ghaemiyeh.com
سرشناسه:سید، کمال، - 1336
عنوان و نام پديدآور:الطریق الی غدیر خم "دلیل سیاحی و مشاهد فی طریق الهجره التاریخیه و حجه الوداع"/ اعداد کمال السید
مشخصات نشر:قم: موسسه انصاریان، 1419ق. = 1998م. = 1376.
مشخصات ظاهری:54 ص، [10] صتصویر (رنگی)، نقشه (رنگی)
يادداشت:عربی
يادداشت:چاپ دوم: 1424ق. = 2003م. = 1382ISBN 964-438-481-4
یادداشت:کتابنامه بهصورت زیرنویس
موضوع:غدیر خم
علیبن ابیطالب(ع)، امام اول، 23 قبل از هجرت - 40ق. -- اثبات خلافت
رده بندی کنگره:BP223/5/س9ط4 1376
رده بندی دیویی:297/452
شماره کتابشناسی ملی:م78-6278
خیراندیش دیجیتالی : جناب آقای سید علی بحرینی به نیابت از مرحومه حاجیه خانم کسایی _گروه هم پیمانان موعود غدیر.
الطریق الی غدیر خم
اعداد کمال السید
بسم الله الرحمن الرحیم
في الذاكرة الاسلامية تتألق اسماء و اسماء.
أسماء لها هالتها المضيئة في التاريخ..اسماء رجال صدقوا ما عاهدوا اللّه..و نساء مؤمنات..
و اسماء أماكن و بقاع هنا و هناك في أرض الوحي و في كل بقعة توقف فيها النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم..من جبل حراء في ذلك الغار الذي شهد اشتعال الشرارة..شرارة الروح.
الى شعب أبي طالب و الى دار الارقم و الى..و الى غار في جبل ثور..و الى عيون«بدر»و جبل«أحد»و شجرة«الرضوان»الى «الحديبية»و الى«فدك»و الى..«غدير خم»في ذلك الوادي حيث تفور عين الغدير و حيث توقف النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يؤدي رسالة ربّه في آخر بلاغ سماوي.
أجل في تلك البقعة المقدسة حيث هبط جبريل يحمل آيات السماء: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ. (1)
1) سوره 5 - آیه 67
و توقف النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و توقفت له قوافل الحجيج؛ثم ليهتف في تلك الحشود:«من كنت مولاه فهذا علي مولاه».
و في تلك النقطة من مسار التاريخ و الزمان تدفقت ينابيع فرح لتخلد يوم الثامن عشر من ذي الحجة الحرام سنة 10 ه،ليكون لنا عيدا تاريخيا.
و ما هذا«الدليل»سوى محاولة لاكتشاف نقطة«الغدير»في جغرافيا الاسلام بعد أن اضاءت أنوار تاريخنا المجيد.
في منتصف الطريق بين مكة المكرمة و المدينة المنوّرة،و على مقربة من«الجحفة»توجد منطقة«غدير خم».
كانت«غدير خم»على طريق القوافل،و قد مرّ بها سيدنا محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم اثناء هجرته التاريخية،في ربيع الأول/ايلول سنة 622 م،كما توقف عندها أيضا بتاريخ 18 ذي الحجة من السنة العاشرة للهجرة اثناء عودته من حجة الوداع،و بذلك دخلت هذه البقعة من الجغرافيا أبواب التاريخ الاسلامي المجيد؛
ابتعدت منطقة غدير خم عن الطريق العامة في العصر الحاضر بعد أن طمرت الرمال طرق القوافل فيما مضى،كما اصبح اسم تلك المنطقة«الغربة»،و ما تزال عين تنبجس مياهها من قلب الصخور في واد فسيح؛
و لوجود هذه العين نبتت أشجار النخيل و اشجار السمر،و فيما مضى اشجار الأراك.
و من يغادر مدينة«جدّة»على شواطىء البحر الاحمر سوف يصل مفرق الجحفة على مقربة من مدينة رابغ،حيث يوجد مطار محلّى على يمين الطريق.
و تمتد المسافة بين المفرق المذكور و مسجد الميقات الذي شيّد الى جانب آثار مسجد قديم مندرس الى 10 كيلومترات.
و من مسجد الميقات يمكن الاتجاه صوب«قصر علياء»عبر طريق مليئة بكثبان رملية حيث توجد آثار طريق الهجرة.
و يقع القصر على حدود قرية الجحفة،في الاتجاه الذي يؤدي الى المدينة المنورة و مدينة رابغ،فيما يقع مسجد الميقات في الاتجاه المؤدي الى مكّة المكرمة..
و تبلغ المسافة بين مسجد الميقات و قصر علياء حوالي خمسة كيلومترات،و قد جرفت السيول و الرياح كثبان الرمال لتصنع منها سدودا رملية بين المنطقتين.
و في تلك المنطقة توجد مرتفعات جبلية حددت الطريق التي تؤدي الى واد فسيح،حيث تتفرع الطريق.
و من هناك يمكن الاتجاه صوب«الغربة»و التي يصعب الاهتداء اليها بسبب انتشار كثبان الرمال.
أمّا منطقة الغدير فتوجد عند حدود«الحرّة»و هي أرض مليئة بالحجارة السوداء غير صالحة للزراعة..
و في نهاية الحرّة ينفتح الوادي الفسيح حيث يوجد نبع الغدير، و في هذه البقعة من العالم توقف النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ليبلغ قوافل الحجيج و الأمة الاسلامية آخر بلاغات السماء.
يتوسط الوادي الفسيح سلسلتين جبليتين تحدّه من الشمال و الجنوب.
و تنبع مياه الغدير قرب السفوح الجنوبية التي ترتفع بكثير عن الجبال الشمالية.
و على مسيل الوادي نبتت اشجار النخيل،و من المحتمل جدّا أن الاشجار نبتت إثر رمي المسافرين لنوى التمر في الوادي.
فالوادي المنبسط و عين الغدير تدعوان المسافرين الى الاستراحة و تناول التمر مع القهوة.
و بالقرب من منعطف الوادي و في الجانب الغربي منه توجد غيفة حيث تنبع المياه و تشكل مجرى.
و بسبب عنف السيول في مواسم المطر فان معالم المنطقة تتغير باستمرار،و لمن يريد التبرك بهذه البقعة،حيث توقف آخر الانبياء في تاريخ البشرية يمكنه أن يتوجه اليها عبر طريقين طريق «الجحفة»،و طريق«رابغ».
*و الطريق الأولى تبدأ من مفرق الجحفة عند مطار رابغ حيث توجد طريق معبّدة تمتد(9)كيلومترات الى قرية الجحفة و هناك
يوجد مسجد كبير،و من القرية تنعطف الطريق يمينا الى مسافة كيلومترين تتخللها كثبان من الرمال و منطقة مليئة بالحجارة، و بانتهائها يبدأ وادي الغدير.
*أما الطريق الثانية:فتبدأ من مفرق مكة-المدينة و باتجاه رابغ، و بعد مسافة 10 كم تتفرع الطريق المؤدية الى الغدير و تبلغ المسافة من رابغ الى الغدير حوالي 26 كم.
و يقع وادي الغدير بشكل عام في شرق مسجد الميقات في الجحفة و على مسافة 8 كم.
كما يقع في الجنوب من مدينة رابغ و على بعد 26 كم.
و لقد بني مسجد في تلك البقعة الطاهرة و لكن اندثرت و اندرست آثاره أيضا بسبب السيول و الرياح و عوامل التعرية الأخرى.
و لعلّ المسجد ظلّ قائما الى عصور متأخرة و ربما الى بدايات القرن الثامن،حيث تهاوى و لم تبق سوى جدرانه تدل على ذلك الكتب الفقهية و التاريخية و ما ورد من المندوبات من الاعمال كالدعاء و الصلاة فيه.
و قد وردت إشارات الى المكان الذي وقف فيه النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حيث هتف في جموع المسلمين بولاية الامام علي عليه السّلام.
يقول البكري:انه بين الغدير و العين (1)كما ذكره الحموي في معجم البلدان و حدّد موقع المسجد (2)،و ورد ذكره أيضا في كتاب الجواهر و بالتحديد أشار الى بقايا من جدارانه المتهدّمة (3)، بالاستناد إلى ما ورد في دروس الشهيد الأول محمد بن مكي.
أمّا ابن بطوطة فقد اكتفى بالاشارة الى مروره بمنطقة فيها غدران قريب الجحفة في رحلته لحج بيت اللّه الحرام (4)
و قد حببت الشريعة الاسلامية للمسلمين التوقف في غدير خم و الصلاة و الدعاء في مسجده.
فقد روي عن أحد اصحاب الامام الصادق عليه السّلام أنه رافقه من المدينة المنورة الى مكة المكرمة،و عند ما وصلا مسجد الغدير نظر الامام الى يسار المسجد و قال:ذاك موضع قدم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حيث قال:«من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم و ال من والاه و عاد من عاداه» (5).
و قد ورد استحباب الصلاة في مسجد الغدير في كثير من الكتب/.
الفقهية (1).
و كان النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قد توقف في منطقة غدير خم اثر نزول الوحي:
يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَ اللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ. (2)(3)
و تذكر المصادر التاريخية ان الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أمر بتوقف القوافل ليلقي خطابا هامّا في يوم قائظ شديد الحرّ،جعل المسلمين يتساءلون عن السبب في التوقف في تلك البقعة الملتهبة!
و قد خطب النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قائلا:
الحمد للّه،و نستعينه و نؤمن به،و نتوكل عليه،و نعوذ باللّه من شرور انفسنا،و من سيئات اعمالنا،الذي لا هادي لمن أضلّ،و لا مضلّ لمن هدى.
و اشهد أن لا إله إلاّ اللّه،و أن محمدا عبده و رسوله اما بعد:
ايها الناس!قد نبّأني اللطيف الخبير،أنه لم يعمرّ نبي إلاّ مثل نصف عمر الّذي قبله،و إنّي أوشك أن أدعى فأجيب،و إنّي مسؤول، و أنتم مسؤولون،فماذا أنتم قائلون؟1.
قالوا:نشهد أنّك قد بلّغت و نصحت و جهدت،فجزاك اللّه خيرا.
قال:أ لستم تشهدون أن لا إله إلاّ اللّه،و أنّ محمّدا عبده و رسوله، و أنّ جنّته حقّ،و ناره حقّ،و أنّ الموت حقّ،و أنّ الساعة آتية لا ريب فيها،و أنّ اللّه يبعث من في القبور؟
قالوا:بلى،نشهد بذلك.
قال:اللّهمّ اشهد.
ثم قال:أيّها الناس ألا تسمعون؟
قالوا:بلى.
قال:فإنّي فرطكم على الحوض،و أنتم و اردون عليّ الحوض، و إنّ عرضه ما بين صنعاء و بصرى،فيه أقداح عدد النجوم من فضّة فانظروا كيف تخلفوني في الثقلين؟!
فنادى مناد:و ما الثقلان يا رسول اللّه؟
قال:الثقل الأكبر كتاب اللّه،طرف بيد اللّه عزّ و جلّ،و طرف بأيديكم فتمسّكوا به لا تضلّوا،و الآخر الأصغر عترتي،و إنّ اللطيف الخبير نبّأني أنّهما لن يتفرّقا حتى يردا عليّ الحوض،فسألت ذلك لهما ربّي،فلا تقدّموهما فتهلكوا،و لا تقصّروا عنهما فتهلكوا.
ثم أخذ بيد عليّ فرفعها حتى رؤي بياض آباطهما،و عرفه القوم أجمعون،فقال:
أيّها الناس:من أولى الناس بالمؤمنين من أنفسهم؟
قالوا:اللّه و رسوله أعلم.
قال:إنّ اللّه مولاي،و أنا مولى المؤمنين،و أنا أوّلى بهم من أنفسهم،فمن كنت مولاه فعليّ مولاه.
يقولها ثلاث مرّات،و في رواية الإمام أحمد:أربع مرّات.
ثم قال:اللّهمّ و ال من والاه،و عاد من عاداه،و أحبب من أحبّه، و أبغض من أبغضه،و انصر من نصره،و اخذل من خذله،و أدر الحقّ معه حيث دار.
ألا فليبلّغ الشاهد الغائب (1).
و في تلك اللحظات انبرى شاعر الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حسان بن ثابت ليحّي هذه المناسبة التي اصبحت عيدا للمسلمين قائلا:
يناديهم يوم الغدير نبيّهم بخمّ فأسمع بالنبي مناديا
يقول:فمن مولاكم و وليّكم فقالوا و لم يبدوا هناك التعاميا
إلهك مولانا و أنت وليّنا و لم تر منا في الولاية عاصيا
فقال له:قم يا عليّ فإنّني رضيتك من بعدي إماما و هاديا
هناك دعا اللهم و ال وليّه و كن للذي عادى عليا معاديا
***1.
1) الغدير:10/1-11.
رافقت الهجرة الحياة البشرية منذ فجر التاريخ و حتى يومنا هذا،و كانت و ما تزال و ستبقى ظاهرة اجتماعية لها ما يبرّرها أبدا، و هي اذا بدت مجرّد احتجاج هادىء ضد الظلم و القهر،فانها تعدّ حدثا كبيرا جدا،و بداية لفصل جديد في حياة الانسان أو الشعب المهاجر.
لقد تصاعد الظلم في مكّة حتى لم يعد محتملا،و أضحت حياة تلك المجموعة البشرية التي آمنت برسالة السماء أمرا لا يطاق، و كان رسول اللّه يسعى جاهدا في صنع مستقبل افضل لا تباعه فكانت الهجرة الى الحبشة حلاّ مؤقتا الى أن تم لقاء العقبة.
في غمرة الظلام و الوادي القريب من مكة انفتحت كوّة للأمل و الخلاص،عاد النبي المطارد الى قريته يبشر اتباعه المقهورين قائلا:
-ان اللّه جعل لكم إخوانا و دارا تأنسون بها.
و هكذا بدأ فصل جديد في حياة الاسلام،و تشهد تلك الليالي المريرة المفعمة بالخوف و القلق و الأمل رجالا يفرّون من وطنهم..
من الارض التي انجبتهم و قضوا فيها أيام صباهم.
و وقفت قريش بكل جبروتها عاجزة أمام هذه الظاهرة الخطيرة،و بدا المجتمع المكي يهتز بشدّة،و كانت الآلهة و المعادلات و المصالح تتأرجح بعنف.
و رأى أبو جهل و أبو سفيان و أمية و كل الرؤوس القرشية التي ساءها ظهور الاسلام،ان افضل الحلول في هذه الظروف هو تصفية محمد و التخلص منه.
و اذا كان للتكتلات القبلية،و ثقل بني هاشم الاجتماعي في حماية رسول اللّه طوال هذه السنين من القتل،فان اشراك القبائل في اغتياله سيجعل من بني هاشم عاجزين عن مواجهتها ثم التخلي عن
فكرة الثأر.
و هكذا سولت لأبي جهل نفسه و ولدت المؤامرة.
و كانت المؤامرة من الخطورة بمكان أن هبط جبريل من السماء:
غمر الليل مكّة..ملأ ازقتها بظلمة ثقيلة،و بدت النجوم و هي تومض من بعيد قلوبا خائفة.
كان ابو جهل يعبّ خمرته منتشيا بفكرته..ستبقى مكة تتحدث في انديتها و تشيد بفطنته.
و في تلك اللحظات المثيرة،و المؤامرة على و شك التنفيذ،دخل فتى الاسلام علي ابواب التاريخ،في واحدة من اكثر قصص الفداء اثارة و درامية.
ان يصمد الرجال في المعارك يقاتلون حتى النفس الاخير فتلك شجاعة فريدة تدعو الى الاعجاب..و لكن ان يقدم المرء نفسه للموت تتخطفه سيوف و خناجر فهذا ما لا يمكن أن تستوعبه ابجدية
1) سوره 8 - آیه 30
ما مهما بلغت من دقة التعبير و اداء المعنى.
همس علي و هو يصغي الى حديث رجل عاش معه اكثر من عشرين سنة:
-أو تسلم يا رسول اللّه إن فديتك بنفسي؟
-نعم بذلك و عدني ربّي.
كان علي حزينا فمكّة تلك القرية الظالم أهلها تتآمر على قتل انسان بعثته السماء لخلاص الارض،و لكن حزنه سرعان ما تحوّل الى فرحة كبرى.
تقدم الفتى بخطى هادئة الى فراش النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و التحف ببردته ينتظر السيوف التي ستمزقه..و ستتدفق دماؤه نقية طاهرة ترسم فوق الثرى قصة رائعة من قصص الفداء..
و رقد علي في فراش النبي،فيما انطلق المهاجر صوب الجنوب لا يلوي على شيء.
كانت خطّة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ان يتوجه جنوبا،نحو جبل ثور؛ليختبىء فيه عدة ايام ريثما تعد وسائط النقل،و تيأس قريش من القاء القبض عليه،كما ان مبيت علي في فراشه قد أسهم كثيرا في تأخير اكتشاف
المتآمرين لنبأ هجرته.
و في ظروف بالغة السرّية اشترى علي عليه السّلام بعيرين للنبي و صاحبه ابي بكر؛كما تم الاتفاق مع دليل الصحراء عبد اللّه بن أريقط.
و بالرغم من بقاء الدليل على وثنيته فقد كان رجلا أمينا وثق به النبي.
استيقظت قريش على دويّ المفاجأة،و تصرّف زعماؤها بهستيرية عنيفة،فقد انطلق فرسان الدوريات يبحثون في الاودية، كما وضعت جوائز مغرية لمن يدلّ على الشريد أو يدلي بمعلومات تساعد في القبض عليه.
و بالرغم من ادراكهم ان لدى بعض الافراد معلومات هامة و لكنهم فشلوا في انتزاعها.
لقد كانت قريش واثقة تماما من القاء القبض على محمد،فقد اهتدى خبراء الاثر الى منطقة تحوم حولها الشكوك؛بل انهم وصلوا الى جبل ثور حيث اختبأ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و صاحبه في احد أغواره.
و هنا تدخلت السماء لتحمي آخر الرسالات في التاريخ.
تسلق احدهم الى الغار ليرى ما فيه و من فيه،ثم سرعان ما عاد الى اصحابه.
-ماذا هناك؟
-لا شي.
-و الغار؟
-رأيت في فم الغار نسيج العنكبوت و أحسب آنها نسجته قبل ميلاد محمد..و رأيت عشا فيه حمامتان و أغصانا متشابكة لا يمكن للمرء أن يدخل الغار إلاّ بازالتها.
-اذن لم يدخله احد؟
-نعم لم يصله انسان.
و كان رسول اللّه يصغي الى الحوار فهتف في اعماق قلبه:
-الحمد للّه.
و غمرت السكينة قلبه.
و في الموعد المقرر جاء الدليل يقود بعيرين و ذلك بعد ثلاثة أيام قضاها رسول اللّه في الغار.
تقع يثرب في الشمال من مكة و مع هذا فقد اتجه رسول اللّه جنوبا الى جبل ثور امعانا في تغطية رحلته بالسرّية الكاملة.
و كان على الدليل ان يتجه نحو ساحل البحر الاحمر و سلوك
طريق بعيدة عن طريق القوافل.
كانت رحلة شاقّة..و تمرّ سبعة أيام و النبي يقطع سهول تهامة في صيف ملتهب،و في طريق بالغة الصعوبة،حتى اذا بدت مضارب بني سهم،تنفس النبي الصعداء،فقد مرّ الخطر و لن تستطيع قريش ان تفعل شيئا.
في الثاني عشر من شهر ربيع الاول وصل قرية قبا،في ضواحي يثرب.
و في قبا امضى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أربعة ايام مترقبا وصول ابن عمه علي بن أبي طالب.
و عند ما حل يوم الجمعة يمم الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم وجهه شطر المدينة، و كان آلاف السكان ينتظرون طلعته البهية.
في تلك اللحظات المهيبة عند ما تغير المدن اسماءها (1)،و في يوم 16 ربيع الاول الموافق /20ايلول سنة 622 م وصل النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يثرب في لحظة تاريخية خالدة،فلقد هبّ أهل المدينة عن بكرة ابيهم لاستقبال آخر الانبياء في التاريخ.
و خرجت فتيات المدينة ينشدن اناشيد الفرح،و هن يلمحن من بعيد ركب المهاجر يجتاز ثنيات الوداع.ة.
1) اشتهرت يثرب فيما بعد باسم المدينة المنورة.
و في تلك اللحظات المفعمة بمشاعر الأمل و الفرحة و اللقاء بدأ التاريخ الهجري،و تبلورت نواة المجتمع الاسلامي.
سوف يبقى الموت و الحياة لغزا في حياة البشر،فالضباب الذي يهيمن على العيون سوف يحجب الرؤية بوضوح،لمن يريد الخلود فأي الطريقين يسلك طريق الموت ام طريق الحياة؟دعنا نراقب منزلا كريما في مكّة و قد مضت ثلاثة عشر عاما على هبوط جبريل في غار حراء.
شعر المشركون بالخطر و هم يرون ابناء مكّة يفرّون بدينهم متجهين شمالا إلى مدينة يثرب لقد قيضّ اللّه لهم قوما لنصرة رسالة السماء،و قد تتابعت هجرة المسلمين حتى اقفرت أحياء بكاملها (1)
و كل دار و ان طالت سلامتها يوما ستدركها النكباء و الحوب
.و أدركت قريش إن وقوفها مكتوفة الأيدي يعني تنامي الخطر يوما بعد آخر؛و انبرى أبو جهل ليضع خطّة جهنمية لتصفية محمد إلى الأبد.
و هبط جبريل يفضح خطّة الشيطان لاطفاء النور الذي اضاء
1) مرّ عتبة بن ربيعة بدور بني جحش و كانت خالية تماما فانشد:
جبل حراء (1)و سوف يضيء العالم باسره:
وَ إِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ، وَ يَمْكُرُونَ وَ يَمْكُرُ اللّهُ وَ اللّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ. (2)
و في تلك اللحظات التاريخية بدأت واحدة من أعظم قصص الفداء في تاريخ الإنسان.
و لا يمكن للمرء أن يتصور مهما أوتي من سعة الخيال أن يتصور مشاعر شاب في الثالثة و العشرين من عمره و هو يتقدم إلى معانقة الموت.
تسارعت الأحداث بشكل مثير،و نسجت قريش اخطر مؤامراتها كما تنسج العنكبوت بيتا هو أوهن البيوت،و دعا النبي ابن عمه الحبيب و اطلعه على فصول المؤامرة؛و كان المطلوب من علي أن يرقد في فراش النبي و كان همّ ابن أبي طالب الوحيد هو أن يسأل:
-أو تسلم يا رسول اللّه أن فديتك بنفسي؟ (3)
-نعم...بذلك وعدني ربّي.
و ارتسمت مشاعر فرح على وجه علي،و تقدم إلى فراش النبيِ.
ليرقد بسلام آمنا مطمئنا،فيما كانت عيون أربعين ذئب تبرق في الظلام.
و تمرّ اللحظات مثيره و انسلّ رسول اللّه خارجا من المنزل متجها صوب الجنوب إلى غار في جبل ثور.
و اقتحم المتآمرون منزل رسول اللّه و السيوف تبرق في غبش الفجر و كانت المفاجأة أن هبّ علي من الفراش و أسقط في ايديهم.
و شهدت مكّة في الساعات الأولى من الصباح حركة غير عادية لقد فرّ الإنسان الذي ارسلته السماء ليغمر الأرض بنور ربّها.
فرسان الدوريات تبحث في كل مكان،و قد رصدت قريش الجوائز المغرية لمن يأتيها بمحمد حيّا أو ميتا أو يدلي بمعلومات تساعد في القبض عليه.
و مكث علي في مكّة أياما كان خلالها يتجه إلى الابطح في الغدوّ و الآصال فينادي:
ألا من كانت له قبل محمد أمانة فليأت لتؤدّى له أمانته.
وصل سيدنا محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم«قبا» (1)وحط رحله في تلك البقعة من
1) قرية على بعد ميلين من المدينة المنورة.
ارض اللّه؛و من قبا بعث النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم رسالة إلى ابن عمّه يأمره فيها بالقدوم،و انطلق أبو و اقد الليثي إلى مكّة و سلّم الرسالة عليا.
ترى لماذا هذا الاصرار على انتظار علي؟لماذا ظلّ النبي على أبواب المدينة حتى يقدم ابن عمه و أخوه؟
لقد وقف التاريخ الهجري ينتظر تلك اللحظات الدافئة في لقاء محمد و علي.
هناك في أعماق علي سرّ عجيب،عند ما تضطرم الحقيقة الكبرى في الذات الإنسانية فتحيل كل ما حولها اشياء متألّقة بضوء لا يستمد شعاعه من شمس و لا قمر؛أنه الضوء القادم من قلب السموات.
و هكذا كان ايمان ذلك الفتى أنه لا يعرف في الوجود سيّدا غير محمد..محمد الذي فتح عينيه على ينابيع النور في سفوح حراء.
لا شيء في الافق سوى الرمال و ذلك الخط الأزرق الذي يعانق سمرة الصحراء،و لاحت قافلة تسير على هون قافلة فيها أربعة فواطم..فاطمة بنت اسد و فاطمة بنت محمد،و فاطمة بنت الحمزة و فاطمة بنت الزبير.
و في«ذي طوى»كان المقهورون ينتظرون عليا لينقذهم من القرية الظالم أهلها،و سارت القافلة تشق طريقها في بطون الأودية،
و لا شيء سوى السماء الزرقاء و الرمال السمراء.
علي يعرف اشياء كثيرة..منذ عشرين سنة و هو يرافق رجلا اختارته السماء،انه لا يرافقه فحسب بل يذوب فيه يندمج معه..لهذا فهو يعرف سرّ العالم.
شيء واحد كان يجهله تماما لا يعرف له معنى هو الخوف،لقد وقف الإنسان عاجزا أمام لغز الموت نهاية كل الحيوات،هل هو نهاية؟أم بداية؟
و لكن عليا الذي اكتشف نبع الخلود قهر الموت أكثر من مرّة و كان الموت يهرب منه،يفرّ من بين يديه كلما أراد عناقه.
لقد التحف قبل أيام ببردة النبي و أغمض عينيه في فراش تغمره رائحة الفردوس،انه يقدّم نفسه قربانا لآخر الأنبياء في تاريخ الإنسان؛
و إذا كان اسماعيل قد اسلم وجهه للّه فأنّه كان يدرك أن أباه سيذبحه على هون،و لكن عليا أغمض عينيه ليفتحهما على عشرات الخناجر المسمومة و لسوف تبضعه و سوف تتدفق دماؤه من خلال مئات الجراح.
لقد تنافست الملائكة من أجل الحياة،لم يفد جبريل ميكال اختار كلاهما الحياة و لكن الإنسان الذي صاغته السماء حطّم
حاجز الموت كسّر قضبان الزمن الصدئة و اختار الفداء (1).
القافلة تطوي المسافات حتى إذا وصلت قريبا من«ضجنان» ادركها«الطلب»؛و اذا بثمانية فرسان يعترضون القافلة يريدون إعاده التاريخ إلى الوراء،و في ذلك المكان فوجئت جزيرة العرب ب«ذو الفقار»يتألق في دنيا الفروسية؛كانوا ثمانية فرسان يريدون اعادة القافلة إلى مكّة..إلى القرية الظالم أهلها..العيون تبرق حقدا؛ هتف فارس لم يكتشف عليا بعد:
-أظننت يا غدّار أنك ناج بالنسوة؟ارجع لا أبا لك.
اجاب علي بثبات جبل حراء:
-فان لم أفعل؟
-لترجعن راغما.
و اغار«جناح» (2)على النوق لاثارتها فاعترضه علي فاهوى عليه جناح بضربة تفاداها علي و سدّد له ضربة جبّارة،«فقضى عليه»؛ة.
1) «أوحى اللّه إلى جبريل و ميكائيل اني قضيت على احد كما بالموت،فأيكما يفدي صاحبه؟فاختار كلاهما الحياة؛فاوحى إليهما هلا كنتما كعلي لقد آخيت بينه و بين محمد و جعلت عمر أحدهما اطول من الآخر فاختار علي الموت و آثر محمدا بالحياة، اهبطا فاحفظاه من عدوه»/تاريخ اليعقوبي:39/2،اسد الغابة لابن الأثير /4 103.
2) مولى لحرب بن أمية.
تسمّر الباقون و قد اذهلتهم المفاجأة انهم لم يروا في حياتهم ضربة كهذه؛صاح احدهم و قد رأى الفتى يستعد لشنّ هجوم معاكس:
-احبس نفسك عنّا يا ابن ابي طالب!
و هتف علي كأنما يتحدّى العالم الوثني باسره:
-اني منطلق إلى اخي و ابن عمي رسول اللّه.
و انطلقت القافلة صوب يثرب،و كان رسول اللّه ما يزال ينتظر في قبا؛و وقف التاريخ الإنساني ينتظر قبل أن يلج عهدا جديدا من فصوله المثيرة في المنعطفات التي تغيّر فيها المدن اسماءها.
و في السادس عشر من ربيع الأول الموافق 20 أيلول عام 622 للميلاد وصلت قافلة التاريخ الهجري مدينة يثرب و كانت الحشود المسلمة تحدّق في«ثنيّات الوداع»تترقب وصول آخر الأنبياء في تاريخ البشرية.
السماء مرصّعة بالنجوم...تتلألأ من بعيد كلالئ منثورة.
حطّ المهاجرون عصا الترحال في«ضجنان»و انحنى عليّ يعالج قدميه و قد تفطرتا من المشي مئات الأميال.
بركت النوق فوق الرمال تلتقط أنفاسها و تشمّ رائحة وطن قريب.
عينا فاطمة تسافران بين النجوم تستكشفان آفاق السماء..
حيث انطلق أبوها في رحلة الاسراء و المعراج على ظهر البراق.
عينا فاطمة ما تزالان مسمرتين في النجوم،و قد أزهر وجهها مثل كوكب صغير هبط على الأرض،و بدا القمر في آخر ساعات الليل اصفر الوجه كما لو أجهده السهر،همست فاطمة في نفسها تناجي:
-أنت وحدك الباقي...كلّ شيء آخذ طريقه نحو المغيب، النجوم،القمر...الأرواح البيضاء تتجه اليك لا تبالي بأشواك الطريق في الصحراء حتّى لو كانت حافية القدمين..
أنت وحدك الحقّ يا ربّ...أنت نور عيني و فرحة قلبي..دعني ألج ملكوتك اسبّحك و أطوف مع النجوم حول عرشك..أنت وحدك الحقيقة و ما سواك و هم..أنت وحدك نبع الحياة وعداك سراب يحسبه الظمآن ماء.
في«قباء»هبط جبرئيل يحمل كلمات السماء إلى رجل فرّ من امّ القرى ينبئه عن مسار قافلة فيها ابنته و امرأة ربّته وفتى ربّاه في حجره فلما اشتدّ ساعده وقف إلى جانبه يفديه بنفسه..
فاح عبير الوحي..ملأ فضاء«قبا»حيث بنى الرسول أوّل مسجد في الاسلام:
كان النبي يترقّب وصول القافلة المهاجرة فيها أخوه و ابنته و امرأة ربّته.كلمات جبريل ما تزال تطوف في خياله و هو ينظر الى الأفق البعيد و لكن لا شيء سوى الرمال السمراء..
و لو قدّر لأحد كان في«قبا»لرأى رجلا قد ذرّف على الخمسين ليس بالطويل و لا القصير كان ربعة«و قد جعل الخير كله في الرّبعة»؛ازهر الوجه،ناصع البياض مشربا بحمرة خفيفة لعلّها من أثر الشمس و رياح الصحراء،رجل الشعر يبلغ شحمة اذنيه و يكاد يلامس منكبيه؛واسع الجبين،مقوّس الحاجبين كهلالين،و كانت عيناه نجلاوين واسعتين؛اقنى الأنف،كأنّ أسنانه لؤلؤ منضود فاذا مشى مشى الهوينى متقارب الخطى كزورق ينساب على هون.
وقف النبيّ يتأمل الصحراء المترامية تمسح عيناه الأفق البعيد، ينتظر أحبّة فارقهم في لحظة ليل و قد حاصرته ذئاب مكة.
غمر الليل الصحراء و آب النبي الى مضارب«بني سهم»،و قد بدا على وجهه حزن كحزن آدم يوم بحث في الأرض عن حوّاء.
وصلت القافلة بسلام،و خفّ الأب للقاء ابنته ذكراه الغالية من خديجة..خديجة التي رحلت بعيدا و تركته وحيدا.
عانقت البنت أباها.غرقت في عبير رجل سماويّ،فاضت عيناها دموعا،دموع فرح و دموع رحمة.
-يالعذاب محمّد..يالعذاب الأنبياء.
ربّما دهشت بعض النسوة و هن يتطلعن الى رجل ذرّف على الخمسين يجتاز في لحظة نصف قرن من الزمن ليتحوّل إلى طفل يرتمي في أحضان امّه.
تمتم رسول السماء يضع حدّا لأسئلة تناثرت فوق الرمال:
-فاطمة أمّ أبيها.
فاطمة بربيعها الثالث عشر تتحوّل إلى أمّ لأعظم الأنبياء.
-و فاطمة بضعة منّي.
نظر محمّد إلى عيني ابنته كان يبحث فيهما عن فتى شرى نفسه للّه.
-أنّه هناك يا أبه..تشققت قد ماه..سال منهما الدمّ..الشوك و الرمضاء و مشاقّ الصحراء..و لا ناقة عنده و لا جمل.
تألقت عينا النبي:
-انّه أخي.
مضى محمّد للقاء أخيه المهاجر...
و هبّ الفتى للقاء رسول السماء..نسي آلامه.
رشّ الرسول كفيه برحيق النبوّة ثم مسح على قدمي الفتى المهاجر،كأمّ رؤوم تمسح رأس وليدها ليغفو و ينام..
سافرت الآلام و وجد علي نفسه في مهد امّه في أحضان رجل ربّاه صغيرا...فغفا و نام.
و نهض الرجل المكي تاركا وليد الكعبة يلتقط أنفاسه بعد رحلة مريرة في رمال الصحراء.
في شهر ذي القعدة من السنة العاشرة للهجرة اعلن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عزمه على حج بيت اللّه الحرام،و حملت نسائم الصحراء انباء الفرح، فراحت القبائل العربية تنثال الى المدينة لتنضوي تحت لواء آخر الانبياء في التاريخ.
فتدفق عشرات الآلاف تاركين قراهم و مدنهم و مضارب قبائلهم.
و في الخامس و العشرين من الشهر نفسه تحركت القوافل باتجاه مكة مهوى الافئدة،و شهدت الصحراء لأول مرة تجمّعات بشرية ضخمة بلغت مئة ألف انسان تطوي المسافات و هي تسير الهوينى صوب بيت بناه ابراهيم و اسماعيل.
و في الخامس من ذي الحجة الحرام دخل النبي مكة من باب السّلام،و طاف حول البيت العتيق سبعة اشواط ثم انطلق الى جبلي الصفا و المروة،و هو يتمتم بآي القرآن الكريم: إِنَّ الصَّفا وَ الْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللّهِ، (1)فسعى بين الجبلين،في حركة تذكر بام اسماعيل يوم كانت تبحث عن قطرة ماء لوليدها اسماعيل.
و ارتقى جبل الصفا فأطل على الكعبة العظمى و هتف معلنا انتهاء الوثنية:
-لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له،له الملك و له الحمد و هو على كل شيء قدير...لا إله إلاّ اللّه انجز وعده و نصر عبده و هزم الاحزاب وحده.
و في عرفات وقف النبي خطيبا وراح يبين للمسلمين ثقافة الاسلام و مبشرا بعهد السّلام:
-ايها الناس اسمعوا مني أبيّن لكم فاني لا ادري لعلّي لا القاكم بعد عامي هذا في موقفي هذا.
ان دماءكم و امواكم حرام عليكم ان تلقوا ربّكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا.
ثم اعلن الغاء العنصرية و تكريم الانسان.
-ايها الناس ان ربّكم وحده و ان أباكم واحد،كلكم لآدم و آدم
1) سوره 2 - آیه 158
من تراب،ان اكرمكم عند اللّه اتقاكم،ليس لعربي على عجميّ فضل إلاّ بالتقوى.
ثم راح يؤسس لعهد جديد يسوده السّلام و المحبة و الوئام.
-من كانت عنده امانة فليؤدها الى من ائتمنه عليها.
و ان ربا الجاهلية موضوع،و ان أول ربا أبدأ به هو ربا عمّي العباس ابن عبد المطلب،لكم رؤوس اموالكم لا تظلمون و لا تظلمون.
و ان دماء الجاهلية موضوعة،و ان اول دم ابدأ به دم عامر بن ربيعة ابن الحرث بن عبد المطلب (1).
و كان يختم بياناته قائلا:
-ألا هل بلغت؟اللهم فاشهد.
و لم ينس النبي أن يوضح و لو بشكل عام حقيقة كبرى هي الطريق الذي يتعين على المسلمين سلوكه بعد غياب آخر النبوّات في التاريخ:
-ايها الناس انما المؤمنون اخوة و لا يحلّ لأمرىء مال أخيه إلاّ عن طيب نفسه فلا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم أعناق بعض فإني قد تركت فيكم ما ان اخذتم به لن تضلوا بعدي أبدا:كتاب اللّهه.
1) ورد في السير ان قبيلة هذيل كانت قد اعتدت عليه و قتلته.
و عترتي أهل بيتي.
انطوت أيام الحج الأكبر و آن لقوافل الحجيج ان ترجع الى ديارها،وراح اهل مكة يرقبون باعجاب و أمل،الجموع و هي تغادر الارض المقدّسة حيث هبط جبريل يحمل آخر رسالات السماء.
و غادر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مكة و نفسه مطمئنة لانتشار الاسلام الذي اضحى في مدّة و جيزة الدين الأول في منطقة واسعة من العالم.
وصلت القوافل منطقة الجحفة حيت مفترق الطريق،كانت الشمس تتوسط السماء و تصبّ لهيبها على رمال الصحراء فتتوهج ذرّات الرمال.
و في تلك البقعة الملتهبة من دنيا اللّه هبط جبريل يحمل البلاغ الاخير:
و يبدو من خلال لهجة الخطاب القرآني التي اتخذت شكل الانذار ان هناك امرا خطيرا يتوجب على النبي ابلاغه الى الامة التي ولدت قبل اعوام.
1) سوره 5 - آیه 67
فوجئت قوافل الحجيج بدعوة النبي بالتوقف في ارض جرداء قاحلة،فلا شجرة يستظل بها المسافر،و لا نبع يرتوي منه الظامئ؛ و طافت علامات تعجب و استفهام عن بواعث الأمر النبوي!
لا يستطيع المرء أن ينفي هواجس الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في مصير الرسالة الاسلامية بعد رحيله،خاصة و انه بات يشعر بأن ساعة الرحيل قد أزفت و لم يبق له في الدنيا سوى مشوار قصير،و قد آن لآخر الانبياء أن يغمض عينيه و يغفو بسلام.
تطلّع المسلمون الى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و هو يرتقي دوحات اعدّها له بعض اصحابه،و وقف يتطلع الى عشرات الألوف من الذين آمنوا به و اعتنقوا رسالته،و عيناه تحدّقان في الآفاق البعيدة،الى حيث الغد الذي ينطوي على أسرار و حوادث لا يعلمها إلاّ اللّه.
و انسابت كلمات الرسول هادئة مؤثرة:
-كأني قد دعيت فأجبت..و إني تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه و عترتي اهل بيتي فانظروا كيف تخلفوني فيهما،فانهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض.
و كان علي بن أبي طالب قريبا منه،فاستدعاه و أمسك بيده و قدّمه الى العالم بأسره قائلا:
-أ لست أولى بالمؤمنين من انفسهم،و ازواجي امهاتهم.
فانطلقت الصيحات مؤيدة من هنا و هناك:
-بلى يا رسول اللّه.
فهتف النبي و قد رفع يد علي عاليا كأنه يخاطب التاريخ و الاجيال:
-من كنت مولاه فهذا علي مولاه،اللهم و ال من ولاه،و عاد من عاداه.
و ادّى الرسول رسالته،و هبط جبريل يعلن بشارة السماء:
اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً. (1)
و تفجّر نبع من الفرح في تلك الصحراء الملتهبة،و اهتزّ حسّان بن ثابت طربا و انطلق يردّد ممجدا تلك اللحظات السماوية:
يناديهم يوم الغدير نبيّهم بخمّ فأسمع بالنبي مناديا
يقول:فمن مولاكم و وليّكم فقالوا و لم يبدوا هناك التعاميا
إلهك مولانا و أنت وليّنا و لن تجد منا لك اليوم عاصيا
فقال له:قم يا عليّ فإنّني رضيتك من بعدي إماما و هاديا
فمن كنت مولاه فهذا وليه فكونوا له انصار صدق مواليا
هناك دعا اللهم و ال وليه و كن للذي عادى عليا معاديا
و تمتم النبي و عيناه تتألقان فرحا:
1) سوره 5 - آیه 3
-لا تزال يا حسّان مؤيدا بروح القدس ما نصرتنا بلسانك.
و نهض الصحابة يحيّون عليا و يهنئونه قائلين:
-بخ بخ لك يا علي اصبحت مولاي و مولى كل مؤمن و مؤمنة!
و كان يوم الثامن عشر من ذي الحجة الحرام يوم عيد و فرح، فقد كمل الدين و تمّت النعمة.
وقف رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يوم النحر من حجة الوداع خطيبا:
-«اما بعد ايها الناس اسمعوا مني ما ابين لكم فاني لا أدري لعلي لا القاكم بعد عامي هذا في موقفي هذا،ان دماءكم و اموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا في شهركم و بلدكم هذا..».
«ايها الناس انما المؤمنون اخوة و لا يحلّ لأمريء مال اخيه إلاّ عن طيب نفسه،فلا ترجعوا كفارا بعدي يضرب بعضكم اعناق بعض فأني قد تركت فيكم ما ان اخذتم به لن تضلوا بعدي ابدا:كتاب اللّه و عترتي أهل بيتي...».
انطوى موسم الحج،و غادر سيدنا محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مكّة و معه مئة
ألف أو يزيدون؛التاريخ يشير الى يوم الثامن عشر من ذي الحجة الحرام من السنة العاشرة للهجرة.
قوافل الحجيج تهوي في بطون الأودية؛الشمس في كبد السماء و قد بدت و كأنها تتشظى لهبا،القوافل تصل مكانا (1)قريبا من الجحفة،حيث مفترق الطرق.
و غمرت النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و هو على ناقته«القصوى»حمّى الرسالات لقد هبط جبريل يحمل بلاغ السماء،و توقف النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و هو يتشرّب انذارا سماويا:
يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَ اللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ. (2)
و توقفت عشرات الألوف و هي تتساءل عن السرّ في توقف النبي،في هذه البقعة الملتهبة من دنيا اللّه.
و انبرى بعض الصحابة يصنعون للنبي مرتفعا فلديه كلمات تامّات يريد ابلاغها لعشرات الآلاف من الصحابة..و الأجيال القادمة...و التاريخ.
كلمات الحمد و الثناء للّه تنساب من بين شفاه آخر الأنبياء كان علي واقفا قرب الإنسان الذي ربّاه صغيرا و علّمه كيف يحيا؛قالم.
النبي و عشرات الالوف تتطلع إليه:
-أ لست أولى بالمؤمنين من انفسهم؟
و جاء الجواب من عشرات الحناجر:
-بلى يا رسول اللّه.
و أخذ النبي بيد علي و رفعها عاليا:
-من كنت مولاه فهذا علي مولاه...
و رفع آخر الأنبياء يديه إلى السماء:
-اللهم و ال من والاه..و عاد من عاداه..و انصر من نصره..
و اخذل من خذله.
و هبط جبريل يبشر محمدا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنه قد ادّى رسالته و قد آن له أن يستريح؛لقد اكتمل الدين و تمت النعمة و قيل الحمد للّه رب العالمين.
تلألأ الجبين الازهر عرقا..تألقت حبّات العرق كقطرات الندى و قد انطبعت كلمات السماء فوق شغاف قلب وسع الدنيا و التاريخ:
-«اليوم اكملت لكم دينكم و اتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الإسلام دينا».
و تمرّ الأيّام..و ينطلق رسول السماء الى حجّ بيت اللّه...
و اختارت السماء«غدير خمّ»في طريق العودة و هبط جبريل:
-يا أيّها الرسول بلّغ ما انزل اليك من ربّك و ان لم تفعل فما بلّغت رسالته.
-و الناس؟
-اللّه يعصمك من الناس.
الرمال تشتعل لهيبا لا يطاق.
و توقّف النبيّ فتوقف معه مئة ألف أو يزيدون،و علامات استفهام ترتسم على الوجوه و توقّف التاريخ يصغي لما يقول آخر الأنبياء:
-أ لست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟
بلى يا رسول اللّه.
من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه...أيّها الناس ستردون عليّ الحوض و أنا سائلكم عن الثقلين.
-و ما الثقلان يا نبيّ اللّه؟
-كتاب اللّه و عترتي أهل بيتي.
و مضى التاريخ لا يلوي على شيء...و عادت قوافل الحج الأكبر تستأنف رحلة العودة إلى الديار و قد دخل الناس في دين اللّه أفواجا و هبط جبريل يتلو على الرسول آخر آيات السماء..
و شعر النبي ان مهمته في الأرض قد انتهت و آن له أن يستريح و لكن...
1) سوره 5 - آیه 3
صورة
صورة
صورة
صورة
صورة
صورة
صورة
صورة
صورة
المقدمة 5
الطريق الى غدير خم 7
مشاهد في طريق الهجرة التاريخية 15
المشهد الأول:15
المؤامرة 16
الفداء 17
الطريق الى يثرب 18
الرحلة 20
المشهد الثاني:22
رسالة من قبا:24
المشهد الثالث:28
مشاهد في طريق الحج الأخير 33
المشهد الأول:33
البلاغ المبين 36
المشهد الثاني:39
المشهد الثالث:42
المحتويات 55