ghaemiyeh.com
المؤلف : ابن ميثم البحراني
المجموعة : من مصادر العقائد عند الشيعة الإمامية
تحقيق : تحقيق : السيد أحمد الحسيني / بإهتمام : السيد محمود المرعشي
سنة الطبع : 1406
من مخطوطات
مكتبة آية الله المرعشي العامة
(3)
قواعد المرام
في علم الكلام
تصنيف
الفيلسوف الماهر كمال الدين
ميثم بن علي بن ميثم البحراني
636 - 699
تحقيق السيد أحمد الحسيني
باهتمام السيد محمود المرعشي
كتاب: قواعد المرام في علم الكلام
تأليف: ابن ميثم البحراني
نشر: مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي
طبع: مطبعة الصدر
التاريخ: 1406 - الطبعة الثانية
العدد: 1500 نسخة
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
اتفق علماء الاسلام على وجوب كسب المعارف الاعتقادية على كل مسلم مكلف بالتكاليف الشرعية،و يحسب أن تكون العقائد مستدل عليها عن طريق العقل و الدراية لا عن طريق التقليد و اتباع الاباء و غيرهم،كل على حسب ادراكاته العقلية و ثقافته و ما بامكانه أن يتوصل به الى معرفة الحق و الحقيقة و تثبيت اركان عقيدته الاسلامية.
و أساس عقيدة المسلم هو التوحيد و صفات اللّه تعالى و ما يتفرع عليها مما يتعلق باثبات الصانع،ثم يلى ذلك ما يتعلق بالنبوة و الامامة و المعاد و غيرها من المسائل الاعتقادية الاخرى التى يعبر عنها ب(اصول الدين)أو(الاصول الاعتقادية).
و قد ألمعت آيات كثيرة و أحاديث جمة الى ما يمس بعقيدة المسلم و يرشده الى توجيه عقله و فكره الى التدبر فى اللّه تعالى و آياته الدالة على وجوده و قدرته
و علمه و...و توجيه العقل فيها الى هذه النقاط من أحسن الادلة على ما ذهب إليه العلماء من وجوب الكسب لا التقليد-كما ذكرنا.
و قد عني جماعة من المحدثين بجمع الاحاديث الواردة فى الاعتقادات فى مؤلفات مفردة أو بضمن كتبهم الحديثية المفصلة،كما أن بعضهم جمع آيات العقائد مع شرح و تفسير لها فى كتب خاصة.هذا بالإضافة الى ما ورد فى التفاسير العامة من البحوث الهامة حول الموضوع ضمن تفسيرهم للآيات الكريمة التى فيها الماع الى ذلك.
و لكن توجهت العناية الاكثر الى البحث فى أصول الدين من الجانب العقلى فى كتب فلسفية و كلامية مطولة و مختصرة،و استوعبت هذه الكتب جانبا كبيرا من جهد مفكري المسلمين فى مختلف العصور على مختلف المستويات العلمية، و كونت جهودهم المتوالية مكتبة كبرى لها ميزاتها و طوابعها الخاصة تخدم المدارس العقائدية التى اوجدها رجالات شتى المذاهب الاسلامية و نحلهم التى ظهرت بعد رحلة الرسول صلى اللّه عليه و آله و سلم.
و لا علام الشيعة الامامية فى هذا المضمار خطوات موفقة انتجت كتبا مختصرة تشبه أن تكون كتب دراسية وضعت لتنشئة طلاب الكلام و الفلسفة فى مدارسهم العلمية،و كتب مفصلة وضعت للمناقشات العلمية الدقيقة الموسعة فى كل مسألة مسألة.
و قد اختلف منحاهم فى استقاء ما يمكن أن ترتكز عليها بحوثهم العقائدية، فبعضهم اتجهت همته الى الحديث ليكون المصدر الاول لذلك كالشيخ الصدوق محمد بن علي ابن بابويه القمى،و بعضهم اهتم على الاكثر بالفلسفة و الادلة العقلية البحتة كأستاذ البشر نصير الدين الطوسى،و بعضهم جمع بين المبادئ
الفلسفية و الكلامية و عرض المسائل على اساسهما معا كالشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان البغدادى و العلامة الحلي الحسن بن يوسف ابن المطهر و أضرابهما.
و من الكتب الكلامية المختصرة التى يليق الاهتمام بها و تداولها فى الاوساط العلمية هذا الكتاب القيم النافع،ألا و هو كتاب«قواعد المرام فى علم الكلام» للفيلسوف المتكلم كمال الدين ميثم بن على بن ميثم البحرانى-قدس اللّه نفسه الزكية.
و هو مع اختصاره يمتاز بالشمول لكل مباحث أصول الدين و ما يلحق بها من المسائل الاعتقادية،بالإضافة الى وضوحه و قوة عباراته و اشراق أسلوبه و خلوه عن التعقيد الذي يرى فى كثير من الكتب المشابهة له.كتبه المؤلف باشارة عز الدنيا و الحق و الدين غياث الاسلام و المسلمين ابى المظفر عبد العزيز ابن جعفر،و هو الامير عز الدين عبد العزيز النيسابوري المتوفى ببغداد سنة 672، و يظهر أن العلائق كانت بينهما وثيقة حيث ألف المؤلف باسمه كتابا آخر أيضا هو «نجاة القيامة في أمر الامامة».
*** طبع هذا الكتاب على نسخة ثمينة بمكتبة آية اللّه المرعشى العامة في مجموعة برقم(4)كتبها ابو الفتح احمد بن ابى عبد اللّه بلكو بن ابى طالب الآوي من تلامذة العلامة الحلي و ابنه فخر الدين،و أتم كتابتها ظهر يوم عشرين من شهر رجب سنة 717،و المجموعة تحتوي على ثلاثة كتب هي:
1-قواعد المرام فى علم الكلام،لابن ميثم.
2-مبادئ الوصول الى علم الاصول،للعلامة الحلي.
3-نهج المسترشدين في أصول الدين،للعلامة الحلي.
و قرأ الناسخ الكتابين الاخيرين على العلامة و ابنه و اجازاه فى النسخة،و لكن نسخة القواعد لا تخلو من أخطاء و تحريفات قومنا كثيرا منها و بقيت هنات أو كلت الى فهم القارئ الكريم.
*** و بعد،فاني أبارك ادارة مكتبة الامام المرعشي على اهتمامها فى احياء آثار أعلامنا المتقدمين،و اسأل اللّه تعالى أن يديم ظل سماحته المديد لرعاية هذه الحركة المباركة،و أطلب إليه جل و عز أن يزيد فى توفيق ولده البار الاخ العلامة السيد محمود المرعشي..انه جل شأنه هو الموفق لما فيه رضاه.
قم 1 رجب 1397 ه السيد احمد الحسينى
(1)الفيلسوف المحقق و المتكلم البارع و الفقيه المحدث العالم الربانى،كمال الدين (2)ميثم (3)بن على بن ميثم البحراني. ولد قدس اللّه سره سنة 636 كما نقل عن رسالة الشيخ سليمان بن عبد اللّه
1) بعض مصادر ترجمته:السلافة البهية فى الترجمة الميثميّة(فى كشكول البحرانى 41/1-53)،امل الامل 332/2،انوار البدرين ص 62-69،روضات الجنات 216/7،اعيان الشيعة 98/49،الكنى و الالقاب 433/1،لؤلؤة البحرين ص 253- 261،معجم المؤلفين 55/13،الانوار الساطعة للشيخ آغا بزرگ ص 187.
2) و قيل فى لقبه أيضا«مفيد الدين».
3) قال الشيخ سليمان البحرانى فى السلافة:ميثم بفتح الميم و الياء المثناة من تحت الساكنة و الثاء المثلثة المفتوحة و بالميم أخيرا كما ذكره بعض المحققين فى حواشى خلاصة الاقوال فى ترجمة احمد بن الحسن الميثمى ما نصه:هو منسوب الى ميثم التمار،و ميثم بكسر الميم و لم يأت مفتوحا الا اسم ميثم البحرانى من المتأخرين.
البحراني في تراجم علماء البحرين.
كان على جانب كبير من العلم و الدارية،مشبعا بفنون المعارف المتداولة في عصره،مبجلا عند أساطين العلم و المعرفة،ينقلون آراءه و أقواله مع اجلال و تعظيم،و ينظرون الى تحقيقاته الرشيقة باكبار و تكريم.
و قد نهل العلم من اساتذة افذاذ و شب فى حوزاتهم الدراسية مكبا على الطلب و التحصيل،و ذهب الى العراق سعيا وراء الثقافة،و كان من ابرز اساتذته المولى نصير الدين محمد بن محمد بن الحسن الطوسى و الشيخ جمال الدين علي بن سليمان البحراني،و ناهيك بهما اسطوانتين من اساطين ذلك العصر.
و اذا كان التلامذة مرآة لشخصية الاستاذ،فقد نرى فيمن تتلمذ على ابن ميثم أو روى عنه جماعة هم غرة جبين الدهر في الشهرة العلمية في الاوساط الشيعية آنذاك،و منهم:
الشيخ محمد بن جهم الاسدي الحلي.
المولى نصير الدين الطوسي،قرأ عليه في الفقه.
العلامة الحلي الحسن بن يوسف ابن المطهر.
السيد عبد الكريم بن احمد ابن طاوس الحلي.
الشيخ عبد اللّه بن صالح البحراني.
و قد رافقت ترجمته كلمات اطراء من قبل مترجميه تنم عن نظرتهم فيه و عظيم احترامهم له،و نحن اذ نذكر بعضها هنا نريد اعطاء صورة عن مكانته فى نفوس اولئك العلماء:
فقد قال الشيخ سليمان البحراني فى رسالته السلافة البهية:
«ضم الى الاحاطة بالعلوم الشرعية و احراز قصبات السبق في العلوم الحكمية و الفنون العقلية،ذوقا جيدا في العلوم الحقيقة و الاسرار العرفانية،كان ذا كرمات باهرة و مآثر زاهرة،و يكفيك دليلا على جلالة شأنه و سطوع برهانه اتفاق كلمة ائمة الاعصار و اساطين الفضلاء في جميع الاعصار على تسميته بالعالم الربانى، و شهادتهم له بأنه لم يوجد مثله في تحقيق الحقائق و تنقيح المبانى».
و قال الشيخ علي بن الحسن البلادي البحراني فى كتابه انوار البدرين:
«العالم الرباني و العارف الصمداني..و هو المشهور في لسان الاصحاب بالعالم الرباني و المشار إليه فى تحقيق الحقائق و تشييد المبانى..و كتبه مشبوعة بالتحقيق و التدقيق و حسن التحبير و التعبير».
و قال الحر العاملى فى كتابه أمل الامل:
«الشيخ كمال الدين..كان من العلماء الفضلاء المحققين المدققين متكلما ماهرا،له كتب منها كتاب شرح نهج البلاغة كبير و متوسط و صغير...».
و نقل عنه أصحاب السير القصة الطريفة التالية فى سبب عزلته عن الناس و انصرافه الى العلم مكتفيا بمصاحبة الكتاب و مجانبا مخالطة الاصحاب:
«انه عطر اللّه مرقده فى اوائل الحال كان معتكفا فى زاوية العزلة و الخمول، مشتغلا بتحقيق حقائق الفروع و الاصول،فكتب إليه فضلاء الحلة و العراق صحيفة تحتوى على عذله و ملامته على هذه الاخلاق،و قالوا العجب منك انك مع شدة مهارتك فى جميع العلوم و المعارف و حذاقتك فى تحقيق الحقائق و ابداع اللطائف،قاطن في ظلال الاعتزال و مخيم فى زاوية الخمول الموجب لخمود
نار الكمال.فكتب فى جوابهم هذه الابيات:
طلبت فنون العلم أبغي بها العلى فقصر بى عما سوت به القل
تبين لي أن المحاسن كلها فروع و أن المال فيها هو الاصل
فلما وصلت هذه الابيات إليهم كتبوا إليه:اخطأت في ذلك خطأ ظاهرا، و حكمك بأصالة المال عجيب،بل اقلب تصب.فكتب في جوابهم هذه الابيات و هي لبعض الشعراء المتقدمين:
قد قال قوم بغير علم ما المرء الا بأكبريه
فقلت قول امرئ حكيم ما المرء الا بدرهميه
من لم يكن درهم لديه لم تلتفت عرسه إليه
ثم انه-عطر اللّه مرقده-لما علم أن مجرد المراسلات و المكاتبات لا تنفع الغليل و لا تشفى العليل،توجه الى العراق لزيارة الائمة المعصومين عليهم السلام و إقامة الحجة على الطاعنين.
ثم انه بعد الوصول الى تلك المشاهد العلية لبس ثيابا خشنة عتيقة،و تزيا بهيئة رئة بالاطراح و الاحتقار خليقة،و دخل بعض مدارس العراق المشحونة بالعلماء و الحذاق فسلم عليهم،فرد بعضهم عليه السلام بالاستثقال و الامتناع التام، فجلس فى صف النعال و لم يلتفت إليه احد منهم و لم يقضوا واجب حقه.
و فى اثناء المباحثة وقعت بينهم مسألة مشكلة دقيقة كلت فيها أفهامهم و زلت فيها اقدامهم،فأجاب بتسعة اجوبة فى غاية الجودة و الدقة،فقال له بعضهم بطريق السخرية و التهكم:أخالك طالب علم.
ثم بعد ذلك حضر الطعام فلم يؤاكلوه بل أفردوه بشيء قليل على حدة و اجتمعوا هم على المائدة.فلما انقضى ذلك المجلس قام و عاد فى اليوم الثانى
إليهم و قد لبس ملابس فاخرة بهيئة ذات اكمام واسعة و عمامة كبيرة و هيئة رائعة، فلما قرب و سلم عليهم قاموا تعظيما له و استقبلوه تكريما و بالغوا فى ملاطفته و مطايبته و اجتهدوا فى تكريمه و توقيره،و اجلسوه فى صدر ذلك المجلس المشحون بالافاضل المحققين و الاكابر المدققين.
و لما شرعوا فى المباحثة و المذاكرة تكلم معهم بكلمات عليلة لا وجه لها عقلا و لا شرعا،فقابلوا كلماته العليلة بالتحسين و التسليم و الاذعان على وجه التعظيم، فلما حضرت مائدة الطعام بادروا معه بأنواع الادب،فألقى الشيخ كمه فى ذلك الطعام مستعتبا على اولئك الاعلام و قال«كلي يا كمي».فلما شاهدوا تلك الحال العجيبة اخذوا فى التعجب و الاستغراب و استفسروه عن معنى هذا الخطاب.
فأجاب عطر اللّه مرقده:انكم انما اتيتم بهذه الاطعمة النفيسة لاجل اكمامى الواسعة لا للنفس القدسية اللامعة،و الا فأنا صاحبكم بالامس و ما رأيت تكريما و لا تعظيما مع اني جئتكم بالامس بهيئة الفقراء و سجية العلماء،و اليوم جئتكم بلباس الجبارين و تكلمت بكلام الجاهلين،فقد رجحتم الجهالة على العلم و الغنى على الفقر،و أنا صاحب الابيات التى هى فى أصالة المال و فرعية صفة الكمال التى أرسلتها إليكم و عرضتها عليكم،و قابلتموها بالتخطئة و زعمتم انعكاس القضية.
فاعترف الجماعة بالخطإ فى تخطئتهم و اعتذروا عما صدر منهم من التقصير فى شأنه قدس سره.
*** و قد خلف كتبا جليلة مشحونة بالموضوعات العلمية الراقية و التحقيقات الدقيقة السامية،هى مثال رائع للجلد العلمي و الصبر على البحث و التنقيب.
و أليك اسماء ما اطلعنا على اسمه من مؤلفاته:
1-آداب البحث.
2-اختيار مصباح السالكين،و هو شرحه الثانى على نهج البلاغة،تم الاختصار سنة 681.
3-استقصاء النظر فى إمامة الائمة الاثني عشر.
4-البحر الخضم،فى الالهيات.
5-تجريد البلاغة،فى المعانى و البيان،و يسمى أيضا«اصول البلاغة».
6-شرح الاشارات،و الاصل للشيخ علي بن سليمان البحرانى.
7-شرح حديث المنزلة.
8-شرح رسالة العلم،و الاصل للشيخ احمد بن سعادة البحرانى.
9-شرح نهج البلاغة،و هو غير شرحيه مصباح السالكين و اختصاره، قيل هو شرح ثالث و لم يثبت ذلك.
10-غاية النظر،فى علم الكلام.
11-قواعد المرام فى علم الكلام،تم تأليفه سنة 676.
12-مصباح السالكين لنهج البلاغة من كلام امير المؤمنين،و هو شرحه الكبير،تم تأليفه سنة 677.
13-المعراج السماوي.
14-منهاج العارفين فى شرح كلام امير المؤمنين،و هو شرح مائة كلمة من كلماته عليه السلام.
15-نجاة القيامة فى تحقيق امر الامامة.
16-الوحي و الالهام.
و المعروف في سنة وفاته أنها كانت 679 كما عن الشيخ سليمان الماحوزى و غيره.
و لكن الشيخ آغا بزرگ الطهرانى فى كتابه«الانوار الساطعة»ص 187 يخطئ هذا التاريخ و يرى ان الصحيح هو 699 حيث قال:
«لكن التاريخ مخدوش،لان فراغ ابن ميثم من الشرح الصغير لنهج البلاغة كان فى 681 و فرغ من الشرح الكبير للنهج فى 677،فالصحيح من تاريخ وفاته هو ما ذكره صاحب كشف الحجب و هو 699 ظاهرا».
و أما قبره فقد قال فى انوار البدرين:و قبره متردد بين بقعتين كلتاهما مشهورة بأنها مشهده،احدهما فى جبانة الدونج،و أخرى فى هلتا من الماحوز،و أنا أزوره فيهما احتياطا و ان كان الغالب أنه فى هلتا لوفور القرائن على ذلك.
و نقل عن رسالة«وفيات العلماء»للكفعمى:انه مات فى دار السلام بغداد.
صورة
صورة
صورة
قواعد المرام فى علم الكلام تصنيف المولى الاعظم العلامة كمال الملة و الدين ميثم بن علي بن ميثم البحرانى تغمده اللّه بغفرانه
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم (عونك يا قيوم) الحمد للّه الولي الحميد،ذي العرش المجيد،الفعال لما يريد،عالم الغيب و الشهادة،المتفرد باستحقاق العبادة.احمده و الحمد من نعمه،و أستزيده من فضله و كرمه.
و أشهد ان لا إله الا هو مخلصا له الدين،مسلما لامره فى كل حين.
و اشهد ان محمدا رسوله الامين،المبعوث بلسان عربى مبين.صلى اللّه عليه و آله الطيبين و اصحابه الاكرمين و سلم عليهم اجمعين.
و بعد:
فلما كان شرف العلم بشرف المعلوم،و كلما كان المعلوم أجل و أعلى كان العلم به بالرعاية أولى،و كانت ذات البارى سبحانه أشرف المعلومات فكانت معرفته أتم المهمات،اذ كان المتوجه إليها هو المتوجه الى أعلى الكمالات
و الفائز بها هو الفائز بأقصى مراتب السعادات.
و اذا كان المتكفل ببيانها هو العلم المسمى فى عرف المتكلمين ب(أصول الدين)و كنت ممن و سم فيه بالتحصيل و ان لم أحصل منه الا على القليل، اشار الي من اشارته غنم و تلقى اوامره العالية حتم،و هو المولى المكرم الملك المعظم العالم العادل الفاضل الكامل الّذي فاق ملوك الآفاق باستجماع مكارم الاخلاق،وفاق فى حلبة السباق أهل الفضائل بالإطلاق الذي ملأ الاسماع بأوصافه الجميلة و أفاض أوعية الاطماع بألطافه الجزيلة حتى أنسى بضروب النعم من سلف من اهل الكرم و أمت كعبة جوده وجوه الهمم من سائر طوائف الامم،عز الدنيا و الحق و الدين غياث الاسلام و المسلمين ابو المظفر عبد العزيز ابن جعفر خلد اللّه اقباله و ضاعف جلاله و أبد فضله و أفضاله و حرس عزه و كماله اذ كانت همته العلية مقصورة على تحصيل السعادة الابدية،أن اكتب له مختصرا فى هذا العلم يجمع بين تحقيق المسائل و ابطال مذهب الخصم بأوضح الدلائل المميزة للحق من الباطل.
فلم استجز مخالفة الواجب من الامر مع قلة البضاعة و ظهور العذر، فشرعت فى ذلك معتصما بواهب العقل و ملهم العدل.
و رتبت تلك المقاصد على عدة قواعد:
و فيها اركان:
و فيه ابحاث:
حصول صورة الشيء فى العقل اما أن يتجرد عن الحكم و يسمى ذلك الحصول معرفة و تصورا،و اما ان يكون مع الحكم عليه و يسمى ذلك الحكم سواء كان بنفى أو اثبات تصديقا أو علما.فمن شرائطه اذن تعقل محكوم عليه و محكوم به و نسبة بينهما.
كل واحد من التصور و التصديق:اما ان يكون بديهيا مطلقا و هو باطل، و الا لعلم كل عاقل كل العلوم.أو كسبيا مطلقا و هو باطل،و الا لزم الدور أو التسلسل أو يكون بعضه بديهيا و بعضه كسبيا و هو الحق.
و حينئذ فالبديهى من التصورات هو الّذي لا يكون حصوله فى العقل موقوفا على تجشم كسب،كتصور معنى الوجود و الوحدة.و الكسبى منه ما يقابل ذلك كتصور معنى الملك و الجن.
و البديهى من التصديقات هو الّذي يكون تصور طرفيه-اعنى المحكوم عليه و المحكوم به-كافيا فى الجزم باثبات احدهما للآخر،كقولنا«الكل اعظم من الجزء»او بنفى احدهما عن الاخر كقولنا«النفي ليس باثبات».و الكسبى منها ما لم يكن كذلك،بل نحتاج فى اثبات احدهما للآخر أو نفيه عنه الى وسط كقولنا«العالم حادث»و«الاله ليس بحادث».
التصديق اما ان يكون جازما او لا يكون،و الجازم اما أن يكون مطابقا او لا يكون،و المطابق اما ان يكون جزم العقل به لسبب او لا يكون.
فالذى يكون لسبب فسببه اما الحس وحده و هى الاحكام الحاصلة عن الحواس الخمس،او العقل وحده،فأما بأوليته،و هى البديهيات أو بنظره و هى النظريات،او العقل و الحس معا فاما الى الحس الباطن و هى الوجدانيات كاللذة و الالم او الحس الظاهر،فأما الحس الظاهر فاما حس السمع و هى
المتواترات أو سائر الحواس و هى المجربات و نحوها.
و أما الجازم المطابق الّذي لا لموجب فهو التقليد،و اما الجازم الغير المطابق فهو الجهل المركب.
و اما الّذي لا يكون جازما فاما ان يتساوى طرف الاثبات و النفي منه عند الذهن و هو الشك،او يرجح احدهما فالراجح ظن و المرجوح و هم.
لما بينا ان من التصورات و التصديقات ما هو مكتسب فلا بد له من طريق، فوجب أن نشير الى الطرق الموصلة الى كل منهما اشارة مجملة.
و قد جرت العادة بأن تسمى الطرق الموصلة الى التصور المكتسب قولا شارحا،فمنه ما يسمى حدا و منه ما يسمى رسما.و ان تسمى الطرق الموصلة الى التصديق حجة،فمنها ما يسمى قياسا و منها و ما يسمى استقراء و منها ما يسمى تمثيلا،و يخصه الفقهاء و المتكلمون باسم القياس.
و هذه الطرق انما وضعت ليأمن السالك بها فى العلوم من الغلط فى فكره اذا راعى الشرائط التى يجب أن يكون عليها.
و يجب ان تقدم الكلام فى الفكر و النظر لانه كالآلة فى وجودها.
و فيه ابحاث:
قال بعض العلماء:النظر و الفكر عبارة عن ترتيب مقدمات علمية أو ظنية ليتوصل بها الى تحصيل علم او ظن آخر.مثاله:ان من أراد أن يعلم ان العالم له مؤثر قال«العالم ممكن و كل ممكن له مؤثر»فترتيب الحدود الثلاثة على الوجه المخصوص يسمى نظرا و فكرا.
و الحق ان النظر عبارة عن انتقال الذهن من المطلوب الى مباديه التى يحصل منها طالبا لها ثم منها الى المطلوب.
و تحقيقه فى المثال المذكور:ان من كان مطلوبه العلم بأن العالم ممكن فنظره لتحصيله هو انتقال ذهنه منه الى مقدمات دليله المذكور بأجزائها و ترتيبها المستلزم لانتقال ذهنه الى النتيجة التى نسميها قبل النظر مطلوبا،فمجموع تلك الانتقالات هو المسمى فكرا و نظرا،و حينئذ يتبين ان الترتيب المذكور من لوازم النظر لا حقيقته.
النظر المفيد للعلم موجود.
و انكره السمنية (1)مطلقا و اعترف به جماعة من المهندسين فى علمى الحساب و الهندسة و أنكروه فى الالهيات.و زعموا ان الغاية فى المسائل الالهية الاخذ بالاولى و الاخلق دون الجزم،فانه لا سبيل إليه.
لنا ان النظر فى المثال المذكور استلزم العلم،فالنظر المفيد للعلم موجود.
احتج المنكرون مطلقا بوجوه:
(الاول) ان العلم بكون النتيجة الحاصلة عن النظر علما غير ضرورى،لان كثيرا ما ينكشف الامر بخلافه،و لا نظرى و الا لدار أو تسلسل.
(الثانى) ان المطلوب ان كان معلوما استحال طلبه،لان تحصيل الحاصل محال.و ان كان مجهولا فكيف يعلم اذا وجده انه هو الّذي كان مطلوبه.
(الثالث) ان الانسان قد يجزم بصحة دليل زمانا مديدا ثم يظهر له بعد حين فساده بدليل آخر،و الاحتمال فى الثانى قائم و كذا فى الثالث و الرابع،و مع قيام الاحتمال لا يحصل اليقين.
و احتج المنكرون للنظر فى الالهيات بوجهين:
(احدهما) ان الحقائق الالهية غير متصورة،فاستحال الحكم عليها،فامتنع طلبها.
(الثانى) ان اظهر الاشياء و اقربها من الانسان هويته،و للناس فيها اختلافات لا يمكن الجزم بواحد منها،و اذا كان حاله فى معرفة أقرب الامور إليه كذلك فما ظنك بأبعدها عنه مناسبة.
(و الجواب عن الاول)انه ضرورى،و كل من رتب مقدمات تعينية ترتيبا منتجا علم بالضرورة كون الحاصل عنها علما و لم ينكشف الامر بخلافه البتة.د.
1) طائفة من الهند.
(و عن الثانى)انه مجهول التصديق معلوم التصور،فاذا وجده ميزه عن غيره بالتصور المعلوم.
(و عن الثالث)ان غلط العقل فى بعض الادلة لا يوجب رد احكامه مطلقا، و احتمال غلطه فيما يجزم به لا يبقى مع جزمه.
و أيضا فهو معارض بغلط الحس مع اعترافكم بصحة حكمه.
(و عن الرابع)ان التصديق يكفى فيه التصور بحسب العوارض،و تلك الحقائق متصورة بحسب عوارضها المشتركة بينها و بين المحدثات،فأمكن الحكم عليها.
(و عن الخامس)انه يدل على صعوبة هذا العلم لا على امتناعه.
الدليل ان طابق ما عليه الامر فى نفسه من صدق المقدمات العلمية أو الظنية و صحة ترتيبها المستلزم للمطلوب،كان ذلك النظر نظرا صحيحا و الا كان فاسدا.
ثم الفساد ان كان من جهة المقدمات مع صحة الترتيب على الوجه المنتج كما سنذكره كان ذلك النظر مستلزما للجهل المركب،و ان كان الفساد من جهتيهما أو من جهة الترتيب فقط لم يستلزم الجهل،و ان كان قد يعرض بسببه جهل لكن لا على وجه اللزوم لجواز انفكاكه عنه وقتا آخر و فى ذهن آخر.
و حينئذ يعلم ان الخلاف الجارى بين المتكلمين فى ان النظر الفاسد هل يولد الجهل أم لا،خلاف من غير تحقيق محل النزاع.
حصول العلم عقيب النظر الصحيح المجرى العادة عند الاشعرية.
و يجوز خرقها فلا يوجد العلم عنه،و على سبيل التولد عند المعتزلة كتولد الالم عن الضرب.
و الحق انه مستلزم للعلم بالضرورة كما سبق،فان من علم أن العالم حادث و ان كل حادث مفتقر الى المؤثر لزم بالضرورة عن هذين العلمين على الترتيب المذكور العلم بأن العالم مفتقر الى المؤثر.
قال اصحابنا:شرط حصول العلم عن النظر ان يكون الناظر عالما بالدليل من الوجه الّذي يدل،و لا يستلزم المطلوب مع الشك أو الظن أو الجهل به من ذلك الوجه،و كان العلم به من ذلك الوجه هو التفطن،لاندراج الحد الاصغر تحت الاوسط و الاوسط تحت الاكبر،كما سنبين معنى هذا المفهومات.فان الانسان قد يعلم أن هذا الحيوان بغلة و ان كل بغلة عاقر و ربما رأى بغلة منتفخة البطن فظنها حبلى،فلا يكفى حصول المقدمتين فى الذهن بدون التفطن المذكور فى حصول المطلوب.
شرط وجود النظر أن لا يكون الناظر عالما بالمطلوب،لان ذلك يكون تحصيلا للحاصل.و ان لا يكون جاهلا به جهلا بسيطا مطلقا،لان نفسه تكون اذن غافلة عنه من كل وجه فيمتنع طلبه.و أن لا يكون جاهلا به جهلا مركبا، لان ذلك يمنعه عن الطلب.بل يكون عالما به باعتبار ما،فيتنبه من ذلك الاعتبار لطلب القدر المجهول منه.
النظر فى معرفة اللّه تعالى واجب عقلا،خلافا للاشعرية.
لنا:ان النظر شرط لحصول امر واجب،و ما كان شرطا للواجب كان واجبا:
اما المقدمة الاولى:فلانه شرط لمعرفة اللّه تعالى و هى واجبة:أما انه شرط للمعرفة فلانها من الامور الكسبية،و الضرورة قاضية بأنه ما لم يحصل فى الذهن وسط جامع بين حدي المطلوب لم يحصل العلم به.و قد عرفت أن تحصيل الوسط لا يمكن الا بالنظر،فاذن المعرفة لا تحصل الا به فكان شرطا لها.
و اما أنها واجبة فمن وجهين:
(الاول) ان دفع الضرر المظنون الّذي يلحق بسبب الجهل بمعرفة اللّه واجب عقلا،و وجوب دفع ذلك الضرر مستلزم لوجوب المعرفة.
بيان الاول:ان المكلف الجاهل باللّه يجوز أن يكون له صانع أراد منه معرفته و كلفه بها،و انه اذا لم يعرفه عاقبه،سواء كان ذلك التجويز بخاطر خطر له أو بحسب سماعه اختلاف الناس فى الديانات و اثبات الصانع،فانه يجد من نفسه خوف عقاب مظنون لعله يلحقه على ترك المعرفة و ذلك ضرر واجب الدفع عن النفس.
بيان الثانى:ان دفع ذلك الضرر لا يحصل الا بالمعرفة،فكان وجوبه مستلزما لوجوبها.
(الثانى) لو لم يجب معرفة اللّه تعالى عقلا لما وجب شكر نعمه عقلا،و اللازم باطل فالملزوم مثله.
بيان الملازمة:ان بتقدير عدم معرفة المنعم لا يمكن شكره،و ما لا يمكن أولى بأن لا يجب.بيان بطلان اللازم:ان العاقل اذا فكر فى خلقه وجد آثار النعمة عليه ظاهرة،و قد تقرر فى عقله وجوب شكر المنعم فيجب عليه شكره فيجب اذن معرفته.
بيان الثانى:انه لو لم يجب الشرط لوجوب مشروطه لكان التكليف به تكليفا بما لا يطاق و انه قبيح عقلا،و سيأتى الكلام فيه فى مسألة الحسن و القبح ان شاء اللّه.
فان قيل:لا نسلم وجوب المعرفة،و لم لا يكفى التقليد أو الظن الغالب، فان من اعتقد المنعم و ان لم يعلمه صح منه أن يشكره،و كذلك اذا خاف يندفع خوفه بالفرع الى الاعتقاد الجازم و ان لم يكن يقينا.سلمناه لكن لم قلتم انه لا طريق الى المعرفة سوى النظر.ثم انا نتبرع بذكر طرق اخر:منها قول المعصوم.و منها الالهام.و منها تصفية الخاطر كما يقوله بعض المتصوفة.و انما يجب لو لم يكن غيره طريقا.سلمناه لكن لم قلتم ان ما كان شرطا للواجب كان واجبا.قوله:يلزم تكليف ما لا يطاق.قلنا:و لم لا يجوز ان تكون التكاليف بأسرها كذلك.
و الجواب عن الاول:
قوله«لا نسلم وجوب المعرفة»قلنا:بينا ذلك.
قوله«و لم لا يكفى التقليد او الظن الغالب»قلنا:لان الاعتقاد الحاصل بالتقليد غير كاف فى دفع خوف الضرر المظنون فى ترك المعرفة،لان المقلد لا يأمن خطأ من قلده و يستوى عنده الصادق و الكاذب،و متى ميز بينهما لم يكن مقلدا.و اما الظن فممكن الزوال،و فى زواله خطر عظيم،فلا يندفع به خوف
الضرر المظنون فى ترك معرفة اللّه.و لا يكفيان أيضا فى صحة شكره،لجواز أن يأتى المكلف بالشكر على الوجه غير اللائق فيقع فى الضرر،كشكر المجسمة و نحوهم.
و عن الثانى:
قوله«لم قلتم انه لا طريق الى المعرفة سوى النظر»قلنا:بينا ذلك فأما قول المعصوم فلا يمكن ان يستفاد معرفة اللّه تعالى منه،لتوقف العلم بكونه حجة على المعرفة،فلو استفيدت المعرفة من قوله لزم الدور.
و أما الالهام فلو ثبت وقوعه لم يأمن صاحبه أن تكون من غير اللّه الا بالنظر و ان لم يتمكن من العبارة عنه.
و اما تصفية الباطن فهى عبارة عن حذف الموانع الداخلة و الخارجة عن القلب،و غايتها ان تقبل النفس معا السوانح الالهية على طريق الافاضة و الالهام و لن يعلم ان تلك الافاضة و الخواطر من اللّه أو من غيره الا بالنظر.
و عن الثالث:انا سنبين إن شاء اللّه تعالى فى مسألة الافعال ان القول بتكليف ما لا يطاق محال.
و هى الاقوال الشارحة،و فيه ابحاث:
الحقائق منها بسيطة و هى ما لا يلتئم عند العقل من عدة امور،و منها مركبة
و هى ما كان كذلك.
ثم لما كان المعرف للشيء هو الّذي يلزم من تصوره تصور ذلك الشيء و امتيازه عن غيره لم يجز أن يعرف الشيء بنفسه،لعدم افادته تميز نفسه،و لان المعرف يجب كونه معلوما قبل المعرف،فلو عرفنا الشيء بنفسه لزم تقدم العلم به على العلم به،فلزم تقدمه على نفسه،و لا بما هو أعم منه لان تصور العام لا يستلزم تصور الخاص،و لا بما هو أخص لكونه أخفى،بل وجب ان يكون التعريف بما يساويه فى العموم و الخصوص.فذلك المساوى اما أن يكون مجموع اجزاء الشيء و يسمى حدا تاما كالحيوان الناطق للانسان،او بعض اجزائه و يسمى حدا ناقصا كالجسم الناطق له،أو بعض أجزائه المشتركة مع أمر خارج عنه مساوله و يسمى رسما تاما كالحيوان الضاحك له.و كذلك مجموع أمور خارجة عن ماهيته مساو لها اذا ميزها عن كل ما عداها،او مجموع أمور يميزها عن بعض ما عداها و يسمى رسما ناقصا كالحيوان البادي البشرة له.
ظهر مما قررنا ان البسائط لا تعرف بحد،اذ لا اجزاء لها،بل تعرف بالامور الخارجة عنها الخاصة بها البينة لها ان كانت.
ثم ان كانت اجزاء لغيرها أخذت فى حده و الا فلا يعرف بها أيضا تعريفا حديا.
و اما المركبات فتعرف بحدودها،اذلها اجزاء لغيرها أخذت فى حده او عرضية له جاز أن تؤخذ فى رسومها.
الترتيب فى الاقوال الشارحة أن يقدم الاعم ثم يقيد بالاخص،لان الاعم أعرف فى الذهن و اكثر وقوعا فيه من الاخص،و تقديم الاعرف هو الترتيب الطبيعى،فكان اولى كما قرر ذلك فى موضع أليق به.
الاحتراز عن تعريف الشيء بما يساويه فى المعرفة و الخفاء و عن تعريفه بالاخفى منه ربما لا يعرف الا به فى مرتبة أو مراتب.
و فيه ابحاث:
و انواعه ثلاثة:
لان الخبر اما ان يكون تركيبه تركيبا أولا من محكوم عليه و محكوم به و يسمى تصديقا و قضية حملية،كقولنا«العالم حادث».
و اما تركيبا ثانيا يقع من مركبات أولى،و حينئذ لا بدّ بين المركبين من نسبة فهى اما لزوم احدهما للآخر و يسمى ذلك المركب شرطيا متصلا و أدواته
حروف الشرط و الجزاء كقولنا«ان كان العالم حادثا فليس بقديم»،و يسمى الجزء الاول من هذا المركب ملزوما و مقدما و الثانى لازما و تاليا.
و اما أن تكون عناد احدهما للآخر و منافاته و يسمى ذلك المركب شرطيا منفصلا،و أدواته اما و ما فى حكمها،كقولنا«المعلوم اما موجود و اما معدوم».
الحجة قول مؤلف من اقوال يقصد بها تحصيل مطلوب مجهول،و اقسامها ثلاثة:
(الاول) ما يسمى قياسا،وحده انه قول مؤلف من اقوال اذا سلمت لزم عنها بالذات قول آخر ضرورة،و هو اما أن لا يكون اللازم عنه و لا مقابله مذكورا فيه بالفعل،و يسمى قياسا اقترانيا،كقولنا«كل جسم مؤلف و كل مؤلف محدث» فانه يلزم بالضرورة من تسليم هذين القولين الحكم بأن كل جسم محدث.
فهذا قياس،و كل واحد من القولين المركب منهما يسمى مقدمة،و اجزاؤها تسمى حدودا.
و لا بد من مشترك بين المقدمتين يذكر فيهما،فما اختص بالمقدمة الاولى سمى حدا اصغر كالجسم فى مثالنا،و سميت المقدمة صغرى لاشتمالها عليه، و ما اختص بالثانية سمى اكبر كالمحدث فيه،و سميت الكبرى لاشتمالها عليه، و ما كان مشتركا بينهما سمى اوسط كالمؤلف.
و هذا القياس يقع على وجوه أربعة من التركيب:لان الاوسط اما أن يكون محكوما به على الاصغر محكوما عليه بالاكبر و يسمى الشكل الاول،او بالعكس و يسمى الشكل الرابع،أو محكوما به عليهما و يسمى الشكل الثانى،أو بهما عليه و يسمى الشكل الثالث.و أجلى الاربعة و اكثرها استعمالا فى تحصيل المطالب
هو الاول كما فى مثالنا المذكور هذا.
و اما أن يكون اللازم عنه أو مقابله مذكورا فيه بالفعل و يسمى قياسا استثنائيا و هو مركب من شرط و استثناء،فاما من شرط يقتضي اللزوم و يلزم من استثناء عين الملزوم فيه عين اللازم،كقولنا«ان كان العالم حادثا فله صانع لكن العالم حادث»فيلزم ان له صانعا،و من استثناء نقيض اللازم نقيض الملزوم،كقولنا «ان كان العالم قديما فهو غنى عن المؤثر لكنه ليس بغنى عنه»فيلزم انه ليس بقديم.
و اما ان يكون التركيب من شرطى يقتضي العناد الحقيقى و يلزم من استثناء عين كل جزء منه نقيض الاخر،كقولنا«هذا العدد اما زوج و اما فرد لكنه زوج فليس بفرد»أو«لكنه فرد ليس بزوج»،و من استثناء نقيض كل جزء منه عين الاخر،كقولنا فى المثال«لكنه ليس بزوج فهو فرد»أو«لكنه ليس بفرد فهو زوج».
(القسم الثانى) من اقسام الحجة ما يسمى استقراء،و هو حكم على كلى بما وجد فى جزئياته،كقولنا«كل واحد واحد من الحيوانات التى رأيناها يحرك فكه الاسفل عند المضغ»،فوجب ان يكون كل حيوان كذلك.و هو غير مفيد لليقين لاحتمال ان يكون حال من لم نشاهد من الحيوان خلاف ما شاهدناه كما نقل فى التمساح.
(القسم الثالث) منها ما يسمى تمثيلا و يسميه الفقهاء و المتكلمون قياسا، و هو الحاق جزئي بما يشبهه فى اثبات مثل حكمه له،و يسمى المشبه به اصلا و المشبه فرعا و ما فيه المشابهة علة و جامعا،و هو يفيد ظنا يتفاوت بالشدة و الضعف بحسب جودة التمثيل،و اقواه ما اشتمل على علة وجودية.و على كل حال لا يفيد القطع لجواز اختصاص العلة بالاصل.
ثم ان صح التعليل بها مطلقا كان ذلك برهانا لا حاجة به الى اصل و فرع.
القياس ان كانت مقدماته يقينية يسمى برهانا،و رسمه انه قياس من يقينيات ينتج يقينا بالذات اضطرار،و اصول المقدمات اليقينية البديهيات كالعلم بأن النفي و الاثبات لا يجتمعان و لا يرتفعان.
ثم المحسوسات اما بالحس الظاهر كالعلم بأن الشمس مضيئة،أو الباطن كالعلم بأن لنا لذة و ألما،و ما عداها كالمجربات و المتواترات و نحوها ففرع عليها كما علمته.
ثم قد يكون أوسطه مع كونه علة لوجود الاكبر فى الاصغر فى الذهن علة لوجوده له فى نفس الامر،كقولنا«هذه الخشبة مستها النار و كل خشبة مستها النار فهى محترقة فهذه الخشبة محترقة»،و يسمى هذا برهان لم.و قد لا يكون كذلك و يسمى برهان ان،و يخص منه ما كان اوسطه معلولا لوجود الاكبر فى الاصغر فى نفس الامر باسم الدليل كقولنا«هذه الخشبة محترقة و كل محترق مستها النار فهذه الخشبة مستها النار».
الدليل فى عرف المتكلمين هو الّذي يلزم من العلم به العلم بالمدلول،و الامارة هى التى يلزم من العلم بها ظن المدلول،و تتركب عن المقدمات الظنية و عنها مع العلمية،و انما لزمها الظنى مطلقا لان الحكم بثبوت الاكبر للاصغر او نفيه عنه موقوف على حكم ظنى،و الموقوف على الحكم الظنى لا يمكن الجزم به.
ثم كل منهما اما ان يكون عقليا محضا و هو ما يتركب عن مقدمات كلها عقلية و هو ظاهر،أو سمعيا محضا كقولنا«شرب الخمر حرام و كل حرام متوعد بالعقاب على فله»أو مركب منهما كقولنا«البارى سميع بصير و كل سميع بصير حي».
و منع الامام فخر الدين وجود الدليل السمعى المحض،مفسرا له بأنه ما لم يستند صدق قائله الى العقل اصلا و حينئذ لا يفيد علما و لا ظنا،فلا يصدق عليه اسم الدليل و لا الامارة.
و منعه صحيح على تفسيره،و الخلاف لفظي.
قال الامام فخر الدين رحمه اللّه:الدليل اللفظى لا يفيد اليقين،و احتج بأن افادته له يتوقف على تيقن أمور عشرة:عدم خطأ رواة الالفاظ فى نقل جواهرها و اعرابها و تصريفها و عدم الاشتراك و المجاز و التخصيص و النسخ و الاضمار و التقديم و التأخير و المعارض العقلى الّذي لو كان لرجح على النقل.و ظاهر أن حصول هذه الامور فى الدليل اللفظى مظنون،و الموقوف على المظنون أولى ان يكون مظنونا،فكانت نتيجة ظنية.
و الحق انه قد يفيد اليقين،و الشرط فى افادته اليقين لا كون الامور المذكورة حاصلة فى ذهن المستفيد و متيقنة له كما زعم الامام بل كونها حاصلة فى نفس الامر فانا قد نتيقن المراد من اللفظ المنقول و ان لم يسبق الى ذهننا شيء من هذه الشرائط،كقوله تعالى لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ (1)فانا نتيقن ان المراد منه نفي كونه والدا أو مولودا.لكن اذا حصل فى ذهننا هذا التيقن استدللنا به على ان تلك الشرائط كانت حاصلة فى نفس الامر.و اللّه اعلم.
1) سوره 112 - آیه 3
المطلوب اما أن يستقل العقل بدركه او لا يستقل،و الاول فاما ان يتوقف العلم بصدق النقل على العلم به كالعلم بوجود الصانع،و مثل هذا لا يمكن معرفته بالنقل و إلا لزم الدور،أو لا يتوقف كالعلم بوحدانية الصانع و يمكن معرفته بالعقل و النقل معا.
و اما الثانى فكل ما كان امرا ممكنا فى نفسه محتملا فى اذهاننا و لا يتمكن العقل من الحكم فيه،و هو اما عام كالعاديات أو خاص كالاخبار عن القيامة و احوال اهل الجنة و النار.و الطريق الى ذلك ليس الا السمع فقط.
و فيها اركان:
و فيه ابحاث:
المعلوم اما ان يكون موجودا أو لا يكون،و هو مرادنا بالمعدوم.
ثم تصور الوجود و العدم بديهى،و يكفى فى بطلان التعريفات التى قيلت فيهما كونها اخفى أو مساوية لهما.
مسمى الوجود وصف مشترك فيه بين الموجودات،خلافا للاشعرى و جماعة
من متأخرى المعتزلة.لنا وجوه:
(الاول) ان مفهوم العدم واحد،فمفهوم الوجود واحد،و إلا لبطل الحصر العقلي فى قسمين.
(الثانى) انه يمكن تقسيم الوجود الى الواجب و الممكن،و مورد التقسيم مفهوم واحد مشترك بين القسمين.
(الثالث) لو كان الوجود نفس الماهية لكان قولنا«السواد موجود»بمنزلة قولنا«السواد سواد»او«الموجود موجود»،و التالى باطل،لان الثانى غير مفيد و الاول مفيد،فالمقدم باطل.
فان قيل:على الاول لا نسلم ان المفهوم من العدم واحد،بل عدم كل ماهية نفيها و يقابله وجودها و ينحصر التقسيم فيهما،و هذا لا يدل على ثبوت قدر مشترك.
و على الثانى ان مورد التقسيم بالوجوب و الامكان هو الماهية،على معنى ان بقاء الماهية اما أن يكون واجبا او لا يكون.
و على الثالث ان الوجود لو كان مغايرا للماهية لكان الوجود قائما بما ليس بموجود،و هو يستلزم الشك فى وجود الاجسام.
قلت:
الجواب عن الاول:انه غير وارد،لان عدم كل ماهية و ان قابل وجودها الخاص الا ان العدم المطلق المقول عليها و على غيرها امر مشترك،فيستدعى وجودا مشتركا يقابله و يصح أن يحكم به على كل محقق خاص،و هو المراد بقولنا«الوجود وصف عام».
و عن الثانى ان ما فسرت به مورد التقسيم و هو بقاء الماهية يعود الى استمرار
الوجود،فكأنكم قلتم استمرار الوجود اما أن يكون واجبا او لا يكون.
و عن الثالث ان محل الوجود هو الماهية لا باعتبار كونها موجودة او غير موجودة،فلم يلزم منه قيام الموجود بالمعدوم.
:
وجود الممكنات زائد على ماهياتها بوجهين:
(الاول) انا بينا انه قدر مشترك بينها،و ظاهر ان ما به الاشتراك زائد على خصوصيات الماهيات المشتركة.
(الثانى) انا ندرك التفرقة بين قولنا«السواد سواد»و بين قولنا«السواد موجود»فى ان الاول تصور فقط و الثانى تصور معه تصديق،و ذلك يدل على ان مفهوم الوجود زائد على مفهوم الماهية.
قول الوجود على الواجب و الممكن بالاشتراك اللفظى من وجه و المعنوى على سبيل التشكيك من وجه:
(اما الاول) فلان الوجود الخارجى لك موجود هو نفس حقيقته الخارجية و مسميات الوجود بهذا الاعتبار مختلفة،فكان مشتركا.
(و اما الثانى) فلان المعنى العام المقول من الوجود صادق على الواجب بالاول و الاولى من الممكن،و كذلك على الممكنات أنفسها،فان وجود الجوهر أول و أولى من وجود العرض،و هو المراد بالتشكيك.
فى قسمة الموجودات على رأي المتكلمين:
الموجود اما ان يكون قديما،و هو ما لا اوّل لوجوده،او ما لا يسبقه عدم، او محدثا و هو ماله اوّل أو ما سبقه عدم.
و المحدث اما أن يكون متحيزا او قائما به أو ليس بأحدهما،و اما المتحيز فاما ان لا يقبل القسمة بوجه و هو الجوهر الفرد و الجزء الّذي لا يتجزى،او يقبلها طولا فقط و هو الخط،أو طولا و عرضا و هو السطح،أو طولا و عرضا و عمقا و هو الجسم.
و عند الاشعرى:ان الجسم هو المؤلف،فلا متحيز عنده الا الجوهر و الجسم.
و أما القائم بالمتحيز فاما ان لا يكون مشروطا بالحي او يكون،و الاول اما أن يفتقر الى اكثر من جوهر واحد و هو التأليف عند ابى هاشم،و هو ما يقتضي صعوبة التفكيك،أو لا يفتقر و هو الاكوان.
و الكون عند مثبتى الاحوال عبارة عن معنى يقتضي الحصول فى الحيز، و عند نفاتها نفس الحصول فيه،فاما ان يكون حصولا حادثا أو باقيا:و الاول فاما أن يكون أول حصول له فى الحيز و يسمى كونا فقط،او حصولا فى حيز عقيب حصوله فى غيره و يسمى حركة،او حصولا فى حيز وقتين فصاعدا و يسمى سكونا،او حصول جوهرين فى حيزين بحيث لا يتخللهما ثالث و يسمى اجتماعا او بحيث يتخللهما ثالث و يسمى افتراقا.
ثم المحسوسات باحدى الحواس الخمس:فبحس البصر الالوان و الاضواء
و بحس السمع الاصوات و الحروف،و بحس الذوق الطعوم،و بحس الشم الروائح،و بحس اللمس الحرارة و البرودة و الرطوبة و اليبوسة و الثقل و الخفة و الصلابة و اللين و الاعتمادات.و فى بعض هذه خلاف بينهم.
اما المشروط بالحي فقيل عشرة:الحياة و هى الصفة التى لاجلها يصح على الذات أن يعلم و يقدر،و القدرة و هى صفة للحى باعتبارها يصح منه أن يفعل و أن لا يفعل،ثم الاعتقاد و النظر و الإرادة و الكراهة و الشهوة و النفرة و الالم و اللذة.
و اكثرها ضرورى التصور،و ما عداها فداخل تحتها أو فرع عليها كالعزم و القصد و المحبة و البغض و السخط و الغضب و الرحمة،فانها تعود الى الإرادة و الكراهة و كذلك الفرح و السرور و الغم و الحزن فانها تعود الى الاعتقاد،و فى الموضعين خلاف بينهم.
و اما الّذي لا يكون متحيزا و لا قائما به فالفناء و إرادة اللّه تعالى و النفس الناطقة عند من أثبت هذه الثلاثة منهم.
(تفريع)العلم و الظن نوعان تحت الاعتقاد.و اختلف فى حقيقة العلم:
فذهب ابو الحسين و فخر الدين الرازى و من تابعهما الى انه بديهى التصور، و اتفق الباقون من المتكلمين و الحكماء على كونه كسبيا.
و احتج الاولون على دعواهم بأمرين:احدهما ان ما عدا العلم لا ينكشف إلا به،فلو كشف عنه غيره لزم الدور.و لانه جزء من البديهى كعلمى بوجودى.
و جواب الاول:ان المطلوب من حد العلم هو تصور ماهيته،و ما عدا العلم انما ينكشف بوجود العلم فى العقل لا بماهية العلم،فجاز كشف غيره به و ان لم يكن معلوم الحقيقة بالكنه.
و عن الثانى لا نسلم ان البديهى حقيقة علمى بوجودى،بل وجود علمى به.
فأما تحقيق حد العلم و ما قيل فيه فمما لا يحتمله هذا المختصر.
و اما الظن فرسم بأنه الاعتقاد الراجح بأحد النقيضين.و باللّه التوفيق.
فى قسمة الموجودات على رأي الحكماء:
الموجود اما أن يكون واجبا و هو ما يمتنع عدمه لذاته،أو ممكنا و هو جائز الوجود و العدم.
و الممكن اما ان يفتقر فى وجوده الى موضوع-أي الى محل لا يتقوم بما يحل فيه-و هو العرض،او لا يكون و هو الجوهر.
و الجوهر اما ان يكون حالا مقوما لمحله فى الوجود و هو الصورة،أو محلا لذلك و هو المادة،أو مركبا منهما و هو الجسم الطبيعى،أو ليس بأحد هذه الثلاثة و هو اما ان يتعلق بالجسم و هو النفس او لا يتعلق و هو العقل.
و اما العرض فاما ان يقتضي قسمة او نسبة او لا يقتضي احدهما،و الاول فاما ان يكون بين اجزائه المفترضة حد مشترك و يسمى الكم المتصل و هو المقدار او لا يكون و يسمى الكم المنفصل،و الاول اما ان يكون اجزاؤه المفترضة بحيث يمكن اجتماعهما فى الوجود أو لا يكون،و الاول المتصل القار الذات و اما يفترض بعدا واحدا و هو الخط او ذا بعدين و هو السطح او ذا ابعاد ثلاثة و يسمى الجسم التعليمى.و الثانى هو المتصل الغير القار الذات،و هو الزمان.
و اما الكم المنفصل فهو العدد،و اما المقتضى للنسبة:فالاين و هو الحصول فى المكان،و متى و هو الحصول فى الزمان،و الملك و هو كون الشيء محاطا بغير ينتقل بانتقاله كالتسلح و التقمص،و الوضع و هو الهيئة الحاصلة للجسم
بسبب نسبة بعض اجزائه الى بعض و الى الامور الخارجة عنها كالتربيع و الانبطاح و ان يفعل و هو التأثير حال وجوده كالتقطيع و التسخين،و ان ينفعل و هو التأثر حال وجوده كالتقطع و التسخن.
فهذه المقولات الست تقتضى نسبة و ليست مجرد نسب عندهم.
و اما ما لا يقتضي قسمة و لا نسبة فاما ان يكون مجرد نسبة و هو الاضافة فان حقيقتها نسبة الشيء الى غيره نسبة متكررة من الطرفين،و اما ان لا يكون و هو الكيف،و هو كل هيئة قارة للشيء لا يقتضي تصورها تصور امر خارج عنها و عن حاملها.
و لا قسمة و هى اما ان تتعلق بوجود النفس او بغيره،و الاول كالاعتقادات و الارادات،فان كانت راسخة سميت ملكات او سريعة الزوال سميت حالات، و الثانى اما ان يتعلق بالكميات فاما بالكم المتصل كالاستقامة و الانحناء او بالمنفصل كالزوجية و الفردية،أو لا يتعلق بها و هى:اما أن يكون مجرد استعداد لان يفعل كالمصحاحية و الصلابة و يسمى قوة،أو استعدادا لان ينفعل كالممراضية و اللين و يسمى لا قوة.و اما ان لا يكون و هى المحسوسات باحدى الحواس الخمس:
فما كان منها بطيء الزوال كحمرة الدم سمي انفعاليات،أو سريعة كحمرة الخجل سمي انفعالات.
فأقسام الممكنات الموجودة محصورة عندهم في هذه العشرة:و هي الجوهر،و الكم،و الكيف،و الاين،و متى،و الاضافة،و الوضع،و الملك و ان يفعل،و ان ينفعل.و تسمى عندهم المقولات العشر.
انكر المتكلمون وجود أكثر هذه المقولات:
اما الجوهر و الكم فما كان من أقسامهما مبنيا على نفى الجوهر الفرد كالمادة و الصورة و الجسم المركب عنهما و الكم المتصل فبطلان القول به لازم لثبوت الجوهر الفرد كما سنبين ثبوته.
و أما اثبات العقل فمبنى على القول بأن الواحد لا يصدر عنه الا الواحد، و سيجيء الكلام فيه.
و اما الاعراض النسبية فمنعوا من كونها أمورا زائدة على النسبة،ثم منعوا من كون النسب امورا موجودة فى الاعيان،اذ لو كانت كذلك لكان نسبها الى محالها أيضا كذلك،فكان الكلام فيها كالكلام فى الاول،و يلزم التسلسل.
الواجب لذاته لا يكون واجبا بغيره،و إلا لجاز عدمه بفرض عدم ذلك الغير فلا يكون واجبا لذاته.هذا خلف.
الثانية:الواجب بالذات لا يتركب عن غيره،و الا لافتقر الى ذلك الغير، فكان ممكنا بذاته هذا خلف،و لا يتركب عنه غيره بحيث يكون بينه و بين غيره فعل و انفعال كما فى الممتزجات و الا لكان انفعاله عن الغير مستلزما لامكانه أيضا.
الثالثة:الواجب لذاته وجوده نفس ماهيته،اذ لو كان زائدا عليها لكان اما غنيا لذاته عن المؤثر فلا يكون صفة لها.هذا خلف.و اما مفتقرا إليه فالمؤثر فيه اذن اما غير تلك الماهية فوجود واجب الوجود معلول الغير.هذا خلف.
او تلك الماهية فاما من حيث هى موجودة فيلزم تقدمها بوجودها على وجودها، و الكلام فى الثانى كما فى الاول و يلزم التسلسل،او من حيث هى معدومة و هو باطل بالضرورة.
فان قلت:لم لا يجوز ان تكون الماهية من حيث هى هى مستلزمة للوجود من غير اعتبار وجود أو عدم لها كما يستلزم ماهية الثلاثة الفردية،و أيضا فهو معارض بماهية الممكن فانها قابلة للوجود لا من حيث هى موجودة و الا لتقدمت بوجودها على وجودها،و لا من حيث هى معدومة و إلا لزم اجتماع العدم و الوجود.
قلت:من شرط كون المؤثر موجدا أثرا خارجيا كونه موجودا،و العلم به بديهى.و حينئذ لا يرد النقض باقتضاء الثلاثة الفردية و نحوه،لان من ذلك اقتضاء امر اعتبارى لامر اعتبارى و لا المعارضة تقابل الوجود،فان حاجة الفاعل فى فعله الى كونه موجودا ضرورية،و لا كذلك قابل الوجود و الا لكان قبوله للوجود تحصيلا للحاصل.
احتج الخصم على كونه زائدا عليها بوجهين:
(احدهما) ان ماهيته غير معلومة للبشر و وجوده معلوم،فماهيته غير وجوده.
(الثانى) ان الوجود معنى واحد،فاما ان يلزمه التجرد فوجود الممكنات مجرد غير عارض لها.هذا خلف.أو يلزمه العروض لماهية فيكون كل وجود عارضا،اذ لازم الطبيعة الواحدة لا يختلف،فوجود واجب الوجود لذاته عارض لماهيته و هو المطلوب،او لا يلزمه واحد منهما و حينئذ لا يتصف بأحدهما الا لسبب منفصل،فتجرد واجب الوجود محتاج الى غيره هذا خلف.
(و الجواب عن الاول)ان وجوده المعلوم هو المشترك المعقول،و هو مقول
عليه و على غيره بالتشكيك.و الّذي هو نفس ماهيته هو وجوده الخارجى الخاص به،و هو غير معلوم.
(و عن الثانى)ان هاهنا قسما رابعا،و هو أن يلزمه التجرد باعتبار و يلزمه العروض باعتبار،و ذلك انه و ان كان معنى واحدا الا انه لما كان مقولا على الموجودات بالتشكيك مختلف النسبة إليها بالاول و الأولى جاز أن تختلف لوازمه بحسب اختلاف اعتباراته،و انما يجب اتحاد لوازمه لو كان متواطيا.
الرابعة:الوجوب كيفية لانتساب امر الى آخر،و هى امر معقول مشترك بين الواجب بالذات و بالغير بالتشكيك على نحو اشتراك الوجود،فان الوجوب للواجب بالذات اوّل و أولى من الواجب بالغير،و اذ ليس الوجوب معنى خارجيا فمعنى كون الشيء واجبا فى الخارج بحيث اذا جرده العقل مع ما ينسب إليه و اعتبرهما وجد احدهما واجبا للآخر اما لذاته او لغيره.
الخامسة:الواجب لذاته واجب من جميع جهاته،اذ لو فرضنا امكانه من بعض الجهات لكان فى ذاته جهتا وجوب و امكان،فلزمتها الكثرة و التركيب، و قد بينا انها غير مركب.
(الاولى) الممكن لذاته يستوى نسبة الوجود و العدم إليه،خلافا لكثير من المتكلمين،فانهم قالوا بأولية العدم للجائز و استغنائه حال عدمه عن الفاعل.
لنا:لو كان احدهما اولى و أرجح لكانت تلك الاولوية اما أن لا تكفى فى رجحان الاولى او تكفى،فان لم تكف فلا رجحان بالنسبة الى ذات الممكن و ان كفت فان منعت النقيض فأحد الطرفين ممتنع و الاخر واجب،فلم يكن
الممكن ممكنا.هذا خلف.و ان لم تمنع فلنفرض وقوعه،فان وقع لا لسبب مع كونه مرجوحا فأولى ان يقع المساوى لا السبب و هو باطل بالضرورة،أو لا لسبب فلا تكون الاولوية كافية فى رجحان احد الطرفين،بل لا بد معها من عدم سبب الطرف المرجوح،و قد فرضت كافية.هذا خلف.
(الثانية) الممكن لما استوى طرفاه بالنسبة إليه امتنع بالضرورة ان يترجح احدهما على الاخر الا لمرجح من خارج ذاته.
(الثالثة) علة حاجة الممكن الى المؤثر هى امكانه،و عند ابى هاشم هى الحدوث،و عند ابى الحسين البصرى هى المركب منهما،و عند الاشعري الامكان بشرط الحدوث.
لنا وجهان:
احدهما -انا متى تصورنا تساوى طرفى الممكن قضى العقل من تلك الجهة بحاجة الممكن فى رجحان احد طرفيه على الاخر الى المرجح من غير التفات الى امر آخر،و ذلك يدل على ان الامكان بواسطة التساوى كاف فى اقتضاء الحاجة الى المؤثر.
الثانى -ان الحدوث كيفية فى الوجود متأخرة عنه،و الوجود متأخر عن الايجاد المتأخر عن الحاجة الى الايجاد المتأخرة عن علتها و عن جزء علتها و عن شرطها،فلو كان الحدوث نفس العلة أو جزءها او شرطها لزم تأخر الشيء عن نفسه بمراتب و انه محال.
(الرابعة) الممكن حال بقائه محتاج الى المؤثر،للزوم علة الحاجة له مطلقا.
فان قلت:هذا باطل،ان المؤثر اما ان يكون له فيه حال البقاء اثر أو ليس
فان كان فاما فى وجوده الحادث و هو تحصيل الحاصل او فى امر جديد فالتأثير فى الامر الجديد لا فى الباقى،و اما ان لم يكن له فيه اثر البتة لم يكن محتاجا إليه.
قلت:تأثيره فى امر جديد هو البقاء،و هو امر غير الاحداث.
(الخامسة) الممكن مسبوق بوجوب،على معنى انه متى تمت شرائط التأثير فيه فلا بد و أن يوجد عن فاعله،و ملحوق بوجوب على معنى انه حال وجوده يمتنع عدمه،و الا لصح اجتماع الوجود و العدم.
المعدوم اما أن يكون ممتنع الوجود و اتفق الناس على كونه نفيا محضا، او ممكن الوجود و اتفق المحصلون من المتكلمين و غيرهم على انه نفى محض أيضا،خلافا لابى هاشم و اتباعه من المعتزلة،فانهم زعموا أنه ثابت حال عدمه و فرقوا بين المعدوم و المنفي،و خصصوا المنفى بالممتنع و جعلوا فى مقابله الثابت،و خصصوا المعدوم بالممكن و جعلوه قسما من الثابت و قسيما للموجود.
لنا:ان الثابت اما فى الذهن أو فى الخارج او أعم منهما،و الاول و الثالث لا تحقق لهما الا فى الذهن و ليس مرادا لهم،و الثانى بالضرورة هو الموجود.
احتجوا:بأن المعدوم متميز،و كل متميز ثابت،فكل معدوم ثابت.
بيان الصغرى من وجوه:
(الاول) انا نميز بين طلوع الشمس غدا من مشرقها و بين طلوعها من مغربها مع عدم هذين الطلوعين.
(الثانى) انا نقدر على الحركة يمنة و يسرة و لا نقدر على الطيران الى السماء و المقدور متميز عن غيره فى حال عدمه.
(الثالث) انا نحب حصول اللذات و نكره حصول الآلام،فالتميز حاصل فيها مع عدمها.
بيان الكبرى:انا لا نعنى ثبوت الذوات الا كونها متحققة فى انفسها،و من المعلوم أن تميز الذوات عن اغيارها فرع على تحققها فى أنفسها،فكانت المعدومات ثابتة فى عدمها.
و الجواب:لا نسلم ان التميز المذكور فى المعدومات حاصل فى غير العقل و التميز العقلى بينها لا يقتضي ثبوتها فى غير العقل.
ثم ما ذكروه معارض بالتميز بين الممتنعات و المركبات الخيالية كجبل من ياقوت و بحر من زئبق،مع ان ذلك التميز لا يقتضي ثبوتها فى العدم عندهم.
و فيها ركنان:
و فيه ابحاث:
اعلم ان هذا أصل كبير فى ابطال مذهب الخصم مفسد لكثير من قواعده، فان اثبات المادة و الصورة و الكم المتصل لا يمكن مع القول به،و كذلك اشكال الافلاك و حركاتها المستديرة،و عدم جواز الخرق و الالتيام عليها مبنية على نفيه،
و على صحة الشكل المستدير و صحة الزاوية يبنى اكثر العلوم الرياضية،فلا يتم اذن شيء منها مع القول به.
و بيان المذاهب فى هذه المسألة ان نقول:لا شك ان الجسم المحسوس قابل للانقسام،فتلك الانقسامات الممكنة اما أن تكون حاصلة فيه بالفعل أو بالقوة،و على التقديرين فاما ان تكون متناهية او غير متناهية.
فالاول أن تكون الانقسامات فيه بالفعل متناهية الى اجزاء لا تقبل القسمة بوجه ما،و هو قول جمهور المتكلمين.
و الثانى أن تكون فيه بالفعل غير متناهية،و هو قول النظام.
و الثالث أن يكون فى نفسه واحدا لكنه قابل لانقسامات غير متناهية، بمعنى ان الجسم لا ينتهى فى قبول القسمة الى حد الا و يقبل القسمة،و هو قول جمهور الفلاسفة.
و الرابع أن يكون واحدا فى نفسه قابلا لانقسامات بالقوة متناهية.
الجسم مركب من اجزاء بالفعل لا تتجزى خلافا للفلاسفة.
لنا وجوه:
(الاول) ان الحركة و الزمان كل منهما مركب من اجزاء لا تتجزى،فالجسم كذلك.بيان الاول:ان الآن الحاضر من الزمان يستحيل أن يكون عين الماضى او المستقبل،و الا لم يكن الحاضر حاضرا هذا خلف.و حينئذ فاما أن يقبل القسمة و هو باطل،لانه ان قبلها مع ان طبيعته على التقضى و السيلان لزم أن يكون احد جزئيه سابقا على الاخر،فالسابق ماض و اللاحق مستقبل،فلا حاضر
اذن هذا خلف.او لا يقبلها،و حينئذ يكون عدمه دفعة و حدوث الآن الّذي يعقبه دفعة،فيلزم كون الزمان من آنات متتالية كل منها لا تقبل القسمة،و هو مرادنا بالجوهر الفرد.
ثم نقول:القدر من الحركة الواقع فى ذلك الآن المطابق له لا يقبل القسمة أيضا،و الا لانقسم بحسبه الآن الّذي لا ينقسم.هذا خلف.
و أما بيان ان الجسم كذلك فلان المقدار الّذي يتحرك عليه المتحرك من المسافة بالجزء الّذي لا يتجزى من الحركة فى الآن الّذي لا يتجزى ان انقسم كانت الحركة الى نصفه نصف الحركة الى كله،فلزم انقسام ما لا ينقسم من الحركة هذا خلف.و ان لم ينقسم فهو الجوهر الفرد.
(الثانى) انا اذا فرضنا كرة حقيقية على سطح حقيقى فموضع الملاقاة ان كان منقسما فهو باطل،لان ذلك الموضع من الكرة منطبق على السطح المستقيم و المنطبق على السطح المستقيم مستقيم،فذلك الموضع من الكرة مستقيم هذا خلف.و ان لم يكن منقسما فاذا دحرجت تلك الكرة فالموضع الثانى من الملاقاة يكون أيضا غير منقسم لما مر،و كذا الثالث و الرابع الى أن يتم دائرة تلك الكرة،فتكون تلك الدائرة مركبة من اجزاء لا تقبل القسمة.
(الثالث) النقطة عند الخصم شيء ذو وضع لا ينقسم،و هى نهاية الخط الموجود بالفعل،فكانت موجودة بالفعل،فمحلها ان كان منقسما لزم انقسامها بانقسامه هذا خلف،و ان كان غير منقسم فهو الجوهر الفرد.
احتج الخصم بوجوه:
(الاول) اذا وضعنا جزءا بين جزءين فالمتوسط اما ان يحجب الطرفين عن التماس او لا يحجب،فان كان الاول فقد لقى كل واحد منهما بغير ما لقى الاخر
فكان منقسما،و ان كان الثانى لم يكن ازدياد التأليف مفيدا لزيادة الحجم،و هو ظاهر البطلان.
(الثانى) اذا ركبنا خطا من ثلاثة اجزاء و وضعنا على طرفيه جزءين،فاما أن يصح الحركة على كل واحد من ذينك الجزءين الى الاجزاء أو لا يصح،و الثانى ظاهر البطلان فتعين الاول.فلنفرض حركتهما معا،و حينئذ يلزم التقاؤهما على الجزء الاوسط،فيماس كل منهما بنصفه نصف الوسط و بنصفيهما الآخرين النصفين من الجزءين الباقيين من الخط،فيلزم قبول القسمة فى الكل.
(الثالث) اذ ركبنا خطا من أربعة اجزاء و وضعنا فوق احد طرفيه جزءا و تحت الطرف الاخر جزءا ثم فرضنا حركتهما معا فلا بد و أن يلتقيا على متصل الثانى و الثالث،و ذلك يستلزم انقسام الجزءين و ما ماساه من الجزءين المتوسطين من الخط.
و الجواب عن الاول:ان الوسط يحجب الطرفين عن التماس و يلقى كلا منهما بنهايته من ذلك الجانب،و نهايتاه عرضان قائمان،و لا يلزم من تعدد الاعراض تعدد محالها.سلمناه لكن ما ذكرتموه من قبول الانقسام بسبب الوضع المذكور أمر يقدره الوهم و يحكم به كما يحكم فى الاجسام المنقسمة،فان العقل اذا حكم بصحة الجوهر الفرد كانت ملاقاة الجواهر له نسبا و اضافات لا توجب تكثرها و تعددها تكثرا فى ذاته و لا قسمة.و هذا كما لا يتوهم من محاذاة النقطة المفروضة فى محيط دائرة لنقطة مركزها،فان تكثر تلك النسب لا يوجب تكثر تلك النقطة.
و عن الثانى:انما نمنع صحة الحركة على الجزءين لاستلزامها المحال، فان حركة الجزء الّذي لا يتجزى دفعية آنية،فلو تحركا معا لزم اجتماعهما
فى حيز واحد-اعني الوسط الّذي لا يتسع الا لاحدهما-لكن هذا اللازم محال فالملزوم مثله.و انما تصح حركتهما معا ان لو جاز الانقسام عليه و هو اوّل المسألة.
و عن الثالث:انه اذا ثبت ان حركة كل من الجزءين عن الثانى من اجزاء الخط الى الثالث حركة دفعية لم تكن تحاذيهما على متصل الثانى و الثالث موجبا فيهما و لا فى غيرهما قسمة،بل كانت محاذاتهما امرا اعتباريا،و الحكم بقبول الانقسام هناك حكم و همي كما سبق،و فى هذه المسألة ادلة كثيرة من الطرفين و فيما ذكرناه كفاية هاهنا.
الجسم مركب من اجزاء بالفعل متناهية،خلافا للنظام.
لنا وجهان:
(الاول) لو كان فى الجسم اقسام بالفعل غير متناهية لما كان مقداره متناهيا، لكن اللازم باطل فالملزوم مثله.
اما الملازمة:فلان زيادة المقادير و نقصانها تابعان لزيادة الاقسام الموجودة فى الاجسام،فاذا كانت الاقسام فى جسم بالفعل غير واقفة عند حد فبالضرورة المقدار كذلك.و اما بطلان اللازم فظاهر.
(الثانى) لو كانت الاجزاء فى الجسم بالفعل غير متناهية لاستحال قطع مقداره الا فى زمان غير متناه،لانه يستحيل قطعه الا بعد قطع نصفه و قطع نصفه الا بعد قطع ربعه و هلم جرا،فاذا كان فيه اجزاء بالفعل غير متناهية استحال ان يقطع اجزاؤها الا فى مدة غير متناهية،لكن اللازم ظاهر البطلان فالملزوم مثله.
و لهذه الحجة ارتكب النظام القول بالطفرة،اى ان النملة مثلا التى تقطع مسافة ما تطفر بعض مقدارها الى بعض.
و هو قول مع شناعته غير نافع له،فان النملة لو طفرت من الجسم بعضه، فالذى قطعت بحركتها منه ان كان متناهيا كانت نسبته الى ما طفرته نسبة متناهى العدد الى متناهى العدد،اذ تمكننا ان نقطع من القدر الّذي طفرته بمقدار ما قطعته الى ان تفنى الجسم،فكان الكل متناهيا مع فرضه غير متناه،و ان لم يكن متناهيا عاد الالزام بعينه فيه.
لنا وجوه:
(الاول) ان مجموع الحوادث فى طرف الماضى الى زماننا صدق دخوله فى الوجود،فنقول:وجود ذلك المجموع موقوف على وجود كل واحد واحد من الحوادث،و الموقوف على امر حادث يجب أن يكون حادثا،ينتج ان وجود ذلك المجموع حادث.اما المقدمة الاولى فلان الحوادث اجزاء مجموعها،و تحقق المجموع بدون جزئه محال.و اما الثانية فبينة بنفسها.
(الثانى) ان كان كل واحد واحد من الحوادث يلزمه الحدوث وجب أن يكون مجموعها كذلك،لكن الملزوم حق فاللازم مثله.اما الملازمة فلان لازم الجزء لازم الكل،و اما حقيقة الملزوم فظاهرة.
فان قلت:اللازم لكل واحد من آحاد الحوادث هو حدوثه الخاص، و سلم ان مجموعها يلزمه حدوث اجزائه،انما النزاع فى لزوم مطلق الحدوث له.
قلت:مطلق الحدوث جزء من الحدوث الخاص،فمستلزم الحدوث الخاص مستلزم لمطلق الحدوث،فكان المجموع مستلزما لمطلق الحدوث.
(الثالث) لو كان الماضى من الحوادث غير متناه لما وجود اليوم،لتوقفه على انقضاء ما قبله من الحوادث الغير المتناهية و امتناع انقضاء ما لا نهاية له،لكن اللازم باطل فالملزوم باطل.
و اعلم ان الخصم تارة يقول ما لا اوّل له من الحوادث هو مجموعها و تارة يقول هو نوعها.اما المجموع فقد عرفت حدوثه،و اما النوع فلانه لا يقع في الوجود ما لم يقترن به العوارض المشخصة التى كل واحد منها حادث.و ما توقف وجوده على وجود الامور الحادثة كان حادثا،فالنوع اذن حادث.
و هذا الاصل الثانى اتم فى اثبات المطلوب و ان كان الاول نافعا.فلنشرع بعدهما فى بيان المطلوب.
و فيه بحثان:
و هو من وجهين:
(الاول) الاجسام لا تخلو عن الحوادث المتناهية،و كل ما لا يخلو عن الحوادث المتناهية فهو حادث،فالاجسام حادثة.
اما المقدمة الاولى فيتوقف على امور أربعة:الاول ان هاهنا امورا زائدة
على الجسم،الثانى ان تلك الامور محدثة،الثالث انها متناهية،الرابع ان الجسم لا ينفك عنها.
اما الاول فلان الحصول فى الحيز و انواعه من الحركة و السكون و الاجتماع و الافتراق أكوان للمتحيز،و يستحيل أن يكون نفس المتحيز او الحيز لوجهين:
احدهما:انها تتبدل و تتعاقب على ذات المتحيز و الحيز عند حصوله فيه مرة بعد أخرى،و لا شيء من المتحيز و الحيز بمتبدل فى ذاته مع شيء منها فكانت زائدة عليه.
الثانى: انها مشتركة فى كونها حصولات للمتحيز فى الحيز،و حصوله فى الحيز نسبة بينه و بين الحيز،و النسبة متغايرة للمنتسبين،اما الثانى و الثالث فلانها مستلزمة للكون فى الزمان،و كل واحد واحد من اجزاء الزمان و مجموعه مستلزم للحدوث،لما عرفت من وجوب تناهى الحوادث،و لازم اللازم لازم،فكان الحدوث و التناهى لازمين لهذه الحوادث.و اما الرابع فلان المتحيز واجب الحصول فى حيز ما،فان كان واجب الحصول غير مسبوق بغيره، فهو أول كون له فى الوجود.و ذلك ان الحدوث و ان كان مسبوقا بحصول فاما فى ذلك الحيز و هو السكون أو فى غيره و هو الحركة بناء على الجوهر الفرد، فاذن المتحيز لا ينفك عن كون حادث،و اما الثانية فغنية عن البيان.
(البرهان الثانى) لو كان شيء من الاجسام لا أول لوجوده لكان من حيث هو كذلك اما متحركا أو ساكنا،و القسمان باطلان فالقول بأن شيئا منها لا اوّل لوجوده باطل.
بيان الحصر:ان الجسم واجب الحصول فى حيز ما،فذلك الحصول اما أن يكون أول حصوله فى الحيز و ذلك ينافى عدم اولية وجوده أو حصولا
ثانيا،فاما فى ذلك الحيز و هو السكون أو فى غيره و هو الحركة،و اما بطلان القسمين فلان السكون و الحركة يستلزمان الزمان،و قد علمت انه بأجزائه و مجموعها حادث متناه،و ملزوم الحادث حادث متناه،فالحركة و السكون امران حادثان،و ذلك ينافى عدم أولية الجسم.و تلخيص هذا البرهان على هذا الوجه غير محتاج الى التطويل الّذي ذكره الامام فخر الدين فى سائر كتبه.
(البرهان الثالث) كل العالم بأجزائه موجود ممكن،و كل موجود ممكن فهو حادث،فالعالم بأجزائه حادث.
اما المقدمة الاولى فلان مرادنا من العالم كل موجود سوى واجب الوجود لذاته،و سنبين أن الواجب لذاته ليس الا الواجد،و حينئذ يتبين ان كل ما عداه من الموجودات فهو ممكن لذاته،إذ العقل يقول كل موجود فاما ان يكون من حيث ماهيته غير قابل للعدم و هو الواجب لذاته،او قابلا له و هو الممكن لذاته و لا واسطة.
و اما الثانية فلانا بينا ان كل ممكن مفتقر فى رجحان احد طرفيه على الاخر الى مؤثر،فنقول:افادة المؤثر لوجود الاثر اما أن تحصل حال وجود الاثر أو حال عدمه،فان حصلت حال الوجود فاما حال البقاء أو حال الحدوث، و الاول باطل لانه تحصيل للحاصل،فبقى ان يفيده الوجود حال العدم أو حال الحدوث،و على التقديرين فالاثر حادث،فاذن كل موجود ممكن فهو حادث و هو المطلوب.
(الشبهة الاولى) و هى العمدة الكبرى لهم،قالوا كل ما لا بد منه فى مؤثرية
اللّه في وجود العالم اما ان يكون حاصلا فى الازل أو لا يكون،فان كان حاصلا فى الازل لزم ان لا يتخلف العالم عن اللّه،اذ لو تخلف لكان وجوده بعد ذلك اما ان يكون لامر فلا يكون تمام ما به التأثير حاصلا فى الازل و قد فرض كذلك هذا خلف،و ان كان لا لامر لزم الترجيح بلا مرجح و هو محال.و اما ان لم يكن كل ما لا بد منه فى المؤثرية حاصلا فى الازل ثم حصل بعد ذلك فحصوله ان كان لا لامر لزم الترجيح بلا مرجح و هو محال،او لامر فيكون الكلام فيه كما فى الاول و يلزم التسلسل او الدور،و هما محالان.
(الشبهة الثانية) قالوا:مؤثرية اللّه تعالى فى وجود العالم امر مغاير لهما، لامكان تعقل كل منهما مع الجهل بكون اللّه مؤثرا فى العالم،و لانها نسبة بينهما و النسبة مغايرة للمنتسبين.
ثم ليست عبارة عن امر سلبى،لان قولنا«كذا مؤثر فى كذا»نقيض قولنا «ليس بمؤثر فيه»الّذي هو امر سلبى،و نقيض السلبى ثبوتى،فكانت المؤثرية امرا ثبوتيا زائدا على ذات المؤثر،فاما ان يكون محدثا فيفتقر الى مؤثرية اخرى،و الكلام فيها كالكلام فى الاول و يلزم التسلسل و هو محال،أو قديما مع انه صفة اضافية يستدعى ثبوت المضافين،فيلزم من قدمها قدم العالم و هو المطلوب.
(الشبهة الثالثة) كل محدث فلا بد و أن يكون عدمه قبل وجوده،و لا يجوز أن تكون تلك القبلية نفس العدم،لان العدم قبل كالعدم بعد،و ليس القبل بعد،فاذن هى مفهوم زائد على العدم حاصل بعد أن لم يكن فله قبل.و الكلام فيه كالكلام فى الاول،فهناك قبليات لا أول لها تلحق موصوفا لذاته،و ذلك هو الزمان، فاذن الزمان لا اوّل له،و هو من لواحق الحركة التى هى من لواحق الجسم
فثبت قدم الحركة لذلك العلم،فيصير اذن تقدير المطالبة بلمية تأخره عن علة تأخره لم تأخر تأخره و حدوثه الحاصل عما اقتضى تأخره و حدوثه و قد علمت ان المطالبة انما هى بلمية تأخره،و قد قلنا انه لذلك العلم لا بلمية تأخر تأخره.
و عن الثالث:ان الترك بالنظر الى ذاته و الى القدرة امر ممكن،و انما يجب من جهة الداعى،و ذلك لا ينافى الاختيار كما سنبينه إن شاء اللّه.
(و الجواب عن الشبهة الثانية)ان المؤثرية امراضا فى ثبت فى العقل عند تعقل صدور الاثر عن المؤثر،و لا نسلم انها امر ثابت فى الخارج، و تقسيمها بالمحدث و القديم من عوارض وجودها فى الخارج،و دليلكم ان دل فانما يدل على كون مفهومها مفهوما ثبوتيا،و هو اعم من الثبوتى فى الخارج لا على كونها ثابتة فى الخارج.
فان قلت:المعقول من المؤثرية ان لم يكن يطابق الخارج كان جهلا،و ان طابق صدق التقسيم بالمحدث و القديم.و أيضا فان المؤثرية صفة للمؤثر حاصلة قبل الاذهان،و صفة الشيء يستحيل قيامها بغيره.
فجواب الاول:ان عدم مطابقته للخارج لا يقتضي كونه جهلا،و انما يقتضي ذلك لو حكم بثبوته فى الخارج،مع انه ليس كذلك بل اذا حكم بثبوته فى العقل فمطابقته بثبوته فى العقل دون الخارج.
و جواب الثانى:ان الحاصل قبل الاذهان هو الشيء الّذي بحيث لو عقله عاقل حصل فى عقله اضافة لذلك الشيء الى غيره،لا الّذي يحصل فى العقل، فان ذلك يستحيل ان يوجد قبل وجود العقل.
(و عن الشبهة الثالثة)ان القبلية انما تستلزم وجود الزمان اذا ثبت انها امر
موجود فى الخارج.و بيان هذا المنع من وجوه:
(الاول) انها نسبة،و النسب لا وجود لها فى الاعيان كما بيناه.
(الثانى) انها صفة للعدم فى قولنا«عدم المحدث قبل وجوده»،و صفة العدم يستحيل أن تكون موجودة فى الخارج.
(الثالث) ان الزمان ممكن لذاته،فيمكن اعتبار العدم لذاته بعد وجوده، فلو كان اعتبار القبلية و البعدية مستلزما لاعتبار وجوده لما أمكن اعتبار العدم لذاته بعد وجوده،لكن التالي باطل فالمقدم كذلك.بيان الملازمة:ان اعتبار بعدية عدمه لوجوده يستلزم اعتبار وجوده،فوجب ان لا يصدق اعتبار عدمه.و اما بطلان التالي فلانه ممكن لذاته.
(و عن الشبهة الرابعة)متى لا يجوز ترك الاحسان اذا تمت شرائط وجوده او اذا لم يتم الاول مسلم و الثانى ممنوع،فلعل شرطا من شرائطه كان مفقودا فى الازل،فتخلف لتخلفه كما ذكرناه فى الحكمة التى اشتمل عليها حدوث العالم.
(و عن الشبهة الخامسة)لا نسلم ان الامكان صفة وجودية،و الفرق بين عدم الامكان و كون الامكان معنى عدميا ظاهر.سلمناه لكنه معارض بما انه لو كان ثابتا لاستلزم وجود الهيولى المستلزم لنفى الجوهر الفرد.لكن الجوهر الفرد ثابت كما بيناه،فالقول بالهيولى باطل،فالقول بكون الامكان امرا وجوديا باطل و باللّه التوفيق.
و فيها اركان:
انه اما ان يستدل على ذلك بالامكان او بالحدوث،فههنا طريقان:
و تقريره:ان صانع العالم ان كان واجبا لذاته فهو المطلوب،و ان كان ممكنا لذاته افتقر الى مؤثر،فمؤثره اما نفسه و هو باطل لوجوب تقدم المؤثر باعتبار ما على اثره بالضرورة،و امتناع تقدم الشيء بوجه على نفسه أو غيره،فاما على سبيل الدور و هو باطل وجوب تقدم كل منهما على اثره،فيلزم تقدمه على نفسه
أو على سبيل التسلسل و هو أيضا باطل،لان مجموع تلك الامور الممكنة يمكن لافتقاره الى كل واحد من اجزائه الممكنة،فيفتقر اذن الى مؤثر،فمؤثره التام اما نفسه او امر داخل فيه او أمر خارج عنه او ما يتركب عن الاخيرين، و الاول لا مدخل له فى التأثير فيه لوجوب تقدم العلة او جزئها بوجه ما على المعلول و امتناع تقدم الشيء على نفسه.و الثانى باطل لان المؤثر التام فى المجموع لا بدّ و أن يكون مؤثرا فى كل واحد من آحاده و الا لكان مؤثرا اما فى بعضها فقط فلا يكون مؤثرا تاما فى المجموع و قد فرض كذلك هذا خلف، او لا فى شيء منها فلا يكون له فيه تأثير اصلا.و اذا كان كذلك فلو كان المؤثر فى المجموع امرا داخلا فيه لزم أن يكون ذلك المؤثر علة لنفسه،و هو باطل لما مر.
و الثالث و الرابع يستلزمان المطلوب،لان الخارج عن كل الممكنات سواء كان تمام المؤثر لايجاد مجموعها او جزء المؤثر لا يكون الا واجب الوجود لذاته،فهذا هو التقدير التام لهذا الطريق.
و اعلم ان هذه الحجة مع تلخيصنا لها لا تتم،و ذلك أنا لا نسلم ان العلة للمركب لا بد أن تكون علة أولا لاجزائه،اما العلة الناقصة فظاهر انها لا تستلزم المركب فضلا أن تكون علة لاجزائه،و اما العلة التامة له فلا نسلم انها علة تامة لاجزائه.
قوله«لانها ان لم تكن مؤثرة فى جميع اجزائه بل فى بعضها لا يكون مؤثرا تاما فى المجموع»قلنا:لا نسلم،فان ذلك مبنى على كون المؤثر التام فى المجموع مؤثرا تاما فى كل واحد من أجزائه،و هو اوّل المسألة.
سلمناه،لكن قوله«اذا لم يكن مؤثرا فى شيء من اجزاء المجموع لا يكون
له فيه تأثير اصلا».قلنا لا نسلم،و انما يلزم ذلك ان لو كان المجموع عبارة عن كل واحد من آحاده،و هو ظاهر الفساد،بل نقول من رأس لا يجوز أن تكون العلة التامة للمجموع علة تامة لشيء من اجزائه،و ذلك ان العلة التامة للشيء هى جملة الامور التى يتوقف عليها تحقق ذلك الشيء،و من جملة ما يتوقف عليه الشيء كل واحد واحد من اجزائه،فكان تحقق علته التامة موقوفا على تحقق كل واحد واحد من اجزائه،و لا شيء من علل اجزائه بمتوقف على كل واحد من اجزائه و الا لتوقف على معلولها الّذي هو احد اجزائه لكنه متوقف عليها، فيلزم الدور.
فقد ظهر بهذا التقرير فساد هذه المقدمة،و هى أن علة المركب لا بدّ و ان تكون علة أولا لاجزائه مع كونها مشهورة بين جمهور العلماء،و البرهان المذكور على فسادها مما خطر للضعيف مؤلف هذا المختصر.
و المعتمد فى هذه المسألة ما رتبه أيضا من البرهان فقال:لو لم يكن فى الوجود موجود واجب الوجود لذاته تنتهى به سلسلة الممكنات الموجودة لكانت الموجودات بآحادها و مجموعها ممكنا،لكن التالى باطل فالمقدم كذلك اما الملازمة فظاهرة،و اما بطلان التالى فلانه لو كان كذلك لكان لمجموعها علة تامة،و كل علة تامة يجب ان يعتبر فى تحققها جميع الامور المعتبرة فى تحقق ماهية معلولها على ما سبق مجموع الممكنات الموجودة اجزاء من علته التامة او شرائط فى وجودها.لكن تلك العلة ممكنة لتركبها و موجودة،فلها علة تامة موجودة شأنها كذلك،لكن ذلك محال لان تلك العلة لما كانت ممكنة كانت من جملة آحاد الممكنات،فكانت معتبرة فى تحقق معلولها-اعنى العلة التامة لمجموع الممكنات.
و قد بينا ان كل واحد من اجزاء المعلول معتبر فى تحقق علته التامة،فيلزم أن يكون تلك العلة التامة معتبرة فى تحقق نفسها لكونها جزءا من معلولها، فيكون اما جزءا لنفسها و انه محال.
و اعترض الامام نجم الدين القزوينى ادام اللّه سعادته على هذا البرهان، فقال:
أما من طريق الجدل فنقول:لو صح ما ذكرتم لزم أن يكون الواجب لذاته موجودا،و الا لكان المجموع الحاصل منه و من جميع الممكنات ممكنا لافتقاره الى اجزائه،فله علة تامة موجودة مركبة الى آخر ما ذكرتم.
و أما من طريق الحل فنقول:لا نسلم ان كل جزء من اجزاء المعلول جزء من علته التامة،و انما يلزم ذلك أن لو لم يكن ذلك الجزء هو الجزء الّذي انما صارت العلة علة تامة للمعلول لكونها علة لذلك فقط،و أما اذا كان ذلك الجزء الّذي شأنه ذلك فلا،و اذا جاز ذلك فيجوز أن تكون العلة التامة لمجموع الممكنات علة للهيئة الاجتماعية فقط التى هى الجزء الصوري.فتلك الهيئة تكون متأخرة عن تحقق العلة التامة للمجموع تأخر المعلول عن علته التامة، و استحال أن تكون جزءا منها و الا لتقدمت علتها و تأخرت عنها معا،و انه محال بالضرورة.
اجاب ملخص البرهان عن المعارضة:بأنا لا نسلم الملازمة،فان حاصل ما ذكرتموه من المتصلة أنه لو كان واجب الوجود موجودا لكان المجموع الحاصل منه و من غيره ممكنا.و معلوم انه ليس ذلك الامكان و لا المجموع الملزوم له بلازم لوجود واجب الوجود،و إلا لزم من وجود الجزء وجود الكل،او كون واجب الوجود ممكنا،و كلاهما محال،و ذلك بخلاف ما ذكرناه من
المتصلة فى البرهان،فان حاصلها يعود الى استلزام عدم واجب الوجود،لكون الموجودات بأسرها ممكنة و هو ضرورى و ظهر الفرق.
و عن المدعى حلا أن نقول:قوله«لا نسلم ان كل جزء من اجزاء المعلول جزء من علته التامة»قلنا:قد دللنا عليه.
قوله«و انما يلزم ذلك»الى آخره.قلنا:هذا مبنى على أن العلة التامة لوجود المركب يجوز أن يكون نفسها علة تامة لوجود جزء من اجزائه،و قد برهنا على أنه لا يجوز ذلك،فليس انما تصير العلة علة تامة له اذا كانت علة تامة لبعض اجزائه،بل لا يجوز أن تكون علة تامة لبعض اجزائه من حيث هى علة تامة لوجوده كما بينا.و باللّه التوفيق.
و اعلم ان هذا الامام لما وقف على هذين الجوابين اعترف بصحتهما و سقوط الاعتراض على البرهان المذكور.
و تقريره:ان العالم محدث،و كل محدث فله محدث.
اما المقدمة الاولى فقد تقدم بيانها،و اما الثانية فلان كل محدث ممكن و كل ممكن فله مؤثر.
بيان الاولى:ان المحدث هو الّذي وجد بعد العدم،فكانت ماهيته قابلة للوجود و العدم،و هو المراد بالممكن.و اما الثانية فقد سيق تقريرها،و أما بيان ان ذلك المؤثر المحدث يجب أن يكون واجب الوجود لذاته فيعود الى الطريق الاول.
و زعم بعض المتكلمين ان المقدمة الثانية من هذا الدليل-و هى قولنا كل
محدث مفتقر الى المؤثر-بديهية من غير نظر الى كون المحدث ممكنا.
و هو باطل،لانه بناء منهم على كون الحدوث هو العلة المحوجة الى المؤثر، و قد سبق منا بيان ان الحدوث لا يصلح أن يكون علة الحاجة و لا جزء منها و لا شرطا لها،فاذن انما تكون بديهية باعتبار الامكان للحادث.و باللّه التوفيق.
و فيه ابحاث:
ماهية اللّه تعالى مخالفة لسائر الماهيات لعين ذاتها المخصوصة،خلافا لابى هاشم و اتباعه،فانه زعم ان الذوات كلها متساوية فى الذاتية و متخالفة بأحوال هى عليها.
لنا وجهان:
(الاول) ان ماهيته تعالى نفس وجوده،و لا شيء من ماهيات الممكنات كذلك،فماهية اللّه تعالى غير مشاركة لشيء من ماهيات الممكنات فى حقيقتها.
و مقدمتا هذا الدليل قد سبق تقريرهما.
(الثانى) لو كانت ماهيته مساوية لشيء من ماهيات الممكنات لكان اختصاصها بما لاجله صار مؤثرا فى وجود العالم ان كان لامر فاما لذاته او للازمها،فيلزم اتصاف سائر الماهيات بصفات الالهية،لوجوب اشتراك متماثلى الذات فى جميع مقتضياتها ضرورة،و اما لغيره فيكون واجب الوجود محتاجا فى تحقق
صفات الالهية الى غير خارجى عنه،فكان فى صفاته ممكنا معلولا للغير،هذا خلف.و ان كان لا لامر لزم الترجيح بلا مرجح و هو محال.
و يدل عليه وجوه:
(الاول) لو كان متحيزا لم ينفك عن الاكوان الحادثة فيلزم كونه محدثا على ما مر،و كل محدث ممكن فالواجب ممكن.هذا خلف.
(الثانى) لو كان متحيزا لكان مفتقرا الى حيز،و اللازم باطل فالملزوم كذلك.
اما الملازمة:فلان المتحيز متعلق الاشارة الحسية بأنه هنا او هناك،فكان مستلزما للحاجة الى الجهة و الحيز ضرورة.و اما بطلان اللازم:فلانه لو كان كذلك لكان قيامه فى الوجود موقوفا على وجود الحيز الممكن الحادث، و الموقوف على وجود الممكن ممكن بذاته،فالواجب لذاته ممكن لذاته.
هذا خلف.
(الثالث) لو كان جسما لكان مركبا،و اللازم باطل فالملزوم مثله.اما الملازمة فظاهرة،و أما بطلان اللازم فلانه لو كان مركبا لكان ممكنا على ما مر فى خواص الواجب لذاته.هذا خلف.
(الرابع) لو كان جسما لكان مساويا لسائر الاجسام فى الحقيقة،و حينئذ فاختصاص ذاته بصفات الالهية ان كان لذاته أو لشيء من لوازمها وجب أن يكون كل جسم موصوفا بها و هو محال،و ان كان لامر خارج عن ذاته عارض لها كان مفتقرا فى تحقيق صفاته الى غير خارجى،فكان ممكنا بالذات على ما مر.
هذا خلف.
الجوهر يقال فى عرف العلماء بالاشتراك اللفظى على معان:
احدها حقيقة الشيء و ذاته.
الثانى الموجود الغنى عن المحل.
الثالث الشيء الّذي اذا وجد فى الاعيان كان لا في موضوع.
الرابع القابل للصفة.
الخامس ما يكون موردا للصفات المتعاقبة.
و الجوهر بالمعنى الاول و الثانى صادق على اللّه تعالى،اذله حقيقة غنية فى الوجود عن المحل،و غير صادق عليه بالمعنى الثالث،اذ وجوده نفس حقيقته لا غيرها،و لا بالمعنى الرابع و الخامس لما سنبين انه ليس له صفة تزيد على ذاته فيقبلها ذاته و تكون معروضة لها.
لكن لما كانت اسماء اللّه تعالى توقيفية و لم يرد اذن من الشارع فى اطلاق هذا اللفظ عليه،لم يكن اطلاقه فى حقه مطلقا:أما بالاعتبارين الاولين فمن جهة اللفظ فقط،و أما بالاعتبارات الباقية فمن جهة اللفظ و المعنى معا.
انه تعالى ليس فى مكان و لا جهة و لا حيز،خلافا للكرامية،فانهم اتفقوا على أنه تعالى فى جهة:ثم زعمت الهيصمية أنه فوق العرش فى جهة لا نهاية لها و بينه و بين العرش بعد غير متناه،و زعمت العابدية ان بينهما بعدا متناهيا، و قال بعض الهيصمية انه على العرش كما ذهب إليه سائر المجسمة.
لنا وجوه:
(الاول) انه لو كان فى مكان لم يخل عن الاكوان الحادثة،و اللازم باطل فالملزوم كذلك.
اما الملازمة:فلان كونه فى المكان ان كان أول كون له فهو كون الحدوث او كونا ثانيا اما فى ذلك المكان و هو السكون أو فى غيره و هو الحركة.و على التقديرات فهى حادثة و لا خلو للكائن عنها لما مر.
و اما بطلان اللازم،فلانه لو لم يخل عن الأكوان الحادثة لكان حادثا على ما مر أيضا،و كل حادث ممكن فالواجب ممكن.هذا خلف.
(الثانى) لو كان فى مكان أو جهة او حيز لاستحال قيامه فى الوجود بدونه، و اللازم باطل فالملزوم كذلك.
بيان الملازمة:ان كل ما كان فى الحيز أو المكان فانه لا ينفك عن مقدار و شكل،و كل ما كان كذلك استحال استغناؤه فى الوجود عن الحيز و المكان، و المقدمتان جليتان.
بيان بطلان اللازم:ان لو كان كذلك لكان قيامه فى الوجود موقوفا على وجود الغير و كان مفتقرا فى وجوده الى الغير.هذا خلف.
(الثالث) انه ثبت فى علم الهيئة و المجسطى ان السماوات و الارض كرية، و اذا كانت كذلك كانت الجهة التى فوق رأس من كان ببلاد المشرق بعينها أسفل لمن كان ببلاد المغرب و بالعكس،فلو كان سبحانه فى جهة فوق لكان كونه فوقا لقوم مستلزما لكونه اسفل لقوم آخرين،و ذلك مما يأباه الخصم و ينكره.
احتج الخصم بالمعقول و المنقول:
اما المعقول فهو أنه تعالى لا بد و ان يكون فى حيز وجهة،و كل حيز وجهة
له فهي جهة فوق.
أما المقدمة الاولى فلانه تعالى موجود،و كل موجود فاما ان يكون ساريا فى غيره كالعرض فى الجوهر أو مباينا له بالجهة.و العلم بهذا الحصر ضرورى، فالبارى تعالى اما سار فى غيره كالعرض فى الجوهر أو مباين لغيره بالجهة، و الاول ظاهر البطلان فتعين الثانى،فكان ذا جهة.
و اما الثانية فلوجهين:احدهما ان جهة فوق اشرف الجهات و البارى تعالى أشرف الموجودات فيختص بها للمناسبة العقلية.الثانى ان الخلق بمجرد طباعهم و قلوبهم السليمة يرفعون أيديهم الى جهة فوق عند الدعاء و التضرع،و ذلك يدل على شهادة فطرتهم بأن معبودهم فى جهة فوق.
و اما المنقول فهو الآيات الموهمة لاثبات الجهة كقوله تعالى اَلرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى (1)(2)و قوله هُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ (3)(4)و قوله يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ (5)(6).
(و جواب الشبهة الاولى)منع الحصر فى قوله«كل موجود فاما أن يكون ساريا فى غيره كالعرض فى الجوهر او مباينا له بالجهة»،و ظاهر أن هاهنا قسما ثالثا فى العقل،و هو ما لا يكون ساريا فى غيره و لا مباينا له بالجهة،فلم لا يجوز أن يكون الباري تعالى من هذا القسم.و دعوى الضرورة فى الحصر فى القسمين مقابل بمثله فى عدم الحصر فيهما.
و قوله فى المقدمة الثانية«اشرف الجهات جهة فوق»ساقط من وجهين:0.
احدهما ان هذه مقدمة خطابية لا تكفى فى اثبات المطالب العلمية.الثانى انا بينا ان فوقية الجهة اضافية،فانها و ان كانت فوقا للبعض فهى تحت بالنسبة الى بعض آخرين،فلا تكون مستلزمة للشرف المطلق.
و اما الاستدلال برفع الايدى فى الدعاء،فان دل على كون المعبود فى جهة فوق فليدل وضع الجبهة على الارض على كونه فى جهة تحت،و اللازم باطل فالملزوم مثله و الملازمة ظاهرة.
و اما الجواب عن الظواهر النقلية فهو أن العقل و النقل اذا تعارضا فاما أن نعمل بهما معا و هو جمع بين النقيضين،او نطرحهما معا و هو خلو عن النقيضين، او نرجح النقل على العقل و هو باطل،لان النقل فرع على العقل،فلو كذبنا العقل لتصحيح النقل لزم تكذيب العقل و النقل معا،فتعين ترجيح العقل على النقل ثم تأويل النقل او تفويض علمه الى اللّه تعالى.
اذا عرفت ذلك فنقول:الدليل العقلى قد دل على امتناع الجسمية و الجهة على اللّه تعالى و الظواهر النقلية المذكورة و نحوها مشعرة بثبوتها له،فيجب تأويلها او تفويضها.و من اراد الاستقصاء فى تأويلها و ضبطها فعليه بكتاب تأسيس التقديس للامام فخر الدين الرازى رحمه اللّه.
فى انه تعالى لا يحل فى شيء،خلافا للنصارى و بعض المتصوفة.
لنا:ان المعقول من الحلول قيام موجود بموجود على سبيل التبعية بحيث لا يتعين الحال الا بتوسط تعيين محله،فان أريد بحلوله تعالى فى غيره هذا المعنى فهو باطل،لان واجب الوجود لو كان تعينه بواسطة غيره لكان معلولا لذلك الغير فكان ممكنا هذا خلف،و ان اريد به معنى آخر فلا بد من بيانه
لننظر هل يصح اثباته للّه تعالى أم لا.
فى انه تعالى لا يتحد بغيره،خلافا للنصارى و بعض الحكماء السابقين و بعض المتصوفة.
لنا:ان المراد من الاتحاد ان كان هو صيرورة الشيئين شيئا واحدا كما هو المفهوم من لفظه فهو باطل،لان المتحدين ان بقيا موجودين فلا اتحاد،و ان عدما معا فالموجود غيرهما فلا اتحاد أيضا،و ان عدم احدهما دون الاخر فلا اتحاد،اذ المعدوم لا يتحد بالموجود.و ان كان المراد به معنى آخر فلا بد من افادة تصوره لننظر فيه.
لا يجوز قيام الحوادث بذاته تعالى،خلافا للكرامية.
لنا:لوحل فى ذاته شيء من الحوادث لانفعلت ذاته عن ذلك الشيء،و اللازم باطل فالملزوم مثله.
اما الملازمة:فلان حلول الشيء فى الشيء مشروط بقبوله له و امكان قبوله المستلزمين لانفعاله و تأثره عنه.
و اما بطلان اللازم:فلان الانفعال مستلزم للغير المستلزم للامكان،فلو انفعلت ذاته عن شيء لكان ممكنا.
اتفق المسلمون على عدم اطلاق هذين اللفظين عليه تعالى:
اما أولا:فلامتناع معناهما عليه،اذ كان المرجع عندهم بالالم الى الحالة الحاصلة عن تغير المزاج الى الفساد،و باللذة الى الحالة الحاصلة عن تغير المزاج الى الاعتدال،سواء كانت الحالتان غنيتين عن التعريف كما عليه بعض المتكلمين او أنهما عبارتان عن ادراك متعلق الشهوة كما عليه جمهور المعتزلة.و اذ البارى تعالى تنزه عن المزاج فهو منزه عن توابعه و عوارضه.
و أما ثانيا:فلعدم الاذن الشرعى فى اطلاق احد هذين اللفظين عليه.
و أما الفلاسفة فانهم لما فسروا الالم بأنه ادراك المنافي و لم يكن لذاته مناف لم يصدق ادراك المنافى عليه فلم يصدق عليه الالم،و لما فسروا اللذة بأنها ادراك الملائم اطلقوا عليه لفظ اللذة و عنوا بها علمه بكمال ذاته.
فلا نزاع معهم اذن فى المعنى،اذ لكل احد أن يفسر لفظه بما شاء،لكنا ننازع فى اطلاق هذا اللفظ عليه لعدم الاذن الشرعى.
حقيقة اللّه تعالى غير معلومة لغيره بالكنه،خلافا لجمهور المعتزلة و الاشعرى.
لنا:انها غير معلومة بالبديهة و هو بديهى و لا بالنظر،لان تعريف الشيء اما ان يكون بنفسه و هو باطل مطلقا كما علمت،أو بما يكون داخلا فيه،أو بما يكون خارجا عنه،او بما يتركب عنهما.
و الاول و الثالث فى حق الواجب لذاته محال،اذ لا جزء له،و الثانى هو التعريف بالاسم أو بالرسم الناقص،و قد علمت ان التعريف بالاسم أو الصفة أنما يفيد تصور أمر ما له ذلك الاسم او تلك الصفة،فأما حقيقة ذلك الشيء مما لا يفيد الاسم أو الصفة،فاذن شيء من اسماء اللّه تعالى و صفاته التى تعتبرها اذهاننا له لا يوجب تصور حقيقته بالكنه.
احتج الخصم:بأن حقيقة اللّه تعالى عين وجوده،و وجوده معلوم،فحقيقته معلومة.و المقدمتان قد سبق بيانهما.
جوابه:ان الاوسط فى هذه الحجة غير متحد فى المقدمتين،فان وجوده الّذي هو عين حقيقته هو وجوده الخارجى الخاص و وجوده المعلوم هو المحمول عليه و على غيره بالتشكيك كما سبق بيانه،و حينئذ لا تتمّ الحجة.
انه تعالى ليس بمرئى بحاسة البصر،خلافا للاشعرية.
لنا:المعقول و المنقول:
اما المعقول:فمن وجهين:
(احدهما) ان المراد بلفظ الرؤية:اما حقيقتها-اعنى الادراك بحس البصر- و هو غير صادق عليه تعالى،لان ذلك الادراك مستلزم لاثبات الجهة له تعالى بالضرورة،سواء كان بحصول الشبح فى العين المسمى بالانطباع او بخروج خارج منها يتصل بسطح المرئى كما يقال من خروج الشعاع أو على وجه آخر ان امكن،لكن اثبات الجهة له تعالى محال،فالقول برؤيته على الحقيقة محال و أما مجازها-كما يقال مثلا انه الكشف التام للعقل او نحوه مما لا يكون بآلة
حس البصر-فذلك غير محل النزاع.
(الثانى) ان الباري تعالى ليس بمقابل المرائى و لا فى حكم المقابل له، و كل مرئى بحس البصر فانه يجب أن يكون مقابلا للرائى او فى حكم المقابل ينتج ان البارى تعالى ليس بمرئى بحس البصر:اما المقدمة الاولى فلان المقابلة او ما فى حكمها كالوجه فى المرآة و نحوها انما تصح من الجسم ذى الجهة او ما يقوم به،و قد علمت تنزهه تعالى عن الجسمية و الجهة و لواحقهما.و اما الثانية فضرورية.
و اما المنقول فمن وجهين:
احدهما قوله تعالى لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ (1)(2)وجه الاستدلال ان سلب الادراك البصرى من صفات الجلال و التنزيه للّه تعالى،و كل ما كان سلبه من صفات الجلال و التنزيه للّه كان ثبوته لشخص ما فى وقت ما نقصا فى حق اللّه تعالى، ينتج ان ثبوت الادراك البصرى نقص فى حق اللّه تعالى.
اما المقدمة الاولى:فلان مقتضى الآية التمدح بسلب الادراك البصرى عنه، لانها فى معرض المدح،و اما الثانية فبينة بنفسها،و حينئذ تبين ان القضية سالبة كلية دائمة.
الثانى قوله تعالى لموسى عليه السلام لَنْ تَرانِي (3)(4)وجه الاستدلال ان كلمة«لن»تفيد نفى الابد باجماع اهل اللغة،فلو كان اللّه تعالى ممكن الرؤية بحاسة البصر لكانت الأنبياء عليهم السلام أولى الناس برؤيته،لكن موسى عليه السلام لا يراه فغيره كذلك لعدم الفرق،فليس تعالى مرئيا بحس البصر.3.
لا يقال كلمة«لن»تفيد التأبيد،بدليل قوله تعالى فى حق أهل الكتاب وَ لَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ (1)(2)مع انقطاع ذلك بقولهم فى النار يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ (3)(4).
لانا نقول:انه مجاز،بدليل سبق الذهن عند اطلاق هذه اللفظة الى التأبيد دون عدمه،و المجاز و ان كان خلاف الاصل الا انه خير من الاشتراك،كما علم ذلك فى اصول الفقه.
اما الخصم فربما فسر مراده بالرؤية أولا ثم استدل على ثبوتها فى حقه ثانيا.
اما الاول فقال فخر الدين الرازى رحمه اللّه:مرادنا بأنه تعالى هل يصح أن يرى أنه هل يصح ان يحصل لنا حالة من المكاشفة يكون نسبتها الى ذاته تعالى نسبة الابصار و الرؤية الى هذه المرئيات أم لا.ثم نبه على تلك الحالة فقال:لا شك انا اذا علمنا شيئا ثم رأيناه فانا ندرك تفرقة بين الحالتين،فالحالة الحاصلة المفيدة للتفرقة غير عائدة الى ارتسام الشبح فى العين و لا الى خروج الشعاع منها،فهى عائدة الى حالة اخرى نحن نسميها بالرؤية و ندعى تعلقها بذات اللّه تعالى.
و اما الثانى فقد احتجوا بالمعقول و المنقول:
اما المعقول هو أن الجوهر و العرض اشتركا فى صحة الرؤية،و لا بد لتلك الصحة من علة مشتركة،و لا مشترك بينهما الا الوجود و الحدوث،لكن الحدوث لا يصلح للعلية لانه عبارة عن وجود حاصل و عدم سابق و العدم يمتنع أن يكون7.
علة أو جزءا من العلة فبقى الوجود،و البارى تعالى موجود فوجب أن تصح رؤيته.
و اما المنقول فمن وجوه:
(الاول) قوله تعالى حكاية عن موسى عليه السلام رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ (1)(2)وجه الاستدلال:لو كانت الرؤية ممتنعة عليه تعالى لما سألها موسى،لكنه سألها فلا تمتنع.
بيان الملازمة:انه لو سألها على تقدير كونها ممتنعة على اللّه تعالى لكان بعض حثالة المعتزلة اعلم من موسى عليه السلام بما يجوز على اللّه و ما لا يجوز و هو ظاهر البطلان.و اما انه سألها فلانه سأل النظر إليه،و ليس المراد من النظر هاهنا تقليب الحدقة،لان ذلك انما يكون نحو ذى الجهة،فلو سأله موسى لكان قد اثبت للّه جهة،تعالى اللّه عن ذلك.فكان جاهلا به فوجب حمله على الرؤية اطلاقا لاسم السبب على المسبب.
(الثانى) قوله تعالى اُنْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي (3)(4)وجه الاستدلال:انه علق الرؤية على امر ممكن،و كل معلق الوجود على أمر ممكن فهو ممكن،فالرؤية ممكنة.
بيان الاول انه علقها على استقرار الجبل و هو أمر ممكن،و اما الثانية فظاهرة.
(الثالث) قوله تعالى وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ* إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ (5)(6)وجه الاستدلال3.
ان النظر اما ان يحمل على حقيقته و هو توجيه القوة الباصرة نحو المرئى،او على مجازه و هو اما الانتظار او الرؤية،و الاول باطل لان ذلك انما يصح فى حق ذى الجهة و اللّه تعالى منزه عنها،و الثانى أيضا باطل لان النظر هنا مقرون بحرف الى و بالوجوه،لان الانتظار يكون سببا للغم و الآية مسوقة لبيان النعمة،و ذلك مانع من حمله على الانتظار،فتعين حمله على الرؤية اطلاقا لاسم السبب على المسبب.
و الجواب اما عن تفسيرهم فنقول:ان سلمنا ان الحالة المفيدة للتفرقة غير عائدة الى الانطباع أو الى خروج الشعاع لكن لم لا يجوز ان تكون عبارة عما حصل للنفس من زيادة اليقين على العلم الاول،و ذلك ان العلم مقول بالتشكيك لكن ذلك مشروط بالانطباع او اتصال الشعاع بسطح المرئى الممتنعين فى حق اللّه تعالى.
و عن معقولهم:لا نسلم ان صحة الرؤية تستدعى علة مشتركة،و لم لا يجوز تعليل الحكم الواحد بعلتين مختلفتين.سلمناه لكن لم قلتم انه لا مشترك بين الجوهر و العرض الا الحدوث او الوجود.
ثم انا نتبرع بذكر مشترك آخر و هو الامكان،و هو و ان كان امرا اعتباريا الا ان صحة الرؤية أيضا اعتبارية،و تعليل بعض الاعتبارات ببعضها جائز.سلمناه لكن لم قلتم ان الحدوث لا يصلح للعلية.
قوله«لان العدم لا يكون جزء العلة»قلنا ليس جزء مفهوم الحدوث هو العدم بل كون الوجود مسبوقا به،و هو امر اعتبارى،فلا يمتنع ان يكون جزءا من علة صحة الرؤية.سلمناه،لكن لم قلتم انه اذا كان الوجود فى الجوهر و العرض علة لصحة الرؤية وجب فى البارى كذلك.و بيانه:ان وجود البارى
نفس حقيقته و وجود الممكنات زائد على ماهياتها كما علمت فتخالفا،و المختلفان لا يجب اشتراكهما فى الاحكام.
و عن منقولهم:
(اما عن الاول) فلا نسلم ان موسى عليه السلام سأل الرؤية لنفسه،و لم لا يجوز ان يكون سؤالها عن لسان قومه حيث قالوا أَرِنَا اللّهَ جَهْرَةً (1)(2)لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرَى اللّهَ جَهْرَةً (3)(4).
و مما يؤيد هذا الاحتمال ما روي انهم لما سألوا الرؤية اخبرهم بأن اللّه لا يرى،فلم يقبلوا فأجابهم و سأل ليقيم عذره عندهم.
فان قلت:إضافة السؤال الى نفسه و مطابقة الجواب بمنعه مما يشهد أن السؤال كان لنفسه.
قلت:يحتمل تلك الاضافة وجهين:احدهما ما روى انه عليه السلام لما اجابهم الى سؤالهم قالوا لا تسأله لنا بل لنفسك ليكون أقرب الى الاجابة،فاذا رأيته رأيناه نحن.الثانى لعل اضافته الى نفسه لغرض انه اذا منع هو من الاجابة كان ذلك أحسم لمادة سؤالهم للرؤية.
(و عن الثانى) لا نسلم انه علق الرؤية على امر ممكن،قوله«علقها على استقرار الجبل و هو ممكن»قلنا:متى هو ممكن حال النظر الى ذاته أو حال النظر إليه و تجلى الرب له،الاول مسلم لكن لا نسلم ان الرؤية معلقة عليه بذلك الاعتبار،و الثانى:لا ينفعكم اذ الجبل فى تلك الحال متحرك و الا لما صار دكا و الاستقرار فى حال الحركة ممتنع لامتناع اجتماع الحركة و السكون،فكانت5.
الرؤية معلقة على امر ممتنع،فكانت ممتنعة.
(و عن الثالث) لم لا يجوز ان يحمل النظر هنا على حقيقته و يكون«الى» لا حرف جر بل اسما لواحد الآلاء و هو النعمة أي ناظرة نعمة ربها.
سلمناه لكن لم لا يجوز أن يكون الى واحد الآلاء و يكون النظر هنا بمعنى الانتظار،و قرينة الوجوه لا يمنع من ذلك.قوله«لان الانتظار يكون سببا للغم» قلنا:لا نسلم ان كل انتظار كذلك،بل انتظار الخير سبب الفرح و السرور و هاهنا كذلك.
سلمناه،لكن لم لا يجوز ان يحمل النظر على حقيقته،و يكون فى الآية اضمار تقديره الى ثواب ربها و جزائه ناظرة،و الاضمار و ان كان خلاف الاصل الا ان المجاز خلاف الاصل أيضا،و قد ثبت فى اصول الفقه انهما فى درجة واحدة و عليكم الترجيح.و باللّه التوفيق و العصمة.
و فيه ابحاث:
اختلف الناس فى معنى كونه تعالى قادرا،فذهب الاقدمون من مشايخ المعتزلة الى ان ذلك عبارة عن كونه على صفة لاجلها يصح منه الفعل،و ذهب بعض متأخريهم و منهم العجالى الى ان ذلك عبارة عن حقيقته المتميزة التى تفعل بحسب الدواعى المختلفة،و قال آخرون انه عبارة عن كونه بحيث اذا شاء فعل
و اذا شاء لم يفعل.
و الاصح انه عبارة عن كونه بحيث اذا شاء فعل و اذا شاء لم يفعل،و بين هذا المفهوم و الّذي قبله فرق يدق فليتنبه له،فربما لا يحتمل شرحه هذا المختصر.
و الفرق بينه و بين الموجب كالشمس فى الاشراق و النار فى الاحراق امران:
احدهما ان القادر عالم بأثره و الموجب ليس كذلك،الثانى انه يصح منه مع وجوده أن لا يفعل باعتبار ذاته و لا كذلك الموجب فانه يمتنع منه ان لا يفعل.
اذا عرفت ذلك فنقول:مذهبنا أنه تعالى قادر.برهانه:انه يصح منه أن لا يفعل اذا لم يشأ و يصح منه ان يفعل اذا شاء،و كل من كان كذلك كان قادرا مختارا.
اما المقدمة الاولى:فلانا لما بينا ان العالم محدث فقبل وجود العالم لم يدعه الداعى الى ايجاده فلم يوجده،و دعاه الداعى الى ايجاده فيما لا يزال فأوجده،فوقوع الترك منه ازلا لعدم الداعى الى ايجاده.ثم وقوع الفعل عنه لتعلق الداعى به مستلزم لصحتها عنه تعالى.
و اما الثانية:فلانا لا نعنى بالمختار الا من صح منه الفعل و عدمه بحسب المشية و عدمها.
فان قيل:لا نسلم ان الفعل و الترك ممكنان بالنسبة إليه.و بيانه من وجوه:
(الاول) انه ان استجمع جميع ما لا بدّ منه فى المؤثرية وجب عنه الفعل، و ان لم يستجمع امتنع منه،و الوجوب و الامتناع فى الفعل ينافيان صحته.
(الثانى) ان الممكنة من الطرفين اما ان تحصل حال حصول احدهما أو قبل ذلك،و الاول باطل،لان الحاصل منهما حال حصوله واجب و نقيضه محال، و الثانى أيضا باطل،لان شرط الحصول فى الاستقبال حصول الاستقبال الممتنع
الحصول فى الحال،و الموقوف على المحال محال،فحصوله يفيد كونه فى الاستقبال ممتنع الحصول فى الحال ممتنع و الممتنع لا يمكن.
(الثالث) ان الترك عبارة عن البقاء على العدم الاصلى،و العدم الاصلى غير مقدور:أما أولا فلان القدرة صفة مؤثرة و العدم نفى محض فلا يعقل فيه التأثير.و أما ثانيا فلانه باق مستمر،و الباقى غنى عن المؤثر.
(و الجواب عن الاول)ان الفعل و ان وجب عن الفاعل عند تمام مؤثريته الا ان ذلك الوجوب بالنظر الى الداعي لا بالنظر الى القدرة التى يستوى الطرفان بالنسبة إليها فى الصحة،و حينئذ لا يكون ذلك الايجاب منافيا للاختيار كما علمت معناهما.
(و عن الثانى)ان الممكنة من الطرفين حاصلة حال حصول احدهما و قبله بالنظر الى القدرة و امكان الطرفين فى ذاتيهما،سواء كان أحد الطرفين واجب الوقوع عن الداعى فى الحال او ممتنع الوقوع فى الحال لعدم الداعى واجب الوقوع فى الاستقبال،فان شيئا من ذلك لا ينافى المكنة الحاصلة فى الحال بالنظر الى القدرة و امكان الاثر في نفسه.
(و عن الثالث)هب ان مطلق العدم غير مقدور،فلم قلت ان العدم المقيد -أعني عدم الفعل المسمى بالترك-غير مقدور،لا نسلم انه نفى محض بل هو عبارة عن عدم الفعل عما من شأنه ان يفعل.
قوله«ثانيا انه باق كما كان و الباقى غني عن المؤثر»قلنا:لا نسلم ان الباقى غنى عن المؤثر،و قد سبق تقريره.
(تنبيه)و اعلم ان الفلاسفة ربما ساعدونا على أن الشرطيتين المذكورتين فى الحد صادقتان على اللّه تعالى،لكنهم يقولون انه لا يلزم من صدق الشرطية
صدق كل من جزئيها،فلا يلزم من صدق قولنا«انه اذا لم يشأ يصح منه ان لا يفعل»صدق انه لم يشأ حتى يلزم صحة ان لا يفعل،و حينئذ لا يمكن اثبات الممكنة من الطرفين.
الا انا لما بينا أن العالم حادث ثبت وقوع ان لا يفعل لعدم الداعى،فلزمت صحة أن لا يفعل كما اشرنا إليه.و حينئذ صدقت الشرطيتان بأجزائهما على اللّه تعالى،و تحقق الخلاف معهم.و باللّه التوفيق.
اتفق جمهور العقلاء من المتكلمين و غيرهم على أنه تعالى عالم،الا قوما من الفلاسفة،فان منهم من نفى عنه العلم اصلا.
لنا:ان أفعاله تعالى محكمة متقنة،و كل من كان كذلك فهو عالم،و المقدمة الاولى حسية و الثانية بديهية.
لا يقال:ان عنيت بالفعل المحكم ما يشتمل على المصلحة من كل وجه فلا نسلم ان شيئا من مخلوقات اللّه تعالى كذلك،و هو ظاهر،لكثرة ما نشاهده فى العالم من الشرور.و ان عنيت به ما يشتمل عليها من بعض الوجوه،فلا نسلم ان ذلك يدل على علم الفاعل.ثم هو منقوض بأفعال النائم و الساهى،فانها قد تشتمل على المصلحة من بعض الوجوه مع عدم شعور فاعله به.سلمناه،لكن لا نسلم ان الاحكام تدل على علم الفاعل.
و مستند المنع وجوه:
(احدها) ان الجاهل قد تتفق منه الاحكام مرة،و جواز المرة منه مستلزم لجواز المرار،لان حكم الشيء حكم مثله،مع أن تلك الاحكام لا تدل على علمه.
(و ثانيها) ان النحل تبنى البيت البيت المسدس المشتمل على الحكم التى لا يهتدى إليها الا المهندسون،و كذا بيت العنكبوت المشتمل على الترتيب العجيب و الغاية منه،و كذلك باقى الحيوانات تأتى بالافعال العجيبة التى يعجز عنها كثير من الاذكياء،مع انه ليس لشيء منها علم.
سلمناه،لكنه معارض بما أن العلم ان لم يكن صفة كمال وجب تنزيه اللّه تعالى عنه،و ان كان تعالى بدون تلك الصفة ناقصا بذاته مستفيدا للكمال من غيره.
هذا محال،لانا نجيب عن الاول بأنا نعنى به الترتيب العجيب كترتيب الاجرام العلوية و نضدها و التأليف اللطيف كأجزاء بدن الانسان مواقفة لمنافعه، و العلم باستلزام ذلك العلم الفاعل بديهى.
قوله«هو منقوض بأفعال النائم و الساهى»قلنا:لا نسلم كونهما غير شاعرين بما يصدر عنهما.نعم لا يكونان شاعرين بشعورهما بذلك.
(و عن الثانى)انه بديهي،و لا نسلم ان الجاهل بالشيء يصدر عنه على وجه الاحكام،بل يكون عالما به من جهة ما هو محكم،و كذلك النحل و العنكبوت و سائر الحيوان لا نسلم انها غير شاعرة بآثارها،بل كل منها شاعر بما يصدر عنه.
(و عن الثالث)ان العلم بصفة كمال و سنبين فى واجب الوجود أنها نفس ذاته،و حينئذ لا يكون مستفيدا للكمال من غيره.
و أما المنكرون لكونه تعالى عالما فانهم لما فسروا العلم بأنه حصول صورة مساوية للمعلوم فى ذات العالم قالوا:لو كان تعالى عالما بغيره للزم أن يحصل له فى ذاته صورة غيره،فتلك الصورة ان كانت منه كانت ذاته قابلة فاعلة لها،
فكانت فى ذاته جهتا وجوب و امكان،و قد ثبت انه تعالى واجب من جميع جهاته هذا خلف.و ان كانت من غيره كان ناقصا بذاته مستفيدا للكمال من الغير،و لو كان عالما بذاته،مع أن العلم يقتضي اضافة ما بين العالم و المعلوم لم تعقل تلك الاضافة له الا ان يكون فيه اعتباران متغايران فيكون فيه الكثرة و قد بينا انه منزه عن الكثرة و التركيب.هذا خلف،فلهذه الشبهة نفوا عنه العلم مطلقا.
(و جوابهم)انا سنبين ان علمه تعالى نفس ذاته لا بحصول صورة مساوية للمعلوم فى ذاته،و حينئذ لا يلزم كونه قابلا و فاعلا و لا كونه مستكملا بغيره، و كذلك لا يلزمه الكثرة لوجود الاضافة،اذ الاضافة امر تحدثها عقولنا عند الاعتبار.و باللّه التوفيق.
اتفق العلماء على انه تعالى حي،الا انهم اختلفوا فى معناه،فمن جوز أن يكون له صفة زائدة على ذاته قال الحياة صفة ثبوتية،و هم جمهور المعتزلة و الاشعرية الاقدمين،و من منع من ذلك-و هو ابو الحسين البصرى و من تابعه من متأخرى المعتزلة-جعل ذلك اعتبارا سلبيا يلزم ذاته فى العقل،و فسره بكونه لا يستحيل أن يعلم و يقدر،و هو سلب ضرورة العدم الصادق على الواجب و الممكن،و يقرب منه اعتبار الفلاسفة بهذه الصفة فى حقه تعالى.
و الحق ما ذهب إليه ابو الحسين،لما سنبين انه تعالى ليس له صفة تزيد على ذاته.
حجة الاشعرى:انه لو لا اختصاص ذاته تعالى بصفة لاجلها يصح أن يعلم
و يقدر لم يكن حصول هذه الصفة أولى من لا حصولها.
الجواب:انا سنبين ان علمه تعالى و قدرته نفس ذاته،و حينئذ جاز أن يكون مجرد اعتبار ذاته المخصوصة المخالفة لما عداها كافيا فى استلزام اعتبار هذه الصفة،فلم قلتم أنه ليس كذلك.
اتفق المسلمون على وصفه تعالى بكونه مريدا و كارها،لكن اختلفوا فى معناهما،فالاشعرية و جمهور المعتزلة أثبتوا الإرادة و الكراهة زائدتين على العلم فى الشاهد و الغائب،و اثبتهما ابو الحسين و من تابعه زائدتين عليه فى الشاهد دون الباري تعالى.و هو المختار.
و تحقيق الكلام فى شرح الإرادة و الكراهة:ان الانسان اذا علم أو ظن او توهم مصلحة له فى بعض الافعال فانه قد يجد من نفسه شوقا ينبعث له الى تحصيله لما يتخيل أو يعقل فيه من الملائمة له،و كذلك ان علم أو ظن فيه مفسدة فانه قد يجد من نفسه انصرافا و انقباضا عنه بحسب ما يعقل فيه من المنافاة،فذلك العلم أن الظن بالمصلحة هو مرادنا بالداعى و بالمفسدة هو مرادنا بالصارف، و ذلك الشوق و الميل الحاصل عنه هو المسمى بالارادة،و ذلك الانصراف و النفرة عنه هو المسمى بالكراهة.
أما فى حق البارى تعالى فلما امتنع عليه الظن و الوهم لم يكن دواعيه و صوارفه الا علوما،و لما كان الشوق و النفرة من توابع القوى الحيوانية لم تصدق الإرادة و الكراهة بالمعنى المذكور فى حقه تعالى،فمعنى كونه اذن مريدا هو علمه باشتمال الفعل على المصلحة الداعية الى ايجاده،و معنى كونه كارها
هو علمه باشتماله على المفسدة الصارفة عن ايجاده.و هذان العلمان أخص من مطلق العلم.
اذا عرفت ذلك فنقول:كل واحد من هذين العلمين يصلح لتخصيص الفعل الممكن بحال دون حال،و كل ما يصلح لهذا التخصيص فهو المعني بالارادة و الكراهة.
اما الصغرى:فلان العلم بالفعل المعين المشتمل على المصلحة أو المفسدة المعينة مخصص و مميز له من بين سائر الافعال،و هو ظاهر.
و أما الكبرى:فلان الحاجة الى اثبات الإرادة و الكراهة لتميز بعض الافعال عن بعض ليخصها الفاعل بحال دون حال،و اذا كان العلم المخصوص صالحا لذلك فلا حاجة الى اثبات ان الإرادة امر زائد.
فان قلت:هذا مبنى على تعليل أفعال اللّه برعاية المصالح،و لا نسلم انه تعالى يفعل لغرض.
قلت:سنبين انه تعالى لا يفعل الا لغرض.
احتج الخصم بأنه لا بد للفعل من مخصص،و ليس هو القدرة لاستواء الطرفين بالنسبة إليها،و لا العلم اذ قد يعلم ما لا تتعلق الإرادة و الكراهة به كالممتنع و لان العلم تابع للمعلوم و الإرادة و الكراهة متبوعتان للمراد و المكروه.و ظاهر ان السمع و البصر و غيرهما لا يصلح لذلك التخصيص،فلا بد من امر آخر هو المسمى بالارادة و الكراهة.
و جوابه:لم لا يجوز أن يكون المخصص هو العلم المخصوص بما فى الفعل من المصلحة أو المفسدة.
قوله«قد يعلم ما لا يتعلق الإرادة و الكراهة به»قلنا:بالعلم المطلق لا بالعلم
المخصوص الّذي بيناه.
قوله«العلم تابع للمعلوم»قلنا:لا نسلم ذلك مطلقا،بل اذا كان العلم مستفادا من المعلوم فى ذاته أو فى هيئته المقتضية لكونه مطابقا له،اما اذا لم يكن كذلك فلا.
اتفق المسلمون على وصفه تعالى بهما،لكن اختلفوا فى معناهما فذهب ابو الحسين البصرى و الكعبى الى انهما عبارتان عن علمه تعالى بالمسموعات و المبصرات،و هو مذهب فلاسفة الاسلام.و ذهب الجمهور من الاشعرى و المعتزلة و الكرامية الى انهما صفتان زائدتان على العلم،و الاول هو الحق.
لنا:ان وصفه تعالى بالسميع و البصير اما ان يراد به حقيقته اللغوية او مجازه و الاول باطل لان حقيقة هذين الوصفين مشروطة به آلتى السمع و البصر الممتنعتين عليه تعالى،فتعين الحمل على المجاز،فنحن نحملهما على العلم المخصوص اطلاقا لاسم السبب على المسبب،و هو أقوى وجوه المجاز.
فان قلت:ليس حمله على العلم أولى من حمله على مجاز آخر.
قلت:هذا المجاز انما صرنا إليه لمكان المناسبة،و الاصل عدم مجاز آخر و لان سببية السماع و الابصار لحصول العلم مع العلم بخروج حقيقتهما عن الإرادة استلزمت ظن إرادة العلم مجازا،فلا يدفع ذلك الظن باحتمال إرادة مجاز آخر.
احتج الخصم بالمعقول و المنقول:
اما المعقول فمن وجهين:
(احدهما) انه تعالى حي،و الحي يصح اتصافه بالسمع و البصر،و كل من صح اتصافه بصفة فلو لم يتصف بها لا تصف بضدها،فلو لم يكن اللّه تعالى سميعا بصيرا لا تصف بضدهما،و هو نقص محال عليه تعالى.
(الثانى) لو لم يكن تعالى سميعا بصيرا لكان الواحد منا اكمل منه،و اللازم باطل فالملزوم مثله.بيان الملازمة:ان السميع و البصير اكمل ممن ليس كذلك و اما بطلان اللازم فظاهر.
و اما المنقول فقوله تعالى إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَ أَرى (1)(2)و قوله إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (3)(4)و نحوه.
(و الجواب عن الاول)لا نسلم أن حياته تعالى مصححة للسمع و البصر، و بيانه ان حياته تعالى مخالفة لحياتنا فى الحقيقة،و المختلفتان لا يجب اشراكهما فى الاحكام.سلمناه،لكن متى يقتضي حياته هذه الصحة،و اذا لم يكن هناك مانع او اذا كان الاول مسلم و الثانى ممنوع،اذ يجوز أن يكون صحة اتصافه بالسمع و البصر مشروطا بحصول آلتيهما الممتنعتين فى حقه تعالى.سلمناه،لكن لا يلزم من صحة الاتصاف بهما وجود الاتصاف.
قوله«لو لم يكن يتصف بهما لا تصف بضدهما»قلنا:لا نسلم،لجواز خلو المحل عن الشيء و ضده كالهواء فانه لكونه جسما يصح اتصافه بالسواد و البياض مع خلوه عنهما.نعم لا يخلو عن الشيء و عدمه،لكن لم قلتم ان عدم السمع و البصر فى حقه تعالى نقص.
(و عن الثانى)منع الملازمة.قوله«السميع و البصير اكمل ممن ليس1.
كذلك»قلنا:هو اكمل ممن يكون من شأنه ان يكونان له،أما من غيره فممنوع و لا نسلم انهما بالمعنى الّذي ثبته الخصم كما لان للّه تعالى.ثم هو معارض بما ان حسن الوجه اكمل من قبيحه،فلو لم يكن اللّه تعالى كذلك لكان احدنا اكمل منه،و هو محال.
فان قلت:هذا من صفات الاجسام،و اللّه تعالى منزه عنها.
قلت:لم لا يجوز أن يكون السميع و البصير كذلك.
و عن ادلة السمع:ان العقل منع من اجرائها على ظواهرها،فوجب تأويلها بالعلم كما سبق أو تفويض علمها الى اللّه تعالى كسائر الآيات المشعرة بالتجسيم.
اتفق المسلمون على اطلاق لفظ المتكلم عليه تعالى،لكن اختلفوا فى معناه.فقالت المعتزلة معناه كونه تعالى خالقا لاصوات مخصوصة دالة على معان مخصوصة فى محال مخصوصة عند ارادته امرا ليعبر بها عنه،و ظاهر أن كلامه تعالى بهذا التفسير حادث.
و قالت الاشعرية:انه متكلم بمعنى قائم بذاته قديم دلت عليه هذه العبارات الحادثة.
و الكلام عند بعضهم لفظ مشترك بين ذلك المعنى و العبارة الدالة عليه، و عند بعضهم حقيقة فى المعنى مجاز فى العبارة،و عند بعضهم بالعكس.و قالت الحنابلة انه عبارة عن الحروف و الاصوات المسموعة مع ان كلامه قديم.
و الحق انه حقيقة فى العبارة دون المعنى المدلول.
لنا:انه المتبادر الى الفهم عند اطلاق لفظ الكلام دونه،و اذا كان كذلك
لم يمكن اطلاق لفظ المتكلم عليه بذلك الاعتبار،لتنزهه عن اللفظ المستلزم لاثبات الجوارح له،فوجب اطلاقه عليه باعتبار خلقه للكلام فى بعض الاجسام اما حقيقة أو مجازا اطلاقا لاسم المسبب على السبب،ولانا سنبين انه تعالى ليس له صفة تزيد على ذاته،فلا يكون الكلام معنى قائما به كما هو مذهب الاشعرية.
اما الاشعرى فانه بين مراده من الكلام النفسانى أولا ثم استدل على اثباته للّه تعالى ثانيا ثم بين انه قديم ثالثا ثم بين كونه واحدا مع انه امر و نهي و خبر و استخبار و غيرها.
أما الاول:فقد ثبت ان الالفاظ موضوعة بإزاء الصور الدهنية،فاذا نطق أحدنا بخبر فالحكم المدلول عليه بذلك اللفظ ليس نفس الاعتقاد،لجواز أن يكون الاعتقاد بخلافه،و لا نفس الإرادة لان الخبر يتعلق بالواجب و الممكن،و لا شيء من الإرادة كذلك،فهناك امر آخر هو مرادنا بكلام النفس،و دليل تسميته كلاما قول الشاعر:
ان الكلام لفى الفؤاد و انما جعل اللسان على الفؤاد دليلا
و قول القائل فى نفسى كلام.
و اما الثانى:فلقوله تعالى وَ كَلَّمَ اللّهُ مُوسى تَكْلِيماً (1)(2)و قوله إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ وَ إِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَ يَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ (3)(4)و نحوه.و وجه الاستدلال:ان التكليم و الامر و النهى اما أن يكون من باب الحقائق و المعنى او من باب العبارات.و الاول هو المطلوب،و أما الثانى فتلك العبارات لا بدّ و أن0.
تكون دالة على معان،و ليست نفس الاعتقادات و الارادات لما سبق،فهى اذن صفة اخرى للّه تعالى.
و اما الثالث:فلان ذلك المعنى لو كان محدثا لكان اما قائما بذاته تعالى فيكون محلا للحوادث و هو محال،و اما بغيره من المحال أن يقوم صفة الشيء بغيره أولا فى محل فيقوم العرض فى الوجود بلا محل.هذا محال،فثبت انه صفة قديمة.
و اما الرابع:فلان المرجع بالامر الى الاخبار عن لحوق العقاب على الترك،و بالنهى الى الاخبار عن لحوق العقاب على الفعل،و كذا فى سائر أصناف الكلام.
و أما الحنابلة فاستدلوا على أن كلامه هو الحروف و الاصوات بأن كلامه مسموع و لا مسموع الا الحرف و الصوت فكلامه ليس الا الحرف و الصوت:
اما الصغرى فلقوله تعالى وَ إِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللّهِ (1)(2)و اما الكبرى فظاهرة.
ثم اثبتوا كونه قديما بأنه لو كان حادثا لكان اما قائما بذاته أو بغيره أو لا فى محل،و الاقسام الثلاثة باطلة لما مر.
و الجواب عن المقالة الاولى للاشعرية:لم لا يجوز ان يكون ذلك المعنى من قبيل العلوم،فان الصور الذهنية اما تصورات او كيفيات تلحقها كالتصديق و نحوه،و هى من اقسام العلم عندنا،فلا نسلم اطلاق لفظ الكلام عليها حقيقة.
اللهم الا بوضع عرفى اشعرى،و ليس كلامنا فيه.
و اما البيت فلا نسلم صحة نقله عن الاخطل،و ان سلمناه فلا نسلم قوله حجة،6.
و لانه يقتضي ان يسمى الاخرس متكلما لحصول ذلك المعنى فى نفسه.
و عن الثانى:انها من باب العبارات،و هى دالة على معان هى عندنا من قبيل العلوم كما مر.
و عن الثالث:انا سنبين انه تعالى ليس له صفة زائدة على ذاته فى الخارج حتى توصف بالقدم أو الحدوث،و لان التقسيم مبنى على وجود صفة تغاير العلم،و الخصم لم يثبت ذلك.
و عن الرابع:ان الامر و النهى و الخبر مفهومات مختلفة الحقائق بالضرورة فدعوى ايجادها مكابرة.نعم قد يشترك الامر و النهى فى استلزام الخبر،و ذلك لا يوجب اتحادها فى الحقيقة.
و جواب الحنابلة ان كونه حرفا و صوتا يستلزم حدوثه بالضرورة.ثم على تقدير كونه حرفا و صوتا لم لا يجوز أن يقوم بغيره و ان اشتق له منه صفة،و لا امتناع فى ذلك.
هل هو زائد على اعتبار العلم له أم لا،اختلف العلماء فى ذلك:فذهب الجبائيان و المرتضى و الاشعرى الى كونه زائدا عليه،و اباه ابو الحسين البصرى.
و الحق انه زائد على العلم فى الاعتبار العقلى غير زائد عليه فى الخارج:
اما الاول فلان الادراك قدر مشترك بين ادراك الحس و العقل كالجنس لهما، فكان اعم من العلم فى الاعتبار العقلى و زائد عليه.و أما الثانى فلانا سنبين انه تعالى لا صفة له تزيد على ذاته فى الخارج.
احتج المثبتون:بأنا نعلم ما لا ندرك كالمعدومات،و ندرك ما لا نعلم كادراك
النائم قرص البراغيث مع انه لا يعلمه.
و احتج النفاة:بأن كونه مدركا ان كان هو كونه عالما فهو المطلوب،و ان كان غيره فاما أن يكون عبارة عن الاحساس و هو باطل لاستحالة الحواس عليه تعالى،او عن امر آخر و هو غير معقول.
و جواب الاول:لا نسلم ان المعدومات غير مدركة لنا،فان المفهوم المتعارف من الادراك هو لحوق العقل أو الحس للمعقول أو المحسوس،و هو بهذا الاعتبار صادق على المعدومات،و لا نسلم انا ندرك ما لا نعلم،و لا نسلم ان النائم لا يعلم قرص البراغيث.نعم قد لا يعلم علمه بذلك،و ليس كلا منافيه.
و عن الثانى:انا بينا ان الادراك أعم من العقلى و الحسي،فكان معقولا زائدا عليهما.
خلافا للجبائيين و البلخى و النظام و عباد الضميرى.
لنا وجهان:
(احدهما) ان صح ان يكون تعالى قادرا على كل مقدور وجب أن يكون كونه قادرا كذلك،و الملزوم حق فاللازم حق.بيان الملازمة:انه تعالى واجب الوجود من جميع جهاته،فكل ما يصح له فواجب ان يجب له،و يكفى فى تحققه ذاته.و اما حقيقة الملزوم فلان المصحح لذلك هو الامكان،و هو قائم فى كل مقدور.
(الثانى) انه تعالى ان كان قادرا على بعض المقدورات وجب ان يكون قادرا على كلها،لكن الملزوم حق فاللازم حق.بيان الملازمة:أن ما لاجله صح ان
يكون البعض مقدورا و هو الامكان قائم فى الكل على سواء،و نسبة قدرته الى الكل على سواء،فلو اختصت قادريته بالبعض دون البعض لكان ذلك ترجيحا بلا مرجح و هو محال.و أما بيان حقيقة الملزوم فقد سبق.
اما المشايخ فقد منعوا من كونه تعالى قادرا على أعيان افعال العباد،و حجتهم أنه لو قدر على ذلك لصح مقدور بين قادرين،و اللازم باطل فالملزوم مثله.اما الملازمة فظاهرة.و اما بطلان اللازم فلان احدهما اذا أراد الفعل و كرهه الاخر فليس وقوعه بإرادة المريد أولى من عدم وقوعه بكراهة انكاره،فاما ان يقع أولا يقع فيكون ترجيحا بلا مرجح او يقع و لا يقع فيجتمع النقيضان.
و أما البلخى فانه منع من كونه قادرا على مثل فعل العبد،و حجته أن فعل العبد اما طاعة أو سفه و عبث،و هى ممتنعة على اللّه تعالى.
و أما النظام فزعم أنه تعالى لا يقدر على فعل القبيح،و حجته انه لو قدر على ذلك لقدر وقوعه منه،اذ كل ممكن لا يلزم من فرض وقوعه محال،لكن وقوعه منه يستلزم الجهل و الحاجة المحالين عليه،و المستلزم للمحال محال فوقوعه منه محال،فهو غير مقدور له.
و أما عباد فزعم ان ما علم اللّه تعالى وجوده وجب و ما علم عدمه امتنع، و الواجب و الممتنع غير مقدورين.
و جواب الاولين:لا نسلم امتناع مقدور بين قادرين.قوله«اذا أراد احدهما الفعل»الى آخره.قلنا:يقع بإرادة المريد،و الكراهة انما تعارض الإرادة فى القادر الواحد،اما انها تعارض إرادة قادر آخر فممنوع.
و جواب البلخى:أن كون الفعل طاعة و سفها و عبثا صفات تعرض للفعل بالنسبة الى العبد،فلم قلت ان ذلك يمنع من كون ذات الفعل مقدورة.
و جواب النظام انه انما لا يلزم من فرض وقوع الممكن محال بالنظر الى ذاته،و لكن لم قلت انه كذلك مطلقا،فانا نقول انه ممتنع الوقوع منه نظرا الى عدم الداعى،و ذلك لا يمنع من كونه مقدورا.
و هذا هو الجواب عن حجة عباد،اذ الفعل و ان وجب أو امتنع نظرا الى العلم فلا يمنع ذلك كونه ممكنا مقدورا لذاته.و باللّه التوفيق.
خلافا للفلاسفة و بعض المتكلمين.
لنا:انه تعالى ان صح ان يكون عالما بكل معلوم وجب كونه كذلك، لكن المقدم حق فالتالي مثله.بيان الملازمة ما سبق فى كونه قادرا على كل مقدور بيان حقية الملزوم ان المصحح لذلك هو الحياة،و قد ثبت انه تعالى حي، فصح كونه عالما بكل المعلومات لاستواء نسبة هذه الصحة إليها.
اما الفلاسفة فقد علمت أن منهم من انكر كونه عالما بذاته،و منهم من انكر كونه عالما بغيره،و قد سبق تقرير شبههم و الجواب عنها.
و منهم من أنكر كونه عالما بالجزئيات على الوجه الجزئى المتغير،و انما يعلمها من حيث هى ماهيات معقولة.و حجتهم:انه لو علم كون زيد جالسا فى هذه الدار فبعد خروجه منها ان بقي علمه الاول كان جهلا و ان زال لزم التغير،و لان واجب الوجود ليس بزمانى و لا بمكانى و ليس ادراكه بالآلة و كل مدرك بجزئى زمانى من حيث هو متغير يجب أن يكون كذلك،فواجب الوجود لا يدرك الجزئي من حيث هو متغير.
و جواب الاول:انه علمه تعالى نفس ذاته كما سنبين،و التغير انما يقع في
الاضافات و الاعتبارات التي يحدثها عقولنا له بحسب كل معلوم متغير،فلم قلتم ان ذلك يوجب التغير في ذاته.
و جواب الثاني:بمنع الكبرى.
و اما المتكلمون فمنهم من زعم أنه لا يعلم الجزئيات الا بعد وقوعها،و انما يعلم قبل ذلك ماهياتها،و هو المنقول عن هشام بن الحكم.و حجته انه لا شيء من الجزئيات قبل وجوده بمتميز عن غيره لكون المعدوم نفيا محضا،و كل معلوم متميز عن غيره فلا شيء من الجزئيات بمعلوم.
و جواب منع الصغرى،فانا نميز بين الجزئيات المشخصة قبل وجودها، كتميز الكاتب لجزئيات كلمات يريد كتبها.نعم لا تكون متميزة في الخارج،لكن اذا كان مراده ذلك التميز لم يتحد الاوسط.
و منهم من انكر كونه عالما بما لا نهاية له.و حجتهم أن المعلوم متميز عن غيره،و كل متميز عن غيره متناه،فالمعلوم متناه،و لانه لو لم يتناه المعلومات لم يتناه المعلوم،لكن اللازم باطل فالملزوم مثله.بيان الملازمة:فلان العلم بكل معلوم يغاير العلم بالآخر.و اما بطلان الثانى فلانه يلزم أن يكون فى ذاته علوم موجودة غير متناهية.هذا محال.
و الجواب عن الاول:منع الكبرى،فان غير المتناهى متميز عن المتناهى مع انه لا يلزم تناهيه.
و عن الثانى:نمنع الملازمة.قوله«كان العلم بكل معلوم يغاير العلم بالآخر»قلنا سنبين أن علمه تعالى ذاته،فلا تعدد فيه اذن،و انما يقع التعدد و التغاير فى نسب اذهاننا له الى كل معلوم،و تلك النسب غير متناهية عند انقطاع الاعتبار،فلا يلزم اذن تعدد علوم موجودة لذاته.
و منهم من انكر كونه تعالى عالما بكل معلوم.و حجتهم:انه لو علم كل معلوم لعلم كونه عالما به و كونه عالما بكونه عالما به و هلم جرا،فيترتب هناك مراتب من العلوم غير متناهية.
و جوابه ما مر قبله.
و برهانه المعقول و المنقول:
اما المعقول فمن وجهين:
(احدهما) تعين واجب الوجود ان كان لانه واجب الوجود،فأين صدق واجب الوجود صدق ذلك التعين.فواجب الوجود ليس الا ذلك الواحد المتعين و ان كان لغيره كان معلولا لذلك الغير فى وجوده فكان ممكنا.هذا خلف.
(الثانى) لو كان فى الوجود واجبا وجود لاشتركا فى واجب الوجود، فذلك المشترك اما أن يكون تمام ماهية كل منهما أو جزءا منهما او خارجا عنهما.
و الاول باطل لانه لا بدّ أن ينفصل كل واحد منهما عن الاخر بعرضى،فذلك العرضى ان لزم عن واجب الوجود فقد اختلف اللازم للمعنى الواحد.هذا محال.و ان لزم عن غيره فكل منهما مفتقر فى وجوده الى غير خارجى،فكان ممكنا.هذا خلف.
و الثانى أيضا باطل،لانه لا بدّ و ان ينفصل كل منهما بفصل ذاتى،فكان كل منهما مركبا فكان ممكنا.هذا خلف.
و الثالث يستلزم أن يكون واجب الوجود معلولا اما لهما او لغيرهما.
و هو باطل.
و اما المنقول:فاعلم ان هذه المسألة لا يتوقف اثبات السمع عليها،فجاز اثباتها بالسمع،و الكتاب العزيز مشحون بدلائل التوحيد،كقوله تعالى قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ (1)و قوله تعالى لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللّهُ لَفَسَدَتا (2)(3)و قوله إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ (4)(5).
فى انه لا شيء من الصفات المعتبرة له تعالى زائدة على ذاته الا بحسب اعتبار عقولنا عند مقايسته الى الغير.و برهانه من وجهين:
(احدهما) لو كان شيء منها زائدا على ذاته فى الخارج لكان اما واجبا أو ممكنا،و اللازم بقسميه باطل فالملزوم كذلك.أما الملازمة:فلان كل موجود فاما واجب أو ممكن.و أما بطلان اللازم فلانها ان كانت واجبة الوجود لذاتها فواجب الوجود لذاته اكثر من واحد و قد علمت فساده،و ان كانت ممكنة الوجود افتقرت الى مؤثر،فمؤثرها اما تلك الذات و هو باطل،لانه اما أن يعتبر فى مؤثرية اللّه تعالى فى وجود الممكنات جميع الصفات التى تنبغى له او لا يعتبر، فان اعتبر لزم تقدم ذاته بجميع صفاته على جميع صفاته و هو محال.و ان لم يعتبر كانت تلك الصفات فضلا مستغنيا فى تحقق صفاته الى غيره.هذا خلف.
(الثانى) إله العالم و مبدعه اما أن يكون عبارة عن الذات فقط مع قطع النظر عن صفاته المعدودة،او عنها مع تلك الصفات.و الاول باطل،لان الذات الخالية عن هذه الصفات لا تصلح للالهية.و الثانى أيضا باطل،لان واجب
الوجود يصير اذن عبارة عن كثرة مجتمعة من امور موجودة،فكان مركبا فكان ممكنا كما سبق.هذا خلف.
و لما بطل كون هذه الصفات امورا زائدة على الذات بطل ما يفرع الخصم على ذلك،كحكم الاشعري بكونها قديمة،و كحكم ابى هاشم فى الإرادة انها حادثة موجودة لا فى محل،و كذلك حكمه بتلك الاحوال،و ارتكابه الشناعة فى قوله انها ليست بموجودة و لا و لا مختلفة و لا مختلفة و لا متماثلة و نحوه.
و باللّه التوفيق.
و فيها اركان:
و فيه ابحاث:
اما حقيقته فغنية عن التعريف،و اما اقسامه فمنه ما لا صفة له تزيد على حدوثه كحركة النائم و الساهى،و منه ماله ذلك.
و هو اما حسن أو قبيح،اما الحسن فاما ان لا يكون له صفة تزيد على حسنه او تكون،و الاول هو المباح،و يرسم بأنه ما لا مدح و لا ذمّ فى احد طرفيه،
و الثانى اما ان يستحق المدح بفعله و الذم بتركه مع العلم بحاله و التمكن منه و هو الواجب،او يستحق المدح بفعله دون الذم بتركه اذا علم فاعله أو دل عليه و هو المندوب،و يقابلهما المحضور و المكروه.
الحسن و القبح قد يراد بهما ملائمة الطبع و منافرته،و قد يراد بهما صفة كمال او نقصان،و هما بهذا المعنى مما يحكم العقل بهما عند الكل،و قد يراد بهما كون الفعل على وجه يكون متعلق المدح و الذم عاجلا و الثواب و العقاب آجلا،و هما بهذا المعنى شرعيان عند الاشعرية نظريان عند الفلاسفة، اذ عليهما بناء مصالح هذا العالم و نظام اموره.
اما عند اهل العدل فمنهما ما يستقل العقل بدركه و منهما ما ليس كذلك، و الاول فمنه ما يعلم بالضرورة كشكر المنعم ورد الوديعة و الصدق النافع و قبح الكذب الضار و الظلم و تكليف ما لا يطاق،و منه ما يعلم بالنظر كالعلم بحسن الصدق الضار و قبح الكذب النافع،و ما لا يستقل العقل بدركه فكحسن صوم آخر يوم من رمضان و قبح صوم اليوم الّذي بعده،فانه لا طريق للعقل الى العلم بذلك لو لا ورود الشرع.
اما الامور الضرورية فقد نبهوا عليها بصورتين:
(احداهما) ان العقلاء متفقون على حسن الامور المذكورة و قبحها،و ليس ذلك من جهة الشرع فقط،فان الكفار كالبراهمة و غيرهم مع انكارهم للشرائع يحكمون بذلك،و لا لملائمة الطبع و منافرته،فان الطباع فى الخلق مختلفة،
فكثير من الامور تنفر عنها طبع انسان و يميل إليها طبع آخر مع اتفاقهم على الحكم بهذه القضايا.فظهر انها قضايا عقلية كلية و ليست نظرية و الا لما حصلت لمن لا يتأهل للنظر كالعوام،فهى اذن قضايا تضطر العقول الى الحكم بها.
(الثانية) ان العاقل اذا قيل«ان صدقت فلك دينار و ان كذبت فلك دينار» و استوى الصدق و الكذب بالنسبة إليه بحيث لا يتصور وراء كونهما صدقا و كذبا مرجحا آخر لاحدهما،فانا نعلم بالضرورة انه يختار الصدق على الكذب.
و ذلك لاضطرار عقله الى الحكم بحسنه و قبح الكذب لذاته.
لا يقال:لو كان العلم بحسن هذه و قبحها ضروريا لما حصل التفاوت بينه و بين العلم بسائر القضايا البديهية،لكن اللازم:باطل فالملزوم مثله.بيان الملازمة ان مقتضى البديهة لا تفاوت فيه.بيان بطلان اللازم:انا لما عرضنا هذا العلم على العقل مع قولنا الواحد نصف الاثنين وجدنا التفاوت حاصلا بينهما بالضرورة الثانى لو كان ضروريا لما اختلف العقلاء فيه و قد اختلفوا فليس بضرورى.
و الملازمة و بطلان اللازم بينان.
لانا نجيب عن الاول بمنع الملازمة،و لا نسلم ان الاوليات غير قابلة للاشد و الاضعف،فان العلم بأن الواحد نصف الاثنين اجلى بكثير من العلم بكونه نصف عشر العشرين مع كونهما ضروريين.
و عن الثانى:بمنع الملازمة أيضا،و الاختلاف انما كان لقبول القضايا الضرورية التفاوت كما بيناه،و اما القضايا النظرية فبرهانها انه ان كان مطلق الصدق و الكذب يلزمهما الحسن و القبح لكونهما صدقا و كذبا فالصدق الضار و الكذب النافع كذلك،لكن الملزوم حق فاللازم حق.بيان الملازمة ان مطلق الصدق و الكذب جزءان من الصدق الضار و الكذب النافع،و قد لزمهما الحسن و القبح
لذاتيهما فلزم ما تركب عنهما،اذ لازم الجزء لازم للكل.و اما حقية الملزوم فقد سبق بيانها.
و أما ما يحتاج العقل فى الحكم بحسنه و قبحه الى الشرع فقالوا:لو لا اختصاص كل من الحسن و القبيح بما لاجله حسن و قبيح لكان تخصيص الشارع احدهما بالحسن و الاخر بالقبح ترجيحا بلا مرجح.
احتج الخصم بأمور:
(احدها) ان من صور النزاع تكليف ما لا يطاق،فنقول:لو كان قبيحا لما فعله اللّه تعالى،لكنه فعله كما فى تكليف الكافر بالايمان مع علمه بأنه لا يؤمن و علمه بأنه متى كان كذلك كان الايمان منه محالا،فأنتج انه غير قبيح.
(الثانى) لو قبح شيء فاما من اللّه و هو باطل بالاتفاق،أو من العبد و هو أيضا باطل،لان ما يصدر منه يكون على سبيل الاضطرار،لما ثبت أنه يستحيل صدور الفعل عنه بدون الداعى،و مع وجود الداعى يجب الفعل،فلا يقبح من المضطر شيء.
(الثالث) ان الكذب قد يحسن اذا تضمن خلاص نبى من ظالم يريد قتله.
و الجواب عن الاول:لا نسلم انه فعله،و اما تكليف الكافر بالايمان فلا نسلم أنه مما لا يطاق.و بيانه:ان الايمان ممكن فى نفسه و الكافر عالم بقدرته عليه،فكان اذن تكليفا بما يطاق.فأما علم اللّه تعالى فلا نسلم انه موجب لعدم الايمان،بل يطابق بقبح الفعل منه،على معنى أنه لو فعله لذم عليه،و الخصم ينكر وجود القبيح العقلى اصلا و يقول فيما هو قبيح عندنا لو فعله اللّه تعالى لما قبح منه، فالاتفاق منه اذن لفظى.سلمناه لكن لم لا يقبح من العبد.
فأما وجوب الفعل عن الداعى فقد بينا أن ذلك لا ينافى الاختيار.
و عن الثالث من وجوه:
(أحدها) ان عندنا اذا تعارض قبيحان حكم العقل بوجوب العمل بأضعفهما قبحا مع الشعور بقبح الاقوى،و هناك كذلك فان الكذب و ان كان قبيحا الا ان ترك انجاء النبي مع القدرة عليه أقبح،فجاز القبيح للخلاص مما هو أقبح منه.
(الثانى) لا نسلم حسن الكذب،و انما يحسن هناك التعريض،و ان فى المعاريض لمندوحة عن الكذب.
(الثالث) ان القبح و ان لزم عن الكذب لكن قد يتخلف الاثر عن المؤثر لمانع.
فان قلت:على تقدير التعريض لا يقطع بكذب فى العالم،اذ لا كذب الا و يمكن الاضمار فيه بحيث يصير صدقا،و كذلك على تقدير القول بتخلف الاثر،لاحتمال ان يتخلف الحكم هناك لمانع لا نطلع عليه.
قلت:على الاول ان العقل هو الحاكم بالقطع بالكدب،و لا يندفع ذلك باحتمال الاضمار،و كذلك لا يندفع جزمه بقبح الكذب باحتمال التخلف للمانع كما فى سائر الاحكام العقلية الضرورية التى لا ينثلم بالاحتمالات السوفسطائية.
اتفق اهل العدل على أن العبد فاعل بالاختيار خلافا للاشعرية،و ان اختلفوا فى العلم بذلك،فالجمهور منهم على أنه نظرى و ابو الحسين البصرى على أنه ضرورى،و هو المختار.
ثم الّذي ينبه على كونه ضروريا المعقول و المنقول:
اما المعقول فمن وجوه:
(الاول) ان كل عاقل يعلم بالضرورة حسن المدح على الاحسان و الذم على الاساءة،و ذلك فرع كون المحسن و المسيء فاعلين.
(الثانى) انا نجد أفعالنا تابعة لقصودنا و دواعينا و منتفية عند صوارفنا،و لا معنى للمختار الا من كان كذلك.
(الثالث) ان احدنا يزجر غيره و يعده و يلومه،و ذلك يستلزم العلم بكونه فاعلا بالضرورة.
(الرابع) ان العلم بذلك حاصل للاطفال و المجانين،فان احدهم اذا رماه انسان بآجرة يذم الرامى دون الاجرة،بل للبهائم فان الحمار يفر من الانسان اذا قصد اذاه دون الحائط و النخلة،و ذلك لانه قد تقرر فى فهمه قدرة الانسان على اذاه دون الجماد.
و اما المنقول:فالقرآن و السنة مشحونان بنسبة الفعل الى العبد و ذمه على المعصية و مدحه على الطاعة،و ذلك أشهر من أن يذكر.
أما ابو الحسن الاشعرى فانه زعم أن قدرة العبد و مقدوره واقعان بقدرة اللّه تعالى و انه لا تأثير لقدرته فى مقدوره اصلا،الا ان اللّه تعالى اجرى عادته بأنه متى اختار الطاعة أو المعصية خلقها فيه و خلق فيه القدرة عليها،و العبد متمكن من الاختيارين،و سمي تلك المكنة كسبا.و كذلك لاصحابه مذاهب فى ذلك لا يحتمل ذكرها هذا المختصر لكنها مشترك فى منع اختيار العبد.
حجتهم من وجوه:
(الاول) ان العبد حال الفعل اما أن يمكنه الترك أو ليس،فان لم يمكنه فلا اختيار،و ان امكنه فاما أن لا يتوقف وجود الفعل على مرجح و هو محال،أو يتوقف عليه فذلك المرجح ان كان من فعله عاد التقسيم فلا بد أن ينتهى الى
مرجح لا يكون من فعله دفعا للدور أو التسلسل.
ثم ذلك المرجح اما ان لا يجب معه الفعل،فيكون الطرفان ممكنين،فيفتقر رجحان احدهما على الاخر الى مرجح آخر،فلا يكون المرجح الاول كافيا، و قد فرض كذلك هذا خلف.و اما أن يجب معه،و ذلك مناف للتمكن من الطرفين الّذي هو معنى الاختيار.
(الثانى) لو كان العبد فاعلا لكان عالما بتفاصيل أفعاله،و اللازم باطل فالملزوم مثله.بيان الملازمة:ان تخصيص الشيء بالايجاد و القصد إليه يستدعى تصوره و تميزه عن غيره،و لا يكفى فى حصول الجزئى قصد كلي،لان نسبة الكلي الى الجزئيات واحدة،فلا تخصيص لاحدهما اذن بالايجاد،فلا بد من قصد جزئى،و هو مشروط بالعلم الجزئى.و اما بطلان اللازم:فان الانسان يتحرك حركات جزئية كثيرة لا شعور له بها كحركات اجفانه و جزئيات حركاته فى طريقه الطويلة و حركات النائم و الساهى.
(الثالث) لو كان العبد فاعلا مختارا امكن ان يخالف مراده مراد اللّه تعالى فبتقدير أن يريد الكفر و يريد اللّه منه الايمان فاما أن لا يقع و هو محال،لانه اخلاء عن النقيضين،او يقعا معا و هو جمع بين النقيضين،أو يقع مراد احدهما دون الاخر و هو باطل،لان قدرة كل من القادرين مستقلة بالتأثير فى مراده،فليس وقوع احدهما أولى من الاخر،و اذا بطلت هذه الاقسام على ذلك التقدير بطل ذلك التقدير اللازم لكونه مختارا.
و الجواب عن الاول:انا لا نسلم ان الفعل يتوقف على مرجح يجب معه الفعل،و هى إرادة تتبع تصور ان فى ذلك الفعل مصلحة هو الداعى،و ذلك الداعى قد يكون ضروريا فيكون من اللّه و قد يكون نظريا فيستند الى علوم ضرورية
دفعا للدور أو التسلسل،لكن لا نسلم أن استناد ذلك المرجح بالاخرة الى اللّه.
و وجوب الفعل عنه ينافى الاختيار،فان استواء الطرفين بالنسبة الى القدرة و الى الممكن نفسه و تصور العبد لامكانهما امور لا تنافى الوجوب المذكور عن الإرادة.
و عن الثانى:لا نسلم بطلان اللازم،و لا نسلم ان شيئا من حركات العبد فى نومه او يقظته غير شاعر بها.نعم قد لا يكون شاعرا بشعوره بها،و ليس كلامنا فيه.
و عن الثالث:لم لا يجوز أن يقع مراد أحدهما دون الاخر،فيقع مراد اللّه تعالى.و لا نسلم تساوى القدرتين بل تتفاوتان بالقوة و الضعف،و الضعيف ينازع القوى.او يقع من العبد،لان اللّه تعالى لما خلقه و هيأه للفعل و خلق القدرة و العلوم التى تنتهى إليها ارادته فيه فوض إليه فعله ليستحق بطاعته الثواب و معصيته العقاب اللذين لا يحسن فى العقل ايصال احدهما إليه باجباره عليه.
فان قلت:فيلزم ان يتخلف مراد اللّه تعالى عن مجموع قدرته و ارادته مع تحققهما.
قلت:فرق بين إرادة اللّه تعالى لما يفعله و بين ارادته لما يفعله العبد،و الإرادة الاولى هى التى يجب معها الفعل،فلم قلت ان الثانية كذلك،فأما حديث الكسب فهو اسم بلا مسمى،لان تلك الممكنة و ذلك الاختيار ان كان من فعل العبد فهو فاعل أو من فعل اللّه تعالى فهو كسائر الافعال المخلوقة فيه.
البارى تعالى لا يفعل فعلا الا لامر لا يخلو فى فعله عن غرض هو الداعى الى ذلك الفعل،و إلا لزم الترجيح بلا مرجح،و هو محال.
احتج الخصم بوجهين؛ (احدهما) ان كل من فعل فعلا لامر كان حصول ذلك الامر أولى به من لا حصوله كان ناقصا بذاته مستكملا بتلك الاولوية،و ذلك على اللّه تعالى محال، و ان لم يكن أولى به بل كانا على سواء امتنع الترجيح.
(الثانى) ان كل غرض يفرض فان اللّه تعالى قادر على ايجاده ابتداء،فيكون توسط ذلك الفعل عبثا.
و الجواب عن الاول:ان عنيت بكون ذلك الامر أولى به كونه أليق بحكمة وجوده،فلم قلت ان ذلك يستلزم نقصان ذاته و استكماله بغيره،و ان عنيت به كونه مستفيدا للكمال لو لم يكن حاصلا له لكان ناقصا بذاته،فلا نسلم ان الاولوية بهذا الاعتبار صادقة فى حقه تعالى.
سلمناه،لكنه معارض بما أن الخصم اثبت للّه تعالى معانى كالعلم و القدرة و غيرهما،فحصول تلك المعانى لذاته ان كان أولى به كان ناقصا بذاته مستكملا بغيره و هو محال،و ان كان مساويا بلا حصولها فلا ترجيح.
سلمناه،لكن هذه الحجة تستلزم ان لا يقع من اللّه تعالى فعل اصلا او يقع بلا مرجح،و كلاهما محال.
و عن الثانى:ان الغرض هو الغاية من الفعل،و ايجاد الغاية من دون ما هي غاية له و هو شرط فيها محال.و اللّه الموفق.
و برهانه:انه تعالى لا داعى له الى فعل القبيح،و كل من كان كذلك امتنع وقوع القبيح منه.بيان الصغرى:ان علمه تعالى بقبح القبيح و غناه عنه صارف
له عن فعله،و العلم به ضرورى،و مع تحقق الصارف يمتنع الداعى لامتناع اجتماع الضدين.بيان الكبرى:ان الفعل يعتمد الداعي لامتناع الترجيح بلا مرجح،و اما انه تعالى لا يخل بواجب فلان الاخلال به قبيح و قد علمت امتناع صدور القبيح منه.
البارى تعالى مريد لجميع الطاعات غير مريد لشيء من المعاصى،خلافا للاشعرية.
لنا:المعقول و المنقول:
اما المعقول فوجهان:
(احدهما) انه تعالى عالم بكل معلوم،و كل من كان كذلك كان مريدا للطاعة و كارها للمعصية:اما الصغرى فقد سبق،و اما الكبرى فلانه عالم بحسن الطاعات و ما يشمل عليه من المصالح،و علمه بذلك هو الداعى إليها و الاراده لها و عالم بقبح المعاصى و ما يشتمل عليه من المفاسد،و علمه بذلك هو الصارف عنها و الكراهة لها،و مع تحقق الكراهة لها يمتنع تحقق الإرادة لها،لامتناع الجمع بين الضدين.
(الثانى) لو كان مريدا للمعاصى لكان على صفة نقص،و اللازم باطل فالملزوم مثله.بيان الملازمة:انه على ذلك التقدير يكون مذموما عند العقلاء العالمين بحاله،و ذمهم له مستلزم النقصان و العلم به ضرورى.و أما بطلان اللازم فبالاتفاق.
و اما المنقول:فمنه ما يدل على إرادة الطاعة كقوله تعالى وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ (1)
1) سوره 51 - آیه 56
وَ الْإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ (1)(2)وَ ما أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ (3)(4)الآية.وجه الاستدلال ان اللام هنا للغرض الداعى الى الخلق و الامر بالعبادة و هو المعني بإرادة الطاعات.
و منه ما يدل على كراهة المعصية كقوله تعالى وَ لا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ (5)الى قوله كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً (6)(7)و نحوه.
احتج الخصم بالمعقول و المنقول:
و اما المعقول فوجهان:
(احدهما) انه تعالى خالق أفعال العباد بالقدرة و الاختيار،و كل من فعل فعلا كذلك فهو مريد له.
(الثانى) انه كلف أبا لهب بالايمان مع علمه بامتناعه منه،و العالم بامتناع الشيء يستحيل أن يريده،فامتنع ان يريد الايمان منه.
و اما المنقول:فقوله تعالى وَ لَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها (8)(9)و قوله وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً (10)(11)و قوله فَمَنْ يُرِدِ اللّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَ مَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً (12)(13)دلت هذه الآيات على عدم ارادته للهدى و الايمان و على ارادته للاضلال.
و الجواب عن الاول:بمنع الصغرى،فانا بينا أن العبد فاعل حقيقة،فلا5.
تكون افعاله مخلوقة للّه تعالى.
و عن الثانى:ان وجود الايمان و ان كان محالا نظرا الى عدم إرادة ابى لهب و علم اللّه بذلك،لكنه ليس بمحال نظرا الى ذاته و قدرة القادر عليه،فلم لا يجوز ان يتعلق إرادة اللّه تعالى به من حيث هو ممكن غير محال.
و عن الآيتين الاوليين:لم لا يجوز أن يكون المراد لاتينا كل نفس هداها و لا من فى الارض على سبيل الالجاء و الجبر،و حينئذ لا يدل الاستثناء نقيضى لازمى الشرطيين على عدم إرادة مطلق الهدى و الايمان من المكلفين.
و عن الثالث:انه لا يلزم من صدق الشرطية صدق كل من جزئيها حتى يلزم أن يريد الاضلال فيجعل الصدور كذلك.و باللّه التوفيق.
و فيه ابحاث:
أسد ما قيل فى تعريفه أنه بعث من يجب طاعته ابتداء على ما فيه مشقة ما من فعل أو ترك بشرط إرادة الباعث و اعلام المبعوث بها و من يجب طاعته كالخالق و النبي و الوالد لولده و المالك.
و قلنا«ابتداء»لان بعث الوالد لولده على الصلاة مثلا لا يسمى تكليفا لسبق بعث اللّه له و ان سمى به مجازا.
و شرطنا المشقة لان ما لا شقة فيه كالاكل بالطبع لا يسمى تكليفا.
و شرطنا الإرادة و الاعلام بها لان ما لا يعلم المكلف أن مكلفه أراد منه لا يكون تكليفا.
اما الاول:فلانه من فعل اللّه،و قد مر انه تعالى لا يفعل القبيح.
و أما الثانى:فهو أنه تعالى لما خلق العباد و هيأهم للثواب و العقاب لم يكن ايصالهما إليهم من غير تقديم التكليف بالطاعة،لكون الثواب مشتملا على التعظيم و الاجلال و العقاب مشتملا على الاهانة و الاحتقار،و ذلك فى حق غير المستحق بامتثال التكليف و عدم امتثاله محال لعدم الشرط و هو الاستحقاق و قبيح عقلا من الحكيم.
التكليف واجب من الحكيم تعالى خلافا للاشعرية.
لنا:لو لم يكلف من أكمل شرائط التكليف فيه لكان مغريا له بالقبيح، و اللازم باطل فالملزوم مثله.
بيان الملازمة:انه اذا أكمل شخص و خلق فيه الشهوة للقبيح و النفرة عن الحسن مع أن عقله لا يستقل بمعرفة كثير منهما،فلو لم يقرر فى عقله وجوب الواجب ليمتثله و حرمة الحرام ليجتنبه لكان بخلقه فيه الشهوة للقبيح مغريا له به.
و أما بطلان اللازم:فلان الاغراء بالقبيح قبيح بالضرورة،و لذلك كان العقلاء كما يذمون فاعل القبيح يذمون المغرى به،فلو فعله اللّه تعالى لكان فاعلا للقبيح،لكن القبيح منه محال فالاغراء منه محال.
فان قلت:الملازمة ممنوعة.بيانه:ان العاقل و ان وجد الشهوة للقبيح و النفرة عن الحسن الا انه يعلم بالضرورة ان العقلاء يمدحونه على فعل الحسن و يذمونه على فعل القبيح،و كفى بالمدح و الذم داعيا الى فعل الحسن و صارفا عن القبيح و حينئذ لا يتحقق الاغراء.
قلت:المدح و الذم انما يكون من العقلاء فيما يستقل عقولهم بحسنه و قبحه دون ما ليس كذلك و هو اكثر التكاليف،فلا يكفى المدح و الذم فى الدعاء الى كل واجب و الانصراف عن كل قبيح،و حينئذ يتحقق الاغراء.سلمناه، و لكن كثيرا من الخلق لا يعبأ بهما و تترجح شهواتهم و ميولهم الطبيعية على احتفالهم بالمدح و الذم،فلا يفارقانها،و حينئذ يتحقق الاغراء.و باللّه التوفيق.
و هو اما ان يرجع الى المكلف او المكلف به:اما الاول فثلاثة:
(الاول) كونه تعالى عالما بصفات الافعال و إلا لجاز التكليف بما لا يستحق عليه ثواب و هو قبيح،و بمقدار الثواب المستحق و إلا لجاز ايصال بعض الاستحقاق فيكون ظلما،و هو محال عليه تعالى.
(الثانى) كونه قادرا على ما يستحق من الثواب للعلة المذكورة.
(الثالث) أن يكون منزها عن فعل القبيح و إلا لجاز الاخلال ببعض المستحق فيقبح التكليف.
و اما الراجع الى المكلف فثلاثة:
(احدها)قدرته على ما كلف به.
(الثانى)التمييز بينه و بين غيره.
(الثالث)تمكنه من الشرائط الخارجة من ذاته كالآلات،اذ التكليف بدون كل من هذه الامور تكليف بالمحال.
اما ما يرجع الى المكلف به فأمران:احدهما كونه ممكنا،و الثانى كونه حسنا.
و هى اعتقاد و عمل:
اما الاعتقاد فقد يكون علما و قد يكون ظنا،و كلاهما اما ان يستفادا من العقل أو السمع او منهما،و قد مرت الاشارة الى ذلك.
و اما العمل فعقلى و سمعى:فالعقلى كرد الوديعة و شكر المنعم و الصدق و الانصاف و ترك الظلم و الكذب من الواجبات و الفضل و حسن السيرة و نحوهما من المندوبات،فأما السمعى فكالعبادات الخمس و نحوها مما لا يستقل العقل بدرك وجوبه و لا ندبيته من الاعمال الشرعية.
و فيه بحثان:
مرادنا باللطف هو ما كان المكلف معه اقرب الى الطاعة و أبعد من فعل المعصية و لم يبلغ حد الالجاء.
و اما وجوبه فبرهانه انه لو جاز الاخلال به فى الحكمة فبتقدير أن لا يفعله
الحكيم كان مناقضا لغرضه،لكن اللازم باطل فالملزوم مثله.
بيان الملازمة:انه تعالى أراد من المكلف الطاعة،فاذا علم أنه لا يختار الطاعة أو لا يكون اقرب إليها الا عند فعل يفعله به لا مشقة عليه فيه و لا غضاضة وجب فى الحكمة أن يفعله،اذ لو اخل به لكشف ذلك عن عدم ارادته له،و جرى ذلك مجرى من اراد من غيره حضور طعامه و علم أو غلب ظنه انه لا يحضر بدون رسول،فمتى لم يرسل عد مناقضا لغرضه.
بيان بطلان اللازم:ان العقلاء يعدون المناقضة للغرض سفها،و هو ضد الحكمة و نقص،و النقص عليه تعالى محال.
اللطف اما من فعل اللّه تعالى و يجب فى حكمته فعله كالبعثة و الا عد تركه نقضا لغرضه كما مر،أو من فعل المكلف فاما ان يكون لطفا فى تكليف نفسه و يجب فى حكمته تعالى ان يعرفه اياه و يوجبه عليه لما مر أيضا،فان قصر المكلف فى فعله فقد أتى من قبل نفسه،و ذلك كمتابعة الرسل و الاقتداء بهم أو فى تكليف غيره،و لا يجوز فى الحكمة أن يكلف ذلك الغير الا مع علمه تعالى بأن ذلك اللطف لا بدّ أن يقع ثم كلفه بما ذلك لطف فيه لكان مناقضا لغرضه،و كذلك يجب فى الحكمة ايجابه على فاعله كما مر،و ذلك كتبليغ الرسل للوحي.
ثم لا بدّ و ان يشتمل على مصلحة تعود الى فاعله،اذ ايجابه عليه لمصلحة غيره مع خلوه عن مصلحة تعود إليه ظلم،و هو عليه محال.
و فيه ابحاث:
اما الالم فقد سبق،و اما العوض فهو النفع المستحق الخالى عن تعظيم و تبجيل.و فصلناه بالمستحق عن التفضل،و بالخالى عن التعظيم عن الثواب، فانه مستحق يقارنه التعظيم و الاجلال.
انه اما حسن او قبيح،و الثانى مختص بفعلنا و العوض فيه علينا،و الاول فاما من فعلنا و هو اما من المباح كذبح الحيوان للاكل أو من المندوب كذبحه للاضحية أو الواجب كدم النذر و الكفارة،و العوض فى هذه الثلاثة على اللّه تعالى.
و اما من فعل اللّه،فاما على جهة الاستحقاق كالعقاب أو الابتداء كالايلام الواصل فى الدنيا من غير استحقاق و هو حسن،و وجه حسنه امران:
(احدهما) كونه مقابلا بعوض يزيد عليه اضعافا،بحيث لو مثل العوض و الالم للمؤلم و خير بين الالم مع عوضه أو العافية لاختار الاول.
(الثانى) ان يكون فيه مصلحة لا تحصل من دونه،و هى اللطف اما للمؤلم او لغيره،اما الاول فلان الايلام بدون العوض ظلم،و اما الثانى فلان الايلام مع العوض من دون غرض عبث،و هما محالان على اللّه تعالى.
انه اما ان يكون مساويا للألم و هو كل ما يستحق علينا،أو أزيد و هو كل ما يستحق عليه تعالى اما بفعله او اباحته أو امره او تمكينه لغير العاقل من الحيوان بخلق الشهوة للايلام و نحوه فيه و خلقه غير عاقل بقبح و حسن فيفعل.
و قال قوم من العدلية:ان العوض على الحيوان المؤذى.و قال بعضهم:
انه لا عوض فى جنايتها اصلا.
و ادعى من أوجب العوض فى حكمة اللّه تعالى الضرورة،و حجة من أوجب العوض على المؤلم نفسه قوله صلى اللّه عليه و آله«يوم يقتص للجماء من القرناء»و القصاص يومئذ بأخذ العوض،و حجة من لم يوجب عليهما عوضا قوله صلى اللّه عليه و آله«جرح العجماء جبار».
و الجواب عن الاولى:لم لا يجوز ان يريد بالجماء المظلوم و بالقرناء الظالم على وجه الاستعارة،و وجه المشابهة مشاركة المظلوم للجماء فى عدم القوة على دفع العدو و ظلمه و مشاركة الظالم للقرناء فى القوة على ذلك.
و عن الثانية:لم لا يجوز أن يريد بالجبار أنه لا يستحق به قصاص فى الدنيا، و ذلك لا ينافى وجوب العوض فى حكمة اللّه تعالى،اما فى افعاله فقد مر الكلام فيه،و اما الاعواض فى افعالنا فلان السلطان اذا لم ينتصف للمظلوم من الظالم ذمه العقلاء و عدوه جائرا،و ذلك على اللّه محال،فوجب فى حكمته الانتصاف و اخذ الاعواض.و باللّه التوفيق.
و فيه مقدمة و اركان:
فاعلم ان الكلام فى النبوة مبني على خمس مسائل يسأل عن كل منها بكلمة مفردة،و تلك الكلمات:ما،و هل،و لم،و كيف،و من.
فأولها قولنا«ما النبي»و البحث فيها عن مفهوم هذه الكلمة فى الاصطلاح العلمى.
الثانية قولنا«هل النبي»اى هل يجب وجوده فى الحكمة أم لا.
الثالثة قولنا«لم يجب وجود النبي»و يبحث فيها عن العلة الغائية لوجوده و وجه الحكمة فيه.
الرابعة قولنا«كيف النبي»و يبحث فيها عما ينبغى ان يكون عليه من الصفات التى بها يتم النبوة.
الخامسة قولنا«من النبي»و يبحث فيها عن تعيينه.
و سنذكر الاركان على هذا الترتيب إن شاء اللّه تعالى.
و فيه ابحاث:
انه الانسان المأمور من السماء باصلاح احوال الناس فى معاشهم و معادهم العالم بكيفية ذلك،المستغنى فى علومه،و أمره من السماء لا عن واسطة البشر، المقترنة دعواه للنبوة بأمور خارقة للعادة.
و احترزنا بقولنا«المستغنى»مع تمام القيد عن الامام،فانه و ان كان عالما و مأمورا من السماء باصلاح الخلق لكن بواسطة النبي.
و قيد الامر من السماء هو العمدة فى خواص النبوة.
وجود النبي ضروري فى بقاء نوع الانسان و اصلاح احواله فى معاشه و معاده،و كل ما كان ضروريا فى ذلك فهو واجب فى الحكمة الالهية،فوجود النبي واجب فى الحكمة الالهية.
بيان الصغرى:انه لما كان الانسان يفارق سائر الحيوان فى أنه لو انفرد لا يستقل وحده شخصا بتحصيل معاشه و بتولى تدبيره امره من غير مشاركة و معاونة على ضروريات حاجته،بل لا بد له من شخص و اشخاص اخر من ابناء نوعه يكون كل منهم مكفيا بصاحبه.و نظيره كأن يخبز هذا لذاك و يخيط ذاك لهذا الى غير ذلك،استلزمت هذه الضرورات وجود الاجتماع بين اشخاص الانسان و التشارك بينهم،و استلزم التشارك وجود المعاملة فى العناية و الحكمة الالهية وجود سنة عادلة يرجع إليها فيها،اذ لو ترك الناس و آراؤهم فى ذلك لاختلفوا اذ كان كل منهم يرى ماله عدلا و ما لغيره عليه ظلما،و ذلك مستلزم للتنازع و التقاتل و فناء النوع.
ثم لا بد لتلك السنة من سان عادل بشرى ليتمكن من مخاطبة الناس بتلك السنة و الزامهم بها،و لا بد ان تكون تلك السنة بوحى من السماء مقرونة دعواه الرسالة بها بشواهد خارقة للعادة يتميز بها عنهم،و الا لكان فى قدرة غيره الاتيان بمثلها،فكانت مظنة المعارضة و المخالفة فلم يقبل.
و لما كان من مقتضى حكمة الحكيم و عنايته بالانسان انبات الشعر على أشفار عينيه مثلا و حاجبيه و غير ذلك من الامور التى ليست ضرورية فى بقائه و صلاح حاله،فبالاولى ان يقتضي وجود مثل هذا الانسان الموصوف،فاذن وجوده ضرورى فى بقاء نوع الانسان.
و اما الكبرى:فلان بقاء نوع الانسان لغاية تكليفه و بلوغه كماله لما كان واجبا فى الحكمة الالهية ان يكون،و كان من ضرورة ذلك و شرائطه وجود النبي كان وجوده واجبا ان لا يكون،لان ما لا يتم الواجب المطلق الا به كان واجبا.
و بعبارة اخرى:وجود النبي شرط فى وجود التكليف بالسمعيات،و كل ما كان كذلك كان واجبا،فوجود النبي واجب.اما الصغرى فظاهرة،و اما الكبرى فلان التكليف واجب فى الحكمة على ما مر فلو لم يجب شرطه لجاز الاخلال به، فجاز الاخلال بالمشروط الواجب من الحكيم تعالى،و قد بينا انه لا يجوز عليه الاخلال بالواجب،و قد بان مما ذكرناه الغاية من وجوده.
انكرت البراهمة بعثة الأنبياء،و زعموا انه لا فائدة فيها،لان النبي اما ان يأتى بما يوافق العقل او بما يخالفه،فان كان الاول ففى العقل به غنية عنه،و ان كان الثانى قبح اتباعه،لان اتباع ما يخالف العقل قبيح فى العقل.
الجواب:لا نسلم انه اذا اتى بما يوافق العقل كان فيه غنية عنه،اذ ليس كل ما يوافق العقل يجب ان يكون عالما او مستقلا بادراكه،بل جاز ان يكون عالما به على الجملة،و يجب البعثة لتعريفنا ذلك مفصلا.و هذا كما يعلم المريض على سبيل الجملة ان كل ما ينفعه يجب تناوله و كل ما يضره يجب اجتنابه و ان لم يعلم تفصيل الضار و النافع،فاذا عرفه الطبيب ان شيئا معينا ينفعه او يضره لم يكن ذلك مخالفا لعلمه الجملى بل موافقا بتفصيله،مع انه ليس فى عقله غنية عنه.
و فيه ابحاث:
صفة للانسان يمتنع بسببها من فعل المعاصى و لا يمتنع منه بدونها.
و عندنا:ان النبي معصوم عن الكبائر و الصغائر عمدا و سهوا من حين الطفولية الى آخر العمر.
و جوز بعض الخوارج صدور جميع الذنوب عن الأنبياء.
و جوزت المعتزلة و الزيدية وقوع الصغائر عنهم فيما يتعلق بالفتوى دون الكبائر.
ثم منهم من جوزها سهوا فقط و هو مذهب الاشعرية.
فأما ما يتعلق بأداء الشريعة فأجمعوا على انه لا يجوز عليهم فيه التحريف و الخيانة لا عمدا و لا سهوا،و كذلك أجمعوا على ان وقت العصمة هو وقت النبوة دون ما قبله.
لنا وجوه:
(احدها) ان غرض الحكيم من البعثة هداية الخلق الى مصالحهم و حثهم بالبشارة و النذارة و اقامة الحجة عليهم بذلك لقوله تعالى رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ (1)(2)فلو لم يجب فى حكمته عصمة
النبي لناقض غرضه من بعثه و ارساله،لكن اللازم باطل فالملزوم مثله.فعصمة النبي واجبة فى الحكمة.
اما الملازمة:فلان بتقدير وقوع المعصية منه جاز أن يأمرهم بما هو مفسدة لهم و ينهاهم عما هو مصلحة لهم،و ذلك مستلزم لاغوائهم و اخلالهم،فكان فى بعثه غير معصوم مناقضة للغرض من بعثه.
و اما بطلان اللازم:فلان مناقضة الغرض يستلزم السفه و العبث،و هما محالان على الحكيم كما تقدم فى باب اللطف.
(الثانى) لو جاز صدور المعصية عن النبي لوجب علينا فعل المفسدة او ترك المصلحة الواجبة،لكن اللازم باطل فالملزوم مثله.
بيان الملازمة:انه يجب علينا فعل ما أمرنا به و الانتهاء عما نهانا عنه لقوله تعالى ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا (1)(2)،فبتقدير أن يجوز المعصية عليه جاز أن يوجب علينا ما هو محرم و يحرم علينا ما هو واجب، و يجب علينا اتباعه فى ذلك.
و اما بطلان اللازم:فلان امر الحكيم لنا باتباعه مطلقا يستلزم امره لنا بفعل القبيح اذن،لكن الامر بالقبيح قبيح ممتنع عليه تعالى.
(الثالث) لو جاز صدور المعصية عنهم لكان بتقدير وقوعها منهم لا تقبل شهاداتهم،لقوله تعالى إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا (3)(4)لكن اللازم باطل لانها اذا لم تقبل فى محقرات الامور فكان اولى أن لا تقبل فى الاديان الباقية الى يوم القيامة.6.
و اعلم ان الوجه الاول كما يدل على عصمة النبي فهو أيضا يدل على عصمة الرسل من الملائكة.
ينبغى ان يكون منزها عن كل امر تنفر عن قبوله،اما فى خلقه كالرذائل النفسانية من الحقد و البخل و الحسد و الحرص و نحوها،او فى خلقه كالجذام و البرص،او فى نسبه كالزنا و دناءة الاباء،لان جميع هذه الامور صارف عن قبول قوله و النظر فى معجزته،فكانت طهارته عنها من الالطاف التى فيها تقريب الخلق الى طاعته و استمالة قلوبهم إليه.
قد بينا انه يجب ان يكون له شواهد بدعواه لغرض تصديقه،و تسمى معجزات.
و المعجز هو الامر الخارق للعادة المطابق لدعوى النبوة المتعذر فى جنسه او صفته.
و قلنا«الخارق»لان المعتاد و ان كان قد يكون متعذرا كطلوع الشمس من المشرق الا انه ليس بدليل على النبوة.
و احترزنا«بالمطابق للدعوى»عما لا يطابق،كما اذا ادعى من المعجز أنه يثير ماء بئر فغاض ماؤها،فان ذلك خارق للعادة متعذر لكنه ليس بدليل لعدم مطابقته للدعوى.
و قلنا«المتعذر فى جنسه أو صفته»لان المعجز من فعل اللّه تعالى و لا يقطع
بكونه من فعله الا اذا كان متعذرا من غيره،اما فى جنسه كخلق الحياة او فى صفته كالحركة الى السماء.
و فيه ابحاث:
محمد رسول اللّه حقا،و برهانه انه ادعى النبوة و ظهر المعجز على يده موافقا لدعواه،و كل من كان كذلك كان نبيا حقا،فمحمد نبي حق.
اما الصغرى فادعاء النبوة منه معلوم بالتواتر،و أما ظهور المعجز على يده موافقا لدعواه فمن وجوه:
(احدها) انه ظهر عليه القرآن كذلك،و القرآن معجز.
اما ظهور القرآن عليه فبالتواتر،و اما ان القرآن معجز فلانه تحدى به العرب الذين هم اهل الفصاحة و البلاغة فعجزوا عن الاتيان بمثله فكان معجزا.
اما انه تحداهم بالقرآن فلانه بلغ امر ربه فى قوله تعالى قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ (1)(2)فلما لم يأتوا بذلك قال قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَ ادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (3)(4)فلما لم يأتوا قال قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ (5)
اَلْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ (1)(2)الآية.و هو معلوم بالتواتر أيضا.
و اما انهم عجزوا عن معارضته فلانهم لو كانوا قادرين على ذلك لما عدلوا عنه الى قتل انفسهم و اتلاف اموالهم فى محاربته و اطفاء مقالته،لكن اللازم باطل فالملزوم كذلك.بيان الملازمة:ان غرضهم الاكثر من محاربته ليس الا دفع مقالته،و قد كان الاتيان بمثل القرآن لو امكن مع سهولة الكلام عليهم و علو درجاتهم فى الفصاحة و البلاغة كافيا فى دفعه و اسكاته،فلو كانوا قادرين على دفعه من تلك الجهة مع سهولتها عليهم لما عدلوا عنها الى الاشق الّذي هو قتل النفوس فى الحرب،و العلم به ضروري.
و اما بطلان اللازم:فظاهر.
و اما انهم لما عجزوا عن معارضته كان معجزا فلصدق حد المعجز حينئذ عليه،و اما موافقته لدعواه فمعلوم بالتواتر أيضا.
(الثانى) لو سلمنا ان القرآن لم يبلغ الى حد الاعجاز الا انه لا نزاع فى كونه كتابا شريفا بالغا فى الفصاحة و الاشتمال على العلوم الكثيرة الشريفة من المباحث الالهية و علوم الاخلاق و علم السلوك الى اللّه تعالى و علم احوال القرون الماضية.
ثم ان محمدا عليه السلام نشأ فى مكة،و هى خالية عن العلماء و الكتب و المباحث الحقيقية،و لم يسافر الا مرتين فى مدة قليلة،و علم من حاله فى سفره و حضره أنه لم يواظب على القراءة و الاستفادة من أحد،و انقضى من عمره أربعون سنة على هذه الصفة،ثم بعدها ظهر مثل هذا الكتاب الشريف على لسانه8.
و ذلك معجزة قاهرة ظاهرة،اذ ظهور مثل هذا الكتاب على مثل ذلك الانسان الخالى عن البحث و الطلب و المطالعة و التعلم لا يمكن الا بوحي من اللّه و إلهام و العلم به ضرورى.
(الثالث) انه عليه السلام نقلت عنه معجزات كثيرة:كنبوع الماء من بين اصابعه،و تسبيح الحصى فى كفه،و حنين الجذع إليه،و انشقاق القمر،و اقبال الشجر،و اطعام الخلق الكثير من الطعام القليل شبعا فى مواضع،و نحو ذلك مما دونه العلماء و رووا أنه ألف معجزة.فهذه المعجزات و ان كان كل واحد منها مرويا بطريق الآحاد الا انا نعلم بالضرورة أنها ليست بأسرها كذبا،بل لا بد ان يصدق بعضها،و ايها صدق ثبت به ظهور المعجز على يده موافقا لدعواه.
و هذا هو المسمى بالتواتر المعنوى كشجاعة علي عليه السلام و سخاوة حاتم.
و اما بيان كبرى القياس الاول فمن وجوه:
(الاول) ان ظهور المعجز على يد مدعي النبوة مقارنا لدعواه و موافقا لها لما كان من خواص النبي كان كل من اتصف به نبيا،فلما اتصف به محمد عليه السلام علمنا كونه كذلك.
(الثانى) انه لو كان كاذبا فيما ادعاه من النبوة لما جاز أن يخلق اللّه تعالى المعجز على يديه مقارنا لدعواه،لكن اللازم باطل فالملزوم مثله.
بيان الملازمة:ان العقل يضطر عند مشاهدة المعجز مقرونا بدعوى المدعى الى تصديقه،فلو كان كاذبا لكان تعالى قد صدق الكاذب،لكن تصديق الكاذب مستلزم لتجهيل الخلق و اغرائهم بالقبيح،و هو غير جائز على اللّه،فثبت انه لو كان كاذبا لما جاز اظهار المعجز على يده.
و اما بطلان اللازم:فلما مر.
(الثالث) دعوى الضرورة،و نبئوا على ذلك بأن قالوا ان الملك العظيم اذا حضر فى المحفل العظيم فقام واحد و قال ايها الناس انى رسول هذا الملك إليكم ثم قال يا ايها الملك ان كنت صادقا فى كلامى فخالف عادتك و قم عن سريرك،فاذا قام الملك عند سماع هذا الكلام علم الحاضرون بالضرورة كون ذلك المدعى صادقا فى دعواه،فكذلك حال محمد عليه السلام فى دعواه النبوة و اظهار اللّه تعالى الامر الخارق للعادة على يديه عقيب دعواه.
لا يقال:لا نسلم ان شيئا مما ذكرتموه معجز،و لا نسلم انه من فعل اللّه،و لم لا يجوز أن يكون لنفس هذا الانسان او لبدنه خاصية لاجلها قدر على ما لم يقدر عليه احد غيره.
سلمناه،لكن لم لا يجوز أن يكون اعانه عليه بعض الجن و الشياطين،كما يقال ان الجن يدخل فى بدن المصروع،و حينئذ يكون كلام الذئب و البعير و غيرهما من ذلك القبيل.
سلمناه،لكن لم لا يجوز أن ينسب ذلك الى بعض الكواكب او الملائكة المجردة او ابليس اما بالاستقلال او بالاعداد له و المعونة على فعل ذلك.
سلمنا ان فاعلها هو اللّه تعالى،لكن لم قلتم انه فعلها لغرض التصديق، و لم لا يجوز أن يكون ابتداء عادة او تكرير عادة متطاولة متباعدة.
سلمناه،لكنه لعله خلقها معجزة لنبى آخر فى بعض أطراف العالم أو لملك او كرامة لواحد من جن البر أو البحر.
سلمناه،لكن لعله خلقها على يده مع كونه كاذبا حتى تشتد البلية و تقوى الشبهة،فيستحق بسببها الثواب العظيم.
لانا نجيب عن الاحتمالات الاولى انه عليه السلام ادعى كون هذه المعجزات
قد فعلها اللّه تعالى على يديه تصديقا لدعواه الرسالة من عنده،فلو كان شيء منها من فعل غيره لا لغرض تصديقه لكان كاذبا فيما ادعاه.و كان اللّه تعالى قد مكنه مما يروج به كذبه و مكن غيره من مساعدته على ذلك،فيكون مصدقا للكاذب لكن تصديق الكاذب مستلزم لاضلال الخلق و افسادهم و هو قبيح عقلا،فيمتنع عليه.
و عن الاحتمالات العائدة الى اللّه تعالى انه تعالى لما خلقها على يديه عقيب دعواه مطابقة لها علمنا بالضرورة كون الغرض بها تصديقه دون سائر الاحتمالات المذكورة.
و اذا ثبت انه صلى اللّه عليه و آله نبى حق وجب ان يكون موصوفا بسائر خواص النبوة و لوازمها من العصمة و البراءة عن وجوه النقائص المنفرة عنه.
اختلف المتكلمون فى سبب اعجاز القرآن:
فذهب اكثر المعتزلة الى ان سببه فصاحته البالغة.
و ذهب الجوينى الى انه الفصاحة و الاسلوب،و لذلك كان فى شعر العرب و خطبهم ما فصاحته كفصاحة القرآن دون اسلوبه،و كان فى كلامهم ما اسلوبه كأسلوبه دون فصاحته ككلام مسيلمة.
و ذهب المرتضى رحمه اللّه الى ان اللّه تعالى صرف العرب عن معارضته، و هذا الصرف يحتمل أن يكون لسلب قدرهم،و يحتمل ان يكون لسلب دواعيهم و يحتمل أن يكون لسلب العلوم التى يتمكنون بها من المعارضة.و نقل عنه انه اختار هذا الاحتمال الاخير.
و الحق أن وجه الاعجاز هو مجموع الامور الثلاثة،و هى الفصاحة البالغة
و الاسلوب و الاشتمال على العلوم الشريفة.فأما كلام العرب فيوجد فى بعضه الفصاحة البالغة،و اما الاسلوب فنادر و ممكن عند التكلف،و قلما يمكن اجتماعهما لان تكلف الاسلوب يذهب بالفصاحة.
و اما العلوم الشريفة الموجودة فى القرآن فتعود الى علم التوحيد و علم الاخلاق و السياسات و كيفية السلوك الى اللّه و علم احوال القرون الماضية،فربما وجد فى كلام بعض حكمائهم كقس بن ساعدة و نحوه ممن قرأ الكتب الالهية السابقة شيء من تلك العلوم،فيكون ذلك منه على سبيل النقل،و مع ذلك فلا يوجد معه اسلوب القرآن و فصاحته.
و الحاصل:ان كلامهم قد يوجد فيه ما يناسب بعض القرآن فى الفصاحة، و هو فى مناسبته له فى الاسلوب ابعد.و أما فى العلوم و المقاصد التى اشتملت عليها فأشد بعدا،فان للقرآن باطنا و ظاهرا كما قال صلى اللّه عليه و آله«ان للقرآن ظهرا و بطنا و حدا و مطلعا فيأخذ كل منه بحسب فهمه و استعداده».
و فيه آيات كثيرة بشرت و انذرت بحوادث مستقبلة،و ذلك مما لا يفى به القوة البشرية الا بتأييد و وحى إلهى،فتكون تلك ممتنعة فى كلامهم فضلا ان يعبروا عنها بما يناسب لفظ القرآن فى فصاحته و اسلوبه.و باللّه التوفيق.
نبوة نبينا محمد صلى اللّه عليه و آله مبنية على جواز النسخ،و من اليهود من منع منه عقلا و سمعا،و منهم من اجازه عقلا و سمعا،و منهم من اجازه عقلا و منع منه سمعا.
لنا فى جوازه عقلا و سمعا وجوه:
(احدها) انه عبارة عن رفع مثل الحكم الثابت بالنص المتقدم بنص آخر متراخ عنه على وجه لولاه لاستمر ذلك الحكم و دام.
ثم ان التكليف بذلك الحكم تابع للمصلحة على ما مر،و لا يمتنع ان يصير ما هو مصلحة فى وقت مفسدة فى وقت آخر،و جواز صيرورته كذلك يستلزم جواز نسخه،و الا لكان التكليف به على تقدير صيرورته مفسدة تكليفا بالقبيح الممتنع على اللّه تعالى.
(الثانى) انا قد دللنا على صحة نبوة نبينا محمد صلى اللّه عليه و آله،و لا شك ان شريعته مستلزمة لنسخ كثير من أحكام الشرائع السابقة،فقد ثبت وجود النسخ،و هو مستلزم لجوازه.
(الثالث) انه كان من شريعة آدم عليه السلام جواز تزويج الاخ بالاخت، ثم رفع ذلك الحكم.
و حجة من منع منه عقلا انه يستلزم البداء المستلزم للجهل الممتنع على اللّه تعالى.
و حجة المانعين منه سمعا ما روي عن موسى عليه السلام انه قال:تمسكوا بالسبت ابدا.و قوله:شريعتى لا تنسخ.
و جواب الاول:لا نسلم انه مستلزم للبداء،لان البداء يستلزم اتحاد الوقت و الفعل و المكلف و وجه التكليف،و ظاهر أن النسخ ليس كذلك،لعدم بعض الشرائط.
و عن الثانى:لا نسلم صحة الخبر.
سلمناه،لكن لا يفيد اليقين،لجواز أن يريد بقوله«أبدا»المدة الطويلة أو الممكنة لوجود مخصص.
سلمناه،لكن لعل فيه اضمارا،و هو قوله«ما لم يأت صاحب شريعة يرفعه»لكن استغنى عن اظهاره للعلم به،أو نطق به و لم ينقل إلينا.
سلمناه،لكن قد علمت ان الدليل النقلى لا يفيد اليقين الا اذا لم يقم الدليل العقلى فى معارضته،و هاهنا قد قام الدليل العقلى الدال على نبوة محمد عليه السلام معارضا لما ذكرتم،فيسقط الاستدلال به على العموم.و باللّه التوفيق.
محمد عليه السلام افضل الأنبياء،و يدل عليه المعقول و المنقول:
أما المعقول فهو انه صلى اللّه عليه و آله اكثر فيضانا للعلوم و أعم نورا من سائر الأنبياء،فوجب أن يكون افضل.
اما الاول:فلان شريعته بلغت اكثر بلاد العالم و انتشرت فى اطراف الارض،بخلاف سائر الأنبياء،فان دعوة موسى عليه السلام كانت مقصورة على بنى اسرائيل و هم بالنسبة الى امة محمد عليه السلام فى غاية القلة.و اما عيسى عليه السلام فالدعوة الحقة التى جاء بها لم تبق البتة،و أما ما فى أيدى النصارى مما يدعونه شريعة له فهو جهل محض و كفر صريح و الاستقراء يحققه،فوجب ان لا يكون شريعة له.
و اما المنقول:فالقرآن و الخبر:
اما القرآن فقوله تعالى بعد ذكر النبيين أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ (1)(2)امره ان يقتدى بهم بأسرهم،فوجب ان يأتى بكل ما أتوا به،فوجب ان يحصل على مثل كمالات جميعهم،فيكون افضل من كل واحد منهم.
و اما الخبر فقوله عليه السلام:آدم و من دونه تحت لوائى يوم القيامة.
فكان عليه السلام مقدم ولده عند اللّه تعالى و افضلهم،و هو المطلوب.
ان محمدا عليه السلام لم يكن قبل نزول الوحي على شريعة تختص بأحد من الأنبياء السابقين،لان الشرائع التى كانت قبل عيسى عليه السلام كانت منسوخة بشريعة عيسى،و اما شريعة عيسى فأكثر الناقلين لها كانوا كفارا بطريق القول بالتثليث و الحلول و الاتحاد،و السالمون من هذه الاعتقادات لو وجدوا كانوا على غاية من القلة،فلا يجوز الاعتماد على نقلهم و الوثوق بقولهم.
فأما الامور الكلية و القواعد الحقيقية التى اتفقت الأنبياء على القول بها و شهدت البراهين العقلية بصحتها كالعلم بوجود الصانع و وحدانيته و ما ينبغى له من الصفات و الافعال و القول بالمعاد و استكمال النفوس بالعلوم و مكارم الاخلاق فقد كان عليه السلام متعبدا بها،و إليه الاشارة بقوله تعالى قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ*دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً (1)(2)الآية،و نحوها من الآيات.
الا ان تعبده بتلك لا من حيث انهم كانوا متعبدين بها،بل لانها فى أنفسها كمالات واجب اعتقادها و الاستكمال بها.
انه عليه السلام مبعوث الى جميع الخلق،خلافا لبعض اليهود فانهم زعموا أنه مبعوث الى العرب خاصة.
لنا:انهم سلموا كونه نبيا فوجب كونه معصوما،و قد أخبرنا بالتواتر انه
ادعى الرسالة الى جميع الخلق،فلو كان كاذبا لم يكن معصوما.هذا خلف.
و ان كان صادقا لزم بطلان قولهم.
لما ثبت كونه نبيا حقا وجب ان يكون كل ما اخبر به صادقا من القول بالاسراء و القول بثواب القبر و عذابه و الحساب و الميزان و سائر ما أخبر عنه من احوال القيامة،لانها بأسرها ممكنة و اللّه تعالى قادر على جميع الممكنات و قد أخبر الصادق عنها،فوجب القول بصحتها.
فان وقع فيها تشكك لبعض الاذهان فسببه الجهل بكيفية وقوع تلك الامور المخبر عنها و كونها على أي وجه هي.و باللّه التوفيق.
فى الطريق الى معرفة شرعه لمن بعده صلى اللّه عليه و آله.اما عندنا فالطريق الى ذلك قول الامام المعصوم الّذي لا يخلو زمان التكليف منه فى حق من يحضره.
و اما فى حق من نأى عنه فأصول الشريعة معلومة له بالتواتر عن النبي و الائمة عليهم السلام،و أما الفروع فمعلومة بالطرق المظنونة من النقل و الاجماع و الاجتهاد فى بعضها.
و اما عند من لم يقل بعصمة الامام فالطريق له هو ما عدا قول المعصوم من الطرق التى ذكرناها.و باللّه التوفيق.
و فيها مقدمة و اركان:
فنقول:الّذي يشير إليه كل انسان بقوله«انا»اما أن يكون جسما او جسمانيا او لا جسما و لا جسمانيا او مركبا من هذه الاقسام،و الى كل واحد منها ذهبت فرقة من الناس:
اما القائلون بأنه جسم فهو مذهب طوائف،و لهم فى تعيين ذلك الجسم مذاهب كثيرة،و اشهر مذاهب المتكلمين فى ذلك مذهبان:
(احدهما) قول المشايخ كأبي على و ابى هاشم،و هو انه عبارة عن هذا الهيكل المحسوس.
(و الثانى) قول اكثر المحققين من المتكلمين و اختيار ابى الحسين البصرى و هو انه فى هذا البدن اجزاء اصلية باقية من اوّل العمر الى آخره من غير أن يتطرق إليها شيء من التغيرات بالزيادة و النقصان،و فيه اجزاء عارضة تبعية تزيد و تنقص،فالانسان المشار إليه بقوله«انا»هو عبارة عن تلك الاجزاء الاصلية دون الفاضلة.
و اما القائلون بأنه جسمانى:فمنهم من قال هو عبارة عن الحياة،و منهم من قال عبارة عن التخطيط و الشكل،الى غير ذلك.
و اما القائلون بأنه ليس بجسم و لا بجسمانى فهم جمهور الفلاسفة،و من قدماء المعتزلة معمر بن عباد و المفيد من الامامية،و من المتأخرين الغزالى و ابو القاسم الراغب.
و المختار انه عبارة عن اجزاء اصلية باقية من أول العمر الى آخره.
لنا:انه اما ان يكون جسما غير ما ذكرنا او عرضا أو لا جسما و لا عرضا او مركبا من هذه الاقسام،و الاقسام الثلاثة الاخيرة باطلة،فتعين الاول.
انما قلنا انه يستحيل ان يكون عرضا لانه اما ان لا يكون عبارة عن نفس الحياة او ما هو مشروط بها او يكون،و الاول باطل بالضرورة و الاتفاق،و اما الثانى فلانه لو كان عبارة عن احدهما لزم من عدم الحياة ان لا يصل الى مستحق ثواب و لا عقاب،لكن اللازم قبيح غير جائز فى الحكمة فيمتنع ملزومه.و اما الملازمة:فلما سنبين من امتناع اعادة المعدوم.
و انما قلنا انه يستحيل أن يكون لا جسما و لا عرضا لانه يكون حادثا،لما دللنا على أن كل ممكن محدث،و قد ثبت فى اصول الفلاسفة ان كل حادث فهو مشروط بمادة أو ما يقوم مقامها،و ثبت أن هذا الجوهر عندهم مشروط
الحدوث بحدوث البدن،و ثبت ان هذا البدن يعدم،فوجب ان يعدم ذلك الجوهر لعدم شرطه.و سنبين ان المعدوم لا يعاد،فلو كان الانسان عبارة عن هذا الجوهر لوجب ان يمتنع عوده على تقدير عدمه،فوجب ان لا يصل الثواب و العقاب الى مستحقهما،و هو غير جائز من الحكيم.و سنؤكد ذلك بالكلام على ادلتهم فى اثباته و بقائه.
و بمثل هذا البيان بطل ان يكون الانسان عبارة عما تركب من هذه الاقسام لعدم المركب لعدم جزء و امتناع اعادة المعدوم.
و اذا بطلت الاقسام الثلاثة بقى ان يكون جسما،و محال ان يكون عبارة عن هذا الهيكل المحسوس بما فيه أيضا،لان كل عاقل يعلم بالبديهة ان بدنه زمان الشيخوخة غيره زمان الصغر،و ذلك لان البدن ينتقل من الهزال الى السمن و يتحلل بسائر انواع التحللات،فلو كان الانسان عبارة عن هذا الهيكل لزم فى كل يوم أن يخرج الانسان عن كونه انسانا و يحدث مثله،و ذلك جهالة.
و اذا بطل ذلك بقى ان يكون عبارة عن اجزاء فيه أصلية باقية من أول العمر الى آخره لا يجوز عليها التبدل و التغير و العدم،لما بيناه و هو المطلوب.
اذا عرفت ذلك فاعلم ان اكثر العالم متفقون على القول بالمعاد،و هو اما ان يكون جسمانيا فقط و هو قول اكثر المتكلمين،او روحانيا فقط و هو قول كثير من الفلاسفة الالهيين،او جسمانيا و روحانيا و هو قول كثير من المحققين.
و انكره الطبيعيون من قدماء الفلاسفة.و نقل عن جالينوس التوقف،فانه قال لم يظهر لي أن النفس غير المزاج،فبتقدير أن يكون الانسان عبارة عن المزاج-و هو مما يعدم بالموت-فيمتنع اعادته،و بتقدير أن يكون امرا وراء المزاج يجوز بقاؤه بعد فناء المزاج كان المعاد ممكنا،فلذلك توقف.
و فيه ابحاث:
(احدها) اثبات الجوهر الفرد،لان الانسان عبارة عن اجزاء اصلية فى البدن يكون اعادتها بجمعها بعد تشذبها و تفرقها،و قد دللنا على وجوده.
(الثانية) اثبات الخلاء،لان احياز اجسام العالم لو كانت ملاء لما صحت حركة بعض الاجزاء الى بعض عند التأليف و الاعادة بعد تشذبها و تفرقها، و برهان ذلك ان نقول:ان كان الجوهر الفرد حقا فالخلاء حق،لكن الملزوم حتى فاللازم مثله.
بيان الملازمة:انه لو كان العالم ملاء على ذلك التقدير لكان الجوهر الفرد
اذا انتقل من حيزه الى حيز جوهر آخر فذلك الاخر اما أن ينتقل الى حيز الاول او الى حيز جوهر ثالث،و الاول باطل لان انتقال كل منهما الى حيز الاخر يصير مشروطا بانتقال الاخر الى حيزه،فيكون حركة كل منهما مشروطة بما هو مشروط بها،فيكون شرطا فى نفسها هذا محال.و الثانى أيضا باطل،لان الكلام فى انتقال الثالث كالكلام فى الثانى،فأما ان يلزم كون الشيء شرطا فى نفسه او أن يدافع الجواهر بعضها بعضا الى نهاية اجسام العالم،فيلزم من حركة البقة فى الهواء و السمكة فى عمق الماء ان تتحرك كرة العالم بأسرها،و هو باطل بالبديهة.و اما حقية الملزوم فقد سبق بيانها.
حجة الخصم فى نفى الخلاء:لو كان الخلاء موجودا لكانت الحركة فيه اما ان تقع فى زمان او لا تقع،و القسمان باطلان،فوجود الخلاء باطل.
اما الملازمة فظاهرة،و اما بطلان القسم الاول فلانا نعلم بالضرورة ان المتحرك فيه كلما كان أدق كانت الحركة فيه أسرع،و بالعكس.و نسبة الرقة الى الغلظ كنسبة السرعة الى البطء،فلو فرضنا ملاء ارق من الماء بحيث يكون نسبة رقته الى رقة الماء كنسبة زمان الحركة فى الخلاء الى زمان الحركة فى الماء لكانت الحركة مع العائق كهى لا مع العائق.هذا محال.و أما بطلان الثانى:
فلان كل حركة فعلى مسافة،فتكون الحركة الى نصفها سابقة على الحركة الى كلها،و السبق و التأخر من لواحق الزمان،و كل حركة واقعة فى زمان.
و الجواب:لا نسلم وجود ملاء نسبة رقته الى رقة الماء كنسبة زمان الحركة فى الخلاء الى زمانها فى الماء حتى تكون الحركة مع العائق فيه كهى لا مع العائق.و بيانه:ان الحركة تستدعى لذاتها قدرا معينا من الزمان بناء على القول بالجوهر الفرد.ثم لا بد لها من قدر آخر بسبب المعاوق فى الملاء الرقيق،
فيستحيل ان تتساوى نسبتها مع ذلك القدر الى الماء نسبة الحركة فى الخلاء الى الحركة فى الماء.و باللّه التوفيق.
(الثالثة) اثبات كونه تعالى قادرا على جميع الممكنات.
(الرابعة) كونه تعالى عالما بجميع المعلومات الكلية و الجزئية ليميز بين الاجزاء الاصلية لزيد و لعمرو و الفاضلة فيهما و يرد كل اصل الى بدن صاحبه، و هاتان المقدمتان قد بينا صحتهما.
و اذا ثبتت هذه المقدمات ظهر أن تلك الاجزاء التى تفرقت يمكن تركيبها بعينها كما كانت،و هو مرادنا بجواز المعاد الجسمانى،و الى هذا اشار القرآن الكريم بقوله وَ هُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ (1)الى قوله اَلْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (2)(3)استلزم ذلك كمال قدرته تعالى و كون الاعادة ممكنة و الا لما تعلقت بها القدرة و دل قوله «وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» (4)على كمال علمه تعالى و قدرته.
اما المنكرون للمعاد الجسمانى من الفلاسفة فقد احتجوا بوجوه:
(احدها) لو صح حشر الاجسام لصحت اعادة المعدوم بعينه،لكن اللازم باطل فالملزوم كذلك.بيان الملازمة:ان الانسان ليس عبارة عن تلك الاجزاء الاصلية فقط،لانها اذا تفرقت و صارت ترابا من غير حياة و لا مزاج فان كل احد يعلم ان ذلك التراب ليس عبارة عن زيد بل انما تكون تلك الاجزاء هى زيد اذا تألفت على وجه مخصوص و قامت بها حياة و علم و قدرة،و اذا كان كذلك فعند تفرق تلك الاجزاء تزول تلك الصفات و تفنى،و حينئذ تبطل ماهية زيد من حيث أنه ذلك الشخص المعين،فحينئذ لا تصح اعادته من حيث هو كذلك الا باعادة اعراضه التى زالت و فنيت،و ذلك يستلزم صحة اعادة المعدوم.و اما بطلان7.
اللازم فلما سيأتى إن شاء اللّه تعالى.
(الثانى) انه اذا اغتذى انسان بإنسان آخر حتى صارت اجزاء المأكول اجزاء من المغتذى فيوم القيامة لا بد ان ترد تلك الاجزاء الى بدن احد الشخصين فيضيع الاخر،فعلمنا بطلان حشر الاجساد.
(الثالث) انه تعالى اذا أعاد بدن شخص فاما ان يعيد الاجزاء التى كانت موجودة وقت الموت او جملة الاجزاء التى كانت فى مدة الحياة،و الاول يقتضي ان يعاد الاعمى و المجذوم و الاقطع على تلك الصور و هو باطل بالاتفاق، و الثانى باطل لان المسلم اذا كان سمينا ثم كفر فهزل يلزم ان تعذب الاجزاء التى كانت موصوفة بصفة الاسلام،و كذلك لو كان كافرا سمينا ثم اسلم و هزل يلزم ايصال الثواب الى الاجزاء الكافرة،و ذلك ظلم و هو غير جائز من الحكيم.
و الجواب عن الاول:لم لا يجوز أن يكون الانسان عبارة عن اجزاء اصلية فى هذا البدن باقية من اوّل العمر الى آخره لا يجوز عليها التبدل و التغير،و هى التى ينسب إليها الطاعة و المعصية،ثم عند الموت تنفصل تلك الاجزاء و تبقى على حالها و عند الاعادة تؤلف و تضم معها اجزاء اخر زائدة و يوصل إليها الثواب و العقاب.و على هذا يكون المثاب و المعاقب فى القيامة عين من كان مطيعا و عاصيا فى الدنيا.
و عن الثانى:انا بينا ان المعتبر فى الحشر و النشر اعادة الاجزاء الاصلية دون الفاضلة،فالاجزاء الاصلية لكل بدن تكون فاضلة فى غيره.
و بهذا الحرف يظهر الجواب عن الثالث،لان المطيع و العاصى و المثاب و المعاقب ليس الا تلك الاجزاء الاصلية الباقية من أول العمر الى آخره،فأما الاجزاء الزائدة المتبدلة بالسمن و الهزال فلا عبرة بها.
و يدل عليه المنقول و المعقول:
اما المنقول فاعلم انه قد ثبت بالنقل المتواتر عن الأنبياء عليهم السلام العلم بوقوعه،فوجب القطع بذلك،لان الصادق اذا أخبر عن وقوع امر ممكن الوقوع وجب القطع به.
فان قلت:لم لا يجوز أن يقال ان الأنبياء عليهم السلام انما اثبتوا المعاد الجسمانى ليحصل به نظام العالم،لان معرفة المعاد الروحانى موقوفة على معرفة النفس المجردة و أحوالها المعقولة،و ذلك امر لا يتصوره العوام و النساء،فلو خوطبوا به لم يتصوروه و لم يصدقوا به،فلم ينتفعوا و لم يحصل ما هو مقصود الشارع من جمع الخلق على نظام واحد و معتقد واحد،فانى لهم بالمعاد الجسمانى الظاهر لانه المتصور لهم،كما فعل ذلك فى تفهيمهم للصانع حيث اتي بالظواهر المشعرة بالجسمية و الجهة للمبدإ.ثم ان من كان قوى العقل عرف انه لا بد من تأويل هذه الظواهر،كما انه لا بد من تأويل تلك.
و الجواب:ان التأويل انما يصار إليه اذا لم يكن الحمل على الظاهر جائزا كما فى الظواهر المشعرة لجسمية الصانع،و أما عند جوازه كما فى المعاد فالظاهر اولى.
و أيضا فانما يصار الى التأويل ان لو كان احتماله قائما،و لما علمنا بالنقل المتواتر من دين محمّد صلّى اللّه عليه و آله انه كان مثبتا للمعاد الجسمانى مكفرا لمن انكره لا جرم لم يبق للتأويل فيه مجال.
و اما المعقول فمن وجهين:
(احدهما) لو لم يكن الحشر و النشر حقا لبطل الثواب و العقاب المستحقان بالطاعة و المعصية و الاحسان و الاساءة،لكن اللازم باطل فالملزوم كذلك.
بيان الملازمة:انا نرى المطيع و العاصى يدركهما الموت من غير أن يصل الى احد منهما ما يستحقه من ثواب او عقاب،فان لم يحشرا ليوصل إليهما ذلك المستحق لزم بطلانه اصلا.
و اما بطلان اللازم:فلان ذلك ظلم و تبعة لا يجوزان على الصانع الحكيم، و قد اكد اللّه تعالى هذه الحجة بآيات من القرآن،كقوله تعالى إِنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى (1)(2)و قوله تعالى وَ ما خَلَقْنَا السَّماءَ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما باطِلاً ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا (3)الى قوله كَالْفُجّارِ (4)(5).
(الثانى) ان يقال:انه تعالى خلق الخلق اما للراحة او للتعب و الالم أو لا لواحد منهما،و الثانى باطل لقبحه و امتناعه من الغنى الحكيم الرحيم،و الثالث باطل لكونه سفها و عبثا يمتنع من الحكيم أيضا،فبقى ان يقال انما خلقهم للراحة و هى اما ان تصل إليهم فى الدنيا،و هو باطل لان كل ما يعتقد فى الدنيا لذة فانما هو دفع للألم،كالذى يظن من لذة الاكل فانما هو دفع ألم الجوع، فلذلك فانما ألذ لقمة تؤكل هى الاولى لشدة ألم الجوع هناك،و كل لقمة تأخرت فهى اقل لذة لضعف ألم الجوع هناك،و كذلك سائر اللذات الحاصلة فى هذا العالم.و بتقدير أن يحصل فى هذا العالم لذة فانها قليلة و الغالب اما الآلام او دفعها،و ليس من الحكمة تعذيب الحيوان بنيران الآلام و المكروهات لاجل الفوز بذرة من اللذات،فاذن ليس المقصود من خلق الانسان ايصال الراحة إليه فى8.
الدنيا،فلا بد من القطع بوجود لذة اخرى و عالم آخر تحصل فيه الراحة التامة التى تستحقر فى الوصول إليها هذه الآلام،و تلك هى الدار الآخرة فى المعاد الجسمانى.
اختلف العقلاء فى ان الشيء اذا فني و عدم هل يمكن اعادته بعينه أم لا، و اتفقت جملة مشايخ المعتزلة على ان اعادته ممكنة،و هو تفريع على مذهبهم ان المعدوم شيء فى عدمه،فاذا عدم لم يبطل ذاته المخصوصة و انما زالت عنه صفة الوجود،و لما كانت ذاته المخصوصة باقية فى الحالين كانت اعادته ممكنة.
و اتفقت الفلاسفة على ان اعادته غير ممكن،و هو قول ابى الحسين البصرى و محمود الخوارزمى،و لذلك ذهب ابو الحسين البصرى الى ان الشيء اذا عدم فمعنى عدمه تفرق اجزائه و خروجها عن حد الانتفاع لا فناؤه بالكلية كما اشرنا إليه،و هو المختار.
و اما الاشعرية فانهم يقولون ان الشيء اذا عدم فقد بطلت ذاته و صار نفيا محضا.ثم انهم قالوا انه يعود بعينه.
لنا:لو كانت اعادة المعدوم جائزة لكانت اعادة الوقت الّذي حدث فيه أولا جائزة،لكن اللازم باطل فالملزوم كذلك.بيان الملازمة:ان الوقت الاول من شرائط وجود ذلك الشخص المعين و مشخصاته،فيستحيل وجوده ثانيا بعينه من دون ذلك الشرط.بيان بطلان اللازم:انه لو اعيد ذلك الوقت بعينه لكان ذلك الايجاد احداثا له فى وقته الاول،فيكون من حيث هو معاد مبتدأ.
هذا خلف.
احتجت الاشعرية على جواز اعادة المعدوم بعد فنائه:بأن ماهيته بعد العدم باقية على الجواز العقلى كما كانت،و الا لخرج الشيء من الامكان الذاتى الى الامتناع الذاتى،و انه محال.و اذا كان ممكنا و اللّه تعالى قادر على جميع الممكنات كانت اعادة المعدوم مقدورة للّه تعالى.
و الجواب:ان امكان الماهية لا نزاع فيه،انما النزاع فى اعادة الشخص الّذي عدم من حيث هو ذلك الشخص،و لا نسلم انه ممكن،و الا فبتقدير وقوعه يلزم ان يكون معادا من حيث هو مبتدأ كما سبق.
لنا:ان الاجسام حادثة و مركبة من الاجزاء التى لا تتجزى على ما سبق بيانه، فكل ما يلاقيه كل واحد من تلك الاجزاء بأحد طرفيه فانه يصح ان يلاقيه بطرفه الاخر،لاستواء طرفيه فى تمام الماهية و وجوب اشتراك المتساويين فى اللوازم، و متى لقى بأحد طرفيه الشيء الّذي كان يلقاه بطرفه الاخر فقد وقع الانحلال و الانخراق.
(الثانى) ان تأليفها من تلك الاجزاء لما كان حاصلا بعد العدم كانت ماهيته قابلة للوجود و العدم،و لا معنى لجواز الخرق على الافلاك إلا جواز عدم التأليف بين الاجزاء المركبة منها.
(الثالث) ان تركب الفلك من الجواهر الفرد يستلزم عدم صحة الشكل المستدير عليه،و ذلك يستلزم كون حركته مستقيمة،و كل ما كانت حركته مستقيمة فالخرق جائز عليه عندهم،فاذن الخرق جائز على الافلاك.
الطريق الى الحكم بذلك ليس الا من جهة السمع،لان العقل ليس له الا الحكم بجواز ذلك،لكن ليس كل ما جاز وقع.
و احتج من قطع بالوقوع بآيات:
(احدها) قوله تعالى كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ (1)(2)دلت الآية على ان كل ما سوى اللّه فهو هالك.و لا يمكن حمل الهلاك على الفناء المحض،لما ثبت من وجوب الحشر و النشر و امتناع اعادة المعدوم بعينه،فوجب حمله على تفرق الاجزاء و تشذبها و خروج المركب عنها عن حد الانتفاع به،و صدق الهلاك على ذلك ظاهر.
(الثانية) قوله تعالى إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ* وَ إِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ (3)(4)و قوله تعالى إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ (5)(6)و انفطار الافلاك و انشقاقها و انتثار الكواكب منها تخريب لها.
(الثالثة) قوله تعالى يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ (7)(8)الآية، و ظاهر ان طي السماء تخريب لها.
(الرابعة) قوله تعالى يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَ السَّماواتُ (9)(10)و التبديل تغيير و اهلاك.
و الآيات الدالة على هذا المطلوب كثيرة.و باللّه التوفيق.
و فيه ابحاث:
اعلم انه مبنى على ان النفس جوهر مجرد ليس بجسم و لا جسمانى،و احتج القائلون بذلك بالمعقول و المنقول:
اما المعقول:فهو أن العلم باللّه تعالى غير منقسم،اذ لو انقسم لكان كل واحد من اجزائه-ان كان-علما باللّه و ان كان الجزء هو الكل هذا محال، و ان لم يكن فعند اجتماع الاجزاء ان لم يحدث هيئة زائدة لم يحصل العلم به تعالى و هو محال،و ان حدثت فان انقسمت عاد التقسيم و ان لم تنقسم فهو المطلوب.
و عند ذلك نقول:وجب أن لا يكون محله منقسما،و كل متحيز و كل قائم به منقسم،فمحله ليس بمتحيز و لا قائم به.اما الاولى فلان الحال فى المنقسم منقسم،و اما الثانية فلما مر من نفي الجوهر الفرد.
و اما المنقول فمن وجهين:
(احدهما) قوله تعالى وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ (1)(2)الآية.وجه الدليل:انه لا شيء من الانسان المقتول فى سبيل اللّه بميت،
و كل بدن و ما يقوم به ميت.اما الصغرى فلقوله تعالى وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ (1)الآية،و اما الكبرى فبالضرورة،فاذن هو جوهر مجرد.
(الثانى) قوله عليه السلام في بعض خطبه«حتى اذا حمل الميت على نعشه رفرفت روحه فوق النعش و تقول يا اهلي و يا ولدى لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بى».
وجه الدليل:ان الروح باقية بعد الموت بصفة الرفرفة،و لا شيء من البدن و ما يقوم به بعد موته بباق،فلا شيء من الروح ببدن و زنا تقوم به.
الجواب عن المعقول:لا نسلم ان الهيئة الزائدة اذا لم تنقسم حصل المطلوب و انما يكون كذلك لو كان العلم عبارة عن تلك الهيئة فقط،و ذلك ممنوع، بل هى احد اجزائه،و هو منقسم.
سلمناه،لكن لم قلتم انه اذا لم ينقسم العلم لا ينقسم محله،و انما يلزم ذلك ان لو كان من الاعراض السارية،و هو ممنوع.
سلمناه،لكن الكبرى ممنوعة،لما بينا من صحة الجوهر الفرد.
و عن المنقول:ان الدليلين انما يدلان على ان هناك امرا آخر وراء البدن و ما يقوم به من الاعراض الفانية،لكن لا يدلان على انه جوهر مجرد،بل صريح الآية و الخبر يدلان على انه جسم،لان صفة القتل و الرفرفة تستلزم ذلك.
مذهب محققى الفلاسفة ان النفوس البشرية متحدة بالنوع.و حجتهم:
انها يشملها حد واحد،و كل ما كان كذلك فنوعه واحد.
1) سوره 3 - آیه 169
و منهم من زعم انها مختلفة بالحقيقة.و حجتهم:انها مختلفة بالعفة و الفجور و الذكاء و البلادة،و ليس ذلك بسبب حرارة المزاج،لان بارد المزاج قد يكون فى غاية الذكاء و قد يكون بضده حار المزاج،و قد يتبدل المزاج و الصفة النفسانية باقية،و لا من اسباب خارجية لانها قد تكون بحيث تقتضى خلقا و الحاصل ضده فكان ذلك من لوازم النفس،و اختلاف اللوازم يدل على اختلاف الملزومات.
و الجواب:لم لا يجوز أن يكون ذلك بسبب المزاج،و لا نسلم أن علة الذكاء هى حرارة المزاج فقط،بل اعتدال القوى النفسانية كما ينبغى.و كذلك لا نسلم تبدل مزاج تلك القوى مع بقاء تلك الصفات،بل اذا صارت ملكات لكن ذلك لا ينافى كونها عوارض مستفادة من المزاج.
مذهب محققيهم انها حادثة.و حجتهم انها لو كانت قديمة فاما أن تكون واحدة او كثيرة،و الاول باطل لانها بعد تعلقها بالابدان ان بقيت واحدة فكل ما علمه زيد علمه عمرو و بالعكس،و هو ظاهر البطلان،و ان تكثرت فتلك الكثرة ان كانت حاصلة قبل ذلك لم تكن واحدة و قد فرضت كذلك.هذا خلف.و ان لم تكن كانت كل واحدة منها حادثة و النفس التى كانت واحدة قد عدمت،و اما ان كانت كثيرة فهو باطل أيضا،اذ لا بد للمتكثرات من مميز،و لا تمييز لها قبل بالذاتيات لاتحادها فى النوع،و لا بالعوارض لان ذلك من توابع الابدان الجارية مجرى المواد و قبل الابدان فلا ابدان،فلا اختلاف بالعوارض،فثبت أنها لو كانت قديمة لكانت اما واحدة أو كثيرة،و ثبت فساد القسمين،فبطل كونها قديمة،و ذلك يستلزم كونها حادثة.
و الاعتراض لم لا يجوز أن يكون الاختلاف بالعوارض.قوله«لان ذلك من توابع الابدان و قبل الابدان فلا ابدان»قلنا لا نسلم،و لم لا يجوز أن يكون قبل هذه الابدان ابدان اخرى لا الى اوّل،و النفوس انتقلت مما قبل الى بعد على سبيل التناسخ.
اتفق القائلون بحدوث النفس على فساد التناسخ،لان النفس حادثة فيكون حدوثها عن المبدأ القديم موقوفا على حدوث شرط،و الا لم يكن حدوثها الآن اولى من حدوثها قبل ذلك،و ذلك الشرط ليس إلا حدوث البدن،فأذن حدوث الاستعداد البدنى علة لفيضان النفس عن المبدأ القديم،فالبدن الّذي يقبل النفس المستنسخة لا بد ان يستعد لقبول نفس اخرى ابتداء،فيجتمع النفسان على بدن واحد.و هو محال،لان كل عاقل يعلم بالضرورة نفسه شيئا واحدا لا شيئين،و لانه لو قامت به نفسان للزم اختلاف احواله،بأن يحصل التقابلان معا كالنوم و اليقظة و الحركة و السكون.و هو محال بالبديهة.
و اعترض الامام بأن قال:هذه الحجة مبنية على حدوث النفس،و دليلهم فى حدوث النفس مبنى على فساد التناسخ،فيلزم الدور.
اتفقت الفلاسفة على بقاء النفوس.و حجتهم:انها لو صح العدم لكان لامكان عدمها محل متقدم عليه،و هو امر ثبوتى،فيستدعى محلا ثابتا مغايرا للنفس، لان القابل واجب البقاء مع وجود المقبول،و لا شيء يبقى عند عدمه،فاذن
كل ما يصح عليه العدم فله محل هو مادته.
لكن ذلك باطل،لما بينا انها ليست بجسم و لا بجسمانى،و لان ما فرض مادة يجب ان لا يقبل العدم و الا لافتقر الى مادة اخرى،و لا محالة ينتهى الى مادة لا مادة لها،فذلك الشيء غير قابل للفساد.
و اعترض الامام:بأنا لا نسلم ان الامكان امر ثبوتى،و حينئذ لا يستدعى محلا ثابتا.سلمنا،لكن النفس مسبوقة الحدوث بالامكان و الالم تحدث،و لما لم يوجب الامكان السابق كونها مادية فكذلك امكان عدمها.
سلمناه،لكن لا يلزم من بقاء مادة النفس بقاء النفس،لان المركب لا يبقى ببقاء واحد من اجزائه،و حينئذ لا يمكن القطع بحصول السعادة و الشقاوة للنفس و بقاء كمالاتها لكونه مشروطا ببقاء صورتها الفانية.
و اجابوا عن الاول:بأنا نعنى بالامكان الاستعداد التام،و ظاهر كونه ثبوتيا.
و به ظهر الجواب عن الثانى أيضا،لان الامكان السابق هو الامكان الخاص اللازم للماهيات فى العقل،و امكان عدمها المستدعى مادة هو الاستعداد التام، و فرق بينهما و ان اشتركا فى لفظ الامكان.
و عن الثالث:انهم انما يكتفون ببقاء المادة لان المادة اذن تكون جوهرا مجردا غنيا عن المادة باقيا مع فناء ما يحل فيه،و يلزم بالدليل الّذي ذكروه فى وجوب كون النفس المجردة مدركة لذاتها و لمبدئها كونه كذلك،فيكون هو النفس،و الصورة التى فرضت كانت عرضا زائلا و كمالاتها علمها بمبادئها و ذلك من لوازمها.
النفس عندهم تدرك الجزئيات،لان هاهنا شيئا يحمل الكلى على الجزئى و ذلك الشيء مدرك لهما،لان التصديق مسبوق بالتصور،و المدرك للكلى هو النفس فالمدرك للجزئى هو النفس،لكن ادراكها للكليات و الجزئيات المفارقة بذاتها و ادراكها للجزئيات المحسوسة بواسطة القوى البدنية،لانا اذا تخيلنا مربعا مجنحا بمربعين و ميزنا بين الجناحين فهذا الامتياز ليس فى الخارج فهو فى الذهن،فمحل احد الجناحين ان كان محل الثانى استحال حصول الامتياز، لان امتياز احدهما عن الاخر ليس بالماهية و لا بلوازمها المشتركة بين الافراد، لكن الامتياز حاصل فمحل احدهما غير الاخر.و ذلك لا يعقل لا فى الجسم و الجسمانى،فتلك الصورة منطبعة فى آلة جسمانية و هى الخيال،و النفس تدركها بواسطة تلك الآلة.
اتفقوا على سعادة النفوس الكاملة فى قوتيها النظرية و العملية،و كمال القوة النظرية بالعلوم،و اهمها فى تحصيل السعادة الباقية معرفة اللّه،لان اللذة هى ادراك الملائم،و لا مدرك اكمل منه تعالى،فادراكه اتم اللذات.و كلما كان استغراق الانسان فى معرفته اتم و اوفى كانت سعادته بعد الموت اكمل و اعلى و ذلك امر يحققه العارفون به.
و اما كمال القوة العملية فحصول الملكات الخلقية الفاضلة،و ليست من اسباب السعادة الباقية بالذات،بل غرضها ان لا تصير النفس اميل الى التعلق بالبدن،
فيشتد تعلقها به فيحصل بذلك العذاب،فكانت مستلزمة لنفى التعذيب عن النفس، و ذلك من الامور العرضية فى تحصيل السعادة.
اتفقوا على شقاوة النفوس الجاهلة لانها عادمة للكمالات،فاذا انقطعت عن تعلق الابدان بقيت على ذلك الجهل دائما و ادركت فوات كمالاتها التى كانت الشواغل البدنية عائقة عنها،فصارت معذبة بتلك الحسرة كما قال تعالى أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللّهِ (1)الى قوله فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (2)(3)و نحوه.
و اما عادمة الكمالات الثانية الحاصلة على احدى رذيلتى التفريط و الافراط فربما تزول فيزول عذابها بها.
اما نفوس البله و الصبيان الخالية عن العقائد و الاخلاق فربما قالوا انها تتعلق بضرب من الاجرام السماوية و تستكمل بها،اذ لا معطلة فى الطبيعة عندهم.
و اعلم ان حاصل المعاد الروحاني على رأي من ينكر المعاد الجسماني هو عود النفوس عن هذه الابدان و مفارقتها لها الى مبادئها و حصولها على ما تحصل عليه من سعادة أو شقاوة،و تقرير هذه الابحاث مستقصى فى كتبهم.
اعلم ان جماعة من المحققين أوجبوا المعاد الروحاني و الجسماني معا، و ذلك انهم حاولوا الجمع بين الحكمة و الشريعة،فقالوا:دل العقل على ان
سعادة النفوس و معرفة اللّه تعالى و محبته،و على ان سعادة الاجساد فى ادراك المحسوسات،و دل الاستقراء على ان الجمع بين هاتين السعادتين فى الحياة الدنيوية غير ممكن،و ذلك لان الانسان حال كونه مستغرقا فى تجلى انوار عالم الغيب لا يمكنها الالتفات الى شيء من اللذات الجسمانية،و حال كونه مشغولا باستيفاء اللذات الجسمانية لا يمكنه الالتفات الى اللذات الروحانية،لكن هذا الجمع انما يتعذر لضعف النفوس البشرية فى هذا العالم،فاذا فارقت ابدانها و استمدت من عالم النفوس النفوس و الطهارة قويت و شرفت،فاذا أعيدت الى الابدان مرة اخرى لم يبعد أن تصير هناك قوية قادرة على الجمع بين الامرين.
و ظاهر ان تلك الحالة هى الغاية القصوى فى مراتب السعادات،و لم يقم على امتناع هذا المعنى دليل،و هو جمع بين الحكمة النبوية و القوانين الحكمية فوجب المصير إليه.
و من الناس من ينكرهما معا،و هو قول من قال ان النفس هو المزاج فقط فاذا مات الانسان فقد عدمت نفسه.ثم انه ينكر اعادة المعدوم،فحينئذ يلزمه انكار المعاد مطلقا،الا ان المقدمة الاولى قد علمت فسادها.و باللّه التوفيق.
و فيه ابحاث:
الوعد هو الاخبار بوصول نفع الى الغير او دفع مضرة عنه فى المستقبل
من جهة المخبر،و الوعيد هو الاخبار بوصول ضرر الى الغير أو فوت نفع كذلك.
ثم المستحق بالافعال الاختيارية ستة:مدح،و شكر،و ذم،و ثواب،و عقاب، و عوض:
فالمدح هو القول المنبئ عن عظم حال الغير مع القصد الى ذلك.
و الشكر هو الاعتراف بالنعمة مع نوع من تعظيم المنعم بقول أو فعل.
و الذم هو القول المنبئ عن اتضاع حال الغير مع القصد الى ذلك.
و الثواب هو النفع الخالص المستحق المقارن للتعظيم و التبجيل.
و العقاب هو الضرر المحض المستحق المقارن للاستخفاف و الاهانة.
و العوض هو النفع المستحق الخالى من تعظيم و تبجيل.
و يستحق المدح و الثواب بفعل الواجب و المندوب و ترك القبيح،و اما الذم و العقاب فيستحقان بفعل القبيح و الاخلال بالواجب،و أما الشكر فيستحق بالنعم و الاحسان،و اما العوض فيستحق بالمشقة الواصلة من الغير لا على جهة الاستحقاق.
المكلف اما أن يكون مطيعا او عاصيا،فان كان مطيعا فانه يستحق بطاعته الثواب،خلافا للاشعرية و ابى القاسم البلخى من المعتزلة.
لنا:العقل و النقل:
اما العقل فمن وجهين:
(احدهما) ان التكليف اما لفائدة او ليس،و الثانى عبث لا يجوز من الحكيم
تعالى،و الاول فتلك الفائدة اما ان تعود الى اللّه او الى العبد او إليهما،و الاول و الثالث باطلان لتنزهه تعالى عن فائدة تعود إليه،فتعين الثانى.فهى اما ان تعود الى العبد فى العاجل،و هو باطل لان اشتغال العبد بالعبادة الشاقة محض الضرر او راجح الضرر،فتعين ان تعود إليه فى الاجل،و هو نفس الثواب المستحق بالطاعة التى يقبح بدونها الابتداء به.
(الثانى) ان التكليف الزام مشقة،و الزام المشقة من غير عوض قبيح عقلا فالتكليف من غير عوض قبيح عقلا.و المقدمتان ضروريتان.
و اما المنقول:فقوله تعالى جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (1)و أمثاله (2).
ثم الثواب اما ان يكون مما يجوز الابتداء بمثله او لا يجوز،و الاول باطل و الا لكان توسط التكليف لاجله عبثا.و هو محال من الحكيم.
احتج الخصم بوجهين:
(احدهما) ان الانعام يوجب على المنعم الشكر و الخدمة،و نعم اللّه على العبد لا تحصى كما قال تعالى وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللّهِ لا تُحْصُوها (3)(4)فكانت موجبة لاداء شكره،و اداء الواجب لا يكون علة لاستحقاق شيء آخر عليه تعالى.
(الثانى) انا بينا ان صدور الفعل عن العبد يتوقف على الداعى،و ان مجموع القدرة و الداعى يوجب الفعل،و ان الجميع من فعل اللّه تعالى،و ما كان فعله لا يوجب عليه ثوابا.
و جواب الاول:لا نسلم ان اداء الواجبات لا يكون علة لاستحقاق شيء آخر لما بينا انه لا بد فيه من فائدة تعود الى المكلف فى الاجل،و هى الثواب.4.
و عن الثانى:انا بينا ان العبد مستقل بفعله،ففعله لا يكون فعل اللّه تعالى، فجاز أن يستحق به الثواب منه.
المكلف العاصى اما ان يكون كافرا أو ليس،اما الكافر فأكثر الامة على انه مخلد فى النار،و اما من ليس بكافر فان كانت معصيته كبيرة فمن الامة من قطع بعدم عقابه و هم المرجئة الخالصة،و منهم من قطع بعقابه و هم المعتزلة و الخوارج،و منهم من لم يقطع بعقابه اما لان معصيته لم يستحق بها العقاب و هو قول الاشعرية،و اما لانه يستحق بها عقابا الا ان اللّه تعالى يجوز أن يعفو عنه، و هذا هو المختار.
حجة من قطع بعدم عقاب صاحب الكبيرة:ان كل من يدخل النار مخزى يوم القيامة،و كل من اخزي فهو كافر.بيان الصغرى:قوله تعالى رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ (1)(2)و صيغة من تقتضى العموم.و بيان الكبرى:قوله تعالى إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَ السُّوءَ عَلَى الْكافِرِينَ (3)(4)دلت الآية على اختصاص الخزي بالكافرين،فكل مخزى يومئذ كافر،فمن ليس بكافر لا يكون مخزى فلا يدخل النار.
و اما حجة المعتزلة على القطع بالعقاب فالقرآن و الخبر:اما القرآن فآيات:
(احدها) قوله تعالى وَ مَنْ يَعْصِ اللّهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً (5)
خالِداً فِيها (1)(2)و معلوم ان من ترك شيئا من الواجبات و ارتكب شيئا من المنهيات فقد تعدى حدود اللّه،فوجب ان يدخل النار.
(الثانية) قوله تعالى وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (3)(4).
(الثالثة) قوله تعالى إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها وَ لا يَحْيى (5)(6)و امثال هذه الآيات كثيرة.
و اما الاخبار فكثيرة:
(احدها) قوله عليه السلام:من كان ذا لسانين و ذا وجهين كان فى النار.
(الثانى) قوله عليه السلام:من غصب شبرا من ارض طوقه اللّه يوم القيامة من سبع ارضين.
(الثالث) قوله عليه السلام:من شرب الخمر فى الدنيا و لم ينتبه لم يشربها فى الآخرة.
لا شك ان هذه العمومات متناولة للكفار و لمن عصى من اهل القبلة.
و الجواب الاجمالى عن هذه العمومات:انه انما يمكن التمسك بها عند عدم المخصص،لكن لا نسلم أنه لا مخصص،اقصى ما فى الباب انه لا مخصص فى وجدانكم،لكن عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود.
سلمناه،لكنها معارضة بالآيات و الاخبار الواردة فى الوعد،كقوله تعالى4.
فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (1)(2)و قوله تعالى إِنَّ اللّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً (3)(4)و قوله وَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ (5)(6)كما سيأتى تقريره.
ثم ان الترجيح فى جانب الوعد لوجوه:
(احدها) ان آيات الوعد اكثر،و الكثرة مستلزمة للرجحان.
(و الثانى) ان صرف التأويل الى جانب الوعيد احسن من صرفه الى جانب الوعد،لان اهمال الوعيد كرم و اهمال الوعد لؤم.
(الثالث) ان العاصي اتى بأتم الطاعات و اكبرها و هو الايمان،و لم يأت بما هو اكبر المعاصى و هو الكفر،فوجب ان نرجح جانب وعده على جانب وعيده.
و بيان ذلك:ان المالك اذا أتى عبده بأعظم طاعاته و ارتكب بعض معاصيه التى دون الغاية،فلو رجح تلك المعصية الحقيرة على تلك الطاعة العظيمة لعد لئيما مؤذيا بعيدا عن الكرم،و ذلك على اكرم الاكرمين و ارحم الراحمين محال، فعلمنا ان الرجحان فى جانب الوعد.و باللّه التوفيق.
و هى من وجوه:
(احدها) قوله تعالى وَ هُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَ يَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ (7)(8)
و قوله وَ يَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ (1)(2)فنقول:هذا العفو اما ان يكون عبارة عن اسقاط العقاب عمن يحسن عقابه،او عمن لا يحسن عقابه.و القسم الثانى باطل،لان عقاب من يقبح عقابه قبيح،و من ترك مثل هذا القبيح لا يقال انه عفا.و اما اذا كان له ان يعذبه فترك تعذيبه يقال انه عفا،فتعين الاول.
(الثانى) انه لو كان العفو عبارة عن اسقاط العقاب عن التائب لكان قوله «يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَ يَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ» (3)تكرارا من غير فائدة،فعلمنا أن العفو عبارة عن اسقاط العقاب عمن يحسن عقابه.
(الثالث) قوله تعالى إِنَّ اللّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ (4)(5)وجه الدليل:ان قوله «وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ» (6)يفيد القطع بأنه تعالى يغفر كل ما سوى الشرك،و يندرج فى ذلك الصغيرة و الكبيرة بعد التوبة و قبلها ثم قوله بعد ذلك «لِمَنْ يَشاءُ» (7)يدل على انه يغفر كل ذلك،لكن لا للكل بل للبعض،فكان غفران الكبيرة و الصغيرة منه صادقا.
(الرابع) قوله تعالى يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (8)(9).
فان قلت:لم لا يجوز ان يكون المراد انه تعالى يغفر جميع الذنوب مع التوبة،و هذا اولى لان حملها عليه يقتضي بقاء الآية على ظاهرها،و على ما ذكرتم يلزم ان يكون الكفر مغفورا قبل التوبة،و انتم لا تقولون به.
قلت:ما ذكرته يستلزم الاضمار،و ما ذكرناه و ان استلزم التخصيص بالكفر3.
لكن التخصيص خير من الاضمار على ما علم فى أصول الفقه.
(الخامس) قوله تعالى وَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ (1)(2)و كلمة «على»تفيد الحال،أى ذو مغفرة لهم حال كونهم ظالمين.
(السادس)انا سنقيم الدلالة إن شاء اللّه تعالى على تأثير شفاعة محمد عليه السلام فى اسقاط العقاب عن عصاة امته.
اتفقت المعتزلة على انه لا يجوز أن يجتمع للمكلف استحقاق الثواب و العقاب معا،ثم اختلفوا فيه اذا فعل طاعة و معصية.
فذهب ابو على الجبائى الى القول بالاحباط و التكفير،و معناه ان الطاعة اذا تعقبت المعصية-سواء كان أزيد أو انقص-كفرت بها،و ان كان المتعقب هو المعصية أحبطت الطاعة.
و ذهب ابو هاشم الى القول بالموازنة،و معناها أن المكلف اذا فعل طاعة و معصية فأيهما كانت اكثر اسقطت الاخرى.
و عندنا انه يجوز أن يجتمع له المستحقان الثواب و العقاب معا.
لنا وجهان:
(احدهما) ان بقاء العلة التامة يستلزم بقاء المعلول،و قد كان الايمان قبل المعصية علة تامة لاستحقاق الثواب،و هو بعينه باق بعدها،فوجب بقاء معلوله بعدها.و هذه الحجة مبنية على ان الايمان عبارة عن التصديق القبلى،و سنبين ذلك.
و بهذه الحجة يظهر بطلان القول بالموازنة و القول بالاحباط.
(الثانى) ان استحقاق الثواب و استحقاق العقاب اما ان يتنافيا أولا،و الاول باطل،لان تنافيهما اما لذاتيهما و هو باطل،لان ماهية الاستحقاق ماهية واحدة أو باللوازم،و هو أيضا باطل،لان الماهية الواحدة لا يختلف لوازمها،او بالعوارض لكن العارض لما جاز زواله جاز زوال ما به تنافى الاستحقاقين فجاز اجتماعهما،فوجب ان يصلا الى المكلف العاصى بمقتضى قوله تعالى فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ* وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (1).
عندنا ان العاصي من اهل الايمان لا يخلو من ثلاثة احوال:اما ان يعفو اللّه عنه ابتداء،أو بالشفاعة،او يعذبه منقطعا.
لنا فى انقطاع عقابه:انه لما يثبت جواز اجتماع استحقاقى الثواب و العقاب فبتقدير حصولهما فان عفي عنه فلا عقاب عليه،و ان لم يعف وجب وصول الاستحقاقين إليه،فأما ان يثاب أولا فى الجنة ثم ينقل الى عذاب النار و هو باطل لاجماعنا على دوام الثواب و لقوله تعالى أُكُلُها دائِمٌ وَ ظِلُّها (2)(3)او يعاقب أولا ثم ينقل الى الجنة و ينقطع عقابه و هو المطلوب.
احتج الخصم بالمعقول و المنقول:
اما المعقول:فهو أنه لما كان الفاسق يستحق نفسه العقاب وجب أن يكون ذلك الاستحقاق مزيلا لاستحقاق الثواب،لان العقاب مضرة خالصة دائمة و الثواب منفعة خالصة دائمة و الجمع بينهما محال،فكان الجمع بين استحقاقيهما محالا،فوجب أن ينفى استحقاق العقاب ما سبق من استحقاق الثواب.
و اما المنقول فهم انهم استدلوا بالآيات الدالة على تخليد الفاسق كقوله
تعالى وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها (1)(2)و امثاله.ثم قالوا:
الخلود هو الدوام لقوله تعالى وَ ما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ (3)(4)،فلو كان الخلود هو المكث الطويل و قد سبق قبله من عمر زمانا طويلا لما كان هذا النفي صادقا.
و جواب الاول:لا نسلم العقاب خالص المضرة دائمها.
فان قلت:ان الموجب له و للمدح و الذم واحد،و هما دائمان،فكان هو أيضا دائما،لمشاركته لهما فى المقتضى و هو الفعل.
قلت:لا نسلم أن الفعل موجب للمدح و الذم دائما،و لذلك فان العبد اذا أتى بجرم واحد فأخذ مولاه يلومه دائما نسبه جميع العقلاء الى السفه و الجنون.
سلمناه،لكن لا نسلم استلزام دوام المعلولين دوام الاخر.
و عن الثانى:ان الخلود كما يصدق على المكث الدائم كذلك يصدق على المكث الطويل المنقطع،و الاشتراك و المجاز خلاف الاصل،فوجب جعله حقيقة فى القدر المشترك،و هو مطلق المكث الطويل،لانه اعم من الدائم و المنقطع.
و اذا كان كذلك فنقول:انه ان دل فى الآية المذكورة على الدوام بقرينة فلا نسلم انه يدل فى آيات وعيد الفساق على الدوام.
اتفقت الامة على ان شفاعة الرسول صلى اللّه عليه و آله حق،لكن المعتزلة
قالوا انما يؤثر فى زيادة النعيم لاهل الجنة،و الاشعرية قالوا بذلك لكن من جملة تأثيرها اسقاط العقاب عن العصاة،و هو المختار.
لنا:القرآن و الخبر،اما القرآن فقوله تعالى وَ اسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ (1)(2)و الفاسق من هذه الامة مؤمن بايمانه على ما سيأتى،فوجب ان يدخل فيمن يستغفر له الرسول.
ثم هذا الامر اما أن يكون واجبا أو ندبا،و على التقديرين فالرسول عليه السلام يفعله و طلبه عليه المغفرة من اللّه لمؤمني امته لا يرد،لقوله تعالى وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى (3)(4)،فوجب ان تتحقق شفاعته فى حق فاسقى امته،و بها يسقط العقاب فى حقهم.
و اما الخبر فقوله صلى اللّه عليه و آله«اعددت شفاعتى لاهل الكبائر من امتى».
الجنة و النار مخلوقتان:اما الجنة فلقوله تعالى أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (5)(6)و كل معدود موجود فالجنة موجودة،و اما النار فلقوله تعالى فى صفتها أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (7)(8).
احتج من منع من ذلك بأنها لو كانت موجودة لوجب ان لا ينقطع نعيمها لكنه ينقطع فليست موجودة.اما الملازمة فلقوله تعالى أُكُلُها دائِمٌ وَ ظِلُّها (9)(10)و اما
بطلان اللازم فلقوله تعالى كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ (1)(2).
الجواب:منع الملازمة،و حمل دوام اكلها و ظلها على دوامها بعد وجودها و دخول المكلفين لها.و باللّه التوفيق.
التوبة مركبة من ثلاثة امور:احدها الندم على الماضى من قول أو فعل، و الثانى الترك فى الحال،و الثالث العزم على الترك فى الاستقبال.
و الباعث عليها هو اعتقاد كون فعل المعصية مستلزما للضرر العظيم فى الآخرة ثم تحصل عن ذلك الاعتقاد نفرة عنها تستلزم تلك الامور الثلاثة.
التوبة واجبة على العبد لقوله تعالى تُوبُوا إِلَى اللّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً (3)(4)و هى مقبولة قطعا لقوله تعالى وَ هُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ (5)(6).
و يسقط العقاب بها عندنا تفضلا من اللّه تعالى،و اوجبت المعتزلة و الفلاسفة قبولها و سقوط العقاب بها عقلا.
اما المعتزلة فقالوا:لو لم يجب سقوط العقاب بها لما حسن تكليف العاصى و اللازم باطل فالملزوم كذلك.بيان الملازمة:انها لو لم يسقط عقاب العاصى لم يبق له طريق الى الخروج من العقاب المستحق دائما،فلم يكن له طريق
الى حصول الثواب،لاستحالة اجتماع استحقاقيهما على ما سبق.و اما بطلان اللازم فبالضرورة من دين محمد عليه السلام.
الجواب:منع الملازمة،فانا بينا ان له طريقا آخر و هو العفو.
و اما الفلاسفة فقالوا:المعصية انما تستلزم العذاب من حيث ان حب الدنيا و قنياتها انما بقي فى جوهر النفس بعد المفارقة للبدن و لم يتمكن من الوصول الى محبوبها،فحينئذ يعظم بلاؤها.فاذا اطلعت فى بدنها على قبح هذه الامور الفانية و حصل لها الاعتقاد الجازم بذلك زالت تلك المحبة،فبعد المفارقة لا يكون هناك عذاب بسببها.
اكثر الامة على ان التوبة تصح عن بعض المعاصى دون البعض،خلافا لابى هاشم.
حجتهم:ان اليهودى اذا غصب حبة ثم تاب عن اليهودية مع اصراره على غصب تلك الحبة يقبل توبته،و العلم به ضرورى من الدين.
حجة ابى هاشم:ان التوبة عن القبيح ان كانت لا من حيث هو قبيح فليس بتوبة،لانا بينا ان سبب التوبة عن القبيح هو العلم بقبحه،و ما لم يتحقق السبب لا يتحقق المسبب.و ان كانت عن القبيح لما هو قبيح فالتوبة عن قبيح دون قبيح يكشف عن كون التائب تائبا عن القبيح لا لكونه قبيحا،و قد قلنا ان ذلك يمنع من كونها توبة.
و الجواب:ان القبيح مقبول بحسب الاشد و الاضعف،فلم لا يجوز أن يتوب الانسان عن فعل القبيح لكونه ذلك القبيح،و لا يلزم من ذلك وجوب توبته عن كل قبيح.و باللّه التوفيق.
و فيه بحثان:
اما ان يكون الايمان و الكفر من اعمال القلوب أو من اعمال الجوارح او من اعمالهما.و الاول هو التصديق القلبى.
و اما الثانى:فاما أن يكون عبارة عن التلفظ بالشهادتين،و هو منقول عن الكرامية،أو من جميع افعال الجوارح من الطاعات،و هو قول قدماء المعتزلة و القاضى عبد الجبار،أو عن جميع الطاعات من الافعال و التروك،و هو قول ابى علي و ابى هاشم.
و اما الثالث فهو قول اكثر السلف،فانهم قالوا الايمان تصديق بالجنان و اقرار باللسان و عمل بالاركان.
و المختار أن الايمان عبارة عن التصديق القلبى باللّه تعالى و بما جاء به رسوله من قول أو فعل،و القول اللسانى سبب ظهوره،و سائر الطاعات ثمرات مؤكدة له.
لنا:ان الايمان حقيقة فى التصديق القلبى،فوجب أن لا يكون حقيقة فى غيره دفعا للاشتراك:اما الاول فلقوله تعالى كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ (1)(2)و قوله
وَ لكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَ لَمّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ (1)(2)و امثاله،و المكتوب فى القلب و الداخل فيه لا يجوز أن يكون هو القول اللسانى،و لا شيء من اعمال سائر الجوارح.
و اما الثانى:فلما ثبت فى اصول الفقه ان الاشتراك خلاف الاصل،و قد تبين أيضا ان شيئا من اعمال الجوارح لا يجوز أن يكون جزءا من الايمان، لوجوب اجتماع الجزء و الكل فى محل واحد،و امتناع كون القلب محلا لشيء من اعمال سائر الجوارح.
الكفر هو انكار صدق الرسول عليه السلام و انكار شيء مما علم مجيئه به بالضرورة.
و النفاق هو اظهار الايمان و الاسلام و اسرار الكفر.
و أما الفسق فهو الخروج عن طاعة اللّه و رسوله فى بعض الاوامر و النواهى الشرعية التى يجب امتثالها مع اعتقاد ذلك الوجوب،و هو عند المعتزلة منزلة بين الكفر و بين الايمان،و لا يصدق عندهم على الفاسق انه مؤمن و لا كافر، و عند الحسن البصرى انه منافق.
و عند جماعة من الزيدية و الخوارج انه كافر.
و عندنا انه مؤمن بايمانه فاسق بفسقه.
لنا:ان الفاسق من اهل الصلاة مصدق باللّه و رسوله و دينه،فكان مؤمنا.
و اما المعتزلة فلما ادخلوا سائر الطاعات فى مسمى الايمان لزم على أصولهم ان يخرج الفاسق عن الايمان لتركه بعضها،و اما أنه لا يدخل فى الكفر فلانه يقام عليه الحدود و يقاد به و يدفن مع المسلمين و يغسل و يكفن و يصلى عليه.و لا واحد من الكفار كذلك،فاذن ليس هو بكافر.و اللّه أعلم بالصواب.
و فيه مقدمة و اركان:
فاعلم ان الكلام فى هذه القاعدة أيضا كالكلام فى قاعدة النبوة فى ترتيبها على خمس مسائل،يسأل عن كل واحدة منها بكلمة مفردة،و هى:ما،و هل، و لم،و كيف،و من.
فأولها قولنا«ما لإمام»،و البحث فى هذه المسألة عن مفهوم هذه الكلمة فى الاصطلاح العلمي.
الثانية قولنا«هل الامام»اى هل يكون الامام مما يجب فى الحكمة وجوده أم لا،و هل يجب دائما بحيث لا يجوز خلو زمان التكليف عنه او فى
بعض الاوقات.
الثالثة قولنا«لم يجب وجود الامام»،و يبحث فيها عن العلة الغائبة لوجوده و وجه الحكمة فيه.
الرابعة قولنا«كيف الامام»،و يبحث فيها عما ينبغى أن يكون عليه من الصفات التى بها يكون إماما.
الخامسة قولنا«من الامام»،و يبحث فيها عن تعيينه فى سائر زمان الاسلام.
و نحن نذكر الفصول على هذا الترتب إن شاء اللّه تعالى.
و فيه ابحاث:
هو انسان له الامامة،و هى رئاسة عامة فى امور الدين و الدنيا بالاصالة.
فقولنا«رئاسة»كالجنس لها و الباقى من قبيل الخواص.
و احترزنا ب«العامة فى امور الدين و الدنيا»عن الخاصة ببعضها.
و بقولنا ب«الاصالة»احتراز عن رئاسة النواب و الولاة من قبله.
و مفهوم كونه إماما و ان كان اعم من كونه انسانا لكن يعلم كونه انسانا بحسب العرف.
لانه اما ان يجب ذلك على العباد أو على اللّه او لا يجب اصلا.
و الاول اما ان يجب عقلا او سمعا،و الاول مذهب ابى الحسين البصرى و الجاحظ،و الثانى مذهب الاشعرية و اكثر المعتزلة و الزيدية.
و الثانى قول الشيعة فمنهم من قال يجب على اللّه نصبه ليعلمنا معرفته و يرشدنا الى وجوه الادلة و المطالب،و هو قول الاسماعيلية،و منهم من قال يجب على اللّه نصبه ليكون لطفا لنا لاداء الواجبات العقلية و الاجتناب عن المقبحات و يكون حافظا للشريعة مبينا لها،و هو قول الاثني عشرية.
و الثالث قول من قال لا يجب نصبه،فمنهم من قال لا يجب فى وقت الحرب و الاضطراب،لانه ربما كان نصبه سببا لزيادة البشر،و منهم من عكس،و منهم من قال لا يجب اصلا.و المختار انه يجب نصبه فى حكمته تعالى.
لنا:ان نصب الامام لطف من فعل اللّه تعالى فى أداء الواجبات الشرعية التكليفية،و كل لطف بالصفة المذكورة فواجب فى حكمة اللّه تعالى أن يفعله ما دام التكليف بالمطلوب فيه قائما،فنصب الامام المذكور واجب من اللّه فى كل زمان التكليف.
اما الصغرى:فان مجموعها مركب من كون نصب الامام لطفا فى الواجبات الشرعية،و من كونه من فعل اللّه.اما الاول فلان المكلفين اذا كان لهم رئيس تام الرئاسة عادل ممكن كانوا أقرب الى القيام بالواجبات و اجتناب المقبحات، و اذا لم يكن كذلك كان الامر بالعكس،و العلم بهذا الحكم ضروري لكل عاقل بالتجربة لا يمكنه دفعه عن نفسه بشبهة،و لا معنى للطف الا ما كان مقربا الى الطاعة
و مبعدا عن المعصية،فثبت ان نصب الامام لطف فى اداء الواجبات.و أما كونه من فعل اللّه فلما سنبين ان هذا الامام لا يجوز عليه الاخلال بالواجب و لا فعل القبيح،فحينئذ لا يمكن أن يكون نصبه الا من فعل اللّه،لانه القادر على تمييز من يجوز وقوع المعصية منه عن غيره لاطلاعه على السرائر دون غيره.
و اما الكبرى فلانه لو لم يجب منه تعالى وجود ذلك اللطف فى مدة زمان التكليف بالملطوف فيه لقبح التكليف به و انتقض الغرض منه،و اما تمكين هذا الامام فهو من افعال المكلفين،اذ المدح عليه و الذم على عدمه راجعان إليهم.
لا يقال:لم لا يجوز أن يقوم غير هذا الامام مقامه من فعل اللّه او من فعل غيره،فلا يكون نصبه بعينه واجبا.سلمناه،لكن متى يجب هذا النصب اذا كان خاليا عن وجود المفاسد أو اذا لم يكن.و الثانى ممنوع،فلم لا يجوز ان يكون فيه مفسدة خفية لا نعرفها و بسببها لا يجب.سلمناه،لكن انما يجب نصبه لكونه لطفا،لكنكم شرطتم فى كونه لطفا تمكينه،فعند عدم تمكينه لا يكون نصبه لطفا فلا يجب.
لانا نجيب:
عن الاول:ان قيام الغير مقامه لا يتصور الا فى حال عدمه،و قد قلنا انا نعلم بالضرورة ان عدم نصبه و تمكينه مستلزم لبعد الخلق عن الصلاح و قربهم من الفساد، فيستحيل ان يكون له بدل.
و عن الثانى:ان قرب المكلفين من الطاعة و بعدهم عن المعصية مطابق لغرض الحكيم من التكليف و مقرب لحصوله،فيكون مرادا له،فلو كان فيه مفسدة لكان تعالى مريدا للمفسدة،و قد سبق بطلان ذلك.
و عن الثالث:انا لا نجعل التمكين شرطا فى كون نصبه لطفا،بل من تمام
اللطف و كماله،اذ مجرد نصب الامام لطف لاوليائه و المعتقدين بصحة إمامته فى قربهم من الواجبات و بعدهم من المقبحات،اذ لا يأمنون فى كل وقت من تمكينه و ظهوره عليهم.و باللّه التوفيق.
و هى أمران:
(احدهما) ان يكون المكلفون مع وجوده اقرب الى الطاعات و ابعد عن المعاصى،لجواز وقوعها منهم،و ذلك بردعه لهم عنها و حمله اياهم على اضدادها.
(الثانى) أن يكون الشرع محفوظا بوجوده،لما سنبين من وجوب عصمته و باللّه التوفيق.
و فيه ابحاث:
انه يجب أن يكون الامام معصوما،و يدل عليه وجهان:
(احدهما) لو لم يكن معصوما للزم وجوب اثبات ائمة لا نهاية لها،لكن اللازم باطل فالملزوم كذلك.بيان الملازمة:انه لو لم يكن معصوما فبتقدير
صدور المعصية عنه نفتقر الى امام آخر يؤدبه عليها و يثقفه عند الاعوجاج عن سبيل اللّه،و الا لم يكن ملطوفا له،و هو باطل على ما مر،و يكون الكلام فى ذلك الامام كالكلام فيه،و يلزم التسلسل.و اما بطلان اللازم فظاهر.
لا يقال:لم لا يجوز أن يكون انتهاؤه فى الاحتياج الى النبي او القرآن و السنة،فلا يلزم التسلسل.سلمناه،و لكن لم لا يجوز أن يكون هو لطفا لكل واحد من الامة،و يكون مجموع الامة لطفا له،فينقطع التسلسل.و لا يلزم الدور لاختلاف جهة اللطف.
لانا نجيب عن الاول:ان نسبة المكلفين الى النبي و القرآن نسبة واحدة،فلو كان النبي او القرآن مغنيا لواحد من المكلفين مع جواز الخطأ عليه لكان مغنيا للجميع،و حينئذ لا يجب احتياجهم جميعا الى امام،لكن هذا اللازم باطل لما سبق فالملزوم كذلك.
و عن الثانى من وجهين:
احدهما-ان الامام واحد من الامة،فان جاز أن يكون مجموع الامة لطفا له فليجز فى كل واحد منهم ذلك،و حينئذ لا حاجة بهم الى امام كما سبق.
الثانى-ان مجموع الامة سوى الامام لا يكون معصوما بالاتفاق،اما عندنا فظاهر و اما عند الخصم فلخروج الامام عن ذلك المجموع،و حينئذ يكون ذلك المجموع جائز الخطأ،فلا يصلح ان يكون لطفا فى حق الامام.
(الوجه الثانى) فى ان الشريعة التى جاء بها الرسول صلى اللّه عليه و آله واجبة على جميع المكلفين الى يوم القيامة،فلا بد لها من حافظ ينقلها إليهم من غير تغيير و لا تحريف،و الا لكان التكليف بها تكليفا بما لا يطاق،فذلك الناقل يجب أن يكون معصوما و إلا لجاز فيها التغيير و التحريف و قد أبطلنا،فذلك الحافظ
المعصوم اما مجموع الامة او آحاد بعض منها،و الاول باطل لان عصمة مجموع الامة انما تعلم بالنقل،فهى مشروطة بصحته،فلو جعلنا النقل مشروطا بصحة عصمتهم لزم الدور و انه محال،فتعين الثانى و هو مرادنا بالأئمة المعصومين.
لا يقال:لم لا يجوز ان تبقى محفوظة بنقل اهل التواتر.سلمناه،لكن انما تكون محفوظة بنقل الناقل المعصوم أن لو كان ذلك الناقل بحيث يرى و يستفاد الشريعة منه،اما اذا لم يكن كذلك فلا.
لانا نجيب عن الاول:ان نقل اهل التواتر انما يحفظ ما نقلوه و يدل على صحته فاما لا يدل على ان الّذي لم ينقلوه لم يوجد فأين احد البابين من الاخر.
و عن الثانى:لا نسلم انها لا تكون محفوظة بالناقل المعصوم الا اذا كان بحيث يرى،فان عندنا أن الشريعة محفوظة فى زمان غيبته،و هى التى فى ايدينا لم يفت منها شيء،فاذا اختلت وجب ظهوره لبيانها.و باللّه التوفيق.
انا لما بينا انه يجب أن يكون معصوما وجب أن يكون مستجمعا لاصول الكمالات النفسانية،و هى:العلم،و العفة،و الشجاعة،و العدالة.
فأما العلم فلا بد و أن يكون عالما بما يحتاج إليه فى الامامة من العلوم الدينية و الدنياوية كالشرعيات و السياسات و الآداب و فصل الحكومات و الخصومات، اذ لو جاز أن يكون جاهلا بشيء منها مع حاجة إمامته الى ذلك لكان مخلا ببعض ما يجب عليه تعلمه،و الاخلال بالواجب ينافى العصمة.
و اما العفة فلان عدمها يستلزم اما طرف التفريط،و هو خمود الشهوة و ذلك تقصير عما ينبغى،و اما طرف الافراط،و هو الفجور و ذلك أيضا مناف للعصمة.
و اما الشجاعة فان عدمها مستلزم لاحد طرفى الافراط و التفريط،و الاول رذيلة التهور و فيها القاء النفس الى التهلكة و ذلك معصية تنافى العصمة،و الثانى رذيلة الجبن المستلزم للفرار من الزحف و القعود عما يجب عليه من قمع الاعداء من اهل الفساد فى الدين و هو ينافى العصمة.
و اما العدالة فلان عدمها مستلزم اما للانظلام و هى رذيلة منهي عنها منافية للعصمة أيضا،و اما للظلم و هو من كبائر المعاصى المنافية للعصمة.
فثبت ان الامام يجب ان يكون مستجمعا لاصول الفضائل النفسانية.و باللّه التوفيق.
يجب أن يكون افضل الامة فى كل ما يعد كمالا نفسانيا،لانه مقدم عليهم و المقدم يجب أن يكون افضل،لان تقديم الناقص على من هو اكمل منه قبيح عقلا.
يجب أن يكون متبرئ من جميع العيوب المنفرة فى خلقته من الامراض كالجذام و البرص و نحوهما،و فى نسبه و اصله كالزنا و الدناءة و الصناعات الركيكة و الاعمال المهينة كالحياكة و الحجامة،لان الطهارة عن ذلك تجرى مجرى الالطاف المقربة للخلق الى قبول قوله و تمكنه،فيجب كونه كذلك.
يجب كونه منصوصا عليه،و لا طريق الى تعيينه الا بالنص،خلافا لسائر الفرق.
لنا:انه واجب العصمة،و كل من كان كذلك فيجب النص عليه.اما الصغرى فقد سبق بيانها،و اما الكبرى فلان العصمة امر باطن لا يطلع عليه الا اللّه تعالى،و اذا كان كذلك وجب أن يكون تعيينه بالنص عليه،بل وجب ان لا طريق الى ذلك سواه.
لا يقال:لا نسلم وجوب النص عليه،و لم لا يجوز ان يفترض اللّه اختيار الامام الى الامة اذا علم انهم لا يختارون الا المعصوم.سلمناه،لكن لو وجب النص عليه لكان اللّه تعالى مخلا بالواجب لانه لم ينص عليه،لكن اللازم باطل فالملزوم كذلك.
لانا نجيب عن الاول:بأن الامة على تقدير علمهم بأن الامام واجب العصمة اما ان يعلمهم اللّه بأن الّذي اختاروه هو الامام او لا يعلمهم،و الاول يستلزم كون الطريق الى العلم به النص،و الثانى يستلزم جهلهم،لكن ذلك المعين واجب العصمة مع علمهم بأن الامام يجب أن يكون واجب العصمة،فيلزم من ذلك شكهم فى كون ذلك المعين هو الامام،و ذلك يستلزم توقفهم عن امتثال امره، و هو قادح فى غرض الامامة من كونه لطفا لهم.
و عن الثانى:منع الملازمة،فانا سنبين انه وجد النص عليه.
يجب ان يكون مخصوصا بآيات و كرامات من اللّه،لان الحاجة قد تمس إليها فى تصديق بعض الخلق له،فاذا ظهرت مقارنة لدعواه الامامة علم بها صدقه.
ثم الفرق بينها و بين المعجزات النبوية أن المعجزات مشروطة بدعوى النبوة و اما الكرامات فليست كذلك،بل جاز أن تقارن دعوى الامامة و قد تحصل بدونها.و باللّه التوفيق.
و فيه ابحاث:
الامام الحق بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بلا فصل امير المؤمنين علي عليه السلام لوجوه:
(الاول) انه كان افضل الخلق بعده صلى اللّه عليه و آله،و كل من كان كذلك فهو أولى بخلافته و احق بأمره من غيره.
بيان الصغرى:انه عليه السلام كان مستجمعا للفضائل الخلقية،و كان اكمل فيها من سائر الصحابة،و كل من كان كذلك كان أفضل منهم.بيان الصغرى:
ان اصول الفضائل كما علمت أربعة و هو العلم و العفة و الشجاعة و العدالة،و قد كانت ثابتة له عليه السلام.اما العلم فقد كان عليه السلام اعلم الامة بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله،و بيانه بالاجمال و التفصيل:
اما الاجمال فهو انه لا نزاع فى انه كان فى غاية الذكاء و الاستعداد للعلم، و كان رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله افضل الفضلاء،ثم انه بقى من أول صغره الى حين وفاة الرسول فى خدمته يلازمه ليلا و نهارا و يدخل عليه فى كل وقت، و لم يتفق ذلك لاحد من الصحابة.و معلوم ان التلميذ اذا كان بتلك الصفة من الفطنة و الحرص على العلم و كان الاستاذ فى غاية الفضل و الحرص على ارشاده و تعليمه و كان الاتصال بينهما حاصلا فى كل الاوقات فانه يبلغ ذلك التلميذ مبلغا عظيما فى العلم.
و أما التفصيل فمن وجوه:
احدها -قوله عليه السلام«اقضاكم علي»و القضاء محتاج الى جميع انواع العلوم،فلما رجحه فى القضاء على الكل يلزم ترجيحه عليهم فى كل العلوم،و اما سائر الصحابة فانما رجح بعضهم فى علم واحد،كقوله عليه السلام «أفرضكم زيد»و«اقرأكم ابي».
الثانى -ان اكثر المفسرين سلموا ان قوله تعالى وَ تَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ (1)(2)نزلت فى حق على عليه السلام،و اختصاصه بزيادة الفهم يستلزم اختصاصه بمزيد العلم.
الثالث -نقل عنه عليه السلام انه قال«لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا»، و ذلك يدل على انه قد بلغ فى كمال العلم الى اقصى ما يبلغ إليه القوة البشرية2.
و لم يدع احد ممن عداه هذه المرتبة.
الرابع -انه قال«لقد اندمجت على مكنون علم لو بحت به لاضطربتم اضطراب الارشية فى الطوى البعيدة»،و ذلك يدل على اختصاصه بعلوم ليس فى قوة غيره من الصحابة الوصول إليها.
الخامس -انه قال«لو كسرت لي الوسادة ثم جلست عليها لقضيت بين اهل التوراة بتوراتهم و بين اهل الإنجيل بانجيلهم و بين اهل الفرقان بفرقانهم، و اللّه ما من آية نزلت فى بر او بحر او سهل او جبل و لا سماء و لا أرض و لا ليل و لا نهار الا و انا اعلم فيمن نزلت و فى اي شيء نزلت».
و لئن قلت:التوراة منسوخة فكيف يجوز الحكم بها.
قلت:المراد أنه متمكن من تفصيل احكامها كما أنزلت و بيانها لمن له العمل بها من اهلها بعد اداء حق الجزية.
السادس -ما اشتهر و تواتر من رجوع اكابر الصحابة إليه فى كثير من الاحكام كرجوع عمر فى قصة المجهضة و قصة المرأة التى ولدت لستة اشهر فأمر عمر برجمها و التى اقرت بالزنا و هى حامل فأمر برجمها،و قول عمر بعد رده عليه السلام له و بيان ما اشكل عليه«لو لا علي لهلك عمر»و قوله«لا عشت لمشكلة لا تكون لها يا أبا الحسن»،فان كل ذلك يدل على كمال علمه و مزيده فيه على غيره.
السابع -ان اعظم العلوم و اهمها اصول الدين،و قد ورد فى خطبه عليه السلام من أسرار التوحيد و العدل و القضاء و القدر و النبوة و احوال المعاد ما لم يأت فى كلام احد من الأولياء و اكابر الحكماء،حتى ان جميع فرق العلماء من المتكلمين و الفقهاء و علماء الاخلاق و السياسات و علماء التفسير و النحو و الفصاحة
ينتهون إليه عليه السلام كما بين ذلك فى مظانه،كما تجده عند استقراء كلامه عليه السلام و كلام من بعده من العلماء،و ذلك مستلزم لأفضليته على سائر الخلق بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله.
و اما العفة فقد كان له عليه السلام فيها الآية،و يكفيك فى التنبيه على حاله فيها مطالعة كلامه فى نهج البلاغة،نحو كتابه الى عثمان بن حنيف الانصارى عامله بالبصرة و قد بلغه انه دعي الى وليمة قوم فأجاب إليها،و قوله فيه«ألا و إن إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه و من طعمه بقرصيه،ألا و انكم لا تقدرون على ذلك و لكن اعينونى بورع و اجتهاد و عفة و سداد»و قوله فيه«و ايم اللّه يمينا استثنى فيها بمشية اللّه تعالى لأروضن نفسى رياضة تهش معها الى القرص اذا قدرت عليه مطعوما و تقنع بالملح مأدوما و لأدعن مقلتى كعين ماء نضب معينها مستفرغة دموعها أ تمتلئ السائمة من رعيها فتبرك و تشبع الربيضة من عشبها فتربض و يأكل علي من زاده فيهجع،قرت اذن عينه اذا اقتدى بعد السنين المتطاولة بالبهيمة الهاملة و السائمة المرعية»الى غير ذلك من كلامه عليه السلام.و التواتر شاهد بأنه كان على حالة تشهد بأنه ازهد الناس بعد الرسول صلى اللّه عليه و آله.
و اما الشجاعة:فالخوض فى اثباتها له يجرى مجرى إيضاح الواضحات.
و اما العدالة:فهى ملكة تنشأ عن هذه الملكات الثلاث و تلزمها،و يكفى فى التنبيه عليها قوله عليه السلام«و اللّه لو اعطيت الاقاليم السبعة بما فيها على ان أسلب نملة جلب شعرة ما فعلته»،و ذلك ابلغ ما يوصف من ترك الظلم و الحصول على وسط العدل و فضيلته.
فثبت بهذا أنه عليه السلام كان مستجمعا لاصول الفضائل و انه فيها اكمل من غيره و اما ان كل من كان كذلك فهو افضل فلانه لا معنى للافضل الا الاكثر فضلا.
(الثانى) من التفضيل ان الرسول اللّه صلى اللّه عليه و آله لما آخى بين الصحابة آخى بينه و بين نفسه،و ذلك يستلزم أفضليته على سائر الصحابة،اذ المؤاخاة مظنة المواساة فى المنصب و قيام كل من الاخوين مقام الاخر،فلما كان محمد عليه السلام افضل الخلق كان القائم مقامه كذلك.
(الثالث) قوله صلى اللّه عليه و آله فى ذى الثدية«شر الخلق و الخليقة يقتله خير الخلق و الخليقة»،و فى رواية«يقتله خير هذه الامة»و كان قاتله عليا عليه السلام.
(الرابع) قوله صلى اللّه عليه و آله لفاطمة«ان اللّه اطلع على اهل الدنيا فاختار منهم اباك فاتخذه نبيا،ثم اطلع ثانيا فاختار منهم بعلك».
(الخامس) روى عن عائشة انها قالت:كنت عند النبي اذ أقبل علي.فقال:
هذا سيد العرب.فقلت:بأبى انت و أمى أ لست سيد العرب؟فقال:انا سيد العالمين و هو سيد العرب.
فهذه الوجوه و امثالها مما يدل على انه افضل الخلق بعد محمد عليه السلام.
و اما ان كل من كان افضل فهو أولى بالخلافة و احق بالتقديم فهى مقدمة جليه غنية عن البيان،اذ كان قبح تقديم المفضول على الفاضل فيما يحتاج إليه فى التقديم مركوزا فى بداية العقول.
(الوجه الثانى) ان نقول:الامام يجب ان يكون واجب العصمة،و لا واحد من الصحابة سوى علي عليه السلام بواجب العصمة،فلم يجز ان يكون الامام من الصحابة غير علي.اما الصغرى:فقد مر بيانها،و اما الكبرى فلان الناس بعد الرسول اختلفوا،فمنهم من قال بأن الامام على،و منهم من قال بأنه العباس،و منهم من قال بأنه ابو بكر،و اجماع الناس على تعيين احد هؤلاء الثلاثة مما يدل على ان غيرهم ليس فى مرتبتهم،لكن العباس و ابو بكر
لم يكونا واجبى العصمة بالاتفاق و اما من دونهما فبالاولى،و حينئذ يتعين أن يكون الامام هو علي،و الا لخرج الحق عن الامة و خلا الزمان عن الامام المعصوم،و قد سبق بطلانه.
(الوجه الثالث) النص الجلى من رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله فى حقه بحيث لا يقبل التأويل،كقوله«سلموا عليه بإمرة المؤمنين و اسمعوا له و اطيعوا» و قوله«انت الخليفة من بعدى»،و ذلك مما تواترت و نقلته خلفا عن سلف و هم يملئون وجه الارض،فيجب أن يكون هو الامام الحق بعده بلا فصل.
لا يقال:لا نسلم اصل هذا النص.سلمناه،لكن لا نسلم انه متواتر،لان من شرط التواتر استواء الطرفين و الواسطة،و ذلك غير معلوم فى الامامية.
سلمناه،لكن لا نسلم انه تواتر إليهم،و الا لعلمناه كما علموا،لاشتراكنا و اياهم فى سببه و هو السماع.
لانا نجيب عن الاول و الثانى:بأن شرط التواتر عند المحققين انما هو حصول اليقين من الخبر،و لا عبرة بالعدد كما تحقق ذلك فى المطولات،و هذا النص مما حصل العلم اليقين به للامامية.
و عن الثالث:ان الامامية جاز أن يختصوا بعلم هذا النص،لانه لم يسبق الى اذهانهم نفى مقتضاه بشبهة،و ذلك من شروط العلم التواترى،و الخصم لما سبق الى ذهنه ذلك لا جرم لم يحصل له العلم به.
و لنا على هذا المطلوب دلائل كثيرة،و فيما ذكرناه مقنع هاهنا.
و هى من وجوه:
(الاول) قوله تعالى وَ سَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى* اَلَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى* وَ ما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى (1)(2)الآية،فنقول:هذا الاتقى يجب أن يكون افضل،لقوله تعالى إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ أَتْقاكُمْ (3)(4)،و اجمعت الامة على ان الاتقى اما علي و اما ابو بكر،و لا يمكن حمله على علي،لانه قد كان للنبى عليه السلام عليه نعم كثيرة،فأما ابو بكر فانما كانت له عليه نعمة الارشاد الى الدين،و تلك النعمة لا تجزى البتة،فتعين ان المراد به ابو بكر،فكان افضل الخلق بعد النبي عليه السلام،فلو كان مبطلا فى إمامته لكان ظالما،فلم يكن افضل لكنه افضل فهو محق فى الامامة.
(الثانى) قوله عليه السلام«اقتدوا باللذين من بعدى ابى بكر و عمر» أوجب الاقتداء بهما فى الفتوى،فوجب أن لا يكونا غاصبين للامامة و إلا لكانا فاسقين،فلم يجز الاقتداء بهما.
(الثالث) قوله عليه السلام فى حقهما«ابو بكر و عمر سيدا كهول اهل الجنة»و لو كانا غاصبين للامامة لكانا ظالمين فلم يكونا من اهل الجنة لذلك.
و جواب الاول:لا نسلم ان نعمة الارشاد الى الدين لا تجزى.نعم قد لا يكون جزاؤها مساويا لها فى الفضل،و ذلك لا يدفع اصل الجزاء.
سلمناه،لكن لا نسلم ان الاتقى الموصوف فى الآية هو المشار إليه بالاتقى فى الآية الاخرى او صادقا عليه،بل جاز ان يكون مباينا له،و حينئذ لا يلزم ما ذكرتموه.
سلمناه،لكن قوله «إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ أَتْقاكُمْ» (5)انما يدل على ان كل من3.
كان اكرم عند اللّه فصفة الاتقى ثابتة له،لا على ان كل من كان اتقى هو اكرم، لان الموجبة الكلية لا تنعكس كنفسها،و حينئذ لا يلزم من كونه أتقى كونه اكرم عند اللّه و افضل.
و عن الثانى:لا نسلم صحة الخبر.سلمناه،لكن الامر بالاقتداء بهما امر مطلق محتمل للاقتداء بهما فى الرأي و المشورة أو فى الفتوى،و ذلك محتمل للمرة الواحدة و المرات،فأين ذلك من الدلالة على صحه إمامتهما.و لا منافاة بين الاقتداء بهما فى شيء يغلب على الظن حقيقته منهما و بين غصبهما للامامة.
و عن الثالث:انا نمنع صحة الخبر و نعارضه بوجهين:احدهما انه بظاهره يقتضي ان يكونا سيدى كهول اهل الجنة حتى الأنبياء،و هو ظاهر البطلان.
الثانى انه ورد فى صفة اهل الجنة انهم يحشرون يوم القيامة جردا مردا مبرءين من النقصانات موصوفين بالكمالات،و ذلك ينافى أن يكونوا كهولا.
اذا ثبت كونه عليه السلام إماما حقا معصوما وجب ان يحمل سكوته على الطلب للخلافة و سائر حقوقه على التقية و عدم الناصر و الاشفاق على الدين كما صرح عليه السلام بذلك فى مواضع من كلامه،كقوله«لو لا قرب عهد الناس بالكفر لجاهدتهم»و قوله لابنه الحسن عليه السلام«ما زلت مدفوعا عن حقى مستأثرا علي منذ قبض اللّه نبيه صلى اللّه عليه و آله حتى يوم الناس هذا» و نحو ذلك.
و من يتبع كلامه وجد فيه امثال ذلك مما يدل على انه كان يرى ان الامامة
حق له دون غيره،و على ذلك يحمل دخوله فى الشورى و تحكيم الحكمين و غيرهما.
و بالجملة اذا ثبت عصمته وجب أن يكون كل ما فعله أو قاله صوابا و ان جهلنا وجه الحكمة فيه.
الحق ان الائمة بعده عليه السلام احد عشر نقيبا من ولده،و اسماؤهم مشهورة،و لنا فى ذلك طريقان:
(احدهما) نص كل منهم على من بعده،و ذلك مما تواترت به اخبار الامامية الاثني عشرية خلفا عن سلف.
(الثانى) ما روى عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله انه قال لابنه الحسين عليه السلام:ان ابنى هذا امام ابن امام أخو امام ابو ائمة تسعة تاسعهم قائمهم حجة ابن حجة اخو حجة ابو حجج تسع.و هذا نص صريح فى عددهم.
فأما معرفة عين كل واحد منهم فى زمانه فبآيات و بكرامات تظهر على يديه و تواترت به اخبار خواصهم و شيعتهم،و هى مسطورة فى كتب الآثار عن الائمة الاطهار من رامها طالعها من مظانها.
و الكلام فى سبب غيبته و استتاره و طول عمره:
(اما الاول) فنقول:انه لما وجب كون الامام معصوما علمنا ان غيبته طاعة و الا لكان عاصيا،و لم يجب علينا ذكر السبب،غير انا نقول:لا يجوز أن يكون
ذلك السبب من اللّه تعالى لكونه مناقضا لغرض التكليف،و لا من الامام نفسه لكونه معصوما،فوجب أن يكون من الامة،و هو الخوف الغالب و عدم التمكين و لا اثم فى ذلك و ما يستلزمه من تعطيل الحدود و الاحكام عليهم،و الظهور واجب عند عدم سبب الغيبة.
لا يقال:فهلا ظهر لاعدائه و ان ادى ذلك الى قتله كما فعل ذلك كثير من الأنبياء عليهم السلام.سلمناه،لكن لم لا يجوز ان يكون معدوما الى حين امكان انبساط يده ثم يوجده اللّه تعالى.
لانا نجيب عن الاول:بأنه لما ثبت كونه معصوما علمنا ان تكليفه ليس هو الظهور لاعدائه و إلا لظهر.
و عن الثانى: انا نجوز ان يظهر لاوليائه و لا نقطع بعدم ذلك،على ان اللطف حاصل لهم فى غيبته أيضا،اذ لا يأمن احدهم اذا هم بفعل المعصية ان يظهر الامام عليه فيوقع به الحد،و هذا القدر كاف فى باب اللطف.
و عن الثالث:ان الفرق بين عدمه و غيبته ظاهر،لوجود اللطف فى غيبته دون عدمه.
فأما طول عمره فغاية الخصم فيه الاستبعاد،و هو مدفوع بوجوه:
(الاول) ان من نظر فى اخبار المعمرين و سيرهم علم ان مقدار عمره و ازيد معتاد،فانه نقل عن لقمان انه عاش سبعة آلاف سنة و هو صاحب النسور،و روى ان عمرو بن حممة الدوسى عاش أربعمائة سنة،و كذلك غيرهما من المعمرين.
(الثانى) قوله تعالى اخبارا عن نوح عليه السلام«فلبث فيهم ألف سنة الا خمسين عاما» (1).4.
1) سورة العنكبوت:14.
(الثالث) الاتفاق بيننا و بين الخصم على حياة الخضر و الياس عليهما السلام من الأنبياء و السامري و الدجال من الاشقياء،و اذا جاز ذلك فى الطرفين فلم لا يجوز مثله فى الواسطة-اعنى طبقة الاولياء.
و باللّه التوفيق و العصمة،و به الحول و القوة،و الحمد للّه رب العالمين.