم يأتي بوقوف عرفة الاضطراري، فغريبة اذ لازمها انقطاع مشروعية العمرة قبل الغروب وانتهاء أمدها، ثم تجدد مشروعيتها، وهو كماترى. مضافاً إلى انّ أدلّة الافاضة إلى المزدلفة مقدمة على اطلاقات المتعة كتقدم ادلّة الوقوف بعرفة عليها، مضافاً إلى اطلاق أدلّة العدول حيث أنها في صدد تحديد أمر وماهية المتعة بما هي هي فلم يؤخذ عنوان التمكن فيها وإن ورد في احدى تلك الروايات.

قاعدة: تعين الافراد مع عمرة بتفويت المتعة مطلقاً

اشارة

الفرع الثاني: في وجوب العمرة المفردة لمن عدل لحج الافراد


1) ([1]) المستند للعروة الوثقى ج2 ص303 .

ظاهر الشرائع الوجوب، أما في حجة الاسلام فلا ريب فيه لاداء عمرة الاسلام عليه مضافاً إلى الروايات الآتية حيث انّ المتيقن فيها ذلك.

وأما المندوب فيظهر الوجوب من صحيح جميل بن دراج قال: ((سألت أبا عبداللّه - عليه السلام - عن المرأة الحائض إذاقدمت مكة يوم التروية؟ قال: تمضي كما هي إلى عرفات فتجعلها حجّة، ثم تقيم حتى تطهر فتخرج إلى التنعيم فتحرم فتجعلها عمرة، قال ابن أبي عمير: كما صنعت عائشة))((1)).

وكذا صحيحة الحلبي، عن أبي عبداللّه - عليه السلام - قال: ((ليس على النساء حلق وعليهن التقصير ثم يهللن بالحج يوم التروية، وكانت عمرة وحجّة، فان اعتللن كنّ على حجهنّ ولم يضررن بحجّهنّ))((2)).

وكذا صحيح زرارة حيث قال - عليه السلام -: ((ويقيم بمكة حتى يعتمر عمرة المحرم ولا شيء عليه))((3)).

وأشكل على الدلالة بأن الروايات في صدد الارشاد إلى بدلية العمرة المفردة عن عمرة التمتع مع غض النظر عن الوجوب والندب، فلا تعرض لها للالزام بالعمرة.وفيه أولاً: النقض بالحج فانّه على ما ذكر لا يلزم العدول إلى الافراد، بل له أن يتحلل بعمرة مفردة، لأن ما أنشأه غير قادر على اتيانه وهو حج التمتع.

وثانياً: انّ وجوب العمرة والحج كما قد يتصور في حجّة الاسلام قد يتصور في المندوب بعد انشاء النسك بالتلبية، والمفروض انّ مورد الروايات الثلاث هو من دخل في الاحرام متمتعاً.

فتحصّل الأخذ بظاهر الأمر في الوجوب سواء في من ضاق عليه الوقت من افراد


1) ([2]) ب21 ابواب أقسام الحج ح2 .

2) ([3]) ب21 ابواب أقسام الحج ح3 .

3) ([4]) ب21 ابواب أقسام الحج ح7 .

المضطر، أو الحائض سواء في المندوب أو في الواجب. هذا كلّه في من دخل في الاحرام متمتعاً، أما من لم يدخل في الاحرام بل عدل من قبل الاحرام فلا مقتضي لوجوب العمرة المفردة فيما إذاكان مندوباً.

الفرع الثالث: هل يجوز له العدول من الأول إلى الافراد من ضاق عليه الوقت قبل أن يدخل في احرام عمرة التمتع، سواء كان الضيق حصل بغير اختيار منه أو بسوء اختياره.

قد يستشكل في الشمول من جهة انّ الروايات الواردة هي في من دخل الاحرام فلا تشمل من ضاق به الوقت قبل الدخول ويكشف حينئذ عن عدم تحقق الاستطاعة في حقّه لو لم يكن مقصراً، وإلا فيستقر الحج في ذمّته اذ اجزاء النوع الآخر من النسك عما هو الواجب في الأصل خلاف اطلاقات تعين التمتع على النائي، لكن يدفع الاشكال بما تقدم من انّ الحائض هي من افراد المضطر الذي ضاق وقته وقد أدرجت في افراد المضطر والذي ضاق وقته في عدة من الروايات السابقة المتقدم الاشارة اليها، بل نفس روايات الحائض الآتية في المسألة اللاحقة مدللة على انّ الحكم فيها هو للضيق وللاضطرار، وقد نصّت تلك الروايات على العدول قبل الاحرام غاية الأمر يأتي بعمرة مفردة بعد الحج.

هذا كلّه فيما إذاكانت الحجّة واجبة أما المندوبة فلا ريب في مشروعية الافراد له سواء ضاق الوقت أم لا إذاكان قبل الاحرام ولا يخفى انّ هذا الاطلاق أعم من ما كان بسوء الاختيار أو بغير اختيار.

بل في صحيح الحلبي ما هو كالنص في الفرض المزبور. قال: ((سألت أبا عبداللّه - عليه السلام - عن رجل أهل بالحج والعمرة جميعاً ثم قدم مكة والناس بعرفات فخشي إن هو طاف وسعى بين الصفا والمروة أن يفوته الموقف، قال: يدع العمرة فإذا تم حجّه صنع كما صنعت عائشة ولا

هدي عليه))((1)) حيث يظهر منها نّه أحرم مع التفاته إلى ضيق الوقت.الفرع الرابع: فيما لو دخل في عمرة التمتع في سعة الوقت وأخر أعمالها إلى أن ضاق الوقت فهل يشرع له العدول ويجتزيء به فيما لو كانت حجّة اسلام أم لا؟

قد يقال ببطلان نسكه حينئذ لتفويته عمرة التمتع عمداً ولا تشمله الروايات الواردة في العدول لاختصاصها بمن ضاق وقته عن العمرة اتفاقاً لا بسوء الاختيار.

وقيل بأنّ مقتضى القاعدة اتمام العمرة والاكتفاء بالوقوف الاضطراري لأن الوقوف الاختياري ذو بدل، والصحيح ما استقر به الماتن، وذلك لاطلاق أدلّة العدول فلا تصل النوبة إلى مقتضى القاعدة المدّعاة، مع انّه قد تقدم في صدر المسألة انّ مقتضى القاعدة ليس بقاء وجوب عمرة التمتع لأن حدها إلى ما قبل الركن الاختياري من عرفة، وما دلّ على اجزاء الوقوف الاضطراري خاص - كما سيأتي - بمن عجز عنه في نفسه ولم يدركه، لا في مثل الفرض لمن كان قادراً تكويناً، ويعضد اطلاق أدلّة العدول ما ورد في من ترك التقصير عمداً في عمرة التمتع بأن لبّى أنه ينقلب حجّه إلى افراد.

وأما اطلاق ادلّة العدول فمثل صحيح علي بن يقطين قال: ((سألت أبا الحسن موسى - عليه السلام -: عن الرجل والمرأة يتمتعان بالعمرة إلى الحج ثم يدخلان مكة يوم عرفة، كيف يصنعان؟ قال: يجعلانها حجة مفردة، وحدّ المتعة إلى يوم التروية))((2)).

وصحيحة زرارة قال: ((سألت أبا جعفر - عليه السلام - عن الرجل يكون في يوم عرفة، وبينه وبين مكة ثلاثة أميال وهو متمتع بالعمرة إلى الحج؟ فقال: يقطع التلبية تلبية المتعة، ويهل بالحج بالتلبية إذاصلّى الفجر ويمضي إلى عرفات فيقف مع الناس ويقضي جميع المناسك ويقيم بمكة


1) ([1]) ابواب أقسام الحج ب 21 ح 6 .

2) ([1]) ب21 ابواب أقسام الحج ح11 .

حتى يعتمر عمرة المحرم ولا شيء عليه))((1)).

وصحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه - عليه السلام - قال: ((ليس على النساء حلق وعليهن التقصير ثم يهللن بالحج يوم التروية، وكانت عمرة وحجة، فإن اعتللن كنّ على حجهنّ ولم يضررن بحجّهنّ))((2)). وغيرها من الروايات وتقريب الاطلاق فيها انّ التعبير في أسئلة الرواة ب- ((الرجل يكون يوم عرفة وهو متمتعاً بالعمرة إلى الحج)) أو ((المتمتع إذادخل يوم عرفة)) ونحوه شامل لموارد ما إذاأحرم وتأخّر في الطريق لقضاء بعض الحوائج من المرور على ضياع أوالذهاب إلى تجارة أو الذهاب إلى بعض المعادن أو رعي بعض الدواب مما قد ورد((3)) التمثيل بذلك في العديد من الروايات الواردة في حكم خروج المتمتع بعد احلاله من عمرته مما قد سال عنه الرواة، وفي عدّة منها انّه لا يخرج لقضاء حاجة إلا محرماً فيظهر منها تعارف وقوع الاشتغال بالحاجات المعاشية أثناء الاحرام والنسك حتى انّ في بعضها فرض الحاجة للعود إلى المدينة من مكة أو الخروج إلى الطائف وما ورائها، فمع كل ذلك دعوى انصراف الروايات الأولى الواردة في العدول للافراد لمن تلبس باحرام المتعة، انصرافها عن من أخّر ذلك عمداً في غير محلّها، بل الاطلاق محكم ويكون المقام نظير الابدال الاضطرارية في الأبواب الأخر الشاملة لما إذافوّت الواجب الاختياري بسوء الاختيار.

أمّا المعاضد للاطلاق فهو ما ورد فيمن لبّى عمداً قبل تقصيره في عمرة التمتع ان نسكه ينقلب إلى حجة افراد، وكذلك الحال في الجاهل دون الناسي كما ذهب إلى ذلك جماعة ونسب إلى الاشهر كما عن الدروس والمسالك، وعن الروضة والمسالك واحتمال المدارك انّه يجتزيء به عن الفرض لو كان الحج واجباً واختاره


1) ([2]) ب21 ابواب أقسام الحج ح7 .

2) ([3]) ب21 ابواب أقسام الحج ح3 .

3) ([1]) ب22 ابواب أقسام الحج وباب 15 أيضاً .

(مسألة 4): اختلفوا في الحائض والنفساء إذاضاق وقتهما عن الطهر واتمام العمرة وإدراك الحج على أقوال:

أحدها: انّ عليهما العدول إلى الإفراد والإتمام، ثمّ الإتيان بعمرة بعد الحج لجملة من الأخبار.

الثاني: ما عن جماعة من أنّ عليهما ترك الطواف، والإتيان بالسعي، ثمّ الإحلال

النراقي في المستند((1)) مصحح العلاء بن الفضيل قال: ((سألته عن رجل متمتع طاف ثم أهل بالحج قبل ان يقصر؟ قال بطلت متعته هي حجة...))((2)). وصحيح أبي بصير عن أبي عبداللّه - عليه السلام - قال: ((المتمتع إذاطاف وسعى ثم لبّى بالحج قبل أن يقصر فليس له ان يقصر وليس له متعة))((3)).

ويتحصّل من هذا الفرع وكذا الفرع الثاني الخروج بقاعدة عامة وهي: انّ تفويت عمرة التمتع لمن فرضه التمتع أعم من أن يكون دخل في احرام العمرة أو لم يدخل، وأعم من كون التفويت بترك العمرة أو افسادها، فان في مطلق فوتها تنتقل وظيفته إلى الافراد وان أثم في صورة التقصير، ويتبعها بعمرة مفردة ويجتزء بذلك عن الفرض، نعم في صورة افساد عمرة التمتع يظهر من غير واحد وجوب الحج عليه من قابل اما كعقوبة أو كإعادة، ويأتي تنقيح ذلك في باب الطواف والسعي.بل يتبين من ذلك وممّا مضى في الحاضر فيمن لم يكن نائياً ان انواع النسك مشروعة للنائي والحاضر في الفريضة فضلاً عن المندوب، غاية الأمر انّ النائي يتعين عليه في الرتبة الأولى التمتع، فإن عجز عنها تنتقل وظيفته إلى الافراد، أما الحاضر فيتعين عليه الافراد، بمعنى عدم لزوم التمتع عليه، فلو تمتع صحّ منه ذلك شريطة أن يعقد احرامه من المواقيت البعيدة .


1) ([2]) المستند ج11 ص331 .

2) ([3]) ب54 ابواب الاحرام ح4 .

3) ([4]) ب54 ابواب الاحرام ح5 .

وإدراك الحج وقضاء طواف العمرة بعده، فيكون عليهما الطواف ثلاث مرات، مرّة لقضاء طواف العمرة، ومرّة للحج،ومرّة للنساء، ويدلّ على ما ذكروه أيضاً جملة من الأخبار.

الثالث: ما عن الاسكافي وبعض متأخّري المتأخّرين من التخيير بين الأمرين للجمع بين الطائفتين بذلك.

الرابع: التفصيل بين ما إذا كانت حائضاً قبل الاحرام فتعدل، أو كانت طاهراً حال الشروع فيه ثمّ طرا الحيض في الأثناء فتترك الطواف وتتمّ العمرة وتقضي بعد الحج، اختاره بعض بدعوى أنه مقتضى الجمع بين الطائفتين، بشهادة خبر أبي بصير سمعت أبا عبدالله - عليه السلام - يقول: في المرأة المتمتعة إذا أحرمت وهي طاهر ثمّ حاضت قبل أن تقضي متعتها سعت ولم تطف حتى تطهر، ثمّ تقضي طوافها وقد قضت عمرتها وإن أحرمت وهي حائض لم تسع ولم تطف حتى تطهر. وفي الرضوي - عليه السلام -: إذا حاضت المرأة من قبل أن تحرم إلى قوله - عليه السلام -: وإن طهرت بعد الزوال يوم التروية فقد بطلت متعتها، فتجعلها حجّة مفردة، وإن حاضت بعدما أحرمت سعت بين الصفا والمروة وفرغت من المناسك كلّها إلا الطواف بالبيت، فاذا طهرت قضت الطواف بالبيت وهي متمتعة بالعمرة إلى الحج، وعليها طواف الحج وطواف العمرة وطواف النساء، وقيل في توجيه الفرق بين الصورتين: انّ فيالصورة الاولى لم تدرك شيئاً من أفعال العمرة طاهراً فعليها العدول إلى الافراد، بخلاف الصورة الثانية فانّها ادركت بعض أفعالها طاهراً فتبني عليها وتقضي الطواف بعد الحجّ، وعن المجلسي في وجه الفرق ما محصّله انّ في الصورة الاولى لا تقدر على نيّة العمرة لأنها تعلم أنها لا تطهر للطواف وادراك الحج، بخلاف الصورة الثانية، فإنها حيث كانت طاهرة وقعت منها النيّة والدخول فيها.

الخامس: ما نقل عن بعض من أنها تستنيب للطواف ثمّ تتمّ العمرة وتأتي بالحج،

لكن لم يعرف قائله والأقوى من هذه الأقوال هو القول الأول للفرقة الأولى من الأخبار التي هي أرجح من الفرقة الثانية لشهرة العمل بها دونها، وأما القول الثالث وهو التخيير فإن كان المراد منه الواقعيّ بدعوى كونه مقتضى الجمع بين الطائفتين ففيه انهما يعدّان من المتعارضين، والعرف لا يفهم التخيير منهما، والجمع الدلاليّ فرع فهم العرف من ملاحظة الخبرين ذلك، وإن كان المراد التخيير الظاهريّ العمليّ فهو فرع مكافئة الفرقتين، والمفروضانّ الفرقة الأولى ارجح من حيث شهرة العمل بها، وأما التفصيل المذكور فموهون بعدم العمل، مع انّ بعض أخبار القول الأول ظاهر في صورة كون الحيض بعد الدخول في الاحرام، نعم لو فرض كونها حائضاً حال الاحرام وعالمة بأنها لا تطهر لإدراك الحج يمكن أن يقال: يتعيّن عليها العدول إلى الافراد من الأول، لعدم فائدة في الدخول في العمرة، ثم العدول إلى الحج، وأما القول الخامس: فلا وجه له ولا له قائل معلوم(1).

(1) ومحصّل الأقوال: تعين الافراد مطلقاً وهو المنسوب إلى المشهور، وتعين التمتع مطلقاً، والتخيير مطلقاً، والتفصيل بتعين الافراد قبل الاحرام أو تعين المتعة بعد الاحرام، والخامس يرجع إلى الثاني إلا انّ في الثاني تقضي طواف العمرة بعد، وفي الخامس تستنيب له حينها.

والعمدة التعرض إلى روايات المقام وهي على طوائف.

الأولى: ما دلّ على العدول مطلقاً

كصحيح مرازم قال: ((قلت لأبي عبدالله - عليه السلام - المتمتع يدخل ليلة عرفة مكة أو المرأة الحائض متى يكون لها ]لهما[ المتعة؟ قال: ما أدركوا الناس بمنى))((1)) وكصحيح جميل قال: ((سألت أبا عبداللّه - عليه السلام - عن المرأة الحائض إذاقدمت مكة يوم التروية؟ قال: تمضي كما هي إلى عرفات فتجعلها حجة، ثم تقيم حتى تطهر فتخرج إلى التنعيم فتحرم فتجعلها عمرة، قال


1) ([1]) ابواب أقسام الحج ب20 ح14 .

ابن ابي عمير كما صنعت عائشة)) ((1)).

وكصحيح عبدالرحمن بن الحجاج قال: ((أرسلت إلى أبي عبداللّه - عليه السلام -: إن بعض من معنا من صرورة النساء قد اعتللن، فكيف تصنع؟ قال: تنتظر ما بينها وبين التروية، فإن طهرت فلتصل وإلا فلا يدخلنّ عليها التروية إلا وهي محرمة))((2)).

مضافاً إلى اطلاقات الروايات الواردة في مطلق المضطر المتقدمة في المسألة السابقة، وكصحيحة أبان بن تغلب قال: ((قلت لأبي عبداللّه - عليه السلام - بأي شيء أهل؟ فقال: لا تسمّي، لا حجاً ولا عمرة واضمر في نفسك المتعة فإن أدركت متمتعاً وإلا كنت حاجاً))((3)).بل مفاد هذه الصحيحة انّ الحائض قبل الاحرام وبعد الاحرام في صورة الشك من الطهر وعدمها لا يسوغ لها العدول إلى الافراد حتى تعلم بالضيق والعجز.

الثانية: ما دلّ على العدول إلى الافراد لمن حاضت قبل الاحرام.

كصحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبداللّه - عليه السلام - قال: ((انّ أسماء بنت عميس نفست بمحمد بن أبي بكر بالبيداء، لأربع بقين من ذي القعدة في حجّة الوداع، فأمرها رسول اللّه(صلى الله عليه وآله)فاغتسلت واحتشت واحرمت ولبّت مع النبي(صلى الله عليه وآله) وأصحابه، فلما قدموا مكة لم تطهر حتى نفروا من منى وقد شهدت المواقف كلّها عرفات وجمع ورمت الجمار ولكن لم تطف بالبيت ولم تسعَ بين الصفا والمروة، فلما نفروا من منى أمرها رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) فاغتسلت وطافت بالبيت وبالصفا والمروة، وكان جلوسها في أربع بقين من ذي القعدة وعشرة من ذي الحجة وثلاث أيّام التشريق))((4)).

ويدلّ عليه أيضاً ما ورد في المضطر مما فرض وقوع الاضطرار فيه قبل الاحرام،


1) ([2]) أقسام الحج ب 21 ح2 .

2) ([3]) أقسام الحج ب 21 ح15 .

3) ([4]) التهذيب ج5 ح286، الوسائل ابواب أقسام الحج ب 20 ح1 .

4) ([1]) ابواب الاحرام ب 49 ح1 .

وقد تقدمت في المسألة السابقة.

الثالثة: ما دلّ على العدول لمن حاضت بعد الاحرام

كصحيحة اسماعيل بن بزيع قال: ((سألت أبا الحسن الرضا - عليه السلام - عن المرأة تدخل مكة متمتعة فتحيض قبل أن تحل متى تذهب متعتها؟ قال: كان جعفر - عليه السلام - يقول زوال الشمس من يوم التروية، وكان موسى - عليه السلام - يقول صلاة المغرب من يوم التروية ]صلاة الصبح[ فقلت: جعلت فداك عامة مواليك يدخلون يوم التروية ويطوفون ويسعون ثم يحرمون بالحج فقال: زوال الشمس فذكرت له رواية عجلان أبي صالح فقال: لا إذازالت الشمس ذهبت المتعة، فقلت: هي على احرامها وتجدد احرامها للحج؟ فقال: لا هي على احرامها، قلت: فعليها هدي؟ قال: لا إلا ان تحب أن تطوع ثم قال: أما نحن فاذا رأينا هلال ذي الحجة قبل أن نحرم فاتتنا المتعة))((1)).

ودلالتها كالصريحة في نفي العمرة وذهابها وتعين العدول.

وكذا موثق اسحاق بن عمّار عن أبي الحسن - عليه السلام - قال: ((سألته عن المرأة تجيء متمتعة فتطمث قبل أن تطوف بالبيت حتى تخرج إلى عرفات، قال: تصير حجة مفردة. قلت: أعليها شيء قال: دم تهريقه وهي اضحيتها))((2)).الرابعة: ما دلّ على بقاء متعة المرأة التي حاضت بعد الاحرام، بأن تسعى وتقصر وتقضي طوافها بعد الطهر قبل طواف الحج.

صحيحة عبداللّه بن صالح وهو صحيح الفضلاء عن أبي عبداللّه - عليه السلام - قال: ((المرأة المتمتعة إذاقدمت مكة ثم حاضت تقيم مابينها وبين التروية فإن طهرت طافت بالبيت وسعت بين الصفا والمروة، وان لم تطهر إلى يوم التروية احتشت وسعت بين الصفا والمروة ثم خرجت إلى منى فاذا قضت المناسك فدارت بالبيت طافت بالبيت طوافاً لعمرتها، ثم طافت طوافاً للحج، ثم خرجت فسعت فاذا فعلت قد أحلّت من كل شيء يحل منه المحرم إلا فراش زوجها،


1) ([2]) ابواب أقسام الحج ب 21 ح14 .

2) ([3]) ابواب أقسام الحج ب 21 ح13 .

فإذا طافت طوافاً آخر حلّ لها فراش زوجها))((1)).

ومثلها عجلان أبي صالح((2)). ومصححة أبي بصير((3)) وكذا موثق يونس بن يعقوب عن رجل عن أبي عبداللّه - عليه السلام -((4)).

وأقرب وجوه الجمع بين الروايات ينطبق على التفصيل بتعين العدول في الحائض قبل الاحرام، وبالتخيير فيها بعده كما ذهب إليه المجلسي الأول(قدس سره)واستجوده صاحب الحدائق(قدس سره)((5)) وجماعة من أعلام العصر. إلا انّه قد يتأمل فيه من جهة ناظرية صحيحة اسماعيل بن بزيع لروايات بقاء المتعة، حيث صرّح الراوي في السؤال برواية عجلان فأجاب - عليه السلام - بنفي بقاء المتعة وذهابها. مضافاً إلى أن في صدرها حيث ذكر - عليه السلام - قول كل من الصادق والكاظم(عليهم السلام) بذهاب المتعة بيوم التروية، أو بالزوال فيه.

هذا وحيث قد عرفت انّ ظهور هذه الرواية في الحد محمول على ضرب من الندب ونحوه لبقاء وقت المتعة إلى ما قبل الوقوف الركني، فيظهر من الأمر بالعدول انّه نصّ في مشروعية العدول وظاهر في التعين، فيرفع اليد عنه بما نص على بقاء المتعة.

ويعضد التخيير هاهنا ما تقدم في صدر هذه المسالة من جواز التخيير لمن تأخر عن متعته إلى يوم التروية في المندوب، وكذلك الحال في الحائض لأنها فرد من افراد من ضاق وقته، ومن ثم قد يقال الأحوط بقاء متعتها في الواجب، وقد يكون هو وجه جمع، بل إذالوحظت النسبة بين طوائف الروايات في الحائض وطوائف الروايات


1) ([1]) ابواب الطواف ب 84 ح1 .

2) ([2]) الباب المتقدم ح2 و3 و6 و10 .

3) ([3]) الباب المتقدم ح5 .

4) ([4]) الباب المتقدم ح7 و8 .

5) ([5]) الحدائق ج14 ص346 .

(مسألة 5): إذاحدث الحيض وهي في أثناء طواف عمرة التمتع فإن كان قبل تمام أربعة أشواط بطل طوافه على الأقوى، وحينئذ فإن كانالوقت موسّعاً أتمّت عمرتها بعد الطهر، وإلا فلتعدل إلى حج الإفراد، وتأتي بعمرة مفردة بعده، وإن كان بعد تمام اربعة أشواط فتقطع الطواف، وبعد الطهر تأتي بالثلاثة الأخرى وتسعى وتقصّر مع سعة الوقت، ومع ضيقه تاتي بالسعي وتقصّر ثم تحرم للحج وتاتي بافعاله ثم تقضي بقيّة طوافها قبل طواف الحج أو بعده، ثم تاتي ببقية أعمال الحج،

في مطلق من ضاق عليه الوقت حيث انّ المحصل فيها التخيير في المندوب كما قد عرفت لا يبعد قوة بقائها على المتعة في الفريضة كما ذهب إليه الصدوق(قدس سره) وهو مفاد رواية الفقه الرضوي، وعبارتهما وإن كانت مطلقة إلا انّه قد يستظهر منهما حج الفريضة، بل نسب المجلسي هذا القول السادس إلى جمع من القدماء منهم الاسكافي وعلي بن بابويه وأبي الصلاح الحلبي وعن الحلبيين وجمع من المتأخرين وإن كان أكثر الأصحاب أوجبوا العدول إلى حج الافراد.

وبعبارة أخرى انّ القرينة المقيدة لروايات العدول إلى الافراد في مطلق من ضاق وقته المقيدة لها بالمندوب هي الروايات الواردة في انّ النائي يتعين عليه التمتع، تلك القرينة بنفسها صالحة لتقييد الروايات الواردة في عدول الحائض إلى الافراد، لاسيّما وانّ الحائض كما عرفت احد أفراد من ضاق وقته أو المضطر. فهذا القول إن لم يكن أقوى فهو أحوط في الفريضة.

وفي الفقه الرضوي قال: ((وإن حاضت بعد ما أحرمت سعت بين الصفا والمروة وفرغت من المناسك كلها إلا طواف بالبيت فاذا طهرت قضت الطواف وهي متمتعة بالعمرة إلى الحج وعليها ثلاثة أطواف طواف للمتعة وطواف للحج وطواف النساء))((1)).


1) ([1]) الفقه الرضوي ص 30 .

وحجّها صحيح تمتّعاً، وكذا الحال إذا حدث الحيض بعد الطواف وقبل صلاته(1).

(1) قد فرض الماتن عدّة صور: فتارة يطرأ الحيض قبل تمام الاربعة مع سعة الوقت، وأخرى مع ضيقه، وثالثة بعد تمام الاربعة مع السعة، ورابعة مع عدم السعة، وخامسة طرو الحيض بعد الطواف وقبل الصلاة.

وقد ذهب الصدوق(قدس سره) إلى صحة الطواف مطلقاً، وظاهره ذلك حتى مع ضيق الوقت، وذهب ابن ادريس إلى بطلان المتعة مطلقاً حتى لو طرأ الحيض بعد الاشواط الاربعة، واستدلّ بامتناع اتمامها فيمتنع تحلالها حينئذ، ولعلّ مراده من ذلك انّ ببقاءها على الاحرام الأول كيف تدخل باحرام آخر أو ان ذاتي المتعة التحلال قبل احرام الحج فمع عدمه تنتفي المتعة، ومال إليه صاحب المدارك استضعافاً للروايات، وفيه: النقض بالمعتمر الذي نسي طوافه أو سعيه ثم دخل في احرام الحج فانّه يقضيهما قبل طواف وسعيه للحج من دون ان تنقلب متعته حجّةمفردة، مضافاً لدلالة الروايات المعتبرة في المسألة السابقة فيمن طرأ الحيض قبل الطواف وبه يرفع اليد عن مقتضى القاعدة كما يظهر ضعف ما ذكره صاحب المدارك.

وذهب المشهور في صحّة الطواف إلى التفصيل بين ما قبل الأربعة وما بعده، ومن ثم صحّة المتعة وعدمها في فرض الضيق، وذلك لما بنوا عليه من لزوم العدول إلى الافراد تعييناً فيمن حاضت قبل الطواف، وما ذكروه بالنسبة إلى صحة الطواف هو الذي تقتضيه القاعدة في باب الطواف، كما سيأتي في بابه من انّ الحدث بعد النصف غير مخل بصحّة الأشواط المتقدمة. وأمّا بالنسبة إلى صحّة المتعة فقد تقدم عدم بطلانها بالعجز عن الطواف في المسألة السابقة وان الأقوى تعين بقاؤها على المتعة فيما إذاكانت فريضة، والتخيير فيما إذاكان مندوباً.

هذا والروايات الواردة في المقام وإن كانت لا تخلوا من ضعف السند إلا أنّها متطابقة عدا صحيحة محمد بن مسلم في المفاد على صحّة الطواف بعد الأربعة

وفساده قبله. وقد عبّر فيها فيما بعد الأربعة انّ العمرة تامّة، لكنه ليس بمعنى أصل الصحّة كي يدلّ بالمفهوم على فسادها قبل الأربعة، بل المراد تمام الصحّة من دون نقص ولا خدش كما ورد التعبير بفساد الحج أو العمرة في من جامع قبل النسك مع عدم ارادة البطلان بل ارادة النقصان.

الروايات في المقام

أما الروايات في المقام

فمنها: صحيح محمد بن مسلم قال: ((سألت أبا عبداللّه - عليه السلام -: عن امرأة طافت ثلاث أشواط أو أقل من ذلك ثم رأت دماً، قال: تحفظ مكانها فاذا طهرت طافت واعتدت بما مضى))((1)).

وقال الصدوق وبهذا الحديث أفتي لأنه رخصة ورحمة((2)).

لكن حمل المشهور الحديث على النافلة بقرينة انّ الحدث قبل النصف مطلقاً مبطل للطواف الواجب كما سياتي، والحائض لا تخلو أيّام حيضها من بقية الأحداث مضافاً إلى انّ الصحيح مطلق للنافلة وللمندوب فيقيد ببقية الروايات الواردة في الواجب.

ومنها: ما رواه الصدوق باسناده عن ابن مسكان عن ابراهيم بن اسحاق عمّن سأل أبا عبداللّه - عليه السلام -: عن امرأة طافت أربعة أشواط وهي معتمرة ثم طمثت: قال: ((تتم طوافها وليس عليها غيره ومتعتها تامة، ولها أن تطوف بين الصفا والمروة لأنها زادت على النصف وقد قضت متعتها فلتستأنف بعد الحج، وإن هي لم تطف إلا ثلاثة أشواط فلتستأنف الحج ]بعدالحج[ فإن أقام بها جمّالها بعد الحج فلتخرج إلى الجعرانة أو إلى التنعيم فلتعتمر))((3))ورواها الشيخ باسناده إلى الحسين بن سعيد عن محمد بن سنان عن ابن مسكان عن


1) ([1]) ب85 ابواب الطواف ح3 .

2) ([2]) الفقيه ج2 ص241 .

3) ([1]) ب85 ابواب الطواف ح4 .

ابراهيم بن أبي اسحاق عن سعيد الاعرج، وباسناد آخر عن ابراهيم بن أبي اسحاق، إلا انّه لم ينقل الذيل، وهي دالّة على التفصيل وتدل على انّ بطلان الطواف يؤدي إلى بطلان المتعة ولزوم عدولها إلى الافراد واتيان العمرة بعد الحج.

ومثلها رواية أحمد بن محمد الحلال((1)) إلا انّ في طريقه ارسال وهي متعرضة إلى صحّة الطواف وفساده دون صحّة العمرة وفسادها.

ومثلها رواية أبي بصير((2)) حيث انّها متعرضة إلى تفصيل في صحّة الطواف دون العمرة.

ومثلها أيضاً الصحيح لابن مسكان عن أبي اسحاق صاحب اللؤلؤ عمّن سمع أبي عبداللّه - عليه السلام -((3))، وهي متعرضة إلى تفصيل في صحّة الطواف دون العمرة، ومفاد هذه الروايات التفصيل في صحّة الطواف وهو بمقتضى القاعدة في باب الطواف كما أشرنا إليه فلا يضر ضعف طريقها.

وأمّا من جهة التفصيل في المتعة فهو وإن كان ظاهر رواية ابراهيم بن اسحاق وانّه تفسيراً لتمامية المتعة، ومن ثم تكون قرينة على تفسير لفظة تماميتها في رواية أبي اسحاق صاحب اللؤلؤ.

ولعلّ ذلك هو الذي أوجب تقييد الشيخ لطائفة الروايات الواردة في الحائض بعد الاحرام بأنّها تسعى ثم تقضي الطواف بعد الحج، قيدها بطرو الحيض بعد النصف إلا انّ الصحيح إباء عدّة منها((4)) عن هذا التقيد حيث صرّح فيها بطرو الحيض قبل الطواف، وقد تقدمت الاشارة اليها وهاتان الروايتان مع ضعف سندهما لا تقوى على معارضة الطائفة السابقة مع صحّة أسانيدها وتعددها.


1) ([2]) ب85 ابواب الطواف ح2 .

2) ([3]) ب85 ابواب الطواف ح1 .

3) ([4]) ب86 ابواب الطواف ح2 .

4) ([5]) 84 ابواب الطواف .

فتحصّل انّ صحّة الطواف بتمام النصف قاض بما ذكره الماتن من الاتمام مع سعة الوقت قبل الحج أو اتمامه بعد الحج إن لم يسع أما لو طرأ قبل فتعيد الطواف مع سعة الوقت أوتقضيه بعد الحج فيما لو كان فريضة أما المندوب فتخير بين العدول إلى الافراد أو البقاء على المتعة.

ثم انّ ظاهر النصوص المتقدمة في المسالة السابقة وروايات هذه المسألة هو تقديم طواف العمرة على طواف الحج ولا موجب لرفع اليد عن ظهورها في تقديم.

فصل فى المواقيت

اشارة

وهي المواضع المعينة للاحرام: اطلقت عليها مجازاً أو حقيقة متشرعية، والمذكور منها في جملة من الأخبار خمسة، وفي بعضها ستّة، ولكن المستفاد من مجموع الأخبار أنّ المواضع التي يجوز الاحرام منها عشرة:

أحدها: ذو الحليفة(1)، وهي ميقات أهل المدينة ومن يمرّ على طريقهم، وهل هو كان فيه مسجد الشجرة أو نفس المسجد؟ قولان وفي جملة من الأخبار أنه هو الشجرة، وفي بعضها أنه مسجد الشجرة وعلى أيّ حال فالأحوط الاقتصار على المسجد اذ مع كونه هو المسجد فواضح، ومع كونه مكاناً فيه المسجد فاللازم حمل المطلق على المقيّد، لكن مع ذلك الأقوى جواز الاحرام من خارج المسجد ولو اختياراً، وإن قلنا: انّ ذا الحليفة هو المسجد، وذلك لأنه مع الاحرام من جوانب المسجد يصدق الاحرام منه عرفاً، اذ فرق بين الأمر بالاحرام من المسجد، أو بالاحرام فيه، هذا مع امكان دعوى انّ المسجد حدّ للاحرام فيشمل جانبيه مع محاذاته، وإن شئت فقل المحاذاة كافية ولو مع القرب من الميقات.

(1) قد اختلف في تحديد الميقات انّه المسجد خاصة أو الوادي المعروف بذي الحليفة، حيث انّ ألسنة الروايات تارة بالأول، وأخرى بالثاني، وثالثة بالشجرة، وأن المراد الوادي هي، ورابعة بأن الوادي هو المسجد كما في صحيح الحلبي الآتي.

كما قد وقع الخلاف في أنّ اللازم الاحرام في الميقات أو من الميقات، أي في كون ((مِنْ)) بمعنى الظرفية أو الابتداء للنشوية لدعوى سعة المعنى الثاني لكل محاذاة، أو للقريب المتصل بحدود الميقات لصدق لفظة ((مِن)).

أمّا الروايات الواردة في المقام فهي على طوائف:

الأولى: وهي التي بعنوان المسجد

صحيحة الحلبي قال: ((قال أبو عبداللّه - عليه السلام -: الاحرام من مواقيت خمسة وقتها رسول اللّه(صلى الله عليه وآله)، لا ينبغي لحاج ولا لمعتمر أن يحرم قبلها ولا بعدها، وقت لأهل المدينة ذا الحليفة وهو مسجد الشجرة، يصلي فيه، ووقت لأهل الشام...((1)).

مرسلة الحسين ابن الوليد عمّن ذكره قال: ((قلت لأبي عبدالله - عليه السلام -: لأي علّة أحرم رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) من مسجد الشجرة ولم يحرم من موضع دونه؟ فقال: لأنه لما أسري به الى السماء وصار بحذاء الشجرة نودي يا محمد(صلى الله عليه وآله)، قال: لبيك، قال: ألم أجدك يتيماً فآويتك، ووجدتك ضالاً فهديتك، فقال النبي(صلى الله عليه وآله): إن الحمد والنعمة والملك لك لا شريك لك، فلذلك أحرم من الشجرة دون المواضع كلّها))((2)).

ومثله مرسلة الصدوق((3)) وما ورد في المقنع((4)). وصحيح معاوية بن عمّار عن أبي عبداللّه - عليه السلام - قال: ((صلي المكتوبة ثم أحرم بالحج أو المتعة واخرج بغير تلبية حتى تصعد الى أول البيداء الى أول ميل عن يسارك فاذا استوت بك الأرض راكباً أو ماشياً فلبي فلا يضرك ليلاً أحرمت أو نهاراً. ومسجد ذو الحليفة الذي كان خارجاً عن السقائف عن صحن المسجد ثم اليوم ليس شيء من السقائف منه((5)).

الثانية: ما جاء فيها انّ الميقات هو الشجرة

صحيحة علي بن رئاب قال: ((سألت أبا عبداللّه - عليه السلام - عن الأوقات التي وقتها رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) للناس؟ فقال: انّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) وقت لأهل المدينة ذا الحليفة وهي الشجرة))((6)).


1) ([1]) أبواب المواقيت ب 1 ح3 .

2) ([2]) الباب المتقدم ح13 .

3) ([3]) الباب المتقدم ح11.

4) ([4]) الباب المتقدم ح12.

5) ([5]) الكافي ج4 ص334 ح14 .

6) ([6]) الباب المتقدم ح7 .

ومصحح علي بن جعفر عن أخيه - عليه السلام - قال: ((سألته عن المتعة في الحج، من أين احرامها واحرام الحج؟ قال وقت رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) لأهل العراق من العقيق، ولأهل المدينة ومن يليها من الشجرة))((1)).

الثالثة: ما جاء فيها انّ الميقات ذوالحليفة

صحيحة أيوب الخزاز قال: ((قلت لأبي عبداللّه - عليه السلام -: حدثني عن العقيق، أوقت وقته رسول الله(صلى الله عليه وآله) أو شيء صنعه الناس؟ فقال: انّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) وقت لأهل المدينة ذا الحليفة))((2)).

ومثلها صحيحة عمر بن يزيد((3))، وصحيحة معاوية بن عمّار((4))، وصحيحة علي بن جعفر((5)) وغيرها.

الرابعة: ما دلّ على موضع التلبية

وهي مختلفة الألسن. ففي صحيح عمر بن يزيد عن أبي عبداللّه - عليه السلام -قال: ((إن كنت ماشياً فاجهر باهلالك وتلبيتك من المسجد، وإن كنت راكباً فاذا علت بك راحلتك البيداء))((6)).

وكصحيح معاوية بن عمّار قال: ((سألت أبا عبداللّه - عليه السلام - عن التهيء للاحرام، فقال في مسجد الشجرة فقد صلّى فيه رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) وقدترى أناساً يحرمون فلا تفعل حتى تنتهي الى البيداء حيث الميل فتحرمون كما أنتم في محاملكم، تقول...))((7)).

وفي صحيح الحلبي وعبدالرحمن بن الحجاج جميعاً عن أبي عبداللّه - عليه السلام - قال: ((اذا صليت في مسجد الشجرة فقل وأنت قاعد في دبر الصلاة قبل أن تقوم ما يقول المحرم، ثم قم فامشي حتى تبلغ الميل وتستوي بك البيداء فاذا استوت بك فلبي))((8)).


1) ([7]) الباب المتقدم ح8 .

2) ([1]) الباب المتقدم ح1 .

3) ([2]) الباب المتقدم ح6 .

4) ([3]) الباب المتقدم ح2 .

5) ([4]) الباب المتقدم ح5 .

6) ([5]) أبواب الاحرام ب 34 ح1 .

7) ([6]) أبواب الاحرام ب 34 ح2 .

8) ([7]) ابواب الاحرام ب 35 ح3 .

وفي صحيح منصور ابن حازم عن أبي عبداللّه - عليه السلام - قال: ((اذا صليت عند الشجرة فلا تلبي حتى تأتي البيداء حيث يقول الناس يخسف بالجيش))((1)).

وقد جمع بين ألسن الروايات بحمل المطلق على المقيد، وأشكل عليه بكون المقام كل وجزء فيكون مجازاً بخلاف الكلي والكلي المقيد. وقيل انّ العكس ممكن وهو التعبير عن الجزء وإرادة الكل كالرقبة وارادة الانسان، لكن اتفق على كون صحيحة الحلبي محددة له بالمسجد، حيث فيها ((وهو مسجد الشجرة يصلي فيه ويفرض الحج)) وفي طريق الصدوق ((كان يصلى فيه ويفرضالحج)) إلا أنّه يتأمل فيه من جهة أن مفادها قد يكون من الاشارة للكل بتوسط معلمية وأظهرية الجزء، كما هو المتعارف في علامات وأسماء الأمكنة من الاشارة الى الجزء المشهور.

إلا أن يقال: انّ عنوان ذوالحليفة أيضاً مشهور. وفيه تأمّل لكونها قرية شهرتها لا ترقى الى تلك البقعة التي أحرم منها رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) فانتسبت شهرتها لفعل النبي(صلى الله عليه وآله)فيها.

القرائن على أن ذو الحليفة كله ميقات

الأولى: انّ الميقات هو ما يحرم منه وهو ماهية التحديد البعد عن مكة، فيكون الميقات خطا فاصلاً ما بين القبل والبعد لا أنه نقطة معينة ومكان للظرفية، بل مبدأ كما ورد في بعض الروايات ((لا يحرم قبلها ولا بعدها)) وعليه يتعين معنى الابتداء في مفاد ((من)) .

الثانية: انّ توقيته(صلى الله عليه وآله) كان في عمرة السنة السادسة للهجرة، والتي رأى في عالم الرؤيا أنّه اعتمر، فاعتمر مع أربعمائة رجل وفي رواية ألف وخمس مائة، مع سوقه(صلى الله عليه وآله) لمائة ناقة مع سوق بعضهم للهدي معه وفي العادة لا تتحمل بقعة كالشجرة التي في الوادي هذا العدد، مع انّ المسجد لم يكن ثمة، وهذا مما يفيد انّ الميقات


1) ([8]) ابواب الاحرام ب34 ح4 .

هو كل الوادي بل صحيحة ابن سنان((1)) دالّة على أنه(صلى الله عليه وآله) لبّى بالبيداء وذلك لأجل تعليم جموع الناس التلبية وعقد الاحرام ممّا يشير الى عدم اتساع الوادي لمجموع من حضر معه من الناس. كما انّه ما ورد في علّة اختياره(صلى الله عليه وآله) له ميقاتاً لكونه محاذياً له في المعراج ممّا يؤيد كونه الوادي لا خصوص البقعة الصغيرة التي جعلت مسجداً حيث المحاذاة من بعد.

الثالثة: أن ما ورد من التعبد في صحيحة الحلبي في قوله - عليه السلام -: ((يصلي فيه ويفرض الحج)) وان كان الظاهر منه الانشاء فيدل على التحديد، وأنّه الميقات، وأن كلمة ((من)) بمعنى ((في)) ، إلا انّه في نقل الصدوق كما تقدم ((كان يصلى فيه)) فهو بمعنى الاخبار لا الانشاء، مع انّ الأول يحتمل الندب لو كان إنشائياً.

الرابعة: ما يستفاد من صحيحة يونس بن يعقوب((2)) في المرأة الحائض كيف تحرم؟ قال - عليه السلام -: ((بعد ذكر لبس الكرسف وغيره: تستقبل القبلة ولا تدخل المسجد وتهل بالحج بغير صلاة)) ودلالتها واضحة في الاحرام خارج المسجد، مع انّه يمكنها الاجتياز من دون لبث.واشكل على دلالتها أنّها تحتمل احرام الحج في المسجد الحرام كما هو ظاهر اهلالها بالحج، فليس مما نحن فيه.

وفيه: انّ السؤال مطلق فينصرف بقرينة انّ الراوي عراقي الى كون الاحرام احرام عمرة التمتع ويطلق عليه احرام الحج كما هو مستفيض في الروايات، لارتهان المعتمر بها بالحج، مع تمركز أسئلة الرواة في ذلك الباب عن الاحرام في ابتداء الشروع به أي في التمتع وتمثيل الامام - عليه السلام - بأسماء بنت عميس((3)) دالّ على ذلك.


1) ([1]) ابواب الاحرام ب 35 ح2 .

2) ([2]) ابواب الاحرام ب 48 ح2 .

3) ([1]) ابواب الاحرام ب 46 ح1 .

مضافاً الى أنه قد يقال أنها تعين عليها الافراد لكونها قد حاضت قبل الاحرام وأنها لا تطهر حتى الموقف، اذ هي محتملة لذلك.

الخامسة: انّ الشأن في بقية المواقيت هو التسمية والتحديد لمنطقة متسعة لا تكون في الصغر كحجم المسجد بحدوده القديمة في عصر النص، والحال انّ الموجود اليوم هو متسع بنحو كبير جداً.

السادسة: انّ المحاذاة سواء بني عليها في المواقيت كما هو الأقوى أو في خصوص ميقات الشجرة فإنها تعضد كون الاحرام من الميقات متسعاً بالأولوية للمحاذاة القريبة أو المتصلة. نعم قد يشكل بأن المحاذاة مقيدة عند من يقول بها، بأن تكون للموازي والمحاذي البعيد دون القريب. وعلى رأي المشهور قيّد بمن يسلك طريقاً لا يؤدي به الى الميقات، وهو يفيد البعد أيضاً. ولكن الأصح كما سيأتي جواز المحاذاة مطلقاً. بل انّ هذه القرينة هي من عمدة القرائن التي يعتمد عليها في ذلك حيث انّه سيأتي أن المواقيت ما هي إلا نقاط ومعالم وعلامات لرسم محيط شكل يشتمل على مساحة معينة لايدخلها القاصد لمكة من بعد إلا محرماً عند ذلك الخط الذي هو محيط ذلك الشكل الهندسي المخمس أو المسدس الشكل على ما سيأتي. نظير ما التزم به المشهور في مواقيت أدنى الحل حيث انّ تلك المواقيت كالتنعيم والجعرانة ونمرة واضاءة لبن والحديبية ليست إلا نقاط لرسم دائرة الحرم، وانّ الميقات هو مطلق أدنى الحل لا خصوص تلك المواقع، فليست تلك النقاط في كلا الشكلين المرسومين بوابات يتعين الدخول منها، وانّما هي علامات لرسم ذلك الشكل، وسيأتي انّ المشهور ذهبوا الى مطلق المحاذاة فعليه تكون المواقيت نقاط للحد الفاصل للخط الموهوم بينما قبل الميقات وما بعده، كما تكرر هذا التعبير كثيراً في روايات المواقيت فتحديد الوقت انّما يثمر بلحاظ القرب والبعد باتجاه مكة لا

(مسألة 1): الأقوى عدم جواز التأخير الى الجحفة وهي ميقات أهل الشام اختياراً، نعم يجوز مع الضرورة لمرض أو ضعف أو غيرهما من الموانع، لكن خصّها بعضهم بخصوص المرض والضعف لوجودهمافي الأخبار فلا يلحق بهما غيرهما من الضرورات، والظاهر ارادة المثال فالاقوى جوازه مع مطلق الضرورة(1).

بلحاظ اليمين واليسار فمع البناء على مطلق المحاذاة لا محالة يتعين كون الوادي كله محرم، وكذا الحال في بقية المواقيت، اذ من الواضح انّ تلك النقطة ليست هي نقطة دقيقة هندسية وانّما هي أسماء مناطق.

السابعة: انّ الأقوى كما سيأتي التخيير في التلبية بين ايقاعها في المسجد والوادي وبين ايقاعها في البيداء، بل هو الأفضل كما سيتضح في باب الاحرام، وهذا مما يشهد انّ الوادي كلّه ميقات، حيث انّها تنشأ بحيث يصدق أنه لم يتجاوز الميقات إلا وهو محرم، بل انّه على القول الآخر من لزوم ايقاعها في المسجد واستحباب بدأ الجهر بها في البيداء يستأنس للمطلوب أيضاً، حيث انّ الجهر بها انّما هو مع بدء السير والتجاوز عن الميقات.

فيتحصل من مجموع هذه القرائن التي بعضها للمقام الأول وهو تحديد الميقات وبعضها للمقام الثاني وهو انّ الميقات ظرف للاحرام أو مبدأ له، يتحصل انّ الميقات هو الوادي، وانّ الاحرام يجب أن يكون مبدؤه الميقات أي لا يتجاوزه إلا وهو محرم إلا بنحو المحاذاة، وسيتضح المقام الثاني أكثر في المحاذاة.

(1) حكي الاتفاق عليه خلافاً للجعفي وابن حمزة، ويدلّ عليه الجمع بين الروايات الواردة في المقام وهي على طوائف:

الأولى:((1)) ما دلّ على أن وقت أهل المدينة ذو الحليفة دون الجحفة فانّها وقت


1) ([1]) ابواب المواقيت الباب الأول.

لأهل المغرب وأهل الشام حيث أنّهم يأتون عن طريق البحر وينزلون في ميناء ينبع أو رابغ، نظير صحيح الحلبي ((قال: قال ابو عبداللّه - عليه السلام -....وقت لأهل المدينة ذا الحليفة.... ووقت لأهل الشام الجحفة))((1)) ومثلها صحيح علي بن رئاب، وصحيح معاوية بن عمّار ((...ووقت لأهل المغرب الجحفة وهي.....ووقت لأهل المدينة ذا الحليفة...))((2)) وغيرها من الصحاح الواردة في الباب.

الثانية: ما دلّ على كل من ذي الحليفة والجحفة ميقات لأهل المدينة كصحيح علي بن جعفر ((سألته عن احرام أهل الكوفة وأهل خراسان وما يليهم، وأهل الشام، من أين هو؟ فقال:أمّا أهل الكوفة وخراسان وما يليهم فمن العقيق، وأهل المدينة من ذي الحليفة والجحفة، وأهل الشام ومصر من الجحفة، وأهل اليمن من يلملم وأهل السند من البصرة يعني من ميقات أهل البصرة))((3)) وصحيح معاوية بن عمارأنه ((سأل أبا عبدالله - عليه السلام - عن رجل من أهل المدينة أحرم من الجحفة قال: لابأس)) وصحيح الحلبي ((قال: سألت أبا عبدالله - عليه السلام - من أين يحرم الرجل إذاجاوز الشجرة؟ فقال: من الجحفة ولا يجاوز الجحفة إلا محرماً))((4))ومعتبرة أبي بصير ((قال: قلت لأبي عبدالله - عليه السلام - خصال عابها عليك أهل مكة، قال: وما هي؟ قلت: قالوا أحرم من الجحفة ورسول اللّه(صلى الله عليه وآله) أحرم من الشجرة، قال: الجحفة أحد الوقتين فأخذت بأدناهما وكنت عليلاً))((5)).

ومقتضى هذه الطائفة التخيير مطلقاً بين الوقتين، حتى في المعتبرة الأخيرة لأنه قد علل الجواز بكل من العلتين بنحو مستقل، وقرينة الاستقلال ترتيبه الجواز على التعليل الأول.


1) ([2]) ابواب المواقيت الباب الأول.

2) ([3]) أبواب المواقيت الباب الأول.

3) ([1]) ابواب المواقيت، الباب الأول ح5.

4) ([2]) ابواب المواقيت ب 6 ح2،3 .

5) ([3]) ابواب المواقيت ب 6 ح4 .

الثالثة: ما دلّ على اختصاص الجحفة بالمريض والعليل والضعيف نظير ذيل معتبرة أبي بصير المتقدمة، وصحيحة أبي بكر الحضرمي قال: ((قال أبو عبداللّه - عليه السلام - انّي خرجت بأهلي ماشياً فلم أهل حتى أتيت الجحفة وقد كنت شاكياً فجعل أهل المدينة يسألون عني فيقولون لقيناه وعليه ثيابه، وهم لا يعلمون، وقد رخص رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) لمن كان مريضاً أو ضعيفاً أن يحرم من الجحفة))((1)).

وصحيح معاوية بن عمّار قال: ((قلت لأبي عبداللّه - عليه السلام -: انّ معي والدتي وهي وجعة فقال: قل لها فلتحرم من آخر الوقت فانّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل المغرب الجحفة قال: فأحرمت من الجحفة))((2)).

وصحيح صفوان بن يحيى عن أبي الحسن الرضا - عليه السلام - أنه كتب - عليه السلام - ((أن رسول الله(صلى الله عليه وآله)وقت المواقيت لأهلها ومن أتى عليها من غير أهلها وفيها رخصة لمن كانت به علّة فلا تجاوز الميقات إلا من علّة))((3)).وحسنة ابراهيم بن عبدالحميد عن أبي الحسن موسى - عليه السلام - قال: ((سألت عن قوم قدموا المدينة فخافوا كثرة البرد وكثرة الأيام يعني الاحرام من الشجرة، وأرادوا أن يأخذوا منها إلى ذات عرق فيحرموا منها فقال: لا وهو مغضب من دخل المدينة فليس له أن يحرم إلا من المدينة))((4)).

هذا ومقتضى الطائفة الأولى متطابق مع الثالثة في عدم كون الجحفة ميقاتاً أولياً اختياريا، ومن ثم يمكن حمل مفاد الطائفة الثانية على ذلك من باب حمل المطلق على المقيد أو من باب التقييد، أو يحمل مفاد الطائفة الثانية على الذهاب إلى الجحفة من دون الدخول في منطقة المواقيت التي تقدمت الاشارة اليها، وسيأتي


1) ([4]) ابواب المواقيت ب 6 ح5 .

2) ([5]) ابواب المواقيت ب6 ح2 .

3) ([6]) ابواب المواقيت ب 15 ح1.

4) ([1]) ابواب المواقيت ب8 / 1 .

(مسألة 12): يجوز لأهل المدينة ومن أتاها العدول إلى ميقات آخر كالجحفة أو العقيق، فعدم جواز التأخير إلى الجحفة انّما هو إذا مشى من طريق ذي الحليفة، بل الظاهر أنه لو أتى إلى ذي الحليفة ثم أراد الرجوع منه والمشي من طريق آخر جاز بل يجوز أن يعدل عنه من غير رجوع، فإن الذي لا يجوز هو التجاوز عن الميقات محلاً، وإذا عدل إلى طريق آخر لا يكون مجاوزاً وان كان ذلك وهو في ذي الحليفة وما في خبر ابراهيم بن عبدالحميد من المنع عن العدول إذا أتى المدينة

بيانها في بحث المحاذاة، وذلك بالسير على حاشية البحر، أي الطريق البحري الذي يمر منه أهل المغرب. وعلى ذلك تحمل معتبرة أبي بصير. هذا وصحيح الحلبي من الطائفة الثانية دالّ على أيّة حال على أن من خالف وجاوز الميقات يصح منه الاحرام من الميقات الذي أمامه، فيكون مخالفة النهي السابق سواء حمل على التكليف المحض أو الارشاد الوضعي غير مفسدة للاحرام مع فرض عقده للاحرام من ميقات آخر، وهذا يقرب ما سيأتي في أحكام المواقيت من أن من تجاوز أحد المواقيت عمداً أو ناسياً أو جاهلاً فله الرجوع إلى أي من المواقيت لعقد احرامه، وفي صورة عدم تمكنه يحرم من مكانه أو أدنى الحل، أو ما استطاع من المضي باتجاه أحد المواقيت شامل للعامد ولو بسوء الاختيار، تمسكاً بالاطلاق الوارد ثمة وعدم معارضته بالعموم الوارد في المواقيت ان لا يجتازها إلا محرماً، كما ارتكبه صاحب الجواهر وجماعة ثمة، والغريب انهم أقرّوا بعدم المعارضة في المقام.

هذا ويستفاد من صحيحة صفوان في الطائفة الثالثة أن المرخص لهم أعم من المريض والضعيف، بل لكل ضرورة وعلّة بتلك الدرجة لا بأدنى المشقة والحرج أي لا بمطلق الأذية، لكونه مفاد حسنة ابراهيم بن عبدالحميد.

ثم انّ هذه المسألة لا تختص بمسجد الشجرة والجحفة، بل الحكم مطرد في بقية المواقيت لو تجاوز عن أحدها وذهب إلى الآخر.

مع ضعفه منزل على الكراهة(1)

(مسالة 3): الحائض تحرم خارج المسجد على المختار، ويدلّ عليه مضافاً إلى ما مرّ مرسلة يونس في كيفية احرامها ولا تدخل المسجد وتهلّ بالحجّ بغير صلاة، وأما على القول بالاختصاص بالمسجد فمع عدم إمكان صبرها إلى أن تطهر تدخل المسجد وتحرم في حال الاجتياز إن أمكن، وإن لم يمكن لزحم أو غيره أحرمت خارج المسجد وجدّدت في الجحفة أو محاذاتها(2).

(1) قد اتّضح من المسألة السابقة أن المدار في تعين الاحرام من الميقات وعدم التجاوز عنه إلا بالاحرام إنّما هو بالدخول في منطقة المواقيت الآتي ذكرها في بحث المحاذاة، وما يحكى من وفاق الأصحاب في هذه المسألة شاهد على ارتكاز ذلك عندهم، كما هو الحال في العديد من المسائل الآتية حيث سنبينه على أن ارتكازهم في الحكم فيها هو على ذلك، ويمكن الاستدلال عليه مضافاً إلى ذلك بصدق عموم أنها مواقيت وقتها رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) لأهلها ولمن مرّ عليها، فلا فرق في ذلك بين العدول إلى الجحفة أو العقيق أو غيرها، ولا بين ما إذاعدل قبل الوصول إلى ذي الحليفة أو بعد وصوله، شريطة أن لا يتقدم بالدخول في منطقة المواقيت المرسومة بالمحيط الواصل بين النقاط الخمس وذلك بالتنكب عن الطريق.

وسيأتي أن المحاذاة ليست هي مطلق الموازاة للميقات باتجاه مكة بل هي الوقوف على محيط منطقة المواقيت.

وأما حسنة ابراهيم بن عبدالحميد المتقدمة في المسألة السابقة فهي محمولة على ذلك، لضرورة عدم تعين ميقات الشجرة فيما لو أراد السفر من المدينة إلى مدينة أخرى خارج منطقة المواقيت ثم الاتجاه بعد ذلك إلى الحج، مضافاً إلى الشواهد العديدة الاخرى في كبرى المحاذاة في منطقة المواقيت.

(2) أمّا بناءً على انّ الميقات هو الوادي كما هو المختار، فيجوز للحائض ولغيرها من غير ذوي الأعذار الاحرام من خارج المسجد اختياراً، وكذلك لو بنينا على

(مسألة 4): إذاكان جنباً ولم يكن عنده ماء جاز له أن يحرم خارج المسجد، والأحوط أن يتيمّم للدخول والإحرام، ويتعيّن ذلك على القول بتعيين المسجد،

المحاذاة مطلقاً كما هو الصحيح جاز ذلك اختياراً فضلاً عن الاضطرار، وإن خالف الفضل.

وأما بناءً على اختصاص الميقات بالمسجد كما هو القول الآخر، فيصح احرامه خارج المسجد، أمّا للقول بالمحاذاة مطلقاً، أو لموثقة يونس بن يعقوب قال: ((سألت أبا عبداللّه - عليه السلام - عن الحائض تريد الاحرام قال: تغتسل وتستثفر وتحتشي بالكرسف وتلبس ثوباً دونثياب احرامها وتستقبل القبلة ولا تدخل المسجد وتهل بالحج بغير الصلاة))((1)). وتقريب دلالتها كما تقدم في العدول من التمتع إلى الافراد في الحائض قبل الاحرام، وهو قرينة كون الاهلال بالحج من مسجد الشجرة، كما هو مفاد صحيحة معاوية بن عمّار((2)) الواردة في أسماء بنت عميس. ومقتضى الموثقة المزبورة النهي عن دخولها ولو اجتيازاً فلا تحرم ولو اجتيازاً.

ولكن قد يقال انّ الاجتياز غير صادق في دخول المسجد لعدم كون بنائه ذا بابين مختلف الجهة كي يصدق عبور العابر، كما هو هيئة البناء في عصرنا الحاضر في القسم المختص بالنساء. واحتمل أن النهي عن الدخول كناية عن النهي عن الاحرام في المسجد فيقع باطلاً لو تعمدته أو مطلقاً. بل قد يقرب البطلان بناءً على اجتماع الأمر والنهي، وسيأتي بيان حاله في أحكام المواقيت. فبناءً على عجزها عن الدخول إلى المسجد، وعجزها عن المحاذاة البعيدة بناءً على القول بها وعدم الاعتماد على الموثقة فهل تحرم من الوادي أو تأخره إلى الجحفة كما حكي عن النراقي.

ذهب جماعة إلى الأول بمقتضى عموم النهي عن تجاوز الميقات إلا محرماً، فيدلّ بالالتزام على الاجتزاء بالاحرام خارج المسجد. واستدل للثاني بعموم العلّة الواردة في صحيح صفوان المتقدم. وقد يجمع بين الوجهين بحمل العموم المزبور


1) ([1]) ابواب الاحرام ب 48 ح2 .

2) ([2]) أبواب الاحرام ب 49 ح1 .

وكذا الحائض إذا لم يكن لها ماء بعد نقائها(1).

الثاني: العقيق، وهو ميقات أهل نجد والعراق ومن يمرّ عليه من غيرهم، وأوله المسلخ، وأوسطه غمرة، وآخره ذات عرق، والمشهور جواز الاحرام من جميع مواضعه اختياراً، وانّ الأفضل الاحرام من المسلخ ثم من غمرة، والأحوط عدم التأخير إلى ذات عرق إلا لمرض أو تقيّة، فانّه ميقات العامّة، لكنّ الأقوى ما هو المشهور، ويجوز في حال التقية الاحرام من أوله قبل ذات عرق سرّاً من غير نزع ما عليه من الثياب إلى ذات عرق ثمّ اظهاره ولبس ثوبى الاحرام هناك، بل هو الأحوط وان أمكن تجرّده ولبس الثوبين سرّاً ثم نزعهما ولبس ثيابه إلى ذات عرق ثمّ التجرّد ولبس الثوبين وهو أولى(2).

على المقيد المجوّز للتجاوز مع العلّة. وقد احتاط الماتن بالجمع بين الاحرام في الموضعين وهو مبني على جريان الاشتغال عند الشك كما سيأتي الكلام فيه في أحكام المواقيت.

(1) والحال فيها كما تقدم في المسألة السابقة، وعلى القول بتعين المسجد يلزمه التيمم لاستباحة الدخول في المسجد المشروط دخوله بالطهارة.بحث لغوي

(2) العقيق في اللغة: قال في الصحاح كلّ وادي عقه السيل أي شقه فأنهره ووسعه ويطلق على الميقات وهو واد يندفق سيله في غوري تهامة كما عن التهذيب، وهو واد أو أودية مستطيل يبلغ أربعة وأربعين ميلاً تقريباً أو ثمانية وثلاثين، أمّا الأول بناءً على انّ أوله الغبث ]البغث[ والثاني بناءً على أنّ أوله المسلخ ]المسلح[ وبينهما ستة أميال، وهو طريق الكوفيين إلى مكة حيث يدخل الوادي من أحد النقطتين المزبورتين، ثم يتوسطه موضع يعرف بغمرة وبينه وبين المسلخ سبعة عشرة ميلاً ثم يأتي موضع يعرف بوطاس (أم خرمان)((1))، وفي هذا الموضع ملتقى طريق البصريين


1) ([1]) وفي المصباح أنها موضع جنوبي مكة بنحو ثلاث مراحل وكذا في المعرب والمغرب: أوطاس موضع على ثلاث مراحل من مكة.

إلى مكة حيث يدخل طريقهم الوادي من موضع يعرف بوجرة، وبين وجرة وأوطاس سبعة وعشرين ميلاً، ووجرة توازي غمرة فيتحد الطريقان من اوطاس إلى ذات عرق، وبين ذات عرق وغمرة عشرين ميلاً فيكون بين اوطاس وذات عرق بريد وهو اثنى عشر ميلاً. وقيل - في المصباح - انّها عن مكة نحو مرحلتين وفي فتح الباري أنها الحدّ الفاصل بين نجد وتهامة وأن بينها وبين مكة اثنين وأربعين ميلاً. ونسب إلى المشهور كونه ميقاتاً كله ابتداء من المسلخ ومروراً بغمرة وأوطاس وانتهاءً بذات عرق، كما عن الصدوقين والشيخ في النهاية والشهيد في الدروس ومال إليه صاحب المدارك.

بحث روائي دلالي

والعمدة التعرض للروايات الواردة في المقام وهي على عدة طواف:

الأولى: ما دلّ على أن كل العقيق ميقات من المسلخ إلى ذات عرق نظير صحيح الحلبي عن أبي عبداللّه - عليه السلام - ((وقت لأهل النجد العقيق))((1)).

وكذا صحيح أبي أيّوب((2)) وكذا صحيح علي بن جعفر((3)) وغيرها من الصحاح ممّا أخذ عنوان العقيق بقول مطلق بل في معتبرة أبي بصير التصريح بالاطلاق والمجموع قال: ((سمعت أبا عبداللّه - عليه السلام - يقول: حدّ العقيق أوله المسلخ وآخره ذات عرق))((4)). وعمّار بنمروان الذي في طريقها منصرف إلى اليشكري لكثرة روايته ولأنه صاحب كتاب كما هو القاعدة المطردة في كتب الحديث. وفي مرسل الصدوق قال: قال الصادق - عليه السلام -: ((وقت رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) لأهل العراق العقيق وأوله المسلخ ووسطه غمرة وآخره ذات عرق، وأوله أفضل))((5)).

الثانية: ما دلّ على كون الميقات بطن العقيق.


1) ([2]) باب 1 ابواب المواقيت ح3 .

2) ([3]) باب 1 ابواب المواقيت ح1 .

3) ([4]) الباب السابق ح5 .

4) ([5]) ب3 ابواب المواقيت ح7 .

5) ([1]) ابواب المواقيت ب2 ح9 .

كصحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبداللّه - عليه السلام -... ((فانّه (صلى الله عليه وآله) وقت لأهل العراق ولم يكن يومئذ عراق بطن العقيق من قبل أهل العراق))((1)).

وفي مرسل ابن فضال عن أبي عبداللّه - عليه السلام - قال:((أوطاس ليس من العقيق))((2)) وصحيح معاوية بن عمّار عن أبي عبداللّه - عليه السلام - قال: ((آخر العقيق بريد اوطاس...))((3)) الحديث ورواية ابي بصير عن أحدهما(عليهم السلام) قال: ((حدّ العقيق ما بين المسلخ إلى عقبة غمرة))((4)). وفي السند علي بن أبي حمزة البطائني الملعون، وسهل بن زياد، ولكن الأول حيث انّ الراوي عنه امامي فيدل على انّ الرواية عنه فترة استقامته، والثاني الأمر فيه سهل. فالطريق معتبر. وصحيحة الحميري انّه كتب إلى صاحب الزمان - عليه السلام -يسأله عن الرجل يكون مع بعض هؤلاء ويكون متصلاً بهم يحج ويأخذ عن الجادة، ولا يحرم هؤلاء من المسلخ فهل يجوز لهذا الرجل أن يؤخّر احرامه إلى ذات عرق فيحرم معهم لما يخاف الشهرة أم لا يجوز إلا ان يحرم من المسلخ؟ فكتب إليه في الجواب: ((يحرم من ميقاته ثم يلبس الثياب ويلبي في نفسه فاذا بلغ إلى ميقاتهم أظهره))((5)).

الثالثة: ما دلّ على دخول البعث كذيل صحيح معاوية بن عمّار المتقدمة وفيها ((وقال: وبريد البغث دون غمرة بريدين)) وكذا صحيحه الآخر عن أبي عبداللّه - عليه السلام - ((اول العقيق بريد البعث وهو دون المسلخ بستة أميال مما يلي العراق وبينه وبين غمرة أربعة وعشرون ميلاً بريدان))((6)).وفي مرسل الصدوق قال: قال الصادق - عليه السلام -: ((أول العقيق بريد البغث وهو بريد من دون بريد غمرة))((7)).

وصحيحة عمر بن يزيد عن أبي عبداللّه - عليه السلام - قال: ((وقت رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) لأهل المشرق


1) ([2]) ابواب المواقيت ب 1 ح2 .

2) ([3]) ابواب المواقيت ب 2 ح6 .

3) ([4]) ابواب المواقيت ب2 ح1 .

4) ([5]) ابواب المواقيت ب 2 ح5 .

5) ([6]) ب2 ابواب المواقيت ح10 .

6) ([7]) ابواب المواقيت ب 2 ح2 .

7) ([1]) ابواب المواقيت ب 2 ح8 .

العقيق نحواً من بريدين ما بين بريد البعث إلى غمرة))((1)).

الرابعة: ما دلّ على أفضلية الاحرام من أول العقيق

كموثق يونس بن يعقوب قال: ((سألت أبا عبداللّه - عليه السلام - عن الاحرام من أي العقيق أفضل أن أحرم؟ فقال: من أوله أفضل))((2)).

وكذا موثق اسحاق بن عمار قال: ((سألت أبا عبدالله - عليه السلام - عن الاحرام من غمرة؟ قال: ليس به باس، وكان بريد العقيق أحب إليّ))((3)).

وتقدم في الطوائف السابقة المذيلة بأنّ أوله أفضله.

الجمع بين الطوائف كالتالي

هذا والجمع بين الطوائف كالتالي:

فانّ الطائفة الثالثة ليس مرادها كما توهّم إدخال البعث في العقيق بل مفادها انّ بريد البعث هو أول العقيق، وفرق بين منطقة البعث وبريده فانّ مفادها انّ البعث حدّ خارج عن العقيق والداخل منه البريد الذي يلي البعث، ومن الواضح انّ مقدار البريد شاملاً للمسلخ وما دونه بطرف غمرة لان المسافة بين المسلخ والبعث ستة أميال وهو نصف بريد والمسلخ يتوسط بين البعث وغمرة كما تقدم فحينئذ ينطبق مفادها على الروايات الدالّة على أنّ أول العقيق هو المسلخ.

ولك أن تقول انّ بريد البعث مطلق يحمل على المقيد وهو أول المسلخ، وأما ما دلّ على انّ ذات عرق خارجة كالذي لسانه آخر العقيق بريد أوطاس فلا ينافي ذلك لأنه لم يأخذ اوطاس كحد بل أخذ البريد المضاف إليهوما بين اوطاس وذات عرق هو بقدر البريد كما تقدم، فيكون ذات عرق هي آخر العقيق بمعنى الحدّ والبريد المزبور آخره بمعنى الجزء الأخير.

وأمّا ما كان لسانه بأنّ أوطاس ليس من العقيق فيحتمل انّ أوطاس منطقة كبيرة يقع


1) ([2]) ابواب المواقيت ب 1 ح6 .

2) ([3]) ب30 ابواب المواقيت ح1 .

3) ([4]) ب3 ابواب المواقيت ح3 .

الثالث: الجحفة، وهي لأهل الشام، ومصر والمغرب ومن يمرّ عليها من غيرهمبعض منها في وادي العقيق وهو الجنوبي والبعض الآخر خارج عنه وهو شماله، ويؤيده ما تقدم نقله عن المصباح والمغرب والمعرّب من انّها على ثلاثة مراحل من مكة أي بينها وبين ذات عرق مرحلة أي بريدين.

وأمّا ما كان لسانه انّه ما بين المسلخ إلى عقبة غمرة فهو محمول على الفضل بقرينة الطائفة الرابعة لاسيّما ما نصّ في بعضها على انّ البريد الواقع فيه المسلخ أفضل من غمرة.

أمّا صحيحة الحميري فلا تقاوم تظافر دلالة الروايات الأخر الدالّة على كون المسلخ أفضل، وان كلما أخّره قلّ الفضل حتى ينتهي به الأمر إلى ذات عرق، فيكفي ذلك حينئذ في اضافة ذات عرق كميقات لهم، حيث انّهم لا يرون غيرها ميقات بينما في مذهب أهل البيت(عليهم السلام) انّ افضل العقيق هو المسلخ وهو الذي أمر الأئمة(عليهم السلام) شيعتهم به وهذا نظير ما ورد في ميقات الشجرة.

وصحيحة الحميري لا يقع في طريقها أحمد بن ابراهيم النوبختي، وذلك لأن جواب الحسين بن روح كان بخطه لا بروايته والراوي عن الحسين بن روح هم أهل قم أي بنحو مستفيض وبقية الطريق من مراجع وأعلام الطائفة.

ثم انّه لم نر في أكثر الكلمات من تعرّض إلى وجرة وقد عرفت في كلمات اللغويين والجغرافيين أنها حدّ العقيق من طريق البصريين، وانّه بينها وبين أوطاس سبعة وعشرين ميلاً، ووردت فيها حسنة يونس بن عبدالرحمن قال: ((كتبت إلى أبي الحسن - عليه السلام -: انّا نحرم من طريق البصرة ولسنا نعرف حدّ عرض العقيق، فكتب: احرم من وجرة))((1))


1) ([1]) ب2 ابواب المواقيت ح4 .

إذا لم يحرم من الميقات السابق عليها(1)

(1) لا ريب في كونها أحد المواقيت التي وقتها رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) وتظافر النصوص في ذلك، وانّها ميقات لأهل الشام ولأهل المغرب ومصر ومن مرّ عليها وقد تقدم انّ من لم يحرم في الشجرة فيتعين الاحرام منها سواء كان لعلّة أو من غير عذر، إلا انّه وقع الكلام في تحديد موضعها فقد يظهر من بعض الجغرافيين انطماس الموضع وبنى على ذلك جماعة فبنو على ذلك وانّ الجحفة غير معروفة المعالم في الوقت الحاضر، لاسيّما وأنّ أقوال المؤرخين واللغويين متضاربة في تحديد الموضع،ومن ثمّة لم يبني جملة من أعلام العصر في القادم من جدة على الاحرام من الجحفة بل ذكروا فيها انّه ينذر الاحرام من رابغ فيكون من نذر الاحرام قبل الميقات، إلا انّ الظاهر من السلطات في الوقت الحاضر تعيينها بالمسجد الذي بنته المسمّىبالمحرم ولا يخفى انّ الجحفة هي التي جمع عندها النبي(صلى الله عليه وآله) المسلمين عند الظهر في رجوعه من حجّة الوداع ونصب أمير المؤمنين - عليه السلام - خليفة ووالياً من بعده، اذ يقربها غدير خم الذي وقع فيه هذا الحفل الالهي فلعلّ الدواعي من وراء هجر هذا الميقات تكمن في ذلك كما لا يخفى مناسبة اختيار اللّه ورسوله لموضع الغدير بقرب الجحفة ليقترن هذا التنصيب الخطير في الدين مع معلم الحج وميقات الحج وعلى أي تقدير لابد من استعراض كلمات اللغويين.

أقوال اللغويين:

ففي معجم البلدان قال: الجحفة بالفتح ثم السكون، والفاء، كانت قرية كبيرة ذات منبر على طريق المدينة من مكة على أربع مراحل، وهي ميقات أهل مصر والشام إن لم يمرّوا على المدينة، فإن مرّوا بالمدينة فيمقاتهم ذو الحليفة، وكان اسمها مهيعة، وانّما سميت الجحفة لأن السيل اجتحفها وحمل أصلها في بعض الأعوام، وهي الان خراب، وبينها وبين ساحل الجار نحو ثلاث مراحل، وبينها وبين أقرب موضع من البحر ستة أميال وبينها وبين المدينة ست مراحل، وبينها وبين غدير خم ميلان، وقال

السكري: الجحفة على ثلاث مراحل من مكة في طريق المدينة والجحفة أول الغور إلى مكة، وكذلك هي من الوجه الاخر إلى ذات عرق، وأول الثغر من طريق المدينة أيضاً الجحفة، وحذف جرير الهاء وجعله من الغور فقال: قد كنت.....الخ((1)).

وفي تحرير النووي: بجيم مضمومة، فحاء مهملة، ففاء على سبع مراحل من المدينة، وثلاث من مكة. وفي تهذيبه: بينها وبين البحر نحو ستة أميال. وقيل بينها وبين البحر ميلان ولا تناقض لاختلاف البحر باختلاف الأزمنة.

وفي القاموس: كانت قرية جامعة على اثنين وثلاثين ميلاً من مكة تسمّى مهيعة تنزل بها بنو عبيد وهم...

وفي مصباح المنير: منزل بين مكة والمدينة قريب من رابغ بين بدر وخليص، وفي كشف اللثام: انّما سمّيت الجحفة لأن السيل أجحف بها وبأهلها.

وقال صاحب مرآة الحرمين: ورابغ يحرم منها الناس إذا مرّوا بها براً وإذاحادوها بحراً والجحفة جنوبها على عشرة أميال منها وهي المعروفة بالفقه بأنها ميقات الشاميين والمصريين لما كانوا يحجون برّاً ولكن لا حرج في تقديم الاحرام على الميقات.((2))

أقول: هذا المقدار من اختلاف التحديد متعارف في كتب الميدانيين واللغويين في أكثر مواضع البلدان كما لا يخفى على المتصفح في كلماتهم، كما سيأتي في تحديدهم ليلملم أنّها على مرحلتين من مكة بينهما ثلاثون ميلاً فهذا لا يؤدي إلى الاجمال والشك في تعيين الموضع ولا إلى اسقاط قول سكان تلك النواحي، لاسيّما القبائل القاطنة هناك بنحو متعاقب ولاسيّما ما يذكر من وجود بعض الآثار القديمة الدالّة على الموضع كأطلال لقصر يرجع بناؤه إلى العهد العباسي يعرف بين أبناء المنطقة بقصر علياء. وبقايا أسس مسجد الأئمة وباتجاه مكة في موضع منها


1) ([1]) معجم البلدان ج2 ص111 .

2) ([2]) مرآة الحرمين: ج2 ص203 .

الرابع: يلملم وهو لأهل اليمن(1).

الخامس: قرن المنازل(2) وهو لأهل الطائف.

يقال: عزور مسجد اخر لرسول اللّه(صلى الله عليه وآله).

ولم ينقل فيما بيدنا من مصادر وقوع الشك في تعيين موضعها عبر القرون ولا ضياع معالمها، ولا الالتباس في حدود موضعها ولا تلازم بين الخراب وكونها قد خربت في مدد مديدة لا يستلزم ضياع معالمها مادام الناسكين للعمرة والحج يتواترون على الاحرام منها شأنها شأن بقية المواقيت التي ليست هي مدن حاضرة ولا قرى حاضرة عامرة وانّما هي أودية صحاري، مضافاً إلى انّ طريق المدينة إلى مكة القديم المار برابغ لم يهجر من القوافل الحجيج الآتين من ميقات المدينة إلى عهد قريب حيث استحدث طريقاً آخر أقرب وأقصر مسافةً ومع ذلك لم يهجر الطريق القديم أبداً.

(1) وهو اسم جبل من جبال تهامة قيل يقع على مرحلتين من مكة بينهما ثلاثون ميلاً وهو يقارب ما يذكر في بعض المصادر الحديثة من انّ المسافة مائة كيلواً كما ان بجنبه وادي يسمّى باسمه.

(2) وهو في النصوص قرن المنازل. وفي النصوص انّه وقت أهل الطائف((1)). وفيها أيضاً انّه وقت لأهل نجد((2)) وفيها وقت لأهل اليمن((3))، وسياتي وجه الجمع في ذلك حيث انّ أحد معاني قرن المنازل كما ذكره الحموي هو الذي تجتمع فيه منازل القادمين إلى مكة من حجاج اليمن وأهل نجد، ومن جاء من قبل الخط وعمان وهجر والبحرين، والمهم في المقام تحديد الموضع وذلك باستعراض أقوال اللغويين والميدانيين وكتب التاريخ.


1) ([1]) ب1 ابواب المواقيت ح1 - ح5 .

2) ([2]) ب1 ابواب المواقيت ح6 .

3) ([3]) ابواب المواقيت ب1 ح7 وح8 .

بحث لغوي تاريخي

1 - فقد قال الفيروزابادي في القاموس قال: القرن أعلا الجبل والجبل الصغير أو قطعة تنفرد من الجبل. وجبل مطلّ على عرفات والحجر الأملس النقي وميقات أهل نجد وهي بلدة عند الطائف أو اسم الوادي كلّه، وغلط الجوهري في تحريكه وفي نسبة أويس القرني إليه لأنه منسوب إلى قرن بن ردمان ابن ناجية بن مراد أحد أجداده.

وقال قرن بوباة وادي يجيء من السرات.

2 - وقال ابن الأثير في النهاية في حديث المواقيت وقت لأهل نجد قرن وفي رواية انّ قرن المنازل هو اسم موضع يحرم منه أهل نجد وكثير ممّن لا يعرف يفتح راءه، وانّما هو بالسكون، ويسمّى أيضاً قرن الثعالب، وقد جاء في الحديث.

3 - وقال ابن فارس في مقايس اللغة أصلان صحيحان أحدهما يدلّ على جمع شيء إلى شيء والآخر شيء ينتىء بقوّة وشدّة.

4 - وقال ابن منظور في لسان العرب والقرن موضع هو ميقات أهل نجد ومنه أويس القرني قال ابن برى: قال ابن القطاع: قال ابن دريد في كتابه الجمهرة والقزاز في كتابه الجامع وقرن اسم موضع وقرن حياً من مراد من اليمن منهم أويس القرني منسوب اليهم، ثم حكى كلام ابن الاثير وحكى عنه هو بالسكون جبيل صغير، وقال قرن جبل معروف وقال الأصمعي القرن جبل مطلّ على عرفات.

5 - وقال الحموي في معجم البلدان قال الأصمعي جبل مطلّ بعرفات. وقال الغوري هو ميقات أهل اليمن والطائف يقال له قرن المنازل قال عمر بن أبي ربيعة:

ألم تسأل الربع أن ينطقا***بقرن المنازل قد أخلقا

وقال القاضي عياض قرن المنازل وهو قرن الثعالب بسكون الراء ميقات أهل نجد تلقاء مكة على يوم وليلة وهو قرن غير مضاف وأصله الجبل الصغير المستطيل المنقطع عن الجبل الكبير ورواه بعضهم بفتح الراء وهو غلط إنّما قرَنُ قبيل من اليمن.

وفي تعليق عن القابسي من قال قرن بالاسكان أراد الجبل المشرف على الموضع ومن قال قرن بالفتح أراد الطريق الذي يفترق منه فانّه موضع فيه طرق مختلفة مفترقة.

وقال الحسن بن مهلبي: قرن قرية بينها وبين مكة أحد وخمسون ميلاً وهي ميقات أهل اليمن بينها وبين الطائف ذات اليمين ستة وثلاثون ميلاً....وقال في شرح النخلة اليمانية واد يصب فيه يدعان وبه مسجد لرسول اللّه(صلى الله عليه وآله)وبه عسكرت هوازن يوم حنين ويجتمع بوادي نخلة الشامية في بطن مر وسبوحة وادي يصب في اليمامة على بستان ابن عامر وعنده مجتمع نخلتين وهو في بطن مرّ كما ذكرنا.

قال ابو زياد الكلبي نخلة واد من الحجاز بينه وبين مكة مسيرة ليلتين أحد الليلتين من نخلة يجتمع حاج اليمن ونجد ومن جاء من قبل الخط وعمان والبحرين مجتمع حاجهم بالبوباة وهي أعلا نخلة، وهي تسمى النخلة اليمانية وتسمّى النخلة الآخرى الشامية، وهي ذات عرق التي تسمّى ذات عرق، وأما أعلا نخلة ذات عرق فهي لبني سعد بن بكر الذين ارضعوا رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) وهي كثيرة النخل وأسفلها بستان ابن عامر وذات عرق التي يعلوها طريق البصرة وطريق الكوفة.

وقال في شرح البوباة موضع في وادي نخلة اليمانية عنده يكون مجتمع حاج البحرين واليمن وعمان والخط.

وعن الفاكهي في أخبار مكة قرن الثعالب جبل مشرف على أسفل منى بينه وبين مسجد منى ألف وخمسمائة ذراع وقيل له قرن الثعالب لكثرة ما يهوي إليه من الثعالب وروي عن ابن عباس انّه قال جمع من مفضى مأزمين إلى القرن الذي خلف وادي محسر.

6 - وقال البغدادي في المراصد قرن بالتحريك وآخره نون ميقات أهل نجد ومنه

أويس القرني قاله الجوهري وغيره يقول بسكون الراء وقرن جبل معروف به يوم للعرب وقرن بالفتح ثم السكون قيل هو سبعة أودية في اليمن وقيل جبل مطل في عرفات، وقرن المنازل وهو قرن الثعالب ميقات أهل نجد تلقاء مكة على يوم وليلة قال وقرن معيّة من مخاليف الطائف ومقصّ قرن مطل على عرفات.

وقال في ((النخلة الشامية)) ((نخلتان)) تثنية نخلة قيل من بستان بن عامر وشاملة نخلتان يقال منها النخلة اليمانية والنخلة الشامية وقال في ((النخلة الشامية)) وهي الأخرى واديان لهديل - وادي لهديل - على ليلتين من مكة مجتمعهما ببطن مروسبوحه وهو وادي يصب من الغمير واليمانية تصب من قرن المنازل وهو على طريق اليمن مجتمعهما البستان وهو بين مجامعهما فاذا اجتمعتا كانتا وادياً واحداً فيه بطن مر. وهذا النص بعينه ذكره الحموي في معجم البلدان.

7 - وقال الخليل في العين والقرن جبل صغير منفرد... وقال قرن حي من اليمن منهم أويس القرني.

وقال ابن السكيت الأهوازي في ترتيب اصلاح المنطق والقرن الجبيل الصغير.8 - وقال في هامش غريب الحديث((1)) عن الفائق((2)) بهامشه: ذات عرق ميقات اهل العراق وقرن ميقات اهل نجد ومساحتهما من الحرم سواء.

9 - وقال الجوهري في الصحاح: وكلّ نتو فهو القرن. وقال والقرن جبيل صغير منفرد. وقال: والقرن موضع وهو ميقات أهل نجد. وفي هامشه ذكر المصحح وحكى القاضي عياض عن القابسي انّ من سكن الراء أراد الجبل ومن فتح أراد الطريق((3)).

10 - وقال الاندلسي في معجم ما استعجم((4)) البوبات بفتح أوله واسكان ثانيه


1) ([1]) الغريب في اللغة ج4 ص228 .

2) ([2]) الفائق ج1 ص248 .

3) ([3]) الصحاح للجوهري ج6 ص218 .

4) ([4]) ج1 ص284 .

وبباء ثانية، على وزن فعلان ثنية في طريق نجد على قرن ينحدر منها راكبها إلى العراق، وقال ابو حنيفة: البوبات عقبة رمل كؤد على طريق من أنجد من حجاج اليمن، قال: ومطار: وادي بين البوبات وبين الطائف. وقال الهمداني: البوبات أرض منتحية من قرن إلى رأس وادي النخلة، بمقدار جبل نخلة((1)). وقال: والطريق إلى مكة من بستان بن عامر على قفيل وقفيل هي الثنية التي تطلعك على قرن المنازل، ثم جبال الطائف تلهزك عن يسارك وأنت تأمّ مكة متعاقدة وهي جبال حمر شوامخ أكثر نباتها القرن وجبال عرفات تتصل بها وفيها مياه كثيرة...

وقال قرن الثعالب جمع ثعلب موضع تلقاء مكة قال:

نصيب اجارتنا في الحج أيام***أنتم ونحن نزول عند قرن الثعالب

قال: نخلة على لفظة واحدة النخل موضع على ليلة من مكة وهي التي نسب اليها بطن نخلة وهي التي ورد فيها الحديث ليلة الجن.

وقال ابن ولاد هما النخلة الشامية والنخلة اليمانية فالشامية واد ينصب من الغمير واليمانية واد ينصب من قرن المنازل وهو طريق اليمن إلى مكة فاذا اجتمعا فكان واد واحد فهو المسد ثم يضمها بطن مرّ.

11 - قال الصالحي الشامي في سبل الهدى والرشاد: قرن الثعالب: بفتح القاف وسكون الراء وهو قرن المنازل ميقات نجد تلقاء مكة على يوم وليلة منها، وأصله الجبل الصغير المستطيل المنقطع من الجبل الكبير.وقال: ذكر مسير رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) من الطائف إلى الجعرانة. قالوا: خرج رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) من الطائف فأخذ على دحناء، ثم على قرن المنازل، ثم على النخلة، ثم خرج إلى الجعرانة وهو على عشرة أميال من مكة.


1) ([5]) الصحاح للجوهري ج6 ص218 .

أقول: هذا مما يعين كون قرن وادي السيل لأنه الذي يتصل بالنخلة المعروف بطريق اليمانية إلى مكة كما تقدم في المصادر السابقة، بخلاف المحرم فانّ طريقه إلى مكة إلى الهدى ثم الكرى ثم عرفات.

12 - وفي معجم البلدان أيضاً بستان ابن عامر وابن معمّر مجتمع النخلتين النخلة اليمانية والنخلة الشامية وهما واديان والعامة يسمونه بستان ابن عامر وهو غلط وهو الذي يعرف ببطن نخلة.

13 - وفي لسان العرب((1)) في مادة نخل قال: قال ابو منصور في بلاد العرب واديان يعرفان بالنخلتين.

14 - وعن البلادي((2)) قال: قرن المنازل علم مشهور في كتب الأدب، وهو ما يعرف اليوم باسم السيل الكبير بلدة عامرة على الطريق بين مكة والطائف المار بالنخلة اليمانية وهو ميقات أهل نجد.

15 - عن المطرزي في المغرب والقرن ميقات أهل نجد جبل مشرف على عرفات والفيومي في المصباح قرن بالسكون أيضاً ميقات أهل نجد وهو جبل مشرف على عرفات ويقال له قرن المنازل وقرن الثعالب ثم ذكر قال الجوهري وانه قد غلطوه وقال الصواب في الميقات السكون.

16 - وقال الأزرقي((3)) ومن مسجد منى إلى قرين الثعالب ألف ذراع وخمسمائة وثلاثون ذراعاً، وقال أيضاً عند بيان الاميال عن المسجد الحرام موضع الميل الخامس وراء قرين الثعالب بمائة ذراع وقال وموضع الميل الثاني عشر خلف الامام حيث يقف عشية عرفة على قرن يقال له النابت بينه وبين موقف النبي(صلى الله عليه وآله) عشرة


1) ([1]) لسان العرب ج11 ص653 مادة نخل.

2) ([2]) أودية مكة - ص181 .

3) ([3]) أخبار مكة ج2 ص185 .

أذرع فيما بين المسجد الحرام وبين موقف الامام بعرفة بريد سوى لا يزيد ولا ينقص((1)).

حصيلة البحث اللغوي والتاريخي:ويتحصّل من مجموع كلامهم عدّة شواهد على كون قرن المنازل هي السيل الكبير، وسنذكر بعدها الشواهد على كونه المحرم، وهي كالتالي:

الأول: تصريح الحموي والاندلسي والبغدادي انّ اليمانية تصب من قرن المنازل،والنخلة اليمانية قد عرفت من كلماتهم تقع على طريق مكة المعروف بطريق اليمانية، وهو الطريق المؤدي من وادي السيل الكبير إلى مكة.

الثاني: تصريح الصالحي في سبل الهدى في مسير رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) من الطائف إلى الجعرانة ذكر انّه أخذ على دحناء ثم قرن المنازل ثم النخلة ثم الجعرانة وقد أشار إلى ذلك الحموي أيضاً فيما نقلناه عنه في ((نخلة اليمانية)) وذكر أن به مسجداً لرسول اللّه(صلى الله عليه وآله)، وهو كما في الشاهد الأول يشير إلى طريق اليمانية.

الثالث: انّه قد ذكر في الروايات كما تقدم الاشارة إليه انّه ميقات أهل نجد واليمن كما هو ميقات لأهل الطائف، كما قد مرّ في كلمات اللغويين انّ في روايات العامة انّه(صلى الله عليه وآله) وقت لأهل نجد قرن المنازل. وقد عرفت في كلمات اللغويين والميدانيين كراراً انّ ملتقى حاج اليمن ونجد والطائف هو طريق النخلة اليمانية. والطريق الموجود حالياً من مدينة الرياض النجدية إلى مكة حيث يقترب لا يمر بالمحرم والهدي بل يمر على السيل الكبير، إلا انّ يتكلف بالدخول في الطائف ثم إلى الضواحي الجبلية ومنه إلى المحرم، وقد عرفت في كلمات قدامى اللغويين والميدانيين انّ ملتقى من يحج من المشرق كأهل نجد والخط وهجر والبحرين وعمان هو النخلة اليمانية.


1) ([4]) أخبار مكة ج2 ص 190 .

الرابع: ما نقله الحموي عن تعليق عن القابسي انّ من قال قرن بالاسكان أراد الجبل المشرف على الموضع، ومن قال قرن بالفتح أراد الطريق الذي يفترق منه فانّه موضع فيه طرق مختلفة مفترقة، وهذا يناسب تسمية القرن بالمنازل لأنه تجتمع فيه منازل الآتين من اليمن ونجد والخط والبحرين وغيرها، بل على تقدير الاسكان أيضاً وهو التقدير الأول في كلام القابسي فمراده من الموضع الذي يشرف عليه جبل قرن بالاسكان هو الوادي كلّه الذي يشمل السيل الكبير وهو معروف حالياً بوادي قرن وهو يقع بين سلسلة الجبال التي فيها محرم والهدى إلى السيل الكبير.

الخامس: قول الفيروز آبادي في القاموس في تعريفه له بأنه ميقات أهل نجد وهي عند الطائف أو اسم الوادي كلّه، ومرجع ضمير المؤنث ((وهي)) في كلامه هي القرية المعروفة اليوم بالسيل الكبير، وقد تقدمت الاشارة إلى ذلك في ما حكاه الحموي عن المهلبي: قرن قرية بينها وبين مكة أحد وخمسون ميلاً وهي ميقات أهل اليمن بينها وبين الطائف ذات اليمين ستة وثلاثونميلاً. فانّ قرية السيل يأخذ الخارج من الطائف ذات اليمين في المسير اليها بخلاف المحرم وادي هدى فانّه ذات اليسار.

السادس: قد عبّر غير واحد منهم بأن قرن ميقات أهل اليمن كالذي حكاه الحموي عن المهلبي، وكذا الذي حكاه غير الغوري حيث انّه ذكر انّه ميقات أهل اليمن والطائف، وكذا الذي حكاه ابن منظور من انّه ميقات أهل نجد.

وابن الأثير في النهاية والفيروزابادي في القاموس والجوهري في الصحاح وغيرهم لا ينطبق إلا على وادي السيل لأنه ممر طريق أهل اليمن من ناحية الشرق كما عرفت انّه ملتقى منازل طريق أهل نجد واليمن والقادمين من الطائف.

السابع: صريح عبارة الاندلسي حيث قال في وصف الطريق إلى مكة من بستان بن عامر الذي عرفت من كلماتهم انّه بطن نخلة اليمانية، أو قرب مجتمع النخلتين، قال على قفيل، وقفيل هي الثنية التي تطلعك على قرن المنازل ثم جبال الطائف تلهزك

عن يسارك وأنت تؤم مكة وهذا صريح منه انّ قرن المنازل يقع على ذات اليمين للمتّجه إلى مكة وهو الذي تقدم في كلام المهلبي بينما المحرم (الهدى) يقع على ذات اليسار...

وقال في وصف جبال الطائف التي تقع على اليسار: متعاقدة وهي جبال حمر شوامخ أكثر نباتها القرن، وجبال عرفات تتصل بها .

الشواهد على كونه المحرم ((الهدى)):

اشارة

فالأول: ما ذكره الأصمعي من انّه جبل مطل على عرفات وتكرر في كلماتهم الحكاية عنه بتأويل الاطلال بمعنى التأدية أي يؤدي إلى عرفات فيكون اشارة إلى الطريق الثاني من الطائف إلى مكة وهو المحرم والهدى وثم جبل كرا ثم عرفات.

الثاني: ما ذكره الحموي عن القابسي من انّ قرن بالاسكان هو الجبل المشرف على الموضع والمعروف في قراءة قرن المنازل هو كذلك.

الثالث: كون قرن في أهل اللغة هو النتوء وهو الجبيل الصغير المنفرد عن الجبل الكبير، ولا يخفى انّ المحرم فوق الجبل.

بل في تعبير الفيروزابادي انّ القرن هو أعلا الجبل كما هو الحال في المحرم الان فلعلّ المعنى يكون حينئذ لقرن المنازل أي المنزل الذي يعلو بقية المنازل في الارتفاع.

الرابع: قول المطرزي في المغرب والفيومي في المصباح انّه جبل مشرف على عرفات.

ولكن لا يخفى ما في هذه الشواهد من نظر:

أمّا الأول: كما ذكره الأصمعي من انّه جبل مطل على عرفات فليس في مقام تحديد الميقات ولا تحديد لفظة قرن المنازل وانّما هو في صدد تعيين أحد معاني

قرن من دون اضافة. ومن ثم جعلوا كلامه في مقابل المعاني الاخر لقرن والتي أحدها الميقات وقد تقدم في كلام الفاكهي والازرقي وغيرهما انّ قرن يطلق على جبل في عرفات، أي على حدودها كما قد يطلق على جبل خلف وادي محسر فمراده من الاطلال هو الذي ذكره الفاكهي والازرقي أي الاشراف على عرفات في ضمن حدودها لا الواقع على طريق الطائف إلى عرفات، وعليه يحمل الشاهد الرابع من كلام المطرزي والفيومي.

وأما الشاهد الثاني: من قول القابسي من انّ قرن بالاسكان هو الجبل المشرف على الموضع فقد عرفت اختلاف اللغويين واختلاف القراءة بل قد غلط القاضي عياض بالفتح وان بالفتح اسم قبيلة في اليمن مع أنّه على تقدير تماميته لا يضر بالمطلوب لأنه يكون الجبل حينئذ مطلاً على الموضع المزبور وهو السيل الكبير فيكون منتهى له.

وأما الشاهد الثالث: من كون أحد معانيه الجبل المنفرد عن الجبال وهو اسم جنس لا شرح اسم العلم ومن ثم غاير بينها الفيروزابادي مع انّ الموضع الحالي للمحرم والهدى، ليس على جبل صغير ولا جبل ناتىء من جبل كبير، بل هو ضمن سلسلة جبلية متعاقبة متّصلة بجبل كرى ثم جبال عرفات كما عرفت في عبارة الاندلسي.

ثم لا يخفى اختلاف قرن الثعالب عن قرن المنازل كما يدلّ عليه غير واحد ممّا تقدم نقله من كلماتهم فلاحظ. هذا والذي يهوّن الخطب في موضع محرم (الهدى) أنه محاذي لوادي السيل الكبير، فبناءاً على مسلك المشهور المنصور من صحة المحاذاة في كل المواقيت يصح الإحرام من (الهدى) المحرم، لأنه محاذي للسيل كما يتبين ذلك من الخرائط الدقيقة الجغرافية الحديثة، مضافاً إلى قرب كونه من حدود منطقة قرن المنازل، كما هو الحال في جبل يلملم وواديه. وقد مرّ في أوائل

السادس: مكة: وهي لحج التمتع(1).

المواقيت صحة الاحرام من حدود وتوابع الوقت بعد كون المراد من الاحرام منها بمعنى الابتداء لا الظرفية وسيأتي تتمة له في المحاذاة.

(1) حيث انّه ورد في الروايات لزوم الاحرام من مكة كميقات لإحرام حج التمتع فذكر فيها وجهان:

الأول: تعين مكة القديمة باعتبار انّه القدر المتيقن وهو مقتضى الأصل العملي عند التردد في حد الميقات كما حررناه في بحث المواقيت.

الثاني: هو الاكتفاء بصدق عنوان مكة كلما اتسعت لصدق العنوان.

وقد حرر البحث أخيراً بالترديد بين كون العنوان المأخوذ كموضوع هل هو بنحو القضية الخارجية الشخصية الجزئية أو هو بنحو القضية الحقيقية، فإن كان من قبيل الأول فلا محاليتعيّن الأول كما هو الحال في بقية المشاعر كمنى وعرفات ومزدلفة، وإن كان بالنحو الثاني فتتسع بحسب صدق العنوان كما هو الحال في أحكام المسجد الحرام وأحكام المسجد النبوي الخاصّة، وحيث تردد في انّها مأخوذة بأي نحو تصل النوبة إلى الأصل العملي المتقدم آنفاً.

لكن الصحيح عدم وصول النوبة إلى الشك وكون مكة هي القديمة، والوجه في ذلك انّ مكة حيث اتخذت ميقاتاً ومقتضاه التوقيت المستلزم للتحديد والتعيين كما هو الشأن في كل المواقيت والمشاعر كعرفات ومنى ومزدلفة، ومن ثم يكون الحدّ هي مكة في عهد رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) لا في عهد الأئمة، فكونها ميقاتاً هو الشاهد على أخذهما بنحو القضية الخارجية كما هو في بقية المواقيت، ويشهد لذلك أيضاً بوضوح ما ورد في قطع التلبية في صحيحة معاوية بن عمّار((1)) حيث انّ القطع بنحو العزيمة مأخوذ في موضوعه كغاية الوصول إلى مكة، وهو نحو من التوقيت ومع ذلك


1) ([1]) ب43 من ابواب الاحرام .

السابع: دويرة الأهل، أي المنزل، وهي لمن كان منزله دون الميقات إلى مكّة، بل لأهل مكّة أيضاً على المشهور الأقوى وإن استشكل فيه بعضهم فانّهم يحرمون لحجّ القران والإفراد من مكّة، بل وكذا المجاور الذي انتقل فرضه إلى فرض أهل مكّة، وإن كان الأحوط إحرامه من الجعرانة وهي أحد مواضع أدنى الحلّ، للصحيحين الواردين فيه، المقتضى اطلاقهما عدم الفرق بين من انتقل فرضه أو لم ينتقل، وإن كان القدر المتيقّن الثاني، فلا يشمل ما نحن فيه، لكن الأحوط ما ذكرنا عملاً باطلاقهما، والظاهر انّ الاحرام من المنزل للمذكورين من باب الرخصة، وإلا

لم تكن بنحو القضية الحقيقية بل بنحو القضية الخارجية كما تشير إليه الصحيحة ((إذادخلت مكة وأنت متمتع ونظرت إلى بيوت مكة فاقطع التلبية وحد بيوت مكة التي كانت قبل اليوم عقبة المدنيين فإن الناس قد أحدثوا بمكة ما لم يكن فاقطع التلبية)) فإن تحديده ابتداءاً وان كان لغاية التلبية، إلا أنه - عليه السلام - أخذ بعد ذلك في بيان حد مكة في نفسه مستقلاً عن وقوعها غاية للتلبية كما يشهد بذلك التعليل ولفظ ((الحد)) كل ذلك دال على كونها كميقات هي بذلك الحد، سواء في حكم التلبية أو الاحرام أو غيرها. وكذا صحيح محمد بن أبي نصر((1)) أنّه - عليه السلام - سئل عن المتمتع متى يقطع التلبية فقال: ((إذانظر إلى عراش مكة عقبه ذي طوى)) وفي روايات أخرى في الباب تفسير عروش مكة أنّها ذي طوى لا بيوت الأبطح ويتضح من ذلك انّ عنوان مكة الذي هو مأخوذ كميقات للتلبية ان هذا الميقات جزئي خاص، وأن عنوان مكة المأخوذ لأحكام أخرى هو كذلك في بقية الأحكام وإلا لو كان عنوان مكة كقضية حقيقية عند الشارع في أحكام الحج لكان الحال كذلك في التلبية بطريق أولى.

نعم الطبع الاولي في العناوين وإن كان الأخذ بها حيثما صدقت، إلا انه يرفع اليد عن ذلك في المقام لوجود الشاهد على أخذه بنحو القضية الجزئية كعلم لحدّ خاص


1) ([2]) الباب السابق، الحديث 4 .

فيجوز لهم الاحرام من أحد المواقيت، بل لعله أفضل، لبعد المسافة وطول زمان الاحرام(1).

وهو التوقيت، مضافاً إلى ظهور الروايات المتقدمة في تصديها للحكومة التفسيرية للموضوع في نفسه، لا انّه تقييد للموضوع بلحاظ حكم التلبية.

هذا، وفي صحيح حماد قال: ((سألت ابا عبدالله - عليه السلام - عن أهل مكة أيتمتعون؟ قال: ليس لهم متعة، قلت: فالقاطن بها، قال، إذا أقام بها سنة، أو سنتين صنع صنع أهل مكة، قلت: فإن مكث الشهر، قال: يتمتع، قلت: من أين؟ قال: يخرج من الحرم، قلت: من أين يهل بالحج؟ قال: من مكة نحواً مما يقول الناس))((1)) وصحيح الحلبي عن أبي عبدالله - عليه السلام - - في حديث - ((قلت: فالقاطنين بها، قال: إذا أقاموا سنة أو سنتين صنعوا كما يصنع أهل مكة فاذا أقاموا شهراً فإن لهم أن يتمتعوا، قلت: من أين؟ قال: يخرجون من الحرم، قلت: من أين يهلّون بالحج؟ فقال: من مكة نحواً مما يقول الناس))((2)).

(1) والكلام تارة حول من كانت دويرة أهله بين المواقيت البعيدة ومكة، وأخرى في ميقات أهل مكة والحرم.

أما الأول: فلا خلاف فيه في كون دويرية أهله ميقاتاً له نصوصاً وفتوى، إلا ما يحكى عن المحقق في المعتبر من أن المعتبر القرب إلى عرفات، وتمايل إليه في المسالك في احرام الحج، ويدفعه اطلاق النصوص لأنواع الحج وللعمرة وللنائي والحاضر من غير أهل مكة.

منها صحيح معاوية بن عمّار، عن أبي عبداللّه - عليه السلام - قال: ((من كان منزله دون الوقت إلى مكة فليحرم من منزله))((3)).

ومنها معتبرة مسمع، عن أبي عبداللّه - عليه السلام - قال: ((إذاكان منزل الرجل دون ذات عرق


1) ([1]) ابواب أقسام الحج ب 9 / 7 .

2) ([2]) ابواب أقسام الحج ب 9 / 3 .

3) ([3]) ب17 ابواب المواقيت ح1 .

إلى مكة، فليحرم من منزله))((1)).ومثلها مرسلة الشيخ((2)) ونظيره في معتبرة أبي سعيد إلا أن فيها ((من كان منزله دون الجحفة قال يحرم منه))((3)).

وغيرها من الروايات في الباب، مضافاً إلى أن ما ذكره المحقق من التظني بالمناط اذ ليس في ظهور الروايات ما يفيد انّ المدار على القرب من مكة في مقابل قرب عرفات، وانّما الذي فيها من كان دون المواقيت باتجاه مكة، أي انّه داخلاً في دائرة احرام المواقيت والتي سيأتي في بحث المحاذاة أنّ هذه الروايات أحد عمدة الأدلّة على تحديد تلك المنطقة.

وأما الثاني: ميقات أهل مكة فقد حكي عن المشهور بل ربّما قيل بنفي الخلاف فيه انّ ميقاتهم منازلهم في كل النسك، إلا انّه ذهب غير واحد من أعلام هذا العصر الى انّ ميقاتهم هو أدنى الحل، وانّ المجاور ميقاته بعد السنتين كذلك.

وقد ذهب أهل سنة الجماعة الى التفصيل بين العمرة والحج فقالوا بأدنى الحل في الأول، وبمنزلهم في الثاني، وعللّوا ذلك بأن الاحرام لابد من مروره في الحل والحرم وهو غير حاصل في العمرة إلا بأدنى الحل بخلافه في الحج. وقد استدلّ للمشهور باطلاق الروايات السابقة الشامل لأهل مكة ومثلها مرسلة الصدوق قال: ((وسئل الصادق - عليه السلام - عن رجل منزله خلف الجحفة من أين يحرم؟ قال: من منزله))((4)).

واشكل على الاطلاق المزبور بأن مقتضى التعبير بمن كان دونهن الى مكة هو الاقتصار على من كان فيما بين الحدين فلا يشمل أهل مكة، وكذلك التعبير في المرسل ((بدون الجحفة)) فانّه ظاهر في ذلك أيضاً لاسيّما وانّ احتمال مدخلية كون


1) ([4]) ب17 ابواب المواقيت ح3 .

2) ([1]) ب17 ابواب المواقيت ح2 .

3) ([2]) الباب السابق ح4 .

4) ([3]) ابواب المواقيت ب17 / 9 .

الدويرية في الحل مما هو دون المواقيت لا في الحرم معتد به، فلا يمكن رفع اليد عن ظهور الاستعمال في البينيّة بدعوى كون التعبير كنائياً شاملاً لمن كان دون المواقيت سواء كان في الحل أو الحرم، مضافاً الى ورود الروايات الخاصّة الدالّة على كون ميقاتهم أدنى الحل كصحيحة عبداللّه بن مسكان عن ابراهيم بن ميمون وقد كان ابراهيم بن ميمون تلك السنة معنا بالمدينة قال: قلت لأبي عبداللّه - عليه السلام - انّ اصحابنا مجاورون بمكة وهم يسألوني لو قدمت عليهم كيف يصنعون؟ فقال: ((قل لهم: اذا كان هلال ذي الحجة فليخرجوا الى التنعيم فليحرموا وليطوفوا بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم يطوفوا فيعقدوا بالتلبية عند كل طواف. ثم قال: أما أنت فانّك تمتع في أشهر الحج وأحرم يوم التروية من المسجد الحرام))((1)).وصحيحة عبدالرحمن بن الحجاج قال: ((قلت لأبي عبداللّه - عليه السلام - اني أريد الجوار بمكة فكيف أصنع؟ فقال: اذا رأيت الهلال هلال ذي الحجة فاخرج الى الجعرانة فاحرم منها بالحج، الى أن قال: انّ سفيان فقيهكم أتاني فقال: ما يحملك على أن تأمر أصحابك يأتون الجعرانة فيحرمون منها، قلت له: وقت من مواقيت رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) فقال: وأي وقت من مواقيت رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) هو؟ فقلت: احرم منها حين قسم غنائم حنين ومرجعه من الطائف، فقال: انّما هذا شيء أخذته عن عبدالله بن عمر كان اذا رأى الهلال صاح بالحج، فقلت: اليس قد كان عندكم مرضياً، فقال: بلى ولكن أما علمت انّ أصحاب رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) احرموا من المسجد فقلت: انّ اولئك كانوا متمتعين في أعناقهم الدماء، وانّ هؤلاء قطنوا مكة فصاروا كأنهم من أهل مكة، وأهل مكة لا متعة لهم، فأحببت أن يخرجوا من مكة الى بعض المواقيت وان يستغبوا به أيّاماً، فقال لي وأنا أخبره أنها وقت من مواقيت رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) يا أبا عبدالله فاني أرى لك أن لا تفعل، فضحكت وقلت: ولكني أرى لهم أن يفعلوا فسأل عبدالرحمن عمن معنا من النساء كيف يصنعن...))


1) ([4]) ابواب أقسام الحج ب 9 ح4 .

الحديث((1)).

وصحيحة أبي الفضل قال: ((كنت مجاوراً بمكة فسألت أبا عبداللّه - عليه السلام - من أين أحرم بالحج؟ فقال: من حيث أحرم رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) من الجعرانة أتاه في ذلك المكان فتوح فتح الطائف وفتح خيبر والفتح فقلت: متى أخرج؟ قال: ان كنت صرورة فاذا مضى من ذي الحجة يوم فاذا كنت قد حججت قبل ذلك فاذا مضى من الشهر خمس))((2)).

وفي الصحيح الى حريز عمّن أخبره عن أبي جعفر - عليه السلام - قال: ((من دخل مكة بحجة عن غيره ثم أقام سنة فهو مكي، فاذا أراد أن يحج عن نفسه أو أراد ان يعتمر بعدما انصرف من عرفة فليس له أن يحرم من مكة، ولكن يخرج الى الوقت وكلّما حوّل - حوله - رجع الى الوقت))((3)).

وهذه الروايات مطلقة في المجاور سواء أقام السنتين أم لا، بل هي صريحة في من أقام كذلك، وذلك لتنزيل المجاورين منزلة أهل مكة كما في صحيحة عبدالرحمن الحجاج وصحيح الحلبي في نفس الباب، مضافاً الى انّ المجاور قبل سنتين اذا أراد أن يحرم لحج التمتع فعليهالذهاب للمواقيت البعيدة دون التنعيم والجعرانة وأدنى الحل، وان كان احرامه لحج الافراد فقد افترض انقلاب فرضه.

ثم انّ المتحصل من هذه الروايات هو كون ميقاتهم أدنى الحل لا خصوص الجعرانة.

ولا خصوص التنعيم لما في تعليله - عليه السلام - في صحيحة عبدالرحمن بن الحجاج.

كما انّه ينبغي استثناء احرام عمرة التمتع بتقييده على مرحلتين من مكة لما تقدم في ماهيّة حج التمتع وسيأتي له تتمة في بحث المحاذاة، فمن كانت دويرية أهله


1) ([1]) ابواب أقسام الحج ب 9 ح5 .

2) ([2]) الباب السابق ح6 .

3) ([3]) الباب السابق ح9 .

الثامن: فخّ، وهو ميقات الصبيان في غير حج التمتع عند جماعة بمعنى جواز تأخير احرامهم إلى هذا المكان، لا أنه يتعيّن ذلك، ولكن الأحوط ما عن آخرين من وجوب كون احرامهم من الميقات، لكن لا يجرّدون إلا في فخّ، ثم انّ جواز التأخير على القول الأول انّما هو إذا مرّوا على طريق المدينة، وأما إذا سلكوا طريقاً لا يصل إلى فخّ فاللازم احرامهم من ميقات البالغين(1).

دون الثمانية واربعين ميلاً فعليه الابتعاد بقدر ذلك في عمرة التمتع.

(1) وهو المنسوب للمشهور خلافاً لما حكي عن الكركي وجماعة من أعلام العصر من انّه يؤخر تجريد الثياب الى ذلك الموضع دون عقد الاحرام ولكن لم نجد في الكلمات بقدر من التتبع التفصيل بين أنواع الحج كما في المتن بل ظاهر اطلاق الكلمات شموله العمرة أيضاً وكذا النصوص.

وفخ على فرسخ من مكة القديمة، وأما حالياً فهو داخل مكة الجديدة، واقع في حي الزاهر المتصل بالتنعيم، فيقع على حدّ الحرم، وهو الموضع الذي قتل فيه الحسين بن علي بن الحسن المثنى بن أمير المؤمنين - عليه السلام -.

أما الروايات الواردة فصحيح معاوية بن عمّار عن أبي عبداللّه - عليه السلام - قال: ((انظروا من كان معكم من الصبيان فقدموه الى الجحفة أو الى بطن مر ويصنع بهم ما يصنع بالمحرم، ويطاف بهم ويرمى عنهم، ومن لا يجد الهدي منهم فليصم عنه وليه))((1)).

وصحيح أيوب أخي أديم قال: ((سئل ابو عبداللّه - عليه السلام - من أين يجرّد الصبيان؟ قال: كان أبي يجردهم من فخ))((2)).

والموثق الى يونس بن يعقوب عن أبيه قال: ((قلت لأبي عبداللّه - عليه السلام - انّ معي صبية صغار وأنا أخاف عليهم البرد فمن أين يحرمون؟ قال: ائت بهم العرج فليحرموا منها فانك اذا


1) ([1]) ابواب أقسام الحج ب 17 ح3 .

2) ([2]) الباب السابق ح6.

أتيت بهم العرج وقعت في تهامة، ثم قال: فان خفت عليهم فأت بهم الجحفة))((1)).

وفي قرب الاسناد روى عقب ذلك رواية اخرى وسألته عن الصبيان هل عليهم احرام، وهل يتقون ما يتقي الرجال؟ قال: ((يحرمون وينهون عن الشيء يصنعونه مما لا يصلح للمحرم أن يصنعه، وليس عليهم فيه شيء))((2)).

وبطن مر موضع بين مكة وعسفان يقع على مرحلة من مكة، والعرج موضع بين الجحفة وذي الحليفة، ومقتضى رواية يونس كون الحكم للضرورة والاضطرار خوفاً على الصبيان، ومقتضاه التعميم لغير طريق المدينة الى مكة كطريق العقيق وقرن المنازل ويلملم ويعضده كون فخ تقع على حدّ الحرم أي ادنى الحل مما يصلح أن يكون كناية عن ادنى الحل فلا يختص بفخ وطريق المدينة المؤدي اليه. مضافاً الى انّ ظاهر السؤال عن الصبيان وعنوانه ظاهر في عجزهم من دون تخصيص ذلك بطريق المدينة إلى مكة، ومنه يظهر التعميم. وقد استظهر من تخصيص السؤال بتجريد الصبيان دون عقد الاحرام تخصيصه بجواز لبس المخيط دون تأخير عقد الاحرام اقتصاراً في رفع اليد عن مقتضى القاعدة والعمومات على القدر المتيقن من الدلالة، مضافاً الى انّه مقتضى أصالة التعيين عند الشك والدوران بينه وبين التخيير.

وفيه: انّ التقديم الى الجحفة ظاهر في صحيحة معاوية بن عمار في عقد الاحرام لأنها ميقات، وكذلك التعبير فيها ((يصنع بهم ما يصنع بالمحرم)) مضافاً الى انّ التعبير بالتجريد قد ورد في روايات المواقيت كميقات العقيق المتقدم مما كني به عن عقد الاحرام لأنه شرط فيه على قول، أو انّه أبرز مقارناته بحسب النص والعمل الخارجي. مضافاً الى صراحة موثقة الى يونس بن يعقوب حيث عبّر فيها ((بالاحرام من العرج)) وفي صحيحة عبدالرحمن بن الحجاج ((فاحرموا عنه وجردوه وغسلوه كما يجرد


1) ([1]) الباب السابق ح7 .

2) ([2]) الوسائل ابواب المواقيت ب 18 ح2، قرب الاسناد باب الحج والعمرة ص 105 الطبعة القديمة.

التاسع: محاذاة أحد المواقيت الخمسة، وهي ميقات من لم يمرّ على أحدها، والدليل عليه صحيحتا ابن سنان، ولا يضر اختصاصهما بمحاذاة مسجد الشجرة بعد فهم المثالية منهما، وعدم القول بالفصل، ومقتضاهما محاذاة أبعد الميقاتين إلى مكّة إذا كان في طريق يحاذي اثنين، فلا وجه للقول بكفاية أقربهما إلى مكة، وتتحقق المحاذاة بأن يصل في طريقه إلى مكّة إلى موضع يكون بينه وبين مكّة باب

المحرم))((1)) مع انّ الحرج على الصبيان لا يقتصر على تجريدهم من المخيط بل كذلك التظليل وبقية التروك. نعم قد يقال انّ ظاهر الروايات كون ذلك للحرج والمشقة فاللازم عند دوران الأمربين رافعية الميقات أو التروك هو تعين الثاني لورود النصوص بتسويغها في موارد الحرج في الكبار دون تأخير الاحرام عن الميقات.

لكن مبتدء السؤال في الروايات عن تجريد الصبيان لا يمكن حمله على غير عقد الاحرام إلا مع فرض وجود ارتكاز لدى السائل بذلك اجمالاً وانّ مصبّ السؤال عن تحديد موضع غاية جواز لبس المخيط، نظير ما ورد في ميقات العقيق من انّه يعقد احرامه ويلبس المخيط ثم ينزعه في ذات عرق، لكن كل ذلك خلاف الظاهر ولا شاهد على وجود ذلك الارتكاز. بل لو أريد من السؤال خصوص لبس المخيط لا تأخير عقد الاحرام لكانت صيغة السؤال عن جواز لبس الصبيان للمخيط لمفروغية لزوم تجريدهم عن المخيط حين العقد وإن لم نقل بالشرطية وبنينا على الوجوب المستقل، فكل ذلك مما يدعم قول المشهور.

ويؤيده ما في صحيحة عبدالرحمن بن الحجاج ((اذا كان يوم التروية فاحرموا عنه وجردوه وغسلوه كما يجرد المحرم)) فانّ ظاهرها الحج به حج افراد لا حج تمتع، وان الاحرام به من داخل مكة أو ادنى الحل بناءً على عدم تعرضها للميقات. وعلى أي تقدير هي دالّة على جواز تأخير الاحرام للصبيان عن المواقيت البعيدة، ولعلّه لذلك


1) ([3]) ب17 أقسام الحج ح1 .

وهي بين ذلك الميقات ومكّة بالخطّ المستقيم، وبوجه آخر أن يكون الخط من موقفه إلى الميقات أقصر الخطوط في ذلك الطريق، ثم انّ المدار على صدق المحاذاة عرفاً، فلا يكفي إذا كان بعيداً عنه فيعتبر فيها المسامتة كما لا يخفى، واللازم حصول العلم بالمحاذاة إن أمكن، وإلا فالظن الحاصل من قول أهل الخبرة، ومع عدمه أيضاً فاللازم الذهاب إلى الميقات أو الاحرام من أول موضع احتماله واستمرار النيّة والتلبية إلى آخر مواضعه، ولا يضرّ احتمال كون الاحرام قبل الميقات حينئذ، مع أنه لا يجوز، لأنه لابأس به إذا كان بعنوان الاحتياط، ولا يجوز اجراء أصالة عدم الوصول إلى المحاذاة، أو أصالة عدم وجوب الاحرام، لأنهما لا يثبتان كون ما بعد ذلك محاذاة، والمفروض لزوم كون انشاء الاحرام من المحاذاة، ويجوز لمثل هذا الشخص أن ينذر الاحرام قبل الميقات فيحرم في أول موضع الاحتمال أو قبله على ما سيأتي من جواز ذلك مع النذر، والأحوط في صورة الظن أيضاً عدم الاكتفاء به، وإعمال أحد هذه الأمور، وإن كان الاقوى الاكتفاء، بل الأحوط عدم الاكتفاء بالمحاذاة مع امكان الذهاب إلى الميقات، لكن الاقوى ما ذكرنا من جوازه مطلقاً، ثمّ ان أحرم في موضع الظن بالمحاذاة ولم يتبيّن الخلاف فلا اشكال، وإن تبيّن بعد ذلك كونه قبل المحاذاة ولم يتجاوزه أعاد الاحرام، وإن تبيّن كونه قبله وقد تجاوز أو تبيّن كونه بعده فإن أمكن العود والتجديد تعيّن، وإلا فيكفي في الصورة الثانية ويجدد في الاولى في مكانه، والأولىالتجديد مطلقاً، ولا فرق في جواز الاحرام في المحاذاة بين البرّ والبحر ثم انّ الظاهر أنه لا يتصور طريق لا يمرّ على ميقات، ولا يكون محاذياً لواحد منها، اذ المواقيت محيطة

ذهب جماعة كما حكى الماتن الى تخصيص جواز تأخير الاحرام لغير التمتع، لكن قد عرفت دلالة بقية الروايات على التمتع أيضاً. لكن دلالتها على جواز تأخير الاحرام غير مدفوعة.

بالحرم من الجوانب فلابد من محاذاة واحد منها، ولو فرض امكان ذلك فاللازم الاحرام من أدنى الحلّ وعن بعضهم أنه يحرم من موضع يكون بينه وبين مكّة بقدر ما بينها وبين أقرب المواقيت اليها وهو مرحلتان، لأنه لا يجوز لأحد قطعه إلا محرماً، وفيه أنه لا دليل عليه، لكن الأحوط الاحرام منه وتجديده في أدنى الحلّ(1).

(1) البحث في المقام بحسب مقتضى القاعدة الأولية في المواقيت والاحرام بلحاظ العموم الفوقاني أو الأصل العملي، وأخرى بحسب الروايات الواردة في المحاذاة أو الواردة في مسائل اخرى من أحكام المواقيت لكنها تدلّ بالالتزام على ذلك.

وقبل الخوض في ذلك لابد من الالتفات الى أمور كأصول موضوعه يأتي التدليل عليها في محلها من أحكام المواقيت.

منها: انّه لا يجب سلوك طريق يمرّ على المواقيت، كما ذهب اليه الأكثر ان لم يكن جلّهم.

ومنها: انّه قد ورد عموم بعدم دخول الحرم إلا باحرام من دون تقييد بميقات بعيد أو أدنى الحل، وهذا العموم بمنزلة العموم الفوقاني من الدرجة الأولى، وقد تمسك به جماعة من المتأخرين ومن متأخري الأعصار في اجزاء الاحرام من ادنى الحل لمن سلك طريقاً لا يمر على ميقات من المواقيت البعيدة ولا يحاذيها، بناء على اختصاص المحاذاة بالمحاذاة القريبة.

ومنها: ما تقدم من كون ميقات مسجد الشجرة هو الوادي لا خصوص المسجد، وقد تقدم انّ الاحرام من مواقيت خمسة محتمل لأن يكون بمعنى المبدأ والحد لنشوء الاحرام كما يدعم ذلك بما ورد ((الاحرام من مواقيت خمسة وقتها رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) لا

ينبغي لحاج ولا لمعتمر أن يحرم قبلها ولا بعدها))((1))، فالقبلية والبعدية لبيان الحد، نظير التعبير ب- ((لا يجاوزها)) لا بمعنى الظرفية.

ومنها: ذهبت الحنابلة من العامّة إلى المحاذاة كميقات مطلقاً استناداً لفعل عمر حيث وقت ذات عرق لأهل نجد والعراق محاذاةً لقرن المنازل حسب زعمهم، والغريب أنهم رووا أن ذاتعرق وقتها رسول اللّه(صلى الله عليه وآله)، وهو الظاهر من الحنفية، كما انّهم بنوا على أن الاحرام لابد أن يجمع فيه بين الحل والحرم، كما انّهم لا يجوزون الاحرام من ادنى الحل اختياراً بل لابد من المواقيت البعيدة أو محاذاتها لأن الاحرام مبني على العناء والمشقة.

ومنها: أن أول من نص على المحاذاة عندنا الشيخ في كتبه ثم تبعه ابن ادريس والفاضلان ولم يذكرها المفيد في المقنعة والصدوق في كتبه ولا ابن البراج في مهذبه وابن سلاّر في مراسمه. نعم ذكرها الشهيدان والنراقي في المستند والفاضل الاصفهاني في الكشف واستشكل فيها في المدارك والحدائق وجمع من متأخري هذا العصر.

هذا وتنقيح الكلام عبر جهات:

الجهة الأولى

الجهة الأولى: في تقرير مفاد العمومات الواردة في المواقيت الخمسة التي نسبتها مع العموم المتقدم بعدم دخول الحرم إلا محرماً أخص مطلقاً، فهو من الدرجة الثانية وتلك الروايات الواردة على ألسن:

اللسان الأول: بلفظ ((لا تجاوزها إلا وأنت محرماً)) كصحيح معاوية عن أبي عبداللّه - عليه السلام -قال: ((من تمام الحج والعمرة أن تحرم من المواقيت التي وقتها رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) لا تجاوزها إلا وأنت محرم، فانّه وقت لأهل العراق ولم يكن يومئذ عراق بطن العقيق من قبل أهل العراق


1) ([1]) ابواب أقسام الحج ب1 ح3 .

ووقت لأهل اليمن يلملم، ووقت لأهل الطائف قرن المنازل، ووقت لأهل المغرب الجحفة وهي مهيعة ووقت لأهل المدينة ذا الحليفة، ومن كان منزله خلف هذه المواقيت مما يلي مكة فوقته منزله))((1)).

وهذا اللسان يحتمل معنيان:

المعنى الأول: ما هو المعروف بين الأصحاب استظهاره، وهو عدم جواز الاحرام بعدها وقبلها للمار عليها.

المعنى الثاني: عدم تجاوز محيط الدائرة أو الخط المحيط المرسوم بنقاط المواقيت البعيدة، فلابد من الاحرام منها أو محاذيها بنحو لا يتجاوزها إلى الداخل باتجاه مكة المكرمة، فيكون مثل هذا اللسان بنفسه دليلاً على جواز المحاذاة مطلقاً لمواقيت منصوبة، ويشهد إلى الثاني عدة قرائن:

منها: انّ مادة التجاوز في الاستعمال الدارج والوضع اللغوي هي في الأعم من التخطي للشيء عبوراً منه أو ما يحاذيه فيقال تجاوزه أيضاً .ومنها: انّ ذكر المواقيت بنحو محيط بأطراف مكة بنحو مجموعي هو بنفسه يشكل محيط واحاطة فيكون عدم تجاوز المضاف للمجموع ظاهراً في ذلك.

ومنها: قوله - عليه السلام - في ذيل ((ومن كان منزله خلف هذه المواقيت مما يلي مكة فوقته منزله)) وهذا يعم من كان دون مسجد الشجرة من المدن والقرى التي لا يمر طريقها على الجحفة وكذا بقية المدن الأخرى التي هي دون المواقيت وإن لم يمرّ طريقها على الطريق الآتي من المواقيت التي باتجاه مكة المكرمة، فالخلف هاهنا مما يلي مكة هو كل نقطة داخل المحيط المرسوم من المواقيت البعيدة وان لم تكن دون على الخط المستقيم الخارج من الميقات إلى مكة، فهذه المقابلة لا تتم إلا مع فرض خط محيط


1) ([1]) ب1 أبواب المواقيت ح2 .

مار بالمواقيت يقال لما قبله قبل وأمامه وما بعده بعد وخلف، وهذه القرينة هي وجه مستقل برأسه على عموم المحاذاة.

ومنها: انّ الاحرام قبل دخول الحرم ومكة انّما هو انشاء الالتزام بالتروك والتحريم لمجموعة أفعال استعداداً لدخول الحرم واتيان الأعمال، وكان في الشرائع السابقة كما يظهر من بعض الروايات أن موسى - عليه السلام - قد أحرم من رملة مصر - تحمل المشقة فيه من مسافات أبعد، بل انّ أحد وجوه تصحيح نذر الاحرام قبل الميقات هو كونه عبادة ذاتية يرتفع مانع الرجحان بالنذر، وكذا الاحرام قبل الميقات لخوف فوت عمرة رجب، وهذا المعنى في الاحرام يناسب تحديد المسافة بنحو الاحاطة.

وقد ورد في موثق حنان بن سدير في احرام زياد الاحلام((1)) وأبي حمزة الثمالي الذين أحرما قبل الميقات بخلاف صاحبيهما، انّه قال - عليه السلام - لصاحبيهما ((أصبتما الرخصة واتبعتما السنّة، ولا يعرض لي بابان كلاهما حلال إلا أخذت باليسير وذلك أن اللّه يسير يحب اليسير ويعطي على اليسير ما لا يعطي على العنف)) مما يظهر منه كون الاحرام قبل الحرم من تحمل المشقة قبل الأعمال، فهذا المعنى يناسب تحديد الدائرة بنحو محيط أيضاً، لا بنحو كون المواقيت البعيدة بوابات يتعين الاتجاه إلى مكة من خلالها، لاسيماذلك في موارد من قبيل أهالي جدة المقيمين فيها أو أهالي حدا - التي تقع بين مكة وجدة - ونحوها مما لا يمرون على ميقات، ولا يلتزم فيهم ان ميقاتهم أدنى الحل. ومن ذلك ترى انّ ارتكاز العامّة في هذه الأعصار هو على جعلها محاذية لكل من يلملم والجحفة كما ذهب إليه ابن ادريس منّا.

هذا والمحصل من هذا اللسان هو عدم تجاوز الدائرة المحيطة لا تعين المرور على المواقيت، للتعبير المستفاد منها ومن غيرها وأن ما صنعه الثاني من ابتداع


1) ([1]) ابواب المواقيت ب 11 ح7 .

توقيت ذات عرق آخر وادي العقيق - بذريعة انّ أهل نجد أو العراق طلبوا منه وقتاً غير قرن لأنه جوراً في طريقهم أي مائلاً عنه كما روته العامّة كالبخاري فوقّت لهم ذلك وتذرعوا لتوجيهه بأنه لم يعلم بتوقيت الرسول (صلى الله عليه وآله) للعقيق وانّه وقت ما يحاذي قرنا - فخطّأوه لفعله من جهة الابتداع لا من جهة المحاذاة حيث انّ المحاذاة لابد من حصولها لمن يمر على ميقات العقيق.

اللسان الثاني: بلفظ ((ليس لأحد ان يعدو من هذه المواقيت لغيرها)) كما في صحيح علي بن جعفر عن أخيه - عليه السلام - قال: سألته عن المتعة في الحج من أين احرامها واحرام الحج؟ قال: ((وقت رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) لأهل العراق من العقيق، ولأهل المدينة ومن يليها من الشجرة، ولأهل الشام ومن يليها من الجحفة، ولأهل الطائف من قرن، ولأهل اليمن من يلملم فليس لأحد أن يعدو من هذه المواقيت إلى غيرها))((1)).

فالظاهر منها هو تعين المرور عليها لأن المراد من العدو منها إلى غيرها ليس مجرد التجاوز بنحو مطلق بل هو تركها واتخاذ غيرها وتخصيص هذا الظهور ونحوه مما ورد في الروايات بالمار أو بالأهالي المذكورين فيها، يدفعه ما نصّ في هذه الروايات على انّ التوقيت هو لأهل مطلق الجهات الجغرافية وان التسمية الخاصة بأسماء هي اشارة للجهة.

فهذا اللسان بقرينة تعلق العدو لغيرها ظاهر في النهي عن ترك المرور عليها وانهابوابات لبدء الاحرام.

ويساعد هذا الظهور ما ورد من خصوصية الشجرة وعلّة احرامه منها دون غيرها من المواضع فهي في صدد النهي عن أخذ ميقات غيرها مطلقاً ومحصل هذا اللسان هو تعين المرور عليها بخلاف ما تقدم.


1) ([1]) ب1 ابواب المواقيت ح9 .

اللسان الثالث: ما ورد بلفظ ((لا ينبغي لأحد أن يرغب عن مواقيت رسول اللّه(صلى الله عليه وآله)والاحرام من مواقيت خمسة وقتها رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) لا ينبغي لحاج ولا معتمر أن يحرم قبلها ولا بعدها)) كل ذلك ورد في صحيح الحلبي((1)).

وهذا الصحيح بالدقة ثلاثة ألسن أخرى. أما اللسان الثالث وهو صدره فهو ظاهر في المتقدم. الا انّه أضعف منه ظهوراً لاحتماله اللسان الأول أيضاً.اللسان الرابع: وهو الجملة المتوسطة منه فهو تحديد ماهية الاحرام بالنشوء من المواقيت الخمسة، فهو قوي الظهور كاللسان الثاني في كونها بوابات الاحرام المحيط بمكة، لاسيما وان تحديد وقع بالمجموع، ممّا يدلّ على تعينها كنقاط محيطة. نعم اللسان الخامس - وهو الجملة الأخيرة - حيث انّه متصل به له نحو قرينية على المراد الأصلي منه.

اللسان الخامس: فقد ورد في روايات أخرى أيضاً وهو يحتمل المعنيين المتقدمين في لسان الأول فبقرينة المجموع يكون ظاهراً في الدائرة. مضافاً لقرينة القبلية والبعدية، لأنه يصدق على من لم يمرّ عليها واحرم دون محاذاتها انّه أحرم قبلها أو بعدها ايضاً بخلاف ما إذا احرم بمحاذاتها فانّه حينئذ لم يحرم قبلها ولا بعدها فاتصالها باللسان الرابع لا يوجب ظهورها في مفاد اللسان الثاني.

فالمحصل من اللسان الثالث هو ما تقدم في الثاني. وأمّا الرابع والخامس فمفادهما مفاد اللسان الأول.

اللسان السادس: ما ورد بلفظ ((لا يجوز الاحرام دون المواقيت)) كما في صحيح الفضل بن شاذان عن الرضا - عليه السلام - انّه كتب إلى المأمون في كتاب: ((ولا يجوز الاحرام دون الميقات


1) ([2]) ب1 ابواب المواقيت ح3 .

قال اللّه تعالى (وأتموا الحج والعمرة للّه)))((1)) وغيره من روايات ذلك الباب.

وهذا اللسان يحتمل المعنين أي بمعنى قبل أو بمعنى غير. فعلى الأول لا تختص بالمار وعلى الثاني يتعين المرور عليها. نعم في صحيح الكرخي قال: ((سألت أبا عبداللّه - عليه السلام - عن رجل أحرم بحجه في غير أشهر الحج دون الوقت الذي وقته رسول اللّه(صلى الله عليه وآله)قال: ليس احرامه بشي، إن أحب أن يرجع إلى منزله فليرجع ولا أرى عليه شيئاً، فإن أحب أن يمضي فليمضي، فاذا انتهى إلى الوقت فليحرم منه وليجعلها عمرة، فانّ ذلك أفضل من رجوعه، لأنه أعلن الاحرام بالحج))((2)) فقد عطف هذا اللسان على انشاء نسك الحج في غير الأشهر الثلاثة، أو لكون بطلانه لأنه دون الميقات، فيظهر منه معنى القبلية .

اللسان السابع: ما ورد بلفظ ما ينبغي الاحرام إلا من الوقت، كما في موثق ابن بكير((3)) وهو كاللسان الأول، هذا ولا يبعد ان لسان قبل وبعد هو من قبيل العموم الأول لا الثاني، لصدقالاحرام قبل الميقات على الافاقي الذي احرم من مدينته وان كان طريقه لا يؤدي إلى الميقات، وكذا صدق الاحرام بعد الميقات على من أحرم داخل محيط المواقيت وإن كان سالكاً طريقاً لم يمر على الميقات، وكذا ما تكرر من لسان الاحرام من المواقيت لا ينطبق على عنوان ((في)) كما اعترف به أعلام العصر، فهو يتسع للمحاذي القريب أيضاً لصدق أنه أحرم من الميقات بلحاظ المقدار والبعد إلى مكة فيكون هذا اللسان برزخاً بين الأول والثاني.

ثم انّه قد وردت في ناسي الاحرام من الميقات((4)) عدة روايات، مفادها رجوعه إلى ميقات أهل أرضه فيحرم منه، وفي بعضها قد فرض المرور على الميقات، وآخر الاطلاق، فما موضوعه مطلق يمكن الاستدلال به على تعين المواقيت كبوابات اذ


1) ([1]) ب9 ابواب المواقيت ح4 .

2) ([2]) ابواب المواقيت ب9 ح2 .

3) ([3]) ابواب المواقيت ب 9 ح6 .

4) ([1]) ابواب المواقيت ب 14 .

تكليفه بالرجوع انّما هو لإتيان الواجب المنسي والمفروض فيها الأعم من المار عليها وغيره، هذا ولا يبعد حمل اللسان الثاني المتقدم وما قاربه من بقية الألسن على اللسان الأول وما قاربه، لأن التعدي منها لغيرها يمكن بل الظاهر هو أن يفسر بتغيير الحدود المرسومة بالمواقيت الخمسة كمحيط لمنطقة المواقيت فيصدق على القبل والبعد انّه تعدى إلى غيرها لا المحاذي، هذا تمام الكلام في عمومات المواقيت.

الجهة الثانية

الجهة الثانية: في الروايات الخاصّة الواردة في المحاذاة

كصحيح عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه(صلى الله عليه وآله) قال: ((من أقام بالمدينة شهراً وهو يريد الحج ثم بدا له أن يخرج في غير طريق أهل المدينة الذي يأخذونه فليكن احرامه من مسيرة ستة أميال فيكون حذاء الشجرة في البيداء))((1)).

ورواه الشيخ عن الكليني إلا انه ترك لفظ ((غير)) كما أشار إلى ذلك صاحب الوسائل لكن في نسخة التهذيب المطبوعة اللفظة مثبتة.

وقال الكليني وفي رواية أخرى ((يحرم من الشجرة ثم يأخذ أي طريق شاء)) .

وفي طريق الصدوق عن ابن محبوب عن عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه - عليه السلام -قال: ((من أقام بالمدينة وهو يريد الحج شهراً أو نحوه ثم بدا له أن يخرج في غير طريق المدينة فاذا كان حذاء الشجرة والبيداء مسيرة ستة أميال فليحرم منها))((2)). والعمدة متن الكافي كما لا يخفى لتقيّده بألفاظ الرواية أكثر من (من لا يحضره الفقيه)، كما يعلم بالتتبع فانّه كثيراً ما ينقل الروايات بالمضمون كفتاوى، وإن كان ذلك في غير ما يسنده للرواة. وفقه الروايةيحتمل عدة معاني يمكن تقريب دلالة كل منها على عموم المحاذاة، بأن تكون واردة فيمن أقام بالمدينة شهراً ونحوه باعتباره كأهل المدينة في تعين


1) ([2]) ب7 ابواب المواقيت ح1 .

2) ([3]) المصدر السابق ح3 .

الاحرام عليه من ميقات ذي الحليفة أو محاذيه، نظراً لشرافة ذلك الميقات الذي أحرم منه رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) دون المواضع كلها والذي عين ليلة المعراج وغير ذلك مما يزيد في علوه فيتحمّل أشق وأبعد المواقيت لانقطاع سفره بتلك المدة من الاقامة في المدينة.

فقوله - عليه السلام - ((وهو يريد الحج ثم بدا له أن يخرج في غير الطريق...)) هو ارادة الاحرام من ميقات آخر للسهولة.

وعلى هذا المعنى فلا ينافي دلالة الرواية على عموم المحاذاة لعدة قرائن بل بعضها وجوه مستقلة على أصل مشروعية المحاذاة.

منها: قوله - عليه السلام - ((ثم بدا له ان يخرج في غير طريق المدينة)) تعبير عن حالة طبيعية غير استثنائية ولم يرد عنها ولم ينهى عنها مما يدلّ على أن عموم النهي عن تجاوز المواقيت من دون احرام لا يقتضي كون المواقيت بوابات ولا النهي عن اتخاذ طريق لا يؤدي اليها، غاية الأمر انّ الاحرام اللازم من المواقيت يتأدى بالمحاذاة.

ومنها: أن التشديد في المرور على المواقيت انّما هو رغبة في مواقيت رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) وعدم العدول منها إلى غيرها. فلو كان التوسع فيها والاحرام من محاذاتها يُعد رغبةً عنها وعدولاً، لكان ذلك صادقاً فيما هو أهمها وأشرفها وأشقها وأبعدها، وهو ميقات ذي الحليفة كما تقدم شرفه وعظمته على بقية المواقيت، وحيث لم يكن كذلك بل كانت المحاذاة في مسجد الشجرة تعد تقيداً بالمواقيت، بمعنى كونها حدوداً مقدرة للبعد ولكمية المسافة التي يحرم منها، فيصدق ذلك بالأولوية القطعية في بقية المواقيت التي هي دونه في الشرف والبعد.

ومنها: انّ قوله - عليه السلام - على ما في طريق الكليني ((فليكن احرامه من مسيرة ستة أميال فيكون حذاء الشجرة من البيداء)) تعليلاً للامر بالأحرام بكبرى جواز المحاذاة، وذلك لأن الفاء سواء كانت للتعليل أو لترتيب غاية فانّما بعدها كبرى لما قبلها ونتيجة، والمعتاد

في الاستعمال أن تكون كلية الكبرى أوسع من الصغرى وإلا لكان التعبير من قبيل بيان مفاد الحد والماهية بأن حذو الشجرة هو ستة أميال، مع انّ الملموس ظاهراً من الدلالة هو الأمر بالصغرى أو النتيجة تعليلاً بالكبرى وهي المحاذاة الواقعة في المقام على محاذاة الشجرة.

ومنها: انّ تشريع كبرى المحاذاة وان لم تكن الرواية في صدده بل في صدد إحرام المقيم بالاحرام من ستة أميال لكنها تضمنت مفروغية انطباق كبرى المحاذاة عليه فليست الرواية في صدد تشريع المحاذاة، كي تحدد وتقيد وتخصص بمحاذاة الشجرة بقاعدة احترازية القيود بل هيفي صدد تعليل مفادها وهو الأمر بالاحرام من ستة أميال بكبرى المحاذاة المفروغ عنها ففرق بين كون مجموع مفاد الرواية شيئاً واحداً لا اثنينية فيه، وبين كونه متعدداً أحدها مفروغ عنه والآخر هو العمدة في البيان وتكون القيود المذكورة قيداً فيه لا فيما هو المفروغ عنه ويكون التطبيق تنصيصاً على كلية المفروغ عنه.

ومنها: انّ عموم لسان المواقيت المتقدم في العمومات الأولية للمواقيت قد تكثر وروده بلفظ ((من))، وتقدم اختلافها عن مفاد لفظة ((في)) فهو يعطي أن الميقات حد جغرافي لتقدير مقدار تحمل مشاق الاحرام لا كباب يدخل منه للاحرام، لاسيما وانّ الروايات ناظره لردّ ما عليه العامّة من الاحرام قبل المواقيت من بلدانهم أو بعد المواقيت كذات عرق فيكون الوارد في الروايات ((قبل وبعد)) بذلك اللحاظ، مضافاً لما ذكره صاحب الجواهر وآخرين من كون مادة وقّت تعني الحد لا الظرف فالميقات حد لبدء وابتداء الاحرام ومشقة التروك، لا ظرف مكاني لايقاع الاحرام، فلذلك كلّه إذاأضيف لعنوان الشجرة يوجب ظهوره في عنوان حد الشجرة.

ومنها: انّ القيود المدعاة على القول بالاختصاص لازمها عدم مشروعية المحاذاة

للشجرة لمن يمر على المدينة من دون اقامة شهراً فيها، مع انّ ظاهر مفاد الرواية مسلمية المحاذاة ولو في مسجد الشجرة، وهذا مما ينبه على كون الرواية في صدد بيان أفضلية الاحرام من مسجد الشجرة أو لزومه للمقيم كأهل المدينة مع مفروغية مشروعية المحاذاة والاستفادة منها لايقاع الاحرام لاداء تلك الفضيلة أو ذلك اللزوم.

ومنها: المماثلة بين المواقيت البعيدة ومواقيت ادنى الحل للحرم، فانّ ادنى الحل ميقات للمحرم بحج القران أو المفرد أو المعتمر ممن يكون في مكة وان لم يكن من أهلها، مع كون الحرم منطقة معلمة بمواقيت كالتنعيم والجعرانة واضاءة لبن والحديبية ونمرة، إلا انهااتخذت كعلامات لمحيط منطقة الحرم لا كبوابات له، وان ورد الأمر بالاحرام منها وهو الأفضل لحصول اليقين باحراز ادنى الحل منها، فتعينها نقاط للحرم وكميقات لم يمنع من استظهار انّها نقاط محيط لا بوابات.

ومحصل مفاد الرواية هو انّ الأفضل للمقيم شهراً هو اتخاذ الاحرام من ميقات الشجرة كأهل المدينة لا لزومه، اذ هو غير متعين على أهل المدينة الاحرام منه، بل لهم أن يحرموا من غيره ماداموا لم يدخلوا منطقة المواقيت، كأن يدوروا حولها خارجاً إلى ميقات أخر وإن كانوا بذلك تركوا الفضل وارتكبوا الكراهة الشديدة، وكذلك الحال لا يلزم من مرّ على ميقات الاحرام منه مع عدم قصده الدخول إلى منطقة المواقيت. فمن ذلك يعلم انّ الرواية في صدد تشريع الأولوية للمقيم كأهل المدينة بالاحرام من ميقات الشجرة ولو بالمحاذاة، وان سلك طريقاً لا يفضي إلى ميقاتالشجرة هروباً من الاحرام منه لبعده بقصد الاحرام من قرب، فبذلك يتبين انّ المحاذاة مفروغ عنها في الرواية وهي في صدد مفاد آخر، فيستظهر عمومها من مجموع القرائن السابقة.

الجهة الثالثة

الجهة الثالثة: في دعوى المعارضة لما تقدم

وذلك لمعتبرة ابراهيم بن عبدالحميد عن أبي الحسن موسى - عليه السلام - قال: ((سألته عن

قوم قدموا المدينة فخافوا كثرة البرد وكثرة الأيام - يعني الاحرام من الشجرة وأرادوا أن يأخذوا منها إلى ذات عرق فيحرموا منها فقال: لا وهو مغضب، من دخل المدينة فليس له أن يحرم إلا من المدينة))((1))، لكن هذه الرواية ليست معارضة بل معاضدة لمفاد صحيحة ابن سنان لأنها أيضاً متضمنة للأمر بعدم استبدال ميقات الشجرة بميقات آخر، وإن كان جائزاً في صورة عدم دخول منطقة المواقيت، لما تقدم من التسالم فتوىً وروايةً على ذلك مادام لم يدخل منطقة المواقيت كما سيأتي من الماتن في (مسألة 5)، ونقل الاجماع على ذلك واتفاق النصوص، فهي غير متعرضة لكون الاحرام من ميقات الشجرة أو محاذاته وانما لعدم استبداله بميقات آخر. والاحرام من محاذاة الشجرة ليست اتخاذاً لميقات آخر كما دلّت عليه صحيحة ابن سنان فيتفق مفادها مع المعتبرة المزبورة ويظهر وحدتهما. وان ذلك قرينة على صحّة ما استظهر من الصحيح السابق من انّ المحاذاة - في مضمونه - مفروغاً عن مشروعيتها وان القيود الآنفة كستة أميال هي تحقيق للمحاذاة و ((يريد الحج)) لتحقيق فرض الاحرام، اذ من لا يريد الحج ليس عليه الاحرام بالمرور بالمواقيت والدخول في منطقتها المحاطة بها مادام لم يقصد مكة و ((بدا له ان يخرج في طريق غير مكة)) لتحقيق فرض المرور بطريق لا يفضي إلى الميقات بل يحاذيه، و((المقيم شهراً)) لتحقيق موضوع الأفضلية وتعين الاحرام من مسجد الشجرة، فظهر انّ القيود غير مضافة لمشروعية المحاذاة كي يتجشم التعميم أو يتلكأ فيه، بل عمومية المحاذة ظاهرة وبينة. ثم انّ معتبرة ابراهيم بن عبدالحميد تحتمل كون النهي فيها الزامياً لكون فرض السائلين هو على الدخول في منطقة المواقيت بقرينة ذكرهم لذات عرق، وهي كما تقدم الحد السفلي لوادي العقيق مما يشير الى اتخاذهم طريقاً داخلاً في منطقة المواقيت لا خارجها وإلا لمرّوا بالمسلخ


1) ([1]) ب8 ابواب المواقيت ح1 .

وغمرة.

الجهة الرابعة

الجهة الرابعة: في بيان النسبة بين صحيحة ابن سنان والعمومات الأولية المتقدمة، عدا عموم منع دخول الحرم إلا محرماً.ودلالة بعض الألسن المتقدمة على المفاد من الدرجة الثانية، كلسان عدم العدو منها إلى غيرها وعدم الرغبة عنها، إلا انّ مفاد صحيح عبداللّه بن سنان حاكم ومفسّر للعموم الثاني فتنقلب النسبة إلى التساوي والتطابق، ووجه الحكومة انّ مفاد الصحيح في صدد تشريع افضلية التقيّد بميقات المدينة والالتزام والاحتفاء والاعتداد به، وعدم استبداله بميقات آخر وقته رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) فضلاً عمّا لم يوقته، وانّ هذا التقيّد بالاحرام منه يتم بالمحاذاة بعد المفروغية عنها فتكون موجبة للتقيد بالمواقيت، وبالتالي لصحيح ابن سنان مفادان:

الأول: هو عين مفاد العموم الثاني، وهو خصوصية الميقات والتقيد به. والآخر تحقق الالتزام بالميقات بتوسط المحاذاة المشروعة كبرويا، وعدم العدو منها إلى غيرها وعدم الرغبة عنها يتأدى بالمحاذاة وهو معنى الحكومة في المقام.

ثم انّ مفاد صحيح ابن سنان مع معتبرة ابراهيم بن عبدالحميد هو الحكومة المتقدمة أيضاً، فانّه قد دلّ على انّ تعين ميقات المدينة والتقيد به يتم بالمحاذاة ولا يكون احراماً من غير المدينة، وبذلك يظهر انّ العموم الأول يحتوي على خصوصية للمواقيت وهي كونها محيطة بمنطقة محيطة بالحرم، والعموم الثاني دالّ على خصوصية أخرى - على تقدير التسليم به - وهي كون المواقيت باب يدخل منه إلى المنطقة المزبورة، وصحيح ابن سنان يفسّر الخصوصية الثانية بما يقرب من الأول وأن المحاذاة للميقات يتعين الاحرام منها اعتداداً بذلك الميقات.

الجهة الخامسة

الجهة الخامسة: في انّ المحاذاة هي القريبة أو البعيدة، مع تقرير معناها.

فعلى ما تقدم من الصحيح وإن كان مورد تطبيق المحاذاة فيها هو القريبة إلا انّ ذلك ليس كقيد في الكبرى المدلول عليها في الصحيح، لاسيما بعدما عرفت انّ ستة أميال ليست قيد البعد بين الميقات ونقطة المحاذاة بل بين المدينة المنورة ونقطة المحاذاة لتحقيق المحاذاة مع الميقات. ولذلك توسّع القائل بالخصوص في محاذاة الشجرة إلى ما يزيد على الستة إلى العشرة والعشرين وهو منبه على ما قدمناها من ارتكاز كبرى المحاذاة في ظهور الصحيح، مضافاً إلى كلية المحاذاة المستفادة من العموم الأول الذي قد انقلبت نسبته مع العموم الثاني، ورفع اليد عن أصل الخصوصية الثانية بالحكومة التفسيرية لصحيح ابن سنان التي لا يشترط فيها اشتمال الدليل الحاكم على لفظة ((أي)).

فتحصّل من مفاد العموم الأول - كما تقدم - هو عدم الاحرام قبلها، أي قبل مجموعها ولا بعدها كذلك. وان من منزله خلفها - أي خلف محيطها - كمجموع كما هو مورد تسالم مفاد الروايات والفتوى لا خصوص من هو خلفها في خط مستقيم إلى مكة بل هو عام، احرامه من دويريته فعلى ذلك يظهر انّ المحاذاة مطلقة وان المراد من تقرير معناها هو: عدم تجاوز المواقيتإلى داخل المنطقة المحاطة بها ثم إلى منطقة الحرم، كما هو الحال في المواقيت المحيطة بالحرم المسمّاة بأدنى الحل، فانّ المحاذاة فيها ليس بقدر البعد أو كونها على اليمين أو على اليسار وغيرها من التعاريف التي ذكرت للمحاذاة. بل انّما هي بلحاظ المنطقة المرسومة محيطها بنقاط معالم الحرم فما قبلها يكون أدنى الحل وما بعد ذلك يكون داخل الحرم.

والشاهد على هذا المعنى من المحاذاة مضافاً إلى ما عرفته من دليل المحاذاة المتقدم المقتضي لهذا المعنى ان النهي عن تجاوزها أو التقدم عليها لا قبل ولا بعد هو مضافاً إلى مجموعها.

هذا وقيل في معنى المحاذاة انّها القرب من الميقات بنحو يراه وان شطت المسافة واختاره السيد الخوئي(قدس سره). والظاهر أنّه لبناءه على المخصص في المحاذاة. وقيل: ان يكون على يمين أو يسار المتجه إلى مكة، والمراد الموازاة في ضلع قاعدة المثلث أحد طرفيها الميقات، والطرف الأخر نقطة المحاذاة ورأسه مكة، وقيل: ان يكون البعد المستقيم بين النقطة هو بُعد الميقات عن مكة.

وقيل: هو مرور قطر بكل من النقطة المحاذية والميقات ومركز ذلك القطر مكة المكرمة وغير ذلك من الأقوال.

والصحيح بمقتضى ما اخترناه من دلالة العمومات الأولى على المحاذاة هو تقيّد المحاذاة بالعبور من الخط المحيط المرسوم بالمواقيت في المنطقة الخلفية المحاطة بها، فلا يكتفى بصدق المحاذاة العرفية بقول مطلق ولا بها بالاضافة إلى مكة، بل بها مقيدة بالاضافة إلى مكة ومقيدة بالاضافة إلى الخط المحيط المرسوم بالمواقيت كما في نقاط محيط شكل مسدس أو مخمس بالاضافة إلى مركزه.

ويشهد لما اخترناه انّ بعض المدن والقرى كعسفان وغيرها مما تكون منازلهم خلف المواقيت واحرامهم من دويرية أهلهم يلزم عليهم الاحرام أثناء طريقهم إلى مكة لا من منازلهم بمقتضى الأقوال السابقة في المحاذاة.

ثم انّه لا يخفى انّ العنوان المأخوذ في الأدلّة هي العندية أو المعيّة أو المحاذاة في مقابل الاحرام قبلها أو بعدها لا بنحو الوحدة الهندسية الدقيّة كواحدة الوزن أو الفرسخ بل يدور مدار الصدق العرفي المزبور.

واحرازه صغروياً لا يمكن إلا مع معرفة جهة المواقيت وجهة القبلة ثم التروي والتدبر في العندية والمحاذاة ومن ثم قد فرض في الكلمات بحثاً مطولاً في الظن والشك في المحاذاة.

الاحرام من جدة

الجهة السادسة: في من سلك طريقاً لا يؤدي لأحد المواقيت

كما ذكره غير واحد، كما في الشرائع والقواعد من عدم المرور بطريق المواقيت ولا محاذاتها، وتصوير هذا الفرض بناء على لزوم المحاذاة القريبة ظاهر، وامّا بناءً على المحاذاة البعيدة فلا مجال له كما أشار له الماتن.

وعلى أي حال ففي منطقة المواقيت من جهة الغرب كمدينة جدة ونحوها أي مابين يلملم والجحفة قد وقع البحث صغروياً في المحاذاة كما قد وقع كبروياً من جهة أخرى، وذكر بعض أعلام المحشين على المتن انّ ذاالحليفة والجحفة كليهما في شمال الحرم على خط واحد تقريباً وقرن المنازل في المشرق منه والعقيق بين الشمال والشرق فتبقى يلملم وحدها لثلاثة أرباع الدورة المحيطة بالحرم وبينهما وبين قرن المنازل أكثر من ثلاثة أثمان الدورة ومنها إلى الجحفة قريب من ذلك.

وقد ذهب جماعة من أعلام العصر إلى منع محاذاتها للجحفة ولا يلملم بدعوى أنها قبل المواقيت، وبعض آخر بأنّها خلف المواقيت ودونهم باتجاه مكة، وثالث إلى منع المحاذاة مع هذا البعد بين الجحفة ويلملم وجدة بناء على لزوم المحاذاة القريبة.

ومن ثم ذهبوا إلى أن حكم المسافرين بالطائرة إلى جدة هو اما بأن يذهبوا من جدة إلى أحد المواقيت المعروفة كالجحفة أو يلملم أو رابغ التي هي قبل الجحفة فينذروا الاحرام منها، وان لم يتمكنوا فيتّجهوا بقدر ما وسعهم إلى أحد تلك المواقيت أو ينذروا الاحرام من جدة ويجددوا الاحرام في ((حدا)) لاحتمالها المحاذاة للجحفة وهي تقع في الطريق بين جدة ومكة ويحدّدوا الاحرام أيضاً من الحديبية أدنى الحل عملاً بالاحتياط.

أما المتقدمين فقد ذهب ابن ادريس إلى أن ميقات المصريين ومن يركب البحر

جدة وأن جدّة ميقات يحرم منه ويظهر منه أنّها ميقات بالذات لا بالمحاذاة وهو غريب في الأقوال، ولكن ستأتي حكاية صاحب الحدائق عن جماعة - بل ظاهر كلامه أنه الأكثر - الذهاب إلى الاجتزاء في احرام عمرة التمتع بمطلق البعد مرحلتين ثمانية واربعين ميلاً عن مكة فيمن سلك طريقاً لا يفضي إلى المحاذاة وهو ينطبق على جدة كما سيأتي، ويظهر من الفاضلين أنها دون المواقيت وخلفها لتعريضهما بابن إدريس لان المحاذاة تحصل في البحر أي قبل الوصول إلى جدة. واختار العلاّمة وولده فخر المحققين في من سلك طريقاً لا يؤدي إلى أحد المواقيت كون الميقات حينئذ هو أدنى الحل، ومال إليه بعض أعلام هذا العصر. ولا يخفى انّه تمسكبالعموم الأول الفوقاني المتقدم من منع دخول الحرم إلا محرماً المقتضى اطلاقه للاكتفاء بعقده في أدنى الحل.

فائدة: جدّة ميقات للتمتع

اشارة

هذا والبحث وإن كان عاماً لا في خصوص جدة إلا انّه يجدر الالفات إلى بعض ما يتعلّق بها مقدمةً للبحث لكثرة الابتلاء بالسفر اليها حالياً جواً. وتلك المقدمة هي:

انّ جدة كما هو ثابت بالتواريخ مأهولة ومسكونة قبل الاسلام بل في بعض الروايات انّ آدم - عليه السلام - وصل من سرنديب إلى جدة بعد هبوطه إلى الارض وان داود - عليه السلام -في حجته إلى مكة اتجه منها اليها. وقد اتخذ مرفأ لمكة من عهد عثمان كميناء بحري وكانت القوافل البحرية تمر عليها بل في بعض الروايات وقع السؤال عن جواز الخروج بين عمرة التمتع والحج لعروض حاجة إلى جدة.

والصحيح انّ جدة ليست خارجة عن منطقة المواقيت بل هي امّا على خط محيط المنطقة المزبورة أو داخلها ودون المواقيت وخلفها، كما انّ الصحيح امتناع ما فرضه في الشرائع والقواعد من عدم تأدية بعض الطرق إلى المواقيت ولا إلى

محاذاتها. وذلك مضافاً إلى ما تقدم ويقرر بالوجوه التالية:

الأول: التمسّك بالعموم الوارد في ميقات التمتع انّه بقدر مرحلتان، وان ذلك هو المقوم لماهية التمتع، كما هو الحال في قرن المنازل ويلملم وذات عرق التي هي على قدر مرحلتين. خلافاً لما ذهب إليه العلاّمة في القواعد وولده في الشرح من الاجتزاء بالاحرام بأدنى الحل فيما لو لم يؤدي الطريق إلى المحاذاة واستحسنه في المدارك وقال في الحدائق: قيل انّه يحرم من مساواة أقرب المواقيت إلى مكة، أي محل يكون بينه وبين مكة بقدر ما بين مكة وبين أقرب المواقيت اليها، وهو مرحلتان كما تقدم أنه عبارة عن ثمانية وأربعين ميلاً قالوا لأن هذه المسافة لا يجوز لأحد قطعها إلا محرماً من أي جهة دخل وإنّما الاختلاف فيما زاد عليها، ورد بأن ذلك انّما ثبت مع المرور على الميقات لا مطلقاً، ثم ذكر الأقوال السابقة وتوقف لعدم النص((1)). والصحيح انّ هذه المسافة حكمها ليس مقيداً بمن مرّ على المواقيت بل انّ هذا الحكم شامل لمن كان بمكة وأراد التمتع وذلك لتقوم ماهية التمتع به كما تقدم في أقسام الحج.

ويدلّ عليه موثق سماعة عن أبي عبداللّه - عليه السلام - قال: ((وان اعتمر في شهر رمضان أو قبله وأقام إلى الحج فليس بتمتع وانّما هو مجاور أفرد العمرة فإن هو أحب أن يتمتع فيأشهر الحج بالعمرة إلى الحج فليخرج منها حتى يجاوز ذات عرق أو يجاوز عسفان فيدخل متمتعاً بالعمرة إلى الحج فإن هو أحب أن يفرد إلى الحج فليخرج إلى الجعرانة فيلبي منها))((2)) .

وصريح هذه الموثقة الاجتزاء في احرام عمرة التمتع بذلك القدر من المسافة بأي نقطة تبعد ذلك القدر وهو المرحلتان الثمانية والاربعون ميلاً. والذي هو الحدّ الفاصل بين الحاضر والنائي المأخوذ في ماهيّة التمتع في الآيات والروايات، مع انّ عسفان ليست ميقاتاً خارج منطقة المواقيت بل هي دون الجحفة ومسجد الشجرة


1) ([1]) الحدائق ج14 ص453 .

2) ([1]) ب10 أقسام الحج ح2 .

لكنها بقدر الحد الذي عليه ذات عرق وقرن المنازل ويلملم .

وموضوع هذه الموثقة هو من لم يمرّ على المواقيت البعيدة لا خصوص المقيم في مكة. وينطبق هذا الموضوع على الاتي من جدة من منطقة المطار المستحدث حالياً حيث انّه يبعد عن مكة بقدر مرحلتين ونصف وهو أكثر من بعد عسفان من مكة كما دلّت على ذلك الخرائط الجغرافية الحديثة.

وكذا مصحح اسحاق بن عبداللّه قال: ((سألت أبا الحسن - عليه السلام - عن المعتمر بمكة يجرد الحج أو يتمتع مرّة أخرى فقال: يتمتع أحب اليّ وليكن احرامه من مسيرة ليلة أو ليلتين))((1))وهذا الحد الذي ذكره - عليه السلام - هو حدّ قرن المنازل الذي هو على بعد مرحلتين، فتدلّ على انّ الضابط في احرام المتمتع الذي لم يمر على المواقيت البعيدة هو احرامه من بعد ذلك القدر من دون تقيد ذلك بالذهاب إلى خصوص قرن المنازل أو يلملم أو ذات عرق أو عسفان مما يدلل على انّ منطقة المواقيت حوالي مكة هي دائرة قطرها ذلك القدر من كل جوانب مكة كما تشير إليه روايات أخرى آتية.

والترديد في الرواية بالليلة والليلتين ليس للترديد في القدر بل لأن ذلك وهي المرحلتان إذا اتصل سير النهار بالليل فيطوى في ليلة واحدة وإذاانقطع فيطوى في ليلتين نظير ما ورد في تحديد حدّ مسافة التقصير في روايات صلاة المسافر فلاحظ.

ومثلهما صحيحة زرارة قال: ((قلت لأبي جعفر - عليه السلام - قول اللّه عزّوجل في كتابه (ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام) قال - عليه السلام -: يعني أهل مكة ليسعليهم متعة كل من كان أهله دون ثمانية وأربعون ميلاً ذات عرق وعسفان كما يدور حول مكة فهو ممن دخل في هذه الآية وكل من كان أهله وراء ذلك فعليهم المتعة))((2)).

ومثلها صحيحه الآخر وفيه فما حدّ ذلك قال - عليه السلام - ((ثمانية واربعين ميلاً من جميع


1) ([2]) ب4 أقسام الحج ح20 .

2) ([1]) ب6 أقسام الحج ح3 .

نواحي مكة دون عسفان وذات عرق))((1)).

وقد قدّمنا في صدر فصل أقسام الحج بيان انّ الآية دالّة على أخذ البعد المزبور في احرام عمرة التمتع، وانّ محصل الروايات في الحاضر والنائي انّ مشروعية التمتع تدور مدار ذلك البعد كميقات لاحرام عمرة التمتع، وغيرها من الروايات، وبذلك يرفع اليد عن العموم الأولي الفوقاني الذي تمسك به العلاّمة وجماعة وهو المنع عن دخول مكة والحرم إلا محرماً المقتضي لاجتزاء الاحرام من أدنى الحل.

وقد صرّح بذلك صحيح عبدالرحمن بن الحجاج الوارد في احرام المجاور الذي وظيفته الافراد من أدنى الحل واعترض سفيان على ذلك بقوله: أما علمت انّ أصحاب رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) أحرموا من المسجد فقال - عليه السلام -: ((انّ اولئك كانوا متمتعين في أعناقهم الدماء وإن هؤلاء قطنوا مكة فصاروا كأنهم من أهل مكة وأهل مكة لا متعة لهم فأحببت أن يخرجوا من مكة إلى بعض المواقيت وأن يستغبوا به أيّاماً)) ويريد - عليه السلام - من بعض المواقيت الجعرانة ونحوها من معالم أدنى الحل فهذه الصحيحة صريحة في تخصيص العموم الفوقاني الأول لميقات أدنى الحل بغير من يريد التمتع في حالة الاختيار.

والغريب ممّن جمع بين الحكم في المجاور بمكة أقل من المدة التي ينقلب فيها فرضه بأن يحرم من المواقيت البعيدة، أو المسافة بقدر مرحلتين كما دلّت على ذلك الروايات، وإن وردت روايات اخرى دالّة على احرامه من ادنى الحل لكنها محمولة على التعذر كما تقدم، وبين الحكم فيمن سلك طريقاً لا يؤدي الى المحاذاة بأن احرامه ادنى الحل، فانّ الموضوع فيها واحد وهو من لم يمر على المواقيت البعيدة، وكذلك الحال في الجمع بين ذلك وبين الحكم في الناسي والجاهل للاحرام من المواقيت البعيدة وقد دخل الحرم أو مكة بأن عليه العود والاحرام من الميقات


1) ([2]) ب6 أقسام الحج ح7 .

وإلا بقدر ما يستطيعه من الرجوع.

ثم انّه لا يخفى انّ هذا الوجه يتم بعد عدم لزوم المرور على المواقيت كما نسب للمشهور، ولعل متسالم بينهم بل الروايات المزبورة دالّة عليه، كما انّ مفاد لسان الروايات الواردة في المواقيت البعيدة عدم جواز تجاوزها إلا بالاحرام مقيداً بمن مرّ عليه.

الثاني: انّ الواصل إلى جدة من الحجيج لا يخلو امّا أن يكون محاذياً للمواقيت كما هو الصحيح لدينا في معنى المحاذاة المتقدم، أو هو دون المواقيت البعيدة، بدعوى ملاحظته للجحفة والشجرة، ولا يحتمل انّه خارج منطقة المواقيت، لأن أهالي جدة ونحوهم من المدن الواقعة على ساحل البحر لا يجب عليهم الذهاب إلى أحد المواقيت المعروفة بل يحرمون من دويرية أهلهم، وحينئذ فيجزىء الاحرام منها، أما على الأول فظاهر، وأمّا على الثاني فيشمله عموم من كان منزله دون المواقيت فاحرامه منه ولا يلزم بالذهاب للمواقيت البعيدة، لأن الفرض أنه لم يمر عليها، وقد عرفت التسالم على عدم لزوم المرور عليها، ولا يصدق عليها انّه تجاوزها ولم يحرم منها، فهو نظير من دخل منطقة المواقيت ثم بدا له أن يعتمر فإنّ احرامه من منزله الذي نوى فيه، وقد عرفت انّ بُعد جدة هو على القدر الذي أخذ في ماهيّة التمتع. كما يستدل للأجتزاء بالاحرام على التقدير الثاني بعموم عقد الاحرام بالتلبية ونحوها، غاية الأمر قد خصص هذا العموم بالمواقيت البعيدة لمن مرّ عليها وبالعموم الآخر ((لا يدخل الحرم إلا محرما)) وبما دلّ على انّ ماهية التمتع متقومة بالاحرام من بعد مرحلتين ثمانية وأربعين ميلاً، والمفروض انّ جدة على هذا البعد حيث المطار الذي يصل إليه الحجيج.

ولو سلّم جدلاً انّ جدة قبل المواقيت وانّ حدّه - بالحاء المهملة - الواقعة وسط

الطريق بين مكة وجدة أو غيرها من المدن الواقعة في الطريق فانّه يحرم من جدة ويستمر على تجديد التلبية إلى أن يتجاوز المدن الواقعة في الطريق المحتملة للمحاذاة. لكن هذا التقدير الثالث لا مجال لاحتماله بعدما عرفت من الأدلّة الدالّة على تقوم ماهيّة التمتع بالاحرام من على بعد مرحلتين فما زاد، والمدن الواقعة في الطريق هي دون المرحلتين.

الثالث: كون جدّة واقعة على حدود منطقة المواقيت، أي محاذية للمواقيت كما ذكر ذلك ابن ادريس، ويدلل عليه بشواهد، منها ما تقدم في معنى المحاذاة من أنّها عبارة عن المحيط الواصل بين المواقيت البعيدة، غاية الأمر انّه لا يوصل بالخط المحيط بين الجحفة ويلملم لا يوصل بخط مستقيم، بل بخط يمر على جدة بمقتضى مفاد موثق سماعة المتقدم وصحيحتي زرارة وغيرها من الروايات المتقدمة في الوجه الأول الدالّة على انّ منطقة المواقيت قرب مكة هي عبارة عن دائرة مركزها مكة وقطرها بقدر ثمانية وأربعين ميلاً، غاية الأمر انّ تلك الدائرة يتوسع محيطها شمالاً إلى مسجد الشجرة والجحفة، ومقتضاها بالتالي المرور على جدّة.ومنها: أنّ أهالي جدّة ومقيميها لا يلزم عليهم الذهاب إلى المواقيت بعيدة كيلملم والجحفة، بل احرامه نفس جدّة كما عليه أكثر الخاصّة والعامّة، أو باحرامهم من الطريق إلى مكة عند بئر الشميس أو حِدَه كما ذهب إليه البعض النادر، وهو ضعيف لأنه لو كان لبان لما عرفت من تقادم عهد حاضرة جدّة وأنّها كانت مرفأً منذ عهد عثمان، مع انّ وظيفتهم هي التمتع.

ومنها: أنّه(صلى الله عليه وآله) قد وضع المواقيت شمالاً وجنوباً وشرقاً ولم يضع في الغرب حداً ووقتاً معيناً، مع انّ جدّه منذ عهد الثالث أو ما قبله كانت مرفأ بحرياً هامّاً لكثير من الحجيج ولازالت كذلك، بل أصبحت اليوم مرفأً جوياً هامّاً للحجيج، فلو كانت

العاشر: ادنى الحل وهو ميقات العمرة المفردة بعد حج القران أو الافراد، بل لكلّ عمرة مفردة، والأفضل أن يكون من الحديبية أو الجعرانة أو التنعيم فإنها

خارجة من منطقة المواقيت مع خروج النواحي الغربية الساحلية لكان من المناسب وضع ميقات من ذلك الاتجاه، مع انّه قد تقدم صعوبة تحديد المحاذاة واحرازها من جهة الشبهة المفهومية الموضوعية لعامّة الناس، مع انّ المتعارف عند رسم شكل محيط ذي اضلاع مختلفة هو بيان اختلاف الاضلاع، أمّا المتشابه فيكتفى ببيانه عن بقيتها، فالمواقيت القريبة المحيطة من جهة الشرق والجنوب هي على بعد مرحلتين وهو نفس القدر لجدّة.

فالمحصّل انّ الآتي جواً أو بحراً إلى جدة أو بقية المدن الساحلية بين يلملم والجحفة يصدق عليه انّه حاذى المواقيت بلحاظ الشكل والخط المحيط المرسوم بمجموعها ويصدق المدار المأخوذ مستفيضاً في الروايات أنّه لم يحرم قبلها ولا بعدها على من يحرم من جدّة ونحوها، أي أنّه أحرم من منطقة المواقيت لا قبلها ولا بعدها، بخلاف من يمر على الجحفة أو يلملم مثلاً ثم يتوجه إلى جدّة فانّه يحرم بعد الميقات، كالذي مرّ على الشجرة ولم يحرم واتّجه إلى الجحفة، أي من مرّ على ميقات ولم يحرم منه وأمامه ميقات آخر.

الجهة السابعة

الجهة السابعة: في المحاذاة الجوية

وقد ذهب إلى ذلك بعض الأعلام المحشين على المتن، وقال بها جملة العامّة في هذه الأعصار والصحيح بناءً على كبرى كلية المحاذاة هو القول بها كما في المحاذاة على البر إلا انّ الارتفاع الشاهق جداً لا يكون من الدخول في منطقة المواقيت، نظير ما ذكروه في مسألة المرور على الوطن جوّاً من انّ المرور بالارتفاع الحاصل بالطائرة المارة عليه في الاجواء العالية ليس مروراً بالوطن، وكذا لو فرض وقوع زلزال في المدينة فإنّ من يمرّ عليها جواً بالارتفاع المزبور لا تجب عليه صلاة الآيات لعدم

منصوصة، وهي من حدود الحرم على اختلاف بينها في القرب والبعد، فإن الحديبية بالتخفيف أو التشديد: بئر بقرب مكّة على طريق جدّة دون مرحلة، ثم أطلق على الموضع، ويقال: نصفه في الحلّ، ونصفه في الحرم، والجعرانة بكسر الجيم والعين وتشديد الراء أو بكسر الجيم وسكون العين وتخفيف الراء، موضع بين مكّةوالطائف على سبعة أميال، والتنعيم: موضع قريب من مكّة وهو أقرب أطراف الحلّ إلى مكّة، ويقال: بينه وبين مكّة اربعة أميال، ويعرف بمسجد عائشة

صدق كونه في تلك المدينة. نعم لو كان ارتفاعه بالمقدار الحاصل بالطائرة المروحية العمودية لصدق دخوله في منطقة المواقيت أو الوطن أو البلدة ونحو ذلك. وكذا عند أخذ الطائرة النفاثة في الهبوط فإنّها تدخل في أجواء مدينة جدّة مثلاً، ولذلك ترى العرف الخاص والعام هذا اليوم يطلقون عند مرور الطائرة على أجواء البلدان والمدن أنّه فوق أجواء البلاد أو المدينة الكذائية، أي في الحريم الجوي لا في فضاء المدينة المزبورة، نعم عند الهبوط يطلقون أنهم في فضاء المدينة التي هي مقصد الرحلة.

الجهة الثامنة: لو وصلت النوبة إلى الشك فهي على صورتين:

الأولى: لو شك في تحقق المحاذاة مع العلم بتحققها في أحد المواضع، فاللازم حينئذ الاحتياط لأنه من قبيل الشك في المحصل كما ذكره الماتن.

الثانية: فيما لو شك في موضع كجدة أنها دون الميقات، أو محاذية للميقات، أو قبله فاللازم كما ذكره الأعلام هو الذهاب إلى أحد المواقيت لأن احتمال كونها دون المواقيت لا تتحقق مراعاته إلا بذلك. نعم لو افترض اضطراره إلى ذلك فاللازم هو الاحرام من الموضع كجدّة وتجديده في المواضع الأخرى في الطريق إلى مكة المحتملة المحاذاة.

كذا في مجمع البحرين(1).

(1) لم يحكى خلاف في ذلك مضافاً إلى ما قد عرفت أنه ميقات أهل مكة عند جماعة كما تقدم، كما انّه ميقات من سلك طريقاً لا يفضي إلى أحد المواقيت ولا إلى محاذيها كما ذهب إليه العلاّمة وغير واحد، وقد تقدم أيضاً في أقسام الحج انّ البعض ذهب إلى أنّها ميقات عمرة للتمتع لمن كان في مكة، وان ذكرنا انّ الأقوى انّ ذلك في حالة الاضطرار لا الاختيار، وعلى أي تقدير فيدل على كونه ميقاتاً للعمرة المفردة لمن كان بمكة أو بدا له أن يعتمر بعد أن تجاوز المواقيت البعيدة.

كصحيح عبدالرحمن بن الحجاج حيث فيها قوله - عليه السلام -: ((هو - أي الجعرانة - وقتاً من مواقيت رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) فقال - أي سفيان الثوري -: أي وقت من مواقيت رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) هو؟ فقلت: أحرم منها حين قسّم غنائم حنين ومرجعه منالطائف)) الحديث((1)) وهي كما تدلّ على كونه ميقات العمرة تدلّ على كون أدنى الحل ميقات لأهل مكة فلاحظ تمام الرواية.

وصحيح جميل بن درّاج قال: ((سألت أبا عبداللّه - عليه السلام - عن المرأة الحائض إذاقدمت مكة يوم التروية؟ قال: تمضي كما هي إلى عرفات فتجعلها حجّة، ثم تقيم حتى تطهر فتخرج إلى التنعيم فتحرم فتجعلها عمرة، قال ابن أبي عمير، كما صنعت عائشة))((2)).

وصحيحة عمر بن زيد عن أبي عبداللّه - عليه السلام -: قال: ((من أراد أن يخرج من مكة ليعتمر، أحرم من الجعرانة أو الحديبية أو ما أشبهها))((3)).

ومرسلة الصدوق قال: ((قال: وانّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) اعتمر ثلاث عمر متفرقات كلّها في ذي القعدة، عمرة أهلّ فيها من عسفان وهي عمرة الحديبية، وعمرة القضاء أحرم فيها من الجحفة،


1) ([1]) ب9 ابواب أقسام الحج ح5 .

2) ([2]) ب21 أقسام الحج ح2 .

3) ([3]) ب22 أبواب المواقيت ح1 .

وعمرة أهلّ فيها من الجعرانة، وهي بعد أن رجع من الطائف من غزاة حنين))((1)).

وموثق سماعة عن أبي عبداللّه - عليه السلام - قال: ((المجاور بمكة إذادخلها بعمرة في غير أشهر الحج في رجب أو شعبان أو شهر رمضان أو غير ذلك من الشهور إلا أشهر الحج فانّ أشهر الحج شوال وذوالقعدة وذوالحجة، من دخلها بعمرة في غير أشهر الحج، ثم أراد أن يحرم فليخرج إلى الجعرانة فيحرم منها، ثم يأتي مكة ولا يقطع التلبية حتى ينظر إلى البيت ثم يطوف بالبيت ويصلّي الركعتين عند مقام ابراهيم - عليه السلام -، ثم يخرج إلى الصفا والمروة فيطوف بينهما ثم يقصر ويحلّ، ثم يعقد التلبية يوم التروية))((2)).

وفي صحيح الحلبي، عن القاطنين بمكة: ((فاذا أقاموا شهراً فانّ لهم أن يتمتعوا قلت: من أين؟ قال: يخرجون من الحرم))((3)) ومثلها حسنة حمّاد((4))، والثلاث روايات الأخيرة قد تقدم في أقسام الحج((5))

حملها على جواز عمرة التمتع من أدنى الحل عند الاضطرار جمعاً بينها وبينالأدلّة الأخرى، وأمّا صحيحة عمر بن يزيد فاطلاقها ظاهر حتى لعمرة التمتع لولا الأدلّة المستثنية لها كما صرّح بذلك صاحب الجواهر، والتعبير في صدرها بالتعليق على ارادة الخروج ليس المراد منه التخيير والجواز كما قد احتمله البعض، بل هو من التعليق على إرادة العمرة لا التخيير في الوقت بين أدنى الحل وبين مكة تمسكاً بعموم من كان منزله دون المواقيت فاحرامه منه، مع انّه قد تقدم انصرافه إلى غير من كان بمكة.

ثمّ انّ الظاهر انّ المراد بأدنى الحل هاهنا الرخصة من حيث الابتعاد، وإلا فيسوغ له الاحرام من المواقيت البعيدة، كما يسوغ له الابتعاد قدر ما يشاء مابين البعيدة


1) ([4]) ب22 ابواب المواقيت ح2 .

2) ([5]) ب8 أقسام الحج ح2 .

3) ([6]) ابواب أقسام الحج ب9 ح3 .

4) ([7]) ابواب أقسام الحج ب9 ح7 .

5) ([8]) في مسألة 4 فصل أقسام الحج.

وأما المواقيت الخمسة فعن العلاّمة في المنتهى انّ أبعدها من مكّة ذو الحليفة، فانّها على عشرة مراحل من مكّة، ويليه في البعد الجحفة، والمواقيت الثلاثة الباقية

وأدنى الحل، بعد شمول عموم ((من كان منزله دون المواقيت فإحرامه منه)) له. كما يستدل له بما قدمناه سابقاً من انّ اطلاقات الاحرام شاملة لعقده لأي موضع غاية الأمر قد خصص البعد بالمواقيت البعيدة للمار فيبقى الباقي على حاله، فمن كان في مكة أو دون المواقيت البعيدة له أن يعقد الاحرام فيما بين المواقيت البعيدة وأدنى الحلّ، تمسكاً بالاطلاق المزبور بعد خروج مكة بالروايات الخاصّة المتقدمة.

ثم انّه لا يخفى دلالة اطلاق هذه الروايات للعمرة المفردة باطلاق شامل لأهل مكة أيضاً وهو يعضد ما ذهبنا إليه فيهم سابقاً.

أما تحديد أدنى الحل بالحديبية والتنعيم والجعرانة كما في النص، وباضاءة لبن جنوباً وبطن عُرنة شرقاً من جهة وادي عرفة، وعلى ثنية خل((1)) بالمنقطع من طريق العراق فلا كلام فيه بعد التسالم عليها، وكونها معالم الحرم من لدن آدم وإبراهيم الخليل(عليهم السلام)، وهي الآن مبينة معلمة في تلك المواقع.

هذا وفي موثق ابن بكير انّ الحرم بريد في بريد، عن زرارة قال: ((سمعت أبا عبداللّه - عليه السلام - يقول: حرم اللّه حرمه بريداً في بريد أن يختلا خلاه....)) الحديث((2)) وليس المراد منها رسم شكل بنحو المربع أو الدائري الذي يكون مركزه بيت اللّه الحرام، اذ الحرم باتّجاه الشرق والجنوب أكثر مساحة منه باتجاه الشمال والغرب، وانّما المراد انّ مجموع المكسر من المساحة بتلك المواقيت القريبة لأدنى الحل تخرج بقدر البريد المربع.


1) ([1]) وفي الأحكام السلطانية للماوردي عبّر بلفظ ثنية جبل في طريق العراقيين، وفي طريق جدّة عبّر بمنقطع العشائر وعن ابن رسته منقطع الاعشاش ولا يضر ذلك بالتحديد بعد وضوح الموضع.

2) ([2]) ابواب تروك الاحرام ب87 ح4 .

على مسافة واحدة، بينها وبين مكّة ليلتان قاصدتان، وقيل: انّ الجحفة على ثلاث مراحل من مكّة.

(مسألة 5): كل من حجّ أو اعتمر على طريق فميقاته ميقات أهل ذلك الطريق، وإن كان مهلّ ارضه غيره، كما أشرنا إليه سابقاً، فلا يتعيّن أن يحرم من مهلّ أرضه بالاجماع والنصوص، منها صحيحة صفوان أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) وقّت المواقيت لأهلها ومن أتى عليها من غير أهلها(1).

(مسألة 6): قد علم ممّا مرّ أنّ ميقات حجّ التمتع مكة واجباً كان أو مستحباً، من الآفاقىّ أو من اهل مكّة، وميقات عمرته أحد المواقيت الخمسة أو محاذاتها كذلك أيضاً، وميقات حجّ القران والافراد أحد تلك المواقيت مطلقاً أيضاً إلا إذا كان منزله دون الميقات أو مكّة، فميقاته منزله، ويجوز من أحد تلك المواقيت أيضاً، بل هو الأفضل، وميقات عمرتهما أدنى الحلّ إذا كان في مكّة، ويجوز من أحد المواقيت أيضاً، وإذا لم يكن في مكّة فيتعيّن أحدها وكذا الحكم في العمرة المفردة مستحبّة كانت أو واجبة، وإن نذر الاحرام من ميقات معيّن تعيّن، والمجاور بمكّة بعد السنتين حاله حال أهلها، وقبل ذلك حاله حال النائي، فإذا أراد حجّ الافراد أو القران يكون ميقاته أحد الخمسة أو محاذاتها، وإذا أراد العمرة المفردة جاز

(1) كمعتبرة ابراهيم بن عبدالحميد المتقدمة((1)) وصحيحة معاوية بن عمّار((2)) وكذا صحيحة صفوان المشار إليها في المتن((3)) بل انّ التعبير المتكرر في العديد((4)) منها انّ تلك المواقيت لا تجاوزها إلا وأنت محرم ظاهر في التعميم حيث انّه حكم لعموم المخاطب بلحاظ عموم المواقيت وعمومها.


1) ([1]) ابواب المواقيت ب8 ح1 .

2) ([2]) ابواب المواقيت ب 6 ح1و2 .

3) ([3]) ابواب المواقيت ب 15 ح1 .

4) ([4]) الباب الأول والثاني من أبواب المواقيت.

احرامها من أدنى الحل(1).

(1) قد لخّص الماتن ما تقدم من تعيين المواقيت بحسب القرب والبعد وبحسب نوع النسك ممّا ذكره أولاً انّ ميقات الحج للمتمتع هو من مكة مطلقاً وقد تقدم ذلك، والأظهر انّه يكون من مكة القديمة، لكن تقدمت الاشارة إلى صحيحي الحلبي وحماد الدالين على الاجتزاء بكل ما يطلق عليه مكة، وأمّا عمرته فمن المواقيت البعيدة ولو بقدر مرحلتين أو محاذاتها. نعم من كان فيمكة سواء كان مجاوراً أو من أهل مكة يجتزيء بالابتعاد ثمانية وأربعين ميلاً، سواء من عسفان أو من جدّة ونحوها، وهذا هو معنى المحاذاة للمواقيت القريبة كما بسطنا القول في المحاذاة، كما يستثنى من ذلك من كان منزله دون المواقيت البعيدة فانّ ميقاته دويرة أهله، إلا أن يكون دون ثمانية وأربعين ميلاً فعليه الابتعاد إلى ذلك المقدار.

وأما ميقات حجّ القران والافراد فهو المواقيت البعيدة لمن كان خارج منطقة المواقيت، سواء كان نائياً أو من كان أهله حاضري مكة لعموم ((لا يتجاوزها إلا محرماً))، وما دلّ على أنّ ميقات أهل مكة أدنى الحل على أحد القولين، أو منازلهم في مكة على القول الآخر، انّما هو فيما لو كانوا في الحرم، كما انّ مفاد الآية الرافع لوجوب التمتع عليهم انّما هو في صدد رفع تعين الوجوب كما مرّ لا بيان ميقات الاحرام وإن كانوا قد خرجوا في الآفاق، ومن ثم الحكم فيهم كذلك لو أرادوا العمرة المفردة وكانوا خارجين عن منطقة المواقيت.

وأمّا من كان منزله دون المواقيت فميقاته منزله، إلا إذاكان خارجاً عن منطقة المواقيت وأراد التوجه إلى مكة بنسك من دون المرور على دويرية أهله، وإلا إذا أرادوا عمرة التمتع وكان منزلهم دون المرحلتين فعليهم الابتعاد بقدر ذلك كما تقدم.

وأمّا أهل مكة فقد تقدم انّ ميقاتهم وكذا المجاور ولو لدون المدة هو أدنى الحل إلا إذاأرادوا عمرة التمتع فعليهم الابتعاد بالقدر المزبور، والكلام في العمرة بالنسبة

لهم هو الكلام في حج الافراد والقران.

أمّا نذر الاحرام من ميقات معين فيتعين عليه تكليفاً لا وضعاً، فلو أحرم من غيره حنث وصحّ احرامه بعد عدم كونه علّة تامّة للترك.

أمّا المجاور بمكة سواء كان دون المدة أو بعد المدة فاحرامه من أدنى الحل كأهل مكة كما تقدم، إلا إذاأراد عمرة التمتع فعليه الابتعاد بقدر مرحلتين كما تقدم.

فصل فى أحكام المواقيت

اشارة

(مسألة 1): لا يجوز الاحرام قبل المواقيت(1)، ولا ينعقد، ولا يكفي المرور عليها محرماً، بل لابدّ من إنشائه جديداً، ففي خبر ميسرة: دخلت على أبي عبداللّه - عليه السلام - وأنا متغيّر اللون، فقال - عليه السلام -: من أين أحرمت بالحجّ؟ فقلت: من موضع كذا وكذا، فقال - عليه السلام -: ربّ طالب خير يزلّ قدمه، ثم قال: أيسرّك إن صلّيت الظهر في السفر أربعاً؟ قلت: لا، قال: فهو والله ذاك، نعم يستثنى من ذلك موضعان:

(1) لدلالة النصوص على عدم التعدي عنها إلى غيرها وظاهر مفادها الحكم الوضعي أي شرطية تلك المواضع وحدودها في صحّة الاحرام مضافاً إلى تصريح صحيح الفضل بن يسار وصحيح ابراهيم الكرخي وصحيح عمر ابن أذينة((1))ومصحح زرارة وفيه ((إن من يخل بذلك مثل من صلّى في السفر أربعاً وترك الثنتين))((2)) وكذا بقية رواية ذلك الباب. انّما الكلام فيما ذكره الماتن من عدم كفاية المرور عليها محرماً ولزوم انشائه مجدداً فيها فانّ ذلك وإن كان مقتضى البطلان الوضعي كما تقدم إلا انّه إذاكان ماراً على الميقات ملبياً مع النيّة ولبسه ثوبي الاحرام فانّ ذلك يُعدّ بمنزلة عقد الاحرام فيها، ولعلّ ما في بعض الروايات ما يشير إلى ذلك حيث لم يأمر - عليه السلام -زياد الأحلام وأبا حمزة الثمالي كما في موثق حنان بن سدير((3)) إعادة الاحرام مع أنّهما أحرما من الكوفة والآخر من الربذة لكنهما مرّا على العقيق، وكذا في صحيح ابراهيم الكرخي حيث افترض - عليه السلام - أن من احرم قبل الوقت هو بالخيار بالرجوع إلى بلده ما


1) ([1]) باب 9 من ابواب المواقيت.

2) ([2]) ابواب المواقيت باب 11 الحديث3 .

3) ([3]) ابواب المواقيت باب 11 ح7 .

أحدهما(1): إذا نذر الاحرام قبل الميقات فانّه يجوز ويصحّ للنصوص، منها: خبر أبي بصير عن أبي عبدالله - عليه السلام - لو انّ عبداً أنعم الله تعالى عليه نعمة أو ابتلاه ببليّة فعافاه من تلك البليّة فجعل على نفسه أن يحرم من خراسان كان عليه أن يتمّ. ولا يضرّ عدم رجحان ذلك بل مرجوحيّته قبل النذر، مع انّ اللازم كون متعلّق النذر راجحاً، وذلك لاستكشاف رجحانه بشرط النذر من الأخبار، واللازم رجحانه حين العمل ولو كان ذلك للنذر ونظيره مسألة الصوم في السفر المرجوح أو المحرّم من حيث هو مع صحّته ورجحانه بالنذر، ولابد من دليل يدلّ على كونه راجحاً بشرط النذر فلا يرد أن لازم ذلك صحّة نذر كلّ مكروه أو محرّم، وفي المقامين المذكورين الكاشف هو الأخبار، فالقول بعدم الانعقاد كما عن جماعة لما ذكر لا وجه له، لوجود النصوص، وإمكان تطبيقها على القاعدة، وفي الحاق العهد واليمين بالنذر وعدمه وجوه، ثالثها الحاق العهد دون اليمين، ولا يبعد الأول

لم ينتهي إلى الوقت فيحرم منه وستأتي في روايات الطواف الاشارة إلى انّ التلبية توجب عقد الاحرام وعدم تحلل المحرم وانقلاب عمرة التمتع إلى قران وافراد بالتلبية بعد طواف العمرة، كما سيأتي في أحكام المواقيت كفاية عقد الاحرام بالمرور على المواقيت أو محاذيها ملبياً بقصد النسك وان غفل أو لم يلتفت إلىوقتية الموضع وذلك لأن الاحرام وان كان قصدياً إلا انّ شرطية الموضع توصلية .

(1) نسب ذلك إلى المشهور كما حكي المنع من الحلبي والحلي والفاضلين في المختلف والمعتبر وحكى في المنتهى عن ابن ادريس كلامه المنع عن السيد المرتضى وابن أبي عقيل والشيخ في الخلاف، استضعافاً للروايات الخاصّة الواردة وعدم نهوضها إلى تخصيص عموم قاعدة بطلان الاحرام قبل الوقت. والروايات الواردة هي ما رواه الشيخ بالاسناد عن الحسين بن سعيد عن حمّاد عن الحلبي ((قال سألت أبا عبداللّه - عليه السلام - عن رجل جعل للّه عليه شكراً أن يحرم من الكوفة، قال: فليحرم من

لإمكان الاستفادة من الأخبار، والأحوط الثاني لكون الحكم على خلاف القاعدة، هذا، ولا يلزم التجديد في الميقات ولا المرور عليها، وإن كان الأحوط التجديد خروجاً عن شبهة الخلاف، والظاهر اعتبار تعيين المكان، فلا يصحّ نذر الاحرام قبل الميقات مطلقاً، فيكون مخيّراً بين الأمكنة، لأنه القدر المتيقّن بعد عدم الاطلاق في الأخبار، نعم لايبعد الترديد بين المكانين بان يقول: للّه عليّ أن أحرم إما من الكوفة أو من البصرة، وإن كان الأحوط خلافه، ولا فرق بين كون الاحرام للحج الواجب أو المندوب أو للعمرة المفردة، نعم لو كان للحجّ أو عمرة التمتع يشترط أن يكون في أشهر الحج، لاعتبار كون الاحرام لهما فيها، والنصوص انّما جوّزت قبل الوقت المكاني فقط، ثمّ لو نذر وخالف نذره فلم يحرم من ذلك المكان نسياناً أو عمداً لم يبطل احرامه إذا أحرم من الميقات نعم عليه الكفّارة إذا خالفه متعمّداً.الكوفة وليَفِ للّه بما قال))((1)) والسند بهذه الصورة كما هو المطبوع من الوسائل والتهذيب((2)) إلا انّ في هامش الوسائل كتب الحرّ: في نسخة ((علي)) وكأنه ابن أبي شعبة كما في المنتهى وفي الطبعة الثانية للتهذيب((3)) بدل الحلبي عن ((علي)) وفي باب النذور من التهذيب((4)) صور:

الأولى: الاسناد عن الحسين بن سعيد عن حمّاد بن عيسى عن علي بن أبي حمزة البطائني إلا انّ في المتن زيادة ((للّه عليه شكراً من بلاء أبتلي به ان عافاه اللّه أن يحرم)) ، نعم في الاستبصار عن الحلبي((5)) وما أشار إليه صاحب الوسائل هو ما في المنتهى من قوله: ما رواه الحلبي في الصحيح قال:..... وقوله: الأقرب ما ذهب إليه الشيخان عملاً برواية الحلبي فانّها صحيحة.


1) ([1]) الوسائل باب جواز الاحرام قبل الميقات 13 ابواب الميقات.

2) ([2]) مطبعة النجف الاشرف.

3) ([3]) طبعة طهران.

4) ([4]) المجلد الثامن حديث 43 باب النذور.

5) ([5]) المجلد الثاني ص163 .

وعلى أي تقدير فلا يضر ذلك باعتبار الطريق بعد العمل برواية البطائني الملعون حال استقامته بقرينة كون الراوي عنه إمامياً من أصحاب الإمام فإنّ الطائفة قد قاطعته بعد انحرافه كما يظهر ذلك من رجال الكشي نعم لو كان الراوي عنه واقفياً لحكم بضعفها.

الثانية: وما رواه الشيخ أيضاً باسناده عن صفوان بن يحيى عن علي بن حمزة ((قال: كتبت إلى أبي عبداللّه - عليه السلام - أسأله عن رجل جعل للّه عليه أن يحرم من الكوفة قال: يحرم من الكوفة))((1)) .

الثالثة: موثقة أبي بصير عن أبي عبداللّه ((قال سمعته يقول: لو أن عبداً أنعم اللّه عليه نعمة أو ابتلاه ببلية فعافاه من تلك البلية فجعل على نفسه أن يحرم بخراسان كان عليه أن يتم))((2))وقد تخص دلالتها بنذر الشكر، ولكن لو سلم كون مورد السؤال ذلك في جميعها فلا يختص الجواب به بعد عدم تقيده بذلك.

نعم، الروايتين الأوليتين مختصتين بالنذر لاضافة الفعل فيهما إليه تعالى كما هو مفاد صيغة النذر وأمّا الرواية الثالثة فمفادها مطلق الجعل على نفسه وهو شامل للعهد ولليمين لأنهما منالالتزام على النفس في قباله تعالى، ولكن صدرها يفيد النذرية أيضاً لظهوره في كون ذلك الجعل على نفسه هو شكراً للنعمة أو لدفع بلية لكن قد يتأمل في ذلك لتعارف التعليق على النعمة أو دفع البلية في العهد أيضاً واستعمالها في اليمين كذلك.

هذا وقد وقع الكلام في تخريج مفاد هذه الروايات على مقتضى القاعدة من جهة أخذ رجحان متعلق النذر في موضوع صحته فكيف يوجد النذر موضوع نفسه.


1) ([6]) الوسائل باب 13 من ابواب المواقيت الحديث 2 .

2) ([7]) الوسائل باب 13 من ابواب المواقيت الحديث 3 .

ثانيهما: إذاأراد إدراك عمرة رجب وخشي تقضّيه إن أخّر الاحرام إلى الميقات، فانّه يجوز له الاحرام قبل الميقات، وتحسب له عمرة رجب، وإن أتى ببقيّة الأعمال في شعبان لصحيحة اسحاق بن عمّار عن أبي عبدالله عن رجل يجيء معتمراً ينوي عمرة رجب فيدخل عليه الهلال قبل أن يبلغ العقيق، ايحرم قبل الوقت ويجعلها لرجب أو يؤخّر الاحرام إلى العقيق ويجعلها لشعبان؟ قال: يحرم قبل الوقت لرجب فإنّ لرجب فضلاً. وصحيحة معاوية بن عمّار سمعت أبا عبدالله - عليه السلام - يقول: ليس ينبغي أن يحرم دون الوقت الذي وقّت رسول الله(صلى الله عليه وآله) إلا أن يخاف فوت الشهر في العمرة، ومقتضى اطلاق الثانية جواز ذلك لإدراك عمرة غير رجب أيضاً، حيث انّ لكلّ شهر عمرة، لكن الأصحاب خصصوا ذلك برجب فهو الأحوط، حيث انّ الحكم على خلاف القاعدة، والأولى والأحوط مع ذلك

وأجيب امّا بالتزام تخصيص هذا الشرط في مورد الاحرام قبل الميقات أو الصوم في السفر بمعنى عدم اشتراط الرجحان الذاتي وكفاية الرجحان الآتي من انشاء النذر لا من صحّة النذر وإلا لعاد الدور أو بالإلتزام بتخصيص حرمة الاحرام قبل الميقات والصوم في السفر في مورد انشاء النذر، ثم انّ الاحتياط لو أريد هو بالمرور على المواقيت مع تجديد التلبية فيه.

أمّا تعيين المكان وعدم الترديد فيه اقتصاراً على القدر المتيقن فلا وجه له بعد استفادة مشروعية النذر وأخويه، ومن ثم لم يخصصوه بنذر الشكر، غاية الأمر مع الاطلاق يكتفى بالمقدار المعتد به، هذا وقد تقدم عدم تعين الاحرام من الموضع المنذور وضعاً وإن تعين تكليفاً، وإن بنينا على أن النذر متضمن لتمليك الفعل له تعالى وذلك لكون الاحرام من غير موضع النذر من المواقيت ليس علّة لحنث النذر بل لازم ومقارن، لإمكان عصيانه لترك الاحرام من رأس، كما لو نذر الصلاة في المسجد الجامع فصلاها في البيت.

التجديد في الميقات، كما انّ الأحوط التأخير إلى آخر الوقت، وإن كان الظاهر جواز الاحرام قبل الضيق إذا علم عدم الادراك إذا أخّر إلى الميقات، بل هو الاولى، حيث انّه يقع باقي أعمالها أيضاً في رجب، والظاهر عدم الفرق بين العمرة المندوبة والواجبة بالأصل أو بالنذر ونحوه(1).(1) حكي عن النهاية والجامع والوسيلة وكُتب المحقق ونسبوه إلى الاتفاق، لكن لم يعنونه كثير من الأصحاب واحتمل انّ ذلك خلافاً منهم في المسألة، ويدلّ عليه معتبرة اسحاق بن عمّار قال: ((سألت أبا ابراهيم - عليه السلام - عن الرجل يجيء معتمراً ينوي عمرة رجب فيدخل عليه الهلال قبل أن يبلغ العقيق فيحرم قبل الوقت ويجعلها لرجب أم يؤخّر الاحرام إلى العقيق ويجعلها لشعبان؟ قال: يحرم قبل الوقت لرجب فإنّ لرجب فضلاً وهو الذي نوى))((1)).

نعم في صحيح معاوية بن عمّار النهي عن الاحرام قبل الوقت إلا أن يخاف فوت الشهر في العمرة((2)) من دون التخصيص برجب. وقد مرّ في فصل العمرة أنّ لكل شهر عمرة المحمول على اختصاص الفضل لكل شهر بعد مشروعية العمرة في كل يوم، كما قد تقدم ثمة صحيح عبدالرحمن بن الحجاج في مورد من أحرم في شهر وأحلّ في آخر قال: ((يكتب له في الذي نوى أو للذي نوى))((3)).

نعم قد مرّ هناك أيضاً الموثق إلى ابن بكير عن عيسى الفرّاء المتضمن لاحتساب العمرة رجبية وإن أحلّ في غيره. وعلى أي تقدير اللام في ((الشهر)) في صحيح معاوية يحتمل العهدية وإرادة رجب كما يظهر ذلك من الشيخ في التهذيب((4)) ويعضد ذلك التعليق بخصوصية فضل رجب في معتبرة اسحاق ويحتمل الجنسية لدرك فضل الشهر معتضداً بما أشرنا إليه من الروايات .


1) ([1]) ابواب المواقيت ب 12 ح2 .

2) ([2]) الباب السابق ح1 .

3) ([3]) ابواب العمرة ب 3 ح5 .

4) ([4]) ج5 ص53 .

(مسألة 2): كما لا يجوز تقديم الاحرام على الميقات كذلك لا يجوز التأخير عنها فلا يجوز لمن أراد الحج أو العمرة أو دخول مكّة أن يجاوز الميقات اختياراً إلا محرماً، بل الأحوط عدم المجاوزة عن محاذاة الميقات أيضاً إلا محرماً، وإن كان أمامه ميقات آخر، فلو لم يحرم منها وجب العود اليها مع الإمكان إلا إذا كان أمامه ميقات آخر فإنّه يجزيه الاحرام منها، إن أثم بترك الاحرام من الميقات الأول، والأحوط العود اليها مع الامكان مطلقاً، وإن كان أمامه ميقات آخر، وأما إذا لم يرد النسك ولا دخول مكة بأن كان له شغل خارج مكّة ولو كان في الحرم فلا يجب الاحرام، نعم في بعض الأخبار وجوب الاحرام من الميقات إذا اراد دخول الحرم وإن لم يرد دخول مكّة، لكن قد يدّعى الاجماع على عدم وجوبه، وإن كان يمكن استظهاره من بعض الكلمات.(1)وأمّا قول الماتن بجواز الاحرام قبل الضيق وأنّه أولى إذاأوقع باقي أعماله في رجب فمحمول على عدم مروره بالمواقيت فتكون القبلية بلحاظ المحاذاة لحدود منطقة المواقيت.

وأمّا اطلاق الحكم للعمرة الواجبة بالأصل فقد يتأمّل فيه من جهة ظهور الروايتين في العمرة الندبية ودرك الفضل فيها. لكن قد يقال بعدم تنافي الندب في الخصوصيات الفردية مع الطبيعة الواجبة، كما قد ورد الأمر بالعمرة الواجبة لمن أفرد الحج لضيق الوقت أنّه يعتمر في شهر محرم مع انّه يسوغ له اتيانها في ذي الحجة بعد الأعمال.

(1) وفي المسألة عدّة جهات:

الجهة الأولى

الجهة الأولى: في الحرمة التكليفية لتجاوز المواقيت

هذا مضافاً إلى الوضعية التي تقدمت، وقد نسب إلى المشهور القول بها، واستشكل فيها بأن ظاهر الروايات هو المفاد الوضعي كما هو المطرد في لسان بيان

الماهيات والشرائط والاجزاء ولكن يمكن أن يقرب المفاد التكليفي بأن لدخول مكة والحرم يجب النسك وهو لا يصح إلا بالاحرام الذي لا يصح إلا من المواقيت البعيدة النائية،فكماانّ النسك واجب فشرطه وشرط شرطه واجبويتبين من ذلك اختصاص المفاد التكليفي بتأخير الاحرام عن المواقيت دون ما قبلها فانّه فساد وضعي محض.

الجهة الثانية

: في عموم الحرمة الوضعية والتكليفية التبعية اثباتاً للمار على الميقات مع وجود ميقات آخر أمامه، فقد فكّك الماتن بين الحرمة التكليفية والوضعية فصحح الاحرام من الميقات الآخر وان أثم بتركه من الميقات الأول والصحيح هو التلازم بينهما سواء بنينا في دليل الحرمة التكليفية لتبع وجوب النسك أو لكون مفاد العمومات الواردة في المواقيت البعيدة هو الحرمتان معاً، بيان ذلك أمّا على الأول فلأن الوجوب التكليفي هو بلحاظ انشاء الاحرام صحيحاً لأداء النسك لدخول الحرم والفرض أنه يصح من الميقات الآخر فيتأدى الواجب بالميقات الاخر. أمّا على الثاني فلأن استفادة الحرمتين هو من لسان واحد وهو ظاهر في تجاوز المواقيت مجموعها بمعنى ان لا يقصد احرامه من أحدها بأن يحرم من بعدها أو قبلها ومن ذلك يتبين عموم الصحّة الوضعية بالاحرام من الميقات الآخر كما هو مقتضى قوله - عليه السلام - في صحيحة صفوان ((انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) وقت المواقيت لأهلها ومن أتى عليها من غير أهلها))((1)).

نعم قد تقدم في ميقات الشجرة تعين الاحرام منها وإن كان أمامه ميقات الجحفة، حيث دلّت الروايات هناك على اختصاص رخصة التأخير بالمعذور ممّا يدل على اللزوم تكليفاً بالاحرام منالميقات الأبعد السابق ويقرب أيضاً بما سيأتي في الجهة اللاحقة فيمن ترك الاحرام من المواقيت البعيدة حتى دخل الحرم أو قارب الحرم عامداً أو ناسياً أو جاهلاً أو مريضاً أنّه يرجع إلى الميقات الذي مرّ عليه تعيناً،


1) ([1]) الوسائل أبواب المواقيت باب 15 ح1 .

فالوجوب لا يخلو من قوّة في فرض دخوله منطقة المواقيت، وإن كان متجهاً إلى ميقات أمامه بعد فرض ارادته للنسك. ولا يخفى أن هذين الدليلين يصلحان شاهداً على كون الحكم تكليفياً الذي مرّ في الجهة السابقة.

الجهة الثالثة

الجهة الثالثة: في وجوب العود إلى الميقات الذي تجاوزه من دون احرام وسيأتي تنقيحها في المسألة السادسة.

الجهة الرابعة

الجهة الرابعة: من أراد دخول الحرم دون مكة فهل يجب عليه الاحرام لذلك؟ ومثله من كان في الحرم وأراد دخول مكة؟ وقد تقدم جملة من الكلام في ذلك في (مسألة3) من فصل أقسام العمرة.

وقد وادّعى صاحب المدارك الاجماع على العدم في الشق الأول ولكن ذهب العلاّمة في التذكرة ويحيى بن سعيد في الجامع، والمحقق الاردبيلي في المجمع، وكاشف اللثام، وصاحب الوسائل إلى الوجوب، استناداً إلى انّ ما ورد في الروايات سببية كل من دخول الحرم ودخول مكة للوجوب كما هو الشأن في سائر موارد تعدد الأسباب، وإن كان بينهما تصادق، لاسيّما وانّ النسبة بينهما هنا من وجه لا العموم والخصوص المطلق كي يحمل المطلق على المقيّد، وما ورد من الروايات في المقام على ألسن: منها ما كان لسانه عدم دخول الحرم إلا محرماً كصحيح عاصم بن حميد قال: ((قلت لأبي عبداللّه - عليه السلام - يدخل الحرم أحد إلا محرماً؟ قال: لا إلا مريضاً أو مبطوناً))((1))ومثله صحيح محمد بن مسلم((2)) وغيرها. والصحيح إلى حفص بن البختري عن رجل عن أبي عبداللّه - عليه السلام -((3)). ومنها ما كان بلسان لزوم الاحرام لدخول مكة كصحيح محمد بن مسلم قال: ((سألت أبا جعفر - عليه السلام - هل يدخل الرجل مكة بغير احرام؟ قال: لا، إلا مريضاً أو


1) ([1]) ابواب الاحرام ب 50 ح1 .

2) ([2]) ابواب الاحرام ب 50 ح2، إلا أن في التهذيب «مكة» بدل «الحرم».

3) ([3]) ابواب الاحرام ب 51 ح4 .

(مسألة 3): لو أخّر الاحرام من الميقات عالماً عامداً ولم يتمكّن من العود إليها لضيق الوقت أو لعذر آخر ولم يكن أمامه ميقات آخر بطل إحرامه وحجّه على المشهور والأقوى، ووجب عليه قضاؤه إذا كان مستطيعاً، وأما إذا لم يكن مستطيعاً فلا يجب،وإن أثم بترك الاحرام بالمرور على الميقات، خصوصاً إذا لم يدخل مكة والقول بوجوبه عليه ولو لم يكن مستطيعاً بدعوى وجوب ذلك عليه إذا قصد مكّة

به بطن))((1)).

وصحيحة رفاعة بن موسى قال: ((سألت أبا عبداللّه - عليه السلام - عن رجل به بطن ووجع شديد يدخل مكة حلالاً؟ قال: لا يدخلها إلا محرماً))((2)).

وحمل اللسان الأول على الاشارة والكناية عن دخول مكة لكون الغالب في من يقصد الحرم هو دخول مكة، مضافاً إلى ما يظهر من الروايات في المقام من كون تحريم الحرم هو لأجل تحريم مكة، فحرمته من حرمتها فيحمل المطلق على المقيّد.

وفيه: انّ النسبة بين اللسانين هي العموم من وجه كما تقدم، والاطلاق وإن لم يختص بالفرد النادر إلا انّه يشمله أيضاً ولا ينصرف عنه، مع انّ موارد الافتراق ليست من الندرة بمكان بل هي القليل في قبال الغالب، ومن ثم يظهر ضعف دعوى اللغوية في سببية كل من الحرم ومكة.

كما انّ مقتضى حرمة الحرم ولو لأجل حرمة مكة، هو عدم دخوله إلا محرماً. وبعبارة أخرى انّ مقتضى توسعة مكة لكل الحرم، هو حرمة الحرم أيضاً، كما أشار إلى ذلك العلاّمة في المنتهى من أن هذا الحكم هو بمنزلة صلاة التحية للمسجد، بل قد يقال انّ ذلك يوجب عدم سببية مكة للاحرام لو انفردت عن الحرم كما في من خرج من مكة إلى موضع في الحرم في شهر لاحق على دخوله الأول لأنه لم يخرج من حرمة مكة. إلا انّ الصحيح سببية كلّ منهما للاحرام بعد أخذهما في لسان الدليل، والتحريم والحرمة حيثية تعليلية لذلك لا تقييدية.


1) ([1]) ابواب الاحرام ب50 ح4.

2) ([2]) ابواب الاحرام ب 50 ح3 .

فمع تركه يجب قضاؤه لا دليل عليه، خصوصاً إذا لم يدخل مكّة، وذلك لأن الواجب عليه انّما كان الإحرام لشرف البقعة كصلاة التحيّة في دخول المسجد فلا قضاء مع تركه، مع انّ وجوب الإحرام لذلك لا يوجب وجوب الحجّ عليه، وأيضاً إذا بدا له ولم يدخل مكّة كشف عن عدم الوجوب من الأول، وذهب بعضهم إلى أنه لو تعذّر عليه العود إلى الميقات أحرم من مكانه، كما في الناسي والجاهل نظير ما إذا ترك التوضي إلى أن ضاق الوقت فانّه يتيمم وتصحّ صلاته وان أثم بترك الوضوء متعمداً، وفيه انّ البدلية في المقام لم تثبت، بخلاف مسألة التيمّم، والمفروض أنه ترك ما وجب عليه متعمّداً(1).(1) أمّا البطلان فقد نسب إلى المشهور أو الأكثر، وذهب كاشف اللثام والنراقي في المستند إلى صحّة تجديد الاحرام من أدنى الحل أو من موضعه عند التعذر وإن بطل الاحرام السابق، بل احتمل ذلك من اطلاق عبارة المبسوط((1)

وذكر في مورد آخر (ج1 ص312): ومن أخّر احرامه عن الميقات متعمداً أو ناسياً وجب عليه أن يرجع فيحرم منه إن أمكنه، وإن لم يمكنه الرجوع لضيق الوقت وكان تركه عامداً فلا حج له. وقد قيل: انّه يجبره بدم وقد تمّ حجه.

إلا انّ عبارته هذه قبل السابقة.

) والمصباح ومختصره.

فيقع الكلام في أمور:

الأول: في بطلان احرامه الذي أخّره عن المواقيت. ويدلّ عليه المطلقات الواردة في تقييد الاحرام بالمواقيت، وخصوص دلالة بعضها، وقد تقدم في (مسألة1).

الثاني: في بيان مقتضى وظيفته بعد بطلان احرامه السابق وفيه صورتان الأولى بفرض سعة الوقت وأخرى ضيقه فأمّا مع سعة الوقت فاللازم عليه الرجوع للاحرام من


1) ([1]) قال في المبسوط: انّ من أراد الحج أو العمرة أحرم من ميقات فإن جازه محلاً رجع إليه مع الامكان، وكذلك إن جازه غير مريد الحج ولا العمرة ثم تجددت له نيّة الحج أو العمرة رجع إليه فأحرم منه مع الامكان فإن لم يمكنه أحرم من موضعه.

المواقيت البعيدة أو إلى الميقات الذي مرّ عليه كما سيأتي بيانه في المسألة السادسة من هذا الفصل. هذا فيما لو كان قاصد النسك أو الدخول للحرم ومكة، وأمّا لو بدا له أن لا يدخل الحرم ولم يكن مستطيعاً فيكشف عن عدم وجوب الاحرام عليه. ولعل ما ذهب إليه الشهيد الثاني من وجوب القضاء عليه فيحمل على عمرة التمتع لأنه من قبيل من ترك الاحرام من المواقيت البعيدة وكان أمامه ميقات آخر فيما لو أحرم قبل مرحلتين من مكة لأنها مقدار بعد أقرب المواقيت المقوم لماهية حج التمتع، وكذا في العمرة المفردة بناء على أن أدنى الحل هو ميقاتاً للعمرة المفردة وكذا في حج الافراد والقران حيث لا تتقوم ماهيتها بالبعد.

لكن لو صح هذا التوجيه لكان اللازم تصحيح الاحرام والنسك المأتي به بعده لا وجوب القضاء.

الصورة الثانية: ما لو تعذر الوقت، فقد عرفت ذهاب جماعة إلى صحّة تجديد الاحرام من موضعه، لعلّ ما نسب إلى المشهور من البطلان انّما هو بلحاظ الاحرام السابق من دون تعرض لهم إلى فرض التعذر فلابد من ملاحظة كلماتهم، وعلى أي تقدير فقد استدلّ بصحيحة الحلبي قال: ((سألت أبا عبداللّه(صلى الله عليه وآله) عن رجل ترك الاحرام حتى دخل الحرم، فقال يرجعإلى ميقات أهل بلاده الذي يحرمون منه فيحرم فإن خشي أن يفوته الحج فليحرم من مكانه، فإن استطاع أن يخرج من الحرم فليخرج))((1)).

حيث انّ اطلاق ((ترك)) شامل، لما لو كان عامداً، بل قد يقال انّ اسناد ((ترك)) للفاعل ظاهر في اصدار الفعل عن إرادة واختيار وعمد. وقد يؤيد هذا الاطلاق بما تقدم من صحيح صفوان عن أبي الحسن الرضا - عليه السلام - ((انّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) وقت المواقيت لأهلها ومن أتى عليها من غير أهلها وفيها رخصة لمن كانت به علّة فلا تجاوز الميقات إلا من


1) ([1]) ب14 ابواب المواقيت ح7 .

علّة))((1)) بناءً على شمول العلّة لمطلق التعذر، وأشكل على ذلك صاحب الجواهر بالتمسك بعموم الروايات الواردة في المواقيت الناهية عن التعدي عنها، فلا يرفع اليد عنها بعد استفاضتها وتواترها، وان مقتضى حمل الترك من المسلم على الصحة هو عدم كون الترك عمدياً.

وفيه: انّ التمسك باطلاق البدلية للعامد لا ينافي الأدلّة الأولية لأن مقتضاها الاثم وفساد المركب برتبته الأولية. وأمّا اطلاق دليل البدل للعامد فنظير اطلاق بدلية التيمم عند ضيق الوقت للعامد، ونظير اطلاق ادراك ركعة من الصلاة في الوقت عن وقوع الصلاة بتمامها في الوقت للعامد، ونظير اطلاق النصف الثاني من الليل بدلاً عن النصف الأول في صلاة العشاء للعامد، وغيرها من موارد اطلاقات أدلّة الابدال الاضطرارية. وإلى ذلك يشير استدلال البعض من التنظير بهذه الموارد الذي حكاه الماتن. نعم الاحتياط حسن على كل حال.

ثمّ انّه قد عرفت عدم الموجب لقضاء النسك مالم يكن مستطيعاً وهو ليس من القضاء الاصطلاحي، بل أداء لما استقر عليه في ذمّته. نعم لو دخل الحرم أو مكة وجب عليه الاحرام من الميقات واتيان النسك الذي هو بمنزلة تحيّة للدخول، فلا يسقط بالمكث بعد الدخول كما هو الحال في صلاة تحيّة المسجد، فانّها نحو تعظيم واحترام لا يفوت موضوعها بطول البقاء. نعم لا يكون الدخول سبباً لاشتغال الذمّة وضعاً كالاستطاعة، بل مادام في الحرم فهو لايزال مخاطباً بذلك، وإذاخرج فاتيانه للاحرام والنسك للزوم اعدام عنوان المعصية بقاءً عقلاً.

فرع:

قد ذكر السيد الخوئي(قدس سره) بطلان حج العامد الذي أخّر احرامه فيما إذاكان متمكناً


1) ([2]) ب 17 ابواب المواقيت ح1 .

(مسألة 4): لو كان قاصداً من الميقات للعمرة المفردة وترك الإحرام لها متعمّداً يجوز له أن يحرم من أدنى الحلّ، وإن كان متمكّناً من العود إلى الميقات فأدنى الحلّ له مثل كون الميقاتأمامه وإن كان الأحوط مع ذلك العود إلى الميقات، ولو لم يتمكّن من العود ولا الإحرام من أدنى الحلّ بطلت عمرته(1).

من العود إلى الميقات وصحح تجديد احرام العامد من موضعه عند ضيق الوقت. والظاهر انّ الصورة الأولى محمول البطلان فيها فيما إذاأتى بالنسك بالاحرام السابق أو تجديد الاحرام من موضعه مع فسحة الوقت، اذ لا دليل على صحّة الاحرام حينئذ فضلاً عن النسك، بخلاف مالو توانى حتى إذااضيق الوقت فيندرج في عموم صحيح الحلبي أيضاً.

(1) ذهب إليه النراقي في المستند، وصاحب الجواهر، وكذا الماتن إلى كون ادنى الحل ميقاتاً للعمرة مطلقاً، لمن كان في مكة، أو لمن مرّ على المواقيت البعيدة ولم يحرم منها، استظهاراً لعدم الخصوصية مما قد ورد من الروايات الدالّة على كون أدنى الحل ميقاتاً للعمرة المفردة لمن كان في مكة وقد تقدمت تلك الروايات((1)) في الميقات العاشر. كما قد تقدمت في (المسالة4) من فصل أقسام الحج في قاعدة تقوّم التمتع بالاحرام من بعد روايات((2)) دالّة على الاجتزاء بالاحرام من أدنى الحل لعمرة التمتع لمن كان بمكة مثل المجاور وغيره، وقد تقدم حملها أيضاً على المضطر ومن ضاق وقته لقرائن فلاحظ، مع أنّها في من كان مجاوراً أو داخلاً مكة بنسك سابق وقد تحلل منه، ومن الحمل المزبور لها يخرج شاهداً على اختصاص أدنى الحل لمن كان في مكة لا للنائي المار على المواقيت البعيدة، ولا لمن كان دونها ممن ميقاته دويرية أهله.


1) ([1]) ابواب أقسام الحج ب8 ح2 - ب9 ح3 و5 و7 - ب21 ح2، ابواب المواقيت ب22 ح1و2 .

2) ([2]) ابواب أقسام الحج ب 9 ح3 - 6 - 9 - ب10 ح2 - ب4 ح20 - ب8 ح2 .

نعم قد يظهر ذلك من صحيح عبدالرحمن بن الحجاج عن أبي عبداللّه - عليه السلام - حيث علل - عليه السلام - أمره لأصحابه بالاحرام من الجعرانة لحج الافراد لقوله لسفيان عندما قال له: ((ما يحملك على أن تأمر أصاحبك ياتون الجعرانة فيحرمون منها، قلت له: هو وقت من مواقيت رسول اللّه(صلى الله عليه وآله)، فقال: وأي وقت من مواقيت رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) هو؟ فقلت: أحرم منها حين قسّم غنائم حنين ومرجعه من الطائف فقال: انّما هذا شيء أخذته من عبداللّه بن عمر كان إذا راى الهلال صاح بالحج، فقلت: أليس قد كان عندكم مرضياً، فقال: بلى، أمّا علمت انّ أصحاب رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) أحرموا من المسجد فقلت: انّ اولئك كانوا متمتعين في أعناقهم الدماء، وانّ هؤلاء قطنوا مكة فصاروا كأنهم من أهل مكة، وأهل مكة لا متعة لهم، فاحببت أن يخرجوا من مكة إلى بعض المواقيت وان يستغبوابه أيّاماً فقال لي وأنا أخبره، انهاوقت من مواقيت رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) يا أبا عبداللّه فانّي أرى لك أن لا تفعل، فضحكت فقلت: ولكني أرى أنهم يفعلوا...))((1))

ووجه دلالتها على كون أدنى الحل ميقات للعمرة المفردة موضعان:

الأول: قوله - عليه السلام - ((انّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) أحرم منها - الجعرانة - حينما قسّم غنائم حنين ومرجعه من الطائف)) حيث انّ عمرة رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) من الجعرانة مع انّه كان في حنين قرب الطائف محاذياً لقرن المنازل ولذات عرق، اذ حنين تقع بينها، كما تقدم ذلك في تحديد قرن المنازل فلاحظ ولذلك عبّر في الروايات انّه (صلى الله عليه وآله) أقبل من الطائف مرجعه من حنين حينما قسّم الغنائم. فقد كان(صلى الله عليه وآله) عندما كان قاصداً إلى مكة موضعه من بعد يقارب المواقيت البعيدة أو يحاذيها فلو كانت هي ميقاتاً للعمرة المفردة لمن يمر عليها على نحو التعين كان اللازم احرامه منها أو من موضعه من حنين بعدما قسّم الغنائم كما فيمن مرّ على المواقيت ولم يقصد النسك فدخل في منطقة المواقيت فبدا له النسك فانّه يتعين عليه الاحرام من موضعه، إلا انّه (صلى الله عليه وآله) أحرم من أدنى الحل.


1) ([1]) ب9 ابواب أقسام الحج ح5 .

لا يقال: انّ مسيره إلى حنين كان بعدما جاور مكة أيّاماً لدخوله في عام الفتح فلم يكن ملزماً لدخول مكة بالاحرام والعمرة مضافاً لانطباق عنوان المجاور عليه.

فانّه يقال: انّ دخول رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) مكة في عام الفتح كان محلاًّ لما ورد من انّ مكة أحلت له ساعة من النهار لم تحل لأحد قبله ولا لأحد بعده((1))، كما انّ مكثه في مكة بعد الفتح لم يكن طويلاً حتى خروجه إلى حنين، فقد كان فتح مكة لعشر بقين من شهر رمضان ثم خرج (صلى الله عليه وآله) لست ليال خلون من شوال((2)) .

ويتبين من ذلك انّ رجوعه إلى مكة كان في شهر آخر غير شهر دخوله للفتح مع أنه لم يكن قد أتى بنسك لأجل الفتح، والمجاور إذا ابتعد للمواقيت البعيدة حكمه حكم النائي لا المجاور .

فتحصّل من تقريب الدلالة في هذا الأمر انّ عمرته(صلى الله عليه وآله) من الجعرانة دالّة على انّ أدنى الحل ميقاتاً للعمرة المفردة مطلقاً، ولو لغير المجاور أي للنائي بل مقتضى فعله(صلى الله عليه وآله) انّ ذلك جائز وسائغ فلا يجب الاحرام لها من بعد، ولا أثم في تركه إنلم نبني على اجمال الفعل من هذه الناحية، ولا يتوهّم اجمال الفعل من الناحية الأولى أيضاً، لأن الفعل وإن كان عملاً في نفسه إلا انّه - عليه السلام - قد استشهد بفعله (صلى الله عليه وآله)لمشروعية أدنى الحل كوقت شرّعه(صلى الله عليه وآله)، وبمثل هذه الدلالة يقرب صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبداللّه - عليه السلام - قال: ((اعتمر رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) ثلاث عمر متفرقات عمرة في ذي القعدة أهلّ من عسفان، وهي عمرة الحديبية وعمرة أهلّ من الجحفة وهي عمرة القضاء، وعمرة أهلّ من الجعرانة بعدما رجع من الطائف من غزوة حنين))((3))، ومثلها موثق أبان إلا انّ فيه ((ومن الجعرانة حين أقبل من الطائف))((4)).


1) ([2]) ابواب الاحرام ب50 .

2) ([3]) المغازي للواقدي ج2 ص889 .

3) ([1]) ب2 ابواب العمرة ح2 .

4) ([2]) ب2 ابواب العمرة ح3 .

(مسألة 5): لو كان مريضاً لم يتمكن من النزع ولبس الثوبين يجزيه النيّة والتلبية، فإذا زال عذره نزع ولبسهما ولا يجب حينئذ عليه العود إلى الميقات، نعم لو كان له عذر عن أصل إنشاء الإحرام لمرض أو إغماء ثمّ زال وجب عليه العود إلى الميقات إذا تمكّن، وإلا كان حكمه حكم الناسي في الإحرام من مكانه إذا لم يتمكّن إلا منه، وإن تمكّن العود في الجملة وجب، وذهب بعضهم إلى انه إذا كان مغمى عليه ينوب عنه غيره لمرسل جميل عن أحدهما(عليهما السلام) في مريض أغمي عليه فلم يفق حتى أتى الموقف، قال - عليه السلام -: يحرم عنه رجل. والظاهر انّ المراد أنه يحرمه ويجنّبه عن محرّمات الاحرام، لا أنه ينوب عنه في الاحرام، ومقتضى هذا القول عدم وجوب العود إلى الميقات بعد إفاقته، وإن كان ممكناً، ولكن العمل به مشكل،

الثاني: قوله - عليه السلام - في صحيح عبدالرحمن بن الحجاج المتقدمة ((انّ اولئك كانوا متمتعين في أعناقهم الدماء)) تعليلاً للاحرام من المواقيت البعيدة ومقتضاه تقوّم ماهية حج التمتع والاحرام من المواقيت البعيدة واختصاصه بذلك دون بقية النسك من العمرة المفردة ومن حج الافراد والقران ويعضد هذا الظهور ما تقدم تقريبه في الصحيحة من الأمر الأول حيث انّه - عليه السلام - بيّن عمرة رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) من الجعرانة كبيان لمشروعية وقت أدنى الحل لمن لم يكن متمتعاً. نعم قوله - عليه السلام - بعد ذلك ((وانّ هؤلاء قطنوا مكة فصاروا كأنهم من أهل مكة وأهل مكة لا متعة لهم فأحببت أن يخرجوا من مكة إلى بعض المواقيت...)) يدفع الظهور السابق، ويظهر منه انّ منشأ الاحرام من أدنى الحل هو جوارهم، لكن الصحيح عدم المدافعة بين الظهورين لأن هذا التعليل الثاني ذكره - عليه السلام - لنفي وجوب متعة عليهم فلم يلزموا بالاحرام من المواقيت البعيدة التي هي قوام ماهيّة حج التمتع، فتحصّل انّ ما ذهب إليه النراقي وصاحب الجواهر والماتن لا يخلو من قوّة بل قد يستظهر عمومالحكم للافراد والقران وان أثم بترك الاحرام من المواقيت البعيدة فيكون أدنى الحل ميقاتاً لمطلق النسك عدا التمتع.

لإرسال الخبر وعدم الجابر فالأقوى العود مع الامكان وعدم الاكتفاء به مع عدمه(1).

(1) ذكر الماتن في المسألة فرعين:

الفرع الأول: فيما لو لم يتمكن من نزع المخيط ولبس الثوبين كالمريض ونحوه، ويظهر من الكلمات ثلاثة أقوال الأول: انّه ينوي ويلبي في الميقات فيعقد احرامه وإن لم ينزع المخيط حتى يرتفع عذره وهو مختار ابن إدريس، والفاضل في المختلف والمنتهى وذهب إليه أكثر متأخري الأعصار. والثاني: وهو المحكي عن الشيخ في النهاية أنّه يؤخّر الاحرام إلى زوال العذر وكذا المبسوط وابن حمزة في الوسيلة وقال كاشف اللثام انّه ظاهر أكثر العبارات. والثالث: كما في كثير من العبائر جواز التأخير إلى زوال العذر، فإن أمكنه العود فيعود إلى الميقات أو يحرم من مكانه كما في الشرائع والقواعد والمعتبر والمستند والرياض والحدائق الميل إليه، وهو مختار أكثر متأخري الأعصار في كتبهم الاستدلالية، وبين الأقوال ثمرات وفوارق كما سيتبين. ووجه قول ابن ادريس كما يظهر من كلامه انّ العذر رافع لوجوب نزع المخيط ولبس الثوبين وليس برافع لوجوب عقد الاحرام بالنية والتلبية سواء بنينا على أنّ لبس ثوبي الاحرام ونزع المخيط ليس شرطاً في عقد الاحرام وانّما هو واجب مستقل، كما سيأتي أو بني على انّه شرط في عقد الاحرام أمّا على الأول فواضح إذ لا مانع من عقد الاحرام والعذر لواجب آخر لا ربط له بالاحرام، وأمّا على الثاني فمقتضى رافعية الاضطرار رفع شرطية لبس ثوبين فقط لأنه المضطر إليه دون أصل الماهيّة.

نعم قد يقال انّ مقتضى القاعدة على الثاني هو الدوران بين شرطية الاحرام وشرطية الوقت، لأنه إن أخّر الاحرام لزوال العذر أمكنه أن يأتي بلبس الثوبين، وإن قدّم الاحرام في الوقت أمكنه أن يأتي بشرطية الوقت، وقد ترجح شرطية الوقت لاحتمالية الأهمية لظاهر لسان الأدلّة، وأشكل على ذلك كاشف اللثام بأنّه الزام

بالكفارة أو الكفارات عليه ولكنه مطابق الاحتياط.

وأما وجه الشيخ فقد استدلّ له بصحيح صفوان بن يحيى عن أبي الحسن الرضا - عليه السلام -....وفيها رخصة لمن به علّة فلا تجاوز الميقات إلا من علّة((1)).وبالصحيح إلى أبي شعيب المحاملي عن بعض أصحابنا عن أحدهم(عليهم السلام) قال ((إذاخاف الرجل على نفسه أخّر احرامه إلى الحرم))((2)).

بتقريب ظهورهما في غير المغمى، اذ خوف الرجل يقتضي التفاته إلى التأخير وكذا ظهور تجاوز الميقات بسبب العلّة ظاهر في الملتفت غير المغمي عليه أي في القادر على النيّة والتلبية، فيكون ظهور العلّة المرخصة في العذر من لبس ثوبي الاحرام والتقيد بالتروك.

وقد استعملت اللفظة في ذلك في صحيحة أبي بصير قال: ((قلت لأبي عبداللّه - عليه السلام -خصال عابها عليك أهل مكة، قال: وما هي؟ قال: قلت: قالوا أحرم من الجحفة ورسول اللّه(صلى الله عليه وآله)أحرم من الشجرة، قال: الجحفة أحد الوقتين، فأخذت بأدناهما، وكنت عليلاً))((3)).

ويؤيد كلام الشيخ أيضاً ما ورد في الصبيان أنه يحرم بهم من فخ((4)) بناءً على ظهور الروايات في تأخر الاحرام بهم كما هو الأصح، مع انّ عقد الاحرام بالنيّة والتلبية مقدور لهم من الشجرة.

هذا وقد يعارض كل ذلك برواية الحميري ((انّه كتب إلى صاحب الزمان - عليه السلام - يسأله عن الرجل يكون مع بعض هؤلاء ويكون متصلا بهم يحج ويأخذ عن الجادة ولا يحرم هؤلاء من المسلخ، فهل يجوز لهذا الرجل أن يؤخّر احرامه إلى ذات عرق فيحرم معهم لما يخاف من الشهرة، أم لا يجوز إلا أن يحرم من المسلخ)).


1) ([1]) ب15 ابواب المواقيت ح1 .

2) ([1]) ب16 ابواب المواقيت ح3 .

3) ([2]) ب6 ابواب المواقيت ح4 .

4) ([3]) ب18 ابواب المواقيت.

فكتب إليه في الجواب ((يحرم من ميقاته ثم يلبس الثياب ويلبي في نفسه فاذا بلغ إلى ميقاتهم أظهره))((1)) .

ورواه الشيخ في الغيبة بسند معتبر((2)) وقد فصلنا اعتباره في ميقات العقيق فلاحظ. وقد مرّ تقريب دلالته في ميقات العقيق والاختلاف فيها.

وعلى أي تقدير ففي قوله - عليه السلام - يلبس الثياب ويلبي في نفسه. دلالة على مقارنة التلبية للبس المخيط، والظاهر ممّن اشترط لبس ثوبي الاحرام في عقده هو لبسها ونزع المخيط.فقد يجمع بينه وبين ما تقدم من صحيح صفوان ورواية المحاملي بتخصيصهما بالمغمي ونحوه ممن لا يقدر على عقد الاحرام، بخلافه ولكنه محل تأمّل لما عرفت من ظهورهما في المانع عن نزع المخيط ولبس ثوبي الاحرام والتروك دون عقد الاحرام.

وقد يحمل كما في كشف اللثام التأخير في العذر على صورة عدم امكان الرجوع بعد زوال العذر لعدم الاطلاق في صحيح صفوان ورواية المحاملي، بخلاف صورة الامكان فيتعين الرجوع لو أخّره أو عقده بالنيّة والتلبية من دون تأخير مع لبس المخيط، ويعضد عدم الاطلاق ظهور الأدلّة العذرية في التقدر بحسب الضرورة وهي في صورة ضيق الوقت، وعلى هذا الجمع يتبين الفرق بين القول الأول والقول الثالث فإنّه على الأول يتعين في ضيق الوقت بل ومطلقاً عقد الاحرام في الميقات بالنيّة والتلبية وإن لبس المخيط، وعلى القول الثالث لا يجب عقده في الميقات بل يؤخّره حتى يزول العذر فيحرم من موضعه أو أدنى الحل، ولا يخفى انّ اطلاق القائلين بالقول الثالث - في جواز التأخير مع العلّة ثم تفصيلهم بين امكان الرجوع وعدمه، عملاً باطلاق صحيح صفوان والمحاملي في جواز التأخير - لا يخلو من تدافع، لأن


1) ([4]) ب2 ابواب المواقيت ح10 وح11 .

2) ([5]) غيبة الشيخ الطوسي ص235، ط.طهران.

(مسألة 6): إذا ترك الاحرام من الميقات ناسياً أو جاهلاً بالحكم أو الموضوع وجب العود اليها مع الإمكان، ومع عدمه فإلى ما أمكن إلا إذا كان أمامه ميقات

مقتضى ظاهر الرواية يتبين كما اعترف به غير واحد هو سقوط الرجوع إلى الميقات للعلّة كما هو الحال في احرام الصادق - عليه السلام - من الجحفة بسبب العلّة دون الشجرة، وان كان ذلك فيمن أمامه ميقات. ثم انّه لو كان الوقت باقياً ولم يمكنه الرجوع لبقاء ممانعة العلّة عن الاحرام من بعد فحكمه يندرج في غير المتمكن من الرجوع فيحرم من موضعه أو أدنى الحل حيث يتمكن من الاحرام. ولا يبعد ظهور صحيح صفوان والمحاملي في خصوص هذا الفرض ونحوه من ضيق الوقت، وأما زوال العذر من رأس مع بقاء الوقت وامكان الرجوع فلا يبعد انصراف الاطلاق عنه ويكون من قبيل تبدل الموضوع حينئذ فيلزم بالرجوع. ويجمع بين رواية الحميري وبينهما بحملهما على من به علّة مستمرة وممانعة عن العود إلى الميقات أيضاً، بخلاف من يتمكن من الرجوع وترتفع عنه العلّة من مرض أو خوف فانّه يحرم بالنية والتلبية ويعذر في لبس المخيط وإلا فانّ أخّر وارتفعت عنه العلّة فيلزم عليه العود بالتفصيل المتقدم.

الفرع الثاني: لو كان له عذر عن انشاء أصل الاحرام لمرض أو اغماء فهل ينوب عنه غيره بأن يقوم بالاحرام فيه أم يجب عليه العود إذا زال العذر مع التمكن، ومع عدم التمكن فمن مكانه.

حكي الأول عن الشيخ في كتبه وابن جنيد في الاحمدي، وابن برّاج وابن سعيد والمحقق في المعتبر والعلاّمة في القواعد والشهيد في الدروس.ويستدل لهم بالصحيح إلى جميل بن درّاج عن بعض أصحابنا عن أحدهم(عليهم السلام)((في مريض أغمي عليه فلم يعقل حتى أتى الوقت قال: يحرم عنه رجل))((1)).

واشكل على دلالتها في نسخ كل من التهذيب والكافي وموضع أخر من الوسائل


1) ([1]) ب20 ابواب المواقيت ح4 .

آخر، وكذا إذا جاوزها محلاًّ لعدم كونه قاصداً للنسك ولا لدخول مكّة، ثمّ بدا له ذلك فإنّه يرجع إلى الميقات مع التمكّن، وإلى ما أمكن مع عدمه(1).

((حتى أتى الموقف)) فهي غير ما نحن فيه، وعلى سندها بالارسال.

وفيه: انّه لو بني على انّ النسخ ((الموقف)) فلا تخلو دلالتها من وجه على المقام وذلك لفهم مشروعية الاحرام عن المغمى عليه في الجملة مع احتمال الدلالة على تقدير نسخة ((الموقف)) بارادة الاحرام عنه في الوقت بمعنى أن اللازم في مثله هو ذلك، ولك أن تقول: انّه على تقدير (الموقف) وكون النيابة في الاحرام هو عنه في الموقف فهي أيضاً دالّة بالالتزام على الاحرام عنه في الوقت، كما لو علم من حال المغمى عليه وهو في الوقت انّ اغمائه مستمر إلى بدء الأعمال ولا معنى للقول بأن الرواية دالّة على تأخر الاحرام إلى الموقف في هذه الصورة.

هذا ويمكن الاستدلال للقول الأول أيضاً بصحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبداللّه - عليه السلام - قال: ((إذاكانت المرأة مريضة لا تعقل فليحرم عنها، ويتقى عليها ما يتقى عن المحرم، ويطاف بها أو يطاف عنها ويرمى عنها))((1)) وهي نص في المطلوب بل يستفاد منها عموم مشروعية ايقاع الحج في المعذور، وان لم يمكن في بعض الأعمال ايقاع الحج فيه بأن يطاف به ويسعى به، فتصل النوبة إلى الطواف عنه كما انّه لا يخفى انّ الاحرام عنه هو النيابة في التلفظ وإيقاع الاحرام فيه لا بمعنى النيابة بالحج والعمرة بحيث يكون النائب محرماً دون المنوب عنه، وقد تقدم ذلك في الحج بالصبيان فلاحظ.

(1) قد ذكر الماتن في المسالة عدّة شقوق وتقدم الحال في جملة منها، والمحصل من ذلك:

الأول: فيمن ترك الاحرام ناسياً أو جاهلاً مع تمكنه من العود إليه فحينئذ يجب


1) ([2]) ب47 ابواب الطواف ح4 .

العود لدلالة النصوص الكثيرة عليه، كصحيحة الحلبي قال: ((سألت أبا عبداللّه - عليه السلام - عن رجل ترك الاحرام حتى دخل الحرم، فقال: يرجع إلى ميقات أهل بلاده الذي يحرمون منهفيحرم، فإن خشي أن يفوته الحج فليحرم من مكانه، فإن استطاع أن يخرج من الحرم فليخرج))((1)). وهي مطلقة شاملة لهما ولغيرهما من موجبات الخلل حتى العمد.

وفي صحيحه الاخر((2)) نص على خصوص الناسي.

وفي صحيح معاوية((3)) الآتي نص على الجاهل.

الثاني: مع عدم التمكن فهل يرجع إلى ما أمكن أو يجزئه الخروج إلى أدنى الحل قولان، ظاهر جملة من الروايات الثاني ففي صحيح الحلبي ((فإن خشي أن يفوته الحج أحرم من مكانه فإن استطاع أن يخرج من الحرم فليخرج ثم ليحرم)) .

وصحيحة عبداللّه بن سنان وفيها ((فقال: يخرج من الحرم ويحرم ويجزيه ذلك))((4)).

وفي صحيح ابو الصبّاح الكناني قال: ((سألت أبا عبداللّه - عليه السلام -: عن رجل جهل أن يحرم حتى دخل الحرم كيف يصنع؟ قال: يخرج من الحرم ثم يهل بالحج))((5)) وغيرها من الروايات((6)).

ويدلّ على الأول صحيحة معاوية بن عمّار قال: ((سألت أبا عبداللّه - عليه السلام - عن امرأة كانت مع قوم فطمثت فأرسلت اليهم فسألتهم فقالوا: ما ندري أعليك احرام أم لا وانت حائض، فتركوها حتى دخلت الحرم فقال - عليه السلام -: إن كان عليها مهلة فترجع إلى الوقت فلتحرم منه، فإن لم يكن عليها وقت فلترجع إلى ما قدرت عليه بعدما تخرج من الحرم بقدر ما لا يفوتها))((7)).

وقد يجمع بينها وبين ما تقدم من طائفة الروايات تارة بالحمل على الاستحباب،


1) ([1]) ب14 ابواب المواقيت ح7 .

2) ([2]) ب14 ابواب المواقيت ح1 .

3) ([3]) المصدر السابق ح4 .

4) ([4]) المصدر السابق ح2 .

5) ([5]) المصدر السابق ح3 .

6) ([6]) المصدر السابق.

7) ([7]) المصدر السابق ح4 .

وهو ضعيف لأن النسبة بينهما الاطلاق والتقييد لا التباين.

وأخرى بحمل هذه الرواية على خصوص الحائض وتلك في مطلق التارك، ولاسيما وأن الطائفة الأولى من الروايات لم تتعرض إلى ذلك أصلاً فلو كان هو الواجب لما أهملت ذكره في كل تلك الروايات، لاسيّما وانّ من يستطيع أن يخرج من الحرم يمكنه التباعد بمقدار مائة ذراع ونحوه فلو كان واجباً لنبّهت عليه.وفيه: انّ تخصيص الحكم بالحائض خلاف الظاهر وانهامن باب عموم من ترك الاحرام في الميقات.

وأما عدم تعرض جملة من الروايات لذلك، فغير ضائر بعد اختلاف ألسنتها فبعضها اقتصر فيه على الخروج من الحرم من دون تعرض إلى الرجوع إلى الميقات، وبعضها تعرض لكليهما، وثالث تعرض إلى الاحرام من مكانه وبعضها اقتصر على الرجوع إلى ميقات أهل بلاده فكل ذلك ناظر إلى اختلاف الفروض والحالات، وأمّا الرجوع بقدر مائة ذراع ونحوه فلا يعدّ من مصاديق الرجوع بما أمكن لأن المراد منه الرجوع بقدر معتدّ به كالفراسخ والمنزل والمنازل أي بحسب أسماء المناطق، وهذا هو الأقوى.

هذا ولو كان أمامه ميقات فقد عرفت فيما تقدم انّه يجزئه الاحرام منه بلا حاجة للرجوع إلى الميقات الأول.

ثم انّ في مصحح علي بن جعفر ما ينافي الحكم في هذا الفرع والفرع السابق عن أخيه - عليه السلام - ((سألته عن رجل ترك الاحرام حتى انتهى إلى الحرم فأحرم قبل أن يدخله فقال: إن فعل ذلك جاهلاً فليبن من مكانه ليقضي فإن ذلك يجزئه إن شاء الله، وإن رجع إلى الميقاتالذي يحرم منه أهل بلده فانّه أفضل))((1)).


1) ([1]) المصدر السابق ح10 .

فقد يحمل على المشقة في العود إلى الميقات ويشهد لذلك تقيد الإجزاء بالاحرام من أدنى الحل بكونه جاهلاً أي لبيان العذر وجريان قاعدة الحرج إذ لو كان متعمداً فلا تجري القاعدة في حقّه.

ويعضد ذلك بيان المصحح لمشروعية الرجوع إلى الميقات وانّه رخصة مما يتلاءم بأن المرفوع هو العزيمة لا أصل التكليف بسبب الحرج.

وعلى أي حال فلا يمكن حمل جميع الروايات المتقدمة على الاستحباب بتوسط هذا المصحح بعد احتماله لما ذكرنا، وبعد كون التعارض مستقر بينه وبينها لو بنينا على دلالته على الاستحباب لأن التشقيق فيما تقدم صريح في اللزوم، وهي أكثر عدداً ومطابقة للسنة القطعية الواردة في عدم تجاوز المواقيت إلا محرماً.

الثالث: فيما إذاجاوزها غير قاصد النسك ولا لدخول مكة ثم بدا له، حكي الاتفاق على وجوب رجوعه إلى الميقات مع تمكنه منه.

ويمكن الاستدلال له امّا بعموم صحيح الحلبي المتقدم ((عن رجل ترك الاحرام حتى دخل الحرم))، ومصحح علي بن جعفر المشتمل على نفس اللفظة لصدق تركه الاحرام ((حتى دخل الحرم)) أو يتمسك له بالعمومات الأولية من احرام النائي من المواقيت البعيدة لأن المفروض عدم صدق العناوين المخصصة للعمومات الأولية من قبيل المقيم في مكة، أو من كانت دويرة أهله دون الميقات ونحوه عليه، فيبقى تحت العمومات المزبورة، نعم قد تقدم أن لدينا عموم آخر وهو تقوم حج التمتع بالاحرام من بعد مرحلتين وليس موضوعه خصوص من كان بمكة كما قد يتوهم فيشمل الآتي من بُعد هذا كله فيمن يتمكن من الرجوع، وأمّا عدم تمكنه من الرجوع إلى الميقات فيشمله أدلّة عدم التمكن امّا لصدق التارك عليه أو لفهم عدم الخصوصية في حكم غير التمكن لاسيما بعد كون فرض المكلف في هذه الصورة

(مسألة 7): من كان مقيماً في مكة وأراد حج التمتع وجب عليه الاحرام لعمرته من الميقات إذا تمكّن، وإلا فحاله حال الناسي(1).

(مسألة 8): لو نسي المتمتع الاحرام للحج بمكّة ثم ذكر وجب عليه العود مع الامكان، وإلا ففي مكانه، ولو كان في عرفات بل المشعر وصحّ حجّه، وكذا لو كان جاهلاً بالحكم، ولو أحرم له من غير مكّة مع العلم والعمد لم يصحّ، وان دخل مكّة باحرامه، بل وجب عليه الاستيناف مع الامكان، وإلا بطل حجّه، نعم لو أحرم من غيرها نسياناً ولم يتمكّن من العود اليها صحّ احرامه من مكانه(2).

لم يتوجه إليه الخطاب بالاحرام عند المرور عليه.

(1) تقدم في المسألة الرابعة من فصل أقسام الحج فراجع.

نعم في صورة عدم التمكن قد تقدم حكمه أيضاً.

(2) أمّا مع عدم الامكان فيدل عليه صحيح علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر - عليه السلام - قال: ((سألته عن رجل نسي الاحرام بالحج فذكر وهو بعرفات فما حاله قال يقول: اللّهم على كتابك وسنّة نبيّك(صلى الله عليه وآله) فقد تم احرامه فإن جهل أن يحرم يوم التروية بالحج حتى رجع إلى بلده إن كان قضى مناسكه كلّها فقد تم حجّه))((1)).

والمراد من الصدر عقد التلبية لأنها السنّة في عقد الاحرام كما يستفاد من مجموع الصدر والذيل اجزاء الاحرام فيما بينهما من الفروض المتوسطة بالأولوية المستفادة من الذيل، كما صرّح بذلك جماعة منهم الشهيد الثاني، وإن تردد في ذلك صاحب المدارك وأوهمت عبارة العلاّمة والمحقق غير ذلك. نعم في كون الاجزاء في المتوسطات مبني على إنشاء الاحرام لاسيما بعد الموقفين تأمّل لأن إنشاءه هدم لما تقدم من عمل.

أمّا لو تمكن فيجب عليه العود لأنها الوظيفة الأولية وتوهم الاطلاق من صحيح


1) ([1]) ب14 ابواب المواقيت ح8 .

(مسألة 9): لو نسي الاحرام ولم يذكر حتى أتى بجميع الأعمال من الحج أو العمرة فالأقوى صحّة عمله وكذا لو تركه جهلاً حتى أتى بالجميع(1).

علي بن جعفر في غير محله بعد كون الفرض فيها تذكره وهو في عرفات أي في عدم تمكنه من الذهاب ودرك الموقف.

(1) ذهب المشهور إلى عموم الحكم بالاجزاء في الحج والعمرة وسواء كانت العمرة تمتع أو مفردة وخالف في ذلك ابن إدريس إلا انّ الظاهر ارادته غير الفرض وهو فيمن نسي النيّة في الأعمال، ويستدلّ للمشهور:

امّا في الحج فيدلّ عليه صحيح علي بن جعفر في المسألة المتقدمة وصحيحه الآخر مثله((1)).

وأمّا في العمرة فيستدلّ له بصحيح جميل بن درّاج عن بعض أصحابنا عن أحدهما(عليهما السلام) ((في رجل نسي أن يحرم أو جهل وقد شهد المناسك كلّها وطاف وسعى، قال: تجزيه نيّته إذاكان قد نوى ذلك، فقد تم حجّه وإن لم يهل)) وقال ((في مريض أغمي عليه حتى أتى الوقت، فقال: يحرم عنه))((2)) حيث لم يقيد الاحرام المنسي بكونه احرام حج أو عمرة، نعم الظاهر منه الشمول للعمرة وحج التمتع وحج الافراد أيضاً لاسيّما التعبير الوارد فيها ((شهد المناسك كلّها)) ، بل انّ ذيله قرينة على التعميم المزبور بل قد يستفاد منه العموم للعمرة المفردة لعموم الذيل.

وقد يشكل على الاستدلال بها تارة بالارسال في سندها وأخرى بالاختصاص بعمرة التمتع دون المفردة، بل قد يدعى الانصراف لخصوص الحج.

وفيه: امّا الأول فمضافاً إلى انّ السند صحيح إلى جميل بن درّاج وهو من أصحاب الاجماع والراوي عنه هو ابن أبي عمير، انّ تعبير الارسال ((ببعض أصحابنا)) ليس على حذو التعابير الأخرى في ألفاظ الارسال بل فيه شهادة على انّ الراوي من الإمامية


1) ([1]) ب20 ابواب المواقيت ح2 .

2) ([2]) المصدر السابق ح1 .

بل من تتبع الموارد الذي يطلق فيها جميل بن درّاج لهذا التعبير يظهر منه ارادة خصيصي الأصحاب فقد تكرر هذا التعبير منه كثيراً وفي بعض الموارد بقرينة روايات أخرى صرّح فيها بالراوي فظهر انّه من الأجلاء الكبار، فالطريق لا يقلّ عن الرواية الحسنة بل تزيد عليها وقدعمل بها المشهور. وأمّا الدلالة فاختصاص الحكم بعمرة التمتع دون المفردة فيدفعه انّ عمرة التمتع من حيث الشرائط والاجزاء هي عمرة مفردة، غاية الأمر انّها منشأة بعنوان التمتع وأتى بها في أشهر الحج.

وبعبارة أخرى انّ ماهيّة عمرة التمتع الأصل الأولي فيها بمقتضى أدلّتها كقوله (صلى الله عليه وآله)((دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة...)) أن تكون عمرة مفردة إلا أنّها اختلفت الاثار والأحكام المترتبة عليها دون المفردة. مضافاً إلى اشتراك الحج ومطلق العمرة أيضاً في عقد الاحرام والتحلل منه، ومن ثم سمي بالحج الأكبر في النص القرآني وأطلق على العمرة الحج الأصغر في الروايات، وفي موثق زرارة ((عن أناس من أصحابنا حجوا بامرأة معهم فقدموا إلى الميقات وهي لا تصلي فجهلوا أن مثلها ينبغي ان تحرم فمضوا بها كما هي حتى قدموا مكة وهي طامث حلال فسألوا الناس فقال: تخرج إلى بعض المواقيت فتحرم منه فكانت إذا فعلت لم تدرك الحج فسألوا أبا جعفر - عليه السلام - فقال: تحرم من مكانها قد علم اللّه نيّتها))((1)) وموردها وان كان غير ما نحن فيه إلا انّ تعليله - عليه السلام - للاجتزاء بالاحرام من مكة عن الاحرام من الميقات بأنها قد نوت الحج بما فيه من احرام يشابه التعبير الوارد في رواية جميل المتقدمة ((تجزيه نيّته إذاكان قد نوى فقد تمّ حجّه)) من حيث الدلالة على انّ النيّة تقوم مقام التلبية في الناسي بل لا يبعد بالالتفات إلى هذا التعليل تعميم الحكم للجاهل مع أنه قد نصّ عليه في الحج في صحيح علي بن جعفر ويعضد التعميم التنصيص على عموم الحكم في الجاهل الملتفت في الاثناء المتقدم في المسائل السابقة.


1) ([1]) ب14 ابواب المواقيت ح6 .

فصل في مقدمات الإحرام

(مسألة 1): يستحب قبل الشروع في الاحرام أمور:

أحدها: توفير شعر الرأس بل واللحية لإحرام الحج مطلقاً، لا خصوص التمتع كما يظهر من بعضهم لإطلاق الأخبار، من أول ذي القعدة بمعنى عدم إزالة شعرهما لجملة من الأخبار، وهي وإن كانت ظاهرة في الوجوب إلا أنها محمولة على الاستحباب لجملة أخرى من الأخبار ظاهرة فيه فالقول بالوجوب كما هو ظاهر جماعة ضعيف، وإن كان لا ينبغي ترك الاحتياط كما لا ينبغي ترك الاحتياط بإهراق دم لو أزال شعر رأسه بالحلق، حيث يظهر من بعضهم وجوبه أيضاً لخبر محمول على الاستحباب، أو على ما إذا كان في حال الإحرام، ويستحب التوفير للعمرة شهراً(1).

(1) والكلام في الأمر الأول يقع في نقاط:

الأول: في أصل الحكم وظاهر النهي في الروايات يقتضي الحرمة((1)).

وكذا لسان الأمر فيها بالاعفاء يقضي باللزوم، إلا انّه يدل على الاستحباب قرائن منها صحيح علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر قال: ((سألته عن الرجل إذاهمّ بالحج يأخذ من شعر رأسه ولحيته وشاربه مالم يحرم قال: لابأس))((2))، ورواية محمد بن خالد الخزاز: ((سمعت أبا الحسن - عليه السلام - يقول: امّا أنا فآخذ من شعري حين أريد الخروج - يعني إلى مكة - للاحرام))((3)).


1) ([1]) ب2و3و4 ابواب الاحرام .

2) ([2]) ب4 ابواب الاحرام ح6 .

3) ([3]) المصدر السابق ح5 .

والفعل وإن كان مضارعاً يفيد الاستمرار وهو لا يتصور في المعصوم إدمان تركه للاستحباب إلا انّه محتمل لمعنى الوقوع في الجملة كما هو متعارف التعبير بالفعل المضارع لما إذاأريد بيانمعرضية الوقوع لا الوقوع المستمر. وموثق سماعة عن أبي عبداللّه - عليه السلام - ((سألته عن الحجامة وحلق القفاء في شهر الحج فقال: لابأس به والسواك والنورة))((1)) وطريق صاحب الوسائل إلى كتاب علي بن جعفر صحيح.

وهي وان كانت في حلق القفاء دون بقية الرأس إلا انّ التفصيل غير ظاهر من الأدلّة، ويعضد القول بالاستحباب انّ النهي عن الأخذ قد ورد في بعض الروايات في شهر شوال أيضاً.

وقد يقال انّ هذه الروايات من حيث الأشهر مطلقة وجملة الروايات الناهية خاصّة بذي القعدة فتكون مقيدة للمجوزة.

وفيه: انّ الروايات المجوزة ناصّة على ذي القعدة، وليست من قبيل العموم المبهم اذ هناك نمطان من العموم، النمط الثاني ما يدلّ على الافراد بنحو الصراحة أو النصوصية فيكون بمنزلة مجموع من الأدلّة الخاصّة.

هذا ولو بني على صحيح جميل الآتي على الاطلاق ولزوم الكفارة لمن أراد التمتع ولم يحرم تم المعارضة بين الصحيح الآتي والروايات المجوزة والترجيح للصحيح لموافقة السنّة من الروايات المستفيضة الناهية في الباب، وعلى أي تقدير فصحيح جميل الآتي مقدم في المتمع في شهر ذي الحجة على الروايات المجوزة.

الثانية: في عموم الحكم للحية أو للشارب ويدل عليه في الأول:

صحيح أبي صباح الكناني قال: سألت أبا عبداللّه - عليه السلام - عن الرجل يريد الحج أيأخذ شعره في أشهر الحج فقال: ((لا ولا من لحيته لكن يأخذ من شاربه واظفاره ويطل إن


1) ([1]) المصدر السابق ح3 .

شاء))((1)).

واشتمال سندها على ابن الفضل غير ضائر لأن المراد منه هو المهدي الثقة كما ذكر القرائن على ذلك الاردبيلى في جامعه، عندما يكون المروي عنه ابي صباح الكناني، مع انّ روايته غير ساقطة بالمرّة لأن التضعيف راجع إلى رميه بالغلو وهو صاحب كتاب رواه جماعة منهم محمد بن الحسين بن أبي خطاب الذي هو من الأجلاء الكبار. ومثله رواية أبي سعيد الاعرج((2)).

ويدلّ على العموم مفهوم صحيح علي بن جعفر المتقدم في النقطة الأولى مضافاً إلى انّ عموم النهي عن أخذ الشعر يتناول شعر اللحية ودعوى الانصراف إلى خصوص شعر الرأسمدفوعة بأنه انصراف لابرز الأفراد. لكن في الروايات الصحيحة المتعددة الأمر بأخذ الشارب تهيئاً للاحرام كما في صحيح حريز ومحمد بن مسلم وغيرهما كالاستثناء لعموم الشعر.

الثالثة: عموم الحكم لمطلق الحج:

ويدل عليه اطلاق لفظ الحج الوارد في الروايات معتضداً بالمقابلة مع العمرة وهذا داعم للاطلاق.

الرابعة: كفارة الحلق

فقد ورد في صحيح جميل بن دراج قال: ((سالت أبا عبداللّه - عليه السلام - عن متمتع حلق رأسه بمكة؟ قال: إن كان جاهلاً فليس عليه شيء، وإن تعمّد بعد الثلاثين التي يؤخر فيها للحج فانّ عليه دماً يهريقه))((3)). واختلف في دلالته والعمل به.

امّا الدلالة فوقع الكلام في المراد من الذيل هل المراد من ((الثلاثين)) ذي القعدة أم


1) ([2]) ب4 ابواب الاحرام ح4 .

2) ([3]) ب2 ابواب الاحرام ح6 .

3) ([1]) ابواب الاحرام ب5 / 1.

ذي الحجة. ذهب إلى الأول الشيخ المفيد في المقنعة، وهو ظاهر الشيخ في التهذيب وكذا الفقه الرضوي، فإن اضافة ((بعد)) إلى الثلاثين، تارة يراد من الألف واللام الداخلة على الثلاثين العهد الذكري لشوال وتجعل ((التي)) صفة لبعد أو تجعل ((ال)) للعهد الذهني ويجعل ((التي)) صفة لها فعلى التقدير الأول يكون المراد التعمد في ذي القعدة وعلى التقدير الثاني يكون المراد التعمد في ذي الحجة، وثالثة يقدر كلمة ((وحلّ)) قبل الثلاثين فيكون المراد ذي القعدة أيضاً بخلاف ما لو قدر لفظة ((المضي)) فيكون المراد ذي الحجة والصحيح انّه لاحاجة لهذه الاحتملات المتكلّفة فانّ الأظهر كون ((بعد)) غير مضافة بل مبنية وتكون الثلاثين بدلاً، وهو الأظهر بقرينة المقابلة مع الشق السابق عليه إلا انّه يبقى الكلام في موضوع الكفارة هل هو للمتمتع ولو في فترة الاحلال قبل الحج أم هو مطلق من أراد الحج وحلق في ذي القعدة؟

الظاهر هو الأول لعود الضمير للمتمتع الذي هو محط السؤال. نعم قد يستظهر من تعريف الثلاثين التي يوفر فيها للحج كون الحكم عام لأجل النص عن أخذ الشعر فيها لكن الاطلاق بعد عود الضمير للمتمتع مشكل لاسيّما وانّه قد تقدم ما يدلّ على انّ الاستحباب قبل أن يحرم وان كان في ذي القعدة، وقد يستظهر الاختصاص بالمتمتع بما ورد((1)) انّ المتمتع إذاحلق بدل التقصير فعليه كفارة دم يهريقه. هذا هو الأقوى وإن كان الثاني أحوط.

قد يقال: انّ الصحيحة دالّة على مفروغية لزوم توفير الشعر في ذي القعدة والحدّ الأدنى منه هو عدم الحلق فتشير إلى عين موضوع الروايات الناهية عن الأخذ وهو أعم من المحرم، مضافاًإلى انّ الروايات الناهية عن الأخذ دالّة بمقتضى التشكيك والأولوية على حرمة الحلق غاية الأمر الروايات المرخصة نفت البأس عن خصوص الأخذ فلا تدفع الدلالة عن الحلق بعد عدم سقوط الدلالة المطابقية فتحصل انّ


1) ([2]) ب4 ابواب التقصير ح3 .

الثاني: قص الأظفار، والأخذ من الشارب وإزالة شعر الابط والعانة بالطلي أو الحلق أو النتف، والأفضل الأول، ثمّ الثاني، ولو كان مطلياً قبله يستحب له الاعادة وإن لم يمض خمسة عشر يوماً، ويستحب أيضاً إزالة الأوساخ من الجسد لفحوى ما دلّ على المذكورات، وكذا يستحب الاستياك(1).

الثالث: الغسل للاحرام(2) في الميقات، ومع العذر عنه التيمّم ويجوز تقديمه على الميقات مع خوف إعواز الماء، بل الأقوى جوازه مع عدم الخوف أيضاً، والأحوط الإعادة في الميقات، ويكفي الغسل من أول النهار إلى الليل، ومن أول الليل إلى النهار، بل الأقوى كفاية غسل اليوم إلى آخر الليل وبالعكس، وإذا أحدث بعدها قبل الاحرام يستحبّ اعادته خصوصاً في النوم، كما انّ الأولى إعادته إذا أكل أو لبس ما لا يجوز أكله أو لبسه للمحرم، بل وكذا لو تطيّب بل الأولى ذلك في جميع تروك الاحرام، فلو أتى بواحد منها بعدها قبل الاحرام الأولى إعادته، ولو أحرم بغير غسل أتى به، وأعاد صورة الاحرام، سواء تركه عالماً عامداً أو جاهلاً أو ناسياً، ولكن إحرامه الأول صحيح باق على حاله، فلو أتى بما يوجب الكفارة بعده وقبل الإعادة وجبت عليه، ويستحب أن يقول عند الغسل أو بعده ((بسم اللّه وَباللهِ،

المنع عن الحلق لمن يعزم على الحج لاسيما للواجب في ذي القعدة فضلاً عن ذي الحجة له وجه قوي وأما المتمتع فسواء أحل من عمرة أم لا فلا ريب في حرمة الحلق عليه لصدق العنوان لارتباطه بواجب الحج.

(1) للنصوص المستفيضة((1)).

(2) والظاهر الاطباق على الاستحباب إلا من شذّ كالمنسوب لابن أبي عقيل، وقد احتاط بعض محشي المتن وقد نص على الاستحباب الشيخ في الخلاف وعلي ابن بابويه في الفقه الرضوي حيث خير في الثاني بينه وبين الوضوء، ويستدل


1) ([1]) ب6و7 ابواب الاحرام.

اللّهمَّ اجعَلهُ لي نُوراً وطَهوراً وَحِرزاً وَأمناً مِنْ كلّ خَوف، وَشِفاءً مِنْ كُلّ داء وسقم، اللّهُمَّ طَهِّرْني وَطهّرْ قَلبيْ وَاشرَحْ لي صَدْريّ، وأجْرِ عَلى لِساني مَحَبّتَكَ وَمِدحَتَكَ وَالثَناءَ عَلَيكَ، فإنّه لا قوّة إلا بكَ وَقَد عَلِمتُ أنّ قَوامَ ديني التسليمُ لَكَ، والاتّباعُ لِسُنّةِ نَبيِّكَ صَلواتُكَ عَلَيهِ وَآلهِ)).

للاستحباب بأن ذكره في الروايات في سياق أداب التهيء للاحرام من تقليم الأظافر وأخذ الشارب وطلي العانة ونحوه ما هو من الأداب بل قد اطلق عليه التهيء للاحرام صريحاً((1)).ويؤيد بمرسلة عبداللّه بن الحسين (الحسن) قال: ((قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) شهر رمضان نسخ كل صوم والنحر نسخ كل ذبيحة والزكاة نسخت كل صدقة وغسل الجنابة نسخ كل غسل))((2)).

ويعضد الاستحباب عدم لزوم الاعادة في موارد انتقاض الغسل فإن غسل الاحرام حيث انّه من الأغسال الفعلية، فمع عدم حصول الغاية موصلاً به تنتقض الشرطية.

وبعبارة أخرى انّ الغسل لأجل الكون على الطهارة فاذا انتقضت لم يتحقق الاحرام مع الطهارة، لاسيما وانّ من مقدمات الاحرام الصلاة المشروطة بالطهارة عن الحدث الأصغر ومن ثم يظهر وجه التأييد بصحّة الاحرام للحائض والنفساء.

بل وفي صحيحة عبدالرحمن بن الحجاج عن أبي عبداللّه - عليه السلام - انّه صلّى ركعتين في مسجد الشجرة وعقد الاحرام ثم خرج فأتى بخبيص فيه زعفران فأكل منه.

وفي طريق الصدوق ((فأكل قبل أن يلبي منه))((3)).

وفي صحيح حريز عن أبي عبداللّه - عليه السلام - ((في رجل إذا تهيّأ للاحرام فله أن يأتي


1) ([2]) ب14 ابواب الاحرام.

2) ([1]) ابواب الجنابة ب1 / 8 .

3) ([2]) ب14 ابواب الاحرام ح3 .

النساء مالم يعقد التلبية أو يلبّ))((1)).

بل وكذا ما دلّ على الاكتفاء بغسل النهار لليل وبالعكس((2)).

وكذا ما في صحيح محمد بن مسلم عن أحدهما(عليهم السلام) قال: ((الغسل في سبعة عشر موطناً....ويوم تحرم ويوم الزيارة ويوم تدخل البيت...))((3)). يشهد بأنه ليس غسلاً أفعالياً محضاً بل انّه غسل زماني للظرف الذي يقع فيه الاحرام، وحينئذ يكون أظهر في استحبابه لعدم توهّم شرطية الفعل حينئذ ولا يخفى انّ القرينة السابقة وهي عدم إعادة غسل الاحرام بانتقاصه مقتضاها أيضاً كونه غسلاً زمانياً.

هذا وقد استدل للوجوب بصحيحة الحسن بن سعيد قال: ((كتبت إلى العبد الصالح أبي الحسن - عليه السلام -: رجل أحرم من غير صلاة أو بغير غسل جاهلاً أو عالماً ما عليه في ذلك وكيف ينبغي له أن يصنع فكتب: يُعيد))((4)).وبما ورد في روايات متعددة باطلاق لفظة الواجب عليه كموثق سماعة((5)) مضافاً إلى التأكيد على اتيانه وتقيد الرواة بذلك.

وفيه: مضافاً إلى كون استحباب الصلاة الآتي في المقدمة الرابعة قرينة على الاستحباب في المقام، أن الصحيحة قد ورد نظير التعبير في غسل الجمعة((6))والعيدين((7)) باعادة الصلاة بعده بل انّ ما ورد في لسان غسل الجمعة أقوى ايهاماً على الوجوب من غسل الاحرام حتى انّه قد ورد انّ تارك غسل الجمعة فاسق وانّه واجب على كل ذكر وأنثى عبداً أو حر((8)). الا انّه رفع اليد عنه لقرائن عديدة ثمة دالّة على الاستحباب، والقائل بالوجوب فيه أكثر. واطلاق الواجب عليه في تلك الروايات بمعنى الثبوت لا المعنى الاصطلاحي عند الفقهاء ومن ثم أطلق لفظ


1) ([3]) المصدر السابقح8 .

2) ([4]) ب9 أبواب الاحرام ح5 .

3) ([5]) ب1 ابواب الاغسال المسنونة ح11 .

4) ([6]) ب20 ابواب الاحرام ح1 .

5) ([1]) ب1 ابواب الاغسال المسنونة ح3 .

6) ([2]) ب1 ابواب الاغسال المسنونة ح 3

7) ([3]) ب8 ابواب الاغسال المسنونة.

8) ([4]) ب6 ابواب الاغسال المسنونة.

الرابع: أن يكون الاحرام عقيب صلاة فريضة أو نافلة ، وقيل بوجوب ذلك لجملة من الأخبار الظاهرة فيه، المحمولة على الندب للاختلاف الواقع بينها، واشتمالها على خصوصيّات غير واجبة، والأولى أن يكون بعد صلاة الظهر في غير إحرام حجّ التمتّع، فإنّ الأفضل فيه أن يصلّي الظهر بمنى، وإن لم يكن في وقت

الواجب على أغسال مستحبة أخر كغسل يوم عرفة ودخول البيت وهذا بالاضافة الى ما تقدم من القرائن يكفي في الدلالة على الاستحباب.

أمّا بقية الفروع فيسهل الخطب فيها بعد كون الغسل مستحباً.

أما إعادة الاحرام فقد اختلف في الاعادة أنها صورية كما عليه صاحب الجواهر والعروة أو حقيقية كما ذهب إليه المستمسك والثمرة تظهر فيما لو علم بالخلل في انعقاد الاحرام الأول كخلل في التلبية ونحوه فيصح على الثاني دون الأول وفيه تأمل لأنه على الأول لا تقع الاعادة صورية حينئذ.

امّا الكفارات فتترتب على كلا القولين بارتكاب الموجب بعد الاعادة بعد كون البطلان في القول الثاني من حيث الاعادة لا قبلها نظير سائر موارد الاعادة وابطال ما سبق.

ووجه كون الاعادة صورية هو عموم قاعدة انّ التحلل من الاحرام لا يكون إلا بإتيان الاعمال وبالتقصير والحلق ولا يرفع اليد عنه إلا في المصدود ومن ثم حكم على العقد الآخر بالاعادة انّها صورية. وهذه القاعدة أحد قرائن استحباب الغسل.

وقد تقرب الاعادة بأنها حقيقية بعدم استبعاد ذلك كما في الاذان أو الاقامة المنسيين بعد الدخول في الصلاة، وما نحن فيه ليس من تبديل الاحرام لعمرة أخرى أو حج آخر لكي لا يصحإلا بتميم العمل بل هو اعادة لنفس العمرة المقصودة كما انّه لا تحلل من طبيعي الاحرام لتلك العمرة بل من فرد إلى فرد آخر فلا يرفع اليد عنه إلا بوجود الفرد الآخر.

الظهر فبعد صلاة فريضة أخرى حاضرة، وإن لم يكن فمقضيّة وإلا فعقيب صلاة النافلة(1).

(1) ذهب المشهور إلى الاستحباب ولم ينقل خلاف إلا عن ابن الجنيد وظاهر الروايات يوهمه نظير صحيحة الحسين بن سعيد المتقدمة في الغسل لمن أحرم من غير صلاة وغسل انّه يعيد((1)) وكصحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبداللّه - عليه السلام - قال: ((لا يكون الاحرام إلا في دبر صلاة مكتوبة أو نافلة))((2)) .وكذا ظاهر الاوامر بالصلاة المكتوبة أو النافلة ثم الاحرام بعدها((3)).

وأجاب كاشف اللثام عن هذا الظهور باستلزامه وجوب نافلة الاحرام إذالم يتّفق في وقت فريضة.

واشكل عليه بعدم المحذور في هذا اللازم، ولعلّ المستشكل يريد انّه نظير الاعتكاف حيث يشترط فيه الصوم شرطاً وجوباً وضعياً وإن كان الصوم المأتي به في نفسه مستحب فلا مانع في كون ذات المقدمة مستحبة إلا انّ اشتراطها في شيء آخر يكون بنحو الوجوب الوضعي، ومن ثم يجتزىء في الاعتكاف عن الصوم المستحب بالصوم الواجب كما هو الحال في المقام حيث يجزىء عن النافلة بالصلاة المكتوبة بحسب الروايات الظاهرة في المقام.

والصحيح انّ ما ذكره كاشف اللثام متين، يتّضح ببيان مقدمة وهي:

انّ الشروط على قسمين تعبدية أو توصلية والمراد بذلك انّ أخذ ذات الشرط في المشروط أي التقيد على نحوين وبالتالي يقع الشرط على نحوين ففي الأول يقع بنيّة المشروط العبادي دون الثاني سواء كان ذات الشرط تعبدياً في نفسه أو توصلياً في نفسه، فعلى الثاني تجزىء الطبيعة الواجبة أو المستحبة من ماهية الشرط، بخلافه


1) ([1]) ب20 ابواب الاحرام ح1 .

2) ([2]) ب16 ابواب الاحرام ح1 .

3) ([3]) ب18 ابواب الاحرام.

الخامس: صلاة ست ركعات أو اربع ركعات أو ركعتين للإحرام والأولى الإتيان بها مقدمة على الفريضة ويجوز إتيانها في أي وقت كان بلا كراهة حتى في الأوقات المكروهة وفي وقت الفريضة حتى على القول بعدم جواز النافلة لمن عليه فريضة لخصوص الأخبار الواردة في المقام والأولى أن يقرأ في الركعة الأولى بعد الحمد والتوحيد وفي الثانية الجحد لا العكس كما قيل.

على الأول فانّه لا يوقع ولا يؤدى إلا بنيّة المشروط.

وبعبارة أخرى: انّ صلاة نافلة الاحرام ليست من النوافل المبتدئة بل من النوافل ذات الأسباب المشروعة بسبب الاحرام وحيث انّها مشرعة لأجل الاحرام فلو كان أخذها في الاحرام بنحو الوجوب الوضعي لما أطلق عليها نافلة الاحرام ولكانت الصلاة واجبة للاحرام أي واجبة لصحّته. ويدلّ على أنّها ليست من النوافل المبتدئة معتبرة أبي بصير عن أبي عبداللّه - عليه السلام - قال: ((تصلي للاحرام ستّ ركعات تحرم في دبرها))((1)).

والسند وإن اشتمل على ابن أبي حمزة البطائني إلا انّ الراوي عنه موسى بن القاسم فيدلّ على روايته أيّام استقامته وغيرها من الروايات الآمرة بصلاة الاحرام، وقد أطلق على تلك الصلاة النافلة في عديد من تلك الروايات فلاحظ.

ويشهد لكونها نافلة للاحرام غير مبتدأ صحيحة أخرى لمعاوية بن عمّار قال: ((سمعت أبا عبداللّه - عليه السلام - يقول: خمسة صلوات لا تترك على حال إذاطفت بالبيت وإذاأردت أن تحرم...))((2)).

فبضميمة اطلاق النافلة في روايات أخر يظهر أنّها نافلة مشرّعة للاحرام خاصّة غير مبتدأة أي غير واجبة له. ومن ثم ذهب الأكثر أو المشهور لعدم سقوطها لو أوقع الاحرام في وقت فريضة وان كان المستحب انّ يقدمها على صلاة الفريضة مما يدلّ على انّ صلاة الاحرام ذات سبب وهو الاحرام وانّها مشرّعة نفلاً لا وجوباً.


1) ([1]) ب18 ابواب الاحرام ح4 .

2) ([2]) ب19 ابواب الاحرام ح1 .

(مسألة 2): يكره للمرأة - إذا أرادت الاحرام - أن تستعمل الحنّاء إذا كان يبقى أثره إلى ما بعده مع قصد الزينة، بل لا معه أيضاً إذا كان يحصل به الزينة وإن لم تقصدها، بل قيل بحرمته، فالأحوط تركه وإن كان الأقوى عدمها، والرواية مختصّة بالمرأة، لكنّهم ألحقوا بها الرجل أيضاً لقاعدة الاشتراك، ولابأس به وأما استعماله مع عدم إرادة الإحرام فلابأس به وإن بقي اثره، ولابأس بعدم إزالته وان كان ممكنه(1)

وما في بعض الروايات الصريح بالاكتفاء بالمكتوبة عن النافلة محمول على تأدي أدنى الاستحباب به لا أن النافلة ساقطة من رأس نظير الحال في صلاة تحية المسجد ومنه يظهر الحال في المقدمة الخامسة.

(1) نسب ذلك للمشهور كما نسبت الحرمة لبعض.ووجه الكراهة وعدم الحرمة صحيحة أبي الصبّاح الكناني عن أبي عبداللّه - عليه السلام -قال: ((سألته عن امرأة خافت الشقاق فأرادت أن تحرم هل تخضب يدها بالحناء قبل ذلك؟ قال ما يعجبني أن تفعل))((1)).

والرواية وإن كانت في غير قصد الزينة إلا انّ اطلاقها شامل لحصول الزينة من دون قصد، وكذلك صحيح عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه - عليه السلام - قال: ((سألته عن الحناء؟ فقال: ان المحرم ليمسه ويداوي به بعيره وما هو بطيب وما به بأس))((2)). واطلاقها شامل لمورد حصول الزينة غير المقصودة بل قد يدعى شمولها لمورد قصدها أيضاً، وعلى أي تقدير فبناء الجواز وعدم الحرمة - في صورة بقاء الاثر وحصول الزينة به بقصدها وبدونه - مبني امّا على عدم حرمة مطلق الزينة في غير الموارد المنصوصة أو تخصيصها بالحناء للنصين السابقين أو التزام بعدم الحرمة لكون سبب الزينة قبل الاحرام وسيأتي تتمة الكلام في تروك الاحرام.


1) ([1]) ب23 ابواب تروك الاحرام ح2 .

2) ([2]) المصدر السابق ح1 .

فصل في كيفية الإحرام

اشارة

وواجباته ثلاثة:

الأول: النيّة، بمعنى القصد إليه فلو أحرم من غير قصد أصلاً بطل، سواء كان عن عمد أو سهو أو جهل، ويبطل نسكه أيضاً إذا كان الترك عمداً، وأما مع السهو والجهل فلا يبطل، ويجب عليه تجديده من الميقات إذا أمكن، وإلا فمن حيث أمكن على التفصيل الذي مرّ سابقاً فى ترك أصل الاحرام(1)

وقع البحث في جهات ثلاث:

(1) الجهة الأولى: وقع الكلام في المراد من النيّة، كما وقع الكلام في حقيقة الاحرام وتقوّمه بها، فبعض فسّرها بنيّة الاحرام، وبعض آخر بنيّة النسك وثالث جمع بينهما.

حقيقة الاحرام

وامّا الاحرام فمنهم من جعل حقيقته عبارة عن الكف عن التروك أي توطين النفس عليه، فجعله نظير الصيام فعلاً تكوينياً وبعض ذهب إلى انّه أمر اعتباري انشائي يلتزم به المكلّف ويتسبب إليه بالتلبية، غاية الأمر انّه يترتب عليه الأحكام التكليفية من حرمة التروك. وثالث جمع بين الأمرين امّا مطلقاً أو في خصوص النساء والاستمناء لفساد الحج بارتكابهما فلابد من توطين النفس على تركهما، وإلا لما كانت هناك ارادة جديّة لانشاء الاحرام اذ الاحرام جزء ضمني لمركب الحج يصح بصحّته، كما انّه اختلف في كون الاحرام شرطاً للنسك أو جزءاً لها نظير تكبيرة الاحرام حيث يترتب عليها تحريم الكلام وتحريم قطع الصلاة أي وجوب اقامتها بمجرد الشروع فيها، غاية الأمر انّ التكبيرة ليست فعلاً انشائياً بخلاف الاحرام. بل

قيل انّ مقتضى ظاهر المتقدمين والروايات عقد الاحرام بالتلفظ بالنيّة ونيّة النسك في دبر صلاته أو انشائه بلبس الثوبين مع النيّة المضمرة غاية الأمر انّ هذا الانشاء وعقد الاحرام ليس بلازم حتى يلبي فيفكك بين الصحّة واللزوم.

هذا وتفصيل الكلمات أنه نسب إلى الشيخ في المبسوط البناء على انّه مجرّد التروك مع النيّة في الجملة، لظاهر عبارة محكية عنه، إلا أن الذي عثرنا عليه في المبسوط ((وان تلفظ به ولمينوي شيئاً لم ينعقد أحرمه كل هذا لا خلاف فيه...))((1)). ومال كاشف اللثام إلى المحكي من عبارته السابقة.

وعن الشهيد في الدروس انّه توطين النفس، وعن جملة كثيرة من متأخري الأعصار لزوم توطين النفس على التروك، هذا والعمدة التعرض إلى الروايات في المقام.

الطائفة الأولى: ما دلّ على انّ الاحرام انّما هو بالتلبية أو الاشعار أو تقليد كصحيح جميل بن دراج عن أبي عبداللّه - عليه السلام - قال: ((إذاكانت البدن كثيرة قام فيما بين اثنين ثم اشعر اليمنى ثم اليسرى ولا يشعر أبدا حتى يتهيأ للاحرام لأنه إذاأشعر وقلد وجلل وجب عليه الاحرام وهي بمنزلة التلبية))((2)). ومثله صحيح حريز وعبداللّه بن سنان((3)).

وفي صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبداللّه - عليه السلام - قال: ((يوجب الاحرام ثلاثة أشياء التلبية والاشعار والتقليد فاذا فعل شيئاً من هذه الثلاثة فقد أحرم))((4)) وفي صحيح عمر بن يزيد عن أبي عبداللّه - عليه السلام - ((من أشعر بدنته فقد أحرم وان لم يتكلّم بكثير أو قليل))((5)).

ومقتضى هذه الروايات كون الأمور الثلاثة سبباً لايجاد الاحرام، وان الاحرام عنوان يوجد بها.


1) ([1]) المبسوط ج1 ص316 .

2) ([2]) ب12 ابواب أقسام الحج ح7 .

3) ([3]) المصدر السابق ح18 وح19 .

4) ([4]) المصدر السابق ح20 .

5) ([5]) المصدر السابق ح21 .

الطائفة الثانية: ما دلّ على انّ من اغتسل للاحرام وصلّى ونوى ولم يلبّ أو يشعر أو يقلد لم تحرم عليه شيئاً من التروك، ففي صحيح عبدالرحمن بن الحجاج عن أبي عبداللّه - عليه السلام - ((عن رجل يقع على أهله بعدما يعقد الاحرام ولم يلبي قال: ليس عليه شيء))((1)) .

وفي صحيحه الآخر وحفص بن بختري عن أبي عبداللّه - عليه السلام - ((انّه صلّى ركعتين في مسجد الشجرة وعقد الاحرام ثم خرج فأُتي بخبيص فيه زعفران فأكل منه))((2))، ومثلهما كثير من الروايات((3))

الدالّة على عقد الاحرام والاهلال بالحج بغير التلبية واخويها وأنه لا يوجب حرمة التروك فله أن ينقض ما انشأه، وهذه الطائفة كالسابقة دالّة على انّ الحرمة التكليفيةللتروك هي من آثار الاحرام الحاصل بأحد الأسباب الثلاثة، كما أنّها دالّة على انّ الاحرام ينشأ بمرتبة غير لازمة بفرض الحج والاهلال به والتلفظ بالنيّة بغير الاسباب الثلاثة، وبضميمة التعبير بالنقض لتلك المرتبة مع أنها عقد للاحرام بمرتبة منه يظهر انّ المراد من تلك المرتبة هي الصحة، وانّ العقد الحاصل بالتلبية ونحوها هو عقد اللزوم.

لا يقال بأن التعبير بعقد الاحرام منها وارد في لسان الرواة فلا يعتد به في بعضها.

فانّه يقال: انّ ذلك غير ضار بعد تقريرهم(عليهم السلام) لذلك، ودلالته على وجود الارتكاز التشريعي، مضافاً إلى انّ ذلك التعبير وارد في كلامهم(عليهم السلام) كما في صحيح معاوية بن عمّار وأبان بن تغلب((4)) ففي الثاني قال - عليه السلام -: ((إذافرض على نفسه الحج ثم أثم بالتلبية فقد حرم عليه الصيد)) .

الطائفة الثالثة: ما دل على كيفية الاحرام كصحيح معاوية بن عمّار عن أبي عبداللّه - عليه السلام - - في حديث - ((صليت ركعتين وأحرمت في دبرهما فاذا انفتلت من صلاتك


1) ([6]) ب14 ابواب الاحرام ح2 .

2) ([7]) المصدر السابق ح3 .

3) ([8]) ب14 ابواب الاحرام.

4) ([1]) المصدر السابق ح4 .

فاحمد اللّه وأثن عليه وصلّ على النبي(صلى الله عليه وآله) وتقول - إلى ان قال -: اللّهم اني أريد التمتع بالعمرة إلى الحج على كتابك وسنّة نبيّك(صلى الله عليه وآله) فإن عرض لي عارض يحبسني فحلني حيث حبستني لقدرك الذي قدرت عليّ، اللّهم إن لم تكن حجّة فعمرة، أحرم لك شعري وبشري ولحمي ومخي ودمي وعظامي من النساء والثياب والطيب أبتغي بذلك وجهك والدار الأخرة، قال ويجزيك أن تقول هذا مرّة واحدة حين تحرم ثم قم فامش هنيئة فاذا استوت بك الأرض ماشياً كنت أو راكباً فلبّ))((1)).

ونظيره صحيح عبداللّه بن سنان((2))، وصحيح حمّاد بن عثمان عن أبي عبداللّه - عليه السلام -قال: ((قلت انّي أريد التمتع بالعمرة إلى الحج فكيف أقول؟ قال: تقول: اللّهم انّي أريد أن أتمتع بالعمرة إلى الحج على كتابك وسنّة نبيّك وان شئت أضمرت الذي تريد))((3)) ونظيرها روايات أخرى((4)).

وفي صحيح أحمد بن أبي نصر عن أبي الحسن - عليه السلام - قال: ((سألته عن رجل متمتع كيف يصنع قال: نوى العمرة ]المتعة[ فيحرم بالحج))((5)).ومفاد هذه الروايات لزوم النيّة لكل من النسك والاحرام.

أمّا نيّة النسك حين الاحرام فهو مقتضى القاعدة لأن المأمور به والأمر إذا تعددا لا يتعين الامتثال إلا بقصد العنوان المتعلّق المأمور به، وسيأتي انّ ذلك لابد منه وان تعين عليه نسك خاص من جهة الوجوب التكليفي وذلك لمشروعية النسك ندباً له أصلاً أو نيابةً.

أمّا نيّة الاحرام فقيل انّ ظاهر هذه الروايات هو التوطين للنفس على الكف عن


1) ([2]) ب16 ابواب الاحرام ح11 .

2) ([3]) المصدر السابق ح2 .

3) ([4]) ب17 ابواب الاحرام ح1 .

4) ([5]) المصدر السابق .

5) ([6]) ب22 ابواب الاحرام ح1 وح4 وح7 .

التروك اذ قد أسند الاحرام إلى البدن من جهة التروك.

وفيه: انّه يصح ارادة الاحرام الانشائي واسناده إلى البدن بمعنى دخوله في الاحرام المنشأ، وان آثاره هو تحريم التروك تكليفاً كما فيمن نذر الترك فيقال: حرّم على نفسه كذا أي جعل ذلك الشيء حرام عليه، والقرينة على ذلك ما تقدم من انّ الاحرام أي لزومه انّما يتحقق بالتلبية التي قد أمر بها في هذه الروايات بعد ذلك.

فالمراد من الاحرام انشائه ومن نيّته الارادة الجديّة الانشائية، ويدل على ذلك أيضاً ما في هذه الروايات من نيّة نسك العمرة والاحرام بالحج بالتلفظ تقيةً، وقد عبّر عن الاحرام بالحج بالتلبية بالحج في روايات أخرى((1)).

الطائفة الرابعة: ما دلّ على استحباب تأخير التلبية بعد عقد الاحرام بأن يمشي خطوات أو يركب، فعن أبي عبداللّه - عليه السلام - قال: ((إذافرغت من صلاتك وعقد ما تريد فقم وامش هنيئة فاذا استوت بك الأرض ماشياً أو راكباً فلبّ))((2)) .

وصحيحة أحمد بن نصر البزنطي قال: ((سألت أبا الحسن الرضا - عليه السلام - كيف أصنع إذاأردت الاحرام قال: اعقد الاحرام في دبر الفريضة حتى إذااستوت بك البيداء فلبّ))((3)).

وفي هذه الطائفة تنصيص منه - عليه السلام - على عقد الاحرام قبل التلبية والمراد منه بقرينة ما سبق انشاءه وان كان لزومه بالتلبية، هذا كله في الجهة الأولى في حقيقة أصل الاحرام، واتّضح انّه معنى اعتباري يُنشأ ويترتب عليه الحرمة التكليفية للتروك ولا يتحلل منه إلا بالاعمال والنسك .

الجهة الثانية: انّ الاحرام كما انّه يوجد عنواناً اعتبارياً يترتب عليه الاثار التكليفية، فله حيثية ثانية شبيه بالنذر.


1) ([1]) ب21 ابواب الاحرام ح3 .

2) ([2]) ب24 ابواب الاحرام ح2 .

3) ([3]) المصدر السابق ح7 .

(المسألة 1): يعتبر فيها القربة والخلوص كما في سائر العبادات فمع فقدهما أو أحدهما يبطل احرامه(1).

(المسالة 2): يجب أن تكون مقارنة للشروع فيه، فلا يكفي حصولها في الأثناء، فلو تركها وجب تجديده، ولا وجه لما قيل: من أنّ الإحرام تروك، وهي لا تفتقر إلى النيّة، والقدر المسلّم من الاجماع على اعتبارها انّما هو في الجملة ولو قبل التحلل، اذ نمنع أولاً كونه تروكاً فانّ التلبية ولبس الثوبين من الأفعال، وثانياً اعتبارها فيه على حدّ اعتبارها في سائر العبادات في كون اللازم تحققها حين

ففي الحقيقة هو أثر للتلبية كما انّ التلبية توجد الاحرام، فهي تسبب وجوب اتمام النسك فالنسك وإن كان ندبياً إلا انّه بالتلبية يلزم إتمامه، وهذا الأثر ثابت لتكبيرة الاحرام في الصلاة بناءً على حرمة قطع الصلاة مطلقاً ولو في النافلة.

الجهة الثالثة: في لزوم نيّة النسك فقد ذهب الشيخ في المبسوط كما هو المحكي عنه إلى عدم وجوب ذلك مقارناً للاحرام وكذا العلاّمة في المنتهى وبعض المتأخرين إلا انّ الذي وجدناه في المبسوط قوله ((وان تلفظ به ولم ينوي شيئاً لم ينعقد احرامه كل هذا لا خلاف فيه. إذاأحرم منهما ولم ينوي شيئاً لا حجّاً ولا عمرة كان مخيراً بين الحج والعمرة أيّهما شاء فعل إذاكان في أشهر الحج وان كان في غيرها فلا ينعقد احرامه إلا للعمرة))((1)).

وتمام الكلام في هذه الجهة وتمام الجهات يأتي في ذيل المسائل الآتية.

(1) بعد كونه عبادة يعتبر فيه كلٌ من الأمرين كما هو المقرر في نيّة بقية العبادات، امّا كونه عبادة فيدل عليه ما أمر من دعاء الاحرام حيث أسند الاحرام لغاية اللّه عزّوجل مضافاً إلى انّ التلبية ذاتيها الاضافة إلى اللّه تعالى حيث انّها الاجابة لآمر، ولا يخفى انّ الكلام في هذه المسألة هو حول أصل نيّة عنوان الاحرام لا نوع النسك.


1) ([1]) المبسوط ج1 ص316 .

الشروع فيها(1).

(مسألة 3): يعتبر في النية تعيين كون الاحرام لحج أو عمرة، وأنّ الحجّ تمتع أو قران أو افراد، وأنه لنفسه أو نيابة عن غيره، وأنه حجّة الاسلام أو الحج النذري أو

(1) ونسب إلى الشيخ كما تقدم عدم اشتراطه للمقارنة وهو المحكي عن المنتهى، والذي وجدناه في عبارة الشيخ من المبسوط مضافاً لما تقدم سابقاً قال: وشروط التمتع خمسة بلا خلاف والسادس فيه خلاف - إلى أن قال - السادس النيّة وفيها خلاف فعندنا أنّها شرط في التمتع والأفضل أن تكون مقارنة للاحرام فإن فاتت جائز تجديدها إلى وقت التحلل((1)).وظاهر العبارة والسياق يفيد انّ كلام الشيخ في خصوص نيّة التمتع، لا أصل نيّة الاحرام ولا أصل نيّة الحج والعمرة، وذلك لأن التمتع كما في الروايات المختلفة فيه يجوز اتيانه بالعدول من الافراد إليه أو بمجرد اتيان الحج بعد العمرة المفردة في أشهر الحج كما تقدم، بل قد عرفت من عبارته المتقدمة سابقاً تصريحه بالبطلان لو لم ينوي شيئاً، نعم مقتضى عبارته عدم لزوم التعيين لا عدم لزوم أصل النيّة. واستدلّ كاشف اللثام بأنّ حقيقة الاحرام ليست إلا مجرّد تروك ويكفي فيها النيّة في الجملة كما في الصيام.

واشكل عليه أولاً: بعدم كون الاحرام فعلاً تكوينياً نظير الصيام بل هو عنوان إنشائي يتحقق بالتلبية فلابدّ من قصده حين الانشاء فليس هو فعلاً تكوينياً حتى يكون هو التروك بل انّ حرمة التروك أثر للاحرام ومن ثم لو نقض أكثر التروك لم ينتقض الاحرام، كما انّه لا يتحلل منه إلا بإتيان النسك.

وثانياً: لو سلّمنا انّ الاحرام فعلاً تكوينياً وهو التروك فالأصل في العبادات صدورها عن نيّة بتمامها، مضافاً إلى ظاهر الروايات المتقدمة الآمرة بنيّة الاحرام قبل التلبية حين عقده بلفظه وتصريحها بالاكتفاء بالاضمار إن لم يتلفظ.


1) ([2]) المبسوط ج1 ص307 .

الندبي، فلو نوى الإحرام من غير تعيين وأوكله إلى ما بعد ذلك بطل، فما عن بعضهم من صحّته وأنّ له صرفه إلى أيّهما شاء من حجّ أو عمرة لا وجه له، اذ الظاهر أنه جزء من النسك فتجب نيّته كما في أجزاء سائر العبادات، وليس مثل الوضوء والغسل بالنسبة إلى الصلاة، نعم الأقوى كفاية التعيين الاجماليّ حتى بأن ينوي الاحرام لما سيعيّنه من حجّ أو عمرة، فإنّه نوع تعيين وفرق بينه وبين ما لو نوى مردداً مع ايكال التعيين إلى ما بعد(1).

(1) هي الجهة الثالثة في الاحرام وتقدم شطراً منها وظاهر الشيخ والعلامة ليس عدم نيّة النسك أصلاً بل الابهام بينهما. وعلى هذا التقدير فقد ذهب إلى ذلك جملة كالمحقق في الشرائع حيث ذهب إلى التخيير لو أحرم بالحج والعمرة. واستدلّ على لزوم القصد اولاً بأن يبنى في تحرير وجه المسألة على كون الاحرام شرطاً أو جزءاً، فعلى الأول لا يشترط تحديدالنسك لأنه غاية وعبادية الشرط يكفي فيها أحد الغايات لا على التعيين، بخلاف ما إذا كان جزءاً حيث لابد من تعيين المأمور به مع التعدد.

واستدلّ على الجزئية بظاهر الروايات البيانية في كون الاحرام أول أعمال النسك كظاهر حديث الأعمش في شرائع الدين عن جعفر بن محمد(عليهما السلام) وفيه: ((وفرائض الحجالاحرام والتلبيات الأربع... والطواف بالبيت))((1)). وفي تفسير النعماني باسناده عن علي - عليه السلام - في حديث ((واما حدود الحج فأربعة وهي الاحرام والطواف بالبيت))((2)).

وفيه: انّ الابتداء وكونه من فرائض الحج وحدوده أعم من الجزئية والشرطية وقد ورد أكثر من هذا اللسان ارتباطاً في الطهارة للصلاة.

هذا وقد بسطنا الكلام في شرطية الاحرام أو جزئيته في مسألة بلوغ الصبي في أثناء الحج، وانّ الأقوى هو الشرطية فلاحظ ثمة((3)).


1) ([1]) ب2 ابواب أقسام الحج ح29 .

2) ([2]) المصدر السابق ح31 .

3) ([3]) سند العروة الوثقى الحج ج1 ص65 - 68 .

وثانياً: نعم استدلّ على لزوم نيّة النسك حين انشاء الاحرام بغير الجزئية، أي وان كان الاحرام شرطاً بأن التلبية كماتقدم بمثابة صيغة النذر فلابد أن تتعلق بعمل خاص.

وبعبارة أخرى انّ التلبية مفادها الاجابة فيما أمر اللّه به من أنواع النسك الخاصّة أي امتثال لها، والامتثال كما تقرر في محلّه متقوّم بقصد المتعلّق بالأمر الخاص عند التشابه وإلا لما تحقق الامتثال ولا تخصص لأمر دون غيره.

وفيه: انّه يمكن تعلّق النذر بأحد العملين أو الأعمال لا على حد التعيين فيلزم حينئذ الاتيان بأحدهما وكذلك الحال بالتلبية فانّ الاجابة كما يمكن أن تضاف إلى أحد الأوامر المتعلّقة بنسك خاص، كذلك يمكن اضافتها إلى أحد الامرين بنحو الترديد والابهام.

ودعوى عدم صدق الاجابة حينئذ كماترى، لاسيما وانّ خطابات الحج في الآيات الشريفة الثلاث قد اشتملت على كل من النسكين بل وبقية أنواع النسك، من ثم لو بطل النسك الذي أحرم به لا يبطل الاحرام بل اللازم التحلل بنسك آخر كالعمرة ونحوه.

وفي صحيحة معاوية بن عمّار في بيان كيفية التلبية وتفسيرها عن أبي عبداللّه - عليه السلام -في حديث قال: ((وأول من لبّى إبراهيم - عليه السلام - قال: ان اللّه عزّوجل يدعوكم إلى أن تحجّوا بيته فأجاب بالتلبية))، ومن الواضح انّ المراد من الحج هنا قصد البيت للإتيان بالنسك عمرةً كان أو حجّاً.

ثالثاً: بظاهر الروايات الواردة في بيان كيفية الاحرام، وقد تقدم جملة منها، وفي جملة أخرى منها الاجتزاء بالاضمار بدل التلفظ((1)) وفي صحيح حمران بن أعين قال:


1) ([4]) ب16 و17 و21 و22 ابواب الاحرام .

ونويت المتعة فصارت عمرتك كوفية وحجتك مكية؟ ولو كنت نويت المتعة وأهللت بالحج كانت حجتك وعمرتك كوفيتين))((1)) ومثله صحيح علي بن جعفر((2)) وظاهرها انّ مبتدأ النسك من حين الاحرام، وفي صحيح عبداللّه بن زرارة عن أبي عبداللّه - عليه السلام - في حديث ((وعليك بالحج أن تُهلّ بالافراد وتنوي الفسخ إذاقدمت من مكة فطفت وسعيت فسخت ما أهللت به وقلبت الحج عمرةً وأحللت إلى يوم التروية ثم استأنف الاهلال بالحج مفرداً إلى منى واشهد المنافع بعرفات والمزدلفة فكذلك حج رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) وهكذا أمر أصحابه أن يفعلوا أن يفسخوا ما أهلوا به ويقلبوا الحجّ عمرة))((3)). وظاهره أيضاً انّ انشاء النسك بنفس انشاء الاحرام والاهلال به وعقده بقصده.

وفي صحيح زرارة عن أبي جعفر - عليه السلام - ((قال: قلت لأبي جعفر ما أفضل ما حج الناس - إلى أن قال -: فقلت: فالذي يلي هذا قال: عمرة مفردة ويذهب حيث شاء فإن أقام هناك بمكة إلى الحج فعمرته تامّة وحجّته ناقصة مكية))((4)) وصريحه انّ تمامية العمرة والحج والنسك هو بالاحرام به من بعد ونقصانه بالاحرام به من قرب وبالتالي فانّ مبتدأ النسك هو الاحرام.

وفي صحيح معاوية بن عمّار قال: ((قلت لأبي عبداللّه - عليه السلام - وسأله عن التمتع وفضله ثم قال: انّ أهل مكة يقولون انّ عمرته عراقية وحجته مكية وكذبوا أوليس هو مرتبط بحجّه لا يخرج حتى يقضيه))((5))، وتقريب الدلالة فيها كما سبق هذا مضافاً إلى ما تقدم في فصل أقسام الحج من تقوم ماهية حج التمتع بالاحرام من بعد، وكذا ما ورد في من أراد أن يدرك عمرة رجب وهو في آخره انّه يوقع احرامه في الميقات في رجب فيدرك بذلك فضيلة العمرة في رجب وإن وقعت أعمال عمرته في شعبان.


1) ([1]) ابواب الاحرام باب 21 ح5 .

2) ([2]) ابواب أقسام الحج باب 4 ح24 .

3) ([3]) ابواب أقسام الحج الباب 5 ح11 .

4) ([4]) ابواب اقسام الحج باب4 ح23 .

5) ([5]) ابواب أقسام الحج باب 4 ح18 .

وفيه: انّ ظاهر تلك الروايات وإن كان مطلوبية الاهلال في البدء إلا انّ أخذ ذلك في الصحّة بمعنى عدم صحّة التلبية المبهمة محل تأمّل، وذلك لما دلّ على عدم فساد الاحرام بفساد النسك أو فواته ولزوم التحلل بنسك آخر كما هو مفاد دعاء الاشتراط في الاحرام، ونظير ما في صحيح أبان بن تغلب قال: ((قلت لأبي عبداللّه - عليه السلام -بأي شيء أهل؟ فقال: لا تسميحج ولا عمرة واضمر في نفسك المتعة فإن أدركت متمتعاً وإلا كنت حاجاً))((1)) وموضع الشاهد ذيل الرواية. وسيأتي في مسألة الجمع بين نيّة العمرة والحج عدّة روايات معتبرة دالّة على انعقاد الاحرام ولزوم أحد النسكين عليه، وهذه الروايات دليل مستقل بنفسه على صحّة انعقاد الاحرام مع عدم نيّة نسك بخصوصه اذ الجمع بعد عدم صحّته يكون كمن أبهم في نيته، وتقريب الاستدلال لعموم الاحرام بهذه الروايات كون ظاهر الحكم أنه ليس من باب العدول كالعدول في الصلاة بأن يجعل ما سبق منها يقلب إلى المعدول إليه ليكون الاحرام والاهلال بالتلبية هو من بدء الأعمال، بل ظاهرها هو قلب من حين تبدل النسك مضافاً إلى ما ذكرنا من شرطية الاحرام وعدم جزئيته.

غاية الأمر انّ الاهلال لا ريب هو عقد نسك ومن ثم يقال عن العمرة أو الحجة انّهما آفاقية أو عراقية أي عقد وانشاء ووجوب اتمامه من بعد، ولعل التعبير بالفسخ لما أهل به المتقدم من الروايات هو بلحاظ اللزوم ووجوب الاتمام لا بلحاظ اداء المتعلق وفسخ صحّته ونقضها وكذلك عبّر في الروايات بفرض النسك حين الاحرام.

هذا ومحل البحث ليس فيمن لم ينوي نسك أصلاً الذي أبطله الشيخ الطوسي فيما مرّ من عبارته بل فيمن أبهم أي أشار إلى نسك بنحو الاجمال القابل للتطبيق على كل منهما، وإلا فمن لم ينوي نسكاً بمعنى قصد عدم اتيانه من رأس ونحو ذلك


1) ([1]) ب21 ابواب الاحرام ح4 .

(مسألة 4): لا يعتبر فيها نيّة الوجه من وجوب أو ندب إلا إذا توقّف التعيين عليها، وكذا لا يعتبر فيها التلفّظ بل ولا الإخطار بالبال فيكفي الداعي(1).

(مسالة 5): لا يعتبر في الاحرام استمرار العزم على ترك محرّماته، بل المعتبر العزم على تركها مستمراً، فلو لم يعزم من الأوّل على استمرار الترك بطل، وأمّا لو عزم على ذلك ولم يستمرّ عزمه بأن نوى بعد تحقّق الإحرام عدمه أو إتيان شيء منها لم يبطل، فلا يعتبر فيه استدامة النيّة كما في الصوم، والفرق أنّ التروك في فتبطل تلبيته.

ثم انّ التعبير بكون حجّته آفاقية أو مكية أو تامّة أو ناقصة لا يقتضي جزئية الاحرام في النسك، اذ هو نظير التعبير فيمن اجترح محرمات الاحرام انّ حجّته ناقصة مع أنّها غير داخلة في النسك، وذلك بطرو النقصان على المشروط بنقصان الشرط وسياتي في المسألة السادسة ماله نفع في المقام وانعقاد الاحرام مطلقاً وإن أهلّ بغير ما يصح.

ثمّ انّه لا يخفى انّ استدلال الأعلام على لزوم نيّة النسك الخاص بمقتضى عدم تعيين الأعمال المشتركة بين النسك المختلفة إلا بالقصد، هذا الاستدلال انّما يناسب البحث في اداءالنسك ولا يتناسب مع بحث الاهلال بالنسك والتلبية الذي هو مقام إنشاء وجوب وفرض النسك لاسيّما بعد كون الاحرام شرطاً لا جزءاً.

ثمّ انّ الماتن وكثير من محشّي المتن صحّحوا التعيين الاجمالي بأن ينوي الاحرام لما سيعينه من حج أو عمرة فانّه نوع تعيين خلافاً لما لو كان مردداً، واستدلّ له بعضهم بأن عنوان ما سيعينه متعين ولو بحسب علم اللّه تعالى .

وفيه: انّ هذا نظير من قصد آخر الشهر في الاقامة فظهر تماميته ثلاثين يوماً فانّه لم يكتفوا به بخلاف ما لو قصد ما قصده رفقته، والفرق انّ التعيين بحسب نشأة عالم المادة والأسباب لا بحسب علم القضاء والتقدير فانّه ليس هو تعييناً عينياً فلا فعلية لتعيينه، فالصحيح عدم الفرق بين الصورتين.

(1) كما هو الحال في بقية العبادات.

الصوم معتبرة في صحّته بخلاف الاحرام فإنّها فيه واجبات تكليفية(1).

(مسألة 6): لو نسي ما عيّنه من حج أو عمرة وجب عليه التجديد سواء تعيّن عليه أحدهما أو لا، وقيل: إنه للمتعيّن منهما، ومع عدم التعيين يكون لما يصحّ منهما، ومع صحّتهما كما في أشهر الحج الاولى جعله للعمرة المتمتع بها وهو مشكل، اذ لا وجه له(2).

(1) قد اتّضح في حقيقة الاحرام أنّها أمر انشائي فليس بنيّة فعل تكويني بل الحال كذلك حتى في نيّة ترك النساء والاستمناء لعدم كونهما مفسدين بالمعنى الاصطلاحي بحيث ينافي قصد انشاء الاحرام والنسك.

ومن ثم لو علم باضطراره إلى بعض التروك أو غيره صحّ منه الاحرام وانشاء النسك.

قاعدة: انعقاد الاحرام مطلقاً ولو بالاهلال لنسك باطل

اشارة

(2) واستدلّ لوجوب التجديد بعدم العلم بالواجب المفروض بالاهلال وعدم امكان الجمع فالمنسي كغير المقدور ينفسخ بالاهلال به:

وفيه: انّه لا يمتنع الاحتياط بالجمع بينهما كما يأتي بيانه فلا تصل النوبة إلى الانفساخ.

واستدلّ لاختصاص الاحرام للمتعين أي للواجب منهما فليزم به لفساد النسك الآخر مع تعين النسك الأول عليه.

وفيه: انّه قد تقدم في حج العبد والصبي وانعتاق الأول في الاثناء وبلوغ الاخر، وكذا في فصل النيابة انّ الاظهر مشروعية التطوع أصلاً ونيابةً لعموم أدلّة استحباب الحج ورجحانه لفرض الوجوب، فلا ينفسخ ولا يبطل النسك المندوب في فرض وجوب النسك الآخر عليه، فالصحيح وجوب العمل بمقتضى العلم الاجمالي إلا أن يفرض في مورد لا يصح فيه أحدهما دون الآخر كما في غير أشهر الحج فانه يجدد

تلبية العمرة احتياطاً ويتمها عمرةً.

وهل يلزم بالتجديد في الفرض الأخير أم تجري البراءة عن انعقاد نسك العمرة.

والوجه فيه ان جرت أصالة الصحّة في التلبية فهي مقدمة على البراءة، إلا انّه يستشكل فيها من جهة عدم جريانها في اثبات عنوان العمل. إلا انّ الصحيح عدم الحاجة لجريان قاعدة الصحّة بذلك لانعقاد الاحرام بالتلبية والاهلال مطلقاً وإن أهل بغير ما يصح كما في صحيحة الأحول عن أبي عبداللّه - عليه السلام - في رجل فرض الحج في غير أشهر الحج قال: ((يجعلها عمرة))((1)).

مضافاً لما مرّ من الروايات في المسألة السابقة في من قرن العمرة بالحج في احرام واحد الدالّة على انعقاد احرامه وإن لم يصح الاهلال بهما معاً، وكذا يدل عليه ما ورد من انعقاد الاحرام مممن أهلّ بالتمتع في وقت لا يسعه اتيانه وانّه ينقلب إلى حج الافراد((2)) وغيرها من موارد العدول بسبب فوات محل النسك الذي أهلّ به.

ولا يخفى انّ هذه الروايات شاهدة على شرطية الاحرام وعدم فساده بفساد ما أهلّ له من نسك، وهذه قاعدة مطردة في بقاء الاحرام وانعقاده مطلقاً، فعلى ذلك لا حاجة لتجديد الاحرام بل يأتي بخصوص ما يصح به من نسك.

هذا وأمّا في الفرض الذي يصح كل منهما فإن كان يصح العدول، فيكفيه العدول واتيان نسك واحد بدل الجامع، بل يمكن القول بتعين العدول عليه فيما إذاكان العدول إليه هو الواجب المتعين عليه في الأصل أو كان الجمع بين النسكين احتياطاً يوقعه بين المحذورين في بعض الأعمال كالتقصير في الترديد بين العمرة والحج.

ثمّ انّه لا يخفى انّ صيغة الاحتياط في الجمع بين النسكين قد تتفق مع العدول أيضاً كأن ينوي المتعة فإن نسكه ان كان افراداً فانّه عدول إلى الأفضل وان كان مفردة


1) ([1]) ب11 ابواب الاحرام ح7 .

2) ([2]) ب21 ابواب أقسام الحج.

(مسألة 7): لا تكفي نيّة واحدة للحج والعمرة، بل لابد لكلّ منهما من نيّته مستقلاً، إذ كلّ منهما يحتاج إلى إحرام مستقلّ، فلو نوى كذلك وجب عليه تجديدها، والقول بصرفه إلى المتعيّن منهما إذا تعيّن عليه أحدهما والتخيير بينهما إذا لم يتعيّن وصحّ منه كلّ منهما كما في أشهر الحج لا وجهله، كالقول بأنه لو كان في أشهر الحجّ بطل ولزم التجديد، وإن كان في غيرها صحّ عمرة مفردة(1).

فله أن يقلبها متعة.

(1) اختار القول الأول في المتن والمحقق في الشرائع في مبدأ كلامه، والثاني هو مختار الشيخ في المبسوط وجماعة والقول الثالث مختار المحقق في آخر كلامه ونسب إلى القديمين.

أمّا القول بالبطلان للاحرام في أشهر الحج أي في ما صحّ كل منهما فيدفعه ما تقدم من القاعدة في المسألة السابقة من انعقاد الاحرام ولو أهل بنسك فاسد، مضافاً إلى ورود روايات خاصّة في هذه المسألة أي الافراد كصحيحة زرارة قال: ((جاء رجل لأبي جعفر - عليه السلام - وهو خلف المقام وقال: انّي قرنت بين حجة وعمرة وقال له هل طفت بالبيت فقال: نعم قال: هل سقت الهدي؟ قال: لا، فأخذ ابو جعفر - عليه السلام - بشعرة ثم قال أحللت واللّه))((1)). وفي صحيح الحلبي عن أبي عبداللّه - عليه السلام - في حديث قال: ((أيما رجل قرن بين الحج والعمرة فلا يصلح إلا أن يسوق الهدي إلى نسكه الذي قد أشعره وقلده، قال: ومن لم يسق الهدي فليجعلها متعة))((2)).

وحمل صاحب الوسائل هذه الرواية على التقيّة - بدعوى موافقة جميع العامّة - في غير محلّه لتصريح الرواية بعدم صحّة النسكين معاً وقلب النيّة إلى المتعة التي هي خلاف العامّة.

وصحيحة يعقوب بن شعيب ((قال قلت لأبي عبداللّه - عليه السلام - الرجل يحرم بحجه وعمرته


1) ([1]) ابواب أقسام الحج باب 11 ح1 .

2) ([2]) ابواب أقسام الحج باب5 ح2 .

(مسألة 8): لو نوى كإحرام فلان فإن علم أنه لماذا أحرم صحّ، وإن لم يعلم فقيل بالبطلان لعدم التعيين، وقيل بالصحّة لما عن علي - عليه السلام -، والأقوى الصحّة لأنه نوع تعيين، نعم لو لم يحرم فلان أو بقي على الاشتباه فالظاهر البطلان، وقد يقال: إنه في صورة الاشتباه يتمتع، ولا وجه له إلا إذا كان في مقام يصحّ له العدول إلى التمتع(1).

وينشيء العمرة، أيتمتع؟ قال: نعم))((1)) والتعبير فيها ينشأ العمرة أي يقدم اتيان العمرة على الحج في الاحرام الواحد الذي قرن في نيّة اهلاله فيكون مفادها عين مفاد الروايتين السابقتين وهذه الرواية دالّة على انعقاد الاحرام وتعين العدول بالنيّة إلى التمتع وظاهر الأمر في صحيحة الحلبي وإن كان يحتمل الندبية لأفضلية التمتع وجواز صرف الاحرام إلى أحد النسكين خاصّةمخيراً كما لو لبّى مبهماً. هذا، أما لو لم يصح كل من النسكين كما لو كان في غير أشهر الحج تعين ما يصح منه وهو العمرة لما تقدم من صحّة انعقاد الاحرام وإن كان الاهلال فاسداً ودلالة الروايات السابقة على صحّة انعقاده فيتعين التحلل بالنسك الصحيح.

(1) امّا في صورة العلم بما نواه الآخر فيصح ولم ينقل خلاف فيه إلا أنه يشكل ذلك عند من استدلّ على لزوم تعين النيّة - أي نيّة النسك - بأن تحقق وصدق الامتثال متوقف عليها، بعد أن كان تحقق عنوان المأمور به مرهوناً بالقصد، فإنّ مثل هذا القصد الذي ينكشف فيما بعد ليس بمتعين في صقع الذهن عنواناً بمثابة الالتفات المركب نظير ما لو صلى الواجبة بنيّة صلاة فلان مع عدم علمه حين الاحرام بالصلاة بنيّة الآخر ثم انكشف له في الاثناء أن نيّة الآخر هي الظهر أو العصر.

وبعبارة أخرى: هناك فرق بين تعلق الارادة بالفعل التكويني المرتبط بوجود خارجي كالاقامة في السفر عشرة أيّام وبين تعلّق الإرادة بعنوان انتزاعي أو اعتباري ينشأ بالقصد، فإن في الأول لا يخل عدم الالتفات المركب بتعلق الارادة بالفعل


1) ([3]) ابواب أقسام الحج ب18 ح2 .

الخاص وأما في الثاني فعدم الالتفات المركب يخلُ بإنشاء العنوان لأن وجود العنوان متوقف على الانشاء المتوقف على قصد عنوانية العنوان، ونظير ذلك ما لو تعاقدت مع آخر ناوياً العقد الذي وقع بين طرف ثالث ورابع فانّ هذا لا يوجد العقد الخاص الواقع بين الآخرين، نعم قد ذكروا في بحث المعاملات والعناوين الانشائية كفاية قصد المعنون عن قصد العنوان كأن يقصد تبديل المنفعة بعوض من دون أن يلتفت إلى عنوان الاجارة فانّه يصح، ولكن ذلك غير ما نحن فيه فانّ المراد من قصد العنوان بإلتفات مركب في أفق الذهن أعم من أن يقصد الشيء بلفظه أو بجنسه وفصله، هذا بخلاف ارادة الانحناء من دون معنى التعظيم أو الركوع، وهذا يرد كله بناءً على الاستدلال لنية النسك حين الاحرام من باب تعيين متعلّق الأمر وتحقيق الامتثال. وأمّا بناءً على الاحرام والاهلال بالتلبية إنشاءاً لفرض النسك فيكفي الاشارة الاجمالية لأنه من قبيل الاشارة إلى موضوعات الاحكام لاسيّما وبعدما بنينا على انعقاد التلبية المبهمة.

أمّا الصورة الثانية في المتن وهو ما إذالم يعلم بنيّة الغير، فالأقوى الصحّة فيه بعدما تقدم من صحّة الاحرام مبهماً غاية الأمر في المقام يكون من قبيل ما لو أحرم لنسك ونسي ما عيّنه، واستدل للصحّة بما روي من إحرام أمير المؤمنين - عليه السلام - بنيّة إحرام رسول اللّه(صلى الله عليه وآله)، ففي صحيح الحلبي عن أبي عبداللّه - عليه السلام - قال - عليه السلام -: ((وأقبل على - عليه السلام - من اليمن حتى وافى الحج فوجد فاطمة(عليها السلام) قد أحلت ووجد ريح الطيب فانطلق إلى رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) مستفتياً فقال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله): يا علي بأيّ شيء أهللت؟ فقال: أهللت بما أهلّ النبي(صلى الله عليه وآله) فقال: لاتحل أنت، فأشركه في الهدي وجعل له سبعاً وثلاثين ونحر رسول اللّه(صلى الله عليه وآله)ثلاث وستين))((1)).

وفي صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبدالله (صلى الله عليه وآله) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): وأنت يا


1) ([1]) ب2 ابواب اقسام الحج ح14 .

علي بما أهللت؟ قال: قلت يا رسول اللّه اهلال كاهلال النبي(صلى الله عليه وآله) فقال له رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) كن على احرامك مثلي وأنت شريكي في هديي - إلى أن قال - وكان الهدي الذي جاء به رسول اللّه(صلى الله عليه وآله)أربعاً وستين أو ستاً وستين وجاء علي - عليه السلام - بأربعة وثلاثين أو ست وثلاثين، فنحر رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) ستاً وستين ونحر علي - عليه السلام - أربعاً وثلاثين بدنة))((1)).

وفي رواية الطبرسي في أعلام الورى انّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) قال له: ((بما أهللت يا علي فقال له يا رسول اللّه لم تكتب لي بذلك قلت إهلال كاهلال نبيّك، فقال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) فأنت شريكي في حجي ومناسكي وهديي))((2)).

واشكل على دلالتها تارة بأنّها في مورد حصول العلم باحرام الغير قبل الاعمال أي الصورة الأولى المتقدمة دون الثانية. وأخرى بأن ظاهر صحيح معاوية بن عمّار انّ الهدي جاء به علي - عليه السلام - فيكون حجّه حج قران بقصد تفصيلي، فمعنى قوله - عليه السلام - ((اهلال كاهلال النبي(صلى الله عليه وآله))) ليس الاشارة الاجمالية بل لتوضيح قصد تفصيلي مطابق لما أهل به النبي(صلى الله عليه وآله)، لاسيّما وأن الحج قبل نزول المتعة لم يكن إلا افراداً وقراناً، والقران ليس تنويعة مع الافراد بالنيّة بل بالسوق وعدمه فلا لم يكن سائقاً لما حصل القران ويضاف إلى ذلك انّ القارن الذي يسوق الهدي عن نفسه كيف يسوغ له أن يشرك غيره فيه إلا أن يكون من ذلك خصائصهما(صلوات الله عليهما وآلهما).

وعلى كل تقدير فالاستدلال بهذه الروايات يحتاج إلى مزيد تأمّل إذ التأمّل قد يظهر في بحث القران أو في بحث الهدي وأحكامه.

وأمّا الصورة الثالثة في المتن وهي ما لو لم يحرم الغير، فذهب الماتن إلى البطلان وقد عرفت انّ الاحرام ينعقد كما لو كان مبهماً لاسيّما وانّ التقييد باحرام الغير الغرض منه هو الاشارة إلى أحد أنواع النسك. ثم لا يخفى أن في موارد انعقاد


1) ([2]) المصدر السابق ح4 .

2) ([3]) المصدر السابق ح32 .

(مسألة 9): لو وجب عليه نوع من الحجّ أو العمرة فنوى غيره بطل(1).(مسألة 10): لو نوى نوعاً ونطق بغيره كان المدار على ما نوى دون ما نطق(2).

الاحرام مع عدم التعيين في الواقع يكون مخيراً كما في الاهلال المبهم.

(1) إن كان المراد من البطلان هو الفساد فلا وجه له لعدم ما يدل على انحصار الظرف الزمني أو الظرف البدني بالنسك المتعين كما هو الحال في شهر رمضان، وليس مقتضى أدلّة وجوب النسك تخصيص عمومات الأمر الندبي بأنواع النسك الأخرى، نعم إن كان المراد بالبطلان عدم الاجزاء ففي محلّه عدى ما إذاأتى بالتمتع بنيّة الندب لا بنيّة حجة الاسلام، فانّه يجزي عن حجّة الاسلام كما تقدم في حج الصبي وبلوغه في الاثناء وحج العبد وانعتاقه في الأثناء، وفي مسألة من حج بنيّة الندب ولم يعلم بأنّه مستطيع.

(2) اذ المدار على النيّة لا على اللفظ في مطلق موارد الأمور الانشائية وفي الرواية اشارة إلى مقتضى القاعدة كما في مصحح علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر - عليه السلام - قال: ((سألته عن رجل أحرم قبل التروية فأراد الاحرام بالحج يوم التروية فأخطأ فذكر العمرة قال: ليس عليه شيء فليعتد ]فليعد[ الاحرام بالحج))((1))، بل في كثير من الروايات اضمار النيّة بالمتعة والاحرام بالحج تقيّةً((2)) نعم قد يعترض بأن في الانشائيات لابد من تعين المتعلّق والموضوع في مقام اللفظ المبرز فلو نذر وتلفظ بصيغة النذر مع عدم ذكر المنذور وإن نواه في قلبه يشكل صحّة انعقاد ذلك النذر.

وفيه: انّه قد صححوا ما لو باع مبيعاً مشيراً إليه بلفظ مبيع آخر، فقدموا الاشارة على اللفظ والوجه في ذلك انّ الانشاء يحصل بالصيغة وأما توابعها من ألفاظ المتعلّق والموضوع فليست إلا كبيان مورد الانشاء لا أنها آلالات.


1) ([1]) ب 22 ابواب الاحرام ح8 .

2) ([2]) المصدر السابق وباب 5 .

(مسألة 11): لو كان في اثناء نوع وشكّ في أنه نواه أو نوى غيره بنى على أنه نواه(1).

(مسألة 12): يستفاد من جملة من الأخبار استحباب التلفّظ بالنيّة، والظاهر تحقّقه بايّ لفظ كان، والأولى أن يكون بما في صحيحة ابن عمّار وهو أن يقول: ((اللّهمّ إني أُريدُ ما أمرتَ به مِن التمتع بالعُمرةِ إلى الحجّ على كِتابك وسُنّةِ نَبيِّك(صلى الله عليه وآله)فَيَسِّر ذلكَ لي وَتَقبَّلهُ مِنّي وأعِنّي عَليهِ، فإنْ عرضَ شَيءٌ يَحبسُني فَحَلِّني حَيثُ حبستني لقدرك الذي قدرت عليَّ، اللّهمّ إن لم تكن حجّة فعمرة، احرم لك شعري وبشري ولحمي ودمي وعظامي ومخّي وعصبي من النساء والطيب، أبتغي بذلك وجهك والدار الآخرة))(2).(1) وقد يشكل بأن جريان قاعدة التجاوز والفراغ انّما هو بعد احراز الموضوع وهو العنوان والشك في اتيان الاجزاء والشرائط.

وفيه: انّ هذا وإن كان تاماً إلا انّ في المقام قد افترض احراز عنوان الجزء الذي هو متشاغل به إلا أن شكه فيما مضى من الأجزاء ووقوعها بذلك العنوان حيث أنها دخيلة بصحّة الجزء الفعلي الذي بيده.

وبعبارة أخرى: انّ العنوان والنيّة تنبسط على الاجزاء وتنوع كل جزء بها دخيل في صحّة الأجزاء الأخرى فمورد جريان القاعدة في المقام وهو الجزء والعمل المتشاغل به لا يشك في موضوعه وعنوانه انّما شكه في تعنون ما سبق بذلك هذا بخلاف ما لو لم يحرز العنوان في الأثناء فبينهما فرق لا يخفى.

(2) بل الظاهر انّه ليس من التلفظ المحض بالنيّة بل هو من عقد الاحرام وعقد النسك كما تقدم، فهو صيغة انشاء للاحرام والنسك ولفرض النسك أي لوجوبه المتزلزل نعم لا يلزم إلا بالتلبية واخويها وعلى ذلك فهل هو لازم أم مستحب.

ففي صحيح حماد بن عثمان عن أبي عبداللّه - عليه السلام - قال: ((قلت اني أريد أن أتمتع

(مسألة 13): يستحب أن يشترط عند إحرامه على الله أن يحلّه إذا عرض مانع من إتمام نسكه من حجّ أو عمرة، وأن يتمّ إحرامه عمرة إذا كان للحجّ ولم يمكنه الإتيان كما يظهر من جملة من الأخبار واختلفوا في فائدة هذا الاشتراط فقيل: إنّها سقوط الهدي، وقيل: إنها تعجيل التحلل وعدم انتظار بلوغ الهدي محلّه، وقيل: سقوط الحجّ من قابل، وقيل: إنّ فائدته إدراك الثواب فهو مستحبّ تعبّدي هذا هو الأظهر ويدلّ عليه قوله - عليه السلام - في بعض الأخبار: هو حلّ حيث حبسه اشترط أو لم يشترط. والظاهر عدم كفاية النيّة في حصول الاشتراط، بل لابدّ من التلفّظ، لكن يكفي كلّ ما أفاد هذا المعنى، فلا يعتبر فيه لفظ مخصوص وإن كان الأولى التعيين ممّا في الأخبار(1).

بالعمرة إلى الحج فكيف أقول؟ قال: تقول: اللّهم اني أريد أن أتمتع بالعمرة إلى الحج على كتابك وسنّة نبيّك، وإن شئت أضمرت الذي تريد))((1)).

ولعله لأن الانشاء قد يحصل باللفظ كما يحصل بالفعل من التجرّد والصلاة لأجل الاحرام.

(1) ذهب إلى القول الأول جماعة منهم الشيخ الصدوق والسيد المرتضى ويحيى بن سعيد والحلّي والعلاّمة في بعض كتبه وغيرهم.وذهب إلى القول الثاني الشيخ في الخلاف كما حكي عنه وان كان ما وقفنا عليه خلافه، وابن حمزة والمحقق وصاحب الجواهر وجملة من المعاصرين.

وذهب إلى القول الثالث الشيخ في التهذيب.

وذهب إلى القول الرابع الشهيد الثاني في المسالك وصاحب المدارك وعدّة من أعلام هذا العصر.

والعمدة في تحقيق الحال استعراض مفاد الآية اولاً ثم مفاد ألفاظ الشرط المزبور


1) ([1]) 17 ابواب الاحرام ح1 .

ثم التعرّض للروايات الخاصّة.

الجهة الأولى:

أمّا الآية الكريمة (وأتموا الحج والعمرة للّه فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضاً أو به أذىً من رأسه...) الآية((1)).

وظاهر مفاد الآية الكريمة هو وجوب اتمام الحج والعمرة وقد مرّ أنّ مفاد الآية وجوب الاتمام بانشاء الحج والعمرة بالتلبية واخويها وإن كان النسك في الأصل ندباً.

ثم تعرضت الآية إلى المانع عن اتمام النسك وهو الاحصار وظاهرها كونه عذراً من وجوب الاتمام ومن اتيان النسك وبقرينة المقابلة مع لفظ ((فاذا أمنتم)) يظهر منها عموم المانع الموجب للاحصار من مرض وعدو أو غيرهما وإن اندرج في الروايات المقابلة بين الاحصار والصيد إلا انّ في بعضها اطلاقه على الأعم ونكتة المقابلة في الروايات هي لتفصيل بينهما في أحكام كما سيتّضح لك.

كما انّ مقتضى الشرطية فيها سببية الاحصار - كمانع عن النسك - لوجوب الهدي، وهذا الحكم لا ربط له بالتحلل بل ظاهرها انّه بسبب العجز عن اتيان النسك.

ثم تعرضت الآية إلى التحلل من الاحرام بالحلق بشرط بلوغ الهدي محلّه وليس هذا المفاد فيها يعطي سببية الهدي ولا بلوغه للتحلل بل غاية مفادها اشترط المحلل واشتراط السبب للتحلل ببلوغ الهدي وترتبه بعده، نظير ترتب التقصير في العمرة على السعي والحج على ذبح الهدي.

ومقتضى هذا المفاد أجنبية وجوب الهدي والدم بسبب والاحصار عن حكم التحلل وموضوعه فبالتالي فالوجوب المزبور أجنبي عن الاشتراط نفياً واثباتاً وإلى هذا أشار الشيخ في الخلاف غاية الامر قد أخذ بلوغ الهدي شرطاً في الحلق


1) ([1])البقرة: 196 .

المحلل. ثم لا يخفى أن مفاد الآية أيضاً كون الاحصار سبباً للدم والهدي كسببية التمتع للهدي أيضاً، كما دلّت عليه ذيل الآية نفسها، وعلى ذلك فلا يسقط هذا الهدي بالهدي المسوق للمقترنسواء في عمرة أو حج كما هو الحال في حج التمتع من عدم التداخل في هدي الواجب به مع الدم الواجب بكفارات الاحرام ونحوه، أو كالمتمتع السائق للهدي في عقد احرام حجه لا عمرته.

الجهة الثانية: وامّا مقتضى الشرط في عقد الاحرام ودعائه فقد ذهب من العامّة الشافعي وابن حنبل إلى أنّ مقتضاه سقوط الدم وافادة التحلل، وذهب مالك إلى أن وجوده وعدمه سواء، وذهب ابو حنيفة إلى انّه يفيد سقوط الدم دون التحلل لأنه مستفاد من اطلاق الآية. وذهب جلهم إلى مشروعية الاشتراط ورجحانه عند الاحرام وأنكره ابن عمر وطاووس وسعيد بن جبير والزهري ومالك وأبو حنيفة إلا انّهم رووا روايات عن النبي(صلى الله عليه وآله) في مشروعية اشتراطه.

ومقتضى لفظة ((فإن عرض لي عارض يحبسني فحلني حيث حبستني بقدرك الذي قدرت عليّ)) هو كون الاحلال حيث يحصل الحبس والظاهر ابتداءاً من كلمة ((حيث)) هي المكانية وهي الاشهر استعمالاً واحتمل فيها الزمانية وهو الأقل بندرة وسيأتي في ظاهر الروايات ما يدلّ على الأول، ومقتضاه حينئذ حصول الاحلال في مكان الحبس من دون التعرض للتعجيل الزماني، أي انّ الحبس عذر ومانع عن وجوب قصد بيت اللّه حيث حصل.

ولا ينافي هذا المفاد التقييد في الآية ببلوغ الهدي محلّه كي يرتكب التخصيص.

هذا من جانب ومن جانب آخر انّه من المقرر في بحث الشرط والشروط انّ الشرط انّما يتعلّق بذات المشروط في نفسه لا انّ مشروعيته تكون آتية من الشروط، غاية الأمر ان الشرط يفيد الالزام بذلك المشروط، وعلى ذلك فسببية الانحصار

للتحلل لابد أن تكون مجعولة في نفسها في رتبة سابقة على الشرط الذي ينشأ في عقد الاحرام، غاية الأمر ان الشرط يؤكد ذلك المفاد ولذلك حكي عن جماعة من الأصحاب - بل ظاهر السيوري في الكنز كونه أحد القولين المشهورين - أنّ الأقوى بقاء وجوب الدم على حاله وان اشترط في احرامه والتحلل مع الشرط عزيمة ومع عدمه رخصة.

ومن ثم يندفع ما استدل به بعض العامّة على بدعية هذا الشرط بأنّه لا مجال للاشتراط في العبادات الواجبة بالأصل كالصوم والصلاة، وعلى أي تقدير فالمتحصل من الجهة الثانية من صيغة الشرط عدم افادته شيئاً زائداً على سببية الاحصار للتحليل المقدرة في الجعل الأولي سوى تأكيد ذلك المفاد أو الالزام به.

أمّا الجهة الثالثة: الروايات الخاصة الواردة في المقام.

وقبل الخوض في عمدة ما استدل به على الأقوال المزبورة لابد من الاشارة المجملة لمحصل أحكام المحصور والمصدود المستفادة من الروايات((1))، وهو التفرقة بين المحصور والمصدود من ناحيتين من جهة مكان الذبح فالمصدود يذبح حيث صد، والمحصور يبعث بالهدي إلىمحله، ومن جهة التحلل أيضاً فانّ المصدود يحل بالذبح له كل ما حرم عليه حتى النساء، وأما المحصور فيتحلل من المحرمات عدى النساء فيلزمه الاتيان بنسك أو الاستنابة عن نفسه لطواف النساء كما قد تشير بعض الأخبار إلى الثاني بلفظ ((بلوغ الهدي محله)) كناية عن طواف أصحابه عنه أيضاً، كما انّ ظاهر الروايات ان بعث الهدي مشروط بالقدرة فلو لم تكن له صحبة كأن كان في مفترق الطريق ونحو ذلك سقط عنه البعث ونحر وذبح هديه في مكانه، وهذا الحكم شامل لهدي السياق أيضاً بالنسبة للمحصور والمصدود وإلا


1) ([1]) ب1 و2 و3 و4 و5 و6 ابواب الاحصار والصد.

فاللازم على المصدود فضلاً عن المحصور هو بعث هدي السياق إلى محلّه للعمومات الدالّة على أنّ ما يساق في العمرة فمحلّه مكة وما يساق في الحج فإن محلّه منى، وقد تقدم انّ مفاد الآية مقتضاه تعدد هدي الاحصار أو الصد ومغايرته لهدي السياق بمقتضى عدم تداخل الأسباب والمسببات.

نعم قد يقال انّ الواجب بالاحصار أو الصد أو التمتع هو ذبح الهدي أي فعل الذبح، غاية الأمر مقيد متعلقه بكونه هدياً، وهذا المتعلّق مطلق لما قد أهدي بالسياق والتقليد أو الاشعار فإن السياق وان اوجب كون الدم صدقة هدية إلى بيت اللّه الحرام إلا انّه يغاير الذبح وأخذ عنوان الهدي أي كون الدم صدقة مهدية هو قيد توصلي في الذبح وإن كانت الصدقة والهدية عبادة في نفسها، ومن ثم يتصور تداخل هدي السياق مع الذبح الواجب في الاحصار أو التمتع فلو ساق المحصور أو المتمتع في حجه دون عمرته هدياً فيمكن الاكتفاء به في الذبح الواجب في الهدي، وقد يشهد لذلك صحيح معاوية بن عمّار عن أبي عبداللّه - عليه السلام - في المحصور ولم يسق الهدي قال: ((ينسك ويرجع قيل فإن لم يجد هديا قال: يصوم))((1)) حيث انّ الظاهر من سؤال الراوي المفروغية من الاكتفاء بهدي السياق في الذبح الواجب بالاحصار، وظاهر جوابه - عليه السلام - تقريره على ذلك، وكذا مصحح رفاعة بن موسى عن أبي عبداللّه - عليه السلام - قال: ((قلت له: رجل ساق الهدي ثم أحصر؟ قال: يبعث بهديه))((2))ومثله صحيح((3))محمدبن مسلم ورفاعة فانّ ظاهر الجواب الاكتفاء بهدي السياق في بعث الهدي الواجب عليه بالاحصار.

هذا وعمدة الروايات التي استدلّ بها:

الأول، صحيح ذريح المحاربي قال: سألت أبا عبد الله له عن رجل تمتع بالعمرة إلى


1) ([1]) ب7 ابواب الاحصار والصد ح1 .

2) ([2]) المصدر السابق ح3 .

3) ([3]) ابواب الاحصار ب4 / 1 .

الحج واحصر بعدما أحرم كيف يصنع؟ قال: فقال: اوما اشترط على ربه قبل أن يحرم أن يحله من احرامه عند عارض عرض له من أمر اللّه؟ فقلت: بلى قد اشترط ذلك، قال: فليرجع إلى أهله حلاًّ، لاحرام عليه ان اللّه أحق من وفى بما اشترط عليه، قال: فقلت: أفعليه الحج من قابل؟ قال: لا))((1)).

وتقريب الاستدلال بها: انّ ظاهرها سببية الاشتراط للتحلل وانّه بمجرّد الحصر يحل بمقتضى الاشتراط، فاطلاقه بل ظهوره يقتضي سقوط الدم فضلاً عن التأخير إلى بلوغ الهدي المبعوث، كما انّه يفيد سقوط القضاء وتحلله من جميع المحرمات حتى النساء.

وفيه: انّه قد تقدم انّ ثبوت الهدي والدم ليس لأجل التحلل بل بسبب العجز عن اتمام النسك بمانع الاحصار بل وكذلك بعث الهدي فيكون خارجاً عن نطاق الرواية وهو التحلل.

كما انّ التعبير في قوله - عليه السلام - ((فليرجع إلى أهله حلاً)) هو في مقابل وجوب الاتمام والارتهان بالاحرام وأعماله، أي في مقابل الالزام بالمضي إلى بيت اللّه الحرام فليس مفادها منصباً على التعجيل بالاحلال قبل بلوغ الهدي محله بأن يذبح في مكانه، ومعنى وفاء اللّه تعالى بما اشترط عليه هو الاحلال من أمره باتمام النسك، كما انّ نفي الحج من قابل هو بلحاظ وجود الارتكاز لدى الرواة والمتشرعة بوجوب قضاء الحج أو العمرة بفساد النسك وليست أسئلتهم منصبّة على الحج الواجب المستقر.

وبعبارة اخرى: انّ سببية الاشتراط أو الاحصار للاحلال انّما هي بلحاظ وجوب الاتمام والارتهان بالاحرام المتشاغل به. وأمّا ما هو واجب بالذمة فهو أجنبي عن نطاق الاحلال والاشتراط.


1) ([1]) ب24 ابواب الاحرام ح3 .

فائدة: في ادخال احرام بنسك في احرام بنسك سابق في الجملة

امّا التحلل من النساء وسقوط طوافه فمحلّ تأمّل لما تبين من انّ جوابه - عليه السلام - في مقام سقوط وجوب الاتمام لا التحلل من كل محرمات تروك الاحرام، والتمسك باطلاق قوله - عليه السلام - ((لاحرام عليه)) متوقف على عدم كون هذا التعبير وصفاً للرجوع، مضافاً لما عرفت من انّ الاشتراط لا يزيد على مقتضى ذات المشروط. ويشهد لعدم سقوط الهدي صحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر - عليه السلام - وصحيح رفاعة عن أبي عبداللّه - عليه السلام - انّهما قالا: ((القارن يحصر وقد قال واشترط فحلّني حيث حبستني قال يبعث بهديه، قلنا: هليتمتع في قابل؟ قال: لا ولكن يدخل في مثل ما خرج منه))((1)) وفي الفقيه اورد مضمون الحديث مرسلاً مقطوعاً إلا انّه قال فيه ((فلا يبعث بهديه)) نعم الرواية على النسختين هي في عدم سقوط التأخير أو سقوط البعث لأن موردها في القران الذي ساق الهدي.

الثانية: وصحيحة أحمد بن محمد بن أبي نصر قال: ((سألت أبا الحسن - عليه السلام - عن محرم انكسرت ساقه أي شيء يكون حاله وأي شيء عليه قال: هو حلال من كل شيء فقلت: من النساء والثياب والطيب؟ فقال: نعم من جميع ما يحرم على المحرم، ثم قال: أما بلغك قول أبي عبداللّه - عليه السلام - حلني حيث حبستني بقدرك الذي قدرت عليّ، قلت: أصلحك اللّه ماذا تقول في الحج؟ قال: لابد من أن يحج في القابل، فقلت: أخبرني عن المحصور والمصدود هما سواء فقال: لا. قلت: فأخبرني عن النبي(صلى الله عليه وآله) حيث صدّه المشركون قضى عمرته؟ قال: لا، ولكنه اعتمر بعد ذلك))((2)).

واستدلّ بظاهرها لسقوط الدم وتحلله من كل شيء حتى من النساء بمجرّد الاحصار لاسيما مع تنصيص الراوي في السؤال بأي شيء عليه.

وفيه: أولاً: ان ظاهر مورد الرواية هو التحلل بمجرد الاحصار لا بمقتضى الشرط فلم


1) ([1]) ب4 ابواب الاحصار ح1 .

2) ([2]) ب8 ابواب الاحصار والصد ح1 .

يفرض في موردها الاشتراط بل ظاهر استشهاده - عليه السلام - بقول أبي عبداللّه - عليه السلام - من دعاء الاشتراط هو الاستشهاد بمضمون المشروط المشروع في نفسه أي كون الحبس بالاحصار سبباً للتحلل. وهذا داعم لما تقدم من انّ ذات المشروط في نفسه هو السبب للاحلال .

ثانياً: انّ في الرواية قرينتين على عدم ارادة سقوط ما على المحصر، الأولى ايجابه - عليه السلام - الحج من قابل، والثانية: نفيه للتسوية بين المحصور والمصدود وليس إلا في مكان الذبح .

فتبين انّ قوله - عليه السلام - ((انّه حلال من كل شيء)) ليس في صدد اسقاط الدم وبعثه، وهو شاهد لما مرّ من الاستظهار من الآية الشريفة من انّ ايجاب الدم ليس للتحلل وكذا بعثه. فجوابه - عليه السلام - في صدد نفي ايجاب النسك على المحبوس ونفي ارتهانه به، وإلا لدلّت الرواية على عدم لزوم التقصير مع انّه لا يحصل التحلل إلا بهما، كما انّه لم يكن في صدد نفي وجوب الدم كما عرفت حيث صرّح بالفرق في الذيل بل انّ اطلاق تفرقته - عليه السلام - فيالذيل يقتضي كون المحصور لا يتحلل إلا بطواف النساء أو يأتي بالعمرة فيما بعد لما دلّت عليه الروايات من الفارق بينهما وهما أمران بل أكثر.

وأما اثبات الحج عليه من قابل فمحمول على الحج الواجب لما في عدّة من الأخبار النافية لوجوب الحج من قابل، مثل صحيح ذريح المحاربي المتقدم بل في صحيح معاوية بن عمّار((1)) تقييد القضاء بذلك قال - عليه السلام - - في حديث -: ((وان كان في عمرة فاذا برأ فعليه العمرة واجبة، وإن كان عليه الحج فرجع إلى أهله وأقام ففاته الحج كان عليه الحج من قابل، فإن ردوا الدراهم عليه... وقال انّ الحسين بن علي - عليه السلام - خرج معتمراً فمرض في الطريق فبلغ علياً وهو بالمدينة... فدعى علي - عليه السلام - ببدنة فنحرها وحلق رأسه ورده إلى المدينة، فلما برأ من وجعه اعتمر فقلت: أرأيت حين برأ من وجعه أحل له النساء قال: لا تحل له النساء


1) ([1]) ب2 ابواب الاحصار ح1 .

حتى يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة قلت: فما بال النبي(صلى الله عليه وآله) حين رجع إلى المدينة حلّ له النساء ولم يطف بالبيت فقال: ليس هذا مثل هذا، النبي(صلى الله عليه وآله) كان مصدوداً والحسين - عليه السلام -محصوراً)).

فإنّ ذيلها مضافاً إلى الفقرة الأولى التي نقلناها صريحة في انّ العمرة التي جاء بها الحسين - عليه السلام - هي لأجل التحلل من النساء لا أنها عمرة قضاء بسبب فساد العمرة الأولى، كما أنها دالّة على صحّة انشاء نسك آخر مع بقاء احرام نسك سابق قد تحلل من أكثر أعماله وبقي تحريم النساء وهو من ادخال نسك في نسك بهذا المقدار. وكذلك في الدلالة للخبر الآتي في كلام صاحب الجواهر.

الثالثة: موثق زرارة عن أبي جعفر - عليه السلام - قال: ((المصدود يذبح حيث صد ويرجع صاحبه ويأتي النساء والمحصور يبعث بهديه ويعدهم يوما فاذا بلغ الهدي حلّ هذا في مكانه، قلت: أرأيت ان ردوا عليه دراهمه ولم يذبحوا عنه وقد أحل فأتى النساء قال فليعد وليس عليه شيء وليمسك الان عن النساء إذا بعث))((1)).

فانّ ظاهرها حصول التحلل من النساء للمحصور ببلوغ الهدي محلّه فإنّ قوله - عليه السلام -((وليمسك الان عن النساء إذابعث)) تقرير لما ذكره السائل من الاحلال من النساء ببعث الهدي.

وفيه: انّ الظاهر من بعث الهدي كناية عن استنابته لطواف النساء أيضاً ولا ينافيه ما تقدم في صحيح معاوية بن عمّار حيث ذكر فيها عدم احلال المحصر من النساء إلا بالاعتمار بعد برءه، فانّ الفرض فيه ذبح المحصر هديه حيث حبس لعدم القدرة على بعث الهدي لعدم الصحبةونحو ذلك، فانّ ما جرى للحسين - عليه السلام - محمول على ذلك كما صرّح بذلك في مصحح زرعة قال: ((سألت عن رجل احصر في الحج قال: فليبعث بهديه إذا كان مع أصحابه)) الحديث((2)) فقيّد بعث الهدي فيها بوجود الصحبة


1) ([2]) ب1 ابواب الاحصار ح5 .

2) ([1]) ب1 ابواب الاحصار ح2 .

الثاني: من واجبات الاحرام التلبيات الاربع، والقول بوجوب الخمس أو الستّ

كناية عن القدرة، وكذا في صحيح معاوية بن وهب المتقدم((1)) حيث ذكر في صدرها لزوم بعث الهدي على المحصر حيث فرض فيها وجود الصحبة ثم فرض فيها ((وان كان مرض في الطريق بعدما أحرم فأراد الرجوع إلى أهله رجع ونحر بدنة ان أقام مكانه وان كان في عمرة فاذا برأ فعليه العمرة واجبة)) ففصّل فيها بين وجود الصحبة وعدمها في بعث الهدي كناية عن القدرة كما أمر فيها بالعمرة عند عدم البعث والذبح في مكانه وهو شاهد على كون البعث يلازم الاستنابة في طواف النساء.

الرابعة: ما رواه في الكافي بسند موثق عن حمزة بن حمران قال: ((سألت أبا عبداللّه - عليه السلام - عن الذي يقول حلني حيث حبستني قال: هو حل حيث حبسه قال: أو لم يقل))((2)).

وروى الكليني بعدها صحيحة زرارة عن أبي عبداللّه - عليه السلام - قال: ((هو حلّ إذا حبس اشترط أو لم يشترط))((3)).

ومفاد هاتين الروايتين هو ما تقدم من كون التحلل بسبب الحبس والاحصار لا بالشرط، كما انّ ترتب الاحلال على الحبس فيهما الذي هو عمدة الموضوع لا ينفي لزوم الحلق أو التقصير كما لا ينفي لزوم بعث الهدي أو لزوم الطواف للتحلل من حرمة النساء وانما هي في صدد ذكر ما هو عمدة موضوع الاحلال .

الخامسة: ما رواه في الجواهر في قول الصادق - عليه السلام - في خبر عامر بن عبداللّه بن جذاعة المروي عن الجامع من كتاب المشيخة لابن محبوب ((في رجل خرج معتمراً فاعتلّ في بعض الطريق وهو محرم قال: ينحر بدنة ويحلق رأسه ويرجع إلى رحله ولا يقرب النساء، فإن لم يقدر صام ثمانية عشر يوماً، فإن برأ من مرضه اعتمر إن كان لم يشترط على ربّه في احرامه وإن كان قد اشترط فليس عليه أن يعتمر إلا أن يشاء يعتمر، ويجب أن يعود للحج الواجب المستقر وللاداء إن استمرت الاستطاعة من قابل، والعمرة الواجبة كذلك في الشهر


1) ([2]) المصدر السابق ح1 .

2) ([3]) 25 ابواب الاحرام ح2، الكافي ج4 ص333 ح6 .

3) ([4]) الكافي ج4 ص333 .

ضعيف، بل ادّعى جماعة الاجماع على عدم وجوب الأزيد من الأربع، واختلفوا فيصورتها على أقوال: أحدها أن يقول: لبّيك اللّهم لبّيك، لبّيك لا شريك لك لبّيك، الثاني: أن يقول بعد العبارة المذكورة: إنّ الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك. الثالث: أن يقول: لبّيك اللّهمّ لبّيك، لبّيك إنّ الحمد والنعمة لك والملك،لا شريك لك لبّيك. الرابع: كالثالث إلا أنه يقول: إنّ الحمد والنعمة والملك لك لا شريك لك لبّيك بتقديم لفظ والملك على لفظ لك والأقوى هو القول الأول كما هو صريح صحيحة معاوية بن عمّار، والزوائد مستحبّة والأولى التكرار بالاتيان بكل من الصور المذكورة، بل يستحب أن يقول كما في صحيحة معاوية بن عمّار: لَبّيك اللّهمّ لَبّيك لبّيك لا شَريْكَ لَكَ لَبّيك، إنّ الحمدَ والنِعْمَة لكَ والمُلكَ لَكَ لا شريك لك، لبّيك ذا المعارج لبّيك، لبّيك لبّيك داعياً إلى دار الإسلام لبّيك، لبّيك غفّار الذنوب لبّيك، لبّيك أهل التلبية لبّيك، لبّيك ذا الجلال والإكرام لبّيك مرهوباً ومرغوباً إليك لبّيك لبّيك تبدأ والمعاد إليك لبّيك كشّاف الكروب العظام لبّيك، لبّيك عبدك وابن عبديك لبّيك، لبيك يا كريم لبيك))(1).

الداخل، وإن كانا متطوعين فهما بالخيار))((1)).

وليس في هذه الرواية منافاة لما قررناه من دلالة الروايات السابقة مع الآية ومفاد الشرط فانها دالّة على عدم سقوط الدم وعدم تحلل المحصور من حرمة النساء، نعم هي مفصلة بين لزوم الاعتمار مع عدم الشرط وعدمه مع الشرط لكن التفصيل في ذيلها بين النسك الواجب والتطوع ينافي هذا التفصيل.

فتحصّل انّ الأقوى القول الرابع.

(1) حكاية الأقوال: فأما القول الأول في المتن فهو المحكي عن المحقق في الشرائع والنافع والعلامة في المنتهى والتحرير.


1) ([1]) الجواهر ج18 ص261 .

وأما القول الثاني: فهو المحكي عن الصدوق في كتبه الأربعة وابن سلار في المراسل وابن بابويه في رسالته والمفيد في المقنعة وكذا القديمين.

وأمّا القول الثالث فعن المرتضى في الجمل والطوسي في شرحه وفي المبسوط وفي النهاية والحلّي في السرائر وأبي الصلاح في الكافي وابن زهرة وحمزة وابن براج في المهذب.

وأمّا القول الرابع فعن العلاّمة في القواعد وعن يحيى بن سعيد في الجامع.والقول الخامس ذكر ((لك)) قبل ((الملك)) وبعده في النهاية للشيخ على نسخة وعن الاقتصاد صورة سادسة وهي ((لبيك اللّهم لبيك لبيك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك لبيك بحجة أو عمرة أو بحجة مفردة تمامها عليك)).

ما يستدل به للأربع:

والكلام يقع في وجوب الصورة المعينة في التلبية من جهة العدد والكيفية والتقديم والتأخير، والعمدة في الروايات الواردة صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبداللّه - عليه السلام - قال: ((إذا فرغت من صلاتك وعقدت ما تريد فقم وامش هنيئة فاذا استوت بك الأرض كنت ماشياً أو راكباً فلبّ والتلبية أن تقول: لبيك اللّهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك لبيك، لبيك ذا المعارج لبيك وأكثر ما استطعت واجهر بها وان تركت بعض التلبية فلا يضرك غير أن تمامها أفضل واعلم انّه لابد لك من التلبيات الأربعة التي كن في أول الكلام وهي الفريضة وهي التوحيد وبها لبّى المرسلون، وأكثر من ذي المعارج فانّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) كان يكثر منه وأول من لبّى ابراهيم - عليه السلام -...))((1)) .

وفي موضع من التهذيب بدل ((التي كن في أول الكلام)) ((والتي في أول الخبر))((2)) وفي


1) ([1]) كما في موضع من التهذيب ج5 ص91 .

2) ([2]) التهذيب ج5 ص284 .

الكافي في نسخة بدل ذلك ((التي كن في أول الكتاب))((1)) وقد أشار في هامش الوسائل لبعض هذه النسخ((2)) بل في موضع اخر من الوسائل أثبت في المتن أول الكتاب، وجعل في الهامش ((الكلام)) على نسخة، فعلى اختلاف النسخ قد يشكل كون الذيل من متن الخبر، ولعلّه من قول الراوي اذ التعبير ((بأول الخبر)) أو ((أول الكتاب)) هو من تعبير الرواة، لاسيما وانّ الرواية مأخوذة من كتب مشيخة الرواة، فلقد رواها الشيخ عن كتاب الحسين بن سعيد وروى الطريق الثاني عن الكليني وفي الوافي((3)) رواها عن الكافي بلفظ أول الكتاب وقال: ((بيان: في أول الكتاب أول ما كتبت من هذا الحديث كما يظهر من الحديث الآتي ورواها عن التهذيب ((أول الكلام)) اللّهم إلا أن يقال انّ قول الراوي بذلك لاسيما مع ذيله من الأمر بالاكثار بذي المعارج استناداً لفعل النبي(صلى الله عليه وآله)ولتلبية ابراهيم الخليل - عليه السلام - هو جمع لمضامين روايات قد أرسلها الراوي ارسال المسلمات فتخرج عن الارسال والقطع.هذا ويستدل للأربع أيضاً بما رواه الصدوق في الخصال عن الأعمش سليمان بن مهران عن جعفر بن محمد - عليه السلام - في حديث شرائع الدين المعروف ((...وفرائض الحج الاحرام والتلبيات الأربع وهي لبيك اللّهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك انّ الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك))((4)).

ويدلّ على الاربع أيضاً صحيح عاصم بن حميد قال: ((سمعت أبا عبداللّه - عليه السلام - يقول انّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) لما انتهى إلى البيداء حيث الميل قربت له ناقة فركبها فلمّا انبعثت به لبّى بالأربع فقال: لبيك اللّهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، انّ الحمد والنعمة والملك لك ]لك والملك[ لا شريك لك، ثم قال:ها هنا يخسف بالاخابث: ثم قال: انّ الناس زادوا بعد ]فرد[ وهو حسن))((5))


1) ([3]) الكافي ج4 ص335 .

2) ([4]) ب40 ابواب الاحرام ح2 .

3) ([5]) الوافي: ج12 ص550 .

4) ([1]) ب2 ابواب أقسام الحج ح29 .

5) ([2]) ب36 ابواب الاحرام ح6 .

والمراد من ((زادوا بعد فرد)) أي جعلوا عددها فرداً أي خمسة تلبيات بعد أن كانت زوج. وكذا صحيحة عبداللّه بن سنان قال: قال ابو عبداللّه - عليه السلام - ذكر رسول اللّه(صلى الله عليه وآله)الحج....فلما نزل الشجرة أمر الناس.....وذكر انّه حيث لبّى قال: ((لبيك اللّهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك وكان رسول اللّه(صلى الله عليه وآله)يكثر من ذي المعارج))الحديث((1)). ويتضح بذلك انّ الواجب هو التلبيات الأربع.

صور التلبية

امّا صورة التلبية وكيفيتها فقد حصل الترديد في استظهار كون جملة ما بعد التلبية الرابعة إلى الخامسة أي جملة ((انّ الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك)) هي من واجب التلبية الرابعة أو انّها ليست بجزء بل هي من التوابع الندبية أو توطئة للتلبية الخامسة.

ويستظهر لنفي الجزئية الواجبة أو لاثبات الندب بصحيحة عمر بن يزيد عن أبي عبداللّه - عليه السلام - قال: ((إذا أحرمت من مسجد الشجرة فإن كنت ماشياً لبّيت من مكانك من المسجد تقول: لبيك اللّهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، لبيك ذا المعارج لبيك، لبيك بحجة تمامها عليك...)) الحديث((2)). حيث انّ تلبية المعارج كتلبية خامسة مستحبة.مما يدلّ على انّ التلبية بالأربع هي من دون تذييل بالجملة بعدها، وبأن التحديد بالأربع دال على دخول الجمل المتوسطة دون ما خرج عنها وهذا ما يسمى في علم البلاغة بتحديد المقابلة أو القرنية، وقد ورد نظيره في أبواب عدة اخرى كعشرة أيّام الاقامة للمسافر فإن الليالي المتوسطة داخلة دون الخارجة وكثلاثة أيّام الاعتكاف والحيض وغيرها من الموارد.

ويؤيد كون هذه الجملة من توابع التلبية الخامسة بمعنى أنها متوسطة بين الرابعة والخامسة أتي بها ليختم بالخامسة فاتيانها لأجل التوسيط والفصل بين الرابعة


1) ([3]) ب2 ابواب أقسام الحج ح15 .

2) ([4]) ب40 ابواب الاحرام ح3 .

والخامسة لا أنها من أجزاء الرابعة.

نعم حيث انّ جميع الروايات لم تقتصر عند بيانها للتلبيات الأربع على الوقوف على التلبية الرابعة كان الأحوط ضم الزيادة بنحو الصورة الواردة في الروايات سواء تلك الجملة أم غيرها.

ومن الغريب ما ذكر الشهيد في الدروس من انّ صورة القول الثالث هي أتم الصور الواجبة بل أتمها الصورة الثانية كما عرفت، وحال الصورة الرابعة كالثالثة، نعم يمكن ان يوجه القول الثالث الذي ذهب إليه جملة من المتقدمين كما عرفت وتفسير عبارة الشهيد المزبورة بأن الواجب حيث كان هو التلبيات الأربع، وقد عرفت انّ كل عنوان معدود بعدد يطّرد فيه ضمنية المتوسط له دون ما خرج من حده بدءاً وانتهاءاً وحيث كان ظهور عدة من الروايات في جزئية ((انّ الحمد....)) كان الأتم في أدلة ذلك هو اقحامها وسطاً قبل التلبية الرابعة لاسيّما مع ما يظهر من الروايات من الاختلاف في بيان الذكر المتوسط. والأولى في تصحيح الرابع بأنّه كالثاني إلا انّه يقدم لفظة ((والملك)) على ((لك))، ثم انّه يظهر من صحيح معاوية بن عمّار - حيث قد وصف التلبيات الأربع بأنها الفريضة وبأنها التوحيد - وجوب اشتمال التلبيات الأربع على لفظ ((اللّهم ولا شريك لك)) المتوسطين بينها لأن مفادهما التوحيد ومنه قد يستأنس لدخول ((إن الحمد والنعمة...)) في التلبيات الأربع لكون مفاده زيادة بيان في التوحيد.

ويعضد ذلك أيضاً ارداف تلبية المعارج بطولها تلو التلبيات الأربع في صحيحة معاوية بن عمار، ويعضده أيضاً ما ذكره صاحب المدارك من الاشارة إلى صحيحة عبداللّه بن سنان حيث أمر فيها باكثار التلبية المستحبة وهي ذو المعارج، فيدخل ما قبلها في التلبية الواجبة، وفي الفقه الرضوي التنصيص على كونها جزءاً إلا انّه لم يقحمها وسطاً، بل قد تقدم في صحيح عاصم بن عبدالحميد انّ ظاهرها إن لم يكن صريحها جزئية جملة وإن الحمد... في التلبيات الأربع غاية الأمر ان الناس زادوا تلبية خامسة وليست مفروضة وأنما هي من زيادة الناس، مما يدلل على افتراض ما سبق،

ومن مجموع ذلك يظهر وجه ما مرّ من انّ الاحتياط يقتضي ذكر هذه الجملة المزبورة بالصورة الواردة في النصوص لا الصورة التي للقول الثالث، والتي ذهب اليها جملة من المتقدمين لاسيما وانّ صحيحة عاصم بن عبدالحميد نص في خلاف ما ذكروه. ثم انّه قد يقال بجواز مطلق الذكر بل الكلام للآدمي في اثناء التلبية الواجبة ما لم يوجب الفصل الطويل وقطع الموالاة، وذلك لعدمما يدلّ على مانعية مثل ذلك، ويمكن ان يستأنس له بصحيح عاصم بن عبدالحميد وبما في تلبية ذي المعارج من اختلاف الذكر المتوسط وبما في صحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبداللّه - عليه السلام -((1))المتضمنة لاختلاف الذكر المتوسط في تلبيات الأنبياء.

وفي مرسل محمد بن الفضيل((2)) عمن رواه عن أبي عبداللّه - عليه السلام - - في حديث - وهو يقول ((لبيك بالمذنبين لبيك))((3)) وغيرها من الروايات الواردة بصورة أخرى مما يتوسط في التلبية، وقد يظهر القول بالجواز من جملة من المتقدمين حيث ذهبوا إلى اقحام ((ان الحمد...)) وسط التلبيات الأربع مع عدم ورود التلبية بذلك.

وفيه: لا إطلاق في أدلّة التلبيات الأربع يتمسك به لنفي مانعية الكلام في الأثناء لاسيّما كلام الأدمي بعد تفسير هذا العنوان بالصور التفصيلية للتلبيات الأربع، وأما اختلاف الروايات في الصور فانّما هو في التلبيات المسنونة لا المفروضة. أما وجه اقحام جملة من المتقدمين في جملة ((انّ الحمد...)) قبل التلبية الأربعة فقد تقدم وجهه بل ما ذهبوا إليه شاهد على أخذ الموالاة في صورة التلبية بعدم الكلام فضلاً عن كلام الآدمي.

فالصحيح انّ الصورة بالموالاة المعينة بعدم الفاصل توقيفية لا يرفع اليد عنها بتخلل مطلق الذكر فضلاً عن كلام الادمي في الاثناء الواضح منافاته لهيئة الصورة في


1) ([1]) ب40 ابواب الاحرام ح6 .

2) ([2]) المصدر السابق ح9 .

3) ([3]) ب36 و40 ابواب الاحرام.

(مسألة 14): اللازم الاتيان بها على الوجه الصحيح بمراعاة أداء الكلمات على قواعد العربية، فلا يجزي الملحون مع التمكّن من الصحيح بالتلقين أو التصحيح، ومع عدم تمكّنه فالأحوط الجمع بينه وبين الاستنابة، وكذا لا تجزي الترجمة مع التمكّن، ومع عدمه فالأحوط الجمع بينهما وبين الاستنابة، والأخرس يشير اليها بإصبعه مع تحريك لسانه، والأولى أن يجمع بينهما وبين الاستنابة، ويلبّى عن الصبي الغير المميز وعن المغمى عليه، وفي قوله: انّ الحمد...الخ يصحّ أن يقرأ بكسر الهمزة وفتحها، والأولى الأول ولبّيك مصدر منصوب بفعل مقدّر، أي اُلبّ لك إلباباً بعد إلباب، أو لبّاً بعد لبّ، أي إقامة بعد إقامة، من لبّ بالمكان أو ألبَّ أي أقام، والأولى كونه من لبّ، وعلى هذا فأصله لبّين لك، فحذف اللام واُضيف إلى الكاف، فحذف النون، وحاصل معناه إجابتين لك، وربما يحتمل أن يكون من لبّ بمعنى واجه، يقال داري تلبّ دارك، أي تواجهها، فمعناه مواجهتي وقصدي لك، وأما احتمال كونه من لبّ الشيء، أي خالصه، فيكون بمعنى اخلاصي لك فبعيد، كما انّ القول بأنه كلمة مفردة نظير ((على)) و((لدى)) فأضيفت إلى الكاف فقلبت ألفه ياء لا وجه له، لأن ((على)) و((لدى)) إذا اضيفا إلىالظاهر يقال فيهما بالألف ك،((على زيد)) و((لدى زيد)) وليس لبّى كذلك فإنّه يقال فيه: ((لبي زيد)) بالياء(1).

الارتكاز المتشرعي نظير ما ذكروه في تكبيرة الاحرام في الصلاة من الوصل بين اللفظتين وعدم الفاصل ولو بذكر أسمائه الحسنى.

(1) في المسألة عدة جهات:

الجهة الأولى: في العاجز عن اتيان التلبية بالوجه الصحيح لعجمة أو مرض ونحوهما، فلا ريب انّ مقتضى القاعدة الأولية هو لزوم الاتيان بالأداء الصحيح لألفاظ التلبية كما في بقية موارد الواجبات المتعلقة بالقراءة اللسانية، سواء بتوسط التلقين أو التكرار أو التصحيح أو المتابعة بنحو آخر.

وأما مع فرض العجز عن ذلك فنارة يتمكن من الملحون وهو ما تحفظ فيه الصورة

العربية للفظ مع الخط في الهيئة والاعراب أو التهجيء من المخارج المألوفة.

وأخرى لا تحفظ فيه الصورة العربية، فيكون محو الصورة العربية بالاغلاق الشديد ولا يفهم منه إلا هدهدة ونحوه.

فعلى التقدير الأول هل يكتفى بالملحون أو يلزم بالترجمة أو بهما أو بالاستنابة أو الجمع بين الثلاثة.

ويستدلّ للاجتزاء بالملحون بقاعدة الميسور الثابتة لدينا كبروياً بتعويض أدلّة الرفع والاعذار للواجب الضمني عنها، ولا ريب في كون الملحون صغرى لها، وبما يأتي في الاخرس من الاكتفاء باشارته من دون لزوم الاستنابة له والملحون اولى بالافهام بالاشارة، وبموثق مسعد بن صدقة قال: ((سمعت جعفر بن محمد - عليه السلام - يقول انّك قدترى من المحرم من العجم لا يراد منه ما يراد من العالم الفصيح وكذلك الاخرس في القراءة في الصلاة والتشهد وما أشبه ذلك فهذا بمنزلة العجم والمحرم لا يراد منه ما يراد من العاقل المتكلم الفصيح))((1)).

هذا مضافاً إلى أن الملحون غير خارج عن عموم ادوات الانشاء العرفية والعقلانية وقد عرفت انّ التلبية صيغة انشاء لفرض الحج والنسك فمن ثم لا وجه للترجمة مع القدرة على الملحون فضلاً عن الالزام بها، واستدلّ للاستنابة برواية زرارة ((انّ رجلاً قدم حاجاً لا يحسن أن يلبّي فاستفتي له ابو عبداللّه - عليه السلام - فأمر أن يلبّى عنه))((2)).واستشكل فيها بضعف السند باشتمالها على ياسين الضرير.

وفيه: ان حاله لا يقل عن الحسن كما سيأتي في بحث الطواف حيث انّه يقع في طريق الرواية التي تمسك بها المشهور لتحديد المطاف بستة وعشرين ذراع، ويقع في طريق الرواية الدالة على كفارة الجمع للافطار على محرم، وقد عمل المشهور


1) ([1]) ب59 و67 ابواب القراءة في الصلاة.

2) ([2]) ب39 ابواب الاحرام ح2 .

بكلا الروايتين وهو صاحب كتاب رواه عنه محمد بن عيسى بن عبيد اليقطيني البغدادي وقد لقى أبا الحسن موسى - عليه السلام - لما كان في البصرة، وروى عنه أحمد بن محمد بن عيسى وجعل الصدوق كتابه من كتب مشيخته.

نعم يشكل على دلالة الرواية انّ التعبير ب- ((لا يحسن أن يلبي)) غير ظاهر في الملحون بل في من لا يتمكن على اداء الصورة العربية .

وبعبارة اخرى: هناك فرق في التعبير بين من لا يحسن القراءة العربية، وبين التعبير بأنه لا يحسن ان يكبر، فانّ الملحوظ في النفي في التعبير الثاني حالة صدور الفعل كحدث أي عاجز عن اصداره، بخلاف التعبير الأول فانّ الملحوظ فيه النتيجة، فقد تكون بلحاظ وصف القراءة من الصحة والتمام، نعم الأحوط ضم الاستنابة للقراءة الملحونة .

أمّا الصورة الثانية فلا يعد أداءاً كالهدهدة والاغلاق التام، ولا كونه ميسوراً، فحينئذ اما ان يجعل اداءه المغلوط بمنزلة اشارة الأخرس، أو يؤديها بالترجمة وهي الاخرى لا تقل عن اشارة الأخرس أو تصل النوبة للاستنابة الذي هو مفاد رواية زرارة.

وقد يقال: يتعين ادائه المغلوط بنفسه أو بالترجمة على الاستنابة، لأن العبادة القصدية والانشاء المأمور به مقتضى القاعدة الاولية فيه المباشرة، فمن ثم لا يلزم الاخرس بالاستنابة كما هو مفاد موثقة مسعدة المتقدمة، وموثقة السكوني عن أبي عبداللّه - عليه السلام - قال: ((انّ علياً صلوات الله عليه قال: تلبية الأخرس وتشهده وقراءة القرآن في الصلاة تحريك لسانه واشارته بأصبعه))((1)).

بل ان في موثقة مسعدة جعل اشارة الأخرس بمنزلة اداء الملحون، وقد عرفت تقدم اداء الملحون على الاستتابة، ويمكن حمل رواية زرارة على من لا يعي أصل


1) ([1]) ب39 ابواب الاحرام ح1 .

المعنى وهذه صورة ثالثة فيكون الأخرس ذا تقديرين الصورة الثانية والثالثة.

ومثال ذلك فيه ما إذا كان مصاباً بالصمم أيضاً كالأبكم، ومنه ظهر الحال في الأخرس وان كان الأحوط ضم الاستنابة في هذه الصورة وأما الترجمة فاحتياط ضعيف في صورة الأولى ومتوسط في الثانية.

الجهة الثانية في الصبي المغمى عليه وقد تقدم جملة وافرة من الكلام في حج الصبيان قبل مبحث الاستطاعة، وفي المسألة الخامسة من فصل المواقيت انّ التلبية والاحرام عن الصبيوالمغمى عليه جائزة وان هذه الاستنابة ليست على حذو بقية النيابة في العبادة بل هي بمعنى ايقاع الاحرام في الصبي والمغمي عليه، وغاية الأمر انّ التلفظ نيابة عنهما من دون أن يكون نيابة في اتيان الاعمال ولا محل النسك فانّ الأعمال محلّها نفس الصبي والمغمى عليه.

الجهة الثالثة: في معنى التلبية وكون ((انّ الحمد...)) وصل بها أو مستأنفة، أما جملة ((انّ الحمد...)) فقيل بالتخيير بين الفتح والكسر والقائل به الأكثر، وقيل بتعين الكسر استظهاراً، وقيل بالاحتياط بينهما بالجمع فعلى الكسر تكون جملة مستأنفة ومفاداً مستقلاً عاماً لبيان أن عموم الحمد له تعالى، بخلاف الفتح فانّه بتقدير موضع الجرّ تعليلاً للتلبية.

وقد يضعف الفتح بأن التلبية الداعي فيها الأمر الالهي.

وفيه: انّ هذا يكون من الدواعي النهائية نظير قوله - عليه السلام - ((وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك))، كما انّه قد يضعف الكسر بأن الجمل المتوسطة في التلبية سواء في التلبيات الأربع أو ذي المعارج كل تلك الجمل تعرب باعراب تابع للتلبية مما يعضد الفتح لتعلقه بالاعراب بالتلبية بخلاف الكسر، وقد يقال: بأن الكسر أشهر وأعرف عند المتشرعة.

(مسألة 15) لا ينعقد احرام حج التمتع واحرام عمرته، ولا إحرام حج الافراد ولا إحرام العمرة المفردة إلا بالتلبية، وأما في حجّ القران فيتخيّر بين التلبية وبين الإشعار أو التقليد، والإشعار مختصّ بالبدن، والتقليد مشترك بينها وبين غيرها من أنواع الهدي، والأولى في البدن الجمع بين الإشعار والتقليد، فينعقد إحرام حجّ القران بأحد هذه الثلاثة، ولكنّ الأحوط مع اختيار الإشعار والتقليد ضمّ التلبية أيضاً، نعم الظاهر وجوب التلبية على القارن وإن لم يتوقّف انعقاد احرامه عليها، فهي واجبة عليه في نفسها، ويستحب الجمع بين التلبية وأحد الأمرين، وبأيّهما بدأ كان واجباً وكان الآخر مستحباً ثمّ انّ الإشعار عبارة عن شقّ السنام الأيمن بأن يقوم الرجل من الجانب الأيسر من الهدي ويشقّ سنامه من الجانب الأيمن، ويلطخ صفحته بدمه، والتقليد أن يعلّق في رقبة الهدى نعلاً خلقا قد صلّي فيه(1).

وهل مقتضى القاعدة عند الشك هو بأن يأتي بمجموع التلبية مرتين على الصورتين. هذا بحسب الأصل العملي بناءً على كون الاحرام مسبباً انشائياً نظير الشك في شرائط المعاملات.

نعم لو فرض الشك بين التعيين والتخيير لكان مقتضى الاحتياط أصالة التعيين، وقد يقرب التخيير بالاطلاق وهو وإن لم يكن من الاطلاق الاصطلاحي، اذ هو من الاطلاق في اداء الاستعمال لاسيّما وان الدأب الدارج في علم اللغة على التخيير في القراءة إذا استقام كلا من المعنيين. وأما معاني التلبية التي ذكرها في المتن فالأظهر منها أنها بمعنى الاجابة لأنه المعنىالمتبادر في مقام النداء والطلب ويشهد لذلك ما ورد في عدة روايات((1)) من انّ تشريع التلبية هي اجابة لنداء ابراهيم - عليه السلام -.

والظاهر كفاية الالتفات للمعنى اجمالاً واشارةً وإن لم يميز تفصيلاً بل لا يبعد الاكتفاء لو استعمل اللفظة في غير الاجابة لتقارب المعاني المذكورة وتلازمها.

(1) وفي المسألة جهات:


1) ([1]) ب36 و40 ابواب الاحرام.

الجهة الأولى: في عدم تحقق لزوم الاحرام ووجوبه إلا بالتلبية أو أخويها على تفصيل يأتي. وامّا انشاء الاحرام بالتلفظ بالنية أو لبس الثوبين ونحوهما فليس إلا هو عقد للاحرام كما تقدم وانشاء له بنحو غير بات له الخيار في فسخه وقد تقدم في حقيقة الاحرام جملة من الروايات في ذلك فلاحظ.

الجهة الثانية: حصر الماتن انشاء الاحرام للعمرة المفردة والتمتع وحجه بالتلبية فلا ينعقد الاحرام بالاشعار والتقليد إلا احرام حج القران، ونسب ذلك إلى المشهور بل قد يظهر من كلمات أعلام العصر إرساله ارسال المسلمات، ولا يخلو من اشكال كما تقدم في فصل أقسام الحج في قاعدة وحدة ماهيّة الحج في أقسامه الثلاثة، حيث بيّنا وجود الاطلاق في تنزيل الاشعار منزلة التلبية في عقد الاحرام، نظير صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبداللّه - عليه السلام - قال: ((يوجب الاحرام ثلاثة أشياء التلبية والاشعار والتقليد فاذا فعل شيئاً من هذه الثلاثة فقد أحرم))((1)) ومثله صحيح عمر بن يزيد((2)) وغيرها من الروايات، نعم استقربنا ثمة تخصيص الاطلاق بما ورد من تفسير القران بحج القران كما في صحيح معاوية عن أبي عبداللّه - عليه السلام - انّه قال في القارن ((لا يكون قران إلا بسياق الهدي وعليه....)) الحديث((3)) ثم ذكر أعمال الحج، ومثله صحيح الفضيل بن يسار((4)) وفي صحيح عبداللّه بن زرارة عن أبي عبداللّه - عليه السلام - ((وانما قام رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) على احرامه للسوق الذي ساق معه فإن السائق قارن والقارن لا يحله حتى يبلغ الهدي محلّه النحر بمنى فاذا بلغ أحل))((5)).

ولكن يمكن التأمل في تقييد مثل هذه الروايات للاطلاقات السابقة فإن غاية


1) ([2]) ب12 ابواب أقسام الحج ح20 .

2) ([3]) المصدر السابق ح21 .

3) ([4]) ب2 ابواب أقسام الحج ح2 .

4) ([5]) ب2 ابواب أقسام الحج ح3 .

5) ([6]) ب5 ابواب أقسام الحج ح11 .

دلالتها هو تفسير عنوان القارن وتقيده بالحج، وهذا يغاير عقد الاحرام بالاشعار أو التقليد سواء أطلق عليه قارن أو لم يطلق فالاطلاقتها على حالها .

وبعبارة أخرى: انّ الأحكام والاثار المترتبة على القارن هي خاصة بالسوق في الحج بخلاف صحّة عقد الاحرام بالاشعار أو التقليد فانّه عام ويدلّ على عموم الاحرام بهما بعد كون سوق الهدي في نفسه عبادة لأنه انشاء هدي الصدقة إلى بيت اللّه الحرام.

صحيحة شعيب العقرقوفي قال: ((قلت لأبي عبداللّه - عليه السلام - سقت في العمرة بدنة فأين أنحرها؟ قال: بمكة، قلت: فأي شيء أعطي منها؟ قال: كل ثلث، واهدي ثلث، وتصدق بثلث))((1)).

وصحيح معاوية بن عمار قال: ((قال ابو عبداللّه - عليه السلام - من ساق هدياً في عمرة فلينحر قبل أن يحلق، ومن ساق هدياً وهو معتمر نحر هديه في المنحر وهو بين الصفا والمروة وهي بالحزورة))((2)).

ومفاده نصّ في شمول الآية (ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محلّه) وان بسوق الهدي في العمرة يوجب ارتباطه بأعمالها كما هو مقتضى التلبية فيكون سائقاً الهدي في العمرة محتبساً حتى يأتي بأعمال العمرة ومحل ذبح هدي السياق في العمرة هو في مكة وهذا يقتضي أن عقد الاحرام فيها انشأ بسياق الهدي، نعم قد يقال انّ غاية دلالة مثل هذا المفاد هو على جواز سوق الهدي في مطلق النسك لا على عقد الاحرام في العمرة ومطلق النسك بالتقليد والاشعار.

وفي صحيح معاوية وغيره عن أبي جعفر وأبي عبد الله (علیهما السلام) أنهما قالا إذا صلى الرجل الركعتين وقال الذي يريد أن يقول من حج وعمرة في مقامه ذلك فانه انما فرض على نفسه الحج وعقد عقد الحج وقالا ان رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) حيث صلى في مسجد الشجرة صلى وعقد


1) ([1]) ب4 ابواب الذبح ح3 .

2) ([2]) ب4 ابواب الذبح ح4 .

الحج ولم يقل: صلّى وعقد الاحرام فلذلك صار عندنا ان لا يكون عليه فيما أكل مما يحرم على المحرم لأنه قد جاء في الرجل يأكل الصيد قبل أن يلبي وقد صلّى وقد قال الذي يريد أن يقول ولكن لم يلبّ وله ان يرجع متى ما شاء وإذا فرض على نفسه الحج ثم أتم بالتلبية فقد حرم عليه الصيد وغيره ووجب عليه في فعله ما يجب على المحرم لأنه قد يوجب ثلاثة أشياء الاشعار والتلبية والتقليد فاذا فعل شيئاً من هذه الثلاثة فقد أحرم، وإذا فعل الوجه الاخر قبل ان يلبّي فلبى فقد فرض))((1)).فظاهرها انّ عقد الاحرام في كل من الحج والعمرة يعقد بالثلاثة، والتخصيص في الفقرات المتوسطة بالحج بعد تعميم النسكين في صدرها ليس للتخصيص وانّما للتمثيل كما هو ظاهر.

وصحيحة رفاعة بن موسى عن أبي عبداللّه - عليه السلام - قال: ((خرج الحسين - عليه السلام - معتمراً وقد ساق بدنةً حتى انتهى للسقيا فبرسم فحلق شعر رأسه ونحرها مكانه ثم أقبل..)) الحديث((2))وموثقة يونس بن يعقوب قال: ((خرجت في عمرة فاشتريت بدنة وأنا بالمدينة فارسلت إلى أبي عبداللّه - عليه السلام - فسألته كيف أصنع بها؟ فأرسل اليّ: ما كنت تصنع بهذا، فانّه كان يجزيك أن تشتري من عرفة وقال انطلق حتى تأتي مسجد الشجرة فتستقبل بها القبلة وانخها ثم ادخل المسجد وصلّي ركعتين ثم اخرج اليها فاشعرها في الجانب الأيمن ثم قل بسم الله اللهم منك ولك اللهم تقبل منّي فاذا علوت البيداء فلبّ))((3)).

وعلق المجلسي (رحمه الله) عليها ان قوله (علیه السلام) لم فرض، ظاهره التلبية ويحتمل نية الاحرام، ثم اعلم ان المشهور بين الأصحاب ان عقد الاحرام غير القارن لا يكون إلا بالتلبية وأما القارن فيتخير في احرامه بينهما وبين الاشعار والتقليد وبأيهما بدا كان


1) ([3]) ب14 ابواب الاحرام ح4 .

2) ([1]) ب6 ابواب الاحصار ح2 .

3) ([2]) من لا يحضره الفقيه ج2 ص325، الوسائل ب12 ابواب أقسام الحج ح3 .

الثاني مستحباً وقال المرتضى وابن ادريس لا عقد في الجميع إلا بالتلبية وهو ضعيف((1)).

أقول: قد مرّ انّ في نسبة الحصر إلى المشهور تأمل فلاحظ...انتهى.

وعلّق المجلسي الأول على موثقة يونس في قوله ((خرجت في عمرة)) أي عمرة التمتع بقرينة قوله ((من عرفة)) ويدلّ ظاهراً على عدم استحباب السياق من المتمتع وعدم تأكده ولهذا رخص له)) انتهى.

إن قلت: ان سياق الهدي في عمرة التمتع يقلبها إلى حج قران كما ورد في انّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) حيث ساق الهدي لم يتأتى منه التمتع.

قلت: انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) انّما أنشأ الحج بالاشعار وسياق الهدي فمن ثم لا يتحلل حتى يبلغ الهدي المسوق للحج محله وهو منى بخلاف ما لو انشأ عمرة التمتع بالاشعار والتقليد فانّه لا يحتبس بالهدي والسياق إلى يوم النحر بمنى اذ هو قد اشعره للعمرة لا للحج فبلوغه محله هي مكة.

هذا والاحتياط في محلّه باتيان التلبية، بل هو ثابت حتى في حج القران كما سيأتي.

الجهة الثالثة: يتخير في حج القران بين التلبية والتقليد والمراد من التخيير ليس هو الاكتفاء بالتلبية وإلا لما كان قراناً بل افراداً بل المراد التخيير بأحدها في عقد الاحرام به، فمقتضى عبارتهم بالتخيير هو التزام منهم بتحقق العنوان وهو القران وان لم يعقد الاحرام بالاشعار والتقليدأي إن أنشأ سياق الهدي وان وقع بعد عقد الاحرام بالتلبية يوجب تحقق عنوان القارن وترتب آثاره عليه، والوجه في ذلك اطلاق قوله تعالى (ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محلّه)((2))، ومن ثم يظهر انّ سياق الهدي في


1) ([3]) مرآة العقول ح17 ص196 .

2) ([1]) البقرة: 196 .

العمرة مطلقا وان لم ينعقد به احرامها يوجب ترتب بقية آثار سياق الهدي ثم انّه قد خالف في هذا التخيير المرتضى وابن ادريس وعند ابن حمزة مع القدرة على التلبية ولعلّه للتمسك بالاطلاقات الامرة بالتلبية في كيفية انشاء الاحرام وما تقدم من الروايات الدالّة على عدم لزوم الاحرام بدون التلبية وخصوص بعض الروايات الامرة بالتلبية مع الاشعار والتقليد كموثقة يونس بن يعقوب((1)) المتقدمة في الجهة الثانية.

وكذا الروايات الواردة في حج رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) حيث ساق الهدي ولبّى عند البيداء كما في صحيح الحلبي((2)) وكذا صحيح معاوية بن عمّار((3)).

وفيه: انّ الاطلاقات المزبورة وكذا ما دلّ على عدم لزوم الاحرام إلا بالتلبية مخصص بجملة من روايات التخيير في عقد الاحرام بالثلاثة وانّه إذا أتى بأحدها فقد وجب الاحرام وحرم عليه التروك، وانهما بمنزلة التلبية وقد تقدم جملة منها فضلاً عن غيرها في الأبواب المشار اليها، وعلى ذلك تحمل هذه الروايات الخاصّة على إستحباب الجمع بين التلبية والاشعار أو استحباب التلبية وان ساق الهدي وانشأ الاحرام به.

نعم خصوص صحيح الحلبي المتقدم قد عبر فيه ((ثم قاد راحلته(صلى الله عليه وآله) حتى أتى البيداء فأحرم منها وأهلّ بالحج وساق مائة بدنة)) مما قد يوهم انّ الاحرام بالتلبية والظاهر ان احرامه (صلی الله علیه و آله و سلم)كان بالتلبية في البيداء ثم ساق الهدي كما هو ظاهر الرواية المزبورة، وصريح صحيح معاوية عن أبي عبد الله (علیه السلام) ثم خرج حتى ألى المسجد الذي عند الشجرة فصلى فيه الظهر وعزم بالحج مفرداً وخرج حتى انتهى إلى البيداء عند السيل الأول قصف


1) ([2]) ب12 ابواب أقسام الحج ح2 وح3 .

2) ([3]) ب2 ابواب أقسام الحج ح12 .

3) ([4]) المصدر السابق ح4 .

الناس له سماطين فلبى بالحج مفرداً وساق الهدي ستاً وستين بدنة)) الحديث.

وهذا معاضد لما تقدم من أن سياق الهدي ترتب عليه اثاره وان وقع بعد انشاء الاحرام بالتلبية كما هو دال على استحباب سياق الهدي بالاشعار أو التقليد بعد التلبية، فيتم ما ذكره الماتن من استحباب كل منهما بعد انشاء الاحرام بأحدهما بضميمة ما تقدم في الموثق نفسه، نعم الظاهر في الموثق المزبور كراهة سياق الهدي للمتمتع.الجهة الرابعة: انّ الاشعار مختصاً بالبدن والتقليد مشترك بين الانعام الثلاثة. قال في اللسان: اشعر البدنة أي أعلمها وهو ان يشق جلدها أو يطعنها في سنامها فى أحد الجانبين بمبضع أو نحوه، وقيل في سنامها الأيمن حتى يعرف أنها هديا وهو الذي كان أبو حنيفة يكرهه وزعم انه مثلة، وسنّة النبي(صلى الله عليه وآله) أحق بالاتباع - إلى أن قال - والاشعار الادماء بطعن أو رمي أو وجأ بحديدة - وقال - والشعيرة البدنة المهداة سميت بذلك لأنها يؤثر فيها بالعلامات والجمع شعائر.

والظاهر من الروايات واللغة اختصاصه بالبدن دون البقر والغنم وما يتوهم من بعض الروايات الاطلاق فليست في صدد الاطلاق من ناحية الموضوع المتعلق.

وقد عرّف في عدة من الروايات((1)) بالطعن أو شق سنامها بالحديدة حتى تدمى وأن يشعرها من جانبها الأيمن. ثم انّه ما ذكر من الكلمات من التلطيخ يقتضيه معنى الإدماء ومعنى الشعيرة التي هي العلامة.

وصحيح جميل بن دراج عن أبي عبداللّه - عليه السلام - قال: ((إذا كانت البدن كثيرة قام فيما بين ثنتين، ثم أشعر اليمنى، ثم اليسرى، ولا يشعر ابدا حتى يتهيأ للاحرام لأنه إذا أشعر وقلّد وجلل وجب عليه الاحرام، وهي بمنزلة التلبية))((2)).


1) ([1]) ب12 ابواب أقسام الحج ح12و14و16 .

2) ([2]) ب12 ابواب أقسام الحج ح7 .

والظاهر منها عدم اعتبار اليمين بالاشعار مع الكثرة والعمل باطلاق معناه اللغوي، وحمل هذه القيود على الاستحباب غير بعيد، وكذلك الحال في تحديد التقليدبالنعل الخَلق قد صلى فيه ما يشعر بذلك كصحيح زرارة عن أبي جعفر - عليه السلام -((كان الناس يقلدون الغنم والبقر وانما تركه الناس حديثاً ويقلدون بخيط أو بسير))((1)). بل في بعض الروايات ذكر التجليل كما في مصحح جميل قال في روضة المتقين: ويستحب أن يجمع بين الاشعار والتقليد والتجليل والتلبية. واستدل على استحباب التجليل بصحيح الحلبي قال: ((سألت أبا عبداللّه - عليه السلام - عن تجليل الهدي وتقليدها؟ فقال: لا تبالي أي ذلك فعلت)) الحديث((2)).

واستظهر منها الاكتفاء بالتجليل عن التقليد، واحتمل أن يكون السؤال عن تقديم أيهما، وفي لسان العرب والجل من المتاع القطن والاكسية والبسط وجملاً عليه جُلّة فهو بها موقر وجلّ الدابة وجَلّها الذي تلبسه لتصان به وجلال كل شيء رضائه نحو الحجلة وما أشبهها وتجليلالفرس أي تلبسه الجل، وفي الحديث انّه جلل فرساً له سبق برداً عدنياً أي جعل البرد له جُلاً ومما تقدم يظهر عموم التقليد للانعام الثلاثة، ومثله صحيح معاوية بن عمار((3)) وغيره.

الجهة الخامسة: يظهر من صحيح الفضيل بن يسار انّه يشترط في صحة سياق الهدي اشعاره وسوقه قبل دخول الحرم قال قلت لأبي عبداللّه - عليه السلام -: ((رجل أحرم من الوقت ومضى ثم اشترى بدنة بعد ذلك بيوم أو يومين فاشعرها وقلدها وساقها فقال: إن كان ابتاعها قبل أن يدخل الحرم فلابأس، قلت: فانه اشتراها قبل أن ينتهي إلى الوقت الذي يحرم منه فأشعرها وقلّدها أيجب عليه حين فعل ذلك ما يجب على المحرم؟ قال: لا، ولكن إذا انتهى


1) ([3]) ب12 ابواب أقسام الحج ح9 .

2) ([4]) الكافي ح 4 / 296 .

3) ([1]) ابواب أقسام الحج ب12 / 10 .

(مسالة 16): لا تجب مقارنة التلبية لنيّة الإحرام وإن كان أحوط، فيجوز أن يؤخّرها عن النيّة ولبس الثوبين على الاقوى(1).

(مسألة17): لا تحرم عليه محرّمات الاحرام قبل التلبية وإن دخل فيه بالنيّة ولبس الثوبين، فلو فعل شيئاً من المحرّمات لا يكون آثماً وليس عليه كفّارة، وكذا في القارن إذا لم يأت بها ولا بالإشعار أو التقليد، بل يجوز له أن يبطل الاحرام مالم يأت بها في غير القارن أو لم يأت بها ولا بأحد الأمرين فيه، والحاصل أنّ الشروع في الاحرام وإن كان يتحقق بالنيّة ولبس الثوبين إلا أنه لا تحرم عليه المحرّمات، ولا يلزم البقاء عليه إلا بها أو بأحد الأمرين فالتلبية وأخواها بمنزلة تكبيرة الاحرام في الصلاة(2).

إلى الوقت فليحرم ثم يشعرها ويقلدها فإن تقليده الأول ليس بشيء))((1)). يظهر منها ايضاً اشتراط صحّة انشاء التقليد والاشعار بالوقت وما بعده دون ما قبله.

(1) قد تقدم أنّ نيّة الاحرام مؤلفة من نيّة النسك ونيّة انشاء وجوده بالتلبية وتحقق الاحرام بها، وان التلبية والاحرام بها أول اجزاء النسك أو شرائطه، وحينئذ فلا يختلف الحال في المقام عن بقية ابواب العبادة كنيّة الوضوء والصلاة والصيام، حيث بحث فيها عن صحّة تقدم النيّة وان تصور التقدم والتقارن مبني على الخطور دون الداعي وقد حررنا تلك الجهات في نيّة الوضوء فلاحظ.

ثم انّه يظهر من الروايات الواردة في كيفية الاحرام حيث ذكر فيها فرض الحج بالنيّة في دبر الصلاة، ومن ثم يلبي بعد أن يمشي خطوات أو بعد الميل في ميقات مسجد الشجرة.

والمحصل انّ غياب الخطور بنحو الذهول واضح الاشكال.

(2) قد تقدم الاشارة إلى الروايات الدالّة((2)) على انّ له أن يفسخ الاحرام ما لم يلبّ


1) ([2]) ب12 ابواب أقسام الحج ح13 .

2) ([1]) ابواب الاحرام ب14 .

(مسألة 18): إذا نسي التلبية وجب عليه العود إلى الميقات لتداركها وإن لم يتمكّن أتى بها في مكان التذكّر، والظاهر عدم وجوب الكفّارة عليه إذا كان آتياً بما يوجبها، لما عرفت من عدم انعقاد الاحرام إلا بها(1).

بل عبر في بعضها ((بالنقض ما لم يلبّ)) ومرّ أن ذلك ونحوه دال على أن انشاء الاحرام وفرض النسك يتم بابراز النيّة بالصلاة أو الغسل أو التلفظ بالنية والدعاء ونحوه إلا انه لا يلزم إلا بالتلبية واخويها. وقد ورد في خصوص القران مثل ذلك ايضاً كما في مصحح جميل وغيره.((1)) وكذلك يشعر به ما ورد في رواية((2)) ابراهيم الكرخي فيمن أعلن الاحرام بالحج ولم يلبّ في الميقات.

(1) قد ذكر الشيخ في المبسوط فصل أنواع الحج: أن الركن من أفعال الحج النيّة والاحرام والطواف والسعي والوقوفين والخ وذكر في عداد ماليس بركن التلبيات الأربع وما يقوم مقامها((3)).

كما انّه قد تقدم فيه أيضاً انّه إذا نسي النيّة يتداركها حيث ذكر، وان كان العبارة يحتمل منها خصوص نيّة عنوان التمتع لا الاحرام وأصل النسك، ومقتضى ما تقدم من التفكيك بين انشاء الاحرام ولزومه ان نسيان التلبية غاية ما يوجب فوات اللزوم لا فوات أصل الاحرام، ومن ثمة استشكل غير واحد من محشي المتن على قول الماتن بوجوب العود إلى الميقات لتدارك التلبية لأن ما ورد من الوجوب قد أخذ في موضوعه ترك الاحرام ونسيانه لا التلبية، ويدل على التفكيك ما تقدم من صحيح زرارة عن أبي جعفر - عليه السلام - في المرأة الناسية للاحرام والتي لا تستطيع الرجوع للميقات لضيق الوقت قال - عليه السلام - ((تحرم من مكانها قد علم اللّه نيتها))((4)).

وفي صحيح جميل عن بعض أصحابنا في الناسي للاحرام والجاهل وقد شهد


1) ([2]) ب12 ابواب أقسام الحج ح7 وح11 و21 و19 .

2) ([3]) ب9 ابواب المواقيت ح2 .

3) ([4]) المبسوط ج1 ص307 .

4) ([5]) ب14 ابواب المواقيت ح1 .

(مسألة 19) الواجب من التلبية مرة واحدة، نعم يستحب الإكثار بها وتكريرها ما استطاع، خصوصاً في دبر كلّ صلاة فريضة أو نافلة، وعند صعود شرف، أو هبوط واد، وعند المنام، وعند اليقظة، وعند الركوب وعند النزول، وعند ملاقاة راكب، وفي الأسحار، وفي بعض الأخبار: من لبّى فيإحرامه سبعين مرّة إيماناً واحتساباً أشهد الله له ألف ألف ملك براءة من النار وبراءة من النفاق ويستحب الجهر بها خصوصاً في المواضع المذكورة للرجال دون النساء، ففي المرسل انّ التلبية شعار المحرم، فارفع صوتك بالتلبية، وفي المرفوعة: لمّا أحرم رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) أتاه جبرئيل فقال: مر أصحابك بالعجّ والثجّ، فالعجّ رفع الصوت بالتلبية، والثجّ نحر البدن))(1).

المناسك قال - عليه السلام -: ((تجزيء نيّته إذا كان قد نوى ذلك فقد تم حجّه وإن لم يهل))((1)). ومن ثم اشكل على الماتن ايضاً عدم وجوب الكفارة مع تحقق الاحرام.

وفيه: انّ ظاهر عنوان المأخوذ من ترك الاحرام شامل لترك التلبية وأخويها لما دل على أن بالتلبية وأخويها يعقد الاحرام وينشأه ويفرضه، وأنه إذا لبّى واشعر وقلّد فقد أحرم مضافاً إلى عموم الأمر بالتلبية في الميقات والتعبير عنها ((بمهل أرضه)) كل ذلك قرينة على شمول عنوان ترك الاحرام لترك التلبية في الميقات فيلزم بالرجوع، وتفكيك الشيخ في الركنية انّما هو بلحاظ فرض العجز ونحوه الذي تظهر منه ثمرة التمييز بين الركن وغيره.

وأما ترتب الكفارة فقد مرّت الاشارة إلى الروايات النافية لها من دون تلبية، غاية الأمر انّه بتعمد ارتكاب التروك ينقض احرامه.

(1) لما مرّ ان الفرض هي التلبيات الأربع ومسماها مرة واحدة وقد نص على أن التكرار سنّة.

وعن الدروس: انّه يظهر من الرواية والفتوى جواز تأخير التلبية عن النيّة وقال


1) ([1]) ب20 ابواب المواقيت ح1 .

(مسألة 20): ذكر جماعة أن الأفضل لمن حجّ على طريق المدينة تأخير التلبية إلى البيداء مطلقاً كما قاله بعضهم، أو في خصوص الراكب كما قيل، ولمن حجّ على طريق آخر تأخيرها إلى أن يمشي قليلاً، ولمن حجّ من مكّة تأخيرها إلى الرقطاء كما قيل أو إلى أن يشرف على الأبطح، لكنّ الظاهر بعد عدم الاشكال في عدم وجوب مقارنتها للنيّة، ولبس الثوبين استحباب التعجيل بها مطلقاً، وكون أفضلية التأخير بالنسبة إلى الجهر بها، فالأفضل أن يأتي بها حين النيّة ولبس الثوبين سرّاً، ويؤخّر الجهر بها إلى المواضع المذكورة، والبيداء أرض مخصوصة بين مكّة والمدينة على ميل من ذي الحليفة نحو مكّة، والأبطح: مسيل وادي مكّة، وهو مسيل واسع فيه دقاق الحصى، أوّله عند منقطع الشعب بين وادي منى، وآخره متّصل بالمقبرة التي تسمّى بالمعلّى عند أهل مكّة، والرقطاء: موضع دون الردم يسمّى مدعى، ومدعى الأقوام مجتمع قبائلهم، والردم حاجز يمنع السيل عن البيت، ويعبر عنه بالمدعى(1).صاحب الجواهر ان الاجماع بل الضرورة قائمة على عدم تأخير التلبية الواجبة عن الميقات، لكن ظاهر المبسوط والمحكي عن الخلاف تأخير التلبية إلى البيداء للركب دون الماشي ولعلة يحمل على الجهر بها دون أصل التلفظ بها، لما سيأتي من صحيح عمر بن يزيد، وكذا ظاهر ابن حمزة في الوسيلة، وحمل ابن ادريس عبارة الفقهاء في التأخير على تأخير الجهر دون تلبية المخفت التي ينعقد بها الاحرام وإلى مثل هذا التفسير ذهب ابن زهرة في الغيبة. واستدلّ على هذا التفسير بأن الاهلال لغةً هو رفع الصوت فما ورد من الاهلال بالتلبية هو الجهر بها بخلاف حال الاحرام الذي لا يتم إلا بها ولو اخفاتاً، وهذا هو التفصيل المحكي عن الصدوق في الفقيه والكلام تارة فيما يختص بميقات الشجرة واخرى في مطلق المواقيت. والعمدة التعرض إلى الروايات الواردة في المقام لاسيما الصريح منها في أحد الوجوه الاربعة المذكورة في الجمع بينها.

(1) الأول: الحمل على التلبية الواجبة في الميقات والتلبية المستحبة في البيداء.

الثاني: الحمل على التلبية اخفاتاً في الميقات والجهر في البيداء وهو مذهب الاكثر وهو المشهور.

الثالث: حمل الروايات على أن يكون انشاء الاحرام بالنيّة وتلفظها في الميقات وانشاء لزومه بالتلبية في البيداء ذهب إليه كاشف اللثام.

الرابع: التخيير في عقد الاحرام بالتلبية في الميقات أو البيداء على ميل من وادي الشجرة أو التخيير بدءاً من الميقات وانتهاءً بميل البيداء.

الخامس: ما ذهب إليه صاحب الحدائق من لزوم تأخير التلبية إلى البيداء في خصوص ميقات أهل المدينة.

أما الروايات فهي على طوائف:

الأولى: ما دلّ على تأخير التلبية الواجبة إلى البيداء على ميل كصحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبداللّه - عليه السلام - ((.... فخرج رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) في أربع بقين من ذي القعدة فلمّا انتهى إلى ذي الحليفة فزالت الشمس اغتسل ثم خرج حتى أتى المسجد الذي عند الشجرة فصلّى فيه الظهر وعزم((1)) بالحج مفرداً وخرج حتى انتهى إلى البيداء عند الميل الأول فصف الناس له سماطين فلبّى بالحج مفرداً وساق الهدي ست وستين بدنة))((2)).وصحيح الحلبي عن أبي عبداللّه - عليه السلام - قال ((انّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) حين حجّ حجة الاسلام خرج في اربع بقين من ذي القعدة حتى أتى الشجرة وصلّى بها ثم قاد راحلته حتى أتى البيداء فأحرم منها وأهل بالحج وساق مائة بدنة))((3)).

وصحيح معاوية بن عمار أيضاً عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال صل المكتوبة ثم احرم بالحج أو بالمتعة وأخرج بغير تلبية حتى تصعد إلى أول البيداء أول سيل عن يسارك فاذا


1) ([1]) واحرم.

2) ([2]) ب2 ابواب أقسام الحج ح4 .

3) ([1]) ب2 ابواب أقسام الحج ح14 .

استوت بك الارض راكباً أو ماشياً فلبّ))((1)).

وفي صحيح معاوية بن وهب عن أبي عبداللّه - عليه السلام - قال ((سألت أبا عبداللّه - عليه السلام - عن التهيء للاحرام فقال في مسجد الشجرة فقد صلّى فيه رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) وقدترى اناساً يحرمون فلا تفعل حتى تنتهي إلى البيداء حيث الميل فتحرمون كما أنتم في محاملكم تقول: لبيك اللّهم لبيك))((2)).

ومصحح علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر - عليه السلام - قال ((سألته عن الاحرام عند الشجرة هل يحل لمن أحرم عندها أن لا يلبي حتى يعلو البيداء؟ قال: لا يلبي حتى يأتي البيداء عند أول ميل فأما عند الشجرة فانّه لا يجوز التلبية))((3)).

وفي صحيح عبداللّه بن سنان قال: ((سمعت أبا عبداللّه - عليه السلام - يقول انّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) لم يكن يلبي حتى يأتي البيداء))((4)) وفي صحيح معاوية بن عمار عن أبي جعفر وأبي عبداللّه(عليهما السلام) انهما قالا: ((إذا صلّى الرجل ركعتين وقال الذي يريد أن يقول من حج أو عمرة في مقامه ذلك فانّه انما فرض على نفسه الحج وعقد عقد الحج وقالا: انّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله)حيث صلّى في مسجد الشجرة صلّى وعقد الحج ولم يقولا صلّى وعقد الاحرام.... إلى أن قال: وله أن يرجع متى شاء وإذا فرض على نفسه الحج ثم أتم بالتلبية فقد حرم عليه الصيد وغيره ووجب عليه في فعله ما يجب على المحرم لأنه قد يوجب الاحرام ثلاثة اشياء الاشعار والتلبية والتقليد فإذا فعل شيئاً من هذه الثلاثة فقد أحرم وإذا فعل الوجه الاخر قبل أن يلبي فلبّى فقد فرض))((5))وغيرها.

الثانية: ما دلّ على انّ الجهر بالتلبية يؤخر إلى البيداء.


1) ([2]) ب34 ابواب الاحرام ح6 .

2) ([3]) ب34 ابواب الاحرام ح3 .

3) ([4]) المصدر السابق ح8 .

4) ([5]) المصدر السابق ح5 .

5) ([6]) التهذيب ج5 ص83، وأبواب الاحرام ب14 / 4 .

كصحيح عمر بن يزيد عن أبي عبداللّه - عليه السلام - قال: ((فان كنت ماشياً فاجهر باهلالك وتلبيتك من المسجد وان كنت راكباً فاذا علت بك راحلتك البيداء))((1)) والرواية دالّة على ذلك حيث قيده بلفظ الاجهار ولفظ الاهلال وقد تقدم معنى الاهلال انّه رفع الصوت.

وصحيحة عبداللّه بن سنان انّه سأل ابا عبداللّه - عليه السلام - ((هل يجوز للمتمتع بالعمرة إلى الحج أن يظهر التلبية في مسجد الشجرة؟ فقال: نعم، انّما لبّى النبي(صلى الله عليه وآله) في البيداء لأن الناس لم يعرفوا التلبية فأحب أن يعلمهم كيف التلبية))((2)).

ووجه الشاهد فيها أنها قيد التلبية المرددة بين مسجد الشجرة والبيداء بتلك التي تجهر بها كما أنها فسرت فعل تلبية النبي(صلى الله عليه وآله) في البيداء بالاجهار ورفع الصوت بها لا أصل التلبية التي يؤتى بها اخفاتاً دبر دعاء النية ودبر صلاة الاحرام، حيث انّه يؤتى بهما في العادة بصوت خافض أو خافت ولو بنحو الهمس الانسان لنفسه فيطابق مفاد هذه الصحيحة الصحيحة المتقدمة. وأنها مفصلة بلحاظ الجهر بالتلبية لا أصل التلبية كما قد يوهمه عبارة الشيخ.

هذا مضافاً إلى ما في العديد من الروايات في التعبير من الاحرام في دبر الصلاة ثم الأمر بالتلبية بعد المشي فانّ ظاهر هذا التعبير أو التعبير أن يقول ما يقول المحرم في دبر الصلاة ثم يلبي إذا استوت به الأرض ظاهر في عقد الاحرام بالتلبية التي يؤتى بها على وتيرة دعاء النية أي بصوت خافض وأن الذي يؤخر هو الجهر بها وقد عبّر بذلك في عدة روايات كموثق اسحاق بن عمار((3)) وصحيح الحلبي((4)) وصحيح هشام بن الحكم((5)) وصحيح معاوية بن عمار((6)) وكذا صحيح معاوية الاخر((7)).


1) ([1]) ابواب الاحرام ب34 / 1 .

2) ([2]) ب35 ابواب الاحرام 24 .

3) ([3]) ب35 ابواب الاحرام ح4 .

4) ([4]) المصدر السابق ح3 .

5) ([5]) المصدر السابق ح1 .

6) ([6]) ب16 ابواب الاحرام ح1 .

7) ([7]) ب18 ابواب الاحرام ح1 إلى ح5 .

وبعبارة أخرى فانّ ما دلّ على انّ الاحرام لا يقع الا بالتلبية حاكم ومفسر لمعنى الاحرام، وقال الشيخ في توضيحه انّ من اغتسل للحرم وصلّى وقال ما أراد من القول بعد الصلاة لم يكن في الحقيقة محرماً دائماً ليكون عاقداً للحج والعمرة وانّما يدخل في أن يكون محرماً إذا لبّى انتهىويعضد كلامه ما تقدم من الروايات الواردة بلفظ من عقد الاحرام وأهل بالحج ولم يلبّ ثم ارتكب التروك فليس عليه شيء حتى يلبي، ونظير ذلك قاله كاشف اللثام انّ الاحرام انما ينعقد بالتلبية وما يقوم مقامها وظاهره انّه قبل التلبية محرماً بمعنى أنه نوى الاحرام وعقد أي نوى ووجب على نفسه الاجتناب عن المحرمات والاتيان بالمناسك ومنها التلبية وبعدها ليس له نقضه أو الاحلال منه إلا بالاتمام أو ما يجري مجراه ولكن لا يلزمه شيء ما لم يلبّ ويدل على ذلك ايضاً صحيحة معاوية بن عمار الواردة في شرح دعاء الاحرام والتلفظ بالنية في دبر صلاته حيث تعرضت له مبسوطاً ثم قال - عليه السلام - ((ويجزيك أن تقول هذا مرة واحدة حتى تحرم ثم قم فامش هنيئة فاذا استوت بك الارض ماشياً كنت أو راكباً فلبّ))((1)) ومثله صحيح عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه - عليه السلام - قال في ذيله ((وان شئت فلبّ حتى تنهض وان شئت فأخّره حتى تركب بعيرك وتستقبل القبلة))، وعلى أية تقدير فروايات الطائفة الأولى يخدش في دلالتها بأن الصحيحة الأولى لمعاوية في نسخة اخرى منها ((واحرم بالحج مفرداً اي في مسجد الشجرة)) بدل ((وعزم)) ومن ذلك تحمل صحيحة الحلبي عليه.

وأما الصحيحة الثانية لمعاوية بن عمّار أيضاً فقد عبّر فيها صلّ ثم أحرم بالحج أو المتعة وأخرج بغير تلبية فقريب حمل الاحرام فيها على العقد بالتلبية اخفاتاً وقوله - عليه السلام -((واخرج بغير تلبية)) أي بغير تلبية حال الخروج، أي لا يتابع التلبية الجهرية حالة الخروج لا أنه لنفي أصل التلبية حال الاحرام.


1) ([1]) ب16 ابواب الاحرام ح1 ح2 .

وأما الصحيحة الرابعة لمعاوية بن عمار فهي وان قيل انّها صريحة في ذلك إلا أن قوله - عليه السلام - ((ترى اناساً يحرمون فلا تفعل)) الظاهر هو الجهر بالتلبية لأن دعاء الاحرام دبر الصلاة لا يرى ويسمع من مجموع الناس إلا من كان في الجنب.

وكذا امره - عليه السلام - بالتلبية في المحامل عند البيداء لا ريب انّ التلبية حينها يجهر بها. مثله الرواية الخامسة وصحيح علي بن جعفر وكذا الرواية السادسة صحيح عبداللّه بن سنان وقوله - عليه السلام - انّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) لم يكن يلبي حتى يأتي البيداء، أي لم يكن يتابع التلبية ويجهر بها حتى يأتي البيداء وبعبارة اخرى: ان المسلّم في دلالة هذه الروايات والبين فيها هو نهيها عن متابعة التلبية الجهرية ما بين الاحرام دبر الصلاة إلى أن يصل إلى البيداء وأما أصل التلبية حينما يريد الاحرام فليس دلالة الروايات في ذلك بينة بل محتملة للنهي عن خصوص التلبية الجهرية حين فرض الاحرام، حتى أن في صحيح عمر بن يزيد المتقدم فيالطائفة الثانية قد قيد الامر بالجهر بها ان كان ماشياً بقوله ((من المسجد)) ولم يعبر في المسجد الظاهر في أن محلّ التفصيل سواء بين الماشي والراكب أو بين المسجد والبيداء انما هو في التلبية الجهرية.

وأما الرواية الثامنة وهي صحيح معاوية بن عمّار أيضاً مضافاً لكون بعض فقرات من تفسير الراوي ان قوله - عليه السلام - ((وإذا فرض على نفسه الحج ثم أتم بالتلبية)) دال على وصل التلبية عقب دعاء الاحرام.

وأما صحيحة معاوية التاسعة - فقوله - عليه السلام - ((يجزيك أن تقول هذا مرة واحدة حين تحرم)) أي حين تعقد الاحرام بالتلبية وأن التلبية المقيدة باستوت بك الأرض هي الجهرية.

وأما الرواية العاشرة صحيح عبداللّه بن سنان فالتعاقب فيها بين الدعاء والتلبية منطبق على نفس وادي الميقات.

(مسألة 21): المعتمر عمرة التمتع يقطع التلبية عند مشاهدة بيوت مكّة في الزمن القديم، وحدّها لمن جاء على طريق المدينة عقبة المدنيّين، وهو مكان معروف، والمعتمر عمرة مفردة عند دخول الحرم إذا جاء من خارج الحرم، وعند مشاهدة الكعبة إن كان قد خرج من مكّة لإحرامها، والحاجّ بأيّ نوع من الحجّ يقطعها عند الزوال من يوم عرفة، وظاهرهم انّ القطع في الموارد المذكورة على سبيل الوجوب وهو الأحوط وقد يقال: بكونه مستحباً(1).

وأما بقية المواقيت، فعلى تقدير ظهورها في الفصل بين فرض الاحرام والتلبية حتى يمشي براحلته وتستوي به الأرض، فالتلبية على تقدير ذلك ليس في خارج الميقات بعد كونها أودية كبيرة.

(1) تعرض الماتن إلى عدة فروض:

الفرض الاول: في المعتمر عمرة التمتع وانّ منتهى حدّ التلبية بمشاهدة بيوت مكة بحسب عهد النبي(صلى الله عليه وآله) وقد حددتها الروايات بعقبة المدنيين التي هي حيال القصارين وعقبة ذي طوى.

ففي صحيح معاوية بن عمّار قال: ((قال ابو عبداللّه - عليه السلام -: إذا دخلت مكة وأنت متمتع فنظرت إلى بيوت مكة فاقطع التلبية، وحدّ بيوت مكة التي كانت قبل اليوم عقبة المدنيين فان الناس قد أحدثوا بمكة مالم يكن، فاقطع التلبية، وعليك بالتكبير والتهليل والتحميد والثناء على اللّه عزوجل بما استطعت))((1)).وفي صحيح أبي نصر عن أبي الحسن الرضا - عليه السلام - سئل عن المتمتع متى يقطع التلبية قال: ((إذا نظر إلى عراش مكة عقبة ذي طوى، قلت: بيوت مكة، قال: نعم))((2)).

ومثلها رواية أبي خالد((3)) فتقيد بقية الروايات التي أطلق فيها عنوان الحدّ ببيوت مكة.


1) ([1]) ب34 ابواب الاحرام ح1 .

2) ([1]) المصدر السابق ح6 .

3) ([2]) المصدر السابق ح8 .

وقد يقال: انّ ظاهر صحيح معاوية بن عمار هو الاخبار عن حدّ بيوت مكّة في الزمن الماضي استطراداً لا تحديد الوظيفة الفعلية ومن ثم قيّد الخبر في الجملة بالكينونة السابقة فكأنه ليس بصدد تفسير حدّ البيوت من حيث هو.

وأما صحيح أبي نصر فيحتمل حدّ مكة في زمن السؤال كان عقبة ذي طوى.

وفيه: انّه خلاف ظاهر الصحيحة فإن توسعة مكة من طرف دون طرف آخر مطمئن بعدمه، مضافاً إلى تصريح صحيح زرارة عن أبي عبداللّه - عليه السلام - قال: ((سألته أين يمسك المتمتع عن التلبية فقال: إذا دخل البيوت بيوت مكة لا بيوت الابطح))((1)).

فانّ اتصال بيوت الابطح ببيوت مكة القديمة يعني سعة مكة كما هو مفروض الصحيحة.

وكذا صحيح الفضيل بن يسار قال: ((سألت أبا عبدالله - عليه السلام - قلت: دخلت بعمرة فأين أقطع التلبية قال: حيال العقبة عقبة المدنيين فقلت: أين عقبة المدنيين قال: بحيال القصارين))((2)). فانّها وان كانت مطلقة إلا أنها مقيدة بعمرة التمتع كما سيأتي بل هي ظاهرة في ذلك أيضاً لأن قول الراوي بدخوله بعمرة في قبال الدخول بالحج.

وهذا التحديد بعقبة المدنيين وبذي طوى وانهامكة القديمة حيث ان الناس أحدثوا فيها مالم يكن والتقييد بالتي كانت قبل اليوم وجهه بيان انها وقت مكاني ومن ثم تعرضت الصحيحة لحدودها التي كانت عليه قبل اليوم. فعنوان مكة المأخوذ في موضوع احكام الحج كالاحرام وغيره هو عنوان وقت مكاني، والوقت لابد فيه من القضية الخارجية لا الحقيقية كما في بقية المواقيت كالجحفة ونحوها لكن قد تقدم في الميقات السادس مكة صحيح حماد وصحيح الحلبي((3)) الواردين في مكان إحرام


1) ([3]) ب43 ابواب الاحرام ح7 .

2) ([4]) ب45 ابواب الاحرام ح11 .

3) ([5]) ابواب أقسام الحج ب9 / ح 3 - 7 .

حج التمتع أنه يحرم من مكة نحواً مما يقوله الناس. فهل يحمل التحديد في منتهى التلبية على خصوص هذا الحكم أم أنه يحمل على ضرب من الندب كما ورد في كونه منتهاه الحرم وعلى ذلك فيقوى احتمال كون ذكر حدّ مكة القديمة استطراد نظير ما سيأتي في حدّي الطواف القديم والجديد. ثم انّ هناك رواية لزيد الشحام عن أبي عبداللّه - عليه السلام - قال: ((سألته عن تلبية المتعة متى تقطع؟ قال: حين يدخل الحرم))((1)) وهي مضافاً إلى ضعف السند بأبي جميلة قابلة للجمع مع الروايات المتقدمة بالحمل على مراتب الفضل.

الفرض الثاني: المعتمر بعمرة مفردة إذا أحرم من المواقيت البعيدة يقطع التلبية عند دخوله الحرم.

والروايات الواردة في العمرة المفردة على طوائف.

الاولى: الدالة على قطع التلبية بدخوله الحرم:

كصحيح معاوية بن عمّار قال: ((وان كنت معتمراً فاقطع التلبية إذا دخلت الحرم))((2))وظاهرها وان كان مطلقاً إلا أنه بقرينة ورود صدرها في المتمتع تكون ظاهرة في من أحرم من المواقيت البعيدة.

وصحيح زرارة عن أبي جعفر - عليه السلام - قال: ((يقطع التلبية المعتمر إذا دخل الحرم)) وان كان ظاهرها البدوي الاطلاق إلا انّ التعبير بالدخول ظاهره النائي للحرم لا لمن يكون قريب الحرم وان صدق عليه الدخول بحسب المعنى اللغوي .

وصحيحة عمر بن يزيد أيضاً إلا أن فيها: ((حين تضع الابل أخفافها في الحرم))((3))، ومثلها أيضاً مصحح مرازم بن حكيم((4)).


1) ([1]) ب43 ابواب الاحرام ح9 .

2) ([2]) ب45 ابواب الاحرام ح1 .

3) ([3]) ب43 ابواب الاحرام ح2 .

4) ([4]) ب45 ابواب الاحرام ح6 .

الثانية: الدالة على قطع التلبية للمعتمر بمشاهدة بيوت مكة.

كموثق سدير قال: ((قال أبو جعفر وأبو عبدالله(عليهما السلام) إذا رأيت أبيات مكة فاقطع التلبية))((1))وهي مطلقة من حيث المعتمر ومن حيث المفرد سواء للحج أو العمرة. ومن ثم لا تقوى على معارضة الطائفة الاولى.وكذا صحيح الفضيل بن يسار المتقدم - في الفرض الأول - فانّه مطلق شامل للمتمتع والمفرد فيقيد بالطائفة الاولى أيضاً.

وصحيحة أحمد بن أبي نصر قال: ((سألت أبا الحسن الرضا - عليه السلام - عن الرجل يعتمر عمرة المحرم من أين يقطع التلبية؟ قال: كان أبو الحسن - عليه السلام - من قوله يقطع إذا نظر إلى بيوت مكة))((2))، ومثلها حسنة كالصحيحة ليونس بن يعقوب - على طريق الصدوق (رحمه الله) - قال: ((سألت أبا عبدالله - عليه السلام - عن الرجل يعتمر عمرة مفردة فقال: إذا رأيت بيوت ]مكة[ ذي طوى فاقطع التلبية))((3)) ورواها الشيخ أيضاً بطريق يعدّ حسناً إلا أنه ذكر في ذيل السؤال ((من أين يقطع التلبية)) .

وهاتان الروايتان نصاً في العمرة المفردة إلا انّهما مطلقتان من جهة كون الاحرام من بعيد أو ادنى الحل فيمكن تقيدهما بما دلّ على ان الآتي من بعيد يقطع التلبية بدخوله الحرم، وان أحرم من أدنى الحل يقطع التلبية بمشاهدة البيت. بل لا يبعد ظهور صحيحة ابن أبي نصر في ذلك لأن عمرة شهر المحرم يؤتى بها في العادة بعد أعمال الحج أي لمن كان في مكة وكذلك الحال في رواية يونس.

نعم لابد من التوفيق بينهما وبين مادلّ على انّ المحرم من أدنى الحل يقطع التلبية بمشاهدة البيت بالحمل على مراتب الفضل.


1) ([5]) ب43 ابواب الاحرام ح5 .

2) ([1]) ب45 ابواب الاحرام ح12 .

3) ([2]) الفقيه ج2 ص455 ط. قم وفي الوسائل (45 ابواب الاحرام ح3).

الفرض الثالث: المعتمر عمرة مفردة إذا أحرم من أدنى الحل سواء كان آتياً من داخل مكة أو من بعيد، كما لو بدا له اتيان النسك بعد تجاوز المواقيت. ويدل عليه صحيح معاوية بن عمّار قال: ((من اعتمر من التنعيم فلا يقطع التلبية حتى ينظر المسجد))((1))، وصحيح عمر بن يزيد عن أبي عبدالله - عليه السلام - في حديث ((ومن خرج من مكة يريد العمرة ثم دخل معتمراً لم يقطع التلبية حتى ينظر إلى الكعبة))((2)).

وذكر الصدوق بعد هذه الرواية قال وروي ((أنه يقطع التلبية إذا نظر إلى المسجد الحرام)). وروي ((أنه يقطع التلبية إذا دخل أول الحرم)).

ولعل مراده(قدس سره) ما ورد من الروايات المطلقة في المعتمر غير مقيد بمن أحرم من أدنى الحل.ورواية أبي خالد مولى علي بن يقطين قال: ((سألت أبا عبدالله - عليه السلام - ]أبا الحسن - عليه السلام - [عمن أحرم من حوالي مكة من الجعرانة والشجرة من أين يقطع التلبية؟ قال: يقطع التلبية من عروش مكة، وعروش مكة ذي طوى))((3)).

وهي مضافاً إلى ضعف السند قابلة للحمل على مراتب الندب مع ما تقدم.

الفرض الرابع: مطلق الحاجّ يقطع التلبية عند الزوال من يوم عرفة.

وهل هذا الحدّ زماني أو مكاني؟

ظاهر الروايات الأول كصحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر - عليه السلام - أنه قال: ((الحاج يقطع التلبية يوم عرفة زوال الشمس))((4))، ومثله صحيح معاوية بن عمار((5)) وغيرها من روايات الباب.


1) ([3]) ب40 ابواب الاحرام ح4 .

2) ([4]) المصدر السابق ح8 .

3) ([1]) ب42 ابواب الاحرام ح8 .

4) ([2]) ب44 ابواب الاحرام ح1 .

5) ([3]) المصدر السابق ح2 .

تتمة: قد ردّد الماتن(قدس سره) حكم قطع التلبية بين العزيمة أو الرخصة، والأقوى أنه بحكم العزيمة ويشهد له صحيح عمر بن أذينة عن أبي عبدالله - عليه السلام - ((أنه قال في هؤلاء الذين يحرمون بالحج إذا قدموا مكة وطافوا بالبيت أحلّوا، وإذا لبّوا أحرموا، فلايزال يحل ويعقد حتى يخرج إلى منى لا حج ولا عمرة))((1)).

حيث أنه دال على أن ما يأتي به المحرم بعد موضع قطع التلبية من الدخول والأعمال احلال تدريجى فلو لبّى في الاثناء لكان ناقضاً لذلك الاحلال.

مضافاً إلى انّ مادة القطع التي في النصوص لا تتناسب مع الرخصة ولا مع مجرد كونها في صدد نفي الالزام اذ لو أريد ذلك لعبّر ((فليكتفي بذلك)) أو ((يكفيه ذلك)) أو ((يجزيه)) فظاهر القطع البتر والانتهاء، وفي صحيح أبان بن تغلب قال: ((كنت مع أبي جعفر - عليه السلام - في ناحية من المسجد وقوم يلبّون حول الكعبة فقال: أترى هؤلاء الذين يلبّون والله لأصواتهم أبغض إلى الله من أصوات الحمير))((2)).

وتقريب الدلالة كما تقدم كما لا يخفى ظهورها في عدم المشروعية لمكان التشبيه بصوت الحمير. وبعبارة اخرى، انّ موضع التلبية كتكبيرة الاحرام في الصلاة لا يؤتى بها في الاثناء اذ ما أتى به بعدها احلال تدريجى منها فاتيانها في الاثناء احرام جديد يستلزم البدأة من جديد.

ويؤيد ذلك ما ورد في بعض روايات تروك الاحرام من انّ من أتى ببعض التروك استغفر أو كفر ولبّى فكأن اتيان المنافي اخلال بالاحرام والتلبية عقد له فهي عقد جديد لا يأتي بها في الاثناء ابتداءً.


1) ([4]) ابواب الاحرام ب 44 ح3 .

2) ([5]) ب43 ابواب الاحرام ح3 .

(مسألة 22): الظاهر أنه لا يلزم في تكرار التلبية أن يكون بالصورة المعتبرة في انعقاد الإحرام، بل ولا بإحدى الصور المذكورة في الأخبار، بل يكفي أن يقول: لبّيك اللّهمّ لبّيك بل لا يبعد كفاية تكرار لفظ لبّيك(1).

(مسألة 23): إذا شك بعد الإتيان بالتلبية أنه أتى بها صحيحة أم لا بنى على الصحّة(2).

(مسألة 24): إذا أتى بالنيّة ولبس الثوبين وشكّ في أنه أتى بالتلبية أيضاً حتى يجب عليه ترك المحرّمات أو لا يبني على عدم الإتيان لها فيجوز له فعلها، ولا كفّارة عليه(3).

(1) ويدلّ عليه ما ورد في الروايات((1)) المتعددة المعتبرة المختلفة في صور التلبية المحمولة على ذلك، كما في صحيح هشام بن الحكم وزيد الشحام وأبي بصير ورواية محمد بن الفضيل.

وما في صحيح معاوية بن عمّار من قوله ((واعلم أنه لابد من التلبيات الاربع التي كن في أول الكلام وهي الفريضة وهي التوحيد وبها لبّى المرسلون..))((2)) فمحمول على التلبية الواجبة كما لا يخفى. بل قد صرّح فيها قبل ذلك بقوله - عليه السلام - ((وأكثر ما استطعت مجهراً بها وان تركت بعض التلبية فلا يضرك غير أن تمامها أفضل)) وهو تصريح بالاطلاق الذي ذهب إليه الماتن مضافاً إلى بقية المطلقات في التلبية، ولكون الأمر في المندوبات محمولاً على مراتب الفضل.

(2) اما الشك في المسبب وهو الاحرام فمجرى لأصالة العدم لكنه محكوم بالأصل السببي الجاري في السبب وهو التلبية كما هو الحال في جريان قاعدة الفراغ في الوضوء والغسل وصيغ العقود وغيرها من الاسباب والمسببات.

(3) وما أفاده الماتن في محله اما قاعدة الفراغ فللزوم أصل العمل في


1) ([1]) ب40 ابواب الاحرام.

2) ([2]) ب41 ابواب الاحرام ح2 .

(مسألة 25): إذا أتى بما يوجب الكفّارة وشكّ في أنه كان بعد التلبية حتى تجب عليه أو قبلها فإن كانا مجهولي التاريخ أو كان تاريخ التلبية مجهولاً لم تجب عليه الكفّارة، وإن كان تاريخ إتيان الموجبمجهولاً فيحتمل أن يقال بوجوبها لأصالة التأخير، لكن الأقوى عدمه، لأن الأصل لا يثبت كونه بعد التلبية(1).

جريانها والمفروض عدم احرازه. وأما قاعدة التجاوز فلكونها عين قاعدة الفراغ على الأصح عندنا فيشترط فيها احراز مجموع العمل في الجملة غاية الأمر هذه القاعدة تارة تجري في الاثناء وأخرى بعد العمل وفي كلا الموردين هي لتصحيح مجموع العمل للشك في بعض أجزائه.

نعم بناءً على تعدد القاعدة قد يقال بجريان قاعدة التجاوز إذا كان الشك بعد التجاوز عن الميقات للتجاوز عن المحل الشرعي إلا إذا اشترطنا على هذا القول لزوم الدخول في الغير المترتب الشرعي لكنه لو دخل في الغير المترتب شرعاً كالطواف جرت القاعدة فيه وان لم تجري عندنا في التلبية نفسها.

(1) وأما في صورة مجهولي التاريخ فالصحيح عدم جريان كل من الأصلين لعدم انطباق دائرة المستصحب وقصورها عن دائرة المشكوك، وكذلك الحال فيما لو كان ارتكاب ما يوجب الكفارة معلوم التاريخ والتلبية مجهولة التاريخ فلا يجري استصحاب العدم في معلوم التاريخ وهو عدم اتيان الموجب بل يجري استصحاب العدم في مجهول التاريخ وهو عدم التلبية.

وأما الصورة الثالثة وهو ما لو كانت التلبية معلومة التاريخ والموجب للكفارة مجهول التاريخ فأصالة عدم اتيان الموجب وان كانت جارية في نفسها إلا أنه لا يترتب عليها الأثر اذ الأثر مترتب على تقارن الموجب مع التلبية أو وقوعه بعد وهو لازم عقلي لذلك الاستصحاب.

الثالث: من واجبات الاحرام لبس الثوبين بعد التجرّد عمّا يجب على المحرم اجتنابه، يتّزر بأحدهما، ويرتدي بالآخر، والأقوى عدم كون لبسهما شرطاً في تحقق الاحرام بل كونه واجباً تعبّدياً، والظاهر عدم اعتبار كيفية مخصوصة في لبسهما، فيجوز الاتّزار باحدهما كيف شاء، والارتداء بالآخر أو التوشّح به أو غير ذلك من الهيئات، لكن الأحوط لبسهما على الطريق المألوف وكذا الأحوط عدم عقد الازار في عنقه، بل عدم عقده مطلقاً ولو بعضه ببعض، وعدم غرزه بابرة ونحوها، وكذا في الرداء الأحوط عدم عقده، لكنّ الأقوى جواز ذلك كلّه في كلّ منهما مالم يخرج عن كونه رداء أو إزاراً، ويكفي فيهما المسمّى، وإن كان الاولى بل الأحوط أيضاً كون الازار ممّا يستر السرّة والركبة، والرداء يستر المنكبين، والأحوط عدم الاكتفاء بثوب طويل يتّزر ببعضه، ويرتدي بالباقي إلا في حال الضرورة، والأحوط ملاحظة النيّة في اللبس وأما التجرّد فلا يعتبر فيه النيّة، وإن كان الأحوط والأولى اعتبارها فيه أيضاً(1).

(1) تعرض الماتن لجهات في الواجب الثالث من واجبات الاحرام.الاولى والثانية: وجوب لبس الثوبين بعد التجرّد وكون لبسهما ليس بشرط في تحقق الاحرام وقد نسب الشهيد الأول للمشهور ذلك كما حكي عن الدروس، وذلك لقولهم بانعقاده لمن لبس المخيط حال الاحرام وأنه ينزعه من دون أن يشقه.

وأما من لبس المخيط بعد الاحرام فانّه يشقه ويخرجه من تحته. وعن كاشف اللثام استظهار البطلان من هذا التفصيل اذ لو كان احرامه منعقداً لأمر بالشق دون النزع لأن النزع يستلزم تغطية الرأس.

وفيه: أنه لو لم يكن منعقداً لما كان لوجوب النزع وجهاً أي لكان جائزاً له ابقاء القميص.

ثم انه يحتمل في وجوب لبس عدة وجوه:

1 - واجب تعبدي مستقل ظرفه الاحرام.

2 - واجب شرطي.

3 - واجب غير زائد على وجوب نزع المخيط وستر العورة، نعم هيئة التعدد فيهما شرط كمالي في الاحرام.

هذا والعمدة التعرض للروايات الواردة في المقام وبيان مفادها في كل من الجهتين:

منها: ما ورد في روايات متعرضة لكيفية الاحرام من الأمر بلبس الثوبين كصحيح معاوية بن عمّار عن أبي عبدالله - عليه السلام - قال: ((إذا انتهيت إلى العقيق من قبل العراق أو إلى الوقت من هذه المواقيت وأنت تريد الاحرام - إن شاء الله - فانتف ابطك وقلّم أظافرك (إلى أن قال) واغتسل والبس ثوبيك))((1)) وكذا في صحيحه الاخر المتعرض لإحرام يوم التروية((2))، وفي صحيح هشام بن سالم عن أبي عبدالله - عليه السلام - في حديث ((فاغتسلوا بالمدينة والبسوا ثيابكم التي تحرمون فيها))((3)) وغيرها من الروايات.

وتقريب الاستدلال بهذه الروايات أن مقتضى الامر مع عدم الترخيص بالترك يفيد الوجوب وكونه في سياق آداب الاحرام غير ضار بالوجوب بعد اشتماله على الواجب وهي التلبية والالتزام بالندبية في الافعال المشتمل عليها السياق بقرينة منفصلة غير ضار بالظهور.

وفيه ان الظهور المزبور على القول به . مقتضاء الشرطية لا الواجب التعبدي المحض، ومن ثم كانت بقية آداب الاحرام من الشروط الكمالية لا أنها مستحبات مستقلة ظرفها الاحرام، وحينئذ فاذا دلت روايات اخرى - كما ستأني - على عدم


1) ([1]) ب15 ابواب الاحرام ح6 .

2) ([2]) ب52 ابواب الاحرام ح1 .

3) ([3]) ب8 ابواب الاحرام ح1 .

الشرطية الوجوبية فيحمل حينئذ على الشرطية الكمالية لا الوجوب المستقل.

ومنها: وما روي في من لبس حال الاحرام مخيطاً فانّ ظاهرها صحّة عقد الاحرام وان وجب عليه نزعه، كصحيح معاوية بن عمار وغير واحد عن أبي عبدالله - عليه السلام - في رجل أحرم وعليه قميصه فقال: ((ينزعه ولا يشقه وان كان لبسه بعدما أحرم شقه وأخرجه مما يلي رجليه))((1)).

وتقريب الاستدلال بها مضافاً لما تقدم - من أن وجوب النزع لا وجه له إلا من جهة التجنب عن لبس المخيط لكون الاحرام قد تحقق - ان ظاهر الجواب تقرير السائل في حصول عقد الاحرام مع لبس المخيط، وكذا صحيح عبدالصمد بن بشير عن أبي عبدالله - عليه السلام - في حديث انّ رجلاً أعجمياً دخل المسجد يلبّي وعليه قميصه، فقال لأبي عبدالله - عليه السلام -: ((اني كنت رجلاً أعمل بيدي واجتمعت ليّ نفقة فجئت أحج لم اسأل أحداً عن شيء وافتوني هؤلاء أن اشق قميصي وأنزعه من قبل رجلي وان حجي فاسد وان عليّ بدنة، فقال له: متى لبست قميصك أبعدما لبّيت أم قبل؟ قال: قبل أن ألبّي، قال: فاخرجه من رأسك فانّه ليس عليك بدنة وليس عليك الحج من قابل، أي رجل ركب امراً بجهالة فلا شيء عليه طف بالبيت سبعاً وصلّ ركعتين عند مقام ابراهيم واسعى بين الصفا والمروة وقصّر من شعرك)) الحديث((2)).

وهذه الصحيحة صريحة في صحة انعقاد الحج مع لبس المخيط وظاهر التعليل بالجهالة هو لنفي الكفّارة في البدنة وكفّارة الحج من قابل، لا لإثبات صحّة الحج اذ النفي في القواعد العذرية لا يقتضي الاثبات بل ان أصل صحة الحج مسلمة عند العامة ولم يسأل عنها الرجل وانما سأل عن ثبوت الكفارة عليه، ومن ثم أفتوه العامة بوجوب شق قميصه واخراجه من رجليه وعلى هذا التقريب لا تكون الرواية مخالفة


1) ([1]) ب45 ابواب تروك الاحرام ح2 .

2) ([2]) المصدر السابق ح3 .

لرأي المشهور حيث عممت صحة الانعقاد للعالم العامد أيضاً.

كما أن عدم الحج من قابل وان لم يكن مختصاً بالجاهل إلا أنه لا ينافي ذلك ظاهر الرواية حيث علل نفيه بالجهالة الموهم ثبوته بالعدم، لأن ذلك التعليل في مقام الاحتجاج على فتوى العامة فلا تكون الرواية مخالفة لما ذهب إليه المشهور.

ومثلها رواية خالد بن محمد الاصم((1)).

هذا، ولا يعارض هذه الروايات صحيح معاوية بن عمّار الآخر عن أبي عبدالله - عليه السلام -قال ((إن لبست ثوباً في احرامك لا يصلح لك لبسه فلبّ وأعد غسلك، وإن لبست قميصاً فشقّه واخرجه من تحت قدميك))((2)) فانّ فرض هذه الرواية ليس لبس المخيط حال الاحرام بل المراد لبسه وهو محرم، ومن ثم فصّل بين لبس الثوب ولبس القميص.وقد ورد نظير ذلك في ارتكاب بعض تروك الاحرام كالنظر للمرآة((3)) فانّه يلبي.

وعلى أي تقدير فإنّ هذه الصحيحة دالّة على الصحّة فإن وجوب الشقّ ونزعه مما يلي رجليه مقتضاه ذلك كما أن بقرينة الروايات الاخرى يظهر انّ فرض لبس القميص انّما هو بعد تحقق الاحرام فكذلك الشق الاول وهو لبس الثوب لأن المقابلة بينهما بلحاظ الملبوس لا وقت اللبس.

فتحصّل انّ مفاد الروايات لا يستظهر منه وجوباً تعبدياً وراء وجوب التجنب عن تروك الاحرام ولزوم ستر العورة.

ثم أن الثوبين من الرداء والإزار بهذه الكيفية من الشروط الكمالية للاحرام.

هذا وقد استدلّ على الوجوب بالسيرة أيضاً والتأسي وهما كماترى أعم من الوجوب.


1) ([3]) ب45 ابواب التروك ح4 .

2) ([4]) ابواب التروك ب45 / 5 .

3) ([1]) ب34 ابواب التروك.

الجهة الثالثة: في عموم لبس الثوبين للمرأة.

وعن الجواهر نسبته لاحتمال بعض وكذا نسب للدعائم ونجاة العباد، وعلى أي حال فلم يفرز لاحرام النساء عنواناً خاصاً في كلمات الأصحاب.

ولذلك استظهر غير واحد من عبائرهم اختصاص الحكم بالرجال ويستدل للوجوب بقاعدة الاشتراك بما في صحيحة ابن سنان الواردة في حج النبي(صلى الله عليه وآله)وأمره الناس بأشياء منها لبس ثوبين والعنوان شامل للمرأة.

وفيه: انّ قاعدة الاشتراك لا مجرى لها في المقام بعد الظهور في الخصوصية للرجل، لافتراق حكم الرجل عن المرأة في لبس المخيط لاسيّما على ما قوّيناه من أنه ليس وجوباً زائداً على وجوب التجرد عن المخيط وستر العورة.

وأما صحيحة عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله - عليه السلام - ففيها ((فلما نزل الشجرة أمر الناس بنتف الأبط وحلق العانة والغسل والتجرد في إزار ورداء أو ازار وعمامة يضعها على عاتقه لمن لم يكن له رداء))((1)) وهي ظاهرة في اختصاص أمر اللبس بالرجل حيث يتجرد، كما انّ هذه الصحيحة تعضد ما اخترناه من كون لبس الثوبين محققاً للتجرد عن المخيط وستر العورة.

ويعضد ذلك ما في مصحح النضر بن سويد عن ابي الحسن - عليه السلام - قال: ((سألته عن المحرمة أي شيء تلبس من الثياب قال: تلبس الثياب كلها إلا المصوغ...))((2)) ولميتعرض فيه للبس الثوبين ومثلها مصحح العيص بن القاسم((3)) وكذا بقية الروايات الواردة لاحرام المرأة حيث لم تتعرض لذلك.

نعم في موثق يونس بن يعقوب قال: «سألت أبا عبدالله (علیه السلام) عن الحائض تريد الاحرام


1) ([2]) ب2 ابواب أقسام الحج ح15 .

2) ([3]) ب33 ابواب الاحرام ح2 .

3) ([1]) ب33 ابواب الاحرام ح9 .

قال: تغتسل وتستثفر وتحتشي بالكرسف ولبس ثوباً دون ثياب احرام))((1)).

ورواية زيد الشحام عن أبي عبدالله - عليه السلام - في احرام المرأة الحائض، قال - عليه السلام - ((تغتسل وتحتشي بالكرسف وتلبس ثياب الاحرام وتحرم، فاذا كان الليل خلعتها ولبست ثيابها الأخر حتى تطهر))((2)).

وفي صحيح معاوية بن عمار في الحائض - عن أبي عبدالله - عليه السلام - - ((فتضع كما تضع المحرمة))((3)) فالظاهر منها الاشارة للثوبين الرداء والازار حيث خصص للاحرام ثياباً دون ثيابها العادية، وهو إن احتمل إرادة الثوب المعد للاحرام الواجد لشرائط التروك بأن لا يكون من الحرير المحض ونحوه إلا أن الاضافة للعنوان لا يمكن انكار ظهورها في ذلك.

لكن هيئة الثوبين لا ريب أنها مختلفة عن ثياب الرجل بأن تكون مخيطة ونحوه وإلا لم يحصل الستر. ومنه يظهر أن الرداء والازار في المرأة له هيئة تختلف عن الرجل.

الجهة الرابعة: كيفية لبس ثوبي الاحرام، وعدم عقد الثوبين أو غرزهما بأبرة ونحوه، وأما في الرداء فيجوز كل من الارتداء والتوشح، ويدلّ على الأول ما تقدم في صحيحة عبدالله بن سنان في الجهة السابقة، وأما التوشح فيدلّ عليه صحيح زرارة أو محمد الطيار (ابن مسلم) قال: ((سألت أبا جعفر - عليه السلام - في الطواف أيرمل فيه الرجل فقال: انّ رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) لما أن قدم مكة وكان بينه وبين المشركين الكتاب الذي قد علمتم، أمر الناس أن يتجلدوا وقال أخرجو أعضاءكم وأخرج رسول (صلی الله علیه و آله و سلم) ثم رمل بالبيت يريهم أنه لم يصبهم مجهدة، فمن أجل ذلك يرمل الناس وأني لأمشي مشياً وقد كان علي بن الحسين (علیه السلام) يمشي


1) ([2]) ب48 ابواب الاحرام ح2 .

2) ([3]) المصدر السابق ح3 .

3) ([4]) المصدر السابق ح1 .

مشياً))((1)).

ومثلها روايات اخرى في الباب وهي دالّة على جواز التوشح.

نعم هي دالّة على تخطئة ما ذهب إليه العامّة من استحباب التوشح واستحباب الرمل في الطواف اذ لم يكن ذلك من النبي(صلى الله عليه وآله) فعل سنّة بل فعل تدبير وسياسة.

أما عقد الازار أو الرداء أو شدهما أو غرز الابرة فيهما فسيأتي تمام الكلام فيه في بحث التروك إن شاء الله تعالى.امّا مقدار الازار والرداء فالثاني لا يصدق على ما يقتصر على ستر المنكبين دون العضدين عرضاً وتمام الظهر طولاً.

وامّا الأول فيصدق على المقدار القصير الذي لا يستر ما بين السرة والركبة، كما ورد ذلك في أصحاب الصفّة، وان كان الأحوط مراعاة ذلك بعد تسميته بعنوان الازار وكون لبسه لوجوب ستر العورة المحدودة ندباً بما بين الركبة والسرة.

أما الاكتفاء بثوب واحد طويل يأتزر ببعض ويرتدي بالبعض الاخر فقد استقر به صاحب الجواهر تبعاً للشهيد الأول، والظاهر عدم كفايته في امتثال الامر بلبس الثوبين وان كان شرطاً كمالياً.

نعم لو كان المأمور فعل الارتداء والائتزار وكون لبس الثوبين كناية عن ذلك لإتجه القول به.

الجهة الخامسة: في لزوم تقديم اللبس على النيّة والتلبية.

وهو ظاهر الروايات المتقدمة وغيرها الواردة فيمن نسي التجرد ولبس الثوبين قبل التلبية، وكذا هو ظاهر الروايات الواردة في كيفية الاحرام ونيّته، ولا ريب في لزوم التجرد قبل التلبية لكي لا يقع في محذور مخالفة تروك الاحرام.


1) ([5]) ب29 ابواب الطواف ح2 .

(مسألة 26): لو أحرم في قميص عالماً عامداً أعاد، لا لشرطية لبس الثوبين لمنعها كما عرفت، بل لأنه مناف للنيّة، حيث انّه يعتبر فيها العزم على ترك المحرمات التي منها لبس المخيط، وعلى هذا فلو لبسهما فوق القميص أو تحته كان الأمر كذلك أيضاً، لأنه مثله في المنافاة للنيّة، إلا أن يمنع كون الاحرام هو العزم على ترك المحرمات، بل هو البناء على تحريمها على نفسه، فلا تجب الاعادة حينئذ هذا، ولو أحرم في القميص جاهلاً بل أو ناسياً أيضاً نزعه وصحّ احرامه، أمّا إذا لبسه بعد الاحرام فاللازم شقّه واخراجه من تحت، والفرق بين الصورتين من حيث النزع والشق تعبّد، لا لكون الاحرام باطلاً في الصورة الاولى كما قد قيل(1).

وأما النيّة فالظاهر أنها النيّة الملفوظة كما ظاهر روايات كيفية الاحرام وإلا فالنيّة المقصودة لا يضر تقدمها على اللبس بعد تحقق المعية الزمانية ولو بقاءً.

ولا يخفى أن مجمل البحث هنا انّما هو بملاحظة تحديد الأمر الوارد في اللبس كشرط كمالي في عقد الاحرام.

أمّا النيّة في اللبس فالظاهر كونه عبادياً بعد كونه شرطاً ولو كمالياً وبعد اضافته إلى الاحرام كعنوان له.

نعم قصد الفعل وهو اللبس المضاف للاحرام يكتفى به للقربية عن قصد الامر كما حررناه في مبحث الوضوء لكون جميع الافعال العبادية بعنوانهاالقصدي مضافة إليه تعالى كما هو الحالفي السجود والركوع، أما التجرد عن المخيط فجملة التروك توصلية، وان كان إنشاء الاحرام تعبدياً.

(1) المنسوب لظاهر المشهور عدم الاعادة، وقد يستدل للاعادة تارة بصحيح عبدالصمد بن بشير حيث قيّد عدم الاعادة بالجهل المقتضي لثبوتها لاحترازية القيود، وكذا المصحح الثاني لمعاوية حيث أمر فيه بالاعادة والتلبية، واخرى بأن نية الإحرام هي عبارة عن العزم على ترك المحرمات وعدم ارتكابها وكلا الوجهين

(مسألة 27): لا يجب استدامة لبس الثوبين، بل يجوز تبديلهما ونزعهما لإزالة الوسخ أو للتطهير، بل الظاهر جواز التجرّد منهما مع الأمن من الناظر، أو كون العورة مستورة بشيء آخر(1).

محل تأمل:

أما الأول فقد تقدم تقريب مفاد الصحيحين وعدم دلالتهما على الاعادة في العمد فلا ينافيان المصحح الاول لمعاوية الدالّة على الصحّة بل ان في صحيح عبدالصمد دلالة على الصحة فراجع.

أما الثاني: فقد تقدم انّ الاحرام عبارة عن قصد انشائي باستعمال التلبية لانشاء الاحرام، والارادة الجدية لانشاء الاحرام المعبر عنها بإلتزام التروك أيضاً لا ينافيها ارادة عدم الالتزام عملاً، لأنها عبارة عن ارادة البناء على التحريم، والفرق بينهما عين الفرق بين الموافقة العملية والموافقة الالتزامية فالأقوى هو صحة الاحرام مطلقاً.

نعم لو لبسه ناسياً قبل الاحرام نزعه، وإن لبسه بعد الاحرام كذلك أو عامداً قبل الاحرام شقه وأخرجه مما يلي رجليه أو بنحو لا يستلزم تغطية الرأس.

هذا وظاهر عبائرهم في المقام انّ العامد العالم إذا لبس القميص قبل الاحرام أو حاله ينزعه كالناسي، وهو مقتضى اطلاق المصحح الاول لمعاوية لكن الأحوط ما ذكرناه كما لعله يستفاد من صحيح عبدالصمد بعد عدم تعرضها لأصل الصحة.

(1) امّا على المختار من عدم كون وجوبه زائداً على وجوب التجرد وستر العورة فظاهر وأما على الوجوب التعبدي أو الشرطي ولو الكمالي فيدل على الجواز صحيح معاوية بن عمّار قال قال ابو عبدالله - عليه السلام - ((لابأس بأن يغير المحرم ثيابه ولكن إذا دخل مكة لبس ثوبي احرامه الذين أحرم فيهما وكره أن يبيعهما))((1)).

وفي صحيح الحلبي سألت أبا عبدالله - عليه السلام - عن المحرم يحول ثيابه قال: فقال: ((نعم،


1) ([1]) ب21 ابواب الاحرام ح1 .

(مسألة 28): لابأس بالزيادة على الثوبين في ابتداء الاحرام، وفي الأثناء للاتّقاء عن البرد والحرّ بل ولو اختياراً(1).

(مسألة 192)((1)) يعتبر في الثوبين نفس الشروط المعتبرة في لباس المصلي فيلزم أن لا يكونا من الحرير الخالص ولا من أجزاء ما لا يؤكل لحمه ولا من المذهّب ويلزم طهارتهما كذلك نعم لابأس بتنجسهما بنجاسة معفو عنها في الصلاة(2).

وسألته يغسلهما إذا أصابهما شيء قال نعم))((2)).

وقال الصدوق (رحمه الله) في ذيل الرواية الاولى وقد وردت رخصة في بيعها. وذكر كاشف اللثام أن عبارات الشيخ وجماعة توهم الوجوب فيما إذا دخل مكة كما هو مفاد الخبر الاول البدوي.

هذا وقد تقدمت رواية زيد الشحام في خلع الحائض ثياب الاحرام ليلاً((3)).

(1) وهو منصوص كما في صحيح الحلبي قال: ((سألت أبا عبدالله - عليه السلام - عن المحرم يرتدي الثوبين؟ قال: نعم والثلاثة إن شاء يتقي بها البرد والحر))((4)). ومثله صحيح معاوية بن عمار وهو مقتضى القاعدة أيضاً بعد كونه غير مخيط، وفي صحيح معاوية المزبور التقييد بكونها طاهرة.

وامّا المرأة فالحال فيها أوضح كما في الروايات المتقدمة كموثق يونس بن يعقوب وغيره.

(2) وهو مورد اتفاق بين الأصحاب، ويدلّ عليه صحيحة حريز عن أبي عبدالله - عليه السلام -((كل ثوب تصلّي فيه فلابأس أن تحرم فيه))((5)).


1) ([1]) تتمة مسائل كيفية الاحرام مقتطفة من مناسك الحج للمرجع الديني السيد الخوئي(قدس سره).

2) ([2]) المصدر السابق ح4 .

3) ([3]) ب48 ابواب الاحرام ح3 .

4) ([4]) ب30 ابواب الاحرام ح1 وح2 .

5) ([5]) ب27 ابواب الاحرام ح1 .

وظاهرها اعتبار كل من صفات وشرائط الثوب الذاتية والعرضية من الطهارة والنجاسة وثمة سيأتي البحث في الطواف في العفو عن النجاسة التي يعفى عنها في الصلاة.وأما روايات اعتبار الطهارة في الاحرام وهي معاضدة للصحيح المزبور - حدوثاً وبقاءً - كصحيح معاوية بن عمار عن أبي عبدالله - عليه السلام - ((سألته عن المحرم يصيب ثوبه النجاسة قال: لا يلبسه حتى يغسله واحرامه تام))((1)).

وظاهرها اعتبار الطهارة بقاءً اذ فرض السؤال فيها عن من هو محرم بالفعل والتعبير في الذيل بتمامية الاحرام لبيان عدم حصول الخدشة في ظرف الاحرام كالتي تحدث من ارتكاب تروك الاحرام. وصحيح معاوية بن عمار الآخر عن أبي عبدالله - عليه السلام - قال: ((سألته عن المحرم يقارن بين ثيابه التي أحرم فيها وبين غيرها قال: نعم إذا كانت طاهرة))((2)).

ومثلهما صحيح محمد بن مسلم عن أحدهما - عليه السلام - - وفيه - ((ولا يغسل الرجل ثوبه الذي يحرم فيه حتى يحل وان توسخ الا أن تصيبه جنابة أو شيء فيغسله))((3)) ومثله صحيحتي الحلبي((4)).

وأما اعتبار عدم الحرير الخالص فيدل عليه روايات عديدة: مضافاً إلى ما تقدم من صحيحة حريز الدالّة على اعتبار شرائط لباس المصلي فيهما كمصحح أبي بصير قال: ((سال أبا عبدالله - عليه السلام - عن الخميصة سداها أبريسم ولحمتها من غزل، قال: لابأس بأن يحرم فيها، انما يكره الخالص منه))((5))، وفي صحيح ابي بصير المرادي أنه سأل أبا عبدالله - عليه السلام -عن القزّ تلبسه المرأة في الاحرام قال: ((لابأس انّما يكره الحرير المبهم))((6)).


1) ([1]) ب27 ابواب تروك الاحرام ح1 .

2) ([2]) المصدر السابق ح2 .

3) ([3]) ب38 ابواب تروك الاحرام ح1 .

4) ([4]) المصدر السابق ح2 وح4 .

5) ([5]) ب29 ابواب الاحرام ح1 .

6) ([6]) ب33 ابواب الاحرام ح5 .

(مسألة 193): يلزم في الازار أن يكون ساتراً للبشرة غير حاك عنها والأحوط اعتبار ذلك في الرداء أيضاً(1).

(مسألة 194): الأحوط في الثوبين أن يكونا من المنسوج ولا يكونا من قبيل الجلد والملبّد(2).

(مسألة 195): يختص وجوب لبس الازار والرداء بالرجال دون النساء فيجوز لهنّ أن يحرمن في ألبستهنّ العادية على أن تكون واجدة للشرائط(3)

(مسألة 196): انّ حرمة لبس الحرير وان كانت تختص بالرجال ولا يحرم لبسه على النساء إلا أنه لا يجوز للمرأة أن يكون ثوباها من الحرير والأحوط أن لا تلبس من الحرير الخالص في جميع أحوال الاحرام(4).ومثله صحيح الحلبي((1)) وموثق سماعة((2)) وهذه الروايات كلها مقيدة بالحرير المبهم أو المحض وغيرها من الروايات.

(1) أما على ما تقدم من المختار من أن وجوب لبس الثوبين هو تجنباً عن المخيط وستر العورة فوجوب ذلك في الازار واضح وأما الرداء فلا يتأتى ذلك فيه وان كان أحوط لدعوى ظهور التثنية للثوب في مجانستهما، فتأمل.

(2) تمسكاً بظهور لفظ الثوب في المنسوج وعدم صدقه على الجلد والملبد ونحوهما، لكن هذا بناءً على حمل الأمر بلبسهما على التأسيس وأما على المختار من كونه تجنباً عن المخيط مع ستر العورة فالظاهر الجواز، نعم في امتثال الأمر الندبي كمال الاحرام اللازم الاقتصار على المنسوج، أما المغزول فسياتي الكلام عنه في تروك الاحرام.

(3) قد تقدم الكلام في ذلك في الأمر الثالث من واجبات الاحرام.

(4) حكي عن المفيد في غير المقنعة وابن ادريس وجمع من الأصحاب


1) ([1]) المصدر السابق ح4 .

2) ([2]) المصدر السابق ح7 .

والمشهورين بين المتأخرين الجواز، وعن الشيخ وابن الجنيد والمفيد في المقنعة والشهيد القول بالمنع.

أما الروايات المانعة فقد تقدم صحيحي أبي بصير والحلبي وموثق سماعة وغيرها((1)) المفصل بين المبهم المحض وغيره. وقد وردت روايات((2)) دالّة على المنع مطلقا كما قد وردت روايات دالّة على الجواز مطلقا. كصحيحة يعقوب بن شعيب قال: ((قلت لأبي عبدالله - عليه السلام - المرأة تلبس القميص تزره عليها، وتلبس الحرير والخز والديباج فقال: نعم لابأس به)) الحديث((3)).

وموثق سماعة عن أبي عبدالله - عليه السلام - قال: ((لا ينبغي للمرأة أن تلبس الحرير المحض وهي محرمة، فأما في الحرّ والبرد فلابأس))((4)).

واستدلّ الاتفاق على جواز الصلاة لها في الحرير عدى الصدوق(رحمه الله) فيجوز لها الاحرام به بمقتضى عموم صحيح حريز((5)) المتقدم.وفيه: أما صحيحة يعقوب بن شعيب مطلقة قابلة للتقييد بغير المبهم ونظير ذلك في أكثر الروايات، وفي خبر أبي عيينة عن أبي عبدالله - عليه السلام - قال: ((سألته ما يحل للمرأة أن تلبس وهي محرمة فقال: الثياب كلها ما خلا القفازين والبرقع والحرير قلت: أتلبس الخز؟ قال: نعم. قلت: فان سداه أبريسم وهو حرير قال: مالم يكن حريراً خالصاً فلابأس))((6)).

ونظير ذلك ورد في الرجل حيث أطلق لبس الحرير له تارةً وقيّد في طرق اخرى بغير الخالص مثل ما في موثق أو مصحح حنان بن سدير عن أبي عبدالله - عليه السلام - قال: ((كنت عنده جالساً فسئل عن رجل يحرم في ثوب فيه حرير فدعى بإزار قرقبي فقال: أنا أحرم


1) ([3]) بقية روايات 33 ابواب الاحرام.

2) ([4]) ب13 و16 ابواب لباس المصلي وباب 33 ابواب الاحرام.

3) ([5]) باب 33 ابواب الاحرام ح1 .

4) ([6]) ب16 ابواب لباس المصلي ح4 .

5) ([7]) ابواب الاحرام ب24 / 1 .

6) ([1]) ب33 ابواب الاحرام ح3 .

(مسألة 197): إذا تنجس أحد الثوبين إذا تنجس أحد الثوبين بعد التلبس بالاحرام فالأحوط المبادرة إلى التبديل أو التطهر(1).

(مسألة): لا تجب الاستدامة في لباس الاحرام فلابأس بإلقائه عن متنه لضرورة أو غير ضرورة كما لابأس بتبديله على أن يكون البدل واجداً للشرائط(2).

في هذا وفيه حرير))((1)).

وأما موثق سماعة فالظاهر انّ المراد من الذيل ليس عذرية البرد والحرّ للبسه في الاحرام، وانّما المراد لبسه في غير حال الاحرام للوقاية من الحرّ والبرد ووجه التعرض للجواز في غير حال الاحرام في قبال ما ورد من النهي المطلق عن لبس الحرير المبهم للرجال والنساء كمصحح زرارة قال: ((سمعت أبا جعفر - عليه السلام - ينهى عن لباس الحرير للرجال والنساء إلا ما كان من حرير مخلوط بخز لحمته أو سداه خز أو كتان أو قطن وانّما يكره الحرير المحض للرجال والنساء))((2)).

وأما عموم صحيح حريز((3)) فقابل للتخصيص في الحرير للمرأة مع انّ المنع منه في الصلاة للمرأة لا يخلو من وجه.

فتحصل: منع الحرير المبهم في ثياب المرأة ان لم يكن أقوى فهو أحوط.

(1) قد تقدم الكلام في ذلك في مسألة ما يشترط في ثوب الاحرام فراجع.

(2) تقدم الكلام عن ذلك مفصلاً في أول بحث لبس الثوبين.


1) ([2]) ب29 ابواب الاحرام ح2 .

2) ([3]) ابواب لباس المصلي ب13 / 5 .

3) ([4]) ابواب الاحرام ب27 / 1 .

الفهرست

فصل في النيابة ...........7

النيابة عن الحي والميت ...........7

ما يشترط في النائب ...........7

نيابة الصبي المميز ...........7

الاسلام شرط في المنوب عنه واستدل عليه بأمور خمسة ...........12

جواز النيابة عن المميز والمجنون ...........14

عدم اشتراط المماثلة بين النائب والمنوب عنه ...........15

استدل للعدم بعدة أخبار ...........15

عدم تمامية ما استدل به ...........17

قصد النيابة شرط في الصحة ...........20

صحة النيابة بالتبرع والاجارة ...........21

لو مات النائب في الطريق ...........22

لو أفسد الأجير الحج ...........24

مقتضى القاعدة في القصد ...........25

لو مات النائب قبل اداء العمل ...........27

ما يستحقه الأجير من الأجرة ...........30

ما استدل به على استحقاقه كامل الأجرة أو بعضها ...........30

فائدة: في عموم الضمان للأمر التبعي ولتوابع العمل المأمور به ...........32

دفع ما استدل به ...........32

لزوم تعيين نوع الحج المستأجر عليه ...........33

لفتة رجالية في السند ...........37

أجرة الأجير في فرض العدول ...........39

الاستدلال بحسب الروايات في المقام ...........40

وفي المسألة مقامات: المقام الأول: في كلمات الأصحاب ...........41المقام الثاني: في تحقيق الحال ...........42

المقام الثالث: تحقيق المال فيما إذا كانت الاجارتان بنحو الشرطية ...........43

المقام الرابع: مقتضى الاطلاق في ألفاظ العقد ...........43

المقام الخامس: في تعدد وقوع الاجارة من الفضولي والمالك ...........44

فائدة: في اختلاف الشروط العقلية عن الشرعية في العقود ...........46

لو صدّ الأجير أو أحصر ...........48

يقع الكلام في مقامات ثلاثة ...........48

وجوب الحج من قابل على النائب فيما لو أفسد حجه قبل الموقفين ...........52

كون الحجة الأولى صحيحة والثانية عقوبة ...........53

الفساد لا يعني بطلان الماهية بل بمعنى الخلل ...........54

فائدة: في نية النائب ما يأتي به من الأعمال ...........55

عنوان ونيّة الحجة الثانية ...........55

اطلاق الاجارة يقتضي المباشرة ...........58

في التبرع بالحج ويقع الكلام في جهات ...........60

الاولى: مشروعية أصل التبرع ...........60

الثانية: في جواز التبرع عن الميت بالمندوب مع اشتغال ذمّته بالواجب ...........61

الثالثة: في جواز التبرع عن الحي في الفروض المتقدمة ...........62

عدم جواز نيابة الواحد عن اثنين ...........63

للمسألة صورتان ...........63

الأولى: نيابة النائب عن جماعة في الحج الواجب ...........63

الثانية: ان يأتي بها عن جماعة ندباً ...........63

جواز نيابة جماعة عن الحي أو الميت في عام واحد ...........65

وللمسألة صور ...........65

فصل في الوصية بالحج ...........67

الشك في كون الموصى به واجباً ليدفع من الأصل أو لا ليخرج من الثلث وفي المسألة جهات ...........68

الأولى كون قضاء الحج من الأصل ...........68

فائدة: في عدم تقييد مطلق الوصية بالثلث ...........69

الثانية: مقتضى الأصل عند الشك في كون الحج واجباً أو ندباً ...........69ما استشكل به في اجراء الاستصحاب في حق الميت ...........71

إذا لم يعين الاجرة يقتصر على اجرة المثل ...........72

لو اوصى بالحج وعين المرة أو التكرار بعدد معين تعيّن ...........75

لو أوصى بصرف مقدار معيّن في الحج سنين معينة ...........77

وللمسألة صور: الاولى: في حال أن المال لم يفي ...........77

الثانية: فيما لو فضل عن السنين مالا يفي بالحج ...........79

الثالثة: لو دار الامر بين الحج البلدي بعدد أقل مما ورد في الوصية ...........79

إذا صالحه على داره وشرط عليه أن يحج عنه بعد الموت صح ولزم ...........84

لو مات الوصي بعد القبض من التركة اجرة استئجار وشك في أنه استأجر الحج إذا قبض الوصي الاجرة وتلفت في يده بلا تقصير فلا يضمن ...........88

استحباب الطواف مستقلاً ...........93

لو كان عند شخص وديعة ومات صاحبها وعليه حجة الاسلام ...........96

يجوز للنائب بعد الفراغ أن يطوف عن نفسه وعن غيره ...........100

فصل في الحج المندوب ...........102

يشترط في الحج المندوب اذن الزوج ...........104

فصل في أقسام العمرة ...........106

الجهة الاولى في وجوبها ...........106

تنقيح الحال فيما يدل على عموم وجوبها ...........107

ما يستدل به من الآيات ...........107

للروايات الدالة على الوجوب ...........108

محصل الادلة ...........111

الجهة الثانية: في فورية العمرة ...........117

الجهة الثالثة: إذا تمكن القريب من أحدهما دون الآخر ...........119

اجزاء عمرة التمتع عن العمرة المفردة ...........123

تجب العمرة بالنذر والحلف والعهد والشرط ...........123

في المسألة جهات: الجهة الأولى وجوب العمرة بالنذر والعهد ...........123

الجهة الثانية: تجب العمرة لافساد عمرة سابقة ...........123

الجهة الثالثة: تجب لدخول مكة وفيها صور ثلاث ...........124

وفي ذيل المسألة أمور:الأول: وجوب الاحرام كناية عن ايجاب أحد النسكين ...........129

الثاني: هل يجب عليه قضاء الاحرام إذا أخل به الداخل أو لا؟ ...........129

الثالث: في من استثني من وجوب الاحرام للدخول ...........130

هل يشمل سواق الباصات لنقل الحجاج أم لا؟ ...........131

الجهة الرابعة: ايجاب الاحرام للدخول لكل شهر مرّة ...........131

ما يتحصل في الجواهر من الاقوال في المسألة ...........132

وتنقيح الحال ...........133

هل شهر النسك بالاهلال أو بالاحلال ...........136

الجهة الخامسة: مشروعية العمرة مطلقاً ...........138

الاقوال في المسألة ...........138

عمدة ما استدل به ...........140

نكتة رجالية ........... 141

تنبيه ...........143

ملحق تتمة مسائل العمرة في مناسك الحج ...........145

وقوع عمرة التمتع والحج في سنة واحدة ...........145

من أتى بعمرة مفردة في أشهر الحج وبقي في مكة جاز أن يقلبها تمتع ...........147

فروع ابتلائية في العمرة ...........150

الفرع الأول: هل يجوز لمن أنهى اعمال مكة وقبل النفر من منى الاتيان بعمرة مفردة ...........150

فصل في أقسام الحج ...........152

كون الفرض على النائي التمتع ...........153

قاعدة تباين أو وحدة انواع الحج ...........154

كون الافراد والقران وظيفة الحاضر ...........154

تحديد المسافة وحد البعد الموجب للتمتع وفيه اقوال ...........158

ما استدل به من الروايات للقول الأول ...........159

وفي المقام فروع ...........162

الأول: لو شك في كون منزله في الحد أو خارجه ...........162

مشروعية الأقسام الثلاثة في الندب ...........164

حكم من كان على الحد ...........164من كان أهل مكة وخرج منها وأراد الدخول جاز له أن يأتي بالتمتع ...........170

الآفاقي إذا أقام في مكة وتحققت الاستطاعة في وطنه ...........174

إذا استطاع بعد اقامته في مكة ...........175

ميقات المقيم الذي فرضه التمتع وهل أرضه ...........178

أحد المواقيت...أدنى الحل... ...........178

قاعدة: في تقوّم مشروعية التمتع بالاحرام من بعد ...........180

استدل للقول الأول ثلاثة ...........181

استدل للقول الثاني بأمرين ...........182

ويستدل للقول الثالث ...........184

فصل في حج التمتع ...........189

قاعدة: عدم بطلان الاحرام ببطلان النسك ...........194

كون مكة ميقات لحج التمتع ...........200

يشترط مجموع العمرة والحج من واحد عن واحد ...........202

حكم الخروج من مكة بعد العمرة وقبل الحج ...........207

لا يجوز لمن وظيفته التمتع العدول لغيره اختياراً ...........216

مقتضى القاعدة ...........220

الروايات الخاصة وهي على طوائف ...........222

الطائفة الأولى: ما دل على بقاء وقتها إلى وقت ادراك مسمى الاختياري ...........223

الطائفة الثانية: ما دل على كون الحد هو زوال عرفة ...........224

الطائفة الثالثة: ما دل على ان غاية المتعة نهاية ليلة عرفة أو سحرها ...........225

الطائفة الرابعة: ما دل على أن نهاية المتعة هي نهاية يوم التروية أو زوالها ...........226

الطائفة الخامسة: ما دل على انّ نهاية المتعة هو بداية يوم التروية أو نهاية ليلها ...........226

فروع أربعة ملحقة ...........229

قاعدة: تعين الإفراد مع عمرة بتفويت المتعة مطلقاً ...........229

يتحصل من الفرع الرابع والثاني قاعدة عامة ...........234

حكم الحائض والنفساء إذا ضاق وقتها ...........236

لو حاضت المرأة وهي في طواف عمرة التمتع ...........240

الروايات في المقام ...........242

فصل في المواقيت.. أحدها ذوالحليفة ...........245

أما الروايات فعلى طوائف: الاولى: التي بعنوان المسجد ...........246

الثانية: ما جاء فيها أن الميقات هو الشجرة ...........246

الثالثة: ما جاء فيها أن الميقات ذوالحليفة ...........247

الرابعة: ما دل على موضع التلبية ...........247

القرائن على أن ذوالحليفة كله ميقات ...........248

الجحفة ليست ميقاتاً أولياً اختيارياً لمن يأتي عن طريق المدينة ...........251

بلحاظ الدخول في دائرة المواقيت ...........255

ميقات العقيق ...........257

الجمع بين الطوائف الواردة ...........260

ميقات الجحفة ...........261

قرن المنازل ...........264

بحث لغوي تاريخي ...........265

حصيلة البحث اللغوي ...........270

الشواهد على كون المحرم هو ((الهدي)) ...........272

مكة وهي ميقات حج التمتع ...........274

ما المراد من مكة هل القديمة أو ما اتسعت ...........274

دويرة الاهل ...........276

الكلام في مقامين الأول: من كانت دويرية أهله بين المواقيت البعيدة ومكة ...........276

أما الثاني: ميقات أهل مكة ...........277

فخّ وهو ميقات الصبيان في غير حج التمتع ...........280

محاذات أحد المواقيت الخمسة والبحث في جهتين ...........284

الجهة الأولى: في تقرير مفاد العمومات الواردة في المواقيت الخمسة ...........285

الجهة الثانية: في الروايات الخاصة الواردة في المحاذاة ...........291

الجهة الثالثة: دعوى المعارضة لما تقدم ...........294

الجهة الرابعة: في بيان النسبة بين صحيح ابن سنان والعمومات الاولية ...........296

الجهة الخامسة: في المراد من المحاذاة ...........296

الاحرام من جدة ...........299

الجهة السادسة: في من سلك طريقاً لا يؤدي لأحد المواقيت ...........299

فائدة: جدة ميقات للمتمتع ...........300الجهة السابعة: المحاذاة الجوية ...........306

الجهة الثامنة: لو وصلت النوبة إلى الشك فهي على صورتين ...........307

أدنى الحل وهو ميقات العمرة المفردة ...........308

فصل في أحكام المواقيت ...........314

لا يجوز الاحرام قبل المواقيت ...........314

يستثنى من ذلك من نذر الاحرام قبل الميقات ...........315

ويستثنى من اراد ادراك عمرة رجب وخشي الفوت ...........319

عدم جواز تأخير الاحرام عن المواقيت وفي المسألة جهات ...........320

الجهة الأولى: في الحرمة التكليفية لتجاوز المواقيت من غير احرام ...........320

الجهة الثانية: في عموم الحرمة الوضعية والتكليفية ...........321

الجهة الرابعة: من لم يرد مكة وأراد الحرم فهل يتعين عليه الاحرام ...........322

لو أخر الاحرام من الميقات عامداً ولم يتمكن من العود ...........324

لو لم يتمكن من لبس الثوبين لمرض ...........330

وفي المسألة فرعين: الأول: لو لم يتمكن من نزع المخيط ...........331

الثاني: لو كان له عذر عن انشاء أصل الاحرام ...........334

إذا ترك الاحرام من الميقات ناسياً أو جاهلاً بالحكم ...........335

لو نسي المتمتع احرام الحج من مكة ...........339

فصل في مقدمات الاحرام ...........342

يستحب قبل الشروع في الاحرام أمور ...........342

فصل في كيفية الاحرام ...........353

حقيقة الاحرام ...........353

يعتبر في النية تعين كون الاحرام لعمرة أو حج ...........358

قاعدة: انعقاد الاحرام مطلقاً ولو بالاهلال لنسك باطل ...........365

يستحب الشرط عند ارادة الاحرام... وفي البحث جهات ...........373

فائدة: في ادخال احرام بنسك في احرام بنسك سابق في الجملة ...........379

من واجبات الاحرام التلبيات الأربع ...........382

حكاية الأقوال ...........383

ما يستدل به للأربع ...........384

صورة التلبية ...........386العاجز عن التلبية على الوجه الصحيح ...........389

معنى التلبية وكون (إن الحمد...) موصولة بها أو مستأنفة ...........392

لا ينعقد احرام حج التمتع وعمرته والافراد وعمرته الا بالتلبية ...........393

في القران يتخير بين التلبية والتقليد ...........397

في تأخير التلبية إلى البيداء لمن حج عن طريق المدينة ...........404

قطع التلبية للمعتمر عند مشاهدة بيوتات مكة ...........410

قطع التلبية للمعتمر بالمفردة من المواقيت البعيدة عند دخول الحرم ...........412

لبس الثوبين بعد التجرد عن المخيط ...........418

في عموم لبس الثوبين للمرأة ...........422

كيفية لبس الثوبين ...........423

لزوم تقديم اللبس على النية والتلبية ...........424

الفهرست ...........432