ghaemiyeh.com
في تعیین قبرأمير المؤمنين علي علیه السلام
المؤلف : السيد ابن طاووس
المجموعة : مصادر الحديث الشيعية - القسم العام
تحقيق : السيد تحسين آل شبيب الموسوي
سنة الطبع : 1419 - 1998 م
مركز الغدير للدراسات الاسلامية
بسم اللّه الرحمن الرحيم
جميع حقوق الطبع محفوظة للناشر
مؤسسة دائرة معارف الفقه الاسلامي
ص. ب 3796 / 37185 - 739999
اسم الكتاب: فرحة الغري في تعيين قبر أمير المؤمنين علي (عليه السلام)
المؤلف: السيد عبد الكريم بن طاووس الحسني
تحقيق: السيد تحسين آل شبيب الموسوي
الناشر: مركز الغدير للدراسات الاسلامية
الطبعة الأولى: 1419 ه - 1998 م
المطبعة: محمد الكمية: 3000 نسخة
ويا من..
حبه أعظم وسائلي إلى ربي في حشري.
ويا من..
ذكره أطيب ما يخطر بقلبي ويمر بفكري..
ويا من..
ولاه رأس إيماني واعتقادي..
ويا من..
مدحه راحة روحي وأقصى مرادي..
ويا من..
حبه جنتي وجنتي في دنياي وآخرتي..
وولاؤه
معاذي وملاذي يوم حشري وفاقتي..
السيد تحسين الموسوي
يتوفر التاريخ على وصايا صريحة تشير إلى رغبة الإمام علي (عليه السلام) في مواراته الثرى في تلك الظروف البالغة السرية ومن المؤكد ان الامام كان يستشرف المستقبل ويلم بالنفسية الحاقدة التي ينطوي عليها الأمويون، تلك النفسية الهابطة التي جسدتها هند زوج أبي سفيان ساعة أصرت على نبش قبر آمنة والدة النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، ثم اقدامها فيما بعد على التمثيل بجسد سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب (رضي اللّه عنه)..
ولقد سجل التاريخ كلمات علي (عليه السلام) وهو يشير إلى ما تحمله الأيام القادمة من ويل وثبور في قوله (عليه السلام): (سيأتي عليكم من بعدي زمان ليس فيه شي أخفى من الحق، ولا أظهر من الباطل، ولا أكثر من الكذب على اللّه ورسوله... ولا في البلاد شي أنكر من المعروف، ولا أعرف من المنكر).
ثم يصف طبيعة الرجل الذي سيبدأ العهد الجديد: (اما انه سيظهر عليكم بعدي رجل رحب البلعوم مندحق البطن، يأكل ما يجد، ويطلب مالا يجد فاقتلوه ولن تقتلوه! ألا وانه سيأمركم بسبي والبراءة مني، فاما السب فسبوني فإنه لي زكاة ولكم نجاة، واما البراءة فلا تتبرأوا مني، فاني ولدت على الفطرة وسبقت إلى الايمان والهجرة).
ثم يصف فجيعة المجتمع الاسلامي في الظل الأموي الثقيل: (واللّه لا يزالون حتى لا يدعوا لله محرما إلا استحلوه، ولا عقدا إلا حلوه)، وستعم المأساة المدن والبوادي:
(حتى لا يبقى بيت مدر ولا وبر إلا دخله ظلمهم. ويبدأ زمن البكاء:
(وحتى يقوم الباكيان يبكيان: باك يبكي لدينه، وباك يبكي لدنياه).
والامام وهو يستشرف المستقبل بهذا الوضوح ويصوره بهذه البلاغة المؤثرة، قد احتاط لجثمانه الطاهر ولا شك بوصية شخصية مؤكدة على دفنه ليلا وفي ظروف بالغة السرية حتى أنه لم يشهد المراسم إلا أقرب المقربين من أنصاره والسائرين على خطه.
ومنذ سنة 40 للهجرة ظل القبر وهو في الكوفة أو ضواحيها سرا لا يعرفه إلا أهل البيت (عليهم السلام)، وممن حملوا الأمانة واستمر الوضع حتى اشتعال الثورة التي حملت شعار الرضا من آل محمد (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، وذلك سنة 132 حيث بدأ الحديث علنا عن مكان القبر في منطقة النجف الأشرف.
وقد أصبح مزارا لمدة محدودة جدا حيث عاد إلى الاختفاء مرة أخرى وأمحت معالمه بسبب انفجار الصراع بين العلويين والعباسيين وخشية الناس انتقام السلطة العباسية، وقد ساعد على ذلك أيضا وقوع القبر في واد منخفض فكان عرضة للسيول وهبوب الرياح.
وقد ظل القبر كربوة من ربى الوادي وأكماته في تلك الأرض الموحشة الخالية من أي اثر للزراعة والحضارة.
حتى إذا أطل عام 179 ه شاء اللّه أن يظهر كرامة عبده الصالح على يد الخليفة العباسي هارون الرشيد وذلك في رحلة صيد وردت قصتها في كتب التأريخ.
وقد أمر هارون ببناء قبة تعد في الواقع أول عمارة للضريح المقدس ثم استمرت العمارة حتى بلغت الذروة في العهد البويهي، وقد وصف ابن بطوطة الذي زار الضريح سنة 725 ه وأشار إلى بعض مراسم الزيارة فيه، كما أشار إلى قبري آدم ونوح (عليه السلام).
وما يزال ضريح علي (عليه السلام) بقبته الذهبية الشماء، يرمز إلى مجده وكرامته وعلو منزلته، وما تزال الملايين من المؤمنين تقصده كل عام تتبرك به، وتلهج بالثناء عليه، وإذا كان الإمام علي (عليه السلام) قد عبر في واحدة من مناسبات صراعه المرير مع الباطل بقوله: أنزلني الدهر حتى قيل معاوية وعلي. فان عليا (عليه السلام) يذكر اليوم مع معاوية ولكن ليس كند له بل كنقيض له في النبل والخلق والانسانية.
والكتاب الذي بين يديك - عزيزي القارئ - والموسوم ب (فرحة الغري) من نتاج القرن السابع الهجري فقد ولد مؤلفه سنة 647 ه وتوفي سنة 693 ه.
ويبدو أن هذا الجهد العلمي جاء استجابة من مؤلفه السيد عبد الكريم بن طاووس لاحد الأفاضل في عصره. وطاووس لقب مشهور في البيوتات العلوية لقب به محمد بن إسحاق الذي يرقى نسبه إلى الحسن بن علي سبط رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم).
ومن المؤكد ان مؤلفه ومن خلال التأمل في أبواب الكتاب - كان على اطلاع واسع بكتب الحديث ومصادر التاريخ.
وهو يصور بشاعة السياسة الأموية واحتياطات الامام لدفنه سرا خشية وقوع حرب أهلية فيما لو أقدم بعض الخوارج المتعصبين أو الأمويين الحاقدين على العبث بقبر الإمام (عليه السلام).
ولذا فهو يعد من مصادر التاريخ في تلك الحقبة من الزمن ووثيقة أساسية تؤكد بما لا يقبل الشك حقيقة أراد لها اللّه سبحانه أن تظهر بجلاء.
اما الجهد التحقيقي فقد جاء في إطار مراجعة مخطوطتين موجودتين في مكتبة آية اللّه المرعشي النجفي ومقابلتها مع نسخة مطبوعة بتاريخ 1368 ه.
ويبدو أن المخطوطة الأولى تعود في تاريخها إلى القرن الثالث عشر، ومن المحتمل ان استنساخها قد تم في مدينة النجف الأشرف.
اما المخطوطة الثانية فيعود تاريخها إلى سنة 947 ه.
وتمتاز الطبعة المحققة باستدراك وتصحيح أخطأ التصحيف التي وقعت خلال عملية الاستنساخ، واستكمال ما سقط من أسانيد الحديث ومتونه، إضافة إلى ترجمة بعض الاعلام الذين ورد لهم ذكر في الكتاب.
ومن اللّه التوفيق مركز الغدير
اللّهم نحمدك ونستعين بك، ونصلي على نبيك وعلى أهل بيته المنتجبين، أفضل وأكمل وأشرف ما صليت على أنبيائك، وأصفيائك.
النجف أو الغري: مهبط الأولياء ودار هجرة الأنبياء، عليها استوت سفينة نوح (عليه السلام) ومنها تفرق أولاده، وبها كان منزل إبراهيم الخليل (عليه السلام)، كما كان لها نصيب وافر في الحضارة أيام التنوخيين واللخميين والمناذرة لقربها من الحيرة، وأخيرا أصبح لها شأن عظيم عندما تشرفت وضمت بين جنباتها الجسد الطاهر لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام). لذلك ارتأيت لاتمام الفائدة ان أذكر نبذة مختصرة عما قاله اللغويون عن النجف والغري، والاصلاحات التي تعاقبت على القبر الشريف.
النجف: بالتحريك، قال السهيلي: بالفرع عينان يقال لأحدهما الربض وللأخرى النجف، تسقيان عشرين الف نخلة، وهو بظهر الكوفة، كالمسناة تمنع سيل الماء ان يعلو الكوفة ومقابرها (1).
وقال الطريحي: النجف بفتحتين كالمسناة بظاهر الكوفة يمنع ماء السيل ان يبلغ منازلها ومقابرها (2).
وقال المطرزي: النجف والنجفة بالتحريك: مكان لا يعلوه الماء مستطيل.
وقال الزمخشري: وفي بطن الوادي نجفة ونجف، وهي مكان مستطيل كالجذر لا يعلوه الماء (1).
وفي لسان العرب: النجف أرض مستديرة مشرفة، والجمع نجف ونجاف (2)وقال الفيروزآبادي: النجف محركة، وبهاء: (النجفة) مكان لا يعلوه الماء مستطيل منقاد، ويكون في بطن الوادي، وقد يكون البطن في الأرض جمعه نجاف، أو هي أرض مستديرة مشرفة على ما حولها، والنجف محركة: التل والمسناة ومسناة بظاهر الكوفة تمنع ماء السيل ان يعلو مقابرها ومنازلها (3)ومهما يكن من الامر فالمراد من النجف: هي أرض عالية تشبه المسناة لصد الماء عما جاورها، وينجفها الماء من جوانبها أيام السيول ولكنه لا يعلوها فهي كالنجد والسد، ويغلب على شكلها الاستطالة دون الاستدارة التي أشار إليها بعض اللغويين.
اما الشيخ الصدوق فإنه روى عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال:
ان النجف كان جبلاً عظيماً، وهو الذي قال ابن نوح (عليه السلام): سآوي إلى جبل يعصمني من الماء، ولم يكن على وجه الأرض جبل أعظم منه، فأوحى اللّه إليه:
يا جبل أيعتصم بك مني؟ اقتطع قطعا إلى بلاد الشام وصار رملا دقيقا، وصار بعد ذلك بحرا عظيما، وكان يسمى ذلك البحر (ني) ثم جف البحر بعد ذلك فقيل:
(ني جف) فسمي ب (نيجف) ثم صار بعد ذلك يسمونه (نجف) لأنه كان أخف
على ألسنتهم (1).
اما موقع النجف، فإنها تقع على حافة الهضبة الغربية في العراق، وتبعد عن فرات الكوفة ما يقرب من عشرة كيلومترات من غربي الكوفة، في مرتفع يطل من الشمال والشرق على منبسط فسيح، ويطل من الغرب على واد رحب ربما كان فيما غبر من أزمان التاريخ بحيرة جفت ونضبت (2).
ولارتفاع النجف وإطلالها على الرحاب والسهول، كانت أيام الساسانيين والمناذرة والعباسيين، منتزها يقصدونه في الربيع، ويشير إلى ذلك المسعودي وهو يتحدث عن الحيرة قال: وكانت قصور العباسيين مشرفة على النجف يتنزه بها أيام الربيع (3).
والنجف في أقليم حسن التربة، معتدل الحرارة والبرودة، لم يلحق الحجاز في حره، ولا الجهات الشمالية في بردها وهو العراق، وقد ذكره الحموي فقال:
(هو أعدل أرض العراق هوأ وأصحها مزاجا وماء، فلذلك كان أهل العراق هم أهل العقول الصحيحة، والآراء الراجحة والشهوات المحمودة، والشمائل الظريفة، والبراعة في كل فن وصناعة مع اعتدال الأعضاء، واستواء الاخلاط، وسمرة الألوان، وهم الذين أنضجتهم الأرحام) (4).
1) علل الشرائع: 31 / 1 باب 26.
2) عن أبي عبد اللّه الصادق (عليه السلام) قال: أن النجف كان جبلا، وهو الذي قال ابن نوح. (ساوي إلى جبل يعصمني من الماء) ولم يكن على وجه الأرض أرض أعظم منه.. وصار بعد ذلك بحرا عظيما وكان يسمى ذلك البحر (بحرني) ثم جف بعد ذلك، فقيل (ني جف) فسمي (نيجف) ثم صار الناس بعد ذلك يسمونه (نجف) لأنه كان أخف على ألسنتهم انظر: موسوعة العتبات المقدسة (قسم النجف) 6: 77.
3) مروج الذهب 2: 81.
4) معجم البلدان 4: 95
قال ياقوت الحموي: ثنية الغري، وهو المطلى بالغراء محمود: وهو الغري الذي يطلى به، والغري فعيل بمعنى مفعول.
والغري: الحسن من كل شي، يقال: رجل غري الوجه إذا كان حسنا مليحا، فيجوز أن يكون الغري مأخوذا من كل واحد من هذين (1).
وفي تاج العروس: والغراء الحسن ومنه الغري، كغني الحسن الوجه منا والحسن من غيرنا، والغري البناء الجديد، ومنه الغريان: وهما بناءان مشهوران بالكوفة عند الثوية، حيث قبر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (رضي اللّه عنه) زعموا أنهما بناهما بعض ملوك الحيرة (2).
فالغري نصب كان يذبح عليه العتائر (3)، والغريان طربالان وهما بناءان كالصومعتين بظاهر الكوفة.
قال ابن دريد: الطربال قطعة من جبل أو قطعة من حائط تستطيل في السماء وتميل (4). وقد بنى الغريين اللذين في الكوفة المنذر بن ماء السماء على مثل غريين بناهما صاحب مصر، وكان السبب في بنائهما انه كان له نديمان من بني أسد يقال لأحدهما خالد بن فضلة، والاخر عمرو بن مسعود، فثملا فراجعا الملك ليلة في بعض كلامه، فأمر وهو سكران فحفر لهما حفيرتين في ظهر الكوفة ودفنهما حيين، فلما أصبح استدعاهما فأخبر بالذي أمضاه فيهما، فغمه ذلك وقصد حفرتهما وأمر ببناء طربالين عليهما وهما صومعتان.
فقال المنذر: ما أنا بملك ان خالف الناس أمري، لا يمر أحد من وفود العرب إلا بينهما، وجعل لهما في السنة يوم بؤس ويوم نعيم، يذبح في يوم بؤسه كل من يلقاه ويغري بدمه الطربالين، فأن رفعت له الوحش طلبتها الخيل، وان رفع طائر أرسل عليه الجوارح حتى يذبح ويطليان بدمه، ولبث بذلك برهة من دهره، وسمي أحد اليومين يوم البؤس وهو اليوم الذي يقتل فيه ما ظهر له من انسان وغيره، وسمي الاخر يوم النعيم يحسن فيه إلى كل من يلقى من الناس ويحملهم ويخلع عليهم. فخرج يوما من أيام بؤسه إذ طلع عليه عبيد بن الأبرص الأسدي الشاعر وقد جاءه ممتدحا، فلما نظر إليه قال: هلا كان الذبح لغيرك يا عبيد! فقال عبيد: أتتك بحائن رجلاه، فأرسلها مثلا، فقال له المنذر: أو أجل قد بلغ إناه، فقال رجل ممن كان معه: أبيت اللعن أتركه فأني أظن أن عنده من حسن القريض أفضل مما تريد من قتله فأسمع فإن سمعت حسنا فأستزده وإن كان غيره قتلته وأنت قادر عليه، فأنزل فطعم وشرب ثم دعا به المنذر فقال له: زدنيه ما ترى، قال: أرى المنايا على الحوايا، ثم قال له المنذر: أنشدني فقد كان يعجبني شعرك، فقال عبيد: حال الجريض دون القريض وبلغ الحزام الطبيين، فأرسلهما مثلين، فقال له بعض الحاضرين: أنشد الملك هبلتك أمك! فقال عبيد:
وما قول قائل مقتول؟ فأرسلها مثلا أي لا تدخل في همك من لا يهتم بك، قال المنذر: قد أمللتني فأرحني قبل أن آمر بك، قال عبيد: من عز بز، فأرسلها مثلا، فقال المنذر: أنشدني قولك: أتفر من أهله ملحوب فقال عبيد:
أتفر من أهله عبيد *** فاليوم لا يبدي ولا يعيد
عنت له منية تكود *** وحان منها له ورود
ثم إن المنذر قال له: يا عبيد لا بد من الموت وقد علمت أن النعمان ابني لو
عرض لي يوم بؤسي لم أجد بدا من أن أذبحه، فأما ان كانت لك وكنت لها فاختر إحدى ثلاث خصال: إن شئت فصدتك من الأكحل وان شئت من الأبجل وان شئت من الوريد، فقال عبيد: أبيت اللعن! ثلاث خلال كساحيات واردها شر وارد وحاديها شر حاد ومعاديها شر معاد فلا خير فيها لمرتد، ان كنت لا محالة قاتلي فأسقني الخمر حتى إذا ماتت لها مفاصلي وذهلت منها ذواهلي فشأنك وما تريد من مقاتلي، فاستدعى له المنذر الخمر فشرب فلما أخذت منه وطابت نفسه أمر به المنذر ففصد حتى نزف دمه فلما مات غري بدمه الغريان، فلم يزل على ذلك حتى مر به في بعض أيام البؤس رجل من طي يقال له حنظلة فقرب ليقتل فقال: أبيت اللعن! إني أتيتك زائرا ولأهلي في بحرك مائرا فلا تجعل ميرتهم ما تورده عليهم من قتلي، قال له المنذر: لا بد من قتلك فسل حاجتك تقض لك قبل موتك، فقال: تؤجلني سنة أرجع فيها إلى أهلي فأحكم فيهم بما أريد ثم أسير إليك فينفذ في امرك، فقال له المنذر: ومن يكفلك أنك تعود؟ فنظر حنظلة في وجوه جلسائه فعرف شريك بن عمرو بن شراحيل الشيباني فقال:
يا شريك يا ابن عمرو *** هل من الموت محاله؟
يا شريك يا ابن عمرو *** يا أخا من لا أخا له
يا أخا المنذر فك *** اليوم رهنا قد أنى له
يا أخا كل مضاف *** وأخا من لا أخا له
إن لشيبان قبيلا *** أكرم الناس رجاله
وأبو الخيرات عمرو *** وشراحيل الحماله
رقباك اليوم في المجد *** وفي حسن المقالة
فوثب شريك وقال: أبيت اللعن! يدي بيده ودمي بدمه إن لم يعد إلى أجله، فأطلقه المنذر، فلما كان من القابل قعد المنذر في مجلسه في يوم بؤس
ينتظر حنظلة فأبطأ عليهم فقدم شريك ليقتل فلم يشعر إلا وراكب قد طلع فإذا هو حنظلة وقد تحنط وتكفن ومعه نادبته تندبه، فلما رأى المنذر ذلك عجب من وفائه وقال: ما حملك على قتل نفسك؟ فقال: أيها الملك إن لي دينا يمنعني من الغدر، قال: وما دينك؟ قال: النصرانية، فاستحسن ذلك منه وأطلقهما معا وأبطل تلك السنة وكان سبب تنصره وتنصر أهل الحيرة فيما زعموا (1).
بعد أن ذكرت نبذة مختصرة عن تسمية النجف والغري، آثرت ذكر نبذة مختصرة أيضا عن مراحل بناء القبر الشريف بعد ما أظهره الرشيد العباسي في عام 170 ه.
عمل صندوق على قبره:
بعد أن ظل القبر مخفيا منذ وفاته (عليه السلام) سنة 40 ه وحتى انقضاء دولة بني أمية عام 132 ه، وفي تلك الفترة ظل القبر الشريف سرا مكتوما، وكنزا مصونا لم يطلع عليه غير أولاده: والخواص من شيعتهم، وبقي هذا الحال حتى انقضت الدولة الأموية، وانطوت صحائف أعمالها بما فيها من فضائح ومخاز مما ارتكبوه في حق أهل البيت وشيعتهم، وبعد ظهور دولة بني العباس، ظهر السر المكتوم وعرف موضع الكنز المصون، وذهب ما كان يحذره العلويون من أعدائهم وشانئيهم، فدلوا عليه بعض شيعتهم وجعلوا يترددون عليه لزيارته، ويتعاهدونه ليلا ونهارا، ولم يكن إذ ذاك إلا اكمة أو ربوة قائمة، فصار ظاهرا للعيان، وازداد إقبال الناس عليه. وفي هذا الحال كثرت الاخبار في تعيينه وتحديد موضعه، فمنهم من يثبته ومنهم من ينفيه، حتى أراد أبو جعفر المنصور ان يتأكد من صحة دفنه (عليه السلام) في موضعه المعروف، أمر أحد مواليه بالذهاب معه
1) معجم البلدان 4: 198 - 199.
إلى الغري، وأمره ان يحفر القبر، فلما بلغ اللحد قال له: طم هذا قبر علي بن أبي طالب، إنما أردت ان اعلم هذا (1).
وبقيت الحالة هذه من تهافت الناس على زيارته والتبرك بقبره الشريف، فزاره عدد من العلويين والعباسيين، حتى أظهره داود بن علي العباسي على أثر كرامة ظهرت له، فأمر بوضع صندوق على القبر الشريف، وبقي هذا الصندوق امام النظار فترة من الزمن.
ولما تبدلت نيات العباسيين وأظهروا للعلويين العداء، هجر القبر الشريف، واندرس الصندوق الذي وضعه داود العباسي، ولم يعرج أحد على القبر إلا خلسة، ومكث على هذا الحال عشرات من السنين، والذي ساعد على ضياع الصندوق هجران القبر بالنظر للخوف المستحوذ على النفوس من السلطة العباسية القاسية.
وكذلك ساعد على ضياعه أيضا هو موضع القبر الشريف، فإنه في منخفض واد معرض لجري السيول ومهاب الريح (2). وقد ظهر القبر الشريف للمرة الثالثة على يد هارون الرشيد على اثر كرامة ظهرت له، وبعد ذلك طرأ على القبر عدة إصلاحات وعمارات نوجزها هما يلي:
العمارة الأولى:
أمر الرشيد ببناء قبة على القبر الشريف سنة 170 ه، وجعل لها أربعة أبواب (3)، وهي من طين أحمر، وطرح على رأسها جرة خضراء (4)، وأما الضريح
المقدس فإنه بناه بحجارة بيضاء ووضع عليه قنديلا من الفيروز المرصع بالجواهر اليتيمة. وأخذ الناس في زيارته والدفن لموتاهم حوله. وفي سنة 180 ه جاوره الناس.
وكانت في الحضرة المقدسة مما يلي الرأس الشريف تحت الطاق صورة رجل وبيده قوس وأمامه غزال قد وجه نحو قوسه، وهي من أبدع الصور اليدوية. وهذه الصورة رمز إلى حادثة الرشيد وقد قلعت مع الأخشاب المزوقة سنة 1364 ه وأعيدت إلى غير مكانها.
عمارة محمد بن زيد الحسني الملقب (بالداعي الصغير) صاحب بلاد الديلم وطبرستان. فإنه أمر بعمارته وعمارة الحائر الحسيني والبنأ عليهما بعد سنة 279 ه وبنى على المشهد العلوي حصنا فيه سبعون طاقا، وقد أخبر الإمام الصادق (عليه السلام) بهذا البنأ قبل وقوعه حيث قال: لا تذهب الليالي والأيام حتى يبعث اللّه رجلا ممتحنا في نفسه في القتل يبني عليه حصنا فيه سبعون طاقا.
وقيل إن المتوكل العباسي خرب عمارة النجف كما خرب عمارة الحسين (عليه السلام) وأعادها محمد بن زيد الداعي، وأعاد جميع القبور الدارسة للطالبيين.
لكن ربما تنسب هذه العمارة إلى أخيه الحسن حيث كانت له في كل سنة ثلاثون ألف درهم أحمر يصرفها في العتبات المقدسة (1).
بعد دخول البويهيين إلى العراق، أمر عضد الدولة بن بويه بتجديد البنأ
1) أعيان الشيعة 1: 536.
سنة 338 ه فبذل أموالا طائلة في سبيل ذلك وجلب إلى النجف النجارين وأهل صناعات البنأ من سائر الأقطار، وأقام هو في ذلك المكان قريبا من سنة، فخرب العمارة القديمة وأمر ببناء عمارة جليلة حسنة وهي العمارة التي كانت قبل اليوم ويذكر أنها كانت باقية حتى سنة 750 ه.
وقد شاهد هذه العمارة الرحالة (ابن بطوطة) حين ورد إلى النجف سنة 725 ه، فإنه وصف الروضة المقدسة فقال:
والخوانق معمورة أحسن عمارة وحيطانها بالقاشاني وهو شبه الزليج عندنا لكن لونه أشرق ونقشه أحسن، ثم ذكر المرقد المطهر وما فيه من فرش ومعلقات، وما يصنعه السدنة وقوام المشهد مع الزائرين فقال: ثم يأمرونه بتقبيل العتبة وهي من الفضة وكذلك العضادات، ثم يدخل القبة وهي مفروشة بأنواع البسط من الحرير وسواه، وبها قناديل الذهب والفضة منها الكبار والصغار وفي وسط القبة مصطبة مربعة مكسوة بالخشب عليه صفائح الذهب المنقوشة المحكمة العمل مسمرة بمسامير الفضة قد غلبت على الخشب لا يظهر منه شئ وارتفاعها دون القامة وفوقها ثلاثة من القبور يزعمون أن إحداها قبر آدم (عليه السلام) والثاني قبر نوح، والثالث قبر علي (رضي اللّه عنه)، وبين القبور طشوت ذهب وفضة وفيها ماء الورد والمسك وأنواع الطيب، يغمس الزائر يده في ذلك ويدهن بها وجهه تبركا. وللقبة باب آخر عتبته أيضا من الفضة وعليه ستور الحرير الملون يفضي إلى مسجد مفروش بالبسط الحسان مستورة حيطانه وسقفه بستور الحرير وله أربع أبواب عتبها فضة وعليه ستور الحرير (1).
وهذه العمارة وإن كان يرجع تأسيسها بهذا الشكل لعضد الدولة لكنها
1) أعيان الشيعة 1: 537.
طرأت عليه اصلاحات وتحسينات كثيرة من البويهيين والحمدانيين وبعض العباسيين المتشيعين فأن المستنصر عمر الضريح المقدس وبالغ فيه وزاره مرارا، وكذلك جنكيزخان وغيرهم حتى وصلت العمارة إلى هذا الشكل من العظمة والأثاث التي شاهدها ابن بطوطة. إلا أن هذه العمارة احترقت سنة 753 ه ولم يبق من عمارة عضد الدولة إلا القليل، وقبور آل بويه هناك ظاهره مشهورة لم تحترق، وكانت معروفة بقبور سبع سلاطين (1).
بعد ما احترقت عمارة عضد الدولة جدد البنأ بانشاء عمارة جديدة سنة 760 ه. ويقول السيد محسن الأمين: (التي حصلت بعد عمارة عضد الدولة التي احترقت كما مر فجددت سنة 760 ه ولا يعلم مجددها، وربما تكون من جماعة لا من شخص واحد ولذلك لم يذكر مجددها، والعادة قاضية بأنها لو كانت من شخص واحد لذكر اسمه خصوصا إذا كان معروفا وخصوصا ممن شاهدها) (2).
وفي تلك الفترة حدثت اصلاحات من البويهيين والحمدانيين وغيرهم.
بعد أن تعاقبت الدهور ومرت عشرات من السنين على العمارة المتقدمة، تضعضعت القبة، وكانت ساحة الصحن ضيقة، فأمر الشاه صفي حفيد الشاه عباس الأول بهدم بعض جوانب القبر الشريف وتوسيعه، وتوسيع ساحة الحرم العلوي المطهر، في سنة 1047 ه، واشتغلوا بها إلى أن توفي الشاه صفي سنة 1052 ه، فأتمها ابنه الشاه عباس الثاني. وقيل إن العمارة للشاه عباس الصفوي
وان المباشر والمهندس لها الشيخ البهائي، فجعل القبة خضراء بعد ما كانت بيضاء.
ثم جدد العمارة الصفوية السلطان نادر الافشاري وزاد عليها وزخرف القبة الشريفة ومنارتي المشهد وإيوانه بالذهب الأبريز بعد فتحه الهند كما هي عليه اليوم، ويقال ان على كل لبنة تومانا نادريا من الذهب. وأهدى إلى المشهد الشريف من الجواهر والتحف شيئا كثيرا وذلك في سنة 1154 أو 1156 ه وكتب اسمه داخل الباب الشرقي هكذا (المتوكل على الملك القادر سلطان نادر).
وعمر فيه بعد ذلك الشاه أحمد ناصر الدين القاجاري، ثم تنافست الملوك والامراء في عمارته والاهداء إليه، فأهدى إليه السلطان عبد العزيز العثماني شمعدانيين عظيمين من الفضة المؤزرة بالذهب على أبدع شكل، وكذلك إلى مشهد الحسين (عليه السلام) ومشهدي الكاظمية وسامراء، ومشهد الشيخ عبد القادر الكيلاني (1).
1) انظر: أعيان الشيعة 1: 538 وماضي النجف 1: 48.
اسمه ونسبه:
هو عبد الكريم بن أحمد بن موسى بن جعفر بن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن طاووس الحسني العلوي (1).
مولده:
ولد السيد عبد الكريم بن السيد أحمد بن طاووس (رحمة اللّه) في شعبان سنة 647 ه، في الحائر الحسيني ونشأ وترعرع في الحلة مزيدية ثم واصل دراسته في مدينة بغداد.
أسرته:
ينتمي السيد عبد الكريم بن طاووس إلى عائلة اشتهرت بالعلم والعلماء، وبنو طاووس بيت كبير في الحلة، ولقبوا بهذا الاسم نسبة إلى جدهم الاعلى أبي عبد اللّه محمد بن إسحاق، فان محمدا كان جميل الصورة، بهي المنظر، الا ان قدميه لم يتناسبا مع جمال هيئته فلقب بالطاووس.
ويرجع نسب هذه العائلة إلى الإمام الحسن بن علي (عليه السلام)، فجدهم الاعلى
1) انظر ترجمته: أمل الآمل 2: 159، تنقيح المقال 2: 159، جامع الرواة 1: 463، الذريعة: 16، رجال ابن داود: 226، رياض العلماء، سفينة البحار 2: 122، الفوائد الرضوية: 238، الكنى والألقاب 1: 341، لؤلؤة البحرين: 90، نقد الرجال: 191.
الملقب بالطاووس محمد بن إسحاق بن الحسن بن محمد بن سليمان بن داود بن الحسن المثنى ابن الحسن السبط ابن علي بن أبي طالب:
وجدهم داود كان أخا للإمام جعفر الصادق (عليه السلام) من الرضاعة، من أمه أم خالد البربرية التي ينسب إليها دعأ أم داود كما صرح به السيد علي بن طاووس في الاقبال.
كانوا في بداية الامر في سورى (1)
انظر: معجم البلدان 3: 27.
، ثم انتقلوا إلى بغداد والحلة وكان للسيد المصنف ولدان أحدهما: علي الملقب برضي الدين، كما يظهر من إجازة السيد عبد الحميد بن فخار له ولابنه على هذا، وكان حيا سنة 741 ه، وقد ذكره صاحب أمل الآمل (2).وثانيهما أبو الفضل محمد المولود ببغداد سنة 670 ه، وقد ذكرهما صاحب (روضات الجنات). وذكر الثاني صاحب (رياض العلماء) (3)فإنه قال:
رأيت فوائد بخط السيد عبد الكريم على ظهر كتاب (الفتن والملاحم) لعمه رضي الدين بخطه يظهر منها ان له ولدا اسمه أبو الفضل محمد بن عبد الكريم، وان ولادته كانت في طلوع الشمس يوم الاثنين سلخ محرم سنة 670 ه ببغداد وان جده سماه بذلك الاسم.
أقوال العلماء فيه:
كان المصنف، (رحمة اللّه) شاعرا منشئا أديبا، حافظا للسير والأحاديث والاخبار
والحكايات والاشعار، حيث جمع وصنف وألف، وكان يشارك الناس في علومهم، وكانت داره مجمع الأئمة والاشراف. ولا غرو فإنه قد تربى ونشأ في بيت أشتهر بالعلم والأدب، وقد تعاهده والده منذ نعومة أظفاره حتى خرجه عالما فقيها محققا حيث وصفه داود الحلي فقال عنه: (سيدنا الامام المعظم غياث الدين النسابة النحوي، العروضي، الزاهد، العابد أبو المظفر (قدس سره) انتهت رياسة السادات وذوي النواميس إليه، وكان أوحد زمانه، حائري المولد حلي المنشأ بغدادي التحصيل كاظمي الخاتمة).
وقال أيضا: (كنت قرينه طفلين إلى أن توفي (قدس سره) ما رأيت قبله ولا بعده كخلقه وجميل قاعدته وحلو معاشرته ثانيا، ولا لذكائه وقوة حافظته مماثلا، ما دخل في ذهنه شي فكاد ينساه، حفظ القرآن في مدة يسيرة وله أحدى عشرة سنة، استقل بالكتابة واستغنى عن المعلم في أربعين يوما وعمره إذ ذاك أربع سنين ، ولا تحصى مناقبه وفضائله).
اما العلامة الطبرسي فقد وصفه (بنادرة الزمان، وأعجوبة الدهر الخوان، صاحب المقامات والكرامات).
اما صاحب أعيان الشيعة فقد وصفه بقوله: (وكان الأكابر والولاة والكتاب يستضيئون بآرائه وأنواره).
مشايخه:
تخرج، (رحمة اللّه) على يد جماعة من أفاضل العلماء، فقد كانت بداياته الأولى مع والده النقيب، ثم أخذ علومه عن عمه النقيب رضي الدين، والمحقق الحلي، وابن عم المحقق الحلي الشيخ نجيب الدين يحيى بن سعيد، والخواجة نصير الدين الطوسي، ومن العامة الشيخ حسين بن اياز والقاضي عميد الدين زكريا بن
محمد القزويني صاحب عجائب المخلوقات والحكيم المحقق الشيخ ميثم شارح نهج البلاغة.
فمنهم الشيخ حسن بن داود (صاحب الرجال)، والشيخ عبد الصمد بن أحمد بن أبي الجيش الحنبلي الراوي عنه أبو الفرج ابن الجوزي الحنبلي، والشيخ علي بن الحسين بن حماد الليثي.
على الرغم من غزارة المترجم في العلم والأدب، وحسن الانشاء وجودة القريض، لم يترجم له من المؤلفات غير ما ذكر له من كتاب (الشمل المنظوم في مصنفي العلوم)، وكتاب (فرحة الغري) في تعيين قبر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) بالغري، وأقام فيه البراهين الكثيرة الجليلة عن أهل البيت: على تعيين قبره في النجف الأشرف، ويتضمن الكتاب وقائع تاريخية لا يستغني الباحث عنها. طبع للمرة الثانية بالمطبعة الحيدرية سنة 1368 ه بعد أن طبع أول مرة في إيران سنة 1311 ه ملحقا بكتاب مكارم الأخلاق للطبرسي. ولاقبال العلماء عليه وما تضمنه من القضايا التاريخية لخصه بعض العلماء وسماه (الدلائل البرهانية في تصحيح الحضرة الغروية).
توفي السيد عبد الكريم بن طاووس، (رحمة اللّه) في شوال سنة 693 ه، وكان عمره خمسا وأربعين سنة وشهرين وأياما.
وقبره مشهور عند أهالي الحلة قرب القبر المنسوب لعمه السيد علي بن طاووس في الجهة الجنوبية، لكن أقوال المؤرخين وأصحاب تراجم الرجال: انه
توفي في مشهد الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام)، وحمل إلى جده الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) ودفن عند أهله، ومن المستبعد حمله من مشهد الإمام الكاظم (عليه السلام) ودفنه في الحلة.
كما هو معروف إن السيد عبد الكريم بن طاووس قدم جهد ا كبيرا في البحث والبحث والتحليل عن موضع قبر أمير المؤمنين (عليه السلام)، جامعا لروايات الأئمة الأطهار، والحوادث التي رافقت القبر منذ الفترة السرية وحتى فترة ظهوره.
وقد سمى هذا الكتاب (فرحة الغري) في تعيين قبر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) في النجف. وقد قال، (رحمة اللّه) عن السبب الذي دفعه إلى تأليف هذا الكتاب بأنه كان ذلك نزولا عند طلب بعض الأماجد والأعيان الأفاضل في ذكر الآثار الدالة على موضع قبر أمير المؤمنين (عليه السلام). فقدم هذا الجهد المشكور مع ضيق الوقت وتعب الخاطر كما قال (رضي اللّه عنه)، باحثا ومطابقا للنصوص والروايات المسندة عن العترة المطهرة:، وقال (رحمة اللّه)، في هذا المجال: (ولكني اجتهدت غاية الاجتهاد، ولم آل جهدا بحيث أصل إلى مطابقة المراد، ومن اللّه أسأل عناية عاصمة من الزلل، حاسمة مواد الخطأ والخطل بمنه).
ثم رتب الكتاب على مقدمتين وخمسة عشر بابا.
لقد كان الكتاب من التحف الثمينة والفريدة لما أبدع فيه المؤلف من جمع للأدلة والبراهين الكثيرة الدالة على قبر أمير المؤمنين (عليه السلام) في النجف الأشرف.
لقد تمت مراجعة النسخ الخطية الموجودة في مكتبة آية اللّه العظمى السيد المرعشي النجفي (قدس سره) ومقابلتهما مع النسخة المطبوعة، وكانت النسخ الخطية
التالية:
(1) النسخة الأولى وتحمل الرقم (6162) وهي من نوع الحجم الكبير، لكنها مخرومة الاخر، لم يذكر الشخص الذي قام باستنساخها، ويظهر أن استنساخها كان في القرن الثالث عشر وقد رمزنا لها بالحرف (ح).
(2) النسخة الثانية وتحمل الرقم (4710) وهي من القطع الصغير وقد كتب ناسخها في نهاية الكتاب (نجز الكتاب بعون الملك الوهاب يوم الرابع عشر من شهر صفر ختم بالخير والظفر سنة سبع وأربعين وتسعمائة هجرية، وذلك في المشهد الشريف المقدس الغري، على مشرفه أفضل الصلوات، وأكمل التحيات.
آمين والحمد لله رب العالمين).
ورمزنا لهذه النسخة بالحرف (ق).
(3) النسخة المطبوعة في النجف الأشرف سنة 1368 ورمزنا لها بالحرف ط.
منهج التحقيق:
لقد قمنا بمراجعة هذه النسخ بعد اعتماد النسخة (ح) هي الأصل، ومطابقتها مع النسخة (ق) والمطبوعة (ط). حيث وجدنا كثيرا من الأخطاء في النسختين (ح) و (ق) ومرد ذلك هم القائمين بالنسخ ليس إلا. كما سقط بعض من سند الحديث وكذلك من المتن، فرجعنا بذلك إلى المصادر المعتبرة التي دونها أشياخنا وأساتذتنا في كتبهم القيمة التي أشرنا إليها في حالة تصحيح ما التبس أو ما سقط من سند أو رواية أو حديث.
وقد أجهدت نفسي غاية الاجهاد في البحث والتنقيب عن الروايات والاخبار التي ذكرها المصنف، كما قمت بترجمة لبعض الاعلام والأماكن الوارد ذكرها في الكتاب، آملا ان يخرج هذا الكتاب في حلته الجديدة ليكون سفرا
خالدا من أسفار أئمة أهل البيت: (عليهم السلام)
كما إني ألتمس القراء عذرا إن كانت هناك هفوة، أو التباس أو سهو أو غيره، حيث الكمال لله وحده (جل شأنه).
وانا الفقير إلى رحمة ربي أسأله المغفرة والرضوان، وأن يكون هذا الجهد المتواضع أعظم وسيلة لي في يوم حشري وفاقتي، يوم لا ينفع مال ولا بنون.
السيد تحسين آل شبيب الموسوي
صورة
صورة الصفحة الأولى من النسخة (ح)
صورة