ghaemiyeh.com
حیاة الإمام المنتظر (عج) المصلح الأعظم: دراسة و تحلیل
نویسنده: باقر شریف قرشی
ناشر : دارالجواد الائمه علیهم السلام - بیروت - لبنان
بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ وَ لَقَدْ كَتَبْنٰا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهٰا عِبٰادِيَ الصّٰالِحُونَ
الأنبياء 21:105
وَعَدَ اللّٰهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصّٰالِحٰاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضىٰ لَهُمْ وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاٰ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً
النور 24:55
إلى صانع الحضارة الإنسانيّة القائمة على توحيد اللّه.
إلى محرّر إرادة الإنسان و فكره.
إلى خاتم الأنبياء،و سيّد الكائنات،الرسول محمّد صلّى اللّه عليه و اله.
أرفع هذه الدراسة عن خاتم أوصيائه،و محيي دينه،و مجدّد رسالته،
الأمام المهديّ الذي يملأ الأرض قسطا و عدلا بعد ما ملئت ظلما و جورا، راجيا التفضّل عليّ بالقبول،لأعدّه ذخرا يوم ألقى اللّه تعالى
المؤلّف
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم الإمام النتظر عجّل اللّه فرجه الشريف حجّة اللّه في الأرض،و شبيه أنبياء اللّه العظام،حيث اتّفقت جميع الأديان على ظهوره كمصلح عظيم يشيع العدل و الأمن و الرخاء،و يرفع راية الحقّ في جميع أنحاء الأرض، و ينقذ الإنسانيّة المروّعة بالويلات و المصائب.
نعم،سيتحقّق ذلك بإذن اللّه تعالى بعد وصول البشريّة إلى حالة من العجز و الفشل في تحقيق العدالة و الأمن للعالم.
إنّ فكرة الإمام المهدي عليه السّلام فكرة إسلاميّة عقائديّة مقدّسة تهدّد مستقبل الظالمين باعتراف جميع المذاهب الإسلاميّة،فعلى جميع الأجيال الإسلاميّة الاهتمام و التعلّق بها.
فالإمام عليه السّلام حقيقة مضيئة لا بدّ أن يظهر على مسرح الحياة،فيضيء آفاق الكون بسيرته العادلة و تطبيقه منهج رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله.
لذا فلا بدّ للمؤمن في هذه الفترة من انتظار الفرج،و الانتظار من العقائد الراسخة و من المفاهيم الإسلاميّة التي أكّدت عليها الأحاديث، من ذلك قول الإمام الصادق عليه السّلام:«من سرّه أن يكون من أصحاب القائم
فلينتظر و ليعمل بالورع و محاسن الأخلاق و هو منتظر».
كما أنّ على المؤمنين جميعا الدعاء للإمام عليه السّلام و دوام ذكره عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف.
و بعد ذلك لا يسعني إلاّ أن أحمد اللّه عزّ و جلّ على ما وفّقني إليه من مراجعة نصوص الكتاب و مصادره ليخرج في طبعته الجديدة هذه بأفضل حلية.
و في الختام أتقدّم بجزيل الشكر و التقدير للحاج ناهي عبد الرضا هلول لمساهمته في طبع الكتاب ليهدي ثواب ذلك إلى روح والدته و أخيه الشهيد سائلا اللّه عزّ و جلّ أن يوفّقه لكلّ مسعى نبيل.
إنّه وليّ التوفيق
مهدي باقر القرشي
/1ذي القعدة1427/ ه
أيّها المصلح العظيم
سيّدي!تتطلّع الدنيا لمقدمك السعيد؛لترفع راية العدل عالية خفّاقة،و تنشر الأمن و الرخاء على جميع شعوب العالم و امم الأرض،و تنقذ الإنسان من ويلات الظالمين،و كوارث الإرهابيّين،و تطوي أجهزة السياسة الرعناء التي استحلّت ما حرّم اللّه،و كفرت بحقوق الإنسان،و أحالت الأرض إلى جحيم، و صرفت أموال الشعوب على صنع الأسلحة المبيدة،التي تهلك الحرث و النسل،في حين أنّ ملايين البشر يموتون جوعا.
سيّدي!يا أمل المحرومين و المعذّبين في الأرض!إليك ترنو أبصارهم،و بك تعلّقت آمالهم،لتنقذهم من واقعهم المرير، و تقيم في ربوعهم العدالة الاجتماعيّة،و توزّع عليهم خيرات اللّه،فلا يبقى في ظلال حكمك العادل أحد ينهش جسمه الجوع و الحرمان،و إنّما يعيش الجميع-كما يريد اللّه-برفاهيّة و نعيم و رخاء،لا ترهقهم ذلّة،و لا يخافون دركا،و لا يخشون ظالما.
سيّدي!لقد انهارت الأخلاق،و أقبرت الفضائل،و هبط الإنسان إلى مستوى سحيق ما له من قرار،فقد انعدم الصدق، و ساد الكذب،و عمّ النفاق،و تلاشت الروابط الاجتماعيّة، و لم يعد الإنسان كما يريده اللّه تعالى خليفة في الأرض؛يسير
بالحقّ،و يحكم بالعدل..و ها هي البشريّة تترقّب طلوعك، و تتلهّف إلى حكمك لتنقذها من هذا الانهيار المخيف الذي ينذر بإعادة شريعة الغاب.
سيّدي!لقد جمّدت أحكام الإسلام،و عطّلت حدوده، و لم يبق إلاّ اسمه،و ها هو يعجّ إليك لتحيي آثاره،و تقيم معالمه، و تعيد آياته،حتّى تزدهر الدنيا بعدله،و يأمن الخائفون،و يسعد المستضعفون بحكمه.
نحن أمام أمل الإنسانيّة المعذّبة التي فتكت بها الحروب،و دمّرتها أطماع المستعمرين،فهي تتطلّع إلى منقذها العظيم؛ليقيم فيها حكم اللّه تعالى الذي لا غنى فيه لأحد و لا استغلال و لا تميّز لقوم على آخرين.
نحن أمام العدل الصارم الذي يمحو الظلم و الجور،و يسحق الاستعباد،و يشيع الفضيلة و الرحمة و المواساة،و يبسط الإيثار و المودّة بين الناس،فلا ظلّ في حكمه لأي قوى تعبث بالحياة،أو تعيث فسادا في الأرض.
نحن أمام العدل المنتظر الذي هو هبة اللّه،و نعمته الكبرى على الناس،و الذي يملأ قلوب البؤساء و المحرومين رجاء و رحمة،و يوزّع عليهم خيرات اللّه.
نحن أمام قائم آل محمّد عليه السّلام الثاني عشر من أئمّة أهل البيت عليهم السّلام الذي أعدّه اللّه تعالى لإصلاح العالم،و تغيير مناهج الأنظمة الفاسدة السائدة فيه،و التي هبطت بالإنسان إلى مستوى سحيق ما له من قرار.
لقد أعدّ اللّه تعالى الإمام المهدي عليه السّلام للقيام بأداء أعظم رسالة إصلاحيّة،فهو الذي يملأ الدنيا قسطا و عدلا بعد ما ملئت ظلما و جورا.
لقد اختاره اللّه لهذه المهمّة من بين أوليائه؛لأنّه من أصفى الناس طبعا،و من أرقّهم
قلبا،و من أنفذهم بصيرة،و من أكثرهم نكرانا للذات،فهو من أهل بيت زكّاهم اللّه، و أذهب عنهم الرجس و طهّرهم تطهيرا.
إنّ الإمام المنتظر عليه السّلام فهو من أبرز القضايا الإسلاميّة وضوحا،و من أكثرها جلاء، فقد بشّر به الرسول الأعظم صلّى اللّه عليه و اله-الذي لا ينطق عن الهوى-و كذلك بشّر به أئمّة الهدى عليهم السّلام-الذين هم خزنة علم الرسول،و سدنة حكمته-و ليست أخبارهم به أخبار آحاد قابلة للطعن و التشكيك و التجريح في سند رواتها،و إنّما هي أخبار متواترة، قد حازت الدرجة القطعيّة،و صدّقها أئمّة الحديث،و آمن بها الحفّاظ،مجمعين على تدوينها في السنن و الصحاح،حتّى صار التشكيك فيها تشكيكا في ضرورة من ضروريّات الدين،و قد نقل الرواة عن النبيّ الأكرم صلّى اللّه عليه و اله أنّه قال:«من أنكر خروج المهديّ فقد كفر بما أنزل على محمّد صلّى اللّه عليه و اله» (1).
إنّ العقل السليم يؤمن بصورة مطلقة بوجود الإمام المنتظر عليه السّلام و بحتميّة ظهوره، فإنّه أمر ممكن عقلا لم يقم أي دليل علمي على امتناعه و استحالته،فإنّ جميع ما أثير حوله من شبه و أوهام لا تلبث أن تتلاشى أمام الفيض العارم من الأخبار الصحيحة التي أثرت عن نبيّ الإسلام و أوصيائه العظام،و هي تعلن بوضوح و صراحة عن حتميّة ظهوره على مسرح الحياة ليبدّد الظلم و الجور،و يعيد للإسلام بهجته و نظارته، و بالإضافة إلى تلك الأخبار فإنّ هناك إجماعا عالميّا من الأديان السماويّة و المذاهب
1) عقد الدرر:23.فرائد السمطين:334/2،الحديث 585.أعيان الشيعة:431/4.
الاجتماعيّة،على ظهور مصلح اجتماعي يقيم الحقّ،و يحكم بالعدل،و لا يدع ظلاّ للغبن و الظلم بين الناس،و أنّ حكمه هو أسمى ما تحلم به البشريّة من التطوّر و التقدّم و الازدهار في جميع أدوارها.
و إذا عرضنا قصّة الإمام المهدي عليه السّلام بجميع مفرداتها و شؤونها على ضوء البحوث الفلسفيّة،لوجدناها ضروريّة لا غنى عن الالتزام و الإيمان بها؛لأنّ للّه تعالى فيضا متّصلا و مستمرا على عباده لا ينقطع و لا يتخلّف،فقد أفاض عليهم الوجود بعد العدم،و خلقهم بأحسن تقويم،و فضّلهم على كثير ممّن خلق تفضيلا،و أمر ملائكته بالسجود لأبيهم آدم،و سخّر لهم الشمس و القمر،و أمدّهم بجميع ما يحتاجون إليه.
و إنّ من عظيم عنايته و ألطافه تعالى على عباده انتشالهم من الضلالة و الضياع، فقد بعث إليهم أنبياءه العظام،كإبراهيم و موسى و عيسى و محمّد صلوات اللّه عليهم، في وقت كانت البشريّة غارقة في الآثام و الموبقات.يقول اللّه تعالى: وَ كُنْتُمْ عَلىٰ شَفٰا حُفْرَةٍ مِنَ النّٰارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهٰا (1).
و وصف الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام الظروف العصيبة التي رافقت بعثة الرسول محمّد صلّى اللّه عليه و اله بقوله:«أرسله على حين فترة من الرّسل،و طول هجعة من الأمم،و اعتزام من الفتن،و انتشار من الأمور،و تلظّ من الحروب،و الدّنيا كاسفة النّور،ظاهرة الغرور؛على حين اصفرار من ورقها،و إياس من ثمرها» (2).
و كذلك يكون خروج الإمام قائم آل محمّد عليه السّلام في الظروف العصيبة التي تجتازها
الإنسانيّة،و هي مروعة بالويلات و الكوارث،فينقذها اللّه بالمصلح العظيم الذي يشيع في أرجائها الأمن و الرخاء،و ينشر العدل و المساواة،و غيرها من القيم الكريمة التي تتطلّع إليها الإنسانيّة.
و موضوع الإمام المنتظر عليه السّلام بجميع شؤونه؛ولادة و اختفاء و ظهورا،يشبه أنبياء اللّه العظام؛دعاة الإصلاح الاجتماعي في الأرض،فهو يشبه نبيّ اللّه موسى بن عمران عليه السّلام في خفاء حمله و ولادته،فقد وضع الطاغية فرعون الرقباء من النساء على كلّ مولود يولد في مملكته،فإن كان ذكرا أمر بقتله،و إن كان أنثى عفا عنها؛لأنّ الكهنة قد أخبروه بزوال ملكه على يد فتى يولد في ذلك العصر،و كذلك الإمام المنتظر عليه السّلام فقد أخفى اللّه حمله و ولادته خوفا عليه من طغاة بني العبّاس،فقد أحاطوا دار أبيه الإمام الحسن العسكري عليه السّلام بقوى مكثّفة من الأمن نساء و رجالا للتعرّف على ولادة وليده الإمام المنتظر،الذي بشّر به النبيّ صلّى اللّه عليه و اله بأنّه آخر خلفائه،فقد أيقن العبّاسيّون بزوال ملكهم على يده،فحاولوا جاهدين إلقاء القبض عليه و قتله،كما قتلوا آباءه من قبل.
و كذلك شابه الإمام المنتظر عليه السّلام السيّد المسيح عيسى بن مريم عليه السّلام في نطقه بعد ولادته،فقد أشارت إليه السيّدة أمّه أن يكلّم القوم الذين أحاطوا بها بعد ولادته، فأنطقه اللّه قائلا: إِنِّي عَبْدُ اللّٰهِ آتٰانِيَ الْكِتٰابَ وَ جَعَلَنِي نَبِيًّا* وَ جَعَلَنِي مُبٰارَكاً أَيْنَ مٰا كُنْتُ وَ أَوْصٰانِي بِالصَّلاٰةِ وَ الزَّكٰاةِ مٰا دُمْتُ حَيًّا (1).
و كذلك الإمام المنتظر بعد ولادته تلا الآية الكريمة: وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوٰارِثِينَ (2).
و كما شابههم في هذه المظاهر الكريمة،فقد شابههم فيما هو أهمّ منها،و هي قيامه بتغيير الأوضاع الاجتماعيّة،و بلورة الفكر الإنساني،و تدميره للظلم و الطغيان.إنّه يقوم بالدور نفسه الذي قام به أنبياء اللّه عليهم السّلام،و يحطّم الجور،و يقضي على الظلم، و يبسط العدل و الحقّ و الإخاء بين الناس.
لا أعتقد أنّ بحثا من البحوث الإسلاميّة قد نال اهتمام العلماء كموضوع الإمام المنتظر عليه السّلام،فقد بحث من جميع جوانبه و وجهاته على ضوء الكتاب و السنّة،و قد انبرى جمع حاشد من العلماء إلى التأليف في شؤونه،و علامات ظهوره.
و من الجدير بالذكر أنّ الذين ألّفوا فيه من علماء السنّة أكثر من علماء الشيعة، و سنذكر في مظانّ هذا الكتاب قائمة بأسماء بعض تلك الكتب التي تزيد على خمسين كتابا،حتّى صار التشكيك في أمره شكّا في البديهيّات التي لا يقرّها فيها العقل و لا العرف.
و على أيّة حال،فإنّ من سخف القول،و ضحالة الفكر إنكار الإمام المهدي عليه السّلام، و أمّا جحود(ابن خلدون)و(المجوسي الكسروي)و(أحمد أمين المصري)،فإنّما هو لعدائهم الآثم،و حقدهم البالغ لأئمّة أهل البيت عليهم السّلام،فقد تحاملوا عليهم في جميع ما كتبوه عنهم،و قد استخفّ بهم القرّاء،و لم يعد لما كتبوه عنهم أي وزن علمي بها.
و اتّهمت الشيعة في غير إنصاف،و ألصقت بها أكاذيب سخيفة في شأن عقيدتها بالإمام المنتظر عليه السّلام،فقد قالوا:إنّها تعتقد أنّ الإمام غاب في السرداب الكائن في بيته في(سامرّاء)،و أنّهم يتوقّعون خروجه منه،و قالوا أيضا:إنّهم يأتون إلى سرداب
خاصّ في بابل يترقّبون خروجه منه،إلى غير ذلك في سخف القول و أباطيله.
إنّ عقيدة الشيعة في الإمام المنتظر عليه السّلام،بل و في غيره من مجالاتها العقائديّة،نقيّة مشرقة كالشمس،مشتقّة من صميم الإسلام،و مأخوذة من أئمّة الهدى الذين أذهب اللّه عنهم الرجس و طهّرهم تطهيرا،و لم تؤخذ-و الحمد للّه-من كذّاب و وضّاع و منحرف عن دينه،و ليس في جميع بنودها شذوذ و لا انحراف،و لا خروج عن سنن الكون،و نواميس الطبيعة،و هي تواكب المنطق و الفطرة،و تساير المجتمعات الإنسانيّة في جميع عصورها.
إنّ الشيعة تعتقد بأنّ الإمام المنتظر-سلام اللّه عليه-قد غاب عن أبصار السلطة التي كانت تراقبه كأشدّ ما تكون المراقبة لتصفيته جسديّا،فغيابه عن الظالمين كغياب جدّه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله عن أبصار قريش حينما أحاطت بداره لقتله،فخرج من بين أيديهم إلى يثرب،و أناب مكانه في فراشه وصيّه و باب مدينة علمه،الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام و القوم لا يشعرون.
و تعتقد الشيعة اعتقادا صريحا بأنّ الإمام المنتظر عليه السّلام لا يظهر من السرداب الذي في(سامرّاء)و لا غاب فيه،و إنّما يظهر في وضح النهار في(مكّة المكرّمة)،و في الكعبة المشرّفة،كما ظهر من تلك البقعة المقدّسة جدّه الرسول الأعظم صلّى اللّه عليه و اله، و سنتحدّث عن هذه الجهة في غضون هذا الكتاب.
و تسأل الناس عن الحكمة من غياب الإمام المنتظر عليه السّلام الغيبة الكبرى،و حجبه عن الالتقاء بشيعته و غيرهم،و عدم اشتراكه بأي عمل إيجابي في مجريات الأحداث العالميّة و غيرها،و فيما أحسب أنّ العلّة الحقيقيّة في ذلك قد أخفاها اللّه على عباده كما أخفى ليلة القدر،و يوم القيامة،و الساعة التي يستجاب فيها الدعاء في يوم الجمعة،
و ماهيّة الروح و حقيقتها،و حمل نبيّه موسى بن عمران و ولادته؛و غيابه عليه السّلام من هذا القبيل،و كذلك ظهوره.
و من المؤكّد أنّ الإنسان أقصر ذهنيّا من أن يحيط بحكم الخالق العظيم في تصرّفاته و شؤونه،فهو الذي أبدع تكوين الأشياء،و وضع لها ما يدبّرها من الأنظمة و القوانين التي نجهلها،و للّه تعالى في خلقه حكم بالغة يفهمها الناس حينا،و يقصرون عن فهمها في كثير من الأحيان.
لا أكاد أعرف أمرا اهتمّ به الكثيرون من الناس كاهتمامهم بمعرفة علامات ظهور الإمام المنتظر عليه السّلام،و ترقّب خروجه،و فيما أحسب أنّ اهتمامهم البالغ بذلك يعود إلى سأمهم و تذمّرهم من الأنظمة الوضعيّة التي يعيشونها،فقد جرت عليهم المآسي و الويلات،و أغرقت العالم بالفتن و الخطوب،فهم يتشوّقون إلى حكم اللّه الذي يحقّق لهم العدل السياسي و العدل الاجتماعي،و ينقذهم من جور الظالمين و بطش المستبدّين.
لقد ألقت الأخبار التي أثرت عن النبيّ صلّى اللّه عليه و اله،و عن أئمّة الهدى عليهم السّلام الأضواء على كثير من علامات ظهوره عليه السّلام،و التي منها:انهيار الأخلاق،و انعدام الروابط الاجتماعيّة،و فقدان التماسك بين أفراد الأسرة الواحدة،و تخلّي الناس عن تعاليم أديانهم،بحيث يصير المجتمع في سلوكه قريبا من المجتمع الجاهلي،فلا أمر بمعروف،و لا نهي عن منكر،و لا تواصل،و لا توادد،و يصير المسلمون بأقصى مكان من الذلّ و الهوان،تتكالب عليهم الأمم تغصب ثرواتهم،و تتحكّم في قضاياهم و مصيرهم،و يكونون كأعصاب خالية من الروح و الاحساس،و يعرض هذا الكتاب إلى إعطاء صورة متميّزة عن علامات ظهوره عليه السّلام حسب ما نطقت به الأخبار.
و من بحوث هذا الكتاب إعطاء لمحة من صفات الإمام المهدي عليه السّلام،و بعض عناصره النفسيّة؛التي هي-من دون شكّ-امتداد لذاتيّات آبائه و أجداده العظام الذين هم مصدر خير و رحمة و فيض على الناس على اختلاف قوميّاتهم و أجناسهم،و من أبرز صفاتهم أنّهم كانوا قوّة ضاربة و قاهرة للطغاة و الظالمين.
يقول سيّد العترة الطاهرة الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام:«الذّليل عندي عزيز حتّى آخذ الحقّ له،و القويّ عندي ضعيف حتّى آخذ الحقّ منه» (1).
و هذه النزعة الكريمة ماثلة بأسمى صورها عند حفيده الإمام المنتظر عليه السّلام،فإنّه -حسبما تواترت به الأخبار-إذا أشرقت الدنيا بظهوره يقوم ببسط العدل،و تدمير الظلم،و يبني مراكز للمساواة و الإنصاف بين الناس،و يطيح بعروش الطغاة الذين أقاموا عروشهم على الظلم و الطغيان.
و يعرض هذا الكتاب إلى ما لاقاه السادة العلويّون و شيعتهم من صنوف التنكيل و الاضطهاد من حكّام عصورهم،فقد قابلوهم بمنتهى القسوة و البطش،فقد وضع العبّاسيّون العلويّين و هم أحياء في جدران البيوت،و أقاموا عليهم البناء،كما ألقوا أطفالهم في حوضي دجلة و الفرات،و كان وزراؤهم يتقرّبون إليهم في أيّام الأعياد بتقديم رؤوس العلويّين هدايا لهم،أمّا ما لاقته شيعتهم و محبّوهم من العناء و القهر و الظلم فلا يوصف لمرارته و قسوته.
1) نهج البلاغة:89.
و فيما أحسب أنّ ما عاناه العلويّون من الجور أيّام الحكم العبّاسي هو من أهمّ الأسباب في اختفاء الإمام المنتظر عليه السّلام في أيّام حياة أبيه الحسن العسكري عليه السّلام،و بعد وفاته عليه السّلام فقد بذلت السلطة العبّاسيّة قصارى جهودها للبحث عنه لاعتقاله و تصفيته جسديّا،معتقدين أنّ زوال ملكهم على يده،و سنعرض صورة في ذلك.
و من بحوث هذا الكتاب تحديد الزمان الذي يظهر فيه الإمام المنتظر عليه السّلام حسبما دلّت عليه الروايات،و كذلك تحديد المكان الذي ينطلق منه صوت الحقّ،و هو مكّة المكرّمة،و في البيت الحرام الذي فرض اللّه تعالى حجّه على العباد.
كما أنّ من محتويات هذا الكتاب بيان سياسة الإمام عليه السّلام،و منهج حكمه إذا ظهر، فإنّه يشيع الأمن و الرخاء و الاستقرار بين الناس،و يريهم من صنوف العدل ما لم يشاهدوه في جميع فترات التاريخ.
و من بنود هذا الكتاب البحث عن أصحابه،و ما يتمتّعون به من القابليّات الفذّة التي تجعلهم في طليعة المجاهدين و العظماء،الذين يستعين بهم الإمام عليه السّلام على ما يتبنّاه من نشر المبادئ الكريمة التي تسمو بالحياة الإنسانيّة.هذه بعض مواد بحث الكتاب،و قد ألمحنا لها بإيجاز.
و قبل أن أقفل هذا التقديم أرى من الحقّ أن أعلن أنّ هذا الكتاب لا يحكي إلاّ صورة موجزة عن حياة هذا الإمام الملهم العظيم،الذي أعدّه اللّه لإصلاح الدنيا،و إقامة
ما اعوجّ من نظام الدين،لا أقول ذلك تصنّعا أو تواضعا أو غلوّا،و إنّما الواقع الذي يمليه عليّ،فإنّ سيرة هذا الإمام و سيرة آبائه،و حياته و حياتهم،إنّما هي صورة كاملة لحياة جدّهم الرسول العظيم صلّى اللّه عليه و اله،و امتداد لذاتيّاته،و هو صلّى اللّه عليه و اله قد ملأ فم الدنيا بفضائله و علومه،و لا يحيط بكنهه و الكشف عن واقعه أي كتاب،فكذلك أوصياؤه و سدنة علمه و حكمته.
مكتبة الأمام الحسن العامّة النّجف الأشرف
/1ذي القعدة1415/ ه
باقر شريف القريشى
و قبل الحديث عن ولادة المصلح العظيم الإمام المنتظر عليه السّلام،أمل الإنسانيّة و زعيمها،نعرض بإيجاز إلى الأصول الكريمة التي تفرّع منها هذا النور الذي سيضيء جميع آفاق الكون،و يبدّد ظلمات الجهل،و يقضي على عناصر البغي و الشرّ و الفساد في الأرض،و فيما يلي ذلك:
أمّا أبو الإمام المنتظر عليه السّلام فهو الإمام الحادي عشر من أئمّة الهدى عليهم السّلام الإمام الحسن العسكري عليه السّلام،الذي هو من مصادر الفكر و الوعي في دنيا الإسلام،و من سادات المتّقين و المنيبين إلى اللّه تعالى،و هو-بإجماع المؤرّخين-أعظم شخصيّة إسلاميّة فذّة في عصره،و لقد كان الزعيم المطلق للجبهة المعارضة و المعادية للحكم العبّاسي الذي بني على الظلم و الجور،و تنكّر لحقوق الناس،و قد تعرّض الإمام للسجن و الاضطهاد،و فرضت عليه السلطة الإقامة الجبريّة في(سامرّاء)،و منعت شيعته منعا باتّا من الاتّصال به.و قد بحثنا عن سيرته و شؤونه في كتابنا(حياة الإمام الحسن العسكري عليه السّلام)،و سنشير إلى بعض شؤونه في البحوث الآتية.
أمّا أمّ الإمام المنتظر عليه السّلام فيرجع نسبها إلى أعظم شخصيّة في الروم-حسبما صرّح
به بعض الرواة-فهي بنت(يشوع)الذي ينتهي نسبه إلى قيصر ملك الروم،كما أنّ أمّها ينتهي نسبها إلى(شمعون)الذي هو أحد أوصياء السيّد المسيح و من حواريه (1).
و كانت هذه السيّدة الزكيّة من سيّدات نساء المسلمين في عفّتها و إيمانها و طهارتها،و يكفيها سموّا و فخرا أنّها كانت وعاء لأعظم مصلح اجتماعي في التاريخ بعد أجداده العظام.
و كانت تقابل في بيت زوجها الإمام الحسن عليه السّلام بمنتهى الحفاوة و التكريم؛و ذلك لما تتمتّع به من سموّ الذات،و محاسن الصفات،كما كانت السيّدة الجليلة عمّة الإمام تجلّها و تعظّمها،فقد أحاطها الإمام علما بأنّ الإمام المنتظر سيكون منها (2).
و نقل الرواة أسماء كريمة لهذه السيّدة الزكيّة المعظّمة كانت تسمّى بها،و هي:
1-سوسن (3).
2-ريحانة (4).
3-نرجس (5).
4-صيقل (6).
5-خمط (1).
و إنّما سمّيت بهذا الاسم لأنّها قد اعتراها النور و الجلاء بسبب حملها بالإمام المهدي عليه السّلام (2).
و أثرت عن أئمّة الهدى عليهم السّلام كوكبة من الأحاديث في الثناء على هذه السيّدة الزكيّة و الإشادة بها،و من بينها هذه الأخبار:
1-خطب الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام بعد انتهائه من حرب الخوارج في(النهروان)، و قد أدلى في خطابه ببعض الملاحم،و عرض عليه السّلام موضوع خروج المهدي عليه السّلام، و قد أثنى على السيّدة الكريمة أمّه،قال:
«يابن خيرة الإماء،متى تنتظر؟أبشر بنصر قريب من ربّ رحيم» (3).
2-روى أبو بصير،قال:«قلت لأبي عبد اللّه:يابن رسول اللّه،من القائم منكم أهل البيت؟
فقال:يا أبا بصير،هو الخامس من ولد ابني موسى،ذلك ابن سيّدة الإماء،يغيب غيبة يرتاب فيه المبطلون،ثمّ يظهره اللّه عزّ و جلّ فيفتح اللّه على يده مشارق الأرض و مغاربها...» (4).
3-روى محمّد بن عصام بسنده عن أبي بصير،عن الإمام أبي جعفر-أو الإمام
أبي عبد اللّه عليهما السّلام-أنّه قال:
«بالقائم علامتان:شامة في رأسه،و شامة بين كتفيه مثل ورقة الآس،ابن سبيّة و ابن خيرة الإماء» (1).
و كثير من أمثال هذه الأحاديث قد أثرت عن أئمّة أهل البيت عليهم السّلام،و هي تشيد بمكانة هذه السيّدة الكريمة،و لا يضرّ بسموّ منزلتها أنّها أمّة،فقد هدم الإسلام الحواجز بين البشر،و اعتبر التمايز بالتقوى و طاعة اللّه تعالى لا بغيرها.
و أشرقت سماء الدنيا بالوليد العظيم،و المصلح الأكبر الذي يعيد للإسلام بهجته و نعمته على الناس،و ينقذ الإنسان من ظلمات الجور و الطغيان،و كان من عظيم ألطاف اللّه عليه و عنايته به أن أخفى حمله و ولادته كما أخفى ولادة نبيّه موسى بن عمران عليه السّلام.
فقد روى المؤرّخون أنّ الإمام الزكي الحسن العسكري عليه السّلام دعا عمّته السيّدة الجليلة حكيمة بنت الإمام محمّد الجواد عليه السّلام،و هي من العلويّات العابدات التي تضارع جدّتها سيّدة نساء العالمين فاطمة الزهراء عليها السّلام في عفّتها و طهارتها،فلمّا مثلت عنده قابلها الإمام العسكري عليه السّلام بمزيد من الحفاوة و التكريم و قال لها:
«يا عمّة،اجعلي اللّيلة إفطارك عندي،فإنّ اللّه عزّ و جلّ سيسرّك بوليّه و حجّته على خلقه،خليفتي من بعدي».
و غمرت السيّدة حكيمة موجات من الفرح و السرور،و التفت إلى الإمام قائلة:
«جعلت فداك،يا سيّدي،الخلف ممّن؟».
1) الغيبة/النعماني:216،الحديث 5 و:229،الحديث 10.
فقال لها الإمام:«من سوسن» (1).
و نظرت السيّدة حكيمة إلى سوسن فلم تر عليها أثرا للحمل،فقالت للإمام العسكري عليه السّلام:«إنّها غير حامل».
فتبسّم عليه السّلام و قال لها:«إذا كان وقت الفجر يظهر لك بها الحبل،فإنّ مثلها مثل أمّ موسى لم يظهر بها الحبل،و لم يعلم بها أحد إلى وقت ولادتها؛لأنّ فرعون كان يشقّ بطون الحبالى في طلب موسى،و هذا نظير موسى» (2).
و قامت السيّدة حكيمة من عند الإمام العسكري عليه السّلام،فلمّا حان وقت صلاة المغرب و العشاء أدّت الصلاتين،ثمّ تناولت الإفطار مع السيّدة سوسن،و بعد ذلك عمدت إلى فراشها فنامت،ثمّ استيقظت و نظرت إلى سوسن فلم تر عليها أثر الولادة،و لمّا حلّ الهزيع الأخير من الليل نهضت فأدّت صلاة الليل،و حينما بلغت الركعة الأخيرة و هي صلاة الوتر،و ثبت السيّدة سوسن و هي فزعة،فأدّت صلاة الليل،و بعد الفراغ منها أحسّت بالطلق،و بادرت نحوها السيّدة حكيمة قائلة:
هل تحسّين شيئا؟
فأجابتها بفزع و اضطراب:إنّي لأجد أمرا شديدا.
و قابلتها السيّدة حكيمة بعطف و حنان قائلة:لا خوف عليك إن شاء اللّه.
و لم يمض قليل من الوقت حتّى ولدت سوسن وليدها العظيم،الذي سيطهّر الأرض من رجس الطغاة و جور المستبدّين،و يقيم حكم اللّه في الأرض.
و فرح الإمام الحسن الزكي كأشدّ ما يكون الفرح بوليده المبارك،و جعل يردّ مقالة الظالمين من حكّام بني العبّاس الذين زعموا أنّهم سيقتلونه و يحرمونه من النسل،1.
قائلا:«زعم الظّلمة أنّهم يقتلوني؛ليقطعوا هذا النّسل،فكيف رأوا قدرة اللّه؟!» (1).
و حملت السيّدة حكيمة الوليد العظيم إلى أبيه الإمام الحسن العسكري عليه السّلام، فاستقبله بمزيد من الابتهاج و السرور،و أجرى عليه مراسيم الولادة الشرعيّة،فأذّن في أذنه اليمنى،و أقام في أذنه اليسرى،فكان أوّل صوت يخترق سمعه:اللّه أكبر، لا إله إلاّ اللّه.
لقد غذّاه بهذه الكلمات التي هي سرّ الوجود،و أنشودة الأنبياء،و قد ملأت قلبه،و سرت في عواطفه و مشاعره،و نطق الوليد كما نطق قبله عيسى بن مريم، نطق عليه السّلام بالآية الكريمة: وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوٰارِثِينَ* وَ نُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَ نُرِيَ فِرْعَوْنَ وَ هٰامٰانَ وَ جُنُودَهُمٰا مِنْهُمْ مٰا كٰانُوا يَحْذَرُونَ (2).
لقد ولد وليّ اللّه و حجّته على عباده بهذه الصورة من الخفاء و الكتمان خوفا عليه من السلطة العاتية،التي كانت تراقبه كأشدّ ما تكون المراقبة لتقضي عليه.
و تناولت السيّدة حكيمة الوليد المبارك فقبّلته و قالت:شممت منه رائحة طيّبة ما شممت قطّ أطيب منها،و أخذه الإمام العسكري عليه السّلام من يدها ثانية،و قال:
«أستودعك الّذي استودع أمّ موسى،كن في دعة اللّه و ستره و كنفه و جواره».
و خاطب الإمام عمّته قائلا:«ردّيه إلى أمّه،و اكتمي خبر هذا المولود، و لا تخبري به أحدا حتّى يبلغ الكتاب أجله» (3).
و أمر الإمام الحسن الزكيّ عليه السّلام بعد ولادة وليده المبارك بشراء كميّات كثيرة من اللحم و الخبز،فوزّعت على فقراء(سامرّاء) (1)،كما عقّ عنه بسبعين كبشا،و بعث بأربعة منها إلى صاحبه إبراهيم،و كتب إليه بعد البسملة:
«هذه عن ابني محمّد المهديّ،كل منها و أطعم من وجدت من شيعتنا» (2).
و تباشرت الشيعة بولادة إمامها حجّة اللّه على خلقه،الإمام المنتظر عليه السّلام، و غمرتهم موجات من الفرح و السرور بولادته،و كان من الذين بشّروا به حمزة بن أبي الفتح،فقد قيل له:البشرى،ولد البارحة مولود لأبي محمّد،و أمر بكتمانه فقال:
و ما اسمه؟
فقيل له:سمّي بمحمّد،و كنّى بجعفر (3).
و عمّت الفرحة الكبرى بولادة الإمام عليه السّلام جميع أوساط الشيعة،و قد انبرى جمع من الأعلام و الأخيار إلى الإمام الزكيّ الحسن عليه السّلام فهنّأوه بولادة وليده المبارك،و كان ممّن هنّأه:الحسن بن الحسين العلوي،قال:«دخلت على أبي محمّد الحسن بن عليّ فهنّأته بولادة ابنه القائم» (4)ب(سرّ من رأى)،و لا زالت الشيعة في جميع
عصورها يهنّئ بعضهم بعضا بعيد ولادته الأغرّ،و قد انبرى شعراؤهم إلى إظهار فرحهم بعيد ميلاده.
يقول الشيخ محمّد السماوي:
يا ليلة قد أسفرت عن مولد طرب الزّمان به و طاب الحين
و تبلّجت طرق العلى و تبيّنت آي الهدى و أضاء منه الدّين
و توطّد الإسلام و الإيمان و ال تبيان و الإمكان و التّمكين
و تباشر(البيت الحرام)و(طيبة) و معاقل من بعدها و حصون
وضح الهدى و بدا ضمير النّشأة ال أولى و أظهر سرّها المخزون
و تفايض الجود الّذي من أجله قام الوجود و كوّن التّكوين
يهنّئ النّبوّة و الإمامة قائم بالحقّ مرفوع المنار مكين
و يبلّغ الآمال بدر طالع للنّاظرين و مطلع ميمون
ملك عليه من المهابة حاجب لكنّه لسماحة مقرون (1)
و ممّن نظم بهذه المناسبة الشاعر الملهم الشيخ كاظم آل نوح،قال في قصيدة له:
بليلة نصف شعبان علينا أطلّ البشر و هو لها قرين
و للشّرك التّليد هوت صروح و للكفر الطّريف هوت حصون
بمولده استحال الكون نورا قبيل الفجر و انجلت الدّجون
أذلّ اللّه فيه كلّ دين كما قد عزّ للإسلام دين (2)5.
أمّا اسمه الشريف فهو كإسم جدّه الرسول الأعظم صلّى اللّه عليه و اله،منقذ البشريّة من الضلال،و كذلك ينقذها حفيده و آخر أوصيائه الاثني عشر عليهم السّلام،و قد اتّفق المؤرّخون و الرواة أنّ الذي سمّاه بهذا الاسم هو جدّه الرسول الأعظم صلّى اللّه عليه و اله (1).
و قد لقّب الإمام عليه السّلام بألقاب كريمة كان منها ما يلي:
و هو من أكثر ألقابه ذيوعا و انتشارا؛لقّب بذلك لأنّه يهدي إلى الحقّ،أو إلى كلّ أمر خفيّ (2)،و قد أضفي هذا اللقب الكريم على النبيّ صلّى اللّه عليه و اله.يقول حسّان بن ثابت في رثائه له:
ما بال عيني لا تنام كأنّما كحّلت مآقيها بكحل الأرمد
جزعا على المهديّ أصبح ثاويا يا خير من وطأ الحصا لا تبعد (3)
و كان من دعاء النبيّ صلّى اللّه عليه و اله:«اللّهمّ زيّنا بزينة الإيمان،و اجعلنا هداة مهديّين» (4).
و أطلق هذا اللقب على الإمام الحسين عليه السّلام.قال سليمان بن صرد-و هو من أعلام التوّابين-:«اللّهمّ ارحم حسينا الشهيد ابن الشهيد،المهدي ابن المهدي» (5).
و قد اختصّ هذا اللقب الكريم بالإمام المنتظر عليه السّلام،فإذا أطلق لا ينصرف إلى
و من ألقابه الشريفة القائم؛لأنّه يقوم بالحقّ (3)،و أضيف إليه(قائم آل محمّد عليه السّلام).
لقّب بذلك لأنّ المؤمنين ينتظرونه بفارغ الصبر (4).
لقّب بذلك لأنّه حجّة اللّه تعالى على خلقه و عباده (5).
لقّب بذلك لأنّه أعظم خلف لأسمى أسرة في دنيا الإسلام (6).هذه بعض ألقابه الشريفة.
و الشيء المؤكّد أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و اله كنّى آخر خلفائه الإمام المنتظر عليه السّلام بأبي عبد اللّه (7).
و قيل:إنّه يكنّى بأبي جعفر،و بأبي القاسم (8).
ولد الإمام المصلح العظيم سنة 255 ه (9)،الموافق سنة 869 م
و قيل:«ولد سنة 232 ه» (1).
و لقد ولد قائم آل محمّد عليه السّلام في ليلة مباركة ميمونة،و هي ليلة النصف من شعبان،و هي من أقدس الليالي،و في بعض الأحاديث أنّها من ليالي القدر،و أنّه يفرق فيها كلّ أمر حكيم،و يستحبّ في تلك الليلة المباركة زيارة أبي الأحرار و ريحانة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله الإمام الحسين عليه السّلام.
و يستحبّ الدعاء و سائر الأذكار المأثورة عن أئمّة الهدى عليهم السّلام في الليلة التي ولد فيها حجّة اللّه على خلقه الإمام المنتظر عليه السّلام،و يستحبّ أن يدعى بهذا الدعاء:
«اللّهمّ بحقّ ليلتنا هذه و مولودها،و حجّتك و موعودها،الّتي قرنت إلى فضلها فضلا،فتمّت كلمتك صدقا و عدلا،لا مبدّل لكلماتك،و لا معقّب لآياتك،نورك المتألّق،و ضياؤك المشرق،و العلم النّور في طخياء الدّيجور،الغائب المستور،جلّ مولده،و كرم محتده،و الملائكة شهّده، و اللّه ناصره و مؤيّده،إذا آن ميعاده،و الملائكة أمداده،سيف اللّه الّذي لا ينبو، و نوره الّذي لا يخبو،و ذو الحلم الّذي لا يصبو،مدار الدّهر،و نواميس العصر،و ولاة الأمر،و المنزل عليهم الذّكر ما يتنزّل في ليلة القدر،و أصحاب الحشر و النّشر،تراجمة وحيه،و ولاة أمره و نهيه.
اللّهمّ فصلّ على خاتمهم و قائمهم،المستور عن عوالمهم.اللّهمّ و أدرك
1) بحار الأنوار:2/51.
بنا أيّامه و ظهوره و قيامه،و اجعلنا من أنصاره،و اقرن ثارنا بثاره،و اكتبنا في أعوانه و خلصائه،و أحينا في دولته ناعمين،و بصحبته غانمين،و بحقّه قائمين،و من السّوء سالمين،يا أرحم الرّاحمين.
و الحمد للّه ربّ العالمين،و صلواته على سيّدنا محمّد خاتم النّبيّين و المرسلين و على أهل بيته الصّادقين و عترته النّاطقين،و العن جميع الظّالمين،و احكم بيننا و بينهم يا أحكم الحاكمين».
إنّ الليلة التي ولد فيها قائم آل محمّد عليه السّلام من أقدس الليالي و أعظمها في الإسلام، فقد ولد فيها من يقيم الحقّ و العدل،و يسحقّ الجور و الظلم،و يدمّر كلّ إفك و وثن يعبد من دون اللّه.
و عرض الإمام الزكيّ الحسن عليه السّلام وليده العظيم على خلّص شيعته و خيارهم ليتعرّفوا عليه،و حتّى لا يجحده جاحد،و لا يشكّ في وجوده مرتاب،فقد روى كلّ من معاوية بن حكيم،و محمّد بن أيّوب،و محمّد بن عثمان،فقالوا:«عرض علينا أبو محمّد الحسن بن عليّ عليهما السّلام ولده،و نحن في منزله،و كنّا أربعين رجلا، فقال:«هذا إمامكم من بعدي،و خليفتي عليكم،أطيعوه و لا تتفرّقوا من بعدي في أديانكم فتهلكوا،أما إنّكم لا ترونه بعد يومكم هذا» (1).
لقد أقام عليهم الحجّة،و عرّفهم بإمام زمانهم من بعده،و ليكونوا شهداء صدق يؤدّون ما رأوه إلى غيرهم.
1) ينابيع المودّة:323/3.كمال الدين:44.
أمّا ملامح الإمام المنتظر عليه السّلام و صفاته فكانت كملامح الأنبياء و الأوصياء و صفاتهم،فكان نور الإمامة و هيبة الأنبياء تعلوان على وجهه الشريف،و قد جاء في وصفه في الروايات ما يلي:
1-روى أبو سعيد الخدري،عن النبيّ صلّى اللّه عليه و اله أنّه قال:«ليبعثنّ اللّه من عترتي رجلا أفرق الثّنايا،أجلى الجبهة،يملأ الأرض عدلا،و يفيض المال فيضا» (1).
و كثير من أمثال هذا الحديث رواه الحفّاظ من أهل السنّة عن النبيّ صلّى اللّه عليه و اله في ملامح حفيده الإمام المنتظر عليه السّلام و صفاته.
2-و وصفه الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام أيضا فقال:«إنّه أجلى الجبين (2)،أقنا الأنف (3)،ضخم البطن،أذيل الفخذين،أبلج الثّنايا (4)،بفخذه اليمنى شامة» (5).
3-روى الإمام أبو جعفر الباقر عليه السّلام بسنده عن آبائه،عن سيّد العترة الطاهرة الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام أنّه قال و هو على المنبر:«يخرج رجل من ولدي في آخر الزّمان،أبيض اللّون،مشربّ بالحمرة،مندحّ البطن (6)،عريض الفخذين،عظيم
1) عقد الدرر في أخبار المنتظر:61.
2) أجلى الجبين:أي خفيف الشعر ما بين النزعتين من الصدغين،جاء ذلك في مجمع البحرين:391/1.
3) أقنا الأنف:طول الأنف و دقّة عرنينه مع حدب في وسطه-مجمع البحرين:555/3.
4) أبلج الثنايا:أي مشرق الثنايا،و منه الحديث:«كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله أبلج الوجه»،أي مشرق الوجه-مجمع البحرين:237/1.
5) ينابيع المودّة:407/3.عقد الدرر:65.
6) مندح البطن:أي متّسع البطن.
مشاش المنكبين (1)،شامة على لون جلده،و شامة على شبه شامة النّبيّ صلّى اللّه عليه و اله»- الحديث (2).
و الشيء المؤكّد الذي نطقت به الأخبار التي أثرت عن النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و عن أئمّة الهدى عليهم السّلام أنّ الإمام المنتظر عليه السّلام من أجمل الناس وجها،و أحسنهم سمتا،قد أشرق وجهه بنور الإمامة التي تحنو لها الجباه و الوجوه،و وصفه الشاعر الملهم السيّد حسن بقوله:
طلع الجمال بوجهه الوضّاح و سرى النّسيم بوجهه الفيّاح
رشا كأنّ جبينه صبح بدا أو أنّه نور لكلّ صباح
ناشدته أنت الهلال أجابني طوق الهلال يكون نقش وشاحي
لم أدر من لطف تكوّن جسمه أو أنّه من عالم الأرواح
كتب الجمال على صفحة خدّه طوفوا فهذي كعبة المرتاح
ماء الشّباب بخدّه مترقرق كزجاجة ضمّت على مصباح
قد قلت لمّا أن تجلّى وجهه سبحان ربّي خالق الإصباح (3)
أمّا الإمام المنتظر فهو أشبه الناس بجدّه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله،فهو يشبهه في سيرته و جهاده،و ثورته على الظلم و الطغيان،و تغييره لمناهج الحياة القائمة في عصره؛ من النهب و السلب و الفوضى و القلق و الاضطراب،و إبدالها بمناهجه الرفيعة من
صيانة الحقوق،و إشاعة الأمن و الاستقرار،إلى غير ذلك من مبادئه الرفيعة التي يسعد بها الناس.و كذلك إذا ظهر قائم آل محمّد عليه السّلام فإنّه يقوم بالدور الذي قام به جدّه،فإنّه يحطّم عروش الطغاة و المتجبّرين،و يدمّر معالم السياسة المبنيّة على الكذب و الدجل و النفاق،و يقيم العدل بجميع رحابه و مفاهيمه.
و قد أثرت عن النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و عن أئمّة الهدى عليهم السّلام كوكبة من الأحاديث،و هي تعلن شبه الإمام المنتظر بجدّه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله،كان منها:
1-روى عبد اللّه بن مسعود عن النبيّ صلّى اللّه عليه و اله أنّه قال:«يخرج رجل من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي،و خلقه خلقي،يملأ الأرض قسطا و عدلا...» (1).
2-روى حذيفة عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله أنّه قال:
«لو لم يبق من الدّنيا إلاّ يوم واحد لبعث اللّه فيه رجلا اسمه اسمي،و خلقه خلقي، يكنّى أبا عبد اللّه،يبايع له النّاس بين الرّكن و المقام،يردّ اللّه به الدّين،و يفتح له فتوحا، فلا يبقى على وجه الأرض إلاّ من يقول:لا إله إلاّ اللّه.
فقام إليه سلمان فقال:يا رسول اللّه،من أي ولدك هو؟
قال صلّى اللّه عليه و اله:هو من ولد ابني هذا،و ضرب بيده على الحسين» (2).
3-روت عائشة:أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و اله قال:«المهديّ رجل من عترتي،يقاتل على سنّتي كما قاتلت أنا على الوحي» (3).
4-روى جابر بن عبد اللّه الأنصاري:أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله قال:
«المهديّ من ولدي،اسمه اسمي،و كنيته كنيتي،أشبه النّاس بي خلقا و خلقا،3.
تكون له غيبة و حيرة تضلّ فيها الأمم،ثمّ يقبل كالشّهاب الثّاقب يملؤها عدلا و قسطا كما ملئت جورا و ظلما» (1).
5-روى الإمام جعفر الصادق عليه السّلام:بسنده عن جدّه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله،قال:
«المهديّ من ولدي،اسمه اسمي،و كنيته كنيتي،أشبه النّاس بي خلقا و خلقا،تكون له غيبة و حيرة،حتّى تضلّ الخلق عن أديانهم،فعند ذلك يقبل كالشّهاب الثّاقب فيملؤها قسطا و عدلا كما ملئت ظلما و جورا» (2).
6-روى الإمام جعفر الصادق عليه السّلام أيضا:بسنده عن جدّه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله أنّه قال:
«القائم من ولدي اسمه اسمي،و كنيته كنيتي،و شمائله شمائلي،و سنّته سنّتي،يقيم النّاس على ملّتي و شريعتي،و يدعوهم إلى كتاب ربّي عزّ و جلّ،من أطاعه فقد أطاعني،و من عصاه فقد عصاني،و من أنكره في غيبته فقد أنكرني،و من كذّبه فقد كذّبني،و من صدّقه فقد صدّقني،إلى اللّه أشكو المكذّبين لي في أمره،الجاحدين بقولي في شأنه،و المضلّين لأمّتي عن طريقته، وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (3)» (4).
و هذا الحديث الشريف من أوضح الأحاديث النبويّة،و من أكثرها شمولا لمشابهة الإمام المنتظر عليه السّلام لجدّه الرسول الأعظم صلّى اللّه عليه و اله،لما يحمل من طاقات نديّة خلاّقة في ميادين الإصلاح الاجتماعي.
7-روى أبو صالح السليلي في كتاب(الفتن)عن الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام1.
أنّه قال:«إلاّ أنّه-أي المهدي-أشبه النّاس خلقا و خلقا و حسنا برسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله» (1).
و كثير من أمثال هذه الأحاديث الشريفة قد أثرت عن نبيّ الهدى صلّى اللّه عليه و اله و عن أئمّة العترة الطاهرة عليهم السّلام،و هي تعلن بوضوح عن مشابهة الإمام المنتظر عليه السّلام لجدّه الرسول صلّى اللّه عليه و اله لا في خلقه و أخلاقه التي امتاز بها على سائر النبيّين فحسب،و إنّما مشابهته له في نزعاته الإصلاحيّة التي منها كفاحه و نضاله في تدمير الظلم و الجور، و إقامة العدل و الحقّ في الأرض.
و ابتلي الفكر الإسلامي بجمهرة كبيرة من الروايات الموضوعة التي افتعلت بعضها لتدعيم الأفكار السياسيّة القائمة في تلك العصور،و التي منها تشويه خصوم السلطة و أعدائها،كما افتعلت بعضها للكيد من الإسلام و الحطّ من قيمه و مبادئه، قد صاغها و ابتدعها الحاقدون على الإسلام،و الناقمون على قيمه،و على رأس المبتدعين لبعض الأخبارهم(الإسرائيليّون)،فقد دسّوا في الأخبار جملة من الأحاديث لتشويه صورة الإسلام و دعم أفكارهم،و من هذه الروايات الرواية التالية:
روى الكنجي و غيره عن النبيّ صلّى اللّه عليه و اله أنّه قال:«المهدي رجل من ولدي،وجهه كالكوكب الدريّ،اللون لون عربي،و الجسم جسم إسرائيلي،يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا،يرضى في خلافته أهل الأرض و أهل السماء،و الطير في الجوّ، يملك عشرين سنة» (2).
أمّا السبب في وضع هذه الرواية و زيفها فهو ما احتوت عليه من أنّ جسم الإمام عليه السّلام كجسم الإسرائيليّين في روائه و نضارته،و هو كذب مفضوح،فإنّ جسم
الإمام عليه السّلام جزء من جسم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله،و من جسم باب مدينة علمه الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام،فكيف يشبّه هذا الجسم الطاهر المليء بالهداية و النور بأجسام الإسرائيليّين،الذين جسومهم من أخبث جسوم البشر بما يحملونه من أفكار خبيثة و قذرة و معادية للإسلام،فهم ذئاب البشر،و جراثيم الرذائل،و أكبر الظنّ أنّ هذه الرواية قد وضعها الإسرائيليّون لرفع قذارة أجسامهم التي يحتقرها المسلمون و غيرهم.
أمّا عناصر الإمام المنتظر عليه السّلام و صفاته النفسيّة فهي مشابهة تماما لصفات آبائه الأئمّة الطاهرين صلوات اللّه عليه و عليهم أجمعين،الذين هم من عناصر الرحمة و الإشراق في الأرض،فقد خلقهم اللّه أنوارا،هداية لعباده،و إرشادا لخلقه،و أدلاّء على مرضاته و طاعته،و من بين مثله العليا و صفاته الرفيعة:
و الشيء المحقّق أنّ الإمام المهدي عليه السّلام من أوسع الناس علما،و من أكثرهم دراية و إحاطة بجميع أنواع العلوم و المعارف،فهو من ورثة علوم جدّه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله، و من خزنة حكمته،و من بين علومه إحاطته الكاملة بأحكام الدين،و شؤون شريعة جدّه سيّد المرسلين،و قد أدلى الأئمّة الطاهرون بسموّ مكانته العلميّة قبل أن يخلق، استمعوا إلى أقوالهم:
1-قال الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام في صفته:«هو أوسعكم كهفا،و أكثركم علما، و أوصلكم رحما» (1).
2-روى الحرث بن المغيرة النضري،قال:«قلت لأبي عبد اللّه الحسين بن عليّ عليه السّلام:بأي شيء يعرف المهديّ؟
1) الغيبة/النعماني:214.
قال:بمعرفة الحلال و الحرام،و بحاجة النّاس إليه،و لا يحتاج إلى أحد» (1).
3-قال الإمام أبو جعفر الباقر عليه السّلام:«يكون هذا الأمر-أي الحكم-في أصغرنا سنّا،و أجملنا ذكرا،و يورثه اللّه علما،و لا يكله إلى نفسه» (2).
4-قال الإمام أبو جعفر الباقر عليه السّلام:«إنّ العلم بكتاب اللّه عزّ و جلّ و سنّة نبيّه،ينبت في قلب مهديّنا،كما ينبت الزّرع على أحسن نباته،فمن بقي منكم حتّى يراه،فليقل حين يراه:السّلام عليكم يا أهل بيت الرّحمة و النّبوّة،و معدن العلم،و موضع الرّسالة» (1).
و قد ورد عن سعة علومه و معارفه أنّه:«إذا ظهر عليه السّلام يحاجج اليهود بأسفار التّوراة، فيسلم أكثرهم» (2).
و كان عليه السّلام المرجع الأعلى للعالم الإسلامي في أيّام الغيبة الصغرى،فقد كان نوّابه الأربعة يرفعون إليه المسائل التي يسأل المسلمون عن أحكامها فيجيبهم عنها،و قد حفلت موسوعات الفقه و الحديث بالكثير من أجوبته،و إليها يستند فقهاء الإماميّة فيما يفتون به من الأحكام.
و من الجدير بالذكر أنّ الشيخ الصدوق نضّر اللّه مثواه،قد احتفظ بالقسم الكثير من تلك الفتاوى المكتوبة أجوبتها بخطّه الشريف.
أمّا أئمّة أهل البيت عليهم السّلام فقد تشابهت سيرتهم في جميع مجالاتها الفكريّة
و العمليّة،و التي منها الزهد في الدنيا،و الرفض الكامل لجميع لذائذها و مباهجها، فلا تكاد تقرأ سيرة أحد منهم إلاّ و تجد البارز فيها الإعراض عن الدنيا،فقد طلّق سيّد العترة و باب مدينة علم النبيّ صلّى اللّه عليه و اله الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام الدنيا ثلاث مرّات لا رجعة له فيها،و على هذا المنهج المشرق سار أبناؤه و أحفاده الأئمّة الطيّبون الطاهرون عليهم السّلام.و قد أثرت جمهرة من أحاديث الأئمّة الطاهرين في زهد الإمام المنتظر عليه السّلام قبل أن يولد،و هذه بعضها:
1-روى معمّر بن خلد،عن الإمام أبي الحسن الرضا عليه السّلام أنّه قال:«و ما لباس القائم عليه السّلام إلاّ الغليظ،و ما طعامه إلاّ الجشب» (1).
2-روى أبو بصير عن الإمام الصادق عليه السّلام أنّه قال:«ما تستعجلون بخروج القائم، فو اللّه ما لباسه إلاّ الغليظ،و ما طعامه إلاّ الشّعير الجشب» (2).
3-روى كلّ من عليّ بن أبي حمزة و وهب،عن الإمام الصادق عليه السّلام أنّه قال بحقّ الإمام المنتظر عليه السّلام:«ما لباسه إلاّ الغليظ،و ما طعامه إلاّ الجشب» (3).
و من المحقّق أنّ هذه سيرته في جميع مجالات حياته،و لو لم يكن سلوكه بهذا النحو المشرق لما اختاره اللّه تعالى للقيام بأعظم دور إصلاحي في جميع فترات التاريخ،فهو الذي يملأ الأرض قسطا و عدلا بعد ما ملئت ظلما و جورا،و ينقذ الإنسانيّة من غطرسة الحاكمين،و يوزّع خيرات اللّه على جميع البؤساء و المحرومين.
و ظاهرة أخرى من نزعات الإمام المنتظر عليه السّلام و صفاته النفسيّة:الصبر،و هو من
أعظم الأئمّة الطاهرين عليهم السّلام محنة،و أشدّهم بلاء،فهو يرى في هذه الفترات الطويلة من الزمن الأحداث الجسام التي داهمت العالم الإسلامي،قد مزّقت أشلاءه، و وقعت الأمّة بجميع شرائحها صريعة بأيدي المستعمرين و الكافرين،فأشاعوا فيها الباطل و الجور،و عطّلوا أحكام اللّه و حدوده،و نهبوا ثروات الأمّة،و تحكّموا في قضاياها و مصيرها،و كلّ هذه الأحداث بمرأى من الإمام و مسمع،و قد نخر الحزن قلبه،فإنّه بحكم قيادته الروحيّة و الزمنيّة،و أبوّته العامّة لهذه الأمّة يتحرّق ألما على جميع ما يحلّ بها من الخطوب و النكبات،و قد خلد عليه السّلام إلى الصبر،و فوّض جميع أموره و شؤونه إلى اللّه تعالى،فبيده مقاليد الأمور،و هو الحاكم المطلق في عباده، و ليس لغيره أي حكم أو رأي.
و الشيء المحقّق أنّ عبادة الإمام المنتظر عليه السّلام كعبادة آبائه الأئمّة الطاهرين عليهم السّلام، الذين وهبوا حياتهم للّه تعالى،و سرى حبّه في أعماق قلوبهم،و دخائل نفوسهم، و قد قطعوا معظم حياتهم صائمين في نهارهم،قائمين في لياليهم،قد أحيوها بالصلاة و الدعاء و الابتهال إلى اللّه تعالى.و قد نقل الرواة جمهرة من أدعيته الشريفة التي كان يدعو في بعضها في قنوته بصلاته،و بعضها في غيرها،و هي تنمّ عن مدى تعلّقه باللّه تعالى و انقطاعه إليه،و فيما يلي بعض تلك الأدعية:
كان عليه السّلام يدعو بهذا الدعاء الشريف في قنوت صلاته،و هذا نصّه:
«اللّهمّ مالك الملك،تؤتي الملك من تشاء،و تنزع الملك ممّن تشاء، و تعزّ من تشاء،و تذلّ من تشاء،بيدك الخير،إنّك على كلّ شيء قدير.
يا ماجد،يا جواد،يا ذا الجلال و الإكرام،يا بطّاش يا ذا البطش الشّديد،
يا فعّالا لما يريد،يا ذا القوّة المتين،يا رؤوف،يا رحيم،يا لطيف،يا حيّ حين لا حيّ،أسألك باسمك المخزون المكنون،الحيّ القيّوم،الّذي استأثرت به في علم الغيب عندك،و لم يطّلع عليه أحد من خلقك،و أسألك باسمك الّذي تصوّر به خلقك في الأرحام كيف تشاء،و به تسوق إليهم أرزاقهم في أطباق الظّلمات من بين العروق و العظام،و أسألك باسمك الّذي ألّفت به بين قلوب أوليائك،و ألّفت بين الثّلج و النّار،لا هذا يذيب هذا، و لا هذا يطفئ هذا.اللّهمّ و أسألك باسمك الّذي كوّنت به طعم المياه، و أسألك باسمك الّذي أجريت به الماء في عروق النّبات بين أطباق الثّرى، و سقت الماء إلى عروق الأشجار بين الصّخرة الصّمّاء،و أسألك باسمك الّذي كوّنت به طعم الثّمار و ألوانها،و أسألك باسمك الّذي به تبدئ و تعيد، و أسألك باسمك الفرد الواحد،المتفرّد بالوحدانيّة،المتوحّد بالصّمدانيّة، و أسألك باسمك الّذي فجّرت به الماء من الصّخرة الصّمّاء،و سقته من حيث شئت،و أسألك باسمك الّذي خلقت به خلقك،و رزقتهم كيف شئت، و كيف تشاء.
يا من لا تغيّره الأيّام و اللّيالي،أدعوك بما دعاك به نوح حين ناداك فأنجيته و من معه،و أهلكت قومه،و أدعوك بما دعاك به إبراهيم خليلك حين ناداك فأنجيته،و جعلت النّار عليه بردا و سلاما،و أدعوك بما دعاك به موسى كليمك حين ناداك ففلقت له البحر فأنجيته و بني إسرائيل،و أغرقت فرعون و قومه في اليمّ،و أدعوك بما دعاك به عيسى روحك حين ناداك فنجّيته من أعدائك،
و إليك رفعته،و أدعوك بما دعاك به حبيبك و صفيّك و نبيّك محمّد صلّى اللّه عليه و آله فاستجبت له،و من الأحزاب نجّيته،و على أعدائك نصرته، و أسألك باسمك الّذي إذا دعيت به أجبت.
يا من له الخلق و الأمر،يا من أحاط بكلّ شيء علما،يا من أحصى كلّ شيء عددا،يا من لا تغيّره الأيّام و اللّيالي،و لا تتشابه عليه الأصوات، و لا تخفى عليه اللّغات،و لا يبرمه إلحاح الملحّين،أسألك أن تصلّي على محمّد و آل محمّد خيرتك من خلقك،فصلّ عليهم بأفضل صلواتك،و صلّ على جميع النّبيّين و المرسلين،الّذين بلّغوا عنك الهدى،و عقدوا لك المواثيق بالطّاعة،و صلّ على عبادك الصّالحين،يا من لا يخلف الميعاد، أنجز لي ما وعدتني،و اجمع لي أصحابي،و صبّرهم،و انصرني على أعدائك،و أعداء رسولك،و لا تخيّب دعائي،فإنّي عبدك و ابن عبدك و ابن أمتك،أسير بين يديك.
سيّدي أنت الّذي مننت عليّ بهذا المقام،و تفضّلت به عليّ دون كثير من خلقك،أسألك أن تصلّي على محمّد و آل محمّد،و أن تنجز لي ما وعدتني إنّك أنت الصّادق،و لا تخلف الميعاد،و أنت على كلّ شيء قدير» (1).
و حكى هذا الدعاء الشريف مدى القدرات الهائلة للّه تعالى خالق الكون و واهب الحياة،فهو المكوّن و المبدع لجميع ما في الكون من مخلوقات،كما حكى دعاء2.
1) مهج الدعوات:91-92.
الإمام عليه السّلام طلبه للنصر من اللّه على أعدائه و أعداء رسوله،و أن يجمع له أصحابه ليقوم بإحياء الدين،و إعلاء كلمة التوحيد.
و كان الإمام عليه السّلام يدعو بهذا الدعاء الشريف في قنوت بعض صلواته،و هو:
«اللّهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد،و أكرم أولياءك بإنجاز وعدك،و بلّغهم درك ما يأملونه من نصرك،و اكفف عنهم بأس من نصب الخلاف عليك، و تمرّد بمنعك على ركوب مخالفتك،و استعان برفدك على فلّ حدّك،و قصد لكيدك بأيدك،و وسعته حلما لتأخذه على جهرة،و تستأصله على غرّة،فإنّك اللّهمّ قلت و قولك الحقّ: حَتّٰى إِذٰا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهٰا وَ ازَّيَّنَتْ وَ ظَنَّ أَهْلُهٰا أَنَّهُمْ قٰادِرُونَ عَلَيْهٰا أَتٰاهٰا أَمْرُنٰا لَيْلاً أَوْ نَهٰاراً فَجَعَلْنٰاهٰا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيٰاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (1)،و قلت: فَلَمّٰا آسَفُونٰا انْتَقَمْنٰا مِنْهُمْ (2)، و أنّ الغاية عندنا قد تناهت،و إنّا لغضبك غاضبون،و إنّا على نصر الحقّ متعاصبون،و إلى ورود أمرك مشتاقون،و لإنجاز وعدك مرتقبون،و لحلول وعيدك بأعدائك متوقّعون.
اللّهمّ فأذن بذلك،و افتح طرقاته،و سهّل خروجه،و وطّئ مسالكه، و اشرع شرائعه،و أيّد جنوده و أعوانه،و بادر بأسك القوم الظّالمين،و ابسط
سيف نقمتك على أعدائك المعاندين،و خذ بالثّأر إنّك جواد مكّار» (1).
و أعلن الإمام عليه السّلام في هذا الدعاء الشريف عن شوقه العارم إلى الظهور؛ليقيم معالم الدين،و يحيي سنّة جدّه سيّد المرسلين صلّى اللّه عليه و اله،و ينتقم من أعداء الإسلام و أعداء التوحيد.
أمّا الإمام المنتظر عليه السّلام فهو من أشجع الناس،و من أربطهم جأشا،و أقواهم عزيمة،فهو كجدّه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله في قوّة بأسه و شجاعته،لقد قاوم النبيّ صلّى اللّه عليه و اله قوى الشرك،و حطّم ركائز الجهل و البغي،و أعلن حقوق الإنسان و كرامته و حقّه في الحياة،و قد قابل صلّى اللّه عليه و اله ذئاب الشرك و ضروس الكفر الذين جهدوا على أن يلغوا لواء الإسلام،و يقبروا الدين في مهده،إلاّ أنّه صلّى اللّه عليه و اله سحق رؤوسهم،و مزّق جنودهم، و رفع كلمة اللّه عالية في الأرض،و بنفس هذا الدور المشرق يقوم سبطه و خليفته الإمام المنتظر عليه السّلام فيسقي الظالمين و المتجبّرين كأسا مصبّرة،و يعيد للإسلام كرامته و مجده بحزم ثابت لا يعرف الوهن،و لا يخضع لأي عامل من عوامل الضعف و الخوف.
الإمام المنتظر عليه السّلام من أصلب المدافعين عن الحقّ،و من أكثرهم تفانيا و اندفاعا لنصرة المظلومين و المضطهدين،لا تأخذه في إقامة الحقّ لومة لائم،شأنه شأن آبائه الأئمّة الطاهرين،الذين ناصروا الحقّ،و قاوموا الباطل،و قدّموا أرواحهم قرابين للعدل الاجتماعي بين الناس.
1) مهج الدعوات:90 و 91.
و إذا أشرقت الدنيا بظهور قائم آل محمّد صلّى اللّه عليه و اله،و سعدت الإنسانيّة بخروجه، فإنّه-سلام اللّه عليه-يقيم الحقّ بجميع رحابه و مفاهيمه،و لا يدع ظلاّ للغبن و الظلم إلاّ حطّمه و قضى عليه.
أمّا الإمام المنتظر عليه السّلام فهو من أندى الناس يدا،و من أكثرهم جودا،و أعظمهم سخاء،و يجمع الرواة أنّه في أيّام دولته و حكومته يوزّع خيرات اللّه على جميع الفقراء،بحيث لا يبقى فقير أو محتاج على وجه الأرض،و حتّى لا يجد من وجبت عليه الزكاة فقيرا يعطيها له؛و لنستمع إلى بعض ما أثر عن كرمه من الأحاديث:
1-روى أبو سعيد،عن النبيّ صلّى اللّه عليه و اله في قصّة الإمام المهدي عليه السّلام أنّه قال:
«فيجيء الرّجل إليه فيقول:يا مهديّ،أعطني،أعطني،فيحثي له في ثوبه ما استطاع أن يحمله» (1).
2-روى ابن عساكر عن النبيّ صلّى اللّه عليه و اله أنّه قال:«يكون في آخر الزّمان خليفة يحثي المال حثيا» (2).
3-روى جابر،قال:«أقبل رجل على أبي جعفر عليه السّلام و أنا حاضر،فقال:رحمك اللّه،اقبض هذه الخمس مائة درهم فضعها في مواضعها،فإنّها زكاة أموالي.
فقال له أبو جعفر:بل خذها أنت فضعها في جيرانك و الأيتام و المساكين،و في إخوانك من المسلمين،إنّما يكون هذا إذا قام قائمنا،فإنّه يقسّم بالسّويّة،و يعدل في خلق الرّحمن البرّ منهم و الفاجر،فمن أطاعه فقد أطاع اللّه،و من عصاه فقد عصى اللّه،
فإنّما سمّي المهديّ؛لأنّه يهدي لأمر خفيّ،يستخرج التّوراة و سائر الكتب من غار ب(أنطاكية)،فيحكم بأهل التّوراة بالتّوراة،و بين أهل الإنجيل بالإنجيل،و بين أهل الزّبور بالزّبور،و بين أهل الفرقان بالفرقان،و تجمع إليه أموال الدّنيا كلّها،ما في بطن الأرض و ظهرها،فيقول للنّاس:تعالوا إلى ما قطعتم فيه الأرحام،و سفكتم فيه الدّماء، و ركبتم فيه محارم اللّه،فيعطي شيئا لم يعطه أحد كان قبله» (1).
إلى غير ذلك من الأخبار التي أعلنت أنّه-سلام اللّه عليه-بحر من المكارم و الجود،و أنّه يبرّ بخلق اللّه،و يحسن إليهم،و ينقذهم من العري و الجوع و الحرمان، و يشيع فيهم الغنى و الأمن و الاستقرار.9.
1) عقد الدرر:39.
للإمام المنتظر عليه السّلام تراث رائع،حافل بأعلى القيم الإسلاميّة،كان منه بعض أدعيته الشريفة التي هي من مناجم التوحيد،و ذخائر الفكر الإسلامي،كما أنّ من بينها بعض الرسائل التي بعثها لأعلام أصحابه،و خلّص شيعته،و قد تضمّنت بعضها أجوبته عمّا سألوه من الأحكام الشرعيّة،و فيما يلي بعض ذلك:
أمّا الدعاء فهو مناجاة مع اللّه،و تبتّل و انقطاع إليه،و هو يمثّل صفاء النفس، و طهارة الضمير،و التعلّق باللّه تعالى،خالق الكون،و واهب الحياة،و قد أثرت عن الإمام الأعظم قائم آل محمّد عليه السّلام بعض الأدعية الشريفة،كان منها ما يلي:
«اللّهمّ ارزقنا توفيق الطّاعة و بعد المعصية،و صدق النّيّة،و عرفان الحرمة،و أكرمنا بالهدى و الاستقامة،و سدّد ألسنتنا بالصّواب و الحكمة، و املأ قلوبنا بالعلم و المعرفة،و طهّر بطوننا من الحرام و الشّبهة،و اكفف أيدينا عن الظّلم و السّرقة،و اغضض أبصارنا عن الفجور و الخيانة،و اسدد أسماعنا عن اللّغو و الغيبة،و تفضّل على علمائنا بالزّهد و النّصيحة،و على المتعلّمين
بالجهد و الرّغبة،و على المستمعين بالإتّباع و الموعظة،و على مرضى المسلمين بالشّفاء و الرّاحة،و على موتاهم بالرّافة و الرّحمة،و على مشايخنا بالوقار و السّكينة،و على الشّباب بالإنابة و التّوبة،و على النّساء بالحياء و العفّة،و على الأغنياء بالتّواضع و السّعة،و على الفقراء بالصّبر و القناعة، و على الغزاة بالنّصر و الغلبة،و على الأسراء بالخلاص و الرّاحة،و على الأمراء بالعدل و الشّفقة،و على الرّعيّة بالإنصاف و حسن السّيرة،و بارك للحجّاج و الزّوّار في الزّاد و النّفقة،و اقض ما أوجبت عليهم من الحجّ و العمرة بفضلك و رحمتك يا أرحم الرّاحمين» (1).
لقد تضرّع الإمام عليه السّلام إلى اللّه تعالى،و توسّل إليه أن يمنّ على المسلمين بكلّ ما يسمون به من مكارم الأخلاق،و محاسن الآداب،و كلّ ما يقرّبهم إلى اللّه تعالى زلفى.
و كان الإمام عليه السّلام يدعو للمؤمنين الصالحين بهذا الدعاء الشريف:
«إلهي بحقّ من ناجاك،و بحقّ من دعاك في البرّ و البحر،صلّ على محمّد و آله و تفضّل على فقراء المؤمنين و المؤمنات بالغنى و الثّروة،و على مرضى المؤمنين و المؤمنات بالشّفاء و الصّحّة،و على أحياء المؤمنين و المؤمنات باللّطف و الكرامة،و على أموات المؤمنين و المؤمنات بالمغفرة و الرّحمة، و على غرباء المؤمنين و المؤمنات بالرّدّ إلى أوطانهم سالمين غانمين
1) مصباح الكفعمي:374.
بحقّ محمّد و آله أجمعين» (1).
و حكى هذا الدعاء مدى تعاطف الإمام عليه السّلام و رأفته بالمؤمنين،فقد دعا لهم بكلّ ما يصلحهم في دنياهم و آخرتهم،و تمنّى لهم كلّ خير و سعادة.
و كان عليه السّلام يدعو بهذا الدعاء لقضاء حوائجه و مهامّه،و هذا نصّه بعد البسملة:
«أنت اللّه لا إله إلاّ أنت مبدئ الخلق و معيدهم،و أنت اللّه لا إله إلاّ أنت القابض الباسط،و أنت اللّه لا إله إلاّ أنت مدبّر الأمور و باعث من في القبور، أنت وارث الأرض و من عليها،أسألك باسمك المخزون المكنون الحيّ القيّوم،و أنت اللّه لا إله إلاّ أنت عالم السّرّ و أخفى؛أسألك باسمك الّذي إذا دعيت به أجبت،و إذا سئلت به أعطيت،و أسألك بحقّك على محمّد و أهل بيته،و بحقّهم الّذي أوجبته على نفسك أن تصلّي على محمّد و آل محمّد و أن تقضي لي حاجتي،السّاعة السّاعة،يا سامع الدّعاء يا سيّداه يا مولاه يا غياثاه،أسألك بكلّ اسم سمّيت به نفسك،أو استاثرت به في علم الغيب عندك أن تصلّي على محمّد و آل محمّد و أن تعجّل خلاصنا من هذه الشّدّة، يا مقلّب القلوب و الأبصار،يا سميع الدّعاء،إنّك على كلّ شيء قدير، برحمتك يا أرحم الرّاحمين» (2).
و يلمس في هذا الدعاء الشريف مدى انقطاع الإمام إلى اللّه تعالى،و التجائه إليه في جميع شؤونه و أموره.
و كان عليه السّلام إذا أصابه سقم و ألمّ به مرض كتب هذا الدعاء الشريف في إناء جديد بتربة سيّد الشهداء الإمام الحسين عليه السّلام،و يصبّ فيه الماء و يشربه:
«بسم اللّه دواء،و الحمد للّه شفاء،و لا إله إلاّ اللّه كفاء،هو الشّافي شفاء، و هو الكافي كفاء،أذهب البأس بربّ النّاس شفاء لا يغادره سقم،و صلّى اللّه على محمّد و آله النّجباء» (1).
و أوعز الإمام عليه السّلام إلى بعض المؤمنين من شيعته أن يزوروا ناحيته المقدّسة بهذه الزيارة،ثمّ يدعو له عقيبها بما يأتي:
«سلام على آل ياسين،السّلام عليك يا داعي اللّه و ربّانيّ آياته،السّلام عليك يا باب اللّه و ديّان دينه،السّلام عليك يا خليفة اللّه و ناصر حقّه،السّلام عليك يا حجّة اللّه و دليل إرادته،السّلام عليك يا تالي كتاب اللّه و ترجمانه، السّلام عليك في آناء ليلك و أطراف نهارك،السّلام عليك يا بقيّة اللّه في أرضه،السّلام عليك يا ميثاق اللّه الّذي أخذه و وكّده،السّلام عليك يا وعد اللّه الّذي ضمنه،السّلام عليك أيّها العلم المنصوب،و العلم المصبوب،و الغوث
1) منتخب الأثر:252/3.
و الرّحمة الواسعة وعدا غير مكذوب،السّلام عليك حين تقوم،السّلام عليك حين تقعد،السّلام عليك حين تقرأ و تبيّن،السّلام عليك حين تصلّي و تقنت،السّلام عليك حين تركع و تسجد،السّلام عليك حين تهلّل و تكبّر، السّلام عليك حين تحمد و تستغفر،السّلام عليك حين تصبح و تمسي، السّلام عليك في اللّيل إذا يغشى و النّهار إذا تجلّى،السّلام عليك أيّها الإمام المأمون،السّلام عليك أيّها المقدّم المأمول،السّلام عليك بجوامع السّلام.
أشهدك يا مولاي أنّي أشهد أن لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له،و أنّ محمّدا عبده و رسوله،لا حبيب إلاّ هو و أهله،و أشهدك يا مولاي أنّ عليّا أمير المؤمنين حجّته،و الحسن حجّته،و الحسين حجّته،و عليّ بن الحسين حجّته،و محمّد بن عليّ حجّته،و جعفر بن محمّد حجّته،و موسى بن جعفر حجّته،و عليّ بن موسى حجّته،و محمّد بن عليّ حجّته،و عليّ بن محمّد حجّته،و الحسن بن عليّ حجّته،و أشهد أنّك حجّة اللّه.أنتم الأوّل و الآخر، و أنّ رجعتكم حقّ لا ريب فيها يوم لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا،و أنّ الموت حقّ،و أنّ ناكرا و نكيرا حقّ،و أشهد أنّ النّشر حقّ،و البعث حقّ،و أنّ الصّراط حقّ،و المرصاد حقّ،و الميزان حقّ،و الحشر حقّ،و الحساب حقّ،و الجنّة و النّار حقّ،و الوعد و الوعيد بهما حقّ.
يا مولاي،شقي من خالفكم،و سعد من أطاعكم،فاشهد على ما أشهدتك عليه،و أنا وليّ لك،بريء من عدوّك،فالحقّ ما رضيتموه،
و الباطل ما أسخطتموه،و المعروف ما أمرتم به،و المنكر ما نهيتم عنه،فنفسي مؤمنة باللّه وحده لا شريك له و برسوله و بأمير المؤمنين و بكم يا مولاي، أوّلكم و آخركم،و نصرتي معدّة لكم،و مودّتي خالصة لكم،آمين آمين».
ثمّ يدعو عقيب هذه الزيارة بهذا الدعاء الشريف:
«اللّهمّ إنّي أسألك أن تصلّي على محمّد نبيّ رحمتك،و كلمة نورك، و أن تملأ قلبي نور اليقين،و صدري نور الايمان،و فكري نور النّيّات، و عزمي نور العلم،و قوّتي نور العمل،و لساني نور الصّدق،و ديني نور البصائر من عندك،و بصري نور الضّياء،و سمعي نور الحكمة،و مودّتي نور الموالاة لمحمّد و آله عليهم السّلام؛حتّى ألقاك و قد وفيت بعهدك و ميثاقك، فتغشّيني رحمتك يا وليّ يا حميد.
اللّهمّ صلّ على محمّد حجّتك في أرضك،و خليفتك في بلادك، و الدّاعي إلى سبيلك،و القائم بقسطك،و الثّائر بأمرك.وليّ المؤمنين،و بوار الكافرين،و مجلّي الظّلمة،و منير الحقّ،و النّاطق بالحكمة و الصّدق، و كلمتك التّامّة في أرضك،المرتقب الخائف،و الوليّ النّاصح،سفينة النّجاة،و علم الهدى،و نور أبصار الورى،و خير من تقمّص و ارتدى، و مجلّي العمى،الّذي يملاء الأرض عدلا و قسطا كما ملئت ظلما و جورا، إنّك على كلّ شيء قدير.
اللّهمّ صلّ على وليّك و ابن أوليائك،الّذين فرضت طاعتهم،و أوجبت
حقّهم،و أذهبت عنهم الرّجس،و طهّرتهم تطهيرا.
اللّهمّ انصره،و انتصر به لدينك،و انصر به أولياءك و أولياءه و شيعته و أنصاره و اجعلنا منهم.
اللّهمّ أعذه من شرّ كلّ باغ و طاغ،و من شرّ جميع خلقك،و احفظه من بين يديه و من خلفه و عن يمينه و عن شماله،و احرسه و امنعه من أن يوصل إليه بسوء،و احفظ فيه رسولك و آل رسولك،و أظهر به العدل،و أيّده بالنّصر، و انصر ناصريه،و اخذل خاذليه،و اقصم قاصميه،و اقصم به جبابرة الكفر، و اقتل به الكفّار و المنافقين،و جميع الملحدين حيث كانوا من مشارق الأرض و مغاربها؛برّها و بحرها،و املاء به الأرض عدلا،و اظهر به دين نبيّك صلّى اللّه عليه و آله،و اجعلني اللّهمّ من أنصاره و أعوانه و أتباعه و شيعته، و أرني في آل محمّد عليهم السّلام ما يأملون،و في عدوّهم ما يحذرون؛إله الحقّ آمين،يا ذا الجلال و الإكرام،يا أرحم الرّاحمين» (1).
لقد أرشد الإمام عليه السّلام شيعته بأن يزوره بهذه الزيارة،و يدعون له بهذا الدعاء المبارك،يدعون له بالنصر و التعجيل في ظهوره؛ليقيم الحقّ و يدمّر الباطل،و يرفع كلمة اللّه تعالى عالية في الأرض.
من أدعيته الشريفة هذا الدعاء الجليل،و هذا نصّه:
1) بحار الأنوار:3/91-5.
«اللّهمّ ربّ النّور العظيم،و ربّ الكرسيّ الرّفيع،و ربّ البحر المسجور، و منزل التّوراة و الإنجيل و الزّبور،و ربّ الظّلّ و الحرور،و منزل الفرقان العظيم،و ربّ الملائكة المقرّبين و الأنبياء و المرسلين.
أنت إله من في السّماء،و إله من في الأرض،لا إله فيهما غيرك.
و أنت جبّار من في السّماء،و جبّار من في الأرض،لا خالق فيهما غيرك.
اللّهمّ إنّي أسألك باسمك الكريم،و بنور وجهك المشرق المنير،و ملكك القديم،يا حيّ يا قيّوم.
أسألك باسمك الّذي أشرقت به السّماوات و الأرضون،و باسمك الّذي يصلح به الأوّلون و الآخرون.
يا حيّا قبل كلّ حيّ،و يا حيّا بعد كلّ حيّ،و يا حيّا حين لا حيّ، و يا محيي الموتى،و يا حيّا لا إله إلاّ أنت.يا حيّ يا قيّوم،أسألك أن تصلّي على محمّد و آل محمّد،و ارزقني من حيث أحتسب،و من حيث لا أحتسب، رزقا واسعا،حلالا طيّبا،و أن تفرّج عنّي كلّ غمّ،و كلّ همّ،و أن تعطيني ما أرجوه و آمله،إنّك على كلّ شيء قدير» (1).
و حفل هذا الدعاء بتحميد اللّه و تمجيده،و وصفه بأعظم صفاته،و التجاء الإمام عليه السّلام و انقطاعه له،و إيمانه المطلق بأنّ جميع مجريات الأحداث بيده سبحانه و تعالى.7.
1) البلد الأمين:97.
و كان عليه السّلام يدعو بهذا الدعاء لشيعته أن يفرّج عنهم،و يكشف ما ألمّ بهم من الضيق و الحرمان:
«يا نور النّور،يا مدبّر الأمور،يا باعث من في القبور،صلّ على محمّد و آل محمّد،و اجعل لي و لشيعتي من الضّيق فرجا،و من الهمّ مخرجا، و أوسع لنا المنهج،و أطلق لنا من عندك ما يفرّج،و افعل بنا ما أنت أهله، يا كريم» (1).
و عهد الإمام عليه السّلام لبعض شيعته أن يدعو بهذا الدعاء إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و إلى الأئمّة الطاهرين سلام اللّه عليهم:
«اللّهمّ صلّ على محمّد سيّد المرسلين،و خاتم النّبيّين و حجّة ربّ العالمين،المنتجب في الميثاق،المصطفى في الظّلال،المطهّر من كلّ آفة، البريء من كلّ عيب،المؤمّل للنّجاة،المرتجى للشّفاعة،المفوّض إليه دين اللّه.
اللّهمّ شرّف بنيانه،و عظّم برهانه،و أفلج حجّته،و ارفع درجته،و أضئ نوره،و بيّض وجهه،و أعطه الفضل و الفضيلة،و المنزلة و الوسيلة،و الدّرجة
1) مصباح الكفعمي:457.
الرّفيعة،و ابعثه مقاما محمودا يغبطه به الأوّلون و الآخرون.
و صلّ على أمير المؤمنين،و وارث المرسلين،و قائد الغرّ المحجّلين، و سيّد الوصيّين،و حجّة ربّ العالمين.
و صلّ على الحسن بن عليّ إمام المؤمنين،و وارث المرسلين،و حجّة ربّ العالمين.
و صلّ على الحسين بن عليّ إمام المؤمنين،و وارث المرسلين،و حجّة ربّ العالمين.
و صلّ على عليّ بن الحسين إمام المؤمنين،و وارث المرسلين،و حجّة ربّ العالمين.
و صلّ على محمّد بن عليّ إمام المؤمنين،و وارث المرسلين،و حجّة ربّ العالمين.
و صلّ على جعفر بن محمّد إمام المؤمنين،و وارث المرسلين،و حجّة ربّ العالمين.
و صلّ على موسى بن جعفر إمام المؤمنين،و وارث المرسلين،و حجّة ربّ العالمين.
و صلّ على عليّ بن موسى إمام المؤمنين،و وارث المرسلين،و حجّة ربّ العالمين.
و صلّ على محمّد بن عليّ إمام المؤمنين،و وارث المرسلين،و حجّة
ربّ العالمين.
و صلّ على عليّ بن محمّد إمام المؤمنين،و وارث المرسلين،و حجّة ربّ العالمين.
و صلّ على الحسن بن عليّ إمام المؤمنين،و وارث المرسلين،و حجّة ربّ العالمين.
و صلّ على الخلف الهادي المهديّ إمام المؤمنين،و وارث المرسلين، و حجّة ربّ العالمين.
اللّهمّ صلّ على محمّد و أهل بيته الأئمّة الهادين العلماء الصّادقين الأبرار المتّقين،دعائم دينك،و أركان توحيدك،و تراجمة وحيك،و حججك على خلقك،و خلفائك في أرضك؛الّذين اخترتهم لنفسك،و اصطفيتهم على عبادك،و ارتضيتهم لدينك،و خصصتهم بمعرفتك،و جلّلتهم بكرامتك، و غشّيتهم برحمتك،و ربّيتهم بنعمتك،و غذّيتهم بحكمتك،و ألبستهم نورك، و رفعتهم في ملكوتك،و حففتهم بملائكتك،و شرّفتهم بنبيّك صلواتك عليه و آله.اللّهمّ صلّ على محمّد و عليهم صلاة زاكية نامية،كثيرة دائمة طيّبة،لا يحيط بها إلاّ أنت،و لا يسعها إلاّ علمك،و لا يحصيها أحد غيرك.
اللّهمّ و صلّ على وليّك المحيي سنّتك،القائم بأمرك،الدّاعي إليك، الدّليل عليك،حجّتك على خلقك،و خليفتك في أرضك،و شاهدك على عبادك.
اللّهمّ أعزّ نصره،و مدّ في عمره،و زيّن الأرض بطول بقائه.
اللّهمّ أكفه بغي الحاسدين،و أعذه من شرّ الكائدين،و ازجر عنه إرادة الظّالمين،و خلّصه من أيدي الجبّارين.
اللّهمّ أعطه في نفسه و ذرّيّته،و شيعته و رعيّته،و خاصّته و عامّته،و عدوّه، و جميع أهل الدّنيا ما تقرّ به عينه،و تسرّ به نفسه،و بلّغه أفضل ما أمّله في الدّنيا و الآخرة،إنّك على كلّ شيء قدير.
اللّهمّ جدّد به ما امتحى من دينك،و أحي به ما بدّل من كتابك،و أظهر به ما غيّر من حكمك،حتّى يعود دينك به و على يديه غضّا جديدا خالصا مخلصا،لا شكّ فيه،و لا شبهة معه،و لا باطل عنده،و لا بدعة لديه.
اللّهمّ نوّر بنوره كلّ ظلمة،و هدّ بركنه كلّ بدعة،و اهدم بعزّه كلّ ضلالة، و اقصم به كلّ جبّار،و أخمد بسيفه كلّ نار،و أهلك بعدله جور كلّ جائر، و أجر حكمه على كلّ حكم،و أذلّ بسلطانه كلّ سلطان.
اللّهمّ أذلّ كلّ من ناواه،و أهلك كلّ من عاداه،و امكر بمن كاده، و استأصل من جحده حقّه،و استهان بأمره،و سعى في إطفاء نوره،و أراد إخماد ذكره.
اللّهمّ صلّ على محمّد المصطفى،و عليّ المرتضى،و فاطمة الزّهراء، و الحسن الرّضا،و الحسين المصفّى،و جميع الأوصياء مصابيح الدّجى، و أعلام الهدى،و منار التّقى،و العروة الوثقى،و الحبل المتين،و الصّراط
المستقيم،و صلّ على وليّك و ولاة عهدك،و الأئمّة من ولده،و مدّ في أعمارهم،و زد في آجالهم،و بلّغهم أقصى آمالهم دينا و دنيا و آخرة،إنّك على كلّ شيء قدير» (1).
و أشاد هذا الدعاء بالنبيّ العظيم صلّى اللّه عليه و اله و بأوصيائه و خلفائه الأئمّة الطاهرين عليهم السّلام، و دعا لهم بسموّ المنزلة الكريمة عند اللّه تعالى،كما حفل بالدعاء لقائم آل محمّد صلّى اللّه عليه و اله ليقيم معالم الدين،و يحيي سنّة جدّه رسول ربّ العالمين.
و قد علّم الإمام عليه السّلام بعض شيعته هذا الدعاء،و قد كانوا في ظلمات السجون:
«اللّهمّ عظم البلاء،و برح الخفاء،و انكشف الغطاء،و ضاقت الأرض و منعت السّماء،و إليك يا ربّ المشتكى،و عليك المعوّل في الشّدّة و الرّخاء.اللّهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد الّذين أمرتنا بطاعتهم،و عجّل اللّهمّ فرجهم بقائمهم،و أظهر إعزازه،يا محمّد يا عليّ،يا عليّ يا محمّد، اكفياني فإنّكما كافياي.
يا محمّد يا عليّ،يا عليّ يا محمّد،انصراني فانّكما ناصراي.
يا محمّد يا عليّ،يا عليّ يا محمّد،احفظاني فانّكما حافظاي.
يا مولاي يا صاحب الزّمان،يا مولاي يا صاحب الزّمان،يا مولاي يا صاحب الزّمان،الغوث الغوث الغوث،أدركني أدركني أدركني،الأمان
1) البلد الأمين:120-122.مصباح المتهجّد:409.
الأمان الأمان» (1).
إنّ الالتجاء إلى اللّه تعالى و الانقطاع إليه ينجي الإنسان و ينقذه ممّا ألمّ به من محن الأيّام،و خطوب الزمان،و قد جهد أئمّة الهدى عليهم السّلام على تعليم شيعتهم و إرشادهم إلى بعض الأدعية الشريفة التي تنجيهم من كوارث الزمان.
إنّ فاجعة كربلاء و ما جرى فيها على سبط رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و ريحانته الإمام الحسين عليه السّلام من ألوان المحن و الرزايا التي لم يعانها أي مصلح اجتماعي على امتداد التأريخ،فقد كوت قلوب المسلمين،و أخلدت لهم الأسى و الحزن،و كان من أعظم المفجوعين بها أئمّة الهدى عليهم السّلام من أحفاد الإمام الحسين عليه السّلام،فقد نخر الحزن قلوبهم على ما جرى على جدّهم من الفجائع و المآسي التي تميد من هولها الجبال.
و من بين الأئمّة المنكوبين بمصاب الإمام الحسين عليه السّلام الإمام المنتظر عليه السّلام،فقد استوعب الألم القاسي نفسه الشريفة،و بكاه بذوب روحه،و تحكي مدى لوعته و أساه زيارته لجدّه الحسين عليه السّلام التي عرفت بزيارة«الناحية المقدّسة»،فقد سكب فيها أحزانه،و عرض فيها ما جرى على جدّه من صنوف الرزايا و الخطوب،و ما عانته بنات رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله من المصائب القاسية التي تذوب من مآسيها القلوب، و لنستمع إلى بعض فصول هذه الزيارة التي خرجت إلى أحد نوّابه،و قد سلّم فيها على بعض الأنبياء الذين اصطفاهم اللّه تعالى و اختارهم لإصلاح عباده،ثمّ قال مسلّما على جدّه الإمام الحسين عليه السّلام:
السّلام على الحسين الّذي سمحت نفسه بمهجته،السّلام على من أطاع
1) البلد الأمين:657.
اللّه في سرّه و علانيته،السّلام على من جعل اللّه الشّفاء في تربته،السّلام على من الإجابه تحت قبّته،السّلام على من الائمّة من ذرّيّته.
و حكى هذا المقطع مدى انقطاع الإمام الحسين عليه السّلام إلى اللّه تعالى،و إطاعته له في سرّه و علانيته،و كان من عظيم طاعته و إخلاصه إلى اللّه أنّه عليه السّلام سمح بمهجته الشريفة و قدّمها قربانا إليه-تعالى-لإحياء دينه،و إعلاء كلمته،و لولاه للفّ لواء الإسلام،و عادت الحياة الجاهليّة بآثامها و شرورها،فقد جهد الأمويّون على سحق هذا الدين،إلاّ أنّ الإمام الحسين عليه السّلام هو الذي ردّ كيدهم،و أطاح بعروشهم بتضحيته التي هزّت العالم الإسلامي،و أشاعت السخط و الثورات الداخليّة على الحكم الأموي،حتّى أراح اللّه المسلمين منهم.و قد شكر اللّه تعالى تضحية حبيبه الإمام الحسين عليه السّلام،و أعدّ له في الدار الآخرة من الأجر الجزيل الذي لا يوصف لعظمته، و حباه في الدنيا بكلّ مكرمة،و التي منها أن جعل الشفاء في تربته،و إجابة الدعاء تحت قبّته،و الأئمّة الطاهرين المعصومين من ذرّيّته عليهم السّلام،و من بنود هذه الزيارة قوله عليه السّلام:
«السّلام على ابن خاتم الأنبياء،السّلام على ابن سيّد الأوصياء،السّلام على ابن فاطمة الزّهراء،السّلام على ابن خديجة الكبرى،السّلام على ابن سدرة المنتهى،السّلام على ابن جنّة المأوى،السّلام على ابن زمزم و الصّفا».
و حكت هذه الكلمات الأصول الكريمة التي تفرّع منها سيّد شباب أهل الجنّة الإمام الحسين عليه السّلام،فجدّه خاتم الأنبياء،و سيّد المرسلين،و أبوه سيّد الأوصياء و باب مدينة علم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام،و أمّه بضعة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سيّدة نساء العالمين؛التي يرضى اللّه لرضاها،و يغضب لغضبها،و جدّته خديجة
الكبرى التي قام الإسلام بأموالها و تضحيتها،فسلام اللّه على تلك الأصول، و على ذلك الفرع الطاهر،الذي أضاء الدنيا بفضله.
و من فصول هذه الزيارة قوله عليه السّلام:
«السّلام على المرمّل بالدّماء،السّلام على المهتوك الخباء،السّلام على خامس أصحاب أهل الكساء،السّلام على غريب الغرباء،السّلام على شهيد الشّهداء،السّلام على قتيل الأدعياء،السّلام على ساكن كربلاء،السّلام على من بكته ملائكة السّماء،السّلام على من ذرّيّته الأزكياء،السّلام على يعسوب الدّين،السّلام على منازل البراهين،السّلام على الائمّة السّادات».
و حفل هذا المقطع ببعض صفات أبي الأحرار الإمام الحسين عليه السّلام،و التي منها أنّه قد رمّل بدمائه في سبيل اللّه،و هتك حجابه لإقامة شعائر الإسلام،و من صفاته أنّه خامس أصحاب الكساء الذين أذهب اللّه عنهم الرجس و طهّرهم تطهيرا،و من صفاته أنّه غريب مظلوم،فقد استشهد بصورة مروّعة في أرض كربلاء،و بكت لعظيم مصابه ملائكة اللّه تعالى.
و يقول الإمام المنتظر عليه السّلام في هذه الزيارة:
«السّلام على الجيوب المضرّجات،السّلام على الشّفاه الذّابلات،السّلام على النّفوس المصطلمات،السّلام على الارواح المختلسات،السّلام على الأجساد العاريات،السّلام على الجسوم الشّاحبات،السّلام على الدّماء السّائلات،السّلام على الأعضاء المقطّعات،السّلام على الرّؤوس المشالات،السّلام على النّسوة البارزات».
و حفلت هذه الكلمات بما جرى على سبط رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و أبنائه و أصحابه من صنوف الظلم و التنكيل من الجيش الأموي،فقد حرّم عليهم الماء حتّى ذبلت شفاههم من شدّة الظمأ،و مزّقت سيوف الأمويّين تلك الأجسام الطاهرة الزكيّة، و رفعت رؤوسهم على أطراف الرماح،و هي تنير للمجتمع طريق الحريّة و الكرامة و الشرف و الإباء،و من أجل هذه الغايات النبيلة استشهدوا سلام اللّه عليهم،و سبيت نساؤهم من بلد إلى بلد.
و يستمرّ الإمام المنتظر عليه السّلام في زيارته،فيقول:
«السّلام على حجّة ربّ العالمين،السّلام عليك و على آبائك الطّاهرين، السّلام عليك و على أبنائك المستشهدين،السّلام عليك و على ذرّيّتك النّاصرين،السّلام عليك و على الملائكة المضاجعين،السّلام على القتيل المظلوم،السّلام على أخيه المسموم،السّلام على عليّ الكبير،السّلام على عليّ الرّضيع الصّغير».
لقد قدّم الإمام عليه السّلام تحيّاته و سلامه إلى جدّه الإمام الحسين عليه السّلام،و إلى أبنائه المستشهدين بين يديه،و إلى الملائكة الكرام الحافّين بقبره الشريف.
و من بنود هذه الزيارة قوله:
«السّلام على الأبدان السّليبة،السّلام على العترة القريبة،السّلام على المجدّلين في الفلوات،السّلام على النّازحين عن الأوطان،السّلام على الرّؤوس المفرّقة عن الأبدان،السّلام على المدفونين بلا أكفان،السّلام على المحتسب الصّابر،السّلام على المظلوم بلا ناصر،السّلام على ساكن التّربة الزّاكية،السّلام على صاحب القبّة السّامية».
و سلّم الإمام المنتظر عليه السّلام على الأبدان الشريفة التي تركها الجيش الأموي الحقير ملقاة بالعراء،و لم يعمدوا إلى مواراتها،حتّى أتاح اللّه لها قوما لم يتلوّثوا بجريمة حرب ابن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله،فدفنوها بثيابها التي مزّقتها سيوف الأمويّين و رماحهم.
و من فصول هذه الزيارة قوله عليه السّلام:
«السّلام على من طهّره الجليل،السّلام على من افتخر به جبرئيل،السّلام على من ناغاه في المهد ميكائيل،السّلام على من نكثت ذمّته،السّلام على من هتكت حرمته،السّلام على من أريق بالظّلم دمه،السّلام على المغسّل بدم الجراح،السّلام على المجرّع بكأسات الرّماح،السّلام على المضام المستباح،السّلام على المنحور في الورى،السّلام على من دفنه أهل القرى،السّلام على المقطوع الوتين.السّلام على المحامي بلا معين،السّلام على الشّيب الخضيب،السّلام على الخدّ التّريب،السّلام على البدن السّليب،السّلام على الثّغر المقروع بالقضيب،السّلام على الرّأس المرفوع، السّلام على الأجسام العارية في الفلوات،تنهشها الذّئاب العاديات، و تختلف إليها السّباع الضّاريات».
و يستمرّ الإمام المنتظر في سلامه على جدّه الإمام الحسين عليه السّلام ذاكرا مآثره و فضائله،و ما جرى عليه من الكوارث و الخطوب التي تنوء من حملها الجبال،إلى أن يقول:
«السّلام عليك يا مولاي،و على الملائكة المرفرفين حول قبّتك،الحافّين بتربتك،الطّائفين بعرصتك،الواردين لزيارتك،السّلام عليك فإنّي قصدت
إليك،و رجوت الفوز لديك،السّلام عليك سلام العارف بحرمتك، المخلص في ولايتك،المتقرّب إلى اللّه بمحبّتك،البريء من أعدائك،سلم من قلبه بمصابك مقروح،و دمعه عند ذكرك مسفوح،سلام المفجوع الحزين الواله المستكين.سلام من لو كان معك بالطّفوف لوقاك بنفسه حدّ السّيوف، و بذل حشاشته دونك للحتوف،و جاهد بين يديك،و نصرك على من بغى عليك،و فداك بروحه و جسده،و ماله و ولده،و روحه لروحك فداء،و أهله لاهلك وقاء».
و حكت هذه الكلمات مدى تألّم الإمام عليه السّلام على فجائع جدّه الإمام الحسين عليه السّلام، فقد ودّ أن يكون معه في ساحة الطفوف ليفديه بنفسه،و يقيه بمهجته،و يدفع عنه ما حلّ به من عظيم الرزايا؛و لنستمع إلى فصل آخر من فصول هذه الزيارة، يقول عليه السّلام:
«فلئن أخّرتني الدّهور،و عاقني عن نصرك المقدور،و لم أكن لمن حاربك محاربا،و لمن نصب لك العداوة مناصبا،فلاندبنّك صباحا و مساء، و لأبكينّ لك بدل الدّموع دما،حسرة عليك،و تأسّفا على ما دهاك،و تلهّفا حتّى أموت بلوعة المصاب،و غصّة الاكتياب».
أرأيتم تفجّع الإمام المنتظر عليه السّلام و لوعته،و حزنه العميق على جدّه المظلوم الغريب،الذي انتهكت في قتله حرمة الرسول صلّى اللّه عليه و آله،فالإمام المنتظر عليه السّلام يندبه صباحا و مساء،و يبكيه بدل الدموع دما،و يبقى على هذه الحال في حزن مستمرّ، حتّى يموت بلوعة مصابه.و من بنود هذه الزيارة قوله عليه السّلام:
«أشهد أنّك قد أقمت الصّلاة،و آتيت الزّكاة،و أمرت بالمعروف،و نهيت
عن المنكر و العدوان،و أطعت اللّه و ما عصيته،و تمسّكت به و بحبله فأرضيته،و خشيته و راقبته و استجبته،و سننت السّنن،و أطفأت الفتن، و دعوت إلى الرّشاد،و أوضحت سبل السّداد،و جاهدت في اللّه حقّ الجهاد، و كنت للّه طائعا و لجدّك محمّد صلّى اللّه عليه و اله تابعا،و لقول أبيك سامعا، و إلى وصيّة أخيك مسارعا،و لعماد الدّين رافعا،و للطّغيان قامعا،و للطّغاة مقارعا،و للأمّة ناصحا،و في غمرات الموت سابحا،و للفسّاق مكافحا، و بحجج اللّه قائما،و للإسلام و المسلمين راحما،و للحقّ ناصرا،و عند البلاء صابرا،و للدّين كالئا،و عن حوزته مراميا».
و حكت هذه الكلمات المثل العليا الماثلة في سبط الرسول صلّى اللّه عليه و آله و ريحانته،فما من فضيلة خلقها اللّه في الدنيا إلاّ و هي من عناصره و ذاتيّاته.و يستمرّ الإمام عليه السّلام في زيارته فيقول:
«تحوط الهدى و تنصره،و تبسط العدل و تنشره،و تنصر الدّين و تظهره، و تكفّ العابث و تزجره،و تأخذ للدّنيء من الشّريف،و تساوي في الحكم بين القويّ و الضّعيف.
كنت ربيع الأيتام،و عصمة الأنام،و عزّ الإسلام،و معدن الأحكام، و حليف الإنعام،سالكا طرائق جدّك و أبيك،مشبها في الوصيّة لاخيك،و فيّ الذّمم رضيّ الشّيم،ظاهر الكرم،متهجّدا في الظّلم،قويم الطّرائق،كريم الخلائق،عظيم السّوابق،شريف النّسب،منيف الحسب،رفيع الرّتب،كثير المناقب،محمود الضّرائب،جزيل المواهب،حليم رشيد منيب جواد عليم
شديد إمام شهيد،أوّاه منيب،حبيب مهيب.
كنت للرّسول صلّى اللّه عليه و اله ولدا،و للقرآن سندا،و للأمّة عضدا، و في الطّاعة مجتهدا،حافظا للعهد و الميثاق،ناكبا عن سبل الفسّاق،باذلا للمجهود،طويل الرّكوع و السّجود،زاهدا في الدّنيا زهد الرّاحل عنها،ناظرا إليها بعين المستوحشين منها،آمالك عنها مكفوفة،و همّتك عن زينتها مصروفة،و ألحاظك عن بهجتها مطروفة،و رغبتك في الآخرة معروفة».
و حكى هذا المقطع ما قام به أبو الأحرار الإمام الحسين عليه السّلام من نصرة الحقّ، و حماية العدل،و الذبّ عن الإسلام،و نشر القيم الكريمة،و المبادئ العليا التي جاء بها الإسلام،و قد سلك عليه السّلام المنهج و الطريق نفسه الذي سار به جدّه و أبوه،فلم يشذّ عن منهجهما و سنّتهما،مبتغيا بذلك وجه اللّه تعالى و الدار الآخرة.و من فصول هذه الزيارة قوله عليه السّلام:
«حتّى إذا الجور مدّ باعه،و أسفر الظّلم قناعه،و دعا الغيّ أتباعه،و أنت في حرم جدّك قاطن،و للظّالمين مباين،جليس البيت و المحراب،معتزل عن اللّذّات و الشّهوات،تنكر المنكر بقلبك و لسانك على حسب طاقتك و إمكانك،ثمّ اقتضاك العلم للانكار،و لزمك أن تجاهد الفجّار،فسرت في أولادك و أهاليك و شيعتك و مواليك،و صدعت بالحقّ و البيّنة،و دعوت إلى اللّه بالحكمة و الموعظة الحسنة،و أمرت بإقامة الحدود،و الطّاعة للمعبود، و نهيت عن الخبائث و الطّغيان،و واجهوك بالظّلم و العدوان،فجاهدتهم بعد الايعاذ إليهم،و تأكيد الحجّة عليهم،فنكثوا ذمامك و بيعتك،و أسخطوا ربّك
و جدّك،و بدؤك بالحرب؛فثبتّ للطّعن و الضّرب،و طحنت جنود الفجّار، و اقتحمت قسطل الغبار،مجالدا بذي الفقار،كأنّك عليّ المختار.
و حكت هذه الكلمات جهاد الإمام أبي الأحرار عليه السّلام و مناجزته للحكم الأموي الذي كفر بحقوق الإنسان،و أشاع الظلم و الفساد في الأرض،فلم يسعه السكوت، فانبرى إلى ساحات الجهاد المقدّس،ينكر المنكر بقلبه و لسانه و حسامه،و يدعو إلى اللّه بالحكمة و الموعظة الحسنة...و لنستمع إلى فصل آخر من فصول هذه الزيارة.
يقول عليه السّلام:فلمّا رأوك ثابت الجأش،غير خائف و لا خاش،نصبوا لك غوائل مكرهم،و قاتلوك بكيدهم و شرّهم.و أمر اللّعين جنوده فمنعوك الماء و وروده،و ناجزوك القتال،و عاجلوك النّزال،و رشقوك بالسّهام و النّبال، و بسطوا إليك أكفّ الاصطلام،و لم يرعوا لك ذماما،و لا راقبوا فيك أثاما في قتلهم أوليائك و نهبهم رحالك،و أنت مقدّم في الهبوات،و محتمل للأذيّات، قد عجبت من صبرك ملائكة السّماوات.
و مفاد هذه الكلمات أنّ الأمويّين لمّا رأوا الإمام أبا الأحرار كالطود الشامخ ينعي عليهم سياستهم التي شذّت عن كتاب اللّه و سنّة نبيّه،و تزعّمه للقوى المعارضة لهم غير حافل بهم،و لا خائف من سلطانهم قابلوه و ناجزوه بكلّ ما يملكون من الوسائل،و التي كان من أخسّها أنّهم حرموه الماء في كربلاء،حتّى أشرف أطفاله و عياله على الموت،و رشقوه بسهامهم و نبالهم،و لم يرعوا فيه حرمة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله،و قد تحمّل عليه السّلام جميع ما عاناه من الخطوب و الكوارث بصبر عجبت منه ملائكة السماء،و لنستمع إلى فصل آخر من هذه الزيارة.
يقول عليه السّلام:فاحدقوا بك من كلّ الجهات،و أثخنوك بالجراح،و حالوا بينك و بين الرّواح،و لم يبق لك ناصر،و أنت محتسب صابر،تذبّ عن نسوتك و أولادك،حتّى نكسوك عن جوادك،فهويت إلى الارض جريحا،تطؤك الخيول بحوافرها،و تعلوك الطّغاة ببواترها،قد رشح للموت جبينك، و اختلفت بالانقباض و الانبساط شمالك و يمينك،تدير طرفا خفيّا إلى رحلك و بيتك،و قد شغلت بنفسك عن ولدك و أهاليك،و أسرع فرسك شاردا إلى خيامك قاصدا محمحما باكيا.
فلمّا رأين النّساء جوادك مخزيّا،و نظرن سرجك عليه ملويّه،برزن من الخدور،ناشرات الشّعور،على الخدود لاطمات و للوجوه سافرات، و بالعويل داعيات،و بعد العزّ مذلّلات،و إلى مصرعك مبادرات،و الشّمر جالس على صدرك،و مولع سيفه على نحرك،قابض على شيبتك بيده، ذابح لك بمهنّده،قد سكنت حواسّك،و خفيت أنفاسك،و رفع على القنا رأسك،و سبي أهلك كالعبيد،و صفّدوا في الحديد فوق أقتاب المطيّات، تلفح وجوههم حرّ الهاجرات،يساقون في البراري و الفلوات،أيديهم مغلولة إلى الاعناق،يطاف بهم في الاسواق».
و صوّرت هذه الكلمات مصرع الإمام السبط،و ما عاناه في اللحظات الأخيرة من حياته من صنوف الخطوب و الكوارث التي تتصدّع من هولها الجبال،و لا يقوى على تحمّلها أي كائن حيّ.
لقد تواكبت على ريحانة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و وارث كمالاته جميع مصائب الدنيا،
يتبع بعضها بعضا،فقد رزئ بأصحابه،و أهل بيته و أولاده،و رآهم مجزّرين كالأضاحي على صعيد كربلاء،و عياله و أطفاله يستغيثون من شدّة الظمأ.و قد عجّت حرائر النبوّة و مخدّرات الرسالة بالعويل و البكاء لعظم ما نزل بهنّ من البلاء، فهنّ ينظرن إلى النجوم المشرقة من أبناء رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و هم في غضارة العمر، و نضارة الشباب و قد سبحوا بدمائهم،و تناثرت أشلاؤهم على صعيد كربلاء، و ينظرن إلى الإمام الممتحن سيّد شباب أهل الجنّة و قد تدافعت على قتله العصابة المجرمة من جيوش الأمويّين،و قد وجّهوا نحوه جميع ما يملكون من وسائل القتل و الإبادة حتّى تناهبت جسمه الشريف سيوفهم و رماحهم و سهامهم.ينظرن بنات رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إلى هذه الفجائع و قد مزّق الأسى قلوبهنّ،و اختطف الرعب ألوانهنّ، و لا يعلمن ما ذا سيجري لهنّ من صنوف الرزايا و البلاء بعد مصرع سيّد الشهداء عليه السّلام.
لقد كان منظرهنّ أفجع و أقسى ممّا رزئ به الإمام الحسين عليه السّلام،فقد استوعبت نفسه الشريفة رزايا بنات رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله،و لمّا صرع سبط رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله،و رفع رأسه الشريف على الرمح؛ليقدّم هديّة إلى ابن مرجانة،برزت بنات رسول اللّه على الخدود لاطمات،و بالعويل داعيات،و قد عمد عبيد ابن مرجانة إلى إحراق أخبيتهنّ،و أوسعوهنّ ضربا بسياطهم،و صفّدوهنّ بالحديد،قد غلّت أيديهنّ و أيدي الأطفال إلى الأعناق،و حملوا على أقتاب المطايا،يطاف بهم من بلد إلى بلد،ثمّ قدّموا هديّة إلى ابن مرجانة،و إلى سيّده يزيد بن معاوية،فإنّا للّه و إنّا إليه راجعون،و لنستمع إلى فصل آخر من هذه الزيارة.يقول عليه السّلام:
«فالويل للعصاة الفسّاق،لقد قتلوا بقتلك الإسلام،و عطّلوا الصّلاة و الصّيام،و نقضوا السّنن و الأحكام،و هدموا قواعد الإيمان،و حرّفوا آيات القرآن،و همجوا في البغي و العدوان.
لقد أصبح رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله من أجلك موتورا،و عاد كتاب اللّه
عزّ و جلّ مهجورا،و غودر الحقّ إذ قهرت مقهورا،و فقد بفقدك التّكبير و التّهليل،و التّحريم و التّحليل،و التّنزيل و التّأويل،و ظهر بعدك التّغيير و التّبديل،و الالحاد و التّعطيل،و الاهواء و الاضاليل،و الفتن و الاباطيل،فقام ناعيك عند قبر جدّك الرّسول صلّى اللّه عليه و آله،فنعاك إليه بالدّمع الهطول قائلا:يا رسول اللّه،قتل سبطك و فتاك،و استبيح أهلك و حماك،و سبيت بعدك ذراريك،و وقع المحذور بعترتك و ذويك،فانزعج الرّسول،و بكى قلبه المهول،و عزّاه بك الملائكة و الانبياء،و فجعت بك أمّك الزّهراء» (1).
و بهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض مقاطع هذه الزيارة،و قد شفعت بدعاء ذكره المجلسي عقيب هذه الزيارة،كما ذكر صلاة يصلّيها الزائر عند المرقد الشريف.3.
1) بحار الأنوار:318/98-323.
و نقل الرواة مجموعة من رسائل الإمام المنتظر عليه السّلام،كان قد بعثها لأعلام شيعته، و تضمّنت بعضها أجوبته عن المسائل الشرعيّة التي سئل عنها،و كان من بين تلك الرسائل ما يلي:
أحمد بن إسحاق الأشعري القمّي (1)
و له كتب،منها كتاب(علل الصلاة)كبير،و(مسائل الرجال)لأبي الحسن الثالث عليه السّلام».
و قال الكشّي:إنّ أحمد بن إسحاق كتب إلى الإمام المهدي يستأذنه في الحجّ فأذن له، و بعث له بثوب،فقال أحمد:نعي إليّ نفسي،فانصرف من الحجّ،و مات ب(حلوان). توجد ترجمته بالتفصيل في معجم رجال الحديث:44/2-47.
وافد القمّيّين إلى الأئمّة الطاهرين،و أحد رواتهم العظام،و قد التقى به بعض الشيعة،فناوله كتابا من جعفر ابن الإمام عليّ الهادي عليه السّلام يعرّفه فيه بنفسه،و يخبره أنّه القيّم على العالم الإسلامي بعد أخيه الإمام الحسن عليه السّلام،و يدّعي أنّ عنده من علم الحلال و الحرام ما يحتاج إليه الناس،و غير ذلك من العلوم،فكتب أحمد إلى الإمام المنتظر رسالة عرّفه بالأمر،و شفع معه كتاب جعفر،فأجابه الإمام عليه السّلام بهذه الرسالة و قد جاء فيها بعد البسملة:«أتاني كتابك أبقاك اللّه،و الكتاب الّذي أنفذته و أحاطت معرفتي بجميع ما تضمّنه
1) روى أحمد بن إسحاق عن الإمام أبي جعفر الثاني و أبي الحسن عليهما السّلام،و كان من خواص الإمام أبي محمّد الحسن العسكري عليه السّلام،له كتاب(علل الصوم)و جمع(مسائل الرجال) لأبي الحسن الثالث عليه السّلام،جاء ذلك في النجاشي،قال الشيخ:«أحمد بن إسحاق بن عبد اللّه بن سعد بن مالك بن الأحوص الأشعري،أبو عليّ،كبير القدر،و كان من خواصّ أبي محمّد عليه السّلام،و رأى صاحب الزمان عليه السّلام،و هو شيخ القمّيّين و وافدهم.
على اختلاف ألفاظه،و تكرّر الخطأ فيه،و لو تدبّرته لوقفت على بعض ما وقفت عليه منه،و الحمد للّه ربّ العالمين حمدا لا شريك له على إحسانه إلينا،و فضله علينا،أبى اللّه عزّ و جلّ للحقّ إلاّ إتماما،و للباطل إلاّ زهوقا،و هو شاهد عليّ بما أذكره،وليّ عليكم بما أقوله،إذا اجتمعنا ليوم لا ريب فيه و يسألنا عمّا نحن فيه مختلفون،إنّه لم يجعل لصاحب الكتاب على المكتوب إليه و لا عليك و لا على أحد من الخلق جميعا إمامة مفترضة،و لا طاعة و لا ذمّة،و سأبيّن لكم جملة تكتفون بها إن شاء اللّه تعالى.
يا هذا،يرحمك اللّه إنّ اللّه تعالى لم يخلق الخلق عبثا،و لا أهملهم سدى،بل خلقهم بقدرته،و جعل لهم أسماعا و أبصارا و قلوبا و ألبابا،ثمّ بعث إليهم النّبيّين مبشّرين و منذرين،يأمرونهم بطاعته،و ينهونهم عن معصيته،و يعرّفونهم ما جهلوه من أمر خالقهم و دينهم،و أنزل عليهم كتابا،و بعث إليهم ملائكة يأتين بينهم و بين من بعثهم إليهم بالفضل الّذي جعله لهم عليهم،و ما آتاهم من الدّلائل الظّاهرة،و البراهين الباهرة،و الآيات الغالبة.
فمنهم من جعل النّار عليه بردا و سلاما و اتّخذه خليلا،و منهم من كلّمه تكليما و جعل عصاه ثعبانا مبينا،و منهم من أحيا الموتى بإذن اللّه،و أبرأ الأكمه و الأبرص بإذن اللّه،و منهم من علّمه منطق الطّير و أوتي من كلّ شيء،ثمّ بعث محمّدا صلّى اللّه عليه و اله رحمة للعالمين،و تمّم به نعمته،و ختم به أنبياءه،و أرسله إلى النّاس كافّة،و أظهر من صدقه ما أظهر،و بيّن من آياته و علاماته ما بيّن.
ثمّ قبضه صلّى اللّه عليه و اله حميدا فقيدا سعيدا،و جعل الأمر من بعده إلى أخيه و ابن عمّه و وصيّه و وارثه عليّ بن أبي طالب عليه السّلام،ثمّ إلى الأوصياء من ولده واحدا واحدا،أحيا بهم دينه،و أتمّ بهم نوره،و جعل بينهم و بين إخوانهم و بني عمّهم و الأدنين فالأدنين من ذوي أرحامهم فرقانا بيّنا يعرف به الحجّة من المحجوج،و الإمام من المأموم،
بأن عصمهم من الذّنوب،و برّأهم من العيوب،و طهّرهم من الدّنس،و نزّههم من اللّبس،و جعلهم خزّان علمه،و مستودع حكمته،و موضع سرّه،و أيّدهم بالدّلائل، و لو لا ذلك لكان النّاس على سواء و لا وعى أمر اللّه عزّ و جلّ كلّ أحد،و لما عرف الحقّ من الباطل،و لا العالم من الجاهل.
و قد ادّعى هذا المبطل المفتري على اللّه الكذب بما ادّعاه،فلا أدري بأيّة حالة هي له رجاء أن يتمّ دعواه،أبفقه في دين اللّه؟فو اللّه!ما يعرف حلالا من حرام،و لا يفرّق بين خطأ و صواب،أم بعلم فما يعلم حقّا من باطل،و لا محكما من متشابه،و لا يعرف حدّ الصّلاة و وقتها،أم بورع فاللّه شهيد على تركه الصّلاة الفرض أربعين يوما،يزعم ذلك لطلب الشّعوذة،و لعلّ خبره قد تأدّى إليكم،و هاتيك ظروف مسكره منصوبة، و آثار عصيانه للّه عزّ و جلّ مشهورة قائمة،أم بآية فليأت بها،أم بحجّة فليقمها، أم بدلالة فليذكرها.قال اللّه عزّ و جلّ في كتابه:
بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
حم* تَنْزِيلُ الْكِتٰابِ مِنَ اللّٰهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ* مٰا خَلَقْنَا السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ وَ مٰا بَيْنَهُمٰا إِلاّٰ بِالْحَقِّ وَ أَجَلٍ مُسَمًّى وَ الَّذِينَ كَفَرُوا عَمّٰا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ* قُلْ أَ رَأَيْتُمْ مٰا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّٰهِ أَرُونِي مٰا ذٰا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمٰاوٰاتِ ائْتُونِي بِكِتٰابٍ مِنْ قَبْلِ هٰذٰا أَوْ أَثٰارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صٰادِقِينَ* وَ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللّٰهِ مَنْ لاٰ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلىٰ يَوْمِ الْقِيٰامَةِ وَ هُمْ عَنْ دُعٰائِهِمْ غٰافِلُونَ* وَ إِذٰا حُشِرَ النّٰاسُ كٰانُوا لَهُمْ أَعْدٰاءً وَ كٰانُوا بِعِبٰادَتِهِمْ كٰافِرِينَ (1).6.
1) الأحقاف 46:1-6.
فالتمس تولّى اللّه توفيقك من هذا الظّالم ما ذكرت لك،و امتحنه و سله عن آية من كتاب اللّه يفسّرها،أو صلاة فريضة يبيّن حدودها و ما يجب فيها؛لتعلم حاله و مقداره، و يظهر لك عواره و نقصانه،و اللّه حسيبه.
حفظ اللّه الحقّ على أهله،و أقرّه في مستقرّه،و قد أبى اللّه عزّ و جلّ أن تكون الإمامة في أخوين بعد الحسن و الحسين عليهما السّلام،و إذا أذن اللّه لنا في القول ظهر الحقّ،و اضمحلّ الباطل،و انحسر عنكم،و إلى اللّه أرغب في الكفاية،و جميل الصّنع و الولاية،و حسبنا اللّه و نعم الوكيل،و صلّى اللّه على محمّد و آل محمّد» (1).
و حكت هذه الرسالة الطعن بشخصيّة جعفر الذي ادّعى الإمامة،و تجريده تجريدا كاملا من جميع الصفات الكريمة التي تؤهّله لهذا المنصب الرفيع الذي لا يستحقّه إلاّ من كان حاويا لفضائل الدنيا من العلم بما تحتاج إليه الامّة في جميع مجالاتها،و الإحاطة الكاملة بأحكام الشريعة و شؤون الدين،و جعفر جاهل، لا يعرف أي طرفيه أطول،فكيف يدّعي الإمامة.
و رفع عثمان بن سعيد العمري و ابنه محمّد رسالة إلى الإمام عليه السّلام أخبراه فيها أنّ الميسمي،و هو من الشيعة،حدّثهما أنّ المختار و هو من الضالّين يدعو الشيعة إلى الإمام لجعفر،فأجابهما الإمام عليه السّلام بهذه الرسالة:
«وفّقكما اللّه لطاعته،و ثبّتكما على دينه،و أسعدكما بمرضاته،انتهى إلينا ما ذكرتما أنّ الميسميّ أخبركما عن المختار،و مناظرته من لقي،و احتجاجه بأنّه
1) الغيبة/الطوسي:287-290.
لا خلف غير جعفر بن عليّ،و تصديقه إيّاه،و فهمت جميع ما كتبتما به،ممّا قال أصحابكم عنه،و أنا أعوذ باللّه من العمى بعد الجلاء،و من الضّلالة بعد الهدى، و من موبقات الأعمال،و مرديات الفتن،فإنّه عزّ و جلّ يقول: الم* أَ حَسِبَ النّٰاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنّٰا وَ هُمْ لاٰ يُفْتَنُونَ (1)كيف يتساقطون في الفتنة،و يتردّدون في الحيرة،و يأخذون يمينا و شمالا،فارقوا دينهم أم ارتابوا،أم عاندوا الحقّ،أم جهلوا ما جاءت به الرّوايات الصّادقة،و الأخبار الصّحيحة،أو علموا ذلك فتناسوا ما يعلمون،إنّ الأرض لا تخلو من حجّة إمّا ظاهرا و إمّا مغمورا،أو لم يروا انتظام أئمّتهم بعد نبيّهم صلّى اللّه عليه و آله واحدا بعد واحد،إلى أن أفضي بأمر اللّه عزّ و جلّ إلى الماضي-يعني الحسن بن عليّ-فقام مقام آبائه عليهم السّلام يهدي إلى الحقّ،و إلى طريق مستقيم،كان نورا ساطعا،و شهابا لامعا،و قمرا ظاهرا،ثمّ اختار اللّه عزّ و جلّ له ما عنده،فمضى على منهاج آبائه عليهم السّلام حذو النّعل بالنّعل،على عهد عهده، و وصيّة أوصى بها،ستره اللّه عزّ و جلّ بأمره إلى غايته،و أخفى مكانه بمشيّته للقضاء السّابق،و القدر النّافذ،و فينا موضعه،و لنا فضله،و لو قد أذن اللّه عزّ و جلّ فيما قد منعه،و أزال عنه ما قد جرى به حكمه لأراهم الحقّ ظاهرا بأحسن حيلة،و أبين دلالة، و أوضح علامة،و لأبان عن نفسه،و أقام الحجّة،و لكنّ أقدار اللّه لا تغلب،و إرادته لا تردّ،و توقيته لا يسبق،فليدعوا عنهم اتّباع الهوى،و ليقيموا على أصلهم الّذي كانوا عليه،و لا يبحثوا عمّا ستر عنهم فيأثموا،و لا يكشفوا سرّ اللّه عزّ و جلّ فيندموا، و ليعلموا أنّ الحقّ معنا و فينا،و لا يقول ذلك سوانا إلاّ كذّاب منهمك،و لا يدّعيه غيرنا2.
1) العنكبوت 29:1 و 2.
إلاّ ضالّ غويّ،فليقتصروا منّا على هذه الجملة دون التّفسير،و يقنعوا من ذلك بالتّعريض دون التّصريح إن شاء اللّه» (1).
و شجب الإمام عليه السّلام في هذه الرسالة ما قام به عميل جعفر من نشره للضلال بين صفوف الشيعة،و إنكاره للإمام المنتظر،و نعى على أتباعه انحرافهم عن الحقّ، و تردّيهم في مجاهل الفتن و الضلال،كما أعرب الإمام عليه السّلام عن السبب في اختفائه و عدم ظهوره،و أنّه مستند لأمر اللّه تعالى،و ليس للإمام أي اختيار في ذلك.
حدث شجار بين ابن أبي غانم القزويني و بعض الشيعة في الخلف بعد الإمام الحسن العسكري،فأنكر القزويني الإمام المنتظر،و أصرّ الآخرون على وجوده، فكتبوا للإمام المنتظر عليه السّلام بما جرى بينهم و بين القزويني،فأجابهم الإمام عليه السّلام بهذه الرسالة.و قد جاء فيها بعد البسملة:
«عافانا اللّه و إيّاكم من الضّلالة و الفتن،و وهب لنا و لكم روح اليقين،و أجارنا و إيّاكم من سوء المنقلب إنّه أنهي إليّ ارتياب جماعة منكم في الدّين،و ما دخلهم من الشّكّ و الحيرة في ولاة أمورهم،فغمّنا ذلك لكم لا لنا،و ساءنا فيكم لا فينا؛لأنّ اللّه معنا و لا فاقة بنا إلى غيره،و الحقّ معنا فلن يوحشنا من قعد عنّا،و نحن صنائع ربّنا، و الخلق بعد صنائعنا (2).
يا هؤلاء،ما لكم في الرّيب تتردّدون،و في الحيرة تنعكسون؟أو ما سمعتم اللّه
عزّ و جلّ يقول: يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ (1)؟أو ما علمتم ما جاءت به الآثار ممّا يكون و يحدث في أئمّتكم عن الماضين و الباقين منهم عليهم السّلام؟أو ما رأيتم كيف جعل اللّه لكم معاقل تأوون إليها، و أعلاما تهتدون بها من لدن آدم عليه السّلام إلى أن ظهر الماضي عليه السّلام،كلّما غاب علم بدا علم، و إذا أفل نجم طلع نجم؟فلمّا قبضه اللّه إليه ظننتم أنّ اللّه تعالى أبطل دينه،و قطع السّبب بينه و بين خلقه،كلاّ ما كان ذلك و لا يكون حتّى تقوم السّاعة،و يظهر أمر اللّه سبحانه و هم كارهون.
و إنّ الماضي عليه السّلام مضى سعيدا فقيدا على منهاج آبائه؛حذو النّعل بالنّعل،و فينا وصيّته و علمه،و من هو خلفه و من هو يسدّ مسدّه،لا ينازعنا موضعه إلاّ ظالم آثم، و لا يدّعيه دوننا إلاّ جاحد كافر،و لو لا أنّ أمر اللّه تعالى لا يغلب،و سرّه لا يظهر و لا يعلن،لظهر لكم من حقّنا ما تبين منه عقولكم،و يزيل شكوككم،لكنّه ما شاء اللّه كان،و لكلّ أجل كتاب.
فاتّقوا اللّه و سلّموا لنا،و ردّوا الأمر إلينا،فعلينا الإصدار كما كان منّا الإيراد، و لا تحاولوا كشف ما غطّي عنكم و لا تميلوا عن اليمين،و تعدلوا إلى الشّمال، و اجعلوا قصدكم إلينا بالمودّة على السّنّة الواضحة،فقد نصحت لكم،و اللّه شاهد عليّ و عليكم،و لو لا ما عندنا من محبّة صلاحكم و رحمتكم،و الإشفاق عليكم،لكنّا عن مخاطبتكم في شغل فيما قد امتحنّا به من منازعة الظّالم العتلّ الضّالّ المتتابع في غيّه، المضادّ لربّه،الدّاعي ما ليس له،الجاحد حقّ من افترض اللّه طاعته،الظّالم الغاصب.
و في ابنة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله لي أسوة حسنة و سيردي الجاهل رداءة عمله،و سيعلم9.
1) النساء 4:59.
الكافر لمن عقبى الدّار،عصمنا اللّه و إيّاكم من المهالك و الأسواء و العاهات كلّها برحمته،فإنّه وليّ ذلك و القادر على ما يشاء،و كان لنا و لكم وليّا و حافظا،و السّلام على جميع الأوصياء و الأولياء و المؤمنين و رحمة اللّه و بركاته،و صلّى اللّه على محمّد و آله و سلّم تسليما» (1).
و أعرب الإمام عليه السّلام في هذه الرسالة عن استيائه البالغ عمّا مني به بعض الشيعة من الانحراف عن الحقّ،و التشكيك في أمره عليه السّلام مع وجود الأمارات الظاهرة،و الأدلّة الحاسمة على وجوده،و أنّ اللّه تعالى في جميع مراحل وجود الإنسان لا يخلي الأرض من حجّة ينصبه علما لهداية عباده،و إرشادهم إلى طريق الحقّ،كما شجب عليه السّلام المتصدّي للإمامة،و أكبر الظنّ أنّه جعفر الذي نعت بالكذّاب،فقد افترى على اللّه كذبا،و تحمّل إثما عظيما.
و رفع محمّد بن جعفر إلى الإمام رسالة يسأله فيها عن بعض الأحكام الشرعيّة، فأجابه عليه السّلام عنها بما يلي:
«و أمّا ما سألت عنه من الصّلاة عند طلوع الشّمس و عند غروبها،فلئن كان كما يقولون:إنّ الشّمس تطلع بين قرني الشّيطان،و تغرب بين قرني الشّيطان،فما أرغم أنف الشّيطان بشيء أفضل من الصّلاة،فصلّها و أرغم أنف الشّيطان.
و أمّا ما سألت عنه من أمر الوقف على ناحيتنا،و ما جعل لنا ثمّ يحتاج إليه صاحبه، فكلّما لم يسلّم فصاحبه بالخيار،و كلّما سلّم فلا خيار فيه لصاحبه،احتاج إليه صاحبه أو لم يحتج،افتقر إليه أو استغنى عنه.
1) الغيبة/الطوسي:285-287.بحار الأنوار:178/53-180.
و أمّا ما سألت من أمر من يستحلّ ما في يده من أموالنا،و يتصرّف فيه تصرّفه في ماله من غير أمرنا،فمن فعل فهو ملعون،و نحن خصماؤه يوم القيامة،فقد قال النّبيّ صلّى اللّه عليه و اله:المستحلّ من عترتي ما حرّم اللّه ملعون على لساني و لسان كلّ نبيّ مجاب، فمن ظلمنا كان من جملة الظّالمين لنا،و كان لعنة اللّه عليه لقوله تعالى: أَلاٰ لَعْنَةُ اللّٰهِ عَلَى الظّٰالِمِينَ (1)».
أجاب الإمام عليه السّلام عن بعض الفروع الفقهيّة التي سئل عنها،و هي:
1-مشروعيّة الصلاة عند شروق الشمس و عند غروبها،و لا سند لمن خالف ذلك،كما سخر عليه السّلام من القول بأنّ الشمس تطلع بين قرني الشيطان و تغيب كذلك، فإنّ هذا من مهازل الأفكار و الأقوال.
2-إنّ الوقف الخاصّ على أهل البيت عليهم السّلام إذا احتاج إليه الواقف قبل تسليمه لهم فله ذلك؛لأنّ له الخيار في فسخ الوقف قبل تسليمه إلى الموقوف عليهم،أمّا بعد تسليمه لهم فليس له الفسخ و الرجوع في الوقف؛و ذلك للزومه،و عدم صحّة الرجوع فيه،و بذلك أفتى فقهاء الإماميّة.
3-عدم جواز التصرّف في الأموال الخاصّة لأهل البيت عليهم السّلام،فمن استحلّها فهو ظالم و غاصب لهم.
و رفع إسحاق بن يعقوب رسالة إلى الإمام عليه السّلام ضمّنها عدّة مسائل أشكلت عليه، و ذلك بتوسّط الثقة الزكيّ محمّد بن عثمان،فأجابه الإمام عليه السّلام:
«أمّا ما سألت عنه أرشدك اللّه،و ثبّتك من أمر المنكرين لي من أهل بيتنا و بني عمّنا،
1) هود 11:18.كمال الدين:520-521.
فاعلم أنّه ليس بين اللّه عزّ و جلّ و بين أحد قرابة،و من أنكرني فليس منّي،و سبيله سبيل ابن نوح عليه السّلام.
و أمّا سبيل عمّي جعفر و ولده،فسبيل إخوة يوسف على نبيّنا و آله و عليه السّلام.
و أمّا الفقاع (1)فشربه حرام و لا بأس بالشّلماب (2).
و أمّا أموالكم فما نقبلها إلاّ لتطهروا فمن شاء فليصل،و من شاء فليقطع،فما آتانا اللّه خير ممّا آتاكم.
و أمّا ظهور الفرج فإنّه إلى اللّه عزّ و جلّ،و كذب الوقّاتون.
و أمّا قول من زعم أنّ الحسين عليه السّلام لم يقتل،فكفر و تكذيب و ضلال.
و أمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا،فإنّهم حجّتي عليكم، و أنا حجّة اللّه عليكم.
و أمّا محمّد بن عثمان العمريّ رضي اللّه عنه و عن أبيه من قبل،فإنّه ثقتي و كتابه كتابي.
و أمّا محمّد بن عليّ بن مهزيار (3)الأهوازيّ فسيصلح اللّه قلبه،و يزيل عنه شكّه.
و أمّا ما وصلتنا به فلا قبول عندنا إلاّ لما طاب و طهر،و ثمن المغنّية حرام.7.
1) الفقاع:شراب يتّخذ من ماء الشعير-مجمع البحرين:420/3.
2) الشلماب:شراب ليس بمسكر،شاع استعماله في تلك العصور.
3) محمّد بن عليّ بن مهزيار:عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الهادي عليه السّلام،و أضاف إنّه ثقة، و كذلك عدّه البرقي،و في(ربيع الشيعة)لابن طاووس أنّه من السفراء و الأبواب المعروفين الذين لا تختلف فيهم الإماميّة،جاء ذلك في معجم رجال الحديث:34/17.
و أمّا محمّد بن شاذان بن نعيم (1)فإنّه رجل من شيعتنا أهل البيت.
و أمّا أبو الخطّاب محمّد بن أبي زينب الأجدع (2)
و من بدعه أنّه زعم أنّ الإمام جعفر الصادق عليه السّلام هو اللّه تعالى،و استحلّ جميع ما حرّم اللّه تعالى،و كان أصحابه كلّما ثقلت عليهم فريضة من فرائض اللّه تعالى قصدوه و قالوا له: يا أبا الخطّاب،خفّف عنّا،فيأمرهم بترك الفريضة حتّى تركوا جميع الفرائض،و أباح لأصحابه أن يشهد بعضهم لبعض بشهادة الزور،و قد كتب الإمام الصادق عليه السّلام إلى الآفاق يأمرهم بلعنه،و يحذّرهم من أضاليله.
و قد أراح اللّه تعالى العباد من هذا الضالّ،فقتله عيسى بن موسى العبّاسي،توجد له ترجمة مفصّلة في معجم رجال الحديث:257/14-276.الكنى و الألقاب:64/1. الكشّي.النجاشي.رجال الطوسي.رجال ابن الغضائري.
فإنّه ملعون و أصحابه ملعونون، فلا تجالس أهل مقالتهم و إنّي منهم بريء و آبائي منهم براء.و أمّا المتلبّسون بأموالنا فمن استحلّ منها شيئا فأكله فإنّما يأكل النّيران.
و أمّا الخمس فقد أبيح لشيعتنا و جعلوا منه في حلّ إلى وقت ظهور أمرنا لتطيب ولادتهم و لا تخبث.
و أمّا ندامة قوم قد شكّوا في دين اللّه على ما وصلونا به،فقد أقلنا من استقال و لا حاجة لنا في صلة الشّاكّين.
و أمّا علّة ما وقع من الغيبة فإنّ اللّه عزّ و جلّ يقول: يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تَسْئَلُواي.
1) محمّد بن شاذان بن نعيم:عدّه في الكافي ممّن رأى الإمام المنتظر عليه السّلام،جاء ذلك في معجم رجال الحديث:193/16.
2) محمّد بن مقلاص الأسدي الكوفي(بائع الأبراد):ضالّ،مضلّ،غال،مبتدع،كذّاب، لعنه الإمام الصادق عليه السّلام،و قال:«اللّهمّ العن أبا الخطّاب،فإنّه خوّفني قائما و قاعدا،و على فراشي،اللّهمّ أذقه حرّ الحديد».
عَنْ أَشْيٰاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ (1)،إنّه لم يكن أحد من آبائي إلاّ و قد وقعت في عنقه بيعة لطاغية زمانه،و إنّي أخرج حين أخرج و لا بيعة لأحد من الطّواغيت في عنقي.
و أمّا وجه الإنتفاع في غيبتي فكالإنتفاع بالشّمس إذا غيّبتها عن الأبصار السّحاب، و إنّي لأمان لأهل الأرض كما أنّ النّجوم أمان لأهل السّماء،فاغلقوا أبواب السّؤال عمّا لا يعنيكم،و لا تتكلّفوا على ما قد كفيتم،و أكثروا الدّعاء بتعجيل الفرج،فإنّ ذلك فرجكم.
و السّلام عليك يا إسحاق بن يعقوب،و على من اتّبع الهدى» (2)
و بالإضافة إلى ما حفلت به هذه الرسالة من أجوبة الإمام عليه السّلام عن بعض الأحكام الشرعيّة،فقد حوت ما يلي:
1-إنّ بعض السادة من أبناء عمّ الإمام عليه السّلام الذين أنكروا وجوده مع توفّر العلامات و الأمارات على وجوده قد حكم الإمام عليهم بالضلال و الانحراف عن الحقّ،و اللّه تعالى يحاسبهم و يعاقبهم على ذلك.
2-إنّ ظهور الإمام عليه السّلام للقيام بنشر العدل و الحقّ بين الناس ليس بيده و لا بيد غيره،و إنّما هو موكول إلى اللّه تعالى،فهو الذي يحدّد ساعة ظهور وليّه العظيم.
3-إنّ بعض المشعوذين من أعداء الإسلام قد أشاع بين الناس أنّ سيّد الشهداء و أبا الأحرار الإمام الحسين عليه السّلام لم يستشهد،و إنّما شبّه لقتلته المجرمين أنّه الحسين فقتلوا شبيهه،و هذا القول من أباطيل و أكاذيب القائلين به.
4-إنّ الإمام عليه السّلام قد أشاد بالزكي الثقة محمّد بن عثمان العمري،و أولاه المزيد1.
من التكريم و التأييد،كما وثّق محمّد بن شاذان الذي هو من أعلام الشيعة في دينه و تقواه.
5-إنّه حذّر الشيعة و منعهم من الاتّصال بعصابة(أبي الخطّاب الأجدع)الضالّ الكذّاب،فإنّه و عصابته قد خرجوا عن الإسلام،و لم يرجوا للّه وقارا،فحرّموا ما أباح اللّه،و أباحوا ما حرّم اللّه،و الاتّصال بهم ضلال و غيّ.
6-حذّر الإمام عليه السّلام من يأكل أموال أهل البيت عليهم السّلام بالباطل،فإنّه غاصب لهم، و سيصلى سعيرا.
7-نهى الإمام عليه السّلام عن التعرّض و الخوض في الحكمة الداعية إلى غيابه و عدم ظهوره،فإنّ ذلك ليس باختياره و لا بمشيئته،و إنّما أمره بيد اللّه تعالى،و هو الخبير و العالم بجميع شؤون عباده.
8-عرض الإمام عليه السّلام إلى أنّه مصدر فيض و عطاء للناس في حال غيبته؛لأنّ اللّه تعالى يصرف عنهم العذاب ببركة وجود وليّه و حجّته،فهو أمان لأهل الأرض كما أنّ النجوم أمان لأهل السماء.
9-إنّ الإمام عليه السّلام أمر شيعته بالدعاء له بالفرج ليقيم الحقّ،و يظهر العدل في الأرض.هذه بعض محتويات الرسالة من المطالب العالية.
بعث الإمام المنتظر عليه السّلام بعدّة رسائل إلى ثقة الإسلام الشيخ المفيد قدّس سرّه (1)
يا مرسلا إن كنت مبلغ ميّت تحت الصّفائح قول حيّ مرسل فجّ الثّرى الرّاوي و قل لمحمّد عن ذي فؤاد بالفجيعة مشعل من للخصوم اللّدّ بعدك غصّة في الصّدر لا تهوى و لا هي تعتلي من للجدال إذا الشّفاه تقلّصت و إذا اللّسان بريقه لم يبلل و يعرض في قصيدته التي هي مائة بيت إلى مواهب الشيخ المفيد،و يعدّد قدراته العلميّة،كما رثاه الشريف المرتضى بقصيدة عصماء يقول فيها:
إنّ شيخ الإسلام و الدّين و العلم تولّى فأزعج الإسلاما و الّذي كان غرّة في دجى الأي ام أودى فأوحش الأيّاما كم جلوت الشّكوك تعرض في نصّ وصيّ و كم نصرت إماما و خصوم ملأتهم بالحقّ في حومة الخصام خصاما و يذكر الشريف الرضي فضائل الشيخ المفيد في قصيدته،و التي منها مناصرته للحقّ و دفاعه عن عقيدته و مبادئه،و عجز خصومه عن مجاراته.
و قد وجدت على قبره الشريف أبيات في رثائه للإمام المنتظر عليه السّلام،و هي:
لا صوّت النّاعي بفقدك إنّه يوم على آل الرّسول عظيم إن كنت قد غيّبت في جدث الثّرى فالعدل و التّوحيد فيك مقيم و القائم المهديّ يفرح كلّما تليت عليك من الدّروس علوم عرضت لترجمته مصادر التاريخ و التراجم بصورة موضوعيّة و شاملة.
،1) الشيخ المفيد:هو محمّد بن محمّد بن النعمان،من أعلام الإسلام،و من عظماء علماء الإماميّة.ولد سنة 338 ه،و نشأ نشأة علميّة،و تربّى على التقى و الصلاح،لم ير مثله في تقواه و صلاحه و تحرّجه في الدين.ألّف ما يقرب من مائتي كتاب في مختلف العلوم و الفنون،و تزعّم الفرقة الإماميّة.توفّي لليلتين خلتا من شهر رمضان سنة 413 ه،و كان يوم وفاته مشهودا،فقد شيّع بتشييع حافل،حضره ثمانون ألف رجل من الشيعة،و صلّى على جنازته الشريف المرتضى ب(ميدان الأشنان)،و رثاه الشاعر الملهم مهيار الديلمي بقصيدة منها:
ذكر رسالتين منها الشيخ الطبرسي،و هما:
«للأخ السّديد،و الوليّ الرّشيد،الشّيخ المفيد،أبي عبد اللّه محمّد بن محمّد النّعمان،أدام اللّه إعزازه،من مستودع العهد المأخوذ على العباد.
بسم الله الرحمن الرحيم أمّا بعد،سلام عليك أيّها الوليّ المخلص في الدّين،المخصوص فينا باليقين، فإنّا نحمد إليك اللّه الّذي لا إله إلاّ هو،و نسأله الصّلاة على سيّدنا و مولانا و نبيّنا محمّد و آله الطّاهرين.
و نعلمك-أدام اللّه توفيقك لنصرة الحقّ،و أجزل مثوبتك على نطقك عنّا بالصّدق- أنّه قد أذن لنا في تشريفك بالمكاتبة،و تكليفك ما تؤدّيه عنّا إلى موالينا قبلك،أعزّهم اللّه بطاعته،و كفاهم المهمّ برعايته لهم و حراسته،فقف-أيّدك اللّه بعونه-على أعدائه المارقين من دينه على ما أذكره،و أعمل في تأديته إلى من تسكن إليه بما نرسمه إن شاء اللّه.
نحن و إن كنّا ثاوين بمكاننا النّائي عن مساكن الظّالمين،حسب الّذي أراناه اللّه تعالى لنا من الصّلاح،و لشيعتنا المؤمنين في ذلك،ما دامت دولة الدّنيا للفاسقين، فإنّا نحيط علما بأنبائكم،و لا يعزب عنّا شيء من أخباركم،و معرفتنا بالذّلّ الّذي أصابكم مذ جنح كثير منكم إلى ما كان السّلف الصّالح عنه شاسعا،و نبذوا العهد المأخوذ وراء ظهورهم كأنّهم لا يعلمون،على أنّا غير مهملين لمراعاتكم،و لا ناسين لذكركم،و لو لا ذلك لنزل بكم اللّأواء (1)،أو اصطلمكم (2)الأعداء.
فاتّقوا اللّه جلّ جلاله،و ظاهرونا على انتياشكم (3)من فتنة قد أنافت (4)عليكم،ع.
يهلك فيها من حمّ (1)أجله،و يحمى عنها من أدرك أمله،و هي أمارة الأزوف (2)، و مبائتكم بأمرنا و نهينا،و اللّه متمّ نوره و لو كره المشركون.
اعتصموا بالتّقيّة من شبّ نار الجاهليّة يحششها (3)عصب أمويّة،يهول بها فرقة مهديّة،أنا زعيم بنجاة من لم يرم فيها المواطن،و سلك في الطّعن منها السّبل المرضيّة إذا حلّ جمادى الأولى من سنتكم هذه،فاعتبروا بما يحدث فيه،و استيقظوا من رقدتكم لما يكون في الّذي يليه.
ستظهر لكم من السّماء آية جليّة،و من الأرض مثلها بالسّويّة،و يحدث في أرض المشرق ما يحزن و يقلق،و يغلب من بعد على العراق طوائف عن الإسلام مرّاق، تضيق بسوء فعالهم على أهله الأرزاق،ثمّ تنفرج الغمّة من بعد بوار طاغوت من الأشرار،ثمّ يسترّ بهلاكه المتّقون الأخيار،و يتّفق لمريدي الحجّ من الآفات ما يؤمّلونه منه على توفير عليه منهم و اتّفاق،و لنا في تيسير حجّهم على الإختيار منهم و الوفاق شأن يظهر على نظام و اتّساق،فليعمل كلّ امرئ منكم بما يقرّب من محبّتنا،و يتجنّب ما يدنيه من كراهتنا،فإنّ أمرنا بغتة فجاءة حين لا تنفعه توبة،و لا ينجيه من عقابنا ندم على حوبة.
و اللّه يلهمكم الرّشد،و يلطف لكم في التّوفيق برحمته»
و قد وقّعه الإمام عليه السّلام بيده العليا،و كتب في أسفله:
«هذا كتابنا إليك أيّها الأخ الوليّ،و المخلص في ودّنا الصّفيّ،و النّاصر لناا.
الوفيّ،حرسك اللّه بعينه الّتي لا تنام،فاحتفظ به،و لا تظهر على خطّنا الّذي سطرناه بما ضمّناه أحدا،و أدّ ما فيه إلى من تسكن إليه،و أوص جماعتهم بالعمل عليه إن شاء اللّه،و صلّى اللّه على محمّد و آله الطّاهرين» (1).
حوت هذه الرسالة أمورا بالغة الأهميّة،و هي:
1-الإشادة بالشيخ المفيد،الذي هو أحد دعائم الإسلام في علمه و فضله و تقواه و شدّة تحرّجه في الدين،و أنّه قد سمح له في مكاتبة الإمام عليه السّلام و الاتّصال به، و تحمّله شرف السفارة بينه و بين الشيعة.
2-إنّ الإمام عليه السّلام قد أشار إلى المكان الذي يقيم به في حال غيبته،و أنّه بعيد عن مساكن الظالمين،و أنّ إقامته فيه محجوب عن أعين الناس،يستند إلى إرادة اللّه تعالى و مشيئته التي قضت بعدم ظهوره ما دامت دولة للفاسقين و الظالمين على وجه الأرض.
3-من بنود هذه الرسالة أنّ الإمام عليه السّلام يتتبّع بكلّ دقّة جميع شؤون شيعته، و لا يعزب عنه أي أمر من أمورهم،فهو ساهر على رعايتهم،و دفع البلاء عنهم، و لو لا عنايته بهم لأخذهم الظالمون من كلّ جانب و مكان،و قد أخبرهم عن فتنة و كارثة مدمّرة تحلّ بهم يهلك فيها الكثيرون.
4-إنّه أخبر عن بعض الملاحم التي ستظهر و تتحقّق قبل ظهوره عليه السّلام من حدوث آية جليّة في السماء،و غير ذلك ممّا سنذكره في فصول أخرى من هذا الكتاب.
وردت على الشيخ المعظّم الشيخ المفيد نضّر اللّه مثواه،رسالة ثانية من
1) الاحتجاج:497/2-498.
الإمام عليه السّلام بتاريخ /23ذي الحجّة412/ ه،و هذا نصّها بعد البسملة:
«سلام اللّه عليك أيّها النّاصر للحقّ،الدّاعي إليه بكلمة الصّدق،فإنّا نحمد اللّه إليك الّذي لا إله إلاّ هو،إلهنا و إله آبائنا الأوّلين،و نسأله الصّلاة على سيّدنا و مولانا محمّد خاتم النّبيّين،و على أهل بيته الطّاهرين.
و بعد،فقد كنّا نظرنا مناجاتك،عصمك اللّه بالسّبب الّذي وهبه اللّه لك من أوليائه، و حرسك به من كيد أعدائه،و شفّعنا ذلك الآن من مستقرّ لنا ينصب في شمراخ (1)من بهماء (2)صرنا إليه آنفا من غماليل ألجأنا إليه السّباريت (3)من الإيمان،و يوشك أن يكون هبوطنا إلى صحصح (4)من غير بعد من الدّهر،و لا تطاول من الزّمان،و يأتيك نبأ ما يتجدّد لنا من حال،فتعرف بذلك ما نعتمده من الزّلفة إلينا بالأعمال،و اللّه موفّقك لذلك برحمته،فلتكن حرسك اللّه بعينه الّتي لا تنام أن تقابل لذلك فتنة تسبل نفوس قوم،حرثت باطلا لاسترهاب المبطلين،يبتهج لذمارها المؤمنون،و يحزن لذلك المجرمون.
و آية حركتنا من هذه اللّوثة حادثة بالحرم المعظّم من رجس منافق مذمّم،مستحلّ للدّم المحرّم،يعمد بكيده أهل الإيمان،و لا يبلغ بذلك غرضه من الظّلم و العدوان، لأنّنا من وراء حفظهم بالدّعاء الّذي لا يحجب عن ملك الأرض و السّماء،فلتطمئنّ بذلك من أوليائنا القلوب،و ليثقوا بالكفاية منه،و إن راعتهم بها الخطوب،و العاقبة بجميل صنع اللّه سبحانه تكون حميدة لهم ما اجتنبوا المنهيّ عن الذّنوب.ض.
و نحن نعهد إليك أيّها الوليّ المخلص،المجاهد فينا الظّالمين،أيّدك اللّه بنصره الّذي أيّد به السّلف من أوليائنا الصّالحين،أنّه من اتّقى ربّه من إخوانك في الدّين، و أخرج ممّا عليه إلى مستحقّيه كان آمنا من الفتنة المبطلة،و محنها المظلمة،و من بخل منهم بما أعاره اللّه من نعمته على من أمر بصلته،فإنّه يكون خاسرا لذلك لأولاده و آخرته،و لو أنّ أشياعنا وفّقهم اللّه لطاعته على اجتماع من القلوب في الوفاء بالعهد عليهم لما تأخّر عنهم اليمن بلقائنا،و لتعجّلت لهم السّعادة بمشاهدتنا على حقّ المعرفة،و صدقها منهم بنا،فما يحبسنا عنهم إلاّ ما يتّصل بنا ممّا نكرهه،و لا نؤثره منهم،و اللّه المستعان،و هو حسبنا و نعم الوكيل،و صلاته على سيّدنا البشير النّذير، محمّد و آله الطّاهرين،و سلّم».
كتب في غرّة شوّال من سنة اثني عشرة و أربعمائة،و وقّع الكتاب بخطّه الشريف،و أضاف فيه:
«هذا كتابنا إليك أيّها الوليّ الملهم للحقّ،العليّ بإملائنا و خطّ ثقتنا،فاخفه عن كلّ أحد،و اطوه،و اجعل له نسخة يطّلع عليها من تسكن إلى أمانته من أوليائنا، شملهم اللّه ببركتنا إن شاء اللّه،الحمد للّه،و الصّلاة على سيّدنا محمّد النّبيّ،و آله الطّاهرين» (1).
و حفلت هذه الرسالة بما يلي:
1-الإشادة بالشيخ المفيد،علم الإسلام و نبراسه المضيء،فقد نعته الإمام عليه السّلام (الناصر للحقّ)و(الداعي إليه بكلمة الصدق)،و هما من أسمى الصفات التي يتحلّى بها الصالحون و المتّقون من عباد اللّه.5.
1) الاحتجاج:324/2-325.
2-أشار الإمام عليه في هذه الرسالة إلى عدوّ ماكر للشيعة و للشيخ المفيد يكيد لهم في وضح النهار و في غلس الليل،و يبغي لهم الغوائل،و يثير ضدّهم الفتن، و لا يبلغ بذلك غرضه من الظلم و العدوان عليهم.
3-أحاط الإمام عليه السّلام شيعته علما بأنّهم مشمولون بدعائه لهم بالتأييد و التسديد، و السلامة من أعدائهم،و النجاة من ظلم الظالمين،و دعاؤه عليه السّلام لا يحجب عن اللّه تعالى.
4-أمر الإمام عليه السّلام شيعته-بهذه الرسالة-بتقوى اللّه تعالى،و الاجتناب عن معاصيه،و إخراج ما عليهم من الحقوق الشرعيّة،و لو أنّهم اتّقوا و أطاعوا اللّه تعالى إطاعة حقيقيّة لما حجب الإمام عنهم،و لتعجّلت لهم السعادة بمشاهدته،و لكنّ ذنوبهم هي التي حالت بينهم و بين الالتقاء بإمامهم المفدّى سلام اللّه عليه.
هذه بعض البنود التي احتوت عليها هذه الرسالة،و بهذا ينتهي بنا الحديث عن رسائله،و سنذكر كوكبة منها في البحوث الآتية.
و ما دمنا في البحث عن بعض تراثه الرائع نعرض إلى بعض المسائل الشرعيّة التي رفعتها إليه الشيعة على يد سفرائه الأزكياء،فأجابهم عليه السّلام عنها،و هذه بعضها:
سأل محمّد بن عبد اللّه بن جعفر الإمام المنتظر عليه السّلام عن مجموعة من المسائل الفقهيّة،و قد أرفقها برسالة جاء فيها بعد البسملة:
«أطال اللّه بقاءك،و أدام اللّه عزّك و تأييدك،و سعادتك و سلامتك،و أتمّ نعمته عليك،و زاد في إحسانه إليك،و جميل مواهبه لديك،و فضله عندك،و جعلني من السوء فداك،و قدّمني قبلك،الناس يتنافسون في الدرجات،فمن قبلتموه كان مقبولا،و من دفعتموه كان وضيعا،و الخامل من وضعتموه،و نعوذ باللّه من ذلك، و ببلدنا-أيّدك اللّه-جماعة من الوجوه يتساوون،و يتنافسون في المنزلة،و ورد أيّدك اللّه كتابك إلى جماعة منهم في أمر أمرتهم به من معاونة(ص) (1).
و أخرج عليّ بن محمّد بن الحسن بن الملك المعروف ب(ملك بادوكة)و هو ختن(ص)رحمه اللّه من بينهم،فاغتمّ بذلك،و سألني أيّدك اللّه أن أعلمك ما ناله من ذلك،فإن كان من ذنب فيستغفر اللّه منه،و إن يكن غير ذلك عرفته ما تسكن نفسه إليه إن شاء اللّه،و قد عودّتني-أدام اللّه عزّك-من تفضّلك ما أنت أهل أن تخبرني على العادة،و قبلك،أعزّك اللّه،فقهاؤنا قالوا:محتاجين إلى أشياء تسأل لنا عنها...».
1) لقد كانت للإمام عليه السّلام مجموعة من الرسائل بعثها إلى خيار الشيعة،و لكنّا لم نعثر عليها سوى ما ذكرناه.الغيبة:375.الاحتجاج:301/2.بحار الأنوار 151/53.
و دلّ هذا الكتاب على أنّ كاتبه من عناصر الإيمان و التقرّب،فقد كان من العارفين بمنزلة الإمام العظيم صلوات اللّه عليه،ثمّ أعقب بعد هذه الرسالة بالمسائل التالية:
المسألة الاولى:روي لنا عن العالم عليه السّلام أنّه سئل عن إمام قوم صلّى بهم بعض صلاتهم،و حدثت عليه حادثة كيف يعمل من خلفه،فقال:«يؤخّر،و يتقدّم بعضهم،و يتمّ صلاتهم،و يغتسل من مسّه؟».
الجواب:«ليس على من نحّاه إلاّ غسل اليد،و إذا لم يحدث حادثة تقطع الصّلاة تمّم صلاته مع القوم».
توضيح ما أفاده الإمام-أرواحنا له الفداء-:إنّ إمام الجماعة إذا حدثت به حادثة أثناء الصلاة كالموت،فمن نحّاه عن مكانه و مسّ بدنه فليس عليه إلاّ غسل يده؛لأنّ مسّ بدن الميّت في حال وفاته و قبل برده لا يوجب الغسل،أمّا من ائتمّوا به فلهم أن يقدّموا واحدا منهم ليؤمّهم،و أمّا إذا كانت الحادثة التي نزلت بالإمام غير الموت -كالإغماء مثلا-ثمّ أفاق في أثناء الصلاة،فله أن يتوضّأ و يأتمّ بمن صلّى مكانه.
المسألة الثانية:روي عن العالم أنّ من مسّ ميّتا بحرارته غسل يده،و من مسّه و قد برد فعليه الغسل،و هذا الإمام في هذه الحالة لا يكون إلاّ بحرارة،فالعمل بذلك على ما هو و لعلّه ينحيه بثيابه و لا يمسّه،فكيف يجب عليه الغسل؟
الجواب:«إذا مسّه على هذه الحال لم يكن عليه إلاّ غسل يده».
المسألة الثالثة:صلاة جعفر إذا سها في التسبيح في قيام أو ركوع أو سجود، و ذكره في حال أخرى قد صار فيها من هذه الصلاة،هل يعيد ما فاته من ذلك التسبيح في الحالة التي ذكرها أم يتجاوز في صلاته؟
و قبل عرض جواب الإمام عليه السّلام نذكر صلاة جعفر،و هي من المستحبّات الأكيدة، و تسمّى(صلاة التسبيح)و(صلاة الحبوة)،و الأخبار في استحبابها مشهورة بين
العامّة و الخاصّة،و هي:أربع ركعات بتسليمتين،يقرأ في كلّ منهما الفاتحة و سورة، ثمّ يقول:«سبحان اللّه،و الحمد للّه،و لا إله إلاّ اللّه،و اللّه أكبر»خمس عشرة مرّة، و كذا يقول في الركوع عشر مرّات،و بعد رفع الرأس منه يقول عشر مرّات،و كذا في السجدة الثانية عشر مرّات،و بعد رفع الرأس منها يقول عشر مرّات،و كذا في السجدة الثانية عشر مرّات،و بعد رفع الرأس عشر مرّات،ففي كلّ ركعة خمس و سبعون مرّة،و مجموعها ثلاثمائة تسبيحة (1).
الجواب:«إذا سها في حالة من ذلك،ثمّ ذكر في حالة أخرى قضى ما فاته في الحالة الّتي ذكره.لو سها عن بعض الأذكار كالتّسبيحات يأتي بها في المحلّ الآخر و صحّت صلاته».
المسألة الرابعة:المرأة يموت زوجها يجوز أن تخرج في جنازته أم لا؟
الجواب:«تخرج في جنازته».
المسألة الخامسة:هل يجوز في عدّتها أن تزور قبر زوجها أم لا؟
الجواب:«تزور قبر زوجها،و لا تبيت عن بيتها».
أقول:عدّة المرأة التي يتوفّى عنها زوجها ترك الزينة التي تعتادها المرأة، و لا مانع من زيارتها لقبر زوجها،و غيره ممّا تحتاج إليه في شؤونها المنزليّة،كما سيوضّحه الإمام عليه السّلام.
المسألة السادسة:هل يجوز لها أن تخرج في قضاء يلزمها،أم لا تخرج و هي في عدّتها؟
الجواب:«إذا كان حقّ خرجت فيه و قضته،و إن كانت لها حاجة و لم يكن لها من6.
1) العروة الوثقى:105/2 و 106.
ينظر فيها خرجت بها حتّى تقضيها،و لا تبيت إلاّ في بيتها».
المسألة السابعة:روي في ثواب القرآن في الفرائض و غيرها:أنّ العالم عليه السّلام قال:
«عجبا لمن لم يقرأ في صلاته إِنّٰا أَنْزَلْنٰاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ كيف تقبل صلاته».
و روي:«ما زكت صلاة من لم يقرأ قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ ».
و روي:«أنّ من قرأ في فرائضه الهمزة أعطي من الثّواب قدر الدّنيا»،فهل يجوز أن يقرأ الهمزة و يدع هذه السور التي ذكرناها مع ما قد روي أنّه لا تقبل صلاة و لا تزكو إلاّ بهما؟
أجاب الإمام عليه السّلام عن هذه المسائل الثلاث بما يلي:
الجواب:«الثّواب في السّور على ما قد روي،و إذا ترك سورة ممّا فيها الثّواب و قرأ قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ أو إِنّٰا أَنْزَلْنٰاهُ لفضلهما أعطي ثواب ما قرأ و ثواب السّورة الّتي ترك،و يجوز أن يقرأ غير هاتين السّورتين و تكون صلاته تامّة،و يكون قد ترك الفضل».
المسألة الثامنة:وداع شهر رمضان متى يكون؟فقد اختلف فيه أصحابنا، فبعضهم يقول:يقرأ في آخر ليلة منه،و بعضهم يقول:هو في آخر يوم منه إذا رأى هلال شوّال.
الجواب:«العمل في شهر رمضان في لياليه،و الوداع يقع في آخر ليلة منه،فإذا خاف أن ينقص الشّهر جعله في ليلتين».
المسألة التاسعة:قول اللّه عزّ و جلّ: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (1)أنّ رسول9.
1) التكوير 81:19.
اللّه صلّى اللّه عليه و اله المعنيّ به ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (1)،ما هذه الطاعة؟ و أين هي؟
و قد أحال الإمام عليه السّلام الجواب عن هذه الآيات إلى مصادر التفسير،و لم يجب عنها.
و وجّه محمّد بن عبد اللّه الحميري مسائل أخرى إلى الإمام عليه السّلام،و قد رفقها بهذه الكلمات:فرأيك-أدام اللّه عزّك-في تأمّل رقعتي،و التفضّل بما أسأل من ذلك لأضيفه إلى سائر أياديك عندي،و منّك عليّ،و هذه المسائل:
الأولى:المصلّي إذا قام من التشهّد الأوّل إلى الركعة الثالثة،هل يجب عليه أن يكبّر؟فإنّ بعض أصحابنا قال:لا يجب عليه التكبير،و يجزيه أن يقول:«بحول اللّه و قوّته أقوم و أقعد».
الجواب:«إنّ فيه حديثين:أمّا أحدهما،فإنّه إذا انتقل من حالة إلى حالة أخرى فعليه التّكبير،و أمّا الآخر فإذا رفع رأسه من السّجدة الثّانية فكبّر ثمّ جلس،ثمّ قام، فليس عليه في القيام بعد القعود تكبير،و كذلك في التّشهّد الأوّل يجري مثل هذا المجرى،و بأيّهما أخذت من باب التّسليم كان صوابا».
أقول:التكبير في حال القيام من التشهّد الأوّل و غيره ليس بواجب،و المكلّف مخيّر بين ذكره و عدمه.
الثانية:الفصّ(الخماهن)هل تجوز فيه الصلاة إذا كان في إصبعه؟
الجواب:«فيه كراهيّة أن يصلّي فيه،و فيه أيضا إطلاق،و العمل على الكراهة».
1) التكوير 81:20.
أقول:لم أجد في مصادر اللغة التي بيدي ذكر لفص(الخماهن)الذي تكره فيه الصلاة.
الثالثة:رجل اشترى هديا لرجل غاب عنه،و سأله أن ينحر عنه هديا ب(منى)، فلمّا أراد نحر الهدي نسي اسم الرجل و نحر الهدي،ثمّ ذكره بعد ذلك،أيجزي عن الرجل أم لا؟
الجواب:«لا بأس بذلك،و قد أجزأ عن صاحبه».
أقول:و قد أفتى فقهاء الإماميّة على ضوء هذه الرواية و غيرها ممّا أثر عن أئمّة الهدى عليهم السّلام فقالوا بالإجزاء إن نسي المستودع عنده المال اسم صاحبه،فنحر أو ذبح الهدي عن صاحب المال.
الرابعة:عندنا حاكة مجوس يأكلون الميتة،و لا يغتسلون في الجنابة،و ينسجون لنا ثيابا،فهل يجوز الصلاة فيها من قبل أن تغسل؟
الجواب:«لا بأس بالصّلاة فيها».
أقول:و إنّما جازت الصلاة في الثياب التي نسجتها المجوس؛و ذلك لعدم العلم بأنّهم مسّوها برطوبة كي تنفعل بنجاستهم،و مع الشكّ في ذلك تجري أصالة الطهارة.
الخامسة:المصلّي يكون في صلاة الليل في ظلمة،فإذا سجد يغلط بالسجادة، و يضع جبهته على(مسح (1)أو نطع (2)،فإذا وقع رأسه وجد السجّادة هل يعتد بهذه السجدة أم لا يعتد؟م.
الجواب:«ما لم يستو جالسا فلا شيء عليه في رفع رأسه لطلب الخمرة» (1).
أقول:يشترط في السجود أن يكون على الأرض أو ما أنبتت غير المأكول و الملبوس،فإذا سجد على ما لا يصحّ السجود عليه وجب عليه أن يرفع رأسه و يضع جبهته على ما يصحّ السجود عليه،و لو كان الالتفات رفع الرأس وجب إعادة السجدة،و الأحوط إعادة الصلاة بعد إتمامها (2).
السادسة:المحرم يرفع الظلال،هل يرفع خشب العارية أو الكنيسة (3)و يرفع الجناحين أم لا؟
الجواب:«لا شيء عليه في ترك رفع الخشب».
أقول:من التروك الواجبة للمحرم في حجّ أو عمرة ترك التظليل،فإذا جلس في سيّارة لها ظلّ أو في محمل كذلك وجب عليه أن يكفّر بشاة،أمّا إذا أزيل سقف السيّارة أو المحمل فليس عليه شيء كما أفاد الإمام أرواحنا له الفداء.
السابعة:المحرم يستظلّ من المطر بنطع أو غيره حذرا على ثيابه،و ما في محمله أن يبتلّ،فهل يجوز ذلك؟
الجواب:«إذا فعل ذلك في المحمل في طريقه،فعليه دم».
أقول:و إنّما وجبت الشاة على المحرم الذي استظلّ عن المطر،بسبب استظلاله4.
1) الخمرة:سجّادة صغيرة تعمل من سعف النخل،و تزمّل بالخيوط لأجل السجود عليها- مجمع البحرين:701/1.
2) الإمام الخوئي قدّس سرّه في تعليقة على العروة الوثقى-في فروع السجود.
3) العماريّة:المحمل الذي يوضع على الناقة.الكنيسة:شيء يوضع في المحمل أو الرحل، و يلقى عليه ثوب يستظلّ به الراكب،و في الحديث:«لا يركب المحرم في الكنيسة»، و هي للنساء جائز-مجمع البحرين:76/4.
الذي هو من التروك للمحرم.
التاسعة:الرجل يحجّ عن أحد،هل يحتاج أن يذكر الذي حجّ عنه عند عقد إحرامه أم لا؟و هل يجب أن يذبح عمّن حجّ عنه و عن نفسه أم يجزيه هدي واحد؟
الجواب:«يجزيه هدي واحد،و إن لم يفصل فلا بأس».
أقول:أفاد الإمام عليه السّلام ضمنا بعدم الحاجة إلى ذكر المنوب عنه حين عقد الإحرام؛لأنّ الداعي للنيابة في الحجّ موجود في دخائل النفس،و هو كاف في صحّة العمل،كما أنّ الهدي الواحد يجزي لأنّه هدي عن المنوب عنه لا عن نفس النائب.
العاشرة:هل يجوز للرجل أن يحرم في كساء خزّ أم لا؟
الجواب:«لا بأس بذلك،و قد فعله قوم صالحون».
أقول:لا مانع من الإحرام في كساء خزّ،و إنّما لا يصحّ الإحرام في صوف و شعر و وبر ممّا لا يؤكل لحمه،و لا في النجس غير المعفو عنه في الصلاة،و لا في المخيط حسبما ذكره الفقهاء (1).
الحادية عشرة:هل يجوز للرجل أن يصلّي في بطيط لا يغطّي الكعبين أم لا يجوز؟
الجواب:«جائز».
الثانية عشرة:يصلّي الرجل و في كمّه أو سراويله سكّين أو مفتاح حديد،هل1.
1) اللمعة الدمشقيّة-كتاب الحجّ:231.
يجوز ذلك؟
الجواب:«جائز».
الثالثة عشرة:الرجل يكون معه بعض هؤلاء،و يكون متّصلا بهم بحجّ و يأخذ على الجادة و لا يحرم هؤلاء،من المسلخ (1)،فهل يجوز لهذا الرجل أن يؤخّر إحرامه إلى(ذات عرق)فيحرم معهم،لما يخاف الشهوة،أم لا يجوز إلاّ أن يحرم من المسلخ؟
الجواب:«يحرم من الميقات،و يلبّي في نفسه،فإذا بلغ إلى ميقاتهم أظهر».
أقول:الاجتياز على الميقات لمن أراد الحجّ أو العمرة موجب للإحرام منه،فإذا خاف المكلّف على نفسه من الإحرام من رفقائه الذين لا يرون الإحرام من ذلك الميقات وجب عليه أن يحرم منه و يخفي إحرامه عنهم.
الرابعة عشرة:لبس النعل المعطون،فإنّ بعض أصحابنا يذكر أنّ لبسه كريه؟
الجواب:«جائز،و لا بأس به».
أقول:النعل المعطون هو الجلد المدبوغ،و لا مانع من الصلاة فيه.
الخامسة عشرة:الرجل من وكلاء الوقف مستحلّ لما في يده،و لا يرع عن أخذ ماله،ربّما نزلت في قريته و هو فيها،أو أدخل منزله،و قد حضر طعامه فيدعوني إليه،فإن لم آكل من طعامه عاداني و قال:فلان لا يستحلّ أن يأكل من طعامنا،فهل يجوز أن آكل من طعامه،و أتصدّق بصدقة؟و كم مقدار الصدقة؟و إن أهدى هذا الوكيل هدية إلى رجل آخر فأحضر فيدعوني إلى أن أنال منها،و أنا أعلم أنّ الوكيل لا يرع عن أخذ ما في يده،فهل عليّ فيه شيء إن أنا نلت منها؟ه.
1) المسلخ:أحد جوانب العقيق،و هو ميقات أهل العراق،و يستحب أن يحرم منه.
الجواب:«إن كان لهذا الرّجل مال أو معاش غير ما في يده فكل طعامه،و أقبل برّه،و إلاّ فلا».
أقول:إذا علم المكلّف تفصيلا بأنّ من دعاه لتناول الطعام عنده كان من الأموال المغصوبة فليس له من سبيل لتناوله،و إن علم أنّ عنده أموالا من الحلال و أموالا مغصوبة،و شكّ في الطعام الذي قدّم له أو غيره من الهدايا هل هي من الأموال المغصوبة أم من غيرها فهو في سعة من تناولها.
السادسة عشرة:رجل ممّن يقول بالحقّ،و يرى المتعة،و يقول بالرجعة،إلاّ أنّ له أهلا موافقة له في جميع أموره،و قد عاهدها أن لا يتزوّج عليها،و لا يتمتّع و لا يتسرّى،و قد فعل هذا منذ تسع عشرة سنة،و وفى بقوله،فربّما عاب عن منزله الأشهر فلا يتمتّع،و لا تتحرّك نفسه أيضا لذلك،و يرى أنّ وقوف من معه من أخ و ولد و غلام و وكيل و حاشية ما يقلّله في أعينهم،و يحبّ المقام على ما هو عليه محبّة لأهله،و ميلا إليها،و صيانة لها و لنفسه؛لا لتحريم المتعة بل يدين للّه بها، فهل عليه في ترك ذلك مأثم أم لا؟
الجواب:«يستحبّ له أن يطيع اللّه تعالى بالمتعة ليزول عنه الحلف بالمعصية و لو مرّة» (1).
أقول:اليمين و النذر إنّما ينعقدان على الشيء الراجح،أمّا المرجوح فعلا و تركا فلا ينعقدان فيه،و ترك المتعة باليمين ليس مرجوحا،فقد نطق القرآن بحلّيّتها،و أمّا تحريمها فهو من الاجتهاد قبال النصّ فلا يلتفت إليه،و قد عرضت كتب الشيعة إلى بحث هذه المسألة بصورة موضوعيّة و شاملة.5.
1) الاحتجاج:483/2-485.
و رفع محمّد بن عبد اللّه الحميري إلى الإمام عليه السّلام مجموعة أخرى من المسائل يطلب الإجابة عنها،فأجابه عليه السّلام عنها،و هي:
الأولى:المحرم يجوز أن يشدّ المئزر من خلفه على عقبه بالطول،و يرفع طرفيه إلى حقويه،و يجمعهما في خاصرته،و يعقدهما و يخرج الطرفين الآخرين من بين رجليه،و يرفعهما إلى خاصرته و يشدّ طرفيه إلى وركيه فيكون مثل السراويل يستر ما هناك،فإنّ المئزر الأوّل كنّا نتّزر به إذا ركب الرجل جمله يكشف ما هناك، و هذا ستر؟
الجواب:«جاز أن يتّزر الإنسان كيف شاء إذا لم يحدث في المئزر شيئا حدثا بمقراظ و لا إبرة يخرجه به عن حدّ المئزر،و غرزه غرزا،و لم يعقده،و لم يشدّ بعضه ببعض و إذا غطّى سرّته و ركبتيه كلاهما فإنّ السّنّة المجمع عليها بغير خلاف تغطية السّرّة و الرّكبتين،و الأحبّ إلينا و الأفضل لكلّ أحد شدّه على السّبيل المألوفة المعروفة للنّاس جميعا إن شاء اللّه تعالى.
أقول:يشترط في ثوبي الإحرام أن يكونا غير مخيطين،و أن لا يكونا معقودين يحيطان بالبدن كلّه،و أمّا الصورة التي سئل عليه السّلام عنها فقد أجاب الإمام عليه السّلام بالجواز.
الثانية:هل يجوز أن يشدّ-أي المحرم-عليه مكان العقد تكّة؟
الجواب:«لا يجوز شدّ المئزر بشيء سواه من تكّة و لا غيرها».
الثالثة:التوجّه للصلاة،هل على المصلّي أن يقول:«على ملّة إبراهيم،و دين محمّد صلّى اللّه عليه و اله»،فإنّ بعض أصحابنا ذكر أنّه إذا قال:«على دين محمّد صلّى اللّه عليه و اله»فقد أبدع لأنّا لم نجده في شيء من كتب الصلاة خلا حديثا في كتاب القاسم عن جدّه،
عن الحسن بن راشد،أنّ الصادق عليه السّلام قال للحسن:كيف تتوجّه؟
فقال:أقول:لبّيك و سعديك.
فقال له الصادق:ليس عن هذا أسألك كيف تقول:وجّهت وجهي للذي فطر السماوات و الأرض حنيفا مسلما؟
قال الحسن:أقول:
فقال الصادق عليه السّلام:إذا قلت ذلك فقل:على ملّة إبراهيم،و دين محمّد صلّى اللّه عليه و اله، و منهاج عليّ بن أبي طالب،و الائتمام بآل محمّد حنيفا مسلما و ما أنا من المشركين؟
الجواب:التّوجّه كلّه ليس بفريضة،و السّنّة المؤكّدة فيه الّتي هي كالإجماع الّذي لا خلاف فيه:وجّهت وجهي للّذي فطر السّماوات و الأرض حنيفا مسلما على ملّة إبراهيم،و دين محمّد،و هدى أمير المؤمنين،و ما أنا من المشركين،إنّ صلاتي و نسكي و محياي و مماتي للّه ربّ العالمين،لا شريك له،و بذلك أمرت و أنا من المسلمين.
اللّهمّ اجعلني من المسلمين،أعوذ باللّه السّميع العليم من الشّيطان الرّجيم،بسم اللّه الرّحمن الرّحيم،ثمّ اقرأ الحمد».
أقول:إنّ هذه الأدعية و الأذكار من السنن المستحبّة،و ليست من الواجبات في الصلاة،و قد عيّن الإمام عليه السّلام كيفيّتهما بما ذكره.
الرابعة:القنوت في الفريضة إذا فرغ من دعائه يجوز أن يردّ يديه على وجهه و صدره،للحديث الذي روي:«إنّ اللّه عزّ و جلّ أجلّ من أن يردّ يدي عبده صفرا،بل يملأها من رحمته»أم لا يجوز،فإنّ بعض أصحابنا ذكر أنّه عمل في الصلاة؟
الجواب:ردّ اليدين من القنوت على الرّأس و الوجه غير جائز في الفرائض،و الّذي
عليه العمل فيه،إذا رجع يده في قنوت الفريضة و فرغ من الدّعاء أن يردّ بطن راحتيه مع صدره تلقاء ركبتيه على تمهّل و يكبّر،و يركع،و الخبر صحيح و هو في نوافل النّهار و اللّيل دون الفرائض،و العمل به فيها أفضل».
أقول:القنوت من المستحبّات في جميع الصلوات،فريضة كانت أو نافلة، و قد أفاد الإمام عليه السّلام كيفيّته في الفرائض و النوافل.
الخامسة:سجدة الشكر بعد الفريضة،فإنّ بعض أصحابنا ذكر أنّها بدعة، فهل يجوز أن يسجدها الرجل بعد الفريضة،و إن جاز ففي صلاة المغرب هي بعد الفريضة أو بعد الأربع ركعات النافلة؟
الجواب:«سجدة الشّكر من ألزم السّنن و أوجبها،و لم يقل:إنّ هذه السّجدة بدعة إلاّ من أراد أن يحدث بدعة في دين اللّه».
إنّ سجدة الشكر للّه تعالى من المستحبّات الأكيدة،و من قال:إنّها بدعة فلا نصيب له من المعرفة و الفقه بدين اللّه،و قد أعقب الإمام عليه السّلام بعد نفي البدعة عنها بقوله:
«فأمّا الخبر المرويّ فيها بعد صلاة المغرب،و الاختلاف في أنّها بعد الثلاث أو بعد الأربع،فإنّ فضل الدعاء و التسبيح بعد الفرائض على الدعاء بعقيب النوافل،كفضل الفرائض على النوافل،و السجدة دعاء و تسبيح،فالأفضل أن تكون بعد الفرض، فإن جعلت بعد النوافل أيضا جاز».
إنّ سجدة الشكر دعاء و تسبيح،و الأفضل أن تقع بعد الفريضة مباشرة،و يجوز أن تقع بعد نوافل الفريضة.
السادسة:إنّ لبعض إخواننا ممّن نعرفه ضيعة جديدة بجنب ضيعة خراب،
للسلطان فيها حصّة،و أكرته-أي عمّالها-ربّما زرعوا حدودها،و يؤذيهم عمّال السلطان،و يتعرّضون في الكلّ من غلات ضيعته،و ليس لها قيمة لخرابها،و إنّما هي بائرة منذ عشرين سنة،و هو يتحرّج من شرائها لأنّه يقال:إنّ هذه الحصّة من هذه الضيعة كانت قبضت على الوقف قديما للسلطان،فإن جاز شراؤها من السلطان، و كان ذلك صلاحا له و عمارة لضيعته،و أنّه يزرع هذه الحصّة من القرية البائرة لفصل ماء ضيعته العامرة،و ينحسم عنه طمع أولياء السلطان،و إن لم يجز ذلك عمل بما تأمره به إن شاء اللّه تعالى.
الجواب:«الضّيعة لا يجوز ابتياعها إلاّ من مالكها أو بأمره،أو رضاء منه».
أقول:إنّ الضيعة التي هي ملاصقة لضيعته،و هي خراب،لا يعلم أنّها ملك للسلطان،فلا يجوز شراؤها منه،و إنّما عليه أن يتحرّى و يعرف مالكها ليشتريها منه، حسبما تفضّل الإمام عليه السّلام.
السابعة:رجل استحلّ امرأة خارجة من حجابها،و كان يحترز من أن يقع له ولد، فجاءت بابن فتحرّج الرجل إلاّ يقبله،فقبله و هو شاك فيه،و جعل يجري النفقة على أمّه و عليه حتّى ماتت الأمّ،و هو ذا يجري عليه غير أنّه شاكّ فيه ليس يخلطه بنفسه، فإن كان ممّن يحبّ أن يخلطه بنفسه،و يجعله كسائر ولده فعل ذلك،و إن جاز أن يجعل له شيئا من ماله دون حقّه فعل؟
الجواب:«الإستحلال بالمرأة يقع على وجوه،و الجواب يختلف فيها فليذكر الوجه الّذي وقع الإستحلال به مشروحا ليعرف الجواب فيما يسأل عنه من أمر الولد إن شاء اللّه».
أقول:لم يفصح السائل عن أيّة صورة من صور استحلال المرأة أرادها،فأحال الإمام عليه السّلام الجواب إلى أن يعيّن السائل الصورة التي أرادها.
الثامنة:التماس الدعاء من الإمام عليه السّلام للسائل.
الجواب:«جاد اللّه عليه بما هو جلّ و تعالى أهله،إيجابنا لحقّه،و رعايتنا لأبيه رحمه اللّه،و قربه منّا،و قد رضينا بما علمناه من جميل نيّته،و وقفنا عليه من مخاطبته، المقرّ له من اللّه الّتي يرضي اللّه عزّ و جلّ و رسوله و أولياؤه عليهم السّلام و الرّحمة بما بدأنا.
نسأل اللّه بمسألته ما أمّله من كلّ خير عاجل و آجل،و أن يصلح له من أمر دينه و دنياه ما يجب صلاحه،إنّه وليّ قدير» (1).
أقول:و حكى هذا الدعاء مدى تكريم الإمام عليه السّلام للسائل،و أنّه من عناصر التقوى و الصلاح.
و من بين مسائل محمّد بن عبد اللّه الحميري المسائل التالية،و قد شفعها بهذه الرسالة الموجزة:
«أطال اللّه بقاءك،و أدام عزّك و كرامتك،و سعادتك و سلامتك،و أتمّ نعمته عليك،و زاد في إحسانه إليك،و جميل مواهبه لديك،و فضله عليك،و جزيل قسمه لك،و جعلني من السوء كلّه فداك،و قدّمني قبلك».
و هذا نصّ مسائله:
الأولى:إنّ قبلنا مشايخ و عجائز يصومون رجب منذ ثلاثين سنة،و يصلون شعبان و شهر رمضان،و روى لهم بعض أصحابنا:أنّ صومه معصية.
1) الاحتجاج:306/2-309.
الجواب:«يصوم منه أيّاما إلى خمسة عشر يوما،إلاّ أن يصومه عن الثّلاثة أيّام الفائتة للحديث:إنّ نعم شهر للقضاء رجب».
أقول:و حمل الشيخ الحرّ العاملي الرواية على نفي تأكّد الاستحباب (1).
الثانية:رجل يكون في محمله الثلج كثير-بقامة رجل-،فيتخوّف إن نزل الغوص فيه،و ربّما يسقط الثلج و هو على تلك الحال،و لا يستوي له أن يلبد شيء منه لكثرته و تهافته،هل يجوز أن يصلّي في المحمل الفريضة؟فقد فعلنا ذلك أيّاما فهل علينا في ذلك إعادة أم لا؟
الجواب:«لا بأس به عند الضّرورة و الشّدّة».
أقول:إنّ أدلّة رفع العسر و الحرج حاكمة على الأدلّة الأوّليّة القاضيّة بلزوم أداء الصلاة على سطح الأرض،فهذا الحكم يرتفع عند الضرورة.
الثالثة:الرجل يلحق الإمام هو راكع فيركع معه،و يحتسب تلك الركعة،فإنّ بعض أصحابنا قال:إن لم يسمع تكبيرة الركوع فليس له أن يعتدّ بتلك الركعة.
الجواب:«إذا لحق-أي المأموم-مع الإمام من تسبيح الرّكوع تسبيحة واحدة اعتدّ بتلك الرّكعة،و إن لم يسمع تكبيرة الرّكوع».
أقول:إذا أدرك المأموم الإمام في حال الركوع قبل أن يرفع رأسه حسبت له ركعة واحدة،و ظفر بثواب الجماعة.
الرابعة:أهل الجنّة هل يتوالدون فيها إذا دخلوا أم لا؟
الجواب:«أهل الجنّة لا حمل فيها للنّساء،و لا ولادة،و لا طمث،و لا نفاس،7.
1) وسائل الشيعة:356/7.
و لا شقاء بالطّفوليّة،و فيها ما تشتهي الأنفس،و تلذّ الأعين،كما قال سبحانه.
فإذا اشتهى المؤمن ولدا خلقه اللّه بغير حمل،و لا ولادة على الصّورة الّتي يريد، كما خلق آدم».
الخامسة:هل يجوز للرجل أن يتزوّج ابنة امرأته؟
الجواب:«إن كانت ربّيت في حجره فلا يجوز،و إن لم تكن ربّيت في حجره و كانت أمّها في غير عياله،فقد روي أنّه جائز».
أقول:الربيّة تحرم على زوج أمّها،و تكون كإحدى بناته إن دخل بأمّها،و إن لم يدخل بأمّها و طلّقها أو وهبها المدّة إن كان العقد منقطعا فلا تحرم البنت عليه.
السادسة:طين القبر يوضع مع الميّت في قبره،هل يجوز ذلك أم لا؟
الجواب:«يوضع مع الميّت في قبره،و يخلط بحنوطه إن شاء اللّه».
أقول:و أكبر الظنّ أنّ المراد بطين القبر الذي يوضع مع الميّت هو طين قبر سيّد شباب أهل الجنّة،و ريحانة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله الإمام الحسين عليه السّلام.
السابعة:روي لنا أنّ الصادق عليه السّلام كتب على إزار ابنه إسماعيل:«يشهد أن لا إله إلاّ اللّه»،فهل يجوز أن نكتب مثل ذلك بطين القبر أم غيره؟
الجواب:«يجوز ذلك».
الثامنة:هل يجوز أن يسبّح الرجل بطين القبر،و هل فيه فضل؟
الجواب:يسبّح الرجل به،فما من شيء أفضل منه،و من فضله أنّ الرجل ينسى التسبيح،و يدير السبحة فيكتب له التسبيح.
التاسعة:السجدة على لوح من طين القبر،هل فيها فضل؟
الجواب:«يجوز ذلك،و فيه الفضل».
أقول:الطين قطعة من الأرض،و قد أمرنا بالسجود عليها تعظيما للّه تعالى، و أفضل بقاع الأرض و أشرفها هي كربلاء التي استشهد عليها ريحانة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله، و سيّد شباب أهل الجنّة،الإمام الحسين صلوات اللّه عليه،فالسجود على تربة أخذت من كربلاء هو من أفضل أنواع السجود للّه تعالى،و قد تحامل على الشيعة قوم لا إيمان لهم فقالوا:إنّهم يعبدون التربة الحسينيّة،و قد غاب عنهم أنّهم يسجدون للّه عزّ اسمه على أفضل بقعة من بقاع أرضه،و لا يسجدون للتربة،و إنّما يسجدون عليها.
العاشرة:الرجل يزور قبور الأئمّة عليهم السّلام،هل يجوز أن يسجد على القبر أم لا؟
و هل يجوز لمن صلّى عند بعض قبورهم أن يقوم وراء القبر،و يجعل القبر قبلة، و يقوم عند رأسه و رجليه؟و هل يجوز أن يتقدّم القبر و يصلّي و يجعل القبر خلفه أم لا؟
الجواب:«أمّا السّجود على القبر فلا يجوز في نافلة و لا فريضة و لا زيارة،و الّذي عليه العمل أن يضع خدّه الأيمن على القبر.
و أمّا الصّلاة فإنّها خلفه،و يجعل القبر أمامه،و لا يجوز أن يصلّي بين يديه، و لا عن يمينه،و لا عن يساره؛لأنّ الإمام صلّى اللّه عليه و آله لا يتقدّم و لا يساوى».
أقول:لا بأس بالصلاة خلف قبور الأئمّة عليهم السّلام دون يمينها و شمالها،و الأولى الصلاة عند جهة الرأس على وجه لا يساوي الإمام عليه السّلام (1).
الحادية عشرة:يجوز للرجل أن يدير السبحة بيده اليسار إذا سبّح أو لا يجوز؟1.
1) العروة الوثقى:401/1.
الجواب:«يجوز ذلك،و الحمد للّه ربّ العالمين».
الثانية عشرة:يجوز للرجل إذا صلّى الفريضة أو النافلة و بيده السبحة أن يديرها و هو في الصلاة؟
الجواب:«يجوز ذلك إذا خاف السّهو و الغلط».
الثالثة عشرة:روي عن(الفقيه)خبر مأثور إذا كان الوقف على قوم بأعيانهم و أعقابهم،فاجتمع أهل الوقف على بيعه،و كان ذلك أصلح لهم أن يبيعوه،فهل يجوز أن يشتري من بعضهم إن لم يجتمعوا كلّهم على البيع،أم لا يجوز إلاّ أن يجتمعوا كلّهم على ذلك؟و عن الوقف الذي لا يجوز بيعه؟
الجواب:«إذا كان الوقف على إمام المسلمين فلا يجوز بيعه،و إن كان على قوم من المسلمين فليبع كلّ قوم ما يقدرون على بيعه مجتمعين و متفرّقين إن شاء اللّه».
الرابعة عشرة:هل يجوز للمحرم أن يصير على إبطه المرتك و التوتيا لريح العرق أم لا يجوز؟
الجواب:«يجوز ذلك،و باللّه التّوفيق».
الخامسة عشرة:الضرير إذا شهد في حال صحّته على شهادة،ثمّ كفّ بصره، و لا يرى خطّه فيعرفه،هل تجوز شهادته أم لا؟و إن ذكر هذا الضرير الشهادة هل يجوز أن يشهد على شهادته أم لا يجوز؟
الجواب:«إذا حفظ الشّهادة و حفظ الوقت جازت شهادته».
السادسة عشرة:الرجل يقف ضيعة أو دابّة،و يشهد على نفسه باسم بعض وكلاء الوقف،ثمّ يموت هذا الوكيل أو يتغيّر أمره،و يتولّى غيره،هل يجوز أن يشهد
الشاهد لهذا الذي أقيم مقامه إذا كان أصل الوقف لرجل واحد،أم لا يجوز ذلك؟
الجواب:«لا يجوز ذلك؛لأنّ الشّهادة لم تقم للوكيل،و إنّما قامت للمالك، و قد قال اللّه: وَ أَقِيمُوا الشَّهٰادَةَ (1)».
السابعة عشرة:الركعتان الأخيرتان قد كثرت فيهما الروايات،فبعض يروي أنّ قراءة الحمد وحدها أفضل،و بعض يروي:أنّ التسبيح فيهما أفضل،فالفضل لأيّهما لنستعمله؟
الجواب:«قد نسخت أمّ الكتاب-يعني سورة الحمد-في هاتين الرّكعتين،و الّذي نسخ التّسبيح قول العالم عليه السّلام:كلّ صلاة لا قراءة فيها فهي خداج (2)إلاّ العليل،أو يكثر عليه السّهو فيتخوّف بطلان الصّلاة عليه».
الثامنة عشرة:يتّخذ عندنا ربّ الجوز لوجع الحلق و البحبحة،يؤخذ الجوز الرطب من قبل أن ينعقد،و يدقّ دقّا ناعما،و يصفّى و يطبخ على النصف،و يترك يوما و ليلة،ثمّ ينصب على النار،و يلقى على كلّ ستّة أرطال منه رطل عسل،و يغلى رغوته،و يسحق من النوشادر،و الشبّ اليماني،من كلّ واحد نصف مثقال،و يداف بذلك الماء،و يلقى فيه درهم زعفران المسحوق و يغلى،و تؤخذ رغوته حتّى يصير مثل العسل ثخينا،ثمّ ينزل عن النار و يبرد،و يشرب منه،فهل يجوز شربه أم لا؟
الجواب:«إذا كان كثيرا يسكر أو يغيّر،فقليله و كثيره حرام،و إن كان لا يسكر فهو حلال».
أقول:أجاب الإمام عليه السّلام بما هو المناط في الجواز و عدمه،فإن كان مسكرا فهون.
حرام،و إن كان غير مسكر فجائز شربه.
التاسعة عشرة:الرجل تعرض له الحاجة ممّا لا يدري أن يفعلها أم لا،فيأخذ خاتمين في أحدهما«نعم إفعل»،و في الآخر«لا تفعل»فيستخير اللّه مرارا، ثمّ يرى فيهما،فيخرج أحدهما فيعمل بما يخرج،فهل يجوز ذلك أم لا؟و العامل به و التارك له أهو مثل الاستخارة أم هو سوى ذلك؟
الجواب:«الّذي سنّه العالم عليه السّلام في هذه الإستخارة بالرّقاع و الصّلاة».
العشرون:صلاة جعفر بن أبي طالب في أي أوقاتها أفضل أن تصلّى فيه؟ و هل فيها قنوت؟و إن كان ففي أي ركعة منها؟
الجواب:«أفضل أوقاتها صدر النّهار من يوم الجمعة،ثمّ في أيّ الأيّام شئت، و أيّ وقت صلّيتها من ليل أو نهار فهو جائز،و القنوت فيها مرّتان،في الثّانية قبل الرّكوع،و في الرّابعة بعد الرّكوع».
الحادية و العشرون:الرجل ينوي إخراج شيء من ماله،و أن يدفعه إلى رجل من إخوانه،ثمّ يجد في أقربائه محتاجا،أيصرف ذلك عمّن نواه له أو إلى قرابته؟
الجواب:«يصرفه إلى أدناهما و أقربهما من مذهبه،فإن ذهب إلى قول العالم عليه السّلام:
لا يقبل اللّه الصّدقة و ذو رحم محتاج،فليقسّم بين القرابة،و بين الّذي نوى حتّى يكون قد أخذ بالفضل كلّه».
الثانية و العشرون:اختلف أصحابنا في مهر المرأة،فقال بعضهم:إذا دخل بها سقط المهر،و لا شيء لها،و قال بعضهم:هو لازم في الدنيا و الآخرة،فكيف ذلك، و ما الذي يجب فيه؟
الجواب:«إن كان عليه بالمهر كتاب فيه ذكر دين فهو لازم له في الدّنيا و الآخرة، و إن كان عليه كتاب فيه اسم الصّداق سقط إذا دخل بها،و إن لم يكن عليه كتاب فإذا دخل بها سقط باقي الصّداق».
أقول:و علّق الحرّ العاملي على هذه الرواية بقوله:«أقول:قد عرفت وجهه و أوّله قرينة واضحة على أنّ على المرأة الإثبات،و أنّه بدون بيّنة لا يثبت مقدار المهر» (1).
الثالثة و العشرون:روي لنا عن صاحب العسكر-أي الإمام الحسن عليه السّلام-أنّه سئل عن الصلاة في الخزّ الذي يغشى بوبر الأرانب،فوقع:يجوز،و روي عنه أيضا أنّه لا يجوز،فأي الخبرين يعمل به؟
الجواب:«إنّما حرّم في هذه الأوبار و الجلود،فأمّا الأوبار وحدها فكلّ حلال».
أقول:من الشرائط في لباس المصلّي أن لا يكون من أجزاء ما لا يؤكل لحمه، و إن كان مذكّى أو حيّا،جلدا كان أو غيره،فلا تجوز الصلاة في جلد غير المأكول و لا شعره و لا صوفه و ريشه و وبره،و لا في شيء من فضلاته،سواء كان ملبوسا أو مخلوطا به،أو محمولا،و استثنوا من ذلك الخزّ الخالص غير المغشوش بوبر الأرانب و الثعالب (2).
الرابعة و العشرون:سئل بعض العلماء عن معنى قول الصادق عليه السّلام:«لا يصلّى في الثّعلب،و لا في الأرانب،و لا في الثّوب الّذي يليه»؟
الجواب:«إنّما عنى الجلود دون غيرها».2.
الخامسة و العشرون:يتّخذ بأصفهان ثياب عتابيّة على عمل الوشا من قزّ أو إبريسم،هل تجوز الصلاة فيها؟
الجواب:«لا تجوز الصّلاة إلاّ في ثوب سداه أو لحمته قطن أو كتّان».
السادسة و العشرون:المسح على الرجلين بأيّهما يبدأ باليمين أو يمسح عليهما جميعا معا؟
الجواب:«يمسح عليهما معا،فإن بدأ بأحدهما قبل الأخرى فلا يبتدئ إلاّ باليمنى».
أقول:من أجزاء الوضوء مسح الرجلين من رؤوس الأصابع إلى الكعبين،و يجوز مسح الرجلين معا دفعة واحدة،و إذا أراد التعاقب قالوا يجب أوّلا مسح الرجل اليمنى،ثمّ الرجل اليسرى،فإذا عكس فقدّم اليسرى على اليمنى فليس له ذلك.
السابعة و العشرون:صلاة جعفر في السفر هل يجوز أن تصلّى أم لا؟
الجواب:«يجوز ذلك».
الثامنة و العشرون:تسبيح فاطمة-سلام اللّه عليها-من سها فجاز التكبير أكثر من أربع و ثلاثين،هل يرجع إلى أربع و ثلاثين أو يستأنف،و إذا سبّح تمام سبعة و ستّين هل يرجع إلى ستّة و ستّين أو يستأنف؟و ما الذي يجب في ذلك؟
الجواب:إذا سها في التّكبير حتّى جاز أربعة و ثلاثين عاد إلى ثلاثة و ثلاثين و بنى عليها،و إذا سها في التّسبيح فتجاوز سبعا و ستّين تسبيحة عاد إلى ستّة و ستّين و بنى عليها،فإذا جاوز التّحميد مائة فلا شيء عليه» (1).2.
1) الاحتجاج:488/2-492.
و خرج بعد أجوبة هذه المسائل من الإمام عليه السّلام زيارة كتبها ليزار بها،و قد ذكرناها في البحوث السابقة.
و بهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض تراثه الرائع الذي يعدّ من أجمل و أروع ما أثر عن أئمّة الهدى عليهم السّلام.
و فيما أعتقد أنّ رغبة القرّاء هي الوقوف على غيبة الإمام المنتظر عليه السّلام الصغرى و الكبرى،و معرفة الأسباب التي دعت إلى حجبه عن العالم الإسلامي،و عدم اشتراكه بأي عمل إيجابي في الأحداث الراهنة التي تمسّ الحياة الإسلاميّة،و قبل أن نعرض لذلك نقدّم إلى القرّاء بعض البحوث التي ترتبط بالموضوع و تتّصل به، و فيما ذلك.
و عنى الإمام الحسن العسكري عليه السّلام كأشدّ ما تكون العناية بولده الإمام المنتظر المصلح الأكبر،فأحاطه بهالة من الحفاوة و التقدير و التعظيم؛لأنّه بقيّة اللّه في الأرض،الذي أعدّته السماء لإصلاح الدنيا،و إقامة ما اعوجّ من نظام الدين،و إعادة الإسلام نديّا مشرقا ترفّ ألويته على جميع أنحاء الأرض.
لقد أخفى الإمام الحسن العسكري عليه السّلام أمر ولده الإمام المنتظر عليه السّلام،و كتم أمره خوفا عليه من السلطة العبّاسيّة العاتية التي لا ترقب في أهل البيت عليهم السّلام إلاّ و لا ذمّة، و لا ترجو للّه فيهم وقارا،فأخذت تبحث عنه بحثا دقيقا لإلقاء القبض عليه،و تصفيته جسديّا-كما سنوضّح ذلك-و في الوقت نفسه لم يبق الإمام الحسن العسكري عليه السّلام أمر ولده الإمام المنتظر عليه السّلام مجهولا،و إنّما أظهره لأعلام شيعته،و ثقات أصحابه، و دلّهم عليه،و اجتمع بهم،و قد أذاعوا ذلك،و أشاعوه في جميع الأوساط الشيعيّة
التي تدين بالولاء لأئمّة أهل البيت عليهم السّلام،و تعتقد بإمامتهم،حتّى أصبح ذلك عندهم أمرا ظاهرا لا خفاء و لا شكّ فيه.
إنّ موضوع الإمام المنتظر عليه السّلام من صميم العقيدة الشيعيّة،و من أوّليّات مبادئهم، فهو آخر خلفاء النبيّ صلّى اللّه عليه و اله الذين نصبهم قادة لأمّته،و أعلاما لدينه،فكان من الطبيعي اهتمام الأوساط الشيعيّة بمعرفته،و الوقوف عليه،و قد أزاح الشكّ عنه الإمام الحسن العسكري عليه السّلام،و ذلك برؤيتهم له،و اجتماعهم به،و سؤالهم منه عن أحكام دينهم،و قد أشرنا إلى ذلك بصورة شاملة في البحوث السابقة.
و عانى الإمام الحسن العسكري عليه السّلام صنوفا مرهقة و قاسية من الظلم و الاعتداء من طغاة بني العبّاس،فقد جهدوا على إنزال أقصى العقوبات به،و التي كان منها أنّهم كانوا ينقلونه من سجن إلى سجن،حتّى قضى معظم حياته القصيرة الأمد في ظلمات السجون،كما حجبوه من الالتقاء بشيعته،و منعوا العلماء و الرواة من الانتهال من نمير علومه،و ضيّقوا عليه حياته الاقتصاديّة غاية التضييق،و يعود السبب في حقدهم البالغ عليه إلى ما يلي:
أوّلا:إنّ الإمام العسكري عليه السّلام في عصره كان أعظم شخصيّة في العالم العربي و الإسلامي،و قد دان شطر كبير من هذه الأمّة بإمامته،و هو في الوقت نفسه لم يساير الحكم العبّاسي،و لم يصانعه،فكان الممثّل الوحيد للجبهة المعارضة للعبّاسيّين الذين جهدوا على ظلم الناس،و إرغامهم على ما يكرهون،فكان موقفه من سياستهم سلبيّا و ناقدا و معارضا،فلذا قابلوه بمنتهى القسوة و العذاب.
ثانيا:فزع العبّاسيّين و خوفهم من نجل الإمام و خليفته الإمام المنتظر عليه السّلام،الذي بشّر به الرسول الأعظم صلّى اللّه عليه و اله،و أعلن أنّه آخر خلفائه الاثني عشر،و أنّه المصلح
الأعظم الذي ينشر العدل السياسي و الاجتماعي،و يقضي على جميع أفانين الظلم و الجور،و قد خاف العبّاسيّون منه،و اعتقدوا أنّه هو الذي يقضي على دولتهم القائمة على الظلم و الجور،و قد حاولوا غير مرّة اغتيال الإمام الحسن العسكري عليه السّلام ليقضوا على نسله،كما أدلى عليه السّلام بذلك في بعض رسائله إلى بعض شيعته،فقد جاء فيها«زعموا أنّهم يريدون قتلي ليقطعوا هذا النّسل،و قد كذّب اللّه قولهم،و الحمد للّه» (1).و كان ذلك بعد ولادة الإمام المنتظر عليه السّلام.
ثالثا:قيام السادة العلويّين في معظم أنحاء و مناطق الحكم العبّاسي بثورات عارمة للقضاء على الحكم العبّاسي،مطالبين بتحقيق العدل السياسي في الإسلام، و إعلان حقوق الإنسان التي انتهكتها الطغمة الحاكمة من بني العبّاس،و قد قوبلت ثورات العلويّين بتأييد شامل من جميع الأوساط الإسلاميّة.
و من الطبيعي أنّ ثورات السادة العلويّين قد أوغرت صدور العبّاسيّين على جميع العلويّين،و جعلتهم يحقدون عليهم،و ينكّلون بهم؛كأفظع و أقسى ما يكون التنكيل،و الإمام الحسن العسكري عليه السّلام في عصره سيّد العلويّين و عميدهم المطاع، فصبّ عليه العبّاسيّون جام غضبهم،و جرّعوه ألوان الغصص و الآلام،و قابلوه بمنتهى الشدّة و القسوة.
هذه بعض الأسباب التي دعت إلى بغض العبّاسيّين للإمام و حقدهم عليه.
لمّا علم الإمام الحسن العسكري عليه السّلام أنّه مفارق لهذه الحياة،نصّ على إمامة ولده الإمام المنتظر عليه السّلام،و عرّفه لخواص أصحابه،و ثقات شيعته،و من بينهم أحمد بن إسحاق الأشعري،الثقة الزكي،فقد روي أنّه قال:«دخلت على أبي محمّد
1) حياة الإمام الحسن العسكري عليه السّلام:261.
الحسن بن عليّ عليه السّلام و أنا أريد أن أسأله عن الخلف من بعده،فقال لي مبتدئا:
يا أحمد بن إسحاق،إنّ اللّه تبارك و تعالى لم يخل الأرض منذ خلق آدم، و لا يخليها إلى أن تقوم السّاعة من حجّة على خلقه،به يدفع البلاء عن أهل الأرض، و به ينزّل الغيث،و به يخرج بركات الأرض».
و انبرى أحمد قائلا:يابن رسول اللّه،من الإمام و الخليفة بعدك؟
و نهض الإمام عليه السّلام مسرعا فدخل البيت،ثمّ خرج و على عاتقه غلام كأنّ وجهه القمر ليلة البدر،و هو من أبناء ثلاث سنين.
فقال عليه السّلام:يا أحمد،لو لا كرامتك على اللّه عزّ و جلّ،و على حججه،ما عرضت عليك ابني هذا،إنّه سمّي باسم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و كنيته،الّذي يملأ الأرض قسطا و عدلا،كما ملئت ظلما و جورا.
يا أحمد،مثله في هذه الأمّة مثل الخضر،و مثل ذي القرنين،و اللّه ليغيبنّ غيبة لا ينجو من الهلكة فيها إلاّ من ثبّته اللّه على القول بإمامته،و وفّقه فيها للدّعاء بتعجيل فرجه.
و سارع أحمد قائلا:هل من علامة يطمئنّ إليها قلبي؟
و بادر حجّة اللّه الصبي قائلا:أنا بقيّة اللّه في أرضه،و المنتقم من أعدائه،و لا تطلب أثرا بعد عين.
و خرج أحمد من دار الإمام و الفرح ملء نفسه،فلمّا كان اليوم الثاني تشرّف بمقابلة الإمام الحسن العسكري عليه السّلام و بادره قائلا:يابن رسول اللّه،لقد عظم سروري بما مننت به عليّ،فما السنّة الجارية من الخضر و ذي القرنين؟
و راح الإمام يبيّن له السنّة فيهما قائلا:طول الغيبة.
و أسرع أحمد قائلا:يابن رسول اللّه،و إنّ غيبته لتطول؟
فأجابه الإمام:إي و ربّي،حتّى يرجع عن هذا الأمر أكثر القائلين به،و لا يبقى إلاّ من أخذ اللّه عزّ و جلّ منه عهدا لولايتنا،و كتب في قلبه الإيمان،و أيّده بروح منه.
يا أحمد،هذا أمر من اللّه،و سرّ من سرّ اللّه،و غيب من غيب اللّه،فخذ ما آتيتك و اكتمه،و كن من الشّاكرين تكن معنا في علّيّين» (1).
أمّا مضامين هذا الحديث الشريف،فهي:
أوّلا:إنّ اللّه تعالى منذ خلق الإنسان على هذه الأرض إلى أن تسلّم مفاتيحها بيده تعالى لا بدّ أن يقيم الحجّة على عباده،فيبعث إليهم رسله و أنبياءه و أوصياءهم ليبلّغوا رسالة ربّهم،و يقيموا عليهم الحجّة،و هذا من باب اللطف،و هو قاعدة عقليّة أقامها المتكلّمون على لزوم إقامة الحجّة من اللّه تعالى ليحيي من حيي عن بيّنه، و يهلك من هلك عن بيّنة،و بالإضافة لذلك فإنّ في وجود الحجّة من الثمرات و البركات ما لا يحصى،و التي منها دفع البلاء عن أهل الأرض،و إنزال الغيث من السماء،و غير ذلك.
ثانيا:إنّ اللّه تعالى إذا أنعم على عباده بخروج المصلح الأكبر الإمام المنتظر عليه السّلام، فإنّهم يظفرون بمكاسب هائلة،و من أهمّها أنّه يقيم العدل السياسي و الاجتماعي في الأرض،و يقضي على جميع أفانين الظلم و الاعتداء.
ثالثا:إنّ اللّه تعالى يمدّ في عمر الإمام المنتظر عليه السّلام كما أمدّ في عمر الخضر و ذي القرنين،و ليس ذلك على اللّه بعسير،فقد أقام الأرض و من عليها في الفضاء،كما أقام سائر الكواكب،فليس عليه بعزيز أن يمدّ في عمر وليّه لمصالح هو أدرى بها.
رابعا:إنّ اللّه تعالى قد امتحن عباده بطول غيبة وليّه و ناصر دينه،فلا يثبت على7.
1) كمال الدين و تمام النعمة/الصدوق:216 و 217.
إمامته-بعد طول غيبته-إلاّ من امتحن اللّه قلبه للإيمان.
هذه بعض مضامين هذا الحديث الشريف (1).
و من بين الأخبار التي نصّ فيها الإمام الحسن العسكري عليه السّلام على إمامة ولده الإمام المنتظر عليه السّلام ما رواه الثقة الجليل محمّد بن عثمان العمري،عن أبيه،قال:
«سئل أبو محمّد الحسن بن عليّ و أنا عنده عن الخبر الذي روي عن آبائه:إنّ الأرض لا تخلو من حجّة للّه على خلقه إلى يوم القيامة،و إنّ من مات و لم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهليّة.
و أكّد الإمام عليه السّلام صحّة الحديث قائلا:إنّ هذا حقّ،كما أنّ النّهار حقّ.
و سارع شخص في مجلس الإمام قائلا:يابن رسول اللّه،فمن الحجّة و الإمام بعدك؟
فدلّه الإمام على حجّة اللّه بعده قائلا:ابني محمّد هو الإمام و الحجّة بعدي،من مات و لم يعرفه مات ميتة جاهليّة،أما إنّ له غيبة يحار فيها الجاهلون،و يهلك فيها المبطلون،و يكذّب فيها الوقّاتون،ثمّ يخرج فكأنّي أنظر إلى الأعلام البيض تخفق فوق رأسه بنجف كوفان» (2).
و هذا الحديث الشريف كالحديث السابق في عطائه و مضمونه.
هذه بعض الأحاديث التي نصّت على إمامة الإمام المنتظر عليه السّلام،و قد أثرت عن أبيه الإمام الحسن العسكري عليه السّلام طائفة أخرى غيرها ذكرناها في البحوث السابقة.2.
و ثقل الإمام أبو محمّد عليه السّلام على الطاغية المعتمد العبّاسي،فقد هاله و أزعجه ما يسمع من إجماع المسلمين على تعظيم الإمام و الإقرار له بالفضل،و تقديمه على جميع العلويّين و العبّاسيّين،فأجمع رأيه على اغتياله،فدسّ له سمّا قاتلا (1)، فلمّا تناوله تسمّم بدنه الشريف،فلازم الفراش و أخذ يعاني آلاما قاسية و مريرة، و هو صابر محتسب،قد ألجأ ما يعانيه إلى اللّه تعالى.
و فزعت السلطة العبّاسيّة العاتية كأشدّ ما يكون الفزع من تردّي الحالة الصحيّة للإمام أبي محمّد عليه السّلام،فأوعز المعتمد العبّاسي إلى خمسة من ثقاته و رجال دولته، منهم(نحرير)بملازمة دار الإمام،و التعرّف على جميع شؤونه و أحواله،و إخباره بكلّ بادرة تحدث،كما أوعز إلى لجنة من الأطباء بإجراء الفحوص عليه صباحا و مساء،و لمّا كان بعد يومين من تناوله السمّ ضعف حاله،فقد فتك به السمّ فتكا ذريعا،و عهد المعتمد إلى الأطباء بملازمة الإمام و عدم مفارقته (2)،كما عهد إلى قاضي القضاة،و يسمّى في هذا العصر ب(وزير العدل)أن يختار من أصحابه عشرة أشخاص ممّن يوثق بهم،فاختار من خيرة رجاله عشرة،و أمرهم بملازمة دار الإمام عليه السّلام.
و ثقلت حال الإمام الزكيّ أبي محمّد،و أخذ يدنو إليه الموت سريعا،و قد يئس
الأطباء منه،فاتّجه صوب القبلة،و لسانه يلهج بذكر اللّه تعالى و تلاوة كتابه،و يدعو اللّه ضارعا منيبا أن يقرّبه إليه زلفى،حتّى ارتفعت روحه الطاهرة إلى اللّه تعالى كأسمى و أزكى روح صعدت إلى اللّه تعالى،تحفّها ملائكة الرحمن،و تستقبلها أرواح الأنبياء و الأوصياء.
لقد كان موت الإمام العظيم عليه السّلام في ذلك العصر من أعظم النكبات و الخطوب التي مني بها العالم الإسلامي،لقد فقد المسلمون المصلح الأكبر،الذي كان يسهر على مصالحهم،و إعلان حقوقهم،و قد عانى في سبيلهم أمرّ و أعتى ألوان المحن.
و ارتفعت الصيحة من دار الإمام عليه السّلام،و علت أصوات السادة العلويّين بالبكاء،فقد فقدوا من كان يحنو عليهم و يعطف.
و غسّل جسد الإمام الطاهر،و حنّط،و أدرج في أكفانه،و حمل للصلاة عليه، فانبرى أبو عيسى بن المتوكّل فصلّى عليه بأمر من المعتمد العبّاسي (1)،و بعد الفراغ من الصلاة عليه،أمرت السلطة بكشف وجه الإمام،و عرضه على بني هاشم و العبّاسيّين و قادة الجيش و كتّاب الدولة و رؤساء الدوائر و القضاة،و قال لهم أبو عيسى:«هذا الحسن بن عليّ بن محمّد بن الرضا قد مات حتف أنفه على فراشه، و حضره من خدم أمير المؤمنين و ثقاته فلان و فلان و فلان،و من القضاة فلان و فلان، و من المتطبّبين فلان و فلان...» (2).
ثمّ غطّى وجهه الشريف،و إنّما صنع ذلك لرفع التهمة عن بني العبّاس،من أنّهم
قد اغتالوا الإمام العسكري عليه السّلام،كما صنعوا ذلك من قبل مع جدّه الإمام موسى الكاظم.
و هرع جميع من كان في سامرّاء إلى دار الإمام للفوز بتشييع جثمان الإمام، و هم ما بين باك و نائح،و قد عطّلت الدوائر الرسميّة و المحلاّت التجاريّة،و أغلقت جميع الأسواق،و كانت سامراء شبيهة بالقيامة (1).
و لم تشهد سامراء في جميع فترات تاريخها مثل ذلك التشييع الحاشد الذي ضمّ موجات من البشر على اختلاف طبقاتهم و نزعاتهم،و هم يعدّدون فضائل الإمام العسكري عليه السّلام و مآثره،و يذكرون بمزيد من الأسى و اللوعة الخسارة العظمى التي مني بها المسلمون.
و جيء بالجثمان المقدّس تحت هالة من التكبير و التعظيم إلى مقرّه الأخير،فدفن في داره إلى جانب أبيه الإمام الزكيّ عليّ الهادي عليه السّلام،و قد واروا معه فلذة من كبد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و صفحة مشرقة من صفحات الرسالة الإسلاميّة.
و وقف السادة العلويّون و بنو العبّاس على حافّة القبر،و أقبلت الجماهير تعزّيهم و تواسيهم بمصابهم الأليم،و هم يشكرونهم على ذلك،و انصرف الجميع إلى منازلهم،و قد نخر الحزن قلوبهم على فقدهم الإمام عليه السّلام (2).
و اضطربت السلطة كأشدّ ما يكون الاضطراب في موضوع الإمام المنتظر عليه السّلام،
فكبست دار الإمام العسكري عليه السّلام،و كبسوا الدور و المنازل القريبة من دار الإمام عليه السّلام لئلاّ يكون فيها من نساء الإمام عليه السّلام،كما فتّشت داره تفتيشا دقيقا،و ختم على جميع ما فيها بختم الدولة،و أوعزت السلطة إلى نساء يفتّشن جواري الإمام و نساءه،فمن كان بها أثر الحمل ألقي عليها القبض،و أخبروا بأنّ جارية يشتبه بأنّها حامل، فسارعت السلطة فأخذتها،و أودعتها في حجرة،و وكّل بها نحرير الخادم و نسوة لحراستها.
و هكذا اتّخذ العبّاسيّون جميع الاجراءات الحاسمة للتفتيش عن الإمام المهدي عليه السّلام لإلقاء القبض عليه،و لكنّ اللّه تعالى حجبه عنهم،و أخفاه عن عيونهم.
و وفدت جمهرة من القمّيّين و الإيرانيّين و معهم الأموال من الشيعة إلى الإمام الحسن العسكري عليه السّلام،فلمّا انتهوا إلى سامراء أخبروا بوفاة الإمام عليه السّلام،فسألوا عن القائم مقامه،فأخبرهم بعض عملاء جعفر أنّه الإمام،و أنّه قد خرج متنزّها في دجلة،و معه فريق من المغنّين،فهالهم ذلك؛لأنّ الإمام لا يقترف أي ذنب أو معصية،و صمّم الوفد على الالتقاء به،و التعرّف على خبره،فلمّا قفل جعفر إلى منزله خفّوا إليه،فسلّموا عليه،و قالوا له:نحن من قم،و معنا جماعة من الشيعة، و كنّا نحمل إلى سيّدنا أبي محمّد الحسن بن عليّ عليه السّلام الأموال.
و سارع جعفر قائلا:أين هي؟
قالوا:معنا.
و بادر جعفر قائلا:احملوها إليّ.
فطلبوا منه أن يخبرهم عن كمّية الأموال،و من أرسلها إلى الإمام عليه السّلام كما كان يخبرهم بذلك الإمام الحسن العسكري عليه السّلام،فزجرهم جعفر و صاح بهم:كذبتم،
تقولون على أخي ما لا يفعله،هذا علم الغيب،و لا يعلمه إلاّ اللّه.
و عجب القوم،و راح بعضهم ينظر إلى بعض،و تميّز جعفر غيظا و غضبا و قال لهم:احملوا إليّ هذا المال.
فردّوا عليه:إنّا قوم مستأجرون وكلاء،و إنّا لا نسلّم المال إلاّ بالعلامة التي كنّا نعرفها من سيّدنا الحسن بن عليّ عليهما السّلام،فإن كنت الإمام فبرهن لنا،و إلاّ رددنا الأموال إلى أصحابها يرون فيها رأيهم.
و نهض جعفر مسرعا إلى الخليفة،فأخبره بالأمر مستعينا به على أخذ الأموال منهم،فبعث خلفهم،فلمّا مثلوا أمامه قال لهم:احملوا هذا المال إلى جعفر.
فقالوا له برجاء:أصلح اللّه أمير المؤمنين،إنّا قوم مستأجرون وكلاء لأرباب هذه الأموال،و أمرونا أن لا نسلّمها إلاّ بعلامة و دلالة،و قد جرت بهذه العادة مع أبي محمّد الحسن بن عليّ عليهما السّلام.
و سارع الخليفة قائلا:فما كانت العلامة مع أبي محمّد؟
و راحوا يخبرونه عنها قائلين:إنّه كان يصف لنا الدنانير و أصحابها،و الأموال، و كم هي؟فإذا فعل ذلك سلّمناها إليه،و قد وفدنا إليه مرارا،فكانت هذه علامتنا معه،و قد مات،فإن يكن هذا الرجل صاحب هذا الأمر فليقم لنا بما كان يقيمه لنا أخوه،و إلاّ رددناها على أصحابها.
و تميّز جعفر غضبا،فقال للخليفة:يا أمير المؤمنين،إنّ هؤلاء قوم كذّابون على أخي،و هذا علم الغيب.
فلم يعن به الخليفة،و استجاب للوفد و قال لجعفر:القوم رسل،و ما على الرسول إلاّ البلاغ المبين.
و أسقط ما في يد جعفر،و التفت الوفد إلى الخليفة طالبين منه الحماية حتّى
يخرجوا من سامراء،فبعث معهم نقيبا من الشرطة لحراستهم،فلمّا خرجوا من المدينة طلع عليهم شابّ،حسن الوجه،فصاح بأسمائهم واحدا بعد واحد،و قال لهم:أجيبوا مولاكم.
قالوا:أنت مولانا.
قال:معاذ اللّه،أنا عبد مولاكم،فسيروا إليه.
و ساروا معه،و قد ملئت نفوسهم سرورا،فأتوا إلى دار الإمام المهدي عليه السّلام،و كان جالسا على سرير،كأنّ وجهه الشريف فلقة قمر،و عليه ثياب خضر،فسلّموا عليه، و لمّا استقرّ بهم المجلس بادر الإمام عليه السّلام فأخبرهم بكميّة المال،و بأسماء المرسلين له،و عرّفهم برجالهم،و ما كان معهم من الدواب،و لم يبق بادرة إلاّ أخبرهم بها، فخرّوا للّه ساجدين؛لما هداهم من معرفة الإمام عليه السّلام،ثمّ سألوه عن بعض الأحكام الشرعيّة،فأجابهم عنها،فسلّموه الأموال،و أمرهم أن لا يحملوا شيئا من الأموال إلى سامراء،و أنّه ينصب له وكيلا ببغداد يحملون الأموال إليه،و تخرج بواسطته التوقيعات،كما دفع الإمام عليه السّلام إلى أبي العبّاس محمّد بن جعفر القمّي الحميري شيئا من الحنوط و الكفن،و قال له:عظّم اللّه أجرك في نفسك،و خرج الوفد،و لمّا بلغوا عقبة همدان توفّي أبو العبّاس (1).
و حمل جعفر إلى الخليفة العبّاسي عشرين ألف دينار لمّا توفّي الإمام الحسن العسكري عليه السّلام،و طلب منه أن يجعله في مرتبة أخيه الحسن،و يصيّره في منزلته، فردّ عليه الخليفة قائلا:«اعلم أنّ منزلة أخيك لم تكن بنا،و إنّما كانت باللّه عزّ و جلّ، و نحن قد جهدنا في حطّ منزلته،و الوضع منها،و لكنّ اللّه عزّ و جلّ يأبى إلاّ أن يزيده
1) كمال الدين و تمام النعمة:478.
كلّ يوم رفعة،لما كان فيه من الصيانة،و حسن السمت،و العلم و العبادة،فإن كنت عند شيعة أخيك بمنزلته فلا حاجة بك إلينا،و إن لم تكن بمنزلته و لم يكن فيك ما كان في أخيك لم نغن عنك شيئا» (1).
و حفل كلام الخليفة العبّاسي بالحقّ و الصدق،فإنّ مكانة الإمام عليه السّلام و منزلته-كما يقول-ليست خاضعة للسلطة،و لا بيدها لتهبها لمن تشاء،و إنّما أمرها بيد الخالق العظيم،فهو الذي يختار للإمامة خيار عباده من الذين لا يسبقونه بالقول،و هم بأمره يعملون،و قد جهدت السلطة العبّاسيّة في الحدّ من شأن الإمام الحسن العسكري عليه السّلام و غيره من أئمّة الهدى عليهم السّلام،و قابلتهم بمنتهى الشدّة و القسوة،و أنزلت العقاب الأليم بأتباعهم و شيعتهم لتصرفهم عنهم،فما زادهم ذلك إلاّ وثوقا و إيمانا بهم،و قد خسر جعفر بادّعائه الإمامة،و استعانته بالسلطة لتضفي عليه هذا المركز العظيم.9.
1) منتخب الأثر:459.
و كان من عظيم لطف اللّه تعالى و عنايته بالإمام المنتظر عليه السّلام أن حجبه عن عيون الظالمين من بني العبّاس،الذين جهدوا على تصفيته جسديّا،فقد غيّبه تعالى عن أبصارهم كما غيّب جدّه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله عن أبصار قريش حينما اجتمعوا على قتله، فقد خرج من بينهم و هم لا يشعرون،و كذلك الإمام المهدي عليه السّلام،فقد كان في وسطهم و هم لا يرونه.
و نتحدّث في البحوث الآتية عن شؤون الغيبة الصغرى للإمام المنتظر عليه السّلام و ما يرتبط بها من بحوث.
و كانت الغيبة الصغرى للإمام عليه السّلام عند وفاة أبيه الحسن العسكري عليه السّلام سنة 260 ه (1)،ففي هذا الوقت احتجب الإمام عن أعين الناس،إلاّ أنّه كان يلتقي بخيار المؤمنين و الصالحين،كما سنعرض لذلك.
أمّا المكان الذي احتجب فيه الإمام عليه السّلام فهو في داره الواقعة في سامراء،و التي فيها المرقد الطاهر لجثمان جدّه الإمام عليّ الهادي و أبيه الإمام العسكري عليهما السّلام.
و اتّهمت الشيعة في غير إنصاف،و ألصقت بهم أكاذيب ملفّقة لتشويه واقعهم
1) مرآة الجنان:107/2،172.تاريخ الخميس:347/2.تاريخ ابن الوردي:319/1.
المشرق الذي أضاء الحياة الفكريّة في دنيا العرب و الإسلام.
و من بين المخاريق التي ألصقت بهم فيما يخصّ الإمام المنتظر عليه السّلام غيابه في السرداب،أمّا السرداب الذي غاب فيه فقد ذكروا في تعيينه قولين:
ذكر ذلك ابن خلدون،قال:«و يزعمون-أي الشيعة-أنّ الثاني عشر من أئمّتهم هو محمّد بن الحسن العسكري،و يلقّبونه ب(المهدي)،دخل في سرداب بدارهم في الحلّة،و تغيّب حين اعتقل مع أمّه،و غاب هناك،و هو يخرج آخر الزمان فيملأ الأرض عدلا،و هم يشيرون بذلك إلى الحديث الواقع في كتاب الترمذي في المهدي،و هم الآن ينتظرونه،و يسمّونه المنتظر لذلك،و يقفون في كلّ ليلة بعد صلاة المغرب بباب هذا السرداب،و قد قدّموا مركبا فيهتفون باسمه،و يدعونه للخروج حتّى تشتبك النجوم،ثمّ ينفضّون و يرجون الأمر إلى الليلة الآتية،و هم على ذلك العهد» (1).
و حفل كلام ابن خلدون بالأكاذيب و الحقد على آل البيت عليهم السّلام،و على شيعتهم، و من بين أغاليطه ما يلي:
أوّلا:إنكاره لوجود الإمام المنتظر عليه السّلام الذي تواترت بظهوره،و وجوده الأخبار التي أثرت عن النبيّ صلّى اللّه عليه و اله،و قد فنّد مقالته الأستاذ المحقّق،و العالم المعروف محمّد أحمد شاكر،فقد قال:«و أمّا ابن خلدون فقد قفا ما ليس به علم،و اقتحم قحما لم يكن من رجالها،و غلبه ما شغله من السياسة،و أمور الدولة و خدمة من كان يخدم من الملوك و الأمراء،فأوهم أنّ شأن المهدي عقيدة شيعيّة،و أوهمته نفسه ذلك، فعقد في مقدّمته المشهورة فصلا طويلا جعل عنوانه(فصل في أمر الفاطمي،
1) مقدّمة ابن خلدون:359.
و ما يذهب إليه الناس من أمره)...» (1).
إنّ عقيدة الشيعة و سائر المسلمين في الإمام المهدي عليه السّلام هي جزء من رسالة الإسلام،فمن أنكره فقد أنكر الإسلام،كما يقول بذلك بعض علماء السنّة،كما سنعرض لذلك في البحوث الآتية.
ثانيا:من أغاليط ابن خلدون في هذا الكلام أنّ الإمام المنتظر عليه السّلام قد اعتقل مع أمّه في الحلّة و غاب فيها،و هذا كذب مفضوح،و يواجهه ما يلي:
1-إنّ السيّدة والدة الإمام عليه السّلام قد توفّيت قبل وفاة الإمام الحسن العسكري عليه السّلام بسنتين.
2-و لم يذكر أحد من مؤرّخي الشيعة و غيرهم أنّ الإمام المنتظر عليه السّلام قد اعتقل أو ألقت السلطة العبّاسيّة القبض عليه،لا في الحلّة و لا في غيرها،فما ذكره ابن خلدون عن ذهاب الشيعة إلى ذلك إنّما هو محض افتراء و تشويه لعقيدتهم.
ثالثا:من افتراء ابن خلدون على الشيعة أنّهم يقفون بباب السرداب الواقع في الحلّة،و يقدّمون مركبا للإمام عليه السّلام و يهتفون باسمه،و يدعونه للخروج حتّى تشتبك النجوم.
إنّ هذه الأكاذيب لم تسمع بها الشيعة،و هي بريئة منها،قد افتعلها عليهم ابن خلدون الذي تجرّد عن كلّ خلق قويم،و ارتطم في الإثم.
ذكر جمهرة من مؤرّخي السنّة أنّ الشيعة تذهب إلى أنّ الإمام المنتظر عليه السّلام قد غاب في السرداب الكائن في داره في سامراء،و كان من الذاكرين لذلك:
1) حاشية مسند الإمام أحمد بن حنبل:492/3،تعليق محمّد أحمد شاكر.
قال السويدي:«و تزعم الشيعة أنّه غاب في السرداب(بسرّ من رأى)و الحرس عليه سنة 262 ه» (1).
زعم ابن تيميّة أنّ الشيعة تعتقد أنّ الإمام عليه السّلام باق في السرداب-الواقع في سامراء-و ينتظرون خروجه منه (2).
ذكر ذلك ابن حجر،و نسبه إلى الشيعة على رأي ابن خلّكان،و نقل عنه أنّ الشيعة ترى أنّه-أي الإمام المهدي عليه السّلام-الإمام المنتظر،و هو صاحب السرداب عندهم، و هم ينتظرون خروجه آخر الزمان من السرداب ب(سرّ من رأى)دخله في دار أبيه، و أمّه تنظر إليه سنة 265 ه».
و قد أضاف بعد ذلك قائلا:«و لقد أحسن القائل:
ما آن للسّرداب أن يلد الّذي صيّرتموه بجهلكم إنسانا
فعلى عقولكم العفا إذ أنّكم ثلثتم العنقاء و الغيلانا» (3)
حفنة من التراب في فم هذا الشاعر الذي هجا شيعة آل البيت عليهم السّلام بما لم تلتزم به،و لم تقل به،و هو و أمثاله من المنحرفين و الضالّين قد تحاملوا على الشيعة بمثل هذه الأكاذيب التي لا نصيب لها من الواقع،و التي تنمّ عن أحقاد و أضغان ليست
على الشيعة،و إنّما هي على أئمّة الهدى،الذين أذهب اللّه عنهم الرجس و طهّرهم تطهيرا.
أمّا عبد اللّه القصيمي،فقد تحامل على الشيعة،و افترى عليهم بشأن الإمام المنتظر عليه السّلام.انظروا إلى أكاذيبه:«و إنّ أغبى الأغبياء،و أجمد الجامدين هم الذين غيّبوا إمامهم في السرداب،و غيّبوا معه قرآنهم و مصحفهم،و من يذهبون كلّ ليلة بخيولهم و حميرهم إلى ذلك السرداب الذي غيّبوا فيه إمامهم ينتظرونه و ينادونه ليخرج إليهم،و لا يزال عندهم ذلك منذ أكثر من ألف عام» (1).
و علّق المحقّق الأميني-نضّر اللّه مثواه-على هذه الكلمات السوداء بقوله:
«و فرية السرداب أشنع،و إن سبقه إليها غيره من مؤلّفي أهل السنّة،لكنّه زاد في الطنبور نفخات بضمّ الحمير إلى الخيول،و ادّعائه اطّراد العادة في كلّ ليلة، و اتّصالها منذ أكثر من ألف عام،و الشيعة لا ترى أنّ غيبة الإمام في السرداب، و لا هم غيّبوه فيه،و لا أنه يظهر منه،و إنّما اعتقادهم المدعوم بأحاديثهم أنّه يظهر بمكّة المعظّمة تجاه البيت،و لم يقل أحد في السرداب» (2).
و لا بدّ لنا من وقفة قصيرة للنظر في شأن السرداب المجاور لمرقد الإمامين الهادي و العسكري عليهما السّلام في سامراء،فقد حظي بهالة من التقديس و التعظيم عند عامّة الأوساط الشيعيّة،كما يوجد عليه شبّاك أثري،وضعه عليه الخليفة العبّاسي الناصر لدين اللّه.
إنّ هذا المكان الشريف كان مصلّى لأئمّة ثلاثة من أئمّة أهل البيت عليهم السّلام:الإمام الهادي،و ابنه الحسن العسكري،و ابنه الحجّة المنتظر عليهم السّلام،و لم يذهب أحد من علماء الشيعة و مؤرّخيهم إلى أنّ الإمام المنتظر عليه السّلام قد غاب في السرداب،سواء أكان السرداب في سامراء أم في الحلّة أم في بغداد.استمعوا إلى ما يقوله بعض علماء الشيعة:
قال الحجّة النوري صاحب(المستدرك)في(كشف الأستار):«نحن كلّما راجعنا و تفحّصنا لم نجد لما ذكروه أثرا،بل ليس في الأحاديث ذكر للسرداب أصلا» (1).
قال العلاّمة الحجّة صدر الدين:«ما نسبه إلينا-من غيابه في السرداب-كثير من خواصّ أهل السنّة،فلا أعرف له مدركا،و لم أجد له مستندا» (2).
قال المحقّق الإربلي:«و الذين يقولون بوجوده لا يقولون إنّه في سرداب، بل يقولون:إنّه موجود يحلّ و يرتحل،و يطوف في الأرض» (3).
و تقدّم كلام المحقّق الأميني في نفيه لهذه الأسطورة التي اتّهمت بها الشيعة في غياب الإمام عليه السّلام في السرداب،و قد أضاف إليه قوله:«و ليت هؤلاء المتقوّلين في
أمر السرداب اتّفقوا على رأي واحد في الأكذوبة،حتّى لا تلوح عليها لوائح الافتعال فتفضحهم،فلا يقول ابن بطوطة في رحلته(الصفحة 198):إنّ هذا السرداب المنوّه به في الحلّة،و لا يقول القرماني في أخبار الدول:إنّه في بغداد،و لا يقول آخرون:
إنّه بسامراء،و يأتي القصيمي من بعدهم فلا يدري أين هو،فيطلق لفظ السرداب ليستر سوءته» (1).
إنّ غيبة الإمام المنتظر عليه السّلام في السرداب أسطورة لم يقل بها أحد من الشيعة منذ فجر تاريخهم حتّى يوم الناس هذا،و إنّما افتعلها خصومهم و الحاقدون عليهم.
و أقام الإمام المنتظر عليه السّلام كوكبة من خيار العلماء و الصالحين سفراء له،كانوا واسطة بينه و بين الشيعة،و كانت مهمّتهم حمل المسائل الشرعيّة من الشيعة إليه فيجيبهم عنها،و قد ألمحنا إلى بعضها في البحوث السابقة،أمّا السفراء المكرّمون البررة فهم:
و أوّل وكلاء الإمام المنتظر عليه السّلام هو الثقة الزكي الأمين عثمان بن سعيد،فقد شغل مركز النيابة عن الإمام،و كان همزة وصل بينه و بين الشيعة،و نتحدّث بإيجاز عن بعض شؤونه.
تولّى عثمان شرف خدمة الأئمّة الطاهرين عليهم السّلام،و كان له من العمر إحدى عشرة سنة،و قام بما يحتاجون إليه،في وقت كان من أشدّ الأوقات حراجة و محنة على
1) موسوعة الغدير:309/3.
أهل البيت عليهم السّلام،فقد فرضت السلطة العبّاسيّة،خصوصا في أيّام المتوكّل العبّاسي، الرقابة الشديدة عليهم،و منعت وصول الحقوق الشرعيّة التي تبعثها الشيعة إليهم، و كان عثمان يتظاهر ببيع السمن حتّى لقّب بالسمّان،فكانت الحقوق الشرعيّة تصل إليه،فكان يجعلها في زقاق السمن،و يبعثها إلى الإمام الهادي،و من بعده إلى ولده الحسن العسكري عليهما السّلام،و بذلك رفع الضائقة الاقتصاديّة عنهم،كما تولّى النيابة عن الإمام المنتظر.
كان عثمان ثقة زكيّا عدلا،حسبما نصّت عليه جميع مصادر التراجم،و قد نصّ على توثيقه الإمام الهادي عليه السّلام.انظروا إلى بعض النصوص في توثيقه:
1-روى أحمد بن إسحاق،قال:«سألت أبا الحسن عليّ الهادي عليه السّلام:من أعامل،و عمّن آخذ،و قول من أقبل؟
فأرشده الإمام عليه السّلام إلى العمري منبع الحقّ و الصدق،قائلا:العمري ثقتي،فما أدّى إليك فعنّي يؤدّي،و ما قال عنّي فعنّي يقول،فاسمع له و أطع،فإنّه الثّقة المأمون» (1).
و قد نال العمري بهذا الثناء العاطر الدرجة الرفيعة من الوثاقة و العدالة و سموّ المنزلة عند الإمام عليه السّلام.
2-سأل شخص الإمام الحسن العسكري عليه السّلام عن العمري،فقال له:«العمريّ و ابنه ثقتان،فما أدّيا إليك فعنّي يؤدّيان،و ما قالا لك،فعنّي يقولان،فاسمع لهما و أطعهما،فهما الثّقتان المأمونان» (2).
3-و من جملة الوثائق في توثيقه،و عظيم مكانته عند الإمام الحسن العسكري عليه السّلام ما جاء في رسالته إلى إبراهيم بن عبدة النيسابوري،فقد أمره بطاعته و اتّباعه:«و لا تخرجنّ من البلدة حتّى تلقى العمريّ رضي اللّه عنه برضاي عنه،فتسلّم عليه،و تعرفه و يعرفك،فإنّه الطّاهر الأمين العفيف،القريب منّا».
و هذا التوثيق و غيره ممّا يدلّل على تقوى العمري،و عظيم منزلته عند الإمام عليه السّلام،و أنّه من أوثق الناس،و أشدّهم حريجة في الدين.
و تولّى الشيخ العمري الثقة المأمون النيابة المطلقة و الوكالة العامّة عن الإمام المنتظر عليه السّلام،فكان همزة الوصل بين الإمام عليه السّلام و شيعته،و كان يحمل إليه حقوقهم و رسائلهم،و قد حظي بهذه النيابة التي لم يحظ بها غيره من ثقات الشيعة.
انتقل إلى حظيرة القدس تحفّه ملائكة الرحمن،و دفن في مقرّه الأخير في بغداد بجانب الرصافة،و له قبر مشيّد يزوره المؤمنون.
قال الشيخ الطوسي:«و كنّا ندخل إليه-أي إلى قبره-و نزوره مشاهرة،و كذلك من وقت دخولي إلى بغداد،و هي سنة 408 ه إلى نيّف و ثلاثين و أربعمائة».
و أضاف:«و عمل الرئيس أبو منصور بن محمّد بن فرج عليه صندوقا،و يتبرّك جيران المحلّة بزيارته» (1).
و ابّن الإمام المنتظر عليه السّلام الفقيد العظيم بكلمة رفعها إلى نجله العالم أبي جعفر
1) مراقد المعارف:63/2.
محمّد بن عثمان،جاء فيها:
«إنّا للّه و إنّا إليه راجعون تسليما لأمره،و رضا بقضائه.عاش أبوك سعيدا،و مات حميدا،فرحمه اللّه،و ألحقه بأوليائه و مواليه،فلم يزل مجتهدا في أمرهم،ساعيا في ما يقرّبه إلى اللّه عزّ و جلّ إليهم،نضّر اللّه وجهه،و أقال عثرته.
أجزل اللّه لك الثّواب،و أحسن لك العزاء،و رزيت و رزينا،و أوحشك فراقه و أوحشنا،فسرّه اللّه في منقلبه،و كان من سعادته أن رزقه اللّه ولدا مثلك يخلفه من بعده،و يقوم مقامه بأمره،و يترحّم عليه،و أقول:الحمد للّه فإنّ الأنفس طيّبة بمكانك و ما جعله اللّه عزّ و جلّ فيك و عندك،و قوّاك و عضدك،و وفّقك و كان لك وليّا و حافظا و راعيا» (1).
و حكت هذه الكلمات مدى حزن الإمام عليه السّلام على نائبه و وكيله الذي كان عنصرا من عناصر الإيمان و التقوى،كما أعرب الإمام عن ثقته البالغة بولده أبي جعفر محمّد الذي توفّرت فيه جميع المثل العليا و الصفات الرفيعة.
و تولّى محمّد بن عثمان بعد وفاة أبيه شرف النيابة عن الإمام المنتظر عليه السّلام،فقد كان من ثقات الشيعة،و من أعلامهم المبرزين في العلم و التقوى،و كان كأبيه موضع ثقة الجميع،و كانت حقوق الشيعة و استفتاءاتهم ترد على يده،و هو بدوره يرفعها إلى الإمام عليه السّلام فيجيبهم عنها،و نتحدّث بإيجاز عن بعض شؤونه.
و أجمع المترجمون لمحمّد بن عثمان على وثاقته و عدالته،و أنّ له منزلة جليلة،
1) بحار الأنوار:349/51.
و مكانة معظّمة عند الشيعة،و يكفيه فخرا أنّه تولّى النيابة عن الإمام الحجّة عليه السّلام في حياة أبيه و بعد وفاته (1).
و قد خرج التوقيع من الإمام المنتظر عليه السّلام في سموّ منزلته،و هذه صورته:
«و أمّا محمّد بن عثمان العمريّ رضي اللّه عنه و عن أبيه من قبل،فإنّه ثقتي،و كتابه كتابي» (2).
و قد سئل الإمام الحسن العسكري عن عثمان العمري فقال عليه السّلام:«العمريّ و ابنه ثقتان،فما أدّيا إليك فعنّي يؤدّيان،و ما قالا لك فعنّي يقولان،فاسمع لهما و أطعهما، فإنّهما الثّقتان المأمونان» (3).
و كان من عظيم منزلته،و سموّ شأنه عند الإمام المنتظر عليه السّلام أنّه كتب في حقّه إلى محمّد بن إبراهيم بن مهزيار الأهوازي ما نصّه:«لم يزل-أي محمّد-ثقتنا في حياة الأب رضي اللّه عنه و أرضاه،و نضّر وجهه،يجري عندنا مجراه،و يسدّ مسدّه،و عن أمرنا يأمر الإبن،و به يعمل،تولاّه اللّه فانته إلى قوله» (4).
و حجّ محمّد بن عثمان بيت اللّه الحرام،فتشرّف برؤية الإمام المنتظر عليه السّلام، و قد رآه متعلّقا بأستار الكعبة،في المستجار و هو يقول:
«اللّهمّ انتقم بي من أعدائك،اللّهمّ أنجز لي ما وعدتني» (5).
و يروي محمّد أنّ الإمام عليه السّلام يحجّ في كلّ سنة،قال:«و اللّه إنّ صاحب هذا الأمر ليحضر الموسم كلّ سنة يرى الناس و يعرفهم،و يرونه و لا يعرفونه» (1).
ألّف محمّد بن عثمان مجموعة من الكتب في الفقه و الحديث،التي سمعها من الإمامين الحسن العسكري و المنتظر عليهما السّلام،و من أبيه عثمان بن سعيد و هو ما سمعه من الإمامين،و ذكرت أمّ كلثوم بنت أبي جعفر أنّ كتبه وصلت إلى أبي القاسم الحسين بن روح (2).
و أقام محمّد خمسين سنة يتولّى شرف شؤون النيابة العامّة و الوكالة المطلقة عن الإمام المنتظر عليه السّلام،و كانت الشيعة تحمل إليه الحقوق الشرعيّة ليوصلها إلى الإمام عليه السّلام،كما كانوا يبعثون إليه المسائل الشرعيّة فيجيبهم الإمام عليه السّلام عنها (3).
كان أبو جعفر محمّد بن عثمان على جانب كبير من الإيمان و التقوى،و قد شعر بملاقاة اللّه تعالى،فحفر له قبرا،و جعل ينزل فيه و يقرأ فيه جزءا من القرآن الكريم، كما صنع لوحا كتب فيه آيات من القرآن،و أسماء الأئمّة الطاهرين،و أوصى أن يدفن معه،و لم يمض قليل من الزمن حتّى ألمّت به الأمراض،و اشتدّت به العلل،حتّى صعدت روحه إلى اللّه تعالى كأسمى روح مؤمنة ارتفعت إلى اللّه في ذلك العصر، و كانت وفاته في آخر جمادى الأولى سنة 305 ه.
و الحسين بن روح هو النائب الثالث للإمام المنتظر عليه السّلام في زمن الغيبة الصغرى، و كان على جانب كبير من التقوى و الصلاح،و وفور العلم و العقل،كما كان محترما عند الخاصّة و العامّة،و قد رشّحه إلى النيابة العامّة محمّد بن عثمان،لمّا مرض عاده الوجوه و الأشراف من الشيعة و قالوا له:إن حدث بك أمر فمن يكون مكانك؟
فقال لهم:«هذا أبو القاسم الحسين بن روح بن أبي بحر النوبختي القائم مقامي، و السفير بينكم و بين صاحب الأمر عجّل اللّه فرجه،و الوكيل له،و الثقة الأمين، فارجعوا له في أموركم،و عوّلوا عليه في مهمّاتكم،فبذلك أمرت و قد بلّغت» (1).
و نعرض لبعض أحواله:
وجرت مناظرة بينه و بين معاند للحقّ أظهرت مدى قدراته العلميّة،و اطّلاعه الواسع،فقد قال له رجل معاند:إنّي أريد أن أسالك عن شيء؟
فأجابه:سل عمّا بدا لك.
قال:أخبرني عن الحسين عليه السّلام أهو وليّ اللّه؟
و سارع الحسين قائلا:نعم.
و سارع الرجل قائلا:هل يجوز أن يسلّط اللّه عزّ و جلّ عدوّه على وليّه؟
فانبرى الحسين يجيبه قائلا:افهم ما أقول لك:اعلم أنّ اللّه تعالى لا يخاطب الناس بمشاهدة العيان،و لا يشافههم بالكلام،و لكنّه جلّت عظمته يبعث إليهم رسلا من أجناسهم و أصنافهم بشرا مثلهم،و لو بعث إليهم رسلا من غير صفتهم و صورهم لنفروا
1) منتخب الأثر:397.
عنهم،و لم يقبلوا منهم،فلمّا جاؤوهم و كانوا من جنسهم يأكلون،و يمشون في الأسواق،قالوا لهم:أنتم مثلنا لا نقبل منكم حتّى تأتوا بشيء نعجز عن أن نأتي بمثله، فنعلم أنّكم مخصوصون دوننا بما لا نقدر عليه،فجعل اللّه عزّ و جلّ لهم المعجزات التي يعجز الخلق عنها،فمنهم من جاء بالطوفان بعد الإعذار و الإنذار،فغرق جميع من طغى و تمرّد.
و منهم من ألقي في النار فكانت عليه بردا و سلاما،و منهم من فلق له البحر،و فجّر له من الحجر العيون،و جعل له العصا اليابسة ثعبانا تلقف ما يأفكون،و منهم من أبرأ الأكمه و أحيا الموتى بإذن اللّه،و أنبأهم بما يأكلون و ما يدّخرون في بيوتهم،و منهم من انشقّ له القمر،و كلّمته البهائم مثل البعير و الذئب و غير ذلك،فلمّا أتوا بمثل ذلك، و عجز الخلق من أمّتهم أن يأتوا بمثله كان من تقدير اللّه جلّ جلاله و لطفه بعباده، و حكمته أن جعل أنبياءه مع هذه المعجزات في حال غالبين،و أخرى مغلوبين،و في حال قاهرين،و أخرى مقهورين،و لو جعلهم عزّ و جلّ في جميع أحوالهم غالبين قاهرين و لم يبتلهم و لم يمتحنهم لاتّخذهم الناس آلهة من دون اللّه عزّ و جلّ،و لما عرف فضل صبرهم على البلاء و المحن و الاختبار،و لكنّه جعل أحوالهم في ذلك كأحوال غيرهم ليكونوا في حال المحنة و البلوى صابرين،و في العافية و الظهور على الأعداء شاكرين،و يكونوا في جميع أحوالهم متواضعين غير شامخين و لا متجبّرين، و ليعلم العباد أنّ لهم عليهم السّلام إلها هو خالقهم و مدبّرهم فيعبدوه و يطيعوا رسله،و يكونوا حجّة للّه ثابتة على من يجاوز الحدّ فيهم،و ادّعى لهم الربوبيّة أو عاند،و خالف و عصى و جحد بما أتت به الأنبياء و الرسل؛و ليهلك من هلك عن بيّنة،و يحيا من حيّ عن بيّنه.
و دلّت هذه المناظرة على براعة الحسين و على قدراته العلميّة،فقد أقام البراهين الحاسمة على إبطال ما ذهب إليه المعاند،فلم ينبس ببنت شفة،و بان عليه العجز،
و كان محمّد بن إبراهيم بن إسحاق حاضرا في المجلس و قد بهر بكلام الحسين، فأقبل عليه في اليوم الثاني ليسأله عن الدليل الذي أقامه في تفنيد كلام الخصم،هل هو من عنده أو أخذه من أئمّة الهدى عليهم السّلام.
و لمّا استقرّ به المجلس التفت إليه الحسين قائلا:يا محمّد بن إبراهيم،لئن أخرّ من السماء إلى الأرض فتخطفني الطير،أو تهوي بي الريح في مكان سحيق أحبّ إليّ من أن أقول في دين اللّه برأيي،و من عند نفسي،بل ذلك من الأصل،و مسموع من الحجّة صلوات اللّه و سلامه عليه» (1).
كان الحسين بن روح قويّ الإرادة،شديد الصلابة في الحقّ،يقول أبو سهل النوبختي:«لو كان الحجّة عليه السّلام تحت ذيله و قرض بالمقاريض ما كشف الذيل عنه» (2).
و كان الحسين بن روح يؤثر التقيّة و يجاري محيطه الذي كان مشحونا بالبغض و العداء لأهل البيت عليهم السّلام،فقد روى المؤرّخون عنه أن بوّابه لعن معاوية و شتمه، فأمر بطرده من وظيفته التي كان عليها،و بقي البوّاب مدّة يوسّط إليه مختلف الطبقات في إرجاعه فلم يردّه (3).
كتب العلاّمة عليّ بن الحسين القمّي رسالة إلى الحسين بن روح يطلب فيها أن
يسأل الإمام عليه السّلام بأن يدعو اللّه تعالى له ليرزقه أولادا فقهاء من زوجته التي هي بنت عمّه،و رفع الحسين طلبه إلى الإمام عليه السّلام،فجاء الجواب:«أنّه لا يرزق من زوجته، و لكنّه سيملك جارية و يرزق منها ولدين فقيهين»،و لم تمض الأيّام حتّى ملك جارية ديلميّة فرزقه اللّه منها ثلاثة أولاد،و هم:محمّد و الحسن و الحسين.
أمّا محمّد و الحسين فكانا من أعلام الفقهاء،و من أفذاذ العلماء،و كانا آيتين في الحفظ،و كان الناس يتعجبّون من سرعة حفظهما و يقولون:إنّ هذا ببركة دعوة الإمام المنتظر عليه السّلام.و أمّا الحسن-و هو الأوسط-فكان مشتغلا بالعبادة و الزهد،و قد آثر العزلة عن الناس (1).
بقي الحسين بن روح سفيرا عن الإمام عليه السّلام إحدى أو اثنتين و عشرين سنة،و كان المرجع الوحيد،و الواسطة الأمينة بين الشيعة و بين الإمام تصل إليه مسائلهم و حقوقهم الشرعيّة،و هو يوصلها إلى الإمام عليه السّلام،و قد مرض و بقي في مرضه أيّاما حتّى أدركته المنيّة،و انتقل إلى رحمة اللّه و رضوانه سنة 326 ه،و قد جهّز و شيّع بتشييع حافل،و دفن في مقرّه الأخير،و مرقده الشريف يقع في بغداد في سوق الشورجة التي هي أهمّ مركز تجاري في بغداد،و الناس تتهافت على زيارة قبره للتبرّك به.
أمّا عليّ بن محمّد السّمري،فهو من عناصر التقوى و الإيمان،و يكفي في سموّ شأنه،و عظيم مكانته،و تقلّده للنيابة العامّة عن الإمام المنتظر عليه السّلام بنصّ منه،مع وجود كوكبة من علماء الشيعة و خيارهم،و هو آخر وكلاء الإمام الممجّدين،و بوفاته
1) الغيبة/الطوسي:188.
وقعت الغيبة الكبرى،و صارت السفارة العامّة و المرجعيّة العظمى إلى الفقهاء العظام.
و يقول الرواة:إنّه قبل وفاة عليّ السّمري أخرج إلى الناس رسالة موقّعة من الإمام المنتظر عليه السّلام جاء فيها:
بسم الله الرحمن الرحيم يا عليّ بن محمّد السّمري،أعظم اللّه أجر إخوانك فيك،فأنت ميّت ما بينك و بين ستّة أيّام،فأجمع أمرك و لا توص إلى أحد فيقوم مقامك بعد وفاتك،فقد وقعت الغيبة التّامّة،فلا ظهور إلاّ بعد إذن اللّه تعالى ذكره،و ذلك بعد طول الأمد،و قسوة القلوب، و امتلاء الأرض جورا،و سيأتي على شيعتي من يدّعي المشاهدة ألا فمن ادّعى المشاهدة قبل خروج السّفياني و الصّيحة فهو كذّاب مفتر،و لا حول و لا قوّة إلاّ باللّه العليّ العظيم» (1).
و يواجهنا في هذه الرسالة ما ورد فيها أنّ من يدّعي مشاهدة الإمام عليه السّلام بعد غيبته الكبرى فهو كاذب مفتر،مع أنّه من المقطوع-حسبما تواتر نقله-أنّ جمهرة كبيرة من خيار علماء الشيعة و صلحائهم قد تشرّفوا برؤيته و ملاقاته،و قد أوّل ذلك بتأويلات عديدة،كان من أجودها أنّ من يدّعي مشاهدته و نيابته و سفارته عنه على غرار سفرائه في حال الغيبة الصغرى،فهو كاذب مفتر،و فيما أحسب أنّ هذا التوجيه حسن.
و ألمّت الأمراض بعليّ السّمري،و قد دخل عليه خيار الشيعة فقالوا له:
1) معجم رجال الحديث:170/12-171.
من وصيّك من بعدك؟
فأجابهم:للّه أمر هو بالغه.
ثمّ انتقل إلى جوار اللّه،و كانت وفاته في النصف من شهر شعبان سنة 328 ه (1).
و أقام الإمام المنتظر-سلام اللّه عليه-الفقهاء العظام من شيعته ولاة و نوّابا عنه، كما أقامهم الأئمّة الطاهرون ولاة عنهم،و أمروا شيعتهم بالرجوع إليهم أيّام الحكم العبّاسي الذي جهد على محاربة أئمّة أهل البيت عليهم السّلام،فلم يكن هناك مجال بالرجوع إلى الأئمّة،و أخذ الأحكام منهم،فقد جاء في مقبولة عمر بن حنظلة،قال:
«سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث، فتحاكما إلى السلطان و إلى القضاة،أيحلّ ذلك؟
قال:من تحاكم إليهم في حقّ أو باطل فإنّما تحاكم إلى الطّاغوت،و ما يحكم له فإنّما يأخذ سحتا،إن كان حقّا ثابتا له؛لأنّ أخذه بحكم الطّاغوت و ما أمر اللّه أن يكفر به.قال اللّه تعالى: يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحٰاكَمُوا إِلَى الطّٰاغُوتِ وَ قَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ (2).
قلت:فكيف يصنعان؟
قال عليه السّلام:ينظران من كان منكم ممّن قد روى حديثنا،و نظر في حلالنا و حرامنا، و عرف أحكامنا،فليرضوا به حكما،فإنّي قد جعلته عليكم حاكما،فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنّما استخفّ بحكم اللّه و علينا ردّ،و الرّادّ علينا رادّ على اللّه،و هو على
حدّ الشّرك باللّه» (1).
و أعطى الإمام عليه السّلام للفقيه الولاية العامّة،و نصبه حاكما و مرجعا للمسلمين في مختلف شؤونهم الاجتماعيّة،و مثل هذا الحديث مقبولة أو مشهورة ابن خديجة، فقد قال له الإمام أبو عبد اللّه عليه السّلام:«إيّاكم أن يحاكم بعضكم بعضا إلى أهل الجور، و لكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئا من قضائنا،فاجعلوه بينكم،فإنّي قد جعلته قاضيا،فتحاكموا إليه» (2).
و نصب الإمام أبو عبد اللّه الصادق عليه السّلام الفقيه العادل حاكما عامّا،و مرجعا للمسلمين،و نظير هاتين الروايتين التوقيع الصادر من الإمام المنتظر عليه السّلام إلى الشيخ المفيد،فقد جاء فيه:
«و أمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا،فإنّهم حجّتي عليكم، و أنا حجّة اللّه تعالى عليكم».
لقد نصب الإمام المنتظر عليه السّلام في هذا الحديث و غيره الفقهاء نوّابا عنه،و ألزم شيعته بالرجوع إليهم،و تقليدهم في جميع شؤونهم الدينيّة.
أمّا من يتولّى المرجعية العامّة للمسلمين في زمان غيبة الإمام عليه السّلام،فلا بدّ أن تتوفّر فيه هذه الشروط،و هي:
1-البلوغ.
2-العقل.
3-العدالة.
4-الرجولة.4.
5-الاجتهاد.
6-الحريّة؛على قول (1).
أمّا الفقيه الذي يتقلّد النيابة العامّة عن الإمام عليه السّلام فهو مسؤول عمّا يلي:
1-رعاية العالم الإسلامي بجميع طوائفه و فرقه،و تفقّد شؤونهم،و الذبّ عنهم إذا دهمهم عدوّ،و غزا أرضهم كافر،و قد وقفت المرجعيّة العامّة في النجف الأشرف إلى جانب ليبيا حينما غزاها الإيطاليّون،كما وقفت إلى جانب الفلسطينيّين حينما غزاهم الصهاينة اليهود.
2-الانفاق على الحوزات العلميّة الدينيّة،و تفقّد جميع شؤونها الاقتصاديّة و العلميّة و الاجتماعيّة.
3-الإنفاق على الفقراء و البؤساء و المحرومين.
هذه بعض مسؤوليّات الفقهاء الذين نصبهم الإمام عليه السّلام مراجع للعالم الإسلامي، و هنا بحوث مهمّة ذكرها الفقهاء و المعنيّون بالبحوث السياسيّة الإسلاميّة لا مجال لعرضها.
1) العروة الوثقى:13/1.
و بعد انتقال المعظّم عليّ بن محمّد السّمري إلى حظيرة القدس بدأت الغيبة الكبرى،و ذلك في سنة 328 ه،و تقلّد الفقهاء العظام المرجعيّة و النيابة العظمى عن الإمام المنتظر عليه السّلام،و في هذه الغيبة كانت للإمام عليه السّلام عدّة التقاءات و مراسلات مع عيون العلماء و المتّقين من أعلام الشيعة،فقد جرت بينه و بين العالم الكبير الشيخ المفيد-نضّر اللّه مثواه-عدّة مراسلات،فقد تلقّى الشيخ المفيد منه ثلاث رسائل، ذكرنا في البحوث السابقة منها رسالتين،كما تواترت الأخبار بالتقائه و اجتماعه مع كوكبة من المؤمنين الصالحين،و سنعرض لذلك في البحوث الآتية:
ادّعت عصابة من المنافقين المنحرفين عن الحقّ نيابتهم عن الإمام المنتظر عليه السّلام؛ و ذلك لحسد بعضهم لسفراء الإمام عليه السّلام،و لسرقة الحقوق الشرعيّة من الشيعة، و نعرض لبعضهم:
كان من أصحاب الإمام الحسن العسكري عليه السّلام،و بعد وفاته و تقليد محمّد بن عثمان رضي اللّه عنه النيابة عن الإمام المنتظر عليه السّلام حسده على ذلك،و الحسد داء خبيث ألقى الناس في شرّ عظيم،فرفض أحمد نيابة محمّد و لم يذعن له،فقالت له الشيعة:
ألا تقبل أمر أبي جعفر محمّد بن عثمان،و ترجع إليه،و قد نصّ عليه الإمام المفترض الطاعة؟
فقال لهم:لم أسمعه ينصّ عليه بالوكالة،و ليس أنكر أباه،فقالوا له:قد سمعه غيرك.
فقال لهم:أنتم و ما سمعتم.
و ظهرت منه عدّة مقالات منكرة أوجبت خروجه عن الدين،و جحوده لبعض الضروريّات الإسلاميّة.
و لمّا شاعت المنكرات من أحمد بن هلال تبرّأ الإمام عليه السّلام منه،و خرج التوقيع بلعنه،و كان ممّا خرج إلى العمري من الإمام بشأنه في رسالة جاء فيها:
«...و نحن نبرأ إلى اللّه من ابن هلال،لا رحمه اللّه و لا ممّن لا يبرأ منه،و أعلم الإسحاقيّ سلّمه اللّه و أهل بيته بما أعلمناك من حال هذا الفاجر،و جميع من كان سألك و يسألك عنه...» (1).
أمّا الحسن الشريعي فهو كذّاب دجّال،و كان من أصحاب الإمامين الهادي و العسكري عليهما السّلام،إلاّ أنّه ارتدّ على عقبه،فقد ادّعى لنفسه مقاما عظيما-و هو النيابة عن الإمام المنتظر عليه السّلام-لم يجعله اللّه فيه،و نسب إلى الأئمّة الطاهرين ما لا يليق بهم،و هم براء منه،فتبرّأت منه الشيعة و لعنته،و خرج توقيع الإمام عليه السّلام بلعنه و البراءة منه (2).
كذّاب،مضلّ،منحرف عن الحقّ،ادّعى النيابة عن الإمام المنتظر عليه السّلام،و أخذ يراسل أعيان الشيعة بذلك،فراسل أبا سهل النوبختي العالم الفاضل،و أراد منه
الانضمام إليه،و وعده بما يريد من المال،فقال له النوبختي:إنّي رجل أحبّ الجواري،و أصبو إليهنّ،و لكنّ الشيب يبعدني عنهنّ،و أحتاج أن أخضب في كلّ جمعة،و لكنّي أتحمّل بذلك مشقّة،و جهدا عسيرا،و أريد أن تغنيني عن الخضاب،و تكفيني مؤونته،و تجعل لحيتي سوداء،فإذا فعلت ذلك صرت طوع إرادتك،و صدّقت مقالتك،و كنت من أعظم أنصارك،و داعية إليك.
فبهت الحلاّج،و أمسك عنه،و انتشرت قصّته،فصار أضحوكة الجميع،و بان أمره،و انكشف دجله إلى الناس (1).
و من مخاريفه أنّه دعا رجلا من الأذكياء إلى داره ليؤمن به،و قال:علامتي أنّي أمدّ يدي إلى البحر،و أخرج سمكة كبيرة منه،فنزل إلى الدار فجاء بسمكة كبيرة حيّة إليه،و قال هذه معجزتي،و طرقت بابه،فخرج و إذا بشخص يطلب منه الخروج معه لمهمّة،فخرج،و نزل الرجل إلى صحن الدار،فرأى ستارا فرفعه،و إذا ببستان فيها حوض مليء بالأسماك،فأخرج منه سمكة حيّة و جعلها إلى جنب تلك السمكة، فجاء الحلاّج فقال له الرجل:و أنا لي معجزة مثل معجزتك،فقد مددت يدي إلى البحر و جئت بسمكة حيّة،فبهت الحلاّج،و أمره بالخروج من الدار؛لأنّ أمره قد انكشف،و ظهر دجله.
و كان يظهر الزهد و التقشّف،رؤي على بعض جبال اصبهان و عليه مرقعة و بيده ركوة و عكاز و هو يقول:
لئن أمسيت في ثوبي عديم لقد بليا على حرّ كريم
فلا يحزنك إن أبصرت حالا مغيّرة عن الحال القديم
ولي نفس ستتلف أو سترقى لعمرك بي إلى أمر جسيم1.
1) بحار الأنوار:370/51.
و من شعره:
أريدك لا أريدك للثّواب و لكنّي أريدك للعقاب
و لك مآربي قد نلت منها سوى ملذوذ و جدي بالعذاب
و من حيله:أنّه كان يدفن شيئا من الخبز و الحلوى و الشواء في البريّة،و يخبر بعض أصحابه المطّلعين على حيله،فإذا أصبح طلب من أصحابه الخروج إلى الصحراء فيسير و معه أصحابه،و طائفة من الناس،فإذا انتهوا إلى ذلك المكان الذي دفن فيه الطعام قال له صاحبه العارف ببدعه:نشتهي الآن كذا و كذا من الطعام، فيتركهم الحلاّج،و يصلّي ركعتين،و يأتيهم صاحبه بما قال له،و بهذا الأسلوب كان يغري السذّج و البسطاء من الناس،حتّى استغوى جماعة،و حتّى كانوا يتبرّكون ببوله،و قيل:إنّه ادّعى الربوبيّة،و وجد له كتاب فيه إذا صام الإنسان ثلاثة أيّام بلياليها و لم يفطر،و يأخذ و ريقات هندباء و يفطر عليها أغناه ذلك عن صوم رمضان، و من صلّى ركعتين من أوّل الليل إلى الغداة غنته عن الصلاة،و من تصدّق بجميع ما يملك في يوم واحد أغناه عن الحجّ،و من أتى قبور الشهداء ب(مقابر قريش)فأقام فيها عشرة أيّام يصلّي و يدعو و يصوم و لا يفطر إلاّ على قليل من خبز الشعير و الملح أغناه ذلك عن العبادة،إلى غير ذلك من بدعه.
و نسبت إليه هذه الأبيات:
و اللّه ما طلعت شمس و لا غربت إلاّ و ذكرك مقرون بأنفاسي
و لا جلست إلى قوم أحدّثهم إلاّ و أنت حديثي بين جلاّسي
و لا هممت بشرب الماء من عطش إلاّ و رأيت خيالا منك في كاسي
و لمّا شاعت منكراته رفع أمره إلى المقتدر العبّاسي،فدفعه إلى مدير شرطته ليضربه ألف سوط،فإن مات و إلاّ فيضربه ألف سوط حتّى يموت،و إن لم يمت
يضرب عنقه،و يقطع يديه و رجليه،و يحزّ رأسه،و يحرق جثّته،و ينصب رأسه على الجسر،ففعل به ذلك في سنة 309 ه (1).
الشلمغاني،المعروف ب(ابن أبي العزاقر):كان مستقيم الطريقة،فحمله الحسد للشيخ أبي القاسم بن روح وكيل الإمام المنتظر عليه السّلام،فترك مذهبه و اعتنق المذاهب الرديئة،و كان من مذهبه الخبيث ترك العبادات كلّها،و إباحة الفروج من ذوي الأرحام،و أنّه لا بدّ للفاضل أن ينكح المفضول ليولج فيه النور (2).
و قد خرج عن الإمام المنتظر عليه السّلام توقيع يلعن الشلمغاني و البراءة منه على يد الثقة الزكيّ الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح،و هذا نصّه:
«عرّف أطال اللّه بقاك،و عرّفك اللّه الخير كلّه،و ختم به عملك،من تثق بدينه، و تسكن إلى نيّته من إخواننا أدام اللّه سعادتهم بأنّ محمّد بن عليّ المعروف بالشّلمغاني،عجّل اللّه له النّقمة،و لا أمهله،قد ارتدّ عن الإسلام و فارقه،و ألحد في دين اللّه،و ادّعى ما كفر معه بالخالق جلّ و تعالى،و افترى كذبا و زورا،و قال بهتانا و إثما عظيما،كذب العادلون باللّه،و ضلّوا ضلالا بعيدا،و خسروا خسرانا مبينا.
و إنّا برئنا إلى اللّه تعالى،و إلى رسوله صلوات اللّه عليه و سلامه و رحمته و بركاته، منه،و لعنّاه عليه لعائن اللّه تترى في الظّاهر منّا،و الباطن في السّرّ و الجهر،و في كلّ وقت،و على كلّ من شايعه و بلغه هذا القول منّا فأقام على تولاّه بعده» (3).
و لمّا ظهرت بدعه أخذه السلطان و قتله و صلبه ببغداد (1).
و كان هلاكه في سنة 323 ه (2).
هؤلاء بعض الدجّالين و الكاذبين في عصر الغيبة الصغرى،و قد كان بعضهم مدفوعا بدافع الحسد لبعض نوّاب الإمام عليه السّلام على تقلّدهم لهذا المنصب الخطير، و حرمانهم منه.
و ظهرت على مسرح الحياة الإسلاميّة جماعة ادّعى كلّ واحد منهم أنّه الإمام المنتظر عليه السّلام؛و ذلك لأغراض سياسيّة،كان من أبرزها-فيما أحسب-الاستيلاء على الحكم في بلادهم،و إغراء السذّج و البسطاء للاعتقاد بإمامتهم،و الغريب أنّهم ادّعوا ذلك و هم لا يدينون بمذهب أهل البيت عليهم السّلام،و نعرض فيما يلي لبعضهم:
هو من ألمع شخصيّات السودان البارزة،و هو حسني من جهة الأب،و عبّاسي من جهة الأمّ،حسبما يقول مترجموه:«و قد استغلّ الأوضاع السياسيّة المتردّية في السودان التي كانت ترزح تحت نير الحكم التركي الذي أحال الحياة فيها إلى جحيم لا يطاق،فأخذ يبشّر بين السودانيّين أنّه الإمام المهدي الذي ينقذهم من ظلم الأتراك و جورهم،و يوفّر لهم الحياة الكريمة التي ينعمون في ظلالها،و قد قصده أحد المشتغلين بالتنجيم،فحين ما التقى به خرّ على الأرض مدّعيا أنّه أغمي عليه، و بعد فترة رفع رأسه،فسأله الحاضرون عن سبب إغمائه،فقال:نظرت أنوار
المهديّة على وجهه فصعقت من شدّة تأثيرها على حواسي (1).
و أذاع شيخ من السودان بين الناس أنّ زمن ظهور المهدي قد حان،و أنّه سوف يشيد على ضريحي قبّة،و يختن أولادي،و بعد وفاته قام المهدي ببناء قبّة على ضريح الشيخ،كما ختن أولاده (2).
و كانت بداية دعوته بالمهدويّة سنة 1881 م،و قد قام بالدعوة إليه تلامذته الذين كانوا منتشرين في معظم أنحاء السودان،و كان يغدق عليهم المال الوفير ممّا سبّب تهالكهم للدعوة إليه.
و نشر المهدي مجموعة من المناشير بين السودانيّين،يدعوهم فيها إلى طاعته، و لزوم أمره،و تصديق دعوته،و كان من جملتها هذا المنشور:
«الحمد للّه الوالي،و الصلاة على سيّدنا محمّد و آله مع التسليم،و بعد:
من العبد المفتقر إلى اللّه محمّد المهدي بن عبد اللّه إلى أحبّائه المؤمنين باللّه و بكتابه.
أمّا بعد:فلا يخفى تغيّر الزمن،و ترك السنين،و لا يرضى بذلك ذوو الإيمان و الفطن،بل أحقّ أن يترك لذلك الأوطار و الوطن لإقامة الدين و السنن،و لا يتوانى عن ذلك عاقل؛لأنّ غيرة الإسلام للمؤمن تجبره،ثمّ أحبّائي كما أراد اللّه في أزله و قضائه،تفضّل على عبده الحقير الذليل بالخلافة الكبرى من اللّه و رسوله،و أخبرني سيّد الوجود صلّى اللّه عليه و اله بأنّي المهدي المنتظر،و خلفني(عليه الصلاة و السلام)بالجلوس
على كرسيّه مرارا،بحضرة الخلفاء الأربعة،و الأقطاب،و الخضر عليه السّلام،و أيّدني اللّه تعالى بالملائكة المقرّبين،و بالأولياء الأحياء و الميّتين من لدن آدم إلى زماننا هذا، و كذلك المؤمنون من الجنّ،و في ساعة الحرب يحضر معهم أمام جيشي سيّد الوجود صلّى اللّه عليه و اله بذاته الكريمة،و كذلك الخلفاء الأربعة و الأقطاب و الخضر عليه السّلام، و أعطاني سيف النصر من حضرته صلّى اللّه عليه و اله،و أعلمت أنّه لا ينصر عليّ معه أحد،و لو كان الثقلين الإنس و الجنّ.
ثمّ أخبرني سيّد الوجود صلّى اللّه عليه و اله بأنّ اللّه جعل لي على المهديّة علامة،و هي الخال على خدّي الأيمن،و كذلك جعل لي علامة أخرى تخرج راية من نور،و تكون معي في حالة الحرب،يحملها عزرائيل عليه السّلام،فيثبت اللّه بها أصحابي،و ينزل الرعب في قلوب أعدائي،فلا يلقاني أحد بعداوة إلاّ خذله اللّه.
ثمّ قال لي صلّى اللّه عليه و اله:إنّك مخلوق من نور عنان قلبي،فمن له سعادة صدّق بأنّي المهدي المنتظر،و لكنّ اللّه جعل في قلوب الذين يحبّون الجاه النفاق،فلا يصدّقون حرصا على جاههم،قال صلّى اللّه عليه و اله:حبّ المال و الجاه ينبتان النفاق في القلب،كما ينبت الماء البقل.
و جاء في الأثر:إذا رأيتم العالم يحبّ الدنيا فاتّهموه على دينكم،و جاء في بعض كتبه القديمة:لا تسأل عنّي عالما أسكره حبّ الدنيا فيصدّك عن طريق محبّتي،فاولئك قطّاع الطريق على عبادي،و لمّا حصل لي يا أحبّائي من اللّه و رسوله أمر الخلافة الكبرى أمرني سيّد الوجود صلّى اللّه عليه و اله بالهجرة إلى ماسة بجبل قدير،و أمرني أن أكاتب بها جميع المكلّفين أمرا عامّا،فكاتبنا بذلك الأمراء و مشايخ الدين، فأنكر الأشقياء،و صدّق الصدّيقون الذين لا يبالون فيما لقوه في اللّه من المكروه، و ما فاتهم من المحبوب المشتهى،بل هم ناظرون إلى وعده سبحانه و تعالى بقوله: تِلْكَ الدّٰارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهٰا لِلَّذِينَ لاٰ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لاٰ فَسٰاداً
وَالْعٰاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (1).
و حيث أنّ الأمر للّه،و المهديّة أرادها اللّه لعبده الفقير الحقير الذليل محمّد المهدي بن عبد اللّه،فيجب بذلك التصديق لإرادة اللّه،و قد اجتمع السلف و الخلف في تفويض العلم للّه سبحانه،فعلمه سبحانه لا يتقيّد بضبط القوانين،و لا بعلوم المتفنّنين،بل يَمْحُوا اللّٰهُ مٰا يَشٰاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتٰابِ (2).قال تعالى:
وَ لاٰ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاّٰ بِمٰا شٰاءَ (3)، وَ عِنْدَهُ مَفٰاتِحُ الْغَيْبِ لاٰ يَعْلَمُهٰا إِلاّٰ هُوَ (4)يَخْلُقُ مٰا يَشٰاءُ وَ يَخْتٰارُ (5)يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشٰاءُ وَ اللّٰهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (6).
و قد قال الشيخ محيي الدين ابن العربي في تفسيره على القرآن العظيم:علم المهدي كعلم الساعة،و الساعة لا يعلم وقت مجيئها على الحقيقة إلاّ اللّه.
و قال الشيخ أحمد بن إدريس:كذبت في المهدي أربعة عشر نسخة من نسخ أهل اللّه،ثمّ قال:يخرج من جهة لا يعرفونها،و على حال ينكرونه.
و هذا لا يخفى عليكم أنّ التأليفات الواردة في المهدي منها الآثار و كشف الأولياء و غير ذلك،فيختلف كلّ منها،كما علمت من أنّه يمحو اللّه ما يشاء،و منها الأحاديث،فمنها الضعيف،و المقطوع و المنسوخ و الموضوع،بل الحديث الضعيف ينسخه الصحيح،و الصحيح ينسخ بعضه بعضا،كما أنّ الآيات تنسخها4.
الآيات،و حقيقة ذلك على ما هي عليه لا يعرفها إلاّ أهل المشاهدة و البصائر،هذا و قد أخبرني سيّد الوجود صلّى اللّه عليه و اله بأنّ من شكّ في مهديّتك فقد كفر باللّه و رسوله -كرّرها صلّى اللّه عليه و اله ثلاث مرّات-و جميع ما أخبرتكم به من خلافتي على المهديّة...الخ فقد أخبرني به سيّد الوجود صلّى اللّه عليه و اله يقظة في حال الصحّة،و أنا خال من الموانع الشرعيّة،لا بنوم و لا جذب،و لا سكر،و لا جنون،بل متّصف بصفات العقل، أقفو أثر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و أسلّم بالأمر فيما أمر به،و النهي عمّا نهى عنه.
و الهجرة المذكورة بالدين واجبة كتابا و سنّة،قال تعالى: يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلّٰهِ وَ لِلرَّسُولِ إِذٰا دَعٰاكُمْ لِمٰا يُحْيِيكُمْ (1)،و قال صلّى اللّه عليه و اله:من فرّ بدينه من أرض إلى أرض،و إن كان شبرا من الأرض،استوجب الجنّة،و كان رفيق أبيه خليل اللّه إبراهيم،و نبيّه محمّد عليهما الصلاة و السلام،و إلى غير ذلك من الآيات و الأحاديث.
و إجابة داعي اللّه واجبة.قال تعالى: وَ اتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنٰابَ إِلَيَّ (2)،فإذا فهمتهم ذلك فقد أمرنا جميع المكلّفين بالهجرة إلينا لأجل الجهاد في سبيل اللّه،أو إلى أقرب بلاد منكم لقوله تعالى: قٰاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفّٰارِ (3)،فمن دخل عن ذلك دخل في وعيد قوله تعالى: قُلْ إِنْ كٰانَ آبٰاؤُكُمْ وَ أَبْنٰاؤُكُمْ... (4)، و قوله تعالى: يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مٰا لَكُمْ إِذٰا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللّٰهِ اثّٰاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَ رَضِيتُمْ بِالْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا مِنَ الْآخِرَةِ فَمٰا مَتٰاعُ الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا فِي الْآخِرَةِ إِلاّٰ قَلِيلٌ (5).8.
فإذا فهمتم ذلك فهلمّوا للجهاد في سبيله،و لا تخافوا من أحد غير اللّه؛لأنّ خوف المخلوق من غير اللّه يعدم الإيمان باللّه،و العياذ باللّه من ذلك،قال تعالى:
فَلاٰ تَخْشَوْهُمْ وَ اخْشَوْنِي (1)،و قال تعالى: وَ اللّٰهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشٰاهُ (2)، لا سيّما و قد وعد اللّه في كتابه العزيز بنصر من ينصر دينه.قال تعالى: إِنْ تَنْصُرُوا اللّٰهَ يَنْصُرْكُمْ وَ يُثَبِّتْ أَقْدٰامَكُمْ (3)،و قال تعالى: إِلاّٰ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّٰهُ (4)، و حيث إن لم تجيبوا داعي اللّه و تبادروا لإقامة دين اللّه تلزمكم العقوبة عند اللّه تعالى لأنّكم أدلّة الخلق و أزمّتها،فمن كان مهتمّا بإيمانه،شفيقا بدينه،حريصا على أمر ربّه أجاب الدعوة،و اجتمع مع من ينصر دينه.
و ليكن معلومكم أنّي من نسل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله،فإنّي حسني من جهة أبي و أمّه، و أمّي كذلك من جهة أمّها و أبوها عبّاسي» (5).
و حكت هذه الوثيقة ضروبا من الافتعالات،فقد زعم أنّ جميع ما بشّر به،و قام من أجله كان بايعاز من النبيّ صلّى اللّه عليه و اله،و هو افتراء محض.
و خاض المهدي معارك رهيبة مع حاكم السودان العامّ رؤوف باشا المصري، فهزمت جيوشه رؤوف باشا،و ساقت الحكومة المصريّة جيشا آخر لقتاله بقيادة جيقلر باشا البافاري،فهاجمه نحو من خمسين ألفا سودانيّا و هزموه،و هاجمه جيش مصري ثالث بقيادة هيكس باشا فابيد الجيش المصري،و انقادت السودان كلّها
للمهدي و قطن المهدي أمّ درمان،و أخذ يجمع الجموع للتغلّب على مصر،و أظهر عداءه العارم للانكليز،و قد استجاب له السودان و راسل الخديوي،و السلطان عبد الحميد و ملكة بريطانيا يخبرهم بدولته و أموره (1).
أصيب المهدي بحمى التيفوس و ذلك في ليلة الأربعاء لأربع ليال خلون من شهر رمضان سنة 1302 ه،و استمرّ به المرض أيّاما،و لمّا شعر بدنوّ أجله استخلف من بعده عبد اللّه التعايشي،و كان أمّيّا،و في يوم الاثنين تاسع رمضان توفّي،و بويع بعده خليفته عبد اللّه التعايشي (2)و بذلك انتهت حياته،و هو ألمع شخصيّة في العالم العربي ادّعت المهديّة و النيابة العامّة عن النبيّ صلّى اللّه عليه و اله.
ظهر مهدي تهامة في اليمن حوالي سنة 1159 م،ادّعى أنّه الإمام المنتظر الذي بشّر به الرسول الأعظم صلّى اللّه عليه و اله،و تبعه فريق من الأعراب،و قد استطاع القضاء على دولة الحمدانيّين في صنعاء،و على الدولة النجاحيّة في زبيد،و أعقبه حفيده عبد النبيّ سنة 1162 م،و أزال دولته توران شاه من قبل صلاح الدين الأيّوبي (3).
في سنة 1828 م ظهر في السنغال رجل ادّعى أنّه المهدي المنتظر،و رفع راية الثورة على الحكم القائم إلاّ أنّه فشل و قتل (4).
ظهر في سوسة،و هي إحدى مدن المغرب العربي رجل ادّعى أنّه الإمام المنتظر عليه السّلام،و تبعه كثيرون من الغوغاء،و قبل أن يتمّ دعوته و ينشر مبادئه و أهدافه قتل غيلة (1).
ادّعى محمّد بن عبد اللّه أنّه الإمام المنتظر،و ذلك في سنة 1899 م،و كانت له نفوذ واسعة في قبيلة أوجادين،و قد حارب البريطانيّين و الإيطاليّين و الأحباش ما يقرب من عشرين عاما،حتّى توفّي سنة 1920 م (2).
هؤلاء بعض من ادّعوا المهدويّة،و بهذا ينتهي بنا الحديث في هذا الفصل.
لعلّ أهمّ بحث-فيما أحسب-في هذا الكتاب يتطلّع إليه القرّاء هو البحث عن الأسباب التي دعت إلى غيبة الإمام المنتظر عليه السّلام عن العالم الإسلامي،و عدم اشتراكه بأيّ عمل في الميادين الاجتماعيّة و السياسيّة،و سائر القضايا المصيريّة للمسلمين، كما يهمّ القرّاء الوقوف على الأسباب الطبيعيّة التي أدّت إلى امتداد عمر الإمام عليه السّلام إلى قرون و أحقاب من الزمن تزيد في وقتنا على أكثر من ألف و مائة عام،و لم يخضع لظاهرة الشيخوخة و الهرم لدى الإنسان التي تسبّب تصلّب الأنسجة و الخلايا الجسميّة،و ما يتسرّب إلى الجسم من التسمّم و الميكروبات التي تؤدّي إلى فقدان الحياة و تلاشي الجسم.
هذه بعض الأمور التي نلقي الأضواء عليها،و نبحثها بصورة موضوعيّة و شاملة، كما نبحث عمّا يرتبط،و يتّصل بهذه البحوث،و فيما يلي ذلك:
أمّا غيبة الإمام المنتظر عليه السّلام فكانت ضروريّة و ملزمة،لا غنى للإمام عنها، و نعرض لبعض الأسباب التي حتّمت غيابه:
لقد أمعن العبّاسيّون منذ حكمهم و تولّيهم لزمام السلطة في ظلم العلويّين
و إرهاقهم،فصبّوا عليهم وابلا من العذاب الأليم،و قتلوهم تحت كلّ حجر و مدر، و لنستمع إلى الشعراء و المؤرّخين،فهم يحدّثونا ببعض ما عاناه السادة من العلويّين من الجور و الاضطهاد.
يقول أبو عطاء أفلح بن يسار السندي بحسرة و لوعه على أسياده العلويّين:
يا ليت جور بني مروان عاد لنا يا ليت عدل بني العبّاس في النار
و يقول شاعر المظلومين و المضطهدين دعبل الخزاعي:
و ليس حيّ من الأحياء نعلمه من ذي يمان و من بكر و من مضر
إلاّ و هم شركاء في دمائهم كما تشارك أيسار على جزر
قتل و أسرّ و تحريق و منهبة فعل الغزاة بأرض الرّوم و الخزر
أرى أميّة معذورين إذ قتلوا و لا أرى لبني العبّاس من عذر
و يقول يعقوب بن السكّيت العالم اللغوي (1)في المتوكّل العبّاسي حينما هدم قبر ريحانة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله،و نكّل بزائريه و شيعته،يقول:
تاللّه إن كانت أميّة قد أتت قتل ابن بنت نبيّها مظلوما
فلقد أتاه بنو أبيه بمثله هذا لعمرك قبره مهدوما
أسفوا على أن لا يكونوا شاركوا في قتله فتتبّعوه رميما
و يصف الأمير أبو فراس الحمداني في رائعته الخالدة ما حلّ بأهل البيت عليهم السّلام من صنوف التنكيل و التعذيب،و ما عانوه من الكوارث و الخطوب من بني العبّاس،ة.
1) و قيل الأبيات للبسّامي الشاعر،و قد أخفى اسمه خوفا عليه من السلطة العبّاسيّة العاتية.
يقول بألم و حزن:
إنّي أبيت قليل النّوم أرّقني قلب تصارع فيه الهمّ و الهمم
يا للرّجال أما للّه منتصر من الطّغاة أما للدّين منتقم
بنو عليّ رعايا في ديارهم و الأمر تملكه النّسوان و الخدم
محلأون فأضحى شربهم و شل عند الورود و أوفى ودّهم لمم
و يستمرّ في رائعته المشحونة بالعطف و الولاء على آل البيت،ثمّ يخاطب بني العبّاس فيهجوهم،يقول:
لا يطغينّ بني العبّاس ملكهم بنو عليّ مواليهم و إن زعموا
أتفخرون عليهم لا أبا لكم حتّى كأنّ رسول اللّه جدّكم
و ما توازن فيما بينكم شرف و لا تساوت بكم في موطن قدم
و لا لكم مثلهم في المجد متّصل و لا لجدّكم معشار جدّهم
و لا لعرقكم من عرقهم شبه و لا نفيلتكم من أمّهم أمم (1)
و يستطرد أبو فراس في هجائه لبني العبّاس،و يصف غدرهم بآل البيت ذلك الغدر الذي هو دون ما لاقوه من بني أميّة،يقول:
هلاّ كففتم عن الدّيباج سوطكم و عن بنات رسول اللّه شتمكم
ما نزّهت لرسول اللّه مهجته عن السّياط فهلاّ نزّه الحرم
ما نال منهم بنو حرب و إن عظمت تلك الجرائر إلاّ دون نيلكمس.
1) نفيلة:جدّة بني العبّاس.
كم غدرة لكم في الدّين واضحة و كم دم لرسول اللّه عندكم
أأنتم آله فيما ترون و في أظفاركم من بنيه الطّاهرين دم
يا جاهدا في مساويهم يكتّمها غدر الرّشيد بيحيى كيف ينكتم
ليس الرّشيد كموسى في القياس و لا مأمونكم كالرّضا إن أنصف الحكم
باءوا بقتل الرّضا من بعد بيعته و أبصروا بعض يوم رشدهم و عموا
إنّ رائعة الحمداني من مناجم الأدب العربي،و هي تاريخ حافل بما عاناه السادة من أهل البيت عليهم السّلام دعاة العدل الاجتماعي في الإسلام من صنوف الجور من طغاة بني العبّاس الذين ناهضوا كلّ دعوة إصلاحيّة،و ارغموا المسلمين على ما يكرهون.
و يصف ابن الرومي في قصيدته العصماء التي رثى بها الشهيد الخالد يحيى العلوي ما عاناه السادة العلويّون من الظلم و الجور في عهد طغاة بني العبّاس،يقول:
أمامك فانظر أيّ نهجيك تنهج طريقان شتّى مستقيم و أعوج
ألا أيّ هذا الناس طال ضريركم بآل رسول اللّه فاخشوا أو ارتجوا
أكلّ أوان للنّبيّ محمّد قتيل زكيّ بالدّماء مضرّج
تبيعون فيه الدّين شرّ أئمّة فللّه دين اللّه قد كاد يمرج (1)
بني المصطفى كم يأكل النّاس شلوكم لبلواكم عمّا قليل مفرّج
أما فيهم راع لحقّ نبيّه و لا خائف من ربّه يتحرّج
لقد عمهوا ما أنزل اللّه فيكم كأنّ كتاب اللّه فيهم ممجّج (2)ن.
إنّ ملوك بني العبّاس لم يرعوا أيّة حرمة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله في عترته و بنيه،فصبّوا عليهم صنوفا مرهقة و مريرة من الظلم و الاعتداء ما لم يشاهد نظيره في قسوته و فضاعته في جميع فترات التاريخ.
و يستمرّ ابن الرومي في رائعته في تقريع الجناة الذين ظلموا السادة العلويّين، و يخصّ بني العبّاس بالذكر،فيقول:
أجنّوا بني العبّاس من شنآنكم و شدّوا على ما في العباب و أشرجوا (1)
و خلّوا ولاة السّوء منكم و غيّهم فأحر بهم أن يغرقوا حيث لجّجوا
غررتم إذا صدّقتم أنّ حالة تدوم لكم و الدّهر لونان أخرج (2)
لعلّ لهم في منطوى الغيب ثائرا سيسمو لكم و الصّبح في اللّيل مولج (3)
و طلب ابن الرومي في هذه الأبيات من بني العبّاس أن يكفّوا من أحقادهم و شنآنهم على آل النبيّ صلّى اللّه عليه و اله،و أن يقصوا ولاة السوء و الجور من حكّامهم الذين جهدوا في ظلم السادة العلويّين،و أنزلوا العقاب الصارم بشيعتهم،كما حذّرهم ابن الرومي من مغبّة الدهر و تقلّباته،و أنّهم على خطأ كبير إن ظنّوا أنّ الحكم و السلطان يدوم لهم،و إنّ العلويّين تحت ظلمهم و جورهم،فلعلّ الزمان يجود بإمام منهم فينتقم من العبّاسيّين و غيرهم من الظالمين لآل البيت عليهم السّلام،و أكبر الظنّ أنّه عنى قائم آل محمّد صلوات اللّه عليه.
هذا بعض ما صوّره الشعراء من المآسي التي عاناها السادة العلويّون من طغاة بني العبّاس،التي صبّها العبّاسيّون على العلويّين.7.
و هذه الرسالة التي بعثها أبو بكر الخوارزمي إلى أهالي نيسابور فريدة في بابها، فقد حكت بأمانة و صدق ما جرى على آل بيت النبوّة و معدن العلم و الحكمة من الظلم و التنكيل بعد وفاة النبيّ صلّى اللّه عليه و اله من قبل الأمويّين و العبّاسيّين و غيرهم،و نحن ننقلها بنصّها لأنّها صوّرت مآسي العلويّين بدقّة و شمول،قال:«سمعتم أرشد اللّه سعيكم،و جمع على التقوى أمركم،ما تكلّم به السلطان الذي لا يتحامل إلاّ على العدل،و لا يميل إلاّ على جانب الفضل،و لا يبالي أن يمزّق دينه إذا رقا دنياه، و لا يفكّر في أن يقدّم رضا اللّه إذا وجد رضاه،و أنتم و نحن أصلحنا اللّه و إيّاكم عصابة لم يرض اللّه لنا الدنيا،فذخرنا للدار الآخرة،و رغب بنا عن ثواب العاجل،فأعدّ لنا ثواب الآجل،و قسمنا قسمين:قسم مات شهيدا،و قسم عاش شريدا،فالحيّ يحسد الميّت على ما صار إليه،و لا يرغب بنفسه عمّا جرى إليه.قال أمير المؤمنين و يعسوب الدين عليه السّلام:المحن إلى شيعتنا أسرع من الماء إلى الحدور،و هذه مقالة أسّست على المحن و ولد أهلها في طالع الهزاهز و الفتن،فحياة أهلها نغص، و قلوبهم حشوها غصص،و الأيّام عليهم متحاملة،و الدنيا عنهم مائلة،فإذا كنّا شيعة أئمّتنا في الفرائض و السنن،و متّبعي آثارهم في كلّ قبيح و حسن،فينبغي أن نتبع آثارهم في المحن».
و حكى هذا المقطع ما تعانيه شيعة آل البيت من صنوف الاضطهاد و الارهاق من حكّام الجور،و أنّ اللّه تعالى ادّخر ما يجري عليهم من المحن و البلوى في الدار الآخرة التي أعدّت جنانها لأولياء اللّه تعالى،فيعوّضهم أضعاف ما عانوه في سبيل محبّتهم لأهل بيت نبيّهم.و الذي يظهر من هذه الكلمات أنّ أهالي نيسابور قد تعرّضوا لأشدّ المحن و الخطوب لولائهم و محبّتهم لأهل البيت عليهم السّلام،فساق لهم
1) رسائل الخوارزمي:121.
أبو بكر هذه الرسالة تعزية و سلوى لهم.
و يستمرّ أبو بكر في رسالته فيقول:«غصبت سيّدتنا فاطمة صلوات اللّه عليها و على آلها ميراث أبيها صلوات اللّه عليه و على آله يوم السقيفة،و أخّر أمير المؤمنين عن الخلافة،و سمّ الحسن رضي اللّه عنه سرّا،و قتل أخوه كرّم اللّه وجهه جهرا،و صلب زيد بن عليّ بالكناسة،و قطع رأس زيد بن عليّ في المعركة (1)،و قتل ابناه محمّد و إبراهيم على يد عيسى بن موسى العبّاسي،و مات موسى بن جعفر في حبس هارون،و سمّ عليّ بن موسى بيد المأمون،و هزم إدريس بفخّ حتّى وقع إلى الأندلس فريدا،و مات عيسى بن زيد طريدا شريدا،و قتل يحيى بن عبد اللّه بعد الأمان و الأيمان،و بعد تأكيد العهود و الضمان».
عرض الخوارزمي في هذه الكلمات المآسي التي حلّت بأهل البيت،و كان من أفجعها ما جرى على سيّدة نساء العالمين،حبيبة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و بضعته فاطمة الزهراء صلوات اللّه عليها من المحن و الخطوب،فقد منعت عن مواريثها في يوم السقيفة ذلك اليوم الخالد في دنيا الأحزان،فجميع ما عانته العترة الطاهرة من صنوف الاعتداء و الظلم كان من نتائج ذلك اليوم،فقد أخّر الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام عن مركزه الذي أقامه النبيّ صلّى اللّه عليه و اله فيه في يوم غدير خمّ،و توالت الأحداث الرهيبة على أبناء الرسول صلّى اللّه عليه و اله،فقد سمّ معاوية بن هند سيّد شباب أهل الجنّة الإمام الحسن عليه السّلام،و قتل يزيد بن معاوية ريحانة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله الإمام الحسين،و أباد العترة الطاهرة على صعيد كربلاء بصورة لم يشهد التاريخ لها مثيلا في فضاعتها و مرارتها.
و من المآسي التي حلّت بأهل البيت قتل الشهيد الخالد زيد بن عليّ عليه السّلام،فقد قتله الأمويّون،و صلبوه على جذع النخلة،و استمرّ مصلوبا حفنة من السنين،و هو يضيء للمسلمين طريق الحريّة و الكرامة،و يدعوهم إلى النضال من أجل تحريرهما.
1) قطع رأس زيد بعد المعركة لا في أثنائها.
من الذلّ و العبوديّة،و ممّا عاناه سيّد أهل البيت في عصره الإمام الأعظم موسى بن جعفر عليه السّلام رائد العدالة الاجتماعيّة في عصره،فقد صبّ عليه الطاغية هارون الرشيد جامّ غضبه،و أودعه في ظلمات السجون حتّى توفّي عليه السّلام مسموما شهيدا،و عانى من بعده ولده الإمام الرضا عليه السّلام من طاغية زمانه المأمون العبّاسي،فقد أجبره على ولاية العهد ثمّ اغتاله بالسمّ بعد ذلك،إلى غير ذلك من المآسي التي جرت على السادة الأطهار،دعاة العدل و الكرامة في دنيا الإسلام.
و يستمرّ الخوارزمي في ذكر بعض ما جرى على العلويّين من الظلم فيقول:
«هذا غير ما فعل يعقوب بن الليث بعلويّة طبرستان،و غير قتل محمّد بن زيد، و الحسن بن القاسم الداعي على أيدي آل ساسان،و غير ما صنعه أبو الساج في علويّة المدينة،حملهم بلا غطاء و لا وطاء من الحجاز إلى سامرّاء،و هذا نفسه قتل قتيبة بن مسلم الباهلي لابن عمر بن عليّ حين أخذه بابويه،و قد ستر نفسه،و وارى شخصه يصانع حياته و يدافع وفاته،و لا كما فعله الحسين بن إسماعيل المصعبي بيحيى بن عمر الزيدي خاصّة،و ما فعله مزاحم بن خاقان بعلويّة الكوفة كافّة، و بحسبكم أنّه ليس في بيضة الإسلام بلدة إلاّ و فيها قتيل طالبي تربه،تشارك في قتلهم الأموي و العبّاسي،و أطبق عليهم العدناني و القحطاني.
فليس حيّ من الأحياء نعرفه من ذي يمان و من بكر و من مضر
إلاّ و هم شركاء في دمائهم كما تشارك أيسار على جزر
و حكت هذه الكلمات ما لاقاه السادة العلويّون و شيعتهم من صنوف القتل و التنكيل من العبّاسيّين،فقد أوعزوا إلى أجهزة أمنهم و مباحثهم بمطاردة العلويّين، و إنزال أقصى العقوبات الصارمة بهم،و قد ذكر الخوارزمي كوكبة من السادة العلويّين الذين نالوا شرف الشهادة على أيدي العبّاسيّين.
و يستمرّ الخوارزمي في ذكر النكبات التي جرت على العلويّين،فيقول:«قادتهم
الحميّة إلى المنيّة،و كرهوا عيش الذلّة،فماتوا موت العزّة،و وثقوا بما لهم في الدار الباقية،فسخت نفوسهم من هذه الفانية،ثمّ لم يشربوا كأسا من الموت إلاّ شربها شيعتهم و أولياؤهم،و لا قاسوا لونا من الشدائد إلاّ قاسه أنصارهم و أتباعهم».
و عرض الخوارزمي في هذا المقطع إلى عزّة العلويّين و كرامتهم،فقد أبوا أن يعيشوا أذلاّء خاضعين لجور العبّاسيّين و ظلمهم،فرفعوا راية الثورة عليهم ليموتوا أحرارا سعداء،و قد تجرّعوا في سبيل حرّيّتهم أشدّ ألوان العذاب و التنكيل،و مثل ما جرى عليهم من الظلم جرى على شيعتهم الذين تمرّدوا على الظلم و الطغيان.
و يمضي الخوارزمي في ذكر ما عاناه العلويّون و شيعتهم من الاضطهاد،فيقول:
«داس عثمان بن عفّان بطن عمّار بن ياسر بالمدينة،و نفى أبا ذر الغفاري،و أشخص عامر بن عبد القيس التميمي،و ضرب الأشتر النخعي،و عدي بن حاتم الطائي، و سيّر عمر بن زرارة إلى الشام،و نفى كميل بن زياد إلى العراق،و جفا أبيّ بن كعب، و عادى محمّد بن حذيفة و ناواه،و عمل في دم ابن سالم ما عمل،و فعل مع كعب ذي الحطبة ما فعل».
عرض الخوارزمي في هذه الكلمات إلى ما اقترفه عثمان بن عفّان عميد الأسرة الأمويّة من التنكيل و الاضطهاد في خيار الصحابة،أمثال الصحابي العظيم عمّار بن ياسر،و الصحابي الجليل أبي ذرّ الغفاري،و أمثالهما من المعارضين لسياسته التي خلقت الرأسماليّة،و ميّزت الأمويّين و آل أبي معيط على غيرهم،فقد منحهم عثمان الثراء العريض،و حملهم على رقاب المسلمين،الأمر الذي أدّى إلى إجماع المسلمين على قتله.
و يستمرّ الخوارزمي في ذكر المآسي التي عاناها أهل البيت و شيعتهم فيقول:
«و اتّبعه فى سيرته-أي سيرة عثمان-بنو أميّة،يقتلون من حاربهم،و يغدرون بمن سالمهم،لا يحفلون لمهاجري،و لا يصونون الأنصاري،و لا يخافون اللّه،
و لا يحتشمون الناس،قد اتّخذوا عباد اللّه خولا،و مال اللّه دولا،يهدمون الكعبة، و يستعبدون الصحابة،و يعطّلون الصلاة الموقوتة،و يختمون أعناق الأحرار، و يسيرون في حرم المسلمين سيرتهم في حرم الكفّار،و إذا فسق الأموي فلم يأت بالضلالة عن كلالة».
و حكى هذا المقطع الجرائم و الموبقات التي اقترفها بنو أميّة،فقد ساسوا الناس سياسة لم يألفوها،فحكموا بالظلم و الجور،و احتقروا المصلحين،و أرغموا الناس على ما يكرهون،إلى غير ذلك من مساوئهم.
و يأخذ الخوارزمي في ذكر ما عاناه أتباع العلويّين من الظلم و الاعتداء من حكّام الأمويّين،فيقول:«قتل معاوية حجر بن عدي الكندي،و عمرو بن الحمق الخزاعي بعد الأيمان المؤكّدة،و المواثيق المغلّظة،و قتل زياد بن سميّة الألوف من شيعة الكوفة،و شيعة البصرة صبرا،و أوسعهم حبسا و أسرا،حتّى قبض اللّه معاوية على أسوأ أعماله،و ختم عمره بشرّ أحواله،فأتبعه ابنه يجهز على جرحاه،و يقتل أبناء قتلاه،إلى أن قتل هانئ بن عروة المرادي،و مسلم بن عقيل الهاشمي أوّلا،و عقّب بالحرّ بن زياد الرياحي،و بأبي موسى عمرو بن قرضة الأنصاري،و حبيب بن مظهر الأسدي،و سعيد بن عبد اللّه الحنفي،و نافع بن هلال الجملي،و حنظلة بن أسد الشبامي،و عابس بن أبي شبيب الشاكري في نيف و سبعين من جماعة شيعته،و أمر بالحسين عليه السّلام يوم كربلاء ثانيا،ثمّ سلّط عليهم الدعي ابن الدعي عبيد اللّه بن زياد بالحسين عليه السّلام يوم كربلاء ثانيا،ثمّ سلّط عليهم الدعي ابن الدعي عبيد اللّه بن زياد يصلبهم على جذوع النخل،و يقتلهم ألوان القتل،حتّى اجتثّ اللّه دابره،ثقيل الظهر بدمائهم التي سفك،عظيم التبعة بحريمهم الذي انتهك،فانتبهت لنصرة أهل البيت طائفة أراد اللّه أن يخرجهم من عهدة ما صنعوا،و يغسل عنهم و ضر ما اجترحوا، فصمدوا ضدّ الفئة الباغية،و طلبوا بدم الشهيد،لا يزيدهم قلّة عددهم،و انقطاع مددهم،و كثرة سواد أهل الكوفة بإزائهم إلاّ إقداما على القتل و القتال،و سخاء بالنفوس و الأموال،حتّى قتل سليمان بن صرد الخزاعي،و المسيّب بن نجبة
الفزاري،و عبيد اللّه بن وال التميمي في رجال من خيار المؤمنين،و علية التابعين و مصابيح الأنام،و فرسان الإسلام».
عرض الخوارزمي في هذا المقطع إلى ما عانته الشيعة في عهد معاوية بن أبي سفيان من صنوف القتل و التنكيل،فقد سلّط عليهم زياد بن أبيه،فأمعن في قتلهم و مطاردتهم و ظلمهم،فلمّا انتهى دور معاوية أعقبه ولده يزيد،فاقترف من الجرائم ما سوّد به وجه التاريخ،فقد أباد عترة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله في وحشيّة قاسية ليس لها مثيل في فظاعتها و مرارتها،و قد انتهكت بذلك حرمة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله في أبنائه و ذرّيّته، و لم يكتف ابن مرجانة بما اقترفه مع سيّد شباب أهل الجنّة،و إنّما عمد إلى خيار الشيعة كميثم التمّار،فصلبه على جذع النخلة،و قد انتفضت كوكبة من خيار الشيعة بعد هلاك الطاغية يزيد،فطالبوا بدم الإمام الحسين عليه السّلام،و هم التوّابون،و استشهد منهم أعلامهم أمثال سليمان بن صرد الخزاعي،و المسيّب بن نجبة الفزاري، و عبد اللّه بن وال التميمي،و غيرهم من مصابيح الإسلام.
و يستمرّ الخوارزمي في عرض المآسي التي جرت على السادة العلويّين،فيقول:
«ثمّ تسلّط ابن الزبير على الحجاز و العراق،فقتل المختار بعد أن شفى الأوتار، و أدرك الثار،و أفنى الأشرار،و طلب بدم المظلوم الغريب،فقتل قاتله،و نفى خاذله،و أتبعوه أبا عمرة بن كيسان،و أحمر بن شميط،و رفاعة بن يزيد، و السائب بن مالك،و عبد اللّه بن كامل،و تلقطّوا بقايا الشيعة يمثّلون بهم كلّ مثلة، و يقتلونهم شرّ قتلة،حتّى طهّر اللّه من عبد اللّه بن الزبير البلاد،و أراح من أخيه مصعب العباد،فقتلهما عبد الملك بن مروان وَ كَذٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظّٰالِمِينَ بَعْضاً بِمٰا كٰانُوا يَكْسِبُونَ (1)بعد ما حبس ابن الزبير محمّد بن الحنفيّة،و أراد إحراقه، و نفى عبد اللّه بن العبّاس،و أكثر إهراقه».9.
1) الأنعام 6:129.
و حكت هذه الكلمات ثورة القائد الملهم العظيم المختار بن أبي عبيد الثقفي الذي طهّر الأرض من أرجاس الخونة المجرمين،قتلة سيّد شباب أهل الجنّة الإمام الحسين عليه السّلام،فقد طاردهم و قتلهم تحت كلّ حجر و مدر،و قد بليت الأمّة بعبد اللّه بن الزبير و أخيه مصعب،فقد استوليا على الحجاز و العراق،و أبادا بصورة جماعيّة شيعة أهل البيت عليهم السّلام،و في طليعتهم حاكم العراق المختار و جماعته من عيون المؤمنين و الصالحين،و لكن لم يستقم الأمر لمصعب و أخيه،فقد قتلهما الطاغية عبد الملك بن مروان،فأراح اللّه البلاد و العباد منهما.
و يلقي الخوارزمي نظرة على شيعة أهل البيت في أيّام عبد الملك بن مروان و غيره من ملوك الأمويّين،فيقول:«فلمّا خلت البلاد لآل مروان سلّطوا الحجّاج على الحجازيّين،ثمّ على العراقيّين،فتلعّب بالهاشميّين،و أخاف الفاطميّين،و قتل شيعة عليّ،و محا آثار بيت النبوّة،و جرى منه ما جرى على كميل بن زياد النخعي، و اتّصل البلاء مدّة ملك المروانيّة إلى الأيام العبّاسيّة،حتّى إذا أراد اللّه أن يختم مدّتهم بأكثر آثامهم،و يجعل أعظم ذنوبهم في آخر أيّامهم بعث على بقيّة الحقّ المهمل،و الدين المعطّل زيد بن عليّ،فخذله منافقو أهل العراق،و قتله أحزاب أهل الشام،و قتل معه من شيعته نصر بن خزيمة الأسدي،و معاوية بن إسحاق الأنصاري و جماعة ممّن شايعه و تابعه،و حتّى من زوّجه و أدناه و حتّى من كلّمه و ماشاه».
عرض الخوارزمي في هذا المقطع إلى حكم المروانيّين،و تسلّطهم على رقاب المسلمين،فكان من جرائمهم و مخازيهم أن سلّطوا الارهابي المجرم الحجّاج بن يوسف الثقفي على رقاب المسلمين،فأمعن في قتل الأخيار و المصلحين،و تتبّع شيعة العلويّين فأبادهم،و محا آثار أهل البيت،و قد ضاق الأمر بالشيعة حتّى قام الشهيد الخالد زيد بن عليّ،ففجّر ثورته الكبرى التي أعلن فيها حقوق الإنسان، و تحرير إرادة المسلم.
و من المؤسف أنّ أهل الكوفة خانوه و خذلوه،حتّى استشهد سلام اللّه عليه، فتتبّع الأمويّون شيعته و مناصريه فأبادوهم إبادة شاملة.
و يعرض الخوارزمي بعد ذلك إلى زوال حكم الأمويّين و تشكيل الدولة العبّاسيّة، و ما عاناه الشيعة و العلويّون من صنوف الارهاق،فيقول:«فلمّا انتهكوا ذلك الحريم،و اقترفوا ذلك الإثم العظيم غضب اللّه عليهم،و انتزع الملك منهم،فبعث عليهم أبا مجرم-لا أبا مسلم-فنظر لا نظر اللّه إليه إلى صلابة العلويّة،و إلى لين العبّاسيّة،فترك تقاه،و اتّبع هواه،و باع آخرته بدنياه،و افتتح عمله بقتل عبد اللّه بن معاوية بن عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب،و سلّط طواغيت خراسان و خوارج سجستان و أكراد أصفهان على آل أبي طالب يقتلهم تحت كلّ حجر و مدر،و يطلبهم في كلّ سهل و جبل،حتّى سلّط عليه أحبّ الناس إليه فقتله كما قتل الناس في طاعته،و أخذه بما أخذ الناس في بيعته،و لم ينفعه أن أسخط اللّه برضاه،و أن ركب ما لا يهواه،و حلت من الدوانيقي الدنيا،فخبط فيها عسفا،و تقضى فيها جورا و حيفا،إلى أن مات،و قد امتلأت سجونه بأهل بيت الرسالة،و معدن الطيب و الطهارة،قد تتبّع غائبهم،و تلقّط حاضرهم،حتّى قتل عبد اللّه بن محمّد بن عبد اللّه الحسني(بالسند)على يد عمر بن هشام التغلبي،فما ظنّك بمن قرب متناوله عليه، و لان مسّه على يديه؟و هذا قليل في جنب ما قتله هارون منهم،و فعله موسى قبله بهم،فقد عرفتم ما توجّه على الحسين بن عليّ بفخّ من موسى،و ما اتّفق على عليّ بن الأفطس الحسيني من هارون،و ما جرى على أحمد بن عليّ الزيدي،و على القاسم بن عليّ الحسني من حبسه،و عليّ بن غسّان حاضر الخزاعي حين أخذ من قبله،و الجملة أنّ هارون مات و قد حصد شجرة النبوّة،و اقتلع غرس الإمامة و أنتم أصلحكم اللّه أعظم نصيبا في الدين من الأعمش،فقد شتموه،و من شريك فقد عزلوه،و من هشام بن الحكم فقد أخافوه،و من عليّ بن يقطين فقد اتّهموه».
و حكى هذا المقطع المآسي و النكبات التي جرت على السادة العلويّين و على
شيعتهم في عهد العبّاسيّين،فقد أسرفوا في ظلمهم،و أمعنوا في قتلهم،و فعلوا بهم ما لم تفعله بهم عتاة بني أميّة،و قد ذكر الخوارزمي قائمة بأسماء السادة العلويّين الذي قتلهم أبو مسلم الخراساني الذي انتقم اللّه منه،فقد أذاقه المنصور الكأس التي سقى به مئات الآلاف من المسلمين،و خصوصا السادة العلويّين،و أعظم ما جرى على العلويّين في عهد المنصور الدوانيقي فقد أسرف هذا الطاغية في قتلهم،فقد انمحت من نفسه جميع أفانين المروة و الشرف،و لم يرع أي حقّ لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله في ذرّيّته و بنيه،فقد طاردهم و تتبّعهم تحت كلّ حجر و مدر،فمن عثر عليه قتله أو أودعه في ظلمات السجون،و لمّا هلك هذا الطاغية كانت زنزانة سجونه مليئة بالأبرياء من السادة و شيعتهم،و استمرّ الظلم على العلويّين من أبناء المنصور و أحفاده،و كان من أقصى ما لا قوه و عانوه في عهد الطاغية هارون،فقد أباد أبناء النبيّ صلّى اللّه عليه و اله قتلا و تنكيلا،و اعتدى على سيّد العترة في عصره الإمام الأعظم موسى بن جعفر عليه السّلام،فأودعه حفنة من السنين في سجونه،ثمّ اغتاله بالسمّ.
و يستمرّ الخوارزمي في ذكر ما جرى على العلويّين و شيعتهم من الظلم،فيقول:
«فأمّا في الصدر الأوّل،فقد قتل زيد بن صوحان العبدي،و عوقب عثمان بن حنيف الأنصاري،و خفي حارثة بن قدامة السعدي،و جندب بن زهير الأزدي،و شريح بن هانئ المرادي،و مالك بن كعب الأرحبي،و معقل بن قيس الرياحي،و الحارث الأعور الهمداني،و أبو الطفيل الكناني،و ما فيهم إلاّ من خرّ على وجهه قتيلا أو عاش في بيته ذليلا،يسمع شتمة الوصيّ فلا ينكر،و يرى قتلة الأوصياء و أولادهم فلا يغيّر،و لا يخفى عليكم حرج عامّتهم و حيرتهم،كجابر الجعفي،و كرشيد الهجري،و كزرارة بن أعين،و كفلان و أبي فلان ليس إلاّ أنّهم رحمهم اللّه كانوا يتولّون أولياء اللّه،و يتبرّأون من أعدائه،و كفى به جرما عظيما عندهم و عيبا كبيرا بينهم».
و حكت هذه الكلمات ما عاناه الشيعة من صنوف القتل و الاضطهاد في أيّام الحكم الأموي الأسود؛و ذلك لولائهم لأهل البيت عليهم السّلام الذين فرض اللّه مودّتهم
على جميع المسلمين.
و يعرج الخوارزمي بعد ذلك إلى ما جرى على الشيعة من الخطوب و الظلم أيّام الحكم العبّاسي الذي هو أشدّ قسوة من الحكم الأموي،فيقول:«و قل في بني العبّاس فإنّك ستجد بحمد اللّه تعالى مقالا،و جل في عجائبهم فإنّك ترى ما شئت مجالا.
يجيء فيئهم فيفرّق على الديلمي و التركي و يحمل إلى المغربي و الفرغاني و يموت إمام من أئمّة الهدى،و سيّد من سادات بني المصطفى،فلا تتبع جنازته، و لا تجصّص مقبرته،و يموت(ضراط)لهم أو لاعب أو مسخرة أو ضارب،فتحضر جنازته العدول و القضاة،و يعمر مسجد التعزية عنه القواد و الولاة،و يسلم فيهم من يعرفونه دهريّا أو سوفسطائيّا،و لا يتعرّضون لمن يدرس كتابا فلسفيّا و مانويّا، و يقتلون من عرفوه شيعيّا،و يسفكون دم من سمّى ابنه عليّا،و لو لم يقتل من شيعة أهل البيت غير المعلّى بن خنيس قتيل داود بن عليّ،و لو لم يحبس فيهم غير أبي تراب المروزي لكان ذلك جرحا لا يبرأ،و ثائرة لا تطفأ،و صدعا لا يلتئم،و جرحا لا يلتحم،و كفاهم أنّ شعراء قريش قالوا:في الجاهليّة أشعارا يهجون بها أمير المؤمنين عليه السّلام،و يعارضون فيها أشعار المسلمين،فحملت أشعارهم و دوّنت أخبارهم،و رواها الرواة،مثل الواقدي و وهب بن منبّه التميمي،و مثل الكلبي و الشرقي بن القطامي،و الهيثم بن عدي،و داب بن الكناني.
و إنّ بعض شعراء الشيعة يتكلّم في ذكر مناقب الوصيّ و في ذكر معجزات النبيّ صلّى اللّه عليه و اله فيقطع لسانه،و يمزّق ديوانه،كما فعل بعبد اللّه بن عمّار البرقي،و كما أريد بالكميت بن زيد الأسدي،و كما نبش قبر منصور بن الزبرقان النمري،و كما دمّر على دعبل بن عليّ الخزاعي،مع رفقتهم من مروان بن أبي حفصة اليمامي،و من عليّ بن الجهم الشامي ليس إلاّ لغلوّهما في النصب و استيجابها مقت الربّ،حتّى أنّ هارون
ابن الخيزران و جعفر المتوكّل على الشيطان-لا على الرحمن-كانا لا يعطيان مالا، و لا يبذلان نوالا إلاّ لمن شتم آل أبي طالب،و نصر مذهب النواصب مثل عبد اللّه بن مصعب الزبيري،و وهب بن وهب البختري،و من الشعراء مثل مروان بن أبي حفصة الأموي،و من الأدباء مثل عبد الملك بن قريب الأصمعي،فأمّا في أيّام جعفر،فمثل بكّار بن عبد اللّه الزبيري،و أبي السمط بن أبي الجون الأموي،و ابن أبي الشوارب العبشمي».
عرض الخوارزمي في هذا المقطع إلى المحن الشاقّة و العسيرة التي واجهتها شيعة أهل البيت في عهد الحكم العبّاسي الذي أمعن في إرهاقهم و اضطهادهم، و ذكر الخوارزمي كوكبة من أعلام الشيعة الذين أعدموا و سجنوا لا لذنب اقترفوه، و إنّما لولائهم لعترة نبيّهم صلّى اللّه عليه و اله،كما ذكر الخوارزمي بعض الاجراءات الظالمة التي عملتها للقضاء على ذكر أهل البيت و التي منها أنّ من يمدحهم و يذكر مآثرهم و مناقبهم يتعرّض للقتل و السجن،و من يهجوهم و يشتمهم تكرمه السلطة،و تغدق عليه المال و الثراء العريض.
و من بنود هذه الوثيقة التي كشفت الغطاء عن المآسي الفظيعة التي عاناها العلويّون و شيعتهم قوله:«و نحن أرشدكم اللّه قد تمسّكنا بالعروة الوثقى،و آثرنا الدين على الدنيا،و ليس يزيدنا بصيرة زيادة من زاد فينا،و لن يحلّ لنا عقدة نقصان من نقص منّا،فإنّ الإسلام بدأ غريبا،و سيعود غريبا كما بدأ،كلمة من اللّه و وصيّة من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله يورثها من يشاء من عباده،و العاقبة للمتّقين،و مع اليوم غد،و مع السبت أحد.
قال عمّار بن ياسر رضي اللّه عنه يوم صفّين:لو ضربونا حتّى نبلغ سعفات هجر لعلمنا أنّا على الحقّ،و أنّهم على الباطل،و لقد هزم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله،ثمّ هزم،و لقد تأخّر أمر الإسلام ثمّ تقدّم الم* أَ حَسِبَ النّٰاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنّٰا وَ هُمْ
لاٰ يُفْتَنُونَ (1)،و لو لا محنة المؤمنين و قلّتهم،و دولة الكافرين و كثرتهم لما امتلأت جهنم،حتّى تقول:هل من مزيد،و لما قال اللّه تعالى: وَ لٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاٰ يَعْلَمُونَ ،و لما تبيّن الجزوع من الصبور،و لا عرف الشكور من الكفور،و لما استحقّ المطيع الأجر،و لا احتقب العاصي الوزر،فإن أصابتنا نكبة فذلك ما قد تعوّدناه،و إن رجعت لنا دولة فذلك ما قد انتظرناه،و عندنا بحمد اللّه تعالى لكلّ حالة آلة،و لكلّ مقام مقالة،فعند المحن الصبر،و عند النعم الشكر،و لقد شتم أمير المؤمنين عليه السّلام على المنابر ألف شهر،فما شككنا في وصيّته،و كذّب محمّد صلّى اللّه عليه و اله بضع عشرة سنة،فما اتّهمناه في نبوّته،و عاش إبليس مدّة تزيد على المدد،فلم نرقب في لعنته،و ابتلينا بفترة الحقّ،و نحن مستيقنون بدولته،و دفعنا إلى قتل الإمام بعد الإمام،و الرضا بعد الرضا،و لا مرية عندنا في صحّة إمامته،و كان وعد اللّه مفعولا،و كان أمر اللّه قدرا مقدورا،كلاّ سوف تعلمون،ثمّ كلا سوف تعلمون، و سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون،و لتعلمنّ نبأه بعد حين».
و حكت هذه الكلمات صمود الشيعة،و عدم اكتراثها بالضربات القاسية و الموجعة التي تلقّتها من الارهابيّين و المجرمين من أعداء أهل البيت،فلم تنثن في الإسلام،و قد أثبتت الشيعة في مواقفها الصلبة أيّام الحكم الأموي و الحكم العبّاسي أنّها من أصلب المدافعين عن الإسلام،و المناهضين للجور و الطغيان،فقد رفعت راية الإسلام عالية خفّاقة،و لم تحفل بالكوارث و الخطوب التي صبّها عليهم أولئك اللصوص من حكّام الأمويّين و العبّاسيّين.
و يستمرّ الخوارزمي في رسالته فيقول:«اعلموا رحمكم اللّه أنّ بني أميّة الشجرة الملعونة في القرآن،و أتباع الطاغوت و الشيطان،جهدوا في دفن محاسن الوصيّ، و استأجروا من كذب في الأحاديث على النبيّ صلّى اللّه عليه و اله،و حوّلوا الجوار إلى بيت2.
1) العنكبوت 29:1 و 2.
المقدس عن المدينة،و الخلافة-زعموا-إلى دمشق عن الكوفة،و بذلوا في طمس هذا الأمر الأموال،و قلّدوا عليه الأعمال،و اصطنعوا فيه الرجال،فما قدروا على دفن حديث من أحاديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله،و لا على تحريف آية من كتاب اللّه، و لا على دسّ أحد من أعداء اللّه في أولياء اللّه،و لقد كان ينادى على رؤوسهم بفضائل العترة،و يبكت بعضهم بعضا بالدليل و الحجّة،لا تنفع في ذلك هيبته-أي هيبة السلطان-و لا يمنع منه رغبة،و لا رهبة،و الحقّ عزيز و إن استذلّ أهله،و كثير و إن قلّ حزبه،و الباطل ذليل و إن رصّع بالشبهة،و قبيح و إن غطّي وجهه بكلّ مليح.
قال عبد الرحمن بن الحكم و هو من أنفس بني أميّة:
سميّة أمسى نسلها عدد الحصى و بنت رسول اللّه ليس لها نسل
و قال غيره:
لعن اللّه من يسبّ عليّا و حسينا من سوقة و إمام
و قال أبو دهبل الجمحي في سمة سلطان بني أميّة و ولاية آل بني سفيان:
تبيت السّكارى من أميّة نوّما و بالطّفّ قتلى ما ينام حميمها
و قال سليمان بن قتّة:
و إنّ قتيل الطّفّ من آل هاشم أذلّ رقاب المسلمين فذلّت
و قال الكميت بن زيد،و هو جار خالد بن عبد اللّه القسري:
فقل لبني أميّة حيث حلّوا و إن خفت المهنّد و القطيعا
أجاع اللّه من أشبعتموه و أشبع من بجوركم أجيعا»
عرض الخوارزمي في هذا المقطع إلى ما بذله الأمويّون من جهود جبّارة لطمس
فضائل الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام،فقد سخّروا جميع إمكانيّاتهم الاقتصاديّة و السياسيّة و الإعلاميّة لمحو ذكر العترة الطاهرة،و ستر مناقبهم و مآثرهم،فلم يفلحوا،فقد برزت فضائلهم كأسمى صورة عرفتها الإنسانيّة في جميع مراحل تاريخها،كما ظهرت للعيان صور اللصوص و قطّاع الطرق من أعدائهم الذين نهبوا أموال المسلمين،و أنفقوها على شهواتهم و رغباتهم،و أرغموا المسلمين على ما يكرهون.
و يقول الخوارزمي في رسالته:«ما هذا بأعجب من صياح شعراء بني العبّاس على رؤوسهم بالحقّ،و إن كرهوا،و بتفضيل من نقصوه و قتلوه.قال منصور بن الزبرقان على بساط هارون:
آل النّبيّ و من يحبّهم يتطامنون مخافة القتل
أمن النّصارى و اليهود و هم من أمّة التّوحيد في أزل (1)
و قال دعبل بن عليّ،و هو صنيعة بني العبّاس و شاعرهم (2):
ألم تر أنّي من ثمانين حجّة أروح و أغدو دائم الحسرات
أرى فيئهم في غيرهم متقسّما و أيديهم من فيئهم صفرات
و قال عليّ بن العبّاس الرومي،و هو مولى المعتصم:
بكلّ أوان للنّبيّ محمّد قتيل زكيّ بالدّماء مضرّجي.
1) الأزل:الضيق و الشدّة.
2) لم يكن دعبل الخزاعي صنيعة بني العبّاس و شاعرهم،و إنّما كان شاعر السادة العلويّين و مادحهم،و تعرّض في سبيل ذلك لأقسى ألوان المحن و الخطوب،كما يشهد بذلك ما أعلنه دعبل بهذين البيتين من قصيدته الخالدة التي تلاها على الإمام الرضا عليه السّلام،و فيما أحسب أنّ هذه الفقرة كانت من الناسخ،أو سهوا من الخوارزمي.
و قال إبراهيم بن العبّاس الصولي،و هو كاتب القوم و عاملهم في الرضا لما قرّبه المأمون:
يمنّ عليكم بأموالكم و تعطون من مائة واحدا
و حكت هذه الكلمات ما أعلنه شعراء الشيعة بتفضيل الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام و أبنائه الأئمّة الطاهرين على العبّاسيّين و غيرهم،و قد أعلنوا ذلك في أحرج الظروف و أقساها،فقد كان النطع و السيف هو المصير لمن يذكر الأئمّة الطاهرين بخير،إلاّ أنّ أولئك الأبطال لم يحفلوا بما عانوه من القتل و التشريد في سبيل كلمة الحقّ.
و يستمرّ الخوارزمي في رسالته،فيقول:«و كيف لا ينتقصون-أي الشعراء-قوما يقتلون بني عمّهم جوعا و سغبا،و يملأون ديار الترك و الديلم فضّة و ذهبا، يستنصرون المغربي و الفرغاني،و يجفون المهاجري و الأنصاري،و يولّون أنباط السواد وزاراتهم،و قلف العجم قيادتهم،و يمنعون آل أبي طالب ميراث أمّهم،و فيء جدّهم،يشتهي العلوي الآكلة فيحرمها،و يقترح على الأيّام الشهوة فلا يطعمها، و خراج مصر و الأهواز،و صدقات الحرمين و الحجاز تصرف إلى ابن أبي مريم المديني،و إلى إبراهيم الموصلي،و ابن جامع السهمي،و إلى زلزل الضارب، و برصوما الزامر،و إقطاع بختيشوع النصراني،قوت أهل بلد،و جاري بغا التركي، و الأفشين الأسروشني كفاية أمّة ذات عدد،و المتوكّل يتسرّى باثني عشر ألف سريّة،و السيّد من سادات أهل البيت يتعفّف بزنجيّة أو سنديّة،و صفوة مال الخراج مقصور على أرزاق الأفاغنة،و على موائد المخانثة،و على طعمة الكلابين،و رسوم القرّادين،و على مخارق و علوية المغنّي،و على زرزر،و عمر بن بانة الملهي، و يبخلون على الفاطمي بأكلة أو شربة،يصرفونه على دانق و حبّة،و يشترون العوادة بالبدر،و يجرون لها ما يفي برزق عسكر،و القوم الذين أحلّ لهم الخمس،و حرمت عليهم الصدقة،و فرضت لهم الكرامة و المحبّة،يتكفّون ضرّا،و يهلكون فقرا،
و يرهن أحدهم سيفه،و يبيع ثوبه،و ينظر إلى فيئه بعين مريضة،و يتشدّد على دهره بنفس ضعيفة ليس له ذنب إلاّ أنّ جدّه النبيّ،و أباه الوصيّ،و أمّه فاطمة،و جدّته خديجة،و مذهبه الإيمان،و إمامه القرآن».
و حفلت هذه القطعة ببعض المآسي التي عاناها العلويّون،و التي منها فرض الحصار الاقتصادي عليهم من قبل الطغمة العبّاسيّة،فقد منعوهم من أبسط حقوقهم،و ضيّقوا عليهم غاية التضييق،حتّى لم يجد العلويّ ثوبا يستر بدنه، و لا طعاما يسدّ رمقه في حين أنّ أموال الدولة تصرف على المغنّين و العابثين و الماجنين،و قد ذكر الخوارزمي قائمة بأسمائهم،و قد أنفقت الحكومات العبّاسيّة عليهم الملايين من الأموال،و تركت الشعوب الإسلاميّة ترزح تحت كابوس الفقر و الحرمان.
و من بنود هذه الرسالة ما يلي:«و لقد كانت في بني أميّة مخازي تذكر،و معايب تؤثر،كان معاوية قاتل الصحابة و التابعين،و أمّة آكلة الشهداء الطاهرين،و ابنه يزيد القرود،مربّي الفهود،و هادم الكعبة،و منهب المدينة،و قاتل العترة،و صاحب يوم الحرّة،و كان مروان الوزغ ابن الوزغ،لعن النبيّ صلّى اللّه عليه و اله أباه،و هو في صلبه،فلحقته لعنة اللّه ربّه،و كان عبد الملك صاحب الخطيئة التي طبقت الأرض و شملت،و هي توليته الحجّاج بن يوسف الثقفي،فاتك العباد،و قاتل العباد،و مبيد الأوتاد،و مخرّب البلاد،و خبيث أمّة محمّد الذين جاءت به النذر،و ورد فيه الأثر،و كان الوليد جبّار بني أميّة،و ولّى الحجّاج على المشرق،و قرّة بن شريك على المغرب،و أنّ سليمان صاحب البطن الذي قتلته بطنه،و مات شبعا و تخمة،و كان يزيد صاحب سلامة و حبابة الذي نسخ الجهاد بالخمر،و قصر أيام خلافته على العود و الزمر،و أوّل من أغلى سعر المغنّيات،و أعلن بالفاحشات،و ماذا أقول:فيمن أعرق فيه مروان من جانب و يزيد بن معاوية من جانب،فهو ملعون بين ملعونين،و عريق في الكفر بين كافرين،و كان هشام قاتل زيد بن عليّ،مولى يوسف بن عمر الثقفي،و كان الوليد بن
يزيد خليع بني مروان الكافر بالرحمن،الممزّق بالسهام القرآن،و أوّل من قال الشعر في نفي الإيمان،و جاهر بالفسوق و العصيان».
عرض الخوارزمي في هذا المقطع حال ملوك الأمويّين،و ما أثر عنهم من المخازي التي سوّدوا بها وجه التاريخ،و قد عانت الأمّة في ظلال حكمهم الأسود من الخطوب و الكوارث،فقد نهبوا الاقتصاد،و صادروا حريّات الناس،و استعملوا عليهم ذئاب البشريّة،أمثال المجرم الارهابي الحجّاج بن يوسف الثقفي،و أمثاله من القساة المجرمين،فأحالوا الحياة إلى جحيم،فقد أشاعوا الظلم و الفساد بين الناس.
و لنستمع إلى الفصل الأخير من هذه الرسالة،يقول فيها:«و هذه المثالب مع عظمها و كثرتها،و مع قبحها و شنعتها،صغيرة و قليلة في جنب مثالب بني العبّاس الذين بنوا مدينة الجبّارين،و فرّقوا في الملاهي و المعاصي أموال المسلمين،هؤلاء أرشدكم اللّه الأئمّة المهديّون الراشدون،الذين قضوا بالحقّ و به يعدلون،بذلك يقف خطيب جمعتهم،و بذلك تقوم صلاة جماعتهم».
و أعرب الخوارزمي في هذه الكلمات عن مثالب بني العبّاس،و أنّها أفظع بكثير من موبقات بني أميّة و جرائمهم،فقد أنفق العبّاسيّون أموال الأمّة على شهواتهم و ملاذّهم و لياليهم الحمراء،في حين أنّ الغالبيّة الساحقة من الشعوب الإسلاميّة قد نهشها الجوع و البؤس و الحرمان،و من الغريب أن تضفى الألقاب الكريمة،و النعوت الحسنة على أولئك الملوك،فيقال عنهم:إنّهم أئمّة مهديّون يقضون بالحقّ و به يعدلون.
و بهذا ينتهي بنا المطاف في الحديث عن هذه الرسالة،التي هي من أوثق البنود السياسيّة،قد حكت بصورة صادقة و موضوعيّة ما عاناه السادة العلويّون و شيعتهم من المآسي و الكوارث المدمّرة من حكّام الأمويّين و العبّاسيّين،و هي تلقي الأضواء على السبب في اختفاء الإمام المنتظر عليه السّلام،و حجبه عن الناس.
و فيما أحسب أنّ من الأسباب الرئيسة التي دعت إلى فرض الإقامة الجبريّة على الإمامين الزكيّين الإمام علي الهادي و نجله الإمام الحسن العسكري عليهم السّلام في سامرّاء، و احاطتهما بقوى مكثّفة من الأمن،رجالا و نساء،هي التعرّف على ولادة الإمام المنتظر لإلقاء القبض عليه،و تصفيته جسديّا،فقد أرعبتهم،و ملأت قلوبهم فزعا ما تواترت به الأخبار عن النبيّ صلّى اللّه عليه و اله،و عن أوصيائه الأئمّة الطاهرين أنّ الإمام المنتظر هو آخر خلفاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله،و أنّه هو الذي يقيم العدل،و ينشر الحقّ،و يشيع الأمن و الرخاء بين الناس،و هو الذي يقضي على جميع أفانين الظلم،و يزيل حكم الظالمين،فلذا فرضوا الرقابة على أبيه و جدّه،و بعد وفاة أبيه الحسن العسكري عليه السّلام أحاطوا بدار الإمام عليه السّلام،و ألقوا القبض على بعض نساء الإمام الذين يظنّ أو يشتبه في حملهنّ،كما ذكرنا ذلك بصورة مفصّلة في البحوث السابقة،فهذا هو السبب الرئيسي في اختفاء الإمام عليه السّلام و عدم ظهوره للنّاس،و قد علّل بذلك في حديث زرارة،فقد روي أنّ الإمام عليه السّلام قال:«إنّ للقائم غيبة قبل ظهوره.
فبادر زرارة قائلا:لم؟
فقال عليه السّلام:يخاف القتل» (1).
و يقول الشيخ الطوسي:«لا علّة تمنع من ظهور المهدي إلاّ خوفه على نفسه من القتل؛لأنّه لو كان غير ذلك لما ساغ له الاستتار» (2).
و ناقش أبو الحسن الخنيزي في سبب اختفاء الإمام عليه السّلام خوفه من القتل،قال:
«أمّا دعوى أنّ الإمام المهدي ممتنع من الخروج خوفا من الأعداء فهي من الخيالات
المنافية أو المخيّلات و الوهميّات المثارة من الحدّة حال الجدال» (1).
و هذا الرأي ليس بوثيق لأنّ السلطة العبّاسيّة لو ظفرت به لقتلته كما قتلت آباءه الأئمّة الطاهرين عليهم السّلام،فقد فرضت الرقابة الشديدة و المكثّفة على بيت أبيه الإمام الحسن العسكري عليه السّلام بعد وفاته لإلقاء القبض عليه و قتله،فقد حجبه اللّه تعالى و أخفاه عن العبّاسيّين حفاظا على حياته و بقائه ليقيم العدل و ينشر الحقّ،و يبسط الأمن في الأرض،في وقت يحدّده اللّه تعالى،و ليس للإنسان رأي أو اختيار في ذلك.
و ثمّة سبب آخر علّل به غيبة الإمام عليه السّلام،و هو امتحان العباد و اختبارهم و تمحيصهم،فقد أثر عن أبي عبد اللّه عليه السّلام أنّه قال:«أما و اللّه ليغيبنّ إمامكم شيئا من دهركم،و لتمحّصنّ حتّى يقال:مات أو هلك،بأيّ واد سلك،و لتدمعنّ عليه عيون المؤمنين،و لتكفأنّ كما تكفأ السّفن في أمواج البحر،فلا ينجو إلاّ من أخذ اللّه ميثاقه، و كتب في قلبه الإيمان،و أيّده بروح منه» (2).
لقد جرت سنّة اللّه في عباده امتحانهم و ابتلاءهم ليجزيهم بأحسن ما كانوا يعملون.قال تعالى: اَلَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَ الْحَيٰاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (3)،و قال تعالى: أَ حَسِبَ النّٰاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنّٰا وَ هُمْ لاٰ يُفْتَنُونَ (4)،و غيبة الإمام عليه السّلام من موارد الامتحان،فلا يؤمن بها إلاّ من خلص
إيمانه،وصفت نفسه،و صدّق بما جاء عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و الأئمّة الهداة المهديّين من حجبه عن الناس،و غيبته مدّة غير محدّدة،أو أنّ ظهوره بيد اللّه تعالى،و ليس لأحد من الخلق رأي في ذلك،و إنّ مثله كمثل الساعة فإنّها آتية لا ريب فيها.
و علّلت غيبة الإمام المنتظر عليه السّلام بأنّها من أسرار اللّه تعالى التي لم يطّلع عليها أحد من الخلق،فقد أثر عن النبيّ صلّى اللّه عليه و اله أنّه قال:«إنّما مثل قائمنا أهل البيت كمثل السّاعة لا يجلّيها لوقتها إلاّ هو ثقلت في السّماوات و الأرض،و لا يأتيكم إلاّ بغتة» (1).
و أثر عن الإمام المهدي عليه السّلام أنّه قال لبعض شيعته:«أغلقوا أبواب السّؤال عمّا لا يعنيكم،و لا تتكلّفوا ما قد كفيتم،و أكثروا من الدّعاء بتعجيل الفرج،فإنّ ذلك فرجكم،و السّلام على من اتّبع الهدى» (2).
و يقول الشيخ مقداد السيوري:«كان الاختفاء لحكمة استأثر بها اللّه تعالى في علم الغيب عنده» (3).
و من الأسباب التي ذكرت لاختفاء الإمام عليه السّلام أن لا تكون في عنقه بيعة لظالم، و قد أثر ذلك عن الإمام الرضا عليه السّلام،فقد روى الحسن بن عليّ بن فضّال،عن أبيه:أنّ الإمام الرضا عليه السّلام قال:«كأنّي بالشّيعة عند فقدهم الثّالث من ولدي كالنّعم يطلبون المرعى فلا يجدونه.
فقال له:و لم ذاك يابن رسول اللّه؟قال عليه السّلام:لأنّ إمامهم يغيب عنهم.
قال:و لم؟قال عليه السّلام:لئلاّ يكون في عنقه لأحد حجّة إذا قام بالسّيف» (1).
و أعلن الإمام المنتظر عليه السّلام ذلك بقوله:«إنّه لم يكن لأحد من آبائي عليهم السّلام إلاّ و أوقعت في عنقه بيعة لطاغية زمانه،و إنّي أخرج حين أخرج،و لا بيعة لأحد من الطّواغيت في عنقي» (2).
هذه بعض الأسباب التي علّلت بها غيبة الإمام المنتظر عليه السّلام،و أكبر الظنّ أنّ اللّه تعالى قد أخفى ظهور وليّه المصلح العظيم لأسباب لا نعلمها إلاّ بعد ظهوره.
و أثيرت بعض الشكوك و الأوهام عن غيبة الإمام المنتظر عليه السّلام،كان منها ما يلي:
و كثر الحديث عن الفائدة في غياب الإمام عليه السّلام،و طعن بعض من لا حريجة له في ذلك،و قال:إنّ وجوده و عدمه في حال الغيبة سواء،و تصدّى المتكلّمون من الشيعة إلى تفنيد ذلك،و أعلنوا كوكبة من الفوائد التي تترتّب على غيابه،و هي:
أوّلا:إنّ وجود الحجّة و إن كان محجوبا عن الأبصار،إلاّ أنّه أمان لأهل الأرض، كما صرّحت بذلك طائفة من الأخبار،منها:
1-قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله:«أهل بيتي أمان لأهل الأرض،فإذا ذهب أهل بيتي ذهب أهل الأرض» (3)
و في مستدرك الصحيحين:458/3:«إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و اله خرج ذات ليلة،و قد أخّر صلاة العشاء حتّى ذهب من الليل هنيهة أو ساعة،و الناس ينتظرون في المسجد،فقال:ما تنتظرون؟
فقالوا:ننتظر الصلاة.
فقال:إنّكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتموها.
ثمّ قال:أما إنّها صلاة لم يصلّها أحد ممّن كان قبلكم من الأمم.
ثمّ رفع رأسه إلى السماء فقال:النّجوم أمان لأهل السّماء،فإن طمست النّجوم أتى أهل السّماء ما يوعدون إلى أن قال:و أهل بيتي أمان لأمّتي،فإذا ذهب أهل بيتي أتى أمّتي ما يوعدون».
.2-قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله:«لا يزال هذا الدّين قائما إلى اثني عشر أميرا من قريش، فإذا مضوا ساخت الأرض بأهلها» (1).
3-قال الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام:«اللّهمّ بلى لا تخلو الأرض من قائم للّه...».
إلى غير ذلك من الأخبار الناطقة بأنّ الأئمّة الطاهرين عليهم السّلام أمان لأهل الأرض،و أنّ لهم عائدة كبرى على المسلمين بدفع البلاء عنهم،و رفع ما ألمّ بهم من مكروه، و الإمام المهدي عليه السّلام في وجوده و غيابه مصدر خير و رحمة إلى الناس.
ثانيا:إنّ غيابه عن الأبصار يستند إلى عدم صلاح المسلمين،و شيوع الفساد في صفوفهم،و لو كانوا صالحين غير منحرفين عن الحقّ لظهر عليه السّلام،و قد أشار إلى الوجه الأوّل و الثاني المحقّق الطوسي رحمه اللّه،قال:«وجوده-أي الإمام المنتظر عليه السّلام-لطف، و تصرّفه لطف آخر» (2).
ثالثا:إنّ الإمام عليه السّلام في حال غيابه يرعى شيعته،و يمدّهم بدعائه الذي9.
لا يحجب،و لو لا دعاؤه لهم لما أبقى منهم الظالمون أحدا يتنفّس الصعداء،و قد أعلن الإمام المنتظر عليه السّلام ذلك في إحدى رسائله للشيخ المفيد،فقد قال عليه السّلام:«إنّا غير مهملين لمراعاتكم،و لا ناسين لذكركم،و لو لا ذلك لنزل بكم اللاّواء،و اصطلمكم الأعداء».
رابعا:إنّ الإمام المنتظر عليه السّلام أعرب عن الفائدة من غيابه عن الأبصار.قال عليه السّلام:
«و أمّا وجه الإنتفاع بي في غيبتي فكالشّمس إذا غيّبتها الغيوم السّحاب»،و قد سأل سليمان الأعمش بن مهران الإمام الصادق عليه السّلام،فقال له:كيف ينتفع الناس بالحجّة الغائب المستور؟
فأجابه الإمام:«كما ينتفعون بالشّمس إذا سترها سحاب».
و أفاد العلاّمة المجلسي في توجيه الحديث وجوها و هي:
«الأوّل:إنّ نور الوجود و العلم و الهداية تصل إلى الخلق بتوسّطه عليه السّلام؛إذ ثبت بالأخبار المستفيضة أنّهم العلل الغائيّة لإيجاد الخلق،فلولاهم لم يصل نور الوجود إلى غيرهم،و ببركتهم،و الاستشفاع بهم،و التوسّل إليهم تظهر العلوم و المعارف على الخلق،و يكشف البلايا عنهم،فلولاهم لاستحقّ الخلق بقبائح أعمالهم أنواع العذاب،كما قال تعالى: وَ مٰا كٰانَ اللّٰهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِمْ (1)،و لقد جرّبنا مرارا لا نحصيها أنّه عند انغلاق الأمور و إعضال المسائل،و البعد عن جناب الحقّ تعالى، و انسداد أبواب الفيض لما استشفعنا بهم،و توسّلنا بأنوارهم،فبقدر ما يحصل الارتباط المعنوي بهم في ذلك الوقت تتكشّف تلك الأمور الصعبة،و هذا معاين لمن أكحل اللّه عين قلبه بنور الإيمان،و قد مضى توضيح ذلك في(كتاب الإمامة).
الثاني:كما أنّ الشمس المحجوبة بالسحاب مع انتفاع الناس بها ينتظرون في كلّ3.
1) الأنفال 8:33.
آن انكشاف السحاب عنها و ظهورها ليكون انتفاعهم بها أكثر،فكذلك في أيّام غيبته عليه السّلام ينتظر المخلصون من شيعته خروجه و ظهوره في كلّ وقت و زمان.
الثالث:إنّ منكر وجوده عليه السّلام كمنكر وجود الشمس إذا غيّبها السحاب.
الرابع:إنّ الشمس قد تكون غيبتها في السحاب أصلح للعباد من ظهورها لهم بغير حجاب،فكذلك غيبته عليه السّلام أصلح لهم في تلك الأزمان.
الخامس:إنّ الناظر إلى الشمس لا يمكنه النظر إليها بارزة عن السحاب،و ربّما عمي بالنظر إليها لضعف الباصرة عن الإحاطة بها،فكذلك شمس ذاته المقدّسة ربّما يكون ظهوره أضرّ لبصائرهم،و يكون سببا لعميهم عن الحقّ،و تقوى بصائر الإيمان به في غيبته كما ينظر الإنسان إلى الشمس من تحت السحاب و لا يتضرّر بذلك.
السادس:إنّ الشمس قد تخرج من السحاب،و ينظر إليها واحد دون واحد، كذلك يمكن أن يظهر عليه السّلام في أيّام غيبته لبعض الخلق دون بعض.
السابع:إنّهم كالشمس في عموم النفع،و إنّما لا ينتفع بهم من كان أعمى،كما فسّر في الأخبار قوله تعالى: وَ مَنْ كٰانَ فِي هٰذِهِ أَعْمىٰ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمىٰ وَ أَضَلُّ سَبِيلاً (1).
الثامن:إنّ الشمس كما أنّ شعاعها يدخل البيوت بقدر ما فيها من المنافذ و الشبابيك،و بقدر ما يرتفع عنها من الموانع عنها،فكذلك الخلق،إنّما ينتفعون بأنوار هدايتهم بقدر ما يرفعون من الموانع عن حواسّهم و مشاعرهم التي هي منافذ قلوبهم من الشهوات النفسيّة و العلائق الجسمانيّة،و بقدر ما يدفعون عن قلوبهم من الغواشي الكثيفة الهيولانيّة إلى أن ينتهي الأمر إلى حيث يكون بمنزلة من هو تحت2.
1) الإسراء 17:72.
السماء يحيط به شعاع الشمس من جميع جوانبه بغير حجاب،فقد فتحت لك من هذه الجنّة الروحانيّة ثمانية أبواب» (1).
خامسا:إنّ الفائدة و الحكمة من غيابه مجهولة لدينا،كما صرّحت بذلك بعض الأخبار،فقد روى عبد اللّه بن الفضل الهاشمي،قال:«سمعت الإمام الصادق عليه السّلام يقول:«إنّ لصاحب هذا الأمر غيبة لا بدّ منها،يرتاب فيها كلّ مبطل.
و طفق عبد اللّه قائلا:لم جعلت فداك؟
فقال عليه السّلام:الأمر يؤذن لنا في كشفه لكم.
و سارع عبد اللّه قائلا:ما وجه الحكمة في غيبته؟
فأجابه الإمام عليه السّلام:وجه الحكمة في غيبته وجه الحكمة في غيابة من تقدّمه من حجج اللّه تعالى ذكره.
إنّ وجه الحكمة لا ينكشف إلاّ بعد ظهوره،كما لم ينكشف وجه الحكمة لما أتاه الخضر من خرق السّفينة،و قتل الغلام،و إقامة الجدار لموسى،إلاّ وقت افتراقهما.
يابن الفضل،إنّ هذا أمر من أمر اللّه،و سرّ من سرّ اللّه عزّ و جلّ،و غيب من غيب اللّه،و متى علمنا أنّه عزّ و جلّ حكيم،صدّقنا بأنّ أفعاله كلّها حكمة،و إن كان وجهها غير منكشف لنا» (2).
هذه بعض الأسباب التي ذكرت عن الفائدة في غيابه،و عدم مشاهدة الناس له.
و كثر التساؤل عن امتداد عمر الإمام عليه السّلام،و كيف عاش هذه المدّة الطويلة التي
تزيد على ألف و مائة و خمسين عاما،و لا يخضع لأعراض الشيخوخة و الهرم الذي هو ظاهرة طبيعيّة للإنسان،فإنّ أنسجة جسمه و خلاياه تتصلّب بالتدريج،و كلّما امتد عمر الإنسان فإنّها لا بدّ أن تتعطّل،و ذلك لصراعها مع الميكروبات أو التسمّم الذي يتسرّب إلى جسم الإنسان من خلال ما يتناوله من غذاء مكثّف أو غيره،الأمر الذي يؤدّي إلى مفارقة الحياة.
للجواب عن هذا السؤال نقول:
أوّلا:إنّ إطالة عمر الإنسان أمر ممكن عقلا،و ليس مستحيلا ككون الشيء في آن واحد فردا و زوجا،فلنفرضه كصعود الإنسان إلى القمر أو أي كوكب آخر،فإنّه ممكن عقلا،و قد تحقّق ذلك بعد أن تهيّأت الأسباب الطبيعيّة له،فإطالة عمر الإمام المهدي عليه السّلام أمر ممكن علميّا و خارجيّا،و ذلك بمشيئة اللّه تعالى بعزله للأنسجة التي يتكوّن منها جسم الإنسان عن المؤثّرات الخارجيّة التي تسبّب هرم الجسم و فناءه، و قد تحقّق ذلك في العالم الخارجي،فإنّ نبيّ اللّه تعالى نوح عليه السّلام قد مكث في قومه ألف عام إلاّ خمسين سنة حسب ما نصّ عليه القرآن الكريم،فلماذا نقبل و نؤمن بإطالة عمر نوح و لا نؤمن بإطالة عمر الإمام المنتظر عليه السّلام،و كلّ منهما موكّل بالإصلاح الاجتماعي بين الناس؟
ثانيا:إنّا لو سلّمنا مجاراة أنّ إطالة عمر الإنسان مئات السنين و آلاف السنين أمر غير ممكن عقلا؛لأنّ فيه تعطيلا للقوانين الطبيعيّة التي تقضي بهرم الإنسان و فنائه، إلاّ أنّ ذلك أمر ممكن بالنسبة إليه تعالى وحده،فقد جعل النار التي هي علّة تامّة للإحراق بردا و سلاما على خليله و نبيّه إبراهيم،قال تعالى: يٰا نٰارُ كُونِي بَرْداً وَ سَلاٰماً عَلىٰ إِبْرٰاهِيمَ (1)،و كذلك فلق تعالى البحر لنبيّه موسى عليه السّلام،و أنقذه مع المؤمنين من قومه من الغرق،و أغرق فرعون و جنوده،أليس في ذلك تعطيلا9.
1) الأنبياء 21:69.
للقوانين الطبيعيّة؟فلتكن قوانين الشيخوخة من هذا القبيل.
إنّ عناية اللّه تعالى تتدخّل لتجميد القوانين الطبيعيّة،و إلغاء تأثيرها لإنقاذ أوليائه و أنبيائه،فقد خرج النبيّ صلّى اللّه عليه و اله من داره حينما أحاطت به قريش لتصفيته جسديّا، فستر اللّه عيونهم عن رؤيته،و جعل عليها غشاوة،و كان يمشي بينهم و هم لا يبصرونه.
و ثمّة سؤال آخر طرح على ساحة هذا الموضوع،و هو:لماذا هذا العمر المديد الذي منحه اللّه تعالى للإمام المنتظر عليه السّلام؟و لم لا يكون عمره كعمر جدّه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و عمر آبائه الأئمّة الطاهرين عليهم السّلام؟
و الجواب عن ذلك هو أنّ اللّه تعالى قد خصّ الإمام المنتظر عليه السّلام بإصلاح العالم بأسره،و أوكل إليه إنقاذ الإنسان من التيّارات المظلمة التي تعصف بحياته،و تجعله في متاهات سحيقة في مجاهل هذه الحياة،فالإمام المنتظر عليه السّلام آخر مصلح اجتماعي.
فلا بدّ أن تمرّ الأدوار المظلمة التي عانى منها الإنسان الخطوب و المآسي،ليكون هو الفصل الأخير الذي يفجّر النور و يملأ الأرض عدلا و قسطا.
إنّ الإمام المنتظر عليه السّلام هو العملاق الذي يغيّر مجرى تاريخ الحياة،و يقيمها على أساس مزدهر من الحضارة الكبرى التي تعقب الحضارات التي تسود العالم،و التي هي مليئة بالظلم و الجور،فلا بدّ له من العمر المديد ليطّلع على الدنيا بأسرها، و يقف على أوجهها المختلفة ليقوم بالإصلاح الشامل لجميع جوانب الحياة.
من الأسئلة التي طرحت حول غيبة الإمام المنتظر عليه السّلام هي أنّه لماذا لم يظهر
و يقيم حكم اللّه تعالى في الأرض،و ينقذ الإنسان من المحن و الخطوب التي غرق فيها؟
و الجواب عن ذلك أنّ أمر ظهوره لم يكن خاضعا لإرادة الإنسان و مشيئته و رغباته،و إنّما هو بيد اللّه تعالى،فقد أرسل اللّه تعالى نبيّه محمّدا صلّى اللّه عليه و اله إلى العالم بعد مرور خمسة قرون من الجاهليّة،و ذلك بعد أن تحقّق المناخ المناسب و الجوّ العامّ لإنجاح عمليّة التغيير الاجتماعي الذي قام به الرسول الأعظم صلّى اللّه عليه و اله،و قبل ذلك لم تتوفّر الشروط لبعثه،و كذلك قيام الإمام المهدي عليه السّلام بعمليّة التغيير للأنظمة الاجتماعيّة القائمة في عصره و تبديلها بالأنظمة النديّة الخلاّقة التي يسعد في ظلالها الإنسان،فإنّها تتطلّب مناخا شاملا لجميع أنحاء الأرض،حتّى يتمكّن صلوات اللّه عليه من تنفيذ ذلك (1).
من المسائل التي أثيرت حول الإمام المنتظر عليه السّلام أنّه كيف يقوم فرد واحد بالإصلاح العالمي،و يغيّر منهج الحياة العامّة المليئة بالظلم و الطغيان إلى نظام آمن مستقرّ،تصان فيه جميع الحقوق،بحيث لم يعد في ساحة الوجود ظالم و مظلوم، و لا فقير و محروم،و إنّما تشمل السعادة جميع أبناء البشر على اختلاف قوميّاتهم و أجناسهم و أديانهم.
و الجواب عن ذلك أنّ الأنظمة العالميّة و الأحداث الكبرى التي غيّرت منهج الحياة تستند إلى الأفراد من عظماء البشريّة لا إلى الجماعة،فالنبيّ العظيم محمّد صلّى اللّه عليه و اله هو الذي رفع رسالة اللّه عالية خفّاقة لا الأعمام و لا الأخوال،و هكذا نبيّ اللّه عيسى و موسى و غيرهما من رسل اللّه و دعاة الإصلاح الاجتماعي،فقد قاموا
1) يراجع في تفصيل ذلك بحث حول المهدي/الإمام الصدر:38،39،41.
بدورهم مستقلّين لا منظّمين بأداء رسالتهم الإصلاحيّة،و بذلك يتميّز دور الفرد لا الجماعة خلافا لما ذهب إليه الماركسيّون من إلغاء الفرد في ميدان الإصلاح الشامل،و إنّما يستند إلى الجماعة،و هذه النظريّة ليس لها أي رصيد علمي.
و على أي حال،فالإمام المهدي عليه السّلام كجدّه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله يقوم ببسط الأمن و الرخاء في العالم،و ينقذ الإنسان من الأزمات و الخطوب،و ينشر المحبّة و الألفة بين جميع أبناء البشر،و تحديد وقت ظهوره بيد اللّه تعالى،و ليس لأحد في ذلك رأي أو اختيار.
و بهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض التساؤلات التي أثيرت حول الإمام المنتظر عليه السّلام و غيبته.
و أثرت عن النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و عن أوصيائه أئمّة الهدى عليهم السّلام كوكبة من الأخبار،و هي تحمل البشرى إلى العالم الإسلامي و سائر أمم العالم بظهور الإمام المنتظر عليه السّلام الذي يقيم ما اعوجّ من نظام الدين،و ينقذ الإنسان من شرور الظالمين و المعتدين،و يبسط الأمن و الرخاء،و يشيع المودّة و الألفة بين جميع الناس،و ينعدم عنهم الخوف و الارهاب في ظلال حكمه،و فيما يلي بعض تلك الأخبار:
و أثرت عن الرسول الأعظم صلّى اللّه عليه و اله جمهرة كبيرة من الأخبار بظهور الإمام المهدي عليه السّلام،و هذه نماذج منها:
1-روى حذيفة أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و اله قال:«لو لم يبق من الدّنيا إلاّ يوم واحد لبعث اللّه رجلا من ولدي اسمه اسمي،و خلقه خلقي،يكنّى أبا عبد اللّه،يبايع له النّاس بين الرّكن و المقام،يردّ اللّه به الدّين،و يفتح له فتوحا،و لا يبقى على وجه الأرض إلاّ من يقول:لا إله إلاّ اللّه.
فقام سلمان فقال:يا رسول اللّه،من أي ولدك؟
قال:من ولد ابني هذا،و ضرب بيده إلى الحسين» (1).
1) عقد الدرر:56،الباب 2،الحديث 41،و أخرجه الكنجي في كتاب البيان في الباب 13،و أسنده إلى حذيفة،و علّق عليه:«هذا حديث حسن رزقناه عاليا».
و معنى هذا الحديث أنّ خروج الإمام المهدي عليه السّلام من الأمور الحتميّة التي لا بدّ أن تتحقّق على مسرح الحياة،فلو لم يبق في الدنيا إلاّ يوم واحد لخرج فيه الإمام المصلح العظيم.
2-روى عبد اللّه بن عمر أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و اله قال:«يخرج في آخر الزّمان رجل من ولدي،اسمه كإسمي،يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا» (1).
و حكى هذا الحديث ما يقوم به الإمام المهدي عليه السّلام من إشاعة الحقّ،و نشر العدل بين الناس،و إقصاء الظلم و الجور عن الأرض
3-روى الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله قال:«المهديّ من ولدي، يكون له غيبة و حيرة،تضلّ فيه الأمم،يأتي بذخيرة الأنبياء عليهم السّلام،فيملأها عدلا و قسطا كما ملئت جورا و ظلما» (2).
و أعرب هذا الحديث الشريف عن غيبة الإمام عليه السّلام،و أنّها تكون مصدر حيرة و ذهول لبعض الأمم فيجحدها قوم،و يؤمن بها آخرون،و أنّه إذا ظهر الإمام عليه السّلام فسيأتي بذخائر الأنبياء و الأوصياء،و يملأ الأرض عدلا و قسطا.
4-روى جابر بن عبد اللّه الأنصاري:أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و اله قال:«المهديّ من ولدي،اسمه اسمي،و كنيته كنيتي،يكون له غيبة و حيرة تضلّ فيه الأمم،ثمّ يقبل كالشّهاب الثّاقب يملأها عدلا و قسطا،كما ملئت جورا و ظلما» (3).
و هذا الحديث كالسابق في عطائه و مضمونه،و أنّه لا بدّ من ظهور الإمام ليقيم العدل و يحطّم الجور.3.
5-روى سعيد بن جبير،عن ابن عبّاس،أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله قال:«إنّ عليّا وصيّي،و من ولده القائم المنتظر المهديّ الّذي يملأ الأرض قسطا و عدلا،كما ملئت جورا و ظلما،و الّذي بعثني بالحقّ بشيرا و نذيرا،إنّ الثّابتين على القول بإمامته في زمان غيبته لأعزّ من الكبريت الأحمر.
فقام إليه جابر بن عبد اللّه فقال:يا رسول اللّه،و للقائم من ولدك غيبه؟
قال:إي و ربّي ليمحّص اللّه الّذين آمنوا و يمحق الكافرين.
ثمّ قال:يا جابر،إنّ هذا أمر من أمر اللّه،و سرّ من سرّ اللّه،فإيّاك و الشّكّ، فإنّ الشّكّ في أمر اللّه عزّ و جلّ كفر» (1).
و ألمح هذا الحديث إلى قلّة المؤمنين بالإمام المهدي عليه السّلام في حال غيبته،و أنّهم قلّة نادرة كالكبريت الأحمر،و أنّ غيبته امتحان للعباد،و تمحيص لهم،فلا يؤمن به إلاّ من امتحن اللّه قلبه للإيمان،و هداه إلى الصراط المستقيم.
إنّ غيبة الإمام عليه السّلام و وقت ظهوره سرّ من أسرار اللّه تعالى لم يطلع عليها أحد من عباده،كما أنّه من المؤكّد أنّ الشاكّ فيه أو المنكر لوجوده لا نصيب له من الإسلام حسب ما دلّ عليه هذا الحديث و غيره.
6-قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله:«لا تذهب الدّنيا حتّى يملك العرب رجل من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي» (2).
إنّ الدنيا لا تذهب و لا تزول حتّى يحكم قائم آل محمّد عليه السّلام فينشر العدل، و يبسط الأمن و الرخاء،و يحقّق جميع ما جاء به الأنبياء عليهم السّلام من رفع كلمة التوحيد، و تدمير الشرك و الإلحاد.2.
7-روى حذيفة بن اليمان،قال:«سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله يقول:«ويح هذه الأمّة من ملوك جبابرة يقتلون و يطردون المسلمين،إلاّ من أظهر طاعتهم،فالمؤمن التّقيّ يصانعهم بلسانه،و يفرّ منهم بقلبه،فإذا أراد اللّه تبارك و تعالى أن يعيد الإسلام عزيزا قصم كلّ جبّار عنيد،و هو القادر على ما يشاء،أن يصلح الأمّة بعد فسادها.
يا حذيفة،لو لم يبق من الدّنيا إلاّ يوم واحد لطوّل اللّه ذلك اليوم حتّى يملك رجل من أهل بيتي يظهر الإسلام،و لا يخلف وعده،و هو على وعده قدير» (1).
و حكى هذا الحديث ما يحلّ بالأمّة الإسلاميّة من النكبات و الخطوب،و ما تعانيه من الظلم و الجور من ملوكها،و إنّ اللّه تعالى يلطف بها،فيبعث لها المصلح العظيم الإمام عليه السّلام فينقذها ممّا هي فيه،و يعيد للإسلام كرامته و مجده.
8-روى أبو سعيد الخدري أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله قال:«ينزل بأمّتي في آخر الزّمان بلاء شديد من سلطانهم،لم يسمع بلاء أشدّ منه حتّى تضيق بهم الأرض الرّحبة، و حتّى تملأ الأرض جورا و ظلما،لا يجد المؤمن ملجأ يلتجئ إليه من الظّلم،فيبعث اللّه عزّ و جلّ رجلا من عترتي،فيملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت ظلما و جورا، يرضى عنه ساكن الأرض،لا تدّخر الأرض شيئا من بذرها إلاّ أخرجته،و لا السّماء من قطرها شيئا إلاّ صبّه اللّه عليهم مدرارا،يعيش فيهم سبع سنين أو ثمان أو تسع (2)، تتمنّى الأحياء (3)الأموات ممّا صنع اللّه بأهل الأرض من خيره» (4).4.
و ألمح هذا الحديث إلى ما ينزل بالمسلمين من البلاء و الظلم و الجور حتّى تضيق بهم الأرض بما رحبت،و ينقدهم اللّه تعالى بوليّه الإمام المنتظر عليه السّلام فيملأ رحاب الأرض عدلا و قسطا و أمنا و رخاء،و تخرج الأرض خيراتها ببركته،حتّى تعمّ النعم جميع سكّان الأرض.
9-روى عليّ الهلالي،عن أبيه،قال:«دخلت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله في شكايته التي قبض فيها،فإذا فاطمة عليها السّلام عند رأسه،فبكت حتّى ارتفع صوتها،فرفع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله طرفه إليها،قال:حبيبتي فاطمة،ما الّذي يبكيك؟
فقالت:أخشى الضّيعة من بعدك.
فقال:يا حبيبتي،أما علمت أنّ اللّه اطّلع على الأرض اطّلاعة فاختار منها أباك فبعثه برسالته،ثمّ اطّلع اطّلاعة فاختار بعلك،و أوحى إليّ أن أنكحك إيّاه يا فاطمة،و نحن أهل بيت قد أعطانا اللّه سبع خصال،لم يعطها أحدا قبلنا،و لا يعطيها أحدا بعدنا:أنا خاتم النّبيّين،و أكرمهم على اللّه،و أحبّ المخلوقين إليه،و أنا أبوك،و وصيّي خير الأوصياء،و أحبّهم إلى اللّه،و هو بعلك،و منّا من له جناحان أخضران يطير بهما في الجنّة مع الملائكة حيث يشاء،و هو ابن عمّ أبيك،و أخو بعلك،و منّا سبطا هذه الأمّة،و هما ابناك الحسن و الحسين،و هما سيّدا شباب أهل الجنّة،و أبوهما-و الّذي بعثني بالحقّ-خير منهما.
يا فاطمة،و الّذي بعثني بالحقّ،إنّ منّا مهديّ هذه الأمّة إذا صارت الدّنيا هرجا و مرجا،و تظاهرت الفتن،و تقطّعت السّبل،و أغار بعضهم على بعض،فلا كبير يرحم صغيرا،و لا صغير يوقّر كبيرا،يبعث اللّه عند ذلك منهما من يفتح حصون الضّلالة و قلوبا غلفة (1)،يقوم بالدّين في آخر الزّمان،كما قمت به في أوّله،و يملأ الدّنيا عدلاة.
1) الغلفة:المحجوبة.
كما ملئت جورا» (1).
و في هذا الحديث الشريف تسلية من النبيّ صلّى اللّه عليه و اله إلى بضعته سيّدة نساء العالمين، السيّدة فاطمة عليها السّلام عمّا تعانيه من الأسى الشديد و الحزن العميق على فراق أبيها الذي هو عندها أعزّ من الحياة،فقد بشّرها بما أعدّ اللّه له من الكرامة و الفضيلة و المقام العظيم،و كذلك لزوجها باب مدينة علم النبيّ،الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام، و لولديها سيّدي شباب أهل الجنّة الحسن و الحسين عليهما السّلام،ثمّ بشّرها بأنّ المهدي المصلح العظيم عليه السّلام هو من ذرّيّتها،و قد سرّت بذلك،و انجاب عنها ما ألمّ بها من فادح الحزن.
10-روى الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام،قال:«قلت:يا رسول اللّه،أمنّا آل محمّد أم من غيرنا؟
قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله:لا بل منّا،بنا يختم اللّه الدّين كما فتح اللّه بنا،بنا ينقذون من الفتنة كما أنقذوا من الشّرك،و بنا يؤلّف اللّه بين قلوبهم بعد عداوة الفتنة إخوانا،كما ألّف بنا بين قلوبهم بعد عداوة الشّرك،و بنا يصبحون بعد عداوة الفتنة إخوانا كما أصبحوا بعد عداوة الشّرك إخوانا» (2)
و روي هذا الحديث في ينابيع المودّة:392،و في نور الأبصار:155،و في البرهان في علامات آخر الزمان:574/2،الحديث 8.
.و حكى هذا الحديث فضل النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و عائدته على هذه الأمّة،فقد أخرجهم من8.
1) البيان في أخبار صاحب الزمان:116 و 117،الباب التاسع.
2) البيان في أخبار صاحب الزمان،و علّق عليه بقوله:«هذا حديث حسن عال،رواه الحفّاظ في كتبهم،فأمّا الطبراني فقد ذكره في المعجم الأوسط:56/1،و أمّا أبو نعيم فرواه في حلية الأولياء،و أمّا عبد الرحمن بن أبي حاتم فقد ساقه في عواليه كما أخرجناه سواء»، إنتهى كلامه.
الضلالة و الغواية،و هداهم إلى الصراط المستقيم،و كذلك يهديهم حفيده و آخر أوصيائه فيخرجهم من الضلالة،و يقيم معالم العدل و الحقّ في ربوعهم.
11-روى جبر بن نوف،قال:«قلت لأبي سعيد الخدري:و اللّه ما يأتي علينا عام إلاّ و هو شرّ من الماضي،و لا أمير إلاّ و هو شرّ ممّن كان قبله.
فقال أبو سعيد:سمعته من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله يقول:لا يزال بكم الأمر حتّى يولد في الفتنة و الجور من لا يعرف عندها،حتّى تملأ الأرض جورا،فلا يقدر أحد يقول اللّه، ثمّ يبعث عزّ و جلّ رجلا منّي و من عترتي فيملأ الأرض عدلا كما ملأها من كان قبله جورا،و تخرج له الأرض أفلاذ كبدها (1)،و يحثو المال حثوا،و لا يعدّه عدّا،حتّى يضرب الإسلام بجرانه» (2).
12-روى أبو سعيد الخدري،قال:«سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله يقول على المنبر:
إنّ المهديّ من عترتي،من أهل بيتي،يخرج في آخر الزّمان،تنزل له السّماء قطرها، و تخرج له الأرض بذرها،فيملأ الأرض عدلا و قسطا كما ملأها القوم ظلما و جورا» (3).
هذه نماذج يسيرة من الأحاديث النبويّة الشريفة المتظافرة،و التي روتها العامّة و الخاصّة،و دوّنها الحفّاظ من أئمّة الحديث،و هي تعلن بوضوح عن حتميّة خروج الإمام المنتظر عليه السّلام،و تبشّر العالم الإسلامي بعدله،و بما يقيمه من معالم الحقّ، و صنوف الأمن و الرخاء،بحيث لا تجد الإنسانيّة له مثيلا في جميع أدوارها.0.
و أثرت طائفة كبيرة من الأحاديث عن الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام،سيّد العترة الطاهرة،و هي تعلن خروج الإمام المنتظر عليه السّلام،كان منها ما يلي:
1-روى أبو وائل،قال:«نظر عليّ عليه السّلام إلى الحسين عليه السّلام فقال:إنّ ابني هذا سيّد كما سمّاه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله،و سيخرج من صلبه رجل باسم نبيّكم،يخرج على حين غفلة من النّاس،و إماتة الحقّ،و إظهار الجور،و يفرح لخروجه أهل السّماء و سكّانها،و هو رجل أجلى الجبين،أقنى الأنف،ضخم البطن،أذيل الفخذين،بخدّه الأيمن شامة، أبلج الثّنايا،يملأ الأرض عدلا،كما ملئت ظلما و جورا» (1).
حكى هذا الحديث الشريف ما يلي:
-إنّ الإمام المنتظر عليه السّلام من ذرّيّة سيّد شباب أهل الجنّة،الإمام الحسين عليه السّلام.
-إنّ ظهوره عليه السّلام يكون بغتة،و بصورة لا يتوقّعها الناس.
-إنّ من أمارات ظهوره إماتة الحقّ،و انتشار الجور.
-و حكى هذا الحديث أوصاف الإمام و ملامحه.
-إنّه إذا ظهر الإمام فإنّه يقيم الحقّ بجميع رحابه،و يبسط العدل بجميع مفاهيمه.
2-خطب الإمام أمير المؤمنين خطبة عرض في بعضها إلى الإمام المنتظر عليه السّلام، قال:«و ليكوننّ من يخلفني في أهل بيتي رجل يأمر بأمر اللّه،قويّ يحكم بحكم اللّه، و ذلك بعد زمان مكلح مفصح،يشتدّ فيه البلاء،و ينقطع فيه الرّجاء،و يقبل فيه الرّشاء» (2).
عرض الإمام عليه السّلام إلى وقت خروج الإمام المهدي عليه السّلام،و أنّه يخرج في زمان قد غرق أهله بالبلاء،و عمّتهم الخطوب و الفتن،و إذا خرج فإنّ حكمه يبتني على إقامة أحكام اللّه تعالى،و السير على منهاج نبيّه صلّى اللّه عليه و اله.
3-روى الأصبغ بن نباتة،عن الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام أنّه قال:«المهديّ منّا في آخر الزّمان،لم يكن في أمّة من الأمم مهديّ ينتظر غيره» (1).
الإمام المهدي عليه السّلام من دوحة النبوّة و الإمامة،و ليس غيره يقوم بالإصلاح الاجتماعي،و يغيّر منهاج الأنظمة القاسية التي ترزح في ظلالها الأمم و الشعوب.
4-روى الإمام الحسين عليه السّلام أنّ أباه الإمام أمير المؤمنين قال له:«التّاسع من ولدك -يا حسين-هو القائم بالحقّ،و المظهر للدّين،و الباسط للعدل.
فقال له الحسين:يا أمير المؤمنين،إنّ ذلك لكائن؟
قال عليه السّلام:إي و الّذي بعث محمّدا بالنّبوّة،و اصطفاه على جميع البريّة،و لكن بعد غيبة و حيرة،فلا يثبت فيها على دينه إلاّ المخلصون المباشرون لروح اليقين،الّذين أخذ اللّه عزّ و جلّ ميثاقهم بولايتنا،و كتب في قلوبهم الإيمان،و أيّدهم بروح منه» (2).
و أعرب الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام عمّا يقوم به الإمام المنتظر في أيّام حكومته من نشر الحقّ،و بسط العدل،و إظهار الإسلام،و أنّه لا يظهر إلاّ بعد غيبة و حيرة، فلا يؤمن به إلاّ من امتحن اللّه قلبه للإيمان،و زاده هدى.
5-قال الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام:«سيأتي اللّه بقوم يحبّهم اللّه و يحبّونه،و يملك من هو بينهم غريب،فهو المهديّ،أحمر الوجه،بشعره صهوبة عن أمّه و أبيه،و يكون7.
عزيزا في مربّاه،فيملك بلاد المسلمين بأمان،و يصفو له الزّمان،و يسمع كلامه و يطيعه الشّيوخ و الفتيان،و يملأ الأرض عدلا،كما ملئت جورا،فعند ذلك كملت إمامته،و تقرّرت خلافته» (1).
هذه بعض الأخبار التي أثرت عن الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام،و هي تحمل البشرى إلى العالم الإسلامي بظهور منقذه العظيم الذي يحيي الإسلام و يقيم معالمه.
و أثرت عن الإمام الحسن عليه السّلام كوكبة من الأخبار في شأن الإمام المنتظر عليه السّلام،كان منها هذا الحديث حينما صالح طاغية زمانه معاوية بن هند،و قد لامه جماعة من شيعته على صلحه،فقال عليه السّلام:«و يحكم،ألا تعلمون أنّي إمامكم،مفترض الطّاعة عليكم،و أحد سيّدي شباب أهل الجنّة بنصّ من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله.
قالوا:بلى.
قال:أما علمتم أنّ الخضر لمّا خرق السّفينة،و أقام الجدار،و قتل الغلام كان ذلك سخطا لموسى بن عمران؛إذ خفي عليه وجه الحكمة في ذلك،و كان ذلك عند اللّه تعالى ذكره حكمة و صوابا.أما علمتم أنّه ما منّا إلاّ و يقع في عنقه بيعة لطاغية زمانه،إلاّ القائم الّذي يصلّي روح اللّه خلفه،فإنّ اللّه عزّ و جلّ يخفي ولادته،و يغيّب شخصه لئلاّ يكون في عنقه بيعة إذا خرج،ذلك التّاسع من ولد أخي الحسين،ابن سيّدة النّساء، يطيل اللّه في عمره،و في غيبته،ثمّ يظهر بقدرته في صورة شابّ دون أربعين سنة، و ذلك ليعلم أنّ اللّه على كلّ شيء قدير» (2).
و حكى هذا الحديث الشريف ما يلي:
أوّلا:ضرورة صلح الإمام عليه السّلام مع فرعون زمانه معاوية بن أبي سفيان،فقد كان الصلح ضروريّا بما تحمله هذه الكلمة من معنى،فإنّه لو فتح الإمام الحسن عليه السّلام الحرب مع معاوية لكانت الغلبة لمعاوية؛لأنّ جيش الإمام كان مصابا بالانحلال و التفكّك،فقد عاثت به فكرة الخوارج التي حكمت على الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام بالمروق من الدين،كما اغتاله ابن ملجم المرادي الذي هو من الأعضاء القياديّين لهذه الفكرة الخبيثة،و بالإضافة لذلك فإنّ الأكثريّة الساحقة في الجيش قد سئمت الحرب،و خلدت إلى الراحة،فقد أرهقتهم إلى حدّ بعيد حروب الجمل و صفّين و النهروان،و قد انساب قادة الجيش إلى دنيا معاوية،و أعطوه عهدا أنّه إن أراد تسليم الإمام الحسن عليه السّلام سلّموه له أسيرا،و قد علم الإمام ذلك،فكيف يفتح باب الحرب مع هذا العدوّ اللدود للإسلام.
و من المؤكّد أنّه لو حاربه الإمام و تغلّب معاوية عليه لأعلن الكفر و الإلحاد كما أعلن ولده يزيد ذلك،و قد عرضنا بصورة موضوعيّة إلى إقامة الأدلّة على ضرورة الصلح،و أنّه أمر لا بدّ منه في كتابنا(حياة الإمام الحسن عليه السّلام).
ثانيا:إنّ الإمام عليه السّلام عرض إلى الإمام المنتظر عليه السّلام بما يلي:
1-إنّ الإمام المنتظر عليه السّلام ليس في عنقه بيعة لظالم من حكّام عصره،فقد اختار اللّه تعالى له بقعة يعيش فيها هو و أبناؤه غير خاضعة لحكّام الجور.
2-إنّ الإمام عليه السّلام إذا خرج فإنّ السيّد المسيح عليه السّلام يصلّي خلفه.
3-إنّ اللّه تعالى أخفى ولادة الإمام المنتظر عليه السّلام كما بيّنا ذلك في البحوث السابقة حفظا على حياته من حكّام بني العبّاس،كما حجبه عن أعين الناس لتلك الحكمة.
4-إنّ اللّه تعالى يطيل عمر وليّه،ثمّ يظهره إلى الناس بصورة شاب،فيقيم الحقّ و العدل في الأرض.
و نقل الرواة طائفة من الأخبار عن سيّد شباب أهل الجنّة و أبي الأحرار،الإمام الحسين عليه السّلام،و هي تبشّر العالم الإسلامي بظهور الإمام المنتظر عليه السّلام.
و هذه بعضها:
1-قال الإمام الحسين عليه السّلام:«في التّاسع من ولدي سنّة من يوسف،و سنّة من موسى،و هو قائمنا أهل البيت،يصلح اللّه تعالى أمره في ليلة واحدة» (1).
لقد شابه الإمام المنتظر عليه السّلام نبيّ اللّه موسى في خفاء حمله و ولادته خوفا عليه من فرعون زمانه،كما ذكرنا ذلك في البحوث السابقة،كما شابه الإمام عليه السّلام يوسف الصديق في سجنه و حجبه عن الناس.
2-و قال عليه السّلام أيضا:«قائم هذه الأمّة هو التّاسع من ولدي،و هو صاحب الغيبة» (2).
3-و قال عليه السّلام:«منّا اثنا عشر أميرا،أوّلهم:أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، و آخرهم:التّاسع من ولدي،و هو القائم بالحقّ،يحيي اللّه به الأرض بعد موتها،و يظهر به دين الحقّ على الدّين كلّه،و لو كره المشركون،له غيبة يرتدّ فيها قوم،و يثبت على الدّين فيها آخرون فيؤذون و يقال لهم: مَتىٰ هٰذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صٰادِقِينَ (3).
أمّا إنّ الصّابرين في غيبته على الأذى و التّكذيب بمنزلة المجاهدين بالسّيف بين يدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله» (4).
عرض هذا الحديث الشريف إلى غيبة الإمام المنتظر عليه السّلام،و أنّها تكون موضع تمحيص و اختبار،فلا يؤمن بوجوده عليه السّلام إلاّ من امتحن اللّه قلبه للإيمان،و أنّه كالمجاهد بين يدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله.
4-قال الإمام الحسين عليه السّلام:«لصاحب هذا الأمر-يعني المهدي عليه السّلام-غيبتان:
إحداهما تطول حتّى يقول بعضهم مات،و بعضهم ذهب و لا يطّلع على موضعه أحد من وليّ و لا غيره إلاّ المولى الّذي يلي أمره» (1).
و حكى هذا الحديث غيبة الإمام الصغرى،و غيبته الكبرى،و اختلاف الناس فيهما،فبين جاحد له،و بين مؤمن به،كما حكى هذا الحديث عن خفاء المكان الذي يقيم فيه الإمام المهدي عليه السّلام،و أنّه لا يعلم به أحد إلاّ اللّه.
و أثرت عن زين العابدين،و إمام المتّقين،الإمام عليّ بن الحسين عليه السّلام كوكبة من الأحاديث و هي تبشّر العالم الإسلامي بظهور الإمام المنتظر عليه السّلام،كان منها ما يلي:
1-قرأ الإمام زين العابدين الآية الكريمة: لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ (2)، فقال عليه السّلام:«و اللّه هم محبّونا أهل البيت،يفعل اللّه ذلك بهم على يد رجل منّا،و هو مهديّ هذه الأمّة.قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله:لو لم يبق من الدّنيا إلاّ يوم لطوّل اللّه ذلك اليوم حتّى يأتي رجل من عترتي،اسمه اسمي،يملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت ظلما و جورا» (3).
2-قال الإمام زين العابدين عليه السّلام:«إنّ الآية الكريمة وَعَدَ اللّٰهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ نزلت في القائم المهديّ عليه السّلام» (1).
3-خطب الإمام زين العابدين عليه السّلام في بلاط يزيد حينما كان أسيرا،فكان من جملة خطابه:«و منّا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله،و وصيّه،و سيّد الشّهداء،و جعفر الطّيّار في الجنّة،و سبطا هذه الأمّة،و المهديّ الّذي يقتل الدّجّال» (2).
4-قال الإمام زين العابدين عليه السّلام:«في القائم سنّة من سبعة أنبياء:سنّة من أبينا آدم، و سنّة من نوح،و سنّة من إبراهيم،و سنّة من موسى،و سنّة من عيسى،و سنّة من أيّوب،و سنّة من محمّد صلّى اللّه عليه و اله.
فأمّا من آدم و نوح فطول العمر،و أمّا من إبراهيم فخفاء الولادة و اعتزال النّاس، و أمّا من موسى فالخوف و الغيبة،و أمّا من عيسى فاختلاف النّاس فيه،و أمّا من أيّوب فالفرج بعد البلوى،و أمّا من محمّد صلّى اللّه عليه و اله فالخروج بالسّيف» (3).
هذه بعض الأخبار التي نقلها رواة الأثر عن الإمام زين العابدين عليه السّلام،و هي تدلّل على حتميّة ظهور الإمام المنتظر عليه السّلام.
أمّا ما ورد عن الإمام محمّد الباقر عليه السّلام في شأن الإمام المنتظر عليه السّلام،و حتميّة ظهوره، فطائفة من الأخبار،منها هذا الحديث:
روى أبو بصير،عن الإمام الباقر،قال عليه السّلام:«في صاحب هذا الأمر سنّة من موسى،و سنّة من عيسى،و سنّة من يوسف،و سنّة من محمّد صلّى اللّه عليه و اله.
فأمّا سنّته من موسى فخائف يترقّب،و أمّا من يوسف فالسّجن و الغيبة،و أمّا من محمّد صلّى اللّه عليه و اله فالقيام بالسّيف،و تبيين آثاره،ثمّ يضع سيفه على عاتقه بيمينه،فلا يزال يقتل أعداء اللّه حتّى يرضى اللّه عزّ و جلّ.
فقال أبو بصير:كيف يعلم أنّ اللّه قد رضي؟
قال:يلقي في قلبه الرّحمة» (1).
و ذكر الإمام الباقر عليه السّلام أسماء الخلفاء الاثني عشر عليهم السّلام الذين نصبهم النبيّ صلّى اللّه عليه و اله أعلاما لأمّته،و لمّا بلغ آخره،قال عليه السّلام:«الثّاني عشر الّذي يصلّي خلفه عيسى بن مريم» (2).
و نقل الرواة طائفة من الأخبار عن الإمام الصادق عليه السّلام في شأن الإمام المنتظر، و حتميّة ظهوره،كان منها ما يلي:
1-حدّث السيّد الجليل إسماعيل بن محمّد الحميري،شاعر أهل البيت عليهم السّلام، قال:«كنت أقول بالغلوّ،و أعتقد غيبة محمّد بن الحنفيّة،فمنّ اللّه عليّ بالصادق، جعفر بن محمّد عليهما السّلام،و أنقذني به من النار،و هداني إلى سواء الصراط،فسألته بعد ما صحّت عندي الدلائل التي شاهدتها منه أنّه حجّة اللّه عليّ،و على جميع أهل زمانه،و أنّه الإمام الذي فرض اللّه طاعته،و أوجب الاقتداء به.
فقلت له:يا بن رسول اللّه،قد رويت لنا أخبار عن آبائك في الغيبة،و صحّة كونها، فأخبرني بمن تقع؟
فقال عليه السّلام:إنّ الغيبة ستقع بالسادس من ولدي،و هو الثّاني عشر من الأئمّة الهداة بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله،أوّلهم:أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب،و آخرهم:المهديّ القائم بالحقّ،بقيّة اللّه في الأرض،و صاحب الزّمان،و اللّه لو بقي في غيبته ما بقي نوح في قومه لم يخرج من الدّنيا حتّى يظهر،فيملأ الأرض قسطا و عدلا،كما ملئت جورا و ظلما.
قال السيّد:فلمّا سمعت ذلك من مولاي الصادق جعفر بن محمّد عليهما السّلام تبت إلى اللّه جلّ ذكره على يديه،و قلت قصيدتي التي أوّلها:
فلمّا رأيت النّاس في الدّين قد غووا تجعفرت باسم اللّه فيمن تجعفروا» (1)
إنّ ظهور الإمام المهدي عليه السّلام أمر مفروغ منه عند أئمّة الهدى،و أنّه لا بدّ أن يتحقّق على مسرح الحياة ليشيع العدل و ينشر الأمن و الرخاء بين الناس،و تسود كلمة التوحيد في جميع أنحاء الأرض.
2-قال الإمام الصادق عليه السّلام في حديث له:«يظهر صاحبنا-يعني الإمام المهدي عليه السّلام-و هو من صلب هذا،و أومأ بيده إلى موسى بن جعفر عليه السّلام،فيملأها عدلا كما ملئت جورا و ظلما،و تصفو له الدّنيا» (2).
3-قال الإمام الصادق عليه السّلام:«الخلف الصّالح من ولدي،و هو المهدي،اسمه محمّد،و كنيته أبو القاسم،يخرج في آخر الزّمان،يقال لأمّه:نرجس،و على رأسه2.
غمامة تظلّه عن الشّمس تدور معه حيث ما دار،تنادي بصوت فصيح:هذا المهديّ فاتّبعوه» (1).
و كثير من أمثال هذه الأحاديث الشريفة نقلها الرواة عن الإمام الصادق عليه السّلام،و هي تعلن حتميّة ظهور الإمام المنتظر عليه السّلام الذي يقيم الحقّ،و يزهق الباطل.
و نصّ الإمام الكاظم عليه السّلام على إمامة الإمام المهدي عليه السّلام،و أنّه القائم بالحقّ،فقد روى يونس بن عبد الرحمن،قال:«دخلت على موسى بن جعفر عليه السّلام فقلت:يابن رسول اللّه،أنت القائم؟
فقال:أنا القائم بالحقّ،و لكنّ القائم بالحقّ الّذي يطهّر الأرض من أعداء اللّه، و يملأها عدلا كما ملئت جورا،هو الخامس من ولدي،له غيبة يطول أمدها خوفا على نفسه،يرتدّ فيها أقوام،و يثبت فيها آخرون.طوبى لشيعتنا المتمسّكين بحبلنا في غيبة قائمنا،الثّابتين على موالاتنا،و البراءة من أعدائنا،أولئك منّا،و نحن منهم،قد رضوا بنا أئمّة،و رضينا بهم شيعة،فطوبى لهم،ثمّ طوبى لهم،هم و اللّه معنا في درجتنا يوم القيامة» (2).
و حكى هذا الحديث ما يقوم به الإمام المنتظر عليه السّلام من دور إيجابي و فعّال في تطهير الأرض من أعداء اللّه،و تدمير الظالمين و الطاغين،و قد بشّر الإمام الكاظم عليه السّلام المؤمنين بغيبة الإمام و المنتظرين لخروجه.
و أثرت عن الإمام الرضا عليه السّلام كوكبة من الأحاديث،و هي تحمل البشرى للمسلمين بظهور مهدي آل محمّد عليه السّلام،و من بينهما ما يلي:
1-وفد شاعر أهل البيت دعبل الخزاعي على الإمام الرضا عليه السّلام،و تلا عليه قصيدته الخالدة التي عرض فيها مصائب أهل البيت،و ما عانوه من الظلم و الاضطهاد من حكّام الأمويّين و العبّاسيّين،و كان مطلعها:
مدارس آيات خلت من تلاوة و منزل وحي مقفر العرصات
و لمّا انتهى من قصيدته إلى قوله:
فلولا الّذي أرجوه في اليوم أو غد تقطّع قلبي أثرهم حسرات
و رفع الإمام رأسه ليستمع إلى أمل الخزاعي الذي لولاه لذهبت نفسه أسى و حسرات،و تلا دعبل قوله:
خروج إمام لا محالة خارج يقوم على اسم اللّه و البركات
يميّز فينا كلّ حقّ و باطل و يجزي على النّعماء و النّقمات
و بكى الامام الرضا عليه السّلام بكاء مرّا و شديدا،و التفت إلى دعبل شاعر المظلومين و المضطهدين فقال له:يا خزاعيّ،نطق روح القدس على لسانك بهذين البيتين، فهل تدري من هذا الإمام؟و متى يقوم؟
و طفق دعبل قائلا:لا يا مولاي،إلاّ أنّي سمعت بخروج إمام منكم،يطهّر الأرض من الفساد،يملأها عدلا.
و انبرى الإمام عليه السّلام يعرّفه بالإمام المنتظر المصلح الأعظم قائلا:يا دعبل،الإمام
من بعدي ابني محمّد،و بعد محمّد ابنه عليّ،و بعد عليّ ابنه الحسن،و بعد الحسن ابنه الحجّة القائم،المنتظر في غيبته،المطاع في ظهوره،و لو لم يبق من الدّنيا إلاّ يوم واحد لطوّل اللّه ذلك اليوم حتّى يخرج،فيملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا،و أمّا متى يقوم فإخبار عن الوقت،و قد حدّثني أبي،عن جدّي،عن أبيه،عن آبائه،عن عليّ صلوات اللّه عليه،إنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و اله قيل له:متى يخرج القائم من ذرّيّتك؟
فقال:مثله كمثل السّاعة لا يجلّيها لوقتها إلاّ هو عزّ و جلّ،ثقلت في السّماوات لا تأتيكم إلاّ بغتة» (1).
لقد أعرب الإمام عليه السّلام عن حتميّة ظهور حفيده المصلح العظيم،و أنّه أمر محتوم لا بدّ أن يتحقّق على مسرح الحياة،و لم يحدّد وقت خروجه؛لأنّ ذلك بيد اللّه تعالى،و قد أخفاه عن عباده.
2-روى الحسن بن خالد أنّ الإمام عليّ بن موسى الرضا عليه السّلام قال:«لا دين لمن لا ورع له،و لا إيمان لمن لا تقيّة له،و إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّٰهِ أَتْقٰاكُمْ (2)، أي أعلمكم بالتّقيّة.
فقيل له:إلى متى يابن رسول اللّه؟
قال:إلى يوم الوقت المعلوم،و هو يوم خروج قائمنا،فمن ترك التّقيّة قبل خروج قائمنا فليس منّا.
فقيل له:يا بن رسول اللّه،و من القائم منكم أهل البيت؟
قال:الرّابع من ولدي،ابن سيّدة الإماء،يطهّر اللّه به الأرض من كلّ جور و يقدّسها3.
من كلّ ظلم،و هو الّذي يشكّ النّاس في ولادته،و هو صاحب الغيبة قبل خروجه، فإذا خرج أشرقت الأرض بنوره،و وضع ميزان العدل بين النّاس،فلا يظلم أحد أحدا، و هو الّذي تطوى له الأرض،و لا يكون له ظلّ،و هو الّذي ينادي مناد من السّماء، يسمعه جميع أهل الأرض الدّعاء إليه بقوله:ألا إنّ حجّة اللّه قد ظهر عند بيت اللّه فاتّبعوه،فإنّ الحقّ فيه و معه،و هو قوله تعالى: إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمٰاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنٰاقُهُمْ لَهٰا خٰاضِعِينَ (1)،و قول اللّه عزّ و جلّ: يَوْمَ يُنٰادِ الْمُنٰادِ مِنْ مَكٰانٍ قَرِيبٍ* يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذٰلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (2)،أي خروج ولدي القائم المهديّ عليه السّلام» (3).
هذه بعض الأحاديث التي أثرت عن الإمام الرضا عليه السّلام في شأن حفيده الإمام المنتظر عليه السّلام،و أنّه سيكون مصدر إشراق و نور في جميع أنحاء الأرض.
و نصّ الإمام الجواد عليه السّلام على الإمام المنتظر عليه السّلام،و بشّر العالم الإسلامي بظهوره و ما يبسطه من خير و رحمة على المجتمع الإنساني،و فيما يلي بعض ما أثر عنه:
1-روى الثقة الزكيّ عبد العظيم الحسني،قال:«دخلت على سيّدي محمّد بن عليّ،و أنا أريد أن أسأله عن القائم أهو المهدي أو غيره؟
فابتدأني هو فقال لي:يا أبا القاسم،إنّ القائم منّا هو المهديّ الّذي يجب أن ينتظر في غيبته،و يطاع في ظهوره،و هو الثّالث من ولدي،و الّذي بعث محمّدا بالنّبوّة،
و خصّنا بالإمامة،إنّه لو لم يبق من الدّنيا إلاّ يوم واحد لطوّال اللّه ذلك اليوم حتّى يخرج فيه،فيملأ الأرض قسطا و عدلا،كما ملئت جورا و ظلما،و إنّ اللّه تبارك و تعالى ليصلح أمره في ليلة،كما أصلح اللّه أمر كليمه موسى؛إذ ذهب ليقتبس لأهله نارا فرجع و هو نبيّ مرسل.
ثمّ قال عليه السّلام:أفضل أعمال شيعتنا انتظار الفرج» (1).
لقد دلّل الإمام محمّد الجواد عليه السّلام شيعته و رواة حديثه على الإمام المنتظر عليه السّلام، و أنّ خروجه من الأمور الحتميّة التي لا بدّ أن تتحقّق على مسرح الحياة.
2-روى الصقر بن أبي دلف،قال:«سمعت أبا جعفر محمّد بن عليّ الرضا عليه السّلام يقول:الإمام بعدي ابني عليّ،أمره أمري،و قوله قولي،و طاعته طاعتي،ثمّ سكت.
فقلت له:يابن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله:فمن الإمام بعد عليّ؟
قال:ابنه الحسن.
قلت:يابن رسول اللّه،فمن الإمام بعد الحسن؟
فبكى عليه السّلام بكاء شديدا،ثمّ قال:إنّ من بعد الحسن ابنه القائم بالحقّ المنتظر.
فقلت له:يا بن رسول اللّه،لم سمّي القائم؟
قال:لأنّه يقوم بعد موت ذكره،و ارتداد أكثر القائلين بإمامته.
فقلت له:و لم سمّي المنتظر؟
قال:إنّ له غيبة يكثر أيّامها،و يطول أمدها،فينتظر خروجه المخلصون،و ينكره المرتابون،و يستهزئ به الجاحدون،و يكذّب فيها الوقّاتون،و يهلك فيها2.
1) كفاية الأثر:276 و 277.كمال الدين و تمام النعمة:351.إعلام الورى:242/2.
المستعجلون،و ينجو فيها المسلّمون» (1).
هذه بعض الأخبار التي أثرت عن الإمام الجواد عليه السّلام في النصّ على إمامة حفيده الإمام المنتظر عليه السّلام.
و نقل الرواة طائفة من الأخبار عن الإمام الهادي عليه السّلام في إمامة الإمام المنتظر عليه السّلام، و التبشير بظهوره،و هذه بعضها:
1-روى الصقر بن أبي دلف،قال:«سمعت عليّ بن محمّد بن عليّ الرضا عليه السّلام يقول:الإمام بعدي الحسن ابني،و بعده ابنه القائم الّذي يملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت جورا و ظلما» (2).
2-روى الفقيه الفاضل السيّد عبد العظيم الحسني،قال:«دخلت على سيّدي عليّ بن محمّد،فلمّا أبصرني قال لي:مرحبا يا أبا القاسم،أنت وليّنا حقّا.
قال:فقلت له:يابن رسول اللّه،إنّي أريد أن أعرض عليك ديني،فإن كان مرضيّا ثبتّ عليه حتّى ألقى اللّه عزّ و جلّ.
فقال:هات يا أبا القاسم.
فقلت:إنّي أقول:إنّ اللّه تبارك و تعالى ليس كمثله شيء،خارج عن الحدّين:حدّ الإبطال،و حدّ التشبيه،و أنّه ليس بجسم،و لا صورة،و لا عرض،و لا جوهر،بل هو مجسّم-أي خالق-الأجسام،و مصوّر الصور،و خالق الأعراض و الجواهر،و ربّ كلّ شيء،و مالكه و جاعله و محدثه،و إنّ محمّدا عبده و رسوله،خاتم النبيّين،
لا نبيّ بعده إلى يوم القيامة،و إنّ شريعته خاتمة الشرائع فلا شريعة بعدها إلى يوم القيامة،و أقول:إنّ الإمام و الخليفة و وليّ الأمر بعده أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب،ثمّ الحسن،ثمّ الحسين،ثمّ عليّ بن الحسين،ثمّ محمّد بن عليّ، ثمّ جعفر بن محمّد،ثمّ موسى بن جعفر،ثمّ عليّ بن موسى،ثمّ محمّد بن عليّ، ثمّ أنت يا مولاي.
و سكت عبد العظيم،فقال له الإمام الهادي عليه السّلام معرّفا له الإمام بعده:و من بعدي الحسن ابني،فكيف النّاس بالخلف من بعده؟
و طفق عبد العظيم يسأل عن الخلف بعد الحسن قائلا:كيف ذلك يا مولاي؟
فانبرى الإمام الهادي قائلا:إنّه-أي الإمام المنتظر عليه السّلام-لا يرى شخصه حتّى يخرج فيملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت جورا و ظلما.
و أقرّ عبد العظيم و آمن بما أمره الإمام من الاعتراف بغيبة الإمام المهدي،و التفت إليه قائلا:يا أبا القاسم،هذا و اللّه دين اللّه الّذي ارتضاه لعباده» (1).
و نصّ الإمام الحسن العسكري على إمامة ولده القائم المنتظر عليه السّلام،و قد ذكرنا في البحوث السابقة جمهرة من النصوص التي نقلها الرواة عنه،و كان منها هذه الروايه:
روى الثقة أحمد بن إسحاق بن سعد الأشعري،قال:«دخلت على أبي محمّد الحسن بن عليّ عليه السّلام و أنا أريد أن أسأله عن الخلف من بعده،فقال لي مبتدئا:
يا أحمد بن إسحاق،إنّ اللّه تبارك و تعالى لم يخل الأرض منذ خلق آدم عليه السّلام و لا يخليها إلى أن تقوم السّاعة من حجّة للّه على خلقه،به يدفع البلاء عن أهل
1) كمال الدين و إتمام النعمة:353-354.
الأرض،و به ينزّل الغيث،و به يخرج بركات الأرض.
و انبرى أحمد قائلا:يابن رسول اللّه،فمن الإمام و الخليفة بعدك؟
فنهض عليه السّلام مسرعا فدخل البيت،ثمّ خرج و هو يحمل بقيّة اللّه في الأرض،و كأنّ وجهه في إشعاعه القمر ليلة البدر،و كان عمر الإمام ثلاث سنين،و التفت الإمام الحسن إلى أحمد قائلا:يا أحمد بن إسحاق،لو لا كرامتك على اللّه عزّ و جلّ و على حججه ما عرضت عليك ابني هذا،إنّه سميّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و كنيّه،الّذي يملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت جورا و ظلما.
يا أحمد بن إسحاق،مثله في هذه الأمّة مثل الخضر عليه السّلام،و مثله مثل ذي القرنين، و اللّه ليغيبنّ غيبة لا ينجو فيها من الهلكة إلاّ من ثبّته اللّه عزّ و جلّ على القول بإمامته، و وفّقه فيها للدّعاء بتعجيل فرجه.
و سارع أحمد قائلا:يا مولاي،فهل من علامة يطمئنّ إليها قلبي؟
و نطق الإمام المنتظر عليه السّلام،فأراه العلامة التي يطلبها قائلا:أنا بقيّة اللّه في أرضه، و المنتقم من أعدائه،فلا تطلب أثرا بعد عين.
و وقف أحمد على ما يريده،و اطمئنّ قلبه،و خرج و هو ناعم البال،فلمّا كان اليوم الثاني عاد إلى بيت الإمام،و لمّا تشرّف بمقابلته قال له:يا بن رسول اللّه،لقد عظم سروري بما مننت به عليّ فما السنّة الجارية فيه من الخضر و ذي القرنين؟
فأجابه الإمام عليه السّلام:طول الغيبة،يا أحمد.
و طلب أحمد من الإمام أن يوضّح له طول غيبة الإمام قائلا:يابن رسول اللّه،و إنّ غيبته لتطول؟
فأجابه الإمام:إي و ربّي-يعني لتطول غيبته-حتّى يرجع النّاس عن هذا الأمر أكثر القائلين به و لا يبقى إلاّ من أخذ اللّه عزّ و جلّ عهده لولايتنا،و كتب في قلبه
الإيمان،و أيّده بروح منه.
يا أحمد بن إسحاق،هذا أمر من أمر اللّه،و سرّ من سرّ اللّه،و غيب من غيب اللّه، فخذ ما آتيتك و اكتمه و كن من الشّاكرين تكن معنا غدا في علّيّين» (1).
و بهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض الأخبار التي نقلها الرواة،و دوّنها الحفّاظ عن النبيّ صلّى اللّه عليه و اله،و عن أئمّة الهدى عليهم السّلام،و هي تعلن حتميّة خروج الإمام المنتظر عليه السّلام، و قيامه بالاصلاح الشامل لجميع نواحي الحياة،حتّى تملأ الأرض عدلا و قسطا ببركة حكمه.8.
1) كمال الدين و تمام النعمة:357 و 358.
أمّا فكرة ظهور المصلح العظيم الذي تسعد به الإنسانيّة،و ينقذها من المحن و الخطوب فهي قديمة جدّا،قد بشّرت بها الأديان السماويّة،و شاعت في جميع الأوساط العالميّة،كأسمى فكرة تحلم بها البشريّة على امتداد التاريخ.
إنّ الإنسان المكدود المجهود الذي يعاني أقسى ألوان الظلم و الاضطهاد،و حفّت به الأزمات،و أحاطت به ويلات الحروب التي أشعلتها ذئاب البشريّة في سبيل أهوائها و كبريائها و أطماعها التي منها الانفراد بالحكم،و الاستيلاء على خيرات اللّه في الأرض،و التحكّم في القضايا المصيريّة للشعوب.
إنّ الإنسان في شرق الأرض و غربها يتطلّع بلهفة إلى منقذه الملهم الذي يغيّر مجرى التاريخ،و يقيم دولة الحقّ التي ينعم في ظلالها المحرومون و البائسون، و تنعدم فيه جميع الفوارق الطبقيّة،التي لا تقوم على أساس التقوى و عمل الخير.
و ممّا لا شبهة فيه أنّ ذلك المصلح العظيم هو مهدي آل محمّد صلوات اللّه عليه الذي تشرق الدنيا بعلمه و عدالته،و حسن سياسته،و قد دلّل عليه جدّه الرسول الأعظم عليه السّلام الذي لا ينطق عن الهوى،و دلّل عليه أوصياؤه،أعمدة التقوى في دنيا الإسلام،كما ألمحنا إلى ذلك في البحوث السابقة.
و على أي حال،فلابدّ لنا من وقفة قصيرة لنرى ما أعلنته الأديان السماويّة بشأن المصلح الملهم،بطل التحرير في العالم،الذي يقيم معالم الحقّ و الحضارة الإلهيّة في الأرض،و فيما يلي ذلك:
و عانت الجمهرة المؤمنة من المسيحيّين ضروبا شاقّة و عسيرة من الجور و الاضطهاد في زمن السيّد المسيح و ما بعده،فقد نزل بهم من البلاء ما لا يوصف في عهد نيرون سنة(64 م)،و في عهد تراجان سنة(106 م)،و في عهد ديسيوس سنة(249-251 م).
ففي عهد نيرون اشتدّ بهم العذاب،فقد اتّهمهم بأنّهم الذين أحرقوا روما، فعذّبهم بأنواع العذاب،فكان يضع بعضهم في جلود الحيوانات،و يطرحونهم للكلاب فتنهشهم،كما ألبس بعضهم لباسا مطليّة بالقار،و يجعلهم مشاعل يستضاء بها.
و كان نيرون نفسه يسير في ضوء تلك المشاعل التي أوقدت من جسوم الأبرياء.
و في عهد تراجان أنزل بهم الذلّ و العذاب الأليم،و قد حدّث بلين في رسالته إلى تراجان عن الطريقة التي كان يعاملهم بها،قال:«جريت مع من اتّهموا بأنّهم نصارى،فكنت أسألهم هل هم مسيحيّون؟فإذا أقرّوا أعيد عليهم السؤال،فإذا أقرّوا بذلك نفذّت فيهم حكم الإعدام،و قد تخلّى فريق من النصارى عن دينهم،و صلوا على الأرباب،و هي الأصنام،و قدّموا لها الخمور و البخور،و شتموا السيّد المسيح.
و استمرّ الاضطهاد و التعذيب للنصارى حتّى بعد هلاك تراجان،فقد أنزل بهم ديسيوس من البلاء ما تقشعرّ له الأبدان» (1).
و آمن المسيحيّون بأنّ السيّد المسيح هو المصلح المنتظر،و القائم بالحقّ
1) محاضرات في النصرانيّة/أبو زهرة:26 و 27.
و العدل،و أنّه لا بدّ من عودته إلى الأرض ليقيم دولة الفكر و العلم،و يبسط الأمن و الرخاء في جميع أنحاء العالم،و لنستمع إلى ما صرّحت به أناجيلهم:
جاء في هذا الإنجيل:«الحقّ،الحقّ أقول لكم:إنّه سيأتي ساعة و هي الآن،حين يسمع الأموات صوت ابن اللّه و السامعون يحيون،و لا تتعجّبوا من هذا،فإنّه تأتي ساعة فيها يسمع جميع الذين في القبور صوته،فيخرج الذين فعلوا الصالحات إلى قيامة الحياة،و الذين عملوا السيّئات إلى قيامة الدّنيوية» (1).
جاء في إنجيل لوقا:«على الأرض تكون كرب،أمم بحيرة و الناس يخشى عليهم من فوق،و انتظار ما يأتي على الكون لأنّ قوّة السماوات تتزعزع» (2).
جاء في إنجيل متّي جملة من الأحاديث في التبشير عن ظهور السيّد المسيح، و هذه بعضها:
1-«بعد ضيق تلك الأيّام الشمس تظلم،و القمر لا يعطي ضوءه،و النجوم تسقط من السماء،و قوّات السماء تتزعزع،و حينئذ تظهر علامة ابن الإنسان في السماء،و حينئذ تنوح جميع قبائل الأرض،و يبصرون ابن الإنسان آتيا على سحاب السماء بقوّة و مجد كثير،فيرسل ملائكته ببوق عظيم الصوت،فيجمعون مختاريه من الأربع الرياح من أقصى السماء إلى أقصاها» (3).
2-«ففي نصف الليل صار صراخ..هو ذا العريس مقبل» (1).و قد رأيت سابقا بعد الفجر.
3-«كونوا أيضا مستعدّين؛لأنّه في ساعة لا تظنّون يأتي ابن الإنسان» (2).
و تبشّر هذه الأناجيل بعباراتها المتفكّكة و المضطربة بحتميّة ظهور السيّد المسيح الذي ينقذ المسيحيّين ممّا هم فيه من المحن و الاضطهاد،و كذلك ينقذ غيرهم من الواقع المرير الذي يعيشونه،و قد انتشرت عنهم هذه العقيدة و آمنوا بها على اختلاف مذاهبهم.
يقول«ول ديورانت»:«كان ثمّة عقيدة مشتركة وحّدت بين الجماعات المسيحيّة المنتشرة في أنحاء العالم هي:أنّ المسيح ابن اللّه،و أنّه سيعود ليقيم مملكته على الأرض،و أنّ كلّ من يؤمن به سينال النعيم المقيم في الدار الآخرة» (3).
و تذكر بعض أناجيل المسيحيّين علامات ظهور السيّد المسيح،فقد جاء في إنجيل مرقس:«و فيما هو-أي المسيح-جالس على جبل الزيتون تجاه الهيكل سأله بطرس و يعقوب و يوحنّا و اندراوس على انفراد،قل لنا:متى يكون هذا-أي خروجك-؟و ما هي العلامة عندما يتمّ جميع هذا؟
فأجابهم يسوع،و ابتدأ يقول:انظروا..لا يضلّكم أحد،فإنّ كثيرين سيأتون باسمى،قائلين:إنّي أنا هو،و يضلّون كثيرين،فإذا سمعتم بحروب،و بأخبار حروب،فلا ترتاعوا؛لأنّها لا بدّ أن تكون،و لكن ليس المنتهى بعد..و ينبغي أن
يركّزوا أوّلا بالإنجيل في جميع الأمم،فمتى رأيتم رجّة الخراب-التي قال عنها دانيال النبيّ-قائمة حيث لا ينبغي،فحينئذ ليهرب الذين في اليهوديّة إلى الجبال، و الذي على السطح فلا ينزل إلى البيت،و لا يدخل ليأخذ من بيته شيئا..و الذي في الحقل فلا يرجع إلى الوراء ليأخذ ثوبه..حينئذ إن قال لكم:هو ذا المسيح هنا،هو ذا هناك فلا تصدّقوا،لأنّه سيقوم مسحاء كذبة،و أنبياء كذبة،و يعطون آيّات و عجائب لكلي يضلّوا،لو أمكن المختارين أيضا،فانتظروا أنتم ها أنا قد سبقت، و أخبرتكم بكلّ شيء».
و أضاف يقول بعد هذا الاضطراب و التفكّك:«و أمّا في تلك الأيّام بعد ذلك الضيق،الشمس تظلم،و القمر لا يعطي ضوءه،و نجوم السماء تتساقط،و القوّات التي في السماء تتزعزع،و حينئذ يبصرون ابن الإنسان آتيا في سحاب بقوّة كثيرة و مجد،فيرسل حينئذ ملائكته،و يجمع مختاريه من الأربع الرياح من أقصاء الأرض إلى أقصاء السماء.
و الحقّ أقول لكم:لا يمضي هذا الجيل حتّى يكون هذا كلّه (1)السماء تزول، و كلامي لا يزول،و أمّا ذلك،و تلك الساعة فلا يعلم بهما أحد و لا الملائكة الذين في السماء،و لا الابن-يعني المسيح-إلاّ الأب» (2).
و المسيحيّون في جميع فترات تاريخهم ينتظرون خروج السيّد المسيح،يقول الأمير شكيب أرسلان:«روى هوارت الفرنساوي صاحب تاريخ العرب أنّ انكليزيا ورد بيت المقدس،و أقام بالوادي الذي يقال إنّه ستكون به الدّنيوية،و شرع كلّ صباح يقرع الطبل منتظرا لحشره.
و سمعت أنّ امرأة انكليزيّة-فيما أظنّ-جاءت القدس و كانت تغلي الشاي كلّ يوم0.
لأجل أن تقدّمه للسيّد المسيح ساعة وصوله.
و حدّث لامرتين الشاعر الفرنسي في رحلته لجبل لبنان أنّه زار في قرية جون السيّدة استير ستانوب ابنة أخ الوزير الانكليزي الشهير،فرأى عندها فرسا مسرجا دائما ليكون ركوبه للسيّد المسيح عند وصوله» (1).
هذا بعض ما أعلنه قادة الفكر المسيحي من ظهور السيّد المسيح،و آمن المسلمون بعودته إلى الأرض حسبما تواترت به الأخبار عن النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و عن أئمّة الهدى عليهم السّلام-كما سنذكر ذلك-و لكن عودته لا ليقيم بنفسه الاصلاح الشامل،و إنّما يكون في موكب الإمام المنتظر بقيّة اللّه في الأرض،و يكون من أتباعه و أنصاره على إقامة الحقّ،و تغيير منهج الحياة إلى ما هو أفضل،و أعود على الإنسانيّة بجميع أجناسها و قوميّاتها.
و من بنود العقائد اليهوديّة ظهور مصلح عظيم يخرج في آخر الزمان فيقيم ما فسد من أخلاق الناس،و يصلح ما غيّرته القوانين و الأنظمة الوضعيّة من طباع المجتمع، و تحدّث ابن القيم عن هذا المصلح الذي تنتظره اليهود بقوله:«إنّهم-أي اليهود- ينتظرون قائما من ولد داود النبيّ إذا حرّك شفتيه بالدعاء ماتت جميع الأمم،و أنّ هذا المنتظر-بزعمهم-هو المسيح الذي وعدوا به» (2).
أمّا كيفيّة ظهور مصلح اليهود و منقذهم و منهج حكمه،فيتحدّث أسعياء أحد
أنبيائهم.يقول:«سيخرج من قضيب من جذع يسمّى أبي داود،و ينبت غصن من أصوله،و يحلّ عليه روح الربّ..روح الحكمة و الفهم،روح المشورة و القوّة،روح المعرفة و مخافة الربّ،و تكون سعادته في مخافة الربّ،فلا يقضي بحسب نظر عينيه،و لا يحكم بحسب سمع أذنيه،بل يقضي بالعدل للمساكين،و يحكم بالإنصاف لبائسي الأرض،و يضرب الأرض بقضيب فمه،و يميت المنافق بنفخة شفتيه،و يكون البرّ منطقة مثنيه،و الأمان منطقة حقويه،فيسكن الذئب مع الحمل، و يربض النمر مع الجدي،و العجل و الشبل و الماشية المسمنة معا،و الأسد كالبقر يأكل تينا،و يلعب الرضيع على حجر الفيل،و يمدّ العظيم يده إلى كن الأفعوان لا يسوءون و لا يفسدون في كلّ جبل قدسي؛لأنّ الأرض امتلأت بمعرفة اللّه،كما تغطّي المياه البحر» (1).
عرض هذا المقطع إلى ما يبسطه هذا المصلح المنتظر من صنوف العدل في جميع أنحاء الأرض،و ما يحقّقه من مكاسب عظيمة للإنسانيّة لم تجده في جميع فترات تاريخها،و من المحقّق الذي لا ريب فيه أن الذي يقوم بتنفيذ ذلك و يحقّقه على مسرح الحياة إنّما هو مهدي آل محمّد عليه السّلام،فهو الذي يغمر العالم بعدله، و يسوس الناس بسياسة مشرقة لا خداع فيها و لا التواء.
و وضع اليهود في أسفارهم أمارات و علامات لظهور المصلح الذي ينتظرونه، و هي:
1-اجتماع الأسباط العشرة،و خضوعهم لملك واحد من بيت داود.
1) البرهان في علامات آخر الزمان:122/1 و 123،نقلا عن الكتب التاريخيّة في العهد القديم:47 و 48.
2-هزيمة شعبي يأجوج و مأجوج.
3-انشقاق جبل الزيتون.
4-جفاف وادي مصر.
5-خروج ماء عذب في أورشليم و من بيت المقدس.
6-التماس عشرة رجال من مختلف شعوب العالم من يهودي بالقبض على طرف ثوبه و الذهاب معه لأنّهم سمعوا أنّ اللّه مع اليهود.
7-هجرة سائر الشعوب إلى أورشليم ليصلّوا فيها للّه.
8-القضاء على الأشرار في الأرض،و قد ذهبوا إلى أنّ المسيح لن يأتي إلاّ بعد القضاء على حكم الأشرار من الخارجين على دين بني إسرائيل،لذلك يجب على كلّ يهوديّ أن يبذل جهده لمنع اشتراك باقي الأمم في الأرض،كي تظلّ السلطة لليهود وحدهم.
و قبل أن يحكم اليهود نهائيا باقي الأمم يجب أن تقوم الحرب،و يهلك ثلث العالم،و يبقى اليهود سبع سنوات متواليات،يحرقون الأسلحة التي كسبوها بعد النصر،و في ذلك اليوم تكون الأمّة اليهوديّة غاية في الثراء؛لأنّها تكون قد ملكت كلّ أموال العالم،و ستملأ كنوزهم بيوتا كبيرة لا يمكن حمل مفاتيحها و أقفالها إلاّ على ثلاثمائة حمار،و يدخل الناس كلّهم أفواجا في دين اليهود،و يقبلون جميعا عدا المسيحيّين،فإنّهم يهلكون لأنّهم من نسل الشيطان» (1).
و يمثّل هذا البند أنانية اليهود و حقدهم البالغ على جميع الأديان،خصوصا المسيحيّة،كما فيه دعوة اليهود بالاستيلاء على جميع ثروات العالم،حتّى تكون الأمم و الشعوب خاضعة لسيطرتهم و استعمارهم.6.
1) البرهان:128/1،نقلا عن قصّة الديانات:376.
9-و من علامات ظهور المنقذ ما أعلنه بطرس بقوله:«فما أنّ هذه-أي الأديان- كلّها تنحلّ،أي أناس يجب أن يكونوا في سيرة مقدّسة،و تقوى،منتظرين، و طالبين سرعة مجيء الربّ الذي به تدخل السماوات ملتهبة،و العناصر محترقة تذوب،و لكنّنا بحسب وعده ننتظر سماوات جديدة،و أرضا جديدة يسكن فيها البرّ» (1).
10-من أمارات ظهور المصلح عند اليهود ما جاء في تعاليم التلمود:«يجب على كلّ يهودي أن يبذل جهده لمنع استهلاك باقي الأمم في الأرض،لتبقى السلطة لليهود وحدهم،و إذا تسلّط غير اليهود على أوطان اليهود حقّ لهؤلاء أن يندبوا و يقولوا يا للعار،و يا للخراب قبل أن تحكم اليهود نهائيا يلزم أن تقوم الحرب على قدم و ساق،و يهلك ثلثا العالم،و يبقى اليهود سبع سنوات يحرقون الأسلحة التي غنموها بعد النصر،و حينئذ تنبت أسنان أعداء بني إسرائيل بمقدار اثنين و عشرين ذراعا خارجا على أفواههم.
و تعيش اليهود في حرب عوان مع باقي الشعوب،منتظرين ذلك اليوم،و سيأتي المسيح الحقيقي،و يحصل النصر المنتظر،و تكون الأمّة اليهوديّة إذ ذاك في غاية الإثراء،لأنّها تكون قد حصلت على جميع أموال العالم،و تحفظ هذه الكنوز في سرايات واسعة لا يمكن حمل مفاتيحها على أقل من ثلاثمائة حمار» (2).
و في هذا المقطع و غيره ممّا أثر عن أعلام اليهود في هذا الموضوع و غيره دلالة واضحة على حقدهم البالغ على جميع البشر،و اهتمامهم بحصر ثروات الأرض و خيرات اللّه عندهم ليسيطروا بذلك على جميع الشعوب،و يستعمروا جميع الأمم.1.
و يعتقد اليهود أنّه بعد مجيء المنتظر سيعمّ النعيم جميع أنحاء الأرض،و تنتشر البركات،و إنّ حياة الناس ستطول قرونا،و إنّ قامة الرجل ستكون مائتي ذراع (1).
و قالوا:«إنّ أرض إسرائيل ستنبت الخبز و الأقمشة،و ينبت القمح في لبنان عاليا مثل أشجار النخيل،و سيهب هواء بمشيئة اللّه ليجعله دقيقا فاخرا،و حبوب القمح ستكون مثل كلّ الثيران الضخمة» (2).
و كذلك تطرح الأرض فطيرا،و تحمل كلّ حبّة قدر ما كانت تحمله ألف مرّة، و يصير الخمر موفورا،و إنّ كروم العنب ستثمر حتّى أنّ عنقودا واحدا يكفي لثلاثين جرّة من الخمر،و سيرتفع بناء أورشليم ثلاثة أميال،و أبوابها ستكون من لآلئ و أحجار كريمة قامتها ثلاثون ذراعا طولا،و ثلاثون ذراعا عرضا (3)،يزول الفقر، و يصبح الناس كلّهم أصحّاء مستمسكين بالفضيلة،و تسود العدالة و الصداقة و السلام في الأرض (4)،و حينئذ ترجع السلطة لليهود،و كلّ الأمم تخدم ذلك المسيح و تخضع له،و في هذا الوقت يكون لكلّ يهودي ألفان و ثمانمائة عبد يخدمونه، و ثلاثمائة و عشرة ألوان تحت سلطته» (5).
و كثير من أمثال هذه المخاريق آمن بها اليهود،و هي جزء من ركائزهم الدينيّة التي تدعو إلى التحكّم في مصير العالم،و نهب ثرواته.
و بهذا ينتهي بنا الحديث عن هذا المصلح العظيم الذي آمنت به الأديان
السماويّة،و اعتقدت بصورة جازمة حتميّة ظهوره،و من المقطوع به أنّه الإمام المنتظر عليه السّلام الذي ستؤمن به النصارى و اليهود،و سائر الأديان و المذاهب الأخرى، و أنّ اللّه تعالى يمدّه بالمعجز كما أمدّ أولياءه العظام،و ذلك ليقيم الحقّ و ينشر العدل،و يبسط الأمن و المساواة بين جميع أبناء الأرض.
و اتّفق علماء المسلمين على ضرورة الإيمان بظهور الإمام المهدي عليه السّلام و قيامه في دور حكومته بالاصلاح الشامل لمناهج الحياة،و تدميره للأنظمة الفاسدة التي يرزح تحت وطأتها الإنسان،و إنّ حكومته تعدّ من أعظم الانتصارات و المكاسب التي تظفر بها الإنسانيّة على امتداد التاريخ.
آمن العلماء و جزموا به،و عدّوه جزءا لا يتجزّأ من رسالة الإسلام،و ذلك للأخبار المتواترة عن النبيّ صلّى اللّه عليه و اله،و عن أئمّة الهدى سلام اللّه عليهم،و قد ذكرنا بنودا منها في البحوث السابقة.
و قد وقع الخلاف في أمر ثانوي،و هو ولادته و وجوده،فآمنت به الشيعة و وافقهم جمهور كبير من علماء السنّة و مؤرّخيهم،و ذهب آخرون إلى أنّه سيولد، و نعرض إلى كلمات كلا الفريقين:
و أجمعت الشيعة الإماميّة على وجود الإمام المنتظر عليه السّلام،و أنّه أمر مفروغ منه، و أنّ اللّه تعالى قد أمدّه بوسائل الحياة التي لا تخضع لعوامل الهرم و الفناء،و ليس ذلك على اللّه تعالى بعسير،فهو الذي أقام ملايين المجرّات في الفضاء بغير عمد، و أمر الحياة و الممات بيده،فهو الذي يحيي و يميت،و هو على كلّ شيء قدير،فهو الذي أنام أهل الكهف ثلاثمائة سنة و تسع سنين،ثمّ بعثهم من نومهم و دفعهم إلى
مسرح الحياة،و هو الذي أبقى يونس في بطن الحوت حيّا،و لمّا التجأ إليه تعالى و طلب منه العفو ألقاه الحوت،و لو لا استغفاره لأبقاه حيّا مع الحوت إلى يوم يبعثون،و أمثال هذه البوادر كثيرة في القرآن الحكيم.
و على أي حال،فإنّا نعرض إلى كلمات الأعلام من علماء السنّة الذين وافقوا الشيعة على ولادة الإمام المنتظر عليه السّلام،و هم:
قال محمّد بن طلحة بن محمّد القرشي النصيبي:«محمّد بن الحسن الخالص بن عليّ المتوكّل بن محمّد القانع بن عليّ الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمّد الباقر بن عليّ زين العابدين بن الحسين الزكيّ بن عليّ المرتضى أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب المهدي الحجّة،الخلف الصالح،المنتظر عليهم السلام و رحمته و بركاته.
هذا الخلف الحجّة قد أيّده اللّه
هدانا منهج الحقّ و آتاه سجاياه
و أعلى في ذرى العليا بالتّأييد مرقاه
و آتاه حلى فضل عظيم فتح اللّه
و قد قال رسول اللّه قولا قد رويناه
و ذو العلم بما قال إذا أدرك معناه
يرى الأخبار في المهديّ جاءت عن مسمّاه
و قد أبداه بالنّسبة و الوصف و سمّاه
و يكفي قوله منّي لإشراق محيّاه
و من بضعته الزّهراء مجراه و مرساه»
و أضاف يقول:«أمّا مولده في سرّ من رأى في 23 شعبان سنة 258 ه» (1).
و حكت هذه الكلمات إيمان محمّد بن طلحة بوجود الإمام المنتظر عليه السّلام مستندا إلى أقوال النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و أحاديثه فيه.
و نصّ محيي الدين محمّد بن عليّ المعروف ب(ابن العربي)الأندلسي على إمامة المهدي،و أنّه ولد،و سوف يظهر،قال:«المهدي الظاهر في آخر الزمان الذي بشّر به رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله،و هو من أهل البيت المطهّر من الحضرة المحمّديّة.
إنّ الإمام إلى الوزير فقير و عليهما فلك الوجود يدور
و الملك إن لم تستقم أحواله بوجود هذين فسوف يبور
إلاّ إله الحقّ فهو منزّه ما عنده فيما يريد وزير
اعلم أيّدنا اللّه و إيّاك،إنّ للّه خليفة يخرج و قد امتلأت الأرض جورا و ظلما، فيملأها قسطا و عدلا،لو لم يبق في الدنيا إلاّ يوم واحد لطوّل اللّه ذلك اليوم حتّى يلي هذا الخليفة من عترة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله،و من ولد فاطمة سلام اللّه عليها،جدّه الحسين بن عليّ بن أبي طالب،و والده الحسن العسكري».
و أضاف يقول:«يواطئ اسمه اسم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله،يبايع له الناس بين الركن و المقام،يشبه جدّه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله في الخلق-بفتح الخاء-و ينزل عنه في الخلق -بضمّها-إذ لا يكون أحد مثل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله في أخلاقه،و اللّه تعالى يقول:
1) مطالب السؤول:152/2.
وَ إِنَّكَ لَعَلىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ (1).
هو أجلى الجبهة،أقنى الأنف،أسعد الناس به أهل الكوفة،يقسّم المال بالسويّة،و يعدل في الرعيّة،و يفصل في القضيّة،يأتيه الرجل فيقول:يا مهدي، أعطني،و بين يديه المال،فيحثي له في ثوبه ما استطاع أن يحمله.
يخرج على فترة من الدين،يضع اللّه به ما لا يضع في القرآن،يمسي الرجل جاهلا و جبانا فيصبح عالما شجاعا كريما،يمشي النصر بين يديه،يعيش خمسا أو تسعا،يقفو أثر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله».
و أضاف يقول:«يحمل الكلّ،و يعين الضعيف،و يساعد على نوائب الحقّ، يفعل ما يقول،و يقول ما يفعل،و يعلم ما يشهد،يبيد الظلم و أهله،و يقيم الدين و أهله،و ينفخ الروح في الإسلام،يعزّ اللّه به الإسلام بعد ذلّه،و يحييه بعد موته.
يظهر من الدين ما هو عليه في نفسه حتّى لو كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله حيّا لحكم به، فلا يبقى في زمانه إلاّ الدين الخالص عن الرأي،يفرح به عامّة المسلمين أكثر من خاصّتهم،يبايعه العارفون باللّه من أهل الحقائق عن شهود و كشف إلهي.
له رجال إلهيّون يقيمون دعوته،و ينصرونه،هم الوزراء،يحملون أثقال المملكة و يعينونه على ما قلّده اللّه.
ينزل عليه عيسى بن مريم بالمنارة البيضاء شرقي دمشق،بين مهرودتين،متّكئا على ملكين:ملك عن يمينه،و ملك عن يساره،يقطر رأسه ماء مثل الجمان،يؤمّ الناس بسنّة رسول اللّه،يكسر الصليب،و يقتل الخنزير» (2).
حفل كلام ابن العربي بالمواد التالية:3.
أوّلا:إنّ الإمام المنتظر عليه السّلام خليفة اللّه في أرضه،و هو الذي يقيم منهاج العدل و معالم الحقّ.
ثانيا:إنّ الإمام عليه السّلام يشابه جدّه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله في ملامحه و مكارم أخلاقه.
ثالثا:إنّ سياسة الإمام عليه السّلام تتلخّص بما يلي:
1-يقسّم المال بالسويّة،فلا يختصّ به فريق دون فريق،و لا يعطي أي شيء منه محاباة.
2-العدل في الرعيّة،و يتساوى فيه الجميع.
3-إعانة الضعفاء.
4-مساعدة الناس على ما يمنون به من كوارث الزمان و نوائب الدهر.
5-إقصاء الجور،و تدمير الظلم،بحيث لا يبقى لهما أي ظلّ على مسرح الحياة.
رابعا:إنّ وزراء الإمام من أتقى الناس،و أكثرهم حريجة في الدين،و هم عون له على إقامة حكم اللّه في الأرض.
خامسا:إنّ السيّد المسيح ينزل من السماء ليكون عونا للإمام على أداء رسالته الاصلاحيّة.
هذه بعض النقاط التي عرض لها ابن العربي،و معظمها مستفاد من الأخبار.
قال الشيخ نور الدين عليّ بن محمّد،المعروف ب(ابن الصبّاغ المالكي):«الإمام الثاني عشر محمّد بن الحسن»،و ذكر تاريخ ولادته،و دلائل إمامته،و طرفا من أخباره،و غيبته،و مدّة قيام دولته،و غير ذلك (1).
1) الفصول المهمّة:281،ذكره بعنوان عامّ ضمن الفصل الثاني عشر.
قال عليّ بن أبي الكرم محمّد بن محمّد الشيباني،المعروف ب(ابن الأثير الجزري):«و فيها-أي في سنة 260 ه-توفّي أبو محمّد العلوي العسكري،و هو أحد الأئمّة الاثنى عشر على مذهب الإماميّة،و هو والد محمّد الذي يعتقدونه المنتظر بسرداب سامراء،و كان مولده سنة 232 ه» (1).
قال شمس الدين أبو المظفّر،يوسف بن فرغلي،المعروف ب(سبط ابن الجوزي):«محمّد بن الحسن بن عليّ بن محمّد بن عليّ بن موسى الرضا بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليهم السّلام،و كنيته أبو عبد اللّه و أبو القاسم،و هو الخلف الحجّة،صاحب الزمان،القائم،و المنتظر،و التالي،و هو آخر الأئمّة» (2).
قال إسماعيل أبو الفداء صاحب حماة في وفاة الإمام الحسن العسكري:«و هو أحد الأئمّة الاثني عشر على مذهب الإماميّة،و هو والد محمّد المنتظر من سرداب سرّ من رأى على زعمهم،و كان مولده سنة 235 ه» (3).
إنّ الشيعة لا تعتقد و لا تذهب إلى أنّ الإمام عليه السّلام غاب في السرداب،و لا تنتظر خروجه منه،و إنّما ذهبت إلى أنّه غاب عن أعين الناس،و تنتظر خروجه من بيت اللّه
الحرام،و قد ألمحنا إلى ذلك في البحوث السابقة.
قال القرماني:«الإمام أبو القاسم محمّد بن الحسن العسكري،كان عمره عند وفاة أبيه خمس سنين،آتاه اللّه الحكمة كما أوتيها يحيى،و كان مربوع القامة،حسن الوجه و الشعر،أقنى الأنف،أجلى الجبهة» (1).
قال ابن خلّكان في ترجمة الإمام المنتظر عليه السّلام:«أبو القاسم محمّد بن الحسن بن محمّد الجواد،ثاني عشر من الأئمّة الاثني عشر عليهم السّلام.ولد يوم الجمعة منتصف رمضان سنة 255 ه» (2).
و نصّ الذهبي على ولادة الإمام المهدي عليه السّلام،قال:«في حوادث سنة 261 ه، و فيها مات الحسن بن عليّ بن الجواد بن الرضا العلويّ،أحد الأئمّة الاثني عشر الذين تعتقد الرافضة عصمتهم،و هو والد منتظرهم محمّد بن الحسن» (3)
سمّيت بالذّهبيّ اليوم تسمية مشتقّة من ذهاب العقل لا الذّهب
.قال شيخ الإسلام أبو المعالي سراج الدين محمّد الرفاعي في ترجمة الإمام
أبي الحسن الهادي عليه السّلام:«و لقبه التقيّ،و العالم،و الفقيه،و الأمير،و الدليل، و العسكري.و كان له خمسة أولاد:الإمام الحسن العسكري،و الحسين،و محمّد، و جعفر،و عائشة.فأمّا الحسن العسكري فأعقب صاحب السرداب الحجّة المنتظر وليّ اللّه الإمام المهدي عليه السّلام» (1).
و ممّن نصّ على الإمام المهدي و ولادته و حياته العالم الفاضل الشيخ الشبلنجي، قال:«فصل في ذكر مناقب محمّد بن الحسن الخالص بن عليّ الهادي بن محمّد الجواد بن عليّ الرضا،بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمّد الباقر بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب.أمّه أمّ ولد يقال لها:نرجس،و قيل:صيقل، و قيل:سوسن،و كنيته:أبو القاسم،و لقّبه الإماميّة ب(الحجّة)و(المهدي)، و(الخلف الصالح)،و(القائم)،و(المنتظر)،و(صاحب الزمان)،و أشهرها (المهدي)،صفته:شاب مرفوع القامة،حسن الوجه و الشعر،يسيل شعره على منكبيه،أقنى الأنف،أجلى الجبهة» (2).
عرض العالم الفاضل الشيخ سليمان بن خواجة إلى الإمام المنتظر عليه السّلام،و أثبت بصورة حاسمة أنّ المهدي الموعود الذي بشّر به النبيّ صلّى اللّه عليه و اله هو الحجّة محمّد بن الحسن العسكري،و قد بحث عنه بحثا مفصّلا مدعوما بالشواهد» (3).و من الجدير بالذكر أنّ هذا الشيخ حنفي المذهب،صوفي المشرب.
قال الشيخ العارف عبد الوهاب بن أحمد بن عليّ الشعراني:«و مولده-أي الإمام المنتظر عليه السّلام-ليلة النصف من شعبان سنة 255 ه،و هو باق إلى أن يجتمع بعيسى بن مريم،و هو من أولاد الحسن العسكري عليه السّلام» (1).
قال خير الدين الزركلي:«محمّد بن الحسن العسكري الخالص بن عليّ الهادي أبو القاسم،آخر الأئمّة الاثني عشر عند الإماميّة،و هو المعروف عندهم بالمهدي، و صاحب الزمان،و المنتظر،و الحجّة،و صاحب السرداب.ولد في سامراء،و مات أبوه و له من العمر نحو خمس سنين،و لمّا بلغ التاسعة أو العاشرة أو التاسعة عشر دخل سردابا في دار أبيه و لم يخرج منه.
قال ابن خلّكان:و الشيعة ينتظرون خروجه في آخر الزمان من السرداب بسرّ من رأى» (2).
إنّ الشيعة لا تنتظر خروج الإمام المصلح من السرداب في سامراء،و إنّما تنتظر خروجه من بيت اللّه الحرام،و قد أشرنا إلى ذلك و دلّلنا عليه في كثير من بحوث هذا الكتاب.
قال البيهقي الشافعي:«اختلف الناس في أمر المهدي،فتوقّف جماعة و أحالوا العلم إلى عالمه،و اعتقدوا أنّه واحد من أولاد فاطمة بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله».
و أضاف يقول:«و لا امتناع في طول عمره،و امتداد أيّامه كعيسى بن مريم و الخضر» (1).
قال الحسين صاحب التفسير:«محمّد بن الحسن العسكري الإمام الثاني عشر من الأئمّة الاثني عشر،كنيته أبو القاسم،ولادته في سرّ من رأى» (2).
قال الشعراني:«المبحث الخامس و الستّون:في بيان جميع شروط الساعة التي أخبر بها الشارع صلّى اللّه عليه و اله حقّ لا بدّ أن تقع كلّها قبل قيام الساعة،و ذلك كخروج المهدي عليه السّلام،ثمّ الدجّال،ثمّ نزول عيسى،و خروج الدابّة،و طلوع الشمس من مغربها،و فتح سدّ يأجوج و مأجوج،حتّى لو لم يبق من الدنيا إلاّ مقدار يوم واحد لوقع ذلك كلّه» (3).
قال الشيخ صلاح الدين الصفدي:«إنّ المهدي الموعود هو الإمام الثاني عشر من الأئمّة،أوّلهم سيّدنا عليّ عليه السّلام،و آخرهم المهدي» (4).
و ممّن نصّ على ولادة الإمام عليه السّلام و وجوده الحافظ محمّد بن محمّد البخاري من
أعيان علماء الحنفيّة،قال:«و أبو محمّد-والد الإمام-ولده محمّد رضي اللّه عنهما، معلوم عند خاصّة خواص أصحابه،و ثقات أهله» (1)،ثمّ ذكر كيفيّة ولادة الإمام المنتظر عليه السّلام.
قال السيّد أحمد زيني دحلان في الردّ على المعتقدين بأنّ المهدي العبّاسي هو الإمام المنتظر،قال:«و الحاصل أنّ الذي تقتضيه الأحاديث النبويّة،و صرّح به العلماء أنّ المهدي المنتظر إلى هذا الوقت لم يظهر،و ذكروا له علامات كثيرة بعضها مضى و انقضى،و بعضها باق لم يظهر،و من أظهر علاماته أنّه يصلحه اللّه في ليلة، و أنّه من ولد فاطمة».
و أضاف يقول:«لكن من المقطوع به أنّه لا بدّ من ظهوره» (2).
هذه بعض الكلمات التي أدلى بها كبار علماء السنّة و الجماعة في ولادة الإمام المهدي عليه السّلام،و حتميّة ظهوره.
و ذكر المحقّق الشيخ حسين النوري في كتابه(كشف الأستار)أربعين عالما و محقّقا من علماء السنّة الذين يؤمنون بوجود الإمام المنتظر،و ضرورة ظهوره.
و ذكر الفاضل الأستاذ الحاج عليّ محمّد عليّ دخيل أسماء مائة و أربعة و أربعين كتابا تعرّضت للإمام المهدي عليه السّلام،و جلّها لعلماء أهل السنّة (3).
و ألّف علماء المسلمين كوكبة من الكتب القيّمة في الإمام المهدي عليه السّلام، و قد عرضت لمعظم شؤونه،و إلى ما أثر عن النبيّ صلّى اللّه عليه و اله في حقّه،و من الجدير بالذكر أنّ ما ألّفه علماء السنّة في الإمام أكثر ممّا ألّفه علماء الشيعة،و هذه بعضها:
1-إبراز الوهم المكنون من كلام ابن خلدون/أحمد بن صدّيق البخاري، مطبعة الترقّي-دمشق.
2-الأحاديث القاضية بخروج المهدي/محمّد بن إسماعيل الصنعاني.ذكره صدّيق حسن في كتاب الإذاعة.
3-الأحاديث الواردة في المهدي في ميزان الجرح و التعديل/عبد العليم ابن عبد العظيم،و هي رسالة ماجستير قدّمت بجامعة أمّ القرى(مكّة المكرّمة) (1).
4-أخبار المهدي/عباد بن يعقوب الرّواجني(المتوفّى سنة 250 ه) (2).
5-أربعون حديثا في المهدي/أبو العلاء الهمداني.
6-أربعون حديثا في المهدي/الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبد اللّه الاصفهاني.
7-ارتقاء الفرق/السخاوي(المتوفّى سنة 902 ه)،ذكره في كتابه المقاصد.
8-الإشاعة لأشراط الساعة/البرزنجي(المتوفّى سنة 1103 ه).
9-الإمام المهدي/الفاضل الحاجّ عليّ محمّد عليّ دخيل،مطبعة الآداب- النجف الأشرف.
10-بحث حول المهدي/الإمام محمّد باقر الصدر.
11-البحور الزاخرة في علوم الآخرة/محمّد ابن الحاجّ أحمد الحنبلي (المتوفّى سنة 188 ه).
12-البرهان في علامات مهدي آخر الزمان/الشيخ عليّ بن حسام المشهور ب(المتّقي الهندي).يقع في جزئين،و قد حقّقه و علّق عليه:جاسم بن محمّد بن مهلهل الياسين،و قد طبعته شركة ذات السلاسل-الأردن، و الكتاب جامع شامل لمعظم شؤون الإمام،و هو من مصادر بحثنا.
13-بشارة الأنام في ظهور المهدي/مصطفى آل السيّد حيدر الكاظمي.
14-البعث و النشور/البيهقي(المتوفّى سنة 458 ه)-مخطوط.
15-البيان بأخبار صاحب الزمان/أبو عبد اللّه محمّد بن يوسف الكنجي الشافعي(المتوفّى سنة 658 ه)،و قد عرض بصورة موضوعيّة و شاملة إلى أحوال الإمام عليه السّلام،و قدّم له مقدّمة وافية مستوعبة سماحة الحجّة المحقّق السيّد مهدي الخرسان حفظه اللّه.
16-تحديق النظر في أخبار المنتظر/الشيخ محمّد بن عبد العزيز بن مانع (في القرن 14)،مخطوط،توجد نسخة منه بدار الكتب المصريّة.
17-التصريح بما تواتر في نزول المسيح/الكشميري(المتوفّى سنة 1352 ه).
18-تلخيص البيان في علامات مهدي آخر الزمان/ابن كمال باشا الحنفي (المتوفّى سنة 940 ه).
19-تلخيص البيان في علامات مهدي آخر الزمان/الشيخ الأقسرائي،مخطوط بمكتبة عارف حكمت في المدينة المنوّرة برقم 7/240/62 ق.
20-التوضيح في تواتر ما جاء في المهدي المنتظر و الدجّال و المسيح/الشوكاني
(المتوفّى سنة 1250 ه).ذكره الشوكاني في تفسيره:فتح القدير:4397/1.
21-الجواب المقنع المحرّر في الردّ على من طغى و تجبّر بدعوى أنّ عيسى هو المهدي المنتظر/محمّد حبيب اللّه الشنقيطي.
22-الخطاب المليح في تحقيق المهدي و المسيح/الشيخ أشرف عليّ التهانوي، و هو باللغة الأورديّة.
23-السنن الواردة في الفتن/أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني المقرئ(المتوفّى سنة 444 ه)-مخطوط.
24-الشيعة و الرجعة/العالم المحقّق الشيخ محمّد رضا الطبسي النجفي، و قد تناول موضوع الإمام المنتظر عليه السّلام في الجزء الأوّل الذي يقع في 462 صفحة،و قد بحث موضوع الإمام من جميع جهاته،معتمدا على أوثق المصادر من الشيعة و السنّة.
25-العرف الوردي في أخبار المهدي/السيوطي(المتوفّى سنة 911 ه)، و هو مطبوع ضمن كتاب الحاوي في الفتاوي للسيوطي.
26-عقد الدرر في أخبار المنتظر-و هو المهدي عليه السّلام-/تأليف العلاّمة يوسف بن يحيى بن عليّ بن عبد العزيز المقدسي الشافعي السلمي،و قد حقّقه و راجع نصوصه و علّق عليه و خرّج أحاديثه الشيخ مهيب بن صالح بن عبد الرحمن البوريني،و قد طبع في مكتبة المنار-الأردن،و هو كتاب شامل لمعظم جوانب حياة الإمام عليه السّلام.
27-العواصم من الفتن القواصم/عليّ بن برهان الدين الحلبي الشافعي.
28-الغيبة/الشيخ المفيد.
29-الغيبة/حجّة الإسلام و المسلمين الشيخ محمّد حرز الدين،تحقيق:حفيده
العلاّمة الشيخ محمّد حسين حرز الدين-مخطوط.
30-الغيبة/شيخ الطائفة الشيخ الطوسي.
31-الغيبة/محمّد بن إبراهيم النعماني.
32-الفتن/نعيم بن حمّاد المروزي(المتوفّى سنة 228 ه).توجد منه نسخ في الرياض و المدينة و مكّة مصوّرة من تركيا و لندن و الهند و العراق (1).
33-فرائد فوائد الفكر في المهدي المنتظر/مرعي بن يوسف الكرمي الحنبلي (المتوفّى سنة 1033 ه)-مخطوط،له نسخة في باريس.
34-القطر الشهدي في أوصاف المهدي/منظومة لشهاب الدين أحمد بن إسماعيل الحلواني الشافعي(المتوفّى سنة 1308 ه).
35-القول المختصر في علامات المهدي المنتظر/ابن حجر الهيثمي الشافعي (المتوفّى سنة 974 ه)-مخطوط.
36-كمال الدين و تمام النعمة/الشيخ الصدوق.
37-مختصر الأخبار المشاعة في الفتن و أشراط الساعة/عبد اللّه ابن الشيخ، مطبوع في مطابع الرياض.
38-المشرب الوردي في مذهب المهدي/ملاّ عليّ القاري(المتوفّى سنة 1014 ه).ذكره البرزنجي في أشراط الساعة.
39-الملاحم/أبو الحسن بن المنادي،أحمد بن جعفر(المتوفّى سنة 336 ه) (2).
40-الملاحم و الفتن/رضي الدين عليّ بن طاووس.3.
41-منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر/العالم الفاضل لطف اللّه الصافي الگلپايگاني،و هو من أجود و أوفى ما ألّف في الإمام المنتظر عليه السّلام،و قد استوعبت أبحاثه معظم شؤون الإمام عليه السّلام،و قد اعتمد على أوثق المصادر الشيعيّة و السنيّة.
42-المنتظر على ضوء الحقائق/محمّد حسين الأديب،المطبعة الحيدريّة- النجف الأشرف.
43-المهدي/أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني(أحد أصحاب الصحاح الستّة).
44-المهدي أو أخبار المهدي/أبو نعيم الاصفهاني(المتوفّى سنة 430 ه)- مخطوط.
45-المهدي إلى ما ورد في المهدي/شمس الدين محمّد بن طولون(المتوفّى سنة 953 ه).
46-المهدي الموعود/السيّد محمّد الصدر.
47-مهدي موعود/علي داواني.
48-المهدي الموعود المنتظر عند علماء أهل السنّة و الإماميّة/العالم الكبير الشيخ نجم الدين جعفر بن محمّد العسكري.يقع في جزئين،و قد عرض بصورة موضوعيّة و مفصّلة إلى شؤون الإمام عليه السّلام مستندا في ذلك إلى مجموعة من الأخبار المتواترة عن النبيّ صلّى اللّه عليه و اله،و الأئمّة الهداة من أهل البيت عليهم السّلام،و قد طبع الكتاب في لبنان طبعته دار الزهراء.
49-النجم الثاقب في بيان أنّ المهدي من أولاد عليّ بن أبي طالب.
50-الهديّة المهدويّة/أبو الرجاء محمّد هندي.
و آمن جمهور كبير من الشعراء الملهمين بالإمام المهدي عليه السّلام،و أنّه حقيقة مشرقة لا بدّ أن يظهر،و يضيء آفاق الكون و معالم الحياة،و يقيم منهج اللّه و سنّته على مسرح الحياة،و قد نظم الشعراء في ذلك أروع ما نظم في الأدب العربي،الأمر الذي يدلّل على شيوع الإيمان بوجود الإمام المنتظر و حتميّة ظهوره عند جميع الأوساط العلميّة و الأدبيّة،و نحن نعرض لبعضهم:
و آمن شاعر أهل البيت الكميت بن زيد الأسدي(المتوفّى سنة 126 ه)بالإمام المهدي عليه السّلام كجزء من عقيدته،و ذلك بوحي من أئمّة الهدى الذين عاصرهم،فأشار إلى ذلك في بيت من الشعر له يقول فيه:
متى يقوم الحقّ فيكم متى يقوم مهديّكم الثّاني
أمّا السيّد الحميري(المتوفّى سنة 173 ه)فهو الشاعر الملهم،و الهائم بحبّ أئمّة الهدى عليهم السّلام،الذي نافح عنهم في أشدّ الظروف قسوة،و أكثرها محنة،و قد تتبّع أخبار أسياده و نظمها ببليغ نظمه،و قد نظم في غيبة الإمام المنتظر و خروجه هذه الأبيات:
و كذا روينا عن وصيّ محمّد و لم يك فيما قاله بالمكذّب
بأنّ وليّ الأمر يفقد لا يرى سنين كفعل الخائف المترقّب
و يقسم أموال العقود كأنّما تضمّنه تحت الصّفيح المنصّب
فيمكث حيّا ثمّ ينبع نبعة كنبعة درّيّ من الأرض يوهب
له غيبة لابدّ أن سيغيبها فصلّى عليه اللّه من متغيّب
أمّا دعبل الخزاعي(المتوفّى سنة 246 ه)شاعر المظلومين و المضطهدين،فقد اعتقد اعتقادا جازما بحتميّة ظهور الإمام المهدي عليه السّلام،و أنّه ضرورة إسلاميّة،فقد أعلنه الرسول الأعظم و بقيّة أوصيائه العظام الذين عاشرهم دعبل،و قد تلا قصيدته الرائعة التي هزّت أعماق الإمام الرضا عليه السّلام،و قد تضمّنت خروج الإمام المهدي، يقول:
فلولا الّذي أرجوه في اليوم أو غد تقطّع قلبي إثركم حسرات
خروج إمام لا محالة خارج يسير على اسم اللّه و البركات
يميّز فينا كلّ حقّ و باطل و يجزي على النّعماء و النّقمات
و بادر الإمام الرضا عليه السّلام يعزّز فيه هذه الفكرة قائلا له:يا دعبل،نطق روح القدس على لسانك،أتعرف من هذا الإمام؟
و سارع دعبل قائلا:لا،إلاّ أنّي سمعت خروج إمام منكم يملأ الأرض قسطا و عدلا.
و زاده الإمام توضيحا و تعريفا بالإمام المنتظر:
إنّ الإمام بعدي ابني محمّد،و بعد محمّد ابنه عليّ،و بعد عليّ ابنه الحسن،و بعد الحسن ابنه الحجّة القائم و هو المنتظر في غيبته فيملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت جورا و ظلما.
و أمّا متى يقوم،فإخبار عن الوقت،لقد حدّثني أبي عن آبائه عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله أنّه قال:مثله كمثل السّاعة لا تأتيكم إلاّ بغتة.
يشيد الشهيد السعيد زيد بن عليّ عليه السّلام بأهل البيت عليهم السّلام،فهم سادة قريش،و مركز الحقّ و النور،فمنهم خاتم الأنبياء محمّد صلّى اللّه عليه و اله،و خاتم الأوصياء الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف:
نحن سادات قريش و قدّام الحقّ فينا نحن أنوار الّي من قبل كون الخلق كنّا
نحن منّا المصطفى المختار و المهديّ منّا فبنا قد عرف اللّه و بالحقّ أقمنا (1)
أمّا الورد بن زيد الأسدي فهو كأخيه الكميت في شدّة ولائه و إخلاصه لأئمّة أهل البيت عليهم السّلام،و قد تشرّف بمقابلة الإمام أبي جعفر محمّد الباقر عليه السّلام،و تلا عليه قصيدته التي يمدح فيها الإمام،و عرض في آخرها إلى الإمام المنتظر عليه السّلام،قال:
متى الوليد بسامرّا إذا بنيت يبدو كمثل شهاب اللّيل طلاّع
حتّى إذا قذفت أرض العراق به إلى الحجاز أناخوه بجعجاع
و غاب سبتا و سبتا من ولادته مع كلّ ذي جوب للأرض قطّاع
لا يسأمون به الجواب قد تبعوا أسباط هارون كيل الصّاع بالصّاع
شبيه موسى و عيسى في مغابهما لو عاش عمريهما لم ينعه ناع
1) أعيان الشيعة/السيّد محسن الأمين:71/23.
تتمّة النّقباء المسرعين إلى موسى بن عمران كانوا خير سرّاع
أو كالعيون الّتي يوم العصا انفجرت فانصاع منها إليه كلّ منصاع
إنّي لأرجو له رؤيا فأدركه حتّى أكون له من خير أتباع
بذاك أنبأنا الرّاوون عن نفر منهم ذوي خشية للّه طوّاع
روته عنكم رواة الحقّ ما شرعت آباؤكم خير آباء و شرّاع (1)
و حكت هذه المقطوعة من الشعر ما سمعه الشاعر من أخبار الإمام المهدي عليه السّلام قبل أن يولد،فقد سمع ذلك من الأئمّة الطاهرين الذين كانت علومهم امتدادا لعلوم جدّهم الرسول صلّى اللّه عليه و اله،فقد ورّثهم العلم و الحكمة و فصل الخطاب.
لقد أخبر الشاعر عن بناء سرّ من رأى قبل أن تبنى،و أنّ الإمام المنتظر عليه السّلام سيولد فيها،و أنّه سلام اللّه عليه سيغيب عن الأبصار،و أنّه في سلوكه يضارع أنبياء اللّه العظام،فهو يشبه نبيّ اللّه موسى،و نبيّ اللّه عيسى في غيابهما...و قد تحقّق جميع ذلك.
و كان مصعب بن وهب النوشجاني معاصرا للإمام الرضا عليه السّلام،و قد أعرب في مقطوعة له عن إيمانه بجميع الأئمّة الاثني عشر عليهم السّلام،و من جملتهم الإمام المهدي عليه السّلام،و ذلك قبل أن يولد الإمام عليه السّلام يقول:
فإن تسألاني ما الّذي أنا دائن به فالّذي أبديه مثل الّذي أخفي
أدين بأنّ اللّه لا شيء غيره قويّ عزيز بارئ الخلق من ضعف
و إنّ رسول اللّه أفضل مرسل به بشّر الماضون في محكم الصّحف
1) مقتضب الأثر:46.
و إنّ عليّا بعده أحد عشرة من اللّه وعد ليس في ذاك من خلف
أئمّتنا الهادون بعد محمّد لهم صفو ودّي ما حييت لهم أصفي
ثمانية منهم مضوا لسبيلهم و أربعة يرجون للعدد الموف (1)
و محمّد بن إسماعيل الصيمري من خيار الشيعة،و قد تشرّف بمقابلة الإمام الحسن العسكري،و ذلك بعد وفاة أبيه الإمام الهادي عليه السّلام،و قد ابّنه بقصيدة و عرض فيها إلى الإمام المهدي عليه السّلام.يقول:
عشر نجوم أفلت في فلكها و يطلع اللّه لنا أمثالها
بالحسن الهادي أبي محمّد تدرك أشياع الهدى آمالها
و بعده من يرتجى طلوعه يظلّ جوّاب الفلا جزّالها
ذو الغيبتين الطول الحقّ الّتي لا يقبل اللّه من استطالها
يا حجج الرّحمن إحدى عشرة آلت بثاني عشرها آمالها (2)
من أصحاب الإمام الرضا عليه السّلام عليّ بن أبي عبد اللّه الخوافي،و لمّا فجع العالم الإسلامي بوفاة الإمام الرضا،و رثاه شعراء عصره كان عليّ ممّن رثاه،و قد تعرّض في قصيدته إلى الإمام المهدي عليه السّلام،يقول:
في كلّ عصر لنا منكم إمام هدى فربعه آهل منكم و مأنوس
أمست نجوم سماء الدّين آفلة و ظلّ أسد الشّرى قد ضمّها الخيس
غابت ثمانية منكم و أربعة يرجى مطالعها ما حنّت العيس
حتّى متى يظهر الحقّ المنير بكم فالحقّ في غيركم داج و مطموس (1)
و يتطلّع هذا الشاعر بفارغ الصبر ظهور الإمام عليه السّلام ليشفي غليله من أعداء اللّه الذين انتهكوا جميع الحرمات،و كادوا الإسلام في غلس الليل و في وضح النهار.
و ممّن آمن بالإمام المنتظر عليه السّلام و يترقّب ظهوره الشاعر القاسم بن يوسف،قال:
إنّي لأرجو أن تنالهم منّي يد تشفي جوى الصّدر
بالقائم المهديّ إن عاجلا أو آجلا إن مدّ في العمر
أو ينقضي من دونه أجلي فاللّه أولى فيه بالعذر (2)
و يتطلّع هذا الشاعر بفارغ الصبر ظهور الإمام عليه السّلام ليشفي غليله من أعداء اللّه الذين انتهكوا جميع الحرمات،و كادوا الإسلام في غلس الليل و في وضح النهار.
أمّا ابن الرومي(المتوفّى سنة 283 ه)فهو من ألمع شعراء عصره،و قد بكى الشهيد الخالد يحيى العلوي الذي استشهد من أجل المظلومين و المضطهدين،و ثار في وجه الظلم و الاستبداد،و قد رثاه بقصيدة عصماء.
و قد عرض فيها لظهور الإمام المهدي عليه السّلام،و هدّد به ولاة الجور من حكّام بني العبّاس.يقول:
غررتم إذا صدّقتم أنّ حالة تدوم لكم و الدّهر لونان أخرج (1)
لعلّ لهم في منطوي الغيث ثائرا سيسمو لكم و الصّبح في اللّيل مولج
بجيش تضيق الأرض من زفراته له زجل ينفي الوحوش و هزمج (2)
إذا شيم بالأبصار أبرق بيضه بوارق لا يسطيعهنّ المحمّج (3)
المحمج:من يحدق نظره،أي لا يستطيع النظر إليها لشدّة لمعانها.
نوامضه شمس الضّحى فكأنّما يرى البحر في أعراضه يتموّج
له وقدة بين السّماء و بينه تلمّ به الطّير العوافي فتهرج (4)
إذا كرّ في أعراضه الطّرف أعرضت حراج تحار العين فيها فتحرج (5)
يؤيّده ركنان ثبتان رجلة و خيل كأرسال الجراد و أوثج (6)
عليها رجال كاللّيوث بسالة بأمثالهم يثنى الأبيّ فيعنج (7)
و يستمر ابن الرومي في قصيدته فيصف منعة الإمام و بسالة جيشه الذي يخلص5.
1) الأخرج:ذو لونين:أبيض و أسود.
2) الهزمج:اختلاط الأصوات.
3) شيم:نظر.البيض:ما يلبس من الحديد على الرأس في الحرب.بوارق:أي ذات لمعان.
4) الوقدة:شدّة الحرّ.
5) الطرف:البصر.أعرضت:اعترضت.الحراج:مجمع الشجر.تحرج:أي لا تستطيع العين أن تطرف.
6) الرجلة:جمع راجل.الأرسال:القطيع.أوثج:كشف.
7) مقاتل الطالبيّين:654-655.
له و يطيعه،و أنّه سوف يأخذ بثأر آبائه الذين حصدت رؤوسهم أيدي الظالمين من الأمويّين و إخوانهم العبّاسيّين،و أنّه عليه السّلام إذا ظهر سوف يدكّ قلاع الظلم،و ينسف حصون الجور.
و وصف يحيى بن أعقب الإمام المنتظر عليه السّلام كما وصف منهج حكمه الذي يأمن به المظلومون،و تقام فيه المعطّلة من حدود اللّه،يقول:
أسمر اللّون،مشرق الوجه مليح البها،طريّا جنيّا
يظهر الحقّ و البراهين و العدل فتلقى إذا إماما عليّا
و تطيع البلاد من مشرق الأرض إلى المغربين طوعا جليّا
و ترى الذّئب عنده الشّاة ترعى ذاك بالعدل و الأمان حفيّا
يحكم الأربعين في الأرض ملكا و يوفّي كلّ حيّ وفيّا (1)
مدح الفضل بن روزبهان(المتوفّى سنة 1279 ه)الأئمّة الطيّبين بقصيدة،و عرض لمدح الإمام المنتظر عليه السّلام.يقول:
سلام على القائم المنتظر أبي القاسم القرم نور الهدى
سيطلع كالشّمس في غاسق ينجيه من سيفه المنتقى
سلام عليه و آبائه و أنصاره ما تدوم السّما (2)
و يعدّ عبد الرحمن البسطامي من الشعراء الذين آمنوا بالإمام المنتظر عليه السّلام، و قد استند إيمانه إلى ما روي عن الإمام الرضا عليه السّلام من حتميّة ظهور الإمام المهدي عليه السّلام،و إلى علم الحرف الذي أكّد ذلك.يقول:
و يظهر ميم المجد من آل أحمد و يظهر عدل اللّه في النّاس أوّلا
كما قد روينا عن عليّ الرّضا و في كنز علم الحرف أضحى محصّلا
و يخرج حرف الميم من بعد شينه بمكّة نحو البيت بالنّصر قد علا
فهذا هو المهديّ بالحقّ ظاهر سيأتي من الرّحمن للخلق مرسلا
و يملأ كلّ الأرض بالعدل رحمة و يمحو ظلام الشّرك و الجور أوّلا
ولايته بالأمر من عند ربّه خليفة خير الرّسل من عالم العلا (1)
و قال أيضا:
هيهات ممزوج بلحمي و دمي حبّهم و هم الهدى و الرّشد
حيدرة و الحسنان بعده ثمّ عليّ و ابنه محمّد
و جعفر الصّادق و ابن جعفر موسى و يتلوه عليّ السّيّد
أعني الرّضا ثمّ ابنه محمّد ثمّ عليّ ابنه المسدّد
و الحسن التّالي و يتلو تلوه محمّد بن الحسن المفتقد
فإنّهم أئمّتي و سادتي و إن لحاني معشر و فنّدوا (2)
أبو الغوث المنبجي يمدح الأئمّة الأطهار،و يعظّم مولد الإمام الحجّة(عج):
هم حجج اللّه اثني عشرة متى عدتهم فثاني عشرهم خلف الحادي
بميلاده الأنباء جاءت شهيرة فأعظم بمولود و أكرم بميلاد (1)
و اعتقد ابن أبي الحديد(المتوفّى سنة 655 ه)بالإمام المهدي عليه السّلام و حتميّة ظهوره ليقيم دولة العدل و الحقّ،و تمنّى أن تكون أسرته من جيش الإمام و المدافعين عنه،يقول:
لقد علمت بأنّه لا بدّ من مهديّكم و ليومه أتوقّع
يحميه من جند الإله كتائب كاليمّ أقبل زاخرا يتدفّع
فيها لآل أبي الحديد صوارم مشهورة و رماح خطّ شرّع (2)
من الشعراء الذين آمنوا بالإمام المهدي عليه السّلام و حتميّة ظهوره الشاعر عامر البصري،يقول:
إمام الهدى حتّى متى أنت غائب فمنّ علينا يا أبانا بأوبة
تراءت لنا رايات جيشك قادما ففاحت لنا منها روائح مسكة
و بشّرت الدّنيا بذلك فاغتدت مباسمها مفترّة عن مسرّة
مللنا و طال الانتظار فجد لنا بربّك يا قطب الوجود بلقية
قال أبو المعالي صدر الدين القونوي واصفا الإمام المنتظر عليه السّلام،و مترقّبا ظهوره ليقيم معالم الدين،و يشيد صروح العدل و الحقّ بين الناس،قال:
يقوم بأمر اللّه في الأرض ظاهرا على رغم شيطانين يمحق للكفر
يؤيّد شرع المصطفى و هو ختمه و يمتدّ من ميم بأحكامها يدري
و مدّته ميقات موسى و جنده خيار الورى في الوقت يخلو عن الحصر
على يده محق اللّئام جميعهم بسيف قويّ المتن علّك أن تدري
حقيقة ذاك السّيف و القائم الّذي تعين للدّين القويم على الأمر
لعمري هو الفرد الّذي بان سرّه بكلّ زمان في مضاء له يسري
تسمّى بأسماء المراتب كلّها خفاء و إعلانا كذاك إلى الحشر
أليس هو النّور الأتمّ حقيقة و نقطة ميم منه إمدادها يجري
يفيض على الأكوان ما قد أفاضه عليه إله العرش في أزل الدّهر
فما ثمّ إلاّ الميم لا شيء غيره و ذو العين من نوّابه مفرد العصر
هو الرّوح فاعلمه و خذ عهده إذا بلغت إلى مدّ مديد من العمر
كأنّك بالمذكور تصعد راقيا إلى ذروة المجد الأثيل على القدر
و ما قدره إلاّ ألوف بحكمة على حدّ مرسوم الشّريعة بالأمر
بذا قال أهل الحلّ و العقد فاكتفي بنصّهم المثبوت في الصّحف الزّبر
فإن تبغ ميقات الظّهور فإنّه يكون بدور جامع مطلع الفجر
بشمس تمدّ الكلّ من ضوء نورها و جمع داري الأوج فيها مع البدر (1)
و حكى شعره بعض علامات الظهور اعتمادا على علم الحرف و غيره من العلوم التي أثرت عن أئمّة الهدى عليهم السّلام.
العلاّمة أبو طلحة الشافعي ينظم بما قاله رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله من الأخبار عن الإمام المهدي(عج)بأنّه منهج الحقّ و العدل في الأرض:
فهذا الخلف الحجّة قد أيّده اللّه هدانا منهج الحقّ و آتاه سجاياه
و أعلى في ذرى العلياء بالتّأييد مرقاه و قد قال رسول اللّه قولا قد رويناه
و ذو العلم بما قال إذا أدرك معناه يرى الأخبار في المهديّ جاءت بمسماه (2)
و آمن أبو الحسن جمال الدين الملقّب ب«الخليعي»(المتوفّى حدود سنة 750 ه) بالإمام المنتظر عليه السّلام،و قال في قصيدة له يتشوّق إلى ظهوره:
طلاب العلى بالسّمهري المقوّم و ضرب الطّلى مرمى إلى كلّ مغنم
و ضربة عضب باتر الحدّ مرهف و صهوة مهر أعوجيّ مطهّم
ألا في سبيل اللّه نفس تقدّمت و تاقت إلى نصر الإمام المعظّم
إلى نصر مغوار طويل نجاده على فتك أعداء الإله مصمّم
إلى القائم المهديّ من آل أحمد إلى العروة الوثقى إلى البطل الكمي
كريم نجاد طالبيّ مناسب إلى ذروة المجد الحسينيّ ينتمي
مناقب جلّت أن تعدّ لواصف فبالعقل لا تحصى و لا بالتّوهّم
يقوم مع الرّكن اليمانيّ قانتا يؤمّ بروح اللّه عيسى بن مريم
و من حوله غرّ الملائك عكّف و أنصاره من كلّ أشوس معلّم
و يسري و أسد الغاب حول ركابه إلى منهج يهدي إلى الرّشد أقوم (1)
و ممّن نظم في الإمام المهدي عليه السّلام السيّد علي خان الموسوي الحويزي،قال:
أو قائم مهديّ جبّار السّماء مهديّ الورى من ليل جهل غاسق
ذي حملة إن هال يوم كريهة لم يخش خوض بواسل و بوارق
للمال أكرم واهب للدّين أحسن ناشر للفتن أعظم راتق
تشتاق صحبته أنابيب القنا و له حنين سوابغ و سوابق
الخضر حاجبه و عيسى تلوه يتلوه بين عوالم و خوالق
ذي سيرة نبويّة من عدلها لم يخش ليث الغاب قلب الناهق
اللّه يظهره و يدني وقته فعسى يطيب به فؤاد الوامق
أمّا بهاء الدين العاملي محمّد بن الحسين(المتوفّى سنة 1031 ه)،فهو ألمع
1) منن الرحمن:230/2.
شخصيّة علميّة في عصره،و من أكابر علماء الشيعة،و قد ألّف في مختلف الفنون و العلوم،كالفقه و التفسير و الهيئة و الفلك و الحساب و الهندسة و الجفر و الرمل و غيرها،و له شعر رائع في الإمام المنتظر عليه السّلام كان منه هذه القصيدة الرائعة التي أسماها(وسيلة الفوز و الأمان في مدح صاحب الزمان)،و هذا نصّها:
سرى البرق من نجد فجدّد تذكاري عهودا بحزوى و العذيب و ذي قار
و هيّج من أشواقنا كلّ كامن و أجّج في أحشائنا لاعج النّار
ألا يا لليلات الغوير و حاجر سقيت بهطّال من المزن مدرار
و يا جيرة بالمأزمين خيامهم عليكم سلام اللّه من نازح الدّار
خليليّ ما لي و الزّمان كأنّما يطالبني في كلّ وقت بأوتار
فأبعد أحبابي و أخلى مرابعي و أبدلني من كلّ صفو بأكدار
و عادل بي من كان أقصى مرامه من المجد أن يسمو إلى عشر معشار
ألم يدر أنّي لا أذلّ لخطبه و إن سامني خسفا و أرخص أسعاري
مقامي بفرق الفرقدين فما الّذي يؤثّره مسعاه في خفض مقداري
و إنّي امرؤ لا يدرك الدّهر غايتي و لا تصل الأيدي إلى سبر أغواري
و حكت هذه الأبيات شكواه و تذمّره من الزمان الذي أبعده،و فرّق ما بينه و بين أحبّته،فأخلى مرابعه و مجالسه منهم؛كما شكا من الدهر الذي ساوى بينه و بين اناس لا يصلون إلى مكانته و لا يبلغون شأوه.
ثمّ أعرب بعد ذلك عن صلابته و شدّة عزيمته،و أنّه لا يبالي بما صنع به الدهر، فإنّه لا يدرك غايته،و لا تصل الأيدي إلى سبر أغواره.
و يستمرّ البهائي في قصيدته الرائعة،فيقول:
و يصمي فؤادي ناهد الثّدي كاعب بأسمر خطّار و أحور سحّار
و أنّي سخيّ بالدّموع لوقفة على طلل بال و دارس أحجار
و ما علموا أنّي امرؤ لا يروعني توالي الرّزايا في عشيّ و إبكار
و أعرب في البيت الأخير عن قوّة شخصيّته التي لا يروعها الرزايا و الخطوب عليها،ثمّ يقول:
و معضلة دهماء لا يهتدي لها طريق و لا يهدى إلى ضوئها السّاري
تشيب النّواصي دون حلّ رموزها و يحجم عن أغوارها كلّ مغوار
أجلت جياد الفكر في حلباتها و وجّهت تلقاها صوائب أنظاري
لقد دهمت الشيخ كارثة دهماء مروعة تشيب من حولها النواصي،و لا يستطيع أحد حلّ رموزها،و لنستمع إلى موقفه منها،يقول:
أأضرع للبلوى و أغضي على القذى و أرضى بما يرضى به كلّ مخوار
و أفرح من دهري بلذّة ساعة و أقنع من عيشي بقرص و أطمار
إذا لا ورى زندي و لا عزّ جانبي و لا بزغت في قمّة المجد أقماري
و لا انتشرت في الخافقين فضائلي و لا كان في المهديّ رائق أشعاري
خليفة ربّ العالمين،فظلّه على ساكن الغبراء من كلّ ديّار
هم العروة الوثقى الّذي من بذيله تمسّك لا يخشى عظائم أوزار
إمام هدى لاذ الزّمان بظلّه و ألقى إليه الدّهر مقود خوّار
و معنى هذه الأبيات أنّه لن يخضع لما ألمّ به من نوائب الدهر،و لا يرضى بما يرضى به الأذلاّء و ضعاف النفوس من الخنوع للذلّ و القهر،و إنّما يبقى مصمّما على
إبائه و عزّة نفسه.أنّه قد لاذ بإمام العصر-صلوات اللّه عليه-الذي امتدّ ظلّه على جميع سكّان الأرض،و يستمرّ البهائي في رائعته فيصف سعة علوم الإمام فيقول:
علوم الورى في جنب أبحر علمه كغرفة كفّ أو كغمسة منقار
فلو زار إفلاطون أعتاب قدسه و لم يعشه عنها سواطع أنوار
رأى حكمة قدسيّة لا يشوبها شوائب أنظار و أدناس أفكار
بإشراقها كلّ العوالم أشرقت بما لاح في الكونين من نورها السّاري
إمام الورى طود النّهى منبع الهدى و صاحب سرّ اللّه في هذه الدّار
به العالم السّفلي يسمو و يعتلي على العالم العلوي من دون إنكار
و منه العقول العشر تبغي كمالها و ليس عليها في التّعلّم من عار
همام لو السّبع الطّباق تطابقت على نقض ما يقضيه من حكمه الجاري
لنكّس من أبراجها كلّ شامخ و سكّن من أفلاكها كلّ دوّار
و تحدّث البهائي في هذه الأبيات عن سعة علوم الإمام و شمول معارفه،و أنّه لا يضارعه أحد في هذه الظاهرة،و أنّ إفلاطون لو تشرّف بمقابلته لرأى من حكم الإمام و قدسيّته ما تعنو له الجباه،و أنّ الدنيا لتسمو بالإمام على سائر العوالم و الأكوان.
كما تحدّث البهائي عن أصالة قضاء الإمام عليه السّلام،و أنّ السبع الطباق لو تطابقت على نقض حكمه لما استطاعت،و يستمرّ البهائي في رائعته فيقول:
أيا حجّة اللّه الّذي ليس جاريا بغير الّذي يرضاه سابق أفكار
و يا من مقاليد الزّمان بكفّه و ناهيك عن مجد به خصّه الباري
أغث حوزة الإيمان و اعمر ربوعه فلم يبق منها غير دارس آثار
و أنقذ كتاب اللّه من يد عصبة عصوا و تمادوا في عتوّ و إصرار
و في الدّين قد قاسوا و عاثوا و خبّطوا بآرائهم تخبيط عشواء معثار
و أنعش قلوبا في انتظارك قرّحت و أضجرها الأعداء أيّة إضجار
و خلّص عباد اللّه من كلّ غاشم و طهّر بلاد اللّه من كلّ كفّار
و عجّل فداك العالمون بأسرهم و بادر على اسم اللّه من غير إنظار
تجد من جنود اللّه خير كتائب و أكرم أعوان و أشرف أنصار
و طلب الشيخ البهائي بهذه الأبيات أن يعجّل الإمام في ظهوره لينقذ حوزة الإيمان و الإسلام من جور الظالمين و استبدادهم،فقد عاثوا فسادا بجميع مقوّمات الحياة،و لنستمع إلى آخر الأبيات من قصيدته،يقول:
أيا صفوة الرّحمن دونك مدحة كدرّ عقود في ترائب أبكار
يهنّى ابن هاني إن أتى بنظيرها و يعنو لها الطّائيّ من بعد بشّار
إليك البهائيّ الحقير يزفّها كغانية ميّاسة القدّ معطار
تغار إذا قيست لطافة نظمها بنفحة أزهار و نسمة أسحار
إذا ردّدت زادت قبولا كأنّها أحاديث نجد لا تملّ بتكرار
و انتهت هذه القصيدة الرائعة،و هي تدلّ على براعة البهائي و ضلوعه في الأدب العربي؛إذ ليس في قصيدته كلمة يمجّها السمع،و ينفّر منها الطبع،كما دلّت قصيدته على ولائه المطلق،و إيمانه العميق بالإمام المهدي عليه السّلام.
الشيخ الحرّ العاملي(المتوفّى سنة 1104 ه)من أعاظم علماء الإماميّة،يذكر في
قصيدته ألقاب الإمام،و تواتر النصّ بولادته،و غيبته،و خروجه في آخر الزمان بالنصّ و البرهان:
لقبه المهديّ و المنتظر و القائم المكرّم المطهّر
تواتر النّصّ بأنّه ولد من الفريقين و أنّه ولد
و كم رآه رجل ففازا إذ شاده الرّشاد و الإعجازا
لذاك قد تواتر الأخبار بذاك و الأنباء و الآثار
و غاب غيبتين صغرى امتدّت و كانت الشّدّة فيها اشتدّت
و غيبة أخرى إلى ذي الآن و أنّه لصادي الزّمان
لكنّه لا بدّ من أن يخرجا و بعد شدّة تلاقي الفرجا
و غيبة تواترت أخبارها و اشتهرت من قبلها آثارها
و طول عمر هكذا مرويّ ينقله العدوّ و الوليّ
خروجه في آخر الزّمان قد صحّ بالنّصّ و البرهان
أمّا السيّد حيدر الحلّي فهو كالشريف الرضي في مواهبه و عبقرياته،و سائر نزعاته النفسيّة التي منها الإباء عن الضيم،و الشموخ عن الذلّ.
لقد تألّق هذان العلمان في سماء الشرق العربي،و أفاضا عليه صفحات مشرقة في الأدب العالي،التي تعدّ من مناجم الثقافة،خصوصا في رثاء جدّهما زعيم الإنسانيّة،و رائد حركاتها التحرّريّة الإمام الحسين عليه السّلام،فقد رثياه بذوب روحيهما، و بلغ بهما الحزن عليه أقصاه.
و للسيّد حيدر كوكبة من القصائد الخالدة في رثاء جدّه الإمام الحسين عليه السّلام
لم ينضم مثلها في عالم الرثاء،و قد استنهض في كثير منها بالإمام المنتظر عليه السّلام، و طلب منه الخروج ليطهّر الأرض من ذئاب البشريّة و علوج الشرك و أنصار الأمويّين، استمعوا إلى بعض ما يقوله:
من حامل لوليّ الأمر مألكة تطوى على نفثات كلّها ضرم
يابن الأولى يقعدون الموت إن نهضت بهم لدى الرّوع في وجه الضّبا الهمم
الخيل عندك ملّتها مرابطها و البيض منها عرى أغمادها السّأم
لا تطهر الأرض من رجس العدى أبدا ما لم يسل فوقها سيل الدّم العرم
بحيث موضع كلّ منهم لك في دماه تغسله الصّمصامة الخذم
أعيذ سيفك أن تصدى حديدته و لم تكن فيه تجلى هذه الغمم
قد آن أن تمطر الدّنيا و ساكنها دما أغرّ عليه النّقع مرتكم
حران أن تدمغ هام القوم صاعقة من كفّه و هي السّيف الّذي علموا
نهضا فمن بظباكم هامه فلقت ضربا على الدّين فيه اليوم يحتكم
و تلك أنفالكم في الغاصبين لكم مقسومة و بعين اللّه تقتسم
و يستمرّ السيّد حيدر الحلّي في رائعته للإمام قائلا:
و إنّ أعجب شيء أن أبثّكها كأنّ قلبك خال و هو محتدم
ما خلت تقعد حتّى تستثار لهم و أنت أنت و هم فيما جنوه هم
لم تبق أسيافهم منكم على ابن تقى فكيف تبقي عليهم لا أبا لهم
فلا و صفحك إنّ القوم ما صفحوا و لا و حلمك إنّ القوم ما حلموا
فحمل أمّك قدما أسقطوا حنقا و طفل جدّك في سهم الرّدى فطموا
لا صبر أو تضع الهيجاء ما حملت بطلقة معها ماء المخاض دم
هذا المحرّم قد وافتك صارخة ممّا استحلّوا به أيّامه الحرم
يملأن سمعك من أصوات ناعية في مسمع الدّهر من إعوالها صمم
تنعى إليك دماء غاب ناصرها حتّى أريقت و لم يرفع لكم علم
و يستمرّ السيّد حيدر في عرض مآسي كربلاء،و ما جرى من أهوال الكوارث و الخطوب على أبي الأحرار الإمام الحسين عليه السّلام،و يطلب من مهديّ آل محمّد عليه السّلام أن يعجّل في ظهوره لينتقم من الظالمين و الراضين بإبادة عترة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و ما أكثرهم في كلّ زمان و مكان.
و للسيّد حيدر رائعة أخرى في الإمام المنتظر عليه السّلام يستعرض فيها ما ألمّ بالإسلام من المحن و الخطوب،و تجميد أحكامه،ثمّ يعرّج ثانيا إلى رثاء أبي الأحرار الإمام الحسين عليه السّلام؛الذي هزّ الضمير العالمي بما حلّ به من عظيم المصائب و الآلام.
يقول السيّد حيدر:
اللّه يا حامي الشّريعة أتقرّ و هي كذا مروعه
بك تستغيث و قلبها لك عن جوى يشكو صدوعه
تدعو و جرد الخيل مص غية لدعوتها سميعه
و تكاد ألسنة السّيوف تجيب دعوتها سريعه
فصدورها ضاقت بسرّ الموت فأذن أن تذيعه
و يستمرّ السيّد حيدر في استنهاض الإمام عليه السّلام فيقول:
مات التّصبّر في انتظا رك أيّها المحيي الشّريعه
فانهض فما أبقى التّحمّل غير أحشاء جزوعه
قد مزّقت ثوب الأسى و شكت لواصلها القطيعه
فالسّيف إنّ به شفاء قلوب شيعتك الوجيعه
فسواه منهم ليس ينعش هذه النّفس الصّريعه
كم ذا القعود و دينكم هدمت قواعده الرّفيعه
تنعى الفروع أصوله و أصوله تنعى فروعه
فيه تحكّم من أباح الي وم حرمته المنيعه
و يعرض السيّد حيدر المآسي و النكبات التي مني بها الإسلام،و ابتلي بها المسلمون،و عرّج بعد ذلك إلى مصائب سيّد الشهداء الإمام الحسين عليه السّلام الخالدة في دنيا الأحزان،فيقول مخاطبا الإمام المنتظر عليه السّلام:
ماذا يهيجك إن صبرت لوقعة الطّفّ الفظيعه
أترى تجيء فجيعة بأمضّ من تلك الفجيعه
حيث الحسين على الثّرى خيل العدى طحنت ضلوعه
قتلته آل أميّة ظام إلى جنب الشّريعه
و رضيعه بدم الوريد مخضّب فاطلب رضيعه (1)
إنّ في رثاء الحلّي لجدّه أبي الأحرار ما يفتّت القلوب،فقد رثاه بذوب روحه و بكاه أمرّ البكاء و أقساه،و حسب أنّه من المنكوبين بهذه الفاجعة الكبرى التي ما أصيب المسلمون و لا امتحنوا بمثلها،فقد أخلدت لهم الأسى و الحزن فلم يرع السفّاكون المجرمون من بني أميّة أي حرمة للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله في ذرّيّته و أهل بيته،0.
1) ديوان السيّد حيدر الحلّي:260.
فقد حصدت سيوفهم بوحشيّة قاسية رؤوس أولئك الأحرار الذين ثاروا من أجل تحرير الإنسان من الظلم و الاستبداد.
أمّا الشيخ عبد الغني العاملي،فهو سليل العالم الكبير الشيخ محمّد بن الحسن الحرّ العاملي مؤلّف(وسائل الشيعة)،و هو من عيون كتب الإماميّة في الحديث، و التي يرجع إليها الفقهاء،و قد نظم الشيخ عبد الغني ديوانا في الإمام المنتظر عليه السّلام، و قد طبع بالمطبعة الحيدريّة سنة 1339 ه،و ممّا جاء في إحدى قصائده:
يا إمام الهدى و خير مليك جعل اللّه جنده الأملاكا
لم تزل راعيا بعيني رؤوف لنفوس طول النّوى ترعاكا
قد مددنا إليك كفّ رجاء خاب من مدّ كفّه لسواكا
إنّما نعمة اللّه فينا و نعيم الجنان من نعماكا
و قال في قصيدة أخرى من ديوانه:
متى مليك الورى في نور طلعته يجلو دياجي الرّزايا عن رعيّته
متى ينادي المنادي باسمه علنا هذا إمام الهدى بشرى لشيعته
متى يقوم بأمر اللّه قائمنا فيصلح الدّين و الدّنيا بنهضته
متى يقوم لنصر الدّين ناصره و ينشر الرّاية العظمى لنجدته
فمن سواه لدين اللّه منتصر و مستجيب إذا يدعو لدعوته
فها هو الدّين أمسى باسمه لهجا و مستغيثا بحاميه و حجّته
مقوّم كلّ معوجّ يسام به بماضيين شبا الماضي و عزمته
لم يأت من منذر أو مرسل زمنا إلاّ و بشّره الباري بدولته
لا نكر حين أمنّي النّفس نصرته فالرّسل كانت تمنّى نيل نصرته
و غير بدع إذا ما همت فيه هوى فإنّما الخلق تنجو في محبّته
و هو الّذي يملأ الدّنيا كما ملئت بظلم كلّ ظلوم في عدالته
و هو الأمان لأهل الأرض قاطبة أزمّة الدّين و الدّنيا بقبضته
و هو المعزّ لمن والاه منتظرا مذلّ جمع العدى في عزّ دولته
و هو الّذي الملأ الأدنى يفوز به و يسعد الملأ الأعلى بخدمته
و هو المثير عجاج الحرب حيث بدا فيأخذ الثّأر موتورا بثورته
مدمّر الكفر ماحي الشّرك صارمه و ساحق كلّ طاغوت بسطوته
تمحو الضّلال و تحيي الرّشد إمرته طوبى لكلّ امرئ يبقى لإمرته
و هو الإمام الّذي تحكي حكومته حكومة المصطفى المحيي بحكمته
شمائل المصطفى تحكي شمائله كما بطلعته يبدو كطلعته
نطقا و خلقا و أخلاقا يوافقه و أسما كما أنّه يكنى بكنيته
يقوم أمرا كما قام النّبيّ به و أنّه سائر فيه بسيرته
يدعو الأنام إلى إحياء سنّته مقوّما كلّ معوجّ بدعوته
مشيّدا دينه في حدّ صارمه و موضحا نهجه محيي لسنّته
يعيد شخص الهدى غضّا شباه إذا يلغي ضلال العدى ميل لجدّته
إمام حقّ يحقّ الحقّ مرهفه و يمحق الباطل السّاجي بغيبته
و القصيدة على هذا الغرار في جودتها و حسن سبكها،و قد تضمّنت في كثير من أبياتها للأحاديث النبويّة التي أثرت في الإمام المنتظر عليه السّلام،و الديوان كلّه في الإمام عليه السّلام،و فيه من غرر الشعر العربي،و قد دلّ على براعة الشاعر،و تفوّقه
في إبداعه و نظمه.
و من الشعراء الذين نظموا في الإمام المنتظر عليه السّلام الشيخ إبراهيم حسن قفطان (المتوفّى سنة 1199 ه).قال رحمه اللّه:
متى أمتطي نهد الجزارة فارها بدولة سلطان الورى مدرك الثّار
إمام يرانا و هو عنّا محجّب إلى طلعة منه ببارقه الشاري
تعود به الدّنيا شبابا نعيمها لها زهو أزهار و يانع أثمار
و يملأها بالعدل من بعد جورها و يكلأها من موبقات و أخطار
و تخصب أقطار البلاد بنائل لها من نداه لا بوابل أمطار
و يحني علينا دولة الدّين غضّة تضيء بأنوار و تزهو بأنوار
و من أبيات هذه القصيدة قوله:
لقد عقد اللّه اللّوا و الولا له فقام مطاعا بين نهي و إنذار
يبشّر جبريل به كلّ عالم و يدعو إلى آثاره خير آثار
هلمّوا إلى الدّاعي إلى اللّه و احذروا مقامي وعوا يا أيّها النّاس إنذاري
يحيط بعلم الكائنات و علّة لها و عليها شاهد يوم إقرار
نظم الأديب البارع و الفاني في حبّ آل البيت عليهم السّلام هذه اللوحة في الإمام المنتظر عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف.
يا صاحب العصر أدركنا فليس لنا ورد هنيء و لا عيش لنا رغد
طالت علينا ليالي الانتظار فهل يابن الزّكيّ لليل الانتظار غد
فاكحل بطلعتك الغرّ لنا مقلا يكاد يأتي على إنسانها الرّمد
ها نحن مرمى لنبل النّائبات و هل يغني اصطبار و هي من درعه الزّرد
كم ذا يؤلّف شمل الظّالمين لكم و شملكم بيدي أعدائكم بدد
فانهض فدتك بقايا أنفس ظفرت بها النّوائب لمّا خانها الجلد
هب أنّ جندك معدود فجدّك قد لاقى بسبعين جيشا ما له عدد
نظم الشيخ محمّد السماوي كوكبة من القصائد في الإمام المنتظر عليه السّلام كان منها هذه الأبيات من إحدى قصائده،قال:
يهني النّبوّة و الإمامة قائم بالحقّ مرفوع المنار مكين
و يبلّغ الآمال بدر طالع للنّاظرين و مطلع ميمون
ملك عليه من المهابة حاجب لكنّه بسماحة مقرون
فالخيل تسبح و الفوارس تدّري فيما قضى التّعويل و التّمرين
و السّمر تشرع و المواضي تنتضى شوقا لما يأتي لها و يكون
فمن السّوابح الفوارس و القنا و البيض كم ماجت هناك متون
قد أعربت فيه السّواجع بالهنا لكنّما إعرابها تلحين
ما لاح حتّى تعفّر جبهة منه و يسجد للإله جبين
يتلوننّ على الّذين استضعفوا وعد لعمرك بالوفا مضمون
يا مدرك الأوتار كم طالت لها عنق و كم مدّت إليك عيون
لا وعدك الجاري لنا متخلّف كلاّ من الوفا ممنون
لكنّما الأرجاء لم يطمح به طرف و لم يشمخ به عرنين
سرعان ما قد غبت عن مقل الورى فلها إليك تلفّت و حنين
أترى تقرّ العين و هي كئيبة و يسرّ فيك القلب و هو حزين
و يعود روض العدل و هو منوّر و يجود ماء الفضل و هو معين
فأراك أقدر ما أرى ترنو إلى لوح القضا و تقول كن فيكون
و تقيم عدل الأرض حتّى لا يرى متظلّم فيها و لا مسكين
فأقوم أنشد في ثناك مدائحي و أقول أنت البحر و هي النّون (1)
و دلّت هذه اللوحة على براعة السماوي و تفوّقه في ميدان الأدب كما دلّت على إيمانه العميق بالإمام المنتظر عليه السّلام،و أنّه يترقّب ظهوره لينشر العدل و يقيم الحقّ و يدمّر الظلم و الجور.
و بهذا ينتهي بنا المطاف عن بعض الشعراء الذين آمنوا بالإمام المنتظر و ترقّبوا ظهوره،كما ينتهي بنا الحديث عن المؤمنين بظهوره عليه السّلام ليقيم الحقّ و العدل، و يحيي الإسلام،و يميت الكفر و الظلم و الاستبداد.2.
1) منن الرحمن:233/2.
و أنكر جماعة من المؤرّخين الإمام المنتظر عليه السّلام،و نعوا على الشيعة إيمانهم به، كان من بينهم من يلي:
عقد ابن خلدون فصلا في مقدّمته أنكر فيه على أئمّة الحديث رواياتهم عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله في الإمام المهدي عليه السّلام،و إيمانهم بها،و زعم أنّ تلك الروايات لا أصل لها،و قد تصدّى للردّ عليه المحقّق و العالم المعروف الأستاذ أحمد محمّد شاكر، قال:«و أمّا ابن خلدون فقد قفا ما ليس له به علم،و اقتحم قحما لم يكن من رجاله، و عليه ما شغله من السياسة،و أمور الدولة،و خدمة من كان يخدم من الملوك و الأمراء،فأوهم أنّ شأن المهدي عقيدة شيعيّة أو أوهمته نفسه ذلك،فعقد في مقدّمته المشهورة فصلا طويلا جعل عنوانه فصل في أمر الفاطمي و ما يذهب إليه الناس من أمره» (1).
و يأخذ الأستاذ أحمد محمّد شاكر في تفنيد ابن خلدون،و أنّ إنكاره للإمام عليه السّلام إنكار لضرورة من ضروريّات الدين،فقد تواترت الأخبار عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله في شأن المهدي عليه السّلام،و أنّه لا مجال بأيّة حال للريب و الطعن فيها.
و أنكر محمّد أمين البغدادي الشهير ب(السويدي)وجود الإمام المنتظر عليه السّلام، و ذهب إلى أنّه سيولد،قال:«و زعمت الشيعة أنّه غاب في السرداب ب(سرّ من رأى)و الحرس عليه سنة 262 ه،و أنّه صاحب السيف القائم قبل قيام الساعة،
1) حاشية مسند الإمام أحمد بن حنبل:44/6،الحديث 3571.
و له قبل قيامه غيبتان:أحدهما أطول من الأخرى» (1).
قلت:و ممّا يبطل كون المهدي محمّد هذا هو المنتظر قبل الساعة اصولهم التي أسّسوها للإمامة،و هي ما ذكروه في كتبهم من أنّ نصب الإمام واجب على اللّه تعالى،و أنّه لا يجوز على اللّه أن يخلي الزمان من الإمام،و عندهم الإمامة محصورة في هؤلاء الاثنى عشر الذين ذكرناهم،و هم الذين يوجبون العصمة لهم،فيقتضي أنّ اللّه قد ترك ما هو واجب عليه من عدم نصب المهدي إماما بعد موت أبيه،بل أخّر ذلك إلى آخر الزمان.
أمّا أحمد كسروي فهو مجوسي،و قد تحامل على الشيعة،و كذّب و افترى عليهم،قال فيما يخصّ الإمام المهدي عليه السّلام:«ثمّ لمّا مات الحسن العسكري و ذلك في عام 260 ه كانت هناك الداهية الدهياء،فإنّ الحسن لم يكن له عقب فتحيّر الروافض و تفرّقوا فرقا،فذهبت طائفة إلى أنّ الإمامة قد انقطعت و تمّت،و اتّبعت فئة منهم جعفر بن عليّ أخا الحسن.
و قام عثمان بن سعيد من أمناء الحسن،و أتى بدعوى من أعجب الدعاوى، فادّعى أنّ الحسن له ولد في الخامس من سنيّه مختف في السرداب لا يظهر لأحد و هو الإمام بعد أبيه» (2).
و أحمد كسروي معروف في اتّجاهاته و عمالته للإنكليز،و ليس أوهن قولا من قوله:إنّ عثمان بن سعيد أحد نوّاب الإمام هو الذي ادّعى أنّ الحسن العسكري له ولد،و هو الإمام المنتظر،و أنّه لا يظهر لأحد،فإليه تستند دعوى المهدويّة،
و هذا افتراء محض،فقد ذكرنا في البحوث السابقة سيلا من الأخبار التي أثرت عن النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و عن أئمّة الهدى عليهم السّلام،و هي تحمل البشرى للعالم الإسلامي بظهور المهدي عليه السّلام،و أنّه يقيم ما اعوجّ من الدين،و يعيد للإسلام نضارته و أيّامه.
أمّا أحمد أمين فهو كأحمد كسروي المجوسي في عدائه لأئمّة الهدى الذين أذهب اللّه عنهم الرجس و طهّرهم تطهيرا،و قد عرف بحقده البالغ على الشيعة، و انتقاصه لهم من دون أن يستند إلى مصدر من مصادرهم-كما اعترف به-و إنّما يستند إلى ما اترعت نفسه من البغض و الكراهية لأعظم طائفة في الإسلام و غيره قد تبنّت الحقّ،و رفعت شعار العدل،و تمرّدت على الظلم و الطغيان.
يقول الدكتور عبد الرحمن بدوي:«للشيعة أكبر الفضل في إغناء المضمون الروحي للإسلام،و إشاعة الحياة الخصبة القويّة العنيفة التي وهبت هذا الدين البقاء قويّا عنيدا،قادرا على إشباع النوازع الروحيّة للنفوس حتّى أشدّها تمرّدا و قلقا، و لولاها لتحجّر في قوالب جامدة» (1).
و على أيّة حال،فقد ألّف أحمد أمين رسالة أنكر فيها الإمام المهدي،و عاب على الشيعة إيمانهم به،و لم يعر أي اهتمام لما روته الصحاح الستّة من الأحاديث النبويّة المتواترة في الإمام المهدي عليه السّلام،و قد تصدّى للردّ عليه سماحة الأستاذ حجّة الإسلام و المسلمين الشيخ محمّد أمين زين الدين،كما ردّه سماحة الحجّة المغفور له الشيخ محمّد علي الزهيري،و قد صدّر الكتاب سماحة الإمام الشيخ محمّد الحسين آل كاشف الغطاء،و قال:«إنّ قضيّة الغائب المنتظر أرواحنا فداه عقيدة راسخة،و قاعدة شامخة مبنيّة على أصول مثبتة،و قواعد رصينة،لا يمكن التنصّل
1) دراسات إسلاميّة/عبد الرحمن بدوي
عنها،و الخروج منها،و أصبحت أمرا مفروغا عنه» (1).
و من المنكرين للإمام عليه السّلام شكري أفندي البغدادي،فقد نظم قصيدة أعرب فيها عن شكوكه و إنكاره للإمام عليه السّلام،كان منها:
أيا علماء العصر يا من لهم خبر بكلّ دقيق حار من دونه الفكر
لقد حار منّي الفكر في الغائب الّذي تحيّر فيه النّاس و التبس الأمر
فمن قائل في القشر لبّ وجوده و من قائل قد ذبّ عن لبّه القشر
و قد تصدّى علماء النجف الأشرف للردّ عليها،فقد ألّف الحاج المحقّق ميرزا حسين النوري الطبرسي كتابا للردّ عليه أسماه(كشف الأستار عن الحجّة الغائب عن الأبصار)،ذكر فيه النصّ على ولادته و وجوده مستندا في ذلك إلى أربعين عالما من أكابر علماء السنّة،كما نظم قصيدة عصماء الإمام الشيخ محمّد الحسين آل كاشف الغطاء نضّر اللّه مثواه في الردّ عليه،مطلعها:
بنفسي بعيد الدّار قرّبه الفكر و أدناه من عشّاقه الشّوق و الذّكر
و قد طبعت القصيدة مستقلّة،كما طبعت في إلزام الناصب.
1) ضحى الإسلام:241/3.
و ألقت الأخبار الأضواء و المؤشّرات على علامات ظهور الإمام المنتظر عليه السّلام، و حدّدت الزمان و المكان اللذين يظهر فيهما.أمّا الأخبار التي تحدّثت عن علامات ظهوره،فبعضها حتميّ لا بدّ أن يتحقّق على مسرح الحياة،و بعضها غير حتميّ، و نعرض إلى الجهة الأولى.
و أجمعت الأخبار على ضرورة تحقّق بعض العلامات قبل ظهور الإمام عليه السّلام، و هذه بعضها:
من العلامات البارزة لخروج الإمام المهدي عليه السّلام انتشار الظلم،و شيوع الجور، و انعدام الأمن و الاستقرار،حتّى تصبح الحياة قاتمة مليئة بالأحداث و الخطوب، و يعيش الإنسان على أعصابه من كثرة ما يعانيه من الخوف و الإرهاب،و قد خيّمت على المجتمع الإنساني الحياة الجاهليّة بآثامها و شرورها،و تسابق الناس إلى المنكر حتّى عاد بينهم معروفا.
أمّا الإسلام فإنّه يعود غريبا كما بدأ،قد جمدت طاقاته،و أجهزت عليه الدول الكبرى الظالمة التي ترغم الناس على ما يكرهون،و التي تستغلّ ثروات المسلمين،
و تنهب إمكانيّاتهم الاقتصاديّة،و تجعلهم تحت مناطق نفوذها.
و على أيّة حال،فالذي يدعم ما ذكرناه كوكبة من الأخبار،كان من بينها ما يلي:
1-روى أبو سعيد الخدري:«أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله قال:ستكون بعدي فتن،منها فتن الأحلاس (1)يكون فيها هرب و حرب،ثمّ من بعدها فتن كلّما قيل انقطعت تمادت حتّى لا يبقى بيت من العرب إلاّ دخلته،و لا مسلم إلاّ وصلته،حتّى يخرج رجل من عترتي» (2).
و معنى هذا الحديث أنّه ستدهم بلاد المسلمين و غيرهم فتن رهيبة،و أحداث دامية،حتّى لا يبقى بيت من بيوت العرب إلاّ دخلته،و لا بيت من بيوت المسلمين إلاّ شملته تلك الفتن و الكوارث.
2-روى أبو سعيد الخدري:«أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و اله قال:لا يزال بكم الأمر-أي الشدّة و الضيق-حتّى يولد في الفتنة و الجور من لا يعرف عندها حتّى تملأ الأرض جورا، فلا يقدر أحد يقول:اللّه،ثمّ يبعث اللّه عزّ و جلّ رجلا منّي و من عترتي فيملأ الأرض عدلا كما ملأها من كان قبله جورا،و تخرج له الأرض أفلاذ كبدها،و يحثو المال حثوا،و لا يعدّ عدّا حتّى يضرب الإسلام بجرانه» (3).
و معنى هذا الحديث أنّ الأرض ستملأ بالظلم و الجور حتّى يبلغ الحال أنّ الإنسان لا يستطيع أن يتفوّه بكلمة اللّه تعالى،فقد سيطرت القوى الإلحاديّة على جميع أنحاء الأرض،و حالت بين الخالق العظيم و بين الناس،فعند ذلك يبعث اللّه وليّه3.
العظيم لينقذ الناس ممّا هم فيه من البلاء و الضيق،و يعيد للإسلام نضارته و رحمته للناس.
3-و روى أيضا:«أنّ نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه و اله قال:ينزل بامّتي في آخر الزّمان بلاء شديد من سلطانهم لم يسمع ببلاء أشدّ منه،حتّى تضيق عليهم الأرض الرّحبة،و حتّى تملأ الأرض جورا و ظلما،و لا يجد المؤمن محلاّ يلتجئ إليه من الظّلم،فيبعث اللّه عزّ و جلّ رجلا من عترتي فيملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت ظلما و جورا،يرضى عنه ساكن السّماء و ساكن الأرض،لا تدّخر الأرض من بذرها شيئا إلاّ أخرجته، و لا السّماء من قطرها شيئا إلاّ صبّه اللّه عليهم مدرارا،يعيش فيهم سبع سنين،أو ثمان،أو تسع،تتمنّى الأحياء الأموات ممّا صنع اللّه عزّ و جلّ بأهل الأرض من خيره» (1).
و حكى هذا الحديث ما يمنى به المسلمون من الخطوب و الكوارث من جرّاء ملوكهم الذين يحكمون فيهم بالظلم حتّى تمتلأ الأرض بالجور،ثمّ يبعث اللّه تعالى مهديّ آل محمّد عليه السّلام رحمة للعباد،فيملأ الأرض رحمة و خيرا،و يقضي على جميع أفانين الظلم و الجور.
4-قال صلّى اللّه عليه و اله:«سيكون بعدي خلفاء،و من بعد الخلفاء أمراء،و من بعد الأمراء ملوك،و من بعد الملوك جبابرة،ثمّ يخرج رجل من أهل بيتي يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا» (2).
ألقى هذا الحديث الأضواء على حكّام المسلمين،و قسّمهم إلى أقسام،فبعضهم خلفاء،و بعضهم ملوك،و بعضهم جبابرة،يملأون البلاد ظلما و جورا،ثمّ يبعث اللّه7.
المنقذ العظيم،مهديّ آل محمّد عليه السّلام،فيحطّم أولئك الجبابرة و يقيم حكم اللّه في الأرض.
5-روى عوف بن مالك:«أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله قال:كيف أنتم-يا عوف- إذا افترقت الأمّة على ثلاث و سبعين فرقة،واحدة منها في الجنّة و سائرهنّ في النّار؟
و سارع عوف قائلا:كيف ذلك؟
فأجابه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله موضّحا له ما يجري على المسلمين قائلا:إذا كثرت الشّرط،و ملكت الإماء،و قعدت الجهلة على المنابر،و اتّخذ الفيء دولا،و الزّكاة مغرما،و الأمانة مغنما،و تفقّه في دين اللّه لغير اللّه،و أطاع الرّجل امرأته،و عقّ أمّه، و أقصى أباه،و لعن آخر هذه الأمّة أوّلها،و ساد القبيلة فاسقهم،و كان زعيم القوم أرذلهم،و أكرم الرّجل اتّقاء شرّه،فيومئذ يكون ذلك فيه يفزع النّاس إلى الشّام و إلى مدينة يقال لها دمشق من خير مدن الشّام،فتحصّنهم من عدوّهم.
فقيل له:يا رسول اللّه،و هل تفتح الشام؟
قال صلّى اللّه عليه و اله:وشيكا،ثمّ تقع الفتنة بعد فتحها،ثمّ تجيء فتنة غبراء مظلمة،ثمّ تتبع الفتن بعضها بعضا،حتّى يخرج رجل من أهل بيتي يقال له المهدي» (1).
و تحدّثت هذه الرواية عمّا يصاب به العالم الإسلامي من التحلّل و الفساد و انحراف المسلمين عن المبادئ القيّمة و المثل العليا التي جاء بها الإسلام،و تسود من جرّاء ذلك الفتن و الكوارث حتّى ينقذ اللّه المسلمين بوليّه الإمام المنتظر فيحيي الدين،و يقيم معالم الإسلام.2.
1) كنز العمّال:183/11 و 184.،و قريب منه في العرف الوردي:67/2.
6-قال صلّى اللّه عليه و اله:«منّا مهديّ هذه الأمّة إذا صارت الدّنيا هرجا و مرجا (1)،و تظاهرت الفتن،و تقطّعت السّبل،و أغار بعضهم على بعض،فلا كبير يرحم صغيرا،و لا صغير يوقّر كبيرا،فيبعث اللّه عند ذلك مهديّنا،التّاسع من صلب الحسين عليه السّلام،يفتح حصون الضّلالة و قلوبا غلفا،يقوم في الدّين في آخر الزّمان كما قمت به في أوّل الزّمان،يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا» (2).
و أعرب هذا الحديث عمّا تمنى به الحياة العامّة من ضروب قاسية من الفتن و القلق و الاضطراب،و فقدان المقاييس،حتّى يبعث اللّه المنقذ العظيم،فيغيّر الحياة،و يبني طرقا لسعادة الناس و أمنهم و رخائهم.
7-روي عن الإمام أبي جعفر محمّد بن عليّ عليهما السّلام أنّه قال:«لا يظهر المهديّ إلاّ على خوف شديد من النّاس،و زلزال و فتنة و بلاء يصيب النّاس،و طاعون قبل ذلك، و سيف قاطع بين العرب،و اختلاف شديد في النّاس،و تشتّت في دينهم،و تغيّر في حالهم،حتّى يتمنّى المتمنّي الموت صباحا و مساء من عظم ما يرى من كلب النّاس، و أكل بعضهم بعضا،فخروجه عليه السّلام إذا خرج يكون عند اليأس و القنوط من أن يرى فرجا،فيا طوبى لمن أدركه و كان من أنصاره،و الويل كلّ الويل لمن خالفه و خالف أمره» (3).
و ألقت هذه الرواية الأضواء على وقت خروج الإمام عليه السّلام،و أنّه لا يظهر حتّى تمتلئ الدنيا بالظلم و الجور،و يشيع الخوف و الإرهاب بين الناس حتّى يتمنّى الرجل مفارقة الحياة ليسلم ممّا يعانيه من الآلام النفسيّة،و أنّ ظهور الإمام عليه السّلام من الأمور7.
الحتميّة،إلاّ أنّه يكون في وقت يأس الناس و قنوطهم من تغيير الأوضاع الاجتماعيّة، أو إزاحة ما هم فيه من الظلم و الجور.
8-و تحدّث الإمام أبو جعفر عليه السّلام في مجتمع من شيعته عن الإمام المنتظر عليه السّلام، فقال:«و القائم منّا منصور بالرّعب-أي رعب أعدائه-مؤيّد بالظّفر،تطوى له الأرض،و تظهر له الكنوز،و يبلغ سلطانه المشرق و المغرب،و يظهر اللّه دينه على الدّين كلّه و لو كره المشركون،فلا يبقى في الأرض خراب إلاّ عمّره،و لا تدع الأرض شيئا من نباتها إلاّ أخرجته،و يتنعّم النّاس في زمانه نعمة لم يتنعّموا مثلها قطّ.
فانبرى إليه شخص فقال له:متى يخرج قائمكم؟
فأجابه الإمام عن علامات ظهوره فقال:إذا تشبّه الرّجال بالنّساء،و النّساء بالرّجال،و ركبت ذوات الفروج السّروج،و أمات النّاس الصّلوات،و اتّبعوا الشّهوات،و أكلوا الرّبا،و استخفّوا بالدّماء،و تعاملوا بالرّبا،و تظاهروا بالزّنا،و شيّدوا البناء،و استحلّوا الكذب،و أخذوا الرّشا،و اتّبعوا الهوى،و باعوا الدّين بالدّنيا، و قطعوا الأرحام،و منّوا بالطّعام (1)،و كان الحلم ضعفا،و الظّلم فخرا،و الأمراء فجرة،و الوزراء كذبة،و الأمناء خونة،و الأعوان ظلمة،و القرّاء فسقة،و ظهر الجور، و كثر الطّلاق،و بدا الفجور،و قبلت شهادة الزّور،و شربت الخمور،و ركب الذّكور الذّكور،و استغنت النّساء بالنساء،و اتّخذوا الفيء مغنما،و الصّدقة مغرما،و اتّقي الأشرار مخافة ألسنتهم،و خرج السّفيانيّ من الشّام،و اليمانيّ من اليمن،و قتل غلام من آل محمّد بين الرّكن و المقام،و صاح صائح من السّماء بأنّ الحقّ معه و مع أتباعه، فعند ذلك خروج قائمنا،فإذا خرج أسند ظهره إلى الكعبة،و اجتمع إليه ثلاثمائة».
1) في نسخة:«و ظنّوا بالطعام».
و ثلاثة عشر رجلا من أتباعه،فأوّل ما ينطق به هذه الآية: بَقِيَّتُ اللّٰهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (1).
ثمّ يقول:أنا بقيّة اللّه و خليفته و حجّته عليكم،فلا يسلّم مسلّم عليه إلاّ قال:السّلام عليك يا بقيّة اللّه في الأرض،فإذا اجتمع عنده العقد عشرة آلاف رجل فلا يبقى يهوديّ و لا نصرانيّ،و لا أحد ممّن يعبد غير اللّه إلاّ آمن به و صدّقه،و تكون الملّة واحدة ملّة الإسلام،و كلّما كان في الأرض من معبود سوى اللّه فتنزل عليه نار من السّماء فتحرقه» (2).
و ألقت هذه الرواية الأضواء على كثير من علامات ظهور الإمام عليه السّلام،و التي ترجع إلى انهيار المجتمع و إصابته بكثير من عوامل التحلّل و الفساد.
و تحدّثت بعض الروايات عمّا يجري في آخر الزمان من الفتن و الأزمات،و أكبر الظنّ أنّها من علامات ظهور الإمام عليه السّلام،و نذكر منها حديثين:
الحديث الأوّل:روى عطاء بن أبي رباح،عن حبر الأمّة عبد اللّه بن عبّاس،قال:
«حججنا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله حجّة الوداع،فأخذ باب الكعبة،ثمّ أقبل على الناس بوجهه و خاطبهم قائلا:
ألا أخبركم بأشراط السّاعة؟
فانبرى إليه سلمان الفارسي،و كان من أدنى الناس إليه،فقال:بلى يا رسول اللّه.
فأخذ النبيّ يدلي عليهم بما سيجري و يكون قائلا:إنّ من أشراط القيامة إضاعة
الصّلاة،و اتّباع الشّهوات،و الميل مع الأهواء،و تعظيم المال،و بيع الدّين بالدّنيا، فعندها يذاب قلب المؤمن و جوفه،كما يذوب الملح في إناء ممّا يرى من المنكر فلا يستطيع أن يغيّره.
و بهر سلمان فقال:أهذا لكائن يا رسول اللّه؟!
فقال صلّى اللّه عليه و اله:إي و الّذي نفسي بيده يا سلمان،إنّ عندها يليهم أمراء جورة،و وزراء فسقة،و عرفاء ظلمة،و أمناء خونة.
و سارع سلمان قائلا:إنّ هذا لكائن يا رسول اللّه؟!
فقال صلّى اللّه عليه و اله:إي و الّذي نفسي بيده يا سلمان،إنّ عندها يكون المنكر معروفا، و المعروف منكرا،و يؤتمن الخائن،و يخوّن الأمين،و يصدّق الكاذب،و يكذّب الصّادق.
قال سلمان:إنّ هذا لكائن يا رسول اللّه؟!
فأجابه صلّى اللّه عليه و اله:إيّ و الّذي نفسي بيده يا سلمان،فعندها إمارة النّساء،و مشاورة الإماء،و قعود الصّبيان على المنابر،و يكون الكذب ظرفا،و الزّكاة مغرما،و الفيء مغنما،و يجفو الرّجل والديه،و يبرّ صديقه،و يطلع الكوكب المذنّب.
و انبرى سلمان قائلا:إنّ هذا لكائن يا رسول اللّه؟!
فقال صلّى اللّه عليه و اله:إي و الّذي نفسي بيده يا سلمان،و عندها تشارك المرأة زوجها في التّجارة،و يكون المطر قيظا،و يغيظ الكرام غيظا،و يحتقر الرّجل المعسر، فعندها تقارب الأسواق،إذ قال هذا لم أبع شيئا،و قال هذا لم أربح شيئا،فلا ترى إلاّ ذامّا للّه.
و سارع سلمان قائلا:إنّ هذا لكائن يا رسول اللّه؟!
قال النبيّ صلّى اللّه عليه و اله:إنّ هذا لكائن،و الّذي نفسي بيده يا سلمان،فعندها يليهم أقوام إن تكلّموا قتلوهم،و إن سكتوا استباحوهم ليستأثروا بفيئهم،و ليطؤون حرمتهم، و ليسفكنّ دماءهم،و ليملؤنّ قلوبهم رعبا،فلا تراهم إلاّ وجلين خائفين،مرعوبين مرهوبين.
قال سلمان:إنّ هذا لكائن؟!
فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و اله:إي و الّذي نفسي بيده يا سلمان،إنّ عندها يؤتى شيء من المشرق و شيء من المغرب يلون أمّتي،فالويل لضعفاء أمّتي منهم،و الويل لهم من اللّه،لا يرحمون صغيرا،و لا يوقّرون كبيرا،و لا يتجاوزون عن مسيء،أخبارهم خفاء،جثثهم جثت الادميّين،و قلوبهم قلوب الشّياطين.
قال سلمان:إنّ هذا لكائن يا رسول اللّه؟!
قال النبيّ صلّى اللّه عليه و اله:إي و الّذي نفسي بيده يا سلمان،و عندها يكتفي الرّجال بالرّجال، و النّساء بالنّساء،و يغار على الغلمان كما يغار على الجارية في بيت أهلها،و تشبّه الرّجال بالنّساء،و النّساء بالرّجال،و يركبن ذوات الفروج السّروج،فعليهنّ من أمّتي لعنة اللّه.
قال سلمان:إنّ هذا لكائن يا رسول اللّه؟!
قال النبيّ صلّى اللّه عليه و اله:إي و الّذي نفسي بيده يا سلمان،إنّ عندها تزخرف المساجد كما تزخرف البيع و الكنائس،و تحلّى المصاحف،و تطوّل المنارات،و تكثر الصّفوف بقلوب متباغضة،و ألسن مختلفة.
قال سلمان:إنّ هذا لكائن؟!
قال النبيّ صلّى اللّه عليه و اله:إي و الّذي نفسي بيده يا سلمان،و عندها تحلّى ذكور أمّتي
بالذّهب،و يلبسون الحرير و الدّيباج،و يتّخذون جلود النّمور صفاقا.
قال سلمان:إنّ هذا لكائن؟!
قال النبيّ صلّى اللّه عليه و اله:إي و الّذي نفسي بيده يا سلمان،و عندها يظهر الرّبا،و يتعاملون بالغيبة و الرّشا،و يوضع الدّين و ترفع الدّنيا.
قال سلمان:إنّ هذا لكائن؟!
قال النبيّ صلّى اللّه عليه و اله:إي و الّذي نفسي بيده يا سلمان،و عندها يكثر الطّلاق،فلا يقام للّه حدّ،و لن يضرّ اللّه شيئا.
قال سلمان:إنّ هذا لكائن؟!
قال النبيّ صلّى اللّه عليه و اله:إي و الّذي نفسي بيده يا سلمان،و عندها تظهر القينات و المعازف،و يليهم أشرار أمّتي.
قال سلمان:إنّ هذا لكائن؟!
قال النبيّ صلّى اللّه عليه و اله:إي و الّذي نفسي بيده يا سلمان،و عندها يحجّ أغنياء أمّتي للنّزهة، و يحجّ أوساطها للتّجارة،و يحجّ فقراؤهم للرّياء و السّمعة،فعندها يكون أقوام يتعلّمون القرآن لغير اللّه و يتّخذونه مزامير،و يكون أقوام يتفقّهون لغير اللّه،و يكثر أولاد الزّنا،و يتغنّون بالقرآن،و يتهافتون بالدّنيا.
قال سلمان:إنّ هذا لكائن؟!
قال النبيّ صلّى اللّه عليه و اله:إي و الّذي نفسي بيده يا سلمان،ذاك إذا انتهكت المحارم، و اكتسبت المآثم،و سلّط الأشرار على الأخيار،و يفشو الكذب،و تظهر اللّجاجة، و تفشو الفاقة،و يتباهون في اللّباس،و يمطرون في غير أوان المطر،و يستحسنون الكوبة و المعازف،و ينكرون الأمر بالمعروف و النّهي عن المنكر،حتّى يكون المؤمن
في ذلك الزّمان أذلّ من الأمّة،و يظهر قرّاؤهم و عبّادهم فيما بينهم التّلاوم،فاولئك يدعون في ملك السّماوات:الأرجاس و الأنجاس.
قال سلمان:إنّ هذا لكائن؟!
قال النبيّ صلّى اللّه عليه و اله:إي و الّذي نفسي بيده يا سلمان،و عندها لا يخشى الغنيّ إلاّ الفقير،حتّى أنّ السّائل ليسأل فيما بين الجمعتين لا يصيب أحدا يضع في يده شيئا.
قال سلمان:إنّ هذا لكائن؟!
قال النبيّ صلّى اللّه عليه و اله:إي و الّذي نفسي بيده يا سلمان،و عندها يتكلّم الروبيضة.
فقال سلمان:ما الروبيضة يا رسول اللّه،فداك أبي و أمّي؟
قال صلّى اللّه عليه و اله:يتكلّم في أمر العامّة من لم يكن يتكلّم،فلم يلبثوا إلاّ قليلا حتّى تخور الأرض خورة فلا يظنّ كلّ قوم إلاّ أنّها خارت في ناحيتهم فيمكثون ما شاء اللّه،ثمّ ينكثون في مكثهم فتلقي لهم الأرض أفلاذ كبدها.
قال:ذهبا و فضّة،ثمّ أومأ بيده إلى الأساطين،فقال:مثل هذا،فيومئذ لا ينفع ذهب و لا فضّة،فهذا معنى قوله: فَقَدْ جٰاءَ أَشْرٰاطُهٰا (1)» (2).
و هذا الحديث على تقدير صحّته و سلامة سنده قد كشف عمّا يحدث في آخر الزمان من ابتعاد المسلمين عن دينهم،و إصابتهم بكثير من التحلّل و الانحراف و فساد الأخلاق،و عندها تتحقّق أشراط الساعة،و أكبر الظنّ أنّها كناية عن خروج الإمام المهدي المنتظر عليه السّلام.
الحديث الثاني:رواه حمران،قال:«جرى حديث الشيعة عند الإمام6.
الصادق عليه السّلام،فقال:«إنّي سرت مع أبي جعفر المنصور و هو في موكبه،و هو على فرس،و بين يديه خيل،و أنا على حمار إلى جانبه،فقال لي:يا أبا عبد اللّه،قد كان ينبغي لك أن تفرح بما أعطانا اللّه من القوّة،و فتح لنا من العزّ،و لا تخبر النّاس أنّك أحقّ بهذا الأمر منّا و أهل بيتك،فتغرينا بك و بهم.
فقال له الإمام:من رفع هذا إليك عنّي فقد كذب.
فقال لي:أتحلف على ما تقول؟
فقلت:إنّ النّاس سحرة-يعني يحبّون أن يفسدوا قلبك عليّ-فلا تمكّنهم من سمعك،فإنّا إليك أحوج منك إلينا.
فقال لي:أتذكر يوم سألتك هل لنا ملك؟فقلت:نعم،طويل عريض شديد، فلا تزالون في مهلة من أمركم،و فسحة من دنياكم،حتّى تصيبوا منّا دما حراما في شهر حرام،في بلد حرام،فعرفت أنّه قد حفظ الحديث.
فقلت:لعلّ اللّه عزّ و جلّ أن يكفيك،فإنّي لم أخصّك بهذا،و إنّما هو حديث رويته،ثمّ لعلّ غيرك من أهل بيتثك يتولّى ذلك،فسكت عنّي.
فلمّا رجعت إلى منزلي أتاني بعض موالينا،فقال:جعلت فداك،و اللّه لقد رأيتك في موكب أبي جعفر و أنت على حمار و هو على فرس،و قد أشرف عليك يكلّمك كأنّك تحته،فقلت بيني و بين نفسي:هذا حجّة اللّه على الخلق و صاحب هذا الأمر الّذي يقتدى به،و هذا الآخر-يعني المنصور-يعمل بالجور،و يقتل أولاد الأنبياء، و يسفك الدّماء في الأرض بما لا يحبّ اللّه و هو في موكبه و أنت على حمار،فداخلني في ذلك شكّ حتّى خفت على ديني و نفسي.
قال عليه السّلام:فقلت:لو رأيت من كان حولي و بين يديّ،و من خلفي،و عن يميني،
و عن شمالي من الملائكة لاحتقرته و احتقرت ما هو فيه.
فقال:الآن سكن قلبي.
ثمّ قال:إلى متى هؤلاء يملكون أو متى الراحة منهم؟
فقال الإمام:أليس تعلم أنّ لكلّ شيء مدّة؟
قال:بلى.
فقال عليه السّلام:هل ينفعك علمك أنّ هذا الأمر إذا جاء كان أسرع من طرفة عين؟إنّك لو تعلم حالهم عند اللّه عزّ و جلّ و كيف هي؟كنت لهم أشدّ بغضا،و لو جهدت و جهد أهل الأرض أن يدخلوهم في أشدّ ما هم فيه من الإثم لم يقدروا فلا يستفزّنّك الشّيطان،فإنّ العزّة للّه و لرسوله و للمؤمنين،و لكنّ المنافقين لا يعلمون.
ألا تعلم أنّ من انتظر أمرنا،و صبر على ما يرى من الأذى و الخوف هو غدا في زمرتنا؟فإذا رأيت الحقّ قد مات و ذهب أهله،و رأيت الجور قد شمل البلاد،و رأيت القرآن قد خلق،و أحدث ما ليس فيه،و وجّه على الأهواء،و رأيت الدّين قد انكفأ كما ينكفئ الإناء،و رأيت أهل الباطل قد استعلوا على أهل الحقّ،و رأيت الشّرّ ظاهرا لا ينهى عنه و يعذر أصحابه،و رأيت الفسق قد ظهر،و اكتفى الرّجال بالرّجال، و النّساء بالنّساء،و رأيت المؤمن صامتا لا يقبل قوله،و رأيت الفاسق لا يكذّب، و لا يردّ عليه كذبه و فريته،و رأيت الصّغير يستحقر الكبير،و رأيت الأرحام قد تقطّعت،و رأيت من يمتدح بالفسق يضحك منه،و لا يردّ عليه قوله،و رأيت الغلام يعطى ما تعطى المرأة،و رأيت النّساء يتزوّجن بالنّساء،و رأيت الثّناء قد كثر،و رأيت الرّجل ينفق المال في غير طاعة اللّه،فلا ينهى،و لا يؤخذ على يديه،و رأيت النّاظر يتعوّذ باللّه ممّا يرى فيه المؤمن من الإجتهاد،و رأيت الجار يؤذي جاره و ليس له مانع،
و رأيت الكافر فرحا لما يرى في المؤمن،مرحا لما يرى في الأرض من الفساد، و رأيت الخمور تشرب علانية،و يجتمع عليها من لا يخاف اللّه عزّ و جلّ،و رأيت الامر بالمعروف ذليلا،و رأيت الفاسق فيما لا يحبّ اللّه قويّا محمودا،و رأيت أصحاب الكيان يحقّرون،و يحتقر من يحبّهم،و رأيت سبيل الخير منقطعا،و سبيل الشّرّ مسلوكا،و رأيت بيت اللّه قد عطّل،و يؤمر بتركه،و رأيت الرّجل يقول ما لا يفعله، و رأيت الرّجال يتمنّون للرّجال و النّساء للنّساء،و رأيت الرّجل معيشته من دبره، و معيشة المرأة من فرجها،و رأيت النّساء يتّخذن المجالس كما يتّخذها الرّجال، و رأيت التّأنيث في ولد العبّاس قد ظهر،و أظهروا الخضاب،و امتشطوا كما تمتشط المرأة لزوجها،و أعطوا الرّجال الأموال على فروجهم،و تنوفس في الرّجل،و تغاير عليه الرّجال،و كان صاحب المال أعزّ من المؤمن،و كان الرّبا ظاهرا لا يغيّر،و كان الزّنا يمتدح به النّساء،و رأيت المرأة تصانع زوجها على الرّجال،و رأيت أكثر النّاس و خير بيت من يساعد النّساء على فسقهنّ،و رأيت المؤمن محزونا محتقرا ذليلا، و رأيت البدع و الزّنا قد ظهر،و رأيت النّاس يعتدّون بشاهد الزّور،و رأيت الحرام يحلّل،و رأيت الحلال يحرّم،و رأيت الدّين بالرّأي،و عطّل الكتاب و أحكامه،و رأيت اللّيل لا يستخفى به من الجرأة على اللّه،و رأيت المؤمن لا يستطيع أن ينكر إلاّ بقلبه، و رأيت العظيم من المال ينفق في سخط اللّه عزّ و جلّ،و رأيت الولاة يقرّبون أهل الكفر،و يباعدون أهل الخير،و رأيت الولاة يرتشون في الحكم،و رأيت الولاية قبالة لمن زاد،و رأيت ذوات الأرحام ينكحن و يكتفى بهنّ،و رأيت الرّجل يقتل على التّهمة و الظّنّة،و يغاير على الرّجل الذّكر فيبذل له نفسه و ماله،و رأيت الرّجل يعيّر على إتيان النّساء،و رأيت المرأة تقهر زوجها،و تعمل ما لا يشتهي،و تنفق على زوجها،و رأيت الرّجل يكري امرأته و جاريته،و يرضى بالدّنيء من الطّعام و الشّراب،
و رأيت الأيمان باللّه عزّ و جلّ كثيرة على الزّور،و رأيت القمار قد ظهر،و رأيت الشّراب يباع ظاهرا ليس له مانع،و رأيت النّساء يبذلن أنفسهنّ لأهل الكفر،و رأيت الملاهي قد ظهرت يمرّ بها لا يمنعها أحد أحدا،و لا يجترئ أحد على منعها،و رأيت الشّريف يستذلّه الّذي يخاف سلطانه،و رأيت أقرب النّاس من الولاة يمتدح بشتمنا أهل البيت،و رأيت من يحبّنا يزوّر و لا تقبل شهادته،و رأيت الزّور من القول يتنافس فيه،و رأيت القرآن قد ثقل على النّاس استماعه،و خفّ على النّاس استماع الباطل، و الجار يكرم الجارّ خوفا من لسانه،و رأيت الحدود قد عطّلت[تعطّلت]،و عمل فيها بالأهواء،و رأيت المساجد قد زخرفت،و رأيت أصدق النّاس عند النّاس المفتري الكذب،و رأيت الشّرّ قد ظهر،و السّعي بالنّميمة و البغي قد فشا،و رأيت الغيبة تستملح و يبشّر بها النّاس بعضهم بعضا،و رأيت طلب الحجّ و الجهاد لغير اللّه،و رأيت السّلطان يذلّ للكافر المؤمن،و رأيت الخراب قد أديل من العمران،و رأيت الرّجل معيشته من بخس المكيال و الميزان،و رأيت سفك الدّماء يستخفّ بها،و رأيت الرّجل يطلب الرّئاسة لغرض الدّنيا،و يشهر نفسه بخبث اللّسان ليتّقى و تسند إليه الأمور، و رأيت الصّلاة قد استخفّ بها،و رأيت الرّجل عنده المال الكثير لم يزكّه منذ ملكه، و رأيت الميّت ينشر من قبره و يؤذى و تباع أكفانه،و رأيت الهرج قد كثر،و رأيت الرّجل يمسي نشوانا و يصبح سكرانا،لا يهمّ بما النّاس فيه،و رأيت البهائم تنكح، و رأيت البهائم يفرس بعضها بعضا،و رأيت الرّجل يخرج إلى مصلاّه و يرجع،و ليس عليه شيء من ثيابه،و رأيت قلوب النّاس قد قست،و جمدت أعينهم،و ثقل الذّكر عليهم،و رأيت السّحت قد ظهر يتنافس فيه،و رأيت المصلّي إنّما يصلّي ليراه النّاس، و رأيت الفقيه يتفقّه لغير الدّين يطلب الدّنيا و الرّئاسة،و رأيت النّاس مع من غلب، و رأيت طالب الحلال يذمّ و يعيّر،و طالب الحرام يمدح و يعظّم.
و رأيت الحرمين يعمل فيهما بما لا يحبّ اللّه،لا يمنعهم مانع،و لا يحول بينهم و بين العمل القبيح أحد،و رأيت المعازف ظاهرة في الحرمين،و رأيت الرّجل يتكلّم بشيء من الحقّ،و يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر،فيقوم إليه من ينصحه في نفسه فيقول هذا عنك موضوع،و رأيت النّاس ينظر بعضهم إلى بعض،و يقتدون بأهل الشّرّ،و رأيت مسلك الخير،و طريقه خاليا لا يسلكه أحد،و رأيت الميّت يهزأ به فلا يفزع له أحد،و رأيت كلّ عام يحدث فيه من البدعة و الشّرّ أكثر ممّا كان،و رأيت الخلق و المجالس لا يتابعون إلاّ الأغنياء و رأيت المحتاج يعطى على الضّحك به، و يرحم لغير وجه اللّه،و رأيت الآيات في السّماء لا يفزع إليها أحد،و رأيت النّاس يتسافدون كما تتسافد البهائم لا ينكر أحد منكرا تخوّفا من النّاس،و رأيت الرّجل ينفق الكثير في غير طاعة اللّه،و يمنع اليسير في طاعة اللّه،و رأيت العقوق قد ظهر، و استخفّ بالوالدين،و كانا من أسوأ النّاس حالا عند الولد،و يفرح بأن يفتري عليهما، و رأيت النّساء قد غلبن على الملك و غلبن على كلّ أمر لا يؤتى إلاّ ما لهنّ فيه هوى.
و رأيت ابن الرّجل يفتري على أبيه،و يدعو على والديه،و يفرح بموتهما،و رأيت الرّجل إذا مرّ به يوم و لم يكسب فيه الذّنب العظيم من فجور أو بخس مكيال أو ميزان أو غشيان حرام أو شرب مسكر يرى كئيبا حزينا يحسب أنّ ذلك اليوم عليه و ضيّعه من عمره،و رأيت السّلطان يحتكر الطّعام،و رأيت أموال ذوي القربى تقسم في الزّور و يتقامر بها،و تشرب بها الخمور،و الخمر يتداوى بها،و توصف للمريض و يستشفى بها،و رأيت النّاس قد استووا في ترك الأمر بالمعروف و النّهي عن المنكر،و ترك التّديّن به،و رأيت رياح المنافقين و أهل النّفاق قائمة،و رياح أهل الحقّ لا تحرّك، و رأيت الأذان بالأجر و الصّلاة بالأجر،و رأيت المساجد محتشدة ممّن لا يخاف اللّه، مجتمعون فيها للغيبة،و أكل لحوم أهل الحقّ و يتواصفون فيها شراب المسكر،
و رأيت السّكران يصلّي بالنّاس و هو لا يعقل و لا يشان بالسّكر،و إذا سكر أكرم و اتّقي و خيف و ترك لا يعاقب و يعذر بسكره،و رأيت من أكل أموال اليتامى يحمد بصلاحه، و رأيت القضاة يقضون بخلاف ما أمر اللّه،و رأيت الولاة يأتمنون الخونة للطّمع، و رأيت الميراث قد وضعته الولاة لأهل الفسوق و الجرأة على اللّه،يأخذون منهم و يخلّونهم و ما يشتهون،و رأيت المنابر يؤمر عليها بالتّقوى و لا يعمل القائل بما يأمر، و رأيت الصّلاة قد استخفّ بأوقاتها،و رأيت الصّدقة بالشّفاعة لا يراد بها وجه اللّه، و تعطى لطلب النّاس،و رأيت النّاس همّهم بطونهم و فروجهم،لا يبالون بما أكلوا و ما نكحوا،و رأيت الدّنيا مقبلة عليهم،و رأيت أعلام الحقّ قد درست.
فكن على حذر و اطلب إلى اللّه عزّ و جلّ النّجاة،و إنّما يمهلهم لأمر يراد بهم،فكن مترقّبا،و اجتهد ليراك اللّه عزّ و جلّ في خلاف ما هم عليه،فإن نزل بهم العذاب عجلت إلى رحمة اللّه،و إن أخّرت ابتلوا،و كنت قد خرجت ممّا هم فيه من الجرأة على اللّه عزّ و جلّ،و اعلم أنّ اللّه لا يضيع أجر المحسنين،و أنّ رحمة اللّه قريب من المحسنين» (1).
إلى هنا ينتهي بنا الحديث عن بعض الأخبار التي ذكرت أشراط الساعة،و هي صريحة في انهيار أخلاق الناس،و تحلّلهم من جميع المبادئ و القيم التي يسمو بها الإنسان،و عودتهم إلى مآثم الحياة الجاهليّة و شرورها،و أغلب الظنّ أنّها من أمارات و علائم ظهور الإمام المنتظر عليه السّلام،فإنّه لا يظهر إلاّ بعد تمادي الناس في الإثم، و انتشار الرذائل،و شيوع المنكر،و انعدام الروابط الاجتماعيّة،و تفكّك الأسر، فلم تعد بينها رابطة المحبّة و المودّة و الألفة.0.
1) الكافي:36/8-42.إثبات الهداة:86/3-90.الميزان في تفسير القرآن:396/5-400.
و من بين الأمارات الحتميّة خروج الدجّال،و ظهوره على مسرح الحياة،و قيامه بتضليل الرأي العامّ،و انقياد اليهود لحكمه،و تماديهم في الولاء له،و إغراؤه للسذّج و البسطاء بالأموال،حتّى يكون قوّة ضاربة يسيطر على بعض مناطق العالم الإسلامي.و على أيّة حال،فلا بدّ لنا من وقفة قصيرة للحديث عن الدجال.
و تظافرت الأخبار بحتميّة ظهور الدجّال قبل خروج الإمام المنتظر عليه السّلام،و هذه بعضها:
1-روى هشام بن عامر،قال:«سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله يقول:ما بين خلق آدم إلى قيام السّاعة أمر أكبر من الدّجّال» (1).
و معنى الحديث أنّ الدجّال من أهمّ الأحداث التي تجري في عالم الوجود؛ و ذلك لما يصحبه من الفتن و الدجل و إراقة الدماء.
2-روى أنس بن مالك عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله أنّه قال:«ما من نبيّ إلاّ أنذر أمّته الدّجّال الأعور الكذّاب،ألا إنّه أعور،و إنّ ربّكم ليس بأعور،مكتوب بين عينيه:كافر» (2).
لقد حذّر الأنبياء أجمعهم من فتنة الدجّال و إغرائه و دعواه الكاذبة التي تصدّ عن الحقّ،و تلقي الناس في شرّ عظيم.
3-روت أسماء بنت يزيد بن السكن،قالت:«كان النبيّ صلّى اللّه عليه و اله في بيتي فذكر الدجّال،فقال:إنّ بين يديه ثلاث سنين:سنة تمسك السّماء فيها ثلث قطرها،
و الأرض ثلثي نباتها.
و الثّانية:تمسك السّماء ثلثي قطرها،و الأرض ثلثي نباتها.
و الثّالثة:تمسك السّماء قطرها كلّه،و الأرض نباتها كلّه،فلا يبقى ذات ضرس و لا ذات ظلف،و لا ذات خفّ من البهائم إلاّ هلكت،و إنّ من أشرّ فتنته أنّه يأتي الأعرابيّ فيقول:أرأيت إن أحييت لك إبلك ألست تعلم أنّي ربّك؟
فيقول:بلى،فتمثل الشّياطين له نحو إبله كأحسن ما تكون ضروعا،و أعظمه و أسمنه،قال:و يأتي الرّجل قد مات أخوه،و مات أبوه فيقول:أرأيت إن أحييت لك أباك و أحييت لك أخاك،ألست تعلم أنّي ربّك؟
فيقول:بلى،فتمثل له الشّياطين نحو أبيه و نحو أخيه.
قالت أسماء:ثمّ خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله لحاجة،ثمّ رجع،و القوم في اهتمام و غمّ ممّا حدّثهم به،فأخذ صلّى اللّه عليه و اله بناصيتي الباب،و التفت إلى أسماء فقال لها:مهيم أسماء؟
فقالت أسماء:يا رسول اللّه،لقد خلعت أفئدتنا بذكر الدجّال.
فقال صلّى اللّه عليه و اله:إن يخرج و أنا حيّ فأنا حجيجه،و إلاّ فإنّ ربّي خليفتي على كلّ مؤمن.
فقالت أسماء:يا رسول اللّه،إنّا و اللّه لنعجن عجينتنا فما نختبزها حتّى نجوع، فكيف بالمؤمنين يومئذ؟
فقال صلّى اللّه عليه و اله:يجزئهم ما يجزئ أهل السّماء من التّسبيح و التّقديس» (1).
4-روى أبو أمامة الباهلي،قال:«خطبنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله فكان أكثر خطبته حديثاة.
1) عقد الدرر:261،أخرجه أحمد في مسنده:456/6،و رواه البغوي في مصابيح السنّة.
حدّثناه عن الدجّال،و حذّرناه،فكان من قوله أن قال:إنّه لم تكن فتنة في الأرض منذ ذرأ اللّه آدم أعظم من فتنة الدّجّال،و إنّ اللّه لم يبعث نبيّا إلاّ حذّر أمّته الدّجّال،و أنا آخر الأنبياء،و أنتم آخر الأمم،و هو خارج فيكم لا محالة،فإن يخرج و أنا بين ظهرانيكم فأنا حجيج لكلّ مسلم،و إن يخرج من بعدي فكلّ امرئ حجيج نفسه،و اللّه خليفتي على كلّ مسلم،و إنّه يخرج من خلّة بين الشّام و العراق،فيعيث يمينا،و يعيث شمالا.
يا عباد اللّه،فاثبتوا فإنّي سأصفه لكم وصفا لم يصفه إيّاه نبيّ قبلي.إنّه يبدأ فيقول:
أنا نبيّ،و لا نبيّ بعدي،ثمّ يثنّي فيقول:أنا ربّكم،و لا ترون ربّكم حتّى تموتوا،و إنّه أعور،و إنّ ربّكم ليس بأعور،مكتوب بين عينيه كافر،يقرأه كلّ مؤمن كاتب أو غير كاتب (1)،و إنّ من فتنته أنّ معه جنّة و نارا،فناره جنّة و جنّته نار (2)،فمن ابتلي بناره فليستغث باللّه،و ليقرأ فواتح الكهف فتكون عليه بردا و سلاما كما كانت النّار على إبراهيم.
و إنّ من فتنته أن يقول لأعرابي:أرأيت إن أبعث لك أباك و أمّك أتشهد أنّي ربّك؟ فيقول:نعم،فيتمثّل له شيطانان في صورة أبيه و أمّه،فيقولان:يا بنيّ،اتّبعه فإنّه ربّك.
و إنّ من فتنته أن يسلّط على نفس واحدة فيقتلها و ينشرها بالمنشار حتّى تلقى8.
1) عقد الدرر:267.و قال النووي في شرح صحيح مسلم:40/8:«الصحيح الذي عليه المحقّقون إنّ هذه الكتابة على ظاهرها،و أنّها كتابة حقيقيّة جعلها اللّه آية و علامة من جملة العلامات القاطعة بكفر الدجّال و كذبه و إبطاله يظهرها اللّه لكلّ مسلم كاتب و غير كاتب، و يخفيها عمّن أراد شقاوته و فتنته.
2) روى حذيفة عن النبيّ صلّى اللّه عليه و اله أنّه قال:«إنّ الدّجّال يخرج،و إنّ معه ماء و نارا،فأمّا الّذي يراه النّاس ماء فنار تحرق،و أمّا الّذي يراه النّاس نارا فماء بارد عذب،فمن أدرك ذلك منكم فليقع في الّذي يراه نارا،فإنّه ماء عذب طيّب»-صحيح مسلم:196/8.
شقّتين،ثمّ يقول:انظروا إلى عبدي هذا فإنّي أبعثه الآن،ثمّ يزعم أنّ له ربّا غيري، فيبعثه اللّه تعالى و يقول له الخبيث:من ربّك؟فيقول:ربّي اللّه،و أنت عدوّ اللّه،أنت الدّجّال،و اللّه ما كنت بعد أشدّ بصيرة بك منّي اليوم» (1).
و ألقى هذا الحديث-و الذي قبله-الأضواء على دعاوى الدجّال،و أنّه يدّعي الربوبيّة،و يضلّ الناس بما عنده من وسائل الدجل و الخبث.
و لم يتّضح لنا اسم الأعور الدجّال،فقد عرف بلقبه،و من ألقابه الأخرى:
المسيح،و السبب في لقبه هذا اللقب أمور:
1-إنّه ممسوح العين.
2-إنّه يمسح الأرض يقطعها أو يطوفها كلّها،إلاّ مكّة و المدينة و بيت المقدس (2).
و كنى الدجّال،هي:
1-أبو يوسف.
2-أمير السلام أو إله فتى كرست،لقّبه بذلك اليهود (3)
(4 و 5) المسيح الدجّال:238.
.3-الرئيس،لقّبه بذلك النصارى (4).
4-الدكتاتور (5).
5-الحاكم الأعلى1.
أمّا صفات الأعور الدجّال فهي قبيحة تنمّ عن شروره و آثامه،و قد أعلنت الأخبار بعض صفاته و ملامحه،فقد أثر عن النبيّ صلّى اللّه عليه و اله ما يلي:
1-«إنّه أعور العين اليسرى» (1).
2-«أعور العين اليمنى كأنّ عينه عنبة طافئة» (2).
3-«إنّه أعور ذو حدقة جاحظة لا تخفى كأنّها نخاعة في جنب جدار» (3).
و على أيّة حال،فهو أعور،سواء كانت عينه اليمنى أم اليسرى.
4-«إنّه هيجان أزهر» (4)،أي أبيض فيه حمرة.
5-«عريض الجبهة،مشرف الجيد» (5).
6-«جفال الشّعر» (6)،أي شعره كثيف ملتفّ.
روى الضحّاك:«أنّ الدجال ليس له لحية،وافر الشارب،طول وجهه ذراعان، و قامته في السماء ثمانون ذراعا،و عرض ما بين منكبيه ثلاثون ذراعا،ثيابه و خفّاه
و سرجه و لجامه بالذهب و الجوهر،على رأسه تاج مرصّع بالذهب و الجوهر،في يده طبرزن هيئته هيئة المجوس،ترسه ترس فارسيّة،و كلامه الفارسيّة،تطوى له الأرض و لأصحابه طيّا طيّا،يطأ مجامعها،و يرد مناهلها إلاّ المساجد الأربعة:مسجد مكّة و مسجد المدينة و مسجد بيت المقدس و مسجد الطور» (1).
و هذا الجسم بهذه الكيفيّة من الارتفاع و العرش خارج عن أجسام الإنسان، و يكون فصيلة أخرى و لم تنصّ أيّة رواية على ذلك.
و يبتلى المؤمنون به.يقول بعض العلماء:«ليس على أهل القدر حديث أشدّ من حديث الدجّال» (2).
يقول النووي:«إنّه شخص ابتلى اللّه به عباده،و أقدره على أشياء من مقدورات اللّه سبحانه» (3).
«و تظهر على يده بعض الآيات كإنزال المطر و غيره حتّى يكون فتنة لمن رآه، و لكنّ اللّه تعالى يكشف زيفه للمؤمنين الأخيار،و يؤمن به السذّج و البسطاء ممّن اظلمّت نفوسهم» (4).
و أثر عن النبيّ صلّى اللّه عليه و اله أنّه قال:«كيف بكم إذا ابتليتم بعبد قد سخّرت له أنهار الأرض و ثمارها،فمن تبعه أطعمه و أكفره» (5).
إنّه مصدر فتنة و بلاء و اختبار إلى الناس،فمن آمن به فقد صرف من الإسلام، و من كفر به و جحده فهو المؤمن الذي امتحن اللّه قلبه للإيمان،و إنّه ليفتك بالمؤمنين فتكا ذريعا،و ينزل بهم أقسى و أشدّ ألوان العذاب.
أمّا جنود الدجّال و أتباعه فمعظمهم من اليهود الذين هم السبب لكلّ فتنة و فساد في الأرض،و قد أثر عن النبيّ صلّى اللّه عليه و اله أنّه قال:«الدّجّال أوّل من يتبعه سبعون ألفا من اليهود،عليهم السّيجان (1)،و معه سحرة اليهود يعملون العجائب و يرونها للنّاس فيضلّونهم بها» (2)
(3 و 4) المسيح الدجّال:249.
.و في رواية أخرى:«يتبع الدّجّال من يهود أصبهان سبعون ألفا عليهم الطّيالسة و ثلاثة عشر ألف امرأة» (3).
و يقول الرسول صلّى اللّه عليه و اله:«يخرج إليه غوغاء النّاس»،و الغوغاء معظمهم من السواد الذين تغويهم الدعاية حيثما شاءت.
و من أتباعه ذوو الأطماع،ففي الحديث النبوي:«ليصحبنّ الدّجّال أقوام يقولون:
إنّا لنصحبه و إن لنعلم أنّه كافر،و لكن نصحبه لنأكل من طعامه،و نرعى من الشّجر،فإذا غضب اللّه نزل عليهم جميعا» (4).
و تؤمن اليهود بالدجّال،و ينصبونه قائدا أعلى لهم،و يرون أنّه المسيح
الموعودون به،و يقولون:هذا هو حقّا المسيح الذي طالما انتظرناه،هذا هو الذي يتكلّم كتابنا المقدّس عنه (1).
إنّ اليهود يؤمنون بالدجّال لأنّه يحمل أفكارهم،و يشاركهم أحقادهم على الإسلام،و هو سيدخل المعارك ضدّ المسلمين لتحقيق أطماع الصهيونيّة التي تمدّه بالمال و السلاح.
أمّا أمارات ظهور الدجّال فهي أن يمنى الناس بكوارث اجتماعيّة و اقتصاديّة، و التي منها:شيوع الظلم و الجور،و انتشار الفساد،و انعدام التوازن بين أفراد المجتمع و داخل الأسرة،كما أنّ من الأمارات جفاف المياه،و قلّة الزراعة،و انتشار القحط، و شيوع البطالة،و فقدان العمل،و انعدام المستوى الثقافي و الحضاري،و غير ذلك من الآفات الاجتماعيّة المدمّرة.
و في الحديث النبوي:«يكون قبل خروجه سنون خمس جدب،يهلك كلّ ذي حافر» (2).
و يأتيهم الدجّال بالطعام لإغرائهم،و صدّهم عن سبيل اللّه تعالى،إنّه يأتيهم بالطعام في وقت ينهش الجوع أجسامهم،و قد عجزت التكنولوجيا من توفير الطعام لهم.
و في الحديث:«إنّا أعلم بما مع الدّجّال من الرّجال،معه نهران يجريان:أحدهما رأي العين ماء أبيض،و الآخر:رأي العين نار تتأجّج» (3).
و من بلاء الدجّال و فتنته أنّه يخرج المعادن من الأرض،ففي الحديث:«يمرّ بالخربة فيقول لها:أخرجي كنوزك،فتتبعه كنوزها» (1).
و في حديث آخر:«إنّه يأمر الأرض أن تنبت،فتنبت» (2).
و معنى ذلك أنّه يستخدم السحر في سبيل أغراضه و غوايته للخلق،فالسحر سلاحه الوحيد الذي يسيطر به على البسطاء الذين لم يكن لهم أي رصيد من العلم و التقوى.
و نهاية هذا المجرم الخطير تكون على يد الإمام المنتظر عليه السّلام،المنقذ الأعظم، فقد روى الإمام الصادق عليه السّلام بسنده عن آبائه،عن جدّه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله أنّه ذكر خروج الدجّال،و القرية التي يخرج منها،و بعض أوصافه،و أنّه يدّعي الالوهيّة،و أنّه في أوّل يوم من خروجه يتبعه سبعون ألفا من اليهود و أولاد الزنا و المدمنين للخمر، و المغنّين،و أصحاب اللهو،و الأعراب،و النساء.
و قال عليه السّلام:«فيبيح الزّنا و اللّواط و سائر المناهي حتّى يباشر الرّجال النّساء و الغلمان في أطراف الشّوارع،عراة،و علانية،و يفرط أصحابه في أكل لحم الخنزير،و شرب الخمور،و ارتكاب أنواع الفسق و الفجور،و يسخّر آفاق الأرض إلاّ مكّة و المدينة و مراقد الأئمّة عليهم السّلام،فإذا بلغ في طغيانه،و ملأ الأرض من جوره و جور أعوانه يقتله من يصلّي خلفه عيسى بن مريم،و هو الإمام المهدي عليه السّلام» (1).
1) منتخب الأثر:602 و 603.
إنّ الدجّال الذي يقود حملة إرهابيّة من أجل الصهيونيّة العالميّة فيشيع الخراب، و ينشر الفساد،و يحارب اللّه تعالى،تكون نهايته على يد أعظم مصلح اجتماعي.
من العلامات الحتميّة لظهور الإمام المنتظر عليه السّلام:خروج السفياني،و هو من أعمدة الشرّ و الفساد في الأرض،و لا بدّ لنا من وقفة قصيرة للحديث عنه:
نصّت بعض المصادر أنّ السفياني من نسل خالد بن يزيد (1)حفيد أبي سفيان العدوّ الأوّل للرسول و للإسلام،و هذه الأسرة لم تنجب إلاّ أعداء الإسلام،و خصوم القرآن،و أراذل البشريّة.
أمّا ملامحه،فهي:«ضخم الهامة،و بوجهه أثر الجدري،و بعينه نكتة بيضاء» (2).
أمّا نزعاته،فهي تحمل الشرّ و الإثم و الظلم و الاعتداء على الناس،فهو إنسان ممسوخ،من أقذر من عرفتهم الإنسانيّة،فإنّه إذا ظهر يقتل الصبيان،و يبقر بطون النساء (3)،و يقتل الأبرياء،إلى غير ذلك من ظلمه و موبقاته.
1) عقد الدرر:107،الباب الرابع،الحديث 122،و في حديث آخر عن الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام:«أنّ اسمه حرب بن عنبسة بن مرّة بن سلمة بن يزيد بن عثمان بن خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان»،و معنى ذلك أنّه مولود قبل الإمام المنتظر عليه السّلام،و مختف عن الأبصار،و في مشارق الأنوار:102:«أنّ السّفياني من ذرّيّة أبي سفيان».
2) عقد الدرر:107 و 108.
3) عقد الدرر:108.
و أدلى الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام بحديث مهمّ عن السفياني،أعرب فيه عن جرائمه و موبقاته،و ما يقترفه من الظلم و الجور.قال عليه السّلام بعد ما ذكر اسمه:
«إنّه ملعون في السّماء،ملعون في الأرض،أشدّ خلق اللّه جورا،و أكثر خلق اللّه ظلما».
و ذكر عليه السّلام أمورا،ثمّ قال:
«ثمّ يخرج إلى الغوطة،فما يبرح حتّى يجتمع النّاس إليه،و يلحق بهم أهل الضّغائن فيكون في خمسين ألفا،ثمّ يبعث إلى كلب (1)،فيأتيه منهم مثل السّيل، و يكون في ذلك الوقت رجال البربر يقاتلون رجال الملك من ولد العبّاس،فيفاجئهم السّفيانيّ في عصائب أهل الشّام،فتختلف الثّلاث رايات،رجال ولد العبّاس و هم التّرك و الدّيلم و العجم راياتهم سوداء،و راية البربر صفراء،و راية السّفيانيّ حمراء، فيقتتلون ببطن الوادي في الأردنّ قتالا شديدا،فيقتل فيما بينهم ستّون ألفا،فيغلب السّفيانيّ،و إنّه ليعدل فيهم حتّى يقول القائل:ما كان يقال فيه إلاّ كذب،و اللّه إنّهم لكاذبون،لو يعلمون ما تلقى أمّة محمّد صلّى اللّه عليه و اله منه ما قالوا ذلك،فلا يزال يعدل حتّى يسير و يعبر الفرات،و ينزع اللّه من قلبه الرّحمة.ثمّ يسير إلى الموضع المعروف بقرقيسيا،فيكون له بها وقعة عظيمة و لا تبقى بلد إلاّ بلغه خبره فيداخلهم من ذلك الجزع.ثمّ يرجع إلى دمشق،و قد دان له فيجيّش:جيشا إلى المدينة (2)،
و جيشا إلى المشرق.
فأمّا جيش المشرق فيقتلون بالزّوراء (1)سبعين ألفا،و يبقرون بطون ثلاثمائة امرأة، و يخرج الجيش من الزّوراء إلى الكوفة فيقتل بها خلقا.
و أمّا جيش المدينة بعد أن يفعلوا بالمدينة ما أحبّوا يخرجون منها إلى مكّة، و إذا توسّطوا البيداء صاح بهم صائح و هو جبرئيل،فلا يبقى منهم أحد إلاّ خسف اللّه تعالى به،و يكون في آخر(أثر)الجيش رجلان يقال لهما:بشير،فيبشّرهم (2)، و الآخر:نذير فيرجع إلى السّفيانيّ فيخبره بما نال الجيش عند ذلك،و أنّهم-أي البشير و النذير-من جهينة.
ثمّ يهرب قوم من ولد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله إلى بلد الرّوم،فيبعث السّفيانيّ إلى ملك الرّوم:ردّ إليّ عبيدي،فيردّهم إليه،فيضرب أعناقهم على الدّرج شرق مسجد دمشق، فلا ينكر ذلك عليه،ثمّ يسير في سبعين ألفا نحو العراقين:الكوفة و البصرة،ثمّ يدور الأمصار،و يحلّ عرى الإسلام عروة بعد عروة،و يقتل أهل العلم،و يحرق المصاحف،و يخرّب المساجد،و يستبيح الحرام،و يأمر بضرب الملاهي و المزامير في الأسواق،و الشّرب على قوارع الطّرق،و يحلّل الفواحش،و يحرّم عليهم كلّ ما فرض اللّه تعالى عليهم من الفرائض،و لا يرتدع عن الظّلم و الفجور،بل يزداد تمرّدا و عتوّا،و يقتل كلّ من اسمه:أحمد،و محمّد،و عليّ،و جعفر،و حمزة،و حسن، و حسين،و فاطمة،و زينب،و رقيّة،و أمّ كلثوم،و خديجة،و عاتكة،حنقا و بغضام.
لآل بيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله.
ثمّ يبعث فيجمع الأطفال،و يغلي الزّيت لهم،فيقولون:إن كان آباؤنا عصوك فنحن ما ذنبنا؟فيأخذ منهم اثنين حسنا و حسينا فيصلبهما.
ثمّ يسير إلى الكوفة،فيفعل بهم كما فعله بالأطفال،و يصلب على باب مسجدها طفلين أسماؤهما حسن و حسين،فتغلي دماؤهما كما غلى دم يحيى بن زكريّا عليهما السّلام، فإذا رأى ذلك أيقن بالهلاك و البلاء،فيخرج هاربا منها متوجّها إلى الشّام،فلا يرى في طريقه أحدا يخالفه،فإذا دخل دمشق اعتكف على شرب الخمر و المعاصي،و يأمر أصحابه بذلك،و يخرج السّفيانيّ و بيده حربة،فيأخذ امرأة حاملا فيدفعها إلى بعض أصحابه و يقول:افجر بها في وسط الطّريق.فيفعل ذلك،و يبقر بطنها،فيسقط الجنين من بطن أمّه،فلا يقدر أحد أن يغيّر ذلك.
و ذكر الإمام عليّ عليه السّلام أوصاف الإمام المهدي عليه السّلام،و أوصاف أصحابه و عددهم، و أوصاف السيّد الحسني الذي يبايع الإمام هو و أصحابه بعد ما يرون الكرامة و المعجزة منه،و أضاف الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام بعد ذلك قائلا:
«و تقع الضّجّة في الشّام،ألا إنّ أعراب الحجاز قد خرجوا إليكم،فيقول السّفيانيّ لأصحابه:ما تقولون في هؤلاء القوم؟
فيقولون:هم أصحاب نبل و إبل،و نحن أصحاب القوّة و السّلاح،اخرج بنا إليهم، فيرونه قد جبن،و هو عالم بما يراد منه،فلا يزالون حتّى يخرج بخيله و رجاله بمائتي ألف و ستّين ألفا حتّى ينزلوا بحيرة طبريّة،فيسير المهديّ عليه السّلام بمن معه و لا يحدث في بلد حادثة إلاّ الأمن و الأمان و البشرى،و عن يمينه جبرئيل،و عن شماله ميكائيل عليهما السّلام، و النّاس يلحقونه من الآفاق،حتّى يلحقوا السّفيانيّ على بحيرة طبريّة.
و يغضب اللّه عزّ و جلّ على السّفيانيّ و جيشه،و يغضب سائر خلقه عليهم،حتّى الطّير في السّماء،فترميهم بأجنحتها،و إنّ الجبال لترميهم بصخورها،فتكون وقعة يهلك اللّه فيها جيش السّفياني،و يمضي هاربا،فيأخذه رجل من الموالي اسمه صباح،فيأتي به إلى المهديّ عليه السّلام،و هو يصلّي العشاء الآخرة فيبشّره،فيخفّف في الصّلاة و يخرج.
و يكون السّفيانيّ قد جعلت عمامته في عنقه و سحب،فيوقفه بين يديه فيقول السّفيانيّ للمهديّ:يابن عمّي،منّ عليّ بالحياة أكون سيفا بين يديك،و أجاهد أعداءك.
و المهديّ جالس بين أصحابه،و هو أحيى من عذراء،فيقول:خلّوه،فيقول أصحاب المهديّ:يابن بنت رسول اللّه،تمنّ عليه بالحياة و قد قتل أولاد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله!ما نصبر على ذلك.
فيقول:شأنكم و إيّاه،اصنعوا به ما شئتم،و قد كان خلاّه و أفلته.فيلحقه صباح في جماعة إلى عند السّدرة،فيضجعه و يذبحه،و يأخذ رأسه و يأتي به المهديّ،فينظر شيعته إلى الرّأس،فيكبّرون و يهلّلون،و يحمدون اللّه تعالى على ذلك.
ثمّ يأمر المهديّ عليه السّلام بدفنه،ثمّ يسير في عساكره فينزل دمشق،و قد كان أصحاب الأندلس أحرقوا مسجدها و أخربوه،فيقيم في دمشق مدّة،و يأمر بعمارة جامعها» (1).
و الحديث بناء على صحّة سنده،قد ألمّ بشؤون السفياني،و أنّه إرهابي مجرم سفّاك للدماء،مبيح لجميع ما حرّمه اللّه،و أنّ نهايته تكون على يد الإمام المهدي عليه السّلام.1.
1) المهدي الموعود المنتظر:97/2-100،نقلا عن عقد الدرر:91.
أمّا مدّة حكم السفياني و تمرّده و ظلمه فهي ثمانية أشهر (1)،ففي هذه المدّة القصيرة يشيع الإرهاب،و يقتل الأبرياء،و في أيّامه يخرج أمل المستضعفين مهدي آل محمّد عليه السّلام.
و من العلائم الحتميّة تشكيل جيش إسلامي يرفع الرايات السود،و أكبر الظنّ أنّها إنّما صنعت سودا حدادا على سيّد الشهداء،و ريحانة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله الإمام الحسين عليه السّلام،الذي هو أبو الشهداء في جميع العصور،و نعرض لبعض الأخبار التي أعلنت أنّ رفع الجيوش للرايات السود من علامات ظهور الإمام عليه السّلام،و فيما يلي ذلك:
1-روى ثوبان:«أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله قال:إذا رأيتم الرّايات السّود قد جاءت من قبل خراسان فأتوها،فإنّ فيها خليفة اللّه المهديّ» (2).
2-روى الحسن بسنده:«أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله ذكر بلاء يلقاه أهل بيته،...حتّى يبعث اللّه راية من المشرق سوداء،من نصرها نصره اللّه،و من خذلها خذله اللّه،حتّى يأتوا رجلا اسمه كاسمي فيولّوه أمرهم،فيؤيّده اللّه و ينصره» (3).
3-روى جابر عن الإمام أبي جعفر عليه السّلام أنّه قال:«تنزل الرّايات الّتي تخرج من
خراسان إلى الكوفة،فإذا ظهر المهديّ عليه السّلام بمكّة بعثت إليه بالبيعة» (1)
(2 و 3) كنز العمّال:267/14،الحديث 38677.
.4-روى عبد اللّه بن مسعود،قال:«بينما نحن عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله إذ أقبل فتية من بني هاشم،فلمّا رآهم النبيّ صلّى اللّه عليه و اله اغرورقت عيناه و تغيّر لونه.
قلت:ما نزال نرى في وجهك شيئا نكرهه؟
فقال:إنّا أهل بيت اختار اللّه لنا الآخرة على الدّنيا،و إنّ أهل بيتي سيلقون بعدي بلاء و تشريدا و تطريدا،حتّى يأتي قوم من قبل المشرق معهم رايات سود،فيسألون الخير فلا يعطونه،فيقاتلون،فينصرون،فيعطون ما سألوا فلا يقبلونه،حتّى يدفعوها إلى رجل من أهل بيتي فيملأها قسطا كما ملأوها جورا،فمن أدرك ذلك منكم فليأتهم و لو حبوا على الثّلج» (2).
5-روى جلال الدين السيوطي بسنده:«أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله قال:تخرج من خراسان رايات سود،فلا يردّها شيء حتّى تنصب ب(إيليا).
قال ابن كثير:«هذه الروايات ليست هي التي أقبل بها أبو مسلم الخراساني، فاستلب بها دولة بني أميّة،بل رايات سود أخرى تأتي صحبة المهدي» (3).
6-روى عامر أبو الطفيل:«أنّ الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام قال له:يا عامر،إذا سمعت الرّايات السّود مقبلة من خراسان فكنت في صندوق مقفل عليك،فاكسر ذلك القفل و ذلك الصّندوق،حتّى تقتل تحتها،فإن لم تستطع فتدحرج حتّى تقتل تحتها» (2).4.
إلى غير ذلك من الأحاديث التي أعلنت خروج الرايات السود من خراسان أو من المشرق،و هي مقدّمة لظهور الإمام المنتظر عليه السّلام.
من العلامات الحتميّة لظهور الإمام المنتظر عليه السّلام نداء ملك في السماء يبشّر بظهوره،و يدعو الناس إلى متابعته،و الأخبار التي أعلنت ذلك عدّة طوائف، و هي:
صرّحت أنّه إذا خرج الإمام المنتظر عليه السّلام يكون على رأسه ملك ينادي:أنّ هذا هو المهدي فاتّبعوه،و هذه بعض الأخبار التي أعلنت ذلك:
1-روى عبد اللّه بن عمر:«أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله قال:يخرج المهديّ و على رأسه غمامة فيها ملك ينادي:هذا خليفة اللّه المهديّ،فاتّبعوه» (1).
2-قال محمّد بن الصبّان الشافعي:جاء في الروايات«أنّه-أي الإمام المهدي- عند ظهوره ينادي فوق رأسه ملك:هذا المهديّ خليفة اللّه،فاتّبعوه،فتذعن له النّاس،و يشربون حبّه،و أنّه يملك الأرض شرقها و غربها،و أنّ الّذين يبايعونه أوّلا بين الرّكن و المقام بعدد أهل بدر» (2).
3-أخرج أبو نعيم،عن ابن عمر:«أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله قال:يخرج المهديّ و على رأسه ملك ينادي:هذا المهديّ خليفة اللّه فاتّبعوه» (3).
أعلنت أنّ ملكا ينادي في السماء:أنّ الإمام المنتظر عليه السّلام قد خرج فاتّبعوه؛ و لنستمع إلى بعض الأحاديث التي أعلنت ذلك:
1-قال الإمام الرضا عليه السّلام:«إذا خرج-أي الإمام المنتظر عليه السّلام-أشرقت الأرض بنوره،و وضع ميزان العدل بين النّاس،فلا يظلم أحد أحدا،و هو الّذي تطوى له الأرض،و لا يكون له ظلّ،و هو الّذي ينادي مناد من السّماء يسمعه جميع أهل الأرض بالدّعاء له،يقول:ألا إنّ حجّة اللّه قد ظهر عند بيت اللّه فاتّبعوه،فإنّ الحقّ فيه و معه،و هو قول اللّه: إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمٰاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنٰاقُهُمْ لَهٰا خٰاضِعِينَ » (1).
2-روى ربعي بن خراش،عن حذيفة حديث السفياني،و قال:«إنّه يضرب أعناق من فرّ إلى بلد الرّوم بباب دمشق،فإذا كان ذلك نادى مناد من السّماء:
ألا أيّها النّاس،إنّ اللّه قد قطع عنكم مدّة الجبّارين و المنافقين و أشياعهم،و وليّكم خير أمّة محمّد صلّى اللّه عليه و اله،فالحقوه بمكّة،فإنّه المهديّ،و اسمه أحمد بن عبد اللّه» (2).
3-روى حذيفة بن اليمان عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله قصّة السفياني،و ما يقترفه من الفجور و الإثم،قال صلّى اللّه عليه و اله:«فعند ذلك ينادي مناد من السّماء:يا أيّها النّاس،إنّ اللّه قد قطع عنكم مدّة الجبّارين و المنافقين و أشياعهم،و وليكم خير أمّة محمّد صلّى اللّه عليه و اله فالحقوه بمكّة فإنّه المهديّ،و اسمه أحمد بن عبد اللّه» (3).
4-قال الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام:«انتظروا الفرج في ثلاث.
فقيل له:و ما هنّ؟
قال:اختلاف أهل الشّام بينهم،و اختلاف الرّايات السّود من خراسان،و الفزعة في شهر رمضان.
فقيل له:و ما الفزعة في شهر رمضان؟
قال:مناد من السّماء يوقظ النّائم،و يفزع اليقظان،و تخرج الفتاة من خدرها، و يسمع النّاس كلّهم،فلا يجيء رجل من أفق من الآفاق إلاّ يحدّث أنّه سمعها» (1).
5-قال الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام:«إذا نادى مناد من السّماء إنّ الحقّ في آل محمّد صلّى اللّه عليه و اله،فعند ذلك يظهر المهديّ على أفواه النّاس،و يسرّون فلا يكون لهم ذكر غيره» (2).
و بهذه المضامين أثرت أحاديث كثيرة عن النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و أهل بيته عليهم السّلام (3)،و هي تعلن أنّ من علامات ظهور الإمام المهدي عليه السّلام نداء ملك من السماء بظهوره.
و قد صرّحت بأنّ الملك الذي ينادي بظهور الإمام عليه السّلام هو جبرئيل،استمعوا إلى هذا الحديث:
قال الإمام محمّد الباقر عليه السّلام:«الصّوت في شهر رمضان في ليلة الجمعة،فاسمعوا
و أطيعوا.و في آخر النّهار صوت الملعون إبليس ينادي أنّ فلانا-لعلّه السفياني-قتل مظلوما،يشكّك النّاس و يفتنهم،فكم في ذلك اليوم من شاكّ يتحيّر».
قال عليه السّلام:«فإذا سمعتم ذلك الصّوت في رمضان-يعني الصوت الأوّل-فلا تشكّوا أنّه صوت جبرئيل،و علامة ذلك أنّه ينادي باسم المهدي،و باسم أبيه» (1).
هذه بعض الأحاديث التي أعلنت عن حتميّة نداء ملك من السماء،جبرئيل عليه السّلام أو غيره،يخبر الناس في جميع أنحاء الأرض بخروج الإمام المنتظر عليه السّلام.
من العلامات الحتميّة لظهور الإمام المنتظر عليه السّلام نزول السيّد المسيح إلى الأرض، و مبايعته للإمام،و صلاته خلفه،فإذا رأى النصارى ذلك آمنوا بالإسلام،و اعتنقوه، و رفضوا المسيحيّة.استمعوا لبعض الأخبار التي أعلنت ذلك:
1-قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله:«ينزل عيسى بن مريم عند انفجار الصّبح ما بين مهرودين، و هما ثوبان أصفران من الزّعفران،أبيض،أصهب الرّأس،أفرق الشّعر،كأنّ رأسه يقطر دهنا،بيده حربة يكسر الصّليب،و يقتل الخنزير،و يهلك الدّجّال،و يقبض أموال الإمام عليه السّلام،و يمشي خلفه أهل الكهف،و هو الوزير الأيمن للقائم و حاجبه و نائبه،و يبسط في المغرب و المشرق الأمن» (2).
2-أدلى الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام بحديث عن الدجّال،و ما يقترفه من الآثام و الموبقات،ثمّ عرج الإمام عليه السّلام على السيّد المسيح فقال:«إذا كان يوم الجمعة،
و قد أقيمت الصّلاة،نزل عيسى بن مريم بثوبين مشرقين حمر،كأنّما يقطر من رأسه الدّهن،رجل الشّعر،صبيح الوجه،أشبه خلق اللّه بإبراهيم عليه السّلام فيلتفت المهديّ فينظر عيسى،فيقول لعيسى:يابن البتول،صلّ.فيقول:لك أقيمت الصّلاة،فيتقدّم المهديّ عليه السّلام فيصلّي بالنّاس و يصلّي عيسى خلفه،و يبايعه،و يخرج عيسى فيلقى الدّجّال فيطعنه،فيذوب كما يذوب الرّصاص» (1).
3-روى أبو أمامة الباهلي،قال:«خطبنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و ذكر في خطبته الدجّال و ما يحدثه من الفتن،ثمّ قال:و إمام النّاس رجل صالح-و هو المهدي-فيقال له:
صلّ الصّبح،فإذا كبّر و دخل في الصّلاة نزل عيسى بن مريم،فإذا رآه ذلك الرّجل-أي المهدي-عرفه،فيرجع القهقرى ليتقدّم عيسى بن مريم،فيضع عيسى يده بين كتفيه فيقول له:صلّ،فإنّما أقيمت لك الصّلاة،فيصلّي عيسى بن مريم وراءه،ثمّ يقول:
افتحوا الباب،فيفتحون الباب،و مع الدّجّال يومئذ سبعون ألف يهوديّ ذي سلاح و سيف محلّى،فإذا نظر إلى عيسى ذاب كما يذوب الرّصاص في النّار،أو الثّلج في الماء،ثمّ يخرج فيقول عيسى:إنّ لي فيك ضربة لن تفوتني بها،فيدركه عند باب الشّرقي فيقتله،و لا يبقى شيء ممّا خلق اللّه يتوارى به يهوديّ إلاّ أنطق اللّه ذلك الشّيء لا شجر و لا حجر و لا دابّة إلاّ قال:يا عبد اللّه المسلم،هذا كافر فاقتله إلاّ الغرقدة (2)فإنّها من شجرهم،و لا تنطق،و يكون عيسى في أمّتي حكما عدلا،و إماما مقسطا، فيدقّ الصّليب،و يقتل الخنزير،و يضع الجزية،و يترك الصّدقة» (3).
4-قال محيي الدين بن عربي:«و اعلم أنّ المهدي-عجّل اللّه فرجه-إذا خرج يفرح به جميع المسلمين،خاصّتهم و عامّتهم،و له رجال إلهيّون يقيمون دعوته، و ينصرونه؛هم الوزراء،يتحمّلون أثقال المملكة عنه،يعينونه على ما قلّده اللّه، و ينزل عليه عيسى بن مريم بالمنارة البيضاء شرقي دمشق،متّكئا على ملكين ملك عن يمينه و ملك عن يساره» (1).
لقد تظافرت الأخبار بنزول السيّد المسيح من السماء و مبايعته للإمام،و قيامه بدور إيجابي و نشط في مناصرة الإمام و تسديده لسياسته الهادفة إلى نشر العدل و إشاعة الحقّ بين الناس.
هذه بعض العلامات الحتميّة التي لا بدّ أن تتحقّق على مسرح الحياة حتّى يخرج صوت العدالة الإنسانيّة،الإمام المنتظر عليه السّلام،و قد ذكرت مصادر الأخبار علامات أخرى،كخروج اليماني،و قتل النفس الزكيّة،و طلوع الشمس من المغرب،و غير ذلك،فمن أراد الوقوف عليها فليراجع مصادر الحديث و الأخبار.3.
1) الفتوحات المكّيّة:327/3.
و ألقت الأخبار التي أثرت عن النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و أئمّة الهدى عليهم السّلام الأضواء و المؤشّرات على زمان ظهور الإمام المنتظر عليه السّلام،و مكان خروجه،و منهج حكمه،و سمة أصحابه،و نعرض بإيجاز لهذه البحوث:
أمّا الزمان الذي يخرج فيه الإمام المهدي عليه السّلام فهو يوم السبت عاشر محرّم،و هو اليوم الذي استشهد فيه سيّد الشهداء و أبو الأحرار،الإمام الحسين عليه السّلام.استمعوا إلى بعض الأحاديث التي أعلنت ذلك:
1-روى أبو بصير عن الإمام الصادق عليه السّلام أنّه قال:«يخرج القائم يوم السّبت يوم عاشوراء،اليوم الّذي قتل فيه الحسين عليه السّلام» (1).
2-روى عليّ بن مهزيار عن الإمام أبي جعفر محمّد الباقر عليه السّلام أنّه قال:«كأنّي بالقائم يوم عاشوراء يوم السّبت،قائما بين الرّكن و المقام،بين يديه جبرئيل ينادي:
البيعة للّه،فيملؤها عدلا كما ملئت ظلما و جورا» (2).
3-روى أبو بصير عن الإمام أبي عبد اللّه عليه السّلام،قال:«لا يخرج القائم إلاّ في وتر من السّنين:سنة إحدى أو ثلاث أو خمس،أو سبع أو تسع،و يقوم في يوم عاشوراء، و يظهر يوم السّبت العاشر من المحرّم قائما بين الرّكن و المقام،و شخص قائم على يديه ينادي البيعة..البيعة،فيسير إليه أنصاره من أطراف الأرض يبايعونه،فيملأ اللّه تعالى به الأرض عدلا كما ملئت جورا و ظلما،ثمّ يسير من مكّة حتّى يأتي الكوفة، فينزل على نجفها،ثمّ يفرّق الجنود منها إلى جميع الأمصار» (1).
أمّا وقت نداء الملك أو جبرئيل بظهور الإمام المهدي عليه السّلام فهو في ليلة الثالث و العشرين من شهر رمضان المبارك،و قد دلّت على ذلك بعض الروايات،منها:
رواية محمّد بن مسلم،قال:«سأل رجل الإمام أبا عبد اللّه عليه السّلام،فقال له:متى يظهر قائمكم؟
قال عليه السّلام:إذا كثرت الغواية،و قلّت الهداية-إلى أن قال:-فعند ذلك ينادى باسم القائم في ليلة ثلاث و عشرين من شهر رمضان،و يقوم في يوم عاشوراء» (2).
و قيل:«إنّ صيحة الملك تكون في شهر رمضان،و خروج الإمام يكون في شوّال في وتر من السّنين» (3).
و الإمام المنتظر عليه السّلام هو أوّل حاكم في الإسلام يمتدّ حكمه في شرق الأرض
و غربها،فلا يكون في الدنيا حكم غير حكمه،و قد تظافرت الأخبار بذلك، و هذه بعضها:
1-روى ابن عبّاس:«أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله قال:إنّ خلفائي و أوصيائي و حجج اللّه على الخلق بعدي لاثنا عشر،أوّلهم أخي،و آخرهم ولدي.
قيل:يا رسول اللّه،من أخوك؟
قال:عليّ بن أبي طالب.
قيل:فمن ولدك؟
قال:المهديّ الّذي يملأها قسطا و عدلا كما ملئت جورا و ظلما.و الّذي بعثني بالحقّ بشيرا،لو لم يبق من الدّنيا إلاّ يوم واحد لطوّل اللّه ذلك اليوم حتّى يخرج فيه ولدي المهديّ،فينزل روح اللّه عيسى بن مريم فيصلّي خلفه،و تشرق الأرض بنور ربّها،و يبلغ سلطانه المشرق و المغرب» (1).
2-روى أبو سعيد الخدري عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله أنّه قال:«لا تنقضي الدّنيا حتّى يملك الأرض رجل من أهل بيتي يملأ الأرض عدلا كما ملئت قبله جورا،يملك سبع سنين» (2).
3-روى عبد اللّه بن عبّاس،عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله أنّه قال:«ملك الأرض أربعة:
مؤمنان و كافران،فالمؤمنان:ذو القرنين و سليمان،و الكافران:بختنصّر و نمرود، و سيملكها خامس من أهل بيتي» (3).2.
و تظافرت الأحاديث عن النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و أوصيائه عليهم السّلام أنّ الإمام المنتظر يملك الدنيا بأسرها،و تدين بإمامته جميع شعوب العالم و أمم الأرض.
أمّا منهج حكم الإمام المنتظر عليه السّلام و سياسته فهو نشر العدل،و بسط الأمن و الرخاء بين جميع الناس.
إنّ سياسته على ضوء كتاب اللّه و سنّة نبيّه،و يسير بسيرة جدّه الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام،رائد العدالة الاجتماعيّة في الأرض،و يملأ الأرض عدلا و حقّا، و قد وردت كوكبة من الأخبار بذلك،و لنستمع إلى بعضها:
1-روى جابر عن الإمام أبي جعفر عليه السّلام،قال:«يظهر المهديّ بمكّة عند العشاء، و معه راية رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و قميصه و سيفه،و علامات نور و بيان،فإذا صلّى العشاء نادى بأعلى صوته:أذكّركم اللّه أيّها النّاس و مقامكم بين يدي ربّكم،و قد اتّخذ الحجّة، و بعث الأنبياء،و أنزل الكتاب،يأمركم أن لا تشركوا به شيئا،و أن تحافظوا على طاعته و طاعة رسوله صلّى اللّه عليه و اله،و أن تحيوا ما أحيى القرآن،و تميتوا ما أمات،و تكونوا أعوانا على الهدى،و وزراء على التّقوى،فإنّ الدّنيا قد دنا فناؤها و زوالها،و آذنت بالوداع،و إنّي أدعوكم إلى اللّه و رسوله،و العمل بكتابه،و إماتة الباطل،و إحياء السّنّة» (1).
على هذا النهج المشرق يسير داعية اللّه في الأرض يحيي الإسلام،و يرفع كلمة اللّه عالية في الأرض،و يميت الباطل،و يحقّ الحقّ،و يحيي كتاب اللّه،و سنّة نبيّه، و تعود للإسلام نضارته.
2-قال الإمام أبو جعفر عليه السّلام:«إذا قام قائمنا فإنّه يقسم بالسّويّة،و يعدل في خلق
1) الملاحم و الفتن/ابن طاووس:64،الباب 129.
الرّحمن،البرّ منهم و الفاجر» (1).
3-و قال عليه السّلام أيضا:«إذا قام قائمنا حكم بالعدل،و ارتفع في أيّامه الجور،و أمنت به السّبل،و أخرجت الأرض بركاتها،و ردّ كلّ حقّ إلى أهله» (2).
4-و عنه عليه السّلام:«يبلغ من ردّ المهديّ المظالم حتّى لو كان تحت ضرس إنسان شيء انتزعه حتّى يردّه» (3).
إنّ سياسة الإمام و منهجه في أيّام حكمه إقامة العدل بجميع رحابه و مفاهيمه، و إماتة الباطل،و إحياء سنن الإسلام.
إنّ منهج حكم الإمام المنتظر عليه السّلام امتداد ذاتي لمنهج رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله،و منهج وصيّه و باب مدينة علمه،الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام،فهو يقوم بالدور الذي قاما به، و قد سأل عبد اللّه بن عطاء المكّي الإمام الصادق عليه السّلام عن منهج حكم الإمام المنتظر عليه السّلام،فقال:«يهدم ما قبله كما صنع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله،و يستأنف الإسلام من جديد» (4).
أمّا أصحاب الإمام المنتظر عليه السّلام فهم من خيار البشر في تقواهم و ورعهم و تحرّجهم في الدين،و نلمح بإيجاز إلى بعض شؤونهم:
و ألمحت بعض الأخبار إلى سمات أصحاب الإمام المنتظر عليه السّلام،فقد جاء في وصفهم ما يلي:
1-روى محمّد بن الحنفيّة:«أنّ رجلا سأل الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام عن الإمام المهدي،فقال عليه السّلام:يخرج في آخر الزّمان-ثمّ ذكر الإمام أوصاف أصحابه فقال:- فيجمع اللّه تعالى له قوما قزع كقزع السّحاب،يؤلّف اللّه بين قلوبهم،لا يستوحشون إلى أحد،و لا يفرحون بأحد يدخل فيهم» (1)
(2 و 3) ينابيع المودّة:437/3.
.و معنى هذا الحديث أنّهم على بصيرة من أمرهم،و بيّنة من ربّهم،فلا يفرحون بمن التحق بهم،و لا يستوحشون بمن خرج منهم،قد ألّف اللّه بين قلوبهم،و أترعت نفوسهم الإيمان و حبّ اللّه،و التفاني في خدمة الإسلام،و الذبّ عن قيمه و أهدافه.
2-من كلام للإمام أمير المؤمنين عليه السّلام في وصفهم،قال:«قوم لم يمنّوا على اللّه بالصّبر،و لم يستعظموا بذل أنفسهم في الحقّ،حتّى إذا وافق وارد القضاء انقطاع مدّة البلاء حملوا بصائرهم على أسيافهم،و دانوا لربّهم بأمر واعظهم» (2).
و حفل كلام الإمام بأروع آيات المدح و الثناء لأصحاب المنتظر عليه السّلام،دعاة الحقّ، و أنصار الإسلام،و حملة القرآن.
3-قال الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام في وصفهم:«يجاهدهم في اللّه قوم أذلّة عند المتكبّرين،في الأرض مجهولون،و في السّماء معروفون» (3).
4-قال محيي الدين بن عربي:«يبايعه-أي الإمام المهدي-العارفون باللّه من
1) مستدرك الحاكم:554/4.تلخيص المستدرك/الذهبي:554/4.
أهل الحقائق،عن شهود و كشف بتعريف إلهي،رجال إلهيّون يقيمون دعوته و ينصرونه،هم الوزراء،يحملون أثقال المملكة،و يعينونه على ما قلّده اللّه تعالى».
و أضاف قائلا:«إنّ اللّه سيتوزر له طائفة خبّأهم في مكنون غيبه،أطلعهم اللّه كشفا و شهودا على الحقائق» (1).
و هؤلاء الصفوة من المتّقين الأخيارهم أصحاب الإمام المنتظر عليه السّلام،و ولاة أموره، و وزراؤه الذين يقيمون معه الحقّ،و يؤسّسون العدل،و يدمّرون قلاع الظلم و الجور.
أمّا عدد أصحاب الإمام الذين يبايعونه،فهم كعدد أصحاب بدر.
روى عبد اللّه بن سنان عن الإمام الصادق عليه السّلام أنّه قال:«المفقودون من فرشهم ثلاثمائة و ثلاثة عشر رجلا عدّة أهل بدر،فيصبحون بمكّة،و هو قول اللّه عزّ و جلّ:
أَيْنَ مٰا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللّٰهُ (2)،و هم أصحاب المهديّ» (3).
و روى سليمان بن هارون العجلي،قال:«سمعت جعفر الصادق عليه السّلام يقول:إنّ أصحاب هذا الأمر-يعني القائم-محفوظون،لو ذهب النّاس جميعا أتى اللّه بأصحابه،و هم الّذين قال اللّه فيهم: يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّٰهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكٰافِرِينَ (4)» (5).
و قال الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام:«و اللّه إنّي لأعرفهم-أي أصحاب الإمام المهدي عليه السّلام- و أعرف أسماءهم و قبائلهم،و اسم أميرهم،و هم قوم يحملهم اللّه كيف شاء،من القبيلة الرّجل و الرّجلين-حتّى بلغ تسعة-فيتوافون من الآفاق ثلاثمائة و ثلاثة عشر رجلا عدّة أهل بدر،و هو قول اللّه: أَيْنَ مٰا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللّٰهُ جَمِيعاً إِنَّ اللّٰهَ عَلىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1)،حتّى أنّ الرّجل ليحتبي فلا يحلّ حبوته حتّى يبلغه اللّه في ذلك» (2).
و روى أبو خالد الكابلي عن الإمام زين العابدين عليه السّلام أنّه قال:«المفقودون من فرشهم (3)ثلاثمائة و ثلاثة عشر رجلا،عدّة أهل بدر،و يصبحون بمكّة،و هو قول اللّه عزّ و جلّ: أَيْنَ مٰا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللّٰهُ جَمِيعاً ،و هم أصحاب القائم» (4).
أمّا مكان بيعة أصحاب الإمام المنتظر عليه السّلام للإمام فهو في أقدس مكان و أجلّه، و هو ما بين الركن و مقام إبراهيم في بيت اللّه الحرام،و قد تواترت الأخبار بذلك (5).
و ذكر الرواة أنّ الإمام عليه السّلام يشترط على من يبايعه في مكّة بما يلي:
قال الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام-بعد وصفه لأصحاب الإمام المهدي عليه السّلام-:«إنّه
يقول:بايعوا على أربعين خصلة،و اشترطوا عشر خصال.
فقال الأحنف:ما هي؟
فقال عليه السّلام:يبايعونه على أن لا يسرقوا،و لا يزنوا،و لا يقتلوا،و لا يهتكوا حريما محرّما،و لا يسبّوا مسلما،و لا يهجموا منزلا،و لا يضربوا أحدا إلاّ بحقّ،و لا يركبوا الخيل الهمالج (1)،و لا يتمنطقوا بالذّهب،و لا يلبسوا الخزّ،و لا يلبسوا الحرير، و لا يلبسوا النّعال الصّرّارة (2)،و لا يخرّبوا مسجدا،و لا يقطعوا طريقا،و لا يظلموا يتيما،و لا يخيفوا سبيلا،و لا يحتسبوا مكرا،و لا يأكلوا مال اليتيم،و لا يفسقوا بغلام،و لا يشربوا الخمر،و لا يخونوا الأمانة،و لا يخلفوا العهد،و لا يحبسوا طعاما من برّ أو شعير،و لا يقتلوا مستأمنا،و لا يتبعوا منهزما،و لا يسفكوا دما،و لا يجهزوا على جريح،و يلبسوا الخشن من الثّياب،و يوسّدوا الخدود على التّراب (3)،و يأكلوا الشّعير،و يرضون بالقليل،و يجاهدون في اللّه حقّ جهاده،و يشمّون الطّيب، و يكرهون (4)النّجاسة.
و يشترط لهم على نفسه ألاّ يتّخذ صاحبا،و يمشي حيث يمشون،و يكون من حيث يريدون،و يرضى بالقليل،و يملأ الأرض بعون اللّه عدلا كما ملئت جورا،يعبد اللّه حقّ عبادته» (5).9.
1) الهمالج:فارسي معرّب،و هو من البراذين التي تمشي مشيا شبه الهرولة.
2) الصرارة:هو جلد العقبان التي تأكل الحياة.
3) في الأصل:«و يوسّدوا التّراب على الخدود»،و العكس هو الصحيح،و هو كناية عن تواضعهم.
4) الكراهة تحمل على الحرمة لا على معناها الظاهر.
5) المهدي الموعود:11/2،نقلا عن الملاحم و الفتن/ابن طاووس:149،الباب 79.
و تهدف هذه الخصال إلى نشر العدل،و بسط المساواة،و إقامة حكم اللّه تعالى في الأرض بحيث لا يبقى ظلّ لكبرياء الحكّام و لا لأعوانهم.
إنّ الحكم الذي ينشده الإسلام هو أن يتساوى الحاكم و المحكوم في جميع الحقوق و الواجبات،و لا يكون امتياز للحاكم على غيره من أبناء الشعب،و هو أسمى ما تحلم به البشريّة من العدل و الكرامة الذي تصبو إليه.
أمّا حامل لواء الإمام المهدي عليه السّلام فهو فذّ من أفذاذ العلويّين،و قد صرّحت الأخبار الواردة عن أئمّة الهدى عليهم السّلام باسمه،و هو شعيب بن صالح،و هو الذي يأتي من خراسان يقود جيشا عظيما لمبايعة الإمام عليه السّلام و نصرته (1).
و قيل:إنّه من تميم،و هو الذي يهزم السفياني حتّى ينزل بيت المقدس فيوطّئ للإمام المهدي سلطانه،و تكون المدّة بين خروجه و بين تسليمه الأمر للإمام اثنان و سبعون شهرا (2).
و روي أنّ لواء الإمام عليه السّلام قد كتب عليه«البيعة للّه» (3)،و هو يرمز إلى أنّ بيعة الإمام إنّما هي بيعة للّه،و أنّ حكمه حكم اللّه تعالى.
و اختلف الرواة في مدّة حكم الإمام المهدي عليه السّلام و ذلك لاختلاف الروايات، و هذه بعضها:
1-«إنّ حكمه أربعون سنة»،روي ذلك عن الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام (1).
2-«مدّة حكمه ثلاثون سنة» (2).
3-«إحدى و عشرون سنة مدّة حكمه» (3).
و تظافرت الأخبار بانتشار الخير و البركات في أيّام حكم الإمام عليه السّلام،و هذه بعض الأخبار:
1-روى أبو سعيد الخدري عن النبيّ صلّى اللّه عليه و اله أنّه قال:«تنعم أمّتي فيه-أي في حكم المهدي-نعمة لم ينعموا مثلها قطّ،تؤتي الأرض أكلها لا تدّخر عنهم شيئا،و المال يومئذ كدوس يقوم الرّجل فيقول:يا مهديّ،أعطني،فيقول:خذ» (4).
2-روى أبو سعيد الخدري عن النبيّ صلّى اللّه عليه و اله أنّه قال:«يخرج في آخر أمّتي المهديّ، يسقيه اللّه الغيث،و تخرج الأرض نباتها،و يعطي المال صحاحا،و تكثر الماشية، و تعظم الأمّة» (5).
3-أدلى الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام بحديث عن الإمام المهدي عليه السّلام جاء فيه:
«يبعث المهديّ إلى أمرائه بسائر الأمصار بالعدل بين النّاس،و ترعى الشّاة و الذّئب
في مكان واحد».
و أضاف:
«و يذهب الشّرّ،و يبقى الخير،و يزرع الإنسان مدّا و تخرج له سبعة أمداد،كما قال اللّه تعالى،و يذهب الزّنا،و شرب الخمر،و يذهب الرّبا،و يقبل النّاس على العبادات و الشّرع و الدّيانة و الصّلاة في الجماعات،و تطول الأعمار،و تؤدّى الأمانات،و تحمل الأشجار،و تتضاعف البركات،و تهلك الأشرار،و تبقى الأخيار،و لا يبقى من يبغض أهل البيت» (1).
و بهذا تنتهي الصفحات الأخيرة من هذا الكتاب،سائلين اللّه تعالى أن يعجّل فرج وليّه العظيم لينقذ المسلمين من واقعهم المرير،فقد أحاطت بهم ذئاب البشريّة تنهب ثرواتهم،و تسلب حرّيّتهم و كرامتهم،و تجرّعهم أقسى ألوان المحن و الخطوب،و التي من أمرّها و أقساها أنّها عمدت إلى إخراج المسلمين عن أوطانهم و ديارهم في فلسطين،و استبدلت مكانهم اليهود الذين جلبتهم من جميع أقطار الدنيا،و جعلت فلسطين وطنا لهم،و زوّدتهم بجميع أنواع الأسلحة المتطوّرة ليكونوا قوّة ضاربة ضدّ العالم الإسلامي،و يتحكّموا في مصير المسلمين سياسيا و اقتصاديّا،فأيّ هوان مثل هذا الهوان؟
اللهمّ إنّا نشكو إليك تظافر القوى الكافرة على إذلال المسلمين،و إرغامهم على ما يكرهون،فأنقذهم اللّهمّ بوليّك العظيم الذي ادّخرته لنصرة دينك،و إعلاء كلمتك،و قهر أعدائك.
و إنّ خير ما نختم به هذا الكتاب هو الدعاء للإمام المنتظر عليه السّلام بهذا الدعاء الشريف الذي دعا به له جدّه الإمام الرضا عليه السّلام،قال:6.
1) منتخب الأثر:474،نقلا عن كشف الأستار:186.
«اللّهمّ ادفع عن وليّك و خليفتك و حجّتك على خلقك،و لسانك المعبّر عنك،النّاطق بحكمتك،و عينك النّاظرة بإذنك،و شاهدك على عبادك، الجحجاح المجاهد العائذ بك،العابد عندك،و أعذه من شرّ جميع ما خلقت و برأت و أنشأت و صوّرت،و احفظه من بين يديه،و من خلفه،و عن يمينه، و عن شماله،و من فوقه،و من تحته بحفظك الّذي لا يضيع من حفظته به، و احفظ فيه رسولك و آبائه أئمّتك و دعائم دينك،و اجعله في ودائعك الّتي لا تضيع،و في جوارك الّذي لا يخفر،و في منعك و عزّك الّذي لا يقهر،و آمنه بأمانك الوثيق الّذي لا يخذل من آمنته به،و اجعله في كنفك الّذي لا يرام من كان فيه،و انصره بنصرك العزيز،و أيّده بجندك الغالب،و قوّة بقوّتك،و أردفه بملائكتك،و وال من والاه،و عاد من عاداه،و البسه درعك الحصينة،و حفّه بالملائكة حفّا.
اللّهمّ اشعب به الصّدع،و ارتق به الفتق،و أمت به الجور،و أظهر به العدل،و زيّن بطول بقائه الأرض،و أيّده بالنّصر،و انصره بالرّعب،و قوّ ناصريه،و اخذل خاذليه،و دمدم من نصب له،و دمّر من غشّه،و اقتل به جبابرة الكفر و عمده و دعائمه،و اقصم به رؤوس الضّلالة،و شارعة البدع، و مميتة السّنّة،و مقوّية الباطل،و ذلّل به الجبّارين،و أبر به الكافرين،و جميع الملحدين في مشارق الأرض و مغاربها،و برّها و بحرها،و سهلها و جبلها، حتّى لا تدع منهم ديّارا،و لا تبقى لهم آثارا.
اللّهمّ طهّر منهم بلادك،و اشف منهم عبادك،و أعزّ به المؤمنين،و أحيي به
سنن المرسلين،و دارس حكم النّبيّين،و جدّد به ما امتحى من دينك،و بدّل من حكمك حتّى تعيد دينك به و على يديه جديدا غضّا محضا صحيحا لا عوج فيه و لا بدعة معه،و حتّى تنير بعدله ظلم الجور،و تطفئ به نيران الكفر،و توضح به معاقد الحقّ و مجهول العدل،فانّه عبدك الّذي استخلصته لنفسك،و اصطفيته على غيبك،و عصمته من الذّنوب،و برّأته من العيوب، و طهّرته من الرّجس،و سلّمته من الدّنس.
اللّهمّ فانّا نشهد له يوم القيامة و يوم حلول الطّامّة أنّه لم يذنب ذنبا، و لا أتى حوبا،و لم يرتكب معصية،و لم يضيّع لك طاعة،و لم يهتك لك حرمة،و لم يبدّل لك فريضة،و لم يغيّر لك شريعة،و أنّه الهادي المهتدي الطّاهر التّقيّ النّقي الرّضيّ الزّكيّ.
اللّهمّ أعطه في نفسه و أهله و ولده و ذرّيّته و أمّته و جميع رعيّته ما تقرّ به عينه،و تسرّ به نفسه،و تجمع له ملك المملكات كلّها،قريبها و بعيدها، و عزيزها و ذليلها،حتّى يجرى حكمه على كلّ حكم،و يغلب بحقّه كلّ باطل.
اللّهمّ اسلك بنا على يديه منهاج الهدى،و المحجّة العظمى،و الطّريقة الوسطى الّتي يرجع إليها الغالي،و يلحق بها التّالي،و قوّنا على طاعته،و ثبّتنا على مشايعته،و امنن علينا بمتابعته،و اجعلنا في حزبه و القوّامين بأمره، و الصّابرين معه،الطّالبين رضاك بمناصحته حتّى تحشرنا يوم القيامة في
أنصاره و أعوانه و مقوّية سلطانه.
اللّهمّ و اجعل ذلك لنا خالصا من كلّ شكّ و شبهة و رياء و سمعة،حتّى لا نعتمد به غيرك،و لا نطلب به إلاّ وجهك،و حتّى تحلّنا محلّه،و تجعلنا في الجنّة معه،و أعذنا من السّامة و الكسل و الفترة،و اجعلنا ممّن تنتصر به لدينك،و تعزّ به نصر وليّك،و لا تستبدل بنا غيرنا،فانّ استبدالك بنا غيرنا عليك يسير،و هو علينا كثير.
اللّهمّ صلّ على ولاة عهده،و الأئمّة من بعده،و بلّغهم آمالهم،و زد في آجالهم،و أعزّ نصرهم،و تمّم لهم ما أسندت إليهم من أمرك لهم،و ثبّت دعائمهم،و اجعلنا لهم أعوانا،و على دينك أنصارا،فانّهم معادن كلماتك، و خزّان علمك،و أركان توحيدك،و دعائم دينك،و ولاة أمرك،و خالصتك من عبادك،و صفوتك من خلقك،و أولياؤك و سلائل أوليائك،و صفوة أولاد نبيّك،و السّلام عليهم و رحمة اللّه و بركاته» (1).2.
1) البلد الأمين:81 و 82.
الإهداء 7
كلمة المحقّق 9
بين يديك أيّها المصلح العظيم 11
تقديم 13-22
مشرق النور 23-40
الأب 23
الأمّ 23
اسمها الشريف 24
الثناء عليها 25
الوليد المبارك 26
مراسيم الولادة 28
إطعام عامّ 29
تباشر الشيعة بولادته عليه السّلام 29
التهاني بولادته عليه السّلام 29
تسميته عليه السّلام 31
ألقابه عليه السّلام 31
1-المهدي 31
2-القائم 32
3-المنتظر 32
4-الحجّة 32
5-الخلف الصالح 32
كنيته عليه السّلام 32
سنة ولادته عليه السّلام 32
استحباب الدعاء في ليلة ولادته عليه السّلام 33
عرضه على الشيعة 34
ملامحه و صفاته 35
شبهه عليه السّلام بالنبيّ صلّى اللّه عليه و اله 36
رواية موضوعة 39
عناصره النفسيّة و سيرته 41-50
1-سعة علومه 41
2-زهده عليه السّلام 42
3-صبره عليه السّلام 43
4-عبادته عليه السّلام 44
دعاؤه عليه السّلام في قنوت صلاته 44
دعاء آخر له في القنوت 47
5-شجاعته عليه السّلام 48
6-صلابته عليه السّلام في الحقّ 48
7-سخاؤه عليه السّلام 49
من تراثه الرائع 51-119
أدعيته 51
1-دعاؤه عليه السّلام للمسلمين 52
2-دعاؤه عليه السّلام للمؤمنين 52
3-دعاؤه عليه السّلام لقضاء الحوائج 53
4-دعاؤه عليه السّلام للشفاء من الأسقام 54
5-زيارة و دعاء 54
6-دعاؤه عليه السّلام للفرج 57
7-دعاؤه عليه السّلام لشيعته 59
8-دعاؤه عليه السّلام للنبيّ صلّى اللّه عليه و اله و لأئمّة الهدى عليهم السّلام 59
9-دعاؤه عليه السّلام للخلاص من السجن 63
زيارته للإمام الحسين عليه السّلام 64
رسائله عليه السّلام 76
1-رسالته عليه السّلام إلى أحمد بن إسحاق 76
2-رسالته عليه السّلام إلى العمري و ابنه 79
3-رسالته عليه السّلام إلى بعض شيعته 81
4-رسالته عليه السّلام إلى محمّد الأسدي 83
5-جوابه عليه السّلام عن أسئلة إسحاق 84
6-رسائله عليه السّلام إلى الشيخ المفيد 88
الرسالة الأولى 89
الرسالة الثانية 92
نماذج من فقهه عليه السّلام 96
1-مسائل محمّد بن عبد اللّه بن جعفر 96
2-مسائل أخرى لمحمّد 100
3-مسائل محمّد 106
4-مسائل محمّد 110
الغيبة الصغرى و الكبرى 121-166
في ظلال أبيه عليه السّلام 121
الإمام العسكري عليه السّلام في ذمّة الخلود 122
نصّه على الإمام المنتظر عليه السّلام 123
اغتيال الإمام العسكري عليه السّلام 127
اضطراب السلطة 127
إلى جنّة المأوى 127
تجهيزه عليه السّلام 128
مواكب التشييع 129
في مقرّه الأخير 129
كبس دار الإمام عليه السّلام 129
وفد القمّيّين 130
جعفر و الخليفة 132
الغيبة الصغرى 134
الزمان 134
المكان 134
مخاريق و أباطيل 134
1-سرداب في بابل 135
2-السرداب في سامراء 136
الذين قالوا بغيبة الإمام في سرداب داره من مؤرخي السنّة:
1-السويدي 137
2-ابن تيميّة 137
3-ابن حجر 137
4-القصيمي 138
التحقيق في الموضوع 138
رأي علماء الشيعة:
1-الحجّة النوري 139
2-العلاّمة صدر الدين 139
3-المحقّق الإربلي 139
4-المحقّق الأميني 139
سفراؤه الممجّدون 140
1-عثمان بن سعيد العمري رضي اللّه عنه 140
خدمته للأئمّة 140
وثاقته 141
نيابته عن الإمام المنتظر عليه السّلام 142
وفاته 142
تأبين الإمام عليه السّلام له 142
2-محمّد بن عثمان رضي اللّه عنه 143
وثاقته و عدالته 143
التقاؤه بالإمام عليه السّلام في الكعبة 144
مؤلّفاته 145
نيابته عن الإمام عليه السّلام 145
وفاته 145
3-الحسين بن روح رضي اللّه عنه 146
مناظرته مع معاند 146
صلابته رضي اللّه عنه 148
إيثاره رضي اللّه عنه للتقيّة 148
مع عليّ القمّي 148
وفاته رضي اللّه عنه 149
4-عليّ بن محمّد السّمري رضي اللّه عنه 149
وفاته رضي اللّه عنه 150
ولاية الفقيه 151
مسؤوليّات الفقيه 153
الغيبة الكبرى 154
دجّالون 154
1-أحمد بن هلال الكرخي 154
براءة الإمام المنتظر عليه السّلام منه 155
2-الحسن الشريعي 155
3-الحسين بن منصور الحلاّج 155
4-محمّد بن عليّ 158
مدّعون للمهدويّة 159
1-مهدي السودان 159
ابتداء دعوته 160
من منشوراته 160
استيلاؤه على السودان 164
وفاته 165
2-مهدي تهامة 165
3-مهدي السنغال 165
4-مهدي سوسة 166
5-مهدي الصومال 166
أضواء على غيبة الإمام عليه السّلام 167-200
أسباب الغيبة 167
1-الخوف عليه من العبّاسيّين 167
رسالة الخوارزمي إلى أهالي نيسابور 172
مناقشة الخنيزي 189
2-الامتحان و الاختبار 190
3-الغيبة من أسرار اللّه تعالى 191
4-عدم بيعته لظالم 191
تساؤلات 192
1-ما الفائدة في غيابه؟192
2-امتداد عمره عليه السّلام 196
3-لماذا هذا العمر المديد؟198
4-لماذا لم يظهر؟198
5-كيف يمكن قيام الإمام بالإصلاح العالمي؟199
المبشّرون بظهوره 201-225
1-النبيّ صلّى اللّه عليه و اله 201
2-أمير المؤمنين عليه السّلام 208
3-الإمام الحسن عليه السّلام 210
4-الإمام الحسين عليه السّلام 212
5-الإمام زين العابدين عليه السّلام 213
6-الإمام الباقر عليه السّلام 214
7-الإمام الصادق عليه السّلام 215
8-الإمام الكاظم عليه السّلام 217
9-الإمام الرضا عليه السّلام 218
10-الإمام الجواد عليه السّلام 220
11-الإمام الهادي عليه السّلام 222
12-الإمام العسكري عليه السّلام 223
ظهور المصلح العظيم فكرة مقدّسة و قديمة 227-237
المنقذ و المصلح عند النصارى 228
عودة المسيح لإصلاح العباد 228
1-إنجيل يوحنّا 229
2-إنجيل لوقا 229
3-إنجيل متّي 229
علامات ظهور المسيح 230
المصلح المنتظر عند اليهود 232
كيفيّة ظهوره و منهج حكمه 232
أمارات ظهوره 233
النعيم الشامل بعد ظهور المنتظر 236
مؤمنون و منكرون 239-284
المؤمنون بوجود الإمام المنتظر عليه السّلام 239
1-محمّد بن طلحة الشافعي 240
2-ابن العربي 241
3-ابن الصبّاغ المالكي 243
4-ابن الأثير 244
5-ابن الجوزي 244
6-أبو الفداء 244
7-القرماني 245
8-ابن خلّكان 245
9-الذهبي 245
10-سراج الدين الرفاعي 245
11-الشيخ الشبلنجي 246
12-سليمان بن خواجة 246
13-عبد الوهاب الشعراني 247
14-خير الدين الزركلي 247
15-البيهقي 247
16-حسين الكاشفي 248
17-الشعراني 248
18-صلاح الدين الصفدي 248
19-محمّد البخاري 248
20-السيّد أحمد دحلان 249
الكتب المؤلّفة في المهدي عليه السّلام 250
مع الشعراء المؤمنين بالإمام المنتظر عليه السّلام 255
1-الكميت 255
2-السيّد الحميري 255
3-دعبل الخزاعي 256
4-الشهيد زيد بن عليّ عليه السّلام 257
5-الورد بن زيد 257
6-مصعب بن وهب 258
7-محمّد بن إسماعيل الصيمري 259
8-علي الخوافي 259
9-القاسم بن يوسف 260
10-ابن الرومي 260
11-يحيى بن أعقب 262
12-فضل بن روزبهان 262
13-عبد الرحمن البسطامي 263
14-أبو الغوث الطهوي المنبجي 264
15-ابن أبي الحديد 264
16-عامر البصري 265
17-أبو المعالي 266
18-أبو سالم كمال الدين أبو طلحة الشافعي 265
19-الخليعي 266
20-السيّد علي خان 267
21-بهاء الدين العاملي 267
22-الحرّ العاملي 271
23-السيّد حيدر الحلّي 272
رائعة أخرى للسيّد حيدر 274
24-عبد الغني العاملي 276
25-إبراهيم حسن قفطان 278
26-السيّد رضا الهندي 278
27-الشيخ محمّد السماوي 279
المنكرون للإمام عليه السّلام 281
1-ابن خلدون 281
2-محمّد أمين البغدادي 281
3-أحمد كسروي 282
4-أحمد أمين 283
5-شكري أفندي 284
علامات ظهوره 285-323
العلامات الحتميّة 285
انتشار الظلم 285
أشراط الساعة 291
خروج الدجّال 302
تظافر الأخبار بظهوره 302
ألقابه 305
كنيته 305
أوصافه 306
رواية موضوعة 306
بلاء المؤمنين به 307
جنوده و أتباعه 308
إيمان اليهود بالدجّال 308
أمارات ظهوره 309
تسخير الكنوز له 310
نهايته 310
خروج السفياني 311
نسبه 311
ملامحه 311
صفاته النفسيّة 311
حديث للإمام أمير المؤمنين عليه السّلام عن السفياني 312
مدّة حكمه 316
الرايات السود 316
النداء من السماء 318
صلاة المسيح خلف الإمام المهدي عليه السّلام 321
زمان ظهوره و مكانه 325-339
الزمان 325
وقت نداء الملك 326
سعة سلطانه 326
منهج حكمه 328
أصحابه 329
سمتهم 330
عددهم 331
مكان البيعة 332
شروط الإمام عليه السّلام على المبايعين له 332
حامل لواء الإمام عليه السّلام 334
مدّة حكمه 334
انتشار الخير في أيّامه 335
المحتويات 341-352