ست رسالات فقهیه استدلالیه

ghaemiyeh.com

اشارة

عنوان و نام پديدآور:ست رسالات فقهیه استدلالیه/السیدمحمدحسین المرتضوی‌اللنگرودی

مشخصات نشر:قم: موسسه النشر الاسلامی، 1430ه.ق

مشخصات ظاهری:247ص.

وضعیت فهرست نویسی:در انتظار فهرستنویسی (اطلاعات ثبت)

يادداشت:عربی

يادداشت:چاپ اول

شماره کتابشناسی ملی:2101898

اشارة

سِتُّ رِسالاتٍ فِقهيَّة استِدلالِيَّة

لِسَماحَةِ الفَقيهِ المُحقِق آیَتِ اللهِ السِيِّد محمّد حُسين المرتَضويّ اللنکَروديّ دامَ ظِلّهُ العالي


موسسه النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة

بسم الله الرحمن الرحيم

بسم الله الرحمن الرحيم

نحمده في جميع أموره ونستعينه على رعاية حقوقه، و نصلی ونسلم على من أرسله بأمره صادعاً وبذکره ناطقاً، وعلى آله وأهل بيته الذين بهم يستعطى الهدی و يستجلى العمى.

وبعد، فإن التفقه في الدين الحنيف لا يستغني عنه مهما طال به الزمن و تقلبت الأحوال الاجتماعية ؛ لأنه مسلك العبودية وأساس تنظیم شؤون الحياة الإنسانية في جميع أبعادها الفردية والاجتماعية، بل مادام يتعاقب الجديدان تشتد إليه حاجة الإنسان ، ولذا خاطبنا ربنا الرحمن في كتابه الفرقان وقال - عز من قائل -: « فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ» وحثنا على ذلك أيضا النبي الكريم وأوصياؤه الهادون، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين.

فامتثالا لما ندب إليه لسان الوحي، بدأ من عصر النبي صلي الله عليه وآله دراسة الفقه وتدوينه، وكان نصيب الإمامية المتمسكين بحبل آل الرسول عليهم السلام قصب السبق في هذا المضمار بجميع شؤونه، وفاقت مدرستهم على سائر المدارس إتقاناً و تدقيقاً وتعميقاً لعكوفهم على باب مدينة العلم وكفاهم بذلك فخرا.

وقد توفقت مؤسستنا منذ تأسيسها إلى يومنا هذا الإصدار كتب قيمة ورسائل نافعة من تأليف خريجي تلك المدرسة المباركة من علمائنا الأماجد سالفيهم وغابريهم، جزاهم الله عن الشريعة البيضاء خير الجزاء.

ومن تلكم الآثار الثمينة عدة رسائل فقهية استدلالية في مسائل شتی من الفقه -مما تعم به البلوى، التي لابد لطالبي العلوم الدينية التعرف لها والاستطلاع عليها - بقلم المحقق الجليل والفقيه النبيل سماحة الحجة آية الله السيد محمد حسين المرتضوي اللنگرودي - دامت برکاته - الكتاب الماثل بين يديكم.

وهذه هي المجموعة الثانية من تلك الرسائل القيمة في ستة مباحث مهمة، رأيناها في مظان استفادة المشتغلين ومطامح أنظار المجتهدين، فقررنا طبعه ونشره - بعد أن أصدرنا من قبل، مجموعتها الأولى حاوية لتسع رسائل - آملين أن تكون عند رغبة الباحثين، وسائلين الله تعالی بمنه وكرمه لمؤلفها الكريم السلامة ودوام الإفاضة.

مؤسسة النشر الاسلامی التابعة لجماعة المدرسین بقم المشرفة

نبذة من حياة المؤلف

سماحة العلامة آية الله العظمى السيد محمد حسين المرتضوي اللنگرودی مد ظله

ولد بالنجف الأشرف سنة 1347 ه. ق (1307 ه. ش) في أسرةٍ شريفةٍ علميةٍ على رأسها والده المعظم فقیه عصره آية الله العظمى السيد مرتضى الحسيني اللنگرودي قدس سره الذي كان يعد من وجوه تلامذة الفقيه الألمعي آية الله العظمی السيد أبي الحسن الأصبهاني والمحقق الكبير آية الله العظمى الميرزا محمد حسین النائيني قدس سرهما.

أعقب والده المعظم من الأولاد أربعة؛ كلهم نالوا مرتبة الاجتهاد الرفيعة مشتهرين بالزهد والتقوى، والمترجم له هو أكبرهم.

بدأ آية الله العظمى اللنگرودي - مد ظله - في حوزة النجف الأشرف بالعلوم الدينية وكان يمتاز عن زملائه بجهدٍ وافرٍ ثم رجع مع والده إلى إيران ومکث في طهران مدة سنين وأتقن خلالها تحصيلاته الدينية.

فتلمذ في السطح العالي من العلوم الحوزوية على أساتذة كبار، ولازم في دراسة الخارج والده العلامة فقهاً وأصولا، كما حضر في المعقول على العلامتين الآيتين الشيخ محمد تقي الآملي والميرزا أبي الحسن الشعراني قدس سرهما.

ثم سافر في نحو سنة 1368 ه. ق إلى حوزة قم العلمية، فحضر على آية الله

العظمى البروجردي قدس سره فقها وعلى آية الله العظمى الخميني و آية الله الشيخ عبدالنبي الأراكي قدس سرهما أصولا، ولما هاجر والده بعد بضع سنين إلى قم المقدسة، تلمذ عليه ثانية في درسي الفقه والأصول كما أخذ العلوم العقلية من العلامة آية الله السيد محمد حسين الطباطبائي قدس سره .

ثم عاد المترجم له کرها إلى العاصمة طهران بإصرار جم غفير من المتدينين وأمر والده الكريم والتحق بالمدرسة العلمية الفتحية وقام بإدارة شؤونها وتدریس السطح العالي (الرسائل، المكاسب والكفاية) متنا وخارجا فيها.

وبدأ بتدريس الخارج فقها منذ سنة 1386 ه. ق على جملة من أفاضل طلبة حوزة طهران العلمية إلى الآن (سنة 1430 ه. ق).

كان المعظم له إلى جانب ذلك يقوم بالتأليف والتصنيف في مختلف العلوم الدينية وترك لحد الآن كتباً قيمةً وتراثاً علمياً كبيراً.

مما من الله على المعظم له اشتغاله التام بالمطالعة والتحقيق والتأليف أينما حل و ارتحل على خلاف غالب المرتحلين وإن كان الظن يلحق الشيء بالأعم الأغلب وبذلك أصبح جامعا للمعقول والمنقول ومرجعا في العلوم الدينية والأحكام الشرعية. مع الله المسلمين بطول بقائه الشریف.

تذكار

من الجدير بالذكر أن هذا الكتاب الشريف هو الجزء الثاني للكتاب المسمى ب«الرسائل التسع» الذي اشتمل على العناوين التالية:

1- رسالة في زيارة مشهد سيدنا ومولانا الإمام أبي عبد الله الحسين عليه السلام

2- رسالة في حكم تقدم المصلي على مرقد المعصوم علیه السلام

3- رسالة في إخراج الحصى ونحوها من المساجد

4- رسالة في البلدان الكبيرة جدا غير المتعارفة

5- رسالة في الصلاة المعادة واستحبابها

6-رسالة في أن الميت الآدمي ليس بنجس

7- رسالة في أوقات غسل الجمعة أداء وقضاء

8-رسالة في عدم انتقاض الأغسال المندوبة بالأحداث

• رسالة في الشك في الحدث بعد الوضوء وفي الوضوء بعد الحدث

يشتمل هذا الجزء على الرسائل التالية:

1- رسالة في التفريق بين الصلاتين المشتركتين في الوقت

2- رسالة في حكم النوافل في الأوقات الخمسة الخاصة

3- رسالة في جزئية الشهادة بالولاية في فصول الأذان

4- رسالة في ما هو المراد من إباحة أهل البيت عليهم السلام الخمس لشيعتهم

5- رسالة في شرعية عبادات الصبي المميز

6- رسالة في حكم الإعانة على الإثم

الملاحق:

1- ضرورة اهتمام الفقيه بالقرآن الكريم

2- المصطفون في آية الاصطفاء

3- كلمة محكمة حول الآية المباركة: «سَلامٌ عَلَى آلِ ياسينَ»

بسم الله الرحمن الرحيم

بعد الحمد الله تعالى والثناء عليه، والصلاة والسلام على رسوله وعترته صلی الله عليه وعليهم.

فهذه عدة مسائل فقهية استدلالية، وضعتها على سبيل الاختصار، معرضا عن الإطناب الممل والإيجاز المخل، بقدر الطاقة مع بضاعةٍ مزجاةٍ؛ تذكرةً لنفسي وتبصرةً لمن أراد التبصُّر إن شاء الله تعالى، مع تشویش البال وكثرة الآفات والاشتغالات.

فالحمد لله العلي الأعلى على ما هدانا لهذا.

وأنا الآثم: ابن العلامة الكبرى والآية العظمی السيد مرتضى اللنگرودي قدس سره

السيد محمد حسين الحسيني المرتضوي اللنگرودي عفي عنه.

الرسالة الأولى: في المراد من التفريق بين الصلاتين المشتركتين في الوقت - کالظهرين والعشاءين - وأن الجمع بينهما أيضا مستحب

اشارة

الرسالة الأولى في المراد من التفريق المستحب بين الصلاتين المشتركتين في الوقت - كالظهرين والعشاءين - وأن الجمع بينهما أيضا مستحب

إشارة إجمالية إلى ما في المقام

قال بعض الأصحاب قدس سره (1)تبعا لآخرين (2)، بل تسب إلى المشهور منهم (3): إن التفريق بين الصلاتين المشتركين في الوقت مندوب مستحب، وإن الجمع بينهما وإن كان جائزا في نفسه من غير عذرٍ من سفرٍ أو مطرٍ أو مرضٍ، لكنه مرجوح مكروه.


1) کالمجلسي في بحاره 79: 335، وصاحب الجواهر في جواهره 7: 310، وصاحب العروة في عروته 2: 261، المسألة 7.

2) کالمفيد في المقنعة: 165.

3) كما في المستمسك 5: 96

بل قال الشهيد قدس سره في الذكرى: «كما علم من مذهب الإمامية جواز الجمع بين الصلاتین مطلقا (من غير تفصيل بين المصادیق، کما سيظهر إن شاء الله تعالی) علم منه استحباب التفريق بينهما بشهادة النصوص والمصنفات بذلك» (1)

أدلة القول باستحباب التفريق

واستدلوا عليه -كما عن الشهيد في الذكرى (2)أيضا – بما نقل عن کتاب عبدالله بن سنان عن أبي عبد الله - عليه الصلاة والسلام - «أن رسول الله صلي الله عليه وآله كان في السفر يجمع بين المغرب والعشاء والظهر والعصر، إما يفعل ذلك إذا كان مستعجلا. قال: وقال عليه السلام : و تفريقهما أفضل» (3).

وبما روي عن معاوية (4)بن ميسرة، قال: «قلت لأبي عبد الله عليه السلام : إذا زالت الشمس في طول النهار، للرجل (5)أن يصلي الظهر والعصر؟ قال عليه السلام : نعم، وما أحب أن يفعل ذلك كل يوم» (6).


1) الذكرى 2: 335.

2) الذكرى 2: 334.

3) الوسائل 3: 160، الباب 31 من أبواب مواقيت الصلاة، الحديث 7. سيأتي أن التفريق الأفضل هو التفريق بالنافلة دون التفريق المحض، ولا أقل من كونه مجملا (منه مد ظله).

4) في بعض النسخ: «معبد» بدل «معاوية».

5) ذكر «الرجل» من باب التغليب كما لا يخفى (منه مد ظله).

6) الوسائل 3: 94، الباب 4 من أبواب مواقيت الصلاة، الحديث 15

وبما رواه صفوان الجمال (1)وسيأتي عن قريب.

وبغيرها مما هو مذكور في الوسائل (2)کموثقة زرارة وسيأتي متنها عن قريب إن شاء الله تعالى، وذلك كله بعد انجبار ضعف السند في أكثر هذه النصوص وقصور دلالة بعضها الآخر بالشهرة المشار إليها.

رد ما استدل به على استحباب التفريق

نعم، ظاهر بعض النصوص -كما أفيد (3)- كراهة المداومة على ذلك، لا فضل التفريق في كل يوم؛ وذلك لأن بعضها - مثل رواية معاوية بن ميسرة المذكورة سابقا، وموثقة زرارة حيث قال: «قلت لأبي عبد الله عليه السلام : أصوم فلا أقيل (أي لا أنام نوم القيلولة) حتى تزول الشمس، فإذا زالت الشمس صليت نوافلي ثم صليت الظهر ثم صليت نوافلي ثم صليت العصر ثم نمت، وذلك قبل أن يصلي الناس (أي صلاة العصر )؟ فقال عليه السلام : یا زرارة إذا زالت الشمس فقد دخل الوقت، ولكن أكره لك أن تتخذه وقتا دائما» (4)- مشتمل على بيان حكم شخصي للراوي نفسه؛ لأنه عليه السلام لم يقل في مونقة زرارة: «إنَّي أكرَهُ ذَلِك»، بل قال عليه السلام : «إني أكره لك»، وهي ظاهرة بل صريحة في أن الكراهة مختصة بزرارة ونظائره من الأصحاب


1) الوسائل 3: 159، الباب 31 من أبواب مواقيت الصلاة، الحديث 2.

2) الوسائل 3: 159، الباب 31 من أبواب مواقيت الصلاة.

3) والمراد هو العلامة الحكيم في مستمسکه 5: 97.

4) الوسائل 3: 98، الباب 5 من أبواب مواقيت الصلاة، الحديث 10.

الخواص رضوان الله تعالى عليهم (1)، لئلا يعاتبه الناس بعدم حضوره لصلاة جماعتهم عصرا، وقد كانوا يؤخرون صلاتهم إلى العصر، فلا دلالة لهذه الموثقة ولالظاهر الرواية الأخرى - أي رواية معاوية - علی کراهة الجمع مطلقا، وبالإضافة إلى الجميع، ورواية صفوان الجمال المشار إليها ظاهرة بل صريحة في فضل التفريق بمعنى التنقل الذي سيتضح دون التفريق في نفسه؛ فإنه فيها:

قال صفوان: «صلی بنا أبو عبد الله عليه السلام الظهر والعصر عندما زالت الشمس

بأذان وإقامتين ، وقال عليه السلام : إني على حاجة، فتنفلوا» (2)أي فأتوا أنتم بالنافلة بين الظهر والعصر.

فهذه النصوص قاصرات الدلالة على فضل التفريق وجحانه في نفسه (3).

ما نسب إلى المشهور من استحباب التفريق وما فيه

وكيف كان، فنسب إلى مشهور الأصحاب قدس سرهم -كما أشرنا - فضل التفريق واستحبابه في نفسه، وأن المستفاد من نصوص المقام کون الجمع مرجوحا مکروها، وإن كان جائزا في نفسه.

ولكن في استحباب التفريق في نفسه وكذا في مرجوحية الجمع بعض الكلام؛


1) كما يظهر من رواية معاوية المتقدمة (منه مد ظله) وكما احتمله المحقق الخوئي في التنقيح .317 :6

2) الوسائل 3: 159، الباب 31 من أبواب مواقيت الصلاة، الحديث 2.

3) ولمزيد الاطلاع على ما في المقام راجع التنقيح 6: 315 - 321.

فلا يمكن المساعدة عليهما وإن كانا مورد قبول الأنام.

أما الأول: فلأن الجمع على ما أفاد غير واحد من الأصحاب (1)ممن عاصرناهم قدس سرهم -وقد أجاد - ليس بمرجوح على نحو الإطلاق، بل قد يكون راجحا ، والآتي به مؤديا للأفضل، فإن المستفاد من النصوص الكثيرة التي عقد في الوسائل بابين لها (باب جواز الجمع لعذر (2)وباب جوازه لغير عذر (3)) هو أن الجمع بين الصلاتين کان على خلاف الوظيفة الأولية، ثم جوز ذلك - ولو بدون أي عذر لمجرد التوسيع على الأمة، لكن لا من حيث كونه جمعا مقابلا للتفريق، بل من حيث كونه إيقاعا للصلاة الثانية قبل وقت فضيلتها؛ فمن شرع في الأولى آخر وقت فضيلتها ثم صلى الثانية أول وقت فضيلتها متصلة بالأولى (4)کان مؤديا للأفضل، وإن كان قد جمع بين الصلاتين ولم يفرق بينهما، فالجمع المفضول المرجوح هو التعجيل بالثانية قبل وقت فضيلتها أو تأخير الأولى بعد وقت فضيلتها متصلة بينهما.

وبعبارة أخرى: الجمع المرجوح هو الجمع بين الصلاتين في وقت فضيلة إحداهما دون الأخرى وأما الجمع بينهما بحيث تقع كل واحدةٍ منهما في وقت


1) كالعلامة الحكيم في المستمسك 5: 98.

2) الوسائل 3: 159، الباب 31 من أبواب مواقيت الصلاة.

3) الوسائل 3: 160، الباب 32 من أبواب مواقيت الصلاة.

4) كما يكون الأمر كذلك غالبا ، بل دائما في الجمع بين العشاءين إذا أتى بهما في أول وقتهما، ولا سيما مع إتیان نافلة المغرب، فتدبر (منه مد ظله).

فضيلتها فليس بمرجوح، كما هو ظاهر.

ومن ذلك -كما أفيد (1)- يعرف أنه بناء على دخول وقت فضيلة العصر بالزوال (2)- على ما يستفاد من بعض النصوص (3)- کدخول وقت فضيلة الظهر به، لا مجال ولا وجه للحكم بمرجوحية الجمع واستحباب التفريق في الظهرین بمعنی إيقاع صلاة العصر قبل وقت فضيلتها، كما هو ظاهر.

وأما بناء على دخول وقت فضيلة العصر بعد الفراغ عن فريضة الظهر ونافلة العصر، فالجمع بين الظهرين في وقت فضيلة العصر من دون فصل نافلتها مرجوحٌ.

وأما الجمع بينهما في وقت فضيلة الظهر - بمعنى القدم أو القدمين أو المثل؛ بلحاظ اختلاف النصوص الواردة في وقت فضيلة الظهرين (4)_ فلا مرجوحية فيه بوجه كما أفيد (5)، ولعله ظاهر.

هذا تمام الكلام في عدم مرجوحية الجمع على نحو الإطلاق، بل يكون في بعض الموارد - على ما فضل بما لا مزيد عليه - راجحا.

وأما الثاني: أي ما في مرجوحية الجمع من الكلام، فنقول: يمكن أن يقال بأن


1) راجع المستمسك 5: 98.

2) كما هو المنصور المختار ومختار غير واحد من الأصحاب قدس سرهم ، والتفصيل موكول إلى محله (منه مد ظله).

3) مثل موثقة زرارة المتقدمة آنفا.

4) راجع الوسائل 3: 102، الباب 8 من أبواب مواقيت الصلاة.

5) راجع التنقيح 6: 314

الجمع مطلقا - أي في جميع الموارد - یكون كالتفريق راجحا مستحبا في نفسه، على ما يستظهر من جملة من النصوص المستفيضة - فيها صحاح وغیر صحاح - من أن النبي المكرم صلي الله عليه وآله قد كان يجمع بين الصلاتين المشتركتين في الوقت من غير علة وعذر.

فالآن نحن نتعرض لبعض هذه النصوص الدالة على استحباب الجمع مطلقا مما ورد من طرق الإمامية وطرق العامة فنقول:

ما ورد من طرق الإمامية في جمع النبي صلي الله عليه وآله بين الصلاتین

منها: صحيحة عبد الله بن سنان عن الصادق عليه السلام : «أن رسول الله صلي الله عليه وآله جمع بين الظهر والعصر بأذان وإقامتين وجمع بين المغرب والعشاء في الحضر من غير علةٍ بأذان واحد وإقامتين» (1).

ومنها: رواية إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «إن رسول الله صلي الله عليه وآله صلى الظهر والعصر في مكان واحد من غير علة ولا سبب، فقال له عمر -وكان أجرأ القوم عليه -: أحدث في الصلاة شيء؟ قال صلي الله عليه وآله : لا، ولكن أردت أن أوسع على أمتي» (2).

ومنها: غيرها من النصوص، وقد عقد لها في كتاب الوسائل -كما أشرنا إليه


1) الوسائل 3: 160، الباب 32 من أبواب مواقيت الصلاة، الحديث 1.

2) الوسائل 3: 161، الباب 32 من أبواب مواقيت الصلاة، الحديث 2.

في الجواب الأول - بابا عنونه ب «الجمع بين الصلاتين (المشتركتين في الوقت) لغير عذر» وهو الباب 32 من أبواب مواقيت الصلاة. وفي كتاب الجامع (أي جامع أحاديث الشيعة) عقد لها الباب 23 من أبواب المواقيت وعنونه صاحب الجامع ب «جواز الجمع بين الظهرين والعشاءين بأذان وإقامتين وأنه...» وفيه أحاديث كثيرة متكثرة تزيد على عشرين حديثا، مضافا إلى الإشارة إلى ما تقدم ويأتي.

كل هذه النصوص تدل على أنه صلي الله عليه وآله جمع بين الصلاتين المشتركتين في الوقت، في وقت واحد من غير عذر ولا علةٍ ولا سبب ولا خوف ولا مطر ولا سفر ولا استعجال معللة بأنه صلي الله عليه وآله أراد بذلك التوسعة والتخفيف على أمته.

ما ورد من طرق العامة في جمع النبي صلي الله عليه واله بين الصلاتین

وفي صحاح العامة غير واحد من النصوص تدل على أنه صلي الله عليه وآله جمع بينهما من غیر عذر.

منها: ما في مسند أحمد عن ابن عباس: «أن النبي صلي اله عليه وآله جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة. قيل له: لم؟ قال: لئلا يكون على أمته حرج» (1).

ومنها: ما في سنن النسائي عن ابن عباس: «أن النبي صلي الله عليه وآله كان يصلي بالمدينة يجمع بين الصلاتین، بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء، من غير خوف ولا مطر.


1) مسند أحمد 1: 223، 283، 346، 354 مع اختلاف يسير.

قيل له: لم؟ قال: لئلا يكون على أمته حرج» (1).

ولا يخفى أن وجود كلمتي «كان» و «يصلي» في سنن النسائي يدل على أنه صلي الله عليه وآله كان يستمر على ذلك كما هو ظاهر.

ومنها: ما عن المنتقى لابن تيمية الحراني - على ما حكي عنه (2)-: «أن النبي صلي الله عليه وآله جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر. قيل لابن عباس: ما أرادصلي الله عليه وآله بذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته».

قال ابن تيمية بعد ذكر الحديث: «وهذا يدل بفحواه على الجمع للمطر وللخوف و للمرض، وإنما خلف - وظاهر منطوقه في الجمع لغير عذر - للإجماع والأخبارالمواقيت ، فيبقى فحواه على مقتضاه»، انتهى.

أقول: في كلامه مواقع للنظر:

منها: ما في قوله: «وهذا يدل بفحواه..... الخ»، فإن المراد أن لا يحرج أمته صلي الله عليه وآله من جهة التفريق لا من جهة العذر، فلا يدل بفحواه على الجمع الذي زعمه، أعني الجمع للمطر و...، بل ما زعمه ينافي ظاهر النص، أعني قوله: «من غير خوف ولا مطر»، كما لا يخفی.

ومنها: ما في قوله: «للإجماع»؛ فإن إجماعهم العملي على عدم الجمع لا ينافي جواز الجمع، كيف؟! وإن الإجماع دليلٌ لُبّيُّ لا صراحة فيه بذلك، ولا سيما


1) سنن النسائي 1: 290.

2) راجع التنقيح 4: 84، التعليقة الأولى نقلا عن المنتقى لابن تيمية الحراني 2: 4.

مع ما علم من الخارج -كما سيأتي إن شاء الله تعالى - أن إجماعهم العملي على هذا إنما هو لمخالفة ما صار من سنن النبي صلي الله عليه وآله شعارا للشيعة التابعين لأهل بیت العصمة والطهارة عليهم صلوات المصلين

ومنها: ما في قوله: «ولأخبار المواقیت»؛ فإن تلك الأخبار محكومة بهذا الخبر؛ لكون هذا ناظرا إليها، ومقتضاه حکومته عليها كما هو ظاهر لمن له أدنى دربة، مضافا إلى أن الصلاتين في فرض الجمع تقعان في المواقيت، غاية الأمر في المواقيت المشتركة المعينة في الآيات والأخبار، كما لا يخفى على أهل الخبرة.

تأويلات العامة للأخبار الدالة على جمع النبي صلي الله عليه واله

وليعلم أن العامة كما في كتاب فتح الباري (1)- أولوا هذه النصوص تأویلات واهية ساذجة نظير ما عرفت آنفا من تأويل ابن تيمية، وقد تعرض لها ولردها صاحب کتاب الفتح نفسه واستحسن هو واحدا منها، ومحصلة: أن الجمع وإن كان مستحسنا إلا أنه لابد أن لا يجعل عادهً (2).

لكنه أيضا مردود؛ فإنه خلاف ظاهر الاستمرار المستفاد مما في سنن النسائي، كما أشرنا إليه.

فالحق والإنصاف أن المستفاد من تلك النصوص الكثيرة أن الجمع


1) فتح الباري 2: 19 و 20.

2) فتح الباري 2: 20

کالتفريق - حس مستحسن.

وبعبارة أخرى: لا ريب ولا شك في أن هذه النصوص من الفريقين بإطلاقها تدل على رجحان الجمع في نفسه مطلقا في جميع الموارد من غير عذر، وأنه -کالتفريق - مندوب مستحب، ولا سيما أنه نحو تأس برسول الله صلي الله عليه وآله . قال الله - تبارك وتعالى -: «لَقَد كَانَ لَكُم فِي رَسُولِ اللهِ أسوَةٌ حَسَنَةٌ» (1).

وعليه يستحب لكافة المسلمين - حتى العامة قاطبه – الجمع من غير عذر أيضا، كما يستحب لهم التفريق بلا فرق بينهما في الاستحباب سوى أن التفريق شرع أولا منه سبحانه وتعالى، والجمع شرع ثانيا من طريق الرسول صلي الله عليه وآله بوحي من الله - تبارك وتعالی - نظير ما فرضه الله - عزوجل- وما فرضه النبي المكرم صلي الله عليه وآله من الركعات في الفرائض اليومية، على ما فصل في محله (2).

ما يؤيد المختار

ويؤيد ذلك - لو لم نقل يدل عليه - ماروي في الخصال عن أمير المؤمنين علي بن

أبي طالب عله السلام من أنه «الجمع بين الصلاتين يزيد في الرزق... الحديث» (3).

وما روي في الكافي عن أبي محمد عليه السلام - وفي التهذيب عن أبي عبد


1) الأحزاب: 21

2) راجع الوسائل 3: 31، الباب 13 من أبواب أعداد الفرائض و نوافلها.

3) الخصال: 505 و تجده في المستدرك 3: 142، الباب 26 من أبواب المواقيت، الحديث 1.

الله علیه السلام (1)- قال: «اجمع بين الصلاتين الظهر والعصر، ترى ما تحب» (2).

لكن -يا للأسف ! - أن العامة - مع ماعرفت من النصوص المروية في صحاحهم الصريحة بالجمع من غير عذر - لا يعملون بها، بل يصرون على عدم العمل إلا مع العذر، وهو من العجائب والغرائب ! كما صرح به بعض الأعلام قدس سره (3)وقال: «إنهم قد أسقطوا الرواية في مدلولها المطابقي (وهو جواز الجمع من غير عذر) عن الاعتبار؛ بدعوى أنها مقطوعة الخلاف، مع تمسكهم بمدلولها الالتزامي (وهو جواز الجمع للعذر) كما عرفت و هومن الغرابة بمكان»، انتهی.

أقول: تعجبه قدس سره والحكم بأن عملهم هذا من الغرائب وإن كان في محله، بل هو من أغرب الغرائب وأعجب العجائب في نفسه! لكن ليس ذلك منهم ببعید مستبعد؛ إذ ليس ذلك أول قارورةٍ كسرت بأيديهم في الإسلام العزيز؛ فإنهم لم يعملوا بكثير مما صار من السنن النبوية القطعية شعارا للشيعة، نظير ذكر الصلوات على آل محمد - عليهم الصلاة والسلام- عند ذكر اسمه الشریف صلي الله عليه وآله مع أنهم رووا في


1) قال في الوافي بعد نقل هذه الرواية ما هذا لفظه: «بیان: في التهذيب «أبي عبد الله علیه السلام» بدل «أبي محمد عليه السلام» ولعله سهو». وفي معجم رجال الحديث هكذا: «روى الشيخ هذه الرواية بعينها غير أن فيها «عن أبي عبد الله عليه السلام».. والظاهر أن ما في التهذيب محرف؛ فإن «محمد بن أحمد بن يحيی» لم يعهد أن يروي عن أصحاب الصادق عليه السلام ». راجع الوافي 7: 285 ومعجم رجال الحديث 10: 273.

2) الكافي 3: 287، الحديث 6، والتهذيب 2: 263، الحديث 86 و تجده في الوسائل 3: 162، الباب 32 من أبواب المواقيت، الحديث 9.

3) وهوالمحقق الخوئي في التنقيح 4: 84

كتبهم عنه صلي الله عليه وآله وجوب الصلاة على الآل عند الصلاة عليه صلي الله عليه وآله ، ومنهم من أوجب الصلاة على الآل في تشهد الصلاة ومع هذا لا يصلون على الآل عند ذكر اسمه الشريف صلي الله عليه وآله (1)

بل نسب إلى بعضهم - كالشافعي - لزوم الصلوات على الآل في الصلاة، وأن من لم يصل عليهم لا صلاة له.

وفي الوسائل عن عبد الله بن الحسن بن علي عن أبيه عن جده عليهما السلام قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله : «من قال: صلى الله على محمد ولم يصل على آله، لم يجد ريح الجنة.. الحديث»، راجع الوسائل 4: 1219، الباب 42 من أبواب الذكر، الحديث 6 وأمالي الطوسي: 424، الحديث 948 (منه مد ظله).

أقول: وفي نسبة القول بوجوب الصلاة على آل محمد صلي الله عليه وآله في الصلاة إلى الشافعي نظر، مع أن نسبة القول شائعة بينهم كما في الصواعق المحرقة 139، والأمر يتضح من مراجعة كتاب الأم للشافعي، بل نسب هذا القول في مجموع النووي إلى التربجي، نقلا عن جامع البندنيجي وتقريب الرازي وتهذیب المقدسي وصاحب العدة.

ويؤيد ماقلناه كلام المحقق في المعتبر؛ فإنه قال: «الصلاة على آل محمد صلي الله عليه وآله واجبة في التشهد وهو مذهب علمائنا وبه قال التويجي (التربجی - ظ) من أصحاب الشافعي وإحدى الروايتين عن أحمد وقال الشافعي: يستحب».

راجع كتاب الأم (للشافعي) 1: 140 والمجموع (للنووي) 3: 465 والمعتبر (للمحقق الحلي) 2: 227.

، ولذا سموا ب«المخالفين».

1) ففي الصواعق المحرقة لابن حجر عنه صلي الله عليه وآله : «لا تصلوا على الصلاة البتراء، فقالوا: وما الصلاة البتراء؟ قالصلي الله عليه وآله : تقولون: اللهم صل على محمد ، وتمسكون (وتسكتون)، بل قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد»، راجع الصواعق المحرقة: 89، الباب 11، الفصل 1، والحدائق .465 :8

العامة تاركون للستة لا أهلها

ولقد نقل عن غير واحد من زعمائهم الكبار - کالقاضي الفضل بن روزبهان (1)- أن ترك الستة -أي سنة النبي صلي الله عليه وآله - من الستة إذا صارت (تلك الستة النبوية صلي الله عليه وآله ) شعارا للرفضة، أي لشيعة أهل البيت عليهم السلام الجعفرية الاثني عشرية (2).

وفلذلك تركوا الجمع بين الصلاتين مع كثرة رواياتهم في ذلك -كما عرفت - وأعرضوا عنه بحکم زعمائهم المتعصبين، هداهم الله تبارك وتعالی - ولا سيما عن التعصب الأعمى - إلى ما هو الصراط المستقیم - إن شاء الله تعالى - لو كانوا قابلين، بل إذا دار أمرهم بين العمل بسنة النبي صلي الله عليه وآله وبين ما سموه من البدع ستة، يقدمون عملا تلك البدع على سنته صلي الله عليه وآله ولو لم تكن تلك السنن النبوية صلي الله عليه وآله شعار للشيعة.

ولذا ترى من تعصبهم الأعمى عكوفهم على تحريم المتعتين، مع أنهما كانتا محللتين في زمن الرسول صلي الله عليه وآله بالوحي الإلهي، وعلى التكتف والتكفير في الصلاة


1) هو الذي كتب كتابا في نقض «نهج الحق وكشف الصدق» للعلامة الحلي رحمه الله وفرغ من النقض عام 909 ه. ق وسماه ب« إبطال الباطل وإ همال کشف العاطل»، ثم قام القاضي الشهيد نور الله التستري رحمه الله بنقض کتاب روزبهان بكتاب سماه ب«إ حقاق الحق»

2) راجع أيضا البحار 79: 36، فإن فيه: «قال أبو حنيفة ومالك والثوري وأحمد: الستة في التسنیم انتهى وقد روى التسطيح مخالفونا أيضا لكن قالوا: لما صار شعارا للروافض عدلنا عنه إلى التسنیم

وقول: «آمین» فيها بعد قول إمام الجماعة: «ولا الضالین» (1)

نعم، في بعض فقرات السورة الذي يشبه الدعاء لابد من تقدیر کلمة «قل» قبله حتى يصح إنشاؤه منه تعالى، فلا يصح أن يقصد بالسورة غير قراءة القرآن من الذكر والدعاء وأنه تبطل بها الصلاة إذا قصد بها غير القرآن، فذكر كلمة «آمین» بعد السورة لغو غير معقول، إلا أن يراد من الفقرات الدعاء ضمنيا، لكنه لا يجب ولا يراد غالبا، فالوصفان -أي أنه لغو وغير معقول - مسلمان، بعد کون أصل جعله بدعة، فتدبر جيدا واغتنم (منه مد ظله).

، وعدم الجهر بالبسملة في الصلاة عند قراءة سورة الفاتحة، وعلى صلاة التراويح ة(2)

وكذا من رواية الفضلاء وهي الحديث الأول من الباب المشار إليه في الوسائل: «أنهم سألوا أباجعفر الباقر وأبا عبدالله الصادق عليهما السلام عن الصلاة في شهر رمضان نافلة بالليل في جماعة؟ فقالا عليهما السلام : إن رسول الله صلي الله عليه وآله كان إذا صلى العشاء الآخرة انصرف إلى منزله - إلى أن قالا - فخرج صلي الله عليه وآله في أول ليلة من شهر رمضان كما كان يصلي فاصطف الناس خلفه، فهرب منهم إلى بيته وتركهم، ففعلوا ذلك ثلاث ليال -إلى أن قالا – قال صلي الله عليه وآله : أيها الناس إن الصلاة بالليل في شهر رمضان من النافلة في جماعة بدعة- إلى أن قال صلي الله عليه وآله : - ألا وإن كل بدعة ضلالة وكل ضلالة سبيلها إلى النار، ثم هو نزل وهو يقول: قليل في سنة خير من كثير في بدعة». وراجع جامع أحاديث الشيعة 8: 145، الباب 7 من أبواب نوافل شهر رمضان، الحديث 1، 3، 4، 5 و 6.

وما عن العامة - على ما في الشرح الكبير لابن قدامة 1: 749-: روی زید بن ثابت قال: «احتجر رسول الله صلي الله عليه وآله في حجيرة بخصفة أو حصير فخرج رسول الله صلي الله عليه وآله يصلي فيها، فتتبع إليه رجال وجاؤوا يصلون بصلاته، ثم جاؤوا ليلة فحضروا وأبطأ رسول الله صلي الله عليه وآله عنهم، فلم يخرج إليهم، فرفعوا أصواتهم وحصبوا الباب، فخرج إليهم رسول الله صلي الله عليه وآله مغضبا فقال لهم: ما زال بكم صنيعكم حتى ظننت أنه سيكتب عليكم، فعليكم الصلاة في بيوتكم؛ فإن خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة»، رواه مسلم. وروى -أي زيد بن ثابت على ما في كنز العمال 7: 772 عنه صلي الله عليه وآله -: «صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا إلا المكتوبة» (منه مد ظله).

، إلى غير

1) ربما يقال: إنهم يسندون التكتف والتكفير وقول: «آمين» إلى النبي صلي الله عليه وآله ، لكنه يخالف التواريخ المعتبرة الدالة على أن ابن الخطاب أبدعهما في زمان خلافته، ولم يكن يصلي بهما أحد قبل ذلك حتى ابن الخطاب نفسه وأبو بكر فضلا عن النبي صلي الله عليه وآله ، بل هو- كما في الأثر - لقا رأى الأسراء الإيرانيين يعظمون الأكابر بالتكتف، فحسنه وأمر بجعله في الصلاة، فالنصوص المروية من غير طرقنا عنه صلي الله عليه وآله كلها مفتعلة مردودة على ما صرح به غير واحد من الأعاظم قدس سرهم، وكذا زعم أن سورة الفاتحة ذكر ودعاء منشأ بإنشاء المصلي نظير سائر الأذكار والأدعية فيها، فأبدع ذكر «آمین» - بمعنی استجب - بعدها؛ غفلة عن حقيقة الحال وأنها سورة من القرآن وأنه لابد في الصلاة من قراءة القرآن أعني به کلام الله المنشأ بإنشائه تعالى، ولا معنى لإنشاء الدعاء منه تعالى كما لا يخفى، ولذا اشتهر أنك إذا أردت أن تتكلم معه تعالی فادع، وإذا أردت أن يتكلم هو سبحانه معك فاقرأ القرآن، وإذا أردت كليهما فصل.

2) وهي إتيان نوافل شهر رمضان بالجماعة، أبدعه ابن الخطاب على ما يستفاد - مضافا إلى ما في بعض التواريخ المعتبرة كتتمة المنتهی: 25 من أنه كان في سنة 14 هجرية وزمن خلافته - من رواية عمار الواردة في الوسائل 5: 192، الباب 10 من أبواب نافلة شهر رمضان، الحديث 2، قال: سألته (أي أباعبدالله عليه السلام ) عن الصلاة في رمضان في المساجد؟ فقال: لما قدم أمير المؤمنين عليه اسلام الكوفة أمر الحسن بن علي عليهما السلام أن ينادي في الناس: «لا صلاة في شهر رمضان في المساجد جماعة»- إلى أن قال: فلما سمع الناس مقالة الحسن بن علي عليهما السلام صاحوا:واعمراه! واعمر اه... الحديث».

ذلك مما هو کثیر متکثر محفوظ في محله، يقف عليه الخبير المتضلع.

ولقائل أن يقول: إن العامة إما سموا أهل السنة بهذا المعنى: الستة غير النبوية، أي منسوبون في الحقيقة إلى السنة بمعنى البدعة دون السنة النبوية صلي الله عليه وآله (1).


1) فإن السنة النبوية منتهية إلى الوحي والرسالة، والبدعية إلى الاستحسان الظني والقياس الممنوعان في الشريعة (منه مد ظله).

لكن المتوهم في أذهان الناس ومن لم يعلم الحقيقة -ولا سيما العوام ونظائرهم من الخواص - هو أنهم منسوبون إلى السنة النبوية صلي الله عليه وآله ولذا يتظاهر بها، ويستفاد من الاشتراك اللفظي الاسم التصنعي - مع بون بعید بینهما - سوء الاستفادة وخلاف الحقيقة، أعني خلاف ما هم عليه عاكفون من الستة البدعية (1). كيف لا؟! وإنهم -كما أشرنا - عند دوران الأمر بينهما يقدمون البدعية ويعملون بها فحسب، كما هو المشاهد في أمر المتعتين والتكتف ونظائرها.

والحاصل أنهم غير ملتزمين بالعمل بالسنة الأصلية النبوية ولا سيما عند الدوران، وفي الحقيقة أن الشيعي الاثني عشري سني نبوي واقعا؛ فإنه لا يتبع إلا أهل بيت الوحي والرسالة - عليهم صلوات الله -الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا والذين لا يقولون من عند أنفسهم شيئا، بل ينقلون ويروون - ولو بالوسائط، وإن لا يذكرون الوسائط غالبا للاختصار - عن الرسول المکرم صلی الله عليه وعليهم أجمعين (2).


1) قال سيدنا الأستاذ قدس سره في أثناء الدرس وفي بعض مقدمات الجامع: «إن رواياتهم عليهم السلام مسندة إلى الرسول المکرم صلي الله عليه وآله ، والعامة الذين يقبلون روایات من دونهم لابد أن يقبلوا رواياتهم وإن لم يكونوا قائلين بإمامتهم عليهم السلام»، انتهى ملخصا وراجع أيضا جامع أحاديث الشيعة 1: 37 (منه مد ظله).

2) كما يدل عليه مثل رواية جابر قال: «قلت لأبي جعفر عليه السلام : إذا حدثتني بحديث فأسنده لي فقال عليه السلام : حدثني أبي عن جدي عن رسول الله صلي الله عليه وآله عن جبرئیل عليه السلام عن الله عز وجل وكل ما أحدثك بهذا الإسناد...الحديث»، راجع جامع أحاديث الشيعة 1: 181، الباب 4 من أبواب المقدمات، الحديث 3 والوسائل 18: 69، الباب 8 من أبواب صفات القاضي، الحديث 67

فيا ليت كان العامي مسمى بالبدعي - بدل السني - والشيعي بالعتري؛ فإن الشيعة يتبعون بأمر الرسول المكرم صلي الله عليه وآله في أمثال حديث الثقلين المتواتر بین

الفريقين العترة الطاهرة عليهم السلام المنتهية مقالاتهم إليه صلي الله عليه وآله .

الثالث من أدلة المختار

وأما ثالثا (1): فلان في أصل استحباب التفريق في نفسه تأملا، بل منعا (2)وكذا في انتساب هذا الاستحباب إلى مشهور الأصحاب - قدس الله تعالی أسرارهم - تأمل بل منع؛ فإن الثابت المنسوب إليهم قدس سرهم استحباب التنفل بين الصلاتين، أي التفريق بينهما بالنافلة أو بالتعقيب - كما في مستند الشيعة وسيذكر (3)- دون نفس التفريق المحض ومجرد تقسيمهما على الأوقات المعينة المفصلة.


1) أي الدليل الثالث لمختارنا من استحباب الجمع مضافا إلى الخبرين المتقدمين.

2) لما أشرنا في ذيل الجواب الأول من أنه بناء على دخول وقت فضيلة الظهرين بالزوال -كما هو الصحيح المنصور - لا مجال للحكم بمرجوحية الجمع بين الظهرين بمعنى إيقاع صلاة العصر قبل وقت فضيلتها والحكم باستحباب التفريق، فتأمل (منه مد ظله).

3) وكما يظهر من الذكرى؛ فإنه حکی عن المحقق رحمه الله القول باستحباب التفريق بالنافلة، وكما يظهر من المجلسي في البحار؛ حيث قال: «ولكن التفريق يتحقق بفعل النافلة»، وكذا من صاحب الحدائق؛ فإنه بعد أن استظهر من كلام المفيد رحمه الله وابن الجنيد رحمه الله استحباب التفريق بين الفرضين بالنافلة قال: « هو المتفق عليه نصاوفتوى». راجع الذكرى 2: 335 والبحار 79: 336 والحدائق 6: 150.

وكيف كان، فالتفريق بهذا المعنى يستفاد من غير واحد من النصوص، کرواية محمد بن حکیم قال: «سمعت أبا الحسن عليه السلام يقول: الجمع بين الصلاتين إذا لم يكن بينهما تطوع، فإذا كان بينهما تطوع فلا جمع» (1). أي إذا كان بينهما نافلة أو تعقیب فليس بجمع، بل هو تفريق.

ويمكن استفادة هذا المعنى من رواية صفوان الجمال المتقدمة، فراجع.


1) الوسائل 3: 163، الباب 33 من أبواب مواقيت الصلاة، الحدیث 3.

دفع وهم

وأما ما روي من التفريق في فعل النبي صلي الله عليه و اله- كما في رواية ابن سنان المتقدمة، وفي قول الإمام عليه السلام في ذيلها: «و تفريقهما أفضل» - فهو مجمل، هل كان لأجل النافلة أو لنفس التفريق المحض؟ غير مبين المراد، بل الأول هو المناسب لدأبه ودیدنه صلي الله عليه وآله دون الثاني، كما لا يخفى.

ولذا قال الفاضل النراقي قدس سره في المستند: «إن تفريقه صلي الله عليه وا له بدونهما - أي بدون النافلة والتعقيب - غير مسلم»، انتهى موضع الحاجة (1). فاستحباب مجرد التفريق المحض المتداول بين العامة غير مسلم.

الرابع من أدلة المختار

وأما رابعا: فلك أن تقول: إن الجمع في نفسه أولى وأفضل من التفريق المحض - أي من غیر تنفل وتعقيب في البين - عند تقابلهما وتعارض نصوصهما، أي نصوص الجمع ونصوص التفريق المحض الذي شرعه تبارك وتعالى أولا؛ فإنه بعد تشريع التفريق في الأوقات المعينة المنفصلة يستفاد من النصوص المروية عن الفريقين في أمر الجمع الذي سته النبي المكرم صلي الله عليه وآله بعد تشريع التفريق تسهیلا للأمة المرحومة بوحي من الله تعالى - فإنه «مَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى إِن هُوَ إِلاَّ وَحيٌ


1) مستند الشيعة: 4: 140.

يُوحَی» (1)- أن الجمع المسهل للأمر لابد وأن يكون أولى وأفضل من التفريق المحض الذي شرع أولا بدون ملاحظة أمر التسهيل.

وبعبارة أخرى: الجمع الذي سن و شرع مع ملاحظة التسهيل يكون لا محالة في نفسه أولى وأفضل من التفريق المشرع بدون هذه الملاحظة، فليتأمل جيداً.

بل لك ولكل قائل أن تقول ويقول: إن ما سنه النبي المكرم صلي الله عليه وآله تسهيلا للأمة المرحومة لما كان بإذنه تعالى وإجازته -جل وعلا- يكون حاكما على ما شرعه الله سبحانه من قبل.

ومقتضى الحكومة أن يكون العمل على طبق مضمون الحاكم دون المحكوم،وأن الجمع على هذا لابد وأن يكون هو المتعين عملا دون التفريق المحض الذي يكون لا محالة مطروحا لا يعمل به؛ نظير حكومة ما فرضه النبي المكرم صلي الله عليه وآله بعدما ولد الحسن والحسين- عليهما الصلاة والسلام - شكرا لله تبارك وتعالى من زيادة سبع ركعات على مجموع الصلوات اليومية الخمس بإذنه - سبحانه وتعالی - بعد ما فرضه الله تعالی عند عروجه صلي الله عليه وآله أولا من عشر ركعات - لكل صلاة ركعتان - على ما فصل في محله من النصوص (2)والفتاوی بما لا مزيد عليه.

فكما أن ما فرضه النبي صلي الله عليه وآله في ذلك المقام بإذنه - سبحانه وتعالی - صار


1) النجم: 3 و 4

2) راجع جامع أحاديث الشيعة: 4: 132، الباب 10 من أبواب فضل الصلاة وفرضها، والوسائل 3: 31، الباب 13 من أبواب أعداد الفرائض و نوافلها.

حاكما على ما فرضه الله - جل وعلا - قبله ودار العمل المسقط للتكليف على الحاكم دون المحكوم، بداهة أن العمل على ذلك المحكوم غير مسقط لما كلف به من الفرائض اليومية، فكذلك الأمر في المقام، كيف لا؟! وقد قال الله تعالی فی محكم كتابه الكريم: « مَآ ءَاتَاکُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ... الآيَة » (1).

فالجمع بين الصلاتين المشتركتين في الوقت متعين العمل، وإن التفريق المحض لابد وأن يطرح ولا يعمل به اختیارا ومتعمدا، كما لا يكتفي بما فرضه الله عز وجل أولا من الركعات في الصلوات اليومية، وإن كان المتداول عملا وفتوى خلاف ذلك، لكن بعد أن ساعدنا الدليل القاطع لابد أن لا نبالي بالخلاف، ولعل ما ذكرنا (2)هو السر في عكوف صلحاء السلف وعلماء المذهب - ولا سيما المشايخ العظام رضوان الله تعالى عليهم - على العمل بالجمع والاهتمام به مع الاجتناب عن التفريق المحض المتداول بحيث صار ذلك شعارا لهم ورمزا للتشيع، كما هو ظاهر غير خفي.


1) الحشر: 7.

2) من تعين الجمع و طرح التفريق المحض رأسا، لا مجرد القول بأفضلية الجمع من التفريق، كما كان هو مقتضى الجواب الرابع (منه مد ظله).

نتيجة البحث

وكيف كان، فبمقتضى ما عرفت من قاطع الدليل لابد أن يقال: إنه على جميع ملل المسلمین کافة- ولا سيما العامة قاطبة - أن يعكفوا أيضا على الجمع الذي هومقتضى النصوص الحاكمة على نصوص التفريق المحض، فيجمعون بين الصلاتین المشتركتين في الوقت من غير عذر ولا علة ويطرحون التفريق المفرق للوحدة، فيتحصل بذلك الاتحاد الذي أمرنا به ؛ قال الله - تبارك وتعالى -: « وَاعتَصِمُوا بِحَبلِ اللهِ جَمِيعاً وَ لاَ تَفَرَّقُوا» (1).

نعم، إذا كان التفريق بالنافلة أو التعقيب المشار إليهما فإنه راجح على الجمع لامحالة؛ بدلالة نصوصهما المفصلة في محالهما (2).

وإن شئت اجعل هذا - أعني تعين العمل بمضمون الجمع الحاكم وطرح التفريق المحض المحكوم، دون مجرد أفضلية الجمع - خامس الأجوبة واغتنم .

فالحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.


1) آل عمران: 103.

2) راجع الوسائل 3: 93، الباب 5 من أبواب مواقيت الصلاة، وأيضا 3: 84، الباب 2 من أبواب مواقيت الصلاة.

الرسالة الثانية: في حكم نوافل الصلوات في خمسة أوقات من اليوم:

اشارة

بعد صلاتي الصبح والعصر وعند طلوع الشمس و قیامها وغروبها

الرسالة الثانية

في حكم نوافل الصلوات في خمسة أوقات من اليوم: بعد صلاتي الصبح والعصر وعند طلوع الشمس و قیامها وغروبها

كراهة النوافل عند العامة والخاصة

ذهبت العامة إلى أن مطلق نوافل الصلوات (1)

نعم، ذهب الشافعي منهم -كما في بداية المجتهد 1: 87- إلى أن الصلوات التي لا تجوز في هذه الأوقات هي النوافل فقط التي تفعل لغير سبب (أي النوافل المبتدأة)، وأن السنن - مثل صلاة الجنازة، أي الصلوات ذوات السبب ظاهرا - تجوز في هذه الأوقات، ووافقه مالك في ذلك، أي في السنن بعد العصر وبعد الصبح (منه مد ظله)

وكذا الفرائض المقضية -على قول بعضهم كأبي حنيفة (2)- منهي عنها بالتهي التحريمي في الأوقات الخمسة، بعد

1) من الصلوات المبتدأة وذوات السبب كصلاة الجنازة و تحية المسجد.

2) إلا عصر يومه؛ فإن أبا حنيفة وأصحابه -كما في بداية المجتهد 1: 87- قالوا: يجوز أن يقضيه عند غروب الشمس إذا نسيه (منه مد ظله).

اتفاقهم في ثلاثة منها (1)واختلافهم فيما عداها من الوقتين (2).

وأما الخاصة: فنسب إلى مشهور أصحابنا الإمامية - رضوان الله تعالی عليهم - أن إتيان خصوص النوافل المبتدأة (3)دون مطلق النوافل من الموقتة في اليوم والليلة- أداء وقضاء - ومن ذوات السبب (4)

وربما يناقش بأنه لا دلالة في الحث على نفي الكراهة، وإلا لنفاها بالنظر إلى أصل النافلة التي ورد فيها أنها خير موضوع، من شاء أقل ومن شاء أكثر، وأن صلاة ركعتين تدخل الرجل الجنة.(الوسائل 3: 30، الباب 12 من أبواب أعداد الفرائض، الحديث 4).... إلى غير ذلك. راجع الجواهر 7: 298.

أقول: ولكن فيه: أنه فرق بين الحث على الصلاة عقيب الطهارة وبين الحث على الصلاة نفسها بأنها خير موضوع أو تدخل صاحبها الجنة؛ فإن الأولى تعد بنظر العرف ذات السبب دون الأخرى. ولعله يرجع إلى ما ذكرنا ما عن جامع المقاصد وفوائد القواعد -كما في الجواهر 7: 299 - من أن حاصل المراد من السبب هو ما خصه الشارع بوضع وشرعية، خلاف ما يحدثه المكلف من مطلق النافلة (منه مد ظله).

، مكروه ومنهي بالهي التنزيهي،

1) وهي على ما في المصدر نفسه 1: 85 -: وقت طلوع الشمس، ووقت غروبها، ومن لدن تصلي صلاة الصبح حتى تطلع الشمس (منه مد ظله)

2) وهما -كما في المصدر : وقت الزوال وفي الصلاة بعد العصر (منه مد ظله)

3) وهي الصلوات التي لم يرد فيها نص بالخصوص -كذوات السبب والمؤقتات - وإنما تستحب من باب أن الصلاة خير موضوع؛ من شاء أقل ومن شاء أكثر. ( الوسائل 3: 518، الباب 42 من أبواب أحكام المسجد، الحديث 1). ولا يلحق بالصلاة المبتدأة مطلق السجود قطعا، كما في الجواهر وسيأتي بيانه في أواخر البحث إن شاء الله تعالى (منه مد ظله)

4) المنساق من الصلوات ذوات السبب -كما في الجواهر - هي الصلوات التي شرعت بسبب آخر غیر رجحانها في أنفسها، كصلاة الحاجة والاستسقاء والاستخارة والإحرام وغيرها، حتى لو كان السبب فعل المكلف، كصلاة تحية المسجد بدخوله فيه أو صلاة الزيارة باتيانه المشاهد، بل المحكي عن الشهيد وغیره قدس سره -على ما في الجواهر - أنه لو تطهر في هذه الأوقات جاز له أن يصلي ركعتين ولا تكون هذه أيضا صلاة مبتدأة، بل تكون صلاة ذات سبب؛ للحث على الصلاة عقيب الطهارة في الشريعة المقدسة.

وليس بمحرم في تلك الأوقات الخمسة.

قال في الجواهر - توضيحا لقول المحقق قدس سره عند ما قال: «یكره النوافل المبتدأة عند طلوع الشمس وعند غروبها» -: «كما هو (القول بكراهة المبتدأة عند هذين الوقتين) المشهور بين الأساطين من المتقدمين والمتأخرين شهرة عظيمة كادت تكون إجماعا ، بل هي كذلك في الغنية والمحكي عن الخلاف وظاهر التذكرة، بل في جامع المقاصد والمحكي عن المنتهى: أنه مذهب أهل العلم» (1).

وقال في موضع آخر: «الحكم بكراهة النافلة المبتدأة في الثلاثة الأخرى (وهي عند قيام الشمس وبعد صلاتي الصبح والعصر) أيضا كالسابقين من الوقتين مشهور شهرةً عظيمةً أيضاً نقلاً وتحصيلاً، فتويً وروايةً » (2).


1) الجواهر 7: 282، المسألة الخامسة.

2) المصدر السابق 7: 286. وما في المتن نقل ما في الجواهر بالمعنى.

مناقشة في القول بالكراهة

ولكن استشكل على الحكم بالكراهة جماعة كثيرة منهم صاحب العروة - وتبعهم جم غفير من الفقهاء العظام - قدس الله تعالی أسرارهم (1)- في ذلك.

قال في العروة ما هذا لفظه: «ذکر جماعة أنه يكره الشروع فيها (أي في التوافل المبتدأة التي لم يرد فيها نص بالخصوص وإنما يستحب الإتيان بها بلحاظ أن الصلاة خير موضوع (2)وقربان كل تقي (3)ومعراج المؤمن (4)) في خمسة أوقات:

أحدها: بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس.

الثاني: بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس.

الثالث: عند طلوع الشمس حتى تنبسط.

الرابع: عند قيام الشمس (5)حتى تزول.

الخامس : عند غروب الشمس، أي قبيل الغروب (حتى تغرب) - إلى أن قال: -


1) کالمحقق الخوئي في التنقيح 6: 542.

2) الوسائل 3: 518، الباب 42 من أبواب أحكام المسجد، الحديث 1.

3) الوسائل 3: 30، الباب 12 من أبواب أعداد الفرائض، الحديث 1 و 2.

4) لم نجد الرواية - مع شهرتها- في الجوامع الروائية ولكن انظر روضة المتقين 2: 6 والبحار 79: 303، ذيل الحديث 2.

5) أي حالة استواء الشمس في كبد السماء أي وسطها، وتكون هذه الحالة قبيل الزوال كما عن المحقق الخوئي في التنقيح 6: 521 (منه مد ظله)

وعندي في ثبوت الكراهة في المذكورات إشكال» (1).

مایستدل به على الكراهة

وكيف كان، فيستدل على كراهة النوافل المبتدأة في تلك الأوقات بطائفتين من النصوص الكثيرة:

الطائفة الأولى: ما كان مرجع التحديد والتوقيت فيها إلى إتيان الفعل الخارجي المختلف باختلاف زمان الإتيان بذلك الفعل، وهما الأولان من تلك الأوقات المذكورة في العروة، أعني بعد صلاتي الصبح والعصر.

الطائفة الثانية: ما كان مرجع التحديد والتوقيت فيها إلى الرمان نفسه، أي تكره الصلاة فيها في الوقت نفسه، وهي الثلاثة الباقية، أعني عند طلوع الشمس وعند قيامها وعند غروبها.

الطائفة الأولى من النصوص وما فيها

أما الطائفة الأولى فعمدتها -كما أفيد (2)- اثنتان:

الأولى: ما رواه محمد الحلبي عن أبي عبدالله عليه السلام ، قال: «لا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس؛ فإن رسول الله صلي الله عليه وآله قال: إن الشمس تطلع بين قرني الشيطان


1) العروة 2: 275، المسألة 18 من مسائل أوقات الرواتب.

2) راجع التنقيح 6: 521.

وتغرب بين قرني الشيطان، وقال: لا صلاة بعد العصر حتى تصلي المغرب (1)»

وثانيتهما: ما رواه معاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام ، قال: «لا صلاة بعد

العصر حتى تصلي المغرب، ولا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس (2)».

ودلالتهما على المطلوب واضحة في الجملة، لكنهما - مضافا إلى ضعف سندهما بما فصل في بعض المطولات (3)- معارضتان بما سيأتي من التوقيع إن شاء الله تعالی.

ومما يستدل به على ذلك: ما عن ابن إدريس قدس سره في آخر السرائر عن جامع البزنطي عن علي بن سلمان (4)عن محمد بن عبدالله بن زرارة عن محمد بن الفضيل عن أبي الحسن عليه السلام - في حديث - «أنه عليه السلام صلى المغرب ليلة فوق سطح من السطوح، فقيل له: إن فلانا كان يفتي عن آبائك عليهم السلام أنه لا بأس بالصلاة بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس وبعد العصر إلى أن تغيب الشمس ؟! فقال عليه السلام : كذب - لعنه الله - على أبي، أو قال: على آبائي (5)».

وهذه الرواية بعد تسليم صحة سندها (6)- لا يمكن المساعدة عليها من


1) الوسائل 3: 170، الباب 38 من أبواب المواقيت، الحديث 1.

2) المصدر السابق، الحدیث 2.

3) كالتنقيح 6: 521

4) في السرائر: «سليمان» بدل «سلمان».

5) السرائر 3: 580، وعنه في الوسائل 3: 174، الباب 38 من أبواب المواقيت، الحديث 14.

6) ذلك من جهة أن صاحب السرائر رحمه الله يعمل بأخبار الآحاد، وأن ما رواه في آخر السرائر قد وصل إليه إما متواترا أو بالخبر المحفوف بالقرينة القطعية، وإلا فطريقه إلى جامع البزنطي مجهول، مضافا إلى أن «علي بن سلمان» -كما عن المحقق الخوئي في موسوعته 11: 355 - مهمل وليس له ذكر في كتب الرجال كما أن «محمد بن الفضيل » ضعيف (منه مد ظله).

حيث الدلالة، لأن السؤال في الرواية إنما هو عن الصلاة بعد طلوع الفجر، أو بعد العصر، وهو أجنبي عن المقام (1)؛ إذ المقام إنما هو في إقامة النافلة بعد صلاتي الفجر والعصر لا بعد طلوع الفجر وبعد العصر.

هذا، مع أن مناسبة الحكم والموضوع - كما أفيد (2)- تقتضي أن يراد بالصلاة بعد طلوع الفجر فريضة الفجر، فكأنه عليه السلام كان قد صلي الفريضة في أول الوقت، فسئل عن الترخيص المروي عن آبائه عليهم السلام في الإتيان بالصلاتين إلى آخر وقتهما، فأجاب عليه السلام بقوله: «كذب»، وإنهم عليهم السلام كانوا مهتمين بالفرائض في أوائل أوقاتها ومرعبين لشيعتهم في ذلك.

ومما يستدل به على ذلك أيضا مکاتبة علي بن بلال، قال: «كتبت إليه عليه السلام في قضاء النافلة من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ومن بعد العصر إلى أن تغيب الشمس، فكتب عليه السلام : لا يجوز ذلك إلا للمقتضي، فأما لغيره فلا» (3).

وهذه المكاتبة وإن كانت معتبرة من حيث السند بتوثيق الشيخ قدس سره لعلي بن


1) واحتمال تبدل لفظة «صلاة» في «صلاة الفجر» بلفظة «طلوع» في هذه الرواية سهوا منفي بأصالة عدم التبديل بالنقص والزيادة (منه مد ظله ).

2) راجع التنقيح 6: 523.

3) الوسائل 3: 171، الباب 38 من أبواب المواقيت، الحديث 3.

بلال البغدادي الواقع في السند ووردت في خصوص قضاء النافلة وتعم غيره من النوافل بتنقيح المناط القطعي وإلغاء الخصوصية، لكنها مضطربة لم يظهر المراد-كما هو حقه - من كلمة «المقتضي»، ولعل حملها على القاضي للصلاة ممنوع؛ إذ لم يرد مثله في شيء من الاستعمالات العربية الصحيحة كما قيل (1).

والحاصل أن كراهة النافلة في الوقتين اللذين كان مرجع التوقيت والتحديد فيهما إلى الفعل الخارجي لم تثبت بتلك النصوص المستدل بها؛ إما من جهة ضعف السند أو من جهة قصور الدلالة على سبيل منع الخلو.

اللهم إلا أن يقال بانجبار ضعافها سناة بالشهرة العظيمة ولا سيما القدمائية، وعليه تثبت کراهة النافلة المبتدأة فقط في الوقتين، لانعقاد الشهرة عليها بتاتا دون أداء النوافل المرتبة اليومية؛ لانتفاء موضوعها بلحاظ أنه ليس بعد صلاة الفجر وصلاة العصر وقت لشيء من أدائها، كما هو ظاهر، ودون النوافل ذوات السبب؛ لأن مقتضى أدلتها الإتيان بها في أي وقت من الأوقات و عدم حكومة نصوص المقام عليها، فليتأمل.

وكذا دون قضاء تلك النوافل المرتبة؛ لأن مقتضى أدلتها أيضأ ذلك ولا سيما قضاء نوافل الليل التي منها؛ للتصريح بإتيان قضاء نوافل الليل في الوقتين في غير واحد من النصوص معللا بأن قضاء خصوص نوافل الليل فيهما من سر آل


1) راجع التنقيح 6: 525.

محمد عليهم السلام المخزون (1)، وكذا دون قضاء الفرائض؛ فإنها - مضافا إلى أن مقتضی أدلتها أيضا الإتيان بها في أي وقت - منصرفة عن نصوص المقام وخارجة عن محل الكلام، فإن البحث إنما هو في النوافل أداء وقضاء دون الفرائض المقضية .

هذا كله في الوقتين الأولين اللذين كان مرجع التحديد والتوقيت فيهما إلى الفعل الخارجي.


1) راجع الوسائل 3: 176، الباب 39 من أبواب المواقيت، الحديث 14 و 17.

الطائفة الثانية من النصوص

وأما الأوقات الثلاثة الباقية التي يكون مرجع التوقيت والتحديد فيها إلى الزمان نفسه، فکراهة خصوص النافلة المبتدأة فيها كالأولين أيضا منسوبة إلى الشهرة العظيمة كما أشرنا إليها واستدل عليها أيضا بنصوص متعددة.

منها: ما رواه الصدوق قدس سره بإسناده عن شعیب بن واقد عن الحسين بن زید عن جعفر بن محمد عن آبائه عليهم السلام (في حديث المناهي) قال عليه السلام : « و نهی رسول الله صلي الله عليه وآله عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها وعند استوائها» (1)؛ فإنها وإن كانت ضعيفة السند ب«شعیب بن واقد»، لكنها منجبرة بالشهرة العظيمة.

ومنها: صحيحتا ابني مسلم وسنان.

الأولى: عن أبي جعفر عليه السلام قال: «يصلي على الجنازة في كل ساعة؛ إنها ليست بصلاة ركوع و سجود، وإنما تكره الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها (الصلاة) التي فيها الخشوع والركوع والسجود؛ لأنها تغرب بين قرني شيطان وتطلع بين قرني شيطان » (2).

وكذا ورد في بعض النصوص: «إن الناس إذا سجدوا عند طلوع الشمس، قال إبليس لشياطينه: إن بني آدم يصلون لي» (3).


1) الوسائل 3: 171، الباب 38 من أبواب المواقيت، الحديث 6.

2) الوسائل 2: 297، الباب 20 من أبواب صلاة الجنازة، الحديث 2.

3) الوسائل 3: 171، الباب 38 من أبواب المواقيت، الحديث 4.

والثانية: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «لا صلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة» (1)فإنهما - منضمتین - تدلان على الكراهة في الأوقات الثلاثة المبحوث عنها. وإطلاق كلتا الصحيحتين الشامل لما عدا المبتدأة، وكذا استثناء يوم الجمعة في خصوص الصحيحة الثانية مطروحان بإعراض المشهور؛ فإن الشهرة -كما عرفت - تخص الكراهة من بين الصلوات بالمبتدأة من غير استثناء لها في يوم الجمعة، فالإطلاق في الصحيحة الأولى والاستثناء في الثانية إنما صدرا تقية (2)بعد صدور أصل الكراهة فيهما لبيان الحكم الواقعي، وهذا النحو من الصدور- أعني به الجمع بين التقية وبيان الواقع في كلام واحد - ليس في روايات أهل البيت عليهم الصلاة والسلام - بعزيز كما لا يخفى على الخبير (3).


1) الوسائل 5: 18، الباب 8 من أبواب صلاة الجمعة، الحديث 6.

2) فإن الشافعي أجاز الصلاة وقت الزوال يوم الجمعة، راجع بداية المجتهد 1: 86 (منه مد ظله).

3) منها ما في الوسائل 7: 95، الباب 57 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 5، قوله عليه السلام بعد سؤال الخليفة عن حكم عيد الفطر: «ذاك إلى الإمام إن صمت صمنا وإن أ فطرت أ فطرنا»؛ فإنه لا بين حكم الواقع كبرويا بقوله: «ذاك إلى الإمام» وأتى بالبقية صغرويا حقنا للدماء، كذا أفاد الوالد قدس سره في أثناء الدرس (منه مد ظله).

دفع دخل

إن قلت: كيف تستفاد الكراهة المصطلحة من قوله: «تکره» في الصحيحة الأولى ومن قوله: «لا صلاة» في الصحيحة الثانية، مع أن لفظ الكراهة في لسان الأخبار - ولاسيما مع التعليل المذكور فيها وفي نحوها كرواية سليمان بن جعفر الجعفري (1)- يعم الحرمة ولا يراد به خصوص الكراهة المصطلحة إلا بالقرينة، وقوله: «لا صلاة» ظاهر بل صريح في نفي الحقيقة المحمول على الحرمة؟

قلت: نعم، ولكن الشهرة العظيمة المنعقدة من الأصحاب قدس سرهم على الكراهة المصطلحة تكون قرينة بارزة على أن المراد من إطلاق الكراهة في الصحيحة الأولى الكراهة المصطلحة، ومن نفي الصلاة في الصحيحة الثانية نفي الكمال والفضيلة المحمول على الكراهة لا محالة؛ فإن الشهرة القدمائية ربما يستكشف منها النص المعتبر، كما كان إليه يشير سيدنا الأستاذ العلامة البروجردي قدس سره أثناء الدرس في بعض المباحث، فلا غرو في استكشاف القرينة منها في المقام.


1) الوسائل 3: 172، الباب 38 من أبواب المواقيت، الحديث 9.

المناقشة في التعليل المذكور في صحيحة ابن مسلم

وأما التعليل المذكور في الصوص لمنع الصلاة في الوقتين فهو من بقايا الإطلاق الصادر تقية؛ لوجوده في روايات العامة (1)إذ لا يعرف له معنی صحیح سليم ويكون أشبه بمفتعلاتهم، ويؤيد صدوره تقية ما في التوقيع الذي رواه الصدوق قدس سره عن أبي الحسين محمد بن جعفر الأسدي مما ورد من جواب مسائله من محمد بن عثمان العمري قدس الله روحه: «وأما ما سألت من الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها فلئن كان كما يقول الناس: إن الشمس تطلع بين قرني شیطان وتغرب بين قرني شيطان فما أرغم أنف الشيطان بشيء أفضل من الصلاة، فصلها وأرغم أنف الشيطان» (2).


1) راجع -كما في التنقيح 6: 536، التعليقة الأولى من الهامش - صحیح مسلم 1: 229 طبعة دار الكتب العربية، وسنن النسائي 1: 97 من طبعة مصر، ومسند أبي عوانة، 1: 386، وسنن ابن ماجة 1: 377 ومجمع الزوائد لابن حجر 2: 225. وفي كتاب «طرح التثريب في شرح التقريب» لزين الدين عبدالرحيم العراقي 2: 195 بعد ذکر حدیث طلوع الشمس وغروبها قال: اختلفوا في معناه، فقيل: «المراد مقارنة الشيطان للشمس عند الطلوع والغروب»، وقيل: «المراد قوة وسوسته للعبد وتسويله له»، وقيل: «وقوف الشيطان للشمس عند طلوعها فيقابلها بین قرني رأسه فينقلب سجود الكفار للشمس عباد له»، وقيل: «المراد من قرني الشيطان على الحقيقة»، وقيل: «قرنه عبارة عن مقارنته لها»، وقيل: «المراد التمثيل بذوات القرون» إلى غير ذلك (منه مد ظله).

2) الفقيه 1: 498، الحديث 1427، وكمال الدين 2: 520، الحدیث 49، والوسائل 3: 172،الباب 38 من أبواب المواقيت، الحديث 8

فإنه يعارضه ويجعل التعليل علي لا محصل له، وإن وجهه في المستمسك بما لايمكن المساعدة عليه (1).

اللهم إلا أن يراد منه -كما اعترف به - معنی آخر کني بظاهر التعليل عنه.

وكيف كان، فمما يختلج بالبال ويساعده الذوق السليم هو أن هذا التوقيع المعارض وإن كان ضعيف السند، إلا أن روائح الصدق منه ساطعة لا يصح طرحه والإعراض عنه، فلو لم يكن صحيحا قابلا للاحتجاج على المدعي فلا أقل من كونه مؤيدة له، كما قيل (2).

معارض آخر للطائفة الثانية

وكذا تعارض الإطلاق والتعليل المذكورين نصوص متعددة تدل على أن أمرالقضاء واسع يجوز أن يأتيه المكلف في أي وقت من أوقات الليل والنهار.

منها: صحيحة حماد أنه سأل أبا عبد الله عليه السلام «عن رجل فاته شيء من الصلوات فذكر عند طلوع الشمس أو عند غروبها؟ قال : فليصل حين


1) وجهه في المستمسك بقوله: «الأولى التصرف في التوقيع، إما بحمله على إرادة مجرد المنع أو إبطال الكراهة من جهة التعليل المذكور كما هو غير بعيد، ولذا حكي عن المفيد رحمه الله في كتاب «افعل ولا تفعل» ما يوافق التوقيع ومع ذلك بني على العمل بالنصوص وإما بحمله على إرادة إبطال الأخذ بظاهر التعليل وأن المراد منه معنى آخر کني بظاهر التعليل عنه، أو نحو ذلك مما يظهر بالتأمل، راجع المستمسك 5: 147 (منه مد ظله).

2) راجع التنقيح 6: 539.

يذكر» (1)ومثلها رواية نعمان الرازي (2).

ويحتمل -كما عن بعضهم (3)- أن يراد من قوله عليه السلام : «لا صلاة» في صحيحة ابن سنان نفي رجحان الظهرين عند الزوال لمسبوقيتهما بالنافلة في غير يوم الجمعة، بل الظاهر منها ذلك بقرينة النصوص الدالة على أن وقت صلاة الظهر بعد القدم والذراع ووقت صلاة العصر بعد القدمين والذراعين (4)، فبناء على مجرد الاحتمال تكون الصحيحة مجملة، وبناء على الظهور تكون أجنبية عن المقام لا وجه للاستدلال بها على الكراهة في الأوقات الثلاثة.

وتؤيده معتبرة أبي بصير، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام : «إن فاتك شيء من تطوع الليل والنهار فاقضه عند زوال الشمس وبعد الظهر عند العصر وبعد المغرب وبعد العتمة ومن آخر السحر» (5)؛ فإنها تدل على جواز قضاء التطوع عند الزوال وصلاحية الوقت له، وهذا الاحتمال أو الظهور وإن كان يوجب طرح الصحيحة عن الاستدلال بها، لكن الذي يسهل الخطب أنه يكفينا في الاستدلال للمقام رواية مناهي النبي صلي الله عليه وآله (6)؛ فإنها وإن كانت ضعيفة السند، إلا أنها -كما أشرنا ۔ منجبرة بالشهرة العظيمة المحصلة من القدماء والمتأخرين رضوان الله تعالى عليهم.


1) الوسائل 3: 174، الباب 39 من أبواب المواقيت، الحديث 2.

2) المصدر السابق، الحديث 16.

3) وهو المحقق الخوئي في التنقيح 6: 534.

4) الوسائل 3: 174، الباب 39 من أبواب المواقيت، الحديث 2.

5) الوسائل 3: 201، الباب 57 من أبواب المواقيت، الحديث 10.

6) الوسائل 3: 171، الباب 38 من أبواب المواقيت، الحديث 6

استدراك: المناقشة في الاستدلال بالصحيحة الأولى والجواب عنها

قد يقال ما ملخصه: إن صحيحة ابن مسلم - ومايحذو حذوها - غير قابلة للتصديق بمدلولها في نفسها؛ لاشتمالها على التعليل بأن الشمس تطلع وتغرب بين قرني شيطان ، وهذا لا يمكن الإذعان به إلا إذا كان لطلوعها وغروبها وقت معين و ليس الأمر كذلك، فإنه لأجل كروية الأرض يكون لها في كل ساعة من ساعات الليل طلوع و غروب وزوال وغيرها، وعليه لا يكون لهذا التعليل معنی محصل يستدل به.

ولكن لقائل أن يقول: إن لطلوعها وغروبها و زوآلها في كل منطقة من الأرض وقتا معينا يمكن الإذعان به فيها، إلا أن التعليل نفسه غير مقبول بما عرفت من التوقيع المذكور.

نتيجة البحث

وكيف كان، فقد تحصل أنه وإن لم تثبت مما سردنا كراهة الصلوات بل مطلق النوافل في تلك الأوقات الخمسة - لا ذوات السبب ولا النوافل المرتبة الموقتة ولا قضاؤها - إلا أنه ثبتت كراهة خصوص النوافل المبتدأة بنصوص منجبرة بالشهرة العظيمة المحققة بين الأصحاب - قدس الله تعالى أسرارهم - قديما وحديثا بل بالإجماع المدعي، وإن استشكل فيه صاحب العروة وغير واحد من الفقهاء من المحشين وغيرهم رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.

ثم إن بعض الأعلام قدس سره (1)- بعد أن لم يعتمد على الشهرة ولا على الإجماع المدعي، ورد التشبث بقاعدة التسامح في السنن بأنه لم يقل بها في المستحبات فضلا عن المكروهات - صحح ما في متن العروة من الأشكال على کراهة الصلاة - حتى المبتدأة - في الأوقات الخمسة المذكورة (من الثلاثة الأخيرة والوقتين الأولين).


1) وهو المحقق الخوئي، راجع التنقيح 6: 526 و 541.

تخصيص مورد الحكم بحال الشروع في النافلة

هذا كله إذا أراد الإتيان بالنوافل المبتدأة في تلك الأوقات الخمسة.

وأما إذا شرع بالنوافل قبل تلك الأوقات فدخل أحدها وهو في النافلة ففي العروة تبعا للجواهر أنه لا يكره إتمامها (1). وفي الجواهر : «إن المنساق من الأدلة کراهة الشروع في النافلة في هذه الأوقات. أما لودخل عليه أحد هذه الأوقات وهو في الأثناء لم يكره انمامها كما صرح به بعضهم فيماحكي عنه، حتى لو علم من أول الأمردخوله عليه كذلك (أي فإنه أيضا لا يكره)» (2). انتهى كلامه رفع مقامه (3).

ولكن استشكل على هذا غير واحد من الأعلام کصاحب المستمسك قدس سره فقال: «إن مقتضى إطلاق النصوص - ولا سيما بملاحظة التعليل في بعضها - هو كراهة صرف وجود الصلاة فيها (فيعم الشروع والاستمرار) لا مجرد الشروع. نعم، قد يزاحم (4)ذلك كراهة قطع النافلة» (5).


1) العروة 2: 275.

2) ما ورد في هذا الفرع (أعني العلم من أول الأمر بدخول الوقت عليه) لم يتعرض له صاحب العروة قدس سره مع وجوده في الجواهر،ولكن إطلاق عبارة العروة يشمله وكذا إطلاق كلام المستشكل للأصل يشمل هذا الفرع، فتذكر (منه مد ظله).

3) الجواهر 7: 299.

4) والأهم عند المزاحمة في المقام عدم قطع النافلة؛ لعدم الخلاف ظاهرا في كراهة قطعها، بل احتاط بعضهم استحبابا في عدم قطعها، وأكد بعضهم كالسيد الفقيه الأصبهاني قدس سره- صاحب الوسيلة - على عدم ترك هذا الاحتياط، راجع العروة 3: 39 (منه مد ظله).

5) المستمسك 5: 148.

وأضاف بعضهم (1)أن مقتضى ما في صحيحة ابن سنان المتقدمة (من نفي الكمال عند الزوال في جميع الأيام إلا يوم الجمعة) هو عدم الفرق بين الصورتين: الشروع والدخول.

لكن الذي يسهل الخطب في المقام- على ما سردنا بما لا مزيد عليه - هو عدم كون النصوص ملاك الاستدلال في المقام مستقیمأ ولا ما عرفت من العلمين قدس سرهما بل كان ملاك الاستدلال و مناطه هو الشهرة العظيمة قديما وحديثا التي كادت أن تكون إجماعا، وإنما استدل بالنصوص بملاحظة انجبارها بتلك الشهرة وهي وإن كانت عظيمة، لكنها- كيفما كانت- لا تكون بالتقريب المتقدم إلا دليلا لبيا لا بد من الأخذ بالقدر المتيقن منها، والقدر المتيقن منها في المقام ليس إلا كراهة الشروع دون الاستمرار، فليتأمل جيدا.


1) وهو المحقق الخوئي، راجع التنقيح 6: 543.

تنبيه

قد ظهر مما ذكرنا أن النوافل المكروهة في تلك الأوقات إنما هي المبتدأة، وأن غيرها من ذوات السبب وقضاء النوافل ليست بمكروهة، كما أنها ليست مندوبة مستحبة في خصوص تلك الأوقات وإن كانت مستحبة في نفسها، إلا أن خصوص قضاء نوافل الليل - مضافا إلى كونها مستحبة في نفسها - يكون مستحبا في مستحب بمقتضى غير واحد من النصوص- التي أشرنا إليها آنفا وسنذكر بعض متونها صريحا إن شاء الله تعالى - في وقتين من تلك الأوقات الخمسة، أعني بهما فيما بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس وفيما بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، وأن قضاء صلاة الليل في هذين الوقتين من سر آل محمد - عليهم الصلاة والسلام - المخزون.

فمن تلك النصوص ما رواه الشيخ قدس سره بإسناده عن محمد بن أحمد بن يحيی عن إبراهيم عن محمد بن عمر الزيات عن جميل بن دراج قال: «سألت أبا الحسن الأول عليه السلام عن قضاء صلاة الليل بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس؟ قال عليه السلام : نعم، وبعد العصر إلى الليل فهو من سر آل محمد المخزون» (1).

وبإسناده أيضا عن أحمد بن محمد بن عيسى عن أحمد بن النضر وأحمد بن محمد ابن أبي نصر في بعض إسناديهما قال: «سئل أبو عبد الله عليه السلام : عن القضاء قبل طلوع الشمس وبعد العصر؟ فقال عليه السلام : نعم، فاقضه؛ فإنه من سر آل محمد صلى الله


1) الوسائل 3: 176، الباب 39 من أبواب المواقيت، الحديث 14.

تعالی علیه وعليهم» (1).

ولا يخفى عليك أن بعض فقرات هذا النص مفتخر بما قبله من رواية جميل؛ فإن المراد من قوله: «قبل طلوع الشمس» ما بعد صلاة الفجر إلى طلوع الشمس ومن قوله : «بعد العصر» إلى غروب الشمس.


1) المصدر السابق، الحديث 17.

فرع في عدم شمول الحكم بالكراهة لمطلق السجود

هل يمكن اندراج مطلق السجود في النافلة المبتدأة المنهي عنها في تلك الأوقات؟

الصحيح هو العدم، لعدم صدق الصلاة أو النافلة المنهي عنها عليه إلا بإلغاء الخصوصية وتنقيح المناط، ولا سيما مع ما في صحيحة ابن مسلم المتقدمة (1)من قوله عليه السلام : «إنما تكره الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها التي فيها الخشوع والركوع والسجود» (2). ولكنه مشکل بملاحظة ما سردنا من أنه لم يكن ملاك الاستدلال في المقام اللصوص حقيقة، بل الشهرة كانت ملاكه، وهي لم تنعقد إلا على النافلة المبتدأة غير الصادقة على السجدة، مضافا إلى أن السجدة -کسجدتي التلاوة والشكر - تكون من ذوات الأسباب غير المبتدأة كما عن العلامة قدس سره في التذكرة (3).


1) ومع ما في رواية عمار عن أبي عبد الله عليه السلام في سجدتي السهو؛ فإن فيها: «الرجل يسهو في صلاته فلا يذكر حتى يصلي الفجر كيف يصنع؟ قال عليه السلام : لا يسجد سجدتي السهو حتى تطلع الشمس ويذهب شعاعها»، راجع الوسائل 5:346، الباب 32 من أبواب الخلل، الحديث 2. قال في الذكرى 2: 388 - بعد ذكر الخبر -: «وفيه إشعار بكراهة مطلق السجدات».

2) الوسائل 2: 797، الباب 20 من أبواب صلاة الجنازة، الحديث 2.

3) التذكرة 2: 345.

قال صاحب الجواهر قدس سره : «لا يندرج مطلق السجود في الصلاة المنهي عنها قطعا ولذا صرح الفاضل فيما حكي من تذكرته بعدم کراهة سجدة الشكر وسجدة التلاوة معللا ذلك بأنهما ليستا بصلاة وبأن لهما أسبابا» (1).


1) الجواهر 7: 300.

@

تذییل: في تغاير المقام مع جواز التطوع في وقت الفريضة

وليعلم أنه وإن كان بين هذه المسألة ومسألة التطوع في وقت الفريضة (1)

منه مد ظله).

تقارب من جهة أن الثابت في محله هنالك - مشروحا بالنقوض والإبرامات - کراهة التطوع (2)بخصوص النافلة المبتدأة -دون غيرها - كما في المقام، لكتهما متغایرتان ذاتا وبينهما بون بعید؛ وذلك لعدم كون الأوقات المكروه فيها خصوص التوافل المبتدأة - على ما سردنا - أوقاتا يؤتى فيها بالفرائض، بل الفرائض في تلك الأوقات إما فائتة من قبل على الفرض، كما في الوقتين الأولين (أي بعد صلاتي الصبح والعصر حتى تطلع الشمس أو تغرب) أو لم تشرع فيها أصلا، كما في الأوقات الثلاثة الأخيرة (أي عند طلوع الشمس وقيامها حتى تنبسط أو تزولد

1) لا يخفى أنه اختلفت كلمات الأصحاب - قدس الله تعالى أسرارهم - قديما وحديثا في جواز التطوع في وقت الفريضة وعدمه، والقائل بكل من القولين کثیر مشهور، وإن نقل عن الشهيد قدس سره في -في الدروس 1: 142 - أن القول بالجواز أشهر. ومنشأ الخلاف في المسألة هو الاختلاف فيما يستفاد من نصوصها؛ إذ بعضها يدل على المنع وبعضها على الجواز ويحمل المنع على كراهة التطوع مطلقا حتى في غير وقت الفضيلة من أوقات الإجزاء، وهذا هو المستفاد من مجموع النصوص المانعة والمجوزة وقد تعرض السيد المحقق اليزدي قدس سره لهذه المسألة في عروته 2: 272، المسألة 16، فراجع ولاحظ ما علق عليها أيضا. وللعثور على نصوص هذه المسألة راجع الوسائل 3: 86، الباب 3 و 3: 102، الباب 8 و3: 164، الباب 35 و 3: 191، الباب 50 و3: 206، الباب 61 من أبواب المواقيت، والمستدرك 3: 160، الباب 46 من أبواب المواقيت

2) وهو إتيان الشيء بالتنوع والرغبة، كل تيان السنن والمندوبات (منه مد ظله).

وعند غروب الشمس قبيل الغروب)، والمفروض في تلك المسألة على ما حقق في محله - هو أن يؤتى بالنافلة المبتدأة في وقت الفريضة التي لم تكن مأتية بها في وقتها. والتفصيل لا يسعه المقام، بل موکول إلى محله؛ والإشارة هيهنا إنما كانت استطرادية ولدفع بعض التوهمات.

والحمد لله رب العالمين والصلاة على محمد و آله الطيبين الطاهرين.

الرسالة الثالثة: في بيان جزئية الشهادة بالولاية وإمرة المؤمنين لعلي عليه السلام في فصول الأذان والإقامة وتذييل الكلام ببيان الحكم في تشهد الصلاة

اشارة

الرسالة الثالثة

في بيان جزئية الشهادة بالولاية (1)وإمرة المؤمنين لعلي عليه السلام في فصول الأذان والإقامة وتذييل الكلام ببيان الحكم في تشهد الصلاة

أقوال العلماء حول أخبار الجزئية

اعلم أنه لم ترد الشهادة لعلي بن أبي طالب - عليه أفضل الصلاة والتحيات - بالولاية وإمرة المؤمنين ونحوهما (2)في النصوص المعتبرة المتداولة المشتملة على عدد فصول الأذان والإقامة، بل النصوص الحاكية عن فصولهما خالية عنها


1) الولاية- بالكسر - والولاء بمعنى التولية والسلطان كما في اللغة، وهي المرادة في المقام، وإن كانت بالفتح- بمعنى المحبة - أيضا مرادة (منه مد ظله).

2) مثل محمد وآل محمد خير البرية، وأشهد أن عليا أمير المؤمنين حقا (منه مد ظله).

بتاتا (1)والأخبار المصرحة بها المروية عن المفوضة (2)إما موضوعة كما - عن الصدوق قدس سره في الفقيه (3)- أو من شواذ الأخبار لا يعمل بها -كما عن الشيخ قدس سره في النهاية والمبسوط (4)- أو مما لا يعول عليه- كما عن العلامة في المنتهى (5)۔ ونحو ذلك كلام غيرهم (6)كما في المستمسك (7)فلايصح التمسك بها حتى بمعونة


1) راجع الوسائل 4: 642، الباب 19 من أبواب الأذان والإقامة وجامع أحاديث الشيعة 5: 135، الباب 17 من أبوابهما

2) المفوضة هم القائلون بتفويض أمر الكائنات إليهم عليهم السلام فهو إما مع تعطيله - سبحانه وتعالى - عن العمل بالمرة فهو تفویض باطل، وإما مع كونه - تبارك وتعالی - هو الفاعل ما منه الوجود في كل آن، وهم عليهم السلام في طوله -جل وعلا- فواعل أيضا، لكن ما بهم الوجود أعني: وسائط فيضه المدام ومجاري بركاته المستمرة وهذا هو تفویض صحيح وإن لم يكن يتضح لغير واحد من قدماء الأصحاب قدس سره ، والظاهر أن الصدوق رحمه الله القائل بسهو النبي صلي الله عليه وآله منهم ويبدو أنه لعن القائلين بهذا التفويض، لكنه كماتری؛ إذ هو ثابت إ جمالا بالتواتر الحاصل من خلال الآيات والأخبار والخطب والآثار والأدعية والزيارات والأذكار وغيرها من نظائرها، كما لايخفی على الخبير البصير (منه مد ظله).

3) وفي الوسائل نقلا عن «الفقيه» قال: «والمفوضة - لعنهم الله - قد وضعوا أخبارا وزادوا بها فيالأذان( المراد منه ظاهرا مايعم الإقامة) : محمد وآل محمد خير البرية مرتين وفي بعض رواياتهم بعد أشهد أن محمدا رسول الله: «أشهد أن عليا ولي الله » مرتين، ومنهم من روی بدل ذلك: أشهد أن عليا أمير المؤمنین حقا» مر تین، انتهى موضع الحاجة، راجع الوسائل 4: 648 الباب 19 من أبواب الأذان والإقامة، الرقم 25 والفقيه 1: 290، باب الأذان والإقامة، ذیل الحديث 897 (منه مد ظله).

4) النهاية: 69 والمبسوط 1: 99

5) المنتهی 4: 381.

6) كالعلامة كاشف الغطاء في كتابه کشف الغطاء 3: 143 و 144

7) المستمسك 5: 545.

أخبار «من بلغ» وقاعدة التسامح في أدلة السنن؛ فإنها - مضافا إلى عدم إمكان إثبات حكم الاستحباب بها (1)- تكون مختصة بصورة بلوغ الثواب فقط، لا بلوغه مع بلوغ عدمه، كما في المقام، هكذا قيل (2).

ولكن فيه: أنه وإن كانت کبری اختصاص أخبار «من بلغ» بصورة البلوغ صحيحة، لكن لم يتحقق بلوغ عدم الثواب صغرويا في المقام؛ لعدم رواية تدل على العدم (3)، وإنما رمى الصدوق قدس سره راويه بالتفويض ونفى الشيخ قدس سره مشروعيته والعلامة قدس سره التعويل عليه؛ لكون الرواية شاذة لا يعمل بها وهذا المقدار من التضعيف لا يمنع من جریان قاعدة «من بلغ» على تقدير تماميتها في نفسها كما هو الصحيح، وإن لم يثبت بها حكم الاستحباب؛ إذ مجرد الشهادة بكذب الراوي لاتمنع من احتمال الصدور الموجب لاحتمال المطلوبية المصحح للتمسك بالقاعدة، فيثاب في العمل بها رجاء وإن لم يحكم عليه بالاستحباب؛ إذ لابد في الحكم من وجود دلیل معتبر لا ما يثبت بالقاعدة.


1) لما ثبت في محله من أن هذه القاعدة غير تامة في نفسها؛ إذ لايثبت بها إلا الثواب دون الاستحباب لتكون الشهادة بالولاية من فصول الأذان و الإقامة وأجزائهما المستحبة (منه مد ظله).

2) راجع مصباح الفقيه 11: 313 وموسوعة المحقق الخوئي 13: 259؛ حيث إنهما قالا بأن إخبار الناقل لأخبار الجزئية -وهو الصدوق والشيخ والعلامة قدس سرهم - بشذوذها أو وضعها يدل على عدم الثواب على الشهادة.

3) مضافا إلى ما قاله العلامة المجلسي قدس سره في البحار؛ فإنه قال: «لا يبعد كون الشهادة بالولاية من الأجزاء المستحبة للأذان؛ لشهادة الشيخ والعلامة والشهيدوغيرهم بورود الأخبار بها» وما قاله المحقق القمي قدس سره في غنائم الأيام قريبا من ذلك، راجع البحار 81: 111 وغنائم الأيام 2: 423

دفع وهم

ثم إنه لا يقدح ذکر مثل هذه العبارات في أثنائهما بالموالاة المعتبرة بين فصول كل منهما بحيث تكون صورتهما محفوظة بحسب عرف المتشرعة (1)فالفصل الطويل المخل بحسب عرفهم بين فصولهما مبطل على ما فصل في محله، وإنما لا تقدح بالموالاة؛ لأنها- كما أفاد في الجواهر (2)- تكون كالصلاة على محمد و آله عند سماع اسمه صلي الله عليه وآله ، فكما لا تقدح تلك بالموالاة العرفية فكذلك هذه، وكتجلیل الله - تبارك وتعالى - وتعظيمه المكرم عند ذكر اسمه عزوجل.

هذا كله، ويمكن أن يقال بجزئية هذه الشهادة في الأذان والإقامة بما ذهب إليه بعضهم ؛ فإنه قال ما هذا لفظه: «الظاهر أن الأخبار المروية عن المفوضة بزيادة هذه الكلمات (في الشهادة الثالثة) أيضا كانت في الأصول (الأولية) وكانت صحيحة أيضا كما يظهر من المحقق والعلامة والشهيد رحمه الله؛ فإنهم نسبوها إلى الشذوذ، والشاذ ما يكون صحيحا غير مشهور، مع أن الذي حكم بصحته أيضا شاذ » (3).


1) لا سيما في الإقامة؛ فإنه - مضافا إلى استحباب الجزم في أواخر فصولهما - يستحب في خصوصها الحدر أي الإسراع في الأداء على وجه لاينافي قاعدة الوقف كما يستحب في خصوص الأذان التأني على وجه لاينافي الموالاة، والتفصيل موكول إلى محله (منه مد ظله).

2) الجواهر 9: 87.

3) راجع روضة المتقين 2: 245

و تقریب قوله قدس سره هو أنه وردت في المقام نصوص معتبرة على استحباب الشهادة الثالثة في الأذان والإقامة وهي تلك الأخبار المروية عن المفوضة، ولكن بملاحظة عدم عمل المشهور بها لمصلحة التقية ونحوها من المصالح (1)صارت شادة، إلا أنه لا بأس بالعمل بها عند ارتفاع تلك المصالح، فتكون جزئية الشهادة الثالثة في الأذان والإقامة ثابتة بتلك الأخبار المعتبرة في نفسها فيصح الإتيان بها بقصد الورود عند ارتفاع تلك المصالح كما في هذه الأعصار. ولذا قال صاحب الجواهر قدس سره (2): لولا تسالم الأصحاب قدس سرهم (أي لولا شهر تهم الناشئة من التقنية ونحوها) لأمكن دعوى الجزئية وقال العلامة الشيخ محمد تقي المجلسي قدس سره أيضا في موضع آخر من الروضة بعد قوله: «والأولى أن يقوله (أي يقول ما ورد من الكلمات في الشهادة الثالثة) على أنه جزء الإيمان لاجزء الأذان» ما هذا لفظه: « و يمكن أن يكون (جزء) واقعا ويكون سبب تركه التقية، كما وقع في كثير من الأخبار ترك حي على خير العمل تقية» (3).

نعم، ما عن الوحيد البهبهاني قدس سره - على ما حكي عنه (4)- من القول بأنه لاضير في كونها (أي الشهادة الثالثة) جزء من الأذان أو الإقامة على نحو الإطلاق من


1) مثل صعوبة قبول القوم ولاية صاحب الولاية عليه السلام من جهة كونه شابا قاتلا لأقربائهم وغيرها وستأتي الإشارة إليها (منه مد ظله).

2) الجواهر 9: 87.

3) روضة المتقين 2: 246.

4) راجع الهداية: 12.

غیر تقیید بعدم الشهرة والتقية، مما لا يمكن المساعدة عليه إلا أن يحمل ويقيد بهما كما عرفت من صاحبي الجواهر وروضة المتقين قدس سرهما ، فعلى هذا التقريب دلت هذه الأخبار -أي أخبار المفوضة - على أن الشهادة الثالثة كانت جزء واقعيا في حقيقة الأذان والإقامة وإنما أسقطت لبعض المصالح وسنصرح -إن شاء الله تعالی - بأن هذه الأخبار بهذا التقريب تؤيد ما سيأتي مما يصح الاستدلال به بالخصوص في المقام، والله تعالى هو الهادي إلى ما هو المرام.

الاستدلال برواية الاحتجاج وما فيه

وقد يستدل للمقام بما يدل على جواز ذكر الشهادة بالولاية بعد ذکر الشهادتين بصورة العموم في كل مقام، كرواية الاحتجاج عن القاسم بن معاوية عن الصادق عليه السلام : «إذا قال أحدكم: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فليقل: علي أمير المؤمنین» (1)

112، الباب 13.

.

لكنها لضعف سندها لا يمكن أن يثبت بها الجزئية ولو استحبابا ، فإنه يعتبر في الحكم بالجزئية حتى المستحبة- كسائر الأحكام - من عدم ضعف سند الرواية.

أجل، يجوز أن يأتي بها بقصد الرجاء عموما ويثاب عليها، كما تقدم.


1) الاحتجاج للطبرسي 1: 158، وفي البحار 1:27، الباب الأول، الحديث1 ، وأيضا 81:

أحسن ما یستدل به في المقام

نعم، استدل حقا بما حکی غیر واحد من أعاظم الموثقين (1)عن کتاب السلافة في أمر الخلافة للشيخ عبدالله المراغي المصري من أعلام أهل السنة والجماعة في القرن السابع من روايتين:

إحداهما: عن سلمان الفارسي - رضوان الله تعالی علیه - بأنه ذكر في الأذان والإقامة الشهادة بالولاية لعلي عليه السلام بعد الشهادة بالرسالة في زمن النبي صلي الله عليه و اله فدخل رجل عليه فقال له صلي الله عليه وآله : «سمعت أمر لم أسمع قبل ذلك، سمعت سلمان في أذانه (بالمعنى العام الشامل للإقامة ظاهرا) يشهد بالولاية لعلي عليه السلام». فقال صلي الله عليه وآله : «سمعتم خيرا».

وثانيتهما: نظيرها عن أبي ذر - رضوان الله تعالی علیه -: جاء بعض الأصحاب عنده صلي الله عليه وآله فقال: «إن أباذر في أذانه شهد بولاية علي بن أبي طالب علیه السلام بعد الشهادة بالرسالة، وقال: أشهد أن عليا ولي الله». فقال صلي الله عليه وآله : «الأمر كذلك»، ثم قال معاتبا : «أونسیتم قولي في غدیر خم: مَن كُنتُ مَولاهُ فَعَلِيُّ مَولاهُ ؟ فَمَن یَنکِثُ فَإِنَّمَا یَنکَثُ عَلَى نَفسِه».

وهاتان الروایتان وإن كانتا عاميتين، لكنهما - مضافا إلى أن روائح الصدق


1) كما عن صاحب کتاب «الصراط المستقيم» والشيخ عبد النبي العراقي في« الهداية » وعن الشيخ عبد العظيم في كتابه «السياسة الحسينية» روايته في مخطوط بالمكتبة الظاهرية بدمشق (منه مد ظله).

منهما لائحة وقرائن الصحة عنهما ساطعة (1)كما لا يخفى على من له أدنى دربة بفقه الحديث (2)- مؤيدتان بتلك الأخبار المروية عن المفوضة بالتقريب المتقدم بما لا مزيد عليه، فتدلان بالوضوح على أن الشهادة الثالثة كانت من أجزاء الأذان والإقامة واقعا وفي نفس الأمر، لكنه صلي الله عليه وآله في زمانه وماشابهه من الأزمنة لم يأمر باندراجها فيهما غير الخصيصين من الأصحاب - رضوان الله تعالى عليهم - لأجل بعض المصالح ولئلا يقع الاختلاف من جهة كون المسلمين حديثي عهد بالإسلام (3)، بل جعل صلي الله عليه وآله بدل تلك الشهادة ما يدل عليها بالكناية التي هي أبلغ من التصريح وهو فصل «حي على خير العمل»؛ فإن «خير العمل» إنما كان ولايته عليه السلام وكانت الولاية بهذا العنوان مشهور و متداولة بين المسلمين (4)في حياة الرسول صلي الله عليه وآله وشطر من خلافة أبي بكر فأسقطه عمر بن الخطاب (5)في زمن


1) ولاسيما مع ملاحظة أن الراوي فيهما من المخالفين، والحسن ما شهدت به الأعداء (منه مد ظله).

2) ولعمري إن ذكر صاحب السلافة هاتين الروايتين تفضل من الله تعالى، فلا غرو في عدم ذکر غيره من العامة بعد توفر دواعي اختفاء الحقائق فيهم (منه مد ظله).

3) لصعوبة قبولهم ولايته عليه السلام مع كونه شابا قاتلا لأقرباء القوم وآبائهم الكفرة الفجرة ومع وجود مشایخ فيهم لم يشاركوا في القتال طرفة عين، إلى غير ذلك ( منه مد ظله).

4) فإن الولاية - مضافة إلى كونها عملا جوانحيا - يراد بها التولي وهو التظاهر بها بالجوارح والاطاعة من صاحب الولاية عملا بعد الإقرار بها قلبا، وفي بعض الأثر: علة أنها خير العمل هي أن الأعمال كلها بها تقبل أي تصح؛ فإنها - على ما يستفاد من الآثار - من شرائط الصحة (منه مد ظله).

5) وهي سنة 11 من الهجرة، سنة تبعیده بلال المؤذن رحمه الله إلى الشام بعد استنکافه بيعة من لم يستخلفه رسول الله صلي الله عليه وآله ويؤيد ذلك ما في معجم رجال الحديث وغيره من أنه: روى الوحيد في «التعليقة» عن جده أنه قال: «رأيت في بعض كتب أصحابنا عن هشام بن سالم عن الصادق عليه السلام ، وعن أبي البختري قال: حدثنا عبد الله بن الحسن بن الحسن أن بلالا أبى أن يبايع أبابكر وأن عمر أخذ بتلابيبه وقال له: يا بلال! هذا جزاء أبي بكر منك أن أعتقك فلا تجيء تبایعه؟ فقال: إن كان أبوبكرأعتقني لله فليد عني لله، وإن كان أعتقني لغير ذلك فها أناذا، وأما بیعته فما كنت أبايع من لم يستخلفه رسول الله صلي الله عليه وآله ، والذي استخلفه بيعته في أعناقنا إلى يوم القيامة فقال عمر: لا أبا لك! لا تقم معنا فارتحل إلى الشام»، راجع معجم رجال الحديث 4: 272 ومنتهى المقال 2: 176. وقوله - كما في الفقيه -: «لا أؤذن لأحد بعد رسول الله صلي الله عليه وآله فترك يومئذ حي على خير العمل» يدلنا على أن حذف هذا الفصل من الأذان والإقامة وقع في زمن خلافة أبي بكر بدلالة عمر. راجع الفقيه 1: 283، باب الأذان والإقامة، الحديث 872 والتلابيب من لببت الرجل تلبيبا. إذا جمعت ثيابه عند صدره ونحره عندالخصومة ثم جررته (منه مد ظله).

خلافة أبي بكر من فصولهما بمغالطة واهية هينة وتحمل أن ذكره فيهما يوجب رغبة الناس إلى الصلاة وإعراضهم عن الجهاد؛ ويدل على ما قلنا من الكناية بخير العمل عن الولاية رواية الصدوق رحمه الله في العلل عن عبد الواحد بن محمد بن عبدوس، عن علي بن محمد بن قتيبة، عن الفضل بن شاذان عن محمد ابن أبي عمير أنه سأل أبا الحسن (الكاظم) عليه السلام عن «حي على خير العمل» لم ترکت من الأذان (المراد منه ما يعم الإقامة) فقال عليه السلام : «تريد العلة الظاهرة أو الباطنة؟» قلت: «أريدهما جميع». فقال عليه السلام :

« أمَّا العِلَّةَ الظَاهِرَةُ فَلَئَلاَّ يَدَعُ النَّاسَ الجَهادَ اتّكَالاً عَلَى الصَّلاة.

وأما الباطنة فإن خير العمل الولاية، فأراد من أمر بترك حي على خير العمل من الأذان أن لا يقع حث عليها ودعاء إليها» (1).


1) علل الشرائع 2: 368، الباب 89 الحديث 4 والوسائل 4: 647، الباب 19 من أبواب الأذان والإقامة، الحديث 16 وجامع أحاديث الشيعة 5: 150، الباب 17 من أبواب الأذان والإقامة، الحديث 26.

سبب عدم ذكر هذه الشهادة في الأحاديث المروية عن الأئمة عليهم السلام

ثم إن عدم اندراج هذه الشهادة بعد زمن النبي صلي الله عليه وآله في عصرالمعصومين عليهم السلام في الأذان والإقامة إنما هو لأجل وجود محذور التقية شديدا- ولاسيما بعد إسقاط الثاني بدلها - ولذا لم تذكر في الأحاديث الحاكية لفصول الأذان والإقامة من ناحية العترة الطاهرة صلوات الله عليهم أجمعين، بل أمروا بإخفائها إلى زمان الإفشاء، ولكن المفوضة لم يهتموا بذلك فأفشوها وصار سببا لمثل مقالة الصدوق والشيخ والعلامة قدس سرهم بما عرفت؛ فلا ضير بعد ما تقدم- من أن الشهادة الثالثة بمقتضی آثار معتبرة كانت من أجزاء الأذان والإقامة واقعا وحقيقة - في الحكم باندارجها فيهما في هذه الأعصار المنتفي فيها محذور التقية في غالب البلاد حتی غير الشيعية بحمد الله ومته تعالى كما لا بأس في أن تذكر فيهما بقصد الجزئية ورجاء الورود، فضلا عن ذكرها برجاء المطلوبية (1)، مضافا إلى أنها معدودة في هذه الأزمنة من شعائر الإيمان ورمز التشيع واستكمال للشهادة بالرسالة، فتكون من هذه الجهة راجحة شرعا، بل -كما في المستمسك (2)- قد يكون واجبا (أي شرطا) لكن لا بعنوان الجزئية، بل بعنوان ثانوي -ولا سيما بعد مغالطة عمر بن


1) الفرق بين رجاء الورود ورجاء المطلوبية هو أنه يعتبر في رجاء الورود من وجود أثر من رواية ضعيفة أو فتوى فقيه ونحوهما، وفي رجاء المطلوبية يكفي مجرد عدم كون المورد مما يخالف العقل والشرع (منه مد ظله ).

2) المستمسك 5: 545.

الخطاب في بدلها (حي على خير العمل) بما عرفت- فاللازم أن تذكر في فصولهما كبد لها مرتين مستقلتين بعد الشهادة بالرسالة.

والعجب ما عن بعض المعاصرين - وفقه الله تعالى لمراضيه - من عدم تجویز ذكرها فيهما بالمرة أو تجویزه بصورة العطف على الشهادة بالرسالة، والله هو الهادي إلى الصواب.

ولا يبعد أن يقال (بعد لابدية الشهادة الثالثة) بما تفطن به بعض الأعزة من أن كلا من فصول الحيعلات الثلاث يشير إلى تلك الشهادات الثلاث بالترتیب: فیشیر إلى الشهادة بالوحدانية فصل «حي على الصلاة»، وإلى الشهادة بالرسالة فصل « حي على الفلاح » (1)، وإلى الشهادة بالولاية فصل «حي على خير العمل»؛ فإن العبادة -كالصلاة - مختصة بذاته - تعالی و تقدس - ولم يفلح في الآخرة من لم يشهد بالرسالة المحمدية صلي الله عليه وآله ، ولم يأت بخير العمل من لم يقر بالولاية العلوية عليه السلام (2).

ولا يخفى أن الشهادة بولاية الأئمة المعصومين عليهم السلام منطوية في الشهادة


1) وإن يستفاد من بعض الأثر أن معنی «حي على الفلاح» حث على الزكاة، ولعل ذلك لكون قبول الصلاة مشروطا بها، والظاهر أن الزكاة هاهنا بمعناها الأعم الشامل للخمس (منه مد ظله).

2) والأ ولى أن يشهد بأنه حجة الله وأمير المؤمنين أيضا فيقال: «أشهد أن أمير المؤمنين عليا ولي الله أو حجة الله أو أشهد أن عليا أمير المؤمنين وولي الله»، ولعله يصح أن يحذف حرف «الواو» ويقال: «أشهد أن عليا أمير المؤمنين ولي الله»، الحمدلله الذي هدانا لهذا (منه مد ظله).

بالولاية لعلي - عليه أفضل الصلوات - بحيث لا يحتاج إلى ذكرهم، وإن كان الأولى والأفضل ذکر هم تحت عنوان «أولاده وأبناءه - عليه وعليهم الصلاة والسلام -» وأولى منه أن تذكر الشهادة بولاية المهدي وآبائه المعصومين - عليهم صلوات المصلين -؛ فإن الشهادة بهذه الكيفية تشمل الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء عليها السلام ؛ لأنها حينئذ مندرجة في الآباء بحكم التغليب، كما هو ظاهر.

تذییل:في بيان حكم جزئية هذه الشهادة في تشهد الصلاة

قد يدعي ويقال في تشهد الصلوات أيضأ نظير ما قدمنا في الأذان والإقامة من جواز إتيان الشهادة الثالثة - أعني الشهادة بالولاية - فيهما، برجاء المطلوبية بل برجاء الورود (1)بل بقصد نفس الورود وإرادة الجزئية المستحبة، مستدلا بما قدمنا من رواية الاحتجاج عن الإمام الصادق علیه السلام الدالة على لزوم ذكر هذه الشهادة بعد الشهادتين بصورة العموم الشامل لمقامنا هذا- أعني مقام تشهد الصلاة - أيضا كما كانت شاملة لمقام الأذان والإقامة، وكذا استدل بمرسلة أبي بصیر عنه علیه السلام قال أيضا قوله: « بِسمِ اللهِ وَبِاللهِ وَالحَمدُللهِ وَخَيرُ الأسمَاءِ كُلُّهُ للهِ، أشهَدُ أنَّ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَحدَهُ لاَ شَريكَ لَهُ، وَأشهَدُ أنَّ مُحَمَّداً عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، أرسَلَهُ بِالحَقَّ بَشِيراً وَ نَذِيراً بَينَ يَدَيِ السَّاعَةِ، وَأشهَدُ أنَّ رَبِّي نِعمَ الرَّبُّ وَأنَّ مُحَمَّداً نِعمَ الرَّسُولُ وَأنَّ عَلِيّاً نِعمَ الوَصِيُّ (2)وَ نِعمَ الإِمامُ، اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِ مُحَمَّدٍ، وَتَقَبَّل شَفاعَتَهُ فِي أمَّتِهِ وَارفَع دَرَجَتَهُ، الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمينَ..»، المروية هذه المرسلة عن كتاب القطرة (للعلامة المستنبط قدس سره) عن العلامة المجلسي الأول (الشيخ محمد


1) تقدم الفرق بين الرجائين آنفا في المقام المتقدم (منه مد ظله).

2) ورد قول: «وأن عليا نعم الولي» أيضا في بعض نسخ مصباح الشيخ رحمه الله عند ذكره التشهد بعد قول: «أشهد أن محمدا نعم الرسول».

تقي) قدس سره في كتابه المسمى ب «فقه الإمامية» (مطبوع على ما قيل) الدالة وضوحا على ما ادعي.

لكن لا يمكن المساعدة على كلا الاستدلالين؛ لضعف سند الروايتين المستدلتين بهما، بل الثانية منهما شاذة لم تذكر في الجوامع الروائية بتاتا، لا في الكتب الأربعة المتقدمة (1)ولا في الكتب الأربعة المتأخرة (2)ولا في جامع أحاديث الشيعة ولافي نظائرها فلا يمكن الاعتماد عليهما في الحكم باستحباب جزئية الشهادة الثالثة في تشهد الصلاة؛ بداهة عدم صحة الاستدلال بضعاف النصوص على استحباب الجزئية كما أومأنا إليه، ولاسيما مع لحاظ قيام الشهرة العظيمة قديما وحديثا على خلافها، وإن استند وأفتى عدد معدود من متأخري الأصحاب قدس سره- کالمجلسي الأول في كتابه المشار إليه على ماقيل- باستحباب جزئيتها في تشهد الصلاة بقصد الورود.

وأما الاستناد إليهما في الحكم بالإتيان بها فيه برجاء الورود أو المطلوبه فكذلك لا يصح وإن صححنا الاستناد إلى ضعاف النصوص في المقام السابق (مقام الأذان و الإقامة) بما لا مزيد عليه من البيان؛ وذلك للفرق الواضح الفارق بين الأذان أو الإقامة وبين تشهد الصلوات؛ فإنه لم يقم نص ودليل يدل على بطلان الأذان والإقامة بفصل کلام عمدي بين فصول كل منهما، إلا إذا كان الكلام مطولا


1) هي الكافي والفقيه والتهذيب والاستبصار.

2) هي البحار والوافي والوسائل والمستدرك

بحيث يخل عرفا بالموالاة المعتبرة في فصولهما، وقد عرفت أن الشهادة الثالثة- کذكر الصلوات على محمد و آل محمد صلی الله علیه وآله - لا تخل بهما عرفا، ولكن وردت نصوص معتبرة صريحة في بطلان التشهد والصلاة بتعمد كلام فيه وفيها لم یکن بقرآن أو دعاء (1)

قلت: نعم، يصح، ولكن الأولى عدم ذكر ذلك فيه حتى بقصد الرجاءين؛ فإنه يوجب أن يتكثر مثل ذلك ويخرج تشهد الصلاة عما هو عليه من المأثورة ويصبح غير مأثور، مضافا إلى أن العوام والخواص كالعوام ربما لا يميزون بين قصد الرجاءين وبين قصد الورود الخاص، فيتغلطون ويختلطون، فيحصل الهرج والمرج في أصل تشهد الصلوات نعوذ بالله منه (منه مد ظله).

أو ذكر الله - تبارك وتعالى شأنه - (2)ولاريب في عدم صدق كل من هذه العناوين الثلاثة على الشهادة الثالثة فهي ککلام الآدمي الذي تبطل الصلاة بذكره فيها وفي تشهدها عمدا.

وما ذكر في بعض النصوص من أن ذکر علي - عليه الصلاة والسلام - عبادة (3)، أو أن ذكرنا ذكر الله تعالى (4)ونحوهما فهو -كما لا يخفی - ليس على


1) إن قلت: هل يصح إ تيان أي دعاء في تشهد الصلوات لابقصد الورود الخاص، مثل دعاء وعجل فرجهم» بعد ذكر الصلوات على محمد وآل محمد علیهم السلام؟

2) راجع الوسائل 4: 2175، الباب 25 من أبواب قواطع الصلاة، وجامع أحاديث الشيعة 6 :224، الباب 14 من تلك الأبواب

3) الوسائل 11: 568، الباب 23 من أبواب فعل المعروف، الحدیث 9 وجامع أحادیث الشيعة 20: 184، الباب 55 من أبواب العشرة، الحديث 17 والمستدرك 5: 283، الباب الأول من أبواب الذكر، الحديث 1 والعمدة: 365 وكشف اليقين: 449 والمناقب 3: 202.

4) الوسائل 11: 566، الباب 23 من أبواب فعل المعروف، الحديث 1 وجامع أحاديث الشيعة 19: 503، الباب 26 من أبواب الذكر، الحديث 1.

نحو الحقيقة، بل من باب التوسع والمجاز كناية عن أهمية ذكر اسمه صلوات الله تعالی علیه و عليهم.

نعم، الشهادة الثانية، أعني بها الشهادة بالرسالة، وإن لم يصدق عليها أيضا تلك العناوين الثلاثة، لكن جزئيتها في تشهد الصلوات منصوصة بنصوص خاصة معتبرة (1)فلا تقاس عليها الشهادة الثالثة، فلا يجوز الإتيان بها في تشهد الصلوات حتى بالعطف على الشهادة بالرسالة بعنوان تکمیلها بها، والله تعالى هو العالم بحقائق الأحكام.


1) راجع الوسائل 4: 991، الباب 4 من أبواب التشهد وجامع أحاديث الشيعة 5: 587، الباب الأول من أبواب التشهد

الرسالة الرابعة: في ما هو المراد من تحليل أهل البيت علیهم السلام وإباحتهم الخمس لشيعتهم

اشارة

الرسالة الرابعة

في ما هو المراد من تحليل اهل البيت عليهم السلام وإباحتهم الخمس لشيعتهم

شكوى صاحب الجواهر في المقام

قال في الجواهر: «لا ريب في إجمال عبارات الأصحاب قدس سرهم في هذا المقام وسماجتها وعدم وضوح المراد منها أو عدم صحته، بل يخشى على من أمعن النظر فيها مريدا إرجاعها إلى مقصد صحيح، من بعض الأمراض العظيمة قبل أن يأتي بشيء، وظني انها كذلك مجملة عند كثير من أصحابنا قدس سرهم ، وإن تبعوا في هذه الألفاظ بعض من تقدمهم ممن لا يعلمون مراده، وليتهم تركونا والأخبار، فإن المحصل من المعتبر منها أوضح من عباراتهم قدس سرهم » (1).

أقول: ولقد أجاد قدس سره فيما أفاد، ولا سيما في قوله: «وَلَيتَهُم تَرَكُونا وَالأخبَار»؛ فإن المعتبر من الأخبار هو الدليل المتبع في المقام، إن لم تكن معرضا عنها بين الأصحاب قدس سرهم، كما هو كذلك وسيتضح إن شاء الله تعالى. فلابد من مراجعة


1) الجواهر 16: 152 وفيه « أصحابها» بدل «أصحابنا».

النصوص المعتبرة في المقام وهي - على ما جمعه بعضهم (1)قدس الله تعالی أسرارهم - على طوائف ثلاث:

الطائفة الأولى من النصوص

الأولى ما يظهر منه أنهم - صلوات الله تعالى عليهم – أباحوا الخمس للشيعة إباحة مطلقة من غير قيد ولا شرط وأن الشيعة في حل من ذلك، لا يجب عليهم دفع الخمس ولا أداؤه مطلقا:

منها: صحيحة الفضلاء (2)عن أبي جعفر علیه السلام قال: «قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام : هلك الناس في بطونهم وفروجهم؛ لأنهم لم يؤدوا إلينا

حقنا (3)، ألا وإن شیعتنا وآباءهم وأبناءهم(4)من ذلك في حل» (5)

وأما ما في المتن فقد جمع المصنف - مد ظله - بين نقل الصدوق رحمه الله في العلل 2: 377 الباب 106، الحديث 2 وهو «شیعتنا وأبناءهم» ونقل الشيخ رحمه الله في التهذيب 4: 137، الحديث 8 وهو «شیعتنا من ذلك وآباءهم»

.

1) هو المحقق الخوئي في موسوعته 25: 347.

2) وهم أبو بصير وزرارة ومحمد بن مسلم رحمه الله

3) وهو الخمس في جميع أنواعه وأصنافه: كأرباح المكاسب والر کاز والمال المختلط وغيرها (منه مد ظله).

4) في نقل الصدوق قدس سره - على ما في العلل - «شیعتنا وأبناءهم» وهو الصحيح ظاهرا، راجع العلل 2: 377، الباب 106، الحديث 2 (منه مد ظله).

5) الوسائل 6: 379، الباب 4 من أبواب الأنفال، الحديث1، وفيه: «شیعتنا من ذلك وآباءهم في حل.

ومنها: صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام أيضا، أنه قال: «إن أمير المؤمنين عليه السلام حللهم من الخمس- یعني الشيعة - ليطيب مولدهم» (1).

وقوله عليه السلام : «ليطيب مولدهم» حكمة التحليل وليس بعلته حتى يدور حکم

التحليل مداره فيختص بأمر النكاح، كما لا يخفی.

هاتان الصحيحتان هما العمدة من هذه الطائفة.

ومنها: غیرهما كروايتي الحارث بن المغيرة النصري:

أولاهما: عن أبي عبدالله عليه السلام قال: «قلت له: إن لنا أموالا من غلات وتجارات ونحو ذلك، وقد علمت أن لك فيها حقا. قال عليه السلام : فلم أحللنا إذا لشيعتنا إلا لتطيب ولادتهم، وكل من والى آبائي فهو في حل مما في أيديهم من حقنا، فليبلغ الشاهد الغائب» (2).

وثانيتهما: قال: « دخلت على أبي جعفر علیه السلام فجلست عنده فإذا بخية قد استأذن عليه فأذن له فدخل فجثا على ركبتيه، ثم قال: جعلت فداك ! إني أريد أن أسألك عن مسألة، والله ما أريد بها إلا فكاك رقبتي من النار. فكأنه عليه السلام رق له فاستوى جالسا...» -إلى أن قال عليه السلام -: « اللهم إنا قد أحللنا ذلك لشيعتنا... الحديث» (3).


1) الوسائل 6: 383، الباب 4 من أبواب الأنفال، الحديث 15.

2) الوسائل 6: 381، الباب 4 من أبواب الأنفال، الحديث 9.

3) الوسائل 6: 383، الباب 4 من أبواب الأنفال، الحديث 14 وفيه: «بخية» والظاهر أنه سهو وصحيحه «نجية».

والروايتان وإن لم تكونا قاصرتي الدلالة في أمر التحليل والإباحة، لكنهما ضعیفتان سندا، ولم يظهر وجه ما عن بعضهم -كصاحب الحدائق قدس سره - من التعبير عن الثانية منهما بالموثقة (1)، مع جهالة «جعفر بن محمد بن حکیم» الواقع في سلسلة سندها، على ما أفاد بعضهم (2).

إلى غير ذلك من الروايات الكثيرة المستفيضة (3).

بیان ما في أخبار الطائفة الأولى

وكيف كان، فإن أخبار هذه الطائفة -كما أفاد غير واحد من الأعلام قدس سره (4)۔ غير قابلة للقبول في نفسها وعلى إطلاقها؛ لمنافاتها لأصل تشريع الخمس وهو سد

حاجات السادة المحتاجين من آل الرسول صلي الله عليه وآله ، فإن مقتضى هذه الأخبار عدم وجوب دفع الخمس على الشيعة، والمفروض في الشريعة حرمة الزكاة عليهم وامتناع المخالفين - فضلا عن الكافرين المنکرین - عن أداء هذا الحق إليهم، مع انهم - كما عليه المشهور المنصور - مكلفون بفروع الشريعة التي منها الخمس


1) الحدائق 12: 431.

2) هو المحقق الخوئي قدس سره في موسوعته 25: 348.

3) راجع الوسائل 6: 364، الباب 4 من أبواب الأنفال وما يختص بالإمام وجامع أحاديث الشيعة 10: 87، الباب 7 من أبواب من يستحق الخمس.

4) كالعلامة الحكيم في مستمسكه والمحقق الخوئي في موسوعته، راجع المستمسك 1: 519 والموسوعة 25: 349.

ومعاقبون عليها كأصول الشريعة (1)

والأولى الاستدلال عليه بما حاصله:

إن الضرورة الدينية قاضية بأن رسول الله صلي الله عليه وآله إنما بعث إلى كافة الأنام، لا لمجرد إبلاغ أصول الإسلام فحسب، بل لتبليغ تمام حقائقه- أصوله وفروعه - من غير فرق بين أن تكون فروعه من المستقلات العقلية أم غيرها، ومن غير فرق أيضا بين أن تكون مختصة بشريعة الإسلام أم مشتركة بينها وبين سائر الشرائع، وإن فرق بعضهم قدس سرهم- کالمحقق الخوئي قدس سره - بين ذلك بما لا يمكن المساعدة عليه. (راجع موسوعته 16: 96) والتفصيل موكول إلى محله.

وكيف كان، فالأنام كلهم أجمعون مكلفون بتمام فروع شريعة الإسلام التي منها الخمس، كما أنهم مكلفون بتمام الأصول بلا ریب وإشكال، فيجبان عليهم كلاهما بعد حصول الشرائط العامة- من العقل والبلوغ والاختيار والعلم - على نحو الإطلاق.

غاية الأمر أنه يجب عليهم إتيان الفروع بعدتحصيلهم الأصول نظير ما تجب صلاة الفريضة على المكلف على نحو الإطلاق بعد تحصيله الطهارة، فتحصيل الأصول لإتيان الفروع -کتحصيل الطهارة لإتيان الصلاة - من الشرائط الوجودية، لا من الشرائط الوجوبية کالاستطاعة بالنسبة إلى الحج؛ فإنه لا يجب الحج إلا بعد حصول الاستطاعة. وعلى هذا فالكفار يوم القيامة كما يعاقبون على ترك الأصول، يعاقبون على ترك الفروع أيضا. نعم، إذا دخلوا في حقيقة الإسلام قبل الموت وقبل ظهور أماراته،فمقتضی کون «الإسلام يجب ما قبله» - على ما هو المشهور الثابت المحقق في محله - هو أن لا يعاقبوا ولا يؤاخذوا بما تركوه في زمن كفرهم وخلافهم وعدم قبولهم لحقيقة شريعة الإسلام،- على صاحبها وآله أفضل التحية والسلام - والله العالم. (للعثور على رواية «الإسلام يجب ما قبله» راجع المستدرك 7: 448، الباب 15 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 2 و 3 ونفس المصدر 11: 365، الباب 47 من أبواب جهاد النفس، الحديث 7) (منه مد ظله).

، فمن أين يعيش هؤلاء المحتاجون من

1) وقد احتج العلامة قدس سره على ذلك بوجوه وجيهة، وإن أجاب عنها في الحدائق بما لا يمكن المساعدة عليه، واستدل صاحب الحدائق قدس سره على العدم بوجوه غير خالية من المناقشة، لا يسع المقام ذکرها نقضا وإبراما . (راجع المنتهی 2: 188، والحدائق 3: 39).

السادة؟ ولماذا أوجب على المكلفين في النصوص الكثيرة دفع الخمس في الموارد المتفرقة والأجناس المتعددة المضبوطة في محلها؛ كأرباح المكاسب والركاز وغيرها؟ (1).

والحاصل أن مقتضى تحليل الخمس على من وجب عليه من الشيعة هو أن لا يكون معنى للأمر بالدفع في تلك النصوص الكثيرة المتكثرة إلا بالنسبة إلى غير الشيعة ممن لا ينبعثون بأوامر تلك النصوص، وهل يرى أن تلك النصوص بملاحظة نصوص التحليل إنما صدرت لمجرد بيان الحكم الاقتضائي غير البالغ المرحلة الفعلية ؟!

مضافا إلى أن هذه الطائفة من النصوص المحللة للخمس معارضة بما سنتلو عليك من الطائفتين الأخريين، إن شاء الله تبارك و تعالی.

نعم، تضمن بعض نصوص هذه الطائفة تحليل ثلاثة أسهم من ستة الأسهم التي في الكتاب العزيز:« وَاعلَمُوا أنَّمَا غَنِمتُم مَّن شَيءٍ فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القُربَى وَاليَتَامَى وَالمَسَاکِينِ وَابنِ السَّبِيلِ ...» (2)أعني بها نصف الخمس، وهو حصة السادة فقط، لمطلق الشيعة، مثل رواية أبي حمزة عن أبي جعفر عليه السلام قال: «إن الله - تبارك وتعالی - جعل لنا أهل البيت سهاما ثلاثة...» - إلى أن قال -: «وقد


1) راجع الوسائل 6: 337 - 355، أبواب ما يجب فيه الخمس.

2) الأنفال: 41.

حرمناه على جميع الناس ما خلا شیعتنا..... الحديث» (1)، لكنها لا تدل على انحصار التحليل في تلك الثلاثة دون غيرها؛ إذ صح واشتهر أن إثبات شيء لا ينفي ما عداه؛ فإثبات تحليل هذه الثلاثة لا ينفي تحليل ما عداها، فلا ينافي تحليل الأسهم الأخرى في غيرها من النصوص كما لا يخفی.

نعم، لو انحصر التحليل في هذه الثلاثة لم يرد على نصوص هذه الطائفة بعض ما ورد على صورة عدم الانحصار، ككونها لمجرد بيان الحكم الاقتضائي، فتدبر .

الطائفة الثانية من النصوص

الثانية ما يدل على عدم التحليل والإباحة مطلقا ، من غير تقييد واشتراط وأن من لم يدفع خمسهم - عليهم الصلاة والسلام - غير معذور بتاتا، بل مسؤول حثيثا يوم القيامة :

منها: معتبرة أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام قال: « سمعته يقول: من اشترى شيئا من الخمس لا يعذره الله، اشترى ما لا يحل له» (2).

ولا يخفى عليك أن عدم التحليل في هذه المعتبرة مطلق يعم الشيعة وغيرهم. ومنها: رواية علي بن إبراهيم عن أبيه، قال: «كنت عند أبي جعفر الثاني عليه السلام


1) الوسائل 6: 385، الباب 4 من أبواب الأنفال، الحديث 19.

2) الوسائل 6: 376، الباب 3 من أبواب الأنفال، الحديث 5، وأيضا نفس المصدر 12: 275، الباب 21 من أبواب عقد البيع وشروطه، الحديث 6 وفي الموضعين: «لم يعذره» بدل «لا يعذره».

إذ دخل عليه صالح بن محمد بن سهل، وكان يتولى له الوقف بقم، فقال: يا سيدي اجعلني من عشرة آلاف درهم في حل؛ فإني قد أنفقتها...» إلى أن قال عليه السلام - «أحدهم يثب على أموال (1)آل محمد وأيتامهم ومساكينهم وأبناء سبيلهم فيأخذه، ثم يجيء فيقول: اجعلني في حل... والله ليسألنهم الله يوم القيامة عن ذلك سؤالا حثيثا» (2).

ونفي التحليل في هذه الرواية وإن كان مورده الشيعة ظاهرا ، بملاحظة أن صالح بن محمد بن سهل كان يتولى الوقف له عليه السلام ، لكنه يعم غيرهم بالأولوية وبقرينة الرواية المعتبرة المتقدمة، ولأن المورد كما لا يكون مخصصا – بالفتح - لا يكون مخصصا - بالكسر -أيضا، لأنه يذكر غالبا من باب المثال كما هو ظاهر .

طريق الجمع بين نصوص الطائفتين: الأولى والثانية وما فيه

وكيف كان، فإن نصوص هذه الطائفة بإطلاقاتها تعارض إطلاقات نصوص الطائفة الأولى المبيحة للخمس، فلابد من الجمع والتوفيق بينهما بوجه صحيح.

فعن صاحب الحدائق قدس سره أنه اختار الجمع بينهما بحمل الطائفة الأولى على تحليل نصف الخمس (حصة الإمام عليه اسلام) خاصة وحمل الطائفة الثانية على عدم تحليل النصف الآخر (حصة السادة)؛ فيجب على الشيعة دفع حصة السادة


1) في نسخة: «حق» بدل «أموال».

2) الوسائل 6: 375، الباب 3 من أبواب الأنفال، الحديث 1.

بمقتضى الطائفة الثانية من الأخبار ويسقط حصةالإمام علیه السلام عنهم بمقتضى الطائفة الأولى بعد عدم سقوطها عن غيرهم (1).

ولكن هذا التوفيق والجمع- كما ترى - لا يصح الالتزام به؛ لأنه جمع تبرعي اقتراحي لا شاهد له، بل مقتضى التعليل في بعض أخبار الطائفة الثانية بطيب الولادة ونحوه هو تعلق التحليل بتمام الخمس؛ بداهة كفاية عدم تحليل النصف الآخر الموجود في الأموال في عدم حصول التطيب، كما لا يخفى.

و توهم کون اختصاص تحليل حق الإمام عليه السلام بالمعوزين (المفلسين) في بعض الأخبار شاهدا على ذلك - مثل قوله عليه السلام في صحيحة علي بن مهزیار: « من أعوزه شيء من حقي فهو في حل» (2)_ فاسد؛ إذ لا نعلم کون مراد الإمام عليه السلام من «حقي» في هذه الصحيحة هو خصوص حصته علیه السلام ، بعد احتمال أن يكون تمام الخمس حقه والسادة عياله عليه السلام، كما هو مذهب بعض الأصحاب قدس سرهم (3)، مضافا إلى أن التحليل من جهة الإعواز والاضطرار ليس محل الكلام ، بل لا ربط له بالمقام؛ بداهة أن الاضطرار حکم ثانوي يرتفع به الحكم الأولي في كل مقام.

فتحصل أن الجمع المنقول عن صاحب الحدائق قدس سره لا محل له.


1) راجع الحدائق 12: 451.

2) الوسائل 6: 379، الباب 4 من أبواب الأنفال، الحديث 2.

3) كالعلامة المجلسي رحمه الله على ما حکی عنه صاحب الحدائق في حدائقه 12: 468.

طريق الجمع الصحيح بين الطائفتين

والصواب الجمع بما فضل في الطائفة الثالثة، من حمل أخبار التحليل (الطائفة الأولى) على ما انتقل من الخمس إلى الشيعة ممن لا يعتقد الخمس، كما هو المشهور بين الأصحاب والظاهر من كلماتهم قدس سرهم (1)، وحمل أخبار النفي (الطائفة الثانية) على نفس ما وجب على المكلف من الخمس؛ فإنه يجب عليه أداؤه من غير أن يكون هناك تحليل.

وبعبارة أخرى: أخبار التحليل ناظرة إلى ما انتقل من الخمس إلى الشيعة من الغير ، کالمخالفين والكفار؛ فإنهم - كما أشرنا إليه - مكلفون بفروع الدين، كما أنهم مكلفون بأصوله، وأخبار النفي ناظرة إلى ما وجب من الخمس على المكلف نفسه.

وهذا النحو من الجمع بين الطائفتين المذكورتين من النصوص ليس كجمع صاحب الحدائق قدس سره مما لا شاهد له، بل له شاهد و دلیل بارز وهو- كما أشرنا إليه - نفس نصوص الطائفة الثالثة الآتية كما سيتضح.


1) راجع موسوعة المحقق الخوئي 25: 351.

الطائفة الثالثة من النصوص

الثالثة ما يدلنا على كيفية الجمع بين نصوص الطائفتين الأوليين.

منها: ما رواه الشيخ والصدوق قدس سرهما بإسنادهما عن يونس بن يعقوب قال:«كنت عند أبي عبد الله عليه السلام فدخل عليه رجل من القماطين (1)فقال: - جعلت فداك ! - تقع في أيدينا الأموال والأرباح وتجارات نعلم أن حقك فيها ثابت، وأنا عن ذلك مقصرون (2). فقال أبو عبدالله عليه السلام : ما أنصفناكم إن كلفناکم ذلك، اليوم» (3).

وهذه الرواية -كما عن بعض الأعلام قدس سره (4)- وإن كانت بطريق الشيخ قدس سره ضعيفة السند، إلا أنها معتبرة بطريق الصدوق قدس سره (5)، وقد دلت على التحليل بالنسبة إلى ما يقع بأيدي الشيعة من الغير، من الأموال وأرباح التجارات المتعلق بها الخمس بشراء ونحوه،فلا يجب على من انتقل إليه من الشيعة دفع خمس ذلك الغير؛ لأنهم عليهم السلام حللوا ذلك لهم.


1) أي صناع القماط، وهو: خرقة عريضة يلف بها الصغير، ولعله معرب «قنداق» بالفارسية (منه مد ظله).

2) لعل مرادهم «قاصرون؛ غير مقصرین» (منه مد ظله).

3) الوسائل 6: 380، الباب 4 من أبواب الأنفال، الحديث 6.

4) وهو المحقق الخوئي في موسوعته 25: 352.

5) فإنه في سند الشيخ يكون «محمد بن سنان»؛ و «محمد بن سنان» - على ما في كتب الرجال - ضعيف، أما سند الصدوق فهو خال عنه. راجع رجال ابن داود: 504 والخلاصة للحلي: 251.

ومنها: رواية سالم بن مکرم رواها الشيخ قدس سره بإسناده عن أبي عبدالله عليه السلام قال :« قال رجل وأنا حاضر: حلل لي الفروج! ففزع أبو عبدالله عليه السلام فقال له رجل: ليس يسألك أن يعترض الطريق إنما یسألك خادما يشتريها أو امرأة يتزوجها أو ميراثا يصيبه أو تجارة أو شيئا أعطيه (مما تعلق به حقهم عليهم السلام على ما يفهم من القرينة). فقال عليه السلام : هذالشيعتنا حلال الشاهد منهم والغائب، والميت منهم و الحي، وما يولد منهم إلى يوم القيامة فهو لهم حلال، أما والله لايحل إلا لمن أحللناله.. الحديث» (1).

ولا يخفى أن «سالم بن مکرم» في هذه الرواية- كما أشار في الوسائل (2)وكما عن بعض الأعلام قدس سرهم (3)- هو المکنی تارة ب«أبي سلمة»؛ کناه بذلك الإمام الصادق عليه السلام - على ما روي عن الكشي (4)- وأخرى ب «أبي خديجة»، وهو -كما نص عليه النجاشي - «ثقة ثقة» (5)؛ أي ليس فيه أية شبهة وأنه غير سالم ابن أبي سلمة الكندي البجستاني، وإن اشتبه على شيخ الطائفة قدس سره فتخيل أنه ذلك ، فضعفه سهوا (6)؛ فإن الجواد قد یكبو (7)


1) الوسائل 6: 379، الباب 4 من أبواب الأنفال، الحديث 4.

2) راجع الوسائل 20: 203.

3) وهو المحقق الخوئي في موسوعته 25: 352.

4) راجع رجال الكشي: 352.

5) رجال النجاشي: 188.

6) راجع الفهرست للطوسي: 80

7) کبا لوجهه: سقط، الجواد: الفرس السابق الجيد.

وكيف كان، فهذه الرواية صحيحة معتبرة لا بأس بها وقد دلت صريحة على التحليل في المال المنتقل إلى الشيعة مما تعلق به حقهم - عليهم الصلاة والسلام - بشراء ونحوه، كما هو ظاهر.

إلى غير ذلك من النصوص (1).


1) راجع الوسائل 6: 378، الباب 4 من أبواب الأنفال.

بیان المراد من الشيعة المحلل لهم الخمس

ثم إن مقتضى إطلاق عنوان الشيعة في هذه الطائفة من الأخبار الشاهدة للجمع الصحيح هو أن المحلل له من الشيعة - كثر الله تعالى أمثالهم وزادهم الله تعالی شرفا وعزا - لا يخص السادة أو الفقراء منهم، بل يعم غيرهما أيضا، أعني سواء كانوا من السادة المنتسبين بالأب إلى هاشم بن عبدالمطلب جد رسول الله صلي الله عليه وآله أم من غيرهم، وسواء كانوا من الفقراء المستحقين أو من الأغنياء المتمکنین، فيحل لكل من انتقل إليه الخمس (كلتا الحصتين) منهم، سواء كانوا من السادة أم من غيرهم وسواء كانوا مستحقين أم متمكنين، كما هو واضح.

والظاهر أن وضوحه هو الموجب لعدم تعرض الأصحاب قدس سرهم له؛ إذ لم أجد من تعرض له. والله العالم.

نتيجة الجمع بين النصوص

فثبت من مجموع تلك الطوائف الثلاث - بعد الضم والجمع بينها- التفصيل بين الخمس الواجب على المكلف نفسه ابتداء، فلا إباحة ولا تحليل فيه، وبين ما انتقل إلى المكلف- إن كان شيعيا - من الغير ففيه الإباحة والتحليل، وإنما يجب حينئذ على ذلك الغير خمس ذلك، وإن كان من الكفار والمخالفين المنکرین له، على ما تقدم مرارا.

الأقوال حول المنتقل عنه والمختار فيه

ثم إن المستفاد من كلمات الأصحاب قدس سرهم - على ما حكي (1)- أن مشهورهم ذهبوا إلى أن المنتقل عنه لابد أن يكون ممن لا يعتقد الخمس أصلا، فخصصوا التحليل بما إذا كان المنتقل عنه من المنکرین کالكفار والمخالفين، ولكن ذهب بعضهم -كما عن الروضة وحكي عن السرائر (2)- إلى التعميم وعدم الاختصاص بذلك وأنه يعم مطلق من لم يخمس ولو عصیانا (3)، مع كونه معتقدا كفساق الشيعة.

غاية الأمر، أنه يبقى الخمس المحلل لمن انتقل إليه من الشيعة في ذمة من انتقل عنه إليهم، فلا بد له من إبراء ذمته عنه بوجه، وليس كما قد يتوهم من أنهم بریؤون من أداء الخمس بالمرة؛ بل الكفار- والمخالفون أيضا - إذا لم يتوبوا وماتوا على ذلك الحال يعاقبون على ترك الخمس كسائر الفروع، نحو عقابهم على الأصول يوم القيامة، على ما تقدم مرارا.

واستدل هؤلاء القائلون بعدم الاختصاص، بإطلاق صحيحتي يونس بن يعقوب و سالم بن مكرم المتقدمتين؛ فقد أطلق فيهما تحليل خمس الأموال المنتقلة إلى أيدي الشيعة من الغير من غير تقييد بكون ذلك الغير غیر معتقد: کالكفار


1) راجع موسوعة المحقق الخوئي 25: 354

2) راجع المستمسك 9: 595، ولاحظ السرائر 1: 498 والروضة البهية 2: 80

3) ظاهره ولو سهوا و نسیانا أيضا، فليتأمل (منه مد ظله).

والمخالفين، أو معتقدا : كفساق الشيعة (1).

وعن بعضهم -كصاحب المستمسك (2)- دعوى أن الشيعة كانوا يخمسون أموآلهم في زمنهم- عليهم الصلاة والسلام- وكان بناؤهم على إخراج الخمس في تلك الأعصار ، ولو بملاحظة الغلبة، والظن يلحق الشيء بالأعم الأغلب.

ولكن هذه الدعوى -كما قيل (3)- غير بينة ولا مبينة، بل غير مسموعة؛ إذ من أين علم أن جميع الشيعة في تلك الأعصار كانوا يخمسون أموآلهم؟ بل لا يعلم أن غالبهم كانوا كذلك- فضلا عن جميعهم - مضافا إلى أن غلبة الوجود لو كانت منشأ لانصراف من انتقل عنه عن المعتقد الفاسق، لأمكن القول بأن وجود النادر منه كاف في الذهاب إلى التعميم، فتدبر .

بل الظاهر -كما أفيد - أن الأزمنة متشابهة والقرون متقاربة، ويتضمن كل عصر - مع هداية السبيل - شاكرا وكفورا، فيؤدي الخمس طائفة ولا يؤديه طائفة أخرى، كما هو المشاهد في العصر الحاضر (4).

ولكن الذي يسهل الخطب هو أن نفس الشهرة- ولا سيما من قدماء الأصحاب رضوان الله تعالى عليهم - تقيد إطلاق الصحيحتين؛ لاحتمال أنه كان


1) بل يشمل من نسي أو سها من الشيعة، فتأمل (منه مد ظله).

2) راجع المستمسك 9: 595.

3) والقائل هو المحقق الخوئي رحمه الله في موسوعته 25: 354.

4) راجع المصدر السابق.

عندهم ما يدل على الاختصاص من قرينة أو نص أو نحوهما مما لم يصل إلينا. كيف لا؟! وإنه كثيرا ما يستكشف من نفس الشهرة القدمائية نص معتبر یکون منشأ للفتوى أو الاحتياط الوجوبي، والتفصيل موكول إلى محله.

فالأحوط وجوبا تقييد إطلاق تحليل الخمس المنتقل إلى الشيعة - كثر الله تعالی أمثالهم - بغير المعتقد أعني به المنكرين من الكفار والمخالفين، ودفع خمس ماانتقل إليهم من المعتقد الفاسق - فضلا عن الساهي الناسي - إلى أهله؛ وذلك المكان احتمال وجود نص في المقام كما عرفت. والله تعالى هو العالم بحقائق أحكامه.

تذييل

وبودي أن أذيل البحث ببعض الفروع التي تناسب أصل مسألة الخمس في هذه الرسالة ، وإن لم تناسب أصل بحث تحليل الخمس كل المناسبة؛ مزيدا للفائدة

الفرع الأول: في حكم إيصال الخمس إلى المرجع الخاص أو غيره وبيان المختار فيه

اشارة

هل يجب على المقلد إما إيصال الخمس- ولا سيما حصة الإمام عليه السلام منه - إلى مرجعه الخاص أو نائبه المجاز وإما صرفه بإذنه في موارده المنطبقة؛ بحيث لو أوصل إلى غير مرجعه أو صرفه بغير إذنه (ولو كان صارفا له في موارده الموظفة بإذن فقیه آخر جامع للشرائط غير مرجعه) لم تبرأ ذمته؟ أو إن الأمر ليس كذلك، وإن غاية الاحتياط في هذا المقام أن يوصل الخمس إلى فقيه جامع للشرائط أو يصرفه فيما كان بإذنه في موارده المنطبقة، ولكن على الفقيه أن يصرفه فيما كان موافقا لفتاوی مرجع المقلد أو فيما هو أحوط منها؟

الصحيح هو الثاني وأن المرجع لا يفتي ولا يمكنه الإفتاء بإيصال الخمس إلى نفسه أو إلى نائبه أو بصرفه بإذنه (1)؛ وذلك لعدم وجود دليل يدل على ذلك، بل مقتضى الدليل أن يوصله المكلف إلى موارده المنطبقة بإذن فقیه جامع الشرائط، مرجعا كان له أم لا، فهو الذي يكون في عصر الغيبة الكبرى نائبا عاما للإمام الغائب - عجل الله تعالی فرجه الشريف - ومقتضى الاحتياط أن يستأذن من هذا النائب العام في ذلك ولو لم يكن مرجعا له.


1) ولذا صرح بعضهم بأنه لو قال الفقيه المرجع: « جئني بالخمس »، فإنه منصرف إلى الإرشاد ونحوه (سیاسه) لا إلى اللزوم (منه مد ظله)

نعم، للفقيه غير المرجع أن لا يصرف خمس المقلد في ما يخالف فتوی مرجعه، وللمرجع الإفتاء بأنه لابد أن يصرف المقلد خمسه في الموارد الموافقة الفتاويه أو في الأحوط منها، وكما له أيضا أن لا يجوز إيصال الخمس إلى غير نفسه ممن تكون فتواه -كما وكيفا - مخالفة لفتواه (1)، إلا إذا كانت فتوى الغير موافقة للاحتياط أو كان دأبه ودیدنه العمل بالاحتياط أو بفتوى جميع المراجع، فليس للمرجع إلا الإفتاء بذلك وليس للمقلد إلا العمل بفتواه في هذه المسألة- كسائر المسائل العامة البلوى وغيرها - كما لا يخفى.

دفع دخل على القول المختار

لا يقال: مقتضى قاعدة الاشتغال عدم براءة ذمة المقلد إذا دفع الخمس إلى غیرمرجعه، بخلاف ما إذا دفعه إلى مرجعه؛ فمقتضاه الكفاية والبراءة اليقينية.

لأنا نقول: هذا أول الكلام، لأن أمر الخمس- ولا سيما حصة الإمام عليه السلام - في زمن الحضور بيده المباركة، وأما في زمن الغيبة وتعذر الإيصال إليه - بحسب الظاهر - فأمر الخمس بمقتضى الاحتياط بيد نائبه العام وهو الفقيه الجامع للشرائط، سواء كان مرجعا للمقلد أم لا.


1) كما اشتهرت وشاعت وذاعت هذه الفتوى المنيفة في هذه الأعصار المتأخرة من العلمين العلا متين: السيد الأصبهاني والسيد البروجردي قدس سرهما ،ولكن المؤسف أن هذه الشهرة انقلبت في الأذهان إلى ما لا ينبغي وهو أنه لا يجوز إ يصال الخمس إلى الغير مطلقا ؛ وهو كما ترى (منه مد ظله).

نعم، لابد أن يوافق عمل المقلد فتاواهما في مصارف الخمس. فما اشتهر- ولا سيما بين العوام أو الخواص کالعوام - من أنه لا بد أن يؤدى الخمس إلى المرجع البتة و بتاتا، وإن أراد المرجع إلقاءه في بئر أو بالوعة! ليس بشيء جدا.

نعم، لا ريب في أن الأولى إيصال كل مقلد خمسه إلى مرجعه، لكن هذا إذا كان المرجع نفسه متصديا لأمر الصرف والإيصال إلى موارده المنطبقة أو كان له نظارة تامة مستقيمة على ذلك، وإلا فيشكل الأمر بعد ملاحظة أن كثيرا من الوسائط يخضمون (1)مال الله خضم الإبل نبتة الربيع! فلابدحينئذ من الاحتياط بإيصال المقلد الخمس إلى نفس مرجعه أو إيصاله بنفسه بإجازة المرجع إلى موارده المنطبقة أو إيصاله إلى غيره من الفقهاء الجامعين للشرائط المتصدين بأنفسهم أو بإشرافهم المباشر في إيصاله إلى موارده الموظفة، وذلك كله واضح لا إشكال فيه.

ثم إنه إذا كان في نية المقلد الدافع للخمس دفعه إلى مرجعه ليصرفه في موارده المنطبقة، فلعله لا يجوز لغير المرجع وإن كان فقيها جامعا للشرائط أن يأخذه ويصرفه بنفسه في تلك الموارد، حتى إذا كان موافقا لمرجعه إلا مع الاستئذان منه أو مع رده للمقلد وعدوله عن نيته الأولية، كما أنه قد ينعكس الأمر ويكون في نيته لعلل وأسباب أن يدفع الخمس إلى غير مرجعه من فقيه جامع


1) أي يأكلون الدنيا أكل الإبل نبات الربيع وفي نباته ما يهلك ويحتمل أن يكون كناية عن كثرة توسعهم في أكل مال المسلمين - مجمع البحرين 6: 59.

للشرائط ليصرفه في موارده الموظفة، فلعله أيضا لا يجوز للمرجع أو لنائبه المجاز أن يأخذ خمسه ويصرفه في تلك الموارد إلا مع الاستئذان من ذلك الفقيه الجامع المشخص أو مع رده إلى المقلد وعدوله عن نيته الأولية، والله العالم.

الفرع الثاني: في وجوب الاستئذان من الفقيه لصرف سهم السادة في مورده و عدمه

اشارة

الظاهر أنه لا شك ولا شبهة ولا خلاف في أن مقتضى الاحتياط الوجوبي أنه لابد في صرف حصة الإمام (1)- عليه الصلاة والسلام - من الاستئذان من الحاكم الشرعي، أعني به الفقيه الجامع للشرائط؛ فإن له النيابة العامة عنه - عجل الله تعالی فرجه الشريف - في هذا العصر الذي لا يمكن -بحسب الظاهر - إيصالها إلى يده المباركة علیه السلام (2)، كما كان الواجب بلا إشكال ولا خلاف في عصر الحضور الإيصال إليه - أرواح من سواه فداه - من حيث كانت السادة المحتاجون عياله عليه السلام ؛ وذلك كله لعدم براءة الذمة إلا بالإيصال إليه عليه السلام في عصر الحضور وإلى نائبه العام - الفقيه الجامع للشرائط - في عصر الغيبة، مضافا إلى الأدلة الخاصة القائمة في المقام الدالة على وجوب رد الحقوق إلى أربابها، كما هو ظاهر.

وأما النصف الآخر من الخمس بجميع أنواعه وأصنافه - أعني به حصة السادة المحتاجين - فهل يجب في عصر الغيبة أيضا أن يكون صرفه بإذن الفقيه الجامع للشرائط، بحيث لو أوصل إليهم مباشرة من غير استئذان منه لم تبرأ ذمته، أم لا


1) وهي نصف الخمس من جميع أصنافه وأنواعه في عصر الغيبة (منه مد ظله).

2) والنيابة العامة ثابتة للفقيه الجامع للشرائط، بأدلة متعددة مذكورة في المطولات، مع النقوض والإبر امات بما لا مزيد عليه، راجع الجواهر 21: 390 - 402 و 40: 31 - 35 وعوائد الأيام 529 – 582 (منه مد ظله).

يجب ذلك ويكفي الإيصال إليهم مباشرة؟

فيه احتمالان، بل قولان:

الظاهر ذهاب المشهور من الأصحاب قدس سرهم إلى الثاني (1)، وهو جواز الإيصال إليهم مباشرة في هذا العصر، وذهب غير واحد منهم قدس سرهم (2)إلى الأول -كما هو الأحوط - بعد ملاحظة أدلة النيابة العامة للفقيه الجامع للشرائط.

لكن الأظهر هو الثاني؛ إذ وإن تم أصل النيابة العامة للفقيه في هذا العصر، إلا أن للمناقشة في أدلة نيابته العامة إلى هذا الحد مجالا واسعا موکولا بیانه و تفصيله إلى محله.


1) راجع كتاب الخمس (للشيخ الأنصاري ): 331 وموسوعة المحقق الخوئي 25: 233.

2) كالعلامة البحراني والمحقق اليزدي، راجع الحدائق 12: 468 والعروة 4: 309.

دفع وهم

نعم، استدل في المطولات (1)على وجوب رد حصة السادة إلى الإمام عليه السلام في عصر الحضور بوجوه عديدة غير خال بعضها عن المناقشة، لكن في بعضها الآخر غنى وكفاية، إلا أن انسحاب ذلك إلى الفقيه الجامع في هذا العصر والقول بأنه لابد أيضا من إيصال حصة السادة إليه أو الاستئذان منه غير واضح؛ لإمكان المناقشة في أدلة نيابته إلى هذا الحد، وإن تم أصل النيابة العامة له في هذا العصر-كما أشرنا -؛ و ذلك لاحتمال کون وجوب إيصال حصة السادة إلى الإمام عليه السلام في عصر الحضور من الأحكام الخاصة له عليه السلام ، وإثبات ذلك لغيره في هذا العصر مشکل يحتاج إلى دليل خاص مفقود في المقام.

ومع ذلك كله، فالأحوط والأولى - كما أشرنا إليه - الاستئذان من الفقيه الجامع في صرف حصة السادة أيضا، كصرف حصة الإمام - عليه الصلاة والسلام - والفرق أن الاستئذان من الفقيه في حصة الإمام عليه السلام في هذا العصر إنما هو مقتضی الاحتياط الوجوبي، وفي حصة السادة مقتضى الاحتياط الاستحبابي.


1) راجع الجواهر 16: 109

الفرع الثالث: في بيان اختصاص ماینذر للإمام أو يرثه به

لا يبعد أن يكون حكم ما ينذر لنفس الإمام الغائب القائم -روحي لتراب مقدمه الفداء - حكم حصته الخاصة من الخمس، فلابد- احتیاطا - في صرفه من الاستئذان من نائبه العام في عصر الغيبة - أعني به الفقيه الجامع للشرائط - وليست فيه أية حصة للسادة، كما لا يخفى.

وكذا ما يرثه الإمام عليه السلام ممن لا وارث له؛ فإن كل الإرث مختص به عليه السلام أيضا (1)، وليس فيه شيء من حصة السادة، وأمره بيد الفقيه الجامع للشرائط احتیاطا.

وكذا ما يرثه عليه السلام عن والده الإمام العسكري ووالدته المكرمة عليهما السلام بعد ملاحظة كونه عليه السلام هو الوارث الفرد المتفرد لهما- على ما هو المقطوع - بحيث يصل كل ما ترك والداه - عليه وعليهما الصلاة والسلام - إليه وحده، من غير أن يشاركه فيه أحد غيره، ولكن لا مصداق له خارجا في الأيدي، سوى السرداب المقدس والحرم الشريف في بلدة سامراء ونظائرهما، وسيذكر حكمه مع اختلاف بعض الأنظار فيه في الفرع التالي إن شاء الله تبارك وتعالی.


1) فإن ما لا وارث له من جملة الأنفال والأنفال مختصة بالإمام؛ راجع الوسائل 6: 364، الباب الأول من أبواب الأنفال، الحديث 4، 14 و 17.

وأما ما يتداول في هذه الأزمنة من تشريك الإمام عليه السلام في الأموال خوفا من التلف، فيدفعون مقدارا منها بعنوان يسمى في الفارسية ب«بیمه امام زمان علیه السلام»، فالظاهر أنه تعهد يتعهدون بدفعه إليه عليه السلام بذلك العنوان، فهو أيضا يختص به علیه السلام کالنذر المتقدم وليس فيه حصة السادات، فلا بد أن يحتاط فيه أيضا بالاستئذان من الفقيه الجامع للشرائط في هذا العصر، والله تعالى هو العالم.

الفرع الرابع: في حكم التصرف في سائر أموال المعصومين عليهم السلام في عصر الغيبة

اشارة

قال بعضهم: اختلف في جواز التصرف في سائر أموال المعصومين عليهم السلام في

عصر الغيبة على قولين أو ثلاثة:

الأول: المنع مطلقا.

والثاني: التفصيل بين ما علم برضاهم عليهم السلام بالتصرف فيه- كما لو كان ملكا

خاصة لهم عليهم السلام من دون انتقال إلى وارث غيرهم عليهم السلام كالسرداب المقدس والحرم الشريف في بلدة سامراء ونحوهما مما انتقل الملک فيه من الإمام العسكري عليه السلام إلى ولده الفرد المتفرد الإمام الحجة أرواح من سواه فداه وعجل الله تعالی فرجه الشريف - فيجوز التصرف فيه، وبين غيره مما لم يعلم برضاهم- مثل ما انتقل إلى وارث آخر غير الإمام علیه السلام ، كدار الإمام الصادق عليه السلام بالمدينة على ما قيل بأنه لا علم بالرضا هناك- فلا يجوز التصرف فيه.

المختار في المقام وبيان أدلته

الصحيح من هذين القولين هو التاني؛ إذ لا دليل على المنع مطلقا سوى أصالة عدم التصرف في ملك الغير بغير رضاه، وهي غير جارية في المقام، للعلم برضاهم عليهم السلام فيما كان ملكا لهم خاصة لم ينتقل إلى وارث غيرهم -ولا سيما بالنسبة إلى شيعتهم عليهم السلام - مثل ما عرفت من السرداب والحرم الشريفين ونحوهما

مما یری تصرف المسلمين خلفا عن سلف فيها من غیر نکیر.

ومع فرض الشك في الرضا تجري أصالة صحة تصرف المسلمين فيها، فمقتضى الأصل حمل فعل المسلم - فضلا عن أفعال المسلمين - على الصحة، بل هذا الأصل يجري فيما لو كان الملك منتقلا إلى غير الإمام عليه السلام أيضا، كدار الإمام الصادق عليه السلام المشار إليها، بل كذلك -كما قیل - دار السيدة خديجة عليها السلام في مكة المكرمة، ودار الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام في الكوفة، وبيت الأحزان لسيدة النساء فاطمة الزهراء- عليها الصلاة والسلام - بالمدينة وغير ذلك، فمرجع التفصيل الذي ذكرناه إلى القول بالجواز المطلق، وإن شئت اجعله قولا ثالثا في المسألة، كما أومأنا إليه.

ومما يدل على التفصيل أو الجواز المطلق أيضا كون تلك الأمكنة المقدسة مشاعر للعبادة، وقد ذكر في محله (كتاب إحياء الموات) (1)أنه لو صار ملك أحد مشعرا للعبادة ، فقد خرج عن ملکه؛ فإنه يدل على أن صاحبه فکه عن ملکه.

وكذا يستفاد من النصوص الواردة في باب الزيارات- ولا سيما زیاراتهم عليهم السلام

في السرداب والحرم الشريفين (2)۔ القول بالتفصيل أو الجواز المطلق، كما هو ظاهر غير خفي.

فما عن الشيخ المفيد قدس سره من الفتوى بعدم جواز التصرف في ذلك؛ حيث قال


1) راجع الشرائع 3: 218 والروضة البهية 7: 156 وغيرهما.

2) البحار 99: 61، الباب 6، الحديث 5 و 9 ونفس المصدر 99: 83، الباب 7، الحديث 2

• على ما حكي عنه (1)-: «إذا أردت زيارة الإمامين - عليهما الصلاة والسلام - بسر من رأى فقف بظاهر الشباك»، وكذا ماعن الشيخ الطوسي قدس سره (2)من الاحتياط في ذلك لا يمكن المساعدة عليهما، بل لو صح منع الشيخ المفيد رحمه الله ، كان اللازم الوقوف عند باب الصحن دون ظاهر الشباك؛ إذ الدار لم تكن منحصرة في ظاهر الشباك، كما لا يخفی.

1) الحاكي هو العلامة رحمه الله في بعض كتبه كالتحریر 1: 132 والتذكرة 8: 456 وأما ما في المقنعة: 486، فهكذا: «إذا أتيت سر من رأى بمشية الله وعونه فاغتسل قبل أن تأتي المشهد- على ساكنيه السلام - فإذا أتيته فقف بإزاء القبرين من ظاهر الشباك»

2) التهذيب 6: 94.

قصة عجيبة لها ربط بالمقام

ثم إن هاهنا قصة عجيبة نقلت عن الشيخ الجليل خضر شلال قدس سره تدل على لزوم تأخر الزائر عن ضريح الإمام علي الهادي عليه السلام عند زيارته أوردها العلامة النوري قدس سره في «تحية الزائر» والسيد جعفر آل بحر العلوم قدس سره في «تحفة العالم في شرح خطبة المعالم» وأنا أنقلها عن الأول:

قال (الشيخ الجليل خضر شلال): نعم، لاريب في أرجحية التأخر عن ضریح [ الإمام علي] الهادي عليه السلام بمقدار ذراع أو أزيد عند زيارته عليه السلام ؛ لما بلغنا أنه مقدم على الشباك المنصوب في عصرنا (1)ويرشد إليه أني تشرفت بزيارته عليه السلام مع جماعة من العلماء والصلحاء وفيهم من يحمل العلم من العلويين (2)فأخبرني بما يقضي بتشویشه واضطرابه من أنه وقف قريبا من الضريح المشرف مستدبرا للقبلة وإذا بصوت من الضريح يأمره بالتنحي عن موقفه وماذاك إلا لذاك» (3).


1) والرجاء في هذا الزمان: سنة 1427 هجرية، بعد تخريب الأعداء (أعداء الدين والقرآن والعترة) - عليهم لعائن الله تعالى - أن يلتفتوا إلى هذه النكتة عند تعمیر حرم العسكريين عليهما السلام ، فيجعلوا الشباك على الضريح، طابق النعل بالنعل. إن شاء الله تعالی.

2) المراد من العلوي الحامل للعلم هو السيد العلامة الأوحد السيد مهدي بحر العلوم قدس سره (جد صاحب کتاب تحفة العالم) كما عن العلامة النوري قدس سره التصريح بذلك في تحية الزائر.

3) تحية الزائر: 140، وتحفة العالم 2: 72.

الرسالة الخامسة: في شرعية عبادات الصبي المميز و ما يترتب عليها من الفروع

اشارة

الرسالة الخامسة

في شرعية عبادات الصبي المميز وما يترتب عليها من الفروع

تعیین محل البحث و مسلك المشهور فيه

المشهور (1)- كما هو المختار - أن عبادات الصبي المميز شرعية ذات مصلحة غير ملزمة يثاب عليها.

وبعبارة أخرى: جميع عبادات البالغين مطلقا - واجبة كانت أم مندوبة -تکون مستحبة للصبي غير البالغ. غاية الأمر عباداتهم الواجبة تكون أشد استحبابا له من عباداتهم المستحبة، كما أن عباداتهم المكروهة بمعنى أقل ثوابا أو مزاحمة لما هو أهم تكون أخف استحبابا له كما هو ظاهر، بل كل ما كان واجبا عليهم ولو لم يكن بعبادة يكون مستحبا له، وكل ما كان محرما عليهم كذلك يكون مكروها له إلا ما اختص بهم أو خرج بدلیل خاص كما سيتضح في خلال البحث.


1) راجع الحدائق 13: 53 والعناوين الفقهية 2: 665 والقواعد الفقهية 4: 112.

وقبل الخوض في البحث لابد من تقديم مقدمات:

الأولى: المراد من الصبي غير البالغ في عنوان المسألة الصبي المميز وهو الذي يفهم ويقصد ما يريد ويتكلم برأيه بما يعنيه، بحيث يعرف معاني ألفاظه بنفسه، دون الطفل الرضيع أو بعد الفطام قبل ذلك بحيث يكون تکلمه تبعا لوالديه متلقنا كل ما لقن إليه على نهج الطيور المعلمة كالطوطي؛ بداهة أن ما يصدر من هذا القبيل من الطفل لم يكن مقصودا له، مع أن المقصود بالبحث ما يكون صادرا بالقصد من العبادات.

الثانية: المراد من العبادات في العنوان هو ما يعتبر فيها- مضافا إلى قصد الفعل - قصد القربة والامتثال كما لا يخفی، کالصلاة والصيام والطهارات الثلاث ونظائرها لا مثل إزالة النجاسات وغيرها من التوصليات.

الثالثة: إن مورد البحث - كما أومأنا إليه - وإن كان مطلق العبادات واجبة كانت على البالغين أم مستحبة أم مكروهة (1)، إلا أنه ربما يقتصر في أثناء البحث على ذكر خصوص العبادات الواجبة ويستكشف منها غيرها تلويحا.

الرابعة: إن مورد الكلام من العبادات الواجبة على البالغين أو المستحبة عليهم في المقام ما يعم الكفائية، كصلاة الميت وغسله؛ فلا يختص بالعينية بقسميها من التعيينية والتخييرية، وإن كان ربما يتوهم، بل لعله يتفوه به


1) العبادة المكروهة كصوم يوم عرفة لمن خاف الضعف عن دعاء ذلك اليوم الذي يكون أفضل من الصوم (منه مد ظله).

وسيتضح إن شاء الله تعالی.

الخامسة: المراد من العبادة العينية بقسميها، ما يعم مطلق البالغين - كالصلوات اليومية ونوافلها - وما يختص ببعضهم كما يختص بالولد الأكبر ما يجب عليه عينا من الصلوات والصيام الفائتة عن والده وسيأتي توضيح ذلك في خلال البحث إن شاء الله تبارك وتعالی.

السادسة: المراد من شرعية عبادات الصبي المميز التي وقع الاختلاف فيها هو أنه هل تشمله مطلقات الأحكام الأولية، وتتوجه إليه بنحو غير إلزامي خطابات أوامر العبادات الواردة في الشريعة المقدسة؟

وبعبارة أخرى: المراد أنه هل شرع في حقه تلك الأحكام والعبادات بحيث يصدق على ما أتی به منها امتثال الأوامر المولوية على نحو الاستحباب؟

الأقوال في المسألة

ثم إن المحتملات والأقوال في عبادات الصبي المميز أربعة:

الأول: أن لا تكون عباداته شرعية أصلا، بل تمرينية محضة لا مصلحة فيها (1).

الثاني: أن تكون شرعية، لكن لا من حيث عناوينها الأولية، بل شرعية تمرينية (2).

الثالث: أن تكون شرعية ذات مصلحة ملزمة كعبادات البالغين (3)مع فرق بينهما سيتضح في خلال البحث إن شاء الله تبارك وتعالی.

الرابع: أن تكون عباداته ذات مصلحة غير ملزمة، كما عليه مشهور الأصحاب قدس سرهم (4).


1) كما قال به العلامة في المختلف 3: 386 والشهيد الثاني في المسالك 2: 15.

2) كما هو ثالث الأقوال المعدودة في العناوين الفقهية 2: 664

3) ونسبه في المدارك 6: 41، إلى جماعة منهم الشيخ والمحقق -رحمهما الله -وذهب إليه الأردبيلي في مجمع الفائدة والبرهان 3: 118 والمحقق الهمداني في مصباح الفقيه 9: 360-358.

4) منهم الميرزا القمي في الغنائم 1: 63 والمير عبدالفتاح في العناوين الفقهية 2: 664 والآغا ضياء في شرح تبصرة المتعلمين 2: 198 وغيرهم.

الكلام حول القول الأول

أما القول الأول: وهو أن عباداته ليست بذات مصلحة أصلا لا ملزمة ولا غير ملزمة وأنه لم يوجه إليه خطاب من قبل المولى -جل وعلا- أصلا، لا وجوبا ولا ندبا، ولا مستقيما ولا غير مستقيم -كما سيظهر إن شاء الله تعالى - فليست عباداته شرعية، بل تمرينية محضة بمعنى أنه لا خطاب ولا ملاك في عباداته حتى ملاك التمرين وأن الشارع تعالی أهمله كالمجانين والبهائم؛ وذلك لعدم شمول الأدلة العامة الأولية والمطلقات الدالة على الأحكام (1)للصبي أو انصرافها عنه (2)وعليه لا يدخل الصبي في موضوع تلك الأحكام المذكورة، بل يكون خارجا عنها تخصصا.

ولو سلم شمولها للصبي المميز وعدم انصرافها عنه، يقال: إنه يخصصها ويقيدها ما يدل على رفع القلم عنه من نصوص معتبرة سنذكر بعضها عن قريب إن شاء الله تعالى. و عليه يخرج الصبي أيضا عن تلك العمومات والمطلقات، لكن تخصيصا لا تخصصا، و تختص أحكامها واجبة كانت أم مستحبة - بالبالغين؛ إذ كما أن مقتضی وضع قلم التكليف عند البلوغ هو إثبات مطلق التكاليف الواجبة


1) مثل قوله تعالى:« وَأقِيمُوا الصَّلاةَ» البقرة: 43، وقوله تعالى: «فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهرَ فَليَصُمهَ» البقرة: 185 (منه مد ظله).

2) كما أن الأمر كذلك في غير العبادات من سائر الأحكام التكليفية، فلم يتوجه إليه خطاب تحریمي ولا تنزيهي أيضا (منه مد ظله).

والمستحبة في حق البالغين، كذلك يكون مقتضی رفع قلم التكليف قبل البلوغ هو رفع مطلقها في حق غير البالغين، فيكون حال الصبي - حينئذ ولو كان مميزا - حال المجنون والصبي غير المميز في عدم كون عباداته شرعية بالمرة.

نعم، وردت في المقام خطابات خاصة موجهة إلى أولياء الصبيان المميزين غير تلك الخطابات الأولية تأمرهم بأن يأمروا صبيانهم بالعبادة نظير قوله عليه السلام : «مروهم بالصلاة وهم أبناء سبع» (1)، وإن قد يستدل بها لشرعية عباداتهم، لكنها وردت للتمرين المحض ولم ترد لأن يأمر الأولياء صبيانهم بالعبادة لمصلحة في نفسها، بل وردت لأن يأمروهم بها لأن يتمرنوا ويتعودوا بها لكيلا يكون إتيانها ثقيلا عليهم بعد البلوغ، ففي الحقيقة يستحب ذلك للأولياء وهم يثابون في أن يمرنوهم ويعودوهم على العبادة، ولا استحباب ولا ثواب للصبیان، فلا ملاك العبادتهم ولا خطاب لهم بها من ناحية المولى -جل وعلا- لا وجوبا ولا ندبا ، فلا تستفاد شرعية عباداتهم من جهة هذه الخطابات أيضا، فلا وجه للقول بأن عبادات الصبيان- ولو كانوا ممیزین - شرعية.

هذا غاية ما يستدل به على هذا القول.

ولكن فيه:

أولا: الإنصاف أن الخطابات الأولية تشمل بعمومها وإطلاقها العرفي غير


1) البحار 85: 133، ونظائره كثيرة تظفر عليها في البحار 85: 131، الباب 4 وفي الوسائل 3: 11، الباب 3 من أبواب أعداد الفرائض والمستدرك 3: 18، الباب 3 من أبواب أعداد الفرائض

البالغين کشمولها للبالغين من غير فرق ولا انصراف فيها منهم إليهم؛ لأن من المعلوم بداهة أن الشارع - تعالی و تقدس - لم يتخذ في مقام تبليغ الأحكام طريقا خاصا يخالف طريق أهل العرف الذين لا يفرقون في توجيه الخطاب بين البالغين والمميزين من غير البالغين، بل ليست طريقته تعالى في ذلك إلا طريقتهم، ولذا يكون المعيار في مداليل الألفاظ الشرعية هو فهم العرف الذي ببابك.

وثانيا: أن حدیث رفع القلم وإن كان ظاهره الإطلاق - أعني رفع قلم مطلق التكليف حتى الاستحباب عن الصبي - وأنه لا مصلحة لعباداته أصلا لا ملزمة ولا غير ملزمة؛ فإن الأحكام ليست- على ما هو التحقيق (1)- بمركبات حتى يبقى بعد رفع بعض أجزاءها بعضها الآخر، بل هي بسائط يرتفع أصلها بالمرة بمجرد الرفع، إلا أنه منصرف - بقرائن مقامية - إلى رفع خصوص الوجوب والمصلحة الملزمة الحاصلة للعبادات الواجبة على البالغين، وأن الإلزام والإيجاب مرفوع عنه فقط، دون الاستحباب والندب؛ فالعبادات وإن كانت واجبة في حق البالغين، تكون بمقتضی حدیث رفع القلم وبمعونة القرائن الحالية والمقامية التي منها الامتنان، مستحبة في حق الصبي المميز، كما في رفع التكليف في باب الحرج على المشهور.

وثالثا: أن تلك الخطابات الخاصة وإن كانت موجهة إلى الأولياء بأمرهم صبيانهم بالعبادة، لكنها في الحقيقة موجهة إلى الصبیان، وأن الأمر الوارد بأمر


1) راجع التنقيح 3: 152.

الصبيان بالعبادة أمر بعبادة الصبيان واقعا؛ لما حقق في الأصول (1)من أن الأمر بالأمر بالشيء أمر بذلك الشيء حقيقة؛ فعبادة الصبي المميز تكون من جهة هذه الخطابات الخاصة أيضا ذات مصلحة غير ملزمة لهم فتكون شرعية، وسيأتي إن شاء الله تعالی تفصيل ذلك عند بيان القول الرابع.


1) راجع القوانين 1: 135 والكفاية: 144 ومحاضرات في الأصول 4: 74.

الكلام حول القول الثاني

وأما القول الثاني: وهو أن عباداته ليست تمرينية محضة ولا شرعية أصلية، بل تكون شرعية تمرينية، يأتي بها بعنوان التعود وتمرين النفس، لا بعنوانها الأولي؛ فإن للعبادة عنوانین، والصبي المميز إما يشرع له أن يأتي بها بعنوان التمرين والتعود حتى لا تشق عليه بعد البلوغ، لا بعنوانها الأصلي الذي شرعت العبادة لذلك العنوان بالذات.

وبعبارة أخرى: المدعى في هذا القول ليس مشروعية الصلاة - مثلا - من حيث إنها صلاة، بل من حيث حصول التمرين والتعود في كل يوم في وقتها.

ولكن فيه:

إنه دعوی بلا بينة؛ إذ لا دليل يدل على ذلك بالخصوص؛ فإن مقتضی شمول أدلة الأحكام الأولية لعبادة الصبي -كما هو الصحيح المختار و أومأنا إليه و سيأتي شرحه إن شاء الله تعالی - هو مشروعيتها بالعنوان الأولي الأصلي، لا بهذا العنوان الفرعي التمريني.

وأما النصوص- التي ستذكر إن شاء الله تعالى - الواردة في أنه على الأولياء أن يأمروا الصبيان بإتيان الصلاة لمصلحة التمرين، فهي- كما هو الظاهر - موجهة إلى الأولياء لا إلى الصبيان، بمعنى أنه يستحب للأولياء أن يأمروا الصبیان بها المصلحة التمرين، مضافا إلى أن المشروعية بهذا المعنى لا تجزي ولا تغني عن عبادة البالغين، فلا تترتب عليها الفروع المترتبة على المشروعية بالمعنى المشهور المنصور بالبيان الآتي إن شاء الله تبارك وتعالی.

الكلام حول القول الثالث

وأما القول الثالث: وهو أن عباداته شرعية ذات مصلحة ملزمة؛ وذلك لشمول الأدلة العامة وإطلاقات الأوامر المتعلقة بالعبادات لها وعدم انصرافها عنها بالتقريب المتقدم، إلا أن المقيدات - مثل مادل على رفع القلم عن الصبي حتى يبلغ (1)- أوجبت رفع تنجزها وإيجابها عنه تلطفا وامتنانا ، مع بقاء المصلحة الملزمة على حالها؛ فالصبي المميز عند أرباب هذا القول خرج بمعونة هذه المقيدات عن موضوع تلك الأوامر والتكاليف الإلزامية (2)- مع بقاء المصلحة الملزمة بحالها -بالتخصيص لا بالتخصص -كما كان هو (3)الحال في القول الأول والثاني - ويترتب عليه -كما قيل (4)- عدم وجوب استئناف العبادة التي يبلغ الصبي في أثنائها، وكذا العبادة المأتي بها بتمامها قبل البلوغ ثم بلغ بعد إتمامها في الوقت؛ وذلك لأن المصلحة الملزمة على الفرض فيما أتی به في مفروض الفرعين موجودة وإنما التنجز كان مرتفعا عنه بحديث رفع القلم -كما في باب الحرج على المشهور - وهذا بخلاف القول الأول والثاني، فإنه يترتب عليهما


1) راجع الوسائل 1: 30، الباب 4 من أبواب مقدمة العبادات والمستدرك 1: 85، الباب 4 من أبواب مقدمة العبادات وعوالي اللئالي 1: 290، الحديث 48.

2) لعل المراد من الإلزام هاهنا ما يعم الوجوب الشرطي الشامل للعبادات المندوبة؛ فإن المصلحة فيها أيضا ملزمة، غاية الأمر بشرط إرادة إتيانها صحيحة، فتأمل (منه مد ظله ).

3) أي الخروج بالتخصص.

4) والقائل المحقق الآملي في مصباح الهدی 1: 440.

وجوب الاستئناف.

أما الأول لفرض عدم وجود المصلحة فيها بالمرة.

وأما الثاني فلان ما أتى به إنما كان بعنوان التمرين ولم يتعلق به الأمر والخطاب.

وكذا بخلاف القول الرابع الآتي شرحه إن شاء الله تعالى؛ لفرض عدم المصلحة الملزمة فيها فتدبر.

ولكن فيه:

أولا: أن المصلحة الملزمة ترتفع برفع التنجز والإيجاب، والقول ببقائها بعد الرفع عجیب وإن كان الرفع من باب الامتنان والتلطف، بداهة أن بقاء الإلزام مع رفع الإيجاب غير معقول، فتأمل.

وثانية: أن الأحكام التكليفية الخمسة - على خلاف ما اشتهر في الألسنة - ليست بمركبة من الأجناس والفصول، بل بسائط بحتة (1). فالوجوب مثلا غير قابلة لا للتجزئة إلى طلب ومنع من الترك ولا للتقسيم إلى إلزام ومحبوبية حتى تبقى المحبوبية عند ارتفاع الإلزام، نظير ما قد يذكر في محله (2)من أنه إذا نسخ الوجوب بقي الجواز.

وبعبارة أخرى: ليس الوجوب عند المتأخرين - خلافا لما اشتهر قدیما -


1) وقد صرح به المحقق الخوئي في التنقيح 3: 152 فراجع.

2) راجع مبادئ الوصول: 113 وغيره.

طلب الفعل مع المنع من الترك (كما أن الحرمة ليست طلب الترك مع المنع من الفعل) بحيث يكون مركبا من الطلب والمنع حتى يرتفع المنع بحديث رفع القلم ويبقى الطلب بحاله، بل الوجوب عبارة عن البعث الشديد إلى الفعل، كما أن الحرمة عبارة عن الزجر الشديد عنه (1)وهما - أعني كلا من البعث والزجر- لیسا مرکبین ، بل أمران بسيطان لهما مراتب فينتزع الوجوب من المرتبة الشديدة من البعث، والندب من الخفيفة منه، وكذا الحرمة من المرتبة الشديدة من الزجر، والكراهة من الخفيفة منه.

وأما الإباحة فهي عبارة عن حكم الشارع بالرخص في الفعل والترك (2)، لا مجرد عدم حکم اقتضائي كما قد يتوهم، فهذا التعريف عن الإباحة يدفع ما ربما يتفوه به من أن الإباحة من بين الأحكام الخمسة التكليفية ليست بحكم شرعي، فعليه لو ارتفع في المقام بحديث رفع القلم وجوب العبادات والبعث الشديد إليها المستتبع لرفع مصالحها عن الصبي المميز فلا بد من أن يرفع الوجوب بالمرة وترتفع المصالح بحذافيرها حتى غير الملزمة فضلا عن الملزمة، فلا تبقى هناك


1) على هذا فالوجوب والحرمة متخالفان سنخا؛ لتخالف سنخ البعث عن الزجر، ومتحدان متعلقا ؛ فإنه كما يكون متعلق البعث هو الفعل كذلك يكون متعلق الزجر أيضا هو الفعل؛ وذلك لأن الترك أمر عدمي لا يطلب ولا يبعث إليه كما لا يزجر عنه. وأما على المشهور فالأمر يكون بالعكس أي يكونان متخالفين متعلقا ومتحدين سنخا كما هو الظاهر في بادئ الأمر، فمعنی«لا يضرب» في الفارسية: نباید بزند، وليس معناه على ما اشتهر: باید نزند (منه مد ظله).

2) القواعد الفقهية 4: 117.

مصلحة لا ملزمة ولا غير ملزمة، فيرجع هذا القول إلى القول الأول الذي اتضح بطلانه.

وثالثا: أن الأحكام الشرعية- كما عن بعض الأعلام قدس سره (1)- تکون من المدركات العقلية وليست مجعولة للشارع مباشرة، بل جعله تعالى للأحكام إنما هو نفس اعتباره شيئا على ذمة المكلفين يكون منشأ لانتزاع تلك الأحكام، فينتزع العقل الأحكام الخمسة من ذلك الاعتبار الشرعي، غاية الأمر إن نصب الشارع قرينة على الترخيص في الترك، ينتزع العقل منه الاستحباب وإن لم ينصب قرينة عليه، ينتزع منه الوجوب، فلا معنى لرفع الشارع - تعالی و تقدس - حكم الإلزام العقلي بحديث رفع القلم، ولكن لا يخلو هذا من تأمل لو لم نقل من منع، والتفصيل موكول إلى محله.

وهذا التحقيق العميق - أعني بساطة الأحكام وارتفاعها بالحديث بالمرة وعدم بقاء شيء منها بعد الرفع - وإن كان في نفسه غير قابل للإنكار، إلا أن في المقام قرائن حالية وشواهد مقامية - لا يخفى على الخبير - قائمة على أن رفع قلم التكليف في الحديث إنما هو من باب الامتنان، ومقتضاه رفع الإلزام لا رفع أصل الحكم برمته، نظير رفع التكليف في باب الحرج عند المشهور؛ فإنهم - كما هو الصحيح - ذهبوا بمعونة القرائن إلى ارتفاع الإلزام وبقاء الملاك ولذا قالوا بأنه لو تحمل المكلف هنالك الحرج وأتي بالعمل الحرجي يكون العمل صحيحا مجزيا لا


1) هو المحقق الخوئي في محاضرات في الأصول 4: 22، في مبحث النسخ

غبار عليه، كذلك في المقام يكون عمل الصبي المميز - بعد رفع القلم عنه امتنانا - صحیحا شرعيا لا غبار عليه، ولذا عرفت وستعرف - إن شاء الله تبارك وتقدس - أن حدیث رفع القلم منصرف إلى رفع المصلحة الملزمة لا مطلق المصلحة حتى غير الملزمة، ولعله إلى ما ذكرنا يرجع ما قد يقال (1)من أن الإنصاف أن حديث الرفع، وإن كان ظاهره بحسب المتفاهم العرفي رفع مشروعية عبادات الصبي المميز بالمرة مطلقا ، لكن القرائن المقامية قائمة على أن المراد منه رفع خصوص العبادات الإلزامية لا مطلقها لكي تشمل غير الإلزامية أيضا.


1) والقائل هو المحقق البجنوردي في القواعد الفقهية 4: 117.

الكلام حول القول الرابع وهو المختار

وأما القول الرابع فهو الصحيح المختار والمشهور بين الأصحاب - قدس الله تعالى أسرارهم - وهو مشروعية عباداته من دون مصلحة ملزمة لها مطلقا.

وبعبارة أخرى: الصحيح أن تكون عباداته شرعية مندوبة حتى إذا كانت واجبة على غيره من البالغين؛ وذلك لوجوه تقدمت الإشارة إليها خلال البحث عن الأقوال الثلاثة نقضا وإبراما ، ونعيدها هاهنا مع مزید توضیح.

وجوه الاستدلال على المختار

الوجه الأول

الوجه الأول: فلكون الصبی - کالبالغ - مشمولا لنفس عمومات الأوامر الأولية و إطلاقاتها المتعلقة بالعبادات؛ فإنها تشمل غير البالغين کشمولها للبالغين من غير مخصص ولا مقيد لتلك العمومات والإطلاقات، ومن غير انصرافها إلى البالغين (1)وقد تقدم أن دعوى الانصراف إلى خصوصهم غير مسموعة؛ بداهة عدم اتخاذ الشارع المقدس في مقام تبليغ الأحكام وتوجيه الخطابات طريقا


1) سواء كانت هذه العبادات من الواجبات أو المستحبات العينية (التعيينية أو التخييرية) أو من الواجبات أو المستحبات الكفائية، وإن ذهب بعضهم إلى اختصاصها بالأولى،وسيأتي ما فيه وبيان ما هو الحق إن شاء الله تبارك وتعالى (منه مد ظله).

خاصا يغاير طريق أهل العرف والمحاورة، بل تقدم أن طريقته تعالى في ذلك عين طريقتهم المتداولة وهي أنهم لا يفرقون في توجيه الخطابات بين البالغين وغير البالغين، بل لا يفهمون البلوغ، والملاك عندهم في التوجيه هو التمييز الشامل للبالغ وغير البالغ؛ إذ البلوغ من مخترعات الشرع المطهر.

نعم، يظهر من مناسبة الحكم والموضوع أن المراد من غير البالغين خصوص المميزين منهم؛ بداهة أن غير المميزين منهم غير قابلين لتوجيه الخطاب إليهم، كالمجانين

والبهائم، كما أن الأمر كذلك في عرف أهل المحاورة وأنهم لا يوجهون خطاباتهم إلى غير المميزين منهم، كما لا يوجهونها إلى المجانين والبهائم، وهو ظاهر.

وعلى أي حال، فقد ثبت من هذا الوجه بعض المدعي وهو مجرد نفس شرعية جمیع عبادات الصبي المميز، ولم يثبت منه تمام المدعي وهو كون جميعها - مضافا إلى الشرعية- مستحبة أيضا، إذ يمكن أن يتوهم من مساواة البالغين مع المميزين في الخطابات أن في عبادات المميزين ما ربما يكون واجبا، كما في عبادات البالغين، مع أن تمام المدعى والمطلوب کون جمیع عبادات المميزين مطلقا - حتى الواجبة على البالغين - مستحبة عليهم، ولكن يمكن استفادة استحباب الجميع - أعني تمام المطلوب - من مناسبة الحكم والموضوع واستظهار أن غیر البالغين لا يناسب أن يكون في عباداتهم ما يجب عليهم کالبالغين، بل لعله يمكن استفادة ذلك من اتحاد طريقة الشارع - تعالی و تقدس - مع طريقة أهل العرف؛

بتقريب أن الطريقة الممضاة هي أن أهل المحاورة، وإن كانوا لا يفرقون بين المميزين والبالغين في توجيه الخطابات، لكنهم لا يريدون من المميزين طبعا ما يريدون من البالغين في ضمن خطاباتهم من البعث الشديد الذي ينتزع منه الوجوب، بل يريدون من المميزين في ضمن خطاباتهم البعث الخفيف المنتزع منه الاستحباب، فثبت من هذا الوجه مع الضميمتين أن عبادات الصبي المميز مطلقا كما تكون شرعية تكون مستحبة أيضا برمتها، ولا سيما بعد ملاحظة انضمام الوجه التالي إلى هذا الوجه - أعني به حدیث رفع قلم التكليف الإلزامي - يستفاد المطلوب بتمام المدعي.

الوجه الثاني

وأما الوجه الثاني: فلوجود حدیث رفع القلم امتنانا عن الصبي حتى يبلغ؛ فإن مقتضاه خروج الصبي المميز تخصیصا عن تلك العمومات والإطلاقات الأولية التي قربنا شمولها بطبعها له بالتقاريب المتقدمة.

وبعبارة أخرى: مقتضاه رفع الأحكام العامة الأولية عن الصبي المميز، وقد حقق و فضل بما لا مزيد عليه أن الأحكام التكليفية الخمسة كلها بسائط وليست بمركبات،ومقتضی رفع البسيط هو رفعه بالمرة من غير أن يبقى منه شيء إلا أن هناك قرائن مقامية - منها كون رفع القلم عنه للامتنان، كرفع التكليف في باب الحرج عن البالغين على المشهور - تدل على أن المرفوع من الأحكام خصوص

لزومها ووجوبها دون أصلها، فلا يجب عليه ما يجب على البالغين، بل يستحب له ذلك، وأما ما كان مستحبا لهم فهو باق على استحبابه له، غاية الأمر يكون أخف استحبابا له من الأول، كما أن العبادة المكروهة لهم - بمعنى أقل ثوابا أو مزاحمه لما هو أهم - يكون أخف استحبابا له من المرتبتين، وفي الحقيقة رفع عن الصبي المميز ما كان واجبا على البالغين فصار مستحبا له، وما كان مستحبا لهم صار أخف استحبابا له، و هكذا كل ذلك مستفاد مما يستظهر من مناسبة الحكم والموضوع، فليتدبر.

الوجه الثالث

وأما الوجه الثالث: فلما ورد في نصوص خاصة معتبرة أن الشارع - تبارك و تقدس - أمر على سبيل الندب والاستحباب - على ما يستظهر من قرائن حالية: منها مناسبة الحكم والموضوع - أولياء الصبيان بأمر صبيانهم بالصلاة، مثل قوله عليه السلام : «إنا نأمر صبياننا بالصلاة إذا كانوا بني خمس سنين فمروا صبيانكم بالصلاة إذا كانوا بني سبع سنين» (1)

وإليك بعض نصوص المقام: المستدرك 3: 18، الباب 3 من أبواب أعداد الفرائض، الحديث 1، قوله عليه السلام : «ثم يترك حتى يتم له تسع سنين- إلى أن قال - وأمر بالصلاة... الخ» والحديث 2 قوله عليه السلام : «مروا صبيانكم بالصلاة إذا كانوا أبناء ست سنين... الخ» والحديث 3 قوله صلي الله عليه وآله : «مروا صبيانكم بالصلاة إذا كانوا أبناء عشر سنين، والحديث 4 قوله صلي الله عليه وآله : «مروا صبيانكم بالصلاة: إذا بلغوا سبعا... الخ».

وقد حقق في الأصول -كما أومأنا إليه - أن

1) الوسائل 3: 12، الباب 3 من أبواب أعداد الفرائض، الحديث 5.

الأمر بالأمر بالشيء - وجوبا كان أم ندبا - أمر بذلك الشيء كذلك حقيقة، فيستفاد من هذه النصوص أن الصبيان مأمورون بالصلاة ندبا وأن الأولياء أمروا بأن يأمروا صبيانهم بنفس الصلاة، وأن الشارع - تعالی و تقدس - في الحقيقة أمر الصبیان بنفس الصلاة بوجه غیر مستقیم، لمصلحة غير ملزمة في نفسها، وإن كانت قضاء الصلاة أنفسهم فيما إذا فاتت منهم الصلاة في أيام تمييزهم الماضية؛ فإنه يستحب لهم قضاؤها أيضا كما استحب لهم الأداء من غير فرق بينهما، كما لا يخفى.

دفع دخل

الظاهر بل من المقطوع: أن ذکر خصوص الصلاة في هذه النصوص من باب المثال، إذ من المعلوم بالقرائن أنه لا خصوصية لها في المقام، فيعم أمر الشارع تعالى فيها - بعد إلغاء تلك الخصوصية - مطلق العبادات وأن مطلق عبادات الصبيان - ولو لم تكن بصلاة - لها مصلحة غير ملزمة في نفسها كما أن هذه النصوص وإن كانت منصرفة إلى العبادات الواجبة على البالغين، لكن لاخصوصية لها أيضا فبإلغاء خصوصية الوجوب وبقرينة مناسبة الحكم والموضوع تشمل المندوبة لهم أيضا، فتستحب للصبيان جميع الصلوات والعبادات الواجبة والمندوبة والمكروهة على غيرهم من البالغين، مع حفظ مراتب الاستحباب شده وضعفا ، بل يستفاد من القرائن -ولا سيما من ملاحظة إلغاء الخصوصية التي في النصوص الصريحة في الصلاة الظاهرة في الواجبات - أن الأمر كذلك في جميع الأحكام التكليفية حتى المحرمات فضلا عن المكروهات والمباحات، ولا يختص بالصلاة ولا بالواجبات فتشرع للصبيان جميع ما شرع للبالغين إلا ما خرج أو اختص بهم مما علم (1).

غاية الأمر محرماتهم تكره على الصبيان أشد كراهة من مکروهاتهم عليهم، والمباحات باقية على إباحتها ورخصتها.


1) وإلا هو ففي مثل كفن زوجة الصبي (حتى غير المميز ظاهرا ) يجب على وليه إ عطاؤه من ماله، فتأمل (منه مد ظله).

ولك أن تقول: جميع خطابات الأحكام التكليفية الخمسة حتى غير العبادات، موجهة إلى الصبي کالبالغين، غاية الأمر لا بنحو الإلزام، وعليه فيكون الواجب عليهم مستحبا له والحرام عليهم مكروها له، والمباح۔ کالمستحب والمكروه - باق على ما هو عليه، فمرجع الأحكام الخمسة في حقه ثلاثة: المستحب والمكروه والمباح مع حفظ المراتب بالتقاريب المتقدمة.

وعلى أي حال، ثبت من تلك النصوص المعتبرة أن عبادات الصبیان المميزين شرعية ذات مصلحة غير ملزمة شديدة أو خفيفة، والله تعالى هو العالم بحقائق أحكامه.

تنبيه

وليعلم أن بعض الواجبات الشرعية لا بد وأن يتحقق في الخارج جزما ، وأن الشارع - تعالی و تقدس - أراد وجوده و تحققه على سبيل البت والجزم مثل رد الأمانات وحفظ النفوس المحترمة التي يحرم قتلها ونظائرهما، كما أن بعض المحرمات تكون بمثابة لا بد وأن يترك لا محالة، ولا يريد الشارع - تبارك وتعالى - أن يتحقق في الخارج جزما وبتا مثل قتل النفوس المحترمة وشرب الخمور المسكرة والزنا واللواط ونحوها - نعوذ بالله تعالى منها - ولكن لا تحرم هذه المحرمات الكذائية ولا تجب تلك الواجبات الغلاظية على الصبي المميز؛ لرفع التكليف عنه، وإنما تستحب له الأولى وتكره الثانية عليه، نظیر سائر الواجبات والمحرمات الشرعية بلا فرق بينهما وبين سائرها إلا من جهة أولياء الصبيان؛ فإنه يجب عليهم من أجل وجود قرائن مقامية - ولا سيما مقتضی مناسبة الحكم والموضوع - إلزام الصبيان على إتيان تلك الواجبات زائدا على أمرهم بها، وردعهم عن فعل تلك المحرمات زائدا على نهيهم عنها (1)حتى يتحقق ماهو مراد الشارع - تعالی و تقدس - فعلا وتركا.

هذا تمام الكلام في البحث عن عبادات الصبي المميز من جهة شرعيتها، وقد ثبتت بما لا مزيد عليه.


1) يستفاد هذان الأمر والنهي من النصوص المتقدمة أعني بها قوله عليه السلام : «مروهم (أي الصبيان) وهم أبناء سبع»؛ فإنها تدل على الأمر صريحا وعلى النهي تلويحا و تنقيحا للملاك (منه مد ظله).

تذییل:في الفروع المترتبة على شرعية عبادات الصبي المميز

وأما البحث عن عبادات الصبي المميز من جهة الفروع المترتبة على شرعيتها فنشير إلى بعض من كثير هامستمدا منه تعالی

الفرع الأول في حكم تجهيز الصبي المميز للميت

لا ريب في أن تجهيز الميت مطلقا - سواء كان من التعبديات التي يعتبر فيها قصد القربة كتغسيله والصلاة عليه ونحوهما أو من التوصليات غير المعتبر فيها قصد القربة کتحنيطه وتكفينه وتدفینه وغيرها- ونظائره من الواجبات الكفائية على البالغين، تكون - بناء على شرعية عبادات الصبي المميز - من المستحبات الكفائية عليه على ماتقدم، كما أن وضع الجريدة مع الميت من المستحبات الكفائية عليه وعليهم.

ثم بناء على شرعية عبادات الصبي المميز اختلف في أنه هل يجزي و يغني ويكفي تغسیله المبيت وصلاته عليه (1)عن غيره من البالغين بعد وجوبهما الكفائي عليهم واستحبابهما الكفائي عليه؟

الصحيح هو الاجتزاء والكفاية بعد فرض شرعية عباداته.

نعم، إذا قلنا بأنها تمرينية فلا يجزي ولا يكفي وأما على الشرعية فلا يرى إشكال في الأجزاء؛ بداهة عدم الفرق فيه بين عمل من وجب عليه كفايه ومن


1) وأما تحنيطه وتكفينه وتدفینه ونظائرها فإنها وإن كانت أيضا من الواجبات الكفائية - كما أن وضع الجريدتين معه من المستحبات الكفائية - إلا أنها ليست بتعبدية حتى تكون مورد الكلام، بل توصلية لا يعتبر فيها قصد القربة، بل لو تحققت بلا قصد من أي وجه ولو بعنوان التمرين تكفي ويجتزی بها وتسقط الوجوب، كما لا يخفى (منه مد ظله).

استحب عليه كذلك، فكما يجزي عمل من وجب عليه كفاية عن عمل غيره، كذلك يجزي عمل من استحب عليه كفايه عن عمل غيره حتى من البالغين.

بیان ما ورد على المختار والجواب عنه

ولكن قد يستشكل ويقال بعدم الإجزاء والكفاية مطلقا حتى على القول بالشرعية؛ بتقريب أن الأمر بغسل الميت وصلاته خاص بالبالغين و موجه إليهم، ومسقطية تغسيل الصبي وصلاته عن الأمر المتوجه إلى البالغ -ولو کانا شرعيين - تحتاج إلى دليل مفقود في المقام؛ إذ مجرد شرعية عباداته - على القول بها - لا تسقط ذلك، فإن المسقطية مسألة أخرى غير مسألة الشرعية ولا ملازمة بينهما (1).

لكنه كما ترى - لا يمكن المساعدة عليه؛ لما تقدم من أن غير البالغ -کالبالغ -مشمول لخطاب التكليف مطلقا، سواء كان التكليف واجبا أم غير واجب، ثم الواجب عينيا - تعيينا أو تخييرا - كان أم كفائتا. غاية الأمر أنه يكون الواجب في حق غير البالغ مستحبا، فيكون الواجب العيني بقسميه في حقه مستحبا عينيا بقسميه،والواجب الكفائي في حقه مستحبا كفائيا.

وبعبارة أخرى: لا يختص الأمر بتغسیل المیت وصلاته ونحوهما من الواجبات الكفائية، بالبالغين كما لا تكون الواجبات العينية - تعيينا أو تخييرا -


1) راجع العروة 2: 24، المسألة 5، وموسوعة المحقق الخوئي 8: 290 و 374 و 9: 165 و 194.

مختصة بهم، بل الكفائية - على ما أومأنا إليه في طي المقدمات - تعم غير البالغين- کالعينية - على حد سواء في ذلك، بناء على شرعية عباداتهم كما هو المشهورالمنصور. نعم، لا يسقط الواجب العيني بفعل الغير؛ فإنه مقتضی عينية وجوبه، ولكن مقتضى الواجب الكفائي هو السقوط بفعل الغير، وكذلك مقتضى المستحب الكفائي، بل الواجب الكفائي على البالغين كما يسقط بعينه بفعل من استحب عليه نفس ذلك الواجب كذلك في المقام، بناء على شرعية واستحباب عبادات غير البالغين المميزين، كما ينعكس الأمر أيضا في سقوط ما هو المستحب الكفائي لغير البالغين بفعل من وجب عليه ذلك المستحب من البالغين؛ بداهة أنه كما يسقط الواجب الكفائي بفعل واحد ممن يجب عليه كفايه، كذلك يسقط أيضا بفعل واحد ممن يستحب له ذلك بعينه كفايه من غير فرق بينهما ومن غير أن يحتاج تلك المسقطات إلى دليل على حدة.

والحاصل: أن النصوص الدالة على شرعية عبادات الصبي تدل على شرعية عباداته مطلقا ، بل قد يسقط الفعل المستحب من واحد واجبا عينيا عن غيره بدلیل خاص، كما لو تبرع شخص وأتى بما وجب على الولد الأكبر عينا من قبل والديه؛ فإنه بتبرعه المستحب عليه يسقط الواجب العيني التخييري - بين المباشرة والاستئجارونحوهما- عن الولد الأكبر، فليتأمل.

الفرع الثاني في حكم صلاة الصبي المميز نيابة عن الميت

هل يصح استئجار الصبي المميز لقضاء صلاة الميت؟ وهل تفرغ بعمله الاستئجاري أو التبرعي ذمة الميت بعد البناء على شرعية عباداته؟

قد استشكل بعضهم (1)بأن الأدلة العامة الأولية ومطلقاتها برمتها - حتى مثل الأمر بالنيابة ندبا - منصرفة عن الصبي المميز وخاصة بالبالغين وأن مسألة شرعية عباداته غير مسألة مسقطيتها للأمر الموجه إلى الغير.

لكن فيه ما عرفت في الفرع السابق بما لا مزيد عليه من أنه لا وجه الاختصاص تلك الأدلة بالبالغين ولا انصراف لها إليهم، بل تعم البالغ.. إلى آخر ما سردناه.

وكذلك يستشكل (2)بأن النصوص الواردة في أمر أولياء الصبيان بأمر صبيانهم بالصلاة لا تشمل المقام وأن الصلاة التي أمر الصبي المميز بها هناك منصرفة عن الصلاة النيابية إلى الصلوات اليومية، فليست صلاته النيابية بشرعية. ولكنه مدفوع:

أولا بمنع انصراف الصلاة عنها إلى اليومية بعد إطلاقها.


1) وهو المحقق الخوئي في موسوعته 16: 236 و 237.

2) المصدر السابق 16: 237.

وثانيا أنه - على تسليم الانصراف - لا ريب في عدم خصوصية للصلوات اليومية، بل بإلغاء الخصوصية - ولعله بتنقيح المناط - تعم غيرها من الصلوات بل جميع العبادات.

فالحق - بناء على المشروعية - هو الاجتزاء والكفاية وفراغ ذمة الميت عنها وأن عمله - بناء عليها - واجد للمصلحة التامة بدون نقص فيها، غاية الأمر رفع الشارع تعالى الإلزام عنهم تلطفا وامتنانا ... إلى آخر ما تقدم بما لا مزيد عليه.

الفرع الثالث في حكم حج الصبي المميز حجة الإسلام

من مقتضیات شرعية عبادات الصبي أنه لو استطاع وحج في زمان تمییزه كان حجه مجزيا عن حجة إسلامه ولا يجب عليه ذلك بعد البلوغ، وإن لم يسقط عن الاستطاعة بعد، لكن الظاهر أن الأصحاب قدس سرهم تسالموا على عدم الاجتزاء به (1)، فلعله -كما قيل (2)_ لخصوصية في حجة الإسلام لا تحصل إلا بأن يكون الحاج بالغا ، كما أن الأمر كذلك في اشتراط الحرية أيضا، فليس عدم إجزائه من جهة عدم مصلحة و ملاك في حجه بعد البناء على شرعية عباداته التي منها الحج،كما لا يخفی.


1) راجع المنتهی 10: 58 والجواهر 17: 229 وغيرهما.

2) والقائل هو المحقق البجنوردي في القواعد الفقهية 4: 113 وراجع أيضا موسوعة المحقق الخوئي 26: 34.

الفرع الرابع في حكم قضاء الصبي المميز لعبادات أبويه إذا كان أكبر أولادهما

إذا كان الصبي غير البالغ أكبر أولاد والديه، لا يجب عليه بعد موتهما قضاء عباداتهما قبل البلوغ (حال التمييز ) كما يجب عليه بعد البلوغ؛ فإن العنوان المصرح به في دليل الوجوب أنه يقضي عنه أولى الناس بمیراثه (1)وهذا العنوان وإن كان صادقا على الولد الأكبر بعد بلوغه وقبله حال تمییزه بلا فرق بينهما في الصدق، إلا أن غير البالغ رفع عنه قلم التكليف والإلزام تفضلا وامتنانا ولم يرفع عنه مطلق الأحكام على ما تقدم بما لا مزيد عليه، فلا يجب عليه شيء قبل البلوغ، ولكن لا يبعد القول باستحبابها عليه إذا كان مميزا بعد البناء على مشروعية عباداته، كما هو ظاهر.

ثم الظاهر أن مقتضى شرعية عباداته أنه لو أتي بها في زمان صباوته و تمییزه يجزي ولا يجب عليه إعادتها بعد البلوغ، كما تقدم بيانه في الفرع الثالث.

نعم، تسالم الأصحاب قدس سرهم هناك على عدم الإجزاء - على ما أشرنا إليه - ولكن لم يعلم تسالمهم على عدم الإجزاء في المقام، فلعل الظاهر هو الإجزاء والسقوط بعد البلوغ، والله - تبارك وتعالی - هو العالم.


1) راجع الوسائل 7: 241، الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان،الحديث 5 ونفس المصدر 5: 366، الباب 12 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث 6.

الفرع الخامس في حكم أذان الصبي المميز وإقامته

لا ينبغي الإشكال في الاجتزاء بأذان الصبي المميز سماعا وجماعة كما لا إشكال في الاجتزاء بأذانه حكاية (1)؛ لوضوح أن الحاكي -كما أفيد (2)- في تلك الحالة مؤدن حقيقه، من غير فرق بين أذاني الإعلام والإعظام (3)(أي أذان الصلاة جماعة أو فرادی، مستحبا كان أم مكروها ) حتى إذا لم نقل بشرعية عباداته، فضلا عما إذا قلنا بذلك، كما هو الصحيح المشهور على ما تقدم؛ وذلك لانعقاد الإجماع بقسميه على عدم اشتراط البلوغ في الأذان كما عن صاحب الجواهر قدس سره (4)ولنصوص خاصة تدل على ذلك، وقد عقد لها صاحب الوسائل قدس سره بابا (5)، بل الأذان الإعلامي لا بأس بالاجتزاء به بلاكلام، لاتحاد الصبي مع البالغ في تحصيل غايته وهي الإعلام بعد عدم كونه أمرا عباديا يعتبر فيه قصد القربة زائدا على قصد


1) المراد بالحكاية - على ما في العروة - أن يقول الحاكي مثل ما قال المؤن عند السماع من غير فصل معتد به، راجع العروة 2: 421 (منه مدظله).

2) وهو المحقق الخوئي في موسوعته 13: 327

3) وعليه لا بأس بأن يتعدد المؤذنون ولو إعلامة، ويقصدون بذلك حكاية الأذان، لكن لابد أن يؤخروا أذانهم عن المؤذن المحكي عنه ويقصدوا بأذانهم الحكاية، فإنما الأعمال بالنيات، فليتدبر (منه مد ظله).

4) راجع الجواهر 9: 54.

5) راجع الوسائل 4: 661 الباب 32 من أبواب الأذان والإقامة.

أصل العمل حتى يدخل في مورد البحث.

وأما التقييد في بعض تلك النصوص (1)بعشر سنين، فلعله -كما قيل (2)- الأجل رعاية التمييز؛ إذ لا تمييز قبله عادة، ولا معارض لتلك النصوص إلا من حيث الائتمام المصرح به في بعضها كموثقة إسحاق بن عمار قوله عليه السلام : « فإن أم (أي الغلام قبل أن يحتلم) جازت صلاته، ولكن فسدت صلاة من خلفه» (3)أي صلاة من يأتم به من البالغين دون الصبيان كما لا يخفی؛ وحيث لا إطلاق في نصوص الجماعة بالنسبة إلى الإمام حتى يرجع إليه في تصحيح الائتمام بالصبي بعد التساقط بالتعارض (4)فلا محالة يحكم بعدم صحة ائتمام البالغين به.

وأما من حيث الاجتزاء بأذانه لما هو مورد البحث، فلا معارض لها، فلا إشكال في الاجتزاء بأذانه سماعا وجماعة، وإن كان الاحتياط - استحبابا - لا ينبغي ترکه؛ خروجا عن مخالفة غير واحد من أعلام الأصحاب قدس سرهم.

هذا كله في أذان الصبي المميز.

وأما إقامته فلا إشكال أيضا في الاجتزاء بها -سماعا وجماعة - بعد البناء على مشروعية عباداته كما هو الصحيح.


1) کرواية سماعة؛ راجع الوسائل 5: 397، الباب 14 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 5.

2) والقائل هو المحقق الخوئي في موسوعته 13: 326 والمحقق الآملي في مصباح الهدی 2: 363 نقلا عن الشيخ رحمه الله.

3) الوسائل 5: 398، الباب 14 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 7.

4) كما نص عليه المحقق الخوئي في موسوعته 13: 327.

نعم، يشكل، بل لا يصح الاجتزاء بها مطلقا بناء على تمرينية عباداته.

هذا كله في الاجتزاء بأذانه لصلاة البالغين جماعة وسماعا.

وأما الاجتزاء بأذانه وإقامته لصلاة نفسه أو لصلاة جماعة الصبيان فلا ريب فيه ولا إشكال؛ فإن حالهما حال بقية الأجزاء والشرائط العبادية المجزئة لنفسهولو كانت تمرينية، فضلا عما هو الصحيح من كون عباداته شرعية كما لا يخفی.

الفرع السادس في حكم نذر الصبي المميز وعهده ويمينه

مقتضى شرعية عبادات الصبي المميز هو أن يصح له النذر وأخواه من العهد واليمين، فله أن ينذر ويحلف ويتعهد ويفعل ما هو عبادة غير مالية وإن لم يجب عليه الوفاء، بل يستحب له؛ لمكان رفع التكليف الإلزامي عنه على ما تقدم شرحه وتفصيله.

ولكن عن بعضهم (1): أنه لا قائل بصحتها، وأن الظاهر انعقاد الإجماع على اشتراط البلوغ فيها (2)فيكون الإجماع المدعی مانعا عما هو المقتضي للصحة، فتبطل هذه الأمور من الصبي المميز لأجل الإجماع.

وقد قيل (3): إنه العمدة في وجه بطلانها، لا ما قد يتوهم أو يقال (4)في وجه البطلان من کون وجوب الوفاء من مقومات صحتها، لقوله تعالى: « يُوفُونَ بِالنَّذرِ وَ يَخافُونَ يَوماً كَانَ شَرُّهُ مُستَطِيراً» (5)ولا ريب في عدم الوجوب، حتى بناء على شرعية عباداته، ومع عدم الوجوب وانتفاء ما هو القوام لا تصح عنه ولا تتحقق منه


1) وهو المحقق البجنوردي في القواعد الفقهية 4: 123.

2) مقتضاه أن لا تنعقد من الصبي ولو كان مميزا أو بلا إذن والده ورضاه أو مع نهيه، وتتحل بحله منه مد ظله).

3) والقائل هو المحقق البجنوردي أيضا في نفس المصدر.

4) لم نعثر على قائل بهذا الوجه في بطلان نذر الصبي.

5) الإنسان: 7.

تلك الأمور؛ وذلك لأن وجوب الوفاء ليس من مقوماتها، بل يكون من أحكامها المترتبة عليها شرعا، وفي المقام رفع الشارع - تبارك و تعالی - حكم الوجوب عنه رأفة وامتنانا وأما أصل الصحة على سبيل الاستحباب فلا غبار عليها.

فالعمدة في وجه البطلان هو الإجماع، ولكن فيه: أن محصله غير معلوم الحصول، و منقوله غير محقق القبول.

الفرع السابع في حكم وقوف الصبي المميز خلال صفت الجماعة مصليا

بناء على شرعية عبادات الصبي لا يكون وقوفه مصليا في صفوف الجماعة حائلا ، بل يصح أن تتصل بصلاته صفوف الجماعة المنتهية إلى إمامها، كما عليه مشهور الفقهاء رضوان الله تعالى عليهم (1)؛ لذهابهم إلى أنه لا يضر الفصل بالصبي المميز ما لم يعلم بطلان صلاته (2)أو مع العلم بصحة صلاته، كما هو المفروض.

فهو بناء على شرعية عبادته، مضافا إلى أنه لا يكون بصلاته حائلا بين صفوف الجماعة - يكون كسائر المصلين البالغين موجبا لاتصال الصفوف، فلا يخل فصله بصفوف الجماعة مطلقا. لا من ناحية الحائل والحيلولة ولا من ناحية البعد والفاصلة؛ فعدم إخلال فصله من كلتا الناحيتين مبني على شرعية عباداته.

وأما بناء على تمرینیتها فيشكل، بل يخل من كلتا الناحيتين؛ لأن صلاته حينئذ تكون صورة صلاة وليست بصلاة حقيقة.


1) کالمحقق الأردبيلي في مجمع الفائدة والبرهان 3: 244، والفاضل السبزواري في ذخيرة المعاد 2: 389 والميرزا القتي في غنائم الأيام 3: 111 و 112 والمحقق اليزدي في العروة 3: 151، المسألة 22 ولاحظ أيضا الجواهر 13: 151.

2) كما لعله الأصل بعد البناء على مشروعية صلاته، نظير أصالة الصحة في فعل المسلم (منه مد ظله)

نعم، ربما يستدل (1)لعدم الإخلال - حتى على التمرينية - بقول الإمام علیه السلام في خبر أبي البختري: «أن عليا عليه السلام قال: الصبي عن يمين الرجل في الصلاة إذا ضبط الصف جماعة... الخبر» (2)، لكنه وإن كان تام الدلالة، إلا أنه - كما عن بعض الأعلام قدس سره (3)- ضعيف السند لا يصح الاعتماد عليه، فثبت أن عدم الإخلال من كلتا الجهتين إنما هو مبني على شرعية عباداته فحسب، ولا ينافي ذلك ما اشتهر منهم قدس سرهم من كراهة تمكين الصبيان من الصف الأول (4)ولو كانوا مميزين (5)؛ فإنه


1) قد مر آنفا جملة من استدل به، فراجع.

2) الوسائل 5: 412، الباب 23 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 2.

3) وهو المحقق الخوئي في موسوعته 17: 192، وعلة الضعف - على ما قاله قدس سره- أن أبا البختري في غاية الضعف، بل قيل: إنه أكذب البرية

4) كما عن الشيخ رحمه الله في المبسوط 1: 155 وابن البراج في المهذب 1: 79 والكيدري في الإصباح: 89 والمحقق في الشرائع 1: 114 والمحقق اليزدي في العروة 3: 205، المسألة 18وغيرهم.

5) وقد سنحت لي ذکری تناسب المقام وهي أني كنت أوان الهجرة من مولدي (النجف الأشرف) إلى العاصمة طهران، صبيا مميزا في عداد الطلاب المعممين، فوقفت عند إرادة الصلاة في الصف الأول من صفوف جماعة انعقدت في الجامع المعروف في العاصمة (ساحة القيام) بمسجد المرحوم الحاج أبي الفتح ومدرسته الفتحية، وكان يومئذ والدي العلامة قدس سره إماما لها، فبعد السلام والفراغ من الصلاة سأل أحد المأمومين بصوت عال عن صحة الجماعة واتصال صفوفها بي؟ فأجاب قدس سره بأنه لا بأس بذلك من جهة شرعية صلاة المميز، غير أن تمكين الصبيان من الصف الأول يكون مكروها موجبا لقلة ثواب صلاة الجماعة أو خصوص صلاة الصبيان (منه مد ظله).

• مضافا إلى أن الكراهة إنما هي بدلیل خاص (1)- يكون أصل صحة عبادته باقية مع الكراهة بمعنى أقل ثوابا ، كما لا يخفی.

نعم، لا يجوز للبالغين الائتمام به حتى بناء على شرعية عباداته وصحة صلاته؛ لماتقدم آنفا من دلالة نصوص خاصة- كموثقة إسحاق بن عمار المتقدمة في الفرع الخامس - على عدم جواز ائتمام البالغين به وأنه تفسد صلاتهم، وإن جازت صلاته وصلاة من ائتم به من غير البالغين بحيث لولا النص لما فسدت صلاتهم بمقتضى شرعية عباداته.

ولهذا البحث فروع ومسائل أخرى - ولعلها كثيرة متكثرة تأتي في مختلف أبواب الفقه العبادي - مترتبة على شرعية عبادات الصبي المميز، أعرضنا عنها لعدم سعة هذا المختصر مخافة التطويل والإطناب و اتكالا على فهم ذوي الألباب، بل لعله لا حاجة إلى ذكرها في هذا الباب، بعد إمكان اقتباسها مما ذكرنا من الفروع بلا ارتياب.

وإن شئت قلت: كما أومأنا في خلال البحث - إنه بناء على شرعية عباداته


1) ادعى الشهيد الثاني رحمه الله في روض الجنان وجود دليل خاص على كراهة تمكين الصبيان من الصف الأول وألحق المجانين والعبيد إليهم واعترض صاحبال جواهر قدس سره عليه في ذلك وقال: «لم أجد نصا بالخصوص في شيء من ذلك، فالعمدة في المسألة ما في الوسائل من الروايات الدالة على اختصاص الصف الأول بأهل الفضل ورواية عامية استدل بها صاحب الجواهر من قوله صلي الله عليه وآله : «ليليني أولوا الأحلام ثم الذين يلونهم ثم الصبيان ثم النساء». راجع روض الجنان 2: 990 والجواهر 13: 265 - 266 والوسائل 5: 385، الباب 7 من أبواب صلاة الجماعة.

تكون جميع الواجبات والمستحبات المذكورة في خلال أبواب الفقه - باستثناء ما اختصت بالبالغين أو خرجت بالدليل - مستحبة عليه. وقد اشتهر تأليف الشهيد الأول قدس سره کتاب «الألفية» المشتمل على ألف واجب من واجبات أحكام الصلاة، وكتاب «النفلية» المشتمل على ما يزيد عن ثلاثة آلاف من مستحباتها، وشرحهما الشهيد الثاني قدس سره بأحسن شرح - على ماقيل (1)- فكل هذه الواجبات والمستحبات و غيرهما من سائر العبادات الشرعية - ما خلا المختصات بالبالغين - تكون مستحبة على الصبي المميز بناء على شرعية عباداته.


1) راجع القواعد الفقهية 4: 121.

تتميم: في حكم الصبي المميز بالنسبة إلى الأصول الاعتقادية

قد ظهر مما سردنا في البحث أنه يعتبر في الأحكام الفرعية أن يكون المكلف بالغا وأن البلوغ موضوعها، وأن الصبي المميز- لمکان رفع قلم التكليف عنه - لم يكن بمورد للإلزامية من تلك الأحكام وإلا لكان مشمولا لها بالتقريب المتقدم.

وأما الأحكام الأصلية والأصول الاعتقادية فلا يعتبر فيها البلوغ، بل يعتبر فيها الرشد الصادق على التمييز، فيكفي فيها ذلك وإن لم يبلغ حد البلوغ الذي وضعه بيد الشارع تعالی؛ وذلك لشمول هذه الأحكام الأصولية للصبي المميز بالتقريب المتقدم في الأحكام الفرعية من غير فرق، إلا أنه - تبارك وتعالی - رفع قلم تكليف الفرعية عنه بحديث رفع القلم، ولكن لم يرفع عنه هذه الأحكام؛ لأن هذه الأحكام في الحقيقة ليست بشرعية محضة بل عقلية، وما صدر منه تعالی من الأمر بها ليس بمولوي، بل إرشاد إلى حكم العقل بها وإمضاء له على ما هو عليه.

كيف لا؟! وإن الواجبات الشرعية ألطاف في الواجبات العقلية (1)، فليس له - عزوجل - فيها إعمال المولوية بتحديد البلوغ وإخراج الصبي المميز عنها كإخراجه عن الفرعية، فلا دليل شرعي كما لا برهان عقلي على خروجه من


1) بمعنى أنها موجبة للقرب من الواجب العقلي، راجع جامع المقاصد 1: 202 ومصباح الهدی 442:3

الأصلية، بل الدليل العقلي قائم وحاكم على أنه من جهة تمييزه ورشده محکوم بها من غير تحديد بالبلوغ الذي أشرنا آنفا إلى أنه من وظائف الشرع الأنور في مورده ولا مسرح للعقل هناك، فلا موجب لإخراجه عن تلك الأحكام اقتراحا والقول بعدم وجوبها عليه تحكما.

ولو فرضنا عدم وجوبها عليه وخروجه عن الإلزام بها بالفرض فنقول:

لم لا تصح عنه على سبيل الندب، کما صححنا الأحكام الفرعية بعد رفع قلم تكليفها الإلزامي عنه؟ وقربنا الصحة الندبية هناك بما لا مزيد عليه، فهي لو لم تكن واجبة عليه فرضا فلا أقل صحيحة عنه بلا غبار عليه، وإن توهم كثير من العامة وأصروا على خلافه بلا روية، فلا يعبؤون ولا يهتمون بإسلام الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - عليه صلوات الله الملك الغالب -قبل الشيخين؛ فإنه عليه السلام - بشهادة النصوص المتواترة والتواريخ المعتبرة - أظهر الإسلام والإيمان في حال الصباوة قبل كل أحد (1)، وهذا الخلاف الاقتراحي منهم من أعجب العجائب، ولا سيما بعد ملاحظة أنه عليه السلام من بين الصبيان کان ممتازا في نفسه ووليد البيت وموردا لكثير من عنایاته تعالى الخاصة، وهذا مع قطع النظر عن ولايته المطلقة وإمامته الإلهية التي أعطاها الله - تبارك وتعالی - إياه عليه السلام كإعطاء النبوة لبعض الأنبياء علیهم السلام صبيا.


1) الكافي 8: 338، الحديث 536 وكمال الدين 1: 262، الحديث 10 والبحار 28: 247، الحدیث 29

فتحصل أنه لا موجب ولا وجه لاعتبار البلوغ في وجوب هذه الأحكام الأصولية الاعتقادية ولا في صحتها، بل تجب و تصح عن الصبي المميز تلك الأحكام بلاشبهة ولا كلام.

فالصبي المميز -كغير المميز - وإن كان من حيث الحكم الفرعي تابعا الأحدأبويه إذا كان مسلما ولكليهما إذا كانا كافرين، إلا أنه لو كان أبوا الصبي المميز كافرين فأظهر الإسلام والشهادتين حال التمييز أو أظهر الإيمان والشهادات الثلاث حاله يقبل منه ويخرج بذلك عن التبعية ويحكم بإسلامه وإيمانه من غير انتظار للبلوغ، وإن لم يجب عليه بعد ما يجب على البالغين من الأحكام الفرعية الإلزامية، كما أنه لو ارتد ولد المسلم والمؤمن ومن كان أبواه- أو أحدهما - مسلمين مؤمنين خرج عن التبعية أيضا وحكم بكفره، بل بارتداده الفطري وإن لم يجر عليه القتل وغيره مما يجري على البالغين المرتدين فطريا أو مليا من الأحكام المترتبة على الارتداد؛ فإنها من الأحكام الفرعية المعتبر فيها البلوغ، كما لا يخفی.

وبعبارة أخرى: الموضوع في أصول الاعتقاد الدينية هو الرشد الشامل للتمييز، فكما أن الصبي المميز إذا أسلم وآمن يحكم بإسلامه وإيمانه، كذلك لو ارتد وكفر يحكم بكفره وارتداده، و به صرح بعض الأعلام قدس سره وقال: «إذا أقر ولد الكافر بالإسلام وأظهر الشهادتين على لسانه فلا محالة يحكم بطهارته وإسلامه؛ لإطلاق ما دل على تحقق الإسلام بالإقرار بالشهادتين كما يحكم بتهوده وتنصره

إذا اعترف بهما على نفسه من غير فرق في ذلك بين البالغ وغير البالغ» (1)وكذا يتحقق الإيمان بالإقرار بالشهادات، فلا يتبع والديه الكافرين في جواز الأسروالاسترقاق وغيرهما.

نعم، كان يتبعهما ما لم يكن يظهر الإسلام والإيمان، كما في تبعيته لهما في جواز الأسر والاسترقاق الذي تسالم عليه الأصحاب - قدس الله تعالى أسرارهم - و ثبت بالسيرة القطعية في حروب المسلمين؛ حيث إنهم كما كانوا يأسرون البالغين من الكفار، كانوا يأسرون صبيانهم وأولادهم ولو لم يكونوا بالغين (2).

وكذا يعد الولد المميز كافرا مرتدا لو أظهر الكفر ولو كان أحد أبويه مسلما ، ولا ينافي ذلك عدم تكليفه بالأحكام الفرعية وعدم كونه معاقبا بشيء من أفعاله الشخصية مما يعاقب به البالغون كما أنه كذلك يعامل معه معاملة ما أعد للمرتدین البالغين من الأحكام الفرعية.

فتحصل أن ولد الكافرين إذا أظهر الإسلام والإيمان وكان رشيدا مميزا يقبل منه فيحكم بإسلامه وطهارته ويخرج عن التبعية في الأسر والاسترقاق ونحوهما، ولكن لا يجب عليه ما يجب على البالغين المسلمين المؤمنين من الأحكام الفرعية وكذا بالعكس: فلو أظهر الكفر من كان أحد أبويه - أوكلاهما - مسلما مؤمنا يحكم بكفره، بل بارتداده الفطري أو الملي، ولكن لا يجري عليه ما يجري على البالغين


1) راجع موسوعة المحقق الخوئي 3: 61

2) المصدر السابق 3: 59.

المرتدين مليا أو فطريا من القتل وغيره، والله - تبارك وتقدس - هو العالم بأحكامه، والحمد لله أولا وآخرا وظاهرا و باطنا.

الرسالة السادسة: في أن الإعانة على الإثم غیر محرمة في نفسها إلا إذا صارت کالجزء الأخير من العلة التامة للإثم وسببا أقوى لوجوده في الخارج

اشارة

الرسالة السادسة

في أن الإعانة على الإثم غیر محرمة في نفسها إلا إذا صارت کالجزء الأخير من العلة التامة للإثم وسببا أقوي لوجوده في الخارج

المقدمة في بيان مورد المسألة

وقبل الخوض في ذلك لا بد من تقديم مقدمة.

وهي: أن المراد من الإثم هاهنا الإثم بما هو إثم، أعني الذي لم يكن فيه ظلم للغير وتعد إليه، مثل شرب الخمر أو الماء النجس أو أكل لحم الخنزير ونحوها.

وإلا فلو كان فيه ظلم وتعد:

فأولا: لا ريب ولا إشكال في أنه من أكبر الكبائر وأعظم المعاصي و محرم بالأدلة الأربعة : الكتاب والسنة والإجماع والعقل.

وثانيا : أن الإعانة عليه مطلقا- ولو لم تكن سببا أقوى من المباشر لوجود الظلم في الخارج، بل ولو كانت بوسائط عديدة بعيدة فضلا عن القريبة - محرمة ومنهي عنها في الشريعة، بل ربما يعد بعض الإعانات القريبة من الظلم نفسه، کالكتابة في أمر ظلم الظلمة، ويقال بأن الإعانة حينئذ تكون مثل نحت قلم کاتبه وتقريب وسائط الكتابة له، وقد ورد في ذلك نصوص كثيرة متكثرة وأخبار متظافرة متكاثرة كادت تزيد وتتجاوز عن حد التواتر، مضبوطة في محالها (1)ولعله يغنينا عن ذلك كله ما ورد في قضية صفوان الجمال المعروفة (2)من الإشارة إلى حكم إعانة الظلمة وأعوانهم من النهي الأكيد.

إذا عرفت هذه المقدمة فليعلم: أن الإثم مجردا عن الظلم والتعدي إلى الغير، وإتيان المعصية الكذائية- كبيرة كانت أو صغيرة نسبية - وإن كان ظلما للنفس -كما في الكتاب العزيز حكاية عن آدم ولقمان - على نبينا وآله وعليهما السلام - من قوله تعالى: « ظَلَمنا أنفُسَنا» (3)وقوله تبارك وتعالى: « إِنَّ الشَّركَ لَظُلمٌ


1) البحار 72: 367، الباب 82 من أبواب حقوق المؤمنين والوسائل 12:127، الباب 42 من أبواب ما يكتسب به والمستدرك 13:122، الباب 35 من أبواب مایکتسب به.

2) البحار 72: 376، الباب 82 من أبواب حقوق المؤمنين، الحديث 34 والوسائل 12: 131، الباب 42 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 17.

3) الأعراف: 23.

عَظِيمٌ» (1)وغير ذلك (2)- لكن هذا النحو من الظلم للنفس ما لم يكن في نفسه ظلما وتعديا إلى الغير، منصرف عن الظلم الذي أشرنا وسردنا حرمته وحرمة الإعانات عليه بالأدلة، وهذا هو المقصود بالبحث هنا ولا بد من التكلم فيه، فنقول:

أقسام الإعانة على الإثم

لا كلام في أن هذا الإثم المجرد عن الظلم والتعدي إلى الغير- مع كثرته المتكثرة المعدودة في الكتاب والسنة - محرم مبغوض للشارع تعالی و تقدس، ويجب الاجتناب عنه. كيف لا؟! وإن الإثم ليس إلا ما هو كذلك وإنما الكلام في هذا المقام في أن الإعانة عليه - كالإعانة على الظلم والتعدي - محرمة أيضا أم لا؟

التحقيق أن الإعانة في المقام على نحوین :

الأول: أن يتخلل في البين اختيار للمباشر المعان له، كما لو أعانه المعين بتمكينه من الماء النجس أو ببيع العنب منه أو بإعارة السكين إياه أو نحوذلك مما يشترك فيه الحلال والحرام، فصرفه المعان له في الحرام باختياره وإرادته: بأن يشرب الماء النجس أو يخمر العنب أو يستعمل الآلة المشتركة في الحرام وهكذا.

الثاني: أن لا يتخلل له اختیار في البين، كما لو مكنه المعين من تلك الأمور التي يشترك فيها الحرام والحلال بعد أن سلب الاختيار منه من شدة العطش أو حدة الغضب أو نحو ذلك.


1) لقمان: 13.

2) كقوله تعالى - حكاية عن بلقيس -:«رَبَّ إِنِّي ظَلَمتُ نَفسِي» النمل: 44

الكلام حول القسم الأول من الإعانة

أما القسم الأول: فالإعانة عليه بما يشترك فيه الحلال والحرام غیر محرمة والمعين بإعانته هذه غير آثم إذا لم يكن بإعانته قاصدا للحرام؛ فإن مجرد الإعانة على ذلك- بعد ما كانت الإعانة مشتركة في الحلال والحرام وبعد ما كان الفاعل المباشر مختارا في الفعل والترك - لا أثر لها ولم يثبت حرمتها ولم يدل على حرمتها دلیل، وقد حقق في محله أن اختيار الفاعل المباشرهو الجزء الأخير من العلة التامة للعمل، والمفروض وجوده للمباشر وعدم سلبه عنه فلا أثر للإعانة حينئذ ، حتى إذا أعانه مع العلم بأنه يصرفه في الحرام، بداهة أن العلم أيضا لا أثر له ولا يقلب الإعانة عما هي عليه ولا يسلب من المعان له الاختيار، كما لا يخفی.

بل قد يتوهم أنه كذلك (أي لم يأثم المعين) وإن قصد من الإعانة أن يتحقق الحرام من المباشر في الخارج؛ بدعوى أنه لا يلزم منه سوى خبث السريرة له، لكنه توهم فاسد کاسد؛ إذ التحقيق أن عمل المعين مع هذا القصد يخرج من باب الإعانة على الإثم ويدخل في باب التعاون عليه، وفرق واضح بينهما؛ إذ التعاون على الإثم هو أن يصدر عمل واحد محرم من شخصين أو أشخاص عديدة يعين كل واحد الآخر بحيث ينتسب الحرام إلى كل واحد واحد؛ وذلك كما لو اجتمعا أو اجتمعوا على هدم مسجد أو قتل نفس محترمة.

وهذا بخلاف الإعانة على الإثم وهي أن يصدر العمل المحرم من واحد ويعينه شخص آخر على ذلك من غير أن ينتسب الحرام إليه؛ فالتعاون هو اجتماع

غير واحد على إصدار عمل واحد محترم و عصیان فارد مسلم، والمقام یکون كذلك؛ إذ في الحقيقة بعد قصد المعين من الإعانة تحقق الحرام من المباشر في الخارج يصدر الحرام الواحد من شخصين: من المعين بعمله وقصده، ومن المعان له بمباشر ته واختياره، ولا ريب في أن هذا التعاون محترم في نفسه في الكتاب والسنة؛ قال الله - تعالى وتبارك -:« وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الإِثمِ وَالعُدوانِ » (1)وغير ذلك مما هو مضبوط في محله.

إيراد الخدشة على صاحب العروة قدس سره

ومما ذكرنا يعلم ضعف قول بعضهم (2)في مسألة عدم وجوب التستر على الرجال مع حرمة النظر على النساء من أنه مع العلم بتعمدهن في النظر يجب عليهم التستر من باب حرمة الإعانة على الإثم؛ لما عرفت من أنه لا دليل على حرمة مجرد الإعانة على الإثم المجردة عن الظلم.

وكذا يعلم ضعف کلام من تأمل في ذلك وقال - بعد تسليم أن المتيقن من حرمة الإعانة هو أن تكون مع قصد الإعانة (أي مع قصد الحرام من عمل الإعانة) -: «إن في حرمة الإعانة بدون ذلك القصد تأملا» (3).


1) المائدة: 2.

2) القائل هو المحقق اليزدي في العروة 5: 502، المسألة 51.

3) المتأمل هو المحقق الگلپایگانی قدس سره في حاشية العروة (منه مد ظله)، راجع المصدر السابق، التعليقة الخامسة

توضيح الضعف: أنه عرفت بما لا مزيد عليه أنها مع ذلك القصد يدخل تحت عنوان التعاون على الإثم المحرم بلا ریب وإشكال.

فتحصل: أن المعين لم يأثم بإعانته على النحو الأول من الإعانة ولم يأتي بحرام تكليفي ما لم يقصد بإعانته الحرام، وإن علم بوقوع الحرام من المعان له، وإنما الآثم المرتكب للحرام هو المباشر المختار المعان له.

هذا كله في الإعانة على النحو الأول.

الكلام حول القسم الثاني من الإعانة

وأما على النحو الثاني : فالإعانة بما يشترك فيه الحلال والحرام محرمة حينئذ ويكون الآثم هو المعين مطلقا وإن فرض بعيدا أنه لم يعلم أو لم يقصد بإعانته وقوع الحرام في الخارج؛ وذلك لأنها السبب الأقوى للحرام دون الفاعل المباشر المعان له؛ لسلب الاختيار عنه على الفرض وارتفاع التكليف عنه؛ إذ من الواضح أن الاختيار - کالبلوغ والعقل - من الشرائط العامة للتكليف (1)، ولكن ما لم يكن مقصرا في مقدمات سلب الاختيار عن نفسه وإلا فهو معاقب في ذلك وإن لم يتوجه التكليف إليه بعد سلب الاختيار، فإن الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار عقابا لا خطابا على ما حقق في محله (2)، فتدبر ولعل تقصيره هذا في مقدمات العمل مع إعانة المعين إياه في العمل يدرجان المسألة في باب التعاون على الإثم المحرم في نفسه صريحا في الشريعة المقدسة.

وبعبارة أخرى : إذا كان من سلب عنه الاختيار مقصرا في مقدمات سلب اختياره لا يبعد أن يعد مقصرا في فعل الإثم، لكن لا بحيث لا يستند الإثم إلى المعين، بل يستند إلى كليهما، ويكون حينئذ كل منهما مقصرا آثما، فيخرج المقام


1) لا يخفى أنه حقق في محله: أن كلا من الناسي والغافل والجاهل - ولا سيما القاصر أيضا - غير مكلف في الواقع بما نسيه وغفله وجهله، لعدم القدرة عليه وستأتي الإشارة بذلك (منه مد ظله).

2) راجع الهداية في الأصول 2: 37.

من باب الإعانة على الإثم ويدخل تحت المعاونة والتعاون عليه، وقد عرفت الفرق بينهما آنفا بما لا مزيد عليه.

وكيف كان، فإذا لم يكن هذا المسلوب الاختیار مقصرا في المقدمات يكون الآثم هو المعين لا غير؛ لفقد الجزء الأخير من علة الإثم عن المباشر وقيام إعانة المعين مقامه في العلنية.

ومما ذكرنا يظهر فساد توهم أن الإثم على هذا النحو -أي الثاني - ينتقل عن الفاعل المباشر إلى السبب المعين لمكان سلب الاختيار عن المباشر.

توضیح الفساد: أن التكليف مع سلب الاختيار عن المكلف المباشر -كما هو المفروض - لا يتوجه إليه رأسا حتى ينتقل إلى السبب، بل يكون المعين هو السبب للإثم وهو الأقوى من المباشر في حال سلب الاختيار منه، بحيث لا يكون للمباشر حينئذ إثم و عصیان.

وليعلم أنه كما أن المجنون والصبي لا يكونان في الواقع مكلفين، كذلك الناسي والغافل لمكان النسيان والغفلة لا يكونان مكلفين بحسب الواقع، والجاهل القاصر لمكان جهله القصوري بالحكم لا يكون بحسب الظاهر مكلفا؛ وذلك لعدم قدرتهم على امتثال المنسي والمغفول عنه والمجهول، وإلا فهو بحسب الواقع مكلف بالحكم؛ لاشتراك الجاهل والعالم في الحكم الواقعي بحسب مذهب الحق المحقق، فلو شرب الناسي والغافل أو الجاهل القاصر الخمر أو النجس مثلا لم يكونوا آثمین کالمسلوب الاختيار المتقدم بيانه وكالمجنون والصبي.

دفع وهم

إن قلت: الإعانة في مسلوب الاختيار - على ما حقق - تكون سببا أقوى من الفاعل المباشر فهل يمكن أن يقال- أيضا : إن مجرد عدم تنبيه الغافل أو الناسي أو عدم إرشاد الجاهل يكون سببا أقوى من الفاعل المباشر إذا كان غافلا أو ناسيا أو جاهلا قاصرا؟

قلت: ليس الأمر كذلك؛ إذ كل من عدم التنبيه وعدم الإرشاد لا يكون من مصاديق الإعانة ولا يعد إعانة على ما يرتكبه الناسي والغافل والجاهل نسيانا وغفلة وجهلا ولا تصدق الإعانة على ذلك عرفا، كيف؟! وإنهما أمران عدمیان، والإعانة لابد وأن تكون أمرا وجوديا ، فعند عدمي التنبيه والإرشاد لا إعانة ولا سبب أقوى من الفاعل المباشر هاهنا، ولذا لا يجب (1)تنبيه الغافل والناسي ولا إرشاد الجاهل القاصر (2)كما لا يجب إيقاظ النائم وهو واضح.

ولا يخفى أن الجاهل القاصر لا ينحصر فيمن يكون وراء الجبل وأمثاله على ما اشتهر، بل يعم الجاهل المركب أعني به من لا يعلم ولا يعلم أنه لا يعلم، فإنه لم يقصر في مقدمات جهله هذا، فيكون جاهلا قاصرا غير مقصر؛ بداهة أنه ربما يقطع بأنه غيرجاهل والقاطع لا يرى إلا الواقع.


1) أو لا يحرم ترك ذلك وإن كان راجحا فعله أو مرجوحا ترکه (منه مد ظله).

2) مطلقا؛ سواء كان متعلق الغفلة والنسيان والجهل القصوري موضوعا أم حكما وتكليفا (منه مد ظله).

وكيف كان، فلنرجع إلى أصل البحث وأنه تحصل أن الإعانة على النحو الثاني تكون من موارد أقوائية السبب من المباشر فتكون محترمة والمعين هو الآثم، بخلاف النحو الأول؛ فإن المباشر هناك أقوى ويكون هو الآثم ولا أثر للسبب ولا حرمة للإعانة ولا يكون المعين آثما وإن علم حين الإعانة تحقق الحرام من المباشر، إلا إذا نوى بالاعانة تحقق الحرام، فإنها -كما تقدم - تندرج في باب المعاونة والتعاون على الإثم المحرم في نفسه في الكتاب والسنة.

ومما ذكرنا تعرف أن بيع العنب ممن يعلم أنه يعمله خمرا إعانة ولكن لا تكون بمحرمة ولا يبطل البيع بذلك؛ لتخلل اختيار المباشر للتخمير وأما بيعه منه على أن يعمله خمرا فهو محرم لا من باب الإعانة؛ لتخلل الاختيار حينئذ أيضا، بل من باب التعاون على الإثم الذي عرفت مرارا أنه محرم في الكتاب والسنة، فيبطل البيع بذلك بلا إشكال وارتياب.

تنبيه: في حكم إرشاد الجاهل المقصر

قد ثبت من مطاوي ما ذكرنا أن إرشاد الجاهل القاصر- کتنبيه الناسي والغافل - غیر واجب (1)، بقي الكلام في أنه هل إرشاد الجاهل المقصر أيضا غير واجب (2)مطلقا أو أنه واجب عينا أو كفاية؟

التحقيق أنه إذا كان الجاهل المقصر مسترشدا وسائط عما جهل من الحكم فإرشاده وإعلامه واجب، ولاسيما على من استرشده حتى إذا لم يكن التكليف مما ابتلي به العموم، بل لم يكن من الأحكام الإلزامية كالواجبات والمحرمات بأن كان من المندوبات والمكروهات؛ لقيام السيرة على ذلك كله.

نعم، قيامها على وجوب الإرشاد على غير من استرشده غیر واضح.

لا يقال: كيف يجب في غير الإلزاميات، بعد لزوم زيادة الفرع على الأصل حينئذ مع أنه لا بد من الملازمة العرفية بين عدم وجوب الشيء وعدم وجوب ملازمه؟

فإنه يقال : السيرة قائمة على لزوم هداية المستهدي وأنه لا بد على المسؤول عنه أن يجيب سؤال سائله، ولو كان السؤال حكما غير إلزامي، ولو نوقش قيام السيرة من هذه الحيثية - أعني حيثية وجوب إرشاد مسترشدالحكم غير


1) أو أن ترکه غیر محرم، وإن كان في نفسه راجحا فعله أو مرجوحا ترکه (منه مد ظله).

2) أو أن ترکه غیر محرم، وإن كان في نفسه راجحا فعله أو مرجوحا ترکه (منه مد ظله).

الإلزامي - فلا مناقشة في قيام السيرة القطعية على وجوب إرشاد ما عدا ذلك من الأحكام الإلزامية كما لا يخفى على الخبير المتضلع.

نعم، لا يجب إرشاد المسترشد عن موضوعات الأحكام إلا ما كان منها بيد الشارع - تعالی و تقدس - وإن كان يستحب كما هو واضح.

وأما الجاهل المقصر غير المسترشد وغير السائل عما جهل من الأحكام حتى من الأحكام الإلزامية فهو كالجاهل القاصر، لم يجب على أحد إعلامه وإرشاده لا عينا ولا كفاية.

نعم، يستحب فعل الإرشاد؛ بداهة أنه أمر مرغوب فيه ومطلوب للشارع تبارك وتعالی.

رد عداد المقام من مصاديق الأمر بالمعروف

إن قلت : كيف لا يجب الإرشاد عند عدم الاسترشاد مع أنه من مصاديق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الواجبين كفاية بل عينا على الكل عند تحقق شرائطهما المضبوطة في محلها؟

قلت: کم فرقا بينهما وإن بابه غير بابهما؛ إذ فيهما يتخلف الحكم عن علم وعمد، وفيه يتخلف الحكم عن جهل وقصور أو جهل و تقصير وبينهما بون بعيد ولذلك يجبان مع وجود شرائطهما الخاصة، والمدعي في الإرشاد أنه عند عدم الاسترشاد لا يجب على أحد ؛ وذلك لعدم دليل قاطع يدل على الوجوب، بل

السيرة من زمن الأئمة عليهم السلام قائمة على عدمه؛ إذ لم يعهد أن واحدا منهم عليهم السلام أو من بطانتهم شد الرحال لإبلاغ الجهال القاصرين والمقصرين (ولا سيما المتمردين) الذين امتلا العالم منهم؛ فإن أكثرهم لا يعلمون، وكذا لم يعهد من أحد في سائر الأعصار إلى عصرنا هذا إرشاد هؤلاء الجهلة المملوءة في أقطار هذا العالم الكبير، ولا سيما الجهلة بالعقائد وسائر حقائق الدين الحنيف، مع أنه ورد أن:« للهِ الحُجَّةُ البَالِغَةُ» (1)، وأن: «لا إِكرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَبَيَّنَ الرُّشدُ مِنَ الغَيَّ » (2).

رد التمسك بآية النفر

ولا يجدي في المقام التشبث بمثل قوله تعالى: «فَلَو لا نَفَرَ مِن كُلَّ فِرقَةٍ مِنهُم طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَومَهُم إِذَا رَجَعُوا إِلَيهِم لَعَلَّهُم يَحذَرُونَ» (3)لأنه وأمثاله تدل على وجوب إرشاد النافرين أو طائفة من كل فرقة وإنذارهم لخصوص قومهم إذا رجعوا إليهم، ولا يدل على وجوب إرشاد السائرين من جميع الأقوام والملل من الجهال القاصرين والمقصرين. كيف؟! ولو كان الأمر كذلك لذاع وشاع، وللزم على كل من تفقه أو تعلم شيئا من الدين طي الطرق والمنازل


1) الأنعام: 149.

2) البقرة: 256

3) التوبة: 122.

لإنذار الجهال القاصرين والمقصرين وإرشادهم، ولما قامت السيرة المشار إليها على خلاف ذلك.

والحاصل أنه لم يرد أي أثر أو رواية يدلنا على أن الأئمة عليهم السلام ومن يتلو تلوهم، بل وغيرهم من السلف أقاموا ونهضوا على إرشاد هؤلاء الجهلة طي الأعصار في الأقطار والأمصار.

نعم، لعله كان واجبا على الأنبياء العظام عليهم السلام ؛ لأن كلا منهم - ولا سيما

نبينا صلي الله عليه وآله- كان طبيبا دوارا بطبه (1)بخلاف غيرهم عليهم السلام كالإمام عليه السلام فضلا عمن يتلو تلوهم من العلماء و فضلا عن السائرين الذين يعلمون شيئا من الأحكام، كيف لا؟! وإن كلا من العلماء والأئمة عليهم السلام کالكعبة المعظمة يزار ولا يزور (2).

فالحمد لله وله الشكر على ما هدانا لهذا.


1) كما وصفه صلي الله عليه وآله علي عليه السلام في كلامه: «طبیب دوار بطبه قد أحكم مراهمه وأحمي مواسمه» راجع نهج البلاغة: 156 والبحار 34: 240.

2) راجع الوسائل 8: 21، الباب 7 من أبواب وجوب الحج، الحديث 4؛ فإنه فيه: «قال رسول الله صلي الله عليه وآله : يا علي! أنت متي بمنزلة الكعبة تؤتي ولا تأتي » وراجع البحار 36: 353، الحديث 224؛ فإنه فيه: «قال رسول الله صلي الله عليه وآله : مثل الإمام مثل الكعبة؛ إذ تؤتي ولا تأتي».

الملاحق

اشارة

1- في ضرورة اهتمام الفقيه بالقرآن الكريم

2- المصطفون في آية الاصطفاء

3- كلمة محكمة حول الآية المباركة « سَلاَمٌ عَلَى إِل يَاسِينَ»

الملحق الأول: ضرورة اهتمام الفقيه بالقرآن الكريم في استنباط الأحكام الشرعية

اشارة

الملحق الأول

في ضرورة اهتمام الفقيه بالقرآن الكريم

في استنباط الأحكام الشرعية

ضرورة الاهتمام بآيات الأحكام

اعلم أنه على الفقيه أن يهتم بالقرآن الكريم أشد الاهتمام وأن يكثر التعمق والتدبر في آياته الساطعة خصوصا ما اشتمل منها على الأحكام الشرعية وأن لا يقتصر على ما ضبط في الكتب الفقهية والتفسيرية من آيات الأحكام.

هذا مما كان يوصي به سيدنا الأستاذ العلامة الكبير المحقق البروجردي قدس سره تلامذته في أثناء الدرس ويصر عليه؛ حيث كان قدس سره يقول لهم تأكيدا ، مؤكدا:

« عليكم أن تدبروا و تفكروا في آيات القرآن المشتملة على الأحكام الشرعية وأن لا تقتصروا على ما جمعه وضبطه فقهاؤنا العظام قدس سرهم لحد الآن في كتبهم».

بعض ما صنف في آيات الأحكام

وأول من صنف کتابا مستقلا في آيات الأحكام هو العلامة أبو النضر محمد بن السائب الكلبي الكوفي رحمه الله (المتوفى سنة 146 ه. ق) من أصحاب الإمامين الهمامين الصادقين عليهما السلام (1)، كما أن العلامة المقداد بن عبدالله السيوري الحلي المعروف ب «الفاضل المقداد» رحمه الله (المتوفى سنة 826 ه. ق) صنف کتابا مبسوطا قيما في هذا الباب وسماه ب«کنز العرفان في فقه القرآن»، وكذا العلامة أحمد بن محمد الأردبيلي المعروف ب «المقدس» أو «المحقق الأردبيلي» رحمه الله (المتوفی 993 ه. ق)؛ حيث ألف كتابا حول هذا الموضوع سماه ب« زبدة البيان في أحكام القرآن»، وغيرهم من العلماء الكرام قدس الله تبارك وتعالى أسرارهم وشكر مساعيهم.

هذا، مضافا إلى ما حكي عن أستاذنا العلامة الطباطبائي قدس سره في «تفسيرالميزان » من أن القرآن نزل بلسان عربي وسیع ذي محتوی کثير والله تعالی بقدرته التامة غير المتناهية استخدم ألفاظ هذه اللغة وكلماتها في تبيين مراده فالإنسان لو


1) قد أخطأ جلال الدين السيوطي فيما ادعاه في كتابيه «الأ وائل» و«طبقات النحاة» من أن أول من صنف كتابا في أحكام القرآن وفقهه كان محمد بن إدريس الشافعي (المتوفى سنة 204 ه. ق) ثم القاسم بن أصبغ القرطبي (المتوفى سنة 340 ه. ق)؛ لأن محمد بن السائب الكلبي قد كان متقدما على الشافعي بنصف القرن، فهو أول من صنف في هذا الباب كما صرح به السيد حسن الصدر قدس سره في كتابه « تأسيس الشيعة العلوم الإسلام: 321».

تدبر فيه جيدا- على الرغم من أنه لا يستطيع أن يفهم مراد الله سبحانه و تعالی کما هو حقه - فإنه يحصل- بعون الله تبارك وتعالى- على معارف مهمة ويحظى بفوائد جديدة.

فكيف كان، فإني لما كنت متذكرا لما أوصى به سيدنا الأستاذ من كثرة التدبر في القرآن وآيات أحكامه، بدأت بالتدبر في القرآن الكريم وفي آياته الشامخة بقدر بضاعتي المزجاة فانكشف لي أحكام فقهية لم أجدها بالصراحة والوضوح في ما بين أيدينا من الكتب الفقهية - وإن لا يدل عدم الوجدان على عدم الوجود - فسررت بذلك وشكرت الله تعالى عليه.

إذن ينبغي أن أذكر شطرا قصيرا مما استفدته من هذا السفر العظيم من الأحكام الشرعية.

توجه التكليف إلى المميز

لا إشكال ولا خلاف في أن البلوغ شرط التكاليف وأن الصبي - ولو كان مميزا- غير مكلف بالأحكام الشرعية الفقهية من الواجبات والمحرمات والمستحبات والمكروهات والمباحات (1)، لكن يظهر من الآيتين 58 و 59 من سورة النور أنه تعالی خصص هذا العام ووجه شيئا (2)من التكليف إلى الصبي


1) لا يخفى أن الإباحة- كما هو المشهور وأومأنا إليه في طي بعض المباحث - من الأحكام التكليفية وهي الحكم بالرخصة في الفعل والترك؛ فما يتوهم من أن الحكم منحصر في البعث والزجر الشديدين والخفيفين غير مسموع (منه مد ظله).

2) ولا ضير فيه بعد مساعدة الدليل، وأنه ما من عام إلا وقد خص.

المميز؛ حيث قال تعالى: «يا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَستَأذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَت أيمَانُکُم (1)وَالَّذِينَ لَم يَبلُغُوا (2)الحُلُمَ مِنکُم ثَلاثَ مَرّاتٍ مِن قَبلِ صَلاةِ الفَجرِ وَ حينَ تَضَعُونَ ثِیابَکُم مِنَ الظَّهِيرَةِ وَ مِن بَعدِ صَلاةِ العِشاءِ (3)ثَلاثُ عَوراتٍ (4)لَكُم لَيسَ عَلَيكُم وَلاَ عَلَيهِم جُناحٌ بَعدَهُنَّ طَوّافُونَ عَلَيکُم بَعضُكُم عَلَى بَعضٍ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الآياتِ وَاللهُ عَليمٌ حَكيمٌ وَإِذَا بَلَغَ الأطفالُ مِنکُمُ الحُلُمَ فَليَستَأذِنُوا (5)كَمَا استَأذَنَ الَّذِينَ مِن قَبلِهِم كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُم آياتِهِ وَاللهُ عَليمٌ حَكيمٌ» (6).

والأمر في الآية (لِيَستَأذِنکُمُ) ظاهر في وجوب الاستئذان من الناس في الأوقات الثلاثة -وهي أوقات خلوتهم وعدم سترهم- على المميزين من أولادهم الذكور والإناث، فضلا عن غير أولادهم من الأجانب؛ فإنه لم يرض لهم الدخول


1) من الغلمان والجواري (منه مد ظله).

2) التعبير بالجمع المذكر من باب التغليب، فالمراد من الآية البتون والبنات المميزون الذين يعرفون قبح العورة وما يتعلق بالنكاح (منه مد ظله).

3) الظاهر أن هذا الوقت (بعد صلاة العشاء) يستمر إلى قبل صلاة الفجر، وعد هذا وقتين(عورتین) بلحاظ طول مدته (منه مد ظله).

4) العورة من العار بمعنى العيب، ولعل وجه التعبير عن هذه الأوقات بالعورات أن الإنسان يستريح في هذه الأوقات الثلاثة ولا يستر نفسه كما هو حقه (منه مد ظله).

5) والمراد أنه على الذين دخلوا سن البلوغ حديثا أن يستأذنوا في كل الأوقات حتى في غير الأوقات الثلاثة، كما يستأذن الكبار (منه مد ظله).

6) النور: 58 و 59.

بغير استئذان (1). و هذه الأوقات الثلاثة كالآتي:

الأول: قبل صلاة الفجر.

والثاني: وقت الظهر الذي يخلع الناس فيه ثيابهم غالبا ليستريحوا وهو وقت القيلولة (2).

والثالث: بعد صلاة العشاء وهو وقت نوم الراحة.

وفي هذه الأوقات للإنسان حالة خاصة لا يستر نفسه فيها غالبأ على خلاف سائر الأوقات. وبعد هذه الأوقات الثلاثة لا جناح علیکم ولا عليهم في الدخول بدون إذن وأن يرد بعضكم على بعض بكثرة.

وظاهر هذه الآيات أن هذا التكليف - سواء كان واجبا أو راجحا- قد ورد استثناء بحق غير البالغين، كما أنهم -بحسب التحقيق - مكلفون بقسم من المحرمات، کشرب الخمر والزنا واللواط ونظائرها.


1) هذا الحكم لا يكون عادة في الأماكن العامة التي يتردد فيها الناس ولا في المكان الخاص في حالة عدم الخلوة كما لو كان مع أصدقائه (منه مد ظله).

2) عبر عن النوم في هذا الوقت في بعض الأحاديث بنوم النعمة وعن النوم بعد العشاء بنوم الراحة وهما أحسن أقسام النوم السبعة، وسائر أقسامه عبارة عن: نوم اللعنة وهوالنوم بین الطلوعين خصوصا من دون أداء صلاة الفجر، ونوم الكسالة وهو النوم أول النهار بعد طلوع الشمس؛ فإنه وقت العمل والسعي، ونوم الحماقة وهو النوم بعد العصر قريبا من غروب الشمس؛ فإنه يوجب الحمق، ونوم الشقاوة وهو النوم أول الليل قبل أداء العشاءين؛ فإنه يكشف عن شفاء النفس، ونوم الغفلة والحسرة وهو النوم وقت السحر وثلث الليل الآخر وهو وقت فضيلة صلاة الليل. راجع الفقيه 1: 502، الحديث 1441 و 1442 (منه مد ظله).

الاحتمال الآخر في المراد من الآيات

نعم، ربمايحتمل أن يكون مراده تعالی توجیه التكليف إلى الأولياء الشرعيين والعرفيين بأن يوظفوا أولادهم بأن لايدخلوا عليهم في هذه الأوقات الثلاثة بغير إذن كما عليهم أن يربوهم على عدم ارتكاب تلك الذنوب أو الاقتراب منها.

ولكن هذا الاحتمال خلاف ظاهر الآية- كما اتضح - ولا محذور في عدم اشتراط التكليف بالبلوغ في بعض الموارد الخاصة، بل يتجه كفاية التمييز فيه إذا كان ظاهر الدليل يساعد على ذلك، كما لا يشترط البلوغ في الاعتقادات الدينية.

عدم اشتراط البلوغ في الاعتقادات الدينية

التحقيق أنه لا يشترط البلوغ في العقائد الدينية التي هي الفقه الأكبر، بل يكفي فيها مجرد التمييز، ولذا يكون أطفال الكفار غير البالغين - حتى المميزون منهم -محکومین بالكفر تبعا لآبائهم ما داموا لم يختاروا الإسلام، فأما إذا اختاروا الإسلام يخرجون عن تبعية آبائهم ويكون إسلامهم صحيحا ومعتبرا (1)، كما نقل في الجواهر عن الشيخ الطوسي - قدس سره القدوسي - في الخلاف أنه قال: إسلام


1) لذلك لا بد أن يعد الإمام علي بن أبي طالب - عليه صلوات الله الملك الغالب - أول من أسلم حتى في نظر المخالفين بغض النظر عن مسألة ولايته المطلقة وإمامته الإلهية ولو لم يكن يصل في وقت إسلامه المتقدم على الآخرين إلى حد البلوغ المتعارف سنا (منه مد ظله).

الصبي المراهق أي ( المميز) صحيح (1).

بخلاف أطفال المسلمين الذين يحكم عليهم بالإسلام بتبعية أحد الأبوين؛ فإنهم إذا نطقوا - لا سمح الله - بالكفر محكومون بالارتداد (2)، كما أن الشيخ الطوسي قدس سره قال بارتداد المراهق ووجوب قتله لو لم يتب (3)خلافا للمشهور القائل بعدم العبرة بارتداده.

ولكن مقتضى الاحتياط الواجب أن لا يجرى عليه حد الارتداد حتى يبلغ والله - تعالی و تقدس - هو العالم بحقائق أحكامه.


1) راجع الجواهر 39: 27 و 41: 609 و تجده في الخلاف 3: 591، المسألة 20.

2) ومن الواضح أن غير المميز من أولاد المسلمين إذا نطق بالكفر لا يخرج من تبعية إسلام أحد أبويه، وكذلك غير المميز من أولاد الكفار إذا ترتم بالشهادتين لا يخرج من تبعية كفر أحد أبويه منه مد ظله).

3) الخلاف 3: 591، المسألة 20

تذييل: فيما یوجب الارتداد

إن الارتداد يتحقق بإنكار المبدأ تعالى أو المعاد أو رسالة النبي الأكرم صلي الله عليه وآله أو ضرورة من ضروريات الدين مع العلم بضرورتها التي يرجع إنكارها إلى إنكار الرسالة.

فالارتداد لا يتحقق - كما هو التحقيق- بمجرد إنكار الضروري بلحاظ وجود شبهة في كونه ضرورة من ضروريات الدين مثل إنكار العامة - خصوصا عوامهم - ولاية أمير المؤمنين المطلقة وسائر الأئمة المعصومين عليهم السلام ؛ فإنه لا يوجب الارتداد خصوصا إذا كان إنكارهم بالجهل المركب الذي لا يكون في مقدماته تقصير (1)

هر کس که نداند و نداند که نداند***در جهل مرکب ابد الدهر بماند

وترجمته كذا: «كل شخص لا يعلم ولا يعلم أنه لا يعلم فإنه يبقى في الجهل المركب إلى الأبد» لكن لا بد أن يقال في المصرع الثاني من الشعر كذا:

«هر کس که نداند و نداند که نداند*** او جاهل قاصر بود، تقصیر ندارد»

وترجمته: إن الجاهل بالجهل المركب قاصر غير مقصر؛ لأنه في حالة استضعاف فكري وبصورة عفوية (منه مد ظله)

.

نعم، لا شك في أن طائفة من المسلمين في صدر الإسلام - من الصحابة والتابعين وغيرهم - لما كان أمر رسول الله صلي الله عليه وآله في ولاية أميرالمؤمنین علیه السلام


1) وإن اشتهر هذا البيت المعروف من الشعر بالفارسية:

واضحا لديهم ومع هذا أنكروا ولايته وربما كانوا مصرين على إنكارهم إلى آخر عمرهم - مرتدون في الواقع ونفس الأمر وكذلك الذين كانوا من بعدهم وهم على قطع ويقين من ولاية أمير المؤمنين عليه السلام ومع ذلك أنكروها عنادا.

نعم، لم يحكم عليهم من قبل شيعة أهل البيت عليهم السلام بالارتداد؛ وذلك لأنه لم يعلم منهم أن إنكارهم لولايته عليه السلام هل كان عن قطع ويقين أم عن جهل و شبهة؟

هدانا الله جميعا إلى الصراط المستقيم وأبعدنا عن التعصب الأعمى الشيطاني.

آمین رب العالمين.

الملحق الثاني: المصطفون في آية الاصطفاء

اشارة

الملحق الثانی المصطفون في آية الاصطفاء

بیان مورد البحث

لا يخفى على الخبير البصير - بعد مراجعة التفاسير - أن المراد من المصطفين في آية الاصطفاء - وهي قوله تعالى: «إِنَّ اللهَ اصطَفى آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلِ إِبرَاهِيمَ وَآلِ عِمرَانَ عَلَى العَالَمِينَ» (1)- غير موضح، بل الأقوال فيها- ولا سيما بين العامة - متشتتة لا محل لها.

فمنها: ما يقال من أن المراد من المصطفين هم آل إبراهيم وآل عمران بعد اصطفاء شخص آدم ونوح - على نبينا وآله وعليهما السلام - وأن الله تعالی و تقدس اصطفاهم بجعل الأنبياء عليهم السلام فيهم (2).


1) آل عمران: 33.

2) راجع الكشف والبيان عن تفسير القرآن 3: 52.

ومنها: ما يقال من أن المراد منهم نفس صاحب الآل، وأنه تعالی اصطفی نفس إبراهيم ونفس عمران على العالمين (1).

ومنها: ما يقال من أن المراد منهم جميع الأنبياء من لدن آدم إلى الخاتم عليهم السلام ؛ فإن الله تبارك وتعالی - اصطفاهم بالصفات الصالحة؛ من جهة أن قلوبهم کانت أخشع من قلوب غيرهم فاختارهم للرسالة والنبوة.

وقيل: إن المراد من «آل إبراهيم» المؤمنون المتمسكون بدينه عليه السلام وهو دین

الإسلام (2).

وقيل: إن المراد من اله عليه السلام أولاده، أي إسماعيل وإسحاق والأسباط إلى خاتم الأنبياء والأوصياء عليهم صلوات الله تبارك وتعالى، ومقتضاه أن يكون المراد من آل عمران أيضا أولاده، أعني موسى وهارون، أو مریم و عیسی - علی نبينا وآله وعليهم السلام - (3)، إلى غير ذلك من الأقوال.

وإن شئت قل: إن المفسرين -ولا سيما مفسري العامة - أرعدوا وأبرقوا في المقام بما لا مزيد عليه، ولكن لم يأتوا بشيء تطمئن به القلوب (4).


1) راجع الجامع لأحكام القرآن 4: 62 و 63.

2) راجع أحكام القرآن 2: 290.

3) راجع الكشاف 1: 354.

4) بل لم يكن بعضهم في الحقيقة بمفسر بحيث يكون بصدد اصطياد المرادات الواقعية من القرآن، بل يكون مطبقا ! أعني بصدد تطبيق القرآن وجره على مر ادات نفسه، والتفصيل موكول إلى محله (منه مد ظله).

المختار في المراد من الآية

ولك الحق المحقق أن المراد من المصطفين في هذه الآية المباركة - مع اختلاف عناوينها - الذوات المقدسة المعصومون الأربعة عشر - عليهم صلوات المصلين -وحسب ، بحيث عبر - سبحانه وتعالى - عنهم في هذه الآية الشريفة بعناوین مختلفة؛ تأكيدا لأمر اصطفائهم علیهم السلام على جميع العالمين، لا خصوص عالمي زمانهم؛ كما هو مقتضى إطلاق كلمة «العالمين» في الآية ولا وجه للاختصاص بزمان دون زمان.

وهذا التحقيق إنما يتضح بعد إثبات أمرين في المقام:

أحدهما: أتكلمتي «آدم» و «نوح» في هذه الآية كناية عن آل آدم وآل نوح، أو من باب حذف المضاف بالقرينة كما في قوله تعالى: «واسئل القرية»، أي آل آدم وآل نوح لاشخص آدم ونوح، على نبينا وآله وعليهما السلام.

وثانيهما : أن المراد من عمران فيها هو أبو طالب بن عبدالمطلب رضی الله عنه والد أميرالمؤمنين الإمام علي بن أبي طالب - عليه أفضل الصلوات - لا عمران بن يصهر والد موسى ولا عمران بن فاثان- على ما في تفسير المنهج (1)- أو عمران بن الهشم - على ما في تفسير المجمع (2)- والد مریم،- علی نبینا وآله وعليهما السلام - وإن فسر بهما العامة على سبيل الترديد المخل بالمقصود، كما لا يخفى.


1) منهج الصادقین 2: 208.

2) مجمع البيان 2: 735.

إثبات الأمر الأول

أما إثبات الأمر الأول فيستظهر ويستفاد من نصوص معتبرة (1)مثل ما ورد في الخصال - على ما في تفسير نور الثقلين - «عن أبي الحسن الأول علیه السلام قال: قال رسول الله صلی الله علیه وآله : إن الله تبارك وتعالی اختار من كل شيء أربعة- إلى أن قال : - واختار من البيوتات أربعة، فقال (الله) تعالى: إِنَّ اللهَ اصطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَ آلِ إِبرَاهيمَ وَآلِ عِمرانَ عَلَى العالَمِينَ ... الحديث» (2)، بداهة أن إطلاق لفظة «البيت» على كل من آدم ونوح لا يصح إلا أن يراد منهما آلهما، لا أنفسهما، كما لا يخفی.

ومثل ما ورد في تفسير البرهان عن أبي جعفر علیه السلام قال في حديث: «فينادي - یعني القائم عجل الله تعالی فرجه الشريف - (بعد خروجه) يا أيها الناس!... فمن

حاجني في آدم علیه السلام فأنا أولى الناس بأدم علیه السلام ، ومن حاجني في نوح علیه السلام فأنا أولى الناس بنوح عليه السلام- إلى أن يقول: - أليس الله تعالى يقول في محكم كتابه: إِنَّ اللهَ اصطَفى آدَمَ وَ نُوحاً.. الآية» (3)، وظهور إرادة القائم -أرواح من سواه فداه - من كلمتي «آدم» و «نوح»، في هذا الحديث، آل آدم و آل نوح، مما لا يخفی.


1) الصادرة من عدل القرآن، أعني به العترة الطاهرة الشارحة للقرآن، كيف لا؟! وإنهم أهل بيت الوحي، وأهل البيت أدرى بما فيه، وإنما يعرف القرآن من خوطب به (منه مد ظله).

2) الخصال 1: 225، الحديث 58، وعنه في نور الثقلين 1: 329، الحديث 100

3) الغيبة للنعماني: 281، الحديث 67، وعنه في تفسير البرهان 1: 613.

إثبات الأمر الثاني

وأما إثبات الأمر الثاني فإن أبا طالب بن عبدالمطلب رضی الله عنه مضافا إلى أنه كان موسوما ب «عبد مناف»، کان موسوما أيضا ب«عمران»، بل كان معروفا بهذا الاسم في الأمم السالفة - ولا سيما في التوراة - على ما في غير واحد من التفاسير المعتبرة (1)، ولذا كان ولده أمير المؤمنين عليه السلام في هذه الأمة - ولعل في الأمم السالفة أيضا - معروفا ب«علي العمراني».

فلا بعد- بل من القريب جدا - أن يكون المراد من «عمران» في هذه الآية المباركة هو ذلك - أعني أباطالب عمران بن عبدالمطلب -، ومن آله آل عمران بن عبدالمطلب ، بل هو المتعين على ما يستفاد مما ورد في كتاب عیون أخبار الرضا عليه السلام - على ما في تفسيري البرهان ونور الثقلين - أنه سأله علیه السلام المأمون: «هل فضل الله تعالى العترة على سائر الناس؟ فقال أبوالحسن عليه السلام : إن الله عزوجل أبان فضل العترة على سائر الناس في محكم كتابه. فقال له المأمون: وأين ذلك من كتاب الله ؟ فقال له الرضا عليه السلام : في قول الله عزوجل: إِنَّ اللهَ اصطَفى آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلِ إِبرَاهيمَ وَآلِ عِمرَانَ عَلَى العَالَمينَ ... الحديث» (2)؛ فإنه ظاهر في أن


1) كما في تفسير المنهج 2: 210 وغيره أن في أخبار أهل البيت وتفاسيرهم علیهم السلام ورد أن آل عمران علي بن أبي طالب (أي هو وسائر المعصومین علیهم السلام ) وأين عمران کان اسم أبي طالب رضی الله عنه في التوراة (منه مد ظله).

2) العيون 1: 230، الحديث ، وعنه في البرهان 1: 612، ونور الثقلين 1: 328.

الإمام علیه السلام إنما استدل على فضيلة العترة بجملة «آل عمران» دون «آل إبراهيم »، وإن ذهب إلى الثاني ابن بابویه قدس سره (1)، وإلا لكان للمأمون أن يعترض عليه ويقول: «إنه نفسه، وجميع آل عباس بن عبدالمطلب داخلون في آل إبراهيم، وبالطبع داخلون في العترة»، فسكوت المأمون وعدم اعتراضه بذلك أقوى شاهد بل دلیل على أن «آل عمران» كان لقبا معروفا في ذلك الزمان لآل أبي طالب بن عبد المطلب، والإمام عليه السلام قد استدل بذلك على فضيلة خصوص العترة الطاهرة صلوات الله تعالى عليهم.

وأيضا هو المتعين بما يستفاد مما ورد في تفسير البرهان نقلا عن طريق أهل السنة (2)من أنه كانت الآية في مصحف ابن مسعود - المفسر الكبير في الصدر الأول : إن الله اصطفی آدم ونوحا و آل إبراهيم وآل عمران (3)

أما روايات الخاصة المفسرة لهذه الآية على صنفين:

أحدهما: ما ليس فيه ذكر «آل عمران» و مصرح بأن الآية نزلت ب«آل محمد» ثم أبدل ب«آل عمران» كما في تفسير الفرات: 78، الحديث 78.

وثانيهما: ما فيه تصريح بأن الآية أنزلت هكذا: «و آل عمران و آل محمد»، فأسقط «آل محمد» كما في أمالي الطوسي: 300، الحديث 592، و تفسير العياشي 1: 16، الحديث 34 و 35.

و آل محمد (بدلا

1) راجع كمال الدين 1: 64، والعلل 1: 26، والأمالي: 158.

2) مضافا إلى ما ورد من طريق الخاصة، راجع البرهان 1: 612 و 615 وأمالي الطوسي: 300، الحديث 592.

3) لفظة «وآل عمران» لم ترد في تفسير البرهان ومذكورة في شواهد التنزيل.

عن آل عمران أو تفسیرا له) على العالمين (1).

وهذا أيضا أقوى شاهد -بل دليل- على أن آل عمران في الآية المباركة هم آل عمران بن عبد المطلب - رضوان الله تعالى عليه - المنطبق على آل محمد - صلى الله علیه و علیهم - ويؤيد هذا المعنى- لو لم نقل يدل عليه - تسمية السورة المباركة بسورة آل عمران دون سورة آل إبراهيم، مع ذكر آل إبراهيم فيها الذين هم بالاتفاق أهم وأفضل من آل عمران إن أريد منه آل عمران موسی و آل عمران عیسی - على نبينا وآله وعليهما السلام - بخلاف ما لو كان المراد منه عمران الإمام على علیه السلام أعني بهم آل محمد صلی الله علیه وآله وتلك الذوات المقدسة المعصومين عليهم السلام؛ فإن من المعلوم جدا أنهم أفضل.

وبعد ثبوت هذين الأمرين وإثباتهما لا إشكال، بل لا شبهة في أن آل عمران بن عبد المطلب هم تلك الذوات المقدسة المعصومون الأربعة عشر عليهم أفضل الصلوات.

نعم، إنما يعد الرسول المکرم وابنته فاطمة الزهراء - صلى الله عليهما وآلهما - من آل عمران (آل أبي طالب) من باب التغليب وملاحظة أنه صلی الله علیه وآله كان في أوائل الأمر تحت حماية عمه أبي طالب -رضوان الله تعالی علیه -كما هو ظاهر.

كما أن شخصه صلی الله علیه وآله داخل في آل نفسه، إذا بدل أو فسر «آل عمران» في المقام ب«آل محمد»؛ فإن إطلاق آل فلان وإرادة نفس فلان شائع في لغة


1) تفسير البرهان 1: 616، الحديث 17، نقلا عن تفسير الثعلبي.

العرب (1)كما قيل (2).

وكذا لا إشكال ولا شبهة في أن المراد من آل إبراهيم في الآية الشريفة أيضا تلك الذوات المقدسة لا غيرهم، كإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط ومن يحذو حذوهم؛ فإن تلك الذوات الأربعة عشر - صلى الله عليهم- بمقتضی العقائد الحقة الثابتة في محلها هم المصطفون على العوالم في جميع الأزمنة، كما يقتضيه إطلاق لفظ «العالمين» في الآية المباركة، ولا وجه لاختصاص ذلك بعالم زمان دون زمان.

وكذلك الأمر في آل آدم وآل نوح، بعد ما عرفت من تفسير آدم ونوح بالهما؛ فإنه لا ريب حينئذ أيضا في أن المراد من كل منهما تلك الذوات المقدسة علیهم السلام .


1) ولذا صححنا وأثبتنا في محله أن الزيارات الجامعة المروية لآل محمد صلی الله علیه وآله شاملة للرسول والبتول - صلى الله عليهما وآلهما - ولا تختص بالأئمة الاثني عشر عليهم السلام و إن اشتهر (منه مد ظله).

2) راجع مجمع البيان 2: 614 و تفسیر روان جاوید 1: 404.

نتيجة البحث

فاتضح أنه تبارك وتقدس أكد وشدد في هذه الآية المباركة مدح هؤلاء المعصومين الأربعة عشر عليهم السلام بعناوین متعددة و تعابیر مختلفة أربع مرات، بل خمسا ، بإضافة ما ورد في التفسير كالتنزيل من عنوان «آل محمد» صلى الله عليه وعليهم (1).

فالمراد من المصطفين في الآية الشريفة هم المعصومون الأربعة عشر علیهم السلام لا غير، وإنهم المصطفون فحسب على كل العالمين من لدن آدم إلى الخاتم - صلى الله عليهم - دون غيرهم.

وبعبارة أخرى: إنه - سبحانه وتعالى - أراد أن يبين في القرآن المجيد لجميع الخلائق أن تلك الوجودات المباركة إما هم المصطفون حقا على جميع العوالم في جميع الأزمان، مضافا إلى أن الاصطفاء في الآية الشريفة مطلق، والمطلق - على حسب متفاهم العرف - ينصرف إلى أكمل أفراده، ومن المعلوم من العقائد الحقة الثابتة في محله أن كل واحد من تلك الذوات المقدسة الفرد الكامل الأكمل وكلهم مکملون في الاصطفاء.


1) لما ورد في غير واحد من الروايات أنه كان مذكورا في هذه الآية- مضافا إلى تلك العناوين الأربعة - عنوان «آل محمد» فأسقط، والأولى - بناء على ما هو الصحيح من أنه لم يسقط من القرآن شي ء - أن يقال: إن عنوان «آل محمد» كان تفسيرا أو بدلا لآل عمران كما مر نظیره مما روي من مصحف ابن مسعود (منه مد ظله).

بيان إشكالات على المختار

الإشكال الأول

إن قلت: إن سياق الآية من ذکر امرأة عمران (أم مریم علیها السلام ) وغير ذلك بعد

هذه الآية يقتضي أن لا يكون المراد من عمران، عمران بن عبد المطلب فكيف التوفيق؟

قلت: أولا: إن السياق في القرآن الموجود المنظم على خلاف ترتيب التزول، لم يكن معتبرا إلا في الآيات التي نزلت على وتيرة واحدة وكانت هناك قرينة على الارتباط.

وثانيا: إن ذكر إطاعة الرسول صلی الله علیه وآله قبل هذه الآية وغير ذلك في الآيات في حقه صلی الله علیه وآله في هذه السورة يقتضي أن ينعكس السياق ويكون المراد من آل عمران، آل أبي طالب الذين هم أوصياؤه وخلفاؤه صلی الله علیه وآله ، بل ذکر حالات آل إبراهيم علیه السلام الذي هو من أجدادهم الأمجدين في هذه الآية قرينة واضحة على أن المراد من آل عمران، آل أبي طالب رضوان الله تعالی و تقدس عليه.

الإشكال الثاني

وإن قلت: إذا كان المراد من الآية بجميع عناوينها تلك الذوات المقدسة، فلم لم ينقل منه صلی الله علیه وآله ولا من طريق أهل بيت العصمة والطهارة -عليهم الصلاة والسلام - نص صریح وأثر بارز في ذلك؟

قلت: أولا: يكفي ما عرفت من القرآن والظهورات والكنايات التي أبلغ من التصريح على ذلك، بما لا مزيد عليه.

وثانيا : إن عمر بن الخطاب - على ما في التواريخ المعتبرة (1)- ترك، بل منع أشد المنع عن ترويج السنة النبوية - عليه وعلى آله آلاف التحية - وكان يقول: « حسبنا کتاب الله»، بل محى الأحاديث النبوية التي كانت في أيدي الصحابة -رضي الله تعالی عنهم - بعد أن طلبها منهم.

وثالثا: إن من المحتمل قويا أنه صدر من أهل بيت العصمة والطهارة علیهم السلام أيضا ما هو صريح- بل أصرح - في ذلك مما عرفت، ولكن صار مفقودا قبل أن يصل إلينا من جهة اضمحلال المكاتيب بيد الأعداء ولا سيما المكتبة العظيمة المعروفة، كما أنه فقد کتاب «مدينة العلم» للشيخ الصدوق قدس سره .


1) راجع مقدمات کتاب جامع أحاديث الشيعة وغيرها (منه مد ظله).

الملحق الثالث: كلمةٌ مُحكَمَةٌ حول الآية المباركة: « سَلاَمٌ عَلَى إِل يَاسِينَ»

اشارة

الملحق الثالث

كلمة محكمة حول الآية المباركة: « سَلاَمٌ عَلَى إِل يَاسِينَ» (1)

كلمتنا حول الآية

اعلم أن كلمة «إل» في الآية الشريفة على كلتا القراءتين (إِل يَاسيِنَ وَآلِ یَاسیِنَ) -بمقتضى التحقيق العميق - معربة ومخففة كلمة «إيل» بالفارسية بمعنی العشيرة، فيقال: «إيل بختیار»، «إيل قشقا»، «إيل خان» ونحوها ويراد منها «عشیرتهم» (2)، وهذا المعنى هو المراد في هذه الآية المباركة حتى بناء على قراءة «إلى» بكسرالهمزة ؛ إذ لم تكتب هذه الكلمة في القرآن من زمان نزوله وكتابة


1) الصافات: 130.

2) وإن لم يصرح بذلك في كتب اللغة المتداولة؛ لعدم تقيدهم فيها باستقصاء المعربات، بل يرى أن استعمال كثير من المعزبات في اللغة العربية المحضة ليس بعزيز، كما لا يخفى على من له أدنى دربة في ذلك فضلا عن المتتبع الخبير (منه مد ظله).

كتاب الوحي إلى زماننا هذا إلا منفصلة من كلمة «يَاسيِنَ» هكذا: «إِل يَاسيِنَ» (1)ولم تكتب متصلة هكذا: «إِليَاسيِنَ» (2)، وهذا -كما لا يخفى على المنصف - أدل دليل على أن «ال» و «یاسین» كلمتان يراد بكل منهما معنى غير معنى الأخرى.

تعرض بعض الآراء الموهومة وردها

فعلی ما قلنا ليست «إل یاسین» کلمه واحده كما ادعي؛ إما بدعوى أنه لغة في إلياس (کمیکال و میکائیل) (3)أو بأن يراد بها نبي تخيلي وهمي (غير إلياس النبي المعروف عليه السلام )، كما توهم من توهم (4)؛ استنادا إلى أن خط القرآن - الموجود بین الدفتين - لا يقاس بخط العروض والقواعد وأن كتاب الوحي -رضي الله عنهم - كتبوا الكلمة على خلاف القاعدة منفصلة، وكان مقتضاها أن يكتبوها متصلة.


1) راجع معالم التنزيل للبغوي 4: 46 وتفسير القرآن الكريم لابن قيم الجوزی: 448 والتفسير المظهري 8: 142، وغيرها.

2) إلا ما شذ وندر في بعض المستحدثات من حيث لا يشعر (منه مد ظله).

3) راجع تفسير القرآن الكريم لابن قيم الجوزي: 448.

4) ففي تفسير بحر العلوم للسمر قندی 3: 151: «قال بعضهم: إنه إدريس وقال بعضهم: إلياس هو الخضر»، وفي جامع البيان للطبري 23: 58: «هو إلياس بن ياسين بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران» وفيه أيضا: «إلياس هو إدريس» وفي روح المعاني للآلوسي 12: 132:« وفي العجائب للكرماني أنه ذوالکفل»، وفي فتح القدير للشوكاني 4: 469: «قال المفسرون: هو نبي من أنبياء بني إسرائيل وقصته مشهورة مع قومه»، وفي محاسن التأويل الجمال الدين القاسمي 6: 436 أن إلياس هو إيليا، إلى غير ذلك من الأقوال.

لكنه كما ترى! مضافا إلى أنه ادعاء محض وتحكم بحت وإنما يمكن الالتزام به في أمثال كلمة «قواریر» في سورة الإنسان (1)؛ حيث ضبطت في القرآن المجيد مع الألف و مقتضى القاعدة أن تكتب بلا ألف، لا في أمثال المقام مما يختلف المعني باختلافه، كما لا يخفى على الخبير البصير المتضلع المنصف.

كما أن توهم أنها جمع «إلياسي» بأنه كانت «إلياسيين» فصارت بعد التخفيف بحذف الياء المشددة «إلياسين» ويراد بها من تبع إلياس النبي - على نبينا وآله وعليه السلام - (2)أيضا ادعاء محض و توهم بحت، مضافا إلى أنه لا بد على هذا أن تكتب «إلياسين» متصلة، لا «إل یاسین» منفصله كما لا يخفی.

ونظيره في الوهن والتحكم دعوى إرادة السورة من كلمة «یاسین»، وأن يكون المراد من «إل ياسين» حينئذ - بعد إرادة القرآن من السورة - من اتبع القرآن المجيد (3).

فثبت أن «إل ياسين» لا محالة كلمتان بلا ريب، فما يتفرد به من أن الضمير المفرد في الآية المذكورة في تلو آية بعدها« إِنَّهُ مِن عِبادِنَا المُؤمِنينَ» (4)الظاهر رجوعه إلى المضاف دون المضاف إليه يؤيد أنها كلمة واحدة غير مسموع، ولا سيما بعد ملاحظة أن رجوع الضمير في أمثال المقام إلى خصوص المضاف إليه


1) وهو قوله تعالى:« وَ أكوابٍ كَانَت قَواريرَا مِن قَواريرَا مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوَها تَقديراً» الدهر: 15 و 16.

2) راجع تفسير القرآن الكريم لابن قيم الجوزي: 448 ومعالم التنزيل للبغوي 4: 46 وجامع البيان للطبري 23: 61.

3) راجع روح المعاني للآلوسي 12: 135 وكذا نقل هذا القول في مجمع البيان 8: 714.

4) الصاات: 132.

ليس بعزيز (1).

فالإنصاف أن التوجيه بأحد هذه الوجوه الموهومة المتحكمة ونحوها ليس بتفسير حقيقي ومراد واقعي للآية الشريفة المباركة، بل كل منها تحميل على الآية و تفسیر تصنعي لها لو لم نقل: إنه في الحقيقة ليس بتفسير، وإنه تطبيق و تجرير للآية على آراء خيالية كانت مغروسة في الأذهان قبل ذلك،فإن التفسير هو أن يخلی الذهن وطبعه بالأسر عن كافة ما فيه من العقائد المتخيلة المغروسة، ثم يلاحظ ما يستفاد منها بحسب الفهم العرفي أو بمعونة ما هو عدل آيات القرآن الكريم، أعني به أقوال عترة الرسول عليهم السلام الذين وجب التمسك بهم على الأمة المرحومة بالتواتر القطعي، كالتمسك بكتاب الله العزيز الحكيم.

ففي الحقيقة تكون آيات الكتاب متنا وأقوال العترة الطاهرة شرحه، ولا سيمامتشابهاتها التي- كما في الكتاب - لا يعلم تأويلها ولا تفسيرها إلا الله تعالی والراسخون في العلم (2)، ولا ريب في أنهم - صلوات الله وسلامه عليهم - هم الراسخون في العلم (3)؛ فإنهم عليهم السلام علموا مرادات القرآن على نحو الأسناد


1) كما في بعض أدعية أيام شهر الصيام: « اللهم صل على فاطمة بنت نبيك محمد عليه وآله السلام..»؛ لرجوع ضميري «علیه» و «آله» إلى غير ما هو المنظور والمضاف؛ لأنهما يرجعان إلى المضاف إليه وهو محمد صلي الله عليه وآله ، إلى غير ذلك مما يظفر به المتتبع (منه مد ظله).

2) آل عمران: 7.

3) راجع الكافي 1: 186، الحديث 6، وفيه 1: 213، الحديث 1، 2 و 3، وفيه 1: 414، الحديث 14 وغيرها.

المتصلة إلى بيت الوحي والرسالة صلي الله عليه وآله (1). كيف لا؟! وإنه لا يعرف القرآن إلا من خوطب به وهو النبي المكرم صلي الله عليه وآله . ثم الثابت بالتواتر أنه علمه وصيه وخليفته علي بن أبي طالب علیه صلوات الله الملك الغالب، وعلى هذا القياس تعلم العترة الطاهرة - صلى الله تعالى عليهم - ألف باب من العلم الذي يفتح من كل باب منه ألف باب (2)، فمن اقتدى بهم- صلوات الله عليهم - فقد اهتدی.

قال سيدنا الأستاذ الأكبر العلامة الآية العظمى البروجردي قدس سره في أثناء الدرس: إن اللازم على العامة المعتقدين بعصمة العترة الطاهرة أو لا أقل بعدالتهم فوق أمثال أبي هريرة ونحوه بمراتب، أن يقبلوا رواياتهم عليهم السلام الصحاح المضبوطة في منابع الشيعة وإن لم يعتقدوا بإمامتهم؛ فإنهم عليهم السلام لا يروون أمرا إلا بأسانید آبائهم عليهم السلام منتهيا إلى الرسول المکرم صلي الله عليه وآله ، ولذا يرى في كثير من الموارد تصريحهم عليهم السلام بتلك الأسانيد المعنعنة، وإنما لم يصرحوا بها في جميعها لمكان الاختصار ورعاية الاقتصار، ولكن العامة أعرضوا عن قبول رواياتهم المعنعنة في منابع الشيعة - تحقیقا و تقدیرا - بدعوى أنهم عليهم السلام يحدثون من عند أنفسهم، فاحتاجوا - ولا سيما في أبواب الفقه - إلى الأقيسة والاستحسانات الظنية وإلى الإسرائيليات والمسيحيات والمجوسيات ونحوها.


1) راجع الوسائل 18: 69، الباب 8 من أبواب صفات القاضي، الحديث 67.

2) راجع الكافي 1: 238، باب الصحيفة والجفر، الحديث ، وفيه 1: 292-297، الحديث 2، 3، 4، 5 و 9 وغيرها.

إقامة شواهد أخرى على المدعى

فعلی ما سردنا لا بد أن يراد من كلمة «ال» - علی كلتا القراءتين - العشيرة و من كلمة «ياسين» الرسول المکرم نبي الإسلام محمد بن عبدالله صلي الله عليه وآله(1)، ويعود السلام على عشيرته المكرمين صلى الله تبارك وتعالى عليه وعليهم أجمعين.

ويؤيد ذلك غير واحد من النصوص المروية في منابع العامة والخاصة الدالة على أن المراد من «آل یس» آل محمد عليه وعليهم السلام (2)

وفي أمالي الصدوق: 530 وعيونه 1: 236 عن أبي الحسن الرضاعليه السلام في حديث أن الله عز وجل لم يسلم على أحد إلا على الأنبياء- صلوات الله عليهم- فقال تبارك وتعالى: «سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي العالَمِينَ» وقال: « سَلامٌ عَلى إِبراهيمَ» وقال: « سَلامٌ عَلی مُوسی وَ هَارُونَ» ، ولم يقل: «سلام على آل نوح» ولم يقل: «سلام على آل إبراهيم»، ولم يقل: «سلام على آل موسى وهارون»، وقال: سَلامٌ عَلى آلِ يَس، يعني آل محمد صلي الله عليه وآله ، الحديث.

وفي الاحتجاج 1: 253 في حديث طويل عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: قوله

« سَلامٌ عَلى إِل ياسينَ»، لأن الله تعالی سمی به النبي صلي الله عليه وآله ؛ حيث قال: « یَس وَ القُرآنِ الحَكِيمِ إِنَّکَ لَمِنَ المُرسَلينَ »؛ لعلمه بأنهم يسقطون قول الله: «سلام على آل محمد»، الحديث.

وفي معاني الأخبار: 123، بإسناده عن أبي عبدالرحمن السلمي أن عمر بن الخطاب كان يقرأ: « سلام علی آل یاسین»؛ قال أبو عبد الرحمن السلمي: «آل یاسین آل محمد صلي عليهم السلام ».

وفي تأويل الآيات الظاهرة للسيد شرف الدين الحسيني الأستر آبادي: 489، بإسناده عن علي عليه السلام قال: «إن رسول الله صلي الله عليه وآله اسمه ياسين ونحن الذين قال الله : «سَلامٌ عَلى إِل ياسينَ». إلى غير ذلك من منابع الخاصة.

وأما من منابع العامة فراجع شواهد التنزيل لعبيد الله الحسكاني 165- 170، والدر المنثور للسيوطي 5: 286 وغيرهما

.

1) لما ثبت في غير واحد من الأحاديث أنه صلي الله عليه وآله سمي ب «یس» وسيذكر بعضها في أواخر البحث (منه مد ظله)

2) في تفسير مجمع البيان للعلامة الشيخ أبي علي الفضل بن الحسن الطبرسي قدس سره 8: 714: قال ابن عباس رضي الله عنه : آل یس آل محمد صلي الله عليه وآله .

فلا يصغي إلى ما قد يتوهم من أن المراد من «یاسین» والد إلياس النبي علیه السلام وأن السلام في الآية يعود إلى عشيرته (1)فإنه -كما لا يخفى -رجم بالغيب وموهون لا شاهد له بلا ریب.

ثم إنه - على ما ذكرنا - یکسر اللام من كلمة «ال» على كلتا القراء تین؛ بلحاظ أنها مجرورة ب «على» ومضافة إلى كلمة «یاسین»، فلا بد أن تقرأ الآية الشريفة « سلام على إل ياسين» كما تقرأ «آل ياسين».

فلعل ما في القرآن المعرب المتداول من سكون اللام غير صحيح، وكتاب الوحي -رضي الله تعالی عنهم - لم يعربوها كذلك؛ إذ الإعراب لم يكن متداولا في ذلك العصر ولا في الأعصار المتأخرة، وإنما أحدث فيما بعد، بل الآية المباركة نزلت على كلتا القراءتين بكسر اللام، لكن لما توهم أنه على قراءة كسر الهمزة كلمة واحدة أعربوها ساكنة اللام غفلة عن حقيقة الأمر والحال.


1) راجع تفسير القرآن الكريم لابن قيم الجوزي: 448 والتحرير والتنوير لابن عاشور 23: 80

اللهم إلا أن يقال بأن السكون على كلتا القراءتين لعله يصح بناء على القول بجواز الوصل بالسكون، فعليه يجوز أن تقرأ على أربعة وجوه: في كل من القراءتين بوجهين: بسكون اللام وكسرها، فليتأمل.

والله - عز وجل - هو العالم بالحقائق، فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما کنا لنهتدي لولا أن هدانا الله تعالی و تقدس.

فهرس الآيات الكريمة

فهرس الآيات الكريمة

سورة البقرة (2)

256 «لَا إِکْرَاهَ فِی الدِّینِ ۖ قَد تَّبَیَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَیِّ » ...181

سورة آل عمران (3)

33 « إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَی آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِیمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَی الْعَالَمِینَ» ...199

103 « وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِیعًا وَلَا تَفَرَّقُوا » ...37

سورة المائدة (5)

2 «وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَی الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ» ...173

سورة الأنعام (6)

149« لِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ»...181

سورة الأعراف (7)

23« ظَلَمنا اَنفُسَنا» ...170

سورة الأنفال (8)

41«وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَیْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِی الْقُرْبَی وَالْیَتَامَی وَالْمَسَاکِینِ وَابْنِ السَّبِیلِ...»...94

سورة التوبة (9)

122«فَلَوْلَا نَفَرَ مِن کُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّیَتَفَقَّهُوا فِی الدِّینِ وَلِیُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَیْهِمْ لَعَلَّهُمْ یَحْذَرُونَ »...181

سورة النور (24)

58 «یَا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا لِیَسْتَأْذِنکُمُ الَّذِینَ مَلَکَتْ أَیْمَانُکُمْ وَالَّذِینَ لَمْ یَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنکُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ۚ مِّن قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِینَ تَضَعُونَ ثِیَابَکُم مِّنَ الظَّهِیرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ۚ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَّکُمْ ۚ لَیْسَ عَلَیْکُمْ وَلَا عَلَیْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ ۚ طَوَّافُونَ عَلَیْکُم بَعْضُکُمْ عَلَی بَعْضٍ ۚ کَذَلِکَ یُبَیِّنُ اللَّهُ لَکُمُ الْآیَاتِ ۗ وَاللَّهُ عَلِیمٌ حَکِیمٌ»...190

59 «وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنکُمُ الْحُلُمَ فَلْیَسْتَأْذِنُوا کَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِینَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ کَذَلِکَ یُبَیِّنُ اللَّهُ لَکُمْ آیَاتِهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِیمٌ حَکِیمٌ»...190

سورة لقمان (31)

13 «إِنَّ الشِّرْکَ لَظُلْمٌ عَظِیمٌ»...170

سورة الأحزاب (33)

21 «لَّقَدْ کَانَ لَکُمْ فِی رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ»...25

سورة الصافات (37)

130«سَلَامٌ عَلَی إِلْ یَاسِینَ »...219

132«إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِینَ»...215

سورة النجم (53)

3 و 4«وَمَا یَنطِقُ عَنِ الْهَوَی إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْیٌ یُوحَی »...34

سورة الحشر (59)

7 «وَمَا آتَاکُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ...الآیة»...36

سورة الإنسان (76)

8 «یُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَیَخَافُونَ یَوْمًا کَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِیرًا»...156

فهرس مصادر التحقيق

مصادر التحقيق

1- القرآن الكريم

2- الاحتجاج: لأبي منصور أحمد بن علي الطبرسي، في مجلدين، طبع نشر مرتضی، 1403 ه. ق.

3- أحکام القرآن: لأحمد بن علي الجصاص، في خمسة مجلدات، طبع دار إحياء التراث العربي - بيروت، 1405 ه. ق.

4- إصباح الشيعة بمصباح الشريعة: لقطب الدين محمد بن الحسين البيهقي الكيدري، في مجلد، طبع مؤسسة الإمام الصادق علیه السلام ، 1416 ه. ق.

5- أمالي الصدوق: للشيخ الصدوق أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي، في مجلد، طبع مكتبة الإسلامية، 1362 ه. ش.

6- أمالي الطوسي: للشيخ الطوسي أبي جعفر محمد بن الحسن، في مجلد، طبع دار الثقافة، 1414 ه. ق.

7- بحارالأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار علیهم السلام : للعلامة محمد باقر المجلسي، في مائة وعشرة مجلدات، طبع مؤسسة الوفاء - بيروت، 1404 ه. ق.

8- بحر العلوم: لنصر بن محمد بن أحمد السمرقندي، في ثلاثة مجلدات.

9- بداية المجتهد ونهاية المقتصد: لابن رشد الحفيد، في مجلدين، طبع دارالفکر، 1415 ه. ق.

10 - البرهان في تفسير القرآن: للعلامة السيد هاشم البحراني، في خمسة مجلدات، طبع بنیاد بعثت - طهران، 1416 ه. ق.

11- تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام: للعلامة السيد حسن الصدر، في مجلد طبع منشورات الأعلمي - طهران.

12- تأويل الآيات الظاهرة: للعلامة السيد شرف الدين علي الحسيني الأسترآبادي، في مجلد طبع مؤسسة النشر الإسلامي، 1409 ه. ق.

13- تتمة المنتهی: لخاتم المحدثين الشيخ عباس القمي، في مجلد، طبع الاعتماد، 1383 ه. ش.

14- تحرير الأحكام الشرعية على مذهب الإمامية: للعلامة الحي الحسن بن يوسف بن مطر الأسدي، في مجلدين.

15-التحرير والتنوير: لابن عاشور محمد بن طاهر، في ثلاثين مجلدا.

16- تحفة العالم في شرح خطبة المعالم: للعلامة السيد جعفر آل بحر العلوم، في مجلد.

17- تحية الزائر: للعلامة الميرزا الحسين النوري، في مجلد.

18- تذكرة الفقهاء: للعلامة الحلي الحسن بن يوسف بن مطر الأسدي، في أربعة عشر مجلدا ، طبع مؤسسة آل البيت علیهم السلام ، 1414 ه. ق.

19- تفسیر روان جاوید: للميرزا محمد ابن أبي الفضل الثقفي الطهراني، في خمسة مجلدات، طبع مؤسسة برهان - طهران، 1398 ه. ق.

20- تفسير العياشي: لأبي النضر محمد بن مسعود العياشي السمرقندي، في مجلدين، طبع مطبعة العلمية - طهران، 1380 ه. ق.

21- تفسیر فرات الكوفي: لأبي القاسم فرات بن إبراهيم الكوفي، في مجلد، طبع مؤسسة الطبع والنشر التابعة لوزارة الثقافة الإسلامية - طهران، 1410 ه. ق.

22- تفسير القرآن الكريم: لابن قيم محمد ابن أبي بكر الجوزي، في مجلد، طبع مكتبة الهلال - بیروت، 1410 ه. ق.

23 - التفسير المظهري: لمحمد ثناء الله المظهري، في عشرة مجلدات، طبع مكتبة رشدية - باكستان، 1412 ه. ق.

24- تفسير منهج الصادقين في إلزام المخالفين: للعلامة المولی فتح الله الكاشاني، في عشرة مجلدات، طبع مکتبة محمد حسن العلمي، 1336 ه. ش.

25- تفسير نور الثقلين: للعلامة عبد علي بن جمعة العروسي الحويزي، في خمسة مجلدات، طبع مؤسسة الإسماعيليان - قم، 1415 ه. ق.

26-التنقيح في شرح العروة الوثقی: تقريرا لأبحاث المحقق السيد أبي القاسم الخوئي، في ستة مجلدات، 1413 ه. ق.

27- تهذیب الأحکام: للشيخ الطوسي أبي جعفر محمد بن الحسن، في عشرة مجلدات، طبع دارالکتب الإسلامية - طهران، 1365 ه. ش.

28- جامع أحاديث الشيعة: تحت إشراف العلامة الكبير السيد الحسين البروجردي، في واحد وثلاثين مجلدا.

29- جامع البيان في تفسير القرآن: لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري، في ثلاثين مجلدا ، طبع دار المعرفة - بيروت، 1412 ه. ق.

30- الجامع لأحكام القرآن: لمحمد بن أحمد القرطبي، في عشرين مجلدا ، طبع مؤسسة ناصر خسرو، 1364 ه. ش.

31- جامع المقاصد في شرح القواعد: للمحقق الكركي علي بن الحسين العاملي، في ثلاثة عشر مجلدا، طبع مؤسسة آل البيت علیهم السلام ، 1414 ه. ق.

32- جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام: للعلامة محمد حسن بن باقر النجفي، في ثلاثة وأربعين مجلدا، طبع دار إحياء التراث العربي، بيروت.

33 -الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة علیهم السلام للعلامة يوسف البحراني، في خمسة وعشرين مجلدا، طبع مؤسسة النشر الإسلامي، 1405ه. ق.

34- الخصال: للشيخ الصدوق أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابویه القمي، في مجلدين، طبع مؤسسة النشر الإسلامي، 1403 ه. ق.

35- الخلاف: للشيخ الطوسي أبي جعفر محمد بن الحسن، في ستة مجلدات، طبع مؤسسة النشر الإسلامي، 1407 ه. ق.

36- الدر المنثور في تفسير المأثور: لجلال الدين السيوطي، في ستة مجلدات، طبع مكتبة آية الله المرعشي النجفي، 1404 ه. ق.

37- الدروس الشرعية في فقه الإمامية: للشهيد الأول محمد بن مکي العاملي، في ثلاثة مجلدات، طبع مؤسسة النشر الإسلامي، 1417 ه. ق.

38- ذخيرة المعاد في شرح الإرشاد:للمحقق السبزواري محمد باقر بن محمد مؤمن الخراساني، في مجلدين، طبع مؤسسة آل البيت علیهم السلام .

39- ذكرى الشيعة: للشهيد الأول محمد بن مكي العاملي، في أربعة مجلدات، طبع مؤسسة آل البيت علیهم السلام ، 1419 ه. ق.

40- رجال ابن داود: للحسن بن علي بن داود الحلي، في مجلد، طبع جامعة طهران، 1383 ه. ق.

41- رجال العلامة: للعلامة الحلي الحسن بن يوسف بن مطهر الأسدي، في مجلد ، طبع دار الذخائر - قم، 1411 ه. ق.

42- رجال الكشي: للشيخ الطوسي أبي جعفر محمد بن الحسن، في مجلد، طبع جامعة مشهد المقدسة، 1348 ه. ق.

43- رجال النجاشي:لأحمد بن علي النجاشي،في مجلد ،طبع مؤسسة النشر الإسلامي، 1407 ه. ق.

44- روح المعاني في تفسير القرآن العظيم: للسيد شهاب الدين محمود الآلوسي، في ستة عشر مجلدا ، طبع دارالکتب العلمية - بیروت، 1415 ه. ق.

45- روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان: للشهيد الثاني زين الدين بن علي بن أحمد العاملي، في مجلدين، طبع مكتب الإعلام الإسلامي، 1422 ه. ق.

46- الروضة البهية: للشهيد الثاني زين الدين علي بن أحمد العاملي، في عشرة مجلدات، طبع مكتبة الداوري، 1410 ه. ق.

47- روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه: للعلامة محمد تقي المجلسي، في ثلاثة عشر مجلدا، طبع مؤسسة الثقافة الإسلامية، 1406 ه. ق.

48- السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي : لابن إدريس محمد بن منصور بن أحمد الحلي، في ثلاثة مجلدات، طبع مؤسسة النشر الإسلامي، 1410 ه. ق.

49- سنن النسائي: أحمد بن شعيب النسائي، في ثمانية مجلدات، طبع دارالفکر، 1348 ه. ق.

50- شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام: للمحقق الحلي نجم الدين جعفر بن الحسن الهذلي، في أربعة مجلدات، طبع مؤسسة الإسماعيليان، 1408 ه. ق.

51- الشرح الكبير : لعبد الرحمن بن قدامة، في اثني عشر مجلدا، طبع دارالکتاب العربي - بيروت.

52- شرح تبصرة المتعلمين: للمحقق ضياء الدين علي بن المولی محمد کبیرالكزازي، في خمسة مجلدات، طبع مؤسسة النشر الإسلامي، 1414 ه. ق.

53 شواهد التنزيل لقواعد التفضيل: لعبيدالله بن أحمد الحسکاني، في مجلدين، طبع مؤسسة الطبع والنشر التابعة لوزارة الثقافة الإسلامية - طهران، 1411 ه. ق.

54- الصواعق المحرقة: لابن حجر العسقلاني.

55 العروة الوثقی: للعلامة السيد محمد کاظم بن عبد العظيم الطباطبائي اليزدي، في خمسة مجلدات، طبع مؤسسة النشر الإسلامي، 1419 ه. ق.

56- علل الشرائع: للشيخ الصدوق أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي، في مجلدين، طبع مكتبة الداوري.

57- العمدة: لابن بطريق يحيي بن الحسن الحلي، في مجلد، طبع مؤسسة النشر الإسلامي، 1407 ه. ق.

58- العناوين الفقهية: للسيد میر عبدالفتاح بن علي الحسيني المراغي، في مجلدين، طبع مؤسسة النشر الإسلامي، 1417 ه. ق.

59- عوائد الأيام في بيان قواعد الأحكام: للفاضل النراقي أحمد بن محمد مهدي، في مجلد، طبع مكتب الإعلام الإسلامي، 1417 ه. ق.

60- عوالي اللئالي: لابن أبي جمهور محمد بن علي الأحسائي، في أربعة مجلدات، طبع مؤسسة سيد الشهداء عليه السلام - قم، 1405 ه. ق.

61- عيون أخبار الرضا علیه السلام : للشيخ الصدوق أبي جعفر محمد بن علي بن

الحسين بن بابويه القمي، في مجلد، طبع مؤسسة جهان، 1378 ه. ق.

62- غنائم الأيام فيما يتعلق بالحلال والحرام: للميرزا القمي أبي القاسم بن محمد

حسن الجيلاني، في ستة مجلدات، طبع مكتبة الإعلام الإسلامی: 1417 ه. ق.

63- غيبة النعماني: لأبي عبدالله محمد بن إبراهيم النعماني، في مجلد، طبع مکتبة الصدوق - طهران، 1397 ه. ق.

64- فتح الباري شرح صحيح البخاري : لابن حجر العسقلاني، في ثلاثة عشر مجلدا، دار المعرفة للطباعة والنشر - بيروت.

65- فتح القدير: لمحمد بن علي الشوكاني، في ستة مجلدات، طبع دار ابن کثیر، دارالكلم الطيب - دمشق، بیروت، 1414 ه. ق.

66- الفهرست: للشيخ الطوسي أبي جعفر محمد بن الحسن، في مجلد، طبع المكتبة الرضوية - النجف.

67- القواعد الفقهية: للمحقق السيد الحسن بن آقا بزرگ البجنوردي، في سبعة مجلدات، طبع نشر الهادي، 1419 ه. ق.

68- قوانين الأصول: للميرزا القمي أبي القاسم بن محمد حسن الجيلاني،في مجلدين، طبع مكتبة العلمية الإسلامية، 1378 ه. ق.

69- الكافي: لثقة الإسلام أبي جعفر محمد بن يعقوب الكليني، في ثمانية مجلدات، طبع دار الكتب الإسلامية، طهران، 1365 ه. ش.

70-كتاب الأم: لأبي عبدالله محمد بن إدريس الشافعي، في عشرة مجلدات، طبع دار الفكر - بيروت، 1403 ه. ق.

71- کتاب الخمس: للشيخ الأعظم مرتضى الأنصاري، في مجلد، طبع المؤتمر العالمي لتعظيم الشيخ الأنصاري، 1415 ه. ق.

72- الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل: للزمخشري محمود بن عمر الخوارزمي، في أربعة مجلدات، طبع دارالکتاب العربي - بيروت، 1407 ه. ق.

73- کشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغراء: لكاشف الغطاء الشيخ جعفر بن خضر، في أربعة مجلدات، طبع مكتب الإعلام الإسلامي.

74- الكشف والبيان عن تفسير القرآن: لأبي إسحاق أحمد بن إبراهيم الثعلبي النيشابوري، في عشرة مجلدات، طبع داراحياء التراث العربي - بيروت، 1422 ه. ق.

75- کشف اليقين: للعلامة الحي الحسن بن يوسف بن مطهر الأسدي، في مجلد، طبع مؤسسة الطبع والنشر التابعة لوزارة الثقافة، 1411 ه. ق.

76- كفاية الأصول: للمحقق الآخوند محمد کاظم الخراساني، في مجلد، طبع مؤسسة آل البيت عليهم السلام، 1409 ه. ق.

77- كمال الدين: للشيخ الصدوق أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي، في مجلدين، طبع دار الكتب الإسلامية، 1395 ه. ق.

78-کنز العمال: للمتقي الهندي حسام الدين علي بن عبد الملك، في ستة عشر مجلدا، طبع مؤسسة الرسالة بيروت.

79- مبادئ الوصول: للعلامة الحلي الحسن بن يوسف بن مطر الأسدي، في مجلد ، طبع مطبعة العلمية، 1404 ه. ق.

80- المبسوط في فقه الإمامية: للشيخ الطوسي أبي جعفر محمد بن الحسن، في

ثمانية مجلدات، طبع المكتبة المرتضوية لإحياء الآثار الجعفرية،1387 ه. ق.

81- مجمع البحرين: للشيخ فخر الدين بن محمد الطريحي، في ستة مجلدات، طبع مكتبة المرتضوي، 1416 ه. ق.

82- مجمع البيان في تفسير القرآن: للعلامة أبي علي أمين الإسلام الفضل بن الحسن الطبرسي، في عشرة مجلدات، طبع مؤسسة ناصر خسرو، 1372 ه. ش.

83- مجمع الفائدة والبرهان في شرح إرشاد الأذهان: للمحقق الأردبيلي أحمد بن محمد، في أربعة مجلدات، طبع مؤسسة النشر الإسلامي، 1403 ه. ق.

84- المجموع: لمحيي الدين بن النووي، في عشرين مجلدا، طبع دارالفكر.

85- محاسن التأويل: لجمال الدين محمد القاسمي، في تسعة مجلدات، طبع دارالکتب العلمية - بيروت، 1418 ه. ق.

86- محاضرات في الأصول: تقريرا لأبحاث المحقق السيد أبي القاسم الخوئي، في خمسة مجلدات، طبع مؤسسة الأنصاریان، 1417 ه. ق.

87- مختلف الشيعة في أحكام الشريعة: للعلامة الحلي الحسن بن يوسف بن مطهر الأسدي، في تسعة مجلدات، طبع مؤسسة المعارف الإسلامية، 1413ه. ق.

88- مدارك الأحكام في شرح عبادات شرائع الإسلام : للعلامة محمد بن علي الموسوي العاملي، في ثمانية مجلدات، طبع مؤسسة آل البيت علیهم السلام ، 1411 ه. ق.

89- مسالك الأفهام إلى تنقیح شرائع الإسلام: للشهيد الثاني زين الدين بن علي بن أحمد العاملي، في خمسة عشر مجلدا، طبع مؤسسة المعارف الإسلامية، 1413 ه. ق.

90- مستدرك الوسائل و مستنبط المسائل: للعلامة الميرزا الحسين النوري،في ثمانية عشر مجلدا، طبع مؤسسة آل البيت عليهم السلام، 1408 ه. ق.

91- مستمسك العروة الوثقی: للعلامة السيد محسن الحكيم، في أربعة عشر مجلدا ، طبع مؤسسة دار التفسير، 1416 ه. ق.

92- مستند الشيعة في أحكام الشريعة: للعلامة أحمد النراقي، في تسعة عشر مجلدا ، طبع مؤسسة آل البيت عليهم السلام، 1415 ه. ق.

93- مسند أحمد: لأحمد بن حنبل، في ستة مجلدات، طبع دار صادر -بيروت.

94- مصباح الفقيه: للمحقق الآغا رضا الهمداني، في ثلاثة عشر مجلدا، طبع مؤسسة الجعفرية لإحياء التراث ومؤسسة النشر الإسلامي، 1416 ه. ق.

95- مصباح المتهجد وسلاح المتعبد: للشيخ الطوسي أبي جعفر محمد بن الحسن، 1331 ه. ق، الموجود في مكتبة آية الله العظمي الگلپایگاني برقم 24/32

96- مصباح الهدى في شرح العروة الوثقی: للعلامة الشيخ محمد تقي الآملي، في اثني عشر مجلدا، طبع المؤلف، 1380 ه. ق.

97 - معاني الأخبار: للشيخ الصدوق أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي، في مجلد، طبع مؤسسة النشر الإسلامي، 1403 ه. ق.

98- معالم التنزيل في تفسير القرآن: للحسين بن مسعود البغوي، في خمسة مجلدات، طبع دار إحياء التراث العربي - بيروت، 1420 ه. ق.

99 - المعتبر في شرح المختصر: للمحقق الحلي نجم الدين جعفر بن الحسن الحلي، في مجلدين، طبع مؤسسة سيد الشهداء علیه السلام ، 1407 ه. ق

100- معجم رجال الحديث: للمحقق السيد أبي القاسم الخوئي، في أربعة وعشرين مجلدا، 1413 ه. ق.

101- المقنعة: للشيخ المفيد أبي عبدالله محمد بن محمد بن النعمان، في مجلد ،

طبع المؤتمر العالمي لألفي الشيخ المفید، 1413 ه. ق.

102- مناقب آل أبي طالب: لرشيد الدين محمد بن شهر آشوب المازندراني، في أربعة مجلدات، طبع مؤسسة نشر العلامة، 1379 ه. ق.

103- منتهی المطلب في تحقيق المذهب: للعلامة الحلي الحسن بن يوسف بن مطهر الأسدي، في عشرة مجلدات، طبع مجمع البحوث الإسلامية، 1416 ه. ق.

104- منتهى المقال في أحوال الرجال: للشيخ محمد بن إسماعيل الحائري المازندراني، في سبعة مجلدات، طبع مؤسسة آل البيت عليهم السلام ، 1416 ه. ق.

105- من لا يحضره الفقيه: للشيخ الصدوق أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي، في أربعة مجلدات، طبع مؤسسة النشر الإسلامي، 1413 ه. ق.

106- موسوعة العلامة المحقق الخوئي: في ثلاثة وثلاثين مجلدا ، طبع مؤسسة إحياء آثاره قدس سره ، 1418 ه. ق.

107- المهذب: للقاضي ابن البراج عبدالعزيز بن نحرير الطرابلسي، في مجلدين، طبع مؤسسة النشر الإسلامي، 1406 ه. ق.

108- النهاية في مجرد الفقه والفتاوی: للشيخ الطوسي أبي جعفر محمد بن الحسن، في مجلد، طبع دارالکتاب العربي - بيروت، 1400 ه. ق.

109- الوافي: للفيض الكاشاني محمد محسن، في ستة وعشرين مجلدا ، طبع مكتبة الإمام أميرالمؤمنين علي عليه السلام ، 1406 ه. ق.

110- وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة: للشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي، في عشرين مجلدا، طبع المكتبة الإسلامية،1383 ه. ق.

111- الهداية في الأصول: للمحقق السيد أبي القاسم الخوئي، في أربعة مجلدات، طبع مؤسسة صاحب الأمر عليه السلام، 1417 ه. ق.

112- الهداية في كون الشهادة بالولاية في الأذان والإقامة جزء کسائر الأجزاء:للمحقق الشيخ عبد النبي النجفي العراقي، في مجلد ، طبع ورثته، 1415 ه. ق.

فهرس الموضوعات

فهرس الموضوعات

نبذة من حياة المؤلف ...7

الرسالة الأولى في المراد من التفريق بين الصلاتين المشتركتين في الوقت ۔کالظهرين و العشاءين - وأن الجمع بينهما أيضا مستحب ...15

إشارة إجمالية إلى ما في المقام ...15

أدلة القول باستحباب التفريق ...16

رد ما استدل به على استحباب التفريق ...17

ما نسب إلى المشهور من استحباب التفريق وما فيه ...18

ما ورد من طرق الإمامية في جمع النبي صلي الله عليه وآله بین الصلاتین ...21

ما ورد من طرق العامة في جمع النبي صلي الله عليه وآله بين الصلاتین... 22

تأويلات العامة للأخبار الدالة على جمع النبي صلي الله عليه وآله ...24

ما يؤيد المختار ...25

العامة تاركون للستة لا أهلها ...26

الثالث من أدلة المختار ...32

دفع وهم ...34

الرابع من أدلة المختار ... 34

نتيجة البحث ...37

الرسالة الثانية في حكم نوافل الصلوات في خمسة أوقات من اليوم: بعد صلاتي الصبح والعصر وعند طلوع الشمس و قیامها وغروبها ...41

كراهة النوافل عند العامة والخاصة ...41

مناقشة في القول بالكراهة ...44

ما يستدل به على الكراهة ...45

الطائفة الأولى من النصوص وما فيها ...45

الطائفة الثانية من النصوص ...50

دفع دخل ...52

المناقشة في التعليل المذكور في صحيحة ابن مسلم ...53

معارض آخر للطائفة الثانية ...54

استدراك: المناقشة في الاستدلال بالصحيحة الأولى والجواب عنها ... 56

نتيجة البحث ...57

تخصیص مورد الحكم بحال الشروع في النافلة ... 58

تنبيه ...60

فرع: في عدم شمول الحكم بالكراهة لمطلق السجود ... 62

تذييل: في تغاير المقام مع جواز التطوع في وقت الفريضة ... 64

الرسالة الثالثة في بيان جزئية الشهادة بالولاية وإمرة المؤمنين لعلي عليه السلام في

فصول الأذان والإقامة وتذييل الكلام ببيان الحكم في تشهد الصلاة ...69

أقوال العلماء حول أخبار الجزئية ...69

دفع وهم ...72

الاستدلال برواية الاحتجاج وما فيه ...74

أحسن ما يستدل به في المقام ...75

سبب عدم ذكر هذه الشهادة في الأحاديث المروية عن الأئمة علليهم السلام ...79

تذییل: في بيان حكم جزئية هذه الشهادة في تشهد الصلاة ...82

الرسالة الرابعة في ما هو المراد من تحليل أهل البيت عليهم السلام وإباحتهم الخمس الشيعتهم ... 89

شکوی صاحب الجواهر في المقام ...89

الطائفة الأولى من النصوص ...90

بیان ما في أخبار الطائفة الأولى ...92

الطائفة الثانية من النصوص ...95

طريق الجمع بين نصوص الطائفتين: الأولى والثانية وما فيه ...96

طريق الجمع الصحيح بين الطائفتين ...98

الطائفة الثالثة من النصوص ...99

بیان المراد من الشيعة المحلل لهم الخمس ...102

نتيجة الجمع بين النصوص ...102

الأقوال حول المنتقل عنه والمختار فيه ...103

تذییل ...106

الفرع الأول: في حكم إيصال الخمس إلى المرجع الخاص أو غيره و بیان المختار فيه ...107

دفع دخل على القول المختار ...108

الفرع الثاني: في وجوب الاستئذان من الفقيه لصرف سهم السادة في مورده وعدمه ...111

دفع وهم ...113

الفرع الثالث: في بيان اختصاص ماینذر للإمام أو يرثه به ...114

الفرع الرابع: في حكم التصرف في سائر أموال المعصومين عليهم السلام في عصر الغيبة ...116

المختار في المقام و بیان أدلته ...116

قصة عجيبة لها ربط بالمقام ...119

الرسالة الخامسة في شرعية عبادات الصبي المميز ومايترتب عليها من الفروع ...123

تعیین محل البحث و مسلك المشهور فيه ...123

الأقوال في المسألة ...126

الكلام حول القول الأول ...127

الكلام حول القول الثاني ...131

الكلام حول القول الثالث ...132

الكلام حول القول الرابع وهو المختار ...137

وجوه الاستدلال على المختار ...137

الوجه الأول ...137

الوجه الثاني ...139

الوجه الثالث ...140

دفع دخل ...142

تنبیه ...144

تذييل: في الفروع المترتبة على شرعية عبادات الصبي المميز ...145

الفرع الأول: في حكم تجهيز الصبي المميز للميت ...146

بیان ما ورد على المختار والجواب عنه ...147

الفرع الثاني: في حكم صلاة الصبي المميز نيابة عن الميت ...149

الفرع الثالث: في حكم حج الصبي المميز حجة الإسلام ...151

الفرع الرابع: في حكم قضاء الصبي المميز لعبادات أبويه إذا كان أكبر أولادهما ...152 الفرع الخامس: في حكم أذان الصبي المميز وإقامته ...153

الفرع السادس: في حكم نذر الصبي المميز وعهده ويمينه ...156

الفرع السابع: في حكم وقوف الصبي المميز خلال صف الجماعة مصليا ... 158

تتميم: في حكم الصبي المميز بالنسبة إلى الأصول الاعتقادية ...162

الرسالة السادسة في أن الإعانة على الإثم غیر محرمة في نفسها إلا إذا صارت کالجزء الأخير من العلة التامة للإثم وسببا أقوى لوجوده في الخارج ... 169

المقدمة في بيان مورد المسألة ...169

أقسام الإعانة على الإثم ...171

الكلام حول القسم الأول من الإعانة ...172

إيراد الخدشة على صاحب العروة قدس سره ...173

الكلام حول القسم الثاني من الإعانة ...175

دفع وهم ...177

تنبيه: في حكم إرشاد الجاهل المقصر ...179

رد عداد المقام من مصاديق الأمر بالمعروف ...180

رد التمسك بآية النفر ...181

الملاحق ...183

الملحق الأول: في ضرورة اهتمام الفقيه بالقرآن الكريم في استنباط الأحكام الشرعية ...187

ضرورة الاهتمام بآيات الأحكام ...187

بعض ما صنف في آيات الأحكام ...188

توجه التكليف إلى المميز ...189

الاحتمال الآخر في المراد من الآيات ...192

عدم اشتراط البلوغ في الاعتقادات الدينية ...192

تذييل: فيما يوجب الارتداد ...194

الملحق الثاني: المصطفون في آية الاصطفاء ... 199

بیان مورد البحث ...199

المختار في المراد من الآية ...201

إثبات الأمر الأول ...202

إثبات الأمر الثاني ...203

نتيجة البحث ...207

بيان إشكالات على المختار ...208

الإشكال الأول ...208

الإشكال الثاني ...209

الملحق الثالث: كلمة مُحكَمَةٌ حول الآية المباركة: «سَلامٌ عَلَى إِل يَاسيِنَ» ... 213

كلمتنا حول الآية ...213

تعرض بعض الآراء الموهومة وردها ...214

إقامة شواهد أخرى على المدعی ...218

فهرس الآيات الكريمة ...221

فهرس مصادر التحقيق ...227

فهرس الموضوعات ...241

مما صدر عن المؤلف العلامة:

1- تعليقة على العروة الوثقی

2- الرسائل التسع في مسائل فقهية استدلالية

3- ست رسالات فقهية استدلالية

4- القواعد الفقهية السازجة

5- رساله سعه وجودی حضرت باریتعالی (بالفارسية)

6- المصابيح

7- ابحاث ناب

و ...