الحرکة الإصلاحیة من الحسین علیه السلام إلی المهدی علیه السلام

ghaemiyeh.com

اشارة

الحرکة الإصلاحیة من الحسین علیه السلام إلی المهدي علیه السلام

السید صدر الدین القبانچی

مرکز الدراسات التخصصیه فی الامام المهدی عج - نجف اشرف

الطبعه الاولی 1427 میلادی الرسول الاکرم صلی الله علیه و آله

اشارة

الحرکة الإصلاحیة من الحسین علیه السلام إلی المهدي علیه السلام

السید صدر الدین القبانچی

مرکز الدراسات التخصصیه فی الامام المهدی عج - نجف اشرف

مقدّمة المركز:

اشارة

بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه رب العالمين،و الصلاة و السلام على خير خلقه و خاتم رسله و على آله الطيبين الطاهرين...

أمّا بعد:

شاءت القدرة الإلهيّة أن تضع بإزاء كل حقّ باطلا يتناسب معه بالقوّة و الاستطالة و يوازيه من حيث الاتجاه و المسيرة التأريخية،فكان ذلك من القوانين و السنن الثابتة التي ابتنت عليها أسس الخليقة منذ نشأتها الأولى، و التي رسمت للدنيا إطارها الذي لا تملك أن تخرج عن حدوده.

و هذا هو ذات الأمر الذي أشارت إليه الآية المباركة في قوله تعالى: أَ حَسِبَ النّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ، (1)إذ أنّ التتبّع الواعي لكل مسيرة أو حركة تنتسب إلى الحق في منهجيتها يبرهن لنا أنّ مسيرة الباطل و حركته لم تتخلّ يوما عن ملازمة حركات الإصلاح و التحرّر و السير الحثيث بموازاتها،منذ اليوم الأوّل الذي وقف فيه أبونا آدم ليعبد اللّه الواحد القهّار،و مرورا بما يحدّثنا التأريخ عن قابيل و هابيل و الأنبياء و المصلحين،و إلى يومنا الذي نعيشه.

و لعلّ من أوضح الأفكار و الرؤى التي تنتسب إلى الحق و نهجه القويم، بل و ينتسب الحق إليها،هي الفكرة العقائدية الربّانية المقدّسة التي زرعتها الشرائع السماوية المتعاقبة في حقل الذهن البشري من خلال المسيرة التكاملية للأنبياء و الرسل و الأوصياء،و هي فكرة المنقذ الذي سيمدّ يده التي باركتها قدرة السماء لتنتشل البشرية من الأودية السحيقة للظلم و الجور إلى مرابع


1) العنكبوت:2.

القسط و العدل الإلهي،و التي ستحقق الأحلام و الآمال التي بذل الأنبياء و المصلحون دماءهم زهيدة في سبيل تحقيقها،ساعين بذلك لجذب الدنيا من بؤر الظلم و الفساد و العبودية إلى آفاق الحرية و العيش الرغيد.

فخضعت هذه العقيدة المقدّسة لهذه القوانين الثابتة و تعرضت لشتى أنواع المحاربة على مر العصور،فكانت هذه المحاربة متناسبة مع عظم الأهمية و السمو و الرفعة التي أولتها السماء لها.

و بما أنّ أهميّة الدفاع عن هذه العقيدة تنبع من طرفين أوّلهما مقدار عظمة هذه الفكرة من حيث ارتباطها بمبدأ العقيدة الإسلامية التي عبّر عنها النبي الأكرم صلى اللّه عليه و آله في قوله:«من مات و لم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية»، (1)و ثانيهما مقدار ما يبذله الأعداء من جهود لم يعرف لها مثيل من تسخير كافة الطاقات لإظهارها على أنها العامل الخرافي الذي يتشبث به أناس ناموا على أمل أن يجدوا العالم ذات يوم يحقق لهم آمالهم و أحلامهم التي كبتها ظلم الظالمين مدة مديدة من الزمن العسير.

لذلك وجدنا أنفسنا-في خضم هذه الظروف و المداخلات-نتحمل عبثا كبيرا و جزء غير يسير من المسؤولية الملقاة على عاتق المجتمع الصالح من أتباع أهل البيت عليهم السّلام في الدفاع عن هذا المبدأ المقدّس الذي يعتبر أس العقيدة و أساس المذهب.

على أنّ كثرة المدافعين من العلماء الأعلام و ذوي الأقلام الشريفة على مرّ الدهور لا تغني عن الاستمرار في انتهاج سبيل الذود عن هذه العقيدة المقدسة،إذ أنّ الشبهات-و إن تكررت بصيغ مختلفة-تحتاج إلى ردود تتناسب و الطريقة التي».


1) الكافي:376/1 الباب الأول/الحديث 1-4؛المحاسن للبرقي:/92/1الحديث 46؛إكمال الدين و إتمام النعمة:/409الحديث 9؛الإيضاح لابن شاذان:75؛مجمع الزوائد:224/5؛مسند أبي داوود:259؛كنز العمال:/203/1الحديث 464؛و في صحيح مسلم:22/6 و السنن الكبرى للبيهقي:156/8 بلفظ«من مات و ليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية...».

يتبناها أعداء الحق و الأساليب التي يسلكونها و الطرق الملتوية التي يتبعونها في توجيه سهام الحقد الأسود للصورة الناصعة لهذه العقيدة المقدّسة.

و مركزنا الذي أنشئ بعد الاستشارة و المداولة مع ثلة من العلماء الأعلام و فضلاء الحوزة العلمية المباركة،و برعاية من المرجع الديني الأعلى سماحة آية اللّه العظمى السيد علي الحسيني السيستاني دام ظله،يجد أنّ واجبه الأوّل هو بذل الجهد للدفاع عن سيدنا و مولانا صاحب الزمان عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف.

فتبنّى هذا المركز مجموعة من المحاور في عمله منها:

1-طباعة و نشر الكتب المختصّة بالإمام المهدي عليه السّلام،بعد تحقيقها، و ذلك ضمن سلسلة و سمناها ب«سلسلة اعرف إمامك».

2-نشر المحاضرات المختصّة به عليه السّلام من خلال تسجليها و طبعها و توزيعها،ضمن سلسلة«محاضرات في الإمام المهدي».

3-إقامة الندوات العلمية التخصصية في الإمام عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف،و نشرها من خلال التسجيل الصوتي و الصوري و طبعها و توزيعها في كتيّبات ضمن«سلسلة الندوات المهدوية»،أو من خلال وسائل الإعلام و شبكة الانترنيت.

4-إصدار مجلّة فصلية تخصّصية باسم«الانتظار».

5-العمل في المجال الإعلامي بكل ما نتمكّن عليه من وسائل مرثية و مسموعة،بما فيها شبكة الانترنت العالمية من خلال الصفحة الخاصّة بالمركز.

6-نشر كل ما من شأنه توثيق الارتباط بين الأجيال الجديدة و إمامهم المنتظر عليه السّلام،و ذلك من خلال القصص و الكتب التي تتناسب مع أعمارهم.

7-الاهتمام بنشر التراث المختص بالإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف،ضمن«سلسلة التراث المهدوي».

و ها نحن عزيزي القارئ الكريم نضع بين يديك هذا الكتاب الذي يحمل بين طياته المحاضرات الفكرية المختصّة بالإمام المنتظر عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف،و التي

قدّمها سماحة السيد صدر الدين القبانچي خلال عشرة محرم الحرام من عام 1426 للهجرة بعد جمعها و إعدادها،ثم تحقيقها و استخراج المصادر و المنابع التي اعتمد عليها المحاضر بالمقدار الذي نتمكّن عليه،بالصورة التي توثّق المعلومات الواردة فيها،ثم مراجعتها و إخراجها بهذه الحلّة التي نسأل الباري عز و جل أن يجعلها محط قبولكم و رضاكم،و أن يجعل هذا العمل مرضيا عند إمام زماننا الذي يعيش بين أظهرنا و يتفقد أحوالنا و يعلم بكل سرائرنا.

إنه نعم المولى و نعم المجيب.

شكر و تقدير:

يتقدم المركز بالشكر الجزيل لكل من ساهم في إعداد هذه السلسلة تحت عنوان محاضرات حول المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف و نخصّ بالذكر كلا من:

1-لجنة التحقيق،المؤلفة من:سماحة الشيخ أحمد الساعدي،و الأخ الفاضل علاء عبد النبي.

2-قسم الحاسوب الآلي لجهودهم الكبيرة في إنجاز هذا العمل، و نخص بالذكر مسؤول القسم الأخ الفاضل ياسر الصالحي.

سائلين المولى القدير جلّ و علا أن يجعل هذا العمل و جميع الأعمال محطّ قبوله،و أن يأخذ بأيدي الجميع لما فيه الصلاح و الموفقية و السؤدد.

و الحمد للّه ربّ العالمين

السيد محمد القبانچي

مركز الدراسات التخصّصية في الإمام المهدي عليه السّلام

مقدمة المؤلف:

بسم اللّه الرحمن الرحيم و بعد فهذا الكتاب الذي بين يديك هو مجموعة محاضرات كنّا قد قدّمناها للمستمعين خلال عشرة محرم الحرام عام 1426 للهجرة في مدينة النجف الأشرف.

و قد كنّا في العام الماضي عام 1425 للهجرة قد قدّمنا عشرة محاضرات تناولت الأبعاد الفكرية و السياسية لثورة الإمام الحسين عليه السّلام من خلال شرح أهم النصوص الواردة في زيارة عاشوراء،و قد طبعت تلك المحاضرات تحت عنوان(في رحاب زيارة عاشوراء).

هذا و قد كان الأخوة الأعزاء في مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عليه السّلام قد رغبوا إليّ أن أقدم مجموعة محاضرات حول الإمام المهدي عليه السّلام و استجابة لطلبهم،و اعتقادا بأهميّة هذا الموضوع فقد رأيت أن أتناول العلاقة بين حركة الإمام الحسين عليه السّلام و حركة الإمام المهدي عليه السّلام من حيث أوجه الاشتراك و التمايز في الأهداف و المناهج و النتائج،و هذا هو ما وفقت إليه في هذا المحاضرات العشر خلال ليالي محرم الحرام.

*** ان ما يهمني الإشارة إليه في مقدمة هذا الكتاب أن منهجنا في هذه الدراسة يعتمد على البعد العلمي للموضوع إلى جانب المستوى الجماهيري الذي يفهمه عامة المستمعين في محافل المحاضرات العامّة،و إلى جانب البعد

التربوي الذي نهدف إليه في مجمل محاضراتنا،كما انني عملت على ان أكون لدى السامع و القارئ رؤية شاملة عن قضية الإمام المهدي عليه السّلام و حركته،و لذا كنت مضطرا لتناول موضوعات شتى خارج عنوان المحاضرة للهدف المذكور و من هذه المنطلقات فقد سعيت إلى أن تحتوي هذه المحاضرات على الإجابة على مائة سؤال يتعلق بقضية الإمام المهدي عليه السّلام، من الأسئلة التي تجول في أذهان الباحثين و الشباب خاصة،أو الشبهات التي يثيرها المشككون في قضية الإمام المنتظر عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف.

*** لا بدّ أن أتقدم بالشكر و التقدير للجهود التي بذلها الأخوة في مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عليه السّلام في جمع و إعداد و تحقيق و مراجعة مصادر هذه المحاضرات و أخص بالذكر أخي العزيز المحقق سماحة السيد محمّد القبانچي سائلا اللّه تعالى له و للأخوة معه في هذا المركز التوفيق و القبول.

صدر الدين القبانچي

/9شعبان1426/ ه

(/1محرم الحرام1426/ ه) - المحاضرة الأولى قضية الإمام المهدي عليه السّلام في الفكر الإسلامي

اشارة

تقرأ في هذه المحاضرة الإجابة على الأسئلة التالية:

1-كيف كانت حركة الإمام المهدي عليه السّلام تعبيرا عن وحدة حركة الأديان؟

2-كيف كانت حركة الإمام المهدي عليه السّلام امتدادا لحركة الحسين عليه السّلام؟

3-حالة غياب الإمام المعصوم هل هي حالة صحية؟

4-هل قضية الإمام المهدي عليه السّلام هي ضرورة في الفكر الديني؟

5-ما هو رأي علماء السنة في الإمام المهدي عليه السّلام؟

6-ما هو عدد أحاديث السنّة الشريفة في الإمام المهدي عليه السّلام؟

7-ما هي نظرية ابن خلدون في الإمام المهدي عليه السّلام؟

8-هل الإمام المهدي عليه السّلام من ولد الحسين أو من ولد الحسن عليهما السّلام؟

9-هل يعود الحسين عليه السّلام مع المهدي عليه السّلام؟

10-هل هناك لقاء مع الإمام المهدي عليه السّلام؟

بسم اللّه الرحمن الرحيم

سيكون موضوع حديثنا في هذه الليالي العشر من محرم الحرام(الحركة الإصلاحية من الحسين عليه السّلام إلى المهدي عليه السّلام دراسة في عناصر الاشتراك و التمايز في الأهداف و المناهج و النتائج)،لكننا قبل ذلك نحتاج إلى مجموعة مقدمات:

المقدمة الأولى:نظرية وحدة التاريخ:

اشارة

لا حظوا هذه الفقرات التي نقرؤها من دعاء الندبة و التي تشير إلى تجربة نوح،و إبراهيم،و موسى،و عيسى عليهم السّلام و هي قوله عليه السّلام:

«فبعض حملته في فلكك و نجيته و من آمن معه من الهلكة برحمتك،و بعض اتخذته لنفسك خليلا،و سألك لسان صدق في الآخرين فأجبته،و جعلت ذلك عليا، و بعض كلمته من شجرة تكليما و جعلت له من أخيه ردءا و وزيرا،و بعض أولدته من غير أب،و آتيته البينات و أيدته بروح القدس،و كل شرعت له شريعة،و نهجت له منهاجا و تخيرت له أوصياء مستحفظا بعد مستحفظ،من مدة إلى مدة،إقامة لدينك، و حجة على عبادك...» (1)و هذا الدعاء المروي عن الإمام المنتظر عليه السّلام،و المروي برواية أخرى عن الإمام الصادق عليه السّلام.

لا حظوا في مطلع هذا الدعاء تأكيدا على الوحدة و الترابط و التسلسل التاريخي للأنبياء نبيا بعد نبي ثم الأئمّة إماما بعد إمام كأنهم كتلة واحدة و نور واحد،لا توجد هناك قضايا متعددة،و لا توجد هناك تجارب متضادة بل هي تجربة واحدة على طول التاريخ،هي تجربة الأنبياء التي تقع ضمن خط التجربة البشرية.


1) بحار الأنوار/المجلسي:ج /99ص 105.

و البشرية في الحقيقة هي عبارة عن جسد واحد،و كيان واحد،هذا سنقرؤه بشكل تفصيلي في وحدة المسارات،وحدة التأثيرات،وحدة توارث الأمم.

لا حظوا مثلا الإنسان كفرد له أعضاء(رجل،يد و ما شاكل ذلك)لكن ذلك بمجموعه يشكل إنسانا أسمه فلان بن فلان يعني يشكل كيانا واحدا.

هذا الصف جيد و هذا الصف غير جيد،المدرسة التي نذهب إليها هي في الحقيقة تعبّر عن شيء واحد،يقال هذه المدرسة موفقة أو غير موفقة أصبحت تكّون كيانا واحدا،رغم إنها تحوي على عشرات الصفوف و مئات التلاميذ.

نتطور أكثر فنصل إلى القرية ثم إلى المدينة،ثم إلى الشعب.

نقول الشعب العراقي و الشعب الإيراني ممدوح أو مذموم رغم وجود ملايين من الناس هنا و هناك لكنهم أصبحوا كيانا واحدا اسمه(القرية و المدينة و الشعب).

هذا الأمر إذا توسعنا به بدراسة دقيقة نكتشف أن التاريخ واحد و البشرية واحدة مرتبطة من بدايتها إلى نهايتها.

و لهذا في دعاء الندبة نقرأ استعراضا للأنبياء باعتبارهم حلقة متصلة في سلسلة واحدة،هكذا نقرأ على سبيل المثال:«فبعض أسكنته جنّتك يعني آدم عليه السّلام،و بعض حملته في فلكك يعني نوح عليه السّلام،و بعض كلّمته من شجرة يعني موسى عليه السّلام،و بعض أولدته من غير أب يعني عيسى عليه السّلام،إلى ان انتهيت بالأمر إلى حبيبك محمّد صلى اللّه عليه و آله».

لا حظوا هذا التسلسل لمدرسة واحدة،مجموعة أساتيذ في مدرسة واحدة،في جامعة واحدة الجامعة اسمها البشرية،الأساتذة أسماؤهم الأنبياء جامعة واحدة،حتى الأئمّة الأطهار عليهم السّلام أيضا نجد تسلسلا طبيعيا يمثل امتدادا لكيان واحد،و لهذا الناس يقولون التاريخ يعيد نفسه،في الحقيقة هم يشيرون إلى نظرية و من الصعب عليهم أن يكتشفوها و هي أن التاريخ واحد، في الحقيقة يعني البداية في نوح و إبراهيم و موسى و عيسى و نحن امتداد لها كالقطار مكوّن من مجموعة عربات...لكنه يمثل قطارا واحدا و كيانا واحدا.

لكن هذا القطار لماذا يسمونه واحدا،يوجد أناس يجلسون بالعربة الأولى و يوجد أناس يجلسون بالعربة العاشرة،لكنهم جميعا في قطار واحد، حركة التاريخ هكذا هي حركة واحدة.

وحدة الأديان:

الدين حركة واحدة،حين نصل إلى الدين الإسلامي.ماذا يقول القرآن الكريم يقول: مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ . (1)

يعني أنتم امتداد إلى إبراهيم عليه السّلام،أنتم لستم شيئا آخر،أنتم الأمّة الإسلامية نفس أمّة إبراهيم عليه السّلام،أنتم حلقة في مسلسل واحد، هُوَ سَمّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ (2)و هو أبوكم هو سمّاكم إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللّهِ الْإِسْلامُ . (3)

و لهذا فالقرآن الكريم يقول: وَ إِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَ مُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ . (4)

يعني تعرفون ماذا يريد عيسى أن يقول؟

يريد أن يقول:يا بني إسرائيل أنا لست شيئا جديدا أنا حلقة في الوسط،قبلي توراة موسى و أنا أصدق بالتوراة و بعدي سيأتي نبيّ أسمه أحمد لا حظوا مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَ مُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ . (5)

أنا امثل حلقة في هذا القطار،حلقة في هذه السلسلة،هذا معنى نظرية وحدة التاريخ و وحدة الأديان الإلهيّة.


1) الحج:78.

2) الحج:78.

3) آل عمران:19.

4) الصف:6.

5) الصف:6.

وحدة الأمّة الدينية:

على هذا الأساس ننزل إلى نظرية وحدة الأمّة الدينية.

نحن امّة الإسلام أيضا نمثل حلقة في سلسلة الأمم الدينية.

و لهذا فأن الروايات الثابتة تقول عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله:«لتتبعنّ سنن من قبلكم شبرا بشبر و ذراعا بذراع حتّى لو دخلوا جحر ضبّ لتبعتموهم»قلنا:يا رسول اللّه اليهود و النّصارى؟قال:«فمن» (1)أنتم نسخة من الأمم السابقة و ليس شيئا جديدا نعم أنتم أكثر تكاملا.

من قبيل الطفل حينما يشب و يصبح شابا،هذا الشاب هو نفسه ذلك الطفل الأول و ليس شيئا أخر.

كان طفلا و الآن صار شابا و غدا حينما يكبر يصبح رجلا،هذا الرجل ليس شيئا آخر غير ذلك الشاب و غير ذاك الذي كان طفلا،صحيح هو نفسه لكنه الآن صار رجلا.

نحن الآن-الأمّة الإسلامية-نمثل امتدادا للأمم الدينية التي كانت قبلنا نحن امتداد لها و لهذا فان رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله يقول:«لتتبعنّ سنن من كان قبلكم-كما عملوا تعملون أنتم نسخة منهم-شبرا بشبر و ذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضبّ لدخلتموه»، (2)يعني لو دخلوا في زاوية صغيرة و هكذا أنتم أيضا تشبهونهم تدخلون في تلك الزاوية الصغيرة تأكيدا على وحدة الأمّة الدينية بل بالحقيقة وحدة البشرية.

هنا في الدنيا اختلاط بين الأمّة الدينية و الأمّة اللادينية،أمّا يوم القيامة هو يوم التمايز هناك يصير فريق في الجنّة و فريق في السعير،هناك الأمّة


1) البحار:ج /53ص 140.

2) المصدر السابق.

الدينية تذهب إلى الجنة و الأمّة اللادينية تذهب إلى النار،و لهذا فانّ يوم القيامة يسمى يوم التمايز وَ امْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ . (1)

أمّا في الدنيا فأن كل الأمّم تمثل شيئا واحدا اسمه البشرية،كلهم يمثلون طلابا في مدرسة واحدة على أن مناهج هذه المدرسة تختلف لكن بالنتيجة كلهم يقال لهم يا بني آدم.

هذه هي نظرية وحدة الأديان الإلهية و امتداد بعضها للبعض الأخر.

المقدمة الثانية:المهدي عليه السّلام امتداد للحسين عليه السّلام:

اشارة

في هذه المقدمة نريد أن نكتشف مسألة أخرى و هي أن حركة الإمام المهدي عليه السّلام تمثل امتدادا لحركة الحسين عليه السّلام و ليست شيئا آخر،أو منهجا آخر،و إنما هي امتداد لنفس الأهداف،و امتداد لنفس المنهج مع الفرق في الحجم.

ثورة الإمام المنتظر عليه السّلام ثورة شمولية عالمية و بهذا امتازت عن ثورة الحسين عليه السّلام في بعض ما امتازت به.

المهدي عليه السّلام يمثل امتدادا للحسين عليه السّلام،و حركة الإمام المهدي عليه السّلام تمثل امتدادا لحركة الإمام الحسين عليه السّلام.

نحن في هذه الليالي،ليالي عاشوراء في الوقت الذي ندرس حركة الحسين عليه السّلام نحاول أن نصل في كل ليلة إلى حركة الإمام المهدي عليه السّلام و نكشف عناصر التمايز و الاشتراك بين الثورتين.

مجتمع المهدي كيف يكون؟

ظهور المهدي عليه السّلام كيف يكون؟

النتائج كيف تكون؟


1) يس:59.

هذا بحث واسع قد يستغرق عشرات الليالي،لكننا نحاول أن نوجز هذا الحديث بنقاط مهمة.

في المقدمة نريد أن نقول في هذه الليلة،إن حركة الإمام المهدي عليه السّلام ليست على خلاف القاعدة بل هي الامتداد الطبيعي للحركة الإصلاحية التي قادها الأنبياء، و مارسها رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله،و مارسها عليّ عليه السّلام،و مارسها الحسين عليه السّلام.

حركة الإمام المهدي عليه السّلام هي امتداد لتلك الحركة الإصلاحية وفق القاعدة و ليست استثناءا،بل نحن الآن في زمن الغيبة نمثل حالة الاستثناء، زمن الظهور هو الذي يمثل القاعدة،الآن نحن في حالة مرضيّة،و ليس في حالة صحية يعني ماذا؟هذه أفكار أنتم تقرؤونها و تسمعونها و لكن بمصطلحات أخرى.نحن الآن في زمن الغيبة و ماذا يعني زمن الغيبة؟

زمن غيبة الإمام المنتظر المعصوم عليه السّلام،هل هو زمان طبيعي وفق القاعدة التي رسمها اللّه تعالى أو هو استثناء للقاعدة؟

الجواب:هو حالة استثناء.

الحالة الصحيحة و الصحيّة هي أن كل أمّة لها إمام،و لكن إذا غاب إمامها فأن هذه حالة غير صحيّة،مثل مدرسة يغيب عنها المدير،و مثل صفّ يغيب عنه الأستاذ، هذه حالة صحية أو غير صحية؟هذا وفق القاعدة أو استثناء؟صف بلا معلم؟جامعة بلا مدير؟نحن الآن في زمان أمّة بلا إمام ظاهر،و أمّة بلا إمام ظاهر يعني حالة استثناء، حالة مرضيّة،و لهذا نحن نطمح أن نصل إلى الحالة الصحية،إلى حالة ظهور الإمام، و لهذا نعتبر زماننا زمان الغيبة هو زمان مرض.

و لهذا نقرأ في أدعية شهر رمضان:«اللهمّ إنا نشكو إليك فقد نبينا و غيبة وليّنا»، (1)إذن هذه مشكلة و بالحقيقة هذا مرض،هذا ألم،هذه حالة غير صحية،و لو كانت حالة6.


1) مصباح المتهجد:366.

صحية لماذا نشكوها إلى اللّه تعالى؟«اللهم إنا نشكو إليك فقد نبينا و غيبة ولينا»نحن الآن في حالة الغيبة،الحالة الطبيعية هي حالة ظهور الإمام المعصوم و ممارسته لدوره القيادي في الأمّة أمّا حيث يكون غائبا مثل جيش بلا قائد،أو جامعة بلا عميد،أو مدرسة بلا مدير،أو شعب بلا رئيس،و هذه حالة غير صحيحة،القاعدة الصحيحة أن يكون للأمّة إمام،إذن نحن نتجه الآن نحو الحالة الصحية و هي حالة ظهور الإمام المعصوم عليه السّلام و لهذا تجدون الروايات عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله هكذا تقول:

«كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم و إمامكم منكم»، (1)روايات بطريق السنة و الشيعة تتحدث عن الحالة العظيمة الصحية جدا عن المسلمين تقول:

سوف يأتيكم يوم ينزل عيسى بن مريم من السماء و لكن أنتم أيها المسلمون في قمة الحالة الصحيّة«و إمامكم منكم»الآن أنتم في غيبة الإمام لكن في زمن ظهور إمامنا المعصوم و حيث ينزل عيسى بن مريم كما تقول الروايات و كما سوف نبحثه و نقرؤه في ليالي أخر،ينزل عيسى ابن مريم من السماء ليصلي خلف إمامنا المهدي عليه السّلام في بيت المقدس.

عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله:«كيف بكم إذا نزل فيكم عيسى بن مريم و إمامكم منكم»هذه حالة صحية يتحدث عنها رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و يعطينا بشارة.

هذا معناه أن الإمام المهدي يمثل امتدادا للنّبوات و يمثل الحالة الصحية للكيان البشري و للمجتمع الإنساني و إنه عليه السّلام يمثل عميدا لهذه الجامعة،و امتدادا للأساتذة الذين كانوا قبله.

الخطبة الأولى للإمام المنتظر عليه السّلام:

هذا الأمر و هذه النظرية هي ما يذكره الإمام المنتظر عليه السّلام حين يظهر في مكّة المكرمة في أوّل خطاب سياسي له.


1) صحيح البخاري:ج /4ص 143.

أنا أقرء لكم الآن رواية حتى تعرفوا لماذا هذا التأكيد:

الرواية تقول عن الإمام الباقر عليه السّلام:«و القائم يومئذ بمكّة عند الكعبة مستجيرا بها يقول:أنا ولي اللّه أنا أولى باللّه و بمحمّد صلى اللّه عليه و آله فمن حاجّني في آدم فأنا أولى الناس بآدم،و من حاجّني في نوح فأنا أولى الناس بنوح،و من حاجّني في إبراهيم فأنا أولى الناس بإبراهيم،و من حاجّني في محمّد فأنا أولى الناس بمحمّد،و من حاجّني في النبيين فأنا أولى الناس بالنبيين إن اللّه تعالى يقول: إِنَّ اللّهَ اصْطَفى آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ* ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَ اللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (1)فأنا بقية آدم،و خيرة نوح،و مصطفى إبراهيم،و صفوة محمّد ألا و من حاجّني في كتاب اللّه فأنا أولى الناس بكتاب اللّه،ألا و من حاجّني في سنة رسول اللّه فأنا أولى الناس بسنّة رسول اللّه و سيرته و انشد اللّه من سمع كلامي لمّا يبلّغ الشاهد الغائب.

فيجمع اللّه له أصحابه ثلاثمائة و ثلاثة عشر رجلا فيجمعهم اللّه على غير ميعاد قزع كقزع الخريف،ثم تلا هذه الآية: أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللّهُ جَمِيعاً فيبايعونه بين الركن و المقام،و معه عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله قد تواترت عليه الآباء فإن أشكل عليهم من ذلك شئ فان الصوت من السماء لا يشكل عليهم إذا نودي باسمه و اسم أبيه». (2)

لا حظوا استعراضا لطيفا و ملفتا للنظر.

الإمام يريد أن يقول إن ثورتي و حركتي هي حركة آدم،هي حركة نوح،هي حركة إبراهيم،هي حركة موسى،هي حركة عيسى،هي حركة رسول اللّه،هي حركة الأنبياء،هي حركة عليّ،هي حركة الحسين،أنتم بماذا تحاجونني؟أنا أولى بكم من ذلك،أنتم بماذا تتقدمون عليّ؟أنا بالحقيقة خلاصة تلك التجربة المدرسية،خلاصة هؤلاء الأساتذة في الجامعة البشرية،أنا أمثل خلاصتهم.5.


1) آل عمران:33 و 34.

2) بحار الأنوار:ج /52ص 305.

هذا المعنى أنتم تقرؤنه في زيارة الإمام الحسين عليه السّلام و لكن قد لا ينتبه الإنسان إليه«السلام على آدم صفوة اللّه...السلام على نوح نبي اللّه...السلام على إبراهيم خليل اللّه...السلام على موسى كليم اللّه...»استعراض للأنبياء واحدا بعد واحد،كأنهم مدرسة واحدة،ثم يصل إلى الحسين عليه السّلام،«السلام عليك يا وارث آدم صفوة اللّه،يا وارث نوح نبي اللّه،يا وارث إبراهيم خليل اللّه،يا وارث موسى كليم اللّه،يا وارث عيسى روح اللّه،يا وارث محمّد حبيب اللّه».

هذا الاستعراض يريد أن يقول شيئا،يريد أن يقول أن الإمام المنتظر المهدي عليه السّلام يمثل آخر أستاذ في هذه الجامعة البشرية التي شارك في تربيتها الأنبياء،نبيا بعد نبي،الإمام المهدي عليه السّلام يمثل آخر أستاذ في حلقة هذه البشرية،و هذا معنى عظيم جدا.

أنتم الآن بعد ألف و أربعمائة سنة أو أكثر من ذلك من بعثة النبي صلى اللّه عليه و آله، و بعد ألفين سنة من نبوة عيسى عليه السّلام،و بعد ألفين و خمسمائة سنة من نبوة موسى عليه السّلام،لكن أنتم الآن تستشعرون إنكم طلاب في نفس الصف و في نفس المدرسة التي شارك بها موسى و عيسى و إبراهيم و نوح و آدم أبدا لا يوجد فرق كما لو كانوا موجودين بيننا.

و القرآن هو حصيلة المناهج الدراسية لأولئك الأنبياء عليهم السّلام،هو قمة تلك المناهج الدراسية،و لهذا فأن الإمام المنتظر أوّل ما يظهر يقول للناس:

أيها الناس من أراد أن يحاجّني بآدم أنا أولى بآدم،و بنوح كذلك، و بإبراهيم كذلك،و بموسى كذلك.

هذه أوّل خطبة لإمامنا المنتظر عليه السّلام و سوف نتناول في ليالي أخر خطب الإمام المنتظر عليه السّلام و دلالاتها ثم مسير الإمام المنتظر و كيف يأتي إلى العراق،يأتي إلى الكوفة إلى النجف،كم يستغرق هذا،مدة حكم الإمام،كم سنة تكون دولة الإمام المهدي؟هذا كله نستعرضه بإذن اللّه تعالى في الليالي الآتية.

المقدمة الثالثة:المستوى العلمي لقضية الإمام المهدي عليه السّلام:

اشارة

ننتقل إلى مقدمة ثالثة في حديثنا هذه الليلة و هي مقدمة مهمة،إن قضية الإمام المهدي عليه السّلام تمثل ضرورة في الفكر الإسلامي.

أوّلا:معنى ضرورة في المصطلح الإسلامي؟

ثانيا:استعراض لبعض الأقوال و الآراء في ذلك.

نحن نعتقد أن قضية الإمام المهدي تمثل ضرورة في الفكر الإسلامي و ليس الشيعي فقط،بل في الفكر الشيعي و الفكر السني،تمثل ضرورة فكرية و ليست رؤية اجتهادية،هذا الأمر يجعلني أنقلكم إلى تعريف ما هي الضرورات و ما هي الاجتهادات في الفكر الإسلامي.

الضرورات و الاجتهادات:

توجد قضايا ضرورية يعني بديهية،و توجد قضايا اجتهادية يعني تقبل الاجتهاد في النفي و الإثبات،مثلا في مجال الأحكام الشرعية فأن وجوب الصلاة يعتبر ضرورة من ضرورات الإسلام.

يعني غير قابل للشك،وجوب الصوم كذلك،و في مجال الاعتقادات نجد أنّ التوحيد كذلك،و النبوة كذلك،هذه ضرورة من ضرورات الإسلام.

و هناك قضايا اجتهادية يمكن أن تتعدد فيها الاجتهادات.

على سبيل المثال فأن حكم الربا هو ضرورة (وَ أَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبا (1)الربا حرام بالضرورة الإسلامية لكن حكم الشطرنج ليس كذلك فأن بعض الفقهاء يقول الشطرنج بدون قمار حلال،إذا كان بدون مقامرة و رهان،و بعض الفقهاء يقول الشطرنج حرام مطلقا سواءا كان به قمار،أو ليس به قمار تتراهن عليه هو حرام،على كل حال هذه مسألة اجتهادية تخضع لاستنباط الفقهاء،يمكن لفقيه أن يستنبط الحرمة


1) البقرة:275.

المطلقة و يمكن لفقيه أن يستنبط الحرمة المشروطة،إذن صارت عندنا قضايا ضرورية و قضايا اجتهادية في التشريع الإسلامي.

أضرب لكم مثالا آخر من القضايا الاجتهادية في المعتقد الإسلامي.

هناك مسألة اسمها المعاد الجسماني و المعاد الروحاني،يعني ان المعاد ضرورة نحن نعتقد به و هو ضرورة من ضرورات الدين و إذا لم يؤمن الإنسان بيوم القيامة فأنه يخرج عن الإسلام.

أصل المعاد ضرورة من ضرورات الدين،لكن هذا المعاد هل هو معاد جسماني أم معاد روحاني.

يعني نحن نرجع بأجسامنا،نفس هذه الأجسام أو أجسام مثلها،أم هي أرواحنا تحشر يوم القيامة و لا توجد أجسام،لا توجد رجل و لا عين إنما توجد روح،هذه نظريات،توجد نظرية تقول بالمعاد الجسماني،يعني نفس جسم الإنسان يرجع يوم القيامة،هذه المسألة أين ندخلها؟

هذه المسألة تدخل في القضايا الاجتهادية،أنت عالم دين،أنت مفكر إسلامي تبحث و يمكن أن تعتقد بالمعاد الجسماني أو تعتقد بالمعاد الروحاني،هذه قضية اجتهادية خاضعة للبحث،أمّا أصل المعاد فليس قضية اجتهادية بل قضية ضرورية، التوحيد قضية ضرورية،النبوة قضية ضرورية،خاتمية الإسلام قضية بديهية و ضرورية، يعني اليوم لا يستطيع إنسان أن يقول جاء دين جديد غير دين الإسلام،نقول هذا كفر، الإسلام هو الدين الخاتم،و نبينا لا نبي بعده،هذه القضية من القضايا الضرورية التي يتفق عليها المسلمون بلا مناقشة،«لا نبي بعدي»هذه نسميها ضرورة.

طريفة:

نعم من الممكن أن تتم عملية تلاعب من قبل منحرفين،مثلا يذكر التاريخ-و ربما ذلك على سبيل الطريفة و الأسطورة-يوما ما شخصا اسمه

(لا)ادعى النبوة،قالوا له الحديث يقول:«لا نبي بعدي».قال:نعم أنا المقصود بذلك يعني أنا(لا)نبي بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله.

يذكر التاريخ-ربما على سبيل الطريفة-أنّ امرأة ادّعت النبوة،امرأة قالت أنا نبية قيل لها الحديث يقول«لا نبي بعدي»،قالت صحيح الحديث يقول لا نبي بعدي و لكن الحديث لم يقل لا نبية بعدي،و أنا نبية و لست نبيا!!هذا تلاعب،أمّا أصل الفكرة«لا نبي بعدي»فهي قضية ضرورية في الإسلام يعني لا يمكن أن يأتي بعد عشر سنوات أو مئة سنة أو ألف سنة قائل يقول أنا نبي و أنا امتداد لرسول اللّه صلى اللّه عليه و آله،نقول هذا خروج على ضرورات الفكر الإسلامي،و منها خاتمية الإسلام.

و الآن بعد أن بيّنا الفرق بين القضايا الضرورية و القضايا الاجتهادية نقول إن قضية الإمام المهدي عليه السّلام تمثل ضرورة في الفكر الإسلامي،يعني كل المسلمين يعتقدون بفكرة الإمام المهدي عليه السّلام الشيعة و السنة،إذا لا يوجد فرق بيننا و بين السنة و ان كان ثمة فرق فهو فرق في تفاصيل مهمة جدا سوف نتناولها بالحديث.

في الإطار العام فأن أبناء السنّة يتفقون معنا على قضية الإمام المهدي عليه السّلام فقضية المهدي تمثل ضرورة في الفكر الإسلامي،سواء على مستوى السّنة أو على مستوى الشيعة.

أنا اليوم أقرأ لكم بعض الأقوال ليست من مصادرنا الشيعية و إنما من مصادر أبناء العامة حتى نعرف أن قضية الإمام المهدي عليه السّلام هي قضية على مستوى الضرورة في الفكر الإسلامي.

لا حظوا هذا الكتاب(علامات القيامة الكبرى) (1)هذا الكتاب لفقيه من أئمّة الجامع الأزهر الإمام الداعية الشيخ محمّد متولي الشعراوي توفي قبل سنوات و يعتبر مجددا و يعتبر إماما من أئمّة المذاهب السنّية،و هذا الكتاب كتاب حديث و ليس كتاباي.


1) علامات القيامة الكبرى/محمّد متولي الشعراوي.

قديما لاحظوا أن هذا العالم السني و المجدد يستعرض تحت عنوان عقيدة أهل السنة في المهدي المنتظر مجموعة كلمات لعلماء من كبار السنة تؤكد أن قضية الإمام المهدي ضرورة في الفكر الإسلامي.

يقول أبو الحسن محمّد بن الحسين في كتاب المناقب للشافعي:«قد تواترت الأحّبار و استفاضت عن الرسول صلى اللّه عليه و آله بذكر المهدي عليه السّلام و أنه من أهل بيته و أنه يملك سبع سنين».

يملأ الأرض عدلا و إن عيسى يخرج فيساعده على قتل الدجال،و إنه يؤم هذه الأمّة،و يصلي عيسى خلفه،هذا الكلام لمناقب الشافعي ينقله عنه الشيخ الشعراوي.

يقول أيضا قال ابن حجر في كتابه(القول المختصر):«الذي يتعين اعتقاده ما دلت عليه الأحاديث الصحيحة من وجود المهدي المنتظر عليه السّلام الذي يخرج الدجال و عيسى في زمانه،و يصلي عيسى خلفه».

و قال السفراييني:«و قد كثرت الروايات بخروجه-يعني الإمام المهدي-حتى بلغت حد التواتر المعنوي،و يشاع ذلك بين علماء السنة حتى عدّ من معتقداتهم».يعني قضية الإمام المهدي من معتقدات السنة ليس فقط الشيعة.ثم يقول:«فالإيمان بخروج المهدي واجب كما هو مقرر عند أهل العلم و مدوّن في عقائد أهل السنة و الجماعة»ثم ينقل الشيخ الشعراوي كلمات كثيرة لعدد من العلماء السنة في أن قضية الإمام المهدي جزء من المعتقدات الإسلامية الضرورية التي لا يجوز التشكيك فيها.

هذا المعنى ثابت عندنا إسلاميا سواءا عند الشيعة أو عند أهل السنة و لهذا عندنا روايات تقول:«من أنكر المهدي من ولدي فقد كذّب بي أو فقد أنكرني»هذه رواياتنا عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله أنه قال:«من أنكر القائم من ولدي فقد أنكرني». (1)3.


1) كمال الدين:ص /412ح 8؛بحار الأنوار/المجلسي:ج /51ص 73.

لماذا هذا الحجم؟

قد يسأل أحد و يقول لماذا احتلت قضية الإمام المهدي عليه السّلام هذا الحجم الكبير بحيث من ينكر الإمام المهدي عليه السّلام ينكر رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله؟

لا حظوا هذا تأكيد على أن مسيرة الأنبياء واحدة،كيان واحد،و الذي لا يصدق بالأخير لا يصدق بالأوّل.

أيضا سنتناول هذا الموضوع،لماذا احتلت قضية الإمام المهدي عليه السّلام هذا الاهتمام حتى صار«من أنكر القائم من ولدي فقد أنكرني»هذا يعني أنّ الإيمان بالرسول صلى اللّه عليه و آله يلزمه الإيمان بالمهدي،و الإيمان بالمهدي هو امتداد للإيمان برسول اللّه صلى اللّه عليه و آله.

الأحاديث في المهدي عليه السّلام:

أمّا الأحاديث فهناك مئات الأحاديث بلغ بها بعض علمائنا إلى(ستة آلاف حديثا) (1)و لكن حينما نتحدث عن الروايات لدى أهل السنة أيضا نجد أنهم نقلوا مئات الروايات،في كتاب واحد لصاحب كتاب كنز العمال توجد (274)رواية في الإمام المهدي عليه السّلام هذا في كتاب واحد و إذا أردنا أن نستعرض مجموعة الكتب سوف نجد شيئا كثيرا جدا.

أحد علماء النجف الأشرف المعاصرين و هو العلامة الشيخ محمّد أمين زين الدين له كتاب (2)في الإمام المهدي عليه السّلام يذكر إحصائية بسيطة، لكن من المفيد أن تطلعوا عليها يقول:

هناك أربعون حديثا أخرجها الحافظ أبو نعيم من علماء الحديث عند أبناء العامة،و ثمانية و ثلاثون حديثا ذكرها ابن خلدون.


1) بحث حول المهدي/الشهيد السيد محمّد باقر الصدر.

2) مع الدكتور أحمد أمين في حديث المهدي و المهدوية/محمّد أمين زين الدين.

و سبعون حديثا أخرجها الحافظ محمّد بن يوسف الكنجي،و مائة و عشرة أحاديث رواها صاحب كتاب كشف المخفي في مناقب المهدي.

إذن هذه مئات الأحاديث ثم ينقل أسماءا لخمسين صحابيا من صحابة الرسول ذكروا حديث المهدي ثم يذكر خمسين تابعيا-تابعي يعني الجيل الذي جاء بعد النبي صلى اللّه عليه و آله-،خمسون صحابيا يروي حديث الإمام المهدي عليه السّلام و خمسون تابعيا يروي أيضا حديث الإمام المهدي عليه السّلام،الأمر الذي يجعل القضية بدرجة من الوضوح و اليقينية أنها صارت عند الفكر الإسلامي لدى الشيعة و السنة من القضايا الضرورية التي يجب الاعتقاد بها.

نظرية ابن خلدون:

سوف نناقش ابن خلدون في محاضرة لا حقة،ابن خلدون في الوقت الذي يذكر ثمانية و ثلاثين رواية في الإمام المهدي عليه السّلام و يتحدث بصحة بعضها من الناحية السنديّة،لكنه بعد ذلك يرفض فكرة الإمام المهدي لمجرد نظرية تحليلية عنده و حاول أن يحمّل الفكر الإسلامي اجتهاداته الشخصية. (1)

«و الحق الذي ينبغي أن يتقرر لديك أنه لا تتم دعوة من الدين و الملك إلا بوجود شوكة عصبية تظهره و تدافع عنه من يدفعه حتى يتم أمر اللّه فيه و قد قررنا ذلك من قبل بالبراهين القطعية التي أريناك هناك و عصبية الفاطميين بل و قريش أجمع قد تلاشت من جميع الآفاق و وجد أمم آخرون قد استعلت عصبيتهم على عصبية قريش إلاّ ما بقي بالحجاز في مكّة و ينبع بالمدينة من الطالبين من بني حسن و بني حسين و بني جعفر و هم منتشرون في تلك البلاد و غالبون عليها و هم عصائب بدوية متفرقون في مواطنهم و إماراتهم و آرائهم يبلغون آلافا من الكثرة فان صح ظهور هذا المهدي فلا وجه لظهور دعوته إلا بان يكون منهم و يؤلف اللّه بين قلوبهم في أتباعه حتى تتم له شوكة و عصبية وافية بإظهار كلمته و حمل الناس عليها و أما على غير هذا الوجه مثل أن يدعو فاطمي منهم إلى مثل هذا الأمر في أفق من الآفاق من غير عصبية و لا شوكة إلا مجرد نسبة في أهل البيت فلا يتم ذلك و لا يمكن لما أسلفناه من البراهين الصحيحة».


1) تاريخ ابن خلدون:ج /1ص 327:

مثلا في قضية الإمام المهدي هو يذكر أن بعض الروايات الواردة في الإمام المهدي هي روايات صحيحة لكن بعد ذلك و استنادا إلى نظرية شخصية لديه في علم الاجتماع يقول فيها إن تأسيس الدولة يحتاج إلى عصبية،و أهل البيت ليس لديهم عصبية،فإذا كان المهدي من ولد فاطمة من أهل البيت عليهم السّلام فهو ليس لديه عصبية،و إذا لم يكن لديه عصبية فهو لا يستطيع أن يشّكل دولة،إذن قضية الإمام المهدي ليست صحيحة!بهذه الطريقة من الاستدلال!عجيب هذا الموقف،بعد أن ينقل روايات رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله في الإمام المهدي يقول أنا اجتهادي في علم الاجتماع لا يجعلني أقبل أن إنسانا مثل الإمام المهدي عطوفا رؤوفا يحب المساكين يستطيع أن يشكل دولة،إن مثل هذا الإنسان لا يستطيع أن يشكل دولة!الدولة تحتاج إلى عصبية،و أهل البيت ليس لديهم عصبية،إذن لا يستطيعون أن يشكلوا دولة! هذا سوف نناقشه في ليلة من الليالي إن شاء اللّه.

خاتمية الإسلام و شهادة الأمّة الإسلاميّة:

هناك سؤال و هو لماذا احتلت قضية الإمام المهدي هذا الموقع الكبير بحيث أن من ينكره ينكر الإسلام و ينكر الرسول صلى اللّه عليه و آله كما قرأت لكم في روايات سابقة متفق عليها لدى الشيعة و السنة؟

الجواب:إنّ هذا أمر في غاية الأهمية،إننا نريد أن نقول أن الإسلام هو الذي يمثل نهاية الحضارات و ليس الحضارة الغربية،و إن الأمّة الإسلامية تمثل الأمّة الشاهدة و ليس الأمّة الغربية هي الشاهدة على العالم.

إن الإسلام يمثل الرسالة الإلهية الخاتمة و لا توجد رسالة بعد الإسلام كالرسالة التي يبشر بها الغرب اليوم باسم الديمقراطية.

الغرب اليوم يبشر بنظريات شمولية كبرى و مطلقة.

اليوم تعرفون ماذا يقول الغرب؟

الغرب يقول أنا أمثّل الأمّة الشاهدة على العالم و ليس أنتم،أنا امثّل الأمّة القيّمة على العالم هذا أوّلا.

ثانيا:الديمقراطية الغربية هي التي تمثل الحضارة الخاتمة، و الرسالة الخاتمة و ليس الإسلام،التقدم المدني الغربي الأمريكي بالذات هو الذي يمثل نهاية الحضارات و ليس الإسلام،هذا الأمر تماما على خلاف رؤية الإسلام.

الفكر الإسلامي يقول شيئا آخرا،هذا الذي تعكسه نظرية و عقيدة الإمام المهدي،هذه العقيدة تريد أن تقول أن الأمّة الإسلامية هي الأمّة الشاهدة على العالم،و أن الحضارة الإسلامية هي نهاية الحضارات،و أن الرسالة الإسلامية هي نهاية الرسالات،و أن رائد الحركة الإصلاحية في العالم ليس هم رؤساء الغرب إنما هم أئمّة الهدى من ولد فاطمة و أهل البيت عليهم السّلام كما تقول الروايات،هؤلاء هم روّاد الحركة الإصلاحية في العالم.

مسألة الإمام المهدي ليست مسألة هامشية،هي مسألة في عمق حركتنا كشعب من الشعوب،مسألة في عمق حضارتنا كرسالة من الرسالات الإلهية،بدون قضية الإمام المهدي عليه السّلام تكون الرسالة الإسلامية مبتورة،و مغلوبة،أو مقطوعة الذيل،هذه المخاطر ستتغلب عليها قضية الإمام المهدي عليه السّلام،الرسول صلى اللّه عليه و آله هو المبشر بهذه الرسالة و هذا الإمام المهدي الذي تقول الروايات بالإجماع أنه من ولد فاطمة عليها السّلام و من أهل بيتي،أسمه اسمي،يملأ الأرض قسطا و عدلا بعد ما ملئت ظلما و جورا،هذا هو الذي يكمّل مسيرة الرسالة الإلهية و يختمها على الأمّة الإسلامية عموما و على يد شيعة أهل البيت خصوصا كما سنتحدث عن ذلك مفصلا إن شاء اللّه تعالى.

عناصر الاشتراك:

إذن نحن الليلة نكون قد سجلنا مقدمات في بداية بحثنا عن الحركة الإصلاحية من الحسين عليه السّلام إلى المهدي عليه السّلام و في الليالي الآتية سوف نبحث أربعة عناصر اشتراك بين الحسين و المهدي عليهما السّلام،اشتراك في الشخصية أوّلا،و اشتراك في الأهداف ثانيا،و اشتراك في المنهج ثالثا،و اشتراك في التاريخ رابعا.

الحسين يعود لنصرة المهدي عليه السّلام:

سوف تكتشفون قضايا هي بالنسبة لكم جديدة لم تسمعوا بها لكن هي في غاية الروعة و التجلية للنظرية،حينما تسمع مثلا أن أوّل من يخرج لنصرة الإمام المهدي عليه السّلام هو الإمام الحسين عليه السّلام، (1)

عن المعلى بن خنيس قال:قال لي أبو عبد اللّه عليه السّلام:«أوّل من يرجع إلى الدنيا،الحسين بن عليّ عليه السّلام فيملك حتى يسقط حاجباه على عينيه من الكبر»،قال:فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام:في قول اللّه عز و جل: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ قال:«نبيكم صلى اللّه عليه و آله راجع إليكم».

و هو أوّل من يتولى الحكم بعده.ربما تكون هذه القضايا غير مسموعة لكم و بعضها قد شرحناه في نظرية الرجعة في محاضرات أخرى، لكن رواياتنا هكذا تقول أن الحسين عليه السّلام يخرج و يعود و ينصر المهدي عليه السّلام حتى إذا اطمأنّ الناس حينئذ يموت إمامنا المهدي عليه السّلام و يأخذ الحركة و قيادتها الإمام الحسين عليه السّلام و تقول الرواية يمتد العمر بالحسين عليه السّلام حتى يقع حاجباه على عينيه أي يصبح شيخا كبيرا،ثم يخرج الإمام علي عليه السّلام،ثم يخرج رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله هذه نظرية الرجعة التي هي مكملة لنظرية الظهور.

على كل حال اليوم فقط أشرت لكم إلى عناوين عناصر الاشتراك بين حركة الإمام الحسين عليه السّلام و حركة الإمام المهدي عليه السّلام و سوف نتحدث غدا إن شاء اللّه تعالى عن بعض النقاط تفصيليا.


1) بحار الأنوار:ج /53ص /46ح 19:

الاشتراك في الشخصية:

حديثنا الليلة على مستوى الإشارة العابرة لأن هذه الليلة هي ليلة تمهيد للبحث.

إن هناك اشتراكا في الشخصية يعني أن الثورة التي قادها الحسين عليه السّلام و الثورة التي يقودها المهدي عليه السّلام تشترك في شخصية القائد،ذلك هو الحسين عليه السّلام في كربلاء و هذه ثورة المهدي عليه السّلام يقودها الابن التاسع للحسين عليه السّلام،هكذا تقول الروايات عندنا بالاتفاق و عند السنة على اختلاف في بعض الروايات عندهم أن المهدي من ولد الحسن عليه السّلام و بعض رواياتهم أنه من ولد الحسين عليه السّلام و لكن رواياتنا المشهورة تقول إنه من ولد الحسين عليه السّلام فهو التاسع من ولده.

هذا الأمر قد يحتاج إلى تأمل لماذا؟

ان الذي يقود الثورة العالمية هو الإمام المهدي عليه السّلام فهو يقود ثورة إصلاحية شمولية عالمية كما سنقف عند هذا الأمر.

لماذا صار قائد الثورة الإصلاحية الشمولية العالمية هو من ذرية الحسين عليه السّلام و هو امتداد جسمي للحسين عليه السّلام.

في الحقيقة هذا اشتراك في شخصية القيادة،هذا الأمر ينقلنا في ختام الحديث إلى علاقة عاطفية و وشائج قلبية قوية بين المهدي و الحسين عليه السّلام كما سوف نتحدث عنه فيما بعد و سوف أحدثكم في الليالي الآتية عن علماء التقوا بالإمام المهدي عليه السّلام،عن كيفية الانفتاح على هذا الأفق،أفق اللقاء بالإمام عليه السّلام،أيضا سوف أحدثكم في ليالي لا حقة أن هناك عاطفة بين المهدي و الحسين عليهما السّلام،هذه العاطفة تجسدها قصة من القصص يرويها التاريخ و يذكرها خطباء المنبر الحسيني و قد سمعتها من أستاذنا في المنبر الشيخ شاكر القرشي و هو مؤرخ أيضا و عالم في التاريخ الإسلامي.

لقاء السيد حيدر الحلي بالإمام المهدي عليه السّلام:

قصة لقاء السيد حيدر الحلي بالإمام المهدي عليه السّلام،السيد حيدر الحلي من شعراء الطف و كربلاء و الإمام الحسين عليه السّلام،و معروف بنظمه للشعر في الإمام الحسين عليه السّلام و نجما في سماء شعراء الطف الحوليين،أي الذين ينظمون قصيدة واحدة خلال السنة لكن هي من المعلّقات و من روائع القصائد و كان السيد حيدر الحلي إذا أكمل القصيدة يذهب و يلقيها عند ضريح الإمام الحسين عليه السّلام في كربلاء أوّلا،السيد حيدر هذه المرة نظم قصيدة معروفة من القصائد الخالدة و التي خلدته أيضا و هي قصيدة مطلعها:

اللّه يا حامي الشريعة أتقرّ و هي كذا مروعه

بك تستغيث و قلبها لك عن جوى يشكو صدوعه

تنعى الفروع أصوله و أصوله تنعى فروعه

إلى أن يقول:

ماذا يهيجك إن صبرت لوقعة الطف الفجيعه

هذه القصيدة من روائع القصائد في الإمام الحسين عليه السّلام.

السيد حيدر الحلي عندما سافر إلى كربلاء و كان السفر يستغرق أياما و ليالي مشيا على الأقدام أو على دابة،و عندما وصل إلى منطقة ليستريح في بستان من البساتين و إذا بأعرابي جاء إلى السيد حيدر و قال له يا سيد حيدر أنشدني القصيدة التي نظمتها أخيرا.

قلت له:أي قصيدة تقصد؟

قال:قصيدتك التي مطلعها:

اللّه يا حامي الشريعة أتقرّ و هي كذا مروعه

هنا اندهش السيد حيدر لأنه لم يطلع أحدا على هذه القصيدة التي

ذكرها الأعرابي و لكنه تفاعل معه و سيطرت روح هذا الشخص العربي على روح السيد حيدر الحلي فأصبح ينشده القصيدة حتى وصل إلى قوله:

ماذا يهيجك إن صبرت لوقعة الطف الفجيعه

يقول السيد حيدر هذا الشخص العربي بدأ بالبكاء و النحيب و أنا أقرء عليه:

ماذا يهيجك إن صبرت لوقعة الطف الفجيعه

أترى تجيء فجيعة بأمضّ من تلك الفجيعه

حيث الحسين على الثرى خيل العدى طحنت ضلوعه

يقول السيد حيدر:أنا أقرأ الأبيات و غافل عن المشهد كيف كان، و هذا السيد الأعرابي إلى جانبي ينحب بالبكاء من عسى أن يكون!؟ثم قرأت:

و رضيعه بدم الوريد مخضب فأطلب رضيعه

يقول السيد حيدر:التفت هذا الأعرابي و قال:يا سيد حيدر كفى،ليس عندي إجازة للخروج أنا منتظر الإجازة،إنا للّه و إنا إليه راجعون.

اللهم اغفر لنا واعف عنا و تجاوز عن سيئاتنا اللهم اجعل محيانا محيى محمّد و آل محمّد و مماتنا ممات محمّد و آل محمّد و عجّل فرجهم و احشرنا في زمرتهم و اجعلنا من المستشهدين بين أيديهم.

و الحمد للّه رب العالمين


(/2محرم الحرام1426/ ه) - المحاضرة الثانية حركة الإمام المهدي عليه السّلام فلسفتها و أهدافها

اشارة

تقرأ في هذه المحاضرة الإجابة على الأسئلة التالية:

11-ما هو هدف حركة الإمام المهدي عليه السّلام؟

12-من أين تبدأ الانطلاقة الأولى لحركة الإمام؟

13-هل يأتي الإمام بدين جديد؟

14-لماذا لم ترد الإشارة الصريحة في القرآن إلى قضية الإمام المهدي عليه السّلام؟

15-حركة الإمام هل هي حركة ثورية؟

16-ما هي مدة حكم الإمام المهدي عليه السّلام؟

17-ما هو تفسير الإصرار القرآني على قضية الإمام المهدي عليه السّلام؟

18-من هم خلفاء الإمام المهدي عليه السّلام؟

19-ما هو دور النجف و الكوفة في زمن الإمام المهدي عليه السّلام؟

20-ما هي أوّل أمّة تلتحق بالإمام عليه السّلام؟

21-ما هي المعالم الأربعة لحركة الإمام المهدي عليه السّلام؟

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الخطاب السياسي للحسين عليه السّلام رؤية مقارنة:

اشارة

نحاول في هذه الليلة أن نعقد مقارنة بين الخطاب السياسي للإمام الحسين عليه السّلام و الخطاب السياسي للإمام المهدي عليه السّلام حيث سنلاحظ وجود تقارب بل تطابق في الخطوط العريضة لهذين الخطابين.

لمّا ورد إمامنا الحسين كربلاء في اليوم الثاني من محرم الحرام خطب أصحابه و أهل بيته قائلا: (1)

«اللهمّ إنا عترة نبيك قد أخرجنا و طردنا و أزعجنا عن حرم جدنا و تعدتّ بنو أمية علينا،اللهمّ فخذ بحقنا و انصرنا على القوم الظالمين».

ثم قال عليه السّلام:«الناس عبيد الدنيا و الدين لعق على ألسنتهم يحوطونه ما درّت به معائشهم فإذا محصّوا بالبلاء قلّ الديّانون».

ثم قال:«أمّا بعد فقط نزل بنا من الأمر ما قد ترون و أن الدنيا قد تغيرت و تنكرت و أدبر معروفها و لم يبق منها إلاّ صبابة كصبابة الإناء و خسيس عيش كالمرعى الوبيل».

و قال عليه السّلام:«ألا ترون إلى الحق لا يعمل به و إلى الباطل لا يتناهى عنه ليرغب المؤمن في لقاء اللّه ألا و إني لا أرى الموت إلاّ سعادة و الحياة مع الظالمين إلاّ برما».

مكونات الخطاب:

هذا الخطاب في أوّل تصريح رسمي للإمام الحسين عليه السّلام حينما دخل أرض كربلاء يتألف من ثلاثة مقاطع:


1) مقتل الحسين/المقرم:230.

المقطع الأوّل:التظلم،و بيان ظلامة الحقّ،و ظلامة أهل البيت«اخرجنا و طردنا عن حرم جدنا».

المقطع الثاني:تقييم الواقع الاجتماعي،تقييم الدنيا«الناس عبيد الدنيا».

المقطع الثالث:الانتصار للحقّ«ليرغب المؤمن في لقاء اللّه».

هذه ثلاثة مقاطع تضمنها خطاب الحسين عليه السّلام أوّل وروده إلى كربلاء.

الخطاب السياسي الأوّل للإمام المنتظر عليه السّلام:

اشارة

العجيب أن هذا الخطاب بهذه المقاطع الثلاثة و بعبارة مقاربة جدا نجده يصدر من الإمام الحجة المنتظر عليه السّلام لدى أوّل ساعة خروجه في مكّة المكرمة.

هذا المضمون بعبارات قد تجدها نفس العبارات و بنفس الأفكار، إمامنا المنتظر عليه السّلام يوم خروجه في مكّة المكرمة و قد أسند ظهره إلى البيت يخطب الناس و قد هبط عليه جبرائيل و قال له أمدد يدك أبايعك فيكون أوّل من يبايعه جبرائيل مع أربعة آلاف من الملائكة. (1)

إمامنا المنتظر عليه السّلام خطب نفس خطاب الحسين عليه السّلام من حيث المقاطع و المضمون و حتى من حيث العبارة اسمعوا إلى خطاب إمامنا المنتظر عليه السّلام ساعة خروجه.

المقطع الأوّل: [التظلم]

«أيها الناس إنّا أهل بيت نبيكم و قد أخفنا و ظلمنا و طردنا من ديارنا و بغي علينا و دفعنا عن حقنا و افترى أهل الباطل علينا»، (2)

قال أبو جعفر محمّد بن عليّ الباقر عليهما السّلام:«و القائم يومئذ بمكّة،قد أسند ظهره إلى البيت الحرام مستجيرا به،فينادي:يا أيها الناس إنا نستنصر اللّه،فمن أجابنا من الناس؟فإنا أهل بيت نبيكم محمّد،و نحن أولى الناس باللّه و بمحمّد صلى اللّه عليه و آله،فمن حاجني في آدم فأنا أولى الناس بآدم، و من حاجني في نوح فأنا أولى الناس بنوح،و من حاجني في إبراهيم فأنا أولى الناس بإبراهيم، و من حاجني في محمّد صلى اللّه عليه و آله فأنا أولى الناس بمحمّد صلى اللّه عليه و آله،و من حاجني في النبيين فأنا أولى الناس بالنبيين،أليس اللّه يقول في محكم كتابه: إِنَّ اللّهَ اصْطَفى آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ* ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَ اللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ؟فأنا بقية من آدم و ذخيرة من نوح، و مصطفى من إبراهيم،و صفوة من محمّد صلى اللّه عليهم أجمعين.ألا فمن حاجني في كتاب اللّه فأنا أولى الناس بكتاب اللّه،ألا و من حاجني في سنة رسول اللّه فأنا أولى الناس بسنة رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله،فأنشد اللّه من سمع كلامي اليوم لما(أ)بلغ الشاهد[منكم]الغائب،و أسألكم بحقّ اللّه، و حقّ رسوله صلى اللّه عليه و آله و بحقّي،فإن لي عليكم حقّ القربى من رسول اللّه إلا أعنتمونا و منعتمونا ممن يظلمنا،فقد أخفنا و ظلمنا،و طردنا من ديارنا أبنائنا،و بغي علينا،و دفعنا عن حقنا،و افترى أهل الباطل علينا،فاللّه اللّه فينا،لا تخذلونا،و انصرونا ينصركم اللّه تعالى.

قال:فيجمع اللّه عليه أصحابه ثلاثمائة و ثلاثة عشر رجلا،و يجمعهم اللّه له على غير ميعاد قزعا كقزع الخريف،و هي يا جابر الآية التي ذكرها اللّه في كتابه: أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فيبايعونه بين الركن و المقام،و معه عهد من رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله قد توارثته الأبناء عن الآباء،و القائم يا جابر رجل من ولد الحسين يصلح اللّه له أمره في ليلة،فما أشكل على الناس من ذلك يا جابر فلا يشكلن عليهم ولادته من رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله،و وراثته العلماء عالما بعد عالم،فإن أشكل هذا كله عليهم، فإن الصوت من السماء لا يشكل عليهم إذا نودي باسمه و اسم أبيه و أمه».

و قد نقله القزويني في كتابه الإمام المهدي من المهد إلى الظّهور:ص 501.

هذا

1) بحار الأنوار/المجلسي:ج /52ص 9 و كذلك ج /52ص 337.

2) الغيبة للنعماني:ص /279ح 67:

هو المقطع الأوّل هو التظلم و بيان الظلامة هو نفس المقطع الذي ذكره الإمام الحسين عليه السّلام.

المقطع الثاني: [تقييم الواقع الاجتماعي]

إمامنا الحسين عليه السّلام هكذا قال:«و أن الدنيا قد تغيرت و تنكرت و أدبر معروفها و لم يبق منها إلاّ صبابة».

الإمام المنتظر عليه السّلام مثل هذا المعنى يذكره أيضا في المقطع الثاني من خطابه حيث يقول:

«فإن الدنيا قد دنا فناؤها و زوالها،و آذنت بالوداع». (1)

المقطع الثالث:الانتصار للحقّ:

يقول عليه السّلام:«و إني أدعوكم إلى اللّه و إلى رسوله و العمل بكتابه و إماتة الباطل و إحياء السنة» (2)و هذا هو نفس ما ذكره إمامنا الحسين عليه السّلام حين قال:

«ألا ترون إلى السنّة قد أميتت،و إلى البدعة قد أحييت...».

هذا التلاقي و التقارب في الخطاب السياسي للإمامين يوضح نقطة اشتراك مهمة.

يوم أمس أشرنا إلى أن هناك اشتراك بين الثورتين و الحركتين على مستوى الأهداف أوّلا،و على مستوى المناهج ثانيا و على مستوى الشخصية القائمة بالثورة ثالثا و على مستوى التاريخ و المسار التاريخي رابعا.

الاشتراك في الأهداف:

اليوم نقف عند فقرة الاشتراك الكبير في الأهداف،هذه أهداف الإمام المنتظر عليه السّلام و تلك أهداف الإمام الحسين عليه السّلام.

اسمحوا لي،أن أقرأ لكم الرواية بنصها كما جاءت بكتبنا التاريخية.

هكذا تقول الرواية:عن الإمام الصادق عليه السّلام:


1) الفتن لابن حماد:ص 95؛عقد الدرر:ص /145باب 7؛الحاوي للسيوطي:ج /2ص 71؛المتقي:ص /141باب /6ح 3؛لوائح السفاريني:ج /2ص 11؛ملاحم ابن طاووس:ص /64باب 129؛معجم أحاديث الإمام المهدي عليه السّلام/العاملي:ج /3ص 296؛و الصافي في منتخب الأثر نقلا عن كتاب الملاحم و الفتن.

2) المصدر السابق.

«إذا أذن اللّه عز و جل للقائم في الخروج،صعد المنبر،و دعا الناس إلى نفسه و ناشدهم باللّه و دعاهم إلى حقّه،و أن يسير فيهم بسيرة رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و يعمل فيهم بعمله،فيبعث اللّه جل جلاله جبرئيل عليه السّلام حتّى يأتيه فينزل على الحطيم-الحطيم أحد جدران الكعبة الأربعة بمعنى تتحطم عنده الذنوب-.

ثم يقول له:إلى أي شيء تدعو؟

فيخبره القائم عليه السّلام فيقول جبرئيل عليه السّلام:أنا أوّل من يبايعك ابسط يدك،فيمسح على يده،و قد وافاه ثلاثمائة و بضعة عشر رجلا فيبايعونه». (1)

لا حظوا أصحاب الإمام المنتظر عليه السّلام،هناك قادة الألوية و هم ثلاثمائة و ثلاثة عشر و هناك جنود و هم الآلاف المؤلفة من شيعته.

يلتحق به أوّلا قادة الألوية الثلاثمائة و ثلاثة عشر،«و قد وافاه ثلاث مئة و بضعة عشر رجلا فيبايعونه و يقيم بمكّة-يبقى إمامنا بمكّة-«حتى يتم أصحابه عشرة آلاف أنفس ثم يسير إلى المدينة المنورة». (2)

إنّ أوّل انطلاقة للإمام المنتظر عليه السّلام تكون من المدينة،لكن دون أن يعلن الثورة،تماما مثل حركة الحسين عليه السّلام،الحسين أوّل ما خرج من المدينة المنورة لم يعلن الثورة.

الثورة أين أعلنها الحسين؟أعلنها في مكّة.

إمامنا المنتظر عليه السّلام،أوّل ما يظهر في المدينة ثم يرحل من8.


1) بحار الأنوار/المجلسي:ج /52ص 337.

2) بحار الأنوار:ج /52ص /337ح 78.

المدينة لأسباب، (1)

عن جابر قال:قال أبو جعفر عليه السّلام:«يبعث السفياني بعثا إلى المدينة فينفر المهدي منها إلى مكّة، فيبلغ أمير جيش السفياني أن المهدي قد خرج إلى مكّة،فيبعث جيشا على أثره فلا يدركه حتّى يدخل مكّة خائفا يترقب على سنّة موسى بن عمران قال:و ينزل أمير جيش السفياني البيداء فينادي مناد من السماء:يا بيداء أبيدي القوم فيخسف بهم فلا يفلت منهم إلا ثلاثة نفر،يحول اللّه وجوههم إلى أقفيتهم و هم من كلب و فيهم نزلت هذه الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها الآية.قال:و القائم يومئذ بمكّة،قال: فيجمع اللّه عليه أصحابه ثلاثمائة و ثلاثة عشر رجلا،و يجمعهم اللّه على غير ميعاد،قزعا كقزع الخريف[و هي]يا جابر الآية التي ذكرها اللّه في كتابه: أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. فيبايعونه بين الركن و المقام،و معه عهد من رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله قد توارثته الأبناء عن الآباء،و القائم رجل من ولد الحسين يصلح اللّه له أمره في ليلة فما أشكل على الناس من ذلك يا جابر،فلا يشكل عليهم ولادته من رسول اللّه،و وراثته العلماء عالما بعد عالم،فان أشكل هذا كله عليهم فان الصوت من السماء لا يشكل عليهم إذا نودي باسمه و اسم أبيه و أمه».

يرحل إلى مكّة،و في مكّة يعلن الثورة و قد أسند ظهره إلى البيت الحرام و يبايعه جبرائيل و يلتحق به أصحابه ثم يعود إلى المدينة لتحريرها من جيش السفياني،و قد اجتمع له عشرة آلاف من أصحابه.

هدف الإمام المهدي عليه السّلام:

ما هو الهدف الأصلي لحركة الإمام المهدي عليه السّلام؟

هو تجديد الإسلام و إحياء هذه الرسالة الإلهية الخاتمة،حتى يكون الإسلام عالميا هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَ دِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، (2)على كل الأديان و المذاهب و الحضارات و السياسيات وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ.


1) بحار الأنوار:ج /52ص /237ح 105:

2) الصف:9.

الروايات تقول (1)

عن أبي بصير قال:قال أبو عبد اللّه عليه السّلام في قول اللّه عز و جل: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَ دِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ، فقال:«و اللّه ما نزل تأويلها بعد،و لا ينزل تأويلها حتى يخرج القائم عليه السّلام فإذا خرج القائم عليه السّلام لم يبق كافر باللّه العظيم و لا مشرك بالإمام إلا كره خروجه حتى أن لو كان كافرا أو مشركا في بطن صخرة لقالت:يا مؤمن في بطني كافر فاكسرني و اقتله».

إن هذه الآية ما جاء تأويلها بعد و إذا قام قائمنا جاء تأويلها بمعنى أن إمامنا المنتظر عليه السّلام يطبّق حينئذ قوله تعالى: لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ.

تجديد الإسلام هو خلاصة هدف حركة إمامنا المنتظر عليه السّلام و هي نفسها خلاصة الهدف لحركة إمامنا الحسين عليه السّلام.

هل يأتي بدين جديد؟

بعض الروايات تقول:«إن الإمام المنتظر يأتي بأمر جديد»، (2)

و قال عليه السّلام:«يقوم بأمر جديد،و كتاب جديد،و سنة جديدة و قضاء[جديد]على العرب شديد،و ليس شأنه إلا القتل،لا يستبقي أحدا،و لا يأخذه في اللّه لومة لائم».

و في:ص /235ح 103:

عن أبي جعفر عليه السّلام قال:«يقوم القائم عليه السّلام في وتر من السنين:تسع،واحدة،ثلاث، خمس».و قال:«إذا اختلفت بنو أميّة ذهب ملكهم،ثم يملك بنو العباس،فلا يزالون في عنفوان من الملك،و غضارة من العيش حتى يختلفوا فيما بينهم،[فإذا اختلفوا]ذهب ملكهم،و اختلف أهل الشرق و أهل الغرب نعم و أهل القبلة،و يلقى الناس جهد شديد، مما يمر بهم من الخوف.فلا يزالون بتلك الحال حتّى ينادي مناد من السماء،فإذا نادى فالنفر النفر،فو اللّه لكأني أنظر إليه بين الركن و المقام،يبايع الناس بأمر جديد و كتاب جديد،و سلطان جديد،من السماء.أما إنه لا يرد له راية أبدا حتى يموت».

و ص /338ح 82:

عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:«إذا قام القائم عليه السّلام جاء بأمر جديد كما دعى رسول اللّه في بدو الإسلام إلى أمر جديد».

و ص /348ح 99:

عن الثمالي قال:سمعت أبا جعفر[محمّد بن عليّ]:«...يقوم بأمر جديد،و سنة جديدة و قضاء جديد،على العرب شديد،و ليس شأنه إلا القتل،و لا يستنيب أحدا و لا تأخذه في اللّه لومة لائم».

و ص /354ح 114:

قال أبو جعفر عليه السّلام:«يقوم القائم بأمر جديد،و كتاب جديد،و قضاء جديد على العرب شديد،ليس شأنه إلا بالسيف لا يستتيب أحدا و لا يأخذه في اللّه لومة لائم».

و بعضها

1) كمال الدين و تمام النعمة:ص /670ح 16.

2) بحار الأنوار:ج /52ص /230ح 96:

تقول:«يأتي بكتاب جديد».

و بعض الباحثين تصوّر أن الإمام المهدي عليه السّلام:«يأتي بدين جديد غير الإسلام و غير القرآن و غير سنّة رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله».

الحقيقة أن الإمام المنتظر عليه السّلام يأتي بالإسلام جديدا و هو نفس الإسلام،لكن بعد أن هجره الناس و جهلوه يبدو لهم جديدا،فالأهداف إحياء نفس الإسلام و لأن ذلك أمر قد غفل عنه الناس فهم يحسبون أن هذا الدين جديد.

أنا بهذا الصدد أقرأ لكم روايات حتى تعرفوا أن المقصود ليس هو دين جديد و إنما المقصود هو نفس الإسلام (1)

«...و ما شبه محمّد صلى اللّه عليه و آله؟قال:إذا قام سار بسيرة رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله إلاّ أنه يبين آثار محمّد...».

و ص /352ح 106:

عن أبي جعفر عليه السّلام أنه قال:«كأنني بدينكم هذا لا يزال موليا يفحص بدمه ثم لا يرده عليكم إلا رجل منا أهل البيت،فيعطيكم في السنة عطاءين،و يرزقكم في الشهر رزقين،و تؤتون الحكمة في زمانه حتى أن المرأة لتقضي في بيتها بكتاب اللّه تعالى و سنة رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله».

الذي مرت عليه قرون و قرون و ابتعد عنه الناس وضاعت بعض أحكامه،و الإمام يأتي ليجدد هذا الدين.».

1) بحار الأنوار:ج /52ص /347ح 97:

رواية عن الإمام عليّ عليه السّلام يقول:«و اللّه لكأني أنظر إليه بين الركن و المقام يبايع الناس على كتاب جديد على العرب شديد.ويل طغاة العرب من شر قد اقترب». (1)

هذه الرواية تصّور بعض الكتّاب أنها إشارة إلى دين جديد،إنها إشارة إلى كتاب جديد،بينما بالتأكيد ليس الأمر كما تصور هؤلاء،فإن الثابت في عشرات الأحاديث الأخرى انه يحيي نفس هذا الدين سنّة رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله،لكن يحسبه الناس أمرا جديدا و بهذا كانت أوّل كلمة و أوّل خطاب للإمام المنتظر عليه السّلام يدعو الناس فيه لأن يسير بسيرة رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله.

إذن الإمام لا يأتي بدين جديد و إنما يقوم بأحياء نفس الإسلام.

لمحة عن حركة الإمام عليه السّلام:

الحقيقة أن حركة الإمام المنتظر هي ثورة إصلاحية شمولية عالمية.

أربع صفات لحركة الإمام المنتظر عليه السّلام:

1-أنها ثورة كما أن حركة الحسين عليه السّلام هي ثورة،و معنى ثورة أنها عملية تغيير جذري.

لاحظوا الإنسان حين يؤسس مؤسسة خيرية لا يقال هذا قام بثورة.

حين يبني مستشفى لا يقال هذا قام بثورة.

حين يؤلف كتابا لا يقال قام بثورة.

حتّى و هو يؤسس دولة أيضا لا يقال قام بثورة.

لكن إذا أحدث عملية تغيير جذري فإنه سيقال له أنه قام بثورة ثقافية، ثورة سياسية،ثورة اجتماعية.


1) عصر الظهور/الكوراني:74.

حركة الإمام الحسين عليه السّلام كانت تغييرا جذريا،يعني قلب الواقع القائم يومئذ.

حركة الإمام المنتظر عليه السّلام أيضا هي تغيير الواقع و لهذا نسميها ثورة.

و كلمة ثورة غير موجودة في المصطلح الإسلامي.

و لهذا حينما تقرأ القرآن الكريم أو الروايات الشريفة لا تجد عبارة ثورة،و إنما الاصطلاح الإسلامي يستخدم كلمة قيام أو خروج.

«إذا قام قائمنا»لا حظوا الثورة بالمصطلح الإسلامي يعّبر عنها بكلمة (قيام)ليس عندنا مصطلح ثورة،لكن في الاصطلاح الجديد في الأدب العربي أصبح يقال للقيام السياسي أو الثقافي التغييري(ثورة).

هذا الاصطلاح و هو كلمة ثورة نستخدمه بالمشرق العربي أمّا في المغرب العربي يستخدمون شيئا آخر،إذا قرأت كتب المغاربة و الجزائريين لا تجد عبارة ثورة، هناك يسمونها(قومة)،نحن نقول الثورة العربية مثلا هم يسمونها(القومة العربية)، (الثورة الإسلامية)يسموها(القومة الإسلامية)،و اصطلاحهم هذا قريب من اللغة العربية،بل أقرب من اصطلاح ثورة،و كلمة قومة هي من قيام.

الحقيقة أن حركة الإمام المنتظر عليه السّلام هي عملية ثورية بما تحتويه من تغيير جذري.

2-و هي ثورة إصلاحية شمولية عالمية كما سأحدثكم به في ليالي لا حقة إن شاء اللّه عن هذه الصفات الثلاث لثورته عليه السّلام(إصلاحيّة،شمولية،عالمية).

لماذا لم ترد في القرآن؟

اشارة

هناك سؤال و شبهة طرحها أحد المستشرقين اسمه دونالتسن.

دونالتسن هو كاتب غربي مستشرق يعني جاء إلى الشرق و تعلم اللغة

العربية و درس كتبنا و قرأ تاريخنا ثم ألّف في العقيدة و الفكر. (1)

دونالتسن (2)يطرح سؤالا يقول فيه:

العجيب أن فكرة الإمام المهدي لم ترد في القرآن الكريم بهذا النص و لو كانت هذه الفكرة أصيلة في الإسلام،فلماذا لم ينص عليها القرآن؟ و حينما تقرأ القرآن لا تجد كلمة الإمام المهدي عليه السّلام؟

دونالتسن هكذا يقول إن هذه الفكرة ليست واقعية و لم يأت بها الإسلام بدليل أنها لم ترد في القرآن الكريم.

جواب الشبهة:

الحقيقة إن علماءنا بحثوا هذا الأمر قبل أن يتحدث عنه دونالتسن، فاستعرضوا ما هي الآيات التي جاءت في قضية الإمام المهدي.

بعض علمائنا ذكر(133)آية قرآنية جاءت في الإشارة لهذا الموضوع، (3)مرة على مستوى الظهور القوي،و مرة على مستوى الإشارة إلى قضية الإمام المهدي.

(133)آية كما هو في كتاب إلزام الناصب للعلامة المحقق الحائري اليزدي، في أحد فصوله و قد ذكر الآيات الواردة في قيام الإمام المهدي عليه السّلام.

لكن من حقكم أن تسألوا و تقولوا ان كل هذه الآيات ليست صريحة، و لا واحدة منها فيها اسم الإمام المهدي عليه السّلام فلماذا؟

إذا كانت القضية بهذا الحجم من الأهمية بحيث أن«من أنكر المهدي


1) أنظر العقيدة و الشريعة-دونالتسن.

2) انظر الصلة بين التصوف و التشيع/كامل مصطفى الشيبي؛و انظر أيضا موسوعة الرأي الآخر:/3577الجزء المختص بالإمام المهدي عليه السّلام.

3) أنظر إلزام الناصب/الحائري:ج 1.

فقد أنكرني».كما في الرواية عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله (1)إذا كانت بهذه الأهمية و هي تمثل ضرورة في الفكر الإسلامي الشيعي و السني،إذن لماذا القرآن الكريم لم يصرح بها و لم ينص عليها؟

طريقة القرآن:

الجواب:إننا بحاجة لنعرف طريقة القرآن في البيان.

طريقة القرآن إنه يكتفي بالأطر العامة في بيان القضايا و لا ينزل إلى التفاصيل إلاّ من خلال الاحتكاك الميداني.

الصلاة-مثلا-مئات الآيات نزلت في الصلاة لكن كلها في الإطار العام،و لا آية واحدة تتحدث عن صلاة الصبح أو صلاة الظهر أو العصر أو المغرب أو العشاء.

الصوم كذلك في الإطار العام كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ، (2)أمّا ما هي المفطرات؟،ما هي شروط الصوم الصحيح؟،أبدا و لا آية قرآنية تتحدث عن ذلك.

الزكاة كذلك أمر القرآن بالصدقات لكن كم هي الزكاة؟،متى تجب الزكاة؟،أين تجب الزكاة؟،أبدا لا يوجد في القرآن الكريم إشارة إلى ذلك.

القرآن الكريم هو شبيه بكتاب دستوري يعني يقدم دستورا للأمّة على مدى التاريخ يكتفي بالأطر العامة و البنود و المواد و لا ينزل إلى تفصيل إلاّ عند الاحتكاك مع السائلين،يأتي سائل يسأل مثلا حينئذ يأتيه الجواب بشكل فيه تفصيل لكن بدون أن يسأل سائل،بدون أن تكون القضيّة على محك مباشر فأن القرآن الكريم سوف يكتفي بذكر الإطار العام و يترك التفصيل للسّنة.

دور النبي صلى اللّه عليه و آله،دور الأئمّة الأطهار عليهم السّلام هو ذكر التفاصيل.


1) بحار الأنوار/المجلسي:ج /51ص 73؛كمال الدين:ص /412ح 8.

2) البقرة:183.

و لهذا فعلماؤنا هكذا يجيبون على هذا السؤال بشكل عام و هو سؤال موجود في مواطن كثيرة.

يقولون إن سبب عدم نزول القرآن بالتفاصيل من أجل أن يضطر الناس للرجوع إلى النبي و يسألونه،إلى أهل البيت و يسألونهم،و إلاّ إذا صارت كلّ التفاصيل مذكورة في القرآن،يعني أن القرآن يصبح مجموعة مجلدات و سوف يستغني الناس،و سوف لا يألفون الرجوع إلى المجلس التشريعي الذي يمثله النبي و يمثله الأئمّة الأطهار عليهم السّلام.

القرآن صريح في هذه القضية،مثلا القرآن يقول: مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ . (1)

القرآن يريد أن يقول أيّها الناس أنا القرآن يوجد عندي نوعان من الآيات:نوع منها واضحة و صريحة و نوع متشابهة كل واحد يفسّرها بتفسير، هذا هو القرآن يقول ذلك.

لماذا أيها القرآن؟

يعني أنت لماذا تتكلم بكلام متشابه هذا يفسره بشكل و ذاك يفسره بشكل آخر؟

القرآن يقول: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ (2)القلوب المريضة تركض وراء التفسير غير الصحيح.لكن أصل القضية أن هذا القرآن لماذا جاء بمتشابه؟

علماؤنا يقولون (3)في جواب ذلك:حتى يرجع الناس إلى أهل البيت عليهم السّلام فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ الغرض هو الرجوع إلى الأستاذ.6.


1) آل عمران:7.

2) آل عمران:7.

3) الكافي للحلبي:56.

مثلا في المدرسة هناك مناهج مدرسية و فيها كتب تاريخ،جغرافية، فيزياء،كيمياء،لكن ما هو دور الأستاذ؟

الكتاب يعطيك المتن لكن الأستاذ يشرح تفاصيل يوضح لك ما هي النقاط الغامضة،إذا كان الكتاب يشرح لك كل التفاصيل،أنت إذن لا تحتاج إلى أستاذ،و لا ترجع إلى أستاذ،و لا يمكن للكتاب وحده أن يربيك و يجعلك تناقش و تحاور.

و لأجل ذلك كانت الكتب الدراسية تحتوي المتون و الباقي على الأستاذ.

القرآن أيضا هذه هي طريقته.

امتحان الناس:

و هناك جواب ثان و هو أن القرآن يريد أن يمتحن الناس،و يمحصهم من منهم يرجع إلى أهل البيت،أهل الذكر،و من منهم يعاند و يكابر و يقول أنا غير مستعد أن أدرس عند أستاذ و لا مستعد أن أرجع إلى نبي قط!

يوجد أناس بهذا الشكل.

رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله حينما قال للناس في غدير خم:«من كنت مولاه فهذا علي مولاه»،الرواية تقول:إنه جاءه شخص اسمه الحارث قال لرسول اللّه صلى اللّه عليه و آله أمرتنا أن لا نعبد إلاّ اللّه أطعناك،أمرتنا بالصلاة صلينا،أمرتنا بالصوم صمنا،الآن أمرتنا بولاية ابن عمك عليّ هذا منك أم من اللّه؟

قال صلى اللّه عليه و آله:إنه من اللّه تعالى و ليس مني.

خرج ذلك الرجل موليا وجهه و هو يقول:اللهم إن كان هذا من عندك فأنزل عليّ حجارة و اقض عليّ. (1)

أبو عبيد و الثعلبي،و النقاش،و سفيان بن عينيه،و الرازي،و القزويني و النيسابوري،الطبرسي، الطوسي في تفاسيرهم:انه لما بلغ رسول صلى اللّه عليه و آله بغدير خم ما بلغ و شاع ذلك في البلاد أتى الحارث بن النعمان الفهرى،و في رواية أبي عبيد جابر بن النضر بن الحارث بن كلدة العيدري. فقال:يا محمّد أمرتنا عن اللّه بشهادة أن لا إله إلاّ اللّه و أن محمّدا رسول اللّه،و بالصلوة و الصوم و الحج و الزكوة فقبلنا منك ثم لم ترض بذلك حتّى رفعت بضبع ابن عمك ففضلته علينا و قلت من كنت مولاه فعلي مولاه فهذا شئ منك أم من اللّه؟فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله:و الذي لا إله إلا هو إن هذا من اللّه،فولى الحارث يريد راحلته و هو يقول:اللهم إن كان ما يقول محمّد حقّا فأمطر علينا حجارة من السماء أو أتنا بعذاب اليم فما وصل إليها حتّى رماه اللّه بحجر فسقط على هامته و خرج من دبره و قتله و انزل اللّه تعالى: سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ الآية.


1) مناقب آل أبي طالب:ج /2ص 240:

و هذا جاء في تفسير قوله: سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ* لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ* مِنَ اللّهِ ذِي الْمَعارِجِ. (1)

الرواية تقول سقط حجر من السماء على رأسه فقتله بالمكان.

سنة اللّه تقتضي امتحان الناس،أن تضع الناس في امتحان لمعرفة مدى طاعتهم و عصيانهم.

قوم موسى عليه السّلام:

توجد رواية تقول إن موسى عليه السّلام ابتلي بقومه،حينما ذهب موسى عليه السّلام ثلاثين ليلة و أتممناها بعشر،يعني موسى عليه السّلام عنده غيبة صغيرة هي رحلة أربعين يوما،لا يعلمون إلى أين،و لا أخذ معه أحدا وَ واعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً (2)ذهب إلى اللّه تبارك و تعالى،لما انتهت ثلاثون ليلة و لم يرجع موسى عليه السّلام إلى قومه قالوا لا حظوا هذا النبي كذب علينا،و عدنا ثلاثين ليلة و لم يأت،و هنا عمل لهم أحد أتباع موسى عليه السّلام و هو السامري و يبدو إنه كان فنانا مقتدرا و صاحب خبرة،عمل لهم عجلا القرآن يقول:

لَهُ خُوارٌ (3)يعني يصيح،هؤلاء تعجبوا،و خدعهم السامري و اتّبعوه،و صارت مشكلة،


1) أنظر البرهان في تفسير القرآن:سورة المعارج.

2) الأعراف:142.

3) الأعراف:148.

و صار افتراق،و صار ابتعاد عن موسى،و ابتعاد عن هارون الذي كان خليفة موسى عليه السّلام،و أصبح هارون يتوسل بهم فَاتَّبِعُونِي وَ أَطِيعُوا أَمْرِي (1)سوف يأتي موسى عليه السّلام انتظروا قليلا،قالوا له أبدا،أوّلا موسى عليه السّلام كذب علينا فهذه ثلاثون ليلة قد مضت و لم يرجع إلينا موسى،ثانيا هذا السامريّ عمل لنا عجلا و هذا العجل يتكلم و هذه معجزة فنحن نتبعه.

و محل الشاهد أن موسى عليه السّلام قال:إلهي أنا أدري ان العجل عمله السامري لكن من الذي أخاره؟السامري أم أنت؟ (2)

إلهي السامري هو الذي صنع العجل لا بأس.لكن هذا العجل لو كان لا يتكلم فإنه سوف لا يخدع الناس،لكن هو عجل بمستوى أن يتكلم،هذه هي قدرتك يا إلهي،إلهي السامري هو الذي صنع العجل لكن من الذي أخاره-كما تقول الرواية-اللّه تبارك و تعالى قال له:أنا.

هنا القرآن الكريم على لسان موسى عليه السّلام يقول: إِنْ هِيَ إِلاّ فِتْنَتُكَ .

إلهي أنت إذن تريد أن تمتحن الناس،و إلاّ فأن السامري وحده لا يستطيع أن يعمل هكذا عمل لو لا أنك أعطيته هذه القدرة.

القرآن الكريم يشير إلى هذه القضية يقول: إِنْ هِيَ إِلاّ فِتْنَتُكَ .

نظرية الامتحان،هذه النظرية يذكرها القرآن الكريم مرارا،و في قصص الأنبياء كثيرة.

غيبة الإمام المنتظر عليه السّلام هي صورة من صور الامتحان للناس.

الفتنة في اللغة العربية هي بمعنى الامتحان و الابتلاء،ليهتدي و يؤمن من يؤمن و ليكفر من يكفر. .


1) طه:90.

2) أنظر البرهان في تفسير القرآن:تفسير الآية 88 من سورة طه: فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوارٌ .

و محل الشاهد أن القرآن الكريم طريقته بيان الإطار العام و ليس النزول للتفاصيل بل يبقى هناك مجال للامتحان و الفتنة،و لهذا فأن القرآن الكريم ليس به تفصيل لكثير من القضايا الضرورية البديهية الثابتة في الإسلام.

القرآن يذكر الإطار العام:

قد تسأل الآن و تقول نحن نقبل من القرآن الكريم أن يشير إلى الإطار العام لقضية المهدي المنتظر عليه السّلام فأين هذه الإشارة؟

نقول لكم:نعم القرآن الكريم فيه عشرات الآيات تتحدث عن قضية الإمام المنتظر التي تعني في إطارها العام الحركة الإصلاحية و نجاحها في ختام المسيرة البشرية،هذه هي قضية الإمام المنتظر عليه السّلام.

ماذا يعني يملأ الأرض قسطا و عدلا بعد ما ملئت الأرض ظلما و جورا يعني أن نهاية البشرية هي انتصار الحقّ.

الإطار العام للقضية:

إن قضية الإمام المهدي عليه السّلام في إطارها العام و الذي هو بمستوى الضرورة من ضرورات الإسلام هي عبارة عن أمرين:

الأمر الأوّل:انتصار الحقّ و ظهور حركة إصلاحية عالمية تحقق انتصارا ساحقا.

الأمر الثاني:إن هذه الحركة الإصلاحية تظهر على يد رجل مصلح عالمي هذا الذي يلقّب بالمهدي.

هذا هو الإطار العام لقضية الإمام المهدي عليه السّلام الثابتة لدى كل المذاهب الإسلامية و هناك تفاصيل أخرى تختلف فيها المذاهب مثل:

من يكون هذا الرجل المصلح؟

و هل هو موجود بالفعل؟

و غير ذلك من الأسئلة.

و نحن إذا بقينا مع الإطار العام للقضية نجد أن القرآن الكريم يتحدث بشكل واسع عنها.

الآيات القرآنية:

لا حظوا القرآن الكريم فيه آيات عديدة بهذا الشأن منها:

1-الآية الخامسة من سورة القصص: وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ . (1)

2-و في آية ثانية من سورة الأنبياء: وَ لَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ ، (2)الزبور عبارة عن ألواح و أوراق داوود.

3-في آية ثالثة من سورة النور: وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ . (3)

4-آية رابعة في سورة التوبة: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَ دِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ . (4)

هذه آيات واضحة في نظرية مستقبل البشرية و أن المستقبل البشري سيشهد انتصارا للحقّ،و أن ختام المسيرة البشرية انتصار الحقّ و هذه الآيات بمستوى الصريحة و الظاهرة في هذا الأمر.

إذن على الطريقة القرآنية لا توجد مشكلة و هذه بعض النصوص القرآنية في الدلالة على نهضة الإمام المهدي عليه السّلام لكن بدون تصريح بالاسم كما هي طريقة القرآن الكريم.


1) القصص:5.

2) الأنبياء:105.

3) النور:55.

4) التوبة:33.

لا حظوا مثلا لدينا(مائة و أربع و عشرون)ألف نبيا،كم نبي جاء اسمه في القرآن الكريم من مجموع هؤلاء؟جاء اسم موسى و عيسى و هارون و نوح و إبراهيم و يونس و داود و غيرهم بما لا يبلغ اسم عشرين نبيا.أما هذا الرقم الكبير للأنبياء فأنه غير موجود و لا عشر معشاره في القرآن الكريم،و قس على ذلك مسائل كثيرة.

الوعد الإلهي بانتصار الحقّ مؤكد في القرآن الكريم بصياغات عديدة.

عمق التأكيد القرآني:

التأكيد القرآني على قضية انتصار الحقّ في ختام المسيرة البشرية هو في غاية العمق.

لا حظوه مرة يقول: كَتَبْنا . (1)

مرة يقول: وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا . (2)

مرة يقول: وَ كانَ حَقًّا عَلَيْنا . (3)

مرة يقول: إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا . (4)

كَتَبْنا يعني اتخذنا قرارا.

و يقول: وَعَدَ اللّهُ فهذا وعد و اللّه لا يخلف الميعاد.

مرة يقول: إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَ الَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا هذه جملة خبرية و اللّه هو الصادق فيما يقول.

في آية أخرى تتحدث عن الإرادة الإلهية تقول: وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا (5)و إذا أراد اللّه شيئا قال له كن فيكون.


1) الأنبياء:105.

2) النور:55.

3) يونس:103.

4) غافر:51.

5) القصص:5.

هذه تأكيدات قرآنية بصياغات متعددة على قضية الإمام المهدي عليه السّلام في إطارها العام و تبقى التفاصيل متروكة إلى السنّة الشريفة،و هذا ما نلاحظه أيضا في إمامة الإمام عليّ عليه السّلام حيث لا يوجد أيضا نص قرآني بالاسم و لكن السنّة الشريفة هي التي أكدّت ذلك.

الإمام المهدي عليه السّلام في السنّة الشريفة:

أمّا السنة الشريفة فالملفت للنظر أنّه جاء الإصرار و التأكيد على قضية الإمام المهدي عليه السّلام بشكل مثير يجعلنا نتساءل لماذا هذا الإصرار؟

مثلا الروايات تقول عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله: (1)

«لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم واحد لطوّل اللّه ذلك اليوم حتى يظهر واحد من ولدي اسمه اسمي يملأ الأرض قسطا و عدلا بعد ما ملئت ظلما و جورا»يعني رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله يقول هذه القضية لا يمكن أن تتخلف حتى لو أصبحنا على مقربة من يوم القيامة و لم يبق من الدنيا إلاّ يوم واحد.

نصوص عديدة بهذا المستوى أنا أجد من المفيد أن أقرأ لكم هذه النصوص من نفس المصدر حتى تكونوا قريبين من أجواء الأحاديث الشريفة:

1-الرواية مثلا تقول:«لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم واحد لطوّل اللّه ذلك اليوم...»هذه الرواية نقرؤها في صحاح السنّة و ليس في كتبنا فقط.

عن أبي هريرة قال:قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله:«لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم واحد لطوّل اللّه ذلك اليوم حتى يخرج رجل من أهل بيتي يملأ الأرض عدلا و قسطا كما ملئت ظلما و جورا». (2)


1) راجع هذه الروايات في:عقد الدرر:ص /24ب 1؛ذخائر العقبى:ص 136 و 137؛ فرائد السمطين:ج /2ص 325 و /326ب /61ح 575.

2) البحار:/74/51ح 26.

2-رواية ثانية عن عبد اللّه بن مسعود قال:قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله:«لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم واحد لطول اللّه ذلك اليوم حتى يبعث رجلا مني يواطيء اسمه اسمي...». (1)

3-و هكذا رواية ثالثة في هذا الشأن عن الإمام عليّ عليه السّلام قال:قال النبي صلى اللّه عليه و آله:«لا تذهب الدنيا حتى يقوم بأمر أمتي رجل من ولد الحسين يملأ الأرض عدلا كما ملئت ظلما و جورا».

4-و أخرى عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله يقول لفاطمة عليها السّلام:«و الذي نفسي بيده لا بدّ لهذه الأمّة من مهدي و هو من ولدك».

و هذا أمر ملفت للنظر لماذا لا تقوم القيامة و لا تقوم الساعة إلاّ أن يخرج واحد ليحقق الإصلاح حتى و لو بقي يوم واحد؟

تفسير الإصرار على القضية:

اشارة

يمكن أن نذكر مجموعة آراء في تفسير هذا الإصرار القرآني و هذا الإصرار النبوي.

الرأي الأوّل:

إن هذا من باب الوفاء لوعد اللّه،

و اللّه لا يخلف الميعاد،أليس وعد المؤمنين بالنصر وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فاللّه تعالى يطيل عمر الدنيا و لو يوما واحدا حتى يحكم المؤمنون،حتى يقول:أيها العباد أنا وفيت بوعدي...

الرأي الثاني:

إنّ هذا الإصرار القرآني و الإصرار النبوي من باب الانتقام

ليشفي صدور المؤمنين بالانتقام من الأعداء بمشاهدة الباطل كيف يسحق و يمحق.


1) معجم أحاديث الإمام المهدي:ج 158/1.

الرأي الثالث:

إن هذا الإصرار من باب إعطاء أمل و إعطاء زخم روحي للمؤمنين

حتى لا ييأسوا.

هذه مجموعة آراء لكنها في الحقيقة غير قادرة على أن تعطي تفسيرا مقنعا لهذا الإصرار.

هذه التفاسير التي ذكرتها لكم(الوفاء بالوعد)،(شفاء صدور المؤمنين)،(أعطاء الأمل)هذه التفاسير لا تستطيع أن تكشف العمق الفلسفي لقضية الإمام المهديّ عليه السّلام لذا نحن نميل إلى الرأي الرابع.

الرأي الرابع:

هو أن قضية الإمام المهدي عليه السّلام تمثل سنّة من سنن التاريخ،

فالقرآن يتحدث عن سنن،مثلا الموت سنّة إلهية في الوجود كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ (1)يعني هذا قانون إلهي.

و لهذا فأن مجموعة من بني إسرائيل جاءوا إلى نبيهم قالوا:يا نبي اللّه إدعو لنا اللّه تعالى أن يرفع عنا الموت،أصروّا على النبي،النبي إبتلي بهم ماذا يفعل لهم،رفع النبي يديه بالدعاء،إلهي استجب لهؤلاء و ارفع عنهم الموت، اللّه تعالى رفع عنهم الموت سنة،و عشر سنين و أربعين سنة،هؤلاء اكتشفوا الحقيقة حيث أصبح كل منهم مبتلى بأبيه و جدّه وجد جدّه،و عنده ما شاء اللّه من الذرية لا يقدر أن يطعمهم،و ليس عنده وقت ليعمل،جاؤوا إلى نبيهم مرة أخرى قالوا إدع اللّه تعالى أن ينزل علينا الموت فعاد إليهم و عادت أوضاعهم إلى طبيعتها. (2)


1) آل عمران:185.

2) الكافي:ج /3ص /260ح 36:عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:«إن قوما فيما مضى قالوا لنبي لهم:ادع لنا ربك يرفع عنا الموت فدعا لهم فرفع اللّه عنهم الموت فكثروا حتى ضاقت عليهم المنازل و كثر النسل و يصبح الرجل يطعم أباه وجده و أمه وجد جده و يوضيهم و يتعاهدهم فشغلوا عن طلب المعاش،فقالوا:سل لنا ربك أن يردنا إلى حالنا التي كنا عليها فسأل نبيهم ربه فردهم إلى حالهم».

الموت قانون إلهي،الموت لا يتخلف،الحياة قائمة على هذا القانون.

المعاد بعد الموت سنّة كونية إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى ، (1)إِنّا لِلّهِ وَ إِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ (2)سنّة كونية لا تتخلف.

واحدة من السنن الكونية انتصار الحقّ،و من الممكن أن هذه السنن الكونية غير معلومة لنا،يعني أن هذه القضية لا نقدر أن ندخلها في مختبر فيزياوي أو كيمياوي حتّى نرى هذه السنّة كيف تكون،نحن الآن في تجربة بشرية واضحة نعرف أن الكل يموت كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ (3)هذا حسب التجربة البشرية،لكن القرآن الكريم يتحدث عن سنّة كونية بشرية أخرى اسمها انتصار الحقّ في نهاية المطاف،و هذا الأمر غير مشهود لنا في أيام عمرنا القصير.إنه لا بدّ أن ينتصر الحقّ كَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيا (4)ربما نحن لم نكتشفها لكن القرآن يؤكدها في عشرات الآيات و السنة الشريفة تؤكدها في مئات النصوص بشكل قطعي«إنه لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم واحد لطوّل اللّه ذلك اليوم».

كما أنك تقول أن الإنسان لو يصبح عمره(مئة)سنة أو(مئتي)سنة أو0.


1) العلق:8.

2) البقرة:156.

3) آل عمران:185.

4) التوبة:40.

(ثلاثمئة)سنة أخيرا يموت،تماما تريد هذه النصوص أن تقول أنها سنّة كونية لا تتخلف،هنا رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله يقول:لو ان الدنيا لم يبق منها إلاّ يوم لا بدّ أن تتحقق هذه السنّة الكونية،سنّة انتصار الحقّ،يملؤها قسطا و عدلا بعد ما ملئت ظلما و جورا».

مدة حكم الإمام عليه السّلام:

نحن قبلنا أن الحقّ سوف ينتصر لكن ما هي مدة حكم الإمام المنتظر عليه السّلام؟

عجبا الإمام المنتظر عليه السّلام في آخر البشرية كم سيحكم؟

أنا قررت أن أجيب على مئة سؤال في طي هذه المحاضرات،نجيب على مئة سؤال و شبهة متعلقة بالإمام المهدي عليه السّلام،و إن واحدا من تلك الأسئلة هو هذا السؤال:

كم هو عمر حكومة الإمام المنتظر عليه السّلام و الدولة العالمية؟

هنا تجدون عدة روايات: (1)

بيان:الأخبار المختلفة الواردة في أيام ملكه عليه السّلام بعضها محمول على جميع مدة ملكه و بعضها على زمان استقرار دولته،و بعضها على حساب ما عندنا من السنين و الشهور، و بعضها على سنيه و شهوره الطويلة و اللّه يعلم.

رواية تقول يحكم(سبع)سنوات ثم يموت.

رواية تقول يحكم(أربعين)سنة ثم يموت. (2)

عن الحسن بن عليّ بن أبي طالب،عن أبيه صلوات اللّه عليهما قال:«يبعث اللّه رجلا في آخر الزمان،و كلب من الدهر و جهل من الناس يؤيده اللّه بملائكته و يعصم أنصاره و ينصره بآياته،و يظهره على الأرض،حتى يدينوا طوعا أو كرها يملأ الأرض عدلا و قسطا و نورا و برهانا يدين له عرض البلاد و طولها لا يبقى كافر إلا آمن،و لا طالح إلا صلح،و تصطلح في ملكه السباع،و تخرج الأرض نبتها،و تنزل السماء بركتها،و تظهر له الكنوز يملك ما بين الخافقين،أربعين عاما،فطوبى لمن أدرك أيامه و سمع كلامه.


1) قال العلامة المجلسي في ج 52 من البحار ص 280:

2) بحار الأنوار:ج /52ص /280ح 6:

رواية تقول إن كل سنة تعادل عشر سنوات،معناه أن سبع سنوات تعادل(سبعين)سنة. (1)

رواية تقول انه يحكم(تسع عشرة)سنة و هذه أشهر الروايات.

خليفة المهدي عليه السّلام:

و قد يقول قائل ما قيمة هذه الفترة القصيرة بعد الصبر الطويل؟

لكن الجميل أن نعرف أن عليه السّلام يحكم(تسع عشرة)سنة، و بعده يحكم خليفة له يلقب بالمهدي أيضا،من المهديين من ورثة الإمام المنتظر عليه السّلام و خلفائه،يحكم(ثلاثمائة و تسع)سنوات يعني الإمام المنتظر يحكم(تسع عشرة)سنة و بعده حكومة لرجل واحد من نواب المهدي عليه السّلام يحكم هذا الرجل المهدي أيضا و هو بعد مهدينا يحكم(ثلاثمائة و تسع سنوات)ثم تأتي رواية أخرى و روايات كثيرة تقول إن بعد المهدي أحد عشر مهديا أو اثنا عشر مهديا، (2)إذا قبلنا أن كل واحد منهم يحكم(مئة)سنة فرضا أصبح المجموع(ألفا و مئة)سنة،و إذا كان الأوّل منهم يحكم(ثلاثمائة و تسع سنوات)إذن أصبح المجموع(ألفا و أربعمائة و تسع سنوات) و الإمام المهدي عليه السّلام شخصيا يحكم(تسع عشرة)سنة على أشهر الروايات،فيكون المجموع(ألفا و أربعمائة و ثمانية و عشرين)عاما.

و هناك روايات أخرى كثيرة تذكر أنه لا يزال حكم الإمام المهدي مستمرا حتّى انقضاء الخلق، (3)يعني يستمر حكم العدل ليس بالضرورة على


1) عن عبد الكريم بن عمرو الخثعمي قال:قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام:كم يملك القائم؟ قال:«سبع سنين يكون سبعين سنة من سنيكم هذه».

2) بحار الأنوار/المجلسي:ج /53ص /145ح 1،2،3،4.

3) بحار الأنوار:ج /52ص /381ح 191:عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:قال لي:«يا أبا محمّد كأني أرى نزول القائم في مسجد السهلة بأهله و عياله»،قلت:يكون منزله جعلت فداك؟قال:«نعم،كان فيه منزل إدريس و كان منزل إبراهيم خليل الرحمان،و ما بعث اللّه نبيا إلا و قد صلى فيه،و فيه مسكن الخضر،و المقيم فيه كالمقيم في فسطاط رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله،و ما من مؤمن و لا مؤمنة إلا و قلبه يحن إليه»،قلت:جعلت فداك،لا يزال القائم فيه أبدا؟قال:«نعم»قلت:فمن بعده؟قال:«هكذا من بعده إلى انقضاء الخلق»،قلت:فما يكون من أهل الذمة عنده؟قال:«يسالمهم كما سالمهم رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و يؤدون الجزية عن يد و هم صاغرون»قلت:فمن نصب لكم عداوة؟فقال:«لا يا أبا محمّد ما لمن خالفنا في دولتنا من نصيب إن اللّه قد أحل لنا دماءهم عند قيام قائمنا،فاليوم محرم علينا و عليكم ذلك،فلا يغرنك أحد،إذا قام قائمنا انتقم للّه و لرسوله و لنا أجمعين».

يد شخص الإمام المهدي و إنما يستمر هذا الحكم الذي يقوم على الحقّ فيملأ الأرض قسطا و عدلا إلى قيام الساعة.

رجعة المعصومين عليهم السّلام:

بعض علمائنا يقول بأن هؤلاء الأحد عشر هم عبارة عن الأئمّة من أهل البيت،حيث عندنا روايات مؤكدة تقول أنهم عليهم السّلام سيرجعون فأحد عشر إماما إضافة إلى الإمام المنتظر أصبح المجموع(إثني عشر)إماما.

الآن أقرأ لكم بعض الروايات لكي نعيش جوّ الروايات الشريفة:

هذه الرواية عن أبي بصير يقول قلت للصادق عليه السّلام:يا بن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله سمعت من أبيك أنه قال يكون بعد القائم اثنا عشر مهديا،قال:«إنما قال اثنا عشر مهديا و لم يقل اثنا عشر إماما و لكنهم قوم من شيعتنا يدعون الناس إلى موالاتنا». (1)

في حديث آخر:«يا أبا حمزة إن منّا بعد القائم أحد عشر مهديا من ولد الحسين عليه السّلام». (2)

في رواية أخرى سمعت أبا جعفر-يعني الإمام الباقر عليه السّلام-يقول:


1) بحار الأنوار:ج /53ص /115ح 21.

2) بحار الأنوار:ج /53ص /145ح 2.

«و اللّه ليملكن منّا أهل البيت رجل بعد موته ثلاثمائة سنة يزداد تسعا قلت:متى يكون ذلك؟قال:بعد القائم». (1)

في رواية أخرى أيضا قلت:كم يقوم القائم في عالمه حتى يموت؟ قال:«تسعة عشر سنة من يوم قيامه إلى موته»، (2)هذه الرواية مكررة و مشهورة انه يحكم(تسع عشر)عاما و لكن بعد ذلك أحد عشر مهديا،واحد منهم يحكم(ثلاثمائة و تسع)سنوات.

روايات أخرى تقول لا يزول حكمه إلى انقضاء الخلق.

هذه الرواية بهذا النص:«و ما من مؤمن و مؤمنة إلاّ و قلبه يحن إليه» يعني الإمام المنتظر.

قلت:جعلت فداك و لا يزول القائم فيه أبدا؟

قال:«نعم».

قلت:فمن بعده؟

قال عليه السّلام:«من بعده مهدي بعد مهدي إلى انقضاء الخلق»و هذه الرواية مكررة في مصادر الحديث. (3)

اليوم نحن أجبنا عن سؤال فترة حكومة العدالة يعني العدالة الإسلامية العالمية.

النجف و الكوفة على عهد الإمام عليه السّلام:

الإمام المنتظر عليه السّلام كما ذكرنا لكم و هذا أحد عناصر الاشتراك بينه و بين الإمام الحسين عليه السّلام يخرج من المدينة المنورة و يكون إعلان الثورة من مكّة المكرمة و يأتي للعراق و يصل إلى الكوفة و من الكوفة إلى النجف و من النجف إلى السهلة.اليوم حديثنا انتهى لكن أنا أقرأ لكم رواية واحدة أو أكثر ثم اختم هذا المجلس.


1) بحار الأنوار:ج /53ص /100ح 121.

2) بحار الأنوار:ج /52ص /299ح 61.

3) تقدمت الرواية في بحث خليفة المهدي.

الرواية الواردة في صفحة(337)من كتاب بحار الأنوار الجزء(52) يقول الإمام الباقر عليه السّلام:

«كأنّي بالقائم على أرض نجف الكوفة و قد سار إليها من مكّة في خمسة آلاف من الملائكة جبرائيل عن يمينه و ميكائيل عن شماله و المؤمنون بين يديه و هو يفرق الجنود و الكتائب و السرايا في البلاد».

رواية أخرى عن الإمام الصادق عليه السّلام.

عن مفضل بن عمر قال:سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول:«إن قائمنا إذا قام أشرقت الأرض بنور ربها،و استغنى العباد من ضوء الشمس،و يعمر الرجل في ملكه حتّى يولد له ألف ذكر،لا يولد فيهم انثى،و يبني في ظهر الكوفة مسجدا له ألف باب و يتصل بيوت الكوفة بنهر كربلا و بالحيرة،حتى يخرج الرجل يوم الجمعة،على بغلة سفواء يريد الجمعة فلا يدركها». (1)

أوّل أمّة تلتحق بالإمام عليه السّلام:

و أوّل أمّة تلتحق بالإمام المنتظر هم شيعة أهل البيت عليهم السّلام،لتأكيد هذه الحقيقة،حقيقة أن أصحاب الحركة الإصلاحية العالمية هم الشيعة و إمامهم، الإمام المنتظر عليه السّلام.

و لهذا فأن أوّل أمّة تلتحق به هم شيعته،يأتون قزعا كقزع الخريف أي سحبا كسحب الخريف.يعني لا حظوا قطع السحاب في الخريف قطعا صغيرة مسرعة،الرواية هكذا تقول التحاق الشيعة به قزعا كقزع الخريف تلتحق و تحضر عنده في مكّة المكرمة. (2)

قال أبو عبد اللّه عليه السّلام:«إذا أذن الإمام دعا اللّه باسمه العبراني فأتيحت له صحابته الثلاثمائة و ثلاثة عشر قزع كقزع الخريف و هم أصحاب الألوية،منهم من يفقد عن فراشه ليلا فيصبح بمكّة،و منهم من يرى يسير في السحاب نهارا يعرف باسمه و اسم أبيه و حليته و نسبه»،قلت:جعلت فداك أيهم أعظم إيمانا؟قال:«الذي يسير في السحاب نهارا و هم المفقودون و فيهم نزلت هذه الآية أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللّهُ جَمِيعاً».


1) بحار الأنوار:ج /52ص /330ح 52.

2) بحار الأنوار:ج /52ص /368ح 153.

يقول إمامنا الصادق عليه السّلام كما في الرواية:«إن قائمنا إذا قام مدّ اللّه لشيعتنا بأسماعهم و أبصارهم حتى لا يكون بينهم و بين القائم بريد يكلمهم فيسمعون و ينظرون إليه و هو في مكانه» (1)و لكنهم يشاهدونه و تنقطع الفواصل المكانية و الزمانية بينهم و بين الإمام المنتظر عليه السّلام.

الانتقام من الظالمين:

الروايات تذكر أن أحد الأمور التي تتحقق بظهوره عليه السّلام الانتقام من الظالمين و لكن ليس على أساس أن هذا هو الهدف بل هذا أحد ما يتحقق على يد هذه الحكومة الإصلاحية.حكومة إصلاحية لكنها تنتقم من الظالمين،الثأر لدماء الأبرياء، لدماء الأنبياء لدماء الإمام الحسين عليه السّلام،شعارهم«يا لثارات الحسين».

حتّى عندنا رواية تقول إنه لما قتل الحسين عليه السّلام في كربلاء يوم عاشوراء ضجت الملائكة إلى اللّه،إلهنا هذا الحسين يقتل بهذا الشكل و لا تنتقم؟ (2)

اللّه تبارك و تعالى خلق لهم مثل القائم و صوّر لهم صورة القائم،و قال سوف أنتقم بهذا للحسين عليه السّلام،و لهذا ورد في دعاء الندبة«أين الطالب بدم المقتول بكربلاء».

إنا للّه و إنا إليه راجعون و سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون و العاقبة للمتقين و سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا.


1) بحار الأنوار:ج /52ص /336ح 72.

2) بحار الأنوار:ج /51ص /67ح 8.

(/3محرم الحرام1426/ ه) - المحاضرة الثالثة الاشتراك في المنهج

اشارة

تقرأ في هذه المحاضرة الإجابة على الأسئلة التالية:

22-ما هو منهج حركة الأنبياء؟

23-هل تكون حركة الإمام المنتظر عليه السّلام حركة مسلّحة أم تغييرية جماهيرية؟

24-هناك خمس علامات حتميّة للظهور ما هي؟

25-كيف يتمّ التحول الثقافي العالمي في زمن الإمام المهدي عليه السّلام؟

26-من هو أوّل من يبايع الإمام القائم عليه السّلام؟

27-ما هو جواب شبهة أحمد أمين حول الإمام المنتظر؟

28-لماذا لم ينقل البخاري رواية عن الإمام المهدي عليه السّلام؟

29-هل يوجد تعايش سلمي في زمن الإمام لأصحاب الأديان الأخرى؟

30-كيف نفسّر الروايات التي تؤكد خروج الإمام بالسيف؟

31-ما هي نظرية ابن خلدون في عمر الدول و الحضارات و مناقشتها؟

بسم اللّه الرحمن الرحيم

منهج التغيير في خطاب الحسين عليه السّلام:

خطب إمامنا الحسين عليه السّلام أصحاب الحر حينما التقى به في الطريق إلى العراق قائلا:

«أيها الناس إن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله قال:من رأى سلطانا جائرا مستحلا لحرم اللّه ناكثا لعهد اللّه مخالفا لسنة رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله يعمل في عباد اللّه بالإثم و العدوان فلم يغير عليه بفعل و لا قول كان حقا على اللّه أن يدخله مدخله.ألا و إن هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان و تركوا طاعة الرحمن و أظهروا الفساد و عطلوا الحدود و استأثروا بالفيء، أحلوا حرام اللّه و حرموا حلاله و أنا أحقّ من غيّر...». (1)

حديثنا في هذه الليالي كما تعلمون عن(الحركة الإصلاحية من الحسين عليه السّلام إلى المهدي عليه السّلام عناصر الاشتراك و التمايز في الأهداف و المناهج و النتائج).

ليلة أمس تحدثنا عن عناصر الاشتراك بين الحسين و المهدي عليهما السّلام في الأهداف و قرأنا أيضا خطبة لإمامنا المنتظر عليه السّلام أوّل ظهوره و إعلان ثورته في مكّة المكرمة حينما أسند ظهره إلى البيت و خطب الناس بمقاطع و ألفاظ و محاور متقاربة جدا مع خطبة الحسين عليه السّلام أوّل إعلانه للثورة في كربلاء.

حديثنا هذه الليلة عن عنصر آخر من عناصر الاشتراك بين الحركتين و هو عنصر المنهج.

هل ستكون حركة الإمام المنتظر عليه السّلام في المنهج و الأسلوب و الطريقة مشتركة مع منهج الإمام الحسين عليه السّلام في حركته أم يقوم بمنهج آخر،هذا محور حديثنا هذه الليلة.


1) تحف العقول:505.

ثورة تغييرية:

إن نقطة التقاء مهمة بين الثورتين إنها ثورة تغييرية يعني الإمام الحسين عليه السّلام قام بثورة تغييرية و أعلن عن ذلك في خطابه حين قال:«...أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله قال:من رأى منكم سلطانا جائرا فلم يغيرّ عليه،ثم قال:أنا أحقّ من غيّر...»،هذا نسميه ثورة تغييرية،يعني أنّ الإمام الحسين عليه السّلام يريد أن يغيّر الواقع الثقافي و السياسي و الأخلاقي الموجود،و إمامنا المنتظر عليه السّلام أيضا يقوم بثورة تغييرية.

نوعان من الحركة التغييرية:

هناك نوعان من الحركات التغيرية على طول التاريخ:

النوع الأوّل:حركات تغييرية مسلّحة.

النوع الثاني:حركات تغييرية سلميّة.

على طول التاريخ توجد ثورات مسلحة و توجد ثورات تغييرية لكنها ليست مسلحة نسميها تغييرية سلميّة.

فلنوضح هذا الموضوع بالمثال مثلا حركة هتلر كانت حركة مسلحة يريد أن يسيطر على العالم أيضا بعنوان الإصلاح-و نحن هنا لا نتحدث عن الأهداف-و لكن منهج الحركة النازية منهج حركة مسلحة،كاسترو و جيفارا حركتهم في كوبا كانت حركة مسلحة.

ماوتسي تونغ أيضا قام بحركة تغييرية مسلحة.

بينما لا تستطيع أن تقول أن غاندي قام بحركة تغييرية مسلحة،غاندي لم يقم بحركة تغييرية مسلحة،هذا أتركه لمعرفتكم بهذه الحركات و الثورات.

في ماضي التاريخ حركة المغول التاتار حينما زحفوا على العالم الإسلامي و دخلوا بغداد أيضا هذه كانت حركة مسلحة بغض النظر عن

أهدافها هل هي حركة إصلاحية أو هي حركة استبدادية،كان هدفهم التغيير أو كان هدفهم التسلط ذاك بحث آخر.

الليلة حديثنا عن المنهاج و الأسلوب،توجد ثورات مسلحة و توجد ثورات جماهيرية غير مسلحة.

منهج حركة الأنبياء:

إذا لا حظنا حركات الأنبياء:إبراهيم،موسى،عيسى قبلهم نوح عليهم السّلام بعدهم نبينا محمّد صلى اللّه عليه و آله لا نستطيع أن نقول إنها كانت ثورات مسلحة،لا،كانت ثورات تعتمد الإرادة الجماهيرية،ثورات و حركات إصلاحية نسميها أيديولوجية تعتمد على تغيير أفكار الناس،و رؤى الناس و إرادات الناس،و تتم عملية التغيير ليس عن طريق انقلاب عسكري،و لا عبر زحف مسلح كما زحف المغول مثلا على بغداد،جنكيز خان و هولاكو زحفا على بغداد بهدف التسلط لكن بصورة زحف مسلح،الأنبياء لم يقوموا بزحف مسلح بل اعتديّ عليهم بزحف مسلح،هم قاموا بالدفاع،عيسى عليه السّلام لم يقم بحركة مسلحة،موسى عليه السّلام أيضا مع فرعون ما قام بحركة مسلخة ضد فرعون،رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله رغم إنه خاض حروبا كثيرة،بدر و أحد و حنين،و حوالي ثمانين غزوة لكن أنتم تعرفون أن حركة رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله ما كانت حركة مسلحة،لم تكن غزوا مسلحا و اكتساحا عسكريا و إنما كانت تغييرا جماهيريا أيديولوجيا عقائديا،ثم استخدام السلاح في المرحلة الثانية و هذه نقطة تحتاج إلى توضيح،ماذا نقصد بالحركة الجماهيرية؟هل يعني أنها لا تستخدم السلاح أبدا؟

كما يقول الشاعر:

ألقاه في اليم مكتوفا و قال له إياك إياك أن تبتلّ بالماء

الجواب:لا،ليس هذا مقصودنا،المقصود أنه ليس العنصر الأوّل هو السلاح و إنما العنصر الأوّل هو الإرادة البشرية ثم يستخدم السلاح كعنصر

هامشي،القوة،السيف،السلاح عنصر هامشي في مواجهة الأعداء في مواجهة الذين يقطعون الطريق على هداية الشعوب.

رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله استخدم السلاح و لكن أنتم تعرفون أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله ثلاثة عشر سنة في مكّة المكرمة يعذّب أصحابه و يظلمون و هم بدون سلاح،حتى جاء الوحي الإلهيّ يأمره بالهجرة،هاجر أوّل مرة إلى الطائف و هاجر إلى المدينة المنورة، في المدينة المنورة واجه هجوما من قبل جيوش قريش و هنا صارت معركة بدر.

في معركة بدر كانت قريش بقيادة أبي سفيان قد جهزّت جيوشا للزحف على المدينة المنورة،رسول اللّه يومئذ لا يملك سلاحا،يومئذ المسلمون لم يكن عندهم سلاح حتى يقاتلوا،كانت عملية دفاعية،و إذا استخدم السلاح فيما بعد أيضا فهو بهذا الاتجاه أي باتجاه دفاعي.

رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله أوّل ما دخل المدينة المنورة ماذا فعل؟

كان في المدينة المنورة اقتتال عشائري بين الأوس و الخزرج أصلح بينهم، رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله ثنيت له الوسادة و صار أمير القوم بدون قتال،يعني لا يوجد مدع واحد في التاريخ على أن النبي زحف إلى المدينة المنورة زحفا عسكريا أصلا،و إنما بقى في مدخل المدينة المنورة ينتظر عليا ثم دخل المدينة المنورة،و الناس مبتهجون فرحون بانتظار النبي،يعني هي حركة شعبية،حركة جماهيرية استخدام السلاح يأتي بالمرحلة الثانية،هذا معنى الحركة التغييرية السلميّة.

منهج حركة الحسين عليه السّلام:

حركة الحسين عليه السّلام أيضا كانت هكذا حتى نصل بعد ذلك للمقارنة بين حركة الحسين و بين حركة الإمام المنتظر.

حركة الحسين عليه السّلام هل كانت مسلحة أم حركة جماهيرية أيديولوجية سلميّة؟

الآن قد تقولون نحن نعرف أنه كان هناك قتل و قتال و دماء و هذه حركة مسلحة.

الجواب:لا،ليست حركة الحسين عليه السّلام حركة مسلحة،الإمام الحسين كانت حركته حركة تغييرية عقائدية و استخدام السلاح للدفاع عن نفسه و أهله و لم يكن الإمام الحسين عليه السّلام مهيئا للقتال،و لا قام بعملية غزو عسكري،بدليل ما يتفق عليه التاريخ كله أن الإمام الحسين خرج من مكّة المكرمة بدون قوات عسكرية و في الطريق كان يلتقي بأعراب من هنا و هناك،و ما ذكر التاريخ مرة واحدة أن الحسين عليه السّلام غزا مجموعة منهم،أو أنه كان يدعوهم عنوة للالتحاق به،لقد التحق به جمع كثير طلبا للعافية و الملك و ليس على أساس القتال.

التاريخ يذكر أن الإمام الحسين عليه السّلام تلقى رسائل من أهل الكوفة «أن أقدم إلينا فانه ليس علينا إمام» (1)

«...فكتبوا:بسم اللّه الرحمن الرحيم...للحسين بن عليّ أمير المؤمنين،من سليمان بن صرد الخزاعى،و المسيب بن نجية،و رفاعة بن شداد،و حبيب بن مظاهر،و عبد اللّه بن وائل،و شيعة من المؤمنين،سلام عليك.أمّا بعد فالحمد اللّه الذى قصم عدوك و عدو أبيك من قبل الجبار العنيد الغشوم الظلموم الذى ابتز هذه الأمّة أمرها و غصبها فيئها و تأمر عليها بغير رضى منها ثم قتل خيارها و استبقى شرارها و جعل مال اللّه دولة بين جبابرتها و عتاتها فبعدا له كما بعدت ثمود ثم إنه ليس علينا إمام غيرك فأقبل لعل اللّه يجمعنا بك على الحق و النعمان بن بشير في قصر الإمارة و لسنا نجمع معه في جمعة و لا جماعة و لا نخرج معه في عيد و لو قد بلغنا إنك أقبلت أخرجناه حتى يلحق بالشام و السلام عليك و رحمة اللّه و بركاته يابن رسول اللّه و على أبيك من قبلك و لا حول و لا قوة إلا باللّه العلى العظيم».

تعال نحن نبايعك،أرسل الحسين عليه السّلام مسلم بن عقيل لكي يستخبر الحال فان رآهم كما قالوا أخذ منهم البيعة، و كتب مسلم للحسين عليه السّلام أن الأمر كما جاءت به كتبهم،إذن هي ثورة جماهيرية يعني مثل حركة النبي عندما دخل المدينة كان الناس مهيئين».

1) روى السيد ابن طاووس في اللهوف ص 23:

لاستقبال النبي،في الكوفة هكذا قالوا للحسين حينما أرسل مسلم بن عقيل، بايعه ثمانية عشر ألف بلا أية عملية مسلحة،ثم كتب مسلم بن عقيل للإمام الحسين عليه السّلام:«إنه قد بايعني من أهل الكوفة ثمانية عشر ألفا» (1)

«أن الرائد لا يكذب أهله،و قد بايعني من أهل الكوفة ثمانية عشر ألف رجل،فأقدم، فإن جميع الناس معك،و لا رأي لهم في آل أبي سفيان».

هذه الكوفة ممّهدة لك،هذه حركة تغييرية جماهيرية أصلا بلا حاجة إلى قتال مسلح.

و لهذا كما تعرفون فالإمام الحسين عليه السّلام حينما التقى بالحر الرياحي و قطع عليه الطريق،تعرفون ماذا قال له زهير بن القين؟

قال له:يا أبا عبد اللّه هذا الحر و أصحابه أهون علينا ممن سيأتي بعدهم تعال نقاتلهم.فقال له الإمام الحسين:«إنى أكره أن أبدأهم بقتال»، (2)ثم خطب أصحاب الحر و صلّى بهم جماعة بهدف تغييريهم عقائديا و جذريا عسى أن يميلوا إلى الحقّ و لم ينفع ذلك إلى أن اصطف الصفان في كربلاء،و وجد الحسين عليه السّلام أن لا خيار أمامه إلاّ أن يستبسل أو يستسلم للطاغية يزيد.

إذن حركة الحسين عليه السّلام لم تكن حركة مسلحة و إنما اضطر الحسين عليه السّلام للقتال دفاعا عن نفسه و دفاعا عن عياله.

منهج حركة الإمام المهدي عليه السّلام:

أمّا إمامنا المنتظر عليه السّلام فحركته و ثورته العالمية كيف ستكون؟

هل هي على طريقة الزحف العالمي المسلح؟و خوض حرب عالمية يقودها الإمام و يفتح العراق،و يفتح الشام و يفتح فلسطين و يفتح الروم و يفتح الصين كما تقول الروايات؟-و سأقرأ عليكم بعض هذه الروايات-.


1) الأخبار الطوال للدينوري/ص 243:

2) انظر روضة الواعظين:180.

هذا منظر-ربما هو بالنسبة لكثير منكم-منظر جميل،صورة زحف عالمي يقوده صاحب الزمان،و أنتم من شيعته و جنوده.

أم هي حركة جماهيرية و إنّ استخدام السلاح هو الهامش و ليس هو الأصل؟هذه الحركة مثل حركة الأنبياء عليهم السّلام هناك استخدام للسلاح لكن هو الهامش و ليس هو الأصل؟

الجواب:إنّ حركة الإمام المنتظر هي حركة تغييرية جماهيرية ليست مسلحة، يعني العملية ليست عملية زحف مسلّح كما قام ماوتسي تونغ من الجبال و زحف على الصين و شكّل الجمهورية الشعبية الديمقراطية الاشتراكية الصينية،أو من قبيل الاتحاد السوفيتي حينما قام لينين و بعده ستالين باستقطاع شعوب و دول من العالم و ضّمها عنوة إلى دولة كبرى اسمها الاتحاد السوفيتي عبر غزو مسلح و انقلابات عسكرية هنا و هناك،(حركة الإمام المنتظر عليه السّلام)،ليست كذلك،إنما هي حركة أيديولوجية تغييرية ثقافية،السلاح يستخدم فيها كآخر شيء.

هذا الأمر يحتاج إلى استدلال و وقوف لدراسة روايات لطيفة في هذا المجال.

لمحة عن حركة الإمام عليه السّلام:

أنا الفت نظركم إلى مجموعة آفاق في هذا الشأن:

لا حظوا:إمامنا المنتظر أوّل ظهوره في المدينة المنورة و يومئذ يكون العراق و الشام قد سقطا بيد قائد عسكري طاغ اسمه السفياني،هناك طاغية دكتاتور يكون قد سيطر على الشام و العراق فلما تبلغه نهضة الإمام المنتظر في المدينة المنورة يقوم السفياني بالزحف على المدينة المنورة و الإمام المنتظر فيها.

الإمام دوره هنا أن يغيّر موقع المعركة،ينتقل الإمام كما تقول الروايات من المدينة المنورة-ربما لتكتيك عسكري أو لشيء آخر اللّه العالم-ينتقل إلى مكّة المكرمة و حينئذ تسقط المدينة المنورة في يد السفياني و قواته العسكرية و الإمام حينئذ

موجود بمكّة المكرمة و هنا في مكّة يعلن عن ثورته العالمية،و من مكّة ينطلق و يعلن عن الثورة العالمية،فأوّل من يبايعه جبرائيل يهبط و يبايعه بثلاثة آلاف من الملائكة و لا يزحف الإمام لتحرير المدينة المنورة من يد السفياني إلاّ بعد أن يستكمل عنده من أنصاره و شيعته عشرة آلاف يلتحقون به من هنا و هناك قزعا كقزع الخريف يعني سحبا قطعا قطعا مسرعة إليه يجتمع عنده عشرة آلاف،حينئذ تبدأ عملية التحرير لكبرى لكنها أيضا ليست عملية مسلحة،الروايات المؤكدة تقول أن السفياني يكون قد سيطر على المدينة المنورة حينما يعرف أن المهدي المنتظر خرج في مكّة المكرمة بقوم بزحف كبير.زحف قوات كبيرة من المدينة المنورة إلى مكّة و في الطريق بخسف اللّه تبارك و تعالى بهم الأرض جميعا فلا ينجو منهم إلاّ ثلاثة-أو واحد- يرجعون يخبّرون بالحادثة التي حدثت و إن الأرض قد ابتلعت كل هؤلاء،زلزال كبير يبتلع كل هذا الجيش الذي عدده ثلاثة آلاف،و هذه علامة من العلامات الخمس.

علامات الظهور:

يوجد علامات خمس تذكرها العديد من الروايات (1)

عن أبي عبد اللّه الصادق عليه السّلام قال:«خمس قبل قيام القائم عليه السّلام:اليماني و السفياني و المنادي ينادي من السماء و خسف بالبيداء و قتل النفس الزكية».و ص /304ح 74.

و هي متفق عليها عند الشيعة و عند السنة لظهور الحجة المنتظر عليه السّلام:

العلامة الأولى:الصيحة في السماء.

العلامة الثانية:السفياني و ظهوره.

العلامة الثالثة:الخسف بالبيداء.

العلامة الرابعة:ظهور اليماني.

العلامة الخامسة:قتل النفس الزكية بين الركن و المقام.


1) بحار الأنوار:ج /52ص /203ح 29:

خمس علامات يصفها العلماء و المؤرخون لظهور الإمام المهدي عليه السّلام بأنها علامات حتمية،يعني هذه خمس علامات حتمية غير قابلة للشك و كثير من الروايات تذكر هذه العلامات الخمس.

الصيحة:نداء بالسماء يسمعه كل الخلق،صيحة واحدة و ذلك إذا ظهر المهدي في مكّة المكرمة.

السفياني:ثم ظهور السفياني.

الخسف:و الخسف به بين المدينة و مكّة.

اليماني:و ظهور اليماني من اليمن،قائد اسمه اليماني من الموالين لحركة الإمام المنتظر عليه السّلام.

النفس الزكية:ثم قتل النفس الزكية بين الركن و المقام.

على كل حال هذه خمس علامات نحن ذكرناها استعراضا و ربما سنعود إليها،و محور حديثنا باتجاه معرفة أن حركة الإمام المنتظر هي حركة مسلحة أم حركة جماهيرية سلمية و بهذا الشرح قد بينت لكم أنها حركة جماهيرية سلمية و ليست حركة مسلحة،و لهذا يخرج من المدينة فيذهب إلى مكّة و يواجه زحف السفياني هذه مجموعة روايات أنا أقرا لكم بعضها للاستفادة.

الرواية التي تقول عن أبي عبد اللّه الصادق عليه السّلام قال:

«خمسة قبل قيام القائم اليماني و السفياني و المنادي ينادي من السماء و خسف بالبيداء و قتل النفس الزكية»،روايات كثيرة في نفس هذا المعنى تتكرر.

قد تتساءلون ما هي الصيحة؟يعني النداء،هناك رواية تقول أن النداء بهذا الشكل عن إمامنا الصادق عليه السّلام يقول:

«و النداء من المحتوم،و خروج القائم من المحتوم».

قلت:و كيف النداء؟

قال:«ينادي منادي من السماء أوّل النهار ألا ان عليّا و شيعته هم الفائزون». (1)

هناك روايات كثيرة في هذا المجال تؤكد أن الصيحة و النداء من العلامات الحتمية،الخسف بالبيداء أيضا و قد شرحته لكم،اليماني كما ذكرت لأنه يخرج من اليمن فيسمى اليماني لأن حركته من اليمن من جنوب مكّة المكرمة،يلتحق بالإمام المنتظر عليه السّلام و ينصره.

أنا بهذا الصدد لديّ رواية جميلة تستحق أن أقرأها لكم الرواية هكذا تقول عن الإمام الباقر عليه السّلام في بعض ما يقول:

«عندما يخرج المهدي عليه السّلام من المدينة المنورة على سنّة موسى عليه السّلام خائفا يتّرقب حتى يقدم مكّة و يقبل الجيش-يعني جيش السفياني-و ينزل البيداء-يعني بالعراء بين مكّة و المدينة مسافة حوالي(460 كم)-حتّى إذا نزل البيداء خسف بهم،و لا يفلت منهم إلاّ المخبر-يذهب فيعطي خبر زلزال عظيم-فيقوم القائم بين الركن و المقام فيصلي و يقول أيها الناس فيجيبه ثلاثمائة و بضع عشر رجلا فيهم خمسون امرأة». (2)

لا حظوا:خمسون امرأة يشاركن في العملية التغييرية التي يقودها الإمام المنتظر في خلّص أصحابه يعني(313)ليس كلهم رجالا،بل بينهم خمسون امرأة أيضا و بعض الروايات تقول(13)امرأة (3)

عن المفضل بن عمر،قال:سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول:يكر مع القائم عليه السّلام ثلاث عشرة امرأة. قلت:و ما يصنع بهن؟قال:يداوين الجرحى،و يقمن على المرضى،كما كان مع رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله.

«يجتمعون بمكّة على غير ميعاد قزعا كقزع الخريف يتبع بعضهم بعضا،ثم يخرج من مكّة و من معه و هم هؤلاء الثلاثمائة و بضعةه.

1) بحار الأنوار:ج /52ص /305ح 75.

2) بحار الأنوار:ج /52ص /223ح 87.

3) دلائل الإمامة:ص /484ح 84/480:

عشر يبايعونه بين الركن و المقام معه عهد النبي و رايته و سلاحه و وزيره فينادي المنادي بمكّة باسمه و أمره من السماء حتّى يسمعه أهل الأرض كلهم».

إذن الإمام حركته لحد الآن حركة تغيير سلميّ.

و بعد هذا يزحف إلى المدينة المنورة لمواجهة السفياني و بعد تطهير المدينة ينسحب إلى العراق و تكون هناك معركة عظيمة بين جيش السفياني و جيش الحسني الذي يأتي من خراسان لنصرة الإمام المهدي عليه السّلام و يهزم السفياني و يتحرر العراق كاملا،و تتحرر الشام بيد الإمام المنتظر و تتحرر فلسطين أيضا و الروايات تقول تتحرر الروم و كذلك الصين و تبدأ حركة عظيمة عالمية للإمام عليه السّلام يخضع فيها العالم كله لحكم الإسلام. (1)

عن أبي جعفر عليه السّلام في حديث طويل أنه قال:إذا قام القائم،سار إلى الكوفة،فهدم بها أربعة مساجد،و لم يبق مسجد على الأرض له شرف إلا هدمها،و جعلها جماء،و وسع الطريق الأعظم،و كسر كل جناح خارج عن الطريق،و أبطل الكنف و الميازيب إلى الطرقات،و لا يترك بدعة إلا أزالها،و لا سنة إلا أقامها،و يفتتح قسطنطينية و الصين و جبال الديلم،فيمكث على ذلك سبع سنين مقدار كل سنة عشر سنين من سنيكم هذه، ثم يفعل اللّه ما يشاء.قال:قلت له:جعلت فداك فكيف تطول السنون؟قال:يأمر اللّه تعالى الفلك باللبوث،و قلة الحركة فتطول الأيام لذلك و السنون قال:قلت له:إنهم يقولون:إن الفلك إذا تغير فسد،قال:ذلك قول الزنادقة فأما المسلمون فلا سبيل لهم إلى ذلك،و قد شق اللّه القمر لنبيه صلى اللّه عليه و آله ورد الشمس من قبله ليوشع بن نون،و أخبر بطول يوم القيامة،و أنه كألف سنة مما تعدون.

التحاق الشيعة:

و هنا من المفيد أن أقرأ لكم هذه الرواية التي تتحدث عن أن الشيعة يلتحقون بالإمام المنتظر تقول الرواية:

«إذا قام قائمنا أذهب اللّه عز و جل عن شيعتنا العاهة،و جعل قلوبهم كزبر


1) بحار الأنوار:ج /52ص /339ح 84:

الحديد،و جعل قوة الرجل منهم كقوة أربعين رجلا،و يكونون حكّام الأرض و سنامها-يعني هم يقودون الحركة التغييرية-».

في رواية عن الإمام الباقر عليه السّلام:«فإذا وقع أمرنا و جاء مهدينا كان الرجل من شيعتنا أجرى من ليث-يعني أسرع من الأسد-و أمضى من سنان -يعني أحدّ من الرمح-يطأ عدوّنا برجليه و يضربه بكفيه و ذلك عند نزول رحمة اللّه و فرجه على العباد». (1)

التعايش السلمي:

الروايات تقول:إن الإمام عليه السّلام يقبل النصارى فيدخلون في إطار دولته و يأخذ منهم الجزية،و هذا يعني أنه لا يوجد هناك إرهاب فكري أمّا أن تدخل الإسلام أو تقتل،لا بل يمكنك أن تبقى في دولة الإمام المنتظر و مثل ما يعطي المسلمون الزكاة و الخمس أنتم تعطون الجزية أيضا. (2)

عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه السّلام:«...قلت:فما يكون من أهل الذمة عنده؟قال: يسالمهم كما سالمهم رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله،و يؤدون الجزية عن يد و هم صاغرون قلت: فمن نصب لكم عداوة؟فقال:لا يا أبا محمّد ما لمن خالفنا في دولتنا من نصيب إن اللّه قد أحل لنا دماءهم عند قيام قائمنا،فاليوم محرم علينا و عليكم ذلك فلا يغرنك أحد، إذا قام قائمنا انتقم للّه و لرسوله و لنا أجمعين».

لا حظوا إذن هناك تعايش اجتماعي و تبادل ثقافي كما نسميه في أيامنا هذه.

الحركة الثقافية:

إنّ حركة الإمام المنتظر حركة ثقافية في البداية،و حركة عقائدية أيضا.

هناك رواية مضمونها:«إنّ الإمام المنتظر إذا خرج يمسح بيده على


1) بحار الأنوار:ج /52ص /318ح 17.

2) بحار الأنوار:ج /52ص /376ح 177:

رؤوس الخلائق فيهتدون و يدخلون هذا الدين»يعني عملية تغيير عقلي،عملية تغيير أيديولوجي.

رواية جميلة في هذا المجال تستحقق أن أقرأها لكم،الرواية هكذا تقول:

«إذا قام قائمنا وضع يده على رؤوس العباد،فجمع بها عقولهم و كملت بها أحلامهم». (1)هذا ماذا يعني في اصطلاحنا المعاصر؟

إنّ الحركة حركة تغيير ثقافي و تغيير في قلوب هؤلاء الناس.

نحن الآن في العراق إذا أردنا أن نقيّم الموقف الحالي و نرسمه و نصوّره نجد أنه كأن يدا مسحت على رؤوس العراقيين،و خاصة الشيعة فوحّدت صفوفهم لخوض العملية السياسية و هذا شيء عجيب،و غريب في الحقيقة،كأن يدا مسحت على قلوب هؤلاء الناس فحسّنت أخلاقهم و وحدت عقولهم بحيث أصبح الجميع ينادي بالانتخابات و يدعو لخوض العملية السياسية و انتصرنا هذا الانتصار العجيب.

لا حظوا ماذا تقول إحدى الروايات:

عن الإمام الصادق عليه السّلام:«العلم سبع و عشرون حرفا فجميع ما جاءت به الرسل حرفان فلم يعرف الناس غير الحرفين-يعني كل هذا التقدم العلمي الموجود الآن في العالم و كذلك حركة الأنبياء و بشائرهم و كتبهم و شرائعهم،هي عبارة عن استخدام فصلين من سبع و عشرين فصلا من العلوم،يعني هذا الكتاب العلمي مؤلف من سبع و عشرين فصلا و لحد الآن قرأت البشرية الفصل الأوّل و الثاني فقط و إذا ظهر إمامنا المنتظر عليه السّلام أخرج الخمسة و العشرين حرفا و قدّمها للناس». (2)

عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:«العلم سبعة و عشرون حرفا فجميع ما جاءت به الرسل حرفان فلم يعرف الناس حتى اليوم غير الحرفين،فإذا قام قائمنا أخرج الخمسة و العشرين حرفا فبثها في الناس،و ضم إليها الحرفين،حتى يبثها سبعة و عشرين حرفا».

».

1) بحار الأنوار:ج /52ص /328ح 47.

2) بحار الأنوار:ج /52ص /336ح 73:

قدّروا التطور العلمي و الثقافي الذي سيكون يومئذ،العالم الآن منشغل بالتطور العلمي،و نحن الآن في بيوتنا نطّلع على ما يجرى في كل العالم،نشاهده عبر الشاشات و هذا من العجائب،إذن إلى أين سوف تصل البشرية في تطورها العلمي؟

حركة الإمام المنتظر إذن نستطيع أن نسميها حركة تغييرية أيديولوجية ثقافية عقائدية.

مناقشة روايات السيف:

لكن قد تقول أن هناك عشرات النصوص (1)

عن زرارة،عن أبي جعفر عليه السّلام قال:قلت له:صالح من الصالحين سمه لي أريد القائم عليه السّلام فقال:اسمه اسمي،قلت:أيسير بسيرة محمّد صلى اللّه عليه و آله؟قال:هيهات هيهات يا زرارة ما يسير بسيرته![قلت:جعلت فداك لم؟]قال:إن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله سار في أمّته باللين كان يتألف الناس،و القائم عليه السّلام يسير بالقتل،بذلك أمر،في الكتاب الذي معه:أن يسير بالقتل و لا يستتيب أحدا،ويل لمن ناواه.

و ص /354ح 113:

عن محمّد قال:سمعت أبا جعفر عليه السّلام يقول:«لو يعلم الناس ما يصنع القائم إذا خرج لأحب أكثرهم أن لا يروه مما يقتل من الناس،أما إنه لا يبدء إلا بقريش،فلا يأخذ منها إلا السيف و لا يعطيها إلا السيف حتى يقول كثير من الناس:ليس هذا من آل محمّد،لو كان من آل محمّد لرحم».

و ح 114:

عن أبي بصير قال:قال أبو جعفر عليه السّلام:«يقوم القائم بأمر جديد،و كتاب جديد،و قضاء جديد على العرب شديد،ليس شأنه إلا بالسيف لا يستتيب أحدا و لا يأخذه في اللّه لومة لائم».

و ح 115:

عن أبي بصير،عن أبي عبد اللّه عليه السّلام أنه قال:ما تستعجلون بخروج القائم؟فو اللّه ما لباسه إلا الغليظ،و لا طعامه إلا الجشب،و ما هو إلا السيف و الموت تحت ظل السيف».

و ص /355ح 116:

عن أبي بصير،عن أبي عبد اللّه عليه السّلام أنه قال:«إذا خرج القائم لم يكن بينه و بين العرب و قريش إلا السيف[ما يأخذ منها إلا السيف]و ما يستعجلون بخروج القائم؟و اللّه ما طعامه إلا الشعير الجشب و لا لباسه إلا الغليظ،و ما هو إلا السيف و الموت تحت ظل السيف».

تقول:«أن الإمام المنتظر

1) بحار الأنوار:ج /52ص /353ح 109:

يستخدم السيف و يكثر القتل بالناس حتى يودّون لو لم يكن قد خرج من كثرة ما يحدث من قتال».

أقرأ لكم بعض هذه الروايات ثم نقف لنفسر هذه الروايات التي تصوّر القضية مثل ما تصوّر لنا قضية جنكيز خان في معاركه،سيف و ذبح و قتل حتى يوّد أصحابه أن لا يكون قد خرج لكثرة ما يقتل من الناس،مع أن هذه الروايات نفسها تسمي يوم ظهوره يوم الرحمة و نزول الرحمة من اللّه تعالى.

تقول الرواية:

«لو قد خرج قائم آل محمّد عليهم السّلام لنصره اللّه بالملائكة المسوّمين و المردفين و المنزلين و الكروبيين يكون جبرائيل أمامه و ميكائيل عن يمينه و إسرافيل عن يساره و الرعب مسيرة شهر أمامه و خلفه و عن يمينه و عن شماله،و الملائكة المقربون حذاه، أوّل من يتبعه محمّد صلى اللّه عليه و آله و عليّ عليه السّلام الثاني،و معه سيف مخترط-يعني مشهور-، -السيف رمز للسلاح-،يفتح اللّه له الروم و الصين و الترك و الديلم و السند و الهند و كابل شاه و الخزر...» (1)هذه كلها تفتح لإمامنا المنتظر عليه السّلام.

رواية أخرى تقول عن الباقر عليه السّلام:

«لو يعلم الناس ما يصنع القائم إذا خرج لأحبّ أكثرهم أن لا يروه مما يقتل من الناس...». (2)

رواية أخرى تقول:


1) بحار الأنوار:ج /52ص /348ح 99.

2) بحار الأنوار:ج /52ص /354ح 113.

«...ما يستعجلون بخروج القائم و اللّه ما طعامه إلاّ الشعير الجشب و لا لباسه إلاّ الغليظ و ما هو إلاّ السيف و الموت تحت ظل السيف». (1)

هذا كله تصوير عن معركة عظمى شبيهة بالحرب العالمية و الغزو المسلح يقوم به الإمام المنتظر و هذه الروايات تعطي مثل هذه الدلائل.

و لكن من خلال التأمل و مراجعة مجموع هذه الروايات سنكتشف شيئا آخر.

أن حروب الإمام المنتظر هي حروب دفاعية في الحقيقة،و الأداة التغييرية هي أداة فكرية ثقافية،لكن حينما يتعرض الإمام لهجوم من قبل السفياني،و لتمود داخلي، أو هجوم من قبل الأعداء خاصة اليهود،حينئذ الإمام المنتظر عليه السّلام سيصل إلى فلسطين و يلا حق اليهود حتى لا يبقى حجر إلاّ و هو يقول يا مسلم خلفي يهودي فيقتلونه.

إن مجموعة مؤامرات تحاك ضد الإمام المنتظر،مجموعة انشقاقات داخلية ستكون أيام الإمام المنتظر،ثم يقوم الإمام بتصفيتها«و يلقى من الناس أذى أشد مما لقيه الرسول صلى اللّه عليه و آله»،الرواية تقول يلقى الإمام المنتظر عليه السّلام أذى كثيرا بذلك المستوى الذي لاقاه الرسول صلى اللّه عليه و آله أو أكثر من ذلك.

الرواية عن الإمام الصادق عليه السّلام:«إن قائمنا إذا قام استقبل من جهلة الناس أشد مما استقبله رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله من جهال الجاهلية...». (2)

رسول اللّه لم يكن لديه أحد،و ليس الغرض أن يخوض حربا مسلحة، و عملية التغيير يجب أن تحدث فكريا و أيديولوجيا.

يقول عليه السّلام:«...كأني بقائم أهل بيتي قد أشرف على نجفكم هذا و أومأ بيده[إلى]ناحية الكوفة فإذا هو أشرف على نجفكم نشر راية رسول اللّه فإذ هو نشرها انحطت عليه ملائكة بدر...». (3)0.


1) بحار الأنوار:ج /52ص /355ح 116.

2) بحار الأنوار:ج /52ص /362ح 131.

3) بحار الأنوار:ج /52ص /361ح 130.

قدمت لكم مجموعة شواهد في هذا المجال كنماذج للتدليل على أن حركة الإمام المنتظر عليه السّلام هي حركة تغييرية غير مسلحة بالأصل.

مع الدكتور أحمد أمين:

في هذه الليلة نصل إلى مناقشة الدكتور أحمد أمين،الدكتور و هو مؤرخ مصري صاحب كتاب(فجر الإسلام)و(ضحى الإسلام)و(ظهر الإسلام)،له كتاب اسمه(المهدي و المهدوية)يناقش فيه فكرة الإمام المنتظر و يستبعدها و يقدم استدلالات لنفي هذه الفكرة الثابتة بالضرورة في الفكر الإسلامي السني و الشيعي.

و قلت لكم إن خمسين صحابيا روى هذه الرواية و خمسين تابعيا أيضا، و صاحب كتاب كنز العمال وحده قدم(247)رواية في الإمام المهدي، و هؤلاء من علماء السنة المؤرخين و المحدثين و من الشيعة أكثر من ذلك.

لكن أحمد أمين يقدّم مناقشة نقدية للفكرة.

يقول:إنّ نظرية الإمام المهدي اضطر لها الشيعة نتيجة الهزيمة السياسية التي حلّت بهم،إن هذه الأمّة مهزومة فاضطروا أن يمنّوا أنفسهم بالأماني و أنه عندنا قائد منتظر،و سيظهر و سيأخذ بثاراتنا،القضية قضية معالجة إحباطات نفسية في قلوب الناس.

في أيام عبد الكريم قاسم أوّل رئيس جمهورية في العراق لما قتل نزلت شائعة تقول إن عبد الكريم قاسم صعد للقمر و سيظهر فيما بعد و ينزل مرة أخرى،الحقيقة أنها كانت هزيمة أرادوا أن يملأوا فيها الفراغ النفسي عندهم بمثل هذه الشائعة.

أحمد أمين هكذا يصوّر القضية:أن الشيعة نتيجة هزيمة قد أحاطت بهم على طوال التاريخ اضطروا أن يفتعلوا قضية ظهور الإمام المهدي في آخر الزمان.

كلمات ابن خلدون:

ثم يستشهد أيضا بكلمات ابن خلدون.

ابن خلدون المؤرخ المعروف و الشهير في القرن الثامن له كتاب (مقدمة ابن خلدون)و أصل الكتاب أسمه:(كتاب العبر و ديوان المبتدأ و الخبر في أخبار العرب و العجم و البربر)،و هو من الكتب التراثية الرائعة.

ابن خلدون أساسا عنده نظرية في علم الاجتماع و هو عالم و مؤرخ اجتماعي لكن مشكلته أنه يفرض هذه النظريات غير القطعيّة على الرؤى القرآنية و الثابتة في النصوص القطعيّة،يحاول أن يفرضها فرضا على النصوص بمعنى يمارس الاجتهاد في مقابل النص،و سوف أحدثكم عنه قليلا إذا كان في الوقت متسع.

ابن خلدون هكذا يقول و على أثره جاء أحمد أمين يكرر نفس النتائج التي يصل إليها:إن قضية الإمام المهدي هي ردة فعل لهزيمة الشيعة.

دليل ابن خلدون:

ابن خلدون هكذا يقول:

أوّلا:إن الدولة لا تقوم إلاّ على أساس عصبية،يعني التعصب،هو باعتباره مؤرخا و محللا اجتماعيا يقول:إن كل دولة من الدول تحتاج إلى قائد متعصب،ليس عصبيا باصطلاحنا اليوم يعني منفعل،و إنما المتعصب بمعنى حازم و شديد و صاحب إصرار و عناد بالغ على أفكاره و نظريته،إن أية دولة لا تقوم بدون عصبية.

ثانيا:و يرى ابن خلدون:إن الدولة سوف لا يكون عمرها الطبيعي إلاّ عمر ثلاثة أجيال تاريخيا،هكذا يقرأ الدولة أقصى عمرها مائة و عشرون سنة أية دولة من الدول أو حضارة من الحضارات تبدأ بمرحلة فتوة ثم مرحلة ركود ثم مرحلة انهيار، مثل الولد يمر بعملية نمو حتى يصل مثلا إلى 25 عاما و من 25 إلى 45 عاما ركود و من

45 إلى ما بعدها مرحلة انهيار،يقول ابن خلدون الدولة عمرها ثلاثة أجيال و كل جيل عمره 40 سنة،فيكون المجموع 120 سنة.

الدولة بعد أن يصل عمرها إلى 120 سنة تموت،أيّ حضارة من الحضارات، و هكذا يقدم ابن خلدون تحليلا في هذا الشأن يستند في هذا التحليل إلى هذه النظرية أن الدولة أوّل أمرها تقوم على أساس العصبية البدوية و الجيل الأوّل جيل متعصب و هو الذي يقوم بتأسيس الدولة،بعده يأتي جيل ثان،جيل مرفّه نسبيا لم يشترك في تأسيس الحكم و صعوبته و إنما جاء و استلم حكما قائما فكأنه عاش بين العصبية و بين الدلال و النعومة يحكم أربعين سنة،بعدها يأتي جيل جديد لم يشهد شيء من الشدة و العصبية و إنما جيل ترف،هذا الجيل الأخير لا يجد عنده نوعا من العصبية،فتبدأ الدولة معه بالاضمحلال و تنتهي.

و يقدم ابن خلدون هذا التحليل و في ضوئه يستبعد إقامة دولة عالمية دائمة تملأ الأرض قسطا و عدلا بعدما ملئت ظلما و جورا.

ثالثا:يقول ابن خلدون:أن أهل البيت عليهم السّلام أناس عندهم عطف و رحمة و الدولة لا تقوم عند أناس من هذا القبيل لا بدّ من عصبية و أهل البيت لا يوجد عندهم عصبية،إذن المهدي كيف يقوم بدولة و لا توجد عنده عصبية!؟

مناقشة ابن خلدون:

هذا التحليل في الحقيقة يمكن أن يناقشه أحد من زاوية اجتماعية و تاريخية و يمكن قبوله،و نحن الآن لسنا بصدد مناقشته في علم الاجتماع و التاريخ،لكن من زاوية أخرى أننا في الفكر الإسلامي لا نسمح لأنفسنا فرض الاجتهاد و الرأي التحليلي الخاص على النص الثابت إسلاميا.

و من الممكن وجود آراء و نظريات و لكن إذا أصبح كل واحد يفرض نظريته على النص الإسلامي فلا يبقى من القرآن شيء.

مثلا القرآن يقول: وَ لَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ (1)لكن الولايات المتحدة الأمريكية-مثلا-ترفع شعار إلغاء قانون القصاص في العالم،فلا يوجد قصاص،حتى إذا كان ظالم مثل صدام يقتل آلاف الناس و هناك قبور جماعية، و إحراق قرى حتى أطفالها و نسائها،يقال:لا يجوز أن يقتل هذا المجرم قصاصا.

أنا لا أناقش ابن خلدون من ناحية علميّة بل أناقشه من ناحية إسلاميّة،نحن إسلاميا نعتقد أنّ ما يقوله القرآن لا يجوز أن يخضع إلى الرأي الشخصي حتى لو كان الشخص بروفسور بعلم الاجتماع و التاريخ بل يجب أن يخضع رأيه للحكم القرآني.

ابن خلدون و غيره أصبح يفكر بطريقة فرض الاجتهاد الشخصي على الثوابت الدينية،هو قد توصل إلى نظرية،و هي نظرية تقبل الصواب و الخطأ،يمكن أن تكون صحيحة،و يمكن بعد مئة سنة تتغير و يكتشفون شيئا آخر ضد هذه النظرية،فكيف نرفض ما ثبت بالنص الصحيح استنادا إلى اجتهادية غير يقينية.

النص الثابت عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله:«لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من ولدي يواطيء اسمه اسمي يملأ الأرض قسطا و عدلا»كيف تطرح هذه النصوص الثابتة لصالح نظرية اجتهادية؟هذا غير مقبول،و هو ما نسميه(اجتهاد في مقابل النص).

نحن نقول هذا النص القرآني الذي يؤكد قيام الدولة العالمية الصالحة هو نص مقدس و الروايات الثابتة تؤكد ان تلك الدولة تقدم على يد الإمام المهدي عليه السّلام،هذه يجب أن نقبلها لأنها مستندة للوحي و مستندة إلى مصدر أعلم منا و هو اللّه تبارك و تعالى و لا يمكن تجاوز هذه النصوص الثابتة بالضرورة في الفكر الإسلامي.

مناقشة أحمد أمين:

أحمد أمين يقول إن فكرة الإمام المنتظر عبارة عن ردة فعل لهزيمة الشيعة،و علماؤنا يناقشون هذا الأمر في أكثر من مناقشة:


1) البقرة:179.

مثلا الشهيد الصدر رضوان اللّه عليه في كتابه(بحث حول المهدي) يناقش الفكرة مناقشة سريعة،و الأستاذ عدنان البكاء يناقشها مناقشة مفصّلة في كتاب الإمام المنتظر و العلامة الشيخ محمّد أمين زين الدين يناقشه أيضا مناقشة جيدة في هذا الأمر.

و خلاصة المناقشة ببساطة و وضوح أن هذه الروايات التي تتحدث عن الإمام المهدي و قيام الإمام المهدي و دولته هي ليست روايات من مصطنعات الشيعة،هذه الروايات يذكرها الصحابة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله،بل هي ثابتة في تاريخ الأديان قبل الإسلام،يعني هناك تباشير دينّية سماوية بالقائم المهدي عليه السّلام سواءا كان عيسى عليه السّلام أو غيره،و لكن أصل الفكرة ثابت،إذن فكرة المصلح العظيم الذي يخرج في آخر الزمان هذه الأديان بشّرت بها،و قد ظهرت هذه الفكرة أيضا في زمن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله قبل أن يكون هناك تكتل مذهبي للشيعة أو هزيمة سياسية لهم،إذن هذا في الحقيقة مجرد فرض و من الممكن للباحث أن يقدم مجموعة فرضيات لكن المهم هو التأكد من مدى علمية هذه الفرضيات.

نحن نقول:إن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله نبي يوحى إليه و يمكن لشخص آخر مثل (ميشيل عفلق)أن يقول هذا الرجل ليس بنبي،و هو وضع القرآن من عنده لا نبوة و لا وحي،هذه فرضية لكن لا يجوز فرضها بدون دليل على الواقع،فإذا أصبحت الحقائق العلمية تفرض عليها الفرضيات إذن لا يبقى شيء من الحقائق العلمية ثابتا،الفرضيات ما لم تتمتع بحجة علمية و بدليل و بإثباتات علمية فأنه لا قيمه لها.

البخاري لم ينقل روايات المهدي عليه السّلام:

يستند ابن خلدون و أحمد أمين كذلك في تشكيكهم بقضية الإمام المهدي عليه السّلام إلى شبهة أخرى و هي إنه لماذا روايات الإمام المهدي لم يذكرها البخاري في صحيحه.

البخاري هو أحد المحدّثين الكبار عنده كتاب اسمه(صحيح البخاري)هذا المؤلف و هو إمام من أئمّة السنة لم يذكر أخبار الإمام المهدي عليه السّلام و لكن ذكرتها كتبهم الأخرى،عشرات الصحاح ذكرتها لكن البخاري لم يذكرها يقولون لماذا لم يذكرها البخاري؟إذن هذه الروايات قابلة للمناقشة.

و الحنال أنك إذا جئت للبخاري تجد أن هذا الرجل بالأصل له موقف من قضية أهل البيت عليهم السّلام مثال ذلك أن البخاري عاش في زمن الإمام الجواد عليه السّلام يعني أدرك امتدادات الإمام الصادق الذي يقول عنه الحسن الوشّا:

رأيت تسعمائة شيخ كل يقول حدثني جعفر بن محمّد الصادق،و نقل عنه الرواة ما سارت به الركبان و ذاع صيته في البلدان،مع ذلك و رغم أن البخاري كان معاصرا لنهايات حركة الإمام الصادق في الكوفة،البخاري لا يروي عنه و لا رواية واحدة،هذا تعصب واضح في الحقيقة،فهل يمكن اعتبار ذلك شاهدا على أن لا وجود للإمام الصادق عليه السّلام؟

عشرات الصحاح للأئمّة المؤرخين و المحدثين من أهل السّنة تروي روايات النبي و الصحابة في قضية الإمام المهدي عليه السّلام فإذا لم ينقلها البخاري يجب أن تسجل عليه علامة استفهام،أما الاحتجاج بهذا الكتاب و لماذا لم يذكر هذه الروايات ثم استنتاج أن هذه الروايات ليست صحيحة فان مثل هذا الاحتجاج ليس علميا و لعلّنا سنعود مرة أخرى إلى مناقشة أبن خلدون و أحمد أمين.

الحسين عليه السّلام في كربلاء:

نحن في مثل هذا اليوم و هو الثالث من محرم الحرام نكون مع الإمام الحسين و قد نزل كربلاء في اليوم الثاني يعني يوم أمس كان قد وصل كربلاء و أرسل الحر الرياحي لابن زياد ان الحسين قد وصل كربلاء.

ابن زياد كتب إلى الإمام الحسين«أن جاء كتاب الأمير-يقصد يزيد

بن معاوية-أن لا أتوسد الوثير و لا أشبع من الخمير أو الحقك باللطيف الخبير أو تنزل على حكم الأمير».

الإمام الحسين عليه السّلام لما قرأ الكتاب قال له الرسول أريد الجواب قال له:«ليس له عندي جواب فقد حقت عليه كلمة العذاب».

وصل الخبر إلى ابن زياد إستنشاط غضبا دعا عمر بن سعد و كان على قوة تعدادها أربعة آلاف فارس و دعاه للتوجه لحرب الحسين عليه السّلام فقال أمهلني ليلة حتى أفكر قليلا،أمهله ليلة لكن الدنيا التي تعمي الإنسان الدنيوي أعمت قلبه فأمسى يفكر في ليلته تلك و يمشي و يردد الأبيات المعروفة.

يقولون أن اللّه خالق جنّة و نار و تعذيب و غلّ يدين

فأن صدقوا فيما يقولون أننى أتوب إلى الرحمن من سنتين

أوّل من خرج لحرب الحسين بأربعة آلاف هو عمر بن سعد وصل كربلاء في اليوم الرابع أو الخامس من محرم الحرام و ما زال ابن زياد يرسل العساكر إلى كربلاء،شمر بن ذي الجوشن في أربعة آلاف،الحصين بن نمير في أربعة آلاف شبث بن ربعي في ثلاثة آلاف،الرواية تقول حتى استكمل في كربلاء في اليوم السادس من محرم الحرام عشرون ألف مقاتل.

الإمام الحسين عليه السّلام يوم نزل كربلاء كتب كتابا إلى أخيه محمّد بن الحنفية يخبره بوصوله إلى كربلاء يقول:«أما بعد فكأن الدنيا لم تكن و كأن الآخرة لم تزل و السلام».

إنا للّه و إنا إليه راجعون


(/4محرم الحرام1426/ ه) - المحاضرة الرابعة العامل الغيبي و البشري

اشارة

تقرأ في هذه المحاضرة الإجابة على الأسئلة التالية:

32-كيف تعالج مشكلة طول العمر لدى الإمام المنتظر عليه السّلام؟

33-لماذا لا يظهر الإمام المنتظر عليه السّلام فعلا؟

34-هل يحضر الإمام في موسم الحج؟

35-ما هي الدابّة التي تخرج عند ظهور الإمام المنتظر عليه السّلام؟

36-حركة الإمام المنتظر عليه السّلام هل تعتمد على العنصر البشري؟

37-ما هو القانون الإلهي في حركة الأنبياء و كيف نفسر حكومة داود و سليمان؟

38-حركة الحسين عليه السّلام هل اعتمدت العنصر البشري أم العنصر الغيبي؟

بسم اللّه الرحمن الرحيم

خطاب الحسين عليه السّلام:

لما عزم الحسين عليه السّلام على الخروج من مكّة المكرمة خطب الناس قائلا:«خطّ الموت على ولد آدم مخطّ القلادة على جيد الفتاة،كأني بأوصالي هذه تقطعها عسلان الفلوات بين النواوويس و كربلاء فيملأن مني أكراشا جوفا و أجربة سغبا،لا محيص عن يوم خطّ بالقلم،رضا اللّه رضانا أهل البيت نصبر على بلائه و يوفينا أجور الصابرين». (1)

يستمر الحديث في هذه الليلة عن عناصر الاشتراك و التمايز بين حركة الإمام الحسين عليه السّلام و حركة الإمام المهدي عليه السّلام في الأهداف و المناهج و النتائج.

يوم أمس تحدثنا عن عنصر الاشتراك على مستوى المنهج بين حركة الحسين عليه السّلام و حركة المهدي عليه السّلام و هو أن كلتا الثورتين إصلاحية تغييرية جماهيرية و ليست مسلحة أو عبر زحف عسكري،و قدّمنا بالأرقام و الدلائل،و أعطينا تحليلا عن كل هذا.

و لماذا كانت كل حركة الأنبياء هكذا؟و كان هذا هو منهج الدين الإسلامي و الأديان الأخرى.

العامل الغيبي و البشري:

في هذه الليلة حديثنا عن عنصر اشتراك آخر في المنهج أيضا بين حركة المهدي عليه السّلام و حركة الحسين عليه السّلام.

عنصر الاشتراك هذا يتحدث عن دور العامل الغيبي في الحركتين و دور العامل البشري.


1) انظر نفس المهموم/عبّاس القمي.

حضور الناس،و استعداد الناس،و إمكانات الناس و قوات الناس هذا نسميه العامل البشري.

أما العامل الغيبي فهو يعني اليد الإلهية،الإعجاز،الملائكة،النصر الإلهي الغيبي.

أين دور العامل البشري و موقعه؟و أين دور العامل الغيبي و موقعه في حركة الحسين عليه السّلام و في حركة الإمام المنتظر عليه السّلام؟

و بعبارة أخرى إن حركة الإمام المهدي عليه السّلام و نجاحها و انتصارها العالمي حيث يملأ الأرض قسطا و عدلا تعتمد بالأصل على العنصر البشري.

و هذا الموضوع في غاية الأهمية و سوف تنحل به مجموعة عقد و مجموعة شبهات و إشكالات.

البعض يسجل أسئلة على سبيل الإشكال إنه إذا كان الإمام المهدي عليه السّلام ينتصر بالملائكة،ينتصر بقوة الغيب إذا لماذا لا يخرج الآن و تنتهي القضية؟إذن ما هي فلسفة التأخير؟بل ما هي فلسفة الغيبة؟

كيف تصوّرون الإمام المهدي عليه السّلام غاب خوفا من القتل ثم تقولون ينتصر بالملائكة و ينتصر باليد الإلهية؟يعني اليد الإلهية لماذا لم تنصره من اليوم الأوّل؟

هذه مجموعة إثارات و شبهات.

أصلا لماذا غاب ثم لماذا لا يظهر الآن،هل هذا من اللطف الإلهي؟

أنتم شيعة أهل البيت عليهم السّلام تقولون إن الإمام المهدي عليه السّلام لطف من اللّه،و غيبته لطف من اللّه،و ظهوره يوم يظهر لطف من اللّه،إذا كان هذا اللطف الإلهي كذلك فلماذا لا يعجّله اللّه تعالى؟

هؤلاء يريدون أن يقولوا إنّ الفكرة خطأ،الفكرة و همية،تصوركم عن الإمام المهدي عليه السّلام تصور خيالي،استدلالاتكم غير منطقية،هكذا يفترضون!

نحن اليوم نريد أن نحل عقدة فكرية هي سبب هذه الإشكالات.

دور العامل البشري في عملية التغيير،و دور العامل الغيبي في عملية التغيير.

نحن-المسلمين-نعتقد إن حركة الأنبياء و حركة التغيير على الأرض تعتمد بالدرجة الأولى على العنصر البشري،و دور العنصر الغيبي هو دور الإسناد و دور الأدوات الاحتياطية،إذا عجز العنصر البشري يأتي دور العنصر الغيبي و يأتي دور الملائكة،و يأتي دور المعجزة كأدوات احتياط و كدور ثان و ليس دور أوّل،الدور الأوّل هو العامل البشري.

الأديان في مجال التشريع:

اشارة

لا حظوا الأديان-كل الأديان-في مجال التشريع ماذا نعتقد فيها؟

العنصر الغيبي هو الأوّل،النبي يتلقى الوحي من اللّه تعالى،يعني من الغيب،هنا في التشريع الدور لمن؟الدور للإنسان أم الدور للغيب و هو للّه تعالى؟

الجواب:

للغيب،

يعني النبي يتلقى الوحي،و ليس هو الذي يشرع الصوم و الصلاة و ما شاكل ذلك في مجال التشريع،و دور الإنسان حينما يدخل في مجلس تشريعي إسلامي أن يملأ نقاط الفراغ كما كان هو دور النبي صلى اللّه عليه و آله، أمّا أصل التشريع فهو من اللّه تعالى.

يوجد لدينا برلمانات في العالم الإسلامي هؤلاء لا يشّرعون في مقابل اللّه تعالى،و لا يشرعون في مقابل القرآن،هؤلاء هم مجلس تشريعي يتحرك في منطقة الفراغ،ميزانية الدولة،الخطة الخمسيّة،العلاقة بين الوزارات،كيف تكون؟استجواب الوزير كيف يكون؟تقديم لوائح قانونية هذا كله و أمثاله لملأ مناطق الفراغ.

أما أصل التشريع فمن اللّه تبارك تعالى،هذا في مجال التشريع.

الأديان في مجال التغيير:

لكن في مجال التغيير على الأرض فأن اللّه تعالى يقول أيها الإنسان الدور الآن دورك،أيها الإنسان اعمل أنت إِنْ تَنْصُرُوا اللّهَ يَنْصُرْكُمْ (1)حينئذ يأتي دور الإسناد، ينصركم،اعملوا أنتم أوّلا بعد ذلك يأتي دور اللّه تبارك و تعالى،يعني في مجال التغيير على الأرض.يأتي أوّلا دور العنصر البشري و يأتي ثانيا دور العنصر الغيبي و الإلهي.

هذه نظرية في الحقيقة جارية و منسحبة على كل الأديان و ليس نبينا صلى اللّه عليه و آله فقط أو حركة إمامنا الحسين عليه السّلام خاصة،لأن كل الأديان هكذا كانت كما سنتحدث، يعني نوح و موسى و عيسى و إبراهيم عليهم السّلام هكذا كانت حركتهم بمقدار ما يتقدم العنصر البشري يتقدم الدور الإلهي دور الإسناد،يعني موسى عليه السّلام دخل في مواجهة مع فرعون و لمّا عجز العنصر البشري تقدّم الدور الإلهي أَلْقِ عَصاكَ (2)و اِضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ (3)هذا إسناد إلهي لكن أصل التحرك كان من موسى و جماعته و لو لم يتحركوا و جلسوا في البيت لم ينزل عليهم النصر الإلهي.

رواية في بني إسرائيل:

اسمحوا لي أن أقرأ لكم قصة جميلة.

تقول الرواية (4)

عن أبي عبد اللّه الجعفي قال:قال لي أبو جعفر محمّد بن عليّ عليهما السّلام:كم الرباط عندكم؟قلت: أربعون قال:«لكن رباطنا رباط الدهر و من ارتبط فينا دابة كان له وزنها و وزن وزنها ما كانت عنده،و من ارتبط فينا سلاحا كان له وزنه ما كان عنده،لا تجزعوا من مرة و لا من مرتين و لا من ثلاث و لا من أربع فإنما مثلنا و مثلكم مثل نبي كان في بني إسرائيل فأوحى اللّه عز و جل إليه أن ادع قومك للقتال فإني سأنصرك فجمعهم من رؤوس الجبال و من غير ذلك ثم توجه بهم فما ضربوا بسيف و لا طعنوا برمح حتى انهزموا،ثم أوحى اللّه تعالى إليه أن ادع قومك إلى القتال فإني سأنصرك،فجمعهم ثم توجه بهم فما ضربوا بسيف و لا طعنوا برمح حتى انهزموا،ثم أوحى اللّه إليه أن ادع قومك إلى القتال فإني سأنصرك فدعاهم فقالوا:وعدتنا النصر فما نصرنا فأوحى اللّه تعالى إليه إما أن يختاروا القتال أو النار،فقال:يا رب القتال أحب إليّ من النار فدعاهم فأجابه منهم ثلاثمائة و ثلاثة عشر عدة أهل بدر فتوجه بهم فما ضربوا بسيف و لا طعنوا برمح حتى فتح اللّه عز و جل لهم».

إنّ اللّه تبارك و تعالى أوحى إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل أن

1) محمّد:7.

2) الأعراف:117.

3) الشعراء:63.

4) الكافي:ج /8ص /381ح 576.

ادع قومك للقتال و أنا ناصركم،جاء هؤلاء الناس و لكن لن يضربوا بسيف و لم يطعنوا برمح و بمجرد أن رأوا قوات العدو انهزموا و قالوا لا طاقة لنا للقتال فلم ينصرهم اللّه، أصبحوا يعتبون على نبيهم و يقولون وعدتنا بالنصر فأين هو؟فأوحى اللّه تبارك و تعالى إلى نبيهم قل لهم إما القتال و إمّا النار،أيّ إما أن يقاتلوا العدو مع قلة العدد و حينئذ أنا انزل عليهم النصر و إما أدخلهم النار فأخبرهم النبي بذلك و قال يا بني إسرائيل هذا الوحي من اللّه تعالى يقول لو لم تقاتلوا ينزل عليكم العذاب قالوا نقاتل و جاءوا مستعدين للقتال و لم ينهزموا و حينئذ أنزل اللّه عليهم النصر قبل أن يطعنوا برمح أو يضربوا بسيف.

هنا عندما استعدوا لتحمل المسؤولية جاء العامل الغيبي.

و لهذا يقال فيما هو المأثور:(يا عبدي منك الحركة و مني البركة)أيّ أنت اذهب و فتّح محل عملك،و أطرق الأبواب يأتيك الرزق أمّا أن تبقى جالسا في البيت و تقول لا يوجد عمل فلا يأتي مني الرزق.

هذه هي نظرية تقدم العامل البشري على العامل الغيبي.

و هذا نجده في حركة الأنبياء رغم أنهم محاطون بالغيب و الملائكة، فموسى عليه السّلام كان محاطا منذ طفولته بالرعاية الإلهية و كذلك عيسى عليه السّلام و رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و لكن هذا كله يتقدمه العنصر البشري.».

استثناء داود و سليمان عليهما السّلام:

لكن هذا القانون تخلفّ بحكمة إلهية بشكل واضح في اثنين من الأنبياء و هما سليمان و داود عليهما السّلام و قد شرحنا هذا الأمر في ليالي شهر رمضان الماضية و قلنا إنّ اللّه تبارك و تعالى أراد أن يري البشر أنه قادر على إعطاء حكومة عالمية لبعض أنبيائه كداود و سليمان عليهما السّلام حينما سأله سليمان عليه السّلام، و قال: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَ هَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي ، (1)فملك سليمان عليه السّلام غير حاصل لأحد من البشر،اللّه تعالى يقول أنا قادر على كل شيء، لكن أريد منكم أن تعملوا،و أنا قادر على نصرة الأنبياء لكن أريد منكم أن تبذلوا الجهد أوّلا.

اللّه قادر على تسخير الموجودات الأخرى لنصرة أنبيائه من الرياح و الطير و الجبال وَ سَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَ الطَّيْرَ وَ كُنّا فاعِلِينَ (2)فالرياح تجري بأمره غُدُوُّها شَهْرٌ وَ رَواحُها شَهْرٌ (3)فيأمر الرياح أن تعصف بالمدينة فتعصف بها.

و هذا لا يتكرر لملك إلى آخر الدنيا كما قال سليمان عليه السّلام: لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي . (4)

هنا القاعدة تخلفت لحكمة إلهية،حيث اعتمد ملك داود و سليمان على العامل الغيبي قبل العامل البشري لكن القاعدة العريضة هي أن العامل البشري هو الذي يتقدم على العامل الغيبي.


1) ص:35.

2) الأنبياء:79.

3) سباء:12.

4) ص:35.

دعاء الرسول في يوم الخندق:

عندما تذهبون إلى المدينة المنوّرة يوجد مكان يدعى بالمساجد السبعة و هي مساجد متواضعة مهملة من حيث العمران،هذه المساجد كانت على الخندق في معركة الأحزاب عندما جمعت قريش حلفاءها من الأعراب و الأحزاب في معركة الأحزاب تقول الرواية أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله وقف بمكان مرتفع و دعا اللّه تعالى بقوله:«اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد،اللهم أنزل علينا النصر»تقول الرواية هبت ريح على العدو و قلبت قدورهم و قطعت خيامهم و ولوا منهزمين و بني في هذا المكان مسجد اسمه مسجد الفتح لأن اللّه تعالى كتب لنبيه الفتح بعد الدعاء،و الجماعة بنوا بجانبه مساجد أخرى باسم مسجد عمر و أبي بكر إلى جانب ذلك يوجد مسجد عليّ ابن أبي طالب عليه السّلام و مسجد الزهراء عليها السّلام و مسجد أبي ذر رضى اللّه عنه و مسجد سلمان رضى اللّه عنه. (1)

روي أن الحصار لما اشتد على المسلمين في حرب الخندق،و رأى رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله منهم الضجر لما كان فيه من الضر صعد على مسجد الفتح فصلى ركعتين ثم قال:«اللهم إن تهلك هذه العصابة لم تعبد بعدها في الأرض»فبعث اللّه ريحا قلعت خيم المشركين،و بددت رواحلهم، و أجهدتهم بالبرد،و سفت الرمال و التراب عليهم،و جاءته الملائكة فقالت:يا رسول اللّه إن اللّه قد أمرنا بالطاعة لك،فمرنا بما شئت،قال:زعزعي المشركين و أرعبيهم،و كونوا من ورائهم ففعلت بهم ذلك،و أنزل اللّه تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ يعني أحزاب المشركين فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَ كانَ اللّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً* إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ أيّ أحزاب العرب وَ مِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ يعني بني قريظة حين نقضوا عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله،و صاروا مع الأحزاب على المسلمين ثم رجع من مسجد الفتح إلى معسكره فصاح بحذيفة بن اليمان و كان قد ناداه ثلاثا فقال في الثالثة:لبيك يا رسول اللّه،قال:تسمع صوتي و لا تجيبني؟فقال: منعني شدة البرد،فقال:«اعبر الخندق فاعرف خبر قريش و الأحزاب و ارجع،و لا تحدث حدثا حتى ترجع إلي»قال:فقمت و أنا أنتفض من البرد،فعبرت الخندق و كأني في الحمام فصرت إلى معسكرهم فلم أجد هناك إلا خيمة أبي سفيان و عنده جماعة من وجوه قريش،و بين أيديهم نار تشتعل مرة و تخبو أخرى،فانسللت فجلست بينهم فقال أبو سفيان:إن كنا نقاتل أهل الأرض فنحن بالقدرة عليه،و إن كنا نقاتل أهل السماء كما يقول محمّد فلا طاقة لنا بأهل السماء،انظروا بينكم لا يكون لمحمّد عين بيننا،فليسأل بعضكم بعضا،قال حذيفة:فبادرت إلى الذي عن يميني فقلت:من أنت؟قال:خالد بن الوليد،و قلت للذي عن يساري:من أنت؟قال:فلان،فلم يسألني أحد منهم،ثم قال أبو سفيان لخالد:إما أن تتقدم أنت فتجمع الناس ليلحق بعضهم بعضا فأكون على الساقة،و إما أن أتقدم أنا و تكون على الساقة قال:بل أتقدم أنا و تتأخر أنت،فقاموا جميعا فتقدموا و تأخر أبو سفيان،فخرج من الخيمة و اختفيت في ظلها،فركب راحلته و هي معقولة من الدهش الذي كان به،فنزل يحل العقال فأمكنني قتله،فلما هممت بذلك تذكرت قول رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله:«لا تحدثن حدثا حتى ترجع إلي»فكففت و رجعت إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و قد طلع الفجر، فحمد اللّه،ثم صلى بالناس الفجر،و نادى مناديه:«لا يبرحن أحد مكانه إلى أن تطلع الشمس»فما أصبح إلا و قد تفرق عنه الجماعة إلا نفرا يسيرا فلما طلعت الشمس انصرف رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و من كان معه...


1) بحار الأنوار:ج /20ص /248ح 17:

العامل الغيبي يأتي بعد العامل البشري فحينما حضر الإمام عليّ عليه السّلام في معركة الأحزاب و قتل عمرو بن عبدود العامري حينئذ جاء دور العامل الغيبي فالرسول دعا بالنصر و استجاب اللّه دعاءه لكن ذلك إنما كان بعد أن ثبت النبي و المسلمون معه و بذلوا كل جهدهم و حينئذ جاء دور النصر الإلهي.

ذكرنا القانون الذي تخلّف في أثنين من الأنبياء و هم داود و سليمان عليهما السّلام و في نبينا كان هذا القانون هو الحاكم فعملية التغيير التي قادها رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله كانت بحضور العنصر البشري ففي مكة ثلاثة عشر سنة و في المدينة عشرة سنوات من العمل و الجهاد و بعد ذلك جاء دور العامل الغيبي فمثلا في معركة بدر كان المسلمون لا يملكون إلاّ أربعة أسياف و كان البقية يقاتلون بجريد النخل حينئذ جاء دور العامل الغيبي يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ . (1)


1) آل عمران:125.

هذا الأمر نريد أن نناقشه مع قضية الحسين عليه السّلام و مع حركة الإمام المنتظر عليه السّلام الذي نحن بانتظاره فعندما يخرج الإمام كيف يكون الانتصار بالبشر أم بالملائكة و الرياح و المعاجز الإلهية؟

العنصر البشري في حركة الحسين عليه السّلام:

لقد كان واضحا جدا اعتماد الحسين عليه السّلام على القانون العام في التغيير،و دور العنصر البشري،و لهذا فأن الحسين عليه السّلام خطب في المدينة المنورة حتى يعبئ الناس ثم أتى إلى مكّة المكرمة و قدم للناس هذا الخطاب الذي قرأت لكم مقاطع منه،الناس يريدون أن يذهبوا إلى عرفات لكن الحسين عليه السّلام خطب خطبة جهادية قائلا:«خط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة»خطاب سياسي و جهادي توعوي.

لماذا لم يبشرهم بالانتصار و لم يحدثهم عن نزول الملائكة و إنما بدأ باتجاه الثورة؟

و هكذا تتواصل حركة الحسين عليه السّلام فنجد إنها كانت تعتمد العنصر البشري.

مثلا كيف كان القتال في كربلاء؟أنتم مطلعون على المقتل،الحسين عليه السّلام صف أصحابه زهير على الميمنة و حبيب بن مظاهر على الميسرة و الحسين عليه السّلام بالقلب و أعطى رايته لقمر بني هاشم،هذه عملية عسكرية يخوضها يعني قلب و جناحين يمين و شمال تماما كما هو تخطيط عسكري يقوم به الحسين عليه السّلام.

و الإمام الحسين عليه السّلام قبل أن يخرج من مكّة المكرمة بعث كتابا للتعبئة الجماهيرية،بعث رسائل يعني أصبح يعطي تصريحات عبر الفضائيات و يومئذ لا توجد فضائيات،لكن بعث برسائل يكتبها إلى رؤساء الأخماس في البصرة،الأخماس يعني قادة الألوية يطلب منهم النصرة بعضهم أجابوه بعضهم أدركه في مكّة المكرمة، و بعضهم أدركه في كربلاء بعد مقتله،يعني لم يدرك الحسين عليه السّلام في الحقيقة و إن

كان أدرك الثواب مثل سعيد و هو أحد رؤساء الأخماس وقادة الألوية في البصرة الذي وصل إلى كربلاء و كان الحسين عليه السّلام قد قتل.

نحن نلاحظ أن هاهنا تخطيطا عسكريا يخوضه الإمام الحسين عليه السّلام.

الإمام الحسين عليه السّلام مثلا حينما حاصروا المشرعة الروايات تقول إنه تراجع وراء الخيام عدة خطوات ثم حفر بئرا فنبعت عين ماء فشرب منها،كان هذا في السابع من محرم الحرام،الحسين عليه السّلام وراء الخيام حفر خندقا ملأه بالحطب و أحرقه،هذه خطة عسكرية حتى لا يحدث على الخيام هجوم من الخلف و بهذا قال الأعداء تعجلت بالنار يا حسين!إذن هذه خطة عسكرية يخوضها الإمام الحسين عليه السّلام،مع هذا التقدم في العنصر البشري و العنصر الغيبي موجود أيضا.

نزول الملائكة:

الرواية التي يرويها الشيخ الصدوق،بسنده عن أبان بن تغلب عن الإمام الصادق عليه السّلام:«إن أربعة آلاف من الملائكة استأذنوا اللّه تبارك و تعالى يوم عاشوراء لنصرة الحسين عليه السّلام و ما زالوا يستأذنون حتى أذن لهم فهبطوا إلى كربلاء فلم يدركوه و كان الحسين عليه السّلام قد قتل»،الرواية تقول إنهم ما زالوا عند قبر الحسين عليه السّلام ينتظرون قيام القائم عليه السّلام.

هذه الرواية جميلة و تقول أيضا:«إنهم عند قبره يبكونه و رئيسهم ملك يقال له منصور فلا يزوره زائر إلاّ استقبلوه،و لا يمرض إلاّ عادوه و لا يموت إلاّ صلوا على جنازته،و استغفروا له بعد موته،و ينتظرون قيام القائم عليه السّلام فإذا خرج كانوا من أنصاره»هذه الرواية يرويها الشيخ الصدوق عن أبان بن تغلب. (1)

نلاحظ أن حركة الإمام الحسين عليه السّلام تعتمد على التعبئة البشرية إضافة إلى العامل الغيبي الذي يحيط بكل القضية لكن عمق القضية هو أن


1) أمالي الصدوق:ص /737ح 7/1005.

يحمل الإنسان اللواء.و لهذا فالحسين عليه السّلام لم يطلب نصرة هؤلاء الملائكة، و لا اذن لهم بالنزول إلى كربلاء إلاّ بعد مقتل الحسين عليه السّلام.

من هو أبان بن تغلب؟

و أبان بن تغلب الذي قرأنا عنه الرواية السابقة هو من عظماء الشيعة،أدرك الإمام السجاد و الباقر (1)

قد شهد بفقاهته أصحابنا و علماء الجمهور أيضا،و إليك بكتبهم.نص عليه الحموي و السيوطي و غيرهما من أعلامهم.و يدل على فقاهته،و بلوغه إلى المرتبة العليا من الفقه و الحديث و غيرهما من مباني الاستنباط،و حصول الملكة الشريفة للاجتهاد،ورد الفروع على الأصول،ما رواه الماتن رحمه اللّه عن أبي جعفر الباقر عليه السّلام قال:«اجلس في مسجد المدينة و أفت الناس».

و الصادق عليهم السّلام الذي قال له:«...جالس أهل المدينة فاني أحب أن يرى في شيعتنا مثلك» (2)و له ثلاثون ألف رواية و عندما توفي رثاه الإمام الصادق بقوله:«رحمه اللّه أما و اللّه لقد أوجع قلبي موت أبان» (3)لأنه كان إنسانا جليل القدر على مستوى العامة و الخاصة و كان إذا دخل المسجد اخليت له حلقات الدرس.

و هناك قصة طريفة لأبان بن تغلب يرويها آية اللّه العظمى السيد الخوئي(أعلى اللّه مقامه الشريف)في كتابه معجم رجال الحديث الذي يتألف من عشرين مجلدا.

تقول القصة جاء شاب اسمه أبو سعيد إلى أبان ثم سأله أبو سعيد كم عدد أصحاب النبي الذين شاركوا مع الإمام عليّ عليه السّلام في حروبه؟فعرف أبان سبب السؤال و قال له:كأنك تريد أن تعرف فضل الإمام عليّ عليه السّلام من خلال التحاق الأصحاب به و تعرف كم واحد معه حتى تعرف منزلة عليّ عليه السّلام؟

قال:نعم هو هكذا.


1) جاء في تهذيب المقال/محمّد على الأبطحي:ج /1ص 222:

2) اختيار معرفة الرجال:ج /2ص /622ر 603.

3) من لا يحضره الفقيه:ج /4ص 435.

قال:نحن ما عرفنا فضل الصحابة إلاّ من خلال عليّ عليه السّلام و أنت تريد أن تقيّم عليّا عليه السّلام من خلال الصحابة،ما هو فضل الصحابة إذا لم ينصروا عليّا عليه السّلام؟

ثم قال له أبان بن تغلب:أتدري من هم الشيعة؟

«الشيعة هم إذا اختلف الناس عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله رجعوا إلى عليّ عليه السّلام و إذا اختلف الناس عن عليّ عليه السّلام رجعوا إلى جعفر الصادق عليه السّلام». (1)

و عندما لامه الناس في روايته عن الإمام الصادق عليه السّلام قال:تلومونني في الرواية عمّن إذا سألته قال:قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله؟هؤلاء معدن العلم.

من هو الشيخ الصدوق:

أمّا الشيخ الصدوق الذي يروي هذه الرواية هو صاحب كتاب أمالي الصدوق فهو من علمائنا القدماء في عهد الغيبة الصغرى،ولد ببركة دعاء الإمام المهدي عليه السّلام لأبيه عليّ بن الحسين ابن بابويه الذي كان معاصرا للنائب الثالث للإمام المنتظر عليه السّلام المعروف باسم الحسين بن روح،و معه ثلاثة آخرون يشكلون النيابة الخاصة للإمام في غيبته الصغرى التي امتدت سبعين سنة و هم عثمان بن سعيد العمري و ابنه محمّد بن عثمان و الحسين بن روح، ثمّ عليّ بن محمّد السمري،هؤلاء هم النوّاب الأربعة في زمن الغيبة الصغرى، أمّا الآن عندنا مراجع و نواب غير مشخصين بالاسم بل بالعلامات و الشروط و هم وكلاء عامون من قبل الإمام المنتظر عليه السّلام و الشيخ الصدوق ولد في زمان الحسين بن روح النوبختي و قريب جدا من الإمام العسكري عليه السّلام و غيبة الإمام المنتظر عليه السّلام،أبوه عليّ بن الحسين الملقب أيضا بالصدوق،طلب من الحسين بن روح أن يكتب رسالة إلى الإمام المنتظر عليه السّلام،يقول له:يابن رسول اللّه أنا أريد أن يرزقني اللّه ببركة دعائك ولدا،و كتب الحسين بن روح رسالة


1) معجم رجال الحديث:ج /1ر /28ص 133.

أوصلها إلى الإمام المنتظر عليه السّلام،و جاء الجواب بعد يومين أو ثلاثة:«أنك لا ترزق من هذه و ستملك جارية سترزق منها ولدين خيرين»،كان واحد من هؤلاء الولدين هو الشيخ الصدوق صاحب كتاب أمالي الصدوق،كان فقيها مباركا بحيث تعجب الناس من شدة حافظته و يقولون:لا عجب فأنت مولود بدعاء صاحب الزمان عليه السّلام و هو أيضا كان يفتخر بذلك يقول:أنا ولدت بدعوة صاحب الزمان. (1)

و هذا الشيخ الصدوق الابن مدفون في طهران و الأب مدفون في قم و كلاهما صدوق،على كل حال،هذه الرواية يرويها الشيخ الصدوق عن أبان بن تغلب عن الإمام الصادق عليه السّلام بشأن هؤلاء الملائكة الذين نزلوا لنصرة الحسين عليه السّلام.

الفكرة التي أردنا أن نقولها هي إن الإمام الحسين عليه السّلام لم يعتمد على هؤلاء الملائكة و لكن كان يعتمد على العنصر البشري و لو كان الإمام الحسين عليه السّلام يعتمد على هؤلاء الملائكة لما كان قتل عليه السّلام،إنما قتل الإمام لأنه كان يعتمد على العنصر البشري و هكذا الأنبياء أحيانا يخسرون المعركة باعتبار أن العنصر البشري لم يكن يستحق نزول النصر من اللّه تبارك و تعالى.

الحقيقة أن الموازنة واضحة عند الأئمّة الأطهار و الأنبياء عليهم السّلام بين العنصر البشري و الغيبي على أنهم في جانب العنصر البشري يعدّون في قمم البطولة فكيف إذا صارت اليد الإلهية تمتدّ إليهم.

هذه رؤية عن حركة الإمام الحسين عليه السّلام و اعتماده على العنصر البشري ثم العنصر الغيبي.

حركة الإمام المنتظر عليه السّلام:

ثم نصل إلى حركة الإمام المنتظر عليه السّلام و نرى أين موقع العنصر البشري و الغيبي


1) كمال الدين و تمام النعمة:ص /502ح 31.

في حركته نلاحظ أنها تسير وفق القانون الإلهي لعملية التغيير فالتعبئة البشرية ثم التخطيط و التجحفل و الكرّ و الفرّ ثم بعد ذلك يأتي دور النصر الإلهي و العنصر الغيبي الذي كان مع كل الأنبياء و مع الإمام في مواقع عديدة،فهو عليه السّلام الآن غائب بقوة العنصر الغيبي،و امتداد عمره أيضا بقدرة الغيب.

مشكلة طول العمر:

لا توجد لدينا مشكلة عندما نسئل عن عمره الطويل.

نحن أناس نؤمن بقدرة اللّه تعالى و بالغيب و لا نحتاج أن نقف طويلا عند هذا السؤال إن الإمام كيف يصبح عمره(1200)سنة؟ممكن أن يمتد إلى(2000)سنة،و هذه القضية لا توجد فيها مشكلة علمية.

المسألة من الناحية العلمية هي مسألة المحافظة على الأنسجة و الخلايا و ما شاكل ذلك.

العنصر الغيبي موجود أصلا في غيبة الإمام المنتظر عليه السّلام هو غائب عن الأنظار مع أن الروايات تقول إنه يشهد الموسم(موسم الحج)أيّ إنه يحضر معكم لكنكم لا ترونه،ماذا نسمي هذا؟

نسميه العنصر الغيبي،يعني كيف يكون هو معنا لكنا لا نراه؟

هذه الروايات تقول إنه يشهد الموسم يعني الحج. (1)

عن عبيد بن زرارة قال:سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول:«يفقد الناس إمامهم،يشهد الموسم فيراهم و لا يرونه».

الإمام المنتظر عليه السّلام في كل سنة موجود في الحج.

و بعض الروايات تقول أنه إذا خرج قال الناس هذا كنا نراه معنا لكن نحن غير منتبهين و يقولون كنا نراه في مجالسنا،هذه القضية تثبت أنه موجود و لا يرى و هذا عنصر غيبي.


1) كمال الدين و تمام النعمة:ص /351ح 49:

و لهذا نقرأ في دعاء الندبة:«بنفسي أنت من مغّيب لم يخل منا» (1)يعني هو غائب و هو حاضر.

و يستمر العنصر الغيبي حتى نصل إلى ساعة ظهوره و بيعة جبرائيل مع أربعة آلاف من الملائكة و هذا عنصر غيبي أيضا.

خروج الدأبة:

من جملة العناصر الغيبية التي سوف تظهر مع ظهور الإمام المنتظر عليه السّلام و قبل ظهوره هو خروج الدابة.

هذا الأمر أنتم في القرآن الكريم تقرأونه،هكذا يقول تعالى في سورة النمل: وَ إِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ . (2)

لنبق أوّلا مع الإطار العام للآية،الإطار العام بشكل صريح يقول:

ستخرج دابة من الأرض تكلم الناس،و هذا المقطع وحده يكفي في الدلالة على وجود عنصر غيبي.

متى يكون ذلك؟

إذا وقع القول عليهم يعني إذا صارت إرادة اللّه و اقتضت أن يطاح بالشرك بشكل كامل حينئذ أخرج لهم دابة من الأرض و ليس من السماء.

الآية تقول: دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ (3)انظروا ماذا نقرأ من القرآن الكريم.

العلماء جميعا شيعة و سنة وقفوا عند هذه الآية ماذا يعني: أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ .


1) إقبال الأعمال:ج /1ص 510.

2) النمل 82

3) النمل:82

كيف يمكن لدابة أن تتكلم؟

على كل حال اتفق العلماء من الفريقين سنة و شيعة على أن هذه الآية واضحة الدلالة مؤيدة بروايات تؤكد الفكرة أنه في آخر الزمان و قبل انتصار الحق ستظهر دابة تكلم الناس.

و هناك تفاصيل في الأحاديث عما تقوله هذه الدابة.

تقول هذا مؤمن و هذا كافر.

ترسم على هذا خط أنه مؤمن و ترسم على هذا خط أنه كافر.

هذه تفاصيل حتى أن أحد أئمّة الأزهر في القاهرة في كتابه(علامات القيامة الكبرى)يذكر هذه الآية و أن أحد(علامات القيامة الكبرى)خروج الدابة ثم يذكر خمس روايات عن رسول اللّه بأسانيدهم أسانيد السنة و ليس الشيعة ثم يذكر خمس تفاسير أيضا لها و تعتبر هذه القضية من الآيات و العلامات الأكيدة التي ستظهر قبل قيام القائم عليه السّلام.

في هذا الكتاب(علامات القيامة الكبرى)للعلامة الشيخ متولي الشعراوي خمس روايات يذكرها و يعتبرها صحيحة و عشرات الروايات موجودة غيرها ثمّ يروي خمسة تفاسير لها.

و في كتبنا كذلك تراجعون تفسير العلامة الطباطبائي و تفسير البرهان هذه الآية من المتفق عليه دون شك أنها من إحدى الآيات الصريحة التي لا تقبل الشك.

القرآن يقول: وَ إِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ... أي شيء تريد أن تفسرها؟و لكن أنت يجب أن تبقى عند إطار الآية لا يجوز أن تكذبها.

جاءت تفاسير عديدة:

واحدة من التفاسير التي يذكرها الشعراوي و كتب أخرى تذكر ذلك أن هذه الدابة هي الفرس أو الجمل أو الأسد،القرآن يقول دابة،يعني كل ما يمشي على الأرض و كل ما يدب عليها.

ذكروا مجموعة تفاسير من جملتها أن هذه الدابة هي فصيل ناقة صالح.

من جملة هذه التفاسير أن هذه الدابة عبارة عن جراثيم ميكروبية تظهر في آخر الزمان تصيب الكافرين و تطيح بهم،نحن غير قادرين على قبول هذا التفسير،و لا يحق لنا أن نفسر القرآن بالرأي لكن كتصورات و كخيال يمكن أن يمتد بالبعض و يقول ربما تكون الدابة إشارة إلى أجهزة معرفة الكذب في العصر الحديث.

على كل حال هذا خيال الإنسان،الإنسان يضرب بخياله لفهم ما يشير إليه القرآن.

القرآن يقول بشكل صريح: وَ إِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ .

طبعا هناك قراءة ثانية للآية أليس القرآن به عدة قراءات؟

تماما توجد قراءة ثانية نادرة لهذه الآية القرآنية هكذا تقول: وَ إِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ و ليس تُكَلِّمُهُمْ بمعنى تتكلم معهم،بل بمعنى تجرحهم من الكلم و هو الجرح.

الآية هكذا تقول في هذه القراءة الثانية: أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ يعني تجرحهم على جبين هذا الكافر المشرك تضع خطا و جرحا إن هذا إنسان منحرف يستحق القتل أو ما شاكل ذلك.

كثير من رواياتنا روايات أهل البيت عليهم السّلام نحن نذكرها دون أن نؤكد عليها لأنه غير ثابت عندنا مدى صحة هذه الرواية أن الدابة التي تخرج من الأرض هو عليّ عليه السّلام و سيخرج آخر الزمان. (1)

فأما قوله وَ إِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ فإنه حدثني أبي عن ابن أبي عمير،عن أبي بصير،عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:«انتهى رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله إلى امير المؤمنين عليه السّلام و هو نائم في المسجد قد جمع رملا و وضع رأسه عليه فحركه برجله ثمّ قال له:قم يا دابة اللّه فقال رجل من أصحابه يا رسول اللّه أيسمى بعضنا بعضا بهذا الاسم؟فقال:لا و اللّه ما هو إلا له خاصة و هو الدابة التي ذكر اللّه في كتابه وَ إِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ ثم قال:يا عليّ طذا كان آخر الزمان أخرجك اللّه في أحسن صورة و معك ميسم تسم به أعداءك،فقال رجل لأبي عبد اللّه عليه السّلام:إن الناس يقولون هذه الدابة إنما تكلمهم؟فقال:أبو عبد اللّه عليه السّلام:كلمهم اللّه في نار جهنم إنما هو يكلمهم من الكلام».


1) تفسير القمي:ج /2ص 130:

هذا التفسير يقترب منه بعض أبناء العامة،و يقولون المقصود ب دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ هو بشر عنده قدرة على أن يعرف المنافق من المؤمن،هذا موجود في روايات و تفاسير أهل العامة و في تفسيرنا عدة روايات تقول أن دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ ذلك هو عليّ عليه السّلام،يعني يشرح للناس من هو على الحقّ و من هو على الباطل.

الشاهد في الأمر أن هذا غيب في أن تخرج دابة توضح أين الحقّ و أين الباطل،هذا الغيب نحن نعتقد به لكن مع كل هذا تبقى قضية الإمام المنتظر عليه السّلام معتمدة على العنصر البشري قبل اعتمادها على العامل الغيبي.

العامل الغيبي دوره دور الإسناد،و دور التغطية المدفعية حتى يتقدم المشاة،المشاة يتقدمون و لكن دور المدفعية أن تطهّر الميدان أوّلا و تقوم بعملية تغطية،و هكذا الطائرات تقوم بعملية التغطية الجوية،الطائرات لو بقيت وحدها لا تحقق النصر،الدبابات لو بقيت وحدها لا تحقق النصر إذا لم يتقدم المشاة و لم يتقدم العنصر البشري،دور الطائرات و الدبابات هو الإسناد يسمونه إسناد جوي أو إسناد مدفعي.

الإمام المهدي عليه السّلام يقوم معتمدا على العنصر البشري أوّلا،و دعوة الناس للالتحاق به و دور العنصر الغيبي هو دور الإسناد.».

قصة الجزيرة الخضراء:

الوقت لا يسمح لنا بالاستمرار،غدا أحدثكم عن لقاءات مع الإمام المنتظر عليه السّلام و قصص بهذا الشأن ثم مناقشة بعضها مثل قصة الجزيرة الخضراء و التي يفترض البعض انه مثلث برمودا حاليا.

ان مثلث برمودا هو موقع للإمام المنتظر عليه السّلام و هذا خيال بمعنى لا يوجد أي رقم علمي يدل عليه،لا على الجزيرة الخضراء و لا على مثلث برمودا.

في الحقيقة انه عمل المخابرات الأمريكية فهل رأيتم هذا المثلث على الخريطة في المحيط الأطلسي التي تطل عليه أمريكا.

هذا عمل المخابرات الأمريكية هي التي تخطف السفن و ما شاكل ذلك بعنوان مثلث برمودا الذي لا يمكن الوصول إليه و لا يعلمون خبر من يصل إليه أيطير في السماء أم يغرق في البحر!

و كذلك خدعة الأطباق الطائرة التي ظهرت أخيرا.فالشعوب المسكينة تبقى مخدوعة لعشرات السنين بهذه القضايا المخابراتية.

أمّا الجزيرة الخضراء كيف هي؟و أين توجد؟و هل يوجد فيها الإمام؟كما تقول القصة إنه مع أولاده و أحفاده يعيشون في هذه الجزيرة الخضراء التي تحوي عيون الماء و الفواكه و الأطعمة و يصدّرون هذه الأطعمة إلى الأندلس ففي كل ثلاثة أشهر تخرج قافلة من هذه الجزيرة و تذهب إلى الشيعة؟!

هذه الرواية عثر عليها في كتاب خطي لا يعرف من هو كاتبه و سجلّها علماؤنا كتراث و أرشيف ليست له قيمة علمية.

أصل الفكرة هي أن العامل البشري إضافة إلى العامل الغيبي محفوظ فغيبة إمامنا المنتظر عليه السّلام لا يمكن تفسيرها بالوسائل المادية بل بالوسائل الغيبية و بهذا تنحل العقدة عن مكان وجوده و عمره الطويل.

و قد سجل علماؤنا الكبار لقاءات مع الإمام المنتظر عليه السّلام مثل العلامة

بحر العلوم و المقدس الأردبيلي و العلامة الحلي قدس سرّهم الذين دفنوا بجوار أمير المؤمنين عليه السّلام و لهم قبور تزار.

إنّ اللقاءات مع الإمام عليه السّلام تخضع لعنصر الغيب فالإمام موجود و لكننا لا نشاهده«بنفسي أنت من مغيب لم يخل منا»،«عزيز علي أن أبكيك و يخذلك و الورى». (1)

إنا للّه و إنا إليه راجعون و سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

اللهم اغفر لنا و تقبل منا و شاف مرضانا و اقض حاجاتنا و انصرنا على القوم الظالمين و فرّج عنا.

و الحمد للّه رب العالمين

***1.


1) إقبال الأعمال:ج /1ص 511.

(/5محرم الحرام1426/ ه) - المحاضرة الخامسة نظرية المجتمع السعيد

اشارة

تقرأ في هذه المحاضرة الإجابة على الأسئلة التالية:

39-هل جاءت البشارة بالإمام المهدي عليه السّلام في التوراة و الإنجيل؟

40-كيف نفسّر نصوص النبي صلى اللّه عليه و آله و سائر الأنبياء عليهم السّلام حول الإمام المهدي عليه السّلام؟

41-كيف تناقش فكرة ان المهدي هو رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله؟

42-الأديان الوضعيّة هل تتحدث عن الإصلاح العالمي؟

43-ما هي منهجية الإصلاح العالمي لدى الشيوعية ولدى الديمقراطية الغربيّة؟

44-ما هي ظواهر المجتمع السعيد على يد الإمام المهدي عليه السّلام؟

45-أين تكون عاصمة الإمام المهدي عليه السّلام و أين محل سكناه؟

46-هل هناك انتصارات تمهيدية للأمّة المسلمة قبل ظهور المهدي عليه السّلام؟

47-ما هي الشروط الأربعة لتحقق الصلاح العالمي؟

48-هل تنتهي المشاكل و الخلافات بشكل مطلق في زمن الإمام المهدي عليه السّلام؟

49-ما هو الدعاء المستحب في زمن الغيبة؟

50-نظرية المجتمع السعيد ألا تصطدم بالمفهوم القرآني عن ديمومة الصراع البشري؟

بسم اللّه الرحمن الرحيم

نظرية المجتمع السعيد:

مازال حديثنا عن الثورة الإصلاحية من الحسين عليه السّلام إلى المهدي عليه السّلام و دراسة عناصر التمايز و الاشتراك في الأهداف و المناهج و النتائج.

في ليال سابقة تحدثنا عن الاشتراك في الأهداف و المناهج و ضمّنا ذلك الحديث العديد من أحداث عصر الظهور،ظهور الإمام المهدي عليه السّلام.

الاشتراك التاريخي:

حديثنا اليوم عن الاشتراك التاريخي بين الحسين عليه السّلام و بين الإمام المنتظر عليه السّلام.

هناك اشتراك يمكن أن نسميه الاشتراك في العمق التاريخي،يعني لم يكن الحسين عليه السّلام يمثل حادثة في مقطع زمني،و لا حركة الإمام المنتظر عليه السّلام في مقطع زماني معين،و إنما هاتان الحركتان و هذان الحدثان هما امتداد إلى صدر التاريخ و مع الأنبياء عليهم السّلام حيث كانوا يتحدثون عن الإمام الحسين عليه السّلام كظاهرة ستحدث،و يتحدثون عن الإمام المنتظر عليه السّلام أيضا كظاهرة ستحدث،هذا الامتداد إلى الأنبياء هو ظاهرة ملفتة للنظر.

لماذا تركيز الأنبياء على الإمام الحسين عليه السّلام و على الإمام المنتظر عليه السّلام؟

و نبينا عليه السّلام أيضا نجده قد أهمّه كثيرا التركيز على الإمام الحسين عليه السّلام و مصيبة الحسين عليه السّلام كأعظم فاجعة و كجريمة كبرى في التاريخ البشري،ثم نجد أنه اثر عن النبي صلى اللّه عليه و آله حديث مكرر عن الإمام المنتظر عليه السّلام كأعظم فاتح عالمي.

الأنبياء اثر عنهم أحاديث كثيرة في علاقاتهم مع الحسين عليه السّلام حتى نجد كتاب الخصائص الحسينية للعلامة التستري يذكر أربعة عشر مجلسا عقده الأنبياء للحسين عليه السّلام.

مثل هذا الأمر نجده أيضا في حديث الأنبياء عن الإمام المهدي عليه السّلام حتى أني ذكرت لكم في مجالس سابقة أن خمسين صحابيا رووا روايات رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله عن الإمام المهدي عليه السّلام و خمسين تابعيا أيضا رووا هذه الروايات،و صاحب كتاب كنز العمال وحده روى(247)حديثا عن الإمام المهدي عليه السّلام.

هذا الحشد من الأحاديث النبوية عن حادثني الحسين و المهدي عليهما السّلام،الحسين عليه السّلام كأعظم حدث مأساوي و المهدي عليه السّلام كأعظم فتح سوف يتحقق في ختام البشرية هذا ربط تاريخي بين المهدي عليه السّلام و الحسين عليه السّلام و الأنبياء عليهم السّلام.

الرسول صلى اللّه عليه و آله يذكر حركة الحسين عليه السّلام:

الروايات في هذا الشأن كثيرة و يذكر العلامة الشيخ باقر القرشي و هو من علماء النجف المعاصرين و المؤرخين و الباحثين في كتابه(حياة الإمام الحسين عليه السّلام)مجموعة روايات عن مصادر أهل السنة و ليس الشيعة ذكر فيها رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله مصاب الحسين عليه السّلام و هذه الروايات منقولة عن ابن عبّاس و أم سلمة و عائشة و زينب بنت جحش و عبد اللّه بن مسعود.

و مثل ذلك كان للنبي صلى اللّه عليه و آله عشرات الأحاديث في المهدي عليه السّلام.

أمّا روايات البكاء على الحسين عليه السّلام و أحداث كربلاء فهي تتكرر بألفاظ متقاربة مرة عن أم سلمة و أخرى عن عائشة و ثالثة عن ابن عبّاس هكذا تقول:

«دخل الحسين عليه السّلام على رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و هو يوحى إليه فصعد الحسين عليه السّلام على منكب رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله فقال جبرائيل لرسول اللّه صلى اللّه عليه و آله أتحبه؟

قال:و مالي لا أحب ابني؟

قال:فإن امتك سيقتلونه بعدك فبكى رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله فمد جبرائيل يده و أتاه بتربة بيضاء فقال له بهذه الأرض يقتل ابنك و اسمها الطف،و الرواية عن عائشة فلما ذهب جبرائيل خرج رسول اللّه يبكي قال لعائشة:يا عائشة إنّ جبرائيل أخبرني أن ابني مقتول في أرض الطف ثم خرج للصحابة،الرواية تقول فيهم أبو بكر و عمر و فلان و فلان فقالوا-أيّ الصحابة-:ما يبكيك يا رسول اللّه؟فقال:أخبرني جبرائيل أن ابني هذا يقتل و أخبرني عن الأرض التي يقتل فيها و يقال لها الطف». (1)

هذه الرواية تتكرر في مواضع كثيرة عن صحابة رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله، تصوروا لو أنتم كنتم موجودين في زمن النبي صلى اللّه عليه و آله و تشاهدون النبي صلى اللّه عليه و آله بين مدة و مدة يخرج باكيا و تسألونه و يقول هذا ولدي الحسين عليه السّلام سوف يقتل من بعدي فكيف تفسرون ذلك؟

الرسول صلى اللّه عليه و آله يبشر بظهور المهدي عليه السّلام:

هذه الظاهرة يريد أن يسجلها الرسول صلى اللّه عليه و آله في ذهن الصحابة و يسجل إلى جانبها ظاهرة أخرى يقول:«لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم واحد لطول اللّه ذلك اليوم حتّى يخرج رجل من ولدي يواطئ اسمه اسمي يملأ الأرض قسطا و عدلا بعد ما ملئت ظلما و جورا» (2)

عن أبي هريرة قال:قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله:«لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول اللّه ذلك اليوم حتّى يخرج رجلا من أهل بيتي يملأ الأرض عدلا و قسطا كما ملئت ظلما و جورا».

و ص 81:

عن عبد اللّه بن عمر قال:قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله:«لا يقوم الساعة حتى يملك رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي يملأ الأرض عدلا و قسطا و كما ملئت ظلما و جورا».

هذا التبشير بالفتح العالمي على يد أحد

1) المعجم الكبير:ج /3ص 107.

2) بحار الأنوار:ج /51ص /74ح 26:

أولاد رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله جاء في حديث صحيح و متواتر عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله، و قد نجد هذا المعنى في تاريخ الأنبياء عليهم السّلام كالتوراة و الإنجيل الذي يتحدث عن المهدي كأعظم مصلح سيخرج في آخر الزمان.

المهدي عليه السّلام في التوراة و الإنجيل:

و يذكر المحقق الحائري اليزدي في كتابه إلزام الناصب(33)نصا من التوراة و الإنجيل في ظهور المصلح الأعظم في آخر الزمان بالاسم أو بدون اسم.

مع الدكتور المصري:

و في هذه الأيام يذكر أحد الكتّاب و هو الدكتور أحمد السقا المصري يقول:إن هذه النصوص التبشيرية بالمصلح في آخر الزمان في التوراة و الإنجيل صحيحة لكنها تنطبق على رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله.

حينما يبشر الإنجيل بالمصلح العالمي في آخر الزمان و كذا التوراة حين بشرت بمهدي يظهر في آخر الزمان و يفتح له العالم المقصود بهذا المهدي هو نفس رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و هذا الفتح الإسلامي الذي حدث في زمن النبي صلى اللّه عليه و آله و بعده هو الذي بشرت به التوراة و الإنجيل.

و لكن هذا الرأي لا يتفق مع المئات من الأحاديث التي أخبر بها الرسول صلى اللّه عليه و آله في المهدي و التي يقول فيها:إنه يخرج في آخر الزمان و يواطىء اسمه اسمي إلاّ أن نهمل هذه الروايات الصحيحة التي أجمع عليها السنة و الشيعة،فكيف يمكن مع هذه المئات من الروايات التي اعتبرت قضية الإمام المهدي عليه السّلام من ضرورات الفكر الإسلامي!؟

إضافة إلى أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله لم يفتح له كل العالم و لم تملأ الأرض قسطا و عدلا فقد مات رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و لم تفتح بعد أجزاء من الجزيرة العربية

فكيف نفترض أن الرسول صلى اللّه عليه و آله هو ذلك الرجل الذي سيظهر و يملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت ظلما و جورا؟

لقد أوصى رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله بثلاث وصايا أحدها إخراج المشركين من جزيرة العرب، (1)

حدّثنا محمّد،حدّثنا ابن عيينة عن سليمان بن أبى مسلم الأحول،سمع سعيد بن جبير، سمع ابن عبّاس رضى اللّه عنه يقول:«...يوم الخميس و ما يوم الخميس؟ثم بكى حتى بل دمعه الحصى قلت:يا ابن عباس ما يوم الخميس قال اشتد برسول اللّه صلى اللّه عليه و آله وجعه فقال أئتوني بكتف اكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا فتنازعوا و لا ينبغي عند نبي تنازع فقالوا ما له اهجر استفهموه فقال:ذروني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه فأمرهم بثلاث قال:اخرجوا المشركين من جزيرة العرب و أجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم و الثالثة إما إن سكت عنها و إما أن قالها فنسيتها».

فتح الباري:ج /5ص 269:

عن عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة قال لم يوص رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله عند موته إلاّ بثلاث لكل من الداريين و الرهاويين و الأشعريين بجاد مائة وسق من خيبر و أن لا يترك في جزيرة العرب دينان و أن ينفذ بعث أسامة.

إذن لا بدّ من وجود فتح عالمي لم يتحقق لحد الآن و الروايات الصحيحة التي تفسر الآيات القرآنية التي قرأنا بعضها تبشر بهذا الفتح العالمي الذي سيحدث في آخر الأجيال البشرية.

الأديان الوضعيّة و رؤيتها:

إذن لدينا حديث النبوءات عن الحسين عليه السّلام و حديث النبوءات عن المهدي عليه السّلام و حشد من الروايات في هذا الشأن.

في الحقيقة إذا أردنا أن نتوسع في هذا الموضوع نجد أن الأديان بشكل عام تتحدث عن المصلح الأكبر الذي سيظهر في آخر الزمان،الأديان السماوية و الأديان الوضعية كذلك.


1) صحيح البخارى:ج /4ص 65:

أيها الإخوة و الأخوات:إنّ الدين بمعنى الاعتقاد،ما يعتقد به الإنسان هذه الأديان يقسمونها لغويا إلى قسمين:نقول أديان إلهية سماوية مثل الإسلام نازل من اللّه تبارك و تعالى،و توجد أديان و معتقدات و مذاهب نسميها مذاهب وضعية يعني الإنسان هو اخترعها ما أنزل اللّه بها من سلطان مثل الشيوعية هناك أناس يعتقدون بالشيوعية فهي لهم بمثابة الدين،كلما تتحدث معه يقول لك قال كارل ماركس و قال لينين و قال ستالين يعني النبي عنده هو كارل ماركس هذا يمكن أن نسميه لغويا دين وضعي،الديمقراطية أيضا في هذا الزمان،و الليبرالية هذه أديان وضعية.

الفكرة التي نريد أن نسجلها هذه الليلة أنه ليس فقط الأديان الإلهية تحدثت عن الإصلاح العالمي الذي يكون في آخر الزمان و إنما الأديان الوضعية أيضا،الشيوعية بشّرت بهذه القضية و الحضارة الغربية الرأسمالية الليبرالية أيضا بشرت بها.

سوف أشرح لكم موجزا كيف أن هذه الأديان الوضعية أكّدت أنه سيكون إصلاح عالمي و مجتمع سعيد و ستسود العدالة في آخر الزمان،الشيوعية هكذا قالت، الديمقراطية الغربية هكذا قالت أيضا مع مجموعة فروق.

الإصلاح في النظرية الشيوعية:

النظرية الشيوعية هكذا تقول:إنه ستطبق العدالة الأرض و ذلك على يد الطبقة العاملة حينما يطيحون بالطبقة البرجوازية و العمال هم الذين يحكمون حينئذ هناك توزيع عادل لرأس المال و الناس يعيشون في رفاه حينئذ يتم الاستغناء عن الحكومة و الدولة،يعني لا توجد دولة و لا توجد حكومة لا يوجد رئيس وزراء،توجد يومئذ عملية إدارة شعبية و إدارة ذاتية،تسقط الدولة،إدارة شعبية ذاتية في مجتمع سعيد مملوء بالعدالة على يد الطبقة العاملة،و لا مانع لدى النظرة الشيوعية من استخدام القتل

لملايين الناس من أجل أن تحكم الطبقة العاملة و تقول أنه في آخر الزمان مجتمع الناس تسوده العدالة و المحبة و الأخوة.

و هنا نعتقد أن هذه واحدة من تأثيرات الفكر الديني على مجمل الحضارات الإنسانية،يعني أن الدين له أثر حتّى عند من لا يؤمن بالدين هذه امتدادات التأثير الديني.

الماركسية تقول في حكومة العمال ستزول حالة الاستئثار و الأنانية حب التملك غير موجود،حبك أن تملك شيئا على أخيك هذا الحب سيزول من عندك،و إنما الناس كلهم أراضيهم تتوزع بالتساوي،و أموالهم تتوزع بالتساوي.

نحن الآن لسنا بصدد مناقشة هذا الأمر رغم اعتقادنا بأن الشيوعية تتحدث عن فرضية دون أن تقدم عليها دليلا،لكن ما نريد إثباته هنا هو اعتقاد الأديان الوضعية بالمستقبل السعيد للبشرية و انتصار الإصلاح العالمي.

النظرية الغربية أيضا تتحدث عن هذا الأمر في مجتمع التقدم العلمي يعني بفعل التقدم التقني العلمي و بفعل التنافس الشديد بين الطبقة العاملة و الطبقة المالكة سيبلغ مستوى الثروات عند الناس بما يسمونه مستوى الوفرة يعني تكون الفاكهة موجودة بكل ما يحتاجه البشر،أدوات النقل و الانتقال موجودة بكل ما يحتاج إليه البشر،ملابس موجودة،بيوت موجودة هذا هو مجتمع الوفرة،نتيجة التنافس الشديد.

الشيوعيون يقولون من أجل أن نصل إلى مجتمع الوفرة يجب أن نقمع الأثرياء إلاّ أن الغربيين يقولون بالعكس،يجب أن يصبح التنافس قويا بين الأثرياء و بين الطبقة الفقيرة كلما قوي التنافس فان البركة تزداد،يعني نظرية ترسيخ الصراع بين الطبقتين، هذه إحدى التمايزات بين النظرية الغربية و النظرية الشيوعية.

على كل حال الصلاح العالمي و المجتمع السعيد الذي سيكون في آخر الزمان هذه الفكرة موجودة في الأديان الوضعية و الإلهية مع نقاط اختلاف كثيرة.

منها:أن الأديان الوضعية تعتمد في هذا التحليل على اجتهادات شخصية دون دليل علمي بينما الأديان الإلهية تنطلق من قرار إلهي أي أن هذه المسيرة البشرية بقرار من اللّه تعالى ستنتهي إلى مجتمع سعيد وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ (1)هذا القرار الإلهي موجود بأن الحكم سيكون للمستضعفين في الأرض و قد أنبأت به الكتب الإلهية و لو بقي التقدم العلمي بدون إخبار إلهي غيبي فإنه لا يملك دليلا يتوصل به إلى هذه النتيجة،نحن نرى اليوم كلما زاد التقدم العلمي زادت المأساة و البؤس بسبب عدم الاستخدام الصحيح لهذا التقدم العلمي.

الديمقراطية هل هي المصلح؟

بعد سقوط الشيوعية أصبحت الديمقراطية تطرح نفسها على الساحة كمصلح أعظم و ترى أن الأمّة الغربية هي الأمّة الشاهدة على العالم و أن الديمقراطية هي الرسالة التي ستؤسس المجتمع السعيد للبشرية.

لقد طرح الكاتب الأمريكي(فوكو ياما)و هو من أصل ياباني نظرية (نهاية التاريخ)و وضح فيها أن أمريكا الآن وصلت إلى نهاية التأريخ و هذه هي القمة و يجب أن تكون هي النموذج الذي يطبق على كل الأرض لتحقيق المجتمع السعيد،و نلاحظ اليوم أن أمريكا تنطلق في حركتها من هذه الأفكار أي إنها هي القائدة للعالم و نموذج المجتمع السعيد،و توزع الوصايا هنا و هناك على الحكام العرب و بلدان الشرق الأوسط للإصلاحات الديمقراطية كرسالة جديدة لتحقيق المجتمع السعيد.

نحن الآن لسنا بصدد مناقشة هذه الأفكار بل بصدد بيان فكرة الإصلاح العالمي و المجتمع السعيد في نهاية البشرية التي تبنتها الأديان الإلهية و الوضعية.


1) النور:55.

ظواهر المجتمع السعيد:

إن المجتمع السعيد الذي تمتلأ فيه الأرض قسطا و عدلا على يد ولي اللّه الأعظم الحجة بن الحسن عليه السّلام له ظواهر أربع:

الظاهرة الأولى:ظاهرة الغنى و الثروة أي لا يبقى أحد فقيرا أو جائعا أو محتاجا حتّى تقول الروايات أنه لا يبقى أحد من الناس يحتاج إلى الصدقة. (1)

إذا خرج المهدي ألقى اللّه تعالى الغنى في قلوب العباد،حتّى يقول المهدي:من يريد المال؟فلا يأتيه أحد إلا واحد يقول:أنا،فيقول:أحث فيحثي فيحمل على ظهره،حتّى إذا أتى أقصى الناس.قال:ألا أراني شر من هاهنا،فيرجع فيرده إليه فيقول:خذ مالك،لا حاجة لي فيه.

الظاهرة الثانية:هي المحبة و التآخي بين الناس.

الظاهرة الثالثة:ظاهرة المصالحة الطبيعية حتى بين الحيوانات و تقول الروايات إن الشاة تمشي بجانب الذئب فلا يعتدي عليها،فالمصالحة الطبيعية في عصر الإمام المنتظر عليه السّلام تشمل كل المخلوقات العاقلة و غير العاقلة.

الظاهرة الرابعة:و هي العدالة أي لا يوجد مظلوم بلا تمتلأ الأرض قسطا و عدلا.

ففي الرواية عن أمير المؤمنين عليه السّلام:«بنا يفتح اللّه و بنا يختم اللّه و بنا يمحو ما يشاء و بنا يثبت و بنا يدفع اللّه الزمان الكلب،و بنا ينزل الغيث،فلا يغرنكم باللّه الغرور،ما أنزلت السماء قطرة من ماء منذ حبسه اللّه عزّ و جل و لو قد قام قائمنا لأنزلت السماء قطرها، و لأخرجت الأرض نباتها،و لذهبت الشحناء من قلوب العباد،و اصطلحت السباع و البهائم،حتّى تمشي المرأة بين العراق إلى الشام،لا تضع قدميها إلا على النبات، و على رأسها زبيلها لا يهيجها سبع و لا تخافه». (2)

لا حظوا إذن إخاء و محبة و مصالحة طبيعية و ثروات و خيرات لا نهاية لها لا تضع قدمها إلاّ على نبات و زراعة وافرة ما شاء اللّه.


1) الفتن لابن حماد/ص 100:

2) بحار الأنوار:ج /52ص /316ح 11.

قيادة المجتمع السعيد:

هناك رواية أخرى أيضا جميلة في هذه الشأن تقول:إن الشيعة هم سيكونون حكام الأرض،و هذا في الحقيقة موضوع بحث في أن الإصلاح العالمي من الذي سيقوده؟

المجتمع الغربي يقوده أم المجتمع الإسلامي التابع لأهل البيت عليهم السّلام؟

نحن نعتقد أن حركة الإصلاح العالمي يقودها أتباع أهل البيت عليهم السّلام و هم الشيعة.

الرواية هكذا تقول عن عليّ بن الحسين عليه السّلام:«إذا قام قائمنا أذهب اللّه عزّ و جلّ عن شيعتنا العاهة و جعل قلوبهم كزبر الحديد و جعل قوة الرجل منهم قوة أربعين رجلا و يكونون حكّام الأرض و سنامها». (1)

الكوفة هي العاصمة:

أيضا نمضي في هذه الروايات سريعا:

الرواية تقول:«و يكون دار ملكه الكوفة»،يعني العاصمة التي ينطلق منها الإمام المنتظر عليه السّلام في حركته هي الكوفة،دار الملك يعني قصر رئاسة الجمهورية في اصطلاحنا اليوم،«و يكون دار ملكه الكوفة». (2)

السهلة هي منزل الإمام عليه السّلام:

أقرأ لكم رواية جميلة في هذا الشأن عن الإمام الصادق عليه السّلام يقول:

«كأنّي أرى نزول القائم في مسجد السهلة بأهله و عياله».

قلت:يكون منزله؟


1) بحار الأنوار:ج /52ص /317ح 12.

2) بحار الأنوار:ج /53ص 11.

قال:«نعم هو منزل إدريس عليه السّلام و ما بعث اللّه نبيا إلاّ و قد صلى فيه».

هذا مسجد السهلة العظيم الذي أهمل من قبل أعداء أهل البيت عليهم السّلام كما أهملت كل المساجد و المراقد الشريفة للأئمّة الأطهار في أيام النظام البائد،و تقول الرواية:«المقيم فيه كالمقيم في فسطاط رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و ما من مؤمن أو مؤمنة إلاّ و قلبه يحن إليه،و ما من يوم و لا ليلة إلاّ و الملائكة يأوون إلى هذا المسجد،يعبدون اللّه فيه»حتّى يقول الإمام للراوي يا أبا محمّد:«أما أنّي لو كنت بالقرب منكم ما صليت صلاة إلاّ فيه». (1)

عودة الدين:

و هناك رواية أخرى جميلة في هذا الشأن تقول:«كأنّي بدينكم هذا لا يزال موليا-أي مطرودا-،يفحص بدمه-يعني مذبوحا-ثم لا يرده عليكم إلاّ رجل منّا أهل البيت» (2)يعني أن الدين سيعود و يحكم و يحقق المجتمع السعيد لا الشيوعية و لا الديمقراطية و لا الليبرالية قادرة على ذلك، إذن بعودة الإسلام للمجتمع في زمان الإمام تذهب الشحناء من قلوب الناس و تتصالح عناصر الطبيعة و يسود الغنى و العدالة الإسلامية في المجتمع.

إشكالات على نظرية المجتمع السعيد:

هناك إشكالان طرحهما بعض الباحثين على نظرية الإمام المهدي عليه السّلام و المجتمع السعيد:

الإشكال الأوّل:هو ديمومة عنصر الصراع بين البشرية حسب الفهم القرآني.

الإشكال الثاني:هو سنّة الابتلاء الإلهي للبشرية.


1) بحار الأنوار:ج /52ص /317ح 13.

2) بحار الأنوار:ج /52ص /352ح 106.

ففي الإشكال الأوّل يقولون:إن اللّه تعالى قال لآدم و حواء و إبليس أن أنزلوا إلى الأرض في مسيرة عداء و صراع و معركة حتى النهاية بقوله:

فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ وَ قُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَ مَتاعٌ إِلى حِينٍ ، (1)فكيف تقولون بحصول المجتمع السعيد في زمن الإمام المهدي عليه السّلام مع وجود هذا الصراع؟

هذا هو الإشكال الأوّل:

و جوابه أن هذا الصراع يقع بين الإنسان و الشيطان و ليس بين أبناء الإنسان و الإنسان فآدم و حواء لم يكن بينهم معركة بل كانت بين إبليس و جنوده،صحيح نحن نعتقد أن هذه المعركة دائمية،معركة الإنسان مع إبليس هذه المعركة دائمية مادام الإنسان موجودا،و سوف لن يتحول الإنسان يوما ما إلى ملائكة يعني لا توجد عنده إغراءات شيطانية،أبدا توجد معركة في قلب الإنسان بين جنود الرحمن و بين جنود الشيطان،هذا نعتقد به لكن هذا ليس يعني بالضرورة على أرض الواقع ان توجد معركة بين الناس أنفسهم،المعركة بين الإنسان و بين الشيطان،أمّا بين الناس فيمكن أن يتحقق المجتمع السعيد الذي لا معركة فيه هذا هو الجواب عن الإشكال الأوّل.

أمّا الإشكال الثاني:و هو سنة الابتلاء قال تعالى: أَ حَسِبَ النّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ فكيف تقولون بحصول مجتمع سعيد في آخر الزمان خالي من أي مشكلة أو ابتلاء أو فقر،و القرآن يؤكد أن الحياة لا تخلو من فتن؟

و جوابه أن الابتلاء المذكور ليس بالضرورة أن يكون على شكل معارك و أمراض و ما شاكل ذلك بل قد يكون من خلال منازعة الإنسان لشهواته أوّلا و من خلال التراجعية في عمر الإنسان و يبتلى بموت حبيب أو صديق له هكذا عنصر الابتلاء6.


1) البقرة:36.

موجود و لو لم يكون في الابتلاء إلاّ المعركة مع شهوات الإنسان فهذا ابتلاء أَ حَسِبَ النّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ (1)نحن في نظرية الإمام المهدي عليه السّلام لا أحد يدعي أن الابتلاء سينتهي،توجد روايات تقول إن الأمراض تزول،الفقر يزول،هذا ليس فقط ثابت عندنا حتى تتكلمون علينا هذا عند السنة أيضا ثابت،إنه في مجتمع المصلح الأعظم و هو المهدي عليه السّلام،لا يوجد معارك و لا إصطدامات و ما شاكل ذلك.

في نفس الوقت أيضا نحن لا نفترض أنه لا توجد مشاكل مطلقا و إنما الروايات تريد الإشارة إلى تحقق مجتمع سعيد يعني السعادة في النظرة الكلية،أنت مثلا عندما تقول إن هذه العائلة سعيدة لا يعني ذلك بالضبط أنه مئة بالمائة لا يوجد عندهم مشكلة،مشاكل توجد و اختلاف أيضا موجود و لكن السعادة هي الطابع العام للعائلة.

الروايات تقول:إن الإمام المنتظر عليه السّلام يحكم بحكم داود لا يحتاج إلى بيّنة (2)

عن حريز قال:سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول:«لن تذهب الدنيا حتّى يخرج رجل منا أهل البيت يحكم بحكم داود و آل داود لا يسأل الناس بينة».

إذن ذلك يعني أنه توجد مشاكل و توجد محاكم، شاكي و مشتكي عليه.

حين تقول الروايات أنه يحكم بحكم داود،هذه إشارة إلى قصة داود، نحن في محاضرات سابقة تحدثنا عن قصة داوود عليه السّلام،قال هذا أخي له تسع و تسعون نعجة و أنا عندي نعجة واحدة،داود فورا حكم: قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ ، (3)اللّه تبارك و تعالى قال له:يا داود أين البينة؟و أين المحكمة؟و حاسبه على العجلة.4.


1) العنكبوت:2.

2) بحار الأنوار:ج /52ص /319ح 21.

3) ص:24.

و روايات السنة أيضا تقول:إن الإمام المهدي سوف يحكم بحكم داوود،لا يعني ذلك غير حكم الإسلام بل هو حكم الإسلام،لكن الطريقة و المنهجية تختلف حيث لا يحتاج إلى بيّنة أو قسم أو ما شاكل ذلك.

الطريق إلى المجتمع السعيد:

ما هو الطريق إلى المجتمع السعيد؟

الغرب يقول:إن المجتمع السعيد يعتمد تحققه على مدى التقدم التقني،يعني يوزع السيارات و المبايلات و التلفزيونات على كل الناس فيصبحون ملوكا،هذا المجتمع سعيد.

الغرب يقول إن التقدم العلمي هو الأداة لتحقيق المجتمع السعيد.

الإسلام ما ذا يقول؟

هل أن التقدم العلمي قادر على أن يحقق المجتمع السعيد؟

لا،الإسلام لديه نظرية أخرى هي أن المجتمع السعيد لا يتحقق إلاّ عبر مجموعة أمور:

أوّلا:الصلاح الإنساني.

ثانيا:ثبات الكتلة الصالحة.

ثالثا:ظهور القائد المصلح الأعظم.

رابعا:الانتظار و الدعاء.

فالتقدم العلمي مهما يصل إليه تبقى البشرية تعاني من ألوان المعاناة المستحدثة فمثلا زلزلة واحدة (1)في بطن المحيط و على بعد(1600)كيلومترا


1) إشارة إلى حادثة(تسونامي)التي حدثت في المحيط الهندي و ضربت عشر دول في الشهر 12 عام 2005.

هزت عشر دول و بلغ عدد الضحايا أكثر من(250/000)ألف،و ما تزال آلاف المدن و القرى مدمرة.

و كنت أقرأ في الأيام الأولى لحدوث هذا الزلزال بعض التقارير عن الموجة الأولى التي داهمت هذه المناطق و القرى و المدن الصغيرة التي تقع على حافة المحيط،قصة شخص سويدي كان سائحا نجا من الحادثة يقول أنه في اللحظات الأولى بعد انسحاب المياه كنا نشاهد تسلل السراق و اللصوص إلى البيوت المدمرة فعجبت من هذا المنظر الذي أرى فيه آلاف الجثث مطروحة أمامنا و بنفس الوقت حركة اللصوص للسرقة و النهب.

هذه هي مشكلة البشرية،السقوط الأخلاقي الذي لا ينفع معه أي تقدم علمي.

فيما نعتقد نحن و في ثقافتنا الإسلاميّة أن الطريق للمجتمع السعيد يعتمد على توفر أربعة عناصر:

الأوّل:الرسالة الصالحة التي تبني الإنسان الصالح و هذا هو ما يمثله الإسلام الأصيل.

الثاني:ثبات المجموعة الصالحة و هم المسلمون و شيعة أهل البيت عليهم السّلام خاصة و استعدادهم لخوض المواجهة مع الانحراف و الضلال.

الثالث:ظهور المصلح المعصوم الأعظم.

الرابع:الدعاء و الارتباط بالقدرة الإلهية المطلقة.

النبي يتحدث عن انتصارات تمهيدية:

نقرأ لكم في نهاية البحث في هذه الليلة مجموعة روايات تتحدث عن تحقق انتصارات قبل ظهوره عليه السّلام:

أنا أقرأ لكم رواية واحدة من مصادر أبناء العامة:

الرواية هكذا تقول عن عبد اللّه بن مسعود قال:«أتينا رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله

فخرج إلينا مستبشرا يعرف السرور في وجهه فما سألناه عن شئ إلاّ أخبرنا به و لا سكتنا إلاّ ابتدأنا حتّى مرت فتية من بنى هاشم فيهم الحسن و الحسين فلما رآهم التزمهم و انهملت عيناه.

فقلنا:يا رسول اللّه ما نزال نرى في وجهك شيئا نكرهه.

فقال:إنا أهل بيت اختار اللّه لنا الآخرة على الدنيا و أنه سيلقى أهل بيتي من بعدى تطريدا و تشريدا في البلاد حتّى ترتفع رايات سود من المشرق فيسألون الحقّ فلا يعطونه ثم يسألونه فلا يعطونه ثم يسألونه فلا يعطونه فيقاتلون فينصرون فمن أدركهم منكم أو من أعقابكم فليأت إمام أهل بيتي و لو حبوا على الثلج فإنها رايات هدى يدفعونها إلى رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمى...فيملك الأرض فيملاها قسطا و عدلا كما ملئت جورا و ظلما». (1)

إذن هناك انتصارات تمهيدية قبل ظهوره عليه السّلام،تقوم بها الأمّة التي ستحقق هذا المجتمع السعيد.

طوبى للشيعة:

و بهذا الصدد هناك رواية عن يونس بن عبد الرحمن من أصحاب الإمام الرضا عليه السّلام و هو ممن أجمعت الطائفة على صحة ما صدر منه من الروايات،يقول الراوي دخلت على موسى بن جعفر عليهما السّلام فقلت له:يابن رسول اللّه أنت القائم بالحقّ؟

فقال:«أنا قائم بالحقّ و لكن القائم الذي يطهر الأرض من أعداء اللّه عزّ و جلّ و يملأها عدلا كما ملئت جورا و ظلما هو الخامس من ولدي له غيبة يطول أمدها خوفا على نفسه،يرتد فيها أقوام و يثبت فيها آخرون».

ثم قال:«طوبى لشيعتنا،المتمسكين بحبلنا في غيبة قائمنا،الثابتين على موالاتنا


1) المستدرك:ج /4ص 464.

و البراءة من أعدائنا،أولئك منا و نحن منهم،قد رضوا بنا أئمّة،و رضينا بهم شيعة، فطوبى لهم،ثم طوبى لهم،و هم و اللّه معنا في درجاتنا يوم القيامة». (1)

إن من واجبات زمان الغيبة الدعاء بالفرج لصاحب الزمان عليه السّلام كما أن من واجبنا الثبات و الانتصار للحق و التمهيد لظهوره عليه السّلام.

الدعاء في زمن الغيبة:

جاء في الرواية عن زرارة بن أعين و هو من أصحاب الإمام الباقر عليه السّلام الذي قال عنه الإمام الصادق عليه السّلام:«رحم اللّه زرارة بن أعين لو لا زرارة لاندرست آثار النبوة و ضاعت أحاديث أبي عليه السّلام» (2)و هو من أصحاب الإجماع عند الطائفة بمعنى أن علماء الشيعة اجمعوا على صحة رواياته،يقول في روايته سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول:«إن للغلام غيبة قبل ان يقوم»،قال:قلت:و لم؟

قال:«يخاف-و أومأ بيده إلى بطنه-ثم قال:يا زرارة و هو المنتظر، و هو الذي يشك في ولادته،منهم من يقول:مات أبوه بلا خلف و منهم من يقول:حمل و منهم من يقول:إنه ولد قبل موت أبيه بسنتين،و هو المنتظر غير أن اللّه عزّ و جلّ يحب أن يمتحن الشيعة،فعند ذلك يرتاب المبطلون يا زرارة.

[قال:قلت:جعلت فداك إن أدركت ذلك الزمان أي شئ اعمل؟

قال:يا زرارة]إذا أدركت هذا الزمان فادع بهذا الدعاء:«اللهم عرفني نفسك،فإنك إن لم تعرفني نفسك لم أعرف نبيك،اللهم عرفني رسولك، فإنك إن لم تعرفني رسولك لم أعرف حجتك،اللهم عرفني حجتك،فإنك إن لم تعرفني حجتك ضللت عن ديني...». (3)


1) كمال الدين و تمام النعمة:ص /361ح 5.

2) الاختصاص:66.

3) الكافي:ج /1ص /337ح 5.

قصة مسلم بن عقيل:

اليوم هو الخامس من محرم الحرام الذي يخصص عادة لمسلم بن عقيل عليه السّلام الذي يعتبر سفير الحسين عليه السّلام إلى أهل الكوفة و الذي قال في حقه الحسين عليه السّلام في الرسالة التي كتبها لأهل الكوفة:

«و أنا باعث إليكم أخي و ابن عمي و ثقتي من أهل بيتي مسلم بن عقيل،فان كتب إلي بأنه قد اجتمع رأي ملائكم،و ذوي الحجى و الفضل منكم،على مثل ما قدمت به رسلكم و قرأت في كتبكم،فاني أقدم إليكم و شيكا إنشاء اللّه...»، (1)تكشف هذه الرسالة عن منزلة مسلم بن عقيل عليه السّلام عند الإمام الحسين عليه السّلام.

تقول الرواية عندما دخل الكوفة كانت مهمته استكشاف الواقع السياسي في الكوفة فقد بايعه(ثمانية عشر)ألف عندها نزل في بيت المختار الثقفي ثم تحول إلى بيت هاني بن عروة ثم كتب رسالة إلى الإمام الحسين عليه السّلام يطلعه فيها على الوضع السياسي في الكوفة من اجتماع الناس عليه و بعد ذلك قامت السلطة الأموية بتغيير الوالي على الكوفة و وضعت عبيد اللّه بن زياد بدل النعمان بن بشير،لأن الأخير كان ضعيفا و غير راغب في قتال الحسين عليه السّلام،أما ابن زياد فقد كان شديدا و قاسيا و متعطشا لسفك الدماء بلا رحمة مما أدى إلى تخلخل الوضع النفسي و السياسي عند أهل الكوفة ممن بايعوا مسلم بن عقيل عليه السّلام،فقد كتب مسلم عليه السّلام إلى الحسين عليه السّلام أن أقدم فقد بايعني الناس على نصرتك،و هذه كانت مهمة مسلم بن عقيل عليه السّلام في أخذ البيعة من أهل الكوفة و تهيأت الأوضاع لقدوم الإمام الحسين عليه السّلام،و لم تكن مهمته القيام بثورة،بدأ التراجع يزداد في أهل الكوفة حتى لم يبق مع مسلم عليه السّلام من يصلي خلفه أو يدله على الطريق،فبعث ابن زياد الجواسيس


1) بحار الأنوار:ج /44ص 334.

و الوشاة لخذلان الناس عن مسلم بن عقيل عليه السّلام بنشر خبر مفاده أن هناك جيشا كبيرا قادما من الشام فتفرق الناس عن مسلم عليه السّلام حتى بقي وحده فخرج يمشي في أزقة الكوفة المظلمة و وقف على باب دار تلك المرأة الصالحة طالبا الماء فجلبت إليه الماء و عندما شرب الماء طلبت منه الانصراف عن باب الدار،فتحير مسلم عليه السّلام و لم يدر إلى أين ينصرف،فقال لها:يا أمة اللّه أما تجيرينني هذه الليلة و يكون رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله شفيعك يوم القيامة؟

فقالت المرأة متعجبة:من أنت حتى تضمن لي شفاعة الرسول صلى اللّه عليه و آله؟،فقال لها:

أنا مسلم بن عقيل،فلما سمعت بخبره فتحت الباب له و قالت:البيت بيتك و أنا خادمتك،فدخل مسلم عليه السّلام الدار و أخذ يقضي الليل بالصلاة و الدعاء حتّى جاء ولدها و هو من عيون ابن زياد،فسأل أمه عن ترددها على الغرفة التي كان فيها مسلم عليه السّلام فأخبرته بعدما أخذت عليه الإيمان المغلظة بأن لا يخبر أحدا بخبر مسلم عليه السّلام و لكن هذا اللعين لم ينم تلك الليلة و ذهب مسرعا في الصباح الباكر إلى ابن زياد و قال له:إن أمي أصبحت تضّيف الأعداء،و ما هي إلاّ لحظات حتّى طوقوا الدار على مسلم ابن عقيل عليه السّلام،فتهيأ مسلم عليه السّلام للقتال و بدأت المعركة حتى قتل منهم مسلم عليه السّلام جمعا كثيرا و لم يستطيعوا قتله إلاّ من خلال حفيرة حفرت له فوقع فيها و أخذوه أسيرا إلى ابن زياد و جراحاته تنزف دما فطلب ماءا فلم يستطع شرب الماء بسبب سقوط أسنانه و ثناياه في الماء و امتلأ الإناء دما،و قال لو كان من الرزق المقسوم لشربته ثم دمعت عيناه فقيل له:إن من يطلب مثلما تطلب لا يبكي إذا نزل به ما نزل بك،قال عليه السّلام:و اللّه ما بكيت على هذا الذي نزل بي و لكن بكيت للحسين و أهل بيت الحسين،أنا دعوتهم للمجيء و الآن هم في الطريق إلى الكوفة.

إنا للّه و إنا إليه راجعون و سيعلم اللذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

و الحمد للّه رب العالمين

(/6محرم الحرام1426/ ه) - المحاضرة السادسة المسار الجغرافي لحركة الإمام المهدي عليه السّلام

اشارة

تقرأ في هذه المحاضرة الإجابة على الأسئلة التالية:

51-ما هو المسار الجغرافي لحركة الإمام المهدي عليه السّلام؟

52-من أين تنطلق حركة الإصلاح العالمي؟

53-ما هي معالم الإصلاح الغربي؟

54-ما هي معالم الإصلاح الإسلامي؟

55-المصلح المعصوم هل هو ضرورة؟

56-لماذا لا يكون المصلح الأعظم هو عيسى عليه السّلام؟

57-ما هو الدليل العقلي على وجود الإمام المهدي عليه السّلام؟

58-إذا كان موجودا ما هي فائدته؟

59-الإمام المهدي عليه السّلام لماذا لا يصحح مؤلفات الشيعة؟

60-ما هي رسالة الإمام للشيخ المفيد؟

بسم اللّه الرحمن الرحيم

في الليالي الماضية تحدثنا عن مجموعة عناصر اشتراك بين حركة الإمام الحسين عليه السّلام و حركة الإمام المهدي عليه السّلام.

الاشتراك في الأهداف و الاشتراك في المناهج و الاشتراك في العمق التاريخي.

الليلة حديثنا عن عنصر اشتراك آخر هو الاشتراك في المسار الجغرافي بين حركة الحسين عليه السّلام و حركة الإمام المهدي عليه السّلام بشكل موجز و عرض جغرافي سريع للحركتين و ربما أشرنا لذلك في ليال سابقة.

المسار الجغرافي لحركة الحسين عليه السّلام:

الحسين عليه السّلام انطلق في حركته من المدينة المنورة يوم أرسل عليه الوالي الأموي يطلب منه البيعة فقال له الحسين عليه السّلام في خلاصة الموقف إن «يزيد قاتل النفس المحترمة،شارب الخمور و مثلي لا يبايع مثله». (1)

و كتب يزيد إلى الوليد يأمره بأخذ البيعة على أهلها و خاصة على الحسين و يقول ان امتنع عليك فاضرب عنقه و ابعث برأسه إليّ فاحضره لمروان بن الحكم و أخذ رأيه فأشار بإحضار الحسين و عبد اللّه ابن الزبير و عبد اللّه بن مطيع و عبد اللّه بن عمر و عبد الرحمن بن أبي بكر و أخذ بيعتهم فإن أجابوا و إلاّ فاضرب أعناقهم فقال الوليد ليتني لم اك شيئا مذكورا لقد أمرتني بأمر عظيم و ما كنت لأفعل ثم بعث الوليد إليهم فلما حضر رسوله قال الحسين للجماعة أظن ان طاغيتهم هلك رأيت البارحة أن منبر معاوية منكوس و داره تشتعل بالنيران فدعاهم الى الوليد فحضروا فنعى إليهم معاوية و أمرهم بالبيعة فبدرهم بالكلام عبد اللّه بن الزبير فخافه ان يجيبوا بما لا يريد فقال: انك وليتنا فوصلت أرحامنا و أحسنت السيرة فينا و قد علمت ان معاوية أراد منا البيعة ليزيد فأبينا و لسنا(نأمن)أن يكون في قلبه علينا و متى بلغه إنا لم نبايع إلا في ظلمة ليل و تغلق علينا بابا لم ينتفع هو بذلك و لكن تصبح و تدعو الناس و تأمرهم ببيعة يزيد و نكون أوّل من يبايع قال:و أنا انظر إلى مروان و قد اسر إلى الوليد ان اضرب رقابهم ثم قال:جهرا لا تقبل عذرهم و اضرب رقابهم فغضب الحسين و قال ويلي عليك يابن الزرقاء أنت تأمر بضرب عنقي كذبت و لؤمت نحن أهل بين النبوة و معدن الرسالة و يزيد فاسق شارب الخمر و قاتل النفس و مثلي لا يبايع لمثله و لكن نصبح و تصبحون و ننظر و تنظرون أينا أحق بالخلافة و البيعة فقال الوليد انصرف يا أبا عبد اللّه مصاحبا على اسم اللّه و عونه حتى تغدو عليّ...

•


1) مثير الأحزان لابن نما الحلي13/:

ثم قرر الحسين عليه السّلام الهجرة إلى مكّة بشكل علني و في مكّة المكرمة أعلن ثورته متجها للعراق في الثامن من ذي الحجة و الذي يسمى يوم التروية و هو يوم حركة القوافل نحو عرفة،يومئذ،و في يوم الثامن من ذي الحجة يذهب الحجاج لجمع الماء من مكّة و الذهاب بعدها إلى عرفة فيحملون الماء على ظهور الإبل و ينتقلون من مكّة المكرمة إلى عرفات حيث تستغرق هذه الرحلة ثلاثة أيام(عرفات،المزدلفة،منى)حتى يرجعوا إلى مكّة المكرمة، هذا هو معنى يوم التروية أي يتروون من الماء يوم الثامن.

الإمام الحسين عليه السّلام في هذا اليوم بدلا من أن يتجه مع الحجاج إلى عرفات حيث يجب الوقوف في عرفات يوم التاسع من ذي الحجة،الإمام الحسين عليه السّلام قال:أنا سأنتقل إلى العراق لأن عندي مشروع و الآن وجودي في مكّة أصبح غير ممكن كما تعرفون هذا الأمر قال:

«...ألا و ان الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين بين السلة و الذلة و هيهات منا الذلة!يأبى اللّه لنا ذلك و رسوله و المؤمنون و حجور طهرت و جدود طابت،من ان نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام،ألا و إني زاحف بهذه الأسرة على قلة العدد،و كثرة العدو،و خذلان الناصر...». (1)

من مكّة اتجه الحسين عليه السّلام إلى العراق،وصل كربلاء و لم يسمح


1) الاحتجاج:ج /2ص 24.

للحسين عليه السّلام أن يتجه للكوفة،كان أصل الاتجاه نحو الكوفة و لكن موقف الحر الرياحي اضطر الحسين لتغيير مساره نحو كربلاء و رغم أن الحسين عليه السّلام لم ينزل الكوفة و لكن السبايا و رأس الحسين عليه السّلام دخلوا الكوفة ثم اتجه رأس الحسين عليه السّلام نحو الشام،فالمسار الجغرافي للحسين عليه السّلام هو:المدينة -مكّة-كربلاء-الكوفة ثم الشام هذه حركة الإمام الحسين عليه السّلام.

المسار الجغرافي للإمام المهدي عليه السّلام:

هذا المسار الجغرافي نجده أيضا عند الإمام المنتظر عليه السّلام حيث ينطلق كانطلاقة أولى تمهيدية غير معلنة و غير عالمية ينطلق من المدينة المنورة إلى مكّة المكرمة حيث تكون جيوش و قوات السفياني قد لا حقته من الشام و العراق إلى المدينة المنورة،لأنه قبل ظهور الإمام المهدي عليه السّلام هناك طاغوت اسمه السفياني،هل هذا هو اسمه أو هو كناية عن اتجاهه الحركي فهو سفياني الهوى و الولاء و ليس بالضرورة أن يكون اسمه السفياني لكن ميوله سفيانية،السفياني يكون مسيطرا على الشام و مسيطرا على العراق فلما يبلغه أن المصلح الأعظم المهدي المنتظر عليه السّلام قد انطلق في المدينة المنورة يقوم بالزحف على المدينة المنورة،الإمام المنتظر عليه السّلام يخرج من المدينة المنورة إلى مكّة المكرمة مثل جده الحسين عليه السّلام و لا يدخل في مواجهة مع السفياني في المدينة.

و في مكّة المكرمة أيضا لا يدخل في مواجهة مع السفياني لأن السفياني يبعث جيشا بعدة آلاف لكي يلاحق الإمام في مكّة المكرمة إلاّ أن اللّه تبارك و تعالى بإعجاز إلهي يخسف بهم البيداء و لا ينجو منهم إلاّ ثلاثة أو واحد-حسب اختلاف الروايات -و يرجع فيخبر الناس و يومئذ تكون قد التحقت بالإمام المنتظر من كل أنحاء العالم في مكّة المكرمة حتى يبلغوا عشرة آلاف.

الإمام المنتظر عليه السّلام حينئذ يبدأ عملية الزحف لتحرير المدينة من قوات

السفياني،فتتحرر المدينة من قوات السفياني.ثم يزحف من المدينة إلى العراق، باتجاه الكوفة مثل الإمام الحسين عليه السّلام حيث كان الاتجاه إلى الكوفة.

الروايات (1)

عن جابر قال:قال أبو جعفر عليه السّلام:«يبعث السفياني بعثا إلى المدينة فينفر المهدي منها إلى مكّة، فيبلغ أمير جيش السفياني أن المهدي قد خرج إلى مكّة،فيبعث جيشا على أثره فلا يدركه حتّى يدخل مكّة خائفا يترقب على سنّة موسى بن عمران قال:و ينزل أمير جيش السفياني البيداء فينادي مناد من السماء:يا بيداء أبيدي القوم فيخسف بهم فلا يفلت منهم إلا ثلاثة نفر،يحول اللّه وجوههم إلى أقفيتهم و هم من كلب و فيهم نزلت هذه الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها الآية.قال:و القائم يومئذ بمكّة،قال: فيجمع اللّه عليه أصحابه ثلاثمائة و ثلاثة عشر رجلا،و يجمعهم اللّه على غير ميعاد،قزعا كقزع الخريف[و هي]يا جابر الآية التي ذكرها اللّه في كتابه: أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ .فيبايعونه بين الركن و المقام،و معه عهد من رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله قد توارثته الأبناء عن الآباء،و القائم رجل من ولد الحسين يصلح اللّه له أمره في ليلة فما أشكل على الناس من ذلك يا جابر،فلا يشكل عليهم ولادته من رسول اللّه،و وراثته العلماء عالما بعد عالم،فان أشكل هذا كله عليهم فان الصوت من السماء لا يشكل عليهم إذا نودي باسمه و اسم أبيه و أمه».

تقول:(و سوف اقرأ لكم بعض الروايات)أنه ستحدث معارك طاحنة في الكوفة بين قوات الإمام المهدي عليه السّلام و قوات السفياني التي تكون قد تعسكرت في الكوفة و حينئذ تلتحق بالإمام المهدي عليه السّلام قوات جديدة بقيادة قائد اسمه الحسني هذه الرايات قادمة من خراسان كما تقول الروايات،تلتحق بالإمام المنتظر عليه السّلام و تكون بينهم و بين السفياني في الكوفة معركة طاحنة على أثرها ينهزم السفياني و يكون الإمام المنتظر عليه السّلام قد حرر الكوفة و اتخذها عاصمة له،بحيث تقول الروايات أن دار ملكه الكوفة، و هناك روايات جميلة هي بشرى لأهل الكوفة،يعني هذا الإقليم.».

1) بحار الأنوار:ج /52ص /237ح 105:

الرواية تقول:«أسعد الناس به أهل الكوفة» (1)لأنهم سوف يصبحون في العاصمة إذن لا بدّ أن يكونوا أسعد الناس.

و الحمد للّه و كما شرحت لكم فان الإمام يتقدم باتجاه الشام و تكون الكوفة قد تحررت فيتقدم باتجاه الشام فتتحرر و يهزم السفياني،و من هناك ينتقل الإمام لتحرير القدس و في القدس ينزل عيسى بن مريم و يصلي خلف إمامنا المنتظر عليه السّلام (2)هذا هو السير الجغرافي للحركة.

روايات المسار الجغرافي:

عندي إشارة مهمة في هذه الليلة و هي أنّ هذا السير الجغرافي الذي عرضته لكم هناك إشارة تحليلية تاريخية مهمة فيه و لكني أوثر أن أقرأ لكم رواية أو روايتين عن المسار الجغرافي لحركة الإمام المنتظر عليه السّلام حيث نكون في جو الروايات الشريفة ثم نرجع لتلك المهمة.

الرواية تقول:«و يبعث السفياني بعثا إلى المدينة فينفر المهدي إلى مكّة فيبلغ أمير جيش السفياني أن المهدي قد خرج إلى مكّة فيبعث جيشا على أثره فلا يدركه حتى يدخل مكّة(يعني الإمام المنتظر)خائفا يترقب على سنة موسى بن عمران و ينزل أمير جيش السفياني البيداء فينادي مناد من السماء يا بيداء أبيدي القوم بهم فلا ينجو منهم إلاّ ثلاثة نفر يحوّل اللّه وجوههم إلى أقفيتهم،و القائم يومئذ بمكّة أسند ظهره إلى البيت الحرام ينادي:أيها الناس إنا نستنصر اللّه و من أجابنا من الناس». (3)

الرواية الأخرى تقول عن الإمام الصادق عليه السّلام:«السفياني من


1) ينابيع المودة:ج /3ص 172.

2) صحيح البخاري:ج /4ص 143.

3) بحار الأنوار:ج /52ص /237ح 105.

المحتوم» (1)يعني من القضاء و القدر المؤكد خروجه مع خروج الإمام المنتظر عليه السّلام،السفياني يخرج كعدوله كما هي سنة اللّه تبارك و تعالى: وَ كَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ (2)هذه السنّة مع الإمام المنتظر عليه السّلام أيضا موجودة.

الرواية تقول:«السفياني من المحتوم و خروجه من أوّل خروجه إلى آخره خمسة عشر شهرا:ستة أشهر يقاتل فيها فإذا ملك الكور الخمس ملك تسعة أشهر و لم يزد عليها يوما»، (3)هذا حكم السفياني إلى أن يهزم هذه بعض الروايات.

و رواية أخيرة أنقلها لكم في هذا الشأن.

تقول الرواية عن الإمام الصادق عليه السّلام:«كأنّي بالسفياني أو بصاحب السفياني قد طرح رحله في رحبتكم في الكوفة فنادى مناديه من جاء برأس شيعة عليّ فله ألف درهم،فيثب الجار على جاره و يقول هذا منهم فيضرب عنقه و يأخذ ألف درهم،ثم يقول عليه السّلام:إنّ أمارتكم يومئذ لا تكون إلاّ لأولاد البغايا و كأنّي أنظر إلى صاحب البرقع-هذه الرواية تلفتنا إلى شيء عجيب و هم هؤلاء الملثمون الإرهابيّون في هذا الزمان الذي يلبسون النقاب،هذه الروايات تتحدث عن مجموعة من أصحاب البراقع الملثمين القتلة،يلبسون برقعا فلا يعرفهم أحد،هذه الظاهرة الرواية تتحدث عنها،و هو من عجيب ما تتحدث عنه و نحن نشهد بعض نماذجه المعاصرة-.

قلت:و من صاحب البرقع؟

قال عليه السّلام:رجل منكم يقول بقولكم يلبس البرقع فيحوشكم فيعرفكم و لا تعرفونه فيغمز بكم رجلا رجلا أما أنه لا يكون إلاّ ابن بغي». (4)

هذا أتركه بدون تعليق لأن هذه الروايات تستحق تعليقا طويلا أنا أنتقل2.


1) كمال الدين:ص /652ح 15.

2) الفرقان:31.

3) بحار الأنوار:ج /52ص /248ح 130.

4) بحار الأنوار:ج /52ص /215ح 72.

إلى محل الشاهد،و هذه ظاهرة تاريخية مهمة على الباحثين أن يدرسوها و هي ظاهرة أن الإصلاح المعنوي على طول التاريخ ينطلق من الشرق و الإصلاح المادي التكنولوجي و التقدم المادي التقني ينطلق من الغرب لماذا؟

الإصلاح ينطلق من الشرق:

لا حظوا الأنبياء انطلقوا من الشرق فلسطين،الحجاز،العراق هذه حركة الأنبياء عليهم السّلام.

الأنبياء إسماعيل و إبراهيم و إسحاق و موسى و عيسى و نبينا صلى اللّه عليه و آله و نوح و هود و صالح هذا قطار الأنبياء المقدس أستطيع أن أقول هذا كله انطلق من الشرق،ربما هناك استثناء لم نطلع عليه لكن بحدود ما يطلعنا عليه القرآن الكريم،و ما تحدثنا به سيرة و حياة الأنبياء،إننا لا نرى يوما من الأيام نبيا بعث في بلاد الغرب،و لا نبيا في بلاد فارس أو الصين مع أن الفرس لديهم تقدم علمي كبير،الصين كذلك،الروم كذلك لكن لا تدري ما هي الحكمة الإلهية أن الأنبياء ينطلقون من الشرق أما الشرق العربي أو الشرق العبري،أن الأنبياء عليهم السّلام كثير منهم عرب و كثير منهم عبريون،إسرائيل هو نبي من الأنبياء، إسرائيل ليس منطقة جغرافية بل إسرائيل هو اسم يعقوب عليه السّلام.

أربعة أنبياء عرب:

أربعة أنبياء عرب كان خاتمهم النبي محمّد،و هؤلاء الأنبياء الأربع كما يقول العلامة الطباطبائي في الميزان هم:«هود،و صالح،و شعيب و محمّد صلى اللّه عليه و آله»، (1)أنا لا أذكر هذا على أساس منطلقات قومية،أنتم و نحن أجل من المنطلقات القومية و لكن كحقائق تستحق البحث و التأمل لماذا هذه المنطقة (الشرق)أصبحت مهد النبوات؟لماذا الغرب لم يصبح مهد النبوات؟


1) تفسير الميزان:ج 144/2.

بعض الروايات تقول يوجد نبي واحد أسود أفريقي،البقية أما عرب أو عبريون هذا يحتاج إلى تحليل.

في مقابل هذا يوجد شيء آخر و هو أن التقدم العلمي التقني عند الغرب كان و إلى الآن،السيارات غرب،المبايلات غرب،التلفزيون غرب، الأدوات العلاجية غرب،الكهرباء غرب،تقدم علمي جاء و زحف علينا من الغرب،لحد الآن الشرق غير قادر على منافسته،صحيح أن الاتحاد السوفيتي صنع مركبات فضائية و استطاع أن يصعد إلى القمر و ما شاكل،لكن يبقى التقدم العلمي هو من حصة الغرب إلى الآن.

في مقابل ذلك نجد أن التقدم الروحي المعنوي هو من حصة الشرق و سوف نجد أن الغرب الآن يعترف أن الإصلاح المعنوي سوف يبدأ من الشرق حيث هم الآن يبحثون عن المصلح الأكبر و هو إمام الزمان و لكن ليس في واشنطن و نيويورك،يبحثون عن صاحب الزمان في النجف-كربلاء- مكّة المكرمة-المدينة و هكذا ينتظرون عيسى بن مريم.

الآن يوجد لديهم بحث حقيقي لأنهم يعرفون هذه القضايا على أساس تراث علمي تاريخي موجود عندهم.

الآن كل الإرهاصات العالمية و التنبؤات العالمية تتحدث عن خروج مصلح من الشرق و ليس من الغرب،أصلا هم لا يبحثون عنه لا في باريس و لا في واشنطن و لا في دولة أخرى من الدول الصناعية السبع بل يبحثون عنه في هذه المنطقة،كما أن عيسى حسب رواياتهم التي هم أيضا يعتقدون بها تتحدث عن نزول عيسى،و عيسى يحكم بعد ذلك،يحكم و يقتل اليهود،هذه القضايا هي بالنسبة إليهم تؤرق مضاجعهم،هؤلاء يقولون عيسى و أولئك يقولون المهدي على كل حال النتيجة واحدة هي ظهور مصلح ينقض على قدراتهم المادية.

و لهذا أنتم قد لا تعلمون أن التحقيقات التي تجريها قوات الاحتلال هنا في العراق مع بعض اللذين اعتقلوا اشتباها أو عمدا و كان يحدثنا و يقول عملوا معي إثني عشر جلسة تحقيق،واحدة منها جلسة تحقيقية كاملة عن الإمام المنتظر عليه السّلام.

جلسة تحقيقية كاملة الأمريكان يحققون معه و التحقيق ما هو؟

من هو المهدي؟

أين يظهر في مكّة؟في المدينة؟في النجف؟في الكوفة؟في كربلاء؟ هذا السؤال الأوّل.

السؤال الثاني:تلتقون به أم لا تلتقون به؟

السؤال الثالث:مراجعكم مثل السيد السيستاني يلتقي به أم لا يلتقي؟

السؤال الرابع:أنتم تدعون أنه إذا ظهر هذا المصلح الأكبر يسيطر على العالم، أسلحته ما هي؟عندكم بالروايات ما هي أسلحته؟حتّى يفكروا بالمضادات!

جلسة تحقيقية كاملة تستغرق ساعتين أو أكثر فقط حول الإمام المنتظر عليه السّلام،ثم يقولون لهذا الشخص المعتقل عندهم:فلنفترض إذا أنت التقيت بالإمام المنتظر عليه السّلام ما ذا تعمل؟يعني ما هي علاقتك معه؟

هذا سؤال خامس؟

السؤال السادس:إذا قال لك الإمام المنتظر عليه السّلام قاتل هؤلاء، أنت تقاتلنا أم لا تقاتلنا!؟عجيب هم يعيشون جوا كأنهم على أبواب ظهور هذا المصلح الأعظم،هذه قوى عظمى في العالم تفكر في نفسها،ماذا سيصبح مصيرنا؟لأنه ثابت عندهم في التوراة و الإنجيل أن عيسى ينزل من السماء و يصلي في بيت المقدس و يقتل اليهود هناك و لديهم تنبؤات لأناس مرتاضين هذه التنبؤات بقطع النظر عن مدى دقتها لكن تثير هواجسهم و مخاوفهم.

لا تتصوروا أن أولئك لا يعتقدون بالتنبؤات التاريخية و لا بالأنبياء،إنهم يعتقدون أنه يوجد شيء ربما يزلزل وجودهم.

تنبؤات نوستر داموس (1)هي من أهم التنبؤات التي نشرت و قد عملت لها المخابرات فلما سينمائيا مهما جدا لتنبيه ذهن الناس،تنبؤات نوستر داموس توفي في القرن السادس عشر يعني قبل(خمسمائة)عام أصبحوا يرون أن هذه التنبؤات ربما تكون واقعية،هو يتنبأ بحكومة هنري الرابع ملك فرنسا و قد حدث ذلك،و كان يتنبأ بسقوط دولة إسرائيل،و بسقوط أمريكا،يتنبأ بحرب عالمية و حدثت،يتنبأ بالحرب العراقية الإيرانية و قد حدثت.

هؤلاء يجدون هذه التنبؤات أمامهم سقوط إسرائيل،سقوط أمريكا مهما كانت درجة الاحتمال في صحتها.

الغرب الآن يعيش إرهاصات ظهور المصلح الأعظم من الشرق،و هذه قضية جدا مهمة إن الإصلاح العالمي ينطلق من الشرق كما هو حركة الأنبياء و هذا سر من الأسرار.

و الآن يأتي هذا السؤال لماذا الإمام المنتظر عليه السّلام يخرج و يتحرك في محور مكّة المكرمة و المدينة المنورة و النجف و الكوفة و كربلاء و ما شاكل، هل من غير الممكن أن يخرج من دولة عظمى من تلك الدول؟عيسى أيضا كذلك يتحرك في فلسطين،و المجتمع الغربي الآن يسلّم بهذه القضية،إن انطلاقة الإصلاح العالمي ستكون من الشرق و ليس منهم.

هذه القضية تاريخية مهمة متروكة للدارسين و الباحثين و الآن نحن بصدد بيان ما يمكن بيانه من تحليل لهذه القضية.

على كل حال الإصلاح العالمي سينطلق من الشرق و سينطلق من العراق بالذات.س.


1) انظر كتاب تنبؤات نوستر داموس.

الإصلاح العالمي بين النظريتين:

كل الأديان الإلهية و الوضعية كما شرحت لكم،تبشر بإصلاح عالمي، و سعادة المجتمع الإنساني في نهاية المسار البشري،هم يبشرون بهذا و يعتقدون بهذا،و لكن أنا أوجز لكم ما هو الفرق بين الإصلاح العالمي وفق النظرية الإسلامية و الإصلاح العالمي وفق النظرية الغربية المطروحة بالفعل.

أنا أوجز لكم الشرح بنقاط يعني ما هي معالم أو مقومات الإصلاح الغربي العالمي و مقومات الإصلاح الإسلامي العالمي الذي يكون على يد إمامنا المنتظر عليه السّلام و نحن الآن نعيش إرهاصاته و مقدماته التمهيدية بإذن اللّه تعالى.

معالم الإصلاح الغربي:

أوّلا:ترسيخ التضاد الطبقي و الصراع السياسي بين الأحزاب.

و يمثل هذا الأصل عمق النظرية الديمقراطية التي تقول يجب أن يحتد الصراع بين الفقراء و الأغنياء،بين أصحاب رؤوس الأموال و بين العمال،و كذلك بين الاتجاهات السياسية المتعددة،هذا الصراع هو المفاعل لحركة الاقتصاد و السياسية.

نظرية السوق الحرة هذه تعتمد على صراع عنيف بين أصحاب رؤوس الأموال و بين العمال و كذلك التنافس السياسي الحاد بين الاتجاهات المختلفة.

ثانيا:الحرية المطلقة السياسية و الاجتماعية و الثقافية،حرية مطلقة بلا حدود،لكي تساعد على التنافس و التضاد التنموي.

ثالثا:عزل الدين عن السلطة و السياسة،لأن الدين يعتمد على ثوابت فكرية و تشريعيّة و لا يسمح بالتعدية التي هي أساس التقدم.

رابعا:الوصاية الغربية على العالم.

اليوم هم يباشرون هذه الوصاية،يعني يصدرون قرارات و يصدّرون توجيهات لدول و شعوب العالم،يعني كيف نحن لدينا مرجع ديني يصدر توجيهات و قرارات

للعالم الإسلامي،هم الآن يصدرون قرارات للعالم العربي و العالم الشرقي و ما شاكل كتوجيهات نحو الإصلاح الديمقراطي هذه أهم معالم الإصلاح الغربي.

معالم الإصلاح الإسلامي:

أمّا الإصلاح الإسلامي العالمي،أيضا لديه مجموعة معالم:

الأوّل:حاكمية الشريعة الإسلامية،أنه لا إصلاح بدون دين اللّه و شريعته.

الثاني:شهادة الأمّة الإسلامية على العالم،و ليس وصاية الأمّة الغربية على العالم، وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ (1)هنا شهداء ليس بمعنى القتلى شهداء بمعنى أصحاب الشهادة و الأشراف،قيمومة الأمّة الإسلامية و ليست قيمومة مجلس الأمن و الأمم المتحدة وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ وَ يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً .

الثالث:الإمام المعصوم هو الذي يقود هذه العملية الكبرى،يعني أن العملية الإصلاحية الكبرى لا يمكن أن تتم بدون إمام معصوم،و الإمام المعصوم من وجهة نظرنا الإسلامية هو من ولد رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و ولد فاطمة عليها السّلام،و هو التاسع من ولد الحسين عليه السّلام.

المصلح المعصوم ضرورة:

ننتقل إلى نقطة ثالثة لماذا كان المصلح المعصوم ضرورة؟

إن الحركة الإصلاحية العالمية من وجهة النظر الإسلامية أحد مقوماتها وجود الإمام المعصوم الذي يقود هذه الحركة الإصلاحية،هذه ضرورة نعتقد بها يعني لا يمكن أن تتم هذه العملية الإصلاحية الكبرى عبر أناس لا يملكون السيطرة على أهوائهم و لا على أمزجتهم،و هم ناس لا يمتنعون من فتك و لا من إبادة،بل طلاب


1) البقرة:143.

مصالح و فئويات و جماعات و قوميات و عرقيات و ما شاكل ذلك،الذي يريد أن يصلح العالم يجب أن يكون قمة في الصلاح و الهدى حتى يستطيع أن يصلح العالم.

قد نناقش هذا الأمر من الناحية العقلية و الفلسفية،و لكن على مستوى أدلة الإثباتات الإسلامية يقول القرآن الكريم:

هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَ دِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ (1)إذن القيمومة الدينية و الأطروحة الحاكمة على العالم في مستقبل الجنس البشري هي الإسلام،يعني حاكمية الشريعة الإسلامية،الأمّة الإسلامية و بالخصوص شيعة أهل البيت عليه السّلام كما أشرت في روايات في هذا الشأن أن هذه الأمّة هي التي تتمتع بالشهادة و تحقق التجربة السعيدة للعالم كله.

القرآن الكريم يقول: وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ) (2)فهو لم يقل الذين آمنوا من الأمم الأخرى من النصارى أو اليهود أو قال الأمم الأخرى من باريس أو لندن أو من واشنطن وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ ، (3)هذه هي محل الشاهد،منكم هم اللذين يستخلفون في الأرض و يكونون قائمين على هذه التجربة الإصلاحية العالمية.

الروايات أيضا متفق عليها هكذا تقول:«سيكون من بعدي أثنا عشر إماما،تسعة من ولد هذا-و كان الحسين صغيرا إلى جانب الرسول صلى اللّه عليه و آله- ضرب على منكبه و قال تسعة من ولد هذا تاسعهم قائمهم». (4)7.


1) التوبة:33.

2) المائدة:9.

3) النور:55.

4) شرح نهج البلاغة:ج /1ص 281،ج /19ص 130؛فيض القدير شرح الجامع الصغير: ج /6ص 362؛الكشف الحثيث:148؛لسان الميزان:ج /3ص 238؛كتاب الفتن للمروزي:229 و 230؛ينابيع المودة لذوي القربى:ج /1ص 345 و 347،ج /2ص 210،ج /3ص 200،ج /3ص 386،ج /3ص 390؛لسان العرب:ج /11ص 317.

هل يمكن أن يكون المصلح عيسى بن مريم عليه السّلام؟

قد يناقشون و يقولون جيد عيسى عليه السّلام أيضا معصوم.

الجواب:أن المرجع عندنا هو أدلة الإثبات العلمية،يعني إذا كان الدليل هو الأحاديث و النصوص المقدسة عندنا،هذه النصوص تقول إن هذا المصلح ليس عيسى بن مريم عليه السّلام و إنما عيسى بن مريم عليه السّلام يصلي خلفه.

نحن نتفق أن عيسى بن مريم عليه السّلام لم يقتل و لم يصلب بل رفعه اللّه إليه،نتفق على أن عيسى بن مريم عليه السّلام ينزل آخر المطاف لكن ليس هو المصلح العالمي الأكبر و إنما ذاك المصلح هو من ولد رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله.

الإمكان العلمي و الثبوت العلمي:

يوجد فرق بين ما نسميه الإمكان العلمي و بين ما نسميه الثبوت العلمي.

لا حظوا يا شباب يوجد شيء نسميه الإمكان العلمي لكن هذا غير كاف نحتاج إلى إثبات علمي،ماذا يعني ذلك؟

أنا أوجز هذا الأمر:

الإمكان على عدة أقسام،إمكان فلسفي،إمكان عرفي،و امكان علمي حديثنا الآن عن الإمكان العلمي،أنه ممكن أن يكون هناك سكان على سطح القمر هذا ممكن علميا،لكن هل يكفي مجرد هذا الإمكان العلمي أم نحتاج إلى إثبات، صعدت المركبات الفضائية مشوا لمدة ساعة أو ساعتين على سطح القمر و جلبوا بعض التراب من القمر و لم يجدوا أثرا للبشر و لو كان يوجد بشر لوصلت آثاره على كل حال هذا شيء اسمه الإمكان العلمي و شيء آخر اسمه الإثبات العلمي.

على مستوى الإمكان علمي يمكن أن يكون عيسى بن مريم عليه السّلام هو المصلح الأعظم نعم هذا ممكن علميا،لكن نحن نحتاج إلى إثبات علمي، نحن لدينا أدلة على ان المصلح الأعظم هو المهدي المنتظر من ولد رسول اللّه

صلى اللّه عليه و آله،لا يوجد عندكم أدلة على أن المصلح الأعظم هو عيسى بن مريم عليه السّلام رغم أن الثابت في مصادرنا الإسلاميّة ان عيسى بن مريم عليه السّلام ينزل إلى الأرض في آخر الزمان لكن مصادرنا تؤكد أنه ينزل و يصلي خلف الإمام المهدي عليه السّلام كما سبق نقل بعض هذه النصوص.

ربما يكون من المفيد أن أقرأ بعض الروايات في نزول عيسى عليه السّلام:

أنا أحاول أن أقرأ الروايات من مصادر أبناء العامة لكي تكون أقوى في الدلالة:

الإمام أحمد ابن حنبل في مسنده أخرج عن أبي هريرة قال:

قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله:«ينزل عيسى بن مريم إماما عادلا و حكما مقسطا فيكسر الصليب و يقتل الخنزير و يرجع السلم و يتخذ السيوف مناجل و تذهب حمة كل ذات حمة و تنزل السماء رزقها و تخرج الأرض بركتها حتى يلعب الصبى بالثعبان فلا يضره و يراعى الغنم الذئب فلا يضرها و يراعى الأسد البقر فلا يضرها». (1)

مثل هذه الروايات في مصادرنا موجودة أيضا،روايات كثيرة في هذا الشأن عن خروج عيسى بن مريم في آخر الزمان.

بعض الروايات عن أبي هريرة عن خروجه عليه السّلام و نزوله من السماء يقول في ختام ما يقول الرسول صلى اللّه عليه و آله:«...و أنا أولى الناس بعيسى بن مريم لأنه لم يكن بيني و بينه نبي و أنه نازل فإذا رأيتموه فاعرفوه رجلا مربوعا إلى الحمرة و البياض عليه ثوبان ممصران كان رأسه يقطر و ان لم يصبه بلل...» (2)يعني عيسى بن مريم عليه السّلام.6.


1) مسند أحمد:ج /2ص 482.

2) مسند أحمد:ج /2ص 406.

و من الجميل أن نجد في بعض الروايات تقول عن الإمام المنتظر عليه السّلام في وصفه أنه إسرائيلي القامة بمعنى يميل إلى الطول. (1)

قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله:«المهدي رجل من ولدي لونه لون عربي و جسمه جسم إسرائيلي على خده الأيمن خال كأنه كوكب دري يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا يرضى بخلافته أهل الأرض و أهل السماء و الطير في الجو...»و الروايات الدالة على ان جسمه عليه السّلام جسم إسرائيلي بأجمعها مروية عن طرق العامة حتى التي وردت في كتب الشيعة منها.و ربما يكون ذلك لاعتبار أن ام الإمام المنتظر عليه السّلام هي روميّة،و كأن المقصود باسرائيلي أنه يشبه أبناء بلاد الروم.

ثمّ تتحدث عن الإمام المهدي عليه السّلام و تقول:

«...فيدق الصليب و يقتل الخنزير و يضع الجزية و يدعو الناس إلى الإسلام فيهلك اللّه في زمانه الملل كلها إلاّ الإسلام و يهلك اللّه في زمانه المسيح الدجال و تقع الامنة على الأرض حتّى ترعى الأسود مع الإبل و النمور مع البقر و الذئاب مع الغنم و يلعب الصبيان بالحيات لا تضرهم فيمكث أربعين سنة ثم يتوفى و يصلى عليه المسلمون» (2)إلى آخر هذه الروايات الكثيرة و الجميلة.

الأدلة العلمية على حركة الإمام المهدي عليه السّلام:

ما هي الإثباتات العلمية.

الأدلة العلمية على المهدي عليه السّلام ما هي؟

نحن نقول أن الإمام المهدي المنتظر عليه السّلام ضرورة ما هي الأدلة العلمية التي نملكها للدلالة على هذه الضرورة؟

لا حظوا أيها المؤمنون أن علماءنا قدموا أربعة نماذج للأدلة على ضرورة الإصلاح العالمي الذي سيكون على يد المهدي الموعود المنتظر.


1) كشف الخفاء:ج /2ص 288.

2) مسند أحمد:ج /2ص 406.

الدليل الأوّل:الدليل العقلي.

الدليل الثاني:الدليل الشرعي.

الدليل الثالث:الدليل العلمي.

الدليل الرابع:الدليل الميداني.

و لعلنا نستطيع في الليالي القادمة أن نأخذ نبذة من كل دليل أمّا هذه الليلة فنكتفي بالحديث عن الدليل الأوّل.

موجز عن الدليل الأوّل:

يعني النموذج الأوّل هو الدليل العقلي الفلسفي.

هذا النمط من الاستدلال كان علماؤنا يستخدمونه وفق مدرسة كاملة نسميها مدرسة الاستدلالات العقلية،فيقولون مثلا النبوة ضرورة من الضرورات،الإمامة كذلك،و إذا كانت الإمامة ضرورة من الضرورات إذن لا يمكن للأمّة الإسلامية أن تبقى بدون إمام،و يستندون في ذلك أيضا إلى روايات تعضد هذا الاستدلال تقول:«لو لا الحجة لساخت الأرض بأهلها». (1)

و تقول إنه«من مات و ليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية» (2)كما في روايات أبناء العامة،إذن لا بدّ في كل زمان من إمام،و هذا الإمام لا بدّ أن يكون معصوما، خلاصة هذا الاستدلال العقلي أنه لا بدّ من إمام معصوم في كل زمان و هذا الإمام المعصوم إذا كان وجوده ضروريا فلا بدّ أن يكون الآن موجودا و لكنه غائب،على ما بشر النبي صلى اللّه عليه و آله في غيبته في روايات متفق عليها.


1) بصائر الدرجات:ص /508باب 12.

2) المجموع:ج /15ص 399،ج /19ص 190؛مواهب الجليل للرعيني:ج /8ص 367؛ حاشية الدسوقي:ج /4ص 298؛المحلى:ج /1ص 45 و 46،ج /9ص 359؛نيل الأوطار:ج /7ص 358.

هذا الدليل نسميه الدليل العقلي،نسميه دليل اللطف،علماؤنا كانوا يستخدمون هذا الاستدلال وفق مدرسة كلاميه خاصة،و إذا ثبتت تلك المدرسة فان هذا الاستدلال أيضا سوف يثبت.

يقولون وفق قاعدة اللطف و حيث كان وجود المعصوم هو لطف من اللّه تبارك و تعالى و اللّه قد كتب على نفسه أنه لطيف رحيم،بمعنى يجب على اللّه تعالى بمقتضى لطفه و رحمته أن يبعث نبيا لأنه تعالى يقول: وَ ما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً (1)إذن أنت تستطيع أن تقول وفق الآية القرآنية أن النبي ضرورة من الضرورات.

و على هذا الأساس يكون الإمام المعصوم كذلك حيث أن مقام الإمام هو مقام النبي و يجسد نفس الامتداد إماما بعد إمام حتى نصل إلى الإمام المنتظر عليه السّلام.

مجموعة شبهات:

هذا الاستدلال واجه مجموعة أسئلة لكن هذه الأسئلة ليست علمية بل هي أسئلة طفولية.

ما هي فائدة الإمام المهدي عليه السّلام:

مثلا ابن تيمية يقول هذا الإمام الغائب ما هي فائدته؟

تقولون هو لطف من اللّه تعالى و لكن أي لطف في إمام غائب؟

و يستمر في الجدل حتى يصل إلى شيء من الجرأة فيقول أن الحكام الأمويين و العباسيين أفضل من إمامكم الغائب،على الأقل هؤلاء نفعوا الناس، إمامكم الغائب لم ينفع الناس بشيء.


1) الإسراء:15.

لقد حاول علماؤنا في مقام الجواب أن يبرهنوا على وجود منافع للأمّة بهذا الإمام،استنادا إلى روايات كثيرة تقول:«تنتفعون به كما تنفعون بالشمس إذا غطتها السحب». (1)

قال سليمان:فقلت للصادق عليه السّلام:فكيف ينتفع الناس بالحجة الغائب المستور؟قال: «كما ينتفعون بالشمس إذا سترها السحاب».

و هناك شبهة أخرى مثل شبهة ابن تيمية مصدرها(أحمد الكاتب)هذا الشخص الذي انحرف و أصبح أخيرا يقول إذا كان المهدي المنتظر موجودا إذن لماذا لم يصحح كتاب الكافي!؟و لأشرح لكم هذه الشبهة:

يوجد كتاب هو مصدر من مصادر الفكر الشيعي اسمه الكافي لمؤلفه الشيخ الكليني،كتبه في زمن الغيبة الصغرى،هو كتاب يجمع روايات كثيرة فيها صحيحة و فيها غير صحيحة يعني هو كتاب موسوعي و شأن الكتب الموسوعية أن تنقل مجموعة ما يوجد من تراث روائي،و لكن هذا الشخص-أحمد الكاتب-يقول لو كان الإمام المنتظر عليه السّلام موجودا فلماذا لم يصحح كتاب الكافي!؟

في الحقيقة هذه الشبهات طفولية يعني نحن نعتقد بلطف اللّه تبارك و تعالى و نعتقد بوجود المعصوم لكن ليس بمستوى أن نفرض رأينا على اللّه أو على الإمام المعصوم.

نحن نعتقد بعدل اللّه تعالى،لكن أمامنا مشاهد المرض و القتلى و الغرق و الفجائع و الحوادث المأساوية نحن نراها لكن نحن لا نعترض على اللّه و نقول اللّه ليس بعادل،لماذا يقتل ربع مليون في حادثة الزلزال الذي حدث عام (2005)في عمق المحيط،تلك الظاهرة التي يسموها بظاهرة تسونامي و التي لحد الآن ذهب ضحيتها أكثر من ربع المليون و هؤلاء بينهم أطفال و نساء و مساكين نحن لا نعترض على اللّه لماذا؟».


1) أمالي الشيخ الصدوق:ص /253ح 15/777.

لأنه نحن نعتقد بأصل العدالة الإلهية إجماليا،أمّا تفصيلها فنحن ليس لدينا قدرة استيعاب.

أنت تقول هذا مدير المدرسة عادل،و لكنّ هذه المدرسة فيها مشكلات كثيرة،فيها طالب ينجح و طالب لا ينجح و لكن يبقى القانون قانون عادل يحكم هذه المسيرة.

اللّه تبارك و تعالى عادل و لكن ليس بالضروري أن نعرف نحن تفاصيل هذه العدالة.

الشاهد نحن نعتقد بعدل اللّه و بحكمة اللّه و لكن ليس بالضرورة الشيء الذي نحن نريده يكون،و نحن ليس لدينا قدرة على إدراك كل المصالح الشمولية،العميقة في الوجود كله؟ما يدرينا ما هي؟

قصة العصفور و البحر:

و هي قصة حصلت مع موسى و الخضر عليهما السّلام حين كانوا في وسط البحر.

الرواية تقول:جاء عصفور فوقع على حافة السفينة،فنقر في البحر نقرة،فقال الخضر لموسى عليه السّلام:ما علمي و علمك من علم اللّه،إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر. (1)

هذه هي معلومات البشر،فكيف نستطيع أن نكشف كل الحكم الإلهية في الوجود؟

نحن لا نستطيع أن نفرض على اللّه تعالى مواقف و كذلك لا نستطيع أن نفرض على المعصوم مواقف أن يصحح كتاب الكافي أو يظهر لإنقاذ الناس و ما شاكل ذلك.


1) تفسير مجمع البيان:ج /6ص 365؛تفسير نور الثقلين.ج 280/3.

نحن نعتقد إجمالا بالعدالة و اللطف الإلهي و نعتقد بفائدة وجود المعصوم الغائب بشكل إجمالي و لا نستطيع أن نفرض عليه موقفا.

رسالة الإمام:

أنا أختم المجلس برسالة إمامنا المنتظر عليه السّلام إلى الشيخ المفيد و هو من علماء الطائفة،الشيخ المفيد الذي توفي في عام(410)للهجرة يعني في مطلع القرن الخامس الهجري،الإمام المنتظر عليه السّلام يكتب له رسالة يقول فيها:

«بسم اللّه الرحمن الرحيم أمّا بعد:سلام عليك أيها الولي المخلص في الدين، المخصوص فينا باليقين فإنا نحمد إليك اللّه الذي لا إله إلا هو،و نسأله الصلاة على سيدنا و مولانا و نبينا محمّد و آله الطاهرين،و نعلمك-أدام اللّه توفيقك لنصرة الحق، و أجزل مثوبتك على نطقك عنا بالصدق-:انه قد أذن لنا في تشريفك بالمكاتبة، و تكليفك ما تؤديه عنا إلى موالينا قبلك،أعزهم اللّه بطاعته،و كفاهم المهم برعايته لهم و حراسته،فقف أيدك اللّه بعونه على أعدائه المارقين من دينه على ما اذكره،و اعمل في تأديته إلى من تسكن إليه بما نرسمه ان شاء اللّه.

نحن و ان كنا ناوين بمكاننا النائي عن مساكن الظالمين،حسب الذي اراناه اللّه تعالى لنا من الصلاح و لشيعتنا المؤمنين في ذلك ما دامت دولة الدنيا للفاسقين،فانا نحيط علما بأنبائكم،و لا يعزب عنا شيء من أخباركم، و معرفتنا بالذل الذي أصابكم مذجنح كثير منكم إلى ما كان السلف الصالح عنه شاسعا،و نبذوا العهد المأخوذ وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون.

إنا غير مهملين لمراعاتكم،و لا ناسين لذكركم،و لو لا ذلك لنزل بكم اللاواء و اصطلمكم الأعداء فاتقوا اللّه جل جلاله و ظاهرونا على انتياشكم من فتنة قد أنافت عليكم يهلك فيها من حمّ أجله و يحمى عنها من أدرك أمله،و هي إمارة لأزوف حركتنا و مباثتكم بأمرنا و نهينا،و اللّه متم نوره و لو كره المشركون...». (1)


1) الاحتجاج:ج /2ص 322.

كتاب الشيخ الطوسي:

الشيخ الطوسي أعلى اللّه مقامه ألّف كتابا بعنوان(الغيبة)تبعا لوصية أستاذه الشيخ المفيد الذي قرأت لكم هذه الرسالة له من الإمام المنتظر عليه السّلام.

الشيخ المفيد كان يوصى تلميذه و هو الشيخ الطوسي أن يؤلف كتابا في الغيبة حتى تترسخ هذه الفكرة عند الناس فألّف كتاب(الغيبة).

الشيخ الصدوق الذي حدثتكم عنه قبل الشيخ الطوسي كان ألّف كتابا اسمه(إكمال الدين)في الإمام المنتظر عليه السّلام.

الشيخ الطوسي و الشيخ الصدوق يستعرضان هذه الأدلة على حركة الإمام المهدي عليه السّلام و وجوده و أولها الدليل العقلي.

الشهيد السيد محمد باقر الصدر قدّس سرّه أيضا في كتابه(بحث حول المهدي)يستعرض استعراضا سريعا بعض النماذج من هذه الأدلة و التي سوف نقف عندها في محاضرات لا حقة إن شاء اللّه تعالى.

ختام المجلس:

هذه الليلة مخصوصة لذكر العباس عليه السّلام أهل المنبر الحسيني هنا في النجف و في العراق بشكل عام يخصصون الليلة السابعة لذكر قمر بني هاشم أبي الفضل العبّاس،نحن أيضا على هذا الدأب نذكر هذه الليلة مصيبة قمر بني هاشم.

قمر بني هاشم له مجموعة ألقاب يلقب بها،من جملة ألقابه ساقي عطاشى كربلاء،لأن هذه المهمة مهمة السقي و استحصال الماء كان العباس قد امتاز بها في ملحمة عاشوراء في اليوم السابع من محرم الحرام حيث أرسله الإمام الحسين عليه السّلام مع عشرين فارسا إلى المشرعة حينما أشتد الحصار و بدأ العطش في الحسين عليه السّلام و أصحاب الحسين و أهل بيت الحسين عليه السّلام و المشرعة أغلقت تماما،هنا و في اليوم السابع قيّض الحسين أخاه العباس لكي يطلب الماء مع عشرين فارسا و نزلوا المشرعة

فأحاط بهم القوم و كان العباس عليه السّلام يدافع عنهم حتى أوصل الماء للحسين عليه السّلام في اليوم السابع من محرم الحرام.

و في العاشر من محرم الحرام جاء العباس للحسين عليه السّلام بعد أن نفد ما لديهم من الماء و اشتد العطش قال أخي أبا عبد اللّه لقد ضاق صدري من هؤلاء الأعداء فهل من رخصة.

قال أخي أبا الفضل أنت صاحب لوائي إذا مضيت تفرق عني عسكري و لكن أطلب لهؤلاء قليلا من الماء.

أخذ القربة و ركب جواده فكشف القوم عن المشرعة و نزل إلى الماء خاض الماء أراد أن يشرب تذكر عطش الحسين عليه السّلام.

ملأ القربة و ركب جواده،كمن له لعين ضربه على يده اليمنى قطعها فقال:

و اللّه أن قطعتم يميني إني أحامي أبدا عن ديني

أخذ السيف بشماله يقاتل القوم كمن له ملعون وراء النخلة ضربه على شماله قطعها،وقف بين القوم لا يدين حتى يدافع بهما و بينما هو كذلك و إذا بعمود على رأسه خرّ صريعا مناديا السلام عليك يا أبا عبد اللّه.

أقبل إليه الحسين عليه السّلام جلس عنده:

نادى و قد ملأ البوادي صيحة صمّ الصخور لهولها تتقسم

أراد الحسين عليه السّلام حمله للخيمة قال:أخي أبا عبد اللّه باللّه عليك إلاّ ما تركتني في مكاني.

إنا للّه و إنا إليه راجعون و سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

و الحمد للّه رب العالمين


(/7محرم الحرام1426/ ه) - المحاضرة السابعة نقاط التمايز بين الحركتين

اشارة

تقرأ في هذه المحاضرة الإجابة على الأسئلة التالية:

61-ما هي نقاط التمايز بين حركة الإمام المهدي و حركة الإمام الحسين عليهما السّلام؟

62-هل يستخدم الإمام المهدي عليه السّلام أدوات إعجازية في ثورته؟

63-الدجّال يمثل ظاهرة أو شخصا؟

64-ما هي الوظيفة الشرعية التي ينطلق منها الإمام؟

65-ما هو الخطر الأكبر الذي يواجهه الإمام،الانحراف الداخلي،اليهود، الاستكبار العالمي،النصرانيّة؟

66-ما هو الفرق بين علامات الظهور و شروط الظهور؟

67-عشرة من علامات الظهور؟

68-ما هي مسؤوليتنا للتعجيل في ظهوره؟

69-ما هي فلسفة الحداثة في فهم الحقائق؟

70-ما هو فضل الانتظار و ما المقصود به؟

بسم اللّه الرحمن الرحيم

مازال حديثنا عن عناصر التمايز و الاشتراك بين حركة الإمام الحسين و حركة الإمام المهدي عليهما السّلام.

نقاط التمايز:

هناك مجموعه نقاط تمايز بين حركة الإمام الحسين و حركة الإمام المهدي عليهما السّلام.

1-الحسين عليه السّلام قتل شهيدا و لم ينتصر بالبعد العسكري لكن إمامنا المنتظر عليه السّلام سوف ينتصر.

2-الإمام الحسين عليه السّلام لم يحكم دولة و لكن الإمام المنتظر عليه السّلام سوف يحكم دولة.

3-الإمام الحسين عليه السّلام لم يفتح له العالم بينما الإمام المنتظر عليه السّلام يفتح له العالم حتى يدق أبواب الروم و الصين و تفتح له الروم و الصين و هذه أقصى بقاع الأرض يومئذ،يعني لا توجد يومئذ قارة أستراليا إنها لم تكن مكتشفة،قارة أمريكا كذلك غير مكتشفة كان أقصى الأرض يومئذ يقال له الصين و على هذا الأساس قالوا:

قال النبي صلى اللّه عليه و آله:«اطلبوا العلم و لو بالصين فإن طلب العلم فريضة على كل مسلم»، (1)ليس المقصود في الصين أن أهل الصين كانوا علماء،عندما يقال الصين يعني أقصى البقاع رغم أنها الآن تعتبر قريبة منا بالنسبة لقارة أستراليا و قارة أمريكا لأن الصين جزء من قارة آسيا و نحن في قارة آسيا أيضا،على كل حال العالم يفتح للإمام المنتظر عليه السّلام بينما العالم لم يفتح للإمام الحسين عليه السّلام.


1) وسائل الشيعة:ج /72ص /27ح 20/33119.

4-ديمومة دولة الإمام المنتظر عليه السّلام حيث تدوم دولته و حركته إلى مئات السنين كما شرحت لكم في ليال سابقة،و بعض الروايات تقول إلى انقضاء الخلق.

الإمام المنتظر عليه السّلام سوف يموت إلاّ أن دولته تبقى مستمرة،مهدي بعد مهدي،و إمام بعد إمام، (1)

هذه الرواية عن أبي بصير يقول قلت للصادق عليه السّلام:يابن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله سمعت من أبيك أنه قال:«يكون بعد القائم إثنى عشر مهديا،فقال:إنما قال اثني عشر مهديا و لم يقل اثني عشر إماما و لكنهم قوم من شيعتنا يدعون الناس إلى موالاتنا».

بحار الأنوار:ج /53ص /145ح 2:

في حديث آخر يا أبا حمزة:«ان منّا بعد القائم أحد عشر مهديا من ولد الحسين عليه السّلام».

و رواياتنا هكذا تقول أن الذي يصلي على الإمام المنتظر عليه السّلام و يغسله و يكفنه هو الإمام الحسين عليه السّلام باعتبار أن الإمام الحسين عليه السّلام كما قرأت لكم في روايات سابقه وفق نظرية رجعة أهل البيت عليهم السّلام للحياة فإن الإمام الحسين عليه السّلام أوّل من يرجع و هو الذي يلي أمر القائم عليه السّلام،لأنّ في مفاهيمنا أن المعصوم لا يتولى أمر غسله و كفنه إلاّ معصوم،و لهذا أنتم جميعا سمعتم أن الإمام الحسين عليه السّلام يوم عاشوراء لمّا قتل بقيت جثته ثلاثة أيام،من الذي تولى دفنه؟

الإمام السجاد عليه السّلام و بعد ثلاثة أيام.

هذا المفهوم موجود عندنا يعني في مذهب أهل البيت عليهم السّلام أن الإمام المعصوم لا يلي أمره إلاّ المعصوم و حينئذ يأتي هذا السؤال أن الإمام المنتظر عليه السّلام و هو خاتم الأوصياء هل يوجد وراءه معصوم حتى يصلي عليه و يغسله؟

الجواب:نعم-وفقا لنظرية الرجعة-في مسيرة العودة و الرجعة حيث يعود الأئمّة الأطهار واحدا بعد واحد،و هذا بحث ربما تناولناه في ليال سابقة في محاضراتنا الأسبوعية في شرح الزيارة الجامعة،و يمكن أن نتناوله في هذه الليالي.

إذن هذه مجموعة تمايزات.».


1) بحار الأنوار:ج /53ص /115ح 21:

5-الإمام المنتظر عليه السّلام يستخدم الكثير من الأدوات الإعجازية،يعني المعجزة سوف تشترك مع الإمام المنتظر عليه السّلام في حركته و ليس فقط الأدوات الطبيعية كالأسلحة الطبيعية.

نحن ذكرنا سابقا أن حركة الإمام المنتظر عليه السّلام تعتمد على الأدوات البشرية و لكن إلى جانبه هناك الإسناد و الأعجاز الإلهي.

الإمام المنتظر عليه السّلام في حركته يستخدم آليات أخرى غير الآليات المتعارفة دبابات و طائرات و صواريخ و ما شاكل ذلك،هذه كلها يستخدمها لكنه يستخدم سلاح الرعب من اللّه تعالى في قلوب الأعداء،و كذلك الملائكة.

عندنا بعض الروايات تقول:إن الإمام المنتظر عليه السّلام يدخل العراق على سبع قباب من نور، (1)

قال أبو جعفر عليه السّلام في قول اللّه تعالى: فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَ الْمَلائِكَةُ وَ قُضِيَ الْأَمْرُ قال:«ينزل في سبع قباب من نور لا يعلم في أيها،هو حين ينزل في ظهر الكوفة فهذا حين ينزل».

بعض الباحثين يرى أن هذه السبع قباب من نور هي سبع طائرات حيث يومئذ لا يوجد شيء اسمه طائرة،قبل 1400 سنة الرواية تقول يدخل العراق على سبع قباب من نور هو في أحداها يعني(رتل عسكري جوي)و غير معروف أن الإمام في أي واحدة من هذه الطائرات بناءا على هذا التفسير أن سبع قباب من نور يعني طائرات،الفكرة أن الإمام المنتظر عليه السّلام يستخدم أدوات إعجازية لكن الأصل هي الأدوات البشرية الطبيعية لأن هذه سنّة اللّه تعالى كما شرحنا ذلك في محاضرة سابقة.

هذه نقاط تمايز بين حركة الحسين عليه السّلام و المهدي عليه السّلام.

الاشتراك في فلسفة التحرك:

لكن بقى محور مهم من محاور الاشتراك و هو الاشتراك في فلسفة التحرك،يعني ماذا؟


1) تفسير العياشي:ج /1ص /103ح 301 و ح 303:

يعني أن حركة الإمام الحسين عليه السّلام كانت منطلقة من الوظيفة الشرعية،حركة الإمام المهدي عليه السّلام أيضا منطلقة من الوظيفة الشرعية.

التكليف هو الذي يشخص للإمام المعصوم موقفه و ليس قضية ذات أبعاد شخصية،التكليف الذي حتّم و فرض على الحسين عليه السّلام أن يهاجر و يقود الثورة هو نفسه التكليف الذي سينطلق منه الإمام المنتظر عليه السّلام لأنه مكلّف،هو عبد مطيع للّه تعالى،إذا أذن اللّه تعالى له بالتحرك تحرك.

الإذن من اللّه تعالى كما سنشرح مرتبط بالواقع البشري و بقانون يعني بمقاسات إسلامية،المقاسات الإسلامية هي قانون قرآني إِنَّ اللّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ (1)يعني نحن نفترض أن هناك مجتمع سعيد سيكون في آخر الزمان بحيث أن ذلك المجتمع السعيد تمشي المرأة من العراق إلى الشام لا تطأ قدمها إلاّ على زرع (2)

قال أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه:«بنا يفتح اللّه و بنا يختم اللّه و بنا يمحو ما يشاء و بنا يثبت و بنا يدفع اللّه الزمان الكلب،و بنا ينزل الغيث،فلا يغرنكم باللّه الغرور،ما أنزلت السماء قطرة من ماء منذ حبسه اللّه عزّ و جلّ و لو قد قام قائمنا لأنزلت السماء قطرها،و لأخرجت الأرض نباتها،و لذهبت الشحناء من قلوب العباد،و اصطلحت السباع و البهائم،حتّى تمشي المرأة بين العراق إلى الشام،لا تضع قدميها إلاّ على النبات،و على رأسها زنبيلها لا يهيجها سبع و لا تخافه».

يعني ثروة زراعية واسعة حتى يصطلح الذئب مع الشاة هذا هو المجتمع السعيد،لنفترض أن هذه الروايات كما أشرنا لذلك ربما يكون المقصود منها الإشارة إلى نموذج العدل الأقصى و ليس بالضرورة إن الذئب لا يأكل شاة أو القطة لا تأكل الفأرة.

قد يقول قائل هذا خيال،ما هي الفائدة أن القطة لا تأكل الفأرة؟

يعني هل هذه رحمة؟غير معلوم!،الرحمة تعني أن القانون الحيواني يجب أن يكون حاكما و القطة تأكل الفأرة هذه هي الرحمة.».


1) الرعد:11.

2) بحار الأنوار:ج /52ص /316ح 11:

نعم،و هذا ما نميل إليه،لكن الروايات تريد أن تعطّينا أمثلة على حاله الوئام العالي،السماء تمطر،الأرض تنبت،الحيوانات تكثر،هذه رحمة عالية.

بعض الأساطير:

بهذا المعنى تكون الروايات مقبولة و مفهومه،و نحن لسنا مضطرين لحملها على معاني أخرى.لأن تلك المعاني الأخرى كما ذكرت في ليلة من ليالي شهر رمضان قد تكون أسطورة من الأساطير كما جاء في بعض الروايات الإسرائلية،إن نوحا على نبينا و آله و عليه الصلاة و السلام لما ركب السفينة طال جلوسهم فيها عدة أيام و ربما عدة شهور،و السفينة بها من كل زوجين أثنين،من جملة ما كان موجودا بها هو الفيل و الأسد و الخنزير لكن كلها متصالحة يعني لا يعتدي بعضها على الآخر،يعني هذا تعايش سلمي كما يسمونه في زماننا،الرواية-الأسطورة طبعا-و أنا أذكرها للطرفة و النكتة في الحقيقة تقول انه لما طالت بهم الأيام كثرت قذارة الحيوانات،فمسح نوح عليه السّلام على خرطوم الفيل فعطس الفيل و خرج من خرطومه خنزيران فأكلا هذه الفضلات،ثم كثرت الفئران في السفينة فمسح نوح على رأس الأسد فعطس الأسد فخرج اثنان من القطط فأكلا الفئران! (1)

نحن بالحقيقة غير مضطرين لهذه الكلمات،إن علماءنا يقولون هذه أساطير إسرائيلية خرافية ذكروها،فحينما تقول الروايات أنه على عهد المهدي عليه السّلام:إن الذئب لا يأكل الشاة فهل هذا يعني نقطة تقدم أم نقطة تراجع بالقانون الإلهي؟


1) الرواية عامية رواها العامة في كتبهم بإسنادهم عن ابن عبّاس و رواها الشيخ الصدوق قدّس سرّه في كتابه علل الشرائع بإسناده عن وهب بن منبه و هو من القصاصين الذين كانوا يروون أساطير التوراة و الإنجيل على أيام عمر و عثمان فلما ولي أمير المؤمنين عليه السّلام الخلافة طردهم فالتحقوا بالشام.

الروايات حينما تقول إن الذئب لا يأكل الشاة تشير إلى حالة وئام عالي سيكون،و سوف تبقى القوانين الإلهية قوانين المرض و الابتلاء و الموت و الحياة موجودة فهذه القوانين كلها هي خير و رحمة للبشر.

الشاهد في الأمر:إن الإمام المنتظر عليه السّلام ينطلق من الوظيفة الشرعية و الوظيفة الشرعية تعتمد على السنن الإلهية،و إحدى تلك السنن الإلهية في عملية التغيير هو قانون إِنَّ اللّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ ، (1)يعني أيها الناس كونوا أناسا جيدين اللّه يغير لكم لكن إذا لم تصبحوا أناسا جيدين يعني لا تمهدون الأرض فكيف يخرج صاحب الزمان عليه السّلام و يغير الواقع و الواقع لا يستحق التغيير.

إذن وفق المقاسات القرآنية أو حركة صاحب الزمان عليه السّلام تعتمد على شروط موضوعية و نتحدث عنها بشكل إجمالي،و لكن في البداية نريد أن نؤكد على أنّ أصل الفكرة هي أن الحركة تنطلق من وظيفة شرعية.

مواجهة الانحراف الداخلي:

أوّل مواجهة يخوضها الإمام عليه السّلام هي المواجهة مع الانحراف الداخلي،و هذه أيضا نقطة اشتراك بين الحسين عليه السّلام و المهدي عليه السّلام.

قبل أن يدخل الإمام المهدي عليه السّلام في قتال مع الروم و مع الصين و اليهود و النصارى فأن أوّل قتال يكون مع اتجاهات منحرفة بقيادة السفياني، يعني هناك تيارات سياسية فكرية تحت لواء السفياني الأموي،و ربما يكون المقصود ليس حالة نسبية بمعنى الانتساب إلى أبي سفيان و إنما حالة فكرية بمعنى نفس الاتجاهات الإنحرافية الأمويّة التي كانت في بدايات الإسلام كما أن حركة الحسين عليه السّلام كانت في مواجهة التيار الأموي.

لا حظوا حركة الحسين عليه السّلام لم تكن مواجهة في البداية مع تيار المشركين بل


1) الرعد:11.

كانت مواجهة مع تيار أموي منحرف في داخل الوسط الإسلامي،حركة الإمام المهدي عليه السّلام أيضا مع تيار منحرف،الروايات تسميها راية السفياني،يعني هو نفس الامتداد لخط النفاق الذي تمثله الحالة الأموية.

حركة الحسين عليه السّلام في أوّل مواجهة لها مع الانحراف الداخلي،باسم الإسلام،لأن إنحراف معاوية و يزيد لم يكن باسم النصرانية و لا اليهودية و لا كان باسم الزندقة،كله كان باسم الإسلام.

السفياني أيضا حركته باسم الإسلام،ليست حركته بفلسفات لا دينية بل بفلسفات دينية أيضا هكذا تقول بعض الروايات في حركة الإمام المنتظر عليه السّلام.

عن الإمام الباقر عليه السّلام:«...ثم يأتي الكوفة فيطيل بها المكث ما شاء اللّه أن يمكث حتّى يظهر عليها ثم يسير حتّى يأتي العذراء هو و من معه،و قد التحق به ناس كثير،و السفياني يومئذ بوادي الرملة.حتّى إذا التقوا يخرج أناس كانوا مع السفياني من شيعة آل محمّد عليهم السّلام،و يخرج أناس كانوا مع آل محمّد إلى السفياني،فهم من شيعته حتى يلحقوا بهم،و يخرج كل أناس إلى رايتهم.و هو يوم الإبدال.قال أمير المؤمنين عليه السّلام:و يقتل يومئذ السفياني و من معهم حتّى لا يدرك منهم مخبر،و الخائب يومئذ من خاب من غنيمة كلب، ثم يقبل إلى الكوفة فيكون منزله بها...». (1)

لا حظوا الشكل الإسلامي للانحراف،هذه هي التيارات المنحرفة،لا يتصوّر بعض الشباب إن الانحراف دائما يكون لابسا ثوب الكفر و بشكل علني،الانحراف لا يأتيك بشكل علني،يأتيك بشكل خفي،و دائما هذه القضية يجب أن نكون حذرين منها.

لا حظوا أيضا يوجد تشابه بين مواجهة الحسين عليه السّلام مع الخط الأموي و مواجهة الإمام المنتظر عليه السّلام مع الخط الأموي و امتداداته التي هي حركة السفياني.4.


1) بحار الأنوار:ج /52ص 224.

اليهود مركز العداء:

و من العجيب في الروايات التي تستحق أن نقف عندها متأملين جدا، أن مركز العداء لحركة الإمام المهدي عليه السّلام هم اليهود و ليس النصارى.

الآن مركز العداء للعالم الإسلامي هم اليهود،صحيح أن النصارى واقفون مع اليهود ضدنا،لكن مركز الحركة العدائية ضد المسلمين هم اليهود سواء اليهود الموجودون بإسرائيل أو اليهود الموجودون بأمريكا أو اليهود المتنفذون في الأمم المتحدة أو في مجلس الأمن أو في أماكن أخرى،هذا النفوذ للإخطبوط اليهودي هو مصدر العداء للمسلمين.

و لهذا فأن رواياتنا عندما تتحدث عن الروم تتحدث برحمة،و عندما تتحدث عن اليهود تتحدث بقسوة.

رواياتنا تقول:إنه ستحدث في حركة الإمام المهدي عليه السّلام هدنة مع الروم،الروم يعني أوربا و الغرب ستكون هناك هدنة لا يوجد فيها قتال،حتّى يتعبأ المسلمون مع النصارى ضد اليهود في فلسطين،في إسرائيل اليوم.

التحالف الإسلامي النصراني:

الرواية تقول:إنّ عيسى عليه السّلام ينزل و يصلي خلف الإمام المهدي عليه السّلام في المسجد الأقصى،و الناس في الغرب و أوربا يرون أن هذا النبي الذي يعتبرون أنفسهم أتباعه يصلي خلف إمامنا،معنى هذا سيحدث حالة من الاصطفاف و حالة من التحالف بين إمام الأمّة الإسلامية و إمام الأمّة النصرانية، إمام الأمّة الإسلامية هو الإمام المهدي عليه السّلام،و إمام الأمّة النصرانية هو النبي عيسى عليه السّلام فيحدث التحالف.

و لهذا فالروايات تقول:ستحدث هدنة بين المسلمين على يد الإمام المهدي عليه السّلام و بين الروم بينما سيكون هناك سحقا نهائيا لليهود،حتى أن

الروايات تقول:حتّى تقول الصخرة يا مسلم إن خلفي يهوديا تعال اقتله، (1)

عن أبي هريرة،عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله قال:«لا تقوم الساعة حتّى تقاتلوا اليهود،حتّى يقول الحجر وراءه اليهودي:يا مسلم هذا يهودي ورائي فاقتله».

يعني ملاحقة نهائية لليهود لا يبقى منهم أحد،مثل هذه الملاحقة غير موجودة بين المسلمين و بين النصارى.

هذه الظاهرة أن اليهود هم مركز العداء تلاحظونها في القرآن حينما يتحدث عن النصارى و حينما يتحدث عن اليهود.

لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ (2)و لم يقل النصارى بينما يقول عن النصارى: وَ لَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنّا نَصارى (3)البعض من هؤلاء النصارى إذا اكتشفوا الحقيقة سوف يقتربون منها،و لهذا أقول لكم بصراحة نحن لدينا أمل كبير على الشعوب الأوربية و الغربية أن هذه الشعوب سوف تهتدي،و الآن فأن إرهاصات الاهتداء بالأفق موجودة، هم يبحثون عن الإصلاح و عن المنقذ لأنهم في حيرة.

قصة في المانيا:

حدث لي في سفرة من الأسفار في شهر محرم الحرام إلى ألمانيا حيث كانت هناك بحمد اللّه تجمعات عراقية مؤمنة،كنا نذهب و نزورهم أيام شهر رمضان المبارك و محرم الحرام،و هناك في ألمانيا مجموعات كبيرة من الشباب الألماني الضائع التائه في الشوارع،يقدّر وجودهم بخمسة ملايين يسمونهم البائسين و هم(الروك)و(الهيبز) هؤلاء رغم وجود الوفرة و الأموال لكنهم يؤثرون أن يبيتوا في الشوارع و الميتروات و محطات القطار و ما شاكل ذلك.


1) صحيح مسلم:ج /4ص /2238ح 2921 عن ابن أبي شيبة:

2) المائدة:82.

3) المائدة:82.

قلت لصاحبي تعال خذني لأرى هؤلاء كيف هم؟شباب بمعنى الكلمة،شباب مرفّه مدلل جامعي لكنهم حائرون في الحدائق و الشوارع يعيشون في فلسفة عجيبة، فلسفة الإبتعاد عن النظافة،الابتعاد عن الراحة،لا يبيتون في بيت،أخذني لهم سألتهم و هم في حديقة من الحدائق عن وضع البؤس عندهم ما سببه؟

يومئذ و قبل أن يسقط جدار برلين و قبل أن تتحد ألمانيا الغربية و الشرقية،قلت لهؤلاء ما هو سبب البؤس الذي عندكم؟

قالوا:سبب البؤس أمريكا حيث كانت قوات التحالف مسيطرة على ألمانيا و معسكراتها كما هو اليوم في العراق حيث مشهد الأرتال العسكرية في بغداد،يومئذ في ألمانيا أرتال عسكرية تجوب الشوارع و طيران أمريكي يسيطر على الجو.

قال:سبب البؤس عندنا هي أمريكا التي لا تسمح لنا بالانطلاق.

قلت له:جيد يوجد شخص في العالم الشرقي اسمه الخميني،و كان هذا الحديث قبل وفاة الإمام الخميني قدّس سرّه.يومئذ الخميني و حركة الإمام الخميني و التيار الإسلامي العالمي له أصداء في العالم،هذا الشخص يريد إنقاذكم ماذا تقول أنت؟

قال:أمّا نحن فيائسون لكن فليجّرب حظه لعله يستطيع أن ينقذنا.

هذا التفكير موجود في الشارع العام المليوني في أوربا،و ليس في النجف أو في كربلاء أو في العراق أو في إيران هذا واقع العالم الذي نعيشه،و لهذا فأن العالم الاستكباري فكّر-و هذا حديث قد نؤجله لوقت آخر-بضرب الإسلام بالإسلام،إن هذا الإسلام،هذا المصلح العالمي الذي ظهر في مطلع هذا القرن بانتصار الشيعة و تأسيسهم دولة كبرى،إن هذا الإسلام لا يمكن مواجهته بحرب صدام ضد إيران التي دامت ثمان سنوات،و لا بحصار اقتصادي و لا إزعاجات داخلية و حركة منافقين، و إنما هذا الإسلام الذي أصبح يمتد في كل العالم كأيدلوجية حضارية إصلاحية جديدة،إن أفضل طريقة لمواجهته هي مواجهة الإسلام بالإسلام،فصار هناك إسلام يسمونه إسلاما إرهابيا أصوليا و إسلام يسمونه إسلاما معتدلا.

بالفعل نحن أيضا نعتقد أنه يوجد أناس إرهابيين و الإسلام بريء منهم، لكن الخدعة ليست هذه،الخدعة و الخطة هي أن يصنّف الإسلام على أساس أنه فكر إرهابي و لا بدّ أن يكون هنا إسلام جديد هذا الإسلام الجديد هو الذي يطرحه الغرب و تطرحه أمريكا،هذا البحث نؤجله فعلا.

الفكرة التي نريد تأكيدها هي أن مركز العداء مع حركة الإصلاح العالمي هو اليهود،و نحن نتوقع أن سوف تكتشف الدول الكبرى،أن هؤلاء اليهود يريدون جرّ العالم إلى حرب كبرى بحيث لا تأمن منها حتى الشعوب الأوربية و الغربية و غير ممكن أن تبقى الدول الكبرى أسيرة بيد الأخطبوط اليهودي،هذا الأمر تنبؤاتنا تقول أنهم سيكتشفونه و يكون هناك تحالف إسلامي نصراني ضد اليهود،و تطّهر الأرض من اليهود.

المواجهة مع الدجّال:

تؤكد روايات الظهور المتفق عليها أنه ستظهر هناك حركة أو شخصيّة قبل الإمام المهدي عليه السّلام اسمها الدجّال،في رواياتنا اصطلاح الأعور الدجال و اصطلاح المسيح الدجال،المسيح بمعنى ممسوح،عيسى المسيح أيضا مسيح،يعني اللّه مسح عليه بالرحمة و هذا الأعور الدجال مسح اللّه على إحدى عينيه فهو أعور.

المسيح الدجال أو الأعور الدجال تقول الروايات أنه في آخر الزمان سيظهر دجّال هل هو شخص أو هو ظاهرة؟

رواياتنا بشكل عام سواءا الواردة عندنا أو الواردة عند أبناء العامة ليست بعيدة عن فكرة أن الدجال ليس هو شخص مثل السفياني أو اليماني إنما الدجال عبارة عن انحراف خطير سيحدث في آخر الزمان،هو حالة الدجل و حالة الكذب و تحريف الحقيقة و الواقع بشكل لا نظير له،و لهذا فأن

بعض المفكرين هكذا يفسرون حركة الدجال إنه ليس شخصا و إنما عبارة عن الحضارة الغربية،هكذا يفسرها بعض الباحثين:إن الدجال يعني هذا الكذب الذي نراه اليوم في العالم الحديث حيث الإعلام العالمي اليوم غير قائم على الحقيقة و إنما قائم على الدجل،هناك شعوب تتحرك بالكامل، تتحرك كلها على دجل و وهم حيث لا توجد الحقيقة،اليوم العالم الاستكباري هكذا يفتعل الأخبار و يفرضها على الشعوب و يحركون تلك الشعوب و هذا هو الدجل،الآن بعض الفضائيات هي دجال بمعنى الكلمة.

لعل مما يؤيد هذه النظرية أن بعض الروايات تقول يظهر ثلاثون دجالا،دجالون كذابون كل منهم يدعى النبوة،هل يقول حقيقة أنا نبي أو أنه يدعى أنه هو المصلح و هو المنقذ و هو المخلّص و هذا ما نلاحظه الآن،الآن الحضارة الغربية تدعي أنها هي المنقذ بعناوين متعددة.

و على كل حال أحد المعارك التي يخوضها الإمام المنتظر عليه السّلام كحركة سياسية ثقافية هي المعركة مع الانحراف تحت عنوان(الدجال).

أيضا بهذا الصدد قد يكون من المفيد أن أقرأ لكم بعض الروايات في هذا الشأن.

هكذا تقول الرواية: (1)

إن الدجال صائد بن الصيّد فالشقي من صدّقه و السعيد من كذّبه، يخرج من بلدة تعرف باليهودية عينه اليمنى ممسوحة و الأخرى في جبهته تضيء كأنها كوكب الصبح،فيها علقة كأنها ممزوجة بالدم،بين عينيه مكتوب كافر،يقرأه كل كاتب و أمي،يخوض البحار،و تسير معه الشمس، بين يديه جبل من دخان،و خلفه جبل أبيض يرى الناس أنه طعام يخرج في4.


1) البحار:ج /52ص 194.

قحط شديد،تحته حمار أقمر خطوة حماره ميل،تطوى له الأرض،لا يمرّ بماء الأغار إلى يوم القيامة،ينادي بأعلى صوته يسمعه ما بين الخافقين من الجن و الإنس و الشياطين يقول:إليّ أوليائي أنا الذي خلق فسوى و قدّر فهدى،أنا ربكم الأعلى... (1)إلى آخر الرواية الطريفة و لا استطيع الوقوف عندها طويلا:

رواياتنا بشكل عام ليست بعيدة عن أن الدجال ليس شخصا و إنما هو ظاهرة الدجل و الكذب و الانحراف العميق عن الأصالة الإسلامية.

ما هي الوظيفة الشرعية؟

نرجع إلى ما ذكرناه أن الإمام المنتظر عليه السّلام ينطلق من الوظيفة الشرعية مثل الإمام الحسين عليه السّلام انطلق من الوظيفة الشرعية،هو مكلّف،هو عبد للّه تبارك و تعالى.

الوظيفة الشرعية تتلخص في إقامة الإصلاح و النهي عن المنكر و الأمر بالمعروف،كما شرحنا لكم في الليلة الأولى من محاضراتنا هذا تكليف وَ لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ . (2)

الإمام المنتظر عليه السّلام ينطلق من هذا المنطلق لكن الإمام المعصوم هو يشخّص التكليف و لهذا فأن بعض رواياتنا تقول:«هلك المستعجلون»، (3)

«...حتّى يقوم قائمنا أهل البيت فإذا قام قائمنا بعثهم اللّه فأقبلوا معه يلبون زمرا زمرا فعند ذلك يرتاب المبطلون و يضمحل المحلون و قليل ما يكونون،هلكت المحاضير و نجى المقربون...».

يعني هؤلاء يريدون أن يشخّصوا التكليف للإمام المنتظر عليه السّلام،هو يظهر ليس حسب ما أنت تريد،ليس أنت الذي تشخّص التكليف للمعصوم،المعصوم هو يشّخص التكليف.

لماذا الإمام زين العابدين عليه السّلام لم يواصل الثورة؟


1) الإمامة و التبصرة:181.

2) آل عمران:104.

3) الكافي:ج /3ص /131ح 4.

لماذا الإمام الباقر عليه السّلام لم يثر؟

و لماذا الإمام الصادق عليه السّلام لم يثر؟

كان في ذلك الزمان بعض الناس يشكلون على الأئمّة المعصومين أنهم خلدوا إلى الدعة و الراحة،مثل الآن في زماننا يشكلون على المراجع أن هؤلاء مراجع قاعدون ساكتون و ما شاكل ذلك،عجبا تكليف المرجع أنا أحّدده أو هو الذي يحدده؟وفق فهمه و اجتهاده الفقهي؟

المعصوم هو يشّخص الموقف إن اليوم هو يوم ثورة أو ليس كذلك، اليوم انتخابات أو ليس اليوم،اليوم مصالحة أو ليس مصالحة و ما شاكل ذلك، هذا هو فهمنا لحركة الأنبياء و حركة الأئمّة الأطهار عليهم السّلام.

المعصوم هو الذي يشّخص التكليف و بانتظار ما نسميه الشروط الموضوعية.

لا بدّ أن تتوفر الشروط في الواقع الخارجي التي تساعد على ظهور الإمام المنتظر عليه السّلام و تشجّع على هذا التحرك.

الإمام الحسين عليه السّلام،أيضا كذلك،إن الإمام الحسين عليه السّلام متى ثار؟

عشر سنوات عاشها الإمام الحسين عليه السّلام في ظل حكومة معاوية و لم يثر،و لمّا هلك معاوية استحدثت ظروف موضوعية جديدة دعت الحسين عليه السّلام للقيام بثورة.

إذن هل يمكن لأحد أن يعترض و يقول عجبا الإمام الحسين عليه السّلام عشر سنوات لماذا لم يثر؟

الجواب:إن الإمام هو الذي يشخّص الشروط الموضوعية،هل الآن الظرف يستحق الثورة أو يستحق الصبر و الانتظار؟

الإمام المنتظر عليه السّلام كذلك هو يشخّص توفر الظروف الموضوعية للثورة أو عدم توفّرها.

علامات الظهور و شروط الظهور:

اشارة

هنا سوف نصل لمحور جديد في البحث و هو محور لطيف بالنسبة لكم،إن هناك علامات و هناك شروط.

التراث التاريخي يذكر لنا مجموعة علامات،و بعض الناس يبحث عن هذه العلامات،بينما أيها الإخوة يوجد فرق بين ما هي العلامات و بين ما هي الشروط.

أنا اذكر لكم بعض العلامات التاريخية التي جاءت بها تنبؤات صحيحة أو غير صحيحة،دقيقة أو غير دقيقة،لكن فيها فرق بين ما هو شرط و بين ما هو علامات.

أذكر لكم بعض العلامات، (1)

عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:قلت له:جعلت فداك متى خروج القائم عليه السّلام؟فقال:«يا أبا محمد إنا أهل بيت لا نوقت،و قد قال محمّد صلى اللّه عليه و آله:كذب الوقّاتون،يا أبا محمّد إن قدام هذا الأمر خمس علامات أولهن النداء في شهر رمضان،و خروج السفياني، و خروج الخراساني و قتل النفس الزكية،و خسف بالبيداء.ثم قال:يا أبا محمّد إنه لا بدّ أن يكون قدام ذلك الطاعونان:الطاعون الأبيض و الطاعون الأحمر،قلت:جعلت فداك أي شيء الطاعون الأبيض؟و أي شيء الطاعون الأحمر؟قال:الطاعون الأبيض الموت الجاذف،و الطاعون الأحمر السيف و لا يخرج القائم حتّى ينادى باسمه من جوف السماء في ليلة ثلاث و عشرين[في شهر رمضان]ليلة جمعة،قلت:بم ينادى؟قال: باسمه و اسم أبيه:ألا إن فلان بن فلان قائم آل محمّد فاسمعوا له و أطيعوه،فلا يبقى شيء خلق اللّه فيه الروح إلاّ سمع الصيحة فتوقظ النائم،و يخرج إلى صحن داره، و تخرج العذراء من خدرها،و يخرج القائم مما يسمع،و هي صيحة جبرئيل عليه السّلام».

أشرنا إلى بعضها فيما مضى:

1-الخسف:

من جملة علامات ظهور المنتظر عليه السّلام،خسف في المشرق،و خسف في المغرب يعني زلزال عظيم في غرب الأرض و زلزال عظيم في شرق الأرض يمكن أن ينطبق هذا على الزلازل الكثيرة التي أصابت الشرق


1) بحار الأنوار:ج /52ص /119ح 48:

و الغرب،و يمكن أنه لم يتحقق بعد و ربما سوف تشهد البشرية زلزالا عملاقا لا مثيل له في الغرب و الشرق،هذه واحدة من العلامات،لكن هذا ليس شرطا لخروج الإمام المهدي عليه السّلام بمعنى أنه لا يوجد بينه و بين ظهور الإمام علاقة اجتماعية و سياسية و إنما هي تقارنات تاريخية مجردة.

2-الموت الأحمر:

من جملة العلامات موت أحمر و موت أبيض،طبعا لا يوجد موت أحمر أو موت أبيض،نحن نعلم أن الموت واحد و لكن يمكن أن يكون الموت الأحمر إشارة إلى حروب واسعة و دموية،و الموت الأبيض إشارة إلى إمراض فتاكّة تصيب البشرية.

الرواية تقول:«حتى يذهب ثلثا الناس» (1)

عن محمّد بن مسلم و أبي بصير قالا:سمعنا أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول:«لا يكون هذا الأمر حتّى يذهب ثلثا الناس،فقلنا إذا ذهب ثلثا الناس فمن يبقى؟فقال:أما ترضون أن تكونوا في الثلث الباقي؟».

يعني إذا كان تعداد البشرية ست مليارات مثلا فأنه يموت أربع مليارات عبر موت أحمر و موت أبيض، الآن من حقّ الباحثين أن يفكروا هل هي الحرب العالمية الأولى أم الحرب العالمية الثانية أم حرب عالمية ثالثة؟

هذه كلها في الحقيقة لا تسمن و لا تغني من جوع،هذه العلامات يمكن أن تطّبق على الحرب العالمية الأولى أو الثانية أو الثالثة،و يمكن أن ننتظر تطبيقات أخرى لها،المهم لنا أن نوفر الشروط لحركة الإمام المنتظر عليه السّلام.

الموت الأبيض يمكن أن يفسّر بمرض السرطان كما تفسره بعض الروايات،أو مرض الطاعون،و يمكن أن يفسّر بآراء أخرى،ممكن-لا سمح اللّه تعالى-لو أن مرض الإيدز فتك بالعالم فأن مليارات سوف يموتون في فترة وجيزة،الآن يوجد في


1) غيبة الشيخ الطوسي:ص /339ح 286:

العالم عشرون مليون مصابا بمرض الإيدز ربما هذا هو الذي يفسّر بالموت الأبيض،لو أن هذا الوباء انتقل إلى الشعوب بانتقال سريع نتيجة الإباحية في الحضارة الحديثة،فأنه بدل عشرين مليونا سيصاب ملياران بالإيدز و ينتشر سريعا و هو ما يزال غير قابل للسيطرة عليه بسهولة.

ممكن أن يكون الموت الأبيض إشارة إلى هذا المرض.

رحم اللّه السيد شهيد المحراب السيد الحكيم،كان يقول ان هذا المرض(مرض الإيدز)هو مرض حضاري و هو عقوبة للبشر الذي انحرف عن القانون الطبيعي،اللّه سبحانه و تعالى يعاقبهم بهذا المرض،و لا يعلمون ما هو مرض الإيدز؟و كيف يعالجونه؟المشكلة أنهم يخالفون القانون الطبيعي الذي ثبّته اللّه للبشرية في الحياة.

3-سقوط العراق:

سقوط العراق بيد الأتراك هذا من العلامات،يعني هل المقصود سيطرة الدولة العثمانية على العراق؟هذا ممكن و ممكن أن يكون إشارة إلى سقوط آخر للعراق بيد الأتراك.

الروايات تقول:أن الأتراك يسيطرون على العراق و بالفعل هم سيطروا مئات السنين على العراق حين كان تحت الحكومة العثمانية التركية و ليست الإسلامية (1)هل المقصود هذا؟

الروايات تقول أن هذه الأمور لا بد أن تحدث،إذا لم تحدث فلا تستعجلوا في ظهور صاحب العصر و الزمان.

4-فتح فلسطين:

فتح فلسطين،يومئذ فلسطين لم تكن محررة،كانت بيد النصارى،


1) بحار الأنوار:ج /52ص /208ح 45.

فلسطين تحررت في زمن عمر بن الخطاب،هل المقصود بفتح فلسطين الذي هو من علامات ظهور الإمام المنتظر عليه السّلام هو ذاك الفتح أو المقصود فتح ثان لأن فلسطين الآن أيضا محتلة فسوف ننتظر فتحا ثانيا؟ (1)

5-انكشاف الفرات:

من جملة العلامات«ينكشف الفرات عن جبل من ذهب»،إذا أردنا أن نتعامل مع هذا النص تعاملا حرفيا يعني أن جبلا يخرج من عمق الفرات و هذا الأمر ليس من السهل تصوره،لأن مساحة عرض النهر لا تتسع لأن يبرز منها جبل فالجبل امتداده العرضي أكبر من ذلك،ما هي قيمة هذا العرض عرض 200 أو 300 مترا حتى ينكشف الفرات عن جبل من ذهب.

و لهذا قد يرى بعض الباحثين أنه يمكن أن يكون المقصود هو اكتشاف منابع البترول في العراق،هذا هو الذهب الأسود،انكشاف الفرات يعني نهاية الفرات،لمّا التقى الفرات و دجلة و صار خليجا ظهرت بحيرات النفط في تلك المنطقة من جنوب العراق و هذا هو الذهب الأبيض. (2)

الروايات تعبر عنه جبل من ذهب يمكن أن يكون هذا إشارة لذلك،و اللّه أعلم بما هو المقصود منها،و مهما يكن فأنها تبقى تنبؤات في الحقيقة،و هذه علامات.

6-طلوع الشمس من المغرب:

من جملة هذه العلامات طلوع الشمس من الغرب.

ما هو المقصود من ذلك؟

هل المقصود طلوع الشمس من المغرب يعني أن هناك تحولا في عالم سير الأفلاك؟

أو المقصود بطلوع الشمس من المغرب الإشارة إلى أن الدنيا تكون


1) بحار الأنوار:ج /52ص /208ح 45.

2) مسند أحمد:ج /2ص 261 عن أبي هريرة.

في غاية الاضطراب السياسي كما نحن نعبّر في زماننا بنحو الكناية فنقول:

«أنت ترى نجوم الظهر»،و ليس المقصود نجوم الظهر يعني أن النجوم تخرج ظهرا،و إنما نقصد حدوث تحولات و إزعاجات و شدائد بحيث تجعل الظهر عندك ليلا و هكذا حينما نقول(تدور الدنيا)أو(تنقلب السماء)أو (يدور الفلك)فان المقصود بكل ذلك الكناية عن تحولات كبرى مهمة في عالم دنيا الإنسان و ليس عالم الأفلاك.

ربما يكون هذا هو المقصود بطلوع الشمس من مغربها. (1)

7-زوال الجبال:

رواية تقول لا يظهر قائمنا حتى تزول الجبال،و ليس المقصود ان الجبال تزول بالمعنى الحقيقي بحيث لا تبقى جبال على الكرة الأرضية،بل المقصود أن تكون درجة المعاناة بمستوى ان الجبال تنهار،كل هذا ممكن في تفسير مثل هذه النصوص. (2)

8-تقارب الزمان:

تقارب الزمان هو أحد العلامات التي تذكرها الروايات و هو كما تلاحظون في عصرنا هذا من سرعة الأيام و الشهور و السنين.

هذه الروايات تعبر عن هذا الواقع بعبارة تقارب الزمان. (3)

9-ظهور يأجوج و مأجوج و عودة ذي القرنين:

أئمّة السنة يتحدثون عن هذه العلامة،و هي موجودة في مصادرنا أيضا. (4)


1) بحار الأنوار:ج /52ص /181ح 4.

2) المصنف للصنعاني:ج /11ص 374.

3) صحيح ابن حبان:ج /15ص 256.

4) أمالي الطوسي:ص /346ح 53/713 عن الشعبي.

و مهما يكون فان هذه كلها تبقى في إطار العلامات؛هذا أو هذا بالنسبة لنا لا يشخص التكليف،نحن نمر عليها مرور الكرام.

نحن في منهجية التعامل مع قضية الإمام المنتظر عليه السّلام نرفض منهجية البحث عن العلامات،و التي يتحدث بعضها عن حدوث سبعة جسور في بغداد سواء صار في بغداد سبعة جسور أو لم يصر،نحن كنا نسمع منذ الصغر متى ما صار سبعة جسور في بغداد فسوف يخرج صاحب الزمان،ربما يصبح عشرون جسرا فما هي علاقة ذلك بخروج صاحب العصر عليه السّلام؟

و هكذا اتصال النجف بالكوفة مثلا،هي علامات ربما تكون صحيحة بالفعل،النجف و كربلاء تتصل و النجف و بغداد تتصل،و العالم كله سوف يتصل بعضه مع البعض الآخر.

العمل على توفير الشروط:

المنهجية الصحيحة أن نبحث عن شروط الظهور و ما هي مسؤوليتنا تجاه حركة الإمام المنتظر عليه السّلام.

المسؤولية هي الانتظار و الثبات و العمل بالتكليف الشرعي،و لهذا فان علماءنا تجدهم ينطلقون من التكليف الشرعي و يعملون حسب التكليف الشرعي.

مسؤوليتنا مع الإمام المنتظر عليه السّلام هي الثبات و الانتظار و الدعاء له بالفرج و العمل بالتكليف الشرعي،و أنا أختم هذه الأفكار بقراءة مجموعة من الروايات النافعة لكم إن شاء اللّه تعالى.

الرواية تقول عن الإمام الباقر عليه السّلام:«يأتي على الناس زمان يغيب عنهم إمامهم فيا طوبى للثابتين على أمرنا في ذلك الزمان،إن أدنى ما يكون لهم من الثواب أن يناديهم الباري جلّ جلاله:«عبادي و إمائي!آمنتم بسري و صدقتم بغيبي، فابشروا بحسن الثواب مني،فأنتم عبادي و إمائي حقا منكم أتقبل،و عنكم

أعفو،و لكم أغفر،و بكم أسقي عبادي الغيث و أدفع عنهم البلاء و لولاكم لأنزلت عليهم عذابي». (1)

أمّا ثواب الانتظار فقد جاء عن الإمام الصادق عليه السّلام:«من مات منكم منتظرا لهذا الأمر كان كمن هو مع القائم في فسطاطه». (2)

منتظرا يعني صبورا في المواقف أمام الهزات السياسية و الفكرية و ليس يعني جالسا في البيت،هذا المنتظر في آخر الزمان هو كأنه مشارك مع الإمام المنتظر عليه السّلام في خيمته و في جيشه و في دولته حتى إذا كان ذلك قبل الإمام.

نحن الآن و في مختلف الأزمنة نواجه تحديات سياسية و تحديات فكرية تحتاج إلى ثبات و استقامة.

فائدة الإمام في الغيبة:

هناك سؤال أنه ما هي فائدة الإمام المنتظر عليه السّلام؟

و هذا السؤال سوف اوجل الجواب عنه إلى الغد،و لكن أشير اليوم إلى مناقشة فلسفة مطروحة في زماننا،تأثر بها بعض المسلمين و هي الفلسفة أو النظرية البرجماتية النفعية و هي أن نتعامل مع القضايا و الحقائق على أساس مقدار ما نستفيد منها.

كنت اقرأ لبعض الكتّاب المسلمين المتغربين يقول:نحن لا نقبل من الحقائق إلاّ بمقدار ما ينفعنا حاليا و فعليا،الصلاة إذا كنت استفيد منها فعلا فسوف أقبلها أمّا أن تقول لي سوف تستفيد منها يوم القيامة فهذا لا أقبله، الصوم إذ ثبت بالتجربة أن الصوم يفيد فسوف أصوم،أمّا الصوم الذي لا أستفيد منه سوى العطش و سوء الأخلاق فهذا الصوم لا أريده.

إن مجموعة كتّاب متغربين يدعون إلى الحداثة الإسلامية و يتعاملون


1) كمال الدين و تمام النعمة:ص /330ح 15.

2) كمال الدين و تمام النعمة:ص /338ح 11.

مع الإسلام على هذا الشكل،الإيمان باللّه إذا كان يحقق لي نفعا،فسوف أؤمن باللّه أما إذا كان لا يحقق لي نفعا فأنه ليس ضروريا،المسيحيون طرحوا هذه النظرية يعني هذه هي نظريات الفكر الغربي و لكن مع الأسف تمتد لنا بلغة الحداثة و التجديد،يقولون يجب أن نتعامل مع الحقائق الدينية على أساس ما تحقق من منفعة فعلية ندركها و نرفض حالة التعبد،الصلاة إذا جعلتك هادئا نفسيا و استفدت منها فصلّ و إذ لم تفدك فلا تصلّ.

ما معنى«الصوم جنّة من النار»أنا أريد صوما ينفعني في الدنيا و لا أريده يفيد في الآخرة.

هذا هو ما يسمى ب(الحداثة المعاصرة)وفق القراءة الغربيّة لها و سوف نتناول هذا السؤال و هو:ما هي فائدة صاحب العصر و الزمان عليه السّلام؟

و ربما يذكر علماؤنا فوائد،لكن نحن لسنا مضطرين للخضوع أمام هذه الفلسفة البرجماتية في التعامل مع الحقائق فنحن لا نتعامل مع الحقائق على أساس ما تقدّمه من منافع دنيويّة.

اليوم أحدثكم عن قضيتين صغيرتين واحدة عن العلامة الحلي و الأخرى عن المقدس الأردبيلي،و الاثنان مدفونان في حرم أمير المؤمنين عليه السّلام في النجف الأشرف.

قصة العلامة الحلي:

العلامة الحلي تذكر الرواية في الإشارة إلى ألطاف الإمام المهدي عليه السّلام و وجود المنفعة فيه حتى و هو في الغيبة. (1)

الرواية تقول:أن العلامة الحلي خرج من الحلة إلى كربلاء للزيارة و على القاعدة يومئذ يركب حمارا و بيده أيضا سوط و في طريق النجف و إذا به يلتقي برجل أعرابي واقف على الطريق فأردفه خلفه على الدابة و سارا معا


1) حياة أولى النهى:397.

في الطريق،و يبدو أن هذا الأعرابي كان فاهما فقيها و أصبح العلامة الحلي في الطريق يتبادل معه الحديث،و إذا بهذا الشخص العربي مطلّع على الأسرار الفقهيّة،حتى وصلوا إلى مسألة من المسائل قال العلامة الحلي:أنا أرى في هذه المسألة كذا،قال الشخص العربي:أنت على خطأ.

قال العلامة:أنا في الحقيقة لم أجد دليلا على الرأي الآخر.

الأعرابي قال:الدليل موجود،و الرواية موجودة في كتاب تهذيب الشيخ الطوسي ارجع للصفحة الفلانية و الموقع الفلاني من كتاب الشيخ الطوسي ستجد هذه الرواية،و هنا تفاجأ العلامة الحلي كيف أن هذا الأعرابي فقيه بدرجة عالية حتّى هو يعرف كتاب التهذيب و الروايات التي فيه بشكل دقيق و تفصيلي.

الرواية تقول:إنّ العلامة الحلي أصبح يفكر في نفسه من أين لهذا الأعرابي مثل هذه المعلومات؟هذا فقيه بل هو أفقه منه،هل يمكن أن يكون هو صاحب الزمان؟هل يمكن اللقاء بصاحب العصر و الزمان عليه السّلام؟

بينما هو يتحدث و في حالة حيرة،و إذا قد سقط السوط من يده و قبل أن ينزل نزل هذا الرجل الأعرابي و أخذ السوط و أعطاه بيده و قال:كيف لا يمكن رؤية القائم و كفه في كفك الآن.

الرواية تقول:أن العلامة الحلي اغمي عليه و لمّا أفاق من الإغماء لم ير ذلك الإنسان.

قصة المقدس الأردبيلي:

المقدس الأردبيلي له وقائع مماثلة:

الرواية تقول:عن شخص اسمه أمير علاّم يقول:«كنت في بعض الليالي في صحن الروضة المقدسة بالغري على مشرفها السلام و قد ذهب كثير من الليل،فبينا أنا أجول فيها،إذ رأيت شخصا مقبلا نحو الروضة المقدسة فأقبلت إليه فلما قربت منه

عرفت أنه أستاذنا الفاضل العالم التقي الذكي مولانا أحمد الأردبيلي قدس اللّه روحه فأخفيت نفسي عنه،حتّى أتى الباب،و كان مغلقا،فانفتح له عند وصوله إليه،و دخل الروضة،فسمعته يكلم كأنه يناجي أحدا ثمّ خرج،و أغلق الباب فمشيت خلفه حتّى خرج من الغري و توجه نحو مسجد الكوفة.فكنت خلفه بحيث لا يراني حتّى دخل المسجد و صار إلى المحراب الذي استشهد أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه عنده، و مكث طويلا ثمّ رجع و خرج من المسجد و أقبل نحو الغري.فكنت خلفه حتّى قرب من الحنانة فأخذني سعال لم أقدر على دفعه،فالتفت إلي فعرفني،و قال:أنت أمير علام؟قلت:نعم،قال:ما تصنع ههنا؟قلت:كنت معك حيث دخلت الروضة المقدسة إلى الآن و اقسم عليك بحقّ صاحب القبر أن تخبرني بما جرى عليك في تلك الليلة، من البداية إلى النهاية.فقال:أخبرك على أن لا تخبر به أحدا ما دمت حيا فلما توثق ذلك مني قال:كنت أفكر في بعض المسائل و قد أغلقت عليّ،فوقع في قلبي أن آتي أمير المؤمنين عليه السّلام و أسأله عن ذلك،فلما وصلت إلى الباب فتح لي بغير مفتاح كما رأيت فدخلت الروضة و ابتهلت إلى اللّه تعالى في أن يجيبني مولاي عن ذلك،فسمعت صوتا من القبر:أن ائت مسجد الكوفة و سل عن القائم عليه السّلام فإنه إمام زمانك فأتيت عند المحراب،و سألته عنها و أجبت و ها أنا أرجع إلى بيتي». (1)

هذه في الحقيقة إضاءات ذكرناها ليس على سبيل الاستدلال بها بل على سبيل الإشارة إلى عشرات من أمثال هذه القصص التي تروى و هي تعبر بشكل و آخر عن حقيقة التلاقي مع الإمام المنتظر عليه السّلام و أنماط العلاقة معه، بقطع النظر عن مدى الدقة في هذه القصص أو في تفاصيلها.

نختم مجلسنا بهذا المقدار و نؤجل محاور أخرى في عناصر التمايز و الاشتراك بين حركة الإمام الحسين عليه السّلام و حركة الإمام المهدي عليه السّلام.5.


1) البحار:ج /52ص 175.

شخصية العباس عليه السّلام:

هذه الليلة أيضا نتناول شخصية العباس عليه السّلام مرة أخرى.

إمامنا الحسين عليه السّلام في ثلاث مرات بكى لأخيه العباس عليه السّلام.

المرة الأولى لما جاء أبو الفضل يستأذن من الحسين عليه السّلام.

الرواية تقول أن الحسين عليه السّلام اغرورقت عيناه بالدموع و هو يأذن لقمر العشيرة قمر بني هاشم.

البكاء الثاني أشد من البكاء الأوّل و ذلك عندما جلس الإمام الحسين عليه السّلام عند رأس أخيه العباس عليه السّلام و هو صريع على نهر العلقمي.

الرواية تقول أن الحسين عليه السّلام لما سمع النداء من العبّاس أقبل إليه و جلس عنده و كان العبّاس مغمى عليه لكن الحسين سقطت دموعه على وجه العباس عليه السّلام فلم يدر العباس من هو هذا الرجل عنده،لأن العباس كانت عين من عيونه قد أطفأها السهم و العين الثانية كان نزيف الدم قد نزل عليها،فأصبح العباس لا عينين له فيبصر بهما و الآن يوجد رجل جالس عنده الرواية تقول أن العباس قال له باللّه عليك لا تقتلني حتى يأتي أخي الحسين أودّعه و يودعني.

قال:أخي أبا الفضل أنا أخوك الحسين.

البكاء الثالث:أشد من هذه الحالات السابقة و ذلك حين رجع الحسين عليه السّلام للخيام و ليس معه العباس،الرواية تقول هذه المرة الحسين وقف خلف الخيام يعني لا يستطيع أن يدخل للخيمة،فماذا يقول للنساء،أين العباس؟

أخذ الحسين يكفف الدموع بكمّه و هو خلف الخيام مناديا يا زينب يا أم كلثوم خرجت النساء،خرجت سكينة قالت:أين عمي العباس،خرجت زينب منادية واضيعتنا بعدك أبا الفضل.

المؤرخون يقولون أن الحسين أيضا قال:واضيعتنا بعدك يا أبا الفضل يعني الحسين أيضا بعدك ضائع.

(/8محرم الحرام1426/ ه) - المحاضرة الثامنة الأدوات الإعجازيّة في حركة الإمام المهدي عليه السّلام

اشارة

تقرأ في هذه المحاضرة الإجابة على الأسئلة التالية:

71-ما هي الأدوات الإعجازية التي يستخدمها الإمام المنتظر عليه السّلام؟

72-ولادة الإمام و غيبته و طول عمره هل كان إعجازيّة؟

73-ما هو قانون الاستخدام الإعجازي في القرآن الكريم؟

74-في إمام العصر خمسة من سنن الأنبياء عليهم السّلام ما هي؟

75-ماذا يقول العلماء عن زواج الإمام المنتظر عليه السّلام؟

76-الإمام المنتظر عليه السّلام هل لديه أولاد؟

77-قصة الجزيرة الخضراء هل هي خرافة؟

78-هل يمكن ان نقدّم قراءة أخرى للأدوات الإعجازية التي يستخدمها الإمام؟

79-كيف يفتح الإمام عليه السّلام بلاد الروم و بأية أدوات؟

80-مثلث برمودا هل هو حقيقة؟

بسم اللّه الرحمن الرحيم

مازال الحديث عن عناصر الاشتراك و التمايز بين حركة الإمام الحسين عليه السّلام و حركة الإمام المهدي عليه السّلام و محور حديثنا هذه الليلة مدى استخدام الإمام المهدي عليه السّلام للأدوات الإعجازية.

هناك أدوات طبيعية في التحرك مثل:التبليغ،الموعظة،المناورة السياسية، القتال العسكري،الإعلام،المنشورات،الكتب،إرسال الو كلاء و المبلغين،هذه نسميها أدوات طبيعية في التحرك الثقافي و الإعلامي و السياسي،لكن هناك أدوات نسميها أدوات اعجازية غير مألوفة عند الناس مثلا الملائكة،هذه أدوات غير طبيعية.

عجبا!الإمام صاحب الزمان كم سيستخدم من الأدوات الإعجازية؟ لنسمّي ذلك الاستخدام الإعجازي في مقابل الاستخدام الطبيعي،الإمام الحسين عليه السّلام لا حظنا أنه لم يستخدم الأدوات الإعجازية.

يعني حركة الحسين عليه السّلام من المدينة إلى مكّة ثم إلى العراق كانت عبارة عن خطبة و موعظة و مناورة سياسية مع و الي المدينة و إرسال كتب و رسائل و وفد إلى أهل الكوفة،و رسائل إلى رؤساء المعسكرات في البصرة ثم مناورة سياسية مع الحر،ثم معركة مباشرة يوم عاشوراء من محرم الحرام،كلها أدوات طبيعية.

توجد رواية لدينا أن أربعة آلاف من الملائكة استأذنوا من اللّه تبارك و تعالى في الهبوط إلى الأرض لنصرة الحسين عليه السّلام يوم عاشوراء فلم يؤذن لهم،ثم أذن لهم فنزلوا إلى الأرض و قد قتل الحسين عليه السّلام،هذه القصة تريد أن تقول:أن الأدوات الإعجازية غير موجودة في حركة الحسين عليه السّلام و إنما هي أدوات طبيعية.

السؤال:إنّ الإمام المنتظر عليه السّلام هل سيستخدم أدوات إعجازية؟و بهذا تصبح نقطة تمايز بين الحركتين؟

الاستخدام الإعجازي لدى الإمام المهدي عليه السّلام:

لا شك أن الإمام يستخدم أدوات إعجازية و ليس مجرد أدوات طبيعية و بناءا على هذه النظرية يمكن أن يذهب بعض الباحثين في الاتجاه التقليدي لدراسة حركة الإمام المنتظر إلى أنه عليه السّلام سوف يستخدم أدوات إعجازية، يعني ينتصر بالاستخدام الإعجازي لا بالاستخدام الطبيعي،إنه بغير الاستخدام الإعجازي لا يمكن أن ينتصر إمام الزمان مع تكالب الدنيا عليه،و التقدم العسكري و التكنولوجي لدى الأعداء و مع الإعلام و الفضائيات و غسل الدماغ و الأموال و المليارات لا يستطيع أن ينتصر صاحب الزمان على الوضع،لا بدّ من استخدام إعجازي،هكذا يتصور بعض الباحثين في القراءة الأولى للروايات،الروايات حينما تقرأها هكذا تقول يعني إنها قريبة لهذا الفهم.

نعم إنّ الإمام يملأ الأرض قسطا و عدلا،يطبق حكم الإسلام على الخافقين،يصل للروم و الصين و قسطنطينية و أرمينيه و ما شاكل ذلك هذا بالأدوات الإعجازية.

نماذج من الأدوات الإعجازية:

مثلا رواية قرأناها لكم تقول:«إنّ الإمام يدخل العراق بسبع قباب من نور لا يدرى في أيّها هو» (1)هذا استخدام إعجازي.

رواية أخرى تقول:إنه عليه السّلام حينما يبعث ولاة و قضاة و وكلاء كلاّ منهم عندما يعجز عن مسألة لا يحتاج مراجعة بريدية و لا اتصالا تلفونيا و إنما يقال له:«اقرأ جوابك في كفك» (2)يعني وكيل صاحب الزمان في مصر أو المغرب أو واشنطن إذا قطعت الاتصالات السلكية و اللاسلكية و تعطلت نتيجة القصف التكنولوجي مثلا،فان صاحب


1) عصر الظهور:137.

2) غيبة النعماني:319.

الزمان لا يحتاج إلى اتصالات لا إلى سلكية و لا إلى لا سلكية،إنّ أعظم تقدم تكنولوجي لا يمكن أن يضرب هذا الاستخدام الإعجازي.

رواية ثالثة تقول:«إن شيعته يسمعون صوته في أقصى الغرب كانوا أو أقصى الشرق» (1)جماعته يسمعون صوته و يشاهدونه رغم انّ بينهم فواصل مئات أو آلاف الكيلومترات.

رواية رابعة تقول:«إنه يلتحق به في أوّل ساعات ندائه و صيحته،أصحابه الثلاثمائة و الثلاثة عشر ثم البقية العشرة آلاف يتوافدون إليه،الآن هؤلاء كيف يلتحقون به،هؤلاء خلال أربع و عشرين ساعة لا بدّ ان يكونوا موجودين في مكّة،هذه الأمور لا يمكن أن تتحقق خلال أربع و عشرين ساعة إلاّ عبر عملية إعجازية.

فما هو الموقف؟في الفهم التقليدي لها أن العملية ستتم عبر استخدام إعجازي،الروايات تقول:إن بعضهم يأتي على السحاب (2)و الناس يرونه هذا فلان بن فلان و يعرفون اسمه و كنيته و ما شاكل ذلك،بعضهم يفقد في فراشه.

أمير المؤمنين عليه السّلام يقول في رواية:«هم المفقودون في فراشهم»يعني نصف الليل هو نائم في فراشه و إذا به في الصباح غير موجود.

إذن هذا طي للأرض،خلال أربع و عشرين ساعة يسمعون خبره في مكّة المكرمة،هذا عمل في مظهره الأوّل عمل إعجازي. (3).


1) يوم الخلاص:3.

2) البحار 52:153/368.

3) عن المفضل بن عمر قال:قال أبو عبد اللّه عليه السّلام:إذا أذن الإمام دعا اللّه باسمه العبراني فأتيحت له صحابته الثلاثمائة و ثلاثة عشر قزع كقزع الخريف و هم أصحاب الألوية،منهم من يفقد عن فراشه ليلا فيصبح بمكّة،و منهم من يرى يسير في السحاب نهارا يعرف باسمه و اسم أبيه و حليته و نسبه،قلت:جعلت فداك أيهم أعظم إيمانا؟قال:الذي يسير في السحاب نهارا و هم المفقودون و فيهم نزلت هذه الآية: أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللّهُ جَمِيعاً» .

من جملة الاستخدام الإعجازي،الغمامة التي تنادي هذا هو المهدي هذا بقية اللّه هذا استخدام إعجازي.

و أيضا الصيحة السماوية بعض الروايات تقول ذاك صوت جبرائيل ينادي«الحق مع عليّ و شيعته». (1)

على هذا الأساس هل هكذا نقرا المسألة أو يمكن أن نقرأ هذه الأمور باعتبارها جزءا من التقدم التقني العالي جدا كما سيحدث في آخر الزمان يعني انّ المسألة هي مسألة استخدام طبيعي و ليست استخداما إعجازيا.

الروايات هكذا تقول:«تطوى له و لأصحابه الأرض،يرفع اللّه له كل منخفض من الأرض،و يخفض له كل مرتفع» (2)يعني يرفع اللّه تعالى له الأودية بحيث يبصر ذلك الوادي،يعني يكون مسحا جويا كاملا على البقاع التي يريد السيطرة عليها،أنتم تشاهدون في الحروب استطلاعا جويا،أحيانا تخرج الطائرات بدون طيار،طائرات تجسس،الإمام المنتظر هل سيستخدم هذه الطائرات للتجسس،أم انّ هناك أدوات إعجازية أخرى؟

الروايات تقول:كل الجبال تنخفض بحيث يرى ما وراءها،و كل الوديان ترتفع له،إذن لا يحتاج إلى تجسس جوي و إنما كل الأرض مبسوطة بين يديه«يرفع اللّه له كل منخفض من الأرض و يخفض له كل مرتفع حتى تكون الدنيا عنده بمنزلة راحته،فأيكم إذا كان في راحته شعرة أيكم لا يراها و لا يبصرها»، (3)«و لا يكون بينها.


1) البحار 52:32/289.

2) البحار 52:283.

3) كمال الدين و تمام النعمة:ص /674ح 29:قال أبو عبد اللّه عليه السّلام:إنه إذا تناهت الأمور إلى صاحب هذا الأمر رفع اللّه تبارك و تعالى كل منخفض من الأرض،و خفض له كل مرتفع منها حتّى تكون الدنيا بمنزلة راحته،فأيكم لو كانت في راحته شعرة لم يبصرها.

و بينهم بريد فيسمعونه و ينظرون إليه و هو في مكانه». (1)

قال أبو عبد اللّه عليه السّلام:إن قائمنا إذا قام مد اللّه لشيعتنا في أسماعهم و أبصارهم،حتّى[لا] يكون بينهم و بين القائم بريد يكلمهم فيسمعون و ينظرون إليه،و هو في مكانه.

هكذا الرواية تقول:«ما كان من سحاب صعب فيه رعد و برق فصاحبكم يركبه».

كان عندنا في التاريخ أن اللّه تعالى خيّر ذا القرنين و قال له:أتريد السحاب الذلول أو السحاب الصعب،فاختار السحاب الذلول. (2)

عن أبي جعفر عليه السّلام قال:أما إن ذا القرنين قد خير السحابين فاختار الذلول،و ذخر لصاحبكم الصعب،قال:قلت:و ما الصعب؟قال:ما كان من سحاب فيه رعد و صاعقة أو برق فصاحبكم يركبه أما إنه سيركب السحاب،و يرقى في الإسباب أسباب السماوات السبع و الأرضين السبع،خمس عوامر و اثنتان خرابان.

ذو القرنين،هو عبد صالح ملك شرق الأرض و غربها.

الرواية تقول:إن اللّه تبارك و تعالى سخر له السحاب الذلول،أمّا السحاب الصعب الشديد المتلاطم ذو الأعاصير و الرعد و البرق فهو في خدمة إمامنا عليه السّلام،«ما كان من سحاب صعب فيه رعد و برق فصاحبكم يركبه»، «أمّا انه يركب السحاب و يرقى في الأسباب»،هذا التصوير في القراءة التقليدية الأولية له يعني استخدام إعجازي و حينئذ ستكون هذه أحد نقاط الامتياز بين حركة الإمام الحسين عليه السّلام و حركة المهدي عليه السّلام.

الحسين عليه السّلام لم يستخدم مثل هذه الأدوات الإعجازية أصلا،حتى قتل عطشانا و لو استخدم أدوات إعجازية على الأقل كان يمدّ يده إلى الفرات و يجلب الماء منه،هذا الأمر نريد أن نقف عنده الليلة،ما هو قانون الاستخدام الإعجازي؟متى يستخدم الأنبياء الإعجاز و متى لا يستخدمونه؟ن.


1) بحار الأنوار:ج /52ص /336ح 72 نقلا عن الخرائج:

2) بحار الأنوار:ج /52ص /321ح 27:

نحن نرى أنبياء عذبوا و طردوا و شردوا،أين الاستخدام الإعجازي؟ و نرى الأنبياء رغم كل الظروف الصعبة لكن في لحظات خاصة استخدموا الأدوات الإعجازية.

إذن نريد أن نقول أنّ سيرة الأنبياء تكشف لنا شيئا كما القرآن يتحدث به و انّ الأنبياء عندهم نوعين من الأدوات،أدوات طبيغية و هم الأنصار و المقاتلون و الأموال و ما شاكل ذلك و أدوات إعجازية أيضا يستخدمونها حينما تستحق ظروف الاستخدام الإعجازي.

الاستخدام الإعجازي لدى الأنبياء عليهم السّلام:

مثلا عصى موسى فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ ، (1)الثعابين كلها التي صنعها السحرة عصا واحدة ألقاها موسى على الأرض لقفتهم كلهم،هذا استخدام إعجازي،عصا من خشب و إذا بها تتحول إلى ثعبان كبير من الدرجة الأولى تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ جميع الحبال و العصي التي ألقوها و أصبحت ثعابين بجهد السحرة،ثم مديده مرة أخرى و إذا رجعت بيده عصا.

نفس هذه العصا العجيبة ضرب بها البحر و هو النيل فارتفعت من هذا النيل الأرض اليابسة و هي ليست طينية بحيث تزل بها أقدام المقاتلين أو أقدام الخيول،و الماء أصبح جانبين كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (2)يعني هذه الموجة على اليمين كالجبل و تلك الموجة الثانية على اليسار كالجبل لكنه أبدا لا يتحرك،أي أصبح جبلا من ماء صلب لا يتحرك و لا ينزل،هذه موجة ارتفاعها عشرات الأمتار لكن هذه الموجة ثابتة،هذا استخدام غير طبيعي.

قد يقول قائل ليست هاهنا مشكلة في أن تكون هناك موجات عاتية


1) الأعراف:117.

2) الشعراء:63.

طول الموجة أو ارتفاعها خمسة عشر مترا،مثلا هذه الأمواج التي حدثت أخيرا في المحيط الهندي في حادثة تسونامي الأخيرة.كان يبلغ ارتفاعها أحيانا عشرة أمتار يعني تغرق المدينة كلها،لكن مع ذلك يعتبر الأمر طبيعيا لماذا؟لانّ هذه الموجة نتيجة إعصار أو زلزال تأتي الموجة و تذهب فهي غير مستقرة.لكن الموجة التي حدثت لموسى عليه السّلام هي موجة ارتفاعها كذا متر القرآن يعبر عنها مثل الجبل(كالطود)لكن هذه الموجة ثابتة لمدة نصف ساعة أو ساعة أو أكثر موجة عملاقة شاهقة لا تتحرك عن اليمين و اليسار، هذا استخدام إعجازي لعصا موسى عليه السّلام.

عيسى عليه السّلام أيضا كذلك يبرئ الأكمه و الأبرص و يحيي الموتى و هذا استخدام إعجازي.

أيوب أيضا في شفائه بعد أربعين سنة من المرض،القران الكريم يقول: اُرْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَ شَرابٌ (1)و حين رفس الأرض برجله قليلا خرجت عين ماء،هذا استخدام إعجازي.

إذن الأنبياء عندهم استخدام إعجازي لكنهم لا يستخدمونه دائما و لهذا فرسول اللّه صلى اللّه عليه و آله في المعارك يحيط به الأعداء أحيانا و أحيانا تكسر أسنانه في المعركة و أحيانا يشجّ جبينه من رمي الحجارة إذن أين الاستخدام الإعجازي؟

هذا أمر يحتاج إلى قانون،ما هو قانون الاستخدام الإعجازي في حركة الأنبياء حسب الدلالة القرآنية؟

مثلا إبراهيم عليه السّلام أيضا قام باستخدام إعجازي مع نمرود و النار العاتية التي كان لهبها يحرق من بعد مسافة،لماّ ألقي إبراهيم عليه السّلام أصبحت النار بردا و سلاما على إبراهيم.2.


1) ص:42.

طوفان نوح عليه السّلام أيضا كان استخداما إعجازيا.

داود و سليمان و تسخير الرياح و الجبال و الطير و الجن و الشياطين لهما، حتى أن الشياطين عملوا باعتبارهم أفرادا في الجيش عند النبي سليمان،هذا استخدام إعجازي ما هو قانونه؟

قانون الاستخدام الإعجازي:

اشارة

الاستخدام الإعجازي حسب الطرح القرآني لدى الأنبياء عليهم السّلام يكون في ثلاثة مواضع:

الموضع الأوّل:

الدلالة على التمثيل الإلهي.

لأن هذا النبي يقول أنا أمثّل اللّه تعالى و هذه القضية لا يمكن الاستدلال عليها بشهود،أو الاستدلال عليها بقصيدة شعرية،حينما تدّعي أنك مرتبط بالسماء نحن نحتاج إلى دليل على ارتباطك بالسماء،و هذا الأمر لا يكون إلاّ في أمر نعجز عنه،أمّا لو جئتنا بأي شيء آخر ممكن للبشر أن يصنعوا مثله فنقول لك هذا ليس معجزة و ربما هذا أمر صنعته بقدراتك البشرية.فالدلالة على أصل التمثيل عن اللّه تعالى يحتاج فيها الأنبياء إلى تقديم معجزة.

الموضع الثاني:

عند استنفاد الطاقات في المعركة.

يعني كل الأدوات الطبيعية حينما تنتهي في ذلك الوقت لا ملجأ إلاّ إلى اللّه تعالى،لا بدّ من استخدام إعجازي.

مثلا إبراهيم عليه السّلام لما وضعوه في المنجنيق و رموه في النار تعطلت لديه كل الأدوات الطبيعية هو يهوي إلى النار و النار ملتهبة فما هو الحل؟

و إبراهيم مكبّل و رموه في الهواء هنا استنفدت كل الطاقات البشرية فلذا جاء دور الإعجاز،و قال اللّه تبارك و تعالى للنار: كُونِي بَرْداً وَ سَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ . (1)

و هكذا في قصة موسى عليه السّلام حين يقف على النيل قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنّا لَمُدْرَكُونَ أمامنا البحر و وراءنا فرعون،و آلاف مؤلّفة و نحن مجموعة قليلة فما هو الموقف؟ قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنّا لَمُدْرَكُونَ* قالَ كَلاّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ . (2)

هنا جاء الاستخدام الإعجازي،اللّه تعالى قال: اِضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ ، (3)لما انتهت قدرة موسى عليه السّلام و انتهت قواته جاء دور الإعجاز و القدرة الإلهية هذا هو الموضع الثاني لاستخدام الأدوات الإعجازية و هو عند استنفاد الأدوات الطبيعية،هنا يأتي دور الأدوات الاحتياطية.

الإنسان متى يستخدم الأدوات الاحتياطية؟عندما تنتهي الأدوات الطبيعية،أمّا إذا كان لديه أدوات طبيعية فانه لا يستخدم الأدوات الاحتياطية هذا هو الموضع الثاني.

الموضع الثالث:

تكوّن الشخصية.

في أصل التكوّن لشخصية ذلك النبي،أصل التكوّن أحيانا يكون من خلال استخدام إعجازي بمشيئة اللّه تعالى يعني تكوّن عيسى من غير أب،هذا استخدام إعجازي في أصل التكوّن لانّ شخصية الأنبياء لحكم إلهية لا نعلمها تظهر بعملية إعجازية يعني ليس بعملية طبيعية.

عيسى من غير أب.


1) الأنبياء:69.

2) الشعراء:61 و 62.

3) الشعراء:63.

آدم عليه السّلام من طين فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ ، (1)موسى عليه السّلام أيضا في أصل التكوّن حينما ألقته أمه في البحر أيضا يوجد إعجاز و إحاطة إلهية،القرآن يقول عنها: وَ لِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي (2)اللّه تعالى يقول له أنا أريد أن أصنعك هذا نسميه أصل التكوّن.

يحيى عليه السّلام ابن زكريا كذلك كان زكريا عمره تسعين سنة و زوجته عجوز بما يقارب ذلك العمر لكن اللّه تبارك و تعالى يقول: يا زَكَرِيّا إِنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا . (3)و قد نطق يحيى و هو في المهد وَ آتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (4)هذا هو الموضع الثالث للاستخدام الإعجازي.

الاستخدام الإعجازي يكون في ثلاثة مواضع:

أوّلا:للدلالة على النبوة.

ثانيا:عند استنفاد الطاقات الطبيعية.

ثالثا:في تكوّن الشخصية.

ما عدا هذه المواضع الثلاثة فان الأنبياء لا يستخدمون المعجزة،و هذا سوف يفتح لكم باب الإجابة على الكثير من الأسئلة و الاثارات و الشبهات.

انّ الأنبياء لماذا لا يستخدمون معاجزهم و قدراتهم الخارقة و الملائكة و ما شاكل ذلك؟

إن قانون الأستخدام الإعجازي الذي ذكرناه في هذه الموارد الثلاثة يعطي الإجابة على تلك الأسئلة،فقد كان-مثلا-أحد مواضع الاستخدام2.


1) الحجر:29.

2) طه:39.

3) مريم:7.

4) مريم:12.

الإعجازي هو عند استنفاد الطاقات البشرية الطبيعية أمّا إذا كان بالإمكان استخدام الأدوات الطبيعية فحينئذ لا توجد حاجة إلى إعجاز.

الاستخدام الإعجازي لدى الإمام المنتظر عليه السّلام:

و الآن نصل إلى إمامنا المنتظر عليه السّلام فلنر الإمام المنتظر عنده استخدام إعجازي أم لا؟

و إذا كان عنده ما هو السبب؟

و لماذا باقي الأئمّة لم يستخدموا الإعجاز؟

في أصل تكوّن الإمام هناك استخدام إعجازي،و ذلك انّ الإمام الحسن العسكري عليه السّلام في القصة (1)الجميلة المعروفة دعا عمته حكيمة:«يا عمّة كوني عندنا هذه الليلة فسيولد لنا مولود يملأ الأرض قسطا و عدلا».

قالت:عجيب أنا لا أعرف للإمام العسكري زوجة حامل!

حضرت و إذا في بيت الإمام أبي محمّد(الحسن العسكري)جارية موجودة و التي هي أم الإمام المنتظر،و اسمها نرجس و بعض الروايات تقول اسمها سوسن.

تقول:أنا شككت حيث أنظر لهذه الجارية و ليس عليها علامات الحمل، فشككت في نفسي،انّه الإمام المعصوم يقول سيولد لنا مولود لكن أي أثر للحمل لا يوجد لا في الشهور الماضية و لا هذه الليلة.

تقول:كتمت هذا الشك،لم أفصح عنه،حتّى إذا كان قبيل الفجر قمت لصلاة الليل أتفقد هذه الجارية لأنني سألت الإمام أبا محمّد ممن يكون هذا المولود؟

قال:من هذه سوسن أو نرجس،و كلما أتأمل فيها أراها ليست حاملا.

الروايات تقول:«يصلح اللّه أمره في ليلة»ربما يعني أنّ اللّه تعالى يصلح


1) البحار 51:18.

تكوّن الإمام في ليلة واحدة،في ساعة من ساعات ليلة واحدة،فلمّا كان قبل الفجر أقبلت هذه الجارية نرجس،ما الخبر؟

قالت:عندي ألم!ما هي إلاّ لحظات و إذا بها تلد إمامنا المنتظر ساجدا يقرأ قوله تعالى: وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ . (1)

هذا في الحقيقة استخدام ممكن أن نسمّيه استخداما إعجازيا،أصل التكوّن إعجازي.

غيبة الإمام المنتظر أيضا حالة إعجازية،الغيبة إلى يومنا هذا يبلغ طولها 1171 سنة،لان الإمام المنتظر ولد في سنة 255 و نحن الآن دخلنا في سنة 1426 ه،هذا العمر الطويل،و الغياب عن الأنظار مع انه يخالطنا و يشهد مجالسنا هذا في الحقيقة عملية إعجازية.

البعض هنا مع الأسف نتيجة ضحالة فكرية يطرحون أسئلة و شبهات حول طول عمر الإمام كيف يكون؟

إذا كان غائبا فما هي فائدته؟

هذه الإثارات في الحقيقة قد تجاوزناها الآن،يعني حتى العلم الحديث- و بدون إعجاز-تجاوزها أيضا،لا نحتاج إدّعاء الإعجاز،سوف أشرح قليلا هذا الموضوع ثم اشرح لكم بعد ذلك الموضوع الإعجازي عند الإمام المنتظر عليه السّلام.

أنواع الإمكان:

لا حظوا إن الإمكان على ثلاثة أنواع:

النوع الأوّل:نسميه الإمكان الفلسفي،في مقابله الاستحالة الفلسفية.

النوع الثاني:الإمكان العلمي في مقابله الاستحالة العلميّة.

النوع الثالث:الإمكان العرفي،في مقابله الاستحالة العرفية.


1) القصص:5.

بشكل سريع أشرح لكم الإمكان الفلسفي و في مقابله الاستحالة الفلسفية.

الفلاسفة يقولون من المستحيل اجتماع النقيضين،يعني وجود شيء و عدم وجوده في وقت واحد،هذا مستحيل،و كذلك أن يصير الجزء أكبر من الكل،مثلا الطابوقة التي هي جزء من الغرفة أن تكون هذه الطابوقة أكبر من الغرفة كلها في الوقت الذي هي جزء من جدار الغرفة،هذا لا يصح،هي جزء من هذا الكل هذا نسمّيه استحالة فلسفية في مقابلها إمكان فلسفي،مثلا المعاد بعد الموت فهذا من الناحية الفلسفية ممكن لا محالة فيه.

الفلاسفة لا يجدون مشكلة فلسفية فليس هناك تناقض و لا تضاد.

النوع الثاني:الإمكان العلمي مثل أن يكون هناك سكّان في القمر أو سكّان في المريخ،هذا علميا أمر ممكن لا توجد فيها مشكلة،علميا إن البحار و المحيطات في يوم من الأيام كلها تتبخر هذا علميا ممكن،أو تتصلب كل البحار و المحيطات و تصبح قطعة ثلج واحدة هذا أيضا ممكن من الناحية العلميّة.

النوع الثالث:الإمكان العرفي يعني هو فلسفيا و علميا ممكن لكنه عرفيا غير متداول عندنا و لا مألوف،مثلا وجود جبل من ذهب،علميا ممكن لا توجد مشكلة،لكن الحقيقة عرفيا لم يحدث لحد الآن مثل هذا الأمر هذا نسميه:إمكان عرفي في مقابله استحالة عرفية.

علماؤنا في مواجهة سؤال أنّ الإمام المنتظر كيف يكون عمره 1000 عاما أو أكثر،أصبحوا يستدلّون بالقدرة الإلهية المعجزة،لكن نحن اليوم هذه الاستدلالات- و إن كانت صحيحة-تجاوزناها و عبرناها و أصبحت القضية واضحة أي لا توجد مشكلة فلسفية و لا علمية في طول عمر الإمام،نعم توجد مشكلة عرفية.

صحيح بالعرف لا يوجد إنسان عمره 1200 سنة لكن هذه المشكلة العرفية عندنا نحن الّذين نؤمن بالغيب محلولة،إنّ اللّه تبارك و تعالى لإثبات الإعجاز كما في عمر نوح عليه السّلام يعطي عمرا طويلا لمن يشاء.

إذن لا توجد لدينا مشكلة،و على كل حال قد يدخل هذا في الاستخدام الإعجازي،أصل التكوّن،غيبة الإمام،و طول عمره،هذه تدخل في باب الاستخدام الإعجازي.

خمس من سنن الأنبياء عليهم السّلام:

توجد لدينا رواية جميلة تقول:«انّ قائمنا فيه أربع من سنن الأنبياء»، (1)يعني الإمام المنتظر عليه السّلام عنده أربع خصال من خصال الأنبياء،بعض الروايات تذكر خمس خصال،خمس سنن:

أخذ من نوح العمر الطويل.

أخذ من عيسى اختلاف الناس فيه،مثلما عيسى الناس فيه مختلفون،بعض الناس يقولون صلبوه،و بعضهم يقول قتلوه،و بعضهم يقول رفع للسماء،و لحد الآن البشرية مختلفة،الاختلاف أيضا موجود بإمام العصر أحدهم يقول الإمام العسكري ليس له مولود،و آخر يقول لا يمكن أن يكون عمره بهذا الشكل،و آخر يقول يمكن أن يكون،و لهذا الروايات تقول من أصعب الأمور التي سوف تواجهونها عندما ترون إمامكم هو شاب بعمر الأربعين (2)بينما هو قد زاد عمره الواقعي على مئات السنين


1) عن أبي بصير قال:سمعت أبا جعفر عليه السّلام يقول:«في صاحب الأمر سنة من موسى و سنة من عيسى و سنة من يوسف و سنة من محمّد صلى اللّه عليه و آله فأما من موسى فخائف يترقب،و أما من عيسى فيقال فيه ما قيل في عيسى،و أما من يوسف فالسجن و التقية،و أما من محمّد صلى اللّه عليه و آله فالقيام بسيرته و تبيين آثاره ثم يضع سيفه على عاتقه ثمانية أشهر و لا يزال يقتل أعداء اللّه حتّى يرضى اللّه». قلت:و كيف يعلم أن اللّه عزّ و جلّ قد رضي؟قال:«يلقي اللّه عزّ و جلّ في قلبه الرحمة».البحار 51:7/218.

2) عن أبي سعيد عقيص عن الحسن بن عليّ صلوات اللّه عليهما قال:«ما منا أحد إلا و يقع في عنقه بيعة لطاغية زمانه إلاّ القائم الذي يصلي خلفه روح اللّه عيسى بن مريم،فان اللّه عزّ و جلّ يخفي ولادته و يغيب شخصه لئلا يكون لأحد في عنقه بيعة إذا خرج،ذلك التاسع من ولد أخي الحسين ابن سيدة الإماء،يطيل اللّه عمره في غيبته ثم يظهره بقدرته في صورة شاب ذو أربعين سنة،ذلك ليعلم أن اللّه على كل شئ قدير».البحار 52:3/279.

و إلى ما شاء اللّه تعالى،لكن عندما يظهر،يظهر بعمر شاب في الأربعين و لهذا الناس يقولون:كيف يكون هذا؟

و فيه سنّة من موسى حينما غاب عن قومه أربعين ليلة كما أن له سنّة من يوسف الصديق و من جده محمّد صلى اللّه عليه و آله.

زواج الإمام:

اشارة

هناك سؤال:انّ الإمام عليه السّلام خلال هذا العمر الطويل هل هو متزوج أم غير متزوج؟

هل عنده أولاد أم لا؟

هذا من حقكم أن تسالوا عنه،علماؤنا أيضا بحثوا هذه المسائل،لكن هذا البحث ممكن أن نجعله في باب الترف الفكري،يعني هذه القضايا نحن غير مكلفين بها،هل هو متزوج؟و هل له أولاد؟هذه القضية خارج تكليفنا و مع ذلك فإن علماءنا بحثوها.

و قدّم بعض العلماء (1)عدة أدلة على أنّ الإمام عليه السّلام متزوج و له أولاد:

الدليل الأوّل:انّ الزواج سنّة رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله،هل يمكن أن ابن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله يترك هذه السنّة و النبي صلى اللّه عليه و آله يقول:«من رغب عن سنّتي فليس مني» إن الزواج سنّة الإسلام و هذا إمام الإسلام،كيف يبتعد عن السنّة!؟

الدليل الثاني:عندنا أدعية كثيرة فيها ما يشير إلى وجود ذرية له.

مثل«السلام عليه و على ذريته و أولاده»،هذه مجموعة فقرات من الأدعية تقول ما يدل على أن الإمام عنده أولاد و ذرية و عنده زوجة.

بعض الشواهد تذكر قصة الجزيرة الخضراء (2)التي ذكرتها لكم سابقا


1) الجزيرة الخضراء:69،و ما بعدها.

2) نفس المصدر.

و التي تقول إن شخصا سافر من الشام إلى مصر و إلى المغرب و هناك التقى بمجموعة في قرية نائية على البحر الأبيض و هذه القرية أهلها شيعة و هو ألقى ركابه في تلك القرية،ثم سألهم من أين أنتم؟و من أين مصادر العيش عندكم و أنتم مقطوعون عن العالم؟

قالوا:نحن كل ثلاثة أشهر تأتينا قافلة من عمق البحر محمّلة بألوان من الأمتعة و نحن منتظرون هذه السفينة!

قال لهم:هذه السفينة من أين تأتيكم؟

قالوا:من إمامنا صاحب الزمان.

قال:هل ممكن أن أذهب إليه.

قالوا له:أنت و حظك،يبدو أنّ هؤلاء شيعة و لا أحد منهم يفكّر أن يلتقي بصاحب الزمان و هذا مما يدلل على سخافة هذه الرواية و كذبها.

جاءت بعد ذلك السفينة أو مجموعة السفن و استطاع أن يلتحق بهذه السفينة فحلّت بجزيرة خضراء،فيها أشجار و مياه،و وديان و جبال،و إذا مجموعة من الناس صالحون يقرأون القرآن،قال لهم:من أنتم؟

قالوا:نحن أولاد صاحب الزمان و إذا هناك مسجد ضخم و صلاة جمعة أقاموها.

قال لهم:نحن الشيعة ليس لدينا صلاة جمعة واجبة في زمن الغيبة،إنما تكون واجبة بظهور الإمام المعصوم.

قالوا له:نعم الإمام موجود بيننا و هذا و كيله و نائبه الشخصي يصلي بنا.

و على كل حال تستمر القصة و تقول أن هذا الرجل قادوه إلى جبل به عين ماء و في عمق ذاك المكان كان الإمام عليه السّلام موجودا استغرب أصحاب الإمام و سألوه ماذا جاء بك إلى هذا المكان؟

قال:على كل حال جئت لطلب اللقاء بالإمام عليه السّلام.

نقد القصة:

نقد القصة:(1)

هذه القصة خيالية و لها راو واحد مجهول،و عثر على هذه القصة في كتاب مجهول بدون معرفة اسم المؤلف.

هذه الرواية يرويها العلامة المجلسي في البحار يقول:

«عثرت على نسخة خطية موجودة في خزانة أمير المؤمنين عليه السّلام و وجدت في هذا الكتاب و هو غير معروف المؤلف،و الراوي غير معروف أيضا يروي عن زين الدين بن فاضل هذه الرواية».

و قال علماؤنا إنها أقرب للخيال بعدة أدلة،و هي واضحة الجعل و الافتعال بدليل أنه إذا كانت هذه الجزيرة موجودة بالفعل و هذه القرية موجودة و متاعهم يأتيهم كل شهرين أو ثلاثة،إذن عجبا كيف لم يفكر شخص منهم أن يذهب و يلتقي صاحب الزمان،فقط زين الدين علي بن فاضل،كيف هؤلاء شيعة،و لكن لا يتوقون اللقاء بإمام زمانهم؟

بعض إخواننا المساكين يفترضون أن هذه الجزيرة واقعة في مثلث برمودا،بينما هذه القصة تتحدث عن البحر الأبيض،و مثلث برمودا قرب البحر الكاريبي على حافة أمريكا،بين أمريكا و كوبا و يوجد الآن مثلث يسمى مثلث برمودا بمسافة تزيد على أكثر من ألف كيلومتر مربّع،هذه المنطقة فيها أحيانا اختطاف،و قرصنة،تدخل فيها سفن و تختفي،تدخل فيها ملاحة و تختفي، مثلث خطر،شيطاني تختفي فيه هذه السفن و لا يعرفون لها أثر!

بعض المساكين صدّقوا،قالوا هنا الجزيرة الخضراء حتما،و هؤلاء جنود صاحب الزمان لا يسمحون للسفن أن تدخل أو تصل.


1) كتب العلامة المحقق السيد جعفر مرتضى بحثا جيدا في نقد رواية الجزيرة الخضراء،انظر كتاب الجزيرة الخضراء.

طبعا هذا المثلث بين كوبا و الولايات المتحدة الأمريكية،طبيعي أن تختطف السفن و أن توجد عملية قرصنة من قبل القوات البحرية للولايات المتحدة و لكنهم يحاولون أن يخدعوا الرأي العام و هم مسيطرون على الإعلام فيقال ذهبت سفينة و اختفت!

نحن الآن في هذا الزمان و مثلث برمودا لا أحد يستطيع أن يكتشفه لا الأقمار الصناعية و لا الطائرات و لا السفن،المفروض أن يكون لدينا من الوعي و المعرفة أن نتجاوز هذه القضايا و أنا اذكرها للاستطراف.

نعود إلى مسألة أولاد الإمام.

روايات أهل البيت عليهم السّلام لا تعطي في هذا الموضوع إشارات كافية،باعتبار أن هذا الموضوع سوف لا يترتب عليه تكليف يخصنا،أو موقف بالنسبة لنا،و لهذا فان مسألة وجود أولاد للإمام عليه السّلام تبقى أقرب للترف العلمي.

تفسير الأدوات الإعجازية:

حديثنا عن الاستخدام الإعجازي لدى الإمام المنتظر عليه السّلام نرجع إلى تلك المفردات التي ذكرناها،قباب من نور و سحاب ينادي،و كل شخص كتابه في يده،هذه في الحقيقة لها قراءتان و تفسيران:

القراءة الأولى:إنها استخدام إعجازي.

القراءة الثانية:إنها استخدام التقنية الحديثة،يعني نحن غير مضطرين لأن نتحدث عن المعجزة.

أمّا الرواية التي تقول:انّ هؤلاء يطيرون في السحاب،و تطوى للإنسان الأرض عندما يطير ألف كيلومترا في ساعة واحدة هذا ألا يمكن أن نسمّيه طويت له الأرض بينما هو طيران في الجو بالطائرات الحديثة؟

و هكذا قباب من نور ممكن تفسيرها على مستوى القراءة الثانية،ان

هذه القباب من نور عبارة عن الطائرات و النقل الجوي.

و هكذا مسألة الكتاب في كفه كل واحد من وكلائه كتابه في كفه،هذا في زماننا أصبح شيئا موجودا عبارة عن الهاتف النقال المصوّر،و موضوع فيه قرص(سي دي)و يجمع كل المعلومات و الأحكام الشرعية،فهذا الإنسان بيده يتصل مباشرة بالإمام المنتظر عليه السّلام،أو بمركز الكومبيوتر و يعطوه الموقف هذا ممكن.هذه تقنية علمية و من الطبيعي أن الإمام صاحب الزمان سوف يستخدمها.

هذه الأمور قبل ألف عام كانوا يفترضونها استخداما إعجازيا،لكن نحن الآن ممكن أن نفسّرها على أساس إنها استخدام التقنية العلمية،أيضا يسمعون صوته و يرونه و هم في أقصى الأرض عبر شاشات التلفزيون و الفضائيات.

و أنتم تصوروا لو تطور هذا الأمر بعد مائة سنة إلى أين سيصل الإنسان؟

إذن نحن لماذا لا نتصور على الأقل على مستوى الإمكان أن الإمام المنتظر عليه السّلام يستخدم التقنية العلمية العالية.

و هكذا النداء من الغمامة،الآن الفضائيات أليست هي عبارة عن أمواج صوتية عبر القارات و عبر القمر الصناعي،فهذا أيضا ربما عبّرت عنه الروايات بأن السحاب يتكلم،هي أمواج في الحقيقة،لكن كلمة الأمواج و هذا التعبير يومئذ غير موجود فكان يقال سحاب.

الحقيقة أن الكثير من هذه العناصر التي تؤكدها الروايات يمكن تفسيرها على أنها تقنية علمية متطورة،و حركة الإمام المنتظر عليه السّلام تبقى حركة وفق الأدوات الطبيعية بدليل أن الإمام مثلا ينصّب وكيلا له في مكّة المكرمة و بمجرد أن يذهب الإمام للمدينة أهل مكّة يهبّون على الوكيل و يقتلونه يرجع الإمام مرة أخرى حتى يحرر مكّة المكرمة.إذن هي عملية مناورات عسكرية فيها كر و فر و ما شاكل ذلك.

و الروايات واضحة جدا حتّى قرأت لكم بعض الروايات تقول:يلقى أذى من الناس مثلما لقي رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله أو أكثر مما لقيه رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله. (1)

عن الثمالي قال:سمعت أبا جعفر عليه السّلام يقول:«إن صاحب هذا الأمر لو قد ظهر لقي من الناس مثل ما لقي رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله[و أكثر].

معنى هذا ان العملية تجري وفق الأدوات الطبيعية و ليس وفق الإعجاز.

هناك رواية جميلة تقول:يفتح الروم بالتكبير (2)يعني يدخل عشرات الآلاف من القوات يصيحون اللّه اكبر و يحررّون أوربا بالتكبير.التكبير هل هذا استخدام إعجازي أو هو استخدام وفق الأدوات الطبيعية؟

روايات عديدة طبعا تقول يفتح روما بالتكبير،يعني بدون استخدام سلاح،قد يوحي هذا انه لا يوجد قصف جوي و لا قصف مدفعي بل هو زحف بشري بالتكبير هذا أمر ممكن أيضا و هذا ليس جزءا من الاستخدام الإعجازي بل هو استخدام أدوات طبيعية.

هذه الحرب العراقية الإيرانية لعل بعضكم يتذكر مشاهد منها،كان الزحف الذي تقوم به القوات الإيرانية زحف بشري بالتكبير،إذن نحن نستطيع أن نقدم قراءة تقول إن الإمام صاحب الزمان يستخدم الأدوات الطبيعية،و إنما يستخدم الإعجاز في حالة استثنائية وفق القانون الذي شرحته لكم.

هذا البحث له صلة،أحدّثكم في ليلة أخرى عن ذي القرنين و قصة يأجوج و مأجوج و هذه من الغرائب،إنّ أبناء العامة السنّة ينتقدوننا،كيف تقولون بحياة المهدي بهذا العمر الطويل،بينما هم أبناء السنّة يقولون في رواياتهم سيرجع يأجوج و مأجوج. (3)بعد الموت إلى هذه الحياة.5.


1) بحار الأنوار:ج /52ص /362ح 132.

2) معجم أحاديث الإمام المهدي عليه السّلام:ج /2ص /55ح 412.

3) الشعراوي في علامات القيامة الكبرى:155.

هناك روايات متعددة في تفسير من هم يأجوج و مأجوج الذي جاء ذكرهم في القرآن؟أين موجودون،ذو القرنين لماذا سمي(ذو القرنين)، بعض الروايات تقول سمي ذا القرنين لأنهم ضربوه مرة على قرنه الأيمن و مرة على قرنه الأيسر يعني على الجمجمة،في المرة الأولى غاب عنهم 500 سنة ثم ظهر،و هكذا في المرة الثانية.

إذا كنتم يا أبناء العامة تقولون إن يأجوج و مأجوج سوف يرجعون إذن لماذا تعترضون علينا حين نقول إن صاحب العصر و الزمان في رعاية اللّه تعالى و هو ابن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله حي يرزق ثم يظهر في آخر الزمان.

أنتم تقبلون أن يأجوج و مأجوج يرجعون و لا تقبلون بعودة الإمام المعصوم!

إذا كان أصحاب الكهف يرجعون أحياءا فلماذا لا تقبلون أن صاحب العصر و الزمان يرجع،لماذا؟

إذا كان هناك استحالة فلسفية فهي في الاثنين،و إذا كانت فيه استحالة علمية أو عرفية فبالاثنين،ما هو دليلكم على هذا؟على كل الأحوال في ليال لا حقة سوف نستمر في هذا الموضوع إن شاء اللّه تعالى.

مصيبة القاسم بن الحسن عليه السّلام:

هذه الليلة نختمها بذكر القاسم بن الحسن عليه السّلام و هو أحد أولاد ثلاثة للإمام الحسن عليه السّلام استشهدوا يوم عاشوراء،أحدهم عبد اللّه الأكبر،و الثاني هو القاسم،و الثالث عبد اللّه بن الحسن الأصغر.

عبد اللّه الأكبر الذي يكنى أبا بكر أوّل من تقدّم و استشهد،ثم جاء القاسم.

الرواية تقول إنه شاب لم يبلغ الحلم يعني عمره 13 أو 14 سنة أو 11 سنة،شاب صغير لهذا نحن قد نميل تاريخيا إلى القول أن هذا الشاب حينما برز للقتال لم يركب فرسا و إنما كان يقاتل راجلا،مثل هذا الشاب الصغير

بهذا العمر من غير الميسور له أن يحمل سيفا فضلا عن أن يركب فرسا مطهّما و عليه سرج و يقاتل عليه و هو بمثل هذا العمر.

الرواية تقول:أن الحسين عليه السّلام لما خطب أصحابه و قال:إنكم ستقتلون غدا، جاء القاسم بن الحسن قال:يا عم أنا عندي سؤال أريد أن أسألك،أنت بشّرت الجميع بأنهم غدا سيقتلون و تلتقون غدا برسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و أنا يا عم ممن يقتل؟

هنا يتجلى العروج الروحي و النبل و الاتصال باللّه تعالى حيث تحوّلت كربلاء إلى قطعة من الجنّة،إلى قمم من المعنويات و الروحيات،يقول له هذا الطفل الصغير الذي لم يبلغ الحلم يا عم و أنا ممن يقتل؟

الرواية تقول:أن الحسين عليه السّلام لم يجبه و لا بدّ أن يختبره كقائد عسكري قال له:و أنت كيف تجد طعم الموت؟

قال:يا عم و اللّه أحلى من العسل.

فقال له:نعم يا ابن أخي أنت ممن يقتل،ثم استأذن من الحسين عليه السّلام.

الرواية تقول:إن الحسين عليه السّلام تعانق مع القاسم و هذه مشاهد توجع القلب و تذرف الدموع لها،هذا هو الحسين المنكوب بأهله و بأصحابه،و أمامه المعسكر المتلاطم،و إذا هو وحده مع هؤلاء الصغار يقاتل بهم.

الرواية تقول:إن الحسين مع القاسم تعانقا و الحسين بكى في لحظة الإذن للقاسم و برز القاسم للقتال و بينما هو يقاتل انقطع شسع نعله فأبى هذا الفتى الهاشمي الغيور أن يدخل المعركة بدون نعل فانحنى كي يصلح شسع نعله.

ذوو النفوس الدنيئة يفترضون أنفسهم قادة و أبطال قال أحدهم و هو بكر بن غانم:و اللّه لأحملن عليه و اثكلن به أمه.

قيل له:هذا طفل و أنت بطل كيف تضرب هذا الطفل،أبى إلاّ أن يأتي إليه فضربه على رأسه و هو منحن يشد نعله فوقع على الأرض صريعا فنادى:

يا عم أدركني.

أقبل إليه الحسين عليه السّلام وجد الغلام يرفس بقدميه،قال يعزّ على عمك أن تدعوه فلا يجيبك أو يجيبك فلا ينفعك،صوت-و اللّه-قلّ ناصره و كثر واتره،قتل اللّه قوما قتلوك.

الرواية تقول:إن الحسين عليه السّلام حمله على صدره و الغلام رجلاه تخطان في الأرض يعني يبدو أنه مقطع إربا إربا و هذا يوجد له تفسيران و كلا التفسيرين هو مؤلم،هل الغلام هو مقطّع و لذلك رجلاه يخطان بالأرض؟أنا اعتقد بشيء آخر،الذي جعل هذا الطفل الصغير رجلاه يخطان بالأرض هو أن الحسين كان منحني الظهر عندما حمل هذا الطفل الصغير،يعني لا يقدر الحسين عليه السّلام أن يقف على استقامته حمله و رجلاه يخطان على الأرض.

إِنّا لِلّهِ وَ إِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ .

و الحمد للّه رب العالمين


(/9محرم الحرام1426/ ه) - المحاضرة التاسعة سنّة الابتلاء و مسألة اللقاء

اشارة

تقرأ في هذه المحاضرة الإجابة على الأسئلة التالية:

81-ما هي الصيحة التي تحدث في السماء عند ظهور الإمام المهدي عليه السّلام؟

82-كيف يعرف الناس الحقيقة عند ظهوره عليه السّلام؟

83-ما هو الدليل الإسلامي على وجود الإمام المنتظر عليه السّلام؟

84-ما هو الدليل العلمي عن وجود الإمام المنتظر عليه السّلام؟

85-ما هو الدليل الخارجي على وجود الإمام المنتظر عليه السّلام؟

86-أربعة صور لللقاء مع الإمام المنتظر عليه السّلام ما هي؟

87-ما هي العلامات الثلاث التي أعطاها الإمام العسكري عليه السّلام لأبي الأديان؟

88-من هم النوّاب الأربعة للإمام المعصوم عليه السّلام؟

89-ما هو موقع أهل العراق في حركة الإمام المهدي عليه السّلام؟

90-كيف نفسّر الروايات التي تدعو إلى تكذيب من يدعي المشاهدة؟

بسم اللّه الرحمن الرحيم

سنّة الابتلاء:

هناك في خط الحياة سنّة اسمها سنّة الامتحان و الابتلاء.

قال تعالى: اَلَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَ الْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً . (1)

و قال تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَ لَمّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ . (2)

و قال تعالى: أَ حَسِبَ النّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ . (3)

هذه سنّة أسمها سنّة الابتلاء رافقت حركة الأنبياء جميعا و رافقت حركة الإصلاح و حركة الأمم جميعا.

و اليوم حينما نتحدث عن عنصر الاشتراك و التمايز بين حركة الإمام الحسين و حركة الإمام المهدي عليهما السّلام نريد أن نسأل عن هذه السنّة،سنة الابتلاء،هل هي موجودة مع إمام زماننا و هو يقود الحركة الإصلاحية العالمية الكبرى أم غير موجودة؟

لقد كانت موجودة مع الحسين عليه السّلام.

الإمام الحسين مع أن الناس يعلمون أنه سيد شباب الجنّة،لكن مع ذلك كان هناك زلزال فكري،حدثت حيرة عند مرضى القلوب،هذا هو الابتلاء، البعض يقول الحسين عليه السّلام خرج عن جده فيقتل بسيف جده،رغم أنه سيد شباب أهل الجنّة،و رغم قول رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله:«الحسن و الحسين إمامان قاما أو قعدا»لكن تسويلات الشيطان جعلت بعض الناس يقول إن الحسين عليه السّلام


1) الملك:2.

2) التوبة:9.

3) العنكبوت:29.

خرج على إمام زمانه!من هو إمام زمانه؟هو يزيد بن معاوية،لكن من وضع يزيد بن معاوية إماما لزمانه؟لا يوجد جواب.

و آخر يقول للحسين:يابن رسول اللّه أنا أدري بأنك على حقّ و لكن أنا لا أنصرك في هذه القضية،ماذا أفعل نفسي لا تسمح بالموت؟أنا ادري أنك مقتول،و أنا غير مستعد أن اقتل،أنا أدري أن الذي بايعك و شايعك على الحقّ، لكن أعلم أنك مقتول،إن من رأيته خارجا لك من الكوفة يكفون لقتلك و أنا غير مستعد،هذا هو الابتلاء.

اللّه تعالى يريد أن يمتحن،يفتن الناس و إلاّ فان اللّه تبارك و تعالى قادر على الهداية بدون امتحان: إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ . (1)

اللّه لا يريد ذلك،اللّه تعالى يريد أن تجري سنة الابتلاء،ان تبقى محفوظة.

و السؤال الآن أن سنّة الابتلاء مع إمام زماننا موجودة أم لا؟

الجواب:نعم،موجودة.

رغم أنه عليه السّلام ينتصر و يتحرك ضمن الأدوات الطبيعية و أحيانا يستخدم الأدوات الإعجازية كما شرحنا سابقا لكن ذلك لا يغلق باب امتحان الناس، حيث يمكن لأحد أن يقبل و آخر لا يقبل،رغم أن القضية أصبحت واضحة، و الناس يومئذ يدخلون في دين اللّه أفواجا،و مع ذلك فان هناك مجالا واسعا يبقى لأحد أن يشكك و ينافق و يقاتل،و هذه هي سنة الابتلاء.

الصيحة في السماء:

إذا خرج الإمام تحدث صيحة في السماء فينادي مناد في أوّل الليل يسمعه جميع العالم: (2)«عليّ و شيعته هم الفائزون»و لكن حينما يكون آخر


1) الشعراء:26.

2) البحار 52:305،و غيرها.

الليل يأتي نداء ثان تقول بعض الروايات أنه إبليس ينادي من الأرض و ليس من السماء،إبليس يعني مثلا الفضائيات الكاذبة.

ينادي من الأرض يسمعه الجميع أيضا يقول:«عثمان و شيعته على الحقّ»يحدث بين الناس بلبلة.

تحدث حالة من الالتباس.

لنقف عند نقطة عليّ و عثمان.

إن هذا التعبير عليّ و عثمان هل يعني أن المعركة يومئذ معركة بين الشيعة و السنة،باتجاهين اتجاه جماعة علي و اتجاه جماعة عثمان،أو هي رمز للحقّ و الباطل،هذا هو الأقرب لأنه يومئذ لم تكن اشتراكية و لا شيوعية و لا ديمقراطية،يوجد يومئذ حقّ اسمه عليّ عليه السّلام و يوجد باطل أسمه الاتجاهات الأخرى،الصيحة الأولى تقول الحقّ مع هؤلاء،الصحية الثانية تقول الحقّ مع هؤلاء،اسم عليّ و عثمان استخدم هنا رمزا لمعركة الحقّ و الباطل.

وضوح الحقيقة:

الراوي يسأل الإمام إذن يابن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله نحن ماذا نصنع أوّل الليل نسمع هكذا و آخر الليل نسمع هكذا و الاثنان صيحة و نداء في السماء!

قال عليه السّلام:«تنظر إلى هذه الشمس الداخلة في الغرفة؟».

قال:بلى أني أنظر.

قال عليه السّلام:«إن أمرنا أبين-أوضح-من هذه الشمس». (1)

و بهذا الإسناد عن هشام بن سالم قال:سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول:«هما صيحتان:صيحة في أوّل الليل،و صيحة في آخر الليلة الثانية،قال:فقلت:كيف ذلك؟فقال:واحدة من السماء، و واحدة من إبليس فقلت:كيف تعرف هذه من هذه؟فقال:يعرفها من كان سمع بها قبل أن تكون».

و ج /25ص 299:

عن عبد الرحمان بن مسلمة الجريري قال:قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام:يوبخونا و يكذبونا أنا نقول إن صيحتين تكونان يقولون:من أين تعرف المحقة من المبطلة إذا كانتا؟قال:فماذا تردون عليهم؟ قلت:ما نرد عليهم شيئا قال:قولوا:«يصدق بها إذا كانت من كان يؤمن بها من قبل إن اللّه عزّ و جلّ يقول: أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاّ أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ .

•


1) البحار 295/52:

لصاحب القلب و البصيرة و المعرفة،لا تضيع الحقيقة،و الذي في قلبه مرض تضيع عليه الحقيقة حتى لو تنزل الملائكة.

هؤلاء جماعة قالوا لرسول اللّه صلى اللّه عليه و آله:

إذا كنت نبيا قل لهذه الشجرة تزحف و تأتي.

قال صلى اللّه عليه و آله:«يا شجرة تعالي أنا رسول اللّه».

جاءت الشجرة تخب خبا و تشق الأرض،هذه الأشياء أذكرها كمأثورات،كرامات النبي صلى اللّه عليه و آله و معاجزه أكثر و فوق ذلك،أذكرها لكم كنماذج أو رموز،جاءت الشجرة للنبي صلى اللّه عليه و آله.

قالوا:إذا أنت نبي قل لها فلترجع.

فأمرها النبي صلى اللّه عليه و آله بالرجوع فرجعت.

قالوا:قل لها يأتي نصفها و يبقى نصفها و تنشق نصفين.

قال صلى اللّه عليه و آله:أيتها الشجرة انقسمي نصفين نصف يأتي لي و نصف يبقى، فاستجابت الشجرة.

فلما رأوا ذلك قالوا:أنت ساحر كذّاب.

القلوب المريضة التي لا تريد أن تؤمن لا تؤمن حتى لو ينزل عليها ملائكة من السماء.

يقول الإمام عليه السّلام:«أن أمرنا أبين من هذه الشمس». (1)


1) البحار 52:282.

الراوي يسأل الإمام الصادق عليه السّلام يقول:يابن رسول اللّه نحن من أين نعرف أن هذه الصيحة هي صيحة صاحب العصر و الزمان عليه السّلام؟

الرواية تقول:«كل واحد منكم حينما يستيقظ صباحا يجد صحيفة تحت رأسه مكتوب فيها طاعة معروفة». (1)

هل هذه الورقة هي عبارة عن ورقة بالفاكس تذهب للبيت!؟لا ندري.

المهم كما ذكرنا بالأمس و اليوم أن المسألة ليست خارجة عن سنة الابتلاء.

هناك رواية تقول:«إن هذا الأمر يعرفه من عرفه من قبل» (2)أولئك الناس الذين هم من قبل يعرفون الحقيقة يكتشفون ما هو الفرق بين صيحة الحقّ و صيحة الباطل أمّا الذين كانوا من قبل لا يعرفون الحقيقة يومئذ أيضا لا يعرفون الحقيقة.

لا حظوا هذه الروايات تريد أن تقول أن هناك وعي مسبق عند الشيعة و ليست القضية أن جبرائيل ينزل من السماء يقول أيها الناس هذا صاحب الزمان الحقوا به و بالتالي ما هو الفرق بيننا و بين غيرنا من حيث الوضوح عند الجميع؟

لا ليس كذلك هذا الأمر يعرفه من عرفه من قبل،أمّا من لم ينجح بالامتحان سابقا فهو يومئذ أيضا تضيع عليه الحقيقة،إذن هناك وعي مسبق لدى شيعة أهل البيت عليهم السّلام كما تقول الروايات في هذا الشأن.

أقرأ لكم إحدى هذه الروايات:

يقول الإمام الصادق عليه السّلام عندما يسأله الراوي كيف لنا أن نعلم ذلك؟

قال عليه السّلام: (3)«يصبح أحدكم و تحت رأسه صحيفة عليها مكتوب طاعة معروفة».

لكن هناك سؤال ثان يقول كيف نعرف هذه من هذه؟4.


1) بحار الأنوار:ج /52ص /305ح 76.

2) البحار 52:295 و 296 و 300.

3) البحار 52:305 و 324.

قال عليه السّلام:يعرفه من كان سمع به من قبل.

و رواية أخرى تقول:

«يصدّق بها من كان مؤمنا بها من قبل أن تكون» (1)يعني أولئك المؤمنين به قبل ظهوره يصدقون بتلك الصحية.

على هذا الأساس أصبح شيعة أهل البيت أفضل من غيرهم لأنهم يتميزون بالوعي السياسي و الديني و الثقافي،و ليست المسألة أن إعجازا في السماء يراه كل الناس حتى اليهودي و النصراني و يخضعون لذلك الإعجاز و لا فضل حينئذ للشيعة على غيرهم،الرواية تتحدث عن وعي الشيعة و فضلهم.

الوعي السياسي لدى الشيعة:

عن الإمام السجاد عليه السّلام: (2)«إن أهل زمان غيبته القائلين بإمامته المنتظرين لظهوره أفضل من أهل كل زمان»،لماذا؟

هل لأن هؤلاء جماعة أهل البيت عليهم السّلام؟

لا،بل لأن اللّه تعالى:«أعطاهم من العقول و الإفهام و المعرفة-و هو باصطلاحنا الوعي الثقافي و السياسي-حتّى صارت الغيبة عندهم بمنزلة المشاهدة»أصلا لا يوجد فرق عندنا من حيث الوعي و المعرفة بين أن يكون إمام زماننا غائبا أو إمام زماننا موجودا بيننا،نحن به مصدقون«صارت الغيبة عندهم بمنزلة المشاهدة أولئك المخلصون حقا و شيعتنا صدقا و الدعاة إلى دين اللّه سرا و جهرا».

إذن سنّة الابتلاء محفوظة يومئذ كما جاء في الحديث الشريف:

«لتغربلنّ غربلة حتى ليقول القائل مات أو هلك في أي واد سلك». (3)


1) البحار 52:296.

2) البحار 52:122.

3) البحار 52:281.

أين يوجد إمام الزمان عليه السّلام؟

مات أو هلك في أي واد سلك،لكن تبقى المجموعات المؤمنة ثابتة على العقيدة الصحيحة.

عصائب العراق:

من جملة تلك المجموعات و أنا أذكر هذا الأمر للاستبشار و التيّمن ما تذكره الرواية عن حذيفة بن اليمان صاحب رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله.

هذا الصحابي الجليل قال:سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله يقول:«إذا كان عند خروج القائم ينادي مناد من السماء أيها الناس قطع عنكم مدة الجبارين و ولي الأمر خير أمة محمّد فالحقوا بمكة فيخرج النجباء من مصر،و الأبدال من الشام و عصائب العراق رهبان بالليل ليوث بالنهار كأن قلوبهم زبر الحديد فيبايعونه بين الركن و المقام». (1)

و الإمام عليه السّلام يومئذ يحتاج إلى دليل يقدمه للناس،الصيحة في السماء، الغمامة فوق رأسه،و مع ذلك فهو يدخل معهم في حوار،«من أراد أن يحاجني بآدم فأنا أولى بآدم،أو يحاجني بنوح فانا أولى بنوح».

هذا حوار مفتوح،لا بدّ أن يقدم الإمام دليلا و الناس يطالبون الدليل، و لهذا فكيف عرف الشيعة إمام الزمان و هم لم يروه؟لقد استندوا في ذلك إلى دليل محكم لا يقبل الشك.

قصة أبو الأديان:

قصة أبو الأديان: (2)

أنقل لكم قصة أبي الأديان خادم الإمام الحسن العسكري عليه السّلام:

يقول:كان الإمام الحسن العسكري عليه السّلام و هو أبو الإمام المنتظر عليه السّلام


1) البحار 52:304.

2) النجم الثاقب 2:8؛البحار 52:67.

كان بين مدة و مدة يبعث بيدي كتابا إلى الأمصار و المدن،و ذات مرّة دعاني و بعث بيدي كتابا إلى المدائن و قال لي:أنت في سفرتك هذه سوف تستغرق خمسة عشر يوما فإذا رجعت إلى سرّ من رأى سوف تسمع الواعية،و تجدني أنا على الفراش،فراش الموت،قد توفيت.

قلت:سيدي إذا كان ذلك فلمن الأمر بعدك؟

قال عليه السّلام:الذي يطالبك بجوابات الكتب.

قلت:سيدي زدني.

قال عليه السّلام:الذي يصلّي عليّ.

قلت:زدني.

قال عليه السّلام:الذي يخبرك بما في الهميان.

ذهب أبو الأديان للمدائن و سلّم الرسائل إلى أهلها و رجع بالجواب، و إذا في سامراء ناعية الإمام الحسن العسكري عليه السّلام قد توفي،دخل و إذا الإمام مسجّى على المغتسل يهيأ للصلاة عليه.

قلت:أنتظر الآن من الذي يصلي عليه،فهذه أوّل علامة.

يقول وجدت في بيت الإمام العسكري عليه السّلام جعفرا أخا الإمام العسكري جالسا و كان يطالب بأن تكون له الإمامة،و إذا هو جالس و يستقبل المعزين و قد رشح نفسه للإمامة.

قلت إذا كان هذا هو الإمام-و أنا اعرفه،و كان يشرب الخمر-إذن قد انقطعت الإمامة لا يوجد بعد الحسن العسكري إمام،قلت يا سبحان اللّه فلأنتظر و أرى ماذا سيحدث.

بينما تهيأت جنازة الإمام العسكري عليه السّلام جاءوا و قالوا لجعفر:يابن رسول اللّه تقدم للصلاة فتقدم جعفر و لكنه قبل أن يكّبر التكبيرة الأولى في

صلاة الميت و إذا بغلام في وجهه سمرة كأن وجهه قطعة قمر في شعره قطط، تقدم هذا الغلام و سحب جعفر قائلا له:تنحّ يا عم فانا أولى بالصلاة على أبي.

من أين جاء؟لا أحد يدري،و هم كأن على رؤوسهم الطير،فوجئوا و انسحبوا،و صلى عليه الغلام الصغير و انصرف.

يقول أبو الأديان قلت هذه واحدة.

جاء الناس إلى جعفر الملقب في الروايات جعفر الكذاب،قالوا له:من هذا الغلام؟

قال:و اللّه ما عرفته و لا أعرف لأخي الحسن العسكري غلاما أصلا،أنا لا أعرف من أين أتى هذا الغلام بينكم.

يقول أبو الأديان:جلست عند جعفر و الناس يعزونه و استغرق المجلس ساعة أو ساعتين و لم يسألني عن شيء،بينما نحن جلوس و قبل أن ننصرف و إذا بوفد من قم،وفد شيعي،قالوا السلام عليكم عظّم اللّه أجوركم يا جعفر، عندنا أمانة جئنا بها إلى الإمام العسكري و وصلنا خبر أنه توفي،فمن مكانه؟

قال:أنا سلّموا أمانتكم.

هؤلاء عندهم شيء من المعرفة قالوا له نحن كنا معتاذين إذا جلبنا الأمانات لأخيك العسكري يخبرنا عن مقدار هذه الأمانات و شكلها و ممن هي،نحن الآن نطلب منك و نرجوك أن تخبرنا ما هي الأمانات التي معنا في الهميان؟و من أين هي؟

فقام ينفض رداءه و قال:يريدون مني أن أعلم الغيب!

يقول أبو الأديان:قام الوفد و انصرف،و انصرفت معهم و لم يسألني جعفر عن أجوبة الكتب التي عندي.

و بينما نحن في الطريق و إذا بخادم يقول لهم أعطوني ما عندكم من الأمانات و فيها مئة دينار،عشر منها مطليّة لفلان ابن فلان و فيها كذا لفلان ابن فلان،قالوا أنت الإمام.

قال:لا أنا عبد عند الإمام.

فقالوا:الذي وجهّك هو الإمام.

ثم سرنا معه حتى دخلنا دار مولانا الحسن العسكري عليه السّلام فإذا ولده القائم سيدنا المنتظر عليه السّلام قاعد على سرير وجهه كفلقة القمر عليه ثياب خضر فسلمنا عليه فرد السلام،ثم قال جملة المال الذي معكم كذا و كذا و لم يزد و لم ينقص في وصف المال الذي أتينا به،فخرّوا سجّدا للّه،ثم سألوه عن مسائل فأجابهم فحملوا إليه الأموال.

يقول أبو الأديان:قلت:هذه هي العلامة الثانية.

ثمّ قال لي الغلام:هات جوابات الكتب التي معك،قلت:هذه هي العلامة الثالثة،فسلمته أجوبة الكتب التي معي.

المقصود من عرض هذه القصة أن شيعة أهل البيت عليهم السّلام آمنوا بأهل البيت عبر استدلال و عبر علامات و ليس مجرد ادعاءات،علامات دقيقة شخّصوها إلى اليوم بحمد اللّه تعالى شيعة أهل البيت عليهم السّلام لم تزل بهم قدم،خط مستقيم،صراط مستقيم يمشون عليه هذا هو الوعي الثقافي و السياسي و الديني الذي عندهم.

اليوم أيضا قد يقول منكم قائل نحن الآن في زمان الغيبة إذن أين الأدلة و أين العلامات؟

إذا كان أبو الأديان و وفد قم تقدمت لهم أدلة،عجبا الآن ألا نحتاج أدلة؟

أيضا نحتاج أدلة،و لا بدّ أن تكون الأدلة يقينية كما هو الشأن في كل القضايا الاعتقادية،يجب أن تكون أدلة يقينية.

أنت مرة تريد أن تتعبد بشيء لا يحتاج إلى دليل يقيني قطعي،تريد أن تصلي يقال لك حكمك الشرعي كيت و كيت،أنت تقوم و تعمل وفق الحكم الشرعي و تتعبد و تصلي لوجه اللّه و لا تحتاج إلى يقين لأن هذا تكليف و حكم تعبدي،لكن في القضايا الاعتقادية لا بدّ أن تطمئن بذلك المعتقد و معناه أنك تحتاج إلى دليل يقيني، و لهذا فأن بعض الكتّاب من أهل السنة يشكلون على الشيعة و يقولون أنتم تؤمنون

بالإمام و تعتقدون بالغيبة و بالإمام المهدي هذا اعتقاد و القضايا الاعتقادية لا يكفي بها خبر أو مجموعة أخبار لا بدّ أن تقدموا لنا الدليل اليقيني؟

علماؤنا يقولون:أدلتنا على الإمام المنتظر عليه السّلام هي بمستوى القطع و اليقين.

آية اللّه سيدنا الشهيد محمد باقر الصدر قدّس سرّه في كتابه الموجز(بحث حول المهدي)يستعرض استعراضا سريعا نوعين من الأدلة،الأوّل هو الدليل الإسلامي و الثاني هو الدليل العلمي كما سماه الشهيد الصدر.

أربعة أدلة على وجود الإمام المهدي عليه السّلام:

و الحقيقة أن أربعة نماذج من الأدلة يمكن أن نقدمها:

الدليل الأوّل:هو الدليل العقلي الذي يعتمد على قاعدة اللطف و هو الذي ذكره الشيخ الطوسي و غير الطوسي من علماء الطائفة الذين يستندون إلى هذا الدليل كواحد من الأدلة،و قد سبق أن قدمنا صورة عن هذا الدليل. (1)

الدليل الثاني:هو الدليل الشرعي و هو عبارة عن الروايات المتواترة في هذا الأمر،و هذا الدليل هو الذي يسميه الشهيد الصدر بالدليل الإسلامي. (2)

الدليل الثالث:هو الدليل العلمي كما سّماه و شرحه السيد الشهيد الصدر.

الدليل الرابع:هو الدليل الخارجي و هو عبارة عن مجموعة اللقاءات الأكيدة التي حدثت مع صاحب العصر،بحيث لا يمكن الشك بصحتها و وثاقتها.

و أحاول في هذه الليلة أن أقف عند هذه الأدلة ثم نتحدث عن موضوع اللقاء مع الإمام.


1) انظر الغيبة للشيخ الطوسي.

2) بحث حول المهدي،الشهيد الصدر:321.

موجز عن الدليل الإسلامي:

الشهيد الصدر في الدليل الشرعي الإسلامي يقول:المسألة يقينية حيث يوجد في مصادر الفريقين الشيعة و السنة ستة آلاف رواية في الإمام المنتظر عليه السّلام،أربعمائة رواية منها هي عن طريق أبناء السنة،حينما نجمع هذه المجموعة من الروايات والكم الهائل المتعدد الإسناد،و المتعدد النقول،رغم الملاحقة و المطاردة التي كانت على الشيعة،نجد أن القضية كافية جدا لتوليد اليقين بصحتها.

العلامة الأستاذ السيد عدنان البكاء في كتابه(الإمام المهدي المنتظر) (1)ينقل بعض الروايات،كان بودي لو يسع الوقت أن أنقل لكم شيئا منها و خاصة الروايات التي تؤكد أنه من ولد الحسين عليه السّلام.

عن مسند أحمد بن حنبل إمام السنة أن الرسول صلى اللّه عليه و آله قال و هو يشير للحسين عليه السّلام:

«هذا ابني إمام أخو إمام أبو أئمّة تسعة،تاسعهم قائمهم».

سليم بن قيس و هو أوّل مؤرخ إسلامي في زمن النبي صلى اللّه عليه و آله له رواية مهمة،يرويها عن سلمان:

يقول:دخلت على النبي صلى اللّه عليه و آله و إذا بالحسين عليه السّلام على فخذه و هو يقبل عينيه،و يلثم فاه،و يقول:

«إنك سيد أبن سيد و أبو سادة،إنك إمام ابن إمام أبو أئمّة،إنك حجة ابن حجة أبو حجج تاسعهم قائمهم»،هذه نماذج من تلك الروايات.

و نحن إذا أردنا في أي قضية تاريخية أن نقدم أدلة الإثبات عليها فأن ستة آلاف رواية،(أربعمائة)رواية منها يرويها أبناء العامة بمصادر عامة، و أسانيد متعددة،تكون كافية جدا لتحصيل اليقين.


1) الإمام المهدي المنتظر/السيد عدنان البكاء.

موجز عن الدليل العلمي:

في الدليل العلمي كما ذكره الشهيد الصدر نحاول أن نبحث القضية استقرائيا و ميدانيا كبحث علمي في المختبر.

اضرب لكم مثالا:أنتم تعرفون أن العراق عاش عهدا ملكيا حوالي ثلاثين عاما حكم فيها فيصل الأوّل و الثاني و غازي و عبد الإله و ما شاكل ذلك و لا أحد من الموجودين حاليا عاش العهد الملكي لكن هل يوجد أحد الآن يشك في أن العراق عاش عهدا ملكيا،ثم دخل العهد الجمهوري؟لا أحد يشك لماذا؟لأن أدلة الإثبات موجودة،هناك أمة كاملة،أبناء و أجداد و صحفيين و صحافة،و كتب و مجلات،و إذاعة و بيانات،و شعر و أبّيات و ما شاكل ذلك و وثائق موجودة في المكتبات و في المتاحف الكبرى العالمية تتحدث عن هذه الفترة التي عاشها العراق في ظل العهد المكي،فإذا وجد اليوم شخص يقول إن الأمر كله خيال و وهم،و العراق لم يعش عهدا ملكيا، فانك تقول له:أنت تصطدم مع الحقيقة التي لا تقبل الشك.

الآن إذا أردنا مثلا أن نثبت أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله هاجر من مكّة المكرمة إلى المدينة فما هو دليلنا؟

المسألة التاريخية ليست مسألة روايات فقط،و إنما أمّة كاملة عاشت هذه التجربة و النبي في المدينة أسس حكما،و خاض حروبا،و بنا مساجد، يعني القضية بالأرقام الميدانية و ليست فقط بالأخبار و الروايات.

الشهيد الصدر يسمي ذلك(تجربة استقرائية)و نحن بالتجربة الاستقرائية الخارجية نثبت وجود الإمام المنتظر عليه السّلام.

نحن نعرف أن أمّة كاملة عاشت تجربة طولها سبعين عاما،هي تجربة النواب الأربعة،أربعة وكلاء فقهاء عدول بأعلى المستويات من العدالة،و بنسق واحد يتحدثون بتوافق كامل و بعيدا عن أي منازعات و مصلحية و بعيدا عن أي شكوك و عن

أي اضطراب في الكيفية و في النصوص،يقولون نحن ننقل لكم في النيابة عن الإمام المنتظر،مدة سبعين سنة،و هناك أمّة كاملة عاشت معهم فيها فقهاء عظماء أيضا،هناك أمّة كاملة مدة سبعين سنة عاشت مع وكلاء و نواب الإمام المنتظر و هم(عثمان بن سعيد العمري،و محمّد بن عثمان العمري،و الحسين بن روح النوبختي و علي بن محمّد السمري)أربعة فقهاء كان إمام الزمان عليه السّلام يتصل من خلالهم بالناس،و الناس يقدمون رسائل إلى هؤلاء،هذه تجربة كاملة لفقهاء عاشوا مع هؤلاء الوكلاء الأربعة مثل الشيخ الصدوق و فقهاء آخرين أدركوا الفترة التالية بعدها مثل الشيخ المفيد و الشيخ الكليني الذين وقفوا خاضعين أمام هذه التجربة و لم يكذبوها و لا شككوا فيها عجبا هؤلاء هل يمكن أن يكونوا كلهم سذجا و بسطاء تنطلي عليهم الكذبة؟

تجربة عمرها سبعون سنة يقودها مثل هؤلاء الفقهاء دون أي تشكيك و الشيعة أيضا عاشوا هذه التجربة فهل يمكن تكذيبها!؟

القضايا التاريخية كيف يمكن إثباتها بأكثر من ذلك؟

التجربة على الأرض حينما تحدث فهذا إثبات بالنسبة لنا.

قصة من محمّد بن عثمان العمري:

قصة من محمّد بن عثمان العمري: (1)

محمّد بن عثمان العمري و هو أحد نواب الإمام و كان وسيطا بين الشيعة و الإمام المنتظر عليه السّلام.

يقول الراوي:دخلت على محمّد بن عثمان العمري و إذا ساجة يعني خشبة من صاج منقوشة بآيات قرآنية،و أسماء الأئمّة قلت ما هذا؟

قال:هذه ساجة أعددتها لقبري و قد أعددت لي قبرا،و هذه الساجة أنام عليها في قبري و أنا يوميا أنزل إلى قبري و أتذكر و أعتبر و أنك ستدرك وفاتي في شهر كذا و في يوم كذا و في ساعة كذا و أني سأدفن و هذه الساجة الخشبية ستدفن معي.


1) البحار 51:354.

يقول الراوي:سجّلت هذا التاريخ و في نفس ذاك اليوم و الشهر و الساعة حضرت في الموقع شهدت وفاة محمّد بن عثمان العمري في ذلك المكان.

لقد كان هؤلاء الفقهاء بهذا المستوى من الورع و التقوى و هم الجسور بيننا و بين الإمام المنتظر عليه السّلام.

هذا الحسين ابن روح و هو النائب الثالث للإمام المنتظر عليه السّلام كان يوجد فقيه معاصر له اسمه جعفر بن أحمد كان كل الناس يتحدثون أن هذا الفقيه المعاصر له سوف يكون هو المرجع الديني و النائب للإمام المنتظر،يعني بعد الوكيل الثاني سوف يكون جعفر ابن احمد هو الوكيل الثالث و ليس الحسين بن روح لمقامه و فضله و شدة صيامه و ورعه،و لما حضرت الوفاة محمّد بن عثمان العمري و هو الوكيل الثاني كان جعفر بن أحمد جالسا عند رأسه و الحسين بن روح جالسا عند رجليه،يقول جعفر بن احمد:بينما كنا كذلك التفت محمّد بن عثمان العمري لي و قال:يا جعفر قد جاء الأمر بالنيابة بعدي إلى الحسين بن روح،يقول جعفر:قمت و جلست عند رجلي محمّد بن عثمان و أخذت بيد الحسين بن روح و أجلسته عند رأس محمّد بن عثمان دون أن يكون هناك أي تنافس أو أنانية.

مثل هذا المستوى لمراجعنا و معهم أمّة كاملة كانت تراقب مسيرتهم و فيهم كبار الفقهاء مثل الشيخ الصدوق و المفيد و الكليني بأعلى المستويات و لا نجدهم قد ناقشوا و لا شككوا في الأمر و كانت المسألة بالنسبة لهم بمستوى من اليقين،فإذا لم تكن القضية أي قضية الإمام المنتظر عليه السّلام قضية واقعية فكيف يمكن أن تخدع أمّة كاملة لمدة سبعين سنة،هذا هو ما يسميه الشهيد الصدر رضوان اللّه عليه بالدليل العلمي.

مسؤوليتنا في زمان الغيبة:

هل مسؤوليتنا هي البحث عن الإمام؟أم هي الإعداد لظهور الإمام؟

هل نبحث عنه في مسجد السهلة،في الكوفة،في سامراء،في مكّة،في المدينة هل هذه هي مسؤوليتنا أم هي الإعداد لظهور الإمام و قيام دولته؟

طبعا مسؤوليتنا كما تقول الروايات الثابتة الصحيحة و كما يقول العلماء و الفقهاء هي الإعداد لظهور الإمام و لكن مع ذلك فان هناك فهما نسميه الفهم البدائي.

أنا أذكر لكم هذه القضايا حتى تكونوا في جو الأحداث.

يوجد فهم بدائي للقضية و يوجد فهم صحيح و عميق.

كان بعض الناس-فيما مضى-و استنادا إلى بعض الشائعات يفترضون أن مسؤوليتهم تجاه الإمام المنتظر عليه السّلام هي أن يجمعوا له الأموال و يدفنوها تحت الأرض،حتى إذا ظهر صاحب العصر و الزمان عليه السّلام يأخذها و يستفيد منها،هذا نسميه الفهم البدائي للتعامل مع الإمام المنتظر عليه السّلام.

الفهم الصحيح أن مسؤوليتنا تجاه الإمام المنتظر عليه السّلام هي الإعداد لظهوره، و الاستعداد لدولته و لا مانع في نفس الوقت العمل على اللقاء به و التشرف بخدمته.

إن الاتجاه المعروف و المقبول عند علمائنا أنه يمكن اللقاء به لكن ليس بالطريقة التقليدية يعني البحث عنه هنا و هناك و ما شاكل ذلك،مسؤوليتنا هي شيء آخر.

موجز عن الدليل الخارجي:

الدليل الرابع و هو ما سميناه بالدليل الخارجي حيث يتحدث علماء فقهاء صالحون عن لقائهم بالإمام المنتظر عليه السّلام،و أمام هذه اللقاءات المنقولة إلينا بأخبار صحيحة لا نجد إلاّ موقف التصديق بها و الاعتراف بواقعية ما تتحدث عنه.

و من المهم الإشارة إلى معنى عدد من الروايات التي تأمر بتكذيب من يدعي المشاهدة.

في الحقيقة إن هذه الروايات ربما تكون صحيحة و لكن المقصود بها

الإشارة إلى أولئك الذي يعملون على خداع الناس بادّعاء المشاهدة و اللقاء بالمعصوم عليه السّلام.

أمّا علماؤنا الصالحون فهم لا يريدون أبدا ادعاء المشاهدة،و اللقاء بل يحاولون ذلك إن حدث لهم،و لكنهم ربما ذكروا ذلك تطمينا للقلوب و تأكيدا للحقيقة.

و هنا نحاول أن نتحدث موجزا عن مسألة اللقاء بالمعصوم عليه السّلام.

صور اللقاء بالإمام المنتظر عليه السّلام:

اللقاء بالإمام على أربعة صور:

الصورة الأولى:نسميها اللقاء العام.

و هنا نحن نعتقد أن شيعة أهل البيت عليهم السّلام كلهم لديهم لقاء عام مع الإمام عليه السّلام،ماذا يعني اللقاء العام؟

اللقاء العام يعني أننا الآن في مجمل حركتنا و اتجاهاتنا السياسية و الفكرية و محافلنا الدينية الصحيحة و الشرعية لدينا في مجمل هذا التحرك حضور و تسديد و ترشيد و فاعلية من قبل إمام الزمان عليه السّلام فهو معنا يشهدنا و يبارك لنا و يدعو لنا،هذا هو اللقاء العام،فهو لقاء معنوي روحي كاللقاء بالأئمّة عليهم السّلام حينما نزور مراقدهم الشريفة.

إن مجمل الحركة الدينية لدى شيعة أهل البيت عليهم السّلام فيها لقاء عام مع الإمام المعصوم عليه السّلام،و لو لا هذا اللقاء العام و هذا الحضور و هذه الفعالية لم نكن قادرين على أن نواصل السير رغم الصعوبات و المعاناة.

الصورة الثانية:اللقاء في المنام.

علماؤنا جمعوا مئات الرؤى للقاء بالإمام صاحب العصر و الزمان عليه السّلام.

الشيخ الحر العاملي هو من كبار علماء الشيعة في كتاب(إثبات الهداة) جمع ستة منامات له شخصيا التقى فيها مع الإمام المنتظر عليه السّلام.

و كان لي شخصيا قبل حوالي عشرين سنة شرف اللقاء به عليه السّلام في المنام إلى جوار الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام سألته فيها ثلاث مسائل بعد أن عانقته و عانقني و قدم لي ثلاث بشائر هي أغلى ما أدخره في عمري،و لقد طفت معه ضريح الإمام علي عليه السّلام و وضعت يدي بيده،و سألته ثلاث مسائل فأجابني عليها،و لا أرغب فعلا أن أذكر تفاصيل تلك المسائل لأنها شخصيّة تخصّني بالذات.هذا الأمر نذكره كشيء جميل للنفوس حتى تستأنسوا لا لشيء شخصي.

و كان لي قبل ثلاث سنوات شرف اللقاء به و تقبيل يده الشريفة في المنام،ثمّ كان لي لقاء آخر معه و الصلاة خلفه،و قد كنت حدّثت بها سيدنا شهيد المحراب رضوان اللّه تعالى عليه في أيام المحنة الشديدة علينا قبل الانتصار،و قبل سقوط صدام حيث كانت قد اشتدت بنا المحن.

الصورة الثالثة:اللقاء المباشر غير المعروف.

و المقصود أن يحصل اللقاء المباشر و في عالم اليقظة و ليس المنام و لكن لا تتوجه و لا تعرف انه الإمام المنتظر عليه السّلام،و لكن بعد أن يتغير المجلس و تفتقد الإمام تعرف أنه الإمام عليه السّلام،هذا النحو من اللقاء يتحدث عنه كثير من العلماء كما حدثتكم عن لقاء العلامة الحلي في قصة سابقة.

و هناك لقاء أعظم من هذه الصور كلها و هو:

الصورة الرابعة:اللقاء المباشر المعروف.

و المقصود أنك تلتقي به عليه السّلام و تعرفه و تكلمه مثل لقاء علي بن مهزيار و للتبرك أذكر لكم هذا اللقاء.

قصة عليّ بن مهزيار:

يقول:دخلت على علي بن مهزيار (1)سألته عن إمام العصر عليه السّلام،قال:


1) البحار 52:10.

يا أخي سألت عن أمر عظيم،حججت عشرين عاما أريد بها رؤية الإمام عليه السّلام فلم أجد إلى ذلك سبيلا،فبينا أنا ليلة نائم في مرقدي إذا رأيت قائلا يقول:يا عليّ بن إبراهيم قد أذن اللّه لك في الحج،فلم أعقل ليلتي حتى أصبحت و أنا مفكر في أمري،أرقب الموسم و أن اللّه تعالى سوف يقسم لي الحج هذا العام و قد كنت حججت عشرين عاما و هذه هي الإحدى و العشرين فلما كان وقت الموسم أصلحت أمري و خرجت متوجها نحو المدينة فما زلت كذلك حتى دخلت يثرب-المدينة المنورة-فسألت عن آل أبي محمّد الحسن العسكري عليه السّلام فلم أجد له أثرا و لا سمعت له خبرا،فأقمت مفكرا في أمري حتّى خرجت من المدينة أريد مكّة،دخلت الجحفة و خرجت منها متوجها نحو الغدير فلما دخلت المسجد صليت و اجتهدت في الدعاء و خرجت أريد عسفان و ما زلت كذلك حتى دخلت مكّة و أقمت بها أياما أطوف البيت و اعتكف،بينا أنا ليلة في الطواف إذا أنا بفتى حسن الوجه،طيب الرائحة، طائف حول البيت،فأحس قلبي به،فقمت نحوه.

قال لي:من أين الرجل؟

قلت:من أهل العراق.

قال لي:من أي العراق؟

قلت:من الأهواز-يومئذ كانت الأهواز تابعة للعراق-.

قال لي:تعرف بها ابن الخطيب؟

قلت:رحمه اللّه توفي.

فقال:رحمه اللّه.

فما كان أطول ليلته و أكثر تبتله و أغزر دمعته.

قال:تعرف عليّ بن إبراهيم المهزيار.

قلت:أنا عليّ بن إبراهيم.

قال:حياك اللّه أبا الحسن،ما فعلت بالعلامة التي بينك و بين أبي محمّد الحسن بن عليّ العسكري عليهما السّلام.

قلت:معي العلامة.

قال:أخرجها.

أدخلت يدي في جيبي أستخرجها(علامة من الإمام الحسن العسكري عليه السّلام لأنه كان معاصرا لذلك الزمان).

فلما رآها تغرغرت عيناه و بكى منتحبا حتى بلّ أطماره.

ثم قال:أذن لك الآن يابن مهزيار،صر إلى رحلك و كن على أهبة من أمرك حتّى إذا لبس الليل جلبابه و غمر الناس ظلامه سر إلى شعب بني عامر فانك ستلقاني هناك.و كان هذا الشاب المتحدث هو رسول للإمام المنتظر عليه السّلام و الشعب:يعني منطقة محاطة بثلاث أضلاع جبلية و الضلع الرابع منها مكشوف.

فصرت إلى منزلي،فلما أحسست بالوقت أصلحت رحلي و أقبلت مجّدا في السير حتى وردت الشعب فإذا أنا بالفتى قائم ينادي:

إليّ يا أبا الحسن،إليّ يا عليّ بن مهزيار تعال.

فما زلت نحوه فلما اقتربت بدأني بالسلام.

قال لي:سر بنا يا أخي،فما زال يحدثني و أحدثه حتى عبرنا جبال عرفات و سرنا إلى جبال منى و انفجر الصبح الأوّل يعني الفجر الأوّل،فلما ان كان هناك أمرني بالنزول.

قال لي:انزل صل صلاة الليل،و لما فرغنا من الصلاة و اتجهنا نحو الطائف.

قال:هل ترى شيئا؟

قلت:نعم أرى كثيب رمل عليه بيت شعر يتوقد البيت نورا فلما ان رأيته طابت نفسي.

فقال لي:هنئك الأمل و الرجاء.

ثم قال:سر بنا يا أخ،فسار و سرت بمسيره إلى أن انحدر من الذروة و سار في أسفل المنطقة،فقال:انزل فهنا يذل كل صعب و يخضع كل جبار،و سار و سرت معه إلى أن دنا من باب الخباء،فسبقني بالدخول و أمرني أن أقف حتّى يخرج إليّ.

ثم قال لي:أدخل هنأتك السلامة.

فدخلت فإذا به عليه السّلام جالس قد اتشح ببردة،و ائتزر بأخرى،و قد كسر بردته على عاتقه،فلما أن رأيته بادرته بالسلام فرد عليّ بأحسن ما سلمت عليه و شافهني و سألني عن أهل العراق،فقلت سيدي لقد بعد الوطن و طال المطلب.

فقال:يابن المهزيار،أبي محمّد عهد إليّ أن لا أجاور قوما غضب اللّه عليهم و لهم الخزي في الدنيا و الآخرة و أمرني أن لا أسكن من الجبال إلاّ و عرها و لا من البلاد إلاّ قفرها فأنا في التقية إلى يوم يؤذن لي فأخرج،فأقمت عنده أياما ثم أذن لي بالخروج فخرجت نحو منزلي.

هذه القصة هي نموذج من عشرات بل مئات من قصص اللقاء مع الإمام الحجة عليه السّلام.

و مع ذلك فان مسؤوليتنا هي الإعداد و الاستعداد لظهوره عليه السّلام.

في دعاء العهد الجديد هكذا نقرا:

«اللهم إني أجدد له في هذا اليوم و في كل يوم عهدا و عقدا و بيعة في رقبتي، اللهمّ كما شرفتني بهذا التشريف و فضلتني بهذه الفضيلة،أسألك أن تصلي على سيدي و مولاي صاحب الزمان و تجعلني من أنصاره و أشياعه و المستشهدين بين يديه».

ليلة عاشوراء:

هذه الليلة هي ليلة الوداع،ليلة عاشوراء.

الرواية التي يرويها الشيخ المفيد تقول:

خرج الحسين عليه السّلام منتصف هذه الليلة خارج الخيام يتفقد القلاع و الروابي أن

لا تكون مكنّا للأعداء،يقول نافع بن هلال:خرجت خلفه لئلا يكون أحد من الأعداء نصب كمينا للإمام،لما خرج و ابتعد عن الخيام التفت إليّ و أنا وراءه قال:

أنافع هذا؟

قلت:بلى سيدي فداك نافع،ما تصنع يا أبا عبد اللّه؟

قال عليه السّلام:خرجت أتفقد التلاع و الروابي أن لا تكون مكنّا للأعداء.

ثم أخذ بيدي و قال لي:

يا نافع ألا تسلك بين هذين الجبلين و تنجو بنفسك؟

وقعت على قدميه اقبّلهما و أقول سيدي أن فرسي بألف و سيفي بألف و اللّه لا تركتك حتّى يكلا عن فري و جري.

و في رواية ثانية يقول إمامنا زين العابدين عليه السّلام:في هذه الليلة كان أبي الحسين عليه السّلام بباب الخيمة محتبيا سيفه يقلب سيفه و هو يقول:

يا دهر اف لك من خليل كم لك بالإشراق و الأصيل

من صاحب و طالب قتيل و الدهر لا يقنع بالقليل

و كل حيّ سالك سبيلي و إنما الأمر إلى الجليل

يقول إمامنا زين العابدين عليه السّلام:عرفت أن أبي الحسين يودع هذه الليلة و ينعى نفسه سكت و أخذتني العبرة لكن عمتي زينب لما سمعت هذه الأبيات من الحسين و هي تعرف إنها أبيات نعي،لما سمعت عمتي و هي امرأة و من شأن النساء الرقّة بكت و أقبلت صارخة إلى الحسين:أبا عبد اللّه أراك تنعى نفسك أراك استسلمت للموت.

قال أخيّه زينب كيف لا يستسلم للموت من لا ناصر له و لا معين.

يقول نافع بن هلال كنت واقفا بجانب الخيمة أسمع هذا الحديث بين زينب و بين الحسين،تقول:أخي إذا كان يوم غد و صارت المعركة بينك و بين هؤلاء الأعداء هل استعلمت أصحابك إني أخشى أن يخذلوك عند الوثبة؟

فقال لها الحسين أخيّه زينب و اللّه لقد خبرتهم و بلوتهم فلم أجد فيهم إلاّ الأشوس الأقعس،يستأنسون بالمنية دوني ثم أقبل الحسين يوصيها و يطمئنها.

أخيّه زينب مات جدي و هو خير مني،مات أبي و هو خير مني،ماتت أمي و هي خير مني مات أخي و هو خير مني.

أخيه زينب إن أهل الأرض يموتون و أهل السماء لا يبقون.

يقول نافع لما سمعت هذا المشهد أقبلت إلى حبيب بن مظاهر و هو شيخ الأصحاب و الأنصار فقصصت له القصة،و نقلت له ما سمعت و قلت أن النساء الآن و زينب قلقة غير مطمئنة من نصرتنا.

قال حبيب:و اللّه لو لا انتظار أمرهم لعاجلتهم هذه الساعة بالسيف.

قلت له:إذن تعال فلنجمع الأنصار و نذهب إلى خيمة زينب حتّى تطمئن من وجودنا الليلة.

يقول:خرجنا في تلك الليلة.

حبيب نادى:يا أصحاب الحميّة و يا ليوث الكريهة و يا أبطال الهيجاء فتدفق القوم و الأصحاب من خيامهم و خرج بنو هاشم من خيامهم يتقدمهم قمر بني هاشم.

قالوا:ما الخبر يا حبيب.

قلت لهم:أما أنتم يا بني هاشم ارجعوا لا سهرت لكم عين،ارجعوا يا بني هاشم،و بقى الأصحاب،حبيب بن مظاهر شرح لهم ما سمع،و دعاهم للمجيء إلى خيمة العقلية زينب،اقبلوا جميعا وقفوا بباب الخيمة.

نادى حبيب:السلام عليكم يا أهل بيت النبوة هذه سيوف غلمانكم أبوا أن يغمدوها إلاّ في صدور من يريد السوء فيكم.

إِنّا لِلّهِ وَ إِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ .

و الحمد للّه رب العالمين


(/10محرم الحرام1426/ ه) - المحاضرة العاشرة موقع المرأة في عصر الظهور

اشارة

تقرأ في هذه المحاضرة الإجابة على الأسئلة التالية:

91-ما هي الواجبات الثلاثة في زمن الغيبة؟

92-لماذا لا يستجاب الدعاء؟

93-ما هو موقع المرأة في النظرية الإسلامية؟

94-كيف نفسر التمايز التشريعي بين الرجل و المرأة؟

95-رواية انتقاص المرأة كيف نفسرها؟

96-ما هو دور المرأة في حركة الإمام الحسين عليه السّلام؟

97-ما هو موقع المرأة في حركة إمام العصر عليه السّلام؟

98-كيف نفسّر علامة(ظهور الشمس من المغرب)؟

99-ما هي نداءات الإمام عليه السّلام عند الظهور؟

100-لماذا سقط الجهاد المسلّح عن المرأة في الإسلام؟

بسم اللّه الرحمن الرحيم

حديثنا هذه الليلة هو استمرار و إدامة لأحاديث سبقت عن نقاط الاشتراك و التمايز بين ثورة الإمام الحسين عليه السّلام و ثورة الإمام المهدي عليه السّلام.

لقد ذكرنا مجموعة مشتركات و مجموعة نقاط و تمايز بين الحركة الإصلاحية للحسين عليه السّلام و الحركة الإصلاحية لإمام الزمان عليه السّلام.

إن واحدة من نقاط الاشتراك و هو ما نريد أن نتناوله اليوم بشكل موجز هو موقع المرأة في الثورتين و في الحركتين،موقع المرأة في حركة الحسين الإصلاحية،و موقع المرأة في حركة صاحب الزمان الإصلاحية.

هل كانت المرأة لها موقع هناك في كربلاء و هنا في يوم الظهور؟هذا ما سوف نتناوله اليوم.

التكليف في زمن الغيبة:

في بداية الحديث رأينا الإمام الصادق عليه السّلام يشخص لنا ما هو التكليف في هذا الزمن و هو زمن الغيبة.

يقول عليه السّلام:«من سرّه أن يكون من أصحاب القائم،فلينتظر،و ليعمل بالورع،و محاسن الأخلاق فان مات و قام القائم بعده كان له من الأجر مثل أجر من أدركه فجدوا و اجتهدوا هنيئا لكم أيتها العصابة المرحومة». (1)

فلينتظر و يكون ثابتا على هذا المعتقد،و يكون غير آيس من ظهوره عليه السّلام و هذا هو معنى الانتظار حيث ورد في الروايات عن النبي صلى اللّه عليه و آله:«أفضل أعمال أمتي انتظار الفرج». (2)هذا هو العمل الأوّل.


1) البحار 51:141

2) البحار 52:159،فضل الانتظار.

أمّا العمل الثاني العمل بالورع و التقوى و الابتعاد عن المعاصي،و هذا تكليفنا في زمن الغيبة.

و العمل الثالث أن يكون حسن الأخلاق و التعامل مع الناس و مع الأهل و مع الدائرة و مع المراجعين و مع الأستاذ و مع الطلبة.

لاحظوا هذه أمور ميسورة لكل واحد عليه أن ينتظر و يعمل بالورع و يعمل بمحاسن الأخلاق.

رواية أخرى عن الإمام الصادق عليه السّلام يقول: (1):«يا فضيل اعرف إمامك فانك إذا عرفت إمامك لن يضرك تقدّم هذا الأمر أو تأخر و من عرف إمامه ثم مات قبل أن يقوم صاحب هذا الأمر كان بمنزلة من كان قاعدا في عسكره»،كما لو كنت جنديا معه إذا كنت عارفا بالإمامة معتقدا به منتظرا لأمره و مؤديا للتكليف الذي عليك و هو الانتظار،الورع،محاسن الأخلاق.

ثم يقول عليه السّلام:«لا بل بمنزلة من كان قاعدا تحت لوائه».

لماذا لا يستجاب الدعاء بالفرج:

إن إحدى المستحبّات في زمن الغيبة الدعاء بالفرج و هذا هو الدعاء المعروف: (2)«اللّهم كن لوليك الحجة بن الحسن،صلواتك عليه و على آبائه، في هذه الساعة و في كل ساعة،وليا،و حافظا،و قائدا،و ناصرا،و دليلا،و عينا، حتى تسكنه أرضك طوعا و تمتّعه فيها طويلا».

لكن قد تقولون انه طالما ندعو فلا يستجاب فما هو السبب؟

هنا الإمام الصادق عليه السّلام أو الباقر عليه السّلام و الرواية هي مردّدة بين الإمامين تقول(عن أحدهما)الرواية يرويها الشيخ الكليني في الكافي عن محمّد بن


1) نفس المصدر.

2) البحار 52:142.

مسلم عن أحدهما،الشيخ الكليني هذا من عظماء فقهاء الشيعة مؤلف كتاب الكافي و هو كتاب جليل الشأن يروي هذه الرواية عن محمّد بن مسلم (1)و هو من تلاميذ الإمام الصادق عليه السّلام من الدرجة الأولى الذي روى عن الإمام الصادق عليه السّلام ثلاثين ألف رواية يروي عن أحدهما إما الباقر أو الصادق عليه السّلام هكذا يقول في الجواب عن السؤال إنه لماذا ندعو و لا يستجاب لنا؟

الإمام الصادق عليه السّلام يقول: (2)

كان في بني إسرائيل شخص يدعو فلا يستجاب له و يدعو و يدعو فلا يستجاب له جاء إلى عيسى عليه السّلام،قال يا عيسى أنا أدعو فلا يستجاب دعائي، أرجوك اسأل اللّه تبارك و تعالى أن يكشف لي أين العقدة التي عندي؟ما هي مشكلتي؟و هذا سؤال مهم بالنسبة لنا جميعا.

عيسى عليه السّلام سأل اللّه تعالى،قال إلهي عبدك فلان يدعو فلا تجيبه لماذا؟

أوحى اللّه تعالى إليه،إنه يدعوني و في قلبه شك فيك،و إنه يأتيني من غير الباب الذي أمرته بها،يعني ادخلوا إلى اللّه تعالى من طريق الأنبياء تريدون عبادة اللّه يجب أن يكون عن طريق النبوات و ليس عن طريق الابتداع و البدعة.

جاء عيسى و قال له يا هذا،اللّه تعالى كشف لي الحقيقة و بيّن لي أن في قلبك شك مني.

قال:يا عيسى هكذا كان لكن أنا أتوب و أنا اعتذر،فتاب و قبلت توبته و دعا فاستجيب له.

المطلوب إذن أوّلا دعاء مع يقين.

و ثانيا الورود من نفس الباب الذي أمر اللّه تعالى أن ندخل منه.4.


1) انظر في ترجمة محمد بن مسلم/جامع الرواة،للأردبيلي؛و رجال الحديث/للسيد الخوئي.

2) بحار الأنوار 52:554.

وَ أْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها أما أن تدخل من الشباك فلا تلوم أحدا إذا جرحت أو لم تصل سالما.

قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله:

«أنا مدينة العلم و علي بابها فمن أراد المدينة فليأتها من بابها»فإذا أراد أحد أن يأتي مدينة الرسول من باب أبي هريرة فلن يصل.

على كل حال الدعاء بالفرج مستحب و لكن مع الثقة و مع اليقين و بشرط أن ندخل البيوت من أبوابها.

موقع المرأة:

نحن قلنا أن حديثنا اليوم هو عقد مقارنة بين حركة الحسين عليه السّلام و حركة الإمام المهدي في موقع المرأة في الحركتين.

المرأة لها موقع في حركة الإمام الحسين عليه السّلام فهل لها مثل ذاك الموقع في حركة الإمام صاحب الزمان أو ليس لها مثل ذاك الموقع؟

ثم هذا الأمر ينفتح لنا منه باب واسع و هو اعتقادنا بموقع المرأة في الإسلام.

اليوم في العالم يدور الحديث عن حقوق المرأة،و حرية المرأة، و مشاركة المرأة،الإسلام ماذا يعتقد في حرية المرأة،و حق المرأة؟و هذا الأمر هو محل حديث و بحث ساخن في أيامنا هذه.

في أيامنا هذه توجد امرأة في أمريكا أصبحت مثارا للحديث في الصحف و الأقلام و كتابات المفكرين و حتى وصلت إلى شيخ الأزهر،هذه المرأة اسمها(أمينه ودود)و هي مسلمة أمريكية طرحت موضوع إمامة المرأة للرجال في الصلاة،قالت مثلما أنتم الرجال تكونون إمام جماعة و نحن نصلي وراءكم،فأنا أمينه ودود أريد أن أكون إمام جماعة،نقلت بعض الصحافة أنها

بدأت تفعل هذا الأمر وصلت صلاة الجماعة تريد أن تكون إمام جماعة في المسجد و يصلي وراءها الرجال هذا الموضوع أصبح ساخنا جدا في الأعلام و في الصحافة حتى تناوله شيخ الأزهر و أعطى فيه الفتوى الفقهية.

أنا الآن لست بصدد تناول هذا الموضوع لكن أريد أن اذكر موضوعات ساخنة،إنه حينما نتحدث عن حقوق المرأة و موقعها فإنّ له مستويات معينة،و حتى يصل إلى مستوى إمامة المرأة للرجل في الصلاة و أن هذا هل هو في الحقيقة علامة من علامات المساواة أو لا فهو شيء آخر؟

في الحقيقة هو تجاوز للواقعيات،و تجاوز للامتيازات التكوينية بين الرجل و المرأة،هذا هو ما نريد أن نبحثه موجزا.

النظرية الإسلامية في المرأة:

ننفتح للحديث عما هي النظرية الإسلامية في المرأة و يمكن تلخيصها بما يلي:

أوّلا:الأصالة الإنسانية.

ثانيا:المساواة الحقوقية.

ثالثا:التمايزات الوظيفية.

هذه الأمور الثلاثة هي خلاصة ما يعتقد به الإسلام في المرأة و الآن حينما نطرح هذا الأمر بشكل معاصر نجد أن الادعاءات الغربية تجاه حقوق المرأة و اتهام الإسلام بأنه لا يراعي المرأة نجدها ادعاءات كاذبة.

الأصالة الإنسانية:

حيث إن الإسلام يعتقد أن الأصالة ليست لعنصر الذكورة و لا لعنصر الأنوثة و إنما الأصالة للإنسان،و الإنسان موجود في الرجل كما هو موجود في

المرأة هذا نسميه الأصالة الإنسانية إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ أَتْقاكُمْ (1)رجالا أو نساءا لا يوجد فرق.

التساوي في الحقوق:

اَلْمُؤْمِنُونَ وَ الْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ (2)هذه الآية ختمت كل حديث عن المرأة.

كما المؤمن ولي على المؤمنة كذلك المؤمنة ولية على المؤمن فالمرأة لها موقع الولاية و الريادة في بناء المجتمع،هذا هو ما نسمّيه بالمشاركة السياسية أو المشاركة الاجتماعية و هكذا يقول القرآن الكريم: وَ لَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ (3)هذا على مستوى العلاقات الأسريّة،رغم أن الإسلام قد أعطى القيمومة للرجل و قال: اَلرِّجالُ قَوّامُونَ عَلَى النِّساءِ (4)و قال: وَ لِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ (5)إلاّ أن ذلك لا يصطدم مع حقيقة المساواة الحقوقية وَ لَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ .

التمايز الوظيفي:

في الوقت الذي نعتقد بالأصالة الإنسانية و في الوقت الذي نعتقد بالمساواة الحقوقية لكن إلى جانب ذلك هناك تمايز وظيفي ناشئ من التمايز التكويني بين الرجل و المرأة.

هذا التمايز الوظيفي هو الذي يجعل المرأة اليوم في العالم المعاصر لا


1) الحجرات:13.

2) التوبة:13.

3) البقرة:228.

4) النساء:34.

5) البقرة:228.

تتحمّل أعمال و وظائف شاقّة و لا قتالا عسكريا و لا أعمالا سياسية مرهقة، المرأة الآن هي بهذا الشكل.

الإسلام يعتقد إن هناك تمايز وظيفي يجعل المرأة تمارس مهامها تتناسب مع طبيعتها الفسيولوجية و السيكولوجية التي تختلف عن المهام التي يندفع لها الرجل.

إن هناك امتيازات تكوينية بين الرجل و المرأة هذه الامتيازات التكوينية سوف ينشأ عنها تمايز تشريعي و وظيفي يذكره القرآن في الميراث مثلا:

لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ (1)أو في القضاء حيث أن شهادتها دون شهادة الرجل، فَرَجُلٌ وَ امْرَأَتانِ (2)هذا هو ما نسميه تمايز تشريعي ناشئ من تمايزات تكوينية،دون أن يعني ذلك أن الرجل له كرامة على المرأة فلا نتخلى عن قوله تعالى: اَلْمُؤْمِنُونَ وَ الْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ و لا نبتعد عن قوله تعالى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ أَتْقاكُمْ كلا...هذا تمايز وظيفي تمارسه كل القوانين العالمية اليوم بشكل و آخر.

نفس هذا الواقع نجده في العلاقة بين الابن و الأبوين،فالابن مسؤول عن البر بالوالدين و لكن ذلك لا يعني أن الأب عند اللّه أفضل من الابن،بل الابن عند اللّه تعالى قد يكون أفضل من الأب فقد يكون الابن مجتهدا فقيها و الأب من عامة الناس.

مثلا كما يذكرون في قصة العلامة الحلي المدفون في رواق الحضرة العلوية عند الباب الذهبية الأولى.

هذا العلامة الحلي الذي عاش في القرن السابع الهجري كان معروفا بنبوغه و المعروف أن عمره كان ثلاث عشرة سنة و بلغ مرتبة الاجتهاد الفقهي حيث تذكر بعض الروايات التاريخية أن والده أراد أن يؤدّبه مرة أو يضربه فانهزم منه العلامة الحلي و تبعه الأب و لكن العلامة الحلي قرأ أية السجدة من2.


1) النساء:11.

2) البقرة:282.

القرآن الكريم و هو غير مكلّف فلا يجب عليه السجود،لكن أباه يجب عليه أن يسجد و عندما يسجد الأب يكون العلامة الحلي قد هرب.

هذا كمثال ذكرته في الحقيقة للإشارة إلى أن الابن قد يكون أفضل من الأب، لكن مع ذلك فإن الابن يجب أن يطيع الأب و يكون بارا به و هذا لا يدل على الأفضلية،بل هذه قضية أخرى،نسميها التمايز الوظيفي و التمايز التشريعي على أساس الاستحقاقات التكوينية،هذا ليس تمايزا في الكرامة الإنسانية،و لا تمايزا في الجنبة الحقوقية،حيث يقول تعالى: اَلْمُؤْمِنُونَ وَ الْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ (1)و يقول:

وَ عاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ (2)لكن إلى جانب ذلك يوجد تمايز وظيفي كما هو اليوم موجود في كل العالم لكن العالم الغربي يحاول خداع الناس في مسألة الدفاع عن حقوق المرأة حتى وصلنا إلى ما ذكرنا لكم في قصة أمينه ودود و مطالبتها بان تكون المرأة إمامة جماعة للرجال،و بالفعل فقد قامت بإمامة حوالي مائة من الرجال و النساء في أحد الكنائس في نيويورك و في ظل حماية أمنية مشددة برعاية الولايات المتحدة الأمريكية!

التشريع الإسلامي يقول إن المرأة لا تكون إماما للرجل في صلاة الجماعة،ليس على أساس أن الرجل أفضل بل على أساس أن خصائص المرأة لا تسمح لها أن تكون في موقع الإمامة في الصلاة لطبيعة البناء النفسي و البدني للمرأة و البناء النفسي و البدني للرجل،كما أن المرأة لا يمكن أن تكون حدّادا مثلا أو عاملة في المناجم الشاقة تحت الأرض أو مقاتلة في الخطوط الأمامية،و هكذا الحال في الشهادة عند القضاء حيث إن شهادتها بنصف شهادة الرجل فان هذا الحكم خاضع للتمايز التكويني بينها و بين الرجل من حيث قدراتها العاطفية.9.


1) التوبة:71.

2) النساء:19.

الإنسان المعاصر مرغم على قبول هذا التمايز التكويني مهما ادعى و حاول أن يكابر أو أن يخادع لكن التمايز التكويني و الوظيفي يبقى موجودا و الفقه الإسلامي يبقى فقها أصيلا مبنيّا على أساس التمايز التكويني الذي سوف ينتج منه تمايز وظيفي و تشريعي.

أما الأصالة الإنسانية فأنها تبقى واحدة و تبقى المساواة الحقوقية و السياسية واحدة.

إشكالات على النظرية الإسلامية:

حينئذ سوف نواجه إشكالين:

الإشكال الأوّل:كيف نفسّر اختلاف أحكام التشريع الإسلامي بين الرجل و المرأة،مثلا في الميراث نجد أن نصيب الرجل ضعف نصيب المرأة، و في الحياة الزوجية نجد أن الرجل هو القيّم على المرأة اَلرِّجالُ قَوّامُونَ عَلَى النِّساءِ (1)كيف نفسّر ذلك؟

الجواب:إن هذا في الحقيقة انطلاق من التمايز التكويني بينهما و التمايز الوظيفي،فطالما كان الرجل معيلا بالمرأة وفقا للبناء الإسلامي للمجتمع وَ بِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ (2)إذن من الطبيعي أن يكون حقه المالي أكثر من حقها.

يجب أن ندرس هذه المسألة من مجموع زواياها،و يجب أن ندرسها وفقا لكامل النظرية الإسلامية التي تقول إن الرجل هو الذي يعيل بالمرأة و ليست المرأة هي التي تعيل بالرجل،طبعا في التشريع الغربي و الحياة الغربية لا توجد مثل هذه المسؤولية و لا مثل هذه العلاقة،في حال من هذا القبيل لا


1) النساء:34.

2) نفس المصدر.

معنى لان يكون لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ (1)لكن في التشريع الإسلامي عندما نأخذه ككل حيث إن الرجل هو المعيل للمرأة و هو الكفيل بها،في ضوء هذا التشريع فان من الطبيعي أن يكون لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ لأن المسؤولية المالية وضعها الإسلام في عاتق الرجل و بالتالي فان من الطبيعي أن يكون نصيب الرجل في الميراث أكثر من المرأة.

الإشكال الثاني:كيف نفسر روايات انتقاص المرأة حيث توجد لدينا روايات تقول«المرأة كلها شر»،«النساء ناقصات العقول،ناقصات الإيمان،ناقصات الحظوظ».

هذه الروايات موجودة في تراثنا الروائي،إذن كيف نفسّر ذلك؟

الجواب:نحن نأخذ أصل النظرية من القران الكريم و من السنّة الثابتة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و أهل بيته الأطهار عليهم السّلام.

و قد أشرنا ان النظرية تتألف من ثلاثة أركان:

الأصالة الإنسانية،و المساواة الحقوقية،و التمايز الوظيفي هذه هي النظرية،و حينئذ فان كل ما يصطدم مع هذه النظرية يجب أن نبحث له عن تفسير معقول أو نرد علمه و تفسيره إلى أهله عليهم السّلام و نقول إن علمه عند أهله أو نقول هي بالأصل روايات غير ثابتة سنديّا حيث لا نملك أي أرقام تدل على أن هذه الروايات صادرة عن الإمام المعصوم عليه السّلام.

إن الكثير من الروايات موجودة في كتب الحديث لكن الفقهاء لا يقبلون إلاّ الروايات الصحيحة و الموثوقة منها،و يتركون ما عداها خاصة إذا كان معارضا للقران الكريم.

إن أصل النظرية في شان المرأة نأخذها من القران الكريم و هي تعتمد على الأصالة الإنسانية للمرأة كما هي للرجل.1.


1) النساء:11.

لا يتصور شخص منا إن الرجل أفضل من المرأة لا في الدنيا و لا في يوم القيامة،هذا التصور يصطدم مع الحقيقة القرآنية القائلة: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ أَتْقاكُمْ لا يتصور أحد أن الرجل في الدنيا له دور في بناء المجتمع أكبر من دور المرأة،بينما القران الكريم صريح في المساواة حيث يقول:

وَ الْمُؤْمِنُونَ وَ الْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ يُطِيعُونَ اللّهَ وَ رَسُولَهُ أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ . (1)

الرجل و المرأة يأمرون بالمعروف،و يؤتون الزكاة؛الرجل كان يأتي و يبايع رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله في بداية الإسلام،و المرأة كانت تأتي رسول اللّه و تبايع في بداية الإسلام،لكن الفرق و هذا نتيجة التمايز الوظيفي و التمايز التكويني إن الرجل كان يأتي و يمد يده و رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله يضع يده فوق يد ذلك الرجل،حيث قال القران الكريم: يَدُ اللّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ (2)أمّا بالنسبة للمرأة فقد قدم التشريع الإسلامي طريقة أخرى للمشاركة السياسية حيث وضعوا طشتا من ماء و كان رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله يضع يده في ذلك الطشت و المرأة تأتي و تضع يدها في ذلك الطشت،يعني صارت عملية تلاق ميداني بين الرجل و المرأة.

هذا هو الجواب عن الإشكال الثاني في تفسير مجموعة من الروايات التي تشين بموقع المرأة و تعتبرها ناقصة أو إنها شر،و هذه الروايات كما قلنا تتعارض مع النظرية القرآنية و السنّة الثابتة و حينئذ إذا أردنا أن نقبلها فيجب أن نقبلها على أساس تأويل أو نقول إنها غير صحيحة أو نقول نرد علمها إلى أهلها حيث نحن لا نعلم ما هو المقصود.

هذا الموقف هو نفسه الذي نتعامل به مع نصوص قرآنية تقول مثلا:0.


1) التوبة:71.

2) الفتح:10.

وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ (1)فهل يوجد أحد ينظر إلى وجه اللّه تبارك و تعالى؟

الجواب:لا،و لذا فان المفسرين يبحثون عن تأويل لهذه الآية.كذلك في نصوص أخرى قد يبدو أنها تصطدم مع معتقداتنا القرآنية الثابتة فان كل نص يتعارضن مع تلك الثوابت يجب أن نبحث له عن تأويل و تنتهي المشكلة.

المرأة في حركة الحسين عليه السّلام:

و لنعد إلى معرفة دور المرأة في حركة الحسين عليه السّلام.

المرأة شاركت في الحركة الحسينية،و أترك هذا الأمر إلى معلوماتكم التاريخية،شاركت سواءا في صنع الثورة كما شاركت في صيانة الثورة.

مشاركة المرأة في صنع الثورة:

تذكرون هنا امرأة زهير بن القين (2)و هو رجل جليل الشأن،عظيم القدر،و شيخ عشيرة،حينما امتنع من الاستجابة للحسين حينما دعاه،أقبلت إليه زوجته و قالت:

«يا زهير ابن بنت رسول اللّه يدعوك ثم لا تجيبه!ما ضرّك أن تذهب و تسمع ما يقول ثم ترجع».

هذه الكلمة كانت نقطة تحول عظيم عند زهير بن القين فبدلا من أن يكون من المتخلفين عن نصرة الحسين و إذا به يصبح من أنصار الحسين و من الدرجة الأولى و هذا تحول عظيم.

هذا نموذج في الحقيقة يذكره التاريخ عن دور المرأة في صنع الثورة الحسينيّة.

مشاركة المرأة في صيانة الثورة:

أنتم تعرفون إن أهل الشام استقبلوا السبايا بالطبول و الدفوف و لكن دور العقلية


1) القيامة:23.

2) انظر القصة في مقتل الحسين/المقرّم؛و نفس المهموم/القمي.

زينب سرعان ما أحدث ثورة و انقلابا في الشام،حتّى اضطر يزيد بن معاوية إلى أن يعقد مأتما حسينيا في قصره لمدة أسبوع،و هذا من الغرائب في التاريخ لكن هو حقيقة إنه في قصر يزيد الذي لم يمض على قتله للحسين إلاّ عشرون يوما عقد مجلسا حسينيا لمدة سبعة أيام في داخل القصر،و بعد أن كان رأس الحسين عليه السّلام معلّقا قبل أيام على باب القصر الآن أصبح قصر يزيد بن معاوية موشّحا بالسواد و يزيد يقول:لعن اللّه ابن مرجانه فقد عجّل بقتل الحسين عليه السّلام. (1)

هذا هو دور العقيلة زينب عليها السّلام في صيانة الثورة حتى لا تصادر و تشوّه و لا يقال هؤلاء خوارج اقتلوهم لأنهم خرجوا على إمام زمانهم.

دور المرأة في الحركة الحسينية:

نستطيع أن نقول أن المرأة كان دورها في حركة الحسين عليه السّلام متمثلا في ثلاثة أدوار:

الدور الأوّل:هو الدور التحريضي.

الدور الثاني:هو الدور الدفاعي.

الدور الثالث:هو الدور الإعلامي.

أمّا الدور التحريضي كما شرحت لكم في امرأة زهير بن القين.

أمّا الدور الدفاعي كما في زينب عليه السّلام لما منعت القتل عن زين العابدين عليه السّلام،فقد دافعت عن زين العابدين في مجلس يزيد و ابن زياد و في عرصات كربلاء دافعت عنه أن لا يقتل.

أمّا الدور الإعلامي حينما رجعوا إلى المدينة المنورة و أصبح المأتم معقودا لمدة سنة،كان هنا دور أم البنين و أمثال أم البنين و كانت تلهب أجواء المدينة حزنا و حماسا لمقتل الحسين عليه السّلام و تثير ظلامة الحسين عليه أفضل


1) انظر نفس المهموم/القمي.

الصلاة و السلام.حتى كان مثل مروان بن الحكم الحاقد على أهل البيت عليهم السّلام حينما يمر على أم البنين و قد صنعت قبورا أربعة تبكي عندهم لمدة سنة،كان مروان إذا مر بها يبكي،و هذا دور إعلامي عظيم،قامت به المرأة في صيانة الثورة الحسينية هذا هو دور المرأة.

طبعا لا يوجد دور عسكري للمرأة في الثورة الحسينية،و هذه قضية يجب أن نفرغ منها،أن الدور العسكري ساقط عن المرأة لقد قال الحسين عليه السّلام:

«كتب القتل و القتال علينا و على المحصنات جرّ الذيول»الذيول المقصود به في اللغة العربية أطراف الرداء يعني على المرأة أن تكون محجّبة و تجر حجابها و لا تشارك في ميدان القتال.

الدور العسكري ساقط عن المرأة إسلاميا،كما هو ساقط حضاريا، يعني اليوم مهما ينادي العلم بحقوق المرأة و مساواة المرأة للرجل و لكن المرأة لا تقوم بدور عسكري في كل العالم و على طول التاريخ،أنتم لا تجدون في قيادة القوات المسلحة أو في عمليات الهجوم و الصاعقة و ما شاكل ذلك لا تجد أن المرأة هي التي تتصدى لذلك هذه القضية هي قضية تكوينية،مهما قال و تحدث العلم و القانون عن حقوق المرأة لكن في الحقيقة هذا ظلم للمرأة أن تشارك أو تدفع للعمل في خارج استحقاقاتها التكوينية.

على طول التاريخ أنتم لا تجدون إلا في حالات نادرة إن المرأة كانت تقود جيشا.

أين نجد في التاريخ المعاصر و القديم امرأة قائدة للقوات المسلحة؟

هل وجدنا ذلك في الحرب العالمية الأولى أو الثانية أو في حروب فيتنام أو في تحرير ايرلندا أو في تحرير الصين على يد ما و تسيتونغ مثلا!؟

نحن ندرك أن هناك امتيازا تكوينيا بين الرجل و المرأة لا يسمح للمرأة أن تكون عاملة في المناجم تحت الأرض لأن فيها مخاطر و صعوبات بدنية

و إرهاقا جسميا،هذا العالم الغربي الذي يدعو للمساواة بين المرأة و الرجل لكن لا يبعثها إلى المناجم تحت الأرض،و لا نجد أن المرأة في العالم سواءا في الغرب أو الشرق و في أكثر الأمم تمدنا لا تعمل المرأة عاملة بناء،مهما يريد الإنسان أن يدعو للمساواة بين المرأة و الرجل لكن لا أحد يرضى لها أن تكون عاملة بناء أو ما شاكل ذلك من الأعمال الشاقّة،لا في الشرق و لا في الغرب و لا في أمريكا و لا بريطانيا،لماذا؟

ليس على أساس أنها لا تملك الحق في ذلك،و إنما على أساس أن من حقها أن تمارس أعمالا تتناسب مع كيانها الفسيولوجي و السيكولوجي يعني التكوين النفسي و التركيب البدني الذي لا يسمح لها أن تعمل في المناجم و الحروب.

نحن لماذا نغالط و نكابر على الحقيقة؟

هذا العالم و السياسة العالمية كلها،خذوا مثلا رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية،ارجعوا من الرئيس الفعلي و هو بوش إلى من قبله لا تجدون رئيسة للجمهورية في الولايات المتحدة الأمريكية!هل هذا هو تجاوز لحقوق المرأة؟نحن نقول إنه ليس تجاوزا و إنما هي امتيازات تكوينية،هذا ليس بخسا لحقها،بل هو اعتراف بحقها البدني و حقها النفسي الذي لا يساعدها على تحمل هذه الأعباء الشاقة.

في الثورة الحسينية أيضا لم يكن للمرأة دور عسكري،كان لها دور كما قلنا تحريضي و دفاعي و إعلامي،كان لها دور في فعل الثورة و دور في صيانة الثورة و دور في ديمومة الثورة.

بعض النساء نتيجة الاندفاع الكبير لنصرة الحسين عليه السّلام كما تعرفون في يوم عاشوراء أخذت عمودا من الخيمة و نزلت لكي تقاتل.

لكن الإمام الحسين عليه السّلام أقبل عليها و سحبها من المعركة و قال:«أمة اللّه كتب القتل و القتال علينا و على المحصنات جرّ الذيول»،يعني ليس للمرأة دور عسكري.

المرأة في حركة إمام العصر عليه السّلام:

ننتقل إلى حركة الإمام صاحب العصر و الزمان عليه السّلام،حيث تتحدث الروايات عن أنصار صاحب العصر و الزمان و هم ثلاثمائة و ثلاثة عشر،هنا أين موقع المرأة؟

سنجد في الروايات و أنا اقرأ لكم هذه الرواية عن الإمام الباقر عليه السّلام يقول: (1)«و يجيء و اللّه ثلاثمائة و بضعة عشر رجلا فيهم خمسون امرأة يجتمعون بمكّة على غير ميعاد قزعا كقزع الخريف».يعني مثل الغمامة و السحب تركض حتى يجتمعون في مكّة المكرمة لا حظوا إذن ههنا خمسون امرأة من العناصر القيادية في حركة الإمام المهدي عليه السّلام.

في رواية أخرى أن المستوى العلمي عند ظهوره يرتقي و يصعد حتى تكون المرأة قادرة على ممارسة القضاء الشرعي على كتاب اللّه يعني تكون هناك نساء مجتهدات قضاة.

عن الإمام الباقر عليه السّلام:«و تؤتون الحكمة في زمانه حتّى ان المرأة لتقضي في بيتها بكتاب اللّه تعالى و سنة رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله». (2)

معنى هذا أن هناك دور للمرأة ترمز له الروايات الشريفة في حركة إمام العصر عليه السّلام.

بل أكثر من ذلك نجد الإمام الصادق عليه السّلام في رواية أخرى يقول:

«يكون مع القائم ثلاث عشر امرأة يداوين الجرحى و يقمن على المريض». (3)

خروج الشمس من المغرب:

هناك بحث أضع عنوانه فقط و نؤجله لوقت آخر في علامات الظهور.


1) البحار 52:223.

2) بحار الأنوار 52:352.

3) يوم الخلاص:266.

إن من جملة علامات الظهور أن تشرق الشمس من مغربها، (1)هذا الأمر كيف نفسّره و نفهمه؟

هل هناك تحول فلكي (2)

عن المفضل بن عمر قال:قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام ما علامة القائم؟قال:«إذا استدار الفلك،فقيل مات أو هلك في أي واد سلك».

البحار 51:21/148.

في العالم؟أم أن هذه الروايات ليست ثابتة؟ أم أن لها تفسيرا آخر؟

الجواب:إن مجموع الموروث الروائي عن قيام صاحب العصر و الزمان لا يشهد أن هناك تحولا فلكيا، (3)

روى أبو بصير،عن أبي جعفر عليه السّلام في حديث طويل أنه قال:«و لا يترك بدعة إلا أزالها،و لا سنة إلا أقامها،و يفتتح قسطنطينية و الصين و جبال الديلم،فيمكث على ذلك سبع سنين مقدار كل سنة عشر سنين من سنيكم هذه،ثم يفعل اللّه ما يشاء».قال:قلت له:جعلت فداك فكيف تطول السنون؟قال:«يأمر اللّه تعالى الفلك باللبوث،و قلة الحركة فتطول الأيام لذلك و السنون»قال:قلت له:إنهم يقولون:إن الفلك إذا تغير فسد،قال:«ذلك قول الزنادقة فأما المسلمون فلا سبيل لهم إلى ذلك،و قد شق اللّه القمر لنبيه صلى اللّه عليه و آله ورد الشمس من قبله ليوشع بن نون،و أخبر بطول يوم القيامة، كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ » .

بل يبدو أن المسار الفلكي يومئذ هو نفس المسار الذي نعيشه اليوم،يعني لا تتغير السماء و لا تتغير الأرض و لا تتغير النجوم بل يبقى النمط الكوني و سياق الحياة هو نفس هذا السياق ليس نمطا آخر.

إن خروج الشمس من مغربها إذا كان يعني حدوث تحول فلكي فهل هو ممكن علميا أو غير ممكن؟قد يقول العلم إن هذا غير ممكن،بعض الروايات تقول أن الناس يستغنون بنور الإمام عن نور الشمس،فهل يعني ذلك أن يكون وجه الإمام .


1) البحار 52:289.

2) تذكر بعض الروايات استدارة الفلك:

3) رغم ان بعض الروايات تؤكد حدوث تحول فلكي انظر البحار 52:84/339:

صاحب الزمان عليه السّلام هو بمثابة الشمس و يعطي من الطاقة الضوئية و الإشعاع ما يكفي لكل البشرية حتى النباتات تأخذ من نور وجهه؟

هذا الأمر هل هو بهذا المعنى الحرفي للنص؟أم له دلالة أخرى؟المؤمنون لهم نور أيضا،لكن هل معناه انه توهج حراري مثل الطاقة الشمسية،الطاقة الشمسية هي نار ينبعث منها النور،و هذا الأمر لا يمكن قبوله لصاحب العصر و الزمان عليه السّلام بل لا بدّ أن نقدّم تفسيرا معقولا على تقدير ثبوت هذه الروايات.

قد نميل إلى القول ان هذه العبارة هي كناية عن طول فترة الغيبة بحيث تحدث تحولات كبيرة في عالم الدنيا و هذا هو الذي يعبّر عنه بظهور الشمس من المغرب.أو كناية عن افول شمس الحقيقة و العلم في بلاد المشرق و ظهورها في بلاد المغرب،و اللّه العالم.

نداءات الإمام عليه السّلام:

تذكر بعض الروايات ان الإمام إذا خرج عليه السّلام (1)كان له خمسة نداءات عند البيت الحرام:

ألا يا أهل العالم أنا الإمام القائم.

ألا يا أهل العالم أنا الصمصام (2)المنتقم.

ألا يا أهل العالم إن جدي الحسين قتلوه عطشانا.

ألا يا أهل العالم إن جدي الحسين طرحوه عريانا.

ألا يا أهل العالم إن جدي الحسين سحقوه عدوانا.

إِنّا لِلّهِ وَ إِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ .

و الحمد للّه رب العالمين


1) إلزام الناصب 2:282.

2) الصمصام:يعني السيف.

مصادر التحقيق

القرآن الكريم.

الأخبار الطوال:أبو حنيفة الدينوري/ت عبد المنعم عامر/دار إحياء الكتب.

الاختصاص:الشيخ المفيد/ت علي أكبر غفاري/جماعة المدرسين/قم.

اختيار معرفة الرجال:الشيخ الطوسي/ت مير داماد/مؤسسة آل البيت عليهم السّلام.

إقبال الأعمال:السيد علي بن طاووس/ت جواد القيومي/مكتب الإعلام الإسلامي.

إلزام الناصب:الشيخ علي اليزدي الحائري/الناشر حق مبين.

أمالي الصدوق:الشيخ الصدوق/ت قسم الدراسات الإسلامية/مؤسسة البعثة/قم.

الإمامة و التبصرة:ابن بابويه القمي/ت مدرسة الإمام المهدي عليه السّلام/قم.

الإمام المهدي المنتظر:السيد عدنان البكاء/الناشر الغدير/بيروت.

الإمام المهدي من المهد إلى الظهور:السيد محمد كاظم القزويني/انتشارات محلاتي.

الإيضاح:الفضل بن شاذان النيسابوري/ت السيد جلال الدين الحسيني.

بحار الأنوار:محمد باقر المجلسي/الناشر مؤسسة الوفاء/بيروت.

بحث حول المهدي:الشهيد محمد باقر الصدر.

البرهان في تفسير القرآن:السيد هاشم البحراني.

بصائر الدرجات:محمد بن الحسن الصفار/ت ميرزا محسن كوچه باغي/الأعلمي.

تاريخ ابن خلدون:ابن خلدون/الناشر دار إحياء التراث العربي/بيروت.

التبيان في تفسير القرآن:الشيخ الطوسي/ت أحمد العاملي/مكتب الإعلام الإسلامي.

تحف العقول:ابن شعبة الحراني/ت عليّ أكبر غفاري/مؤسسة النشر الإسلامي.

تفسير العياشي:محمد بن مسعود العياشي/ت السيد هاشم المحلاتي.

تفسير القمي:أبي الحسن علي بن إبراهيم القمي/ت السيد طيب الجزائري/مؤسسة دار الكتب/قم.

تهذيب المقال:محمد علي الأبطحي/الناشر ابن المؤلف السيد محمد.

حاشية الدسوقي:شمس الدين الدسوقي/الناشر دار إحياء الكتب العربية.

الحاوي:جلال الدين السيوطي.

دلائل الإمامة:الشيخ أبي جعفر بن جرير الطبري/ت قسم الدراسات الإسلامية/ مؤسسة البعثة/قم.

ذخائر العقبى:أحمد بن عبد اللّه الطبري/الناشر مكتبة القدسي.

روضة الواعظين:محمد بن الفتال النيسابوري/ت السيد محمد مهدي الخرسان/ منشورات الرضي/قم.

السنن الكبرى:احمد بن الحسين البيهقي/الناشر دار الفكر.

شرح نهج البلاغة:ابن أبي الحديد/ت محمد أبو الفضل/دار إحياء الكتب العربية.

صحيح ابن حبان:علاء الدين علي بن بلبان/ت شعيب الأنؤوط/مؤسسة الرسالة.

صحيح البخاري:محمد بن اسماعيل البخاري/الناشر دار الفكر/بيروت.

صحيح مسلم:مسلم ابن الحجاج النيسابوري/دار الفكر/بيروت.

الصلة بين التصوف و التشيع:كامل مصطفى الشبيبي.

عصر الظهور:الشيخ علي الكوراني/مؤسسة محبين.

عقد الدرر:يوسف بن يحيى الشافعي/ت عبد الفتاح الحلو/انتشارات نصايح.

علامات القيامة الكبرى:محمد متولي الشعراوي.

الغيبة:الشيخ محمد الطوسي/ت عباد اللّه الطهراني/مؤسسة المعارف الإسلامية/قم.

الغيبة:الشيخ محمد النعماني/ت علي أكبر الغفاري/مكتبة الصدوق/طهران.

فتح الباري في شرح صحيح البخاري:ابن حجر العسقلاني/دار المعرفة.

فرائد السمطين:أبي عبد اللّه إبراهيم بن سعد الحموي.

فيض القدير شرح الجامع الصغير:محمد عبد الروؤف المناوي/دار الكتب العلمية.

الكافي:الشيخ الكليني/ت علي أكبر غفاري/ط /1388دار الكتب الإسلامية.

الكافي في الفقه:أبو الصلاح الحلبي/ت رضا أستادي/مكتبة أمير المؤمنين/اصفهان.

كتاب الفتن:نعيم بن حماد المروزي/دار الفكر/بيروت.

الكشف الحثيث:برهان الدين الحلبي/ت السامرائي/المكتبة النهضة العربية.

كشف الخفاء:إسماعيل بن محمد العجلوني/الناشر دار الكتب العلمية.

كمال الدين و تمام النعمة:الشيخ الصدوق/ت علي أكبر الغفاري/مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين.

كنز العمال:المتقي الهندي/ت مجموعة/مؤسسة الرسالة/بيروت.

لسان العرب:ابن منظور/الناشر أدب الحوزة.

لسان الميزان:شهاب الدين العسقلاني/الأعلمي/بيروت.

اللهوف:السيد عليّ بن طاووس الحسيني/المطبعة مهر.

لوائح الأنوار البهية:السفاريني/المنار 1323 ه.

مثير الأحزان:أحمد بن علي الطبرسي/ت محمد باقر الخرسان/دار النعمان.

المحاسن:أحمد بن محمد البرقي/ت السيد جلال الدين الحسيني.

مجمع البيان في تفسير القرآن:أبي علي الفضل الطبرسي/مؤسسة الأعلمي/بيروت.

مجمع الزوائد و منبع الفوائد:نور الدين الهيثمي/دار الكتب العلمية/بيروت.

المجموع في شرح المهذب:محي الدين بن النووي/الناشر دار الفكر.

المحلى:ابن حزم الأندلسي/ت أحمد محمد شاكر/الناشر دار الفكر/بيروت.

المستدرك:محمد بن محمد النيسابوري/ت يوسف المرعشلي/دار المعرفة/بيروت.

مسند أبي داوود:أبي داود الطيالسي/الناشر دار الحديث/بيروت.

مسند أحمد:أحمد بن حنبل/الناشر دار صادر/بيروت.

مصباح المتهجد:الشيخ الطوسي/الناشر مؤسسة فقه الشيعة/بيروت.

المصنف:أبي بكر الصنعاني/ت حبيب الرحمن الأعظمي/المجلس العلمي.

معجم أحاديث الإمام المهدي عليه السّلام:الشيخ علي الكوراني العاملي.

معجم رجال الحديث:السيد أبو القاسم الخوئي/ت لجنة/ط الخامسة 1413 ه.

المعجم الكبير:سليمان بن أحمد الطبراني/ت السلفي/مكتبة ابن تيمية/القاهرة.

مع الدكتور أحمد أمين في حديث المهدي و المهدوية:محمد أمين زين الدين.

مقتل الحسين:عبد الرزاق المقرم.

الملاحم و الفتن:السيد علي ابن طاووس/عدة طبعات.

منتخب الأثر:لطف اللّه الصافي/الناشر مكتب المؤلف.

مناقب آل أبي طالب:ابن شهر آشوب/ت لجنة/الناشر مطبعة الحيدرية/النجف.

من لا يحضره الفقيه:الشيخ الصدوق/ت علي اكبر الغفاري/جماعة المدرسين في الحوزة العلمية.

مواهب الجليل:الحطاب الرعيني/ت زكريا عميرات/دار الكتب العلمية/بيروت.

الميزان في تفسير القرآن:السيد محمد حسين الطباطبائي/مؤسسة النشر الإسلامي.

النجم الثاقب:ميرزا حسين النوري/ت السيد ياسين الموسوي/أنوار الهدى.

نفس المهموم:الشيخ عباس بن محمد رضا القمي.

نيل الأوطار:محمد بن علي الشوكاني/الناشر دار الجليل/بيروت.

وسائل الشيعة:الحر العاملي/ت مؤسسة آل البيت عليهم السّلام/قم.

ينابيع المودة لذوي القربى:سليمان القندوزي الحنفي/ت سيد علي الحسيني.

يوم الخلاص:كامل سليمان/الناشر آل علي عليه السّلام.


فهرست الموضوعات

مقدمة المركز 3

شكر و تقدير 6

مقدمة المؤلف 7

المحاضرة الأولى:قضية الإمام المهدي عليه السّلام في الفكر الإسلامي 9

المقدمة الأولى:نظرية وحدة التاريخ 11

وحدة الأديان 13

وحدة الأمة الدينية 14

المقدمة الثانية:المهدي عليه السّلام امتداد للحسين عليه السّلام 15

الخطبة الأولى للإمام المنتظر عليه السّلام 17

المقدمة الثالثة:المستوى العلمي لقضية الإمام المهدي عليه السّلام 20

الضروريات و الاجتهادات 20

طريفة 21

لماذا هذا الحجم؟24

الأحاديث في المهدي عليه السّلام 24

نظرية ابن خلدون 25

خاتمية الإسلام و شهادة الأمة الإسلامية 26

عناصر الاشتراك 28

الحسين يعود لنصرة المهدي 28

الاشتراك في الشخصية 29

لقاء السيد حيدر الحلي بالإمام المهدي عليه السّلام 30

المحاضرة الثانية:حركة الإمام المهدي عليه السّلام فلسفتها و أهدافها 33

الخطاب السياسي للحسين عليه السّلام رؤية مقارنة 35

مكونات الخطاب 35

الخطاب السياسي الأوّل للإمام المنتظر عليه السّلام 36

المقطع الأوّل 36

المقطع الثاني 37

المقطع الثالث:الانتصار للحق 38

الاشتراك في الأهداف 38

هدف الإمام المهدي عليه السّلام 40

هل يأتي بدين جديد؟41

لمحة عن حركة الإمام عليه السّلام 43

لماذا لم ترد في القرآن؟44

جواب الشبهة 45

طريقة القرآن 46

امتحان الناس 48

قوم موسى عليه السّلام 49

القرآن يذكر الإطار العام 51

الإطار العام للقضية 51

الآيات القرآنية 52

عمق التأكيد القرآني 53

الإمام المهدي عليه السّلام في السنة الشريفة 54

تفسير الإصرار على القضية 55

مدة حكم الإمام عليه السّلام 58

خليفة المهدي عليه السّلام 59

رجعة المعصومين عليهم السّلام 60

النجف و الكوفة على عهد الإمام 61

أوّل أمة تلتحق بالإمام عليه السّلام 62

الانتقام من الظالمين 63

المحاضرة الثالثة:الاشتراك في المنهج 65

منهج التغيير في خطاب الحسين عليه السّلام 67

ثورة تغيرية 68

نوعان في الحركة التغيرية 68

منهج حركة الأنبياء عليهم السّلام 69

منهج حركة الإمام الحسين عليه السّلام 70

منهج حركة الإمام المهدي عليه السّلام 72

لمحة عن حركة الإمام عليه السّلام 73

علامات الظهور 74

التحاق الشيعة 77

التعايش السلمي 78

الحركة الثقافية 79

مناقشة روايات السيف 80

مع الدكتور أحمد أمين 83

كلمات ابن خلدون 84

دليل ابن خلدون 84

مناقشة ابن خلدون 85

مناقشة أحمد أمين 86

البخاري لم ينقل روايات المهدي عليه السّلام 87

الحسين عليه السّلام في كربلاء 88

المحاضرة الرابعة:العامل الغيبي و البشري 91

خطاب الحسنين عليه السّلام 93

العامل الغيبي و البشري 93

الأديان في مجال التشريع 95

الأديان في مجال التغيير 96

رواية في بني إسرائيل 96

استثناء داود و سليمان عليهما السّلام 98

دعاء الرسول صلى اللّه عليه و آله في يوم الخندق 99

العنصر البشري في حركة الحسين عليه السّلام 101

نزول الملائكة 102

من هو أبان بن تغلب؟103

من هو الشيخ الصدوق؟104

حركة الإمام المنتظر عليه السّلام 105

مشكلة طول العمر 106

خروج الدابة 107

قصة الجزيرة الخضراء 111

المحاضرة الخامسة:نظرية المجتمع السعيد 113

نظرية المجتمع السعيد 115

الاشتراك التاريخي 115

الرسول صلى اللّه عليه و آله يذكر حركة الحسين عليه السّلام 116

الرسول صلى اللّه عليه و آله يبشر بظهور المهدي عليه السّلام 117

المهدي عليه السّلام في التوراة و الإنجيل 118

مع الدكتور المصري 118

الأديان الوضعية و رؤيتها 119

الإصلاح في النظرية الشيوعية 120

الديمقراطية هل هي المصلح؟122

ظواهر المجتمع السعيد 122

قيادة المجتمع السعيد 123

الكوفة هي العاصمة 124

السهلة هي منزل الإمام عليه السّلام 124

عودة الدين 125

اشكالات على نظرية المجتمع السعيد 125

الطريق إلى المجتمع السعيد 128

النبي يتحدث عن انتصارات تمهيدية 129

طوبى للشيعة 130

الدعاء في زمن الغيبة 131

قصة مسلم بن عقيل عليه السّلام 131

المحاضرة السادسة:المسار الجغرافي لحركة الإمام المهدي عليه السّلام 135

المسار الجغرافي لحركة الحسين عليه السّلام 137

المسار الجغرافي لحركة المهدي عليه السّلام 139

روايات المسار الجغرافي 141

الإصلاح ينطلق من الشرق 143

أربعة أنبياء عرب 143

الإصلاح العالمي في النظريتين 147

معالم الإصلاح الغربي 147

معالم الإصلاح الإسلامي 148

المصلح المعصوم ضرورة 148

الإمكان العلمي و الثبوت العلمي 150

الأدلة العلمية على حركة الإمام المهدي عليه السّلام 152

موجز عن الدليل الأوّل 153

مجموعة شبهات 154

ما هي فائدة الإمام المهدي عليه السّلام 154

قصة العصفور و البحر 156

رسالة الإمام عليه السّلام 157

كتاب الشيخ الطوسي 158

ختام المجلس 158

المحاضرة السابعة:نقاط التمايز بين الحركتين 161

نقاط التمايز 163

الاشتراك في فلسفة التحرك 165

بعض الأساطير 167

مواجهة الانحراف الداخلي 168

اليهود مركز العداء 170

التحالف الإسلامي النصراني 170

قصة في ألمانيا 171

المواجهة مع الدجال 173

ما هي وظيفة الشرعية 175

علامات الظهور و شروط الظهور 177

العمل على توفير الشروط 182

فائدة الإمام في الغيبة 183

قصة العلامة الحلي 184

قصة المقدس الأردبيلي 185

شخصية العباس 187

المحاضرة الثامنة:الأدوات الإعجازيّة في حركة الإمام المهدي عليه السّلام 189

الاستخدام الإعجازي لدى الإمام المهدي عليه السّلام 192

نماذج من الأدوات الإعجازية 192

الاستخدام الإعجازي لدى الأنبياء عليهم السّلام 196

قانون الاستخدام الإعجازي 198

الاستخدام الإعجازي لدى الإمام المنتظر عليه السّلام 201

أنوع الإمكان 202

خمس من سنن الأنبياء عليهم السّلام 204

زواج الإمام 205

نقد القصة 207

تفسير الأدوات الإعجازية 208

مصيبة القاسم بن الحسين عليه السّلام 211

المحاضرة التاسعة:سنّة الابتلاء و مسألة اللقاء 215

سنّة الابتلاء 217

الصيحة في السماء 218

وضوح الحقيقة 219

الوعي السياسي لدى الشيعة 222

عصائب العراق 223

قصة أبو الأديان 223

أربعة أدلة على وجود الإمام المهدي عليه السّلام 227

موجز عن الدليل الشرعي 228

موجز عن الدليل العلمي 229

قصة من محمّد بن عثمان العمري 230

مسؤوليتنا في زمن الغيبة 231

موجز عن الدليل الخارجي 232

صور اللقاء بالإمام المنتظر عليه السّلام 233

قصة عليّ بن مهزيار 234

ليلة عاشوراء 237

المحاضرة العاشرة:موقع المرأة في عصر الظهور 241

التكليف في زمن الغيبة 243

لماذا لا يستجاب الدعاء بالفرج 244

موقع المرأة 246

النظرية الإسلاميّة في المرأة 247

الأصالة الإنسانية 247

التساوي في الحقوق 248

التمايز الوظيفي 248

إشكالات على النظرية الإسلاميّة 251

المرأة في حركة الحسين عليه السّلام 254

دور المرأة في الحركة الحسينية 255

المرأة في الحركة الإمام العصر 258

خروج الشمس من المغرب 258

نداءات الإمام 260

مصادر التحقيق 261

فهرست الموضوعات 265