فاطمة بنت الحسین علیهما السلام

ghaemiyeh.com

هویة الکتاب

حقوق الطبع محفوظة للناشر

الطبعة الأولى

1432 ه - 2011 م

دار جواد الأئمة (عَلَيهِ السَّلَامُ) للطباعة والنشر والتوزيع

بيروت - لبنان - حارة حريك - شارع دكاش - بناية شحرور

ت: 73 73 13 / 03 – 12 29 69 70 00961

تأليف

العلامة المحقق الوافد إلي ربه

الشيخ جعفر النقدي

محرر الرقمي: محمّد رادمرد

اشارة

حقوق الطبع محفوظة للناشر

الطبعة الأولى

1432 ه - 2011 م

دار جواد الأئمة (عَلَيهِ السَّلَامُ) للطباعة والنشر والتوزيع

بيروت - لبنان - حارة حريك - شارع دكاش - بناية شحرور

ت: 73 73 13 / 03 – 12 29 69 70 00961

فاطمة

بنتُ الحسین

تأليف

العلامة المحقق الوافد إلي ربه

الشيخ جعفر النقدي

تغمده اللّه برحمته المتوفي سنة 1370 ه

دار جواد الأئمة (عَلَيهِ السَّلَامُ)

بِسْمِ اللّه الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

مقدمة المؤلف

بِسْمِ اللّه الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه الذي شرفنا بمودة أهل بيت نبيه الهادي الأمين، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمّد وآله الطيبين الطاهرين.

وبعد: فهذه رسالة وجيزة خدمت بها سيدتنا (فاطمة) بنت الحسين بن علي بن أبي طالب عليها وعلى آبائها الصلاة والسلام جمعت فيها ما أمكنني جمعه من أحوالها، وأخبارها و آثارها وفضائلها وتاريخ حياتها (عَلَيهَا السَّلَامُ) طالباً بذلك من الباري تعالى الأجر والثواب وما توفيقي إلا بولي التوفيق فإنه بعباده خير رفيق.

جعفر النقدي

نسبها (عَلَيهَا السَّلَامُ)

أما أبوها فهو الإمام الشهيد أبو عبد اللّه الحسين بن علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) أحد سيدي شباب أهل الجنة وثاني سبطي الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، فضائله ومناقبه ودلائله ومعجزاته أشهر من الشمس في رابعة النهار، وتاريخ حياته مشهور غاية الاشتهار.

وأما أمها: فهي أم إسحاق بنت طلحة بن عبيد اللّه أحد الصحابة المعروفين والذي يظهر من الكتب التي بأيدينا أن هذه الكنية هي أسمها؛ لأننا على كثرة تتبعنا في المظان المشهورة لم نجد لها اسما غير هذه الكنية.

قال أبو الفرج في كتابه (مقاتل الطالبيين) (1)وأم إسحاق هي الجرباء بنت قسامة بن رومان من طيء - قال - وإنما سميت بنت قسامة بالجرباء؛ لحسنها. كانت لا تقف إلى جانبها امرأة وإن كانت جميلة إلا استقبح منظرها؛ لجمالها وكان النساء يتحامين أن يقفن


1) ص: 166 طبعة منشورات المكتبة الحيدرية.

إلى جانبها، فتشبهت بالناقة الجرباء التي تتوقاها الإبل مخافة أن تعديها، وفي الإصابة في تمييز الصحابة لشهاب الدين بن حجر قسامة بن حنظلة الطائي له وفادة - أي على النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال: وقال ابن مندة له ذكر في حديث طلحة ثم قال: أظنه والد الجرباء بنت قسامة التي تزوجها طلحة بن عبيد اللّه فولدت له أم إسحاق. (ثم قال بعد وصفها بالجمال): ويقال أن اسم أبيه - أي اسم أبي قسامة- رومان، وفي الجزء الرابع منه ص 259، الجرباء بنت قسامة بن قيس بن عبيد اللّه بن طريف بن مالك أخت حنظلة قدمت على النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فتزوجت طلحة بن عبيد اللّه، فهي والدة أم إسحاق بن طلحة، وقال في ص 315، وفي طريف بن مالك يقول امرؤ القيس:

العمري لنعم المرء يعشو لضوئه***طريف بن مالك ليلة الريح والحصر

(أقول): وهذا غريب من هذا المؤلف حيث أنه ذكروا والد قسامة حنظلة ثم رومان ثم قيس ولم يتعرض إلى هذا الاختلاف. والصحيح ما نقلناه عن مقاتل الطالبيين؛ إذ أن أبا الفرج أقرب إلى علم النسب من ابن مندة وابن حجر وفي (نفس المهموم)(1)للفاضل المتتبع الشيخ عباس القمي (رَحمهُ اللّه) كانت أم إسحاق بنت طلحة بن عبيد


1) نفس المهموم: ص 476 منشورات المكتبة الحيدرية.

اللّه تحت الحسين بن علي (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، فولدت طلحة بن الحسن ومات وهو صغير ثم تزوجت الحسين بن علي (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) فولدت له فاطمة بن الحسين.

(أقول) ويظهر من النقل الذي نقله الفاضل المزبور في الكتاب المذكور أن أم إسحاق هذه كانت من النساء الصالحات المرضيات لدى الإمامين عليهما الصلاة والسلام الحسن والحسين، قال (رَحمهُ اللّه): كانت أم إسحاق عند الحسن بن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) قبل أخيه الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فلما حضرته الوفاة دعا بالحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال: يا أخي إني أرضى هذه المرأة لك فلا تخرجن من بيوتكم، فإذا انقضت عدتها فتزوجها، فلما توفي الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) تزوجها الحسين صلوات اللّه عليه، وقد كانت ولدت من الحسن طلحة وقد درج ولا عقب له.

اسمها وكنيتها ولقبها ومقدار عمرها (عَلَيهَا السَّلَامُ)

سمّاها أبوها الحسين عليه الصلاة والسلام فاطمة باسم أمه الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ)، وكنيتها أم عبد اللّه. قيل وكانت تكنى بأم سلمة أيضاً، وكانت تلقب بفاطمة الصغرى للفرق بينها وبين جدتها فاطمة صلوات اللّه عليها، وهي الكبرى، وربما لقبت فاطمة الصغرى بالكبرى؛ لكونها الكبرى من بنات الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أو كبرى الفواطم التي جئن بعدها من نساء أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، كفاطمة بنت الباقر، وفاطمة بنت الصادق، وفاطمة بنت الكاظم، وفاطمة بن الرضا (1)عليهن وعلى آبائهن الصلاة والسلام، هذا إذا لم نقل أن للحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وبناته - أي أخوة فاطمة هذه وأخواتها - وقيل أنها تلقب بالنبوية أيضاً ولم يتعرض أحد من المؤلفين إلى تاريخ ولادتها ولا مقدار عمرها والذي نستنبطه من تزويج الحسين لأمها ومن تاريخ وفاتها


1) على قول؛ لأن هناك من يقول: إن الإمام الرضاء (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم يُعقّب سوى الإمام محمّد الجواد (عَلَيهِ السَّلَامُ).

على ما سيأتي أنها (عَلَيهَا السَّلَامُ) عاشت أكثر من سبعين سنة وأدركت عصر إمامنا الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ).

أخواتها وإخوانها (عَلَيهَا السَّلَامُ)

جاء في كتاب الإرشاد للشيخ المفيد طاب ثراه كان للحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ستة أولاد: على بن الحسين الأكبر - وكنيته أبو محمّد أمه شاه زنان بنت كسرى يزدجرد - وعلي بن الحسين - الأصغر قُتِل مع أبيه في الطف وأمّه ليلى بنت أبي مرّة بن عروة بن مسعود الثقفي - وجعفر بن الحسين لا بقية له وأمه قضاعية - وكانت وفاته في حياة الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) - وعبد اللّه (1)بن الحسين قتل مع أبيه صغيراً جاءه سهم وهو في حجر أبيه فذبحه، وسكينة بنت الحسين وأمّها الرباب بنت امرؤ القيس بن عدي كلبية معدية، وهي أمّ عبد اللّه بن الحسين أيضاً، وفاطمة بنت الحسين وأمّها أم إسحاق بنت طلحة تيمية.

ومثله في إعلام الورى للطبرسي (قدّس سِرُّه)، وزاد ابن شهر آشوب في المناقب، وعلي بن عيسى في كشف الغمّة في أولاد الحسين علياً


1) المعروف بعبد اللّه الرضيع (عَلَيهِ السَّلَامُ).

آخراً، ومحمداً وزينب.

وقيل: كان له من البنات زبيدة ومن الأولاد عمر أيضاً. وقد ذكر ياقوت في معجم البلدان إن لعمر هذا مشهداً في مدينة قديمة فوق الموصل على نهر دجلة، وفيه أن في غربي حلب في سفح جبل جوشن قبر المحسن بن الحسين يزعمون أنّه سقط لما جيء بالسبي من العراق لتحمل إلى دمشق، وذكر طفلاً للحسين كان مع السبي مات بحلب ودفن هناك، هذا ما وقفنا عليه من إخوة فاطمة بنت الحسين وأخواتها وها هنا ثلاثة مطالب لابد لنا من التنبيه عليها:

المطلب الأول: إنّ ما ذكره المفيد والطبرسى طاب ثراهما: إنّ علياً الأكبر هو من شاه زنان - أي هو الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) - وأن علياً الأصغر هو المقتول مع أبيه وأمه ليلى بن أبي مرة هو خلاف ما ذكره المؤرخون وعلماء الأنساب بل الصحيح إن علياً المقتول هو: الأكبر حسب ما حققه العلامة الكبير محمّد بن إدريس أعلى اللّه مقامه كتابه السرائر.

المطلب الثاني: قد عرفت فيما نقلناه أن للحسين فاطمة واحدة، وهي صاحبة الترجمة، ولكن ذكر جماعة من أهل العلم قصة تنبئ أن له (عَلَيهِ السَّلَامُ) فاطمة أخرى تلقب بالصغرى أيضاً للفرق بينها وبين فاطمة هذه القصة المزبورة ذكرها صاحب البحار والعوالم عن

كتاب المناقب القديم بإسناد طويل عن المفضل بن عمر عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)، عن أبيه، عن علي بن الحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، قال لما قتل الحسين بن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، جاء غراب فوقع في دمه ثم تمرغ ثم طار فوقع بالمدينة على جدار فاطمة بنت الحسين بن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهي الصغرى، فرفعت رأسها فنظرت إليه، فبكت بكاءاً شديداً.

وأنشأت تقول:

نعق الغراب فقلت من***تنعيه ويلك يا غراب

قال الإمام: فقلت من؟***قال الموفق للصواب

إن الحسين بكربلا***بين الأسنة والظراب

أبكي الحسين بعبرة***ترضي الإله ومع الثواب

قلت: الحسين؟ فقال لي***بمقال محزون أجاب

ثم استقل به الجنا***ح فلم يطق رد الجواب

فیکیت مما حل بي***بعد الدعاء المستجاب (1)

قال: فما كان بأسرع من أن جاءهم الخبر بقتل الحسين بن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهذه القصة نقلها الشبلنجي في كتابه نور الأبصار (2)عن


1) في نور الأبصار بعد الرضا.

2) ص: 381، منشورات الشريف الرضي.

كتاب درر الأصداف أيضاً واللّه أعلم بحقيقة الحال.

المطلب الثالث: قال جمال الدين أحمد بن علي بن الحسين بن علي بن المهنا في كتابه عمدة المطالب في أنساب آل أبي طالب (1)مزرياً بمن يقول أن أم زين العابدين بنت كسرى (ثم أن فاطمة بنت الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أم أولاد الحسن المثنى بن الحسن بن علي بن أبي طالب وهي فيما يقال من أم علي زين العابدين فإن كانت ولادة کسری فضيلة فقد حصلت لأولاد الحسن أيضاً) انتهى كلامه.

أقول: وهذا القول الذي استند إليه لا أصل له، بل أجمع المؤرخون وعلماء الأنساب أن أم فاطمة هذه هي أم إسحاق بنت طلحة كما تقدم وما وجدنا أحداً منهم ذكر القول أو تعرض له وكأن صاحب (العمدة) ذكر ذلك تعصباً لبني الحسن وتحاملاً على بني الحسين كما يظهر ذلك لمن تأمل كلامه من أوله إلى آخره أعاذنا اللّه من أتباع الهوى ومخالفة الحقائق بمنه ولطفه وكرمه أنه سميع الدعاء.


1) ص 182، طبع في المطبعة الحيدرية في النجف الأشرف.

علمها وفضلها وجلالة قدرها (عَلَيهَا السَّلَامُ)

كان الأئمة من أهل البيت عليهم الصلاة والسلام يغذون أبناءهم وبناتهم العلم وهو الغذاء الروحي كما كانوا يغذونهم الزاد وهو الغذاء الجسمي، فكان العلم ينمو فيهم قبل أن تنمو أجسادهم، وكذلك كان النبي الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وأمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ولذلك قال ابن عمر على ما نقله الأستاذ علي جلال في كتابه (الحسين) من كان النبير(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) معلمه ومن كان أبوه علي بن أبي طالب وأمه فاطمة الزهراء ناشئاً في أصحاب جده وأصدقاء أبيه سادات الأمة وقدوة الأئمة فلا شك أنه كان يغر العلم غراً وقال عدوهم الألد يزيد بن معاوية في السجاد علي بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أنه من أهل بيت زقوا العلم زقاً». ففاطمة بنت الحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) أخذت العلم عن أبيها الحسين وأخيها وعمتها زينب الكبرى عليهم الصلاة والسلام، وأدركت الباقر والصادق (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، وتخلقت بأخلاق هؤلاء الكرام وتحلت بفضائلهم عليهم الصلاة والسلام فكان لها من الشرف الرفيع وجلالة الشأن منزلة عظيمة لدى أهل بيتها وأبناء عصرها ويكفيها شرفاً ورفعة

وفضلاً وجلالة أن والدها الحسين صلوات اللّه عليه ائتمنها على أسرار الإمامة.

فقد روي المسعودي وغيره واللفظ للمسعودي في كتابه الوصية (1)أن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ادعا ذلك اليوم (أي اليوم الذي قتل فيه) ابنته الكبرى - أي الكبرى بناته - فاطمة فدفع إليها كتاباً ملفوفاً وأمرها أن تسلمه إلى أخيها على بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ).

(قال): فسأل العالم (عَلَيهِ السَّلَامُ)(2)أي شيء كان في الكتاب فقال فيه واللّه جميع ما يحتاج إليه ولد آدم إلى فناء الدنيا وقيام الساعة.

ومثل هذه الرواية روي عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه قال: إن الحسين بن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما حضره الذي حضره دعا ابنته الكبرى فاطمة بن الحسين فدفع إليها كتاباً ملفوفاً ووصية ظاهرة وكان علي بن الحسين مبطوناً معهم لا يرون إلا ابنته لما به فدفعت فاطمة الكتاب إلى علي بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ثم صار ذلك إلينا رواه الكليني في الكافي.

(قلت): إن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) شرف ابنته هذه بهذه الأمانة كما أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) دفع مواريث الأنبياء والصحف والمصاحف والسلاح إلى أم


1) ص 140، طبع النجف الأشرف، المطبعة الحيدرية.

2) إذا أطلق العالم في الأخبار يراد به الإمام الكاظم (عَلَيهِ السَّلَامُ).

سلمة زوج النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وأمرها أن تدفعه لولده علي السجاد (عَلَيهِ السَّلَامُ)، والرواية في ذلك متظافرة وكما أنه أوصى أخته زينب الكبرى بالقيام في شؤون الإمامة فكانت قائمة بها إلى أن برئ الإمام السجاد من مرضه على ما رواه الصدوق في الإكمال والطوسي في الغيبة وغيرهما (1).

ومما يدل علي علو قدرها وسمو محلها ما نقله الصبّان في كتابه الإسعاف (2)عن الفصول المهمة في فضائل الأئمة لابن الصباغ أن الحسن بن الحسن بن علي خطب من عمه الحسين إحدى ابنتيه فاطمة أو سكينة وقال اختر لي إحداهما فقال الحسين قد اخترت لك ابنتي فاطمة فهي أكثر هما شبهاً بأمي فاطمة بنت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أما في الدين فتقوم الليل كله وتصوم النهار وأما سكينة فغالب عليها الاستغراق مع اللّه تعالى فلا تصلح لرجل (انتهى).

وهذه الرواية نقلها جماعة من المؤلفين في كتبهم إلى قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) (أكثرها شبهاً بأمي فاطمة) شأن من يأخذ من الخبر موضع الحاجة، وهذا التعليل الذي ذكره الإمام في وجه اختيارها لابن أخيه


1) أنظر : ص 43 و 44، من كتاب زينب الكبرى الطبعة الثانية.

2) المطبوع في هامش نور الأبصار: ص 186.

أنها تقوم الليل وتصوم النهار يكشف لنا عن تقوى هذه الحرة الطاهرة وكثرة عبادتها وانقطاعها إلى اللّه تعالى، وقد بين لنا الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن المؤمن إذا أراد التزويج فأول شيء يجب عليه أن يلاحظه هو الدين.

ولذلك عن جاء النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) من تزوّج امرأة لا يتزوجها إلّا لجمالها لم ير فيها ما يحب، ومن تزوجها لمالها لا يتزوجها إلّا له وكله اللّه إليه فعليكم بذات الدين.

وفي حديث آخر إذا تزوج الرجل المرأة لجمالها أو لمالها وكل إلى ذلك وإذا تزوج بها لدينها رزقه اللّه المال والجمال.

وفي خبر آخر من تزوج امرأة لمالها وكله اللّه إليه، ومن تزوجها لجمالها جعل اللّه جمالها وبالاً عليه، ومن تزوجها لدينها جمع اللّه له ذلك.

وأما قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) لابن أخيه اختار لك ابنتى فاطمة فإنها أكثرهما شبهاً بأمي فاطمة بنت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فيه من المدح والثناء لابنته فاطمة بما لا فريد عليه فإنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) له لم يرد التشبيه بالخلق والخلق فحسب، بل أرادهما وأراد الدين أيضاً، فإذا نظرنا مناقب أمه فاطمة الزهراء صلوات اللّه عليها وأنها كانت تشبه أباها الرسول صلوات اللّه عليه وآله وعرفنا كثرة عبادتها وانقطاعها إلى اللّه ظهرت لنا منزلة

فاطمة بنت الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ونكتفي من مناقب الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ) ببعض الأحاديث لغايتنا المطلوبة.

روي متواتراً أن فاطمة الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ) كانت تشبه النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)حتى في مشيه.

وفي حديث عائشة المروي في مسند أحمد وغيره: أقبلت فاطمة تمشي كأن مشيتها مشية رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وفي حديث جابر ما رأيت فاطمة تمشي إلا ذكرت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) تميل على جانبها الأيمن مرة وعلى جانبها الأيسر مرة.

وفي الشرف المؤبد (1)بإسناد صحيح على شرط الشيخين (2)قالت عائشة: ما رأيت أحداً قط أفضل من فاطمة غير أبيها.

وفيه عن عائشة أيضاً قالت ما رأيت أحداً أشبه كلاماً وحديثاً برسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) من فاطمة وكانت إذا دخلت قام إليها ورحب بها وأخذ بيدها وأجلسها مجلسه.

وفيه عن الترمذي عن أسامة بن زيد، أن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال: أحب أهلي إليّ فاطمة».


1) ص: 58، طبع بیروت.

2) الشيخان المراد بهما: البخاري ومسلم.

وفي البحار بالإسناد عن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أنه قال: «فاطمة سيدة نساء العالمين وسيدة نساء أهل الجنة».

وفيه عن الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ما كان في الدنيا أعبد من فاطمة كانت تقوم - أي للعبادة حتى تتورم قدماها».

أقول: وفضائل فاطمة وزهدها وعبادتها وما جاء في ذلك من الأخبار كثيرة جداً وبما نقلناه الكفاية أما وصف الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لابنته سكينة من غلبة الاستغراق عليها مع اللّه تعالى فيكذب الأنقال المروية عن الزبير ابن بكار وإضرابه من النواصب كعمه مصعب الزبيري من اجتماع الشعراء عندها ومحاكمتها بينهم وأمثال ذلك مما ينافي شأن خفرة (1)من خفرات النبوة وعقيلة (2)من عقائل بيت العصمة وأن تعجب فأعجب من أبي الفرج الأصبهاني ومن حذا حذوه أن ينقلوا مفتريات هؤلاء في كتبهم من غير فكر ولا تروي على أن الزبير بن بكار كان عدواً لآل علي، بل لسائر بني هاشم كان يضع المفتريات في رجالهم ونسائهم حتى أرادوا قتله ففر من مكة إلى بغداد أيام المتوكل، ذكر ذلك ابن خلكان في تاريخه وفيات الأعيان وقد


1) يقال جارية خفرة بكسر الفاء أي حبية والخفر شدة الحياء.

2) العقيلة في النساء: السيدة، كعقال في الرجال.

ذكرنا تفصيل حاله في كتابنا (زينب الكبرى)(1)فلا نعيد ما كتبناه هناك.

ومما يدل على علم فاطمة بنت الحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) وفضلها، تحملها الرواية عن أبيها (عَلَيهِ السَّلَامُ) وعمتها زينب الكبرى وغيرهما واعتماد العلماء من الشيعة والسنة عليها في النقل عنها، بل روى عنها الإمام السجاد والإمام الباقر (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) كما ستسمعه في الأحاديث المروية عنها.

وعن تقريب ابن حجر :قال فاطمة بنت الحسين ثقة من الرابعة ماتت بعد المائة وقد أسنت.

وفي نور الأبصار (2)روى عنها الإمام أحمد وابن ماجه عن أبيها الحسين عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) حديث ما من مسلم يصاب بمصيبة فيذكرها، وأن قدم مشهدها فيحدث لها الاسترجاع إلا كتب اللّه له من الأجر مثل يوم أصيب فيه.

وفي كتاب السيدة زينب عن بحر الأنساب للزورقاني أن الحسين الأصغر بن زيد العابدين كان يروي عنها (عَلَيهَا السَّلَامُ).

ومن فضائلها (عَلَيهَا السَّلَامُ): تربيتها لأولادها الذين نشأوا في ظلها يتامى


1) أنظر هامش كتابنا زينب الكبرى: ص 11 إلى ص 113.

2) نقله في نفس المهموم: ص 292.

فتخرجوا من مدرستها على أكمل ما يرام من العلم والفضل والفقه والتفسير والحديث كما ستسمعه عند شرح أحوالهم وكانت تأمرهم بالأخذ عن مولانا السجاد (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأن يتأدبوا بآدابه ويتخلّقوا بأخلاقه.

ففي الإرشاد لشيخنا المفيد طاب ثراه (1)بالإسناد عن عبد اللّه بن موسى عن أبيه عن جده قال: كانت أمي فاطمة بنت الحسين (عَلَيهَا السَّلَامُ) تأمرني أن أجلس إلى خالي علي بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فما جلست إليه قط إلّا قمت بخير قد أفدته أما خشية اللّه تحدث في قلبي لما رأى من خشيته اللّه أو علم قد استفدته منه (عَلَيهِ السَّلَامُ).

أقول: وهذا مما يدلنا على علو كعبها وتضلعها في العلم ومعرفتها من أنها مهما كلفت نفسها في تعليم ولدها وتلقينه فلا يستغني بذلك عن الأخذ من إمام زمانه الذي علوم الورى في جنب أبحر علمه كغرفة كف أو كغمسة منقار، وأن العلم وحده غير كاف في بلوغ ولدها الأمنية التي تطلبها له ما لم يقترن بالعمل، وهذا العمل إنما يتاح له بالجلوس إلى الإمام عليه الصلاة والسلام الذي أقواله وأعماله كلها مستندة إلى العلم الصحيح المأخوذ عن آبائه (عَلَيهِم السَّلَامُ) عن الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏). عن جبرئيل عن اللوح عن القلم عن الباري تعالى، واللّه


1) ص: 271، ط، إيران.

در من قال:

إذا شئت تختار في الناس مذهباً***وتنجو به يوم المعاد من النار

قوال أناساً قولهم وحديثهم***روى جدنا عن جبرئيل عن الباري

الأحاديث المروية عنها (عَلَيهَا السَّلَامُ)

أن الأحاديث المروية عن سيدتنا فاطمة بن الحسين عليها وعلى أبيها السلام في الدين والأخلاق وفضائل أهل البيت كثيرة رواها العلماء من الشيعة وغيرهم خلفاً عن سلف، ونحن في رسالتنا هذه ننقل ما عثرنا عليه في أثناء مطالعتنا للكتب الحديثة وغيرها فمن ذلك ما في أمالي الطوسي (1)بإسناده عن إبراهيم بن الحسن بن الحسن عن أمه فاطمة بنت الحسين (عَلَيهَا السَّلَامُ) عن أبيها الحسين بن علي عن أبيه علي بن أبي طالب (عَلَيهِم السَّلَامُ)، قال: قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) من أعطي أربع خصال في الدنيا فقد أعطي خير الدنيا والآخرة وفاز بحظه منهما ورع يعصمه عن محارم اللّه وحسن خلق يعيش به في الناس وحلم يدفع به جهل الجاهل وزوجة صالحة تعينه على أمر الدنيا والآخرة.

وفيه (2)بإسناده: عن عاصم بن حميد الخياط عن أبي حمزة عن


1) طبع إيران: ص 308.

2) ص: 301.

عبد اللّه بن الحسن بن الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن أمه فاطمة بنت الحسين (عَلَيهَا السَّلَامُ) عن أبيها (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ثلاث خصال من كن فيه استكمل الإيمان الذي إذا رضي لم يدخله رضاه في باطل وإذا غضب لم يخرجه الغضب عن الحق وإذا قدر لم يتعاط ما ليس له.

وفيه أيضاً (1)بإسناده عن صالح بن موسى الطلحي عن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن عن أمه فاطمة بنت الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن أبيها عن علي (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) قال: «إن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) كان إذا دخل المسجد قال: اللّهم افتح لي أبواب رحمتك فإذا خرج قال: اللّهم افتح لي أبواب رزقك».

وفيه أيضاً بإسناده عن ليث ابن سليم عن عبد اللّه بن الحسين عن أمه فاطمة عن جدتها فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) قالت: «كان رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) إذا دخل المسجد وإذا خرج صلّى على النبي وقال: اللّهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك». وهذا الحديث رواه أبو جعفر الطبري في کتاب دلائل الإمامة بألفاظه.

أقول: الجمع بين هذا الحديث وما قبله أنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) كان يدعو بالدعاء الأول مرة وبالدعاء الثاني مرة أخرى، فلا منافاة بين الحديثين.


1) ص: 307.

وفيه (1)أيضاً بإسناده عن موسى بن عبد اللّه عن أبيه وعميه إبراهيم والحسن أبني الحسن عن أمهم فاطمة بنت الحسين عن جدها علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أنه قال: النساء عي وعورات عيهن بالسكوت وعورتهن بالبيوت.

ومن ذلك في أمالي الصدوق (2)بإسناده عن سليمان بن عمرو عن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بن علي عن أمه فاطمة بنت الحسين عن أبيها (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) إن صلاح أول هذه الأمة بالزهد واليقين وهلاك آخرها بالشح والأمل».

ومن ذلك ما في ينابيع المودة (3)عن مسند أحمد بإسناده عن عباد الكلبي عن جعفر الصادق، عن أبيه عن علي بن الحسين، وأيضاً عن فاطمة بنت الحسين وهما عن الحسين عن أمه فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) قالت: «خرج أبي رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) عشية عرفة وقال لنا: إن اللّه جلّ شأنه باهى وغفر لكم عامة ولعلي خاصة وأني أرسلت إلى الناس


1) ص: 255.

2) ص: 302.

3) طبع الاستانة الطبعة الأولى مطبعة اختر: ص 127.

جميعاً غير محاب لقرابتي أن السعيد كل السعيد وحق السعيد من أحب علياً في حياته وبعد موته. قال أيضاً: أخرجه موفق بن أحمد الخوارزمي بلفظه.

أقول: ونقله الطبري فى كتاب دلائل الإمامة بلفظه أيضاً.

وفيه عن جواهر العقدين (1)، عن فاطمة بنت الحسين عن أبيها عن جدتها فاطمة الكبرى (عَلَيهَا السَّلَامُ) قالت: «قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) كل بني أم ينتمون إلى عصبة إلا ولد فاطمة فأنا وليهم وعصبتهم».

قال: أخرجه الطبراني في الكبير وأخرجه أبو يعلى والحافظ عبد العزيز بن الأخضر في معالم العترة النبوية وابن أبي شيبة والخطيب البغدادي في تاريخه.

أقول: ورواه الخوارزمي في المقتل بإسناده عن شبيب بن نعيم عن فاطمة بنت الحسين وفي آخره أنا أبوهم وعصبتهم.

وفيه (2)بالإسناد عن إبراهيم بن عبد اللّه بن الحسن المثنى عن أبيه عن أمه فاطمة الصغرى عن أبيها الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): من سب أهل بيتي فأنا برئ منه. أخرجه الجعابي في


1) ص: 266.

2) ص: 277.

الطالبيين (1).

ومن ذلك ما في كتاب لثالي الأخبار للفاضل التوسير كاني بالإسناد عن زياد بن محمّد عن أبيه عن علي بن الحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) عن فاطمة الصغرى عن الحسين بن علي عن الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال: رأيت فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) قامت في محرابها ليلة جمعتها فلم تزل راكعة ساجدة حتى اتضح عمود الصبح وسمعتها تدعو للمؤمنين والمؤمنات وتسميهم وتكثر الدعاء لهم ولا تدعو لنفسها بشيء، فقلت لها: يا أماه لم لا تدعين لنفسك كما تدعين لغيرك؟ فقالت: الجار ثم الدار.

أقول مثل هذه الرواية قد نقلناها في كتاب (زينب الكبرى)، عن مجموعة للشيخ أحمد زين الدين الأحسائي عن عبد اللّه بن الحسن عن أمه فاطمة بنت الحسين عن أبيها الحسين وعمتها زينب إلا أن فيها، فقال: لها الحسين ألا تدعين لنفسك؟ إلى آخر الحديث (2).

ومن ذلك ما في المجلد الخامس عشر من بحار الأنوار للعلامة المجلسي (رَحمهُ اللّه)(3)عن كتاب المتسلسلات بإسناده عن بكر بن أحنف


1) ص: 347.

2) أنظر كتاب زينب الكبرى، الطبعة الثانية: ص93.

3) ص: 122.

قال: حدثتني فاطمة بنت الإمام علي بن موسى الرضا قالت: حدثتني فاطمة وزينب وأم كلثوم بنات موسى بن جعفر قلن حدثتنا فاطمة بنت جعفر بن محمّد قالت: حدثتني فاطمة بنت محمّد بن علي قالت: حدثتني فاطمة بنت علي بن الحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) عليها قالت: حدثتني فاطمة وسكينة ابنتا الحسين بن علي عن أم كلثوم بنت علي عن فاطمة بنت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) قالت: سمعت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) يقول: لما أُسري بيّ إلى السماء دخلت الجنة فإذا أنا بقصر من درة بيضاء مجوفة وعليها باب مكلل بالدرّ والياقوت وعلى الباب ستر فرفعت رأسي فإذا مكتوب على الباب: لا إله إلا اللّه محمّد رسول اللّه علي ولي اللّه وإذا مكتوب على الستر: بخ بخ من مثل شيعة علي فدخلته فإذا أنا بقصر من عقيق مجوف وعليه باب من فضة فرفعت رأسي فإذا مكتوب على الباب محمّد رسول اللّه علي وصي المصطفى وإذا على الستر مكتوب بشِّر شيعة علي بطيب المولد فدخلته وإذا أنا بقصر من زمرد اخضر مجوف لم أر أحسن منه وعليه باب من ياقوتة حمراء مكللة باللؤلؤ وعلى الباب ستر فرفعت رأسي فإذا مكتوب على الستر شيعة علي هم الفائزون فقلت حبيبي جبرئيل لمن هذا؟ فقال: يا محمّد لابن عمك ووصيك علي بن أبي طالب يحشر الناس كلهم يوم القيامة حفاة عراة إلا شيعة علي ويدعى الناس بأسماء أمهاتهم ما خلا

شيعة علي فإنهم يدعون بأسماء آبائهم. فقلت: حبيبي جبرئيل وكيف ذاك؟ قال: لأنهم أحبوا علياً فطاب مولدهم.

وفي البحار أيضاً عن كتاب العروس قال: عبد اللّه بن الحسن قالت أمي فاطمة بنت الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) رأيت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) في النوم فقال لي: يا بنية لا تخسري ميزانك وأقيمي وزنه وثقليه بقراءة آية الكرسي فما قرأها من أهلي أحد إلّا ارتجت السماوات والأرض بملائكتها، وقدسوا بزجل التسبيح والتهليل والتمجيد ثم دعوا بأجمعهم لقاريها فيغفر له كل ذنب ويجاوز عنه كل خطيئة.

وفي أمالي الصدوق بإسناده عن عمر بن علي بن الحسين عن فاطمة بنت الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن أسماء بنت أبي بكر عن صفية بنت عبد المطلب قالت: لما سقط الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) من بطن أمه وكنت وليتها قال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): يا عمة هلمي إلى ابني، فقلت يا رسول اللّه أنا لم ننظفه،بعد، فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): يا عمة أنت تنظفيه إن اللّه تبارك وتعالى قد نظفه وطهّره.

قال الصدوق (قدّس سِرُّه) : وبهذا الإسناد عن صفية بنت عبد المطلب قالت: لما سقط الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) من بطن أمه دفعته إلى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فوضع النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) لسانه في فيه وأقبل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) على لسان رسول اللّه يمصه. قالت: وما كنت أحسب رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) يغذيه إلا لبناً أو

عسلاً قالت فبال الحسين عليه فقبل النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بين عينيه ثم دفعه إليّ وهو يبكي ويقول: لعن اللّه قوماً هم قاتلوك يا بني، يقولها ثلاثاً، قالت: فقلت فداك أبي وأمي ومن يقتله؟ قال: بقية الفئة الباغية من بني أمية لعنهم اللّه.

وفي كتاب مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لأبي المؤيد الموفق الخوارزمي بإسناده عن محمّد بن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن فاطمة بنت الحسين عن أبيها وعمها الحسن بن علي (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) قال: أخبرنا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): لما دخلت الجنة - أي ليلة المعراج - رأيت فيها شجرة تحمل الحلى والحلل أسفلها خيل بلق وأوسطها حور عين وفي أعلاها الرضوان فقلت: يا جبرئيل، لمن هذه الشجرة. قال: هذه لابن عمك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، إذا أمر اللّه الخليقة بالدخول إلى الجنة يؤتى بشيعة علي حتى ينتهي بهم إلى هذه الشجرة فيلبسون الحلي والحلل ويركبون الخيل البلق وينادي مناد هؤلاء شيعة علي صبروا في الدنيا على الأذى فحسبوا اليوم.

وبالإسناد عن عبد اللّه بن الحسن المثنى، عن أمه فاطمة بنت الحسين، عن أبيها (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، قال : كفى بالمحب لنا حباً أنسه إلى من يحبنا وكفى بالمبغض لنا بغضاً أنسه إلى من يبغضنا.

ومن ذلك ما في كتاب كشف الغمة (1)لعلي بن عيسى الأربلي (رَحمهُ اللّه) بالإسناد إلى حسن المثلث عن أمه فاطمة بت الحسين قالت: قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ما التقى جندان ظالمان إلا تخلى اللّه عنهما ولم يبال أيهما غلب وما التقى جندان ظالمان إلا كانت الدبرة على أعتاهما.

وعنه، عنها (عَلَيهَا السَّلَامُ) عن أبيها، عن أمه فاطمة بنت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)قالت: قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) لا يلومن إلا نفسه من بات وفي يده غمر.

(قلت): الغمر بالتحريك ريح اللحم يقال غمرت يدي في اللحم فهي غميرة.

ومن ذلك (2)ما في كتاب مقاتل الطالبيين بالإسناد عن عبد اللّه بن الحسن، عن أمه فاطمة الصغرى عن أبيها عن جدتها فاطمة بنت رسول اللّه قالت: قال لي رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) يدفن من ولدي سبعة بشاطئ الفرات لم يسبقهم الأولون ولا يدركهم الآخرون.

روى عبد اللّه هذا الحديث وهو في السجن بالهاشمية قالت: من أفلت منهم فقلت له نحن ثمانية قال: هكذا سمعت قال: فلما فتحوا الباب وجدوهم موتى وأصابوني وبي رمق وسقوني الماء


1) ص: 173، ط/ إيران.

2) ص: 74ط، إيران.

وأخرجوني فعشت.

أقول: ومثل هذا الخبر نقله أبو جعفر الطبري (قدّس سِرُّه) في كتاب دلائل الإمامة (1)عن عبد اللّه عنها (عَلَيهَا السَّلَامُ).

وفي دلائل الإمامة لأبي جعفر الطبري بإسناده عن أبي جعفر الأيادي، عن ليث بن سليم، عن عبد اللّه بن الحسن، عن أمه فاطمة بنت الحسين (عَلَيهِم السَّلَامُ) عن أبيها عن أمه فاطمة ابنة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أنه قال: خياركم ألينكم مناكباً وأكرمكم لنسائهم.

وفيه بإسناده عن عبد اللّه بن محمّد بن سليمان المدائني، قال: حدّثني أبي عبد اللّه بن الحسن بن الحسن، عن أمه فاطمة بنت الحسين قالت: لما اشتدت علة فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) اجتمع عندها نساء المهاجرين والأنصار وقلن لها كيف أصبحت يا بنت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فقالت: أصبحت عائفة لدنيا كن قالية لرجالكن لفظتهم بعد أن عجمتهم وسئمتهم بعد أن سبرتهم فقبحاً لفلول الحد وخور القناة وخطل الرأي لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط اللّه عليهم وفي العذاب هم خالدون لقحت فنظرة ريثما تنتج ثم احتلبوا طلاع القعب دماً عبيطاً وذعافاً ممقراً فهنالك يخسر المبطلون ويعرف


1) ص: 5، طبع النجف.

القالون ما أسس الأولون فطيبوا عن أنفسكم نفساً، واطمأنوا للفتنة جأشاً، وابشروا بسيف فاصل وهرج شامل واستبداد من الظالمين يدع فيئكم زهيداً وجمعكم حصيداً فيا خسرى لكم وأني بكم وقد عميت عليكم أنزلكموها وأنتم لها كارهون والحمد للّه رب العالمين والصلاة على أبي سيد المرسلين.

أقول: وهذه الرواية نقلها العلامة المجلسي في البحار عن الصدوق طاب ثراه بأبسط مما ذكر ونحن ننقلها إتماماً للفائدة قال (رَحمهُ اللّه) : حدّثنا أحمد بن الحسن القطان قال: حدّثنا عبد الرحمن بن محمّد الحسيني قال: حدّثنا أبو الطيب محمّد بن الحسين بن حميد اللخمي قال: حدّثنا أبو عبد اللّه محمّد بن زكريا قال: حدّثنا محمّد بن عبد الرحمن المهلبي قال: حدّثنا عبد اللّه بن محمّد بن سليمان عن أبيه عن عبد اللّه بن الحسن عن أمه فاطمة بنت الحسين (عَلَيهَا السَّلَامُ) قال : لما اشتدت علة فاطمة بنت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وغلبها اجتمع عندها نساء المهاجرين والأنصار، فقلن لها يا بنت رسول اللّه، كيف أصبحت عن ليلتك ؟ (1)فقالت (عَلَيهَا السَّلَامُ): أصبحت واللّه عائفة(2) لدنياكم قالية (3)


1) علتك في البحار.

2) أي كارهة.

3) أي مبغضة.

لرجالكم (1)لفظتهم بعد أن عجمتهم (2)وشنتهم (3)بعد أن سبرتهم (4)فقبحاً (5)لفلول الحد وخور القناة وخطل الرأي وبئس ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أنْفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللّه عَلَيْهِمْ وفِي الْعَذابِ هُمْ خَالِدُونَ لا جرم لقد (6)قلدتهم ربقتها وشننت عليهم غارها فجدعا (7)وعقراً وسحقاً للقوم الظالمين.

ويحهم أنى زحزحوها عن رواسي الرسالة، وقواعد النبوة،


1) لفظ الشيء: أي رماه وطرحه.

2) العجم العض.

3) شناه: أبغضه.

4) أي اختبرتهم.

5) قبيحاً مصدر حذف فعله والفلول جمع فل، الثلمة تكون في السيف، والخور الضعف، والقناة الرمح، والخطل المنطق الفاسد وخطل الرأي فساده.

6) لقد قلدتهم ربقتها الربقة في الأصل عروة الشيء في حبل تجعل في عنق البهيمة أو يدها تمسكها، وشن الغارة تفرقها والشن: في الأصل رش الماء متفرقاً.

7) الجدع قطع الأنف والأذن والشفة والعقر الجرح وأصله ضرب قوائم الحيوان والسحق البعد.

ومهبط الوحي الأمين، والطيبين بأمر الدنيا والدين، ألا ذلك هُوَ الخُسْرانُ الْمُبِينُ.

وما نقموا من أبى الحسن نقموا واللّه منه نكير سيفه وشدة وطأته (1)ونكال وقعته وتنمره في ذات اللّه عز وجل. واللّه لو تكافوا عن زمام نبذه رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) إليه لاعتلقه (2)ولسار بهم سيرا سجحاً (3)لا يكلم خشاشه، ولا يتعتع راكبه ولأوردهم منهلا نميرا فضفاضاً (4)تطفح ضفتاه ولا يترنق جانباه قد يخثر بهم الرأي غير متحلى منه بطائل إلا بغمر الماء وردعه سورة (5)الساغب ولفتحت عليهم بركات من السماء والأرض وسيأخذهم اللّه بما كانوا يكسبون ألا هلم (6)


1) الوطأ الأخذ بالشدة والنكال العقوبة والتنمر المتغير.

2) اعتلقه تعلق به.

3) السجح اللين، والخشاش ما يجعل في أنف البعير من خشب لسرعة السير.

4) المنهل المورد والفضفاض الواسع والرنق الكدر، وخثر بالثاء المثلثة: أي ثقل.

5) السورة الحدة والسغب الجوع.

6) هلم بمعنى تعالى يستوي فيه المذكر والمؤنث والتثنية والجمع في لغة أهل الحجاز وأهل نجد يصرفونها فيقولون للأنثى هلمي وللتثنية هلما وللجمع هلموا.

فاسمع وما عشت أراك الدهر العجب وإن تعجب فقد أعجبك الحادث ليت إلى أي سناد استندوا (1)وبأي عروة تمسكوا استبدلوا الذنابي (2)واللّه بالقوادم والعجز بالكاهل فرغما لمعاطس قوم «يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ألا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُون ولكن لا يَشْعُرُونَ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أُمَّنْ لا يَهِدِي إِلَّا أَنْ يُهْدِى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُو»ن أما لعمر (3)ألهك لقد لقحت فنظرة (4)ريث ما تنتج ثم احتلبوا طلاع (5)القعب دما عبيط (6)وذعافا ممقرا هنالك يَخْسَرُ الْمُبْطَلُونَ ويعرف التالون غب ما سن الأولون ثم طيبوا عن أنفسكم أنفسا واطمأنوا للفتنة جأشا وابشروا بسيف صارم و هرج شامل


1) أي ليتني علمت من شعر بمعنى فطن وعلم والسناد ما يستند إليه.

2) تريد بالذنابي السفلة والقوادم خيار الناس وعجز الشيء مؤخره، والكاهل ما بين الكتفين الأول كناية عن الجاهل الجبان والثاني عن الشجاع المحنك.

3) العمر بالفتح والضم العيش الطويل ولا يستعمل في القسم إلا بالفتح ومعناه الدوام والبقاء ولقحت أي حملت.

4) أي انتظر مقدار ما تنتج أي تلقى نتاجها أي حملها.

5) طلاع القعب هو أن يمتلئ القعب من اللبن حتى يطلع عنه ويسيل.

6) دماً عبيطاً أي طرياً والذعاف: السم، والممقر: الشديدة المرارة.

واستبداد (1)من الظالمين يدع فيئكم زهيدا وزرعكم حصيداً فيا حسرتي لكم وأني بكم وقد عميت (2)قلوبكم عليكم أنلْزِمُكُمُوها وأنتُم لها كارِهُون (3).


1) الاستبداد بالشيء: التفرد به والفيء الغنيمة وزهيداً: أي قليلاً والحصيد المحصود.

2) عميت قلوبكم عليكم: أي خفيت والتبست.

3) بحار الأنوار 43 : 159.

فصاحتها وبلاغتها (عَلَيهَا السَّلَامُ)

الفصاحة: على ما قاله بعض الأدباء هي الإبانة عن المعاني الكامنة في النفوس على عبارات جلية ومعان نقية بهية، وقيل إذا كان الكلام جزل اللفظ حسن المعنى فهو الفصيح والبلاغة قيل في تعريفها تأدية المعنى الكثير باللفظ القليل وقال الجاحظ: في كتاب البيان والتبيين سئل الفارسي فقيل له ما البلاغة؟ فقال: معرفة الفصل من الوصل، وسئل اليوناني عنها فقال: تصحيح الأقسام واختيار الكلام، وسئل الرومي عنها فقال: حسن الاقتضاب عند البداهة والغزارة يوم الإطالة، وسئل الهندي عنها فقال: وضوح الدلالة وانتهاز الفرصة وحسن الإشارة وقيل زينة الكلام أن تكون الشمائل موزونة والألفاظ معدلة واللّهجة نقية والبراعة الحذق بطريقة الكلام وتجريده وعلى أي معنى من معاني الفصاحة والبلاغة اعتمدت فقد اختص بهما البيت العلوي دون غيرهم رجالاً ونساءاً فكأنهم توارثوهما عن أبيهم سيد البلغاء أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام صاحب الخطب المشهورة والمواعظ المأثورة وأمهم سيدة النساء

فاطمة الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ) صاحبة خطبة فدك وغيرها، فقد نشأ في هذا البيت الطاهر جماعة من الفصحاء والبلغاء لا زالت منظوماتهم ومنشوراتهم ترن في سمع الدهر كزيد بن علي بن الحسين وعبد اللّه بن الحسن المثنى وولداه محمّد وإبراهيم، وأمثالهم، ومن النساء زينب الكبرى بنت أمير المؤمنين وأختها أم كلثوم وسكينة بن الحسين وأمثالهن، أما المعصومون من أهل هذا البيت الكريم فليس لنا أن نحشرهم مع غيرهم لانفرادهم (عَلَيهِم السَّلَامُ) بجميع صفات الكمال عن الخلق أجمعين، أما هذه الحرة الطاهرة الزكية (فاطمة بنت الحسين (عَلَيهَا السَّلَامُ)) فنذكر نموذجاً من فصاحتها وبلاغتها مما وصل إلينا.

في الاحتجاج عن زيد بن موسى بن جعفر عن آبائه (عَلَيهِم السَّلَامُ) قال: خطبت فاطمة الصغرى بعد أن ردت من كربلاء فقالت: الحمد للّه عدد الرمل والحصى وزنة العرش إلى الثرى أحمده وأؤمن به وأتوكل عليه وأشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وأن ولده ذبحوا بشط فرات بغير ذحل (1)ولا ترات، اللّهم إني أعوذ بك أن افتري عليك الكذب، وأن أقول عليك


1) الحقد والعداوة يقال: طلب بذحله أي بثاره وترات جمع وترة، يقال: وتره يتره وتراً، وترة فهو موتور أي قتل له قتيل فلم يدرك بدمه.

خلاف ما أنزلت عليه من أخذ العهود لوصيه علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) المسلوب حقه، المقتول من غير ذنب كما قتل ولده بالأمس (1)بيت من بيوت اللّه تعالى فيه معشر مسلمة بألسنتهم تعساً (2)لرؤوسهم ما دفعت عنه ضيماً (3)في حياته ولا عند مماته حتى قبضته إليك محمود النقيبة (4)طيب العريكة (5)معروف المناقب مشهور المذاهب لم تأخذه اللّهم فيك لومة لائم ولا عذل عاذل (6)هديته يا رب للإسلام صغيراً وحمدت مناقبه كبيراً ولم يزل ناصحاً لك ولرسولك حتى قبضته زاهداً (7)في الدنيا غير حريص عليها (8)راغباً في الآخرة


1) في بيت متعلق بالمقتول والمراد به أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لأنه قتل في مسجد الكوفة.

2) التعس الهلاك.

3) المراد بالضيم الظلم.

4) النقيبة: النفس.

5) العريكة: الطبيعة.

6) العذل: الملامة.

7) الزهد ضد الرغبة.

8) الحريص من الحرص وهو الجشع على الشيء.

مجاهداً لك في سبيلك رضيته فاخترته، وهديته إلى صراط مستقيم أما بعد: يا أهل الكوفة يا أهل المكر والغدر والخيلاء، فإنا أهل بيت ابتلانا اللّه بكم وابتلاكم بنا، فجعل بلاءنا حسناً وجعل علمه عندنا وفهمه لدينا، فنحن عيبة علمه ووعاء فقهه وحكمته وحجته في الأرض لبلاده أكرمنا اللّه بكرامته وفضلنا بنبيه محمّد على كثير ممن خلق تفضيلاً بينا فكذبتمونا وكفرتمونا ورأيتم قتلنا حلالاً وأموالنا نهباً كأنا أولاد ترك أو كابل كما قتلتم جدنا بالأمس وسيوفكم تقطر من دمائنا أهل البيت لحقد متقدم. قرت بذلك عيونكم وفرحت قلوبكم افتراء منكم على اللّه ومكراً مكرتموه واللّه خير الماكرين فلا تدعونكم أنفسكم على الجذل (1)بما أصبتم من دمائنا ونالت أيديكم من أموالنا، فإن ما أصابنا من المصائب الجليلة والرزايا العظيمة في كتاب من قبل أن نبرأها أن ذلك على اللّه يسير «لكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللّه لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَال فَخُور»(2).

تباً لكم فانتظروا اللعنة والعذاب، فكأن قد حلّ بكم وتواترت


1) الجذل بفتح الذال المعجمة الفرح.

2) سورة الحديد: 23.

من السماء نقمات فيسحتكم (1)بما كسبتم أو يذيق بعضكم بأس بعض ثم تخلدون في العذاب الأليم يوم القيامة بما ظلمتمونا ألا لعنة اللّه على الظالمين ويلكم أتدرون أية يد طاعتنا منكم وأية نفس نزعت (2)إلى قتالنا أم بأية رجل مشيتم إلينا تبغون محاربتنا. قست قلوبكم وغلظت أكبادكم وطبع على افئدتكم وختم على سمعكم وبصركم وسوّل لكم الشيطان وأملا لكم وجعل على بصركم غشاوة وأنتم لا تهتدون تباً لكم يا أهل الكوفة أي تراث الرسول اللّه قلبكم وذحول له لديكم بما اهتديتم بأخيه علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) جدي وبنيه عترته الطاهرين الأخيار وأفتخر بذلك مفتخر من الظالمين فقال:

قد قتلنا علي وابن علي***بسيوف هندية ورماح

وسبينا نساءهم سبي ترك***ونطحناهم فأي نطاح

بفيك أي القائل الكثكث (3)ولك الأثلب افتخرت بقتل قوم


1) يسحتكم: أي يستأصلكم.

2) أي: لجأت.

3) الكثكث بالفتح والكسر فتاة الحجارة والتراب مثل الأثلب.

زكاهم اللّه وطهرهم وأذهب عنهم الرجس فأكظم (1)واقع كما أقعى أبوك وإنما لكل امرئ ما قدمت يداه حسدتمونا ويلاً لكم على ما فضلنا اللّه عليكم:

فما ذنبا أن جاش (2)دهراً بحورنا***وبحرك ساج(3)لا يواري الدعامصا

«ذَلكَ فَضْلُ اللّه يُؤتيه مَن يَشَاء وَاللّه ذُو الْفَضْل الْعَظِيمِ» (4)«وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللّه لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ من نُّور» (5).

ولما خطبت هذه الخطبة. قال راويها: فارتفعت الأصوات بالبكاء وقالوا حسبك يا ابنة الطيبين فقد أحرقت قلوبنا وانفجت نحورنا وأضرمت أجوافنا، فسكتت على أبيها وعلى جدها وعليها الصلاة والسلام.


1) كظم غيظه كظماً: اجزعه والكظوم السكوت وأقعى الكلب على أسته مفترشاً رجليه وناصب يديه.

2) ساج أي ساكن والدعامص جمع دعمص دويبة في الماء تغوص فيه.

3) جاش أي زخر وامتد.

4) سورة الجمعة، الآية: 4.

5) سورة النور، الآية: 40.

(أقول): وهذه الخطبة رواها السيد رضي الدين بن طاووس في اللّهوف ورواها صاحبا البحار والعوالم وغيرهما ومن نظر إلى ألفاظها ومعانيها علم محلها من الفصاحة والبلاغة وحسن السبك والبراعة والعذوبة والجزالة وبعد المغزى.

قال الفاضل الدربندي طاب ثراه: بعد نقل هذه الخطبة وخطب بعض النساء من أهل البيت كان عندي رجل حاذق في الصناعة الشريفة الإلهية أعني أخت النبوة (يريد بها الحكمة ومن يؤتى الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً).

وكان يقول أن اللّه تعالى قد من عليّ ببركات صاحب الزمان روحي له الفداء منة عظيمة وموهبة كبرى حتى أني قد استطرفت إلى هذه الصناعة الشريفة من أكثر الأشياء والأعيان الخارجية حتى جملة من الأشياء التي لا تملك أصلاً.

(قال): وظني أنه كان صادقاً في ادعائه فهو كان يقول: إني مع ما أنا عليه مما من اللّه تعالى على الموهبة العظمى والنعمة الكبرى لا أقدر على الإحاطة بحقائق ما قالت فاطمة بنت سيد الشهداء روحي له الفداء في احتجاجها بل يصعب علي عد محاسن السطر الأقل من سطور كلمات هذه الطاهرة وكان يذكر كثيراً قولها: (يا أهل الكوفة، يا أهل المكر والغدر والخيلاء، فإنا أهل بيت ابتلانا اللّه بكم وابتلاكم

بنا فجعل بلاء نا حسناً وجعل علمه عندنا وفهمه لدينا فنحن عيبة علمه ووعاء فهمه وحكمته) الخ.

(قال (رَحمهُ اللّه)): قلت أي واللّه فإن محاسن هذا الكلام لا تحصى ولا تستقصى فانظر إلى قول هذه الطاهرة فجعل بلاءنا حسناً فقد أعطاهن - أي نساء أهل البيت - اللّه تعالى ببركات آبائهن المعصومين ما هو أعظم النعم وأفضل الثمرات بقضاء اللّه وقدره والتفويض لأمر اللّه والتوكل عليه فما فيهن من تلك المقامات العظيمة الجليلة يشبه ما في آبائهن المعصومين فينبغي للمرتاض الكامل والعارف العامل وإن كان من جهابذة العلماء ورؤساء الحكماء أن يجعل كلمات الطاهرات نصب عينيه ويهتدي بهدى آبائهن إلى تلك المقامات والدرجات الشامخة فى العلوم الحقانية والأخلاق الربانية فإن ذكر ذاكر بعد ذلك أن فضل مقامات صبر تلك الطاهرات ومقامات شكرهن ورضائهن بالقضاء والقدر تنوف على صبر أكابر الرجال كفضل الشمس على البدر فلا تسارع إلى إنكار كلامه فإنه ما ذكر ما ينافي قواعد العدل ذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء.

فإذا كانت مقامات صبرهن وشكرهن ورضائهن بالقضاء والقدر كذلك فكيف بمقامات الصبر والشكر والرضا بالقضاء والقدر لمحمد وعترته المعصومين حجج اللّه على جميع خلقه من أهل

السماوات والأرضين (1)انتهى كلامه (قدّس سِرُّه). ومن كلام فاطمة بنت الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) واللّه ما نال أحد من أهل السفه بسفههم شيئاً ولا أدركوا من لذاتهم شيئاً إلا وقد ناله أهل المروات فاستتروا بجميل ستر اللّه (2).

أقول: لينظر المنصف الكريم إلى هذه الكلمة الذهبية الصادرة من خير معادنها مع اختصار في اللفظ ومتانة في المعنى؛ لأن الباري تعالى لم يحرم شيئاً إلا وجعل فى مقابله ما يماثله حلالاً حرم الزنا وقابله بتعدد الزوجات وحرم الخمر وقابله بالشرابت المتنوعة وحرم الربا وقابله بالبيع والشراء، وهكذا غير هذه الأمور من المحرمات والمحللات فأهل السفه ينالون بلذاتهم العقاب وأهل المروات ينالون الثواب لأنتمارهم بالأوامر الإلهية وانتهائهم بالنواهي الشرعية. فما أبلغ هذه الكلمة الثمينة التي لو أننا تصدينا إلى شرحها لخرجنا عن موضع رسالتنا هذه لكثرة ما يتفرع عليها من الكلام.

ومن براعتها (عَلَيهَا السَّلَامُ) ومعرفتها بمواقع البلاغة ووضع الكلام في موضعه ما نقله العلامة السيد محسن الأمين في كتابه إقناع اللائم (3)


1) اسرار الشهادة: ص 482.

2) نور الأبصار.

3) ص: 152، طبع صيدا.

عن المرزباني أنه قال: دخل أبو الرجح الخزاعي إلى فاطمة بنت الحسين (عَلَيهَا السَّلَامُ) فأنشدها مرئية في أبيها الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ).

أجالت على عيني سحائب عبرة***فلم تصح بعد الدمع حتى أر معلت (1)

تبكي على آل النبي محمد***وما أكثرت في الدمع لا بل أقلت

أولئك قوم لم يشيموا (2)سيوفهم***وقد نكأت (3)أعدائهم حين سلت

فقالت فاطمة يا أبا الرجح هكذا تقول قال: فكيف أقول جعلني اللّه فداك قالت قل. أذل رقاب المسلمين فذلت. فقال لا أنشدها بعد اليوم إلا هكذا.

أقول: أنظر إلى هذه البراعة وإلى هذه المعرفة بمواقع الكلام فإن قوله أذل رقاباً من قريش لا يقال مثل سيدنا أبي عبد اللّه الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ). الذي هو خليفة أبيه وجده عليهم الصلاة والسلام وخامس أصحاب الكساء وإمام الخلق بعد أخيه الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)وإنما يقال لرئيس من رؤساء قريش ومشائخهم، أما قولها. أذل رقاب.المسلمين. فهو المناسب بالحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ؛ لأن قتله أذل رقاب جميع


1) أرمعلت: أي تتابع دمعها أو سال.

2) لم يسلوا.

3) أي قضت حقاً منهم.

المسلمين لكونه (عَلَيهِ السَّلَامُ) إمامهم وقائدهم إلى الهدى فحياته كانت عزاً لهم وقتله كان ذلاً لهم كما قال زيد بن أرقم حين أخرجه ابن زياد من مجلسه وذلك حين رأى زيد ذلك اللعين يضرب ثنايا الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بقضيب كان بيده وعارضه منكراً فعله ولما خرج قال: أنتم يا معشر العرب العبيد بعد اليوم قتلتم ابن فاطمة وأمرتم ابن مرجانة فهو يقتل خياركم ويستعبد شراركم فرضيتم بالذل فبعداً لمن رضي بالذل. قلت: أما الأبيات التي أنشدها أبو الرجح لفاطمة بنت الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فالمشهور أنها لسليمان بن قتة (1)وقد أوردها صاحب مقاتل الطالبيين هكذا:

مررت على أبيات آل محمد***فلم أر أمثالها يوم خلت

ألم تر أن الشمس أضحت مريضة***لفقد حسين والبلاد أقشعرت

وكانوا رجاءاً ثم صاروا رزية***لقد عظمت تلك الرزايا وجلت

وتسئلنا قيس فنعطي فقيرها***لقد عظمت تلك الرزايا وجلت

وعند غني قطرة من دمائنا***سنطلبها يوماً بها حيث حلت

فلا يبعد اللّه الديار وأهلها***وأن أصبحت منهم برغمي تخلت

وأن قتيل الطف من آل هاشم***أذل رقاب المسلمين فذلت


1) قتة كضبة اسم أم سليمان واسم والده المحاربي، وهو تابعي مشهور.

فمن المحقق أن المرجح رواها لفاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) ولذلك قال المرزباني: دخل إلى فاطمة بنت الحسين وأنشدها مرثية الخ ولم يقل أنشأها.

نقل صاحب تذكرة الخواص عن الشعبي: وحكاه ابن سعد أيضاً أن سليمان بن قتة مر بكربلاء فنظر إلى مصارع القوم فبكي حتى كاد أن يموت ثم قال:

وأن قتيل الطف من آل هاشم***أذل رقاباً من قريش فذلت

مررت على أبيات آل محمد***فلم أرها أمثالها يوم خلت

فلا يبعد اللّه الديار وأهلها***وأن أصبحت منهم برغمي تخلت

ألم تر أن الشمس أضحت مريضة***لفقد حسين والبلاد أقشعرت

قال: فقال له عبد اللّه بن الحسن بن الحسن هلا قلت: (أذل رقاب المسلمين فذلت).

أقول: أن عبد اللّه أخذ هذا عن والدته فاطمة بن الحسين (عَلَيهَا السَّلَامُ) كما سمعته.

زواجها (عَلَيهَا السَّلَامُ) وشيء من أحوال الحسن المثنى ابن الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)

لما بلغت فاطمة بنت الحسين (عَلَيهَا السَّلَامُ) مبلغ النساء زوجها أبوها الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) من ابن أخيه الحسن المثنى ابن الإمام الحسن السبط (عَلَيهِ السَّلَامُ).

روى أبو الفرج الأصبهاني في كتابه مقاتل الطالبيين (1)بأسنايده :قال خطب الحسن بن الحسن إلى عمه الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وسأله أن يزوجه إحدى ابنتيه فقال له الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ): اختر يا بنيّ، أحبّهما إليك فاستحيا الحسن ولم يحر جواباً فقال له الحسين: فإني قد اخترت لك ابنتي سكينة فهي أكثر هما شبهاً بأمي فاطمة بنت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏).

قال: وقال حرمي بن أبي العلاء عن الزبير أن الحسن [لما خيره عمّ] اختار فاطمة وكانوا يقولون أن امرأة مردودة بها سكينة لمنقطعة القرين في الجمال.


1) مقاتل الطالبيينن، ص 167، منشورات المكتبة الحيدرية.

وفي عمدة الطالب: أن أم الحسن هذا هي خولة بنت منصور بن زیّان بن سیار بن عمرو بن جابر بن عقيل بن سمي بن مازن بن فارة بن زيان :قال وكانت تحت محمّد بن طلحة بن عبيد اللّه فقتل عنها يوم الجمل ولها منه أولاد فتزوجها الحسن بن علي أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) فسمع بذلك أبوها منظور بن زبان فدخل المدينة وركز رايته على باب مسجد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فلم يبق في المدينة قيسي إلّا دخل تحتها. ثم قال: أمثلي يغتال عليه في ابنته؟ فقالوا لا فلما رأى الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) ذلك سلم إليه ابنته فحملها في هودج وخرج بها من المدينة فلما صار بالبقيع قالت له ابنته: يا أبة، أين تذهب؟ أنه الحسن ابن أمير المؤمنين علي وابن بنت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فقال: أن كان له فيك حاجة فسيلحقنا فلما صاروا في نخل المدينة إذا بالحسن والحسين وعبد اللّه بن جعفر قد لحقوا بهم بن جعفر قد لحقوا بهم فأعطاه إياها فردها إلى المدينة... وكان الحسن المثنى ابن الحسن السبط (عَلَيهِ السَّلَامُ) شهد الطف مع عمه الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأثخن بالجراح فلما أرادوا أخذ الرؤوس وجدوا به رمقاً، فقال أسماء بن خارجة دعوه لي فإن وهبه الأمير عبيد اللّه بن زياد لي وإلا رأيه فيه فتركوه له فحمله إلى الكوفة وحكوا ذلك لعبيد اللّه بن زياد فقال دعوا لأبي حسان ابن أخته وعالجه أسماء حتى برئ ثم لحق بالمدينة.

وفي البحار: كان الحسن بن الحسن حضر مع عمه الحسين يوم الطف فلما قتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأسر الباقون من أهله جاءه أسماء بن خارجة فانتزعه من بين الأسارى وقال: واللّه لا يوصل إلى ابن خولة أبداً، فقال عمر بن سعد: دعوا لأبي حسان ابن اخته. قال: ويقال أسر و كان به جراح قد اشفي منها.

وفي كتاب نور الأبصار (1): أما الحسن بن الحسن الملقب بالمثنى فكان جليلاً مهيباً فاضلاً رئيساً ورعاً زاهداً، وكان يلى صدقات أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه يحكى عنه: أنه ساير الحجاج يوماً بالمدينة والحجاج إذ ذاك أمير بها فقال الحجاج: يا حسن، ادخل معك عمك عمر (2)في النظر على صدقات أبيه فإنه عمك وبقية أهلك فقال الحسن: لا أغير شرطاً اشترطه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ولا أدخل في صدقاته من لم يدخله


1) نور الأبصار، 251، منشورات الشريف الرّضي.

2) عمر بن علي بن أبي طالب، ويقال له الأطرف ويكنى أبا القاسم وقيل أبا حفص ولدا توأماً مع اخته رقية وأمه الصهباء الثعلبية وتكنى أم حبيب وكان ممن تخلف عن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وكان ذا كرم وجود وفصاحة توفي بينبع وهو ابن خمسة وسبعين وقيل سبع وسبعين سنة وأعقب من ولده محمّد بن عمر.

فقال له الحجاج أنا أدخله معك قهراً فأمسك الحسن عنه ثم ما كان إلّا أن فارقه وتوجه من المدينة إلى الشام قاصداً عبد الملك ابن مروان فلما أتى الشام وقف بباب عبد الملك يطلب الإذن عليه فوافاه يحيى بن أم الحكم، وهو على الباب فسلم عليه وقال: ما جاء بك فأخبره بخبره فقال له: أسبقك بالدخول على عبد الملك ثم أدخل أنت فتكلم وأذكر قصتك فترى ما أفعل بك وأنصفك عنده إن شاء اللّه تعالى، فدخل يحيى ودخل بعده الحسن فلما نظره عبد الملك رحب به وأحسن مسألته وكان الحسن قد أسرع إليه الشيب فقال له عبد الملك: قد أسرع إليك الشيب يا أبا محمّد فقال يحيى: وما يمنعه من ذلك يا أمير المؤمنين شيبته أماني أهل العراق يفد عليه الركب بعد الركب في كل سنة يمنونه الخلافة فقال الحسن: بئس واللّه الرفد رفدت وليس الأمر كما قلت (1)ولكنا أهل البيت يسرع إلينا الشيب وعبد الملك يسمع كلامه فاقبل عبد الملك على الحسن وقال: لا عليك هلم حاجتك يا أبا عبد اللّه فأخبره بقول الحجاج، فقال عبد الملك: ليس ذلك له، وكتب للحجاج كتاباً يتهدده فيه ووصله بأحسن صلة وجهزه وهو راجع إلى المدينة وبعد أن خرج الحسن


1) وفي رواية أنه قال: ولكنا قوم تقبل علينا نساءنا فيسرع إلينا الشيب.

من عنده قصده يحيى إلى منزله فقال: كيف رأيت ما فعلته معك؟ فقال: واللّه إني عاتب عليك فيما قلت فقال: أنها لك واللّه ما آلو بك نفعاً ولا ادخرت عنك جهداً ولولا كلمتي هذه ما هابك ولا قضى لك حاجة، فأعرف لي ذلك.

أقول ونقل هذه القصة أحمد بن علي النسابة في كتابه عمدة الطالب بتغيير يسير وأن عبد الملك كتب في أسفل كتابه للحجاج.

إنا إذا مالت دواعي الهوى***وأنصت السامع للقائل

واضطرب القوم بأحلامهم***نقضي بحكم فاصل عادل

لا تجعل الباطل حقاً ولا***تلفظ دون الحق بالباطل

نخاف أن تسفه أحلامنا***فتحمل الدهر مع الخامل

ونقل أبو الفرج في مقاتل الطالبيين (1)قال: جاء منصور بن زيّان الفزاري إلى الحسن بن الحسن، وهو جده أبو أمه فقال له: لعلّك أحدثت بعدي أهلاً؟ قال: نعم تزوجت بنت عمي الحسين بن علي، فقال: بئس ما صنعت أما علمت أن الأرحام إذا ألتقت أضوت (2)كان


1) مقاتل الطالبيين، ص 169، منشورات المكتبة الحيدرية.

2) الضوى الهزال وبابه صدى وغلام ضاوي وزنه فاعول، وفي الحديث اغتربوا ولا تضووا أي تزوجوا في الأجنبيات ولا تزوجوا في العمومة وذلك أن العرب تزعم أن ولد الرجل من قرابته يجيء ضاوياً نحيفاً، قاله في مختار الصحاح.

ينبغي لك أن تتزوج من العرب، قال: فإن اللّه قد رزقني منها ولداً قال: فأرينه فأخرج إليه عبد اللّه بن حسن فسرّ به وقال: أنجبت واللّه هذا الليث عاد ومعدواً عليه قال: فإن اللّه قد رزقني منها ولداً آخراً قال: فأرنيه فأخرج إليه الحسن ابن الحسن فسر به وقال: أنجبت واللّه وهو دون الأول قال: فإن اللّه قد رزقني منها ثالثاً قال: فأرنيه فأراه إبراهيم بن الحسن بن الحسن فقال لا تعد إليها بعد هذا.

وفي ناسخ التواريخ: خطب الحسن المثنى من مسور بن مخرمة ابنته فقال له المسور: واللّه يا بن رسول اللّه لو خطبت لشسع نعلك لزوجته، ولكن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال : إنما فاطمة بضعة مني يرضيني ما أرضاها ويسخطني ما أسخطها، وأنا أعلم أنها لو كانت حية فتزوجت على ابنتها أسخطها.

(أقول): المسور بن مخرمة هو من الصحابة (1).

وهذه الرواية التي رواها رويت عنه بطرق مختلفة وألفاظ


1) روى أحاديث عن النبي،والخلفاء، وروى عنه جماعة منهم سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير،وغيرهما مات سنة ثلاث وسبعين أو خمس وستين على اختلاف في النقل.

مختلفة.

قال سبط بن الجوزي في تذكرة الخواص (1): أخرج مسلم عن المسور بن مخرمة أن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال: فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها فمن أغضبها فقد أغضبني.

قال: وأخرجه الترمذي أيضاً فقال: حدّثنا قتيبة عن الليث عن ابن أبي مليكة عن المسور بن مخرمة قال: سمعت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) يقول ذلك على المنبر.

قال: وأخرجه البخاري أيضاً عن أبي الوليد عن ابن عيينة عن عمر بن دينار عن ابن مليكة عن المسور بن مخرمة.

وفي الشرف المؤبد (2)روى الطبراني وغيره بإسناد حسن عن علي أن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وقال لفاطمة: أن اللّه يغضب لغضبك ويرضى لرضاك.

وفي الجامع الصغير فاطمة بضعة مني يقضبني ما يقضبها ويبسطني ما يبسطها.

قال: وروى البخاري أنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال: فاطمة بضعة مني يغضبني ما


1) ص: 175، طبعة إيران.

2) ص: 59 طبعة بيروت.

يغضبها.

قال: وفي رواية فمن أغضبها أغضبني

أقول: أما قول المسور لو كانت فاطمة حية وتزوجت على ابنتها أسخطها، فذلك قول لا يوافقه عليه أهل العلم وشأن فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) أجل من ذلك، وقد تزوج الإمام السجاد (عَلَيهِ السَّلَامُ) على فاطمة بن الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) أم أمامنا الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) وعبد اللّه بن جعفر على زينب الكبرى بنت أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ).

نعم، وردت رواية عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالنسبة إلى الجمع بين فاطميتين، رواها الصدوق محمّد بن بابويه القمي طاب ثراه في علل الشرائع عن حماد قال: سمعت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول: «لا يحل لأحد أن يجمع بين ثنتين من ولد فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) أن ذلك يبلغها فيشق عليها».

قال: قلت يبلغها، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): - أي واللّه - وقد وقع الخلاف بين الفقهاء في مفاد هذه الرواية فذهب جماعة من الأخباريين إلى الحرمة والبطلان بالنسبة إلى الثانية ومنهم من قال بالحرمة دون البطلان؛ لأن الحرمة تكليفية فلا تدل على الفساد، وقال الأصوليون بعدم الحرمة فمنهم من قال بالكراهة ومنهم من قال باستحباب الترك فمن أراد التحقيق فليراجع إلى الكتب الفقهية.

قال في نور الأبصار (1)ناقلاً عن فصول ابن الصباغ، مات الحسن بن الحسن سنة سبع وتسعين وله خمس وثمانون سنة وأخوه زيد حي وأوصى إلى أخيه من أمه إبراهيم بن محمّد بن طلحة.

قال: وضربت زوجته فاطمة بنت الحسين عمه على قبره فسطاطاً وكانت تقوم الليل وتصوم النهار وكانت تشبه بالحور العين لجمالها، فلما كانت رأس السنة قالت لمواليها إذا أظلم الليل فقوضوا هذا الفسطاط فلما أظلم الليل فقوّضوه سمعت قائلاً يقول: هل وجدوا ما فقدوا ؟ فأجابه آخر بل يئسوا فانقلبوا.

وفي عمدة الطالب كان عبد الرحمن بن الأشعث قد دعا إلى الحسن المثنى وبايعه فلما قتل عبد الرحمن توارى الحسن حتى دسّ إليه الوليد بن عبد الملك من سقاه سماً، فمات وعمره إذ ذاك خمس وثلاثون سنة وكان يشبه رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏).

وتعقبه العلامة المامقاني في كتابه تنقيح المقال قال طاب مرقده فيه: أولاً أن الحسن سم في سنة سبع وتسعين والوليد مات سنة ست وتسعين وبويع سليمان فالذي دس إليه السم هو سليمان دون الوليد وثانياً أن الحسن هذا قد مات بعد والده بثمان وأربعين سنة فكيف


1) ص 252، منشورات الشريف الرضي.

يمكن كونه عند موته ابن خمس وثلاثين فيقتضي أن يكون في العبارة تقديم وتأخيره سهواً وأن غرضه أن عمره كان عند موته ثلاثاً وخمسين سنة لا خمس وثلاثين.

أقول: أما الوجه الأول الذي ذكره من وفاة الحسن في سنة سبع وتسعين فهو قول انفرد به ابن الصباغ، ويرده ابن الأثير في الكامل (1)ذكر وفاة عبد اللّه بن عمرو بن عثمان سنة ست وتسعين وعبد اللّه هذا تزوج فاطمة بنت الحسين بعد الحسن المثنى بمدة تزيد على السنتين أو الثلاث فلا يصح أن الذي سمّ الحسن المثنى الوليد أو سليمان، وأما الوجه الثاني وهو أن الحسن المثنى مات بعد والده بثمان وأربعين سنة فيقتضى أن يكون في العبارة خلل الخ، فلا يمكن الاعتماد عليه؛ لأن القول بأن الحسن مات وهو ابن خمس وثلاثين ذكره جماعة من المحققين منهم شيخنا المفيد في الإرشاد والعلامة الطبرسي في أعلام الورى والمجلسي في البحار، وأما ما نقلناه عن نور الأبصار، ووجدناه في الفصول المهمة كما في نور الأبصار فمن الأغلاط الفاحشة من كاتب الفصول مشى عليه صاحب نور الأبصار


1) ص: 9، من المجلد الخامس قال وفيها - أي سنة 96 توفي عبد اللّه بن عمرو بن عثمان بن عفان في أيام بن عبد الملك.

من غير تحقيق والظاهر عندي أن سبع وتسعين الواردة في الفصول المهمة أيضاً هي من أغلاط الكاتب وأن أصلها سبع وسبعين واللّه أعلم.

وفي كتاب غاية الاختصار في أخبار البيوتات العلوية المحفوظة من الغبار للسيد الأجل تاج الدين بن محمّد بن حمزة بن زهرة الحسني نقيب حلب (قدّس سِرُّه) قال: وشهد الحسن بن الحسن الطف مع عمه الحسين فأثبت. قال: ورأى في منامه قبل وفاته بقليل كأن بين عينيه مكتوب «قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَد» فاستبشر بذلك أهله وفرحوا فقال سعيد بن المسيب: إن كان رآها قلما بقى من عمره فما أتى عليه قليل حتى مات (رَحمهُ اللّه) وكان يلي صدقات أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في عصره.

هذا وما نقلناه عن نور الأبصار عن فصول ابن الصباغ، عن زوجته فاطمة بنت الحسين (عَلَيهَا السَّلَامُ) من أنها ضربت على قبره فسطاطاً وكانت تصوم النهار وتقوم الليل إلى سنة كاملة، ذكره أكثر المؤلفين من فرق الإسلام في مؤلفاتهم والظاهر أن ذلك كان من العادات المعروفة عند نساء الأشراف من العرب، قال لبيد بن ربيعة يخاطب ابنتيه:

ونائحتان تندبان بعاقل***أخي ثقة لا عين منه ولا أثر

فقو ما وقولا بالذي تعلمانه***ولا تخمشا وجهاً ولا تحلقا شعر

إلى الحول ثمّ اسم السلام عليكما***ومن يبك حولاً كاملاً فقد اعتذر

وفي الخبر أن عائلات النبوة ونساء بني هاشم نحن على الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) سنة كاملة وكن يجتمعن في كل يوم وليلة للنياحة وأن زوجته الرباب أم ابنته سكينة بقيت بعده سنة ما أظلها سقف بيت حتى بليت وماتت كمداً، ونقل أنها قامت على قبره (عَلَيهِ السَّلَامُ) سنة وعادت إلى المدينة فماتت أسفاً عليه.

أما فاطمة بنت الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فبقيت بعد زوجها الحسن المثنى ابن الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) في حزن وكآبة، خطبها الأشراف من أبناء الصحابة وغيرهم فلم توافق على الزواج.

قال سبط ابن الجوزي في كتابه خواص الأمة: خطبها عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس الفهري، وكان والياً على المدينة فامتنعت عليه فآذاها وضيق عليها فبعثت إلى يزيد بن عبد الملك تشکوه فشق على يزيد ذلك وغضب وقال: بلغ من أمر عبد الرحمن أن يتعرض لبنات رسول اللّه من يسمعني موته وأنا على فراشي هذا.

ثم بعث إليه من طاف به المدينة في جبة صوف ثم عزله وأغرمه أمواله كلها ومات فقيراً، انتهى.

وخطبها عبد اللّه بن عمرو بن عثمان بن عفان فامتنعت عليه

فاستعان عليها بوالدتها أم إسحاق بنت طلحة فألجأتها إلى الإجابة، فتزوجها، قال الشريف السيد تاج الدين بن زهرة الحسيني في كتابه غاية الاختصار بإسناده إلى يحيى بن الحسن قال: لما خطب عبد اللّه بن عمرو بن عثمان فاطمة بنت الحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) بعد موت الحسن بن الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) أبت أن تتزوجه، فكلّم عبد اللّه بن عمرو عبد اللّه بن محمّد بن عبد الرحمن بن أبي بكر المعروف بابن أبي عتيق أن يكلّم زوجته أم إسحاق بنت طلحة فكلّمها فكلّمت أم إسحاق أبنتها فاطمة بنت الحسين وألحت عليها أم إسحاق بنت طلحة حتى أنها حلفت أن لا تبرح قائمة في الشمس حتى تأذن فاطمة بنت الحسين في تزويج عبد اللّه بن عمرو بن عثمان فقامت في الشمس ساعتين من النهار حتى خرجت فاطمة بنت الحسين فرأت قيام أمها في الشمس فأذنت في تزويجه.

أقول: ونقل أبو الفرج في مقاتل الطالبيين (1)هذه القصة باختصار بالإسناد عن إسماعيل بن يعقوب: أن فاطمة بنت الحسين لما خطبها عبد اللّه أبت أن تزوجه فحلفت أمها عليها أن تتزوجه وقامت في الشمس وآلت ألا تبرح حتى تزوجه، فكرهت فاطمة أن


1) مقاتل الطالبين: ص 183، من منشورات المكتبة الحيدرية.

تخرج فتزوجته.

(أقول): هذا ما جاء في تزويج فاطمة بعبد اللّه بن عمرو بن عثمان فما نقله أبو الفرج قبل هذه الرواية عن الزبير بن بكار من أن عبد اللّه تزوجها بعد خروجها من العدة فلا فصل بالتفصيل الذي ذكره كذب بحث لا أصل له صوره ابن بكار كما صوّر أمثاله عداوة منه لأهل البيت عليهم الصلاة والسلام.

(تنبيه) : ربما ذكر بعض المؤلفين أن عبد اللّه بن عمرو بن عثمان الذي تزوج بفاطمة بنت الحسين (عَلَيهَا السَّلَامُ) بعد ابن عمها الحسن المثنى هو الشاعر العرجيّ (1)المعروف، ووقع ذلك في كتاب مقاتل الطالبيين لأبي الفرج الأصبهاني، ولا أدري هل هو من المؤلف أو الناسخ للكتاب؟ وهذا من الأغلاط التي لا يمكن تصحيحها، والصحيح ما ذكره ابن قتيبة الدينوري في كتاب (المعارف) (2)عند ذكر عقب عثمان بن عفان ونحن ننقل كلامه بنصه:

قال فأما عمرو بن عثمان فكان أسن أولاده وأشرفهم عقباً وهلك بمنّى وولده عثمان الأكبر وخالد وعبد اللّه الأكبر أمّه حفصة


1) العَرْج: موضع قبل الطائف المعارف: ص 200.

2) المعارف: ص199، منشورات المكتبة الحيدرية.

بنت عبد اللّه بن عمر بن الخطاب (إلى أن قال) أما عبد اللّه الأكبر فكان من أجمل الناس ولقب المُطَّرف لجماله وفيه يقول مُدرك بن حِصْن:

كأنّي إذ دخلتُ على ابن عَمْرو***دخلتُ على مُخبأةٍ كعوب

فولد عبد اللّه بن عمرو الأكبر خالداً وعائشة وعبد العزيز وآمنة وأم عبد اللّه وولد له من فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب محمّد الأصغر والقاسم ورقيّة ومن غيرها محمّد الأكبر وعمر وسعدة، وكان محمّد بن عبد اللّه بن عمرو الأصغر أجمل الناس (1)وكان يلقب بالديباج لجماله وكان له قدر ونبل، وكان يقال فيه سمي النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وزرع الخليفة المظلوم، وكان كثير التزويج كثير الطلاق فقالت امرأة من نسائه مثله مثل الدنيا لا يدوم نعيمها (إلى أن قال): وأما عمرو بن عبد اللّه فولد عبد اللّه بن عمر وهو العرجي الشاعر وكان ينزل العرج وهو موضع قبل الطائف، وكان يهجو إبراهيم بن هشام المخزومي فأخذه وحبسه وهو القائل في السجن:

كأني لم أكن فيهم وسيطاً***ولم تك نسبتي في آل عمرو

أضاعوني وأي فتى أضاعوا***ليوم كريهة وسداد ثغر


1) -66، طبعة العامرة الشرقية.

انتهى كلام ابن قتيبة ومنه تعلم أن أبو العرجي هو عمر بن عبد اللّه بن عمرو بن عثمان لا عمرو بن عثمان.

ما شاهدته في كربلا وما جرى عليها (عَلَيهَا السَّلَامُ) في الكوفة والشام

كانت فاطمة بنت الحسين على أبيها وعليها السلام وردت كربلاء مع والدها الحسين ضمن كريمات الحرم النبوي وكابدت ما كابدته تلك الحرائر من الآلام والغصص والخوف والاضطراب والجوع والعطش وما شاهدته من قتل الأحبة وشهادة الأعزاء والضرب والنهب والإهانة والسلب وحرق الخيام والفرار في البيداء ثم ركوب النياق من غير غطاء ولا وطاء والمرور على مصارع الشهداء الكرام ثم حملهن إلى الكوفة ومنها إلى الشام ودخولهن المجلسين المشومين مجلس ابن زياد ومجلس يزيد ووقوفهن بين الشامتين من أعداء الدين وما أسمعهن أولئك اللثام من قوارص الكلام وغير ذلك مما شاهدنه وتجرعنه من النوائب والمصائب ونحن نذكرها هنا ما حدثت به هذه السيدة الكريمة ومما شاهدته وجرى عليها حسب ما بلغنا ووقفنا عليه في الكتب المؤلفة. وما يروى من الأمور الخاصة بها عليها السلام وباللّه المستعان.

فمن ذلك الرواية التي تروى عنها مرة، وعن أختها سكينة أخرى وهي أنها قالت: كنت جالسة في ليلة مقمرة وسط الخيمة وأنا أسمع من خلفها بكاءاً وعويلاً فخشيت أن يفقه بي النساء فخرجت أعثر بأذيالي وإذا بأبي جالس وحوله أصحابه وهو يبكي وسمعته يقول لهم: أعلموا أنكم خرجتم معي لعلمكم أني أقدم على قوم بايعوني بألسنتهم وقلوبهم وقد انعكس الأمر؛ لأنهم أستحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر اللّه، والآن ليس لهم مقصد إلا قتلي وقتل من يجاهد بين يدي وسبي حرمي بعد السلب وأخشى أنكم لا تعلمون ذلك أو يأخذكم الحياء مني والخديعة لا تجوز عندنا أهل البيت فمن كره منكم ذلك فلينصرف فإن الليل ستير والسبيل غير خطير والوقت ليس بهجير، فمن واسانا بنفسه كان معنا غداً في الجنان وقد قال جدي رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : ولدي الحسين يقتل بأرض كربلا غريباً عطشاناً فمن نصره فقد نصرني (قالت): فواللّه ما أتم كلامه إلا وتفرّق القوم من عشرة وعشرين فلم يبق معه إلا واحد وسبعون رجلاً فنظرت إلى أبي وقد نكس رأسه فخنقتني العبرة، فخشيت أني يحس بي فرددت عبرتي ولزمت السكوت ثم رفعت طرفي إلى السماء وقلت: اللّهم أنهم خذلونا فاخذلهم ولا تستجب لهم دعاءاً، ولا تجعل لهم في الأرض مسكناً وسلّط عليهم الفقر ولا ترزقهم شفاعة جدي يوم القيامة ورجعت دموعي تجري على خدي فرأتني عمتي

أم كلثوم فقالت: ما دهاك يا بنتاه فأخبرتها الخبر فصاحت واجداه واعلياه واحسناه واحسيناه واقلة ناصراه أين الخلاص من الأعداء ليتهم يقنعون بالفداء تركت جواد جدك وسلكت بنا بعد المدى فعلا منا البكاء والنحيب فسمع أبي ذلك فأتى إلينا يعثر في أذياله ودموعه تجري وقال ما هذا البكاء فقالت: يا أخي ردنا إلى حرم جدنا فقال: يا أختاه ليس لي إلى ذلك سبيل قالت: أجل ذكرهم محل جدك وأبيك وأخيك قال: ذكرتهم فلم يذكروا ووعظتهم فلم يتعظوا ولم يسمعوا قولي وما لهم غاية غير قتلي ولابد أن تروني جديلاً على الثرى وأوصيكن بتقوى اللّه رب البرية والصبر على البلية وأنا ودعتكم الفرد الصمد ثم تباكيا ساعة وأبي يقول: «وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ».

ومن ذلك ما رواه الصدوق (قدّس سِرُّه) في الأمالي (1)بإسناده عن أبي الجارود زياد بن المنذر عن عبد اللّه بن الحسن عنها أنها قالت: دخلت الغانمة (2)علينا الفسطاط وأنا جارية صغيرة وفي رجلي خلخالان من ذهب فجعل رجل يفض الخلخالين من رجلي وهو


1) ص: 99، طبعة إيران.

2) وفي نسخة مخطوطة العامة والمراد عامة الأعداء والغانمة أي القوم الذين أرادوا الغنيمة.

يبكي فقلت ما يبكيك يا عدو اللّه فقال اللّه كيف لا أبكي وأنا أسلب ابنة رسول اللّه فقلت لا تسلبني قال: أخاف أن يجيء غيري فيأخذه قالت وانتهبوا ما في الأبنية حتى كانوا ينزعون الملاحف عن ظهورنا.

ومن ذلك ما رواه المجلسي (قدّس سِرُّه) في البحار (1)قال: رأيت في بعض الكتب أن فاطمة الصغرى قالت كنت واقفة بباب الخيمة وأنا أنظر إلى أبي وأصحابي مجزرين كالأضاحي على الرمال والخيول على أجسادهم تجول وأنا أفكر فيما يقع علينا بعد أبي من بني أمية أيقتلوننا أم يأسروننا فإذا برجل على ظهر جواده يسوق النساء كعب رمحه وهن يلذن بعضهن ببعض وقد أخذ ما عليهن من أخمرة وأسورة وهن يصحن واجداه واأبتاه واعلياه واقلة ناصراه واحسيناه أما مجير يجيرنا أما من ذائد يذود عنا، قالت: فطار فؤادي وارتعدت فرائصي فجعلت أجيل يطرفي يميناً وشمالاً وإذا به قد قصدني فقررت منهزمة وأنا أظن أنى أسلم منه وإذا به قد تبعني فذهلت خشية منه وإذا بكعب الرمح بين كتفي فسقطت على وجهي فخرم أذنى وأخذ قرطى ومقتني وترك الدماء تسيل على خدي رأسي


1) مجلد :10 ص 206، طبعة إيران.

تصهره الشمس وولى راجعاً إلى الخيم وأنا مغشي عليّ وإذا بعمتي عندي تبكي وهي تقول قومي نمضي ما أعلم ما جرى على البنات وأخيك العليل فقمت وقلت يا عمتاه هل من خرقة أستر بها رأسي عن أعين النظار فقالت: يا بنتاه وعمتك مثلك، فرأيت رأسها مكشوفاً ومتنها قد أسود من الضرب فما رجعنا إلى الخيمة إلا وهي قد نهب ما فيها وأخي علي بن الحسين مكبوب على وجهه لا يطيق الجلوس من كثرة الجوع والعطش والسقام فجعلنا نبكي عليه ويبكي علينا.

ومن ذلك ما في الدمعة الساكبة عن بعض الكتب القديمة عن الشيخ المفيد (قدّس سِرُّه) قال: لما رحلوا بالسبايا والرؤوس إلى دمشق وعدل بهم الطريق إلى قصر بني مقاتل، وكان ذلك اليوم يوماً شديداً الحر وكانت القربة التي معهم نزفت وأريق مائها فاشتد بهم العطش وأمر ابن سعد (لعنة اللّه علیه) عدة من قومه في طلب الماء وأمر بفسطاط فضرب على أربعين ذراعاً فجلس هو وأصحابه (لعنة اللّه علیه) ورموا بالأطفال والسبايا على وجه الأرض تصهرهم الشمس فأتت زينب (عَلَيهَا السَّلَامُ) إلى ظل جمل هناك وفي حضنها علي بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقد أشرف على الهلاك من شدة العطش وبيدها مروحة تروحه بها من الحر وهي تقول: يعز علي إن أراك بهذا الحال يا ابن أخي ثم ذهبت سكينة إلى شجرة هناك وعملت لها وسادة من التراب ونامت عليها فما كان إلا قليل وإذا

القوم قد رحلوا. قال: وكان عديلتها على الجمل أختها فاطمة الصغرى فقالت للحادي أين أختي سكينة واللّه لا أركب حتى تأتي بأختي فقال لها وأين هي؟ قالت لا أدري أين ذهبت فصاح السائق اللعين بأعلى صوته هلمي وأركبي مع النساء يا سكينة فلم تنتبه من التعب، وبقيت نائمة فلما أضربها الحر انتبهت وجعلت تمشي خلفهم وتصيح أخية يا فاطمة ألست عديلتك في المحمل وأنت على الجمل وأنا حافية فعطفت عليها أختها وقالت للحادي واللّه لئن لم تأتني بأختي رميت بنفسي عن هذا الجمل وأطالبك بدمي عندي جدي رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)$ القيامة فقال لها: من تكون أختك؟ قالت سكينة: التي يوم كان يحبها أبي الحسين حباً شديداً قال: التي كان يقول فيها:

لعمرك أنني لأحب داراً***تحل بها سكينة والرباب

قالت: نعم فرق لها الحادي وأركبها مع أختها.

رق لها الشامت مما بها***ما حال من رق لها الشامت

ومن ذلك أن سبايا آل الرسول لما قاربوا الكوفة واجتمع أهل الكوفة للنظر إليهن وهم يبكون وينوحون وقال لهم السجاد (عَلَيهِ السَّلَامُ): أتنوحون وتبكون من أجلنا فمن الذي قتلنا وأومأت زينب ابنة أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى الناس أن اسكتوا فارتدت الأنفاس وسكنت الأجراس وخطبت خطبتها المشهورة، وخطبت فاطمة بنت

الحسين (عَلَيهِم السَّلَامُ) خطبتها التي نقلناها في عنوان فصاحتها وبلاغتها.

ومن ذلك دخولها مجلس ابن زياد لعنه اللّه وقد لاذت هي وأخواتها وبقية النساء بالحوراء زينب صلوات اللّه عليها وشاهدت ابن زیاد ینکث ثنايا والدها الشهيد (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالقضيب كما حكته هي لولدها عبد اللّه بن الحسن بن الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ).

ومن دخولها مع أهل بيتها الشام ووقوفها في مجلس يزيد بن معاوية.

روى الطريحي (رَحمهُ اللّه) في المنتخب قال: أن الحريم لما أدخلن على يزيد كان اللعين ينظر إليهن ويسأل عن كل واحدة بعينها وهن مربقات بحبل طويل فقيل هذه أم كلثوم الكبرى وهذه أم كلثوم الصغرى وهذه صفية وهذه أم هاني وهذه رقية بنات علي وهذه سكينة وهذه فاطمة بنت الحسين وهذا علي بن الحسين الخبر.

وفي الفصول المهمة ونور الأبصار: لما أدخلن نساء الحسين على يزيد والرأس بين يديه جعلت فاطمة وسكينة تتطاولان لتنظران إلى الرأس وجعل يزيد يستره عنهما فلما رأينه صحن وأعلن البكاء فبكا لبكائهن نساء يزيد وبنات معاوية فولولن وأعولن وأعلن أصواتهن فقالت فاطمة: وكانت أكبر من سكينة بنات رسول اللّه سبايا أسرك هذا يا يزيد؟ فقال: واللّه ما سرني وأني لهذا كاره وما

أتى عليكن أعظم مما أخذ منكن ثمّ قال: أدخلوهن إلى الحريم فلما دخلن على حريمه لم تبق امرأة من آل يزيد إلا أتتهن وأظهرت التوجع والحزن على ما أصابهن وعلى ما نزل بهن قال وكانت سكينة تقول: ما رأيت كافراً باللّه خيراً من يزيد.

وفي كتاب المقتل لابن نما الحلي (رَحمهُ اللّه): قال علي بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : أدخلنا على يزيد ونحن اثنا عشر مغلولون وقفنا بين يديه قلت ناشدتك اللّه يا يزيد ما ظنك برسول اللّه لو رآنا على هذه الحالة؟ وقالت فاطمة بنت الحسين (عَلَيهَا السَّلَامُ): يا يزيد بنات رسول اللّه سبايا؟ فبكى الناس وبكى أهل داره حتى علت الأصوات فقال على بن الحسين وأنا مغلول فقلت: أتأذن لي في الكلام؟ فقال لعنه اللّه: قل ولا تقل هجراً قلت: لقد وقفت موقفاً لا ينبغي لمثلي أن يقول الهجر ما ظنك برسول اللّه لو رآنى فى الغل فقال: لمن حوله حلوه فحلوني.

ومن ذلك ما رواه الموفق أبو المؤيد الخوارزمي قال عن فاطمة بنت الحسين أنها قالت: لما أدخلنا على يزيد ساءه ما رأى من سوء حالنا وظهر ذلك في وجهه فقال: لعن اللّه ابن مرجانة وابن سمية لو كان بينكم وبينه قرابة ما صنع بكم هذا وما بعث بكن هكذا.

قالت: فقام إليه رجل من أهل الشام أحمر وقال له: يا أمير المؤمنين هب لي هذه الجارية يعنيني.

قالت: وكنت جارية وضيئة فارتعدت وفرقت وظننت أن ذلك يجوز لهم فأخذت بثياب أختي وعمتي زينب فقالت عمتي كذبت واللّه ولؤمت ما ذلك لك ولا له فغضب يزيد وقال: بل أنت كذبت أن ذلك لي ولو شئت لفعلته فقالت: كلا واللّه ما جعل اللّه ذلك لك إلّا أن تخرج من ملتنا وتدين بغير ديننا فقال: إياي تستقبلين بهذا إنما خرج من الدين أبوك وأخوك.

قالت زينب: بدين اللّه ودين أبي وجدي اهتديت أن كنت مسلماً فقال: كذبت يا عدوة اللّه قالت زينب: أمير مسلط يشتم ظالماً ويقهر بسلطانه. اللّهم إليك اشكو دون غيرك فاستحيي يزيد وندم وسكت مطرقاً وعاد الشامي إلى مثل كلامه، فقال: يا أمير المؤمنين هب لي هذه الجارية فقال له يزيد: أعزب عني لعنك اللّه، ووهب لك حتفاً قاضياً ويلك لا تقل ذلك فهذه بنت علي وفاطمة. وهم أهل بيت لم يزالوا مبغضين لنا منذ كانوا.

أقول: ونقل هذه القضية شيخنا المفيد طاب ثراه في الإرشاد والسيد الأجل رضي الدين ابن طاوس في اللّهوف وغيرهما في غيرهما باختلاف يسير ولكن ذكر غير هؤلاء أن صاحبة القضية هي فاطمة بنت علي (عَلَيهَا السَّلَامُ) فمن أراد التفصيل فليراجع كتابنا (زينب الكبرى) صحيفة 82 إلى 84 وصحيفة 153 مع حاشيتها إلى 154 الطبعة الثانية.

أولادها (عَلَيهَا السَّلَامُ)

كان لها (عَلَيهَا السَّلَامُ) من الأولاد: عبد اللّه والحسن وإبراهيم وزينب وأم كلثوم وهؤلاء أولادها من ابن عمها الحسن المثنى ابن الإمام الحسن بن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ومحمد الديباج والقاسم ورقية من زوجها عبد اللّه بن عمرو بن عثمان، ونحن في رسالتنا هذه نذكر شيئاً من تاريخهم ونحيل طالب التفصيل على الكتب المطولة.

فنقول: أما عبد اللّه ويكنى أبا محمّد كان في عصره شيخ بني هاشم والمقدّم فيهم فضلاً وعلماً وكرماً ولد في بيت فاطمة بنت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) في المسجد.

وفي المقاتل بإسناده: عن علي بن أحمد الباهلي قال: سمعت مصعباً الزبيري يقول انتهى كل حسن إلى عبد اللّه بن الحسن كان يقال من أحسن الناس ؟ فيقال عبد اللّه بن الحسن ويقال: من أفضل الناس؟ فيقال عبد اللّه ابن الحسن، ويقال من أقول الناس؟ فيقال عبد اللّه بن الحسن.

أقول: وهذا المدح من مصعب الزبيري العدو الألد لأهل البيت يدل على أن عبد اللّه كان ذا منزلة عظيمة لدى مواليه وأعدائه.

وفي عمدة الطالب: وكان عبد اللّه يشبه برسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، كان شيخ بني هاشم في زمانه قيل له بم صرتم أفضل الناس؟ قال: لأن الناس كلهم يتمنون أن يكونوا منا ولا نتمنى أن نكون من أحد، وكان عمر بن عبد العزيز كثير الاحترام لعبد اللّه بن الحسن وكان يعظمه ويقضي حوائجه، وكان يوصيه برفع ما يحتاجه إليه ولا يوسط أحداً في ذلك، قيل رآه يوماً واقفاً ببابه فقال: ألم أقل لك إذا كانت لك حاجة فارفعها إليّ فواللّه أني لأستحي من اللّه أن يراك على بابي.

وفي المقاتل بإسناده عن سعيد بن أبان القرشي قال: كنت عند عمر بن عبد العزيز فدخل عليه عبد اللّه بن الحسن وهو يومئذ شاب فى أزار ورداء فرحب به وأدناه وأجلسه إلى جنبه وضاحكه ثم غمز عكنة من عكن بطنه وليس في البيت يومئذ إلّا أموي فلما قام قالوا له ما حملك على غمز بطن هذا الفتى قال: إني أرجو بها شفاعة محمّد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏).

وفي الإصابة لابن حجر العسقلاني: روى عبد اللّه بن الحسن عن أمه فاطمة بنت الحسين وابن عمه جده عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب وعمه لأمه إبراهيم بن محمّد بن طلحة وعن الأعرج وعكرمة وغيرهم.

وروى عنه أبناه موسى ويحيى ومالك الثوري وابن أبي الموالي

وابن عليه و آخرون ووثقه ابن معين والرازيان والنسائي والعجلي وغيرهم وذكره ابن حيان في الطبقة الثالثة من الثقاة فكأنه لم تصح عنده روايته عن عبد اللّه بن جعفر.

قال: وكان لسان بني حسن في زمانه قال مصعب الزبيري: ما رأيت علمائنا يكرمون أحداً ما يكرمونه، وكانت له منزلة عند عمر بن عبد العزيز مات في حبس المنصور سنة خمس وأربعين ومائة وهو ابن خمس وسبعين سنة (انتهى).

ويقال لعبد اللّه عبد اللّه المحض، وإنما قيل له ذلك لأن أباه الحسن بن الحسن بن أمير المؤمنين وأمه فاطمة بنت الحسين بن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وكان يقول أنا أقرب الناس من رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ولدني رسول اللّه مرتين وهو أول من اجتمعت له ولادة الحسن والحسين من الحسنيين كما أن إمامنا الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) أول من اجتمعت له ولادة الحسن والحسين من الحسنيين؛ لأن أمه (عَلَيهَا السَّلَامُ) هي أم عبد اللّه بنت الحسن بن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأسمها فاطمة صلوات اللّه عليها.

قال في العمدة: وكان عبد اللّه قوي النفس شجاعاً، وربما قال: من الشعر شيئاً فمن شعره:

بيض غرائر ما هممن بريبة***كظباء مكة صيدهن حرام

يحسبن من لين الكلام زوانياً***ويصدهن عن الخنا الإسلام

أقول: ومن شعره برواية أبي الفرج في مقاتل الطالبيين في هند بنت أبي عبيدة أم أولاده:

يا هند إنك لو علم***ت بعاذلين تتابعا

قالا فلم اسمع لما***قالا وقلت بل اسمعا

هند أحب إلي من***أهلي ومالي أجمعا

وعصيت فيك عواذلي***وأطعت قلباً موجعا

وهذا الشعر: ذكره صاحب ناسخ التواريخ أيضاً لعبد اللّه بن الحسن، ومن كلام عبد اللّه على ما روى في كشف الغمة أنه قال لولده محمد: استعن على السلامة بطول الصمت في المواطن التي تدعوك نفسك إلى الكلام فيها فإن الصمت حسن على كل حال، وإياك ومعادات الرجال فإنك لا تأمن مكر حليم ومبادرة لئيم.

وأما ولدها الحسن بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال أبو الفرج كان متألهاً فاضلاً ورعاً يذهب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى مذهب الزيدية، وكان المنصور يسميه الحاد، وتوفي في الحبس بالهاشمية سنة 145 وهو ابن ثمان وستين سنة.

وأما ولدها إبراهيم بن الحسن المثنى بن الحسن بن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فكان يكنى أبا الحسن، وكان أشبه الناس برسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏).

وذكر أبو الفرج بإسناده عن عيسى بن عبد اللّه قال: مرّ حسن بن حسن على إبراهيم بن الحسن وهو يعلف أبلاً له قال: أتعلف أبلك وعبد اللّه بن بن الحسن محبوس أطلق عقالها يا غلام فأطلقها ثمّ صاح في أدبارها فذهبت فلم يوجد منها واحدة، وتوفي في حبس المنصور في الهاشمية في شهر ربيع الأول سنة 145 وهو ابن سبع وستين سنة، وأما أبنتاها زينب وأم كلثوم تزوج الأولى منهما الوليد بن عبد الملك، والثانية بعض أهل بيتها.

وأما ولدها: محمّد الديباج بن عبد اللّه بن عمرو بن عثمان، سمّي الديباج لحسنه وجماله.

قال في العقد الفريد: وكان يسمى المذهب أيضاً. قال: وعن سلمة بن محارب أنه قال: ما رأيت قرشياً قط كان أكمل ولا أجمل من محمّد بن عبد اللّه بن عمرو الذي ولدته فاطمة بنت الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وكانت له ابنة ولدها رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير كانت أمها خديجة بنت عثمان بن عروة بن الزبير وأم عروة أسماء بنت أبي بكر الصديق وأم محمّد فاطمة بنت الحسين بن فاطمة بنت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وأم فاطمة بنت الحسين أم إسحاق بنت طلحة بن عبد اللّه وأم عبد اللّه بن عبد اللّه ابن عمرو بن عثمان عثمان سودة بن عبد اللّه بن عمر بن الخطاب، أه.

وفي كتاب غاية الاختصار: في أخبار البيوتات المحفوظة من الغبار للسيد تاج الدين بن محمّد بن حمزة بن زهرة الحسيني، كان عبد اللّه بن الحسن يقول: أبغضت محمّد بن عبد اللّه بن عمرو بن عثمان أيام ولد بغضاً ما أبغضت أحداً قط ثم كبر وبر في فأحببته حبيبته حباً ما أحببته أحداً قط انتهى. ومحمد هذا حبسه أبو جعفر المنصور مع عبد اللّه وأخوته وسيره معهم.

قال أبو الفرج: أخبرني عمر بن عبد اللّه، قال: حدّثنا أبو زيد :قال حدّثنا القحدمي قال: حدّثني عبد اللّه بن عثمان عن محمّد بن هاشم بن البريد. قال: كنت بالربذة فأتى ببني حسن مغلولين ومعهم العثماني - أي محمّد بن عبد اللّه بن عمرو بن عثمان- كأنه خلق من فضة فأقعدوا فلم يلبثوا أن خرج رجل من عند أبي جعفر المنصور فقال أين محمّد بن عبد اللّه العثماني؟ فقام فدخل فلم نلبث أن سمعنا وقع السياط قال: فأخرج كأنه زنجي قد غيرت السياط لونه وأسالت دمه وأصاب سوط منها إحدى عينيه فسالت وأقعد إلى جنب أخيه عبد اللّه بن الحسن بن علي فعطش فاستسقى فقال عبد اللّه بن الحسن: من يسقي ابن رسول اللّه فتحاماه الناس فجاءه خراساني بماء فسلمه إليه فشرب (وقال الجوزي في تذكرته) ولما أتى بمحمد بن عبد اللّه العثماني وأدخل المنصور وعليه قميص وأزار رقيق فلما وقف بين

يديه: أيها يا ديوث قال محمّد: سبحان اللّه قد عرفتني بغير ذلك صغيراً وكبيراً. قال: فمن حملت ابنتك رقية، وكانت تحت إبراهيم بن عبد اللّه بن الحسن وقد أعطيتني الإيمان لا تغشني ولا تمالئ علي عدواً أنت ترى ابنتك حاملاً زوجها غائب وأنت بين أن تكون حانثاً أو ديوثاً وأيم اللّه أني لأهم برجمها قال محمّد: أما إيماني فهي علي أن كنت دخلت لك في أمر غش علمته وأما رميت به هذه الجارية فإن اللّه قد أكرمها بولادة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) إياها ولكنني ظننت (1)حين ظهر حملها أن زوجها ألم بها على حين غفلة قد فاغتاظ المنصور من كلامه وأبشق (2)ثيابه من أزاره فحكي أن عورته قد كشفت ثمّ أمر به فضرب خمسين سوطاً ومائة سوط، فبلغت منه كل مبلغ والمنصور يفتري (3)عليه لا يكنى فأصاب سوط منها وجهه، فقال: ويحك أكفف عن وجهي فأن له حرمة برسول اللّه صلوات اللّه عليه وسلم فاغرى المنصور فقال للجلاد الرأس الرأس فضرب نحواً من ثلاثين سوطاً وأصاب إحدى عينيه سوط فسالت ثمّ أخرج وكأنه زنجي من


1) الظن: بمعنى العلم أي علمت كقوله ظننت اللّه أحسن كل شيء

2) أي ضربها بالعصا فانفتحت.

3) أي يشتمه شتماً بما يستقبح التصريح به من غير أن يكنى عن ذلك.

الضرب، وكان من أحسن الناس وكان يسمى الديباج لحسنه، وكان سبب أخذه أن رياحاً عامل المنصور. قال للمنصور: يا أمير المؤمنين أما أهل خراسان فشيعتك، وأما أهل العراق فشيعة آل أبي طالب. وأما أهل الشام فواللّه ما علي عندهم إلّا كافر، ولكن محمّد بن عبد اللّه العثماني لو دعا أهل الشام ما تخلف عنه منهم أحد فوقعت في نفس المنصور فأمر به فأخذ معهم، وكان حسن الرأي فيه قبل ذلك.

وبالإسناد عن ابن عائشة قال: أراد أبو جعفر أن يغيظ عبد اللّه بن الحسن فضرب العثماني وجعل بعيره أمام بعير عبد اللّه فكان إذا رأى ظهره وأثر السياط فيه يجزع. وعن سليمان بن داود بن الحسن قال: ما رأيت عبد اللّه جزع من شيء إلا يوماً وحداً وذلك إذا رأى محمّد بن عبد اللّه في رجليه سلسلة وفي عنقه زمارة فهوى وعلقت الزمارة بالمحمل فرأيته يضطرب ورأيت عبد اللّه جزع وبكى بكاءاً شديداً.

وعن موسى بن سعيد عن أبيه، قال: لما ضرب العثماني لصق رداءه بظهره فجف فأرادوا أن يخلصوه فصاح عبد اللّه بن الحسن لا، ثم دعا بزيت فأمر به فطلي به الرداء ثم سلوه سلاً.

وفي رواية الطبري عن عبد الرحمن بن أبي الموالي. قال: رأيت بني الحسن بالربذة ملقين في الشمس فدعا أبو جعفر بحمد الديباج، وكانت ابنته تحت إبراهيم بن عبد اللّه بن الحسن. فقال له: أخبرني

أين الكذابان الفاسقان - يعني إبراهيم ومحمد ابني عبد اللّه بن الحسن بن الحسن - فقال: واللّه ما أدري فضربه أربعمائة سوط ثمّ ألقى عليه قميصاً غليظاً ثم نزعه فخرج جلده معه.

ولما يأس المنصور من ولدي عبد اللّه وكتب إليه عامله من خراسان أن أهل خراسان قد تغاشوا عني وطال عليهم أمر محمّد بن عبد اللّه أمر المنصور بمحمد بن عبد اللّه بن عمرو بن عثمان فقتل وأرسل رأسه إلى خراسان وأرسل معه من يحلف أنه رأس محمّد بن عبد اللّه بن الحسن وأن أمه فاطمة بنت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏).

أقول: أما القاسم ورقية ولدي عبد اللّه بن عمرو بن عثمان من فاطمة بنت الحسين فلا توجد لهما أخبار تذكر. هذا ما وقفنا عليه من أحوال أولاد فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ).

في شيء من أحوال بني الحسن المثنى وما جرى عليهم في الدولة العباسية

لما اختلف الأمويون فيما بينهم، وبدا الضعف في دولتهم، اجتمع بنو هاشم فيما بينهم ومنهم السفاح والمنصور بايعوا محمّد بن عبد اللّه بن الحسن المثنى ولقبوه بالمهدي، وصاروا يدعون الناس إلى بيعته سراً ولما ملك بنو العباس وتولى الأمر أبو العباس السفاح عارضوا الدعوة إلى محمّد وقبضوا على كل من أتاهم بالبيعة له فخاف محمّد وأخوه إبراهيم الاغتيال من قبل السفاح فتواريا عنه واختفيا، وكان بين أبيهما وبين أبي العباس السفاح مداولات في أمرهما فمن ذلك أن عبد اللّه اجتمع بالسفاح في ولايته فأكرمه السفاح بجزيل الإكرام. ثم قال له: إن أمير المؤمنين يعدك عماً ووالداً وإني كنت أحب أن أذكر لك شيئاً. فقال: عبد اللّه وما ذاك يا أمير المؤمنين؟ فقال: ما منع ابنيك محمّداً وإبراهيم أن يفدا إلى أمير المؤمنين مع أهل بيتهما. قال: ما كان تخلفهما لشيء يكرهه أمير

المؤمنين فصمت أبو العباس. ثم سمر عنده ليلة أخرى فأعاد عليه ثمّ فعل ذلك معه مراراً فحكى عبد اللّه ما جرى عليه لأخيه الحسن بن الحسن بن الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال له الحسن هل أنت فاعل ما أقول لك؟ قال ما هو قال : أن سألك عنهما فقل عمهما الحسن أعلم الناس بهما. قال: وهل أنت محتمل ذلك لي. قال: نعم فدخل عبد اللّه على أبي العباس كما كان يفعل فرد عليه ذكر ابنيه، فقال له: عمهما يا أمير المؤمنين أعلم الناس بهما فاسأله عنهما، فصمت عنه حتى افترقا، ثمّ أرسل على الحسن فقص عليه ذلك. فقال: يا أمير المؤمنين أكلمك على هيبة الخلافة أو كما يكلم الرجل ابن عمه. قال: بل كما يكلم الرجل ابن عمه؛ فإنك وأخاك عندي بكل منزلة، قال: إن أعلم أن الذي هاج لك ذكرهما بعض ما قد بلغك عنهما فأنشدك اللّه هل تظن أن اللّه إن كان قد كتب في علمه ؟ أن محمداً أو إبراهيم وآل من هذا الأمر شيئاً ثمّ أجلب أهل السماوات والأرض بأجمعهم على أن يردوا شيئاً مما كتب اللّه لمحمد وإبراهيم كانوا راديه وأن لم يكن يكتب لمحمد وإبراهيم أترى ذلك أنهم حائزون شيئاً عنه قال: لا واللّه ما هو كائن إلا ما كتب اللّه. فقال: يا أمير المؤمنين ففيم تنغيصك على هذا الشيخ نعمتك التي أوليته وإيانا معه. قال: فلست بعارض

لذكرهما بعد مجلسي هذا ما بقيت إلّا أن يهيجني شيء فأذكره فقطع ذكرهما وأنصرف عبد اللّه إلى المدينة (1).

ويحكى أن عبد اللّه قدم على أبي العباس السفاح، وكان بني مدينة الأنبار فادخله مع أخيه المنصور إياها، وهو يسير بينهما ويريهما بنيانه وما أقام فيها من المصانع والقصور، فظهرت من عبد اللّه بن الحسن الحسن فلتة وهي أن صار يتمثل بهذين البيتين:

ألم تر حوشباً قد صار يبني***قصوراً نفعها لبني نفيلة

يؤمل أن يعمر عمر نوح***وأمر اللّه يحدث كل ليلة

فتغير وجه أبي العباس، وقال المنصور: أتراهما ابنيك أبا محمّد؟ قال: لا واللّه ما ذهبت هذا المذهب ولا أردته ولا كانت إلّا كلمة جرت على لساني، ولما مات أبو العباس، وقام أبو جعفر المنصور بالأمر ضيق على عبد اللّه بن الحسن بإظهار ولديه وهو يعتذر بأنه لا يدري أين توجها ولا يعلم بمحلهما (2)ولما حج المنصور سنة أربع وأربعين ومائة اجتمع بعبد اللّه بن الحسن بالمدينة فسأله عن ولديه. فقال : لا علم لي بهما فأغلظ له أبو جعفر وشتمه. فقال: واللّه لو كانا


1) مقاتل الطالبيين: ص 68، طبعة إيران.

2) ملخص من عقد الفريد: ج 3، ص 35، طبعة م الشرقية لسنة 1316.

تحت قدمي ما رفعتهما عنهما فأمر بحبسه فأقام عبد اللّه محبوساً ثلاث سنين وحبس المنصور معه جماعة منهم الحسن وإبراهيم أخو عبد اللّه بن الحسن والحسن بن جعفر بن الحسن وأبو بكر بن الحسن بن الحسن أخو عبد اللّه أيضاً وسليمان وعبد اللّه وعلي وعباس بنو داود بن الحسن بن الحسن ومحمد وإسحاق إبنا إبراهيم بن الحسن بن الحسن وعباس بن الحسن بن الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)، أخذوه وهو قاعد علی بابه فنادت أمه عائشة بنت طلحة باللّه دعوه أشمه فلم يفعلوا وعلي بن الحسن بن الحسن العابد وموسى بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن وعلي بن محمّد بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن، وكان الذي تولى حبسهم رياح بن عثمان ولاه أبو جعفر المدينة فقيدهم وضيق عليهم وأول من حبس منهم عبد اللّه. ثم تتابعوا، قيل وكان حبسهم سنة إحدى وأربعين وفي سنة أربع وأربعين لما حجّ المنصور أمر رياح فحملهم وحمل معهم محمّد بن عبد اللّه بن عمرو بن عثمان وهو أخو عبد اللّه لأمه وقد قدمنا ذكره فأخذهم رياح فزادهم قيوداً وأغلالاً وضيق عليهم حلق الحديد فأثرت في أرجلهم حتى أتى بهم الربذة؛ لأن أبا جعفر أقام بها ولم يدخل المدينة فوصلوا في المحامل حفاة عراة ليس تحتهم وطاء ولا وسائد والمنصور ينظر إليهم من وراء ستر.

قال الطبري: حمل معهم نحواً من أربعمائة من جهينة ومزينة وغيرهم من القبائل ساروا، وأبو جعفر في محمل ومعادله الربيع في الشق الآخر وبنو حسن على قتاب الجمال مكشوفة رؤوسهم تصهرهم الشمس وليس تحتهم غطاء عرايا عطاشى جياعاً فمر بهم أبو جعفر يوماً، وهو في محله وقد غطاه بالحرير والديباج فناداه عبد اللّه بن الحسن يا أبا جعفر ما هكذا فعلنا بكم يوم بدر فلم يكلمه المنصور (يشير عبد اللّه إلى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بالعباس بن عبد المطلب لما أسر يوم بدر وبات يئن في قيوده فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): لقد منعني أنين العباس الليلة أن أنام ثم حل عنه قيوده) ولأبن أبي الزناد السعدي في خروج بن الحسن من المدينة:

من لنفسي كثيرة الأشفاق***ولعين كثيرة الأطراق

جمدت للذي دهاها زماناً***ثم جادت بدمعها المهراق

الفراق الذين راحوا إلى الموت***عياناً والموت مر المذاق

ثم ظلوا يسلمون علينا***باكف مشدودة في وثاق

فلم يزالوا سايرين بهم حتى وصلوا الكوفة على أسوء حال وحبسهم بهائم حبسهم بالهاشمية مقابل الكوفة في سرداب تحت الأرض لا يعرفون ليلاً ولا نهاراً، ولا زالوا كذلك حتى مات من مات منهم وقتل من قتل.

قال أبو الفرج: وذكر محمّد بن علي بن حمزة أنه سمع من يذكر أن يعقوب وإسحاق ومحمد وإبراهيم بني الحسن قتلوا في الحبس بضرب من القتل وأن إبراهيم بن الحسن دفن حياً وطرح على عبد اللّه بن الحسن بيت اه.

قلت: وقيل قتل بالسيف، وقيل أخبر بقتل ولده فشهق ومات وقيل غير ذلك (1).


1) ملخص من الطبري وابن الأثير ومقاتل الطالبيين وغيرهم.

محمد وإبراهيم ولدا عبد اللّه بن الحسن ابن الحسن عليهم السلام وخروجهما ومقتلهما

لما أخذ أبو جعفر عبد اللّه بن الحسن وآله إلى العراق أشفق محمّد وإبراهيم من ذلك فخرجا إلى اليمن ثمّ إلى الهند والسند ثمّ قدما الكوفة مستخفين، وكان أبو جعفر قد وضع عليهما العيون وكانت له مرآة ينظر فيها ما في الدنيا فنظر يوماً فيها. فقال هذا محمّد وإبراهيم معاً في العسكر وبايع محمّداً وإبراهيم خلق من عسكر أبي جعفر ثم أنهما خافا فمضى محمّد إلى الحجاز وإبراهيم إلى البصرة (1)وكان محمّد قد واعد أخاه إبراهيم على الظهور في يوم واحد فأتفق أن إبراهيم مرض فخرج أخوه محمّد بالمدينة وهو مريض بالبصرة، وكان سبب خروج محمّد أن المنصور أمر عامله رياحاً أن يشتد في طلب محمّد وأن يضيّق عليه فاشتد رياح في طلبه فخرج قبل اليوم الذي واعد به أخاه الخروج فيه. ولما بلغ المنصور خروج محمّد خلا


1) تذكرة الخواص: ص 126، طبعة إيران.

ببعض أصحابه فقال له: ويحك قد ظهر محمّد فماذا ترى؟ فقال وأين ظهر؟ قال بالمدينة. فقال: غلبت عليه ورب الكعبة. قال: وكيف؟ بحيث لا مال ولا رجال فعاجله فأرسل إليه عيسى بن موسى بن علي قال لأنه خرج ابن عبد اللّه بن العباس في جيش كثيف فحاربهم محمّد خارج المدينة كما سيأتي.

قال الواقدي: وكان محمّد استولى على المدينة ومكة واليمن وكان خروجه في رجب ويوم خروجه دخل السجن، وكسر بابه وأخرج من فيه وحبس أميرها رياح بن عثمان في دار هشام.

قال الطبري: استفتي مالك بن أنس في الخروج مع محمّد، وقيل له أن في أعناقنا بيعة لابي جعفر. فقال مالك: إنما بايعتم مكرهين وليس على مكره يمين فأسرع الناس إلى محمّد ولزم مالك بيته وما خرج فأرسل محمّد إلى إسماعيل بن عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب، وكان شيخاً كبيراً فدعاه إلى بيته. فقال يا بن أخي أنت واللّه مقتول فكيف أبايعك فارتدع الناس عنه قليلاً.

(أقول): أن محمّد بن عبد اللّه كان يعلم من نفسه أنه مقتول وكذا سائر أهل بيته سمعوا ذلك من الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) مراراً، ولكنه بذل مهجته في ذات اللّه لما رأى من جور المنصور وعسفه واستعباده الأحرار، ومن أراد التفصيل فليراجع الكتب المطولة كالبحار ومقاتل

الطالبيين وأمثالهما، وقد بسطنا شيئاً من ذلك في كتابنا (أباة الضيم في الإسلام) وقد جرت بين محمّد والمنصور مكاتبات وبذل كل واحد منهما الأمان لصاحبه أعرضنا عنها لعدم ملائمتها لهذا المختصر ولما يئس المنصور من محمّد عزم على مقاتلته وضاق ذرعاً في ذلك، وكان عبد اللّه بن علي عم المنصور قد سجنه المنصور فأمر بعض أهل بيته أن يدخلوا عليه ويأخذوا منه الرأي، وقال لهم أن هذا الأحمق - يعني عبد اللّه بن علي - لا يزال يطلع له الرأي الجيد في الحرب فأدخلوا إليه وشاوروه ولا تعلموه أني أمرتكم فدخلوا عليه فلما رآهم قال: لأمر ما جئتم ما جاء بكم جميعاً، وقد هجرتموني منذ دهر. قالوا: استأذنا أمير المؤمنين فأذن لنا. قال: ليس هذا بشيء فما الخبر؟ قالوا: خرج محمّد بن عبد اللّه قال: إن المحبوس لا رأي له قولوا له يخرجني فقيل لأبي جعفر ذلك فقال: لو طرق محمّد علي الباب ما أخرجته، وأنا خير له منه وهو ملك أهل بيته فقال عبد اللّه: أن (1)البخل قد قتل بن سلامة (2)فمروه فليخرج الأموال وليعط الأجناد فإن غلب فما أوشك ما يعود إليه وأن غلب لم يقدم صاحبه


1) المقاتل وتاريخ الطبري وابن الأثير وغيرهما ملخصاً.

2) سلامة أم المنصور والسفاح.

على درهم، وأن يسجل الساعة حتى يأتي الكوفة فيختم على أكبادهم فإنهم شيعة أهل البيت ثمّ يحفظها بالمسالح (1)فمن خرج منها إلى وجه من الوجوه أو أتاها من وجه من الوجوه ضربت عنقه فليبعث إلى مسلم بن قتيبة فينحدر عليه، وكان بالري وليكتب إلى أهل الشام فليأمرهم فليحملوا إليه أهل البأس والنجدة ما حمل البريد وليحسن جوائزهم ويوجههم مع مسلم بن قتيبة ففعل المنصور كل ذلك ثم بعث عيسى بن موسى عمه إلى قتال محمّد، وقال: ما أبالي أيهما قتل صاحبه لأن السفاح كان قد عهد إلى عيسى بعد أبي جعفر وأبو جعفر كان يكره ذلك، وجهز مع عيسى أربعة آلاف، وقال له: أبذل لمحمد الأمان قبل قتاله وسار عيسى فلما وصل إلى فيد (2)كتب إلى جماعة من أصحاب محمّد فتفرقوا عنه، وكان قد اجتمع محمّد مائة ألف فحفر محمّد خنادق المدينة واستعد وجاء عيسى ووقف على سلع. ثمّ قال: يا محمّد لك الأمان فصاح به محمّد واللّه ما نسمع ما تقول وأن الموت في عز خير من الحياة في ذلك، ولما اشتد القتال لم يبق مع محمّد من أصحابه المائة ألف إلا ثلاثمائة وستة


1) المسالح أي مخازن السلاح.

2) منزل كان بطريق مكة فيه قلعة.

عشر على عدد أهل بدر ثمّ اغتسل هو وأصحابه، وتحنطوا وعرقبوا دوابهم وجعلوا يقاتلون، وقيل لمحمد أخرج من المدينة والتحق بمكة أو باليمن تنجو بنفسك. فقال: إني إذن لعبد، وصار يباشر الحرب بنفسه وبمن بقي معه من أصحابه ومواليه فلما أمسى المساء وأيقن بالقتل أشير عليه بالاستتار. فقال: إذن يستعرض عيسى أهل المدينة فيكون لهم كيوم الحرة لا واللّه لا أحفظ نفسي بهلاك أهل المدينة بل أجعل دمي دون دمائهم فبذل عيسى الأمان ثانية فأبى وحمل على الخيل والرجال بسيفه لا يدانيه أحد إلا قتله، وكان في حملاته أشبه الناس بأمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أو بحمزة بن عبد المطلب ورمى السهام و دهمته الخيل فوقف إلى ناحية جدار وتحاماه الناس فوجد الموت فتحامل علی سیفه فكسره، وتزعم الزيدية أنه كان سیف رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ذا الفقار. ويروى أن محمداً لما استسلم للموت دخل داره واحرق ديوانه الذي كان فيه أسامي من كاتبه وبايعه فلما فرغ من ذلك قال الآن طبت نفساً بالموت ولولا فعله ذلك لوقع الناس في أمر عظيم، وهزم محمّد وأصحابه أصحاب عيسى ثلاثاً ثمّ تكاثروا عليهم فقتلوهم، وكان الذي قتل محمداً حميد بن قحطبة.

وفي رواية أبي الفرج في المقاتل أن محمداً قال لأخته زينب

بنت عبد اللّه يوم قتل: إني في هذا اليوم على قتال هؤلاء فإن زالت الشمس وأمطرت السماء فإني،مقتول، وإن زالت الشمس ولم تمطر السماء وهبت الريح فإني أظفر بالقوم فأججي التنانير وهيئي هذه الكتب - يعني كتب البيعة الواردة عليه من الآفاق - فإن زالت الشمس ومطرت السماء فاطرحي هذه الكتب في التنانير فإن قدرتم على بدني فخذوه وإن لم تقدروا على رأسي فاتركوه وخذوا بدني، فأتوا به ظلة بني نبيه على مقدار أربعة أذرع أو خمسة منها فاحفروا لي حفيرة وادفنوني فيها فمطرت السماء وقت الزوال، وقتل محمّد وكان عندهم مشهور أن آية قتل النفس الزكية أن يسيل دم بالمدينة حتى يدخل ذلك بيت عاتكة فكانوا يعجبون كيف يسيل الدم ويدخل بيت عاتكة، فلما مطرت السماء ذلك اليوم وسال الدم بالمطر دخل بيت عاتكة وأخذ جسده فحفر له حفيرة في الموضع الذي حده لهم فوقعوا على صخرة فأخرجوها فإذا فيها مكتوب هذا قبر الحسن بن علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقالت زينب اخته رحم اللّه أخي كان أعلم إذ أوصى أن يدفن في هذا الموضع.

وبإسناده عن الأسلمي قال: قدم قادم على أبي جعفر، فقال: هرب محمّد، فقال كذبت نحن أهل بيت لا نفر.

وعن أبي الحجاج الجمال، قال: إن لقائم على رأس أبي جعفر

وهو يسألني عن مخرج محمّد إذ بلغه أن عيسى بن موسى هزم، وكان متكئاً فجلس فضرب بقضيب معه مصلاه، وقال: كلا فأين قول صادقهم وأين لعب صبياننا بها على المنابر ومشاورة النساء.

(قلت): يشير إلى قول إمامنا الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) من ولاية بني العباس، ولعب صبيانهم بها على المنابر ومشاورتهم النساء إلى غير ذلك فيما أخبر به (عَلَيهِ السَّلَامُ) من أحوالهم.

أما إبراهيم بن عبد اللّه بن الحسن فكان بالبصرة، ولما ظهر أخوه محمّد كتب له بالظهور فظهر أول شهر رمضان سنة خمس وأربعين ومائة فصلى بالناس الصبح في الجامع وقصد دار الإمارة فحبس عامل المنصور وجماعة معه واستولى على بيت المال ووجد فيه ألفي ألف درهم فقوي بها وفرض الفروض لكل رجل خمسين فكان الناس يقولون خمسون والجنة وبلغ جعفراً ومحمد بن سليمان بن علي بن عبد اللّه ظهور إبراهيم فأتيا في ستمائة رجل فأرسل إليهما إبراهيم المضاء بن القاسم الجزري في خمسين رجلاً فهزمهما ونادى منادي إبراهيم لا يتبع مهزوم، ولا يدفف على جريح ومضى إبراهيم بنفسه إلى باب زينب بنت سليمان بن علي بن عبد اللّه بن العباس فنادى بالأمان وأن لا يعرض لهم أحد، وصار يرسل العمال إلى الأطراف وجمع ديوانه مائة ألف مقاتل ولم يزل يفرق العمال

والجيوش حتى أتاه نعي أخيه محمّد قبل عيد الفطر بثلاثة أيام فخرج بالناس يوم العيد وفيه الانكسار فصلى بهم وأخبرهم بقتل محمّد فازدادوا في قتال المنصور بصيرة، وكلمه جماعة من أهل الكوفة أن بالكوفة أقواماً لو رأوك ماتوا دونك فسر بنا إلى الكوفة وأشار البصريون عليه بالإقامة في البصرة، وإرسال الجنود إلى حرب المنصور، وقالوا تقيم في البصرة وترسل الجنود إذا انهزم لك جنداً مددتهم بغيرهم فيخاف مكانك ويتقيك عدوك فرجح المسير إلى الكوفة وسار إليهم ووجه المنصور عيسى بن موسى في خمسة عشر ألفاً إلى قتال إبراهيم وعلى مقدمته حميد بن قحطبة في ثلاثة آلف فقيل لإبراهيم بيت عيسى، فقال أكره التبييت فقيل له تطلب الملك وتكره القتل، ثمّ التقوا بباخمرى.

قال الشعبي: وهي ستة عشر فرسخاً من الكوفة فاقتتلوا فانهزم أصحاب أبي جعفر إلا عيسى ثبت في مائة رجل من أهله وخواصه وظهر الظفر لإبراهيم، فيحكى: إن إبراهيم نادى لا يتبعن أحداً منهزماً فتراجع أصحابه فظن أصحاب عيسى أنهم انهزموا فكروا عليهم وأتى جعفر ومحمد أبناء سليمان من ظهور أصحاب إبراهيم، ولا يشعر باقي أصحابه حتى نظر بعضهم، فرأى القتال من ورائهم فعطفوا نحوه ورجع أصحاب المنصور يتبعونهم فكانت الهزيمة على أصحاب

إبراهيم، ويقال انهزم بعض عسكر عيسى على مسناة ملتوية فلما صاروا في عكسها ظن أصحاب إبراهيم أنهم كمين قد خرج عليهم ورفع إبراهيم البرقع عن وجهه فجاءه سهم عابر وقع في جبهته. فقال الحمد للّه أردنا أمراً وأراد اللّه غيره أنزلوني فأنزلوه وكان آخر أمره.

وروى أبو الفرج عن المفضل بن أحمد الضبي، قال: إبراهيم بن عبد اللّه بن الحسن متوارياً عندي بالبصرة وكنت أخرج وأتركه. فقال لي: إذا خرجت ضاق صدري فأخرج إلي شيئاً من كتبك أتفرح به؟ فأخرجت إليه كتباً من الشعر فاختار منها القصائد السبعين التي صدرت بها كتاب المفضليات ثم أتممت عليها باقي الكتاب فلما خرج خرجت معه فلما صار بالمربد، مربد سليمان بن علي فوقف عليهم وآمنهم واستسقى ماءاً فأتى فشرب فأخرج إليه صبيان من صبيانهم فضمهم إليه. وقال هؤلاء واللّه منها ونحن منهم لحمنا ودمنا، ولكن آبائهم ابتزوا على أمرنا وابتزوا حقوقنا وسفكوا دمائنا ثم تثمل:

مهلاً بي عمنا ظلامتنا***ان بنا سورة من الغلق (1)

لمثلكم تحمل السيوف ولا***تغمز أحسابنا من الرقق


1) الغلق الضجر وضيق الصدر والحدة والسورة الوثوب يقال أن لغضبه لسورة.

أني لأنمي إذا انتميت إلى***عز عزیز ومعشر صدق

بيض سباط كأن أعينهم***تكحل يوم الهياج بالعلق

فقلت له ما أجود هذه الأبيات وأفحلها فلمن هي؟ قال: يقولها ضرار بن الخطاب الفهري يوم عبر الخندق على رسول اللّه وتمثل بها علي بن أبي طالب يوم صفين والحسين يوم الطف وزيد بن علي يوم السبخة ويحيى بن زيد يوم الجوزجان فتطيرت له من تمثله بأبيات لم يتمثل بها أحد إلا قتل، ثمّ صرنا إلى باخمري فلما قرب منها أتاه نعي أخيه محمّد فتغير لونه وجرض بريقه. ثم أجهش باكياً، وقال: اللّهم إن كنت تعلم أن محمداً خرج يطلب مرضاتك ويؤثر أن تكون كلمتك العليا وأمرك المتبع المطاع فاغفر له وارحمه وارض عنه، واجعل ما نقلته إليه من الآخرة خيراً مما نقلته عنه من الدنيا ثمّ انفجر باكياً ثم تمثل:

أبا المنازل يا خير الفوارس من***يفجع بمثلك في الدنيا فقد فجعا

اللّه يعلم أني لو خشيتهم***أو آنس القلب من خوف لهم فزعا

لم يقتلوك ولم أسلم أخي لهم***حتى نعيش جميعاً أو نموت معا

قال المفضل : فجعلت أعزيه وأعاتبه على ما ظهر من جزعه. فقال: إني واللّه في هذا كما قال دريد بن الصمة:

يقول ألا تبكي أخاك وقد أرى***مكان البكا لكن بنيت(1)على الصبر

لمقتل عبد اللّه والهالك الذي***على الشرف الاعلى قتيل أبي بكر (2)

وعبد يغوث أو نديمي مالك***وجلّ مصاباً حشو قبر على قبر

فأما ترينا (3)

فيوم علينا ويوم لناويوم نساء ويوم نسر

لا تزال دمائنالدى واتر يسعى بها آخر الدهر

فأنا للحم السيف غيره نكيرة***ونلحمه طوراً وليس بذي نكر

يغار علينا واترين فيشتفي***بنا أن أصبنا أو نغير على وتر

بذاك قسمنا الدهر شطرين بيننا***فما ينقضي إلا ونحن على شطر

قال المفضل : ثم ظهرت لنا جيوش أبي جعفر مثل الجراد فتمثل إبراهيم بقوله:

أن يقتلوني لا تصب أرماحهم***ثاري ويسعى القوم سعياً جاهدا (4)


1) أي خلقت وبنيت بنية تقتضي الصبر.

2) بنو أبي بكر بن كلاب من قيس عيلان ثم أحد بني عامر بن صعصعة.

3) هذا وما بعده مثل قوله:

4) أي إن قتلوني ثم جادلوا أن يصيبوا رجلاً آخر مثلي يصلح أن يكون لي نظيراً وأن يجعل دمه بوعاء دمي وسعوا في ذلك سعياً جاهداً فإنهم لم يجدوا ولم يقدروا عليه.

نبئت أن بني جذيمة أجمعت***أمراً تدبره لقتله خالدا

أرمي الطريق وإن رصدت بضيقة***وأنازل البطل الكمي الحاردا (1)

فقلت له: من يقول هذا الشعر يا بن رسول اللّه ؟ فقال: يقوله خالد بن كلاب يوم شعب جبلة، وهذا اليوم الذي لقيت فيه قيس تميماً.

قال: وأقبلت عساكر أبي جعفر فطعن رجلاً وطعن آخر فقلت له أتباشر القتال بنفسك وإنما العسكر منوط بك؟ فقال: إليك يا أخا بني ضبة فإني لكما قال عويف القوافي:،

ألمت سعاد وألمامها***أحاديث نفس وأحلامها

محجبة من بني مالك***تطاول في المجد أعلامها

وأنا لنا أصل جرثومة***ترد الحوادث أيامها

ترد الكتيبة مغلولة***بها أفنها وبها ذامها

والتحمت الحرب واشتدت فقال يا مفضل احكني بشيء فذكرت أبياتاً لعويف القوافي لما كان ذكره هو من شعره فانشدته:

ألا أيها الناهي فزارة بعد ما***أجدت لسير إنما أنت ظالم


1) يقول أسلك الطريق الضيق ولو جعل عليّ فيه الرصد لقتلي والحارد المنفرد في شجاعته الذي لا مثل له.

أبي كل حر أن يبيت بوتره***ونمنع عنه النوم إذ أنت نائم

أقول لفتيان كرام تروحوا***على الجرد في أفواههن الشكائم

قفوا وقفة من يحيى لم يخز بعدما***ومن يخترم لا تتبعه اللوائم

وهل أنت إن باعدت نفسك عنهم***لتسلم فيما بعد ذلك سالم

قال: أعد، وتبينت في وجهه يستقتل فانتهيت وقلت أو غير ذلك؟ فقال: لا بل أعد الأبيات فأعدتها فتمطى في ركابه فقطعهما، وحمل فغاب عني وأتاه سهم غائر فقتله، وكان آخر عهدي به عليه السلام.

ولما أتوا برأس إبراهيم إلى عيسى بن موسى نزل إلى الأرض فسجد وبعث الرأس إلى المنصور فوضع في طشت بين يديه والحسن بن زيد بن الحسن بن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) واقف على رأسه عليه السواد فخنقته العبرة والتفت إليه المنصور، وقال: أتعرف رأس من هذا؟ فقال: نعم.

فتىً كان تحميه من الضيم نفسه***وينجيه من دار الهوان اجتنابها

فقال المنصور: صدقت، ولكن أراد رأسي فكان رأسه أهون عليّ ولوددت أنه فاء إلى طاعتي (1).


1) تاريخ الطبري، ومقاتل الطالبيين وعمدة الطالب وغيرهما ملخصاً.

وذكر أن المنصور هيئت له عجة من مخ وسكر فاستطابها، فقال: أراد إبراهيم أن يحرمني من هذا وأشباهه، وأنه قال: لجلسائه يوماً بعد قتل محمّد وإبراهيم تاللّه ما رأيت رجلاً أنصح من الحجاج لبني مروان فقام المسيب بن زهرة الضبي، فقال: يا أمير المؤمنين ما سبقنا الحجاج بأمر تخلفنا عنه واللّه ما خلق اللّه على جديد الأرض خلقاً أعز علينا من نبينا (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وقد أمرتنا بقتل أولاده فأطعناك فهل نصحنا لك أم لا ؟ فقال له المنصور: أجلس لا جلست (1).

وحدث الرياشي عن الأصمعي، قال: لما خرج محمّد بن عبد اللّه بن الحسن بالمدينة فبايعه أهل المدينة وأهل مكة، وخرج إبراهيم أخوه بالبصرة فتغلب على البصرة، والأهواز وواسط، قال: سديف بن ميمون في ذلك:

أن الحمامة يوم الشعب من حضن***هاجت فؤاد محب دائم الحزن

أنا لنأمل ترتد الفتنا***بعد التباعد والشحناء والأحن

و تنقضي دولة أحكام قادتها***فيها كأحكام قوى عابدي وثن

فانهض ببيعتكم ننهض بطاعتنا***أن الخلافة فيكم يا بني حسن

لاعز ركن نزار عند نائبة***إن أسلموك ولا ركن لذي يمن


1) مروج الذهب: ج 3، ص 224 طبعة دار الرجاء مصر.

ألست أكرمهم يوماً إذا انتسبوا***عوداً وأنقاهم ثوباً من الدرن

وأعظم الناس عند اللّه منزلة***وأبعد الناس من عجز ومن إفن

فلما سمع أبو جعفر هذه الأبيات استطير بها، فكتب إلى عبد الصمد بن علي أن يأخذ سديفاً فيدفنه حياً ففعل، قال الرياشي: فذكرت هذه الأبيات لأبي جعفر شيخ من أهل بغداد، فقال: هذا باطل، الأبيات لعبد اللّه بن مصعب، وإنما كان سبب قتل سديف أنه قال: أبياتاً مبهمة وكتب بها إلى أبي جعفر وهي هذه :

أسرفت في قتل الرعية ظالماً***فاكفف يديك أظلها مهديها

فلتأتينك راية حسنية***جرارة يقتادها حسنيها

فالتفت أبو جعفر، فقال لحازم بن خزيمة: تهيأ بهيئة السفر متنكراً حتى إذا لم يكن إلا تصنع رجلك في الغرز ائتني ففعل فقال: إذا أتيت المدينة فادخل مسجد النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فدع سارية وثانية فإنك تنظر عند الثالثة إلى شيخ أدم يكثر التلفت طويل كبير فاجلس معه فتوجه لآل أبي طالب واذكر شدة الزمان عليهم ثلاثة أيام ثمّ قل في الرابع من يقول هذه الأبيات (أسرفت في قتل الرعية) الخ. قال: ففعل فقال له الشيخ: إن شئت نبأتك من أنت؟ أنت حازم بن خزيمة بعثك إلي المنصور لتعرف من قال هذا الشعر فقل له جعلت فداك واللّه ما قلته ولا قاله إلّا سديف بن ميمون فإني أنا القائل، وقد دعوني إلى

الخروج مع محمّد بن عبد اللّه:

دعوني وقد شالت لأبليس راية***وأوقد للغاوين نار الحبا حب

أبا الليث تغترون يحمي عرينه***وتلقون جهلاً أسده بالثعالب

فلا نفعتني السن إن لم يؤذكم***ولا أحكمتني صادقات التجارب

قال: وإذا الشيخ إبراهيم بن هرمة قال: فقدمت على المنصور وأخبرته الخبر فكتب إلى عبد الصمد بن علي، وكان سديف في حبسه فأخذه فدفنه حياً (1).

(أقول): ويعجبني أن أختم هذا العنوان بالكتاب الذي كتبه سيدنا ومولانا وإمامنا أبو عبد اللّه الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى عبد اللّه بن الحسن حين حمل هو وأهل بيته عليهم السلام إلى الكوفة يعزيه عما صار إليه وهو على ما نقله السيد بن طاوس طاب ثراه في الإقبال ونقله عنه العلامة المجلسي في البحار وغيره قال (قدّس سِرُّه) بعد نقل الأسانيد مسلسلة عن عطية بن نجيح بن المطهر الرازي وإسحاق بن عمار الصيرفي أنهما قالا معاً أن أبا عبد اللّه جعفر بن محمّد (عَلَيهِ السَّلَامُ) كتب إلى عبد اللّه بن الحسن رضي اللّه عنه.


1) العقد الفريد : ج 3، ص 29 - 30، طبعة الشرقية بمصر.

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

إلَى الخَلَفِ الصَّالِحِ والذُّرِّيَّةِ الطَّيِّبَة مِنْ وَلد أخيه وابْنِ عَمَّه (أما بَعْدُ) فَلَمْنْ كُنْتَ قَدْ تَفَرَّدْتَ أنْتَ وأَهْلَ بَيْتِكَ ممَّنْ حُملَ مَعَكَ بمَا أصَابَكُمْ فَمَا انْفَرَدْتَ بِالْحُزْنِ َوالْغَيْظِ والكآبَةِ وَالِيمٍ وَجَعِ الْقَلْبِ دُونِي فَلَقَدْ نَالَنِي مِنْ ذَلِكَ مِنَ الْجَزَعِ والفَلَقِ وحَرِّ الْمُصيبَةِ مِثْلُ مَا نَالَكَ ولَكِنْ رَجَعْتُ إِلَى مَا أَمَرَ اللّه جَلَّ جَلَالُهُ بِهِ الْمُتَّقِينَ مِنَ الصَّبْرِ وحُسْنِ العَزَاءِ حِينَ يَقُولُ لَنَبِيَّهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) «وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْیُننا» وحِينَ يَقُولُ «فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبَّكَ ولا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ» وحِينَ يَقُولُ لنبيِّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) حينَ مُثْلَ بِحَمْزَةَ «وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ لَهُوَ خَيْرٌ للصَّابرينَ» وصَبَرَ رَسُولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ولَمْ يُعَاقِبْ وحِينَ يَقُولُ «وأمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاة واصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْتَلْكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ والْعَاقِبَةُ للتَّقْوى» وَحِينَ يَقُولُ «الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا للّه وإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ أولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ ربَّهِمْ وَرَحْمَةَ وأَولئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ».

وَحِينَ يَقُولُ: «إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ».

وَحينَ يَقُولُ لُقْمَانُ لابنه: «وَ اصْبرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلكَ

مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ».

وَحينَ يَقُولُ عَنْ مُوسَى (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ مُوسى القَوْمه اسْتَعينُوا باللّه واصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ للّه يُورِثُها مَنْ يَشَاء مِنْ عِبادِهِ والعاقِبُةُ لِلمُتَّقِين».

وَ حِينَ يَقُولُ: «الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالحات وتَواصَوْا بالْحَقِّ وتواصَوا بِالصَّبْر».

وَ حِينَ يَقُولُ: «ثمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ».

وَ حِينَ يَقُولُ: «وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ وَالْجُوعِ ونَقْص منَ الْأَمْوالَ الْأَنْفُس والثَّمَرات وبَشِّر الصَّابِرِين».

وَحينَ يَقُولُ: «وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيَّ قَاتَلَ مَعَهُ رَبَّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّه وما ضَعُفُوا ومَا اسْتَكانُوا واللّه يحبُّ الصَّابرين».

وَحينَ يَقُولُ: «وَالصَّابرينَ والصَّابرات».

وَحينَ يَقُولُ: «وَ اصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللّه َوهُوَ خَيْرُ الحاكمين». وَأَمْثَالُ ذَلكَ مِنَ الْقُرْآن كَثيرٌ واعْلَمْ أَيْ عَمِّ أَنَّ اللّه جَلَّ جَلَالُهُ لَمْ يُبَالِ بضُرِّ الدُّنيَا لِوَليِّهِ سَاعَةً قَطُّ وَلَا شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنَ

الضُّرِّ وَالْجَهْدِ وَالْبَلاءِ مَعَ الصَّبْرِ وأَنَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَمْ يُبَالِ بِنَعِيمِ الدُّنْيَا لعَدُوِّهُ سَاعَةً قَطُّ وَلَوْ لا ذَلكَ مَا كَان أَعْدَاؤُهُ يَقْتُلُونَ أَوْلِيَاءَهُ ويُخيفُونَهُمْ ويَمْنَعُونَهُمْ وأَعْدَاؤُهُمْ آمِنُونَ مُطْمَتُنُونَ عَالُونَ ظَاهِرُونَ ولَوْلا ذَلكَ لَمَا قُتلَ زَكَرِيَّا ويَحْيَى ظُلْماً وعُدْوَاناً فِي بَغِيِّ مِنَ الْبَغَايَا.

وَلَوْلا ذَلكَ مَا قُتِلَ جَدُكَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبِ (عَلَيهِ السَّلَامُ) لَمَّا قَامَ بِأَمْرِ اللّه جَلَّ جَلاله ظُلْماً وعَمُّكَ الْحُسَيْنُ بْنُ فَاطِمَةَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) اضْطَهَاداً وعدواناً.

وَلَوْ لا ذَلكَ مَا قَالَ اللّه عَزَّ وجَلَّ في كتابه: «وَ لَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةٌ واحدةٌ لَجَعَلْنا لَمَنْ يَكْفُرُ بالرَّحْمَن لِبُيُوتِهِم سقُفاً مِنْ فِضَّةٍ ومَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ».

وَلَوْلا ذَلكَ لَمَا قَالَ فِي كتابه: «أَ يَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدَّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وبَنينَ نُسارِعُ لَهُمْ فِي الخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ».

وَلَوْلا ذَلكَ لَمَا جَاءَ فِي الْحَديث: لَوْلا أَن يَحْزَنَ الْمُؤْمِنُ لَجَعَلْتُ للكافر عصَابَةٌ مِنْ حَدِيد لَا يُصْدَعُ رَأْسُهُ أَبَداً.

وَلَوْلا ذَلكَ لَمَا جَاءَ في الحديث: إِنَّ الدُّنْيَا لَا تُسَاوِي عِنْدَ اللّه جَنَاحَ بَعُوضَةِ ولَوْ لَا ذَلكَ مَا سَقَى كَافِراً مِنْهَا شَرْبَةٌ مِنْ مَاء.

وَلَوْلاً ذَلِكَ لَمّا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ لَوْ أَنَّ مُوْمِناً عَلَى قُلَّةٍ جَبَلٍ بَعَثَ اللّه لَهُ كَافراً أو منافقاً يُؤذيه.

وَلَوْلا ذَلِكَ لَمَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ: إِذَا أَحَبَّ اللّه قَوْماً أَوْ أَحَبَّ عَبْداً صَبَ عَلَيْهِ الْبَلَاءَ صَبَاً فَلَا يَخْرُجُ مِنْ غَمّ إِلَّا وَقَعَ فِي غَمّ.

وَلَوْلا ذَلكَ لَمَا جَاءَ في الحديث مَا مِنْ جُرْعَتَيْنِ أَحَبَّ إِلَى اللّه عَزَّ وَجَلَّ أَن يُجَرِّعَهُمَا عَبْدَهُ الْمُؤْمِنَ فِي الدُّنْيَا مِنْ جُرْعَةِ غَيْظِ كَظَمَ عَلَيْهَا أَوْ جُرْعَةِ حُزْنٍ عِنْدَ مُصِيبَةٍ صَبَرَ عَلَيْهَا بِحُسْنِ عَزَاءِ واحْتِسَابِ.

وَلَوْلا ذَلَكَ لَمَا كَان أَصْحَابُ رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) يَدْعُونَ عَلَى مَنْ ظَلَمَهُمْ بِطُول الْعُمُرِ وصحة الْبَدَنِ وكَثْرَة الْمَالِ والوَلَد.

وَلَوْلا ذَلكَ مَا بَلَغَنَا أنَّ رَسُولَ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) كَانَ إِذَا خَصَّ رَجُلاً بالترحم عَلَيْهِ وَالاسْتِغْفَارِ اسْتُشْهِدَ فَعَلَيْكُمْ يَا عَمْ وابْنَ عَمْ وَبَنِي عَمُومَتِي وإِخْوَتِي بِالصَّبْرِ والرِّضَا والتَّسْلِيمِ والتَّفْويض إِلَى اللّه عَزَّ وجَلَّ والرّضَا والصَّبْرِ عَلَى قَضَائه والتَّمَسُّك بطَاعَته والنُّزُول عنْدَ أَمْره أفْرَغَ اللّه عَلَيْنَا وعَلَيْكُمُ الصَّبْرَ وخَتَمَ لَنَا ولَكُمْ بِالأجْرِ والسَّعَادَةِ وأَنْقَذَكُمْ وَإِيَّانَا مِنْ كُلِّ هَلَكَةِ بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ وصَلَّى اللّه عَلَى صَفْوَته منْ خَلْقه محمّد النَّبيِّ وأَهْلِ بَيْته.

قال السيد (قدّس سِرُّه): (أقول): وهذا آخر التعزية بلفظها من أصل صحيح بخط محمّد بن علي بن مهجناب البزاز تاريخه في صفر سنة ثمان وأربعين وأربع مائة وقد اشتملت هذه التعزية على وصف عبد اللّه بن الحسن بالعبد الصالح والدعاء له ولبني عمه بالسعادة وهذا

يدل على أن الجماعة المحمولين كانوا عند مولانا الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) معذورين وممدوحين ومظلومين وبحقه عارفين.

(أقول): وقد يوجد في الكتب أنهم كانوا للصادقين مفارقين، وذلك محتمل للتقية لئلا ينسب إظهارهم لإنكار المنكر إلى الأئمة الطاهرين.

و مما يدلك على أنهم كانوا عارفين بالحق وبه شاهدين ما رويناه بإسنادنا إلى أبي العباس أحمد بن نصر بن سعد من كتاب الرجال مما خرج منه وعليه سماع الحسين بن علي بن الحسن وهو نسخة عتيقة بلفظه قال أخبرنا محمّد بن عبد اللّه بن سعيد الكندي قال هذا كتاب غالب بن عثمان الهمداني وقرأت فيه أخبرني خلاد بن عمير الكندي مولى آل حجر بن عدي قال دخلت على أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال هل لكم علم بآل الحسن الذين خرج بهم مما قبلنا وكان قد اتصل بنا عنهم خبر فلم نحب أن نبدأه به فقلنا نرجو أن يعافيهم اللّه فقال وأين هم من العافية؟ ثم بكا حتى علا صوته وبكينا ثم قال حدّثني أبي عن فاطمة بنت الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قالت سمعت أبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) يقول يقتل منك أو يصاب منك نفر بشط الفرات ما سبقهم الأولون ولا يدركهم الآخرون وأنه لم يبق من ولدها غيرهم.

قال (رَحمهُ اللّه): وهذه شهادة صريحة من طرق صحيحة بمدح

المأخوذين من بني الحسن عليه وعليهم السلام، وأنهم مضوا إلى اللّه جل جلاله بشرف المقام والظفر بالسعادة والإكرام.

ومن ذلك ما رواه أبو الفرج الأصفهاني عن يحيى بن عبد اللّه بن الحسن الذي سلم ممن تخلفوا في الحبس من بني الحسن، فقال: حدّثنا عبد اللّه بن فاطمة عن أبيها عن جدتها فاطمة بنت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) قالت : قال لي رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): يدفن من ولدي سبعة بشط الفرات لم يسبقهم الأولون ولم يدركهم الآخرون، فقلت: نحن ثمانية؟ فقال: هكذا سمعت فلما فتحو الباب وجدوهم موتى وبهم رمق فسقوني ماءاً وأخرجوني فعشت.

ومن الأخبار الشاهدة بمعرفتهم بالحق ما رواه أحمد بن إبراهيم الحسيني في كتاب (المصابيح) بإسناده: إن جماعة سألوا عبد اللّه بن الحسن وهو في المحمل الذي حمل فيه إلى سجن الكوفة، :فقالوا يا بن رسول اللّه محمّد ابنك المهدي، فقال: يخرج محمّد من هاهنا، وأشار إلى المدينة فيكون كلحس الثور أنفه حتى يقتل ولكن إذا سمعتم بالمأثور قد خر بخراسان وهو صاحبكم.

قال السيد (رَحمهُ اللّه): أقول لعلها بالموتور، وهذا صريح أنه عارف بما ذكرناه.

قلت: لم يتعرض السيد (قدّس سِرُّه) لتفسير الحديث والذي يظهر لي أن

المأثور لا يحتاج إلى تغيير لأن المراد منه من جاء فيه الأثر وهو صاحب الرايات السود الذي يخرج من خراسان ويقصد الكوفة لمحاربة السفياني، والغرض منه المهدي (عَجَّلَ اللّهُ تَعَالَي فَرَجَهُ الشَریف)؛ لأن المهدي لم يكن خروجه من خراسان.

أما قوله (فهو صاحبكم) فلعل في العبارة سقوطاً، والأصل وهو علامة صاحبكم أو غير ذلك من الألفاظ.

قال (رَحمهُ اللّه): ومما يزيدك بياناً ما رويناه بإسنادنا إلى جدي أبي جعفر الطوسي عن جماعة عن هارون بن موسى التلعكبري عن ابن همام عن جميل بن القاسم عن إسماعيل بن أحمد بن رياح عن أبي الفرج أبان بن محمّد المعروف بالسندي نقلناه من أصله قال: كان أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) تحت الميزاب وهو يدعو وعن يمينه عبد اللّه بن الحسن وعن يساره الحسن بن الحسن وخلفه جعفر بن الحسن قال: فجاءه عباد بن كثير البصري، قال: فقال له: يا أبا عبد اللّه. قال: فسكت عنه حتى قالها ثلاثاً قال: ثم قال له: يا جعفر، فقال له: قل ما تشاء يا أبا كثير. قال: أني وجدت في كتاب لي علم هذه البنية رجل ينقضها حجراً حجراً. قال: فقال له كذب كتابك يا أبا كثير، ولكن كأني واللّه بأصفر القدمين خمش الساقين ضخم البطن دقيق العنق ضخم الرأس على هذا الركن وأشار بيده إلى الركن اليماني يمنع الناس من

الطواف حتى يتذعروا منه. قال: ثم يبعث اللّه رجلاً مني وأشار بيده إلى صدره فيقتله قتل عاد وثمود وفرعون ذي الأوتاد. قال: فقال له عند ذلك عبد اللّه بن الحسن صدق واللّه أبو عبد اللّه حتى صدقوه كلهم جميعاً.

قال (رَحمهُ اللّه): فهل تراهم إلا عارفين بالمهدي وبالحق واليقين واللّه متقين.

قال (رَحمهُ اللّه): ومما يزيدك بياناً ما رواه أن بني الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) ما كانوا يعتقدون فيمن خرج منهم أنه المهدي، وأن تسموا بذلك أولهم خروجاً وأولهم تسمياً بالمهدي هو محمّد بن عبد اللّه بن الحسن، وقد ذكر يحيى بن الحسن الحسيني في كتاب (الأمالي) بإسناده عن طاهر بن عبيد عن إبراهيم بن عبد اللّه بن الحسن أنه سأل عن أخيه محمداً هو المهدي الذي يذكره؟ فقال: إن المهدي عدة من اللّه تعالى لنبيه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وعده أن يجعل من أهله مهدياً لم يسمه بعينه ولم یوقت زمانه، وقد قام أخي اللّه بفريضة عليه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فأن أراد اللّه تعالى ان يجعله المهدي الذي يذكر فهو فضل اللّه يمن به على من يشاء من عباده، وإلا فلم يترك أخي فريضة اللّه عليه لانتظار ميعاد لم يؤمر بانتظاره.

هذا آخر لفظ حديثه، وروى في حديث قبله بكراريس من

الأمالي عن أبي خالد الواسطي أن محمّد بن عبد اللّه بن الحسن، قال: يا أبا،خالد، أني خارج وأنا واللّه مقتول. ثم ذكر عذره في خروجه مع علمه أنه مقتول، وكل ذلك يكشف عن تمسكهم باللّه والرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏).

وروی حدیث علم محمّد بن عبد اللّه بن الحسن أنه يقتل أحمد بن إبراهيم في كتاب (المصابيح). انتهى كلام السيد بن طاوس طاب ثراه.

ومن المراثي في بني الحسن بن الحسن بن علي (عَلَيهِم السَّلَامُ) قول غالب بن عثمان الهمداني:

يا دار هجت لي البكاء فأعولي***حبيت منزلة دثرت ودارا

يالجزع من كنفي سويقة أصبحت***كالبر بعد بني النبي قفارا

الحاملين إذا الحمالة اعجزت***والأكرمين أرومة ونجارا

والممطرين إذا المحول تتابعت***درراً تداولها المحول غزارا

والذائدين إذا المخافة أبرزت***سوق الكواعب يبتدرن حصارا

و ثبت نثيلة وثبة بعلوجها***كانت على سلفي نثيلة عارا (1)

فتصلمت ساداتها وتهتكت***حرماً محصنة الخدور كبارا


1) نثيلة أم العباس بن عبد المطلب كانت جارية للزبير بن عبد المطلب.

ولغت دماء بني النبي فاصبحت***خضبت به الاشداق والأظفارا

لا يشتفي بيديك إن لم انبعث***لبني نثيلة جحفلاً جرارا

لجباً يضيق به وجيش عرمرم***يغشي الدكادك قسطلاً موارا

يخرجن من حلل الغبار عوابساً***يورين في حطب الاماغر نارا

فننال في سلفي نثيلة ثارنا***فيما ينال وندرك الاوتارا

وفاتها (عَلَيهَا السَّلَامُ) وموضع دفنها

كانت وفاة فاطمة بنت الحسين (عَلَيهَا السَّلَامُ) في المدينة المنورة سنة سبع عشرة ومائة وهي السنة التي توفيت فيها أختها سكينة بن الحسين (عَلَيهَا السَّلَامُ) حسب ما ذكره ابن الأثير في الكامل، وابن خلكان في تاريخه وسبط بن الجوزي في تذكرته، وغيرهم في غيرها، ودفنت في،البقيع، هذا هو الصحيح، وقيل في مصر.

وفي نور الابصار للشبلنجي، قال: القطب الشعراني في كتاب (الأنوار) عن شيخه الخواص أن السيد فاطمة النبوية بنت الإمام الحسين السبط مدفونة بالدرب الأحمر أه.

وقال الشيخ عبد الرحمن الأجهوري الكبير: السيد فاطمة النبوية بنت الحسين السبط مدفونة خلف الدرب الأحمر في زقاق يعرف بزقاق فاطمة النبوية في مسجد جليل ومقامها عظيم وعليه من المهابة والجلال والوقار ما يسر قلوب الناظرين، ولنا فيها أرجوزة ولنا بها زيارات، وما اشتهر إن فاطمة النبوية بدرب سعادة غير صحيح، وعلى تقدير صحته يحتمل أن يكون معبدها، ويحتمل أن تكون

فاطمة أخرى من بيت النبوة أه.

قال الشبلنجي: وهو موافق لما قالوه من أن أولاد الحسين (رضیَ اللّهُ عنهُ) الأناث ثلاثة: سكينة وزينب وفاطمة واحدة (ثم نقل عن درر الاصداف) إن للحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فاطمة أخرى، ونقل حديث الغراب الذي قدمناه ثم قال: لا يقال إذا كان للحسين فاطمة صغرى، وفاطمة كبرى على هذا، فما المانع من أن فاطمة التي بدرب سعادة إحداهما لأنا نقول هذا مما يحتاج إلى نقل والشيخ الاجهوري حجة (1)(إلى هنا انتهى كلام نور الأبصار).

وذكر ابن بطوطة في رحلته المسماة (تحفة النظار) عند كلامه على قبر الخليل وإسحاق ويعقوب (عَلَيهِم السَّلَامُ). قال: وبمقربة من تربة لوط مسجد اليقين (إلى أن قال) وبالقرب من هذا المسجد مغارة فيها قبر فاطمة بن الحسين بن علي (عَلَيهَا السَّلَامُ)، وبأعلى القبر وأسفله لوحان من الرخام في أحدهما مكتوب منقوش بخط بديع: بسم اللّه الرحمن الرحيم اللّه العزة والبقاء، وله ما ذر أو برأ وعلى خلفه كتب الفناء، وفي رسول اللّه أسوة، هذا قبر أم سلمة فاطمة بنت الحسين (رضي اللّه عنها)، وفي اللوح الآخر منقوش صنعه محمّد بن أبي سهل النقاش


1) ص 39، ط الخيرية،م، ونقله نور الابصار، ص 167.

بمصر ونحت ذلك هذه الأبيات:

أسكنت من كان في الأحشاء مسكنه***بالرغم مني بين الترب والحجر

یا قبر فاطمة بنت ابن فاطمة***بنت الأئمة بنت الأنجم الزهر

يا قبر ما فيك من دين ومن ورع***ومن عفاف ومن صون ومن خفر

أقول: والصحيح ما قدمناه من أن قبر فاطمة بنت الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) هو في البقيع، أما هذه القبور التي بمصر وهذا القبر الذي ذكره ابن بطوطة فليس ببعيد أنها لنساء علويات حسينيات يتفقن بالاسم مع فاطمة هذه أو يختلفن أو لرجال منهم بدلت أسمائهم خوفاً من أعداء آل محمّد في الأزمنة المظلمة التي كان فيها العلويون مضطهدون والشيعة مشردون.

هذا آخر ما تصدينا إليه في هذه الرسالة والحمد للّه وحده والصلاة والسلام على سيدنا محمّد الذي لا نبي بعده و آله الطيبين الطاهرين.

فهرس الكتاب

مقدمة المؤلف...5

نسبها (عَلَيهَا السَّلَامُ)...6

اسمها وكنيتها ولقبها ومقدار عمرها (عَلَيهَا السَّلَامُ)...9

أخواتها وإخوانها (عَلَيهَا السَّلَامُ)...11

علمها وفضلها وجلالة قدرها (عَلَيهَا السَّلَامُ)...15

الأحاديث المروية عنها (عَلَيهَا السَّلَامُ)...24

فصاحتها وبلاغتها (عَلَيهَا السَّلَامُ)...39

زواجها (عَلَيهَا السَّلَامُ) وشيء من أحوال الحسن المثنى ابن الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)...51

ما شاهدته في كربلا وما جرى عليها (عَلَيهَا السَّلَامُ) في الكوفة والشام...67

أولادها (عَلَيهَا السَّلَامُ)...76

في شيء من أحوال بني الحسن المثنى وما جرى عليهم في الدولة العباسية...85

محمّد وإبراهيم ولدا عبد اللّه بن الحسن بن الحسن عليهم السلام وخروجهما ومقتلهما ...91

وفاتها (عَلَيهَا السَّلَامُ) وموضع دفنها...117

فهرس الكتاب...121