ghaemiyeh.com
مختصر کفایة المهتدي لمعرفة المهدي علیه السلام
سید محمد میرلوحی اصفهانی
ترجمه و تحقیق: سید یاسین موسوی
تقدیم: مرکز الدراسات التخصصیه فی الامام المهدی
نجف اشرف 1427 ه
مختصر کفایة المهتدي لمعرفة المهدي علیه السلام
سید محمد میرلوحی اصفهانی
ترجمه و تحقیق: سید یاسین موسوی
تقدیم: مرکز الدراسات التخصصیه فی الامام المهدی
نجف اشرف 1427 ه
اَللَّهُمَّ أَرِنِي اَلطَّلْعَةَ اَلرَّشِيدَةَ، وَ اَلْغُرَّةَ اَلْحَمِيدَةَ، وَ اُكْحُلْ نَاظِرِي بِنَظِرَةٍ مِنِّي إِلَيْهِ، وَ عَجِّلْ فَرَجَهُ، وَ سَهِّلْ مَخْرَجَهُ، وَ أَوْسِعْ مَنْهَجَهُ، وَ اُسْلُكْ بِي مَحَجَّتَهُ، وَ أَنْفِذْ أَمْرَهُ، وَ اُشْدُدْ أَزْرَهُ، وَ اُعْمُرِ اَللَّهُمَّ بِهِ بِلاَدَكَ، وَ أَحْيِ بِهِ عِبَادَكَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ اَلرَّاحِمِينَ.
بسم اللّه الرحمن الرحيم
الحمد للّه ربّ العالمين، و صلى اللّه على سيّدنا محمّد و آله الطاهرين.
الإعتقاد بالمهدي المنتظر عليه السّلام من الأمور المجمع عليها بين المسلمين، بل من الضروريّات التي لا يشوبها شك.(1)
انظر عقد الدرر: 230؛ عرف المهدي 83:2؛ الفتاوى الحديثيّة: 27؛ البرهان في علامات مهدي آخر الزمان: 175، ف 12.
و قد جاءت الأخبار الصحيحة المتواترة عن الرسول الأكرم صلّى اللّه عليه و آله أنّ اللّه تعالى سيبعث في آخر الزمان رجلا من أهل البيت عليهم السّلام يملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت ظلما و جورا، و جاء أنّ ظهوره من المحتوم الذي لا يتخلّف، حتّى لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم واحد، لطوّل اللّه عزّ و جلّ ذلك اليوم حتّى يظهر.
و كيف و أنّى يتخلّف وعد اللّه عزّ و جلّ في إظهار دينه على الدين كلّه و لو كره المشركون؟ و كيف لا يحقّق تعالى وعده للمستضعفين المؤمنين باستخلافهم في الأرض، و بتمكين دينهم الذي ارتضى لهم، و إبدالهم من بعد خوفهم أمنا، ليعبدوه تعالى لا يشركون به شيئا.
و قد أجمع المسلمون على أنّ المهديّ المنتظر عليه السّلام من أهل البيت عليهم السّلام، و أنّه من ولد فاطمة عليها السّلام. و أجمع الإماميّة - و معهم عدد من علماء السنة - أنّه عليه السّلام من ولد الإمام الحسن العسكري عليه السّلام، فأثبتوا اسمه و نعته و هويّته الكاملة.
هكذا فقد إعتقد الإمامية - و معهم بعض علماء السنّة - أنّ المهدي
1) روي عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أنّه قال: من أنكر خروج المهدي فقد كفر بما أنزل على محمد.
المنتظر قد ولد فعلا، و أنّه حيّ يرزق، لكنّه غائب مستور. و ماذا تنكر هذه الأمّة أن يستر اللّه عزّ و جلّ حجّته في وقت من الأوقات؟ و ماذا تنكر أن يفعل اللّه تعالى بحجّته كما فعل بيوسف عليه السّلام: أن يسير في أسواقهم و يطأ بسطهم و هم لا يعرفونه، حتّى يأذن اللّه عزّ و جلّ له أن يعرّفهم بنفسه كما أذن ليوسف قالُوا أَ إِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قالَ أَنَا يُوسُفُ وَ هذا أَخِي. (1)
أو لم يخلّف رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في أمّته الثقلين: كتاب اللّه و عترته، و أخبر بأنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليه الحوض؟ أو لم يخبر صلّى اللّه عليه و آله أن سيكون بعده إثنا عشر خليفة كلّهم من قريش، و أنّ عدد خلفائه عدد نقباء موسى عليه السّلام؟ و إذا كان اللّه تعالى لم يترك جوارح الإنسان حتّى أقام لها القلب إماما لتردّ عليه ما شكّت فيه، فيقرّ به اليقين و يبطل الشكّ، فكيف يترك هذا الخلق كلّهم في حيرتهم و شكّهم و اختلافهم لا يقيم لهم إماما يردّون إليه شكّهم و حيرتهم؟(2)و حقّا لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَ لكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ .(3)
و لا ريب أنّ للعقيدة الشيعيّة في المهدي المنتظر عليه السّلام - و هي عقيدة قائمة على الأدلّة القويمة العقليّة - رجحانا كبيرا على عقيدة من يرى أنّ المهدي المنتظر لم يولد بعد، يقرّ بذلك كلّ من ألقى السمع و هو شهيد إلى قول الصادق المصدّق عليه السّلام: من مات و لم يعرف إمام زمانه، مات ميتة جاهليّة.(4)
انظر على سبيل المثال مسند أحمد 446:3 و 96:4؛ المعجم الكبير للطبراني 337:12، و 335:19 و 338، و 86:20؛ طبقات ابن سعد 144:5؛ مصنّف ابن أبي شيبة 598:8 / ج 42. و انظر الفردوس للديلمي 528:5 /ح 8982.
2.ناهيك عن أنّ من معطيات الاعتقاد بالإمام الحيّ أنّها تمنح المذهب غناء و حيويّة لا تخفى على من له تأمّل و بصيرة.(1)
و لا ريب أنّ إحساس الفرد المؤمن أنّ إمامه معه يعاني كما يعاني، و ينتظر الفرج كما ينتظر، سيمنحه ثباتا و صلابة مضاعفة، و يستدعي منه الجهد الدائب في تزكية نفسه و تهيئتها و دعوتها إلى الصبر و المصابرة و المرابطة، ليكون في عداد المنتظرين الحقيقيّين لظهور مهديّ آل محمد عليه و عليهم السّلام. خاصّة و أنّه يعلم أنّ اليمن بلقاء الإمام لن يتأخّر عن شيعته لو أنّ قلوبهم اجتمعت على الوفاء بالعهد، و أنّه لا يحبسهم عن إمامهم إلاّ ما يتّصل به ممّا يكرهه و لا يؤثره منهم.(2)
و لا يماري أحد في فضل الإمام المستور الغائب - غيبة العنوان لا غيبة المعنون - في تثبيت شيعته و قواعده الشعبية المؤمنة و حراستها، كما لا يماري في فائدة الشمس و ضرورتها و إن سترها السحاب. كيف، و لو لا مراعاته و دعائه عليه السّلام لاصطلمها الأعداء و نزل بها اللأواء، و لا يشكّ أحد من الشيعة أنّ إمامه أمان لأهل الأرض كما أنّ النجوم أمان لأهل السماء.(3)
و قد وردت روايات متكاثرة عن أئمة أهل البيت عليهم السّلام تنصبّ في مجال ربط الشيعة بإمامهم المنتظر عليه السّلام، و جاء في بعضها أنّه عليه السّلام يحضر الموسم فيرى الناس و يعرفهم، و يرونه و لا يعرفونه،(4)و أنّه عليه السّلام يدخل عليهم2.
1) انظر كلام المستشرق الفرنسي الفيلسوف هنري كاربون في مناقشاته مع العلامة الطباطبائي في كتاب الشمس الساطعة.
2) انظر: الاحتجاج للطبرسي 325:2؛ بحار الأنوار 177:53.
3) قال صلّى اللّه عليه و آله: النجوم أمان لأهل السماء، و أهل بيتي أمان لأهل الأرض. انظر علل الشرايع 123:1؛ كمال الدين 205:1 /ح 17-19.
4) وسائل الشيعة 135:11؛ بحار الأنوار 152:52.
و يطأ بسطهم،(1)كما وردت روايات جمّة في فضل الانتظار، و في فضل إكثار الدعاء بتعجيل الفرج، فإنّ فيه فرج الشيعة.
و قد عني مركز الدراسات التخصّصيّة في الإمام المهديّ عجل اللّه تعالى فرجه الشريف بالاهتمام بكلّ ما يرتبط بهذا الإمام الهمام عليه السّلام، سواء بطباعة و نشر الكتب المختصّة به عليه السّلام، أو إقامة الندوات العلميّة التخصصيّة في الإمام عجل اللّه تعالى فرجه الشريف و نشرها في كتيبات أو من خلال شبكة الإنترنيت، و من جملة نشاطات هذا المركز نشر سلسلة التراث المهدويّ، و يتضمّن تحقيق و نشر الكتب المؤلّفة في الإمام المهديّ عجل اللّه تعالى فرجه الشريف، من أجل إغناء الثقافة المهدويّة، و رفدا للمكتبة الإسلاميّة الشيعيّة، نسأله - عزّ من مسؤول - أن يأخذ بأيدينا، و أن يبارك في جهودنا و مساعينا، و أن يجعل عملنا خالصا لوجهه الكريم، و الحمد للّه رب العالمين.
و الكتاب الماثل بين يديك عزيزي القارئ هو مجموعة نادرة و قيّمة من الأحاديث الخاصة حول الإمام المهدي عليه السّلام برواية الفضل بن شاذان المعاصر للإمام العسكري عليه السّلام و التي يمكن اعتبارها مصدرا مهما من المصادر التي اعتمد عليها الأوائل في إثبات الكثير من الخصوصية حول الحجة بن الحسن عليه السّلام.
و المركز إذ يقدم للمكتبة الإسلامية و للإخوة القرّآء هذا السفر القيم يتقدم بالشكر الجزيل لسماحة السيد ياسين الموسوي دام ظله لجهده في ترجمة و تحقيق هذا الكتاب القيم، كما يتقدم بالشكر إلى قسم الكمبيوتر، و نخص بالذكر الأخ الفاضل مسؤول قسم الكمبيوتر و التنضيد ياسر الصالحي.
السيد محمّد القبانچي
مركز الدراسات التخصّصية في الإمام المهدي عجل اللّه تعالى فرجه الشريف
النجف الأشرف
1) الكافي للكليني 337:1 /ح 4.
بسم اللّه الرحمن الرحيم
الحمد للّه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على محمّد و آله الطاهرين، و اللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين، و منكري فضائلهم من الأولين و الآخرين إلى قيام يوم الدين.
بغض النظر عن الدواعي التي دفعت المؤلف رحمه اللّه لكتابته هذا الكتاب، و التي أشار إليها في المقدّمة، و إن كان قد ركزّ هو على فكرة جمع أربعين حديثا، و استشهد له بالروايات، و الأقوال؛ و لم يفصّل القول في الموضوع العقائدي الذي ابتنت عليه أصول و قواعد جمعه لأحاديث كتابه؛ و لعل السبب يعود: إلى أنّه أو كل ذلك إلى نفس القارئ عندما يطلّع على درر المعاني و الأفكار بما يقرأه من روايات و أحاديث الكتاب.
و في الواقع أنّ الكتاب لم يأت بشيء جديد يستحق كلّ هذا الاهتمام: من ترجمة، و تحقيق، و متابعة، بل كاد أن يكون تكرارا لكتب كثيرة جمعت الروايات، و الأخبار التي اختصّت موضوعها بالمهدي عليه السّلام، أو اشتملت عليه، مثل: كمال الدين، و غيبة الطوسي، و غيبة النعماني، و عشرات غيرها؛ إلاّ إنّه تميّز عنها بشيء جديد استحقّ كلّ هذا الاهتمام و الرعاية، و هو: انّه جمع في كتابه هذا عشرات الأحاديث التي رواها الشيخ الفضل بن شاذان (المتوفى سنة 257 للهجرة، أي بعد ولادة الإمام المهدي عجل اللّه تعالى فرجه الشريف بسنتين فقط) في كتابه الغيبة، و إثبات الرجعة؛ و التي طالما نقل عنهما الشيوخ الأوائل
الأقدمون مثل الكليني و الصدوق و المفيد و الطوسي و غيرهم، و امتلأت كتبهم بتلك الروايات الصحيحة.
و لكنّهم و لأسباب موضوعيّة اختصروا تلك الكتب فلم ينقلوا جميع ما فيها، و اكتفوا بنقل بعضها، و ربما يكون السبب الكبير لسلوكهم هذا المنهج في الجمع و التبويب: انّ تلك الكتب كانت متوفرة من حيث الكمّ، و متواترة أو مشهورة بما يقارب التواتر من حيث الإسناد.
و مهما تكن الأسباب، و الدواعي التي اقتضت هذا الاختصار، و مع إننا نعذرهم بذلك، و لكن ما مرّت به الطائفة المحقة من غارات، و اعتداءات، و حروب عنصرية أدّت إلى ضياع كثير من تراثنا، أو ما زال يعيش في خفايا و مجاهيل المكتبات و غيرها، و من جملة ذلك التراث المقدّس كتب الشيخ ابن شاذان قدّس سرّه، فضاعت كثير من تلك النفائس و لم يبق منها إلاّ قليل.
فلو كان المتقدمون قد نقلوا ما في تلك الكتب فلربّما كانت قد وصلت إلينا كما وصلت باقي الأخبار التي نقلوها في مختلف الأبواب و المواضيع.
و يبقى استغراب ماثل أمامنا و هو: إننا نجد كثيرا من الأصحاب قد أكثروا من النقل عن كتابي الشيخ ابن شاذان: (إثبات الرجعة، و الغيبة)، و منهم من المتأخرين، بل قد يظهر من آراء بعض المحققين أنّ الشيخ الحرّ العاملي المتوفّى سنة 1104 ه قد اختصر كتابه إثبات الرجعة، و ما زالت النسخة المخطوطة بخط يده موجودة و محفوظة. و لكنّه يصرح فيها أن الاختصار كان لغيره، و قام هو قدّس سرّه بمقابلة نسخ ذلك الاختصار، حيث قال في خاتمة النسخة:
«هذا ما وجدناه منقولا عن رسالة إثبات الرجعة للفضل بن شاذان بخط بعض فضلاء المحدّثين، و قد قوبل بأصله. حرره محمّد الحر». و قد ختمه بختمه الشريف و كتب فوقه: مالكه؛ و النسخة موجودة في مكتبة الإمام الحكيم العامة في النجف الأشرف.
و من جملة أولئك العلماء الذين نقلوا مباشرة عنهما مؤلف هذا الكتاب، و العالم الجليل آقا مير محمّد صادق الخاتون آبادي: (المتولد سنة 1207، و المتوفّى ليلة 14 من شهر رجب سنة 1272 ه ق) في كتابه الأربعون (كشف الحق).(1)
و لذلك تعيّن على من يريد الحصول على الأثر المتبقي من هذا التراث أن يراجع هذه الكتب التي نقلت عنه مباشرة و بدون واسطة.
و من هذه النقطة بالذات تظهر أهميّة كتاب كفاية المهتدي حيث حفظ لنا كثيرا من روايات الشيخ الفضل بن شاذان.
و تظهر أهميّة روايات هذين الكتابين لأنّهما يتحدّثان عن تفاصيل كثيرة تتعلق بالإمام المهدي عجل اللّه تعالى فرجه الشريف لم يألفها الشيعة و لا غيرهم في عصر صدورها و روايتها، و لم يتعرّفوا عليها إلاّ بعد مدّة ليست بالقصيرة.
أما لماذا؟
و ذلك لأنّ الإمام المهدي لم يكن قد ولد آنذاك؛ فإنّه كان قد كتب كثيرا من روايات كتابيه هذين إما قبل ولادته عليه السّلام، أو بعد ولادته و قبل وفاة الإمام العسكري عليه السّلام كروايته خبر ولادة الإمام المهدي عليه السّلام، بمعنى: أنّه كان قد تحدّث عن الغيبة قبل حدوث الغيبة الصغرى؛ لأنّ وفاة الشيخ الفضل بن شاذان كانت قبل وفاة الإمام العسكري عليه السّلام و كان عليه السّلام قد ترحّم عليه، فهو قد توفّاه اللّه تعالى قبل حدوث الغيبة الصغرى.
و أما كيف استطاع أن يتحدّث عن كلّ تلك الأمور قبل وقوعها؟
فإنّه في الواقع لم يخبر من عنده شيئا، و إنما كلّ ما أخبر عنه إنّما كان
1) إنّ هذا الإخفاء، أو الضياع يؤكد حقيقة مظلومية أهل البيت عليهم السّلام، و يوضّح مدى قساوة و جلافة خصومهم.
رواية عن أهل بيت النبوة عليهم السّلام؛ و يكفي هذا دلالة على إمامتهم عليهم السّلام، حيث كانوا قد أخبروا عن الشيء قبل وقوعه.
و ملخص البحث:
تكفي روايات الفضل لدحض شبهات و خزعبلات البعض الذين يقولون بأنّ عقيدة الشيعة بالإمام المهدي إنّما ظهرت متأخرة عن زمان وفاة الإمام العسكري عليه السّلام بكثير، حتى كابر فادعى أنّها ظهرت على يد متكلمي الإمامية كالشيخ المفيد، و الشيخ الطوسي كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ .(1)
فهذه كتب و روايات الفضل كلّها كانت قبل وفاة الإمام العسكري عليه السّلام.
1 - كان الكتاب قد كتب باللغة الفارسيّة، فقمنا بترجمته إلى اللغة العربية، و قد راعينا أقصى ما يمكن الالتزام بالنّص الفارسي، و عدم تجاوزه و الخروج عنه إلاّ ببعض الكلمات القليلة جدا إقتضته فروقات أساليب الكلام العربي و الفارسي.
2 - التزمنا بنقل الروايات الشريفة إلى اللغة العربية بالنّص المروي في مصادره، و مع إننا نظن أنّ ترجمة المؤلف لم تكن دقيقة في بعض الأحيان لكننا التزمنا بنقل النّص كما هو في الترجمة، منبّهين في الهامش إلى الاختلافات الموجودة في مصادر النّص؛ و قد آلينا أن نسلك هذا الأسلوب لاحتمال أن يكون المؤلف قد اعتمد في الترجمة على نسخة بدل أخرى؛ رعاية منّا للاحتياط الذي هو سبيل النّجاة.
3 - وجدنا المؤلف قد ينجرّ قلمه للحديث عن بعض الأكابر كالعلامة المجلسي قدّس سرّه بما لا يتناسب و البحث العلمي، فارتأينا حذف تلك المقاطع من الكتاب؛ و لذلك عدلنا من تسميّة الكتاب باسمه الأصلي إلى تسميّته بمختصر كفاية المهتدي رعاية لأمانة النقل.
1) الكهف: 5.
4 - قمنا بتحقيق نصّ الكتاب و رواياته غير المطبوعة و التي نقلها المؤلف قدّس سرّه من الكتب المفقودة على نسختين مهمتين:
أ) النسخة الأولى: المخطوطة الموجودة في كتابخانة مجلس - طهران - إيران.
تحت رقم 833؛ و قد كتب في آخرها: «قد فرغ كتابته في يوم السبت من عشرة الثالث من شهر الحادي عشر في سنة الإحدى من عشر الثاني من مائة الثانية بعد الألف الأوّل من الهجرة النبوية المصطفوية عجل اللّه تعالى فرجه الشريف...».
و كان قد كتب على الورقة الأولى منها: «كتاب أربعين از فاضل متتبع، و أديب محدّث، مولانا محمّد لوحي حسيني موسوي سبزواري عليه الرحمة موسوم بكفاية المهتدي» و عدد صفحات هذه النسخة 252 صفحة.
و جعلنا هذه النسخة النسخة الأصل.
ب) النسخة الثانية: المطبوعة تحت عنوان: گزيده كفاية المهتدي.
تصحيح و گزينش: سازمان چاپ و انتشارات گروه احياي تراث فرهنگي. الطبعة الأولى: 7 بهمن 1373 هجرية شمسية.
و ذكر في المقدمة أن هذه النسخة قد صححت على ثلاث نسخ و هي:
أولها: نسخة مكتبة الوزيري تحت رقم 512، بخط إسماعيل بن شاه قلي.
تاريخ النسخ في عاشر محرم الحرام سنة 1106 هجرية قمرية.
و ثانيتها: نسخة مكتبة الأستاذ الفقيد المرحوم المحدّث الأرموي.
و ثالثتها: نسخة المكتبة المركزية جامعة طهران، و هي من جملة الكتب المهداة من المرحوم الأستاذ السيد محمّد مشكوة. تحت رقم 619.
و استظهرت المجموعة المصححة أن هذه النسخة هي نفس النسخة التي كان قد رآها الشيخ آقا بزرك الطهراني (في خزانة كتب السيد آغا بن الحاج سيد أسد اللّه بن السيد حجة الإسلام الأصفهاني، و هو فارسي، و رأيت نسخة منه
بخط محمّد مؤمن بن الشيخ عبد الجواد، كتبها في عصر المصنّف، و فرغ منها في سابع ربيع الثاني 1085).(1)
ثمّ قال بعد حديث طويل: «... و يظهر من أثنائه أنّه شرع فيه في 1081 ه، و فرغ منه في 1083 ه، و يوجد بهذه الخصوصيات نسخة في موقوفة مدرسة السيد البروجردي في النجف».(2)
كما إننا حققنا بعض روايات الكتاب مع تلك الروايات الموجودة في مختصر إثبات الرجعة الذي أشرنا إليه و سبق أن نبهنا إلى أنه بخط بعض فضلاء المحدّثين و عليه ختم العلامة المرحوم الحر العاملي صاحب وسائل الشيعة، و عندنا نسخة مصورة عنه، و الأصل موجود في مكتبة الإمام الحكيم قدّس سرّه العامة.
و نظرا إلى أن الكتاب كتاب رواية، و قد أقرّ مؤلفه بهذه الحقيقة، و لذلك سمّاه بالأربعين، فيلزمنا أن نتعرف على المصادر التي اعتمدها المؤلف، و بالإضافة إلى معرفة مؤلفي تلك الأحوال و أحوالهم من حيث الوثاقة و الاعتبار لنطمئن على صحة تلك الأحاديث و اعتبارها، و سلامتها من الطعون، و لكن بما أنّه قد نقل عن المصادر المشهورة و المعروفة عند الشيعة و السنة مثل الاحتجاج للطبرسي، و كمال الدين، و عيون أخبار الرضا للصدوق، و الإرشاد للمفيد، و الأربعين لأبي نعيم، و مسند أحمد بن حنبل و غيرها من المصادر المهمة التي لا تحتاج إلى بحث فيها و لا في مؤلفيها لشهرتها و معروفيتها؛ فإننا قد أعرضنا الحديث عنها و عن مؤلفيها، و قصرنا الحديث عن المصادر المفقودة لسببين:
أولهما: التعريف بتلك المصادر و مؤلفيها، ليعرف القارئ أهمية مصدر الحديث الذي يقرأه، و قوّة اعتباره، و صحته، و سلامته، و بذلك يتضح بطلان كلام أصحاب الشبهات الباطلة و الدعاوى الكاذبة.
و ثانيهما: لأنّه قد أكثر النقل عنها حتى صار الكتاب كأنّه ملخص شريف لتلك الكتب، بحيث قال المحقق العلامة الشيخ آغا بزرك الطهراني: «و هذا الأربعين فارسي، و ترجمة و شرح للأحاديث التي رواها الفضل بن شاذان و غيره».(1)
و لعله كان يقصد من كلمة (و غيره) ما نقله عن أستاذه و شيخه النوري حيث قال في أول كتابه (جنّة المأوى): «إنّي كلّما انقل في هذا الكتاب عن غيبة الفضل بن شاذان، و عن غيبة الحسن بن حمزة المرعشي، و عن كتاب الفرج الكبير لمحمّد بن هبة اللّه بن جعفر الطّرابلسي، فإنّما أنقلها عن كتاب المير لوحي هذا، لأنّها كانت موجودة عنده، و ينقل عنها في كتابه هذا».(2)
أقول: هكذا هو الموجود في عبارة الطهراني قدّس سرّه حيث نسب الكلام لأستاذه في بداية كتابه (جنة المأوى) و لكننا قرأنا الكتاب عدّة مرات فلم نجده فيه، و إنما هو موجود في كتاب النجم الثاقب لأستاذه النوري قدّس سرّه، حيث قال الشيخ النوري الطبرسي قدّس سرّه في مقدمة كتابه (النجم الثاقب) عند عدّه مصادر كتابه ما تعريبه:
«كتاب كفاية المهتدي في أحوال المهدي عليه السّلام للسيد محمّد بن محمّد لوحي الحسيني الموسوي السبزواري الملقّب بالمطهّر و المتخلص بالنقيبي، تلميذ المحقق الدّاماد، و أكثر ما في هذا الكتاب نقله من كتاب الفضل بن شاذان حيث ينقل الخبر سندا و متنا أوّلا، و من ثمّ يترجمه.
و كان عنده (غيبة) الشيخ الطّرابلسي، و (غيبة) الحسن بن حمزة المرعشي أيضا.ه.
و ما ننقله عن هذه الكتب الثلاثة فإنّما ننقله بالواسطة عن هذا الكتاب».(1)
و لذلك نرى من المهمّ أن نخصص مقاما من الحديث عن هذه الكتب الثلاثة و مؤلفيها خصوصا الأوّل منها، أعني ما سمّي بغيبة الفضل بن شاذان، ثمّ إلحاق الحديث عن أحوال الكتب الأخرى غير الموجودة حاليا مثل كتاب الأنوار لأبي عليّ محمّد بن همام، و كتاب التاريخ الكبير للثقفي في هوامش الكتاب القادمة إن شاء اللّه تعالى، تخفيفا لحجم المقدمة و لأن هذين الكتابين و أمثالهما لم يكثر المؤلف رحمه اللّه النقل منهما، و إنّما ربّما نقل عن كلّ منهما مرة أو مرتين في كتابه هذا؛ و لهذا السبب ارتأينا تأجيل الكلام عنهما و عن أمثالهما إلى محله الموجز دون المحلّ المفصّل.
للشيخ الأقدم الفضل بن شاذان النيسابوري رضوان اللّه تعالى عليه.
و قد عدّ الشيخ النجاشي و غيره أن له أكثر من كتاب في القضية المهدوية منها:
1 - كتاب إثبات الرجعة.
2 - كتاب الرجعة.
3 - كتاب القائم عليه السّلام.
4 - كتاب الملاحم.
5 - كتاب حذو النعل بالنعل.(2)
و للأسف الشديد فإن جميع تلك الكتب قد عدت عليها كوارث الزمن و لم يبق منها إلا أسماؤها و بعض الروايات المتشتتة في بطون الكتب مما نقلها
الأوائل في مجاميعهم مثل كتب الكليني و الصدوق و الطوسي؛ غير أنه بقي من المتأخرين من نقل مجموعة أخرى من الروايات مما لم ينقله المتقدمون من هذه الكتب؛ و كاد ينحصر هذا النقل الجديد بكتاب المير لوحي (كفاية المهتدي) و التي نقل عنه الخاتون آبادي في (كشف الحق) و (مختصر إثبات الرجعة) الذي أمضاه الحر العاملي.
و لكن ظهر سؤال جديد و هو: أن هذا الموجود، هل هو من كتاب (إثبات الرجعة) أو كتاب الرجعة؟ و هل أن كتاب إثبات الرجعة هو كتاب الغيبة، أم أن كتاب الرجعة هو كتاب الغيبة؟
و الشيء المتفق عليه هو أنه كان للفضل كتابان أحدهما باسم: إثبات الرجعة.
و الآخر باسم: الرجعة؛ و الثاني هو غير الأوّل كما نصّ عليه النجاشي و غيره.
قال شيخ الإجازة و خاتمة الرواة آقا بزرك الطهراني: «كتاب الغيبة للحجة الشيخ المتقدم أبي محمّد الفضل بن شاذان الأزدي النيسابوري، الراوي عن الجواد عليه السّلام، و قيل عن الرضا عليه السّلام، و المتوفى 260. و هو غير كتاب (إثبات الرجعة) له كما صرّح بتعددهما النجاشي، بل هذا الذي عبّر عنه النجاشي بعد ذكره (إثبات الرجعة) بكتاب (الرجعة الحديث). فهذا مقصور على أحاديث الرجعة، و ظهور الحجة، و أحواله، و لذا اشتهر بكتاب الغيبة، و كان موجودا عند السيد محمّد بن محمّد مير لوحي الحسيني الموسوي السبزواري، المعاصر للمولى محمّد باقر المجلسي على ما يظهر من نقله عنه في كتابه الموسوم كفاية المهتدي في أحوال المهدي، و ينقل شيخنا النوري في النجم الثاقب في أحوال الإمام الغائب، عن كتاب الغيبة هذا بتوسط المير لوحي المذكور...».(1)5.
1) الذريعة 78:16 /تحت رقم 395.
قال النجاشي: «الفضل بن شاذان بن الخليل أبو محمّد الأزدي النيشابوري (النيسابوري) كان أبوه من أصحاب يونس.
و روى عن أبي جعفر الثاني، و قيل عن الرضا عليهما السّلام.
و كان ثقة. أحد أصحابنا الفقهاء المتكلمين. و له جلالة في هذه الطائفة.
و هو في قدره أشهر من أن نصفه.
و ذكر الكنجي أنه صنّف مائة و ثمانين كتابا...».(1)
و قد روى الكشي في رجاله عن محمّد بن الحسين بن محمّد الهروي، عن حامد بن محمّد الأزدي البوشنجي، عن الملقّب بفورا [بخوراء خ. ل] من أهل البوزجان من نيسابور:
إن أبا محمّد الفضل بن شاذان رحمه اللّه كان وجّهه إلى العراق إلى حيث به أبو محمّد الحسن بن عليّ صلوات اللّه عليهما؛ فذكر أنّه دخل على أبي محمّد عليه السّلام، فلمّا أراد أن يخرج سقط منه كتاب في حضنه ملفوف في رداء له؛ فتناوله أبو محمّد عليه السّلام، و نظر فيه، و كان الكتاب من تصنيف الفضل، و ترحّم عليه، و ذكر أنه قال:
«أغبط أهل خراسان بمكان الفضل بن شاذان و كونه بين أظهرهم».(2)
و روى عن سعد بن جناح الكشّي، قال: «سمعت إبراهيم الورّاق السمرقندي يقول: خرجت إلى الحجّ، فأردت أن أمرّ على رجل كان من أصحابنا المعروف بالصّدق، و الصّلاح، و الورع، و الخير، يقال له: بورق البوشنجاني (قرية من قرى هرات)، و أزوره، و أحدث عهدي به.
قال: فأتيته، فجرى ذكر الفضل بن شاذان رحمه اللّه.
قال بورق: كان الفضل به بطن، شديد العلّة، و يختلف في الليلة مائة مرّة، إلى مائة و خمسين مرّة.
فقال له بورق: خرجت حاجّا، فأتيت محمّد بن عيسى العبيدي، و رأيته شيخا فاضلا، في أنفه عوجه (و هو القنا)، و معه عدّة؛ رأيتهم مغتمّين، محزونين، فقلت لهم: ما لكم؟
قالوا: إن أبا محمّد عليه السّلام قد حبس.
قال بورق: فحججت، و رجعت، ثمّ أتيت محمّد بن عيسى، و وجدته قد انجلى عنه ما كنت رأيت به؛ فقلت: ما الخبر؟
قال: قد خلّي عنه.
قال بورق: فخرجت إلى سرّ من رأى، و معي كتاب يوم و ليلة؛ فدخلت على أبي محمّد عليه السّلام، و أريته ذلك الكتاب، فقلت له: جعلت فداك إن رأيت أن تنظر فيه.
فلما نظر فيه، و تصفحه ورقة ورقة، قال: هذا صحيح، ينبغي أن يعمل به.
فقلت له: الفضل بن شاذان شديد العلة، و يقولون أنّه من دعوتك بموجدتك عليه، لما ذكروا عنه أنّه قال: إنّ وصيّ إبراهيم خير من وصيّ محمّد عجل اللّه تعالى فرجه الشريف؛ و لم يقل جعلت فداك هكذا، كذبوا عليه.
فقال: نعم. رحم اللّه الفضل.
قال بورق: فرجعت، فوجدت الفضل قد توفّي في الأيام التي قال أبو محمّد عليه السّلام: رحم اللّه الفضل».(1)
و عن علمه و فضله روى الكشيّ عن جعفر بن معروف قال: «حدّثني سهل بن بحر الفارسي، قال: سمعت الفضل بن شاذان آخر عهدي به، يقول:
أنا خلف لمن مضى، أدركت محمّد بن أبي عمير، و صفوان بن يحيى، و غيرهما. و حملت عنهم خمسين سنة.3.
1) رجال الكشي: 537 و 538 /تحت رقم 1023.
و مضى هشام بن الحكم رحمه اللّه، و كان يونس بن عبد الرحمن رحمه اللّه خلفه كان يردّ على المخالفين. ثمّ مضى يونس بن عبد الرحمن و لم يخلف خلفا غير السكّاك، فردّ على المخالفين حتى مضى رحمه اللّه. و أنا خلف من بعدهم رحمهم اللّه».(1)
لأبي محمّد الحسن بن حمزة بن عليّ بن عبد اللّه بن محمّد بن الحسن بن الحسين بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليهم السّلام المتوفى سنة 358 ه.
قال النجاشي: «أبو محمّد، الطبري يعرف بالمرعش، كان من أجلاء هذه الطائفة و فقهائها، قدم بغداد، و لقيه شيوخنا في سنة ست و خمسين و ثلاثمائة، و مات في سنة ثماني و خمسين و ثلاثمائة.
له كتب... كتاب في الغيبة».(2)
و قال الشيخ الطهراني: «و كان عند الميرلوحي المعاصر للمولى محمّد باقر المجلسي، كما يظهر من نقله عنه...».(3)
و قال الشيخ النوري الطبرسي رحمه اللّه في خاتمة المستدرك: «... كان عند مير لوحي المعاصر للمجلسي، الساكن معه في أصبهان كتب نفيسة جليلة ككتاب الرجعة للفضل بن شاذان، و الفرج الكبير في الغيبة لأبي عبد اللّه محمّد بن هبة اللّه بن جعفر الورّاق الطرابلسي، و كتاب الغيبة للحسن بن حمزة المرعشي، و غيرها، و لم يطلع عليها المجلسي رحمه اللّه».(4)
للشيخ أبي عبد اللّه محمّد بن هبة اللّه بن جعفر الوراق الطرابلسي.
قال الشيخ منتجب الدين في الفهرست: «فقيه ثقة، قرأ على الشيخ أبي جعفر الطوسي رحمهما اللّه كتبه و تصانيفه.
و له تصانيف؛ منها: كتاب (الزهد) كتاب (النيات)، كتاب (الفرج).
أخبرنا بها الفقيه أحمد بن محمّد بن أحمد القمي الشاهد العدل، عنه».(1)
155 /تحت رقم 356.
و قال الطهراني: «و هو كتاب كبير، و كان عند المير لوحي الموسوي السبزواري المعاصر للمولى محمّد باقر المجلسي، على ما صرح به في (خاتمة المستدرك) و (النجم الثاقب) و غيرهما. و المير لوحي ينقل عنه في أربعينه الموسوم ب (كفاية المهتدي في أحوال المهدي)».(2)
اسمه: السيد محمّد بن محمّد بن أبي محمّد بن محمّد المصحفي الحسيني السبزواري الملقّب بالمطهّر، و المتخلّص ب (النقيبي). ينتهي نسبه إلى إبراهيم الأصغر بن الإمام موسى بن جعفر عليهما السّلام.
و كان جدّه الأعلى السيد محمّد المصحفي من أعاظم علماء سبزوار، و قد قرأ عليه المير محمّد سعيد بن مسعود الرضوي.
و كان والده محمّد ابن أبي محمّد منبع أسرار معارف التوحيد، و مطلع أنوار معالم التحقيق، عالما، زاهدا، تقيا، جامعا للكمالات الصورية و المعنوية.
و كان والده قد هاجر من سبزوار إلى كربلاء، ثم هاجر منها إلى إيران، و نزل
بأصفهان، و تزوج هناك بابنة بعض مادحي أهل البيت عليهم السّلام الملقّب في شعر ب (لوحي).
و لمّا أولدت بنت لوحي صاحب الترجمة لقّبته بلقب أبيها فعرف بالمير لوحي.
و كان قد تصدى لظاهرة التصوف التي كانت قد خيّمت على كثير من جوانب الحياة العامة في بدايات العصر الصفوي تحت اسم النقطوية قبل نكبتهم على يد الشاه عباس و مجزرة قزوين التي حدثت في سنة 1002 هجرية، و قد ذكرنا لمحة في كتابنا (حياة بحر العلوم) أن قضية التصوف التي كانت قد تصدت القضايا في العهد الصفوي الأوّل، و قضي عليها في العصر الصفوي العباسي كانت لها أبعادا سياسية غطيت بالبحوث الشرعية الدينية الرافضة للفكر الصوفي و المحاربة له.
و مع كل ذلك فلم يكن الشارع العام يستجيب بسهولة للإرادة الملكية و يرفض مواقع شيوخ الصوفية و معتقداته بهم، فلذلك كانت الردود القاسية من العامة تجاه أهل الفضل و القلم. و من ذلك ما تحدث عنه المير محمّد زمان في كتابه (صحيفة الرشاد) الذي ألّفة دفاعا عن أستاذه المير لوحي، حيث نقل عنه أنه كتب في كتابه المذكور و هو يتحدث عنه و تاريخ علاقته به إلى أن قال: «و كان ولده المير لوحي يقرأ على والدي (تهذيب الأحكام) إلى أن رجعا إلى اصفهان، و انقطع عنّي خبر المير لوحي إلى سنين كثيرة حتى سافرت لزيارة العتبات، فصادفني في الطرق بعض الموثقين من أهل اصفهان، فرأيته كثير الهمّ و الحزن لابتلاء عالم جليل في اصفهان بيد جهالها، و إيذاء هؤلاء العوام إيّاه بأنواع الأذى. فلمّا تحققت تبيّن أنّه المير لوحي المذكور، و أن سبب إيذائهم له تبرؤه عن أبي مسلم. و لمّا رجعت عن زيارة العتبات ألّفت هذا الكتاب لأرسله إلى أهل أصفهان، إرشادا لهم، و دفعا لإيذاء جهّالهم عن المير لوحي».(1)
و أمّا محمّد زمان مؤلف صحيفة (الرشاد) فقد قال عنه الحر العاملي في (أمل الآمل): «كان فاضلا، عالما، فقيها، حكيما، متكلما، له كتب منها: شرح0.
1) راجع: الروضة النضرة: 480.
القواعد، و قرأ عليه شيخنا زين الدين بن محمّد بن الحسن بن الشهيد الثاني.
و كان يثني عليه بالفضل».(1)
و عن السلافة أنه: «كان من عظماء عصره، توفي 1041 ه».(2)
و لم يكن المير زمان هو الوحيد الذي ألّف كتابا في نصرة المير لوحي و إنما هناك مجموعة كتب ألّفت بيد ثلّة من الفضلاء لنصرته ذكر العلامة الطهراني جملة منها في موسوعته، كما ذكر أن هناك سبعة عشر كتابا قد ألّفت من قبل المناصرين المعاصرين للمير لوحي في اصفهان.(3)
و عدّد الطهراني السبعة عشر كتاب هذه في مكان آخر من موسوعته عن بعض معاصري المير لوحي على النحو التالي:
1 - إزهاق الباطل.
2 - أسباب طعن الحرمان.
3 - إظهار الحق و معيار الصدق.
4 - أنيس الأبرار. صغير.
5 - أنيس الأبرار. وسيط.
6 - أنيس الأبرار. كبير.
7 - إيقاظ العوام.
8 - خلاصة الفوائد.
9 - درج اللئالي.
10 - صحيفة الرشاد.
11 - صفات المؤمن و الكافر.5.
12 - علة افتراق الأمة.
13 - فوائد المؤمنين.
14 - مثالب العباسية.
15 - مخلصة المؤالفين من سمّ حبّ المخالفين.
16 - مرآة المنصفين.
17 - النور و النار.(1)
و قد أثير أمام نظرنا سؤال أراد أن يجرّنا إلى البحث عن موضوع أبي مسلم الخراساني المروزي مؤسس الخلافة العباسية المولود سنة (100) للهجرة و المقتول على يد الخليفة المنصور العباسي سنة (137) للهجرة، الذي نبع فجأة في اصفهان بعد ما يقارب الألف سنة من ولادته أو مقتله، و يؤسس منهجا و مدرسة يخشاها العلماء و الفضلاء و يؤلفوا فيها الكتب العديدة، و ينبعث ذلك الهجوم المفتعل من العوام ضدّهم؛ فما هي أسس هذه الظاهرة؟ و من هم أبطالها و شخوصها؟ و ما هي عقائدهم؟ و لماذا أبو مسلم الخراساني بالخصوص المقتول و الميت قبل هذه المئات من السنين؟ و هل كان هناك بالفعل وجود فكري أو عقائدي يحمل ذلك الطابع من التفكير، أم هو من هلوسة الانجرار وراء الطريقة الحشوية بالفكر؟
هذه الأسئلة و غيرها تحتاج إلى أجوبة تنبعث من دراسة الواقع الفكري و العقائدي لمجتمع اصفهان في ذلك العصر.
كما إننا رأينا المير لوحي قد ظهر واضحا في بعض مجلدات الذريعة و هو يحمل بجولاته وصولاته ضد الصوفية و التصوّف الذي كان يحكم الأمة، و كان له موقعه المتنفذ في البلاط الصفوي في ذلك الحين؛ و لم نجد بموقف المير لوحي أية غضاضة لاتجاهه بهذا الاتجاه، و إنما الذي لفت الانتباه معركته الضروس في عدّة5.
1) الذريعة 151:4 /تحت رقم 735.
كتب ضد العلامة المجلسي الثاني و أبيه المجلسي الأوّل الشيخ محمّد تقي مقصود، و لو اقتصر الأمر على الحوار و المناقشة لانتهى الموضوع إلى هذا الحدّ، و لكننا وجدنا عدّة كتب يشكك المحققون في مؤلفيها أصرّ اللوحي بنسبتها إلى المجلسي الأوّل، مثل كتاب (الرد على الصوفية) للمولى محمّد طاهر بن محمّد حسين الشيرازي النجفي القمي المتوفى 1098 ه، حيث نسبه إليه المير لوحي، و ادعى أن المولى محمّد تقي كتب ردّا عليه. و قد أنكر الرد ولده العلامة المجلسي، و علق على هذه القضية المملوءة بالألغاز و الاستفهامات العلامة الطهراني، فكتب: «و في غاية البعد أن يكتب المولى محمّد طاهر العالم العارف الذي مات بعد المجلسي بما يقرب من ثلاثين سنة ردّا على المجلسي و يجيب عنه في حال حياته، و يتجاسر عليه بما في هذه الأجوبة من نسبة الغلط، و الكذب، و دعوى الباطل، و إيجاد البدعة، و أمثال ذلك من السّب، و الشتم الذي هو من أعمال السوقيين».(1)
و هكذا بالنسبة إلى كتاب (أصول فصول التوضيح) المختصر من (توضيح المشربين) للمولى محمّد تقي بن مقصود عليّ المجلسي الاصفهاني المتوفى سنة 1070 ه، نسبه إليه معاصره السيد محمّد بن محمّد الحسيني السبزواري المطهر النقيبي الشهير بالمير لوحي، و ذكر أنه رجح المجلسي في (توضيح المشربين) و مختصره هذا مشرب التصوف على غيره.
و لكنّ العلامة الطهراني صاحب الذريعة علّق على ادّعاء اللوحي بأن قال: «و لكن يأتي في توضيح المشربين: أن الشيخ عليّ صاحب (الدر المنثور) الذي ألف السهام المارقة في ردّ الصوفية؛ عدّ كتاب توضيح المشربين، و مختصره الأصول المذكور من كتب الردود على الصوفية».(2)1.
و ذكر الطهراني كتاب (توضيح المشربين) مفصلا في المجلد الرابع من الذريعة، و ملخصه أن الكتاب مؤلف باللغة الفارسية، و رتبه مؤلفه على ثلاثة و عشرين بابا، و عقد لكل باب أربعة فصول؛ يذكر في الفصل الأوّل كلمات من أبطل طريقة الصوفية وردّ عليهم. كما يذكر في الفصل الثاني كلمات من دافع عن الصوفية و انتصر لهم، و زعم المؤلف أنها من حواشي العلامة المجلسي الأوّل الشيخ محمّد تقي بن مقصود عليّ، و في الفصل الثالث ينقل المؤلف كلمات من يردّ على المولى المجلسي.
و لم يذكر المؤلف في ذلك الكتاب اسم أحد من المؤلفين له مع كثرة نقولاتهم عنهم إلا ما زعمه أنه من كلام المولى محمّد تقي المجلسي، فمؤلف الكتاب مجهول الاسم و الوصف، و هو ينقل عن كتاب (توضيح المشربين) و هو مجهول الاسم و الوصف أيضا. و لم يذكر إلا المجلسي، مما حفز العلامة الطهراني رحمه اللّه ان يقول:
«فالعدول عنه إلى التصريح باسمه فقط مع التعمية عن أسماء الباقين أشعر بأعمال غرض في هذا التأليف؛ و أن السبب الوحيد الباعث لتأليفه هو انتساب مطالب الحواشي إلى المولى المجلسي، و انتشارها عنه، مع نزاهة ساحته عن نسبة تلك المطالب إليه، بشهادة تصانيفه، و بإخبار ولده العلامة المجلسي، و بعلمنا بأحواله من تفانيه في علم الحديث و بثّه، و شروح الأحاديث و نشرها، و من كونه ملتزما بتهذيب النفس بالتخلية و التحلية، و المجاهدة مع النفس في السير إلى اللّه تعالى على ما هو مأمور به في الشرع الأقدس لا على طريقة الصوفية... الخ».(1)
و ينفتح من هذا الباب الحديث عن علاقة اللوحي مع المجلسي الثاني، و هجومه العنيف عليه في كتبه و خصوصا كتابه كفاية المهتدي؛ فما كانت الدوافع و الأغراض من تلك المعركة... هل هي بالفعل تملك الدواعي العلمية و العقائدية؟ مما قد يثير8.
1) الذريعة 497:4 /تحت رقم 2228.
الجواب إذا كان ما يوصلنا إليه البحث العلمي بنعم، أن نؤسس دراسات و أبحاث عن منهج المجلسي في جميع اتجاهاته العلمية، و البحثية... أو قد نصل إلى نتيجة موضوعية أخرى تثبت أن هناك أخطاء غير مقصودة كانت في منهج المجلسي لا سامح اللّه تعالى... مما يفتح أمامنا مجالا واسعا للبحث عن الإجابة لسؤال: ما هو؟
و أما إذا قلنا بأن الصراع الذي كان من اللوحي مع المجلسي إنما هو صراع شخصي و من طرف واحد.
فأما كونه من طرف واحد فلم نجد أيّة ردّ فعل من المجلسي تجاه اللوحي، و لم نجد أي ذكر له في جميع ما كتبه المجلسي، و الموجود منها مئات المجلدات من الكتب... بعكس ما وجدناه قد خرج من قلم اللوحي، حيث وجدنا أن أكثر ما كتبه إنما كان موجها أما بالذات، أو بالعرض ضد المجلسي رضى اللّه عنه.
و لكن يبقى السؤال الأخير بدون إجابة، و هو: هل أنّ هناك أغراض و دواعي شخصية للّوحي أنشبت تلك الحرب؟
و أخال أن ضرورة البحث العلمي تفرض على الباحث الموضوعي أن يدرس الظاهرة كلا غير متجزءة، حيث يدخل فيها الدور السياسي و الإرادة السلطانية للنظام الصفوي، و صراع الإرادات المتنوعة التي وجّهت المعركة بجهتها تلك، و هو موضوع دراسة التصوف في العصر الصفوي و تأثيره على تطور الفكر الشيعي السلفي و الفلسفي الذي حاول أن يجمعها نفسه العلامة المجلسي الثاني، ففي الوقت الذي يؤلف كتابه البحار فيجمع أحاديث الشيعة فيه، فهو يؤلف مرآة العقول الذي امتلأ بالمطالب الفلسفية و النقولات لأقوال الملا صدرا و صهره الشيخ محمّد صالح المازندراني.
حفظت لنا المكتبات العظيمة جملة من كتبه و مؤلفاته، و بقي القسم الآخر أسماءا مذكورة في تلك الكتب و غيرها من كتب العلماء و المؤلفين الذين ذكروها... و منها:
1 - إدراء العاقلين، و اخزاء المجانين.
ذكره في (كفاية المهتدي) في ذيل الحديث 17.
و موضوعه ردّ على الصوفية.
و توجد نسخة منه في مكتبة آية اللّه العظمى السيد المرعشي قدّس سرّه في قم المقدسة تحت رقم 389. و قد ذكره الشيخ الطهراني في الذريعة.(1)
2 - أعلام المحبين.
في الرد على الصوفية أيضا.
و توجد نسخة منه في مكتبة مجلس الشورى في طهران - إيران، في الفهرست: الجزء الثالث: الصفحة 61.
3 - ترجمة أبي مسلم المروزي.
ذكره الطهراني في الذريعة تحت رقم: (735)، و قال: «(ترجمة أبي مسلم المروزي) و هو عبد الرحمن بن مسلم الخراساني صاحب الدعوة، و مؤسس الدولة العباسية... إلى أن يقول: كما ذكره السيد عبد الحسيب ابن السيد أحمد بن زين العابدين العلوي في ظهر كتاب والده السيد أحمد تلميذ المحقق الداماد و صهره الموسوم كتابه ب (اظهار الحق و معيار الصدق) في بيان أحوال أبي مسلم الذي ألّفه (1043) لتأييد المير لوحي المذكور و نصرته... و ملخص ما كتبه بخطه السيد عبد الحسيب على ظهر الكتاب المذكور هو أنّه لما بين مير لوحي أحوال أبي مسلم من أنّه كان صاحب الدعوة، و مؤسس الدولة العباسية الغاشمة، و لم يكن مواليا للأئمّة الطاهرين، و ذكر الاختلاف في نسبه، و الخلاف في أصله من أنه خراساني مروزي، أو اصفهاني، و ذكر أنه اخذ بسوء عمله فقتله من هو شرّ منه (المنصور) في أوان شبابه سنة (137)، فعظم ذلك على بعض الناس، فبادروا إلى إيذاء السيد مير لوحي بكلّ جدّ2.
1) الذريعة 388:1 /تحت رقم 2002.
و قوّة، فقام جمع من العلماء المعاصرين له في تقويته لدفع شرّ العوام عنه، و ألّفوا كتبا و رسائل في ذلك... إلى آخر كلامه».(1)
و لكن عبارة الطهراني لا توحي أن الكتاب (ترجمة أبي مسلم) هو من تأليف المير لوحي، بل صريحة بأنه «... لجمع من العلماء المعاصرين للسيد محمّد ابن السيد محمّد الموسوي السبزواري الشهير بمير لوحي نزيل اصفهان، المعاصر للمولى محمّد تقي المجلسي و كان حيا في سنة 1063».(2)
و لكن عدّ في مقدمة كتاب (گزيده كفاية المهتدي) من مؤلفاته.
4 - تنبيه الغافلين.
ردّ على الصوفية أيضا.
ذكره في كتابه كفاية المهتدي.
5 - ديوان مير لوحي.
ذكر الطهراني رحمه اللّه أنه نسب إليه في تذكرة النصر آبادي، و لكنه لم يره.
6 - رياض المؤمنين و حدائق المتقين.
ذكره في كفاية المهتدي في ذيل الحديث 17، و الحديث 38.
و قيل أنه توجد منه نسخة في المكتبة (وزيري) في يزد - إيران، تحت رقم 953.
7 - زاد العقبى.
أربعون حديثا في فضائل الأئمّة الأطهار عليهم السّلام. و قد ذكره في كفاية المهتدي.
8 - كفاية المهتدي لمعرفة المهدي عليه السّلام.
و قد تقدم الحديث عنه.ق.
9 - مناظرة السيد و العالم.
قال الطهراني رحمه اللّه: «للمير لوحي، و هو السيد محمّد بن محمّد لوحي الموسوي السبزواري الملقب بالمطهر، و المتخلّص بالنقيبي، و المعاصر للمولى محمّد تقي المجلسي، و الجسور عليه.
أوّله: [بخاطر فاتر ميرسد كه تمهيد بساط مناظرة نمايد...].
و النسخة عند السيد محمّد عليّ هبة الدين.
و لعلّ مراده من السيد نفسه، و من العالم المولى المجلسي، و لعلّه (مناظره دانشمند و سيّد) السابق ذكرها».(1)
و كان قد قال قبل ذلك: (مناظره دانشمند و سيّد) فارسي في مكتبة راجه فيض آبادي.
و لعلّه عين (مناظرة السيد و العالم) الآتي.(2)
و من الواضح ان العلامة الطهراني لم ير الكتاب الذي في راجه فيض آبادي في الهند، و لذلك احتمله؛ كما من الواضح أيضا أن منشأ احتماله كان بسبب الاسم و ذلك لأن كلمة دانشمند فارسية بمعنى العالم؛ فيكون حينئذ الاسم واحدا.
و مع ذلك فإن مجرد اتحاد الاسم غير كاف لوحدة الكتاب إلاّ بعد المراجعة و التحقق من الموضوع؛ و سوف يبقى ما ذكره تخمينا وظنا (و الظن لا يغني من الحق شيئا).
و آخر دعوانا أن الحمد للّه رب العالمين.
السيد ياسين الموسوي5.
صورة
صورة الفصحة الأولى من النسخة المخطوطة (أ) و عليها اسم الكتاب و المؤلف و خطوط بعض العلماء
صورة
صورة الصفحة الأولى من الكتاب النسخة المخطوطة (أ)
صورة
صورة الصفحة الأخيرة من النسخة المخطوطة (أ)
صورة
صورة الصفحة الأولى من النسخة المخطوطة في (كتابخانه مركزي دانشكاه طهران)
صورة
صورة الصفحة الأخيرة من النسخة المخطوطة (ب) في (كتابخانه مركزي دانشكاه طهران)
بسم اللّه الرحمن الرحيم
الحمد للّه رب العالمين و الصلاة و السلام على أشرف حججه محمّد و آله أجمعين.
أما بعد فيقول المحتاج لرحمة الباري محمّد بن محمد لوحي الحسيني الموسوي السبزواري الملقب بالمطهر و المتخلص بالنقيبي.
لا يخفى على الضمير المنير لأرباب المعرفة و أصحاب النظر أن حديث:
«من حفظ على أمّتي أربعين حديثا مما يحتاجون إليه في أمر دينهم بعثه اللّه عزّ و جلّ يوم القيامة فقيها عالما»،(1)من الأحاديث المشهورة و المستفيضة، و يزعم بعض العلماء أنه من الأخبار المتواترة، و لكن علماء الخاصة و العامة قد سجلوه و كتبوه في مصنفاتهم و مؤلفاتهم.
و قد اختلف في بعض ألفاظه؛ فقد ذكر بعض الرواة المؤالفين و النقلة المخالفين بدل [على أمتي] [عن أمتي]،(2)و كما سطر في كتاب عيون أخبار الرضا عليه السّلام - باب - ما جاء عن الرضا عليه السّلام من الأخبار المجموعة أنه ذكر [من أمتي].(3)
و قد روى السيد الجليل الحسن بن حمزة العلوي الطبري عليه الرحمة (و هو
الملقب بمرعش، و الذي ينتسب إليه السادة المرعشيون) في كتاب الغيبة بسند صحيح عن الإمام الحسن العسكري عليه السّلام، عن الرسول المكي المدني صلّى اللّه عليه و آله: [لأمتي].(1)
و يبدو أن حرف [على] و [من] و [عن] التي دخلت في الروايات المذكورة على لفظة [أمتي] أنها كانت جميعها بمعنى اللاّم الذي ورد في نقل السيد المذكور، و عليه فسوف يكون معنى الحديث: كل من يهتم و يحفظ لأمتي أربعين حديثا من الأحاديث التي يحتاجون إليها في أمر دينهم يبعثه اللّه تعالى الموصوف بالعز و الجلال يوم القيامة فقيها و عالما، و هم حجج محمّد و آله أجمعين.
و قد روى جماعة من العلماء في هذا الحديث بدل فيما يحتاجون إليه:
و فيما ينفعهم، كما أن شيخنا الشيخ بهاء الملة والدين محمّد العاملي غفر اللّه له، قال في كتاب الأربعين: «و في بعض الروايات فيما ينفعهم في أمر دينهم، و في بعضها: أربعين حديثا ينتفعون بها، من غير تقييد بأمر الدين».(2)
و قد أورد عدّة من علماء الشيعة و السنة المنسوبين إلى بيهق في كتبهم لفظة [بعثه اللّه] عوضا للفظة [ينشره اللّه].
و قال أسعد بن إبراهيم بن علي الأربيلي - و هو من فضلاء علماءق.
1) كما ذكرنا سابقا في المقدمة، فإن المصدر هو من الكتب المفقودة حاليا، و كان موجودا عند المؤلف كما نصّ عليه خاتمة المحدثين في: خاتمة المستدرك 32:1 / الطبعة الحديثة. و في: ج 3 /ص 395 /الطبعة الحجرية. و مع ذلك فإن معنى (على أمتي) هو مؤدى معنى لأمتي كما قاله المجلسي في: البحار 157:4 عندما شرح كلمة (على أمتي) بقوله: «الظاهر أن (على) بمعنى (اللام) أي حفظ لأجلهم كما قالوه في قوله وَ لِتُكَبِّرُوا اللّهَ عَلى ما هَداكُمْ (البقرة: 85)، أي لأجل هدايته إياكم»، انتهى كلامه رفع مقامه.
2) الأربعون/البهائي: 8 /طبعة مكتب نويد إسلام/تصحيح عبد الرحيم العقيقي/تاريخ الطبع 1416 ه ق.
المخالفين - في أربعينه: «كنت سمعت من كثير من مشايخ الحديث أن النبي صلّى اللّه عليه و آله قال: من حفظ على أمتي أربعين حديثا بعثه اللّه تعالى يوم القيامة فقيها عالما، و من روى عنّي أربعين حديثا كنت شفيعا له يوم القيامة».(1)
و قد تقدم معنى هذا الحديث سابقا، و أما بقيته فهي: من روى عني أربعين حديثا كنت شفيعه يوم القيامة.(2)
و قال أسعد بن إبراهيم المذكور - بعد أن نقل الحديث المزبور: قد حفظت من الأحاديث ما شاء اللّه، و لم أعلم إلى أي من تلك الأحاديث هي التي أشار إليها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إلى أن التقيت بأبي الخطاب بن دحية بن خليفة الكلبي، و سألته، و قال لي في الجواب: أن مراده هي الأحاديث الواردة في حق أهل البيت عليهم السّلام.
و روى ابن دحية المذكور عن أحمد بن حنبل أنه قال: لم أعلم و لم أعرف أحد في زمان الشافعي أعظم منة على الإسلام من الشافعي، و أنا أطلب من اللّه تعالى في أوقات صلواتي أن يرحمه، فإني قد سمعت منه من ذلك الحين أنه قال: أراد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله من هذه الأربعين المذكورة في هذا الحديث: أربعين حديثا في مناقب أهل بيته.
ثم قال أحمد بن حنبل: فقلت في نفسي من أين صحّ عند الشافعي أن مقصود النبي صلّى اللّه عليه و آله من هذه الأربعين هي الواردة في مناقب أهل البيت الطاهرين؟ فرأيت النبي صلّى اللّه عليه و آله في المنام أنه قال:
يا أحمد لا تشك في قول ابن إدريس، يعني الشافعي.(3)ط.
فمع أن الشافعي و أحمد بن حنبل من الأئمّة الأربعة للنواصب فإنهما يقولان بهذا المعنى: أن من حفظ أربعين حديثا من أحاديث الرسول صلّى اللّه عليه و آله التي جاءت في مناقب الأئمّة الطاهرين صلوات اللّه عليهم فإنه يبعث يوم القيامة من الفقهاء و العلماء، و يحشر مع قوم مداد دواتهم مفضلة على دماء الشهداء.
و كل من روى أربعين حديثا مما وردت في شأن أولئك المنتجبين من الملك المنان فإنه ينال شفاعة الرسول صلّى اللّه عليه و آله في يوم القيامة.
و من الطبيعي فإنه لا يوجد عند شيعة و محبي أمير المؤمنين في هذا المعنى أي شك أو شبهة.
و أوضح حجة عند البرايا إذا كان الشهود هم الخصوم
و نجد كثيرا من مخالفي المعصومين عليهم السّلام أنهم اتفقوا معهم في هذا المعنى، و مع ما عندهم من تمام عدم الإنصاف فإنهم قطعوا في هذا الباب عدة مراحل من مراحل الإنصاف.
و بالجملة فقد وصلت إلى مرأى هذا الأحقر الصغير رواية الحديث المذكور من طرق مختلفة، و أسانيد متنوعة، و هي موجودة في الكتب المعتبرة، و كذلك ما سمعه من مشايخه رحمهم اللّه بحيث لو سجلت جميعها فسوف يتعدى الكلام حد الإطناب، فيولد ملل للقراء و المستمعين.
و من الواضح أنه لا يشك أحد من شيعة إمام المتقين في أن معرفة و محبة الأئمّة الطاهرين عليهم السّلام، و الإطلاع على فضائلهم و مناقبهم هي من أمر الدين. و أنّ جميع أمة سيد الأنبياء، بل جميع العالم محتاج إليهم و ينتفع بهم.
و على كل حال، فعلى أي عبارة كان نقل الحديث المذكور فإنه يرجع إلى المعنى المسفور، و لهذا فقد كان أوّل أربعين أقدم هذا الضعيف على جمعها هو الأربعين حديث الموسومة ب (زاد العقبى في مناقب الأئمّة الأوصياء)، و قد جعلته ذخيرة للمعاد، و واسطة أمل يوم التناد.
و مع أن ذلك الكتاب لم يخل من مناقب و فضائل و خصائص و خصال خاتم الأوصياء و آخر حجج اللّه تعالى عليه التحية و الثناء، فقد طلب منّي حفظ و تأليف و ترديف و ترصيف أربعين مستقلة في صفات و سمات و براهين و معجزات و أحوال حسن المآل لمنتجب الملك المتعال، لتسر بمطالعته و قراءته و سماعه القلوب السليمة لمحبي أهل البيت، و هم من العامة الذين لم يدروا و لم يقسم لهم من علو معرفة ذلك الإمام ذو المقام العالي، بحيث يتصورون أنه عليه السّلام...(1)عند بعض الملالي؛ ليعرضوا حضرته عليه السّلام و يقفوا على علو رتبته و سمو درجة هذا السيد العظيم حتى لا يكون موتهم موتة جاهلية، لأن في المشهور بل المتواتر عن الرسول الأعظم صلّى اللّه عليه و آله أنه قال: «من مات و لم يعرف إمام زمانه فقد مات ميتة جاهلية».(2)
يعني: أن حكمه حكم من لم يعاصر الإسلام و زمان الإسلام، و يعد ضمن من مات كافرا.
فأوقعت هجومات علائق و عوائق الزمان و مصائب و نوائب الدهر غير الدائم تلك الإرادة في حيز التأخير إلى أن سألني في هذه الأيام الشريفة بعض من خواص و عوام الشيعة عن غيبة و رجعة ذلك الملك مركز الإمامة و الخلافة عليه السّلام، و التمس جمع من صلحاء المؤمنين، بل ألحّوا بحروف الاقتراح على رقاع إلحاح من هذا الغريق في بحر الاضطراب عدد كلمات من مخزون ذهنه الخامل أو من بطون سواد الدفاتر فتصل بإعانة زبدة الخضاض إلى رياض البياض...
1) ذكر المؤلف كلمة وجدناها غير مناسبة لذكرها فحذفناها.
2) الكافي للكليني 377:1 /ح 3؛ دعائم الإسلام للقاضي المغربي 27:1؛ مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب 212:1؛ و روته مصادر العامة بألفاظ مختلفة منها: «من مات - و لا طاعة عليه، و لا إمام، و ليس عليه إمام، و ليس في عنقه بيعة، و ليس له إمام، لا يعرف إمامه - مات ميتة جاهلية» راجع مسند أحمد 446:3؛ صحيح مسلم 22:6...
و لما كانت الموانع كثيرة فقد تأخر هذا الضعيف المنكسر في القيام بهذا الأمر، و من جملة تلك الموانع أن هذا الحقير معدم و فقير، و قد قال الحكماء: إذا كان الرجل عديم المال و مفلس الحال فلو أنه نثر الدر عند تكلمه فسوف يحسب العوام كلامه بلا فائدة و يعدون فضائله رذائل، بل يعرّفونها بأقبح الخصائل؛ بينما الغني له المرتبة العالية حتى و لو كان خال من الغنا، و إن قال كلاما لا معنى له فإنهم يؤولونه و يضعون له تعليلا جميلا و مقبولا، و يرون عيوبه كمالا و قبائحه مرغوبا فيها، و قالوا في هذا المقام تأكيدا للمرام:
إن سعل الموسر في مجلس قيل له يرحمك اللّه
لو عطس المعسر في مجمع سب و قيل فيه ما ساه
فمهما كان الغني جاهلا فإن كلامه مقبول و معتبر عند الناس، فلو رأوا عند شخص الثروة و التفكر فبطريق أولى أن كلامه عندهم سوف يكون ذا رتبة عالية، و معتبرا.
و بالخصوص عندما يكون العامة معتقدين بمثل هذا الموسر، و متنفرين عن مثل هذا الفقير المعسر لقوله الحق، فسوف يكون من الصعب قبول كلام هذا الوضيع، و الالتفات إلى تأليف هذا الضعيف.
و قال العرفاء: و لا يغفل أن العامة تقول بقول من تحب و لو كان قوله و عمله غير صائب، و يردّون على كل من يعرضون عنه كلما قال و فعل.
و قال هذا الضعيف المنكسر في هذا المعنى شعرا:
إذا مال العوام إلى خطيب فكل سخيف قال قيل لطيف
و من رغبوا عنه، كل لطيف روى قالوا هو قول سخيف
و قد اشتهر أن جناب المرحوم المغفور له الملاّ خزاني (و هو من فصحاء الشعراء و من مشاهير مدّاحي ملك الأولين) كان يبالغ بلا حدود في التجمل و زينة الجسم و يهتم بتزويق البدن، فكان إذا مشى في الأزقة و السوق
فإنه يركب الدابة السريعة و كان يكثر الالتفات إلى سائق الدابة و مرافقيه و أتباعه؛ فحينها قال له العالم الرباني أعني المحقق المؤيد بتأييد حضرة ذي الجلال الشيخ علي بن عبد العال رحمه اللّه: حضرة مولانا! إنك تعلم أن مولانا و مولاكم كان يلبس الثوب المرقع، و يساوي في لبس قميصه غلامه قنبر، و لا تظن أن مرادي من هذا الكلام أن لبس الألبسة الفاخرة غير جائز، أبدا، و إنما موضوع التحقق هو: ألم يكن هذا التزين خارجا عن الحدّ المعفو عنه في الزينة، و من التشبه بأهل التجبر و التعالي، فلماذا كل هذا؟!
فقال الملاّ الموما إليه في جواب الشيخ المحترم: إنما هذا من أجل دفع شماتة أعداء اللّه، و هو ميزان التقدير و الاهتمام في نظر الناس في باطنهم الأعمى؛ و أنشأ بديهة هذين البيتين من الذهن المعطر بلسان البلاغة و أنشد على ذلك المقدم في محافل المعارف.
خلق ظاهر بين اكر بينند بشمين مى نمايندم كه باب ساربانى آمده
با عصاى نقره و با كش و فشهر مى جهند از جا كه مولانا خزانى
و من هذا كان رسم و عادة أكثر العالم أن ينظروا إلى الظاهر، فيتبع بعضهم البعض الآخر في الأوامر.
و لا شك في هذا، و الدليل عليه حكاية الشيخ محمد علي المشهدي و عبد اللّه المتجنن، فإنها كافية للعاقل.
ففي الواقع أنه لم يكن في أصفهان أفضل، و أعبد، و أعلم، و أزهد، من الشيخ محمّد علي المذكور، فهذا التعلق للعامة به، لماذا لم يكن لأي أحد من فضلاء و علماء و زهاد و عبّاد عصره؟
و إن جماعة من أهل الخبرة المطّلعين على حال رائد قافلة الضلالة و يعلمون أن مركز ذلك مخرب الدين يقوم على الافتراء على اللّه تعالى و المصطفى و الأئمّة المعصومين، و الغناء و الإنشاد في المسجد.
و مع أن مجموعة كبيرة من عدول المؤمنين و ثقات أهل الدين قد نظّموا ضبطا في كفره، فإنه لم يرجع أحد من المخدوعين عنه، بل ازداد حبهم لذلك الشيطان الإنسي على المقدار السابق، فما هي علاقة العامة بأقوال علماء الدين و المضبطة؟
إنهم ينظرون إلى قطيع الإبل، و إسطبل الخيل و البغال.
جه توان كرد تا جهان بوده اين طريق جهانيان بوده
إنهم أوقعوا أنواع الأذى على نوح النبي عليه السّلام، و اعتقدوا و آمنوا بعجل السامري، و نسبوا حبيب اللّه للجنون و أنه شاعر و كذاب و ساحر، و ساوّوه مع مسيلمة الكذاب.
جه كنم ديده جهان كور است جون زيم كوش روزكار كر است
شكر و قند را رواجى نيست روز بازار شغلم و كزر است
و عندما رأى أهل الزمان ملا مكّارا، أو أحد العامة منحرف الفكر، و منحرف العمل مالوا إلى عبد اللّه المتجنن، و ارتضوا هذا الملعون صانع مقالات الكفر الذي هو أخس من الجيفة، و الحيوانات الميتة، و من كلب الكافر و التتار، لمقام الولاية و القطبية، و العوام ينخدعون كالأنعام، و لذلك فقد عدوا سيء الحظ الفاسد العقيدة المحتال من الأولياء.
جه توان كرد قحط إنسان است عرصه دهر برز كاو و خر است
خر و كوهر شناختن هيهات بيش خر كاه و جو، به از كهر است
خر به تعليم مى شود انسان؟ لا نسلم خر كاه هميشه خر است
ما تريده الدنيا أن يكون يكون، فهو محتال خداع مكّار؛ و كل ذكي يريد الاطلاع على حال ذلك الشيخ الشيطان فليطالع كتاب (نصيحة الكرام أو فضيحة اللئام لسماحة المفيد المفيض واحد الأيام محمّد بن نظام الدين
محمّد المشهور بعصام الذي انتخبه من كتاب جناب مرجع العدل و المؤيد بالتأييدات سماحة المقتدر الملاّ محمّد طاهر)، و قد أضاف إليه مقدارا يسيرا.
و إذا أراد أحد أن يعرف هذا المتجنن الملحد فليراجع رسالة (إدراء العاقلين و إخزاء المجانين) فإنها أقل ما كتب بما أراه النظر.
و بالإجمال فإن العوام كالأنعام بعدم تمييزهم بين الحنظل عن حلاوة العسل، و بين الأهداب و الشوك و من الخفاش معرفة الشمس، و يقاس الماء بالغربال.
و لهذا تهاملت في كتابة هذه الرسالة إلى أن رأيت في ليلة الرابع عشر من شهر شعبان سنة ألف و واحد و ثمانين رؤية حصلت على تأويلها في أوائل النهار المتصل بتلك الليلة، و أمرت بكتابة هذه الرسالة؛ فكان أكثر توجهي منصبا على حفظ أربعين حديثا، و ألزمت نفسي على قدر الوسع و الإمكان أن أنقل كل حديث انفرد به الفضل بن شاذان عليه الرحمة و الغفران و لا يوجد له مؤيدا لذلك الحديث.
و سميت هذه الأربعين بكفاية المهتدي في معرفة المهدي.
و التوكل على اللّه المجيد
قال الشيخ الكامل العادل العابد الزاهد المتكلم الخبير الفقيه النحرير النبيل الجليل أبو محمّد الفضل بن شاذان بن الخليل - برد اللّه مضجعه و جعل في الفردوس إلى الأئمّة الطاهرين مرجعه - في كتابه الموسوم بإثبات الرجعة:
حدثنا محمد بن إسماعيل بن بزيع رضى اللّه عنه قال: حدثنا حماد بن عيسى، قال: حدثنا إبراهيم بن عمر اليماني، قال: حدثنا أبان بن أبي عياش، قال:
حدثنا سليم بن قيس الهلالي، قال:
قلت لأمير المؤمنين عليه السّلام: إني سمعت من سلمان و المقداد و أبي ذر شيئا من تفسير القرآن و الأحاديث عن النبي صلّى اللّه عليه و آله غير ما في أيدي الناس، ثم سمعت منك تصديق ما سمعته منهم، و رأيت في أيدي الناس أشياء كثيرة من تفسير القرآن و الأحاديث عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و أنتم تخالفونهم فيها و تزعمون أن ذلك كله باطل، أفترى الناس يكذبون على اللّه و رسوله صلّى اللّه عليه و آله متعمدين، و يفسرون القرآن بآرائهم؟
قال: فقال علي عليه السّلام: قد سألت فافهم الجواب، إن في أيدي الناس حقا و باطلا، و صدقا و كذبا، و ناسخا و منسوخا، و خاصا و عاما، و محكما و متشابها، و تحفظّا و توهمّا، و قد كذب على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في عهده حتى قام خطيبا، فقال: أيّها الناس قد كثر الكذب عليّ، فمن كذب عليّ متعمدا
فليتبوأ مقعده من النار، ثم كذب عليه من بعده أكثر مما كذب عليه في زمانه، و إنما أتاكم الحديث من أربعة ليس لهم خامس:
رجل منافق يظهر للإيمان، متصنّع بالإسلام، لا يتأثّم و لا يتحرّج أن يكذب على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله متعمّدا، فلو علم الناس أنه منافق كذاب لم يقبلوا منه و لم يصدقوه، و لكنهم قالوا: هذا رجل من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله رآه و سمع منه، فأخذوا عنه و هم لا يعرفون حاله، و قد أخبر اللّه عن المنافقين بما أخبر، و وصفهم بما وصف، فقال عزّ و جلّ: وَ إِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَ إِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ ،(1)ثمّ تقربوا بعده إلى الأئمّة الضّالة، و الدعاة إلى النار بالزور و الكذب و البهتان، فولّوهم الأعمال و حملوهم على رقاب الناس و أكلوا بهم الدنيا، و إنما الناس مع الملوك و الدنيا إلا من عصمه اللّه تعالى، فهذا أحد الأربعة.
و رجل آخر سمع من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله شيئا و لم يحفظه على وجهه، و وهم فيه، و لم يتعمد كذبا، فهو في يده، يقول به و يعمل به و يرويه، و يقول:
أنا سمعته من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فلو علم المسلمون أنّه وهم لم يقبلوه، و لو علم هو أنه وهم لرفضه.
و رجل ثالث سمع من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله شيئا أمر به ثم نهى عنه، أو سمعه نهى عن شيء ثم أمر به و هو لا يعلم، فحفظ منسوخه و لم [يعلم](2)الناسخ، فلو علم أنّه منسوخ لرفضه، و لو علم المسلمون إذ سمعوه منه أنه منسوخ لرفضوه.
و رجل رابع لم يكذب على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و هو مبغض للكذب خوفا من اللّه تعالى و تعظيما لرسوله صلّى اللّه عليه و آله [لم ينس]،(3)بل حفظ ما سمع علىه.
وجهه، فجاء به لم يزد فيه و لم ينقص منه، و علم الناسخ و المنسوخ، فعمل بالناسخ و رفض المنسوخ، و يعلم أن أمر النبي صلّى اللّه عليه و آله كأمر القرآن، و فيه كما في القرآن ناسخ و منسوخ، و خاص و عام، و محكم و متشابه، و قد كان يكون من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله الكلام له وجهان، كلام عام و كلام خاص مثل القرآن، قال اللّه تبارك و تعالى: ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ،(1)فاشتبه على من لم يعرف و لم يدر ما عنى اللّه به و رسوله صلّى اللّه عليه و آله.
و ليس كل أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله كان يسأله عن الشيء، و كل من يسأله عن الشيء فيفهم، و كل من يفهم يستحفظ، و قد كان فيهم قوم لم يسألوه عن شيء قط، و كانوا يحبّون أن يجيء الأعرابي الطارئ أو غيره فيسأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و هم يستمعون.
و كنت أدخل عليه صلّى اللّه عليه و آله في كل يوم دخلة، و في كل ليلة دخلة، فيخليني فيها يجيبني بما أسأل، و أدور معه حيث دار، قد علم أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أنه لم يصنع ذلك بأحد من الناس غيري، و ربما كان يأتيني رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في بيتي، و كنت إذا دخلت عليه في بعض منازله أخلاني و أقام عني نساءه فلا يبقى عنده غيري، و إذا أتاني للخلوة لم يقم عني فاطمة و لا أحد من بنيّ، و كنت إذا سألته أجابني، و إذا سكتّ و نفدت مسائلي ابتدأني، فما نزلت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله آية من القرآن إلا أقرأنيها و أملاها عليّ فكتبتها بخطي و علمني تأويلها و تفسيرها و ناسخها و منسوخها و محكمها و متشابهها و خاصها و عاما و ظهرها و باطنها، و دعا اللّه أن يعطيني فهمها و حفظها، فما نسيت آية من كتاب اللّه و لا علما أملاه علي، و ما ترك شيئا علّمه اللّه من حلال أو حرام أو أمر أو نهي أو طاعة أو معصية أو شيء كان أو يكون و لا كتاب7.
1) الحشر: 7.
منزل على أحد من قبله إلا علّمنيه، و حفظته فلم أنس حرفا واحدا منها، و كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إذا أخبرني بذلك كله وضع يده على صدري و دعا اللّه لي أن يملأ قلبي علما و فهما و حكما و نورا، و كان يقول: اللهم علمّه و حفّظه و لا تنسه شيئا مما أخبرته و علّمته.
فقلت له ذات يوم: بأبي أنت و أمي يا رسول اللّه! منذ دعوت اللّه بما دعوت لم أنس شيئا، و لم يفتني شيء مما علّمتني، و كلما علّمتني كتبته، أفتتخّوف عليّ النسيان؟
فقال: يا أخي لست أتخوّف عليك النسيان، إني أحب أن أدعو لك، و قد أخبرني اللّه تعالى أنه قد أجابني فيك و في شركائك، الذين قرن اللّه عزّ و جلّ طاعتهم بطاعته و طاعتي، و قال فيهم: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ .(1)
قلت: من هم يا رسول اللّه؟
قال: الذين هم الأوصياء بعدي، و الذين لا يضرهم خذلان من خذلهم، و هم مع القرآن و القرآن معهم، لا يفارقونه و لا يفارقهم حتى يردوا عليّ الحوض، بهم تنصر أمتي و بهم يمطرون، و بهم يدفع البلاء، و بهم يستجاب الدعاء.
قلت: سمّهم لي يا رسول اللّه!
قال: «أنت يا عليّ أولهم، ثم ابني هذا، و وضع يده على رأس الحسن، ثم ابني هذا، و وضع يده على رأس الحسين، ثم سميك ابنه علي زين العابدين، و سيولد في زمانك يا أخي فاقرأه مني السلام، ثم ابنه محمّد الباقر، باقر علمي و خازن وحي اللّه تعالى، ثم ابنه جعفر الصادق، ثم ابنه موسى الكاظم، ثم ابنه علي الرضا، ثم ابنه محمّد التقي، ثم ابنه علي النقي، ثم ابنه9.
1) النساء: 59.
الحسن الزكي، ثم ابنه الحجة القائم، خاتم أوصيائي و خلفائي، و المنتقم من أعدائي، الذي يملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت جورا و ظلما».
ثم قال أمير المؤمنين عليه السّلام: «و اللّه إني لأعرفه يا سليم حين يبايع بين الركن و المقام، و أعرف أسماء أنصاره و أعرف قبائلهم».
قال محمّد بن إسماعيل: ثم قال حماد بن عيسى: قد ذكرت هذا الحديث عند مولاي أبي عبد اللّه عليه السّلام، فبكى و قال: قد صدق سليم، فقد روى لي هذا الحديث أبي عن أبيه علي بن الحسين عن أبيه الحسين بن عليّ عليهم السّلام أنه قال: قد سمعت هذا الحديث عن أبي أمير المؤمنين عليه السّلام حين سأله سليم بن قيس.(1)
الطبعة الأولى سنة 1415 ه/مؤسسة نشر الهادي/قم إيران. و تجده في المسترشد للطبري الإمامي:
36؛ و في الخصال للصدوق: 4 /ح 131؛ و في الغيبة/النعماني: 49؛ و في تحف العقول لابن شعبة:
131؛ و بصائر الدرجات للصفار: 198 /ح 3 /و في البحار/المجلسي 211:27.
روى الشيخ المذكور في الكتاب المزبور بسند خال عن الخلل الذي هو في الحقيقة سند صحيح عال، عن سليم بن قيس الهلالي.
و روى أكثر هذا الحديث الشريف محمّد بن يعقوب الكليني قدّس سرّه في كتاب الكافي،(2)كما رواه بتمامه ابن بابويه رحمه اللّه في أواخر كتاب الاعتقادات(3)مع قليل من الزيادة و النقص و الاختلاف في بعض عباراته.
و قد حصل لزمرة المؤمنين و كافة الموقنين من هذا الحديث الشريف فوائد، بل يمكن لسائر المذاهب أن يحصلوا على هذه الفوائد إذا توجهوا بالإنصاف و تركوا التعصب و الباطل جانبا.ه.
و من تلك الفوائد: أن يصم أهل الخلاف، و يزيد يقين أرباب اليقين بأن خلفاء حضرة سيد المرسلين منحصرون بالأئمّة المعصومين صلوات اللّه عليهم أجمعين.
و الفائدة الثانية: أن في القرآن و أحاديث الرسول صلّى اللّه عليه و آله ناسخ و منسوخ، و خاص و عام و محكم و متشابه.
و الفائدة الثالثة: أن للقرآن ظاهرا و باطنا، و ليعلم أنه يقال للمعاني الباطنية للقرآن تأويل، و علمه مخصوص باللّه تبارك و تعالى و النبي صلّى اللّه عليه و آله و الأئمّة الإثني عشر عليهم السّلام، ليس لغيرهم أن يطلع عليه، و يكفي شاهدا على هذا المدعى الآية الكريمة: وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَ الرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ .(1)
***7.
1) آل عمران: 7.
قال الشيخ الصدوق أبو جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه رحمة اللّه عليه و على والديه في كتاب كمال الدين و تمام النعمة:
حدثنا أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني رضى اللّه عنه عن عليّ بن إبراهيم بن هاشم عن أبيه عن عبد السلام بن صالح الهروي، قال: سمعت دعبل بن علي الخزاعي يقول:
أنشدت مولاي الرضا علي بن موسى عليه السّلام قصيدتي التي أولها:
مدارس آيات خلت من تلاوة و مهبط وحي مقفر العرصات
فلما انتهيت إلى قولي:
خروج إمام لا محالة خارج يقوم على اسم اللّه و البركات
يميز فينا كل حق و باطل و يجزي على النعماء و النقمات
بكى الرضا عليه السّلام بكاءا شديدا، ثم رفع رأسه إليّ فقال [لي]: يا خزاعي نطق روح القدس على لسانك بهذين البيتين، فهل تدري من هذا الإمام و متى يقوم؟
فقلت: لا يا مولاي إلا أني سمعت بخروج إمام منكم يطهّر الأرض من الفساد و يملأها عدلا.
فقال: يا دعبل، الإمام بعدي محمّد ابني، و بعد محمّد ابنه عليّ، و بعد عليّ ابنه الحسن، و بعد الحسن ابنه الحجة القائم المنتظر في غيبته، المطاع في ظهوره، لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطوّل اللّه عزّ و جلّ ذلك اليوم حتى يخرج فيملأها عدلا كما ملئت جورا.
و أما متى فإخبار عن الوقت، و قد حدثني أبي، عن أبيه، عن آبائه عليهم السّلام أن النبي صلّى اللّه عليه و آله قيل له: يا رسول اللّه! متى يخرج القائم من ذريتك؟
فقال صلّى اللّه عليه و آله: «مثله مثل الساعة التي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاّ بَغْتَةً (1)».(2)
و هناك أحاديث كثيرة في هذا المعنى غير هذا الحديث؛ كما إن ظهور حضرة صاحب الزمان عليه السّلام لا يعلمه أحد إلا رب العالمين جلّ جلاله، و قد أورد محمّد بن يعقوب الكليني رحمة اللّه عليه في كتاب الكافي بابا من هذا الموضوع بأنه لا يعلم وقت ظهور حضرة خاتم الأوصياء أحد إلا اللّه تعالى، و سمّى هذا الباب (باب كراهية التوقيت).(3)
و قد وضع ابن شاذان عليه الرحمة و الغفران في كتاب (إثبات الرجعة) بابا مشتملا على هذا النحو من الأحاديث سماه باب (شدّة النهي عن التوقيت).
و أحد تلك الأحاديث التي رواها الشيخ الجليل القدر، قال: حدثنا محمّد بن أبي عمير رضى اللّه عنه عن حماد بن عيسى عن أبي شعبة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام عن أبيه محمّد بن عليّ عن أبيه عليّ بن الحسين عن عمه الحسن بن عليّ بن أبي طالب عليهم السّلام.
قال: سألت جدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله عن الأئمّة بعده، فقال صلّى اللّه عليه و آله: «الأئمّة بعدي عدد نقباء بني إسرائيل إثنى عشر، أعطاهم اللّه علمي و فهمي، و أنت منهم يا حسن». فقلت: يا رسول اللّه فمتى يخرج قائمنا أهل البيت؟
قال: «يا حسن إنما مثله مثل الساعة أخفى اللّه علمها على أهل السموات و الأرض لا تأتي إلا بغتة».(4)).
يعني كما أنه لا يعلم متى تقوم القيامة أحد إلا اللّه رب العالمين، فكذلك لا يعلم أحد إلا الملك المنان متى سوف يكون وقت ظهور صاحب الزمان عليه السّلام.
و قال الشيخ أبو جعفر الطوسي (رضوان اللّه عليه) في كتاب الغيبة: أمّا وقت خروجه فليس بمعلوم لنا على التفصيل، بل هو مغيّب عنا إلى أن يأذن اللّه بالفرج.(1)
و نقل عدّة أحاديث في هذا الباب قد انتهت أسانيدها إلى ابن شاذان (رحمة اللّه عليه) المذكور.
و هي موجودة مع أحاديث أخرى في هذا المعنى في كتاب إثبات الرجعة، و من جملتها قال الشيخ أبو جعفر:
أخبرنا الحسين بن عبيد اللّه عن أبي جعفر محمّد بن سفيان البزوفري عن عليّ بن محمّد عن الفضل بن شاذان عن أحمد بن محمّد و عبيس [بن هشام] عن كرام عن الفضيل قال:
سألنا أبا جعفر عليه السّلام: هل لهذا الأمر وقت؟
فقال عليه السّلام: «كذب الوقّاتون، كذب الوقّاتون، كذب الوقّاتون».(2)
و روى أيضا عن ابن شاذان بهذا الطريق: الفضل بن شاذان، عن الحسين بن يزيد الصحاف، عن منذر الجوّاز، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: «كذب الموقّتون، ما وقتنا فيما مضى، و لا نوقت فيما يستقبل».(3)
و روى ابن شاذان هذا الحديث بعدّة أسانيد صحيحة.
و قال الشيخ الطوسي بعد أن ذكر هذا الحديث: و بهذا الإسناد عن عبد الرحمن بن كثير قال: كنت عند أبي عبد اللّه عليه السّلام إذ دخل عليه مهزم الأسدي، فقال: أخبرني جعلت فداك متى هذا الأمر الذي تنتظرونه، فقد طال؟2.
فقال: «يا مهزم! كذب الوقّاتون، و هلك المستعجلون، و نجا المسلّمون، و إلينا يصيرون».(1)
و قد روى الشيخ أبو محمّد بن شاذان في هذا الباب عدة روايات.
كما وقع في توقيعين أن حجة الرحمن عليه السّلام نفسه قد قال بأن التوقيت كذب.
أحدهما: قال ابن بابويه رحمة اللّه عليه في كتاب كمال الدين: حدثنا محمّد بن إبراهيم بن إسحاق [الطالقاني] رضى اللّه عنه قال: سمعت أبا علي [محمّد] بن همام، يقول:
سمعت محمّد بن عثمان العمري قدس اللّه روحه يقول: خرج التوقيع بخط أعرفه يقول: «من سمّاني في مجمع من الناس باسمي فعليه لعنة اللّه».
قال أبو عليّ [محمّد] بن همام: و كتبت أسأله عن [ظهور] الفرج متى يكون؟
فخرج التوقيع: «كذب الوقّاتون».(2)
و قال سماحة سيد المجتهدين الأمير محمّد باقر الداماد رحمه اللّه بعد أن نقل هذا الحديث في كتاب (شرعة التسمية): (و هذه الرواية بعينها قد رواها شيخنا الإمام المفيد، و شيخنا الأعظم الطوسي، و الشيخ المفسر الطبرسي قدس اللّه أسرارهم بأسانيدهم الصحيحة).(3)
و المحل الثاني الذي وقع فيه التوقيع ما رواه: ابن شاذان و ابن بابويه و الشيخ الطوسي و الشيخ الطرابلسي رضوان اللّه عليهم أجمعين بأسانيدهم، و نحن نكتفي بسند واحد و نقل فقرة منه رعاية للاختصار هنا.
روى ابن بابويه رحمة اللّه عليه عن محمّد بن محمّد بن عصامم.
الكليني رضى اللّه عنه قال: حدّثنا محمّد بن يعقوب الكليني عن إسحاق بن يعقوب قال: سألت محمّد بن عثمان العمري رحمه اللّه(1)أن يوصل لي كتابا قد سألت فيه عن مسائل أشكلت عليّ، فورد التوقيع(2)الجواب، و بالإجمال فكان من جملة تلك المسائل أنه سأل عن وقت ظهوره عليه السّلام، فكتب عليه السّلام في جواب هذا السؤال: «و أمّا ظهور الفرج فإنه إلى اللّه تعالى و كذب الوقّاتون».(3)
كمال الدين/الصدوق: 483 /الباب 45 /ح 4؛ و في الخرائج/الراوندي: 1113/3 / ح 30؛ و في كشف الغمة/الإربلي: 531/2.
يعني: أمّا ظهور الفرج فإنه متعلق بإرادة و مشيئة الحق تعالى و كذب الوقّاتون.
و قد ذكرنا قبل هذا أن ابن شاذان عليه الرحمة و الغفران قد روى أحاديثا في هذا الباب غير تلك التي رواها الشيخ أبو جعفر الطوسي قدّس سرّه.
و أحدها: قال: حدّثنا عبد الرحمن بن أبي نجران رضى اللّه عنه عن عاصم بن حميد عن أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر عليه السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لأمير المؤمنين عليه السّلام: «يا عليّ إن قريشا ستظهر عليك ما استبطنته، و تجتمع كلمتهم على ظلمك و قهرك، فإن وجدت أعوانا فجاهدهم، و إن لم تجد أعوانا فكف يدك و أحقن دمك، فإن الشهادة من ورائك، فاعلم أن ابني ينتقم من ظالميك و ظالمي أولادك و شيعتك في الدنيا، و يعذبهم اللّه في الآخرة عذابا شديدا.
فقال سلمان الفارسي: من هو يا رسول اللّه؟
فقال: التاسع من ولد ابني الحسين الذي يظهر بعد غيبته الطويلة، فيعلن2.
أمر اللّه و يظهر دين اللّه و ينتقم من أعداء اللّه و يملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملأت جورا و ظلما.
قال: متى يظهر يا رسول اللّه؟
قال صلّى اللّه عليه و آله: لا يعلم ذلك إلا اللّه، و لكن لذلك علامات، منها نداء من السماء، و خسف بالمشرق، و خسف بالمغرب، و خسف بالبيداء.
و السلام على من اتبع الهدى».(1)
و قال ابن بابويه رحمة اللّه عليه في كتاب (كمال الدين و تمام النعمة):
حدّثنا عبد الواحد بن محمّد بن عبدوس العطار، قال: حدّثنا عليّ بن محمّد بن قتيبة النيشابوري، عن حمدان بن سليمان، قال: حدّثنا الصقر بن أبي دلف، قال: سمعت أبا جعفر محمّد بن عليّ الرضا عليهما السّلام يقول:
«إن الإمام بعدي ابني عليّ، أمره أمري و قوله قولي و طاعته طاعتي، و الإمام بعده ابنه الحسن، أمره أمر أبيه، و قوله قول أبيه، و طاعته طاعة أبيه، ثم سكت.
فقلت له: يا ابن رسول اللّه فمن الإمام بعد الحسن؟
فبكى عليه السّلام بكاءا شديدا، ثم قال: إن من بعد الحسن ابنه القائم بالحق المنتظر.
فقلت له: يا ابن رسول اللّه لم سمّي القائم؟
قال: لأنه يقوم بعد موت ذكره، و ارتداد أكثر القائلين بإمامته.
فقلت له: و لم سمّي المنتظر؟
قال: لأنّ له غيبة تكثر أيامها، و يطول أمدها، فينتظر خروجه المخلصون، و ينكره المرتابون، و يستهزئ بذكره الجاحدون، و يكذب فيها الوقّاتون، و يهلك فيها المستعجلون، و ينجو فيها المسلّمون».(2)3.
و نقل ابن شاذان هذا الحديث بلا واسطة عن الإمام عليه السّلام باختلاف قليل ببعض ألفاظه، مع أحاديث أخرى، ثم قال:
قد تحقق من هذه الأخبار و أمثالها أن وقت ظهوره مغيّب عن الخلق و لا يعلمه إلا اللّه.
و قال الحسن بن حمزة العلوي الطبري في كتاب الغيبة: قال أبو عليّ محمّد بن همام رضى اللّه عنه في كتابه (نوادر الأنوار): حدّثنا محمّد بن عثمان بن سعيد الزيات رضي اللّه عنه، قال: سمعت أبي يقول: سئل أبو محمّد عليه السّلام عن الخبر الذي روي عن آبائه عليهم السّلام: «أن الأرض لا تخلو من حجة للّه تعالى على خلقه إلى يوم القيامة، فإن من مات و لم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية.
فقال: إن هذا حقّ كما أن النهار حقّ.
فقيل له: يا ابن رسول اللّه فمن الحجة و الإمام بعدك؟
قال: ابني هو الإمام و الحجة بعدي، من مات و لم يعرفه مات ميتة جاهلية، أما أنّ له غيبة يحار فيها الجاهلون، و يهلك فيها المبطلون، و يكذب فيها الوقّاتون، ثم يخرج كأني انظر إلى الأعلام التي تخفق فوق رأسه بنجف الكوفة».(1)
«حدثنا محمّد بن إبراهيم بن إسحاق رضى اللّه عنه قال: حدّثني أبو عليّ بن همام قال: سمعت محمّد بن عثمان العمري قدس اللّه روحه، يقول: سمعت أبي يقول...». الحديث.
و قد رواه أيضا الشيخ أبو القاسم عليّ بن محمّد بن عليّ الخزاز القمي الرازي من علماء القرن الرابع الهجري في كتابه الشريف كفاية الأثر في النص على الأئمّة الإثني عشر: 292 /باب (ما جاء عن أبي محمّد الحسن بن عليّ عليه السّلام ما يوافق هذه الأخبار و نصه على ابنه الحجة عليه السّلام) / ح 6، قال: أخبرنا أبو المفضل رحمه اللّه، قال: حدّثني أبو عليّ بن همام، قال: سمعت محمّد بن عثمان العمري قدس اللّه روحه يقول: سمعت أبي يقول... الحديث.
ث.1) و روى هذا الحديث الشيخ الصدوق في كمال الدين: ص 409 /باب 38 /ح 9 بإسناده التالي:
فيعلم من هذه الأحاديث أن الشيخ الطوسي و ابن بابويه و محمّد بن يعقوب الكليني و الشيخ النيشابوري(1)(و هو متقدم عليهم لأنهم من العلماء المتأخرين عنه) و النبي صلّى اللّه عليه و آله و الأئمّة الإثنى عشر عليهم السّلام لم يدروا وقت ظهور صاحب الزمان عليه السّلام، و لا يعلم به نفس صاحب الأمر صلوات اللّه عليه أيضا.
***ن.
1) و يقصد به الفضل بن شاذان.
قال الصدوق رحمه اللّه في كتاب كمال الدين و تمام النعمة: حدثنا [محمّد بن](1)موسى بن المتوكل قال: حدّثنا محمّد بن أبي عبد اللّه الكوفي، قال:
حدّثنا موسى بن عمران النخعي، عن عمّه الحسين بن يزيد [النوفلي]،(2)عن الحسن بن عليّ بن حمزة، عن أبيه، عن الصادق جعفر بن محمّد، [عن أبيه](3)
عن آبائه [عن أمير المؤمنين عليهم السّلام](4)قال:
قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: حدثني جبرئيل، عن رب العزّة جلّ جلاله أنه قال: من علم أن لا إله إلا أنا وحدي، و أن محمّدا عبدي و رسولي، و أن عليّ بن أبي طالب خليفتي، و أن الأئمّة من ولده حججي، أدخلته(5)الجنّة برحمتي، و نجّيته من النار بعفوي، و أبحت له جواري، و أوجبت له كرامتي، و أتممت عليه نعمتي، و جعلته من خاصّتي و خالصتي، إن ناداني لبيته، و إن دعاني أجبته، و إن سألني أعطيته، و إن سكت ابتدأته، و إن أساء رحمته، و إن فرّمني دعوته، و إن رجع إليّ قبلته، و إن قرع بابي فتحته.
و من لم يشهد أن لا إله إلا أنا وحدي، أو شهد بذلك و لم يشهد أنّ محمّدا عبدي و رسولي، أو شهد بذلك و لم يشهد أن عليّ بن أبي طالب خليفتي، أو شهد بذلك و لم يشهد أن الأئمّة من ولده حججي، فقد جحد نعمتي، و صغّر عظمتي، و كفر بآياتي، و كتبي، و رسلي؛ إن قصدني حجبته، و إن سألني حرمته، و إن ناداني لم أسمع نداءه، و إن دعاني لم أستجب دعاءه، و إن رجاني خيّبته، و ذلك جزاؤه منّي و ما أنا بظلام للعبيد.
فقام جابر بن عبد اللّه الأنصاريّ فقال: يا رسول اللّه، و من الأئمّة من ولد عليّ بن أبي طالب؟
قال: الحسن و الحسين سيّدا شباب أهل الجنّة، ثمّ سيّد العابدين في زمانه عليّ بن الحسين، ثمّ الباقر محمّد بن عليّ، و ستدركه يا جابر، فإذا أدركته فاقرئه منّي السّلام، ثم الصادق جعفر بن محمّد، ثمّ الكاظم موسى بن جعفر، ثمّ الرّضا عليّ بن موسى، ثمّ التقي محمّد بن عليّ، ثمّ النقي عليّ بن محمّد، ثم الزّكيّ الحسن بن عليّ، ثم ابنه القائم بالحق مهدي أمتي الذي يملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت جورا و ظلما.
هؤلاء يا جابر خلفائي، و أوصيائي، و أولادي، و عترتي، من أطاعهم فقد أطاعني، و من عصاهم فقد عصاني، و من أنكرهم أو أنكر واحدا منهم فقد أنكرني؛ بهم يمسك اللّه عزّ و جلّ السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، و بهم يحفظ اللّه الأرض أن تميد بأهلها.(1)
و روى هذا الحديث الشيخ أبو محمّد بن شاذان عليه الرحمة بسند صحيح عن الإمام الهمام حضرة الإمام جعفر عليه السّلام وعدّه من جملة نصوص اللّه على الأئمّة الإثني عشر عليهم السّلام.3.
1) كمال الدين/الصدوق: 258 و 259 /الباب 24 /ح 3.
و يستفاد من آخر هذا الحديث أن السماء قائمة في هذا الزمان ببركة وجود فائض الجود حضرة صاحب الزمان عليه السّلام، و أن الأرض ثابتة و قائمة و لم تمد ببركته عليه السّلام.
و إذا أراد أحد النواصب لأهل الحقّ أن يناقش في هذا المعنى، و يكابر في نقاشه الطائفة الناجية فماذا سوف يعمل مع جملة الأحاديث التي ثبتت في كتب أهل الخلاف المعتبرة، و رويت من طرقهم، و التي تدل بمجموعها أن بقاء هذا العالم متعلق ببقاء حضرة صاحب الزمان عليه صلوات اللّه الملك المنان، و سوف تذكر بعضها بعد ذلك في أواخر هذه الأربعين إن شاء اللّه تعالى.
و السلام على من اتبع الهدى.
قال الفضل بن شاذان عليه الرحمة و الغفران: حدّثنا صفوان بن يحيى رضى اللّه عنه قال: حدّثنا أبو أيّوب إبراهيم بن أبي زياد الخزاز، قال: حدّثنا أبو حمزة الثمالي، عن أبي خالد الكابلي، قال:
دخلت على مولاي عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليهم السّلام، فرأيت في يده صحيفة كان ينظر إليها و يبكي بكاءا شديدا.
فقلت: فداك أبي و أمي يا ابن رسول اللّه! ما هذه الصحيفة؟
قال عليه السّلام: هذه نسخة اللوح الذي أهداه اللّه تعالى إلى رسوله صلّى اللّه عليه و آله الذي كان فيه اسم اللّه تعالى، و رسوله، و أمير المؤمنين، و عمّي الحسن بن عليّ، و أبي عليهم السّلام و اسمي، و اسم ابني محمّد الباقر، و ابنه جعفر الصادق، و ابنه موسى الكاظم، و ابنه عليّ الرضا، و ابنه محمّد التقي، و ابنه عليّ النقي، و ابنه الحسن الزكي، و ابنه حجة اللّه القائم بأمر اللّه المنتقم من أعداء اللّه، الذي يغيب غيبة طويلة، ثم يظهر فيملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت جورا و ظلما.
و لهذا الحديث مؤيّدات كثيرة، و لكننا نقتصر على هذا الخبر المختصر طلبا للإيجاز في هذه الرسالة.
قال حضرة سيد المجتهدين الأمير محمد باقر الداماد في كتابه (شرعة التسمية) في باب هذا الحديث الموسوم ب (حديث اللوح): هو مما على
روايته تواطؤ الخاصة و العامة من طرق متلونة مختلفة و أسانيد متشعبة متكثرة.(1)
و كان تأليف هذا الكتاب في زمن تتلمذ و تعلم هذا الضعيف عند النحريرين عديمي النظير، أعني الشيخ بهاء الملة والدين محمّد العاملي، و الآية محمّد الداماد - عليهما الرحمة - فجرت بينهما مناظرة و بحث حول جواز التسمية و حرمتها في زمن الغيبة، و طالت مدة المباحثة بينهما، و لهذا ألف السيد المشار إليه الكتاب المذكور، فرحمة اللّه عليهما.
و السلام على من اتبع الهدى.
***4.
1) شرعة التسمية/السيد الداماد: 74.
قال الصدوق رضوان اللّه عليه في كتاب كمال الدين: حدّثنا غير واحد من أصحابنا، قالوا: حدّثنا محمّد بن همام، قال: حدّثنا جعفر بن محمّد بن مالك الفزاري، قال: حدّثنا الحسن بن محمّد بن سماعة، قال: حدّثني أحمد بن الحارث، قال: حدّثني المفضل بن عمر عن يونس بن ظبيان، عن جابر بن يزيد الجعفي، قال: سمعت جابر بن عبد اللّه الأنصاري يقول:
لما أنزل اللّه عزّ و جلّ على نبيّه محمّد صلّى اللّه عليه و آله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ (1)قلت: يا رسول اللّه عرفنا اللّه و رسوله، فمن أولو الأمر الذين قرن اللّه طاعتهم بطاعتك؟
فقال عليه السّلام: هم خلفائي يا جابر و أئمّة المسلمين من بعدي، أوّلهم عليّ بن أبي طالب، ثمّ الحسن، ثمّ الحسين، ثمّ عليّ بن الحسين، ثمّ محمّد بن عليّ المعروف في التوراة بالباقر، و ستدركه يا جابر، فإذا لقيته فاقرأه مني السلام، ثم الصادق جعفر بن محمّد، ثم موسى بن جعفر، ثم علي بن موسى، ثم محمّد بن عليّ، ثم عليّ بن محمّد، ثم الحسن بن عليّ، ثم سمييّ و كنييّ حجة اللّه في أرضه و بقيته في عباده ابن الحسن بن عليّ، ذاك الذي يفتح اللّه تعالى ذكره على يديه مشارق الأرض و مغاربها.
1) النساء: 59.
ذاك الذي يغيب عن شيعته و أوليائه غيبة لا يثبت فيها على القول بإمامته إلا من امتحن اللّه قلبه للإيمان.
قال جابر: فقلت له: يا رسول اللّه [فهل] تنتفع الشيعة به في غيبته؟
فقال عليه السّلام: أي و الذي بعثني بالنبوة إنهم ليستضيئون بنوره و ينتفعون بولايته في غيبته، كانتفاع الناس بالشمس و إن تجللها سحاب.
يا جابر! هذا من مكنون سرّ اللّه، و مخزون علمه، فاكتمه إلا عن أهله، إلى آخر الحديث.(1)
و ليعلم أنّ لهذا الحديث تتمة إنما ترك هذا الترابي ذكره روما للاختصار.
و السلام على من اتبع الهدى.
***3.
1) كمال الدين/الصدوق: 253 /باب 23 /ح 3.
قال الشيخ الجليل الفضل بن شاذان بن الخليل رحمه اللّه حدّثنا محمّد بن سنان عن المفضّل بن عمر، عن جابر بن يزيد الجعفي، عن سعيد بن المسيب، عن عبد الرحمن بن سمرة، قال:
قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: لما خلق اللّه تعالى إبراهيم الخليل عليه السّلام كشف عن بصره فرأى نورا إلى جنب العرش، فقال: إلهي ما هذا النور؟
قال: يا إبراهيم هذا نور محمّد، صفوتي من خلقي.
و رأى نورا إلى جنبه، فقال: إلهي ما هذا النور؟
قال: هذا نور عليّ ناصر ديني.
و رأى في جنبهما ثلاثة أنوار، فقال: إلهي ما هذه الأنور؟
فقال: نور فاطمة بنت محمّد، و الحسن، و الحسين ابنيها و ابني عليّ.
قال: إلهي إني أرى تسعة أنوار قد أحدقوا بالخمسة؟
قال: هذه أنوار عليّ بن الحسين، و محمّد بن عليّ، و جعفر بن محمّد، و موسى بن جعفر، و عليّ بن موسى، و محمّد بن عليّ، و عليّ بن محمّد، و الحسن بن عليّ، و الحجة بن الحسن الذي يظهر بعد غيبته عن شيعته و أوليائه.
فقال إبراهيم: إلهي إني أرى أنوارا قد أحدقوا بهم لا يحصي عددهم إلا أنت؟
قال: يا إبراهيم هذه أنوار شيعتهم، شيعة عليّ بن أبي طالب أمير المؤمنين!
فقال إبراهيم: فبما تعرف شيعته؟
قال: بصلاة إحدى و خمسين، و الجهر ببسم اللّه الرحمن الرحيم، و القنوت قبل الركوع، و تعفير الجبين، و التختم باليمين.
فقال إبراهيم: اللهمّ اجعلني من شيعة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب.
قال تبارك و تعالى: يا إبراهيم قد جعلتك منهم.
فلهذا أنزل اللّه فيه في كتابه الكريم: وَ إِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ .(1)
قال المفضل بن عمر: قد روينا أنّ إبراهيم عليه السّلام لمّا أحس بالموت روى هذا الخبر لأصحابه و سجد، فقبض في سجدته صلوات اللّه و سلامه عليه.
الحمد للّه الذي شرّف شيعة أمير المؤمنين عليه السّلام بهذه الفضيلة، و السلام على من اتبع الهدى.
***3.
1) الصافات: 83.
قال الشيخ الفقيه أبو الحسن بن محمّد بن أحمد بن عليّ بن الحسن بن شاذان القمي رحمه اللّه في المائة التي جمعها من العامة:
حدّثنا أحمد بن محمّد بن عبيد اللّه الحافظ، قال: حدّثنا عليّ بن سنان الموصلي، قال: حدّثنا أحمد بن محمّد بن صالح، قال: حدّثنا سليمان بن أحمد، قال: حدّثنا ريان بن مسلم، قال: حدّثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، قال: حدّثنا سلامة عن أبي سليمان راعي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله [قال]:
قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: لمّا أسري بي إلى السماء قال لي الجليل جلّ جلاله: آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ ،(1)قلت: و المؤمنون، قال: صدقت يا محمّد؛ من خلّفت في أمتك؟
قلت: خيرها.
قال: عليّ بن أبي طالب؟
قلت: نعم يا ربي.
قال: يا محمّد إنّي اطلعت على الأرض [إطلاعة] فاخترتك منها، فشققت لك اسما من أسمائي، فلا أذكر في موضع إلا ذكرت معي، فأنا المحمود و أنت محمّد، ثم اطلعت ثانية فاخترت منها عليا و شققت [له] اسما من أسمائي فأنا الأعلى و هو عليّ، يا محمّد إني خلقتك و خلقت عليّا و فاطمة و الحسن و الحسين و الأئمّة من ولد الحسين من سنخ نور من نوري، و عرضت ولايتكم على أهل السماوات و أهل الأرض، فمن قبلها كان عندي من المؤمنين، و من جحدها كان من الكافرين.
1) البقرة: 285.
يا محمّد! لو أن عبدا من عبيدي عبدني حتى ينقطع و يصير كالشنّ البالي، ثمّ أتاني جاحدا بولايتكم ما غفرت له حتى يقر بولايتكم.
يا محمّد تحب أن تراهم؟
قلت: نعم يا ربي.
فقال لي: التفت عن يمين العرش؛ فالتفتّ فإذا بعليّ، و فاطمة، و الحسن، و الحسين، و عليّ بن الحسين، و محمّد بن عليّ، و جعفر بن محمّد، و موسى بن جعفر، و عليّ بن موسى الرضا، و محمّد بن عليّ، و عليّ بن محمّد، و الحسن بن عليّ، و المهدي في ضحضاح من نور قيام يصلّون، و في وسطهم يضيء المهدي كأنه كوكب دري.
فقال: يا محمّد! هؤلاء الحجج، و هو الثائر من عترتك، و عزتي و جلالي إنه الحجة الواجبة لأوليائي، و المنتقم من أعدائي.
و هذا الشيخ الجليل من كبار علماء الطائفة الناجية أيضا، و روى بالسند المزبور من طرق العامة، عن أبي سليمان راعي سيد العالمين.(1)
و نقل ابن بابويه رحمة اللّه عليه هذا الحديث بسند آخر عن أبي سليمان الراعي في كتاب كمال الدين و تمام النعمة مع اختلاف بالعبارات، و كان في آخره:
«فيخرج اللاّت و العزى طريين فيحرقهما، فلفتنة الناس يومئذ بهما أشد من فتنة العجل و السامري».(2)
و المقصود من اللاّت و العزى الواقعين في هذا الحديث هما أبو بكر و عمر عليهما ما عليهما.
و السلام على من اتبع الهدى.
***2.
قال الشيخ الصدوق الجليل الفضل بن شاذان بن الخليل قدّس سرّه: حدّثنا عبد الرحمن بن أبي نجران، قال: حدّثنا عاصم بن حميد، قال: حدّثنا أبو حمزة الثمالي:
و قال رحمه اللّه: حدّثنا الحسن بن محبوب، قال: حدّثنا أبو حمزة الثمالي، قال: حدّثنا سعيد بن جبير، قال: حدّثنا عبد اللّه بن عباس قال:
قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: لما عرج بي إلى السماء بلغت سدرة المنتهى، ناداني ربي جل جلالة، فقال: يا محمّد! فقلت: لبيك لبيك يا ربي!
قال: ما أرسلت رسولا فانقضت أيامه إلا أقام بالأمر بعده وصيه، فأنا جعلت عليّ بن أبي طالب خليفتك و إمام أمتك ثم الحسن و الحسين، ثم عليّ بن الحسين، ثم محمّد بن عليّ، ثم جعفر بن محمّد، ثم موسى بن جعفر، ثم عليّ بن موسى الرضا، ثم محمّد بن عليّ، ثم عليّ بن محمّد، ثم الحسن بن عليّ، ثم الحجة بن الحسن.
يا محمد ارفع رأسك.
فرفعت رأسي، فإذا بأنوار عليّ، و الحسن، و الحسين، و تسعة من أولاد الحسين، و الحجة في وسطهم يتلألأ كأنه كوكب درّيّ، فقال اللّه تعالى: يا محمّد هؤلاء خلفائي، و حججي في الأرض، و أوصياءك من بعدك، فطوبى لمن أحبهم، و الويل لمن أبغضهم.
و قد أشار اللّه رب العالمين في غير هذين الحديثين المتقدمين؛ في عدّة أحاديث من الأحاديث المعراجية إلى سيد الإنس و الجن بخلافة العترة الطاهرة.
فإذا قال قائل: لماذا كان كل هذه الأنواع من التنبأ و الأخبار في ليلة واحدة؟ فجوابه: لعل كل ذلك لم يقع في ليلة واحدة؟ فهناك حديث ينص على أن قضية المعراج قد وقعت مرتين، و هذا الحديث ذكره إبراهيم بن هاشم في تفسيره. و قد توقفنا عن ذكره لأنه لم يخل عن التطويل، فمن يريد الإطلاع فعليه الرجوع إلى ذلك الكتاب.(1)
و روى ابن بابويه رحمة اللّه عليه في كتاب الخصال حديثا جاء فيه أنه وقع العروج برسول اللّه إلى السماء و الارتقاء إلى عرش الحق تعالى مائة و عشرين مرة، و هذا الحديث هو:
عرج بالنبي صلّى اللّه عليه و آله مائة و عشرين مرة، ما من مرّة إلا و قد أوصى اللّه تعالى فيها النبي صلّى اللّه عليه و آله بالولاية لعليّ بن أبي طالب و الأئمّة عليهم السّلام أكثر مما أوصاه بالفرائض.(2)
و يمكن أن يكون المقصود من الولاية في هذا الحديث هو تولية حضرت سلطان الولاية على الأمّة، و كان التكرار بالتوصية للتأكيد عليها، كما أن الرسول صلّى اللّه عليه و آله قد بين كرارا في باب إمامته و خلافته بالنصوص الجلية و الخفية.
سبحان اللّه! مع كل هذه التوصيات من الحق تعالى و المصطفى في حق عليّ المرتضى صلوات اللّه عليهما و آلهما فلم يتأثر المنافقون أولاد الحرام بها أبدا.3.
و أبدلوا المحبة بالعداوة، و امتنعوا قبول خلافته و ولايته عليه السّلام، و لم يكتفوا بذلك بل استعلوا و استولوا على رئيس الدين و معلمه، و لم يقتنعوا بذلك حتى أباحوا ظلمه عليه السّلام و ظلم أولاده عليهم السّلام، و لم يعلموا أن صاحب الزمان عليه السّلام سوف ينتقم منهم في هذه الدنيا، و إنهم سوف يحل عليهم العذاب المخلد في العالم الآخر.
قال أبو محمّد بن شاذان جعل اللّه الفردوس مثواه و حشره مع من تولاه:
حدّثنا محمّد بن أبي عمير و أحمد بن محمّد بن أبي نصر رضي اللّه عنهما جميعا عن أبان بن عثمان الأحمر، عن أبان بن تغلب، عن عكرمة عن ابن عباس، قال:
قدم يهودي إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقال له نعثل، فقال: يا محمّد إني أسألك عن أشياء تتلجلج في صدري منذ حين، فإن أجبتني عنها أسلمت على يديك.
قال صلّى اللّه عليه و آله: سل يا أبا عمارة.
قال: يا محمّد صف لي ربك.
فقال صلّى اللّه عليه و آله: إن الخالق لا يوصف إلا بما وصف به نفسه، كيف يوصف الخالق الواحد الذي تعجز الحواس أن تدركه، و الأوهام أن تناله، و الخطرات أن تحده، و البصائر أن تحيط قدرته؟! أجلّ عمّا يصفه الواصفون؛ نأى في قربه، و قرب في نأيه، كيّف الكيف فلا يقال كيف، أيّن الأين فلا يقال أين. تنقطع الأفكار عن معرفته. و ليعلم أن الكيفية منه و الأينونية، و هو الأحد الصمد كما وصف نفسه، و الواصفون لا يبلغون نعته، لم يلد و لم يولد و لم يكن له كفوا أحد.
قال: صدقت يا محمّد، فأخبرني عن قولك (إنه واحد لا شبه له) أليس اللّه واحدا و الإنسان واحد؟ و وحدانيته قد أشبهت وحدانية الإنسان؟
فقال صلّى اللّه عليه و آله: اللّه واحد و أحديّ المعنى، و الإنسان واحد ثنوي؛ جسم عرض [و بدن](1)و روح، و إنما التشبيه في المعاني لا غير.
قال: صدقت يا محمّد، فأخبرني عن وصيك، من هو؟ فما من نبي إلا و له وصي، إن نبينا موسى بن عمران أوصى إلى يوشع بن نون.
فقال: نعم، إن وصييّ و الخليفة من بعدي عليّ بن أبي طالب، و بعده سبطاي الحسن و الحسين، يتلوه تسعة من صلب الحسين، أئمّة أبرار.
قال: فسمهم لي يا محمّد!
قال: نعم، إذا مضى الحسين فابنه عليّ، فإذا مضى عليّ فابنه محمّد، فإذا مضى محمّد فابنه جعفر، فإذا مضى جعفر فابنه موسى، فإذا مضى موسى فابنه عليّ، فإذا مضى عليّ فابنه محمّد، فإذا مضى محمّد فابنه عليّ، فإذا مضى عليّ فابنه الحسن، و بعد الحسن الحجة بن الحسن عليّ، فهذه إثنا عشر إماما على عدد نقباء بني إسرائيل.
قال: فأين مكانهم في الجنّة؟
قال: معي و في درجتي.
قال: أشهد أن لا إله إلا اللّه و أنك رسول اللّه و أنهم الأوصياء بعدك، و لقد وجدت هذا في الكتب المتقدمة، فأخبرني يا رسول اللّه عن الثاني عشر من أوصيائك.
قال صلّى اللّه عليه و آله: يغيب حتى لا يرى، و يأتي على أمتي زمان لا يبقى من الإسلام إلا اسمه، و من القرآن إلا رسمه، فحينئذ يأذن اللّه له بالخروج.).
1) ما بين المعقوفتين أثبتناه من: كفاية الأثر: 13؛ عنه البحار 283:36. (المركز).
فانتفض نعثل، و قام من بين يدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و يقول: صلوات اللّه عليك يا سيد المرسلين و على أوصيائك الطاهرين، و الحمد للّه رب العالمين.
و في بعض الروايات زيادة في أواخر هذا الحديث مع شعر أنشده نعثل في مدح خير البشر و الأئمّة الإثني عشر عليهم صلوات اللّه الملك الأكبر؛ و إذا كان في الأجل تأخير فسوف اكتب في شرح هذا الحديث كتابا مستقلا إن شاء اللّه تعالى.
و السلام على من اتبع الهدى.
قال أبو محمّد بن شاذان عليه رحمة اللّه الملك المنان: حدّثنا فضالة بن أيوب رضى اللّه عنه قال: حدّثنا أبان بن عثمان، قال حدّثنا محمّد بن مسلم، قال: قال أبو جعفر عليه السّلام:
قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لعليّ بن أبي طالب عليه السّلام: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ثم أنت يا عليّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ثم الحسن أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ثم الحسين أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ثم عليّ بن الحسين أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ثم محمّد بن عليّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ثم جعفر بن محمّد أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ثم موسى بن جعفر أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ثم عليّ بن موسى أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ثم محمّد بن عليّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ثم عليّ بن محمّد أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ثم الحسن بن عليّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ثم الحجّة بن الحسن الذي تنتهي إليه الخلافة و الوصاية، و يغيب مدة طويلة، ثم يظهر و يملأ الأرض عدلا و قسطا كما ملئت جورا و ظلما.
الحمد للّه الذي جعل أصفياءه موالينا.
و السلام على من اتبع الهدى.
قال أبو محمّد بن شاذان عليه الرحمة و الغفران: حدّثنا محمّد بن الحسن الواسطي رضى اللّه عنه قال: حدّثنا زفر بن الهذيل، قال: حدّثنا سليمان بن مهران الأعمش، قال:
حدّثنا مورّق، قال: حدّثنا جابر بن عبد اللّه الأنصاري قال:
دخل جندل بن جنادة اليهودي من خيبر على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فقال: يا محمّد أخبرني عمّا ليس للّه، و عمّا ليس عند اللّه، و عمّا لا يعلمه اللّه؟
فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: أما ما ليس للّه، فليس للّه شريك؛ و أما ما ليس عند اللّه، فليس عند اللّه ظلم؛ و أما ما لا يعلمه اللّه، فذلكم قولكم معاشر اليهود إن عزيرا ابن اللّه، و اللّه لا يعلم له ولدا.
فقال جندل: أشهد أن لا إله إلا اللّه، و أنّك رسول اللّه حقا، ثمّ قال: يا رسول اللّه إني رأيت البارحة في النوم موسى بن عمران عليه السّلام فقال لي: يا جندل أسلم على يد محمّد، و استمسك بالأوصياء من بعده، فقد أسلمت و رزقني اللّه ذلك، فأخبرني بالأوصياء [من] بعدك لأستمسك بهم.
فقال: يا جندل أوصيائي من بعدي بعدد نقباء بني إسرائيل.
فقال: يا رسول اللّه! إنهم كانوا اثني عشر، هكذا وجدنا في التوراة.
قال: نعم، الذين هم أوصيائي من بعدي إثنى عشر.
فقال: يا رسول اللّه كلهم في زمن واحد؟
قال: لا، خلف بعد خلف، فإنك لن تدرك إلا ثلاثة.
قال: سمّهم لي يا رسول اللّه!
قال: نعم، إنّك تدرك سيد الأوصياء و وارث علم الأنبياء، و أبا الأئمّة الأتقياء عليّ بن أبي طالب بعدي، ثمّ ابنيه الحسن، و الحسين، فاستمسك بهم بعدي، فلا يغرّنك جهل الجاهلين، فإذا كان وقت ولادة ابني عليّ بن الحسين زين العابدين يقضي اللّه عليك، و يكون آخر زادك من الدنيا شربة لبن تشربه.
فقال: يا رسول اللّه أسامي الأوصياء الذين يكونون أئمّة المسلمين بعد عليّ بن الحسين؟
قال صلّى اللّه عليه و آله: فإذا انقضت مدة عليّ قام بالأمر محمّد ابنه، يدعى بالباقر، فإذا انقضت مدّة محمّد قام بالأمر بعده جعفر ابنه، يدعى بالصادق، فإذا انقضت مدّة جعفر قام بالأمر بعده موسى ابنه، يدعى بالكاظم، فإذا انقضت مدّة موسى قام بالأمر بعده عليّ ابنه يدعى بالرضا، فإذا انقضت مدّة عليّ قام بالأمر بعده محمّد ابنه، يدعى بالتقي، فإذا انقضت مدّة محمّد قام بالأمر بعده عليّ ابنه، يدعى بالنقي، فإذا انقضت مدّة عليّ قام بالأمر بعده الحسن ابنه، يدعى بالزكي، ثم يغيب عن الناس إمامهم.
قال: يا رسول اللّه يغيب الحسن منهم؟
قال: لا، و لكن ابنه الحجة يغيب عنهم غيبة طويلة.
قال: يا رسول اللّه فما اسمه؟
قال: لا يسمّى حتى يظهره اللّه، فقال جندل: قد بشّرنا موسى بن عمران بك و بالأوصياء من ذريتك.
ثم تلا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً .(1)5.
1) النور: 55.
قال جندل: فممن خوفهم؟
قال: يا جندل في زمن كل واحد منهم شيطان يعتريه و يؤذيه، فإذا أذن اللّه للحجّة خرج، و طهّر الأرض من الظالمين، فيملأها قسطا و عدلا كما ملئت جورا و ظلما، طوبى للصابرين في غيبته، طوبى للسالكين في محجته و الثابتين في موالاته و محبته، أولئك ممّن وصفهم اللّه في كتابه، فقال: اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ،(1)و قال: أُولئِكَ حِزْبُ اللّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ .(2)
ثم قال جابر: عاش جندل بن جنادة إلى أيام الحسين بن عليّ عليهما السّلام، ثمّ خرج إلى الطائف، فمرّ فدعا بشربة من لبن فشربه، و قال: كذا عهد إليّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أنّه يكون آخر زادي من الدنيا شربة من لبن، ثم مات، و دفن بالطائف في الموضع المعروف بالكوداء، رحمه اللّه تعالى.
يقول المؤلف:
إن حكاية جندل و سبب مجيئه من خيبر إلى أمير المؤمنين عليه السّلام و حضوره معه عليه السّلام في حروبه في صفين و غيرها مع مخالفيه، طويلة، فمن أراد الإطلاع عليها فليرجع إلى (التاريخ الكبير للثقفي عليه الرحمة)، و إذا لم يحصل عليه فليطالعها في كتاب (رياض المؤمنين و حدائق المتقين) من مؤلفات هذا الحقير.
اللهم ارزقنا جرعة من الكوثر من كفّ وليّك المرتضى.
و السلام على من اتبع الهدى.
***2.
قال أبو محمّد بن شاذان أمطر اللّه عليه شآبيب الغفران: حدّثنا الحسن بن عليّ بن سالم، عن أبيه، عن أبي حمزة الثمالي، عن سعيد بن جبير، عن عبد اللّه بن عباس، قال:
قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: لمّا خلق اللّه الدنيا اطلع على الأرض إطلاعة فاختارني منها فجعلني نبيا، ثم اطلع ثانية فاختار منها عليا فجعله إماما، ثمّ أمرني أن أتخذه أخا و وصيا و خليفة و وزيرا، فعلي مني و أنا من عليّ، و هو زوج ابنتي، أبو سبطيّ الحسن و الحسين، ألا إن اللّه تبارك و تعالى جعلني و إياهم حججا على عباده، و جعل من صلب الحسين أئمّة يقومون بأمري و يحفظون وصيتي، التاسع منهم قائم أهل بيتي و مهدي أمتي، أشبه الناس بي في شمائله و أقواله و أفعاله، يظهر بعد غيبة طويلة و حيرة مضلّة، فيعلن أمر اللّه، و يظهر دين اللّه، و يؤيد بنصر اللّه، و ينصر بملائكة اللّه، فيملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت جورا و ظلما.
(و قد علّق المؤلف على قول الرسول الأكرم صلّى اللّه عليه و آله الذي جاء في الحديث: و جعل من صلب الحسين أئمّة يقومون بأمري و يحفظون وصيتي).(1)
1) هذه الزيادة منّا.
يقول جامع هذه الأربعين: إنّ هذا هو المعنى الذي أقل ما ذكر في كتاب (رياض المؤمنين) أن كلما كان النبي صلّى اللّه عليه و آله يقوم به فهو ما يقوم به الإمام عليه السّلام أيضا، و الفرق بينهما أنه لا واسطة من البشر بين النبي صلّى اللّه عليه و آله و بين اللّه تعالى، بينما توجد واسطة من البشر و هو النبي صلّى اللّه عليه و آله بين الإمام عليه السّلام و اللّه تعالى.
و هذا المعنى ظاهر و واضح في كثير من الأحاديث: أن أمر النبي صلّى اللّه عليه و آله يتعلق من بعده بالأئمّة الهداة صلوات اللّه عليهم أجمعين.
و السلام على من اتبع الهدى.
قال أبو محمّد بن شاذان عليه الرحمة و الغفران: حدّثنا عليّ بن الحكم رضى اللّه عنه عن جعفر بن سليمان الضبعي عن سعيد بن طريف، عن الأصبغ بن نباتة، عن سلمان الفارسي رضوان اللّه عليه قال: خطبنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فقال: معاشر الناس إنّي راحل عن قريب و منطلق إلى المغيب، أوصيكم في عترتي خيرا، إيّاكم و البدع، فإن كل بدعة ضلالة، و لا محالة أهلها في النار.
معاشر الناس! من فقد الشمس فليستمسك بالقمر، و من فقد القمر فليستمسك بالفرقدين، فإذ فقدتم الفرقدين فتمسكوا بالنجوم الزاهرة بعدي، أقول لكم فاعلموا أنّ قولي قول اللّه فلا تخالفوه فيما آمركم به، و اللّه يعلم أنّي بلغت إليكم ما أمرني به فأشهد اللّه عليّ و عليكم.
قال: فلمّا نزل عن المنبر تبعته حتى دخل بيت عائشة، فدخلت عليه و قلت: بأبي أنت و أمي يا رسول اللّه سمعتك تقول: إذا فقدتم الشمس فتمسكوا بالقمر، و إذا فقدتم القمر فتمسكوا بالفرقدين، و إذا فقدتم الفرقدين فتمسكوا بالنجوم، فقد ظننت أن يكون في هذه الإبانة إشارة؟
قال: قد أصبت يا سلمان.
فقلت: بيّن لي يا رسول اللّه: ما الشمس و القمر، و ما الفرقدان، و ما النجوم الزاهرة؟
فقال: أنا الشمس، و عليّ القمر، فإذا فقدتموني فتمسكوا به بعدي، و أما
الفرقدان فالحسن و الحسين، فإذا فقدتم القمر فتمسكوا بهما، و أما النجوم الزاهرة فهم الأئمّة التسعة من صلب الحسين، و التاسع مهديّهم.
ثم قال صلّى اللّه عليه و آله: إنّهم هم الأوصياء و الخلفاء بعدي، أئمّة أبرار، عدد أسباط يعقوب و حواريي عيسى.
فقلت: فسمّهم لي يا رسول اللّه.
قال: أوّلهم و سيّدهم عليّ بن أبي طالب، و بعده سبطاي الحسن و الحسين، و بعدهما عليّ بن الحسين زين العابدين، و بعده محمّد بن عليّ باقر علم النبيين، و بعده الصادق جعفر بن محمّد، و بعده الكاظم موسى بن جعفر، و بعده الرضا عليّ بن موسى الذي يقتل بأرض الغربة، ثم ابنه محمّد، ثم ابنه عليّ، ثم ابنه الحسن، ثم ابنه الحجّة القائم المنتظر في غيبته، المطاع في ظهوره، فإنّهم عترتي من لحمي و دمي، علمهم علمي و حكمهم حكمي، من آذاني فيهم فلا أناله اللّه شفاعتي.
و السلام على من أتبع الهدى.
قال ابن شاذان عليه رحمة اللّه الملك المنان: حدّثنا عثمان بن عيسى رضى اللّه عنه قال: حدّثنا أبو حمزة الثمالي، قال: حدّثنا أسلم، قال: حدّثنا أبو الطفيل، قال: حدّثنا عمار بن ياسر، قال:
لما حضرت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله الوفاة دعا بعليّ بن أبي طالب عليه السّلام فسارّه طويلا، ثمّ رفع صوته و قال: يا عليّ أنت وصيّي و وارثي، قد أعطاك اللّه تعالى علمي و فهمي، فإذا متّ ظهرت لك ضغائن في صدور قوم و غصب على حقك.
فبكت فاطمة عليها السّلام، و بكى الحسن و الحسين عليهما السّلام، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: لفاطمة: يا سيّدة النّساء ممّ بكاؤك؟
قالت: يا أبت أخشى الضيعة بعدك.
قال أبشري يا فاطمة فإنك أوّل من يلحقني من أهل بيتي، لا تبكي و لا تحزني، فإنّك سيدة نساء أهل الجنة، أباك سيد الأنبياء، و ابن عمك سيد الأوصياء، و ابنيك سيدا شباب أهل الجنّة، و من صلب الحسين يخرج اللّه الأئمّة التسعة المطهرين المعصومين، و منّا مهدي هذه الأمّة.
الحمد للّه الذي جعل سادتي و قادتي هؤلاء الأصفياء.
و السلام على من اتبع الهدى.
قال ابن شاذان عليه الرحمة و الغفران: حدّثنا الحسن بن علي بن فضال رضى اللّه عنه عن عبد اللّه بن بكير، عن عبد الملك بن إسماعيل الأسدي، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، قال: قيل لعمار بن ياسر: ما حملك على حبّ عليّ بن أبي طالب؟ قال: قد حملني اللّه و رسوله، و قد أنزل اللّه تعالى فيه آيات جليلة، و قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فيه أحاديث كثيرة.
فقيل له: هلاّ تحدّثنا بشيء عمّا قال فيه رسول اللّه؟
قال: و لم لا أحدّث، و لقد كنت بريئا من الذين يكتمون الحق و يظهرون الباطل، ثم قال:
كنت مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فرأيت عليّا عليه السّلام في بعض الغزوات قد قتل عدة من أصحاب ألوية قريش، فقلت لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: يا رسول اللّه إن عليا قد جاهد في اللّه حقّ جهاده.
فقال: و ما يمنعه عنه؟ إنّه منّي و أنا منه، إنّه وارثي، و قاضي ديني، و منجز وعدي، و خليفتي من بعدي، و لولاه لم يعرف المؤمن المحض في حياتي و بعد وفاتي. حربه حربي، و حربي حرب اللّه، و سلمه سلمي، و سلمي سلم اللّه، و يخرج اللّه من صلبه الأئمّة الراشدين، فاعلم يا عمار! أن اللّه تبارك و تعالى عهد إلي أن يعطيني إثني عشر خليفة، منهم عليّ، و هو أوّلهم و سيدهم.
فقلت: و من الآخرون يا رسول اللّه؟
قال: الثاني منهم الحسن بن عليّ بن أبي طالب، و الثالث منهم الحسين بن عليّ بن أبي طالب، و الرابع منهم عليّ بن الحسين زين العابدين، و الخامس منهم محمّد بن عليّ، ثم ابنه جعفر، ثم ابنه موسى، ثم ابنه عليّ، ثم ابنه محمّد، ثم ابنه عليّ، ثم ابنه الحسن، ثم ابنه الذي يغيب عن الناس غيبة طويلة، و ذلك قول اللّه تبارك و تعالى: قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ ،(1)
ثم يخرج و يملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت جورا و ظلما.
يا عمار! سيكون بعدي فتنة، فإذا كان ذلك فاتبع عليا و حزبه فإنه مع الحقّ و الحقّ معه، و إنك ستقاتل الناكثين و القاسطين معه، ثمّ تقتلك الفئة الباغية، و يكون آخر زادك من الدنيا شربة من لبن تشربه.
قال سعيد بن جبير: فكان كما أخبره رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.
صدق اللّه العظيم و صدق رسوله الكريم و صلّى اللّه عليه و آله النجباء.
و السلام على من اتبع الهدى.
***0.
1) الملك: 30.
قال أبو محمّد بن شاذان أسكنه اللّه في أعلى درجات الجنان: حدّثنا محمّد بن عمير رضى اللّه عنه عن غياث بن إبراهيم، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام عن أبيه محمّد بن عليّ، عن أبيه عليّ بن الحسين، عن أبيه الحسين بن عليّ عليه السّلام قال:
سئل أمير المؤمنين عليه السّلام عن معنى قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «إني تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه و عترتي» من العترة؟
فقال: أنا و الحسن و الحسين و الأئمّة التسعة من ولد الحسين، تاسعهم مهديهم، لا يفارقون كتاب اللّه عزّ و جلّ و لا يفارقهم حتّى يردوا على رسول اللّه حوضه.
روى ابن بابويه رحمة اللّه عليه في كتاب (كمال الدين) حديث: «إني تارك فيكم الثقلين» بأسانيد كثيرة،(1)
و ذكر الصدوق في: كمال الدين: 241 (معنى العترة و الآل و الأهل و الذرية و السلالة).
و ذكر الحديث أيضا في: 244.
و قد ضبط هذا الحديث الصحيح و إنه من الأحاديث المتواترة في كتب أخرى.(2)و السلام على من اتبع الهدى.
قال أبو جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن موسى بن بابويه رحمة اللّه عليه في كتاب كمال الدين: حدّثنا أبي و محمّد بن الحسن رحمهما اللّه قالا: حدّثنا سعد بن عبد اللّه و عبد اللّه بن جعفر الحميري و محمّد بن يحيى العطار و أحمد بن إدريس جميعا، قالوا:
حدّثنا أحمد بن أبي عبد اللّه البرقي، قال: حدّثنا أبو هاشم داود بن القاسم الجعفري، عن أبي جعفر الثاني محمّد بن عليّ عليهما السّلام، قال: أقبل أمير المؤمنين عليه السّلام ذات يوم و معه الحسن بن عليّ، و سلمان الفارسي رضى اللّه عنه، و أمير المؤمنين عليه السّلام متكئ على يد سلمان، فدخل المسجد الحرام، فجلس إذ أقبل رجل حسن الهيئة و اللباس، فسلّم على أمير المؤمنين عليه السّلام فردّ عليه السلام فجلس، ثمّ قال: يا أمير المؤمنين أسألك عن ثلاث مسائل إن أجبتني بهنّ علمت أنّ القوم ركبوا من أمرك ما أقضي عليهم أنّهم ليسوا بمأمونين في دنياهم و لا في آخرتهم، و إن تكن الأخرى علمت أنّك و هم شرع سواء.
فقال له أمير المؤمنين عليه السّلام: سلني عمّا بدا لك، فقال: أخبرني عن الرّجل إذا نام أين تذهب روحه؟ و عن الرّجل كيف يذكر و ينسى؟ و عن الرّجل كيف يشبه ولده الأعمام و الأخوال؟
[قال:](1)فالتفت أمير المؤمنين عليه السّلام [إلى أبي محمّد الحسن](2)فقال:
يا أبا محمّد أجبه.
فقال: أمّا ما سألت عنه من أمر الإنسان إذا نام أين تذهب روحه، فإنّ روحه متعلّقة بالريح، و الرّيح متعلّقة بالهواء إلى وقت ما يتحرك صاحبها لليقظة، فإن أذن اللّه عزّ و جلّ بردّ تلك الرّوح إلى صاحبها جذبت الرّوح الرّيح، و جذبت تلك الرّيح الهواء، فرجعت الرّوح إلى صاحبها فأسكنت في بدنه؛(1)
و إن لم يأذن اللّه [عزّ و جلّ](2)بردّ تلك الرّوح إلى صاحبها جذب الهواء الرّيح، و جذبت الرّيح الرّوح، فلم تردّ إلى صاحبها إلى وقت ما يبعث.
و أمّا ما ذكرت من أمر الذّكر و النسيان: فإنّ قلب الرّجل في حقّ، و على الحقّ طبق، فإن صلّى الرّجل عند ذلك على محمّد و آل محمّد صلاة تامّة انكشف ذلك الطّبق عن ذلك الحقّ فأضاء القلب [مما يلي القلب خ. ل]، و ذكر الرّجل ما كان نسيه.
و إن هو لم يصلّ على محمّد و آل محمّد، أو نقص من الصّلاة عليهم انطبق ذلك الطّبق على ذلك الحقّ فأظلم القلب، و نسي الرّجل ما كان ذكر.
و أمّا ما ذكرت من أمر المولود الّذي يشبه أعمامه و أخواله، فإنّ الرّجل إذا أتى أهله فجامعها بقلب ساكن، و عروق هادئة، و بدن غير مضطرب، فأسكنت تلك النطفة في جوف الرّحم خرج الولد يشبه أباه و امّه. و إن هو أتاها بقلب غير ساكن، و عروق غير هادئة، و بدن مضطرب، اضطربت تلك النطفة فوقعت في حال اضطرابها على بعض العروق. فإن وقعت على عرق من عروق الأعمام أشبه الولد أعمامه؛ و إن وقعت على عرق من عروق الأخوال أشبه الرّجل أخواله.
فقال الرّجل: أشهد أن لا إله إلاّ اللّه، و لم أزل أشهد بها، و أشهد أنّ محمّدا رسول اللّه، و لم أزل اشهد بها؛ و أشهد أنّك وصيّه، و القائم بحجّته [بعده]، و أشار [بيده] إلى أمير المؤمنين عليه السّلام، و لم أزل أشهد بها.
و أشهد أنّك وصيّه، و القائم بحجّته، و أشار [بيده] إلى الحسن عليه السّلام.ة.
و أشهد أنّ الحسين بن عليّ وصيّ أبيك، و القائم بحجّته بعدك.
و أشهد على عليّ بن الحسين أنّه القائم بأمر الحسين بعده.
و أشهد على محمّد بن عليّ أنّه القائم بأمر عليّ بن الحسين.
و أشهد على جعفر بن محمّد أنّه القائم بأمر محمّد بن عليّ.
و أشهد على موسى بن جعفر أنّه القائم بأمر جعفر بن محمّد.
و أشهد على عليّ بن موسى أنّه القائم بأمر موسى بن جعفر.
و أشهد على محمّد بن عليّ أنّه القائم بأمر عليّ بن موسى.
و أشهد على عليّ بن محمّد أنّه القائم بأمر محمّد بن عليّ.
و أشهد على الحسن بن عليّ أنّه القائم بأمر عليّ بن محمّد.
و أشهد على رجل من ولد الحسن بن عليّ لا يكنّى، و لا يسمّى حتّى يظهر أمره فيملأ الأرض [قسطا خ. ل] و عدلا، كما ملئت جورا، و السلام عليك يا أمير المؤمنين و رحمة اللّه و بركاته. ثمّ قام، فمضى.
فقال أمير المؤمنين عليه السّلام: يا أبا محمّد اتبعه، فانظر أين يقصد.
فخرج الحسن عليه السّلام في أثره. قال: فما كان إلاّ أن وضع رجله خارج المسجد، فما دريت أين أخذ من أرض اللّه عزّ و جلّ.
فرجعت إلى أمير المؤمنين عليه السّلام، فأعلمته، فقال: يا أبا محمّد أتعرفه؟
فقلت: اللّه، و رسوله، و أمير المؤمنين أعلم.
فقال: هو الخضر عليه السّلام.(1)
و قد روى هذا الحديث الشريف عماد الدين محمّد بن بابويه رحمة اللّه عليه في كتاب عيون أخبار الرضا عليه السّلام،(2)و في عدّة كتب أخرى من مؤلفاته.(3)و ثبته ثقة6.
الإسلام محمّد بن يعقوب الكليني رضى اللّه عنه في كتاب الكافي،(1)و الشيخ الطبرسي طيب اللّه رمسه في كتاب الاحتجاج،(2)كما سجّل عدّة آخرين من أكابر علماء الإمامية هذا الخبر المعتبر بأسانيد صحيحة في مؤلفاتهم، كما هو ظاهر للمتتبع الماهر.(3)
و قد نثر شيخنا الشيخ بهاء الدين محمّد العاملي غفر اللّه له عند شرحه هذا الحديث جواهر عجيبة.
وعدّ سيدنا الأمير محمّد باقر الداماد روّح اللّه روحه في كتاب (شرعة التسمية) هذا الحديث من مؤيدات النهي عن التسمية و تكنية الإمام الحجة عليه السّلام في زمان الغيبة، و قد أفاد عدة كلمات عاليات في شرح هذا الحديث إلاّ أنه لم يبين علاقة الأعمام و الأخوال.(4)
أما من النكات الموجودة في هذا الحديث و قد تركت مغطاة لم يكشف عنها فقد ذكر هذا الفقير (الذي هو من أقل قطاف عناقيد محصول هذين النحريرين عديمي النظير) في تعريف الروح كلمة وجيزة في رسالة (إدراء العاقلين و إخزاء المجانين)، و قد توسع في تعريف الروح في كتاب (رياض المؤمنين و حدائق المتقين).
و السلام على من اتبع الهدى.
***ن.
1) راجع: الكافي/الكليني: 525/1 /ح 1.
2) راجع: الاحتجاج/الطبرسي: 395/1.
3) راجع: الغيبة/الطوسي: 154 و 155 /تحت فقرة 114؛ و في المحاسن/البرقي: 332/2 /ح 99؛ و في الغيبة/النعماني: 58 /ح 2؛ و في الإمامة و التبصرة/الحسين بن بابويه (والد الصدوق): 106 / ح 93 /طبعة مؤسسة الإمام المهدي عليه السّلام؛ و في دلائل الإمامة/الطبري: 68؛ و في إثبات الهداة/ الحر العاملي: 283/2 /ح 72؛ و في إثبات الوصية للمسعودي: 136 /الطبعة الأولى؛ و في تفسير القمي/عليّ بن إبراهيم: 44/2 باختلاف؛ و غيرها.
4) راجع: شرعة التسمية/السيد محمّد باقر الداماد: 25-44 /الطبعة الأولى/ 1409 ه/ مؤسسة المهدية مير داماد/اصفهان.
قال ابن شاذان عامله اللّه بالفضل و الإحسان: حدّثنا عبد اللّه بن جبلة، عن عبد اللّه بن المستنير، عن المفضل بن عمر، عن جابر بن يزيد الجعفي، عن عبد اللّه بن العباس قال: دخلت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و الحسن على عاتقه، و الحسين على فخذه، يلثمهما و يقبلهما و يقول: اللهم وال من والاهما، و عاد من عادهما. ثم قال: يا ابن عباس كأنّي أنظر إلى شيبة ابني الحسين، تخضب من دمه، يدعو فلا يجاب، فيستنصر فلا ينصر.
قلت: و من يعمل ذلك؟
قال: أشرار أمتي، لا أنالهم اللّه شفاعتي.
ثم قال: يا ابن عباس من زاره عارفا بحقه كتب اللّه له ثواب ألف حجة و ألف عمرة، ألا و من زاره فقد زارني، و من زارني فكأنما قد زار اللّه، و حق الزائر على اللّه أن لا يعذبه بالنار، ألا و إن الإجابة تحت قبته، و الشفاء في تربته، و الأئمّة من ولده.
قال: قلت يا رسول اللّه فكم الأئمّة بعدك؟
قال: بعدد أسباط يعقوب، و نقباء بني إسرائيل، و حوارييّ عيسى.
قال: قلت يا رسول اللّه فكم كانوا؟
قال: كانوا اثني عشر و الأئمّة [بعدي] اثنا عشر، أوّلهم عليّ بن أبي طالب، و بعده سبطاي الحسن و الحسين، فإذا انقضى الحسين فابنه عليّ، فإذا انقضى عليّ فابنه محمّد،
فإذا انقضى محمّد فابنه جعفر، فإذا انقضى جعفر فابنه موسى، فإذا انقضى موسى فابنه عليّ، فإذا انقضى عليّ فابنه محمّد، فإذا انقضى محمّد فابنه عليّ، فإذا انقضى عليّ فابنه الحسن، فإذا انقضى الحسن فابنه الحجة.
قال: قلت: يا رسول اللّه أساميّ لم أسمع بهنّ قط؟
قال: هم الأئمّة بعدي و إن قهروا؛ أمناء، معصومون، نجباء، أخيار.
يا ابن عبّاس! من أتى يوم القيامة عارفا بحقهم أخذت بيده فأدخلته الجنة.
يا ابن عباس! من أنكرهم؛ أو ردّ واحدا منهم فكأنما قد أنكرني و ردّني؛ و من أنكرني وردّني فكأنما قد أنكر اللّه وردّه.
يا ابن عباس! سوف يأخذ الناس يمينا و شمالا، فإذا كان ذلك فاتبع عليا و حزبه، فإنه مع الحق و الحق معه فلا يتفرقان حتى يردا عليّ الحوض.
يا ابن عباس! ولايتهم ولايتي، و ولايتي ولاية اللّه، و حربهم حربي، و حربي حرب اللّه، و سلمهم سلمي، و سلمي سلم اللّه.
ثم تلا صلّى اللّه عليه و آله: يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَ يَأْبَى اللّهُ إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَ لَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ .(1)
اللهم احشرنا مع أحبائهم بحرمة حبيبك المصطفى و آله الأئمّة النجباء.
و السلام على من اتبع الهدى.
***2.
1) التوبة: 32.
قال ابن شاذان نوّر اللّه مرقده: حدّثنا الحسن بن محبوب رضى اللّه عنه عن مالك بن عطية، عن أبي صفية ثابت بن دينار، عن أبي جعفر عليه السّلام قال: قال الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليه السّلام لأصحابه قبل أن يقتل بليلة واحدة: إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال لي: يا بني! إنك ستساق إلى العراق، و تنزل في أرض يقال لها عمورا، و كربلا، و إنك تستشهد بها و يستشهد معك جماعة.
و قد قرب ما عهد إليّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و إنّي راحل إليه غدا، فمن أحبّ منكم الانصراف فلينصرف في هذه الليلة، فإنّي قد أذنت له و هو منّي في حل.
و أكد فيما قاله تأكيدا بليغا، فلم يرضوا، و قالوا: و اللّه ما نفارقك أبدا حتى نرد موردك.
فلما رأى ذلك قال: فابشروا بالجنة، فو اللّه إنّما نمكث ما شاء اللّه تعالى بعد ما يجري علينا، ثمّ يخرجنا اللّه و إياكم حين يظهر قائمنا فينتقم من الظالمين، و أنا و أنتم نشاهدهم في السلاسل و الأغلال و أنواع العذاب و النكال.
فقيل له: من قائمكم يا ابن رسول اللّه؟
قال: السابع من ولد ابني محمّد بن عليّ الباقر، و هو الحجّة بن الحسن بن عليّ بن محمّد بن عليّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ ابني، و هو الذي يغيب مدّة طويلة، ثمّ يظهر و يملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت جورا و ظلما.
و السلام على من اتبع الهدى.
قال أبو محمّد بن شاذان طيّب اللّه مضجعه: حدّثنا صفوان بن يحيى رضى اللّه عنه عن إبراهيم بن أبي زياد، عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي خالد الكابلي، قال: دخلت على سيدي عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليهم السّلام، فقلت:
يا ابن رسول اللّه أخبرني بالذين فرض اللّه تعالى طاعتهم، و مودتهم، و أوجب على عباده الإقتداء بهم بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.
فقال: يا كابلي! إنّ أولي الأمر الذين جعلهم اللّه عزّ و جلّ أئمّة الناس، و أوجب عليهم طاعتهم:
أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، ثمّ الحسن عمّي، ثمّ الحسين أبي، ثمّ انتهى الأمر إلينا.
و سكت، فقلت له: يا سيدي! روي لنا عن أمير المؤمنين عليه السّلام أنّ الأرض لا تخلو من حجة للّه عزّ و جلّ على عباده، فمن الحجّة و الإمام بعدك؟
فقال: ابني محمّد، و اسمه في الصحف الأولى باقر، يبقر العلم بقرا، هو الحجّة بعدي، و من بعد محمّد ابنه جعفر، و اسمه عند أهل السماء الصادق.
قلت: يا سيدي؛ و كيف صار اسمه الصادق و كلكم صادقون؟
قال: حدّثني أبي، عن أبيه، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال: إذا ولد ابني جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليهم السّلام فسمّوه الصادق، فإن الخامس من ولده الذي اسمه جعفر يدّعي الإمامة اجتراء على اللّه و كذبا
عليه، فهو عند اللّه جعفر الكذاب المفتري على اللّه جلّ جلاله، و المدعي ما ليس له بأهل، المخالف لأبيه، و الحاسد لأخيه، و ذلك الذي يروم كشف سر اللّه عزّ و جلّ عند غيبة ولي اللّه.
ثم بكى عليّ بن الحسين بكاء شديدا، ثم قال: كأني بجعفر الكذاب و قد حمل طاغية زمانه على تفتيش أمر وليّ اللّه، و المغيب في حفظ اللّه، و التوكيل بحرم اللّه، جهلا منه برتبته، و حرصا على قتله إن ظفر به، و طمعا في ميراث أخيه، حتى يأخذه بغير حقّ.
فقال أبو خالد: فقلت: يا ابن رسول اللّه و أنّ ذلك لكائن؟
فقال: إي و ربي إنّ ذلك لمكتوب عندنا في الصحيفة التي فيها ذكر المحن التي تجري علينا بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.
فقال أبو خالد: فقلت: يا ابن رسول اللّه ثمّ يكون ماذا؟
قال: ثمّ تمتد الغيبة بوليّ اللّه الثاني عشر من أوصياء رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و الأئمّة بعده.
يا أبا خالد! إنّ أهل زمان غيبته القائلين بإمامته، و المنتظرين لظهوره أفضل من أهل كل زمان، فإن اللّه تبارك و تعالى أعطاهم من العقول و الإفهام و المعرفة ما صارت به الغيبة [عندهم] بمنزلة المشاهدة، و جعلهم في ذلك الزمان بمنزلة المجاهدين بين يدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بالسيف، أولئك المخلصون حقا، و شيعتنا صدقا، و الدعاة إلى دين اللّه عزّ و جلّ سرا و جهرا.
و قال عليه السّلام: انتظار الفرج من أفضل الفرج.
نرجو الحق تعالى أن يكرّم جميع الشيعة الأجر العظيم في هذا الانتظار.
و السلام على من اتبع الهدى.
قال الشيخ الفقيه عماد الدين أبو جعفر ابن بابويه رحمه اللّه في كتاب كمال الدين: حدّثنا أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني [رضى اللّه عنه]،(1)قال: حدّثنا عليّ بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن بسطام بن مرّة، عن عمرو بن ثابت قال: قال عليّ بن الحسين سيد العابدين [عليهما السّلام]:(2)من ثبت على موالاتنا في غيبة قائمنا أعطاه اللّه عزّ و جلّ أجر ألف شهيد مثل شهداء بدر و أحد.(3)
و السلام على من اتبع الهدى.
قال الشيخ المذكور عليه رحمة اللّه الملك الغفور في الكتاب المزبور:
حدّثنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد [رضى اللّه عنه]،(4)قال: حدّثنا محمّد بن الحسن الصفّار، عن أحمد بن أبي عبد اللّه البرقيّ، عن أبيه، عن المغيرة، عن
المفضّل بن صالح، عن جابر، عن أبي جعفر الباقر عليه السّلام أنّه قال: يأتي على الناس زمان يغيب عنهم إمامهم، فطوبى(1)للثابتين على أمرنا في ذلك الزّمان، إنّ أدنى ما يكون لهم من الثواب أن يناديهم البارئ جلّ جلاله، فيقول: عبادي و إمائي! آمنتم بسرّي، و صدّقتم بغيبي فأبشروا بحسن الثواب منّي، فأنتم عبادي الغيث، و أدفع عنهم البلاء، و لولاكم لأنزلت عليهم عذابي.
قال جابر: فقلت: يا ابن رسول اللّه! فما أفضل ما يستعمله المؤمن في ذلك الزمان؟
قال: حفظ اللّسان، و لزوم البيت.(2)
و السلام على من اتبع الهدى.
***5.
قال أبو محمّد ابن شاذان أسكنه اللّه في أعلى درجات الجنان: حدّثنا عليّ بن الحكم رضى اللّه عنه، عن سيف بن عميرة، عن علقمة بن محمّد الحضرمي، عن الصادق عليه السّلام قال: الأئمّة اثنا عشر.
قلت: يا ابن رسول اللّه فسمّهم لي فداك أبي و أمي.
قال: من الماضين عليّ بن أبي طالب، و الحسن، و الحسين، و عليّ بن الحسين، و محمّد بن عليّ، ثم أنا.
قلت: من بعدك يا ابن رسول اللّه؟
فقال: إنّي أوصيت إلى ولدي موسى، و هو الإمام [من] بعدي.
قلت: فمن بعد موسى؟
قال: عليّ ابنه يدعى الرّضا، يدفن في أرض الغربة من خراسان، ثم من بعد عليّ ابنه محمّد، و بعد محمّد ابنه عليّ، و بعد عليّ الحسن ابنه، و بعد الحسن المهدي ابنه، و إنّه إذا خرج يجتمع عليه ثلاثمائة و ثلاثة عشر رجلا عدد رجال بدر، و إذا كان وقت خروجه يكون له سيف مغمود خرج من غمده، فناداه: قم يا وليّ اللّه! أقتل أعداء اللّه.
و السلام على من اتبع الهدى.
قال ابن بابويه رحمة اللّه عليه في كتاب كمال الدين: حدّثنا أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني رضى اللّه عنه قال: حدّثنا عليّ بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن صالح بن السندي، عن يونس بن عبد الرحمن، قال: دخلت على موسى بن جعفر عليهم السّلام فقلت له: يا ابن رسول اللّه أنت القائم بالحق؟
فقال: أنا القائم بالحق، لكن القائم الذي يطهّر الأرض من أعداء اللّه عزّ و جلّ و يملؤها عدلا كما ملئت جورا و ظلما، و هو الخامس من ولدي؛ له غيبة يطول أمدها خوفا على نفسه، يرتد فيها قوم، و يثبت فيها آخرون.
ثم قال عليه السّلام: طوبى لشيعتنا، المتمسكين بحبلنا في غيبة قائمنا، الثابتين على موالاتنا و البراءة من أعدائنا؛ أولئك منّا، و نحن منهم، قد رضوا بنا أئمّة، و رضينا بهم شيعة، فطوبى لهم، ثمّ طوبى لهم، و اللّه إنّهم معنا في درجتنا يوم القيامة.(1)
و السلام على من اتبع الهدى.
1) كمال الدين/الصدوق: 361 /باب 34 /ح 5.
قال ابن بابويه رحمة اللّه عليه في كتاب كمال الدين: حدّثنا أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني رحمه اللّه قال: حدّثنا عليّ بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن عليّ بن معبد، عن الحسين بن خالد، قال: قال عليّ بن موسى الرّضا عليه السّلام: لا دين لمن لا ورع له، و لا إيمان لمن لا تقية له؛ و إن أكرمكم عند اللّه أعملكم بالتقية.
فقيل له: يا ابن رسول اللّه إلى متى؟
قال: إلى يوم الوقت المعلوم، و هو يوم خروج قائمنا أهل البيت، فمن ترك التقية قبل خروج قائمنا فليس منا.
فقيل له: يا ابن رسول اللّه و من القائم منكم أهل البيت؟
قال: الرابع من ولدي، ابن سيّدة الإماء، يطهّر اللّه عزّ و جلّ به الأرض من كل جور، و يقدّسها من كلّ ظلم، و هو الذي يشكّ الناس في ولادته، و هو صاحب الغيبة قبل خروجه؛ فإذا خرج أشرقت الأرض بنوره، و وضع ميزان العدل بين النّاس فلا يظلم أحد أحدا، و هو الّذي تطوى له الأرض، و لا يكون له ظل، و هو الذي ينادي مناد من السماء يسمعه جميع أهل الأرض بالدّعاء إليه، يقول: ألا إنّ حجّة اللّه قد ظهر عند بيت اللّه فأتّبعوه، فإنّ الحقّ معه و فيه، و هو قول اللّه عزّ و جلّ: إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ (1).(2)
اللهم أرزقنا لقاء حجّتك خاتم الأوصياء.
و السلام على من اتبع الهدى.
قال الشيخ الصدوق عماد الدين أبو جعفر بن بابويه رحمة اللّه عليه: حدّثنا محمّد بن أحمد الشيباني، عن محمّد بن أبي عبد اللّه الكوفي، عن سهيل بن زياد الآدميّ، عن عبد العظيم بن عبد اللّه الحسنيّ، قال: قلت لمحمّد بن عليّ بن موسى عليهم السّلام: إنّي لأرجو أن تكون القائم من أهل بيت محمّد صلّى اللّه عليه و آله الذي يملأ الأرض عدلا و قسطا كما ملئت جورا و ظلما.
فقال عليه السّلام: يا أبا القاسم ما منّا إلا و هو قائم بأمر اللّه عزّ و جلّ، و هاد إلى دين اللّه تعالى، و لكنّ القائم بأمر اللّه الذي يطهّر اللّه تبارك و تعالى به الأرض من أهل الكفر و الجحود و يملؤها عدلا و قسطا، هو الذي تخفى على الناس ولادته و يغيب عنهم شخصه، و يحرم عليهم تسميته، و هو سمي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و كنيّه، و هو الذي تطوى له الأرض، و يذلّ له كلّ صعب، يجتمع إليه من أصحابه عدّة أهل بدر ثلاثمائة و ثلاثة عشر رجلا من أقاصي الأرض، و ذلك قول اللّه عزّ و جلّ:
أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ .(1)
فإذا اجتمعت له هذه العدّة من أهل الإخلاص أظهر اللّه أمره، فإذا
1) البقرة: 148.
كمل له العقد و هو عشرة آلاف رجل، خرج بإذن اللّه عزّ و جلّ، فلا يزال يقتل أعداء اللّه حتى يرضى اللّه عزّ و جلّ.
قال عبد العظيم: فقلت يا سيدي! و كيف يعلم أن اللّه عزّ و جلّ قد رضي؟
قال: يلقي في قلبه الرحمة، فإذا دخل المدينة أخرج اللاّت و العزّى فأحرقهما.(1)
و المقصود من اللاّت و العزّى أبا بكر و عمر عليهما...
و السلام على من اتبع الهدى.
***2.
1) كمال الدين/الصدوق: 377 و 378 /باب 36 /ح 2.
ما رواه أيضا أبو محمّد بن شاذان عن سهل بن زياد الآدميّ، عن عبد العظيم المشار إليه سلام اللّه عليه قال: دخلت على سيدي عليّ بن محمّد عليه السّلام، فلمّا بصرني قال لي: مرحبا بك يا أبا القاسم! أنت وليّنا حقا.
فقلت له: يا ابن رسول اللّه إني أريد أن أعرض عليك ديني، فإن كان مرضيا ثبتّ عليه حتى ألقى اللّه عزّ و جلّ.
فقال: هات يا أبا القاسم!
فقلت: إنّي أقول: إنّ اللّه تبارك و تعالى واحد ليس كمثله شيء، خارج عن الحدّين حدّ الإبطال، و حدّ التشبيه، و إنّه ليس بجسم، و لا صورة، و لا عرض، و لا جوهر؛ بل هو مجسّم الأجسام، و مصوّر الصور، و خالق الأعراض و الجواهر، و ربّ كلّ شيء، و مالكه، و جاعله، و محدثه.
و أنّ محمّدا عبده و رسوله خاتم النبيين، فلا نبي بعده إلى يوم القيامة، [و أن شريعته خاتمة الشرائع فلا شريعة بعدها إلى يوم القيامة].
و أقول: إن الإمام و الخليفة و ولي الأمر بعده أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السّلام، ثم بعده ولداه الحسن و الحسين، ثم عليّ بن الحسين، ثم محمّد بن عليّ، ثم جعفر بن محمّد، ثم موسى بن جعفر، ثم عليّ بن موسى، ثم محمّد بن علي، ثم أنت يا مولاي.
فقال عليه السّلام: و من بعدي الحسن ابني، فكيف للناس بالخلف من بعده؟
قال: فقلت و كيف ذاك يا مولاي؟
قال: لأنّه لا يرى شخصه، و لا يحلّ ذكره باسمه حتى يخرج فيملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت جورا و ظلما.
قال: فقلت: أقررت إنّ وليّهم وليّ اللّه، و عدوّهم عدو اللّه، و طاعتهم طاعة اللّه، و معصيتهم معصية اللّه.
و أقول: إنّ المعراج حق، و المساءلة في القبر حق، و أنّ الجنّة حقّ، و أنّ النار حقّ، و الصراط حقّ، و الميزان حقّ، و أنّ الساعة آتية لا ريب فيها و أنّ اللّه يبعث من في القبور.
و أقول: إنّ الفرائض الواجبة بعد الولاية: الصلاة، و الزكاة، و الصوم، و الحج، و الجهاد، و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.
فقال عليّ بن محمّد عليهما السّلام: يا أبا القاسم هذا و اللّه دين اللّه الذي ارتضاه لعباده، فاثبت عليه ثبّتك اللّه بالقول الثابت في الحياة الدنيا و في الآخرة.(1)
لهذا الحديث شرح مفصل إذا اخّر بالأجل، و أعانني اللّه تعالى فسوف أكتب كتابا مفصلا في شرح هذا الحديث إن شاء اللّه تعالى.
و السلام على من اتبع الهدى.
***ث.
1) أقول: و رواه الشيخ الصدوق في كمال الدين: 379 و 380 /باب 37 /ح 1، بالإسناد التالي: حدّثنا عليّ بن محمّد بن موسى الدقاق و عليّ بن عبد اللّه الورّاق رضى اللّه عنهما قالا: حدّثنا محمّد بن هارون الصوفي قال: حدّثنا أبو تراب عبد اللّه بن موسى الروياني، عن عبد العظيم بن عبد اللّه الحسني... الحديث.
قال أبو محمّد ابن شاذان عليه الرحمة و الغفران: حدّثنا محمّد بن عبد الجبار رضى اللّه عنه قال: قلت لسيدي الحسن بن عليّ عليهما السّلام، يا ابن رسول اللّه جعلني اللّه فداك، أحب أن أعلم من الإمام، و حجة اللّه على عباده من بعدك؟
قال عليه السّلام: إنّ الإمام، و الحجّة بعدي ابني سمّي رسول اللّه، و كنّيه صلّى اللّه عليه و آله الذي هو خاتم حجج اللّه و آخر خلفائه.
فقلت: ممّن [يتولد] هو يا ابن رسول اللّه؟
قال: من ابنة ابن قيصر ملك الروم، ألا إنه سيولد فيغيب عن الناس غيبة طويلة، ثمّ يظهر، و يقتل الدجال فيملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت جورا و ظلما، فلا يحل لأحد أن يسمّيه أو يكنّيه باسمه و كنيته قبل خروجه صلوات اللّه عليه.
يقول المترجم:(1)إنّي أتعجب من كلام صاحب كتاب كشف الغمة للشيخ الفاضل العادل عليّ بن عيسى الأربلي عليه الرحمة حيث يقول: من العجيب أنّ الشيخ الطبرسي، و الشيخ المفيد رحمهما اللّه قالا: أنّه لا يجوز ذكر اسمه و لا كنيته، ثمّ يقولان: اسمه اسم النبي، و كنيته كنيته عليهما الصلاة و السلام، و هما يظنان أنهما لم يذكرا اسمه و لا كنيته، و هذا عجيب، انتهى.(2)
و من العجيب جدا أن هذا الرجل العالم مع كمال وسع معرفته فإنه قد غفل أنّ الإشارة إلى الاسم و الكنية شيء، و التلفظ بالاسم و الكنية شيء آخر.
و الحال أن عدّة من الأحاديث من تلك الأحاديث المشتملة على النهي عن التسمية و التكنية مثل الحديث السادس و العشرين من أحاديث هذه الأربعين، قد ذكر فيها أن خاتم الأوصياء يشترك مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بالاسم و الكنية مثل الحديث المذكور.
و السلام على من اتبع الهدى.
و ليعلم أنه و بسبب طولانية حديث والدة صاحب الأمر عليه السّلام الماجدة فإننا نقتصر في هذا المقام على ترجمته رعاية للاختصار.(1)
روى الفضل بن شاذان(2)
و من المهم أن السيد المير لوحي ينقل قصة السيدة نرجس عليها السّلام مباشرة عن كتاب الفضل، و ربما لو حصلنا على هذا الكتاب لا نحل به لغز الاشكال الذي يقول به البعض في سنده.
و ابن بابويه(3)و الشيخ الطوسي(4)و الشيخ الطبرسي(5)و الشيخ الطرابلسي(6)و غيرهم كثيرا جدا من علماء الإمامية رضي اللّه عنهم جميعا في كتبهم بعبارات مختلفة و معاني متّفقة.أما الشيخ الطوسي عليه الرحمة فقد نقل على النحو التالي بسنده عنة.
1) و نحن ننقل الرواية عن أصلها العربي.
2) من الأسف الشديد أننا فقدنا كتاب الشيخ الفضل بن شاذان، و لعلّه موجود في زوايا الإهمال من المكتبات الخاصّة، أو أنه موجود في المكتبات الأوروبية التي سرقت كتبنا و لم تسمح للناس بالتعرف عليها و على ما فيها، و أنا على يقين أنه سوف يأتي الزمان الذي تنكشف به تلك الموانع و الحجب عن تلكم الأسفار النفيسة.
3) كمال الدين/الصدوق: 417-423 /الباب 41 /ح 1.
4) الغيبة/الطوسي: 208-214 /تحت الفقرة 178.
5) دلائل الإمامة/الطبرسي: 262 /الطبعة الأولى/النجف.
6) نأسف شديدا فهو كان موجودا عند المؤلف، و لكنّه اليوم يعدّ من الكتب المفقودة.
بشر بن سليمان النخاس و هو من ولد أبي أيوب الأنصاري أحد موالي أبي الحسن، و أبي محمّد عليهما السّلام و جارهما بسرّ من رأى:
أتاني كافور الخادم، فقال: مولانا أبو الحسن عليّ بن محمّد العسكري عليهما السّلام يدعوك إليه؛ فأتيته، فلمّا جلست بين يديه قال لي:
يا بشر! إنّك من ولد الأنصار، و هذه الموالاة لم تزل فيكم يرثها خلف عن سلف، و أنتم ثقاتنا أهل البيت، و إنّي مزكّيك و مشرّفك بفضيلة تسبق بها الشيعة في الموالاة بسرّ اطلعك عليه، و انفذك في ابتياع أمة.
فكتب كتابا لطيفا بخطّ روميّ، و لغة روميّة، و طبع عليه خاتمه، و أخرج شقيقة صفراء فيها مائتان و عشرون دينارا، فقال: خذها، و توجّه بها إلى بغداد، و احضر معبر الفرات ضحوة يوم كذا، فإذا وصلت إلى جانبك زواريق السبايا، و ترى الجواري فيها ستجد طوائف المبتاعين من وكلاء قوّاد بني العباس و شرذمة من فتيان العرب، فإذا رأيت ذلك فاشرف من البعد على المسمّى عمر بن يزيد النخّاس عامّة نهارك إلى أن تبرز للمبتاعين جارية صفتها كذا و كذا، لابسة حريرين صفيقين تمتنع من العرض، و لمس المعترض، و الانقياد لمن يحاول لمسها، و تسمع صرخة روميّة من وراء ستر رقيق، فاعلم أنها تقول و اهتك ستراه.
فيقول بعض المبتاعين: عليّ ثلاثمائة دينار، فقد زادني العفاف فيها رغبة.
فتقول له بالعربية: لو برزت في زيّ سليمان بن داود، و على شبه ملكه ما بدت لي فيك رغبة، فأشفق على مالك.
فيقول النخّاس: فما الحيلة و لا بدّ من بيعك.
فتقول الجارية: و ما العجلة و لا بدّ من اختيار مبتاع يسكن قلبي إليه، و إلى وفائه، و أمانته.
فعند ذلك قم إلى عمر بن يزيد النخّاس و قل له: إنّ معك كتابا ملصقا لبعض الأشراف كتبه بلغة رومية، و خط رومي و وصف فيه كرمه، و وفاءه،
و نبله، و سخاءه، فناولها لتتأمل منه أخلاق صاحبه، فإن مالت إليه، و رضيته فأنا وكيله في ابتياعها منك.
قال بشر بن سليمان: فامتثلت جميع ما حدّه لي مولاي أبو الحسن عليه السّلام في أمر الجارية، فلمّا نظرت في الكتاب بكت بكاءا شديدا، و قالت لعمر بن يزيد:
بعني من صاحب هذا الكتاب. و حلفت بالمحرّجة، و المغلّظة إنه متى امتنع من بيعها منه قتلت نفسها.
فما زلت أشاحه في ثمنها حتىّ استقّر الأمر فيه على مقدار ما كان أصحبنيه مولاي عليه السّلام من الدنانير، فاستوفاه (منّي) و تسلمت الجارية ضاحكة مستبشرة، و انصرفت إلى الحجيرة التي كنت آوي إليها ببغداد، فما أخذها القرار حتى أخرجت كتاب مولانا عليه السّلام من جيبها و هي تلثمه و تطبقه على جفنها و تضعه على خدّها و تمسحه على بدنها.
فقلت تعجبا منها: تلثمين كتابا لا تعرفين صاحبه.
فقالت: أيها العاجز، الضعيف المعرفة بمحلّ أولاد الأنبياء، أعرني سمعك، و فرّغ لي قلبك، أنا مليكة بنت يشوعا بن قيصر ملك الروم، و أمّي من ولد الحواريين تنسب إلى وصي المسيح شمعون، أنبئك بالعجب:
إنّ جدّي قيصر أراد أن يزوجني من ابن أخيه، و أنا من بنات ثلاثة عشرة سنّة، فجمع في قصره من نسل الحواريين من القسيسين و الرهبان ثلاثمائة رجل، و من ذوي الأخطار منهم سبعمائة رجل، و جمع من أمراء الأجناد، و قواد العسكر، و نقباء الجيوش، و ملوك العشائر أربعة آلاف، و أبرز من بهي ملكه عرشا مصنوعا من أصناف الجوهر (إلى صحن القصر)، و رفعه فوق أربعين مرقاة، فلمّا صعد ابن أخيه، و أحدقت الصلب، و قامت الأساقفة عكّفا، و نشرت أسفار الإنجيل، تسافلت الصلب من الأعلى فلصقت بالأرض و تقوّضت أعمدة العرش، فانهارت إلى القرار، وخّر الصاعد من العرش مغشيا عليه.
فتغيّرت ألوان الأساقفة، و ارتعدت فرائصهم، فقال كبيرهم (لجدّي):
أيها الملك أعفنا من ملاقاة هذه النحوس، الدّالة على زوال دولة هذا الدين المسيحي، و المذهب الملكاني.
فتطيّر جدّي من ذلك تطيّرا شديدا، و قال للأساقفة:
أقيموا هذه الأعمدة، و ارفعوا الصلبان، و احضروا أخا هذا المدبر العاثر، المنكوس جدّه لأزوجه هذه الصبية، فيدفع نحوسه عنكم بسعوده.
فلمّا فعلوا ذلك حدث على الثاني (مثل) ما حدث على الأوّل، و تفرق الناس.
و قام جدّي قيصر مغتما فدخل منزل النساء، و ارخيت الستور، و أريت في تلك الليلة كأنّ المسيح و شمعون و عدّة من الحواريين قد اجتمعوا في قصر جدّي و نصبوا فيه منبرا من نور يباري السماء علوا و ارتفاعا في الموضع الذي كان نصب جدّي فيه عرشه، و دخل عليهم محمّد صلّى اللّه عليه و آله و ختنه و وصيه عليه السّلام و عدة من أبنائه عليهم السّلام.
فتقدم المسيح إليه، فاعتنقه، فيقول له محمّد صلّى اللّه عليه و آله: يا روح اللّه إني جئتك خاطبا من وصيّك شمعون فتاته مليكة لابني هذا، و أومأ بيده إلى أبي محمّد عليه السّلام ابن صاحب هذا الكتاب.
فنظر المسيح إلى شمعون و قال (له): قد أتاك الشرف، فصل رحمك رحم آل محمّد عليهم السّلام.
قال: قد فعلت.
فصعد ذلك المنبر، فخطب محمّد صلّى اللّه عليه و آله، و زوّجني من ابنه، و شهد المسيح عليه السّلام، و شهد أبناء محمّد عليهم السّلام، و الحواريّون.
فلما استيقظت أشفقت أن أقصّ هذه الرؤيا على أبي و جدّي مخافة القتل، فكنت أسرّها و لا أبديها لهم، و ضرب صدري أبي محمّد عليه السّلام حتّى امتنعت من الطعام و الشراب، فضعفت نفسي، ودّق شخصي، و مرضت مرضا شديدا، فما بقي في مدائن الروم طبيب إلا أحضره جدّي، و سأله عن دوائي.
فلما برح به اليأس قال:
يا قرة عيني! و هل يخطر ببالك شهوة فازودكها في هذه الدنيا؟
فقلت: يا جدي! أرى أبوابا عليّ مغلقة، فلو كشفت العذاب عمّن في سجنك من أسارى المسلمين، و فككت عنهم الأغلال، و تصدّقت عليهم، و منّيتهم الخلاص رجوت أن يهب (لي) المسيح و أمّه عافية.
فلما فعل ذلك تجلدت في إظهار الصّحة من بدني قليلا، و تناولت يسيرا من الطعام، فسّر بذلك، و أقبل على إكرام الأسارى و إعزازهم.
فأريت (أيضا) بعد أربع عشرة ليلة كأنّ سيدة نساء العالمين فاطمة عليها السّلام قد زارتني، و معها مريم ابنة عمران و ألف من وصائف الجنان، فتقول لي مريم:
هذه سيدة نساء العالمين أمّ زوجك أبي محمّد عليه السّلام، فأتعلق بها، و أبكي، و أشكو إليها امتناع أبي محمّد عليه السّلام من زيارتي.
فقالت سيّدة النساء عليها السّلام: إن ابني أبا محمّد لا يزورك، و أنت مشركة باللّه على مذهب النصارى، و هذه أختي مريم بنت عمران تبرأ إلى اللّه تعالى من دينك، فان ملت إلى رضى اللّه و رضى المسيح و مريم عليهما السّلام و زيارة أبي محمّد إياك فقولي: أشهد أن لا إله إلاّ اللّه و أن أبي محمّدا رسول اللّه.
فلما تكلمت بهذه الكلمة ضمّتني إلى صدرها سيدة نساء العالمين عليها السّلام، و طيبت نفسي و قالت: الآن توقعي زيارة أبي محمّد، فإني منفذته إليك.
فانتبهت و أنا أنول،(1)
و تحتمل العبارة (أقول) كما هو ثبت في نسخ بدل أيضا.
أتوقع لقاء أبي محمّد عليه السّلام.فلما كان في الليلة القابلة رأيت أبا محمّد عليه السّلام و كأنّي أقول له:
جفوتني يا حبيبي بعد أن أتلفت نفسي معالجة حبّك.ا.
1) أنول: يعني أهم. فنالت المرأة بالحديث أو الحاجة نوالا بمعنى سمحت أو همّت. كما في لسان العرب لابن منظور.
فقال: ما كان تأخري عنك إلا لشركك، فقد أسلمت و أنا زائرك في كل ليلة إلى أن يجمع اللّه تعالى شملنا في العيان.
فما قطع عنيّ زيارته بعد ذلك إلى هذه الغاية.
قال بشر: فقلت لها: و كيف وقعت في الأسارى؟
فقالت: أخبرني أبو محمّد عليه السّلام ليلة من الليالي أن جدّك سيّسير جيشا إلى قتال المسلمين يوم كذا و كذا، ثمّ يتبعهم، فعليك باللحاق بهم متنكرة في زيّ الخدم مع عدّة من الوصائف من طريق كذا.
ففعلت ذلك، فوقعت علينا طلائع المسلمين، حتى كان من أمري ما رأيت، و شاهدت، و ما شعر بأنّي ابنة ملك الروم إلى هذه الغاية أحد سواك، و ذلك باطلاعي إيّاك عليه، و لقد سألني الشيخ الذي وقعت إليه في سهم الغنيمة عن اسمي فأنكرته و قلت: نرجس، فقال: اسم الجواري.
قلت: العجب انّك رومية، و لسانك عربي؟
قالت: نعم! من ولوع جدّي، و حمله إياي على تعلم الآداب أن أوعز إلى امرأة ترجمانة لي في الاختلاف إليّ، و كانت تقصدني صباحا و مساءا، و تفيدني العربية حتى استمرّ لساني عليها و استقام.
قال بشر: فلما انكفأت بها إلى سرّ من رأى دخلت على مولاي أبي الحسن عليه السّلام فقال: كيف أراك اللّه عزّ الإسلام، و ذلّ النصرانية، و شرف محمّد و أهل بيته عليهم السّلام؟
قالت: كيف أصف لك يا ابن رسول اللّه ما أنت أعلم به منّي؟!
قال: فانّي أحببت أن أكرمك؛ فما أحبّ إليك، عشرة آلاف دينار، أم بشرى لك بشرف الأبد؟
قالت: بشرى بولد لي.
قال لها: أبشري بولد يملك الدنيا شرقا و غربا، و يملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت ظلما و جورا.
قلت: ممّن؟
قال: ممّن خطبك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله له ليلة كذا، في شهر كذا، من سنة كذا بالرومية.
قالت: من المسيح و وصيّه؟
قال لها: ممّن زوجك المسيح عليه السّلام و وصيه؟
قالت: من ابنك أبي محمّد عليه السّلام.
فقال: هل تعرفينه؟
قالت: و هل خلت ليلة لم يرني فيها منذ الليلة التي أسلمت على يد سيدة النساء صلوات اللّه عليها.
قال: فقال مولانا: يا كافور ادع أختي حكيمة.
فلمّا دخلت قال لها: ها هيه. فاعتنقتها طويلا، و سرّت بها كثيرا.
فقال لها أبو الحسن عليه السّلام: يا بنت رسول اللّه! خذيها إلى منزلك، و علّميها الفرائض و السنن؛ فإنها زوجة أبي محمّد، و أمّ القائم عليه السّلام.(1)
المجلسي في البحار: 6/51 /ح 12؛ و غيرهم كثير.
و السلام على من اتبع الهدى.
***ر.
1) الغيبة/الشيخ الطوسي: 208-214 /الفقرة رقم 178. و نقلها: ابن شهر آشوب المازندراني في مناقب آل أبي طالب عليهم السّلام: 440/4 باختصار؛ و نقلها: الفتال النيشابوري في روضة الواعظين: 252؛ و نقلها: السيد النيلي في منتخب الأنوار المضيئة: 51-60 / الطبعة الأولى مطبعة الخيام/قم؛ و نقلها: السيد هاشم البحراني في حلية الأبرار: 515/2؛ و نقلها: الحر العاملي في إثبات الهداة بالنصوص و المعجزات: 363/3 /ح 17؛ و نقلها:
قال أبو محمّد ابن شاذان عليه رحمة اللّه الملك المنّان: حدّثنا أحمد بن إسحاق بن عبد اللّه الأشعري رضى اللّه عنه قال: سمعت أبا محمّد الحسن بن عليّ العسكري عليهما السّلام يقول: الحمد للّه الذي لم يخرجني من الدنيا حتى أراني الخلف بعدي، أشبه الناس برسول اللّه خلقا و خلقا، يحفظه اللّه تبارك و تعالى في غيبته، ثم يظهره فيملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت جورا و ظلما.(1)
و بما أن حديث ولادة صاحب الأمر عليه السّلام طويل أيضا فسوف نقتصر على ذكر الترجمة إن شاء اللّه تعالى.(2)
روى كثير من محدّثينا، و نقل ابن بابويه رحمة اللّه عليه بسنده عن موسى بن محمّد بن القاسم بن حمزة بن موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليهم السّلام قال:
حدّثتني حكيمة بنت محمّد بن عليّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليهم السّلام، قالت:
بعث إليّ أبو محمّد الحسن بن عليّ عليهما السّلام فقال: يا عمّة اجعلي إفطارك
1) أقول: و رواه الشيخ الصدوق أيضا في كمال الدين: 408 و 409، بإسناده التالي: حدّثنا المظفر بن جعفر بن المظفر العلوي السمرقندي رضى اللّه عنه قال: حدّثنا جعفر بن محمّد ابن السعود العياشي، عن أبيه، عن أحمد بن عليّ بن كلثوم، عن عليّ بن أحمد الرازي، عن أحمد بن إسحاق... الحديث.
2) و نحن ننقل أصل هذه الرواية العربي إن شاء اللّه تعالى.
[هذه] الليلة عندنا، فإنها ليلة النصف من شعبان، فإن اللّه تبارك و تعالى سيظهر في هذه الليلة الحجة و هو حجته في أرضه.
قالت: فقلت له: و من أمّه؟
قال لي: نرجس.
قلت له: جعلني اللّه فداك ما بها أثر؟
فقال: هو ما أقول لك.(1)
و نقل ابن شاذان عليه الرحمة في هذا المقام عن لسان السيدة حكيمة هذه العبارات (فجئت إليها) يعني جئت إلى نرجس، و قد رأيت كلمة (إليها) في بعض نسخ كمال الدين، و لكني لم أرها في أكثر نسخ هذا الكتاب.
و على الإجمال: تقول السيدة حكيمة:
فلما سلّمت و جلست جاءت تنزع خفيّ، و قالت لي: يا سيدتي [و سيدة أهلي] كيف أمسيت؟
فقلت: بل أنت سيّدتي و سيّدة أهلي.
قالت: فأنكرت قولي و قالت:
ما هذا يا عمّة؟
قالت: فقلت لها: يا بنيّة! إن اللّه تعالى سيهب لك في ليلتك هذه غلاما سيّدا في الدنيا و الآخرة.
قالت: فخجلت و استحيت.
فلمّا أن فرغت من صلاة العشاء الآخرة أفطرت و أخذت مضجعي، فرقدت، فلمّا أن كان في جوف اللّيل قمت إلى الصلاة، ففرغت من صلاتي و هي نائمة ليس بها حادث، ثمّ جلست معقبّة، ثمّ اضطجعت، ثمّ انتبهت فزعة و هي راقدة؛ ثمّ قامت فصلّت و نامت.4.
1) كمال الدين/الشيخ الصدوق: 424.
قالت حكيمة: و خرجت أتفقد الفجر، فإذا أنا بالفجر الأوّل كذنب السرحان و هي نائمة، فدخلني الشكوك، فصاح بي أبو محمّد عليه السّلام من المجلس فقال: لا تعجلي يا عمّة! فهاك الأمر قد قرب.
قالت: فجلست و قرأت آلم السجدة و يس، فبينما أنا كذلك إذ انتبهت فزعة، فوثبت إليها فقلت: اسم اللّه عليك؛ ثمّ قلت لها: أتحسّين شيئا؟
قالت: نعم يا عمّة.
فقلت لها: اجمعي نفسك، و اجمعي قلبك، فهو ما قلت لك.
قالت [حكيمة]:(1)فأخذتني فترة، و أخذتها فترة، فانتبهت بحسّ سيدي، فكشفت الثوب عنه فإذا أنا به عليه السّلام ساجدا يتلقى الأرض بمساجده، فضممته إليّ فإذا أنا به نظيف متنظف.(2)
و يفهم من بعض الأحاديث أنه كلما كانت تقرأ السيدة حكيمة من القرآن حين الولادة فكان عليه السّلام يقرأ مثلها و هو في بطن أمه.(3)
فأقبلت أقرأ عليها، و قلت لها: ما حالك؟
قالت: ظهر بي الأمر الّذي أخبرك به مولاي.
فأقبلت أقرأ عليها كما أمرني، فأجابني الجنين من بطنها يقرأ مثل ما أقرأ، و سلّم عليّ.
قالت حكيمة: ففزعت لما سمعت، فصاح بي أبو محمّد عليه السّلام: لا تعجبي من أمر اللّه عزّ و جلّ إنّ اللّه تبارك و تعالى ينطقنا بالحكمة صغارا، و يجعلنا حجّة في أرضه كبارا.
فلم يستتمّ الكلام حتّى غيّبت نرجس، فلم أرها، كأنّه ضرب بيني و بينها حجاب... الحديث.
ث.1) هذه الزيادة وردت في بعض النسخ، و نقلها السيد هاشم البحراني في كتابه: (تبصرة الولي في من رأى القائم المهدي عليه السّلام)، النسخة المخطوطة في مكتبة آية اللّه العظمى السيد المرعشي النجفي في قم.
2) في النسخة المذكورة في الهامش السابق. بدل (متنظف) (منظف).
3) كمال الدين/الصدوق: 428 /الباب 42 /ح 2، عن السيدة حكيمة عليها السّلام أنها قالت: فصاح بي أبو محمّد عليه السّلام و قال: اقرئي عليها: إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ.
و يعلم من حديث آخر أنه عليه السّلام قد ولد مختونا.(1)
و يستفاد من هذا الحديث، و من حديث آخر أن الملائكة قد غسلته بماء الكوثر و السلسبيل ليكون طاهرا مطهرا.(2)
تقول السيدة حكيمة عليها السّلام:
فصاح بي أبو محمّد عليه السّلام: هلمّي إليّ ابني يا عمّة!
فجئت به إليه، فوضع يديه تحت إليته و ظهره، و وضع قدميه على صدره، ثمّ أدلى لسانه في فيه، و أمرّ يده على عينيه و سمعه و مفاصله، ثمّ قال: تكلم يا بني!
فقال: أشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، و أشهد أن محمّدا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، ثمّ صلّى على أمير المؤمنين، و على الأئمّة عليهم السّلام إلى أن وقف على أبيه، ثمّ أحجم.
ثمّ قال أبو محمّد عليه السّلام: يا عمّة! اذهبي به إلى أمّه ليسلّم عليها، و ائتني به.
فذهبت به، فسلّم عليها، ورددته فوضعته في المجلس ثمّ قال: يا عمّة! إذا كان يوم السابع فأتينا.
قالت حكيمة:
فلمّا أصبحت جئت لاسلّم على أبي محمّد عليه السّلام، و كشفت الستر لأتفقّد سيدي عليه السّلام فلم أره؛ فقلت: جعلت فداك ما فعل سيّدي؟
فقال: يا عمّة! استودعناه الذي استودعته أمّ موسى موسى عليه السّلام...
1) راجع: كمال الدين/الصدوق: 433 /الباب 42 /ح 14، بإسناده عن محمّد بن عثمان العمريّ قدّس اللّه روحه أنّه قال: ولد السّيّد عليه السّلام مختونا. و سمعت حكيمة تقول: لم ير بامّه دم في نفاسها، و هكذا سبيل امّهات الأئمّة عليهم السّلام.
2) كما سوف يرويه المؤلف عن كتاب الشيخ الفضل بن شاذان في الحديث الثلاثين عن الإمام العسكري عليه السّلام قال: و كان أوّل من غسّله رضوان خازن الجنان مع جمع من الملائكة المقرّبين بماء الكوثر، و السلسبيل...
قالت حكيمة:
فلما كان في اليوم السابع جئت فسلّمت و جلست، فقال: هلمّي إليّ ابني.
فجئت بسيدي عليه السّلام و هو في الخرقة، ففعل به كفعلته الأولى، ثمّ أدلى لسانه في فيه كأنّه يغذّيه لبنا أو عسلا، ثمّ قال: تكلم يا بنيّ.
فقال: أشهد أن لا إله إلا اللّه، وثّنى بالصلاة على محمّد، و على أمير المؤمنين، و على الأئمّة الطاهرين صلوات اللّه عليهم أجمعين حتى وقف على أبيه عليه السّلام، ثمّ تلا هذه الآية: وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ * وَ نُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَ نُرِيَ فِرْعَوْنَ وَ هامانَ وَ جُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ (1).(2)
و نقل القطب الراوندي رحمه اللّه مسندا، كما هو موجود أيضا في الكتب المعتبرة أنه عليه السّلام قال بعد أن قرأ الآية: و صلّى اللّه على محمّد المصطفى و علي المرتضى و فاطمة الزهراء و الحسن و الحسين و عليّ بن الحسين و محمّد بن عليّ و جعفر بن محمّد و موسى بن جعفر و عليّ بن موسى و محمّد بن عليّ و عليّ بن محمّد و الحسن بن عليّ و أبي.(3)
و موسى بن محمّد بن القاسم بن حمزة بن موسى بن جعفر عليهم السّلام هو من مشاهير أولاد الحمزة بن الإمام موسى عليه السّلام.
و قال راوي هذا الخبر المعتبر: فسألت عقبة الخادم عن هذه، فقالت:
صدقت حكيمة.(4)
رحمة اللّه عليها، و رحمة اللّه عليهما.
و السلام على من اتبع الهدى.1.
قال أبو محمّد بن شاذان رحمه اللّه: حدّثنا محمّد بن عليّ بن حمزة بن الحسين بن عبيد اللّه بن عباس بن عليّ بن أبي طالب صلوات اللّه عليه قال: سمعت أبا محمّد عليه السّلام يقول: قد ولد وليّ اللّه و حجته على عباده و خليفتي من بعدي مختونا ليلة النصف من شعبان سنة خمس و خمسين و مائتين عند طلوع الفجر.
و كان أوّل من غسله رضوان خازن الجنان مع جمع من الملائكة المقربين بماء الكوثر، و السلسبيل؛ ثم غسلّته عمتي حكيمة بنت محمّد بن عليّ الرضا عليهما السّلام، فسئل محمّد بن عليّ بن حمزة رضى اللّه عنه عن أمه عليها السّلام.
قال: أمه مليكة التي يقال لها في بعض الأيام (سوسن)، و في بعضها (ريحانة)، و كان صقيل و نرجس أيضا من أسمائها سلام اللّه عليها.
و السلام على من اتبع الهدى.
و قال ابن بابويه رحمة اللّه عليه: حدّثنا محمّد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني [رضى اللّه عنه]،(1)قال: حدّثنا الحسن بن عليّ بن زكريا بمدينة السلام، قال: حدّثنا أبو عبد اللّه محمّد بن جليلان،(2)قال: حدّثنا أبي، عن أبيه، عن جدّه، عن غياث بن أسيد، قال:
سمعت محمّد بن عثمان العمري قدّس اللّه روحه يقول:
لما ولد الخلف المهديّ (صلوات اللّه عليه) سطع نور من فوق رأسه إلى عنان
السماء، ثم سقط لوجهه ساجدا لربّه عزّ و جلّ، ثم رفع رأسه و هو يقول: شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَ الْمَلائِكَةُ وَ أُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ .(1)
قال: و كان مولده يوم الجمعة.(2)
و قال ابن بابويه رحمه اللّه أيضا: حدّثنا عبد الواحد بن محمّد بن عبدوس العطّار، قال: حدّثنا عليّ بن محمّد بن قتيبة النيسابوري، عن حمدان بن سليمان عن محمّد بن الحسين بن زيد، عن أبي أحمد [محمّد] بن زياد الأزديّ، قال:
سمعت أبا الحسن موسى بن جعفر عليهما السّلام يقول لما ولد الرضا عليه السّلام:
إن ابني هذا ولد مختونا طاهرا مطهّرا، و ليس من الأئمّة أحد إلا و يولد مختونا طاهرا مطهّرا، و لكنّا سنمرّ الموسى عليه لإصابة السّنة و اتباع الحنيفية.(3)
***5.
قال الشيخ الصدوق أبو جعفر بن بابويه رحمة اللّه عليه و على أبويه: حدّثنا محمّد بن عليّ ماجيلويه رضى اللّه عنه، قال: حدّثنا محمّد بن يحيى العطار، قال: حدّثنا أبو عليّ الخيزرانيّ عن جارية له كان أهداها لأبي محمّد عليه السّلام، فلما أغار جعفر الكذّاب على الدار جاءته فارّة من جعفر، فتزوج بها.
قال أبو عليّ: حدّثتني أنّها حضرت ولادة السيّد عليه السّلام و أنّ اسم أمّ السيّد عليه السّلام صقيل، و أنّ أبا محمّد عليه السّلام حدّثها بما يجري على عياله، فسألته أن يسأل(1)اللّه عزّ و جلّ أن يجعل ميتتها(2)قبله، فماتت في حياة أبي محمّد عليه السّلام، و على قبرها لوح مكتوب عليه: (هذا قبر أمّ محمّد).
قال أبو عليّ: و سمعت هذه الجارية تقول:(3)إنّه لمّا ولد السيّد عليه السّلام رأت له(4)نورا ساطعا قد ظهر منه، و بلغ أفق السماء، و رأت طيورا بيضاء تهبط من السماء و تمسح أجنحتها على رأسه، و وجهه و سائر جسده، ثم تطير.
فأخبرنا أبا محمّد عليه السّلام بذلك، فضحك، فقال: تلك الملائكة نزلت [من السماء](1)للتبرّك بهذا المولود، و هي أنصاره إذا خرج.(2)
عليه و على آبائه المعصومين صلوات اللّه تبارك و تعالى.
و السلام على من اتبع الهدى.
***7.
قال الشيخ الصدوق أبو جعفر ابن عليّ بن الحسين قدس اللّه سرّهما:
حدّثنا محمّد بن عليّ ماجليويه، و أحمد بن محمّد بن يحيى العطار رضى اللّه عنهما، قالا:
حدّثنا محمّد بن يحيى، قال: حدّثنا الحسن بن علي النيسابوري، عن إبراهيم بن محمّد بن عبد اللّه بن موسى بن جعفر بن محمّد عليه السّلام، عن السيّاري قال:
حدّثتني نسيم و مارية قالتا:
لمّا سقط صاحب الزمان عليه السّلام من بطن أمّه، [سقط](1)جاثيا على ركبتيه، رافعا سبّابته(2)إلى السماء، ثم عطس، فقال: الحمد للّه ربّ العالمين، و صلّى اللّه على محمّد و آله، زعمت الظلمة أنّ حجّة اللّه داحضة، لو أذن اللّه لي في الكلام لزال الشكّ.
قال إبراهيم بن محمّد بن عبد اللّه: و حدّثتني نسيم خادمة(3)أبي محمّد عليه السّلام قالت:
قال لي صاحب الزمان عليه السّلام و قد دخلت عليه بعد مولده بليلة، فعطست عنده، فقال لي: يرحمك اللّه!
قالت نسيم: ففرحت بذلك.
فقال [لي](1)عليه السّلام: ألا أبشرك في العطاس؟
فقلت: بلى [بلى يا مولاي].(2)
فقال: هو أمان من الموت ثلاثة أيام.(3)
و روى ابن بابويه رحمة اللّه عليه هذا الحديث في كتابه في محل ثان عن إبراهيم بن محمّد العلويّ، حيث قال هناك: و بهذا الإسناد عن إبراهيم بن محمّد العلويّ قال: حدّثني طريف أبو نصر قال: دخلت على صاحب الزمان عليه السّلام [و هو في المهد]،(4)فقال: عليّ بالصندل الأحمر، فأتيته به، ثمّ قال:
أتعرفني؟ قلت: نعم. فقال: من أنا؟
فقلت: أنت سيّدي و ابن سيّدي.
فقال: ليس عن هذا سألتك.
قال طريف: فقلت: جعلني اللّه فداك، فبيّن لي.
قال: أنا خاتم الأوصياء، بي يدفع اللّه عزّ و جلّ البلاء عن أهلي و شيعتي.(5)
و قال الشيخ الجليل محمّد بن الحسن الطوسي نور اللّه مرقده:
و في رواية أخرى عن جماعة من الشيوخ: أن حكيمة حدّثت بهذا الحديث (أي حديث ولادة الصاحب عليه السّلام)، و ذكرت أنه كان ليلة النصف2.
1) سقطت من النسخة.
2) سقطت من النسخة.
3) كمال الدين/الصدوق: 430 /باب 42 /ح 5؛ أقول: و رواه الشيخ الطوسي في الغيبة: ص 245، تحت فقرة رقم 211، و في: 232 /فقرة رقم 200؛ إثبات الوصية/للمسعودي: ص 261 /ط مؤسسة أنصاريان/قم 1417 ه، و في إعلام الورى/للطبرسي: 217/2، و في الخرائج و الجرائح/للراوندي: 693/2 و 694؛ و في الثاقب في المناقب/للفقيه عماد الدين الطوسي المعروف بابن حمزة: 203 /ح 180 /الفصل 11 /ح 9.
4) سقطت من المصدر المطبوع.
5) كمال الدين/الصدوق: 441 /باب 43 /ح 12.
من شعبان، و أن أمّه نرجس، و ساقت الحديث إلى قولها: فإذا أنا بحسّ سيّدي، و بصوت أبي محمّد عليه السّلام و هو يقول: يا عمتي! هاتي ابني إليّ.
فكشفت عن سيّدي، فإذا هو ساجد متلقيا الأرض بمساجده، و على ذراعه الأيمن مكتوب: جاءَ الْحَقُّ وَ زَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً .(1)
فضممته إليّ، فوجدته مفروغا منه، فلففته في ثوب، و حملته إلى أبي محمّد عليه السّلام.
و ذكروا الحديث إلى قوله: أشهد أن لا إله إلاّ اللّه، و أشهد أنّ محمّدا رسول اللّه، و أنّ عليّا أمير المؤمنين حقّا، ثمّ لم يزل يعدّ السادة، و الأوصياء إلى أن بلغ إلى نفسه و دعا لأوليائه بالفرج على يديه، ثمّ أحجم.
و قالت: ثم رفع بيني و بين أبي محمّد عليه السّلام كالحجاب، فلم أر سيّدي، فقلت لأبي محمّد عليه السّلام: يا سيدي أين مولاي؟
فقال: أخذه من هو أحقّ منك و منّا.
[ثم](2)و ذكروا الحديث بتمامه و زادوا فيه:
فلما كان بعد أربعين يوما دخلت على أبي محمّد عليه السّلام فإذا مولانا الصاحب عليه السّلام يمشي في الدار، فلم أر وجها أحسن من وجهه، و لا لغة أفصح من لغته، فقال أبو محمّد عليه السّلام: هذا المولود الكريم على اللّه عزّ و جلّ.
فقلت: سيّدي أرى من أمره ما أرى و له أربعون يوما؟!
فتبسّم و قال: يا عمّتي! أما علمت إنّا معاشر الأئمّة ننشؤ في اليوم ما ينشؤ غيرنا في السنة؟!
فقمت و قبّلت رأسه، و انصرفت، ثمّ عدتّ و تفقدته فلم أره؛ فقلت لأبي محمّد عليه السّلام: ما فعل مولانا؟ر.
فقال: يا عمّة! استودعناه الذي استودعت أمّ موسى عليه السّلام.(1)
و كان الهدف من كتابة هذا الحديث شيئين:
أوّلهما: أنه عند ما ولد عليه السّلام فكان مكتوبا على ذراعه بقلم القدرة:
جاءَ الْحَقُّ وَ زَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً .(2)
ثانيهما: أن السيّدة حكيمة قالت: فلمّا كان بعد أربعين يوما دخلت على أبي محمّد عليه السّلام فإذا مولانا الصاحب عليه السّلام يمشي في الدار، فلم أر وجها أحسن من وجهه، و لا لغة أفصح من لغته؛ فقال أبو محمّد عليه السّلام: هذا المولود الكريم على اللّه عزّ و جلّ فقلت: سيدي أرى من أمره ما أرى و له أربعون يوما! فتبسّم، و قال: يا عمّتي؛ أما علمت إنّا معاشر الأئمّة ننشؤ في اليوم ما ينشؤ غيرنا في السنة. فقمت، و قبلت رأسه، و انصرفت، ثمّ عدت و تفقدته فلم أره، فقلت لأبي محمّد عليه السّلام: ما فعل مولانا؟ فقال:
يا عمّة استودعناه الذي استودعت أمّ موسى عليه السّلام.
و جاء في رواية أخرى ما خلاصته: أن الإمام الحادي عشر أمر روح القدس الذي ظهر على صورة الطير أن يأخذه عليه السّلام، و كان باقي الملائكة تنزّلت على صورة الطيور، فاتبعته، فبكت السيدة نرجس، فسلاّها الإمام عليه السّلام فقال لها: اسكتي، فإن الرضاع [محرّم] عليه إلا من ثدييك، و سيعاد إليك كما ردّ موسى عليه السّلام إلى أمه، و ذلك قول اللّه عزّ و جلّ: فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَ لا تَحْزَنَ .(3)
و من أراد تفصيل هذا الحديث فليرجع إلى كتاب كمال الدين و تمام النعمة، و كتاب الفرج الكبير.(4)ف.
قال الشيخ الصدوق أبو جعفر بن بابويه رحمه اللّه: حدّثنا محمّد بن عليّ ماجليويه، و محمّد بن موسى المتوكّل، و أحمد بن محمّد بن يحيى العطّار رضى اللّه عنهم قالوا: حدّثنا محمّد بن يحيى العطّار، قال: حدّثني إسحاق بن روح البصري، عن أبي جعفر العمري قال:
لما ولد السّيّد عليه السّلام قال أبو محمد صلوات اللّه عليه: ابعثوا إليّ بأبي عمرو.(1)
فبعث إليه، فصار إليه، فقال له: اشتر عشرة آلاف رطل خبزا، و عشرة آلاف رطل لحما و فرّقه.
قال: أحسبه قال: على بني هاشم، و عقّ عنه بكذا و كذا شاة.(2)
قال الفضل بن شاذان: حدّثنا إبراهيم بن محمّد بن فارس النيسابوري، قال:
لما همّ الوالي عمرو بن عوف بقتلي، و هو رجل شديد النصب، و كان مولعا بقتل الشيعة، فاخبرت بذلك، و غلب عليّ خوف عظيم، فودّعت أهلي، و أحبائي، و توجهت إلى دار أبي محمّد عليه السّلام لأودّعه، و كنت أردت الهرب، فلما دخلت عليه رأيت غلاما جالسا في جنبه، و كان وجهه مضيئا كالقمر ليلة البدر، فتحيّرت من نوره و ضيائه، و كاد أن أنسى ما كنت فيه من الخوف و الهرب، فقال: يا إبراهيم! لا تهرب، فإنّ اللّه تبارك و تعالى سيكفيك شره.
فازداد تحيري، فقلت لأبي محمّد عليه السّلام: يا سيّدي! جعلني اللّه فداك، من هو، و قد أخبرني بما كان في ضميري؟
فقال: هو ابني و خليفتي من بعدي، و هو الذي يغيب غيبة طويلة، و يظهر بعد امتلاء الأرض جورا و ظلما، فيملؤها عدلا و قسطا.
فسألته عن اسمه؛ قال: هو سمّي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و كنّيه، لا يحل لأحد6.
أن يسمّيه باسمه، أو يكنّيه بكنيته إلى أن يظهر اللّه دولته و سلطنته، فاكتم يا إبراهيم ما رأيت و سمعت عنّا اليوم إلا عن أهله.
فصلّيت عليهما و آبائهما، و خرجت مستظهرا بفضل اللّه تعالى، واثقا بما سمعته من الصاحب عليه السّلام، فبشّرني عمّي علي بن فارس بأن المعتمد قد أرسل أبا أحمد أخاه، و أمره بقتل عمرو بن عوف، فأخذه أبو أحمد في ذلك اليوم و قطّعه عضوا عضوا، و الحمد للّه رب العالمين.
و بما أنه أشير في الحديث العشرين و الحادي و الثلاثين إلى قبائح جعفر الكذّاب، فلذلك نذكر في هذا المقام بعد حديث وفاة الإمام الحسن بن عليّ العسكري عليهما السّلام نبذة من الصفات الذميمة لجعفر المذكور.
نقل الشيخ أبو عبد اللّه محمّد بن هبة اللّه الطرابلسي في كتاب (الفرج الكبير) و روى بسنده عن أبي الأديان و كان خادم الإمام عليه السّلام أنه قال:(1)
«و حدّثنا أبو الأديان قال: كنت أخدم الحسن بن عليّ بن محمّد بن موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليهم السّلام و أحمل كتبه إلى الأمصار، فدخلت عليه في علّته التي توفي فيها صلوات اللّه عليه، فكتب معي كتابا و قال: امض بها إلى المدائن، فإنّك ستغيب خمسة عشر يوما و تدخل إلى سرّ من رأى يوم الخامس عشر و تسمع الواعية في داري و تجدني على المغتسل. قال أبو الأديان: فقلت: يا سيدي فإذا كان ذلك فمن؟ قال: من طالبك بجوابات كتبي فهو القائم من بعدي، فقلت: زدني، فقال: من يصلي عليّ فهو القائم من بعدي، فقلت:
زدني، فقال: من أخبر بما في الهميان فهو القائم بعدي، ثم منعتني هيبته أن أسأله عمّا في الهميان.
و خرجت بالكتب إلى المدائن و أخذت جواباتها، و دخلت سرّ من رأى يوم الخامس عشر كما ذكر لي عليه السّلام، فإذا أنا بالواعية في داره و إذا به على المغتسل، و إذا أنا بجعفر بن عليّ أخيه بباب الدار و الشيعة من حوله يعزّونه و يهنّونه، فقلت في نفسي: إن يكن هذا الإمام فقد بطلت الإمامة، لأنّي كنت أعرفه يشرب النبيذ، و يقامر في الجوسق، و يلعب بالطنبور، فتقدّمت فعزّيت و هنّيت فلم يسألني عن شيء، ثم خرج عقيد فقال: يا سيدي قد كفن أخوك فقم و صلّ عليه، فدخل جعفر بن عليّ و الشيعة من حوله يقدمهم السمّان و الحسن بن عليّ قتيل المعتصم المعروف بسلمة.
فلما صرنا في الدار إذا نحن بالحسن بن عليّ صلوات اللّه عليه على نعشه مكفنا، فتقدم جعفر بن عليّ ليصلّي على أخيه، فلمّا همّ بالتكبير خرج صبيّ بوجهه سمرة، بشعره قطط، بأسنانه تفليج، فجبذ برداء جعفر بن عليّ و قال: تأخر يا عمّ فأنا أحقّ بالصلاة على أبي، فتأخر جعفر، و قد أربدّ وجهه و اصفرّ.
فتقدم الصبي و صلّى عليه و دفن إلى جانب قبر أبيه عليهما السّلام. ثمّ قال: يا بصريّ هات جوابات الكتب التي معك، فدفعتها إليه، فقلت في نفسي: هذه بيّنتان، بقي الهميان، ثم خرجت إلى جعفر بن عليّ و هو يزفر، فقال له حاجز الوشاء: يا سيدي من الصبي لنقيم الحجة عليه؟ فقال: و اللّه ما رأيته قطّ و لا أعرفه. فنحن جلوس، فقدم نفر من قم فسألوا عن الحسن بن عليّ عليهما السّلام فعرفوا موته، فقالوا:
فمن [نعزي]؟ فأشار الناس إلى جعفر بن عليّ فسلّموا عليه و عزّوه و هنّوه و قالوا: إن معنا كتبا و مالا، فتقول ممن الكتب؟ و كم المال؟ فقام ينفض أثوابه و يقول: تريدون منّا أن نعلم الغيب، قال: فخرج الخادم فقال: معكم كتب فلان و فلان [و فلان] و هميان فيه ألف دينار و عشرة دنانير فيها مطلية، فدفعوا إليه الكتب و المال و قالوا: الذي وجه بك لأخذ ذلك هو الإمام، فدخل جعفر بن عليّ على المعتمد و كشف له ذلك، فوجه المعتمد بخدمه فقبضوا على صقيل الجارية، فطالبوها بالصبي فأنكرته وادعت حبلا بها لتغطّى حال الصبيّ، فسلّمت إلى ابن أبي الشوارب القاضي، و بغتهم موت عبيد اللّه بن يحيى بن خاقان فجأة، و خروج صاحب الزّنج بالبصرة فشغلوا بذلك عن الجارية، فخرجت عن أيديهم، و الحمد للّه رب العالمين.
«...1) نظرا لضياع كتاب الفرج الكبير للطرابلسي، و عدم وجود نسخة له كحال الكتب الثمينة التي ضاعت و لم تصل إلينا، فلذلك ارتأينا أن نترجم النص و نرجعه إلى لغته الأصلية العربية؛ و بما أن الأقرب لها هي الرواية التي نقلها الشيخ الصدوق في كمال الدين فنحن ننقل الترجمة عن النّص الموجود في كمال الدين و نسقط منه الأشياء التي هي غير موجودة في الترجمة، ليكون النص الجديد أقرب إلى ما في الفرج الكبير و اللّه تعالى أعلم، و لأننا وجدنا المؤلف لا يلتزم بالترجمة الحرفية، فلذلك احتملنا أن تكون بعض الزيادات هنا ناتجة لتسامحه في الترجمة، فلذلك احتطنا فنقلنا النص كما في كمال الدين/الصدوق: 475 و 476.
دخلت [على الإمام عليه السّلام] في علّته التي توفى فيها صلوات اللّه عليه، فكتب معي كتبا و قال: أمض بها إلى فلان و فلان و كثير من أصحابنا، و اعلم أنكن.
ستصل إلى هذه البلدة بعد خمسة عشر يوما و تسمع الناعية في داري و تجدني على المغتسل.
قال أبو الأديان: فقلت: يا سيدي و مولاي: فإذا كان هذا الحدث العظيم فمن هو حجة اللّه و إمامنا؟
قال: من طالبك بجوابات كتبي.
فقلت: زدني.
فقال: من يصلّي عليّ فهو حجّة اللّه، و الإمام، و المهدي القائم بعدي.
فطلبت منه عليه السّلام علامة أزيد على ذلك، فقال: من أخبر بما في الهميان.
ثمّ منعتني هيبته أن أساله عمّا في الهميان. فخرجت من سرّ من رأى و وصلت إلى المدائن، و أخذت جوابات تلك الكتب، و رجعت إلى سرّ من رأى يوم الخامس عشر كما ذكر لي عليه السّلام على نحو الإعجاز، و سمعت الناعية من داره، و رأيت نعش حجة اللّه على المغتسل، فرأيت جعفر أخاه بباب الدار و الناس حوله يعزونه. فقلت في نفسي: إن يكن هذا الإمام بعد الإمام الحسن عليه السّلام فقد بطلت الإمامة، لأنّي كنت أعرفه يشرب النبيذ، و يلعب بالطنبور، و يقامر في الجوسق، فتقدمت و عزيته، فلم يسألني عن شيء، و لم يطالبني بجوابات الكتب. ثم خرج عقيد الخادم و قال: يا سيدي قد كفّن أخوك فقم و صلّ عليه.
فقام و دخل الدار، و دخل الشيعة و هم يبكون، و كان الإمام قد كفّن و قد وضع على النعش، فتقدم جعفر ليصلي، فلما همّ بالتكبير رأيت صبيا قد خرج أسمر بشعره قطط صلوات اللّه عليه، فأخذ رداءه و جذبه و قال: تأخر يا عمّ فأنا أحق بالصلاة على أبي.
فتأخر جعفر و قد أربدّ وجهه. و قد صلّى منتخب الملك الغفار على أبيه ذي الشأن العالي. و دفن عليه السّلام إلى جنب قبر أبيه الإمام عليّ النقي عليهما السّلام. ثمّ خاطبني ذلك الصبي الصغير بالسن، و ولي اللّه المتعال: يا بصري! هات جوابات الكتب.
فدفعت إليه جوابات الكتب. فقلت في نفسي: هذه بينتان، بقي الهميان و علامة الهميان.
ثم خرجت إلى جعفر و هو يزفر، فقال له حاجز الوشاء - و كان أحد الحضّار: يا سيدي من هذا الصبي؟ و كان هذا السؤال لإقامة الحجّة على جعفر.
فقال جعفر في الجواب: و اللّه ما رأيته قط و لا أعرفه.
و نحن جلوس إذ قدم نفر من قم، فسألوا عن الإمام عليه السّلام، فعرفوا موته عليه السّلام، فقالوا: فمن هو خليفته؟ فأشاروا إلى جعفر. فسلمّوا عليه و عزّوه، و قالوا:
إنّ معنا كتب و مالا قالوا لنا أن نوصلها إليه عليه السّلام، فما نفعل؟
فقال جعفر: أعطوها لخدمي.
فقالوا: فقل لنا ممن الكتب، و كم المال؟
فقام جعفر غاضبا ينفض أثوابه و يقول: تريدون منّا أن نعلم الغيب؟!
و كانت الجماعة قد تحيرت، فخرج خادم فقال: يا أهل قم! و سمّانا واحدا واحدا، معكم كتب فلان و فلان، و هميان فيه ألف دينار و عشرة منها مطلية.
فدفعوا إليه مع ذلك الهميان إلى الخادم، و قالوا: الذي وجّه به هو الإمام.
و أما جعفر؛ فدخل على المعتمد باللّه العباسي و هو أحد خلفاء بني العباس و كشف له ذلك، فبعث المعتمد جماعة، فدخلوا الدار، فلم يجدوا صبيا و لم تكن السيدة نرجس في الحياة، فقبضوا على جارية تسمى ماريّة لتدلهم على الصبي، فأنكرت مارية وجود صبيّ في الدار.
و بغتهم موت عبيد اللّه بن يحيى بن خاقان، و خروج صاحب الزّنج بالبصرة، فشغلوا بتلك الأخبار عن الجارية فخرجت من أيديهم، و لم يفكر بها أحد.
الحمد للّه تبارك و تعالى.
و السلام على من اتبع الهدى.
و ذكر هذا الحديث المتقدم ابن بابويه رحمه اللّه في كتاب كمال الدين و تمام النعمة مع اختلافات قليلة.
و روى بعد هذا الحديث الرواية التالية: لما قبض سيدنا أبو محمّد الحسن بن علي العسكري صلوات اللّه عليهما وفد من قم و الجبال وفود بالأموال التي كانت تحمل على الرّسم و العادة، و لم يكن عندهم خبر وفاة الحسن عليه السّلام، فلما أن وصلوا إلى سرّ من رأى سألوا عن سيّدنا الحسن بن علي عليهما السّلام، فقيل لهم: إنّه قد فقد.
فقالوا: و من وارثه؟
قالوا: أخوه جعفر بن عليّ.
فسألوا عنه، فقيل لهم: إنّه قد خرج متنزّها، و ركب زورقا في الدجلة، يشرب، و معه المغنّون.
قال: فتشاور القوم، فقالوا: هذه ليست من صفة الإمام.
و قال بعضهم لبعض: امضوا بنا حتى نردّ هذه الأموال على أصحابها.
فقال أبو العبّاس محمّد بن جعفر الحمّيري القمّي: قفوا بنا حتّى ينصرف هذا الرجل، و نختبر أمره بالصحّة.
قال: فلما انصرف دخلوا عليه، فسلّموا عليه، و قالوا: يا سيّدنا نحن من أهل قم، و معنا جماعة من الشيعة، و غيرها، و كنّا نحمل إلى سيدنا أبي محمّد الحسن بن عليّ الأموال.
فقال: و أين هي؟ قالوا: معنا.
قال: احملوها إليّ.
قالوا: لا؛ إنّ لهذه الأموال خبرا طريفا.
فقال: و ما هو؟
قالوا: إن هذه الأموال تجمع، و يكون فيها من عامّة الشيعة الدّينار
و الديناران، ثمّ يجعلونها في كيس و يختمون عليه، و كنّا إذا وردنا بالمال على سيدنا أبي محمّد عليه السّلام يقول: جملة المال كذا و كذا دينارا؛ من عند فلان كذا، و من عند فلان كذا حتى يأتي على أسماء الناس كلّهم، و يقول ما على الخواتيم من نقش.
فقال جعفر: كذبتم، تقولون على أخي ما لا يفعله، هذا علم الغيب، و لا يعلمه إلا اللّه.
قال: فلّما سمع القوم كلام جعفر جعل بعضهم ينظر إلى بعض، فقال لهم: احملوا هذا المال إليّ.
قالوا: إنا قوم مستأجرون وكلاء لأرباب المال، و لا نسلّم المال إلا بالعلامات التي كنّا نعرفها من سيّدنا أبي محمّد الحسن بن عليّ عليهما السّلام، فإن كنت الإمام فبرهن لنا، و إلاّ رددناها إلى أصحابها يرون فيها رأيهم.
قال: فدخل جعفر على الخليفة - و كان بسرّ من رأى - فاستعدى عليهم؛ فلمّا احضروا قال الخليفة: احملوا هذا المال إلى جعفر.
قالوا: أصلح اللّه أمير المؤمنين إنّا قوم مستأجرون وكلاء لأرباب هذه الأموال، و هي وداعة لجماعة، و أمرونا بأن لا نسلّمها إلا بعلامة و دلالة، و قد جرت هذه العادة مع أبي محمّد الحسن بن عليّ عليهما السّلام.
فقال الخليفة: فما كانت العلامة التي كانت مع أبي محمّد؟
قال القوم: كان يصف لنا الدنانير، و أصحابها، و الأموال، و كم هي؟ فإذا فعل ذلك سلّمناها إليه، و قد وفدنا إليه مرارا فكانت هذه علامتنا معه و دلالتنا، و قد مات، فإن يكن هذا الرجل صاحب هذا الأمر فليقم لنا ما كان يقيمه لنا أخوه، و إلاّ رددناها إلى أصحابها.
فقال جعفر: يا أمير المؤمنين، إنّ هؤلاء القوم كذّابون، و يكذبون على أخي، و هذا علم الغيب.
فقال الخليفة: القوم رسل، و ما على الرّسول إلا البلاغ المبين.
قال: فبهت جعفر، و لم يرد جوابا.
فقال القوم: يتطوّل أمير المؤمنين بإخراج أمره إلى من يبدرقنا(1)حتى نخرج من هذه البلدة.
قال: فأمر لهم بنقيب فأخرجهم منها، فلمّا أن خرجوا من البلد خرج إليهم غلام أحسن النّاس وجها، كأنه خادم، فنادى: يا فلان بن فلان، و يا فلان بن فلان، أجيبوا مولاكم.
قال: فقالوا: أنت مولانا؟
قال: معاذ اللّه، أنا عبد مولاكم، فسيروا إليه.
قالوا: فسرنا [إليه] معه حتى دخلنا دار مولانا الحسن بن عليّ عليهما السّلام، فإذا ولده القائم سيّدنا عليه السّلام قاعد على سرير كأنه فلقة قمر، عليه ثياب خضر، فسلّمنا عليه، فردّ علينا السلام، ثم قال: جملة المال كذا و كذا دينارا، حمل فلان كذا، [و حمل] فلان كذا، و لم يزل يصف حتّى وصف الجميع.
ثم وصف ثيابنا و رحالنا و ما كان معنا من الدّوابّ.
فخررنا سجّدا للّه عزّ و جلّ شكرا لما عرّفنا، و قبلّنا الأرض بين يديه، و سألناه عمّا أردنا فأجاب؛ فحملنا إليه الأموال، و أمرنا القائم عليه السّلام أن لا نحمل إلى سرّ من رأى بعدها شيئا من المال، فإنّه ينصب لنا ببغداد رجلا يحمل إليه الأموال، و يخرج من عنده التوقيعات.
قالوا: فانصرفنا من عنده، و دفع إلى أبي العبّاس محمّد بن جعفر القمي الحميري شيئا من الحنوط و الكفن، فقال له: أعظم اللّه أجرك في نفسك.
قال: فما بلغ أبو العباس عقبة همدان حتّى توفّي رحمه اللّه.ة.
1) يبدرقنا: أيّ يحرسهم حتّى يوصلهم خارج البلدة.
و كان بعد ذلك نحمل الأموال إلى بغداد إلى النوّاب المنصوبين بها و يخرج من عندهم التوقيعات.(1)
ثمّ قال ابن بابويه بعد نقل هذا الحديث: هذا الخبر يدلّ على أن الخليفة كان يعرف هذا الأمر كيف هو، [و أين هو]، و أين موضعه، فلهذا كفّ عن القوم عمّا معهم من الأموال، و دفع جعفرا الكذاب عن مطالبتهم، و لم يأمرهم بتسليمها إليه، إلا انه كان يحبّ أن يخفي هذا الأمر و لا ينشر، لئلا يهتدي إليه الناس فيعرفونه.
و قد كان جعفر الكذاب حمل إلى الخليفة عشرين ألف دينار لمّا توفي الحسن بن عليّ عليهما السّلام، و قال: يا أمير المؤمنين تجعل لي مرتبة أخي الحسن و منزلته.
فقال الخليفة: اعلم أن منزلة أخيك لم تكن بنا، إنّما كانت باللّه عزّ و جلّ، و نحن كنّا نجتهد في حطّ منزلته، و الوضع منه؛ و كان اللّه عزّ و جلّ يأبى إلا أن يزيده كلّ يوم رفعة لما كان فيه من الصيانة و حسن السّمت و العلم و العبادة؛ فإن كنت عند شيعة أخيك بمنزلته فلا حاجة بك إلينا، و إن لم تكن عندهم بمنزلته و لم يكن فيك ما كان في أخيك لم نغن عنك في ذلك شيئا».(2)
يقول هذا المنكسر الحزين، يعني محرر [جامع] و مترجم هذه الأربعين:
إنّ ما يستفاد من بعض الأخبار أنّ جعفرا جهد لطلب هذا الأمر قبل هذه القضية، و لكن سهمه اصطدم بالصخرة حينما سمع ذلك الجواب، و مع ذلك استمرّ لسوء عاقبته في طلبه.
و لمناسبة قدحت في ذهن القاصر أن من الأحسن عدم خلو هذا المختصر من هذا الخبر: قد ذكر في كتاب كشف الغمة و عدّة كتب أخرى من الكتب المعتبرة ما مضمونه:9.
قال أحمد بن عبيد اللّه بن خاقان: «ما رأيت و لا عرفت بسرّ من رأى رجلا من العلوية مثل الحسن بن عليّ بن محمّد بن الرضا في هديه، و سكونه، و عفافه، و نبله، و كبرته عند أهل بيته و بني هاشم كافّة، و تقديمهم إيّاه على ذوي السن منهم و الخطر، و كذلك كانت حاله عند القوّاد، و الوزراء، و عامّة الناس، فأذكر إني كنت يوما قائما على رأس أبي و هو يوم(1)مجلسه للناس؛ إذ دخل حجّابه فقالوا: أبو محمّد بن الرضا بالباب.
فقال بصوت عال: ائذنوا له.
فعجبت مما سمعت منهم، و من جسارتهم أن يكنّوا رجلا بحضرة أبي، و لم يكن يكنّى عنده إلا خليفة، أو ولي عهد، أو من أمر السلطان أن يكنّى عنده.
فدخل رجل أسمر اللون، حسن القامة، جميل الوجه، جيّد البدن، حديث السن، له جلالة، و هيبة حسنة.
فلمّا نظر إليه أبي قام فمشى إليه خطوات، و لا أعلمه فعل هذا بأحد من بني هاشم و القوّاد؛ فلما دنا منه عانقه، و قبّل وجهه و صدره، و أخذ بيده، و أجلسه على مصلاّه الذي كان عليه، و جلس إلى جنبه، مقبلا عليه بوجهه يكلّمه و يفدّيه بنفسه، و أنا متعجب مما أرى منه، إذ دخل الحاجب فقال:
الموفق قد جاء، و كان الموفق إذا دخل على أبي يقدمه حجابه و خاصّة قواده، فقاموا بين مجلس أبي و بين باب الدار سماطين إلى أن يدخل و يخرج، فلم يزل أبي مقبلا على أبي محمّد يحدّثه حتى نظر إلى غلمانه الخاصّة، فقال حينئذ: إذا شئت جعلني اللّه فداك، ثم قال لحجّابه: خذوا به من خلف السماطين لا يراه هذا - يعني الموفق - فقام، و قام أبي، و عانقه، و مضى.ة.
1) يعني اليوم الذي يجلس فيه للناس؛ فيظهر أنه كان قد خصص يوما من أيام الأسبوع ليستقبل فيه عامّة الناس و الرعية.
فقلت لحجّاب أبي و غلمانه: ويلكم من هذا الذي كنيتموه بحضرة أبي، و فعل به هذا الفعل؟
فقال: هذا علوي يقال له: الحسن بن عليّ، يعرف بابن الرضا.
فازددت تعجبا، و لم أزل يومي ذلك قلقا متفكرا في أمره، و أمر أبي و ما رأيته منه، حتى كان الليل، و كانت عادته أن يصلّي العتمة ثمّ يجلس فينظر ما يحتاج إليه من المؤامرات، و ما يرفعه إلى السلطان.
فلما صلّى و جلس جئت فجلست بين يديه و ليس عنده أحد، فقال: يا أحمد! ألك حاجة؟
قلت: نعم يا أبه؛ فإن أذنت سألتك عنها.
قال: قد أذنت.
قلت: يا أبه من الرّجل الذي رأيتك الغداة فعلت به ما فعلت من الإجلال و الكرامة و التبجيل، و فدّيته بنفسك و أبويك؟
فقال: يا بني ذاك إمام الرافضة الحسن بن عليّ المعروف بابن الرضا. ثم سكت ساعة و أنا ساكت؛ ثمّ قال: يا بنيّ لو زالت الإمامة عن خلفاء بني العباس ما استحقها أحد من بني هاشم غيره لفضله، و عفافه، و هديه، و صيانته، و زهده، و عبادته، و جميل أخلاقه، و صلاحه؛ و لو رأيت أباه رأيت رجلا جزلا، نبيلا، فاضلا.
فازددت قلقا، و غيضا، و تفكرا على أبي، و ما سمعت منه فيه، و رأيته من فعله؛ فلم تكن لي همّة بعد ذلك إلاّ السؤال عن خبره، و البحث عن أمره، فما سألت أحدا من بني هاشم و القوّاد، و الكتّاب، و القضاة، و الفقهاء، و سائر الناس إلا وجدته عنده في غاية الإجلال، و الإعظام، و المحل الرفيع، و القول الجميل، و التقديم له على جميع أهل بيته و مشايخه؛ فعظم قدره عندي، و لم أر له وليا و لا عدوا إلاّ و هو يحسن القول فيه و الثناء عليه.
فقال له بعض من حضر مجلسه من الأشعريين: فما خبر أخيه جعفر، و كيف كان في المحل؟
فقال: و من جعفر، فيسأل عن خبره، أو يقرن إلى الحسن؟! جعفر معلن بالفسق، فاجر، شرّيب للخمور، أقلّ من رأيته من الرجال، و أهتكهم لنفسه، خفيف، قليل في نفسه؛ و لقد ورد على السلطان و أصحابه في وقت وفاة الحسن بن عليّ ما تعجبت منه، و ما ظننت أنه يكون منه، و ذلك أنه لما اعتلّ بعث إلى أبي أن ابن الرضا قد اعتل، فركب من ساعته إلى دار الخلافة، ثمّ رجع مستعجلا و معه خمسة من خدم أمير المؤمنين كلهم من ثقاته و خاصته، و فيهم نحرير، و أمرهم بلزوم دار الحسن، و تعرّف خبره و حاله، و بعث إلى نفر من المتطببين و أمرهم بالاختلاف إليه و تعهده صباحا و مساءا؛ فلما كان بعد ذلك بيومين أو ثلاثة اخبر أنه قد ضعف، فركب حتّى بكّر إليه، فأمر المتطببين بلزوم داره، و بعث إلى قاضي القضاة فأحضره مجلسه، و أمره أن يختار عشرة ممن يوثق به بدينه و ورعه و أمانته، فأحضرهم فبعث بهم إلى دار الحسن، و أمرهم لزومه ليلا و نهارا، فلم يزالوا حتّى توفي عليه السّلام.
فلما ذاع خبر وفاته صارت سرّ من رأى ضجة واحدة، و عطّلت الأسواق، و ركب بنو هاشم، و القوّاد، و الكتّاب، و القضاة، و المعدلون و سائر الناس إلى جنازته، فكانت سرّ من رأى يومئذ شبيها بالقيامة، فلما فرغوا من تهيئته بعث السلطان إلى أبي عيسى بن المتوكل فأمره بالصلاة عليه، فلما وضعت الجنازة للصلاة عليه دنا أبو عيسى منه فكشف عن وجهه فعرضه على بني هاشم من العلويّة، و العباسيّة، و القوّاد، و الكتّاب، و القضاة، و المعدلين، و قال: هذا الحسن بن عليّ بن محمّد بن الرضا مات حتف أنفه على فراشه، و حضره من خدم أمير المؤمنين و ثقاته فلان و فلان، و من القضاة فلان و فلان، و من المتطببين فلان و فلان؛ ثمّ غطّى وجهه و صلّى عليه، و أمر بحمله.
و لما دفن جاء جعفر أخوه إلى أبي فقال له: اجعل لي مرتبة أخي و أنا أوصل إليك في كل سنة عشرين ألف دينار؛ فزبره أبي و أسمعه ما كره، و قال له: يا أحمق! السلطان أطال اللّه بقاءه، جرّد سيفه في الذين يزعمون أن أباك و أخاك أئمّة ليردوهم عن ذلك، فما تهيأ له ذلك، فإن كنت عند شيعة أبيك و أخيك إماما فلا حاجة بك إلى سلطان يرتّبك مراتبهم، و لا غير سلطان؛ و إن لن تكن عندهم بهذه المنزلة لا تنالها بنا.
فاستقلّه أبي عن ذلك، و استضعفه، و أمر أن يحجب عنه؛ فلم يأذن له في الدخول عليه حتى مات أبي.(1)
و يعلم من مضمون هذا الخبر: أنه مع ما كان يتمتع به جعفر من عظيم النسب فإنه كان خاليا من شرف الأدب و الحسب، كما يستفاد أيضا من الحديث العشرين أن سيد الساجدين عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليه السّلام أنه أخبر أبا خالد الكابلي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بسوء جعفر و أعماله الرديئة.(2)
راجع كمال الدين/الشيخ الصدوق: 483 /ح 4؛ إعلام الورى/الطبري 270:2؛ الغيبة/ الطوسي: 290؛ الاحتجاج/الطبرسي 283:2؛ الخرائج و الجرائح/الراوندي 111:3.
و السلام على من اتبع الهدى.
***3.
1) كشف الغمة/المحقق الإربلي: ص 407 و 409، يبدو أن المؤلف قد اختصر في ترجمته بعض مواضع الحديث.
2) و لكن يمكن أن تكون جميع هذه الروايات متعرضة لحال جعفر مما كان من أعماله قبل توبته، و بالخصوص يمكننا الاعتماد على التوقيع الشريف الذي رواه الأصحاب بإسنادهم إلى إسحاق بن يعقوب الذي خرج له التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان عليه السّلام و بواسطة محمّد بن عثمان بن سعيد العمري رضي اللّه عنهما؛ حيث جاء فيه: «و أما سبيل عمي جعفر و ولده فسبيل إخوة يوسف عليه السّلام».
قال الصدوق عليه رحمة اللّه الملك الغفور في كتابه المزبور: حدّثنا عليّ بن عبد اللّه الورّاق، قال: حدّثنا سعد بن عبد اللّه، عن أحمد بن إسحاق بن سعد الأشعري، قال:
دخلت على أبي محمّد الحسن بن عليّ عليهما السّلام و أنا أريد أن أسأله عن الخلف من بعده، فقال لي مبتدءا: يا أحمد بن إسحاق! إنّ اللّه تبارك و تعالى لم يخل الأرض منذ خلق آدم عليه السّلام، و لا يخليها إلى أن تقوم الساعة من حجّة للّه على خلقه، به يدفع البلاء عن أهل الأرض، و به ينزّل الغيث، و به يخرج بركات الأرض.
قال: فقلت له: يا ابن رسول اللّه! فمن الخليفة و الإمام بعدك؟
فنهض عليه السّلام مسرعا، فدخل البيت، ثمّ خرج و على عاتقه غلام كأنّ وجهه القمر ليلة البدر من أبناء الثلاث سنين، فقال: يا أحمد بن إسحاق! لو لا كرامتك على اللّه عزّ و جلّ و على حججه ما عرضت عليك ابني هذا؛ إنه سمّي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و كنّيه، يملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت جورا و ظلما.
يا أحمد بن إسحاق مثله في هذه الأمّة كمثل الخضر عليه السّلام، و مثله مثل ذي القرنين؛ و اللّه ليغيبنّ غيبة لا ينجو من الهلكة فيها إلا من ثبّته اللّه عزّ و جلّ على القول بإمامته، و وفقه للدّعاء بتعجيل فرجه.
قال(1)أحمد بن إسحاق: قلت:(2)يا مولاي! هل(3)من علامة يطمئن إليها قلبي؟
فنطق الغلام عليه السّلام بلسان عربي فصيح، فقال: أنا بقيّة اللّه في أرضه، و المنتقم من أعدائه؛ فلا تطلب أثرا بعد عين يا أحمد بن إسحاق!
[فقال أحمد بن إسحاق]:(4)فخرجت فرحا مسرورا،(5)فلمّا كان من الغد عدت إليه، فقلت:(6)يا ابن رسول اللّه لقد عظم سروري بما مننت [به] عليّ، فما السنة الجارية فيه من الخضر و ذي القرنين؟
فقال: طول الغيبة، يا أحمد!
فقلت [له]:(7)يا ابن رسول اللّه! و إن غيبته لتطول؟
قال: إي، و ربّي؛ حتّى يرجع عن هذا الأمر أكثر القائلين به، فلا يبقى إلا من أخذ اللّه عهده بولايتنا، و كتب في قلبه الإيمان، و أيده بروح منه.
يا أحمد بن إسحاق! هذا أمر من [أمر] اللّه جلّت عظمته، و سرّ من سرّ اللّه، و غيب من غيب اللّه، فخذ ما آتيتك، و اكتمه، و كن من الشاكرين تكن معنا [غدا] في عليين.(8)
اللهم ارزقنا جوار أصفيائك الطاهرين برحمتك يا أرحم الراحمين.
و السلام على من اتبع الهدى.1.
قال أبو محمّد بن شاذان عليه رحمة اللّه الملك المنان:
حدّثنا محمّد بن عبد اللّه بن الحسين بن سعد الكاتب رضى اللّه عنه قال: قال أبو محمّد عليه السّلام:
قد وضع بنو أمية و بنو العباس سيوفهم علينا لعلتين:
إحداهما: أنّهم كانوا يعلمون أنه ليس لهم في الخلافة حقّ، فيخافون من إدعائنا إياها و تستقر في مركزها.
و ثانيتهما: أنّهم قد وقفوا من الأخبار المتواترة على أن زوال ملك الجبابرة و الظلمة على يد القائم منّا، و كانوا لا يشكّون أنّهم من الجبابرة و الظلمة، فسعوا في قتل أهل بيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و إبادة نسله، طمعا منهم في الوصول إلى منع تولّد القائم عليه السّلام أو قتله، فأبى اللّه أن يكشف أمره لواحد منهم إلا أن يتم نوره و لو كره المشركون.
و من مؤيدات هذا الحديث ما نقله الشيخ الطوسي(1)و الشيخ الطرابلسي و الشيخ الراوندي(2)و كثير غيرهم(3)عن رشيق المادرائي ما مضمونه بما يوافق
نقل بعضهم أنه حدّث رشيق حاجب المادراني قال: «بعث إلينا المعتضد و أمرنا أن نركب و نحن ثلاثة نفر، و نخرج مخفّين على السروج و نجنب أخرى، و قال: الحقوا بسامراء، و اكبسوا دار الحسن بن عليّ فانه توفي، و من رأيتم في داره فأتوني برأسه.
فكبسنا الدار كما أمرنا، فوجدناها دارا سريّة كأن الأيدي رفعت عنها في ذلك الوقت، فرفعنا الستر و إذا سرداب في الدار الأخرى، فدخلناها و كأن بحرا فيها و في أقصاه حصير، و قد علمنا أنه على الماء، و فوقه رجل من أحسن الناس هيئة قائم يصلي، فلم يلتفت إلينا و لا إلى شيء من أسبابنا؛ فسبق أحمد بن عبد اللّه ليتخطى، فغرق في الماء، و ما زال يضطرب حتى مددت يدي إليه فخلصته و أخرجته، فغشي عليه و بقي ساعة.
و عاد صاحبي الثاني إلى فعل ذلك، فناله مثل ذلك.
فبقيت مبهوتا، فقلت لصاحب البيت: المعذرة إلى اللّه و إليك، فو اللّه ما علمت كيف الخبر و إلى من نجئ، و أنا تائب إلى اللّه.
فما التفت إليّ بشيء مما قلت؛ فانصرفنا إلى المعتضد، فقال: اكتموه و إلاّ ضربت رقابكم.(1)
«فما جسرنا أن نحدث به إلا بعد موته».(2)
الحمد للّه الذي يصون حجته من شرّ الأعداء.
و السلام على من اتبع الهدى.
***0.
قال عماد الدين أبو جعفر بن بابويه رحمة اللّه عليه في كتاب كمال الدين: حدّثنا محمّد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني رضى اللّه عنه قال:
حدّثنا أبو القاسم عليّ بن أحمد الخديجي الكوفي، قال: حدّثنا الأودي قال:
بينا أنا في الطواف و قد طفت ستا و أنا أريد أن أطوف السابع، فإذا بحلقة عن يمين الكعبة و شابّ حسن الوجه، طيّب الرائحة، هيوب، و مع هيبته متقرّب إلى الناس يتكلم؛ فلم أر أحسن من كلامه، و لا أعذب من منطقه، و حسن جلوسه، فذهبت أكلمّه، فزبرني الناس، فسألت بعضهم: من هذا؟
فقالوا: هذا ابن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يظهر للناس في كل سنة يوما لخواصّه يحدّثهم.
فقلت: يا سيدي! أتيتك مسترشدا، فأرشدني هداك اللّه عزّ و جلّ، فناولني عليه السّلام حصاة، فحوّلت وجهي.
فقال لي بعض جلسائه: ما الّذي دفع إليك؟
فقلت: حصاة، و كشفت يدي عنها؛ فإذا أنا بسبيكة ذهب، فذهبت فإذا أنا به عليه السّلام قد لحقني، فقال لي: ثبتت عليك الحجّة، و ظهر لك الحقّ، و ذهب عنك العمى، أتعرفني؟
قلت: لا.
فقال عليه السّلام: أنا المهدي، و أنا قائم الزمان، أنا الّذي أملأها عدلا و قسطا كما ملئت جورا و ظلما؛ إنّ الأرض لا تخلو من حجّة، و لا يبقى الناس في فترة، فهذه أمانة تحدث بها إخوانك(1)من أهل الحقّ.(2)
و السلام على من اتبع لهدى.
***8.
قال الحسن بن حمزة العلوي الطبري قدّس سرّه في كتابه الموسوم بكتاب الغيبة:
حدّثنا رجل صالح من أصحابنا قال: خرجت سنة من السنين حاجّا إلى بيت اللّه الحرام، و كانت سنة شديدة الحر، كثيرة السموم؛ فانقطعت عن القافلة، و ضللت الطريق، فغلب عليّ العطش حتى سقطت، و أشرفت على الموت، فسمعت صهيلا، ففتحت عيني، فإذا بشاب حسن الوجه، حسن الرائحة، راكب على دابة شهباء، فسقاني ماءا أبرد من الثلج، و أحلى من العسل، و نجّاني من الهلاك.
فقلت: يا سيدي من أنت؟
قال: أنا حجّة اللّه على عباده، و بقية اللّه في أرضه، أنا الذي أملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت جورا و ظلما.
أنا ابن الحسن بن عليّ بن محمّد بن عليّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليهم السّلام.
ثم قال: أخفض عينيك. فخفضتهما. ثم قال: افتحهما. ففتحتهما، فرأيت نفسي في قدام القافلة؛ ثم غاب عن نظري.
صلوت اللّه عليه و على جميع الأنبياء و الأوصياء.
و السلام على من أتبع الهدى.
قال أبو محمّد ابن شاذان رفع اللّه رتبه في الجنان: حدّثنا أحمد بن محمّد بن أبي نصر رضى اللّه عنه، قال: حدّثنا حماد بن عيسى، قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي يعفور، قال: قال أبو عبد اللّه جعفر بن محمّد عليهما السّلام: ما من معجزة من معجزات الأنبياء و الأوصياء إلا يظهر اللّه تبارك و تعالى مثلها على يد قائمنا لإتمام الحجّة على الأعداء.
و السلام على من اتبع الهدى.
انقدح في ذهن القاصر أن أذكر في ضمن هذا الحديث بعض من وفّق بشرف رؤية الحجة عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف مع قليل من المعجزات الباهرات لمنتجب خالق الأرض و السماوات.
قال الشيخ الجليل محمّد بن محمّد بن النعمان الملقب بالمفيد عليه رحمة اللّه الملك المجيد في كتاب الإرشاد (باب ذكر من رأى الإمام الثاني عشر عليه السّلام و طرف من دلائله و بيناته): و بعد ذكر سند روايته عن محمّد بن إسماعيل بن موسى بن جعفر عليهما السّلام قال: «و كان أسنّ شيخ من ولد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بالعراق»، ثم نقل قوله أنه قال:
«رأيت ابن الحسن بن عليّ بن محمّد عليهم السّلام بين المسجدين و هو غلام».(1)
1) الإرشاد/الشيخ المفيد 351:2.
و قال الشيخ رحمة اللّه عليه أيضا ما ملخّصه: أنّ حكيمة بنت محمّد بن عليّ قد رأت القائم عليه السّلام ليلة مولده و بعد ذلك، و روى الشيخ ما مجمله أن حكيمة بنت محمّد بن عليّ قد رأته عليه السّلام ليلة مولده و بعد ذلك.(1)
و عن عليّ بن محمّد، عن حمدان القلانسي أنه قال: قلت لأبي عمرو العمري: قد مضى أبو محمّد؟
فقال لي: قد مضى، و ذلكن قد خلّف فيكم من رقبته مثل هذه - و أشار بيده -.(2)
و قال فتح مولى الزراري قال: سمعت أبا عليّ بن مطهّر يذكر أنه رآه، و وصف له قدّه.(3)
و روى محمّد بن شاذان بن نعيم النيسابوري، عن خادمة لإبراهيم بن عبدة النيشابوري - و كانت من الصالحات - أنها قالت: كنت واقفة مع إبراهيم على الصفا، فجاء صاحب الأمر عليه السّلام حتى وقف معه و قبض على كتاب مناسكه، و حدّثه بأشياء.(4)
و روى عن أبي عبد اللّه بن صالح: أنه رآه بحذاء الحجر و الناس يتجاذبون عليه، و هو يقول: «ما بهذا امروا».(5)
1) الإرشاد/المفيد 351:2، قال: «أخبرني أبو القاسم، عن محمّد بن يعقوب، عن محمّد بن يحيى، عن الحسين بن رزق اللّه قال: حدّثني موسى بن محمّد بن القاسم بن حمزة بن موسى بن جعفر قال: حدّثتني حكيمة بنت محمّد بن علي - و هي عمّة الحسن عليه السّلام - إنها رأت القائم عليه السّلام ليلة مولده و بعد ذلك.
2) الإرشاد/الشيخ المفيد 351:2 و 352.
3) الإرشاد/الشيخ المفيد 352:2.
4) الإرشاد/الشيخ المفيد 352:2.
5) الإرشاد/الشيخ المفيد 352:2 و 353.
و روى عن أحمد بن إبراهيم بن إدريس، عن أبيه أنه قال: رأيته عليه السّلام بعد مضيّ أبي محمّد حين أيفع، و قبّلت يده و رأسه.(1)
و روى عن القنبري قال: جرى حديث جعفر بن علي فذّمه، فقلت:
فليس غيره؟
قال: بلى.
قلت: فهل رأيته؟
قال: لم أره، و لكن غيري رآه.
قلت: من غيرك؟
قال: قد رآه جعفر مرّتين.(2)
و رآه عليه السّلام أبو نصر طريف الخادم أيضا.
و أمثال هذه الأخبار في هذا المعنى كثيرة، و هو كاف لما رمناه من الاختصار، لأنّنا ذكرنا قبل هذا أهمّ المطالب في باب وجوده و إمامته عليه السّلام، و ما سوف يأتي بعد هذا فهو زيادة في التأكيد.
ثمّ ذكر الشيخ رحمة اللّه عليه بعد ذلك بعض معجزاته عليه السّلام، و من جملة معاجزه عليه السّلام، التي رواها الشيخ عليه الرحمة و غيره:
أن محمّد بن أبي عبد اللّه السياري قال: أوصلت أشياء للمرزباني الحارثي فيها سوار ذهب، فقبلت وردّ عليّ السوار، و امرت بكسره فكسرته، فإذا في وسطه مثاقيل حديد و نحاس و صفر، فأخرجته و أنفذت الذهب بعد ذلك فقبل.(3)
و الرواية الأخرى: أوصل رجل من أهل السواد مالا، فردّ عليه، و قيل له:
«أخرج حقّ ولد عمّك منه، و هو أربعمائة درهم».2.
و كان الرجل في يده ضيعة لولد عمّه، فيها شركة قد حبسها عنهم، فنظر فإذا الذي لولد عمّه من ذلك المال أربعمائة درهم، فأخرجها، و أنفذ الباقي فقبل.(1)
و الرواية الأخرى: عن القاسم بن العلاء قال: ولد لي عدّة بنين، فكنت أكتب، و أسأل الدّعاء لهم فلا يكتب إليّ بشيء من أمرهم، فماتوا كلهم؛ فلّما ولد لي الحسين - ابني - كتبت أسأل الدعاء له، فاجبت فبقي و الحمد للّه.(2)
و الرواية الأخرى: عن أبي عبد اللّه بن صالح قال: خرجت سنة من السنين إلى بغداد، و استأذنت في الخروج فلم يؤذن لي، فأقمت اثنين و عشرين يوما بعد خروج القافلة إلى النهروان، ثم أذن لي بالخروج يوم الأربعاء؛ و قيل لي: «اخرج فيه»، فخرجت و أنا آيس من القافلة أن ألحقها، فوافيت النهروان و القافلة مقيمة، فما كان إلا أن علفت جملي حتّى رحلت القافلة فرحلت، و قد دعي لي بالسلامة، فلم ألق سوءا و الحمد للّه.(3)
و الرواية الأخرى: عن محمّد بن يوسف الشاشي قال: خرج بي ناسور فأريته الأطباء، و أنفقت عليه مالا عظيما فلم يصنع الدواء فيه شيئا، فكتب رقعة أسأل الدعاء، فوقّع إليّ: «ألبسك اللّه العافية، و جعلك معنا في الدنيا و الآخرة».
فما أتت عليّ جمعة حتى عوفيت و صار الموضع مثل راحتي، فدعوت طبيبا من أصحابنا و أريته إيّاه، فقال: ما عرفنا لهذا دواء، و ما جاءتك العافية إلا من قبل اللّه بغير احتساب.(4)
و الرواية الأخرى: عن عليّ بن الحسين اليماني قال: كنت ببغداد،8.
فتهيأت قافلة لليمانيين، فأردت الخروج معهم، فكتبت ألتمس الإذن في ذلك، فخرج: «لا تخرج معهم، فليس لك في الخروج معهم خيرة، و أقم بالكوفة».
قال: فأقمت، و خرجت القافلة، فخرجت عليهم بنو حنظلة فاجتاحتهم.
قال: و كتبت أستأذن في ركوب الماء فلم يؤذن لي، فسألت عن المراكب التي خرجت تلك السنة في البحر، فعرفت أنه لم يسلم منها مركب، خرج عليها قوم يقال لهم: البوارج، فقطعوا عليها.(1)
و الرواية الأخرى: عن عليّ بن الحسين أيضا قال: وردت العسكر، فأتيت الدرب مع المغيب، و لم أكلّم أحدا و لم أتعرف إلى أحد، فأنا اصلّي في المسجد بعد فراغي من الزيارة، فإذا بخادم قد جاءني فقال لي: قم.
فقلت له: إلى أين؟
فقال: إلى المنزل.
قلت: و من أنا! لعلّك ارسلت إلى غيري.
فقال: لا، ما ارسلت إلا إليك؛ (أنت علي بن الحسين، و كان معه غلام فسارّه)، فلم أدر ما قال حتى أتاني بجميع ما أحتاج إليه، و جلست عنده ثلاثة أيام، و استأذنته في الزيارة من داخل الدار، فأذن لي فزرت ليلا.(2)
و الرواية الأخرى: عن الحسين بن الفضل أيضا أنه قال: كتب أبي بخطه كتابا، فورد جوابه، ثم كتب بخطي، فورد جوابه، ثم كتب بخطّ رجل جليل من فقهاء أصحابنا فلم يرد جوابه، فنظرنا فإذا ذلك الرجل قد تحوّل قرمطيا.(3)
و الرواية الأخرى: عن الحسين بن الفضل أيضا أنه قال: وردت العراق،9.
و عملت على ألا أخرج إلا عن بيّنة من أمري، و نجاح من حوائجي، و لو أحتجت أن أقيم بها حتى أتصدّق.
قال: و في خلال ذلك يضيق صدري بالمقام، و أخاف أن يفوتني الحج، قال: فجئت يوما إلى محمّد بن أحمد - و كان السفير يومئذ - أتقاضاه، فقال لي: صر إلى مسجد كذا و كذا، فإنه يلقاك رجل.
قال: فصرت إليه، فدخل عليّ رجل، فلما نظر إليّ ضحك و قال لي: لا تغتم، فإنّك ستحج في هذه السنة و تنصرف إلى أهلك و ولدك سالما.
قال: فاطمأننت و سكن قلبي، و قلت: هذا مصداق ذلك.
قال: ثمّ وردت العسكر، فخرجت إليّ صرة فيها دنانير و ثوب، فاغتممت و قلت في نفسي:
جدّي(1)عند القوم هذا! و استعملت الجهل فرددتها، ثمّ ندمت بعد ذلك ندامة شديدة، و قلت في نفسي: كفرت بردّي على مولاي؛ و كتبت رقعة أعتذر من فعلي، و أبوء بالإثم، و أستغفر من زللي، و أنفذتها، و قمت أتطهّر للصلاة و أنا إذ ذاك افكّر في نفسي و أقول: إن ردّت عليّ الدنانير أحلل شدّها، و لم احدث فيها شيئا حتى أحملها إلى أبي فإنّه أعلم منّي.
فخرج إليّ الرسول الذي حمل الصّرة و قال: قيل لي: «أسأت إذ لم تعلم الرجل، إنّا ربّما فعلنا ذلك بموالينا ابتداءا، و ربّما سألونا ذلك يتبركون به».
و خرج إليّ: «أخطأت في ردّك برّنا، فإذا استغفرت اللّه فاللّه يغفر لك، و إذا كانت عزيمتك و عقد نيّتك فيما حملناه إليك ألا تحدث فيه حدثا إذا رددناه إليك، و لا تنتفع به في طريقك فقد صرفناه عنك، فأمّا الثوب فخذه لتحرم فيه».(2)1.
و روى عنه أيضا: إنّه قال: و كتبت في معنيين، و أردت أن أكتب في الثالث فامتنعت منه، مخافة أن يكره ذلك، فورد جواب المعنيين و الثالث الذي طويت مفسّرا.(1)
و روى عنه أيضا: أنّه قال: و كنت واقفت جعفر بن إبراهيم النيسابوري - بنيسابور - على أن أركب معه إلى الحجّ و ازامله، فلمّا وافيت بغداد بدا لي و ذهبت أطلب عديلا، فلقيني ابن الوجناء و كنت قد صرت إليه و سألته أن يكتري لي فوجدته كارها، فلما لقيني قال لي: أنا في طلبك، و قد قيل لي: «إنّه يصحبك فأحسن عشرته و اطلب له عديلا و اكتر له».(2)
و روى أيضا: عن الحسن بن عبد الحميد أنه قال: شككت في أمر حاجز، فجمعت شيئا ثم صرت إلى العسكر، فخرج إليّ: «ليس فينا شكّ و لا فيمن يقوم مقامنا بأمرنا، فردّ ما معك إلى حاجز بن يزيد».(3)
و روى عن محمّد بن صالح أنّه قال: لمّا مات أبي و صار الأمر إليّ، و كان لأبي على الناس سفاتج من مال الغريم، يعني صاحب الأمر عليه السّلام.(4)
و قال الشيخ المفيد رحمه اللّه: و هذا رمز كانت الشيعة تعرفه قديما بينها، و يكون خطابها عليه للتقية.
قال محمّد بن صالح: فكتبت إليه أعلمه؛ فكتب إليّ.
«طالبهم و استقض عليهم».
فقضاني الناس إلا رجلا واحدا، و كانت عليه سفتجة بأربعمائة دينار،2.
فجئت إليه أطلبه، فمطلني و استخفّ بي ابنه و سفه عليّ، فشكوته إلى أبيه، فقال: و كان ماذا؟!
فقبضت على لحيته و أخذت برجله، و سحبته إلى وسط الدار، فخرج ابنه مستغيثا بأهل بغداد و هو يقول: قميّ رافضي قد قتل والدي.
فاجتمع عليّ منهم خلق كثير، فركبت دابّتي و قلت: أحسنتم - يا أهل بغداد - تميلون مع الظالم على الغريب المظلوم، أنا رجل من أهل همذان من أهل السنة، و هذا ينسبني إلى قم و يرميني بالرّفض ليذهب بحقّي و مالي، قال: فمالوا عليه و أرادوا أن يدخلوا إلى حانوته حتّى سكّنتهم، و طلب إليّ صاحب السفتجة أن آخذ مالها، و حلف بالطلاق أن يوفّني مالي في الحال، فاستوفيته منه.(1)
و روى أيضا: عن أحمد بن الحسن أنه قال: وردت الجبل و أنا لا أقول بالإمامة، احبّهم جملة، إلى أن مات يزيد بن عبد اللّه، فأوصى في علّته أن يدفع (الشهري السمند) و سيفه و منطقته إلى مولاه، فخفت إن لم أدفع الشهري إلى أذكوتكين نالني منه استخفاف، فقوّمت الدّابّة و السيف و المنطقة سبعمائة دينار في نفسي، و لم اطلع عليه أحدا، و دفعت الشهري إلى أذكوتكين، و إذا الكتاب قد ورد عليّ من العراق أن وجه السبع مائة دينار التي لنا قبلك من ثمن الشهري و السيف و المنطقة.(2)
و روى أيضا: عن عليّ بن محمّد قال: حدّثني بعض أصحابنا قال: ولد لي ولد، فكتبت أستأذن في تطهيره يوم السابع، فورد: (لا تفعل). فمات يوم السابع، أو الثامن.
ثم كتبت بموته، فورد: (ستخلف غيره و غيره، فسمّ الأوّل أحمد، و من بعد أحمد جعفرا). فجاء كما قال.(3)2.
و روى أيضا: انّه قال: و تهيأت للحجّ و ودّعت الناس و كنت على الخروج، فورد: (نحن لذلك كارهون، و الأمر إليك).
فضاق صدري، و اغتممت و كتبت: أنا مقيم على السمع و الطاعة، غير أنّي مغتمّ بتخلفي عن الحجّ، فوقّع: (لا يضيقنّ صدرك، فانّك ستحج قابلا إن شاء اللّه).
قال: فلمّا كان من قابل كتبت أستأذن، فورد الإذن، و كتبت: إنّي قد عادلت محمّد بن العبّاس، و أنا واثق بديانته و صيانته، فورد: (الأسدي نعم العديل، فإن قدم فلا تختر عليه).
فقدم الأسدي و عادلته...(1)
و الرواية الأخرى عن الحسن بن عيسى العريضي قال: لمّا مضى أبو محمّد الحسن بن عليّ عليهما السّلام ورد رجل من مصر بمال إلى مكّة لصاحب الأمر، فاختلف عليه، و قال بعض الناس: إنّ أبا محمّد قد مضى عن غير خلف؛ و قال آخرون: الخلف من بعده جعفر؛ و قال آخرون: الخلف من بعده ولده. فبعث رجلا يكنى أبا طالب إلى العسكر يبحث عن الأمر و صحته و معه كتاب، فصار الرّجل إلى جعفر و سأله عن برهان، فقال له جعفر: لا يتهيّأ لي في هذا الوقت.
فصار الرجل إلى الباب، و أنفذ الكتاب إلى أصحابنا المرسومين بالسفارة، فخرج إليه: (آجرك اللّه في صاحبك فقد مات، و أوصى بالمال الذي كان معه إلى ثقة يعمل فيه بما يجب و اجيب عن كتابه).
و كان الأمر كما قيل له.(2)
و الرواية الأخرى عن عليّ بن محمّد قال: حمل رجل من أهل آبة(3)ن.
شيئا يوصله، و نسي سيفا كان أراد حمله، فلّما وصل الشيء كتب إليه بوصوله، و قيل في الكتاب: (ما خبر السيف الذي انسيته؟).(1)
و الرواية الأخرى: عن الحسن بن محمّد الأشعري قال: كان يرد كتاب أبي محمّد عليه السّلام في الإجراء على الجنيد - قاتل فارس بن حاتم بن ماهويه - و أبي الحسن، و أخي، فلمّا مضى أبو محمّد عليه السّلام ورد استئناف من الصّاحب عليه السّلام بالإجراء لأبي الحسن و صاحبه، و لم يرد في أمر الجنيد شيء.
قال: فاغتممت لذلك، فورد نعي الجنيد بعد ذلك.(2)
و قال صاحب كتاب كفاية المؤمنين و هو ترجمة (الخرائج و الجرائح).(3)
قال الراوندي في الخرائج و الجرائح:
قال محمّد بن يوسف الشاشي: إنني لما انصرفت من العراق كان عندنا رجل بمرو يقال له (محمّد بن الحصين الكاتب) و قد جمع مالا للغريم، فسألني عن أمر الغريم، فأخبرته بما رأيته من الدلائل، فقال: عندي مال للغريم، فأيش تأمرني؟ فقلت: وجهّه إلى حاجز.
فقال لي: فوق حاجز أحد؟ فقلت: نعم، الشيخ.
فقال: فخرجت من عنده، فلقيته بعد سنين فقال: هو ذا أخرج إلى العراق و معي مال الغريم، و أعلمك إني وجهّت إليه بمائتي دينار لأني شككت، و إن الباقي له عندي، فكان كما وصف، و قال: إن أردت أن تعامل أحدا فعليك بأبي الحسين الأسدي بالريّ.
فقلت: أفكان كما كتب إليك؟
قال: نعم وجهّت بمائتي دينار لأنّي شككت، فأزال اللّه عنّي ذلك، فورد موت حاجز بعد يومين أو ثلاثة، فصرت إليه، فأخبرته بموت حاجز، فاغتمّ.
فقلت: لا تغتم، فإن ذلك دلالة لك في توقيعه إليك، و إعلامه أن المال ألف دينار.
و الثانية: أمره بمعاملة الأسدي لعلمه بموت حاجز.
1) و روى الشيخ المفيد عليه الرحمة بين الرواية السابقة و الرواية الآتية هذه الرواية: و بهذا الاسناد عن عليّ بن محمّد، عن محمّد بن شاذان النيسابوري قال: اجتمع عندي خمسمائة درهم ينقص عشرون درهما، فلم أحب أن انفذها ناقصة، فوزنت من عندي عشرين درهما و بعثت بها إلى الأسدي و لم أكتب ما ليّ فيها، فورد الجواب: (وصلت خمسمائة درهم، لك منها عشرون درهما).
2) الإرشاد/الشيخ المفيد: 365/2 و 366.
3) نقل القضية بالخرائج المطبوع 695:2 و 696؛ و نقله عنه السيد هاشم البحراني في مدينة المعاجز 166:8 و 167، و لكن في الترجمة اختلافات، و بما أنّا نحتمل أن الزيادة قد تكون من نسخة بدل لذلك فقد ترجمنا الرواية في الأصل و نقلنا الرواية التي نقلها الشيخ الراوندي في الخرائج في الهامش، كما أن الشيخ الطوسي روى هذه الرواية بشكل مختصر في كتابه الغيبة: 415 /ط محققة.
و قد روى عن محمّد بن يوسف الشاشي أنه قال: إنّي لما انصرفت إلى العراق و وصلت إلى مرو، فرأيت رجلا يقال له محمّد بن الحصين الكاتب، و كنت اعرفه قبل أن أراه، كثير الاعتناء بزينته و غنيا جدا و قد جمع مالا للإمام عليه السّلام من أمواله، فعندما رآني سألني: هل تعرف طريقة لأبرأ ذمتي؟ فقلت:
نعم، شاب علوي ابن الإمام الحسن العسكري، و قد رأيت و سمعت عنه كثيرا من الدلائل الباهرات، و المعجزات الظاهرات، و إنّي على يقين أنه هو الإمام و خليفة الرحمن في هذا الزمان.
قال محمد بن الحصين: هل أقدر أن أصل إليه؟
فقلت: إنه لا يمكن أن يراه أحد، فقد اختفى خوفا من الأعداء، و لكن حاجز يقوم بشؤونه، و تخرج توقيعاته عليه السّلام أيضا إلى الشيخ أبي القاسم بن روح، و تحل في تلك الرسائل مشكلات الخلق.
قلت: أنا لا أعرف به عليه السّلام، و أثق بكلامك، فإذا كنت قد قلت خلاف الواقع فسوف ألزمك يوم القيامة.
فقلت: ليكون ذلك ما تقول، فليس عندي شك أن الإمام بالحق و الخليفة المطلق هو ابن الحسن عليهما السّلام.ز.
و افترقنا بعد هذا الحديث، و عندما انقضت سنتان من هذا التاريخ التقيت مرة أخرى بمحمّد بن الحصين حينما كنت متوجها إلى العراق.
فقلت: كيف حالك و ما عملت بذلك المال؟
فقال: بعثت بمأتي دينار على يد عابد بن كعكي الفارسي و أحمد بن عليّ الكشوفي، و كتبت إليه بذلك و سألته الدعاء، فخرج الجواب: إنه وصلت المائتي دينار التي أرسلتها، من الألف دينار الذي في ذمتك من حقنا.
فعندما قرأت توقيعه الشريف عليه السّلام هذا فتذكرت أنه كان له قبلي ألف دينار، و كنت قد نسيته.
و كان قد كتب عليه السّلام أيضا: إن أردت أن تؤدي الباقي فلا تخرج عن رأي أبي الحسن الأزدي الذي يسكن حاليا في الري.
و بعد ورود هذا التوقيع عليّ تيقنت أنه إمام الزمان و خليفة الرحمن.
يقول الراوي: قلت لمحمّد بن الحصين الكاتب: هل كان صحيحا أنك أرشدته إلى ذلك الطريق؟
قال: أي و اللّه.
و في أثناء هذه الحكاية جاءنا من يخبرنا بموت حاجز.
فاغتم محمّد بن الحصين لموت حاجز كثيرا.
فقلت: لا تغتم كثيرا، فإن موت حاجز كان معلوما له عليه السّلام و لذلك فوضك بالاسترشاد و بهذا الأمر إلى أبي الحسن الأزدي.
و قال أيضا صاحب الكفاية: روي أن مسرور الطباخ قال:
كتبت إلى الحسن بن راشد لضيقة أصابتني رجاء مساعدته في هذا الاضطراب، و قبل أن أرسل هذا الكتاب صرت في الرحبة، فإذا بي أرى شابا أسمر لم أر أحدا بحسنه و صورته، فقبض على يدي و دس
فيها صرة بيضاء، فإذا عليها كتابة فيها: إثنا عشر دينار، و كتب على الجانب الآخر: مسرور الطباخ.(1)
و قال الشيخ الطرابلسي في كتاب الفرج الكبير: إنه كان دائما كلما يصل إليه عليه السّلام من الخمس و الهدية و غيرها فإنه كان عليه السّلام يصرفه.
و قال صاحب الكفاية أيضا: روي عن جعفر بن حمدان عن حسن بن حسين الأستر آبادي قال: كنت في الطواف، فشككت فيما بيني و بين نفسي في الطواف [هل أتممت طوافي أم لا](2)فإذا شاب قد استقبلني، حسن الوجه، قال: طف أسبوعا آخر [و غاب عن ناظري، فعلمت أن طوافي كان تاما، و كنت قد شككت بعد ما أكملت الشوط السابع].(3)
و قال أيضا: و قد روي عن الراوي السابق: حدّثنا علاء بن أحمد أنه روى عن أبي الرجاء المصري و كان أحد كبار الصالحين و قد ولد بالمدائن و نشأ بمصر، قال:
خرجت في طلب وصيه عليه السّلام بعد مضي أبي محمّد - يعني الإمام الحسن العسكري - و قد بحثت في البلاد و الأمصار لمعرفة خليفته و علمت أن خلفه الصدق هو الحجة بن الحسن عليهما السّلام، و لكني قلت: إنني ما لم أره فلا يطمئن قلبي، فقلت في نفسي يوما: إنه من المحتمل أن يظهر أثر لمطلوبي بعد سنتين أو ثلاث سنوات، فإذا بي أسمع صوتاا.
1) و لكن في الخرائج الرواية هكذا: إن مسرورا الطباخ قال: كتبت إلى الحسن بن راشد لضيقة أصابتني، فلم أجده في البيت، فانصرفت، فدخلت مدينة أبي جعفر، فلمّا صرت في الرحبة، حاذاني رجل لم أر وجهه، و قبض على يدي و دسّ فيها صرّة بيضاء، فنظرت فإذا عليها كتابة فيها إثنا عشر دينارا و على الصرّة مكتوب: (مسرور الطبّاخ). الخرائج و الجرائح 697:2 /ح 12.
2) هذه الزيادة في الترجمة، و لم تكن في المصدر المطبوع و لا في غيره في الكتب المتقدمة التي نقلت عن المصدر كمدينة المعاجز و البحار و غيرهما.
3) هذه الزيادة في الترجمة، و لم تكن في المصدر المطبوع و لا في غيره في الكتب المتقدمة التي نقلت عن المصدر كمدينة المعاجز و البحار و غيرهما.
و لم أر شخصا: يا نصر بن عبد ربه! قل لأهل مصر: هل رأيتم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فآمنتم به؟ أم أنكم أوقفتم إيمانكم به إلى أن تروه؟
قال: فتعجبت كثيرا من سماع هذا الكلام، و قلت: من أين علم هذا أن اسم أبي عبد ربه مع أن أبي توفي في المدائن و قد كنت رضيعا، و جاء بي إلى مصر أبو عبد اللّه النوفلي و كنت صغيرا، حتى عرفني الجميع بأني ابنه، فعلمت أن هذا الصوت كان لشكي بالحجة بن الحسن عليهما السّلام فارتفع مني، فتوجهت من ساعتي إلى مصر فأخبرت أهل تلك الديار بذلك، فأقرّ جمع كثير بإمامته عليه السّلام.(1)
فسمعت صوتا و لم أر شخصا: «يا نصر بن عبد ربّه، قل لأهل مصر: هل رأيتم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فآمنتم به؟!».
قال أبو الرجاء: و لم أعلم أن اسم أبي (عبد ربّه) و ذلك أنّي ولدت بالمدائن فحملني أبو عبد اللّه النوفلي إلى مصر، فنشأت بها، فلمّا سمعت الصوت لم أعرّج على شيء و خرجت. الخرائج و الجرائح 698:2 و 699 /ح 16.
و قال صاحب الكفاية أيضا: روي عن عليّ بن محمّد الرازي المشهور بالكليني أنه قال: حدّثنا جماعة من أصحابنا أنه بعث صاحب الزمان عليه صلوات الرحمن إلى أبي عبد اللّه بن الجنيد غلاما لثمن بعض الأمتعة التي كانت عند أبي عبد اللّه، و كان أبو عبد اللّه قد باع المتاع و قد نقصت ثمانية عشر قيراطا و حبة، فوزن أبو عبد اللّه ذلك المقدار من ماله، فأنفذ جميع ذلك المال بتمامه و كماله مع الغلام إليه عليه السّلام، فحينما سلّم الغلام ذلك المال لأحد خدمته عليه السّلام و أحضر الخادم المال إليه عليه السّلام، و أشار عليه السّلام إلى دينار و قال:
ابعث بهذا الدينار إلى أبي عبد اللّه، لأنه أكمله من ماله بثمانية عشر قيراطا6.
1) و أما الرواية في المصدر فهي: و منها ما قال: و حدّثنا علان الكليني: حدّثنا الأعلم المصري، عن أبي الرجاء المصري - و كان أحد الصالحين - قال: خرجت في الطلب بعد مضي أبي محمّد عليه السّلام فقلت في نفسي: لو كان شيء لظهر بعد ثلاث سنين.
و حبة، فعند ما وزن ذلك الدينار، فكان ثمانية عشر قيراطا و حبة. و أرجع بأمره عليه السّلام إلى أبي عبد اللّه الجنيد.(1)
و روى ابن بابويه رحمة اللّه عليه حديثا أورده في كتابه، و قد ترجمه أحد علماء الإمامية، و أنا أنقله على الوجه الذي رواه هذا العالم الشيعي رعاية للاختصار: قد ترجم هذا المرجع الديني الحديث على هذا النحو الذي ثبته في كتابه، قال سعد بن عبد اللّه ابن أبي خلف الأشعري القمي عليه الرحمة:
اتفق يوما أن جرى الحديث بيني و بين أحد المخالفين حول الإمامة، و وصلت المناظرة إلى أن قال ذلك المخالف: أسلم أبو بكر و عمر في الإسلام طوعا أو كرها؟
ففكرت في ذلك، فقلت: إن قلت كرها فقد كذبت [خفت خ ل] إذ لم يكن حينئذ سيف مسلول؛ و إن قلت: طوعا، فالمؤمن لا يكفر بعد إيمانه، فدفعته عني دفعا بالراح لطيفا، و خرجت من ساعتي إلى دار أحمد بن إسحاق أسأله عن ذلك، فقيل لي إنه خرج إلى سر من رأى اليوم [للقاء الإمام عليه السّلام]. فانصرفت إلى بيتي و ركبت دابتي و خرجت خلفه حتى وصلت إليه في المنزل، فسألني عن حالي، فقلت: أجيء إلى حضرة أبي محمّد عليه السّلام، فعندي أربعون مسألة قد أشكلت عليّ.
فقال: خير صاحب و رفيق.
فمضينا حتّى دخلنا سرّ من رأى، و أخذنا بيتين في خان و سكن كل واحد منّا في بيت، و خرجنا إلى الحمام و اغتسلنا غسل الزيارة و التوبة، فلما رجعنا أخذ أحمد بن إسحاق جرابا و لفه بكساء طبري، و جعله على كتفه، و مشينا و كنّا نسبح اللّه و نكبره و نهلله و نستغفره و نصلي على محمّد و آله0.
1) و أما الرواية في المصدر فهي: «و منها: ما قال الكليني هذا: حدّثنا جماعة من أصحابنا أنه بعث إلى أبي عبد اللّه بن الجنيد - و هو بواسط - غلاما و أمر ببيعه، فباعه و قبض ثمنه، فلمّا عيّر الدنانير نقصت ثمانية عشر قيراطا و حبّة، فوزن من عنده ثمانية عشر قيراطا و حبّة، و أنفذ المال، فردّ عليه دينارا وزنه ثمانية عشر قيراطا و حبّة». الخرائج و الجرائح/الراوندي 704:2 /ح 20.
الطاهرين إلى أن وصلنا إلى باب الدار، و استأذن أحمد بن إسحاق فأذن له بالدخول، فلما دخلنا فإذا أبو محمّد عليه السّلام على طرف الصفة قاعد، و كان على يمينه غلام قائم كأنه فلقة قمر، فسلّمنا فأحسن الجواب و أكرمنا و أقعدنا، فجعل أحمد الجراب بين يديه، و كان أبو محمّد عليه السّلام ينظر في درج طويل في الاستفتاء قد ورد عليه من ولاية، فجعل يقرأ و يكتب تحت كل مسألة جوابها، فالتفت إلى الغلام و قال: هذه هدايا موالينا، و أشار إلى الجراب فقال الغلام: هذا لا يصلح لنا لأن الحلال مختلط بالحرام. فقال أبو محمّد عليه السّلام:
أنت صاحب الإلهام أفرق بين الحلال و الحرام. ففتح أحمد الجراب و أخرج صرة، فنظر إليها الغلام و قال: هذا بعثه فلان بن فلان [و فيه ثلاثة دنانير ذهب أحدها من فلان بن فلان و هو معيب، و الآخر سرقه فلان بن فلان].(1)
و ذكر على هذا المنوال أسماء الأشياء الباقية في الكيس و ميّز حلالها عن حرامها، و هكذا أخرج أحمد الصرر واحدة واحدة و ذكر عليه السّلام عيب كل واحدة منها، إلى أن قال في الأخير أحملها إلى أصحابها].(2)
ثمّ قال: هات الثوب الذي بعثت العجوز الصالحة، و كانت امرأة بقم قد غزلته بيدها و نسجته.
[فأخرجه أحمد، و قبل ذلك الثوب. فنظر الإمام عليه السّلام إليّ و قال: سل ولدي عن مسائلك فإنه يجيبك بالصواب.ا.
1) هكذا في الترجمة، و لكن في المصدر (من محلة كذا، و كان باع حنطة خاف على الزرّاع في مقاسمتها، و هي كذا دينارا، و في وسطها خط مكتوب عليه كميته، و فيها صحاح ثلاث: إحداها آملي، و الأخرى ليس عليها السكة، و الأخرى فلاني أخذها من نسّاج غرامة من غزل سرق من عنده).
2) هكذا في الترجمة، و لكن في المصدر: ثم أخرج صرّة فصرّة و جعل يتكلم على كل وحدة بقريب من ذلك. ثمّ قال: اشدد الجراب على الصدر حتى توصلها عند وصولك إلى أصحابها.
فعندما أردت أن أقولها]،(1)فقال لي الغلام إبتداءا، هلاّ قلت للسائل ما أسلما طوعا و لا كرها، و إنما أسلما طمعا، فقد كانا يسمعان من أهل الكتاب منهم من يقول:
[إن محمدا صلّى اللّه عليه و آله سوف](2)يملك المشرق و المغرب و تبقى نبوته إلى يوم القيامة، و منهم من يقول: يملك الدنيا كلها ملكا عظيما و تنقاد له الأرض، فدخلا كلاهما في الإسلام طمعا في أن يجعل محمّد صلّى اللّه عليه و آله كل واحد منهما والي ولاية، فلما آيسا من ذلك دبّرا مع جماعة في قتل محمّد صلّى اللّه عليه و آله ليلة العقبة، فكمنوا له، و جاء جبرئيل عليه السّلام و أخبر محمّدا صلّى اللّه عليه و آله بذلك، فوقف على العقبة و قال: يا فلان يا فلان يا فلان اخرجوا فإني لا أمرّ حتى أراكم كلكم قد خرجتم، و قد سمع ذلك حذيفة؛ و مثلهما طلحة و الزبير فهما بايعا عليا بعد قتل عثمان طمعا في أن يجعلهما كليهما عليّ بن أبي طالب عليه السّلام واليا على ولاية، لا طوعا و لا رغبة و لا إكراها و لا إجبارا، فلما آيسا من ذلك من عليّ عليه السّلام نكثا العهد و خرجا عليه و فعلا ما فعلا، و أجاب عن مسائلي الأربعين.
قال: و لما أردنا الانصراف، قال أبو محمّد عليه السّلام لأحمد بن إسحاق:
إنك تموت السنة.
فطلب منه الكفن، فقال عليه السّلام: يصل إليك عند الحاجة.
[فعندما وصل أحمد إلى حلوان حمّ، و في الليلة التي مات فيها أحمد](3)فجاء إثنان من عند أبي محمّد عليه السّلام و معهما أكفانه، فغسلاّه و كفناه وصليا عليه.(4)4.
1) هكذا في الترجمة، و لكن في المصدر: (فخرج أحمد ليجئ بالثوب، فقال لي أبو محمّد عليه السّلام: ما فعلت مسائلك الأربعون؟ سل الغلام عنها يجيبك).
2) هذه الزيادة في الترجمة، و بدلها في المصدر: (نبي يملك المشرق و المغرب، و تبقى نبوته إلى يوم القيامة).
3) هكذا في الترجمة، و لكن في المصدر: (قال سعد بن عبد اللّه: فخرجنا حتى وصلنا حلوان، فحمّ أحمد بن إسحاق و مات بالليل في حلوان).
4) في المصدر اختلاف في بعض العبارات: راجعها في الخرائج/الراوندي 481:1 /ح 22؛ و رواه عنه البحراني في مدينة المعاجز 159:2-163. و قد رواها الشيخ الصدوق بشكل أكثر تفصيلا في كمال الدين: 454.
و قال هذا المرجع الديني بعد أن نقل هذا الخبر: إن هذه الحكاية طويلة و قد اختصرناها.
يقول مترجم هذه الأربعين: إن الذي دعا هذا الرجل الديني على الاكتفاء بهذا المقدار القليل و الاختصار بالنقل هو أن جناب الآخوند قد ذكر تفصيل ترجمة هذا الحديث في كتابه الذي ألّفه عن الرجعة.
إذن فلا يذهب بفكر بعض الأحباب إلى أن سبب الإجمال هو ما ذكره بعض علماء الرجال في باب هذا الحديث.(1)
و لكنك خبير بأن الشيخ النجّاشي قد صرّح بلقاء سعد لأبي محمّد العسكري عليه السّلام و ذكر ذلك جازما حيث قال: (و لقي أبا محمّد عليه السّلام)، و لكنه شكك في قول من ضعّف لقاء سعد بأبي محمّد عليه السّلام و ختم مقالته بقوله (و اللّه اعلم).
و ما جاء في معجم الرجال لسيدنا قدّس سرّه من تضعيف اللقاء بتضعيف الرواية التي رواها الشيخ الصدوق في كمال الدين سندا لما احتواه السند من متهم بالغلو و هو محمّد بن بحر بن سهل الشيباني و إنه لم يوثق، بالإضافة إلى احتواء السند على مجاهيل.
و بما جاء في متن الرواية مما أشكل عليه سيدنا باشكالين يمكن معالجتهما بالرجوع إلى الرواية التي نقلها غير الصدوق و لم تحتو على هذين المشكلتين متنا.
و كذلك يمكن الرجوع إليها لأنها خالية من الإشكالات السندية؛ و لو أننا يمكننا أن نعالج سند رواية الصدوق بتفصيل ليس هنا محله.
و على كل حال فإن الإشكال في رواية الصدوق لا يصلح ردّ دعوى لقاء سعد بأبي محمّد عليه السّلام لاحتمال وجود رواية بمتن و سند آخر لم يذكر.
مع قطع النجاشي بصحة لقاءه بالإمام عليه السّلام.
و السلام على من اتبع الهدى.م.
1) قد وقع الكلام عند علماء الرجال في لقاء سعد بن عبد اللّه الأشعري للإمام العسكري عليه السّلام، و ذلك لما قاله النجاشي رحمه اللّه في رجاله: (... و لقي أبا محمّد عليه السّلام. و رأيت بعض أصحابنا يضعّفون لقاءه لأبي محمّد عليه السّلام و يقولون هذه حكاية موضوعة عليه. و اللّه اعلم.) انتهى كلامه رفع مقامه.
و كان ممن رآه أيضا أبو محمّد العجلي، حيث دفع إليه أحد الشيعة ذهبا ليحج عن صاحب الأمر عليه السّلام و كانت هذه عادة الشيعة، و كان أبو محمّد هذا شيخا كبير السن من صلحاء الشيعة، و كان له ولدان، أحدهما عابد صالح، و الآخر فاسق و فاجر، فأعطى أبو محمد شيئا من ذلك الذهب لولده الفاسق أيضا.
فحكى قائلا: عندما وصلت إلى عرفات رأيت شابا حسن الوجه، أسمر اللون، مقبلا على شأنه في الابتهال و الدعاء و التضرع؛ فلمّا قرب نفر الناس التفت إليّ و قال: يا شيخ أما تستحي من اللّه؟
قلت: من أي شيء يا سيدي و مولاي؟
قال: يدفع إليك حجة عمن تعلم، فتدفع منها إلى فاسق يشرب الخمر فينصرف ذلك الذهب في الفسق، و لا تخاف أن تذهب عينك، و أومأ إلى أحد عيني، فخجلت و جريت، و عندما رجعت إلى نفسي فأطلت النظر فلم أره، و أنا من ذلك اليوم إلى الآن على و جل و مخافة على عيني.
روى الأستاذ شيخ الطائفة - أعني محمّد بن محمّد بن النعمان - الملقب بالمفيد أنه قال: فما مضى عليه أربعون يوما بعد مورده حتى خرج في عينه التي أومأ إليها قرحة فذهبت.
فعلم أنه كان ذلك الشاب هو الصاحب عليه السّلام و لم يعرفه.(1)
و الرواية الأخرى، عن أحمد بن أبي روح قال: وجّهت إليّ امرأة من أهل دينور، فأتيتها، فقالت: يا ابن أبي روح أنت أوثق من في ناحيتنا دينا و ورعا، و إني أريد أن أودعك أمانة أجعلها في رقبتك تؤديها و تقوم بها.
فقلت: أفعل إنشاء اللّه تعالى.
1) رواية الشيخ الراوندي في الخرائج و الجرائح 480:1 /ح 21 مع اختلاف بعض الروايات.
فقالت: هذه دراهم في هذا الكيس المختوم؛ لا تحله، و لا تنظر فيه حتّى تؤديه إلى من يخبرك بما فيه؛ و هذا قرطي يساوي عشرة دنانير، و فيه ثلاث حبات لؤلؤ تساوي عشرة دنانير، ولي إلى صاحب الزمان حاجة أريد أن يخبرني بها قبل أن أسأله عنها.
فقلت: و ما الحاجة؟
قالت: عشرة دنانير استقرضتها أمّي في عرسي لا أدري ممّن استقرضتها، و لا أدري إلى من أدفعها، فإن أخبرك بها، فادفعها إلى من يأمرك بها.
قال: و كنت أقول بجعفر بن عليّ، فقلّت هذه المحبة بيني و بين جعفر.
فحملت المال و خرجت حتى دخلت بغداد، فأتيت حاجز بن يزيد الوشّاء، فسلّمت عليه و جلست، فقال: ألك حاجة؟
قلت: هذا مال دفع إليّ، لا أدفعه إليك حتى تخبرني كم هو، و من دفع إليّ؟ فإن أخبرتني دفعته إليك.
قال: لم أؤمر بأخذه، و هذه رقعة جاءتني بأمرك. فإذا فيها:
(لا تقبل من أحمد بن أبي روح، توجه به إلينا إلى سرّ من رأى).
فقلت: لا اله إلا اللّه؛ هذا أجلّ شيء أردته.
فخرجت و وافيت سامراء، فقلت أبدأ بجعفر، ثم تفكّرت فقلت: أبدأ بهم فإن كانت المحبة من عندهم و إلا مضيت إلى جعفر.
فدنوت من دار أبي محمّد عليه السّلام فخرج إليّ خادم فقال: أنت أحمد بن أبي روح؟ قلت: نعم.
قال: هذه الرقعة اقرأها.
فقرأتها، فإذا فيها:
بسم اللّه الرحمن الرحيم
«يا ابن أبي روح! أودعتك عاتكة بنت الديراني كيسا فيه ألف درهم بزعمك،
و هو خلاف ما تظن، و قد أديت فيه الأمانة، و لم تفتح الكيس و لم تدر ما فيه، و فيه ألف درهم و خمسون دينارا صحاح، و معك قرط زعمت المرأة أنه يساوي عشرة دنانير، صدقت، مع الفصّين اللّذين فيه، و فيه ثلاث حبّات لؤلؤ شراؤها بعشرة دنانير، و هي تساوي أكثر، فادفع ذلك إلى جاريتنا فلانة فإنّا قد وهبناه لها، و صر إلى بغداد و ادفع المال إلى حاجز، و خذ منه ما يعطيك لنفقتك إلى منزلك.
و أما العشرة دنانير التي زعمت أن أمها استقرضتها في عرسها، و هي لا تدري من صاحبها، بل هي تعلم لمن، و هي لكلثوم بنت أحمد، و هي ناصبيّة، فتحيّرت أن تعطيها إياها، و أوجبت أن تقسمها في إخوانها، فاستأذنتنا في ذلك، فلتفرقها في ضعفاء إخوانها.
و لا تعودن يا ابن أبي روح إلى القول بجعفر و المحبة له، و ارجع إلى منزلك فإن عدوك قد مات، و قد ورّثك اللّه أهله و ماله».
فرجعت إلى بغداد، و ناولت الكيس حاجزا فوزنه فإذا فيه ألف درهم و خمسون دينارا، فناولني ثلاثين دينارا، و قال: امرت بدفعها إليك لنفقتك.
فأخذتها و انصرفت إلى الموضع الذي نزلت فيه، (فإذا أنا بفيج و قد جاءني من منزلي يخبرني بأن حموي) قد مات و أهلي يأمرونني بالانصراف إليهم.
فرجعت فإذا هو قد مات، و ورثت منه ثلاثة آلاف دينار، و مائة ألف درهم.(1)
و لكن في الترجمة في ذيل الحديث زيادة بعد أن استلم الراوي ما أعطاه حاجزا:
(فأخذتها و ودعته و توجهت إلى بلادي، فوصل إليّ في نفس الساعة من يخبرني أن عدوك عمر قد مات؛ و بعد أربعة أشهر تزوجت بزوجة عمر و كانت جميلة جدا و ذات مال وفير، و قد وصلني بعد زواجي بهذه المرأة ثلاثة آلاف دينارا و مائة ألف درهم).
الخرائج و الجرائح/الراوندي 699:2-702 /ح 16.
6.1) في الترجمة اختلافات يسيرة، و يبدو إنها بسبب الترجمة و ليست عندي نسخة بدل، فلذلك اكتفينا بنقل الرواية عن ما في المصدر.
و نقل أيضا شيخ الطائفة الشيخ أبو جعفر الطوسي نور اللّه مرقده في كتاب الغيبة بإسناده إلى حبيب بن يونس بن شاذان الصنعاني أنه قال: دخلت إلى عليّ بن إبراهيم بن مهزيار الأهوازي، فسألته عن آل أبي محمّد عليه السّلام، فقال:
«يا أخي لقد سألت عن أمر عظيم، حججت عشرين حجّة كلاّ أطلب به عيان الإمام فلم أجد إلى ذلك سبيلا، فبينا أنا ليلة نائم في مرقدي إذ رأيت قائلا يقول: يا عليّ بن إبراهيم! قد أذن اللّه لك في الحجّ.
فلم أعقل ليلتي حتّى أصبحت، فأنا مفكر في أمري أرقب الموسم ليلي و نهاري؛ فلما كان وقت الموسم أصلحت أمري، و خرجت متوجها نحو المدينة، فما زلت كذلك حتّى دخلت يثرب، فسألت عن آل أبي محمّد عليه السّلام، فلم أجد له أثرا و لا سمعت له خبرا، فأقمت مفكّرا في أمري حتّى خرجت من المدينة اريد مكّة، فدخلت الجحفة و أقمت بها يوما، و خرجت منها متوجها نحو الغدير، و هو على أربعة أميال من الجحفة، فلما دخلت المسجد و عفّرت و اجتهدت في الدعاء و ابتهلت إلى اللّه لهم، و خرجت أريد عسفان، فما زلت كذلك حتّى دخلت مكّة، فأقمت بها أياما أطوف البيت و اعتكفت؛ فبينا أنا ليلة في الطواف، إذ أنا بفتى حسن الوجه، طيّب الرائحة، يتبختر في مشيته طائف حول البيت، فحسّ قلبي به، فقمت نحوه فحككته، فقال لي: من أين الرجل؟
فقلت: من أهل العراق.
فقال: من أي العراق؟
قلت: من الأهواز.
فقال لي: تعرف بها الخصيب؟
فقلت: رحمه اللّه، دعي فأجاب.
فقال: رحمه اللّه، فما كان أطول ليلته و أكثر تبتله و أغزر دمعته؛ أفتعرف عليّ بن إبراهيم بن المازيار؟
فقلت: أنا علي بن إبراهيم.
فقال: حيّاك اللّه أبا الحسن، ما فعلت بالعلامة التي بينك و بين أبي محمّد الحسن بن عليّ عليهما السّلام؟ فقلت: معي.
قال: أخرجها.
فأدخلت يدي في جيبي فاستخرجتها، فلمّا أن رآها لم يتمالك أن تغرغرت عيناه بالدموع، و بكى منتحبا حتى بلّ أطماره؛ ثم قال: اذن لك الآن يابن مازيار، صر إلى رحلك و كن على أهبّة من أمرك، حتّى إذا لبس الليل جلبابه، و غمر الناس ظلامه، سر إلى شعب بني عامر، فإنك ستلقاني هناك.
فسرت إلى منزلي؛ فلما أن أحسست بالوقت أصلحت رحلي و قدّمت راحلتي و عكمته شديدا، و حملت و صرت في متنه، و أقبلت مجدّا في السيّر حتى وردت الشعب، فإذا أنا بالفتى قائم ينادي يا أبا الحسن إليّ، فما زلت نحوه، فلّما قربت بدأني بالسّلام و قال لي: سر بنا يا أخ، فما زال يحدّثني و أحدثه حتى تخرّقنا جبال عرفات، و سرنا إلى جبال منى، و انفجر الفجر الأوّل و نحن قد توسطنا جبال الطائف.
فلمّا أن كان هناك أمرني بالنزول، و قال لي: انزل فصلّ صلاة الليل، فصلّيت، و أمرني بالوتر فأوترت، و كانت فائدة منه، ثم أمرني بالسجود و التعقيب، ثم فرغ من صلاته و ركب، و أمرني بالركوب، و سار و سرت معه حتّى علا ذروة الطائف، فقال: هل ترى شيئا؟
قلت: نعم! أرى كثيب رمل عليه بيت شعر يتوقّد البيت نورا.
فلمّا أن رأيته طابت نفسي، فقال لي: هناك الأمل و الرجاء.
ثم قال: سر بنا يا أخ.
فسار، و سرت بمسيره إلى أن انحدر من الذروة و سار في أسفله، فقال:
انزل، فهاهنا يذلّ كلّ صعب، و يخضع كل جبار، ثم قال: خلّ عن زمام الناقة.
قلت: فعلى من اخلّفها؟
فقال: حرم القائم عليه السّلام لا يدخله إلا مؤمن، و لا يخرج منه إلا مؤمن.
فخليت من زمام راحلتي، و سار و سرت معه إلى أن دنا من باب الخباء، فسبقني بالدّخول و أمرني أن أقف حتى يخرج إليّ.
ثم قال لي: أدخل، هنّأك السلامة، فدخلت فإذا أنا به جالس قد اتّشح ببردة، و اتزر بأخرى، و قد كسر بردته على عاتقه، و هو كأقحوانة ارجوان قد تكاثف عليها الندى، و أصابها ألم الهوى، و إذا هو كغصن بان، أو قضيب ريحان، سمح سخيّ تقيّ نقيّ، ليس بالطويل الشامخ، و لا بالقصير اللازق، بل مربوع القامة، مدوّر الهامة، صلت الجبين، أزجّ الحاجبين، أقنى الأنف، سهل الخدين، على خدّه الأيمن خال كأنه فتات مسك على رضراضة عنبر.
فلمّا أن رأيته بادرته بالسلام، فردّ عليّ أحسن ما سلّمت عليه، و شافهني و سألني عن أهل العراق، فقلت: سيدي قد البسوا جلباب الذلّة، و هم بين القوم أذلاء، فقال لي: يا ابن المازيار لتملكونهم كما ملكوكم، و هم يومئذ أذلاّء.
فقلت: سيدي لقد بعد الوطن و طال المطلب.
فقال: يا ابن المازيار أبي أبو محمّد عهد إليّ أن لا اجاور قوما غضب اللّه عليهم و لعنهم و لهم الخزي في الدنيا و الآخرة و لهم عذاب أليم.
و أمرني أن لا أسكن من الجبال إلا و عرها، و من البلاد إلا عفرها، و اللّه مولاكم أظهر التقية فوكّلها بي فأنا في التقية إلى يوم يؤذن لي فأخرج.
فقلت: يا سيدي متى يكون هذا الأمر؟
فقال: إذا حيل بينكم و بين سبيل الكعبة، و اجتمع الشمس و القمر و استدار بهما الكواكب و النجوم. فقلت: متى يا ابن رسول اللّه؟
فقال لي: في سنة كذا و كذا تخرج دابة الأرض من بين الصفا و المروة، و معه عصا موسى و خاتم سليمان، يسوق الناس إلى المحشر.
قال: فأقمت عنده أياما، و أذن لي بالخروج بعد أن استقصيت لنفسي و خرجت نحو منزلي، و اللّه لقد سرت من مكة إلى الكوفة و معي غلام يخدمني فلم أر إلا خيرا».(1)
و هذا الحديث يؤيد المعنى الذي يقول بأن وقت ظهور صاحب الأمر عليه السّلام لا يعلمه إلاّ اللّه تعالى، فإنه قد ذكر عليه السّلام في جواب عليّ بن إبراهيم بن مهزيار: متى يكون هذا الأمر؟ عدّة علامات، مع أنه لا يعلم وقت ظهور تلك العلامات أيضا، بل إن وقت تلك العلامات مخفية عليه عليه السّلام أيضا.
و هناك الكثير ممن سعى لذلك في حياة والد الإمام الحجة عليه السّلام للحصول على هذه السعادة، يعني أن يتشرف برؤية رئيس الأخيار، مثل يعقوب بن منقوش، فقد روى ابن بابويه بإسناده عن يعقوب المذكور أنه قال: دخلت على أبي محمّد الحسن بن عليّ عليهما السّلام و هو جالس على دكان في الدار، و عن يمينه بيت و عليه ستر مسبل، فقلت له: يا سيدي من صاحب هذا الأمر؟
فقال: ارفع الستر.
فرفعته، فخرج إلينا غلام خماسيّ له عشر أو ثمان أو نحو ذلك، واضح الجبين، أبيض الوجه، دريّ المقلتين، شثن الكفين، معطوف الركبتين، في خده الأيمن خال، و في رأسه ذؤابة؛ فجلس على فخذ أبي محمّد عليه السّلام، ثمّ قال لي: هذا هو صاحبكم.
ثم وثب، فقال له: يا بني! أدخل إلى الوقت المعلوم.
فدخل البيت و أنا أنظر إليه؛ ثم قال لي: يا يعقوب! انظر إلى من في البيت.7.
1) الغيبة/الشيخ الطوسي: 263-267.
فدخلت فما رأيت أحدا.(1)
و روى أيضا عن [محمّد بن](2)معاوية بن حكيم و محمّد بن أيوب بن نوح، و محمّد بن عثمان العمري أنهم قالوا: عرض علينا أبو محمّد الحسن بن عليّ عليهما السّلام و نحن في منزله، و كنّا أربعين رجلا فقال: هذا إمامكم من بعدي، و خليفتي عليكم، أطيعوه و لا تتفرقوا من بعدي في أديانكم فتهلكوا، أما إنكم لا ترونه بعد يومكم هذا.(3)
و أما معجزاته عليه السّلام التي ظهرت من حين ولادته إلى هذا اليوم فهي كثيرة، سوى ما سوف تظهر من زماننا إلى حين ظهوره عليه السّلام، و من ذلك الوقت إلى أوان وفاته عليه السّلام.
و نحن نكتفي في هذا المختصر بنقل القليل من معجزاته التي قد ظهرت منه عليه السّلام من قبل، و قد رواها قطب الملة والدين الراوندي عليه الرحمة في كتاب الخرائج و الجرائح، و قد نقل مضمون عباراتها صاحب كفاية المؤمنين، كما ذكرها الشيخ المفيد و غيره في كتبهم.
قال صاحب كتاب الخرائج: روي عن يعقوب بن يوسف الضّراب الغساني في منصرفه من أصفهان، قال: حججت في سنة إحدى و ثمانين و مائتين، و كنت مع قوم مخالفين من أهل بلدنا، فلمّا قدمنا مكة نزلنا دارا في سوق الليل تسمى دار الرضا عليه السّلام، و فيها عجوز سمراء، فسألتها: ما تكونين من أصحاب هذه الدار؟
قالت: أنا من مواليهم [و عبيدهم] أسكننيها الحسن بن عليّ عليهما السّلام.
فكنّا إذا انصرفنا من الطواف تغلق الباب.
فرأيت غير ليلة ضوء السراج، و رأيت الباب قد انفتح و لا أرى أحدا فتحه من أهل الدار، و رأيت رجلا ربعة أسمر يميل إلى الصفرة، ما هو قليل اللحم، يصعد إلى غرفة في الدار حيث تكون العجوز تسكن، و كانت تقول لنا: إن لي في الغرفة ابنة لا تدعوا أحدا يصعد إليها.
فأحببت أن أقف على خبر الرجل، فقلت للعجوز: إني أحب أن أسألك.
قالت: و أنا أريد أن اسرّ إليك، فلم يتهيأ من أجل أصحابك.
فقلت: ما أردت أن تقولي؟
فقالت: يقول لك - يعني صاحب الدار - و لم تذكر أحدا [باسمه]: لا تخاشننّ أصحابك و شركاءك، و لا تلاحّهم، فإنهم أعداؤك، و دارهم.
فلم أجسر أن أراجعها؛ فقلت: أي أصحابي؟
قالت: شركاؤك الذين في بلدك، و في الدار معك.
و قد كان جرى بيني و بين من معي في الدار عنت في الدين، فسعوا بيّ حتى هربت و استترت بذلك السبب، فوقفت على أنها عنت أولئك.
و كنت نذرت أن القي في مقام إبراهيم عشرة دراهم ليأخذها من أراد اللّه، فأخذت عشرة دراهم فيها ستة رضوية و قلت لها: ادفعي هذه إلى الرجل.
فأخذت [الدراهم] و صعدت، و بقيت ساعة ثم نزلت؛ فقالت: يقول لك:
ليس لنا فيها حق، اجعلها في الموضع الذي نذرت و نويت، و لكن هذه الرضوية خذ منّا بدلها و ألقها في الموضع الذي نويت.
ففعلت.(1)8.
1) الخرائج و الجرائح 461:1 /ح 6. و الرواية مروية بشكل أكثر تفصيل في الغيبة/الشيخ الطوسي: 273 /تحت رقم 538.
و روى أيضا عن يوسف بن أحمد الجعفري أنه قال: حججت سنة ست و ثلاثمائة، ثم جاورت بمكة ثلاث سنين، ثم خرجت عنها منصرفا إلى الشام، فبينا أنا في بعض الطريق، و قد فاتتني صلاة الفجر، فنزلت من المحمل و تهيأت للصلاة، فرأيت أربعة نفر في محمل، فوقعت أعجب منهم، فقال لي أحدهم: ممّ تعجب؟ تركت صلاتك.
فقلت: و ما علمك بذلك منّي؟
فقال: تحب أن ترى صاحب زمانك؟
قلت: نعم، فأومأ إليّ أحد الأربعة، فقلت: إن له دلائل و علامات؟
فقال: أيّما أحب إليك: أن ترى الجمل صاعدا إلى السماء، أو ترى المحمل صاعدا؟
فقلت: أيّهما كان فهي دلالة، فرأيت الجمل و ما عليه يرتفع إلى السماء، و لكن الرجل أومأ إلى رجل به سمرة، و كأن لونه الذهب، بين عينيه سجّادة.(1)
و روى أيضا عن محمّد بن إبراهيم بن مهران أنه قال: أعطى جماعة من الشيعة إلى أبي عدة بدرات من الدنانير و الدراهم ليوصلها إلى الإمام أبي محمّد العسكري صلوات اللّه عليه، فخرجت معه مشيعا له عدة مراحل حتى بعدنا عن وطننا منزلين أو ثلاثة، فإذا به ليلا يتغير تغيرا شديدا و تظهر على وجهه علامات الموت، فطلبني و أوصاني و قال: عندي دنانير و دراهم كثيرة، و هي أمانات من شيعة أهل البيت، فسلّمها لو كلاء الإمام الحسن العسكري، و أنا أرى الموت يحوم حولي و أنا أعلم أنه لا يبرئ ذمتي أحد غيرك من هذه
1) الخرائج و الجرائح 466:1 و 467 /ح 13.
الأمانات، و وصيتي إليك أن تأخذ هذا المال و توصله إلى الإمام عليه السّلام فتطيب خاطري من هذا الغم.
فاستجبت لأمر أبي في أن أوصل هذا المال لو كلاء الإمام الحسن العسكري صلوات اللّه عليه، فمات أبي بعد أن أدى الوصية.
فتوجهت إلى العراق بعد موت أبي، و بعد أن قطعت المنازل و طويت المراحل فإذا بي يوما أسمع أثناء سفري خبر المحنة و هو وفاة صاحب العسكر و الإمام الحادي عشر عليه صلوات اللّه الملك الأكبر، ففكرت في نفسي: أن أبي أوصى أن أوصل هذا المال إليه عليه السّلام و قد توفى و لا أعرف من هو خليفته و وصيه، و لم يوصني أبي بشيء غير ذلك، فما هو الحل لهذا؟ فانقدح في ذهني أخيرا أن أحمل هذا المال إلى العراق، و لا أخبر أحدا، فإن وضح لي شيء أنفذته، و إلا أنفقته و تصدقت به و قصفت به.
فقدمت العراق، فاكتريت دارا على الشط و بقيت أياما، فإذا أنا برسول معه رقعة فيها: يا محمّد بن إبراهيم معك عدة صرر ذهبا عددها كذا و في جوف كل واحدة من تلك الصرار العدد الفلاني من الدنانير و الدراهم، فإذا أردت أن تؤدي وصية أبيك فعليك أن تسلّم جميع ذلك المال إلى رسولنا.
فعندما سمعت هذا الخبر الصحيح، و الدليل الصريح، فلم أجد بدا غير تسليم ذلك المال و كل ما كان معي إلى رسول مجمع المفاخر و المحامد عليه السّلام.
و بقيت منتظرا أن أحصل على خبر منه بوصول المال، كما كنت أرجو أن أصل إليه، و أطلب منه أن أقوم بما كان يقوم به أبي ببعض أموره.
و بعد عدة أيام من إرسال ذلك المال جاءتني رقعة مضمونها: يا محمّد قد وصل جميع ما كنت قد أرسلته، و قد أقمناك مقام أبيك، فعليك ألا تخرج عن جادة الشريعة الغرّاء، و طريق الملّة البيضاء.
و حينما قرأت هذا التوقيع ابتهجت و فرحت كثيرا، و رجعت عن دار السلام بغداد إلى بيتي.(1)
462 و 463؛ و الطوسي في إعلام الورى بإعلام الهدى: 417 /ط 1.
و بما أن المؤلف قد نقل الخبر عن خرائج الراوندي فإليك ما فيه، قال:
ما روي عن محمّد بن إبراهيم بن مهزيار قال: شككت عند مضي أبي محمّد عليه السّلام، و كان اجتمع عند أبي مال جليل فحمله و ركب السفينة، و خرجت معه مشيّعا له، فوعك.
فقال: ردّني فهو الموت، و اتق اللّه في هذا المال. و أوصى إليّ، و مات.
و قلت: لا يوصي أبي بشيء غير صحيح، أحمل هذا المال إلى العراق و لا أخبر أحدا، فإن وضح لي شيء أنفذته و إلا أنفقته، فاكتريت دارا على الشطّ و بقيت أياما، فإذا أنا برسول معه رقعة فيها:
يا محمّد معك كذا و كذا، حتى قصّ عليّ جميع ما معي، و ما لم أحط بع علما مما كان معي، فسلّمت المال إلى الرسول، و بقيت أياما لا يرفع لي رأس، فاغتممت، فخرج إليّ:
قد أقمناك مقام أبيك، فأحمد اللّه تعالى.
الخرائج و الجرائح/الراوندي 462:1 و 463 /ح 7.
و لكن الشيخ الصدوق عليه الرحمة قد نقل القضية بشكل آخر في كتاب كمال الدين: 486 و 487 /ح 8؛ قال: حدّثنا محمّد بن الحسن رضى اللّه عنه عن سعد بن عبد اللّه، عن عليّ بن محمّد الرّازي المعروف بعلاّن الكليني قال: حدّثني محمّد بن جبرئيل الأهوازي، عن إبراهيم و محمّد ابني الفرج، عن محمّد بن إبراهيم بن مهزيار أنه ورد العراق شاكّا مرتدا، فخرج إليه (قل للمهزياري قد فهمنا ما حكيته عن موالينا بناحيتكم، فقل لهم: أما سمعتم اللّه عزّ و جلّ يقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ هل أمر إلا بما هو كائن إلى يوم القيامة، أو لم تروا أن اللّه عزّ و جلّ جعل لكم معاقل تأوون إليها و أعلاما تهتدون بها من لدن آدم عليه السّلام إلى أن ظهر الماضي أبو محمّد صلوات اللّه عليه، كلما غاب علم بدا علم، و إذا أفل نجم طلع نجم، فلّما قبضه اللّه إليه ظننتم أن اللّه عزّ و جلّ قد قطع السبب بينه و بين خلقه، كلا ما كان ذلك و لا يكون حتى تقوم الساعة و يظهر أمر اللّه عزّ و جلّ و هم كارهون.
يا محمّد بن إبراهيم لا يدخلنك الشكّ فيما قدمت له، فإن اللّه عزّ و جلّ لا يخلّي الأرض من حجة، أليس قال لك أبوك قبل وفاته: أحضر الساعة من يعيّر هذه الدنانير التي عندي، فلّما أبطئ ذلك عليه و خاف الشيخ على نفسه الوحا قال لك: عيّرها على نفسك، و أخرج إليك كيسا كبيرا و عندك بالحضرة ثلاثة أكياس و صرّة فيها دنانير مختلفة النقد فعيرتها، و ختم الشيخ بخاتمه و قال لك:
اختم مع خاتمي، فإن أعش فأنا أحق بها، و إن أمت فاتّق اللّه في نفسك أوّلا ثمّ فيّ، فخلصني و كن عند ظني بك. أخرج رحمك اللّه الدنانير التي استفضلتها من بين النقدين من حسابنا و هي بضعة عشر دينارا و استردّ من قبلك، فإنّ الزمان أصعب مما كان، و حسبنا اللّه و نعم الوكيل).
قال محمد بن إبراهيم: و قدمت العسكر زائرا فقصدت الناحية، فلقيتني امرأة و قالت:
أنت محمّد بن إبراهيم؟
فقلت: نعم.
فقالت لي: انصرف فإنك لا تصل في هذا الوقت، و ارجع الليلة فإن الباب مفتوح لك فادخل الدار و اقصد البيت الذي فيه السراج، ففعلت و قصدت الباب فإذا هو مفتوح، فدخلت الدّار و قصدت البيت الذي و صفته، فبينا أنا بين القبرين أنتحب و أبكي إذ سمعت صوتا و هو يقول: يا محمد اتقّ اللّه و تب من كلّ ما أنت عليه فقد قلّدت أمرا عظيما. كمال الدين: 486 /ح 8.
-1) أقول: هذا ملخص ترجمة الحديث الذي نقله المؤلف مترجما من كفاية المؤمنين و الذي هو ترجمة الخرائج، و لكن فيه اختلافات مع ما هو موجود في المصدر المطبوع، و كذلك مع ما هو موجود في المصادر الأخرى التي روت الخبر، فقد رواه الشيخ الكليني في الكافي 518:1 /ح 5؛ و الطوسي في الغيبة: 182-239؛ و الشيخ المفيد في الإرشاد 355:2؛ و الراوندي في الخرائج 1:
و روى أيضا أبو عقيل عيسى بن نصر: أن علي بن زياد الصيمري كتب يلتمس كفنا.
فكتب: إنك تحتاج إليه في سنة ثمانين.
فمات في سنة ثمانين، و بعث إليه بالكفن قبل موته.(1)
و قد ذكر في الدفاتر الصحيحة، و في كتب الآثار الصريحة؛ أنه قد خرجت التوقيعات في زمن الغيبة الصغرى من عند صاحب الزمان عليه صلوات الملك المنان، و قد اختص جماعة بإظهار تلك التوقيعات، و كان يتمّ إعلان تلك التوقيعات العظيمة البركات بأمره عليه السّلام إلى كثير من شيعته فيحذّر8.
1) الخرائج و الجرائح/للراوندي 463:1 /ح 8.
الخلق من المنهيّات و يحرّضهم على الأوامر، و تعلم جميع مصالح العباد من توقيعاته كعبة أرباب السداد.
و يعدّ كل توقيع من تلك التوقيعات بنفسه معجزة؛ و هي كثيرة لا يسع مجموعها هذا المختصر، و قد تقدم قليل منها في هذه السطور، و سوف يأتي بعضها إنشاء اللّه تعالى في هذا السفر.
روي عن محمّد بن يعقوب بن عليّ بن محمّد قال: خرج نهي عن زيارة مقابر قريش [و المقصود من مقابر قريش مرقد الإمامين الكاظمين عليهما السّلام المنور] و قبر الحسين عليه السّلام، فلما كان بعد أشهر [زارها رجلان من الشيعة فدعاهما] الوزير الباقطاني و زجرهما، فقال [لخادمه]: لاق بني الفرات و البرسيّين و قل لهم: لا تزوروا مقابر قريش، فقد أمر الخليفة أن يقبض على كلّ من زار.(1)
و بعد حدوث هذه الواقعة علم سبب منعه لزيارة مقابر قريش الذي ورد في توقيعه عليه السّلام.
و الرواية الأخرى: روى الشيخ المفيد عن أبي عبد اللّه الصفواني قال: رأيت القاسم بن العلاء و قد عمّر مائة سنة، و سبع عشرة سنة، منها ثمانون سنة صحيح العينيين لقى العسكريّين عليهما السّلام و حجب بعد الثمانين، وردّت عليه عيناه قبل وفاته بسبعة أيام؛ و ذلك إني كنت بمدينة (أرّان) من أرض آذربيجان، و كان لا تنقطع توقيعات صاحب الأمر عليه السّلام عنه على يد أبي جعفر العمري، و بعده على يد أبي القاسم بن روح، فانقطعت عنه المكاتبة نحوا من شهرين، و قلق لذلك.
فبينا نحن عنده نأكل إذ دخل البواب مستبشرا، فقال له: فيج العراق
1) الخرائج و الجرائح 465:1 /ح 10.
ورد - و لا يسمى بغيره - فسجد القاسم، ثم دخل كهل قصير يرى أثر الفيوج عليه، و عليه جبّة مضرّبة، و في رجله نعل محاملي، و على كتفه مخلاة.
فقام إليه القاسم فعانقه، و وضع المخلاة، و دعا بطشت و ماء، و غسل يده، و أجلسه إلى جانبه، فأكلنا و غسلنا أيدينا، فقام الرجل و أخرج كتابا أفضل من نصف الدرج، فناوله القاسم، فأخذه و قبّله و دفعه إلى كاتب له يقال له (أبو عبد اللّه بن أبي سلمة) ففضّه و قرأه و بكى حتى أحس القاسم ببكائه، فقال: يا أبا عبد اللّه خير، خرج فيّ شيء مما يكره؟
قال: لا. قال: فما هو؟
قال: ينعى الشيخ إلى نفسه بعد ورود هذا الكتاب بأربعين يوما، و أنه يمرض اليوم السابع بعد وصول الكتاب، و أن اللّه يردّ عليه عينيه بعد ذلك، و قد حمل إليه سبعة أثواب.
فقال القاسم: على سلامة من ديني؟
قال: في سلامة من دينك.
فضحك؛ و قال: و ما أؤمل بعد هذا العمر؟!
فقام الرجل الوارد، فأخرج من مخلاته ثلاثة أزر، و حبرة يمانية حمراء، و عمامة، و ثوبين و منديلا، فأخذه القاسم، و كان عنده قميص خلعه عليه عليّ النقي عليه السّلام.
و كان للقاسم صديق في أمور الدنيا، شديد النصب، يقال له (عبد الرحمن بن محمد الشيزي) وافى إلى الدار، فقال القاسم: اقرؤا الكتاب عليه، فإنّي أحب هدايته.
قالوا: هذا لا يحتمله خلق من الشيعة، فكيف عبد الرحمن؟!
فأخرج إليه القاسم الكتاب و قال: اقرأه.
فقرأه عبد الرحمن إلى موضع النعي، فقال للقاسم: يا أبا عبد اللّه! اتّق اللّه، فإنّك رجل فاضل في دينك، و اللّه يقول:
وَ ما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً وَ ما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ .(1)
و قال: عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً .(2)
قال القاسم: فأتم الآية: إِلاّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ (3)مولاي هو المرضيّ من الرسول.
ثمّ قال: أعلم أنك تقول هذا، و لكن أرخ اليوم، فإن أنا متّ بعد هذا اليوم، أو متّ قبله، فاعلم إني لست على شيء، و إن أنا متّ في ذلك اليوم فانظر لنفسك.
فورّخ عبد الرحمن اليوم و افترقوا، و حمّ القاسم يوم السابع، و اشتدّت العلّة به إلى مدّة، و نحن مجتمعون يوما عنده، إذ مسح بكمّه عينيه، و خرج من عينه شبه ماء اللحم، ثم مدّ بطرفه إلى ابنه، فقال: يا حسن! إليّ، و يا فلان! إليّ.
فنظرنا إلى الحدقتين صحيحتين.
و شاع الخبر في النّاس، فانتابه الناس من العامّة ينظرون إليه.
و ركب القاضي إليه و هو: أبو السائب عتبة بن عبيد اللّه المسعودي، و هو قاضي القضاة ببغداد، فدخل عليه و قال له: يا أبا محمّد ما هذا الذي بيدي؟
و أراه خاتما فصّه فيروزج فقرّبه منه؛ فقال: عليه ثلاثة أسطر لا يمكنني قراءتها، و قد قال لمّا رأى ابنه الحسن في وسط الدار قاعدا: «اللهم ألهم الحسن طاعتك، و جنّبه معصيتك» قالها ثلاثا، ثم كتب وصيته بيده.
و كانت الضياع التي بيده لصاحب الأمر عليه السّلام، كان أبوه وقفها عليه.7.
و كان فيما أوصى ابنه: إن اهّلت إلى الوكالة فيكون قوتك من نصف ضيعتي المعروفة ب (فرجيدة)، و سائرها ملك لمولانا عليه السّلام.
فلما كان يوم الأربعين و قد طلع الفجر مات القاسم، فوافاه عبد الرحمن يعدو في الأسواق حافيا حاسرا، و هو يصيح: (يا سيداه)، فاستعظم الناس ذلك منه؛ فقال لهم: اسكتوا، فقد رأيت ما لم تروا.
و تشيّع، و رجع عمّا كان عليه.
فلما كان بعده مدّة يسيرة ورد كتاب على الحسن ابنه من صاحب الزمان يقول فيه: (ألهمك اللّه طاعته، و جنّبك معصيته) و هو الدعاء الذي دعا لك به أبوك.(1)
و من معجزاته عليه السّلام ما رواه ابن أبي سورة عن أبيه [أنه قال: كان أبي من مشايخ الزيدية في الكوفة، و قد اشتهر عنه في الخبر تشيّعه، فسألت يوما أبي عن سبب ترك الزيدية].(2)
قال: كنت خرجت إلى قبر الحسين عليه السّلام أعرّف عنده، فلمّا كان وقت العشاء الآخرة صلّيت، و قمت فابتدأت أقرأ الحمد، و إذا شاب حسن الوجه عليه جبّة سيفيّة، فابتدأ أيضا قبلي، و ختم قبلي.
فلما كان الغداة خرجنا جميعا من باب الحائر، فلمّا صرنا إلى شاطئ الفرات قال لي الشاب: أنت تريد الكوفة، فامض.
فمضيت في طريق الفرات، و أخذ الشاب طريق البر.
قال أبو سورة: ثم أسفت على فراقه، فاتّبعته، فقال لي: تعال.
فجئنا جميعا إلى أصل حصن المسناة، فنمنا جميعا، و انتبهنا، و إذا نحن على الغري على جبل الخندق، فقال لي: أنت مضيق، و لك عيال، فامض إلى أبي طاهر الزراري، فسيخرج إليك من داره، و في يده الدم من الأضحية، فقل له: شابّ من صفته كذا و كذا يقول لك: أعط هذا الرجل صرّة الدنانير الّتي عند رجل السرير مدفونة.
قال: فلما دخلت الكوفة مضيت إليه، و قلت ما ذكر ليّ الشاب.
فقال: سمعا و طاعة. و على يده دم الأضحية.(1)
[و بعد ما اطلعت على أحوال هذا الشاب ازدادت محبته في قلبي يوما بعد يوم، و لم أعرف من يكون، إلا أن قال لي أخيرا أحدثك إن هذا الشاب الذي تتحدث عنه إنه الحجة بن الحسن عليه السّلام، و من بعد ذلك اخترت مذهب أهل البيت عليهم السّلام].(2)
و روى نحو هذه الرواية أبو ذر أحمد بن محمّد بن أبي سورة، و هو أحمد بن محمّد بن الحسن بن عبيد اللّه التميمي، قال:
[ضعت ليلة في بر العرب، فإذا بي أرى شابا، فاتبعت أثره فمشيت أقداما فرأيت نفسي](3)على مقابر مسجد السهلة، فقال: هو ذا منزلي.
ثمّ قال لي: تمرّ أنت إلى ابن الزراري عليّ بن يحيى فتقول له يعطيك المال بعلامة أنه كذا و كذا، و في موضع كذا و مغطّى بكذا.
فقلت: من أنت؟
قال: أنا محمّد بن الحسن.
ثم مشينا حتى انتهينا إلى النواويس في السحر، فجلس و حفر بيده فإذا الماء قد خرج، و توضأ ثم صلّى ثلاث عشرة ركعة.
فمضيت إلى الزراري، فدققت الباب، فقال: من أنت؟ع.
فقلت: أبو سورة.
فسمعته يقول: مالي و لأبي سورة؟!
فلما خرج و قصصت عليه القصة صافحني، و قبّل وجهي، و وضع يده بيدي، و مسح بها وجهه، ثم أدخلني الدار، و أخرج الصّرة من عند رجل السرير، فدفعها إليّ، فاستبصر أبو سورة، و برئ من الزيدية.(1)
و قال مترجم الخرائج بعد نقل هذه المعجزة: الحاصل أن هذه الرواية، و الرواية التي قبلها واحدة، و لكن فيها بعض الزيادات.
و الرواية الأخرى عن محمّد بن هارون الهمداني، قال:
كان للناحية عليّ خمسمائة دينار، فضقت بها ذرعا، ثم قلت في نفسي [ليلة]:(2)
لي حوانيت اشتريتها بخمسمائة دينار و ثلاثين دينار قد جعلتها للناحية بخمسمائة دينار [يعني أؤديها و أسلمها إلى وكلاء صاحب الزمان عليه السّلام فأؤدي ديني، فخرجت صباحا من الدار قبل أن أحدث أحدا بما أردت في نفسي، فرأيت محمّد بن جعفر، فقال: هل قررت الليلة في نفسك أن تعطي الحوانيت؟ قال: نعم، فمن أين علمت؟
قال: لقد وصل اليوم توقيع صاحب الزمان عليه و على آبائه صلوات الرحمن و فيه]:(3)أقبض الحوانيت من محمّد بن هارون بخمسمائة دينار التي لنا عليه.(4)
[فعندما سمعت هذا الكلام من محمّد بن جعفر أجريت معه البيع الشرعي].(5)
1) الخرائج و الجرائح/الراوندي 471:1 و 472 /فقرة 15.
2) هذه الزيادة في الترجمة، و لا توجد في المصدر المطبوع.
3) هذه الزيادة في الترجمة، و لا توجد في المصدر المطبوع، و بدل الجملة الثانية: (و لا و اللّه ما نطقت بذلك. فكتب عليه السّلام إلى محمّد بن جعفر: اقبض... الحديث).
4) راجع القصة في الخرائج 472:1 /فقرة 16.
5) هذه الزيادة في الترجمة، و لا توجد في المصدر المطبوع.
و الرواية الأخرى عن أبي الحسن المسترق قال: كنت يوما في مجلس الحسن بن عبد اللّه بن حمدان ناصر الدولة، فتذاكرنا أمر الناحية، قال: كنت أزري عليها، إلى أن حضرت مجلس عمّي الحسين يوما، فأخذت أتكلم في ذلك؛ فقال: يا بني! قد كنت أقول بمقالتك هذه إلى أن ندبت لولاية قم حين استصعبت على السلطان، و كان كل من ورد إليها من جهة السلطان يحاربه أهلها، فسلّم إلي جيش و خرجت نحوها.
فلما بلغت إلى ناحية طزر، خرجت إلى الصيد، ففاتتني طريدة، فاتّبعتها، و أوغلت في أثرها، حتى بلغت إلى نهر، فسرت فيه، و كلّما أسير يتّسع النهر، فبينما أنا كذلك إذ طلع عليّ فارس تحته شهباء، و هو متعمم بعمامة خزّ خضراء، لا أرى منه إلا عينيه، و في رجليه خفّان أحمران، فقال لي: يا حسين!
فلا هو أمّرني و لا كنّاني؛ فقلت: ماذا تريد؟
قال: لم تزري على الناحية؟ و لم تمنع أصحابي خمس مالك؟
و كنت الرجل الوقور الذي لا يخاف شيئا، فأرعدت منه و تهيبته؛ و قلت له: أفعل يا سيدي ما تأمر به.
فقال: إذا مضيت إلى الموضع الذي أنت متوجه إليه، فدخلته عفوا، و كسبت ما كسبته، تحمل خمسه إلى مستحقه.
فقلت: السمع و الطاعة.
فقال: امض راشدا.
و لوى عنان دابته، و انصرف، فلم أدر أي طريق سلك، و طلبته يمينا و شمالا فخفي عليّ أمره، و ازددت رعبا و انكفأت راجعا إلى عسكري و تناسيت الحديث.
فلمّا بلغت قم، و عندي أنّي أريد محاربة القوم، خرج إليّ أهلها و قالوا:
كنّا نحارب من يجيئنا بخلافهم لنا، فأما إذا وافيت أنت فلا خلاف بيننا و بينك؛ ادخل البلدة، فدبّرها كما ترى.
فأقمت فيها زمانا، و كسبت أموالا زائدة على ما كنت أقدّر، ثم وشى القوّاد بيّ إلى السلطان، و حسدت على طول مقامي، و كثرة ما اكتسبت، فعزلت، و رجعت إلى بغداد، فابتدأت بدار السلطان و سلّمت عليه، و أتيت إلى منزلي، و جاءني فيمن جاءني محمّد بن عثمان العمري، فتخطى الناس حتى اتكأ على تكأتي، فاغتظت من ذلك، و لم يزل قاعدا ما يبرح، و الناس داخلون و خارجون، و أنا أزداد غيظا.
فلما تصّرم الناس و خلا المجلس، دنا إليّ و قال: بيني و بينك سرّ فاسمعه.
فقلت: قل.
فقال: صاحب الشهباء و النهر يقول: قد وفينا بما وعدنا.
فذكرت الحديث [و ارتعدت](1)من ذلك، و قلت: السمع و الطاعة.
فقمت فأخذت بيده، ففتحت الخزائن، فلم يزل يخمّسها، إلى أن خمّس شيئا كنت قد أنسيته ممّا كنت قد جمعته، و انصرف و لم أشك بعد ذلك، و تحققت الأمر.
فأنا منذ سمعت هذا من عمّي أبي عبد اللّه زال ما كان اعترضني من شك.(2)
و روى أيضا عن أبي القاسم جعفر بن محمّد بن قولويه قال:
لما وصلت بغداد في سنة تسع و ثلاثين و ثلاثمائة للحج، و هي السنة التي ردّ القرامطة فيها الحجر إلى مكانه من البيت؛ كان أكبر همي الظفر بمن ينصب الحجر،
لأنه يمضي في أثناء الكتب قصّة أخذه و أنه ينصبه في مكانه الحجة في الزمان، كما في زمان الحجاج وضعه زين العابدين عليه السّلام في مكانه فاستقر.
فاعتللت علّة صعبة خفت منها على نفسي، و لم يتهيأ لي ما قصدت له، فاستنبت المعروف بابن هشام، و أعطيته رقعة مختومة، أسأل فيها عن مدّة عمري، و هل تكون المنيّة في هذه العلّة، أم لا؟
و قلت: همّي إيصال هذه الرقعة إلى واضع الحجر في مكانه، و أخذ جوابه، و إنما أندبك لهذا.
قال: فقال المعروف بابن هشام: لمّا حصلت بمكة و عزم على إعادة الحجر بذلت لسدنة البيت جملة تمكّنت معها من الكون بحيث أرى واضع الحجر في مكانه، و أقمت معي منهم من يمنع عنّي ازدحام الناس، فكلّما عمد إنسان لوضعه اضطرب و لم يستقم، فأقبل غلام اسمر اللون، حسن الوجه، فتناوله و وضعه في مكانه، فاستقام كأنه لم يزل عنه.
و علت لذلك الأصوات، و انصرف خارجا من الباب؛ فنهضت من مكاني أتبعه، و أدفع الناس عنّي يمينا و شمالا، حتى ظنّ بي الاختلاط في العقل، و الناس يفرجون لي، و عيني لا تفارقه، حتّى انقطع عن الناس، فكنت أسرع السير خلفه، و هو يمشي على تؤده و لا ادركه.
فلما حصل بحيث لا أحد يراه غيري، وقف و التفت إليّ، فقال: هات ما معك.
فناولته الرقعة؛ فقال من غير أن ينظر فيها:
قل له: لا خوف عليك في هذه العلة، و يكون ما لا بدّ منه بعد ثلاثين سنة.
قال: فوقع علي الزمع حتّى لم أطق حراكا، و تركني و انصرف.
قال أبو القاسم: فأعلمني بهذه الجملة.
فلمّا كان سنة تسع و ستين اعتل أبو القاسم، فأخذ ينظر في أمره،
و تحصيل جهازه إلى قبره، و كتب وصيته، و استعمل الجدّ في ذلك؛ فقيل له: ما هذا الخوف، و نرجو أن يتفضل اللّه تعالى بالسلامة، فما عليك مخوفة؟
فقال: هذه السنة التي خوّفت فيها.
فمات في علّته.(1)
[و أجاب داعي الحق بعد ثلاثة أيام من وصيته عليه رحمة اللّه الملك العبود].(2)
و الرواية الأخرى عن أبي غالب الزراري قال:
تزوجت بالكوفة امرأة من قوم يقال لهم: (بنو هلال) خزّازون، و حصلت لها منزلة من قلبي، فجرى بيننا كلام اقتضى خروجها من بيتي غضبا، و رمت ردّها، فامتنعت عليّ لأنها كانت في أهلها في عزّ و عشيرة؛ فضاق لذلك صدري، و تجهزت إلى السفر، فخرجت إلى بغداد أنا و شيخ من أهلها، فقدمناها و قضينا الحق في واجب الزيارة، و توجّهنا إلى دار الشيخ أبي القاسم بن روح، و كان مستترا من السلطان، فدخلنا و سلّمنا، فقال: إن كان لك حاجة فاذكر اسمك هاهنا. و طرح إليّ مدرجة كانت بين يديه؛ فكتبت فيها اسمي و اسم أبي، و جلسنا قليلا، ثمّ ودّعناه، و خرجت إلى سرّ من رأى للزيارة، وزرنا وعدنا، و أتينا دار الشيخ، فأخرج المدرجة التي كنت كتبت فيها اسمي و جعل يطويها على أشياء كانت مكتوبة فيها إلى أن انتهى إلى موضع اسمي، فناولنيه، فإذا تحته مكتوب بقلم دقيق:
(أما الزراري في حال الزوج أو الزوجة فسيصلح اللّه - أو: فأصلح اللّه - بينهما).
و كنت عندما كتبت اسمي أردت أن أسأله الدعاء لي بصلاح الحال مع الزوجة، و لم أذكره، بل كتبت اسمي وحده، فجاء الجواب كما كان في خاطري، من غير أن أذكره.
ثم ودّعنا الشيخ و خرجنا من بغداد حتى قدمنا الكوفة، فيوم قدومي أو من غده أتاني إخوة المرأة، فسلّموا عليّ و اعتذروا إليّ ممّا كان بيني و بينهم من الخلاف و الكلام، و عادت الزوجة على أحسن الوجوه إلى بيتي، و لم يجر بيني و بينها خلاف و لا كلام مدّة صحبتي لها، و لم تخرج من منزلي بعد ذلك إلاّ بإذني حتّى ماتت.(1)
يقول أحد علماء الإمامية في كتابه الذي ألفه في مناقب العترة الطاهرة عليهم السّلام: نقل المعتقدون ببقاء الإمام المهدي عليه السّلام قصصا في شمول فيضه عليه السّلام شيعته، و شفاء مرضاهم، و انتفاع الخلق به، و قضاء حوائج المحتاجين لو جمعت لكانت كتابا كبيرا، و منها حكايتان نقلهما صاحب كشف الغمة، و هما مشهورتان، و إنه قال: إنني أنقل هاتين الحكايتين لقرب زمانهما إلينا، و لأني سمعتها من إخواني الثقاة صحيحي القول، و أن هذين الشخصين الذين وقعت الحكايتين لهما قد توفيا، و إني و إن لم أكن أراهما و لكني رأيت أبناءهما، و ليس عندي شك في وقوع هاتين الحكايتين.
و قد نقل الجاني هاتين الحكايتين في كتاب (شواهد النبوة) و إحدى هاتين الحكايتين:(2)
و أنا أذكر من ذلك قصتين قرب عهدهما من زماني، و حدثني بها جماعة من ثقاة إخواني: كان في البلاد الحلية... الخ، و سوف نقتصر في الأصل على ذكر القصّتين كما جاء في كشف الغمة دون الإشارة إلى فوارق الترجمة.
ة.كان في البلاد الحلّية شخص يقال له إسماعيل بن الحسن الهرقلي من قرية يقال لها هرقل؛ مات في زماني و ما رأيته، حكى لي ولده شمس الدين، قال: حكى لي والدي:
إنه خرج فيه - و هو شباب - على فخذه الأيسر توثة مقدار قبضة الإنسان، و كانت في كل ربيع تشقق و يخرج منها دم وقيح، و يقطعه ألمها عن كثير من أشغاله؛ و كان مقيما بهرقل، فحضر الحلة يوما و دخل إلى مجلس السعيد رضي الدين عليّ بن طاوس رحمه اللّه و شكا إليه ما يجده منها، و قال: أريد أن أداويها.
فاحضر له أطباء الحلة، و أراهم الموضع؛ فقالوا: هذه التوثة فوق العرق الأكحل و علاجها خطر، و متى قطعت خيف أن ينقطع العرق فيموت.
فقال له السعيد رضي الدين (قدست روحه): أنا متوجه إلى بغداد، و ربما كان أطباؤها أعرف و أحذق من هؤلاء، فاصحبني.
فاصعد معه، و أحضر الأطباء، فقالوا كما قال أولئك.
فضاق صدره، فقال له السعيد: إن الشرع قد فسح لك في الصلاة في هذه الثياب، و عليك الاجتهاد في الاحتراس، و لا تغرر بنفسك، فاللّه تعالى قد نهى عن ذلك و رسوله، فقال له والدي: إذا كان الأمر على ذلك، و قد وصلت إلى بغداد، فأتوجه إلى زيارة المشهد الشريف بسر من رأى على مشرفه السلام، ثم أنحدر إلى أهلي.
فحسّن له ذلك، فترك ثيابه و نفقته عند السعيد رضي الدين، و توجه.
قال: فلما دخلت المشهد، وزرت الأئمّة عليهم السّلام، و نزلت السرداب، و استغثت باللّه تعالى و بالإمام عليه السّلام، و قضيت بعض الليل في السرداب، و بتّ في المشهد إلى الخميس، ثم مضيت إلى دجلة، و اغتسلت، و لبست ثوبا نظيفا، و ملأت إبريقا كان معي، و صعدت أريد المشهد.
فرأيت أربعة فرسان خارجين من باب السور، و كان حول المشهد قوم من الشرفاء يرعون أغنامهم فحسبتهم منهم، فالتقينا، فرأيت شابين أحدهما:
عبد مخطوط، و كل واحد منهم متقلد بسيف، و شيخا منقبا بيده رمح، و الآخر متقلد بسيف، و عليه فرجية ملونة فوق السيف، و هو متحنك بعذبته.
فوقف الشيخ صاحب الرمح يمين الطريق و وضع كعب الرمح في الأرض.
و وقف الشابان عن يسار الطريق، و بقي صاحب الفرجية على الطريق مقابل والدي؛ ثمّ سلّموا عليه، فردّ عليهم السلام، فقال له صاحب الفرجية:
أنت غدا تروح إلى أهلك؟
فقال: نعم.
فقال له: تقدم حتى أبصر ما يوجعك.
قال: فكرهت ملامستهم، و قلت في نفسي أهل البادية ما يكادون يحترزون من النجاسة، و أنا قد خرجت من الماء و قميصي مبلول؛ ثم إني بعد ذلك تقدمت إليه فلزمني بيده، و مدني إليه، و جعل يلمس جانبي من كتفي إلى أن أصابت يده التوثة، فعصرها بيده، فأوجعني؛ ثم استوى في سرجه كما كان.
فقال لي الشيخ: أفلحت يا إسماعيل.
فعجبت من معرفته باسمي، فقلت: أفلحنا و أفلحتم إن شاء اللّه.
قال: فقال لي الشيخ: هذا هو الإمام.
قال: فتقدمت إليه فاحتضنته، و قبّلت فخذه.
ثم إنه ساق و أنا أمشي معه محتضنه، فقال: ارجع.
فقلت: لا أفارقك أبدا.
فقال: المصلحة رجوعك.
فأعدت عليه مثل القول الأوّل؛ فقال الشيخ: يا إسماعيل! ما تستحي يقول لك الإمام مرتين ارجع و تخالفه؟!
فجبهني بهذا القول، فوقفت فتقدم خطوات، و التفت إليّ، و قال: إذا وصلت بغداد فلا بدّ أن يطلبك أبو جعفر (يعني الخليفة المستنصر رحمه اللّه)، فإذا حضرت عنده، و أعطاك شيئا فلا تأخذه، و قل لولدنا الرضى ليكتب لك إلى عليّ بن عوض، فإنني أوصيه يعطيك الذي تريد.
ثم سار و أصحابه معه، فلم أزل قائما أبصرهم إلى أن غابوا عنّي، و حصل عندي أسف لمفارقته، فقعدت إلى الأرض ساعة، ثم مشيت إلى المشهد؛ فاجتمع القوّام حولي و قالوا: نرى وجهك متغيّرا، أوجعك شيء؟
قلت: لا.
قالوا: أخاصمك أحد؟
قلت: لا؛ ليس عندي مما تقولون خبر، لكن أسألكم هل عرفتم الفرسان الذين كانوا عندكم؟
فقالوا: هم من الشرفاء أرباب الغنم.
فقلت: لا؛ بل هو الإمام عليه السّلام.
فقالوا: الإمام هو الشيخ، أو صاحب الفرجية؟
فقلت: هو صاحب الفرجية.
فقالوا: أريته المرض الذي فيك؟
فقلت: هو قبضه بيده، و أوجعني.
ثم كشفت رجلي فلم أر لذلك المرض أثرا، فتداخلني الشك من الدهش، فأخرجت رجلي الأخرى فلم أر شيئا؛ فانطبق الناس عليّ و مزقوا قميصي، فأدخلني القوّام خزانة، و منعوا الناس عني.
و كان ناظرا بين النهرين بالمشهد، فسمع الضجّة و سأل عن الخبر، فعرّفوه، فجاء إلى الخزانة، و سألني عن اسمي، و سألني منذ كم خرجت من بغداد؛ فعرفته: إني خرجت في أوّل الأسبوع.
فمشى عنّي، و بتّ في المشهد وصليت الصبح و خرجت، و خرج الناس معي إلى أن بعدت عن المشهد، و رجعوا عنّي، و وصلت إلى أوانا، فبتّ بها، و بكرت منها أريد بغداد، فرأيت الناس مزدحمين على القنطرة العتيقة يسألون من ورد عليهم عن اسمه و نسبه و أين كان؛ فسألوني عن اسمي و من أين جئت، فعرّفتهم فاجتمعوا عليّ، و مزّقوا ثيابي، و لم يبق لي في روحي حكم، و كان ناظر بين النهرين كتب إلى بغداد، و عرّفهم الحال، ثم حملوني إلى بغداد، و ازدحم الناس عليّ، و كادوا يقتلونني من كثرة الزحام، و كان الوزير القمي(1)رحمه اللّه قد طلب السعيد رضي الدين رحمه اللّه و تقدم أن يعرّفه صحة هذا الخبر.
قال: فخرج رضي الدين، و معه جماعة، فوافينا باب النوبي، فرّد أصحابه الناس عنّي، فلما رآني قال: أعنك يقولون؟
قلت: نعم.
فنزل عن دابته، و كشف عن فخذي، فلم ير شيئا، فغشي عليه ساعة، و أخذ بيدي، و أدخلني على الوزير و هو يبكي و يقول: يا مولانا! هذا أخي، و أقرب الناس إلى قلبي.
فسألني الوزير عن القصة، فحكيت له، فأحضر الأطباء الذين أشرفوا عليها، و أمرهم بمداواتها، فقالوا: ما دوائها إلا القطع بالحديد، و متى قطعها مات.
فقال لهم الوزير: فبتقدير أن تقطع، و لا يموت؛ في كم تبرأ؟
فقالوا: في شهرين، و تبقى في مكانها حفيرة بيضاء لا ينبت فيها شعر.
فسألهم الوزير: متى رأيتموه؟
قالوا: منذ عشرة أيام.ي.
1) لعله المقصود به الوزير ابن العلقمي.
فكشف الوزير عن الفخذ الذي كان فيه الألم و هي مثل أختها ليس فيها أثر أصلا، و صاح أحد الحكماء: هذا عمل المسيح.
فقال الوزير: حيث لم يكن عملكم، فنحن نعرف من عملها.
ثم أنه احضر عند الخليفة المستنصر رحمه اللّه، فسأله عن القصة، فعرّفه بها كما جرى؛ فتقدم له بألف دينار، فلما حضرت قال: خذ هذه فأنفقها.
فقال: ما أجسر آخذ منه حبة واحدة.
فقال الخليفة: ممن تخاف؟
فقال: من الذي فعل معي هذا؛ قال: لا تأخذ من أبي جعفر شيئا.
فبكي الخليفة و تكدّر، و خرج من عنده و لم يأخذ شيئا.
قال أفقر عباد اللّه تعالى إلى رحمته عليّ بن عيسى عفا اللّه عنه: كنت في بعض الأيام أحكي هذه القصة لجماعة عندي؛ و كان هذا شمس الدين محمّد ولده عندي، و أنا لا أعرفه، فلما انقضت الحكاية قال: أنا ولده لصلبه.
فعجبت من هذا الاتفاق، و قلت: هل رأيت فخذه و هي مريضة؟
فقال: لا، لأني أصبوا عن ذلك، و لكنّي رأيتها بعد ما صلحت و لا أثر فيها، و قد نبت في موضعها شعر.
و سألت السيد صفي الدين محمّد بن محمّد بن بشر العلوي الموسوي، و نجم الدين حيدر بن الأيسر رحمهما اللّه، و كانا من أعيان الناس و سراتهم و ذوي الهيآت منهم، و كانا صديقين لي و عزيزين عندي؛ فأخبراني بصحة هذه القصة، و إنهما رأياها في حال مرضها و حال صحتها.
و حكى لي ولده هذا أنه كان بعد ذلك شديد الحزن لفراقه عليه السّلام، حتّى أنه جاء إلى بغداد، و أقام بها في فصل الشتاء، و كان كل يوم يزور سامراء، و يعود إلى بغداد، فزارها في تلك السنة أربعين مرّة طمعا أن يعود له الوقت الذي مضى و يقضي له الحظ بما قضى، و من الذي أعطاه دهره الرضا، أو
ساعده بمطالبه صرف القضاء، فمات رحمه اللّه بحسرته، و انتقل إلى الآخرة بغصته، و اللّه يتولاه و إيّانا برحمته بمنّه و كرامته.(1)
و الحكاية الثانية: قال صاحب كشف الغمة رحمه اللّه: و حكى إليّ السيد باقي بن عطوة العلوي الحسيني أن أبي عطوة كان به أدرة، و كان زيدي المذهب، و كان ينكر على بنيه الميل إلى مذهب الإمامية و يقول: لا أصدقكم، و لا أقول بمذهبكم حتّى يجييء صاحبكم - يعني المهدي - فيبرأني من هذا المرض.
فتكرر هذا القول منه؛ فبينما نحن مجتمعون عند وقت عشاء الآخرة إذا أبونا يصيح و يستغيث بنا؛ فأتيناه سراعا فقال: الحقوا صاحبكم، فالساعة خرج من عندي.
فخرجنا، فلم نر أحدا؛ فعدنا إليه، و سألناه، فقال: إنه دخل إليّ شخص، و قال: يا عطوة!
فقلت: من أنت؟
فقال: أنا صاحب بنيك، قد جئت لأبرئك مما بك.
ثم مدّ يده، فعصر قروتي، و مشى؛ و مددت يدي، فلم أر لها أثرا.
قال لي ولده: و بقي مثل الغزال ليس به قلبة.
و اشتهرت هذه القصة، و سألت عنها غير ابنه، فأخبر عنها، فأقرّ بها.(2)
و قال صاحب كشف الغمة بعد نقله هاتين الحكايتين: و إنه عليه السّلام رآه جماعة قد انقطعوا في طريق الحجاز و غيرها، فخلصهم و أوصلهم إلى حيث أرادوا، و لو لا التطويل لذكرت منها جملة.(3)
يقول مؤلف هذه الأربعين: إني أعرف ما بيني و بين اللّه تعالى من رآه عليه السّلام كرارا، و قد ابتلي في بعض الأزمنة بمرض مهلك فتفضل عليه السّلام بالشفاء الكامل.
و ذكر بالخبر أنه عليه السّلام ليحضر الموسم كل سنة، فيرى الناس و يعرفهم، و يرونه و لا يعرفونه.(1)
كما أن حديث غانم الهندي له عليه السّلام مشهور جدا عند رواة الحديث.
نقل ابن بابويه في كتاب كمال الدين و تمام النعمة حكاية، قال:
سمعنا شيخا من أصحاب الحديث يقال له: أحمد بن فارس الأديب يقول:
سمعت بهمدان حكاية حكيتها كما سمعتها لبعض إخواني، فسألني أن أثبتها له بخطّي، و لم أجد إلى مخالفته سبيلا، و قد كتبتها و عهدتها على من حكاها، و ذلك:
إن بهمدان ناسا يعرفون ببني راشد، و هم كلّهم يتشيعون، و مذهبهم مذهب أهل الإمامة، فسألت عن سبب تشيعهم من بين أهل همدان؛ فقال لي شيخ منهم - رأيت فيه صلاحا و سمتا -: إنّ سبب ذلك أن جدنا الذي ننتسب إليه خرج حاجّا، فقال:
إنه لمّا صدر من الحجّ، و ساروا منازل في البادية، قال: فنشطت في النزول، و المشي، فمشيت طويلا حتى أعييت، و نعست، فقلت في نفسي: أنام نومة تريحني، فإذا جاء أواخر القافلة قمت.
قال: فما انتبهت إلا بحرّ الشمس و لم أر أحدا، فتوحشت، و لم أر طريقا، و لا أثرا؛ فتوكلت على اللّه عزّ و جلّ، و قلت: أسير حيث وجّهني اللّه، و مشيت غير طويل، فوقعت في أرض خضراء نضراء كأنها قريبة عهد من غيث، و إذا
1) أقول: راجع كمال الدين/الصدوق: 440 /باب 44 /ح 8؛ قال: «حدّثنا محمّد بن موسى المتوكل رضى اللّه عنه، قال: حدّثنا عبد اللّه بن جعفر الحميري، عن محمّد بن عثمان العمري رضى اللّه عنه قال: سمعته يقول: و اللّه إن صاحب هذا الأمر ليحضر الموسم... الحديث».
تربتها أطيب تربة، و نظرت في سواء تلك الأرض إلى قصر يلوح كأنه سيف، فقلت: ليت شعري ما هذا القصر الذي لم أعهده، و لم أسمع به.
فقصدته، فلما بلغت الباب رأيت خادمين أبيضين، فسلّمت عليهما، فردّا ردّا جميلا و قالا: اجلس فقد أراد اللّه بك خيرا.
فقام أحدهما و دخل و احتبس غير بعيد، ثمّ خرج فقال: قم فادخل.
فدخلت قصرا لم أر بناءا أحسن من بنائه، و لا أضوء منه، فتقدم الخادم إلى ستر على بيت فرفعه؛ ثم قال لي: ادخل.
فدخلت البيت، فإذا فتى جالس في وسط البيت، و قد علّق فوق رأسه من السقف سيف طويل تكاد ظبته تمسّ رأسه، و الفتى كأنه بدر يلوح في ظلام؛ فسلّمت، فردّ السلام بألطف كلام و أحسنه، ثم قال لي: أتدري من أنا؟
فقلت: لا، و اللّه.
فقال: أنا القائم من آل محمّد صلّى اللّه عليه و آله، أنا الذي أخرج في آخر الزمان بهذا السيف (و أشار إليه) فأملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت جورا و ظلما.
فسقطت على وجهي، و تعفّرت، فقال: لا تفعل؛ ارفع رأسك، أنت فلان من مدينة بالجبل يقال لها همدان.
فقلت: صدقت يا سيدي و مولاي.
قال: أفتحب أن تؤوب إلى أهلك؟
فقلت: نعم! يا سيدي، و أبشرهم بما أتاح اللّه عزّ و جلّ لي.
فأومأ إلى الخادم، فأخذ بيدي و ناولني صرّة، و خرج، و مشى معي خطوات؛ فنظرت إلى طلال، و أشجار، و منارة مسجد.
فقال: أتعرف هذا البلد؟
فقلت: إن بقرب بلدنا بلدة تعرف بأسد آباد و هي تشبهها.
قال: فقال: هذه أسد آباد، امض راشدا؛ فالتفتّ فلم أره.
فدخلت أسد آباد، و إذا في الصرة أربعون أو خمسون دينارا، فوردت همدان، و جمعت أهلي، و بشّرتهم بما يسّره اللّه عزّ و جلّ لي، و لم نزل بخير ما بقي معنا من تلك الدنانير.(1)
في الترجمة زيادة: (و قد بقي التشيع في عقبنا ببركة وجوده، و سوف يبقى قائما فينا إلى يوم القيامة).
و لا يخفى عليك أن هناك بعض الاختلافات البسيطة في الترجمة، آثرنا أن نعتمد على الأصل مقتصرين عليه.
و قال الشيخ السديد السعيد محمّد بن محمّد بن النعمان الحارثي الملقب بالمفيد عليه رحمة اللّه الملك المجيد في كتاب الإرشاد: «فمن الدلائل على [إمامته عليه السّلام](2)ما يقتضيه العقل بالاستدلال الصحيح، من وجود إمام معصوم، كامل، غني عن رعاياه في الأحكام و العلوم في كل زمان، لاستحالة خلو المكلفين من سلطان يكونون بوجوده اقرب إلى الصلاح و أبعد من الفساد، و حاجة الكل من ذوي النقصان إلى مؤدب للجناة، مقوّم للعصاة، رادع للغواة، معلّم للجهال، منبّه للغافلين، محذّر من الضلال، مقيم للحدود، منفذ للأحكام، فاصل بين أهل الاختلاف، ناصب للأمراء، شادّ للثغور، حافظ للأموال، حام عن بيضة الإسلام، جامع للناس في الجمعات و الأعياد.
و قيام الأدلة على أنه معصوم من الزلاّت لغناه عن الإمام بالاتفاق، و اقتضاء ذلك له العصمة بلا ارتياب، و وجوب النص على من هذه سبيله من الأنام، أو ظهور المعجز عليه، لتميّزه ممن سواه، و عدم هذه الصفات من كلّ أحد سوى من أثبت إمامته أصحاب الحسن بن عليّ عليهما السّلام و هو ابنه المهدي عليه السّلام، على ما بيّناه، و هذا أصل لن يحتاج معه في الإمامة إلى رواية النصوصر.
و تعداد ما جاء فيها من الأخبار، لقيامه بنفسه في قضية العقول و صحته بثابت الاستدلال.
ثم قد جاءت روايات في النص على ابن الحسن عليه السّلام من طريق ينقطع بها الأعذار».(1)
و ليعلم أن لصاحب الأمر عليه السّلام غيبتان: الغيبة الصغرى، و الغيبة الكبرى.
و أن أكثر الحكايات التي ذكرت إنما كانت في الغيبة الكبرى.
و أما الغيبة الصغرى فقد كانت مدتها أربع و سبعين سنة، و كان بعض خلص شيعته يصلون بخدمته عليه السّلام و يرسلون إليه عليه السّلام مسائلهم التي تشكل عليهم، و كان البعض لا يقدر أن يصل إليه فكان يصل إلى وكلائه عليه السّلام، و يقدم لهم مسائله و حاجاته و مشكلاته إليهم، و هم يقدمونها للإمام عليه السّلام، ثم يأخذون الجواب.
و كان يعبر في تلك المدة الزمنية عنه عليه السّلام أحيانا ب (م ح م د)؛ و أحيانا بالصاحب، و الحجة، و القائم، و المهدي، و هو كذلك، و لا يسمح بتسميته قبل ظهوره عليه السّلام، و يقال لمكان ولادة الإمام عليه السّلام الناحية المقدسة، و قد وقع في الأحاديث المنع من التصريح باسمه، و كنيته عليه السّلام قبل ظهوره في كل وقت أريد و قصد حضرة ولي المعبود.
و أما أسماء وكلائه عليه السّلام و توقيعاته عليه السّلام التي كتبها لخواصه فهي مذكورة في الكتب المعتبرة، و قد ظهرت منه عليه السّلام معجزات عطية من يوم ولادته عليه السّلام حتّى آخر يوم من غيبته الأولى، و هكذا بعدها إلى هذا الزمان، و كل واحد منها شاهد عدل على وجوده عليه السّلام، و هي مسطورة في دفاتر روايات الثقات، كما أن هناك روايات صحيحة و صريحة مروية عن الطرفين3.
1) الإرشاد/الشيخ المفيد 342:2 و 343.
تؤيد هذا المعنى، مثل حكاية البحر الأبيض و الجزيرة الخضراء، و حكاية مدينة الشيعة، و البلد الذي في أقصى أرض المغرب، و لم نذكرها خوف الإطناب في هذا المختصر.
و هناك الكثير من الشيعة و الموالين الذين تشرفوا بالحضور في خدمته عليه السّلام في زمان الغيبة الكبرى، و قد كتب في كشف الغمة و الفصول المهمة و كمال الدين و الخرائج و غيرها بعض ما وصل لأصحاب هذه الكتب، و لا يوجد تعارض بين الحديث القائل: (من يدعي المشاهدة قبل خروج السفياني و الصحيحة فهو كاذب)، و هذه الأخبار؛ كما هو ظاهر لمقتفي آثار الأئمّة الأطهار، و لمن يريد بيان و توضيح هذا المعنى فعليه الرجوع إلى قاطف عناقيد محصول المحدثين في كتاب (رياض المؤمنين).
و أما أسماء من رأى الصاحب صلوات اللّه عليه، و وصل إلى خدمته من وكلائه و خرجت إليهم التوقيعات؛ فهي مذكورة في أكثر الكتب، بالخصوص كتاب كمال الدين، و كتاب كشف الغمة.
ببغداد العمري و ابنه... و حاجز... و البلالي... و العطّار.
و من الكوفة: العاصميّ.
و من أهل الأهواز: محمّد بن إبراهيم بن مهزيار.
و من أهل قم: أحمد بن إسحاق.
و من أهل همدان: محمّد بن صالح.
و من أهل الري: البسّامي... و الأسدي.
و من أهل آذربيجان: القاسم بن العلاء.
و من أهل نيسابور: محمد بن شاذان.(1)
من أهل بغداد: أبو القاسم بن أبي حليس... و أبو عبد اللّه الكندي... و أبو عبد اللّه الجنيدي... و هارون القزاز... و النيلي... و أبو القاسم بن دبيس... و أبو عبد اللّه بن فرّوخ...
و مسرور الطباخ مولى أبي الحسن عليه السّلام... و أحمد و محمّد ابنا الحسن... و إسحاق الكاتب من بني نوبخت... و صاحب النواء... و صاحب الصرّة المختومة.
و من همدان: محمد بن كشمرد... و جعفر بن حمدان... و محمّد بن هارون بن عمران.
و من الدينور: حسن بن هارون... و أحمد بن أخيّة... و أبو الحسن.
و من أصفهان: ابن باذشالة.
و من الصيمرة: زيدان.
و من قم: الحسن بن النضر... و محمّد بن محمّد... و عليّ بن محمّد بن إسحاق... و أبوه... و الحسن بن يعقوب.
و من أهل الري: القاسم بن موسى و ابنه... و أبو محمد بن هارون... و صاحب الحصاة... و عليّ بن محمّد... و محمّد بن محمّد الكليني... و أبو جعفر الرفّاء.
و من قزوين: مرداس... و عليّ بن أحمد.
و من فاقتر: رجلان.
و من شهرزور: ابن الخال.
و من فارس: المحروج.
و من مرو: صاحب الألف دينار... و صاحب المال و الرقعة البيضاء...
و أبو ثابت.
1) كمال الدين/الشيخ الصدوق 442:2 /ح 16.
و من نيسابور: محمد بن شعيب بن صالح.
و من اليمن: الفضل بن يزيد... و الحسن ابنه... و الجعفري... و ابن الأعجمي... و الشمشاطي.
و من مصر: صاحب المولودين... و صاحب المال بمكة... و أبو رجاء.
و من نصيبين: أبو محمّد بن الوجناء.
و من الأهواز: الحصيني.(1)
و هؤلاء ليسوا من الوكلاء، و لكنهم رأوه عليه السّلام على التحقيق.
و نقل في كشف الغمة كثير من الوكلاء و السفراء و غيرهم، و غيرهم، و غير هؤلاء الجماعة المذكورين، لم نوردهم خوفا من التطويل، و قد ظهرت له معجزات عليه السّلام لكل واحد من هذه الجماعة تفوق الحصر.
و من جملة التوقيعات ما روى محمد بن شاذان بن نعيم النيشابوري أنه قال:
اجتمع عندي مال للغريم عليه السّلام خمسمائة درهم، ينقص منها عشرون درهما، فأنفت أن أبعث بها ناقصة هذا المقدار، فأتممتها من عندي، و بعثت بها إلى محمّد بن جعفر، و لم أكتب مالي فيها، فأنفذ إليّ محمّد بن جعفر القبض، و فيه: (وصلت خمسمائة درهم، لك منها عشرون درهما).(2)
و روى أيضا عن نصر بن الصباح قال: أنفذ رجل من أهل بلخ خمسة دنانير إلى حاجز، و كتب رقعة، و غيّر فيها اسمه، فخرج إليه الموصول باسمه و نسبه و الدعاء له.(3)
و روى أيضا عن سعد بن عبد اللّه بن صالح(4)
الحديث).
أنه قال:).كتبت أسأله الدعاء لباداشاله(1)و قد حبسه ابن عبد العزيز، و أستأذن في جارية لي أستولدها، فخرج (استولدها، و يفعل اللّه ما يشاء، و المحبوس يخلصه اللّه).
فاستولدت الجارية، فولدت فماتت، و خلي عن المحبوس (يوم خرج إليّ التوقيع).(2)
و روى أيضا أبو جعفر محمد بن علي الأسود رضى اللّه عنه قال: سألني عليّ بن الحسين بن موسى بن بابويه رضى اللّه عنه أن أسأل أبا القاسم الروحي، أن يسأل مولانا صاحب الزمان عليه السّلام أن يدعو اللّه عزّ و جلّ أن يرزقه ولدا ذكرا.
قال: فسألته، فأنهى ذلك؛ ثم أخبرني بعد ذلك بثلاثة أيام أنه:
قد دعا لعليّ بن الحسين و أنه سيولد له ولد مبارك ينفع اللّه عزّ و جلّ به و بعده أولاده).(3)
و قد ولد بهذا الدعاء محمّد بن عليّ بن بابويه المشهور، و هو من أعظم مجتهدي الإمامية، و قد كتب عليه السّلام في حق أبي جعفر:
(ليس إلى هذا سبيل).
يعني سوف لا يولد لك ولد؛ و لم يولد لأبي جعفر ولد.(4)
و قال ابن طاووس و الشيخ الطبرسي رحمه اللّه الأوّل في كتاب ربيع الشيعة،
1) لم يذكر في الترجمة اسم المحبوس.
2) سقطت هذه الزيادة من الترجمة، و الرواية في كمال الدين/الصدوق: 489 /باب 45 /ح 12.
3) كمال الدين/الصدوق 502:2 /باب 45 /ح 31.
4) في كمال الدين: 502 و 503 /باب 45 /ح 31، بعد أن نقل الرواية المتقدمة: (قال أبو جعفر محمّد بن علي الأسود رضى اللّه عنه: و سألته في أمر نفسي أن يدعو لي أن يرزقني ولدا ذكرا، فلم يجبني إليه. و قال: ليس... الحديث).
و الآخر في كتاب أعلام الورى، بعد أن ذكرا بعض النصوص: و أن لصاحب الزمان عليه السّلام غيبتان: (فانظر كيف حصلت الغيبتان لصاحب الأمر عليه السّلام على حسب ما تضمنته الأخبار السابقة لوجوده عن آبائه و جدوده عليهم السّلام، أما غيبته الصغرى منهما فهي التي كانت فيها سفراؤه عليه السّلام موجودين، و أبوابه معروفين، لا تختلف الإمامية القائلون بإمامة الحسن بن عليّ عليه السّلام فيهم، فمنهم: أبو هاشم داود بن القاسم الجعفري، و محمّد بن عليّ بن بلال، و أبو عمرو عثمان بن سعيد السمّان، و ابنه أبو جعفر محمّد بن عثمان، و عمر الأهوازي، و أحمد بن إسحاق، و أبو محمّد الوجناني، و إبراهيم بن مهزيار، و محمّد بن إبراهيم، و جماعة اخر ربّما يأتي ذكرهم عند الحاجة إليهم في الرواية عنهم.
كانت مدّة هذه الغيبة أربعا و سبعين سنة، و كان أبو عمرو عثمان بن سعيد العمري (قدس اللّه روحه) بابا لأبيه وجده عليهما السّلام من قبل، وثقة لهما، ثم تولى الباقية من قبله، و ظهرت المعجزات على يده، و لما مضى لسبيله قام ابنه أبو جعفر مقامه رحمهما اللّه بنصّه عليه، و مضى على منهاج أبيه رضى اللّه عنه في آخر جمادى الآخرة من سنة أربع أو خمس و ثلاثمائة، و قام مقامه أبو القاسم الحسين بن روح من بني نوبخت بنص أبي جعفر محمّد بن عثمان عليه، و أقامه مقام نفسه، و مات رضى اللّه عنه في شعبان سنة ست و عشرين و ثلاثمائة، و قام مقامه أبو الحسن السمري بنص أبي القاسم عليه، و توفى في النصف من شعبان سنة ثمان و عشرين و ثلاثمائة.(1)
***0.
1) إعلام الورى/الشيخ الطبرسي 259:2 و 260.
قال أبو محمّد بن شاذان عليه الرحمة و الغفران: حدّثنا الحسن بن محبوب رضى اللّه عنه قال: حدّثنا عليّ بن رئاب، قال: حدّثنا أبو حمزة الثمالي، قال:
حدّثنا سعيد بن جبير، قال: حدّثنا عبد اللّه بن العباس، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: إن للساعة علامات، منها: السفياني، و الدجال، و الدخان، و خروج القائم عليه السّلام، و نزول عيسى عليه السّلام، و خسف بالمشرق، و خسف بالمغرب، و خسف بجزيرة العرب، و طلوع الشمس من مغربها، و نار تخرج من قعر عدن تسوق الناس إلى المحشر.
و روى الفضل رحمه اللّه هذا الحديث بطريق آخر و هو هذا، حيث قال:
حدّثنا الحسن بن عليّ بن فضّال، عن حمّاد، عن الحسين بن المختار، عن أبي بصير، عن عامر بن واثلة، عن أمير المؤمنين عليه السّلام قال:
قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: عشر قبل الساعة لا بدّ منها: السّفياني، و الدّجال، و الدّخان، و الدّابّة، و خروج القائم، و طلوع الشمس من مغربها، و نزول عيسى عليه السّلام، و خسف بالمشرق، و خسف بالمغرب، و خسف بجزيرة العرب، و نار تخرج من قعر عدن تسوق الناس إلى المحشر.
و قد نقله الشيخ الطوسي رحمة اللّه عليه في كتاب الغيبة بهذا الطريق:
عن أحمد بن إدريس، عن عليّ بن محمّد بن قتيبة، عن الفضل بن شاذان.(1)
و قد ذكره ابن بابويه رضى اللّه عنه في كتاب الخصال بطريق آخر.(2)
في الخصال: 431 /باب العشرة/ح 13:
عن أبي الطفيل عن حذيفة بن اسيد قال: اطلع علينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله من غرفة له و نحن نتذاكر الساعة، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: لا تقوم الساعة حتى تكون عشر آيات: الدّجال، و الدّخان، و طلوع الشمس من مغربها، و دابة الأرض، و يأجوج و مأجوج، و ثلاث خسوف: خسف بالمشرق و خسف بالمغرب و خسف بجزيرة العرب، و نار تخرج من قعر عدن تسوق الناس إلى المحشر، تنزل معهم إذا نزلوا، و تقيل معهم إذا قالوا.
و في الخصال: 446 /باب العشرة/ح 46:
قال: حدّثنا الحسن بن عبد اللّه بن سعيد العسكري، قال: أخبرنا عبد اللّه بن محمّد بن حكيم القاضي، قال: حدّثنا الحسين بن عبد اللّه بن شاكر، قال:
حدّثنا إسحاق بن حمزة البخاري، و عمّي قالا: حدّثنا عيسى بن موسى غنجار، عن أبي حمزة، عن رقبة و هو ابن مصقلة الشيباني، عن الحكم بن عتيبة، عمّن سمع حذيفة بن أسيد يقول: سمعت النبي صلّى اللّه عليه و آله يقول: عشر آيات بين يدي الساعة: خمس بالمشرق، و خمس بالمغرب، فذكر الدّابة و الدجال، و طلوع الشمس من مغربها، و عيسى بن مريم عليه السّلام و يأجوج و مأجوج، و أنه يغلبهم و يغرقهم في البحر، و لم يذكر تمام الآيات.
و في الخصال: 449 /باب العشرة/ح 52، قال: حدّثنا محمّد بن أحمد بن إبراهيم قال: حدّثنا أبو عبد اللّه الوراق محمّد بن عبد اللّه بن الفرج قال:
حدّثنا أبو الحسن عليّ بن بيان المقرئ، قال: حدّثنا محمّد بن سابق قال: حدّثنا زائدة، عن الأعمش قال: حدّثنا فرات القزاز، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال: كنّا جلوسا في المدينة في ظل حائط، قال: و كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في غرفة فاطلع علينا، فقال: فيم أنتم؟ فقلنا: نتحدث، قال: عمّ ذا؟ قلنا: عن الساعة، فقال: إنكم لا ترون الساعة حتى ترون قبلها عشر آيات: طلوع الشمس من مغربها، و الدّجال، و دابّة الأرض، و ثلاثة خسوف في الأرض: خسف بالمشرق و خسف بالمغرب و خسف بجزيرة العرب، و خروج عيسى بن مريم عليه السّلام، و خروج يأجوج و مأجوج، و تكون في آخر الزمان نار تخرج من اليمن من قعر الأرض لا تدع خلفها أحدا، تسوق النار إلى المحشر، كلما قاموا قامت لهم تسوقهم إلى المحشر.
و لعل مقصوده هذا الحديث الأخير و اللّه تعالى العالم.
-و قد روى هذا الحديث جماعة من علماء الإمامية و كثير من فضلاء العامة و لكن باختلاف الترتيب و العلامات، فقد أضيف في بعضها يأجوج و مأجوج أيضا؛ و قد يكون سبب الاختلاف بالترتيب و العلامات لإمكان أن سيد البشر قد تكلم بهذا الكلام المعجز مرّات متكررة، و كان قد ذكر في كل مرة بعضا من تلك العلامات، فإن علامات القيامة كثيرة.
فاعلم أيها العزيز أنه لا بدّ لك في باب هذا الحديث الشريف من معرفة عدة أشياء:
الأوّل: أنه لا يشترط في هذه العلامات المذكورة في الحديث أن تظهر على النحو الترتيبي.
الثاني: أن العلامات غير محصورة في هذه المجموعة من العلامات التي ذكرت. و يستفاد هذا أيضا من لفظة (منها) التي جاءت في الحديث الأوّل.
الثالث: أن المقصود من ذكر هذا الحديث في هذا المقام هو التذكير بخروج صاحب الأمر عليه السّلام.م.
الرابع: أن الولي و العدو متفقون على القول بأن ظهوره عليه السّلام إنما هو من علامات القيامة. و عليه فلا يعوّل على الحديث الذي نقله العلامة المجلسي في حكومة النبي صلّى اللّه عليه و آله و أمير المؤمنين و الإمام الحسين عليهما السّلام ألفا و أربعة و تسعين سنة و مدة قليلة، و سوف تكون وسطا بين القيامة و علامات القيامة.
و سوف تعلم بعد هذا أن زمان إمامة و خلافة و حكومة و سلطنة الحجة صلوات اللّه علية سوف تتصل بالقيامة؛ و هذا لا يتنافى مع ما جاء في مواضع كثيرة من الروايات: في أنه سوف يكون بين وفاته عليه السّلام و قيام القيامة أربعون يوما؛ لأن هذه الأربعين يوما إنما هي من مقدمات القيامة.
و لذلك نرى بعض علماء الإمامية الذين غفلوا عن هذا المعنى لم يقولوا بوجود الفاصل الأربعين يوما بين وفاة الحجّة عليه السّلام و القيامة؛ و من أولئك الشيخ إبراهيم عليه الرحمة، فإنه قد أصرّ جدا على هذا في كتاب (بيان الفرق) و استدل على هذا المطلب في رسالة (الفرقة الناجية) بالأحاديث المنقولة من طرق العامة.
و ليعلم أيضا أن لكل علامة من هذه العلامات شرح مفصل لا يسع هذا المختصر لتلك الشروح، و من أراد استيفاء ذلك فعليه أن يرجع إلى كتاب (رياض المؤمنين و حدائق المتقين) الذي ألّفته في أيام شباب هذا الحقير.
و هناك حديث طويل لابن شاذان عليه الرحمة و الغفران: في ذكر علامات آخر الزمان نقله في كتاب إثبات الرجعة عن أبي عبد اللّه عليه صلوات اللّه، و قد رواه صاحب الكافي في روضته بدون زيادة و لا نقصان،(1)و قد أورده هذا المنكسر الحزين في (رياض المؤمنين)، و من أراد الإطلاع عليه فعليه بالرجوع إلى ذلك الكتاب.
و أطلب من قارئ هذه الرسالة و ذلك الكتاب و غيرهما من مؤلفات هذا الفقير أن يطلبوا للمؤلف العفو من غفار الخطايا.
و السلام على من اتبع الهدى.2.
1) راجع: الرّوضة من الكافي/الكليني 36:8-42.
قال الشيخ الجليل الفاضل ابن شاذان بن الخليل (طيب اللّه مرقده):
حدّثنا محمّد بن أبي عمير رضى اللّه عنه قال: حدّثنا جميل بن دراج، قال: حدّثنا زرارة بن أعين، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: قال: استعيذوا باللّه من شرّ السفياني و الدجال و غيرهما من أصحاب الفتن.
قيل له: يا ابن رسول اللّه أمّا الدجال فعرفناه و قد بين من مضامين أحاديثكم شأنه، فمن السفياني و غيره من أصحاب الفتن، و ما يصنعون؟
قال عليه السّلام: أوّل من يخرج منهم رجل يقال له: أصهب بن قيس؛ يخرج من بلاد الجزيرة، له نكاية شديدة في الناس، و جور عظيم.
ثم يخرج الجرهمي من بلاد الشام.
و يخرج القحطاني من بلاد اليمن.
و لكل واحد من هؤلاء شوكة عظيمة في ولايتهم، و يغلب على أهلها الظلم و الفتنة منهم.
فبينا هم كذلك إذ يخرج عليهم السمرقندي من خراسان مع الرايات السود، و السفياني من الوادي اليابس من أودية الشام، و هو من ولد عتبة بن أبي سفيان، و هذا الملعون يظهر الزهد قبل خروجه، و يتقشف، و يتقنع بخبز الشعير، و الملح الجريش، و يبذل الأموال؛ فيجلب بذلك قلوب الجهال و الأرذال، ثم يدّعي الخلافة، فيبايعونه، و يتبعهم العلماء الذين يكتمون الحق و يظهرون
الباطل، فيقولون: إنّه خير أهل الأرض؛ و قد يكون خروجه، و خروج اليماني من اليمن مع الرايات البيض في يوم واحد، و في شهر واحد، و سنة واحدة.
فأوّل من يقاتل السفياني القحطاني، فينهزم، و يرجع إلى اليمن، فيقتله اليماني، ثم يفرّ الأصهب و الجرهمي بعد محاربات كثيرة من السفياني، فيتبعهما، و يقهرهما، و يقهر كل من ينازعه و يحاربه إلا اليماني، ثم يبعث السفياني جيوشا إلى الأطراف و يسخر كثيرا من البلاد، و يبالغ في القتل و الفساد، و يذهب إلى الروم لدفع الملك الخراساني، و يرجع منها منتصرا في عنقه صليب.
ثم يقصد اليماني، فينهض اليماني لدفع شرّه، فينهزم السفياني بعد محاربات عديدة، و مقاتلات شديدة، فيتبعه اليماني، فتكثر الحروب، و هزيمة السفياني، فيجده اليماني في آخر الأمر مع ابنه في الأسارى، فيقطعهما إربا إربا.
ثم يعيش في سلطنته فارغا من الأعداء ثلاثين سنة؛ ثم يفوض الملك بابنه السعيد، و يأوي مكّة، و ينتظر ظهور قائمنا حتى يتوفى، فيبقى ابنه بعد وفاة أبيه في مكّة، و سلطانه قريبا من أربعين سنة.
و هما يرجعان إلى الدنيا بدعاء قائمنا عليه السّلام.
قال زرارة: فسألته عن مدّة ملك السفياني.
قال عليه السّلام: تمدّ إلى عشرين سنة.
و يستفاد من هذا الحديث الشريف أن السمرقندي سوف يحتلّ في ذلك الزمان بلاد الروم، و لكنه ليس من الواضح و المعلوم أنه هل سوف يقع القتال بين هذين المضلّين و الضّالين أم أنهما سوف يتصالحان، أم أن السفياني سوف ينصرف و يرجع بدون التقاء هاتين الفئتين و وقوع أحد الأمرين؟
و ليعلم أنّ من مؤيّدات هذا الحديث ما رواه الشيخ عالي الشأن أعني الفضل بن شاذان (عليه الرحمة و الغفران) في كتاب إثبات الرجعة، و نقله
الشيخ رفيع الدرجة و المؤيد بالتأييدات القدّوسية الشيخ أبو جعفر الطوسي (عليه الرحمة) عنه في كتاب الغيبة بهذا الطريق: عنه، عن سيف بن عميرة، عن بكر بن محمّد الأزدي، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: خروج الثلاثة:
الخراساني، و السفياني، و اليماني في سنة واحدة، في شهر واحد، في يوم واحد، فليس فيها راية بأهدى من راية اليماني تهدي إلى الحق.(1)
فاعلم يا محب سلطان الرجال إنّ الأحاديث في باب علامات ظهور صاحب الزمان (عليه صلوات اللّه الرحمن) كثيرة، و قد ذكر بعضها الشيخ الجليل محمّد بن محمّد بن النعمان رحمه اللّه في كتاب الإرشاد، و لنكتف بها؛ قال الشيخ:
من بعض علامات زمان قيام القائم عليه السّلام.(2)
الإرشاد/الشيخ المفيد 368:2.
خروج السفياني، و قتل الحسني، و اختلاف بني العباس في الملك الدنياوي، و كسوف الشمس في النصف من شهر رمضان، و خسوف القمر في آخره على خلاف العادات، و خسف بالبيداء، و خسف بالمغرب، و خسف بالمشرق، و ركود الشمس من عند الزوال إلى وسط أوقات العصر، و طلوعها من المغرب، و قتل نفس زكية بظهر الكوفة في سبعين من الصالحين، و ذبح رجل هاشمي بين الركن و المقام، و هدم سور الكوفة، و إقبال رايات سود من قبل خراسان، و خروج اليماني، و ظهور المغربي بمصر و تملّكه للشامات،2.
1) الغيبة/الطوسي: 446 و 447 /تحت فقرة 443.
2) يبدو أن المؤلف قد اختصر عبارة الشيخ المفيد قدّس سرّه، بينما النص هو كما يلي: (باب ذكر علامات قيام القائم عليه السّلام، و مدّة أيام ظهوره، و شرح سيرته، و طريقة أحكامه، و طرف ممّا يظهر في دولته، و أيامه صلوات اللّه عليه: قد جاءت الأخبار (الآثار خ. ل) بذكر علامات لزمان قيام القائم المهدي عليه السّلام و حوادث تكون أمام قيامه و آيات و دلالات، فمنها: خروج السفياني... الخ).
و نزول الترك الجزيرة، و نزول الروم الرملة، و طلوع نجم بالمشرق يضئ كما يضئ القمر ثم ينعطف حتى يكاد يلتقي طرفاه، و حمرة تظهر في السماء و تنتشر في آفاقها، و نار تظهر بالمشرق طولا و تبقى في الجو ثلاثة أيام أو سبعة أيام، و خلع العرب أعنتها و تملكها البلاد و خروجها عن سلطان العجم، و قتل أهل مصر أميرهم، و خراب الشام، و اختلاف ثلاث رايات فيه، و دخول رايات قيس و العرب إلى مصر و رايات كندة إلى خراسان، و ورود خيل من قبل المغرب حتى تربط بفناء الحيرة، و إقبال رايات سود من المشرق نحوها، و بثق في الفرات حتى يدخل الماء أزقّة الكوفة، و خروج ستين كذّابا كلهم يدّعي النبوة، و خروج إثني عشر من آل أبي طالب كلهم يدّعي الإمامة لنفسه، و إحراق رجل عظيم القدر من شيعة بني العباس بين جلولاء و خانقين، و عقد الجسر مما يلي الكرخ بمدينة السلام، و ارتفاع ريح سوداء بها في أول النهار؛ و زلزلة حتى ينخسف كثير منها، و خوف يشمل أهل العراق، و موت ذريع فيه، و نقص من الأنفس و الأموال و الثمرات، و جراد يظهر في أوانه و في غير أوانه حتى يأتي على الزرع و الغلاّت، و قلّة ريع لما يزرعه الناس، و اختلاف صنفين من العجم، و سفك دماء كثيرة فيما بينهم، و خروج العبيد عن طاعة ساداتهم و قتلهم مواليهم، و مسخ لقوم من أهل البدع حتى يصيروا قردة و خنازير، و غلبة العبيد على بلاد السادات، و نداء من السماء حتى يسمعه أهل الأرض كل أهل لغة بلغتهم، و وجه و صدر يظهران من السماء للناس في عين الشمس، و أموات ينشرون من القبور حتى يرجعوا إلى الدنيا فيتعارفون فيها و يتزاورون.
ثم يختم ذلك بأربع و عشرين مطرة تتصل فتحيى بها الأرض من بعد موتها و تعرف بركاتها، و تزول بعد ذلك كل عاهة عن معتقدي الحق من شيعة المهدي عليه السّلام، فيعرفون عند ذلك ظهوره بمكة فيتوجهون نحوه لنصرته. كما جاءت بذلك الأخبار.
و من جملة هذه الأحداث محتومة و منها مشترطة، و اللّه أعلم بما يكون، و إنما ذكرناها على حسب ما ثبت في الأصول و تضمنها الأثر المنقول، و باللّه نستعين و إيّاه نسأل التوفيق.(1)
و قد ذكر مؤلف كتاب كشف الغمة رحمه اللّه هذه العلامات أيضا نقلا عن الشيخ المفيد (عليه رحمة الملك المجيد)، ثم قال بعد ذلك: لا ريب أن هذه الحوادث فيها ما يحيله العقل، و فيها ما يحيله المنجّمون؛ و لهذا اعتذر الشيخ المفيد رحمه اللّه في آخر إيراده لها.
و الذي أراه أنه إذا صحت طرقات نقلها، و كانت منقولة عن النبي أو الإمام عليهما السّلام، فحقّها أن تتلقى بالقبول لأنها معجزات، و المعجزات خوارق للعادات كانشقاق القمر و انقلاب العصى ثعبانا و اللّه أعلم.
و قال الشيخ المفيد رحمه اللّه: أخبرني أبو الحسن عليّ بن بلال المهلبي، يرفعه إلى إسماعيل بن الصباح، قال: سمعت شيخا من أصحابنا يذكر عن سيف بن عميرة، قال:
كنت عند أبي جعفر المنصور، فقال لي إبتداءا: يا سيف بن عميرة! لا بدّ من مناد ينادي من السماء باسم رجل من ولد أبي طالب.
فقلت: جعلت فداك يا أمير المؤمنين تروي هذا؟
فقال: إي و الذي نفسي بيده لسماع أذني له.
فقلت: يا أمير المؤمنين إن هذا الحديث ما سمعته قبل وقتي هذا!
فقال: يا سيف، إنّه لحق، فإذا كان فنحن أوّل من يجيبه، أما إنّ النداء إلى رجل من بني عمّنا. فقلت: إلى رجل من ولد فاطمة؟
فقال: نعم! يا سيف، لو لا إنني سمعت أبا جعفر محمّد بن عليّ يحدّثني به و حدّثني به أهل الأرض كلهم ما قبلته منهم؛ و لكنه محمّد بن عليّ!2.
1) الإرشاد/الشيخ المفيد 370:2.
و عن ابن عمر قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: لا تقوم الساعة حتى يخرج القائم المهدي من ولدي، و لا يخرج المهدي حتى يخرج ستون كذّابا كلهم يقول: أنا نبي.
و عن أبي حمزة قال: قلت لأبي جعفر عليه السّلام: خروج السفياني من المحتوم؟
قال: نعم! و النداء من المحتوم، و طلوع الشمس من مغربها محتوم، و اختلاف بني العبّاس في الدولة محتوم، و قتل النفس الزكية محتوم، و خروج القائم من آل محمّد محتوم.
قلت: و كيف يكون النداء؟
قال: ينادي مناد من السماء في أول النهار: ألا إنّ الحق مع علي و شيعته، ثم ينادي إبليس في آخر النهار من الأرض: ألا إنّ الحق مع عثمان و شيعته؛ فعندئذ يرتاب المبطلون.(1)
ثم قال صاحب كشف الغمة بعد أن نقل هذا الحديث: لا يرتاب إلا جاهل؛ لأنّ منادي السماء أولى أن يقبل من منادي الأرض.
و عن أبي خديجة، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: لا يخرج القائم حتى يخرج قبله إثنا عشر من بني هاشم كلهم يدعو إلى نفسه.
عن عليّ بن محمّد الأزدي، عن أبيه، عن جده قال: قال أمير المؤمنين عليه السّلام:
بين يدي القائم موت أحمر، و موت أبيض، و جراد في حينه، و جراد في غير حينه كألوان الدّم؛ فأمّا الموت الأحمر فالسيف، و أمّا الموت الأبيض فالطاعون.
و عن جابر الجعفي، عن أبي جعفر عليه السّلام قال: الزم الأرض، و لا تحك يدا و لا رجلا حتّى ترى علامات أذكرها لك، و ما أراك تدرك ذلك: اختلاف بني العباس، و مناد ينادي من السماء، و خسف قرية من قرى الشام تسمّى9.
1) كشف الغمة/المحقق الإربلي 458:2 و 459.
الجابية، و نزول الترك الجزيرة، و نزول الروم الرملة، و اختلاف كثير عند ذلك في كل أرض حتى تخرب الشام، و يكون سبب خرابها اجتماع ثلاث رايات فيها، راية الأصهب، و راية الأبقع، و راية السفياني.
و عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي الحسن موسى عليه السّلام في قوله عزّ اسمه:
سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ .(1)
قال: الفتن في الآفاق... الأرض، و المسخ في أعداء الحق.
و عن أبي بصير قال: سمعت أبا جعفر عليه السّلام يقول في قوله تعالى: إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ .(2)
قال: سيفعل اللّه ذلك بهم.
قلت: من هم؟
قال: بنو أميّة و شيعتهم.
قلت: و ما الآية؟
قال: ركود الشمس ما بين زوال الشمس إلى وقت العصر، و خروج صدر و وجه في عين الشمس يعرف بحسبه و نسبه، و ذلك في زمان السفياني، و عنده يكون بواره و بوار قومه.
و عن سعيد بن جبير: إنّ السنة التي يقوم فيها القائم عليه السّلام تمطر الأرض أربعا و عشرين مطرة، و ترى آثارها و بركاتها.
عن ثعلبة الأزدي قال: قال أبو جعفر عليه السّلام: آيتان تكونان قبل قيام القائم:
كسوف الشمس في النصف من رمضان، و القمر في آخره.
قال: قلت: يا ابن رسول اللّه! القمر في آخر الشهر، و الشمس في النصف؟!4.
فقال أبو جعفر: أنا أعلم بما قلت؛ إنّهما آيتان لم تكونا منذ هبط آدم عليه السّلام.
و عن صالح بن ميثم قال: سمعت أبا جعفر عليه السّلام يقول: ليس بين قيام القائم، و قتل النفس الزكية أكثر من خمس عشرة ليلة.(1)
و قال مؤلف كتاب كشف الغمة رحمه اللّه بعد أن نقل هذه الرواية عن الشيخ المفيد قدّس سرّه:
(ينظر في هذا، فإمّا أن يراد بالنفس الزكية غير محمّد بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب عليه السّلام، و قتل في رمضان من سنة خمس و أربعين و مائة؛ و إما أن يتطرق الطعن إلى هذا الخبر).(2)
يقول جامع و مترجم هذا الأربعين: سوف يذكر بعض الكلام في المستقبل حول التردد لهذا الشيخ الجليل.
و روي عن جابر أنه قال: قلت لأبي جعفر عليه السّلام: متى يكون هذا الأمر؟
فقال: أنّى يكون ذلك يا جابر و لما تكثر القتلى بين الحيرة و الكوفة؟!
عن محمّد بن سنان، عن الحسين بن المختار، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: إذا هدم حائط مسجد الكوفة مما يلي دار عبد اللّه بن مسعود فعند ذلك زوال ملك القوم، و عند زواله خروج القائم عليه السّلام.
و سيف بن عميرة، عن بكر بن محمّد، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:
خروج الثلاثة: السفياني و الخراساني، و اليماني في سنة واحدة، في شهر واحد، في يوم واحد، و ليس فيها راية أهدى من راية اليماني لأنه يدعو إلى الحق.
و الفضل بن شاذان، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن أبي الحسن الرضا عليه السّلام قال: لا يكون ما تمدّون أعناقكم إليه حتى تميزوا2.
و تمحصوا، فلا يبقى منكم إلا القليل، ثم قرأ: الم * أَ حَسِبَ النّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ .(1)
ثم قال: إنّ من علامات الفرج حدثا يكون بين المسجدين، و يقتل فلان من ولد فلان خمسة عشر كبشا من العرب.
و الفضل بن شاذان، عن ميمون بن خلاد، عن أبي الحسن عليه السّلام قال:
كأني برايات من مصر مقبلات خضر مصبّغات، حتى تأتي الشامات فتهدى إلى ابن صاحب الوصيّات.
و عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: لا يذهب ملك هؤلاء حتى يستعرضوا الناس بالكوفة في يوم الجمعة؛ لكأني أنظر إلى رؤوس تندر فيما بين باب الفيل و أصحاب الصابون.
و علي بن أسباط، عن الحسن بن الجهم قال: سأل رجل أبا الحسن عليه السّلام عن الفرج؟
فقال: تريد الإكثار، أم أجمل لك؟
فقال: بل تجمل؛ قال: إذا أركزت رايات قيس بمصر، و رايات كندة بخراسان.
و الحسين بن أبي العلاء، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: إن لولد فلان عند مسجدكم يعني مسجد الكوفة لوقعة في يوم عروبة؛ يقتل فيها أربعة آلاف من باب الفيل إلى أصحاب الصابون، فإيّاكم و هذا الطريق فاجتنبوه، و أحسنهم حالا من أخذ في درب الأنصار.
و علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عنه عليه السّلام قال: إنّ قدّام القائم عليه السّلام لسنة غيداقة(2)يفسد فيها الثمر في النخل، فلا تشكّوا في ذلك.ر.
عن إبراهيم بن محمّد، عن جعفر بن سعد، عن أبيه، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: سنة الفتح تنبثق الفرات حتى تدخل أزقة الكوفة.
و في حديث محمّد بن مسلم قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول: إنّ قدّام القائم بلوى من اللّه.
قلت: و ما هو جعلت فداك؟
فقرأ: وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَ الْجُوعِ وَ نَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَ الْأَنْفُسِ وَ الثَّمَراتِ وَ بَشِّرِ الصّابِرِينَ .(1)
ثم قال: الخوف من ملوك بني فلان، و الجوع من غلاء الأسعار، و نقص الأموال من كساد التجارات، و قلة الفضل فيها، و نقص الأنفس بالموت الذريع، و نقص الثمرات بقلّة ريع الزرع و قلّة بركة الثمار، ثم قال: و بشر الصابرين عند ذلك بتعجيل خروج القائم عليه السّلام.
و عن الحسين بن يزيد، عن منذر الخوزي، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:
سمعته يقول: يزجر الناس قبل قيام القائم عليه السّلام عن معاصيهم بنار تظهر في السماء، و حمرة تجلل السماء؛ و خسف ببغداد، و خسف ببلدة البصرة، و دماء تسفك بها، و خراب دورها، و فناء يقع في أهلها، و شمول أهل العراق خوف لا يكون لهم معه قرار.(2)
و قال الشيخ (عليه الرحمة) أيضا:
فأما السنة التي يقوم فيها عليه السّلام و اليوم بعينه، فقد جاءت فيه آثار عن الصادقين عليهم السّلام.
روى الحسن بن محبوب، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: «لا يخرج القائم عليه السّلام إلا في وتر من السنين: سنة إحدى، أو ثلاث، أو خمس، أو سبع، أو تسع».
الفضل بن شاذان، عن محمّد بن عليّ الكوفي، عن وهيب بن حفص، عن أبي بصير قال: قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: «ينادى باسم القائم عليه السّلام في ليلة ثلاث و عشرين، و يقوم في يوم عاشوراء، و هو اليوم الذي قتل فيه الحسين بن عليّ عليهما السّلام، لكأني به في يوم السبت العاشر من المحرم قائما بين الركن و المقام، جبرئيل عليه السّلام على يده اليمنى ينادي: البيعة للّه، فتصير إليه شيعته من أطراف الأرض تطوى لهم طيا حتى يبايعوه، فيملأ اللّه به الأرض عدلا كما ملئت ظلما و جورا.(1)
يقول كاتب هذا الموجز: يعلم من عدة أخبار أنه سوف يكون النداء باسم الإمام القائم عليه السّلام في ليلة الثالث و العشرين من شهر رمضان المبارك، كما سوف يذكر ذلك إن شاء اللّه تعالى، و من الممكن أن عبارة (شهر رمضان) كانت مذكورة في هذا الحديث، و قد سقطت سهوا من لسان الراوي، أو من قلم الكاتب.
و قال الشيخ المفيد (عليه الرحمة) أيضا: و قد جاء الأثر بأنه عليه السّلام يسير من مكة حتى يأتي الكوفة فينزل على نجفها، ثم يفرّق الجنود منها في الأمصار.
و روى الحجال، عن ثعلبة، عن أبي بكر الحضرمي، عن أبي جعفر الباقر عليه السّلام قال: «كأني بالقائم عليه السّلام على نجف الكوفة، قد سار إليها من مكة في خمسة آلاف من الملائكة، جبريل عن يمينه، و ميكائيل عن شماله، و المؤمنون بين يديه، و هو يفرّق الجنود في البلاد».9.
1) الإرشاد/الشيخ المفيد 378:2 و 379.
و في رواية عمرو بن شمر، عن أبي جعفر عليه السّلام قال: ذكر المهدي فقال: «يدخل الكوفة و بها ثلاث رايات قد اضطربت؛ فتصفو له.
و يدخل حتى يأتي المنبر، فيخطب فلا يدري الناس ما يقول من البكاء، فإذا كانت الجمعة الثانية سأله الناس أن يصلي بهم الجمعة، فيأمر أن يخطّ له مسجد على الغري و يصلي بهم هناك، ثم يأمر من يحفر من ظهر مشهد الحسين عليه السّلام نهرا يجري إلى الغريين حتى ينزل الماء في النجف، و يعمل على فوهته القناطير و الأرحاء، فكأني بالعجوز على رأسها مكتل فيه بر تأتي تلك الأرحاء فتطحنه بلا كراء».(1)
يقول هذا المنكسر الحزين - و أعني جامع و مترجم هذا الأربعين -:
إنّه ذكر في هذا الحديث: «فإذا كان الجمعة الثانية سأله الناس أن يصلي بهم الجمعة» فيه نكتة لا يقف عليها إلا العارف بالحديث.(2)
و ليس معنى ذلك أنّ الجمعة لم تكن قائمة بإمامة غيره عليه السّلام من أئمّة الجمعة من نوابه الخاصّين في زمن حضوره، و بعد ظهوره عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف.
و أما سبب عدم ذكر المؤلف تفصيل النكتة و اكتفى بالإشارة إليها، لأنه قد ألّف هذا الكتاب في زمن الدولة الصفويّة، حيث كانت صلاة الجمعة من شعائر الدّين و الدّولة، و كانت تقام بأمر شيوخ الإسلام و مراجع الدّين كالعلامة المجلسي رحمه اللّه الذي كان معاصرا للمؤلف و غيره.
فيبدو أنّه ترك التفصيل تقية، أو لأسباب أخرى، و اللّه تعالى أعلم.
و في رواية صالح بن أبي الأسود، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: ذكر مسجد السهلة فقال: «أما إنه منزل صاحبنا إذا قدم بأهله».م.
1) المصدر السابق: 379 و 380.
2) يقصد بها: إنّ صلاة الجمعة لا تشرع إلا في عصر ظهوره عليه السّلام، و لذلك يطلب الناس منه عليه السّلام أن يقيمها. و لكنك خبير؛ إنّ الخبر لو خلّي و ظاهره فإنّه لا يدل على هذا المعنى إلا بتكلف شديد لا يستقيم مع ظهور الكلام؛ فهو لا يدل على أكثر من طلب إقامة الجمعة بإمامته عليه السّلام التي هي أمل كل مؤمن.
و في رواية المفضل بن عمر قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول: «إذا قام قائم آل محمّد عليه السّلام بنى في ظهر الكوفة مسجدا له ألف باب، و اتّصلت بيوت أهل الكوفة بنهري كربلاء».(1)
قال الشيخ الجليل أبو جعفر بن بابويه رحمه اللّه: حدّثنا محمّد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني رضى اللّه عنه قال: حدّثنا أحمد بن عليّ الأنصاري، عن أبي الصلت الهرويّ قال: قلت للرضا عليه السّلام: ما علامات القائم منكم إذا خرج؟
قال: علامته: أن يكون شيخ السنّ، شابّ المنظر حتّى أنّ الناظر إليه ليحسبه ابن أربعين سنة، أو دونها، و إنّ من علاماته أن لا يهرم بمرور الأيّام و الليالي حتى يأتيه أجله.(2)
و من علامات ظهور صاحب الأمر عليه السّلام ما ذكر فيما روي في حديث الفضل بن شاذان (عليه الرحمة و الغفران) على هذا النحو:
حدّثنا صفوان بن يحيى رضى اللّه عنه قال: حدّثنا محمّد بن حمران، قال: قال الصادق جعفر بن محمّد عليهما السّلام: «إنّ القائم منّا عليه السّلام منصور بالرعب، مؤيد بالنصر، تطوى له الأرض، و تظهر له الكنوز كلها، و يظهر اللّه تعالى به دينه على الدين كله و لو كره المشركون، و يبلغ سلطانه المشرق و المغرب، فلا يبقى في الأرض خراب إلا عمّر، و ينزل روح اللّه عيسى بن مريم عليه السّلام فصلى خلفه.
قال ابن حمران: قيل له: يا بن رسول اللّه! متى يخرج قائمكم؟
قال: إذا تشبّه الرجال بالنساء، و النساء بالرجال، و اكتفى الرجال بالرجال، و النساء بالنساء، و ركبت ذوات الفروج السروج، و قبلت شهادة الزور، وردت شهادة العدل، و استخف الناس بالدماء، و ارتكاب الزنا، و أكل الرّبا و الرشى، و استيلاء الأشرار على الأبرار، و خروج السفياني من الشام، و اليماني من اليمن، و خسف بالبيداء، و قتل غلام2.
من آل محمّد صلّى اللّه عليه و آله بين الركن و المقام اسمه محمّد بن الحسن، و لقبه النفس الزكية، و جاءت صيحة من السماء بأن الحق مع عليّ و شيعته، فعند ذلك خروج قائمنا، فإذا خرج أسند ظهره إلى الكعبة، و اجتمع عنده ثلاثمائة و ثلاثة عشر رجلا، و أوّل ما ينطق به هذه الآية بَقِيَّتُ اللّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (1)ثمّ يقول: أنا بقية اللّه، و حجته، و خليفته عليكم.
فلا يسلّم عليه مسلّم إلا قال: السلام عليك يا بقية اللّه في أرضه.
فإذا اجتمع العقد و هو عشرة آلاف رجل خرج من مكة، فلا يبقى في الأرض معبود دون اللّه عزّ و جلّ، و صنم، و وثن، و غيرها إلا وقعت فيه نار فاحترق، و ذلك بعد غيبة طويلة.
و روى هذا الشيخ الفاضل عن محمّد بن إسماعيل بن بزيغ عن محمّد بن مسلم الثقفي عن الإمام أبي جعفر عليه السّلام حديثا مثل هذا الحديث.
كما روى هذا الحديث الشيخ أبو جعفر بن بابويه (رحمة اللّه عليه) بسند آخر عن أبي جعفر (صلوات اللّه عليه) في كتاب كمال الدين.(2)
يقول هذا الضعيف النحيف - أعني ناقل و مترجم هذا الحديث الشريف:
إني أتعجب من الشيخ الأربلي (عليه الرحمة)، فمع كمال فضله و عقله غفل عن هذا المعنى: أن المقصود من محمد الملقب بالنفس الزكية، و الذي يكون مقتله من علامات ظهور صاحب الأمر عليه السّلام و أنه غير محمّد بن الحسن المثنى قطعا، و ذلك لعدة أدلة:
أولاها: أن قتله قد وقع قبل صدور هذا الحديث.
ثانيها: لو كان ذلك مراده لكان الإمام عليه السّلام أطلق عليه عبارة رجل بدل لفظة غلام.6.
ثالثها: أن قتله لم يكن بين الركن و المقام.
رابعها: أن اسم أبيه لابدّ و ان يكون محمّدا كما نطق بذلك الحديث الصحيح،(1)
و لا يخفى قرب هذه الرواية مع الرواية التي رواها الشيخ الصدوق رحمه اللّه في كمال الدين: 331؛ عن الإمام الباقر عليه السّلام، و فيها: «اسمه محمّد بن الحسن النفس الزكية»؛ فهل الروايتان رواية واحدة، و لا فرق بينهما إلا ببعض الفاظهما الذي يمكن أن يكون قد نشأ من النسّاخ، أو الرواة؟
و لكن يبقى الإشكال قائما من حيث تعدد إسناديهما، فالأولى أسندت إلى الإمام الصادق، بينما أسندت الثانية إلى الإمام الباقر عليه السّلام؟
و لكن الإشكال يندفع بالقاعدة التي تجيز إسناد الرواية إلى أيّ منهم عليهم السّلام كما هو منصوص.
و قد يقال: بأنهما روايتان و ليست واحدة، و ربّما يستشهد لهذا الاحتمال: بتعدد الإسناد كما تقدّم.
و لكن قد يشكل: بوحدة ألفاظ المحاورة التي جرت بين الإمام عليه السّلام و الراوي؛ فمن المستبعد عادة بما يقرب من الامتناع العادي أن يتكرر مثل هذا الحوار بين الإمام و الراوي بنفس الألفاظ، و المعاني؛ خصوصا من مثل محمّد بن مسلم الثقفي، و حمران.
و يكون اسم أبي هذا الحسن كما جاء في بعض الأخبار: ان اسم ذي النفس الزكية هذا هو محمد بن الحسن،(2)و هكذا روى الشيخ الطوسي في الغيبة: 464 /تحت فقرة 480؛ بإسناده إلى سفيان بن إبراهيم الجريري أنّه سمع أباه يقول: «النّفس الزكيّة غلام من آل محمّد صلّى اللّه عليه و آله اسمه محمّد بن الحسن، يقتل بلا جرم، و لا ذنب، فإذا قتلوه فلم يبق لهم في السماء عاذر، و لا في الأرض ناصر.
فعند ذلك يبعث اللّه قائم آل محمّد في عصبة، لهم أدقّ في أعين الناس من الكحل؛ إذا خرجوا بكى لهم الناس؛ لا يرون إلاّ أنّهم يختطفون؛ يفتح اللّه لهم مشارق الأرض و مغاربها، ألا و هم المؤمنون حقا، ألا أنّ خير الجهاد في آخر الزمان».
و لعله يكون اسم جدّه الحسن، أو يسمى باسم جده الأعلى الإمام الحسن عليه السّلام، كما قال بذلك الشيخ أبو جعفر بن بابويه.».1) و هي الرواية المتقدمة التي نقلها المؤلف رحمه اللّه عن الشيخ الفضل بن شاذان رحمه اللّه عن الإمام الصادق عليه السّلام عند ما قال: «اسمه محمّد بن محمّد، و لقبه النفس الزكية...».
2) كما ورد ذلك في الخبر الذي رواه الشيخ الصدوق رحمه اللّه في: كمال الدين: 331 /باب 32 /ح 16؛ بإسناده إلى الإمام الباقر عليه السّلام في حديث طويل جاء فيه: «و قتل غلام من آل محمّد صلّى اللّه عليه و آله بين الركن و المقام اسمه محمّد بن الحسن النفس الزكيّة».
و من الممكن أن يكون هذا الحديث لم يصل إلى الشيخ عليّ بن عيسى رحمه اللّه، و كان هذا هو سبب تردده بين الطعن و صحة الحديث المتقدم حول قتل النفس الزكية.
و أعلم أيها العزيز أن ما نقله الشيخ المفيد (عليه الرحمة): «و أموات ينشرون من القبور حتى يرجعوا إلى الدنيا فيتعارفون فيها».(1)
إن المراد منه: أن هناك بعض الأموات سوف يبعثون من القبور و يرجعون إلى الدنيا و يعرف بعضهم البعض الآخر، كما دلت على هذا بعض الأحاديث.
و قد يتخيل أحيانا من هذه العبارة: أنه سوف يحيى جميع الأموات كما نقل ذلك الآخوند في ضمن الحديث الثالث عشر، و غفل في هذا المقام عن الآية الكريمة التي ذكرها الناطقة بتضعيف تلك الرواية و تكذيب الراوي، كما سوف يذكر إن شاء اللّه تعالى.
قال الشيخ الجليل الفضل بن شاذان بن الخليل رحمه اللّه:
حدّثنا عبد الرحمن بن أبي نجران، عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: المفقودون عن فرشهم ثلاثمائة و ثلاثة عشر رجلا، عدة أهل بدر، فيصبحون بمكّة، و هو قول اللّه عزّ و جلّ: أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللّهُ جَمِيعاً (2)
و هم أصحاب القائم عليه السّلام.
و هذه من إحدى معجزاته عليه السّلام.
و أما من أين سوف يأتي كل واحد من هؤلاء الثلاثمائة و ثلاثة عشر، فقد جاءت فيه روايات مختلفة: أحدها ما رواه الشيخ محمد بن هبة اللّه الطرابلسي رحمه اللّه في كتاب (الفرج الكبير) بسنده عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري8.
أنه سأل أمير المؤمنين عليه السّلام عن كل واحد من هؤلاء الثلاثمائة و ثلاثة عشر نفرا، من أي البلاد هو؟
فقال عليه السّلام: أربعة من مكة، و أربعة من المدينة، و أربعة من بيت المقدس، و سبعة من اليمن، و ثمانية من مصر، و ثلاثة من حلب، و اثنا عشر من أهل البادية، و ثلاثة من آذربيجان، و أربعة من خوارزم، و اثنا عشر من طالقان، و سبعة من ديلجان، و ثلاثة من البصرة، و ثلاثة من بورسا الروم، و سبعة من جرجان، و سبعة من جيلان، و سبعة من طبرستان (يعني مازندران)، و أربعة من خوزستان، و أربعة من ري، و اثنا عشر من قم، و واحد من أصفهان، و ثلاثة عشر من سبزوار، و ثلاثة من همدان، و أربعة من كرمان، و واحد من مكران، و ثلاثة من غزنين، و ثلاثة من قاشان (يعني كاشان)، و ثلاثة من قزوين، و عشرة من الهند، و ثلاثة من ما وراء النهر، و سبعة من فارس، و سبعة من نيشابور، و سبعة من طوس، و ثلاثة من دامغان، و ثلاثة من الحبشة، و سبعة من بغداد، و اثنان من المدائن، و اثنا عشر من بلاد المغرب، و اثنا عشر من الحلة، و اثنا عشر من مدفني (يعني نجف الكوفة)، و خمسة من مشهد ولدي الحسين (يعني كربلاء)، و خمسة من طرطوس، و ثلاثة من طبريا، و ثلاثة من بدخشان، و أربعة من بلخ، و اثنان من بخارى، و اثنان من سمرقند، و ثلاثة من سيستان، و اثنان من كاشقر، و سبعة من القيروان، و خمسة من قشمير، و أربعة من بوشيخ، و ستة من طبس، و أربعة من كنام، و اثنان من كابل، و خمسة من بفراج، و اثنان من مراغة، و أربعة من جوين، و ثلاثة من بروجرد، و ستة من قومس، و ثلاثة من نسا، و اثنان من أبيورد، و يحضر في تلك الأيام أربعة من الأنبياء و هم عيسى و إدريس، و الخضر، و إلياس عليهم السّلام.(1)ي.
1) بما أن الكتاب مفقود فقد قمنا بترجمة النصّ الشريف و محاولة إرجاعه إلى أصله العربي.
و قد وردت أحاديث متعددة في نزول عيسى عليه السّلام كما سوف نذكر بعضها إن شاء اللّه تعالى.
كما أنّ هناك رواية تقول: إنّ اللّه تعالى سوف يحيي له عليه السّلام سبعة و عشرين نفرا فيكونوا له أنصارا، منهم: خمسة عشر الذين قال اللّه تعالى فيهم:
وَ مِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَ بِهِ يَعْدِلُونَ .(1)و سبعة نفر منهم أصحاب الكهف، و يوشع بن نون، و سلمان الفارسي، و أبو ذر الغفاري، و المقداد بن الأسود الكندي، و مالك الأشتر النخعي.
و أما ما وقع في بعض الروايات اسم أبو دجانة الأنصاري بدلا عن أبي ذر فهي ضعيفة السند.
و ليعلم أن في تقديم و تأخير ظهور صاحب الأمر عليه السّلام و خروج الدجال اللعين خلاف، و المعتبر عند هذا الضعيف هو: أنه سوف يظهر صاحب الأمر عليه السّلام بعد خروج الدجال عليه اللعنة، كما روى ذلك ابن شاذان (عليه الرحمة) بهذا الطريق قال:
حدّثنا أحمد بن محمّد بن أبي نصر رضى اللّه عنه قال: حدّثنا عاصم بن حميد قال:
حدّثنا محمّد بن مسلم قال: سأل رجل أبا عبد اللّه عليه السّلام: متى يظهر قائمكم؟
قال: إذا كثر الغواية، و قلّ الهداية، و كثر الجور و الفساد، و قلّ الصلاح و السداد، و اكتفى الرجال بالرجال، و النساء بالنساء، و مال الفقهاء إلى الدنيا، و أكثر الناس إلى الأشعار و الشعراء، و مسخ قوم من أهل البدع حتى يصيروا قردة و خنازير، و قتل السفياني، ثم خرج الدجال، و بالغ في الإغواء و الإضلال؛ فعند ذلك ينادى باسم القائم عليه السّلام في ليلة ثلاثة و عشرين من شهر رمضان، و يقوم في يوم عاشوراء؛ فكأنّي أنظر إليه قائما بين الركن و المقام، و ينادي جبريل بين يديه: البيعة للّه!9.
1) الأعراف: 159.
فيقبل شيعته إليه من أطراف الأرض، تطوى لهم طيا، حتى يبايعوا، ثم يسير إلى الكوفة فينزل على نجفها، ثم يفرق الجنود منها إلى الأمصار لدفع عمّال الدجال، فيملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت جورا و ظلما.
قال: فقلت له: يا ابن رسول اللّه فداك أبي و أمي! أيعلم أحد من أهل مكة من أين يجيء قائمكم إليها؟ قال: لا؛ ثم قال: لا يظهر إلا بغتة بين الركن و المقام.
و يقول ابن شاذان رضى اللّه عنه أيضا:
حدّثنا محمّد بن أبي عمير رضى اللّه عنه، عن أبي الحسن عليّ بن موسى عليهما السّلام قال: إنّ القائم ينادى باسمه ليلة ثلاث و عشرين من شهر رمضان، و يقوم يوم عاشوراء؛ فلا يبقى راقد إلا قام، و لا قائم إلا قعد، و لا قاعد إلا قام على رجليه من ذلك الصوت، و هو صوت جبرئيل عليه السّلام.
و يقال للمؤمن في قبره: يا هذا! قد ظهر صاحبك، فإن تشأ أن تلحق به فالحق، و إن تشأ أن تقيم فأقم. و مثل هذا الحديث، الحديث الذي رواه ابن شاذان عن الإمام جعفر عليه السّلام و قد نقله الشيخ الطوسي في آخر كتاب الغيبة.(1)
و روى الشيخ الطوسي في الغيبة: 454 /تحت رقم 462، عن الفضل، عن ابن محبوب، عن أبي أيوب، عن محمّد بن مسلم قال: «ينادي مناد باسم القائم عليه السّلام، فيسمع ما بين المشرق و المغرب، فلا يبقى راقد إلا قام، و لا قائم إلا قعد، و لا قاعد إلا قام على رجليه من ذلك الصوت، و هو صوت جبرائيل الروح الأمين».
أقول: لعلّ في السند سقط يخرج الحديث من الإضمار، فقد تقدّمت مثل هذه الرواية عن الإمام الباقر عليه السّلام، إضافة إلى نقل التقي الهندي لها في كتابه البرهان عن الإمام الباقر عليه السّلام.
و قد يكون في سند الرواية سقوط كلمة (قال) الثانية بعد (محمّد بن مسلم قال) و اللّه تعالى أعلم.
و قال ابن شاذان (عليه الرحمة و الغفران) أيضا:م.
1) الغيبة/الطوسي: 452 /تحت رقم 458، عن الفضل بن شاذان، عن محمّد بن عليّ الكوفي، عن وهب بن حفص، عن أبي بصير، قال: قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: «إنّ القائم (صلوات اللّه عليه) ينادى باسمه يوم ثلاث و عشرين، و يقوم يوم عاشوراء، يوم قتل فيه الحسين بن علي عليهما السّلام».
حدّثنا محمّد بن أبي عمير رضى اللّه عنه قال: حدّثنا المفضل بن عمر، عن الصادق جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليه السّلام قال:
سئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله عن الدجال؟ قال: إنه يخرج في قحط شديد من بلدة يقال لها أصفهان، من قرية تعرف باليهودية؛ عينه اليمنى ممسوحة، و الأخرى في جبهته، تضيء كأنها كوكب الصبح، فيها علقة، ينادي بأعلى صوته يسمع كل من كان ما بين الخافقين من الجن و الإنس، يقول: إليّ أوليائي! أنا الذي خلق فسوّى، و قدّر فهدى، أنا ربّكم الأعلى!
ففي أوّل يوم من خروجه يتبعه سبعون ألفا من اليهود، و الأعراب، و النساء، و أولاد الزنا، و المدمنين بالخمر، و المغنين، و أصحاب اللهو، و يجتمع عنده سحرة الجن و الإنس، و يكون معه إبليس و مردة الشياطين، و كل شيء من الأطعمة و الأشربة، و يذبح له و لأصحابه من البقر و الغنم و الجداء و الحملان، و يحلب لهم ألبان البقر و الغنم في أي وقت يريدون، و هو في كل يوم يقتل أحدا من أصحابه أو غيرهم، فيواريه أحد من الشياطين، و يري الناس نفسه بصورته، فيخيلهم الدجال: أنه يحيي و يميت؛ و بذلك يغويهم أشدّ الإغواء، فيطوف البلدان راكبا على حمار أقمر، و الشياطين معه مع الطبول و المزامير و البوقات و كل آلة من آلات اللهو، فيبيح الزنا و اللواط و سائر المناهي حتى يباشر الرجال النساء و الغلمان في أطراف الشوارع عريا و علانية، و يفرط أصحابه في أكل الخنزير، و شرب الخمور، و ارتكاب أنواع الفسوق و الفجور، و يسخّر آفاق الأرض إلا مكّة و المدينة و مراقد الأئمّة عليهم السّلام.
فإذا بالغ في طغيانه و ملأ الأرض من جوره و جور أعوانه؛ يقتله من يصلّي خلفه عيسى بن مريم عليه السّلام.
و هناك أحاديث متعددة قد ذكرت نزول عيسى عليه السّلام و اقتدائه بصلاته خلف خاتم الأوصياء:
قال الفضل رحمه اللّه:
حدّثنا فضالة بن أيوب رضى اللّه عنه، قال: حدّثنا عبد اللّه بن سنان، قال: سأل (أبي عن)(1)أبي عبد اللّه عليه السّلام: عن السلطان العادل قال: هو من افترض اللّه طاعته بعد الأنبياء و المرسلين على الجنّ و الإنس أجمعين، و هو سلطان بعد سلطان إلى أن ينتهي إلى السلطان الثاني عشر.
فقال رجل من أصحابه: فصف لنا من هم يا ابن رسول اللّه؟
قال: هم الذين قال اللّه تعالى فيهم: أَطِيعُوا اللّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ،(2)و الذين خاتمهم الذي ينزل في زمن دولته عيسى عليه السّلام من السماء و بصلي خلفه، و هو الذي يقتل الدجال و يفتح اللّه على يديه مشارق الأرض و مغاربها، و يمتد سلطانه إلى يوم القيامة.
قال الفضل بن شاذان:
حدّثنا محمّد بن أبي عمير، و صفوان بن يحيى رضى اللّه عنه قالا: حدّثنا جميل بن دراج، عن الصادق عليه السّلام، عن أبيه، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليه السّلام أنه قال: الإسلام و السلطان العادل أخوان توأمان لا يصلح واحد منهما إلا بصاحبه، الإسلام اسّ، و السلطان العادل حارس؛ ما لا اس له فمنهدم، و ما لا حارس له فضائع؛ فلذلك إذا رحل قائمنا لم يبق أثر من الإسلام، و إذا لم يبق أثر من الإسلام لم يبق أثر من الدنيا.
و الهدف من نقل هذا الحديث الصحيح العالي الإسناد في هذا المقام مع رعاية المناسبة مع الحديث السابق شيئان:
أحدهما: ذكر السلطان العادل.9.
و ثانيهما: ما يفهم من هذا الحديث أيضا أن انتهاء دولة صاحب الأمر عليه السّلام متصل بنهاية العالم، كما علم هذا من حديث متقدم.
و ليعلم: أنه كما كان المقصود من السلطان العادل الواقع في الحديث هو الإمام المفترض الطاعة، فكذلك المراد من الإمام العادل هو الإمام المعصوم عليه السّلام أيضا.
قال الشيخ الهمام، ثقة الإسلام، مرغم القرام، رئيس المحدثين، مرشد المؤمنين، أبو جعفر محمّد بن يعقوب الكليني (نوّر اللّه مرقده)، في كتاب الكافي، باب (إنّ الأرض لا تخلو من حجة):
محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن القاسم بن محمّد، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: إنّ اللّه أجلّ و أعظم من أن يترك الأرض بغير إمام عادل.(1)
قال الشيخ أبو جعفر محمّد بن عليّ (عليهما الرحمة) في كتاب كمال الدين و تمام النعمة: حدّثنا أبي رحمه اللّه، قال: حدّثنا عبد اللّه بن جعفر الحميري، قال: حدّثنا محمّد بن عيسى، عن ابن محبوب، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: إن اللّه أجل و أعظم من أن يترك الأرض بغير إمام عادل.(2)
و روى ابن شاذان رحمه اللّه هذا الحديث عن الحسن بن محبوب، عن عبد اللّه بن سنان، عن الإمام جعفر عليه السّلام مع عدة أحاديث أخرى، كلها تفيد هذا المعنى.
قال الفضل رحمه اللّه:
حدّثنا محمّد بن أبي عمير رضى اللّه عنه، قال: حدّثنا جميل بن دراج، قال:
حدّثنا ميسر بن عبد العزيز النخعي، قال: قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: إذا أذن اللّه6.
تعالى للقائم في الخروج، و صعد المنبر، فدعا الناس إلى نفسه، و ناشدهم باللّه، و دعاهم إلى حقه، و أن يسير فيهم بسيرة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و يعمل فيهم بعمله.
فبعث اللّه عزّ و جلّ جبرئيل عليه السّلام يأتيه، فنزل الحطيم، فيقول له: إلى أيّ شيء تدعو؟
فيخبره القائم عليه السّلام.
فيقول جبرائيل: أنا أوّل من يبايعك، ابسط يدك، فيمسح على يده و قد وافاه ثلاثمائة و ثلاثة عشر رجلا، فيبايعونه.
و يقيم بمكة حتى يتم أصحابه عشرة آلاف نفس، ثم يسير بها إلى المدينة.
و قال أيضا في الكتاب المزبور:
حدّثنا صفوان بن يحيي و محمّد بن أبي عمير، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: إذا خرج القائم عليه السّلام من مكة ينادي مناديه: «ألا لا يحملن أحد طعاما و لا شرابا».
و حمل معه حجر موسى بن عمران عليه السّلام، و هو وقر بعير، لا ينزل منزلا إلا انفجرت منه عيون، فمن كان جائعا شبع، و من كان ظمآنا روي، و رويت دوابهم حتى ينزلوا النجف من ظهر الكوفة.
ثم قال: و حدّثنا محمّد بن سنان، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السّلام مثله سواء.
و قال في الكتاب المذكور:
حدّثنا محمّد بن أبي عمير رضى اللّه عنه قال: حدّثنا عمر بن أذينة، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السّلام قال: إن اللّه عزّ و جلّ خلق أربعة عشر نورا قبل خلق الخلق بأربعة عشر ألف عام، فهي أرواحنا.
فقيل له: يا ابن رسول اللّه! من الأربعة عشر؟
فقال: محمّد، و عليّ، و فاطمة، و الحسن، و الحسين، و الأئمّة من ولد الحسين الذين آخرهم القائم الذي يقوم بعد غيبة طويلة، فيقتل الدجال، و يطهر الأرض من كل جور و ظلم.
و روى هذا الحديث ابن بابويه (رحمة اللّه عليه) أيضا بسنده عن الإمام جعفر عليه السّلام.(1)
و قال بعد ذلك: حدّثنا أبي رحمه اللّه، قال: حدّثنا سعد بن عبد اللّه، قال: حدّثنا محمّد بن الحسين بن أبي الخطاب، قال: حدّثنا الحسن بن محبوب، عن عليّ بن رئاب، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام أنه قال في قول اللّه عزّ و جلّ: يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ .(2)الآيات(3)هم الأئمّة، و الآية المنتظرة: القائم عليه السّلام «فيومئذ لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل» قيامه بالسيف، و إن آمنت بمن تقدمه من الأئمّة عليهم السّلام.(4)
قال ابن شاذان (رضوان اللّه عليه):
حدّثنا محمّد بن أبي عمير، عن جميل بن دراج، عن أسامة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: إذا قام القائم من آل محمّد عليهم السّلام أقام خمسمائة من قريش فضرب أعناقهم، ثم أقام خمسمائة فضرب أعناقهم، ثم أقام خمسمائة أخرى، حتى يفعل ذلك خمس مرات.8.
1) كمال الدين/الصدوق: 335 و 336 /باب 33 /ح 7، بالسند التالي: «حدّثنا أبي، عن محمّد بن الحسين بن يزيد الزيّيات، عن الحسن بن موسى الخشّاب، عن ابن سماعة (و في بعض النسخ: عليّ بن سماعة)، عن عليّ بن الحسن بن رباط، عن أبيه، عن المفضل بن عمر قال: قال الصادق جعفر بن محمّد عليهما السّلام... الحديث».
2) الأنعام: 158.
3) في بعض النسخ: (فقال عليه السّلام: الآيات... الخ).
4) كمال الدين/الصدوق: 336 /باب 33 /ح 8.
فقيل له: يا ابن رسول اللّه يبلغ عدد هؤلاء هذا؟
قال: نعم! منهم و من مواليهم.
و قال رحمه اللّه:
حدّثنا محمّد بن أبي عمير، عن جميل بن دراج، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السّلام قال: إذا قام القائم سار إلى الكوفة فيخرج منها قوم يقال لهم: (اليزيدية) عليهم السلاح؛ فيقولون له: ارجع من حيث جئت فلا حاجة لنا إلى بني فاطمة.
فيضع فيهم السيف حتى يأتي إلى آخرهم، ثم يدخل الكوفة فيقتل بها كل منافق مرتاب، و يهدم قصورهم و يقتل مقاتليها حتى يرضى اللّه عزّ و جلّ.
و يستفاد من حديث آخر أن الكوفة سوف تعمر قبل ظهوره عليه السّلام.
و قال رحمه اللّه:
حدّثنا محمّد بن أبي عمير، عن داود بن فرقد، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: يعطي اللّه تعالى لكل واحد من أصحاب قائمنا قوة أربعين رجلا، و لا يبقى مؤمن إلاّ صار قلبه أشد من زبر الحديد.
و قال قدّس سرّه:
حدّثنا محمّد بن أبي عمير، عن هشام بن الحكم، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: إذا قام القائم عليه السّلام حكم بالعدل، و ارتفع في أيامه الجور، و آمنت به السبل، و أخرجت الأرض بركاتها، وردّ كل حق إلى أهله، و لم يبق أهل دين حتى يظهروا الإسلام، و يعترفوا بالإيمان، أما سمعت اللّه عزّ و جلّ يقول: وَ لَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ طَوْعاً وَ كَرْهاً وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ،(1)و حكم في الناس بحكم داود عليه السّلام، و حكم محمّد صلّى اللّه عليه و آله؛ فحينئذ تظهر الأرض كنوزها، و تبدي بركاتها، فلا يجد الرجل منكم يومئذ موضعا لصدقته، و لا لبرّه لشمول الغنى جميع المؤمنين.3.
1) آل عمران: 83.
ثم قال: إنّ دولتنا آخر الدول، و لم يبق أهل بيت لهم دولة إلا حكموا قبلنا، لئلا يقولوا إذا رأوا سيرتنا: إذا ملكنا سرنا مثل سيرة هؤلاء، و هو قول اللّه عزّ و جلّ: وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ .(1)
و قد ضبط بعض الفضلاء من العلماء (ردّ كلّ حق) على المبني للمجهول، و حينئذ فسوف يكون هناك تفاوت على التقديرين.
و قال:
حدّثنا عبد اللّه بن جبلة، عن علاء، عن محمّد بن مسلم، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: إذا قام القائم عليه السّلام حكم بين الناس بحكم داود، لا يحتاج إلى بيّنة، يلهمه اللّه تعالى ليحكم بعلمه، و يخبر كل قوم بما استنبطوه، و يعرف وليّه من عدوه بالتوسم، قال اللّه عزّ و جلّ: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ * وَ إِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ .(2)
و قال (نوّر اللّه مرقده):
حدّثنا صفوان بن يحيى، عن القاسم بن الفضيل، عن الفضيل بن يسار، عن أبي.
عبد اللّه عليه السّلام قال: إذا قام القائم عليه السّلام ضرب فساطيط لمن يعلّم الناس القرآن على ما أنزل اللّه تعالى، فأصعب ما يكون على من حفظه، لأنه يخالف في التأليف.
و قال روّح اللّه روحه:
حدّثنا محمّد بن أبي عمير، عن حماد بن عثمان، عن الحلبي، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: إذا قام قائمنا أشرقت الأرض بنوره، و استغنى العباد عن ضوء الشمس، و ذهبت الظلمة، و يعمّر الرجل في ملكه حتى يولد له ألف ذكر! لا يولد له فيها أنثى! و تظهر الأرض كنوزها حتى يراها الناس على وجهها، و يطلب الرجل منكم من يصله بماله، و يأخذ منه زكاته، فلا يجد أحدا يقبل ذلك منه، استغنى الناس بما رزقهم اللّه من فضله.6.
و قال (عليه الرحمة و الغفران):
حدّثنا صفوان بن يحيى، عن يعقوب بن شعيب، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: إذا قام القائم عليه السّلام بنى في ظهر الكوفة مسجدا له ألف باب، و اتصلت بيوت أهل الكوفة بنهري كربلا.
و السلام على من اتبع الهدى.
قال الشيخ الثقة الجليل أبو محمّد الفضل بن شاذان بن الخليل (قدس اللّه روحه، و زاد فتوحه):
حدّثنا عبد الرحمن بن أبي نجران، عن حماد بن عيسى، عن حريز، عن زرارة و محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السّلام أنه قال:
يملك المهدي ثلاثمائة و تسع سنين كما لبث أهل الكهف في كهفهم، و تكون الكوفة دار ملكه، و يمضي قبل يوم القيامة بأربعين يوما.
و قال: حدّثنا عليّ بن عبد اللّه، عن عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه، عن أبي الجارود قال: قال أبو جعفر عليه السّلام: إنّ القائم يملك ثلاثمائة و تسع سنين كما لبث أهل الكهف في كهفهم؛ يملأ الأرض عدلا و قسطا كما ملئت ظلما و جورا، و يفتح اللّه له شرق الأرض و غربها، و يقتل الناس حتّى لا يبقى إلاّ دين محمّد صلّى اللّه عليه و آله؛ يسير بسيرة سليمان بن داود. ثم قال الفضل: الحديث طويل أخذنا موضع الحاجة.
و روى الفضل بن شاذان (عليه الرحمة و الغفران) حديثا آخر في باب مدة ملك و حكم صاحب الزمان (صلوات اللّه عليه)؛ و قال بعده: هذا حديث مأوّل.
و نقل الشيخ الطوسي (رحمة اللّه عليه) هذا الحديث عنه في آخر كتاب الغيبة.(1)
قال: سبع سنين؛ يكون سبعين سنة من سنّيكم هذه.
و قال في: 475، تحت رقم 498، عن الفضل بن شاذان، عن عبد الرحمن بن أبي هاشم، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي جعفر في حديث اختصرناه - قال: «إذا قام القائم عليه السّلام دخل الكوفة، و أمر بهدم المساجد الأربعة حتى يبلغ أساسها، و يصيّرها عريشا كعريش موسى، و تكون المساجد كلّها جمّاء لا شرف لها كما كانت على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و يوسّع الطريق الأعظم فيصير ستّين ذراعا، و يهدم كلّ مسجد على الطريق، و يسدّ كلّ كوّة إلى الطريق، و كلّ جناح و كنيف و ميزاب إلى الطريق، و يأمر اللّه الفلك في زمانه فيبطيء في دوره حتى يكون اليوم في أيّامه كعشرة من أيامكم، و الشهر كعشرة أشهر، و السنة كعشر سنين من سنّيكم.
ثمّ لا يلبث إلا قليلا حتى يخرج عليه مارقة الموالي برميلة الدسكرة عشرة آلاف، شعارهم: يا عثمان! يا عثمان!
فيدعو رجلا من الموالي فيقلّده سيفه، فيخرج إليهم، فيقتلهم حتى لا يبقى منهم أحدا، ثمّ يتوجه إلى كابل شاه، و هي مدينة لم يفتحها أحد قط غيره فيفتحها، ثمّ يتوجه إلى الكوفة فينزلها و تكون داره، و يبهرج سبعين قبيلة من قبائل العرب».
و نقل في: 476 و 477 /تحت رقم 502 عن الفضل، عن أحمد بن عمر بن مسلم، عن الحسن بن عقبة النهميّ، عن أبي إسحاق البنّاء، عن جابر الجعفيّ قال: قال أبو جعفر عليه السّلام: «يبايع القائم بين الركن و المقام ثلاثمائة و نيّف، عدّة أهل بدر، فيهم النجباء من أهل مصر، و الأبدال من أهل الشام، و الأخيار من أهل العراق، فيقيم ما شاء اللّه أن يقيم.
و نقل في: 478 و 479 /تحت رقم 505: عن الفضل بن شاذان، عن الحسن بن محبوب، عن عمرو بن أبي المقدام، عن جابر الجعفيّ قال: سمعت أبا جعفر عليه السّلام يقول: و اللّه ليملكنّ منّا أهل البيت رجل بعد موته ثلاثمائة سنة يزداد تسعا.
قلت: متى يكون ذلك؟
قال: بعد القائم عليه السّلام.
قلت: و كم يقوم القائم في عالمه؟
قال: تسع عشرة سنة، ثمّ يخرج المنتصر فيطلب بدم الحسين عليه السّلام و دماء أصحابه، فيقتل و يسبي حتى السفاح.
1) الغيبة/الطوسي: 474 /فقرة رقم 497، عن الفضل بن شاذان، عن عبد اللّه بن القاسم الحضرمي، عن عبد الكريم بن عمرو الخثعمي قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: كم يملك القائم؟
و ليعلم أن في مدة خلافته الظاهرية عليه السّلام أقوال و أحاديث مختلفة في كتب علماء الإمامية، ففي بعض الروايات أن مدة حكومته عليه السّلام سوف تكون سبعة سنوات، كل سنة منها تعادل سبع سنوات؛ و في البعض الآخر من الأخبار أن مدة ملكه عليه السّلام تسع سنوات كل سنة بمقدار عشر سنوات.
قال الشيخ المفيد (عليه الرحمة): قد روي أن مدة دولة القائم عليه السّلام تسع عشرة سنة، يطول أيامها و شهورها على ما قدمناه.(1)
و كان رحمه اللّه قد ذكر قبل ذلك رواية السبع سنين حيث قال: روى عبد الكريم الخثعمي قال:
قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: كم يملك القائم عليه السّلام؟
قال: سبع سنين، تطول له الأيّام و الليالي حتّى تكون السنة من سنيه مقدار عشر سنين من سنيكم...
و أما عند جامع هذه الأربعين: فإن ما رواه الفضل بن شاذان عن زرارة و محمّد بن مسلم الذي ذكر فيها عن الإمام أبي جعفر عليه السّلام أنه قال: «إن الإمام القائم عليه السّلام سوف يملك ثلاثمائة و تسع سنين» هو المعتبر.(2)
قال الشيخ الجليل أبو محمّد الفضل بن شاذان بن الخليل (طيّب اللّه مرقده):
حدّثنا الحسن بن عليّ بن فضال، و ابن أبي نجران، عن حماد بن عيسى، عنن.
عبد اللّه بن مسكان، عن أبان بن تغلب، عن سليم بن قيس الهلالي، عن سلمان الفارسي قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «ألا أبشّركم أيّها الناس بالمهدي؟
قالوا: بلى.
قال: فاعلموا أن اللّه تعالى يبعث في أمّتي سلطانا عادلا، و إماما قاسطا، يملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت جورا و ظلما، و هو التاسع من ولد ولدي الحسين، اسمه اسمي، و كنيته كنيتي؛ ألا و لا خير في الحياة بعده، و لا يكون انتهاء دولته إلا قبل القيامة بأربعين يوما».
و ليعلم أن هذا الحديث و عدّة من الأحاديث الأخرى التي تقدم بعضها تؤيد قول الشيخ المفيد رضى اللّه عنه في كتاب (الإرشاد) فيما قال في وصفه السلطان العادل.
و قد روى الشيخ المذكور حديث (لا خير في الحياة بعد المهدي) عن أمير المؤمنين و الإمام الباقر و الإمام جعفر الصادق عليهم السّلام.
و قال الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبد اللّه الأصفهاني (المعروف في هذا الزمان عند أهل أصفهان ب (خواجة حافظ، و يقع قبره في الجهة الغربية خارج البلدة المذكورة) في الأربعين التي جمعها في تعريف صاحب الأمر عليه السّلام، و التي نقلها صاحب كشف الغمة في كتابه بحذف إسنادها: الخامس و الثلاثون في قوله عليه السّلام لا خير في العيش بعد المهدي.(1)ي.
1) راجع: كشف الغمّة/الأربلي 474:2. قال: (الخامس و الثلاثون: في قوله: «لا خير في العيش بعد المهدي» و بإسناده عن عبد اللّه بن مسعود رضى اللّه عنه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: لو لم يبق من الدنيا إلاّ ليلة لطوّل اللّه تلك الليلة حتّى يملك رجل من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي، و اسم أبيه اسم أبي، يملأها قسطا و عدلا كما ملئت ظلما و جورا، و يقسم المال بالسوية، و يجعل اللّه الغنى في قلوب هذه الأمّة، فيملك سبعا، أو تسعا، لا خير في عيش الحياة بعد المهدي.
و نقل من كتاب محمّد بن يوسف الكنجي الشافعي، الحديث الذي جاء فيه: (ثمّ لا خير في العيش بعده، أو قال: ثمّ لا خير في الحياة بعده).(1)
الباب العاشر؛ قال: قرأت على الحافظ أبي عبّاس أحمد بن أبي المجد الحربي، أخبرنا: الحسن بن عليّ المذهب، أخبرنا أحمد بن جعفر بن حمدان، حدّثنا: عبد اللّه بن أحمد بن حنبل، حدّثني أبي، حدّثنا عبد الرزاق، حدّثنا جعفر بن سليمان، عن المعلّى بن زياد، عن العلا بن بشير، عن أبي الصدّيق الناجي، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: ابشركم بالمهدي يبعث في امّتي على اختلاف من الناس، و زلازل، فيملأ الأرض قسطا و عدلا، كما ملئت جورا و ظلما؛ يرضى عنه ساكن السماء، و ساكن الأرض؛ يقسم المال صحاحا.
فقال له رجل: ما صحاح؟
قال صلّى اللّه عليه و آله: بالسّوية بين الناس.
قال صلّى اللّه عليه و آله: و يملأ اللّه قلوب أمّة محمّد صلّى اللّه عليه و آله غنىّ، و يسعهم عدله، حتّى يأمر مناديا فينادي، فيقول: من له في المال حاجة؟
فما يقوم من الناس إلاّ رجل واحد، فيقول: أنا.
فيقول: إئت السّدان - يعني الخازن - و قل له: إنّ المهدي يأمرك أن تعطيني مالا.
فيقول له: احث.
حتّى إذا جعله في حجره، و أبرزه ندم، فيقول: كنت أجشع أمّة محمّد صلّى اللّه عليه و آله نفسا، أو عجز عنّي ما وسعهم؟!
قال: فيردّه، فلا يقبل منه.
فيقول: إنّا لا نأخذ شيئا أعطيناه.
فيكون كذلك سبع سنين، أو ثمان سنين، أو تسع سنين؛ ثمّ لا خير في العيش بعده؛ أو قال: لا خير في الحياة بعده. انتهى.
و روى ابن بابويه (عليه الرحمة) في كتاب كمال الدين بإسناده عن الإمام جعفر عليه السّلام أنه قال عليه السّلام: ما زالت الأرض إلا و للّه - تعالى ذكره - فيها حجة يعرف الحلال و الحرام، و يدعو إلى سبيل اللّه جلّ و عزّ، و لا ينقطع الحجة من الأرض إلا أربعين يوما قبل يوم القيامة... إلى آخر الحديث.(2)4.
و هناك الحديث الذي رواه الشيخ أبو جعفر [محمّد] بن يعقوب الكليني،(1)و الشيخ الطوسي،(2)و كثير من أكابر محدثي الشيعة (رضوان اللّه عليهم أجمعين)(3)كما رواه سماحة أستاذي، و من عليه اعتمادي الأمير محمّد باقر الداماد (رحمة اللّه عليه) في كتاب شرعة التسمية، قال:
في الكافي لرئيس المحدثين أبي جعفر الكليني، و في كتاب مفرد في أخبار الغيبة لشيخنا الإمام أبي عبد اللّه المفيد، و في كتاب إعلام الورى لثقة الإسلام أبي عليّ الطبرسي المفسّر، و في غيرها من كتب الأصحاب (رضوان اللّه تعالى عليهم) بالأسانيد المعتبرة المصححة:
أن أبا عمرو عثمان بن سعيد العمري الوكيل سئل عند أحمد بن إسحاق عن القائم، و السائل عبد اللّه بن جعفر الحميري شيخ القميين و وجههم، قال له: يا أبا عمرو! إنّي أريد أن أسألك عن شيء، و ما أنا بشاك فيما أريد أن أسألك عنه، فإن اعتقادي و ديني أن الأرض لا تخلو من حجة إلا إذا كان قبل القيامة بأربعين يوما، فإذا كان ذلك رفعت الحجة و أغلق باب التوبة... إلى آخره.(4)
و بما أن المقصود من نقل هذا الحديث أن يعرف الأحبّة بأنّ الحجّة عليه السّلام سوف يتوفى قبل قيام القيامة بأربعين يوما، فإنّ هذا الحديث يكفي لذلك؛ خصوصا إذا كان الاعتقاد و الدين هو من مثل عبد اللّه بن جعفر الحميري الذي كان من أكابر الشيعة، و من أصحاب الإمام عليّ النقي، و الإمام العسكري عليهم السّلام، و كان قوله في حضور مثل أحمد بن إسحاق الذي0.
هو من أصحاب، و من رواة حديث الإمام محمّد التقي، و الإمام عليّ النقي، و من خواصّ الإمام الحسن العسكري عليهم السّلام، و ممّن رأى صاحب الزمان عليه السّلام.
و أمّا أبو عمرو فقد كان من أكابر أصحاب الأئمّة، و قد خدم الإمام عليّ النقي، كما كان وكيلا للإمام الحسن عليه السّلام، و قد نال بعده شرف الوكالة لصاحب الزمان عليه السّلام: «أن اعتقادي و ديني أن الأرض لا تخلو من حجة إلا إذا كان قبل القيامة بأربعين يوما».
و من المعلوم أنه إذا لم يكن اعتقاد و دين المسؤول (أعني: أبا عمرو)، و الحاضر (أعني: أحمد بن إسحاق) هو كذلك أيضا؛ إذن لأنكرا عليه ذلك الاعتقاد و الدين.
يقول ابن بابويه رحمه اللّه في كتاب كمال الدين: حدّثنا أبي رحمه اللّه قال: حدّثنا عبد اللّه بن جعفر الحميري، قال: حدّثنا محمّد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن عبد اللّه بن محمّد الحجّال، عن حمّاد بن عثمان، عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السّلام في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ (1)قال: الأئمّة من ولد عليّ و فاطمة عليهم السّلام إلى أن تقوم الساعة.(2)
و روى أيضا أن النبي صلّى اللّه عليه و آله قال: إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه و عترتي أهل بيتي، فإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض كهاتين - و ضمّ بين سبابتيه.
فقام إليه جابر بن عبد اللّه الأنصاري، و قال: يا رسول اللّه! و من عترتك؟
قال: عليّ، و الحسن، و الحسين، و الأئمّة من ولد الحسين إلى يوم القيامة.(3)2.
و قد ذكر في آخر الحديث الموسوم ب (حديث خواتيم الذهب) و المنقول بعدّة أسانيد، كما قد نقله ابن بابويه أيضا: يدفعها من بعده إلى من بعده إلى يوم القيامة.(1)
قال في الأخير: (حدّثنا محمّد بن الحسن رضى اللّه عنه، قال: حدّثنا محمّد بن الحسن الصّفار؛ و سعد بن عبد اللّه؛ و عبد اللّه بن جعفر الحميريّ جميعا قالوا: حدّثنا محمّد بن عيسى بن عبيد قال: حدّثنا أبو القاسم الهاشميّ، قال: حدّثني عبيد بن نفيس الأنصاريّ، قال:
أخبرنا الحسن بن سماعة، عن جعفر بن سماعة، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:
نزل جبرئيل عليه السّلام على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بصحيفة من السّماء لم ينزل اللّه تبارك و تعالى من السّماء كتابا مثلها قطّ قبلها و لا بعدها؛ مختوما، فيه خواتيم من ذهب. فقال له: يا محمّد! هذه وصيّتك إلى النّجيب من أهلك.
قال: يا جبرئيل، و من النّجيب من أهلي؟
قال: عليّ بن أبي طالب. مره إذا توفّيت أن يفكّ خاتما منها، و يعمل بما فيه.
فلّما قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فكّ عليّ عليه السّلام خاتما، ثمّ عمل بما فيه ما تعدّاه. ثمّ دفع الصّحيفة إلى الحسن بن عليّ عليهما السّلام، ففكّ خاتما، و عمل بما فيه ما تعدّاه.
ثمّ دفعها إلى الحسين بن عليّ عليهما السّلام، ففكّ خاتما، فوجد فيه: أن اخرج بقوم إلى الشّهادة، لا شهادة لهم إلاّ معك، و اشر نفسك للّه عزّ و جلّ، فعمل بما فيه ما تعدّاه.
ثمّ دفعها إلى رجل بعده ففكّ خاتما، فوجد فيه: أطرق، و اصمت، و الزم منزلك، و اعبد ربّك حتّى يأتيك اليقين.
ثمّ دفعها إلى رجل بعده، ففكّ خاتما، فوجد فيه: أن حدّث النّاس و افتهم، و انشر علم آبائك، و لا تخافنّ أحدا إلاّ اللّه، فإنّك في حرز اللّه و ضمانه [في حرز من اللّه و أمان خ. ل] و أمر بدفعها؛ فدفعها إلى من بعده، و يدفعها من بعده إلى من بعده إلى يوم القيامة).
و الأحاديث التي ذكر فيها هذا المعنى كثيرة، و بعضها مطوّلة و بعضها).
1) فيه روايات كثيرة، منها ما رواه الصدوق في: علل الشرائع: 171 و 172 /الباب 135 / ح 1؛ و في: كمال الدين: 231 و 232 /الباب 22 /ح 35.
مختصرة، و إذا أراد أحد أن يجمع كل هذه الأحاديث لكان كتابا مستقلا في هذا الباب.(1)
و رواه الصدوق في الأمالي: 486 /المجلس 63 /ح 2 /رقم الحديث العام 660.
و رواه الطوسي في المجالس (الأمالي): 441 /المجلس الخامس عشر/ح 47 /رقم الحديث العام 990.
و رواه الكليني في الكافي/الأصول 280:1 و 281 /كتاب الحجّة/باب (أن الأئمّة عليهم السّلام لم يفعلوا شيئا، و لا يفعلون إلا بعهد من اللّه عزّ و جلّ، و أمر منه لا يتجاوزونه) /ح 2: عن أحمد بن محمّد، و محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن أحمد بن محمّد، عن أبي الحسن الكناني، عن جعفر بن نجيح الكندي، عن محمّد بن أحمد بن عبيد اللّه العمري، عن أبيه، عن جدّه، عن أبي عبد اللّه... الحديث.
و روى الكليني بنفس المعنى اختلاف اللفظ في نفس الباب/ح 1؛ و كذلك الحديث 4.
و روى الشيخ الأقدم محمّد بن الحسن الصّفار القمي في بصائر الدرجات 146:3 / الباب 12 /ح 24، قال: حدّثنا محمّد بن الحسين، عن موسى بن سعدان، عن عبد اللّه بن قاسم، عن عبد اللّه بن سنان، قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول: إن جبرئيل أتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بصحيفة مختومة بسبع خواتيم من ذهب، و أمر إذا حضره أجله أن يدفعها إلى عليّ بن أبي طالب فيعمل بما فيه، و لا يجوزه إلى غيره، و أن يأمر كلّ وصيّ من بعده أن يفكّ خاتمه، و يعمل بما فيه، و لا يجوز غيره.
و بهذا المقدار كفاية، و إلاّ فهناك روايات كثيرة غيرها كما قال المؤلف.
و الظاهر أن كلمة (إلى) لانتهاء الغاية.
و قال ابن بابويه (رحمة اللّه عليه) في أحد أبواب كمال الدين الذي روى فيه حديث: «إني تارك فيكم الثقلين» بأسانيد كثيرة:
و كان مرادنا بإيرادنا قول النبي صلّى اللّه عليه و آله: «إنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض»ف.
1) و على نحو المثال يمكنك أن تراجع: كمال الدين/الصدوق: 669 /الباب 58 /ح 15؛ بإسناده عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: إن اللّه عزّ و جلّ أنزل على نبيّه صلّى اللّه عليه و آله كتابا قبل أن يأتيه الموت، فقال: يا محمّد! هذا الكتاب وصيّتك إلى النجيب من أهلك، فقال: و من النجيب من أهلي يا جبرئيل؟ فقال: عليّ بن أبي طالب، و كان على الكتاب خواتيم من ذهب... الحديث.
في هذا الباب إثبات إتّصال أمر حجج اللّه عليهم السّلام إلى يوم القيامة، و أنّ القرآن لا يخلو من حجّة مقترن إليه من الأئمّة الذين هم العترة (صلوات اللّه عليهم) يعلم حكمه إلى يوم القيامة، لقوله صلّى اللّه عليه و آله: «لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض» و هكذا قوله صلّى اللّه عليه و آله: «إنّ مثلهم كمثل النجوم كلّما غاب نجم طلع نجم إلى يوم القيامة» تصديق لقولنا: إنّ الأرض لا تخلو من حجّة للّه على خلقه، ظاهر مشهور، أو خاف مغمور، لئلاّ تبطل حجج اللّه عزّ و جلّ و بيناته، و قد بيّن النبي صلّى اللّه عليه و آله من العترة المقرونة إلى كتاب اللّه جلّ و عزّ في الخبر الذي حدّثنا به: أحمد بن الحسن القطّان، قال: حدّثنا الحسن بن عليّ السكري، عن محمّد بن زكريّا الجوهري، عن محمّد بن عمارة، عن أبيه، عن الصادق جعفر بن محمّد، عن أبيه محمّد بن عليّ، عن أبيه عليّ بن الحسين، عن أبيه الحسين بن عليّ، عن أبيه عليّ بن أبي طالب (صلوات اللّه عليهم) قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «إنّي مخلّف فيكم الثقلين كتاب اللّه و عترتي أهل بيتي، فإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض كهاتين - و ضمّ بين سبّابتيه - فقام إليه جابر بن عبد اللّه الأنصاري، فقال: يا رسول اللّه و من عترتك؟
قال: عليّ، و الحسن، و الحسين، و الأئمّة من ولد الحسين إلى يوم القيامة».(1)
و لهذا الشيخ الجليل إفادات كثيرة من هذا القبيل في كتابه المذكور، و قد روى أخبارا كثيرة، و لكن لا يسع لهذا المختصر نقل جميعها.
كما أنه روى العلماء المخالفون أحاديثا كثيرة كلها تفيد هذا المدعى.
و اعلم أيها المؤمن صاحب اليقين، بما أنّه لم يقع بين أيدينا حين تحرير هذا الأربعين شيء من كتب حديث المخالفين، لذلك قد نقلنا فيما سبق عن أحد التصانيف القديمة لقدماء علماء الشيعة الذي نقل أحاديث في هذا الباب من الكتب المعتبرة عند المخالفين، و مع أن مؤلف ذلك الكتاب لم2.
1) كمال الدين/الصدوق: 244 و 245 /من الباب 22.
يذكر اسمه،(1)و لكني اعتمد على قول الشيخ الثقة صاحب الدرجة العالية علي بن عيسى الأربلي عليه الرحمة في نقل ما ثبّته من تلك الأحاديث طبق ترتيبه في كتاب كشف الغمة.
قال الشيخ المذكور في الكتاب المزبور عن الجمع بين الصحيحين، نقل عن جابر بن سمرة قال: سمعت النبي صلّى اللّه عليه و آله يقول: «يكون بعدي اثنا عشر أميرا، فقال كلمة لم أسمعها، فقال أبي: إنّه قال: كلّهم من قريش».(2)
كذا في حديث شعبة.
و في حديث ابن عيينة: قال: لا يزال أمر الناس ماضيا ما ولاّهم اثنا عشر رجلا، ثم تكلم النبي صلّى اللّه عليه و آله بكلمة خفيت عليّ، فسألت أبي: ماذا قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله؟
فقال: قال: كلهم من قريش.(3)
و في رواية مسلم من حديث عامر بن سعد بن أبي وقاص، قال: كتبت إلى جابر بن سمرة مع غلامي نافع أن أخبرني بشيء سمعته من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فكتب إليّ: إني سمعت من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يوم جمعة عشية رجم الأسلمي قال: لا يزال الدين قائما حتى تقوم الساعة، أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة، كلهم من قريش.(4)
و عن عامر الشعبي، عن جابر بن سمرة قال: انطلقت إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و معي أبي، فسمعته يقول: لا يزال هذا الدين عزيزا منيعا إلى اثني عشر خليفة، فقال كلمة صمّنيها الناس، فقلت لأبي: ما قال؟
قال: كلهم من قريش.(5)6.
و مثله؛ عن حصين بن عبد الرحمن، عن جابر، قال: دخلت مع أبي إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله فقال: انّ هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة، ثم تكلم بكلام خفي عليّ، قال: فقلت لأبي: ما قال؟
قال: كلهم من قريش.(1)
و في حديث سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة، عنه عليه السّلام: لا يزال الإسلام عزيزا إلى إثني عشر خليفة، ثم ذكر مثله.(2)
و نقلت عن مسند أحمد بن حنبل رحمه اللّه، عن مسروق، قال: كنّا مع عبد اللّه جلوسا في المسجد يقرأنا، فأتاه رجل، فقال: يا ابن مسعود! هل حدّثكم نبيّكم كم يكون بعده خليفة؟
قال: نعم؛ و لقد سألنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه [و آله] و سلم، فقال: اثنا عشر، كعدة نقباء بني إسرائيل.(3)
نقلته من المجلد الثالث من مسند عبد اللّه بن مسعود رضى اللّه عنه.
و إن مضمون جميع هذه الأحاديث هو: أن خلفاء النبي إثنا عشر.
كما أن مضمون بعض هذه الأحاديث، و كثير من الأحاديث التي لم يذكرها و قد نقلها غيره من المخالفين هو: أن خلافة هؤلاء الأئمّة العظماء، ممتدة إلى يوم القيامة.
و من تلك: حديث أحمد بن حنبل الذي رواه في مسنده عن النبي صلّى اللّه عليه و آله أنه قال: «النجوم أمان لأهل السماء، فإذا ذهبت النجوم ذهبوا، و أهل بيتي أمان لأهل الأرض، فإذا ذهب أهل بيتي ذهب أهل الأرض».(4)ل.
و يقول السري في تفسير قول الحق تعالى: وَ جَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ (1)تلك العقبة آل محمّد عليهم السّلام.(2)
و هذا التفسير موافق تفسير أهل البيت عليهم السّلام الذي نقله ابن بابويه في:
(باب ما أخبر به سيد العابدين علي بن الحسين عليهما السّلام): بإسناده عن أمير المؤمنين عليه السّلام أنه قال: «فينا نزلت هذه الآية: وَ جَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ
و الإمامة في عقب الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليه السّلام إلى يوم القيامة.(3)
و روى في أواخر (باب ما روي عن الصادق جعفر بن محمّد عليهما السّلام)؛ أن الإمام جعفر عليه السّلام قال في جواب المفضل بن عمر عند ما سأله عن تفسير هذه الآية:
«يعني بذلك الإمامة، جعلها اللّه تعالى في عقب الحسين إلى يوم القيامة».(4)
و جاءت في هذا الباب أحاديث كثيرة عن الطرفين دلّت على أن المقصود من (الكلمة الباقية) هو نفس هذا المعنى.
فعلم أنّ الشيعة و السنة متفقون على اتصال زمان إمامة و خلافة الحجة عليه السّلام بيوم القيامة.
و ليعلم أنّ جماعة من علماء الإمامية قد أوردوا الدليل العقلي المستنبط من الدليل النقلي في هذا الباب، من أن القيامة سوف تظهر مباشرة و بلا فاصل بعد وفاة الإمام الحجة عليه السّلام، و من أولئك صاحب كتاب (أنيس المؤمنين) حيث قال: بمقتضى لولاك لما خلقت الأفلاك، فإنه يمتنع خلو زمانه من النور7.
1) الزخرف: 28.
2) التبيان/الطوسي 192:9؛ و في مجمع البيان/الطبرسي 86:9؛ و في جامع البيان/ الطبرسي 82:25 /تحت رقم 23832.
3) كمال الدين/الصدوق: 323 /باب 31 /ح 8. و لكن الإسناد في المصدر عن الإمام عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليهم السّلام، و ليس عن أمير المؤمنين عليه السّلام، و لعله من سهو قلم المؤلف رحمه اللّه.
4) كمال الدين/الصدوق: 359 /باب 33 /ح 57.
المحمدي صلّى اللّه عليه و آله، و أن العالم قائم ببركة هذا النور، كما قال الرسول صلّى اللّه عليه و آله:
«هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي فيهم إثنا عشر خليفة كلهم من قريش» و بما أن الدنيا قد انتقلت من فيض نور محمّد صلّى اللّه عليه و آله إلى المهدي عليه السّلام فعند الإنسلاخ بموجب قوله: «فلا خير في العيش بعد المهدي عليه السّلام» تنقطع سلسلة انتظام الدنيا.
و قد روى هذا الشيخ الجليل بسند صحيح عن الحسن بن علي الخزاز انه قال:
دخل عليّ بن أبي حمزة على أبي الحسن الرضا عليه السّلام، فقال: أنت إمام؟
قال: نعم.
فقال له: إني سمعت جدّك جعفر بن محمّد عليه السّلام يقول: «لا يكون الإمام إلا و له عقب»؟
فقال عليه السّلام: «أنسيت يا شيخ(1)أم تناسيت؟! ليس هكذا قال [جدّي]،(2)
إنما قال [جعفر عليه السّلام]:(3)لا يكون الإمام إلاّ و له عقب، إلا الإمام الذي يخرج عليه الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليهم السّلام فإنه لا عقب له».
فقال [له]:(4)صدقت جعلت فداك! هكذا سمعت جدّك يقول.(5)
يقول مؤلف هذا الأربعين: إنّ هذا الحقير قد جمع بين خبر مدينة الشيعة المعتبر و الجزيرة الخضراء و البحر الأبيض، و الذي ذكر فيه أن لصاحب الزمان عليه السّلام عدّة أولاد، مع هذا الحديث الصحيح، في كتاب رياض المؤمنين، و من أراد الإطلاع عليه فليرجع إلى الكتاب المذكور.8.
و ليعلم أن هذا الحديث قد رواه الشيخ أبو جعفر الطوسي رحمه اللّه في أواسط كتاب الغيبة مع قليل اختلاف في بعض عباراته.(1)
و كما أنّه قد ورد في غير هذا الحديث، و في عدّة أحاديث صحيحة:
أنه ليس له عليه السّلام ولد.
و لا تخفى القضية على الشيعة السعداء أن السنة قائلون بأن المهدي عليه السّلام من نسل الإمام الحسين (صلوات اللّه عليه)، و أنه سوف يظهر في آخر الزمان، و يملأ الدنيا قسطا و عدلا،(2)و مع ذلك فهناك الكثير منهم لا يقولون بوجوده عليه السّلام في هذا الزمان و يستبعدون عمره الطويل عليه السّلام.
و لكنك تعلم أيها العزيز أنّ الملاحدة لا يقولون بوجود الحقّ تعالى، و مع ذلك فإنّهم لا يضرّون ديننا، فكذلك القول أن عدم قول هؤلاء بوجود الحجة عليه السّلام، فإنّه لا يدخل النقص على مذهبنا.
و يكفي للإجابة على الاستبعاد بطول عمره عليه السّلام في هذا المختصر من قول علمائهم كابن طلحة الشافعي،(3)
محمّد بن طلحة بن الحسن القرشي، العدوي، النّصيبي، الشافعي؛ كمال الدّين، أبو سالم. محدّث، فقيه، أصولي، عارف بعلم الحروف و الأوفاق، نقل ترجمته عن: طبقات الشافعية للسبكي 26:5؛ و عن شذرات الذّهب: لابن العماد الحنبيلي 259:5 و 260.
و قال اليافعي في: مرآة الجنان 99:4؛ في حوادث سنة اثنتين و خمسين و ست مائة:
(و فيها توفي الكمال محمّد بن طلحة النصيبي المفتي الشافعي، و كان رئيسا، محتشما، بارعا في الفقه و الخلاف).
و صاحب الفصول المهمة المالكي.(4)عليّ بن محمّد بن أحمد (نور الدين) ابن الصباغ فقيه مالكي، أصله من سفاقس، و ولد و توفي بمكّة.
مولده 784، وفاته 855 ه 1383-1451 م.
و هما من كبار علمائهم، حيث قالا بأن هذا الاستبعاد غير معقول، أما لماذا؟ فلأنه أمر ممكن، بل واقع.(1)
فمن الأصفياء عيسى (صلوات اللّه عليه)، و منهم الخضر عليه السّلام، و خلق آخرون من الأنبياء عليهم السّلام طالت أعمارهم حتّى جاز كلّ واحد منهم ألف سنة، أو قاربها، كنوح عليه السّلام، و غيره.
و أمّا من الأعداء المطرودين فإبليس، و كذلك الدّجال، و من غيرهم كعاد الأولى كان فيهم من عمره ما يقارب الألف، و كذلك لقمان صاحب لبد.
و كل هذه لبيان اتّساع القدرة الرّبانية في تعمير بعض خلقه. فأيّ مانع يمنع من امتداد عمر الخلف الصالح إلى أن يظهر، فيعمل ما حكم اللّه تعالى له به؟) انتهى موضع الحاجة.
و قال الشيخ الإمام العلاّمة عليّ بن محمّد بن أحمد المالكي المكي الشهير بابن الصّباغ المتوفى سنة 855 ه في كتابه الفصول المهمّة: ص 299؛ قال باختصار: (من الدلالة على كون المهدي حيّا باقيا منذ غيبته و إلى الآن أنه لا امتناع في بقائه كبقاء عيسى بن مريم، و الخضر، و إلياس من أولياء اللّه تعالى، و بقاء الأعور الدجال، و إبليس اللعين من أعداء اللّه... أما بقاء المهدي فقد جاء في الكتاب و السنة.
أمّا الكتاب فقد قال سعيد بن جبير في تفسير قوله تعالى: لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ؛ قال: هو المهدي من ولد فاطمة عليها السّلام.
و قد قال مقاتل بن سليمان و من تابعه من المفسّرين في تفسير قوله تعالى: وَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِقال: هو المهدي يكون في آخر الزمان...).
و قد كتب الإمام الحافظ أبو عبد اللّه محمّد بن يوسف القرشي الكنجي الشافعي المقتول سنة 658 ه في كتابه (البيان في أخبار صاحب الزمان)؛ الباب الخامس و العشرين، تحت عنوان: (في الدلالة على كون المهدي عليه السّلام حيّا باقيا مذ غيبته إلى الآن).
من الصفحة 521 إلى الصفحة 532، المطبوع مع كتابه كفاية الطالب في مناقب عليّ بن أبي طالب. و خوفا من الإطالة و الإطناب أعرضنا عن نقله، و من شاء الاستزادة فليراجعه، فإنه قد أتقن الدليل و البرهان عليه.
1) قال الإمام العلاّمة أبي سالم كمال الدين محمّد بن طلحة العدوي النصيبي الشافعي المتوفى سنة 652 ه في كتابه: مطالب السؤول في مناقب آل الرسول: ص 319 و 320 ما ملخصه: (و أما عمره فإنّه ولد في أيّام المعتمد على اللّه، خاف فاختفى و إلى الآن... و ليس ببدع و لا مستغرب تعمير بعض عباد اللّه المخلصين، و لا امتداد عمره إلى حين فقده. مدّ اللّه تعالى أعمار جمع كثير من خلقه من أصفيائه و أوليائه، و من مطروديه و أعدائه.
و نحن نكتفي في جوابهم في هذه الرسالة الوجيزة: أنهم قائلون ببقاء إدريس، و عيسى، و الخضر، و إلياس عليهم السّلام من الصالحين.
و يعترفون ببقاء الدجال، و الشيطان من الطالحين.
فإذا كان اللّه تعالى قد أطال أعمارهم؛ فلما ذا الاستبعاد في أن يكرم اللّه تعالى القائم عليه السّلام بالعمر الطويل.
و السلام على من اتبع الهدى.
و ما دمنا شارفنا في هذه الرسالة على النهاية، فلننقل حديثا واردا في أشراط الساعة إن شاء اللّه تعالى.
قال الشيخ السعيد أبو محمّد ابن شاذان رحمه اللّه:
حدّثنا عبد الرحمن بن أبي نجران رضى اللّه عنه قال: حدّثنا عاصم بن حميد، قال: حدثنا أبو حمزة الثمالي، عن سعيد بن جبير، عن عبد اللّه بن عباس، قال:
حججنا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله حجة الوداع، فأخذ بحلقة باب الكعبة و أقبل بوجهه علينا، فقال:
معاشر الناس، ألا أخبركم بأشراط الساعة؟
قالوا: بلى يا رسول اللّه!
قال: من أشراط الساعة إضاعة الصلوات، و إتّباع الشهوات، و الميل مع الأهواء، و تعظيم المال، و بيع الدين بالدنيا، فعندها يذوب قلب المؤمن في جوفه كما يذوب الملح في الماء مما يرى من المنكر فلا يستطيع أن يغيّره، فعندها يليهم أمراء جورة، و وزراء فسقة، و عرفاء ظلمة، و أمناء خونة؛ فيكون عندهم المنكر معروفا، و المعروف منكرا، و يؤتمن الخائن، و يخون الأمين في ذلك الزمان، و يصدق الكاذب، و يكذب الصادق، و تتأمر النساء، و تشاور الإماء، و يعلو الصبيان على المنابر، و يكون الكذب عندهم ظرافة و سبب الطرب، فلعنة اللّه على الكاذب و إن كان مازحا.
و أداء الزكاة أشد التعب عليهم و خسرانا و مغرما عظيما، و يحقّر الرجل والديه و يسبّهما، و يبر صديقه، و يجالس عدوه، و تشارك المرأة زوجها في التجارة، و تكتفي الرجال بالرجال و النساء بالنساء، و يغار على الغلمان كما يغار على الجارية في بيت أهلها، و تشبّه الرجال بالنساء، و النساء بالرجال، و تركب ذوات الفروج على السروج، و تزخرف المساجد كما تزخرف البيع و الكنائس، و تحلّى المصاحف، و تطوّل المنارات، و تكثر الصفوف، و يقل الإخلاص، و يكثر الرياء، و يؤمهم قوم يميلون إلى الدنيا، و يحبون الرئاسة الباطلة.
فعندها قلوب المأمومين متباغضة، و ألسنتهم مختلفة، و تحلّى ذكور أمتي بالذهب، و يلبسون الحرير و الديباج و جلود السمور، و يتعاملون بالرشوة، و الربا.
و يضعون الدين، و يرفعون الدنيا، و يكثر الطلاق، و الفراق، و الشك، و النفاق، و لن يضر اللّه شيئا، و تكثر الكوبة، و القينات، و المعازف، و الميل إلى أصحاب الطنابير و الدفوف و المزامير و سائر آلات اللهو.
ألا و من أعان أحدا منهم بشيء من الدنيار، و الدرهم، و الألبسة، و الأطعمة، و غيرهما فكأنما زنى مع أمه سبعين مرة في جوف الكعبة.
فعندها يليهم أشرار أمتي، و تنهتك المحارم، و تكتسب المآثم، و تسلط الأشرار على الأخيار، و يتباهون في اللباس، و يستحسنون أصحاب الملاهي و الزانيات، فيكون المطر غيضا، و تغيظ الكرام غيظا، و يفشو الكذب، و تظهر اللجاجة، و تفشى الفاقة.
فعندها يكون أقوام يتعلمون القرآن لغير اللّه، فيتخذونه مزامير، و يكون أقوام يتفقهون لغير اللّه، و يكثر أولاد الزنا، و يتغنّون بالقرآن، فعليهم من أمتي لعنة اللّه، و ينكرون الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر حتّى يكون المؤمن في ذلك الزمان أذلّ من الأمة، و يظهر قرّاؤهم و أئمتهم فيما بينهم التلاوم و العداوة، فأولئك يدعون في ملكوت السماوات الأرجاس الأنجاس.
و عندها يخشى الغني من الفقير أن يسأله، و يسأل الناس في محافلهم فلا يضع أحد في يده شيئا.
و عندها يتكلم من لم يكن متكلما.
فعندها ترفع البركة، و يمطرون في غير أوان المطر، و إذا دخل الرجل السوق فلا يرى أهله إلا ذاما لربّهم، هذا يقول: لم أبع شيئا، و هذا يقول: لم أربح شيئا.
فعندها يملكهم قوم إن تكلموا قتلوهم، و إن سكتوا استباحوهم، يسفكون دمائهم و يملأون قلوبهم رعبا، فلا يراهم أحد إلا خائفين مرعوبين.
فعندها يأتي قوم من المشرق، و قوم من المغرب، فالويل لضعفاء أمتي منهم، و الويل لهم من اللّه، لا يرحمون صغيرا، و لا يوقرون كبيرا، و لا يتجافون عن شيء، جثتهم جثة الآدميين، و قلوبهم قلوب الشياطين، فلم يلبثوا هناك إلاّ قليلا حتى تخور الأرض خورة حتى يظن كل قوم انّها خارت في ناحيتهم، فيمكثون ما شاء اللّه، ثم يمكثون في مكثهم فتلقي لهم الأرض أفلاذ كبدها.
قال: ذهبا و فضة؛ ثم أومأ بيده إلى الأساطين، قال: فمثل هذا، فيومئذ لا ينفع ذهب و لا فضة، ثم تطلع الشمس من مغربها.
معاشر الناس! إني راحل عن قريب، و منطلق إلى المغيب؛ فاودعكم
و أوصيكم بوصية فاحفظوها: إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه و عترتي أهل بيتي، إن تمسكتم بهما لن تضلوا أبدا.
معاشر الناس! إني منذر، و عليّ هاد. و العاقبة للمتقين، و الحمد للّه رب العالمين.
تم هذا المختصر الموسوم: (كفاية المهتدي في معرفة المهدي) و الحمد للّه على إتمامه، و صلّى اللّه على محمّد و آله و سلّم تسليما كثيرا.(1)
و قد كتب في آخر النسخة المخطوطة الأخرى: (قد فرغ كتابته في يوم السبت من عشر الثالث، من شهر الحادي عشر في سنة الإحدى، من عشر الثاني من مائة الثانية بعد الألف الأولى من الهجرة النبوية المصطفوية صلوات اللّه عليه و على آله، مطابق أودى ئيل التركي، أرجو أن أكون شريكا في ثواب قاريها و سامعها و من اعتقد بها).
و أنت خبير بعجمة كاتبها، فتركنا ما كتب بلا تعليق.
و السلام على من اتبع الهدى.
أقول: و قد تمّ اختصار، و ترجمة كتاب (كفاية المهتدي)، و سميته:
مختصر كفاية المهتدي، و كان آخره في صبيحة يوم الاثنين العاشر من شهر رمضان المبارك سنة 1422 ه، جوار حرم السيدة زينب الكبرى بنت أمير المؤمنين عليهما السّلام في قرية راوية دمشق الشام على يد الأحقر المحتاج ياسين الموسوي عفى اللّه تعالى عنه بمحمّد و آله الطاهرين صلّى اللّه عليهم أجمعين.
***ق.
1) على يد أحقر العباد محمّد مؤمن ابن شيخ عبد الجواد يوم السابع [من] شهر ربيع الثاني من شهور سنة خمس و ثمانين و ألف من الهجرة النبوية. الحمد للّه على إتمامه و صلى اللّه على محمّد و آله أجمعين.
القرآن الكريم.
نهج البلاغة: مجموعة خطب و كتب أمير المؤمنين عليه السّلام/جمعها الشريف الرضي قدّس سرّه/شرح محمّد عبده/نشر دار المعرفة/بيروت.
إثبات الرجعة: الفضل بن شاذان/مطبوع في مجلة تراثنا/العدد 15 /نشر مؤسسة آل البيت لإحياء التراث/قم 1409 ه.
إثبات الهداة بالنصوص و المعجزات: محمّد بن الحسن الحر العاملي قدّس سرّه/نشر مكتبة المحلاتي/قم 1425 ه.
إثبات الوصية: المسعودي/المطبعة الحيدرية/النجف الأشرف.
أخيار معرفة الرجال المعروف ب (رجال الكشي): الشيخ أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي شيخ الطائفة قدّس سرّه/تحقيق مهدي الرجائي/نشر مؤسسة آل البيت لإحياء التراث/قم/ 1404 ه.
الأربعون: الشيخ البهائي/مكتبة نويد إسلام/ 1416 ه.
الأربعين البلدانية: الحافظ عبد القادر الرهاوي.
الأربعين: مخطوط/مكتبة جامعة طهران/رقم 217/2130.
الإرشاد في معرفة حجج اللّه على العباد: أبو عبد اللّه محمّد بن محمّد بن النعمان العكبري البغدادي المعروف بالشيخ المفيد قدّس سرّه/تحقيق مؤسسة آل البيت عليهم السّلام لإحياء التراث/نشر دار المفيد.
أسماء مصنفي الشيعة المعروف ب (رجال النجاشي): أبو العباس أحمد بن عليّ النجاشي الأسدي الكوفي/تحقيق آية العظمى السيد موسى الشبيري الزنجاني/مؤسسة النشر الإسلامي/قم/ط 1416/5 ه.
الإعتقادات: الشيخ الصدوق/مطبوع بالحجر مع كتاب النافع يوم الحشر.
إعلام الورى بأعلام الهدى: أبو الفضل عليّ بن الحسين الطبرسي/تحقيق و نشر مؤسسة آل البيت لإحياء التراث/قم/الطبعة الأولى 1417 ه.
الأمالي: أبو جعفر محمّد بن الحسن الشيخ الطوسي/تحقيق مؤسسة البعثة/ نشر دار الثقافة/قم/ط 1414/1 ه.
الأمالي: أبو جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن بابويه القمي المعروف ب (الشيخ الصدوق) /تحقيق و نشر مؤسسة البعثة/قم/ط 1417/1 ه.
الإمامة و التبصرة: عليّ بن الحسين بن بابويه القمي والد الشيخ الصدوق/ مؤسسة الإمام الهادي عليه السّلام.
أمل الآمل: محمّد بن الحسن المعروف ب (الحر العاملي) /تحقيق السيد أحمد الحسيني/نشر مطبعة الآداب/النجف الأشرف/ 1404 ه.
بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمّة الأطهار: الشيخ محمّد باقر المجلسي/ مؤسسة الوفاء/بيروت/ط 1403/2 ه/ 1983 م.
البرهان في علامات مهدي آخر الزمان: علاء الدين عليّ المتقي بن حسام الدين الهندي البرهان فوري.
بصائر الدرجات الكبرى في فضائل آل محمّد عليهم السّلام: محمّد بن الحسن الصفار/تقديم و تعليق الحاج ميرزا محسن كوجه باغي/نشر مؤسسة الأعلمي/طهران/ 1404 ه.
البيان في أخبار صاحب الزمان: محمّد بن يوسف الكنجي الشافعي/ط مع كفاية الطالب/تحقيق محمّد هادي الأميني/نشر دار إحياء تراث أهل البيت عليهم السّلام/طهران/ 1404 ه.
تحف العقول عن آل الرسول: الحسن بن عليّ بن الحسين ابن شعبة الحراني/ تصحيح عليّ أكبر الغفاري/مؤسسة النشر الإسلامي/قم/ 1404 ه.
تفسير القمي: علي بن إبراهيم القمي/ط 1 /النجف الأشرف.
الثاقب في المناقب: عماد الدين أبي جعفر محمّد بن عليّ الطوسي/تحقيق نبيل رضا عطوان/مؤسسة انصاريان/قم/ط 1412/2 ه.
حلية الأبرار في أحوال محمّد و آله الأطهار: السيد هاشم البحراني/تحقيق الشيخ علام رضا البحراني/نشر مؤسسة المعارف الإسلامية/ط 1411/1 ه.
الخرائج و الجرائح: قطب الدين الراوندي/مؤسسة الإمام المهدي عليه السّلام.
الخصال: أبو جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن بابويه القمي المعروف ب (الشيخ الصدوق) /تصحيح عليّ أكبر الغفاري/نشر جامعة المدرسين/قم.
خاتمة المستدرك: الميرزا النوري الطبرسي/الطبعة الحجرية.
دعائم الإسلام: القاضي النعمان بن محمّد بن منصور المغربي/تحقيق آصف بن عليّ أصغر فيضي/دار المعارف 1383 ه/ 1963 م.
دلائل الإمامة: أبو جعفر محمّد بن جرير بن رستم الطبري (الشيعي) /ط 1 / النجف الأشرف.
الذريعة إلى تصانيف الشيعة: آغا بزرك الطهراني/نشر دار الأضواء/بيروت/ ط 1403/3 ه/ 1983 م.
الروضة النضرة (طبقات أعلام الشيعة): ق 11 /الشيخ آغا بزرك الطهراني.
روضة الواعظين: محمّد بن الفتال النيسابوري/تقديم السيد مهدي الخرسان/ منشورات الرضي/قم.
السلافة: السيد عليّ خان المدني.
شذراة الذهب: ابن العماد الحنبلي.
شرع التسمية: المحقق الداماد/ط 1409/1 ه/قم.
صحيح البخاري: محمّد بن إسماعيل البخاري/نشر دار الفكر/بيروت/ 1401 ه.
صحيح مسلم: مسلم بن الحجاج النيشابوري/دار الفكر/بيروت.
الطبقات الكبرى: محمّد بن سعد/نشر دار صادر/بيروت.
العرف الوردي في أخبار المهدي: جلال الدين السيوطي.
عقد الدرر في أخبار المنتظر: يوسف بن يحيى بن عبد العزيز السلمي الشافعي/تحقيق عبد الفتاح الحلو/تعليق عليّ نظري منفرد/انتشارات نصايح/ط 1416/1 ه.
علل الشرائع: أبو جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن بابويه القمي المعروف ب (الشيخ الصدوق) /منشورات المكتبة الحيدرية/النجف/ 1386 ه/ 1966 م.
عمدة عيون صحاح الأخبار في مناقب إمام الأبرار: يحيى بن الحسن الأسدي الحلي المعروف ب (ابن البطريق) /مؤسسة النشر الإسلامي/قم/ 1407 ه.
عيون أخبار الرضا: أبو جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن بابويه القمي المعروف ب (الشيخ الصدوق) /تصحيح حسين الأعلمي/مؤسسة الأعلمي/ بيروت/ط 1404/1 ه/ 1984 م.
الغيبة: أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي شيخ الطائفة/تحقيق الشيخ عبد اللّه الطهراني و الشيخ أحمد ناصح/مؤسسة المعارف الإسلامية/الطبعة المحققة الأولى/ 1411 ه.
الغيبة: أبو زينب محمّد بن إبراهيم النعماني/تحقيق عليّ أكبر الغفاري/مكتبة الصدوق/طهران.
فتاوي الحديثية: ابن حجر العسقلاني.
فرج المهموم في تاريخ علماء النجوم: السيد رضي الدين أبو القاسم عليّ بن موسى بن جعفر ابن طاووس/دار الذخائر/ط 1.
فردوس الأخبار: ابن شيرويه الديلمي.
فضائل الصحابة: أحمد بن حنبل.
الفهرست: الرازي.
الكافي: ثقة الإسلام أبو جعفر محمّد بن إسحاق الكليني/تصحيح عليّ أكبر الغفاري/دار الكتب الإسلامية/طهران/ط 1389/2 ه.
الكامل في ضعفاء الرجال: عبد اللّه بن عدي/تحقيق سهيل زكار/دار الفكر/ بيروت/ط 1409/3 ه.
كتاب سليم بن قيس: سليم بن قيس/ت الأنصاري/ط 1 /نشر الهادي/ 1415 ه.
كشف الغمة في معرفة الأئمّة: عليّ بن عيسى بن أبي الفتح الأربلي/دار الأضواء/بيروت/ 1405 ه/ 1985 م.
كفاية الأثر في النص على الأئمّة الإثني عشر: عليّ بن محمّد بن عليّ الخزاز القمي/ تحقيق السيد عبد اللطيف الكوه كمري/انتشارات بيدار/قم/ 1401 ه.
كمال الدين و تمام النعمة: أبو جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن بابويه القمي المعروف ب (الشيخ الصدوق) /مؤسسة النشر الإسلامي/قم - 1405 ه
مائة منقبة عن مناقب أمير المؤمنين عليه السّلام و الأئمّة من ولده عليهم السّلام من طريق العامة: محمّد بن أحمد بن عليّ بن الحسن القمي المعروف ب (ابن شاذان) / تحقيق و نشر مدرسة الإمام المهدي عليه السّلام/قم/ط 1407/1 ه.
المحاسن: أحمد بن محمّد بن خالد البرقي/تصحيح و تعليق و نشر السيد جلال الدين الحسيني/ 1370 ه.
مرآة الجنان: عبد اللّه اليافعي.
المسترشد في إمامة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السّلام: محمّد بن جرير الطبري (الشيعي) /تحقيق الشيخ أحمد المحمودي/مؤسسة الثقافة الإسلامية/قم/ط 1.
مسند أحمد: أحمد بن حنبل.
مصنف ابن أبي شيبة: محمّد بن إبراهيم بن عثمان بن أبي شيبة/تعليق سعيد فحام/دار الفكر/بيروت/ط 1409/1 ه/ 1989 م.
معجم رجال الحديث و تفصيل طبقات الرواة: السيد أبو القاسم الخوئي/ط 1413/5 ه
المعجم الكبير: أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني/حمدي عبد المجيد السلفي/مكتبة ابن تيمية/ط 2 /القاهرة.
معجم المؤلفين: عمر رضا كحالة/دار إحياء التراث العربي/بيروت.
معرفة علوم الحديث: محمّد بن عبد اللّه المعروف ب (الحاكم النيسابوري) / تصحيح معظم حسين/دار الآفاق الجديدة/بيروت/ 1400 ه/ 1980 م.
مقتضب الأثر في النص على الأئمّة الإثني عشر: أحمد بن عياش الجوهري/ نشر مكتبة الطباطبائي/قم.
مطالب السؤول: إبن طلحة الشافعي/ط: طهران.
مناقب آل أبي طالب: محمّد بن عليّ بن شهر آشوب/نشر المكتبة الحدرية/النجف.
منتخب الأنوار المضيئة: بهاء الدين عليّ بن عبد الكريم النيلي النجفي/ مؤسسة الإمام الهادي عليه السّلام/قم/ط 1420/1 ه.
النجم الثاقب في أحوال الإمام الحجة الغاثب: ميرزا حسين النوري/تحقيق السيد ياسين الموسوي/ط 1415/1 ه.
وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة: محمّد بن الحسن الحر العاملي/ مؤسسة آل البيت لإحياء التراث/قم/ط 1414/2 ه.
مقدمة المركز 5
شكر و تقدير 8
مقدمة المحقق 9
لماذا كتاب كفاية المهتدي؟ 9
ما هي أهمية روايات كتابي إثبات الرجعة، و الغيبة للشيخ ابن شاذان؟ 11
عملنا في الكتاب 12
مصادر الكتاب و مؤلفيها 14
1 - الغيبة 16
2 - الغيبة 20
3 - الفرج الكبير في الغيبة 21
سطور من أحوال السيد المير لوحي 21
مؤلفاته 27
مقدمة المؤلف 37
ح 1 /الأئمّة عليهم السّلام إثنا عشر 46
ح 2 /مثل المهدي عليه السّلام مثل الساعة 52
ح 3 /من أنكر واحدا من الأئمّة عليهم السّلام فقد أنكر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله 60
فائدة جميلة 62
ح 4 /اللوح الذي أهداه اللّه عزّ و جلّ إلى رسوله صلّى اللّه عليه و آله 63
ح 5 /الأئمّة الإثنا عشر عليهم السّلام هم أولوا الأمر 65
ح 6 /رؤية إبراهيم الخليل عليه السّلام أنوار الأئمّة عليهم السّلام إلى جنب العرش 67
ح 7 /لا يقبل عمل أحد إلا بولايتهم عليهم السّلام 69
ح 8 /رؤية النبي صلّى اللّه عليه و آله أنوارهم عليهم السّلام عند سدرة المنتهى في معراجه 71
ح 9 /النبي صلّى اللّه عليه و آله يخبر نعثل اليهودي بأوصيائه عليهم السّلام 74
ح 10 /الأئمّة عليهم السّلام أولى بالمؤمنين من أنفسهم 77
ح 11 /النبي صلّى اللّه عليه و آله يخبر جندل اليهودي عن أوصيائه عليهم السّلام 78
ح 12 /المهدي عليه السّلام التاسع من ولد الحسين عليه السّلام 81
ح 13 /الأوصياء عليهم السّلام إثنا عشر، و المهدي عليه السّلام التاسع من ولد الحسين عليه السّلام 83
ح 14 /النبي صلّى اللّه عليه و آله يبشر الزهراء عليها السّلام بالمهدي عليه السّلام 85
ح 15 /للنبي صلّى اللّه عليه و آله إثنا عشر خليفة 86
ح 16 /حديث اني تارك فيكم الثقلين 88
ح 17 /الخضر عليه السّلام يشهد انهم عليهم السّلام القائمون 89
ح 18 /الأئمّة عليهم السّلام إثنا عشر عدد أسباط يعقوب 93
ح 19 /الحسين عليه السّلام يخبر أصحابه ليلة عاشوراء عن الأئمّة عليهم السّلام 95
ح 20 /الإمام السجاد عليه السّلام يخبر الكابلي عن الأئمّة عليهم السّلام و غيبة المهدي عليه السّلام 96
ح 21 /ثواب من ثبت على ولاية القائم عليه السّلام في الغيبة 98
ح 22 /ثواب من ثبت على ولاية القائم عليه السّلام في الغيبة 98
ح 23 /الأئمّة عليهم السّلام إثنا عشر 100
ح 24 /القائم عليه السّلام هو الخامس من ولد الكاظم عليه السّلام 101
ح 25 /القائم عليه السّلام هو الرابع من ولد الرضا عليه السّلام 102
ح 26 /الإمام الجواد يحدث عبد العظيم الحسني عن القائم عليه السّلام 103
ح 27 /عبد العظيم الحسني يعرض دينه على الإمام الهادي عليه السّلام 105
ح 28 /المهدي عليه السّلام ولد ابنة قيصر ملك الروم 107
ح 29 /ولادة المهدي عليه السّلام 115
ح 30 /رضوان خازن الجنان يغسل المهدي عليه السّلام حين ولادته 120
ح 31 /أم المهدي عليه السّلام تخبر عمّا حدث حين ولادته عليه السّلام 122
ح 32 /حديث نسيم و مارية الخادمتين عن ولادته عليه السّلام 124
ح 33 /يعرض الإمام العسكري ولده المهدي على أحمد بن إسحاق 141
ح 34 /رشيق المادرائي يهجم على بيت الإمام عليه السّلام 143
ح 35 /رؤية الأودي للمهدي عليه السّلام في الطواف 145
ح 36 /المهدي عليه السّلام يغيث رجلا من الشيعة 147
ح 37 /بعض من رأى الإمام المهدي عليه السّلام 148
رؤية محمّد بن إسماعيل للحجة عليه السّلام 148
رؤية حكيمة عمة العسكري عليه السّلام للحجة 149
ملاقاة أبو محمّد العجلي للحجة عليه السّلام 166
ملاقاة ابن مهزيار للحجة عليه السّلام 169
حكاية يعقوب الغساني 173
ملاقاة يوسف الجعفري للحجة عليه السّلام 175
حكاية محمّد بن إبراهيم بن مهران 175
حكاية القاسم بن العلاء 179
حكاية ابن ابي سورة عن أبيه الزيدي 182
حكاية محمّد بن هارون 184
حكاية أبي الحسن المسترق 185
حكاية أبي القاسم جعفر بن محمّد بن قولويه 186
حكاية الزراري 188
حكاية إسماعيل بن الحسن الهرقلي 190
حكاية أبي عطوة 195
حكاية بني راشد و سبب تشيعهم 196
أسماء من رأى المهدي عليه السّلام 200
دعاء الحجة عليه السّلام لعلي بن الحسين بن بابويه 203
ح 38 /علامات الساعة 205
ح 39 /أحداث تكون قبل ظهوره عليه السّلام 209
سنة ظهور القائم 218
ح 40 /المهدي عليه السّلام يملك ثلاثمائة و تسع سنين 236
علامات أشراط الساعة 252
مصادر التحقيق 257
فهرست الموضوعات 263