ghaemiyeh.com
الحوار العاشورائي مائة سؤال وجواب في مختلف القضايا المرتبطة بالنهضة الحسينية المباركة
في حوار شامل مع أستاذ الحوزات العلمية سماحة العلامة الشيخ محمود آل الشيخ العالي
ويليه ملحق المقالات الشعائرية
بقلم سماحة العلامة العالي
إعداد وحوار: محمود صادق النجار
الطبعة الأولى: 1438 ه 2017 م
هوية الكتاب:
الكتاب: الحوار العاشورائي.
مائة سؤال وجواب من إفادات سماحة العلامة الشيخ محمود العالي
ويليه ملحق المقالات الشعائرية
إعداد وحوار: محمود صادق النجار
الطبعة الأولى: 1438 ه 2017 م
*الحوار العاشورائي...
لقاء أجري مع الأستاذ في الحوزات العلمية سماحة العلامة الشيخ محمود العالي، أجاب فيه عن أسئلة متنوعة تدور حول النهضة الحسينية المباركة في أبعادها الفقهية والعقائدية والتاريخية والشبهات والشعائر والمنبر والسلوك العام، وقد نشر هذا الحوار عبر وسائل التواصل الاجتماعي في أجزاء خلال شهر المحرم الحرام العام 1438 ه، ورغبة في حفظ و نشر هذه الإفادات ارتأينا جمعها في كتاب ليعم النفع على الجميع، سائلين المولى أن يتقبل هذا العمل بخالص قبوله.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وآله الطيبين الطاهرين.
وبعد،،،
فلا يخفى على أحد ما تحتله النهضة الحسينية المباركة من موقعية خاصة ومميزة في وجدان الأمة الإسلامية وذلك لأنها تستمد أصالتها من أصالة الدين وتدعو لما يدعو إليه الدين من ترسيخ القيم الحقة والمبادئ السامية والمثل النبيلة وتأسيس المجتمع الصالح وتعبيد طرق الخير والفلاح والعزة والنجاح، كما أنها تحارب ما يحاربه الدين من جميع أشكال الظلم والاستبداد والطغيان والفساد بل تحارب كل ما من شأنه أن يعطل الحركة الإنسانية العامة عن طريق الهداية التي رسمها الله للإنسان كيما يستوي على الصراط المستقیم صراط الأنبياء والأولياء والطريق إلى جنة المأوى والفردوس الأعلى.
لذا كان من الطبيعي أن تنشد النفوس البشرية اتجاه هذه النهضة الحسينية المباركة كونها تلامس آلام وحاجات البشر فردا ومجتمعا، وتدعو إلى خيره وعزته وكماله ورفعته.
وليس ذلك بغريب بعد أن كان مفجر هذه النهضة المباركة سليل الأنبياء والأوصياء، أبي الشهداء وخامس أصحاب الكساء، الذي تربى في حجر النبوة المحمدية والولاية العلوية والعصمة الفاطمية، و الذي فدى بنفسه وأهله وصحبه دین رب العالمين و شريعة جده النبي الأمي الأمين صلي الله عليه وآله وسلم حتى نال من الله المقام الأسمي والدرجة العليا وبقي اسمه خالدا يصدح به الأبات على مر التاريخ.
غير أن من الطبيعي أن تشوب هذه النهضة الحسينية أمور ناتجة عن تنوع الثقافات والعادات المختلفة للشعوب، وتراكمها وتكثرها طوال الحقب المتعاقبة، الأمر الذي قد يؤدي بصورة أو بأخرى - ولو على المدى البعيد- إلى تشويه الصورة الناصعة الواقعة الطف وللنهضة الحسينية المباركة، وهذا ما يستلزم منا أن نعرض هذه الأمور والممارسات المختلفة على الميزان الشرعي ليؤيد ما هو حق فيها ويبين الفاسد منها.
هذا، مضافا إلى ما يتوارد في الأذهان من أسئلة مختلفة مرتبطة بهذه النهضة المباركة حول مناشئها وأسبابها وحيثياتها وأسرارها وشخصياتها ونتائجها، ناهيك عن بعض الشبهات التي قد تثار هنا وهناك بسبب غياب المعلومة أو ضعف البصيرة.
من هنا ولدت فكرة إجراء حوار مع إحدى الشخصيات المتخصصة في مجال الشريعة المقدسة ليجيب فيه عن كل هذه الأسئلة على اختلافها وتنوعها، فكان أن عرضت الأمر والفكرة على أستاذنا ومن إليه في علوم الشريعة استنادنا سماحة العلامة المحقق والخبير المدقق شيخنا الشيخ محمود آل الشيخ العالي متعنا الله بأيامه الشريفة، حيث بارك الفكرة وأثنى عليها، وتفضل مشكورا بالإجابة على الأسئلة رغم مشاغله وكثرة مسؤولياته وازدحام وقته بالدرس والتحقيق، فجزاه الله عن المؤمنين خير جزاء المحسنين.
وحيث إننا نعيش عصر التكنولوجيا الحديثة وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي عند الجميع تقريبا ارتأيت أن أنشر الحوار على حلقات متتابعة في وسائل التواصل الاجتماعي کي تنتشر بأكبر قدر ممكن وتعم الفائدة، وهذا ما كان فعلا في شهر المحرم الحرام من عام 1438 ه حيث نشرت الحوار في ثمانية عشر حلقة، وقد وردتني في الأثناء أسئلة منوعة من المؤمنين ليتم إدراجها في الحوار، مضافا إلى المطالبات المتكررة بطباعة الحوار في كتیب حفظا له من الضياع وتعميما أكبر للفائدة. فاستجزت سماحة الشيخ في ذلك، وقمت بإضافة أسئلة أكثر حتى وصلت في مجموعها إلى مائة سؤال حول مختلف القضايا المرتبطة بالنهضة الحسينية ثم ارتأينا أن نضيف في خاتمة الكتاب ثلاث مقالات قد كتبت بقلم شيخنا الأستاذ مرتبطة بالشعائر الحسينية كونها في نفس الموضوع وفي نفس السياق.
وتجدر الإشارة إلى أني قد تعمدت أن أرتب الأسئلة بالنحو الذي عليه الكتاب من حيث اختلاف الموضوعات والحقول وذلك كي يكون أشبه بالكشكول الذي ينتقل فيه القارىء من شجرة إلى أخرى ومن بستان إلى آخر فيقطف من كل شجرة ثمرة ومن كل بستان زهرة. ومع ذلك فقد وضعت فهرسا موضوعيا مضافا إلى فهرس المطالب والمحتويات ليتسنى للقارىء الإطلاع على الأسئلة التي تندرج تحت موضوع واحد.
ولا أنسى أن أتقدم بالشكر الجزيل لأخينا سماحة الشيخ محمد الخاتم دام فضله لمساهمته في مراجعة النص وتخريجه وإضافة تعليقات مفيدة، ولكل من ساهم في إخراج هذا العمل للنور.
سائلا الله أن يجعل العمل خالصا لوجهه الكريم، وأن يرزقني وسماحة الأستاذ وجميع المؤمنين والمؤمنات شفاعة محمد وآله الطاهرين يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم .
محمود صادق النجار
حرر في 24 ربيع الأول 1438ه-
الحوار العاشورائي
نرحب بكم سماحة الشيخ الجليل ونحن في باكورة هذا اللقاء، ونشكر تفضلكم قبول إجراء هذا الحوار العاشورائي الذي سيتناول أسئلة مهمة تدور في أذهان الناس، ونعظم لكم الأجر بدخول شهر المحرم، شهر الحسين عليه السلام .
ونود في البداية وقبل طرح الأسئلة أن تقدموا لنا مقدمة حول موقع النهضة
الحسينية من منظور إسلامي.
نتقدم بواجب العزاء لبقية الله الأعظم أرواحنا لتراب مقدمه الفداء ولمراجع الدين العظام وللعلماء الأعلام وجميع المؤمنين لهذه الفاجعة والمصاب العظيم الذي اظلم له الكون، واسود له الفضاء، وهذه المصيبة التي جزعت لها ملائكة السماء وسكان السماوات والأرض.
عندما نريد أن نتحدث عن موقع النهضة الحسينية من منظور إسلامي يأخذنا
الحديث إلى نقطتين، من خلال هاتين النقطتين يتبين لنا مدى الأهمية الفائقة ومدی المكان الذي تحتله واقعة كربلاء والنهضة الحسينية من منظور إسلامي
هاتان النقطتان عبارة عن الحديث أولا عن منطلقات الثورة الحسينية وثانيا الحديث عن المكتسبات والنتائج التي حققتها الثورة الحسينية.
عندما نريد أن نتحدث عن النقطة الأولى وهي المنطلقات التي انطلقت من خلالها نهضة سيد الشهداء عليه السلام : ندرك مدى أهمية هذه النهضة من المنظور الإسلامي من الناحية الدينية.
الثورة الحسينية لم تنطلق من منطلقات مادية كثورة الجياع مثلا أو للقضاء على البطالة أو غيرها مما تكون أهدافا محددة أو محدودة، إما محددة بحسب الفئة أو محددة بحسب الهدف، إنما انطلقت الثورة الحسينية من أهداف رفيعة ومن أهداف سامية وعالية، و من الطبيعي عندما تنطلق الحركة والنهضة من أهداف عالية وسامية غير محدودة سوف تحتل مكانتها بحسب هذه الأهداف العالية والسامية والرفيعة وغير المحدودة.
المنطلق الأول: فالثورة الحسينية والنهضة الحسينية انطلقت أولا من الهدف الذي أصحر به سید الشهداء وأعلنه وهو إرادة الإصلاح. شعار الإصلاح هو شعار عظیم، شعار مقدس، شعار جذوره قرآنية دينية، فعندما نأتي إلى دعوات الأنبياء... دعوات الأنبياء تحمل في ضمن ما تحمل من أهداف الدعوة إلى الصلاح والإصلاح، بمعنى أن هناك فساد يتحقق من قبل الإنسان بطبيعته وتركيبته، فتأتي دعوات الأنبياء لمحو هذا الفساد وإزالته وتحقيق الإصلاح، فالله يقول على لسان نبيه شعیب : « إِنْ أُرِیدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ » (1)فالأنبياء يريدون إصلاح ما أفسده الإنسان.
فإذا الصلاح والإصلاح هو شعار دیني جذوره قرآنية، وهو شعار الأنبياء وشعار الصالحين، فالإمام الحسين - صلوات الله وسلامه عليه - عندما تحرك لم يكن تحرکه الإثارة الشغب أو لإثارة الاضطرابات أو لإثارة الفوضى، حاشاه وهو سيد شباب أهل الجنة وإنما تحرك من أجل تحقيق الإصلاح، ومعناه أن حركة الحسين عليه السلام جاءت على خلفية فساد تحقق في واقع الأمة ومشروع يراد له أن يحقق الفساد وأن
1) سورة هود: 88.
يوجد الفساد على المستوى الواقعي للأمة الإسلامية و على مستوى الصيغة للهوية الإسلامية، وعلى مستوى الفكر، وعلى مستوى العقيدة، وعلى مستوى التشريع؛ بمعنى أن هناك مشروع إفسادي، هذا المشروع الإفسادي يراد له أن يحقق التحريف في كل الصبغة الدينية فكرا وعقيدة وتشريعا وهوية وشخصية للإنسان المسلم.
فتحرك الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه كان لتحقيق الإصلاح وهذا هو المنطلق الأول.
المنطلق الثاني: هو منطلق إقامة فريضة من أسمى الفرائض وهي فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتي أشارت إليها الآيات والروايات وبينت أهميتها. والقرآن عندما يتحدث عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يحث على ذلك بهذه اللغة وبهذا اللسان « وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ » (1)، أشبه ما يكون بإيجاد جهاز وإيجاد تكون يأخذ في مسؤوليته وعلى عاتقه فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
« وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ » (2)لأهمية هذا الأمر والصيانة واقع الأمة وصيانة الدين من التحريف وصيانة هوية الإنسان المسلم من التحريف؛ لذا فالله يحرض على أنيكون هناك جهاز يمارس ويقوم بدور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
الأحاديث الواردة عن النبي صلی الله علیه وآله وعن أئمة الهدى تبين ضرورة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأن الأمة عندما تتواكل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - بمعنی تتساهل وتتسامح من خلال أن البعض يعتمد على البعض الآخر وأن هذا الفرد يعتمد على الفرد الآخر، فيكون هناك نوع من التواكل والتهاون- تكون هناك نتائج خطيرة على الأمة الإسلامية وعلى المجتمع وعلى الإنسان «لتأمرون بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليستعملن عليكم شراركم فيدعوا خیارکم فلا يستجاب لهم » (3)، هذه نتيجة من النتائج الخطيرة المترتبة على التسامح في هذه
الفريضة، وقد جاء في بعض الروايات نوع من التعبير والتوبيخ بأن هناك أناس تركوا أسمى الفرائض، وهي فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عندما تتضرر مصالحهم وعندما تتضرر مكتسباتهم.
إذا بشكل مختصر؛ فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الفرائض المهمة جدا، والتي تمثل صيانة وضمانة لاستقامة الإنسان والأمة وأشبه ما يكون بحراسة للدين وسلوك الإنسان المسلم من تحقق و سريان الانحراف لهما .
فالإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه انطلق من هذا الهدف وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
المنطلق الثالث: الذي انطلق منه الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه هو العودة بالأمة الإسلامية إلى السيرة الصحيحة، هذه السيرة التي تنطلق من مبادئ القرآن ومبادئ التشريع وهي سيرة النبي صلي الله عليه وآله وسيرة أمير المؤمنين الذي هو الإنسان المعصوم المنزه من الذنب والخطأ، فكان يقول: «وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب » (1)فالإمام الحسين صلوات الله عليه انطلق من هذا الهدف المهم وهو العودة بالأمة - على مستوى المسار السياسي والاجتماعي - إلى سيرة النبي صلي الله عليه وآله وسلم التي تنطلق من مبادئ القرآن ومبادئ التشريع وسيرة أمير المؤمنين عليه اسلام ، وهذه المنطلقات المهمة التي انطلق منها الإمام الحسين عليه السلام لها أثرها البالغ في واقع الأمة.
إذا جئنا على مستوى المكتسبات فثورة الحسين صلوات الله وسلامه عليه ونهضته المباركة - على مستوى المكتسبات - قد حققت للأمة الإسلامية مكتسبات مهمة جدا و بالغة الأهمية؛ الحسين عليه السلام وإن كان على مستوى الحسم العسكري قد خسر المعركة، ولكنه ربح وانتصر على المستويات والمكتسبات الأخرى، ولعل هذا ما تشير إليه كلمته عندما كتب إلى بني هاشم: «أما بعد، فإن من لحق بي استشهد ومن لم يلحق بي لم يدرك الفتح » (2)الحسين يتكلم عن فتح ومن الطبيعي أن المقصود
ليس الفتح والنصر المادي، إذ الحسين خسر المعركة على المستوى العسكري ولكن الفتح بلحاظ المكتسبات والمعطيات والنتائج والآثار التي تحققت بعد استشهاده سواء كان على مستوى واقع الأمة الإسلامية أو كان على مستوى الشيعة وعلى أتباع مدرسة أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم.
على مستوى مكتسبات الأمة الإسلامية نستطيع أن نوجز ذلك بكلمة واحدة، فنقول: إن الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه قد أسقط المشروع الرامي إلى تغيير الإسلام وتغيير الصيغة الأساسية للإسلام وتحريفه ومسخه وتحويله إلى إسلام کما يریده بنو أمية.
هذا المشروع الذي خطط له ودرس على أن يكون هو البديل للصيغة الإسلامية الصحيحة وللإسلام الذي جاء به النبي الأعظم صلي الله عليه وآله وسلم ، أريد لهذا الإسلام أن يحرف وأن يزيف، وهناك شواهد كثيرة جدا على وجود هذا المشروع، والمتتبع لثنايا التاريخ يجد هناك العشرات من الشواهد المدللة على وجود مشروع كان يستهدف الصيغة الأساسية للإسلام بتحريفها وتزييفها، وكشاهد على ذلك ما حكي عن البراء بن عازب أو ما حكي عن غيره من الصحابة - ولعله جابر - وقيل أنس: أنه لما ذهب إلى الشام ورأى ما عليه وضع الناس هناك بکی وتأثر واستعبر، وقال: إنه كل ما كان على عهد رسول الله وعهدناه على عهد رسول الله قد تغير، حتى هذه الصلاة التي كنا نصليها مع رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم قد تغيرت (1)، وهذا واحد من الشواهد التي تدلل على أن هناك مشروع خطير جدا يستهدف ذات الدين، وذات الإسلام، بتحريف الصيغة الأساسية للإسلام وإبدال الإسلام بصيغة محرفة مزيفة، وإعطاء نسخة مختلفة تماما عن النسخة الأصلية للإسلام.
الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه أسقط هذا المشروع وأفشله وهذا مکسب على واقع الأمة ويشهد على ذلك ما ذكر في التاريخ أنه لما أخذ علي بن
1) صحيح البخاري، 1 - 133، کتاب مواقيت الصلاة وفضلها، باب تضييع الصلاة عن وقتها.
الحسين وبنات رسول الله صلى الله عليه وآله سبايا إلى يزيد، ثم التفت يزيد إلى علي بن الحسين عليه السلام ، وقال: من المنتصر أنا أم أبوك؟ فقال عليه السلام : « إذا أذن المؤذن يتبين من هو المنتصر » (1).
فهذا شاهد على أن الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه قد أسقط ذلك المشروع الذي كان يستهدف الصيغة الأساسية للإسلام ويريد أن يأتي بإسلام محرف، إسلام يتجاوب ويلتقي مع رغبات وأهواء الناس تماما، لذا فإن الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه بدمه وبتضحياته حفظ الدين الإسلامي بشكله العام من أن تناله صيغة التحريف.
هذا على المستوى العام کمکتسب، وأما على مستوى واقع المنتمين لأهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم فهناك الكثير من المكتسبات والكثير من النتائج التي تحققت ببركة دم سید الشهداء صلوات الله وسلامه عليه.
هذه القوة التي يمتلكها أتباع أهل البيت عليهم السلام - وأتكلم عن القوة المعنوية والقوة في بعض سياقاتها المادية كقوة الإعلام التي يمتلكها الآن أتباع أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم - جاءت ببرکات دم سید الشهداء، و تحقق بسبب النهضة الحسينية، لولا النهضة الحسينية لم يكن لنا نحن كأتباع لمدرسة أهل البيت هذه القوة الهائلة من إعلام ومن حضور إعلامي وحضور جماهيري لا يمكن لأي قوة أن توجد هذا الحضور وأن توجد هذه القوة الإعلامية، اليوم حتى بعض القضايا التي نشهدها في عالمنا حتى لو استقطبت جمهورا إنما تستقطب جمهورا من خلال المال والأمور مادية، أما في قضية الحسين عليه السلام نجد أن هذا الحضور الجماهيري وهذا الاحتشاد الجماهيري، والقوة الإعلامية من خلال هذا الاحتشاد الجماهيري في كل الدنيا ليس فقط في مناطق وعالم التشيع وإنما في جميع مناطق الدنيا، هذا الحضور يأتي عفويا وحبا لرسول الله صلي الله عليه وآله ، واستجابة لنداء الله : « قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا
1) وتكرر نفس الموقف على الإمام علیه السلام کما في أمالي الشيخ الطوسي، ص677، في مجلس يوم الجمعة السابع من شعبان سنة سبع وخمسين وأربعمائة، ح 11. لما قدم علي بن الحسين عليه السلام وقد قتل الحسين بن علي عليه السلام استقبله إبراهيم بن طلحة بن عبيد الله، وقال متشمتا : یا علی بن الحسين، من غلب؟ وهو مغطى رأسه، وهو في المحمل. قال: فقال له على بن الحسين عليه السلام : إذا أردت أن تعلم من غلب، ودخل وقت الصلاة، فأذن ثم أقم.
الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى » (1)إذ يعتبر هذا التعاطف مع قضية الحسين صلوات الله وسلامه عليه نحو من أداء أجر الرسالة، المطلوب منا كأمة إسلامية أن نجد هذا التعاطف وهذا الولاء السيد الشهداء صلوات الله وسلامه عليه، وهنا لابد من أن أذكر أن الإمام الحسين عليه السلام ليس فقط للشيعة، وإنما الحسين سيد من سادات المسلمين، وعالم من علماء الصحابة على أدنى مستوى إذا لم ننظر نظرة الشيعة الإمامية إلى الحسين عليه السلام كإمام معصوم مفترض الطاعة فهو يتمتع بهذه الموقعية کما صرح ابن كثير في البداية والنهاية حيث يقول: «فكل مسلم ينبغي له أن يحزنه قتله رضي الله عنه، فإنه من سادات المسلمين، وعلماء الصحابة، وابن بنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم - التي هي أفضل بناته، وقد كان عابدا وشجاعا وسخيا » (2)فالتفاعل مع قضية الحسين عليه السلام يجسد لونا وشكلا من أشكال المودة المأمور بها الإنسان المسلم بغض النظر عن انتماءه المذهبي، هذا مكسب من المكاسب التي حققتها ثورة الحسين صلوات الله عليه.
مکسب آخر في ثورة الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه، أن القضية كأنها عملية تمحيص وغربلة للأمة وأن الأمة هل هي مستعدة للتضحية منأجل مبادئها وقيمها عندما تتعرض للخطر والتهديد أم لا.
فمن مكاسب ثورة ونهضة الإمام الحسين أنها جعلت الناس على المحك وبينت لكل متتبع ولكل داعية للإصلاح، هذه الحقيقة ومدى استعداد الناس للتضحية من أجل مبادئها وقيمها حتى لا يغتر أي مصلح من المصلحين على مسألة بالجمهور، الإمام الحسين يقولها بكل صراحة: « الناس عبيد الدنيا » (3)ونحن كلنا يعلم أن هذه الألف واللام للاستغراق وليست للإشارة إلى حصة خاصة من الناس، حتى يقول قائل: إن هذا إشارة إلى خصوص الناس الموجودين في زمانه.
الإمام الحسين عليه السلام يريد أن يقرب هذه الحقيقة وهي أن الناس عبيد الدنيا والدين لعق على ألسنتهم يحوطونه ما درت معائشهم، يتبعون الإسلام ويتكلمون
باسم الإسلام ويستحضرون مفاهيم الإسلام، وقيم الإسلام ما دامت تدر عليهم المصالح لكن إذا حصوا بالبلاء قل الديانون، هذه حقيقة، حقيقة أفرزتها نهضة سيد الشهداء صلوات الله وسلامه عليه وهي معطی مهم جدا لكل مصلح يريد أن يعتمد على الجمهور.
معطى آخر ومكتسب آخر حققته الثورة الحسينية - صلوات الله وسلامه على بطلها ورمزها- أنه بعد واقعة الطف إلى هذا اليوم أو جدت حركة الإمامالحسين منبرة متحركة فاعلا وفتحت المجال وفسحت الفرصة لنشر تعاليم الدين وثقافة الدين وفكر الدين وإشاعة الفضيلة، إشاعة الكرامة وإشاعة كل المبادئ القيمة من خلال هذا الموسم المعطاء من خلال منابر الخطابة، ومن خلال مجالس الحسين صلوات الله عليه وهي فرصة عظيمة، هذه الفرصة العظيمة أتصور أنها لم تتحقق لولا بركة سيد الشهداء ودماء سيد الشهداء.
هذه المآتم التي تمثل مدارس فكرية وعلمية تغذي المجتمع بالثقافة الدينية و بالفكر الديني وتحضن المجتمع تحصينة تامة مقابل كل مشاريع الغزو وكل أطروحات التحريف وفي مقابل كل تجهيل، فهي تغذي المجتمع الديني بالفكر الإسلامي الأصيل عقيدة وشريعة وأخلاقا وفكرة وإيمانا ومعنوية على كل هذه الأبعاد، فهذا معطی عظیم ومكسب كبير لم يتحقق لولا بركة سيد الشهداء صلوات الله وسلامه عليه، ولراصير متبع أن يتتبع الواقع الإسلامي ويجد هذه المدارس المفتوحة التي يؤمها ويحضرها مختلف الناس ليتثقفوا وليتفهموا وليعرفوا حقيقة الدين وحقيقة التشيع ومظلومية أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم ويتعرفوا على الفكر الإسلامي الصحيح عقيدة وشريعة وأخلاق وقيا وإيانا ومعنوية إلا وجدت ببركة دم سید الشهداء.
لو أردنا أن نقيم محفلا فكرية وندعوا له دعوة عامة ونبرز أكبر شخصية فكرية التلقي وتحاضر لا أتصور أنها تستقطب أكثر من مائة أو مائتين أو ثلاث مائة، إلا أن مدارس الحسين صلوات الله عليه طوال هذين الشهرين وبالخصوص العشرة
الأوائل من شهر المحرم وعلى تعددها وعلى كثرتها تجد أنها تستقطب الناس إلى درجة أن تضيق مساحة هذه المآتم وهذه الحسينيات على الأعداد القادمة لتتلقى المعرفة والفهم والعقيدة الصحيحة والتشريع والأخلاق، فهذه برکات دم سید الشهداء صلوات الله وسلامه عليه.
إذا نحن ندرك ما تحتله نهضة الحسين صلوات الله وسلامه عليه من أهمية على مستوى المنطلقات التي انطلقت منها وعلى مستوى المكتسبات التي حققتها إن كان على مستوى واقع الأمة الإسلامية أو على واقع أتباع مدرسة أهل البيت علیهم السلام ، وأشير في هذا السياق إلى كتابين مهمين جدا لمن أراد أن يتعرف بشكل مستوعب ومفصل على الأهداف والنتائج والمكتسبات، الأول كتاب الثورة الحسينية المنطلقات والأهداف للعلامة الكبير والمفكر الإسلامي الراحل سماحة العلامة الشيخ محمد مهدي شمس الدين (1)، وإلى الكتاب القيم الآخر وهو كتاب فاجعة الطف أبعادها ثمراتها توقيتها تأليف السيد المرجع الكبير آية الله العظمى السيد محمد سعيد الحکیم (2)- دام ظله الشريف - ففيهما الغنى والكفاية.
1) ولد في عام 1936م، شمس الدين هو أحد علماء جبل عامل يرجع نسبه إلى المرجع محمد بن مكي العاملي الملقب بشمس الدين والمعروف بالشهيد الأول حيث استشهد في عام 1936 م. هاجر إلى النجف وتتلمذ على يد أبرز فقهاء القرن العشرن منهم آية الله السيد محسن الحكيم وآية الله السيد أبو القاسم الخوئي وغيرهم. وله إسهامات عديدة على الصعيد الحوزوي والاجتماعي، كما شغل مناصب عديدة منها رئاسة المجلس الأعلى الإسلامي الشيعي في لبنان عام 1994م خلفا للسيد موسى الصدر. وفي عام 2001م توفي جراء مرض عضال.
2) ولد – دام ظله - في مدينة النجف الأشرف، في الثامن من شهر ذي القعدة الحرام عام 1354ه الموافق 1934م، وهو ابن العالم الجليل والمجتهد الكبير السيد محمد علي بن السيد أحمد الحكيم، وتتلمذ على يد والده و آية الله السيد محسن الحكيم، وآية الله السيد أبو القاسم الخوئي، وآية الله الشيخ حسين الحلي وغيرهم. للسيد نبوغ علمي أهله لأن يعهد إليه السيد الحكيم مراجعة موسوعته الفقهية (مستمسك العروة الوثقی) قبل طباعتها. ولا يخفى الدور الذي يقوم به السيد الحكيم على الصعيد الحوزوي و الشأن العراقي، له من المؤلفات ما يزيد على 28 عنوانا وبعضها على أجزاء متعددة .
*هذا السؤال مهم جدا وسؤال ينبغي أن يترجم عمليا من خلال التوجيه والإرشاد والنصيحة.
1- البكاء والتباكي
أقول بشكل مختصر: ينبغي أن يتمثل الإنسان المؤمن ما جاء في الروايات الواردة عن بيان حال أئمة الهدى وكيف تعاطيهم مع هذه الفترة وعشرة المحرم، فقد جاء في توصيف أحوال مولانا الإمام الكاظم عليه السلام أنه إذا دخلت العشرة الأولى من المحرم لم ير ضاحكا و كانت الكآبة تغلب عليه وإذا كان اليوم العاشر كان يوم حزنه وبكاء (1)، وهكذا كان يتعامل أئمة أهل البيت علیهم السلام بنوع من الاحترام والتعظيم وإظهار الحزن والجزع على سيد الشهداء صلوات الله وسلامه عليه.
الرواية تقول: «وكانت الكتابة تغلب عليه »، یعني يكون كئيبا ، «فإذا كان اليوم العاشر كان ذلك اليوم يوم مصيبته وحزنه وبكاءه »، هذا سلوك الأئمة وتعاطيهم مع هذه العشرة، الإمام الصادق عليه السلام في رواية أنه إذا ذكر الحسين عنده لم ير باسما أو ضاحكا طوال ذلك اليوم لعظم تأثره بمصيبة سيد الشهداء صلوات الله وسلامه عليه (2). الإمام لما يذكر عنده الحسين لا يرى ضاحكا؛ فما بالك وأنت تستحضر هذه الواقعة العظيمة والفاجعة الكبرى بكل تفاصيلها وبكل جزئياتها في هذه المدة
1) ورد في أمالي الشيخ الصدوق، ص 191، المجلس السابع والعشرون، ح2، عن الإمام الرضا عليه السلام أنه قال: «كان أبي (صلوات الله عليه) إذا دخل شهر المحرم لا يرى ضاحکا، وكانت الكآبة تغلب عليه حتى يمضى منه عشرة أيام، فإذا كان يوم العاشر كان ذلك اليوم يوم مصيبته وحزنه وبكائه، ويقول: هو اليوم الذي قتل فيه الحسين عليه السلام »
2) ورد في كامل الزيارات، ابن قولویه، ص 214 باب 36، ح 2، عن أبي عمارة المنشد، قال: ما ذكر الحسين عليه السلام عند أبي عبدالله عليه السلام في يوم قط فرئي أبو عبدالله عليه السلام متبسما في ذلك اليوم إلى الليل، وكان عليه السلام يقول: «الحسين عليه السلام عبرة كل مؤمن ».
من خلال ما يتعرض إليه خطباء المنبر الحسيني، فينبغي على الإنسان أن يتعامل معها التعامل المناسب كإنسان موال متأثر يظهر الحزن.
تصنع الحزن مطلوب، تصنع البكاء مطلوب، كما جاء في الرواية إن لم تبكي فتباکی، هذا التصنع ليس ریاءا وإنما تصنع بمعنی افتعال البكاء؛ لأن افتعال البكاء يؤدي إلى البكاء وافتعال الحزن يؤدي إلى الحزن... نفس هذا الافتعال هو أمر مطلوب (1)
وليس التباكي -کما يتصور البعض - بأن يحرك رأسه ويهز بدنه ويصدر صوت البكاء تشبها بالباكين، فإنه سينشغل بهذه الحركات عن الدعاء أو المصيبة التي يستمع إليها فهذا يتظاهر بالبكاء لا أنه يبكي حقيقة، وإن كان هذا الوجه له وجه لما ورد «أن من تشبه بقوم فهو منهم» وهذا ينفع من لم تساعده عينه على البكاء مع طلبه له. ولا يخفى أن من يتباکی ولیس له غرض التشبه بالباكين فضلا عن طلب البكاء، بل كان بكاؤه لغرض أن يراه الآخرون فهذا بلا شك تباك مذموم وقد يؤثر عليه صاحبه لجهة الرياء.
.2- الحضور في المجالس
الحضور في المجالس هذه مسألة مهمة، أن يسعى الإنسان المؤمن بأن يحضر أكبر عدد من هذه المجالس، فهذا توفیق عظيم وفيه تطييب القلب النبي صلی الله علیه وآله وتطييب القلب فاطمة الزهراء عليها السلام المكسور في هذه الأيام وقلب أمير المؤمنين وقلب الحسن الزكي عليه السلام وقلب سائر أئمة الهدی صلوات الله وسلامه عليهم. فإذا كان هذا العمل الذي لا يكلف الإنسان شيئا ولا يأخذ منه جهدا موجب لتطييب قلوب النبي صلی الله علیه وآله وأهل بيته، فلماذا يتأخر الإنسان عن مثل هذه الخطوة المباركة والعظيمة والتي وراءها التوفيق.
1) لا يخفى أن التباکی أمر راجح ولا يقف عند البكاء على مصيبة الإمام الحسين عليه السلام بل يشمل كل مصائب أهل البيت علیهم السلام ولا سيما الرسول الأعظم صلی الله علیه وآله . ويتعدى الحث على البكاء والتباكي ذكر المصائب ليصل إلى البكاء والتباكي عند الدعاء فيتكلف الداعي البكاء بتذكر أحبابه الذين فارقوا الدنيا مثلا أو ما يهيج أحزانه فيولد هذا فيه الشعور نحو البكاء فعندما يبكي يصل هذا بدعائه، فيكون قد رق قلبه وهذا يسهل عليه أمر البكاء في الدعاء لأن الإنسان قد يجد في نفسه الرغبة في البكاء أو أنه يستمع إلى ما يبکی کمصيبة الحسين إلا أنه يجد في نفسه جفافا عن ذلك فيحرك المشاعر عنده ليستدر الدمعة. ويؤيد ما ذكرناه ما قيل للإمام الصادق عليه السلام : أكون أدعو فأشتهي البكاء ولايجيئني، وربما ذكرت بعض من مات من أهلي فأرق و أبكي ، فهل يجوز ذلك؟ قال: نعم، فتذكرهم فإذا رققت فابك وادع ربك » ففعل التباكي موصل إلى البكاء عادة.
وأن لا نستعيض عن حضور مجالس الذكر بالاستماع للمحاضرات من خلال الفضائيات أو البث المباشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، هذه حالة خطيرة.. وهي أن نستعيض بها عن مجالس الذكر ومنها مجالس المصيبة (1)وعن المآتم بالاستماع إلى خطيب من خلال فضائية مثلا، هذا شيء جيد لمن لا يتمكن من الحضور لكونه مريضا - لا سمح الله - أو لكونه في عمل، أما الإنسان الذي تسمح له ظروفه بالحضور فينبغي له أن يحضر.
وهنا أريد من خلال هذا اللقاء الكريم أن أبين نقطة وهي: أن بعض الناس يتعلل ويبرر عدم حضوره؛ بأن الخطيب ليس لديه مادة علمية غزيرة، أو أن ما يقدمه ليس بالمستوى المطلوب... إلخ.
ليس المطلوب أيها الإخوة الحضور هنا فقط من أجل أن تزداد معرفيا وإن كان هذا أحد الأهداف ولكن ليس هو كل الهدف. نفس الحضور هو نوع من التعظيم والتجليل لمقام سيد الشهداء سلام الله عليه والذي لا ينبغي للمؤمن أن يستعيض عنه بشيء آخر لا يحقق هذا الهدف.
الحضور هو الذي يمثل تعظیما و تجليلا لمقام سيد الشهداء، أما أن أستمع لوحدي أو مع عائلتي لفضائية فهذا لا يعكس هذا التجليل والتعظيم.
3- إظهار الجزع
كذلك إظهار الجزع، ورد في الرواية الصحيحة التي يرويها ابن قولويه في كتاب کامل الزيارات: «إن البكاء والجزع مكروه للعبد في كل ما جزع، ما خلا البكاء والجزع على الحسين بن علي عليه السلام ، فإنه فيه مأجور » (2)الجزع لون من ألوان التعاطي والسلوك الذي ينبغي أن يكون عليه الإنسان المؤمن في هذه العشرة وهي شدة التأثر والمبالغة في التأثر، الجزع مکروه ما خلا الجزع على الحسين صلوات الله وسلامه عليه، أن يظهر الإنسان الجزع، أن يظهر ويبالغ في إظهار هذا الجزع، هذا
أمر مطلوب وهذا سلوك من السلوكيات المطلوبة للتعامل مع هذه الأيام العظيمة والأيام الكئيبة على آل الرسول صلی الله علیه وآله ، وعلى المؤمنين.
4- لبس السواد
لبس السواد، وهو نوع من أنواع إظهار الجزع، ولذلك كتب رسالة فقهية في هذا
المجال (1)وهو استحباب لبس الأسود بعنوان أنه مظهر من مظاهر الجزع.
مضافا إلى أن ما ورد من كراهية لبس الأسود ليس تاما، فرواياته ليست تامة من حيث السند ولا من حيث الدلالة، وهذا موكول للبحث الفقهي. عموما، التسربل بالسواد هو شكل من أشكال الجزع، وإظهار الجزع هو أمر مطلوب دلت عليه الروايات الصحيحة وفيها نوع من التحريض على إظهار الجزع.
5- حسن الأدب الأمر الآخر أن يظهر الإنسان الموالي في هذه الأيام بالمظهر الذي يعكس حسن الانتماء ويعكس حسن الأدب.
لا ينبغي لنا لا من خلال سلوك، ولا من خلال تصرف، أو كلمة أن نعكس ما لا ينبغي لنا أن نعكسه؛ لأن هذه التصرفات تنجر بالنتيجة إلى انتماءنا. وقد ورد في روايات أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم: «إن الحسن من كل أحد حسن وإنه منك أحسن؛ لمكانك منا، وإن القبيح من كل أحد قبيح وإنه منك أقبح » (2)و «کونوا زينا لنا ولا تكونوا شينا » (3)و «جروا إلينا كل مودة وادفعوا عنا كل قبيح » (4)فهذه الروايات وغيرها تحث على أن يكون الإنسان المؤمن عاكسا لحسن
1) تحت الإعداد للطباعة بمعية رسائل فقهية أخرى.
2) قول الإمام الصادق عليه السلام لمولاه شقران معترضا به؛ لأنه كان يعصي ربه، مناقب آل أبي طالب، ابن شهر آشوب، ج3، ص 362 .
3) فقه الرضا، ابن بابويه القمي، ص356، باب مكارم الأخلاق والتجمل والمروءة والحياء، الحديث الأخير في الباب.
4) تحف العقول، الحسن بن على بن شعبة الحراني، ص 488.
أدبه و حسن سلوکه بحكم انتماءه لأهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم.
هذه الفترة الزمنية يكون أتباع أهل البيت علیهم السلام تحت المجهر وتحت الأضواء فلا ينبغي أن نعكس ما يسيء إلى انتهاءنا من خلال سلوك أو من خلال كلمة أو من خلال تصرف سيء.
6- ترك السعي في الحوائج الدنيوية
كذلك ينبغي ترك السعي في الحوائج الدنيوية في خصوص يوم العاشر، ففي الحديث عن الحسن بن علي بن فضال عن أبي الحسن علي بن موسى عليه السلام قال: (من ترك السعي في حوائجه يوم عاشوراء قضى الله له حوائج الدنيا والآخرة) (1).
*المطلوب أن يكون العزاء على سيد الشهداء صلوات الله وسلامه عليه. وأن يكون اللطم على الحسين عليه السلام ؛ لأن ما هو مطلوب وما ورد الندب والحث عليه هو اللطم على الحسين سلام الله عليه، على مثل الحسين فليبك الباكون وليندب النادبون (2).
مع هذا لا بأس بأن ذكر قضايا المسلمين بشكل عابر و بسیط دون أن تحتل
المساحة كلها.
وما مدى وثاقته وصحة النقل عنه؟
ثانيا: أنا أتصور أن الإرادة الإلهية أرادت أن تظهر الحق من خلال هذا الشخص - ولله في خلقه شؤون حيث إن هذا الشخص في كثير من نقولاته التي ينقلها عن الواقعة حينما تدرس هذه النقولات تجد أن فيها ما يتناسب مع مقام الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه وعظمته وقيمه ومبادئه وعلو شأنه، وفي المقابل ينقل ما يدل على خسة الطرف الآخر ودناءته ومنتهی انسلاخه من القيم والمبادئ .
فالرجل وإن لم يكن ثقة إلا أن نقولاته التي يذكر فيها عظمة الإمام الحسين علیه السلام و خسة الطرف المقابل تدلل على أنها نقولات لم تتأثر بانتماءه إلى المعسكر
1) كوفي، عد من أصحاب الإمام السجاد عليه السلام ، مجهول. ولم يعرف إلا من جهة نقلة لبعض أحداث واقعة الطف، ويظهر من بعض المصادر أنه كان من ضمن جيش ابن سعد (لعنه الله)، إذ أرسله في يوم العاشر مع خولي بن يزيد الأصبحي برأس الحسين عليه السلام إلى ابن زیاد. ويحتمل أنه شارك مع المختار في ثورته. انظر: معجم رجال الحدیث، السيد الخوئي، ج7، ص312، برقم4099؛ مستدرکات علم رجال الحدیث، الشيخ علي الشاهرودي، ج3، ص289، برقم 5119 .
2) ورد في الأمالي، الشيخ الصدوق، ص219، أثناء مسير الإمام الحسين عليه السلام نزل في منزل يقال له: القطقطانة فنظر إلى فسطاط مضروب، فقال: لمن هذا الفسطاط ؟ فقيل: لعبيد الله بن الحرالجعفي فأرسل إليه الحسين عليه السلام فقال: أيها الرجل، إنك مذنب خاطئ وإن الله عز وجل آخذك بما أنت صانع إن لم تتب إلى الله تبارك وتعالى في ساعتك هذه، فتنصرني ويكون جدي شفيعك بين يدي الله تبارك وتعالى. فقال: یابن رسول الله، والله لو نصرتك لكنت أول مقتول بين يديك، ولكن هذا فرسي خذه إليك، فو الله ماركبته قط وأنا أروم شيئا إلا بلغته، ولا أرادني أحد إلا نجوت عليه، فدونك فخذه. فأعرض عنه الحسين عليه السلام بوجهه، ثم قال: لا حاجة لنا فيك ولا في فرسك، « وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُدًا » ولكن فر، فلا لنا ولا علينا، فإنه من سمع واعيتنا أهل البيت ثم لم يجبنا، كته الله على وجهه في نار جهنم.
الأموي، فكان بتعبير اليوم أشبه بالصحفي الذي يمتلك حرفية الصحافة أو مبدئية هذا العمل.
أضف إلى هذا أن لدي بعض الكتابة والتحقيق فيما ينقله مقارنة مع ما جاء في روایاتنا سواء ما جاء عن الإمام الباقر عليه السلام أو غيرها مما نقلت بعض جزئیات الحادثة والفاجعة نجدها إما تتوافق تماما أو تقترب منها مضمونا و معنی، وهذا ما يدلل على أن الرجل كان صادقا في نقولاته.
لكن أرجع وأقول: إن هذا لا يدل على أن حال الرجل وخاتمته إلى خير، بل بالعكس فإنه كان في الجيش الأموي ومعسکر یزید وحضر الواعية ولم يقم بنصرة الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه الذي وصلت نداءاته واستصراخاته إلى أسماء الجيش كله، بل إن حميد بن مسلم ممن نقل استصراخات الحسين عليه السلام ولم يجبه بنصرته، ونتيجة هذا العمل الإنكباب في النار، ولذا ترى أن الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه قد طلب من الحر بن یزید الجعفي أن لا يبقى وأن يتحول من مكانه لكون مكانه قريبا من الغاضرية حتى لا يسمع واعية الحسين .
إذا، كل ما هنالك أن هذا الرجل سخرته الإرادة الإلهية لينقل هذه الأحداث ويحفظ تفاصیل و جزئیات هذه الواقعة من الضياع (1)
1) ولا عجب في هذا فقد ورد عن الرسول صلی الله علیه وآله : «إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر، وبأقوام لاخلاق لهم منه » کما في منية المريد، الشهيد الثاني، في حديث عن النفاق.
*مع تقديرنا واحترامنا لخطباء المنبر الحسيني وخدام الإمام الحسين عليه السلام وما يبذلونه من عطاء وجهد في سبيل إحياء ذكرى سيد الشهداء عليه السلام - وهذا عمل يستحقون عليه الأجر والثواب والاحترام والتقدير من المؤمنين - ولكن هنا نقطة ينبغي أن يلتفت إليها وهي: وجود بعض إدارات المآتم التي تنقص الخطيب ما يستحقه وتبخسه حقه، فقد تكون أجرة الخطيب المثلية مثلا ألف دينار فتعطيه إدارة المأتم أجرة دون هذه الأجرة المثلية التي يستحقها، فيعطى مثلا 400 أو 600 دینارا، وهذا قطعا نوع من البخس والإجحاف في حقه وهو أمر غير جيد، وأتصور أن هذا الذي جر بعض الخطباء إلى اشتراط أجرتهم.
فاشتراطهم إنما هو لأجل أن يتلافي استنقاص حقهم أو أن يؤدي إلى عدم الرضا بالأجرة التي يعطونها، فالاتفاق بين الطرفين يمثل حالة الرضا والقبول بما تم الاتفاق عليه.
لكن لابد أيضا أن يلتفت إلى أن هذه الخدمة فيها جنبة دينية مرتبطة بإحياء الدين وترويجه وتبليغه، فلا ينبغي أن يبالغ الخطيب في الأجرة فإن ذلك يفقد الأجرة برکتها، فلا ينبغي للخطيب أن يخرج عن الأجرة المتعارفة، فلو كانت أجرته المثلية 1500 دینار فلا ينبغي له أن يطالب ب- 1600، وبحسب ما أسمع بأن أغلب المآتم يكرمون الخطيب بما يزيد على ما يشترط ويطلب. فالمطالبة بأزيد من الأجرة المثلية تضر بسمعة الخطيب ومصداقيته ويقلل من التأثر بكلامه عندما يسمع الناس باشتراطاته المبالغ فيها.
فهذه جهات ينبغي أن يلتفت إليها الطرفان، فلا المأتم ينبغي له أن يبخس الخطيب حقه، وكذا لا ينبغي للخطيب أن يبالغ في الأجرة، ولربما قليل يطرح الله فيه البركة الكثيرة، وكثير زائد عن الحق مسلوب البركة، فلا ينبغي أن ننظر للكثرة بما هي كثرة بل ننظر لهذه الجهات التي تحقق البركة في المال ولو كان قليلا .
ومن یا ترى يقبل للمرأة هذا الفعل والإسلام ينادي بحشمتها وعفتها وشرع ما يصونها ويصون حشمتها، فعلى المرأة المؤمنة أن تحافظ على حشمتها بتجنب مثل هذه الأفعال التي تفتح علينا الأبواب للمزيد من المظاهر السلبية.
1) الخفر (فتح الحاء والفاء): شدة الحياء، تقول: امرأة خفرة، أي: امرأة حية. انظر: العين، الخليل الفراهيدي، ج4، ص 253 مادة (خفر).
2) کعدم جواز إمامة المرأة للرجل في الصلاة؛ ولزوم وجود الحائل بين المرأة والرجل؛ الانحناء للركوع يكفي للمرأة بما تصل يدها إلى ركبتيها ولا يلزمها الانحناء کما الرجل؛ وذكرت لها كيفية خاصة للهوي إلى السجود وكذا القيام وكذا سجودها لاطئة بالأرض أي لازقة بها، وغيرها.
*حلق الكثير من العلماء والباحثين حول تفسير الوراثة التي ورثها الحسين صلوات الله وسلامه عليه، وهناك بحث قيم وشيق لأستاذنا الحجة العلامة الراحل الشيخ الآصفي رحمه الله حول زيارة وارث (1)وكذلك لغيره من الباحثين والمحققين، لكن ما أريد أن أقوله بشكل مختصر:
إن هذه الكلمة (كون الحسين علیه السلام وارثا لآدم ووارثا لنوح وإبراهيم وموسی وعیسی و وارثا لمحمد وعلي وفاطمة والحسن علیهم السلام )، تعني بحسب نظري القاصر أنه وارث لأبرز صفة تتصف بها تلك الشخصية الموروثة.
فمثلا نجد في نبي الله إبراهيم عليه السلام أن أبرز صفة تميز بها هي التضحية وإقدامه على التضحية في سبيل الإستجابة لأمر الله، فالحسين سلام الله عليه وارث من إبراهيم هذا الجانب البارز من شخصيته. وكذا وراثته لآدم ونوح وسائر الأنبياء تعني وراثته للجانب البارز والمتميز في شخصياتهم علیهم السلام .
وهكذا وراثته للنبي صلی الله علیه وآله هي وراثة لكمالاته وفضائله، وراثته لأمير المؤمنين علية السلام هي وراثة لكمالاته وفضائله وكذا وراثته لفاطمة الزهراء والحسن المجتبی عليهم السلام ، حيث إن هؤلاء العظماء حازوا منتهى الكمالات والفضائل العلمية والعملية، وبلغوا في مدارج الكمال منتهاه وغايته فهو الكمال المطلق الذي يمكن أن يتاح للبشر، والذي من الصعب أن يحيط به عقل الإنسان.
فإذا بتصوري أن الحسين يرث من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أبرز جانب في شخصياتهم، وأما بالنسبة إلى الأشباح الأربعة (2)فإنه يرث كل الكمالات والفضائل التي امتازوا بها.
1) في رحاب عاشوراء، الشيخ محمد مهدي الأصفي، ص 232.
2) هم النبي صلی الله علیه وآله وعلي بن أبي طالب وفاطمة والحسن الزكي علیهم السلام وخامسهم الحسين الشهيد عليه السلام ، وسبب تلقيبهم بالأشباح هو ورود هذا اللقب في بعض الروايات. راجع تفسير قوله تعالى : «فَتَلَّقى آَدَمُ مِن رَّبِّهِ کَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَیْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِیمُ» من سورة البقرة : 37.
*هذا الكلام الذي يتناقل على ألسنة بعض الخطباء قد لا يكون له وجود في المصادر التاريخية المعتبرة التي سردت واقعة الطف.
والذي ينبغي على الخطباء أعزهم الله هو أن يركزوا على ما هو ثابت و مذكور في المصادر التاريخية والمقاتل المعتبرة، وأن يبتعدوا عن ذكر ما يفتقد إلى الدليل المعتبر، حيث إن التساهل في ذلك يؤدي إلى فتح الباب أمام الإضافات والزيادات على تلك الحادثة التاريخية وتشويه الواقع (1)
وكل من جاء بعده فإنه ينقل عنه.
أقول: لعل هذه الرواية جاءت من تصاوير بعض الخطباء وجرى تناقلها حتى صارت تروی کالرواية فدونت في كتب المصائب وصار الناعون يتداولونها في هذه المحافل لاسیما مع اتصاف هذه العبارات بتأثيرها على القلب وترقيقه وتهييج المستمع كغيرها من التصاوير التي أبدع بعض الخطباء في تصويرها حيث كان المستمع يعلم بأنها تصوير من الخطيب وليس رواية، وللأسف مع مرور الوقت صارت تتناقل على أنها رواية لتناقل المتساهلين من الخطباء أو بعض من لا هم له إلا الإبكاء وتهييج المستمع بأي كلام وأي تصوير، فلا يبالي بما يطرح ولزوم أن يكون من الكتب المعتبرة.
هذا مع الإلفات إلى أن البحث التاريخي له أسلوبه ونهجه المختص به حيث كفاية وجود الرواية في الكتاب المعتبر لينقل عنه لا أي كتاب كان، وما اشتهر مؤخرا من عبارات من قبيل (على لسان الخطباء) فهو لا يسمن ولا يغني من جوع إلا أن يكون الخطيب المنقول عنه ممن يتثبت في ما ينقل. ومع هذا فإن التصوير الذي يتداول له منشأ، وهو ما ورد من تقبيل النبي صلی الله علیه وآله للإمام الحسين عليه السلام في جبهته وخده والمواضع المختلفة من بدنه کلما رآه - وكان عمر الإمام حسين عند انتقال الرسول الأعظم إلى الرفيق الأعلى لا يزيد على الست سنوات فلا غضاضة في مسألة التقبيل -، وإذا سئل عن ذلك ذکر مصيبة الحسين عليه السلام وما يجري عليه على يد يزيد - لعنه الله -، وكان هذا السلوك قد صدر من الزهراء و أمير المؤمنين عليه السلام ... وهذا نموذج من الروايات التي ذكر فيها التقبيل فقد ورد في البحار (وروى ابن نما رحمة الله في مثير الأحزان، عن ابن عباس قال: لما اشتد برسول الله صلی الله علیه وآله مرضه الذي مات فيه، ضم الحسين عليه السلام إلى صدره يسيل من عرقه عليه وهو يجود بنفسه، ويقول: مالي وليزيد لابارك الله فيه، اللهم العن يزيد، ثم غشي عليه طويلا وأفاق وجعل يقبل الحسين وعيناه تذرفان، ويقول: أما إن لي ولقاتلك مقاما بين يدي الله عز وجل) بحار الأنوار، المجلسی، ج 44، ص266.
وكذا في البحار أيضا (فقبل النبي صلی الله علیه وآله بين عينيه – أي الحسين عله السلامي - ثم دفعه إلي وهو يبكي ويقول: لعن الله قوما هم قاتلوك يا بني، يقولها ثلاثا، قالت: فقلت: فداك أبي وأمي ومن يقتله؟ قال: بقية الفئة الباغية من بني أمية لعنهم الله) . بحار الأنوار، المجلسي، ج 43، ص 243، ح 17.
وفي البحار أيضا (روي في بعض الكتب المعتبرة عن الطبري، عن طاووس اليماني أن الحسين بن علي عليه السلام كان إذا جلس في المكان المظلم يهتدي إليه الناس ببياض جبينه ونحره، فإنرسول الله صلی الله علیه وآله كان كثيرا مايقبل جبينه ونحره) المجلسي، ج 44، ص 187، ذیل ح16. وهذا المنشأ لا يسوغ لنا أن نصوغ رواية لم تقع وننسبها على لسان المعصوم بغض النظر أدى ذلك إلى التوهين لمقام المعصوم أم لم يؤد.
مع هذا كله لا بد من الوقوف على ما يطرح من تاريخ ولزوم غربلة سقيمه عن صحيحه و معتبره، ولا ينبغي التساهل في هذا حتى لو أدى إلى ضعف المصيبة بنظر البعض. المهم أن يطرح ما يراه حجة بينه وبين الله ولا يؤاخذ عليه يوم الدين .
1) لم نجد هذه الرواية في الكتب التاريخية المعتبرة، وأقدم مصدر لهذه الرواية هو کتاب (ثمرات الأعواد) لعلي بن الحسين الهاشمي الخطیب (ج1، ص272) وهو من مواليد النجف وقد ولد في عام 1326 ه، وهو خطيب وشاعر معروف، وقد نقل الرواية في كتابه ولم يذكر لها مصدرا، نعم المصدر الذي أحيل عليه في الهامش هو للبيت الواقع بعد هذه الرواية وهو على لسان الإمام عليه السلام : (الموت أولى من ركوب العار...) وهو كتاب الملهوف على قتلي الطفوف فقد يتصور البعض أن الرواية مذكورة في الملهوف وأن الكاتب يشير إلى ذلك والحق أن الكاتب يذكر مصدر بيت الشعر، وأن كتاب الملهوف خال من هذه الرواية .
وفيما هو ثابت و معتبر الكثير من الصور المؤثرة والحزينة التي فيها الكفاية والغني عن ذكر هذه القصص التي تفتقر للدليل، فكم هو مؤثر مثلا حينما نقرأ أن الحسين صلوات الله وسلامه عليه قد انحنى على سيفه على باب الخيمة فخاطبته العقيلة زینب علیها السلام لما رأت الجيش يتقدم للخيام بقولها: أنائم أنت وهذه الخيل قد دنت منا (1)، وغيرها الكثير من الصور والمشاهد الحزينة. فالخلاصة: علينا أن نركز على ما هو ثابت وأن نبتعد عن ذكرالأحداث المشكوكة وغير المعتبرة.
1) على ما ورد في الإرشاد، الشيخ المفيد، ج 2، ص 90. (نادی عمربن سعد: يا خيل الله اركبي وأبشري، فركب الناس ثم زحف نحوهم بعد العصر، وحسين عليه السلام جالس أمام بيته محتبیا بسيفه، إذ خفق برأسه على ركبتيه، وسمعت أخته الصيحة فدنت من أخيها فقالت: يا أخي أما تسمع الأصوات قد اقتربت؟ فرفع الحسين عليه السلام رأسه فقال: إني رأيت رسول الله صلی الله علیه وآله الساعة في المنام، فقال لي: إنك تروح إلينا، فلطمت أخته وجهها ونادت بالويل، فقال لها: ليس لك الويل يا أخية، أسكتي رحمك الله)
لكن متى ما تضررت هذه العلاقة بسبب فريضة من الفرائض أو غير ذلك تجدهم يشككون ويغالطون ويحاولون التملص بمبررات مختلقة، أو حتى أن ينبذوا الدين بتمامه وراء ظهورهم. وهذا ما يعكس أن ارتباطهم بالدين ليس قائما على بنیان رصين، وإنما هي علاقة بحيث لو أصابهم الخير اطمئنوا، ولو أصابتهم فتنة كفروا، وعند المحك يختبر الناس ويتبين مدى ارتباطهم الحقيقي بالدين، وقلما يثبت الناس، ولذلك يبين الإمام الحسين عليه السلام هذه الحقيقة بقوله فإذا محصوا بالبلاء قل الديانون.
1) تحف العقول، ابن شعبة الحراني، ص245.
فالجزع الذي ورد النهي عنه هو الحالة التي يخرج فيها الإنسان من حالة الاتزان الطبيعي إلى الحد الهستيري والذي يعكس عدم الرضا والتسليم لقضاء الله في المصيبة الشخصية. أما البكاء والتأثر الذي لا يخرج عن الحد الطبيعي فلم ينهى عنه. وأما في فادحة الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه فلو لطم الإنسان وجهه أو ضرب رأسه مثلا نتيجة شدة التأثر كما يحدث لبعض المؤمنين فهذا من الجزع المستثی كذلك.
ولا ينبغي للمؤمن أن ينهي أخاه المؤمن الذي يستند في ممارسته للشعائر على فتوی الفقيه ومرجع التقليد الذي يختلف مع مرجعه. فالمسألة تحتاج إلى التعقل والدقة تفويتا لأسباب النزاع والفتنة .
الشيخ جعفر التستري رحمه الله هذا الفقيه العظيم الزاهد في كتابه الخصائص الحسينية ذكرها وذكر لها عدة توجيهات (2)، وأتصور أن بعض هذه التوجيهات فيها تكلف وتحتاج إلى قرائن إثباتية بأن هذا هو المراد من هذه الكلمة.
ولعل معنى أن الحسين من رسول الله واضح كونه ينحدر منه بواسطة ابنته الزهراء عليها السلام .
لكن « أنا من حسين » هذه الفقرة هي التي تحتاج إلى بيان. والمعروف في تفسيرها أن هذا المعنی کنائي لأن بقاء دين النبي صلي الله عليه وآله الذي من أجله جاهد ونافح الكفار وتحمل الأذى والصعاب إنما هو بواسطة الحسين صلوات الله وسلامه عليه، فأنا من حسين، بمعنى: أن بقاء هذا الدين بواسطة الإمام الحسين عليه السلام .
ولكني أيضا أرى أن هذا فيه تكلف، والذي اقتنع به أن عقولنا قاصرة عن إدراك حقيقة هذه العبارة، ولا يعني ذلك عدم الاستفادة منها فإن لها معنى إجماليا، وهو: إرادة بيان عظمة الإمام الحسين عليه السلام ومقامه الشريف من دون بيان تفاصيل هذه العظمة وهذا المقام. ولا يخفى أنه كما توجد في القرآن الكريم آيات مجملة وأخرى مفصلة كذلك الأمر في الروايات الواردة عنهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين .
13 ) يقول البعض: إن التصدق بالأموال على الفقراء خير من بذلها على إطعام
الناس أيام عاشوراء، فاذا تقولون؟
إطعام الطعام في مصاب وعزاء سيد الشهداء حکم مستحب کاستحباب بقية الأمور المستحبة، فلا ينبغي للإنسان أن يأتي ويقول: إن هذا العمل أفضل من ذلك العمل ؛ لأن هذا يتوقف على نص شرعي.
المقايسة بين المستحبات وكون هذا العمل مستحبا وأفضل من ذلك العمل في بعض حالاته يحتاج إلى نص شرعي أو من خلال ما يبينه النص الشرعي من مفاضلة في الأجر بين هذا العمل وذاك.
نعم، لا شك في أن نفع المؤمن وقضاء حاجته من القربات العظيمة، لكن ذلك لا يعني أنه يمكننا أن نقايس وندرك أفضليته على بذل الطعام في مصيبة سيد الشهداء علي ؛ لأنه - كما قلت - يتوقف على معرفة ملاكات كل عمل مستحب وعقولنا قاصرة عن معرفة ذلك، هذا أولا.
وثانيا لا ننسى أن نفس الإطعام وبذل الطعام له منافع كثيرة، فكم من العوائل الفقيرة التي تجلس على مائدة سيد الشهداء طيلة هذه العشرة وتوفر علىنفسها مصاريف هذه الوجبات، وبذلك يكون الباذل قد حقق غايتين في نفس الوقت، وهما: إطعام الطعام من جهة، ونفع المحتاجين من جهة أخرى.
بالإضافة إلى أغراض اجتماعية يحققها الإطعام کاجتماع المؤمنين و تعارفهم الذي يزيد من أواصر المحبة والمودة والإخاء الأمر الذي قد لا يتحقق في المنفعة الفردية في قضاء حاجة المؤمن.
نعم، الأمر الذي ينبغي أن ننبه عليه - مع التأكيد على استحباب بذل الطعام في عزاء سيد الشهداء - هو أن لا يصل الأمر إلى حد الإسراف فإن الإسراف حرام. « لا تسرف في الماء ولو كنت على نهر » کما جاء في بعض النصوص. فحتى رمي نواة
الطعام أو ما يفضل من الكوز عدته الروايات من الإسراف (1)
الكوز: إناء للشرب کالكأس.
.فإذا كان ديننا يحكم بالإسراف على مثل هذه الموارد فمن من الواضح أن الطعام
الذي يكون زائدا عن الحاجة ويرمى في الحاويات يكون من مصادیق الإسراف المحرم الذي ينبغي تجنبه، وينبغي التدقيق والتنسيق بين المآتم والقيمين عليها وبين الباذلين للطعام لمعرفة القدر المطلوب حذرا من الوقوع في محذور الإسراف.
وأشير هنا إلى أمر جيد وهو وجود لجنة عندنا في منطقة عالي مهمتها تدبير ما يزيد من الطعام وجعله في ظروف وتوزيعه على البيوتات والناس كي لا يرمي، وهو وسيلة جيدة لرفع هذا المحذور.
1) إشارة إلى ما رواه إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام ، قال: «أدنى الإسراف هراقة فضل الماء، وابتذال ثوب الصون، وإلقاء النوى» وسائل الشيعة، الحر العاملي، ج 5، ص 51 باب 28 من أبواب الصلاة، ح 1.
وهي بيت من الشعر للشاعر الشيخ محسن أبو الحب (1)
عرف بأبي الحب لأنه أصيب بمرض السعال وضيق الصدر فعمل له بعض الأطباء حبا يهون عليه ما ابتلي بمرض، فكان يحمله معه ويعطي منه من ابتلي بذلك الداء فعرف بأبي الحب.
وهو إضافة إلى كونه شاعرا كان خطيبا بارعا يشعل قلوب المؤمنين حرقة على مصائب أهل البيت عليهم السلام حتى وافاه الأجل في يوم الإثنين من ذي القعدة سنة 1035ه بعمر ثمانين عاما. (مختصر من نبذة كتبها عنه حفيده الشيخ محسن أبو الحب المتوفي عام 1367 ه).
وللشيخ دیوان طبع طبعته الأولى في عام 2003م بعنوان: (ديوان الشيخ محسن أبو الحب (الكبير) المتوفي 1305 ه- 1887ه) وقد كتب على غلاف الديوان هذه العبارة:
صاحب القول الخالد على لسان الحسين عليه السلام :
إن كان دین محمد لم يستقم *** إلا بقتلى يا سيوف خذيني.
أما البيت فقد ورد في قصيدته المعنونة بعنوان بيضة الإسلام برقم (80)، في الصفحة 168 من الكتاب، ومطلعها
إن كنت مشفقة علي دعيني *** مازال لومك في الهوى يغريني
لا تحسبي أني للومك سامع *** إني إذا في الحب غير أمين
إلى أن يقول في البيت 23 من هذه القصيدة
(إن كان دین محمد لم يستقم *** إلا بقتلى يا سيوف خذینی)
.لكن كيف ما كان، فهي تعبير عن لسان حال الإمام وفيها بيا لمدى استعداده عليه السلام للتضحية والفداء لحماية ونصرة دين النبي صلی الله علیه وآله ، حتى لو توقف ذلك على حياته.
نعم، من الواضح أنه لا يمكن نسبة هذا الكلام إلى الإمام الحسين ولو كان مناسبا الحال الإمام طالما أنها لم ترد في كلماته حتى لا نقع في محذور الكذب عليهم علیهم السلام ، وإن جاز ذكره مع التنبيه على أنه جاء على لسان حال الإمام عليه السلام .
1) الشيخ محسن الحائري المعروف ب (أبو الحب) ولد في كربلاء سنة 1225 ه، ومات أبوه وهو طفل صغير فنشأ يتيما فقيرا، عرف بالفطنة والنباهة، كانت له شديد الحب للحضور في مجالس الشعر والأدب مما أو قد قريحته الشعرية ممزوجة بالولاء لأهل البيت علیهم السلام فصار بفطنته ينشد العذب من الشعر الذي كان يحاكي الواقع لا سيما إذا ما سطر أبياته في شأن الحسين عليه السلام وما جرى عليه.
ما قلت لك يا وارث علوم النبوة *** أقطع ولا تواصل عديمة هلمروة
فهذا الكلام ليس مناسبا. ولسان الحال لا يبرر الاستفادة السلبية من هذا الأمر، ولابد من أن يلاحظ ويراعي في الإنشاد بلسان الحال المقام الذي يتوفر عليه الشخص الذي ننشد الشعر بلسان حاله. فليس من الصحيح أن نعبر بلسان الحال عن الإمام الحسين عليه السلام ونظهره بصورة المستنجد أو المتبرم مثلا، وكذا الحال بالنسبة إلى الحوراء زينب عليها السلام التي قال في حقها الإمام المعصوم حجة الله زین العابدين عليه السلام أنها عالمة غير معلمة (1). فلابد من أن نراعي هذا الجانب حتى لا نقع في محذور التوهين والتقليل من مقامهم سلام الله عليهم (2).
1) ورد على لسان الإمام زین العابدین علیه السلام عند احتجاجه على أهل الكوفة بعد أن خطبت علیها السلام خطبتها المعروفة : «وأنت بحمد الله عالمة غير معلمة، فهمة غير مفهمة » في عدد من المصادر، منها: الاحتجاج، الطبرسی، ج 2، ص31.
2) وهنا مسؤولية كبرى تقع على عاتق الشعراء و الرواديد والخطباء وغيرهم، فمن ينتج الشعر ومن يردده لا بد من أن ينتقى القصائد والمقاطع المؤثرة مع الحفاظ على خلو هذه القصائد الجديدة عن ما فيه استنقاص من معصوم أو تحريف التاريخ أو تصوير لما لم يحدث وما شاكل هذا كي لا يضيع الحق بين الباطل ويحافظ على مقام المعصومين ولا تضيع الأهداف التي كانوا يجاهدون من أجل إحيائها.
القسم الأول: الشعائر المنصوصة التي جاء النص عليها:
كقول الشعر في الحسين صلوات الله عليه «من قال فينا بيت شعر بنى الله تعالى
له بيتا في الجنة » (1).
والبكاء والإبكاء: «من ذكر الحسين عنده فخرج من عينه مقدار جناح ذبابة، كان
ثوابه على الله عز وجل، ولم يرض له بدون الجنة » (2).
فالرثاء الذي هو عبارة عن قول الشعر وإنشاءه في الإمام الحسين صلوات الله
وسلامه عليه أمر متعارف من زمن أئمتنا إلى زماننا هذا، وهو الجاري والمتعارف بين الشيعة حيث يأتي الخطيب والراثي ويذكر الشعر الذي يذكر الناس بمصيبة سيد الشهداء وما حل عليه وعلى أهل بيته علیهم السلام ، فهو أمر مستحب منصوص. وكذا البكاء، أي: إيجاد حالة البكاء الذي يكون بذکر مصيبة الحسين عليه السلام بشكل تفصيلي حيث يؤدي إلى التأثر والبكاء من باب تعلق الطلب بالسبب وإرادة المسبب. (3)
فالبكاء والإبكاء مسبب عن ذكر المصاب، وذكر المصاب سبب للبكاء والإبكاء، فالناعي يطلب السبب ويريد تحقق المسبب.
1) وسائل الشيعة، الحر العاملي، ج14، ص 597، باب 105 من أبواب المزار وما يناسبه، ح1
2) کامل الزیارات، بن قولويه القمي، ص 202، باب 32 ثواب من بكى على الحسين عليه السلام، ح 3. وكذا ما ورد عن أبي عمارة المنشد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال لي: يا أبا عمارة أنشدني في الحسين بن علي عليه السلام قال: فأنشدته فبكى قال: ثم أنشدته فبكى، قال: فو الله ما زلت أنشد هويبكي حتى سمعت البكاء من الدار، فقال لي : يا أبا عمارة من أنشد في الحسين شعرا فأبکی خمسين فله الجنة ومن أنشد في الحسين شعرا فأبكى أربعين فله الجنة، ومن أنشد في الحسين شعرا فأبکی ثلاثين فله الجنة، ومن أنشد في الحسين شعرا فأبکی عشرین فله الجنة ومن أنشد في الحسين شعرا فأبكي عشرة فله الجنة، ومن أنشد في الحسين شعرا فأبکی واحدا فله الجنة، ومن أنشد فيا لحسين شعرا فبکی فله الجنة، ومن أنشد في الحسين شعرا فتباکی فله الجنة » وسائل الشيعة، الحر العاملي، ج14، ص 596، باب 104، من أبواب المزار وما يناسبه، ح 1.
3) هذا الاصطلاح يذكر في المجاز المرسل وهنا لا يوجد مجاز وإنما أراد التنظير به لعدم وجود عبارة في البين، وتقريبه؛ يذكر الناعي مصيبة الحسين عليه السلام بتفاصيلها لغرض تحقيق البكاء والإبكاء والتأثر على مصابه؛ وهنا كان ذكر المصاب سبب الحصول و تحقق التأثر والبكاء والإبكاء.
زيارة الحسين سلام الله عليه، هذه شعائر منصوصة ومستحبة للدليل الخاص (1).
وقراءة زيارة عاشوراء (2)في أي وقت وخصوصا في هذه الأيام أمر مطلوب. فهذه نماذج من الشعائر المنصوصة الواردة بالدليل الخاص.
القسم الثاني: وهو الشعائر غير المنصوصة، أي: المستجدة والمستحدثة. وهذه الشعائر نشترط في شرعيتها ومطلوبيتها شرطين:
الشرط الأول: أن تكون أسلوبا عرفيا للتعبير عن الحزن؛ بمعنى أن تكون في نظر عامة الناس أسلوبا معبرا عن الحزن والكآبة كلبس الثوب الأسود؛ فإن الثوب الأسود في عادة الناس والمجتمعات يمثل شعار الحزن.
الشرط الثاني: أن لا تكون هذه الشعيرة المستجدة سببا لإدخال الضعف والتوهين والتجريح أو الاستغلال وسوء التوظيف ضد شيعة أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم.
فإذا ما توفر هذان الشرطان عندها تدخل هذه الشعيرة المستحدثة تحت عموم قولهم علیهم السلام : «كل الجزع والبكاء مكروه ما خلا الجزع والبكاء لقتل الحسين علیه السلام » (3).
فإذا الدليل على مشروعية الشعائر إما أن يكون نصا خاصا، وإما أن يكون دليلا عاما، لكن هذا الدليل العام يلزم في تطبيقه هذين الشرطين.
نعم، لا يخلو الواقع من وجود بعض اللطميات التي لا تتناسب مع مقام الإمام
الحسين عليه السلام وعظم المصيبة.
والضابط هو أن نلحظ الكلمات بحيث تكون مناسبة مع الحدث ومع مقامهم عليه السلام ، وأن نلحظ الأداء بحيث يكون بصوت حزين ورجولي بعيد عن التميع وترقيق الصوت.
وأود هنا أن أقول هذه الكلمة :
الملاحظ على عزاءنا أنه ابتعد عن القصائد التقليدية تماما وأخذ الرواديد يلقون قصائد قد لا تعكس مصيبة الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه كما ينبغي ولا تصور الفاجعة كما يجب خلافا للقصائد الخالدة المعروفة لمثل الشريف الرضی، أو الشيخ كاشف الغطاء، أو السيد حيدر الحلي أو غيرهم من أصحاب القصائد الخالدة. فأنا أدعو أن يكون الطابع العام لقصائد العزاءكهذه القصائد المعروفة وليس قصائد أشبه ما تكون بالكلمات المتقاطعة المتناثرة التي تفتقد لعامل إثارة العاطفة الصادقة النابعة من التأثر بهذه الفاجعة العظيمة.
والمبادئ، واستحضار هذه المبادئ أمر مهم للرجال والنساء.
فحينما نقرأ كربلاء نجد الإمام الحسين - صلوات الله وسلامه عليه - حينما يودع نساءه وحريمه الوداع الأخير يوصیهن وعياله بالصبر وشد الأزر (1)وهذه مسألة مهمة جدا ينبغي أن تلتفت إليها المرأة المؤمنة، فالإمام الحسين عليه السلام مع ما به من مصاب ومع ما هو فيه من ظرف نفسي يؤكد على نساءه وعياله وهن ربات الخدر وربات الحشمة وربات الخفارة (2)يؤكد على أن لا يتساهلن بالستر وبالخدر، يقول عليكن بشد الأزر، بمعنى: أن يبالغن في الستر والاحتشام.
وهذه وصية الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه إلى كلمؤمنة ومسلمة .
فعلى المرأة المؤمنة أن لا تستهين بخدرها وسترها وعفتها في أي حال من الأحوال، - وخصوصا- وهي تحضر مجالس إحياء مصيبة سيد الشهداء، عليها أن تلتفت إلى هذا الأمر وتستحضره دائما وتقتدي بالحوراء زينب وبنات بيت النبوة كي تصون نفسها وتحفظ عفتها وتدخل السرور على قلب الإمام الحسين عليه السلام الذي كان يهدف من خلال شهادته إلى إحياء هذه المبادئ والقيم والمحافظة عليها.
1) إشارة إلى قوله عليه السلام لأهل بيته في الوداع الأخير: «وأمرهن بالخلود إلى الصبر والتسليم لقضاء الله قائلا:» استعدوا للبلاء، واعلموا أن الله تعالى حامیکم و حافظكم، وسينجيكم من شر الأعداء، ويجعل عاقبة أمركم إلى خير، ويعذب عدوكم بأنواع العذاب، ويعوضكم عن هذه البلية بأنواع النعم والكرامة فلا تشكوا ولاتقولوا بألسنتكم ماينقص قدركم » مقتل المقرم، ص276.
2) انظر هامش: 28.
وخلاصة الإشكال أن الإمام الحسين عليه السلام لم يكن مطلوبا منه أن يواجه يزيد مع علمه بقلة عدد ناصریه وكثرة جيش يزيد؛ لأن هذا يعد من مصاديق إلقاء النفس إلى التهلكة وإلقاء النفس إلى التهلكة حرام.
أقول: هذا الإشكال الصادر من قبل البعض مغالطة متعمدة حيث لا يريدون أن يفصحوا عن النوايا والتصورات التي يحملونها عن سيد شباب أهل الجنة فيغلفون كلامهم بهذا الغلاف الخطير، أي: الغلاف الديني وأن عمل الإمام الحسين عليه السلام أشبه ما يكون بالعمل الانتحاري والعياذ بالله.
وبشكل مختصر: إن معنى إلقاء النفس في التهلكة هو أن يقوم الإنسان بعمل ينتهي به إلى إهلاك نفسه من دون مبرر شرعي، كأن يلقي الإنسان بنفسه من شاهق، أو أن يشرب دواء يؤدي به إلى الموت، أو أن يعذب نفسه إلى حد الموت أو الإضرار بالنفس ضررا بليغا من دون أي مبرر شرعي.
وأما إذا كان الإقدام على عمل يؤدي احتمالا أو يقينا إلى هلاك النفس لأجل هدف أعلى وأسمى كإنقاذ نفس محترمة مشرفة على الهلاك فإن هذا الفعل مبرر شرعا حيث قد أمر الدين بذلك.
ما تقول فيمن يذهب إلى ساحات الجهاد والقتال ويحتمل أو يتيقن أنه يقتل؟
فهل هذا من مصاديق إلقاء النفس إلى التهلكة؟!
1) «وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ » سورة البقرة: 195.
من الطبيعي أنه لا يوجد من يجرأ على قول مثل ذلك والأمر واضح حيث إن الدين قد أوجب الجهاد و حرم الفرار من الزحف وتولية البر من ساحات القتال.
فإذا ليس كل عمل يؤدي إلى الموت يكون داخلا تحت الآية التي تحرم إلقاء النفس إلى التهلكة، بل إن الآية ناظرة إلى الأعمال التي لا يوجد لها مبرر شرعي.
والعمل المبرر شرعا تارة يكون لأجل غاية جزئية كإنقاذ النفس المحترمة، وتارة يكون لأجل غايات وأهداف كبری كإحقاق الحق وإبطال الباطل وتعرية الظالمين الذي يكون له فوائد ومكتسبات عظيمة في حفظ الدين وصيانته وهو الأمر الذي قام به سید الشهداء صلوات الله وسلامه عليه الذي هو المعصوم الأعرف والأعلم بتكليفه الشرعي من كل أحد حيث جاء في الحديث الشريف بأن لا تتقدموا عليهم ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم (1)
الكليني، ج 1، ص209. کمال الدين و تمام النعمة، الصدوق، ص 662، وغيرها.
1) رود هذا المقطع في عدة أحاديث مختلفة منها ما عن رسول الله صلی الله علیه وآله : « إني مخلف فیکم الثقلين، كتاب الله وعترتي أهل بيتي وأنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما، أيها الناس لاتعلموهم فإنهم أعلم منكم » وما عنه صلی الله علیه وآله : «الأئمة من أهل بيتي، لاتعلموهم فإنهم أعلم منكم». بصائر الدرجات، الصفار، ص69. الكافي،
إن الموقف المناسب ولو من باب الأدب هو أن لا يقدم النصيحة إلى الإمام المعصوم ، فالمعصوم هو العارف بالمصلحة وهو الأعرف والأقدر على تشخيص وتعيين موقفه، فهو لا يحتاج إلى من ينصحه؛ لأن هذه النصيحة أشبه ما تكون بتسديد لموقفه وأن في موقفه نحو من الخطأ ونحو من مخالفة المطلوب فيأتي الناصح ويسدد له هذا الخطأ.
وهذا في الواقع يكشف أنهم كانوا لا يمتلكون بصيرة قوية بالإمام المعصوم فإن
الإمام المعصوم مسدد من قبل الله ولا يخفى عليه الرأي وهو الأقدر على تشخيص وتعيين وظيفته، ولذلك نجد أن الإمام الحسين عليه السلام أظهر هذا الكلام لبعض الناصحين له حيث قال عليه السلام : «لا يخفى على الرأي » (1).
قال له: «لا يخفى على الرأي »، بمعنى أني لست ذلك الإنسان الذي يحتاج إلى
1) لما مر ببطن العقبة أثناء مسيره إلى كربلاء، فنزل فيها فلقيه شيخ من بني عكرمة يقال له: عمرو بن لوذان فقال: أنشدك الله يا ابن رسول الله لما انصرفت، فوالله ماتقدم إلا على الأسنة وحد السيوف، وإن هؤلاء الذين بعثوا إليك لو كانوا كفوك مؤونة القتال وو طؤوا لك الأشياء فقدمت عليهم كان ذلك رأيا . فقال عليه السلام : « يا عبد الله، لا يخفى على الرأي، ولكن الله تعالى لايغلب على أمره » ثم قال علیه السلام : والله لا يدعوني حتى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي، فإذا فعلوا ذلك سلط الله عليهم من يذلهم حتى يكونوا أذل فرق الأمم . إعلام الوری بأعلام الهدی، الشيخ الطبرسي، ج 1، ص 447.
من ينصحه أو يبين له الموقف أو يسدده بل أنتم الذين تحتاجون إلى نصيحتي. فهو الإمام المعصوم الذي يمتلك الرؤية الواضحة التي تعتمد على التسديد الإلهي فليس بحاجة إلى الشخص الناقص کي يرشده إلى تكليفه .
ولكننا مع ذلك نبرر أن هذه النصيحة جاءت نتيجة الخوف والشفقة على الإمام
الحسین علیه السلام !.
مقنع لتخلفه عن نصرة الحسين عليه السلام ؟!
الباحثون ذكروا مبررين:
المبرر الأول: هو أن الإمام الحسين أوصاه أن يكون له عينا على المدينة. هذا المبرر عليه بعض الملاحظات:
الملاحظة الأولى: هو أن الثقل السياسي الذي كان يواجهه الإمام الحسين لم يكن في المدينة بل كان في الكوفة والشام. وليس هناك ثقل سياسي في المدينة أو مكة يتطلب من الإمام الحسين أن يبقي محمد بن الحنفية عينا له.
نعم لو طلب منه أن ينتقل إلى الشام - مثلا - ويوافيه بتحركات بني أمية أو في الكوفة ويوافيه بتحركات الجيش الأموي لكان هذا معقولا، أما المدينة التي لم تكن ذات مواجهة سياسية مع الإمام الحسين فلا معنى لأن يبقى محمد بن الحنفية عينا فيها.
الملاحظة الثانية: على هذا التبرير هو أنه لم يرد في الكتب المعتبرة کما في ذهني ولا يوجد مصدر موثوق ذكر هذا التبرير وإن كان ذلك يحتاج إلى مزيد تأكد (1)
1) نعم ورد النص التالي في البحار، ج 44، ص 329 نقلا عن الشيخ المفيد «فقال الحسين عليه السلام : « يا أخي والله لو لم يكن ملجأ، ولا مأوى لما بایعت یزید بن معاوية، فقطع محمد ابن الحنفية الكلام و بکی، فبكى الحسين عليه السلام معه ساعة، ثم قال: يا أخي جزاك الله خيرا، فقد نصحت و أشرت بالصواب، وأنا عازم على الخروج إلى مكة، وقد تهيأت لذلك أنا وإخوتي وبنو أخي وشيعتي، وأمرهم أمري ورأيهم رأيي، وأما أنت يا أخي فلا عليك أن تقيم بالمدينة، فتكون لي عينا لا تخفي عني شيئا من أمورهم ، إلا أننا لم نعثر على هذا النص في كتب الشيخ المفيد التي تحت أيدينا.
الملاحظة الثالثة: أنه من غير المعقول أن يبقي الإمام الحسين محمد بن الحنفية عينا له في المدينة مع علمنا أن محمد بن الحنفية لا يمتلك تلك القدرة والقوة ليرسل الأخبار إلى الإمام الحسين أولا بأول، مع حراجة الظرف الذي كان يمر به الإمام الحسين عليه السلام ووضع المسالح (1)لنقاط التفتيش على الطرق العامة بحيث كانوا يوقفون ويفتشون أي شخص كان لوحده أو يرتابون في شأنه وهذه المسألة واضحة وثابتة تأريخيا (2)، فإن وسائل التواصل تحتاج إلى أن يكون لدى محمد بن الحنفية قدرة من حيث العدد بحيث ينصب على رأس كل مسافة شخص حتى يتم إرسال هذه الرسائل إلى الإمام الحسين عليه السلام أولا بأول كما فعل ابن زیاد مع أهل الكوفة وفي طريق كربلاء فكانت المسافات قصيرة بين الأشخاص، والرسائل يتم استلامها يدا بید بسرعة إلى أن تصل إلى الجهات المقصودة سواء في كربلاء أو الكوفة، فهذا أمر ممكن ومتاح لابن زیاد حيث كان يمتلك القدرة والقوة وكانت بيده السلطة، أما محمد بن الحنفية فلا يعقل فيه هذا الأمر فكيف يجعله الإمام عينة له على المدينة.
فإذا مع هذه الملاحظات نجد أن هذا التبرير غير صحيح وغير مقبول.
التبرير الثاني: هو ما يذكر من مرضه، بأنه كان مريضا ومصابا بالفالج (3)، وهذا کلام شائع بين أهل المنبر .. ولكن هل بالفعل كان مرضه يمنعه من اللحوق بالإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه أو أن هذا سبب واضح إلى أن يترك الجهاد ونصرة الإمام الحسين ؟!!
كل ما هناك والذي يذكر أنه أصيب بفالج في يده، وهذا لا يمنع من أن يخرج مع الإمام الحسين عليه السلام ، لأن هناك في واقعة كربلاء من كان أسوء من محمد بن الحنفية من حيث الضعف وعدم القدرة، أمثال: مسلم بن عوسجة الذي وصل إلى
1) تاريخ الطبري، ج 4، ص 303. والمسلح: واحد المسالح، وهي المواضع العالية تستخدم للمراقبة، وهي باصطلاح اليوم نقاط تفتيش.
2) ويعرفون بأصحاب المسالح.
3) فالج: داء معروف، يحدث في أحد شقي البدن طولا، فيبطل إحساسه و حرکته، وربما كان في الشقين، مجمع البحرین: مادة فلج. والفالج بمصطلح اليوم هو الشلل فقد يكون لنصف بدن الإنسان أو كله أو بعض أجزائه کالید مثلا.
التسعين، وأنس بن مالك الذي كان أيضا مع الإمام الحسين عليه السلام وكان شيخا طاعن السن محدودب الظهر، ولما خرج للقتال شد حاجبيه بعصابه حتی بکی واستعبر له الإمام الحسين عليه السلام . هؤلاء كانوا أضعف حالا من حيث الشيخوخة والسن ولكن مع ذلك لم يتقاعسوا عن نصرة الحسين عليه السلام ، ومحمد بن الحنفية کیف ما كان لم يكن في سن الخمسين بل عمره أقل من ذلك فتوجد عنده القدرة البدنية وليس هناك ما يثبت مرضه.
هذه الكلمة الوجيزة والكتاب الوجيز الذي أرسله الإمام الحسين علية السلام إلى أخيه محمد بن الحنفية وجماعة بني هاشم واضح أنها رسالة استنهاضيه، فهو يستنهضهم ويقول من لحق بنا استشهد، ومن الواضح جدا أنه في صدد استنهاضهم وإلا لما كان من معنى أن يقول لهم: من لحق بنا.
فإذا الإمام الحسين استنهض محمد بن الحنفية وطلب نصرته.. فلو كان مريضا أو غير قادر على حمل السلاح أو غير ذلك لما كان من معنى في أن يستنهضه الإمام الحسين عليه السلام ويطلب نصرته.
وأمر آخر.. لو كان مريضا لم يكن معنى لأن يقول الإمام الصادق لحمزة بن حمران أقول لك قولا لا تشك فيه بعد ذلك: إن الإمام الحسين كتب إلى بني هاشم
من لحق بنا إلى آخره.. فإن الأولى لو كان كذلك أن يجيب السائل أن محمد بن الحنفية كان مريضا لا يستطيع الجهاد والقتال.. لكنه لم يجب بهذا الجواب بلذكر أن الإمام الحسين کاتبه و استنهضه هو وبني هاشم ولكن هؤلاء لم يتجاوبوا مع كتاب الإمام الحسين عليه السلام .
1) كما ورد في الكامل، لابن الأثير، ج 4، ص 89. «لما بلغ عبد الله بن جعفر قتل ابنيه مع الحسين دخل عليه بعض مواليه يعزيه والناس يعزونه، فقال مولاه: هذا ما لقيناه من الحسين ! فحذفه ابن جعفر بنعله وقال: يا بن اللحناء [أي: المرأة المنتنة الفرج] أللحسين تقول هذا!! والله لو شهدته لأحببت أن لا أفارقه حتى أقتل معه، والله إنهما لما يسخی بنفسي عنهما ويهون على المصاب بها أنهما أصيبا مع أخي وابن عمي مواسيين له صابرين معه، ثم قال: إن لم تكن است الحسين يدي فقد آساه ولدي.
2) تاريخ الأمم والملوك (تاریخ الطبري)، محمد بن جرير الطبري، ج 4، ص 291.
لكن على أي حال، أصل الدخول على يزيد بعد كل الجرائم التي اقترفها مؤاخذة
وأمر مستغرب في حق بن الحنفية وإن كنا لا نعلم ظروفها، بالإضافة إلى قبوله المال الذي أعطاه إياه يزيد (2).
كل هذه الملاحظات توجب التوقف في شخصية محمد بن الحنفية وهي علامات
وأمور مريبة في شخصيته اتجاه قضية كربلاء وواقعة الإمام الحسين عليه السلام .
أن تكون الممارسة في نظر العرف أسلوبا للتعبير عن الحزن والتأثر .
وأن لا تكون سببا لإدخال الوهن والتضعيف والتشويه أو التوظيف السلبي ضد شيعة أهل البيت علیهم السلام والمذهب الحق، فمتى ما توفر هذان الشرطان فلا بأس بالشعيرة المستحدثة .
العصمة اللطفية هي التي يوجدها الله في الأنبياء والأئمة علیهم السلام .
بينما العصمة الكسبية هي التي ينالها الإنسان من خلال تهذيبه لنفسه وخوفه من ربه واستحضاره لله استحضارا يقينيا وواعيا، فإن الاستحضار الواعي والوجداني الله عز وجل في كل السكنات والحركات يمنع الإنسان من أن يمارس الذنب. ولذا ترى أن علماء الأخلاق في سبيل أن يمتنع الإنسان عن المعصية يرشدونه إلى استحضار الله في كل الآنات، وهذا هو المقصود بالعصمة الصغرى التي كانت تمتلكها الحوراء زينب سلام الله عليها.
والإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه حينما تكلم رأسه الشريف (2)فإن هذا بحسب المنطق والوضع الطبيعي كذلك أمر عجیب فإن الرأس حينما يفصل عن الجسد فإنه يموت. ولكن كما أن القدرة الإلهية تجلت في شأن أصحاب الكهف كذلك كان الأمر بالنسبة إلى الإمام الحسين عليه السلام .
وهذه قضية تحليلها واضح.. فإن الإمام الحسين عليه السلام أراد أن يثبت للناس
وللعالم ولمن كان قد خرج للتفرج على رأس الحسين عليه السلام وبنات رسول الله صلی الله علیه وآله بدعوى أنهم خوارج وكفار، وأنهم ممن خرجوا على يزيد وحكمهم السبي.. أراد أن يكشف من خلال الإعجاز الإلهي هذه التضليلات والإشاعات والتمويهات التي مارسها الجهاز الأموي لإعطاء الشرعية لأنفسهم والتغطية على الجريمة التي ارتكبوها في حق الحسين عليه السلام وأهل بيته. فإن الذي يقرأ القرآن أمام الناس هو عدل القرآن وهو ربيب القرآن وهو ابن بنت النبي صلی الله علیه وآله وهو من قام الدين على ساعد أبيه، وهذه الآية فيها إخبار للناس أن لا يظنوا أن الذي يرونه نوع من الشعوذة والسحر بل إنه إعجاز إلهي تماما كما حدث لأصحاب الكهف، ولذلك فإن زيد بن أرقم حينما سمع الرأس الشريف قال ورأسك يا بن رسول الله أعجب.
1) سورة الكهف: 9.
2) عن زيد بن أرقم أنه قال: مر به علي وهو على رمح وأنا في غرفة، فلما حاذاني سمعته يقرأ: « أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا » فقف [قام من الفزع] والله شعري، وناديت: رأسك والله - يا ابن رسول الله - أعجب وأعجب. الإرشاد، الشيخ المفيد، ص 233.
الحسين عليه السلام ، هل هذا الأسلوب صحيح؟
أما أن يبكي الفرد لطلب أن تقضي له حاجته أو يبكي لأمر آخر فإنه لا يحصل على ثواب البكاء المطلوب حيث إن بكاءه لم يكن متعنونا بعنوان البكاء على الحسين بل يكون داخلا تحت عنوان التضرع إلى الله سبحانه وتعالى، وهو وإن كان مطلوبا لكن لا يشمله ثواب البكاء على سيد الشهداء عليه السلام .
ولعل مراد الخطباء أنهم يريدون إبكاء المؤمنين على سيد الشهداء ويجعلون هذا البكاء شافعا ووسيلة إلى الله في قضاء حوائجهم، وهذا ما ينبغي الالتفات إليه وهو أن يكون البكاء وسيلة إلى الله في قضاء الحوائج لا أن يكون المحرك للبكاء هو نفس الحاجة.
لا يمتلك المبررات الكافية لرفض الفكرة، بالإضافة إلى أن هذه المسألة من القضايا المشهورة والمعروفة.
نعم، إذا تم بالتحقيق والأدلة المقنعة إثبات خلاف هذا المشهور فحينئذ يكون
الرأي ما ساق إليه الدليل العلمي الرصين.
نحن لا يمكن أن نرفض المشهورات لمجرد الاستبعادات، ولا أريد هنا أن أجعل للمشهور قيمة مطلقة، لكن لا يمكن التساهل والتشكيك فيه لمجرد الاستبعادات الظنية. فمرة نمتلك الدليل القوي المقنع على تخطئة المشهور وعند ذلك نتبع الدليل، وأما الاستبعادات الظنية المستندة على الاستذواق فحسب فلا يركن إليها.
فالمشهور تبقى له قيمته ما لم يثبت خلافه، وهذا هو المنهج العلمي في القضايا التاريخية وغيرها. نحن في الفقه إذا كان هناك حكم مشهور و معروف فإنه من الصعب جدا مخالفته لمجرد الاستبعاد وأما لو أمكن إثبات ما يخالف المشهور بالدليل العلمي الرصين فلا تكون للمشهور قيمة هنا. مسألة المنزوحات في البئر (2)خير مثال .. فإن المشهور فهموا من روايات النزح نجاسة البئر، ولكن لما جاء الدور إلى العلامة (3)وثبت بالدليل أن المنزوحات والمقدرات لا تنتج هذه النتيجة وهي انفعال ماء البئر وإنما تدل على أن النزح من جهة الاستقدار ليس إلا فحينئذ انقلبت
1) منهم: العلامة المجلسي في بحاره، ج98، ص 334.
2) نزح البئر: هو أخذ الماء من البئر. وهذه المسألة متعلقة بما إذا مات حيوان في البئر أو سقطت فيه نجاسة كالخمر فإنه ينزح منه مقدارا من الماء قد حدد هذا المقدار في الشريعة وفي بعضها لا بد من نزح البئر بتمامه.
3) جمال الدين أبو منصور الحسن بن يوسف بن علي بن محمد بن مطهر الحلي (648 726ه)، المعروف بالعلامة الحلي الفقيه والمتكلم في القرن الثامن ه.
المسألة واتبع الفقهاء الدليل. وكذلك مسألة نجاسة أهل الكتاب (1)فإن المشهور بنوا على نجاستهم بحسب فهم الأدلة، لكن لما جاء الدور والتحقيق إلى فقیه و علم الأمة الإمام السيد محسن الحكيم وأثبت أن الأدلة التي استند إليها المشهور لا تثبت نجاستهم الذاتية انقلبت الشهرة تقريبا في هذا العصر إلى عكس ذلك (2).
فالخلاصة التي نريد أن نؤكد عليها هي أنه ليس كل استبعاد و تخمين يقوض
المشهورات، فالمشهورات تبقی مقبولة طالما لم يعارضها الدليل الرصين.
(یا لثارات الحسين) فما تقولون؟
بعد هذا أقول:
أولا: لا يوجد حسب تتبعي في الروايات رواية تنص على استحباب أن يردد
المؤمن شعار یا لثارات الحسين. هذا شعار يحركه ولي الدم (1)الإمام المهدي صلوات الله وسلامه عليه، ولا يعني ذلك أنه يستحب لنا أو مطلوب منا أن نردد هذا الشعار .
وثانيا: لو فرض وجود دلیل - وهو لا يوجد حسب التتبع کما قلت - لو فرض وجود دليل يطلب من الإنسان المؤمن الموالي أن ينادي بهذا الشعار.. لكن المسألة
لابد من أن تتحرك وفق الأهم والمهم ووفق مراعاة المصلحة، فإن لم تكن هناك مصلحة في رفع هذا الشعار بل كان سببا لجلب الضرر والأذى، أو أنك تحتاج بعده إلى التبرير وبيان القصد والمراد، - هذا على فرض إمكانية قبول التبرير - فإن المسألة تقع قطعا ضمن قاعدة الأهم والمهم ومراعاة المصلحة العامة .
1) يكون لديه الحق في المطالبة بدم المقتول.
فبهذه المغالطة حاول بعضهم (1)أن يتملص من الجريمة الكبرى والدفاع عن یزید و تبرئته والتستر على المجرمين الحقيقيين بتحميل وزر هذه الجريمة العظيمة على شيعة العراق بدعوى أنهم هم الذين كاتبوا الحسين صلوات الله وسلامه عليه.
ثم إن الإمام الحسين عليه السلام في يوم العاشر قد خاطب المعتدين بقوله: « يا شيعة آل أبي سفيان » (2)وهذا كلام صريح في دفع هذه الدعوى.
بالإضافة إلى أن التركيبة السكانية أو ما يصطلح عليه اليوم بالتركيبة الديمو غرافية للمجتمع الكوفي في ذلك الوقت كان خليطا من العرب والموالي وغيرهم، ومن هو
1) ممن أثار هذه الشبهة ابن كثير في البداية والنهاية، ج8، ص203 ط. دار الفكر. و هذه هي العبارة [فَلَمَّا عَلِمَ ذَلِكَ ابنُ زِیَادٍ مِنهُم بَلَّغَهُم مَايُرِيدُونَ مِنَ الدُّنيَا وَأخَدَهُم عَلَى ذَلِكَ وَحَمَلَهُم عَلَيهِ بِالرَّغبَةِ وَالرَّهبَةِ، فَانكَفُّوا عَنِ الحُسَينِ وَ خَذَلُوهُ ثُمَّ قَتَلُوهُ] و همش لها بهذه العبارة (سقط من المصرية) أي الطبعة المصرية. وفي مورد آخر من نفس المجلد، ص180 قول الحر مخاطبا أصحابه قبل أن يتحول إلى الحسين عليه السلام : «يا أهل الكوفة لأمكم الهبل، أدعوتم الحسين إليكم حتى إذا أتاكم أسلمتموه وزعمتم أنكم قاتلوا أنفسكم دونه ، ثم عدو تم عليه لتقتلوه» وهذه تحتاج إلى تتميم بأن الكوفة كلها من الشيعة لعلي بن أبي طالب عليه السلام فادعوا ذلك. والحق أنها خليط من كثير من الأمصار، ناهيك عن تعمد إلصاق بعض الجرائم على أشخاص ينتمون إلى التشيع ولو بحمل ذلك على القبيلة ک (فرماه رجل من بني أسد)، فإن هذا ييراد منه إيجاد جو عند القارئ للسيرة بأن الشيعة هم الذين قتلوا الحسين أو لا أقل كانوا هم السواد الأعظم الذي قتله عليه السلام ، والحق أن من قتل الحسين عليه السلام أشخاص معروفون وليس فيهم رجل واحد يعرف بتشیعه.
2) أما من مصادرنا ففي بحار الأنوار، المجلسي، ج45، ص 51. الملهوف على قتلى الطفوف، بن طاووس 664ه، ص 171 وغيرها. أما من مصادر العامة فقد وردت في مقتل الحسين، الخوارزمي 568، ج2، ص397. الطبري، ج4، ص 344 فلم ترد هذه الفقرة. وأما في البداية والنهاية، ج8، ص187 من الطبعة الحجرية وكذا بطبعة دار الفكر وجد مکان هذه الفقرة علامة التعجب هكذا (ويكلم !! إن لم یکن لکم دین...) مما يشعر بوجود حذف في هذه النسخ وبعض الطبعات كهجر حذفت العبارة بالكامل.. وأنقل تمام المقطع من مقتل الحسين للخوارزمي: (ويحكم، يا شيعة آل أبي سفيان! إن لم يكن لكم دين، و کنتم لا تخافون المعاد، فكونوا أحرارا في دنياكم هذه، وارجعوا إلى أحسابكم إن کنتم أعرابا).
معروف بولائه لأهل البيت (1)ومن هو أموي الهوى (2). فلم يكن المجتمع الكوفي لونا واحدا. ولم يكن المجتمع الكوفي منغلقا على النهج الأموي ولم يكن كذلك صافيا في ولاءه لأهل البيت عليهم السلام .
ولا ننسى أن أول خطوة قام بها ابن زیاد حين جاء إلى الكوفة هي أن عمد إلى سجن كبار الشيعة وقادتهم من أمثال سليمان بن صرد الخزاعي وغيره ممن كاتب الحسين عليه السلام وهذه قضية معروفة حاول بها أن يفشل نصرة الإمام الحسين (3).
إن سياسة البطش التي مارسها ابن زیاد من الطبيعي أن تلقي بظلالها من الخوف
والرهبة على النفوس فتثبطهم عن الذهاب لنصرة الإمام الحسين عليه السلام .
ثم إن جئنا إلى الأسماء التي أدعي أنهم شيعة كالحجار بن أبجر، والأشعث بن قيس، وآل الأشعث محمد وإخوته، وشمر بن ذي الجوشن وغيرهم، فهؤلاء ليسوا شيعة وإنما كانوا على أحسن التقادیر متقلبين ينقلبون مع المصالح. فهؤلاء ليس لهم انتماء إلا النفعية، يبحثون عن منافعهم، فإذا كانت منافعهم أو ما يأملون أن يحصلوا عليه مع علي وجيش علي تحولوا إليه، وإذا كانت مصالحهم مع بني أمية وفي الصف الأول من الذين قاتلوا الحسين عليه السلام كانوا كذلك، فلا يمكن أن نحسب هؤلاء على الشيعة المخلصين .
1) أمثال: (سلیمان بن صرد، المختار بن أبي عبيد، حبیب بن مظاهر ، مسلم بن عوسجة، هاني بن عروة، والأصبغ بن نباتة).
2) أمثال: (حصين بن نمير، محمد بن الأشعث بن قیس، عزرة بن قیس، کثیر بن شهاب، القعقاع بن شور الذهلي، خالد بن عرفة، أبو بردة بن أبي موسى الأشعري، عبيد الله بن عباس السلمي، سمرة بن جندب، یزید بن الحارث، أسماء بن خارجة، حجار بن أبجر، شمر بن ذي الجوشن، بكر بن حمران الأحمري).
3) كان يعتقل وقد قتل كثيرا ممن اعتقل لا سيما من شارك مسلم بن عقيل وكان يتردد عليه أمثال: عمارة بن صخلب الأزدي، وعبد الأعلى بن يزيد وغيرهم. انظر: مقتل الحسين، أبو مخنف الأزدي، ص57. وعنه الطبري، ج 4، ص 284.
وأما في المواقف التي نجدهم يدعون على الشخص بالهلاك فلا بد لنا من أن
نلتفت إلى نقطتين:
النقطة الأولى: هي أن النبي صلي الله عليه وآله أو الإمام عليه السلام حينما يدعو على أحد بالهلاك فهو إنما ينظر بعين الغيب إلى أن هذا الشخص ميؤوس من هدايته فلا معنى لطلبها له حين يكون الأمر كذلك، وهذه جنبة غيبية.
النقطة الثانية: أنه قد يكون في هلاك الشخص مصلحة له ولغيره من الأمة، وهذه قضية واضحة، فإنه يوجد أناس ليس في بقائهم إلا زيادة في الشقاء والمآسي والعناء لهم ولغيرهم، وهنا حين يطلب المعصوم من الله هلاك هذه النماذج فإنما هو يدعو التحقيق المصلحة وتعجيلها حيث يكون في تحقيق ذلك الخير والمنفعة. حينما ندعوا الله ونقول: اللهم من كان في هلاکه صلاح لنا فأرحنا منه فإننا ندعوا الله أن يستبدل الضرر الحاصل للجميع بها هو صلاح للناس والمجتمع والأمة.
ولعل المقصود من العبارة هو ملاحظة الجهات المتعددة التي تفرد بها الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه من حيث قلة الناصر وكثرة العدو وفداحة المصيبة و سبي النساء والعطش وغيرها من الجهات الكثيرة في مصيبته عليه السلام التي لم تجتمع وتتحقق في مصائب من سبقه كأبيه وأمه والإمام الحسن عليه السلام مع ما حل بهم بطبيعة الحال من ظلم، فالظروف التي مر بها الإمام الحسين لا شك في أنها كانت خاصة واستثنائية.
1) ورد في الأمالي، الصدوق، ص 177، المجلس الرابع والعشرون، ح3. «أن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام دخل يوما إلى الحسن علیه السلام ، فلما نظر إليه بكي، فقال له عليه السلام : « مايبكيك يا أبا عبد الله؟ قال: أبكي لما يصنع بك. فقال له الحسن عليه السلام : إن الذي يؤتى إلي سم يدس إلي فاقتل به، ولكن لايوم كيومك يا أبا عبدالله، يزدلف إليك ثلاثون ألف رجل، يدعون أنهم من أمة جدنا محمد صلي الله عليه وآله ، وينتحلون دين الإسلام، فيجتمعون على قتلك، وسفك دمك، وانتهاك حرمتك، وسبي ذراريك ونسائك، وانتهاب ثقلك، فعندها تحل ببني أمية اللعنة، وتمطر السماء رمادا ودما، ويبكي عليك كل شيء حتى الوحوش في الفلوات، والحيتان في البحار ».
ومن هنا فالمطلوب في إعادة العشرة ليس إلا عقد المجالس الذكر أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم، وهي فرصة جيدة لاستثمارها في نشر الثقافة ونشر تعاليم أهل البيت عليهم السلام از وتوعية الناس وتثقيفهم شريطة أن لا تعامل معاملة العشرة الحقيقية.
ويبدو أن الميرزا النائيني قدس سره أستاذ الفقهاء لديه فتوی بحرمة أو لا أقل الاستشكال في ذكر المقتل في غير يوم عاشوراء، وهناك مع الأسف بعض الخطباء من يذكر المقتل بتفاصيله في العشرة الأولى المعادة والثانية والثالثة وهذا من الخطأ الكبير.
وجاء في بعض الروايات أن السجود على تربة الحسين عليه السلام يخرق الحجب السبع وينير إلى السماء السابعة .
تنبيه:
ومما يلزم التنبيه عليه أن المقصود من هذه التربة هي التربة التي تؤخذ من القبر وما حواليه، وأما هذه التربة المنتشرة الآن فهي تحظى بمجرد شرف الانتساب إلى كربلاء حيث إنها تؤخذ غالبا من الطين الخارج من ساحة الحرم ودائرة الحرم بكثير، وهي لا تحمل المزايا والخصوصيات المذكورة ككونها شفاء أو أنها تخرق الحجب السبع وتنير إلى السماء السابعة.
1) وسائل الشيعة، ج5، ص365، باب 16 من أبواب ما يسجد عليه، ح3 ورد عن معاوية بن عمار قال : كان لأبي عبدالله عليه السلام خريطة ديباج صفراء فيها تربة أبي عبد الله عليه السلام ، فكان إذا حضرته الصلاة صبه على سجادته وسجد عليه، ثم قال عليه السلام : «إن السجود على تربة أبي عبدالله يخرق الحجب السبع» وغيرها.
2) وسائل الشيعة، ج14، ص 537، باب 76 من أبواب المزار وما يناسبه، ح1. عن أحمد بن فهد في عدة الداعي قال: روي أن الله عوض الحسين عليه السلام من قتله أربع خصال: جعل الشفاء في تربته، وإجابة الدعاء تحت قبته، والأئمة من ذريته، وأن لا تعد أيام زائريه من أعمارهم.
فمن المصادر القديمة:
مقتل ابن نما الحلي رحمة الله المسمى بمثير الأحزان.
مقتل السيد ابن طاووس رحمة الله المسمى بالملهوف على قتلى الطفوف.
مقتل المجلسي رحمة الله في بحار الأنوار.
مقتل الطبري وإن كان في هذا الأخير بعض الملاحظات لكن العلامة السيد محمد الجلالي لديه هوامش لطيفة عليه عندما نضمها إليه تكتمل الصورة، ومن الواضح أن الطبري ربما يحاول إنكار بعض المواقف والأحداث ومع ذلك فقد نقل الكثير من هذه الأحداث.
ومن الكتب المتأخرة:
مقتل السيد المقرم الذي هو من المقاتل المعتبرة جدا.
مقتل السيد محمد تقي بحر العلوم.
مقتل الشيخ محمد تقي الجواهري رحمة الله الذي كان معاصرا للميرزا النائيني
والسيد أبو الحسن الأصفهاني وهو من الكتب المعتبرة المحققة.
ومؤخرا طبع العلامة الباحث الشيخ محمد الري شهري الصحيح من المقتل ويمكن الاستفادة منه إلى حد كبير كذلك.
فهذه مصادر يمكن الاعتماد عليها وخصوصا مقتل السيد المقرم.
ولابد هنا أن نلتفت إلى حيثية مهمة، وهي أن الإمام سلام الله عليه كان أمام خیارین.. إما أن يبقيهن في المدينة ويخرج بأصحابه وأهل بيته وإما أن يصطحبهن معه. وبطبيعة الحال كان الخيار الأول خطرا بسبب أن بني أمية ومن خلال سلوكياتهم وأفعالهم أثبتوا أن لا رادع لهم عن أي جريمة أو تعد. فمن الواضح أنهن لو بقين في المدينة فيحتمل قويا بل يكاد يكون مجزوما به أن يتعرضن للاعتقال لتشكيل ورقة ضغط على الإمام لتسليم نفسه وبالتالي إفشال حركته المباركة وإنهاءها ثم يتم تصفية الإمام بدم بارد. وهذا ما أراد الإمام أن يفوته عليهم باصطحابهن معه .
ومن جهة أخرى كان في اصطحاب النساء عدة حكم كشفت فيما بعد من قبيل تعرية بني أمية أمام العالم والناس والأجيال كونهم يفتقرون لكل القيم والمبادئ والإنسانية وعدم لیاقتهم لخلافة الإسلام، فكيف يحق لأمير المسلمين أن يأخذ بنات الرسالة سبايا وهن بنات علي وفاطمة، فهذه الجريمة كشفت وبينت للأجيال انسلاخ بني أمية من كل القيم والمبادئ الدينية والإنسانية. وهي بحد ذاتها جريمة لا يمكن التبرير والدفاع عنها، فإن المدافع عن يزيد في هذه الجريمة كمن يدافع عن المشهورة بالبغاء - والعياذ بالله - حيث لا مجال للدفاع عنها بحال بل يكون الدفاع هنا سببا للتهمة. ومن هنا أصبح المدافع عن يزيد وجرائمه متهما بالنصب لأهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم.
ثم لا يخفى أن من حكم وجود النساء في ركب الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه هو الدور الذي قامت به العقيلة زينب سلام الله عليها وباقي نساء أهل البيت من فضح یزید و بیان حقیقته عندما أراد تضليل الرأي العام بأن من قتله هو خارجي خرج عليه وكان لهذا التضليل مجاله وأن يؤثر في البسطاء من الناس وهم کثر وكذا من هو بعيد عن الواقع، فكان بواسطة العقيلة زينب والنساء الهاشميات في كل المنازل والمجالس التي أخذن لها کشف هذه الأضاليل بأن المقتول هو سبط رسول الله وهو ابن الإسلام وهو أحد أركان الإسلام والمسلمين، إلى أن وقفت أمامه في قصره وقد جمع فيه الشخصيات الرسمية كسفير الروم وغيرهم، وكشفت الحقيقة بكل بسالة وشجاعة الأمر الذي دعاه إلى التعجيل بإرجاعهن إلى المدينة.
فالأقوال إذا متعددة، ويحتمل جدا أن هذه الأماكن التي ينسب إليها مدفن الرأس الشريف هو اشتباه حصل بمرور الزمن حيث كانت هذه الأماكن أماكن وضع ونصب عليها الرأس الشريف عندما طیف به في البلدان والأمصار وهذه ظلامة أخرى من الظلامات التي لحقت بأهل بيت النبوة عليهم السلام ، فمن المعلوم أن السبايا أخذن من كربلاء إلى الكوفة ومنها إلى الشام عن طريق بعلبك في لبنان إلى أن وصلن إلى الشام في سوريا. وفي هذا المسير كان يطاف بالرؤوس في البلدان تشهيرا وبغضا ونكاية بها، وكانت هذه الرؤوس تنصب في بعض البلدان وتوضع في بعض الأمكنة وعرف الناس ذلك واشتهر بينهم أنه الموضع الذي نصب فيه الرأس الشريف فصار موضعا يتبرك به الناس ويقصدونه، ومع مرور الزمن اختلط على الناس الأمر بأن هذه الأماكن هي محل دفن الرأس الشريف. هكذا يمكن أن نفسر كثرة الأقوال حول محل دفن الرأس الشريف.
نعم، يذهب الكثير من العلماء والمحققين إلى أن الرؤوس أرجعت إلى الأجساد في كربلاء كما هو رأي الشيخ الصدوق (2)والسيد المرتضی علم الهدی (3)والسيد الخوئي قدس سره والسيد السيستاني دام ظله وكذلك رأي شيخنا المقدس الشيخ التبريزي کما سمعنا منه ذلك.
هذه المنطقة التي عرف سكانها منذ القدم بولاءهم لأهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم وسيرهم على نهجهم عقیده و فقها وفكرا، الأمر الذي يكون من الطبيعي معه استجابتهم لأوامر وتوجيهات أهل البيت عليهم السلام وتطبيقها والذي منها أمرهم بإحياء ذكرى عاشوراء وإقامة العزاء.
ولذا يمكننا أن نقول: إنها بدأت ببدء التشيع الذي عرفت به البحرين منذ القدم حيث جاء في بعض التواریخ کما عن المقريزي وياقوت الحموي وغيره أن البحرين لم تعرف غير التشيع مذهبا في حقبها التاريخية المتقدمة (1).
نعم لا شك في أن تطور المواكب والمجالس وأخذها هذا الزخم والحضور الجماهيري تأثر بعوامل على مرور الزمان، فلربما مثلا كانت تقام سابقا في البيوتات ثم بعد ذلك نقلت إلى المآتم والحسينيات وانتقلت من كونها مجالس خاصة إلى مجالس عامة، وقد جاء في بعض الوقفيات أن بعض الحسينيات يمتد عمرها إلى ما قبل 500 أو 600 سنة. وأما مواكب العزاء والخروج في الطرقات وخصوصا في بعض المناطق العاصمة فلربما يمتد عمره إلى حدود المئتين سنة.
1) درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة، تقي الدين أحمد بن علي المقريزي، ص 81 - 82، قال في ترجمة إبراهيم بن ناصر بن جروان المالكي ما هذا نصه (وجميع أهل الأحساء والقطيف والبحرين و تاروت رفضة).
نعم، الخروج في مواكب العزاء مثلا يمكن أن نقول: إنه لم يكن موجودا في زمن الأئمة لظروف ومبررات، حيث لم يكن الشيعة بهذه الكثافة ولم تكن لهم القوة التي يمكن لهم من خلالها فرض وجودهم وممارساتهم، ولكن عدم وجودها السابق لا يعني عدم مشروعيتها، إذ يكفي في مشروعية هذه الممارسات دخولها في عموم الدليل «كل الجزع مكروه ما خلا الجزع على الحسين » بالإضافة إلى الضوابط الأخرى.
على يزيد، فما هو الجواب؟
إن كل من يقرأ سيرة الإمام الحسين وبداية النهضة الحسينية المباركة يعلم أن الذي حذا بالإمام الحسين للخروج لیس طلب السلطة وإنما الرفض لمبايعة يزيد. وقد بين الإمام الحسين عليه السلام في كلماته المبررات التي تجعله يرفض البيعة ليزيد، فیزید شارب للخمر وقاتل للنفس المحترمة ومثل الحسين لا يبايع مثل یزید.
نعم، فكيف يمكن لسبط رسول الله صلي الله عليه وآله الإمام الحسين أن يبايع يزيد ويعطيه الشرعية وهو متجاهر بالفسق وشرب الخمر ولبس الحرير واللعب مع القردة وضرب الدف وقتل النفس المحترمة ؟!
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنه بحسب القانون والصلح المبرم بين الإمام الحسن الزكي صلوات الله وسلامه عليه وبين معاوية فإن الأمر بعد موت معاوية يكون للإمام الحسن عليه السلام إن كان موجودا وإلا فللإمام الحسين وأن لا يعهد لغيرهما بذلك.
فإذا من جهة قانونية كان لزاما على الإمام الحسين أن يطالب بالبيعة ولم يكن
اليزيد حق في طلب المبايعة لنفسه. وهكذا كان، فبعد رفض الإمام الحسين عليه السلام مبايعة يزيد خرج من مدينة جده متوجها إلى مكة وبقي فيها موضحا فيها موقفه من بيعة يزيد، إلى أن تسربت الأخبار أن يزيد وبني أمية كانوا يخططون لاغتيال الإمام الحسين عليه السلام في مكة متجاهلين حرمة بيت الله والأشهر الحرم، عندها خرج الإمام الحسين عليه السلام حتى لا تهتك به حرمة البيت و تكون بعد ذلك سنة وعادة في
تجرؤ أي أحد على القتل في بيت الله الحرام وهتك حرمته، بالإضافة لما في خروجه من حفظ نفسه وعياله، إلى أن انتهى الأمر بمضايقة بني أمية للإمام وإجباره على الدخول في بيعة يزيد، وصموده وثباته على موقفه الرافض لذلك حتى حدثت المأساة الكبرى في كربلاء
فإذا كان خروج الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه لإعلاء كلمة الحق ورفض الباطل ولأن يسير بسيرة جده وأبيه لو تسنت له الظروف، وكل من يدعي خلاف هذه الحقائق التي بينها الإمام الحسين بنفسه وأثبتها التاريخ والمؤرخون فهو المطالب بأن يأتي بما يدل على كلامه من كلمات سید الشهداء صلوات الله وسلامه عليه .
وإذا أردنا أن ننظر إلى المسألة بنظرة تحليلية نقول:
1) أبو الحسين يحیی بن الحسن بن جعفر العبيدلي العقيقي (214 ه - 277 ه). هو كاتب ومؤرخ و نسابة من قدماء علماء الشيعة الإثنا عشرية، من أهل المدينة المنورة ومولده بها، وأما وفاته فكانت في مكة.
2) السيدة زينب وأخبار الزينبات للعبدلي، ص57. وانقل النص للفائدة ومنه سيتضح ظلامة أخرى للسيدة زينب وهي أنها نفيت من المدينة بأمر من يزيد لما كانت تحرض على القيام عليه، ولما وصلت مصر لم تبق فيها إلا القليل حتى توفيت ودفنت هناك. «قال العبدلي في أخباره والحافظ ابنعساكر الدمشقي في تاريخه الكبير والمؤرخ ابن طولون الدمشقي في الرسالة الزينبية بعد شرح ما تقدم : ثم إن والي المدينة من قبل يزيد وهو عمرو بن سعيد الأشدق اشتکی من إقامة السيدة زینب بالمدينة فكتب بذلك إلى يزيد وأعلمه بأن وجودها بين أهل المدينة مهيج للخواطر وأنها فصيحة عاقلة لبيبة وقد عزمت هي ومن معها على القيام للأخذ بثأر الحسين، فلما وصل الكتاب إلى يزيد وعلم بذلك أمر بتفريقهم في الأقطار والأمصار فاختارت السيدة زينب الإقامة بمصر طلبا لراحتها، واختار بعض أهل البيت بلاد الشام، فعند ذلك جهزهم ابن الأشدق فخرجت السيدة هي ومن معها من أهل البيت وفيهم سكينة بنت الحسين وأختها فاطمة فلما اتصل خبر ذلك إلى والي مصر إذ ذاك وهو مسلمة بن مخلد الأنصاري توجه هو وجماعة من أصحابه وفي صحبتهم جملة من أعيان مصر ووجهائها إلى لقائها فنقلوها من قرية بين طريق مصر والشام شرقي بليس (عرفت أخيرا بقرية العباسة بنت أحمد بن طولون) ولم يبق بالمدينة من جماعتهم إلا زین العابدين، وأقام الحسن المثنى بخارجها ووافق دخول السيدة مصر أول شعبان سنة 61 من الهجرة - 684 م. وكان قد مضى على الموقعة نحو ستة أشهر وأياما بما يسع مدة أسفارها فأنزلها مسلمة بن مخلد هي ومن معها في داره بالحمراء القصوى ترويحا لنفسها إذ كانت تشتكي انحرافا فأقامت بها 11 شهرا ونحو 15 يوما من شعبان ليلة الأحد لأربعة عشر يوما مضت من شهر رجب من السنة المذكورة، وبعد تجهيزها وشهود جنازتها دفنت بمحل سكناها على العادة في ذلك، ثم بعد وفاتها رجع من كان معها من أقاربها إلى المدينة وفيهم السيدة سكينة وفاطمة على ما ذكر ابن زولاق في تاريخه..).
ما أن يحن ويرجع إليه بل بحسب العادة والطبع فإن من يحمل مثل هذه الذكريات فإنه لا يحب استذكارها فضلا عن الذهاب إلى مكانها. ومن هنا نقول: إن ذهابها الاختياري أمر مستبعد جدا.
إن المتتبع في سيرتهم عليهم السلام يجد أن لهم تعلقا شديدا بمدينة جدهم المدينة المنورة، هذه البقعة المباركة التي تضم جسد النبي صلي الله عليه وآله والتي يجدون فيها انتمائهم وامتدادهم، فلم يخرجوا منها إلا في الحالات الاستثنائية بسبب الظروف السياسية والظلم والاستبداد الذي لحق بهم وإجبار الظالمين لهم على الخروج منها كما حدث للأئمة عليهم السلام .
لم تذكر المصادر التاريخية المعتبرة مسألة خروجها من المدينة، وما يوجد مذكور على نحو (قيل) من أنها كانت تؤلب الناس على الوالي وعلى يزيد فأمر يزيد والي المدينة بإخراجها منها.
يرجح الشيخ النقدي في كتابه حياة السيدة زينب أنها دفنت في مصر مستشهدا بكلام العبيدلي حيث قال: «إن زينب الكبرى بعد رجوعها من أسر بني أمية إلى المدينة أخذت تؤلب الناس على يزيد بن معاوية، فخاف عمرو بن سعد الأشدق انتقاض الأمر، فكتب إلى يزيد بالحال، فأتاه كتاب يزيد يأمره بأن يفرق بينها وبين الناس، فأمر الوالي بإخراجها من المدينة إلى حيث شاءت، فأبت الخروج من المدينة وقالت: لا أخرج وإن أهرقت دماؤنا، فقالت لها زينب بنت عقیل: یا ابنة عماه قد صدقنا الله وعده وأورثنا الأرض نتبوأ منها حيث نشاء، فطيبي نفسا وقري عينا، وسيجزي الله الظالمين، أتريدين بعد هذا هوانا؟ ارحلي إلى بلد آمن، ثم اجتمع عليها نساء بني هاشم وتلطفن معها في الكلام، فاختارت مصر، وخرج معها من نساء بني هاشم فاطمة ابنة الحسين وسكينة، فدخلت مصر لأيام بقيت من ذي الحجة، فاستقبلها الوالي مسلمة بن مخلد الأنصاري في جماعة معه، فأنزلها داره بالحمراء، فأقامت به أحد عشر شهرا وخمسة عشر يوما، وتوفيت عشية يوم الأحد لخمسة
عشر يوما مضت من رجب سنة اثنتين وستين هجرية، ودفنت بمخدعها فیدار مسلمة المستجدة بالحمراء القصوى، حيث بساتين عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف الزهري بالقاهرة» (1).
ونقول تعقيبا على هذا النص الذي يذكره العبيدلي - وكلامه يفتقر إلى المصدر
والدليل والإسناد-: إن المحتمل فيه أمران وكلاهما مستبعد:
الأول: إن موقفها ذاك كان مستقلا عن موقف الإمام زين العابدین علیه السلام و مخالفا لتوجهه، وهذا أمر لا يمكن القبول به ولا يناسب مقام السيدة زينب وجلالتها في أن تخالف رأي إمام زمانها وحجة الوقت.
والاحتمال الثاني: أن يكون موقفها في تأليب الناس ضد والي المدينة ويزيد هو بأمر وتوجيه من الإمام زين العابدين عليه السلام ، لكن من المعلوم والواضح أن منهجية أهل البيت عليهم السلام بعد واقعة الطف التي حققت الهدف من كشفها وتعريتها للظالمين ونظرا للأسباب والظروف الموضوعية التي كانوا يعيشونها لم تكن منهجية المعارضة المعلنة للأنظمة الموجودة، وهذا يخالف ما يقال من أنها كانت تؤلب الناس علنا ضد یزید.
إذا خروج السيدة زينب عليها السلام من المدينة اختيارا أو جبرا أمر لا تساعد عليه الأدلة والقرائن، ومن هنا فالراجح أنها بقيت في المدينة ودفنت فيها.
أما لماذا لا يوجد لها قبر هناك . فلعله بسبب سياسية التكتيم التي مارسها بنو أمية في محو وتكتيم كل ما يتعلق بتاريخ أهل البيت وأخبارهم وآثارهم، حيث إن كثيرا منهم لا يعلم له قبر في المدينة. ومن المحتمل كذلك أنها أرادت أن تقتدي بأمها الزهراء عليها السلام في إخفاء موضع قبرها الشريف الذي فيه من الدلالات ما لا يخفی .
1) النقل من الكاتب بالمعنى وليس بالنص مع زيادة وتغيير في بعض المواضع.
الأمر الأول: أن تكون تعبيرا عن الحزن وأسلوبا للتعبير عن الحزن والأسى في نظر العرف.
والأمر الثاني: أن لا توجب إدخال الوهن والتضعيف والتشويه أو الاستغلال النهضة الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه .
1) راجع جواب السؤال 16.
یا دهر أف لك من خلیل *** کم لك بالإشراق والأصيل
من صاحب أو طالب قتيل *** والدهر لا يقنع بالبديل
وانما الأمر إلى الجليل *** وكل حي سالك السبيل
قال: فأعادها مرتين أو ثلاثا، حتى فهمتها فعرفت ما أراد، فخنقتني عبرتي فرددت دمعي ولزمت السكون، فعلمت أن البلاء قد نزل، فأما عمتي فإنها سمعت ما سمعت وهي امرأة وفي النساء الرقة والجزع، فلم تملك نفسها أن وثبت تجر ثوبها وإنها لحاسرة حتى انتهت إليه فقالت:
واثكلاه، ليت الموت أعدمني الحياة، اليوم ماتت فاطمة أمي، وعلي أبي، وحسن أخي، یا خليفة الماضي وثمال الباقي. قال: فنظر إليها الحسين عليه السلام فقال : يا أخية لا يذهبن حلمك الشيطان لو ترك القطاء ليلا لنام.
قالت: يا ويلتي أفتغصب نفسك اغتصابا فذلك أقرح لقلبي وأشد على نفسي، ثم لطمت وجهها وأهوت إلى جيبها وشقته و خرت مغشيا عليها.
فقام إليها الحسين وقال لها: يا أخية اتقي الله، وتعزى بعزاء الله، واعلمي أن أهل الأرض يموتون، وأن أهل السماء لا يبقون، وأن كل شيء هالك إلا وجه الله الذي خلق الأرض بقدرته، ويبعث الخلق فيعودون وهو فرد وحده، أبي خير مني، وأمي خير مني، وأخي خير مني، ولي ولهم و لكل مسلم برسول الله أسوة . قال : فعزاها بهذا و نحوه وقال لها: يا أخية إني أقسم عليك فأبري قسمي، لا تشقى على جيبا، ولا تخمشي على وجها، ولا تدعي علي بالويل...».
، فالإمام يدلل بكلامه أنهم أفضل منه.فالإمام الحسن لا شك في أنه كالحسين عليه السلام نور واحد ولا يمكن لنا أن نقلل من مصيبة الإمام الحسن عليه السلام في جرى على الإمام الحسن عليه السلام كذلك هي مصيبة
1) إشارة إلى ما ورد في الإرشاد، الشيخ المفيد، ج2، ص94. يقول الإمام زين العابدین: «إني جالس في تلك العشية التي قتل أبي صبيحتها وعمتي زينب عندي تمرضني إذ اعتزل أبي بأصحابه في خباء له وعنده حوی مولى أبي ذر الغفاري
يعالج سيفه ويصلحه وأبي يقول:
وفداحة كبيرة ومؤلمة ومؤثرة، وكيف لا يتأثر الإنسان الموالي المحب لأهل البيت لما جرى على الإمام الحسن عليه السلام من أذية وإهانة جسدية ومعنوية فما جرى عليه ليس بالشيء القليل والبسيط وهو السبط الأكبر وريحانة النبي وأحد سيدي شباب أهل الجنة، والذي جاء فيه ما جاء في أخيه الإمام الحسين عليه السلام من الفضائل والمناقب، الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا، فلا ينبغي التقليل من شأن مصيبة الإمام الحسن علیه السلام ، نعم هناك مفردات في قضية الإمام الحسين عليه السلام قال عنها الإمام الحسن «لا يوم كيومك يا أبا عبدالله إذ يزدلف إليك في ذلك اليوم ثلاثون ألف رجل كلهم يدعون انهم من أمة جدنا »، فنفس الإمام الحسن عليه السلام يقول: لا يوم كيومك يا أبا عبدالله، فما جرى على الإمام الحسين عليه السلام هو حالة استثنائية منفردة عن كل ما جرى على أهل بيت النبوة عليهم السلام ، فمن الطبيعي أن هذه الحالة الخاصة توجب شدة التأثر لكن من دون التقليل لأي مصيبة من مصائب أهل البيت ولما جرى لأي إمام من أئمة الحق أرواحنا لهم الفداء.
وثانيا لا ينبغي لنا أيضا التقليل من شأن المجالس الحسينية التي يصفها بعض فقهاؤنا الأجلاء بأنها بمنزلة المتارس التي يتترس فيها الناس ويحتمون بها ويتحصنون بها، فلا ينبغي أن تخلو هذه المواقع التي في خلوها سلبيات ومضاعفات غير محمودة على الإحياء الحسيني فالمجالس هي التي تحمي المواكب وهي التي تنظر للمواكب وتثقف واقع المواكب وهي التي تحصن الموكب الحسيني وتصونه.
« هون علي ما نزل بي أنه بعين الله »
1) نعم لا شك أن لسان الحال لا يبرر التساهل في نقل وتصوير الوقائع المأساوية الخيالية على أنها أحداث واقعية، حذرا من تحولها ولو بمرور الزمان إلى كونها أحداث حصلت بالفعل فنقع في محذور التقول والكذب، فلابد من إفهام المستمع وإشعاره ولو بنحو ما على أن ما يقال هو محض خیال شاعر.
الحسين وأبو الفضل العباس عليه السلام .. ما مدى صحة ذلك؟
ولكن المبالغة أيضا ليست صحيحة بأن يقال مثلا: إن العباس قتل أربعة آلاف، نعم كان على المشرعة هذا العدد أو أقل فكشفهم فهذا أمر يتناسب مع شجاعة العباس لكن لا أن يقال إنه قتل هذا العدد، فلو أردنا أن نجعلها مسألة رياضية وفرضنا أن مبارزة كل شخص تحتاج إلى ما يقارب الدقيقة مثلا فكم هي المدة التي المطلوبة لقتل هذا العدد؟! قطعا المدة تتطلب عشرات الساعات مع أن القتال في
يوم العاشر لم يكن في تمام اليوم بل كان من الصبح إلى ما بعد الزوال بقليل - تقریبا - فهذا العدد لا يمكن تصوره أبدا ولا ينسجم مع الواقع وهي أعداد خيالية مبالغ فيها، وعلى الخطباء تجنب هذه المبالغات التي لا تنفع ولا تفيد، فلو قلنا إن علي الأكبر قد قتل مائتين فهذا بنفسه كاف في الدلالة على الشجاعة والمقدامية التي يمتلكونها خصوصا إذا التفتنا إلى الظرف الذي كانوا يقاتلون فيه وما هم عليه من العطش وما هم عليه من حصار، وذكر الواقعيات لا ينقص من شجاعتهم فهم الشجعان كما قال عمرو بن الحجاج: يا حمقى، أتدرون من تقاتلون؟ تقاتلون فرسان أهل المصر، وتقاتلون قوما مستميتين (1)، فهم أشخاص عرفوا بشجاعتهم وبسالتهم وعدم تقهقرهم أمام الأعداء وأمام هذا الجيش الجرار.
1) الإرشاد، الشيخ المفيد، ج2، ص103.
1) ولا يقف الأمر على المادة المكتوبة بل المسموعة أيضا، بل المواد المناسبة لهذا العصر كتحويل بعض الكتب إلى برامج يستفاد منها في الهواتف الذكية وما شابه.
الحسينية؟
أن نستحضر الإمام الحسين عليه السلام عندما ودع أهل بيته زينب وأخواته وقال لهن علیکن بلبس الأزر ولا تقولن ما لا يرضي الله، نستحضر أهمية الخدر والحشمة والحجاب. كما أننا نجد الإيثار والتضحية في أرقى صورها قد تجسدت في أفعال سیدنا أبي الفضل العباس عليه السلام . إذا فكل أحداث کربلاء نجد فيها قيم ومبادئ وفضائل ومكارم نحتاج إلى تجسيدها وترجمتها ترجمة فكرية وسلوكية وعملية، ولذلك أنا لا أرى أن المظاهر العاشورائية الموجودة بالفعل كافية لتجلية وتوضيح وبيان كل هذه القيم والمبادئ التي امتلأت بها وأترعت بها واقعة كربلاء.
عن الاستفادة من القيم الحقيقية وراء نهضة الحسين.. ما رأيكم؟
كما أن هناك أيضا اتجاه آخر يريد أن يقلل من قيمة الدمعة ولا يعطي للدمعة أي أهمية في حين أن قضية كربلاء التي حفظت الإسلام لا يمكن حفظها إلا من خلال الدمعة، فهناك أدوار متبادلة. قضية كربلاء هي التي حفظت الإسلام وهي التي ما زالت تعطي للإسلام الديمومة وتعطي للإسلام القوة والمناعة في مقابل كل محاولات إضعاف الإسلام والدين، فواقعة كربلاء هي بمنزلة القوة التي تزود الإسلام بهذه المعاني؛ وفي نفس الوقت فإن الدمعة هي التي حفظت قضية كربلاء.
ومن هنا نجد الروايات الكثيرة التي حثت على البكاء واعتبرته أمرا عباديا موجبا الدخول الجنة ومزيد الثواب، فلا ينبغي أن نقلل من قيمة الدمعة، لكن كذلك من الخطأ أن يكون شيء على حساب شيء، فكما أن للدمعة دورها كذلك لا ينبغي -کما هو في الاتجاه الأول - أن نجعل قضية الحسين فقط في البكاء ونسلخ منها العبرة، ونسلخ منها الدروس، ونسلخ منها كل تلك المعاني والقيم التي تحرك من أجلها الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه، فالنظرة المتوازنة مهمة بمعنى أن في نفس الوقت الذي نعتبر واقعة كربلاء وحركة الإمام الحسين عليه السلام ذات أهداف عظيمة ينبغي للإنسان الموالي أن يسعى وراء تحقيق هذه الأهداف، فكذلك أيضا ينبغي أن نحفظ للدمعة مكانتها ودورها في حفظ واقعة كربلاء.
لا يوجد لدينا تفاوت في التعامل مع الأئمة، فالأئمة كلهم نور واحد ويجب تعظيمهم جميعا ويجب احترامهم جميعا وتجب محبتهم جميعا وتجب موالاتهم جميعا بنفس الدرجة.
لا يمكن أن يقول أحدهم أنا أعظم الإمام الحسين عليه السلام أكثر مما أعظم الإمام الصادق والباقر عليه السلام ، فهذا شيء قطعا إذا كان عن عمد فإنه يوجب التوهين للمعصوم وهو أمر محرم.
الاحترام لجميع الأئمة، و محبتهم وموالاتهم وطاعتهم هي على حد سواء، ولكن التركيز على قضية الإمام الحسين عليه السلام لم يأت من قبل الشيعة، بل جاء من تعلیمات أئمة الهدى عليهم السلام ، فهم كانوا يعطون لواقعة كربلاء أهمية خاصة، أمير المؤمنين عليه السلام قتل، الإمام الحسن عليه السلام استشهد. سائر المعصومين تعرضوا للظلامات، لكن نجد أن الأئمة كانوا يجلسون في مصاب الإمام الحسين عليه السلام ويستمعون لشعر الشعراء وكانوا يؤكدون على ضرورة إبقاء قضية الإمام الحسين عليه السلام وقادة ومستمرة، فهذا التركيز هو في الحقيقة منبعث من تعليمات الأئمة عليهم السلام ، فهم أمرونا وهذا امتثال لأوامرهم عليهم السلام ، فالأئمة طلبوا ما هذا التركيز، وهذا التركيز على قضية الإمام الحسين هو تركيز على قضيتهم جميعا وتركيز على مظلوميتهم جميعا وتركيز على حقهم جميعا وعلى ما تعرضوا له جميعا من ظلم وإقصاء وسلب حق
وغصب مقامات، فهناك قضية تكميلية في الحقيقة والواقع، وهذا التركيز ينبعث من العمل بأوامر الأئمة الذين أمرونا بالارتباط بقضية الحسين.
الإمام الحجة عليه السلام يقول: «لأندبنك صباحا ومساءا » (1)، فالشيعة حينها يركزون على قضية الإمام الحسين فهم يمتثلون هذه الأوامر ويقتدون بهذا السلوك، فالشيعة حينما يبكون على الإمام الحسين عليه السلام فإنما يمتثلون لما جاء في رواية ابن شبیب (یبن شبيب إن كنت باكيا فابك الحسين فإنه ذبح كما يذبح الكبش ) (2)فإذا الشيعة إنما يسيرون على النهج الذي يريده منهم أئمتهم عليهم السلام.
أما بالنسبة إلى كتابه المنتخب فهو كتاب أعده لمصائب أهل البيت عليهم السلام وبالخصوص مصيبة سيد الشهداء عليه السلام بسبك خاص ولغة أدبية تشتمل على السجع وتشتمل على نمط خاص من التعابير، وفي الحقيقة له تأثيره العاطفي والوجداني. وأنا لا أستبعد أن يكون غرض المصنف الشيخ فخر الدين الطريحي لكتابه المنتخب أو الفخري هو استدرار الدموع فإن من يقرأه ويتأمل في عباراته فإنه يجد لغة إثارة الدمعة وأسلوب الإبكاء واضح على صياغته وعلى أسلوبه.
من جهة أخرى إن هذا الكتاب في غالب ما ينقله مراسيل لا يسنده إلى مصادرها
من أمهات الكتب المعتبرة وهذا بالطبع سوف يؤثر في قيمة الكتاب، لكن يبقى هنا أمر وهو أنه إذا كان ما ينقله ليس فيه منافاة لبديهيات العقل وليس فيه ما يوجب الاستبعاد وليس فيه ما هو مستغرب أو شاذ فيمكن تقبله حيث إن القضية
1) ؤلد رحمة الله في النجف الأشرف سنة 979 ه وتوفي في 1085 ه توفي في الرماحية ونقل جثمانه إلى النجف الأشرف ودفن بظهر الغري وقد شيعه من الرماحية إلى النجف خلق كثير. من مؤلفاته: مجمع البحرين ومطلع النيرين، شرح المختصر النافع، کتاب جامع المقال في تمييز المشتركات من الرجال، كتاب الأربعين، کتاب المنتخب في المراثي والخطب والأخبار في مصيبة سيد الشهداء علیه السلام ، الفخرية في الفقه.
التاريخية ومنهجها تختلف عن القضية الفقهية التي هي إثبات المنجزية والمعذرية، ففي القضية التاريخية إنما يراد حكاية أحداث، ولذا فمن الضروري عدم التعامل مع القضايا التاريخية بأداة الفقيه.
نعم الكتاب فيه بعض الأمور التي هي خلاف ما هو مشهور و معروف مثل: قضية زواج القاسم بن الحسن عليه السلام وتفاصيلها، والذي يقرب أو لا يستبعد أنه قد
حدث هذا الزواج أو حدث عقد في كربلاء للقاسم ولكن ليس بعنوان الزواج (1)
فقال لأخته زينب: إيتيني بالصندوق. فأتته به ووضع بين يديه، ففتحه وأخرج منه قباء الحسن وألبسه القاسم، ولف على رأسه عمامة الحسن، ومسك بيد ابنته التي كانت مسماة للقاسم، فعقد له عليها و أفرد له خيمة، وأخذ بيد البنت ووضعها بيد القاسم وخرج عنهما.
فعاد القاسم ينظر إلى ابنة عمه، ويبكي إلى أن سمع الأعداء يقولون: هل من مبارز؟ فرمی بید زوجته وأراد الخروج وهي تقول له: مايخطر ببالك، وما الذي تريد أن تفعله ؟ ! قال لها: أريد ملاقاة الأعداء، فإنهم يطلبون البراز، وإني أريد ملاقاتهم ..).
ولعل الذي أعطاه هذا العنوان هو العاطفة التي يحملها أتباع أهل البيت عليهم السلام من أجل إثارة العاطفة واستدرار الدمعة، يعني ليس هناك استحالة أو استبعاد بأن يعقد الإمام الحسين لابن أخيه ويزوج القاسم، لكن قطعا ليس في يوم عاشوراء، فالقضية ممكنة وغير مستبعدة ولكن لا شك في أن المسألة تحتاج إلى دليل.أو قضية الطيور والحمام التي ظللت جسد الحسين عليه السلام وطارت إلى المدينة، ورأت فاطمة بنت الحسين أرجل هذا الحمام مصبغة بالدم فعرفت بمقتل أبيها، فهذه أيضا من القضايا الغريبة فإن قضية مقتل الحسين عليه السلام يمكن أن نقول إن أهل المدينة قد علموا بها بواسطة أم سلمة خصوصا - لا أقل- أنه لو خفى على غالب الناس فإنه لا يخفى على أهل البيت الذين أودعهم النبي صلي الله عليه وآله هذا الأمر وخصوصا السيدة أم سلمة وحديث تربة کربلاء أحاديث معروفة مشهورة رواها السنة والشيعة (2)ويمكن أن ندعي أن هذه القضية مستفيضة، فلما جاء يوم العاشر
1) المنتخب للطريحي، ص 364-365. موضع الشاهد (.. فمسك الحسين على يد القاسم وأدخله الخيمة، وطلب عونا وعباسا، وقال لأم القاسم: ليس للقاسم ثياب جدد. قالت: لا.
2) مما جاء في كتب العامة هذا الخبر (أخبرنا: الحسن بن سفيان، قال: حدثنا: شيبان بن فروخ، قال: حدثنا: عمارة بن زاذان، قال: حدثنا: ثابت، عن أنس بن مالك، قال : استأذن ملك القطر ربه أن يزور النبي صلي الله عليه وآله ، فأذن له، فكان في يوم أم سلمة، فقال النبي صلي الله عليه وآله : احفظي علينا الباب، لايدخل علينا أحد، فبينما هي على الباب إذ جاء الحسين بن علي فظفر، فاقتحم، ففتح الباب، فدخل، فجعل يتوب على ظهر النبي صلي الله عليه وآله ، وجعل النبي يتلثمه ويقبله، فقال له الملك: أتحبه، قال: نعم، قال : أما إن أمتك ستقتله، إن شئت أريتك المكان الذي يقتل فيه، قال: نعم فقبض قبضة من المكان الذي يقتل فيه، فأراه إياه، فجاءه بسهلة أوتراب أحمر، فأخذته أم سلمة فجعلته في ثوبها، قال ثابت: کنا نقول إنها کربلاء). صحيح ابن حبان، کتاب التاريخ، ب إخباره صلي الله عليه وآله عما يكون في أمته من الفتن والحوادث ج 15، ص 142. المنتخب من مسند عبد بن حميد، ج 1، ص 142. الإرشاد في معرفة علماء الحديث، أبي يعلى الخليلي ، ج 1، ص 307. وغيرها، أما من طرق الشيعة فكثير.
ورأت أن التربة قد صارت دما علمت بمقتل الحسين وأخذت بالبكاء فاجتمعن عليها نساء بني هاشم، فخبر مقتل الحسين قد علم بهذا وليس بواسطة الطير أو الحمام... هذه من القضايا التي فيها شيء من الغرابة، ولكن يبقى أن هناك لغة تضخيمية وهذه لابد من الالتفات إليها بمعنى أن اشتمال الكتاب على حادثة أو اثنتين أو ثلاث غريبة لا يوجب إسقاط الكتاب عن أصل الاعتبار والمبالغة في المسألة، فالإنسان مثلا يأتي إلى كتاب البحار - هذه الموسوعة الروائية العظيمة - فيجد فيها مفردتين ثلاث أو أكثر غريبة فيعطي هذه اللغة التضخيمية والمبالغة الشديدة أن كل الكتاب مشتمل على مثل هذه الأخبار، فهذه لغة مبالغة وتضخيم ولا ينبغي اعتماد القضايا العلمية على لغة المبالغة والتضخيم بل ينبغي اعتمادها على لغة التحقيق.
فالخلاصة: إن وجود بعضا أو مقدارا من الأمور المستغربة لا يسقط الكتاب من الاعتبار من رأس أو أن ينظر إلى الكتاب على أن لا قيمة له، نعم لا يعني أن نعتمد كل ما فيه وأن نقول بأن كل ما جاء فيه صحيح وثابت، بل نقول إن هذه قضايا محتملة و ممكنة ومشمولة لتلك الحكمة المعروفة كل ما قرع سمعك فذره في بقعة الإمكان حتى يذوذک عنه واضح البرهان، فبعض هذه الأمور ليست بعيدة أو مستحيلة ويبقى أن مؤلف الكتاب من العلماء الفقهاء الأجلاء والكتاب مع اشتماله على بعض الغرائب إلا أن ذلك لا يسقطه من رأس عن الاعتبار.
هذه العبارة قد يستوحش منها البعض ويقول: كيف تخرج عقائل الرسالة هكذا وبهذه الهيئة، وقد ذكر في أكثر من محاضرة وحديث أنه ليس في العبارة ما يدلل أو ما ينص على أن التي خرجت مثل السيدة زينب أو بنات الحسين أو بنات أمير المؤمنين، ليس في العبارة ما يدلل أو ينص على ذلك، وإنما المقصود هو النساء الأخريات لأنه كان مع الحسين من الجواري ومن نساء أصحابه الكثير ومن الطبيعي أن هؤلاء النساء لا يتصور فيهن ما يتصور في مقام السيدة زينب أو مقام بنات أمير المؤمنين أو بنات الأئمة الحسن والحسين عليه السلام .
من الواضح أن هول هذه المصيبة يستوجب عليهن أن يخرجن ويشاهدن الأحداث، وإذا كان هناك استيحاش من عبارة الزيارة فهو حين نتصور أن زينب أو بنات أمير المؤمنين أو بنات الإمامين الحسن والحسين عليه السلام المقصودات في العبارة وقلنا إنه ليس في العبارة ما ينص على ذلك، وإنما هي عبارة عامة تحمل على الأخريات وبالتالي لا يوجد في العبارة ما يوجب الاستيحاش أو الاستبعاد.
فإنه كذلك يمثل العاطفة التي تحفظ هذه القضايا، ومن الواضح جدا أن القضايا مهما كانت محقة ومهما كانت ذات بعد فکري لكنها إن تجردت من العاطفة فإنها لا تمتلك تلك الديمومة ولا تلك الإستمراية، أما القضايا التي تأخذ بعدا عاطفيا وتأخذ بعدا وجدانيا فإنها تبقى مستمرة وتبقى في عقل الإنسان ووجدانه، فأحد أبعاد فلسفة البكاء هو أن العاطفة هي إحدى الضمانات المهمة لبقاء واقعة كربلاء واستمرارها.
يحسن نقلها إلى مجتمعات أخرى؟
المضائف التي انتشرت بهذا الشكل الهائل في بلادنا بحيث أصبحت أشبه ما تكون بمظاهر استعراضية للأطعمة والمأكولات قد نقلها الناس بعد الانفتاح على العراق وكربلاء وبعد أن أصبحت زيارة الأربعين هذه الزيارة الجماهيرية المعروفة متاحة للجميع، ومن الطبيعي أن هؤلاء الناس عندما يقطعون كل تلك المسافات الطويلة فإنهم يحتاجون إلى توفر الطعام في الطرق، فهناك حاجة ماسة إلى إقامة هذه المضائف حتى تلبي احتياجات الزوار.
في بلادنا الناس تأثروا بهذه المظاهر فنقلوها من دون وعي، فتجد في القرية الواحدة والتي لا داعي أن يكون فيها عشرة مضائف أو خمسة مضائف أو أربعة، تجد هذه المضائف بين كل مسافة ومسافة قصيرة، مع العلم أن غالب المعزين قد تناولوا وجبة العشاء لكننا نقلنا هذه العادة من دون دراسة.
إذا كان يوجد لها مبرر في العراق فأي مبرر لتكثرها وتزايدها في بلادنا في البحرين ؟!
فالخلاصة: إن نقل العادات من دون وعي هو من أهم المخاطر على الشعائر الحسينية وهي التي تؤدي إلى هذه الفوضى في العادات والشعائر وهذا خطأ كبير. فلابد من الوعي ولابد من الدقة في نقل هذه الشعائر کونها ممارسات مناسبة ولائقة بقدسية سيد الشهداء صلوات الله وسلامه عليه ولائقة بواقعة كربلاء أم لیست كذلك، وهذا دور الخطباء ودور علماء الدين حيث عليهم أن ينبهوا الناس ويؤكدوا على عدم نقل أي ممارسة من أي بلد كان كيف كانت، بل لا بد من ملاحظة أهميتها ومناسبتها مع قدسية الإمام الحسين وقدسية أهل البيت وقدسية المذهب.
1) من هذه الروايات ما ورد عن عن ابن بكير، عن أبي عبد الله عليه السلام : « قال: قلت له: إني أنزل الأرجان وقلبيي نازعني إلى قبر أبيك، فإذا خرجت فقلبي وجل مشفق حتى أرجع خوفا من السلطان والسعاة وأصحاب المسالح، فقال : يا ابن بكير أما تحب أن يراك الله فينا خائفا؟ أما تعلم أنه من خاف لخوفنا أظله الله في ظل عرشه، وكان محدثه الحسين عليه السلام تحت العرش، وآمنه الله من أفزاع يوم القيامة، يفزع الناس ولا يفزع، فإن فزع وقرته الملائكة و كنت قلبه بالبشارة » . کامل الزیارات، ابن قولویه، ص 243، ب 45، ح 2.
فكيف يتصور فيه المعصية!
ومن هنا البعض يشكك في قضية فطرس وما ورد فيها من الرواية أو الدعاء ليلة الثالث من شعبان الذي هو من الأدعية التي يستحب قرائتها المتضمن هذه القضية .
وربما يقول البعض: إن هذا التحفظ له مجال لو كان المراد من المعصية معناها الحقيقي وهي ترك الأمر الإلزامي أو ارتكاب النهي الإلزامي، مع احتمال أن ما صدر من فطرس ليس إلا مخالفة الأولى وليس معصية حقيقية (2). ولعل الغرض من ذلك بیان مقام الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه وبيان عظمته لا لمن يعتقد بإمامته فقط وإنما لجميع الخلق، فقد يحتاج في التدليل على عظمة الشخص ومقامه وقربه من الله سبحانه وتعالى بمثل ذلك، ولعل الوجه والحكمة في ذلك هو بیان مقام الإمام الحسين عليه السلام وقربه عند الله وماله من زلفي عند الله. فحمل معصية فطرس على مخالفة الأولى دون المعنى الحقيقي للمعصية ليس فيه منافاة مع القرآن فهي معصية مجازية مثل ما في معصية الأنبياء عليهم السلام : « عَصَى آدَمُ رَبَّهُ » (3)فكما أن هناك نقول إنه ليس المقصود بها المعصية الحقيقية وإنما هي مخالفة الأولى، هنا أيضا نفسر المعصية بنفس المعنى، وكما أن الداعي في توجيه معصية الأنبياء هو عصمتهم، هنا أيضا نقول: بما أن الملائكة معصومون ولا يعصون الله ما أمرهم فلابد من توجيه ذلك بما لا يتنافى مع المسلم به من عدم عصيان الملائكة.
1) بصائر الدرجات، الصفار، ص88، ب 6 ما خص به الأئمة من آل محمد، ح7؛ کامل الزیارات، ابن قولویه، ص140، ب 20، ح 1.
2) أما المعصية فهي ارتكاب الذنب ومخالفة القوانين الإلهية بصورة عمدية، أما (ترك الأولى) فقد عرف بتعريفات أخفها هو ترك الفعل الراجح، وهناك من عرفه بترك فعل الراجح في حال وجود الفعل الأرجح.
3) سورة طه: 121.
فهذا أمر ديني تعبدي دعى إليه أئمة أهل البيت عليه السلام وحثت عليه النصوص والروايات و أكدت عليه أحاديثهم ولذلك لا يمكن لنا بمبرر أنها ليست حضارية أن نتنازل عنها أو نرفع اليد عنها، وهذا أمر في غاية الخطورة على الشعائر الحسينية .
نعم بالنسبة إلى الأمور الأخرى التي لم يرد فيها نص خاص ولا يحرز دخولها تحت العناوين العامة فتكون من قبيل التمسك بالعام في الشبهة المصداقية (1)
فلو اعتمدت على هذه القاعدة وقلت بأن فلانا جاري، فعندها يقال لي تمسكت بالعام في الشبهة المصداقية .
وهذه يمكن أن تقع تحت التساؤل وتحت الاستفسار، أما ما هو منصوص عليها فلا يمكن أن يقال أنه غير حضاري أو أنه أمر لا يتناسب ونرفع اليد عنه، هذا أمر مثل الصلاة التي لا يمكن لنا أن نرفع اليد عنها بدعوى أنها ليست حضارية وما أشبه ذلك.1) هذه قاعدة في علم الأصول مفادها باختصار شديد: أنه إذا كان عندنا قاعدة عامة أو أمر عام كما في قول أحدهم لي : (أكرم كل جار)، فهذا يستفاد منه لزوم تقديم الإكرام لكل من أعرف أنه جار لي. فلو شككت في زيد هل أنه جار أم ليس بجار - لا لشکي في معنى الجيرة ومتى تتحقق بل الشك بسبب تشخیص زید کما لو انتقلت إلى بيت جديد ومر علي زيد فلم أعلم أنه زيد جاري أم زيد الآخر الذي ليس جارا لي - فهل يصح إثبات كونه جارا بهذه القاعدة؟ كلا. لأن القاعدة تقول: أن من عرفت أنه جار لك لزم عليك إكرامه . وهنا في الفرض لم أعرف أن هذا جارلي!
أولا: أنه خلاف الرأي الذي يتبناه جملة من فقهاءنا کالسید محسن الحكيم والسيد الخوئي والسيد السبزواري وغيرهم من الفقهاء، يقول السيد الحكيم رحمه الله في مستمسك العروة الوثقی: «وأما ما في بعض كتب المقاتل من أنه علیه السلام جعل عمرته عمرة مفردة مما يظهر أنها كانت عمرة تمتع وعدل عنها إلى الأفراد فليس مما يصح التعويل عليه - يعني لا يمكن الاعتماد عليه - في مقابل الأخبار المذكورة التي رواها أهل البيت» (2)، هذا أولا.
ثانيا: المصدود الذي يمنع من الإتيان بعمرة التمتع أو يمنع من الحج، فإنه على رأي المشهور يكون إحلاله الهدي (3)وهذا هو الصحيح ولم يرد في خبر أو أثر أن الحسين عليه السلام قد أحل من إحرام عمرته بالهدي، والمشهور بين فقهاءنا أن التحلل عند الصد سواء كان عن حج أو عن عمرة التمتع يكون التحلل بالهدي لا بتبديلها العمرة مفردة.
1) كما في إعلام الوری بأعلام الهدی، ج 1، ص 445 ورد فيه: (.. وكان توجه الحسين عليه السلام من مكة إلى العراق في يوم خروج مسلم بالكوفة، وكان قد اجتمع إليه عليه السلام مدة مقامه بمكة نفر من أهل الحجاز والبصرة، ولما أراد الخروج إلى العراق طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة وأحل من إحرامه وجعلها عمرة ؛ لأنه لم يتمكن من تمام الحج مخافة أن يقبض عليه بمكة فينفذ إلى يزيد بن معاوية..).
2) مستمسك العروة الوثقى، السيد محسن الحكيم، ج 11، ص 192.
3) الهدي إسم لما يهدى، وهو أحد واجبات الحج في يوم عيد الأضحى، وهو أن يذبح أو ينحر الحاج أو من ينوب عنه أحد الأنعام الثلاث (الغنم، البقر، الإبل) المتصفة بمواصفات معينة، تقربا إلى الله ، قال تعالى « فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَی الْحَجِّ فَمَا اسْتَیْسَرَ مِنَ الْهَدْیِ »، سورة البقرة : 196.
ثالثا: أنه لو فرض أن الحسين عليه السلام أحرم لعمرة التمتع فإن هذا حدث مهم جدا خصوصا في أيام إقامة الحسين في مكة حيث ترصد جميع تحركاته وتصرفاته وتنقلاته ويقتضي أن يكون لو أحرم لعمرة التمتع - إما لأن فرضه حج التمتع أو يأتي به استحبابا - فلابد أن يخرج إلى الميقات، ونفس خروجه إلى الميقات فيه حركة ملفتة و مثيرة ولابد أن يسجلها التاريخ وترصد في حين أنه لم يذكر بعد دخوله إلى مكة بعد أن خرج من المدينة ودخل مكة في رجب لم يثبت أن الحسين عليه السلام قد خرج إلى الميقات.
فإذا هذا القول خلاف الرأي التحقيقي، وخلاف القاعدة الفقهية وهو أن الإحلال بالنسبة إلى المصدود بالهدي، ولم يثبت لا في خبر ولا أثر أن الحسين عليه السلام أحل بالهدي، والملاحظة الثالثة أن إحرامه يقتضي أن يكون من الميقات الذي يستلزم خروجه من مكة ونفس خروجه من مكة حدث ملفت للنظر ومن المفترض أن يرصد ويذكر في حين أنه لا يذكر في المصادر أن الحسين بعد دخوله إلى مكة قد خرج منها.
على أمور تافهة، ألا يتنافي ذلك مع الإخلاص؟
نحن نربأ بالمؤمنين والقيمين على المآتم والحسينيات أن يكون خلافهم ناشئ من هذه الجهة، من الهوى النفسي أو تحكيما للهوى النفسي، كلنا حسن ظن بهؤلاء المؤمنين ونرجو أن تدرس هذه الخلافات وتقرب أوجه النظر بين المعنيين في المآتم وأن يعمل على تذويبها وحلحلتها لا أن تترك لتتفاقم وتبدأ من شيء تافه وتتعمق إلى أن تكون هناك قطيعة لا سمح الله بين أصحاب المآتم وبين المأتم والمأتم .
الكل يريد أن يخدم الحسين عليه السلام والكل يريد أن ينصر الحسين وأن ينصر أهداف الحسين، لابد من أن يكون في هذا النصر إخلاص. هذا المأتم يريد أن ينصر قضية الإمام الحسين عليه السلام وذاك المأتم يريد أن ينصر قضية الإمام الحسين عليه السلام أيضا، فإذا إن هو قام بهذا الدور وحقق هذا الهدف فلماذا أغتاظ أو أصاب بالضيق والانزعاج أو تصيبني حالة نفسية - لا سمح الله - وأريد أن أنتقم أو أن اثأر أو أقوم بتصرفات تنال من ذلك المأتم.
من جهة أخرى لابد من التنسيق ما دام الكل يريد أن ينصر قضية الإمام الحسين عليه السلام ، والكل هدفه الإمام الحسين عليه السلام والكل هدفه الحصول على الأجر
والثواب عند الله سبحانه وتعالى وإرضاء قلب النبي والأئمة من أهل البيت علیهم السلام والصديقة الكبرى، حينئذ لابد من التنسيق بين هذه المآتم في كل ما يحتمل أن يكون منشأ للخلاف والتصادم، لابد من وجود لجان منسقة تعمل على التنسيق في تنظيم الوقت وفي تنظيم الموكب وفي سائر الأنشطة الحسينية حتى لا يكون هناك مجال أو مساحة للخلاف.
الصنف الأول: هي العقلية التشكيكية والعقلية الاستبعادية التي تشكك في كل
شيء وتستبعد كل شيء ولا يثبت عندها شيء.
الصنف الثاني : هي العقلية الحشوية التي تقبل كل شيء ولو كان إلى الخرافة أقرب وإلى الأسطورة أميل، فإنها مع ذلك تقبلها.
الصنف الثالث: وهي العقلية التي تتعامل مع هذه القضايا بعقلية وسطية، متی ما كانت القضية مقبولة وغير مستبعدة وممكنة وليس فيها ما يستوحش منه عقلا أو يتنافى مع مقام المعصوم فيما لو كانت القضية مرتبطة بمقام المعصوم الثابتة في كتب التاريخ فإن أصحاب هذا الصنف يقبلونها، يقبلونها إذا كانت وفق المعايير والمقاییس، و هذه هي العقلية الوسطية.
وقبل أن أقيم هذه الأصناف الثلاثة، أبين شيئا وهو: إن هذا التفاوت طبيعي في الناس كما هو التفاوت في ذهنياتهم وعقلياتهم من حيث الذكاء وعدمه، وكذا من حيث الأذواق. هناك إنسان طبيعة عقليته أنها عقلية استباعدية تشكيكية يشكك في كل شيء وهذا لا يعني أنه على الحق أو أنه الإنسان السوي، هذه عقلية تشكيكية استبعادية تشكك وتستبعد كل شيء حتى لو لم يكن هناك مبرر للتشكيك والاستبعاد إلا أنه يشكك، هذا صنف.
الصنف الثاني وهو النمط الذي يقبل كل شيء ولا يرفض شيئا، هذا السلوك راجع إلى نفسيته. كما أننا نجد إنسانا وسواسيا يوسوس في كل شيء، هناك كذلك إنسان متهاون يأخذ بكل شيء وهناك إنسان وسطي. فمنشأ هذه الحالات عند
الإنسان هي حالة التفاوت الموجودة في البشر. ثم ليس من يشكك في كل شيء صاحب منهج سليم وكذا من يقبل كل شيء. والطريقة الوسطى هي الصحيحة المقبولة. فالعقلية التشكيكية خطيرة لا تثبت شيئا بل قد تشكك حتى في القضايا الضرورية، لا يثبت لها من التاريخ إلا أن النبي محمدا صلی الله علیه وآله رجل خرج من مكة ودعي إلى الإسلام وأن الحسين خرج إلى كربلاء وقتل فيها، وهذا نتيجة الأسلوب والعقلية التشكيكية حيث إنها تنسف لك كل شيء ولا يثبت لديها إلا الأمر الذي لا مجال للتشكيك فيه، وخطورتها تكمن في نسفها للتاريخ. وكذا الأمر خطير بالنسبة إلى العقلية الحشوية حيث إن من نتائجها فقدان الناس للوعي وعدم امتلاكهم للبصيرة حيث يقبلون كل شيء من دون تفكر ولا تأمل ومن دون عرضه على عقولهم. وهذا يؤدي إلى حالة من غياب الوعي وغياب الفهم وتحويل المجتمع إلى مجتمع ساذج وبسيط .. مجتمع خرافي.
إذا العقلية الصحيحة هي العقلية الوسطية التي تتعامل مع القضايا والأحداث التي تعرض عليها وتسمعها وتقرأها على معايير وموازين علمية. إذا كانت القضية ليست قضية منافية لضرورات العقل وليست قضية تنال من مقام المعصوم فيما إذا كانت القضية مرتبطة بمقام المعصومين وكانت موجودة في أمهات الكتب والمصادر التاريخية مع عدم وجود حزازة فيها فتكون مقبولة عند العقلية الوسطية. دعني أضرب لك مثالا، هناك من يأتي ويشكك في قضية بكاء الإمام الحسين عليه السلام عند مقتل ابنه علي الأكبر ویستبعدها حيث يفهم أن البكاء يمثل دائما حالة الضعف. وهنا ينشأ التشكيك حيث قد استند على مفهوم خاطئ، فالبكاء من الرحمة وقد جاء في الكثير من الروايات أن البكاء رحمة، فإذا البكاء صفة إيجابية. فإذا فرضنا أن البكاء صفة إيجابية فلابد من أن تكون موجودة في المعصوم بأعلى مستوياتها؛ لأن المعصوم حائز على جميع الكمالات والمراتب والفضائل النفسية العلمية والعملية . وقد بكى النبي صلی الله علیه وآله عند وفاة ابنه إبراهيم، وقال: «إن العين لتدمع، وإن القلب اليحزن ولا نقول إلا ما يرضي الرب » (1)
1) المستطرف في كل فن مستظرف، الأبشيهي، ج2، ص858. ومثله بهذا اللفظ «تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط الرب وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون» في: الوافي، الفيض الكاشاني، ج25، ص 570. ب 102 باب التعزي وأسبابه . الكافي، الكليني، ج 3، ص 263، باب النوادر، ح 45. وغيرها.
وهذا مقیاس يبينه النبي صلی الله علیه وآله وهو أن البكاء المذموم، والذي لا ينبغي حصوله هو البكاء الذي ينم ويكشف عن عدم الرضا والتسليم لقضاء الله. أضف إلى ذلك أننا لا يمكن أن نجد المعصوم عن الجانب الإنساني الموجود فيه بذريعة أنه معصوم. فمعنى العصمة أنه يطيع الله ولا يمكن أن يعصيه أبدا ولا يمكن أن تصدر منه المعصية وهو في أعلى مستويات القرب من الله سبحانه وتعالى وفي أعلى مستويات التسليم. لكن لا يعني ذلك أن نجرده من الجانب الإنساني والعاطفي، ومن الطبيعي أن الإنسان يتأثر بموت ابنه وعزيزه و حبيبه وهو أمر طبيعي.
مثال آخر: أن يأتي شخص ويشكك ويقول: كيف يتصور أن الإمام الحسين عليه السلام قد طلب الماء من القوم حيث إنه يرى أن طلب الماء يشتمل على الذل وآلهوان. وهذا خطأ، فالإمام الحسين عليه السلام وهو في لحظاته الأخيرة كما جاء في النصوص التاريخية (1)حينما استسقى القوم وهو صريع ملقى على الأرض قد کثرت جراحاته وهو يطلب قطرة من الماء ويقول: « وحق جدي إلي عطشان »، الإمام يعلم وهو في هذا الحال أن الماء لن ينفعه في شيء وأنه يعيش آخر لحظاته حيث يلفظ أنفاسه المباركة بأبي وأمي، ولكن مع ذلك يطلب منهم الماء ليسجل مضافا إلى الأدلة الدامغة والحجج الأخرى يسجل نقطة من الاحتجاج ودليلا على القوم ويكشف ويعري حقيقتهم ومنتهی ما وصلوا إليه من الخسة والدناءة حتى لا يأتي من يحاول أن يلمع صورتهم أو يرفع قبح هذه الصورة. فهو بأبي وأمي حين يستسقي القوم وهو صريع يريد أن يبين للأمة أن الذي يتعامل معه ويقاتله ليس فقط عاص لله سبحانه وتعالى و مغضب لله بفعله ومسخط لنبيه صلی الله علیه وآله بفعله بل إنه أشد من ذلك حيث قد انسلخ من كل القيم والمعاني الإنسانية والمبادئ النبيلة فهذه هي حقيقة هؤلاء القوم ومن يسير على دربهم.
1) کما في المنتخب، الطریحی، ج 2، ص 452. بعد أن سقط الحسين على الأرض وقبل مقتل الشمر إليه قال له فيما قال عليه السلام : إذا كان لا بد من قتلى فاسقني شربة من الماء، فقال: هيهات والله لا ذقت قطرة واحدة من الماء حتى تذوق الموت غصة بعد غصة.
وليس هناك مناسبة من مناسباتهم علیهم السلام لا يحيى فيها ذكرهم، كلهم أبواب إلى الله سبحانه وتعالى وكلهم أدلاء على الخير وذكرهم يكون سببا لإدلال البشرية وارشادها إلى الخير والدعوة إلى الخير والرشاد والصلاح وسببا لإحياء هذه القيم والفضائل وأمر الدين. نعم لو افترضنا أن تمر ذكرى الزهراء ولا تحيي أو تمر ذکری الإمام الحسن ولا تحيي فقطعا هذا ظلم؛ ولكن بحمد الله إن مناسباتهم تحيي كلها .
والذي أريد أن أؤكده أنه في ذكرى أي إمام لا ينبغي إهمال ذكراه، صحيح أن مصيبة الإمام الحسين عليه السلام هي أم المصائب وقد أمرونا بإحياءها وتخليدها ولكن لا أن يكون المجلس مثلا في شهادة أحد المعصومين من أوله إلى آخره في ذكر الإمام الحسين ويهمل ذكر صاحب المصيبة والمجلس، فينبغي إعطاء صاحب المصيبة نصيبه وحقه من الذكر.
وأنا بحسب متابعاتي وحضوري للمجالس أجد أن هناك توفية لا بأس بها والآن هناك من الخطباء من يقرأ الشعر المناسب للمناسبة المخصصة لكل معصوم من المعصومين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
الأمر الأول: في الحقيقة والواقع هذا الموسم هو موسم مهم جدا لنشر المعارف الدينية والثقافة الدينية والفكر الديني. ففي هذا الموسم الذي يتدفق فيه الناس من أجل الحسين عليه السلام يجتمع لدى الخطيب ما لا يجتمع عند أحد في سائر المناسبات. فينبغي استثمار هذه الفرصة وهذا الحضور للتثقيف الديني ونشر المعارف والفكر الديني الصحيح وتبيين الواجبات والمحرمات للناس، وهي فرصة مهمة أيضا للتنبيه والتحذير من بعض المنكرات الشائعة، فمن المهم جدا الالتفات إلى هذا الأمر وعدم تفويت هذه الفرصة.
الأمر الثاني: مرتبط بالخطيب والجمهور في نفس الوقت، الجمهور لديهم حالة من المطالبة بالجديد ودائما يطلبون الجديد. والخطيب كذلك يريد أن يواكب الجمهور ويتماشى معه في تحقيق مراده. ولكن من الناحية التقيمية فهل من الصحيح دائما - و أؤكد دائما -، هل من الصحيح أن يطالب الجمهور بالجديد وأن لابد من التجديد وطرح المستجد في كل عام بحيث لو نبه الخطيب على بعض السلوكيات أو حذر من بعض المنكرات أو بين بعض الواجبات کالوضوء والصلاة وأحكامها بمقدار معقول بحيث لا يتحول الموضوع إلى بحث فقهي وإنما الإشارة والتنبيه عليها، فهل نقول: إن هذا من الخطأ وأنه تكرار وأن الخطيب لا يملك القدرة على التجديد وأنه خطيب كلاسيكي ومستواه عادي؟! لعل بعض الخطباء يتجنب طرح مثل هذه الأمور المهمة والتأكيد عليها مخافة أن يتهم أنه لا يملك القدرة على التجديد ومواكبة التطور وأن خطابه قديم ولايوجد لديه أي جديد.. وهذا خطأ كبير، فلا ينبغي أن نكون مركونين بهذا الهاجس هاجس التغيير والتجديد.
فالخطيب يقوم بدور دیني فلابد من أن يلاحظ المجتمع وحاجاته الحقيقية. فقد يأتي إلى مجتمع تتفشى فيه الكثير من المنكرات أو يأتي إلى قرية تعيش حالة من الضعف في العلاقات الاجتماعية من تقاطع وتدابر وتناحر وخلافات، أو قد يأتي إلى منطقة مثلا تكثر فيها مشاكل الإرث والمشاكل الأسرية والقطيعة بين الأبناء و آباءهم أو بين الإخوة والأخوة وغير ذلك مما هو متفشي ومنتشر، فهل من المعقول والحالة كذلك أن يكون خطابه حول العقل العربي أو عن الفيزياء والكيمياء أو قضايا لا تعني الحضور ولا المجتمع في الوقت الذي هم في أمس الحاجة إلى الموضوعات التي تعالج هذه العقد والمشاكل الاجتماعية والأزمات النفسية، فأي فائدة ستعود على المجتمع الذي يعاني من حالة التراجع في قيمه وأخلاقه وسلوكه أو في عقائده والتزامه الديني حين يكون الخطاب حول العقل العربي أو المقارنة بين الديمقراطية في المنهج الإسلامي والديمقراطية عند الغرب؟! لا أقول أن هذه الأبحاث ليست جيدة لكن أعني بذلك أن نلحظ سلم الأولويات بغض النظر عن ما يطلبه الجمهور إن كان لا يمس الواقع الحقيقي الذي يحتاج إلى علاج وتدبير.
وقد طرحت سابقا فكرة مهمة جدا وقلت: إن الخطيب الذي يتم التعاقد معه في قرية من القرى مثلا أو مدينة من المدن عليه أن يسأل ويستفسر من علماء هذه المناطق ومن مآتمها عن واقع المنطقة وما تعانيه من مشاكل أخلاقية أو روحية أو ما له رابط بجانب الالتزام الديني أو العلاقات الاجتماعية وغير ذلك مما يهم الفرد والمجتمع المسلم ويرتب على هذا الأساس أي أساس الأولويات وحاجات المنطقة التي سيحاضر فيها يرتب حديثه وخطابه. فقد يأتي إلى منطقة تشتهر وتعرف بشدة التزامها الديني ومعرفتها بالأحكام الشرعية فيحاضر لهم عن بعض أحكام الوضوء الذي هم في غنى عنه في الوقت الذي قد يعانون فيه من مشاكل أخلاقية وروحية هي أولى في الطرح والحديث، وهكذا.
فلابد إذا من ملاحظة حاجات المجتمع ككل وحاجات كل منطقة وأخرى والتركيز على الأهم فالأهم في طرح المحاضرات المنبرية.
معكم؟
الانتظار الحقيقي يعتمد على أساسين:
الأساس الأول: هو العمل الجاد على بناء الذات بناءا صالحا وفق أحكام الشريعة وآداب وتعاليم الدين وأن يصوغ نفسه صياغة صحيحة وفق معالم الدين وأحكامه، هذا هو الأساس الأول.
الأساس الثاني: أن يعمل على الانتظار بمعنى أن يكون سليم العقيدة وفي ذلك دلالة على ضرورة البناء العقائدي الصحيح والسليم وخصوصا ما يرتبط بمسألة
1) عن الفضيل بن يسار قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: من مات وليس له إمام فموته ميتة جاهلية، ولايعذر الناس حتى يعرفوا إمامهم، ومن مات وهو عارف لإمامه لايضره تقدم هذا الأمر أو تأخره، ومن مات عارفا لإمامه كان كمن هو مع القائم في فسطاطه. المحاسن للبرقي، ج1، ص156، ب 32، ح 85. وكذا في الكافي، الكليني، ج 1، ص 372، ح 5.
الإمامة وسائر الجوانب العقائدية، ويعتقد بأن هناك إمام سوف يظهر وهذا الإمام هو الإمام المهدي عجل الله فرجه الشریف.
فإذا عمل على هذين الأساسين على بناء ذاته بناءا صحيحا وعلى سلامة عقيدته وخصوصا في الاعتقاد بالإمام المهدي فقد أدرك الإمام المهدي وكان معه في فسطاطه. كذلك في مقولة: «یا لیتنا کنا معکم » (1)من يعمل على إصلاح ذاته وتربيتها تربية صالحة وفق تعاليم الدين معتقدا بإمامة الأئمة الاثني عشر علیهم السلام وبها لهم من المقامات والفضائل والكرامات عند الله يكون عارفا بهم حق معرفتهم فحينئذ قد حقق هذا المعنى أنه معهم وإن لم يكن حاضرا يوم كربلاء.
المشكلة أن البعض قد يردد هذه الشعارات لكن من دون أن يلتفت إلى مدلولاتها، وعندما يرددها من دون أن يلتفت إلى مدلولاتها وإيحاءاتها فإنها لا قيمة لها. القيمة هي عندما يجسد الإنسان هذه الشعارات من خلال دلالاتها وإيحاءاتها، فالكون مع الإمام عليه السلام والكون معه في المعركة يتطلب أن تكون ذات الإنسان مبنية بناءا صالح على مستوى السلوك والاعتقاد.
ما قيمة من يحضر ولكنه بعد ذلك يتعلل ويتعذر ويبرر عدم مشاركته بألف حجة وألف مبرر وهو حينئذ يكون مشمولا لقولهم: من سمع واعيتنا ولم يجبنا أكبه الله على منخريه في جهنم (2).
فإذا المسألة المهمة هي أن يكون الإنسان ساعيا لتجسيد تعاليم أهل البيت و تعالیم الدين وبناء ذاته بناءا صحيحا وتصحيح معتقده وأن لا تؤثر عليه التشکیکات وأن لا يقع تحت تأثير هذه الشكوك التي تردد.
1) في رواية الإمام الرضا عليه السلام مع ابن شبیب (.. يا بن شبيب، إن سرك أن يكون لك من الثواب مثل ما لن أستشهد مع الحسين فقل متى ما ذكرته: يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما) وسائل الشيعة، الحر العاملي، ج 14، ص 502 - 503، باب 66 من أبواب المزار وما يناسبه، ح 5.
2) الأمالي، الشيخ الصدوق، ص200، المجلس الثامن والعشرون، ح 7. تحف العقول عن آل الرسول، ابن شعبة الحراني، ص 115. ومثله في الإرشاد، الشيخ المفيد، ج2، ص82.
والجواب على ذلك أن مجرد عدم ذكر السيدة رقية في عداد أولاد الإمام الحسين وعدم ذكرها في كلام شيخ الأمة الشيخ المفيد رضوان الله عليه لا يعني نفيها نفيا واقعيا، فإن عدم الذكر أعم من عدم ثبوت ابنة للإمام الحسين بهذا المسمى؛ وذلك:
أولا: لاحتمال السهو أو الغفلة وهذا شيء وارد فالشخص قد يكون ملاصقا للأسرة وعارفا بهم ولكن حينما يقال له اذكر لنا أبناء هذا الشخص قد يسهو وينسی أن يذكر اسم شخص منهم، لكن شخصا آخر يثبته. لا يعني ذلك أن الذي لم يذكره هو ناف له على وجه الحقيقة والواقع، وإنما يحتمل عدم ذكره بسبب السهو والغفلة وهذا وارد. فعدم ذكر الشيخ المفيد رضوان الله عليه لابنة للإمام الحسين عليه السلام باسم رقية لا يعني عدم ثبوتها واقعا وأنه ليس هناك ابنة للإمام الحسين عليه السلام بهذا الاسم وهي رقية، وإنما كما قلنا يحتمل أن يكون ذلك بسبب الغفلة والسهو.
ثانيا: هناك ملاحظة وهذه ظاهرة تحتاج إلى دراسة في حياة الأئمة، نجد أن بعض أبناء الأئمة يسمى بمسميين وله إسمان فقد يذكر بهذا الاسم وهو الشائع والمنتشر، وقد يذكر بذلك الاسم الآخر الذي ليس بشائع. ولذا يمكن أن يكون لهذه السيدة الجليلة اسمان اسم شائع في ذلك الزمان بعنوان فاطمة الصغرى أو غيرها من المسميات واسم آخر باسم رقية، ولكنه ليس الاسم الشائع والمشهور. وهذا أمر متكرر في أولاد الأئمة علیهم السلام کما يلاحظ ولعل هذا منشأ ذكرها باسم رقية في الحادثة والواقعة الأليمة التي قضت فيها سلام الله عليها ورزقنا الله شفاعتها وزيارة مرقدها.
الثالث: ما شوهد من كرامات لهذا القبر الشريف، ولا أريد أن أقول بأن هذا دليل علمي، ولا أريد أن أعطيه الصبغة العلمية، ولكنه أمر شوهد من هذا القبر. فالكثير من الكرامات التي قطعا بعضها ثابت يدلل على أن صاحبة هذا القبر لها شأن عند الله ولها مكانة عند الله و مقام معلوم عند الله الذي يستوجب نیل الشفاعة عند الله وتحقيق المراد عنده .
الرابع: إن هذه الأمور ربما يكفي فيها الاحتمال، بمعنى أن التعظيم وذكر المصيبة والاعتناء بهذا اليوم يكفي فيه الاحتمال، فذكر هذه السيدة الجليلة ومصیبتها العظيمة إن قلنا إنه لا يورث القطع فلا أقل أنه يورث الاحتمال، وبما أنها أمور لا ترتبط بجانب التشريع ولا بجانب إثبات حکم شرعي فيكفي فيها الاحتمال والظن بأن نحتمل وجود ابنة للإمام الحسين عليه السلام باسم رقية وجرت عليها هذه المصائب وتوفيت في الخربة ودفنت في هذا المقام، فلا أقول أنه على نحو الملازمة التامة، وإنما في مثل هذا المقام هذا الاحتمال يكفي.
وإني أنقل قصة عن السيد علي مكي، عالم دمشق المشهور سلمه الله و حفظه الذي ينقل هذه القضية، أنه في الأربعينيات أو الخمسنينيات من القرن المنصرم - والترديد مني - عندما تصدع السرداب الموجود فيه القبر الشريف وأرادوا ترمیمه مخافة أن ينخسف المكان، تشاور جملة من المؤمنين عن كيفية النزول إلى السرداب والقبر باعتبار أن القبر أيضا مهدد بالخسف نتيجة تصدع كبير في السرداب المدفون فيه السيدة عليها السلام ، فاختاروا من بيت السادة المرتضى الذين الآن يتولون سدانة حرم السيدة زينب عليها السلام ولما اختاروا بعض السادة الحسينين حتى يحل لهم النظر باعتبار أنها عمتهم، ينقل السيد عمن حضر القضية وهم أشخاص مشهورون ومعرفون وبعضهم ربما إلى الأمد القريب كان حيا، أنهم لما نزلوا ووصلوا إلى القبر وجدوا جسدا في سن الرابعة أو الخامسة في هذا السن، وكان طريا لم يتأثر وكأنه للأمس والتو میت و مدفون.
فمجموع هذه الأمور يورث للإنسان الاطمئنان بوجود ابنة للإمام الحسين عليه السلام . يبقى هل أن اسمها رقية أو فاطمة الصغرى أو غيرها، هذا لا دخل له في أصل الإثبات. فلا يمكن أن ننفي أو نقطع بعدم وجود ابنة للإمام الحسين جرت عليها هذه المصائب ودفنت في هذا المكان وهو أمر يكفي فيه الاحتمال، رزقنا الله وإياكم شفاعتها وأن ينالنا ثواب وأجر محبتها وأن يجعلنا وإياكم من الموالين لهم، والحمد لله رب العالمين.
وقد خضعت هذه الزيارة للظروف السياسية والأمنية، ويشتد أوجها وتأخذ رونقها وبعدها الجماهيري عندما تكون الظروف الأمنية والسياسية مؤاتية لصالح الشيعة ويضعف وهجها عندما تكون الظروف ليست في صالحهم كما حدث في أيام البعث وأيام نظام صدام.
مضافة إلى أن الشيخ الطوسي رحمه الله شيخ الطائفة قد خصص زيارة ليوم الأربعين بعنوان زيارة الحسين يوم الأربعين، لاحظ كتاب مصباح المتهجد وصلاح المتعبد ففيه دلالة واضحة على استحباب الزيارة في هذا اليوم.
فزيارة الأربعين هي من الأمور التي درج عليها علماء الشيعة وأكابر الشيعة، وهي تمثل شعيرة من شعائر الإيمان، وشعائر الإيمان يجب حفظها ويجب التأكيد عليها لما تمثل من مخزون وقوة للإسلام، ولذا فمن الضروري جدا التمسك بهذه الزيارة والإصرار عليها لما باتت تمثله من دلالات ومعاني كبيرة جدا.
1) التسالم أعلى رتبة من الإجماع فالأخير يتفق العلماء على رأي ما وقد يوجد فيه من يخالف هنا وهناك من العلماء الأعلام، أما الأول فهو يعني التطابق التام بين الفقهاء.
2) محمد بن الحسن قال: روي عن أبي محمد الحسن بن على العسكري عليه السلام أنه قال: « علامات المؤمن خمس: صلاة الخمسين، وزيارة الأربعين والتختم في اليمين، وتعفير الجبين، و الجهر ببسم الله الرحمن الرحیم». وسائل الشيعة، العاملي، ج14، ص 478، ب56 من أبواب المزار وما يناسبها، ح1.
ومن المحتمل جدا أن يكون الأمر بإرجاع علي بن الحسين بسبب أنه الذي كان في ذلك الوقت متزوجا وله قابلية الإنجاب بخلاف الباقر الذي لم يكن عمره کما قلنا إلا في حدود الثالثة، ولا شك أن النسل إنما ينحدر من الإنسان المتزوج، أما غير المتزوج فبحسب طبيعة الحال ليست له قابلية الإنجاب بالفعل وإن كان له ذلك بالقوة، والقضية ظاهرا أنه لابد من أن يستمر نسلهم صلوات الله وسلامه عليهم.. هذا والله أعلم.
1) الإرشاد، المفيد، ج 2، ص 79. تاريخ الطبري، ج4، ص303.
2) جاء في أحد الرسائل التي بعثت إليه عليه السلام (أنا قد حبسنا أنفسنا عليك، ولسنا نحضر الجمعة مع الوالي فاقدم علينا) تهذيب التهذیب، ابن حجر، ج 2، ص 301. تاريخ الطبري، الطبري، الجزء 5، ص 325. وفي رسالة أخرى (إنا قد حبسنا أنفسنا على بيعتك، ونحن نموت دونك، ولسنا نحضر جمعة ولا جماعة بسبك) مروج الذهب ومعادن الجوهر، المسعودي، ج 3، ص 68.
والأئمة علیهم السلام يتعاملون في هذه القضايا على معايير الظاهر وليس على أساس العلم الغيبي. نعم لو كان الإمام الحسين يتحرك حسب علمه الغيبي فإنه يعلم بمصيره وما سيؤول إليه الأمر، ولكنه مكلف بحسب الظاهر أن يتبع الأمور الظاهرية والأمور الخارجية والمؤشرات الموجودة، ولذا فقتل مسلم بن عقيل لم يكشف ظاهرا تبدل الرأي الكوفي وانقلاب موقفه، ومن هنا أراد الإمام الحسين عليه السلام أن يسقط حجة الكوفيين والتزامه بها بما أعلنه من موقف، ولو كان الإمام قد رجع بعد مقتل مسلم بن عقيل لأمكن أن يقال له لم رجعت وقد تمت بيعتنا لك وقامت الحجة عليك، وأنك لو جئتنا ودخلت الكوفة لأمكننا أن نعيد حساباتنا وترتيب أوضاعنا حيث إن وجودك بيننا يعطينا حالة من القوة والقدرة المعنوية التي نستطيع بها ترتیب حالنا ووضعنا، وهذا كما قلت بحسب الظاهر. ولذا أراد الإمام الحسين عليه السلام إسقاط هذه الحجة وأن لا تبقى للمجتمع الكوفي بالخصوص والمجتمع الإسلامي بشكل عام على الإمام الحسين أي حجة بحسب الظاهر ومن هنا كان لابد له من مواصلة المسير لتحقيق هذا الأمر فلا يقال له قد طلبناك واستنهضناك وبايعناك إلا أنك خذلتنا وتراجعت عن القدوم إلينا؟
فتابع الإمام الحسين عليه السلام مسيره على هذا الأساس حتى حصل المانع الذي يمنعه من مواصلة المسير إلى الكوفة وهو قدوم الحر بن يزيد الرياحي مع من كان معه ومنعهم إياه من دخول الكوفة .
الجهة الثانية : أن يزيد يختلف تماما عن سائر الخلفاء، سائر الخلفاء ولو كانوا قد عرفوا بالمجون والفسق إلا أنهم كانوا يتسترون على هذه الأفعال القبيحة، إلا أن يزيد كان شخصية متهتكة إلى درجة أن عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة لما ذهب إليه قال لمن سأله بعد رجوعه للمدينة جئتكم من عند رجل والله لو لم أجد إلا بني هؤلاء لجاهدته بهم (1)، دلالة على عظم ما رآه منه من مناکر وفسق ظاهر، بل إن هذه الظاهرة نفسها كانت تزعج معاوية بن أبي سفيان من ابنه يزيد، فإن معاوية كان يبدي حالة الصلاح بخلاف ابنه يزيد الذي عرف بالتهتك وكان فسقه و مجونه واضح. فكيف يمكن ليزيد أن يكون خليفة والحال هذه مع قرب العهد بالرسالة ثم يبايعه الإمام الحسين عليه السلام طائعا؟! فإن بيعة الإمام الحسين عليه السلام تعطيه الشرعية، ولو كان ذلك قد حدث لأصبحت الخلافة بمستوى من الوضع المزري إلى درجة أن يكون حتى المغنيين والفساق والعصاة خلفاء باسم المسلمين.
1) جاء في البداية والنهاية: (وكان ممن وفد إليه عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر - وكان شريفا فاضلا سيدا عابدا - ومعه ثمانية بنين له، فأعطاه يزيد مائة ألف درهم، واعطى بنيه كل واحد منهم عشرة ألاف، سوی کسوتهم وحملاتهم، ثم رجعوا إلى المدينة، فلما قدمها أتاه الناس فقالوا له: ما وراءك؟ فقال: جئتكم من عند رجل والله لولم أجد إلا بني هؤلاء لجاهدته بهم. قالوا: قد بلغنا أنه أعطاك وأخدمك وأجزاك وأكرمك، قال: قد فعل وما قبلت منه إلا لأتقوى له على قتاله) البداية والنهاية، أبو الفداء الحافظ ابن کثیر، ج 8، ص 217 حوادث سنة ثلاث وستين.
فإذا الظرف الذي واجهه الإمام الحسين عليه السلام كان مختلفا من جهة وجود مشروع تحريف للإسلام ومن جهة أن شخصية الخليفة شخصية متهتكة إلى درجة عدم إمكانية الإمام الحسين عليه السلام مبايعته وإضفاء الشرعية عليه. ولكن يزيد ولحماقته رفض أن يكون الإمام الحسين عليه السلام حياديا وطالب ببيعة الإمام الحسين عليه السلام وأن هذا أمر لابد منه.
ولذا في بداية الأمر خرج الإمام الحسين عليه السلام رفضا للبيعة، حيث قال: « إن یزید شارب الخمر وقاتل النفس المحترمة ومثلي لا يبايع مثله » (1)وأعلن رفضه للبيعة. ولو اكتفى يزيد بهذا الموقف من الإمام الحسين عليه السلام موقف امتناعه عن البيعة لبقي الإمام الحسين عليه السلام في مكة محايدا وإن كان يبدي الانتقادات ويبدي نقده للسياسة لكن لا أن تصل الأمور إلى المواجهة المسلحة.
لكن يزيد الذي عرف بخرقه و حماقته وهذا أمر صرح به معاوية في رسالة كتبها إلى الإمام الحسين عليه السلام حيث قال له: وإني أعلم يابن أخي أن في رأسك نزوة وأرجو أن تكون في أيامي حتى أعرف لك مقامك ولا يكون في غيري من لا يمهلك فواق ناقة (2)، إشارة إلى يزيد، بمعنى: أن معاوية كان يرى أن المسألة مسألة خطيرة لأنها مواجهة علنية مع سبط رسول الله صلی الله علیه وآله ولا يمكن أن تصل الأمور إلى المواجهة العلنية مع سبط رسول الله الذي تعرف الأمة فضله ومكانته وما له من المقام، أما يزيد فقد عرف بالخرق والعجلة وقصر النظر وكان مراهقا سياسيا ومثل هذه الشخصية لا يمكن أن يبايعها الإمام الحسين عليه السلام . أما بالنسبة إلى سائر الأئمة فربما لم يصل الأمر بالخلفاء السابقين إلى إقامة مشروع يستبدل صيغة الإسلام بصيغة محترفة وإن كان لديهم تجاوزات و انحرافات بخلاف يزيد الذي كان
1) بحار الأنوار، المجلسي، ج 44، ص325. الملهوف على قتلى الطفوف، ص17. الفتوح، أحمد بن اعثم الكوفي، ج5 ، ص 14. وليست الشهادة على فسق یزید منحصرة في مصادر الشيعة بل في مصادر المسلمين ولدفع أي حزازة نذكر منها واحدا وهو مروج الذهب و معادن الجوهر، المسعودي، ج 5، ص 67.
2) شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج18، ص 409. وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، ابن خلکان، ج 6، ص 353. البداية والنهاية، ابن کثیر، ج8، ص175
يخطط مع مستشاره المسيحي سرجون على أن لا يبقى من الإسلام إلا اسمه ويعفی رسمه، وكان معاوية يصرح أنه حكم أخو تيم إشارة إلى أبي بكر وهلك ولا يبقى له اسم إلا أن يقول قائل كان فلان، وحكم أخو عدي الذي هو عمر وهلك ولم يبقى له ذكر إلا أن يقول قائل كان فلان، وحكم أخونا إشارة إلى عثمان وهلك إلا أن يقول قائل كان فلان، إلا ابن أبي كبشة فإنه يذكر في اليوم والليلة خمس مرات إشارة إلى الأذان ألا دفنا دفنا، وهذه المقولة يرويها ابن أبي الحديد (1)وغيره (2).
فمعاوية ويزيد كانا يحملان مشروعا خطيرا لابد من مواجهته، مضافا إلى ذات شخصية يزيد هذه الشخصية المستهترة المنحرفة التي لم تكن تبالي حتى للجو العام ولم تراعي حرمة لأحد.
فالخلفاء الآخرين وإن كانوا مستهترين ولكن لم يكونوا أصحاب مشروع ولم يمتلكوا مشروعا، أو لعل قضية الإمام الحسين عليه السلام أحجمتهم عن أن يحملوا مشروعا يستهدف تحريف الإسلام كليا، بخلاف يزيد الذي كان يحمل مشروعا أو يراد منه تنفيذ مشروع قد خطط له.
وبعبارة أخرى، لو تكررت هذه الظروف لأي إمام آخر من أئمتنا لقام بما قام به الإمام الحسين، فلو كانت الظروف التي واجهها الإمام الحسين عليه السلام موجودة في حياة الإمام الحسن عليه السلام لكان الإمام الحسن عليه السلام هو الثائر. وهذه الظروف لو تكررت أو حدثت في حياة الإمام السجاد أو الباقر أو الصادق أو الكاظم أو سائر الأئمة عليهم السلام لقام كل واحد منهم بالدور الذي قام به الإمام الحسين عليه السلام .
وكذلك الظروف التي أجبرت الإمام الحسن عليه السلام على المهادنة لو كانت موجودة في زمن الإمام الحسين عليه السلام لهادن وفعل ما فعله الإمام الحسن علیه السلام . فالمسالة إذا هي مسألة ظروف.
فالظروف التي أبتلي بها الإمام الحسين عليه السلام هي التي حتمت عليه القيام والنهضة، والظروف التي عاشها الإمام الحسن عليه السلام هي التي أجبرته على الهدنة، كما أن الظروف التي أتيحت للإمام الباقر والإمام الصادق عليه السلام لينشرا العلم ويخرجا الفقهاء وتكون هناك مدرسة فقهية واضحة المعالم لأهل البيت علیه السلام ، هذه الظروف هي التي أتاحت الفرصة لهما ليبرزا فقه ومدرسة آل محمد علیهم السلام ، فالمسألة خاضعة للظروف وليست لوجود فوارق في شخوص الأئمة كما يحاول البعض أن يفسر ذلك وفيه تجني واضح على شخوص أئمة أهل البيت، وإلا فكلهم نور واحد وهدى واحد وموقف واحد وإن اختلفت أدوارهم.
من جهة ثانية فالقضية ليست قضية غيبية وليست قضية إعجاز، فبشكل عام في حياة المعصومين والأنبياء لم يريدوا أن تجري الأمور بالإعجاز؛ لأن جریان الأمور في كل شيء بالإعجاز يقتضي أن لا تكون هناك فضيلة ولا منقبة للإنسان ولبطل الثواب والعقاب والأجر والجزاء.
بل أقول أبعد من ذلك.. هل أن قضية التوحيد أشد أهمية أم القضايا الأخرى؟ لا شك في أن قضية التوحيد والإيمان بالله سبحانه وتعالى ووحدانيته هي الأساس في كل هذه القضايا بل إنها القضية الجوهرية والمحورية، حيث إن كل حرکات الأنبياء وكل ما قام به الأنبياء هو من أجل دعوة الناس إلى التوحيد.. توحيد الله والإيمان بوحدانيته جل وعلا، ومع ذلك فقد أراد الله من الإنسان أن يؤمن به
1) كما في البحار، المجلسي، ج45، ص325. «... أن الملائكة سألت الله في نصرته فأذن لهم فمكثت تستعد للقتال وتتأهب لذلك، حتى قتل فنزلت وقد انقطعت مدته، وقتل صلوات الله عليه، فقالت الملائكة: يارب أذنت لن افي الانحدار، وأذنت لنا في نصرته، فانحدرنا وقد قبضته؟ فأوحى الله تبارك وتعالى إليهم أن الزموا قبته حتی ترونه وقد خرج فانصروه، وابكوا عليه وعلى مافاتكم من نصرته، وإنكم خصصتم بنصرته والبكاء عليه، فبكت الملائكة تقربا وجزعا على ما فاتهم من نصرته ». وليس هذا بغريب ولا مستغرب فقد ورد بسند معتبر في الكافي، ج 1، ص260، باب أن الأئمة يعلمون علم ما كان وما یکون وأنه لا يخفى عليهم الشيء. عن أبي جعفر علیه السلام قال: « أنزل الله تعالى النصر على الحسين عليه السلام حتى كان [ما] بين السماء والأرض ثم خير: النصر، أو لقاء الله، فاختار لقاء الله تعالى ».
بحسب قناعته وبحسب الأسباب الظاهرية من إلقاء الحجة وقبول الإنسان بها واستيعابه لها. ولم يرد الله أن تتم هذه المسألة بالإعجاز « وَلَوْ شَاءَ رَبُّکَ لَآمَنَ مَن فِی الْأَرْضِ کُلُّهُمْ جَمِیعًا » (1)إذا كانت المسألة بالإعجاز والقوة والقهر فالله قادر « وَلَوْ شَاءَ رَبُّکَ » فلا يبقی کافر على وجه الأرض، لكنه - تعالى شأنه - لم يرد أن تتم هذه المسألة عبر الإعجاز والقوة وإنما أرادها أن تتم في سياقها الطبيعي وفي إطارها الطبيعي. وهكذا نقرأ مواقف الأئمة ومواقف الأنبياء بأنهم أرادوا أن تسير الأمور في مسارها الطبيعي.
الإمام الحسين عليه السلام جاء بأهداف واضحة وحمل شعارا واضحا، وأهداف حركته وغايات حركته واضحة وقد صرح بذلك في قوله: « فمن قبلني بهذا فالله أولى بقبول الحق » (2)، فمن أراد أن يكون معي من خلال هذه الشعارات ومن خلال هذه الغايات فالله أولى بقبول الحق ومن رد علي أصبر؛ بمعنى: أن من يعارض هذه الأهداف أو يعارض تحركي ويقف في وجهي فأنا أصبر.
فالإمام الحسين عليه السلام كسائر الأئمة وسائر الأنبياء أرادوا أن تجري الأمور بأسبابها الطبيعية وليس بالإعجاز. فلو انتصر الإمام الحسين عليه السلام بالإعجاز لما كان له هذا المقام، ولم نشهد هذه الحالة من الدعاية العظمى للإسلام باسم الإمام الحسين عليه السلام ، هذه المنابر الموجودة الآن في الدنيا والتي تقام بمحض المحبة والمودة للإمام الحسين عليه السلام لم تكن لولا شهادته وقتله الفجيع، ولما حدثت هذه المنابر وهذه الدعوات وهذا الإعلام الواسع والكبير لمبادئ الحسين عليه السلام التي هي مبادئ الإسلام.
إذا القضية لا يمكن أن تكون دائما بالإعجاز. نعم يبقى سؤال، وهو لماذا إذا نصر
النبي بالملائكة (3)؟
1) سورة يونس: 99.
2) مناقب آل أبي طالب، ابن شهر آشوب، ج3، ص241. بحار الأنوار، المجلسي، ج 44، ص 330.
3) انظر :سورة آل عمران: 125 وتفاسير الآية، بحار الأنوار، المجلسی، ج19، ص324، صحيح البخاري، ج5، ص14، باب قصة غزوة بدر. فتح الباري، العسقلاني، ابن حجر، ج7، ص 242، باب شهود الملائكة بدرا. البداية والنهاية، ابن کثیر، ج3، ص241.
أقول: المسألة هناك تختلف؛ لأن مسألة النبوة تحتاج إلى إظهار بعض المعاجز حتى يؤمن الناس بصدق نبوته، ولذا فنزول الملائكة في بدر من أجل أن يعرف الكفار والمشركون أن هناك مسألة بين الشرك وبين الإسلام، بين أن يكون هذا نبي أو غير نبي والعياذ بالله. فهناك نحتاج إلى الإعجاز بالنصر حتى يثبت للناس نبوة النبي صلي الله عليه وآله .
وهذا الإعجاز كذلك توفر في كربلاء بمستوى ما، فمثلا لما حفر الإمام الحسين عليه السلام الخندق حول الخيام حماية لأهله وأصحابه من أن يهجم عليهم الأعداء من الجهات المفتوحة حيث قد جعل المبارزة من جهة واحدة وأشعل في الخندق نارا جاء رجل اسمه ابن حوزة،
فقال: استعجلت بنار الدنيا قبل نار الآخرة يا حسين!
فرفع عليه السلام طرفه وقال: من؟
فقالوا له: ابن حوزة.
فقال عليه السلام : « اللهم حزه إلى النار » فأخذت الخيل تطرد به إلى أن وقع في الخندق واحترق (1).
فهذه معجزة، وأكثر من معجزة قد حدثت لكن بهذا المستوى الذي يثبت حقانية الإمام الحسين عليه السلام ، أما الإعجاز بأوسع من ذلك بأن تحدث المعجزة وتنتهي بنصر الإمام الحسين عليه السلام وهلاك الجيش الأموي فمعنى ذلك أن المسألة تخرج عن إطارها الطبيعي التي أراد الله أن تكون كل قضايا الإنسان بهذا الإطار الطبيعي لا الإطار الإعجازي الذي يفقد الكثير من الغايات والأهداف ولا يكون للإنسان فيه ذلك الفضل والثواب العظيم.
1) الإرشاد، المفيد، ج2، ص102. المصنف، أبي شيبة الكوفي، ج8، ص 633. المعجم الكبير، الطبراني، ج3، 117. تاریخ دمشق، ابن عساکر، ج1، ص235.
ولعل الحكمة من ذلك: أن طول المكث يبهت ويضعف حرارة القضية وقوتها الوجدانية وفاعليتها الوجدانية في النفوس، وهذا شيء طبيعي فإن الإنسان لما يمكث في المكان كثيرا تقل مكانة المكان وتقل عظمة المكان في نفسه؛ لأن طبيعة الألفة للشيء يؤدي إلى هذا الأمر، فلذلك حتى لا تضعف حالة الانفعال الوجداني مع قضية الإمام الحسين عليه السلام ولا يبهت ضوئها وقوتها كرهت الرواية للإنسان التوطن في كربلاء، ومن جهة أخرى فإنه من الطبيعي أن مكث الإنسان طويلا في المكان واعتياده عليه يصير المكان لديه مكانا عاديا جدا فيؤدي إلى نسيان أن هذه البقعة هي كربلاء التي هي أرض کرب وبلاء وأن فيها قتل سبط رسول الله صلي الله عليه وآله بأبشع قتلة، وقتل أصحابه وأهل بيته، فتبقى المسألة عادية جدا عنده فيمارس أموره الطبيعية فتبهت مكانة هذا المكان وتضعف فيضحك ويمزح ولا يبقى للمكان تلك الموقعية الخاصة في النفوس، فأراد أئمة أهل البيت عليهم السلام وأراد التشريع الإسلامي أن تبقى لكربلاء موقعيتها وحرمتها ومكانتها في النفوس ولذلك كره للمسافر أن يتخذ كربلاء وطنا له، بل ينبغي للزائر أن يزور الإمام وينصرف (وسله الحوائج وانصرف عنه ولا تتخذه وطنا) هكذا جاء في الرواية.
1) عن أبي عبد الله علیه السلام : « إذا أردت زيارة الحسين عليه السلام فزره وأنت حزين مكروب شعث مغبر جائع عطشان وسله الحوائج وانصرف عنه ولا تتخذه وطنا » الكافي، الكيني، ج4، ص587، باب النوادر، ح2.
وهناك حكم شبيه لذلك بالنسبة إلى مكة المكرمة، فإن الفقهاء يفتون بكراهة مجاورتها حتى لا تقل وتضعف هیبتها في النفوس (1)، وهذا التعليل يمكن أن يسري للمشاهد الأخرى خصوصا لو التفتنا أن من طبيعة الإنسان أن تصدر منه المعصية، وصدور المعاصي في هذه الأماكن المقدسة يتنافى مع مكانتها، ولذا يكره للإنسان أن يستوطنها باختياره، وبلا أي مبرر.
1) المقنعة، الشيخ المفيد، 444. الوافي، الفيض الكاشاني، ج 12، ص89. کشف اللثام، الفاضل الهندي، ج6، ص 284. الحدائق، الشيخ يوسف البحراني، ج17، ص347. ریاض المسائل، الطباطبائی ، ج 7، ص 154. جواهر الكلام، الشيخ الجواهري، ج20، ص70.
بخلاف ما يصدر من الأئمة عليهم السلام فأفعالهم وأقوآلهم وتقريراتهم حجة (2)وعلى هذا الأساس لا يمكن أن نعارض قول الإمام عليه السلام بفعل جابر؛ لأنه من غير المعقول أن تكون هناك معارضة بين الحجة واللا حجة (3)، بل إن تحقق المعارضة إنما يكون بين الحجة والحجة، نعم لو فرضنا أن عندنارواية تقول: زر الإمام أشعثا أغبر، ورواية أخرى تعارض هذا المعنى فهنا تقع المعارضة وتعالج بحسب قواعد التعارض المقررة في علم الأصول، وفي مقامنا لا يوجد تعارض بين قول المعصوم وفعل غير المعصوم.
يبقى أمر وهو أنه لا يبعد أن يكون هذا المعني بالنسبة إلى الزيارة الأولى بمعنی : أن من وصل لتوه إلى كربلاء فينبغي أن يذهب للزيارة بهذه الهيئة، أما زيارته الثانية
1) بحار الأنوار، المجلسي، ج65، ص130 .
2) بمعنى أن هذه الأمور الصادرة منهم عليهم السلام تدل على الحكم الشرعی.
3) إذ بعد الفراغ عن أن فعل مثل جابر ليس بحجة ولا يؤخذ منه حکم شرعي، فنكون بين كلام المعصوم عليه السلام وبين فعل جابر، والأول: حجة، والثاني: ليس بحجة، فأي تعارض يمكن أن نتصوره في البين بين ما كان معتبرا وحجة و بين ما ليس بمعتبر ولا حجة .
والثالثة لطالما هو باق في كربلاء فلا يبعد استحباب الغسل لها للروايات العامة الواردة باستحباب الغسل عند دخول المشاهد المشرفة على فرض ثبوتها، كما أنه ورد أن الإمام الصادق علیه السلام اغتسل من نهر الفرات (1)وهناك مقام إليه، وهذا محمول أو يحتمل أن تكون الزيارة الثانية.
عموما، لا يوجد تعارض بين الروايات التي تقول: «زره أشعثا أغبر» وبين فعل جابر؛ لأن فعل جابر ليس بحجة بخلاف كلام المعصوم فإن هذه الروايات صادرة عمن يجب الأخذ بکلامه وفعله وتقريره لكونه حجة.
1) يعرف هذا المكان بشريعة الإمام جعفر بن محمد عليه السلام زيارته للحائر. وهو المكان الذي كان يغتسل فيه في نهر الفرات قبيل زيارته للحائر .
وهذا خطأ، فالإمام فيه جنبة بشرية، فيمرض ويتألم ويتأثر ويتحسس ويبكي بمقتضى بشريته، ولا شك في أن ما قام به بنو أمية من إزعاجه وخروجه من وطن جده حيث إنهم أرادوا قتله فخاف القتل وخرج من المدينة، فمن الطبيعي أن يكون هذا الخروج بهذه الأسرة والعائلة مولدا في نفسه الخوف على نفسه وعائلته. الله سبحانه وتعالى يحكي عن نبيه موسی: « فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ » (1)وهو نبي، وهذا أمر طبيعي؛ لأن هؤلاء مع علو مقاماتهم وعظمتهم وشموخهم إلا أن لهم أيضا جنبة بشرية، فيأكلون ويشربون ويفرحون ويتألمون ويحزنون ويخافون، لكن الأمر المهم الذي ينبغي أن نلتفت إليه أن هذا الخوف الذي يعيشونه ليس كالخوف الذي نعيشه نحن، فالإنسان غير المعصوم عندما يواجه ما يوجب له الخوف قد الخوف، لكن الإمام المعصوم لا يمنعه هذا الخوف عن هذه المسؤوليات، فقد يخاف على نفسه وعلى عائلته وأهله إلا أن هذا الخوف لا يصل به إلى أن يتراجع عن الموقف المطلوب منه وهذا هو الفارق الجوهري بيننا وبين المعصومين، فنحن نشترك في الخوف مع المعصومين ويتميزون علينا في أن غالب الناس قد تتبدل مواقفهم نتيجة الخوف وقد يدخلهم شيء من الخضوع والخنوع والركون والتراجع عن القيام بوظيفتهم الشرعية في حين أن موقف المعصوم ثابت برغم هذا الخوف ومهما كلف الأمر.
1) سورة القصص: 21.
فما يقدح ليس نفس الخوف، بل الذي يقدح والذي لا يمكن أن يتصور في المعصوم هو التراجع عن المواقف الحقة نتيجة هذا الخوف. نعم، لا شك في أنهم وإن كانوا بشرا يشعرون بما يشعر به البشر، لهم مقامات خاصة وعظيمة ،« .. إن لنا عند الله منزلة ومكانا رفيعا .. » (1)وهذا مضمون بعض الروايات .
فإذا المعصوم له مقام خاص وموقعية عظيمة عند الله ولكنه كذلك يشعر بها يشعر به البشر بمقتضی بشریته فيتألم ويفرح ويحزن كما البشر، وهذا أمر لا حزازة فيه، ولكنه أبدا لا يترك الموقف الحق رغم كل الظروف التي يواجهها بخلاف الكثير من البشر.
1) بحار الأنوار، ج 26، ص 12.
السبب الأول: أن مسلم لما أراد أن يقتل ابن زیاد كانت هناك جارية لهانئ بن عروة أو للحارث بن شريك، تعلقت به وترجته أن لا يقتل عبيد الله لأنها تعلم أنه لو قتل ابن زياد في دار هاني لأدى إلى استئصال هذه العشيرة لما تعرفه من إجرام ابن زیاد وما هو عليه من الشدة في الثأر فتخوفت عواقب الأمر ولذلك طلبت منه عدم قتله (1)، ولذا مسلم قد ذكر هذا المبرر لما سئل عن سبب عدم قتله، فقال: لما هممت بقتله تعلقت بي جارية فقال هاني أو الحارث ويحها قتلتني وقتلت نفسها.
والسبب الرئيسي: أن هذا الفعل غدر، وأهل البيت عليهم السلام من منطلق تعاليم الدين ولكونهم الترجمان الحقيقي لتعاليم الدين والمجسدين الحقيقيين لتعاليم الدين لا يرتكبون الغدر. فالدين ينهى عن الغدر والفتك والقتل خيانة وهذا أمر منهي عنه في الإسلام، ولذا لو فعل ذلك مسلم - وحاشاه - لتأثرت مصداقيته، وأئمة أهل البيت عليهم السلام وأصحابهم والتابعين لهم يتقيدون بهذا الأمر بأن لا يقوموا بأي فعل يضر مصداقيتهم أو يخدشها، ولذا يقول مسلم لما هممت بقتله تذكرت حديث حدثنيه الناس عن النبي صلي الله عليه وآله : «أن الإيمان قيد الفتك» (2)، يعني: أن الإنسان المؤمن لا يمكن أن يفتك ويغدر بأحد، فمن هذه الجهة رأى أن المسألة لا تتناسب مع مكانته ولا تتناسب مع كونه ممثلا للإمام الحسين عليه السلام ولا تتناسب مع شخصيته كشخصية مهمة جدا وبارزة ولامعة في البيت النبوي وهذا هو السبب الأساسي في القضية.
1) جاء في مثير الأحزان ( قال شريك المسلم، ما منعك من الخروج؟ - أي لقتل ابن زیاد- قال : هممت بالخروج فتعلقت بي امرأة وقالت: نشدتك الله ! إن قتلت ابن زياد في دارنا، وبكت في وجهي، فرميت السيف وجلست، قال هاني: یا ويلها! قتلتني وقتلت نفسها، والذي فرت منه وقعت فيه) مثير الأحزان، ابن نما الحلي (567 - 645 هق)، ص 32.
2) بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج44، ص344، الكافي الشريف، الشيخ الكليني، ج7، ص375 في باب النوادر، ح16.
فصوم يوم العاشر لم يكن معروفا إلا في زمن بني أمية ولم يثبت استحبابه بالاستحباب الخاص، بل يظهر من الرواية وهي رواية عبد الله بن سنان التي يقول فيها الإمام عليه السلام : « ولا تجعله يوم صوم كملا، وليكن إفطارك بعد صلاة العصر بساعة على شربة من ماء، فإنه في مثل ذلك الوقت من ذلك اليوم تجلت الهيجاء عن آل الرسول » (1)أنه لا ينبغي صوم هذا اليوم بعنوان الاستحباب الخاص بأنه مستحب بعنوان اليوم العاشر وهذا دليل واضح في ذلك، وإلا لو كان مستحبا بالعنوان الخاص بعنوان يوم العاشر لم يكن معنى لتقييده عليه السلام للإمساك لعبد الله بن سنان بقوله: « ولا تجعله يوم صوم کملا، وليكن إفطارك ... » الرواية.
فإن هذا واضح ويدل بأدل دليل على أن المطلوب فيه الإمساك على وجه المواساة لآل الرسول صلي الله عليه وآله على ما أصابهم في ذلك اليوم الفجيع الحزين، وليس الصوم الشرعي.
1) وسائل الشيعة، الحر العاملي، ج10، ص459، باب 21، ح 7.
ويهملن التزاماتهن المنزلية، هل من نصيحة؟
إقامة العزاء على سيد الشهداء أمر مستحب و استحبابه مؤكد، لكن حسن التبعل للزوج والقيام بواجباته في بعض حدوده واجب وفي بعض مستوياته من المستحبات الأكيدة المؤكدة، وهنا ينبغي للمرأة أن توجد حالة التوازن بين هذين الأمرين.
أن توجد المرأة المسلمة حالة التوازن، بمعنى: أن لا تكون طوال العشرة من المحرم جليسة بيتها بحجة أنها تقوم بخدمة زوجها وتعمل على راحته وخدمته وتهيئة طعامه وشرابه ولباسه ومسكنه وتترك هذا الأجر العظيم وهو حضور مجالس سيد الشهداء، وكذلك لا ينبغي لها في نفس الوقت أن تهجر بيتها تماما بحيث لا يراها زوجها لا ليلا ولا نهارا بحجة أنها تقوم بخدمة المأتم.
ما نحتاجه هو وجود حالة من التنظيم، تنظيم الجهود بين المؤمنات في خدمتهن في مأتم الحسين عليه السلام وكذا الأمر بالنسبة إلى المؤمنين. فكما أن على النساء مسؤوليات لا يجدر بهن إهمالها بحجة حضور المأتم كذلك هنالك مسؤوليات على الرجال لا يجدر بهم إهمالها. وإذا ما أوجدنا حالة التنظيم والانضباط في أنفسنا وقمنا بواجباتنا ومسؤولياتنا كما ينبغي عندها لن يكون هناك مجال للتذمر والنقد من قبل الآخرين .
القيامة والمخلفات في الشوارع بعد انتهاء العزاء.. أين الخلل؟
ومن آداب الإسلام وأخلاقه النظافة، والمعروف أن النظافة من الإيمان، فلا ينبغي أن يكون سلوكنا الخارجي على خلاف هذه التعاليم، فهذا لا يمثل حرصنا على تطبيق تعاليم الإسلام وحرصنا على الالتزام بوصايا أئمة أهل البيت علیهم السلام ، فعندما نرمي المخلفات وبقايا الطعام وعلب المياه والعصائر وغيرها في الشارع تكون هناك بعد انصراف المعزين حالة من الفوضى وعدم الاهتمام وهذا لا يعكس الانضباط والالتزام الذي أراده منا سيد الشهداء عليه السلام وأراده منا أئمة أهل البيت علیهم السلام وأراده منا الإسلام، فإن ما يريده منا الحسين عليه السلام هو ما يريده منا الإسلام، والإسلام يريد منا أن نكون ملتزمين بالنظافة، - نظافة الظاهر والباطن - .. نظافة المظهر والمخبر، فلذلك ينبغي على الإنسان المعزي المواسي لسيد الشهداء صلوات الله وسلامه عليه الذي يكون ممتثلا لأوامرهم وتعاليمهم وآدابهم أن يعكسها ويجسدها خارجا، وعلى الجميع أن يحافظوا على نظافة الوضع العام والأماكن العامة حتى نجسد جميعا مظهر الأدب والسلوك القويم ونرتقي من خلال ممارساتنا إلى المستوى اللائق بهذا الموسم العظيم ونرتقي بمسؤولية انتهاءنا لأهل البيت علیهم السلام .
بماذا توجهون؟
هذه المعصية أيضا يتضاعف إثمها عندما تخرج المرأة في مصاب سيد الشهداء في مثل ليلة التاسع أو ليلة العاشر التي يكون المطلوب فيها من الناس أن يعكسوا مظهر الحزن والجزع والمواساة لأهل البيت علیهم السلام .. فتخرج بهذه الزينة وهذا التبرج لتدمي قلب رسول الله صلی الله علیه وآله وتدمي قلب أمير المؤمنين عليه السلام ، وتدمي قلب الزهراء عليها السلام ، وتدمي قلب الحسن والحسين عليه السلام .
فأي أجر لها وهي قد أدمت قلوب أهل بيت العصمة والطهارة عليهم السلام ، وأي ثواب ترتجيه ؟!!
فخروجها بهذا المظهر المحرم بحد ذاته موجب لتضاعف عقوبتها إن صدر منها ذلك في هذه الأيام العظيمة، مضافا لما تكون فيه من سبب لحدوث المعصية فإنها مسببة ومعينة على المعصية؛ لأنها قد تتسبب في وقوع الشاب في النظرة المحرمة والعياذ بالله فتكون معينة على الحرام.
ثم نتساءل ما هو الوجه لخروج النساء في طرقات المعزين ؟!!
مواكب العزاء رجالية ولا توجد لدينا مواكب عزاء نسائية، وليس المطلوب من المرأة أن تخرج لتتفرج على الرجال، فهل تريد هذه النسوة أن يتشبهن بنساء بني أمية ونساء الشام اللاتي خرجن ليتفرجن على سبايا آل الرسول صلی الله علیه وآله ؟!
أنا أتصور أن هذه النسوة اللاتي يخرجن ويملأن الشوارع بهذه الطريقة المزرية وبهذه الطريقة المعيبة وبهذه الطريقة المحرجة وبهذه الطريقة المؤلمة وبهذه الطريقة المتهتكة غير المبالية بحرمات الإسلام إنما هن أشبه بنساء الشام وبنساء أهل الكوفة (1)
فإن قلت: لي بأن الشباب ما داموا على التزامهم فإن المتبرجات لن يؤثرن فيهم.. وأنه لا ينبغي النظر إلى الشباب المؤمن بنظرة الضعيف أمام الشهوات.
قلت: إن المشكلة لا تكمن في الخوف في انحراف الشباب وما إلى ذلك، بل المشكلة هي في أن الموكب لا يتألف من وجود النساء فهو شعيرة قائمة ولا تتوقف على وجودهن، أضف إلى هذا أن الواقع الخارجي يتحدث عن نماذج من المتبرجات اللاتي اتخذت هذه الأماكن والفعاليات مكانا لممارسة انحرافاتهن، ولا ينبغي السكوت عنه أو السكون تجاهه بحجة أن هذا واقعنا وقد ابتلينا به وقد استفحل فينا. أضف إلى هذا أن الشباب بل الرجال حتى المتزوجون منهم قد يضعفون أمام هذه المغريات فينظرون نظرة قد تأخذ مأخذها في القلوب فتفقدهم التوجه المطلوب و تحرمهم من الخيرات والثواب العظيم فتتحول هذه المظاهر إلى مظاهر خاوية عن المضمون.
والكلام هنا عن المتبرجات وليس عن الاتي يجلسن عند بيوتهن -مثلا- وعند مرور العزاء عليهن فإنه لا يكون لهن هم إلا البكاء. وليس الكلام عن النساء اللاتي يذهبن إلى العزاء بكامل سترهن وعفتهن لكي يصطحبن أولادهم الصغار کي يشاهدوا هذه المناظر لا سيما إذا رافق موكب العزاء بعض التمثيليات أو الزفاف وما شاكل.
اللاتي خرجن ليتفرجن على سبايا آل الرسول صلی الله علیه وآله ، فلا فرق بين هذه المرأة التي تخرج بزينتها متبرجة وتقف مستعرضة للتفرج على مواكب العزاء وبين تلك المرأة الشامية وتلك المرأة الكوفية التي خرجت تتفرج على نساء وسبايا آل الرسول، فتلك خرجت لتتفرج على سبايا آل الرسول وهذه خرجت بهذا الشكل القبيح والشنيع لتتفرج على المعزين على مصاب سيد الشهداء. هذا عمل محرم وفي منتهى الحرمة، مضافا إلى أنه يعكس حالة سيئة جدا وهي التشويه للإنتهاء الحقيقي لأهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم؛ لأن الانتهاء الحقيقي ليس شكليا وليس ظاهريا وليس اسميا بل إنها:الانتهاء الحقيقي هو الانتهاء الذي يجسد تعاليمهم ...
الانتهاء الحقيقي هو التمسك بتعاليم وأحكام الدين ...
الانتهاء الحقيقي هو الذي يعكس حرصنا على امتثال الأحكام الشرعية التي منها
مسألة الحجاب والعفة والخدر والحشمة...
1) وجه الشبه كائن في عدم المبالاة بالدين وأحكامه واتخاذ التفرج وسيلة إلى استعراض تبرجهن و أسوبا لإضعاف الموكب والمشاركين فيه.
فالخروج من دون حجاب أو الخروج بتبرج أو بزينة أو بريبة، كل هذا يعكس عدم ذلك الانتهاء الحقيقي.
الانتهاء مسؤولية:
والانتهاء مسؤولية على الإنسان الموالي أن يدرك هذا المعنى، أن انتهائي لمدرسة أهل البيت علیهم السلام يحملني مسؤولية شديدة وهي أن أكون ملتزما بتعاليم الإسلام وتعاليم الدين وتوصيات الأئمة عليهن السلام .
فأعيد وأكرر أن من تخرج متفرجة على مواكب العزاء بهذه الطريقة وبهذا الشكل القبيح والمعيب حالها كحال من خرجت من نساء أهل الكوفة والشام متفرجات على سبايا آل رسول الله صلی الله علیه وآله.
فهل تقبل المرأة المؤمنة أن يكون حالها وحال تلك المرأة الشامية وتلك المرأة
الكوفية التي خرجت تتفرج على زينب عليها السلام حال واحد؟!
هل تقبل أن تكون في صف من خرجت لتتفرج على بنات الحسين وأخوات
الحسين وبنات الرسالة ؟!
لا أظن أن المرأة المؤمنة التي تحمل الولاء والمحبة لأهل بيت النبي صلی الله علیه وآله تقبل ذلك .
فخروج النساء لمشاهدة مواكب العزاء من البدع التي لا تستحسن أصلا وتفتح بابا من أبواب المعاصي وتكون ذريعة للوصول إلى الكثير من المحرمات في مثل هذه الأيام التي ينبغي أن نكون فيها بمستوى عال من الطاعة وليس في مستوى تدني القرب والطاعة لله .
فنحن نؤكد وقلوب المؤمنين وقلوب العلماء صارت دامية من هذه الظاهرة، وكلنا ثقة في أن النساء المؤمنات يعين خطورة هذه الحالة ويمتنعن من النزول إلى العاصمة أو إلى غيرها من أماكن اجتماع المعزين ومواكب العزاء، حتى تتوقف هذه العادة وتكون مواكب العزاء خالصة للرجال ولا تكون للنساء فيها مشاركات (1)ومن ترغب بالمشاهدة فيمكنها أن تقف من وراء الباب أو النوافذ بكامل حشمتها وعفتها، أما أن تنزل إلى الشوارع بهذا اللباس وبهذه الزينة فهي بذلك تجرح قلب الحسين عليه السلام وتقتله تماما كما فعل شمر بن ذي الجوشن وتكون شريكة له في قتلها الإمامها الحسين صلوات الله وسلامه عليه.
1) هذا ولله الحمد أن المجاميع النسائية ليست بالقليلة من مآتم مختصة بالنساء أو أقسام في مآتم الرجال تخصص للنساء وما شاكل، فليست دائرة إحياء المناسبات ضيقة عند النساء حتى تشاركن في المواكب العزائية الرجالية.
أما الطيب فاستحبابه عام، فالإنسان يتطيب للصلاة ولا يوجد في ذلك قصد الشماتة والعياذ بالله، فهذا الأمر لا يكون من الإنسان الموالي ولا يصدر منه، فالتطيب بعنوان أنه تطيب للصلاة لا بأس به لعموم استحبابه، ولو أراد أن يتركه الإنسان من باب الجزع على سيد الشهداء صلوات الله وسلامه عليه فهذا أمر حسن؛ لأن ترکه والحال كذلك للطيب يكون من الجزع وهو أمر مطلوب يتعنون بهذا العنوان الثانوي، أي: ترك الطيب لكونه جزعا على سيد الشهداء عليه السلام .
عريض بين الفقهاء في تفسر مسألة التشبه .
وما أريد أن أقوله بعنوان الخلاصة: إن التشبه أي تشبه المرأة بالرجل وتشبه الرجل بالمرأة، هو تقمص الشخصية بشكل دائم، بمعنى: أن تتقمص المرأة دور الرجل بشكل كامل في لباسه وسلوكه ومنطقه، وهكذا أن يتشبه الرجل بدور المرأة في كل أمورها وشؤونها بشكل دائم. أما التشبه بشكل مؤقت كوقت أداء العمل الفني لأن المرأة يصعب أن تمثل في أجواء الرجال فيتقمص الرجل دور المرأة ويلبس لباسها بشكل مؤقت فهذا لا يدخل تحت التشبه المحرم؛ لأن التشبه المحرم هو ما يتخذه الإنسان بشكل عام ودائم ومستمر لا هذا التشبه المؤقت الذي يؤدی فيه دور معين ويفهم الجمهور من خلاله أن هذا رجل لكنه يؤدي دور المرأة، فإن هذا لا تشمله الأدلة ومنصرفة عنه أدلة التحريم ولا تشمله إطلاقات أدلة تحريم التشبه.
صوت النساء وهن في حالة الندب والبكاء .. هل يجوز ذلك؟
التي لا تراعي خروج الصوت بواسطة السماعات إلى خارج حدود المأتم.
هذه حالة مؤلمة وليست مناسبة؛ لأن فيها على أقل التقادیر شبهة، ولا تناسب
شأن المرأة وما هو مطلوب منها من العفة والحشمة.
نحن نعلم أن الإسلام أكد من خلال تعاليمه وآدابه على أن تكون المرأة في منتهی الحشمة والخدر والمصونية، ولا شك في أن ارتفاع صوتها إلى خارج المأتم بحيث يسمعها الرجال هو أمر مخالف للحشمة ومخالف لما هو مطلوب منها من رعاية الخدر والمصونية. وحتى لو فرضنا أن صوتها لا يثير الريبة لكن يبقى الأمر غير مناسب لها ولعفتها، ولا داعي لخروج صوتها خارج نطاق المأتم فإن الغرض من مكبرات الصوت هو إيصال الصوت إلى الحضور في المأتم لا خارج محيط المأتم، من هنا وجب الالتفات لهذا الجانب ورعاية هذا الأمر.
لكن نظر النساء إلى صدر الرجل أو إلى المواضع لا يكشفها الرجال أمام النساء عادة، فهذه لا يجوز للنساء أن تنظر إليها (1)، فلا يجوز للنساء أن تنظر إلى هذه المواضع التي لم تجري العادة على كشفها من الرجال فلا يجوز لهن النظر إليهم، وعلى الرجال أن ينهون النساء لو نظر النساء إليهم لأن هذا منكر يجب النهي والردع عنه.
1) فإن العادة الجارية والسيرة المستمرة من زمن الأئمة إلى وقتنا هذا لم تجري على أن الرجال يكشفون صدورهم وبطونهم أمام النساء وتنظر النساء إلى هذه المواضع بحيث لم تقم سيرة على هذا النحو. منه حفظه الله.
1) سورة النساء: 80.
وللفائدة والتبصرة أذكر ذلك على نحو الإيجاز وهو أن الشيخ رحمه الله - شیخ الطائفة - روى الزيارة في كتاب مصباح المتهجد وسلاح المتعبد وله إلى الزيارة خمسة طرق، منها هذا الطريق وهو ما نقلها الشيخ قدس سره من كتاب الحج عن محمد بن اسماعیل بن بزيع وطريقه إلى كتاب الحج لمحمد بن اسماعیل بن بزیع هو بهذا النحو على ما ذكره رحمه الله في كتاب الفهرست: له کتب منها كتاب الحج أخبرنا به الحسين بن عبيد الله عن الحسن بن حمزة العلوي عن علي بن ابراهيم عن ابراهيم بن هاشم عن محمد بن اسماعيل.
شرح الطريق:
الحسين بن عبيد الله شيخ الشيخ الطوسي والنجاشي، وقدصرح النجاشي بأنه لا
يروي مباشرة إلا عمن كان ثقة.
الحسن بن حمزة العلوي فهو أبو محمد الحسن بن حمزة العلوي الطبري المرعشي، وصفه الشيخ بقوله كان فاضلا أديبا عارفا فقيها زاهدا ورعا كثير المحاسن له کتب وتصانیف کثيرة.
علي بن ابراهیم صاحب التفسير المشهور ثقة كما صرح به النجاشي.
أبوه ابراهیم بن هاشم فهو مورد اعتماد عند علماء الطائفة.
محمد بن اسماعيل من أصحاب الأئمة الكاظم والرضا والجواد عليهم السلام، قال عنه الشيخ رحمه الله في رجاله ثقة صحيح.
وقد ذكر كثير من الأعلام تفاصيل ذلك في دراسات مفصلة في إثبات صحة زيارة عاشوراء كسماحة أستاذنا آية الله الشيخ مسلم الداوري (1)- الذي كنا نتشرف بحضور أبحاثه الرجالية - وقد كتب في ذلك دراسة مستفيضة، وكذلك الكثير من الأعلام كتبوا دراسات مستفيضة في إثبات صحة زيارة عاشوراء، فلا موقع لهذه الشبهة، ومن أراد المزيد فليكن لذلك له حديثا مفصلا أو عليه الرجوع إلى مثل هذه الدراسات أو سؤال أهل الاختصاص من أهل العلم والفضل.
1) فقد ألف كتابا بعنوان (زيارة عاشوراء تحفة من السماء) ويقع الكتاب فيما يقرب من 400 صفحة بحثا فيه بحثا أساسيا حول زيارة عاشوراء و تطرق فيه إلى أبحاث أخرى.
الفهم والاستيعاب لكل قيم ومفاهيم الإسلام.
هؤلاء لا مجال لأن يستشكل عليهم لأنهم تالون تلو العصمة هذا أولا، وثانيا نحن نواجه في هذه القضية مسألة الإيثار. الإيثار أمر مطلوب « وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ » (1)یعني منتهى الحاجة .
العباس عليه السلام : أراد أن يواسي إمام زمانه سید الشهداء إلى هذا المستوى، بأنه كما يقتل الحسين عطشانا فأنا كذلك أقتل عطشانا، هذا الموقف هو منتهى المواساة ومنتهى الإيثار، فالعباس سلام الله عليه يعلم أنه إذا شرب الماء أو لم يشرب لن يبقى بعد الحسين عليه السلام ؛ لأنه مقتول على أي حال، بمعنى أنه قد يبقى ساعة أو ساعتين لكنه يقتل في النهاية من قبل هذه العصابة المجرمة، فآثر أن يخرج بأبي وأمي من الدنيا عطشانا مواسيا لسيد الشهداء صلوات الله وسلامه عليه ويحوز على هذا الفخر (المواسي لأخيه الحسين » فلذلك تجد في الزيارة إشارة إلى هذا البعد: « السلام عليك أيها الأخ الصابر المواسي لأخيه الحسين » (2)فهو لم يضحي ويفدي بنفسه أخيه الحسين وحسب وإنما واساه كذلك، وهذه المواساة تتجسد في أنه علم بأنه مقتول بعد الحسين عليه السلام أو قبله لا محالة فأراد أن يخرج من هذه الدنيا ظمآنا صلوات الله وسلامه عليه.
وفي بعض النقولات أن أمير المؤمنين أوصاه بأن لا يشرب الماء قبل أخيه الحسين علیهم السلام .
1) سورة الحشر:9.
2) مضامين زيارته عليه السلام، و ورد في كتاب الخصال عن الإمام زين العابدین علیه السلام أنه قال (رحم الله العباس، فلقد آثر وأبلی، وفدى أخاه بنفسه حتى قطعت يداه، فأبدله الله منها جناحين يطير بها مع الملائكة في الجنة كما جعل لجعفر بن أبي طالب عليه السلام، وإن للعباس عند الله تبارك وتعالى منزلة يغبطه بها جميع الشهداء يوم القيامة) الخصال، الشيخ الصدوق، ص 68، ح 101.
لا أريد الآن أن أناقش هذا الكلام وما يمكن أن يستفاد منه، لكن أريد أن أقول:
أولا: لدينا أدلة كثيرة تدل على أن الإمام لا يغسله إلا إمام مثله ولا يصلي عليه
إلا إمام مثله ولا يجهزه ولا يلي أمره إلا إمام مثله (1).
ثانيا: إن هذه المسألة بمستوى من الوضوح في أذهان الشيعة إلى درجة أنها ولدت لديهم شبهة، وتوضيح ذلك أن الواقفة إحدى الفرق التي وقفت على إمامة الإمام موسى الكاظم عليه السلام وقالوا بأن الإمام الكاظم عليه السلام لم يمت وإنما هو حي غائب وأنكروا إمامة الإمام الرضا عليه السلام ، فإن إحدى المبررات لوقفهم أنهم قالوا بأن الإمام موسى الكاظم عليه السلام مات ببغداد بسجن بغداد والإمام لا يغسله إلا إمام فكيف يحضره ابنه الإمام الرضا وهو في المدينة ؟!! فلذلك أنكروا موت الإمام الكاظم واتخذوا هذه ذريعة، لا أقول أن هذه هي الشبهة الحقيقية التي دخلت عليهم لأن هناك عوامل أخرى هي التي دعتهم إلى الوقف لكن أرادوا أن يتخذوا هذا الأمر ولو ظاهرا حجة للوقف على الإمام الكاظم مما يكشف لك أن المسألة واضحة في أذهان الشيعة وأن من الواضح جدا أن الإمام لا يغسله إلا إمام مثله.
ثالثا: نجد أن في سير الأئمة صلوات الله وسلامه عليهم ما يثبت ذلك کرواية هرثمة بن أعين ورواية الريان بن الصلت وغيرها التي تدل على حضور الإمام الجواد عليه السلام عند أبيه الرضا عليه السلام الذي هو في خراسان وقد جهزه وغسله وصلی عليه وإن كان بحسب الظاهر أن الذي صلى عليه شخص آخر، لكن الذي تولى
1) الكافي، الكليني، ج 1، ص 384، باب أن الإمام لا يغسله إلا إمام من الأئمة علیهم السلام .
أمره في واقع الأمر وبعيدا عن أنظار الناس هو الإمام الجواد علیه السلام . لما تأتي إلى قضية الإمام العسكري عليه السلام وهذه واضحة، فقد تقدم جعفر أخو الإمام ليصلي على أخيه الإمام العسكري عليه السلام وعندها ظهر شاب قمري الوجه -كما يصفه الرواي-، وقال له: تنح يا عم مخاطبا جعفر فإني أولى بالصلاة على أبي منك.
رابعا: لما نأتي إلى قضية الدفن وبهذا الترتيب فهل يعقل أن بني أسد هم من قاموا بهذا التخطيط بدفن الحسين عليه السلام وعند رجليه علي بن الحسين، ودفن الشهداء في حفرة ثم دفن العباس بمنأى عن أي مساعدة وتوجيه، بمعنى هل اهتدوا إلى هذا التخطيط من تلقاء أنفسهم وطبقوه؟ هذا بعيد جدا.
الشيء الآخر كيف عرف بني أسد هذه الأجساد وهي مقطعة بلا رؤوس؟ كيف استطاعوا أن يعرفوا أن هذا جسد الحسين عليه السلام وباذا عرفوه وهو جسد بلا رأس؟ وكيف عرفوا العباس وهو جسد بلا رأس، مقطع الأعضاء قد مزقوه أشلاء؟ وكيف عرفوا علي بن الحسين الذي هو أيضا قد مزق و قطع جسده الشريف؟
إن الإنسان لا يهتدي إلى معرفة الشخص إلا من خلال رأسه، وهذه الرؤوس الشريفة قد فصلت عن أجسادها، فكيف اهتدوا وعرفوا أن هذا جسد الحسين عليه السلام وأن هذا علي بن الحسين وأن ذاك العباس وأن هؤلاء الأنصار!
فطريقة الدفن بهذا التخطيط وبهذه الخارطة فيها ید ربانية. إذا قلت بأن بني أسد توصلوا إلى ذلك بالإلهام والإيحاء، فذلك يعني أنه عنصر إعجازي، فإن قبلت بأن هناك عنصر إعجازي لإيحاء بني أسد في أن يدفنوا شهداء کربلاء بهذه الطريقة وبهذه الخارطة وبهذا التخطيط فلماذا لا يكون هناك إعجاز آخر لعلي بن الحسين صلوات الله وسلامه عليه بأن يحضر إلى كربلاء وإن كان في الحبس، فلو كانت هذه الخارطة في الدفن لا تخلو من أن تكون فيها جهة ربانية فلماذا نستكثر هذا الإعجاز على حجة الله سبحانه وتعالى؟
خامسا: المشهور بين الطائفة أن الذي دفن الإمام الحسين عليه السلام هو ابنه الإمام علي بن الحسين عليه السلام وقد جاء من الكوفة، فالمسألة إن كانت إعجازية فهل نستبعد هذا الإعجاز وهذه الكرامة على حجة الله ووليه؟
وهل يكون علي بن الحسين أقل شأنا من آصف بن برخيا الذي هو وصی سلیمان، وعلي بن الحسين هو وصي نبينا صلی الله علیه وآله الذي هو أفضل الأنبياء، وهل لا يكون أهلا لهذا الإعجاز بأن تطوى له الأرض في الوقت الذي تطوى لآصف بن برخیا کي يحضر عرش بلقيس قبل أن يرتد طرف سلیمان إليه (1)؟ فنستكثر هذه المعجزة على وصي أفضل الأنبياء وهو علي بن الحسين عليه السلام ؟
وأما الروايات فأذكر منها:
في كتاب الاختصاص: معاوية بن حكيم عن إبراهيم بن أبي سمال، قال:كتبت إلى أبي الحسن الرضا علیه السلام أنا قد روينا عن أبي عبد الله عليه السلام - و لاحظوا التعبير أنا قد روينا - أن الإمام لا يغسله إلا إمام – وليس المقصود التغسيل فقط بل كل شؤون التجهيز فإن التغسيل هو أبرز أمر من شؤون الميت فذكر التغسيل هنا من قبيل المصداق الأبرز وإلا فالإمام لا يلي أمره إلا إمام في جميع شؤونه من التغسيل والتجهيز والصلاة- وقد بلغنا هذا الحديث - فالراوي يقول هذا الحديث واصل إلينا ومعلوم أن الشيعة قد التفتوا إلى هذا المعنى ، فقلت له: أبوك من غسله ومن وليه، فكتب إن الذي بلغك هو الحق، قال فدخلت عليه بعد ذلك فقلت له: أبوك من غسله ومن وليه، فقال: لعل الذين حضروا أفضل من الذين تخلفوا عنه – لأن الإمام صلوات الله وسلامه عليه هو الذي حضر وهو أفضل ممن تخلف عنه - ، ومن هم؟ قال: حضره الذين حضروا يوسف ملائكة الله ورحمته - وهذا لا ينافي حضور الإمام - (2).
1) « قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَٰذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ » سوره نمل آیه 40.
2) بحار الأنوار، ج27، ص289 .
الرواية الثانية ما رواها الحسين بن محمد عن المعلى عن الوشاء عن أحمد بن عمر الحلال أو غيره عن الرضا، قال: إنهم يحاجون يقولون: إن الإمام لا يغسله إلا إمام - يعني هؤلاء الواقفية يحاجونا ويقولون إنكم تدعون أن الإمام الرضا عليه السلام إمام وأن الإمام الكاظم عليه السلام مات فإذا كان الإمام الكاظم مات من غسله والإمام الرضا في المدينة ولابد من أن يغسله إمام مثله وهذا دليل على أن الإمام الكاظم لم يمت - قال - يعني الإمام الرضا- فقال عليه السلام : ما يدريهم من غسله - يعني الإمام يقول وما يدريهم أني لم أحضر لتغسيله - فما قلت لهم - يعني الإمام يسأل الراوي بماذا أجبتهم- قال: جعلت فداك ! قلت لهم: إن قال مولاي أنه غله تحت عرش ربي فقد صدق وإن كان غسله في تخوم الأرض فقد صدق - إشارة إلى أن الإمام قادر على أن يصل إلى أبيه وأن هذه المسافة لا تكون مانعا بالإعجاز الإلهي الذي متعهم الله به -، فقال: ما أقول لهم؟ قال: قل لهم أني غسلته - يعني أخبرهم أن الذي غسله هو الإمام الرضا-، فقلت: أقول لهم إنك غسلته - يعني سأقول للذين يحاجوننا أن الإمام الرضا هو الذي غسله - (1).
أيضا نقرأ في الرواية عن الحسين بن محمد عن المعلى عن محمد بن جمهور عن أبي معمر، قال: سألت الرضا علية السلام عن الإمام يغسل الإمام؟ قال: سنة موسی بن عمران (2)- يعني هذه سنة موسی بن عمران، فهذه سنة جارية في الأنبياء والأوصياء، فلاحظوا أن هذا يكشف عن سنة، بمعنى: أنه كما أن الذي غسل يوشع بن نون هو موسی بن عمران لأن يوشع بن نون أو غيره مات بعده أو العكس، أن الذي غسل موسی بن عمران هو يوشع بن نون، أيا كان المعنى، فالرواية تعكس أن هذه سنة من السنين في الأنبياء والأوصياء أنه لا يغسلهم إلا مثلهم، أي الذي هو مثلهم في العصمة -.
أيضا رواية عبد الرحمن بن سالم عن المفضل عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «قلت له من غسل فاطمة؟ قال: ذاك أمير المؤمنين، فكأني استعظمت ذلك -يعني كيف يغسل أمير المؤمنين عليه السلام الزهراء عليها السلام وهي امرأة وهو رجل- فقال: كأنك ضقت بما أخبرتك به، قال: فقلت: قد كان ذلك جعلت فداك، قال: فقل لي لا تضيقن فإنها صديقة ولم يكن ليغسلها إلا صديق أما علمت أن مريم لم يغسلها إلا عیسی » (1).
هذه روایات متعددة والمهم هي هذه النقطة وهي: أن هذا المضمون من المضامين التي قطع بها الشيعة بحيث أصبحت بمثابة الميزان حتى في قضية الإمامة وأنا أشرت إلى ذلك في قضية الواقفة وأن الواقفة استغلوا هذه النقطة، أي: مسألة أن الإمام لا يغسله إلا إمام مثله في الوقف على الإمام الكاظم وإنكار موته والوقوف عليه وأنه غائب بدعوى أنه لو مات فمن الذي غسله، فالمسألة كانت بهذه الدرجة من الوضوح في أذهان أصحاب الأئمة وفي أذهان الشيعة.
فبعد هذا الوضوح الموجود في هذه الروايات هل يمكن لنا أن نشكك في هذه الأسانید؟ نحن لا نعتمد على هذه الروايات و إنما نعتمد على ذلك الجو العام الذي تنقله، ذلك الجو العام الذي صار مغروسا في أذهان الشيعة ومعروفا عند الشيعة ومتسالم عليه عند الشيعة أن الإمام لا يغسله إلا إمام مثله، إذا كان هكذا فما المانع بالإعجاز أن الإمام عليه السلام يحضر ولماذا نستكثر على الإمام السجاد عليه السلام ما هو في حق آصف بن برخيا الذي شهد القرآن له بطي الأرض وأنه طويت له الأرض وأتي بعرش بلقيس، هذا بشكل مختصر،والمسألة تحتاج إلى بحثها من جهات فنية وإن شاء الله نوفق لكتابة رسالة في هذه المسالة.
1) نفس المصدر، ص459، ح4.
علينا شينا»، وهل لإحياء الشعائر ربط بهذه الرواية؟
وفي رواية جاء - فكل ما قيل فينا من حسن فنحن أهله وما قيل فينا من قبيح فنحن لسنا له بأهل - (1)، فلابد للإنسان من أن يكون في سلوكه وفي أفعاله وفي كلامه وفي تعامله مع الآخرين النموذج والأسوة الحسنة، فإن ذلك يعني إرجاع هذا الحسن في السلوك والنموذجية في السلوك والمصداقية في الكلام وفي الفعل إلى تعاليم أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم وعلى العكس «جروا إلينا كل مودة » أنتم بحسن سلوککم وبحسن تعاملكم وبحسن أفعالكم وبمصداقيتكم وبنموذجيتكم تجرون لنا مودة الناس وعلى العكس لو كانت سلوكياتكم أفعالكم وتعاملكم مع الناس ليس بالنحو المطلوب وليس بالنحو الحسن وإنا خلاف ذلك، فهذا ينفر الناس عنا «جروا إلينا كل مودة، وادفعوا عن كل شر، فما قيل فينا من خير فنحن أهله » وعلى العكس لما تكون معاملتكم تنسب إلينا فهذا القبيح نحن لسنا له بأهل.
1) عن كثير بن علقمة، قال : قلت لأبي عبد الله عليه السلام : أوصني، فقال: «أوصيك بتقوى الله، والورع والعبادة، وطول السجود، وأداء الأمانة، وصدق الحديث، وحسن الجوار، فبهذا جاءنا محمد صلي الله عليه وآله ، صلوا في عشائر كم، وعودوا مرضاكم، واحضروا جنائزکم وكونوا لنا زينا، ولا تكونوا لنا شينا، حببونا إلى الناس، ولاتبغضونا إليهم، جروا إلينا كل مودة، وادفعوا عنا كل شر، فما قيل فينا من خير فنحن أهله، وما قيل فينا من شر، فو الله ما نحن كذلك، لنا حق في کتا بالله، وقرابة من رسول الله صلي الله عليه وآله ، وولادة طيبة، فهكذا فقولوا». هكذا في مستطرفات السرائر، لابن إدريس الحلي، ص650. وورد هذا المضمون بصياغات مختلفة.
هذا المقام وهو أن ما قام به أصحاب الحسين ليس فقط نصرة للحسين وإنما هو نصرة لدين الله ونصرة لرسول الله صلي الله عليه وآله ، ونصرة لأمير المؤمنين ونصرة لفاطمة الزهراء ونصرة للحسن عليهم السلام .
هذا البعد يوجب امتیازهم عن سائر الصحابة سواء كانوا أصحاب أمير المؤمنين أو أصحاب رسول الله..
أقول: بهذا البعد، فإن أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام لم يردنا - نص - في حقهم أنهم أنصار لدين الله .. هم أنصار لأمير المؤمنين عليه السلام ، ولكن ثبت في حق أنصار الحسين أنهم أنصار دين الله، أنصار رسول الله، أنصار أمير المؤمنين، أنصار فاطمة الزهراء، أنصار الحسن عليهم السلام .
الشيء الآخر أننا نجد في كل سير هؤلاء حالة من البصيرة النافذة التي لم يكن معها أي تردد، وحالة من الوضوح في معرفة الحق لم يداخلها أي شك، وهذا ما يسرده لنا التاريخ ليلة العاشر كيف أن الإمام الحسين عليه السلام قد رخص لهم بالعودة، تجد أنهم كلهم قد أجابوا بجواب واحد: نحيا معك ونموت معك، وماذا نقول لرسول الله لو تخلينا عنك، الإمام الحسين عليه السلام قال لنافع: یا نافع ! أتخذ لك طريقا بين هذين الجبلين وانج بنفسك، فإن القوم لا يطلبون غيري، فوقع على أقدام
الحسين عليه السلامم يقبلها ويقول: إذا ثكلت هلالا أمه! سیدي، إن سيفي بألف وفرسي مثله، فوالله الذي من علي بك لا أفارقك حتی یکلا عن فري و جري (1).
فهذا الوضوح وهذا الإيمان بالإمام عليه السلام الذي لا تشكيك فيه والقتال على بصيرة مع سيد الشهداء عليه السلام مع عدم التردد وعدم الخوف وعدم الاكتراث بما في الدنيا والإقبال على الله وعلى رسوله بهذه الحالة من الوضوح وبهذه الحالة من الرؤية والبصيرة أوجب لهم مقام آخر ومزية أخرى يتفاضلون بها.
1) الدمعة الساكبة، المولى محمد باقر بن عبد الكريم البهبهاني، 4: 272.
الصوتية في كل وقت؟
والفقهاء يقولون: إن ما دل على استحباب الشيء إنما يدل على استحبابه وعلى إيجاده بطریق مباح؛ فمثلا مساعدة الفقير أمر مستحب، تفريج الكرب عن المؤمن أمر مستحب، ولكن لا يعني ذلك إيجاد هذا الأمر المستحب والتوصل إليه بأمر غير مباح. فالإنسان يريد أن يساعد الفقير فيسرق بدعوى أن مساعدة الفقير أمر مستحب، مادل على استحباب شيء إنما يدل على استحباب إيجاده بالأمر المباح، فمساعدة الفقير إنما تكون من مال الإنسان ومن المال الحلال وليس من المال الحرام والمال المسروق. وتفريج كربة المؤمن إنها تكون مستحبة بواسطة الأمر المشروع لا بواسطة أمر حرام - لا سمح الله -.
كذلك استحباب إقامة العزاء على سيد الشهداء والرثاء عليه وإبكاء الناس لابد من أن تكون وسيلته أيضا مباحة، أما لو فرض ولو بواسطة العنوان كإزعاج الجيران من خلال رفع مكبرات الصوت بالنحو غير المعتاد و بالنحو غير المتعارف، فإن هذا الأمر قطعا في نفسه يكون - ولو نتيجة لانطباق هذا العنوان عليه وهو عنوان الإيذاء والإزعاج لجيران المأتم - غير مباح.
فلا معنى لإيجاد الأمر المستحب وهو البكاء والإبكاء والرثاء على الإمام الحسين عليه السلام بأمر فيه شائبة الإشكال. وعلماؤنا وأعاظمنا وفقهاؤنا مع رسوخ قدمهم في
الفقه وتبحرهم كانوا ينصحون الناس في هذا الشأن.
هناك كلام للسيد الإمام رضوان الله تعالى عليه حول الأذان بالنسبة لصلاة الصبح، مع أن الأذان شعار المسلمين ولكنه كان ينصح بعدم رفع الصوت صوت المكبر عالية في أذان الصبح حتى لا يلزم تأذي جيران المسجد. فهذا أمر مستحب ولكن لما يكون سببا لإيذاء الآخرين يكون موردا لشائبة الإشكال.
والنصيحة لكل أصحاب المآتم هي بأن يكون رفع الصوت بالنحو المتعارف والمعتاد، فالغرض من ذلك هو إيصال الصوت لفضاء المأتم ولإعلام من كان بالخارج ممن يحوطون بالمأتم لا أزيد منذ لك، فينبغي الالتفات إلى هذا الأمر والالتزام بحدود عدم رفع الصوت إلى حد إيذاء الجيران.
وفي الحديث عن الصادق عليه السلام أن أهل الغاضرية لم يفوا بهذا الشرط (2).
إذا، فبحسب هذه النقولات يكون شراء الإمام الحسين عليه السلام الأرض مقتله من الأمور المشهورة والمعروفة بين العلماء وذكر ذلك صاحب کتاب الزيارات محمد بن أحمد ابن داود القمي الذي هو من أصحاب الإمام الهادي والإمام الجواد علیه السلام .
1) جاء عن النبي الأعظم صلي الله عليه وآله أنه قال : (من زار أخاه في بيته قال الله له: أنت ضيفي و زائري، علي قراك وقد أوجبت لك الجنة بحبك إياه)، و ورد عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: (من زار أخاه في الله قال الله : إياي زرت و ثوابك علي، ولست أرضى لك ثوابا دون الجنة) الكافي الشريف، الشيخ الكليني، ج 2، ح، 4، 6، باب زيارة الإخوان،
أما كيفية تكييف كون الإمام المهدي صلوات الله وسلامه عليه طالبا بثأر الحسين عليه السلام من قتلته مع أن قتلة الحسين عليه السلام قد هلكوا وبعضهم قد ناله الانتقام الإلهي في قضية المختار، لكن لماذا جاء هذا التعبير وجاء توصيف الإمام صاحب العصر والزمان بأنه الآخذ بثأر الحسين مع أن قتلته قد هلكوا؟
يمكن الإجابة عن ذلك بأحد جوابين؛
الجواب الأول: ماذكرته جملة من النصوص التي دلت على أن الإمام صلوات الله وسلامه عليه إذا خرج انتقم من ذراري قتلة الحسين عليه السلام فالراوي يسأل الإمام الصادق عليه السلام يقول كيف ينتقم الإمام صاحب العصر والزمان من ذراري قتلة الحسين مع أن هؤلاء لم يشاركوا وبينهم وبين واقعة كربلاء أمد بعيد وزمان متطاول فكيف ينتقم منهم، أجاب الإمام سلام الله عليه بهذا الجواب لأنهم رضوا بفعل آبائهم (1)فما دام أنهم رضوا بفعل آبائهم فإذا هم شركاء.
وقد ورد في الروايات أن الظالم والمعين له والراضي به شركاء في الظلم (2)فهؤلاء أيضا ظلمة ويستحقون بذلك القتل. ويؤيد هذا ظاهر القرآن الكريم في قضية عاقر ناقة صالح فإن الذي عقر الناقة شخص واحد منهم مع أن القرآن الكريم نسب
الفعل لهم جميعا في قوله تعالى «فعقروها» وذلك لأنهم رضوا بفعله ولم ينكروا عليه فصاروا شركائه.
الجواب الثاني: - ولعل هذا الجواب هو الأقوى- أن هؤلاء الذراري مازالوا يرثون من آبائهم و من أسلافهم بعض أهل البيت عليهم السلام والنصب والحقد اتجاه أئمة أهل البيت عليهم السلام و شیعتهم، وهذا ما يبرهن عليه الواقع؛ فإنك تجد الكثير ممن يأتي من شتى البلدان وشذاذ الآفاق لتفجير الزائرين وقتل زوار الأئمة.. فماذا تعكس هذه النفسية وماذا يعكس هذا الفعل؟ فهذا الفعل مهما حاولوا أن يبرهنوا عليه أو أن يعطوه صبغة شرعية إلا أن كل هذه التبريرات هي من تسويلات الشيطان وما تمليه عليهم نفوسهم الخبيثة الحاقدة على أهل البيت عليهم السلام ، فهذا يعكس مقدار ما يحملون في نفوسهم من حقد موروث، فإذا خرج صاحب العصر والزمان فإنهم يستقبلون الإمام بهذه النفس.. النفس المشحونة بالحقد والبغض على خط أهل البيت وعلى أئمة أهل البيت وعلى أشياع أهل البيت، ويدخلون في مواجهة مع الإمام صاحب العصر والزمان عجل الله فرجه الشريف ويكونون أول المعترضين على حركة الإمام، و أول من يشهر المعارضة ويعلنها في وجه صاحب العصر والزمان فلذلك ينالهم الانتقام الإلهي بسبب إقدامهم على المعارضة، فهم من جهة يحملون الحقد على أئمة أهل البيت وهم ذراري لأولئك القتلة يرثون ذلك الحقد من آبائهم وأسلافهم ويواجهون الإمام صلوات الله وسلامه عليه بهذه النفسية المريضة، النفسية الخبيثة، وقد ورد في كثير من الروايات من أبدى صفحته للحق لابد أن تكون نتيجته ونهايته هي الهلاك والسقوط (1).
1) من كلام لأمير المؤمنين عليه السلام لما بويع بالمدينة (من أبدى صفحته للحق مملك)، نهج البلاغة، ص 60.
فبحسب عقيدتنا أن الأئمة صلوات الله وسلامه عليهم لا ينقطعون عن هذا العالم ولا ينفصلون عنه بانتهاء حياتهم الظاهرية بل لهم نحو من الارتباط، وفي الآية مايدل على ذلك أيضا: « وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ » (2)وهذه الآية مطلقة، الله سبحانه وتعالى يرى عمل الإنسان والرسول يری عمل
1) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «إن المؤمن لیزور أهله فيرى ما يحب ويستر عنه ما يكره وإن الكافر ليزور أهله فيری ما يكره ويستر عنه ما يحب قال: ومنهم من يزور كل جمعة ومنهم من يزور على قدر عمله » الكافي الشريف، الشيخ الكليني، ج3، ص230، باب أن الميت يزور أهله، ح1. وفي الحديث الخامس من نفس الباب فيه تصريح لزيارة الميت كل ليلة جمعة.
2) سورة التوبة: 105.
الإنسان والمؤمنون الذين هم الأئمة صلوات الله وسلامه عليهم.
فإذا، الإمام وإن انتهت حياته الظاهرية يبقى شاهدا على هذا العالم فالآية تدل على ذلك والزيارات المعتبرة التي جاءت «أشهد أنك تسمع كلامي وتری مقامي وترد سلامي ».
علاوة على ما برهن عليه في العلوم الإلهية أن نفوس الأولياء تكون أكثر تجردا
عند موتها وأكثر إدراكا لما يدور في هذا العالم ومعرفة بما يحل فيه؛ لأن الموت لا يعني الفناء وإنما الموت هو خروج النفس عن هذا البدن وهي باقية لا يدركها الموت .
بقلم سماحة العلامة الشيخ محمود آل الشيخ العالي حفظه الله
وأشهد أن دمك سكن الخلد واقشعرت له أظلة العرش، وبكت له جميع الخلائق .. بسمه تعالی..
استطاع دم سید الشهداء عليه السلام الذي سكن في الخلد وإن سال في صورته الظاهرية على الأرض أن يهزم ذلك الخطر الذي كان يهدد كيان الإسلام، فاستطاع ذلك الدم الطاهر أن يهزم المشروع الرامي إلى تحريف الإسلام وإسقاط أخطاره المحدقة، فحصل الدين على ضمانة مستمرة ضد تلك التهديدات، قال تعالى : « إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ » (1).
فشاءت القدرة الإلهية أن يصان الدين ويحفظ ببركة دماء سيد الشهداء علیه السلام ، وكان للشعائر الحسينية من المأتم و مجالس الذكر والوعظ والإرشاد ومواكب العزاء الإسهام الكبير والدور البارز في تحقيق تلك الغاية.
ومن جهة أخرى فقد أعطت هذه الشعائر المباركة للدين حضوره الفاعل على أكثر من مسار في حياة الإنسان المسلم والمؤمن، فكان ولا زال للدين حضوره في سلوك الإنسان ووجدانه والتزامه وأخلاقه وغير ذلك من مساحات حضور الدين في حياة الإنسان.
وهذا ما يؤكد أهمية هذه الشعائر وضرورة إحيائها ووجوب المحافظة عليها وصيانتها من كل ما يهددها ويؤثر عليها.
وعندما نتحدث عن الشعائر الحسينية، فمن الضروري أن يكون الحديث عن
1) سورة الحجر: 9.
مفهوم واضح لا لبس فيه ولا غموض، وذلك لما يترتب على ذلك الغموض واللبس من نتائج خطيرة تهدد تلك الشعائر وتؤثر عليها .
ومن المؤسف أن البعض حاول بأسلوب غير علمي وبغير القواعد الفنية التي تؤسس لهذا المفهوم ويجب تحكيمها فطرح طرحا ضبابيا عليه الكثير من الغبش، مما فتح المجال لتسقيط مفهوم الشعيرة على كل ممارسة مستحدثة مبتدعة غير منصوص عليها، مما سمح لذهنية الجماهير العامة أن تبدع لهم نفوسهم ما يحلو من ممارسات مستهجنة وسمجة بعيدة كل البعد عن روح الدين وقيمه، مما أثر على نقاء هذه الشعائر وصفائها ودورها، فترتب على ذلك نتائج مضرة بسمعة المذهب والتي يجب بمقتضى العقل والنقل التحرز عنها واجتنابها.
كما أثر على دور هذه الشعائر من الهداية للناس وحضور الدين في حياتهم، وأشدها وأكثرها ضررا هو نفرة الناس عن المذهب وتوصيفه بأبشع التوصيفات، واستغلال ذلك من قبل الخصوم الفكريين لمذهب أهل البيت عليهم السلام ، وتوظيفهم لتلك الممارسات لصالحهم، كل ذلك ينتج عند عدم التأسيس العلمي والفني القضايا الشعائر .
وانطلاقا من هذا الأساس يتوجب علينا أن نبحث عن مفهوم الشعيرة ومعناها والتأسيس الصحيح لها، وماهو ضابط الشعيرة حتى لا نقع في ضبابية وتشويشاته أو مطاطيته .
فنقول وبه نستعين:
معنى الشعيرة:
معنى الشعيرة ومفهومها بعيدا عن تعقيدات اللغة وتعمق المفسرين في تعريفها،
نذكر الخلاصة المهمة لمعناها كما جاء عندهم أي أهل اللغة والمفسرون.
قالوا في تعريفها: هي بمعنى العلامة، فيكون المقصود بها في محل البحث و الكلام
أنها عبارة عما يكون علامة على تحديد هوية جماعة وانتهائهم، فالصلاة على سبيل المثال شعيرة؛ لأنها علامة على هوية الإنسان الممارس لها وتحديد انتمائه الديني، وكذلك الشأن في الحج والصوم، فإنها علامتان على تحديد الهوية الدينية للممارس لها وأنه إنسان مسلم ينتمي في ديانته للإسلام، كذلك الحال في الأذان، فهو علامة على هوية المجتمع الذي يعلنه في أوساطه.
وهناك معنى آخر للشعيرة وهي عبارة عن العبادة، فكل أمر عبادي هو شعيرة وهذا ما يستفاد من الآيات وكلمات الفقهاء قال تعالى « وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ » (1)وقوله تعالى « إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ » (2)، فقد ذكر جملة من المفسرين منهم أمين الإسلام الطبري في المجمع حول آية البدن أن معنی کون البدن من الشعائر أي جعل عبادة الله في سوقها إلى البيت الحرام، بل ذكر بعضهم دعوی اجماع المفسرين على أن معنى الشعيرة هي بمعنی العبادة وإن كنت لم أتحققه.
وعلى هذا التفسير في كون الشعيرة بمعنى العبادة فتوقيفيتها أمر واضح لا يمكن أن يتدخل الإنسان في تحديده لا مفهوما ولا مصداقا، وعلى المعنى الأول وهي العلامة على العبادة لا يمكن شرعا أن يترك التشريع أمر تحديدها إلى الإنسان دون ضوابط وقيود.
ضابطة الشعيرة:
بعد تحديد معنى الشعيرة وهي ما تكون علامة على تحديد الهوية الدينية وانتهاء
الإنسان، يقع السؤال: من الذي يحق له تحديد هذه العلامة وجعلها؟
هل يمكن أن يكون للإنسان نحو دخالة في تحديد الشعائر من دون أن يحدد
الدين له ضوابط الشعائر ويبين له المعايير العامة؟
الجواب: لا شك في أن إيكال أمر تحديد الشعائر للناس سوف ينتج الكثير من السلبيات والمحاذير، وذلك لكون الإنسان غير المعصوم يتدخل في صياغة أفكاره وأفعاله الهوى، فيتحسن شي لهوى نفسه ويقوم بفعله تحت تأثير الهوى النفسي، وهذا أمر لا يليق أن ينسب للدين أو يأذن فيه المشرع.
فقضية الأذان وما قيل فيها من التحريفات تدل على أن أمر الشعائر لا يمكن أن وكل للإنسان ويترك له، بل هي أمر إلهي ديني يؤخذ مفهومه ومصداقه - ولو بنحو تضبيط الضوابط وجعل المعايير - من الدين.
بمعنى: أن الدين لابد - على أقل تقدير - من أن يجعل ضوابط ومعايير عامة لمصداق الشعيرة، لا أنها توكل وتترك لأهواء الناس وعقولهم التي تفضي إلى اجتهادات قد تصادر أغراض الدين وأهدافه.
آية الشعائر:
وهنا لنا وقفة مع آية الشعائر :
قال تعالى: «ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القوب» (1).
كثر الاستدلال في كلمات البعض على إثبات شعيرية بعض المصادیق بأية الشعائر، بمعنى لو استجد مصداق وأردنا إثبات شعيريته وهل أنه شعيرة أم لا، فإن هذا البعض يستدل بالآية الشريفة لإثبات مصداقيتها لمفهوم الشعيرة، وهذا خطأ واضح؛ وذلك لأمرين:
1) سورة الحج: 297.
الأمر الأول: من الواضح الجلي أن الآية المباركة ليست في مقام إثبات الموضوع
و بیان مصادیق المفهوم، وهو أن الأمر الفلاني شعيرة وذلك الأمر الفلاني ليس شعيرة، فالآية المباركة ليست في هذا المقام وهو تحديد موضوع الشعيرة أو بيان مفهوم مصاديق الشعيرة، وإنما هي ناظرة للحكم وهو وجوب تعظيم الشعائر، وأن كل ما ثبت أنه شعيرة فيجب أو ينبغي للإنسان المؤمن أن يعظمه.
وبعبارة أخرى: الآية تقول يجب عليكم أو ينبغي أن تعظموا العلامة التي تهدیكم وتدلكم على الله تعالى وعلى دينه، أما كون هذا الأمر شعيرة أو ذاك الأمر ليس بشعيرة فالآية المباركة ليست بصدده وهي أجنبية عنه.
الأمر الثاني: قد تقرر عند أهل الفن من العلماء المحققين أن القضية لا تثبت موضوع نفسها وأنها كذلك لا تثبت فردية فرد لموضوع القضية؛ ومعنى ذلك أنه لوصدر أمر من المولى بوجوب إكرام العلماء فإن هذه القضية تدلك على الحكم وهو وجوب الإكرام فقط لا غير.
فلو شككنا في فرد خارجي وهو زيد - مثلا - وهل أنه عالم وفرد من ذلك الموضوع الذي يثبت له وجوب الإكرام أم لا، فالآية لا تثبت فردية زيد وأنه فرد من أفراد ذلك الموضوع حتى يثبت له الحكم، بل لابد من أن يثبت للمأمور مسبقا أن زيدا عالم فيجب عليه إكرامه.
قال شيخنا الأستاذ الحجة آية الله الشيخ باقر الإيرواني دام ظله وعزه في كتابه دروس تمهيدية في تفسير آيات الأحكام: «... وهنا سؤال يخطر على الذهن، وهو أنا لو شككنا مثلا في استحباب زيارة الإمام الرضا عليه السلام مشيا على الأقدام، أو في استحباب لبس السواد على الإمام الحسين عليه السلام أو ما شاكل ذلك، مما فيه مظهر عقلائي لتعظيم أهل البيت عليه السلام وإبراز الحزن عليهم، فهل يمكن التمسك بقاعدة: « وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ » لإثبات الاستحباب والمطلوبية شرعا ؟
والجواب: كلا، لا يمكن ذلك، فإن الحكم - أي حكم كان لا يمكنه إثبات موضوعه، فقضية (أعن الفقير) لا تدل على أن هذا أو ذاك فقير، بل تدل على أن من ثبت كونه فقيرا تلزم إعانته، وهكذا في المقام فإنه لا بد من إثبات أن المشي أو لبس السواد هما من شعائر الله سبحانه، ومن ثم يثبت لها الحكم برجحان التعظيم ولا يمكن من خلال الحكم المذكور إثبات شعاریتهما
وهذا معنى ما يقال من أن عنوان الشعارية عنوان توقيفي لا يثبت إلا بإشارة من
الشرع» (1). (انتهى كلامه دام عزه)
وعلى هذا الأساس تتضح لنا أمور، وهي:
الأول: أهمية الشعائر وضرورتها من خلال ما تستثيره من دلالات وتستبطنه من معان عميقة تؤدي دورة إيجابيا بارزا في تكامل المجتمع وترسيخ قيمه الروحية والأخلاقية.
الثاني: الشعائر أمور لا يعقل أن توكل وتترك لأهواء وأفكار الناس .
الثالث: توقيفية هذه الشعائر .
وللحديث حول الشعائر تتمة في مقالات قادمة إن شاء الله .
1) دروس تمهيدية في تفسير آيات الأحكام، الشيخ الأيرواني، ج 2، ص721.
بسمه تعالی
حاول البعض أن ينظر لشرعية بعض الممارسات التي تمارسها بعض الجماهير من الشيعة الموالين لأهل بيت النبوة صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين من خلال القول أن الشعائر الحسينية مبنية على الضرر، فلا يمكن أن يستدل على عدم مشروعيتها وجوازها بأدلة نفي الضرر كقاعدة لا ضرر ولا ضرار (في الإسلام)، وعليه فتشرع كل الممارسات التي تمارسها بعض الجماهير الحسينية وإن أدت إلى الضرر، كالضرب بالسيوف أو المشي على الجمر أو القفز على النار وغيرها مما لم يعهد في العصور السابقة بين أبناء الطائفة المحقة أنار الله برهانها.
وهذا ما يحتاج إلى شيء من التمحيص والغربلة حتى نرى مدى تطابقه مع قواعد
الفقه وأدلة الاجتهاد.
ولتجلية الأمر وتوضيح الحال لابد من بيان أمرين مقدمة للحديث:
الأمر الأول: تنقسم التكاليف الشرعية والأحكام الإلهية بلحاظ تضرر المكلف من تطبيقها وممارستها إلى قسمين:
القسم الأول: ما تكون بطبيعتها غير مولدة للضرر على المكلف ولا يلحقه من خلال ممارستها أي ضرر، ومثال ذلك: الصلاة والصوم والوضوء والغسل، فإن هذه التكاليف بطبعها وفي حد ذاتها لا تولد ضررا على المكلف.
فلا يترتب على التزام الإنسان المؤمن بفروض الصلاة والصيام والوضوء والغسل أي ضرر في الحالة العامة والاعتيادية.
فأي ضرر بدني أو مالي ينال المسلم الملتزم بأداء فروض الصلاة والصيام أو الوضوء والغسل؟!
ليس هناك أي ضرر يلحق به عند ممارسته لهذه الوظائف في الوضع العام .
نعم، قد يكون هناك ضرر عليه من الصيام في حالة المرض، أو يلحقه الضرر من الوضوء أو الغسل إذا كان مريضا، وهذه حالة استثنائية، حيث إن الكلام عن الطبع الأولي لهذه التكاليف وليس الحديث عن الحالة الاستثنائية.
القسم الثاني: التكاليف التي تكون بطبعها مولدة للضرر على المكلف عند قيامه بها، وذلك كالجهاد المستتبع للتعب والعناء والجرح وإسالة الدم ولربما القتل، فلا يتصور الجهاد إلا مقترنا بهذه الأمور.
ولا يمكن أن يكون الإنسان في ساحات الجهاد بدون أن يلحقه في هذه الفريضة
عناء أو تعب أو جرح وإسالة دم، فالجهاد مبني على الضرر، وهكذا فريضة الخمس والزكاة التي تستلزم نقصا ماليا في مال الإنسان وثروته فهي تكاليف مبنية على الضرر.
الأمر الثاني : ذكر الفقهاء أعلى الله شأنهم في القواعد الفقهية قاعدة تعرف ب (لا ضرر ولا ضرار)، ومعناها أن التكاليف التي لا تكون بطبعها مبنية على الضرر - والتي هي بطبعها لا تولد في ممارستها ضررا على المكلف - لو لزم من ممارستها ضرر على المكلف فإن قاعدة (لا ضرر) ترفع ذلك التكليف الضرري.
فمثلا: لو كان الإنسان مريضا وأدى قيامه بالغسل أو الوضوء إلى ضرر عليه لا يتحمل عادة، فإن قاعدة (لا ضرر) التي قررها الفقهاء أعلى الله شأنهم ترفع التكليف بالوضوء أو الغسل فيما إذا أدى القيام بهما إلى الضرر.
أما بالنسبة إلى القسم الثاني من التكاليف وهي التكاليف التي تكون في ذاتها مبنية على الضرر کالجهاد أو أداء فريضة الخمس أو الزكاة، فلا يصح أن نطبق قاعدة (لا ضرر) عليها بدعوى أن في الجهاد أو دفع الخمس أو الزكاة ضرر، والتشريع الإسلامي ينفي التكاليف الضررية ويقر بأن الله لا يكلف عبده بما فيه ضرر؛ وذلك لأن هذه التكاليف مبنية على الضرر، ولا يتصور جهاد و حضور في ساحات القتال دون أن يستلزم ذلك ضررا، ولا يمكن تصور دفع الخمس أو الزكاة من دون أن يكون هناك ضرر يتمثل في النقص المالي، وقد قرر الفقهاء أعلى الله شأنهم بأن قاعدة (لا ضرر) لا تنطبق على التكاليف التي تكون بطبعها مولدة للضرر وإنما تختص القاعدة المذكورة بالقسم الأول من التكاليف دون القسم الثاني.
الأمر الثالث: الحديث عن الضرر في ممارسة الشعائر ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: أن تؤدي الممارسة إلى ضرر يرجع إلى المكلف کالضرب بالسيوف والمشي على الجمر فإن الضرر المتولد من هذه الممارسات يرجع إلى المكلف نفسه.
القسم الثاني: أن تؤدي الممارسة إلى ضرر لكنه يرجع إلى الدين أو المذهب ويلحق بهما التشويه والتوهين ويتسبب في ضعفهما ونفور الناس منهما.
فإن هذه الأمور الضررية المتولدة من الممارسة لا ترجع إلى المكلف نفسه وإنما
ترجع إلى الدين أو المذهب.
والغرض من هذا التقسيم هو التنبيه على أن قاعدة (لا ضرر) موردها الضرر اللاحق للمكلف نفسه من قيامه بالتكاليف، وليس موردها الضرر الذي يلحق الدين أو المذهب بسبب ممارسة يؤديها المكلف.
وبعبارة أخرى، فإن مورد قاعدة (لا ضرر) هي التكاليف الشرعية التي يلزم في بعض الأحيان منها الضرر على المكلف إلا أنها بطبعها ليست مبنية على الضرر، وأما الأفعال التي تستلزم ممارستها وهنا على الدين ويرجع فيها الضرر على الدين أو المذهب فلا مجال للتمسك بقاعدة (لا ضرر) فيها، ولا مجال في هذا المورد للحديث
عن قاعدة لا ضرر لانفيا ولا إثباتا، بمعنى: أنه لا يمكن التمسك بقاعدة لا ضرر الإثبات جواز تلك الممارسات بدعوی اختصاص قاعدة لا ضرر بالتكاليف التي لا تكون بطبعها مبنية على الضرر، وأما التكاليف التي تكون بطبعها مبنية على الضرر کالجهاد فإنها لا تكون موردا و محلا لقاعدة (لا ضرر).
کما لا يمكن التمسك بقاعدة لا ضرر لإثبات عدم مشروعية تلك الممارسات؛ وذلك لأن الحديث هنا ليس عن الضرر الذي يلحق المكلف نفسه وإنما الحديث هنا عن الضرر الذي يلحق الدين والمذهب الناشئ من تلك الممارسات.
بعد بيان هذه الأمور الثلاثة نرجع إلى صلب الموضوع وهو التساؤل الذي طرحناه في بداية المقالة، وهو:
هل الشعائر الحسينية مبنية على الضرر؟
تحدث البعض أن الشعائر الحسينية مبنية على الضرر، ولذا تجوز كل الممارسات التي تؤدي إلى ضرر على الشخص من ضرب السيوف والمشي على الجمر وغير ذلك من الممارسات التي تؤدي إلى ضرر على الإنسان، فهي كالجهاد الذي يكون بطبعه مبنيا على الضرر، ولم يأت هذا البعض على دعواه بدلیل يمكن الاعتماد عليه سوی بعض الأمور التي هي للعاطفة أقرب منها إلى البرهان والدليل، والمتابع من أهل الاختصاص يعرف مدى دقة الفقه الإمامي في الاستدلال وعمق المناقشات بين فقهاء الإمامية، مما يكشف للمتابع كيف يتم الاستنباط في إطار مدرسة أهل البيت عليهم السلام ، وأن الأحكام الشرعية تبني على الاستدلال الدقيق والعميق من الأمور البرهانية المحكمة لا القشرية والخطابية.
ومع ذلك لا بأس بملاحظة ما يمكن أن يستدل به على ما ذهب إليه ذلك البعض، وهي أمور:
الأول: تجویز بعض الفقهاء الأجلاء وهو الشيخ خضر شلال الانتحار في مصاب
الحسين عليه السلام (1).
ويمكن مناقشة ذلك بالآتي:
أولا: إن المنهج الفقهي المتبع عند علماء الإمامية وأتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام هو أخذ الأحكام من أدلتها الاجتهادية وهي الكتاب والسنة، وكذلك العقل في باب المستقلات العقلية والإجماع التعبدي، وأما أخذ الحكم من غير ذلك فهو غير معتبر، ولذلك لو أفتي فقيه بفتوى صعب عليهم معرفة مدركها لسألوه على أي شيء اعتمد وإلى أي دليل استند، كل ذلك لتمسكهم بأن الأحكام لا تؤخذ إلا من مصادرها المقررة والمعروفة.
ثانيا: إن الشهرة الفتوائية - التي تعني ذهاب مشهور فقهاء الإمامية إلى حكم ولا يوجد فيها بين أيديهم من الأدلة ما يدل عليه - لیست بحجة، فكيف لفتوی فقیه واحد أو أكثر منه - مع احتمال أنه استند في فتواه إلى عموم أو إطلاق أو استظهار من الأدلة - أن تكون حجة و مستندا يؤسس عليه حكم شرعي؟!
الثاني: الروايات التي دلت على استحباب زيارة الحسين عليه السلام حتى في حالة
الخوف، وهي روایات متعددة سوف نتحدث عنها إن شاء الله في مقالة مستقلة ولكن نذكر هنا نموذجين ثم نكتفي بالتعليق:
الرواية الأولى: روى ابن قولويه في كامل الزيارات عن معاوية ابن وهب في حديث له طويل، قال يا معاوية! ... لا تدعه يعني زيارة قبر الحسين عليه السلام لخوف من أحد، فمن تركه لخوف رأى من الحسرة ما يتمنى أن قبره کان بيده .
أما تحب أن يرى الله شخصك وسوادك فيمن يدعو له رسول الله صلي الله عليه وآله ، وعلي وفاطمة والأئمة عليهم السلام .
1) جاء في كتابه أبواب الجنان وبشائر الرضوان ما نصه (الذي يستفاد من مجموع النصوص ومنها الأخبار الواردة في زيارة الحسين المظلوم ولو مع الخوف على النفس يجوز اللطم والجزع على الحسين كيفما كان حتى لو علم بأنه يموت في نفس الوقت) ص 291.
أما تحب أن تكون ممن ينقلب بالمغفرة لما مضى ويغفر لك ذنوب سبعين سنة!
أما تحب أن تكون ممن يخرج من الدنيا وليس عليه ذنب يتبع به.
أما تحب أن تكون غدا ممن يصافحه رسول الله (1)صلي الله عليه وآله .
ومعنى قوله عليه السلام ما يتمنى أن قبره بيده، أي يتمنى أن يكون قد زاره عليه السلام ولو كان متيقنا من أن زيارته تؤدي إلى قتله وسببا في موته، فهي كناية عن هذا المعنى.
الرواية الثانية: رواها ابن قولويه في كامل الزيارات، عن محمد ابن مسلم في حديث طويل، قال: قال لي أبو جعفر محمد بن علي عليه السلام : هل تأتي قبر الحسين عليه السلام ؟ قلت: نعم على خوف ووجل، فقال: ما كان من هذا أشد فالثواب فيه على قدر الخوف، ومن خاف في إتيانه آمن الله روعته يوم القيامة يوم يقوم الناس لرب العالمين، وانصرف بالمغفرة وسلمت عليه الملائكة وزاره النبي صلي الله عليه وآله ودعا له وانقلب بنعمة من الله وفضل لم يمسسه سوء وأتبع رضوان الله (2)- ثم ذکر الحديث -.
وهناك روايات أخرى دلت على استحباب زيارته صلوات الله عليه حتى في حال الخوف، ولا يراد بالخوف هنا الخوف الذي تستلزمه طبيعة السفر خصوصا في تلك الأزمنة التي لم تكن سبل الأمن موفرة، وذلك لأمرين:
الأول: أن هذا الخوف الذي يحصل من الأسفار في تلك الأزمنة أمر عام ولا اختصاص له بالسفر لزيارة قبر الحسين عليه السلام ، فلا معنى لأن يذكره الراوي .
الثاني: صرح في بعض هذه الروايات أن الخوف المقصود هو ما نشأ بسبب مضايقة
سلطات ذلك الزمن من بني أمية وغيرهم ومن المسالح التي هي نقاط التفتيش الأمنية، ومن الواضح دلالات هذه الروايات على استحباب بل تأكد الاستحباب الزيارة قبر المظلوم المهتضم العطشان صلوات الله وسلامه عليه حتى في الحالات
الصعبة المتمثلة في الخوف من المسالح الأمنية وملاحقات السلطة لزوار قبره عليه أفضل الصلاة والسلام، وهذا المعنى لا مجال لإنكاره.
ولكن استفادة بناء الشعائر الحسينية على الضرر في هذه الروايات محل إشكال
وتأمل، وذلك للأمور التالية:
أولا: أنه لا يمكن التعدي من مورد الزيارة المنصوص عليها للممارسات المستحدثة من المشي على الشوك والجمر وغيرهما، فاحتمال اختصاص الحكم بالزيارة قائم، ومع هذا الاحتمال لا يمكن إلغاء الخصوصية من الزيارة وتعديتها إلى سائر الممارسات خصوصا غير المنصوص عليها.
ثانيا: ربما يكون الأمر بالزيارة إنما هو في ابتداء ما أجمعت عليه عصابات الضلال من درس أمر أهل البيت عليهم السلام وإعفاء أمرهم وطي تاريخهم وذكرهم، وما يمثله ذلك من تهديد لبيضة الإسلام، والذي هو السبب في إقدام الحسين عليه السلام على القتال الذي حفظت ببركته بيضة الإسلام.
وأما الآن وقد صار قبره منارة الإسلام ومقصد الخاص والعام، وصارت زيارته من شعائر الإسلام فضلا عن شعائر الإيمان، وصارت أكبر تظاهرة في هذه الأزمنة تشهدها الدنيا وأكبر تجمع بشري هو زيارة الأربعين وسائر زياراته المستحبة كزيارة يوم عرفة والنصف من شعبان فإن الأمر يختلف عن بدايته.
وهذا ما ذهب إليه بعض الفقهاء من المعاصرين وغيرهم فحملوا تلك الروايات على تلك الأعصار التي أجمعت عصابات الضلال وأئمتهم على محو ذكر أمير المؤمنين علي وآله عليهم السلام من دنيا الإسلام والوجود.
وقد قال سيدنا السيستاني - متعنا الله بطول بقائه الشريف - في جوابه عن سؤال :... إلا أنه قد يطرأ عنوان خاص على بعض الزيارات، يكسبها فضيلة أخرى، بل ربما تبلغ حد الوجوب الكفائي، ولعله كان كذلك في العهود السابقة التي تمنع فيها الناس عن زيارة سيد الشهداء عليه السلام .
ثالثا: ما جاء في زيارة الناحية من قوله عليه السلام : «ولأبكينك بدل الدموع دما ».
وهنا نعلق بتعليقين:
الأول: الإشكال السندي المتمثل في ضعف سند زيارة الناحية من جهات عديدة
ليس هنا محل تفصيلها.
ولكن البناء هو على اعتبارها لعل مضامینها والذي هو أحد وسائل الاعتبار،
كما بين ذلك في مباحث الفقه.
الثاني: الدلالة، فمن المحتمل بناء الكلام على نحو من الكناية على استمرار البكاء ودوامه وعدم انقطاعه، وأن قضية الحسين حاضرة دائما في وجدان و عقل المولى صلوات الله وسلامه عليه، وأنها لا تغيب عن عقله ووجدانه لكونها من قضايا الإسلام الكبری.
رابعا: الروايات الواردة باستحباب الجزع على سيد الشهداء عليه السلام ، فقد جاء في بعضها أن الجزع مكروه ما خلا الجزع على سيد الشهداء علیه السلام .
ومعنى الجزع هو شدة الحزن ومنتهاه، والرواية تدل على مطلوبية الجزع على مصاب سيد الشهداء عليه السلام والذي هو عبارة عن الحزن الشديد.
ومن الواضح أن الحزن الشديد من مصادیق الضرر، فالإنسان عندما يبتلي بالحزن والتأثر الشديد تحدث له مضاعفات جسدية ونفسية وغيرها.
وتعليقنا هنا أن الجزع الشديد ينتج ويحدث بسببه ضرر، ولكن لو كان هذا الضرر بنحو مستمر ودائم في حياة الإنسان بحيث يكون غالب وقته وأيامه بهذا الشكل وعلى هذا المنوال.
أما الجزع الذي يحدث في حالات معينة، كحالة استذکار الحسين عليه السلام وما جرى عليه، أو حالة الاستماع إلى مصابه صلوات الله وسلامه عليه، فإن هذا المقدار من الجزع والحزن في هذه الحالات الخاصة والتي هي الغالبة على الإنسان الموالي لا تستوجب الضرر.
والحمد لله أولا وآخرا، والصلاة والسلام على رسوله وآله الميامين.
من أحد الألطاف الإلهية على المسلمين عامة وعلى أتباع مدرسة أهل البيت عليه السلام وجود المشاهد والأضرحة للأئمة صلوات الله عليهم والأولياء الصالحين.
فمن تلك البركات التي ما زال المسلمون يعيشونها هي برکات وجود مشاهدهم ومقاماتهم الشريفة، والتي هي انعكاس لكونهم عليهم السلام بركة حال حياتهم وحال مماتهم.
هذه المشاهد والمقامات التي لم تعد مجرد قبور وأضرحة يطوف بها المؤمنون تعظيما منهم لأصحابها، وإنما صارت هذه المقامات منارات للإسلام والعلم، إذ أصبحت هذه البقاع معاهد علمية كبرى تخرج منها على مر التاريخ عشرات الفقهاء وفطاحل العلماء وأئمة التفسير واللغة والتاريخ وشتى فنون العلوم التي من خلالها تقدم المسلمون.
فهذه المدينة المنورة، والنجف وكربلاء، وسامراء، والكاظمية، ومشهد الرضا، وقم المقدسة، وغيرها من المشاهد والمقامات التي ضمت الأجساد الطاهرة لأئمة أهل البيت عليهم السلام والأولياء والصالحين، صارت أضرحتها وقبورها معاهد وجامعات علمية تضم كبار الفقهاء وأعاظم العلماء، وضخت في شرايين العالم الإسلامي علماء في شتى المجالات من أهل التخصص والمعرفة .
ومما لا شك فيه أن هذه المشاهد من الشعائر والعلامات على الدين والإيمان التي يجب احترامها وتعظيمها، ومن مصاديق الاحترام والتعظيم الذي ندبت له الآية القرآنية: « وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ » (1)هو زيارة تلك المشاهد وتعاهدها بالعمارة والبناء والإصلاح.
روى المجلسي (قده) في بحاره:
عن أبي عامر التباني واعظ أهل الحجاز قال: أتيت أبا عبد الله جعفر بن محمد عليه السلام ، وقلت له: يا ابن رسول الله ! ما لمن زار قبره-یعني أمير المؤمنين عليه السلام - وعمر تربته؟
قال : يا أبا عامر حدثني أبي عن أبيه عن جده الحسين بن علي عليه السلام عن علي علي أن رسول الله صلي الله عليه وآله قال له والله لتقتلن بأرض العراق وتدفن بها، قلت: یارسول الله ما لمن زار قبورنا وعمرها وتعاهدها؟
فقال لي: يا أبا الحسن إن الله تعالى جعل قبرك وقبر ولدك بقاعا من بقاع الجنة وعرصة من عرصاتها، وإن الله جعل قلوب نجباء من خلقه وصفوة من عباده تحن إليكم و تحتمل المذلة والأذى، فيعمرون قبوركم ويكثرون زيارتها تقربا منهم إلى الله، و مودة منهم لرسوله، أولئك يا علي المخصوصون بشفاعتي الواردون حوضي، وهم زواري غدا في الجنة.
ياعلي! من عمر قبوركم وتعاهدها فكأنما أعان سلیمان بن داود على بناء بيت المقدس، ومن زار قبوركم عدل ذلك ثواب سبعين حجة بعد حجة الإسلام وخرج من ذنوبه حتى يرجع من زيارتكم كيوم ولدته أمه فأبشر وبشر أولياءك ومحبيك من النعيم وقرة العين بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ولكن حثالة من الناس يعيرون زوار قبوركم کیا تعير الزانية بزنائها، أولئك شرار أمتي لا
1) سورة الحج : 23 .
أنالهم الله شفاعتي ولا يردون حوضي » (1).
والسر من وراء هذا التأكيد ما أسلفناه من تحول هذه الأضرحة والمشاهد إلى منارات للدين ومعاهد للعلم، وفي شعيرة الزيارة جهات متعددة من البحث ونواح كثيرة تستحق التوقف عندها وسبرها وتحليلها، وسوف نستعرض بعضا من هذه الجهات بحسب ما نعتقده من أولوية.
الجهة الأولى: تأكد استحباب زيارة الأئمة عليهم السلام وخصوص زیارة سيد الشهداء أبي عبدالله الحسين عليه السلام ، وقد امتازت زيارة سيد الشهداء بالتأكيد الشديد من بين زيارات المعصومين صلوات الله عليهم، ولذلك التأكيد أسرار وحكم نحتاج أن نقف عليها ونستوحي دلالتها في عنوان مستقل.
وبملاحظة الروايات الواردة عن أهل البيت عليهم السلام في قضية الزيارة نقف على عدة أمور تتعلق بزيارة سيد الشهداء عليه السلام ، وإن اشتركت زيارة أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب عليه السلام في بعض منها.
ومن أجل إيقاف القارئ العزيز على هذه العناوين أشير إليها بشكل عام:
العنوان الأول:
الثواب الكثير على زيارة سيد الشهداء عليه السلام .
تنوع الزيارات: زیارات مطلقة، زیارات خاصة .
الاستحباب العام لزيارته کما دلت عليه الكثير من النصوص في أي وقت من أوقات السنة و شهورها وأيامها وساعاتها.
الاستحباب الخاص: وهو تأكد استحباب زيارته في أيام معينة من السنة كليالي
الجمع والعيدين وليالي القدر والنصف من رجب وشعبان في كل أيامه و بالخصوص في النصف منه، وزيارة عرفة وزيارة يوم العاشر والأيام المباركة من السنة .
1) بحار الأنوار، العلامة المجلسي، المجلد 97، الباب 2، ح 22، ثواب تعمير قبور النبي صلي الله عليه وآله ، والأئمة صلوات الله عليهم وتعاهدها وزیارتها و أن الملائكة يزورونهم عليهم السلام .
وما يتجلى من كل هذا التنوع هو تأكيد أئمة أهل البيت عليهم السلام على الزيارة وأهميتها وضرورة الارتباط بالإمام عليه السلام من خلال زيارته.
ذم أئمة أهل البيت عليهم السلام لمن ترك زيارته مع قدرته على الزيارة وعدم الظرف المانع له من ذلك، وتحت هذا العنوان يوجد واحد وعشرون حديثا فيها ماهو معتبر سندا، وأذكر نموذجا من هذه الروايات:
عن أبان بن تغلب قال، قال لي جعفر بن محمد عليه السلام : «یا أبان متى عهدك بقبر الحسين عليه السلام ؟ قلت: لا والله يا ابن رسول الله ما لي به عهد منذ حين. قال: سبحان الله العظيم، وأنت من رؤساء الشيعة تترك زيارة الحسين لا تزوره؟! من زار الحسين كتب الله له بكل خطوة حسنة ومحا عنه بكل خطوة سيئة وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، يا أبان لقد قتل الحسين صلوات اللهعليه فهبط على قبره سبعون ألف ملك شعث غبر يبكون عليه وينوحون عليه إلى يوم القيامة » (1).
عن معاوية بن وهب، عن أبي عبد الله عليه السلام قال، قال لي: «یا معاوية لا تدع زيارة قبر الحسين عليه السلام لخوف، فإن من ترکه رأى من الحسرة ما يتمنى أن قبره كان عنده، أما تحب أن يرى الله شخصك و سوادك فيمن يدعو له رسول الله صلي الله عليه وآله وعلي وفاطمة والأئمة عليهم السلام .
التأكيد على زيارته عليه السلام في ظرف الخوف، وسيأتي عن ذلك بعد قليل ضمن العنوان الثاني.
التوفيقات الدنيوية لزيارة سيد الشهداء عليه السلام .
التوفيقات الأخروية لزيارة سيد الشهداء علیه السلام .
العنوان الثاني: زيارة الحسين عليه السلام في الظروف الصعبة من الخوف وعدم الأمن.
ذكرنا ضمن العنوان الأول ماجاء من روايات في الحث على زيارة الحسين عليه السلام ولو في حالة الخوف، وهذه الروايات متعددة، وكنموذج منها:
1) کامل الزیارات، ابن قولویه، ص546، ح 9.
عن ابن بكير، عن أبي عبد الله عليه السلام « قال: قلت له: إني أنزل الأرجان وقلبي ينازعني إلى قبر أبيك، فإذا خرجت فقلبي وجل مشفق حتى أرجع خوفا من السلطان والسعاة وأصحاب المسالح (1)، فقال: يا ابن بكير أما تحب أن يراك الله فينا خائفا؟ أما تعلم أنه من خاف لخوفنا أظله الله في ظل عرشه، وكان محدثه الحسين عليه السلام تحت العرش، وآمنه الله من أفزاع يوم القيامة، يفزع الناس ولا يفزع، فإن فزع وقرته الملائكة وسكنت قلبه بالبشارة » (2).
وفي حديث لمحمد بن مسلم، قال: «قال لي أبو جعفر محمد بن علي عليه السلام : هل تأتي قبر الحسين عليه السلام ؟ قلت: نعم على خوف و وجل. فقال: ما كان من هذا أشد فالثواب على قدر الخوف، ومن خاف في إتيانه آمن الله روعته يوم القيامة، يوم يقوم الناس لرب العالمين، وانصرف بالمغفرة، وسلمت عليه الملائكة، وزاره النبي صلي الله عليه وآله ودعا له، وانقلب بنعمة الله وفضل لم يمسسه سوء واتبع رضوان الله.
وهذه الروايات - التي تؤكد استحباب زيارته عليه السلام حتى في حالة الخوف بل جاء في بعض منها استحباب زيارته حتى في حالة القتل وأن ثواب ذلك عظيم - تستثير عند العقل عدة تساؤلات:
هل يعقل أن يصل أمر مستحب من الأهمية إلى حد ثبوت استحبابه حتى في حالة الخوف وعدم الأمن من القتل؟
في الوقت الذي نجد أن الحج الذي هو واجب وأحد الأركان التي بني عليها الدين، نرى أن وجوبه مشروط بالاستطاعة والتي أحد معانيها الأمن في الطريق، فإذا لم يكن الحاج آمنا في طريقه للحج ورجوعه لم يعد مستطيعا، ولعل هذا يوجب التصرف في ظهور هذه الروايات وعدم الأخذ بإطلاقها لجميع الأزمنة والأمكنة.
ثانيا: إن معظم الفقهاء لم يأخذوا بإطلاق هذه الروايات ويفتوا باستحباب الزيارة حتى في حالة الخوف لجميع الأزمنة.
قال الفقيه الورع في أبواب الجنان: «وإن احتمل الجواز مطلقا وخصوصا في ابتداء الأمر الذي قد نقول بوجوب زيارة الحسين عليه السلام فيه ولو مع العلم بتلف النفس، نظرا إلى أنه من باب حفظ بيضة الإسلام الذي قد كان السر في قدوم الحسين وأصحابه على القتال - مع العلم بما يؤول إليه الأمر الفظيع - حفظ بيضته ».
وقال الشيخ التستري في كتاب الخصائص الحسينية: «لو لم نعمل بهذه النصوص عند خوف القتل فلا يبعد العمل بها عند خوف تلف المال والأذيات البدنية والجروح ونحو ذلك، بل مع الظن بها وعدم ظن السلامة منها، وهذا من خصائصه» .
فلاحظ كلام هذين العلمين الدال على ترددهما في العمل بإطلاق هذه النصوص مع ظهورها في الجواز حتى في حالة الخوف، وما ذلك إلا لما ذكرناه من النقطتين السابقتين.
وأما رواية صفوان الجمال عن أبي عبدالله عليه السلام - في حديث له طويل - قلت: فما لمن قتل عنده يعني قبر الحسين عليه السلام - جار عليه السلطان فقتله؟
« قال : أول قطرة من دمه يغفر له بها كل خطيئة، وتغسل طينته التي خلق منها
الملائكة حتى تخلص کما خلصت الأنبياء المخلصين» (1).
فلم يظهر منها أن الخوف كان متحققا عند بداية الأمر ومن أول الزيارة، إذ ربما كان في بداية الأمر لم يحتمل لحوق الضرر به أو القتل فضلا عن العلم بذلك، وإنما اتفق له القتل عند قبره علیه السلام.
ولا شك في أن من خرج لزيارته ولم يكن محتملا لقتله، واتفق له ذلك يكون في
عداد الشهداء وله من الثواب ما ذكرته الرواية.
ومنها يتضح الجواب عن رواية هشام ابن سالم عن أبي عبدالله في حديث طويل، « قال: أتاه رجل فقال له يا بن رسول الله هل يزار والدك؟ قال، فقال:نعم، إلى أن قال قلت: فما لمن حبس في إتيانه؟ قال: له بكل يوم حبس ويغتم فرحة إلى يوم القيامة » (2).
والخلاصة: إن رواية صفوان، ورواية هشام ابن سالم لم يظهر منهما احتمال الشخص للقتل فضلا عن العلم به.
وما نريد أن نخلص إليه هو أنه لا يمكن التأسيس من خلال هذه النصوص لنظرية بناء الشعائر الحسينية على الضرر کما یرید البعض التأسيس له، وأن هذه الروايات تحمل على بداية الأمر الذي أجمعت فيه عصابات الضلال على محو ذکر أهل البيت علیهم السلام وطمس تاريخهم وإعفاء آثارهم من دنيا الإسلام بل من دنیا الوجود.
وقد وضعوا لذلك المخططات وأحكموا لها الخطط وشددوا على من يروي منقبة أو فضيلة لأمير المؤمنين عليه السلام وابنيه الحسنين علیهما السلام ، وضيقوا على من عرف عنه الولاء لهم أو يحمل في قلبه لهم محبة، كما يظهر ذلك لمن راجع التاريخ وتصفحها خصوصا شرح النهج لابن أبي الحديد الذي ذكر الكثير من هذه الحقائق والوثائق التي تدلل على تلك السياسة المتبعة ضد أهل البيت علیهم السلام .
وفي هذا السياق يأتي إخفاء قبر أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب عليه السلام لمدة طويلة حتى أظهره هارون الرشید وبني على قبره صلوات الله عليه وسلامه بناء ووضع عليه قبة في قصة مشهورة ومعروفة.
فلهذه الأسباب أكد أهل البيت علیهم السلام على زيارة الحسين عليه السلام حتى في ظرف الخوف الشديد من قبل السلطات لكسر تلك السياسة وإفشال المخططات الهادفة للقضاء على ذكر أمير المؤمنين عليه السلام وولديه الحسن والحسين عليهما السلام.
أما الآن وقد صار ذكرهم في صف ذکر رسول الله صلی الله علیه وآله وشاع أمرهم وکبت عدوهم وصار له الخزي والعار، وأصبح قبر الحسين عليه السلام منارة عالية من منارات الإسلام، وصار يقصده الخاص والعام والمسلم وغير المسلم، بل صارت بعض الزيارات من الزيارات الجماهيرية وخصوصا زيارة الأربعين وعرفة والزيارة الشعبانية، بحيث يتوجه لزيارته صلوات الله عليه في هذه الزيارة ملايين الزوار من شتى البلدان ومختلف الطبقات والشرائع والأديان، فلم يعد هناك ملاك ولا موضوع للحكم بالزيارة حتى في حالات الخوف.
الحوار العاشورائي ...9
النهضة الحسينية من منظور إسلامي ...9
سلوك المؤمنين خلال موسم المحرم ...18
القضايا السياسية في القصائد العزائية ...22
وثاقة حميد بن مسلم والاعتماد على نقله ...23
أجرة الخطباء ...25
مشاركة النساء في عزاء طویریج ...26
معنی وارث الأنبياء ...27
اكشف لي عن نحرك ...28
معنى أن الناس عبيد الدنيا ...30
ما هو الجزع المكروه ...31
مرجع تقلیدي يحرم.. فهل أنهى الآخرين؟ ...31
معنی حسین مني وأنا من حسين ...32
التصدق بالأموال أم الإطعام ...33
هل قال الإمام الحسين عليه السلام ياسيوف خذيني ...35
زينب تعاتب الحسين والعباس! ...36
ضابطة الشعائر المشروعة ...37
هل العزاء إستعراض ...39
من كربلاء ... رسالة إلى المرأة المؤمنة ...40
هل ألقى الحسين عليه السلام نفسه في التهلكة ...41
الجدل حول محمد بن الحنفية ...43
التجديد في الشعائر ...49
زینب علیها السلام و عصمتها الصغرى ...49
رأس الحسين عليه السلام يقرأ القرآن ...50
حول مقولة: كل أرض كربلاء وكل يوم عاشوراء ...51
من أساليب استدرار الدمعة ...52
رجوع السبايا في الأربعين ...53
شعار استفزازي ...55
هل شيعة العراق قتلوا الحسين عليه السلام ...56
لماذا لم يذكر إخوة الحسين عليه السلام في الزيارة ...58
دعاء المعصوم بالهلاك على الأعداء ...58
لا يوم كيومك يا أبا عبدالله ...59
إعادة عشرة المحرم ...60
لماذا يسجد الشيعة على تربة الحسين عليه السلام ...61
المصادر المعتبرة لواقعة الطف ...62
لماذا أصطحب الحسين عليه السلام النساء والأطفال ...63
مدفن رأس الحسين عليه السلام ...65
تاريخ الشعائر في البحرين ...66
شعائر مستحدثة ...67
هل طلب الإمام الحسين عليه السلام الحكم والسلطة ...68
قبر السيدة زينب عليها السلام في مصر أم الشام ...70
عمل التشابيه ...73
مشروعية الشعائر ...73
لم التفاعل مع الحسين أكثر من الحسن عليه السلام ...74
نصيحة للشباب ...76
هون علي ما نزل بي أنه بعين الله ...76
الخطاب المنبري في البحرين ...77
التشجيع على البكاء بلسان حال الزهراء عليها السلام ...77
ما هو لسان الحال ...78
خيال أم واقع.. إحصائيات في واقعة الطف ...79
ترشيد المال لنصرة الحسين عليه السلام ...81
هل هذا يكفي لنشر القيم الحسينية ...82
اختزال قضية عاشوراء في البكاء ...84
لم التركيز على الحسين عليه السلام من بين الأئمة ...86
كتاب الفخري للطريحي ...88
عفة الهاشميات ومقاطع من زيارة الناحية ...91
فلسفة البكاء ...93
شعائر مناطقية هل يصح نقلها لمناطق أخرى ...94
زيارة الحسين عليه السلام من أعظم القربات ...95
ما هو الأفضل من بين الشعائر الحسينية ...96
الملك فطرس وكسر الجناح ...97
حضارية الشعائر الحسينية ...98
الحسين عليه السلام وعمرة التمتع ...99
نزاعات بين مؤسسات حسينية ...101
بين الإفراط والتفريط في التعامل مع تاريخ المقتل ...103
لم التركيز على مصائب الحسين عليه السلام وأم البنين ...106
محتوى محاضرات الخطباء ...107
ياليتنا کنا معکم ...109
رقية بنت الحسين عليه السلام ...111
زيارة الأربعين ...114
أرجعيه كي لا تخلو الأرض من حجة ...115
لماذا لم يرجع الحسين عليه اسلام بعد مقتل مسلم ...116
لماذا الإمام الحسين عليه السلام هو الذي ثار دون الأئمة علیهم السلام ...118
الاستعانة بالملائكة في كربلاء ...122
كراهية التوطن في كربلاء ...125
أتطيب أم أزور الحسين عليه السلام أشعثا أغبرا ...127
معنی عالمة غير معلمة ...129
هل خرج الحسين عليه السلام خائفا ...130
موقف مسلم بن عقيل مع ابن زیاد ...132
صوم عاشوراء ...133
النساء بين التزامات المنزل واستحباب الإحياء ...134
العزاء والحفاظ على النظافة ...135
متبرجات في طريق العزاء ...136
تواجد النساء في طرقات العزاء ...139
التزين في أيام عاشوراء ...140
تشبه الرجال بالنساء في الأعمال الفنية ...141
مكبرات الصوت من مآتم النساء ...142
کشف صدور المعزين ...143
الإجازة من العمل بادعاء المرض في عاشوراء ...143
التسمية بعبدالحسين وعبد الزهراء هل فيه إشكال ...144
سند زيارة عاشوراء ...145
العباس وشرب الماء يوم العاشر ...147
من دفن الحسين عليه السلام ...148
شیعتنا.. كونوا زينا لنا ...153
مقام أصحاب الحسين عليه السلام ...154
مكبرات صوت المآتم وحرمة الجار ...156
الحسين عليه السلام يشتري أرض مدفنه ...158
لماذا التخيير في الصلاة في كربلاء ...159
کمن زار الله في عرشه ...160
هل ينتقم الإمام المهدي عليه السلام من قتلة الحسين عليه السلام ...161
الإمام يرد السلام ...163
ملحق مقالات في الشعائر الحسينية
المقالة الأولى ...167
دم الحسين عليه السلام قد سكن الخلد ...167
المقالة الثانية ...173
الضرر في الشعائر ، هل الشعائر الحسينية مبنية على الضرر ؟ ...173
المقالة الثالثة ...181
شعيرة الزيارة ...181
المنبر والخطباء:
أجرة الخطباء ...25
اكشف لي عن نحرك ...28
زینب تعاتب الحسين والعباس! ...36
من أساليب استدرار الدمعة ...52
إعادة عشرة المحرم ...60
المصادر المعتبرة لواقعة الطف ...62
الخطاب المنبري في البحرين ...77
التشجيع على البكاء بلسان حال الزهراء ...77
واقعأم خيال.. إحصائيات في واقعة الطف ...79
محتوى محاضرات الخطباء ...107
الشعائر:
ضابطة الشعائر المشروعة ...37
التجديد في الشعائر ...49
شعار استفزازي ...55
تاريخ الشعائر في البحرين ...66
شعائر مستحدثة ...67
مشروعية الشعائر ...73
شعائر مناطقية هل يصح نقلها لمناطق أخرى ...94
ما هو الأفضل من بين الشعائر الحسينية ...96
حضارية الشعائر الحسينية ...98
شبهات:
التصدق بالأموال أم الإطعام ...33
هل ألقى الحسين عليه السلام نفسه في التهلكة ...41
هل شيعة العراق قتلوا الحسين ...56
دعاء المعصوم بالهلاك على الأعداء ...58
هل طلب الإمام الحسين الحكم والسلطة ...68
عقة الهاشميات ومقاطع من زيارة الناحية ...91
الملك فطرس وكسر الجناح ...97
هل خرج الحسين عليه السلام خائفا ...130
التسمية بعبد الحسين وعبد الزهراء هل فيه إشكال ...144
العباس وشرب الماء يوم العاشر ...147
هل ينتقم الإمام المهدي عجل الله فرجه من قتلة الحسين عليه السلام ...161
الإمام يرد السلام ...163
شرح کلمات وأحاديث:
معنی وارث الأنبياء ...27
معنى أن الناس عبيد الدنيا ...30
معنی حسین مني وأنا من حسين ...32
لايوم كيومك يا أبا عبد الله ...59
هون علي ما نزل بي أنه بعين الله ...76
یا لیتنا کنا معکم ...109
أرجعيه كي لا تخلو الأرض من حجة ...115
معنی عالمة غير معلمة ...129
شیعتنا.. كونوا زينا لنا ...153
کمن زار الله في عرشه ...160
فقهيات:
ما هو الجزع المكروه ...31
عمل التشابيه ...73
كراهية التوطن في كربلاء ...125
أتطيب أم أزور الحسين عليه السلام أشعثا أغبرا ...127
صوم عاشوراء ...133
التزين في أيام عاشوراء ...140
تشبه الرجال بالنساء في الأعمال الفنية ...141
کشف صدور المعزين ...143
الإجازة من العمل بادعاء المرض في عاشوراء ...143
نصائح وتوجيه:
سلوك المؤمنين خلال موسم المحرم ...18
مشاركة النساء في عزاء طویریج ...26
من كربلاء ... رسالة إلى المرأة المؤمنة ...40
نصيحة للشباب ...76
ترشيد المال لنصرة الحسين عليه السلام ...81
نزاعات بين مؤسسات حسينية ...101
النساء بين التزامات المنزل واستحباب الإحياء ...134
العزاء والحفاظ على النظافة ...135
متبرجات في طريق العزاء ...136
تواجد النساء في طرقات العزاء ...139
مكبرات الصوت من مآتم النساء ...142
مكبرات صوت المآتم وحرمة الجار ...156
تاریخ و تحقیق:
النهضة الحسينية من منظور إسلامي ...9
وثاقة حميد بن مسلم والاعتماد على نقله ...33
الجدل حول محمد بن الحنفية ...43
رجوع السبايا في الأربعين ...53
مدفن رأس الحسين عليه السلام ...64
قبر السيدة زينب في مصر أم الشام ...70
کتاب الفخري للطريحي ...88
الحسين عليه السلام وعمرة التمتع ...99
رقية بنت الحسين عليهم السلام ...111
زيارة الأربعين ...114
موقف مسلم مع ابن زیاد ...132
سند زيارة عاشوراء ...145
من دفن الحسين عليه السلام ...148
الحسين يشتري أرض مدفنه ...158
تساؤلات منوعة:
القضايا السياسية في القصائد العزائية ...22
مرجع تقليدي يحرم فهل أنهى الآخرين ...31
هل قال الإمام الحسين يا سيوف خذيني ...35
هل العزاء استعراض ...39
زينب عليها السلام وعصمتها الصغرى ...49
رأس الحسين يقرأ القرآن ...50
حول مقولة كل أرض كربلاء وكل يوم عاشوراء ...51
لماذا لم يذكر إخوة الحسين في الزيارة ...58
لماذا يسجد الشيعة على تربة الحسين ...61
لماذا أصطحب الحسين عليه السلام النساء والأطفال ...63
لم التفاعل مع الحسين أكثر من الحسن عليها السلام ...74
ما هو لسان الحال ...78
هل هذا يكفي لنشر القيم الحسينية ...82
اختزال قضية عاشوراء في البكاء ...84
لماذا التركيز على الحسين من بين الأئمة ...86
فلسفة البكاء ...93
زيارة الحسين عليه السلام من أعظم القربات ...95
بين الإفراط والتفريط في التعامل مع تاريخ المقتل ...103
لم التركيز على مصائب الحسين عليه السلام وأم البنين ...106
لماذا لم يرجع الحسين عليه السلام بعدد مقتل مسلم بن عقیل ...116
لماذا الإمام الحسين عليه السلام هو الذي ثار دون الأئمة ...118
الاستعانة بالملائكة في كربلاء ...122
مقام أصحاب الحسين ...154
لماذا التخيير في الصلاة في كربلاء ...159
مقالات:
دم الحسين عليه السلام قد سكن الخلد ...167
هل الشعائر الحسينية مبنية على الضرر ...173
شعيرة الزيارة ...181