ghaemiyeh.com
مأساة الحسيني(علیه السلام) بين السائل والمجيب
سوريا. دمشق. السيدة زينب (ع) مكتبة الرسول الأعظم (ص)
الخطيب الشيخ عبد الوهاب الكاشي
التحقيق والطباعة
والنشروالتوزيع
دارالعلوم بيروت-لبنان
مأساة الحسيني علیه السلام بين السائل والمجيب
الطبعة الأولى جميع حقوق الطبع محفوظة
1423ه 2003م
من مراكز التوزيع
سوريا. دمشق. السيدة زينب (ع) مكتبة الرسول الأعظم (ص)
هاتف 6471119 مقسم 109
إيران. قم المقدسة : مؤسسة برهيزكار للطباعة والنشر. شارع صفائية.
فرع ممتاز تلفکس:7769182-201-98..
البحرين. المنامة : مكتبة الرسول الأعظم (ص) تلفکس:973091927..
النقال: 9219215
اللتحقيق والطباعة
والنشر والتوزيع
المكتبة : حارة حريك - بئر العبد - شارع السيد عباس الموسوي - الهاتف : 182 01/540 - 02/13911 - ص.ب : 13/080
المستودع: حارة حريك - بئر العبد - مقابل البنك اللبناني الفرنسي - تلفاکس : 11/01100
E-mail : daraloloum@hotmail.com
www.daraloloum.com
بسم الله الرحمن الرحیم
إلى شبابنا الواعي الذي يقف عند كل ظاهرة من ظواهر الحياة والمجتمع وقفة تأمل و تفحص وتفكير في أسباب تلك الظاهرة وآثارها ليتبين خيرها من شرها وحقها من باطلها.
إلى شبابنا الحر المثقف الطالب للعلم والمعرفة بواقع الحوادث وحقائق التاريخ بعيدة عن التعصب الأعمى والتحيز العاطفي .
إلى شبابنا المؤمن بالله الحكيم وبالإنسانية الكريمة وبنظامها الخالد المتمثل في الإسلام وبقادته الأفذاذ محمد وآله عليهم الصلاة والسلام .
إلى شبابنا المتعطش إلى التعرف على مقاییس الأخلاق الفاضلة وموازينها الدقيقة في هذه الحياة التي ضاعت فيها معالم الحق واختفت فيها آثار العدل .
وأخيرة : إلى كافة شبابنا المتحمس للإصلاح الباحث عن طريق السعادة والعدالة الاجتماعية الساعي وراء حياة حرة كريمة .
إليكم جميعا أيها الأخوان ...
أهدي كتابي هذا على أمل أن يكون كاشفة عن بعض الجوانب الغامضة والنقاط الحساسة المثيرة للتساؤل في ثورة الحسين (علیه السلام) بإذن الله تعالى وتوفيقه .
المؤلف
بقلم: سماحة الشيخ حسين معتوق
لقد أشرقت شمس التوحيد على دنيا الناس ، وبددت بسناها ظلمة الشرك وخرج الناس من الظلمات إلى النور ودخلوا في دين الله أفواج. ولكن فريقا من الناس أبت له نفسه الملوثة أن ينصاع لدعوة الحق، وبقي من بعد إظهار الإسلام يمارس حياة الجاهلية ، ويستغل الفرص لمطاردة الدعوة التي فيها خيره وحياته، في الخفاء تارة وفي الجلاء أخرى ليخنقوها في مهدها من قبل أن تستوي قائمة على الأرض.
وهذا الفريق لما رأى أن قواه قد انهارت أمام ضربات الحق الذي انتشر بسرعة البرق أظهر الإسلام كرها وتظاهر به کذبة وهو في قرارة نفسه كافر بالله وبرسوله، وعلى رأس هذا الفريق الحزب الأموي، الذي بقي يواصل تحرکه ضد الحق وأهله كلما أمن من ضربات الحق، ولقد مر الزمن سراعا وتوالت الأحداث تباعا، وضرب الدهر ضربته لصالح الحزب الأموي غبموت النبي مباشرة تحول فيه الحق عن مقره وأصبح مغلوب على أمره.
فالخلافة التي قربت إلى ساحتها رجلا من (تيم) وأقامت محله رجلا من عدي) هي التي دفعت بالحق إلى أعدائه، وهل ينتظر من أعداء الحق غیر
القضاء عليه .
وهنا استصرخ الحق أهله عندما توالت عليه الأحداث فما وجد له ملبية غير علي وبنيه (علیهم السلام) الذين حملهم الحق مسؤولية حمايته والدفاع عنه، لقدقرر في هذا الدور أن يعيد للخلافة اعتبارها الذي فقدته من بعد ما انطوى على نفسه في الدور الأول الذي لم يدع فيه إلى خلاف أو تأييد احتفاظ بحقه من جهة وحفاظا على الدين من جهة أخرى، قام الآن ليلتقي مع عهد الرسالة له بالقتال على التأويل بعد القتال على التنزيل؛ وفي هذا العهد أكثر من دليل على أنه دون سواه هو المسؤول الثاني عن هذا الدين .
لقد كتب على الإمام علي (علیه السلام) أن يحارب على جبهتين جبهة الكفر من الخارج وجبهة النفاق من الداخل، والإمام لا يملك الاختيار تجاه الحق وهو يستصرخه إلا أن يلبي دعوته ، وقضية الحق في حساب علي وبنيه (علیهم السلام) جديرة بالولاء الذي لا ينقطع وبالحماية التي ينبغي أن لا تغيب عن معركة الحياة وإن أدت حمایته إلى الشهادة ، فالخلافة عند أهل البيت لا تشكل أكثر من تحمل مسؤولية يفرضها الحق لا شيء سواه ، ومن طبيعة الظروفوأعني بها ظروف المعركة التي يخوضونها وهي التي فرضت على الإمام علي (علیه السلام) أن يعلن الثورة على الأوضاع الفاسدة التي خلفتها من ورائها خلافة عثمان وإذا كانت الظروف هي نفسها لم تسمح له بتحقيق الأهداف الكاملة التي حاول جاهدة الوصول إليها من وراء خلافته فإنه استطاع من غير شك أن يربط الإسلام من جديد بقيادته الأولى ويفصله عن القيادات المستوردة من هنا وهناك، إنه استطاع أن يفصل الإسلام عن قاعدة الحكم الجديد ويجعل المسلم يفقد ثقته بالحاكمين وهذا ما كان يحرص عليه أهل البيت عندما حالت الأقدار بينهم وبين الوصول إلى حقهم، ومن هذه الزاوية نستطيع أن نجعل من صلح الإمام الحسن (علیه السلام) وسيلة من أهم الوسائل للكشف عن زيف معاوية وانحرافه عن
خط الإسلام.
لقد خفي على كثير من الباحثين وجه المصلحة في صلح الإمام الحسن (علیه السلام) وقرروا واهمين أنه آثر الصلح استسلام للراحة وطلبأ للعافية وكأن هؤلاءقد نظروا إلى حياة أهل البيت نظرة واحدة مجردة عن طبيعة الظروف التي عايشوها وعاشوا معها، وفات هؤلاء أن أهل البيت إنما يمثلون في حماية الرسالة دورة مشتركة يكون للاحق دور الإكمال وللسابق دور التحضير وأن كل واحد منهم هو في مستوى المسؤولية بأبي عليه غناه الروحي كما يأبى عليه امتلاء نفسه بالبطولة الذاتية إلا أن يثور في وجه الباطل، وحياة كل واحد منهم هي ثورة على الظلم وله أسلوبه الخاص في نشر الدعوة وإيضاح معالمها والدفاع عنها بما يناسب طبيعة عصره وظرفه ، ولكن إذا وضعنا في اعتبارنا أن الثورة لا تختص بالكفاح المسلح وإنما يدخل فيها التخطيط والعمل ويكون الكفاح المسلح هو نهاية مراحلها، وارتجال الأمور التي يكون مركزها في نهاية النضال إذا استبقنا بها الحوادث وجعلناها في بداية النضال ، يؤدي في النتيجة إلى القضاء على أهداف الثورة وتسهيل الطريق لهزيمتها ومحوها من الوجود.
وما موقف الإمام علي (علیه السلام) بثورته وموقف الإمام الحسن (علیه السلام) بصلحه إلا تمهيد وتخطيط لموقف الإمام الحسين (علیه السلام) الذي سار فيه من البداية إلى النهاية في إطار منهج موحد منتظم حياة أهل البيت في الدفاع عن الدين بما يملك كل واحد منهم من الوسائل في ظرفه وعصره وأن ثورة الإمام الحسين (علیه السلام) قد استكملت جميع العناصر التي سارت به نحو الهدف المنشود أو سار هو بها فخطط بنفسه لنفسه حتى النهاية وحتى بلوغ الأهداف إذ كان الوضع في يومه لا يمكن علاجه بغير الكفاح المسلح وبغير الاستشهاد ، كما كان يتطلب أن يكون القائم بالثورة رجلا قد تعاظم فيه الجانب الروحي وامتلأت نفسه امتلاء يجعلها تندفع تلقائية للتجاوب مع الحق ومن أجل الحق وحده .
ولا أريد الآن الدخول في شرح معطيات الثورة الحسينية وما ولده هذا الفداء من عطاء فلقد تناول أكثر من کاتب ثورة الحسين (علیه السلام) بالدرس والتحليل وإن من الصعب تحديدها وحصرها في مقال أو في مقدمة كتاب ، وحسبي أن أقول بأنها ثورة من أعظم شخصية لأعظم غاية لها قدرة الإشعاع على الوجود بصورة جديدة ملهمة، تنعكس فيها الصورة النهائية لما يمكن أن تسمو به الإنسانية في حاضرها ومستقبلها البعيد، وإن شئت فقل بأنها قد احتضنت في حركتها كل أهداف الإسلام؛ وهل أهداف الإسلام شيء آخر وراء ما أعلنه الحسين (علیه السلام) عن أهداف ثورته بقوله:
(إني لم أخرج أشرة ولا بطرة وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي محمد أريد أن آمر بالمعروف وأنهی عن المنكر فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق(1)).
لقد حدد أهداف ثورته بهذه الكلمات وأنه لا غاية له من ورائها إلا الحق، وأن قبوله يجب أن يكون على حساب الحق لا على حساب شيء آخر ومعنی ذلك أن من يرد عليه فإنما يرد على الحق وفي ذلك انعكاس لثورة الإسلام وإن في إطارها المنهجي الذي ارتفع عن مستوى الأفراد والأشخاص، وبذلك لم تعد ثورة الحسين (علیه السلام) تمثل حركة شخصية أو مصيبة فردية ليقال أنه مضى زمانها وانتهى وقتها وإنما هي رمز للاستشهاد في سبيل الحق وهي بذلك سوف تعيش في ضمير الإنسان ووجدانه ما بقي هذا الإنسان وما بقي في الكون حق و باطل وإن مسؤولية الإنسان عن الحق تفرض عليه إحياءها في الجفون والأفكار انطلاقة مع الحق وتجاوبا مع الصدق وتعاملا مع الوفاء لدين الله، وإنها لمسيرة كبرى في حياة هذا الكائن الحي أن يتمرس اليوم من جديد بروح
1) بحار الأنوار: ج4، ص326 ح 2.
النضال من أجل الحق وينطلق من هذه المسيرة التي ألغت من اعتبارها كل شيء إلا شيء واحد اسمه الحق.
وإن مستقبل الأجيال الصاعدة حيث تنظم مسيرتها من هذه القاعدة مع قافلة الشهداء من أهل البيت لا بد أن تقوم حياتها على حراسة المبادئ وصيانة القيم وتنظيم كافة الوسائل لحماية المكاسب والمغانم التي يثرى معها العقل وينمو بها الإدراك كما أنها سوف تكون السبيل الوحيد لتطوير المجتمع وتحويل نظره إلى المستقبل الأفضل الذي يدفع أهله لتحمل المسؤولية والصمود في مواجهة الأحداث التي تحاك ليل نهار ضد الدين وأهله .
وكان لزاما على أن لا أخوض كما وعدت من قبل في شرح معطيات ثورة الإمام المجيدة وبيان الدوافع والأهداف لها بعد أن كانت كلمتي هذه مقدمة الكتاب یکاد أن يكون الفريد من نوعه في شرح الأهداف التي تحددت بها نهضة الإمام الحسين (علیه السلام) ولا سيما أن مؤلف الكتاب فضيلة الخطيب الشيخ عبد الوهاب الكاشي ممن قد برز في هذا المضمار وحلق في سماء الأفكار حتى صار ملء السمع والبصر في أكثر الأقطار، وإن هذه الدراسة التي يجدها القارئ بين يديه لم تكن إلا صورة مصغرة عن مكانة واضعها العلمية فالظروف القاسرة كما تحكمت في طبعها كذلك تحكمت في وضعها .
لذلك و تجاوبا مع رغبة مقدري فضله قرر أن يجعل من هذه الدراسة مقدمة لدراسة جديدة وشاملة بكل ما في التجديد والشمول من معنی .
جزاه الله عن أهل بیت نبیه خير جزاء العالمين ..
«وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (179)»بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي جعل الحمد مفتاحا لذكره وسببا للمزيد من فضله ودلی على آلائه وعظمته والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وآله الطاهرين المعصومين واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين .
وبعد فإن تاريخ الأجيال دروس وعبر ولذا كثر في القرآن الكريم ذکر الحوادث السابقة وأحوال الأمم السالفة وسيرة الأنبياء والملوك وغيرهم بما فيها من خير وشر وظلم وعدل لأجل العظة والاعتبار. ولنفس الغرض أيضا حثنا الأنبياء والمصلحون وأمرونا أن ننظر في سير الماضين وآثارهم وندرس التاريخ . قال الإمام علي (علیه السلام) في وصية إلى ولده الحسن (علیه السلام) .. «واعرض عليه أخبار الماضين وذكره بما أصاب من كان قبلك من الأولين وسر في ديارهم وآثارهم فانظر فيما فعلوا وعما انتقلوا وأين حلوا...!)(1)
ووجه الاتعاظ والاستفادة من التاريخ واضح، وهو أن عمر الفرد الإنساني فيهذه الحياة محدود وقصير نسبية، حيث يتراوح معدله بين الستين والسبعين عامة ومعلوم أن نصف هذا المعدل تقريبا يذهب في حالات اللاوعي والغفلة القهرية الطبيعية كفترة الطفولة والنوم والشيخوخة مثلا. والثلاثين سنة
1) نهج البلاغة: ص 391 من وصية له (علیه السلام) للحسن بن على ××× 21.
الباقية غير كافية للقيام بتجربة الحياة واختبارها أولا بكل فروعها ونواحيها ثم تطبيق تلك التجارب والاختبارات ثانية. أي أن يدرس الحياة أولا دراسة نظرية وعملية ثم يسير على ضوء ما استنتجه من تلك الدراسات .
فإذا يجب على الإنسان إذا أراد أن يستفيد من حياته أن يأخذ بنتائج تجارب الآخرين من خير وشر و حق وباطل يطبقها على حياته لأن مصالح الإنسان واحدة لا تختلف في جوهرها وأصولها. ومن ثم جاء في الأثر: السعيد من اتعظ بغيره. (1)وقال الإمام علي (علیه السلام) : «من نظر في عيوب الناس فأنكرها ثم رضيها لنفسه فذلك الأحمق بعينه ..»(2)وهؤلاء الناس الذين لا يعتبرون بما يرون ويسمعون من تجارب الآخرين وصفهم الله تعالى في كتابه العزيز بقوله :
«وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (179)»(3)
فالخلاصة هي أن دراسة التاريخ والتعرف على الحوادث السالفة أمر ضروري للوقوف على أسبابها ونتائجها والتمييز بين الحق منها والباطل والخير والشر وليعرف أيضا تسلسل الحياة وارتباط الحاضر منها بالماضي وتأثير بعضها ببعض. يقول الإمام علي (علیه السلام) في بعض وصاياه : «وصدق بما سلف من الحق واعتبر بما مضى من الدنيا لما بقي منها فإن بعضها يشبه بعضا وآخرها لاحق بأولها وكلها حائل مفارق»(4)
وقال (علیه السلام) في مقام آخر: «عباد الله إن الدهر يجري بالباقين كجریه بالماضين .. آخر فعاله كأوله).(1)
وخاصة الحوادث المهمة التي غيرت وجه التاريخ وأثرت في مجرى الحياة
لدى أمة أو مجتمع؛ فإنها يمكن أن تتكرر وتعاد في كل مكان وزمان فإن كانت خیرا عملنا على وقوعها والمساهمة فيها وإن كانت شرا عملنا على منعها وعدم تكرارها أو تجنب المساهمة فيها على الأقل. ولا شك أن ثورة الحسين (علیه السلام) من أغنى تلك الحوادث بالعبر والعظات الجديرة بالأخذ والالتفات فالميها من تطورات وملابسات ولما تضمنته من شخصيات وأفراد يجب أن نعرفهم حق المعرفة ونميز مواقفهم تجاه تلك الأحداث تميزة دقيقة لكي نكون على بصيرة من أمرنا تجاه تلك التناقضات التي ظهرت في مواقفهم وأعمالهم فنعرف الحق من المبطل والظالم من المظلوم لأن الحق والباطل لا يقاسان بالأشخاص بل بالعكس الأشخاص يقاسون بالحق والباطل؛ فمن عرف الحق فاتبعه وعرف الباطل فنبذه فهو الإنسان الكامل الذي يجب أن يقتدي به ويحتذى حذوه ومن كان على العكس من ذلك فهو المنافق الدجال الذي يجب أن يتبرأ منه ويحتقر وفاء لأمانة الحق في أعناقنا أيا كان ذلك الشخص من حيث النسب والمكانة الاجتماعية .. أجل إن ثورةالحسين (علیه السلام) بما سبقتها من مقدمات وتلتها من ثمرات وتضمنتها من قضايا وأحداث قد غيرت اتجاه المسلمين الخاطئ وأيقظتهم من سبات الغفلة ونفضت عنهم غبار التخدير والتنويم العقائدي والعملي وأدخلتهم في دور جدید و مرحلة جديدة ووضعت لهم النقاط على الحروف والعلامات الواضحة على سنن الطريق القويم وهدتهم إلى الصراط المستقيم وكل ما في عالمنا اليوم من إسلام
1) نهج البلاغة: ص 221 من خطبة له (علیه السلام) 157.
ومسلمين بالمعنى الصحيح فإنهما مدينان في البقاء لفضل ثورة الحسين (علیه السلام) وإن بقائهما أهم ثمرات تلك الثورة المباركة. وهذا ما سنعرفه تفصيلا من فصول هذا الكتاب بإذن الله تعالى. والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ..
عبد الوهاب الكاشي
بيروت في 1 رجب 1393
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي لا يبلغ مدحته القائلون ولا يحصي نعماءه العادون ولايؤدي حقه المجتهدون.
وصلى الله على أشرف أنبيائه وخاتم رسله سيدنا محمد المصطفى. وعلى آله الطيبين الطاهرين المعصومين .
وبعد، فإن من عظیم نعم الله سبحانه على أن وفقني لتأليف هذا الكتاب منذ بضعة أعوام فجاء والحمد لله فريدة في موضوعه جديدة بمضمونه. فنال رضا الكثيرين من قرائه والقبول الحسن في أوساط المؤمنين ، الأمر الذي اقتضی إعادة طبعه تلبية لطلب الراغبين، « الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ ») (1)
ولعمري إنها لظاهرة طيبة تسر المؤمنين أن يقبل شبابنا المعاصر على أمثال هذه الكتب الإسلامية رغم كل المحاولات التي بذلت وتبذل لصرفهم عن كل ما يمت إلى الدين والأخلاق بصلة.
أجل؛ إنها لظاهرة طيبة تبشر بالخير وتبعث على التفاؤل بأن الحق يعلو ولا
1) سورة الأعراف: 43.
يعلى عليه (1)، ولكنها وفي نفس الوقت تدل دلالة واضحة على عظم المسؤولية التي نتحملها نحن رجال الدين عامة ورجال المنبر الحسيني خاصة؛ تلكالمسؤولية التي تتجسد في اغتنام هذه الفرصة واستغلال وعي الشباب الروحي للقيام بكل عمل مستطاع لدعم هذه الظواهر الخيرة وتنمية هذا الوعي الروحي وتغذية التوجه والإحساس الإسلامي لدى النشء الجديد .
أقول يجب أن نغتنم هذه الظواهر الخيرة التي هي دليل عافية الفكر عند الشباب ويقظة الضمير لديهم فنمدهم بما نستطيع من طاقات فكرية وعملية ، وإني لعلى يقين أن ثورة الحسين (علیه السلام) بما فيها من دروس وعظات وعبر لهي المدخل الأمثل والوسيلة الفضلى للقيام بمهام التوجيه والتوعية والتنظيم السليم إذ أن تلك الثورة المباركة مقدسة لدى كافة العقلاء في العالم ومعبرة عن آمال كل الشعوب وتمثل الإسلام الصحيح وتدل على الطريق الواضح نحو تحقيق الكرامة الإنسانية والحياة الأفضل.
ومن ثم يوصف الحسين (علیه السلام) باب النجاة، أي أنه (علیه السلام) أرسی بثورته الخالدة أسس بناء الحرية ووضع العلامة الفارقة على طريق النجاة من الذل والظلم والفساد، وقال بلسان القول والفعل : أيتها الإنسانية المعذبة لا نجاة لك مما تعانين إلا بالبذل والفداء والتضحية والإنفاق والجهاد بالمال والنفس مقرونة بالإيمان بالله وحده وباليوم الآخر.
إن الحسين (علیه السلام) جسد بثورته مضمون الآية الكريمة من قوله تعالى : «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ *تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ
1) إشارة إلى قول أبي عبد الله (علیه السلام) : السلام يعلو ولا يعلى عليه، وسائل الشيعة: ج26ص 125 ح3264 .
وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ »(1)
ومثل (علیه السلام) بثورته المقدسة مصداق الحديث الشريف عن جده رسول الله (صلی الله علیخ و آله) : «سید الشهداء عمي حمزة بن عبد المطلب ورجل قام في وجه سلطان جائر فقتل ).(2)
والخلاصة هي: أننا يجب أن نستفيد من الحسين (علیه السلام) أكثر مما استفدنا ولو كان الحسين (علیه السلام) عند غيرنا أي لو كان غيرنا نحن الشيعة يؤمن إيماننا بالحسين ويواليه ولاءنا نحن الشيعة لكانت استفادتهم من ثورته المقدسة أكثر بكثير مما نستفيد ولجعلوا من الحسين شعارة لجميع مظاهر الحياة الاجتماعية والسياسية والعسكرية يستوحون من ذكرى حياته وثورته دروسا لحياتهم اليومية في جميع المجالات.
إن الحسين (علیه السلام) مدرسة الحياة الكريمة ورمز المسلم القرآني وقدوة الأخلاق الإنسانية وقيمها ومقياس الحق..
فيا أيها العاملون المخلصون..
هذه أبواب الحسين (علیه السلام) ، فادخلوها وتلك سفينة الحسين (علیه السلام) فاركبوا فيها بسلام وإلى السلام.. والسلام.
المؤلف
1977/8/5
م 19 شعبان 1397ه
نسبه (علیه السلام) :
من المؤسف المؤلم حقا أن يوجد بين شباب المسلمين اليوم من يعرفون الكثير عن أقطاب الشرق والغرب والكثير من أحوال الشخصيات الأجنبية وسيرتهم وحياتهم .. ولكن لا يعرفون إلا القليل وقد لا يعرفون شيئا أصلا عن أحوال نبيهم ورجال دينهم وقادة الإسلام. وهذا أوضح دليل على أن هؤلاء الشباب قد ابتعدوا عن الإسلام كثيرة من حيث يشعرون أو لا يشعرون .
فنقول لهؤلاء وما الذي تعرفونه عن الحسين (علیه السلام) صاحب تلك النهضة العظيمة والثورة المدهشة التي ستقرؤون بعض فصولها وتعرفون بعض تفاصيلها في مواضيع هذا الكتاب ؟ إذ من المعلوم أن الأعمال لا تقدر إلا بمقدار أصحابها ولا تكتسب الأهمية والعظمة إلا من عظمة أهلها.
فالحسين (علیه السلام) هو أشرف إنسان في الدنيا من حيث النسب، فهو الإمام ابنالإمام أخو الإمام أبو الأئمة صلوات الله عليهم أجمعين .
أبوه الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیه السلام) وأخوه الإمام الحسن الزكي سيد شباب أهل الجنة (علیه السلام) وابنه الإمام علي السجاد زین العابدین (علیه السلام) ومن ذريته ثمانية أئمة معصومين .
أما أمه فهي فاطمة الزهراء (علیها السلام) بنت محمد المصطفى (صلی الله علیخ و آله) سيدة نساء
العالمين ، وجده لأبيه هو شيخ البطحاء وكافل رسول الله وناصر الإسلام أبو طالب (علیه السلام) . وأما جده لأمه فهو خاتم الأنبياء والمرسلين وحبيب إله العالمين محمد بن عبد الله (علیه السلام) .
هذا نسب الحسين (علیه السلام) فأي إنسان في العالم جمع نسبة شريفة كهذا النسب الشريف؟ أضف إلى هذا النسب الشريف مقامه الراقي عند الله تعالى ومنزلته العليا في الإسلام فهو (علیه السلام) :
أولا: ثالث أئمة أهل البيت الاثني عشر الذين عناهم الله تعالى بقوله : «وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ »(1)، وثالث أولي الأمر الذين أمرنا الله تعالی بطاعتهم فقال: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ »(2)وفي إمامته وإمامة أخيه الحسن نص نبوي متواتر وهو قوله (علیه السلام) : الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا..(3)
ثانيا: فهو (علیه السلام) « إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا » (4)، أي أنه (علیه السلام) خامس المعصومين الأربعة عشر (علیه السلام)، محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والأئمة التسعة من ذرية الحسين صلوات الله عليهم أجمعين .
ثالثا: هو (علیه السلام) أحد العترة الذين قرنهم رسول الله بكتاب الله العزيز وأحد الثقلين اللذين خلفهما في هذه الأمة حيث قال: «إني مخلف فیکم الثقلين
كتاب الله و عترتي أهل بيتي ..(1)
رابعا : إنه (علیه السلام) أحد الأربعة الذين باهل بهم النبي (صلی الله علیخ و آله) : نصاری نجران وهو أحد المعنيين بقوله تعالى :« أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ » .(2)
وهكذا إلى غير ذلك مما لا يسع المقام إحصائه من فضائله ومناقبه (علیه السلام).
ولادته (علیه السلام) :
لقد ولد الحسين (علیه السلام) في الثالث من شهر شعبان المباركة السنة الرابعةللهجرة في المدينة المنورة وسماه رسول الله (صلی الله علیخ و آله) حسينا كما سمى أخاه من قبل حسنة ولم يسم بهذين الاسمين أحد من العرب قبلهما، وكان رسول الله (صلی الله علیخ و آله) يحبهما حبا شديدا ويقول: «هما ريحانتاي من الدنيا»(3)«اللهم إني أحبهما وأحب من يحبهما،(4)وقد قام بنفسه بتربيتهما حتى تركهما نموذجين مثاليين ولين كاملين للمسلم القرآني الذي يريده الإسلام فكانا بذلك القدوة العليا الكل إنسان في الدنيا وفي كل صفات الإنسانية وشرائطها. ومن ثم منحهما النبي (صلی الله علیخ و آله) مقام السيادة على كافة شباب أهل الجنة كما هو نص الحديث الشريف المتواتر: «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة (5)ومعلوم أن السيادة في عرف الإسلام تعني الأفضلية والأكملية والتفوق في العلم والعمل الصالح، ولا شك أن المراد بشباب الجنة هو كل أهل الجنة قاطبة ما عدا جدهما المصطفى وأبيها علي المرتضى اللذين خرجا من تحت هذا العموم بأدلة خاصة
أخرى .
فهما سيدا أهل الجنة جميعة لأن كل من في الجنة شباب ليس فيهم شيخ ولا کهل ولا عجوز حسب ما ورد في النصوص .
وبناء على ما سبق يكون الحسين (علیه السلام) قد عاش مع جده رسول الله (صلی الله علیخ و آله) ست سنوات وعاش بعده إحدى وخمسين سنة فكان عمره الشريف يوم شهادته نحوا من سبع وخمسين سنة وقيل ثمانية وخمسين سنة بناء على أن ولادته كانت سنة ثلاث من الهجرة . قضاها في عبادة الله وطاعة رسوله وخدمة الناس وختمها بأعظم تضحية عرفها التاريخ حتى الآن، من حيث القدسية والشرف.
كان (علیه السلام) أكثر الناس علم وأفضلهم عملا وأسخاهم كفأ وأحسنهم خلقا وأوسعهم حلمة وأكرمهم نفسة وأرقهم قلبا وأشدهم بأسا وشجاعة ، هذه كلها حقائق ثابتة بالإجماع ومتواترة بين المؤرخين وأهل السير يعترف له بها حتى الأعداء .
قالوا تلقى معاوية بن أبي سفيان كتابا من الحسين (علیه السلام) يعدد له فيه جرائمه ومنكراته و رذائل صفاته ومفاسد أخلاقه وكان يزيد حاضرة عند أبيه واطلع على كتاب الحسين وما يصم فيه أباه فغضب وقال : يا أبت لا تسكت عن الحسين وأجبه بمثل ما كتب إليك لتصغر إليه نفسه . فقال له معاوية : ولکن یا بني لا أجد في الحسين عيبا أذكره به ولا نقص أعيره به .. ويكفي أن قاتل الحسين وحامل رأسه وهو خولي بن يزيد الأصبحي (لعنه الله) أو الشمر بن ذي الجوشن (عليه اللعنة) دخل بالرأس الشريف على ابن زیاد مفتخر بقوله يا أمير :
أوقررکابي فضة أو ذهبا
إني قتلت السيد المحجبا
قتلت خير الناس أم وأبا
وخيرهم أن يذكرون حسبا
فقال له ابن زیاد (لعنه الله ) إذا علمت أنه كذلك فلم قتلته، والله لا نلت
مني شيئا .
يقول الأستاذ عباس العقاد في كتابه (أبو الشهداء) ما نصه :
وقد عاش الحسين سبعة وخمسين سنة وله من الأعداء من يصدقون ويكذبون فلم يعبه أحد منهم بمعابة ولم يملك أحد منهم أن ينكر ما ذاع من فضله ...
ويقول أيضا في مقام آخر:
فكان الحسين (علیه السلام) ملء العين والقلب في خلق وخلق وفي أدب وسيرة وكانت فيه مشابه من جده وأبيه ...
أولاده (علیه السلام):
فالذكور منهم أربعة وهم علي الأكبر (علیه السلام) الشهيد، وعلى السجاد الإمام زین العابدين (علیه السلام) ، وعلي الأصغر وهو طفل رضيع، وعبد الله وهو طفل رضيع أيضا وهؤلاء الأربعة لأمهات شتی لا لأم واحدة . فعلي الأكبر (علیه السلام) أمه لیلی بنت مرة بن مسعود الثقفي. وعلى السجاد الإمام أمه شاه زنان بنت الملك يزدجرد بن أردشير بن كسرى ملك الفرس وعبد الله أمه الرباب بنت امرء القيس الكلبي . وقد قتلوا جم يوم عاشوراء ما عدا الإمام زین العابدین الذي نجا بسبب مرضه ودفاع عمته زينب كما سنعرفه إن شاء الله .
وأما الإناث منهن فأربعة أيضا وهن : سكينة، وفاطمة الكبرى ، وفاطمة الصغرى ، ورقية . وكلهن مع الحسين (علیه السلام) في كربلاء ما عدا فاطمة الكبرى فإن الحسين (علیه السلام) تركها في المدينة لمرضها .
أخوته (علیه السلام) :
إن إخوة الحسين كثيرون غير أن الذين كانوا معه في كربلاء هم ستة فقط وهم العباس بن علي (علیه السلام) ، وأشقاؤه الثلاثة جعفر وعبد الله وعثمان أمهم فاطمة بنت حزام بن خالد الكلابية المكناة بأم البنين (علیها السلام) ثم محمد بن علي قيل اسمه عبد الله (علیه السلام) وكان يكنى بأبي بكر، وأمه لیلی بنت مسعود بن خالد التميمي . ثم عمر بن علي (علیه السلام) وأمه غير مشخصة في التاريخ. وقيل أنه كان أيضا مع الحسين أخ له يسمی محمد الأصغر وأمه أم ولد.
فهؤلاء ستة أو سبعة من أخوة الحسين (علیه السلام) استشهدوا بين يديه يوم عاشوراء وكان أفضلهم وأجلهم أبو الفضل العباس (علیه السلام) وهو أكبر الهاشميين سنة يوم كربلاء ما عدا الحسين (علیه السلام) حيث كان عمره أربعة وثلاثين سنة. لذا اختاره الحسين (علیه السلام) حاملا لرايته العظمى. وعبر عنه بكبش الكتيبة ، وكان (علیه السلام) وسيما جسيمة طويل القامة وجهه كفلقة قمر ومن هنا كان يلقب بقمر الهاشميين وهو آخر من قتل قبل الحسين (علیه السلام) يوم عاشوراء، وكان لقتله صدمة عنيفة في نفس الحسين (علیه السلام) عبر عنها بقوله حين وقف على مصرعه :
(الآن انكسر ظهري وقلت حيلتي وشمت بي عدوي ) (1)وبان الانكسار في وجهه وبکی علیه .
وقد نوه بفضله (علیه السلام) عدد من الأئمة المعصومين صلوات الله عليهم ومنهم أبوه أمير المؤمنين (علیه السلام) ، حيث قال فيه: «إن ابني العباس زق العلم زقة»،ثم الإمام زین العابدين (علیه السلام)، الذي قال عنه : «رحم الله عمي العباس لقد جاهد یوم کربلاء وأبلى بلاء حسنا حتى قطعت يداه و مضی شهيدة وقد أبدله الله عن
1) راجع شرح الأخبار: ج3 ص192.
يديه بجناحين يطير بهما في الجنة مع الملائكة كما أعطى جعفر بن أبي طالب بموته».(1)ثم الإمام جعفر بن محمد الصادق (علیه السلام) القائل في جملة تصریح له :«ألا وإن لعمي العباس عند الله لدرجة يغبطه عليها جميع الشهداء يوم القيامة (2)وما دفنه الإمام زین العابدين (علیه السلام) وحده بمكان مصرعه إلا تنويها بفضله و علو مقامه بين بني هاشم كما أن دفنه لحبیب بن مظاهر الأسدي رحمه الله في قبر منفرد كان لهذا الغرض أي التنويه بفضل وعلو مقام حبیب بین باقي الأصحاب (رضوان الله عليهم). وبصورة عامة فشهداء کربلاء جميعا هم أفضل الشهداء في الدنيا من أولها إلى آخرها بعد الأنبياء والأئمة (علیهم السلام).
هم أفضل الشهداء والقتلى الأولى
مدحوا بوحي في الكتاب مبين
قوله عز من قائل :
«إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ »(1)
إن عاشوراء في التاريخ يعني اليوم العاشر من شهر محرم الحرام، وشهر المحرم كما هو معلوم أحد الأشهر الاثني عشر في السنة القمرية التي هي حسب منازل القمر في مداره السنوي حول الشمس وهذه الأشهر القمرية لا تقل عن التسعة وعشرين ولا تزيد على الثلاثين يوما وعليه فالسنة القمرية تنقص عن السنة الشمسية بنحو من ثلاثة عشر يوما. ويبدأ الشهر القمريبظهور الهلال على وجه الأفق الغربي عند غروب الشمس وينتهي بإكمال العدة أو برؤية الهلال ثانية. فهو أسهل ضبطة ومعرفة من الشهر الشمسي بالنسبة إلى عامة الناس ولهذا السبب اعتبرها الإسلام رسميا في أحكامه وشعائره من صيام وإفطار وحج وغيرها. وأما أسماء هذه الشهور فهي عربية قديمة قبل الإسلام فالعرب من أقدم العصور اعتمدوا على هذه الشهور القمرية وسموها بهذه الأسماء المعروفة المناسبات خاصة وقتية ثم زالت تلك المناسبات وبقيت الأسماء.
1) سورة التوبة: 36.
يحس الوقت اعتبروا أربعة منها حرمة أي محرمة تبعا لما في الشرائع السماوية السابقة، ومعنی اعتبار العرب لأربعة من الشهور المذكورة حرمة أنهم كانوا يتركون فيها الحرب والقتال والغزو والغارات وسفك الدماء لينصرفوا ويتفرغوا فيها إلى شؤونهم التجارية والزراعية والأدبية وغيرها.. فيقيمون فيها الأسواق ويعقدون الأندية والاجتماعات ويتفاخرون بإنتاجهم الصناعي والأدبي، والأربعة الحرم هي عبارة عن الثلاثة السرد أي ذو القعدة وذو الحجة ومحرم، والواحد الفرد أي شهر رجب . وكما قدمنا كان احترام العرب لهذه الشهور الأربعة تقليدة دينية لذا لما ضعف الدافع والشعور الديني عند العرب الجاهليين ضعف تبعا لذلك هذا التقليد وصاروا يبدلون بعض هذه الأشهر الحرم بغيرها إذا دعت حاجتهم إلى ذلك كأن يحاربوا أو يغزوا في رجب مثلا ويحترمون بدلا عنه شعبان أو غيره وهكذا وهذا ما يسمونه بالنسيء الذي حرمه الإسلام وندد به في قوله تعالى : «إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ».(1)
فالغرض أن المحرم هو أحد الشهور الأربعة الحرم أي المحترمة منذ القدم، وأما عاشوراء فهو يوم العاشر منه كانوا يعتبرونه أقدس أيام السنة وأكثرها خير وبركة يطعمون فيه الفقراء ويتفقدون فيه المساكين والأرامل واليتامی . ويعملون فيه الخير، هذا مفهوم المحرم ومفهوم عاشوراء من قديم الزمان إلى أن جاء الأمويون إلى الحكم في العالم الإسلامي فهتكوا حرمة الأشهر الحرم في جملة ما هتكوا من الحرمات وارتكبوا في الشهر المحرم وفي يوم عاشوراء خاصة أبشع جريمة عرفها التاريخ فسفكوا فيه أقدس الدماء وقتلوا فيه أفضل وأشرف الذوات الإنسانية وذبحوا فيه الأطفال وقتلوا النساء ومثلوا بالشهداء وأحرقوا الخيام على آل رسول الله ورضوا جثث أهل البيت بحوافر الخيول. فتبدل
1) سورة التوبة: 37.
بفعلهم هذا معنى المحرم و عاشوراء وتحول مفهومهما عند المسلمين إلى أيام حداد وأسي وصار المحرم موسما خاصة للاحتفال بذكرى أولئك الأبطال الذين أقدموا على تحمل المآسي العظام دفاعا عن الحق والعدل وحقوق الإنسان؛ ففي الاحتفال بذكرى شهداء کربلاء وأبطال العاشر من المحرم سنة (61ه)، أحسن الأثر في نفوس النشء الجديد والجيل الصاعد والشباب الواعي لأن ذكراهم ومواقفهم تلقن الشباب دروس العزة والكرامة والشعور بالشرف الإنساني وتقوي في نفسه روح التضحية والفداء في سبيل الحق والعدل. فنشر أنباء أولئك الأبطال هو في رأي الخبراء أكثر خدمة اجتماعية وتربوية تقدم للمجتمع. ألا ترى العادة الجارية والتقليد السائد عند كافة الشعوب والأمم حيث يحتفلون بين حين وآخر بذكرى ثوراتهم الوطنية وأبطالهم الثائرين وقادتهم المحررين ويقيمون لهم التماثيل ويرفعون صورهم في الشوارع والساحات العامة تخليدا لذكراهم. لماذا؟ !!.
نعم يعللون ذلك بأنه أداء لحقهم وتقدير لصنيعهم أولا ثم تشجيع و تشویق للشباب والنشء الجديد نحو الاقتداء بهم والسير على مبدئهم وفي طريقهم والقيام بمثل أعمالهم، ويقول الخبراء لولا هذه الذكريات لماتت روح التضحية في نفوس الناس وسادت روح الأنانية والفردية . فإذا كان كذلك أليس يجدر بثورة الحسين وموقفه يوم عاشوراء أن يشاد بذكراها في كل زمان ومكان.أي ثورة وطنية في العالم بلغت في عمقها وشمولها ونبل أهدافها وبركة نتائجها مبلغ ثورة الحسين (علیه السلام) إنها لم تخدم الشيعة فحسب ولا المسلمين فقط بل خدمت الإنسانية والحق العالمي.
فالمحرم إذا في عرف العقلاء موسم سنوي لدورة دراسية تلقى فيها دروس من سيرة الحسين (علیه السلام) وأصحابه حول موضوع الإنسانية المثالية ولوازمها ومتطلباتها . ويوم عاشوراء منه هو في الواقع يوم تظاهرة عالمية تأييدا للحق
واستنكارا للباطل ذلك الحق المطلق الذي تجسد في سيرة الإمام الحسين (علیه السلام) وتضحيته . وذلك الباطل المطلق الذي تمثل في جريمة الأمويين وسلوكهم. فهذه أبواب المدرسة الحسينية مفتوحة فادخلوها بسلام آمنين، إن مدرسة الحسين يجب أن تفتح في كل مكان وذكراه يجب أن تقام في كل زمان تماما كما صورهما هذا الأديب القائل :
كأن كل مکان کربلاء لدى
عيني وكل زمان يوم عاشورا
ولقد حاول أعداء الصلاح والإصلاح ولا زالوا يحاولون أن يخلقوا بعض المبررات لكي يتخذوا من أيام المحرم أعيادة ومناسبات فرح لا أساس لها من الواقع فمن ذلك مثلا زعمهم أن هجرة الرسول الأكرم (صلی الله علیخ و آله) إلى المدينة المنورة كانت في أول يوم من المحرم فهم لذلك يتخذون من ذلك اليوم عيدة وأسموه عيد الهجرة). مع العلم أن هجرة الرسول (صلی الله علیخ و آله) كانت أوائل شهر ربيع الأولحسب إجماع المؤرخين ، وقالوا : إن يوم عاشوراء يوم مقدس ومبروك فهم لذلك اتخذوه عيدا يظهرون فيه الفرح والسرور ويلبسون فيه الجديد وثياب الزينة ويقدمون التهاني بعضهم لبعض. مع العلم أن القدسية والبركة لا يستلزمان التعيد وإظهار الزينة وتبادل التهاني. وعلى كل حال لا يوجد أي مبرر لاتخاذ أيام المحرم أو بعضها أعيادة أبدأ بعد أن وقعت فيه تلك المأساة الخالدة والكارثة الإنسانية العظمى التي راح ضحيتها العشرات من ذرية رسول الله (صلی الله علیخ و آله) وأبنائه وأهل بيته الطاهرين في تلك المجزرة الرهيبة التي لم يسبق لها نظیر .
ففي حديث الإمام علي الرضا (علیه السلام) قال : «إن شهر المحرم كان أهل الجاهلية فيما مضى يعظمونه ويحترمونه ويحرمون فيه الظلم والقتال لحرمت لكن هذه الأمة ما عرفت حرمة شهرها ولا حرمة نبيها فقتلوا فيه ذريته وسبو
فيه نساءه من بلد إلى بلد.. . (1)
وفي حديث آخر عنه (علیه السلام) قال : «إن يوم عاشوراء يوم تبرکت به وفرحت فيه بنو أمية وآل مروان لقتلهم الحسين (علیه السلام) وأهل بيته فمن اتخذه يوم فرح وسرور جعل الله له يوم القيامة يوم حزن و خوف وكآبة ومن اتخذه يوم حزن ومصيبة جعل الله له يوم القيامة يوم فرح وسرور وقرت بنا في الجنان عينه . (2)
ولقد عبر بعض الشعراء عن منطق التدين والوجدان والضمير الإنسانيحيث قال رحمه الله:
ما انتظار الدمع هلا يستهلا
أو ما تنظر عاشوراء هلا
كيف لا تحزن في شهر به
أصبحت آل رسول الله قتلا
كيف لا تحزن في شهر به
أصبحت فاطمة الزهراء ثكلا
كيف لا تحزن في شهر به
رأس خير الخلق في الرمح معلا
کیف لا تحزن في شهر به
ألبس الإسلام ذلا ليس يبلا
يوم لا سؤدد إلا وانقضی
وحسام للعلي إلا وفلا
يوم خر ابن رسول الله عن
سرجه لله خطب ما أجلا
یاقتي أصبحت دار العلا
بعده قفرة وربع الجود محلا
مانعتك الخلق لكن قد نعت
فيك إحسانا ومعروفة وعدلا
وقال آخر يخاطب الحسين (علیه السلام) :
تبكيك عيني لا لأجل مثوبة
لكنما عيني لأجلك باكية
تبتل منکم کربلا بدم ولا
تبت مني بالدموع الجارية..؟
فما رأى السبط للدين الحنيف شفا
إلا إذا دمه في كربلا سفکا
وما سمعنا عليا لا علاج له
إلا بنفس مداويه إذا هلکا
نفسي الفداء لفادي شرع والده
بنفسه وبأهليه وما ملكا
یا میتأترك الألباب حائرة
وبالعراء ثلاثة جسمه ترکا
في كل عام لنا بالعشر واعية
تطبق الدور والأرجاء والسککا
وكل مسلمة ترمي بزينتها
حق السماء رمت عن وجهها الحبکا
يرد هذا التساؤل بكثرة وإلحاح وهو:
أولا: لماذا يعني الشيعة بإحياء ذكرى شهادة الحسين (علیه السلام) وثورته أكثر من غيره من الثوار والشهداء..؟
وثانيا: لقد مضى على يوم الحسين (علیه السلام) زمن طويل يقارب الأربعة عشر قرنا فلماذا يعاد و تجدد ذكراه والاحتفال به في كل عام بكل جدية واهتمام؟
فللإجابة على السؤال الأول نقول : لأن ثورة الحسين (علیه السلام) أظهر مصداق للثورات التحررية في تاريخ العالم كله واستشهاده (علیه السلام)، أوضح وأجلى صورة للاستشهاد في سبيل الله تعالى وذلك هو لأن الحسين (علیه السلام) ، قام بأداء أعظم فريضة من فرائض الإسلام وهي فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قام بأدائها على أصعب مراتبها وأشد صورها وأرفع مستوياتها ، فالله سبحانه
وتعالی احتفظ بيوم الحسين حية خالدة ليكون حجة على الناس وقدوة للمسلمين ، ومثلا أعلى لكل رجال الدين والمسؤولين في كل زمان ومكان في القيام بهذا الفرض الأعظم.
أما كون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أعظم الفرائض الإسلامية فهو صريح الأحاديث الشريفة والنصوص المؤكدة الصادرة عن المعصومين (علیهم السلام) ففي الحديث عن النبي (صلی الله علیخ و آله) : «لا تزال أمتي بخير ما تآمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر فإذا تركوا ذلك تسلط عليهم شرارهم ثم يدعون فلا يستجاب لهم.(1)
وفي حديث آخر عنه (صلی الله علیخ و آله) : «إذا رأيت أمتي تهاب الظالم أن تقول له أنت ظالم فتودع منها.(2)
واشتهر عنه (صلی الله علیخ و آله) قوله: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته..» (3)
وهاك استمع إلى هذا النص الجلي عنه (صلی الله علیخ و آله) حيث يقول : « ما أعمال البر كلها في جنب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا كقطرة في البحر المحيط، (4)وأخيرة قوله (صلی الله علیخ و آله) : «كيف بكم إذا فسق شبانكم وفسدت نسائكم وتركتم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قالوا: أويكون ذلك يا رسول الله ؟ قال : نعم وشر من ذلك ، كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف ؛ قالوا: أو يكون ذلك یا رسول الله؟ قال : نعم وشر من ذلك كيف بكم إذا رأيتم المنكر معروفة والمعروف منكرا».(5)
ولا تنس قوله (صلی الله علیخ و آله) : «سید الشهداء عمي حمزة بن عبد المطلب ورجل قام في وجه سلطان جائر فأمره بالمعروف ونهاه عن المنكر فقتله (1)وقوله (صلی الله علیخ و آله) : من رأى منكم منكرة فلينکره بيده وإن لم يستطع فبلسانه وإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ..) (2)وفيما ورد عن الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) قوله في عهده إلى نجله الإمام الحسن (علیه السلام) قال : «یا بني وأمر بالمعروف تكن من أهله وأنكر المنكر بيدك ولسانك و باين من فعله بجهدك وخض الغمرات إلى الحق ولا تأخذك في الله لومة لائم»(3)وقال (علیه السلام) في وصيته قبيل وفاته : «لا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيولى عليكم شراركم ثم تدعون فلا يستجاب لكم.. (4)وفيما ورد عن الإمام محمد الباقر (علیه السلام) قوله : «يأتي في آخر الزمان أناس حمقى لا يوجبون أمر بمعروف ولا نهية عن منكر إلا إذا أمنوا الضرر يقبلون على الصلاة والصيام مما لا يكلفهم شيئا من أموالهم وأبدانهم ولو كلفتهم الصلاة شيئا في أموالهم وأبدانهم لتركوا الصلاة والصيام كما تركوا أشرف الأعمال»،(5)أي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
وهكذا وإلى غير ذلك مما لا يسعنا في هذا المقام استقصاؤه ؛ ومن الواضح أن كل هؤلاء يعبرون عما نطق به القرآن الكريم حيث أعطى هذه الفريضة أهمية کبری فوق كل الفرائض الأخرى . كما هو صریح قوله تعالى : «كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ » (6)
انظر كيف حصرت الآية أفضلية هذه الأمة على سائر الأمم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ثم في الإيمان بالله .. وقال سبحانه وتعالى :«وَالْعَصْرِ «إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * «إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)»(1)انظر كيف خصص التواصي بالحق عن عمل الصالحات ، حيث يوحي بأن كل أعمال الصالحات في جهة والتواصي بالحق والصبر في جهة أخرى .. وقال سبحانه وتعالى في معرض بيان الأسباب التي أدت إلى شقاء بعض الأمم السالفة : «كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ».(2)
والخلاصة أن فريضة الأمر بالمعروف أعظم الفرائض أهمية في الإسلام وذلك الأن على قيام هذه الفريضة يتوقف قيام الشريعة كلها فهي فريضة المحافظة على النظام وضمان تطبيقه والرقابة الشعبية القائمة عليه ولذا لم تسقط عن أي مسلم ومسلمة في أي مستوى كان ، الساكت عن الحق شيطان أخرس .(3)
ولا خلاف ولا شك في أن كافة الأنبياء والأوصياء والعلماء من الصحابة والتابعين وكثير من المؤمنين قاموا بأداء هذه الفريضة العظمى وأدوا هذا الواجب حسب ظروفهم وأحوالهم وإمكانياتهم، غير أن الحسين (علیه السلام) قامبأداء هذا الواجب على نحو من الصعوبة والمشقة لم يسبقه فيه سابق ولم يلحقه لاحق. أجل لقد وقف الأنبياء والأوصياء في وجه الطغاة و الظالمين وكلفهم ذلك تضحيات كبيرة في أموالهم وأبنائهم وأنفسهم وأهاليهم ولكن لم يتفق لأحد منهم أن ضحي بكل هذه الأشياء و غيرها مجتمعة وفي آن واحد مثل الحسين (علیه السلام) ضحی بستة أو سبعة من أخوته و بثلاثة من أبنائه اثنان منهم
أطفال رضع ؛ وسبع عشر شابة من بني عمومته وأبناء أخوته وبنيف وسبعين رجلا من خلص أصحابه وأخيرة بحياته الزكية وبعياله وحرمه وخيامه وماله ومتاعه وكل ما ملكت يداه ، ضحي بكل هذه الأشياء وغيرها بشكل من القسوة والعنف والشدة تقشعر منه الجلود ويستعصي على الشرح والبيان فهو (علیه السلام) بكل حق وجدارة قدوة الآمرين بالمعروف والمثل الأعلى بين رجال التضحية والفداء :
وما سمعنا عليا لا علاج له
إلا بنفس مداويه إذا هلكا
نفسي الفداء لفادي شرع والده
بنفسه وبأهليه وما ملكا
فلا عجب بعد هذا إذا عرفنا السبب والعلة حيث يقال إذا عرف السبب زال العجب ، ومنه نعرف أسباب حرص المسلمين عامة والشيعة منهم خاصة على إحياء ذكرى الحسين ونشرها ولفت الأنظار إليها بكل الوسائل والشعائر، لأن الحسين (علیه السلام) أعظم داعية للجهاد في سبيل الله وأظهر مثل للثبات والاستقامة على المبدأ وأرفع منار على طريق الشعور بالمسؤولية وأدائها . ولولا حرمة النحت والتماثيل في الإسلام لكان من المفيد جدا بالإضافة إلى ذلك ؛ أن نقيم التماثيل للحسين (علیه السلام) في كل الساحات والشوارع بل في كل بيت لأننا كلما تذكرنا الحسين (علیه السلام) تذكرنا الله والدين والحق والعدل والإنسانية المثالية . وكلما نسينا أو تغافلنا عن الحسين التبس علينا وجه الحق وفقدنا الموازين الإنسانية والمقاييس التي تفرق وتشخص الحق عن الباطل، وعند ذلك الويل والشقاء حسب ما ورد في الحديث الشريف : «کیف بکم... كيف بكم إذا رأيتم المعروف منكرة والمنكر معروفا»(1)
ولقد أحسن من قال :
1) وسائل الشيعة: ج19 ص122 ح21138.
لقد تحمل من أرزائها محنا
لم يحتملها نبي أو وصي نبي
وقال الآخر:
أحسين فيما أنت قد حملته
أشغلت فكر العالمين جميعا
وأما جوابنا عن السؤال الثاني فنقول : ليس كل حادثة تتأثر بطول العهدومرور الزمن عليها فتفقد أهميتها وأثرها في النفوس أو يطويها الزمن في ملف المهملات . كلا.. بل نری بالوجدان أن في العالم حوادث وشخصيات يستحيل على الزمن هضمها وعلى التاريخ استهلاكها وتصريفها. فمن الحوادث مثلا الثورات الشعبية الكبرى كالثورة الفرنسية وأمثالها التي يحتفل بذكراها رغم مرور الزمن الطويل عليها، ومن الشخصيات مثلا السيد المسيح عیسی ابن مريم (علیه السلام) الذي لا يزال يحتفل بذكرى ميلاده كل عام رغم مرور ما يقارب الألفي سنة على ولادته. فإذا خلود الشخصيات والحوادث أو عدم خلودها إنما يدور مدار آثار تلك الحوادث والشخصيات لا مدار مرور الزمن .
ومما لا شك فيه بين ذوي البصائر والمعرفة أن شخصية الحسين بن علي (علیه السلام) وثورته ضد الدولة الأموية هما في رأس قائمة الشخصيات العالمية والحوادث الجليلة من حيث الآثار والنتائج لأنها غيرت أو أثرت في مجری تاريخ الأمة الإسلامية وصانت الشريعة الإسلامية من التحريف والتزييف وحفظت كيان المسلمين من الزوال والذوبان. ولذا فليس من مصلحة الإنسانية نسیان تلك الشخصية المثالية أو تناسي تلك الثورة المقدسة ، حيث أن في نسيان شخصية الحسين نسيان للإنسانية المثلى في كل زمان كما أن في تناسي ثورته المقدسة فقدان الأعظم درس في الحرية والعزة والتضحية المقدسة، فإلى مزيد من تذكر الحسين (علیه السلام) وإلى مزيد من إحياء ذكرى ثورته المقدسة أيها المؤمنون .
أول الشبهات التي ترد على ذهن السامع أو القارئ لمصرع الحسين (علیه السلام) هي شبهة أن الحسين بعمله هذا قد ألقى بنفسه إلى التهلكة التي نهى الله تعالی عنها بقوله : «وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ»(1)والقيام بمثل ذلك العمل الانتحاري يعتبر غريبة من مثل الحسين (علیه السلام) العارف بشريعة الإسلام والممثل الشرعي لنبي الإسلام جده محمد (صلی الله علیخ و آله) . لذا فالجواب عن هذه الشبهة يتوقف على تقديم مقدمة للبحث في الآية الكريمة والتعرف على معنى التهلكة المحرمة ومتى تصدق وهل ينطبق ذلك على عمل الحسين (علیه السلام) وننظر هل يصدق عليه صلوات الله عليه أنه ألقى بنفسه إلى الهلكة والتهلكة أم لا..؟.
قوله سبحانه : (وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التملكة وأحسنوا إن الله المحسنین)
التهلكة .. يعني الهلاك وهو كل أمر شاق ومضر بالإنسان ضررة كبيرةيشق تحمله عادة من فقر أو مرض أو موت
1) سورة البقرة: 195.
والآية الكريمة أمرت أولا بالإنفاق في سبيل الله أي التضحية والبذل فيما يرضي الله تعالى ويقرب الإنسان إلى الله ثم نهت عن الإلقاء بالنفس إلى التهلكة وذلك بترك الإنفاق في سبيل الله . ثم قالت : ( وأحسنوا ) أي كونوا محسنين في الإنفاق والبذل إذ أنه ليس كل تضحية حسنة وشريفة ولا كل بذل هو محبوب وحسن عند الله ، وإلا لكانت تضحيات المجانين والسفهاء أيضا شريفة وفي سبيل الله .
فالتضحية الشريفة المقدسة والتي هي في سبيل الله تعالي تعرف بتوفرشروط فيها وتلك الشروط نلخصها فيما يلي:
الشرط الأول: أن تكون التضحية والبذل والإنفاق في سبيل شيء معقول محبوب عقلا وعرفة أي في سبيل غرض وهدف عقلاني، وإلا خرجت عن كونها تضحية عقلائية ودخلت في عداد الأعمال الجنونية أو اللاإرادية .
الشرط الثاني: أن یکون المفدى والمضحي له أشرف وأفضل من الفداء والضحية لدى العقلاء والعرف العام كأن يضحي بالمال مثلا لكسب العلم أو الصحة أو يضحي بالحيوان لتغذية الإنسان. وهكذا كلما كانت الغاية أفضلوأثمن كانت التضحية أشرف وأكمل .
هذان العنصران هما الشرطان الرئيسيان من الشروط التي لابد منها في كل بذل وإنفاق وتضحية حتى تكون حسنة وشريفة وفي سبيل الله . وعلى هذا يظهر جلية وبكل وضوح أن ثورة الحسين (علیه السلام) كانت في سبيل الله مئة بالمئة وأن كل ما قدم فيها وأنفق من مال وبنين ونفس ونفيس وغال و عزیز کان إنفاقة حسنا وبذلا شريفا وتضحية مقدسة يستحق عليها كل إجلال وتقدیس و شکر . بداهة توفر الشرطين الآنفين في ثورته عليه، على أتم صورهما حسبما نعرف ذلك مفصلا فيما يأتي ..
وكذلك يتضح زيف وبطلان الهراء والتهريج القائل أن الحسين (علیه السلام) بنهضته تلك ألقى بنفسه إلى التهلكة لأنه قام بدون عدة وعدد كافيين في وجه قوة تفوقه عدة وعددة بأضعاف مضاعفة .
إنا نقول لهم: لقد قام قبل الحسين (علیه السلام) كثير من الأنبياء والرسل في وجه أعداء لهم أقوى عدة وعددة وقام كثير من الصلحاء وهم عزل في وجه الطغاة الأقوياء ولاقوا صنوفة من العذاب والأذى والقتل فهل كان كل أولئك على خطأ وباطل في مواقفهم؟
أما استدلالهم بفعل أمير المؤمنين (علیه السلام) مع معاوية حيث قبل الصلح أو التحكيم وكذلك فعل الحسن الزكي (علیه السلام) حيث صالح معاوية وقبل ذلك كله فعل النبي (صلی الله علیخ و آله) مع المشركين عام الحديبية ..
فإنه استدلال فاسد و قیاس مع الفارق حيث صالح هؤلاء أعداءهم لأنهم أيقنوا بعدم جدوى الحرب والقتال وعدم الوصول إلى الغاية المطلوبة مع الاستمرار في الحرب وهي ظهور الحق وإزهاق الباطل، بل بالعكس ظهر الحق بصبرهم ومهادنتهم أكثر وأكثر. فصلح الحديبية مثلا أظهر عطف الرأي العام العربي نحو محمد (صلی الله علیخ و آله)وأظهر حسن نواياه للعرب وأنه رجل سلام وداعية حب ومودة لا رجل حرب ، وبالتالي مهد ذلك الصلح لفتح مكة بدون قتال ثم الدخول الناس في دين الله أفواجة. وأما قبول علي (علیه السلام) للتحكيم في صفين وصلح الحسن مع معاوية فلم يكن عن شعور بالعجز عن المقاومة ولا بدافع قلة العدد وكثرة العدو بل لغرض فضح نوايا معاوية وكشف مؤامراته العدوانية أمام أعين البسطاء الذين كانوا قد خدعوا بنفاقه ودجله، وكذلك سکوت علي الكشف عن حقه بعد وفاة النبي (صلی الله علیخ و آله) كان لعلمه (علیه السلام) أن استعمال السيف لا يجدي نفعا لمصلحة الإسلام بل يعرض ذلك لخطر أعظم وضرر أشد وفساد أكبر.
والخلاصة: إن آية التهلكة لا تشمل مطلق الإقدام على الخطر ولا تحرم
التضحية بالنفس والنفيس إذا كانت لغاية أعظم وأفضل وهدف أنبل وأشرف كالذي قام به الحسين (علیه السلام) ، بثورته الخالدة وحيث توفرت في تضحياته كل شروط التضحية الشريفة والفداء المقدس على أكمل وجه لأنه (علیه السلام) ضحی وفدى وبذل وأنفق في سبيل أثمن وأغلى شيء في الحياة مطلقة ألا وهو الإسلام دین الله وشريعة السماء ونظام الخالق للمخلوق ودستور الحياة الدائم؛ الذي لولا تضحيات الحسين (علیه السلام) لدفن تحت ركام البدع والتشويهات والانحرافات التي خلفتها عهود الحكم السابقة كما دفنت الديانات السابقة على الإسلام تحت ترسبات البدع والتحريف حتى لم يبق منها أثر حقيقي حيث لم يقيض لها حسين فيستخرجها ويزيل عنها المضاعفات كالذي فعله الحسين بن علي بالنسبة إلى الديانة الإسلامية الخالدة.
وهنا قد يرد سؤال وجيه يجدر بنا التعرض له والإجابة عليه .
والسؤال هو: كيف يكون الإسلام أغلى وأثمن وأشرف وأفضل من كل الموجودات والكائنات حتى الإنسان نفسه فضلا عن المال والولد أليس الله تعالی خلق الكون لأجل الإنسان فكيف يضحي بحياة الإنسان في سبيل الدين الذي هو بدوره وجد لأجل سعادة الإنسان و خدمة الإنسان وخيره؟.
والجواب: نعم إذا تعرض الدين الخطر الزوال أو التحريف فمعنى ذلك أن سعادة الإنسان تعرضت للخطر وكرامة الإنسان تعرضت للزوال ولا شك أن الإنسان إذا دار أمره بين أن يعيش بلا سعادة ولا كرامة أو يموت دفاعا عنهما وإبقاء لهما لغيره؛ وجب الدفاع والصيانة حتى الموت. إذا دار الأمر بين أن يعيش الإنسان بلا سعادة وكرامة أو يموت سعيدة كريمة؛ فلا شك أن الموت بسعادة وكرامة أفضل من الحياة بدونهما. إذا دار الأمر بين أن يعيش الإنسان في مجتمع لا يشعر بكرامته الإنسانية ولا يخضع لنواميس الحياة الطبيعية أو
يموت ؛ فلا خلاف في أن الموت خير له وأفضل. ففي الحديث الشريف عن النبي (صلی الله علیخ و آله) قال : «إذا كان أمراؤكم خياركم وأغنياؤكم سمحانكم وأمركم شوری بینکم فظهر الأرض خير لكم من بطنها، وإذا كان أمراؤكم شراركم وأغنياؤكم بخلائکم وأمركم إلى نسائكم فبطن الأرض خير لكم من ظهرها (1)
وقال الحسين (علیه السلام) في خطبة : «إني لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برما.. (2)إذ أن كل الأشياء إنما تخدم مصلحة الإنسان وتكون خيرة للإنسان إذا كانت مقرونة مع الدين الصحيح. فالمال مثلا إنما يكون خيرة وسعادة إذا كان بيد إنسان متدين يؤمن بالمبدأ والمعاد ويتقيد بحدود الدين في كسب المال وصرفه، أما المال إذا كان بيد الملحد الإباحي المتجرد من كل قيود الدين والعقل والنظام الاجتماعي الإنساني فإنه وسيلة هدم و تخریب وشقاء لصاحبه ولغيره («كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى*«أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى »(3)وقال (علیه السلام) :
«هلك خزان الأموال وهم أحياء.»(4)وكذلك الأولاد إنما يكونون خيرة للوالدين وقرة عين لهما إذا كانوا مؤمنين بالله واليوم الآخر وبما فرض عليهم الدين من حقوق الوالدين واحترامهما . أما لو كانوا بخلاف ذلك فهم وبال على الوالدين يرهقونهما طغيانا وكفرة. وهكذا كل شيء في الحياة نافع وخیر إذا ساده النظام والدين وما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا ولا سعادة في دنيا بلا دين.. وقال تعالى :«فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى*وَمَنْ أَعْرَضَ
عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا » (1)
ونعود فنقول : إن الحسين (علیه السلام) ضحى في سبيل أقدس قضية وأشرف غاية في الوجود ألا وهو الإسلام الذي تعرض لأكبر الأخطاء على يد ألد أعدائه وهم الأمويون فكان (علیه السلام) بذلك القيام أصدق مثال وأظهر مصداق للشهداء الذين قال الله تعالى فيهم: «وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ »(2).
ولله در من قال :
كذب الموت فالحسین مخلد
كلما مرت الدهور تجدد
وقال الأستاذ حسين الأعظمي:
شهيد العلا ما أنت ميت وإنما
يموت الذي يبلى وليس له ذکر
ومادمك المسفوك إلا قيامة
لها كل عام يوم عاشورة حشر
ومادمك المسفوك إلا رسالة
مخلدة لم يخل من ذكرها عصر
وما دمك المسفوك إلا تحرر
الدنيا طغت فيها الخديعة والمكر
وهدم لبنيان على الظلم قائم
بناه الهوى والكيد والحقد والغدر
ومجمل القول هو: أن الحسين (علیه السلام) بثورته المقدسة لم يلق بنفسه إلى التهلكة كما يزعمون .. بل ألقى بها إلى الخلود والسعادة الأبدية والعزة والشرف في الدنيا والآخرة فاحتل المرتبة الأولى في قائمة العظماء العالميين في الدنيا ، وأخذ مكانه في الصف الأول من صفوف الأنبياء والمرسلينوالشهداء والصالحين .. وحسن أولئك رفيقا .. فيا ليتنا کنا معه فنفوز فوزا عظيما..
قوله تعالى :«إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا »(1)
البيعة لغة من البيع ضد الشراء، وفي الاصطلاح العرفي إعطاء المحكومين ثقتهم للحاكم وانتخابهم له وقبولهم به حاكما وأميرة.
وفي الشرع ومنطوق الآية الكريمة عبارة عن معاهدة ومیثاق مع الله تعالی يوقعها المسلم بواسطة النبي (صلی الله علیخ و آله) أو نائبه الشرعي. معاهدة و عقد وميثاق على الطاعة والانقياد والعبودية الكاملة في كل ما يأمر به وينهي عنه على لسان أنبيائه وحججه . ومرجع هذا المعنى إلى المعنى اللغوي السابق أي البيع ضد الشراء فالبيعة تعني بيع الإنسان نفسه لله تعالى على حد قوله سبحانه إن الله اشتري من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة.. فالمبايع للنبي (صلی الله علیخ و آله) أو نائبه يعني سلم نفسه وإرادته بيد المبايع له مقابل قيام الأخير بأداء واجبه تجاهه من تبلیغ وإرشاد وتنظيم على أكمل وجه وكل إخلال أو تقصير بلوازم هذه البيعة وهذا الميثاق من الطرفين يعد خيانة لله تعالى كما أن تنفيذ مقرراتها
1) سورة الفتح: 10.
والالتزام بشروطها يؤتى الأجر العظيم في الدنيا والآخرة..
وعليه فيجب على المبايع أن لا يمد يد البيعة إلا بعد التحقق والتأكد حتی يعرف إلى من يمد يده ومن من يبيع نفسه ولمن يسلم مقدراته ومقدرات أمته ومجتمعه. لله تعالی أم للشيطان، للحق أم للباطل، للعدل أم للجور،للوفاء والصدق أم للخيانة والكذب ، إن البيعة في عصرنا الحاضر عبارة عن الانتخاب أو قريبة منه فكل صوت يعطى للمرشح للرئاسة أو النيابة هو بمثابة البيعة معه فإذا كان المرشح شيطان من شياطين الإنس يكون مثله مثل شيطان الجن إبليس . إن قال للإنسان أكفر فلما كفر قال إني بريء منك.
والخلاصة: إن البيعة في الدنيا على قسمين بيعة حق وهداية ، أو بيعة باطل وضلال لأن هناك شروطأ وصفات يجب أن تتوفر في المبايع له حتى تكون البيعة بيعة حق وهداية وقد لخص تلك الشروط والصفات الإمام علي (علیه السلام) في خطبه له من نهج البلاغة فقال :
وقد علمتم أنه لا ينبغي أن يكون على الفروج والدماء والمغانم والأحكام وإمامة المسلمين : البخيل فتكون في أموالهم نهمته ولا الجاهل فيضلهم بجهله ولا الجافي فيقطعهم بجفائه ولا الخائف للدول فيتخذ قوم دون قوم ولا المرتشي في الحكم فيذهب بالحقوق ولا المعطل للسنة فيهلك الأمة .(1)وعلى ضوء كل ما ذكر يظهر جلية الجواب الكافي عن السؤال القائل لماذا لم يبايع الحسين (علیه السلام) يزيد بن معاوية ؟.
وحاصل الجواب هو أن يزيد لم يكن أهلا لأن يبايع من قبل أي مسلم كان ، فضلا عن الحسين (علیه السلام) المسلم الأول في عصره و سيد شباب أهل الجنة ، بل أن يزيد لم يكن مسلمة بالمرة فكيف يبايع بإمرة المؤمنين و خليفة على
1) نهج البلاغة: ص188 من كلام له (علیه السلام) 131.
المسلمين فإن كفر يزيد وزندقته وإلحاده و استهتاره بكل القيم والمقدسات أشهر من الشمس في رابعة النهار ولقد أجمع المؤرخون و أهل السيرة على أن يزيد بن معاوية كان فاسق فاجرة خمارة سكيرة يضرب بالطنبور ويلعب بالفهود والقرود فرضه أبوه معاوية خليفة على المسلمين بقوة السيف مع علمه بفساده حيث كان يقول لولا هواي في زيد لأبصرت رشدي . وإليك تصريحات بعض الخبراء بيزيد من الأولين والآخرين :
من هو يزيد بن معاوية؟
ولنبدأ بكلمة الحسين (علیه السلام) نفسه عن يزيد التي قاله بمحضر واليه على المدينة الوليد بن عتبة وبمحضر قريبه مروان بن الحكم فلم ينكر عليه أحد منهما . فقال (علیه السلام) :
«... ويزيد رجل فاسق فاجر شارب للخمر قاتل للنفس المحرمة معلن بالفسق والفجور ومثلي لا يبايع مثله» (1)وقال أيضا لمروان لما أشار عليه بأن يبایع یزید. . قال : «.. إنا لله وإنا إليه راجعون و على الإسلام السلام إذ قد بليت الأمة براع مثل یزید بن معاوية.(2)
آراء العلماء الأقدمين والمعاصرين في يزيد:
وهذا عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة الصحابي الجليل ورئيس وفد أهلالمدينة إلى الشام بعد قتل الحسين (علیه السلام) فلما عاد إلى المدينة جمع الناس في مسجد الرسول (صلی الله علیخ و آله) وقال : أيها الناس قد جئناكم من عند رجل يترك الصلاة ويشرب المسكرات وینکح الأمهات والأخوات ويلعب بالقرود والكلاب وإذا
لم تخلع بیعته أخشى أن نقذف بالحجارة من السماء.(1)
وهذا الحسن البصري العالم والنابغة المعروف بزهده وعلمه قال في معرض بیان جرائم معاوية العظيمة الموبقة التي لخصها في أربعة، وهي: اغتصابه الخلافة . ثم استلحاقه زیاد بن سمية بأبيه أبي سفيان ثم قتله لحجر بن عدي الكندي وأصحابه . وأخيرة فرضه لابنه يزيد الحمير السكير خليفة على المسلمين بعده .. ويشارك اللاحقون من العلماء من سبقهم في الرأي في يزيد. فهذا مثلا العالم والفيلسوف الشهير ابن خلدون يدعي الإجماع على فسق یزید وفجوره من قبل كافة علماء المسلمين. ثم هذا الفيلسوف الآخر المعروف بالتفتازاني يحكم بجواز لعن يزيد ولعن أتباعه فيقول بالنص في كتابه (شرح العقائد) : الحق إن رضا یزید بقتل الحسين (علیه السلام) واستبشاره به وإهانته أهل بیت النبي (صلی الله علیخ و آله) مما تواتر معناه ونحن لا نتوقف في شأنه بل في إيمانه لعنه الله عليه وعلى أنصاره وأعوانه .
وقال ابن حزم العالم المعروف قال في رسائله ما نصه : قیام یزید بن معاويةكان لغرض الدنيا فقط فلا تأويل له فهو بغي مجرد.
وقال الجاحظ بالحرف: المنكرات التي اقترفها يزيد من قتل الحسين وحمله بنات رسول الله سبایا و قرعه ثنايا الحسين بالعود وإخافته أهل المدينة وهدمه للكعبة المشرفة ، تدل على القسوة والغلظة والنصب والحقد والبغضاء والنفاق والخروج عن الإيمان فالفاسق ملعون ومن نهی عن شتم الملعون ملعون .
وهذا القدر من آراء الشخصيات العظام والعلماء الأعلام في سقوط یزید عن مستويات الإنسانية وانحطاطه إلى أسفل درك الشقاء والوحشية والرذيلة يكفي للدلالة على أن الحسين (علیه السلام) عمل بما يفرضه الواجب الإسلامي
1) راجع الغدير للعلامة الأميني: ج1 ص255 .
والإنساني عندما امتنع من إعطاء البيعة ليزيد وأبى أن يعترف بشرعية خلافته .
قال الأستاذ المسيحي الكبير جورج جرداق في كتابه (علي وعصره):
نشأ يزيد في الأسرة الأموية التي كانت تنظر إلى الإسلام كحركة سياسية قامت طلبا للرئاسة والملك والزعامة بدليل قول زعيم تلك الأسرة أبو سفيان بنحرب عند دخول الرسول إلى مكة قال للعباس بن عبد المطلب لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيمة. فقال له العباس : ويلك يا أبا سفيان إنها النبوة . فقال : أجل. ولابد لهكذا حركة أن تنتقل من أسرة إلى أسرة. واجتمع إلى هذه النشأة جهل وتحلل وعدم الشعور بالمسؤولية لذا كانت نتيجته العبث والمجون. وهكذا عرف یزید بالإدمان على شرب الخمر واللعب بالكلاب والقرود وذكر أنه سابق قردة فسقط عن فرسه سقطة كان فيها هلاکه لعنه الله وكان يلبس كلابه الكثيرة أساور من ذهب وخلاخل من فضلة وأثمن أنواع الحرير والدمقس فيما كانت السياط من عماله تلهب ظهور الفقراء والكادحين لجمع الضرائب والخراج والجزية منهم .. » انتهى ما قاله جرداق .
الشعر يدين يزيد:
ولا بأس أن تسمع إلى بعض ما نظمه الشاعر الكبير الأستاذ بولس سلامة في (ملحمة الغدير) عن هذا المخلوق الحقیر یزید بن معاوية (لعنه الله)، قال يخاطب المؤذن :
رافع الصوت داعيا للفلاح
أخفض الصوت في أذان الصباح
وترفق بصاحب العرش مشغولا
عن الله بالقيان الملاح
ألف (الله أكبر) لا تساوي
بين كفي يزيد نهلة راح
تتلظى في الكأس شعلة خمر
مثل أج اللهيب في المصباح
عنست في الدنان بكرة فلم
تدنس بلثم ولا بماء قراح
إلى أن يقول مخاطبا معاوية :
یابن هند أبيت إلا يزيدأ
راية للرشاد والإصلاح
أنت رغم العيوب كالليل جنحا
قطرة في هتونه الضحضاح
رغم آثامك الجسام بن هند
أنت منه کریشة في جناح
وإليك الآن نزر قليلا مما حفظه لنا التاريخ من شعر یزید نفسه المعلن فيه بالكفر والإلحاد والمصرح فيه بفسقه و فجوره واستهتاره بالمقدسات . من باب من فمك أدينك .. قالوا كان يقضي ليله ساهرة على موائد الخمر و في مجلس الغناء . فقيل له يوما وقد صاح المؤذن بصلاة الصبح الله أكبر ، قم يا أمير المؤمنين إلى المسجد لأداء الصلاة، فأنشد يزيد قائلا :
دع المساجد للعباد تسكنها
وقف على دكة الحمار واسقينا
ما قال ربك ويل للذين شربوا
بل قال ربك ويل للمصلينا
إن الذي شربوا في شربهم طربوا
إن المصلين لا دنيا ولا دینا
وطلع الفجر من ليلة وهو سكران مع الندماء والمغنين ثم طرق سمعه نداء المؤذن (حي على الصلاة)، فقال اللعين :
معشر الندمان قوموا
واسمعوا صوت الأغاني
واشربوا كأس مدام
واتركوا ذكر المعاني
أشغلتني نغمة العيدان
عن ص وت الأذان
وتعوضت عن الحور
خمورة بالدنان
ومما ينسب إليه أيضا (لعنة الله عليه) قوله :
أقول لصحب ضمت الكأس شملهم
وداعي صبابات الهوى يترنم
خذوا بنصيب من نعيم ولذة
فكل وإن طال البقا يتصرم
وقال في حفل الترحيب بعبيد الله بن زیاد (لعنه الله) قال وهو يخاطب ساقي الخمر:
اسقني شربة تروي فؤادي
ثم مل بعدها إلى ابن زیاد
صاحب السر والأمانة عندي
ولتسدید مغنمي وجهادي
قاتل الخارجي أعني حسينا
ومبيد الأعداء والحاد
وعلى هذا فهل يوجد في العالم دين وضمير وقانون يبيح لإنسان أن يعترف بیزید بن معاوية إمامة لأمة وقائدا لشعب وحاكمة مطلقة على مجتمع إنساني فضلا عن كونه خليفة لرسول الله ونائبا عن خاتم الأنبياء (صلی الله علیخ و آله) ؟ . الجواب طبعا كلا وألف کلا .. ومع غض النظر عما تقدم نتساءل .. هل كان الحسين يسلم على حياته من یزید لو بایعه و صالحه ..؟ الجواب : کلا ، بدلیل أن الحسن (علیه السلام) بايع لمعاوية ولم يسلم. ولله در القائل :
يأبى بن فاطمة والسيف في يده
أن ابن ميسون جهرة يعبد الوثنا
وقال الآخر مخاطبة الحسين (علیه السلام) :
وترفعت يدك الكريمة عن يد
لم تتخذغیر الجريمة مأربا
شلت يد ترضى بيعة ظالم
طاغ وتخشى أن تثور وتغضبا
فالموت في ظل الكرامة منهل
عذب ومیت من يعيش معذبا
یا صارم الحق الصريح تدارك
الدنيا فسيل البغي قد بلغ الزبا
بك نستعين على الطغاة ونزدري
بالنائبات ونستعيد تصلبا
ونقود ركب الحق لاستقلاله
حتمأ وإن تكن المشانق مركبا
إن ثورة الحسين (علیه السلام) تثير التساؤل غالبا حول ما فعله أخوه الحسن (علیه السلام) من قبل مع طاغية زمانه معاوية بن أبي سفيان من الصلح والمهادنة والبيعة له مع العلم أن كلا منهما ××× إمام معصوم من الخطأ والمعصية فإذا كانت الحكمة والمصلحة فيما فعله الحسين فلماذا لم يفعل الحسن عليه مثله؟ وإذا كانت الحكمة والمصلحة فيما فعله الحسن (علیه السلام) فلماذا لم يفعل الحسين (علیه السلام) مثل فعله؟.
والجواب : هو إن كلا الفعلين والسيرتين حكمة ومصلحة وحق وصواب ولكن المصلحة والحق والحكمة تختلف صورها ومواردها باختلاف الأحوال والظروف والأشخاص. وأهم تلك الفوارق بين الحالين هو أن فساد الحكم الأموي وتذمر الرأي العام منه في عصر الحسن (علیه السلام) كان بعد لم يبلغ من الاشتهار والشدة إلى المستوى الذي بلغ إليه في عصر الحسين (علیه السلام) وعليه فتضحية الحسن (علیه السلام) بنفسه وأهل بيته حينئذ ما كانت تفسر لدى الرأي العام بأنها ثورة ضد الفساد والظلم أو أنها تضحية في سبيل الدين والمصلحة العامة كما فسرت تضحية الحسين (علیه السلام) بل كانت تضحية الحسن (علیه السلام) فيذلك الوقت تفسر غالبة بأنها صراع على السلطة وتنافس وتزاحم وتنازع حول الملك والخلافة. وكانت النتيجة حينئذ فشل قدسية الثورة وعقم تلك التضحية واستفادة العدو منها أكبر فائدة دعائية لنفسه وضد أهل البيت (علیهم السلام) والنتيجة
الأسوأ من ذلك هو فراغ الجو وخلو الميدان لمعاوية ولآل أبي سفيان فيطلقون أيديهم هدمأ و تحطيمة لكل ما تبقى من أصول الإسلام وأركانه تحت ستار كثيف من الدجل والتضليل والخداع.. فهل ترى بعد كل هذا حكمة ومصلحة للإسلام والمسلمين في تلك التضحية لو قام بها الحسن (علیه السلام) ؟.
أجل : إن السنوات العشرين التي استولى فيها معاوية على مقاليد الملك والسلطة المطلقة بعد أمير المؤمنين (علیه السلام) وبعد صلح الحسن . نعم تلك السنوات هي التي ملأ فيها معاوية وبطانته وأقاربه ملأوا العالم الإسلامي بالظلم والفساد والدمار والخراب وهتك المقدسات وانتهاك الحرمات تماما كما تنبأ به من قبل رسول الله حيث قال في الحديث المشهور المتواتر عنه (صلی الله علیخ و آله) : «رأيت بني أمية في المنام ينزون على منبري نزو القردة ويضربون وجوه الناس فيردونهم القهقري)(1)فأنزل الله فيهم «وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا»(2)
وعنه (صلی الله علیخ و آله) ، قال : «لكل شيء آفة وآفة هذا الدين بنو أمية)(3)، وروى مسلم فيصحيحه عن رسول الله (صلی الله علیخ و آله) حديثا حول بني أمية جاء فيه: «هلاك أمتي على يد هذا الحي من بني أمية»(4)وقال أيضا (صلی الله علیخ و آله) : «لو لم يبق من بني أمية إلا عجوزة درداء لبنت دين الله عوجا» رواه صاحب کتاب صلح الحسن ص45. (5)
وروى البخاري في صحيحه عن النبي (صلی الله علیخ و آله) أيضا أنه قال: «هلاك أمتي على يد أغيلمة سفهاء» ثم فسرها ببني أمية ، وذكر ابن حجر عن الحاكم قال
كان أبغض الأحياء إلى رسول الله (صلی الله علیخ و آله) و بنو أمية .
ومن المفيد أن نشير هنا إلى ما صرح به بعض الكتاب المعاصرين والسابقين ومنهم الأستاذ عباس محمود العقاد في كتابه (أبو الشهداء) من أن بني أمية ليسوا من قريش بل ولا من العرب أصلا وذلك لأن أمية لم يكن ابن صلبية لعبد شمس بل كان غلام رومية تبناه عبد شمس على سنة التبني في الجاهلية فعرف به وسمي أمية بن عبد شمس، ونعود إلى أحاديث الرسول الله (صلی الله علیخ و آله) في تلك الأسرة المشؤومة فنقرأ منها هذا الحديث المتواتر وهو قوله (علیه السلام) : «إذا بلغ آل أبي العاص ثلاثين رجلا اتخذوا مال الله دولا ودينه دغلا وعباده خولا .(1)
ونكتفي بهذا القدر من الأحاديث النبوية وننتقل إلى أقوال الكتاب الناطق والإمام الصادق علي (علیه السلام) في نهج البلاغة حيث يقول في خطبة له في الملاحم :
ألا إن أخوف الفتن عندي عليكم فتنة بني أمية فإنها فتنة عمياء مظلمة عمت خطتها وخصت بلیتها وأصاب البلاء من أبصر فيها وأخطأ البلاء من عمي عنها وأيم الله لتجدن بني أمية لكم أرباب سوء بعدي كالناب الضروس تعدم بفيها وتخبط بيدها وتزين برجلها وتمنع درها ترد عليكم فتنتهم شوهاء مخشية وقطعة جاهلية ليس فيها منار هدى ولا علم يرى والله لا يزالون حتى لا يدعون لله محرمة إلا استحلوه ولا عقدة إلا حلوه وحتى لا يبقی بیت مدر ولا وبر إلا ودخله ظلمهم ونبا به سوء رعيهم وحتى يقوم الباکیان باك يبكي لدينه وباك يبكي لدنياه .. .(2)
وذكر السيد المقرم الله عنه في المقتل الكبير عن كتاب ضحى الإسلام لأحمد أمين المصري قوله في (ج1 ص27) : الحق إن الحكم الأموي لم يكن حكمة(1)
إسلامية يسوي فيه بين الناس في الحقوق والواجبات ويكافأ فيه المحسن أيا كان ويعاقب فيه المجرم أيا كان وإنما كان حكمة شعاره التعصب الممقوت وتسوده النزعة الجاهلية ومظاهرها لا النزعة الإسلامية .
أقول: إن تلك الأعوام العشرين التي قبض فيها معاوية على مقاليد الحكم بدون رادع ولا مانع هي التي كشفت الحجاب عن مدى فساد السياسة الأموية الرعناء وأظهرت للناس عمق العداء والحقد الذي يحمله الأمويون ضد الإسلام ونبي الإسلام والمسلمين جميعا وفي خلال تلك السنوات تيقظ الرأي العام الإسلامي إلى عظيم أخطار البدع والانحرافات التي أحدثها الأمويون منذ أن تسللوا إلى مراكز السلطة والحكم أفرادا وجماعات ابتداء من عهد الخليفة الأول أبي بكر فما بعد وفي أعقاب تلك الفترة المظلمة المشؤومة فترة سلطان معاوية صار الفرد المسلم العادي يشعر في قرارة نفسه وأعماق شعوره نفورة شديدة وكرهة مريرة تجاه الجهاز الأموي الحاكم خليفة وعمالا وولاة وبطانة. فكان الشعب المسلم ينظر إليهم كعصابة لصوص وقطاع طريق وجلادين لا هم لهم إلا نهب الأموال وسلب الحقوق واغتصاب الأعراض وسفك الدماء والتمادي في المتع الحقيرة وإشباع الشهوات . وغير ذلك مما لا يسع المقام وصفه حسب ما هو مسطور في كتب التاريخ والتراجم، وليس أدل على نقمة المسلمين وتذمرهم من حكامهم الأمويين منهذه الأبيات لشاعر عاش تلك الفترة القاسية وهو عبد الله بن همام السلولي حيث يقول :
فإن تأتوا برملة أو بهند
نبایعها أميرة مؤمنينا
إذا ما مات کسری
قام کسری نعدثلاثة متناسقينا
فيالهفة لون لنا الوفا
ولكن لا نعود كما بدینا
إذا لضربتموا حتی تعودوا
بمكة تلعقون بها السخينا
حشينا الغيض حتى لوشربنا
دماء بني أمية ماروینا
لقد ضاعت رعيتكم وأنتم
تصيدون الأرانب غافلینا
ففي البيت الأول منها يبين أنه قد ضاعت موازين الخلافة الإسلامية ومقاییسها بحيث لو جاءتنا رملة أو هند ابنتا معاوية المعروفتان بالمجون والفسوق لوجب علينا نحن المسلمين أن نبایعهن بالخلافة عن الرسول والإمرة على المؤمنين، لأننا إن رفضنا قتلنا.
وفي البيت الثاني يقول أن الخلافة الإسلامية تحولت إلى ملك وراثي تماما النظام الملكي عند الأكاسرة ملوك الفرس قبل الإسلام كلما مات کسری الأب قام کسرى الابن مقامه . وهنا كذلك مات عثمان کسرى الأمويين الأول الذي جعل الدولة الإسلامية بما فيها من خيرات ملكا خاصا له ولأسرته الأمويين، قام کسرى الثاني مقامه وهو معاوية ثم مات فقام کسرى الثالث مقامه وهویزید. فالنظام نفس النظام مع الاختلاف في الأسماء والعناوين فقط .. وباقي الأبيات ظاهرة المعنى واضحة الدلالة على مدى النقمة التي كان یکنها المجتمع الإسلامي والكبت الذي كان يشعر به من رعونة الحكام واستهتارهم. فجاءت ثورة الحسين (علیه السلام) تعبيرا كاملا عن شعور ذلك الشعب المكبوت وتجسيدة حقيقية لآمال ورغبات تلك الأمة المضطهدة . فكانت القلوب معها تؤيدها وتبارك خطاها .. وأعطيت صفة الثورة التحررية المثالية بين جميع الثورات في العالم..
أما في عصر الحسن (علیه السلام) وبعد أبيه أمير المؤمنين حيث كان معاوية بعد لم يصل إلى الخلافة العامة والسلطة العامة ولم يظهر أمام الرأي العام على حقيقته الفاسدة وواقعه الخبيث فإن الأمر كان يختلف عنه في عصر الحسين (علیه السلام) ويزيد اختلافا كبيرة. ولذا يجزم الخبراء بأن صلح الحسن (علیه السلام) مهد الطريق لثورة الحسين (علیه السلام) وهيأ لها الجو والمناخ الملائم لتبرز إلى الوجود كأقدس ثورة إنسانية في العالم، وأظهر مصداق لصراع الحق ضد الباطل وأعظم جولة في معركة الخير مع الشر في حياة البشرية من أولها إلى آخرها .
أجل؛ كل هذه الصور المثالية التي اكتسبتها ثورة الحسين (علیه السلام) تعود في جملة ما تعود إليه من عوامل وأسباب إلى صلح الحسن (علیه السلام) مع معاوية وبعد هذا كله يمكننا أن نقول بأن الحسن والحسين ××× كانا واجهتين الرسالة واحدة واجه التخطيط والتمهيد التي أبرزها الحسن (علیه السلام) بصلحة ومسالمته ثمواجه التطبيق والتنفيذ التي أبرزها الحسين (علیه السلام) بقيامه ونهضته، وتضحيات الحسن (علیه السلام) في سبيل أداء سهمه من الرسالة وحصته من المسؤولية لم تكن قليلة ولا بسيطة . بل كانت تضحيات شاقة وغالية كثيرة، إنها تضحيات أعصاب وعواطف ، تضحيات قلب و فکر وروح، فصلوات الله وسلامه عليك يا أبا محمد بما صبرت واحتسبت وأثابك الله أجر الصابرين ، ورحم الله شيخنا الأصفهاني حيث يقول :
زكت ثمار العلم بالزكي
أكرم بهذا الثمر الجني
أعطاه جده نبي الرحمة
سؤدده وعلمه وحلمه
يهنيك يا أبا الولاة السادة
وقادة الخلق إلى السعادة
بمن تسامی شرفا ومجدا
أخا وأما وأبا وجدا
بشراك يا حقيقة المثاني
بواحد الدهر بغیر ثاني
بالحسن المنطق والبيان
ومن حوی بدایع المعاني
من رشحات بحر علمه الخضم
جرت ينابيع العلوم والحكم
وحلمه له المقام السامي
في حلمه ظلت أولو الأحلام
صبره العظيم في الهزاز
یکاد أن يلحق بالمعاجز
من حلمه أصابه من البلا
ما لا تطيقه السماوات العلا
رضاه فيما كان الله رضا
قضى على حقوقه بما قضی
وسلمه في موقع التسليم
من رشحات قلبه السليم
من الأخطاء التي وقع ويقع فيها بعض الناس هو القياس في سلوك الأنبياء والأوصياء فإن أحد منهم قام بعمل بارز و حساس بحيث يعجبهم ويتلائم مع رغباتهم وأفكارهم، فحينئذ يتوقعون من الآخرين أيضا أن يفعلوا نفس ذلك الفعل ويقوموا بمثل ما قام به فلان لأنه أعجبهم ووافق أهوائهم. وعلى هذا الأساس يقولون :
لماذا لم يقم أحد من الأئمة بثورة مسلحة بعد الحسين (علیه السلام) ومن ثم رفض بعض المسلمين إمامة أي إمام لم يقم بالسيف ضد أعداءه فالإمامة عندهممشروطة بشرط الكفاح المسلح ولذا فهم يعترفون بإمامة علي عليه ثم الحسن (علیه السلام) ثم الحسين (علیه السلام) ثم زيد بن علي بن الحسين (علیه السلام) وابنه يحيى بن زید وهكذا، أما زین العابدين ومحمد الباقر و جعفر الصادق فليسوا عندهم من الأئمة لأنهم لم يقوموا بالسيف، وهؤلاء الطائفة الزيدية الموجودون بكثرة في اليمن وغيرها .
والواقع أن هؤلاء وأمثالهم يظنون أن مصلحة الأمة دائما تدور مدار استعمال السيف والكفاح المسلح وجودا وعدمة، فالإمام الذي لا يقوم بهذا الكفاح لم يخدم مصلحة الأمة، غافلين عن أن استعمال السيف هو علاج اضطراري ومن باب آخر الدواء الكي. فهذا رسول الله (صلی الله علیخ و آله) مثلا لم يستعمل
السيف إلا بعد مضي ثلاثة عشر سنة أو أكثر من بدء الدعوة وبعد أن اضطر الاستعماله دفاعا عن النفس وفي وجه أناس كان موقفه معهم موقف حياة أو موت . وبعده الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) أغمد سيفه خمسة وعشرين سنة وصار يدعو إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة ويجادلهم بالتي هي أحسن وأخيرا اضطر إلى استعمال السيف ضد أناس فشلت معهم جميع الوسائل السلمية. وبعده الإمام الحسن (علیه السلام) الذي جرد السيف في بدء الأمر ضد العدو ولكن لما ثبت لديه أن الكفاح السلمي والحرب الباردة في ذلك الظرف وفي تلك الأحوال أنجح وأنفع للمصلحة العامة والإسلام من السيف، ترك الحرب وجنح للسلم والمصالحة .
فالغرض أنه لا شك في أن مصلحة الحق والدين ليست منحصرة في الحرب بالسيف وفي الثورة الدموية دائمة . بل في بعض الأحيان والأحوال وفي حالات شاذة نادرة، فالحق لا يفرض بالسيف والعقيدة لا تركز بالقوة، ودين الله لا يقوم على الإكراه والإجبار وقد ذكرنا فيما سبق أن ظروف الحسين (علیه السلام) كانت ظروفأ شاذة انعدمت فيها كل وسائل الدعوة السلمية ولم يجد الحسين (علیه السلام) معها بدا من أن يقوم بحركة غريبة ومدهشة لجلب الرأي العام وإلفات الأنظار وتحريك الضمير الإنساني. وقد تحقق كل ما أراده بحركته وبقي استغلال ذلك النتاج وصيانة تلك الثمرة بالبيان والتوجيه ورعاية تلك المكاسب بالدعم الفكري والعلمي والعملي . وهذا هو بالذات كان دور الأئمة (علیهم السلام) من أبنائه بعده وقد قاموا به على أحسن ما يرام وأنتم ما یکون. فالحسين (علیه السلام) وجه بثورته الأفكار ولفت الأنظار إلى عدالة قضية أهل البيت (علیهم السلام) وإنهم مع الحق والحق معهم وإن خصومهم مع الباطل. ولكن ياترى ما هي تفاصيل تلك القضية أي قضية أهل البيت ؟ وما هو مفصل هذا الحق الذي لهم ومعهم وما هو وجه الخلاف بينهم وبين غيرهم، فهذه التفاصيل و الشروح والبيانات
للناس قام بها أبناؤه (علیه السلام) بعده بشتى الوسائل الممكنة لديهم وبذلك ظهر الحق وانتشر على الصعيد الفكري عامة وعلى الصعيد العملي إلى حد كبير نسبة ، أما إذا قلت لماذا قعدوا عن استعادة حقهم المغتصب ولم يقوموا بثورة لاسترجاع الخلافة و الإمرة والحكم؟!.
قلت : إن ذلك لم يكن مقدورة لهم جميعا ولم تتوفر لأحدهم الإمكانيات لذلك الغرض. كما لم تتوفر للحسن (علیه السلام) ولا للحسين (علیه السلام) كما قدمنا سابقا وأعني بتلك الإمكانيات اللازمة لاسترجاع الخلافة من أيدي الغاصبين . الأعوان والأنصار بالقدر اللازم والعدد الكافي والنصاب الشرعي المعروف وهو النصف من عدد العدو وحسب نصوص الآية الكريمة سورة الأنفال آية 66 ( آلئن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائه صابره يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصبرين)
وكان النصاب الموجب للقتال قبل هذا هو العشر كما في صريح الآية الكريمة التي قبلها : «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا »(1)
فكان النصاب المبرر للقتال أولا هو العشر ثم نسخ وصار النصف من قوة العدو ولا شك في أن النصاب الشرعي بصورتيه الأولى والثانية لم يحصل الأحد الأئمة (علیهم السلام) بعد النبي (صلی الله علیخ و آله) سوی علي بن أبي طالب (علیه السلام) فإنه الوحيد من بينهم الذي حصل على النصاب المذكور وتمكن من القيام و استحصال حقه. وأما الباقون فلم يحصلوا على أعوان وأنصار حتى بمقدار النصاب الأول وهو العشر فضلا عن النصف. فالحسن (علیه السلام) مثلا بقي بعد خيانة الجيش
1) سورة الأنفال: 65.
في أهل بيته وعدد قليل من الأصحاب والأنصار لا يتجاوزون المائة رجل وفي قباله معاوية ومعه ستون أو سبعون ألف مقاتل، فأي توازن وأي تقارب بين القوتين؟ لذلك سقط عنه تکلیف الجهاد الشرعي ولم يبق أمامه إلا التضحية والشهادة أو الصلح والمهادنة، فاختار الصلح لأنه كان أصلح يومئذ وأنفع المصلحة الإسلام العليا من التضحية حسب ما فصلناه سابقا، فراجع، وكذلك الأمر مع الحسين (علیه السلام) كما تعلم حيث بقي في نيف وسبعين رجل في مقابل سبعين ألف من الأعداء، ولكنه (علیه السلام) آثر الشهادة والقيام بعمله الفدائي الخاص نظرا لظروفه الخاصة حسبما فصلناه سابقا.
وأما باقي الأئمة (علیه السلام) فحالهم لم تختلف عن حال الحسن والحسين ××× بل ربما كان أشد وأحرج، يلتفت ذلك الرجل إلى الإمام الصادق (علیه السلام) وهو يمشي معه في ضواحي المدينة فيقول له: يا سيدي كيف يجوز لك السکوت والقعود عن حقك وأنت صاحب هذا الأمر وابن رسول الله (صلی الله علیخ و آله) ؟ فسكت عنه الإمام الصادق (علیه السلام) حتى مر بهم راع يسوق قطيع من الغنم فقال له الإمام (علیه السلام) : يا فلان کم تعد هذا القطيع ؟ فقال الرجل: لا أدري ، فقال (علیه السلام) : والله لو كان لي أنصار عدد هذا القطيع لنهضت بهم، فعطف الرجل على القطيع فعده فإذا هو سبعة عشر رأسا.
ودخل سهل بن الحسن الخراساني عليه ذات يوم وقال : يا بن رسول الله لا يجوز لك القعود عن حقك ولك في خراسان مائة ألف رجل يقاتلون بين يديكمن شيعتك. فقال له الإمام الصادق (علیه السلام) : وأنت منهم یا سهل؟ فقال : نعم جعلت فداك يا سيدي . فقال له : اجلس فجلس ثم أمر الإمام عليشة الجارية وقال يا جارية اسجري التنور فسجرته حتى صار اللهب يتصاعد من فم التنور فالتفت الصادق (علیه السلام) إلى سهل الخراساني وقال : يا سهل أنت من هؤلاء الذين ذكرت أنهم يطيعون أمري ؟ فقال : نعم سيدي أفديك بروحي.
فقال (علیه السلام) : قم وادخل في هذا التنور . فقال سهل : أقلني أقالك الله يا بن رسول الله (صلی الله علیخ و آله) عليه : قد أقلتك فبينا هم كذلك إذ دخل أبو هارون المكي رحمه الله فسلم فرد عليه السلام وقال له :
يا أبا هارون أدخل في التنور ، فقال : سمعا وطاعة ثم ألقى نعله وشمر عن ثيابه ودخل في التنور فقال الإمام (علیه السلام) : يا جارية اجعلی عليه غطاءه فغطته ، ثم التفت الإمام (علیه السلام) إلى سهل بن الحسن وصار يحدثه فقال سهل إأذن لي يا سيدي أن أقوم وأنظر على هذا الرجل، فقال (علیه السلام) : نعم . ثم قام ومعه سهل وكشف الغطاء عن التنور و إذا أبوهارون جالس على رماد بارد، فقال له الإمام أخرج فخرج صحیح سالما لم يصبه أي أذى فقال علي : يا سهل كم تجد مثل هذا في خراسان ؟ فقال سهل: ولا واحد یا بن رسول الله .
وهذه العملية هي كرامة ولا شك أظهرها الإمام الصادق (علیه السلام) عبر بها عن أنأهل البيت إنما هم بحاجة إلى جيش عقائدي يطيع الأوامر الصادرة إليه من الإمام (علیه السلام) مهما كانت لا يعرف التردد والهزيمة ولا يفكر بغير الشهادة أو الغلبة لثقته التامة بالإمام (علیه السلام) واعتقاده الراسخ المتين بأن أوامره من أمر الله ورسوله وهو أعرف بالصالح والفاسد والحق والباطل من جميع الناس فهم بحاجة إلى هكذا جيش متوفر لديهم قدر النصاب الشرعي على الأقل وقبل القيام بالحركة أو الثورة. لكي لا تتكرر نكسة صفين أو مأساة کربلاء أو نكبة الحسن على يد جيشه يوم ساباط .
وخلاصة الكلام: هو أن نقول أما القيام لأجل أخذ حقهم في الخلافة وانتزاع السلطة من أيدي الظالمين فإنه كان مستحيلا عادة بالنسبة لهم لعدم توفر الشرائط و اللوازم الضرورية لمثل هذا القيام لديهم وأهمها الأنصار والأعوان المخلصون. غير أنهم كانوا يدعمون معنويا ومادية وفكرية قدر استطاعتهم كل الثورات الحرة والحركات الإصلاحية التي كانت تقوم بين حين
وآخر ضد الأمويين أو العباسيين مثل ثورة أهل المدينة على يزيد (لعنه الله )ن وثورة زيد ابن علي بن الحسين على عبد الملك بن مروان، وثورة المختار الثقفي في الكوفة وثورة محمد ذو النفس الزكية على المنصور العباسي وبعدها ثورة أخيه إبراهيم أحمر العينين على المنصور أيضا وغيرها ..
وأما القيام لأجل التضحية والشهادة مثل قيام الحسين (علیه السلام) فإنه لم يكن ضرورية في عصرهم لأن وسائل الإعلام والدعوة إلى الحق وطرق إتمامالحجة وتبليغ الرسالة لم تنعدم كلية في عصر الأئمة (علیهم السلام) كما انعدمت في عصر الحسين (علیه السلام) حتى اضطر إلى القيام بالإبلاغ والإعلام عن طريق التضحية والشهادة . فالإمام الباقر (علیه السلام) والإمام الصادق (علیه السلام) مثلا قاما بأوسع حركة إعلامية مستطاعة في ذلك العصر عن طريق المدرسة والتدريس ونشر العلم واستقطاب العلماء وتربية ثلة من الشباب المؤمن بالتربية الإسلامية وبثهم في الأقطار والأمصار يبشرون ويرشدون ويعلمون. فكان عصرهما ××× أحسن عصور الإسلام ازدهارة بالعلم والمعرفة وتقدم الثقافة وكثرة المدارس والمجالس العلمية. وبقي الحال على هذا الوصف بل وازداد تقدما وازدهارة إلى عصر الإمام الرضا (علیه السلام) والجواد (علیه السلام) .. وهما اللذان كونا بجهودهما وبمعونة المأمون العباسي وتعاون المجتمع معهما کونا من المسلمين أساتذة للعالم الغربي اليوم بكل علومه واكتشافاته المدهشة .
قال ابن الوشا: دخلت إلى جامع الكوفة في أيام الرضا (علیه السلام) فرأيت تسعمائة شيخ يحدثون ويدرسون ويقولون حدثنا جعفر بن محمد ×××.
وفي الختام نكرر القول بأن خدمة المصلحة العامة ونصرة الحق ومكافحة الباطل والظلم ليست في الحرب دائمة، بل الأمر يختلف باختلاف الظروف والأحوال والحرب الدموية هي آخر وسيلة يفكر فيها المصلحون المخلصون الأمتهم وللصالح العام بعد اليأس من الوسائل السلمية وإلى هذا يشير حيث
يقول الإمام علي (علیه السلام) في كلماته القصار: رأي الشيخ أحب إلي من جلد الغلام.(1)
وإلى هذا يشير المتنبي الشاعر في أبياته المعروفة فيقول :
الرأي ثم شجاعة الشجعان
هو أول وهي المحل الثاني
فإذا هما اجتمعا لنفس حرة
بلغت من العلياء كل مكان
ولربما طعن الفتى أعداءه
بالرأي قبل تطاعن الأقران
لولا العقول لكان أدنی ضیغم
أدنى إلى شرف من الإنسان
وقد جاء في الحديث الشريف قوله (علیه السلام) : «مداد العلماء أفضل من دماء الشهداء .. (2)
«أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (9)»«أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (9)»يعرف الحسين (علیه السلام) لدى الرأي العام بصفة الثورية والصلابة والشجاعة وإباء الضيم فهل هذا يعني أن الحسين كان متفوقا على سائر الأئمة (علیهم السلام) في هذه الصفات أو أن غيره من الأئمة (علیهم السلام) أو بعضهم على الأقل كان محرومة من هذه الصفات ؟ الجواب : كلا ..
فالواقع هو أن الأئمة الاثني عشر الذين أولهم علي بن أبي طالب (علیه السلام) وآخرهم المهدي المنتظر (عج) كلهم في مستوى واحد من حيث جميع الفضائل الكمالية والصفات الإنسانية ومكارم الأخلاق، وهم بمجموعهميفوقون كافة الناس في التحلي بالفضائل والكمالات، أي ليس في العالم مثلهم بعد الرسول (صلی الله علیخ و آله) ولا نظير لهم في أي فضيلة أو كمال نفسي، لأن ذلك شرط العصمة ولازمها ، وقد ثبت بدليل العقل والنقل أنهم معصومون ولا يكفي في تحقق العصمة لشخص ما أن يكون مؤمنا صالح العمل والسيرة والأخلاق فحسب بل يجب أن يكون أيضا فوق مستوى الناس في العلم والإيمان والعمل الصالح ومكارم الأخلاق، ومن ثم يستحق منصب الإمامة على الناس، ومن شواهد ذلك قول الخليل بن أحمد العالم النحوي عندما سئل ما الدليل على إمامة علي (علیه السلام) بعد رسول الله (صلی الله علیخ و آله) دون سائر الصحابة فقال: الدليل
استغناؤه عن الكل واحتياج الكل إليه .. وهذا الدليل يجري بالنسبة إلى باقي الأئمة الأحد عشر من أبنائه أيضا وهو أمر يفرضه العقل والمنطق والعدل، إذ أنه لو وجد شخص آخر في عصر الإمام المعين هو مثل الإمام ومساوي له في الفضل والكمال يكون حينئذ تقديم أحدهما على الآخر للإمامة والقيادة باطلا عقلا لأنه ترجیح بلا مرجح.
أما إذا وجد من هو أفضل من الإمام وأرفع مستوى في العلم والقدرة والعمل فتقديم الإمام عليه أقبح عقلا وأشد بطلانة لأنه من باب تقديم المفضول على الفاضل، أو تقديم الفاضل على الأفضل وهو فاسد، فالله تعالی إنما اختار عليا (علیه السلام) وأبناءه الأحد عشر المعروفين للخلافة عن الرسول الأكرم (صلی الله علیخ و آله) ولقيادة الأمة بعده علما منه تعالى بأن هؤلاء هم أكمل الناس وأفضلهم جميعاإيمانا وعلما وعملا. وأشار تعالى في كتابه العزيز إلى أن ملاك الإمامة والإمارة إنما هي الأفضلية لا غير.
فقال تعالى :«هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ »(1)
وقال تعالى : «أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ»(2)
وقال تعالى : «يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ»(3)
وقال تعالى : « قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ »(4)
وقد نص الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) على هذا الملاك للسيادة والإمامة
والإمرة في كلماته القصار فقال : «أحسن إلى من شئت تكن أميره، واحتج إلى من شئت تكن أسيره، واستغن عمن شئت تكن نظيره»(1)وقد كشف رسول الله النقاب عن أن هذا الملاك متوفر ومتحقق في أهل بيته الطاهرين فقال في وصيته العامة قبيل وفاته : «أيها الناس لا تتقدموهم فتهلكوا ولا تتأخروا عنهم فتضلوا ولا تعلموهم فإنهم أعلم منکم.. . (2)
وفي بعض خطب الإمام أمير المؤمنين في نهج البلاغة قوله :
«لا يقاس بآل محمد من هذه الأمة أحد ولا يسوی بهم من جرت نعمتهم عليه أبدا ، هم أساس الدين وعماد اليقين إليهم يفيء الغالي وبهم يلحق التالي ولهم خصائص حق الولاية وفيهم الوصية والوراثة .. .(3)
وقال (علیه السلام) في مقام آخر: «نحن صنایع ربنا والخلق بعد صنایع لنا»،(4)أي إن كمالهم من كمال الله سبحانه وكل كمال وصلاح وفضل يوجد في الناس فهو من طهرهم و فضلهم وصلاحهم (علیهم السلام) وبعبارة أخرى إنهم تربية الله تعالی والصالحون من الناس تربيتهم هم صلوات الله عليهم.
فالغرض أن أهل البيت (علیهم السلام) أفضل الخلق وأكملهم بعد جدهم رسول الله (صلی الله علیخ و آله) ، وأما هم و فيما بينهم فلا تفاضل ولا امتیاز لأحدهم على الآخر في هذا الأصل، أي أصل الكمال والعصمة. نعم قد يوجد تفاضل بينهم ولكن باعتبارات ثانوية كالأبوة والبنوة مثلا .
ولعلك تقول :
إذا كان الأمر كذلك فلماذا عرف واشتهر بعضهم في بعض الصفات
الكمالية دون الآخرين، كالإمام علي (علیه السلام) مثلا الذي عرف بالبطولة والشجاعة والإمام الحسن (علیه السلام) الذي عرف بالحلم والصبر وكظم الغيظ والإمام الحسين (علیه السلام) الذي عرف بإباء الضيم والثورية والشدة مع العدو والإمام زین العابدين الذي عرف بالعبادة والإمامين الباقر والصادق ××× الذين عرفا بالعلم.. وهكذا؟.
فنقول في الجواب :
إن السبب في اشتهار هؤلاء بتلك الصفات لا يعود إلى تفوق ذاتي وإلى أن هؤلاء توفرت فيهم هذه الصفات دون الآخرين أو أكثر من الآخرين. كلا ، فالشجاعة التي كانت في الإمام علي (علیه السلام) مثلا مثلها تماما كان في الحسن والسجاد والباقر والصادق ××× وغيرهم.. وكذلك الحلم الذي كان في الحسن وإباء الضيم والثورية اللذان كانا في الحسين وهكذا وعلى هذا القياس .. .
وإنما السبب في ذلك أي في اشتهار بعضهم ببعض الصفات الكمالية دون البعض الآخر يعود بصورة رئيسية إلى الظروف الخاصة والمقتضيات الزمنية التي عاشها كل منهم، فالإمام علي (علیه السلام) عاش فترة خاصة وظروف معينة اقتضت منه أن يبرز شجاعته ويظهر بطولته بسبب الحروب التي خاضها دفاعا عن الإسلام وصيانة له مع الرسول (صلی الله علیخ و آله) وبعد الرسول (صلی الله علیخ و آله) وأي واحد من الأئمة (علیهم السلام) لو كان في عصر الإمام علي وفي مثل ظروفه ومسؤولياته لأظهر من الشجاعة مثل ما أظهره الإمام علي (علیه السلام).
وأما الحسن (علیه السلام) فبالعكس فإنه عاش في ظرف كانت مصلحة الإسلام تقتضي منه المسالمة والمصالحة والصبر فلذلك عرف بالحلم.
لكن الحسين (علیه السلام) كانت ظروفه تفرض غير ذلك أي الاعتماد على الشدة والثورة ورفض أي مسالمة ومصالحة مع حكام عصره لذلك عرف بالإباء والثورية والصلابة والعزيمة .
وأي إمام آخر لو كان بمكان الحسين وفي عصره وظروفه لما كان يعمل إلا ما عمله الحسين (علیه السلام) وما قام به من الثورة والتضحية حسب ما شرحنا ذلك في بعض الفصول السابقة .
أما عصر الإمام الباقر وابنه جعفر الصادق فإنه كان يتطلب منهما الاعتماد
على نشر العلم وبث الوعي العلمي وإرسال البعثات العلمية وفتح المدارس والدورات الدراسية لمكافحة الدسائس الفكرية والتطرف العقائدي والفلسفات المادية التي تسربت إلى المسلمين بحكم اتصالهم بالأمم والشعوب الأخرى لذلك فلقد أسسا أكبر جامعة علمية في العالم الإسلامي حيث انتمي إليها أكثر من أربعة آلاف طالب . ومن هنا عرفا بالعلم وكثرة الأحاديث والأخبار التي رویت عنهما، حتی روی راو واحد عن الإمام الباقر (علیه السلام) ثلاثين ألف حديث وهو جابر الجعفي وهكذا .. وكل من الأئمة (علیهم السلام) لو كان بمكانهما لعرف بمثل ما عرفا به ونشر من العلم مثل ما نشر الباقر والصادق ×××.
والخلاصة أن من الغلط الفاحش والخطأ الكبير ما يظنه البعض من أن اشتهار بعض الأئمة ببعض الصفات كانت بسبب ذاتي وملكات خاصة ومواهب فطرية معينة. كلا ليس كذلك .. فثورية الحسين وإبائه للضيم وشدته مع الأعداء مثلا لیست ناشئة عن حرارة دموية ومزاج عصبي خاص به ولا من كبت نفسي كما يزعم الكتاب الجاهلون بحقيقة الحسين (علیه السلام) ومقامه وحقيقة أهل البيت (علیهم السلام) وكذلك مسالمة الحسن (علیه السلام) وصفته السلمية وحلمه مع الأعداء لم تكن أثرة لبرودة دمه وهدوء أعصابهومزاج خاص به حسبما يصوره لنا بعض المتطفلين على الكتابة عن أهل البيت (علیهم السلام).
بل الحقيقة هو أن كل ما قام به الحسن أو الحسين ××× وغيرهما من أئمة أهل البيت (علیهم السلام) إنما هو شيء ناشئ ونابع عن إرادة الله وأمره وإيعاز من النبي (صلی الله علیخ و آله) من قبل خدمة لمصلحة الإسلام العليا وتمشيا مع متطلبات الظرف
والأحوال ، إن أهواء النفس والعواطف والغرائز والحالات الفطرية العضوية لا تأثير لها مطلقا على تصرفات أهل بيت العصمة (علیهم السلام).
إن سيرة أهل البيت وسلوكهم في هذه الحياة كيفتها الحكمة والمصلحة لا الغرائز والأمزجة وعواطف النفس الحيوانية، وكل حركة أو سکون أو فعل أو ترك وكل وجه من أوجه النشاط قام به أحدهم كان بوحي من الله ورسول همطابقة للكتاب والسنة، هذا ما أثبتته الأحاديث الشريفة الصحيحة عن الرسول الأكرم (صلی الله علیخ و آله), وأكدته التجارب والنتائج الواقعية، فمن الأحاديث المؤكدة قوله (علیه السلام) : «إني مخلف فيكم الثقلين كتاب الله و عترتي أهل بيتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدأ فإنهما لن يفترقا حتی یردا على الحوض (1)، وقوله (علیه السلام) في حق علي بن أبي طالب (علیه السلام) : «علي مع الحق والحق مع علي يدور معه حيثما دار»(2)
وقال (صلی الله علیخ و آله) في دعائه يوم الغدير: «اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله وأدر الحق معه حيثما دار»(3)
وقال (صلی الله علیخ و آله) في حق الحسن والحسين ××× : «هما إمامان قاما أو قعدا).(4)
وأخيرا قوله (علیه السلام) : «مثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق وهوى».(5)
وهناك أخبار صحيحة ومعتبرة مفادها أن رسول الله خلف لأوصيائه الاثني عشر صلوات الله عليهم خلف لهم اثني عشر صحيفة لكل إمام منهم
وصحيفته الخاصة وفيها تكاليفه المفروض عليه القيام بها في دور إمامته. وقد عمل كل منهم على ضوء ما في صحيفته من أوامر و نواهي وأحكام. وهذا ما أشار إليه الحسين (علیه السلام) في حديث مع الصحابي الجليل جابر بن عبد الله الأنصاري لما دخل عليه وهو في مكة المكرمة وقال له : يابن رسول الله إني لا أرى لك إلا أن تسالم وتصالح يزيد كما صالح أخوك الحسن (علیه السلام) معاوية من قبل فإنه كان موقف رشيدة . فقال له الحسين (علیه السلام) : «يا جابر إن أخي فعل ما فعل بأمر من الله ورسوله وأنا أفعل ما أفعل بأمر من الله ورسوله .. الخبر .
وعلى كل حال فلقد عرف الحسين (علیه السلام) أكثر ما عرف بصفة الثورية وإباء الضيم، وبلغت شهرته في هذه الصفة حدة كبيرة حتى اعتبره الرأي العام قدوة الأحرار والمثل الأعلى للثوار في العالم وسيد أباة الضيم في التاريخ، فهذا مثلا العلامة المعتزلي عقد فصلا في كتابه (شرح نهج البلاغة)، ذكر فيه المعروفين بإباء الضيم من العرب في الجاهلية والإسلام، ثم يقول في الختام: وسيد أباة الضيم جميعا والذي علم الناس كيف يختارون الموت مع العز وتحت ظلال السيوف على الحياة مع الذل هو أبو عبد الله الحسين (علیه السلام).
هذا ولا تزال بعض كلمات الحسين مبدءا وشعارا يعلنه ويرفعه كل الثوار في كل زمان ومكان، مثل قوله (علیه السلام) : «ألا وإني لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برما..(1)وقوله (علیه السلام) : «ألا وإن الدعي ابن الدعي رکز بين اثنتين بين السلة والذلة وهيهات منا الذلة ..»(2)وقوله عليه : «لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولا أقر لكم إقرار العبيد.(3)
ومما يتحدث به المؤرخون بإعجاب من صفات الحسين عليه هي شجاعته
المدهشة التي أبداها يوم كربلاء في ذلك الموقف الرهيب ، فقد ورد عن لسان بعض مقاتليه من جيش عمر بن سعد قوله :
والله ما رأيت مكثورة قط قد قتل ولده وأخوته وأهل بيته أربط جأشأ ولا أقوى جنان من الحسين (علیه السلام) فلقد كانت الرجال تشد عليه من كل جانب فكان يشد عليها فتهزم من بين يديه انهزام المعزى إذا حل فيها الأسد وكانوا ينكشفون عنه يمينا وشمالا كأنهم الجراد المنتشر وقد تكاملوا ثلاثين ألفا وهو وحيد فإذا أبعدهم عن المخيم عاد إلى موقفه أمام البيوت وهو يكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وذكر أرباب المقاتل أن الحسين (علیه السلام) حمل على الجيش في ذلك اليوم عدة حملات قتل منهم في مجموعها ألف وتسعمائة وخمسين رجلا، حتی صاح عمر بن الحجاج الزبيدي وهو أحد قادة الجيش صاح بالناس مستثيرة لهم عليه قائلا : ويلكم أتدرون لمن تقاتلون، هذا ابن الأنزع البطين هذا ابن قتال العرب احملوا عليه حملة رجل واحد.
هذا كله بالإضافة إلى ما كان يكابده في تلك الحال من العطش الشديد والجهد والإرهاق قالوا كان العطش قد أثر في شفتيه حتى ذبلتا وأثر في لسانه حتى صار كالخشبة اليابسة وأثر في عينيه حتى صار يبصر ما بين السماء والأرض كالدخان وأما آلامه الجسدية والنفسية التي تراكمت عليه حينئذ فإنها تهد الجبال، فلقد كان (علیه السلام) يعاني أشد الآلام النفسية بسبب ثكل الأولاد وفقد الأخوة والأقارب والأصحاب والشعور بالوحدة والاغترابومشاهدة النساء والأطفال حیاری مدهوشين مذهولين من تراكم المصائب وألم الضما على أبواب الخيام وداخلها إلى جنب ابنه المريض المسجي على الأرض الفاقد الوعي من شدة السقام.
هذا وأكثر من هذا مما يضيق البيان عن وصفه ويعجز اللسان عن ذكره
وتفصيله ومع ذلك كله فلقد كان (علیه السلام) كما وصفه السيد الحلي رحمه الله:
رکین وللأرض تحت الكماة
رجيف يزلزل ثهلانها
أقر على الأرض من ظهرها
إذا ململ الرعب أقرانها
تزيد الطلاقة في وجهه
إذا غير الخوف ألوانها
وأضرمها لعنان السماء
حمراء تلفح أعنانها
ولما قضى للعلا حقها
وشيد بالسیف بنیانها
ترجل للموت عن سابق
له أخلت الخيل میدانها
كأن المنية كانت لديه
فتاة تواصل خلصانها
جلتها له البيض في موقف
به أثكل السمر خرصانها
فبات بها تحت ليل الكفاح
طروب النقيبة جذلانها
وأصبح مشتجر للرماح
تحلي الدمامنة مرانها
فما أجلت الحرب عن مثله
صريعا یجبن ش جعانها
من المتداول على ألسنة الشيعة أن يصفوا الحسين (علیه السلام) بسيد الشهداء ...
فهل هذا صحيح ومنطقي؟ .
نقول، أجل: لأن كلمة (شهید) مصطلح إسلامي خاص يعني ذلك المسلم الذي يقتل في ساحة حرب مع أعداء الإسلام دفاعا عن الإسلام بشرط أن تكون تلك الحرب بأمر أو إذن من النبي (صلی الله علیخ و آله) أو الإمام أو نائبه الخاص أو العام.
وحكم هكذا قتيل أن لا يغسل ولا يكفن بل يصلى عليه فقط ويدفن بثيابه التي قتل فيها، ويسمى حينئذ (شهيدة) لأنه يبعث يوم القيامة على هيئته التي دفن عليها وبدمائه وجراحاته فيشاهده الناس في المحشر ويعلمون أنه مقتول في سبيل الله تعالى . وقيل في تسميته بالشهيد وجوه أخرى وما ذكرناه أقرب إلى الصواب. وأجر الشهيد عظيم جدة عند الله سبحانه بحيث لا يوجد عمل بعد الإيمان بالله أفضل من الشهادة في سبيله ، الشهادة كفارة لكل الذنوب ، والشهداء أحياء عند ربهم يرزقون .
ولكن ليسوا في الفضل سواء ولا في الأجر والمقام على مستوى واحد، بل يتفاوتون في الفضل والمقام والدرجات حسب تفاوت مواقفهم ونياتهم، فكلما كان موقف الشهيد أشد حراجة وأكثر تأثيرا وأصعب ظروفا كان أجره أكثر ودرجته عند الله أرفع كما أنه كلما كان موقف الشهيد أكثر إخلاصا وأبعد عن
آمال النصر والغنيمة والربح المادي كان فضله أكثر، فشهداء معركة بدر مثلا أفضل من شهداء معركة أحد لهذا السبب بالذات ونحن إذا علمنا أن موقف شهداء کربلاء يوم العاشر من المحرم فاق مواقف جميع الشهداء في العالم حراجة وشدة ومن حيث النتائج والآثار لصالح الحق. إذ وقف بضع عشرات من الرجال والصبيان وهم عطاشى جياعا محصورین، أمام عشرات الآلاف من الجنود المدججين بالسلاح والمجهزين بكل وسائل القوة، هذا من حيث حراجة الموقف، وأما من حيث خلوص النية فنحن إذا تذكرنا أن شهداء الطف لم يكن عندهم أدنى أمل ولا أقل احتمال في الغلبة والنصر على العدو ولا في غنيمة أو جائزة أو أي نوع من الربح المادي من وراء ذلك الموقف ، ثم إذا عرفنا أن موقفهم أحيا الدين وأبقاه وصانه من المحو وحفظه من خطر الزوال الكلي على يد أعداء الله بني أمية كما شرحنا ذلك مفصلا فيما سبق .
أقول : إذا علمنا بكل ذلك واعترفنا به فحينئذ لا نستغرب القول بأن شهداءکربلاء وعلى رأسهم سيدهم الحسين (علیه السلام) هم سادات الشهداء في العالم كله أي أفضلهم مقاما وأكثرهم أجرة عند الله ورسوله، وإن لقب سید الشهداء أليق وأجدر بالحسين (علیه السلام) من كل شهيد آخر الذي له فضله وأجره ومقامه العظيم عند الله تعالی أيضا.
ولابد من التنبيه إلى أنه قد تداول بين بعض الذين كتبوا عن الحسين (علیه السلام) في عصرنا الحاضر أن يعطوا الحسين عليه لقب (أبو الشهداء) ولعلهم يظنون أن هذا اللقب أليق بمقام الحسين (علیه السلام) من لقب سيد الشهداء) وهو ظن خاطئ لأنه لا تلازم بين كون الشخص أبا الشهداء وبين كونه شهيدة بذاته أيضا، وكثيرا ما يكون شخص أبا لشهداء ولكنه هو غير شهيد وغير حائز على مقام الشهادة الرفيع ، فهذا عقيل بن أبي طالب (علیه السلام) عنه مثلا قدم تسعة من أبنائه وأحفاده شهداء بين يدي الحسين (علیه السلام) يوم عاشوراء ولكنه هو لم يكن شهيدا
بل مات في المدينة بعد مقتل الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) بضع سنوات فهو أبو شهداء وليس بشهيد، ولذا نقول إن لقب أبو الشهداء لا يدل على شهادة الحسين عليه، فضلا عن سيادته على الشهداء وبالتالي لا يشعر بهذا الشرف الرفيع والمقام المنيع الذي فاز به الحسين (علیه السلام) بالإضافة إلى أنه (علیه السلام).محور للشهداء من كل الجوانب فهو الشهيد ابن الشهيد أخو الشهيد وأبو الشهداء والشهادة سمة أبنائه وآله وأحفاده فهم كما قيل فيهم: «القتل لهمعادة وكرامتهم من الله تعالى الشهادة 1 ، ألا هلم فاستمع وما عشت أراك الدهر عجبا». .
من المضحكات المبكيات في عصرنا الحاضر هو التلاعب والتحريف بالمفاهيم الإنسانية ومسخ الصفات الفاضلة، ومنه تحريف كلمة الشهيد والتلاعب بمفهوم الشهادة ومسخ صفتها الإنسانية النبيلة . حتى صاروا يطلقون اسم الشهيد على مجرم يقتل بجرمه وهدام يصرع تحت أنقاض هدمه وتخريبه وانتهازي وصولي يفقد حياته القذرة في طريق أطماعه وشهواته وعميل للعدو الكافر والمستعمر الظالم يلاقي جزاء خيانته ومتهور طائش يصيبه أثر طيشه وتهوره. وهكذا.. وإذا كل هؤلاء أو بعضهم يمنحون لقب الشهداء ووسام الشهادة على صفحات الصحف والمجلات وأبواق الدعاية ووسائل النشر.
وسلام الله تعالى على الإمام أبي الحسن علي أمير المؤمنين حيث تنبأ بظواهر هذا العصر فقال في خطبه له (علیه السلام) :
سيأتي عليكم من بعدي زمان ليس فيه شيء أخفى من الحق ولا أظهر من الباطل ولا أكثر من الكذب ..(1)
1) راجع الكافي: ج8ص 386 ح 586.
ووليس عند أهل ذلك الزمان سلعة أبور من الكتاب إذا تلي حق تلاوته ولا أنفق منه إذا حرف عن مواضعه ولا في البلاد شيء أنكر من المعروف ولا أعرف من المنكر ...
ولأجل المزيد من الإيضاح نعود إلى أصل الموضوع فنقول أن للإسلام اصطلاحا خاصا ومفهومة مبتكرة لكل من كلمة شهيد، وكلمة سيد، أما المفهوم الإسلامي الخاص لكلمة شهيد هو ما ذكرنا من أنه عبارة عن المسلم الذي يقتل في سبيل الدفاع عن الإسلام في ساحة القتال بأمر من الرسول أو الإمام أو نائبه الخاص أو العام.
وأما المفهوم الإسلامي الخاص بالنسبة إلى كلمة (سید) فهو عبارة عن الأفضلية أو الأكملية في الشيء فسيد العلماء مثلا هو أكثرهم علما وأحسنهم عملا، وسيد الأنبياء هو أكثرهم فضلا وأكملهم صفات وسيد الأوصياء هو أكثرهم جهادا وأشدهم عناء وأحرصهم على حفظ الوصية وصيانة الرسالة . وسيدة النساء هي أكثرهن تمسكا بواجبات المرأة وأشدهن حرصا على القيام بمسؤوليات المرأة أمام الله تعالى والمجتمع.. وهكذا وعلى هذا القياس.
فملاك السيادة الإسلامية في أي شيء من الأشياء إنما هو في الأكملية والأمية والأفضلية في ذلك الشيء، ولقد نص القرآن الكريم على تعيين هذا الملاك وهذه القاعدة للسيادة الإسلامية بقوله تعالى : « أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ»(1)وإلى هذه القاعدة يشير الحديث الشريف : «اليد العليا فوق اليد السفلی»، أي أن المستغني عن الناس بعلمه وعمله وجهده المفيض عليهم من ثمرات علمه ومواهبه ، هو سيد على من هو محتاج فقير إلى الآخرين لتكاسله وإهماله،
1) سورة يونس: 35.
على حد القول المأثور لأمير المؤمنين (علیه السلام) : «أحسن إلى من شئت تكن أميره، واحتج إلى من شئت تكن أسيره، واستغن عمن شئت تكن نظيره» و بهذا الملاك استدل الخليل بن أحمد على سيادة الإمام أمير المؤمنين على كافة الناس بعد رسول الله (صلی الله علیخ و آله) لما سئل ما دليلك على إمامة علي بعد الرسول (صلی الله علیخ و آله) دون سائر الصحابة ؟ فقال : استغناؤه عن الكل واحتياج الكل إليه.
والخلاصة هي أن السيادة في أي شيء إنما تدور مدار الكمال الذاتي في صفات ذلك الشيء، والشهداء أيضأ طبقة من الناس في العالم قاموا بعمل التضحية بالحياة في سبيل الله تعالی فنالوا صفة الشهادة . فالحسين (علیه السلام) هو الفرد الأكمل في القيام بهذه التضحية كما قدمنا لذلك استحق مقام السيادة بين كافة الشهداء وهو أمر طبيعي منطقي ليس فيه مبالغة ولا مغالاة...
هم أفضل الشهداء والقتلى الأولى
مدحوا بوحي في الكتاب مبين
وقال الآخر:
فماتوا وهم أزكى الأنامي نقيبة
وأكرم من یبکی له في المحافل
ولم تفجع الأيام من قبل يومهم
بأكرم مقتول لألئم قاتل
قوله عز من قائل:
«إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا *إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * «فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا »(1)
الهجرة لغة عبارة عن ترك بلد الإقامة إلى غيره والانتقال من الوطن الآخر، وهي تارة تكون واجبة وأخرى تكون مباحة وربما تكون محرمة حسب اختلاف الغاية من الهجرة والنتائج المترتبة عليها من باب أن المقدمة تتبع لديها في الحكم الشرعي فإذا كانت الهجرة لغرض طلب علم ضروري أو أداء واجب أو التخلص من ارتكاب محرم فالهجرة حينئذ واجبة وتركها يوجب اللوم والعقاب كما في الآية الكريمة السابقة ، حيث نزلت في لوم جماعة من المسلمين الذين تخلفوا عن رسول الله (صلی الله علیخ و آله) في مكة ولم يهاجرواإلى المدينة فكانوا مضطهدين في مكة من قبل قريش في أنفسهم ودينهم بعيدين عن معرفة
1) سورة النساء: 97-99.
الأحكام والآيات التي كانت تنزل علی رسول الله (صلی الله علیخ و آله) جاهلين بشرائع الإسلام وتفاصيله، فكانوا بذلك مقصرين ومعاقبين حسب صریح الآية الكريمة السابقة وهذا الحكم ساري المفعول بالنسبة إلى كل مسلم يعيش في بلد يضطهد فيه ولا يسعه القيام بواجباته ومسؤولياته ولا يحصل فيه على حقوقه المشروعة فإن الواجب عليه أن يهاجر إلى حيث العلم والأمان والحرية الدينية وإلا فهو من الأعراب المذمومين في الكتاب والسنة، لأن الأعرابي في المصطلح الشرعي هو كل من يعيش في بلد جاهلا لا يمكنه فيه التعلم والعمل الصالح وقيامه بمسؤولياته الشخصية والاجتماعية .. قال تعالى :«قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ»(1).«الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ »(2)وفي الحديث الشريف: «ستة أصناف من الناس يدخلون النار بست خصال : الأمراء بالجور، والعلماء بالحسد، والتجار بالخيانة، والدهاقين بالكبر، وأهل الرسائیق بالعصبية، والأعراب بالجهل ... (3)
والجهل لا يرفع المسؤولية عن الإنسان إلا إذا كان قاصرة عن المعرفة أيعاجزة عنها حقيقة وواقعا كالذين استثنوا في الآية الكريمة بقوله تعالى : «إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * «فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا».(4)
الواجب والحرام من أقسام الهجرة:
وإذا كانت الهجرة لعكس الغرض السابق أي لأجل القيام بعمل محرم من ظلم أو غصب أو ما شاكل ذلك أو أن يعلم بأن هجرته إلى ذلك البلد تفوت عليه واجبا ويضيق عليه هناك في عقيدته ودينه فالهجرة حينئذ تكون محرمة بل مجرد السفر المؤقت لأمثال هذه الغايات الفاسدة یکون حرام مثل السفر للصيد لهوة أو في ركاب ظالم وما أشبه ذلك وهو معبر عنه في عرف الفقهاء بسفر المعصية وإذا كانت الهجرة لأمر راجح مثل التجارة المباحة والتوسع في طلب العلم وزيارة المشاهد المقدسة والحج المندوب. فالهجرة مستحبة والسفر في هذه الغايات أيضأ مستحب، وإذا كانت لأمر مرجوح شرعا تكون الهجرة مكروهة كالانتقال من المدينة إلى القرية ومن البلد إلى البادية حيث لاتتوفر فيها وسائل السعادة والراحة وفي النهي عن هكذا هجرة يوصي أمير المؤمنين (علیه السلام) ولده الحسن (علیه السلام) في وصيته الكبيرة قائلا : «یا بني واسكن الأمصار العظام(1)، أي المدن الواسعة الكبيرة لأنها أجمع للوازم الحياة السعيدة ووسائل الراحة .
وقد أكد الإمام الصادق (علیه السلام) ذلك في الخبر الوارد عنه حيث يقول فيه : لا يستغني أهل كل بلد عن ثلاث : فقيه ورع، وطبیب حاذق، وحاکم عادل، وإن عدموا ذلك فهم همج رعاع (2)، أي لا يشعرون بالكرامة الإنسانية ولا يتمتعون بلذة الحياة، فالفقيه للتوجيه والتعليم والحاكم للتنفيذ وإقامة النظام والطبيب للوقاية والعلاج من الأمراض وهذه النواحي الثلاثة هي دعائم الحياة السعيدة والسعادة الاجتماعية : العلم والصحة والأمان ...
هجرة الأنبياء ورجال الإصلاح:
فالخلاصة أن الهجرة من المواضيع التي تخضع لكافة الأحكام الإسلامية الخمس الوجوب والحرمة والندب والكراهة والإباحة حسب ماينتج منها من نتائج . وبعد هذا العرض الموجز للهجرة ککل نأتي إلى هجرة الأنبياء (علیهم السلام) لأننا نجد الهجرة تكاد أن تكون ظاهرة ملازمة لحياتهم الرسالية فقل أن نجد نبية لم يهاجر من بلد إلى بلد ولم ينتقل من محيط إلى آخر فهذا خلیل الرحمن إبراهيم (علیه السلام) بعث في العراق ثم هاجر إلى مصر ثم انتقل إلى الشام وفلسطين واستقر بها إلى أن مات ثم من بعده يعقوب وأولاده ثم موسى الكليم هاجر من مصر إلى مدين ثم عاد إليها ثم هاجر نحو الشام. وهذا عیسی بن مریم (علیه السلام) كان لا يستقر في بلد حتى لقب بالمسيح وأخيرا خاتم الأنبياء محمد (صلی الله علیخ و آله) هاجر من مكة أولا إلى الطائف ثم هاجر إلى المدينة واستقر بها إلى أن قبض، ثم هاجر وصيه وخليفته علي (علیه السلام) من المدينة إلى الكوفة.
الهجرة إذا ظاهرة مألوفة في حياة الأنبياء والمرسلين والمصلحين فلماذا هاجر هؤلاء ومن أي قسم من أقسام الهجرة كانت هجرتهم؟ طبعا بدون شك أن هجرة الأنبياء كانت واجبة ومفروضة عليهم من الله سبحانه تمشية منهم مع متطلبات رسالته ، حيث كانوا لا يجدون القدرة الكافية في أوطانهم على تبليغ رسالاتهم نظرة للعراقيل والعقبات التي وضعها المعارضون في طريقهم ولما كان يتهددهم من خطر القتل على أيدي أعدائهم قبل أداء وتبليغ دعوتهم لذا كان لازمة عليهم أن يتركوا الأوطان إلى بلاد أخرى يستطيعون فيها القيام بمسؤولياتهم.
سيرة الإمام الحسين امتداد لسيرة الأنبياء:
والحسين (علیه السلام) وإن لم يكن نبية إلا أنه قام بمهام الأنبياء وصبر كما صبر أولو العزم من الرسل مسئوليته امتداد لمسئولية جده وأبيه حيث أنيطت به
مسؤولية أداء رسالة الإسلام وصيانتها من كل زيف و تحریف کما صرح هو (علیه السلام) على تحمله لهذه المسئولية بقوله في عهده لأخيه محمد بن الحنفية... وإني لم أخرج أشرة ولا بطرة ولا ظالمة ولا مفسدة وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي محمد ولا أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأسير بسيرة جدي وأبي.. (1)فهو إذا شعر بأنه مسئول عن أن يسير بسيرة جده المصطفى وأبيه علي المرتضی.
فهاجر (علیه السلام) من المدينة فرارا من كيد آل أبي سفيان ومؤامراتهم ضده تماما كما هاجر جده محمد (صلی الله علیخ و آله) قبله بستين عاما من مكة فرارا من كيد أبي سفيان وحزبه . السبب في الهجرتین واحد والغاية واحدة . فالنبي (صلی الله علیخ و آله) هاجر خوفا من القتل المحتم الذي كان ملاقيه لو لم يهاجر وذلك على يد أربعين رجلا من قریش بتدبير من أبي سفيان وحزبه الذين عزموا على قتل محمد (صلی الله علیخ و آله) تلك الليلة المعبر عنها بليلة الهجرة بقصد قتل الرسالة الإسلامية في مهدها ومنع انتشارها.
التشابه بين هجرة الحسين (علیه السلام) وهجرة جده محمد (صلی الله علیخ و آله) :
كذلك الحسين (علیه السلام) هاجر من المدينة ليلا خوفا من أن يقتل على يد أعوان وعمال يزيد الذي أرسل أوامره المشددة إلى واليه على المدينة يأمره بقتل الحسين (علیه السلام) فورة وبدون تردد وإرسال رأسه إليه إن هو لم يبايع. وذلك أيضا الخنق صوت المعارضة في مهدها ومنعها من الانتشار.
وكما أن هجرة محمد (صلی الله علیخ و آله) أنتجت توسعة كبيرة في الرسالة المحمدية في أنحاء الجزيرة العربية وبلغ صداها إلى أنحاء أخرى من العالم وبعدها ببضع
1) المناقب: ج4 ص89.
سنوات فقط انهارت زعامة أبي سفيان تمام بفتح مكة ...
كذلك كانت هجرة الحسين (علیه السلام) فإنها كسرت الحصار الذي ضربه آل أبي سفيان حول المعارضة الحسينية فعلا صوتها وبلغ صداها إلى أنحاء العالم الإسلامي وما مضت عليها إلا بضع سنوات حتى انهار سلطان آل أبي سفيان وتقوضت أركان الدولة السفيانية انهيارة كليا بموت معاوية الثاني بعد ثلاثة أشهر من موت یزید ثم قامت على أنقاضها دولة مروانية بقيادة مروان بن الحكم. وكل ذلك بعد هجرة الحسين (علیه السلام) بأقل من خمس سنوات .
حق ما أقرب الشبه وأشد التطابق والتقارب بين الهجرتين في العوامل والثمرات ... بل وحتى في الحالات النفسية، فليلة الهجرة كانت أشد ليلة على النبي (صلی الله علیخ و آله) مرت في حياته من حيث الهموم والأفكار والقلق النفسي حتى أنزل الله تعالی علیه سکينته وهو في الغار حسب صریح الآية الكريمة (سورة التوبة: 40): (إذ أخرجه الذين كفروا ثانی اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصحبه، لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده. بجنودهم لم تروها ).
وكذلك الحسين (علیه السلام) حيث يصف الواصفون أن ليلة هجرته من المدينة كانت أشد الليالى عليه في حياته لما كان يعانيه تلك الليلة من الحيرة والقلق والتفكير في المستقبل والمصير. لذا كان (علیه السلام) يتردد على حرم جده رسولالله و يناجي ربه ويشكو إلى جده ما يعانيه ويقول في مناجاته مع الله سبحانه بعد أن صلی رکعات في الحرم ثم رفع طرفه نحو السماء وقال... اللهم إن هذا قبر نبيك محمد (صلی الله علیخ و آله) وأنا ابن بنت نبيك وقد حضرني من الأمر ماقد علمت اللهم إني أحب المعروف وأنكر المنكر وأسألك يا ذا الجلال والإكرام بحق القبر ومن فيه إلا اخترت لي ما هولك رضی ولرسولك رضي ... ثم بکی علیه السلام... ووضع رأسه على قبر جده وقال : يا رسول الله أنا
الحسين بن فاطمة فرخك وابن فرختك وسبطك الذي خلفتني في أمتك فاشهد عليهم يا نبي الله أنهم قد خذلوني وضيعوني ولم يحفظوني وهذه شكواي إليك حتى ألقاك ... قالوا: وغفت عينا الحسين ورأسه على قبر النبي (صلی الله علیخ و آله) فرأى جده رسول الله في كتيبة من الملائكة عن يمينه وشماله وبين يده فضم الحسين إلى صدره وقبله ما بين عينيه وقال له حبيبي يا حسين كأني أراك عن قریب مرملا بدمائك مذبوحا بأرض کرب و بلاء بين عصابة من أمتي وأنت مع ذلك عطشان لا تسقى وظمأن لا تروى وهم بعد ذلك يرجون شفاعتي لا أنالهم الله شفاعتي يوم القيامة .
حبيبي يا حسين إن أباك وأمك وأخاك قدموا على وهم مشتاقون إليك . فبکی الحسين (علیه السلام) في منامه وقال : يا جداه خذني معك وأدخلني في قبرك فلاحاجة لي في الرجوع إلى الدنيا ...(1)
ضمني عندك يا جداه في هذا الضريح
علني يا جدي من بلوى زماني أستريح
ضاق بي يا جد من رحب الفضا كل فسيح
فعسی طود الأسى يندك بين الدكتين
فقال له الرسول (صلی الله علیخ و آله) : يا بني لابد لك من الرجوع إلى الدنيا حتى ترزق الشهادة لتنال ماقد كتبه الله لك من الأجر والثواب العظيم. فانتبه الحسين (علیه السلام)وقص رؤياه على أهل بيته فاشتد حزنهم وكثر بكاؤهم حتی ورد عن سكينة بنت الحسين (علیه السلام) قالت : لم يكن في شرق الأرض وغربها أهل بيت أشد خوفأ وهما وغما منا آل بیت رسول الله (صلی الله علیخ و آله) . ولله در السيد حيدر
1) راجع بحار الأنوار: ج44، ص326
الحلى حيث قال :
من أين تخجل أوجه أموية
سكبت بلذات الفجور حيائها
مابل أوجهها الحيا ولو أنها
قطع الصفابل الحيا ملسائها
قهرت بني الزهراء في سلطانها
واستأصلت بصفاحهاأمرائها
ملکت عليها الأمر حتی حرمت
في الأرض مطرح جنبها وثوائها
ضاقت بها الدنيا فحيث توجهت
رأت الحتوف أمامها وورائها
فاستوطنت ظهر الحمام وحولت
للعز عن ظهر الهوان وطائها
في نهضة الحسين (علیه السلام) نقاط استفهام كثيرة لدى شبابنا اليوم لأنها نهضة فريدة من نوعها غريبة في مظاهرها حسب مظهرها الخارجي. هذا ولا يسعهم تفسيرها بأعمال تهورية عاطفية وحملها على خلوها من الحكمة والمصلحة. لا يسعهم ذلك طبعا لأن الذي قام بها رجل أقل ما يقال فيه أنه شخصية عالمية كبيرة خالدة ذو حكمة ودهاء استطاع بحكمته وسياسته أن يؤثر في مجرى التاريخ الإسلامي ويخلد لنفسه ذكرة رفيعة واسعة عبر القرون والأجيال هذا فضلا عن كونه إمام معصوم من الخطأ والغلط حسب النصوص النبوية الشريفة . فإذا لا بد أن تكون هناك حكمة وراء تلك التصرفات وهي كذلك بالفعل. وها نحن نتعرض لأهم تلك النقاط بالبحث والتحليل لنوقف أبناء جيلنا الأعزاء على أسرار تلك الثورة المقدسة والتضحية المثالية رجاء أن يتأثروا بها ويستوحوا مبادئها وأهدافها ويسيروا على أضوائها وهديها المبارك إن شاء الله تعالی .
تحدثنا في الفصول السابقة عن أول حلقة في سلسلة الحركة الحسينية وهي:لماذا عارض الحسين (علیه السلام) خلافة يزيد وأعلن العصيان والخلاف على حكومة الأمويين القوية المسيطرة بكل وسائل القوة والقدرة؟ أعلن ذلك بامتناعه من
البيعة ليزيد بن معاوية رغم ضعفه (علیه السلام) مادية وعسكرية إلى أقصى حدود الضعف.
وتحدثنا أخيرة حول الحلقة الثانية في تلك السلسلة وهي ... لماذا ترك الحسين (علیه السلام) مدينة جده رسول الله (صلی الله علیخ و آله) , وهاجر عنها وهو أشرف إنسان فيها وأعز فرد على أهلها ...
والآن نبدأ بالحديث عن ثالث نقاط الاستفهام. والسؤال حولها.
وهو: لماذا حمل الحسين (علیه السلام) معه النساء والعائلة والأطفال وهو خارج في معارضة دولة ومكافحة حكومة فعرض تلك العقائل للأسر والسبي والتشريد وغير ذلك؟
والجواب عن هذا السؤال : هو أن الحسين (علیه السلام) حامل رسالة هو مسئول عنها وعليه أن يؤديها إلى العالم الإسلامي وخرج من المدينة لهذه الغاية فلو كان قد ترك العائلة في المدينة لعرض تلك العقائل لخطر الأسر والسبي من قبل الأمويين ومعلوم أن الرجل الغيور لا يسعه الصبر مهما كان وهو يرى عائلته في أسر العدو لا بد له حينئذ أن يستسلم للعدو لأجل إنقاذ عياله وقدكان من صور الإرهاب في سياسة الأمويين أنه إذا هرب رجل من قبضتهم يلقون القبض على نسائه وعائلته حتى يضطر فيسلم نفسه إليهم. كما فعلوا بزوجة عمرو بن الحمق الخزاعي لما هرب من الكوفة عندما طلبه زیاد ليقتله فكتب معاوية إليه أن أحمل إلي زوجته فألقى زیاد القبض على زوجته آمنة بنت رشيد رحمهما الله وحملها أسيرة إلى معاوية فأمر بها إلى السجن فسجنت حتى جيء برأس زوجها عمرو إلى الشام بعد أن ألقي القبض عليه في غار قرب الموصل من قبل والي معاوية عليها. وطعن بتسع طعنات ثم قطع رأسه و حمل على قناة إلى معاوية في الشام فقال معاوية للحرسي أنطلق بهذا الرأس و ضعه في حجر زوجته آمنة واحفظ ما تقول فلم تشعر وهي السجن إلا ورأس زوجها عمرو في
حجرها فضمته إلى صدرها وبكت وقالت غیبتموه عني طويلا وأهديتموه إلى قتيلا فأهلا وسهلا بها من هدية غير قالية ولا مقلية ثم قالت للحرسي أبلغ معاوية عني ما أقول وقل له أيتم الله ولدك وأوحش منك أهلك ولا غفر لك ذنبك وعجل لك الويل من نقمه وطلب منك بدمه فلقد جئت شيئا فرية وقتلت بارة تقية . فلما سمع كلامها أمر بإحضارها في المجلس فأحضرت وصار يشتمها ويتهددها ...(1)
وكما فعلوا بزوجة المختار بن أبي عبيدة الثقفي لما هرب من سجن ابن زیاد فألقي القبض على زوجته وزجها في السجن إلى أن اجتمع قومها عندهوتشفعوا فيها فأطلقها .
والشواهد التاريخية على هذه السياسة اللاإنسانية عند الأمويين واتباعهم كثيرة جدا والحسين كان يعرفها منهم تماما ويعلم يقينا أنه بمجرد أن يخرج من المدينة . في اليوم التالي يلقي الأمويون القبض على عقائل الرسالة ويحملوهن سبايا إلى يزيد في الشام فكيف يستطيع الحسين (علیه السلام) حينئذ أن يؤدي رسالته ويستمر في معارضته وثورته . حتما كان لا يسعه ذلك أبدا. فالسبي لا بد منه لتلك العقائل سواء أخذهن معه أو إبقائهن فلم لا يأخذهن معه ليؤمن الضغط عليه من جهتهن ويؤدي رسالته بحرية واطمئنان ويدافع عنهن مادام فيه عرق ينبض وهكذا كان فإذا قتل فلقد قضى ما عليه ويبقى ما عليهن... هذا أحد وجوه الحكمة في عمله هذا والوجه الآخر الذي لا يقل دلالة على بعد نظر الحسين (علیه السلام) وعمق حكمته. هو أن الحسين (علیه السلام) يعرف أنه إذا قتل لا يوجد رجل في العالم الإسلامي يمكنه أن يتكلم بشيء ضد سياسة الأمويين مهما كان عظيمة حيث أنهم قطعوا الألسن وكموا الأفواه فكان قتله يذهب سدى وقد لا
1) راجع الغدير للعلامة الأميني: ج11 ص44.
يعرف أحد من المسلمين ما جرى عليه ، حيث أن وسائل الإعلام كلها كانت محصورة بأيدي الدولة من شعراء وخطباء ورواة وقصاصين، وفعلا كانأناس يعيشون في الكوفة ولا يعلمون بما جرى ومن تكلم بشيء فمصيره القتل كما فعل بهاني بن عروة وعبد الله بن عفيف الازدي . فأراد الحسين (علیه السلام) أن يحمل معه ألسنة ناطقة بعد قتله لتنشر أنباء تلك التضحية في العالم الإسلامي ومذياعة سيارة يذيع تفاصيل تلك المأساة الإنسانية والجرائم الوحشية فلم يجد سوى تلك المخدرات والعقائل اللواتي سبين وسيرن بعد الحسين في ركب فظيع مؤلم يجوب الأقطار يلقين الخطب في الجماهير وينشرن الوعي بين المسلمين وينبهن الغافلين ويلفتن أنظار المخدوعين ويفضحن الدعايات المضللة حتى ساد الوعي وتنبه الناس إلى فظاعة الجريمة وانهالت الاعتراضات والانتقادات على یزید والأمويين من كل الفئات والجهات وبات يزيد يخشى الانفجار والانقلاب حتى في عاصمة دولته الشام وصار يظهر التنصل والندم ويلقي التبعة واللوم علی ابن زیاد وأخيرا اضطر أن يغير سياسته تجاه أهل البيت فأحسن إليهم وأكرمهم وصار يتطلب عفوهم ومرضاتهم بالأموال وغيرها . كل ذلك بفضل الخطب والبيانات التي صدرت من تلك العقائل في المجالس والمجتمعات وبفضل المظاهر المشجية التي سار بها ركب السبايا من بلد إلى بلد ومن مجلس إلى مجلس مما جعل الرأي العام يعطف على قضية أهل البيت (علیهم السلام) ويشجب جرائم أعدائهم فكان في ذلك نصرة كبيرة لحق آل محمد ونشرة للتشيع لهم في العالم. فالواقع الذي يجب أن نؤكده هو أن زينب العقيلة شريكة أخبها الحسين (علیه السلام) في ثورته سواء بمؤازرتها له في حياته أو بقيامها بمسئولية الدعوة والتوعية بعد شهادته فلولا سبي النساء لكانت ثورة الحسين عقيمة الأثر لا تذكر إلا في بطون بعض كتب التاريخ كتبأ بسيط مشوه عن حقيقته تمام التشويه كما شوه التاريخ قضايا كثيرة هامة جدا لأنها لم تحصل على القدر الكافي من
النشر والبيان والتعقيب مثل حادثة يوم غدیر خم وقد بلغ من أثر الإهمال والإخفاء لواقعة غدیر خم أن بعض الكتاب يذكرها بأنها واقعة من وقائع العرب في الجاهلية . أجل هكذا يضيع الحق ويخفى الواقع إذا لم تتوفر له الدعوة الكافية كقضايا وفاة الرسول الأكرم (صلی الله علیخ و آله) وما جرى على ابنته فاطمة وآل البيت بعد وفاته من غصب وهضم للحقوق واعتداء على الحرمات والكرامات .. وغيرها .
وبعد أن تبينا هذين الوجهين من وجوه الحكمة في حمل الحسين (علیه السلام) للعيال معه نختم هذا الفصل بذكر هذا الوجه الثالث وهو لا يقل أهمية عن الوجهين السابقين ألا وهو الحفاظ على حياة الإمام زین العابدين (علیه السلام) إذ لا شك في أنه لولا وجود العقيلة زينب (علیها السلام) لقتل زین العابدين بعد قتل الحسين (علیه السلام) حتما . حيث تعرض الإمام (علیه السلام) للقتل مرتين المرة الأولى يوم عاشوراء لما هجم الأعداء على مخيم الحسين (علیه السلام) ودخل الشمر علی زین العابدين وهو مريض لا يفيق من شدة المرض فجذب النطع من تحته وقلبه على وجهه ثم جرد السيف ليقتله فانكبت عليه عمته زینب (علیها السلام) واعتنقته وصاحت إن أردتم قتله فاقتلوني قبله وبينما هي كذلك إذ دخل عمر بن سعد الخيمة فلما نظر إلى العقيلة زينب منكبة عليه قال للشمر دعه لها فإنه لما به فتركه. والمرة الثانية في مجلس عبيد الله ابن زیاد لما نظر إلى الإمام (علیه السلام) وقال له من أنت قال أنا علي بن الحسين قال اللعين أوليس قد قتل الله علية فقال الإمام (علیه السلام) كان لي أخ أكبر مني يسمى علي قتله الناس يوم كربلاءفقال ابن زیاد بل الله قتله فقال الإمام الله يتوفى الأنفس حین موتها فغضب ابن زیاد وقال أو بك جرأة على رد جوابي . غلمان جروا ابن الخارجي واضربوا عنقه فقامت الجلاوزة وسحبوا الإمام إلى القتل فقامت العقيلة زينب (علیها السلام) ورمت بنفسها عليه وصاحت یا بن زیاد حسبك من دمائنا ما سفكت فاترك لنا هذا العليل وان كنت قد أردت قتله
فاقتلني قبله قالوا فنظر إليها ابن زیاد وقال عجبا للرحم أنها والله لتود أن تقتل دونه فاتركوه لها فإنه لما به . فتركوه .(1)
فإن قلت لماذا أخرج الحسين (علیه السلام) ابنه زين العابدين معه وهو مريض عليل؟
قلت أن زين العابدين (علیه السلام) لم يكن مريضا عند خروجه من المدينة ولا من مكة ولا في أثناء الطريق وإنما بدأ فيه المرض لما نزلوا أرض كربلاء وأخذ المرض يتزايد فيه حتى بلغ معه إلى أقصى شدته يوم عاشوراء وفي ذلك عناية خاصة من الله تعالى وهي أن لا تبقى الأرض خالية من الإمام إذ لولا مرضه (علیه السلام) لكان الواجب يفرض عليه الدفاع عن أبيه الحسين (علیه السلام) والاستشهاد بين يديه .
والخلاصة .. إن في حمل العيال وإخراج النساء معه مصالح وحكم وتلك بعضها أو أهمها وقد أشار الحسين (علیه السلام) إلى تلك المصالح والحكم بكلمته الإجمالية المعروفة «قد شاء الله أن يراهن سبايا (2)، وهو جواب مقتضب ولميشأ في تلك الساعة أن يفصح عن الهدف لئلا يستفيد الخصم من كلامه فيكون ذلك حائلا دون الوصول بالثورة إلى أهدافها، قالها للذين سألوه ما معنی حملك لهذه النسوة... فأشاعة الله تعلقت بإحياء دينه وحفظ قرآنه وإبقاء شریعته . ولما لم تكن هناك وسائل طبيعية لهذه الغاية سوى استشهاد الحسين وصحبه وسبي زينب (علیها السلام) وأخواتها لذا فقد تعلقت إرادته سبحانه عرضا بقتل الحسين وسبي النساء تماما كما قال الحسين (علیه السلام) لقد شاء الله أن پرانی قتيلا وقد شاء الله أن يراهن سبايا .
ولنعم ما قاله بعض الأدباء :
وتشاطرت هي والحسين بنهضة
حتم القضاء عليهما أن يندبا
هذا بمعترك الرماح وهذه
في حیث معترك المكاره في السبا
ولذلك نجد الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) اشترط على زوج العقيلة زينب وهو ابن أخيه عبد الله بن جعفر بن أبي طالب لما زوجه بابنته زینب اشترط عليه شرطة ضمن العقد أن لا يمنعها من الخروج مع أخيها الحسين (علیه السلام) إلىالعراق . وهذا يكشف عن مدى بعد النظر وسعة علم الإمام (علیه السلام) بما سيجري و بالمصالح التي تترتب على مشاركة زينب للحسين في ثورته .
ولم تزل تلك العقائل بعد الحسين وعلى رأسهن زینب (علیها السلام) لم يزلن يؤلبن النفوس ضد الحكم الأموي الغاشم ويهيجن الرأي العام ضد یزید بن معاوية وذلك بعقد المجالس و بالندبة وتعداد الجرائم والموبقات التي صدرت من الفئة الحاكمة تجاه آل الرسول. حتى ضاق یزید ذرعة بهن وأمر بإبعاد العقيلة زينب من مدينة جدها رسول الله (صلی الله علیخ و آله) فأبعدوها إلى مصر على أشهر الأقوال فعاشت في مصر مدة حياتها بعد الحسين نادبة باكية داعية إلى الحق حتى التحقت بأخيها ودفنت هناك فكانت أول لاحقة بالحسين (علیه السلام) من أهل بيته فسلام عليها يوم ولدت ويوم شاركت في أقدس ثورة ويوم توفيت مناضلة بطلة ويوم تبعث إلى الله لتشكو إليه ظلم الأمة وغدرها وانقلابهم على الأعقاب . وفي الختام نسأل الباري جل شأنه أن يتغمد شيخنا العلامة الأصفهاني بواسع رحمته حيث يقول في أرجوزة له في العقيلة الكبرى (علیها السلام):
مليكة الدنيا عقيلة النسا
عديلة الخامس من أهل الكسا
شريكة الشهيد في مصائبه
كفيلة السجاد في نوائبه
بل هي الناموس رواق العظمة
سيدة العقائل المعظمة
أم الكتاب في جوامع العلا
أم المصاب في مجامع البلا
رضيعة الوحي شقيقة الهدی
ربیبة الفضل حليفة الندى
ربة خدر القدس والطهارة
في الصون والعفاف والخفارة
ما ورثته من نبي الرحمة
جوامع العلم أصول الحكمة
سر أبيها في علو الهمة
والصبر في الشدائد الملمة
بيانها يفصح عن بيانه
كأنها تفرغ عن لسانه
فإنها وليدة الفصاحة
والدها فارس تلك الساحة
وما أصاب أمها من البلا
فهو تراثها بطف کربلا
لكنها عظيمة بلواها
من الخطوب شاهدت أدهاها
وما رأت بالطف من أهوالها
جل عن الوصف بیان حالها
وسوقها إلى يزيد الطاغية
أشجی فجيعة وأدهی داهية
أمامها رأس الإمام الزاكي
وخلفها النوائح البواكي
أتوقف الحرة من آل العبا
بين يدي طليقها واعجبا
وقد أبانت كفر ذاك الطاغي
بأحسن البيان والبلاغ
حنت بقلب موجع محترق
على أخيها فأجابها الشقي
یا صيحة تحمد من صوائح
ما أهون النواح على النوائح
قوله تعالى :«وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ»(1)
هذه الآية الكريمة تمثل بها الحسين (علیه السلام) عندما دخل إلى مكة مهاجرة من مدينة الرسول (صلی الله علیخ و آله) وذلك في الخامس من شعبان سنة 60 من الهجرة، وتوجه الحسين (علیه السلام) بنهضته المباركة إلى مكة وحلوله فيها أمر معقول و مشروع للغاية يقره الشرع والعرف السياسي. أما من الناحية الشرعية فإنه يجب على الإنسان أن يحل بلدة يمكنه فيه القيام بواجباته مع الحفاظ على حياته ما أمكن، ومكة المكرمة هي البلد الوحيد في ذلك اليوم الذي يتمكن فيه الحسين (علیه السلام) الجمع بين هذين الأمرين معا. لأنه حرم مقدس ومأمن لكل شيء حتى الحيوان والطير والنبات بنص الكتاب العزيز «وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا (2)حتى قاتل النفس المحرمة إذا دخل مكة آمن على حياته من القصاص. نعم يضيق عليه حتی يخرج عنها ثم يقتص منه .
وأما من الناحية السياسية فإن الحسين (علیه السلام) قائم بثورة فكرية إصلاحية وهي بحاجة إلى إعلام ودعوة وأنصار . ولا شك أن مكة يومئذ أنسب بلد للقيام بذلك كله لأنها مختلف الناس وممر المسلمين من جميع الأقطار وكل
حدث يحدث في مكة ينعکس صداه فورة في كافة الأقطار الإسلامية وتسير به الركبان إلى جميع العالم الإسلامي وكل دعوة تنبثق في مكة سرعان ما تصل إلى أسماع المسلمين في كل مكان. وفعلا استطاع الحسين (علیه السلام) بفضل إقامته في مكة أن يبلغ أنباء ثورته على الحكم الأموي إلى أكثر الأقطار ويتصل بكثير من الوجوه والزعماء والوفود. ولذا فقد اجتمع له في خلال تلك المدة بين السنة آلاف والعشرة آلاف رجل وهم الذين تفرقوا عنه أثناء الطريق عندما ظهر لهم غدر أهل الكوفة بالحسين (علیه السلام) وفي خلال تلك المدة تسلم أثني عشر ألف کتاب دعوة من أهل العراق بالتوجه إليهم. وعلى كل حال كان في إقامة الحسين (علیه السلام) في مكة المكرمة دعما كبيرا لقضيته وإعلانا واسعا عن ثورته ولكن الذي حدث بعد ذلك وجعل الحسين يضطر إلى الخروج من مكة بكل سرعة واستعجال. هو أن الأمويين قرروا هتك حرمة مكة وانتهاك كرامتها وصمموا على قتل الحسين فيها ولو كان متعلقا بأستار الكعبة. واتخذوا لذلك جميع الإجراءات فبعث یزید جيشأ يتألف من ثلاثين ألف رجلا فأحاط بمكة خوفا من أن يقوم الحسين بثورة مسلحة فيها ضدهم وعزل والي مكة وعين مکانه عمرو بن سعيد الأشدق المعروف بعدائه الشديد للهاشميين وضم إليه إمارة الحرمين مكة والمدينة حيث كان قد عزل والي المدينة أيضا لتهاونه في أمر الحسين ولم يعجل في قتله قبل خروجه من المدينة .
وبالإضافة إلى ذلك كله بعث ثلاثين جاسوسة اندسوا مع الحجاج (لغرضقتل الحسين) أينما وجدوه ولو كان معلقا بأستار الكعبة. ولو تأخر الحسين ، مع ذلك في مكة لمدة قليلة أخرى لقتل غيلة على يد أولئك الجواسيس والذهب
دمه هدرة وعفي أثر الجريمة تماما ولأنکر قتله نهائيا و بتاتا، ولذهبت ثورته المقدسة أدراج الرياح بدون أثر وقبل أن يقوم بتلك التضحيات التي هزت ضمير العالم وزلزلت العرش تحت أقدام آل أبي سفيان. إن الحسين لم يخرج من المدينة أو مكة هربا من القتل من حيث هو لأنه كان يعلم أن مصيره القتل على كل حال خرج أو لم يخرج ولكن هرب من القتل قبل الأوان من القتل قبل أداء الواجب أو قل هرب من قتلة عقيمة وهرب أيضا من شيء آخر، وهو هتك حرمة البيت الحرام بسببه كما صرح بذلك لبعض المعترضين عليه بالخروج فقال (علیه السلام) :
إني أحب أن أقتل خارج مكة بباع خير من ذراع لئلا أكون الذي تستباح به حرمة هذا البيت».
وما انتهكت حرمة مكة والبيت الحرام منذ أن حرمهما الإسلام إلا على يد الأمويين فهم أول من هتكوا الحرمات وسحقوا المقدسات فكره الحسين (علیه السلام) أن يكون دمه أول دم يسفك في البيت وأول إنسان به تهتك حرمة الحرم. لذا خرج يوم التروية أي يوم الثامن من ذي الحجة حيث لم يتمكن من إتمام الحجفطاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة وأحل من إحرامه وجعلها عمرة مفردة . قال الفرزدق الشاعر حججت بأمي سنة ستين للهجرة فبينا أنا أسوق بعيرها وقد دخلت الحرم وإذا بقطار خارج من مكة فقلت لمن هذا القطار فقيل للحسين بن علي بن أبي طالب (علیه السلام) فدنوت منه وسلمت عليه وقلت له يابن رسول الله ما الذي أعجلك عن الحج فقال (علیه السلام) يا عبد الله لولم أعجل الأخذت . وقال لسائل آخر إن بني أمية لا يدعونني حتى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي . (1)
1) راجع الإرشاد للمفيد: ج2 ص76.
والخلاصة: لقد أصاب (علیه السلام) وعمل بمقتضى الحكمة في توجهه أولا إلى مكة ثم في خروجه منها بعد أن أحدق به خطر القتل. فهو (علیه السلام) بدخوله إلى مكة وإقامته فيها طيلة أربعة أشهر مهد لثورته المقدسة تمهيدا إعلامية ودعائية کاملا . وبخروجه منها حفظ حياته للقيام بمهام الثورة من حيث العمل والتطبيق . وأخيرة فهذه حياة المصلحين الأحرار حياة تشريد ومطاردة وخوف واضطهاد ولله در الحاج مجید الحلي رحمه الله حيث قال :
أيطيب عيش وبن فاطمة
نهبت حشاه البيض والسمر
تالله لا أنساه مضطهدة
حتى يضم عظامي القبر
ومشردا ضاق الفضا به
فكان لا بلد ولا مصر
منع المناسك أن يؤديها
بمنی فکان قضائها النحر
إن فاته رمي الجمار فقد
أذكى لهيب فؤاده الجمر
يسعى لأخوان الصفاء وهم
فوق الصعيد نساءك جزرو
ويطوف حول جسومهم وبه
انتظم المصاب ودمعه نثر
أفديه مستلمة بجبهته
حجرة إذا مافاته الحجر
للشيخ صالح الكوازره :
إذا ما سقى الله البلاد فلا سقى
معاهد كوفان بنوء المرازم
أتت كتبهم في طيهن كتائب
وما رقمت إلا بسم الأراقم
لخير إمام قام في الأمر فانبرت
له نكبات أقعدت كل قائم
أن أقدم إلينا يا بن أكرم من مشى
على قدم من عربها والأعاجم
فكم لك أنصارة لدينا وشيعة
رجالا كرامة فوق خیل کرائم
فودع مأمون الرسالة وامتطى
متون المراسيل الهجان الرواسم
وجشمها نجد العراق تحفه
مصالیت حرب من ذوابة هاشم
يتساءل الكثيرون ممن يستمع إلى سيرة الحسين ، ويقول واعجبا كيف وثق الحسين، بأهل الكوفة واعتمد عليهم في ثورته ولبى طلبهم وهو من أعلم الناس وأعرفهم بغدر أهل الكوفة وتقلبهم. وقد سبق له أن جربهم مع أبيه علي وأخيه الحسن ، هذا بالإضافة إلى نصح جملة من خلص أصحابه وأقاربه له بعدم الركون إلى رسائلهم ورسلهم فإنهم قوم غدر وخيانة؟
ونقول لهؤلاء إن ما فعله الحسين ، كان عين الصواب والصحيح في عرف الشرع والسياسة . أما أنه لم ينجح في عمله هذا فذلك بحث آخر سوف نتعرض له
في الفصول الآتية تحت عنوان (هل كانت ثورة الحسين (علیه السلام) ناجحة أم لا؟).
أما توجه الحسين (علیه السلام) يومئذ وهو في تلك الظروف إلى العراق كان مطابقة للشرع والعرف السياسي الصحيح. نقول كان مطابقة للشرع لأن الشارع الإسلامي يركز أحكامه على الناس حسب ظواهر هم ويعتبر الظواهر هي الحجة والقياس ومناط الأحكام. أما البواطن والخفايا والظنون والأمور الغيبية فلا اعتبار لها في التشريع الإسلامي وإنما أمرها إلى الله والله وحده هو المحاسب عليها يوم الحساب . قال سبحانه وتعالى :«وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا »(1)قبل نزلت في مسلم رفع السيف في بعض الغزوات على مشرك ليقتله فقال المشرك : أشهد أن لا إله إلا الله ولكن المسلم مع ذلك ضربه بالسيف وقتله. فبلغ الحادث إلى رسول الله فدعا بالمسلم وقال له : لم قتلته وأنت سمعته يشهد أن لا إله إلا الله . فقال المسلم: یا رسول الله أنه قالها خوف السيف لا عن إيمان وعقيدة فقال الرسول (صلی الله علیخ و آله) : وما يدريك بذلك فهل فلقت قلبه وعرفت كذبه . وعلى أثر هذه القضية نزلت الآية الكريمة :«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا » النساء آية 94 تفسير المنار ج5.
ونصوص القرآن على حجية الظواهر في الإسلام كثيرة منها قوله تعالی : «إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا »(2)
وقوله تعالى : «وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ »(3).
وقوله تعالى :«اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا »(1)
وأما السنة فأقوال وأفعال منها قوله (علیه السلام) : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله فإذا قالوها حقنوا دمائهم وأموالهم وأعراضهم.(2)وأيضا أحاديث أخرى مضمونها : من تشهد بشهادتنا و صلی إلى قبلتنا... فله ما لنا وعليه ما علينا.(3)
وأكثر قواعد وأصول الفقه الإسلامي مبنية على الظاهر القائم بالفعل مثل قاعدة : المتهم بريء حتى تثبت إدانته. أو قاعدة : لا يجوز القصاص قبل الجناية. وقاعدة اليد وقاعدة الطهارة وقاعدة الخلية وقاعدة الإباحة وغيرها.... فالخلاصة أن الإسلام دين يعامل الناس على الظاهر منهم لا على ما يمكن أن سيبدوا. فإذا تحقق هذا نقول: أن أهل الكوفة أظهروا الولاء والطاعة للحسين (علیه السلام) بشكل من الإخلاص والإلحاح والجدية لم يسبق له مثيل ، وكان إظهارهم لهذا الولاء منذ عصر معاوية وفي حياة الحسن (علیه السلام) وبعده وتضاعف طلبهم له عند وفاة معاوية ولما بلغهم نبأ وفاة معاوية وامتناع الحسين (علیه السلام) من البيعة ليزيد وجهوا رسلهم ورسائلهم ووفودهم إلىالحسين (علیه السلام) وهو بعد في المدينة ولما استقر الحسين في مكة انهالت عليه طلباتهم وكتبهم كالسيل المتدفق حتى تسلم الحسين منهم في يوم واحد ستمائة كتاب وبلغ مجموع كتبهم إلى الحسين (علیه السلام) خلال مدة إقامة الحسين (علیه السلام) في مكة بلغ مجموعها إلى أثني عشر ألف كتاب و كل كتاب موقع من قبل رجلين والثلاث والأربع. وكلها تكرر عبارة «أقدم یا بن رسول الله ليس لنا إمام غيرك
فلقد أخضر الجناب وأينعت الثمار وإنما تقدم على جند لك مجندة، (1)وكتب له بعضهم قائلا : إن لم تجب دعوتنا وتلبي طلبنا وتتوجه إلينا خاصمناك بين يدي الله يوم القيامة.(2)
فأي حجة أعظم وألزم من ذلك وأي عذر للحسين (علیه السلام) أمام الله وأمام التاريخ إذا لم يلبي دعوتهم بعد ذلك كله وهل كان يبرر له ذلك أن يقول کنت أظن أو أتوقع منهم الغدر والخلاف ، وهذا الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) يقول في دستوره الخالد إلى واليه على مصر مالك الأشتر: «إن في الناس عیوبة،الوالي أحق من سترها فلا تكشفن عما غاب عنك منها فإنما عليك تطهير ما ظهر لك والله يحكم على ما غاب عنك . (3)
ومن قبله رسول الله (صلی الله علیخ و آله) فكم كان يرتب آثار المسلمين وأحكامهم على المنافقين الذين يعلم علم اليقين إنهم كاذبون في كل ما يظهرون ولكن الإسلام يعامل الناس على الظاهر حتى يتبين الخلاف والعكس. والحسين (علیه السلام) سار حسب ما يقتضيه الشرع ولبي دعوة أهل الكوفة لما أتموا الحجة عليه بطلباتهم المتكررة ودعواتهم الحارة المتواترة وقد أضيف إلى تلك الحجة عليه حجة أخرى ألا وهي رسائل سفيره ونائبه الخاص مسلم بن عقیل، الذي بعثه إلى الكوفة ليستكشف حقيقة الأمر أكثر فأكثر ويتعرف على واقع تلك الدعوات عن كثب فكان نتيجة ما قام به مسلم بن عقيل طيلة أكثر من شهرين في الكوفة أن كتب إلى الحسين (علیه السلام) مؤكدة له استعداد أهل الكوفة للتضحية بين يديه بالنفس والنفيس وبكل غال وعزيز ويستحثه على القدوم إلى الكوفة فورا. وكان مما قاله في بعض كتبه إلى الحسين (علیه السلام) : «أما بعد فأقدم یا بن رسول الله فإن الرائد
لا يكذب أهله إن الناس ينتظرونك وإن الكوفة بأسرها معك ...
فهل ترى أيها القارئ الكريم أي عذر للحسين بعد كل هذا إذا تخلف عن إجابتهم وترك التوجه إليهم.
وقد صرح هو (علیه السلام) بالمسؤولية التي توجهت إليه تجاه أهل الكوفة لابن عمه عبد الله بن عباس لما ألح عليه بترك المسير إلى العراق . فقال الحسين (علیه السلام) یابن عم لقد كثرت علي كتبهم وتوافرت علي رسلهم ووجبت علي واجباتهم...
وأما من الناحية السياسية والحكمة، فإن الحسين (علیه السلام) ثائر في وجه دولة قوية وحكومة مسيطرة. طبعا لا بد له من قوة كبيرة يستند إليها في هكذا ثورة . والعراق يومئذ أنسب قوة وأكبر سند لمثل تلك الثورة التي عزم الحسين على القيام بها وذلك نظرة إلى مركز العراق الجغرافي وموقعه الاستراتيجي ومناخه الاقتصادي و غيرها من الملائمات التي تميزه عن باقي الأقطار الأخرى . ومن ثم اختارها أمير المؤمنين (علیه السلام) من قبل مركزا لقيادته وعاصمة لخلافته ومنطلقة الحركته الإصلاحية الشاقة الواسعة بعد عهد عثمان الذي أغرق المجتمع الإسلامي بالمفاسد والانحرافات. وقد خرج منها على (علیه السلام) بمائة ألف مقاتل أو يزيدون إلى حرب صفين . والخلاصة هي أن الكوفة يومئذ أفضل وأنسب منطلق لكل حركة ثورية لولا عيب واحد فيها فوت کل مزاياها الثورية ألا وهي حالة التقلب والتلون التي امتاز بها أهل العراق عامة وأهل الكوفة خاصة. وقد نقل عن لسان کاهنة اليمن في كلمته التي حدد فيها صفات الشعوب والأقطار، فقال : «وأما العراق فشقاق ونفاق وثياب رقاق ودم مهراق».
وجاء في بعض وصایا معاوية لابنه يزيد قال : «وانظر أهل العراق فإن طلبوا منك أن تعزل عنهم في كل يوم والية وتنصب لهم آخر فافعل لأن ذلك
أيسر من أن يخرجوا عليك» .
ويعزو الخبراء هذه الحالة فيهم إلى إحساسهم المرهف وذكائهم الفطري المفرط فهم دائما وأبدا كانوا مصدر تعب وإزعاج للولاة والحكام والأمراء لا يستقيمون إلا تحت وطأة العنف والإرهاب والظلم. فهم كما قيل عنهم (عبيد العصا) على المدى البعيد. وطلاب الحق والعدل على المدى القريب . سریعو الإقبال وسريعو الأدبار .
وعلى كل حال نتساءل بعد كل هذا ونقول لو لم يتوجه الحسين علينغ إلى العراق رغم دعوتهم الملحة له فإلى أين كان يتوجه بعد أن صارت حياته في مكة معرضة للخطر في أي لحظة ولم يتلق دعوة من أي مكان آخر غير العراق فهل كان يبقى في مكة حتى يقبض عليه ويسلم أسيرة إلى يزيد أو يغتال ويقتل غدرة ويذهب دمه هدرة...
نعم لك أن تقول لماذا لم يعدل عن الكوفة عندما ظهر له غدرهم به وانقلابهم عليه ؟ فنقول أجل. لقد حاول العدول عنها بل عدل عن التوجه إليها فعلا لما التقى بطلائع جيش العدو بقيادة الحر بن یزید الرياحي . وأيقن بأنه ليس له في الكوفة مكان ولا أعوان ولكن الحر منعه من ذلك وصمم على أن يأخذه إلى عبيد الله ابن زياد أسيرة وبعد محاولات عنيفة وتمانع من الطرفين اتفق الحسين (علیه السلام) معهم على أن يسلك طريقة لا يرده إلى مكة والمدينة ولا يدخله إلى الكوفة ليسير على وجهه في أرض الله تعالى إلى حيث ينتهي به السير . وهكذا كان وأخذ الحسين (علیه السلام) طريقة وسطأ وصار يتياسر عن الكوفة إلى الغرب متجهة نحو المدائن بقصد أن يخرج من منطقة نفوذ بن زیاد الذي كان أخبث وأشقى رجل في عمال يزيد وأشدهم عداءة وبغضة لآل النبي (صلی الله علیخ و آله).فسار الحسين (علیه السلام) في الاتجاه الجديد والحر وأصحابه يسايرونه على البعد حتی وصل أرض كربلاء وهي أرض على شاطئ الفرات كانت تسمى نینوی
والغاظریات ووادي الطفوف فلما وصل ركب الحسين (علیه السلام) إليها وصل أيضأ رسول من ابن زیاد بكتاب منه إلى الحر الرياحي يذكر فيه اطلاعه على ما حدث بينه وبين الحسين (علیه السلام) ويأمره فيه أن يأتي إليه بالحسين (علیه السلام) سلمة مستسلمة وإلا فليحبسه عن الرجوع أو المسير وليجعجع به في المكان الذي يصل فيه الكتاب إليه ويخبره بأن حامل الكتاب عين عليه . فدنا الحر عند ذلك من الحسين (علیه السلام) وأطلعه على الكتاب وقال لا يسعني بعد هذا أن أدعك مستمرة في سيرك فإما أن تنزل هنا أو نقاتلك فعرض عليه بعض أصحابه القتال مع القوم فقال (علیه السلام) إني أكره أن أبدئهم بقتال ثم نزل الحسين وأصحابه في جانب ونزل الحر في ألف فارس في جانب آخر من أرض كربلاء وذلك يوم الثاني من شهر المحرم الحرام سنة 61 للهجرة ثم كتب الحر إلى ابن زیاد کتاب يخبره بنزول الحسين (علیه السلام) أرض کربلاء فكتب ابن زیاد إلى الحسين (علیه السلام) كتابا يقول فيه :
أما بعد يا حسين فقد بلغني نزولك أرض كربلاء وقد كتب إلي أمير المؤمنين يزيد أن لا أتوسد الوثير ولا أشبع من الحمير حتى ألحقك باللطيف الخبير أو تنزل على حكمي وحكم یزید ...
فلما وصل كتابه إلى الحسين (علیه السلام) وقرأه رماه من يده وقال : «لا أفلح قوماشتروا مرضاة المخلوق بسخط الخالق». فقال (علیه السلام) الرسول : الجواب أبا عبد الله فقال له : «ليس له عندي جواب فقد حقت عليه كلمة العذاب». .
فعاد الرسول إلى ابن زیاد فأخبره، فغضب ابن زیاد وجمع الناس في الجامع الأعظم وخطبهم وأعلن النفير العام وقال : برئت الذمة ممن وجدناه بعد ثلاثة أيام لم يخرج إلى حرب الحسين بن علي (علیه السلام) ويروى أنه جيء إليه بعد الثلاث برجل فقال لم لم تخرج إلى حرب الحسين (علیه السلام) فقال أنا رجل غريب من أهل الشام جئت إلى الكوفة في حاجة وغدة خارج عنها فقال ابن زیاد : وأنت صادق في قولك ولكن في قتلك تأديب للآخرين ثم أمر به فقتلوه .
وهكذا ساق الناس إلى حرب الحسين (علیه السلام) على الصعب والذلول حتى اجتمع لحرب الحسين (علیه السلام) في كربلاء ثلاثون ألف مقاتل أو يزيدون ، كلهم من أهل الكوفة ليس فيهم شامي ولا حجازي... وحيث أن أهل العراق لا يوثق بهم لذا أخذ يزيد الاحتياط لنفسه حذر من انقلاب أهل الكوفة على ابن زیاد فجهز جيشا من ستين ألف رجل وبعثه إلى العراق ونزل بالقرب من كربلاء وأرسل قائده إلى عمر بن سعد يعرض عليه استعداده للاشتراك معهم في حرب الحسين (علیه السلام) متى أراد وفي ذلك يقول بعض الأدباء :
ملا القفار علی بن فاطمة
جندو ملاصدورهم ذحل
جاءت وقائدها العما وإلى
حرب الحسين يسوقها الجهل
بجحافل بالطف أولها
وأخيرها بالشام متصل
جاءوا بسبعين ألفا سل بقيتهم
هل قابلونا وقد جئنا بسمعنا
لقد تعددت الروايات واختلفت الأخبار في عدد أفراد الجيش الذي خرج إلى حرب الحسين (علیه السلام) بكربلاء، والأشهر الأصح منها يتفاوت ويتراوح بين الثلاثين ألف والسبعين ألف مقاتل وقد أجمع المؤرخون على أنهم جميعا كانوا من أهل الكوفة خاصة ليس فيهم شامي ولا حجازي ولا بصري والمعروف عن أهل الكوفة أنهم شيعة أو يغلب عليهم التشيع لأهل البيت (علیهم السلام) ومن هنا استنتج بعض الذين كتبوا في الحسين (علیه السلام) أن الشيعة هم الذين قتلوا الحسين (علیه السلام) بكربلاء ويفسرون أيضا زيارة الشيعة لمرقد الحسين (علیه السلام) بكربلاء وبكاء الشيعة على الحسين (علیه السلام) أيام عاشوراء وغيرها من مظاهر الحداد التي يقيمونها اليوم على الحسين (علیه السلام)يفسر هؤلاء الكتاب ذلك منهم بأنه ندم وتكفير لما فعله سلفهم وآبائهم من قبل وتعبير منهم عن مدى إحساسهم بقبح الجريمة التي ارتكبها الأجداد ... أقول هكذا قال بعض المعاصرين من الذين كتبوا عن الحسين (علیه السلام). فهل هذا صحيح؟!..
الجواب: كلا. لم يكن في ذلك الجيش الذي اجتمع على حرب الحسين (علیه السلام) بكربلاء يوم العاشر من المحرم ولا شيعي واحد. بل كان ذلك الجيش خليطامؤلفة من الخوارج ومن الحزب الأموي ومن المنافقين الذين عانی منهم الإمام علي والإمام الحسن من المحن والأذى وأيضا كان فيهم كثير من
المرتزقة الذين كانوا يشكلون جيش نظامية أقامه الولاة للاستعانة بهم على قمع الفتن والحركات الداخلية وكان أكثرهم من الحمر. أي غير العرب لم يعرف لهم نسب ولا حسب ولا مبدأ وبكلمة واحدة ما كان فيهم شيعي قط.
ودليلنا على ذلك هو: أولا إن الكوفة كانت علوية النزعة ويغلب عليها التشيع في عهد الإمام علي (علیه السلام) ولكنها لم تبق على ذلك بعده لأن معاوية وولاته عندما استولوا على الكوفة بعد مقتل الإمام علي (علیه السلام) قتلوا الشيعة فيها وشردوهم حتى لم يبق فيها في عصر زیاد ونجله شيعي بارز معروف إلا وهو مقتول أو مسجون أو مشرد .
وإن أردت تفصيل ما فعله معاوية بالشيعة في الكوفة وغيرها في عهد خلافته فأقرأ كتب التاريخ والسيرة لتعرف كيف قامت المجازر البشرية ونصبت المشانق وفتحت السجون لإبادة الشيعة والتشيع في ذلك العصر المشئوم حتى بلغ الحال أن الرجل كان يتهم بالكفر والإلحاد والزندقة فلا خوف عليه ولكن إذا اتهم بالتشيع لعلي (علیه السلام) سفك دمه ونهب ماله وهدمت داره.
کتب معاوية بن أبي سفيان بنسخة واحدة إلى جميع عماله وولاته في الأقطار أن انظروا إلى من يتهم بحب علي (علیه السلام) فامسحوا اسمه من الديوان أي من كافة الحقوق المدنية والمالية) ومن قامت عليه البينة أنه من شيعةعلي فاقتلوه وانهبوا ماله واهدموا داره.
ولقد حار الخبراء والمتتبعون للتأريخ كيف بقي في العالم شيعة مع تلك الحملات الإبادية والاضطهادات والمطاردات التي قامت ضدهم طيلة مئة عام أو أكثر فترة الحكم الأموي وبعده في حين أن بعض الطوائف التي ظهرت في تلك الفترة قد أبيدت وزالت كلية لما وجه إليها بعض ما وجه إلى الشيعة من الضغط والتنكيل... أجل أن المقتضى الطبيعي لما لاقاه الشيعة من أعدائهم أبان الحكم الأموي هو أن لا يبقى لهم عين في العالم ولا أثر. ولكن بما أن التشيع
هو دين الله الكامل ونوره المبين والحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وشريعة قرآنه المنزل على خاتم أنبيائه محمد(صلی الله علیخ و آله) .وقد تعهد الله سبحانه وتعالى أن يحفظ دينه ويتم نوره ويحفظ قرآنه ويظهر الحق على الباطل ولو کره الكافرون «فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ»(1)وها هو التشيع اليوم يعم أقطار الأرض ولا يكاد يخلو منه مكان في العالم. والذين ينتمون إليه اليوم يبلغون مئة مليون أو أكثر من المسلمين ؛ وهذا علي بن أبي طالب الذي كان يشتم ويسب على المنابر الإسلامية طيلة الحكم الأموي ها هو اسمه اليوم على المأذن مقرونا باسم الله وباسم رسوله .«يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ»(2)
والخلاصة : لم يبق في عصر الحسين (علیه السلام) في الكوفة من الشيعة سوى أقلية قليلة هم بقية حملات الإبادة والسيف والتنكيل الأموي وكانوا لا يتجاوزون الأربعة أو الخمسة آلاف رجلا وهم الذين كان ابن زیاد (لعنه الله) قد ملأ بهم سجون الكوفة ومعتقلاتها قبل قدوم الحسين (علیه السلام) إلى العراق وهؤلاء هم كل الشيعة في الكوفة يومئذ وهم الذين كسروا السجون بعد أن ترك ابن زياد العراق والتحق بالشام كسروا السجون وخرجوا ثائرین بدم الحسين (علیه السلام) بعد قتله بما يقرب من أربع سنوات وقبل ثورة المختار وتوجهوا نحو الشام والتقوا بجيوش الأمويين على نهر الزاب في شمال العراق وقاتلوا حتى قتلوا. وعرفوا في التاريخ بالتوابين. وهي تسمية غير حقيقية حيث لم تصدر منهم خطيئة بالنسبة إلى الحسين (علیه السلام) حتى يكون قتلهم في الثأر له توبة عنها بل هم الآسفون على
الأصح حيث أسفوا أن يقتل الحسين (علیه السلام) ولم يستطيعوا الدفاع عنه وقالوا :
لا خير في العيش بعده) فإذا اتهام الشيعة بأنهم قتلوا الحسين. لأن أهل الكوفة كانوا في وقت من الأوقات شيعة بمجموعهم أو بأكثريتهم. اتهام باطل لا
أساس له وقد عرفت وجه البطلان فيه .
وأما ما نراه اليوم من الأكثرية الشيعية في العراق فإنه حدث بعد ذلك وبعد زوال السلطان الأموي الجائر عن العراق والعالم الإسلامي وعلى أثر الحريات التي نالها الشيعة في أكثر فترات الدولة العباسية وببركة العتبات المقدسة ومراقد أهل البيت (علیهم السلام) المنتشرة في أنحاء كثيرة من العراق. ولا تنسى أن الجامعة العلمية التي أسسها شيخ الطائفة أبو جعفر الطوسي أعلا الله مقامه في النجف الأشرف قبل أكثر من ألف عام كان لها الأثر الكبير في نشر التشيع في العراق وفي أنحاء أخرى من البلاد الإسلامية وذلك بما خرجته هذه الجامعة من فحول العلماء ورجال العلم وأعلام الدعوة و كبار الفلاسفة والمجتهدين ومراجع الدين حتى صارت النجف الأشرف مهوى أفئدة طلاب العلم والمعرفة وموطن العلماء العظام وعاصمة العالم الشيعي ولا تزال كذلك إلى اليوم وستبقى كذلك إلى الأبد إن شاء الله رغم كل المحاولات التي تبذل للقضاء على قدسية هذه المدينة العلمية المقدسة.
هذا كله بيان لبطلان هذا الاتهام من الناحية التاريخية و على صعيد الواقع القائم آنذاك . وأما إذا نظرنا إلى هذه التهمة من الناحية الفكرية وناقشناهاعلى الصعيد العقائدي فإنا نجد التناقض الصريح في مؤداها. لأن التشيع وقتل الحسين (علیه السلام) ضدان لا يجتمعان فقولهم أن الشيعة قتلوا الحسين (علیه السلام) نظير القول مثلا بأن المسلمين قتلوا النبي محمد (صلی الله علیخ و آله) أو قولنا مثلا بأن الشيوعيين قتلوا ماركس أو لينين . فهل هذا يمكن عادة؟
طبعا كلا. لأن معنی مسلم يعني من يقدس محمد (صلی الله علیخ و آله) ويحترمه
ويضحي بكل غال و عزیز دفاعا عنه وأن الشيوعي يعني ذلك الشخص الذي يقدس مارکس ولينين ويحترمهما إلى أبعد الحدود وينقاد لأوامرهما وتعاليمهما فكيف يمكن أن يقدم على قتلهما مع الاحتفاظ بشيوعيته وهل يعقل أن يقدم الإنسان على قتل رسول الله (صلی الله علیخ و آله) وهو في نفس الوقت مسلم ويصدق عليه صفة الإسلام. هذا مستحيل وغير معقول . نعم شخص کان مسلما ثم ارتد و کفر وقتل محمد (صلی الله علیخ و آله) مثلا يجوز ويعقل .
وهكذا الحال بالنسبة إلى الشيعي لأن التشيع عبارة عن تقدیس الحسين (علیه السلام) بشكل ليس فوقه تقديس إلا قدسية الله ورسوله والإنسان الشيعي هو الذي يؤمن بإمامة الحسين ويعتقد بخلافته عن رسول الله نصة وعقلا ویری الحسين (علیه السلام) حجة الله على خلقه ووليه في عباده وأنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم وإن مخالفته وعصيان أوامره کفر ومروق عن الدين فضلا عن قتله وسفك دمه . فكيف يجتمع هذا المعنى في نفس إنسان مع إقدامه على قتلالحسين (علیه السلام) متعمدة وأي تضاد وتهافت وتناقض أقبح من هذا. ولكن ويا للأسف إن الحقد على الشيعة والتعصب ضدهم أعمى البصائر وذهب بالعقول من هؤلاء حتى صاروا لا يتعقلون ما يقولون وأني لأتحدى أي أحد يثبت وجود شخص واحد شيعي بهذا المعنى في صفوف جيش عمر بن سعد الذي حارب الحسين بكربلاء.
نعم كان فيهم أناس كانوا سابقة من الشيعة . أي أنهم حضروا مع الإمام علي (علیه السلام) في معركة الجمل وفي معركة صفين مثل الشمر بن ذي الجوشن الضبابي وشبث بن ربعی وقيس بن الأشعث ومحمد بن الأشعث وغيرهم (لعنهم الله) ولكنهم ارتدوا بعد ذلك وصاروا خوارج وكفروا عليا في فتنة رفع المصاحف التي أثارها ابن العاص حسب ما هو معروف وهؤلاء الخوارج هم الذين قاتلهم الإمام علي (علیه السلام) في معركة النهروان فقتل من قتل منهم وانهزم
من انهزم وألف الخوارج طائفة من طوائف المسلمين بعد ذلك وتآمروا على قتل الإمام وقتلوه في الصلاة وهجموا على ابنه الحسن (علیه السلام) يوم ساباط وطعنوه ، وإلى غير ذلك من مظاهر عدائهم لعلي (علیه السلام) وأبنائه الطاهرين.
والحاصل: إن التشيع عقيدة وعمل وإن إطاعة الحسين (علیه السلام) واحترامه والدفاع عنه من صميم تلك العقيدة وقوام ذلك العمل كالذي فعله أولئك النفر من الشيعة أصحاب الحسين (علیه السلام) يوم كربلاء الذين بذلوا أنفسهم وضحوا بأبنائهم وعوائلهم وكل ما يملكون دفاعا عن الحسين وآله (علیهم السلام).
فسلام عليهم بما صبروا ونعم عقبى الدار. ورحم الله السيد رضا الهنديحيث قال فيهم:
وقفوایدرءون سمر العوالي
عنه والنبل وقفة الأشباح
فوقوه بيض الضبا بالنحور البيض
والنبل بالوجوه الصباح
فئة إن تعاور النقع ليلا
أطلعوا في سماه شهب الرماح
وإذا غنت السيوف وطافت
أكؤس الموت وانتشی کل صاح
باعدوا بين قربهم والمواظي
وجسوم الأعداء والأرواح
أدركوا بالحسين أكبر عید
فغدوا في منى الطفوف أضاح
وبعد هذا كله نعود فنقول: وأما بكاء الشيعة على الحسين وزيارتهم لقبره الشريف وغيرهما فليس هو بدافع الندم ولا لغرض تكفير جريمة الآباء كما زعم الخصم. بل هو بدوافع ولأغراض سنأتي على ذكرها قريبا إن شاء الله تعالی .
من الشبهات القوية حول قيام الحسين (علیه السلام) بثورته المباركة هي شبهة أن قيامه بها هل كان طلبا للملك والسلطان وللاستيلاء على الحكم أم لا؟ وقد تعرض الكثيرون ممن كتبوا عن الحسين (علیه السلام) لهذه الشبهة فنفوها نفيا كلية مؤكدين أن الحسين (علیه السلام) لم ينهض طلبا للحكم ولا كان من أهدافه انتزاع السلطة من الأمويين ولم يكن يفكر في ذلك أبدا.
فكأن هؤلاء يرون طعن في كرامة الحسين (علیه السلام) ونقصا في قدسية ثورته أن ينسبوا إليه الرغبة في الحكم والميل إلى تسلم السلطة والعمل من أجل انتزاع الخلافة من أيدي الأمويين. ويزعمون أن الحسين (علیه السلام) أجل وأرفع من أن يطلب الإمرة والحكم بتلك المحاولة. بل كان غرضه الأوحد القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن طريق التضحية والشهادة فقط وهؤلاء يشكرون على كل حال على نواياهم الطيبة تجاه الحسين (علیه السلام). ولكن الحقيقة والواقع هو خلاف ما يرون ويزعمون..
وذلك لأن طلب الحكم والسلطة والإمرة ليس قبيحة دائمة ولا هو مذموم مطلقا بل إذا كان طلب الحكم والسلطان صادرة من أهله الأكفاء ولغرض الإصلاح وإحقاق الحق ومكافحة الباطل فإنه حينئذ يكون محبوبا عقلا وقد يكون واجبة شرعية يفرضه الله تعالى على الإنسان الصالح اللائق للحكم والإمارة. مثله تماما كمثل طلب أي شيء آخر من وسائل الحياة الأخرى
كطلب المال والجاه مثلا. كما قال (علیه السلام) : أعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا وأعمل لأخرتك ..(1)وكيف يكون طلب الحكم نقصا أو عيبا وقد طلبه من قبل أبوه أمير المؤمنين طيلة خمس وعشرين سنة بعد رسول الله (صلی الله علیخ و آله) إلى أن وصل إليه بعد مقتل عثمان ولكنه (علیه السلام) أوضح لنا غاياته من وراء ذلك الطلب فقال أما والله أن إمرتكم لأهون علي من هذا النعل إلا أن أقيم حقا وأدفع باط. وقال (علیه السلام) أيضا في خطبة له :
اللهم إنك تعلم أنه لم يكن الذي كان منا منافسة في سلطان ولا التماس شيء من فضول الحطام ولكن لنرد المعالم من دينك ونظهر الإصلاح في بلادك فيأمن المظلومون من عبادك وتقام المعطلة من حدودك». .
فإذا لو كان طلب الحكم والسلطان لا لغرض المنافسة والتفاخر ولا للحصول على الشهوات واللذة الحقيرة ولا لخدمة مصلحة شخصية بل كان الغرض إعادة معالم الدين والإصلاح في البلاد ونشر العدل والأمن بين العباد وإنصاف المظلوم من الظالم .. وأمثالها فالطلب حينئذ أمر حسن و محبوب و مرغوب فيه شرعا ومنطقة، فأي ضير على الحسين (علیه السلام) إذا كان يطلب السلطة والحكم بتلك الثورة المقدسة لنفس هذه الأهداف ؟
أو ليس الحكم والسلطان حقه الشرعي والعقلي بعد أبيه وأخيه؟ أو ليس هو (علیه السلام) أحد أولي الأمر الذين فرض الله طاعتهم على عباده في محكم كتابه فقال : «أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ»(2)أو ليس هو (علیه السلام) أحد أئمة المسلمين الذين نص عليهم رسول الله (صلی الله علیخ و آله) جملة وتفصيلا؟ أو ليس هو (علیه السلام) أحد الإمامين اللذين نص الرسول على ثبوت الإمامة لهما سواء قاما
أم قعدا كما في الحديث المتواتر : الحسن والحسين إمامان. ثم هل كان في عصر الحسين (علیه السلام) من هو أجدر بالإمرة والخلافة من سيد شباب أهل الجنة أبي عبد الله الحسين (علیه السلام) ؟
ومن الجهة الثانية نسأل يا ترى ما الذي كان يفعله الحسين (علیه السلام) لو استلم السلطة أو ليس كان يفعل ما فعله رسول الله (صلی الله علیخ و آله) وأمير المؤمنين وكل الأنبياء والمرسلين والأوصياء الحاكمين ؟ فإذا أي نقص يرد على الثورة الحسين (علیه السلام) لو كانت بقصد الاستيلاء على الحكم وطلب السلطان؟ إن الذين يهاجمون ثورة الحسين (علیه السلام) من طريق اتهامها بأنها كانت طلبا للملك وصراعة على السلطة . هؤلاء لم يعرفوا شيئا عن شخصية الحسين (علیه السلام) بل نظروا إليه كزعيم سياسي قام طلبا للسلطة لأجل السلطة ككل الزعماء السياسيين الدنيويين الماديين في العالم. أما لو كانوا قد عرفوا حقيقة الحسين (علیه السلام) وأهدافه البعيدة وغاياته الرئيسية من تلك الثورة وإن طلبه للسلطة كان لأجل التواصل بها إلى تلك الغايات الإنسانية العليا . وإن الطريق الذي سلكه طلبا للسلطة هو طريق المثالية والشرف والنبل والشهامة والكرم وعدل عن الطريق التقليدي الذي يسلكه عادة الزعماء السياسيون وهو طريق الغاية تبرر الواسطة . وإن الملك عقيم...
أقول لو عرف أولئك المهاجمون هذه الأمور عن الحسين (علیه السلام) لعدلوا عن مسلك الاتهام. وهذا هو الأستاذ العقاد يرد عليهم في كتاب أبي الشهداء فيقول بالحرف ص 195 .
وأيسر شيء على الضعفاء الهازلين أن يذكروا هنا طلب الملك ليغمروا بهشهادة الحسين وذويه . فهؤلاء واهمون ضالون مغرقون في الوهم والظلال. الأن طلب الملك لا يمنع الشهادة وقد يطلب الرجل الملك شهيدة قديسا وقد يطلبه وهو مجرم برئ من القداسة . إنما هو طلب وطلب وإنما هي غاية وغاية وإنما المعول في هذا الأمر على الطلب لا على المطلوب فمن طلب الملك بكل
ثمن وتوسل له بكل وسيلة وسوى فيه بين الغصب والحق وبين الخداع والصدق وبين مصلحة الرعية ومفسدتها ففي سبيل الدنيا يعمل لا في سبيل الشهادة . ومن طلب الملك وأباه بالثمن المعيب وطلب الملك حقا ولم يطلبه لأنه شهوة وكفى وطلب الملك وهو يعلم أنه سيموت دونه لا محالة وطلب الملك وهو يعتز بنصر الإيمان ولا يعتز بنصر الجند والسلاح وطلب الملك رفعأ للمظلمة وجلبا للمصلحة كما وضحت له بنور إيمانه و تقواه . فليس ذلك بالعامل الذي يخدم نفسه بعمله ولكنه الشهيد الذي يلبي داعي المروءة والأريحية ويطيع وحي الإيمان والعقيدة ويضرب للناس مثلا يتجاوز حياة الفرد الواحد وحياة الأجيال الكثيرة». انتهت كلمة العقاد...
ويقول هو أيضا في نفس الكتاب : «إن الحسين (علیه السلام) طلب الخلافة بشروطها التي يرضاها ولم يطلبها غنيمة يحرص عليها مهما تكلفه من ثمن ومهما تطلب من وسيلة فكانت عنايته بالدعوة والإقناع أعظم جدا من عنايته بالتنظيم والإلزام». .
أعود فأقول ما المانع من أن يطلب الحسين (علیه السلام) الملك والسلطة بعد أن طلبهانبي الله سليمان بن داود (علیه السلام) من ربه صراحة . فقال «قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي »(1)وطلبها إبراهيم الخليل (علیه السلام) لذريته بعد أن حصل عليها هو لنفسه. قال :« قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ»(2)
وإلى غير ذلك من الشواهد والأمثال ونوجه الخطاب ثانية إلى هؤلاء
المدافعين عن الحسين بأنه لم ينهض طلبا للملك. فنقول لهم هاهو الحسين (علیه السلام) بالذات يصرح بأنه يطلب الإمرة والسلطان لأنه أولى بهما وأحق من يزيد بن معاوية وغيره. نعم أنظر إلى كلماته التي قالها في مجلس الوليد حاکم المدينة وبمحضر من مروان بن الحكم... فقال (علیه السلام) : «نحن أهل بيت النبوة وموضع الرسالة ومختلف الملائكة ومهبط الوحي والتنزیل ویزید رجل فاسق فاجر شارب للخمر قاتل النفس المحترمة معلن بالفسق والفجورومثلي لا يبايع مثله ولكن نصبح وتصبحون وننظر وتنظرون أينا أولى بالخلافة والأمر»..(1)
فالحسين (علیه السلام) يطلب الخلافة والأمر ولكن من طريق المنطق والموازين العادلة والتحكيم الحر والانتخاب الشعبي الصحيح. وعلمه بالشهادة والقتل دون الوصول إليها لا ينافي طلبه لها ولا يتعارض مع سعيه للحصول عليها لأن في الطلب والسعي إتمام للحجة على الناس وإفراغ للذمة من المسؤولية أمام الله والتاريخ حتى لا يقال أنه قصر أو تكاسل ولو رشح نفسه وسعى لها لحصل عليها. ومن قبله أخوه الحسن (علیه السلام) كان يعلم بكل ذلك المصير الذي وصل إليه علمأ كاملا. ومع ذلك لم يمنعه ذلك العلم من التهيؤ وتجهيز الجيش والمسير نحو الحرب مع العدو واتخاذ كافة اللوازم المطلوبة .
وهذا أبوهما أمير المؤمنين (علیه السلام) فإنه طلب الخلافة والإمرة التي هي حقه الشرعي والطبيعي بعد رسول الله (صلی الله علیخ و آله) . طلبها بكل الوسائل ماعدا السيف . إذ رأى أن في استعمال السيف يومئذ خطرا على مصلحة الإسلام العليا. ولكن استعمل الوسائل السلمية حتى أنه صار يحمل زوجته فاطمة (علیها السلام) وأبنائه الحسن والحسين ويطوف بهم على زعماء المهاجرين والأنصار وكبار الصحابة مطالبة بحقه و حقوق هؤلاء مذكرة لهم بالنصوص النبوية الشريفة التي سمعوها
1) راجع اللهوف: ص22.
من الرسول (صلی الله علیخ و آله) فی حقه وحق هؤلاء واستمر على ذلك أربعين يوما. وهو يعلم علم اليقين أنه لا يحصل على حقه من الخلافة ولا هؤلاء يحصلون على حقوقهم من الخمس ومن الميراث ومن فدك . ولكن ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة. كما أنه (علیه السلام) حضر مجلس الشورى مع الخمسة الآخرين الذين رشحهم عمر بن الخطاب للخلافة حضر معهم الإمام وطالب بالخلافة وحاجج القوم وبذل كل ما في وسعه من الجهد للوصول إلى الحكم. فلم يصل وكان يعلم علم اليقين أنه لا يصل. ولكن لإتمام الحجة وإبراء الذمة كما سبق وذكرنا في موضوع تعليل خروج الحسين (علیه السلام) إلى العراق أن الظواهر هي الحجة في العلائق والنظم الاجتماعية الإسلامية وواجب النبي والإمام أن يسير مع الناس حسب ظواهرهم وبمقتضى الأسباب والعوامل الطبيعية العادية ولا يرتب الآثار عليهم حسب المعلومات الغيبية والتنبؤات التي ليس عليها دلیل قائم أو أثر ملموس.
وبكلمة موجزة نقول أن لأهل البيت حقا وأن عليهم لواجبة أما حقهم فالقيادة والإمرة وأما واجبهم فإظهار الحق وبيانه . وظلامتهم الكبرى في الحياة أن قاموا بواجبهم أحسن قيام ولكن حرموا من كافة حقوقهم. وإن غصب حقهم عنهم لم يمنعهم من القيام بواجبهم. على أن ذلك الحق لو وصل إليهم کاملا لاستطاعوا من أداء مسؤوليتهم على وجه أكمل وأنفع للأمة كما قال أمير المؤمنين (علیه السلام) :
والله لو ثنيت لي الوسادة وجلست عليها لأفتيت بين أهل التوراة بتوراتهم وبين أهل الأنجيل بانجيلهم وبين أهل الفرقان بفرقانهم حتى ينطقوا جميعا ويقولوا صدق علي بما حكم.. . (1)
1) راجع تأويل الأبات: ص337.
وكما قال سلمان الفارسي رحمه الله في خطبة له بعد وفاة الرسول (صلی الله علیخ و آله) : «والله لو وليتموها علية لأكلتم من فوق رؤوسكم ومن تحت أقدامكم ولو دعوتم الطير في السماء لأتتكم والحيتان في البحار لأجابتكم ولما طاش سهم من سهام الله ولا تعطل حكم من أحكام الله ولكن حظكم أخطأتم ونصيبكم ضيعتم .(1)
وقالت فاطمة (علیها السلام) : «والله لو مالوا عن الحجة اللائحة وزالوا عن قبول الحجة الواضحة لردهم إليها ولحملهم عليها ولسار بهم سيرة سجحة لا يكلح خشاشه ولا يكل سائره ولا يمل راكبه ولأوردهم منه" نميرة صافية تطفح ضفتاه ولا يترنق جانباه ولأصدرهم بطانا ونصح لهم سرة وإعلان ولم يكن يتحلى من الدنيا بطائل... إلخ»،(2)وفي ختام هذا الموضوع نستمع إلى مقطوعة شعرية رائعة من المرحوم الحاج هاشم الكعبي رحمه الله:
أو ما علمت الماجدين
غداة جدوا بالرحيل
عقدوا على البين النكاح
وطلقواسنن القفول
عشقوا العلا ففنوا بها
والغصن يرمى بالذبول
أو ما سمعت بن البتولة
لو دريت بن البتول
از دقاهاشعث النواصي
عاقدات للذيول
متنكب الورد الذميم
مجانب المرعي الوبيل
طلاب مجد بالحسام العضب
والرمح الطويل
متطلبا أقصى المطالب
خاطب الخطب الجليل
ظلت أمية ماتريد
غداة مقترع النصول
رامت تسوق المصعب
الهدا رمستاق الذلول
ويروح طوع يمينها
قود الجنيب أبو الشيول
رامت لعمر بن النبي الطهر
ممتنع الحص ول
وغوا بها جهل بها
والبغي من خلق الجهول
لف الرجال بمثلها...
وثنا الخيول على الخيول
وأباحها عضب الشبا
لا بالكهام ولا الكليل
لسنانه ولس انه
صدقان من طعن وقيل
ذات الفقار بكفه
وبكتفه ذات الفظول
وأبو المنية س يفه
وكذا السحاب أبو السيول
یابن الذين توارثوا العليا
قبيلا عن قبيل
والسابقين بمجدهم
في كل جيل كل جيل
أن تمس منکسر اللوی
ملقى على وجه الرمول
فلقد قتلت مهذبا
عن كل عيب في القتيل
يكثر التساؤل حول علم الحسين (علیه السلام) بما صار إليه عاقبة أمره حسب ما هو معروف هل كان من باب الاحتمال أو الظن الذي يحتمل العكس والخلاف فيكون حينئذ قد خدع بكتب أهل العراق وغرر به من قبلهم؟
أم كان ذلك العلم من باب القطع والجزم واليقين الذي لا شك فيه . فيكون حينئذ قد أقدم على حركة انتحارية؟. نقول أجل كان عالما بما جرى علمأ يقينية قاطعة لا يشوبه شك وقد أعلن عنه في مكة قبيل الخروج بخطبته التي قال فيها (علیه السلام) : «وكأني بأوصالي هذه تقطعها ..(1)إلخ..
ولكن مع ذلك لم يكن خروجه عمة انتحارية بل كان قتله نتيجة طبيعية للظروف والأحداث العادية التي أوجدها الناس بجهلهم وسوء تصرفهم. من قبيل علم الطبيب مثلا بموت هذا المريض في النهاية بسبب تطور المرض ومضاعفاته الطبيعية التي لا خيار للطبيب فيها وجودا ولا عدمة. وإنما عليه أن يراقبها ويسایر مراحلها بما عنده من مخففات ومسكنات فقط وهو بانتظار نتيجتها الطبيعية القصوى . كذلك علم الحسين (علیه السلام) بذلك المصير. فهو (علیه السلام) كان يعلم من البداية أن يزيد سيتولى على الخلافة ويطلب منه البيعة وهو يمتنع من البيعة فيأمر بقتله في المدينة فيخرج منها حفظا لدمه ودفاعاعن كرامته ويكتب إليه أهل العراق بالطاعة والبيعة له فتتم عليه الحجة الظاهرية بحسب
1) راجع بحار الأنوار: ج44 ص366.
القوانين الشرعية فإذا وصل إليهم يغدرون به ويحصرونه في وادي كربلاء وهكذا تتسلسل الحوادث حسب مجراها الطبيعي حتى تودي إلى العاقبة التي حصلت . ولم يكن بوسع الحسين أن يغير أو يدفع شيئا منها ، نعم حاول بكل ما استطاع أن يخفف من وطأتها ويؤخر من حدوثها فما استطاع لوجود الموانع والدوافع الشرعية والزمنية .
صحيح أنه لو كان قد بايع ليزيد لتغير وجه مصيره إلى حد كبير ولكن قد أثبتنا سابقا أن ذلك كان حراما على الحسين (علیه السلام) من الوجهة الشرعية والأخلاقية والعرفية وجريمة كبرى على شرفه ودينه وأمة جده (صلی الله علیخ و آله) وعلى هذا فقس باقي الحوادث المتتابعة بعدها التي ما كان باستطاعة الحسين (علیه السلام) دفعها إلا بالتنازل عن كرامته والتخلي عن مسؤوليته والخيانة لرسالته والأمانة الملقاة على عاتقه من قبل الله ورسوله والأمة .
والخلاصة: كان علم الحسين (علیه السلام) علما بترتب الحوادث على عواملها الطبيعية والمعلولات على عللها والمسببات على أسبابها تلك الأسباب والعلل التي أوجدها الناس بسوء اختيارهم وضعف الوازع الديني في نفوسهم فهممحاسبون عليها ومعاقبون بها يوم تجزى فيه كل نفس بما كسبت وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون .
ومن هنا قيل أنه (علیه السلام) جمع بين التكليفين في آن واحد التكليف الباطني ، وهو تكليفه من الله بأن يفدي الدين بنفسه وأنه شهيد هذه الأمة. والتكليف الظاهري وهو تكليفه العرفي الطبيعي أي مسايرة الأحداث والتطورات حسب متطلباتها العادية. وهذا من خصائصه (علیه السلام) ولعلك تقول : من أين علم الحسين (علیه السلام) بتلك القضايا الغيبية قبل وقوعها؟ فأقول :
وصلت إليه من أبيه علي (علیه السلام) وجده محمد (صلی الله علیخ و آله) وبالتالي عن الله سبحانه وتعالى الذي هو وحده علام الغيوب و قد أوحی سبحانه إلى
رسوله (صلی الله علیخ و آله) بكل ما يجري على الحسين (علیه السلام).
فإن قلت : فلماذا لم يحفظ الله تعالى وليه الحسين (علیه السلام) ولم يدفع عنه القتل وهو العالم بكل شيء والقادر على كل شيء؟
قلت في الجواب : لأن بقتله إحياء الدين وبدمه حفظ شريعة الإسلام فدار الأمر بين حياة الحسين (علیه السلام) أو حياة الدين لأن الجمع بينهما يؤدي إلى الجبر وسلب الحرية الإنسانية وهو ممنوع في شريعة الله تعالی فکان الدين أولىبالحياة فالحسين (علیه السلام) فداء الدين وبهذا صرحت أخته العقيلة زينب (علیها السلام) لما جلست عند رأسه وهو صريع ورفعت طرفها نحو السماء وقالت: «اللهم تقبل منا هذا الفداء).(1)
وإلى هذا المعنى يرمز الحديث الشريف المشهور القائل «حسين مني وأنا من حسين»(2). فحسين مني واضح أي ابني وولدي، ولكن قوله (صلی الله علیخ و آله) أنا من الحسين يعني أن بقاء ذكري وشريعتي وديني بالحسين أي بتضحية الحسين وشهادته . ولقد قال بعض الخبراء وهو السيد جمال الدين الأفغاني رحمه الله أن الإسلام محمدي الوجود والحدوث و حسيني البقاء والاستمرار. وقال المستشرق الألماني ماربين في الحسين (علیه السلام) كلمته المعروفة : «وأني أعتقد بأن بقاء القانون الإسلامي وظهور الديانة الإسلامية وترقي المسلمين هو مسبب عن قتل الحسين (علیه السلام) ، وحدوث تلك الفجايع المحزنة وكذلك ما نراه اليوم بين المسلمين من حس سياسي وإباء الضيم... وقال أيضا لا يشك صاحب الوجدان إذا دقق النظر في أوضاع ذلك العصر ونجاح بني أمية في مقاصدهم. لا يشك أن الحسين (علیه السلام) قد أحيا بقتله دین جده وقوانين الإسلام ولو لم تقع
تلك الواقعة لم يكن الإسلام على ما هو عليه الآن قطعة بل كان من الممكن ضياع رسومه وقوانينه حيث كان يومئذ جدید عهد...» انتهى محل الشاهد من کلام ماربين المستشرق الألماني .
وأحسن تعبير عن هذا الواقع هو ما قاله ذلك الشاعر عن لسان الحسين (علیه السلام) يوم عاشوراء :
إن كان دین محمد لم يستقم
إلا بقتلي ياسيوف خذيني
وقال السيد جعفر الحلى :
بقتله فاح للإسلام طيب شذى
وكلما ذكرته المسلمون ذکا
أثبتنا في البحث السابق أن الإمرة والحكم كانا على رأس متطلبات الحسين (علیه السلام) من وراء ثورته الخالدة لأجل الوصول بهما إلى غايته الكبرى وهدفه الأعلى على أكمل وجه وهو إصلاح المجتمع وإعادة نظام الإسلام إلى المجتمع الإسلامي وطبعا أن هذا الهدف لا يتم إلا من طريق السلطة، فالسلطة إذا كانت الطريق الأمثل أمام الحسين (علیه السلام) للوصول إلى أداء رسالته وتحقيقها كاملة. والحسين (علیه السلام) طلب السلطة وسعى إليها قطعة وبلا شك. وهنا يبرز سؤال ويعترضنا استفهام حساس وهو لماذا إذا أجاز لأتباعه وأصحابه الذين خرجوا معه وانضموا إليه أن يتفرقوا عنه وهو في أمس حاجة إلى الاستكثار من الأعوان تحقيقا لما طلب من الحكم والسلطان . وفعلا تفرقوا عنه قبل لقاء العدو حتى لم يبق معه منهم إلا القليل الذي لم يتجاوز النيف وسبعين رجلا بعد أن كانوا معه حوالي الستة آلاف رجل تقريبا . فهل هذا سلوك ثائر يريد الاستيلاء على الحكم؟
نقول أجل إن الحسين (علیه السلام) ثائر لأجل إحقاق الحق ونشر العدل والخير . والحق لا يتحقق من طريق الباطل والعدل لا ينشر بواسطة الظلم والخير لا يعطى على أيدي المبطلين وبكلمة واحدة الورد لا يجني من العوسج والعسل لاينال من الحنظل.
ومكلف الأيام ضد طباعها- متطلب في الماء جذوة نار .. إن الحسين (علیه السلام)
أراد السلطة لاستخدامها في مصلحة المجتمع ولخدمة الدين والإسلام فلا يجوز أن يطلبها بطريق خداع الجماهير والتغرير بهم وإغفالهم عن حقائق الأمور وواقع الحوادث ورفع الشعارات الكاذبة والدعايات المضللة. مثله مثل أبيه الإمام علي (علیه السلام) الذي رفض الخلافة يوم الشورى لما توقف حصولها على كلمة كذب واحدة حيث قيل له نبايعك على كتاب الله وسنة رسوله وعلى سيرة الشيخين أبي بكر وعمر. فقال (علیه السلام) : كلا بل على كتاب الله وسنة رسوله فقط.
وكان (علیه السلام) يسعه أن يقول نعم وينال الخلافة ثم يسير بعد ذلك حسب كتاب الله وسنة رسوله لا غير ولم يكن ملزمة بالشرط الأخير شرعة لأن سيرة الشيخين إن كانت موافقة لكتاب الله وسنة رسوله فهي داخلة في الشرط حتما وإن كانت مخالفة لهما فلا يجوز للمسلم أن يعمل بها... ولكن الإمام (علیه السلام) مع ذلك كره أن يقول لشيء نعم وهو يعلم من نفسه أنه لا يلتزم به وبذلك فوت الخلافة على نفسه مدة اثني عشر سنة تقريبا وهي مدة خلافة عثمان بن عفان .
فسیاسة الحسين هي بعينها سياسة أبيه علي (علیه السلام) وجده النبي (صلی الله علیخ و آله) وهي سياسة الإسلام والحق التي ترتكز على الصراحة والصدق والواقعية وتأبی الكذب والانتهازية واللف والدوران.
ثم أن الستة آلاف رجل الذين كانوا مع الحسين (علیه السلام) كان أكثرهم من الأعراب وأهل الأطماع والمرتزقة الذين يتبعون القادة طمعا في الغنائم والمناصب والأرزاق خرجوا مع الحسين (علیه السلام) والتحقوا به في أثناء الطريق علما منهم بأن الحسين (علیه السلام) قادم على بلد قد دان له أهلها بالطاعة والولاء وبايعه أهلها بالإجماع و سوف ينتصر بهم حتمأ ويصلون باتباعه إلى مغانم وأرباح. وكان الحسين (علیه السلام) يعرف ذلك في نفوسهم فلما تجلى غدر أهل العراق و ظهر
انقلابهم ولم يبق هناك أمل في انتصاره بهم على الأعداء بل أصبحوا هم من الأعداء والمحاربين له وذلك بقتلهم سفيره مسلم بن عقيل (علیه السلام) وقتل رسوليه عبد الله بن بقطر و قیس ابن مسهر الصيداوي رحمهما الله تعالى. عند ذلك تغير مجرى الثورة السابق وتحولت من حرب هجومية متكافئة وجهاد منظم مفروض حسب المقاييس الشرعية . إلى حرب فدائية استشهادية ليس فيها أمل في الانتصار العسكري وإنما المقصود منها التضحية والشهادة لغرض التوعية وتنبيه الرأي العام ولفت الأنظار إلى حقيقة الحكم القائم وواقع الزمرة الحاكمة وعزلهم عن الأمة المسلمة فيحبط بذلك مؤامراتهم العدوانية ضد الإسلام ومصلحة المسلمين .
قال العقاد في ص193:
وعلى هذا النحو تكون حركة الحسين (علیه السلام) قد سلكت طريقها الذي لابد لها أن تسلكه وما كان لها قط من مسلك سواه ... حيث وصل الأمر إلى حد لا يعالج بغير الاستشهاد».
لذا فقد كره الحسين (علیه السلام) أن يترك أتباعه غافلين عن هذا التطور وجاهلين لهذا التحول المصيري الهام خوف أن يباغتوا بالمصير الذي لا يرغبون فيه فيسلموه عند الوثبة، ويهزمون من الميدان عند اللقاء ويتفرقون عنه ساعة بدء المعركة. وفي ذلك وهن كبير يصيب معنوية القائد ويضعف مقاومة المخلصين من أصحابه. وإن تلك الإجازة لهم بالانصراف إذا شاءوا كانت من الحسين (علیه السلام) بالنسبة لهم أولا للاختبار والامتحان . وثانية بمثابة مخض و غربلة فاستخرج الزبدة منهم وهم نیف وسبعون رجلا وقد بلغوا إلى ليلة عاشوراء إلى ما يقارب الثلاثمائة رجل كل منهم فدائي مخلص للحسين (علیه السلام) بايعوه على الموت واختاروا الشهادة على الحياة والقتل على البقاء في الدنيا .. ولقد اختبرهم مرارة فما وجد فيهم إلا الأشوس الأتعس يستأنسون بالمنية دونه
استئناس الطفل بلبن أمه حسب شهادة الحسين (علیه السلام) في حقهم، قالوا له في بعض تلك الاختبارات : یا سیدنا لو كانت الدنيا لنا باقية وكنا فيها مخلدین الآثرنا النهوض معك على الإقامة فيها فقال لهم الحسين (علیه السلام) : «اعلموا أنكم كلكم تقتلون ولا يفلت منكم أحده.(1)
فقالوا: الحمد لله الذي من علينا بشرف القتل معك ولا أرانا الله العيش بعدك أبدا.
وقال له مسلم بن عوسجة الأسدي رحمه الله : أنحن نتخلى عنك وبماذا نعتذر إلى الله في أداء حقك. أما والله لا أفارقك حتى أطعن في صدورهم برمحي وأضرب بسيفي ما ثبت قائمه بيدي ولو لم يكن معي سلاح أقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة حتى أموت معك.
وقال له سعيد بن عبد الله الحنفي : والله لا نخليك حتى يعلم الله أنا قد حفظنا غيبة رسوله فيك . أما والله لو علمت أني أقتل ثم أحيا ثم أحرق حيأثم أذری يفعل بي ذلك سبعين مرة لما فارقتك حتى ألقى حمامي دونك و كيف لا أفعل ذلك وإنما هي قتلة واحدة ثم هي الكرامة التي لا انقضاء لها أبدا.
وقال له زهیر بن القين البجلي رحمه الله والله لوددت إني قتلت ثم نشرت ثم قتلت حتى أقتل كذلك ألف مرة وأن الله عز وجل يدفع بذلك القتل عن نفسك وعن أنفس هؤلاء الفتيان من أهل بيتك، وهكذا تكلم الباقون من أصحابه بكلام يشبه بعضه بعضا فجزاهم الحسين (علیه السلام) ، خيرا.
أجل والله جزاهم الله خيرا لقد سجلوا بموقفهم هذا رقما قياسيا خالد وضربوا أروع مثال للتضحية في سبيل الكرامة والعمل الفدائي الصحيح. ألا هكذا فليكن العمل الفدائي وإلا فلا .
1) راجع بحار الأنوار : ج5، ص89 ح 27.
فهم قدوة كل عمل فدائي مثمر ومخلص ولا يمكن أن ينجح أي عمل فدائي ما لم يكن الحسين (علیه السلام) وأصحابه مثله الأعلى وقدوته المثلى. إخلاص للقضية واستصغار لكل غال و عزيز في سبيلها ودون تحقيقها. ولقد أجاد من وصفهم بقوله :
فساموهم إما الحياة بذلة
أو الموت فاختاروا أعز المراتب
بنفسي هم من مستميتين كسروا
جفون المواضي في وجوه الكتائب
وصالوا على الأعداء أسد ضواريا
بعوج المواضي لا بعوج المخالب
أصيبوا ولكن مقبلين دماؤهم
تسيل على الأقدام دون العراقب
وأخيرا نقول : أن الحسين (علیه السلام) حافظ على قدسية ثورته ونبل نهضته وشرف تضحيته بذلك العمل. أي بأن أبعد عنها الأوباش وأهل الأطماع والانتهازيين عملا بمضمون الآية الكريمة : «وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا »(1)وعملا بالقاعدة المعروفة «فاقد الشيء لا يعطيه». أجل إن شرف كل ثورة يتوقف إلى حد كبير على شرف الثائرين و حس نواياهم وإخلاص نياتهم. ثم أن الإصلاح لا يأتي على أيدي غير الصالحين. وهذا من أعظم الدروس نفعا للأجيال في ثورة الحسين (علیه السلام).
1) سورة الكهف: 51.
كتب الحسين (علیه السلام) إلى من تخلف عنه كتابا لما نزل کربلاء قال فيه :
أما بعد؛ فمن لحق بي منكم استشهد ومن لم يلحق لم يبلغ الفتح والسلام ...
فأي فتح هذا الذي يقصده الحسين (علیه السلام) مع علمنا بأنه قتل هو وأصحابه وأهل بيته وسبيت حريمه وحمل رأسه إلى ابن زیاد ویزید؟ نقول:
كان للحسين (علیه السلام) من وراء ثورته المقدسة هدفان : هدف قريب مباشر وهدف بعيد و غير مباشر.
أما الهدف القريب المباشر فهو استرجاع حقه الشرعي والطبيعي في الخلافة والحكم لأجل إصلاح المجتمع وإعادة نظام الإسلام إلى الحياة الاجتماعية وإحياء سنة جده الرسول (صلی الله علیخ و آله) وإماتة البدع وتصحيح الأخطاء و الانحرافات التي تراكمت على المسلمين منذ وفاة محمد (صلی الله علیخ و آله) من جراء السياسات المختلفة التي مارسها الحكام من ذلك اليوم إلى يوم الحسين (علیه السلام). مما أدى إلى أن لا يبقى من الإسلام بأيدي المسلمين إلا اسمه ولا من القرآن الكريم إلا رسمه .
وأما الهدف البعيد غير المباشر فهو وضع النقاط على الحروف . ووضع الحدود والعلامات الواضحة بين الإسلام الحقيقي والإسلام المزيف. ولفت
الأنظار إلى فشل السياسة السابقة التي أدت إلى الوضع الفاسد القائم وإلى خطأ المفاهيم التي سار عليها المسلمون بعد وفاة الرسول (صلی الله علیخ و آله) .
والخلاصة: كان هدفه الأول إحياء الإسلام فكرية وعملية. وهدفه الثاني إحيائه فكرية على الأقل. وهو وإن فاته تحقيق الهدف الأول بسبب غدر أهل الكوفة، ولم يتسن له أن يقيم حكومة إسلامية صحيحة ويطبق النظام الإسلامي الصحيح بين المسلمين. ولكن حقق هدفه الثاني بلا شك ونزه دین الله وشريعة الإسلام وسنة خاتم الأنبياء عن الشوائب المهينة والمظاهر المشوهة والمفاهيم المغلوطة التي ألحقت به وتراكمت عليه وأظهر وجه الإسلام الجميل و منظره الجذاب وصورته السماوية الغراء من بين ركام البدع والاجتهادات الضالة والاستحسانات الفاسدة.
وكمثل على ذلك نقول أن ما شاع وذاع بين الخبراء والباحثين هو أن من أهم النتائج والآثار المأساة الحسين (علیه السلام) وحادثة كربلاء انتشار التشيع وظهور مذهب أهل البيت (علیهم السلام) أكثر فأكثر وتزايد عدد الشيعة في العالم الإسلامي رغم أن انبثاق التشيع كان مقارنة مع انبثاق فجر الإسلام ومنذ أوائل البعثة المحمدية غير أنه كان محدودة ومحصورة في نطاق أعيان الصحابة وأعلام المهاجرين والأنصار بالإضافة إلى بني هاشم . أما بعد ثورة الحسين (علیه السلام) فإنه أي التشيع أصبح منتشرة في كافة الأقطار وبين عامة الطبقات .. والسؤال الآن هو كيف كان ذلك ولماذا؟
الجواب : أقول لأن الرأي العام وكل إنسان حر عاقل ذو وعي وضمير لما سمع بأنباء تلك المجزرة الرهيبة التي أبيد فيها آل رسول الله (صلی الله علیخ و آله) وما تلاها من الجرائم والموبقات وأبشع المنكرات التي تأباها حتى الوحوش ...
أقول لما اطلع عليها صار يفكر في نفسه ويتساءل: من أين جاءت هذه العصابة المجرمة الأموية إلى السلطة وكيف توصل هؤلاء الطغاة المتمردون على
أبسط القوانين الإنسانية والإسلام إلى الإمرة والحكم فسودوا وجه التاريخ الإسلامي والعربي وملأوا الدنيا بالظلم والفساد. من الذي مكن لهم ومهد الطريق أمامهم إلى الخلافة الإسلامية؟
فيأتيه الجواب طبعا وبكل بساطة . أنه بسبب الغلطة الكبرى والخطأ الذيارتكبه بعض الصحابة بعد وفاة النبي محمد (صلی الله علیخ و آله) بإنكارهم الحق الشرعي والطبيعي لعلي بن أبي طالب (علیه السلام) بعد الرسول ورفضهم النصوص القرآنية والوصايا النبوية في خلافة علي وولايته العامة على الأمة بعد النبي (صلی الله علیخ و آله) و أدعو أن الله لم يعين لرسوله خليفة قط والرسول لم يختر لنفسه نائبا ووصية. وأن أمر القيادة والإمامة بعد الرسول موکول إلى أهواء الناس وآرائهم. فأدى ذلك بطبيعة الحال إلى أن يتقمص الخلافة ويتسلم زمام السلطة والقيادة العامة بعد الرسول الأكرم (صلی الله علیخ و آله) أشخاص جدید و عهد بالإسلام وأهدافه بعيدون عن تفهم جوهره ولبابه . بعد لم يعرفوا الإسلام بروحه وحقيقته وواقعه الذي هو تربية روحية وتهذيب خلقي وتكوين إنساني أكثر من كونه توسعة اقليمية وسلطة زمنية وحركة سياسية .
لذلك صاروا يخبطون خبط عشواء ويتخبطون في أمر الخلافة بغير هدى ولا طريق معين فتارة يعتمدون في اختيار الخليفة مبدأ الانتخاب العام وتارة مبدأ النص والاختيار الفردي وأخرى مبدأ الشورى من قبل أشخاص معدودين وهكذا كلما اعتمدوا مبدأ جاء بنتيجة أسوأ من الأول إلى أن صارت الخلافة الإسلامية لعبة صبيانية ومطمعا لكل طامع حقير.
لقد هزلت حتى بدا من هزالها
کلاها و حتی استامها كل مفلس
فيا ترى هل يجوز على الله سبحانه وتعالى وهو علام الغيوب القادر الحكيم هل يجوز له أن يرضى لعباده هذا الخبط والضلال فلا يختار لهم قائدا مخلصا وإمامة عالمة وخليفة كفؤة بعد نبيه محمد (صلی الله علیخ و آله) الذي لا نبي بعده؟
کلا وحاشا وسبحانه وتعالى عما يزعم الجاهلون ويقوله الظالمون. قل لي بربك أيها المنصف إلى أي شيء أو كلهم الله بعد رسوله في أمر التنظيم والتوجيه. أإلى القرآن الكريم فقط ؟ وفيه الناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه والمجمل والمفصل والتفسير والتأويل. مع العلم بأنه سبحانه أمرهم فيه أن يرجعوا لمعرفة آياته وتأويلها إلى الراسخين في العلم. أي علم القرآن . وأمرهم بأن يسألوا أهل الذكر عما يجهلون منه فمن هم هؤلاء الراسخون في العلم و من هم أهل الذكر. أفلا يجب عليه تعالى أن يعرف العباد بهم؟ وإلا فما وجه الحكم في الأمر بشيء مجهول. ثم بأي حجة يحتج الله سبحانه على عباده إذا ضلوا بعد النبي (صلی الله علیخ و آله) ولم يهتدوا إلى أهل الذكر وإلى العلماء الراسخين ؟ وهذا القرآن كما تراه يحتمل سبعين وجها في التفسير والتأويل على حد الحديث الشريف الذي مؤداه : إن للقرآن سبعين بطنا فمن فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار .. (1)هذا من جهة .
ومن الجهة الأخرى يقول المثل المأثور: «حدث العاقل بما لا يليق فإن صدق فلا عقل له». (2)فهل يليق أيها العاقل المنصف بمقام رسول الله (صلی الله علیخ و آله) وهو الفرد الأكمل في النوع الإنساني عقلا وحكمة أن يموت ويترك رسالته دون تعيين نائب عنه في رعايتها ونشرها وصيانتها والدفاع عنها؟ يموت تاركة الأمة التي تعب على إنشائها طيلة ثلاث وعشرين سنة دون تعيين راع يرعاها وبلا أن ينصب خليفة عنه لقيادتها وهي بعد في بداية الطريق ودور الطفولة ومرحلة الخطر . محاطة بالأعداء والموتورين والطامعين من الخارج ومهددة بالمنافقين والانتهازيين والمؤلفة قلوبهم من الداخل؟ يموت بدون وصية وبدون تعيين وصي وبدون أن يختار نائبة و خليفة عنه في أمته فيخالف بذلك كافة الأعراف
العقلائية وأبسط النواميس العقلية وقانون الأنبياء والمرسلين ؟ قل لهؤلاء الذين يزعمون أن محمدا (صلی الله علیخ و آله) مات ولم يعين لنفسه خليفة و وصيا ...
قل لهم هل فعل ذلك نبي أو رسول قبل محمد؟ ، أي نبي من آدم فمن بعده مات قبل أن يعين ويختار وينصب خليفة و وصية؟ فكيف يشذ محمد (صلی الله علیخ و آله) عن سيرة الأنبياء ويخالف مسلك المرسلين مع كونه أخرهم وخاتمهم؟
هاك كتب التاريخ وسير الأنبياء فراجعها لتعرف أنه ما من نبي من آدم (علیه السلام) إلى عيسى فارق الحياة وخرج من هذه الدنيا إلا بعد أن اختار لنفسه وصية وعين نائبا و عرفه لأمتد وسلمه كتبه ومواريث العلم والنبوة. سواء كان ذلك الوصي والخليفة نبية أيضا كأكثر أوصياء الأنبياء أو لم یکن نبيا بل كان إمامة وخليفة فقط يقوم بمهام النبي ويرعى شؤون أمته ورسالته.
وإليك أسماء البارزين من أولئك الأنبياء وأسماء خلفائهم الذين قاموا بعدهم بوصية خاصة ونص وتعيين :
1- آدم (علیه السلام)؛ أبو البشر وأول الأنبياء. خلف ولده الثالث شيت (علیه السلام) وصية و خليفة من بعده وسلم إليه الصحف التي أنزلها الله عليه والكلمات التي تلقاها من ربه فتاب عليه بعد أن كان قد أوصى إلى ولده هابيل واختارهخليفة عنه فحسده أخوه الأكبر قابیل و قتنه حسب ما هو معروف و مشروح في الكتاب العزيز.
2- نوح (علیه السلام) شيخ المرسلين . خلف ولده الصالح سام، واختاره خليفة على أمته من بعده وسلم إليه الصحف والكتب المنزلة عليه بعد أن هلك ابنه الأكبر الكافر (کنعان) مع المشركين والكفرة في الطوفان على ما ذكر من قصته في القرآن .
3- إبراهيم الخليل عليه (علیه السلام) ابنه الأكبر إسماعيل (علیه السلام) خليفة على أمته من بعده وأوصاه أن يخلف أخاه الأصغر إسحاق (علیه السلام) من بعده وأوصى
إسحاق أن يخلف ابنه الأكبر يعقوب .
5- داود (علیه السلام) اختار ولده سليمان في حياته وأوصى إليه وسلمه الزبور ومواريث النبوة فقام من بعده بأمر الرسالة .
6- عیسی بن مریم (علیه السلام) روح الله وآيته أوصى إلى شمعون الصفا وهو منخلص الحواريين فقام شمعون الصفا من بعد أن رفع عيسى (علیه السلام) قام مقامه خليفة في أمته ووصية على رسالته.
7- زكريا (علیه السلام) أوصى في حياته إلى ولده يحيي (علیه السلام) وعينه خليفة عنه بعده ... وهكذا .
فكيف يجوز في عرف الشرع ومنطق العقل وسيرة العقلاء أن يشذ محمد (صلی الله علیخ و آله) سيرة سلفه الصالح ويخالف الأنبياء جميعا فيموت ويترك أمته سدی حبلهم على غاربهم تتلاعب بهم الأهواء وهو أفضل الأنبياء عقلا وحكمة ومعرفة ورسالته خاتمة الرسائل والشرایع جاءت لتدوم إلى الأبد وليهتدي بها البشرية جميعا فهل هذا معقول؟ والشيء الآخر هو:
إن السيرة الفطرية في سلوك كل بشر عادي أنه إذا كان مسئولا عن شيء أو يحرص على سلامة شيء من مال أو متاع أو عائلة ثم عرضت له حاجة تدعوه أن يغيب عن تلك المسئولية فإنه بحکم فطرته الإرتكازية يفكر بمن يقوم مقامه مدة غيابه للحفاظ على ذلك الشيء وأداء تلك المسئولية مدة غيابه .
فمثلا رجل رب عائلة يريد السفر لعدة أيام أو أشهر فإنه بفطرته البشرية العادية يوصي إلى رجل رشید من أقاربه أو جيرانه أو أصدقائه يوصيه بأن يرعى شؤون عائلته ويتفقد أمورهم مدة غيابه .
ومثل آخر: رجل صاحب مكتب أو متجر أو شيء من هذا القبيل برید مغادرته لحاجة في الخارج خلال مدة العمل فإنه يكلف شخصا أو ينصب شخصا للقيام مقامه أو لرعاية المكتب على الأقل ريثما يذهب ويعود ولا يمكن أن يترك المكتب مهمة مفتوحة بدون رعاية من أحد.
وأخيرا فلنتصور رجلا راعي معز أو غنم أو بقر يريد أن يترك القطيع في الصحراء ويعود إلى البلد لحاجة عارضة فهل يتركه بدون أن ينصب مكانه رجلا لحراسة القطيع وحمايته مدة غيابه وإذا فعل وترك القطيع سدى وذهب عنه أفلا يلومه العقلاء على ذلك ويعتبرونه مقصرة في واجبه متهاونة بمسئوليته .
وهنا نتساءل : هل كانت الأمة والرسالة أقل شأنا وقيمة عند محمد(صلی الله علیخ و آله) من الدكان أو المكتب عند صاحبه ومن قطيع الغنم عند الراعي؟
أم أن محمد (صلی الله علیخ و آله) أقل حكمة وأضعف تفكير، وشعورا بالمسئولية من صاحب المتجر والدكان ومن راعي الغنم والبقر ومن الرجل العادي رب العائلة؟ نعوذ بالله من هذه الافتراءات ونبرأ إلى الله من هذه المزاعم والأقوال ..
والأمر الرابع : أقول هل رأيت أو سمعت في العالم ملكة بدون ولي عهد معين في حياته أو رئيس جمهورية أو أمير دولة بلا نائب مخصوص مختار قبل وفاته؟
فهل كان محمد (صلی الله علیخ و آله) أقل إدراكا للأصول الإدارية والسياسية والزعامة من كل الملوك والرؤساء. أم ماذا؟ أم أن الملوك والرؤساء أكثر إشفاقا على سلامة الشعوب والنظام من سيد المرسلین خاتم الأنبياء على أمته ورسالته؟
أيقبل عقلك ويرضى وجدانك أن الخليفة الأول أبا بكر يهتم بأمر المسلمين فلا يفارق الحياة حتى ينص على عمر بن الخطاب بالخلافة من بعده ويكتب له العهد بذلك . والخليفة الثاني عمر يهتم بأمر القيادة الإسلامية وزعامة الأمة فلا يموت حتى يرشح ستة أشخاص من كبار الصحابة لمنصب الخلافة ويضع نظام الشوری ويؤكد على أن لا تمضي ثلاثة أيام بعد موته حتى يكون أحد هؤلاء الستة قد تعين للخلافة وتسلم زمام أمور الأمة. ولكن محمد (صلی الله علیخ و آله) يموت بلا وصية وبدون وصي وخليفة؟ أفيجوز أن يكون كل من أبي بكر وعمر بن الخطاب أشد حرصا على مصلحة الإسلام والمسلمين من صاحب الرسالة ومؤسس الأمة محمد (صلی الله علیخ و آله)؟
إن مبدأ الاعتراف بالأمر الواقع الذي يسير عليه أكثر المسلمين بزعم أن خلافة الثلاثة بعد النبي (صلی الله علیخ و آله) وقيامهم مقام الرسول (صلی الله علیخ و آله) أمر قد وقع وصار فيجب الاعتراف بصحته والإذعان لشرعيته... أقول إن هذا ليس مبدء شرعية ولا يقره العقل والعقلاء. إذ ليس كل ما وقع في العالم وحدث في التاريخ هو حق وصواب وعدل وصلاح وليس كل ما يحدث ويقع يجوز الاعتراف بصحته والإلتزام بشرعيته .. ما أكثر الحوادث الباطلة والوقائع الفاسدة والقضايا التي تحققت في هذه الحياة ولكن على أساس الظلم والعدوان.
فهذه مثلا دولة إسرائيل القائمة في قلب العالم العربي والإسلامي وقد اعترف بها أكثر دول العالم وتؤيدها أكبر الحكومات مادية ومعنوية. فهل يجوز للعقل والشرع وعرف العقلاء الاعتراف بها وبشرعيتها لمجرد ذلك؟ الجواب طبعا كلا. لأنها وقعت وتحققت على الغدر والخيانة والغصب كما أن المبدأ القائم على الفكرة القائلة بأن الصحابة كلهم عدول أخيار صلحاء لا يجوز الطعن فيهم ولا يحق لنا التنديد بهم. هذا المبدأ هو الآخر غير صحيح لا يقوم على أساس من المنطق والدليل إذ لا شك أنهم كانوا بشرة مثلنا غير معصومین
من الخطأ والعصيان ومخالفة أوامر الرسول (صلی الله علیخ و آله) إلا من عصمه الله منهم بقوة الإيمان والتقوى ومتانة العقيدة واستكمال التربية الإسلامية . وقد وقعت بينهم اختلافات شديدة أدت إلى أن يشتم بعضهم بعضا ويقاتل بعضهم البعض وسفکت بينهم الدماء، فهل كانوا جميعا على حق في تلك المنازعات ؟ وهل كانوا كلهم عدولا في خلال تلك الحروب والمعارك؟ وهل القاتل والمقتول منهم في الجنة؟
إن مجرد الصحية للرسول (صلی الله علیخ و آله) ليست علة تامة لحصول الإيمان والعصمة الحافظة. كيف لا وقد صرح القرآن الكريم بوجود عدد كبير من المنافقين بين صفوف الصحابة الذين كانوا مع الرسول (صلی الله علیخ و آله) في المدينة وقد دبر بعضهم عدة مؤامرات لاغتيال النبي (صلی الله علیخ و آله) فنجا منها بمعجزة. وكان فيهم أي في أولئك المنافقين عدد قد أتقنوا فن النفاق إلى حد خفي نفاقهم حتى على النبي (صلی الله علیخ و آله) فما كشفوا إلا بعد وفاته (صلی الله علیخ و آله)، وقد ذكرهم الله تعالی لرسوله على نحو الإجمال فقال: «وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ »(1)
ثم كيف يستبعد منهم مخالفة أوامر الرسول (صلی الله علیخ و آله) في وصيته وخليفته علي بن أبي طالب بعد وفاته وقد خالفوا أوامره مرارة في حياته وهم معه وجها لوجه خذ مثلا لذلك ما أجمع عليه المسلمون جميعا وهي قضية طلب النبي (صلی الله علیخ و آله) الدواة والكتف في حال مرضه الذي توفي فيه ليكتب لهم كتاب لن يضلوا بعده أبدأ فعصوا أمره ولم يلبوا طلبه وقالوا أنه يهجر . (2)فغضب الرسول عليهم وقال قوموا عني . راجع ذلك في الصحاح والمسانید .
وفكر فيما شرحناه بعقلك وحكم وجدانك وضميرك لتعرف أن فكرة التشيع والمذهب الشيعي هما عصارة مدلول الكتاب العزيز والسنة الشريفة وتابعان من صميم العقل والضمير الإنساني . ولتعرف أن التشيع قائم على أساس متين من الدليل والمنطق والوجدان وهو عبارة أخرى عن الإسلام التام الكامل الشامل لكل ما جاء به محمد (صلی الله علیخ و آله) من عند الله تعالی بدون زيادة ولا نقصان . كيف لا وهو مذهب أهل البيت (علیهم السلام) الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا..(1)
والآن نختم البحث حول هذا الموضوع ونعود إلى الغرض المقصود وهو أن من ثمرات ثورة الحسين (علیه السلام) ومن نتائج تضحياته الجسام انتباه الرأي العام الإسلامي إلى خطأ السياسات الارتجالية التي سار عليها ولاة الأمر منذ وفاة الرسول الأكرم (صلی الله علیخ و آله) والتي أدت بالمسلمين إلى النكسات والنكبات وتشتت الكلمة واندلاع الفتن والحروب الداخلية والمفاسد الاجتماعية وانحسار الروح الإسلامية من نفوس المسلمين . أدت أخيرة إلى هذه الوصمة المخزية ولطخة العار في جبين الإنسانية حيث لم يمض على وفاة رسول الإسلام ونبي المسلمين سوی خمسين عاما فقط وإذا المسلمون أنفسهم ينهالون على أهل بیت نبيهم وأولاد منقذهم وذرية سيدهم محمد (صلی الله علیخ و آله) قتلا وتشريدة وإبادة وتقطيع أوصال وحمل الرؤوس على أطراف الرماح من بلد إلى بلد وترك الجثث على وجه الرمال وحمل بنات رسول الله سبايا حواسرعلى الأقتاب تساق كما تساق سبايا الكفرة والأشرار كل ذلك بسبب أنهم أنكروا الظلم والفساد وعارضوا البدع والاستبداد . فهل ارتكبت أمة في العالم قبل هذه الأمة عارة مثل هذا العار وجريمة أبشع وأخزى من هذه الجريمة؟
1) إشارة إلى قوله تعالى في سورة الأحزاب الآية 33.
قال السيد الرضى رحمه الله في قصيدة له :
جزورا جزر الأضاحي نسله
ثم ساقوا آله سوق الأما
لو بسبطی قیصر أو هرقل
فعلوا فعل یزید ماعدی
ليس هذا لرسول الله يا
أمة الطغيان والبغي جزا
كل ذلك من جراء الإعراض عن الإمامة الشرعية والخلافة الإلهية بعد رسول الله (صلی الله علیخ و آله) . تماما كما تنبأت به وحذرتهم عنه سيدة النساء فاطمة بنت محمد (صلی الله علیخ و آله) في الخطبة التي ألقتها على نساء المهاجرين والأنصار بعد اغتصاب الخلافة من الإمام علي (علیه السلام) حيث قالت (علیها السلام):
ويحهم أنا زحزحوها عن رواسي الرسالة وقواعد النبوة والدلالة ومهبط الروح الأمين والطين بأمور الدنيا والدين ألا ذلك هو الخسران المبين وما الذي نقموه من أبي الحسن نقموا منه والله نكير سيفه وقلة مبالاته بحتفه وشدة وطأته ونكال وقعته وتنمره في ذات الله وتالله لو مالوا عن المحجة اللائحة وزالوا عن قبول الحجة الواضحة لردهم إليها ولحملهم عليها ولسار بهم سيرة سجحا لا يكلم خشاشه ولا يكل سائره ولا يمل راكبه ولأوردهم منه" نميرة صافية تطفح ضفتاه ولا يترنق جانباه ولأصدرهم بطانة ولنصح لهم سرة وإعلانا ولم یکن يتحلى من الغني بنائل ولا من الدنيا بطائل غير ري الناهل وشبعة الكافل ولبان لهم الزاهد من الراغب والصادق من الكاذب : «وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ »(1)
ويحهم « أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى
1) سورة الأعراف: 96.
فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ».(1)
أما لعمري لقد لقحت فنظرة ريثما تنتج ثم احتلبوا القعب دم عبيطة فهنالك يخسر المبطلون ويعرف التالون غب ما أسس الأولون ثم طيبوا عن دنیاکم نفسأ واطمئنوا للفتنة جأش وأبشروا بسيف صارم وسطوة معتد غاشم وبهرج شامل واستبداد من الظالمين يدع فيئكم زهيدة وجمعكم حصيدة فيا حسرة لكم وأنی بكم وقد عميت عليكم إن ألزمكموها وأنتم لها کارهون.
ونعود فنقول إن ثورة الحسين (علیه السلام) كانت ناجحة وفاتحة ورابحة. ولكن نجاحا معنويا وفتحة فكرية على الصعيد العالمي وربحة عاطفية ووجدانيا عم النوع الإنساني بكل شعوبه وطوائفه وقومياته . وأما النصر العسكري والنجاح المسلح فلیسا دائما دليلا على النجاح الحقيقي على حد الكلمة المأثورة : جولة الباطل ساعة وجولة الحق إلى قيام الساعة « وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى »(2)
أيها القارئ الكريم لا تظن أن ثورة الحسين (علیه السلام) وتضحياته السخية المباركة قد خدمت التشيع فحسب ؛ کلا ، بل وخدمت المسلمين كأمة واحدة وبأجمعهم أيضا وذلك بما ولدته فيهم من وعي وإحساس تنبهوا بها إلى أمر خطير وغلط كبير جدا كان محدقة بهم و كاد أن يبدل دينهم وهم لا يشعرون .
وهو أن المسلمين من حيث العموم كانوا ينظرون إلى الخلفاء والأمراء الذين حكموهم منذ أن قبض النبي محمد (صلی الله علیخ و آله) بصفة مزدوجة هي صفة المشرعين والمنفذين في آن واحد، أي كانوا يتصورون أن الخليفة له صلاحية التشريع والتحليل والتحريم والتغيير والتبديل، كما له حق التطبيق وصلاحية التنفيذ قياسا لهم على رسول الله (صلی الله علیخ و آله) الذي كان هو المشرع والمنفذ معا ومنهذه النظرة الخاطئة من المسلمين إلى حكامهم تجرأ بعض أولئك الحكام على الاجتهاد ضد نصوص الكتاب والسنة الشريفة وعلى التلاعب بأحكام الإسلام حسب شهواتهم ومصالحهم.
فما أن التحق رسول الله (صلی الله علیخ و آله) بالرفيق الأعلى حتى بدأ الاختلاف بين سيرته وسيرة المسؤولين بعده إلى أن جاء دور عثمان فكان الاختلاف بين سيرته وسنة رسول الله بلغ إلى حد قالت عنه أم المؤمنين عائشة وقد أخرجت ثوبا من
ثياب النبي (صلی الله علیخ و آله) تعرضه على الناس، انظروا هذا ثوب رسول الله بعد لم يبل وعثمان قد أبلی سنته .
والخطر الأكبر الذي كان يكمن في تلك الظاهرة هو أن المسلمين كانوا يأخذون تلك التصرفات الشاذة عن نصوص القرآن والسنة الشريفة من قبل الخلفاء بعين الاعتبار وبأنها من صميم الإسلام وشريعة الله تعالى. لذا فقد استغل الأمويون تلك النظرة أكبر فرصة لهم في سبيل تحقيق مؤامراتهم العدوانية ضد الإسلام ونبي الإسلام، فأخذوا يحرفون ويشوهون ويتلاعبون بشعائره ومقدساته حيثما شاءوا . فمن ذلك مثلا أن معاوية صلى بهم ذات مرة صلاة الجمعة يوم الأربعاء فصلوها معه. وسن لهم سب الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) المنابر وفي صلاة الجمعة، وأعطى الجزية للرومان مقابل سحبه المرابطين على الحدود ليحارب بهم أمير المؤمنين عليشة ، ولبسالحرير والذهب وشرب الخمر وقتل النفوس المحترمة على الظنة والتهمة، وألحق زیاد بن سمية بأبيه أبي سفيان خلافا لنص الحديث الشريف : «الولد للفراش وللعاهر الحجر(1)وحول الخلافة الإسلامية إلى ملك وراثي عضوض .... الخ.
وإلى ذلك من بدعه ومخالفاته التي يطول شرحها، وكان الناس يأخذون تلك البدع بعين الاعتبار وإنها من الدين كما قدمنا، ولكن بعد ثورة الحسين (علیه السلام) تغيرت نظرة المسلمين إلى الحكام والأمراء وظهروا أمام الرأي العام الإسلامي على أنهم سلاطين جور و حکام بالقهر والغلبة وملوك دنیویون ليس لهم صفة شرعية ولا سلطة تشريعية ، فالإسلام شيء وسيرة الحكام والأمراء الذين يحكمون المسلمين شيء آخر لا يمثل أحدهما الآخر في شيء أبدأ .
1) الكافي: ج5 ص 491 ح2.
ولهذا التبدل والفصل بين الحكام وأعمالهم من جهة وبين الإسلام والمسلمين من جهة أخرى بقي الإسلام محفوظة ومصانة على الصعيد الفكري إلى يومنا هذا، ولولا ذلك لكان الإسلام خبرة بعد عين ولكان المسلمون اليوم أمة جاهلية إباحية لا تعرف الله ولا تؤمن بنبي ولا تقرأ كتابة .
وليس أدل على ذلك أي على ما قلناه من أن ثورة الحسين (علیه السلام) عزلت الحكام عن الشعب وانتزعت منهم صلاحية التشريع وصفة الشرعية عن سلوكهم، من ظهور الطوائف، وتعدد المذاهب وتزايد الفرق الإسلامية بعد عصر الحسين (علیه السلام) مباشرة، ووجه الدلالة فيه هو من حيث أن الحكام لما شعروا بمقت الأمة لهم وتنفر الرأي العام منهم وأن الحسين (علیه السلام) قد انتزع بثورته المقدسة الخالدة ، السلطة الروحية من أيديهم وبالتالي تبين لهم أنهم أصبحوا معزولين عن الشعب روحية ودينية لذا حاولوا أن يستعيدوا سلطتهم على الأمة ، وسيطرتهم على الشعب ولو من طريق غير مباشر أي بواسطة عملاء لهم من رجال الدين والعلماء الذين تغريهم المناصب وتستغويهم الأموال ليكون هؤلاء العملاء كحلقة وصل بين الشعب والحكام ينفذون سياسة الحكام ويبررون إجرامهم ويدعمون سلطانهم اللاشرعي ومن ثمة يكونوا سلاحا بيد السلطات يحاربون بهم الدين ويدافعون بهم عن حكمهم وسلطانهم القائم باسم الدين .
وهكذا كان .. فقد بدأ الحكام بعد الحسين سياسة التفرقة الطائفية وتمزيق وحدة المسلمين بالطائفية وتعدد المذاهب التي بلغت في أواسط الدولة العباسية إلى أكثر من ثلاثمائة طائفة وفرقة وكل طائفة تنتمي وتنتسب إلى رجل دين أو عالم أو محدث إما مسایر للسياسة والحكام كلية، أو سلبي مجامل لهم على أحسن الفروض وبذلك نجحت سياسة «فرق تسد» في خدمة الحكام نجاحا كبيرة وظلوا محتفظين بكراسيهم وسيطرتهم من هذا الطريق، وظل أئمة الهدی من
أهل البيت (علیهم السلام) ومعهم شيعتهم وأصحابهم هم الطائفة الوحيدة بين تلك الطوائف الإسلامية الكثيرة الذين يمثلون الحزب المعارض لتلك الحكومات الجائرة والذين يقفون في وجه أولئك العلماء الدجالين ورجال الدين المنافقين السائرين في ركاب الحكام والأمراء، فهذا مثلا الإمام جعفر بن محمد الصادق (علیه السلام) بعث إليه المنصور الدوانیقي مرة يقول له: يا أبا عبد الله هلا تغشانا وتزورنا كما يغشانا غيرك من العلماء.
فأرسل إليه الإمام (علیه السلام) يقول له : «ليس عندنا من الدنيا ما نخافك عليه وليس عندك من الآخرة ما نرجوك له ولست في نعمة حتى نهيك ولا ترى نفسك في مصيبة حتى نعزيك ) (1)وقد قال رسول الله (صلی الله علیخ و آله) : «إذا رأيتم العلماء على أبواب الأمراء فقولوا بئس العلماء وبئس الأمراء، وإذا رأيتم الأمراء على أبواب العلماء فقولوا نعم العلماء ونعم الأمراء»(2)فعلام نصحبك بعد هذا .
فأرسل إليه المنصور ثانية يقول له : تصحبنا لتنصحنا. فقال الإمام (علیه السلام) :
«إن من يريد الدنيا لا ينصحك وإن من يريد الآخرة لا يصحبك .(3)
ولقد بذل الحكام جهودا كثيرا وحاولوا شتى المحاولات لكي يستميلوا أهل البيت (علیهم السلام) نحوهم ويجذبوهم إلى جانبهم ليكسبوا تأييدهم. ولكن فشلوا وخاب ظنهم وما وجدوا من آل محمد (صلی الله علیخ و آله) إلا الاستقامة على الحق والتصلب ضد الباطل وإعلان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا تأخذهم في الله لومة
الائم، لذلك قابلوهم بكل ظلم واضطهاد وحاربوهم بكل قسوة وعنف واضطهدوا شيعتهم ومنعوا الناس من الوصول إليهم وأغلقوا أبوابهم وتركوهم شتى مصارعهم وأجمعها فظيعة :
فمكابد للسم قد سقيت
حشاشته نقيه
ومضرج بالسيف آثر
عزه وأبی خضوعه
ومصفد لله سلم أمر
ما قاسا جميعه
وسبية باتت بأفعی
الهم مهجها لسبعه
وهذا الاضطهاد والتعسف الذي مارسه الحكام ضد أئمة الهدی من آل البيت (علیهم السلام) هو السبب في انقسام الشيعة أنفسهم إلى عدة فرق وطوائف أيضا، لأن إمام الحق كان ممنوعة من إظهار نفسه والدعوة إليه وكان بسطاء من الشيعة يخدعون بالدعايات المضللة والمظاهر الجذابة فيلتفون حول بعض الأشخاص من أبناء الأئمة (علیهم السلام) أو من أقاربهم ويقولون بإمامتهم. مثل الكيسانية الذين دانوا بإمامة محمد بن الحنفية رحمه الله بعد الحسين (علیه السلام) لما كان يتحلى به محمد من علم وشجاعة وأنه ابن الإمام علي (علیه السلام) وأخو الحسين (علیه السلام) وبالتالي هو أكبر من الإمام زین العابدین (علیه السلام).
ثم الزيدية الذين دانوا بإمامة زيد بن علي بن الحسين ××× بدل الإمام محمد الباقر (علیه السلام) . ثم الإسماعيلية الذين قالوا بإمامة إسماعیل بن الصادق (علیه السلام) بدل أخيه الإمام موسى الكاظم (علیه السلام). وهكذا إلى غيرها من الفرق الشيعية الأصل والتي شنت عن طريق الحق بسبب اختفاء صوت إمام الحق أو الإرهاب الذي كان يحول دون وصولهم إلى إمام الحق وقد أبید أكثر تلكالطوائف والفرق ولم يبق منها إلى اليوم سوى الطائفة الزيدية في اليمن والطائفة الإسماعيلية في الهند والباكستان، إلى جانب الطائفة الحقة الجعفرية الإمامية الذين يشكلون أكبر طائفة إسلامية في العالم والذين ساروا مع التشيع الصحيح إلى آخر الشوط ودانوا بإمامة الأئمة الاثني عشر المنصوص عليهم من رسول الله (صلی الله علیخ و آله) بالإمامة وهم علي بن أبي طالب ثم ابنه الحسن (علیها السلام) ثم أخوه الحسين (علیه السلام) ثم ابنه علي زين العابدين (علیه السلام) ثم ابنه محمد الباقر (علیه السلام) ، ثم
ابنه جعفر الصادق (علیه السلام) ثم ابنه موسى الكاظم (علیه السلام) ثم ابنه علي الرضا (علیه السلام) ثم ابنه محمد الجواد (علیه السلام) ثم ابنه علي الهادي (علیه السلام) ثم ابنه الحسن العسكري (علیه السلام) ثم ابنه محمد المهدي (علیه السلام) صاحب العصر والزمان عليهم جميعا صلوات الله وسلامه .
وهنا بمناسبة ذكر صاحب الزمان يتولد سؤال كثيرا ما يتساءل به شباب عصرنا الحاضر حول هذا الإمام الثاني عشر عند الشيعة الجعفرية الذي يعتقد فيه أنه غاب عن الأبصار بعد وفاة أبيه الإمام الحادي عشر الحسن العسكري عليه وذلك قبل أكثر من ألف ومائة وعشرين عاما أي في سنة (290) من الهجرة، وهو لا يزال حيا يرزق حتى الآن في هذه الدنيا إلى أن بأذن الله له بالظهور فيظهر ويطهر العالم من الظلم والجور والفساد في وقت لا يعرفه على وجه التحديد إلا الله تعالی.
والسؤال في هذا الموضوع يدور غالبة حول بقائه حية هذه المدة الطويلةوأنه كيف يعيش إنسان حوالي ألف ومائة وعشرين سنة ولا يزال حية إلى ما شاء الله؟
الجواب : أولا من الناحية العلمية لا مانع في ذلك ولا استحالة ، لأن العلم لم يحدد عمر الإنسان وإنما حدد أسباب الوفاة وهي تتلخص في اختلال المزاج والتوازن الصحي وإصابة الأعضاء الرئيسية في الجسم بعطب خطير فكلما حافظ الإنسان على توازن صحته وسلامة أعضاءه الرئيسية كلما استمر بقائه وطالت حياته ومن هنا يختلف الناس في طول البقاء وقصره تبعا لسلامة أجسامهم من الأمراض.
ومما لا شك فيه أن الإمام المعصوم المؤيد من قبل الله تعالی یکون أعرف الناس بقوانين الوقاية الصحيحة وأكثر الناس عملا بها وتمسكا بها فلا بد أن يكون أطول الناس عمرا وأكثرهم بقاء في هذه الحياة ، وقد حدثنا التاريخ عن
أشخاص عمروا في الدنيا مئات السنين مثل نوح (علیه السلام) الذي عمر أكثر من ألف وخمسمائة سنة وغيره كثيرون ممن عمر مددة تراوح بين المائة سنة والألف سنة وأحوالهم مذكورة في بطون كتب التاريخ والمعمرين ومنهم مثلا سطيح كاهن الشام الذي عاش ثلاثين قرنة حسب نصوص التاريخ ومات بعد ولادة النبي محمد (صلی الله علیخ و آله) بمدة قليلة وقصته معروفة.. والواقع أن البحث حول الإمام المهدي (علیه السلام) يحتاج إلى تفصيل واسع لا يسعه المقام وسنعودإليه بمناسبة أخرى إن شاء الله .
والخلاصة هي: إن ثورة الحسين (علیه السلام) حفظت للمسلمين إسلامهم من خطر انقلاب جاهلي ماحق و عرفتهم بأعدائهم المتسترين بثياب الإسلام والحاكمين باسم الإسلام وبعثت فيهم روح الثورة والمعارضة ضد أولئك الأعداء وحفظت لهم شخصيتهم الإسلامية وقد أجاد المرحوم السيد جعفر الحلي رحمه الله حيث قال : يوم بحامية الإسلام قد نهضت
له حمية دين الله إذ ترکا
رأى بأن سبيل الغني متبع
والرشد لم تدر قوم أية سلکا
والناس عادت إليهم جاهليتهم
كأن من شرع الإسلام قد أفكا
وقد تحكم بالإسلام طاغية
يمسي ويصبح بالفحشاء منهمکا
لم أدري أين رجال المسلمين مضوا
وكيف صار يزيد بينهم ملكا
العاصر الخمر من لؤم بعنصره
ومن خساسة طبع يعصر الودكا
لئن جرت لفظة التوحيد من فمه
فسيفه بحشا التوحيد قد فتکا
قد أصبح الدين منه يشتكي سقمة
وما إلى أحد غير الحسين شکا
فما رأى السبط للدين الحنيف شفا
إلا إذا دمه في كربلا سفکا
وما سمعنا علي لا علاج له
إلا بنفس مداوية إذا هلكا
نفسي الفداء لفاد شرع والده
بنفسه وبأهليه وما ملكا
بقتله فاح للإسلام نشرهدى
وكلما ذكرته المسلمون ذکا
يقول الأعسم رحمه الله وهو يخاطب الحسين (علیه السلام) :
تبكيك عيني لا لأجل مثوبة
لكنما عيني لأجلك باكية
تبتل منکم کربلا بدم ولا
تبتل مني بالدموع الجارية
تعرفنا في بحث سابق على أن الذين قتلوا الحسين (علیه السلام) بکربلا لم يكونوا شيعة ولم يكن فيهم شيعي واحد قط . وعليه : فبكاء الشيعة اليوم وقبل اليوم على مصاب الحسين (علیه السلام) ليس بدافع الشعور بالإثم أو لغرض التكفير عن جريمة الآباء حسب ما يتهمهم المغرضون ويشوه عليهم الجاهلون .
والسؤال الآن هو:
إذا ما وجه الصحة وما المبرر في بكاء الشيعة على الحسين (علیه السلام) بعد علمنا أن الحسين ثائر ناجح في ثورته محقق لكثير من أهدافه السامية في إظهار الحق وفضح الباطل، فلماذا هذا النوح والبكاء والأسى ومظاهر الحداد فيكل عام؟.
فنقول : أولا إن البكاء والتأثر على الحسين (علیه السلام) ليس فرضا إسلامية ولا واجب شرعية ولا ركن من أركان التشيع بحيث لا يتم بدونه ولا يتحقق بترکه .
وإنما هو ظاهرة حب وولاء للحسين (علیه السلام) وهل يمكن أن تنزل نكبة ومصيبة بحبيب لك و عزيز عليك ثم لا تبكي ولا تتأثر منها. والحسين (علیه السلام) حبيب كل مؤمن وعزيز كل إنسان وقد أصيب بأعظم المصائب وأفدح الكوارث لأجل الحق والعدالة دفاعا عن الإيمان والإنسانية فكيف لا يبكيه أو لا يتأثر عليه الإنسان. ومع غض النظر عن هذا فإن في البكاء عليه وجوهة أخرى اللحسن والصحة نذكر بعضها فيما يلي:
الوجه الأول : توقع الثواب من الله سبحانه والأجر منه تعالى في الآخرة حيث أن في البكاء على الحسين (علیه السلام) تأسي بالنبي الأكرم وأهل بيته المعصومين (علیهم السلام) إذ قد ثبت بالتواتر أن رسول الله (صلی الله علیخ و آله) كان يعلم بما جرى على الحسين (علیه السلام) بعده وبكى على مصابه في عدة مواطن ولعن قاتلیه وعبر عنهم بأشرار الأمة. وكذلك ابنته فاطمة الزهراء (علیها السلام) والإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) والحسن السبط (علیه السلام) قد ثبت عنهم في الأخبار الصحيحة أنهم بكوا على مصاب الحسين (علیه السلام) كلما تذكروه.
وأما بکاء الأئمة المعصومين على الحسين (علیه السلام) بعده فمعروف مشهور فهذا مثلا الإمام زین العابدين (علیه السلام) عاش بعد أبيه الحسين خمسة وثلاثين سنة ما قدم بين يديه طعام ولا شراب إلا وتذكر أباه الحسين (علیه السلام) وبکی وهو يقول : كيف آكل وقد قتل أبي جائعا وكيف أشرب وقد قتل أبي عطشانا؟(1)وذلك إمامنا موسی بن جعفر الكاظم (علیه السلام) الذي كان إذا أهل عليه شهر المحرم لا يرى ضاحكة حتى تمضي منه تسعة أيام فإذا كان اليوم العاشر منه كان يوم بكائه ومصيبته وحزنه .(2)
وقبله أبوه الإمام الصادق (علیه السلام) الذي دخل عليه الراوي يوم العاشر من المحرم فوجده کاسف اللون باكيا حزينة وكان غافلا عن يوم عاشوراء فلما سأل الإمام (علیه السلام) عن السبب قال (علیه السلام) : «أو غافل أنت عن هذا اليوم الذي قتل فيه الحسين (علیه السلام) ، فمن جعله يوم حزنه ومصيبته جعل الله له يوم القيامة يوم فرحه وسروره وقت بنا في الجنان عينه.(1)إلى أن قال (علیه السلام) : «إن يوم الحسين أقرح جفوننا وأسبل دموعنا وأذل عزيزنا وأورثنا الكرب والبلاء إلى يوم الانقضاء فعلى مثل الحسين فليبك الباكون فإنه ذبح كما يذبح الكبش.(2)
ولا تنسى الإمام الرضا (علیه السلام) الذي يقول عنه دعبل بن علي الخزاعي رحمه الله أنشدته فبكي حتى أغمي عليه فأمسكته حتى أفاق فقال : أنشد يا دعبل، فأنشدته فبكى حتى أغمي عليه ثانية وهكذا إلى ثلاث مرات . وهو القائل (علیه السلام) : «كل جزع وبكاء مكروه للعبد إلا الجزع والبكاء على الحسين (علیه السلام) فإنه فيه مأجور».(3)
فكيف لا يحسن البكاء على الحسين (علیه السلام) والحزن والحداد على مصابه بعد أن بكاه النبي محمد (صلی الله علیخ و آله) وآله أهل بيت العصمة. وهل التأسي برسول الله مكروه وقبيح بعد أن أمرنا الله تعالى في كتابه العزيز بالتأسي به على وجه عام فقال سبحانه : «لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا »(4)
وهل يسوغ للمؤمن أن يرغب عن التأسي بآل البيت (علیهم السلام) بعد أن ثبت
عنده أن يوم الحسين (علیه السلام) كان مثارة للحزن ومدعاة للأسى والبكاء بالنسبةلهم (علیهم السلام) دائمة وفي كل الأحوال والمناسبات، ورد في أحوال الإمام الصادق (علیه السلام) أنه كان إذا ذکر جده الحسين (علیه السلام) أو ذكر عنده لا يرى ضاحكة طيلة ذلك اليوم وتغلب عليه الكآبة والحزن. وكان (علیه السلام) يتسلى عن المصائب التي ترد عليه من قبل الأعداء مصائب الحسين (علیه السلام) فمن ذلك مثلا :
لما أمر المنصور الدوانیقي عامله على المدينة أن يحرق على أبي عبد الله الصادق (علیه السلام) داره فجاءوا بالخطب الجزل ووضعوه على باب دار الصادق (علیه السلام) وأضرموا فيه النار فلما أخذت النار ما في الدهليز تصايحن العلويات داخل الدار وارتفعت أصواتهن فخرج الإمام الصادق (علیه السلام) وعليه قميص وإزار وفي رجليه نعلان وجعل يخمد النار ويطفئ الحريق حتى قضى عليها فلما كان الغد دخل عليه بعض شیعته يسلونه فوجدوه حزينة باكية فقالوا: ما هذا التأثر والبكاء أمن جرأة القوم عليكم أهل البيت وليس منهم بأول مرة؟ فقال الإمام عليه : لا.. ولكن لما أخذت النار ما في الدهلیز نظرت إلى نسائي وبناتي يتراكضن في صحن الدار من حجرة إلى حجرة ومن مكان إلى مكان هذا وأنا معهن في الدار فتذكرت روعة عيال جدي الحسين عليه يوم عاشوراء لما هجم القوم عليهن ومناديهم ينادي أحرقوا بيوت الظالمين .
فالغرض : إن البكاء على الحسين (علیه السلام) والتأثر من مصائبه وإظهار الحزن والأسى يوم قتله كل ذلك أمر محبوب و مرغوب فيه لأنه من التأسي برسول الله (صلی الله علیخ و آله) وبأهل بيته الطاهرين (علیهم السلام) وقد قال الإمام الحسن العسكري (علیه السلام) في كلمته المعروفة : «شیعتنا منا يفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا .. الخ .(1)
الوجه الثاني: تعظیم شعائر الحسين (علیه السلام) وتعزيز عظمته وتکریم مقامه أمام
1) راجع بحار الأنوار: ج65 ص17 ح24
الرأي العام حيث ورد عن الرسول (صلی الله علیخ و آله) قوله : « ميت لا بواكي عليه لا إعزاز اله» أي لا احترام له. وهو أمر طبيعي لأن القيمة المعنوية للفقيد وعظمته الإنسانية تعرف عند من لا يعرفونه من عظيم أثر فقده في نفوس عارفيه وكلما عظم الفقيد عظم مصابه على الناس ولذا غضب رسول الله (صلی الله علیخ و آله) لما لم يسمع البكاء على عمه حمزة بن عبد المطلب بعد رجوعه من معركة أحد، وذلك لأن حمزة لم يكن عنده أحد في الدار يبكون عليه فقال النبي (صلی الله علیخ و آله) متأثرة وخاصة لما سمع البكاء على الشهداء من الأنصار: «ولكن عمي حمزة لا بواكي عليه (1)، فلما سمع الأنصار بعثوا إلى دار حمزة من يبكي عليه فسر رسول الله (صلی الله علیخ و آله) وقال : «على مثل حمزة فلتبكي البواكي .. (2)فلا شك في أن الميت الذي لا يبکی لفقده ولا يحزن على موته لا قيمة له في نظر الناس وإن ذلك دلیل حقارته وضعف شخصيته ومقامه وهذا أمر عرفي ومنطقي ، وقد أشار إليه القرآن الكريم في قوله تعالی : «كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * «وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ*«وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * «كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ * «فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ » (3)
معلوم أن الغرض من بكاء السماء والأرض هو أهل السماء وأهل الأرض، أي أنهم ماتوا غير مأسوف عليهم ولم يؤثر موتهم حزنا في نفس أحد ولا فقدهم فراغا في الحياة بعدهم، وهذا دليل هوانهم على الناس واحتقارهم في نظر الناس وانعدام احترامهم بين الناس رغم قوتهم وقدرتهم المالية ورغم ملكهم وسلطانهم الذي كانوا قد فرضوه على الناس .
سئل الإمام علي (علیه السلام) : ما هو حسن الخلق يا أمير المؤمنين؟.
فقال (علیه السلام) : «هو أن تعاشروا الناس معاشرة إن عشتم حنوا إليكم وإن متم بكوا عليكم .(1)
وقد أوصى الإمام محمد الباقر (علیه السلام) أن تستأجر له نوادب بعد موته يندبوا عليه يمني من مكة أيام موسم الحج ولمدة عشر سنوات إظهارة لمقامه المجهول لدى عامة الناس بسبب ظلم الأمويين واضطهادهم له (علیه السلام) .
فأي وسيلة يمكن أن يعبر بها عن عظم منزلة الفقيد بين أصحابه ومحبيه أقوى دلالة وأوضح تعبيرة من البكاء عليه ثم أي ظاهرة أدل وأوضح تعبيرا عن شدید حبنا للفقيد وعظيم تعلقنا بالفقيد من ظاهرة البكاء عليه وجريان الدموع لموته .
وهل رأيت أو سمعت أن زعيمة شعبية في العالم مات أو قتل ولم يبك عليه أتباعه وأنصاره وشعبه ، ولم يجعلوا يوم وفاته يوم حداد وأسي وخاصة إذا كان موته بصورة مفجعة وقاسية وتقتل أولاده وأطفاله وإخوانه وعشيرته وتقطع رؤوسهم وترض أجسادهم بحوافر الخيل وتحرق خيامه على نسائه وينهب ثقله وو... إلى آخر ما هناك من صور إجرامية ووحشية تقشعر منها الجلود وتتفتت الأكباد والقلوب .
ولا يقال هنا بأن حادثة الحسين (علیه السلام) قديمة جدا قد مضى عليها أكثر من ثلاثة عشر قرن فإلى متى هذا البكاء لها والحزن عليها، وكل فقيد في العالم مهما عظم فإنما يبكي عليه لأيام معدودة ثم يطوى ذكره في زوايا التاريخ وبطون الكتب؟! .
الأنا نقول:| أولا: إن عظمة الحسين (علیه السلام) تفوق عظمة كل عظيم في العالم بعد جده
1) سورة الدخان: 25-29.
المصطفى (صلی الله علیخ و آله) وأبيه المرتضى (علیه السلام) فقياسه على غيره من عظماء الإنسانية قیاس مع الفارق الكبير .
وثانيا: إن الكيفية التي فقد عليها الحسين (علیه السلام) لم يفتقد عليها حتى الآن أي فقيد قط، قتل جائعا عطشانا شعثا مغبرة غريبة وحيدة ثاکلا مكروبا مستضعفة يستغيث فلا يغاث ويستجير فلا يجار ويستعين فلا يعان يسمع ضجيج عياله وصراخ أطفاله وهم بين الآلاف من الأعداء ينتظرون منهم كل مكروه. ومن الناحية الثانية ينظر إلى قومه وصحبه حوله مجزرین کالأضاحي، مع العلم بأن الذين قتلوه هم أمة جده المصطفى الذين ثار لأجلهم وقام لإنقاذهم من الظلم والاضطهاد .
لذلك فإن فقده فريد في بابه جديد أبدة ودائمة لا يؤثر عليه مرور الزمن ولا يخفف من وقعه تعاقب القرون والأجيال فهو كما قال عنه الأدباء والشعراء قديما وحديثا .
فقال بعضهم:
فقید تعفی کل رزء ورزءه
جديد على الأيام سامي المعالم
وقال الآخر:
وفجائع الأيام تبقى مدة وتزول
وهي إلى القيامة باقية
وقال الآخر:
كذب الموت فالحسین مخلد
كلما مرت الدهور تجدد
وقال آخر:
مصاب له طاشت عقول ذوي الحجا
إذا ماتعفاكل رزء تجددا
لقد صلب المسيح عيسى بن مريم (علیه السلام) حسب زعم المسيحيين قبل ألفي عام تقريبا، وهاهم المسيحيون لا يزالون يجددون ذکری صلبه كل عام ويبكون له ويحزنون، وقد اتخذوا من خشبة صلبه شعارا عاما لهم يرفعونه
فوق كل المؤسسات والجمعيات والكنائس معلنين بذلك أسفهم وحزنهم على مصابه ومأساته ، مع العلم بأن مأساة المسيح (علیه السلام) بسيطة جدا في جنب مأساة الحسين عليه . فلماذا يلام الشيعة على حزنهم وبكائهم لمأساة الحسين (علیه السلام) ولا يلام غيرهم على الحزن والبكاء لمأساة سائر العظماء..
والخلاصة هي: أن هناك شخصيات و حوادث في العالم لا يستطيع التاريخ هضمها ولا الزمان إسدال الستار عليها ولا الأجيال نسيانها لسبب بسيط ، وهو عقم الأيام عن الإتيان بمثلها، وفي طليعة تلك الشخصيات شخصية الحسين (علیه السلام) وفي طليعة تلك الحوادث حادثة عاشوراء.
الوجه الثالث: هو أن البكاء على الحسين (علیه السلام) يرمز إلى تأييد الحسين (علیه السلام) في ثورته المباركة وإعلان الثورة العاطفية على الظلم والظالمين، والتعبير عن أعمق مشاعر الاستنكار والسخط ضد أعداء الحق والعدل ، والإعراب عن الأسف على عدم وجودنا في صفوف أصحاب الحسين سادات الشهداء الخالدين وعدم نیلنا توفيق وسعادة نصرة الحسين (علیه السلام) في يوم عاشوراء . فيا ليتنا کنا معك أبا عبد الله فنفوز فوزا عظيما. لبيك داعي الله إن لم يجبك بدني عند استغاثتك ولساني عند استنصارك فقد أجابك قلبي وسمعي و بصري ..
هذا لسان حال شيعة الحسين في كل مكان وزمان فإجابة القلب بالإيمان بمبدأ الحسين الذي قتل لأجله، وإجابة السمع بالاستماع إلى سيرة الحسين وأقواله، وإجابة البصر سكب الدموع على مآسي الحسين (علیه السلام) .
فالبكاء لكل واحد من هذه الأهداف والغايات الثلاث أمر طبيعي و عقلائيوظاهرة فطرية خيرة من ظواهر الفطرة السليمة التي وقاها الله تعالى من نكسة القساوة والغلظة و تحجر الضمير وهي أخطر الأمراض النفسية والانحرافات الروحية التي يتعرض لها بعض الأفراد و قانا الله شرها وهي المعبر عنها بموت القلب .
وإليك ما قاله الأستاذ العقاد ص190 من كتابه (أبو الشهداء) : «إن الطبايع الآدمية قد أشربت حب الشهداء والعطف عليهم وتقدیس ذكرهم بغير تلقين وإنما تنحرف عن سواء هذه السنة لعوارض طارئة تمنعها أن تستقيم أو من نكسة في الطبع، لأن العطف الإنساني نحو الشهداء هو كل ما يملك التاريخ من جزاء.. الخ..
هل تتصور أيها القارئ الكريم إنسان يستمع إلى تلك المآسي الجسام التي وقعت على الحسين (علیه السلام) و آله من الصغار والكبار والرجال والنساء ولا ينكسر قلبه ولا يتأثر وجدانه ولا يتحرك ضميره ثم تعتبره إنسانة طبيعية سلیم الفطرة؟ كيف وقد قال الحسين (علیه السلام) نفسه في المأثور عنه: «أنا قتيل العبرة ما ذكرت عند مؤمن إلا استعبر . (1)
وجاء في الحديث الشريف عن رسول الله (صلی الله علیخ و آله) : «جفاف العيون من قساوة القلوب وما ضرب بن آدم بعقوبة أشد عليه من قساوة القلب» وقد وصفالله سبحانه المؤمنين بقوله : «رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ »(2)
والخلاصة: لم يجد الخبراء وعلماء النفس والأخلاق بين الصفات الإنسانية كلها صفة أفضل وأشرف من الرحمة ورقة القلب على الآخرين حتى أن بعض الفلاسفة عدل عن تعريف الإنسان بالحيوان الناطق وهو التعريف المشهور . عدل عنه إلى أنه (حيوان ذو عطف) وعليه فلا إنسانية مطلقة بدون العطف على مصائب الآخرين وبدون الرحمة ورقة القلب على نكبات المظلومين ومآسي المنكوبين .
والحقيقة أن الشيخ الأعسم رحمه الله قد مثل في البيتين السابقين شعور کل
إنسان سليم الفطرة تجاه الحسين (علیه السلام) حيث قال :
تبكيك عيني لا لأجل مثوبة
لكنما عيني لأجلك باكية
تبتل منکم کربلا بدم ولا
تبتل مني بالدموع الجارية
قال بعض الأدباء :
بزوار الحسين خلطت نفسي
لتحسب منهم يوم العداد
فإن عدت فقد سعدت وإلا
فقد فازت بتكثير السواد
وهذه ظاهرة أخرى عند الشيعة لم تسلم أيضا من النقد أحيانا ومن التساؤل والاستفهام عنها أحيانا أخرى وهي زيارة قبر الحسين (علیه السلام) بكربلاء من أرض العراق في مواسم عدة من أيام السنة وخاصة يوم عاشوراء وهو يوم ذکری مصرعه ويوم الأربعين أي العشرين من شهر صفر وهو يوم ذكرى عودة الرأس الشريف من الشام والتحاقه بالجسد على يد الإمام زین العابدین (علیه السلام) الذي عاد في ذلك اليوم مع السبايا من الشام في طريقهم إلى المدينة المنورة فصادف وصولهم إلى كربلاء في يوم الأربعين بعد قتل الحسين (علیه السلام) .
وهناك مواسم أخرى لزيارة قبر الحسين في خلال السنة مثل ليلة النصف من شعبان وليلة القدر من شهر رمضان ويوم عرفة ويوم عيد الفطر ويوم عيد الأضحى وغيرها تمتلئ فيها مدينة كربلاء بالزائرين من الشيعة والقادمين إليها من كل مكان .
وهذه الظاهرة ليست جديدة عند الشيعة وإنما هي سنة مستمرة بينهم منذ تاریخ قتل الحسين ومنذ سنة إحدى وستين هجرية حتى الآن وقد حافظوا على
القيام بزيارة قبر الحسين بكل إمكانياتهم وقابلوا لأدائها تحديات جمة كلفتهم الأموال والأنفس في كل من العهدين المشؤومين الأموي والعباسي.
والآن وفي عصرنا يوجد أناس يتساءلون : ما هو الغرض العقلائي من زيارة قبر الحسين وخاصة إذا كانت الزيارة تستلزم شد الرحال و تجشم عناء السفر وصرف الأموال؟!.
نقول : إن زيارة قبر الحسين (علیه السلام) خير موضوع فمن شاء استقل ومن شاء استكثر، على حد تعبير الإمام الصادق (علیه السلام).(1)
أجل إنه عمل صالح و موضوع حسن و محبوب عقلا و شرعا، أما حسنه من الناحية العقلية فلأن تقديس العظماء وتمجيد الأبطال بعد موتهم نزعة فطرية وسنة عقلائية سائدة في كافة أنحاء العالم وبين جميع الأمم والشعوب العالمية والحضارات الإنسانية منذ أقدم العصور وإلى يومنا هذا، بل إن عصرنا هذا وجيلنا الحاضر هو أكثر تمسكا وأشد محافظة على هذا التقليد من السابق فنرى بعض الدول التي ليس لها زعيم سابق معروف وبطل عالمي شهير تمجد فيه البطولة والفداء في سبيل الأمة ، يعمدون إلى بناء نصب تذكاري يسمونه الجندي المجهول) يرمزون به إلى التضحية الفذة والفداء المثالي في سبيل الوطن، ويمجدون فيه البطولة والشهامة . وها نحن نسمع ونقرأ ونرى إنه ما من رئيس دولة زار أو يزور دولة أخرى في الشرق أو في الغرب إلا وكان في برامج زيارته موعد خاص لزيارة ضريح عظيم تلك الدولة أو مؤسسها أو محررها، أو زيارة النصب التذكاري فيها للجندي المجهول ، فيضع على ذلك الضريح أو ذلك النصب إكليلا من الزهور ويؤدي التحية المرسومة .
حتى الدول الشيوعية التي نبذت كل التقاليد العامة والمراسيم القديمة فإنهم
1) راجع الحدائق الناضرة: ج6 ص80.
لا يزالون محتفظين بهذا التقليد ولا يمكن أن يزور زائر رسمي زيارة رسمية للاتحاد السوفياتي السابق مث ما لم يقصد قبر لينين مفجر الثورة الشيوعية في روسيا ويؤدي التحية لقبره، ومما يذكر بهذه المناسبة أن من مراسيم الأعياد عند أهالي موسكو أن يزوروا ضريح لينين كل عيد وفي كل مناسبة ، وفي الولايات المتحدة الأمريكية لا يزال ضريح الرئيس جون کندي القتيل بزار من قبل آلاف الأمريكان في الأعياد والمناسبات وربما يكون عليه أحيانا.
والخلاصة: هي أن زيارة قبور الأبطال ومراقد العظماء وأضرحة الشهداء سيرة عقلائية وسنة إنسانية لا تخص قوما أو أمة أو طائفة فلماذا يلام الشيعة أو ينتقدون إذا زاروا مرقد الإمام الحسين بكربلاء وهو سيد الشهداء الأحرار وقدوة القادة الأبطال والمثل الأعلى لرجال الإصلاح والفداء في العالم، الذي أنقذ أمته من خطر المحو والزوال ودفع بها نحو الأمام والسير على الطريق المستقيم بعد أن كلفه ذلك جميع ما ملك في هذه الحياة، ففي زيارة قبر الحسين (علیه السلام) من المكاسب الروحية والفوائد الفكرية والأخلاقية ما ليس مثلها في زيارة أي مرقد وضريح آخر.
ولذا قال الإمام الصادق (علیه السلام) : «من زار الحسين (علیه السلام) عارفا بحقه فكأنما زار الله في عرشه».(1)
وفي حديث آخر عنه (علیه السلام) قال : «زيارة الحسين (علیه السلام) فرض على كل من يؤمن للحسين بالولاية»(2)
ألا ترى الشعوب الغير المسلمة تنحت الصور وتقيم التماثيل لرجالها المصلحين في الساحات العامة والمواقع الحساسة من مدنها .. لماذا يصنعون
ذلك، لا شك أنك تعرف أنهم يفعلون ذلك تكريما لذكراهم وشكرا التضحياتهم وتلقينا لسيرتهم وعملهم إلى الشباب الحاضر والأجيال القادمة، غير أن الإسلام يحرم النحت وصنع التماثيل مطلقا ولأي شخص كان فلذا ليس أمامنا نحن المسلمين لأجل تكريم زعماءنا المخلصين وشهداءنا الأحرار لأجل الإعراب عن شكرنا لهم ولأجل تلقين أجيالنا الطالعة سيرتهم ومبادئهم إلا زيارة قبورهم والوقوف أمام مراقدهم خاشعين مستوحين منها ذكريات التضحية والفداء في سبيل المصلحة العامة .
هذا منطق الشيعة وفلسفتها لهذه الظاهرة وهو كما تراه منطق العقل في كل زمان ومكان ، وفي الختام إليك نبذة من كتاب (أبو الشهداء) للعقاد حول هذا الموضوع قال في ص129:
وشاءت المصادفات أن يساق ركب الحسين (علیه السلام) إلى كربلاء بعد أن حيل بينه وبين كل وجهة أخرى، فاقترن تاريخها منذ ذلك اليوم بتاريخ الإسلام كلهومن حقه أن يقترن بتاریخ بني الإنسان حيثما عرفت لهذا الإنسان فضيلة يستحق بها التنويه والتخليد ، فهي - أي كربلاء - اليوم حرم يزوره المسلمون اللعبرة والذكرى ، ويزوره غير المسلمين للنظر والمشاهدة ولكنها – أي كربلاء - لو أعطيت حقها من التنويه والتخنيد لحق لها أن تصبح مزارة لكل آدمي يعرف البني نوعه نصيبا من القداسة وحظ من الفضيلة لأننا لا نذكر بقعة من بقاع هذه الأرض يقترن اسمها بجملة من الفضائل والمناقب أسمى وألزم لنوع الإنسان من تلك التي اقترنت باسم کربلاء بعد مصرع الحسين (علیه السلام) فيها، فكل صفة من تلك الصفات العلوية التي بها الإنسان إنسان وبغيرها لا يحسب إلا ضربا من الحيوان السائم فهي مقرونة في الذاكرة بأيام الحسين (علیه السلام) في تلك البقعة الجرداء» انتهى محل الشاهد من كلام العقاد.
وقد التزم أهل البيت (علیهم السلام) وشيعتهم بالحفاظ على زيارة الحسين (علیه السلام) في
ظروف صعبة وشاقة وقد كلفتهم تضحيات غالية ، ففي عصر المتوكل العباسي مثلا فرضت ضريبة مالية قدرها ألف دينار من ذهب على كل شخص يرد کربلاء لزيارة قبر الحسين (علیه السلام) ، ولما رأت السلطات العباسية أن هذه الضريبة الباهظة لم تمنع الناس من زيارة الحسين (علیه السلام) أضافوا إليها ضريبة دموية فكانوا يقتلون من كل عشرة زائرین واحد يعين من بينهم بطريق القرعة. وكان أئمة أهل البيت (علیهم السلام) يعلمون ذلك كله ولم يمنعوا الناس من زيارة الحسين (علیه السلام) لما فيها من مكاسب روحية واجتماعية وسياسية للمؤمنين. بل يحثونهم على الاستمرار في زيارة قبر الحسين (علیه السلام) رغم كل الصعاب والعقبات ، ويقولون لهم أن لزائر قبر الحسين عليه بكل خطوة يخطوها حسنة عند الله سبحانه .
أكثر ما يثير الاستغراب والتساؤل في مظاهر عاشوراء عند الشيعة هو ما يقوم به بعضهم من مظاهر عزائية قاسية تتصف بالعنف أحيانا مثل اللطم على الصدور العارية والضرب على الظهور والأكتاف المجردة بالسلاسل الحديدية الجارحة وإدماء الرؤوس بالسيوف وغير ذلك.. مما يثير الاستغراب لدى البعض بل يثير الاستهجان والانتقاد لدى البعض الآخر ويتساءلون لماذا يفعل هؤلاء هكذا بأنفسهم؟ ولماذا لا يمنعهم العلماء ورجال الدين؟ وهل أن هذه الأعمال جائزة شرعا وصحيحة بحسب العرف العقلائي؟.
والجواب على هذا السؤال هو:
إن تلك الأعمال من حيث الأصل مباحة شرعا إذا كان القيام بها لهدف مشروع وغرض عقلائي ولم يترتب عليها ضرر كبير أو خطر على حياة الإنسان، هذا ما يقوله العلماء مراجع التقليد العليا في كل زمان ومكان.
هذا من حيث الأصل، وأما قيام الشيعة بها في عاشوراء فهو أولا لأغراض عقلائية مشروعة وبدافع الحب والولاء الشديد للحسين (علیه السلام). فهم بتلكالأعمال يعبرون عن تأسيهم بالحسين (علیه السلام) ومواساتهم له في تحمل ألم الجراح وجريان الدماء وفي نفس الوقت يمثلون بها دور العمل الفدائي في سبيل قضية الحسين (علیه السلام) التي استشهد دفاعا عنها، ويظهرون استعدادهم للتضحية من أجلها بكل غال و عزیز. بالإضافة إلى أنها - أي تلك الأعمال - عندهم
كتظاهرة كبرى ضد أعداء الحسين (علیه السلام) الذين يخطئون الحسين (علیه السلام) في قيامه ذد الدولة الأموية ويبررون إقدام يزيد على قتل الحسين (علیه السلام) وهؤلاء موجودون بيننا وفي عصرنا بكثرة!، ومن جهة أخرى هي كتأیید عملي ودعم شعبي لثورته المقدسة وبالتالي هي استنكار صارخ للظلم والعدوان وتأييد للتحرر والإصلاح في كل زمان ومكان، كيف لا ومظاهر القسوة والعنف في أعمال الاحتجاج أمر متداول في عصرنا هذا، فكم نسمع عن أشخاص أحرقوا أنفسهم حتى الموت وأضربوا عن الطعام حتى أشرفوا على الموت كل ذلك احتجاجا على ظلم أو اعتداء فلم يسخر منهم شباب العصر بل يعتبرونهم بذلك أبطالا مناضلين ، ولكن إذا قام شيعة أهل البيت بما هو أقل من ذلك وأبسط اتهموا بالسخف والرجعية والوحشية .. لماذا؟
أضف إلى ذلك أن قيامهم بتلك الأعمال هو بمثابة تدريب وتمرين على خلق الروح النضالية وعلى عمل التضحية والاستشهاد عندهم ليكونوا دائما وأبداعلى استعداد تام لتلبية نداء الحق وداعية الثورة الإصلاحية العالمية في أي وقت .
لا شك أن الروح النضالية الفعالة والمعنوية العسكرية الراقية لا تتحققان لدى شباب الأمة بمجرد بعض التمارين الحالية الجوفاء والتمثيليات الفارغة التي لا تخلق سوی جیش انهزامية فرارة غير كرار يصدق عليهم قول الشاعر العربي القديم :
وفي الغزوات ما جربت نفسي
ولكن في الهزيمة كالغزال
ويصدق عليهم قوله تعالى : «وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ»(1)
1) سورة المنافقون: 4.
أجل إن الاستهانة بالموت تحتاج إلى تهيوء وتدريب جدي وتمارين شاقة خشنة ، وإلا فالواقع ما قاله البطل الثائر زید بن علي بن الحسين (علیه السلام) : «ما کره قوم حر السيف إلا ذلوا». (1)
والخلاصة: هي أن هذه دوافع الشيعة وأهدافهم لدى قيامهم بتلك الأعمال في عاشوراء وهي كما تراها دوافع مشروعة وأهداف عقلائية نافعة. هذا مع العلم بأنهم لا يرون فيها ضررة ولا يحسون منها خطرة على صحتهم ولاعلى حياتهم حسب ما يؤكدونه هم أنفسهم القائمون بتلك الأعمال وحسب ما يشاهد منهم بالوجدان . بل الثابت منهم وعنهم عكس ذلك أي أنهم قد يستفيدون من بعضها فوائد صحية . نعم قد تقع بعض الأخطاء من قبل بعض القائمين بتلك الأعمال أو من بعض المشرفين عليها فتؤدي عفوا إلى بعض الأضرار البسيطة وذلك نادرة والنادر الشاذ لا يقاس عليه .
أما إذا أيقن أحد بحصول ضرر بالغ على نفسه من تلك الأعمال فلا يجوز له خاصة أن يقوم بها حتما.
هذه خلاصة وجهة نظر الشيعة ورأي علمائهم الكبار والمطابقة لفتاوی مراجعهم العليا في النجف الأشرف وغيرها منذ خمسين عاما أو أكثر حتی اليوم، وتلك الفتاوي مجموعة ومدونة مع ذكر تواريخها وبنصوصها التفصيلية في ضمن بعض الكتب المؤلفة حول موضوع الشعائر الحسينية ، أو في کراسات خاصة مطبوعة يمكنك الإطلاع عليها إذا شئت ولا أعلم مرجع دينية من مراجع التقليد عند الشيعة سئل عن حكم هذه الأعمال العزائية في عاشوراء إلا وأجاب بالجواز والمشروعية ، هذا مع العلم بأن هذه الأعمال كانت تحري ويقوم بها الشيعة أيام عاشوراء منذ قديم الزمان وتحت سمع وبصر كبار
1) راجع بحار الأنوار: ج46 ، ص181.
العلماء السابقين أرباب الكلمة النافذة واليد المبسوطة، أمثال الشيخ المفيد والكليني والصدوق والسيد المرتضی والسيد الرضي والشيخ الطوسي والسيد مهدي بحر العلوم الكبير والشيخ جعفر الكبير والشيخ الأنصاري .. وهكذا إلى عصرنا هذا أمثال الميرزا النائيني والسيد أبو الحسن والشيخ كاشف الغطاء والسيد الحكيم وغيرهم.. فكانوا يؤيدون تلك الأعمال ويدعمونها مادية ومعنوية ، وفي هذا دلالة كافية على جواز تلك الأعمال ومحبوبيتها شرعا، وفيه أيضا قناعة كافية لمن يطلب الحق ومعرفة الواقع، بدون تعنت وتصلب واستبداد في الرأي .
أما الناقدون والمعارضون لتلك الأعمال العزائية فليس عندهم سند منطقي ولا قاعدة عامة عقلائية يصح الاستدلال بها في معارضتهم لها فإنهم يقولون مثلا : إن القيام بهذه الأعمال توجب السخرية والاستهزاء بهم من قبل الأجانب .
ونقول في الجواب : إن السخرية والاستهزاء والاشمئزاز من قبل بعض الناس على عمل ما، لا يثبت فساد ذلك العمل ولا يقتضي تركه لمجرد ذلك ولا توجد قاعدة عقلائية تقول أن كل عمل أثار السخرية من قبل شخص أو أشخاص فذلك العمل باطل فاسد يجب ترکه ، لا لشيء سوى استهزاء بعض الأشخاص البعيدين عن معرفته و حقيقته ، ولا يوجد عاقل في العالم يؤمن بأن محض السخرية ومجرد الاستهزاء بشيء ما سبب كاف وعلة تامة لفساد ذلك الشيء.
إذ لو كان الأمر هكذا لوجب على رسول الله (صلی الله علیخ و آله) في بدء الدعوة أن يترك الرسالة والدعوة إلى الإسلام، لماذا؟ لأن قریش صارت تستهزأ به وتسخر من دعوته وتشمئز منه لذلك ، أو لوجب عليه أن يترك الصلاة على الأقل لأنها كانت أكثر ما في الإسلام إثارة لسخرية المشركين واستهزائهم منه بها. فهل ترك
الصلاة؟! طبعا كلا .
بل أقول لو كان مجرد استهزاء البعض على القيام بعمل ما يبرر ترکه لكان يلزمنا نحن المصلين في هذا العصر أن نترك الصلاة لأنها أصبحت موضع سخرية واستهزاء من قبل أكثر الشباب والمتمدنين من أهل زماننا هذا فهل يصح تركها لذلك خوف أن يقال لنا رجعيين ؟ وهاهو الحجاب للمرأة أصبح عيبا وعارة ومدعاة للسخرية والاتهام بالرجعية فهل صار حراما وخلعه واجبة أو جائزة شرعا لذلك؟ وها هي أكثرية النساء في البلاد الإسلامية قد خلعن حجابهن وبرزن سافرات فهل أحسن بهذا صنعا؟.
وأعود فأكرر القول بأن مجرد استهزاء ومحض سخرية تصدر من أناس على أفعال وأعمال أناس آخرين لا يبرر الحكم على تلك الأعمال بالفساد والسوء حتى يثبت فساد تلك الأعمال من حيث العوامل والنتائج، فإذا كان العمل صحیح العوامل والأسباب وصحيح النتائج والثمرات بشكل عام، فحينئذ الاستهزاء به کهواء في شبك «فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ».(1)
وإنني إذ أقول هذا لا أستبعد أن يكون أكثر هؤلاء المنتقدين للشعائر الشيعية الحسينية قد وقعوا تحت تأثير الدعاية الأموية من حيث يشعرون أو لا يشعرون. تلك الدعاية التي نشطت بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة في كثير من البلدان الشيعية وبقصد القضاء نهائية على كل أثر من ذكر ثورة الحسين (علیه السلام) . علما منهم بأن هذه الذكرى هي الوسيلة الوحيدة الباقية للدعوة الصادقة المخلصة إلى الحق ومكافحة الباطل، من إحياء ذكرى الحسين فقط ترتفع أصوات المعارضة الصحيحة ضد الظلم والظالمين ، منهذه الذكرى
1) سورة الرعد : 17.
تنطلق الأضواء الكاشفة فتتسلط على كل زوايا المجتمع ومنعطفات طريق السعادة الاجتماعية لتلفت أنظار الناس إلى ما أمامها من أخطار وعقبات فيتجنبونها ويواصلون سيرهم بسلام آمنين .
أيها القارئ الكريم؛ إن ساحة کربلاء يوم العاشر من المحرم سنة 61 هجرية كانت أشبه بمسرح تمثيل في جانب منه قام الحسين (علیه السلام) وأصحابه بتمثيل أروع دور المثالية الإنسان وأسمى ما يمكن أن يرتفع إليه بروحه وخلقه وأريحيته بحيث لا يبقى في الوجود ما هو أشرف منه وأفضل سوی خالقه العظيم.
في الطرف الآخر قام أعداء الحسين (علیه السلام) بتمثيل أدنى وأسفل درك من الحضيض يمكن أن يتدنى إليه ويهوي فيه هذا البشر من اللؤم والخبث والقسوة والأنانية بحيث يندی منه جبين الوحش ولا يبقى في الوجود ما هو شر منه ولا أسوأ مطلقا. ولا تزال حوادث تلك المعركة هي المعالم الواضحة والحد الفاصل والسمات الظاهرة بين الحق والباطل وهي المقياس الدقيق لمعرفة الخير من الشر إلى أبد الآبدين.
أجل إن معركة كربلاء لم تنتهي بنهاية يوم العاشر من المحرم بل هي لا تزال قائمة بصورها المختلفة وأحجامها العديدة وفصولها المتغيرة في كل زمان ومكان، وما دام في الحياة خير وشر وحق وباطل، وما أحسن تصوير الشاعر لهذا المعنى في معركة كربلاء حيث قال :
كأن كل مكان كربلاء لدى
عيني وكل زمان يوم عاشوراء
فالحسين (علیه السلام) من وجهة نظر الشيعة وكل الخبراء في العالم إنما هو رمز الخير والعدل والديمقراطية الحقة والعدالة الاجتماعية .
والأمويون هم رمز الرذيلة والجور والاستبداد والظلم الاجتماعي، وكل الأعمال العزائية التي يقوم بها الشيعة أيام عاشوراء إنما يعبرون بها عن دعمهم
وتأييدهم للخير والعدل والحق، واستنكارهم وكرهم للظلم والباطل، وهذا دليل على وعيهم الاجتماعي ونضجهم السياسي الكامل حسب ما يؤكده الباحثون وحسبما هو واضح من ثوراتهم التحررية عبر تاريخهم الطويل والمليء بالتضحيات .
قد يتوهم البعض أن شعائر الذكري في عاشوراء المتداولة لدى الشيعة اليوم، إنما هي أمور مستحدثة ودخيلة لا أصل لها في العصور الإسلامية الأولى ، وبالتالي فهي من دسائس المغرضين والدخلاء الذين يضمرون الشر بالإسلام والمسلمين.
فأقول لهؤلاء: إن هذا الوهم خطأ لا يدعمه إلا الجهل بحقائق التاريخ وحوادث الماضي البعيد، ولا يبعد أن يكون هذا التوهم بذاته من وحي الدساسين وتلقين المغرضين أعداء الشيعة والتشيع.
أما إقامة مظاهر الحداد والاحتفال لذكرى عاشوراء فهي قديمة جدا قدم مأساة عاشوراء بالذات حيث بدأت مجالس العزاء والاجتماعات للنوح والبكاء على مأساة الحسين (علیه السلام) بعد مرور أيام قليلة على مصرع الحسين (علیه السلام) وذلك بتوافد أهل الضواحي والسواد إلى كربلاء بعد رحيل الجيش، واجتماعهم رجالا ونساء حول قبر الحسين (علیه السلام) ، ولما عاد الإمام زين العابدین من الشام إلى كربلاء يوم الأربعين وجد أهل السواد مجتمعين حول قبر الحسين وقبور الشهداء بالحزن والحداد فاستقبلوه بالبكاء والعويل يتقدمهم الصحابي الجليل جابر بن عبد الله الأنصاري رحمه الله ، ولما عاد أهل البيت إلى المدينة المنورة استقبلهم الناس بالحداد والأسى والنوح والبكاء وضجتالمدينة في ذلك اليوم ضجة واحدة حتى صار ذلك اليوم كيوم مات فيه رسول الله (صلی الله علیخ و آله) ثم أقيمت
مجالس العزاء في أنحاء المدينة وخاصة في حي بني هاشم فكان مجلس الإمام زین العابدين ومجلس العقيلة زينب ومجلس الرباب زوجة الحسين (علیه السلام) ومجلس أم البنين أم العباس بن علي (علیه السلام) وغيرها تملأ أجواء المدينةبالكآبة والحزن والحداد .
وكان الإمام زين العابدين عليه (علیه السلام) كل فرصة لإثارة العواطف وإحياء ذكر المأساة في نفوس الجماهير، فمن ذلك مثلا : مر ذات يوم في سوق المدينة على جزار بیده شاة يجرها إلى الذبح فناداه الإمام (علیه السلام) : يا هذا هل سقيتها الماء؟ فقال الجزار: نعم يا بن رسول الله نحن معاشر الجزارين لا نذبح الشاة حتى نسقيها الماء، فبكى الإمام (علیه السلام) وصاح: وا لهفاه عليك أبا عبد الله الشاة لا تذبح حتى تسقى الماء وأنت بن رسول الله تذبح عطشانة.
وسمع (علیه السلام) ذات يوم رجلا ينادي في السوق : أيها الناس ارحموني أنا رجل غريب. فتوجه إليه الإمام (علیه السلام) وقال له : لو قدر لك أن تموت في هذه البلدة فهل تبقى بلا دفن؟ فقال الرجل : الله أكبر كيف أبقى بلا دفن وأنا رجل مسلم وبين ظهراني أمة مسلمة ! فبكى الإمام زین العابدين (علیه السلام) وقال : وا أسفاه عليك يا أبتاه تبقى ثلاثة أيام بلا دفن وأنت ابن بنت رسول الله (صلی الله علیخ و آله) واستمر أئمة الهدى (علیهم السلام) يحثون شيعتهم على التمسك بإحياء ذكرى عاشوراء رغم الإرهاب والضغط الذي مارسه الحكام ضدهم وكانوا هم صلوات الله عليهم يفتحون أبوابهم للشعراء والمعزين أيام عاشوراء منذ عصر الإمامين الباقر والصادق ××× حتى عصر الإمام علي الرضا (علیه السلام) في عهد المأمون العباسي الذي توسعت فيه شعائر الحسين (علیه السلام) وانتشرت مجالس العزاء أيام عاشوراء بتأييد من الإمام الرضا (علیه السلام) ودعم من المأمون.
فكانت دار الإمام الرضا (علیه السلام) في أيام عاشوراء تزدحم بالناس يستمعون فيها إلى رثاء الحسين (علیه السلام) وكلمات الحث والتشويق والتشجيع من
الإمام (علیه السلام) فكان من أقواله المأثورة : «إن أهل الجاهلية كانوا يعظمون شهر المحرم ويحرمون الظلم والقتال فيه لحرمته ، ولكن هذه الأمة ما عرفت حرمة شهرها ولا حرمة نبيها فقتلوا في هذا الشهر أبنائه وسبوا نسائه فعلى مثل الحسين فليبك الباكون فإن البكاء عليه يحط الذنوب»(1)
ولم تزل شعائر عاشوراء تزداد وتتسع بما تلاقيه من الدعم والتأييد المعنوي من قبل أهل البيت (علیهم السلام) والعلماء الأعلام في كل الأوساط الشيعية حتى قامت الدولة الحمدانية الشيعية فأعطت شعائر عاشوراء قدرة كبيرة من الدعم والتأييد ثم قامت الدولة البويهية الموالية لأهل البيت (علیهم السلام) فوسعوا ذكرى عاشوراء وأعطوها صفة رسمية تعطل من أجلها الأسواق والأعمال والدوائر الحكومية وتخرج المواكب العزائية بالأعلام السود وشارات الحداد تحت رعاية وإشراف كبار العلماء وأقطاب رجال الدين .
فكانت بغداد مثلا في عهد عضو الدولة الحسن بن بويه الديلمي، تخرج عن بكرة أبيها يوم العاشر من المحرم في مواكب عزائية ضخمة يتقدمها رجال الدين والدولة، ولما قامت الدولة الفاطمية في مصر والمغرب العربي انتقلت شعائر عاشوراء إلى تلك الأقطار ودامت حوالي القرنين من الزمن إلى أن قضى عليها الأيوبي بالقهر والإكراه .
ثم لما قامت الدولة الصفوية وملوكها علویون نسبا ينحدرون من سلالة الإمام السابع موسى الكاظم (علیه السلام) أيدوا شعائر عاشوراء ووسعوها ومثلوا واقعة كربلاء تمثيلا حية تحت رعاية وتوجيه علماء الطائفة ومراجع التقليد أمثال العلامة الحلي والمحقق المجلسي وغيرهما رضوان الله عليهم أجمعين .
وهذا التمثيل له جذور في سيرة الأئمة المعصومين (علیهم السلام) فإنه قد أخذ من
1) راجع وسائل الشيعة: ج14 ص504 ح 19697
حيث الأصل من ظاهرة وردت في مجلس الإمام جعفر بن محمد الصادق (علیه السلام) أيام عاشوراء، فقد حدث شاعر أهل البيت الكميت بن زید الأسدي رحمه الله قال : دخلت على أبي عبد الله الصادق يوم عاشوراء فأنشدته قصيدة في جده الحسين (علیه السلام) فبکی وبکی الحاضرون، وكان قد ضرب سترة في المجلس وأجلس خلفه الفاطميات فبينما أنا أنشد الإمام يبكي إذ خرجت جارية من وراء الستار وعلى يدها طفل رضيع مقمط حتى وضعته في حجر الإمام الصادق (علیه السلام) فلما نظر الإمام إلى ذلك الطفل اشتد بكائه وعلا نحيبه وكذلك الحاضرون.
ومعلوم أن إرسال الفاطميات لذلك الطفل في تلك الحال ما هو إلا بقصد تمثيل طفل الحسين (علیه السلام) الذي ذبح على صدر أبيه بسهم حرملة لعنه الله في يوم العاشر من المحرم وهو عبد الله الرضيع، وغيره من الأطفال الذين قتلوا في ذلك اليوم.
والخلاصة هي: إن إحياء ذكرى عاشوراء قديم عند الشيعة قدم المأساة نفسها فما زال أهل البيت وشیعتهم يحتفلون بذكرى تلك المأساة الفريدة من نوعها منذ السنة الأولى لقتل الحسين (علیه السلام) وإلى اليوم يحدودهم لذلك الحب والولاء للحسين (علیه السلام) أولا، ثم خدمة الدين والدعوة إلى الحق وتركيز المفاهيم الإنسانية لدى النشأ، ثانيا : والله من وراء القصد وهو ولي المؤمنين، وصدق الأديب الفاضل السيد جعفر الحلي رحمه الله حيث قال :
في كل عام لنا بالعشر واعيا
تطبق الدور والأرجاء و السككا
وكل مسلمة ترمي بزينتها
حتى السماء رمت عن وجهها الحبکا
یا میتأترك الألباب حائرة
وبالعراء ثلاثة جسمه ترکا
هذا السؤال كثيرة ما يوجه إلى الشيعة من قبل مخالفيهم منذ القدم وإلى الآن، وقد لا يحصل المتساءلون على الجواب الشافي والرد المقنع الصحيح لأن المسؤولين عن هذا السؤال قد لا يكونون من أهل العلم والاختصاص وطبيعي أن التعرف على تقاليد الأمة وعادات الطائفة يجب أن يكون عن طريقعلمائها وكتب عقائدها « وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا »(1)
والحقيقة هي أن الشيعة لا يلتزمون بالسجود على التربة الحسينية بالخصوص بل يلتزمون بالسجود على التربة الطبيعية مطلقة من أي مكان كانت سواء من أرض کربلاء أو من أي أرض في العالم. بشرط أن تكون التربة طاهرة من النجاسة ونظيفة من الأوساخ وطبيعية أولية ، يعني غير مفخورة مثل الخزف والسمنت والجص وما شاكل .. فإذا لم تحصل هذه التربة بهذه الشروط حينئذ يجوزون السجود على ما تنبته التربة من أنواع النباتات والأخشاب وأوراق الأشجار مما لا يؤكل ولا يلبس عادة. فالمأكول من النبات كالفواكه والخضر وما شاكلها التي يأكل منها الإنسان عادة وعرفا لا يصح السجود عليها وكذلك
1) سورة البقرة: 189.
الأعشاب التي يصنع منها بعض الملبوسات عادة كالحرير الصناعي والقطن مثلا.
فأقول إن الشيعة لا يلتزمون بالسجود على التربة الحسينية وإنما يفضلونويرجحون السجود عليها فقط حيث يتيسر لهم السجود عليها .
وإليك الآن أهم الأدلة التي يستندون إليها في ذلك الالتزام وهذا التفضيل إما وجوب السجود على الأرض الطبيعية فلقول الرسول الأكرم (صلی الله علیخ و آله) في الحديث المتواتر بين المسلمين : «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورة)(1)فالأرض لغة وحسب مفهومها الحقيقي هي التراب أو الرمل أو الحجر الطبيعي دون المعادن كالذهب والفضة والفحم الحجري وسائر الأحجار الكريمة وغيرها کالجص والإسمنت والآجر وكل المفخورات الأخرى، ولا يعدل عن هذا المعنى الحقيقي إلى غيره إلا بقرينة صارفة واضحة، ولا يوجد في الحديث مثل تلك القرينة.
وكلمة (مسجد) تعني مكان السجود ، والسجود لغة هو وضع الجبهة على الأرض تعظيمة، وهذا هو معناه الحقيقي الذي لا يعدل عنه إلا بقرينة لفظية أو معنوية كما في بعض الآيات الكريمة التي جاء فيها كلمة سجود أو مشتقاتها بمعنی الطاعة والانقياد أو مطلق التعظيم والاحترام، مثل قوله تعالى : « وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ»(2)وقوله تعالى :«وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ »(3)وفي غيرها« يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ »(4)إلى غير ذلك ..
(وطهورة) أي مطهرة، فالأرض الطبيعية تطهر الإنسان من الحدث عند فقد الماء بالتيمم، قال تعالى : « فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا » (1)أي طاهرة، والصعيد وجه الأرض مطلقة أو التراب الخالص خاصة. كما أن الأرض تطهر أيضا من الخبث كل ما لامسها مثل الإناء الذي ولغ فيه الكلب فإنه يعفر بالتراب سبعة وباطن الخف إذا مشي به الإنسان على الأرض الطبيعية و باطن القدم كذلك وطرف العصا الملامس للأرض وما يشبه ذلك.
فعلى ضوء هذا الحديث يعرف أن السجود لا يصح إلا على الأرض الطبيعية الفطرية حسب معناها اللغوي والحقيقي . وذلك بوضع الجبهة عليها مباشرة بدون حائل بينها وبين الجبهة.
نعم هذا هو الفرض الإسلامي بالنسبة إلى السجود ولكن بما أن الأرض الطبيعية الطاهرة النظيفة قد لا تتيسر للسجود في بعض الأمكنة مثل البيوت والمساجد التي غطي أرضها بالرخام المفجور أو الإسمنت أو ما شاكل ذلك أو التي فرش أرضها بالسجاد أو البسط الصوفية أو القطنية أو ما شابهها مما لا يصح السجود عليها . لذلك اتخذ الشيعة أقراصا من التراب الخالص الطاهر يصنعونها للسجود عليها طاعة لله تعالى وامتثالا للفرض . فهذه الأقراص التي يسجد الشيعة عليها ما هي إلا جزء من الأرض الطاهرة الطبيعية أعدت للسجود فقط . تسهيلا لأداء الفرض الأولي فهل تجد في ذلك خلافا أو منافاة للكتاب والسنة الشريفة؟.
أترى أيها القارئ الكريم أن السجود على الفرش التي تحت الأقدام والأرجل أحسن من السجود على قطعة طاهرة نظيفة من الأرض التي لم يلامسها شيء سوى جبهة المصلي فقط؟ الجواب طبعا كلا، ثم كلا .. إن
1) سورة النساء: 33. وسورة المائدة: 6.
الشيعة بعملهم هذا يجمعون بين أداء الفرض وهو السجود على الأرض الطبيعية وبين مراعاة النظافة التي هي من لوازم الإيمان وسمات المؤمن.
وأما تفضيل الشيعة التربة الحسين (علیه السلام) على غيرها من الأرض، فلأنها - أي تربة الحسين - رمز عميق الدلالة على أقدس بقعة وأطهر تربة حيث جرى عليها أقدس تضحية في تاريخ بني الإنسان في سبيل الحفاظ على الصلاة وإقامتها بل في سبيل الدين وبقائه . إن تربة الحسين تذكر المصلي بعظم أهمية الصلاة في الإسلام ومدى تأكد وجوبها على الإنسان ذلك الوجوب الذي لا يسقط عن المسلم بحال إلا نادرة، تذكره بذلك لأن الحسين (علیه السلام) أقامها في أحرج المواقف وأداها في أشد الحالات، فصلى صلاة الظهر عند الزوال يوم عاشوراء في ميدان القتال وساحة الحرب حيث الأعداء يحيطون به من کل جانب يرمونه بالسهام وأصحابه تصرع من حوله، ولو لم يقف رجلان من أصحابه أمامه وهما سعید ابن عبد الله الحنفي وزهير بن القين اللذان وقفا أمامه يدرءان عنه سهام القوم لما استطاع الحسين (علیه السلام) أن يكمل صلاته ولصرع في أثنائها كما صرع بعض أصحابه فيها منهم سعيد بن عبد الله الذي سقط إلى الأرض صريعا وقد أصابه ثلاثة عشر سهما.
فأي عمل يمكن أن يعبر عن أهمية الصلاة ويؤكد وجوب أدائها على المسلم مهما كانت الظروف والأحوال مثل هذا العمل الذي قام به الحسين (علیه السلام) .
هذا بالإضافة إلى ما يمكن أن يستوحيه المصلي أثناء صلاته من ذکری الحسين (علیه السلام) من معاني جمة وعظيمة منها مثلا تصور عظمة الإسلام وأهمية الدين بشكل عام حيث دفع الحسين (علیه السلام) ثمن بقائه وصيانته غالية جدا فكشف (علیه السلام) بذلك عن حقيقة أن الدين أثمن وأغلى وأفضل من كل ما في الحياة والوجود، وهو أولى بالبقاء من كل شيء سواه في مقام دوران الأمر بين
بقائه أو بقاء غيره. فالغير أولى بالتضحية به لأجل بقاء الدين، والسبب في ذلك واضح وهو أن الحياة بكل ما فيها من نعم وخیرات وزينة ولذة من المال والبنين وغيرهما إنما يستفاد منها حقيقة وتكون خير للإنسان وراحة له ولذة إذا كان المجتمع يسوده الدين ونظام القرآن وشريعة الله تعالى ، يسوده ذلك فكرة وعملا من حيث العقيدة والسلوك لأنه حينئذ فقط يسود الحق والعدل ويأخذ كل ذي حق حقه ويؤدي كل مسؤول واجبه ولا تظلم نفس شيئا قالسبحانه وتعالی : «فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا »(1)«وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ » (2)
والخلاصة هي: إن الشيعة إنما يفضلون السجود على تربة الحسين (علیه السلام) على غيرها من بقاع الأرض لأن الصلاة في حقيقتها صلة مع الله تعالى وتوجه إليه وتذكر له وخضوع و خشوع بين يديه ولا شك أن ذکری سید الشهداء أبي عبد الله الحسين خير وسيلة للحصول على أكبر قدر ممكن من تلك الأمور كلها وذلك بسبب السجود على تربته المقدسة.
وإلى هنا نكتفي بهذا القدر من الإجابة على هذا السؤال وإن أردت المزيد من التفصيل فيه فراجع كتاب (الأرض والتربة الحسينية) للمرحوم حجة الإسلام الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء (قدس سره).
وفي الختام أرى من المناسب أن أسجل هنا فقرة من كتاب (أبو الشهداء) ص13، تؤيد الفقرات الأخيرة، قال العقاد وهو في معرض بيانه ما اكتسبته
أرض كربلاء من قدسية بسبب الحسين (علیه السلام) .
وليس في نوع الإنسان صفات علويات أنبل ولا ألزم له من الإيمان والفداء والإيثار ويقظة الضمير وتعظيم الحق ورعاية الواجب والجلد في المحنة والأنفة من الضيم والشجاعة في وجه الموت المحتوم، وهي ومثيلات لها من طرازها هي التي تجلت في حوادث کربلاء منذ نزل بها ركب الحسين (علیه السلام) ولم تجتمع كلها ولا تجلت قط في موطن من المواطن تجليها في تلك الحوادث التي جرت في کربلاء.
فيا كربلاء طلت السماء وربما
تناول عفوا حظ ذي السعي قاعد
الأنت وإن کنت الوظيعة نلت من
جوارهم مالم تنله الفراقد
قد يمر هذا السؤال على بعض الخواطر ويرد في أفكار بعض الناس وخاصة شباب هذا العصر الذي نشطت فيه المحاولات الإلحادية وقويت فيه الدعاية ضد شعائر الدين ومظاهر الإسلام بكل صورها وفي مقدمتها الشعائر الحسينية التي هي من صميم شعائر الله ومظاهر الدين تلك الشعائر التي هي من أقوى الوسائل لنشر الوعي السياسي والاجتماعي والأخلاقي بين الأحداث والشباب .
ومن ثم نشطت الدعاية المعادية ضد هذه الشعائر الحسينية بكافة أنواعها من عقد المآتم وتنظيم المواكب وغيرها. وكثيرا ما ترفع ضدها شعارات مضللة وخداعة باسم الدين وبالتظاهر بالحرص على وحدة المسلمين والاهتمام باتفاق كلمتهم وتوحيد صفوفهم أمام العدو المشترك فيزعمون أن إحياء ذكرى ثورة الحسين (علیه السلام) ينافي هذا الهدف بسبب ما تولده هذه الذكرى من التفرقة الطائفية لأنها - أي تلك الذكرى - تشتمل كما يزعمون على الطعنوالتنديد والمس بكرامة بعض الصحابة وبعض خلفاء المسلمين وبعض رجال الأمة المحترمين . ولذا يجب ترك هذه الشعائر وعدم إحياء تلك الذكرى حفاظا على وحدة المسلمين .
هكذا تقول تلك الدعاية اليوم حسب ما نقرأ ونسمع منها بين حين وآخر والجواب عليها ببساطة هو أن نقول :
أولا: إن ثورة الحسين (علیه السلام) لم تخدم مصلحة الشيعة فحسب ولا مصلحة المسلمين فحسب؛ بل خدمت مصلحة الإنسانية العليا في كل زمان ومکان وعليه فالحسين ليس للشيعة فقط بل لجميع المسلمين ولكل الناس الخيرين في العالم، وقد أجمعت كلمة الخبراء والعلماء بكنه ثورة الحسين وحقيقتها. على أن واجب كل شعب وأمة أن تحيي ذكرى الحسين (علیه السلام) خدمة لمصلحة أبنائها وتربية لشبابها على الشعور بعزة النفس وإباء الظلم والكرامة الإنسانية في حياتهم، فذكرى ثورة الحسين (علیه السلام) لا تفرق بل بالعكس توحد الكلمة على الحق والعدل .
ثانيا: إن الذي أمر بقتل الحسن (علیه السلام) هو یزید بن معاوية البالغ من العمر في ذلك اليوم إحدى وثلاثين عاما فقط ، وإن الذي نفذ الأمر هو عبيد الله بن زیاد . لعنه الله البالغ من العمر في ذلك اليوم ثمانية وعشرين عاما، وإن الذي باشر تنفيذ الأمر هو قائد الجيش عمر بن سعد بن أبي وقاص (لعنه الله)البالغ من العمر في ذلك اليوم حوالي خمسة وعشرين عامة. وهم كما ترى ليسوا من صحابة رسول الله (صلی الله علیخ و آله) بالمعنى المعروف أي ليس منهم أحد أدرك الرسول (صلی الله علیخ و آله) وجالسه وسمع حديثه . فمن هم هؤلاء الصحابة الذين يخشى من الطعن بهم في إحياء ذكرى الحسين (علیه السلام).
نعم ربما يتعرض في خلال الذكرى إلى معاوية بن أبي سفيان باعتباره مهد الطريق إلى قتل الحسين (علیه السلام) عن قصد أو غير قصد بتوليته ابنه على إمارة المسلمين . ومعاوية معلوم الحال لدى الجميع أسلم قبل وفاة الرسول الأكرم بخمسة أشهر بعد أن ضاقت عليه الأرض وعلم أن الإسلام سيعم وينتشر فدخل في الإسلام خوفا وطمع لا عن عقيدة وإيمان وكان صعلوكا مستحقرة
لدى المسلمين ومعدودة في المؤلفة قلوبهم الذين لا يتجاوز الإسلام شفاههم ولا يؤمن شرهم على المسلمين إلا بالمال .
والادعاء بأن معاوية كان من كتاب القرآن بين يدي النبي (صلی الله علیخ و آله) كذب وافتراء لم يوجه الرسول (صلی الله علیخ و آله) إلى معاوية كتابة أي جزء من الوحي أو آية من القرآن ، نعم كان يكتب للرسول (صلی الله علیخ و آله) بعض الرسائل التي كان يرسلها النبي (صلی الله علیخ و آله) إلى الملوك والرؤساء.. وكان المسلمون في حياة الرسول يزدرون معاوية ويكرهون مجالسته. ولا أشك أن المسلمين الواعين في عصرنا هذاليس فيهم من يحب معاوية ويقدسه ويحترمه وهو يقرأ ويسمع ما شاع وذاع وملأ الآفاق عن بدعه وآثامه وموبقاته إبان ملکه وإمارته ، تلك البدع والآثام التي ختمها بفرض ابنه يزيد الفاسق الماجن الخمار السكير فرضه خليفة على المسلمين من بعده فقتل آل الرسول (صلی الله علیخ و آله) وأباح مدينة الرسول لجنده ثلاثة أيام دماء وأموالا وأعراضأ وأخيرة هدم الكعبة وأحرق أستارها.
فالغرض هو : أنه لا يوجد في ذكرى ثورة الحسين ذكر لصحابة ولا لرجال دین محترمين يخشى أن يطعن فيهم أو تمس كرامتهم. وبالتالي فإن هذه الذكرى المقدسة لا تفرق بين المسلمين أبدأ. نعم تفرق بين المسلمين والمنافقين الدجالين الذين هم على طراز معاوية ويزيد وابن زیاد و عمر بن سعد. وهذا التفريق يرحب به كل مسلم ويتمناه «لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ »(1)وهذه التفرقة هي من ثمرات ذكرى ثورة الحسين بلا شك ومن الأهداف المقصودة من أحيائها بل ومن أهداف ثورة الحسين (علیه السلام) بالذات .
ثالثا: كيف يعقل أن تكون ذكرى ثورة الحسين (علیه السلام) مفرقة للصف ومتشتتة للوحدة بين المسلمين مع أن ثورة الحسين (علیه السلام) بالذات ضربت أروع
1) سورة الأنفال: 37
مثال للوحدة بين المسلمين حيث جمعت بين أفراد مختلفين وأشخاص متباينين من حيث العنصر والقومية والدين والمذهب والوطن والسن والجنس. وحدت بينهم الثورة توحید کاملا حتى جعلتهم وكأنهم جسم واحد وشخص واحد يتحركون ويعملون وينطقون بإرادة واحدة ويد واحدة ولسان واحد. وهم أصحاب الحسين (علیه السلام) الذين كانوا حوالي الثلاثمائة وثلاثة عشر رجل. كان فيهم العربي القرشي والعربي غير القرشي إلى جنب الفارسي والتركي والرومي والزنجي والمسيحي والمسلم السني والمسلم الشيعي من أقطار الحجاز والكوفة والبصرة واليمن منهم الفقير والغني والحر والعبد والرئيس والمرؤوس من مختلف مراحل العمر كالشيخ الكبير والكهل والشاب والمراهق والصبي .. وكان معهم جملة من النساء من الهاشميات والعربيات يقدر عددهن بحوالي العشرين امرأة .
أجل لقد قدم الحسين من وحدة أصحابه نموذجا كاملا عن الوحدة الإنسانية العالمية التي ينشدها الإسلام ودعا إليها القرآن وثار لأجل تحقيقها سید الشهداء أبو عبد الله الحسين (علیه السلام) ومن قبله أبوه الإمام علي (علیه السلام) . الذي هو القدوة المثلى للمسلمين جميعا في العمل لوحدة المسلمين والحفاظ عليها والتضحية في سبيلها بمصلحته ومصلحة أبنائه ومصلحة شيعته. صبر على اغتصاب حقوقه وحقوق أهل بيته وشیعته خمسة وعشرين سنة مدة حكم الخلفاء الثلاثة قبله ولقد تعاون مع الخلفاء الغاصبين لحقه في الشؤون العامة وخدمة المصلحة العليا بكل إمكاناته وطاقاته حسب ما هو معروف لدى الجميع .. وكذلك جميع أبنائه الأئمة الأحد عشر (علیهم السلام) سالموا خلفاء الوقت وسایروا الحكومات الإسلامية على حساب مصلحتهم الخاصة وحقوقهم المشروعة لأجل صيانة الوحدة الإسلامية .
والخلاصة هي: أنه ليس في شعائر الشيعة وذكرياتهم شعار ولا ذكری تفرق
المسلمين أو تورث حزازات طائفية بينهم.
بل إن الذي يفرق ويمزق صف الوحدة الإسلامية ويثير الحزازات الطائفية والفتنة بين المسلمين هم أولئك العملاء المأجورون من قبل الاستعمار وأعداء المسلمين الذين ينفثون سموم التفرقة بين حين وآخر بواسطة بعض الكتب أو المقالات أو الخطب التي تحمل وتتحامل على الشيعة بالكذب والافتراء والتهم والسب والشتم ونسبة الكفر والشرك إليهم بكل صراحة ووقاحة.
إن الذين يفرقون كلمة المسلمين هم أولئك الذين يكتبون عن الشيعة إنهم صنیعة الصهيونية ومن أتباع عبد الله بن سبأ اليهودي الذي ابتدع مذهب الشيعة ، وعبد الله بن سبأ هذا قد أجمع الخبراء على أنه أسطورة خيالية لا وجود له إلا في أذهان هؤلاء الذين يريدون التشهير بالشيعة.
إن مذهب الشيعة في الإسلام إنما هو مذهب أهل البيت (علیهم السلام) الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرة، ذلك المذهب الذي يفرض التعاون بين المسلمين جميعا على البر والتقوى ومصلحة الإسلام العليا. ذلك المذهب الذي يعتبر المسلم أخا للمسلم شاء ذلك أم أبي.. وأخيرا أقول أن الشيعة لا يهاجمون ولا يعتدون بل يدافعون عن الحق وبالحق وليس في مذهب التشيع شيء غير الحق.
وما يقوله المشاغبون على الشيعة أيضا: هو أن الشيعة شغلوا بالبكاء والعويل على الحسين (علیه السلام) عن مصالحهم الحيوية وقضاياهم المصيرية فتخلفوا عن ركب العالم علمية واقتصادية وصناعية وسياسيا.
أقول: إن قولهم هذا يذكرني بقول بعض الملحدين الذين يقولون أن المسلمينشغلوا بالصلاة والصيام والحلال والحرام عن مسايرة ركب التطور العالمي فظلوا متخلفين عن الأمم الأخرى .
أجل ؛ ما أشبه قول المشاغبين عن الشيعة بقول الملحدين عن المسلمين
عامة، وما أقرب الدوافع والغايات للقولين، تلك الغايات التي تتلخص بكلمة واحدة وهي (التشويه) فكل من القولين مغالطة مفضوحة لا تنطلي إلا على السذج من عوام الناس وإلا فكل عاقل عارف يعلم يقينا أن الإسلام بكل ما فيه، لا دخل له في تخلف المسلمين مطلقة، كما أن إحياء ذكرى عاشوراء بكل ما فيه لا دخل له في تخلف الشيعة مطلقا.
إن السبب الأساسي في تخلف المسلمين عامة والشيعة خاصة في العصور الأخيرة، هو الاستعمار الكافر بأساليبه وعملائه وسياساته .
وإن قلت : من الذي من العدو المستعمر من السيطرة عليهم واستعمارهم؟.
قلت : هم الحكام الخونة الذين اغتصبوا السلطة من أصحابها الشرعيين منذ العصور الأولى وبعد وفاة الرسول (صلی الله علیخ و آله) على وجه التحديد، وإلى اليوم..
أجبنا في الفصول السابقة قدر الإمكان عن أهم النقاط التي يقع التساؤل حولها في ثورة الحسين (علیه السلام).
يبقى علينا أن نعرف ما هي أهم العبر والدروس التي يمكن أن نستخلصها من تلك الحادثة الفريدة في بابها المليئة بالعظات، والتي منها :
أولا: صدق القول المأثور «ما ضاع حق ورائه مطالب» يعني أن الحق، أي حق، لا يضيع بالاغتصاب ولا يذهب إلى الأبد بالعدوان ، إذا كان وراء ذلك الحق صوت يرتفع بالمطالبة به وإن كان الصوت ضعيفة، ودعوة مستمرة لاسترجاعه ولو كانت الدعوة فردية ، المهم عدم السكوت عنه واليأس من حصوله ، هذه هي سنة الحياة وقانون الطبيعة في كل زمان .
وكمثال على ذلك نذكر حق أهل البيت (علیهم السلام) عامة وحق علي بن أبي طالب (علیه السلام) خاصة الذي اغتصب بعد وفاة رسول الله (صلی الله علیخ و آله) مباشرة وأنكر إنكارة كلية، ولكن ما استطاع الغاصبون لحقه محو ذلك الحق واقتلاع الإيمان به من الرأي العام والضمير الإنساني. فبعد مرور خمس وعشرين عاما على اغتصاب حقه (علیه السلام) قامت ثورة شعبية ضد الغاصبين واكتسحتهم عن طريق الإمام (علیه السلام) وحمله الثائرون على الأكتاف حتى أجلسوه في مجلسه الشرعيوأحلوه مقامه الطبيعي وسلموه حقه المغتصب.
ومن الجدير بالملاحظة أن الأمويين حاولوا بكل الوسائل إخراج علي (علیه السلام)
من قلوب الناس وأفكارهم وتحويله عن قمة المجد والعظمة والمثالية بإعلان سبه وشتمه ولعنه على المنابر والمنع من ذكر فضائله ومكارم أخلاقه ثم بنشر الأكاذيب في الطعن به وتشويه سمعته وبمطاردة شيعته ومواليه ومحبيه بالإرهاب والقتل والسجن والتشريد والحرمان مدة نصف قرن أو أكثر من عهدهم المشؤوم .. ولكن ما استطاعوا وباءوا بالفشل الذريع وأنتجت محاولاتهم تلك عکس مطلوبهم، فما أن زال کابوس إرهابهم عن الناس حتى ظهر علي (علیه السلام) على شاشة القلوب والأفكار كأعظم إنسان مثالي وأظهر شخصية متكاملة بين مجموعة الأنبياء والصديقين والأوصياء والقديسين من الأولين والآخرين، ولقد أجمعت كلمة البشرية جمعاء على حبه وتقديسه والاعتراف بفضله وفضائله .
ويذكر بهذه المناسبة أنه سأل أحد الخبراء فقيل له ما تقول في علي بن أبي طالب ؟ قال : «ما أقول في رجل كتم فضائله الأعداء بغض و حسدة، وكتم فضائله الأولياء خوفا وحذرة، وقد ظهر من بين ذین من فضائله ما ملأ الخافقين». وقد قامت باسمه وعلى مبدأ الولاية له دول كثيرة في التاريخ، منها مثلا الدولة الحمدانية والبويهية والفاطمية والصفوية والقاجارية وغيرها... حتى جعلت من اسمه (علیه السلام) شعارا لها ترفعه على المآذن في كل يوم وليلة في خلال الأذان والإقامة، وذلك بالشهادة له بالولاية والإمامةبعد الشهادتين
الواجبتين ، ثم تستمر هذه الشهادة الثالثة في الأذان كرمز للتشيع في العالم الشيعي إلى يومنا هذا..
وفي ذات الحسين (علیه السلام) دليل واضح على صدق مدلول هذه الكلمة «ما ضاع حق ورائه مطالب » ، أجل ما ضاع ثأر الحسين (علیه السلام) ولا ذهبت تلك الدماء الزكية هدرة، فلقد ظهر المختار بن أبي عبيدة الثقفي في الكوفة البلد الذي قتل الحسين (علیه السلام) وأخذ يتبع الذين خرجوا إلى حرب الحسين (علیه السلام) أين
ما كانوا حتى قتل منهم حوالي الثمانية عشر ألفا من أصل الثلاثين ألف رجل الذين قاتلوا الحسين (علیه السلام) بكربلاء، وفيهم عبيد الله بن زياد أمير الكوفة آنذاك وعمر بن سعد قائد الجيش الذي خرج إلى حرب الحسين (علیه السلام) والشمربن ذي الجوشن وخولی بن یزید و حرملة بن كاهل وغيرهم من قادة ذاك الجيش .. ونكل بهم أشد تنكيل وبعث برؤوس بعضهم إلى المدينة إلى الإمام زين العابدين (علیه السلام) ومحمد بن الحنفية .
وأما الذين أفلتوا من يد المختار وهربوا من الكوفة استولی المختار على أموالهم وممتلكاتهم وقسمها بين الفقراء والمنكوبين من بني هاشم وشيعتهم، وهؤلاء الذين هربوا أيضا لم يفلتوا من العقاب والانتقام فقد سلط عليهم أينما حلوا من قتلهم وأبادهم حتى لم يمض على قتل الحسين (علیه السلام) سوى بضع سنوات إلا وقد أفنوا عن آخرهم وقطع دابر الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين .
يقول العقاد في (أبو الشهداء) ص181 : «وتلك جريرة يوم واحد هو يوم کربلاء وإذا بالدولة العريضة تذهب في عمر رجل واحد مديد الأيام وإذا بالغالب في يوم كربلاء أخسر من المغلوب». .
كل ذلك بفضل المطالبة المستمرة التي كانت قائمة من قبل أهل البيت وشيعتهم بشتى الصور والوسائل.
ثانيا: ومن تلك العبر والدروس التي تستخلص من ثورة الحسين (علیه السلام) أيضا صدق القول المأثور الآخر.. «الظلم لا يدوم»(1)وأن تراه أحيانا يستمر عشرات الأعوام فإنها قليلة وضئيلة بالنسبة إلى عمر الزمن، ولو قدر لدولة ظالمة أن تدوم وتستقر على الظلم والعدوان لدامت الدولة السفيانية التي
1) راجع فيض القدير شرح الجامع الصغیر: ج2 ص135.
أسسها معاوية بن أبي سفيان في الشام مئات من الأعوام، ولكنها زالت بعد هلاك مؤسسها بأربع سنوات فقط، وقامت على أنقاضها دولة مروانية بعد فترة من الفوضى والانحلال ، والدولة المروانية تختلف عن سابقتها الدولة السفيانية ، وإن الجهود التي بذلها معاوية بن أبي سفيان كانت تستهدف بقاء الملك في أسرته آل أبي سفيان عبر مئات السنين، ولكن رب ساع لقاعد.. .
ولكي تعرف مدى قوة ذلك الملك الذي أقامه معاوية لأسرته وبنيه هاك استمع إلى فقرات من وصيته ساعة موته إلى ولده وخليفته يزيد (لعنه الله):
.. واعلم يا بني إني قد كفيتك الرحلة والترحال ووطأت لك الأمور وذللت لك الصعاب وأخضعت لك رقاب العرب وجعلت الملك وما فيه طعمة لك وإني لا أتخوف عليك فيما استتب لك إلا من أربعة .. . (1)
والخلاصة التي لا خلاف حولها هي : أن الدولة والحكومة التي خلفها معاوية بن أبي سفيان كانت حصينة وقوية إلى أقصى ما يمكن قد توفرت فيها كل عناصر البقاء والدوام ما عدى عنصر واحد فقط وهو العدل والحق، وهذا العنصر هو الأصل والأساس لدوام كل شيء في هذه الحياة خاصة الدولة «العدل أساس الملك الدائم)(2)، لذا فلقد انهارت تلك الدولة بأسرع وقت كما سبق ، وذلك عندما تنازل معاوية الثاني ابن يزيد عن العرش دون أن ينصب أحدأ مكانه ومات بعد ثلاثة أيام.
ومما يذكر أنه رقي المنبر قبل إعلان تنازله عن العرش وألقى خطبة بليغة تعرض فيها المظالم جده معاوية بن أبي سفيان و لجرائم أبيه یزید بن معاوية ومآثم آل أبي سفيان وأكد أن آل محمد (صلی الله علیخ و آله) أجدر وأحق بالخلافة والسلطان .
وما قاله في تلك الخطبة :
أيها الناس إنا بلينا بكم و بليتم بنا فما نجهل کراهتكم لنا وطعنكم علينا ألا وأن جدي معاوية بن أبي سفيان نارع الأمر من کان أولى به منه في القرابة من رسول الله (صلی الله علیخ و آله) وأحق في الإسلام. سابق المسلمين وأول المؤمنين ، وابن عم رسول رب العالمين ، وأبا بقية خاتم المرسلين فركب منكم ما تعلمون وركبتم منه ما لا تنكرون، حتى أتته منيته وصار رهنا بعمله، ثم قلد أبي وكان غير خليق للخير فركب هواء واستحسن خطئه وعظم رجائه فأخلفه الأمل و قصر عنه الأجل فقلت منعته وانقطعت مدته وصار في حفرته رهنما بذنبه وأسيرا بجرمه»..
ثم بكى وقال :
إن أعظم الأمور علينا علمنا بسوء مصرعه وقبح منقلبه وقد قتل عترة الرسول (صلی الله علیخ و آله) وأباح حرمة المدينة، وأحرق الكعبة المشرفة، وما أنا المتقلد أموركم ولا المتحمل تبعاتكم فشأنكم أمركم فوالله لئن كانت الدنيا مغنما فلقد نلنا منها حظا وإن تكن شرا فحسب آل أبي سفيان ما أصابوا منها .. ثم نزل من على المنبر ودخل داره ومات بعد ثلاثة أيام رحمة الله عليه .
وأخيرا وليس آخرة فإن العبر والدروس التي نستفيدها بكل وضوح منشهادة الحسين (علیه السلام) كثيرة ونضيف إلى ما قدمنا منها :
«ما كان لله ينمو» هذا القول المأثور والحكمة البالغة تتجسد بصورة واضحة في ثورة الحسين (علیه السلام) ، فإنها رغم بساطتها وصغر حجمها و قصر مدتها لكنها قد اتسعت أصدائها وانعكاساتها ونمت ردود فعلها على مرور الأيام حتی أصبحت تعتبر في طليعة الثورات الكبرى التي حولت سير التاريخ وأثرت في تحرر المجتمع وحفظ كيان الأمة أثرا كبيرة بل ولقد صار الخبراء والباحثون يؤمنون بأنها - أي ثورة الحسين (علیه السلام) - هي الثورة المثالية في باب الثورات
الإنسانية والإصلاحية والشعبية مطلقة وأصبحت ثارات الحسين (علیه السلام) نداء كل ثورة ودولة تريد أن تفتح لها طريقة إلى أسماع الجماهير وقلوبهم، وفعلا لقد تأثر بها أكثر الثائرين في العالم بعد الحسين (علیه السلام) وجعلوا من ثورته وثباته وصلابة عزيمته وصبره وشجاعته ... جعلوا من كل تلك الأمور قدوة مثلی الثوراتهم، يقال عن مصعب بن الزبير مثلا الذي ثار على عبد الملك بن مروان وبقي وحده في المعركة عرض عليه الأمان والسلام من قبل عبد الملك فرفض وهو يقول ما ترك الحسين (علیه السلام) لابن حرة عذرة. ثم تقدم إلى القتال وحده وقاتل حتى قتل وكان يتمثل بقول الشاعر:
وإن الأولى بألطف من آل هاشم
تأسوا فسنوا للكرام التأسيا
وكان من بعض أصدائها القريبة وردود فعلها المباشرة ثورة أهل المدينة على سلطان يزيد وثورة عبد الله بن الزبير في مكة المكرمة وثورة المختار الثقفي في الكوفة ثم ثورة مصعب بن الزبير في البصرة وثورة زيد بن علي وابنه يحيى بن زيدفي كل من الكوفة وخراسان.
وأما انعكاساتها البعيدة فكثيرة أيضا وأهمها ثورة السفاح التي قضت على الدولة الأموية نهائية وجاءت بالدولة العباسية إلى الوجود.
أجل إن ثورة الحسين (علیه السلام) رغم بساطتها كما ذكرنا فلقد باركها الله وبارك آثارها وثمراتها وتعلقت إرادته سبحانه بأن تبقى ذكراها خالدة متجددة متوسعة عامة بعد عام. وها هي قد مضى عليه ما يقارب الألف وأربعمائة سنة وذكراها تتجدد بتزايد وتوسع في عدة أقطار إسلامية وتتعطل فيها الدوائر الرسمية والأعمال والأسواق يوم ذكرى ثورة الحسين (علیه السلام) و تحتفل بإحياء هذه الذكرى شعوب كثيرة وقوميات شتی و عناصر متعددة من البشر، مع العلم بأن هذا كله على الرغم من العقبات التي وضعها ويضعها المخالفون والمعارضون لتلك الشعائر في طريق إقامتها ورغم المحاولات المستمرة التي يبذلونها للقضاء عليها
قضاء كلية، ولكن «إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ».(1)
نعم إنما هي إرادة الله سبحانه التي تبنت ذكرى ثورة الحسين (علیه السلام) وقدرت لها البقاء لأن في بقائها حجة بالغة ودعوة قائمة إلى طريق الخير والسعادة والشرف والكرامة ، تلك الحجة وذلك الطريق المتمثلين في العمل الذي قام به الحسين (علیه السلام) إيمان بالله وحب للإنسانية وتضحية في الدفاع عنها حتى النصر أو الموت .والذي نقصده من معنى البساطة في ثورة الحسين (علیه السلام) هي البساطة من حيث الزمن بلحاظ أنها لم تستغرق سوى بضعة أيام منذ أن صمم الحسين (علیه السلام) على ملاقاة القوم وفشلت معهم كل الجهود السلمية التي بذلها لحقن الدماء ولأجل أن يفسحوا له المجال ليسير في أرض الله العريضة إلى حيث ينتهي به السر ويخرج من منطقة نفوذ ابن زیاد أو ربما يجتمع بیزید بن معاوية للتفاوض معه حول الخلافة ومصلحة الأمة، وقد جرت منه لهذا الغرض عدة اجتماعات بينه وبين قائد الجيش عمر بن سعد وقد كتب عمر بن سعد باقتراحات الحسين (علیه السلام) إلى عبيد الله بن زياد والي العراق وكاد ابن زیاد أن يلين ويوافق على اقتراحات الحسين (علیه السلام) ، ولكن الشمر بن ذي الجوشن وآخرين من بطانته الذين كان لهم تأثیرة كبيرة عليه حولوا رأيه وحسنوا له الاستمرار على حصار الحسين (علیه السلام) حتى يستسلم له أو يقاتله . وكانت النهاية التي انهارات فيها كافة المحاولات السلمية هي يوم التاسع من المحرم لما ورد الشمر إلى كربلاء بآخر کتاب من ابن زیاد إلى عمر بن سعد يأمره فيه بكل تأكيد بأن يغلق باب المحادثات مع الحسين (علیه السلام) ويعرض عليه أحد أمرين فقط، فإما الاستسلام وإما الحرب، ثم يأمره أيضا أن لا يطيل المدة أكثر مما طالت وأن يعجل في أمر
1) سورة يس: 82
الحسين (علیه السلام) مهما أمكن حيث علم ابن زیاد أن الزمن ليس في جانبمصلحته وكان الشمر بن ذي الجوشن يحمل أمرا سرية خاصة من ابن زیاد بأنه إن امتنع عمر بن سعد من تنفيذ الأوامر الصادرة إليه ضد الحسين (علیه السلام) فليقتله ويتولى هو - أي الشمر - قيادة الجيش.
ولكن عمر بن سعد لما قرأ كتاب عبيد الله بن زياد التفت إلى الشمر وقال له : لعنك الله يا شمر ولعن ما قدمت به والله إني لأظن أنك أفسدت علينا ما کنا رجونا صلاحه ولن يستسلم الحسين (علیه السلام) أبدا إن نفس أبيه لبين جنبيه. فقال له الشمر : أخبرني عما أنت فاعله أتمضي لأمر أميرك وتقاتل عدوه وإلا فاعتزل وخلي ذلك بيني وبين الجيش، فقال عمر بن سعد: لا ولا كرامة لك، أنا أتولى ذلك فدونك أنت فكن على الرجالة ثم نهض لحرب الحسين (علیه السلام) وزحف بالجيش نحو معسكر الحسين (علیه السلام) عشية الخميس لتسع مضين من المحرم سنة إحدى وستين من الهجرة، ولكن الحسين (علیه السلام) استمهلهم سواد تلك الليلة فأمهلوه إلى صبيحة العاشر من المحرم حيث بدأت الحرب أول ارتفاع الشمس وانتهت بمصرع الحسين (علیه السلام) قبل غروبها بقليل من نفس ذلك اليوم.
فالثورة الحسينية من بدايتها إلى نهايتها لم تستغرق سوى بضعة أيام فقط، هذا من حيث المدة والزمن وأما من حيث المكان فإن حدودها لم تتجاوز منطقة کربلاء ذلك الوادي على شاطئ الفرات المحاط بسلسلة من التلال المتصلة على امتداد الصحراء وعرفت قديما باسم (كور بابل) ثم صحفت إلى كربلاء وبالقرب منها منطقة تسمى (نينوى)، وقيل أنها كربلاء بالذات ومن أسمائها أيضا (وادي الطفوف) و (الغاضريات). ولم يكن لها شيء تذکر به من الوقائع أو التربة أو الموقع الجغرافي قبل وقعة عاشوراء عليها.
وأما من حيث عدد الثائرين فيها فإنه لم يتجاوز الثلاثمائة والثلاثة عشر على أكثر الفروض بين رجل وصبي وطفل وشيخ وكهل .
فهي إذا ثورة بسيطة كما وكيفة وزمان ومكانة، ولكنها أعظم ثورة في العالم كله من حيث المفهوم والمضمون، من حيث التجرد والواقعية والإخلاص لله سبحانه وتعالى ومن حيث العطاء والفداء.
فبين عشية وضحاها وفي خلال نهار واحد فقط أبيدت واستئصلت بيوت وأسر من آل رسول الله (صلی الله علیخ و آله) ، أو كادت أن تستأصل، قال بعض الشعراء:
عين جودي بعبرة وعويل
واندبي إن ندبت آل الرسول
سبعة كلهم لصلب علي
قد أصيبوا وتسعة لعقيل
أجل لقد استأصل ولد الحسين (علیه السلام) ولم ينج منهم سوى زين العابدین (علیه السلام) وذلك بأعجوبة ، وأبيد ولد الحسن (علیه السلام) ولم يسلم منهم سوى طفلين صبيين والحسن المثنى الذي سقط جريحا فحمله أخواله بنو فزارة وتشفعوا فيه عند عمر بن سعد وابن زیاد ثم حملوه إلى الكوفة وعالجوا جراحه حتى شفي وعاد إلى المدينة، ولم يبق من أولاد عقيل بن أبي طالب وأولاد جعفر بن أبي طالب سوى الأحفاد الصغار حتى هؤلاء قتل بعضهم سحقا تحت حوافر الخيول لما هجم القوم على الخيام، قالوا : خرج صبي يدرج من مخيم الحسين (علیه السلام) وفي أذنيه درتان تتذبذبان على خديه وهو مدهوش مذعور من هجوم الأعداء على الخيام، يلتفت يمينا ويسارا وأمه خلفه تلاحظه وتحرسه فدنا عنه رجل من القوم على فرس بيده عمود من حديد فضرب الصبي على رأسه وأرداه إلى الأرض قتيلا.
وقد وجد عدة أطفال من آل الحسين (علیه السلام) يوم الحادي عشر من المحرم وهم موتی من العطش على وجه الرمال بعد أن فروا من المخيم عند هجوم الخيل يوم عاشوراء، ولما صرع وهب بن حباب الكلبي يوم عاشوراء خرجت أمه من الخيمة حتى جلست عند مصرع ولدها تندبه وتبكيه ، فقال الشمر بن ذي الجوشن لغلامه ويلك اضرب رأسها فخدش الغلام رأسها وقتلها بمكانها .
هذا بعض ما يمكن تصويره وبيانه من مآسي تلك الثورة البسيطة المتواضعة والتي ظهرت بعد انتهائها وبعد مرور بعض الزمن عليها كأعظم ثورة في الدنيا من حيث المثالية والقدسية، وذلك رغم محاولات الأمويين وغيرهم لإعفاء آثارها وطمس معالمها وجعلها كأنها لم تكن شيئا مذكورا«يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ »(1)
ونعود ثانية إلى القول المأثور «ما كان لله ينمو.. » أجل إن الشواهد على صدق هذا القول كثيرة في التاريخ، بل وفي حياتنا اليومية أيضا ففي التاريخ أن موسی بن عمران (علیه السلام) مثلا أعان ابنتي شعيب وسقى لهما من البئر التي ازدحم عليها الرجال وكان عمله هذا خالصا لوجه الله تعالى ما كان ينتظر بل لا يتصور من ورائه ربحا أو نفعا في الدنيا، فبارك الله له في ذلك العمل البسيط فوصل بسببه إلى شعیب نبي الله على تلك القرية ونال الأمن والزوجة والمال في كنفه، وبالتالي اختاره الله رسولا إلى فرعون وملئه .
وهذا مثل آخر هو يوسف الصديق (علیه السلام) اتقي الله واستعصم وتورع عن الخيانة وكافح شهوته ساعة لوجه الله تعالی لا خوفا من الناس وطمعا فيهم، فبارك الله ذلك العمل والكفاح ضد نفسه الأمارة فأوصله إلى ملك مصر مع النبوة و عظیم الزلفي.
ومن هذه الأمثلة ذلك الشاب البار بوالديه في عصر موسی بن عمران (علیه السلام) وكانت له بقرة فلما وقع حادث القتل في بني إسرائيل ولم يعرف القاتل حتى اشتروا منه تلك البقرة بملء جلدها ذهبا وذبحوها وضربوا المقتول ببعض أعضائها فأحياه الله تعالى وأخبر بقاتله ، وبذلك كشفت عنهم تلك الفتنة التيكادت أن تقع فيهم ويذهب ضحيتها خلق كثير منهم.
1) سورة التوبة : 32
وإلى أمثالها من الشواهد الكثيرة، إلا أن موقف الحسين (علیه السلام) في كربلاء أوضحها دلالة وأشدها تأكيدا على صدق هذا القول المأثور «ما كان لله ينمو»..
لقد وقف (علیه السلام) ومعه نفر قليل من الأعوان بدون عدة ولا مدد محصورین ممنوعين عن الماء وورائه جمع من النساء والأطفال، وأمامه جیش من الأعداء وقد تجردوا من كل صفة إنسانية وفقدوا الضمير والوجدان وبالإضافة إلى أن ذلك الجيش كان يفوق عدد أصحابه بمئات المرات حيث كان لا يقل عن الثلاثين ألفا.
يقول المرحوم عباس محمود العقاد في كتابه (أبو الشهداء) يصف أعوان یزید: «وإنما بقيت ليزيد شرذمة على غراره أصدق ما توصف به أنها شرذمة جلادين يقتلون من أمروا بقتله ويقبضون الأجر فرحين» .
ويقول أيضا: «فكان أعوان یزید جلادين وكلاب طراد في صید کبیر وكانوا في خلائقهم البدنية على المثال الذي يعهد في هذه الطغمة من الناس ، ونعنيبه مثال المسخاء المشوهين الذين تمتلئ صدورهم بالحقد على أبناء آدم ولا سيما من كان منهم على سواء الخلق وحسن الأحدوثة». .
أقول لقد وقف الحسين (علیه السلام) وأصحابه يوم عاشوراء ذلك الموقف الحرج والشاق الصعب ، مع أنه كان في وسع كل واحد منهم أن يتجنب القتل بكلمة يقولها أو بخطوة يخطوها ، ولكنهم جميعا آثروا الموت عطاشا جياعة مناضلين من دون أن يكون لهم أي أمل في النصر العاجل والانتصار العسكري، ولكن وقفوا لوجه الله تعالی مخلصين له بالجهاد في سبيل دينه وشريعته مضحين بأنفسهم في سبيله.
وقفوا والموت في قارعة
لوبها أرسی ثهلان لزالا
فأبوا إلا اتصالا بالضبا
وعن الضيم من الروح انفصالا
أرخصوهاللعوالي مهجة
قد شراها منهم الله فغالا
ونختم هذا الفصل بكلمة للعقاد في (أبو الشهداء) ص 194 :
وباء الحسين في ذلك الموقف بالفخر الذي لا فخر مثله في تواریخ بني الإنسان غير مستثنی منهم عربي ولا عجمي ولا قديم ولا حديث »
وجميل جدا ما شبه به بعض الكتاب موقف الحسين (علیه السلام) وموقفه خصومه يوم كربلاء فقال ما مضمونه :
إن ساحة الصراع في كربلاء كان أشبه بمعرض عالمي أقيم على تلك البقعة، وكان لذلك المعرض جناحان فقط : جناح الحسين (علیه السلام) وأصحابه وجناحأعدائه ومقاتليه ، وقد عرض كل من الجانبين في جناحه الخاص نماذج وصور عن هذا الجنس البشري في طرفي صعوده وسقوطه ، فعرض الحسين (علیه السلام) وأصحابه للعالم نماذج مثالية خالدة عن أقصی مراحل التكامل البشري والكمال الإنساني من مصنع الإسلام وصناعة القرآن ، كما عرض أعدائه في الجانب الآخر نماذج خالدة للعالم عن أسفل درك المسخ والسقوط والانتكاس البشري من مصنع الجهل وصناعة الحكم الأموي»، فکربلاء إذا معرض بشري عالمي قائم ومفتوح حتى يومنا هذا دون منافس ولا نظير .
والخلاصة هي : إن الحسين (علیه السلام) وإن خسر المعركة العسكرية والحرب المسلحة بسبب غدر أهل العراق ، ولكنه وبلا شك .. قد ربح المعركة السياسية بكل أبعادها وكسب الحرب الدعائية بأوسع حدودها وانتصر على أعدائه الأمويين على صعيد الرأي العام العالمي، فخلده التاريخ رمزا للشهادة والتضحية في سبيل العقيدة والكرامة الإنسانية . وخلد الأمويين أيضا رمزا للانتهازية والنفعية والسقوط الإنساني. فلا تجد في العالم غالبة أشبه بمغلوب من الأمويين في موقفهم من الحسين (علیه السلام) ولا تجد مغلوبا أشبه بغالب ومنتصر من الحسين (علیه السلام) في ثورته ضد الأمويين وهذا ما قصده الحسين (علیه السلام) بموقفه یوم عاشوراء وعبر عنه تعبيرا صريحا في كتابه إلى من تخلف عنه بقوله :
أما بعد .. فمن لحق بي منكم استشهد، ومن لم يلحق لم يبلغ الفتح.. والسلام ...
ولقد أجاد بعض الأدباء حيث قال :
یا شهيد الطفوف تفديك روحي
کنت والله ضیغما هدارا
كلما كرروا عليك هجوما
زادك الكرنحدة واصطارا
إن تكن کربلا رأتك وحيدا
وتنادي فلم تجد أنصارا
وابن هند يسوق جيش كثيفا
يملأ البحر جلبة والقفازا
فطواه الزمان ملكا غريرا
سيئ الذكر ماجنة خمارا
وبنا من علاك مجدا طريفا
خالد الذكر كالنهار اشتهارا
من القواعد العامة والثابتة عند الشيعة هي أن المعصوم لا يجهزه ولا يدفنه إلا معصوم مثله ، فرسول الله (صلی الله علیخ و آله) مثلا جهزه ودفنه الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) وكذلك سيدة النساء فاطمة (علیها السلام) قام الإمام (علیه السلام) بغسلها وتجهيزها ودفنها ليلا وعفا موضع قبرها حسب وصيتها ××× ، والإمام علي (علیه السلام) جهزه ودفنه ابنه الإمام الحسن (علیه السلام) .. وهكذا كل إمام أو معصوم قام بتجهيزه المعصوم الآخر.
والآن السؤال هو: من الذي دفن الحسين (علیه السلام) مع العلم أن ابنه الإمام زین العابدين كان أسيرة بأيدي الأعداء في الكوفة؟.
نقول: أجل كان علي بن الحسین زین العابدين (علیه السلام) أسيرة بأيدي الأعداء ولكن نتمكن من الخروج من السجن ليلا مساء الثاني عشر من المحرم ووصل إلى کربلاء صبيحة الثالث عشر منه ودفن أباه الحسين (علیه السلام) و صحبه بمعونه رهط من بنی اسد کانوا هناک ولما فرغ من مواراتهم جمیعا وعرفهم بمواقع قبور الاصحاب والهاشميين وأبي الفضل العباس و حبیب بن مظاهر، عند ذلك عرفهم بنفسه وطلب إليهم أن يقوموا بضيافةالزائرين ودلالتهم وتعريفهم، ثم ودعهم وعاد إلى سجن عبيد الله بن زیاد ليلا دون أن يشعر به الحراس وكانت عمته العقيلة زينب (علیها السلام) قد افتقدته تلك الليلة ولما عاد أخبرها أنه مضى لمواراة جثمان أبيه الحسين (علیه السلام) وصحبه .
نعم لقد دفن جسد الحسين (علیه السلام) في الثالث عشر من المحرم، أي بعد مقتله بثلاثة أيام ولكن رأس الحسين بقي على أطراف الرماح وبأيدي الأعداء وبين يدي ابن زیاد ویزید لعنهما الله حتى أعاده الإمام زین العابدين إلى كربلاء عندما رجع من الأسر وألحقه بالجسد الشريف وذلك بعد أربعين يوما منمقتله أي في العشرين من شهر صفر.
هذا أصح الأقوال وأقربها إلى الاعتبار عند المحققين ، وهناك أقوال مختلفة في تحديد مدفن رأس الحسين ، غير أن الذي عليه الشيعة هو القول الأول أعني أن الإمام السجاد أعاده إلى كربلاء ودفنه مع الجسد، وبهذه المناسبة تكونت زيارة الأربعين حيث تفد المواكب العزائية وآلاف الزائرين إلى كربلاء يوم العشرين من شهر صفر فكأنهم يقومون بدور الاستقبال للإمام السجاد وبنات الرسالة العائدين من الشام ومعهم رأس الحسين (علیه السلام) . وفي نفس الوقت يجددون الاحتفال بذكرى مرور أربعين يوما على شهادة الحسين (علیه السلام) .
وأول من قام بهذه الزيارة عفوا ومن غير قصد إلى المناسبة المذكورة هو الصحابي الجليل جابر بن عبد الله الأنصاري رحمه الله الذي عظم عليه نبأقتل الحسين (علیه السلام) ليه، وهو في المدينة فخرج منها متوجها إلى كربلاء لزيارة قبر الحسين (علیه السلام) ، واصطحب معه رجلا يقال له بن عطية وغلاما له، وصادف وصوله إلى كربلاء يوم التاسع عشر من صفر، أي قبل ورود أهل البيت (علیهم السلام) بيوم واحد. فلما وصل جابر إلى كربلاء توجه إلى شاطئ الفرات فاغتسل وغسل ثيابه ثم توجه نحو القبور الطاهرة بهدوء وخشوع وكان يسبح الله ويهلله ويقول لصاحبه بن عطية قصر الخطا في زيارة الحسين (علیه السلام) فإني سمعت رسول الله (صلی الله علیخ و آله) يقول إن لزائر الحسين (علیه السلام) بكل خطوة حسنة عند الله تعالی.
ولما أتم جابر زيارة قبر الحسين (علیه السلام) توجه إلى قبور الشهداء حوله وسلم عليهم وحياهم أحسن تحية ثم قال لهم : أشهد أننا قد شاركناكم فيما أنتم فيه
من دفن الحسين عليه وأصحابه ومتى وكيف؟من الأجر الجزيل عند الله سبحانه . فقال له بن عطية : وكيف نكون شركائهم في أجرهم وثوابهم مع أننا لم نضرب بسيف ولم نطعن برمح والقوم كما ترى قد بذلوا أنفسهم وضحوا بكل ما لديهم، فكيف نكون شركائهم؟ فقال جابر : نعم يا بن عطية لقد سمعت رسول الله (صلی الله علیخ و آله) يقول: «من أحب عمل قوم أشرك معهم في عملهم، (1)وإن نیتي ونية أصحابي على ما مضى عليه الحسين وأصحابه .
والخلاصة: لقد التقى جابر بن عبد الله الأنصاري في اليوم الثاني بالإمام زین العابدین (علیه السلام) عند قبر الحسين (علیه السلام) واستمع منه إلى تفاصيل ما جرى هناك فكثر البكاء والعويل حول قبر الحسين (علیه السلام) وأقيمت المأتم من قبل أهل السواد والنواحي الذين كانوا قد توافدوا لزيارة قبر الحسين (علیه السلام) وللسلام على زین العابدين وبنات الرسالة واستمروا على تلك الحال ثلاثة أيام ثم بعد ذلك ارتحل زین العابدین (علیه السلام) بالعائلة من كربلاء مواصلا سيره نحو المدينة المنورة .
1) راجع مستدرك الوسائل: ج12 ص108 ح13648 .
المشهور بين المؤرخين أن بنات فاطمة (علیها السلام) اثنتان : زینب العقيلة وأختها أم کلثوم، والمشهور بينهم أيضا أن أم كلثوم هذه تزوجها عمر بن الخطاب . غير أن بعض المحققين ينفي وجود أم كلثوم بتاتا ويرى أن زينب العقيلة كانت تکنا بأم كلثوم وأنها هي البنت الوحيدة لفاطمة الزهراء (علیها السلام) ويستند في رأيه هذا على ظواهر تاريخية ، منها أنه لم يرد لها . أي لأم كلثوم ذكر في حوادث وفاة فاطمة (علیها السلام) ، حيث أوصت ببعض الأشياء التي تعود لها إلى زينب وأوصتها بأمور تتعلق بالحسين (علیه السلام) ولم يرد في وصاياها ذكر لأم كلثوم. ومنها أيضا أن كثيرة من قضایا کربلاء والسبي من خطب وكلمات وأعمال تنسب تارة إلى زینب وتنسب نفسها إلى أم كلثوم تارة أخرى، الأمر الذي يدل على أن زينب وأم كلثوم واحدة يعبر عنها تارة بالاسم وتارة بالكنية .
وهناك بعض الخبراء من علمائنا الأعلام يقر وجود أم كلثوم كبنت ثانية الفاطمة (علیها السلام) ولكن ينفي تزويجها من عمر بن الخطاب نفيا قاطعة، ومنهم الحجة الجليل الشيخ المفيد قد في أجوبة المسائل السروية، حيث يقول وفع والخبر الحاكي أن أمير المؤمنين (علیه السلام) زوج أم كلثوم من عمر بن الخطاب خبر لم تثبت صحته لأن مصدره الأول والوحيد هو الزبير بن بكار وهو غير مأمون ولا موثوق به لأنه مشهور بالعداوة لعلي (علیه السلام) وأهل بيته فهو متهم فيما يروي عنهم لا يوثق بخبره، هذا بالإضافة إلى أنه مضطرب في نقله لهذا الخبر
و مختلف في روايته مما يدل على كذب الخبر ووهن الرواية .. والله أعلم .
وأما زينب الكبرى فإنها عقيلة آل أبي طالب وسيدة النساء بعد أمها فاطمة ووصية أخيها الحسين (علیه السلام) وكافلة الإمام زین العابدين، وعلى العموم هي شريكة الحسين علية في حركته المباركة وثورته المقدسة وشقيقة الحسن والحسين في أشرف نسب ورضاع ونشأة . انتقلت من أصلاب طاهرة إلى أرحام مطهرة رضعت من ثدي الإيمان والعصمة نشأت في حجر النبوة والإمامة درجت في بیت الوحي والرسالة ، فكانت (علیها السلام) نموذجا صالحا ومثالا صادقة لأهل ذلك البيت الذين أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرة.
ومن ثم أفادت بعض الأخبار بأن الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) كان ينظر إلى العقيلة زينب نظرته إلى أمها فاطمة من حيث الإجلال والاحترام وكان يحدثهاويحدث ثقاة أصحابه بالمحن الجسام التي أمامها وبالدور البطولي الذي ينتظرها في أعظم صراع بين الخير والشر في التاريخ.
والواقع أن الدور الذي قامت به العقيلة زينب في تلك الثورة لا يقل صعوبة ولا تأثيرا في نصرة الدين من دور الحسين (علیه السلام) وأصحابه .
فهي بحق بطلة كربلاء ظهرت على مسرح تلك الحوادث المؤلمة والمواقف الرهيبة بأجلى مظاهر البطولة وأعلى مستويات الشجاعة من حيث الصبر والاستقامة ورباطة الجأش وامتلاك الأعصاب ، تماما كما وصفها هذا السيد الأديب ، قال :
بأبي التي ورثت مصائب أمها
فغدت تقابلها بصبر أبيها
لم تلهو عن جمع العيال و حفظهم
بفراق أخوتها وفقد بنيها
وقال الآخر:
قد ورثت زینب عن أمها
كل الذي جرى عليها وصار
وزادت البنت علی أمها
من دارهاتهدى إلى شر دار
وإن شئت هلم معي لنستعرض آیات باهرات عن بطولة العقيلة زينب (علیها السلام) وشجاعتها :
لما صرع الحسين (علیه السلام) خرجت السيدة زينب متوجهة إليه تشق طريقها بين الجماهير وتتخطى القتلى والجرحى حتى وصلت إلى مصرع أخيها الحسين (علیه السلام)فوجدته بحالة تفتت القلوب وتقطع الأكباد و تجري الدموع دما ، فكان المتوقع منها طبعا وهي أخته الثكلى وشقيقته المفجوعة به، أقول كانالمتوقع منها أن تفقد كل تماسك وتوازن وتشق جيبها وتنشغل بالصراخ والعويل واللطم والبكاء وما شاكل ذلك.
ولكنها لم تفعل شيئا من هذا القبيل أبدا بل جلست عند رأس الحسين (علیه السلام) بهدوء ووقار ومدت يديها تحت ظهر الحسين (علیه السلام) ورفعت رأسه عن الأرض وأسندته إلى صدرها ورفعت طرفها نحو السماء وقالت وهي خاشعة خاضعة بين يدي الله تعالی : «اللهم تقبل منا هذا القربان ، اللهم تقبل منا هذا الفداء»..
يوم الحادي عشر:
الأسير عادة يظهر عليه آثار الذل والاستكانة أمام أسره، وخاصة المرأة مهما كانت عظيمة وقوية ولكنها إذا وقعت في أسر العدو تلين الكلام معه وتتطلب عطفه وشفقته .
أما عقيلة آل أبي طالب وبنت أمير المؤمنين علي (علیه السلام) فإنها ما ذلت ولا خضعت بالقول لأي من أولئك الطغاة الغالبين ، تخاطب القائد الفاتح عمر بن سعد يوم الحادي عشر عندما قدم النياق إلى النساء للركوب ، قالت : ويلك يا بن سعد سود الله وجهك أتأمر الأجانب أن يركبونا ونحن بنات رسول الله (صلی الله علیخ و آله) قل لهم فليتباعدوا عنا حتى يركب بعضنا بعضا.
وقالت لعبيد الله بن زیاد ذلك الطاغي المتجبر لما سألها قائلا : كيف رأيت صنع الله بأخيك وأهلك؟ فأجابته قائلة: «ما رأيت إلا جميلا، أولئك قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاج وتخاصم فانظر لمن الفلج يومئذ ثكلتك أمك يا بن مرجانة).(1)
وقالت ليزيد بن معاوية وهي أسيرة بين يديه وفي المجلس العام :
«أمن العدل یا بن الطلقاء تخديرك حرائرك وإمائك وسوقك بنات رسول الله (صلی الله علیخ و آله) سبايا .. ولئن جرت علي الدواهي مخاطبتك إني لأستصغر قدرك وأستعظم تقريعك وأستكبر توبيخك لكن العيون عبری والصدور حرا فاسع سعيك و کد کيدك وناصب جهدك فوالله لا تمحو ذكرنا..
والله يا يزيد ما فریت إلا جلدك ولا حززت إلا لحمك ، وهل رأيك إلا فند وجمعك إلا بدد وأياك إلا عدد وسيعلم من سوى لك ومكنك من رقاب المسلمين بئس للظالمين بدلا، ألا فالعجب كل العجب من قتل حزب الله النجباء بأيدي حزب الشيطان الطلقاء، وهذه الأيدي تنطف من دمائنا والأفواه تتحلب من لحومنا وتلك الجثث الطواهر الزواكي تنتابها العواسل وتعفرها أمهات الفراعل...
اللهم خذ لنا بحقنا وانتقم لنا ممن ظلمنا واحلل غضبك على من سفك دمائنا وقتل حماتنا».. (2)
والخلاصة: إنها سلام الله عليها ما ظهر عليها ذل الأسر وضعف السبي أبدا، لقد قابلت الحوادث الجسام والمصائب العظام بشجاعة فائقة ورباطة جاش .
ومن الجدير بالذكر إضافة إلى ما سبق أن رجلا من الشخصيات كان حاضرة في مجلس یزید فنظر إلى فاطمة بنت الحسين (علیه السلام) فالتفت إلى يزيد وقال : يا أمير أطلب منك أن تهب لي هذه الجارية تكون خادمة عندي . وقبل أن يرد عليه يزيد بشيء قامت إليه الحوراء زينب (علیها السلام) وقالت له : صه يا لكع الرجال ، ما جعل الله ذلك لك ولا لأميرك.
فقال يزيد: إن ذلك لي ولو شئت أن أفعل لفعلت .
فقالت له العقيلة (علیها السلام) : كلا إلا أن تخرج عن ملتنا وتدين بدين غير ديننا .
فغضب یزید وقال : إنما خرج عن الدين أبوك وأخوك .
فردت عليه السيدة زينب (علیها السلام) قائلة : بدين الله ودين جدي وأبي وأخي اهتديت أنت وأبوك وأخوك إن كنت مسلمة.
ولما لم يجد یزید جوابا قال لها : كذبت یا عدوة الله .
فقالت (علیها السلام) : أنت أمير تشتم ظلمة وتقهر بسلطانك .
فسكت يزيد وما رد عليها، وسكتت زینب (علیها السلام) فأعاد الرجل الشامي مقالته وقال : يا أمير هب لي هذه الجارية تكون خادمة لي.
فقال له يزيد: وهب الله لك حتفة قاضيا ويلك أتعرفها والتي تنهاك عنها .فقال الرجل: لا. ولكنك تقول هؤلاء خوارج خرجوا علي فقتلت الرجال وسبيت النساء.
فقال يزيد: ويلك أما التي تريدها خادمة في بيتك فهي فاطمة بنت الحسين بن علي، وأما التي تمنعك عنها فهي عمتها زينب بنت علي بن أبي طالب . فلما سمع الرجل ذلك قال : ويل لك يا يزيد أتقتل آل بیت رسول الله وتسبي نسائهم !!؟. (1)
1) راجع اللهوف: ص186
وهكذا وبمثل هذه المواقف الرائعة أعطت السيدة زينب (علیها السلام) المثل الأعلى للمرأة المسلمة المثالية كيف تتغلب على عواطفها في اللحظات الحرجة وكيف تسيطر على غرائزها بقوة العقل والتفكير الواعي فتساهم بذلك في خدمة الدين والعدل والمصلحة العامة مع الحفاظ على عزتها وكرامتها.
وهذا مما يؤكد لنا القول بأن المرأة أنفع عنصر في الحياة إن أخضعت عواطفها لإرادة العقل والتفكير الواعي وجندت قواها لخدمة المصلحة الحقيقية، وأنها تكون أضر وأخطر عنصر في الحياة إذا جعلت من نفسها آلة طيعة للشهوات والغرائز الحيوانية، وسارت وراء عواطفها بدون قید من عقل ولا رادع من ضمير ولا وازع من دین فتكون بذلك أقوى سلاح بيدالشيطان .
نهاية المطاف:
وأخيرا عادت السيدة زينب (علیها السلام) من الأسر إلى مدينة جدها الرسول (صلی الله علیخ و آله) وبدأت فيها حربها الدعائية ونضالها الإعلامي ضد الأمويين، وذلك بعقد المجالس والاجتماعات النسائية العامة وسرد المصائب والمحن التي لاقاها أهل البيت (علیهم السلام) من الأمويين وأعوانهم حتى تركت الرأي العام في المدينة المنورة کبرکان يقذف اللعنات على يزيد وأتباعه، واستشعر حكام المدينة بالخطر فأرسلوا الرسل والرسائل إلی یزید ینذرونه بخطر الثورة في المدينة إن بقيت السيدة زينب (علیها السلام) مستمرة على عملها هذا، فلما وقف يزيد على حقائق الأمور الجارية هناك بعث إلى حاكم المدينة يأمره بإبعاد زینب عليها منها إلى مصر، أي إلى أي بلد آخر غير المدينة المنورة .
فظن الوالي أن يزيد يقصد إبعادها إلى بلاد مصر خاصة ، فخرجت زینب مع نساء من قومها إلى مصر، واستقبلها والي مصر بإجلال وإكرام وعاشت هناك مواصلة كفاحها الدعائي بجد ونشاط إلى أن فاجأها الأجل المحتوم في
الخامس عشر من رجب المبارك سنة خمس وستين للهجرة عن عمر ناهز الستين عامة ودفنت هناك ، فصلوات الله وسلامه عليها واللعنة الدائمة علىأعدائها
وظالميها أبد الدهر.
هذا وهناك أقوال وأخبار أخرى عن وفاتها ومدفنها سلام الله عليها منها الخبر القائل بانها بقيت في المدينة المنورة حزينة نادبة باكية على أخيها الحسين إلى أن ماتت فيها ودفنت في البقيع، على الرغم من عدم وجود قبر معلوم لها هناك .
ومنها الخبر الذي مفاده أنها (علیها السلام) هاجرت مع زوجها عبد الله بن جعفر الطيار إلى الشام عام المجاعة، وكان لعبد الله بن جعفر ضياع ومزارع حول دمشق فهاجر إليها مع عائلته وبقيت السيدة زينب (علیها السلام) إلى أن توفيت ودفنت حيث مكان قبرها المعروف اليوم في ضواحي دمشق .
وأخيرا الخبر الذي يقول بأن السيدة زينب (علیها السلام) ماتت في الشام وهي في السبي، ولم ترجع إلى المدينة ، ماتت أيام السبي في الشام ودفنت هناك كما ماتت قبلها السيدة رقية بنت الحسين (علیه السلام) ودفنت في مرقدها المعروف داخل دمشق.
هذه مجموعة الأخبار والأقوال التي قيلت عن مكان وفاة السيدة زينب بنت علي (علیه السلام) و مرقدها الشريف ، ولكن القول الأول أشهرها بين المؤرخين وأوثقها في رأي الخبراء، والله أعلم.
والظاهر الذي لا يبعد عن الاعتبار هو أن السيدة زينب الكبرى بنت فاطمة الزهراء (علیها السلام) هي التي مرقدها في مصر.. وأما التي في الشام فهي زينب الصغرى بنت الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) من غير فاطمة الزهراء (علیها السلام) ولم أقف على ترجمة وافية لحياتها وأسباب دفنها هناك.
وهذا من جنايات التاريخ على آل الرسول (صلی الله علیخ و آله) حيث أهمل الكثير من
أحوالهم وسيرتهم، وكثيرا ما نسب الأكاذيب والافتراءات إلى بعضهم بغرض التشويه لسمعتهم والحط من كرامتهم.
وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، وفي الختام نتساءل ونقول مع الأديب الفاضل السيد حيدر الحلي رحمه الله :
ماذنب أهل البيت حتى
منهم أخلوا ربوعه
تركوهم شتى مصارعهم
وأجمعها فظيعة
فمكابد للسم قدسقیت
حشاشته نقيعه
ومضرج بالسيف آثر
عزه وأبی خضوعه
ومصفدة لله سلم أمر
ماقاسی جمیعه
وسبية باتت بأفعی
الهم مهجتها لسبعه
حملت ودائعكم إلی
من لیس یعرف ما الوديعة
آل الرسالة لم تزل
كبدي لرزئكم صديعة
فإنا لله وإنا إليه راجعون والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله الطاهرين المعصومين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم..
الإهداء .....5
تقديم ........7
مقدمة الطبعة الأولى....13
مقدمة الطبعةالثانية.........17
من هو الحسين (علیه السلام) نسبا وحسبأ ومقامة في المجتمع؟........ 21
ما هو عاشوراء مفهومة وبداية .......29
لماذا فاق يوم الحسين (علیه السلام) أيام غيره من الشهداء؟.....35
هل ألقى الحسين (علیه السلام) بنفسه إلى التهلكة بثورته ضد الأمويين؟ ....41
لماذا امتنع الحسين من البيعة ليزيد بن معاوية؟......47
لماذا لم يفعل الحسن (علیه السلام) مثلما فعل الحسين (علیه السلام) ؟...55
لماذا لم يقم بالسيف أحد من الأئمة (علیهم السلام) بعد الحسين (علیه السلام) ؟ ......61
هل يمتاز الحسين (علیه السلام) على سائر الأئمة (علیهم السلام) في الصفات التي اشتهر بها؟ ....69
لماذا يوصف الحسين (علیه السلام) يشة بسيد الشهداء؟ .......79
لماذا هاجر الحسين (علیه السلام) من المدينة؟.......85
لماذا حمل الحسين (علیه السلام) عياله وأطفاله في هجرته الثورية؟........93
لماذا توجه الحسين (علیه السلام) بهجرته في البداية إلى مكة المكرمة؟........101
كيف وثق الحسين بأهل الكوفة ولماذا خرج إليهم؟ .....105
هل الذين قتلوا الحسين (علیه السلام) كانوا شيعة؟ .......113
هل كان الحسين (علیه السلام) يطلب الحكم بثورته؟.......119
هل كان الحسين (علیه السلام) عالما بمصيره المعروف؟...127
لماذا يأذن الحسين (علیه السلام) لأصحابه بالتفرق عنه؟.....131
هل كانت ثورة الحسين (علیه السلام) ناجحة ومحققة لأهدافها؟ ......137
هل هناك ثمرة من ثورة الحسين (علیه السلام) للمسلمين ككل ....149
هل يصع البكاء على الحسين (علیه السلام) وهو الثائر الفاتح؟ ......157
ما الحكمة من زيارة قبرالحسين (علیه السلام) ؟ ...167
هل في مراسيم عاشوراء عمل حرام شرعا؟ ...173
متى بدأت أعمال الاحتفال بذكرى عاشوراء؟....181
لماذا يلتزم الشيعة بالسجود على التربة الحسينية من أرض كربلاء؟........185
هل يحدث إحياء ذكرى الحسين (علیه السلام) تفرقة؟ ...191
استنتاج العبر من ثورة الحسين (علیه السلام) .......197
من دفن الحسين (علیه السلام) وأصحابه ومتى وكيف؟........211
شقيقات الحسين (علیه السلام) كم عددهن ومن هن؟ ......215
الفهرس........223