الجزیرة الخضراء تحریف فی تاریخ الشیعة

ghaemiyeh.com

اشارة

الجیزیرة الخضراء تحریف في تاریخ الشیعة

تالیف: غلام رضا نظری

تحقیق: سلمان الانصاری

دارالرسول الاکرم صلی الله علیه و آله

اشارة

جمیع الحقوق محفوظة

الطبعة الولی

1427م-2006م

دار الرسول اکرم صلی الله علیه و آله

حارة حريك - خلف البلدية - تلفون: 03/814294

تلفاکس: 01/541930 - ص.ب: 11/8601

E-mail: dai-alrasool@hotmail.com

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِیمِ

المقدمة

التحقيق والبحث حول موضوع المهدي علیه السلام من جملة الموارد البارزة في القرون والأعصار وقد نال هذا اهتماما واضحا، وقدم أصحاب الفكر والقلم جهودا مضنية لاعطائه حقه.

بالنظر لاحتلال المهدوية موقعا مركزيا في اعتقادات الشيعة ، لهذا كان البحث فيه من جانبين متقابلين بالكامل، الجانب الأول ويمثل علماءالشيعة والنواب العامين الامام الزمان علیه السلام، ودورهم في اداء التكليف، ونهضة وبناء الأمم المسلمة وتوعيتها بظروف وأوضاع الزمان، و تعيين مواصفات عصر الغيبة، بالاضافة إلى تحديد وظائف الناس في عصر الغيبة، وحقا كان لهم دور فعال ومؤثر في هذا المجال، و آثار علماء السلف بین میزان اهتمامهم به ، وكذلك توضح مدى حساسية هذا الموضوع، وتحكي عن التعصب والتمسك الذي كانوا يتصفون به آنذاك.

وأثناء تلك الأوضاع حاولت مجموعة أخرى أن تضع

فواصلا مذهبية وعقائدية وحدود تقابل بها الاعتقاد الشيعي النقي، ومن خلال تحريف بعض المتون الأصيلة ومباني بعض المعتقدات ، شرعوا بشن حملاتهم على الطرف المقابل ويمكن أن نرى آثار ذلك بوضوح في عصرنا الحاضر.

لكن التيار الشيعي الجارف نشر اجنحته بقوة فوق وجه الزمان. أعطت ثورة الامام الحسين علیه السلام وشهادته وشهادة أصحابه وأهل بيته زخما وطاقة حركية للشيعة للسير في قمم المعنويات، ورسمت في نفوسهم الأمل بالمستقبل المشرق، وطوي صفحات الظلم والظالمين ، وسطوع نور عظمة الكيان الشيعي ، ووصول الملك إلى وارثه الحقيقي ومصلح آخر الزمان ، وظهور مکمل سلسلة الامامة . كل ذلك زاد من صلابة الشيعة في تصديهم وتحملهم الایام السوداء وجور الحكام، وقاد حركتهم إلى الكمال ومنحها معنى عال.

كان ذكر الحسين علیه السلام قبل الثورة الاسلامية في ايران يقتصر على العشرة الاولى من محرم، وذكرى الامام صاحب الزمان علیه السلام يتحدد في الخامس عشر من شعبان على الرغم من كون أهلها يطغي عليهم التشيع . وأما الأيام الباقية فلا ذكر فيها ولا تذكير وكأن المهدي علیه السلام لا يعني هذه الأمة.

بعد نجاح الثورة الاسلامية تدفقت دماء جديدة في شرايين

العقيدة الشيعية المضمرة آنذاك. وكانت تلك الأسماء الجليلة محور تمام أقوال الإمام الخميني رحمةالله من اللحظات الاولى للثورة، ولما التفت الناس إلى فعلهم العظيم توضحت لهم شخصية الحسين علیه السلام وشخصية المهدي علیه السلام.

سعى الإمام من خلال تبیان خطوط الثورة الحسينية أن يوضح للناس بان هذه الدولة (هي دولة صاحب الزمان) وهذه الثورة أمانة بأيديهم وعليهم الحفاظ عليها إلى حين تسليمها لصاحبها الحقيقي .

استهدفت الانحرافات جناحي النهضة الشيعية (كما كان ذلك في السابق،) وان الآثار التي ظهرت في العصور السابقة يمكن . تبريرها بوجود الانحراف والتحريف، ولكن ما هي مبررات ظهور بعض التحريفات في عصرنا الحاضر خصوصا بعد نجاح الثورة الاسلامية من قبيل : الجزيرة الخضراء وحضور صاحب الزمان علیه السلام وأولاده وعائلته في تلك البقعة، من قبل بعض الأفراد (معلومي الحال) واخراجها من بطون التاريخ المحترف للعقائد الشيعية و بصبغة أخرى ولون ورائحة ماكرة وخداعة، بدون شك لا تبرير لذلك على الاطلاق .

للأسف هناك من يدعي التحقيق والبحث، لكنه يستند إلى رواية فرد يدعي التشيع يعرف باسم (فاضل مازندراني) كان قد

تربى في كنف المخالفين وتعلم بين المتعصبين ونشأ في مركز العداء للتشيع. يعمل هؤلاء على اعادة اخراج قصة ذلك المدعي والتي تحمل اسم الجزيرة الخضراء أو (مثلث برمودا) وفيها الصحون الطائرة التي يقول انها أصحاب الأمام وأنصاره؛

کیف استند اولئك إلى رواية كذاب يدعي رؤية صاحب العصر علیه السلام ويقول ان الامام في أرض غير قابلة للوصول وبعيدة عن الناس، في حين يؤكد جميع المسلمين (سنة وشيعة) على بطلان تلك الروايات .

جاء في المجلد الثالث عشر من بحار الأنوار عن خبر ابراهیم بن مهزیار نقلا عن صاحب العصر والزمان وبقية الله الأعظم علیه السلام يقول: «إن أبي صلى الله عليه عهد إلي أن لا أوطن من الأرض إلا أخفاها وأقصاها إسرارا لأمري وتحصينا لمحلي من مكائد أهل الضلال ، والمردة من أحداث الأمم الضوال فنبذني إلى عالية الرمال، وجبت صرائم الارض تنظرني الغاية التي عندها يحل الأمر...».

مع وجود هذه الرواية الصريحة والواضحة والمنقولة مباشرة عن حضرته علیه السلام لا يدع مجالا للشك في قولنا حول وجود مؤامرة للتحريف نراها اليوم في صيغة الجزيرة الخضراء وقد وضعت لها الأشعار ونظمت لأجلها القصائد .

جاء في غيبة الطوسي رواية عن أبي بصير، عن الإمام الباقر علیه السلام يقول: «لا بد لصاحب هذا الأمر من عزلة ولا بد في عزلته من قوة وما بثلاثين من وحشة ونعم المنزل طيبة».

فأين الجيوش المؤلفة اذن؟ وأي جمعة تتجمع بها تلك الالوف وتعرض قواها وهي تنتظر أوامر فتح العالم ؟

هل ان رواية هذا المتتلمذ على يد المتعصبين و نسل الغاصبين لخلافة أهل البيت الحقة كانت طيبة المذاق في أفواههم، حتى أنهم يعتمدون على صحة رواية الجزيرة الخضراء والتي تناقض أحاديث صاحب الزمان علیه السلام الصريحة والتي تحدد ملازمین الإمام علیه السلام في ثلاثين نفرا فقط، للأسف أن هؤلاء يضربون قول المعصوم علیهم السلام ويتمسكون بأراجيف فرد نفوذي منتفع.

مجموعة تدعي العلم ولكنها في الحقيقة سودت اللوح الأبيض للعواطف الشيعية ، هلا نظروا إلى كتب التاريخ والجغرافية لمعرفة مناطقهم التي ذكروها في قصتهم، أو تصفحوها للعثور على سند يثبت ادعاءاتهم؟ من الواضح أن فكرة كهذه لم تمر حتى في مخيلتهم، لأنهم لو تفكروا لحظة بمعنى ما كتبوه لصرفوا النظر عن طبع تلك الأباطيل! وكما قال أحد الأساتذة : «ان الأفراد الذين لا يعرفون من التفكر إلا لفظه، لا يحصلون على نتيجة واقعية وما يصلون إليه فهو في الواقع خیال (سلبي) وكل ما كتب حول قصة

الجزيرة الخضراء ما هو إلا نسيج لخيالهم.

وإلا فأين تلك الأباطيل (مؤامرة فاضل مازندراني ومثلث برمودا) من النص الصريح للمعصومين علیهم السلام؟ وأين الصحون الطائرة والموجودات الوحشية التي قذفت بسفنها للاختبار ولتحطيم النوع البشري، من صاحب الزمان علیه السلام؟

هذه التخيلات الباطلة زرقت في شرايين المجتمع وهي مملوءة سم مهلك لكي يصعب تشخيصها والمبادرة إلى اقتلاعها والقضاء عليها.

يدور هذا الكتاب المختصر حول محور الجزيرة الخضراء الذي ينقله الراوون كقصة في تلك البقعة من الأرض.

ونسعى إلى طرح بحث شامل لجميع المعتقدات المطروحة في جميع الأديان حول المهدي المنتظر ونشير إلى كيفية وصول الناس المخلصين وغيرهم إلى متون و مصادر ذلك الموضوع، وكيف وقعت التحريفات على عقائد الشيعة النقية على طول التاريخ، بالاضافة إلى بحث اندلس المسلمين والتي تسمى حاليا باسبانيا والنهضات الواقعة فيها تحت شعار التشيع، وأخيرا الأساليب المخططة لضرب التشيع.

يجدر بنا الإشارة إلى نكتة أساسية تتناول سند هذه الرواية

ومدى صحتها أو بطلانها في كتاب (الجزيرة الخضراء حقيقة أم اسطورة)، وقد بحث ذلك من قبل الكاتب المحترم بصورة شاملة ومفصلة ولا نرى حاجة لتكرار ذلك ولكننا سنعرض مستند تاریخ الجزيرة الخضراء والمؤامرة التي حيكت قبل سبعمائة سنة ولا زالت للأسف تتفاعل لحد الآن.

ولقد لجأ الحقير إلى تأليف هذا الكتاب الذي بين أيديكم بمقتضى التكليف بعد حصول العلم الحقيقي بماهية تلك المؤامرة ، وبادرنا إلى تفكيكها من بطون أوراق التاريخ ولا ندعي الفضل في ذلك، ونأمل من أصحاب الرأي وأهل الفكر والقلم اتحافنا في نصائحهم وانتقاداتهم واقتراحاتهم وسنكون في موضع امتنان و تشکر ودعاء لهم.

ونسألكم الدعاء

غلام رضا نظري

الفصل الأول: المهدي علیه السلام في التاريخ والأديان

تتفق جميع المذاهب والمعتقدات على وجود منجي ومصلح يظهر في آخر الزمان، ابتداء من الكتابية منها وانتهاء بالفرق الضالة المنتشرة في بقع متناثرة من العالم، جميعها تشير في أخبارها عن منج يظهر في آخر الزمان يملىءالأرض قسطا وعدلا.

يمكن اعتبار ذلك حلقة وصل بين الملل و مركزا لتفاهمها . تمتد جذور هذا الاعتقاد إلى أعماق الأمل، لأن انعدامها يساوي الموت خصوصا في مذهب التشيع القدسي الذي ربط ذلك بالعدل الالهي وصوره بأجمل الصور وأكثرها فرحا وسرورا، واعطي فكرة الآخر الزمان وبعد ظهور بقية الله الأعظم علیه السلام تبعث على الأمل والبهجة.

لم نر متنا أكمل وأبسط مما ذكر في كتاب تذكرة الأئمة في باب عقائد الملل المختلفة وفي الباب الرابع عشر للكتاب لشيخ العلماء والمحدثين ، العلامة المجلسي في أحوال الأربعة عشر معصوم علیهم السلام.

يبدأ هذا العلامة قوله بما يلي :

«جميع أقوام وأمم بني البشر وخصوصا أهل الكتاب يقولون

بوجود امام الزمان علیه السلام. ثم يذكر أسماء الملل والأقوام کما یلي: «اليهود، النصارى، المجوس، کفار الحرب، مرتاضان الهند، البراهمة، الجوكیان، الساسانيين ، أهل ختارصرصر، خانباتغ والصين، حكماء اليونان، الفلاسفة، السفسطائيين، أهل النجوم، التناسخية ، جميع الثلاثة والسبعين فرقة من المسلمين وقاطبة أهل السنة و...»..

وبعد أن يعدد أسماء صاحب العصر علیه السلام يقول :

«ورد الاسم المبارك لحضرته علیه السلام في كثير من الآيات القرآنية، تلویحا وإشارة ورمزا مثل: النجم، العصر والفجر في أول سور القرآن في صيغة القسم، وكذلك في أول آيات سورة البقرة جاءت كلمة (غيب) وما يعنيه منها هو صاحب الأمر علیه السلام.

وقد ورد اسمه الشريف في صحف ابراهيم باسم (صاحب)، وفي الزبور (قائم)، وفي التوراة تركوم (قيدوم) وفي توراة العبرانية (ماشع). وفي الإنجيل (مهيد آخر) وفي کتاب فرنگان (مسیح الزمان)، وفي کتاب زمزم زردشت (سروش ایزد) وفي کتاب السباغ (بهرام) وفي رواية أخرى (عبد الله)، وفي كتب السنة (المهدی)، وفي کتاب ارماطس (شماطيل) وفي کتاب هزار نامه هندوان «لنديطار»، وفي کتاب جاودان (خوراز)، وفي کتاب قبروس الروم (فردوس الأكبر) وفي الصحيفة السماوية (كلمة الحق

ولسان الصدق) وفي کتاب کندوال (صمصام الأكبر) و مجوس العجم (کیقباد الثاني)، وجاء في کشکول الشيخ البهائي رحمة الله أن الفرس يطلقون عليه (العارف بالله أو الدال الى الله)، وفي کتاب مارياقين (زندودفريس)، وفي کتاب شاكون (القائم والعارف بالله )، في كتاب بختاور (کوکما) وفي كتاب رأی براهمة (المنصور) وفي کتاب کندوال فرنگان (المبارك) وفي کتاب پر لیومپو (قائم)، وفي کتاب اشعياي النبي (المبارك)، وفي كتاب ذوهر (بقية الله)، وفي کتاب انکلیون (برهان الله) وفي كتاب القنطرة (القاطع).

العلامة المجلسي رحمة الله في ادامه توضيحه لأوضاع وأحوال صاحب الزمان علیه السلام وبعد أن يصل الى مذهب (البراهمة) في الهند يقول: «يقول صاحب کتاب (پانتكل) الذي يعتبر من أعظم کتب البراهمة في الهند أن الدنيا تقسم الى أربعة (أطوار) وكل طور يقسم الى أربعة (أكوار) و کل کور الی أربعة (أدوار) وكل دور أربعة آلاف سنة، ليكون مجموع ذلك ثلثمائة وأربعة وثمانين ألف سنة، تتجدد الدنيا بعد إتمام كل الأدوار وتحيا من جديد ويظهر من جديد صاحب هذه الأدوار وهو ابن امامي العالم، أحدهما ناموس آخر الزمان (المقصود بالناموس هنا هو النبي صلی الله علیه و آله والآخر الصديق الأكبر ويعني الوصي الأول والمسمى (بش) وهذا اسم علي علیه السلام أمير المؤمنين.

و واسم صاحب هذا الملك في اللغة الهندية (راهنما) أي الدليل، يصبح ملكا بالحق. وخليفة الله (جاءت بلفظ (رام) في لغتهم وتعني الله، وسيحكم بدل الأنبياء كإبراهيم والخضر ولديه معاجز کثيرة، ومن يلجأ إليه ويختار دين آبائه سيكون منبسط الوجه عند ربه، ستتسع دولته، وسيزيد عمره على أبناء الناموس الأكبر (علي علیه السلام وستتيسر له أعمال آخر الزمان ويسيطر على القسم الأعظم للكرة الأرضية، ويهدم محل الأصنام (سومنات)، أو يخرب محل الأصنام في كابل، وسينطق بأمره (جگرنات) ويركع أمامه وسيقتله ويلقی به في البحر الكبير، وسيقضي على جميع أصنام العالم.

يقول (شاکموني) (وهو نبي صاحب كتاب كما يعتقد الهنود) وبعث على أهل ختاوختن و مولود في مدينة كیلوس. : «ستصل حكومة العالم إلى سلالة سید خلائق العالمين (کشن)، وكشن يعني في قاموسهم الاسم المبارك لرسول الإسلام الأكرم صلی الله علیه و آله. وسيحكم جبال المشرق والمغرب للعالم وسيركب الغيوم، وتلزمه الملائكة من السودان (الواقعة خط الاستواء) الى خط عرض (60 المدار الجغرافي الواقع تحت القطب الشمالي، وسيحكم ما وراء القارة السابعة وجنة ارم (المراد جبل قاف) ويستخلص أديان الله في دين واحد اسمه القائم أو العارف بالله». .

ويستمر العلامة في تبيانه لمتون وأسناد الهند بقوله: «في

کتاب (ناسك) الذي يعتبر من أصحاب الشرائع الهندية ويعتقد هو وأتباعه بأن الإنسان كالنبات ينمو ويجف ويتلاشى عن بعضه. ، يقول فيه: «ستختم الدنيا بملك يكون إمام الإنس والملائكة، وهو من نسل نبي آخر الزمان، في وجوده يكون الحق والسبيل المستقيم، وستلقى البحار والجبال والأراضي كل ما في بطونها من المعادن و غيرها و ستخبر عن غيب السماء والأرض».

وكذلك الحال بالنسبة لكتاب (دید) الذي يعتقد البراهمة بأنه کتاب سماوي، وكتاب (ماهي شور) (وهو اسم أحد أصحاب الشرائع الهندية) يقول أتباعه: «ماهي شور، لم يلده أحد، وهو لن يموت، وله ولد وزوجة، ويسكن جزيرة ياقوت وهو خليط من الشمس والقمر والنار).

يقول ماهي شور في باب خراب الدنيا: «يظهر ملك آخر الزمان ويكون إمام الخلائق، اسمه (منصور) يحكم جميع العالم، وتدين بدينه جميع الأمم، ولديه علم تمييز المؤمن عن الكافر، ويجيب فورا على كل سؤال».

وكذلك في كتاب (وشن) (الذي يعتبره الهنود نبي وصاحب کتاب).

مترجم و راوي هذا الكتاب فرد یدعی (جوك)، ويدعي اتباعه بأنه مسلم وشيعي، ويقولون:

ذهب جوك الى أمير المؤمنین علیه السلام(ويسمى بلغتهم «کنکر») وسئل منه عن جميع ضروریات (الدراويش المرتاضان) ابتداء من العبادة والزهد وترك الدنيا والتجوید وقاعدة الحياة وعن جميع المسائل الأخرى وانتهاء بمعرفة الله، وجمعوا جميع ذلك بكتاب اسمه (فاروق) كتب بالخط الكوفي.

يقول جوك في تفسير کتاب وشن: «في آخر العالم يصل الأمر الى شخص يحب الله وهو من عباده الخاصين واسمه (فرخنده وخجسته) (مبارك - المترجم)، يحيى الخلق بأمر الله (جاتن - اسم الله لديهم)، ويحرق الظلمة الذين أوجدوا البدعة في الأديان واضاعوا حق الله والرسول، وسيهب حياة جديدة للعالم ويعطي جزاء کل حسين وقبيح.

وكذلك (جی ذام) (الذي يعتبره العجم وكثير من البراهمة أنه نبي)، يقول في كتاب دارنگ: «بعد أن يشيع الأسلام في آخر الزمان، وبعد مرور الزمان يشيع ظلم الظالمين، وفسق العالمين، وتعدي الحاكمين، ورياء الزاهدين، وخيانة الأمناء، وحسد الحساد، وتزول صبغة الإسلام، وتذهب أصوله، وتمتلىء الدنيا بظلم وجور ولا يبقى من الإسلام إلا اسمه، ويبلغ ظلم الحكام أعلى درجة وتذهب رحمتهم، وإنصاف الرعية كذلك ويسعون الى الاضمحلال والزوال بعد أن يملؤون الدنيا كفرا وضلالا، هناك ستظهر القدرة

الإلهية، ويظهر خليفة آخر (اسمه ممتاطا) (أي محمد) ويحكم المشرق والمغرب، ويجول الدنيا بقدميه، ويقتل الكثير، ويهدي الكثير، وستقع هذه الواقعة في زمن حكم الأتراك على المسلمين».

يذكر العلامة المجلسي رحمة الله أقوال المجوس (عبدة النار) حول أحوال وأوضاع صاحب الزمان علیه السلام بقوله: «تعتبر هذه الطائفة كتاب (زند و پازند) سماوي ويعتقدون بأن (زردشت) نبي، وهو ابن (پؤرشب) وأمه (وغد) وهو من نسل (فریدون)، ويقال عنه أنه حکیم، وكان من تلاميذ (افلاوس) الحكيم .

عند فراغه من تحصيل العلم، اعتزل الدنيا وذهب الى جبل قرب سبلان (جبل إيراني) وأخذ معه الطعام الكثير، وسكن هناك، يقال أنه أوصى من قبل في حالة موته يدفن في قبر معين من قبله، بعد ذلك تظاهر بالموت كذبا فدفن هنالك ثم ذهب من قبره الى مخزن الطعام الذي كان قد أعده من قبل ، وبهذا تفرغ بعيدا عن المتطفلين وألف كتاب بعنوان (زند). وينقل عنه كذلك: كان عالما بأخبار الأنبياء الماضين والكتب، وسمع بأن الله يكلم النبي الذي تضم شجرته النار، (ويعني موسى علیه السلام، ولهذا كان يقف باستمرار الی جانب النارويتمنى أن يكلمه الله، حتى أن الشيطان يوما تكلم معه من المعبد (محل عبادة النار) وقال له: «أنا الله وقد اخترتك نبيا فاذهب الى قومك واصلحهم».ويقال من هنا بدأ تأليف كتاب (زند)

وهو عبارة عن إلقاءات وأقوال للشيطان»!

بعد مرور ثلاثين عاما على ملك (گشتاسب) نزل من الجبل وأوجد دین عبادة النار، ثم ذهب الى گشتاسب) وادعى أمامه النبوة.

يقول البعض أن (زردشت) آذربایجاني واسمه الحقيقي إبراهيم، وكان تلميذا لأحد الأنبياء، (يعتقد البعض أنه تلميذ ارمیای النبي)، تعلم علم النجوم جيدا، وقضى فترة في السفر، وله علاقة مع حکماء الشام والروم والهند، وأخذت عنه الطلاسم، ووضع كتابا بلغة (فرس القديمة) وسماه (اوستا) (ابستاغ) کان کتابه معقدا جدا وغامض الى حد لم يستطع أحد فهمه حتی (جاماسب الحكيم) الذي يعتبر من أكابر حکماء (فرس) ويعتقد البعض بنبوته). کان يدعي (زردشت) أن كتاب الله لا يفهمه إلا النبي، ولهذا وضع له تفسيرا وسماه (زند) ولهذا تفسيرا آخر وسماه (پازند) ثم ذهب الى (بلخ) ودعا (کشتاسب) الى دينه..

وما يهمني من كل ذلك هو وجود أسماء المعصومين علیهم السلام في هذا الكتاب (زند و پازند) وكذلك في كتب المجوس الأخرى. وكذلك ذكرت فيها أحوالهم . وما يستنتج من أقوال المجوس هو أن (ابستاغ) (اوستا) (وهو الكتاب الأصل) يقوم على إحدى وعشرين (نسك) وأسمائها كما يلي: فرنگان، وندیداد، اورنکی

رجورا، وال مینوفر، خورده، اثنا، خشت، هارخست، زند، پازنده کاتوز، گوش، پوری، سیرسور، سفدروس، دی وزامیاد.

ولكن أغلب الكتب التي يعتمد عليها ويثق بها كانت ذاكرة الأحوال صاحب العصر والزمان علیه السلام، مع أن المجوس أنكروا عنادا حقيقة الدين الإسلامي المبين. وأما موضوع الإمام علیه السلام كان من ضمن أخبار ووقائع المستقبل، وقد أخبر عن حقيقة ذلك أنبياؤهم وحکماؤهم وعلماؤهم، وضبطوه في كتبهم، أما كتبهم فنفضلها كما يلي: کتاب (کومسب) منسوب الى (کومسب النبي)، وان أصل هذا الكتاب انتهى بمرور الزمن، ولكن حسب الأحوال والأحاديث المعتبرة، أن هذا الكتاب كتب على اثني عشر ألف جلد بقر، ولم ينقل منه إلا عدد قليل من الصفحات في كتاب (ازاد بخت).

کتاب (جاودان)، تأليف (هوشنگ الملك) ويعتبره المجوس نبيا.

کتاب (پیمان فرهنگ)، وحسب زعم هؤلاء القوم أنه من تأليف (مه آباد) أول نبي للعجم ويقال أن (المهاباديين) هم أتباعه.

کتاب (ارژنگ کمانی الرسام)، وعاش في زمن (اردشیر بابکاني) والأرب الى الصحيح أنه عاصر (شابور ابن اردشیر) أيضا. وقد ترجم هذا الكتاب ابن المقفع الخراساني ووضع له اسم (هبل هندسه).

کتاب ( تنكلوش لوقا) الحكيم الرومي.

کتاب (صدور) كان يضم أحكام الديانة الزرتاشتية في مئة فصل.

کتاب (سندباد)، حول الحكم العلمية والعملية.

کتاب (رساتیر)، ويعتقد المهابادیون بأنه كتاب سماوي.

کتاب (آرادبن دیرف)، يقال أن (دیرف) کان (مربدی) ويعتقد الناس بنبوته في عصر (اردشیر بابکان) و (فارسیان).

کتاب (دبستان)، تأليف مزدك الذي كان يعاصر (قباد)، وموضوع الكتاب حول إثبات دینه و مذهب عباد النار.

کتاب (ترحم)، وهو من تصنيفات (جاماسب الحكيم).

کتاب (زمزم)، وهو من تصنيفات (زردشت) والذي يسمى (سیاه) كذلك.

کتاب (قسط وقسطنطين)، وغرضه كما في (لوقا) في إثبات

الدين المجوسي.

کتاب (شارستان)، من تأليف (فرزانه بهرام) وهو من حكماء وعقلاء العجم.

تمت الإشارة في جميع الكتب السابقة بأقوال مختلفة

و مفاهیم غامضة الى أحوال القائم علیه السلام وظهوره وخروجه.

(جاماسب الحكيم) له كتاب آخر باسم (فرهنگ الملوك) (قيل أنه (أسرار العجم) وهو من الكتب السرية للمجوس، ويعتبر بمصاف ومرتبة (اليا) وهو من الكتب أو الصحف السماوية، ويطلق عليه المجوس ب(رسالة جاماسب) وفيه (أحكام الزيج) وأحكام النجوم وحوادث الماضي والمستقبل.

ويذكر العلامة الفقيد حول هذا الكتاب ما يلي «أرسل هذا الكتاب جلیل القدر وزیر کرمان الى هذا الفقير وكان عبارة عن تسعة جزوات (کراسات) كتب على الجلد وخطوطها كانت شبيهة للخط اليوناني والمعقلي والداوودي والفارسي وكانت قسم منها مندرس، ويبدوا أنها كتبت في زمان (شابور ذو الأكتاف) ولم أسمع لحد الآن شخصا من العرب أو العجم يدعي رؤية هذا الكتاب أو السماع به.

ويستمر العلامة حول موضوع الكتاب قائلا: «ينقل جاماسب في ذلك الكتاب عن لسان زردشت أنه في فصل (گاهنبارها وگاهبارها وگاهباران) توجد ستة أيام حسب زعمه خلق بها الله العالم، ويقول أنه يطلق على كل يوم باسم (گاه) و(گاهبار الأول) اسمه (مید بورزن) وهو اليوم الخامس عشر من شهر اردیبهشت القديم، ويقولون أن الله أكمل خلق السماوات بعد أربعين يوما من

ذلك اليوم.

و(گاه گاهنبار الثالث) ویسمی (بیتي سهم) وهو يعادل ثمانين يوما ويصادف اليوم الثالث والعشرين من شهر (شهریور) القديم، ويقال أن الله أكمل خلق الأرض بعد خمسة وسبعين يوما من ذلك اليوم. .

و (گاه گاهنبار الرابع) ويسمى (ایاسوم) وهو يساوي ثمانین يوما ويصادف السادس والعشرين من شهر (مهر) القديم، ويقال أن الله أتم خلق النباتات والأعشاب بعد ثلاثين يوما من هذا اليوم.

و (گاه گاهنبار الخامس) ویسمی (مبدی بادیم) وهو يصادف السادس عشر من شهر بهمن القديم، ويقال أن الله أكمل خلق الحيوانات بعد ثمانين يوما من ذلك اليوم، وكانت مئتان واثنا وثمانين نوعا، مئة وسبعين نوعا منها مواشي ومئة وعشرة منها طيور. و (گاه گاهنبار السادس) ويسمى (هم نمیدیم) وهو تسعون يوما، اليوم الأول لها يصادف (خمسة المشرفة) القديمة، ومن هذا اليوم الى اليوم الخامس والسبعين أكمل الله خلق آدم علیه السلام وحسب اعتقاده أنه (کیومرث).

وفي نهاية هذا الفصل يتناول أحوال الأنبياء والملوك، ويذكر عددهم والزمان الذي ظهروا فيه وما هو دينهم ومذهبهم؟ ويشخص مواقعهم الجغرافية وما جرى عليهم، ويبين حال وأوضاع وأحوال

الأنبياء حتى يصل الى خاتم الأنبياء محمد المصطفى صلی الله علیه و آله فيقول: «آخر الأنبياء عربي ويظهر بين جبال مكة، مركبه الجمل، وترجح أمته ركب الجمال، له خصال حسنة منها يجالس العبيد والفقراء ويتناول معهم الطعام، لا يظله شيء، ويرى من خلفه بوضوح من يتقدم أمامه، دينه أشرف وأكمل الأديان، كتابه يبطل جميع الكتب السماوية، يقضي على دولة العجم، ويزيل دين المجوس والپهلوي. يخرب المعابد (محل عبادة النار)، وبظهوره تنتهي أدوار (پیشدادیان والكيانيان والاشکانیان والساسانیان)، ابنته شمس العالم واسمها سيدة نساء العالمين.

يخرج من أبنائها ملك بأمر الله وهو آخر خلفاء النبي صل الله علیه و آله، ومحل ظهوره مكة، وقيامه متصل بيوم القيامة، بعد إتمام ملوکیته سيصل عمر العالم إلى حافة الزوال، وحينها تتصل الأرض بالسماء وتلتصق بها، وتغمره المياه اليابسة، وتتلاشى الجبال. الشيطان الكبير ( عدو الله) وعبده الطاغي سيقعون في قبضته ويحبسهم في السجن و(سمندع) و(قزح) و(حبايل) و(قنفدر) الذين هم قادة الشيطان سيقعون كذلك في قبضته.

و تهبط عليه (وامشاسپند) (وهي طائفة من الملائكة) لنصرته، يدعو الناس لعبادة الله، اسم مذهبه ( البرهان القاطع) وهو في أعلى درجات الحقيقة. يحضر في خدمته ثلاثة ملائكة مقربين هم (بشتر

و سروش و آسمان) أي (جبرئیل و میکائیل وعزرائیل).

وينزل عليه الملائكة: (بهرام) موكل المسافرين و(قرح راد ملك) موكل الأرض و(بهمن) موكل المواشي والأبقار و(ازمر) موکل النار و(روابنخشن) وهو روح القدس.

سيحيي الكثير من المحسنين والمسيئين بعد موتهم وسيجازی کل بعمله. وسيحيي الكثير الذي لا يحصى عددهم من الجيدين والأنبياء ومنهم : ملکان والد الخضر، ومحراس والد الياس، ولقوماس والد ارسطاطالیس، و آصف بن برخیا وزیر جمشاسب أو سلیمان النبي علیه السلام، وأرسطو المقدوني، وسام ابن النبي افریدون الذي هو نوح النبي، وشماسون عابد وسولان وشموئیل و شاوول پلناس و جاماس (الأنبياء) وعابدین شالخ وكذلك يحضر عنده من جبل (قاف) سیمرتج.

ويحیی كذلك من المسيئين وعددا من العلماء الحمقى وأعداء الله والكافرين مثل: سوربوس أو نمرود ويحرقه مع البرع والقرح (برع وقرح يعني فرعون و قارون) وكذلك هامان وزیر فرعون (سيحيه ويحرقه)، والضحاك العلواني سيخرجه من بئر دماوند ويقدمه الى المحكمة، وبخت النصر المغرب يحرقه كذلك، والشماس الذي قضى على دين البهلوي وجعل النار شریك للخالق سيحيه ويعلن بأن هناك برزخا بين الخالق الخلف، وقاضي مدينة

لوط المسمى ب (سدوم) وأسقف القاضي ترسایان، وكذلك ذوباغ الشيطان العامل للواط في قوم لوط والمروجين له، وقاتلي عباد الله الجيدين.

يعتقد العلامة الفقيد رحمة الله هنا أن الملوك الذين ذكرهم جاماسب في كتابه هم بني العباس والأمويين وسلاطين الجور منهم وكذلك عباد الله المخلصين والشيعة واستمرارا لما جاء في رسالة جاماسب حول بیان و شرح حال و مشخصات القائم علیه السلام يقول: «اسم هذا الملك (بهرام) وهو من نسل شمس العالم وسيدة النساء، وسيدة النساء هذه هي ابنة (سین) . وسين في اللغة الپهلوية تعني اسم محمد صلی الله علیه و آله سيكون ظهور بهارم في آخر الدنيا، وسیعیش بقدر عمر سبعة کراکس) وعمره أثناء خروجه يبلغ ثلاثة آلاف سنة، وسيظهر في وقت يكون العرب فيه متسلطون على الإيرانيين ومحتلين الأراضيهم. بظهور بهرام تتعرض مدن عمان الى الخراب وأكثرها تقع في يده ويقاتل الدجال في فترة تثبيت حكومته ويلقي به الى الجحيم.

ويقول: «الدجال رجل أعمى يظهر راكبا على حمار ويدعي الألوهية».

تقع أطراف الدنيا تحت سيطرة بهرام من نهر الگنگل والأصفر، الصيني وحتى (وژهخت) أي بيت المقدس، وسيحيي

کشتاسب بن لهراسب ويصلبه من بعد ذلك. سيكون الى جانبه (صاحب حاپي) (عيسى المسيح علیه السلام) وكذلك الاسكندر بن داران ؟... الذي سيرسله الى بلدة الافرنج، وسيبعث رستم من القمر ويضمه الى ركباه ويرسله الى مصر. ويرسل سيدا عظيما من آباء الملوك الى القسطنطينة ويسخرها. وكذلك يسيطر على الهند، ويجعل رايات الإيمان والإسلام تهتز في البحر، وبإشارة واحدة يدخل كل مکان ويفتح كل باب مغلق لأن خاتم سليمان سيكون عنده، وستكون تحت أمره جميع الإنس والجن والوحوش والطيور والحيوانات المفترسة.

وسيكون بهرام من أبناء (زردان العظيم) (وهو حضرة إبراهيم علیه السلام)، ومن ألقابه (ایزد کشسب) ويعني (عبد الله)، (اتابك بزرگ) ويعني (صاحب الجبروت)، وهو عظيم مثل جماشسب واوکیارند أي الملك العظيم (كيان يعني عظيم)، (جبار وشیرویه) (ويعني الكبير)، الذي يفر منه عدو الدين أي الشيطان، (کیهان خدیو) أي (ملك العالم)، و(شهنشاه) أي (أفضل جميع الملوك) وهو من أبناء بنت (سین)، سيتولى الأمر هو وأصحابه وتستمر إمامته لفترة تطول خمسمائة قرن.

يذهب الى مقدونية (دولة الملك فيلقوس) ويضرب بخيمة على ساحل بحر (اقصابوسن) ومن هناك يجعل جميع العالم يدين

بدین واحد، ولا يبقى أثر من (کیش گبرا) (المجوس) ودین زردشت والمذهب الساساني، ويحضر معه جميع أنبياء الله و(مشاسندان وموبدان) والحكماء و(پریزادان) والوحوش والطيور وجميع أنواع وأصناف الحيوانات والغيوم والرياح (والرجال بيض الوجوه)، يعود من المغرب ويدخل الظلمات ويخرب جزيرة (نسناس) و ثم يحضر بين يديه إسرافیل صاحب الصور».

ويستمر العلامة المجلسي رحمة الله في قوله: «الى هنا كل ما ذكر كان حول جاماسب وتتمة ذلك ليس في متناولنا، وتذكر الجزوات الباقية أحوال ملوك الإسلام من الترك وأعاجم العباسيين وكذلك الحوادث الواقعة في كل سنة وسقوط وصعود الملوك وانقراضهم.

يرجع أساس هذا الكتاب كذلك واستخراج وقائع المستقبل منه إلى ذكر بعض فصوله في دائرة علم الجفر، ولكون هذا العلم من العلوم الخفية لذا يقصر لساني عن ذكر بقية أحوال المستقبل والماضي (ان تكلمت بشيء سيذهب بالرأس أو الدين).

يقول العلامة المجلسي رحمة الله في بيان أقوال و اعتقادات اليهود في باب المهدي علیه السلام: «يقول اليهود أن المهدي حق وسيخرج آخر الزمان وأما قول المسلمين بأنه من أولاد إسماعيل فهو اشتباه بل هو من أبناء إسحاق، وقد كتب دليله في كتبنا، (داوود بن ایشا) كان له اثنا عشر ولدا منهم سليمان ملك الإنس والجن (في أول الدنيا)،

وكان له أخ يسمى ماشع (ويعني في العربية المهدي)، وقد أخبر الحق تعالی موسى في توراته تلك الأخبار».

ويرد عليهم العلامة المجلسي بقوله: «أما اليهود فقد کذبوا لأنني قرأت التوراة فلم أجد ما يقولون، كتب في سفر الأنبياء أن ماشع من أبناء مؤمؤد أي (محمد صلی الله علیه و آله) وهو من أولاد (شالون) أي (إسماعيل)، يعتقد اليهود بوجود المسيح علیه السلام، وأنه سينزل من السماء، ويعتقد البعض منهم أن المسيح هو (قطامه) وهو ذلك الدجال، ويقولون أن ماشع سيقتل قطامه عندما يدعي الألوهية، والبعض يعتقد أن قطامة هو الله.

أما أقوال نصارى المسيح حول المهدي علیه السلام كانت بالصورة التالية:

المقصود من النصارى هم العيسويون.

الفرق الأساسية للمسيحيين هي: ملکائي، ونسطوري ويعقوبي، ويعتقد البعض في (لوائي) وهي الفرقة الرابعة، تقول فرقة الملكائي وفرقة اللوائي والفرق التابعة لهما بوجود الإمام علیه السلام وبعضهم يقول: «لا يوجد هذا الشيء في إنجيلنا وكتبنا ولكننا سمعنا من علمائنا وأعاظم قومنا بأنه سيظهر آخر الزمان، وهم يقولون كذلك بنزول عیسی علیه السلام وقتل الدجال على يده (الشريفة) وحربه مع جیش الشيطان، وأما اليعقوبي والنسطوري فلا يقولان ذلك.

أما فرقة (داوودي) فهي شعبة من فرقة اليعقوبي وتقول بنبوة المسيح علیه السلام ولكنها لا تعتقد بالاهيته وولادته، ويؤمنون كذلك بنبوة خاتم الرسل ويقولون عنه: «نبي الحق، وسيبعث على العرب فقط دون العجم وبني إسرائيل»، ويقولون بقول اليهود: «النبي الموعود هو المهدي الذي سيظهر ويعتقدون بأن الانجيل من السماء خلافا لما يعتقده جميع النصارى».

يقول (الداووديون): ان (ماهدي) سيظهر ويأخذ بالعالم ويقتل العيسويين والقساوسة والخلفاء ويربط المحراث على أولئك الذين يدهنون جباههم بزيت (بلسان) عوضا عن البقر ليحرثوا الأرض ويشقوا الترع ويبذروا البذور، ولا تقبل من النصارى الجزية إلا الإسلام أو القتل، وكذلك ذكرت أحوال الأئمة علیهم السلام في إنجيل (داوودی).

وقيل إن أغلب علماء (الگرج وارس، وبخارا، وحبش وزنگ، وافرنج الانجليز، والألمان، والبرتغال) يعتقدون بوجوده الشريف علیه السلام.

جاء المتن التالي في كتب (اژي النبي)، (زکیال النبي)، (کلوین)، (سندرة المسيحيين): يطلع كالقمر من (فاران) وله اثنا عشر نفرا) و امام جماعة، وهذا سيحكم من بعده، وذلك وقت ذل المسيحيين ونهاية دينهم، وسيعطي المسيحيون الجزية وهم

صاغرون ومشردون من ديارهم وبلدانهم، (الثاني عشر من أصحابه) سيكون صاحب العالم ورايته ترفرف على بيت المقدس وناصره، وتصل جيوشه الى بحر (سوف) ويأخذ باليهود ويصلبهم، ويسحق المسيحيين وداليان ويخرب هیکل داليان ويقتل (الپاپا) ويذل ملك الفرنج.

الشمس في حركة مستمرة خلفه و عندما يخرج الدجال من جبل (كرملو) ممتطية حمار كبيرة وطويلا مثل جبل (الثور) ويقاتل صاحب.

و سینزل حينها (سيتوس) أو (کرسیتوس) والمراد به المسيح من (یرکهن) وتعني السماء ويقاتل الى جوار حوارییه ضد القائم، وفي رواية أخرى: يهبط اشيوع الناصري فيضعف صوت الناقوس في جميع العالم، ويضع السلاسل في أعناق المسيحيين ويقول لهم: «فکروا جيدا، ستحاسبون وتصلبون، وقد نجی من جيوش المسلمين، ولا حيلة لكم إلا سيوفهم ورقابكم». .

يسعى الكاتب هنا ومن أجل عدم انقطاع تسلسل المطلب وحصول التصور الشامل لدى القارىء المحترم عن جميع أقوال الأديان حول الوجود المقدس لصاحب الزمان عج، الى اجتناب ذكر التوضيح والشرح وبين المطالب، ولهذا بعد انتهاء بيانات العلامة المجلسي الجامعة سنشير الى بعض النكات اللازمة والتي يمكنها أن

تكون أسس البحث الكلية.

وسنعود ثانية إلى العلامة رحمة الله لمعرفة مقالات السنة حول وجوده المبارك علیه السلام، (يعتقد السنة بوجوده الشريف ويقولون: «مهدي هذه الأمة حق، وسيظهر ، ولكن الرافضة تقول عنه إمام مفترض الطاعة، وهو ليس كذلك، وهو من أولاد رسول الله ولكنه ملك سيعلوا على جميع الملوك».

يقول بعضهم أنه لم يولد لحد الآن، ولكن كبارهم وعلماءهم مثل أبو عبد الله محمد بن يوسف بن محمد الگنجي الشافعي يقول في كتاب البيان، وأبو المظفر سبط الجوزي في كتاب الخصائص، والخطيب الدمشقي والاسكندراني والباقلاني وابن أبي الشوارب القاضي عباس البغدادي وأحمد بن خليل ومسند محيي الدين الحنبلي في كتاب الفتوحات وفي الفصول المهمة وكذلك الحافظ أبو نعيم وظاهر قول الثعلبي الذي هو من رؤوساء مفسریهم يقول بصراحة بولادة الإمام علیه السلام.

علاء الدين السمناني وهو من كبار المتصوفة (يعتبره دراویشه شيعي، وأهل السنة يعتبرونه منهم) يرفض قول الشيعة والسنة في هذا الباب، ويقول خلاف الإجماع: «هناك جماعة من أهل القبلة يطلقون عليهم الروافض يعتقدون أن (م ح م د) بن الحسن العسكري حي وهو المهدي وسيخرج، يعلم الله بأنه أثناءغيبته حل

في طبقة (الأبدال) وبقى حيا حتى أصبح قطبا، وبقي تسعة عشر سنة قطبا، ويعلم الله أنه قد مات ودفن في مدينة النبي». .

يقول العلامة المجلسي في إدامة حديثه: «الدراويش مع ادعائهم بالتشيع لكنهم يعتبرون علاء الدين مرشدهم وكبيرهم، يقول قاضي زکریا (وهو أحد رجال معبد الأصنام الواقع في اسطنبول في زمان السلطان محمد فاتح القسطنطينية) وهو من علماء سنة الروم، يقول في تفسيره للآية الكريمة : «فَنَسِیَ وَلَم نَجِد لَهُ عَزماً»:

«يقول أئمة الرافضة إن مراد هذه الآية أن آدم نسي الإقرار بوجود صاحب الأمر ويعتقدون بأن (هذه الآية نازلة في الإمام المهدي علیه السلام (1)

«ولقد عهدنا الى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما» ، طه : 115.

)(ولهذا لم يجعل آدم من أولي العزم). ويعتقدون بأن

1) جاء في كتاب (ظاهر المهدي في القرآن) في صفحة 240 عدة أحاديث في تفسير هذه الآية، أحد هذه الأحاديث ذكر في كتاب بصائر الدرجات، ولأجل توضيح المطلب نذكره هنا : «الشيخ المفيد في سنده عن حمران بن أعين عن أبو حمزة عن الإمام الصادق علیه السلام جاء أن الله عز وجل أخذ إقرارا من الأنبياء بقوله : «ألست بربکم قالوا بلى»، وأن محمدا رسولي وعلي أمير المؤمنين ومن بعده أولي أمري وخزائن علمي وبالمهدي سأنتصر الديني وبه يتضح ديني وأنتقم من أعدائي وأعبد طوعا وكرها. قالوا: أقررنا وشهدنا،إلا أن آدم لم ينكر ذلك ولم يعترف به، وقد أعطى منصب أولي العزم لخمسة من الأنبياء بسبب شهادتهم وإقرارهم بالمهدي، أما آدم فلم يعطى له العزم لعدم إقراره لهذا قال تعالى:

مصداق هذه الآية هو المهدي وهو صاحب الأمر وهو إمام مفترض الطاعة وهم يغالون في هذا الباب بإفراط. لقد ثبت لي (دون أن أعلم) أن صاحب الأمر سیعید حياة أربعة من الصحابة الكبار..؟.. الثلاثة ومعاوية وسيكونون قادة لديه، وسيحيي الأجيال الحسنة الأفعال من سلالة هؤلاء الأربعة ليعلموا المسلمين الفرائض والمسائل وأظن أنهم الفقهاء الأربعة وهم (أبو حنيفة والشافعي ومالك وأحمد بن حنبل).

يقول العلامة المجلسي: «لقد صدق قاضي الكلب بأن صاحب الأمر سيحيي أربعة ويجعل كل منهم رئيس طائفة ويرسله الى قصر من الجحيم ويلقي بهم وكتبهم وتصانيفهم في المزبلة.

لقد قال حزم أوغلي (أحد تلامذة القاضي وهو نائب سلطان الروم) في هذه الحاشية: «اجمع المسلمون وأهل الحل والعقد على أفضلية الشيخين بعد رسول الله صلی الله علیه و آله، لكن من أين عرف بأن صاحب الأمر سيعيد لهما الحياة ويجعلهما قادة للقواد؟ فإن كان ذلك فهذا يعني أن المهدي أفضل منهما».وهذا يدل على تشیعه.

قال لي مؤمن من طائفة (ارنادرست) (وكان من جيش سلطان الروم وقد عرف في بلاد الروم بتشیعه في بغداد لقد كان في اسطنبول زمان (ایلدوم بایزید) وهو من ملوك آل عثمان في مسجد يعرف الآن آیا صوفيه) وكان سابقا موضعا لعبادة الأصنام وأصبح

کنیسه كبيرة لمسيحيي الروم ثم صار بعد مجيء الإسلام مسجدا ولم يغير في بنائه وظلت إحدى جهاته قائمة على أعمدة ثبتت في قعر البحر ولازال نصفها فوق البحر لحد الآن، ولم يوجد في العالم مسجد بعظمته وكبره، قال: لقد وجدت لوحا في ذلك المحل نقشت علیه سطور تعود الى عهد ارماطيس (ملك اليونان) خط عليه أسماء أربعة عشر معصوم علیهم السلام وقد جاء في السطر الأخير البراءة من الخليفة الثاني ومن معاوية ومن أعداء أهل البيت وقد كتب فيه أن مهدي آخر الزمان من الأمة المرحومة ومن أبناء بنت أحمد وسیقتدي به المسيح والحواريون وسيملأ الأرض قسطا وعدلا بعد أن ملئت ظلما وجورا وأن هذا اللوح قرء على (بایزید) بعد ترجمته فألقاه في قعر البحر خشية من سب عمر ومعاوية.

ذكر العلامة رحمة الله في إدامة بحثه حول أقوال الأديان والمذاهب في الوجود المقدس لإمام الزمان علیه السلام، بعض أقوال الشيعة من غير الإمامية: «ليس لمقالات الغلاة ولا الخوارج ولا الملاحدة ولا التناسخية حد ولا حصر حول ذلك الوجود المقدس.

أما الإسماعيلية فترجع المهدوية إلى المهدي من أحفاد إسماعيل بن الصادق علیه السلام ويقول إن المهدي من سلاطین مصر والاسكندرية.

أما الناووسية من الشيعة فيقولون: إن الصادق علیه السلام هو مهدي

هذه الأمة وهو لم يمت ولن يموت حتى يظهر بجيش جرار.

تقول الكيسانية: الإمام بعد الحسين علیه السلام هو محمد بن الحنفية وهو المهدي الموعود وهو حي وقد غاب في جبل رضوان من جبال کهف عقیق وسيخرج بعد مجيء الدجال وسيقتله وسيملأ الأرض عدلا، ويقول قوم منهم: إن محمدا بن الحنفية هو الله، ويعتقد كل من المختار والمسيب وسيد بن إسماعيل الحميري أنه هو المهدي، إلا أن سيد بن إسماعيل جاء إلى الإمام الصادق علیه السلام وتاب على يديه وأخذ منه العلوم.

أما الجارودية فتقول : أن المهدي هو محمد بن عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وهو حي ويخرج آخر الزمان.

وتقول الزيدية: إن المهدي هو محمد بن القاسم بن عمر بن علي بن الحسين، وقد ألقى المعتصم العباسي القبض عليه وحبسه حتى مات، وينسب العباسيون ذلك الى المهدي بن المنصور الدوانیقي ويطلقون عليه بالهادي أيضا

ينسب البطروسية من الشيعة ذلك الى أولاد الحسن بن أمير المؤمنين وقسم منهم الى ابن الحنيفية.

ويقول بعض سفهاء الشيعة والعباسيون أنه توفي قبل وفاة والده بسنتين ويعتقد البعض بأنه لم يولد لحد الآن ويقول البعض بأنه توفي قبل سنة من وفاة والده،ويقول البعض إنه ولد وغاب بأمر الله ليظل الخلق .....».

الفصل الثاني: الخوف من منقذ العالم

كل ما مر عليكم هو مجموعة من أقوال العصور الماضية حول کلیات وجود حضرة القائم علیه السلام، وكما شوهد أن الصديق والعدو شرح أحوال الحجة ودون وکنی، وفي بعض الموارد أكدوا (وصدر هذا من كبارهم كذلك) وحذروا بشكل جدي من خلافته وأعطوا صورة مخربة عن المهدي الموعود و ثبتوها في أذهان الناس الى المستوى الذي يجعلون معه كل سالك عاقل لأحد هذه الأديان والمذاهب يسعى الى العمل الجدي للقضاء على جميع آثار الظهور، أو تقليل آثاره المخربة ! (حسب اعتقادهم)، وتكرر ذلك مرات عديدة جدا وعلى طول التاريخ وخصوصا من قبل العلماء المنتفعين، وعلى الأخص من قبل سكان البيت !!

ظهر من الأقوال السابقة أن قادة أقوام المسيح والسنة عمل كل منهم على تبیان اعتقاداتهم وعلى إثارة الخوف في أممهم بصورة جدية من عواقب ظهور المهدي الموعود علیه السلام وحذروا بشدة من ذلك بحيث لو قلنا أن آثارهم في هذا المجال لا زالت باقية الى وقتنا في القرن الحادي والعشرين فإننا لن نكون قد بالغنا في ذلك!! أما النكتة المهمة الأخرى هي علاوة على أسلوب كتابة هذا المتن المؤثرة فإن

تناثر المدارك والأسناد والمتون المتعلقة بأحوال آخر الزمان وحالات القائم علیه السلام وسهولة الوصول اليها تعتبر من عوامل سوء استغلال هذه الأسناد وبالنظر لكثرة المنابع وانتشارها كما ذكرنا وسهولة منالها فكان له الأثر في إجراء التحريف بواسطة خبرائهم، وقد استطاعوا تشخیص نقاط الضعف من خلال الجهود التي بذلها أهل الخبرة والفن منهم وعلى مر التاريخ في مجال التحقيق والدراسة، هذا بالإضافة الى الأوضاع الكلية للتشيع وإجراء التحاليل العقائدهم و آراءهم المختلفة الصور من علماء الشيعة حول الوجود المقدس للقائم علیه السلام، كل ذلك كان عاملا مساعدا في تحديد الأماكن الهشة التي يمكن نفوذهم من خلالها لتنفيذ أهدافهم الخبيثة.

بحثت عدة مواضيع حول المهدوية بصورة عامة، وبصورة خاصة بين الشيعة حيث اتصفت بحوثهم بظرافة خاصة ودقة متناهية.

موضوع غيبة واختفاء القائم علیه السلام عن أنظار الناس، وموضوع طول عمره الشريف وضعت له المطالب الكثيرة وانهالت بصدده الأقوال ومع ذلك يبقى هناك محل وموضع للتردید والنقد. وما نعنيه هو أن هذه المواضيع من ضمن المطالب التي تعتبر خارجة عن المادة أو بعبارة أبسط خارجة عن حدود المادة والفيزياء ولا يمكن إثباتها في حقول التجارب والمختبرات الفيزيائية أو الكيميائية

لكشف حقائقها. لذا تنفرد التصورات والتحليلات في الميدان وخصوصا أن هذه البحوث كان لها وقع على مر التاريخ ولهذا فهي أرض خصبة لزرع الآراء الضيقة والإفراطية للمجتمعات البشرية وهذا يسهل الأمر للاستغلال المنحرف لعقائد الناس.

إن الخاصية المذكورة حول وجود الضعف في المواضيع سهل الأمر لنفوذالمعاندين الى داخل الكيان الشيعي، وكما سيبحث لاحقا أن ذلك أدى كذلك إلى وضع قصة الجزيرة الخضراء التي ترتبط بصورة مستقيمة بمكان إمام العصر علیه السلام وزواجه وأبنائه، وسعی کاتبها وباطمئنان الى حفظها من خطر الشيوع ولهذا وضع بداية ذكية لها وجذابة تسلب اختيار القارىء وتوقعه بفخها وخاصة المؤمن العاشق لوجود صاحب الأمر علیه السلام، يذهب به الى عالم خاص يتصور بأنه وجد ظالته، وتتصف هذه القصة ببعض الخصوصيات، يحتاج كل منها للبحث والدراسة والنقد.

بذل عدد من المحققين جهودا لإثبات (عدم حقيقة سند هذه القصة أو مجهولية سندها) وذلك بتأليف كتاب (الجزيرة الخضراء أسطورة أم حقيقة) وأشاروا فيه الى بعض الشبهات الموجودة في القصة المذكورة، ولكن الجزء الأعظم منه خصص لنقد کتاب آخر اسمه ( الجزيرة الخضراء وتحقيق حول مثلث برمودا) الذي حاول فيه كاتبه الربط بين قصة الجزيرة الخضراء وبعض الوقائع الحادثة

في القرن الأخير في منطقة من المحيط الأطلسي، وبعبارة أخرى إن المؤلف حاول تطبيق خصوصیات متن القصة (بعد أن وافقها كاملا بلا تردد) مع حوادث المنطقة المذكورة والمعروفة بمثلث برمودا وبأسلوب طغت عليه قوة التخيل وبواسطة استعمال القياسات وفنون الكتابة استطاع الكاتب من الوصول الى غرضه (ولهذا سيكون بحث في حينه)، أما ما يفرض نفسه هنا وبعنوان (ناقوس خطر) يجب أن يطرق مسامع جميع المحافظين على حريم التشيع وخصوصا المحققين والعلماء العظام والواعين في الحوزات العلمية ويجب أن ير ذلك الناقوس ويملأ صداه الدنيا وخاصة في عصرنا الحاضر الذي تصدر به کتب مثل الآيات الشيطانية في نقد الفكر الإسلامي، ودعم تلك الكتب ومفكريها و مؤلفيها بصورة لا محدودة ويرصد لها مبالغ ضخمة ويقدم لها الدعم المعنوي من قبل مفسدي العالم لانتشارها، يقينا أن موجة كهذه ستوجه ضربة مفزعة إلى ساحل أمن العقيدة الإسلامية لكي يوهنوا الغطاء العقائدي للبعض (الذين هم في تزايد الآن)، وهنا يجب على حاملي لواء المذهب النقي والإلهي أن يدخلوا الميدان ومن أبوابه الواسعة وخصوصا في باب علم الاجتماع وعلم تشخيص الأضرار وبعزم صارم للقضاء على كل خرافة تحاول أن تكون في وجودها کالأدغال التي تسلب رائحة وعطر (ورد الجوري).

لا نعجب لو قلنا أن أغلب الضربات الموجهة هي من داخل الكيان الإسلامي بصورة مباشرة مثل الفهم الخاطىء والتفسير غير الصحيح والاستنتاج السطحي والعجول كل ذلك يمكن أن يوجه ضربات موجعة للأركان المتينة والأسس القوية للإسلام ولا يعلم أثرها إلا الله تعالی.

يمكن مشاهدة أنواع الأسلحة المستعملة في مجال صراع العقائد الناتج من تعدد الأديان السماوية، وأن تسلط وتكامل الدين الإسلامي على الأديان السابقة فتح میدانا جديدا لصراع العقائد، وأن مواجهة الكمال مع ذلك التخلف سليهم قدرة الكلام ودفعهم الى الوراء ولكن هذا الانسجام لا يمكن التعبير عنه بالقوى المادية وخاصة مع اليهود، وبعبارة أخرى إن ظهور الإسلام بمعارفه وأحكامه وعلومه الجامعة يعتبر بحد ذاته خسرانا وفشلا لسائر الأديان، وهذا ما تحقق في الواقع، لأن النظام الدقيق الحاكم على العالم في تلك البرهة من الزمن كان يقتضي دينا جديدا وقولا حديثا يعرضه، فمن آمن بهذا الظهور المبارك فقدوضع قدميه على جادة الصواب وأما من عصى ذلك وحاول مقابلته بجميع أنواع المكر والحيلة، ابتداء من المواجهة الفيزيائية وانتهاء بالمقابلة الثقافية.

ومن أحقر الأساليب وأتعسها هو الأسلوب الثقافي (التحريف) الذي لا يزال في الميدان ولا ينوي الرحيل مع طول عمره و استهلاکه.

الفصل الثالث: التحريف سلاح دفاعي

اشارة

-كان التحريف العامل المساعد لجميع المفكرين المنحرفين والرجعيين، قبل الإسلام وأثناء ظهوره وبعده.

من أجل تعيين الموضوع الأساسي لهذا الكتاب حاولنا جهد الإمكان شرح و تبسيط المواضيع الدخيلة (بأي شكل من الأشكال) على الموضوع الأساسي، منها موضوع عمومية الاعتقاد بوجود المهدي في الأديان (كما ذكرنا ذلك)، والموضوع الآخر هو (التحريف) ولكن بلحاظ استقرار هذا الموضوع في محور البحث الأصلي حاولنا تقديم شرح إجمالي له وتاريخه وحول إمكانية وجود التحريف في الإسلام.

تطرقنا في الموضوع السابق الى تقابل العقائد والأفكار، ولكن ما نود الإشارة اليه هنا هو أن مقابلة الإسلام لم تقتصر على اليهودية والمسيحية و... وإنما بعد ظهور الإسلام وفي حياة النبي صلى الله عليه وآله وبعد حياته أيضا كانت جل المواجهات والمجادلات مع المسلمين، بحيث بذل بعضهم قصارى جهده لصب ترشحاته الفكرية في قالب العداء مع الإسلام المحمدي صلى الله عليه وآله، وبعد أن نفذت سهامهم

صير نفسه عميلا للأجانب، وسعي مدة من خلال الرقص على طبول اليهود مثلا من حفظ وجوده، ومن هنا يمكن تقسيم أنواع التحريفات الى قسمين:

التحريفات الواقعة في كليات الدين والتحريف الحاصل في الشجرة الطيبة للمذهب الاثني عشري، وبعد شرح كليات التحريف الحاصل نتخصص بالنوع الثاني منها في كتابنا هذا.

كانت هناك مسائل معنوية ومادية، فردية وجماعية كثيرة في محيط البعثة النبوية وكان على الإسلام التوجه إليها لحتها بصورة نهائية، منها مسألةتحريف الحقائق الدينية والتاريخية والاجتماعية التي كانت تعني أصحاب الكتاب (اليهود والمسيح) والتي مسخت تعاليمهم الدينية وأخرجتها من صورتها الأصلية، ومن أجل نفوذ التعاليم الإسلامية الى قلوب الناس كان يلزم محاربة التعاليم المعكوسة والمترسخة تحت عنوان الدين في نفوس الناس وتعريف بعض نماذجها المهمة والحساسة، لأنه لا يمكن إيجاد الجو المناسب القبول الحقائق بدون أن نبدأ بزلزلة أسس العقائد والأفكار المنحرفة الموجودة في قلوب الناس.

التحريف الانحراف والحرف جميعها من أصل واحد، الحرف يعني الجهة والطرف إن حرف المنضدة يعني حافتها وان للمنضدة أربعة أحرف أي أربعة أطراف. لكل جسم على الأرض عدة أحرف

أي عدة أطراف ولحصول توازن الجسم ما على الأرض يجب تعادل جميع أطرافه، وإن مال أحد أحرفه (أطرافه) فإن تعادله سيختل ويسقط وهنا نقول إن هذا الجسم أصيب بالانحراف.

من الحقائق التي لا يمكن إنكارها في تاريخ البشرية هي تعرض كل دین و مذهب ومسلك فلسفي أو أخلاقي أو اجتماعي على مر العصور الى بعض التلاعبات والى عدم البقاء على حالته الأولى، إنك لا تجد مسلكا على كيفيته التي وضعها مؤسسه، وقد يكون هذا التغيير تكامليا في بعض الأحيان أي أن ذلك الدين أو المسلك يتقدم في جهته الحقيقية ليتكامل وهنا نقول عليه (التكميل)، وأحيانا أخرى ينحرف الدين أو المسلك عن مسيره الأصلي ويعاكسه وهنا نطلق عليه (تحریف).

عوامل التحريف

عوامل تحريف أي دين أو مذهب أو فکر ومسلك يمكن أن تكون متنوعة، ويمكن خلاصتها بأربعة عوامل

ألف : العادات والميول التي تخلق عليها الناس لفترات طويلة والتي لا يمكن تجاوزها ببساطة.

البعض بعد أن يؤمن أو يتطبع على مسلك أو دين يقوم بتأویل

أو تفسير بعض أقسامه، أو حذف وإضافة بعض الشيء عليها لكي تطابق ميوله وعاداته ويستأنس من خلال ذلک بها، بدلا من أن تكن له حالة تسليم كاملة بجيمع تعاليمه وقوانينه وسننه.

ب : تدخل أرباب القدرات والثروات وتغلغل أصحاب القوة والأموال من أجل حفظ منافعهم أو توسيع ممتلكاتهم وإمكانياتهم، وعن طريق استعمال جميع السبل وحتى وإن كان إسلوب الدين أو المذهب.

لا يتحرج هؤلاء من أي شيء مقابل وصولهم الى الأهداف إن كان ذلك يتحقق بقلب الحقائق الدينية عن طريق تأويلها وتفسيرها متى ما كان ذلك لازما لإزالة الموانع الموجودة في طريق قدراتهم ومطامعهم، والإبقاء حالة الاستسلام الموجود لدى من يقع تحت نفوذه وذلك عن طريق تسخير الأمور السابقة وجعلها وسيلة الاستمرار سلوكياتهم المنحرفة.

ج : الاحتكاك مع الآراء والعقائد الأخرى:

لا مناص من احتكاك كل مذهب أو دين مع آراء وعقائد الآخرين في ميدان نفوذه يساعد على التصاق بعض المفاهيم (في صورة إرادية أو غير إرادية)، أو بعبارة أخرى تنفذ في كيانه بعض الموارد، وإن استطاع أي دين جديد من التغلب في هذه المواجهة على الأديان الأخرى، فان هذا الجديد سوف لا يكون في مأمن من

العقائد الخارجية كذلك.

د : التعامل مع المواضيع والمسائل المستحدثة والتي لا تملك حكما صريحا في ذلك الدين أو المذهب.

بعد استقرار أي دين أو مسلك سيواجه أتباعه مسائل مستحدثة لم تكن من قبل.

ولا يوجد على الإطلاق دین أو مذهب تطرق إلى جميع المواضيع والمسائل الحالية والمستقبلية وأصدر لها حكما صريحا. تستنبط أحكام هذه المواضيع عادة من القوانين الكلية، وهذا عامل مساعد لتأثير الأذواق والأهواء الشخصية أو السلبية على تلك الأحكام وظهور التحريف المخطط له أحيانا.

المحيط الذي ظهر به الإسلام، أي الحجاز وخصوصا مكة والطائف والمدينة وأطراف هذه البلاد، كان الدين الشائع آنذاك اليهودية والمسيحية (أصحاب الكتاب).

والبعض القليل كان يعتقد بأنه وارث دین حضرة إبراهيم علیه السلام، وكان الباقون يتشكلون من عقائد ونحل مختلفة من بينها عباد الأصنام. اليهود والنصاری کانت لهم قيمة دينية ملفتة للنظر إلا أن رجال الدين وبعض رهبان المسيح أقل مستوى ولا يفهمون شيئا قياسا الى رجال الدين اليهود في العراق والشام وراهبي الروم

الشرقية والغربية (حسب ما نقل في تاريخ اليهود والنصارى). وتعتبر الحجاز مهدا لأعلى مستويات العلوم، كان رجال الدين اليهود ورهبان المسيحية تطرح عقائد وأحكاما مغايرة لحقائق هذه الأديان السماوية ويكتمون کل حقيقة دينية ويمنعونها عن الآخرين.

في حين أن وظيفتهم تتجلى في رفع الستار عن تلك الحقائق وطرحها لعوام الناس كما أشار القرآن الكريم لذلك بقوله: «وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِیثَاقَ الَّذِینَ أُوتُوا الْکِتَابَ لَتُبَیِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَکْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِیلًا ۖ فَبِئْسَ مَا یَشْتَرُونَ»(1).

وقد أشار القرآن في مواضع متعددة لكتمان هؤلاء للحقائق الدينية بالإضافة الى أنهم قاموا بوضع بعض المفاهيم من عندهم:

«وَمِنْهُمْ أُمِّیُّونَ لَا یَعْلَمُونَ الْکِتَابَ إِلَّا أَمَانِیَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا یَظُنُّونَفَوَیْلٌ لِّلَّذِینَ یَکْتُبُونَ الْکِتَابَ بِأَیْدِیهِمْ ثُمَّ یَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِیَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِیلًا ۖ فَوَیْلٌ لَّهُم مِّمَّا کَتَبَتْ أَیْدِیهِمْ وَوَیْلٌ لَّهُم مِّمَّا یَکْسِبُونَوَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَیَّامًا مَّعْدُودَةً ۚ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَن یُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ ۖ أَمْ تَقُولُونَ عَلَی اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ*بَلَی مَن کَسَبَ سَیِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِیئَتُهُ فَأُولَئِکَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِیهَا خَالِدُونَ *وَالَّذِینَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِکَ أَصْحَابُ


1) آل عمران : 187.

الْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِیهَا خَالِدُونَ»(1).

يفسر هؤلاء بعض الآيات وأولونها وفق ما تقتضيه أهواءهم وأغراضهم بعيدا عن حقيقتها:«أَفَتَطْمَعُونَ أَن یُؤْمِنُوا لَکُمْ وَقَدْ کَانَ فَرِیقٌ مِّنْهُمْ یَسْمَعُونَ کَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ یُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ یَعْلَمُونَ»(2)

کتمان الحقائق، تحريف المطالب، والتفسير والتأويل الخاطيء للآيات والروايات الدينية. كل ذلك لإرضاء أصحاب القدرات والثروات ونیل احترامهم واكتساب الاموال منهم مقابل تقديم تلك الخدمة الكبيرة لهم، ومن خلال أولئك المتجاوزين على الدين يسعى الحكام الى خدع العوام وإشغالهم في معابدهم لتمرير الاعيبهم وخططهم على البسطاء .

وقد بلغ التحريف حدا يصعب معه تشخيص الحق عن الباطل، وتعرضت متون الكتب الدينية الى ذلك، وكذلك ظهور تفاسير التوارة والإنجيل، بحيث كان ينسب الى كلام الله والوحي فيها كل ما ينسجه رجل الدين من ألفاظ(الرطب واليابس) مثلا، وانطوى ذلك حتى على أرباب التحقيق.


1) سورة البقرة : 78 - 82.

2) البقرة : 75.

كانت هذه التحريفات مصدر اختلاف لآراء أتباع الدین ليبلغ الأمر بهم الى التضاد والفرقة وبالتالي الى الذلة والهوان والفساد الاجتماعي المتنوع، هذا من جانب، ومن جانب آخر كان ذلك أرضية مناسبة لوضع الآية والحديث ، ونشر الأكاذيب ورواج الخرافات المتلونة بصبغة الدين من قبل العلماء الانتفاعيين.

عندما يقع التحريف في كيان الدين وتظهر النزاعات والمجادلات بين أتباعه يتجلى هنا دور کشف الحقائق ويستوجب رفع الأغطية الموضوعة من قبل أتباع الدنيا عن الحقيقة وفضحها للملأ وإظهار المعاني الأصلية لكل ما ألصق كذبا الى الله تعالى، وإعادة المفهوم الحقيقي الذي صور وبدل بواسطة التأويل والتفسير الخاطيء أو وضع حد ونهاية للجدل والنزاع المذهبي الحاصل بين طبقة المتدينين والمؤدي الى ضياعهم.

قبل الإسلام كان أسلوب علاج هذه المعاني يحدث عن طريق إرسال نبي جديد الى الناس ليحل عقدة خلافاتهم فلما طالت التحريفات جميع موارد الدين الأساسية و بلغت الكتب السماوية بعث الله أنبياء كما يشير القرآن الكريم الى بعثة عيسى ابن مريم علیها السلام:

«وَلَمَّا جَاءَ عِیسَی بِالْبَیِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُکُم بِالْحِکْمَةِ وَلِأُبَیِّنَ لَکُم بَعْضَ

الَّذِی تَخْتَلِفُونَ فِیهِ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِیعُونِ»(1)

ويشير القرآن الكريم كذلك حول بعثة النبي الأكرم صلی الله علیه و آله«وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ ۙ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ»(2).

«إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ یَقُصُّ عَلَی بَنِی إِسْرَائِیلَ أَکْثَرَ الَّذِی هُمْ فِیهِ یَخْتَلِفُونَ»(3)

وقد جاء النبي بآيات صلی الله علیه و آله كثيرة من عند الله تبين تحریفات أهل الكتاب في المسائل العقائدية والعلمية.

أحل علماء اليهود العديد من المحرمات من قبيل الربا و.. وذلك باستعمال الغطاء الشرعي الدخيل على الدين، بالإضافة إلى ذلك حرموا الكثير من الموارد الأخرى وتحت عناوین مختلفة وثانوية متنوعة، في حين أن الدين الإلهي سمح وأساسه تبسيط الأمور الضرورية للناس والاستفادة العامة منها، طرحوه الى الناس بهيئة عبء ثقيل على كاهل الناس وصنعوه عن طريق الفطرة المنحرفة. بين نبي الإسلام صلی الله علیه و آله جميع تلك الانحرافات وفتح السبيل الصحيح أمام الناس، ولكن هناك سؤال يطرح نفسه هنا: هل أن


1) الزخرف: 63 .

2) النمل : 64.

3) النمل : 76.

التحريف بلغ الإسلام أيضا؟

كما أشرنا سابقا إن التحريف آفة عموم الأديان والمذاهب والمسائل، والدين الإسلامي لا يمكنه أن يبقى في مأمن من ذلك.

بعد وفاة النبي صلی الله علیه و آله مباشرة أو حتى في حياته أيضا قام البعض باختلاق الحديث والرواية ووضعوا الأحاديث ونسبوها الى النبي صلی الله علیه و آله وبذا انحرفت العديد من المسائل الحساسة عن مجراها الطبيعي.

قد تكون أول مسالة مهمة جدا وقع التحريف عليها هي مسألة خلافة النبي صلی الله علیه و آله، وخلال اجتماع لصحابة النبي صلی الله علیه و آله وزعماء المسلمين في سقيفة بني ساعدة لأجل تعيين قائد الأمة ورئيس الحكومة وخليفة النبي صلی الله علیه و آله، امتدت الأيادي وفي ظرف حساس جدا الى حديث النبي صلی الله علیه و آله وحرف لصالح أبي بكر.

وقد جاء هذا الحديث بالصورة التالية في كتب العامة والخاصة وبطرق مختلفة:

«الأئمة من بعدي اثنی عشر كلهم من قریش»، وفي بعض الروايات توجد لهذا الحديث تتمة حذفوها وهي «تسعة من صلب الحسين والمهدي منهم».

حذف هذا المقطع في سقيفة بني ساعدة والذي يثبت قطعية خلافة علي علیه السلام والذي غاب عن اجتماع السقيفة وكان مشغولا بکفن ودفن النبي صلى الله عليه و آله

وبهذا وضعت أسس خلافة أبي بكر والذي كان يسعى لذلك عمر وأصحابه من خلال تحريف المطلب وحذف قسم من الرواية وإبقاء ما يطابق خلافة أبي بكر (الأئمة من قریش).

تناسى القوم كل ما ذكر في غدیر خم والمواضع الأخرى بحق علي علیه السلام من أجل الوصول الى غايتهم وترکوا سنة النبي في إعطاء المقام والمسؤولية من بعده. وضع النبي صلى الله عليه و آله ملاكات المقام والمنصب وحددها، بالكفاءة، والقدرة، والخبرة، والأمانة، والعلم والتقوى ولم يولي القرابة أو كبر السن أهمية في ذلك. أعطى رسول الله صلى الله عليه و آله أسامة بن زید (وهو عبد طليق) مهمة قيادة أهم جيوشه وأمر الجميع (حتى أبا بكر وعمر) بالالتحاق به والعمل تحت أمره (وكان ذلك في آخر أيام الرسول صلى الله عليه و آله ولكن السقيفة خضعت لموازين السن والنسب خلافا لما جاء في الإسلام وقالوا أن الرسول قال إن الإمامة من قريش. كان هذا التحريف بداية فاجعة امتدت لوقتنا الحاضر.

أمر رسول الله صلى الله عليه و آله بالإمامة والقيادة من جانب الله تعالى الى اثني عشر نفر يمتازون بالعلم والتقوى فأين هذا من امتیاز كونهم من

قریش ؟

الفصل الرابع: التحريف في عقائد الشيعة

النكتة المهمة هي ان التحريف لا زال قائما وخصوصا في عصرنا هذا أو دولتنا هذه مع وجود هذا العدد الضخم من دعاة الاسلام دون أن يتخذ موقفا جديا لذلك. ولا زال الاختلاف متفاعل كما في السابق بين المذاهب والفرق الاسلامية أو بالأحرى لا زالت النتائج التعسة للتحريفات قائمة على حالها. ولا زال المستضعفين وإلى جانبهم المستكبرين وطلاب القدرة في جميع الفرق والمجتمعات، وفي كل يوم يمر يتجسد استغلال الضعفاء من قبل المستكبرين وعن طريق الاصول المنحرفة كما نشاهد ذلك في فضائح الوهابية والطالبان والذي هم أشبه بوصمة العار في جبين المجتمع البشري، لكنها ألصقت في الاسلام، وكل خطوة يخطو بها المسلمين نحو التقدم والتعالي نراهم يحيكون هذه الدسائس القذرة لاعادتهم إلى الوراء عشرات الأقدام .

حيل الاستعمار ودسائسه القذرة النتنة تؤدي بالمصائب والفواجع للاسلام يوميا، وناتج ذلك هو بقاء المسلمين في حالة خمول واهمال .

هذا الموضوع خارج عن بحثنا ولكن بلحاظ أهميته كتبنا عنه القليل لاجل لفت أنظار المسلمين إلى التحريف الحاصل.

تعالوا إلى عمق الفاجعة التي تتكرر يوميا في المجتمع مرات ومرات، لكن الثقة بالعدو ودفع الصديق وابعاده أعطت مذاقا حلوا لتلك الفاجعة، قد لا يكون قابل للتصديق أن قلنا أن الشيعة أنفسنا مشغولون منذ حوالي خمسمائة سنة ولحد الآن في نسج الأباطيل والأراجيف حول حادثة كربلاء، وكل سنة نلصق بهذه الواقعة العظيمة أشكالا مختلفة ونعطيها مكياج جديدا له دور سلبي على الناس وتؤدي إلى ابعادهم عن أصول الثورة الحسينية، وقد وصل بنا الأمر إلى ضرب السلاسل والقيود على جميع أطراف أبا عبدالله وأصحابه وقدمناهم إلى يزيد وحزبه مكبلين.

كما أشرنا سابقا أن المرور على تحریفات مذهب التشيع يعتبر من المحاور الأخرى لهذا الكتاب ونستند هنا إلى كلام الشهيد مطهري الثمين والذي جاء في كتاب (الملحمة الحسينية) لنرى أنفسنا أين كانت ؟ وماذا كانت ؟ لكي نتوقع عدم تدخل الآخرين في أمورنا وعدم إيقاعنا في فخ مكرهم

عندما يمر الشهيد مطهري على واقعة عاشوراء ويصل إلى التحريفات الموجودة والتي تجاوزت حدود النقل في المقاتل والكتب والمتون ودخلت إلى أشد الأجزاء تأثيرا، أي الأشعار والمراثي .

وبعد أن يوضح الشهيد مطهري المعنى اللغوي للتحريف، يقسم التحريفات الواقعة على (عاشوراء) إلى قسمين، اللفظي والمعنوي، ويشير إلى عوامل التحريف ويقول عنها: تستكون من جهالة الصديق وعداوة العدو.

وذكر الشهيد مطهري نماذجا كثيرة للتحريفات اللفظية العاشوراء من جملتها قصة الأسد وفضة

وزواج القاسم التي لا يتجاوز عمرها على الظاهر الدورة القاجارية، وكذلك قصة فاطمة الصغرى في المدينة وإخبارها من قبل الطير، وقصة حضور ليلى في كربلاء، وعدد جيش عمر بن سعد ...... الخ، وقدم الشهيد أدلة دامغة على بطلان تلك التحريفات وانعدام أساسها .

ومن العوامل العامة لايجاد التحريف وخاصة في واقعة کربلاء تلك المجالس والأشعار التي تقرأ على الناس (مجالس التعزية) والتي تسعى إلى ابکاء الناس فقط لكي يثبتوا نجاح مجالسهم ويستشهد الشهيد بقصة من كتاب (لؤلؤ ومرجان) للحاج نوري ، يقول :

«يقول الحاج نوري في كتابه : نقل لي أحد الطلاب وكان من أهل یزد انه سافر في شبابه إلى خراسان مشيا على الأقدام عن طريق الصحراء فمر باحدى قرى نیشابور وكان فيها مسجد ، ذهبت

إلى المسجد لعدم وجود مكان آخر لي.

حضر امام الجماعة إلى المسجد وصعد المنبر وهنا شاهدت خادم المسجد جاء بعدد من الحصى واعطاها إلى ذلك الأمام، وبعد أن شرع في قراءة التعزية أمر باطفاء النور، وبعد ذلك قام برمي الحاضرين بالحصى لكي ترتفع أصواتهم بالبكاء، وبعد اكمال المجلس وأضاء المكان رأيت رؤوس الناس وقد أخذتها الجراح وهم في حالة بكاء مستمر إلى أن ذهبوا خارج المسجد، ذهبت إلى ذلك الأمام وسألته عن فعلته هذه، فقال : لقد اختبرت هؤلاء الناس فوجدتهم لا يبكون في أي عزاء وبما أن عزاء الامام الحسين علیه السلام له من الأجر الكثير والثواب العظيم فحاولت ابکائهم بهذه الصورة وعن طریق ضرب رؤوسهم بالحصى والحجر .

نعم، هذا نموذج عيني لاحدى قنوات التحريف، تصور ان موجودا مثل هذا كيف سيمكنه المقاومة أمام القدرات التي تسعى إلى اخلال اُسس عقائد الناس. الحقيقة أن كل انحراف يقع وخصوصا في سيرة الشخصيات الدينية والمذهبية ناشیء من استحمار هؤلاء النماذج وهذا ما يفسح المجال لتقدم التحریف خطوة إلى الأمام لتصل بهم الوقاحة في الحديث عن تحريف القرآن !!

وكما ذكر من مؤمرات العدو سواء كانت من الداخل أو

الخارج تعتبر من أهم العوامل لايجاد التحريف في متون الكتب العقائدية، ومن محاور البحث الاساسية من هذا الكتاب هي تشخيص المؤمرات وتعريف المتأخرين الذين كان لهم دور في قلب الحقائق لموضوع امام الزمان علیه السلام وسنشير إلى ذلك في الفصول التالية بصورة مفصلة، ولكن هناك نموذج يشابه ما سنذكره في التحريفات الحاصلة في واقعة عاشوراء. قام الشهيد مطهري بتعريف ذلك المتآمر بصراحة، يذكر الشهيد في الصفحة 53 من المجلد الأول للملحمة الحسينية فيقول :

«هناك كتاب يعرف باسم (روضة الشهداء) للكاتب ملا حسین کاشفي، يقول الحاج نوري عنه: قرأت قصة (زعفر الجني) و(زواج القاسم) لأول مرة في هذا الكتاب الذي لم اشاهده من قبل وكنت أعتقد ان فيه القليل من تلك الوقائع، کتب الكتاب باللغة الفارسية قبل حوالي (500 سنة) (يرجى التدقيق بهذا التاريخ لأنه سيهمنا في بحث تاريخ دخول التحريفات أو تاريخ بدايتها التي تستهدف عقائد الشيعة في فصولنا القادمة ان شاء الله).

الملا حسين كان رجل عارفا للقراءة والكتابة، وله عدة كتب منها (انوارشهیلی)، عند قراءة تاريخه لا يمكن تشخیصه شيعي كان أم سني !! وكان يعرف بالتلون، يدعى التشيع أمام الشيعة، ويقول بحنفیته أمام السنة !!! يبدو انه من أهالي سبزوار، وهذه المدينة

كانت مركزا للتشيع، وأهلها متعصبون للمذهب(1)

فرد، وكما ذكر فان هذا المورد كذلك من موارد التحريف التي تستهدف أسس عقائد الشيعة ، وسنحاول ذكر ذلك في محل آخر.

.

كان الملا شيعي مئة بالمئة في سبزوار، ويسافر أحيانا إلى هرات وينتحل السنية هناك ويمتهن الموعظة هناك (يقال بانه زوج أخت أو عدیل عبد الرحمن الجامي) ولكنه ما أن يصل سبزوار حتى يشتغل بذكر مصيبة عاشوراء ! توفي سنة 910 (تقریبا)، أي في أوائل القرن العاشر .

كان أول كتاب كتب في الرثاء قبل حوالي خمسمائة سنة وباللغة الفارسية، كان الناس يرجعون قبل ذلك إلى المصادر الاصلية مثل : الارشاد للشيخ المفيد، (ولو نرجع إلى هذا المصدر فاننا سنستغني عن جميع المصادر الأخرى).

ومن السنة كتب الطبري وابن الأثير واليعقوبي وابن عساکر والخوارزمي (لا أعلم بفعل هذا الفاقد للانصاف) !!

عندما قرأت هذا الكتاب رأيت فيه اسماء كاذبة مختلقة، أي ذكرت أسماء لا أساس لها في صف أصحاب الحسين عليه السلام وكذلك أسماء وهمية لا حقيقة لها في صف الأعداء، وقد طغت صور(1)


1) يبدو أن هذه المؤامرة مخططا لها وكانت هناك أهدافا محددة منها ! وهو العمل المضاد للتشيع في مركزه وقلب اعتقاده و محل المتعصبين به من قبل

الأساطير على قصصه .

وبما أن هذا الكتاب كان الأول في اللغة الفارسية، وكان أغلب قراء المراثي امين لا يقدرون على مراجعة المصادر العربية لهذا كانوا يستعينون بهذا الكتاب ويقرأون ما فيه، وهذا ما نراه اليوم بهيئة (قراءة الروضة) (القراءة) في مجالس تعزية الإمام الحسين.

لم يكن اصطلاح (قراءة الروضة) (التعزية) رائج في زمان الامام الحسين والامام الصادق والامام الحسن العسكري علیهم السلام، وكذلك لا يوجد من يقرأ ذلك في زمن السيد المرتضی والخواجة نصير الدين الطوسي وانما منذ حوالي 500 سنة ولحد الآن وضعت هذه التسمية له، (قراءة الروضة) تعني قراءة كتاب (روضة الشهداء) ذلك الكتاب الكاذب، الذي حال دون قراءة الناس للتاريخ الواقعي للامام الحسين علیه السلام من تاريخ وصوله إلى متناول الناس.

يقول الشهيد مطهري في ادامة حديثه :

«ظهر قبل حوالي 60 - 70 سنة المرحوم (الملا الدربندي) وقام بجمع جميع ما جاء في روضة الشهداء والاضافات الواقعة عليه في مكان واحد والف کتاب باسم (أسرار الشهادة) وكان هذا الكتاب يدفع الانسان إلى البكاء على الاسلام وما حل فيه».

نعم، هذا الاسلام يستحق البكاء، لاته يعد أعداء الدين والمتآمرين عليه من أفاضل القوم وعلمائه وعلى مر التاريخ هذا من جانب، ومن جانب آخر قام اولئك وباسم الاسلام وباسم علماء الاسلام بنسج خيوط العنكبوت حول الاسلام بافعالهم المتدنية ؟!

لم يقتصر التحريف على اصول عقائد التشيع وعلى محتواها وحقائقها وانما استهدفت سهامهم الحاقدة والمسمومة شخصيات العلماء أيضأ، وما مر على أنظاركم حول ما قيل وحيك ضد الامام الحسين علیه السلام وحادثة كربلاء المؤلمة ما هو إلا قطرة من بحر مترامي الأطراف مليء بعداء الأعداء وجهل و غفلة الأصدقاء.

ومن المؤكد ان ذلك لن يتوقف عند هذا الحد وانما سبقه ما وضع بحق الامام علي علیه السلام وحياته وشجاعته كذلك، ان كل من هذين الحقیقتين كانا يمثلان ثلمة في العالم الاسلامي والتي لا زالت اثارها و تبعاتها متفاعلة في وقتنا المعاصر.

ان ما قيل بصدد أمير المؤمنين علیه السلام من مسائل محرفة كثيرة جدا فاق كل أقوال التحريف الصادرة بخصوص الشخصيات الاسلامية الباقية، وحتى ان الامام علي علیه السلام عاقب بنفسه الكثير من المغالين بحقه.

وقد ورد في كتاب الملحمة الحسينية للشهيد مطهري مثال من هذا القبيل، (قيل ان علي علیه السلام في معركة خيبر قابل (مرحب)

الخيبري، وكان لهذا الأخير خصوصیات خارقة للعادة، يذكر المؤرخون انه عندما ضربه الامام علي علیه السلام وصيره نصفين ، أوحي إلى جبرائیل (هنا بالضبط موضع الاسطورة الكاذبة التي تهدم الدين) أن أهبط إلى الأرض فورا لأن سيف علي أن ارتطم بالأرض سيجعلها نصفين وسيصل إلى البقرة والسمكة(1)، ضع جناحك على الفور تحت سيف علي علیه السلام ! فوضعه، فلما هبط سيف علي وقسم مرحب إلى نصفين (لو وضعنا في الميزان لكانت متساوية الوزن)، وصل السيف إلى جناح جبرائيل وأصابه فلم يستطع الرجوع إلى السماء إلا بعد أربعين يوما ؛ فلما رجع إلى السماء سأله المولى تعالى : أين كنت في هذه الأربعين يوما ؟؟!! فأجاب : الهي كنت على الأرض، لقد أمرتني بذلك، فسأل منه : لماذا لم ترجع بسرعة ؟! فأجاب : الهي لما هبط سيف علي فأصاب جناحي فبقيت أربعين يوما تحت العلاج !!

يقول الآخر : ولقد كانت سرعة سيف علي علیه السلام ونعومته بالحد


1) لم تكن في تلك الأيام فكرة علمية حول حركة ووضع الأرض والسيارات الموجودة وكان العوام يعتقدون بأن الأرض مستقرة على قرن بقرة وهذه البقرة راكبة على ظهر سمكة، ويعتقدون بان حركة البقرة الجزئية تسبب اهتزاز الأرض، وعند نهوض البقرة فان الأرض ترى من هذا القرن إلى القرن الآخر وبعد ذلك ستقوم القيامة على الفور، للأسف لم يطرح آنذاك أحد هذا السؤال القائل ما هو مصير الأرض لو تحركت السمكة ؟؟!!

الذي لم يشعر به مرحب حتى بعد وصوله إلى سرج الفرس وسحبه من جسده، ولهذا قال له: يا علي هل كان تلك جميع قوتك ؟! (کان يتصور بان الضربة لم تقع) وهل آن شجاعتك بهذا المستوى ؟! فقال له: حرك نفسك، فلما حركها سقط نصفاه كل على جهة .

ومن هنا يتضح تحريف الحقائق وقلبها، والأخطار التي ستتبع ذلك. التحريف ضربة شديدة وغير مباشرة لكيان العقائد ولها تأثير أكثر من الضربات المباشرة لأنها تحول كتاب الهداية إلى ضلالة، وكتاب السعادة إلى شقاء وتبدل أساس الحقائق بصورة كاملة بحيث لا يقتصر تأثيرها على ضياع خواصها وانما ستترك آثارا مكتوبة يقول النبي الأكرم صلی الله علیه و آله:

«آفة الدين ثلاثة : فقيه فاجر وامام جائر ومجتهد جاهل».

لكل شيء آفة تتناسب مع ماهيته، فلكل من الحيوان والنبات والانسان ...والدين والمذهب والمسلك آفة خاصة به، فلو وقع التحريف من قبل قسمين من الآفات التي أشار لها النبي الأكرم صلی الله علیه و آله فان الدين سيهدم وعدم

نعم، ايها الاخوة والأصدقاء، أن الدين الذي بين أيدينا هو أكمل الأديان ، ذلك الدين الذي قضى على كل سمسار ودلال

يحاول تأمين الارتباط مع إله العالم .

وحقا أن هذا الدين قد أودعت فيه تمام علوم الوجود من الأزل إلى الأبد سواء كان ذلك في القرآن أو الأحاديث أو الروايات الصادرة عن أهل بيت العصمة (سلام الله عليهم أجمعين) (من الطبيعي أن ما نعنيه هو الثابت عنهم حقا).

نعم ان هذا الدين العظيم يلزمه أناس عقائديين عظام أيضأ، يمكنهم تفسیر و توضیح هذا الدين بواسطة عظمة العقل والروح.

لقد انقضت أيام الخرافة والأساطير وأيام القائها على الأفراد الامتين عبر المنبر أو الكتب والرسائل والكتابات. نحن نعيش بعصر يرصد أدق الحركات وخصوصا الصادرة من الشيعة فهنالك مليارات نوافذ الرصد المفتوحة باتجاهنا.

لاحظوا الآن الشباب والفتيان الذين ترعرعوا بين أحضان الشيعة خصوصا في مجال عقائدهم واسئلتهم التي يطرقونها في ذلك المجال .

إلى متى يمكننا أن نقول الأمر كذا وكذا، إلى متى يمكننا تحفيز الآخرين على الاتيان بالواجبات والمستحبات بدون تقديم الأدلة المتقنة والمنطقية . من المؤكد جدا ان خلف ستائر جميع الأحكام والاعتقادات

والواجبات والمستحبات قد أخفيت الحقائق العلمية العميقة، اليوم من الواجب على الجميع استعمال الأفكار لازدهار براعم العقائد الاسلامية وذلك بالسعي الجاد لاجراء التجزئة والتحليل العلمي والمنطقي، لا نعني من كلامنا رفض العقائد التي ليس لها توجيه علمي ، کلا! وحتى اننا يمكننا الادعاء بأن العلم الذي لا يقع في اطار العقائد الاسلامية ليس بالعلم ، ولكن ما يقتضيه عصرنا الحاضر أن تسعى الدول الاسلامية وخاصة دولتنا إلى ایجاد حركة تمر عبر هذا الطريق، أي تنقيح المسائل والموارد کالأحكام وغيرها الاخراجها من حالة المغالطات والتحريفات. لأنه بواسطة توضیح الحقائق ستطفح جميع التحريفات عنه وبهذا تتضح الدسائس الخارجية المتغلفة بين عقائدنا و تشخیص ماهية المتآمرين.

الفصل الخامس

الفصل الخامس: الجزيرة الخضراء تحريف آخر

اشارة

كما مر سابقا أن التحريفات حصلت في كليات الدين الاسلامي وكذلك في عقائد الشيعة وشخصياتها ابتداء بأمير المؤمنين علیه السلام والامام الحسين علیه السلام إلى سائر الأئمة المعصومین علیهم السلام وآخرهم منقذ البشرية الذي لم يسلم من ذلك أيضا .

وقد نسجت حوله على مر الأدوار المختلفة العديد من الاعتقادات المنحرفة،واليوم وللأسف نشاهد بعض المجاميع وتحت عناوین مختلفة تحاول التزوير والوضع في حقائق العقائد المهدوية وخصوصياتها، ونقصد الغيبة الكبرى وعلائم الظهور وسائر الثوابت المرتبطة بحضرته علیه السلام، ولم يتورع اولئك حتى عن ارتكاب الجرائم والجنايات في هذا المجال .

موضوع الجزيرة الخضراء من المواضيع التي لفتت هذه الايام انتباه الكثير من العلماء والعوام كذلك، وذلك بسبب العلاقة القوية للشيعة بامام الزمان وان موضوع غيبته تعتبر من المواضيع التي تجذب الأفكار العمومية اليها وكذلك يرتبط الأمر بعمر فرد طال أكثر من المعتاد .

وهناك العديد من الأسئلة المطروحة هنا، منها: ماهي مشاغله صاحب الأمر علیه السلام خلال هذه الفترة الطويلة؟ وكيف وضعه (الزواجي وغيره) والآف الاسئلة الاخرى التي تخطر على بال العاشقين، والتي يمكنها أن تكون مهدا للاستغلال، والاستغلال الواقع من العقلاء وعلماء الدين في جهة توجيه قسم من المسائل العلمية والعقائدية للمحافظة على رقي أ واعتلاء أفكار المعتقدین وعشاق المعرفة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى الاستغلال السيء الحاصل من قبل الأعداء والمعاندین.

في كتاب (الجزيرة الخضراء حقيقة أم اسطورة) أشار الكاتب المحترم إلى بعض النقاط المرتبطة بذلك، ولكن الاشكال الأهم والواقع من خلال الاعتقاد بوجود مكان كالجزيرة الخضراء هو حصول التشكيك بالروايات والأحاديث المتعلقة بصاحب الزمان علیه السلام والمنقولة عن الأئمة علیهم السلام ولكن نظرة متفحصة كلية لماهية هذه القصة سيتضح لنا مدى جعلها ووضعها بصورة ثابتة.

لقد أثبت اليهود مهارتهم في تحريف الكتب والروايات على مر التاريخ من جملة ذلك تصوير الضرر الحتمي الذي سيلحق بهم من ظهوره علیه السلام، وكذلك تحریف ذلك الوجود المبارك المعين من قبل أهل بيت العصمة والطهارة، وقضية انتظار ظهوره ونقاط القوة التي أضيفت إلى رصيد الشيعة من هذين التأليفين العظيمين، والتي لها

دور التلقيح الواقي ضد أخطار الهجمات الثقافية والسياسية .

من الواضح جدا أن العدو الجاعل والواضع يحاول تحریف الثوابت في مجالات ولادة الامام علیه السلام ورشده، وغيبته الصغرى والكبرى، والنصوص الصريحة للروايات المرتبطة بسيرته في الغيبة، ويسعى إلى ايجاد الشك والترديد في مباني الاعتقادات الشيعية، لذا فاننا نبغي من طرح المطالب الماضية والآتية الى اثبات تحریف بعض المطالب وكشف المؤمرات المحاكة ضد الشيعة بعون الله تعالی .

ومن أجل الورود إلى البحث الأصلي للمطالب التي نحاول هنا توضيحها نعرض محتويات تلك المطالب وهي : المتن الكامل للجزيرة الخضراء ومن ثم عرض قصة مشابهة لها واسمها رواية الانباري، ومن ثم نشير إلى القصص المشابهة لذلك والحاصلة في أماكن مشابهة وعلى طوال التاريخ لهاتين الروايتين، ومن ثم نحاول قدر امكاننا توضیح و تبیین المطالب ومناقشة الآراء المختلفة حولها .

وما تقرؤنه الآن هو أصل قصة الجزيرة الخضراء المروية عن شخص يدعى بحضوره في تلك الجزائر وتحت قيادة امام الزمان علیه السلام، ويدعي بانه شاهد ابناء الامام وتكلم معهم بالاضافة إلى وقائع أخرى يدعي بشهودها من قبله :

المتن الكامل لقصة الجزيرة الخضراء المذكورة في الجزء 52 من كتاب بحار الأنوار للعلامة المجلسي :

وجدت رسالة مشتهرة بقصة الجزيرة الخضراء في البحر الأبيض أحببت ایرادها لاشتمالها على ذكر من رآه ، ولما فيه من الغرائب . وإنما أفردت لها باب لاني لم أظفر به في الأصول المعتبرة ولنذكرها بعينها كما وجدتها :

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي هدانا لمعرفته،والشكر له على ما منحنا للاقتداء بسنن سید بریته ، محمد الذي اصطفاه من بين خليقته ، وخصنا بمحبة علي والائمة المعصومين من ذريته ، صلى الله عليهم أجمعين الطيبين الطاهرين وسلم تسليما كثيرا.

وبعد : فقد وجدت في خزانة أمير المؤمنين ، وسید الوصیین، وحجة رب العالمين ، وإمام المتقين ، علي بن أبي طالب علیه السلام بخط الشيخ الفاضل والعالم العامل ، الفضل بن یحیی بن علي الطيبي الكوفي قدس الله روحه ما هذا صورته :

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد و آله و سلم .

وبعد : فيقول الفقير إلى عفو الله سبحانه وتعالى الفضل بن یحیی بن علي الطيبي الامامي الكوفي عفى الله عنه : قد كنت سمعت

من الشيخين الفاضلين العالمين الشيخ شمس الدين بن نجيح الحلي والشيخ جلال الدین عبدالله بن الحرام الحلي قدس الله روحيهما ونور ضريحيهما في مشهد سيد الشهداء وخامس أصحاب الكساء مولانا وإمامنا أبي عبدالله الحسين علیه السلام في النصف من شهر شعبان سنة تسع وتسعين وستمائة من الهجرة النبوية على مشرفها محمد وآله أفضل الصلاة وأتم التحية ، حكاية ما سمعاه من الشيخ الصالح التقي الفاضل الورع الزكي زين الدين علي بن فاضل المازندراني ، المجاور بالغري - على مشرفيه السلام - حيث اجتمعابه في مشهد الامامين الزكيين الطاهرين المعصومين السعيدين علیهما السلام بسر من رأى وحكى لهما حكاية ما شاهده ورآه في البحر الابيض ، والجزيرة الخضراء من العجائب فمر بي باعث الشوق إلى رؤياه ، وسألت تيسير لقياه ، والاستماع لهذا الخبر من لقلقة فيه باسقاط رواته ، وعزمت على الانتقال إلى سر من رأى للاجتماع به. فاتفق أن الشيخ زين الدين علي بن فاضل المازندراني انحدر من سر من رأي إلى الحلة في أوائل شهر شوال من السنة المذكورة ليمضي على جاري عادته ويقيم في المشهد الغروي على مشر فيه السلام.

فلما سمعت بدخوله إلى الحلة وكنت يومئذ بها قد أنتظر قدومه فاذا أنابه وقد أقبل راكبا يريد دار السيد الحسیب ، ذي النسب الرفيع ، والحسب المنيع السيد فخر الدين الحسن بن علي

الموسوي المازندراني نزيل الحلة أطال الله بقاه ولم أكن إذ ذاك الوقت أعرف الشيخ الصالح المذكور لكن خلج في خاطري أنه هو.

فلما غاب عن عيني تبعته إلى دار السيد المذكور فلما وصلت إلى باب الدار رأيت السيد فخر الدين واقفا على باب داره مستبشرا فلما رآني مقبلا ضحك في وجهي وعرفني بحضوره فاستطار قلبي فرحا وسرورا ولم أملك نفسي على الصبر على الدخول إليه في غير هذا الوقت .

فدخلت الدار مع السيد فخر الدين فسلمت عليه ، وقبلت يديه ، فسأل السيد عن حالي ، فقال له : هو الشيخ فضل بن الشيخ يحيى الطيبي صديقكم فنهض واقفا وأقعدني في مجلسه ورحب بي وأحفي السؤال عن حال أبي وأخي الشيخ صلاح الدين لانه كان عارفا بهما سابقا ولم أكن في تلك الاوقات حاضرا بل کنت في بلدة واسط ، أشتغل في طلب العلم عند الشيخ العالم العامل الشيخ أبي إسحاق إبراهيم بن محمد الواسطي الأمامي تغمده الله برحمته ، وحشره في زمرة أئمته علیهم السلام .

فتحادثت مع الشيخ الصالح المذكور متع الله المؤمنين بطول بقائه فرأيت في كلامه أمارات تدل على الفضل في أغلب العلوم من الفقه والحديث ، والعربية بأقسامها ، وطلبت منه شرح ما حدث به الرجلان الفاضلان العالمان العاملان الشيخ شمس الدين والشيخ

جلال الدين الحليان المذكوران سابقا في الله عنهما فقص لي القصة من أولها إلى آخرها بحضور السيد الجليل السيد فخر الدين نزيل الحلة صاحب الدار ، وحضور جماعة من علماء الحلة والاطراف ، قد كانوا أتوا لزيارة الشيخ المذكور وفقه الله ، وكان ذلك في اليوم الحادي عشر من شهر شوال سنة تسع وتسعين وستمائة وهذه صورة ما سمعته من لفظه أطال الله بقاءه وربما وقع في الألفاظ التي نقلتها من لفظة تغيير ، لكن المعاني واحدة قال حفظه الله تعالی :

قد كنت مقيما في دمشق الشام ، منذ سنين ، مشتغلا بطلب العلم ، عند الشيخ الفاضل الشيخ عبدالرحيم الحنفي وفقه الله لنور الهداية في علمي الأصول و العربية ، وعند الشيخ زين الدين علي المغربي الاندلسي المالكي في علم القراءة لانه كان عالما فاضلا عارفا بالقراءات السبع وكان له معرفة في أغلب العلوم من الصرف ، والنحو ، والمنطق ، والمعاني ، والبيان ، والأصولين وكان لين الطبع لم يكن عنده معاندة في البحث ولا في المذهب لحسن ذاته . فكان إذا جرى ذكر الشيعة يقول : قال علماء الامامية . بخلاف من المدرسين فانهم كانوا يقولون عند ذكر الشيعة : قال علماء الرافضة ، فاختصصت به وتركت التردد إلى غيره ، فأقمنا على ذلك برهة من الزمان أقرأ عليه في العلوم المذكورة .

فاتفق أنه عزم على السفر من دمشق الشام ، يريد الديار المصرية ، فلكثرة المحبة التي كانت بيننا عز علي مفارقته ، وهو أيضا كذلك فآل الأمر إلى أنه هداه الله صمم العزم على صحبتي له إلى مصر ، وكان عنده جماعة من الغرباء مثلي ، يقرؤون عليه فصحبه أكثرهم.

فسرنا في صحبته إلى أن وصلنا مدينة بلاد مصر المعروفة بالفاخرة ، وهي أكبر من مدائن مصر كلها ، فأقام بالمسجد الازهر مدة يدرس ، فتسامع فضلاء مصر بقدومه ، فوردوا كلهم لزيارته والانتفاع بعلومه ، فأقام في قاهرةمصر مدة تسعة أشهر ، ونحن معه على أحسن حال وإذا بقافلة قد وردت من الاندلس ومع رجل منها کتاب من والد شیخنا الفاضل المذكور يعرفه فيه بمرض شدید قد عرض له وأنه يتمنى الاجتماع به قبل الممات ، ويحثه فيه على عدم التأخير .

فرق الشيخ من كتاب أبيه وبکی ، وصمم العزم على المسير إلى جزيرة الأندلس ، فعزم بعض التلامذة على صحبته ، ومن الجملة أنا ، لانه هداه الله قد كان أحبني محبة شديدة وحسن لي المسير معه فسافرت إلى الأندلس في صحبته فحيث وصلنا إلى أول قرية من الجزيرة المذكورة ، عرضت لي حمي منعتني عن الحركة .

فحيث رآني الشيخ على تلك الحالة رق لي وبکی ، وقال : يعز

علي مفارقتك ، فأعطى خطيب تلك القرية التي وصلنا إليها عشرة دراهم ، وأمره أن يتعاهدني حتى يكون مني أحد الأمرين ، وإن من الله بالعافية أتبعه إلى بلده هكذا عهد إلي بذلك وفقه الله بنور الهداية إلى طريق الحق المستقيم ، ثم مضى إلى بلد الاندلس ، ومسافة الطريق من ساحل البحر إلى بلده خمسة أيام.

فبقيت في تلك القرية ثلاثة أيام لا أستطيع الحركة لشدة ما أصابني من الحمی ففي آخر اليوم الثالث فارقتني الحمى ، وخرجت أدور في سكك تلك القرية فرأيت قفلا قد وصل من جبال قريبة من شاطئ البحر الغربي يجلبون الصوف والسمن والامتعة ، فسألت عن حالهم فقيل : إن هؤلاء يجيئون من جهة قريبة من أرض البربر ، وهي قريبة من جزائر الرافضة.

فحيث سمعت ذلك منهم ارتحت إليهم ، وجذبني باعث الشوق إلى أرضهم فقيل لي : إن المسافة خمسة وعشرون يوما ، منها يومان بغیر عمارة ولا ماء ، وبعد ذلك فالقرى متصلة ، فاکتریت معهم من رجل حمارا بمبلغ ثلاثة دراهم ، لقطع تلك المسافة التي لا عمارة فيها ، فلما قطعنا معهم تلك المسافة ، ووصلنا أرضهم العامرة ، تمشیت راجلا وتنقلت على اختياري من قرية إلى أخرى إلى أن وصلت إلى أول تلك الأماكن ، فقيل لي : إن جزيرة الروافض قد بقي بينك وبينها ثلاثة أيام، فمضيت ولم أتأخر .

فوصلت إلى جزيرة ذات أسوار أربعة ، ولها أبراج محکمات شاهقات ، وتلك الجزيرة بحصونها راكبة على شاطئ البحر، فدخلت من باب كبيرة يقال لها : باب البربر ، فدرت في سككها أسأل عن مسجد البلد ، فهديت عليه ، ودخلت إليه فرأيته جامعا كبيرا معظما واقعا على البحر من الجانب الغربي من البلد ، فجلست في جانب المسجد لاستریح وإذا بالمؤذن يؤذن للظهر ونادی ب-«حي على خير العمل»ولما فرغ دعا بتعجيل الفرج للامام صاحب الزمان علیه السلام.

فأخذتني العبرة بالبكاء ، فدخلت جماعة بعد جماعة إلى المسجد ، وشرعوا في الوضوء على عين ماء تحت الشجرة في الجانب الشرقي من المسجد ، وأنا أنظر إليهم فرحا مسرورا لما رأيته من وضوئهم المنقول عن أئمة الهدى علیه السلام .

فلما فرغوا من وضوئهم وإذا برجل قد برز من بينهم بهي الصورة ، عليه السكينة والوقار ، فتقدم إلى المحراب ، وأقام الصلاة ، فاعتدلت الصفوف وراءه وصلى بهم إماما وهم به مأمومون صلاة كاملة بأركانها المنقولة عن أئمتنا علیهم السلام على الوجه المرضي فرضا ونفلا وكذا التعقيب والتسبيح ومن شدة ما لقيته من وعثاء السفر، - وتعبي في الطريق لم يمكني أن أصلي معهم الظهر.

فلما فرغوا ورأوني أنكروا علي عدم اقتدائي بهم ، فتوجهوا

نحوي بأجمعهم وسألوني عن حالي ومن أين أصلي وما مذهبي ؟ فشرحت لهم أحوالي وأني عراقي الأصل ، وأما مذهبي فانني رجل مسلم أقول أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الادیان كلها ولو كره المشركون .

فقالوا لي : لم تنفعك هاتان الشهادتان إلا لحقن دمك في دار الدنيا لم لا تقول الشهادة الاخرى لتدخل الجنة بغير حساب ؟ فقلت لهم : وما تلك الشهادة الاخرى ؟ اهدوني إليها يرحمكم الله ، فقال لي إمامهم : الشهادة الثالثة هي أن تشهد أن أمير المؤمنين ، ويعسوب المتقين ، وقائد الغر المحجلين علي بن أبي طالب والائمة الاحد عشر من ولده أو صياء رسول الله ، وخلفاؤه من بعده بلا فاصلة ، قد أوجب الله عز وجل طاعتهم على عباده ، وجعلهم أولياء أمره ونهيه ، وحججا على خلقه في أرضه ، وأمانا لبريته ، لان الصادق الامین محمدا رسول رب العالمين صلی اللهعلیه و آله أخبر بهم عن الله تعالی مشافهة من نداء الله عز وجل له علیه السلام في ليلة معراجه إلى السماوات السبع ، وقد صار من ربه كقاب قوسين أو أدني ، وسماهم له واحدا بعد واحد ، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين . فلما سمعت مقالتهم هذه حمدت الله سبحانه على ذلك ، وحصل عندي أكمل السرور ، وذهب عني تعب الطريق من الفرح ، وعرفتهم أني على مذهبهم ، فتوجهوا

إلي توجه إشفاق ، وعينوالي مكانا في زوايا المسجد، وما زالوا | يتعاهدوني بالعزة والاكرام مدة إقامتي عندهم ، وصار إمام مسجدهم لا يفارقني ليلا ولا نهارا.

فسألته عن ميرة بلده من أين تأتي إليهم فاني لا أرى لهم أرضا مزروعة ، فقال : تأتي إليهم میر تهم من الجزيرة الخضراء من - البحر الابيض ، من جزائر أولاد الامام صاحب الامر علیه السلام، فقلت له: كم تأتيكم ميرتكم في السنة ؟

فقال : مرتين ، وقد أتت مرة وبقيت الأخرى .

فقلت : كم بقي حتى تأتيكم؟

قال : أربعة أشهر .

فتأثرت لطول المدة ، ومكثت عندهم مقدار أربعين يوما أدعو الله ليلا ونهارا بتعجيل مجيئها ، وأنا عندهم في غاية الأعزاز والاكرام ، ففي آخر يوم من الأربعين ضاق صدري لطول المدة فخرجت إلى شاطيء البحر ، أنظر إلى جهة المغرب التي ذكروا أهل البلد أن ميرتهم تأتي إليهم من تلك الجهة .

فرأيت شبحا من بعيد يتحرك ، فسألت عن ذلك الشبح أهل - البلد وقلت لهم : هل يكون في البحر طير أبيض ؟

فقالوا لي : لا ، فهل رأيت شيئا ؟

قلت : نعم .

فاستبشروا وقالوا : هذه المراكب التي تأتي إلينا في كل سنة من بلاد أولاد الامام علیه السلام .

فما كان إلا قليل حتى قدمت تلك المراكب ، وعلى قولهم إن مجيئها كان في غير الميعاد ، فقدم مرکب كبير وتبعه آخر و آخر حتى كملت سبعا ، فصعد من المركب الكبير شيخ مربوع القامة ، بهي المنظر ، حسن الزي ، ودخل المسجد فتوضأ الوضوء الكامل على الوجه المنقول عن أئمة الهدى علیه السلام ، وصلى الظهرين ، فلما فرغ من صلاته التفت نحوي مسلما علي فرددت علیه السلام فقال : ما اسمك وأظن أن اسمك علي ؟ قلت : صدقت فحادثني بالسر محادثة من يعرفني فقال : ما اسم أبيك ؟ ويوشك أن يكون فاضلا ، قلت : نعم ، ولم أكن أشك في أنه قد كان في صحبتنا من دمشق.

فقلت : أيها الشيخ ! ما أعرفك بي وبأبي ؟ هل كنت معنا حيث سافرنا من دمشق الشام إلى مصر؟

فقال : لا.

قلت : ولا من مصر إلى الأندلس ؟

قال : لا ، ومولاي صاحب العصر .

قلت له : فمن أين تعرفني باسمي واسم أبي ؟

قال : اعلم أنه قد تقدم إلى وصفك ، وأصلك ، ومعرفة اسمك وشخصك وهيئتك واسم أبيك ، وأنا أصحبك معي إلى الجزيرة الخضراء.

فسررت بذلك حيث قد ذكرت ولي عندهم اسم ، وكان من عدته أنه لا يقيم عندهم إلا ثلاثة أيام فأقام اسبوعا وأوصل الميرة إلى أصحابها المقررة لهم ، فلما أخذ منهم خطوطهم بوصول المقرر لهم ، عزم على السفر ، وحملني معه ، وسرنا في البحر .

فلما كان في السادس عشر من مسيرنا في البحر رأيت ماء أبيض فجعلت اطيل النظر إليه ، فقال لي الشيخ واسمه محمد : مالي أراك تطيل النظر إلى هذا الماء ؟ فقلت له : إني أراه على غير لون ماء البحر .

فقال لي : هذا هو البحر الأبيض ، وتلك الجزيرة الخضراء ، وهذا الماء مستدير حولها مثل السور من أي الجهات أتيته وجدته ، وبحكمة الله تعالى إن مراكب أعدائنا إذا دخلته غرقت وإن كانت محكمة ببركة مولانا وإمامنا صاحب العصر علیه السلام فاستعملته وشربت منه ، فاذا هو كماء الفرات .

ثم إنا لما قطعنا ذلك الماء الأبيض ، وصلنا إلى الجزيرة الخضراء لا زالت عامرة أهله ، ثم صعدنا من المركب الكبير إلى الجزيرة ودخلنا البلد ، فرأيته محصنا بقلاع وأبراج وأسوار سبعة

واقعة على شاطىء البحر ، ذات أنهار وأشجار مشتملة على أنواع الفواكه والاثمار المنوعة ، وفيها أسواق كثيرة ، وحمامات عديدة وأكثر عمارتها برخام شفاف وأهلها في أحسن الزي والبهاء فاستطار قلبي سرورا؛ لما رأيته .

ثم مضى بي رفيقي محمد بعد ما استرحنا في منزله إلى الجامع المعظم ، فرأيت فيه جماعة كثيرة وفي وسطهم شخص جالس عليه من المهابة والسكينة والوقار ما لا أقدر أن أصفه ، والناس يخاطبونه بالسيد شمس الدین محمد العالم ، ويقرؤون عليه القرآن والفقه ، والعربية بأقسامها ، واصول الدين والفقه الذي يقرؤونه عن صاحب الامر علیه السلام مسألة مسألة ، وقضية قضية ، وحكما حكما.

فلما مثلت بين يديه ، رحب بي وأجلسني في القرب منه ، وأحفي السؤال عن تعبي في الطريق وعرفني أنه تقدم إليه كل أحوالي ، وأن الشيخ محمد رفيقي إنما جاء بي معه بأمر من السيد شمس الدين العالم أطال الله بقاءه.

ثم أمرلي بتخلية موضع منفرد في زاوية من زوايا المسجد ، وقال لي : هذا يكون لك إذا أردت الخلوة والراحة ، فنهضت ومضيت إلى ذلك الموضع ، فاسترحت فيه إلى وقت العصر ، وإذا أنا بالموكل بي قد أتى إلي وقال لي : لا تبرح من مكانك حتى يأتيك السيد وأصحابه لاجل العشاء معك ، فقلت : سمعا وطاعة.

فما كان إلا قليل وإذا بالسيد سلمه الله قد أقبل ، ومعه أصحابه ، فجلسوا ومدت المائدة فأكلنا ونهضنا إلى المسجد مع السيد لاجل صلاة المغرب والعشاء فلما فرغنا من الصلاتين ذهب السيد إلى منزله ، ورجعت إلى مكاني وأقمت على هذه الحال مدة ثمانية عشر يوما ونحن في صحبته أطال الله بقاءه .

فأول جمعة صليتها معهم رأيت السيد سلمه الله صلى الجمعة ركعتين فريضة واجبة ، فلما انقضت الصلاة قلت : يا سيدي قد رأيتكم صليتم الجمعة ركعتين فريضة واجبة ؟ قال : نعم لان . شروطها المعلومة قد حضرت فوجبت فقلت في نفسي : ربما كان الامام علیه السلام حاضرا.

ثم في وقت آخر سألت منه في الخلوة : هل كان الامام حاضرا ؟

فقال : لا ولكني أنا النائب الخاص بأمر صدر عنه علیه السلام فقلت:يا سيدي وهل رأيت الامام علیه السلام؟ قال : لا ، ولكني حدثني أبي رحمه الله أنه سمع حديثه ولم ير شخصه وأن جدي رحمه الله سمع حديثه ورأى شخصه.

فقلت له : ولم ذاك يا سيدي يختص بذلك رجل دون آخر؟

فقال لي : يا أخي إن الله سبحانه وتعالى يؤتي الفضل من يشاء

من عباده ، وذلك لحكمة بالغة وعظمة قاهرة ، كما أن الله تعالی اختص من عباده الانبياء والمرسلين ، والاوصياء المنتجبين ، وجعلهم أعلاما لخلقه ، وحججا على بريته ، ووسيلة بينهم وبينه ليهلك من هلك عن بينة ، ويحيى من حي عن بينة ، ولم يخل أرضه بغیر حجة على عباده للطفه بهم ، ولا بد لكل حجة من سفير يبلغ عنه.

ثم إن السيد سلمه الله أخذ بيدي إلى خارج مدينتهم ، وجعل يسير معي نحو البساتين ، فرأيت فيها أنهارا جارية ، وبساتين كثيرة، مشتملة على أنواع الفواكه ، عظيمة الحسن والحلاوة ، من العنب والرمان ، والكمثرى وغيرها ما لم أرها في العراقين ، ولا في الشامات كلها .

فبينما نحن نسير من بستان إلى آخر إذ مر بنا رجل بهي الصورة ، مشتمل ببردتين من صوف أبيض فلما قرب منا سلم علينا وانصرف عنا ، فأعجبتني هيئته فقلت للسيد سلمه الله : من هذا الرجل؟

قال لي : أتنظر إلى هذا الجبل الشاهق ؟

قلت : نعم .

قال : إن في وسطه لمكانا حسنا وفيه عين جارية ، تحت

شجرة ذات أغصان كثيرة ، وعندها قبة مبنية بالآجر ، وإن هذا الرجل مع رفيق له خادمان لتلك القبة ، وأنا أمضي إلى هناك في كل صباح جمعة ، وأزور الامام علیه السلام منها واصلي ركعتين ، وأجد هناك ورقة مكتوب فيها ما أحتاج إليه من المحاكمة بين المؤمنين ، فمهما تضمنته الورقة أعمل به ، فينبغي لك أن تذهب إلى هناك وتزور الامام علیه السلام من القبة .

فذهبت إلى الجبل فرأيت القبة على ما وصف لي سلمه الله ، ووجدت هناك خادمین ، فرحب بي الذي مر علينا وأنكرني الآخر فقال له : لا تتكره فاني رأيته في صحبة السيد شمس الدين العالم ، فتوجه إلي ورحب بي وحادثاني وأتیالي بخبز وعنب فأكلت وشربت من ماء تلك العين التي عند تلك القبة ، وتوضأت وصليت رکعتین .

وسألت الخادمين عن رؤية الامام علیه السلام فقالا لي : الرؤية غير ممكنة وليس معنا إذن في إخبار أحد ، فطلبت منهم الدعاء ، فدعيا لي ، وانصرفت عنهما ، ونزلت من ذلك الجبل إلى أن وصلت إلى المدينة .

فلما وصلت إليها ذهبت إلى دار السيد شمس الدين العالم ، فقيل لي : إنه خرج في حاجة له ، فذهبت إلى دار الشيخ محمد الذي جئت معه في المركب فاجتمعت به وحكيت له عن مسيري إلى

الجبل ، واجتماعي بالخادمين ، وإنكار الخادم علي فقال لي : ليس الأحد رخصة في الصعود إلى ذلك المكان ، سوى السيد شمس الدین وأمثاله ، فلهذا وقع الانكار منه لك ، فسألته عن أحوال السيد شمس الدين أدام الله إفضاله ، فقال : إنه من أولاد أولاد الامام ، وإن بینه وبين الامام علیه السلام خمسة آباء وإنه النائب الخاص عن أمر صدر منه علیه السلام.

قال الشيخ الصالح زين الدين علي بن فاضل المازندراني المجاور بالغري على مشرفه السلام : واستأذنت السيد شمس الدين العالم ، أطال الله بقاءه في نقل بعض المسائل التي يحتاج إليها عنه ، وقراءة القرآن المجيد ، ومقابلة المواضع المشكلة من العلوم الدينية وغيرها فأجاب إلى ذلك وقال : إذا كان ولابد من ذلك فابدء أولا بقراءة القرآن العظيم .

فكان كلما قرأت شيئا فيه خلاف بين القراء أقول له : قرأ حمزة كذا ، وقرأ الكسائي كذا ، وقرأ عاصم كذا ، وأبو عمرو بن كثير كذا.

فقال السيد سلمه الله : نحن لا نعرف هؤلاء ، وإنما القرآن نزل على سبعة أحرف ، قبل الهجرة من مكة إلى المدينة وبعدها لما حج رسول الله صلی الله علیه و آله حجة الوداع ، نزل عليه الروح الامین جبرئیل علیه السلام، فقال : يا محمد اتل علي القرآن حتى اعرفك أوائل السور ،

وأواخرها ، وشأن نزولها .

فاجتمع إليه علي بن أبي طالب ، وولداه الحسن والحسين علیهم السلام وأبي بن كعب ، وعبد الله بن مسعود ، وحذيفة بن اليمان ، وجابر بن عبد الله الانصاري ، وأبو سعيد الخدري ، وحسان بن ثابت ، وجماعة رضي الله عن المنتجبين منهم ، فقرأ النبي صلی الله علیه و آله القرآن من أوله إلى آخره ، فكان كلما مر بموضع فيه اختلاف بينه له جبرئیل علیه السلام، و أميرالمؤمنين علیه السلام يكتب ذاك في درج من أدم فالجميع قراءة أمير المؤمنين ووصي رسول رب العالمين .

فقلت له : يا سيدي أرى بعض الآيات غير مرتبطة بما قبلها ، وبما بعدها كأن فهمي القاصر ، لم يصر إلى غورية ذلك.

فقال : نعم ، الأمر كما رأيته وذلك ( أنه ) لما انتقل سيد البشر محمد بن عبدالله من دارالفناء إلى دار البقاء وفعل صنما قریش ما فعلاه ، من غصب الخلافة الظاهرية ، جمع أمير المؤمنین علیه السلام القرآن كله ، ووضعه في إزار وأتی به إليهم وهم في المسجد .

فقال لهم : هذا كتاب الله سبحانه أمرني رسول الله صلى الله عليه وآله أن أعرضه إليكم لقيام الحجة عليكم ، يوم العرض بين يدي الله تعالى ، فقال له فرعون هذه الأمة ونمرودها : لسنا محتاجين إلى قرآنك ، فقال علیه السلام: لقد أخبرني حبيبي محمد صلی الله علیه و آله بقولك هذا ، وإنما أردت بذلك إلقاء الحجة عليكم.

فرجع أميرالمؤمنين علیه السلام به إلى منزله ، وهو يقول : لا إله إلا أنت ، وحدك لا شريك لك لا راد لما سبق في علمك ، ولا مانع لما اقتضته حکمتك ، فكن أنت الشاهد لي عليهم يوم العرض عليك.

فنادی ابن أبي قحافة بالمسلمين ، وقال لهم : كل من عنده قرآن من آية أو سورة فليأت بها ، فجاءه أبو عبيدة بن الجراح ، وعثمان ، وسعد بن أبي وقاص ومعاوية بن أبي سفيان ، وعبد الرحمن بن عوف ، وطلحة بن عبيد الله ، وأبو سعيد الخدري ، وحسان بن ثابت ، وجماعات المسلمين وجمعوا هذا القرآن ، وأسقطوا ما كان فيه من المثالب التي صدرت منهم ، بعد وفاة سيد المرسلین صلى الله عليه وآله فلهذا ترى الآيات غير مرتبطة والقرآن الذي جمعه أميرالمؤمنين علیه السلام بخطه محفوظ عند صاحب الامر علیه السلام فيه كل شي؟ حتى أرش الخدش ، وأما هذا القرآن ، فلا شك ولا شبهة في صحته ، وإنما كلام الله سبحانه هكذا صدر عن صاحب الامر علیه السلام.

قال الشيخ الفاضل علي بن فاضل : ونقلت عن السيد شمس الدين حفظه الله مسائل كثيرة تنوب على تسعين مسألة ، وهي عندي ، جمعتها في مجلد وسميتها بالفوائد الشمسية ولا أطلع عليها إلا الخاص من المؤمنين ، وستراه إن شاء الله تعالی .

فلما كانت الجمعة الثانية وهي الوسطى من جمع الشهر ، وفرغنا من الصلاة وجلس السيد سلمه الله في مجلس الافادة

للمؤمنين وإذا أنا أسمع هرجا و مرجا وجزلة عظيمة خارج المسجد ، فسألت من السيد عما سمعته ، فقال لي : إن امراء عسكرنا يركبون في كل جمعة من وسط كل شهر، وينتظرون الفرج فاستأذنته في النظر إليهم فأذن لي ، فخرجت لرؤيتهم ، وإذا هم جمع كثير يسبحون الله ويحمدونه ، ويهللونه عز وجل ، ويدعون بالفرج للامام القائم بأمر الله والناصح لدين الله محمد بن الحسن المهدي الخلف الصالح، صاحب الزمان علیه السلام.

ثم عدت إلى مسجد السيد سلمه الله فقال لي : رأيت العسكر؟

فقلت : نعم .

قال : فهل عددت امراءهم ؟

قلت : لا.

قال : عدتهم ثلاثمائة ناصر وبقي ثلاثة عشر ناصرا، ويعجل الله لوليه الفرج بمشيته إنه جواد کریم.

قلت : يا سيدي ومتى يكون الفرج ؟

قال : يا أخي إنما العلم عند الله والامر متعلق بمشيئته سبحانه وتعالى حتى أنه ربما كان الامام علیه السلام لا يعرف ذلك بل له علامات وأمارات تدل على خروجه .

من جملتها أن ينطق ذو الفقار بأن يخرج من غلافه ، ويتكلم

بلسان عربي مبين : قم يا ولي الله على اسم الله ، فاقتل بي أعداء الله .

ومنها ثلاثة أصوات يسمعها الناس كلهم الصوت الاول : أزفت الآزفة يا معشر المؤمنين ، والصوت الثاني : ألا لعنة الله على الظالمين لآل محمد علیهم السلام والثالث بدن يظهر فيرى في قرن الشمس يقول : إن الله بعث صاحب الامر م ح م د بن الحسن المهدي علیه السلام فاسمعوا له وأطيعوا.

فقلت : يا سيدي قد روينا عن مشايخنا أحاديث رویت عن صاحب الامر علیه السلام أنه قال لما أمر بالغيبة الكبرى : من رآني بعد غیبتي فقد كذب فكيف فیکم من يراه ؟

فقال : صدقت إنه علیه السلام إنما قال ذلك في ذلك الزمان لكثرة أعدائه من أهل بيته وغيرهم من فراعنة بني العباس ، حتى أن الشيعة يمنع بعضها بعضا عن التحدث بذكره ، وفي هذا الزمان تطاولت المدة وأيس منه الاعداء وبلادنا نائية عنهم وعن ظلمهم وعنائهم ، وببركته علیه السلام لا يقدر أحد من الاعداء على الوصول إلينا.

قلت : يا سيدي ! قد روت علماء الشيعة حديثا عن الامام علیه السلام أنه أباح الخمس لشيعته ، فهل رویتم عنه ذلك ؟ قال : نعم إنه علیه السلام رخص وأباح الخمس لشيعته من ولد علي علیه السلام وقال : هم في حل من ذلك ، قلت : وهل رخص للشيعة أن يشتروا الاماء والعبيد من سبي العامة ؟ قال : نعم ، ومن سبي غيرهم لانه علیه السلام قال : عاملوهم بما

عاملوا به أنفسهم ، وهاتان المسألتان زائدتان على المسائل التي سميتها لك.

وقال السيد سلمه الله : إنه يخرج من مكة بين الركن والمقام في سنة وتر فلیر تقيها المؤمنون .

فقلت : يا سيدي قد أحببت المجاورة عندكم إلى أن يأذن الله بالفرج.

فقال لي : اعلم يا أخي أنه تقدم إلي کلام بعودك إلى وطنك ، ولا يمكنني وإياك المخالفة ، لانك ذو عیال و غبت عنهم مدة مديدة ، ولا يجوز لك التخلف عنهم أكثر من هذا ، فتأثرت من ذلك وبكيت .

وقلت : يا مولاي وهل تجوز المراجعة في أمري ؟ قال : لا ، قلت : يا مولاي وهل تأذن لي في أن أحكي كلما قد رأيته وسمعته ؟ قال : لا بأس أن تحكي للمؤمنين لتطمئن قلوبهم ، إلا كيت وكيت وعين ما لا أقوله.

فقلت : يا سيدي أما يمكن النظر إلى جماله وبهائه علیه السلام ، قال : لا ، ولكن اعلم يا أخي أن كل مؤمن مخلص يمكن أن يرى الامام ولا يعرفه ، فقلت : يا سيدي أنا من جملة عبيده المخلصين ، ولا رأيته .

فقال لي : بل رأيته مرتين مرة منها لما أتيت إلى سر من رأى وهي أول مرة جئتها ، وسبقك أصحابك وتخلفت عنهم ، حتى

وصلت إلى نهر لا ماء فيه فحضر عندك فارس على فرس شهباء، وبیده رمح طويل ، وله سنان دمشقي ، فلما رأيته حفت على ثيابك فلما وصل إليك قال لك : لا تخف اذهب إلى أصحابك ، فانهم ينتظرونك تحت تلك الشجرة فأذكرني والله ما كان فقلت : قد كان ذلك يا سيدي .

قال : والمرة الأخرى حين خرجت من دمشق ترید مصرا مع شیخ الاندلسي ، وانقطعت عن القافلة ، وخفت خوفا شديدا ، فعارضك فارس على فرس غراء محجلة ، وبیده رمح أيضا ، وقال لك : سر ولا تخف إلى قرية على يمينك ونم عند أهلها الليلة ، وأخبرهم بمذهبك الذي ولدت عليه ، ولا تتق منهم فانهم مع قرى عديدة جنوبي دمشق ، مؤمنون مخلصون ، يدينون بدين علي بن أبي طالب والائمةالمعصومين من ذريته علیهم السلام.

أكان ذلك يا ابن فاضل ؟ قلت : نعم - و ذهبت إلى عند أهل القرية ونمت عندهم فأعزوني وسألتهم عن مذهبم ، فقالوا لي - من غير تقية مني -: نحن على مذهب أمير المؤمنين ، ووصي رسول رب العالمين علي بن أبي طالب والائمة المعصومين من ذريته علیهم السلام فقلت لهم : من أين لكم هذا المذهب ؟ ومن أوصله إليكم ؟ قالوا : أبو ذر الغفاري رضي الله عنه حين نفاه عثمان إلى الشام ، ونفاه معاوية إلى أرضنا هذه ، فعمتنا بركته ، فلما أصبحت طلبت منهم اللحوق بالقافلة

فجهزوا معي رجلين ألحقاني بها ، بعد أن صرحت لهم بمذهبي .

فقلت له : يا سيدي هل يحج الامام علیه السلام في كل مدة بعد مدة ؟ قال لي : يا ابن فاضل ! الدنيا خطوة مؤمن ، فكيف بمن لم تقم الدنيا إلا بوجوده و وجود آبائه علیهم السلام ، نعم يحج في كل عام ويزور آباءه في المدينة والعراق ، وطوس ، على مشر فيها السلام ، ويرجع إلى أرضنا - هذه .

ثم إن السيد شمس الدین حث علي بعدم التأخير بالرجوع إلى العراق وعدم الاقامة في بلاد المغرب ، وذكر لي أن دراهمهم مكتوب عليها لا إله إلا الله محمد رسول الله علي ولي الله محمد بن الحسن القائم بأمر الله . وأعطاني السيد منها خمسة دراهم وهي محفوظة عندي للبركة.

ثم إنه سلمه الله وجهني مع المراكب التي أتيت معها إلى أن وصلنا إلى تلك البلدة التي أول ما دخلتها من أرض البربر ، وكان قد أعطاني حنطة وشعيرا فبعتها في تلك البلدة بمائة وأربعين دينارا ذهبا، من معاملة بلاد المغرب ولم أجعل طريقي على الاندلس امتثالا لأمر السيد شمس الدين العالم أطال الله بقاءه وسافرت منها مع الحجج المغربي إلى مكة شرفها الله تعالی و حججت ، وجئت إلى العراق واريد المجاورة في الغري على مشر فيها السلام حتی الممات .

قال الشيخ زين الدين علي بن فاضل المازندراني : لم أر العلماء الامامية عندهم ذکرا سوى خمسة : السيد المرتضی الموسوي، والشيخ أبو جعفر الطوسي ومحمد بن يعقوب الكليني ، وابن بابویه ، والشيخ أبو القاسم جعفر بن سعيد الحلي .

هذا آخر ما سمعته من الشيخ الصالح التقي والفاضل الزكي علي بن فاضل المذكور .

رواية الأنباري

كمال الدين أحمد بن محمد بن يحيى الأنباري بداره بمدينة السلام ليلة عاشر شهر رمضان سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة ، قال :

كنا عند الوزير عون الدين يحیی بن هبيرة في رمضان بالسنة المقدم ذكرها ، ونحن على طبقة ، وعنده جماعة ، فلما أفطر من کان حاضرا وتقوض أكثر من حضر خاصرا ، أردنا الانصراف ، فأمرنا بالتمسي عنده ، فكان في مجلسه في تلك الليلة شخص لا أعرفه، ولم أكن رأيته من قبل ، ورأيت الوزير يكثر إكرامه ، ويقرب مجلسه ، ويصغي إليه ، ويسمع قوله ، دون الحاضرين . فتجارينا الحديث والمذاكرة ، حتى أمسينا وأردنا الانصراف ،فعرفنا بعض أصحاب الوزير أن الغيث ينزل ، وأنه يمنع من يريد الخروج ، فأشار الوزير أن

نمسي عنده فأخذنا نتحادث ، فأفضى الحديث حتى تحادثنا في الأديان والمذاهب ورجعنا إلى دين الاسلام ، وتفرق المذاهب فيه، فقال الوزير : أقل طائفة مذهب الشيعة ، وما يمكن أن يكون أكثر منهم في خطتنا هذه ، وهم الأقل من أهلها ، وأخذ يذم أحوالهم، ويحمد الله على قتلهم في أقاصي الأرض.

فالتفت الشخص الذي كان الوزير مقبلا عليه ، مصغيا إليه، فقال له : أدام الله أيامك أحدث بما عندي فيما قد تفاوضتم فيه أو أعرض عنه ، فصمت الوزير ، ثم قال : قل : ما عندك .

فقال : خرجت مع والدي سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة ، من مدينتنا وهي المعروفة بالباهية ، ولها الرستاق الذي يعرفه التجار، وعدة ضياعها ألف ومائتا ضيعة ، في كل ضيعة من الخلق ما لا يحصي عددهم إلا الله ، وهم قوم نصاری ، وجميع الجزائر التي كانت حولهم ، على دينهم ومذهبهم ، ومسير بلادهم وجزائرهم مدة شهرين ، وبينهم وبين البر مسیر عشرين يوما وكل من في البر من الأعراب وغیرهم نصارى وتتصل بالحبشة والنوبة ، وكلهم نصاری، ويتصل بالبربر ، وهم على دينهم فان حد هذا كان بقدر كل من في الأرض ، ولم نضف إليهم الافرنج والروم . وغير خفي عنكم من بالشام والعراق والحجاز من النصارى ، واتفق أننا سرنا في البحر ، وأوغلنا ، وتعدينا الجهات التي كنا نصل إليها ، ورغبنا في المكاسب

ولم نزل على ذلك حتى صرنا إلى جزائر عظيمة كثيرة الأشجار ، مليحةالجدران فيها المدن الملدودة والرساتیق .

وأول مدينة وصلنا إليها وارسي المراكب بها ، وقد سألنا الناخداه أي شيء هذه الجزيرة ؟

قال : والله إن هذه جزيرة لم أصل إليها ولا أعرفها ، وأنا وأنتم في معرفتها سواء . فلما أرسينا بها ، وصعد التجار إلى مشرعة تلك المدينة ، وسألنا ما اسمها ؟ فقيل هي المباركة ، فسألنا عن سلطانهم وما اسمه ؟

فقالوا : اسمه الطاهر .

فقلنا : وأين سریر مملکته ، فقيل : بالزاهرة .

فقلنا : وأين الزاهرة ؟

فقالوا : بينكم وبينها مسيرة عشر ليال في البحر ، وخمسة وعشرين ليلة في البر ، وهم قوم مسلمون .

فقلنا : من يقبض زكاة ما في المركب لنشرع في البيع والابتیاع؟

فقالوا : تحضرون عند نائب السلطان .

فقلنا : وأين أعوانه ؟

فقالوا : لا أعوان له ، بل هو في داره وكل من عليه حق يحضر عنده ، فيسلمه إليه . فتعجبنا من ذلك ، وقلنا : ألا تدلونا عليه؟

فقالوا : بلى ، وجاء معنا من أدخلنا داره ، فرأيناه رجلا صالحا عليه عباءة ، وتحته عباءة وهو مفترشها ، وبين يديه دواة يكتب منها من كتاب ينظر إليه ، فسلمنا عليه فرد علينا السلام وحيانا وقال : من أين أقبلتم ؟

فقلنا : من أرض كذا وكذا .

فقال : كلكم؟

فقلنا : لا ، بل فينا المسلم واليهودي والنصراني .

فقال : يزن اليهودي جزيته والنصراني جزيته . ويناظر المسلم عن مذهبه . فوزن والدي عن خمس نفر نصاری : عنه وعني وعن ثلاثة نفر كانوا معنا، ثم وزن تسعة نفر كانوا يهودا، وقال اللباقين : هاتوا مذاهبكم ، فشرعوا معه في مذاهبهم .

فقال : لستم مسلمين وإنما أنتم خوارج وأموالكم محل للمسلم المؤمن ، وليس بمسلم من لم يؤمن بالله ورسوله واليوم الآخر وبالوصي والأوصياء من ذريته حتی مولانا صاحب الزمان صلوات الله عليهم . فضاقت بهم الأرض ولم يبق إلا أخذ أموالهم.

ثم قال لنا : يا أهل الكتاب لا معارضة لكم فيما معكم ، حيث

اخذت الجزية منكم ، فلما عرف اولئك أن أموالهم معرضة للنهب ، سألوه أن يحتملهم إلى سلطانهم فأجاب سؤالهم ، وتلا :«لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ».فقلنا للناخداه والربان وهو الدليل : هؤلاء قوم قد عاشرناهم وصاروا رفقة ، وما يحسن لنا أن تخلف عنهم أينما يكونوا نكون معهم ، حتى نعلم ما يستقر حالهم عليه ؟

فقال الربان : والله ما أعلم هذا البحر أين المسير فيه ، فأستأجرنا ربانا ورجالا، وقلعنا القلع وسرنا ثلاثة عشر يوما بلياليها حتى كان قبل طلوع الفجر ، فكبر الربان فقال : هذه والله أعلام الزاهرة ومنائرها وجدرها إنها قد بانت ، فسرنا حتى تضاحی النهار . فقدمنا إلى مدينة لم تر العيون أحسن منها ولا أحق على القلب ، ولا أرق من نسيمها ولا أطيب من هوائها ، ولا أعذب من مائها ، وهي راكبة البحر ، على جبل من صخر أبيض ، كأنه لون الفضة وعليها سور إلى ما يلي البحر ، والبحر يحوط الذي يليه منها ، والأنهارمنحرفة في وسطها يشرب منها أهل الدور والأسواق وتأخذ منها الحمامات وفواضل الأنهار ترمي في البحر ، ومدی الأنهار فرسخ ونصف ، وفي تحت ذلك الجبل بساتين المدينة وأشجارها ، ومزارعها عند العيون وأثمار تلك الأشجار لا يرى أطيب منها ولا أعذب ، ويرعى الذئب والنعجة عيانا ولو قصد قاصد

لتخلية دابة في زرع غيره لمارعته ، ولا قطعت قطعة حمله ولقد شاهدت السباع والهوام رابضة في غيض تلك المدينة ، وبنو آدم يمرون عليها فلا تؤذيهم . فلما قدمنا المدينة وأرسى المركب فيها ، وما كان صحبنا من الشوابي و الذوابیح من المباركة بشريعة الزاهرة، صعدنا فرأينا مدينة عظيمة عيناء كثيرة الخلق ، وسيعة الربقة ، وفيها الأسواق الكثيرة ، والمعاش العظيم ، وترد إليها الخلق من البر والبحر، وأهلها على أحسن قاعدة ، لا يكون على وجه الأرض من الأمم والأديان مثلهم وأمانتهم ، حتى أن المتعیش بسوق يرده إليه من يبتاع منه حاجة إما بالوزن أو بالذراع فيبايعه عليها ثم يقول : أيا هذا زن لنفسك واذرع لنفسك . فهذه صورة مبايعاتهم ، ولا يسمع بينهم لغو المقال ، ولا السفه ولا النميمة ، ولا يسب بعضهم بعضا ، وإذا نادى المؤذن الأذان ، لا يتخلف منهم متخلف ذكرا كان أو انثى . إلا ويسعى إلى الصلاة ، حتى إذا قضيت الصلاة للوقت المفروض ، رجع كل منهم إلى بيته حتى يكون وقت الصلاة الأخرى فيكون الحال كما كانت.

فلما وصلنا المدينة ، وأرسينا بمشرعتها ، أمرونا بالحضور إلى عند السلطان فحضرنا داره ، ودخلنا إليه إلى بستان صور في وسطه قبة من فصب ، والسلطان في تلك القبة ، وعنده جماعة وفي باب القبة ساقية تجري . فوافينا القبة ، وقد أقام المؤذن الصلاة ، فلم يكن

أسرع من أن امتلأ البستان بالناس ، واقيمت الصلاة ، فصلی بهم جماعة ، فلا والله لم تنظر عيني أخضع منه لله ، ولا ألين جانبا الرعيته، فصلی من صلى مأموما.

فلما قضيت الصلاة التفت إلينا وقال : هؤلاء القادمون ؟

قلنا : نعم ، وكانت تحية الناس له أو مخاطبتهم له «يا ابن صاحب الأمر» فقال : على خیر مقدم .

ثم قال : أنتم تجار أو ضياف؟

فقلنا : تجار .

فقال : من منكم المسلم ، ومن منكم أهل الكتاب ؟ فعرفناه ذلك ؟

فقال : إن الاسلام تفرق شعبأ فمن أي قبيل أنتم ؟ وكان معنا شخص يعرف بالمقري بن دربهان بن أحمد الأهوازي ، يزعم أنه على مذهب الشافعي ، فقال له : أنا رجل شافعي .

قال : فمن على مذهبك من الجماعة ؟

قال : كلنا إلا هذا حسان بن غيث فانه رجل مالكي .

فقال : أنت تقول بالاجماع ؟

قال : نعم.

قال : إذا تعمل بالقياس ، ثم قال : بالله یا شافعي تلوت ما أنزلالله يوم المباهلة ؟

قال : نعم .

قال : ما هو ؟

قال قوله تعالى :«فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ».

فقال : بالله عليك من أبناء الرسول ومن نساؤه ومن نفسه یا بن دربهان ؟ فأمسك ، فقال : بالله هل بلغك أن غير الرسول والوصي والبتول والسبطين دخل تحت الكساء ؟

قال : لا.

فقال : والله لم تنزل هذه الآية إلا فيهم ، ولا خص بها سواهم.

ثم قال : بالله عليك يا شافعي ما تقول فيمن طهره الله بالدليل القاطع ، هل ينجسه المختلفون ؟

قال : لا.

قال : بالله عليك هل تلوت «إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا»، قال : نعم .

قال : بالله عليك من يعني بذلك ؟ فأمسك ، فقال : والله ما عنى بها إلا أهلها .

ثم بسط لسانه وتحدث بحديث أمضى من السهام ، وأقطع من الحسام فقطع الشافعي ووافقه فقام عند ذلك فقال : عفوا يا ابن صاحب الأمر انسب إلي نسبك .

فقال : أنا طاهر بن محمد بن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسی بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي الذي أنزل الله فيه :«وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ»هو والله الإمام المبين ، ونحن الذين أنزل الله في حقنا«ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ».

یا شافعي نحن أهل البيت نحن ذرية الرسول ، ونحن اولو الأمر ، فخر الشافعي مغشيا عليه ، لما سمع منه ، ثم أفاق من غشيته ، وآمن به ، وقال : الحمد لله الذي منحني بالاسلام ، ونقلني من التقليد إلى اليقين .

ثم أمر لنا باقامة الضيافة ، فبقينا على ذلك ثمانية أيام ، ولم يبق في المدينة إلا من جاء إلينا ، وحادثنا ، فلما انقضت الأيام الثمانية سأله أهل المدينة أن يقوموا لنا بالضيافة ، ففتح لهم في ذلك ، فكثرت علينا الأطعمة والفواكه ، وعملت لنا الولائم ، ولبثنا في تلك المدينة سنة كاملة . فعلمنا وتحققنا أن تلك المدينة مسيرة شهرين

كاملة برا وبحرا ، وبعدها مدينة اسمها الرائقة ، سلطانها القاسم بن صاحب الأمر علیه السلام مسيرة ملكها شهرين وهي على تلك القاعدة ولها دخل عظيم ، وبعدها مدينة اسمها الصافية ، سلطانها إبراهيم بن صاحب الأمر علیه السلام بالحكام وبعدها مدينة اخرى اسمها ظلوم سلطانها عبد الرحمان بن صاحب الأمر علیه السلام ، مسيرة رستاقها وضياعها شهران ، وبعدها مدينة اخرى اسمها عناطيس ، سلطانها هاشم بن صاحب الأمر علیه السلام وهي أعظم المدن كلها وأكبرها وأعظم دخلا، ومسيرة ملكها أربعة أشهر . فيكون مسيرة المدن الخمس والمملكة مقدار سنة لا يوجد في أهل تلك الخطط والمدن والضياع والجزائر غير المؤمن الشيعي الموحد القائل بالبراءة والولاية الذي يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، سلاطينهم أولاد إمامهم ، يحكمون بالعدل وبه يأمرون ، وليس على وجه الأرض مثلهم ، ولو جمع أهل الدنيا ، لكانوا أكثر عددا منهم على اختلاف الأديان والمذاهب . ولقد أقمنا عندهم سنة كاملة نترقب ورود صاحب الأمر إليهم ، لأنهم زعموا أنها سنة وروده ، فلم يوفقنا الله تعالى للنظر إليه ، فأما ابن دربهان وحسان فانهما أقاما بالزاهرة يرقبان رؤيته ، وقد كنا لما استكثرنا هذه المدن وأهلها، سألنا عنها فقيل : إنها عمارة صاحب الأمر علیه السلام و استخراجه.

فلما سمع عون الدين ذلك ، نهض ودخل حجرة لطيفة ، وقد

تقضي الليل فأمر باحضارنا واحدا واحدا ، وقال : إياكم إعادة ما سمعتم أو إجراءه على ألفاظكم وشدده و تأكد علينا ، فخرجنا من عنده ولم يعد أحد منا مما سمعه حرفا واحدا حتى هلك . وكنا إذا حضرنا موضعا واجتمع واحدنا بصاحبه ، قال : أتذكر شهر رمضان فيقول : نعم ، سترا لحال الشرط.

فهذا ما سمعته ورويته ، والحمد لله وحده ، وصلواته على خير خلقه محمد و آله الطاهرين ، والحمد لله رب العالمين .

الفصل السادس: مناقشة قصة الجزيرة الخضراء

اشارة

أما الآن وبعد أن نظرنا إلى تلك القصتين نستعين بالانفاس المقدسة لصاحب الزمان علیه السلام يبحثها ومناقشتها .

قبل البدء اقدم اعتذاري للقاريء المحترم لعدم انسجام ترتيب النقد والمناقشة مع قريحة الأصدقاء الأعزاء واستميحهم عذرا من ذلك، لأن حقيقة الموضوع الذي هو تحت البحث (أظهر من الشمس) في كذبه وبطلانه و علیه براهین كثيرة وأدلة عديدة على عدم صحته، نبدأ ذلك بفرض صحة وجود شخص باسم علي بن صالح المازندراني ، ونشرع بحثنا من علاقة الأستاذ مع التلميذ:

رابطة الطالب مع أستاذه والعلاقة المفرطة للأستاذ مع تلميذه والألفاظ من قبيل (عز علي مفارقته) و (وأيضا كذلك) و... كل ذلك يشير الى وجود رابطة صميمية عميقة بين موجودين ذوي ومن أهل العلم والمطالعة والصفات الأخرى التي وضعوها لأنفسهم.

الشام مركز العداء للإسلام والشيعة

وقع هذا العشق وتلك المودة في مدينة تدعى دمشق أو الشام

والتي عرفت منذ القدم بأنها مركز العداء للتشيع وكذلك لعموم الروايات التي تدل على حوادث ووقائع آخر الزمان ومراحل ظهور قائم آل محمد صلی الله علیه و آله، وهناك اتفاق حول العدو الوحيد للمسلمين والذي يخرج على القائم علیه السلام آنذاك بأنه من الشام واسمه (السفياني )!!؟

إن تاريخ ظهور هذا المركز يعود الى ما قبل الإسلام وهذا يمكن استخراجه من تاريخ نبي الإسلام صلی الله علیه و آله، ونشير الى مختصر هذا الموضوع بما يلي: يعتبر (هاشم) الجد الثاني للنبي صلی الله علیه و آله واسمه (عمر) ولقبه (علاء) وكان التوأم الثاني لعبد شمس وكان لهما أخوان هما مطلب ونوفل، المشهور بين أهل التاريخ أن أصبع هاشم كان ملتصقا بجبين عبد الشمس بعد الولادة ولما أرادوا عزلهما سالت دماء كثيرة كان لذلك تأويل بالطالع السيء. ومن خصوصیات هاشم أنه إذا رأى هلال ذي الحجة وتدفق زوار الكعبة الى هناك، يخرج صباحا وسیتند الى جدار الكعبة ويشرع بخطبته قائلا: «يا معشر قریش! أنتم خير العرب وأعقلها، وأصلكم أفضل الأصول، لقد شرفكم الله في بيته وخصكم بذلك من بين ولد إسماعيل، یا أبناء جلدتي وعشيرتي. يحط عندكم في هذا الشهر ضيوف الله وزائري بيته، فأحسنوا ضيافتهم، ففيهم الفقير الوافد من بلاد بعيدة،وأقسم بصاحب هذا البيت إن كنت مستطيعا لاستضفت ضيوف الله بأجمعهم

ولم أسألكم بذلك العون، ولكن سأنفق ما أستطيع من كسب الحلال، وأقسم عليكم بحرمة هذا البيت أن لا ينفق أحد منكم ما کسبه ظلما أو ليترائي به أو يكره عليه، وإلا فلينصرف عن ذلك من کان کارها له»(1)

زمام الأمر كان بید هاشم ولهذه الرئاسة أثر إيجابي على جميع سكان مكة وعامل مساعد في تحسين أوضاعهم المعاشية. ولا يقتصر الأمر على تفكره وسيرته وطريقة عمله وإنما بلغ کرمه أقصى مداه حينما أصاب الناس القحط، فحالت رجولته وسخاؤه دون إحساس الناس بتلك السنين.

ومن إقداماته البارزة في اعتلاء مستوی تجارة مكة هي معاهدته مع أمير (غسان)، ولم يقتصر طموح هاشم من تلك المعاهدة على الربح الوفير فقط وإنما خطط لسفر قریش الى الشام في فصل الصيف والى اليمن في الشتاء، وقد استمرت قريش على هذه الستة حتى بعد ظهور الإسلام.

كان لعبد شمس ولد يدعى أمية، اشتد حسده على عمه هاشم لعظمته وكبر منزلته، ولهذا بذل العطاء الكثير لجذب قلوب الناس إليه إلا إنه فشل في الوصول إليه فزاد غضبه على عمه وبدا يظهر السوء


1) معنى الخطبة - المترجم .

بكلماته عليه ونار حسده تستطيل يوما بعد آخر إلى أن وصل الأمر به الى دعوته للمقارنة (المباهلة) أمام عرفاء العرب (الكهنة)، ومن يتقدم على صاحبه يأخذ بزمام الأمور، ولكن عظم هاشم حال دون النزاع مع ابن أخيه، ولكن أمية بقي مصرا على ذلك فوافق هاشم بشرطين

1- الخاسر منهما يذبح أيام الحج مئة بعير (سوداء العينين) قربة.

2- يترك الخاسر مكة سنتين.

ومن حسن الصدف كان عارف العرب (کاهن عسفان)، وما أن وقعت عيناه على هاشم حتى شرع في مديحه والثناء عليه، فاضطر أمية الى ترك مكة والذهاب الى الشام لسنتين.

استمر هذا الحسد وارتكب جرائم لا نظير لها بعد ظهور الإسلام بمئة وثلاثين سنة. توضح هذه القصة بداية عداء الطائفتان وتشرح أسباب نفوذ الأمويين في الشام، وعلة رابطتهم القديمة، وكيف أنها كانت مقدمة لحكم الأمويين في هذه المنطقة وسيبقى هذا الحسد حتى العصر الذهبي لطلوع الحجة علیه السلام ويتجسد في كسیان حاقد آخر يطلق عليه (السفياني) ويسلك سلوك العناد الاولي في إثارة الحروب مع السلطة النبوية الشريفة. لذلك لا نستبعد أن يكون عصر وجود المازندراني مع معشوقه في دمشق لكسب العلم

والاستفادة من بحر علوم هذا العالم الستي!!! هو من ضمن الأمور التي اشتد بها عداء السنة للشيعة، لقد خصصنا بحثنا لمناقشة تاريخ هذه الواقعة في كتابنا هذا سنصله إنشاء الله.

فاضل المازندراني - شيعي أم انتهازي

المطالب التي ذكرت حول محل تحصیل فاضل واستضاءته بأحد علماء السنة (وحسب اعترافه) في أغلب العلوم التي كان يتقنها مثل : الصرف، النحو، المنطق، البيان، والأصول وكذلك حول العلاقة المفرطة بينهما بحيث يبدي الأستاذ التأثر الشديد على فراقه بقوله (يعز علي فراقك). كل ذلك يبين نكتة أساسية وهي أن الحضور في مركز العداء للشيعة، والتعلم على يد عالم سني، والعلاقة بينهما، كل ذلك يحكي الاحتمالات التالية، إن فاضل ليس شيعيا من الأصل، أو قد يكون كذلك ولكن السنين التي تربي بها على يد عالم ساي، وفي محيط ساي مليء بالعقائد الساية كانت كفيلة الى انحرافه مئة وثمانين درجة عن مذهبه ومعتقده، ولما أراد الرجوع تشبث بالغطاء الشيعي لتمرير مخططاته التخريبية.

لا تخلو شخصية فاضل من نقاط تشابه مع الملا حسین الكاشفی، کاتب کتاب الضلالة (روضة الشهداء) في تحریف واقعة

عاشوراء فهما يتظاهران بالتشيع ولكن باطنهما مليء بالعداء له. ومن غير المنطقي أن نحدد الظواهر النفسية وحالاتها في عصرنا الحالي فقط، صحيح أن فرويد حصل على لقب (أبو علم النفس) ووضح الظواهر النفسية وأشار الى اضطراباتها، ولكن هذا لا يعني أنه يخالف المبدأ القائل بأن الروح والنفس والتأثير النفسي على الإنسان و آثاره تظهر من بداية خلق الإنسان وان كل ذلك ظهر مع خلقة الإنسان، وكذلك الحال في قضية ارتباط فاضل مع أستاذه، فإن بحثناها وفق أصول وعلوم النفس الموجودة حاليا فإننا سنستنتج بأن ظاهرة النمو والتكامل الفكري والنفسي لأي إنسان وخصوصا إن كان ذلك الإنسان من طلاب العلوم الدينية ستقع بصورة مباشرة تحت تأثير المحيط والمعلم والطلاب.

من المؤسف حقا إن نطلق على رجل مثل هذا شيعيا ونجعله من شيعة علي بن أبي طالب علیه السلام .

الجرائم التي قاموا بها بحق شيعة علي علیه السلام وعلى طول التاريخ ابتداء من غصب الخلافة وقتل الحسين علیه السلام وأبنائه وأصحابه ما هي إلا علامة للحقد الأعمى والإصرار على حذف الشيعة من الوجود وبأي أسلوب كان، وإن نظرة الى تاريخ الشيعة ستوضح مصائهم التي تحملوها على مر العصور.

الفصل السابع: نظرة الى أوضاع الشيعة في التاريخ

اشارة

يجب اعتبار بداية ظهور الشيعة (والذين عرفوا لأول مرة بتشیعهم لعلي بن أبي طالب علیه السلام ) في زمان النبي صلی الله علیه و آله، وان السير التصاعدي للدعوة الإسلامية خلال سنوات البعثة النبوية الشريفة (23 سنة) كان لها الأثر في ازدیاد موجبات التشيع، ومن الطبيعي أن ظهور تلك الجماعة من بين أصحاب النبي كان له أسبابه الخاصة منها:

عندما صدرت الأوامر للنبي الأكرم صلی الله علیه و آله في بداية أيام البعثة بدعوة الأقربين من العشيرة الى الإسلام، قال صلی الله علیه و آله بصراحة إن السباق في هذا الأمر سيكون وزیري ووصي وخليفتي، فبادر علي صلی الله علیه و آله وكان أول من آمن بالإسلام وقبله الرسول صلی الله علیه و آله وقبل إيمانه، وبالنظر لاستحالة تعريفه كوزير له وخليفة في بداية النهضة الى الجميع (وخصوصا الأباعد) ولكن هذا لا يمنع من تعريفه بذلك أمام المخلصين والأنصار الذين ثبت إيثارهم وتضحياتهم أو قد يجعل الأمر مقصورا عليه فقط، ومع ذلك فقد كان معزولا بالكامل في فترة حياة النبي صلی الله علیه و آله عن ذلك المقام ولم يضع له امتیازا عن غيره.

تؤكد الروايات المستفيضة والمتواترة والمروية عن الفريقين أن عليا لم يعص الله بقول ولا عمل ويستمر النبي صلی الله علیه و آله بتأكيده على أن جميع أفعاله مطابقة للدعوة وهو أعلم الناس بمعارف الدين وشرائع الإسلام.

بالإضافة الى ذلك حادثة غدیر خم عندما أعلن صلی الله علیه و آله عن ولايته علیه السلام العامة على جميع الناس وجعله کنفسه.

من الطبيعي أن يكون لإعلان تلك الامتيازات والتصريحات عن الفضائل المنحصرة به بالاضافة الى علاقة الرسول صلی الله علیه و آله المفرطة وحبه الشديد إليه، كل ذلك يدفع البعض من طلاب الفضيلة والحقيقة الى الالتفاف حول علي علیه السلام والاقتداء به، ويؤدي كذلك إلى إثارة نار الحسد والحقد في نفوس المرضى أيضا.

يوجب أتباع علي علیه السلام خلافته بعد النبي صلی الله علیه و آله للمقام والمنزلة التي كان يتمتع بها عند النبي صلی الله علیه و آله وعند خيار الصحابة والمسلمين ويعتبرون ذلك من المسلمات من خلال ظاهر الأوضاع والأحوال والحوادث الواقعة في أيام مرض النبي صلی الله علیه و آله،ولكن خابت جميع ظنونهم وآمالهم بعد رحلته صلی الله علیه و آله؛ وقبل أن يدفن جسده الشريف وكان أهل بيته مشغولون بذلك وإذا بخبر يصعق مسامعهم بأن مجموعة أخرى (أصبحت الأكثرية بعد ذلك) نصبت خليفة بسرعة فائقة وبدون أن يتشاوروا مع أهل بيت النبوة وأصحابه المخلصين بحجة

طلب الخير للمسلمين، وجعلوا عليا علیه السلام وأصحابه أمام الأمر الواقع.

بعد أن فرغ علي وأصحابه من قبيل العباس، الزبير، سلمان، أبو ذر، المقداد، وعمار، من دفن الجسد الطاهر وأحاطوا علما بهذا الخبر احتجوا على ذلك واعترضوا فأتاهم الجواب «إن في ذلك صلاح المسلمين».

الاعتراض الحاصل عزل تلك الأقلية المعترضة عن الأكثرية وحدد لهم مواصفات خاصة عرفت بشيعة علي علیه السلام بين المجتمع، ولكن مجمع الخلافة آنذاك كان حريص على أن لا تعرف هذه القلة بهذا العنوان وأن لا يسمحوا بتقسيم المجتمع الى قسمين (أقلية وأكثرية) وإنما فرضوا الخلافة على الجميع وكل معترض يطلقون عليه (متخلف عن البيعة) ومتخلف عن الجماعة وأحيانا يطلقون عليه تعابير قبيحة أخرى (وكل ذلك كان بحكم المقتضيات السياسية).

اعتراض الشيعة لم يستطع تغيير الوضع لأنه مجرد اعتراض، وإن رعاية مصلحة الإسلام والمسلمین دفعت علي علیه السلام الى السكوت وكذلك افتقاره للقوة الكافية أجبرته على عدم الإقدام الحربي، ولكن بقي أولئك الخواص متمسكين بعقيدتهم وبأحقية علي علیه السلام المطلقة بالخلاقة، وإن المرجعية العلمية متعلقة به فقط ولهذا ظلوا يستمدون منه في مراجعاتهم العلمية والمعنوية.

استنتج الشيعة من خلال تعاليمهم الإسلامية أن مايهم المجتمع الإسلامي في الدرجة الأولى هو توضيح التعاليم الإسلامية والثقافة الدينية، ومن ثم تطبيقها في المجتمع بصورة كاملة، أو بعبارة أخرى جعل نظر الأفراد، الى المجتمع والإنسان نظرة واقعية وتعريفهم وظائفهم الإنسانية (التي لها صلاح واقعي) لتطبيقها وإن خالفت رغباتهم، وثانية إجراء حكومة دينية ونظامية وواقعية (الإسلام) في المجتمع والحفاظ عليها بالشكل الذي لا يعبد الناس فيها أحدا غير الله تعالى وأن تشتمل على الحرية الكاملة ويسود فيها العدل الحقيقي للفرد والمجتمع.

وهذان الهدفان يجب ن يتحققا على يد شخص يتصف بالعصمة الإلهية وإلا فمن المستحيل صيانة المتصدي للحكم أو للعلم من الانحراف الفكري والخيانة في مجال عمله والحيلولة دون تبديل الولاية العادلة والحرة الإسلامية الى سلطنة استبدادية وملكية کسروية وقيصرية، ومنع عدم تحریف المعارف الدينية النقية كما حصل ذلك في معارف الأديان الأخرى وحرفت تعاليمهم من قبل علماء التكبر والأهواء والأنانية.

الشخص الوحيد الذي شهد له الرسول صلی الله علیه و آله بان أقواله وأفعاله ومسيرته وأخلاقه تطابق تماما كتاب الله وسنة النبي هو علي علیه السلام، وهذا ما خالفته الأكثرية القريشية وخالفت خلافته الحقة وأجبروا

المخالفين لغيره على عدم المخالفة، وأقعدوا المعترضين في أماكنهم، كما قاتلوا الجماعة تحت عنوان عدم دفع الزكاة ومن ثم غضوا النظر عن أخذ الزكاة!! وقتلوا الحق خوفا من قريش.

نعم إن الذي حال بين الشيعة وبين انتخاب الخلافة هو الخوف من العواقب السيئة لذلك أي فساد أساليب الحكومة الإسلامية، وانهدام التعليمات الدينية السامية !!!، وهذا ما ثبته الزمان وأيدته الوقائع وظل الشيعة شامخون ثابتون على عقائدهم مع أنهم كانوا أقلية هضمت بين طواحن الغالبية إلا أنهم بقوا متعلقين بحبل الله المتين ويستلهمون التعاليم الدينية في بواطنهم من أهل بيت العصمة. ولكنهم تجنبوا المعارضة العلنية لحفظ الإسلام ونمو قدرته، وحتى أنهم كانوا يماشون الأكثرية في الجهاد والأمور العامة، وعلي علیه السلام بذاته كان يرشدهم أحيانا وفي الموارد الضرورية من أجل مصلحة الإسلام.

يعتقد الشيعة أن الشريعة السماوية المتجسدة في كتاب الله وسنة نبيه الأكرم تبقى الى آخر الدهر على قوتها واعتبارها، ولا تقبل التغيير، ولا يمكن للحكومة الإسلامية الانحراف عن أجزائها الأساسية تحت أي عذر كان، وإن الوظيفة الوحيدة للحكومة الإسلامية هي اتخاذ القرار مع الشورى في دائرة الشريعة.

ولكن يبدو أن اتباع الخلافة المنتخبة وأصحاب زمام الأمور

ومن خلال أحداث البيعة السياسية في السقيفة، وحديث الدواة والقرطاس الواقع في آخر أيام مرض النبي صلی الله علیه و آله يعتقدون أن كتاب الله يجب أن يحتفظ به كقانون أساسي أما السنة والأحاديث النبوية الشريفة لا تبقى في اعتبارها وإنما يمكن صرف النظر عن جزء منها إذا اقتضت المصلحة لذلك وهذا ما أيدته الروايات الكثيرة والتي نقلت في حق الصحابة بعد ذلك (الصحابة مجتهدون إن أصابوا فلهم الأجر وإن أخطأوا فهم معذورون). وهذا ما سار عليه الخليفة الأول أيام خلافته و مصداق ذلك ما حدث مع خالد بن الوليد (أحد قادة الخليفة) عندما حل ضيفا في إحدى الليالي على مالك بن نويرة

(أحد المسلمين المعروفين) ومن ثم قتله ووضع رأسه بالغرفة وأحرقه، وضاجع زوجته في نفس تلك الليلة (زوجة مالك)، ولكن الخليفة يدعي بأن الحكومة بحاجة الى أمثال خالد ويغض النظر عن هذه الخيانة المخجلة.

منعوا الخمس عن أهل بيت الرسول صلی الله علیه و آله وحرموا كتابة أحاديث النبي صلی الله علیه و آله وإن عثروا على أحدها حرقوها، وهذا ما سار عليه الخلفاء الراشدون واستمر ذلك حتى خلافة عمر بن عبد العزيز (الأموي).

لقد كانت هذه السياسة أكثر وضوحا في زمن خلافة الثاني (13 - 25 ق) وظهر المنع على كثير من الأمور منها حج التمتع

وزواج المتعة وقول (حي على خير العمل) في الأذان، وصحة الطلقات الثلاثة و مشابه ذلك، ووضع الحدود القاسية عليها مثل الرجم في زواج المتعة!.

وظهر في خلافته التفاوت في توزيع أموال بیت المال وكان ذلك بمثابة اللبنة الأولى للطبقية الفاحشة وظهور الحوادث الدموية المفجعة. وكان معاوية آنذاك على الشام يعمل بالأعراف الملوكية الكسروية والقيصرية والخليفة لا يشير له بأيه علامة اعتراض، بل كان يطلق عليه كسرى العرب تشجيعا له.

وقتل الخليفة الثاني سنة 25 ه- على يد غلام إيراني وعین بعده الخليفة الثالث طبق رأي أكثرية الشوری (ستة أشخاص) التي أمر الخليفة الثاني بتكوينها . وجعل هذا الآخر على رقاب الناس أقرباءه من الأمويين في العراق الحجاز ومصر وسائر البلاد الإسلامية وأطلق أيديهم بالتصرف الحر حتى ظهر منهم الفسق العلني والظلم والفجور ونقض القوانين الإسلامية، ولم يمض وقت حتى انهالت الشكاوى من كل طرف الى دار الخلافة ولكن الخليفة الواقع تحت تأثیر مشاوريه وخاصة مروان بن الحكم كانوا يحولون دون ترتيب أي أثر على تلك الشكاوى، وتصدر الأوامر أحيانا بالتشديد ومتابعة الشاكين ومعاقبتهم، ولكن الأمر لم يدم حتى سنة 35 ه- على هذا الحال حيث الثورة الشعبية للمسلمين ضد الخليفة

وقتله في بيته بعد محاصرته لأيام معدودة هناك. كان الخليفة الثالث يقوي حكومةمعاوية في الشام وجعلها في الحقيقة ثقل الخلافة وأما دار الخلافة فليست أكثر من وضع صوري . بعد حرب اليمامة (سنة 12 ه-) والتي قتل فيها عدد من قراء القرآن أشار عمر بن الخطاب على الخليفة الأول إلى جمع الآيات القرآنية في مصحف واحد (وكان يقول لو وقعت حرب أخرى يقتل بقية حملة القرآن) لذا كان پری ضرورة جمعها وكتابتها، في حين أن الأحاديث النبوية لم يتخذ بحقها هذا القرار وهي الأخرى كانت عرضة لتلك الأخطار والی تحریف النقل بالمعنى أو الإضافة أو الحذف والجعل والنسيان ولم تكن في أمان من تلك الأمور، إلا أنهم لم يراعوا هذا الجانب ولم يهتموا به بل على العكس منعوا كتابتها وأحرقوا ما في أيديهم، والحال يشابه وضع أقسام العلوم الأخرى في حين أن القرآن الكريم والأحاديث النبوية تؤكد وتقدس العلوم وترغب في انتشارها واتساعها، وأصبح شاغل الناس الفتوحات الإسلامية

المستمرة وجمع الغنائم التي تتدفق كالسيل من كل جانب على الجزيرة العربية ولم ينظروا الى خلفهم ولم يعتنوا بعلوم أهل الرسالة المحمدية التي كان يتربع على سلستها الإمام علي علیه السلام كما قال رسول الله بحقه (هو أعلم الناس بالإسلام والقرآن)، ولم يفسحوا له المجال ولم يذكروه حتى في قضية جمع القرآن وهم على علم بأن

علي علیه السلام جمعه بعد وفاة النبي صلی الله علیه و آله.

هذه الأحداث ونظائرها كانت تجعل أصحاب علي علیه السلام وأتباعه أكثر رسوخا في عقيدتهم وأكثر وعيا في الأمور الجارية وتحفزهم الى العمل الأكثر تحت إشراف المربي الذي قصرت يداه عن تربية عموم الناس، فأخص أتباعه أفضل أنواع التربية.

ثلاثة من خيرة أصحاب علي علیه السلام (سلمان الفارسي، أبو ذر، المقداد) قضوا نحبهم خلال هذه السنوات التي أطبق فيها السكوت على علي علیه السلام (20 سنة)، وكانوا ثلاثة من أربع نفرات عرفوا بثباتهم على طريق وحب علي في جميع الأحوال.

بعد مقتل الخليفة الثالث انهالت الجماهير من أصحاب و تابعي علي من الحجاز واليمن والعراق وباقي البلدان تبايعه وعلنه خليفة للمسلمين.

بدأت خلافته علي علیه السلام أواخر سنة 35 هق واستمر حوالي أربعة سنوات و تسعة أشهر، عمل فيها بسيرة النبي صلی الله علیه و آله، وأعاد كل ما عمله الرسول إلى حالته الأولى وعزل جميع العمال القاصرين أي أنه قام بثورة عظيمة تركت له البلاءات العظيمة أيضا، وبدأ بتحذير الناس في خطبه ويؤكد لهم بأن ما كان في زمن الرسول من ضوابط و قوانین ستعود ثانية، وكان ينصحهم بترك النفاق وتقديم ما تأخر سابقا من أصحاب الفضيلة وتأخير من تقدم ظلما.

وعرف لهم بأن للحق أهل وللباطل أهل، وإن زاد أهل الباطل فان ذلك ليس جديد وإن قل أهل الحق فإنهم سيبادرون مع قلتهم وهكذا يستمر هذا الإمام الهمام. وهكذا مضى علي علیه السلام بثورته وقد علاه التصميم والعزم المحمدي صلی الله علیه و آله، فضرب علي يد كل متجاوز وأعاد كل حق مسلوب الى أهله و...، ولهذا انفردت طبقة رأت الخطر يهدد مصالحها ومنافعها فتشبثت بأمر يمكن رفعه کشعار ضد علي علیه السلام فإذا بهم يعلنون عن بدعة وكذبة ألا وهي (الثأر لدم عثمان) فحاکوا الدسائس وأثاروا الفتن والحروب التي طغت علی تمام مدة خلافته علیه السلام.

يعتقد الشيعة أن الحروب الداخلية كانت بدوافع المنافع الشخصية فقط ولم يكن لها أي هدف آخر، وما قضية دم عثمان إلا ستارا لخدع العوام وإضلالهم.

كانت أسباب الحرب الأولى (حرب الجمل) هي عدالة علي علیه السلام في تقسيمه للأموال بصورة متساوية وبهذا غير ما اعتاد عليه البعض زمان الخليفة الثالث من العطاء والامتيازات فعودة علي علیه السلام الی السيرة النبوية في تقسيم الأموال كان من أحد تلك الأسباب وهذا ما جعل البعض يشعر بالاضطراب والقلق كطلحة والزبير. غادر هؤلاء المدينة بحجة زيارة الكعبة وضموا إلى صفهم عائشة التي كانت في مكة ولم تكن على وئام مع علي علیه السلام ورفعوا

شعار (الثأر لدم عثمان) وأعلنوا حربهم الدموية (معركة الجمل) في حين أن طلحة والزبير كانوا في فترة محاصرة الخليفة الثالث في بيته في المدينة ولم يدافعوا عنه وكانوا من أوائل الناس ونيابة عن المهاجرين في بيعتهم لعلي علیه السلام، وكذلك أم المؤمنين عائشة فكان لها الدور الأساسي في التحريض على قتل عثمان، وأظهرت سرورها بعد قتله وأطلقت بعض العبارات الخاصة.

إن مسببی حادثة قتل الخليفة هم عدد من الصحابة الذين كتبوا من المدينة الى باقي البلدان يدعون فيها الناس الى الثورة.

أما المعركة الثانية (معركة صفين) والتي دامت سنة ونصف كان سببها طمع معاوية بالخلافة وبدأها معاوية هو الآخر تحت ذريعة دم الخليفة الثالث وأريق بها ما يقارب مئة ألف نفس بغير حق وكان فيها معاوية مهاجما وليس مدافعا لأن طلب الثأر لا يحصل بالدفاع وإنما بالهجوم فقط.

كما أشرنا إن عنوانها كان الثأر لدم عثمان في حين أن الخليفة الثالث بعث الى معاوية في أواخر أيامه يطلب النجدة لدفع الناس المعترضين فأرسل جيشا من الشام إلا أنه تعمد التأخير والتوقف في الطريق حتى قتل الخليفة فعاد جيشه الى الشام وأعلن معاوية بطلب ثأره كذبا وزورا والدليل هو بعد أن قبض على الخلافة نسي بصورة كاملة دم الخليفة الثالث ولم يقم بتعقب قتلته.

وما كادت صفين على الانتهاء بكل مفارقاتها حتى شرعت النهروان التي ضمت تحتها أحد الصحابة الذي سار مع ركب الجمع المحرك من قبل معاوية لإثارة الفوضى والبلبلة في بقاع الإسلام وقتل وهتك حرمة كل من نالته أيديهم من أصحاب علي علیه السلام حتى وصل بهم الأمر الى تمزيق بطن امرأة حامل وإخراج جنينها وقطع رأسه، فصبر عليهم الإمام علیه السلام لعلهم يعودوا الى رشدهم وتحمل قساوة ذلك إلا أنهم تمادوا واستمروا فهجموا بعد ذلك على مصلين في مسجد الكوفة وهم ممتثلون بين يدي الجليل القدير وقتلوهم شر قتلة. يقول مخالفي علي علیه السلام أنه رجل شجاعة وبطولة وليس رجل سیاسة، لأنه كان بإمكانه مداهنة العناصر المخالفة ومداراتهم لأمد قصير حتى يحكم حكومته ومن ثم يقتلعهم ويقمعهم، ولكتهم ظلموا علية بذلك وظلموا بجهلهم حقيقة ثورته التي لا يمكن لها أن تداهن أو تصالح الباطل، وهذا ما سبقه به النبي صلی الله علیه و آله عندما رفض اقتراحات الكفار والمشركين المتكررة حول المصالحة وعدم التعرض لآلهتهم مقابل عدم التصدي لدعوته من قبلهم، كان بإمكان النبي صلی الله علیه و آله الإقدام على ذلك بالنظر لصعوبة وقساوة ظروفه الجارية آنذاك حتى يحين الوقت المناسب للوقوف أمامهم إلا أن الدعوة الحقة لا تعطي لصاحبها الإذن في قتل حق لإحياء حق آخر أو دفع الباطل باطل مثله وهذا ما حدده القرآن في كثير من آیاته. مع أن عليا لم يتمكن

من إعادة الوضع المضطرب الى حالته الطبيعية إلا أنه كان موفقا من جوانب أساسية ثلاثة هي:

ألف : جد بسيرته الرفيعة السيرة النبوية السامية للناس وخصوصا بالنسبة للأجيال الجديدة، وقابل الطغيان الكسروي والفرعنة القيصرية ببساطة الفقراء وثيابهم البالية وكان أقلهم في ذلك أيضا، ولم يقدم أحدة من أقربائه أو عشيرته على الآخرين ولم يفضل المستطيع والثري على من يرتزق على صدقات الآخرين، ولم يرجح القوي على الضعيف.

ب : مع جميع مشاغله الكثيرة جدا والقاسية والتي لا يقوى لها حال فهو لم يبخل بذخائره العلمية القيمة و معارفه الإلهية وعلومه الإسلامية الحقة عن الناس، وإنما قدم جميع فنونه المتنوعة (العقلية، والدينية، والاجتماعية) ومايقارب على أحد عشر ألف كلمة قصيرة وموعظة لهم. طرح معارفه العالية بأبدع الخطب وابلغ الكلمات وألطف البيانات وأحبها على القلوب، وضع قواعد اللغة العربية وأسس الأدب العربي، كان أول من غار الى عمق الفلسفة الإلهية وعبر عنها بسبك الاستدلال الحر والبرهان المنطقي وأشار الى مسائلها التي لم تطرق مسامع الفلاسفة آنذاك وكان يهتم ويعتني بهذا الباب وكأنه في بحبوحة الحرب.

ج : تتلمذ على يديه كبار رجال الدين وعظماء علماء الإسلام

وتربی بین أنفاسه جمع كبير من الناس منهم الزهاد ومنهم أهل المعرفة مثل: أويس القرني وكميل النخعي وميثم التمار ورشيد الهجري وقد كانوا بمثابة مصادر للعرفان في الوسط العرفاني للإسلام، ومصادر للفقه وعلم الكلام والتفسير والقراءة وغيرها.

انتقلت الخلافة بعد شهادة الإمام علي علیه السلام وحسب وصيته وبيعة الناس الى الامام الحسن بن علي بن أبي طالب علیهم السلام (وكان ثاني أئمة الشيعة الاثني عشر).

ولكن معاوية لم يهدأ له بال حتى سارع الى العراق (فيه مقر الخلافة) بجيش جرار بعد أن دس الدسائس بين أصحاب الإمام وأغوی قادة جيشه بالمال الكثير ولهذا جبر الحسن علیه السلام على تحويل الخلافة إليه والقبول بالصلح ولكن بشرط أن تعود إليه بعد وفاة معاوية، وعدم تعرضه لشيعة الإمام. استولی معاوية على الخلافة سنة 40 ھ و جاء على الفور الى العراق وخطب بين أهلها بخطبته المعروفة: (ما قاتلتكم لأجل الصلاة أو الصيام وإنما لأتأمر عليكم)، «كل عهد مع الحسن ملغي وهذا هو تحت قدماي». وبهذا طرح خطوطه العريضة على الناس وهددهم وحذرهم من أي عمل خلافه. أكد معاوية في كلامه على فصل السياسة عن الدين، وهو لا يضمن تطبيق القرارات الدينية ولكنه سيستعمل جميع قواه لإحكام قبضته على كل ما تمتد إليه خلافته ومن الواضح أن هذه الحكومة

في ملكية وسلطنة ولا تمت الى الخلافة الإسلامية بأية صلة، وكان البعض يحيه بتحية الملوك عند الدخول عليه هذا بالإضافة إلى تعبيره أحيانا وفي المجالس الخاصة عن حكومته بالملك أو السلطنة، ولكنه يعرف نفسه خليفة للمسلمين أمام الملأ العام.

عندما يكون الحكم ملكيا ظالما فمن الطبيعي أن يكون وراثيا أيضأ ويستمر الى النسل الآتي للملك، وهذا ما فعله معاوية مع ابنه يزيد الذي كان يتصف بالتحلل وضعف الشخصية وانعدامها في الجانب الديني، عندما عينه وليا للعهد وبعد قبضه على السلطة جلب الويلات وسبب الحوادث التي يندى لها جبين التاريخ. لقد أكد معاوية من خلال إلغائه للمعاهدة المذكورة بأنه قد صمم على سلب الأمن والراحة من شيعة أهل البيت والحيلولة دون نشاطهم الديني، وهذا ما قام به بالفعل، وأعلن بأنه من ينقل حدیثا حول مناقب أهل البيت فإنه سيكون مهدور النفس والمال والعرض، وأن من يأتي بحديث فيه منقبة للصحابة والخلفاء فسينال منه الجائزة ولهذا جعلت الأحاديث الكثيرة بحقهم، وأمر كذلك بسب علي علیه السلام فوق المنابر وقام هو بسبه أولا، واستمر هذا الشتم والسب والتعسف والظلم والافتراء الى خلافة عمر بن عبد العزيز (الخليفة الأموي الذي حكم من سنة 99 - 101 ه-).

وشرع معاوية مع عماله وأمرائه (الذين كانوا يضمون بعض

الصحابة أيضا) بقتل خواص شيعة علي وحملوا رؤوس بعضهم على الرماح وطافوا بها المدن، وأجبروا شيعة علي على سبه وإلا فيقتل من يمتنع عن ذلك.

كانت فترة حكم معاوية (20 سنة) من أقسى وأشد السنين على تاريخ التشيع، وأغلب شيعة علي علیه السلام كانوا من الشخصيات المعروفة بين المسلمين ولكن معاوية هدر دمائهم.

عاصر معاوية إثنين من أئمة الشيعة (الإمام الحسن علیه السلام والإمام الحسين علیه السلام) وكانوا لا يملكون أي وسيلة لتغير الأوضاع البائسة، وقد توقف الحسين علیه السلام(لمدة 10 سنوات) عن ذلك في زمن معاوية لأسباب خاصة ولكنه أعلن ثورته بعد ستة أشهر من حكم يزيد مع قلة من أبنائه وأصحابه وجميعهم نالوا الشهادة على يد ذلك الطاغية، مع كل ذلك نرى وللأسف أغلب أهل السنة يبررون تلك المجازر والمظالم الحاصلة من معاوية وحاشيته ويقولون أنهم من الصحابة وطبق الأحاديث المروية عن النبي صلی الله علیه و آله بأن الصحابي مجتهد ومعذور وأن الله تعالی راض عنه وغافر لجميع ذنوبه. لكن الشيعة يرفضون تلك التبريرات جملة وتفصيلا للأسباب التالية: أولا: لا يعقل أن يسمح قائد اجتماعي كالنبي الأكرم صلی الله علیه و آله والذي جاء لإحياء الحق والعدالة والحرية، لأفراد اختارهم أن يكونوا رفاق عقيدته، بالحرية المطلقة المرفوع عنها الحساب أو العفو عن جميع

ما يصدر منهم من ظلم و تجاوز، لا يصدق ذلك على الإطلاق وهو الذي سخر جمیع وجوده لهذا السبيل المقدس أن يجعل جماعته فوق القانون والناس، أي يقوم بهدم ما بنته يداه بنفسه.

ثانيا: هذه الروايات التي تقدس الصحابة وتبرر أعمالهم غير المشروعة والمنحرفة وتقول بغفران ذنوبهم جاءت عن طريق الصحابة أيضا ونسبت إليهم في حين أن الصحابة أنفسهم (وحسب الشهادة القطعية للتاريخ) لم يعط أحدهم للآخر تلك الحصانة، وقام بعضهم بقتل وسب ولعن الآخرين ولم يتركوا صغيرة ولا كبيرة إلا وقالوها في حق بعضهم البعض بلا مسامحة ولا تساهل.

نستنتج من خلال فعل الصحابة بأن تلك الروايات محرفة وغير صحيحة، وإن كانت صحيحة فإن هدفها شيء آخر غير الحصانة من القانون والعلو عليه. وإن فرضنا أن الله تعالى قد أثنى يوما على الصحابة لإطاعتهم أوامره والعمل بدستوراته فهذا لا يعني أن لهم حصانة في المستقبل من كل فعل منحرف يقومون به وإنما كان يقصد الثناء على فعل الماضي.

1- استقرار سلطنة بني أمية

مات معاوية سنة 60 ه- و تولی بعده یزید بعد أن أخذ أبوه

البيعة من الناس في حياته أعطى التاريخ شهادة بحق يزيد لا يمكن الأحد نكرانها كان عديم التدين، لا يعتني بأصول وقوانين الإسلام حتى في زمن أبيه وفي شبابه، وكان لا يعرف سوى الفواحش والشهوات والتحلل، وقد صب الفجائع خلال سنواته الثلاثة وزرع الفتن بصورة لم يشهدها التأريخ الإسلامي من بداية ظهوره،

استشهد الحسين علیه السلام إمام الهدى وسبط النبي الأكرم مع أولاده وأخوانه وعشيرته وأصحابه في سنته الأولى وبأبشع سبل وطرق الجريمة والظلم بحيث وصلت حد وقاحته الى أن يطوف بنساء وأطفال النبي صلی الله علیه و آله في المدن مع رؤوس شهداء كربلاء المقطعة.

أباح دماء وأعراض وأموال الناس في سنته الثانية من خلال إياحة ذلك لجيشه لمدة ثلاثة أيام في المدينة وارتكب الجرائم البشعة وقتل الناس قتلا مفجعا ورمى الكعبة بالمنجنیق وأحرقها وخربها في سنته الثالثة.

استولى على الحكومة الإسلامية بعد يزيد آل مروان ودامت حوالي 70 سنة توزعت بين أحد عشر حاكما منهم، كانت أيام سوداء ومشؤومة للمسلمين، ولم يعرف أحد في المجتمع الإسلامي آنذاك إلا إمبراطور عربي مستبد وضع لنفسه عنوان خلیفة المسلمين: لقد وصل الأمر بهم الى أن يضع خليفة المسلمين وخليفة النبي صلی الله علیه و آله وحامي الدين الوحيد غرفة لنفسه فوق الكعبة للترفيه

والاستمتاع في مراسيم الحج.

يصوب الخليفة بسهمه الى القرآن ويقرأ شعره المعروف:

وإذا ما جئت ربك يوم حشر*** فقل يارب مزقني الوليد

اجتاز الشيعة الذين يختلفون مع أغلبية السنة حول موضوع الخلافة الإسلامية والمرجعية الدينية هذه المرحلة بصعوبة جدا وكانت بالنسبة لهم فترة مظلمة وقاسية جدا، ولكن ظلم الحكومات وانحرافها ومظلومية الشيعة من جانب و تقوی وطهارة وعصمة أئمة أهل البيت من جانب آخر كل ذلك زاد من ثباتهم ورسوخهم على عقائدهم وخصوصا وواقعة كربلاء شهادة الإمام الحسين علیه السلام (الإمام الثالث للشيعة) كان لها الدور الأكبر في انتشار التشيع واتساعه في المناطق البعيدة عن مركز الخلافة كالعراق وإيران واليمن، ولهذا عندما ضعفت الدولة الأموية في فترة الإمام محمد الباقر علیه السلام(خامس أئمة الشيعة) (في نهاية القرن الهجري الأول) ولم يمض عن شهادة الحسين علیه السلام أربعون سنة، تدفق الشيعة من كل جانب الى بيت الإمام الباقر علیه السلام طلبا للعلم والحديث وتعلم المعارف الإسلامية.

قبل نهاية القرن الهجري الأول وضع عدد من أمراء مدينة قم في إيران الحجر الأساس للمجتمعات الشيعية لكنهم لم يظهروا ذلك تقية من الوضع الموجود.

ثارالسادة العلويون لمرات عديدة ضد ظلم الدولة والضغط الأموي إلا أنهم لم يفلحوا وقدموا أنفسهم قرابين لهذا السبيل، ولم يتورع الحكام عن استعمال أشد الأساليب للقضاء على تلك الانتفاضات فنبشوا قبر زید (إمام الزيدية)وأخرجوا جثته وعلقوها فوق خشبة الإعدام لمدة ثلاث سنوات ومن ثم أحرقوها ونثروا رمادها مع الرياح. يعتقد أغلب الشيعة أن الإمام الرابع والخامس (عليهما السلام) إستشهدوا بالسم على يد الحكومة الأموية وكذلك الإمام الثاني والثالث.

لقد بلغت فجائع عمال بني أمية حدا مفضوحا وشائعا مما جعل أهل السنة يقسمون الخلفاء الى قمسين: الخلفاء الراشدين بعد النبي صلى الله عليه و آله وهم (أبو بكر وعمر وعثمان وعلي علیه السلام)، والخلفاء غير الراشدين والذين يبدأون من معاوية.

الظلم والتحلل الأموي أدى إلى نفور المسلمين وكرههم الحكومتهم ولهذا بدأ سيرهم التنازلي حتى بلغوا السقوط القطعي وتعرض آخر خلفائها للقتل وفر ولديه مع أفراد عائلته من دار الخلافة ورفض أغلب الناس إيواءهم ولهذا ظلوا كذلك حتى ضاعوا في صحاری (نوبه والحبشة وجاوة) وهلك الكثير منهم عطشا وجوعا، وانتهى بما تبقى منهم المقام في اليمن وبقوا هناك يرتزقون على فتات موائد الناس وصدقاتهم؛ وذهب قسم منهم بهيئة حمال الى مكة واختفوا بين الناس.

2- الشيعة في القرن الثاني للهجرة

على أثر الثورات الشيعية الحاصلة في القرن الثاني للهجرة (في أواخر الثلث الأول منه) ضد الظلم والطغيان الأموي في جميع البقاع الإسلامية، ظهرت دعوة باسم (أهل بيت النبي صلی الله علیه و آله) في خراسان وكان قائدها (أبو مسلم المروزي) (إيراني) ثار على الدولة الأموية وتقدم نحو مركزها للإطاحة بها.

مع أن هذه الثورة استلهمت طاقتها من الدعاية الشيعية،وقامت تحت شعار الطلب بثأر شهداء أهل البيت، وأخذت البيعة من الناس لأحد رجال أهل البيت، لكنها لم تكن تحت الإشراف المباشر لأئمة الشيعة، إلا أن قائدها (أبا مسلم) كان في صدد بيعة الإمام السادس للشيعة الإمامية علیه السلام في المدينة ولكن الإمام علیه السلام رفضها بالكامل وأشار إليه بأنه ليس من رجاله علیه السلام وأن الوقت ليس وقتهم الآن.

استلم الخلافة بعد ذلك بني العباس تحت شعار أهل البيت وقاموا بذبح الأمويين بحجة الانتقام لشهداء العلويين ونبشوا قبورهم وأحرقوا الجثث الباقية، وأظهروا حبهم للناس والعلویین في بداية الأمر إلا أن هذا الحال لم يستمر طويلا حتى تكشفت صورهم الظالمة والحاقدة لأهل البيت علیه السلام، وبدأ ظلمهم وتحللهم

يظهر الى العيان بلا حد ولا مكان يقفون عنده.

أبو حنيفة (أحد أئمة المذاهب السنية الأربعة) وقع في سجن المنصور وتعرض للتعذيب الشديد، وكذلك ابن حنبل (إمام المذهب السني الحنبلي) وقع تحت عذاب السياط، واستشهد الإمام السادس من أئمة الشيعة بالسم بعد أن تعرض الى التعذيب والإيذاء، وقتل العلويون بصورة جماعية ودفن بعضهم أحياء وعلق البعض الآخر على جدران أبنية الدولة.

هارون أحد خلفاء العباسيين بلغت الإمبراطورية الإسلامية في عهده ذروتها بحيث يخاطب الشمس ويخبرها بأنها أينما تشرق وتسطع فهي في ملكه. استطال جيشه الى الشرق والغرب ولكن نظره قصر عن أقرب المناطق الى قصره (وهي جسر بغداد) حيث وقف مأموروه يأخذون ضريبة المرور والعبور على الجسر من المارة بدون إذنه حتى أن هارون يوما اراد العبور فمنعوه حتى يدفع أجور المرور.

وكانت المفارقات كثيرة جدا وما يثير الدهشة أكثر حتى أن أحد المغنين يوما أثار شهوة الأمين العباسي من خلال بيتين من الشعر فأعطاه ثلاثة ملايين درهم فلم يصدق المغني نفسه وقال بدهشة: يا أمير المؤمنين هل كل هذا لي؟ فأجابه الخليفة: لا عليك، لقد أتتنا من مكان لا نعرفه.

نعم، هذا نموذج لموارد صرف بیت المال الذي تتدفق إليه الأموال من جميع أقطار الدولة الإسلامية، بالإضافة الى الجواري الحسان والغلمان الذين فاقت أعدادهم الآلاف في بلاط الخلافة. أما الشيعة فهم على يقين بأن ذهاب الأمويين ومجيء العباسيين لا يعنى لهم سوى اختلاف أسماء الظلمة والطغاة وأعداء أهل البيت.

3- الشيعة في القرن الثالث للهجرة

كانت بداية القرن الثالث بالنسبة للشيعة بمثابة المتنفس النسبي لهم بسبب عامل ترجمة الكتب الفلسفية والعلمية من اللغات اليونانية والسريانية وغيرهاالى اللغة العربية، ووجود الفرصة لطلب العلوم العقلية والاستدلالية علاوة على أن الخليفة المأمون (195 - 218 ه- ق) كان معتزلي المذهب ويميل الى الاستدلال العقلى والبحث في الأديان والمذاهب ولهذا شاع هذا الأمر وأعطيت الحرية الكاملة له، أما علماء الشيعة ولم يتوانوا عن اغتنام هذه الفرصة لنشر افکار أهل البيت والتبليغ للمذهب وأما العامل المهم الآخر هو إعطاء ولاية عهد الخلافة الى الإمام الثامن للشيعة بسبب اقتضاء الوضع السياسي لذلك وهذا ماخفف من التعرض الى العلويين وأنصار أهل البيت وأدى الى حريتهم النسبية، ولكن لم يمر

وقت على ذلك حتى عاد سيف الظلم القاطع الى نحور الشيعة وأعاد إلى الأذهان أفعال السلف، وكانت على أشده في زمن المتوكل العباسي (232 - 247 ه-)ا الذي كان يتصف بعدائه الشديد لعلي علیه السلام وشیعته ومن أفعاله تسوية قبر الحسين علیه السلام (إمام الشيعة الثالث) في کربلاء لإخفاء آثاره وإزالتها.

4- الشيعة في القرن الرابع للهجرة

من العوامل المهمة التي أدت الى اتساع التشيع وقوته في هذا القرن هو ضعف ارکان خلافة بني العباس وظهور ملوك آل بویه الذين عرفوا بتشیعهم، وكان لهم نفوذ واسع في مركز الخلافة آنذاك (بغداد) وعلى شخص الخليفة الأموي، وهذه القدرة التي لفتت انتباه الشيعة أعطت إذن بمواجهة أولئك الذين اعتمدوا على قدرات خلافتهم وعملوا على تحطيم الشيعة على مر العصور، ومنحت الشيعة زخما في التبليغ الجاد والإعلام المذهبي وبصورة حرة.

يذكر المؤرخون بأن سكان أغلب مناطق الجزيرة في هذا القرن كانوا من الشيعة عدا بعض المدن الكبيرة مثل عمان، وكانت صعدة شيعية أيضا، أما في مدينة البصرة والتي كانت مركزا للتسنن يوجد فيها أعدادا شيعية قابلة للذكر، وتعتبر هذه المدينة المنافسة

الحقيقية لمركز التشيع أي الكوفة، وتواجد الشيعة أيضا في طرابلس ونابلس، وطربرية، ونیشابور، وهرات، أما في مدن الأهواز وسواحل الخليج العربي من إيران كان لمذهب التشيع وجود حقيقي فيها.

في بداية هذا القرن استولی ناصر اطروش (الذي عمل سنينا طويلة بالتبليغ في شمال إيران) على ناحية طبرستان وأسس سلطنة فيها استمرت لأجيال عديدة من بعده، وكان من قبله الحسن بن زید العلوي الذي حكم طبرستان لفترة طويلة أيضا.

سيطر الإسماعيليون أيضا في هذا القرن على مصر وأسسوا الدولة الفاطميةالمترامية الأطراف والتي استمرت من (296 - 567 ه- ق) وقد تخللها حوادث وصدامات بين الشيعة والسنة في مدنها الكبيرة مثل بغداد ومصر ونیشابور وكانت تنتهي بغلبة الشيعة في بعض منها.

5- الشيعة من القرن الخامس الى القرن التاسع

استمر الشيعة في تزايدهم على منوال القرن الرابع الهجري وظهرت لهم مملكات شيعية روجت لمذهبهم يمكن توضيحها كما يلي:

ظهرت الدعوة الإسماعيلية في أواخر القرن الخامس الهجري في (مدينة قلاع الموت) الإيرانية واستقرت هذه الدعوة ما يقارب القرن والنصف في وسط إيران وكانت في حالة استقلال كامل، وحكم السادة المرعشيون في مازندران (شمال إيران)لسنوات طويلة. اختار السلطان (محمد خدابنده) وهو من ملوك المغول المذهب الشيعي وأعقبه في ذلك ملوك مغوليون عملوا على نشر التشيع والترويج له لسنوات طويلة في إيران، وكذلك الحال بالنسبة الى سلاطین ( آق قویونلد و قرة قويونلد) الذين حكموا في تبریز واستطالت دولتهم الى فارس و کرمان، وقامت الدولة الفاطمية في مصر.

يجدر الإشارة هنا إلى أن قدرات الشيعة وملوكهم تتفاوت من منطقة إلى أخرى، فمثلا بعد سقوط الدولة الفاطمية وظهور آل أيوب على سدة الحكم أدت الىطوي صفحة التشيع في مصر والشام وقتل من بقي منهم من جملتهم الشهيد الأول (محمد بن مكي) من نوابغ فقه الشيعة في سنة (786) في الشام بجريمة التشيع،وكذلك قتل الشيخ (إشراق شهاب الدين السهروردي) في حلب بجريمة الفلسفة.

بصورة عامة اتصفت هذه القرون الخمسة بتزايدها الشيعي، وأما من ناحية قدرة المذهب وحريته فكانت في حالة صعود ونزول

حسب موافقة ومخالفة السلاطين آنذاك. من البديهي أن قاطبة حکام هذه العصور في الممالك الإسلامية كانت من بني أمية وبني العباس كما ظهر ذلك من المتن السابق.

أما أسواق اختلاق الحديث ووضع الرواية في فترات هؤلاء الحكام الطغاة كانت مشابهة لما حدث في فترة معاوية وخصوصا في عصر المتأخرين عندما شعر مغتصبوا حق أهل البيت بنفوذ وقدرة الشيعة وخطرهم الجدي توسلوا بجميع تلك السبل والحيل والخديعة لمقابلتهم والحد من توسعهم وخصوصا أنهم كانوا يشغلون مراكز القدرة.

وعموما يبدو من خلال التواريخ المثبتة في أحوال الشيعة وعلى طول التاريخ الإسلامي أن فترة ظهور الفرد المدعى ب-(فاضل) عند محبوبه الأستاذ! لكسب الفيض كانت تصادف بالضبط فترة زيادة قدرة وقوة النهضة الشيعية في العالم الإسلامي.

ومن الأمور التي لا يقبلها العقل السليم أن نغض النظر عن ذلك العداء والحقد التاريخي في مناقشة المسائل العقائدية التي استهدفها ذلك الحقد والعداء والتي تمثل قلب البنيان الشيعي، والخوض في الأمور التي يكون لمصدرها صبغة ورائحة العداء والحقد بالاعتماد على العواطف أو الجهل.

الفصل الثامن: نظرة الى تاريخ أسپانیا

اشارة

نعود الآن لإدامة قصة رحلة قافلة العالم الشامي ورفاقه بعد أن دخل مصر وبعث برسالة من جانب والد الأستاذ (المريض) إلى ابنه (الأستاذ) يعجله بالحركة الى الأندلس.

وقعت جميع الأحداث الأصلية للقصة في الجزيرة الخضراء وجزر الشيعة الواقعة جميعها في مملكة الأندلس (أسپانيا اليوم)، ولهذا نعود الى أسپانیا قبل تسعمائة سنة لنرى عصر وقوعها، و محلها، ومعتقداتها وسائر مشخصاتها.

1- نظرة الى أندلس المسلمين

من الذي فتح الأندلس في سنة 92 ه- ق، وما هو تاريخ هذه المدينة الاسلامية منذ فتحها إلى وقتنا الحاضر سنة 1420 ه-.ق؟

وللجواب نقول :

فتحت الأندلس في خلافة الولید بن عبد الملك (سادس خلفاء بني أمية) والذي وصل إليها بعد موت أبيه (عبد الملك) سنة

86 ه- ق واستمر بخلافته حتى سنة 96 ه- وفي اليوم الخامس لشهر رجب لسنة 92 ه- عبر طارق بن زیاد البربري والي طنجة (1)مع جيشه مضيق جبل طارق وكان مبعوثا من موسى بن نصير اللخمي (2)

عندما كان موسى بن نصير اللخمي حاكما على أفريقيا كانت أسپانیا تحت سلطة شخص يسمى (رودريك) والذي خلع حاكمها الأسبق (ويتيزا) وقتله واستولى على العرش والتاج. كانت هناك جزيرة أسپانية حدودية تسمى (سبتة) وحاكمها (ژولین) فلما تعرض رودريك الى ابنة أنحاكم انظم على الفور الى صفوف المعارضين للحكومة الأندلسية، وبعد المكاتبات الطويلة مع موسی بن نصير طلب من الأخير التدخل بشكل جدي لنجاة الدولة من مخالب الملك الظالم، فأرسل موسى ضابطا شابا إلى هناك بعد أن حصل الاذن من الوليد اسمه (طريف) لجمع المعلومات واستكشاف السواحل الجنوبية لأسپانیا، جاء هذا الضابط بتقارير مرضية أرسل على أثرها موسى في شهر رجب سنة 92 ه- طارق بن زیاد وكان من أمهرالقادة والضباط مع جيش مختصر مرکب من سبعة آلاف رجل


1) طنجة: من مدن المغرب الشمالي وهي اقرب منطقة إلى الأندلس.

2) موسی: حاكم أفريقيا في زمن الفتوحات الإسلامية والذي بعث بطارق (والي طنجة) لفتح الأندلس.

كفوء الى منطقة لا زالت تعرف باسمه ودخل منها ولأول مرة الى مدينة الجزيرة الخضراء وصلى بها الصبح ثم استمر بتقدمه في الأراضي الأسبانية. حاول (الگو تیون) (وهم السكان المحليين الأسپانيا) الحيلولة دون تقدمه لكنهم لم يفلحوا في ذلك وسدد لهم جیش الاسلام ضربات قاسية وشتتهم. تقدم طارق بصورة مباشرة الى (طليطلة) وأنضم الى جيشه جیش قدم من المركز ليصبح عددهم اثني عشر الفا.

كان ملك أسپانیا مشغولا بقمع الثورات الداخلية وكان آنذاك في الشمال لكنه عاد الى العاصمة بعد سماعه للخبر، وكان قد كتب له معاونه ما يلي: (قدم الى بلادنا اناس لا نعرف هل هم من الأرض أم السماء).

استنفر رودريك أمراءه الصغار ورؤوساء القبائل والنواحي لقتال العرب وأصدر أوامره باللحاق به مع مجاميعهم في (قرطبة). تجمع حوالي مئة ألف من الجيش والشعب والتقى الجيشان في جانب (وادي لكة) يوم الاثنين من شهر رمضان (بقي على انتهائه يومان) سنة 92 ه- ودارت بينهما حرب استمرت الى يوم الأحد المصادف الخامس من شوال. انفصل أبناء الحاكم السابق (ويتيزا) عن الجيش من بداية الهجمات وذلك لسخطهم الشديد وغضبهم على الملك الحالي. كان جيش الملك كثير العدد وجيد التسليح،

والكفاءة العسكرية تمكتهم من مقاومة الهجمات الشرسة للعرب، ولكنهم مع كل تلك الامتيازات لم يتمكنوا من الوقوف طويلا أمام الهجوم الكاسح والشديد لطارق، وهكذا تلاشى جميع (الگوتات) وتناثروا هنا وهناك، أما الملك ألقى بنفسه في النهر حينما حاول الفرار وغرق فيه، بعد أن فتح طارق نقاطا مختلفة من أسپانیا، وزع طارق قوته الى أربعة محاور، الأولى أرسلها الى قرطبة، والثانية الى مالقة والثالثة الى غرناطة وذهب مع مجموعته الرابعة الى طليطلة. فتحت المدن (مالقة وغرناطة وقرطبة) ببساطة الواحدة تلو الأخرى، تفاجأ (الگوتان) من الهجمات الشديدة والخاطفة لجيش طارق وأصيب بالهلع والخوف، استسلم بعض الأمراء ورؤوساء النواحي وفر الباقي منهم، لجأ رؤوساء المذاهب وأئمة الأديان الى روما، واستبشرت جماعة كبيرة من اليهود بهم واعتبرهم الفلاحون والغلمان وباقي المستضعفين المنجي والمنقذ من ظلم الملك وبارك أحدهم للآخر وتهللوا وفرحوا فرحا شديدا (1). احتفظ طارق بعدد قليل من جيشه في طليطلة (العاصمة) للحفاظ عليها وسلم الحكم الى أخ الحاكم السابق (ويتينزا) واستمر هو في ملاحقة الفارين من


1) مع بداية الفتوحات الإسلامية خارج الجزيرة العربية، استمر فتح أفريقيا وتطويع أهاليها خمسون سنة في حين أن الأندلس لم يستغرق فتحها أكثرمن عدة شهور وأخرجوها من سلطة المسيحيين.

الگوتان وتعقبهم الى حدود (استوریه). ولما سمع موسى بن نصير حاكم أفريقيا بذلك وكان (عمره ثمانون سنة) زحف مع ثمانية عشر ألفا إلى أسبانيا، وبدأ بهجومه من المشرق بعد أن استولى على أشبيلية ومارده والتحق بجيش طارق في طليطلة.

دخل موسی (حسب ما يذكره ابن الأثير) أسپانيا في شهر رمضان لسنة 93 ھ وفتح مدن قرمونية وأشبيلة ومارده في شهر رمضان لسنة 94 ه يوم عيد الفطر. ثارت أشبيلية وقتل أهاليها جميع المسلمين الموجودين مما حدى بموسى الى إرسال ابنه عبد العزيز على رأس جيش وافتتحها عنوة وقهرا وقتل جمعا كبيرا من أهاليها وفر الباقون الى مدن (لبله وباجه)، فتعقبهم عبد العزيز وفتح هاتین المدينتين ثم عاد الى أشبيلية.

ذهب موسى سنة 94 ه- من مارده الى طليطلة والتقى مع طارق وأصدر توبیخا شدید بحقه وجلده بالسوط.

لكن الطبري يقول: غضب موسى على طارق فوضع ابنه عبدالله ينوب عنه في أفريقيا وسار على رأس عشرة آلاف الى الأندلس سنة 93 (في شهر رجب) واصطحب معه حبیب بن عقبة بن نافع الفهري، وبعد أن التقى مع طارق قبل عذره وعفى عنه وأرسله إلى طليطلة.

فتحت البرتغال كذلك بعد فتح الأندلس الكامل وتشکلت

محافظة جديدة باسم الغرب وتجمع المسيحيون في جبال استوریه وجندوا جيشا ضد المسلمين.

اختار موسى طارقا على (جلیقيه) لإجبار أهلها على الطاعة وصار هو الى داخل الأراضي الفرنسية، صنع موسى مخيما في (پیرنه) وصمم على فتح جيمع أورپا وخطط لفتح فرنسا وألمانيا وإيطاليا ومن ثم لفتح القسطنطينية والذهاب بعد ذلك الى الشام، وبهذا كانت ستقع جميع هذه الأرض تحت لواء الإسلام، ولو سمح بذلك الخليفة لكان من المحتمل أن يفعل موسى ذلك لكن الخليفة طلب حضوره الى دمشق وللأسف غير ذلك جميع مخطط موسی.

والتقت موسى خلال الفرصة القليلة المتبقية الى فتح جبال أسپانيا التي تجمع بها المسيحيون واستعدوا للدفاع والهجوم. اقتحم موسى أحد الكنائس ووصل الى قلاعها وأجبر العدو على الفرار الى الممرات الضيقة في جبال استوریه، فأصدر موسى أوامره من منطقة (لوگو) الى جيشه لإجبار الفارين على قبول الطاعة، وهنا وفي هذه الأثناء وصل کتاب الخليفة يأمره وطارق بالرجوع، في حين كان أحد الثوار المسيحيين واسمه (پلیور) متحصن في قلاعه في الجبال وأجرى استحکامات قوية ووضع أسس حکومته التي انضم اليها بعد ذلك عدد كبير وسيطرت على الولايات الجنوبية وقتلت جميع المسلمين هناك.

نظم موسی وضع أسپانیا قبل حركته منها وجعل ابنه عبد العزيز محله حاكما على تلك الدولة وعين اشبيلية مركزا لها، وجعل ابنه الآخر عبد الاله مأمورا على أفريقيا، ونصب ابنه الأصغر عبد الملك على مراكش (المغرب الأقصى). غادر موسی بعد أن جعل حكومات نيابية في كل من أفريقيا وأسپانیا الى دمشق مع عدد كبير من أتباعه وملازمية، مات الولید سنة 96 قبل وصول موسى الى دمشق واستلم الخلافة بعده أخوه سلیمان بن عبد الملك، فلما وصل موسی ضربه بالعصى أمام الملأ العام بدلا من أن يستقبله وأوقفه يوما كاملا أمام القصر وتحت أشعة الشمس ومن ثم ألقاه بالسجن، وبعث في الخفاء إلى أسبانيا من يقتل عبد العزيز، وبعد مقتل عبد العزيز سمح الخليفة لموسى في اختيار المكان الذي يرغب بالذهاب إليه، فاختار مكة ومات فيها.

قسم المسلمون أسپانيا إلى أربعة محافظات مهمة، كل منها مستقل بحكومة فيدرالية وفيها حاکم. المحافظة الأولى: الجزء الجنوبي لشبه الجزيرة وأهم مدنها: قرطبة، أشبيلية، مالقة، اتجه جيان ووسونا.

المحافظة الثانية: الجزء المركزي لأسپانیا ومدنها: طليطلة قرطاجنة، مرسیه، لورقه، والانس ودانیه.

المحافظة الثالثة: وتشتمل على برگالیسي، البرتغال، ومدن

مارده، باجة، لشبونه (ليسبون) وشممنقة.

المحافظة الرابعة: الجزء الشمالي الشرقي الذي امتد الى حدود ( پیرنه) ومدن طروشه، طرکونه، برشلونه، وتربشتر.

وبعد أن توسعت الفتوحات ظهرت المحافظة الخامسة وتشمل المدن ناربون و قرقشونه من جملة مدنها.

سكن العرب والبربر في هذه المدن، وقبائل دمشق في ولاية قرطبة، وقبائل حمص في أشبيلية ولبله وأطرافها، وقبائل قنسرین في جيان وأطرافها، وقبائل فلسطين في شذونه و (الجزيرة الخضراء) ورية ومالقة وأطرافها، وقبائل اليمن في طليطلة وأراضيها والإيرانيون في شريش وحولها والعراقيون في ولاية البيره وغرناطة، والمصريون في تدمير ومارده وأشبونه والحجازيون في المدن الداخلية.

وهناك أمر يجدر الاهتمام به من الناحية الإقليمية وهو أن قبائل العرب اختارت لنفسها الأراضي والأودية الخصبة والخضراء والصالحة للزارعة، أما البربر فتجمعوا في المناطق والأقاليم والارتفاعات المعدومة، أو من الأفضل أن نقول أنهم أجبروا على ذلك إلا قليلا منهم عاشوا في الأماكن الخصية والمثمرة، وكان ذلك التقسيم غير العادل من عوامل الاختلاف بين الجنسين الفاتحين (العرب والبربر).

2- حكومة عبد العزيز بن موسى بن نصير

امتاز بحسن تدبيره وسياسته العاقلة ونال بذلك رضي جميع الطبقات، وأشاع الزواج بين الشعبين الغالب والمغلوب، وروج الصناعة والفن والعلوم والحرف الأخرى، قتل سنة 97 أو أواخر 98ه- على يد مسلمي الأندلس وبأمر من سليمان بن عبد الملك السري بعد أن صلى صلاة الصبح وقرأ سورة الواقعة مع الحمد وظلت الأندلس بدون وال لمدة ستة أشهر.

3- حكومة أيوب بن حبيب اللخمي

انتخب بعد ستة من مقتل عبد العزيز، وهو ابن أخت موسی، نقل مركز الحكومة في سنته الأولى (99 أو 98 ه-) من أشبيلية الى قرطبة، وغزل بعد أشهر بأمر نائب سلطان أفريقيا.

4- حكومة الحارث بن عبد الرحمن بن عثمان الثقفي

نصب الحارث بعد عزل أيوب من بل الخليفة سليمان. أخذ الحارث معه أربعمائة سائلة من نجاب العرب الى أسپانيا، ودامت خلافته ثلاث سنوات، وحدثت فتوحات كثيرة في عهده مما زادت شهرته وحسن، سيرته.

5- حكومة سمح بن مالك الخولاني

بعد أن أصبح عمر بن عبد العزيز خليفة المسلمين في سنة 99 ه- (في دمشق)حدثت اضطرابات و اختلالات في أسپانیا وکان السبب هو عدم كفاءة ولياقة وقدرة حارث المضري(1)

يقول ابن خلدون: «كانت الرئاسة منحصرة ولسنوات متمادية بين هذه القبيلة العربية ويعني (اليمنيون)، وقبائل مضر وربيعة تابعة لهم وكانت الملوكية في الحيرة مقصورة على بني منذر أو اللخميان، وفي الشام على بني جفنة أو الغساسنة، وفي يثرب على الأوس والخزرج الذي كانت أصولهم في اليمن ، وسوى أولئك كان هناك مجموعة أخرى من العرب تسكن البادية بحثا عن الماء والعشب، يظهر من حين لآخر قائد من بين هؤلاء البدو. وحينما برزت إمارة المضربين وكانت قریش بین كر وفر في نواحي الحجاز وكانت بعض الدول تراعي إكرامهم وتعظيمهم حتي بزغت شمس الاسلام فيهم وألقي برداء الحكم والقيادة عليهم، ومن ذلك الحين على شأن مضر عندما اختار الله تعالی نبیه منهم وصارت جميع الدول الإسلامية منهم إلا بعض دول العجم الذين ظلوا يتبعون طوائفهم».

وبهذا تحولت الرئاسة الى قريش والزعامة الى مضر واحتفظوا بها السنوات طويلة وقبضوا عليها بكل السبل وظل اليمنيون يسعون لإعادة الأمور.

ومن عوامل الاختلاف الأخرى اللغة، أصل اللغة العربية يعود إلى لغة حمير وقد اعترفت بذلك مضر وأوجدت فيه فصاحة وبلاغة عظيمة، ومن ثم نزل القرآن بهذه اللغة على النبي القرشي المضري وكانت اللغة من مفاخر مضر التي دافعت عنها. وكان للإسلام دور مهم في رفع عوامل العداء ووحدة الكلمة والصفوف المختلفة وخصوصا في منطقة شبه الجزيرة العربية. ولكن سرعان ما طغت تلك الأحقاد على المسلمين وظهرت ثانية بمجرد ما ابتعدوا عن صدر الإسلام قليلا. وكانت تلك الاختلافات أشد في المناطق البعيدة وأخطر، لأن أقواما وقبائل متنوعة انضوت تحت الإسلام وأما الأوضاع في الأندلس كانت على أشدها بعد فتح أسپانیا، وأدت الى اضطراب المجتمع وعودة التفاخرات التي أدت الى الاختلافات المذهبية وقتال الشيعة والسنة.

ولهذا عزله

1) لازالت العصبية القبلية معشعشة في الصدور مع جميع تلك الفتوحات ومشاكل ومصائب البقاء في المملكة الجديدة، ولازالت المنافسة حول الرئاسة والسلطة بين القادة والأمراء وهذا ما أدى الى شق الصفوف وظهور الأحزاب، بالإضافة إلى عوامل الغيرة والحسد، وأشد الخلافات والمنافسات كانت قائمة على أساس المضرية واليمنية وجذورها تمتد الى ما قبل الإسلام. ومن أسباب هذه الاختلافات هي أن رئاسة العرب قبل الإسلام كانت منحصرة بين (حمير وتبع) وهما من أكبر قبائل اليمن وكانت لهما حضارة مشرقة، في حين أن المضريين كانوا بدويين من أمد قریب. كانت هناك حرب ضارية بين اليمنيين والمصريين واستمرت لسنوات طويلة ولهذا تسعى حمير الى الاحتفاظ دائما بالسلطة، وتحاول مضر كذلك الى عدم فقدان استقلالها وحريتها. يمكن مشاهدة أمثلة شيقة ووقائع كثيرة في أيام العرب

الخليفة ووضع محله أحد الضباط القحطانيين اسمه سبح. وكان صاحب دراية ومهارة في الفنون القتالية والإدارة، ولهذا اوكلت إليه الإصلاحات المالية الجديدة وإدارة البلاد، شرع بإصلاح الأمور وأحصى جميع القبائل والعشائر و مناطق سكناهم بصورة دقيقة، بنی

مساجد وأقام جسورا كثيرا وعمر القديم منها، بعد أن فرغ من إجراء الإصلاحات قام بقمع المسيحيين المتمردين ووجه لهم ضربات مهلكة وقضى عليهم.

أصيب بسهم العدو في منقطة ( آراگون) في جنوب فرنسا قبل آخر هجوم له وسقط على الأرض.

6- حكومة عبد الرحمن بن عبد الاله الغافقي

لما رأى المسلمون سقوط قائدهم على الأرض فروا من أرض المعركة إلا أن عبد الرحمن أقدم على قيادة الجيش على الفور، وفي مهارة وجرأة قل نظيرها استطاع أن يسحب الجيش المتشتت بصورة منظمة الى الوراء (حتى أن الأعداء اندهشوا لذلك وتعجبوا منه). وذكر المؤرخون عنه بأنه رجل مقتدر وجريء وشجاع، وعرف بطهارته وعدالته، وظل لعدة أشهر يقود الجمع ومن ثم عزله الخليفة الأموي.

7- حكومة عنبسة بن سحيم الكلبي القحطاني

نصب حاكما على إسبانيا من قبل حاكم أفريقيا (نائب

السلطنة) ودخلها في شهر صفر سنة 103 ه- واستلم زمام الأمر.

حمل على جنوب فرنسا سنة 105 ه- بعد أن تربع هشام بن عبد الملك على دقة السلطة واستطاع السيطرة على عدة مناطق مهمة فيها، وقام بتقوية وتحکیم وضع العرب في جنوب فرنسا، إلا أنه قتل في أحد المعارك مع المتمردين في سنة 107 ه- بين الممرات الضيقة للسلسلة الجبلية المسماة ب (پرینه)، أدي قتله الى إثارة . الفوضى في شبه الجزيرة هذه مرة أخرى، حكم أسبانيا بعد عنبسه وحتى التعيين المجدد لعبد الرحمن الغافق (سنة 112) سنتة أمراء بالترتیب، دام حکم بعضهم عدة أشهر. وبالنظر لهذه التغييرات السريعة حدث في إدارة الدولة خلط كبيرا وزادت قوة المتمردين يوما بعد آخر.

8- حكومة عبد الرحمن الغافقي الثانية

وصل الى الحكم سنة 112 ه- (في شهر صفر) ونضب من قبل الخليفة هشام بن عبد الملك، بالإضافة الى مهارته في الفنون العسكرية كانت له القابلية على إدارة البلاد أيضا، زار جميع مدن ونواحي حكومته واستمع إلى شكاوى الناس ووضع الحلول المناسبة لها، وعزل القضاة الخائنين والمقصرين في أعمالهم

واستعاض عنهم بأفراد نجباء وذوي أهلية لذلك المقام.

كان أحد الأمراء الستة (الذين حكموا البلاد بعد موت عنبسة وحتى وصول عبد الرحمن الغافقي الى الحكم) واسمه عثمان بن عنبسه الخثعمي حکم اسپانیا سنة 110 ه- وغزل في نهاية نفس السنة، وأصبح بعد عزله حاكما (لجزيرة سردانیه)، تزوج ابنة ملك الافرنج واتحد معه في رفع راية التمرد والعصيان ضد عبد الرحمن.

قتل عثمان في أحد المعارك مع عبد الرحمن ووقعت زوجته في يد الأخير فأرسلها الى دمشق وهناك تزوجها أحد أبناء هشام (الخليفة) مما أثار غضب ملك فرنسا ودخل مع عبد الرحمن الحرب، أصابه الخوف والرعب من أعداد جيش المسلمين التي لا تحصي ولهذا طلب النجدة من (شارل سارتل) وكان رجل مقتدرا شجاعا، شن هذان الجيشان المتحدان حربا عرفت باسم (معركة تورو پواتیه) في رمضان سنة 114 ه-

كانت المعركة في ايامها الأولى لصالح المسلمين وفي اليوم التاسع حدثت بينهما معركة شديدة جدا انفصل بعدها الجانبين عن بعضهما. شاهد شارل مارتل طمع العرب وحبهم للغنائم لهذا قرر الهجوم على محل جمع الغنائم، فلما شاع هذا الخبر رجع جميع الجيش من ساحة القتال إلى ذلك المكان مما أدى الى تصدع الجيش وانتشار الفوضى بين صفوفه، وفي هذا الوقت أصيب

عبد الرحمن برمح في ظهره فسقط أرضا وهنا تشتت صفوف جيش المسلمين وتحملوا انکسارا كبيرا وخسارة عظيمة على يد المسيحيين.

يقول المؤرخ (گیبن) و آخرون من بعده، لو انتصر العرب في ذلك اليوم لقامت المساجد اليوم في أماكن الكنائس الموجودة الآن في لندن، ولأصبحت جامعة أكسفورد وسائر المراكز العلمية والتربوية محلا لتعليم وشرح و تفسير القرآن بدلا من الإنجيل.

9- حكومة عبد الملك بن قطن بن نفیل بن عبد اله الفهري

سرعان ما سمع حاكم أفريقيا وهشام بن عبد الملك في دمشق بحادثة (تور) فعين على الفور عبد الملك بن قطن قائدا الجيش اسپانیا من قبل الخليفة.

سكان المناطق الجبلية الشمالية حاولوا لم بساط حكومة العرب بعد موت عبد الرحمن ولكن الحكومة الجديدة انتصرت عليهم وأجبرتهم على تقديم الاعتذار، وأعادة سيطرتها على المناطق التي خرجت عن دائرتها في الحروب السابقة.

تقدم (يوسف نامي) ممثل حكومة (نارین) من (نهر الران) سنة 116 ه- وسيطر على عدة مدن مما أدى الى رجوع عبد الملك

الى الجنوب، وعزل بعد ذلك في شهر رمضان سنة 116 ه- بسبب قساوته وأوامره غير القابلة للتحمل وشدته المفرطة على جيشه وهذا ما حدى بهم الى مخالفته في أودية ( پیرنه).

10- حكومة عقبة بن حجاج السلولي القيسي

جاء على رأس الحكم بعد عبد الملك، دخل فرنسا لعدة مرات خلال فترة حكمه التي استمرت خمسة سنوات وذهب بالمسلمين الى نقاط بعيدة.

سيطر عقبة سنة 118 ه- على عدة مدن فرنسية الواحدة تلو الأخرى، وبدأ جيش العرب يهدد العاصمة الفرنسية مما حدى بشارل مارتل على جمع جيش جرار لمواجهة العرب، فوقعت بينهم معارك عديدة استطاع من خلالها إرجاعهم الى الوراء بصورة نسبية، ومن أجل الحيلولة دون تقدمهم قام بتدمير منطقة واسعة وأبادها کاملا حتى صارت كالصحراء، وحول المدن الرئيسية والتي أنشأها وعشقها المسلمون الى أرض ترابية سوية حتى أن بعض المؤرخين الفرنسيين اعتبر هذا نوعا من أنواع الجنون في العصور البربرية وأبرزوا تأسفهم الشديد لتخريب الأماكن الصناعية والعلمية. وتزامن مع هذا حركة تمردية كبيرة في افريقيا وصلت شرارة نارها

الى أسپانیا، بالإضافة إلى كل ذلك قامت ثورة عصيانية أخرى من قبل عبد الملك بن قطن الحاكم المعزول في سنة 122 ه- وكانت نتیجته اعتقال عقبة وقتله على يد المتمردين.

11- حكومة عبد الملك بن قطن الثانية

أصبح عبد الملك حاكما لأسپانیا مرة أخرى بعد خمسة سنوات على فترته الأولى، ولكن سرعان ما قتل على يد (بلج بن بشير القسري) الذي فر من أفريقيا ودخل اسپانیا مع جيش من الشام وانضم الى المعارضين الموجودين في شبه الجزيرة، وقامت حرب بينه وبين عبد الملك أدت الى قتل الأخير، وفصل رأسه عن جسده و تعليق الجسد على خشبة الإعدام بصورة مخجلة، وبعد فترة قصيرة مات بلج أثر الجروح التي أصيب بها في حربه مع أولاد عبد الملك سنة 124 ه-.

12- حكومة ثعلبة بن سلالة العاملي

بعد موت بلح الشامي وتنصيب ثعلبة نشبت الحروب الداخلية مرة أخرى بين سكان اسپانيا المؤيدين لأبناء عبد الملك

وأهالي الشام المنضوين تحت لواء من نصبوه رئيسا عليهم والبرابرة الذين يدافعون عن منافعهم، وبالنتيجة عمت الفوضى جميع أسپانیا، وتجاوز الناس المخافر العسكرية وقادة الجيش وظلت المرافق الإسلامية خالية من المدافعين.

كان ثعلبة يتحيز الى الحميرية القحطانية وهذا ما دفع المضربين العدنانيين الى التمرد وإثارة الاضطرابات، يقال انه انتصر على ائتلاف المعارضين، ولما استعد جيشه لقتل ألف أسير ظهرت فجأة رايات الخلافة تبشر بقدوم الحاكم الجديد وبهذا لملم ثعلبة بساطه ونجي ألف نفر من القتل المؤكد.

13- حكومة أبو الخطار حسام بن ضرار الكلبي اليمني

نصب من قبل حاكم أفريقيا (حنظلة بن صفوان الكلبي) وبأمر من هشام بن عبد الملك في رجب لسنة 125 ه- ودخل قرطبة بعد خمسة أشهر من وفاة هشام، وبمجرد دخوله خلعت جميع أسلحة الفرق والمجاميع وانتهى بذلك القتال. كان حكمه ملائما في بدايته وتظاهر بعدم التطرف، ولكنه أبدى تحيزه التدريجي الى حميري اسپانیا وأهمل زعماء وكبار مضر، وهذا ما سبب الاضطراب والحرب الداخلية التي فاقت الحروب السابقة، انتصر على حمير في

حرب ضروس دامية قرب مدينة قرطبة وقتل أبو الخطار سنة

(129 ه)، صب (ثوابه) من قبل

ميل بن حاتم المضري بعد أن خلع أبو الخطار. أوقد بالمقابل عبد الرحمن بن حسان الكلبي القحطاني نار الفتنة وأطلق سراح أبو الخطار من السجن وجهز اليمانيين لقتال (ثوابة) وسار الى قرطبة. حرض رجل من مضر أصحاب أبو الخطار على التفرق والانسحاب (مع أن ثوابة يمني كذلك) وهذا ما دفع أبو الخطار الى الهروب الی (باجة) وعاد (ثوابه) إلى قرطبة وتوفي الأخير سنة 129 ه- بعد أن حكم سنتين وعدة أشهر.

وقع اختلاف كبير بعد ذلك حول تنصيب أمير الأندلس بین مضر وقحطان وظلت الأندلس أربعة أشهر بلا أمير. عین عبد الرحمن بن كثير اللخمي على الأمور القضائية، واختار صميل رجلا من قريش خوفا من نشوب الفتنة، ونال هذا القريشي رضي وموافقة الجميع في إمارته للبلاد، وصل عبد الرحمن الفهري (الحاكم القريشي الجديد) الى قرطبة سنة (129 ه-) وكان حكمه مشروطا باستقالته بعد سنة وتحويل الأمر إلى رجل يختاره اليمنيون، وبعد مضي سنة توفي ثوابه وعين يوسف بأمر أبو الخطار وكان لهذا التعيين الأثر في نشوب فتنة بين المضربين والقحطانيين أدت الى اعتزال يوسف في بيته، وطالب اليمنيون في تعين أميرا وفق ما

يرغبون، في هذا الأثناء هجم صميل بن شمر بن ذي الجوشن والقحطانيون على اليمنيين هجوما مباغتا أدى الى انكسار اليمنيين انکسارا قاسيا وقتل أثنائه أبو الخطار في ساحة القتال، وقيل أنه فر وعثر عليه صميل في آسيا وقتله، عاد يوسف الى قصر الإمارة وعلا شأن صميل، وقتل في حكومة يوسف عبد الرحمن بن علقمة اللخمي حاكم نارین بعد أن تمرد، البعض الآخر تمرد في باجة وأشبيلية والجزيرة الخضراء ولكنهم قمعوا بشدة وبسرعة ومن جملة المتمردين حباب بن رواحة بن عبد الله الزهري سنة 136 ه- الذي التف حوله جماعة من اليمنيين ثم حملوا على (سرقطة) التي كان صميل أميرها وحاصروه محاصرة شديدة مما دعاه الى طلب النجدة من يوسف أمير الأندلس، إلا أن يوسفا كان کارها لإمارة صميل وكان يتمنى هلاكه بالإضافة إلى القحط والغلاء الفاحش الذي عم البلاد كل ذلك كان سبب في عدم إرسال يوسف المعونة الى صميل، ومن طرف آخر قام عامر العبدري في نفس هذه السنة (136) مع حباب استجابة لدعوة بني العباس، أصبح حباب مالكا لسرسقطة ونصب صميل من قبل يوسف على طليطة، حدث قتال بين صميل وبين اصحاب سرسقطة السابقين وهم (عامر العبيدي و تمیم بن معبد الفهري) ولكن يوسف تدخل وأنهى الأمر بقتل الاثنين، استقرت بعد ذلك حكومة يوسف وقوت عزيمته ولا يستبعد

بأنه كان بإمكانه تحويل الإمارة الى خلافة وتأسيس سلسلة من الخلافات الإسلامية باسمه إلا أن نزول عبد الرحمن بن معاوية سنة 138 على ساحل اسپانیا سلب منه هذه الفرصة.

14- انتهاء الدولة الأموية وقيام الدولة العباسية

كانت الدول الأموية الإسلامية إمبراطورية إسلامية عظيمة بلغت فيها الفتوحات أوجها، حتى وصلت الى السند شرقا والمحيط الأطلسي وأسبانيا غربا، وكلها قائم و ثابت تحت الحكم المركزي والسلطة الإدارية ولكن ذلك لميستمر الى بداية القرن الهجري الثاني حتى ظهرت علامات التفكك والتحلل في جسد تلك الإمبراطورية المقتدرة بعد خلافة الوليد بن عبد الملك وأخيه سليمان (86-99 ه-) والأخ الآخر لهم هشام بن عبد الملك، فبعد انتهاء عصر هؤلاء الخلفاء دبت (حشرة الأرضة) تأكل بسرعة في هیکلها حتى تلاشت قوائمها وقامت الفتن والاضطرابات بعد ذلك بقليل في الأندلس مما ادى الى خروجها من خارطة الإمبراطورية ولم يبق من حكم خلافة دمشق إلا اسمها.

خرجت أفريقيا تدريجيا من قبضة الخلافة وثار رجال يطلبون استقلالها مما أدى إلى تجزئتها تماما، حدثت ثورات في

الولايات الشرقية البعيدة أيضا مثل خراسان وفارس، وأصبح ملك بني أمية على حافة بركان ثائر شرع باهتزازه، أعلنت الدعوات السرية التي كانت تعمل بالخفاء لنصف قرن تقریبا عن نفسها بعد ذلك نعم كل ذلك أدى الى انفجار البركان وسقوط الهيكل القوي.

كان لزوال وانحلال الدولة الأموية (تلك الدولة التي لم تطوي جميع مراحل كمالها ونموها) أسبابا خاصة تنشأ من وضع السياسة الدينية والمعنوية لها في الجزيرة العربية بالإضافة الى عوامل دخيلة أخرى مثل نجاح العناصر والقوى المخالفة والتي كان لها دورا أساسيا في بناء الامبراطورية الإسلامية.

استطاع بنو أمية خطف الخلافة من الآخرين بعد جدال طويل ومكر وخداع، خرجوا على أهل بيت النبوة الذين هم أصحابها الحقيقيين واستعملوا أساليب تنمعلى عدم الحياء والشرف في الاستيلاء على الخلافة.

عموما وكما ذكرنا سابقا بعد أن أصاب التحلل كيان الأمويين خرج أبو مسلم الخراساني تحت شعار (طلب الثار لدماء كربلاء) واستطاع بسرعة أن يبسط نفوذه على خراسان وباقي بلدان إيران ويرفع الراية السوداء للشيعة على تلك البقاع، وبعد طي المراحل التي أشرنا إليها في جزء (بحث النهضة الشيعية على طول التاريخ) ظهرت دعوة أبو العباس بن محمد بن علي المعروف بالسفاح وبعد

فتحه للشام سقطت آخر قلاع الدولة الأموية ووضع أسس الدولة العباسية على بقايا تلك الأشلاء المتراكمة والمتحطمة.

لا شك أن انهدام هذا القصر العملاق يعود الى الجهود والسعي الذي بذلته تلك الشخصية التاريخية الإيرانية العظيمة والتي تسمی بر (أبو مسلم الخراساني).

أبو مسلم هو أحد نوابغ التاريخ الذي فرزته صراعات الثورات القاسية وأدى الى وضع دولة عظيمة بسواعده القوية.

خلاصة القول أن الباعث الحقيقي للورح الثورية العظيمة في نفس هذا الإنسان هي الدعوة الشيعية وإمامة أهل البيت علیهم السلام.

بعد أن تربع بنو العباس على عرش الحكم سرعان ما استولت عليهم العصبيات القومية والعشائرية، فبدت في بداية الأمر تحفظاتهم من وجود أبو مسلم وبدأوا ينظرون إليه وكأنه منافس يخشون عواقبه، هذا من جانب، ومن جانب آخر ظنوا بأن الدعوة الشيعية له قد تتحول الى خطر يهددهم بالمستقبل ولهذا يجب إزالتهما معا من الطريق!

قتل أبو مسلم الخراساني في شهر شعبان سنة 137، وقتله أخو السفاح والخليفة من بعده المسمى بأبي جعفر المنصور وبدأ بملاحقة زعماء الشيعة وأبناء علي بن أبي طالب علیه السلام وقتلهم وإزالتهم

وتشتيت جمعهم وحرمت دعوتهم، وبهذا استولی بنو العباس على میراث بني أمية بالكامل.

15- بداية الدولة الأموية في الأندلس

تزامن مع الأحداث الواقعة في مشرق الدولة الإسلامية حوادث أخرى في الأندلس كان لها أثر كبير على مصير الإسلام في تلك الديار البعيدة.

ان شدت الفتن وكثرت الحروب الداخلية والمستمرة كانت من أهم الأحداث الواقعة هناك وهذا ما اشرنا اليه في الفصول السابقة، وساقت تلك المشاكل مسير الأندلس الى عواقب غير محمودة. الرياح التي كانت تهب آنذاك بدأت بخفض رونق وازدهار الإسلام في ديار المغرب من طرف ومن طرف آخر أعطت دعما وقوة لمسيحيي الشمال في السيطرة على أراضي المسلمين. ومع ذلك الوضع المضطرب والمتأزم كانت هناك مشكلة أخرى وهي عدم اعتراف الحكومة المركزية بولاية الرجل المعروف بعمق فکره وخبرته والمسمى (یوسف) والذي أعلن عن نفسه وليا للأندلس ولهذا لم تعتبر حكومته قانونية من قبل جميع المتنافسين والزعماء والمتمردين الذين ما انفكوا لحظة واحدة عن التآمر وإشعال نار

الفتنة، والأهم من كل ذلك أن مركز القدرة المعني بحل مشكلة الأندلس (أي حكومة دمشق) التي كانت تمر في مرحلة السقوط والانحطاط، تعرضت الى الانهيار المفاجيء وقامت دولة جديدة على خربة سابقتها.

لاحق بنو العباس الأمويين وفرقوهم تفريقا وقضوا عليهم ولم يبقوا منهم باقية تستطيع الظهور مستقبلا، واقتلعوهم كما يقلعون الشجرة من جذورها، ومن تقدير الزمان أن ينجو أحدهم ویکون کالبذرة تلقى في أرض أخرى لتنبت منها شجرة باسقة، فلم يستطع أحد من الخلاص إلا شاب من أحفاد هشام بن عبد الملك اسمه عبد الرحمن بن معاوية بن هشام كان يعيش آنذاك مع زوجته وأطفاله وأخوانه في قرية تسمى (دیرخنان) من توابع قنسرين، ولكن عندما ظهرت هناك الرايات السوداء فر منها الى فلسطين ومن ثم الى مصر ومنها الى (برقة) والتحق بعشيرة أمه أي أفراد قبيلة (بني نفر) ولما عرف والي أفريقيا بحضوره هناك حاول قتله لارتباط هذا الوالي مع الخلافة العباسية ففر مع أنصاره الی (مراکش) المغرب الأقصى. وكان يتفحص في طريقه عن أحوال الأندلس وكان ينتظر فرصة للوصول اليها عبر البحر. :

ولما اشتد الخلاف بين المضربين واليمنيين في الأندلس سنة 136 ه- أرسل غلامه الى غرناطة ودعى الموالين للأمويين ببيعته.

وبعد أن علا شأنه في الأندلس دخل إليها سنة 138 ه وشرع بطرح مخططه وإجراء نواياه ونظم الأمور التي يهدف إليها، انتشرت الدعوة الأموية في جميع جنوب الأندلس والتف حولها جمع من زعماء القبائل والجيوش المنفصلة. خاض عبد الرحمن حروبا داخلية من حين دخوله وبعد علو شأنه بادر الوالي السابق للأندلس بمواجهة هذه البقية من الحكام الأمويين. حاول عبد الرحمن استثمار كل فرصة تسنح له بصورة كاملة وكان يبارز مخالفيه فرادی في ميدان القتال ولوحده وينتصر عليهم ويطفيء نار فتنتهم، وبدأت قوته واقتداره بالازدياد بعد كل انتصار وأصبح يسوق أعداءه الى اليأس حتى يقضي عليهم بالكامل.

اشتهر عبد الرحمن ب-(الداخل) بسبب دخوله الاستثنائي الى الأندلس،واشتغلت حكومته 32 سنة وخمسة أشهر بالحروب الداخلية ومن جملة هذه الحروب؛ حربه مع هشام بن غدرة الفهري الذي خرج من طليطلة ودعا الناس إليه إلا أن هشام تمكن من قتله بواسطة ابنه (افلح) وتشتيت جیشه. وكذلك حربه مع العلاء بن مغیث الذي أعلن دعوته باسم المنصور العباسي، وقيل أن عبد الرحمن الداخل انتصر وقتل العلاء وأرسل رأسه ملفوفا براية سوداء ووضعه داخل سلة الى مكة ليراه المنصور في أيام الحج، فلما رآه المنصور جزع من هذا المنظر وقال: «إن عبد الرحمن شیطان

بعينه، الحمد لله على وجود البحر بيننا وبينه» و من الحروب الداخلية أيضا حرب عبد الرحمن مع (شقناي البربري) الذي يدعى بأنه من نسب أهل البيت وقام ضد الحكومة الأموية في الأندلس، وحفاظا على تسلسل مواضيع الكتاب سنتناول هذا الموضوع مع الثورات القائمة تحت اسم التشيع في الأندلس بصورة كاملة أو نتطرق الى محوره الأصلي في جزء مستقل مقترن بالبحث الدقيق والتوضيحات اللازمة، لهذا سنستمر هنا بالمرور على تاريخ المسلمين في الأندلس.

أمضی عبد الرحمن فترته البالغة ثلاثة وثلاثين سنة تقريبا في الصراع والحرب، كان شابا مشردا ووحيدا بلا معين ولا ناصر يطمح الى حكم أرض محاطة بآلاف من الجيش والقادة ويتمنى الوصول الى دولة تأصلت بها جذور الحرب ولم ينقطع منها نزف الدم ووضعت أركانها على بركان التمرد والمؤامرة والعداء للدولة وللحكومة. ان هذه قصة عبد الرحمن الداخل، قصة عجيبة ليست من سن القصص التاريخية العادية، كان عبد الرحمن رجل حادثة وواقعة، کحوادث شبه الجزيرة الأسپانية ومكانتها الخاصة،تلك الأرض التي تقطعت بها جذور الاتحاد وتباعدت فيما بينها، ولكن عبد الرحمن استطاع أن يخلق وحدة الكلمة بحنكته وقيادته المتينة وأن يصنع اسپانيا القائمة على الصلح والأمان.

توفي عبد الرحمن الأموي في اليوم الرابع والعشرين لسنة 172 ه- عن عمر يناهز الثامنة والخمسين سنة.

16- حكومة هشام بن عبد الرحمن الأموي

ورث الحكم عن أبيه بعد أن كان وليا للعهد في زمانه. ولم يكن أكبر أولاده، لأن سليمان كان أكبرهم وهو لازال يحكم طليطلة. لم تنحصر ولاية العهد في أبناء الأمير أو عشيرته، وإن ما يحصل خلاف ذلك كان ناتجا من تدخل السنن السياسية والعصبيات العشائرية. اختار الحكام الأمويون الأسلوب الأخير ولهذا طغى الحكم الملكي الوراثي على الدول الإسلامية ولهذا كان من الطبيعي أن يسعى عبد الرحمن الداخل الى إحياء السنة الأموية في تشكيل عائلة مالكة تتعاقب على عرش السلطنة من خلال انتصاره في المشرق وإعادة بناء الميراث المتحطم.

انتخب عبد الرحمن ابنه هشام من بين أبنائه الأحد عشر الباقين لأنه صاحب مواهب ومزايا أوجبت هذا الاختيار.

لم يسلم هشام في حكومته من الاضطرابات. تمرد عليه اثنان من اخوته (سليمان وعبد الاله) سنة 172 ه- وأدى ذلك إلى الاصطدام، وشن هجوما عليهما وحاصر طليطلة وكانت النتيجة

صلحا مع عبد الاله وانضمامه إليه وخروج سليمان من الأندلس الى ممالك البربر.

علاوة على الحروب الداخلية المستمرة كانت هناك حروب خارجية قائمة مع المسيحيين أيضا، ووقعت حروب عديدة في فترة حکومته معهم وحدثت فتوحات وانتصارات وحصل على غنائم كثيرة.

بلغت عزة المسلمين في زمان هشام الى الحد الذي يوصي به رجل بتحرير أسير مسلم بامواله وتركته، ولكن لم يوجد أي أسير منهم لدى المسيحيين لهذا لم يعمل بوصيته. سعی هشام الى جعل المذهب المالكي هو المذهب الرسمي للبلاد وبذلك حصل على دعم لا حدود له من مالك بن أنس إمام المذهب.

استلم هشام الحكم سنة 172 ه- و توفي سنة 180 ه-.

17- حكومة الحكم بن هشام بن عبد الرحمن

استلم الحكم الأمر حسب وصية أبيه، وكان رجلا عاقلا وشجاعا وذا طبع شعري وهو أول من اعتني بالتجملات والشوكة والجلال الملكي من بين خلفاء الأندلس. لم يركن الى الراحة بسبب النزاعات الداخلية المستمرة والفوضى والاضطراب ولكنه كان في

نفس الوقت يميل الى اللهو والأنس والطرب والمصاحبات الشعرية والعزف والغناء ويرغب كذلك في مجالسة الحكماء والفقهاء، حدد من قدرات الفقهاء التي استطالت في عصر أبيه وحال دون تدخلهم في السياسة وهذا ما سبب له صدور التهديدات منهم، رفع عماه (عبد الاله وسلیمان) اللذان تمردا على أبيه وعفى عنهما بعد ذلك راية التمرد مرة أخرى في زمنه، أزال عمه سليمان من طريقه ودخل الى عمه الآخر عن طريق الصداقة إلا أن انشغاله مع هؤلاء أدى الى نفوذ المسيحيين الى ممالك المسلمين مما أدى الى خروج (برشلونة) من المسلمين.

استعمل مجموعة من العبيد الخاصين بعنوان قوات أمن خاصة وهذا ما ساعده على ترتيب النظام الإداري، بلغ عدد هذه المجموعة حوالي 5000 نفر كلهم من جنس (الصقالبة) (اسلاو).

استلم الحكم سنة 180 ه- ومات سنة 206 عن عمر يناهز 52 سنة.

18- حكومة عبد الرحمن بن الحكم

وصل الى الإمارة بعد موت الحكم، وكانت فترته مليئة بالصلح والهدوء وكان رجلا محبا للمعرفة والعلم والفن، ذكر أن عم

أبيه (عبد الله) ثار ضده سنة 207 ه- إلا أن أجله لم يمهله وقتا ومات سنة 208 ه- في (بلسنيه) (والنسيا) وبهذا خمدت الفتنة التي استمرت مع ثلاثة خلفاء والى الأبد. حدثت في هذه السنة فتنة كبيرة بين المصريين والقحطانيين ووقعت على أثرها حرب شرسة في مدينة (الورقه) استمرت سبعة سنين وراح ضحيتها ثلاثة آلاف. حدث أمر جديد في عهده لم يكن له سابقة في الأندلس ولم يتوقعه يوما ما وهذه الحادثة الخطرة هي الحروب البحرية (لنورمان).

عرفت الأندلس بنعمتها الوافرة وثروتها وغناها، وهذا ما سال له لعاب نورمان المغامر. رست ثمانون قطعة بحرية أواخر سنة 221 ه- وكانت تشكل أحد الأساطيل الحربية لنورمان على سواحل الأندلس ووقعت عدة حروب بينهم وبين المسلمين، ثم انتقلوا إلى جنوب الأندلس وغاروا على قلبها وارتكبوا جرائم قتل كثيرة جدا بعد هزيمة نورمان وانسحابه من مياه الأندلس أصدرت الحكومة الأندلسية أوامرها بالاهتمام بالأساطيل الحربية والاستحکامات البحرية ونقذ هذا الأمر بسرعة قياسية. قام المسيحيون المتعصبون في أواخر حکومته بتمرد كبير مع أنهم كانوا أحرارا في ممارسة طقوسهم الدينية ويتمتعون بجميع حقوقهم الاجتماعية، كان للقساوسة دور مهم في هذا العصيان وتأجيج نار هذه الفتنة حتى بلغ بهم الأمر الى التجاوز والی قول السيء بحق المقام النبوي المقدس

(محمد صلی الله علیه و اله) وظلت هذه الفتنة قائمة حتى آخر عمر عبد الرحمن.

استلم عبد الرحمن الحكم سنة 206 ه- وتوفي سنة 238 ه- واستمر حكمه حوالي 32 سنة.

19- حكومة محمد بن عبد الرحمن

وصل الى الحكم سنة 238 ه- بعد موت أبيه، أوكل الأعمال المهمة الى هشام بن عبد العزيز الذي كان رجلا معاندا ومغرورا وأدت صفاته الذميمة الى ظهور العصيان والتمرد الذي شغل أغلب وقته. وكان كأجداده الخلفاء مشغولا دائما وفي تمام فترته مع الحروب المسيحية والاضطرابات.

ظهر مرة أخرى نورمان سنة 245 ه- على السواحل الأسپانية وتقدم حتى الجزيرة الخضراء وارتكب جنايات كثيرة جدا، إلا أن محمد بن عبد الرحمن وقوته البحرية استطاعت حماية المنطقة ودفع هجماتهم. توفي سنة 273 ه- أي بعد أن ظل 35 سنة في الحكم عن عمر يناهز 67 سنة.

20- حكومة منذر بن محمد

استلم الى الحكم بعد موت أبيه سنة 273 ه- واستولى على

عرش أبيه وتاجه ، وكان رجلا فقالا وخبيرا و متفکرا و مقتدرا، ذکر أنه لو ظل حيا لاستطاع القضاء على جميع الاضطرابات. باشر على الفور بأعماله المهمة ونزل الى ميدان القتال لمواجهة المتمردين حاصر قلعة عمر بن حفصون الذي تمرد في زمن أبيه، وضيق عليه الخناق وأجبره على الاستسلام والطاعة، إلا أنه خان عهده بعد فترة قصيرة وشرع منذر بحربه مرة أخرى، إلا أنه قتل في ساحة القتال سنة 275 ه-

21- حكومة عبدالإله بن محمد

استلم أخوه الحكم الذي دام 25 سنة ، ملئت فترته بالفتن والاضطرابات الشديدة وقد تورط بموضوع حساس وخطر أدى الى طغيان سكان الجبال الأسپانيين وكذلك أشراف العرب، وادعى كل منهم بالحكومة والاستقلال.

اشتعلت نيران التمرد والعصيان والفوضى من كل جانب وتوفي سنة 300 ه-

22- حكومة عبد الرحمن بن محمد بن عبد الإله بن محمد

سيطر هذا على زمام الأمور في نفس اليوم الذي توفي به عبد

الإله بن محمد وكان عمره ثلاثة وعشرين سنة. وأصبح كذلك بعد أن انتخبه عمومته وعمومة أبيه، وكان أول خليفة أندلسي يلقب بأمير المؤمنين. كان يتميز بعظمته وجلاله الخاص.

بلغ عدد سكان عاصمته (قرطبة) خمسمائة ألف نفر، وفيها سبعمائة مسجد وثلثمائة حمام عمومي وسبعة أبواب وسبعون مكتبة عمومية، وكانت قابلة للمقارنة من حيث الجلال والعظمة مع بغداد والقسطنطينية. بعد أن بلغ مقام خلافة أوجه استعمل أسلوبا شفافا وواضحا وممزوجا مع الجسارة والاندفاع للوقوف أمام المتمردين والطغاة، واجتنب السياسة الازدواجية.

سيطرت حكومته من خلال حروبه المتمادية على الشرق والغرب وأصبح من خلال تلك الفتوحات الملك بلا منازع للأندلس، وفي نفس الوقت كان لا يشعر بالاطمئنان الكامل من جانبه، وابتدأ بخلافته من أقوام وعشائر المسيح الساكنين لشمال الأندلس ومن الخلفاء الفاطميين لأفريقيا والساكنين في مصر من سنة 297 ه-.

حول قسم من أعماله المهمة الى بعض المماليك والغلمان من غير العرب (الألمان، انگلیس، إطاليا، والدول الاسكندنافية وغيرها)، اختار الدين الإسلامي واللغة العربية والأدب والثقافة والتقاليد العربية.

كانت حماية ومساعدة الخليفة لهؤلاء الغلمان قائمة على

اعتماده الفائق على أشراف العرب. وبالإضافة إلى نشر الزراعة قام بترقية التجارة والعلوم والفنون.

وأصبح أهالي الكثير من المدن أغنياء عن طريق الصناعة مثل (قرطبة، أشبيلية، والمرية) وبلغ الرقي التجاري الى حد وصلت معه العوائد الجمرگية فقط الى اثني عشر مليون دينار كان ثلثها يصرف لشراء ذخائر التسليح العسكري، والثلث الآخر يصرف الأمور عامة المنفعة والتوسع التجارية و ترقي العلم والفن وتشجيع العلماء والطلبة، والثلث الباقي يحول الى خزينة الدولة. أصبحت أسس الجيش في زمانه محكمة جدا، كانت قوته البحرية الواسعة تسمح له بالسيطرة على المملكة الفاطمية بمصر والتفوق في البحر المتوسط والسيطرة عليه.

أصبح الجيش كما يذكر المؤرخون أفضل جيش في العالم، وكان ملوك أوربا يطمحون آنذاك لعقد اتفاق مع عبد الرحمن. حضر الى قصره سفراء الإمبراطورية القسطنطينية وسلاطين الألمان وفرنسا وإيطاليا. توفي عبد الرحمن في شهر رمضان لسنة 350 ه- عن عمر يناهز 73 سنة بعد أن حكم نصف قرن.

23- حكومة الحكم بن عبد الرحمن

أصبح خليفة بعد موت أبيه وواجه منذ بدايته تمردا مسيحيا

في الحدود الشمالية لأسپانيا. أرسل جيشا الى موريتانيا ليمنع توسع الفتوحات الفاطمية. آمن بدعوته البرابرة (الزناتية) وذكروا اسمه على المنابر وحالوا دون الدعوة الفاطمية.

روج أنواع العلوم والفنون، وأكرم العلماء والفضلاء، كانت له رغبة شديدة في جمع الكتب بحيث كان يذكر أن فهرست کتب مكتبته فقط بلغ 44 مجلدا، وكان في كل جلد 20 صفحة فقط تشتمل على أسماء الدوواین التخصصية.

حول الأندلس الى سوق عظیم جذاب يتدفق إليها العلم والأدب من كل ناحية. أرسل السفراء الى جميع أطراف العالم ليشتروا له الكتب ويجمعوها، لهذا صنع مكتبة لا مثيل لها فيها أربعمائة ألف جلد کتاب. توفي سنة 366 في قصر قرطبة.

24- مدينة قرطبة في زمن عبد الرحمن والحكم

تقع قرطبة في هضبة خصبة ووسيعة بين سفوح جبال (سیرامورونا) على ساحل الوادي الكبير. استطاع عبد الرحمن الأول (الداخل) تأمين ماء شربها من الجبال المجاورة لها. ونحي نحو ذلك جميع من جاء بعده وقاموا بنقله عن طريق، قنوات رصاصية الى المدينة ومن ثم يوزع عبر شبكة أنابيب منظمة بين

محلات المدينة، وبنيت مخازن المياه من المرمر اليوناني وورق النحاس وفي بعض العمارات استعمل الذهب والفضة لهذا الغرض، أما عبد الرحمن الثالث أسس شبكة مياه جديدة تنقل الماء من الجبال المجاورة الى مخازن المدينة. وضع في وسط مخزن المدينة الكبير تمثالا لأسد مغطى بورق الذهب يتدفق الماء من فمه، والی جانبه تمثال الإنسان (غول) عظیم الجثة يصب الماء فوق ذلك الأسد.

أما الماء الفائض عن حاجة المدينة يصب في النهر، بنی عبد الرحمن الأول غابة تعرف (بالرصافة) في مدينة قرطبة وزرع فيها جميع أنواع النباتات النادرة والتي جاء بها من نقاط بعيدة من العالم. يتوسط الغابة قصر عملاق يشرف على المدينة. قيل في عظمة قرطبة: يمكن السير عشرة أميال على ضيائها المنبعثة من الأسراج المنصوبة على امتداد القصور العظيمة والعمارات العملاقة، وقيل كذلك يبلغ أحد أبعادها 24 ميلا والآخر 6 میل وقد امتلأ تمام هذا الفضاء الواقع على ساحل الوادي الكبير بالبيوت والقصور والمساجد والبساتين.

فتح مدينة قرطبة (مغیث الرومي) في سنة 68 ه- ودخلها عبد الرحمن الداخلسنة 139 ه- وصل عدد سكانها إلى مليونين وفيها سبعمائة حمام وسبعون ألف دکان. أعظم قصورها (الزهراء) يقع

على بعد خمسة أميال من المدينة فيه 4300 عمود و 15000 غرفة. أول باب من أبواب قرطبة السبعة يطلق عليه باب القنطرة ويسمى كذلك باب الوادي وباب الجزيرة الخضراء!!

25- حكم هشام بن الحكم

استلم الحكم وهو ابن أحد عشر سنة على ضوء وصية الحكم وطبق العهود التي أخذها أبوه من قادة وضباط البلاد والجيش. كانت أمه أمة اسمها (صبح) وهي بمثابة الأمل الكبير للحكم في حكومة ابنه وذلك لعلمها المتقن في إدارة الأمور.

كان وزير الحكم رجل اسمه أبو عامر محمد بن عبد الإله بن أبي عامر وهو من الجزيرة الخضراء في أصله فسافر في فترته الى قرطبة طلبا للعلم والأدب والحديث واستطاع أن يتقدم في ذلك، أعطى هذا الوزير العهود لأم هشام في بداية خلافة ابنها بأنه سيعمل على تهدئة البلاد ما دام حيا وبالفعل قام بإدارة البلاد وبکمال قدرته وحسن تدبيره، ولقب بالمنصور. بعد أن قضى على المتمردين قام بتحكيم أسس الحكومة، وقد بلغ الأمر الى أن الجميع يتناولونه بحديثهم ويشيرون إلى اسمه في كل مكان ووضع الخليفة هشام في بوتقة النسيان لأنه ابتعد عن أنظار الناس كليا.

بلغت حملات المنصور بن عامر اثنتان وخمسين حملة

عسكرية انتصر في جميعها، وبنى المنصور عدة جسور ومساجد وخط القرآن بنفسه وكان يصاحبه دائما.

كان يجمع الغبار المتجمع عليه في حروبه وفي أي فرصة تسمح له، وكتب في وصيته أن يخلط هذا الغبار مع ماء غسله، توفي سنة 393 ه-

أصبح بعد المنصور ابنه في منصب الوزارة وهو حاجب متعهد لقب بالمظفر، استطاع أن يحافظ على هدوء الوزارة لمدة سبعة سنوات وتوفي المظفر في سنة 399 ه- خلفه أخوه عبد الرحمن بن المنصور وكانت أمه ابنة أحد الملوك المسيحيين ولقب بالناصر الدين الله. أجبره هشام على ولاية الهد، وكتب هشام موثقا ذكر فيه (أبو المطرف عبد الرحمن بن المنصور) عندما كان عبد الرحمن مشغولا بعمله في أحد نواحي الأندلس وقع تمرد في قرطبة ولع هشام من الخلافة وحصلت البيعة لمحمد بن هشام بن عبد الجبار بن عبد الرحمن ولقبوه بالمهدي وتنحى هشام جانبا الى صالح المهدي وكتب استقالته وأمضى تحتها.

26- حكومة محمد بن هشام المهدي

عزل هذا في بداية خلافته (سنة 399) عبد الرحمن العامري الذي عاد الى قرطبة بعد سماعه ذلك إلا أنه قتل على الفور وبعث

جيشا على رأسه محمد بن هشام الى الخليفة وبهذا انتهت دولة بني عامر من صفحة الأيام.

ومن عجائب حوادث الأيام أنه خلال 24 ساعة (أي من منتصف يوم الثلاثاء 26 جمادى الآخر الى منتصف يوم الأربعاء 27 جمادى الآخر) فتحت مدينة قرطبة وانهدم قصر الزهراء وسقط الخليفة هشام وتنصب الخليفة المهدي، وزالت الدولة العظيمة لبني عامر من ذاكرة التاريخ والى الأبد، وقتل وزيرها، وأقيل عدد من الوزراء وجاء إليها عدد آخر.

ذكر في كتاب المعجب في تلخيص أخبار العرب أنه لما جاء عبد الرحمن المراكشي فعل جميع الأمور السابقة بواسطة نفرین يبيعان الفحم و آخر زبال ورابع قصاب !!!

لما شاهدوا رؤساء البربر وزناته (وهم من أنصار المهدي) الأعمال التي صدرت منه يأسوا وأعلنوا على الفور مبايعتهم لهشام بن سليمان. إلا أن المهدي (محمد بن هشام) لم يعطهم مجال وحرض المدينة عليهم حتى أخرجهم منها. وألقي الناس القبض على هشام وأخيه أبي بكر وضربوا عنقيهما أمام محمد.التحق سليمان بن الحكم (ابن أخ المقتولين) على الفور الى جيوش البربر المتواجدين خارج قرطبة وكانوا قد شكلوا جيشا عظيما وبايعوه ولقب بالمستعين بالله وجلس على عرش الخلافة.

27- حكومة سليمان بن الحكم بن سليمان بن عبد الرحمن الثالث

بعد أن تربع على عرش الخلافة استعان بمسيحيين (قشتاله وليون) وسار الى قرطبة مع البربر. واستنجد محمد بن هشام أو المهدي بأهالي (كاتالو) وسارع أهالي قرطبة كذلك لنجدته، فلما نشبت نيران الحرب بين الخليفتين، انكسر محمد بن هشام وقتل أكثر من عشرين ألفا. دخل المستعين أواخر سنة 400 ه- الى قرطبة وذهب المهدي الى طليطلة.

28- حكومة محمد بن هشام (المهدي) الثانية

بعد أن ذهب الى طليطلة استنجد مرة أخرى بالمسيحيين وحمل على قرطبة وسيطر عليها، غادر منها المستعين والبربر وأقدم جيش المهدي على القتل والنهب ثم توجهوا الى الجزيرة الخضراء، إلا أن المهدي خسر الحرب التي وقعت مع المستعين في تلك النواحي ولاحقه المستعين الى قرطبة.

29- حكومة هشام بن الحكم الثانية

نصب المهدي سنة (400ه-) هشام (الذي خلعه سابقا وجلس

محله) وذلك للمرة الثانية لغرض امتصاص النقمة الموجودة إلا أن الوقت كان متأخرا جدا لأن المستعين والبربر حاصروا قرطبة. قتل أهالي قرطبة محمد بن هشام (المهدي) لأنهم يعتقدون بأنه سبب جميع الفتن وانتخبوا (واضح العامري) (وهو من أقطاب هذه الحركة) بعنوان حاجب استمرت محاصرة قرطبة وظلت معاناة الناس الى سنة 403 ه- وأخيرا دخل المستعين في هذه السنة الى قرطبة وقتل هشام واستولى على الخلافة.

30- حكومة المستعين الثانية

أصبح الأمر في هذه الحكومة بيد الغلمان والبرابرة، وتسلط كل منهم على إحدى النواحي وكان ذلك مقدمة لملوك الطوائف وبداية نهاية الحكومة المركزية.

31- حكومة بني حمود (العلويين) في قرطبة

اشتمل جيش المستعين على نفرين من أولاد الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب علیه السلام وهما (قاسم وعلي) من أبناء حمود، ويعتبر هذان المؤسسان لحكومة دولة بني حمود وهذا ما سيأتي تفصيله في فصل الحكومات الشيعية في الأندلس، ولكن ما يجدر

الإشارة اليه أنه استطاع عدد من بني أمية الاستيلاء على القدرة خلال فترة هذه الحكومة وفي أماكن محدودة وفي مقطع زماني خاص ولكن سرعان ما هزموا .

نذكر هنا وبصورة مختصرة جدا الوقائع التاريخية للمسلمين في الأندلس

استولى علي بن حمود على الخلافة بعد قتله المستعين سنة 407 ه-. سیطر بعد ذلك على الخلافة عبد الرحمن بن محمد بن عبد الملك بن عبد الرحمن الملقب بالمرتضى على أثر انقلاب إلا أنه قتل على أيدي أنصار علي بن حمود. تسلق بعد علي بن حمود، الخليفة قاسم بن حمود الملقب بالمأمون، وهرب هذا بعد معركة حدثت مع ابن أخيه یحیی بن علي في سنة 412 ه- وأعلن يحيى الخلافة لنفسه .

عاد قاسم ثانية لها بدعم البربر في سنة 423 ه- وفي نفس الفترة وقع أسيرا في قيود یحیی بن علي الذي استولى على الخلافة بعد مقتل علي بن حمود. خلع المتعلي على أثر انقلاب وقع ثانية من بني أمية (هشام ابن محمد بن عبد الملك بن عبد الرحمن)، وأصبح خليفة حتى سنة 422 ه- ثم خلع الأخير كذلك.

ولم يبق بعد ذلك أي أثر لبني أمية وانقرضت سلطتهم بالكامل. حكم أمراء بني حمود في الأندلس ونواحيها المختلفة حتى سنة 450 ه- ثم انتهت حكومتهم بواسطة بني عباد.

32- بداية ممالك الطوائف في الأندلس

حكم الأندلس بعد انقراض الدول الأموية في الأندلس سنة 422 وحتى سنة 897 ملوك الطوائف. وهكذا أصبح المجال مفتوحا بسبب العصيان والثورات السياسية الواقعة في العاصمة أمام أمراء الجيش وزعماء وعمال الدولة وأمراء المحافظات والأقضية أن يعلنوا استقلالهم ابتداء من سنة 400 ه- (وهي بداية الاضطرابات) التدريجي وحتى سنة 422 ه- حيث وقعت قرطبة في قبضة بني جهور وزاد احتمال تفكك أسپانیا اعتبارا من هذا التاريخ.

نذكر هنا فهرسا کاملا لهذه الحكومات (للحيلولة دون إطالة الكلام) وسنبحث كل ما تعلق ببحث الكتاب بصورة مستقلة.

33- ملوك الطوائف وممالكهم في الدورة الأولى

1- بني حمود في مالقة (407 - 499 ه-).

2- بني حمود في الجزيرة الخضراء (431 - 450) وانقرضت على يد بني عباد وسنشير اليهما في فصل الحكومات الشيعية في الأندلس.

3- بنی عباد في أشبيلية (414 - 484 ه-) وزالت هذه المملكة بواسطةالمرابطين .

بنی زیرى في غراناطة (403 - 484 ه-) وانقرضت على يد المرابطين.

5 - بني جهور في قرطبة (422 - 461ه-).

6- بني ذي النون في طليطلة (427 - 478 ه-) وسقطت على يد ( آلفونوي السادس ملك ليون).

7- بني عامر في بلنسية (412- 478) وسقطت على يد المرابطين. .

8- بني تجيب وبني هود في سرقطة (410- 53) وسقطت على يد المسيحيين.

9- أمراء دانية (408 - 468 ه-) وسقطت بواسطة بني هود.

10- بني برزال في قرمونة حتى سنة 434ه-

11 - أمراء رنده (405 - 265) وفيها انضمت رنده الى أشبيلية.

12 - أمراء مورون (404 - 445) وانضمت هي الأخرى الى أشبيلية. .

13 - أمراء ارکس حتى سنة 445 وانضمت كذلك إلى أشبيلية.

14 - بکریون في ولبة وشلطيش حتى سنة 443 ولحقت الى أشبيلية.

10 - بني يحيى في لبله (414-443) وانضمت الى أشبيلية.

16 - بني مرين في لب (419- 444) ولحقت الى أشبيلية وفتحت سنة 482 ه- على يد المسيحيين وخرجت من سلطة المسلمين.

17 - أمراء شنت مرية (407 - 444) ولحقت الى أشبيلية.

18 - أمراء مارتلة حتى سنة 364 ولحقت الى أشبيلية.

19 - أمراء بني رزين في سهلة (402 - 503 ه-) وغلبهم المرابطون

20- بني قاسم في الفنت (427 - 485) وسقطت على يد المرابطين.

21- بني أفطس من برابرة مكناسة في بطليوس (413 - 478) وسقطت على يد المرابطين.

22 - بني صحادح في المرية (449 - 480 ه-) وفتحت على يد المرابطين.

23 - أمراء مرسيه (607 - 483) وغلبت على يد المرابطين.

26 - أمراء لاءده (438) انفصلت عن دول سرقسطه.

25 - أمراء طرطوشه من سنة 433ه-

26- أمراء میورقه (413 - 520 ه-).

27 - المرابطون: يجدر بنا أن نقف قليلا في هذا المورد لنوضح المرابطين باختصار ونشرح دولتهم التي امتدت في النصف الثاني للقرن الخامس الهجري الى جميع المغرب ابتداء من ليبيا وحتى المحيط الأطلسي ومن الجنوب الى السودان.

المرابطون من قبيلة (لمتونة) وهي إحدى فروع (صنهاجة) التي هي أكبر قبائل البربر. كانت قبيلة لمتونه تسكن قلب الصحراء بين سكان الجنوب السود للمغرب والتي تعرف بموريتانيا: وكانوا يعيشون حياة متوحشة بسبب ابتعادهم عن المدن والألفة وتطبعهم على الوحدة وكان يحكمهم قانون الغاب، طعامهم اللحم والحليب ولا يوجد أثر للزراعة عندهم، ولا يعرفون معنى الفواكه ولا الخبز وكان يطلق عليهم (بالملثمين) وذلك للف أفواههم بعمائمهم.

أسلموا بعد فتح الأندلس، ذهب يحیی بن إبراهيم الجدالي شاكيا من جهل قومه عند بعض الفقهاء سنة 427 ه- أثناء سفره الى الحج، فوقع الاختيار على فقيه اسمه عبد الاله بن ياسين لإرشاد و تعلیم و تعلم أولئك القوم. قام عبد الإله مكانا لعبادتهم وصلاتهم في إحدى صحاري جنوب المغرب ويطلق على هذا المكان اسم (رباط)، اشتهر هؤلاء القوم تدريجيا وانضم إليهم الكثير من أشراف (صنهاجة) والذين كانوا ميالون الى الزهد والعبادة، وهكذا استمر عبد الإله في وعظهم وتعليمهم ومن هنا جاء اسم (المرابطون).

تزعم القوم بعد وفاة (عبد الإله بن ياسين) (أبو بكر اللتموني)، وقع اختلاف قومي حاد جدا بين المتونيين في سنة 452ه- وتزعم أبو بكر (ابن عم یوسف بن تاشفين) وكانت له مراتب دينية عالية وفضل وشجاعة و تفكر وله قابلية على القضاء وكان يتمتع بثبات الرأي، وقد أعطى قيادة الجيش وزعامة قسم من القوم الى البعض. فتح يوسف دولة المغرب سنة 453 ه- ووصل تعداد جيشه الى اربعين ألفا، وضع يوسف بن تاشفين بناء مراكش في سنة 454 هه وبعد أن أكمل فتح المغرب توجه الى فتح تونس سنة 474 ه واستطاع السيطرة بعد ذلك على ما تبقى من الحدود والسواحل المغربية. وهكذا ظهرتدولة المرابطين العظيمة، كانت هذه الدولة نتاجا لنبوغ رجل مقتدر اسمه يوسف بن تاشفين، ومؤسسها الفقيه المتعصب عبد الإله بن ياسين ومن بعده أبو بكر اللمتوني ويوسف حتى تحولت من دولة محلية الى بلاد عظيمة.

المرحلة الأساسية لحياة المرابطين في عهد قيادة يوسف بن تاشفين وتدخله في شبه الجزيرة الأسپانية والتي شرعت بهدف الجهاد في سبيل الله، إلا أنها أدت الى فتوحات جديدة من فتوحات المرابطين.

جاءت مجموعة من رجال الأندلس سنة 474 ه- الى يوسف بن تاشفين وشكوا تجاوزات وجنايات المسيحيين وطلبوا منه التدخل لنصرتهم فوعدهم يوسف بذلك.

سقطت طليطلة بعد ذلك على يد المسيحيين سنة 478 ه- وكان هذا إنذارا قاسيا جدا. وبعد ذلك شعروا بالحاجة الماسة الى وجود المرابطين لأن الأمر تحول الى مسألة حياة أو موت . كانت الدعوات تقتصر قبل هذا الوقت على الرسائل الخصوصية أما الآن فتحولت الى إرادة عامة شملت جميع الأندلس وشارك فيها جميع الأمراء والفقهاء.

نزل تاشفين الى الجزيرة الخضراء في سنة 479 ه- وأحاط بها جيشه الجرار من كل جانب. بعد أن وطأة قدماه أرض الأندلس سجد شاكر لله، بعد ذلك شرع بتحكيم المدينة ثم تقدم بجيشه العظيم الى أشبيلية وبدأ حروبه وفتوحاته من الأندلس، وقاد حروبا عديدة مع المسيحيين مثل معركة (زلاقة).

في بداية سنة 483 ه-. وبعد ذهابه وإيابه المكرر الى الأندلس والمغرب ذهب للمرة الثالثة إليها ولكن ليس بدعوة من أحد وإنما فاتحا لها، يبدو أن قرار احتلال الأندلس طرأ على تفكيره بصورة مفاجئة، ولكن بعد مشورة زعماءالمملكة وفقهائها حصل على فتوى فقهاء المغرب والأندلس تقول بوجوب خلع ملوك الطوائف وأخذ زمام الأمور من أياديهم، وقد أفتى بذلك بعض فقهاء المشرق أيضا وعلى رأسهم الإمام محمد الغزالي وأبو بكر الطرطوشي.

وبعد أن دخل إليها بدأ بمصادرة الممالك من ملوكها كما هو

مبين في فهرست الأمراء والملوك في الصفحات السابقة واحدة تلو الأخرى.

بزغت في أواخر سنة 514ه- أول علامة لظهور أحد الحركات الدينية في مراكش بزعامة محمد بن تومرت ضد المرابطين.

أسس محمد بن تومرت دولة مقتدرة في اقصر فترة زمانية سمیت بدولة الموحدين وبعد أن هلك سنة 543 ه- آخر وال للمرابطين (یحیی بن غاينة) في الأندلس انتهت كذلك دولة المرابطين العظيمة. بدأ بعد ذلك عصر الموحدين وكان عصرا عظيما، وتعتبر هذه من أقوى الدول الشيعية في الأندلس، وكما ذكرنا سابقا سنفصل هذا الموضوع في فصل الدول الشيعية في الأندلس، من الجدير ذكره هنا أن كل ما شاع حول الجزيرة الخضراء على السنة الناس نابع تماما من فترة حكومة بني حمود والموحدين وسنعود ثانية لبحث كل منها في مكانها.

بدأت دورة أخرى لملوك الطوائف في الفاصلة الواقعة بين انقراض المرابطين واستيلاء الموحدين للأندلس يمكن إيجازها بما یلی:

28- أمراء بلنسيه من سنة 539 ه-.

29- أمراء قرطبة من سنة 538 ه-.

30- أمراء مرسية حتى سنة 566 ه- .

31- أمراء مارتلة وبطليوس وباجة من سنة 539 إلى سنة546ه-

32- بني غانية وكانوا أمراء میورقه من سنة (525 - 627) وفتحت على يد ملك آراگون

33- الموحدین بدأت سنة 517 بحروبها مع المرابطين وانتهت سنة 632 ه- بواسطة دولة بني مرين. كما مضى يعتبر تاریخ الموحدين من أركان هذا الكتاب الأساسية وسنبحثه في فصل مستقل، أما إدامة تاريخ الأندلس بعد الموحدين وحتى نهاية المسلمين فيها كانت تتضمن ملوك طوائف آخرين، أي أن الفاصلة بین انقراض الموحدين واستيلاء المسيحيين يمكننا أن نوجزها بما يلي:

34- بني هود في مرسیه (620 – 668) ه- وانتهت حكومتهم بواسطة المسيحيين.

35- أمراء لبله وبدأت من 650 ه- و حتی استيلاء المسيحيين عليها.

36- أمراء بلنسية استمرت حتى سنة 636 ه- حيث فتحت بعدها على يد المسيحيين.

37 - أمراء جزيرة منورقه (630 - 685) وزالت على يد المسيحيين.

38 - دولة بني نصر في غرناطة (629 - 897) ه- وتلاشت على يد الاتحاد الحاصل بين غرناطة والمسيحيين، وانتهى دور المسلمين كذلك في الأندلس.

قبل أن نرد بحثنا الأساسي نعرض إلى القارىء العزيز مزيدا من المعلومات حول نهاية المسلمين في الأندلس وبصورة مختصرة، لكي تكون نبذة من تاريخ المسلمين في متناول الجميع، لذا نلقي نظرة سريعة على تاريخ المسلمين في الأندلس من البداية وحتى النهاية.

34- أفول الأندلس

تشير الفترات الأولية للأندلس الى عظم وإشراق الانتصارات السياسية والعسكرية وتعرض لنا نماذج نيرة من التمدن والمعرفة، وتحكي مراحله النهائية عن الوقائع المؤلمة وسوء الحظ والمحن والمصائب.

وصل الشعب الأندلسي الى منحدر الصراعات ببطىء ولكن بصورة مؤلمة حتى انتهى به الأمر الى السقوط والهزيمة والذلة.

قصة الأندلس ما هي إلا جزء من حقيقة التاريخ الخالدة ومسيرته المستمرة وتعاقب الأمم والأجيال. ومسرحا للحروب

الطويلة وغضب الأمة الإسلامية التي غاصت فيه حتى سلمت الأمرها المحتوم، وقد ملأته ببطولاتها وتضحياتها قل نظيره بین الأمم التي تدافععن حريتها وحياتها.

المدن العظيمة للأندلس ومن خلال سلسلة من الحروب الطاحنة والمدمرة أدت بها تدريجيا الى السقوط والاضمحلال، حدث ذلك بعد انتهاء الخلافة الإسلامية في أواخر القرن الرابع الهجري وظهرت تلك الدويلات والطوائف المتفرقة التي أدت الى تهشيم ذلك الكيان العظيم الشامخ.

تلك المدن المهمة والتي كانت تعلوها الحضارة الإسلامية، كان سقوط كل منها في تلك القرون الوسطى السوداء بمثابة الضربة القاتلة لكيان الدولة الإسلامية في الأندلس وكان لها أثر مؤلم في روحية الدول المسلمة في الشرق والغرب وهذا ما ظهر من خلال الاشعار الحزينة والنثر الكثيب التي نظمت لقد كان الوضع يشابه الجور والظلم الحاصل للمدن الباقية بعد سقوط أحد المدن الأندلسية المهمة بيد العدو الدائمي والمتربص (أسپانيا المسيحية)، وكذلك تتحمل تلك المدن مسؤولية أهالي هذه المدينة الساقطة من خلال هجرتهم إليها لكي يحفظوا بذلك دينهم وحريتهم وكرامتهم الإنسانية، حتى وصل الأمر الى عدم بقاء جزء من غرناطة اوتوابعها.

كانت غرناطة مدينة صغيرة، مع ذلك فإنها كانت مقاومة وصلبة. استطاع زعماء (نصر) تحريرها بنبوغهم ودرايتهم وبمدة 200 سنة من الصراعات العاتية ومن اللجج القاتلة والضياع القاسي.

من الوقت الذي طغى الضعف والاختلاف والفرقة على دول الطوائف وسقطت في فخ الحروب الداخلية انتبه ذلك العدو الخطر والمجروح (أي أسپانيا المسيحية) الى تلك الفرصة الثمينة لغرض زرع الفتنة بين الحكومات المتخالفة وتحريض أحدهم على الآخر.

ولكن بعض رجال الأندلس ومن ذوي النظر الثاقب (حتی في تلك الأيام التي لا يزال بها الإسلام مسيطرا على جزء كبير من شبه الجزيرة الأسپانية) استطاعوا أن يشخصوا شبح السقوط المرعب من خلف ستائر تلك التفرقات والفتن، من جملتهم (ابن حیان) مؤرخ الأندلس في القرن الخامس، توقع هذه الأيام السوداء بعد أن شرح أحداث سقوط (بریشتر) في سنة 456 ه- والتي أدت الى قتل وأسر جمع كثير من المسلمين، وكذلك بعد أن سقطت طليطلة (أول مدينة كبيرة للمسلمين) سنة 478 ه- على يد العدو الأسپاني (المسيحي) المقتدر.

كل ذلك كانت إشارات واضحة الى قرب زوال الدولة الإسلامية من أسپانيا في القريب العاجل، لقد كان الهلع والخوف ظاهرا للعيان في جميع الأندلس.

كان سقوط طليطلة بمثابة الدرس القاسي لأمراء الطوائف والدويلات، أفاقهم من غفلتهم وأصبحوا على يقين من ضرر اختلافاتهم ونزاعاتهم وشعروا بوجوب اتحادهم وضرورة الالتفات الى الطرف الآخر للبحر والاستعانة باخوانهم في الدين (أي المرابطين).

كانت دولة المرابطين آنذاك في عنفوان شبابها، وبسط أميرها (یوسف بن تاشفين) نفوذه فوق ملك المغرب ومن المحيط الأطلسي في المغرب وحتی تونس في المشرق، استجاب المرابطون لنداء أمراء الطوائف، فساروا بجيش عظيم الى الأندلس عبر البحر.

تقابلت الجيوش المتحدة الإسلامية بزعامة يوسف بن تاشفين مع الجيوش المتحدة المسيحية بقيادة آلفونسوي السادس (زعيم أسپانيا المسيحية) في سهول زلاقة سنة 479 ه- وكان فتح عظيم للمسلمين.تعتبر معركة زلاقة من معارك الأندلس المشهورة، وتغير وضع أمراء الطوائف بعد ذلك الانتصار بصورة كاملة وتضاعفت معنويات أهالي الأندلس، وتجددت حياة الأندلس نفسها، ولكن لم يمض على ذلك كثير حتى دخل الطمع الى قلوب المرابطين وسال العابهم على نعم الأندلس وثرواتها العظيمة فتبدلت نواياهم ونوایا أخوانهم والمتحدين معهم وأقدموا على إسقاط تلك الدويلات

الواحدة تلو الأخرى وظلوا يحكمون الأندلس زهاء نصف قرن. بعد سقوط المرابطين في المغرب وظهور الموحدين، قام هؤلاء أيضا بعبور البحر والسير الى أسپانیا والسيطرة على الأندلس وحكم هؤلاء هناك ما يقارب القرن.

وانتصرت تحت ظلهم أسپانيا المسلمين مرة أخرى على أسپانيا المسيحيين وعادت إلى الأذهان انتصارات المرابطين في زلاقة.

انتصر الموحدون بقيادة يعقوب المنصور (ملك الموحدین) في معركة (الأرك) سنة 593 ه- ولكن لم يمض كثير على ذلك حتى ذاق الموحدون طعم الخسران المر في معركة (شوم العقاب) سنة

609 ه- وكان انكسار العقاب بمثابة الضربة القاضية لحكم الموحدين وأسپانيا المسلمين ظهر بعد تلك الهزيمة الى العيان شبح الفناء المخيف مرة أخرى.

وفي هذه الفترة احترقت الأندلس في نار الفرقة والاختلاف المؤلمة، وكانت سلطة المدن والحدود تنتقل بين المتنافسين السياسيين في حين كانت أسپانيا المسيحية تخطط بقوة للفتح الجديد أو إعادة الأندلس مرة أخرى إليها، وقد تصدر هذا الأمر جدول أعمال المسيحيين هناك بعد قليل من استقرار المسلمين فيها. عثر المسيحيون على مأمن منيع في جبال الشمال وقواعد حصينة

فثبتوا أقدامهم هناك وحكموا مواضعهم بقوة .

نشأت أول حركة في أواسط القرن الثامن الهجري وإعادة السيطرة على أول مدينة من المسلمين وكان اسمها (لك) تقع في اقصی نقاط الشمال الغربي لشبه الجزيرة الأسپانية. ثم استولوا على مدن أخرى من هذه المنطقة البعيدة، بالنظر لبعد هذه المدن ومجاورتها لممالك المسيحيين، لم يبد مسلمو الأندلس تأثرهم من خروج تلك المدن عن حكومتهم لكنهم شعروا بالخطر عندما عبر المسيحيون نهر تاجة (وهو نهر يمر وسط أسپانیا) وكذلك بعد سقوط طليطلة التي تعتبر ثالث أكبر مدينة بعد قرطبة وأشبيلية، إلا أن انتصار المرابطين في زلاقة ودخولهم الى الأندلس حال الى حد ما دون تقدم المسيحيين في منطقة شرق ووسط أسپانیا، ومع ذلك ظهرت موجة جديدة من الحروب والخشونة أوائل القرن السادس الهجري في شمال شرقي الأندلس، وسقطت سرقسطة سنة 512 ه- وتطيله سنة 524 ه- بيد المسيحيين بالإضافة إلى ذلك خرجت من حوزة المسلمين ثلاثة مدن مهمة أخرى سنة 542 ه- وهي (لاردة ، افراغه وطرطوشه) وتزامن مع ذلك سقوط المدن الإسلامية في غرب شبه الجزيرة (أي الپرتغال) وفي سنة 542 ه- سيطر المسيحيون على ثلاثة مناطق كبيرةوفي سنة 561 ه- استولوا على عدة مناطق كبيرة أخرى.

بعد ظهور الموحدين في أواخر القرن السادس للهجرة في الأندلس تعطلت سياسة الفتوحات الجديدة لفترة من الزمن ولكن بعد أن انتصر المسيحيون سنة 609 ه- في معركة عقاب تجددت رغبة الفتح واسترجاع المناطق مرة أخرى لديهم، وتعرض مسلمو أسپانیا من بداية القرن السابع الهجري الى موجة شديدة من الهجمات المسيحية أدت الى إخراج مدن الأندلس في الشرق والغرب، واحدة تلوا الأخرى من دائرة الحكم الإسلامي منها ميورقة، قرطبة، بلنسية، مرسيه وأشبيليه، وكانت الحروب على أشدها كذلك في غرب الأندلس لإرجاع المدن من السلطة الإسلامية، ونتج عن ذلك وقوع الولايات الشرقية ووسط الأندلس تحت سيطرة المسيحيين وذلك قبل أن يمضي النصف الأول من القرن السابع الهجري ولم يبق منها إلا بعض المدن الصغيرة في جنوب أسپانیا.

تجسد مرة أخرى شبح الفناء أمام أنظار الأندلس، وقد تيقن سكان الأندلس الذين هاجروا في هذه الأيام الى الجنوب بأنهم يمضون أيامهم الأخيرة وسيتخلون عن آخر قاعدة لهم، ولكن يد القدر أجلت ذلك المصير الى عدة أجيال أخرى وترکت دولة الأندلس الإسلامية قائمة تحت ظل دولة غرناطة، تلك الدولة التي استطاعت أن تخرج كيانها من تحت أنقاض الأحداث وتحصل على القوة ببطء وتحافظ على وجود الدولة الإسلامية لأكثر من قرنين،

ومن العوامل التي ساعدت على ذلك انشغال العدو المقتدر (مسيحيي أسپانیا) بحروبهم الداخلية خلال تلك الفترة.

ولكن بعد مرور مائتين وخمسين سنة على بقاء الراية الإسلامية مرفرفة فوق ربوع دولة غرناطة الإسلامية تلك الديار الواقعة في رقعة جغرافية كبيرة طالما بقت تحت تصرف المسلمين، ومع تهيؤ جميع الظروف وتوفر الإمكانات تمكن المسيحيون من نيل أملهم القديم، في نهاية الأمر اتحد ملکان من أقوى المدن المسيحية وهما (قشتاله و آراگون) ضد المسلمين، فرناندو وایزابلا ملطا قشتالة و آراگون تمكنا من اقتلاع بنيان الحكومة الإسلامية من الأندلس بعد استسلام جميع المراكز الجنوبية والشرقية للأندلس أمامهما. ولم يبق من الإمبراطورية الإسلامية في الأندلس إلا غرناطة، لم تكن غرناطة آنذاك دولة أو مملكة وإنما كانت مظهرا خارجيا لمملكة إسلامية تلفظ أنفاسها الأخيرة، كانت آخر حبات قلادة المروارید الثمينة جدا التي تناثر لؤلؤها هنا وهناك، بدأ سراج الأندلس بكتم شعلته المتناهية والمتناقضة وهو في طريقه الى الانطفاء

بعد أن استسلم آخر حاكم لغرناطة (أبو عبد الله الزغل) وسقطت منطقتان كبيرتان من غرناطة نفخا فرناند وایزابلا في صور الأندلس يعلنون عن دفن سراجها في ظلمة أبدية، وهنا وضعت على

لوحة غم وحزن الأندلس البصمات الأخيرة، و تتقدم قشتاليه لتقطع آخر نفس إسلامي في آخر مدينة الغرناطة، وتنتهي بهذا الدولة الإسلامية في الأندلس وطويت صفحاتها المشرقة إلى الأبد تلك الصفحات التي حفرت في جبين التاريخ الإسلامي، تلك الصفحات التي ملئت بالحضارة والأدب والعلوم والفن الإسلامي، تلك الصفحات المعبرة عن ذلك الميراث الشامخ والنفيس للأندلس.

الخطوة الوحيدة التي يجب رميها الى الأمام لتوضيح موضوع الكتاب بصورة أكثر شفافية هي بحث الثورات المنبثقة في أندلس المسلمين والتي تحمل عنوان الشيعة وأتباع أهل البيت علیهم السلام ، أما الأسباب التي تدعوا الى بحث التاريخ الإسلامي العام للأندلس وكذلك الثورات الشعية الواقعة في هذا العصر يمكن تقسيمها إلى ثلاثة مواضيع :

أولا :أن جميع أحداث القصتين (قصة الأنباري وفاضل المازندراني) من الناحية التاريخية ومن الناحية الجغرافية تقع تماما في تاريخ أسبانيا المسلمين.

ثانيا :أسماء الأشخاص والأماكن والمدن و...... التي تظهر في القصتين والتي تظهر من خلال الوقائع المملوءة بالمفارقات.

ثالثا: ترتبط ماهية وهوية القصتين بصورة كاملة مع عقائد الشيعة بغض النظر عن كونها للتشيع أم ضده، وإن الثورات الحاصلة تحت عنوان التشيع في الأندلس وخصوصا آخر حدثين منها كان لها ارتباط وثيق مع تأليف تلك القصة.

وبالنظر لهذه الموارد نبحث الآن الثورات الثلاثة التي وقعت تحت اسم التشيع وفي عصر الحكومة الإسلامية في أسپانیا.

الفصل التاسع: الثورات التي حملت عنوان التشيع في الأندلس

اشارة

ألف: ثورة شقتاي البربري

قامت سنة 150 ه ثورة البرابرة(1)أثناء حكومة عبد الرحمن الداخل الأموي في شمال شرق الأندلس بزعامة رئيس البرابرة المسمى (شقتا) أو (شقتا بن عبد الواحد) ويرجع أصلهم الى (مكناسة)، وكان رجل يعلم بالفقه ويمتهن تعليم الأطفال. ادعی يوما بأنه من أحفاد الرسول الأكرم صلی الله علیه و آله ومن أبناء الزهرا علیها السلام والحسين علیه السلام واسمه عبد الله بن محمد، شاعت دعوته بین البربر في تلك المنطقة كانوا يشكلون الأكثرية وكانت لهم عداوة قديمة مع العرب، وكانوا متهيئين دائما للتمرد على العرب، عندما التف الناس حوله سار الى (شنت ریه) واستولى عليها وجعلها قلعة له، ثم عزم الى المغرب وسيطر على مدن ماردة، قوریه و مدلین وجميع المناطق الواقعة بين نهر (تاجه) ووادي (بانه)، علا شأنه بعد ذلك واتسعت دعوته وكثر التردد على تلك النواحي وانضم إليه من الأعراب ممن كان مخالفا لعبد الرحمن أيضا.


1) تطلق كلمة البرابرة على سكان الأندلس من غير العرب.

كتب عبد الرحمن الى والي طليطلة يأمره بإسكات عصيان ذلك الفاطمي. أعد الوالي جيشأ بقيادة سلیمان بن عثمان وأرسله الى (شنت برية) إلا أن الفاطمي وجيشه حملوا عليه فجأة وكسروا ذلك الجيش وأسروا سليمان ثم قتلوه. زاد هذا الانتصار من قدرته وقوته، جهز عبد الرحمن بنفسه جيشا سنة 152 ه- أي بعد سنة من تلك الحرب وحمل عليه، فوقعت بينهما معارك عديدة ثبت فيها البرابرة بقوة واتخذ الفاطمي موضعا له في الجبال، عاد بعد ذلك عبد الرحمن الى قرطبة بسبب عدم عثوره على معبر یعقب فيه الفاطمي، أرسل غلام، الخص لينوب عنه لكي يديم القتال، ظل الفاطمي متحصنا في الجبال ولم يقاتل الجيش الهاجم، عاد بعد سنة أي في سنة 154 ه- عبد الرحمن للقتال، وحاصره محاصرة شديدة ولكن لم يتمكن من إبعاده عن ملجأه، أرسل عبد الرحمن في السنة التالية أحد مواليه واسمه عبيد الله بن عثمان لقتال الفاطمي، خرج الفاطمي للقتال ولكنه عمل على جذب البرابرة الموجودين بين صفوف جيش عثمان، ولهذا وقع الخلاف والفرقة بين الجيش واستثمر الفاطمي هذه الفرصة فهجم عليهم هجوما شرسا ففر عبيد الله بن عثمان وقتل من جيشه جمع کثیر استولی الفاطمي على المتبقي منهم وقتل الكثير من كبار الجيش، وقعت هذه الواقعة سنة 155 ه-.

أعقب ذلك عدد من الحملات المتعاقبة التي أصيبت جميعها بالفشل، مما أجبر عبد الرحمن على تجهيز جيش مرة أخرى وذهب به الی (شنتبریه)، لجأ عبد الرحمن الى أساليب جديدة للقضاء على جیش الفاطمي، حيث استدعى عبد الرحمن أحد كبار البرابرة في شرق الأندلس ويسمى (هلال المديوني) وجعله حاكما على تلك المناطق التي غلب عليها الفاطمي، تركت هذه الحيلة أثرها على جیش الفاطمي وزرعت الفرقة بين صفوف البربر وأدت الى تشتت الكثير من أنصاره عنه، ولهذا اضطر مرة أخرى للخروج من (شنت بریه) والتحصن في الجبال، وفي هذه الأثناء قام عبد الرحمن بملاحقة الفاطمي بشدة وإصرار وبدأ يسيطر على ملاجئه الواحد بعد الآخر وقتل كل من عثر عليه من أنصاره وأينما كانوا، عندما كان عبد الرحمن مشغولا بحرب الفاطمي وصل إليه خبر اشتعال نیران الثورة في أشبيلية ولبله وباجه، وأن اليمنيين (من أنصار أبو الصباح الذامي) كانوا هم المحور في ذلك التمرد، وكان على رأس تمرد أشبيلية قادة أشبيلية وليلة القدماء، وقد انضم إليهم أعداد كثيرة من البربر.

لقد جهز هؤلاء الثائرون الثلاث جيوشهم وساروا الى قرطبة أثناء غياب عبد الرحمن وكان غلامه ينوب عنه آنذاك. رجع عبد الرحمن بسرعة الى هناك وخرج على الفور لمقابلة العصاة،

والتقى بهم في وادي (منبس) على ساحل نهر (بمبي زار) من شعب الوادي الكبير، ووقعت في البداية عدة معارك بينهم إلا أن عبد الرحمن لجأ مرة أخرى الى الحيلة وأصدر أوامره الى جمع من شخصيات البربر المتواجدين في جيوشه، فذهب هؤلاء الى أصدقائهم البربر واقنعوهم بأن موقفهم هذا من اليمنيين من الأخطاء الفادحة، لأنه لو انتصر العرب ستكون عاقبة البربر سيئة جدا وبالفعل استغل هؤلاء ظلام الليل وتسللوا إلى جيش العدو وفعلوا ما كان لازما وأخذوا منهم العهود، فوقعت في اليوم التالي حرب عظيمة بين الطرفين، تخاذل البربر، وانصرفوا عن قتال العرب، وكان لذلك أثر بارز في تشتيت جیش العصاة وفرارهم وقتل ما يقرب الثلاثين ألفا منهم كبار وقادة الجيش.

وقد فر أحد الثوار الى المشرق بواسطة زورق، تزامن مع انتصار عبد الرحمن تنفيذ برنامج دموي كان عبد الرحمن قد أعده، أمر بإلقاء القبض على ثلاثين شخصية من أشبيلية كانت في زمرة قادة الجيش الهارب وقتلهم جميعا سنة 158 ه-.

بعد سنة من ذلك بدأ بتعقب الفاطمي مرة أخرى، هذا وكعادته كان يتحصن في الجبال، لهذا لم يعثر على طريق يوصله إليه، سار الى قتال منطقة (قوريه) وهدر فيها دماء غزيرة، وفي هذه السنين بدأ العد التنازلي للفاطمي (شقتاي البربري) وقل أنصاره إلا أنه لا زال

مستوليا على بريه ومارده ولا زال يشكل تهديدا لعبد الرحمن .

بعد سنة من ذلك جهز تمام بن علقمة وعبيد الله بن عثمان جیش لمحاربته، تلاقا الجيشان لمرات عديدة وكان النصر الى جانب الفاطمي، إلا أنه تحصن فجأة بقلعة كانت بقرب (شنت بریه) فحاصره تمام وعبيد الله لعدة أشهر ولكن بلا جدوى فعادا الى قرطبة.

وبعد ذلك عاد الفاطمي الى (شنت بريه) ونزل بقرية اسمها (قرية العيون) عند اثنين من أنصاره يطلق عليهما (أبو معن وكنانة)، إلا أن هؤلاء تأمروا عليه وقتلوه في أحد الفرص وقطعوا رأسه وذهبوا به الى عبد الرحمن في قرطبة، وهنا تشتت جمعه وانتهت ثورته التي سببت إراقة الدماء لسنتين في شرق و غرب الأندلس، والتي كانت مصدر تهديد حقيقي لعبد الرحمن.

المهم هنا، هو أن ما عجزت عن تحقيقه تلك الجيوش الجرارة والتي استمرت لسنوات طويلة، حققته خيانة واحدة وفي لحظة واحدة، بالإضافة الى ذلك لا يستبعد أن يكون لحضور عبد الرحمن في هذه المؤامرة الأثر كذلك في تحقيق الانتصار، والحقيقة أن عبد الرحمن قد أثبت بأنه الخلف الصالح لمعاوية بن أبي سفيان هذا البحر المتلاطم من المكر والخديعة، قتل الفاطمي وأطفيء تمرده في سنة 160 ه-

ب: قيام بني حمود وحكومتهم في الأندلس:

عندما كان الخليفة الأموي الثامن في الأندلس (عبد الرحمن بن محمد الملقب بالناصر) مشغولا بحروبه الداخلية مع المسيحيين داخل شبه الجزيرة الأسپانية غفل عن تزاید واتساع الدعوة الفاطمية في شمال أفريقيا ونفوذها الى المغرب الأقصى ومدينة سبتة المحادة للأندلس والمجاورة للجزيرة الخضراء وتهديدها السواحل الأندلس كانت الدعوة الفاطمية تشكل خطرا سياسيا للأندلس وخطرا دينيا كذلك، وهددت هذه الدعوة في بدايتها مصر والمغرب من جانبي أفريقيا (تونس)، وقام حينها أول الخلفاء الفاطميين واسمه (عبد الرحمن المهدي)، سارت جيوش القائد الفاطمي الشاب من مركزه في تونس الى المغرب ومصر.

إن تقدم الجيش الفاطمي الى جانب المغرب أقلق حكومةقرطبة لأن سواحل المغرب كانت قاعدة دائمية للتقال مع الأندلس وهو أول خط دفاعي لهم، كانت عيون متمردي الأندلس تصبوا الى سواحل المغرب ولهم مباحثات مع الفاطميين ومساع للانقضاض على حكومة قرطبة.

أما عبد الرحمن كان يرى وجوب القضاء على هذا الخطر الجديد قبل أن يستفحل ويحكم أسسه لهذا أرسل أسطولا قوية الى

سبته وأخرجها من سيطرة الولاة المتفقين مع الفاطميين، بادر زعماء البربر الى الانضواء تحت لوائه ومدوا يد الصداقة باتجاهه مما أدى الى اتساع دعوته الى (فارس)، وأما أمير مكناسة طالب هو الآخر بصداقة عبد الرحمن ونال هذا الأمر موافقته، استطاع عبد الرحمن سنة 321 ه- القضاء على جيش عبيد الله الفاطمي الذي كان مهيأ لإنهاء نفوذ عبد الرحمن، أعد ابن عبيد الله بعد وفاة أبيه سنة 323 ه- جیشا آخر للهجوم على المغرب وكان يلقب بالقائم، إلا أنه خسر الحرب مع أمير مكناسة وتواري هذا الجيش الى جانب الصحراء واستولی حلفاء الفاطميين على مملكته. بعد هذا جاء جيش عبد الرحمن ولمرات عديدة الى المغرب لقتال الفاطميين وأنصارهم کالادريسيين وباقي أمراء البربر. اضطر الإدريسيون في النهاية الى قبول الصلح وخضعوا لحكم عبد الرحمن سنة 332 ه- وقاموا بتمجيده على المنابر واستمرت هذه الأوضاع لفترة معينة، وفي هذا الوقت هجر الإردیسیون من أغلب النواحي الجنوبية ومیادین الغرب، وظلوا في منطقة (الريف الشمالي) (وهي ناحية بين غرب بحر (زقاق) وبحر (محيط)) فقط، وبعد أن هجروهم من فاس أيضا عاشوا في قلعة محصنة (هجر النسر) واقعة في جنوب تطوان (وهي منطقة تقع مقابل الجزيرة الخضراء)، ففي هذه الحالة لم تكن هناك أية دولة حقيقية ومستقلة بالمعنى الواقعي لأنها كانت ترزح تحت

سيطرة الآخرين الذي ينتصرون في حروبهم دائما على المغرب، سواء كان الفاطميون (حكام أفريقيا) أو الأمويون حكام الأندلس.

كان أمير الأدارسة في عهد عبد الرحمن الناصر، رجلا يسمى (حسن بن کنون أو قنون)، وقنون كان لقب القاسم بن محمد بن قاسم بن إدريس، أما حسن فهو الذي انتهت في عهده دولة الأدارسة في المغرب وبايع بعد ذلك الفاطميين وبدأ يدعوا الى قائدهم (جوهر الصقلبي) الذي استولى على المغرب ونقض بذلك عهده مع عبد الرحمن، ولكن لما عاد جوهر الى أفريقية أواخر سنة 349 انضوی ثانية تحت حكم الأمويين في الأندلس. بعد أن مات عبد الرحمن الناصر أعلن حسن عن بيعته لخليفته الملقب بالمستنصر ولم یکن ذلك إلا حركة سياسية أو تعرف بالتقية في المصطلح الفقهي، لأن الأدارسة كانوا يضمرون العداء الدائم لبني أمية وينتظرون الفرصة المناسبة للخروج عليهم. وأما السبب الحقيقي لهذه البيعة هو الخوف من قساوتهم ووحشيتهم لأن دولتهم تقع في شمال ناحية قريبة جدا من الأندلس.

سار بلکین بن زيري الصنهاجي (وهو قائد الخليفة الفاطمي المعز لدين الله) من أفريقيا (تونس) في بداية سنة 361 ه- للتقال في المغرب لغرض إقامة حكومة شيعية هناك ولأخذ ثأر أبيه من قبيلة (زنانه)، كان أبوه عاملا للخليفة الفاطمي وقائد جيشه في المغرب

أما زناته كانت من القبائل الواقعة تحت لواء أموي الأندلس ويطغى عليهم العداء للشيعة، ومن الأعداء القساة على الفاطميين (جعفر ويحيى) وهما أبناء علي بن حمدون المعروف بميله الى الأندلس. استقر هذا الأندلسي في منطقة مسيلة في ناحية المغرب الأوسط وخلفه ابنه جعفر، كان الخوف يخيم عليهم من سطوة الفاطميين وعاملهم كذلك تبدل هذا الخوف بمرور الزمن الى كابوس أدى الى فراره مع عائلته وأخيه يحيي الى المغرب الأقصى حيث يتواجد بني خزر أمراء زناته (الأقوياء) والمعروفون بحقدهم الشديد وعدائهم للشييعة. كانوا يأملون من قبيلة زناته وحلفائها إعلان حربهم ضد الشيعة ولهذا بدأوا بإغرائهم بالمال والرجال ومستلزمات الجيش، نشبت معركة بين بني خزر وحلفائهم يحيى وجعفر من جانب وعامل الفاطميين من الجانب الآخر وانتهت بهزيمة الشيعة وقتل فيها (زیري بن مناد) قائد الجيش الفاطمي (وأبو بلكين) مع الكثير من رجاله واستولت زناته على مقرات جيوشه. وبهذا انتهت القوة الشيعية في المغرب وكانت في شهر رمضان لسنة 360 ه- لما وصل خبر ذلك الى جيش الفاطميين وقبيلة صنهاجة ترك ذلك الأمر أثرا كبيرا في روحية الخلافة الفاطمية وأصدر المعز لدين الله أمره الى (قائد يوسف بن زيري المعروف ببلکین) يأمره على الفور بالحركة الى المغرب، سار بلکين وكان يقتل كل من يراه من أفراد قبيلة

زناته، وكان أكثرهم في المغرب الأوسط في (بجاية ومسيلة وبسكره الی هرت وأماكن أخرى)، قام بلکین بتشتيتهم جميعا حتى بلغ المغرب الأقصى سنة 361ه- استعد أمراء زناته وبني خزر المواجهته، بدأت الحرب بين الفرقتين وهزمت زناته بشدة وانتحر أميرهم، بالغ بلكين في تدمير زناته وهدم مدينة البصرة (في المغرب) واتسعت سلطته الى أكثر نقاط المغرب وقضى على الدعوة الأموية وحقق أمنيته في الانتقام لأبيه. سارع حسن بن کون الى بيعة بلکین وانضوى تحت لواء الشيعة الفاطميين، إلا أن بلكين لم يبق طويلا في المغرب لأن سيده المعز لدين الله الذي كان متهيئا للحركة الى مصر دعاه، وبهذا عاد مسرعا مع جيشه الى أفريقيا. أما الحكم الذي كان مراقب لحوادث المغرب صعق من هذا الخبر فأعطى نفيرا عاما لجيشه وسار بجيش عظيم لقتال المغرب والحسن بن کنون، وكان قائد هذا الجيش محمد بن القاسم، عبر من الجزيرة الخضراء في شوال سنة 361 ه- وحط في سبته أول مدينة في المغرب، كان حسن بن کنون في هذا الوقت في مدينة صنجة القريبة من سبته، خرج حسن مع جمع من البربر لقتال جیش الحكم الأموي إلا أنه هزم وقتل أكثرأصحابه وفر بنفسه تاركا أمواله في طنجة استسلم أهالي طنجة لقائد الجيش وخضعوا لأوامره، فتح محمد طنجة وأرسل خبر ذلك الى الحكم ثم قام بملاحقة بقايا جيش حسن بن

کنونة الى الجنوب وقام بتدميرهم هناك.

جمع حسن خلال هذه الفترة جيشه المتبقي ونظمه وسار مرة أخرى لقتال الحكم، التقى الجيشان في مكان يسمى (فحص مهران)، استطاع حسن بتدبيره واستقامة جيشه أن ينال النصر ويحاصر جیش الأندلس ودمروا الكثير من المشاة والفرسان وقتل قائدهم أيضا (محمد بن قاسم)، وكانت هذه الواقعة بتاریخ 362 ه-

فر فلول جیش الأندلس الى سبته (الواقعة في الساحل المقابل) واستقروا هناك وأرسلوا الى الحكم نداء يسألونه النجدة.

أعد الحكم في هذه الأثناء جيشا وضعه تحت قيادة أحد مواليه وكبار قادته، اختار غالب عبد الرحمن المعروف بشهامته التي ذاع صيتها في كل مكان، ووضع في اختياره مالا طائلا علاوة على ذلك الجيش العظيم لاستمالة القبائل، وأعطى الحكم أوامره القتال الأدارسة والثبات أمامهم لاقتلاع جذورهم وتطهير المغرب من مخالفي الحكومة الأموية.

خرج غالب مع ذلك الجيش الجرار سنة 362 ه- من قرطبة وعبر من ناحية الجزيرة الخضراء في البحر ومكث في (قصر مصحورة). لما علم حسن بدخول ذلك الجيش أودع أمواله في قلعة

(حجر النسر) وسار الى القتال، استطاع غالب بمكره أن يبعد بعض رؤساءالقبائل عن الجيش وأجبره الي الرجوع للقرية، حاصر غالب

القلعة، ومن جهة أخرى وصل جيش إمدادي من الأندلس الى جیش الأمويين، وبدأت حلقة المحاصرة تضيق يوما بعد آخر حتى أجبر حسن على الاستسلام بسبب خيانة بعض أهالي المدينة، وخضع لأوامر الحكم سنة 363 ه- لاحق غالب بقايا الأدارسة حتى قضى على دولتهم، رحل حسن بن کنون مع عائلته وجمع من أصحابه في نهاية هذه السنة ورافقهم غالب كذلك إلى الأندلس، فلما وصلوا الى قرطبة استقبلهم الناس استقبالا عظيما وقادوهم إلى المنازل المعدة من قبل، وبهذا ظل حسن وأبناؤه سنتين عند الحكم، ولكن في سنة 365 ه- و بسبب الخلافات الحاصلة بين حسن والحكم والتي كان يخطط لها حاجب الحكم أبعدوا بزورق الى تونس ورحل منها إلى مصر وبقي تحت حماية الخليفة الفاطمي (العزيز بالله)، بعد أن بارك الخليفة قدومهم وأعطى وعودا بمساعدتهم، ظل حسن في مصر الى سنة 373ه- أصدر الخليفة أوامره في هذه السنة الذهاب حسن الى بلكين في قيروان وطلب من الأخير أن يقف الى جانب حسن في تحقيق أهدافه.

سار حسن مع جيش قليل أرسله بلکين معه الى المغرب ودعي فيها لنفسه. التف حوله الكثير من البربر وبالخصوص (بني يغرن)، الذين أعلنوا طاعتهم له. كانت هذه الدعوة في زمن وزارة المنصور محمد بن أبي عامر الذي كان وزيرة للخليفة الصغير هشام

المؤيد، هزم جيش المنصور کنون مما اضطره الى الاستسلام وقتل سنة 375 ه- وفيها كانت نهاية دعوة الأدارسة في المغرب الأقصى وتشتت أنصاره الى أطراف متباعدة.

تسلق الخليفة محمد بن هشام الى دفة الخلافة بعد الخليفة هشام المؤيد وكان يلقب بالمهدي واتصف هذا الخليفة الجديد بالخمول إلا أنه كان يتطلع دائما الى معرفة العلل.

وكانت أغلب أعماله ليس لها أية قيمة ولا تصبو إلى أي هدف سام، والأكثر من ذلك أطلقت سیاستها قيود جميع المتمردين ومثيري الفوضى وأصبحت كل طائفة ومجموعة تطالب بسهمها من میراث الدولة المهزومة لبني عامر، منهم المروانيون أو بني أمية والمجموعة الأخرى غلمان العامري وأنصاره الذين كانت أعدادهم قابلة للاهتمام، والجماعة الثالثة كانت تشمل البرابرة، استولى هشام المؤيد على الخلافة بعد حروب طويلة وجاء من بعده ثانية سلیمان المستعین.

سكن في زمن سليمان المستعين أولاد حمود علي وقاسم بما تبقى من الأدارسة في أطراف قرطبة وكذلك سائر البرابرة الذين كان لهم دور مؤثر في وصول المستعين الى الحكم.

قسم المستعين الأندلس بين البربر لجلب رضاهم وردا الجميلهم في معاضدتهم إياه، وبهذا حكم بني حمدون (أي الأدارسة)

على الحدود الجنوبية للأندلس. حكم علي بن حمود على حدود سبته وأخوه قاسم بن حمود على حكومة الجزيرة الخضراء في طنجة والمدن المجاورة مثل (زاهرة)، وحدثت تلك الحكومات في أوائل سنة 414 ه-. وأما المنازعات الحاصلة بين غلمان العامري وبين البرابرة والأمويين بسبب الخوف من حكم البربر أدت الى تجزأ الأندلس الى عدة أقسام.

يفصل مضيق جبل طارق بين حدود حكومات علي وقاسم، يعتقد علي بن حمود أن غلمان العامري (وهم أعداء سليمان المستعین) حلفاؤه الطبيعون، ولهذا كتب رسالة أ هم (خيران صاحب المرية) وقال فيها إن الخليفة هشام المؤيد أختاره لولاية العهد وطلب خلاصه من مخالب سلیمان، كان لهذه الرسالة حقيقة وواقع، لما رأى هشام قرب انتهاء وزوال دولته أعطى ولاية العهد الى علي بن حمود وأوصى بخلافته من بعده.

انتشرت دعوة علي بن حمود بسرعة لا تصدق واستجاب له حكام بعض ثغور جنوب الأندلس کتب زعيم البربر من المرية الى علي الذي كان مستقرا في سبته الواقعة في أقصى شمال مدينة المغرب ومجاورة للجزيرة الخضراء للعبور من الماء والنزول عنده.

سار علي بن حمود في أواخر سنة 406 ه- من سبته الى الجزيرة الخضراء وذهب الى مالقة بين أتباع من البربر کانت تلتف

حوله، أبلغه والي مالقة بولاية عهد المؤيد إليه، والتحق إليه خيران زعيم البربر من مدينة حدودية بين مالقة والمرية، اتحد الزعيمان ونظما جيشهما وخططا للسير الى قرطبة وبعد ذلك بايع علي بن حمود بشرط إطاعته للمؤيد ثم سارا الى قرطبة.

انظم إليه اثناء الطريق (زاوي بن زيري) و(حبوس الصنهاجي) مع جماعة من البربر وصلت من غرناطة. سمع سلیمان المستعان بذلك فخرج بجيش من البربر فالتحم الجيشان في واد يبعد عشرة فراسخ عن قرطبة وبعد قتال ضار ومعركة شرسة هزم المستعين ووقع في اسر علي بن حمود، دخل الأخير قرطبة يوم الثامن والعشرين من محرم لسنة 407 ه- باحثا عن المؤيد فلم يجده، ولما علم بمقتله قام بقتل أخيه كذلك وأبيه بعد أن وقعا أسيرين في قبضته ثأرا لدم هشام، بعد ذلك طلب البيعة لنفسه بعد أن أعلن قتل المؤيد، بايعه الناس ولقب الناصر لدين الله ومن هنا كانت نهاية الدولة الأموية في الأندلس. لما استقر الأمر الى علي بن حمود بدأ بالضغط على البربر وقضى على تمردهم بشدة وكان ذلك سببا لخوفهم الشديد منه وسكوتهم عليه، ثم أخمد جميع من خرج عليه أو عصاه وأزاله من طريقه سواء كان عربيا أم بربريا هذا من جانب، ومن جانب آخر سعى الى تحسين سيرته بين أناس قرطبة وحاول بسط العدل، وأبقى

لنفسه بعض المعاونين في عمله من الحكومة السابقة مثل أبو الحزم بن جهور وآخرين، ولكن الأوضاع لم تبق على ما يرام دائما، لما سمع خیران العامري زعيم البربر بموت هشام وكذلك بالقمع والخشونة المستعملة بحق المتمردين ضرب على طبل التمرد خائفا وبايع أحد بقایا بني أمية على الخلافة ويدعى (بالمرتضی)، ثم جمع جيشا يقصد بهم غرناطة (انضم إليه بعض العملاء المسيحيين) وبعد معركة دامية قتل فيها هو وجيشه، ولما شاهد علي بن حمود خروج المرتضى مع أهالي قرطبة غضب عليهم لأنه يعتقد بأن القرطبيين يتعاطفون مع المرتضی ولهذا أطلق يد البرابرة عليهم، وخلع أسلحتهم، وحبس الكثير من أعيانهم، وصادر أموالهم إلا أن يد القدر لم تتركه حتى قام عدة من غلمان قصره ومن موالي بني أمية بقتله خفية في الحمام. أرسل رؤساء زنانه خبر قتله في نفس الوقت (أي سنة 408 ه-) الى أخيه قاسم الذي كان في أشبيلية فسار بسرعة الى قرطبة واستخلف أخاه المقتول. كان لولدي علي (أي إدريس ويحيى) ولاية على مالقة وسبته، وفي بداية الأمر كان هناك خلاف حول الخليفة بين البربر وتردد الأمر بين أولاد الخليفة وقاسم، إلا أن الأغلبية التقت حول قاسم لهذا ثبتت إليه خلال هذه الحماية.

اتصف مشاور و قاسم وندماؤه بسماجة الأخلاق ورداءة الطبع لهذا كانت أعمالهم تؤدي الى ضعف وخمول حكومته وفي

نفس الوقت كان ابن أخيه (یحیی) ينتظر الفرصة المناسبة للخروج على عمه وقد اتفق مع أخيه إدريس على استلام أمر مالقة لتحويلها الى قاعدة، بدأ يحیی بتجميعقواته تدريجيا في مقالقة حتى تكون له جيش قوي هناك، وفي نفس الوقت لم يفلح، زعماء البربر من التوفيق بين قاسم وابن أخيه، لهذا سار يحيى بجيشه الى قرطبة. خشى قاسم من عاقبة هذا الأمر لهذا عزل نفسه، ودخل یحیی قرطبة سنة 412 ه- وحصلت له البيعة وقد استقبل الناس والبربر هذه الخلافة.

استقر قاسم في أشبيلية ودعى الناس هناك الى بيعته، وبعد وقوع بعض الحوادث اتفق الاثنان في نهاية الأمر على الاعتراف المتبادل بخلافة لكل منهما.

لم يستمر الوضع السابق طويلا وفي سنة 413 ھ خلع البرابرة يحيى ولهذا عاد قاسم ثانية الى قرطبة وحصلت له البيعة الثانية وأطلق عليه الناس (أمير المؤمنین).

ثار أهالي قرطبة عليه سنة 414 ه- وغلقوا أبواب المدينة وحاصر البربر المدينة وانتهى الأمر بهزيمة قاسم، ذهب قاسم الى أشبيلية حيث كان هناك ولداه محمد وحسن، مانع الناس هنالك من دخوله إليها وأخرجوا ولديه من أشبيلية كذلك، رحل قاسم وأولاده الى (شریش)، في هذه الأثناء سار يحيى الى الجزيرة الخضراء

وصادر جميع أموال عمه قاسم وعائلته التي كانت هناك، استولی أخوه إدريس(والي سبتة) على طنجة، نظر قاسم الى طنجة بأنها ملجأه وملاذه لأن وضعه في قرطبة لا يحمد.

عندما ذهب قاسم مع ما تبقى من أنصاره الی شریش سار إليه يحيي لقتاله، وأسر عمه وأولاده ورماهم في الحبس بايع البرابرة المتواجدون على حدود المغرب يحيى، بقي قاسم مدة طويلة في السجن حتى أن قتل فيه سنة 431 ه- عن عمر يناهز الثمانين سنة.

بايع أهالي قرطبة عبد الرحمن بن هشام الأموي سنة 414 ه- حكم هذا ومن بعده ( المكتفي) السنتين تقريبا حتى أعلن يحیی بن علي بن حمود سنة 416 ه- عن خلعه والجلوس محله.

ترك قرطبة بعد دخوله إليها متوجها الى مالقة، وأصبحت قاعدته من بداية سنة 417 ه- وعاصمة دويلته، وبقي على هذا الحال مدة من الزمن. في شهر محرم سنة 427 ه- قتل یحیی بمؤامرة قذرة خطط لها من قبل أتباع الأمويين ونفذها رؤساء أشبيلية وكبار بعض القبائل، ودعوا بعد ذلك أخاه لاستلام زمام الأمور، كان إدريس حينها واليا على سبتة، وكان ليحيى ولدان في مقتبل العمر اسمهما (إدريس وحسن)، ذكرت إحدى الروايات أنه أوصى بولاية العهد لابنه حسن إلا أن صغر سنه حال دون ذلك، وبهذا تمت البيعة الى إدريس في مالقة التي كانت مرکز خلافة الحمودیان و لقبوه بالمتأید

بالله. أعطى ولاية سبتة وتوابعها الى ابن أخيه حسن وعين له حاجبا يعينه، وبايعه كذلك صاحب (رنده والجزيرة الخضراء)، تحالف معه صاحب المرية وحاكم غرناطة وقاتلوا معه في قتاله ضد بني مناد الذين قتلوا أخاه یحیی، هجم الجيش المتحد سنة 427 ه- على أشبيلية ووقعت معركة شديدة مع بني مناد، أقدم زعماء بني مناد مع جيش جرار على نهب وسلب أمن نقاط مختلفة في الأندلس. في سنة 431 ه- مات إدريس مرضا في قلعته التي كان يسكن بها، بویع بعده ابنه يحيى في مالقه، ولقب هذا بالقاسم بأمر الله. ومن الجانب الآخر بایع الحاجب حسن بن يحيى (ابن أخ إدريس) وبدأ يخاطب حسن بالخليفة. جهز هذا الحاجب جیشا لقتال يحيى، إلا أن هذا الأخير امتنع عن قتال ابن عمه واعتزل الأمر.

حصلت البيعة في مالقة للحسن بن يحيى في سنة 431 ه- لقب بالمستنصر بالله واستجابت لأمره غرناطة وسائر المدن المحيطة بها. وضع حسن الأمور كلها بعهدة حاجبه الذي كان يطمح الى المزيد ، حتى اصدر هذا في النهاية امر قتل حسن و تنفذ في سنة 434 ه-.

ذهب الحاجب الذي كان اسمه (نجا) الى الجزيرة الخضراء وكان فيها ولدي قاسم بن حمد، جاءت ربيعة (ام الولدان) الى الحاجب وبدأت بتوبيخه على نكرانه لولاء السيادة، رحل نجا من الجزيرة الخضراء خجلا الى مالقه ، الا أن العديد من افراد جيشه من

البرابرة وغيرهم من اقرباء ام حسن بن يحيى اقدموا على قتله في الطريق وذهبوا وبايعوا ادريس الذي كان في سجن حسن بن یحیی ایام خلافته بعد ان اطلقوا سراحه ولقبوه (العالي). كان العالي لين الخلق ورحیم وادیب و شاعر، مع ذلك كان هناك جمع يحيط به من اراذل القوم واسوءهم سيرة وخلقا ، ثار عليه ابن عمه محمد بن ادریس بن علي بن حمود سنة 438 ه-، فغادر ادريس المدينة متوجها مع عائلته الى سبته . وتمت البيعة في تلك السنة لمحمد بن ادریس ولقب بالمهدي ، وعلى شأنه في مالقه الا أن بعض المدن امتنعت عن بيعته مثل غرناطة التي كان واليها (بادیس) وهو معارض شديد له، يعتبر باديس نفسه اسمی منزلة من الجميع في زعامة القوم، قام محمد بن ادریس بنظم الحكومة واصلاح الامور. اتفق بعد ذلك مخالفین محمد بن ادریس (الذي تجاوزت قساوته الحدود المعقولة) مع باديس على خلعه وتنصيب محمد بن قاسم بن حمود والي الجزيرة الخضراء. وصمم الآخرون على بيعة ادریس بن يحيى العالي، وهكذا دعى ثلاثة من امراء حمودي وفي ثلاثة نقاط صغيرة وقريبة من بعضها ومختلفة الى بيعته ، ويجب اضافة رابع لهم وهو ذلك الخليفة الخيالي المسمى ابن عباد من امراء اشبيلية الذي رفع اسم هشام المؤيد شعارا لدعوته، يقول ابن حزم (المؤرخ الأندلسي) الذي عاصر هذا الوضع ويصفه بمرارة واستهزاء

فيقول: «من المخجل حقا أن يقع أمر كهذا ولم يسبقه مثيل في العالم وهو ان يعلن اربعة نفرات في ثلاثة أيام وفي مسافة ثلاثة ايام طریق عن أن كل منهم امير المؤمنين وفي زمان واحد قرأت الخطبة باسمهم».

جلس محمد بن ادریس ستة سنوات على كرسي الخلافة وعندما عجز اعدائه عن العثور على سبيل للإطاحة به لجاؤا الى التآمر ودفعوا شخصا ليطعمه السم، وقعت هذه الحادثة في أواخر سنة 444 ه-، وحدثت البيعة من بعده الى ابن اخيه ادریس بن عیسی بن ادریس بن یحیی بن حمد ولقب بالسامي، وبقى مدة في مالقة ، ويبدو انه خرج منها بعد أن ابتلي بالجنون وصار كالتاجر الضائع، عبر البحر الى المغرب ثم ذهب الى سبتة وقتل على يد حاكمها.

لجأ بن يحيى العالي بعد خلعه الى سبتة وظل تحت حماية واليها ، كان فترة ايضا في رندة ، ولما هلك السامي ذهب الى مالقه واستقبله الناس بحفاوة وتكريم واصبح خليفة وتوفي في سنة 446ه- بعد ان جعل ابنه وليا لعهده .

أصبح ابنه خليفة محله ولقب بالمستعلي ، خالفه اغلب زعماء البرابرة وعلى رأسهم باديس امیر غرناطة. سار باديس مع قواته سنة 449 الى مالقه واستولى عليها . خرج المستعلي الى (المرية) ثم عبر البحر الى مليله واختاره الناس حاكما عليهم وبقي في هذا

المقام إلى أن توفي سنة 456 ه- وكان آخر حكام بني حمد الذين حكموا في مالقه. اتفق زعماء البربر خلال هذه السبع سنوات على مبايعة محمد بن قاسم بن حمود والي الجزيرة الخضراء لما خلع يحيى المستعلي عمه قاسم قاد ولديه (محمد وحسن) ایضا الى السجن، ولم يطلق سراحهما حتى توفي يحيى واصبح محمد بن قاسم حاكما على الجزيرة الخضراء ثم بايعه البربر كذلك ، كل ذلك وقع عندما كان المهدي لا يزال مشغول في مالقه، وهجم محمد علی مالقه لغرض القبض على الخلافة الا انه غلب وعاد الى الجزيرة الخضراء ومات هناك سنة 440 ه-. حل محله ابنه محمد وبعد فترة قصيرة اجرى حكمه على الجزيرة الخضراء ثم جاء محله ابنه قاسم ولقب بالواثق، كانت خلافته ضعيفة ومملكته صغيرة لهذا لم تدم خلافته طويلا. كان ابن عباد يخطط الى القضاء كليا على خلافة الحموديين لهذا جهز جيشا الى الجزيرة الخضراء وحاصرها من البر والبحر، استسلم قاسم بسرعة وطلب الامان لنفسه ولأهل بيته فخرج منها سنة 446 ه- وبقی تحت حماية حاكم المرية حتى سنة 450 ه- حيث وافاه الأجل. وبعد ذلك استولی با دیس امیر غرناطة على مالقة واخرجها من قبضة المستعلي في سنة 449 ه- وتهدمت هناك جميع اركان الدولة الحمودية وانتهت بهذا هذه الدولة في مالقة والجزيرة الخضراء بعد حکم دام نصف قرن سیطر خلاله على ثلث الجنوب الأندلسي والحدود الشمالية للمغرب.

ج:دولة الموحدين

من المؤسف أن تكون نهاية تلك الدولة القوية للمرابطين مع كل عظمتها وسطوتها على يد حركة دينية صغيرة ظهرت على يد رجل فقيه لم يكن له أي دور في البداية. واستطاع هذا الفقيه بعد ان صنع موطىء قدما له أن ينهي حياة دولة المرابطين بوقت قصير . هذه الحركة هي حركة محمد بن تومرث الملقب والمشهور بالمهدي . من النادر جدا أن نصادف في التاريخ الاسلامي حركة تبدأ بهذا الحجم القليل من الأهمية ثم تصبح بهذه العظمة، نعم أن حركة محمد بن تومرت السوسي كانت كذلك. ومن خلال تزيين دولته بلباس المهدوية استطاع ایجاد دولة اسلامية كبيرة من الناحية الجغرافية ومن جهة القدرة والسلطة التي قل ما نظيرها وسميت هذه الدولة بدولة الموحدين العظيمة.

تعتبر هذه الحركة الثانية من نوعها في المغرب الإسلامي، اما الحركة الاولى هي الحركة الفاطمية الشيعية التي انتهت الى تأسیس الدولة الفاطمية العظيمة في مصر والتي بدأت من تونس وكان او

خلفائها عبيد الله الذي يدعي هو الآخر بانه المهدي المنتظر.

الفصل العاشر: المهدي الكاذب وأفكاره وتعاليمه و آثاره

اشارة

1- محمد بن تومرت (المهدي الكاذب)

ظهرت في أواخر سنة 514 ه- في مدينة مراكش اول علامات احدى الحركات الدينية المضادة لدولة المرابطين.

دخل رجل فذفي في احد الجمعات لتلك السنة الى المسجد الكبير في هيئة فقيرة وجلس قرب المحراب في المكان المخصص الاميرالمسلمين فلما اعترض عليه احد خدمة المسجد قرأ الآية التالية :«وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا».

وبعد ذلك جاء امير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين الى المسجد فنهض الحاضرون الا ذلك الرجل. فلما انقضى وقت الصلاة قام فسلم على علي بن يوسف وقال له : (انه عن المنكرات في بلادك لانك مسؤول عن الرعية). قال هذا وانصرف ولم يجبه الامير ولما رجع الى قصره سأل عن ذلك الرجل فقيل له : لم يكن هنا من قبل، يمشي بين الناس ويقول : ذهب الدين أدراج الرياح ولما سأله الوزير علي بن يوسف عن حاجته فاجابه لا حاجة لي الا النهي عن المنكر. كان هذا الرجل محمد بن تومرت الذي عاد من سفر

المشرق وجاء الى مراكش، جال المدن الشمالية للمغرب واینما يحل يذکر بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر. اصله من سوس، ولد في سنة 485 ه-، اما نسبه فقد اختلفت فيه الروايات واكثرها توافقا هي التي تقول انه ابو عبد الله محمد بن عبد الله . تربط بعض الروايات نسبه بأهل البيت بالشكل التالي : عیسی بن عبيد الله بن ادریس بن ادریس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن فاطمة بنت رسول الله صلی الله علیه و آله. .

ذكر بعض مؤرخي دورة الموحدين نسبه بالصورة التالية : محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن هود بن خالد بن تمام بن عدنان بن صفوان بن سفیان بن جار بن عیسی بن عطا بن ریاح بن ياسر بن العباس بن محمد بن الحسن بن علي بن ابي طالب بالاضافة الى ذلك يعتقد بعض المؤرخين أن هذاالنسب ليس الا ادعاء فقط. من جملتهم مطروح القيسي الذي يقول : ابن تومرت رجل من قبيلة هرغة من قبائل مصمودة وقيل في باب تربية ابن تومرت انه ولد في عائلة متقية ومتعبدة لهذا فانه يقرأ القرآن ويحب العلم، يقال له في شبابه (اسلفور) اي (النور الشديد) لانه عندما یبيت في المساجد يضيء مشاعلا كثيرة.

تأثر في تعالمية الدينية بآراء و نظریات الغزالي، تعلم من خلال دراسته في المشرق نظريات علماء المشرق في علوم الكلام

والأصول والسنة. يقول ابن خلدون بانه وقع تحت تأثير تعاليم الأشاعرة وتعلم العلوم منهم وكان يستحسن طريقتهم في الدفاع عن عقائد السلف وكذلك يتبعهم في تأويل المتشابه في القرآن والحديث. يظهر تأثير عقائد الغزالي في آراء بن تومرت واحکامه وسننه وخصوصا عندما وقف أمام تلك السنن الدينية الموجودة في المغرب.

يقوم هذا النضال على الأكثر على اساس التعاليم الكلامية اللغزالي . بعد أن أمضى وقتا في الدراسة في المشرق سافر إلى المغرب.

يقول ابن خلدون: «كان متحمسا في علم البحر وكان كالنجم الساطع في الدين». رحل این تومرت سنة 511 ه- من الاسكندرية الى المغرب عن طريق البحر، ويقال انه أبعد من الاسكندرية لانه اثار العصيان والتمرد من خلال نهيهه عن المنكر، وكان يأمر بالمعرف وينهي عن المنكر حتى في تلك السفينة التي كانت تنقله الى المغرب ، كان يدعو الناس فيها الى اقامة الصلاة وقراءة القرآن، وقد ثقل امره على الناس فرموه في البحر وظل يسبح نصف يوم الى جانب السفينة بدون ان يصاب بضرر، فلما رأى الناس ذلك بعثوا من يخرجه من الماء وبهذا عظم أمره وبالغوا في اکرامه وتقديره. لما وصل الى مدينة المهدية سكن في احدى المساجد ولم يكن لديه

شيئا سوى عصاه وكاسته ، فلما شاع امر وصوله سارع طلاب العلم الى الالتفات حوله وبدءوا يسألونه عن انواع العلوم.

عندما كان يجد شيئا من آلات الطرب او الشراب يسارع الى تكسيرها وتحطيمها ولهذا كان يتحمل مصائب كثيرة من الناس، رحل من المهدية الى بجاية وحضر في احدى مراسيم العيد فری الرجال والنساء والاولاد يتزينون ويضعون الكحل في اعينهم واصطفوا الى جانب بعضهم البعض. تدخل ابن تومرت لايذائهم بشدة وشتت جمعهم حتى اصبح طعم العيد مرا في مذاقهم ، وشاعت الفوضى بينهم وادى ذلك الى سرقة بعض حلي النساء، لما تحقق والي المدينة من الامر، عرف ان هذه الفتنة وقعت بتأثير ذلك الفقيه السوسي لهذا قرر أن تقام معه مناظرة، فاجاب ابن تومرت وبدون اي تأخير عن كل سؤال طرح عليه ولم يجب احد على اي سؤال طرحه هو ، قلق من اوضاع هذه المدينة ولهذا رحل منها الى (ملاله) وعاش فيها قليلا يدرس ولما يفرغ، يجلس على صخرة جنب الطريق، لاح يوما في الطريق رجلا عجوزا مع شاب حسن المنظر اسمه عبد المؤمن علي بن العلوي الذي قدر ان يكون من اصحاب المهدي العظام ومن قادته الكبار وخلفائه الوارثين للدولة والمؤسس الاصلي لدولة الموحدين. سأل ابن تومرت عن احواله ولما علم بانه يريد الذهاب الى المشرق لكسب العلم فقال له ان

العلم الذي يطلبه والسمو والعلو جالس هنا وان تحدث معه رجاله سيصل الى مراده .

استمر ابن تومرت على امره بالمعروف ونهيه عن المنكر حتى بعد أن استقر في عاصمة المرابطين وحدث يوم بعد ان التفت الناس حول ابن تومرت والی دعوته، أن (الصورة) وهي اخت علي بن يوسف بن تاشفين ارادت الخروج من موکبها وكانت معها جاريات جميلات وجميعهن بلا حجاب كما اعتاد على ذلك نساء المرابطين في حين أن رجالاهم يغطون افواههم وحنوكهم، فلما شاهد ابن تومرت أن النساء محسورات الرؤوس يخرجن من البيوت صرخ بقوة احفظوا انفسكم فضرب هو وانصاره وجوه الحيوانات فسقط ابن الامير من على ظهر الجواد وانتشرت الفوضى في البلاد ولهذا اخرجوه من مراكش.

بعد ان اتسعت دائره انصاره خطب ابن تومرت خطبته في الخامس عشر من شهر رمضان سنة 515 ھ واعلن عن نفسه بأنه هو المهدي المنتظر، قبل ذلك كان يتحدث عن روايات آخر الزمان وخصال المهدي واوضاع الزمان التي كانت تتشابه مع فترة المرابطين وكانت خطبته كما يلي:

«حمد و ثناء الله الذي يفعل ما يشاء، ويحكم ما يشاء، لا يرد امره احد، ولا يؤخر حكمه احد، وصلاته وسلامه على سيدنا

محمد رسول الله الذي بشر بالمهدي الذي سيظهر ويملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا، وسيبعثه بعد ما ينسخ الحق بالباطل والعدل بالجور، مكانه في المغرب الاقصى وهو محل ولادته ، وزمانه آخر الازمنة، اسمه اسم رسول الله صلی الله علیه و آله ونسبه نسب النبي صلی الله علیه و آله، في عصر يشيع فيه جور الأمراء وتملأ الأرض بالفساد سيكون هذا الزمان اخر الأزمنة، واسمه ذلك الاسم، ونسبه ذلك النسب وعمله ذلك العمل». يسارع اليه بعد ذلك عشرة من اصحابه وملازمیه و یبایعونه على اساس انه المهدي المنتظر والامام المعصوم ويطلق عليهم بالعشرة الأولى وكذلك المهاجرين الأوائل أو الجماعة، ثم يبايعه خمسون اخرون ويسميهم اهل الخمسين وهم الطبقة الثانية من الاصحاب ثم يبايعه سبعون ويطلق عليهم اهل السبعين وهم الطبقة الثالثة من الأصحاب.

هذه الطبقات الثلاثة هم اخلص اصحابه واقواهم، یقسم اصحابه بعد هذه الطبقات باقسام اخرى : الطبقة الرابعة وهم طلاب العلم، الخامسة حفظة القرآن وهم من صغار الناس وأقلهم عمران الطبقة السادسة اسمهم اهل الذر وهم اهله وعشيرته وخواصه وخدامه، الطبقة السابعة اهالي هرغة (وهي مدينته وموطن قبيلته). الطبقة الثامنة اهل يتملل، التاسعة اهل جدمیوه، العاشرة اهل جنفیسه، الحادية عشر اهل هنتانه، الثانية عشر مركبة من الجيوش،

الثالثة عشر المحاربين والرماة ، الرابعة عشر (الفرات) وهم من الاطفال والفتيان ووضع ابن تومرت او المهدي المزور نظاما خاصا لكل طبقة وجعل لهم رتبة وعن وظائفهم بحيث لا يحق لاحد تجاوزها في سفر او حضر ،وقرر اعدام كل من يعصي أمره و... بالاضافة الى الكثير من القوانين الأخرى. كان شديدا في تطبيق دينه ويقبض بجزم وكفاية على زمام الأمور، أصبح هذا النظام اساس دولة الموحدين. بعد أن انتهت بیعته أطلق عليه المهدي والامام المعصوم، واطلق عليه وعلى اصحابه واهله ودعوته

(بالموحدین).

الف لاصحابه كتابا في التوحيد وسماه (المرشد) وموضوعه حول معرفة الله تعالى والعلم بحقيقة القضاء والقدر والايمان بما قرره على عباده والامر بالمعروف والنهي عن المنكر، يتكون الكتاب من الاعشار والاحزاب والسور ويعتقد اصحابه بان كل من لا يؤمن بهذا التوحيد فهو ليس موحدا بل هو كافر، لا تجوز متابعته ولا تؤكل من ذبيحته. وكتب كتابا اخر في اللغة العربية في باب العقيدة والعلم والامامة، ورواه عنه تلميذه عبد المؤمن بن علي، ولكونه يبدأ بعبارة (اعز ما يطلب) لهذا سمي بهذه العبارة. كان يصر على نشر دعوته ورسوخها في قلوب اصحابه ، كان فصیح و بلیغ، وواعظا في كلامه، يدخل كلامه الى القلوب، ذهب انصاره الی

جبال (مصامده) يدعون الناس مامته ومهدويته، قدم الناس اليه افواجا من كل حدب وصوب يبايعون امامته، ويتبركون في دياره حتى على شأنه وملأت انغامه جميع الاماكن وزاد انصاره واظهر نفسه كخطر عظیم امام المرابطين . من البديهي أنه لما رأى ان يدعی بالمهدي وان بنيانه قائم ومحکم وان اصحابه كثرة كثيرة، استعد القتال المرابطين،

وبالفعل اعلن ذلك ، وشرع بترتيب الجيش ، بحيث وضع نقیبا على كل عشرة، وكانت لاطروحاته و ابتکاراته الحربية الدور الأكبر الانتصاره في حرب الرابطين ، كان له اول انتصار سنة 516ه- في اول حرب للموحدين ضد المرابطين ، وادي هذا الانتصار الى علو شأنه وجرى ذكره على الالسن وزاد بین اصحابه وكان له الأثر العظيم على معنويات الموحدین . جهز جيشا جرارا في حربه الثانية ضد المرابطين وسار الى کارزار ولكن الرعب اصاب جيش المرابطين قبل القتال وفروا جميعا واستولی الموحدون على مقرات جيوشهم. وغنموا كل ما كان هناك استنتج علي بن يوسف المرابطي من خلال هذه الانكسارات المتلاحقة ان هذه ليست بالفتنة المحلية أو ليس هو بالمتمرد العادي وانما هي حادثة أعظم من ذلك بكثير وان قتالهم مع الموحدين هو مسألة حياة أو موت. وعلم ابن تومرت من خلال کیاسته انه لم يبقى الا اقدام للقضاء على دولة المرابطين وخصوصا

انه لديه اصحاب اقوياء واشداء.

في سنة 520 ھ خطط ابن تومرت لاخر معركة للقضاء على المرابطين في مراكش في وقت كان في اوج قدرته ونفوذه وشاع بين القبائل ولكن نتيجة هذه المعركة كانت بخسران الموحدين ، فمرض ابن تومرت هذه الأيام ولما سمع بهزيمة جيشه سأل عن حال عبد المؤمن فقيل له أن لا زال حيا فقال : «الحمد لله على بقاء نهضتكم». .

توفي ابن تومرت سنة 524 ه-، وكان كما يذكر المؤرخون بانه من اعظم واعلم واذکی افراد زمانه، له روح قوية يؤثر فيها بقوة على الآخرين، يتصف بالعلم والفطنة، له منطق قوي، ويغلب من يناظره ويجعله مجيب له، هو خطيب متمكن، بالاضافة الى فصاحته العربية والبربرية فانه من الممكن ان يكون عارفا لعدة لغات اخرى وكان يسيطر على مستمعيه ويجعلهم يعشقونه.

نقل ابن خلدون ان لم يختار زوجة لانه علم بان المهدي لم يختار ذلك.

دافع ابن خلدون في متن طويل في احدى كتاباته عن محمد بن تومرت واعتقد بانه اعلى مرتبة من أولئك الذي خطأوا آرائه، ومجد بتقواه وزهده وهذا ما اشکله عليه الكثير من کتاب و مؤرخی اهل السنة.

نجح ابن تومرت في تأسيس دولة دينية ( تئلگرافية)، شغل اصحاب العشرة المناصب الاساسية فيها والوزارات، وكانوا يحيطون علما بكل امر مهم، اختار العلم الابيض رمزا لدولته، وكتب على احد جهاته : ( الواحد الله محمد رسول الله ، المهدي خليفة الله). وفي الجهة الاخرى : (وما من اله الا الله وما توفيقي الا بالله وافوض امري الى الله).

اما شكله فتصفه الروايات بما يلي : رجل متوسط الطول، حسن المظهر، توجد فواصل بين اسنانه، أسمر البشرة ، عينه غائرة وبصره حاد، انفه معقوف،ووجهه نحيف، وعلى كف يده اليمنى (خال اسود)، ودفن باجماع المؤرخين في تينملل التي كانت منشأ دعوته ومهد دولة الموحدین .

ترك كتابين يشتملان على اساس دعوته الدينية وهما: (اعز ما يطلب) و (موطأ الامام المهدي)، ويبدأ كتابه الأول بهذه العبارة الرنانة : «اعز ما يطلب وافضل ما يكتسب وانفس ما يذخر واحسن ما يعمل، العلم الذي جعله الله سبب الهداية الى كل خير، هو اعز المطالب وافضل المكاسب وانفس الذخائر واحسن الأعمال».

اول ما يلفت النظر في هذا الكتاب فصاحته وجزالته ، مع كونه بربري الا انه غالبا ما يطرح آرائه باسلوب قوي وبيان عربي متين وفي نفس الوقت كان مولعا في تصنيف المطالب و تقسيمها ويقسم

كل موضوع الى أبواب وفصول ، ويقول في بحث الاخبار المتواترة وذكر اقسام وخصوصيات كل منها : (افضل التواتر ما خرج من المدينة، لان فيها الاسلام وشرائع النبي والصحابة ، لهذا فان افعال اهلها حجة على باقي المسلمين». .

ويقول عن الصلاة ايضا، ويدعم قوله بالآيات والأحاديث، ويعتقد بان العقل ليس هو طريق اثبات الشريعة، ويبحث في : العموم و الخصوص والمطلق والمقيد، والمجمل والمفرد، والناسخ والمنسوخ، والحقيقة والمجاز، والكناية والتعريض، والتصريح والاسماء اللغوية التي يطغي عليها العرف ويخصصها، والاسماء المنقولة من اللغة الى عرف الشرع، ويسلط على جميع تلك المسائل الشعاع الديني، ويتناول مسألة التوحيد في مجال عقائده ويذكر ادلة اثبات وجود الخالق تعالی والتنزيه والتشبيه .

2- تومرت والمهدوية

أهم ما جاء في كتابه قوله عن الامامة والامام المعصوم والمهدي وعلاماته ، وكذلك حديثه عن قيام طائفة اخر الزمان للقتال في سبيل الحق، ويمكن اعتبارها جوهر الكتاب واصله، ومذهب ولب دعوته السياسية ، كانت الامامة التي ادعى بها بمثابة

شعاره السياسي واساس قدرته وزعامته، واما نظرية المهدي المنتظر كانت غطاء روحي زين نفسه بها لكي يكون مؤيدا المشروعية امامته وقداسته. ومن الأمور المسلم بها ان الامامة كانت شعارا للدعوة الدينية والسياسية للشيعة على طول التاريخ وقد اختص بذلك اهل بیت رسول الله تعالى وليس الآخرين، لكن ابن تومرت تمسك بقوة بهذه النظرية في حين أن بينه وبين التشيع فاصلة، وكان حريصا جدا على انتسابه الى اهل البيت لكي يعطي جنبة شرعية لا مامته.

يقول في باب الامامة : «هذا باب في العلم وهو وجوب اعتقاد الجميع في الامامة ، الامامة ركن من أركان الدين وعمود من اعمدة الشريعة، وبدون وجوب الاعتقاد بالامامة في كل زمان من الأزمنة الى يوم القيامة لا يمكن اقامة الحق في الدنيا، ولا يخلو زمان من امام يقيم الحق على الأرض من زمن آدم إلى نوح ومن بعده ابراهیم .... يجب أن يوجد امام معصوم عن الباطل ليقدر على هدم الباطل، لان الباطل لا يهدم باطلا. ثم يعود الى اهمية الامامة وكونها ركن اساسي من اركان الدين ووجوب الاعتقاد بها والخضوع أمامها فيقول: «الامامة أصل الدين وعموده في كل زمان، وكانت تلك اعتقادات السلف الصالح في الايام المضاية حتى ابراهيم ومن سبقه ايضا. الاعتقاد بالامامة دين والعمل بها دين

والالتزام بها دين، الامامة تعني الاتباع والاقتداء والسمع والطاعة والتسليم والامتثال للامر واجتناب ما نهت عنه والأخذ بسنة الامام في قليل او كثير». .

اعلن عن نفسه بانه هو الامام والمهدي لأنه لم يجد سبيلا افضل من هذا للتأثير على النفوس ولتثبيت زعامته الدينية والسياسية وجذب الناس اليه وكان يخاطب الناس في احد المواضع بما يلي:

«لا ينكر هذا القول إلا كافر أو منكر أو منافق أو اعمى بصيرة أو ابن حرام أو مارق أو فاجر أو فاسق أو رذل وساقط أو من لا يعتقد بالله ولا يوم القيامة».

كما ذكر في مقدمة الكتاب أن الاعتقاد بظهور رجل في آخر الزمان يكون منج ومستصرخ للمظلومين و منتقم من الظالمين موجود منذ القدم، وفي جميع المعتقدات والأديان والمذاهب والملل المختلفة، وكذلك الحال في الدين الاسلامي المبين ، وكما نعلم أن هذه العقيدة مسبوقة في عصر حياة النبي صلی الله علیه و آله، وقد بلغت الأحاديث التي تشير وتثبت ظهوره الى ما لا يمكن عده ، ويعتبر هذا الاعتقاد رکن رکین واصل اساسي لعقائد التشيع . لهذا قامت الدولةالفاطمية في تونس على اساس هذا الاعتقاد وكذلك في مصر في بداية القرن الرابع الهجري.

على الرغم من وجود التفاوت بين محمد بن تومرت وبین الثقافة الشيعية والشيعة أنفسهم الا انه حاول اظهار نفسه بالمهدي، وطرح المهدوية باسلوب حماسي و مقتدر و مؤثر بعد أن بين اهمية الامامة باعتبارها الركن الأساسي للاسلام. يشير ابن تومرت الى احوال الفترة ما بعد الرسول الاكرم والخلفاء الأربعة في بداية حديثه وشرح بعد ذلك الفتن التي خيمت على العالم الاسلامي بعد تلك الفترة ويعبر عنها كما يلي: «هذه فترة يختفي بها العلماء ويظهر الجهال، ويذهب فيها الصالحون ويبقى الطاغوت، الامناء يرحلون ويأخذ محلهم الخائنون، تغطى وجوه الائمة بالتراب ويظهر اصحاب البدع، يموت الصادقون ويبرز الكاذبون، يتعطل اهل الحقائق ويعمل اهل التعديل والتغيير والتلبيس والتدليس الی تبدیل الأمور وقلب الحقائق وتعطيل الاحكام وافساد العلوم واهمال الأعمال وتموت السنن ويزال الحق ويقضي على العدل ويصبح العالم مظلما بالباطل والجهل ويسود من الفسق والكفر والعصيان وتغير لونه البدع والأهواء ويطغي عليه الجور والظلم وتنتشر فيه الفوضى والفتن.

في هذا الزمن الغريب وعصر قلب الأمور والحقائق و تبدیل الاحکام، ظهر المهدي، اختاره الله تعالی واودع فيه معاني الهداية ووعده ان يعيد الأمور الى مجراها ويهدم ذلك البناء على يده باذن

الله ويقيمه على اساس الحق، يخرج العلم من معادنه ، ويستنير العالم بنوره ويمتلىء العالم عدلا بعد ان ملىء جورا ... هذا ما وعد الله تعالى به المهدي وان الله لا يخلف میعاده». .

وفي هذا الأثناء كان يوصي اتباعه بوجوب قبول دعوته بلا نقاش او سؤال كما ظهر ذلك من خلال وصيته التالية : «لهذا فان العلم بالمهدي واجب وسماع امره واجب واطاعته واجبة والاقتداء بافعاله واجب والايمان به والتصدیق واجب على الجميع ، والتسليم له واجب والرضى بحكمه واجب ... ويلزم رفع الامور اليه بصورة كاملة، موافقته تعني الموافقة مع الله ورسوله.

هو اعلم بالله من الجميع واقربهم اليه و تقوم لاجله السماوات والارض ، الايمان به سبب السعادة وطاعته تؤدي الى البركات .

وفي هذا الاثناء الذي يتكلم به حول المهدي المنتظر ويوضح هذه الافكار والاعتقادات لتثبيت المبادىء الدينية والسياسية الدعوته نراه لا يغفل عن الهجوم على المرابطين الذين دقوا طبولهم للقضاء على دولته، وهكذا فقد خصص فصلا في كتابه للقضاء عليهم اعطاها صفة قدسية وثبت ذلك الهجوم بالمباني الدينية حيث كان يطلق عليهم بالمبطلين والملثمين والمجسمین ثم يتناول في كتابه فصلا آخر خاصة بالصلاة وفضيلتها والطهارة وغيرها ثم يتطرق الى التبديل والتغيير الحاصل بعد رسول الله صلی الله علیه و آله وفي هذا الفصل

تناول المهدي في حديثه والاحاديث المروية بصدده والتي تدل على انه من اهل البيت واسمه اسم النبي صلی الله علیه و آله، وانه سيملا الأرض عدلا بعد ان ملئت ظلماوجورا، والمهدي من عترة رسول الله صلی الله علیه و آله ومن ابناء فاطمة علیها السلام وذكر خروج الدجال وهزيمته.

يمكن اعتبار کتاب (أعز ما يطلب) وصية سياسية على الاغلب، أما كتابه الآخر (الموطأ) فهو يتناول على الاكثر ابواب الأحكام والمعاملات والفروع وهذا ما لا علاقة له بهذا المتن ، ولكن يجدر ذكر هذه النكتة ان هذا الكتاب هو مختصر لكتاب مالك امام المذهب المالكي كما يذكر ذلك المؤرخون. لقد بحثنا في بداية هذا الكتاب عدة نكات مهمة وأساسية تتمحور حولها جميع حوادث قصة الجزيرة الخضراء ولاجل تذكرة القارىء المحترم نعيد ذكرها.

اولا: لا ثبات هذا الموضوع نذكر الى أن المصادر التي تذكر وتشرح تلك المعتقدات الشيعية الخالصة وخصوصا العقيدة بالامام صاحب الزمان و منجي العالم هي في متناول ايادي اي شخص لائق لذلك ام غير ذلك.

ثانيا : لهذا الاعتقاد جذور في جميع الأديان، وقد اشار کل مذهب الى هذا الموضوع وفق اصوله الاعتقادية بشكل من الاشكال. هذا من ناحية ومن ناحية اخرى ان اغلب المتغطرسين وعلى مر التاريخ عندما تظهر بعض المقدمات، اما ان يقدم بنفسه

على اخمادها او يوصي ويؤكد كثيرا على الوقوف بوجه هذا الشخص.

بحثنا في الجزء الأول موضوع المهدوية من وجهة نظر الأديان والمعتقدات ، وفي الجزء الثاني ناقشنا موضوع التحريف مع الاستشهاد بامثلة موجودة الآن في حياتنا العادية، وعلمنا أن جذور انحراف بعض عقائدنا ترجع إلى مئات السنين ويجب علينا التيقن ان موضوعا مهما كالمهدوية لو بقي مصانا من التحريف لما كان هناك ادنی مجالا للشك فيه او الترديد ! لهذا يجب أن لا تبعد عن اذهاننا تلك الحركات الانحرافية التي تهدف الى تخطئة أصول هذا الاعتقاد.

في القسم الثالث منه ذكرنا المتن الكامل لقصة الجزيرة الخضراء وقصة الانباري ثم حاولنا أن نمر على التوضيحات التي كان لزاما علينا أدائها من خلال بحث موضوع القصة في فصول تاريخ الشيعة والعداءات الموجودة على طول التاريخ للتشيع.

اما الجزء الرابع خصصناه لبحث العوامل التي ادت الى وضع هذه القصة بهذا المعنى : أن القصتان كانتا تدور حول مسلمي الاندلس وحتى عصرنا الحاضر، وتناولنا كذلك التاريخ الاسلامي للاندلس، والثورات الواقعة تحت اسم التشيع في تلك الأماكن، وكما رأينا أن دولة بني حمود، وحكومة الموحدين استطاعت السيطرة على مساحات واسعة امتدت من بلاد المغرب الاسلامي

من مصر ومراكش والاندلس (اسبانيا) وفي مدة زمانية معينة وان تاریخ هاتين القصتين قريب جدا من فترات هاتين الحكومتين الشيعتين في تلك المنطقة.

اما الآن سنتناول جميع الوقائع في الجزيرة الخضراء والمناطق والجزر المحيطة بها ابتداء من حضور المسلمين سنة 91ه- وحتى زمن انتهائه في تلك المنطقة وكذلك الى العقد الرابع للقرن الميلادي الحالي لكي يتضح لنا انها بدأت قبل ولادة إمامنا الثاني عشر (الحجة بن الحسن العسكري علیه السلام) ولا زالت مستمرة لوقتنا الحاضر، وان الامام علیه السلام لم يكن موجودا ولا الأفراد المنتسبين اليه کاولاد في تلك البقعة. وان ليس هناك أي وجود خارجي من هذا القبيل.

لهذا فان العلل التي ادت الى استمرار بحثنا حول التاريخ الاسلامي للاندلس هي اولا معرفة اسماء الاماكن والمدن، وثانيا استخراج الوقائع والعلل والعوالم التي يمكن أن يكون لها دورا في بناء الشائعات المشابه للقصة وتكون دخيلة في الأمد البعيد في وضع قصة الجزيرة الخضراء او قد تكون لها دورا مباشرا في ايجاد هذه الخزعبلات. لهذا نجتنب الشرح الزائد لحوادث الجزيرة الخضراء ونسعى الى العثور على توضيح اكثر للمتن المختصر لتاريخ الاندلس وعند الحاجة سنعود الى المصادر المذكورة في آخر الكتاب .

الفصل الحادي عشر: الجزيرة الخضراء بين صفحات التاريخ

سنة 91 ه- ق : حدثت اول حملة اسلامية على الجزيرة ء لانها كانت تقع في مدخل اسبانيا التي دخل اليها المسلمين و هذه السنة.

سنة 93 ه- ق : لأول مرة يحط موسی بن نصیر رحاله في الاندلس بعد أن سمع بفتوحات طارق بن زیاد، ومنها دخل إلى الجزيرة الخضراء.

سنة 65 ه- ق به الفتح الكامل لاسبانيا من قبل المسلمين الذين كانوا يتشكلون من القبائل والعشائر المختلفة، انتشر هؤلاء في المدن المختلفة فسكنت قبائل فلسطين في الجزيرة الخضراء ومالقة واطرافها. سنة 122 ه- ق : في زمن حكومة عبد الملك بن قطن الفهري في الاندلس امتد الإنقلاب الديني والسياسي الذي بدأ في افريقيا الى الاندلس كذلك ولغرض ایجاد قاعدة لدخول البربر تمت السيطرة على الجزيرة الخضراء من قبل اولئك الانقلابيون في الاندلس.

سنة 125 ه- ق : قرر العرب بعد انتصارهم على البربر في

الاندلس اعدام مجموعة كبيرة منهم في آن واحد الا ان وصول الحاكم المبعوث من قبل خليفة دمشق حال دون ذلك لانه اصدر او امرا بتغيير محل الجيوش المحاربة الى نقاط مختلفة وكانت الجزيرة الخضراء موقعا لاستقبال الجيش الفلسطيني.

سنة 143 ه- ق : بعد أن بدأت حكومة عبد الرحمن الداخل الأموي هجم على الجزيرة الخضراء لغرض اسکات الفتن فيها وبهذا بدأ القتال بشدة مع احدمخالفيه ويدعى قاسم بن يوسف .

سنة 163 ه- ق : ثار رماحس بن عبد العزيز الكناني في الجزيرة الخضراء ضد بني امية وعبد الرحمن الداخل ، الا انه قتل في معركة حدثت بينه وبين الدولة الاموية في الاندلس.

سنة 245 ه- ق : شن النورمانيون هجوما بحريا على السواحل الغربية للاندلس فتصدت لهم القوى المدافعة المسلمة فتحرك هؤلاء إلى السواحل الجنوبية والي مياه الجزيرة الخضراء، ولم ينفع دفاع اهالي الجزيرة في منعهم من الدخول اليها، لهذا دخلوها واحرقوا مسجدها الكبير واراقوا دماء كثيرة فيها.

سنة 273 ه- ق : في خلال هذه السنة واثناء فتره حكومة عبد الرحمن الداخل، صدرت الأوامر بتعريف مجموعة حربية من كل منطقة للاستعداد للقتال الصيفي فكانت حصة الجزيرة الخضراء 290 نفرتم تعريفهم الى الحكومة المركزية.

سنة 386 ه- ق : جهز المنصور بن أبي عامر حاجب الخليفة جيشا في الجزيرة الخضراء بعد أن غض النظر عن قائد جيشه الذي استعمله في قتال الشيعة آنذاك.

سنة 400 ه- ق : ثار البرابرة في زمن خلافة محمد بن هشام الذي حل محل ابيه، وتقدم هؤلاء باتجاه الجزيرة الخضراء.

سنة 446 ه- ق : قسم سليمان المستعين بعض المدن على القبائل التي نصرته في الوصول الى الحكم فكانت الجزيرة الخضراء نصیب قاسم بن حمود.

سنة 446 ھ ق : ادرك المعتضد بن عباد الموقع الاستراتيجي للجزيرة الخضراء ولهذا سعى الى الاستيلاء عليها، وتحقق ذلك في هذه السنة وقام بالاستيلاء على احد بوابات دخول الاندلس كذلك مما ادى الى القضاء على دولة بني حمود هناك تماما .

سنة 450 ه- ق : ضيق المعتضد بن عباد على ابنه اسماعیل واراد عقوبته ففر اسماعيل مع مجوهرات كثيرة الى الجزيرة الخضراء

سنة 478 ه- ق : بعد سقوط طليطة في فترة ملوك الطوائف، کتب ملوك المناطق المختلفة للاندلس الى المرابطين الذين كان لديهم حكومة قوية في المغرب يطلبون منهم النجدة والدفاع عنهم

امام الحملات المسيحية، فوافق زعيمهم يوسف بن تاشفين ولكن بشرط تسليمه الجزيرة الخضراء للاستفادة العسكرية منها. فقبل المعتمد بن عباد بذلك سنة 479 ه- فدخلها جيش المرابطين.

سنة 481 ه- ق : دخل المرابطون مرة أخرى إلى الأندلس الحماية المسلمين فيها وذلك بطلب منهم، وقد دخلوا الجزيرة الخضراء أولا.

سنة 481 ه- ق : أبعد علي بن يوسف بن تاشفين ابن اخيه يحيى من المغرب الى الجزيرة الخضراء

سنة 483 ه- ق : خلع عبد الله بن بلقين زعيم ملوك بادیس على يد علي بن يوسف و تم ابعاده الى الجزيرة الخضراء.

سنة 500 ه- ق : بعد أن سار علي بن يوسف زعيم المرابطين (خليفة يوسف بن تاشفين) الى فتح الأندلس دخل في البداية الى الجزيرة الخضراء، وقام بترتيب اموره فيها ثم ذهب الى العاصمة.

سنة 541 ه- ق : عندما كان عبد المؤمن الموحدي (خليفة محمد بن تومرت المهدي) يستعد للهجوم على مراكش، جاءت هیئات من الاندلس الى تونس وطلبت منهم المساعدة امام الحملات المسيحية، فاستجابت لهم وارسلت لهم جيشا الى الاندلس دخل بعد وصوله على الفور الى الجزيرة الخضراء

وافتتحها.

سنة 542 ه- ق : بعد أن نشبت معارك بين الموحدين والمرابطين في زمان عبد المؤمن الموحدي، ثار اثنان من اخوة محمد بن تومرت وبتحريك من المرابطين ضد عبد المؤمن، ولهذا قام عبد المؤمن بتجهيز جيشا كذلك وارسلهالى الجزيرة الخضراء.

سنة 549 ه- ق : قسم عبد المؤمن الموحدي امارت الاندلس بين ابنائه بعد اضمحلال حكومة المرابطين والاستيلاء الكامل على الاندلس، فكانت الجزيرة الخضراء والمناطق المجاورة لها من نصيب ابو سعید بن عبد المؤمن.

سنة 557 ه- ق : بعد أن ثار (مردنیش) (محطم دولة الموحدین) سار جیش من الموحدين لقتاله فدخل إلى الجزيرة الخضراء.

سنة 560 ه- ق : عندما حل ابو يعقوب يوسف الموحدي محل اخيه عبد المؤمن ، بدأ اخيه ابو سعید باثارة ما يقلقه لهذا أرسل اخاه الآخر ابو حفص عمر الی ابو سعيد لانهاء الأمر، فالتقى الاخوان في الجزيرة الخضراء وانتهت ازالة القلق من تمرده الذي كان عبارة عن شائعات مستترة.

سنة 565 ه- ق : وقعت حوادث كثيرة في الاندلس من جملتها

انتشار مرض الطاعون وحدوث زلازل عظيمة وكذلك هجم القشتاليون (مسيحي اسبانيا) على الاندلس وامتد الى الجزيرة الخضراء.

سنة 580 ه- ق : بعد اضطراب اوضاع الاندلس على اثر الهجمات المسيحية جهز الخليفة الموحدي ابو يعقوب جيشا جرارا وسار من المغرب لقتال المسيحيين في الأندلس، ولما عبر مضيق جبل طارق دخل الجزيرة الخضراء. وتوفي الخليفة ابو يعقوب في نفس هذه السنة في الجزيرة الخضراء.

سنة 586 ه- ق : كان هناك شخص يسمى أبو عبد الله محمد بن عبد الله الجزيري من اهالي الجزيرة الخضراء وهو احد علماء الاندلس المسلمين وكانت له انواع من العلوم، غضب بشدة وانتقد الموحدين الذين انحرفوا عن تعاليم محمد بن تومرت والذين التجأوا إلى الدنيا ولذائذها ونعمها، واراد ان يحيي المذهب التومرتي من جديد ولهذا بدأ بالتبليغ له ولما شاع خبره ألقي القبض عليه وقتل.

سنة 591 ه- ق : جهز الخليفة الموحدي يعقوب المنصور جيشا لقتال المسيحيين في اسبانيا وسار اليها واستقر في الجزيرة الخضراء.

سنة 624 ه- ق : عندما حضر الخليفة الثامن (المأمون) الى

الجزيرة الخضراء وصل اليه خبر وقوع مؤامرة وبويع اخيه يحيي الناصر، فغادر الجزيرة الخضراء على الفور عائدا الى العاصمة.

سنة 626 ه- ق : جهز المأمون جيشا لقتال أخيه الذي ادعى الخلافة وسار بهم إلى الجزيرة الخضراء .

سنة 629 ه- ق : بدأت ثورة ابن هود من سنة 625 ه- ضد الموحدين واستطاع ان يستولي على قسم كبير من الاندلس ، استغل المسيحين هذا الوضع المضطرب فزادوا من حملاتهم.

سنة 629 ه- ق : فرض ابن هود سيطرته على الجزيرة الخضراء الا أن المسيحين كانوا يسعون إلى السيطرة على الجزيرة الخضراء لقطع ارتباط ابن هود مع الحدود الجنوبية للاندلس، في نهاية الامر اضطر ابن هود (محمد بن يوسف بن هود) أن يعقد معاهدة مع المسيحيين على ان يدفع لهم مبلغ مليون دينار.

سنة 630 ه- ق : انضم ابن هود ولأغراض سياسية تحت لواء الدولة العباسية، لهذا أصدر الخليفة العباسية اوامره لتحديد حدود دولة ابن هود من الشرق الى الغرب ومن الشمال الى الجزيرة الخضراء

سنة 659 ه- ق : جهز بني الأحمر اسطولا للهجوم على الجزيرة الخضراء وكانو يدعون ويطالبون بحكومة الاندلس في

نفس الوقت الذي كان فيه ابن هود و حدثت بينهما معارك كثيرة، وفي النهايةكان مصير ذلك الاسطول هو الهزيمة.

سنة 668 ه- ق : بدأت غارات وهجمات المسيحيون بعد صمت محدود على مسلمي الأندلس، وحمل المسيحيون في هذه السنة على الجزيرة الخضراء واقدموا على القتل والسلب هناك.

سنة 673 ه- ق : استنجد محمد بن الأحمر بأمير منطقة تلمسان القتال المسيحيين لهذا جمعوا الجيوش في هذه السنة في الجزيرة الخضراء وهجموا عليهم، وقد تدخل يوسف المريني لنصرة المسلمين ايضأ واتخذ من الجزيرة الخضراء مقرا لاستعداداته .

سنة 674 ه- ق : بعد انتهاء حرب المسلمين والمسيحيين ظل يوسف المريني ملك المغرب الذي جاء لنصرة المسلمين في الجزيرة الخضراء عدة أسابيع، وقد جهز مرة اخرى في تلك السنة جیش الا ان المسيحيين طلبوا الأمان منه، فعاد بعد ذلك وظل فيها عدة اسابيع اخرى للاستجمام والاستراحة

سنة 677 ه- ق : بعد موت امیر مالقة، صير ابنه مملكة ابيه تحت أمر سلطان المريني، وقد أقلق هذا الأمر بني الأحمر لهذا عقدوا معاهدة صلح سرية مع ملك قشتالة (اسبانيا المسيحية) وقد وافقوا فيها على اعطاء الجزيرة الخضراء الى الجيش المسيحي القشتالة . (ومن هذه السنة فصاعدا يحتمل أن تكون السنين التي ظهر

فيها فاضل المازندراني).

سنة 681 ه- ق : بعد تمرد ابن ملك اسبانيا المسيحية على ابيه استنجد الأب بملك المغرب (السلطان المريني) فحصل بينهما لقاء في تلك السنة في الجزيرة الخضراء

سنة 683 ه- ق : بعد موت ملك قشتالة دخل بني مرين (سلاطين المغرب) افواجا افواجا إلى الجزيرة الخضراء والحدود الجنوبية للاندلس.

سنة 685 ه- ق : توفي السلطان ابو يوسف المريني اثناء عودته من الاندلس الى المغرب في الجزيرة الخضراء.

سنة 692 ه- ق : بعد موت السلطان المريني تربع ابنه على كرسي الحكم في المغرب وهذا ما يخشاه ملك اسبانيا المسيحية لهذا مد يد المودة والصداقة الى ابن الاحمر. في ذلك الوقت كانت هناك جزيرة تقع بقرب الجزيرة الخضراء تسمى (طريف) وكانت تحت سيطرة بن سرين ، استطاع المسيحيون السيطرة عليها بمساعدة ابن الأحمر، وقد اتفقا على جعلها تحت امر ابن الأحمر بعد سيطرة المسيحيين عليها ، الا أن المسيحيين تنكروا لذلك ولهذا ندم ابن الأحمر من فعلته وقدم عذره ليعقوب المريني واعطاه الجزيرة الخضراء لجبران ذلك الخطأ الحاصل، ولكي يتمكن ايضأ عن طريقها ارجاع جزيرة طريف التي تعتبر احد بوابات الاندلس.

سنة 709 ه- ق : كانت هذه السنة مشغولة بالاختلافات الداخلية للمسلمين في الاندلس والمغرب، وكان ملك اسبانيا المسيحية واسمه (فرناندوي الرابع) الذي لا زال في جزيرة الطريف يخطط لفتح جبل الطارق ولهذا أرسل جيشاالى الجزيرة الخضراء واستولى عليها، بعد أن استولى المسيحيون على جبل الطارق في هذه السنة ندم سلطان بني الأحمر على فعلته وطلب بعد العون مرة اخرى من ملك المغرب آنذاك (ابو الربيع) وقام تسليمه الجزيرة الخضراء وقلاعها لتطييب خاطره.

سنة 713 ه- ق : جلس السلطان على عرش الخلافة في غرناطة التي كانت الجزيرة الخضراء من ضمائمها، حدث ذلك لما ذهبت جميع الاندلس من المسلمين ولم يبقى تحت حكمهم الا غرناطة.

سنة 716 ه- ق : هجم الجيش الاسباني المسيحي على غرناطة ثم ساروا الى الجزيرة الخضراء الا أن السلطان أبو الوليد أرسل اسطولا لحراستها فانصرف المسيحيون عن الدخول فيها.

سنة 725 ه- ق : قتل السلطان ابو الوليد اسماعيل على يد والي الجزيرة الخضراء محمد بن اسماعيل ابن عم السلطان المقتول.

سنة 729 ه- ق : أعيدت الجزيرة الخضراء الى سلطان المغرب بعد أن ضغط المسيحيون بشدة على والي غرناطة التي كانت بيده .

سنة 741 ه- ق : تصاعدت الحملات المسيحية على اراضي المسلمين في عهد السلطان ابو الحجاج يوسف ملك غرناطة. وكان ملك اسبانيا المسيحية آنذاك آلفونسوي الحادي عشر ينظر بعين الطمع الى الاراضي الاسلامية لهذازاد من الهجمات عليهم في الوقت الذي لم تكن هناك وسائلا دفاعية كافية لدى السلطان ابو الحسن علي بن عثمان فأرسل سلطان المغرب جيشا مع ابنه للدفاع عن غرناطة فدخلها وحرر اراضيها المنبسطة واعلن فيها الجهاد.

سنة 743 ه- ق : بعد تسلط المسلمين على الجزيرة الخضراء نشبت الحروب ثانية بينهم وبين المسيحيين واستطاع المسيحيون السيطرة على الجزيرة الخضراء في هذه السنة وبهذا وقعت بوابات الاندلس الجنوبية تحت تسلط المسيحيين.

سنة 745 ه- ق : ارسل في هذه السنة سلطان مصر رسالة الى سلطان الاندلس يبدي فيها تأتفه لسقوط الجزيرة الخضراء.

سنة 750 ه- ق : بعد ان اعاد المسلمين السيطرة على الجزيرة الخضراء هجم في هذه السنة المسيحيون القشتاليون مرة اخرى واستولوا عليها.

سنة 769 ه- ق : لم يبقى سوى غرناطة في يد مسلمي الاندلس وانتقل حكمها بعد ابو الحجاج يوسف الى ابنه محمد بن يوسف الملقب (الغني بالله) فجهز في هذه السنة جيشا يقصد به

الجزيرة الخضراء، وحاصرها وأجبر المسيحيين على اخلائها بعد معركة ضارية، وبهذا يعود هذا الحد القديم الى المسلمين بعد تسعة عشر سنة.

سنة 897 ه- ق : سقطت غرناطة، وهي آخر قاعدة اسلامية في الاندلس وهاجر اهاليها منها أفواجا افواجا وكذلك رحل اهالي الجزيرة الخضراء الىطنجة وهي من المدن الحدودية للمغرب.

وبعد الخروج الكامل للمسلمين من اسبانيا وقعت هذه المدينة كسائر المدن الباقية في ايادي المسيحيين ولا زالت كذلك تحكمها المسيحية ويسكنها المسيحيون.

سنة 1930 میلادي : (قبل تسعة وستون سنة) استطاع شکیب ارسلان (وهو من الكتاب العظام و علماء العالم العربي وله مقام رفیع في عصره) من خلال سفراته السياسية وقدرته الفكرية أن يقضي على الجمود الفكري والسياسي للمسلمين وظل خمسين سنة يسطع کالزهرة في سماء العرب (1).

جاء في كتابه الفتوحات الاسلامية في اوربا (في هامش صفحة 315) توضيح المطالب التي تدور حول بناء الأبراج على يد


1) من مقدمة كتاب الفتوحات الاسلامية في اوربا تألیف شکیب ارسلان وترجمة على دواني ، كتبت هذه المقدمة وأخذ منها ما يعرف شکیب.

المسلمين وجاء فيها ما يلي: «عندما كنا في سفرة الى اسبانيا سنة 1930 م، توجهنا من مالقه الى الجزيرة الخضراء بسيارتي، وطوينا هذه المسافة بمدة ستة ساعات، وكنا كلما قطعنا مسافة 300-500 متر نری برجا مخروطيا يناطح السماء بعلوه، وقد توجهت حينها الى أن لجميع هذه الابراج ماض اسلامي».

ويتضح من ذلك انه خلال هذا التاريخ الاسلامي وابتداء من فتح الأندلس على يد المسلمين (الذي يعود الى قبل ولادة الحجة علیه السلام) وحتى عصرنا الحاضر (1930 م) لم يذكر لنا أحدا سوی السيد فاضل (مع تلك السابقة التي ذكرناها له ومن الممكن ان نضيف لها ايضأ) أنه شاهد الحجة المهدي علیه السلام واولاده او شیعته الاثنی عشرية في تلك الجزيرة، واليوم ان اراد احد ان يزور مدينة فاضل المازندراني الخيالية يمكنه أن يسافر الى اسبانيا والوصول الى الجزيرة Algesrvas او الجزيرة الخضراء من خلال الخرائط الموجود هناك ، وتقع هذه الجزيرة مقابل مضيق جبل الطارق.

يعتبر تحلیل اوضاع مسلمي الاندلس العامة من احدی المقدمات التي تساعد معرفتها على الحركة باتجاه الاستنتاج والحكم العادل للقصة المذكورة، لماذا؟ لأن القسم الاعظم لهذه القصة يتعلق بالسيناريو الذي اخرجه فاضل المازندراني او یحیی الانباري في قصصهم حول موطن ابناء امام الزمان علیه السلام.

الفصل الثاني عشر: الأوضاع الاقليمية والاقتصادية لمدن الأندلس

جاء في قصة الانباري وفاضل تصوير خاص للمدن من الناحية الزراعية وقد كانت في اعلى المستويات واشاروا الى البساتين والمزارع الخضراء والمثمرة والأبنية الشاهقة والمساجد والحمامات والمكاتب و... والخ. وللتأكد من ذلك نمر سويا على تلك الاوضاع من خلال لسان المؤرخين:

من خصوصيات الحضارة الاسلامية آنذك الشوق المفرط للعلوم والفنون، وقد انتشرت في جميع الاماكن : مراكز التعليم، والمكاتب والمجامع العلمية والادبية وكذلك ترجمت الكتب اليونانية، وشاع آنذاك تحصيل الهندسة، والطبيعيات والكيمياء، والطب وبنجاح عظيم، وارتقت التجارة كذلك الى اعلى مستوياتها : في مجالات المعادن والاسلحة والاقمشة والحرير وسائر المنسوجات، والجلود المدبوغة، والسكر، وقد توقر جميع ذلك بكثرة وكان يحمل من هناك من قبل التجار اليهود والبربر الى افريقيا والمشرق. (الرجوع الى لقاء فاضل المازندراني في الجزيرة الخضراء مع قافلة من احدى جزائر الشيعة !!! كانوا يحملون البضائع).

كانت قدرة الفلاحة والزراعة منتشرة بين المسلمين اكثر من العلوم والصنائع الاخرى، كما يشاهد ذلك من خلال وسائل الري التي لا زالت آثارها لحد الآن باقية ، كانوا يزرعون في الأراضي الاندلسية قصب السكر و التوت والقطن والموز والتفاح والحمضيات وغير ذلك. كانت الأندلس في ذلك العصر وخصوصا الأراضي الجنوبية منها (منطقة الجزيرة الخضراء واطرافها) مثالا لجنة إرم. لقد اثبت المسلمون جدارتهم في جميع العلوم والفنون وكانوا ينافسون الروم في العمران العام وباقي الموارد العامة المنفعة، این ما ينظر يمكن مشاهدة الطرق والجسور بکثرة وكذلك دور الاستراحة والفنادق والمستشفيات والمساجد والابراج والقلاع العظيمة جدا والشاهقة، لقد احدث المسلمون انقلابا في الاندلس طيلة هذه القرون من الناحية العلمية والمالية وصارت تاج فخر وشموخ فوق رأس اوربا.

يذكر نهرو العالم ورئيس الوزراء الهندي السابق في كتابه الذي قل نظيره (نظرة الى تاريخ العالم) يقول فيه:

«الفتره الحكومية للعرب في اسبانيا والتي بلغت 700 سنة محيرة جدا، وما يلفت النظر هو تلك الحضارة السامية والثقافة العالية والعظيمة التي اوجدها المسلمون».

يقول أحد المؤرخين المتأثرين بشدة في هذه الحضارة:

«أنشأ المسلمون في تلك الحكومة العجيبة مدينة قرطبة وهي اعجوبة القرون الوسطى في الوقت التي كانت جميع اوربا طامسة في الجهل والبربرية والجدال والنزاع، وقد رفعت لوحدها مشعل العلم والحضارة متوهجا تستنير منه جميع دنيا الغرب.

يستمر نهرو في حديثه فيقول: «لقد كانت قرطبة عاصمة ومركز لهذه الحكومة طيلة خمسمائة سنة وكانت تسمى (کردوبا) او (کوردووا). كانت قرطبة مدينة كبيرة يسكنها مليون نفر، كانت تشبه البستان العظيم ، طولها 20 کم ومحيطها 45 كم. قيل ان فيها 60000 قصر ومنزل عظیم و 200000 بيت صغير و 80000 دکان و مغازة و 3800 مسجد و 700 حمام عمومي. من الممكن أن تكون هذه الأرقام مبالغ فيها ولكنها تنقل لنا على الاقل صورة عن هذه المدينة». الكلام طويل حول جمال الأندلس المسلمة وعن نعمها الالهية، ومن يريد التحقيق الأكثر في هذا الباب يمكنه الرجوع الى فهرست المصادر المذكور في آخر الكتاب. أما الهدف من ذكر هذا الموضوع بصورة مختصرة والذي يمثل التصوير الملقى من فاضل المازندراني حول ارض اولاد الامام علیه السلام فهو لتوضيح الصورة الحقيقة التي كانت في جميع البلاد الاسلامية للاندلس ، وسنذكر في صفحات الكتاب وفي الأجزاء التالية علل وضع هذه القصة والی الاسباب السياسية التي اوجبت اعتبار هذه الصفات للمدن التي يدعي فاضل بانه ينتسب الى ارض امام الزمان علیه السلام .

الفصل الثالث عشر: الأوضاع السياسية والثقافية لمدن الأندلس

الموضوع المهم الآخر والذي استخدم كوسيلة لوضع قصة الجزيرة الخضراء من قبل فاضل المازندراني هو الأوضاع السياسية والثقافية لأندلس المسلمين. وخصوصا في الفترة التي عقبت محمد ابن تومرت الملقب بالمهدي والذي كان يدعى بالمهدوية كما ذكر في جزء بحث حكومة الموحدين، ومرورا على ماضي محمد بن تمرت وتعاليمه يتضح لنا بأنه اعلن صراحه عن انه المهدي ومن سلالة أهل بيت العصمة علیهم السلام وقام باظهار الآثار والعلامات التي أشار اليها الأئمة في رواياتهم والرسول الاكرم صلی الله علیه و آله في احاديثه حول المهدي وزمان ظهوره، وكما هو موجود في احادیث علائم اخر الزمان ولا زالت لحد الآن في متناولنا، ومن العلامات هي اختلاف الأوضاع وانقلابها ، اي تعمل المرأة عمل الرجل ويعمل الرجل عمل المرأة، ويرتدي الرجال زي النساء ويلبس النساء زي الرجال، ويصير الذنب أمر طبيعي وكذلك المعصية، وينسى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبالاضافة الى تلك التي لم نشر اليها وكانت موجودة في حكومة المرابطين والتي تم القضاء عليها من قبل الموحدين، وتصبح الاعمال الحقيرة والفحشاء والفساد علنية في-

جميع البلاد الاسلامية .

بدأ دعوته الكاذبة عن طريق التمسك بالاوضاع التي كانت موجودة آنذاك وبناء صورة لنفسه مشابهة لما هو موجود في الروايات وحتى انه اهتم في رعاية الأيام والازمنة المشخصة في الروايات كعلامات ظهور.

وقد جعل بدايتها حسب الروايات يوم الجمعة المصادف الخامس عشر من شهر رمضان. وهذا ما لا يدع الشك ولا تردید في قلوب العالم والعامي ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد فقد قام المحيطون به والذين قسموا الى طبقات معلومة بنسج الاراجيف الغرض التقرب اليه وقد ادى ذلك الى احاطة المهدي الكاذب بهالة قدسية ، وقد اصبح هذا الأمر اشد بعد موته حتى انهم اشاعوا بانه عاد لغيبته ثانيه وسيظهر في زمان معلوم. لقد لجأ خليفته الى ذلك ايضأ، كما لاحظنا أن دولة الموحدين كانت قائمة على مباني دينية محضة وكانت قرينة لدولة المرابطين في هذا الباب، الا ان هناك تفاوت كبير بينهما، المباني التي كانت دولة المرابطين تقوم عليها هي العقيدة والدين والجهاد في سبيل نشر الدين وكان ذلك في بداية اعمالهم فقط واصبحوا بمرور الزمان مصداقا للمفسدين والمفتنین. اما الموحدين فكانت خصوصيتهم هي الاستناد إلى مباني الامامة الدينية و نظریه المهدي المنتظر وكانت تشابه في هذا الجانب الدولة

العبيدية الفاطمية ، ولكن مع ان الموحدين كانوا يعتقدون باصل المهدوية كالفاطميين الا ان حركتهم كانت مستقلة عن التشيع في شرق العالم الاسلامي واعطت لمهدويتها صبغة محلية مغربية(1).

كانت رئاسة الموحدين واحدة في بداية امامة مؤسسها محمد بن تومرت وظل على رأسها لمدة سنتنان ولم تتخذ اية صبغة اخرى وكانت هذه الامامة هي مصدر السلطة الدينية والسياسية، وكانت حكومة الموحدين في هذا العصر عبارة عن أحد الحكومات الدينية .

كان اصحاب العشرة او ما يسمى بالجماعة يساعدون امامهم في أعماله وفي الحقيقة كانوا وزرائه، وبعد موت ابن تومرت في رمضان سنة 524 ھ المصادف 1130 ميلادي حل محله ابرز تلاميذه وهو عبد المؤمن بن علي، وفي زمانه توسعت دولة الموحدين وحلت الخلافة تدريجيا في عهد محلالامامة.

اهتم عبد المؤمن برعاية جميع تعاليم امامة المهدي وكان يستعمل لفظ (امام العصر المهدي المعلوم) في خطبه و مکاتباته الرسمية. اقدم عبد المؤمن على حركة كان يبغي منها علاوة على


1) من أدلة مؤامرة وضع قصة الجزيرة الخضراء (التي سيأتي شرحها لاحقا) هو عدم الوصول الى اهدافها المعينة سابقا في الامد القريب ، وهذا التفاوت في تعريف المهدي من النوع المغربي .

التغيير البطيء لظاهر الفترة السابقة الا أنه زاد من قداستها بعنوان استمرار للحكومة العالمية للمهدي المنتظر. وقام بتقسيم الاصحاب الى ثلاثة مجاميع بدلا من تقسيم ابن تومرت الى العشرة والخمسين والسبعين وغيره. المجموعة الاولى اطلق عليها اسم السابقون الأولون وهم الذين كانوا يصلون خلف المهدي وكانت لهم الأسبقية في بيعته وهكذا بالنسبة للمجموعتين الباقيتين . اعطی تدریجيا صبغة اخرى للامور وقد نظمت له وثيقة نسب تتصل بأهل البيت، وكان اصل مهدوية حكومة محمد بن تومرت قائم الى قرون من بعده.

أما الآن نستجمع جميع المعلومات التي وردت من بداية الكتاب وفي مقدمته واجزائه المتفاوتة ونضعها إلى جانب بعضها البعض لكي نعثر على جواب مناسب لهذا السؤال الأساسي، سؤال وهو: ما هي علة وضع قصة الجزيرةالخضراء ؟ ولماذا يدعي البعض مثل فاضل المازندراني بوجود واستقرار المهدي علیه السلام في تلك الارض البعيدة وفي قلب المحيط الأطلسي ؟ ولماذا لم نعثر على مصدر آخر ابتداء من تاريخ وضع القصة ولحد الآن ذكر فيه ان هناك افراد آخرون ذهبوا إلى هناك بعد سماعهم لقصة فاضل وقابلوا امامهم. أما الآن اذا شاء الله نود جمع مطالب هذا الكتاب الذي اشتمل من اوله الى آخره على متون تاريخية معتبره للعثور على جواب السؤال السابق.

الفصل الرابع عشر: بحث علل تألیف قصة الجزيرة الخضراء

يمكن من خلال نظرة واحدة للمتن الموجود والذي جمع من المصادر الاساسية للتاريخ الاسلامي والمسيحي تشخيص الكذب المحض لهذه القصة وكذلك بطلان الادعاء القائل برؤية موطن الامام علیه السلام وابنائه.

اما الموضوع الآخر هو ما هي علة تأليف مثل هذه القصة وفي هذا الموضوع المهم ؟

نعود ثانية الى قصة الجزيرة الخضراء ودور فاضل المازندراني (وهو الراوي الأصلي لها) فيها.

يمكن بحث العلاقة بين فاضل وهذه القصة من جنبتين، هما:

الف): على فرض تشیع فاضل وايمانه القلبي في عقائد الشيعة : نلقي الضوء ثانية على مارواه فاضل:

كان رجل مسلم ومن شيعة علي بن ابي طالب واثناء سفر له إلى الأراضي الاسلامية وقد وصل صدفة الى اندلس المسلمين يشهد بعض الحوادث هناك، رأى في البداية قافلة تحمل البضائع من جزر الشيعة وبعد التفحص والاستفسار من اصحاب القافلة

عرف بان هناك جزر شيعية في المنطقة.

كما مر علينا في فصل تاریخ اندلس المسلمين وبحث الثورات الشيعية في الأندلس، كان جميع سكان الجزيرة الخضراء والمناطق المحيطة بها ابتداء من فتره حكومة بني حمود في القرن الرابع الهجري فصاعدا من الشيعة ولكن ليس التشيع الذي نرثه نحن اليوم وانما التشيع الناشيء من الاعتقادات الشيعية الزيدية الذين ينظرون الى ان الامامة تتوقف عند ابن الامام جعفر الصادق علیه السلام ولا يؤمنون بالائمة الاثني عشر وغيبة الامام الثاني عشر. فلما سمع فاضل اسم الجزائر الشيعية التي لم تذكر سابقا في سائر البلاد الاسلامية الأخرى تعلق بالموضع وسافر الى الجزيرة الخضراء والمناطق المحيطة بها او ما يطلق عليها بالجزر الشيعية.

لما شاهد الوضع الاقليمي لها والابنية وتعرف أكثر على سكانها طرق مسامعه اخبار عن المهدي، لا يفوتنا أن نذكر أن فاضل كان رجل متعلما وعالما بالمعتقدات الشيعية، ولهذا فبعد التفحص الكثير والبحث الدقيق استطاع معرفة الشائعات التي كانت تدور حول محمد بن تومرت او المهدي الخيالي بعد موته وكيف أنها كانت محاطة بهالة من القداسة، وبالتالي استطاع الوصول الى اثاره أيضا. أما الشيعي الحقيقي والاثني عشري فهو على يقين بان هذا المهدي هو ليس ذلك المنتظر والموعود او قائم آل محمد صلی الله علیه و آله، وبعد

أن زار تلك المناطق اصابته حالة من السرور بسبب وجود جمع کثیر من الناسفي احدى الدول المسلمة النائية تدين بالمذهب الشيعي، وبالنظر لشوقه المفرط في نقل اخبار ما شهده لم يبقى له مجالا الزيارة سائر البلدان الأندلسية المسلمة الباقية مما اضطره الى تركها والسفر الى ارض الشيعة الحقيقية في عراق العجم.

وبعد ذلك شعر بان هناك مشكلة تواجهه وتواجه مشاهداته وهي فيما لو اراد نقل ما رأی بصورة حقيقة فان ذلك سوف لا يعود عليه بالخير ، لماذا؟ لأن خلفاء الدولة الفاطمية آنذاك كانوا قد أقاموا دولة شيعية في مصر تحت شعار المهدي الموعود، وان علماء الشيعة كانت لهم فراسة في ذلك العصر بحيث وضحوا بسرعة فائقة عدم ارتباط تلك الحكومة مع الحكومة العالمية للمهدي الموعود، ولهذا فان ذکر ما شاهده سوف لا يكون له الا التبعات السلبية فقط ، ولهذا دفعه منطق الشهرة والبروز الى تأليف قصة تحت عنوان الجزيرة الخضراء والتي هي في متناولنا الآن.

لقد رتب فاضل المازندراني قصته بالشكل الذي لو اراد شخص او اشخاص متابعة وقائعها والتدقيق في مسیر سفره هو واصحابه او كذلك التفحص في ما رآه لشعر بأن جميع ذلك قريب للواقع بغض النظر عن سفره من دمشق إلى مصر ومنها الى الاندلس وانما نقصد الاوضاع الاقليمية وحالة البناء وسيرة الناس و... کل

ذلك كان مشابه لما هو في اراضي شيعة الاندلس المسلمة واما سائر الموارد كان لها على الأقل ذكرا في الشائعات التي تدور حول قداسة المدعين بالمهدوية في اماكن سكناهم وهذا موضوع منفصل عن قضية المياه البيضاءالتي سنبحثها في جزء منفصل.

بعد أن نقل فاضل القصة ظهرت آثارها وكما كان يتوقع على المستمیعن في ابداء الاكرام والاحترام التي كانت تمثل عقدة يشعر بنقص منها وهي التي دفعته الى الكذب والتلاعب بمشاعر الناس النقية وعقيدتهم الخالصة بامام الزمان علیه السلام كما جاء ذلك في بداية القصة على لسان المستمعين ورواة القصة المتأخرين عنه وقد ذكروا القاب و عناوین مختلفة لفاضل جعلته باقي الذكر بين رجال

المسلمين.

ان كل ما عرض عليكم لحد الآن نابع من نظرة متفائلة الى قصة وشخصية فاضل المازندراني الذي كان يبغي من اكاذيبه الشهرة والعظمة وابقاء اسمه بين العلماء وهذا ما شاهدتموه من الصفات المذكورة في متن القصة مثل : الشيعي الخالص الذي كان الاثقا لمقابلة الوجه الملكوتي لامام الزمان علیه السلام بالاضافة الى ذلك فقد اعطى لنفسه مكانة بين طيات قصته الخداعة.

امام الآن نبغي القاء نظرة واقعية حول تلك الأحداث ونتفحص الموضوع من هذه النظرة. (قد يشتبه بعض الأصدقاء

الخضر !!! بين لفظي الواقعية والتشاؤم، ولكن نأمل أن يكون ما یطرح ناتج من النظرة الواقعية وليس التشاؤمية).

بدأت الأوضاع العامة للشيعة في التحسن والاستحکام منذ بداية القرن الرابع الهجري وذلك لانحلال وتفتت اركان الدولة العباسية في تلك الفترة علاوة على ذلك ظهور ملوك الدولة البويهية وكذلك الدعوة الاسماعيلية في نهاية القرن الخامس الهجري في قلاع الموت، وقد ظلت الدولة الاسماعيلية في حالة استقلال کامل بحدود القرن والنصف في وسط ایران و نواحي من مصر، ومن الطرف الآخر ظهرت دولة المرعشي في ايران وظلت حاكمة لسنين طويلة،بالاضافة الى ذلك اختار السلطان محمد خدا بندة (وهو من ملوك المغول) المذهب الشيعي بعد ان كان مصدر خطرا على المسلمين في بداية الأمر، واعقب السلطان محمد ملوك من المغول ظلو يحكمون ایران لسنين طويلة وقاموا بترويج التشيع، ونضيف الى ما سبق أن سلاطين آق قویونلو وقرة قویونلو الذين اتسعت حکومتهم من تبریز الی فارس و کرمان وكذلك قامت الحكومة الفاطمية كما كانت سابقا في مصر.

ان هذا الوجود العظيم للشيعة سلب بلا شك النوم من عيون المخالفين، ومن المسلم أن هذا الصوت العظیم طوى تلك المسافة البعيدة وصل إلى الطرف الآخر، وجرى كذلك على اقلام

المؤرخين، وكما هو الحال في ابن خلدون الذي يعتبر من خدام حكومة الموحدين وكما هو واضح من تاريخه المعروف الذي يأخذ به الكثير من المحققين ، فقد كان يكرر موضوع ازدیاد قدرة التشيع في العالم الاسلامي خلال هذه السنوات (تأليف الجزيرة الخضراء).

لقد اظهر المخالفون من خلال سوابقهم المظلمة وطرقهم الضيقة في التاريخ، قبحهم ونحوستهم في موارد عديدة وبصورة علنية وقذرة ولهذا فان تصورنا بأنهم سيتركون الأمر بلا رد فعل سنكون قد ارتكبنا اشتباه عظیم

نعم، لم يجلس المخالفون بلا عمل، وقد علموا بان القدرة العسكرية عاجزة عن أداء دورها في هذه المرة (ذلك الدور الذي لعبته القوة العسكرية في أواخر القرن الرابع وبداية القرن الخامس وكان متمثلا بجرائم فجيعة وقتل شنيع للشيعة في اراضي الشام والعراق)، ولهذا انتشرت الاساليب والافكار الناتجة من الالعاب السحرية لمعاوية وعمرو بن العاص، ولكن في اشكال اخرى في البلدان الاسلامية، وبصور تطغي عليها الخديعة والحيلة والكذب والادعاء الباطل في سبيل توجيه ضربة قوية إلى الجسد الثقافي للتشيع والذي هو مكتوب لديهم وفي اختيارهم وواضح لهم ومكشوف. تقوم الثقافة الشيعية على أربعة عشر منبع للنور وحان الآن إلقاء العراقيل في هذه الأركان العظيمة التي كانت كل منها

تأخذ مكانها الطبيعي في الساحة العقائدية للتشيع، لقد حان الوقت التوجيه ضربة الى العمود الاصلي لهذه الخمية الا وهو الاسم المقدس للمهدي، لقد كان الاعتقاد بالمهدي والمهدوية متألقا فوق قمم التاريخ وله جذور في الصفحات العقائدية لجميع الأديان، وكان كالحرير المطرز باسم منجي آخر الزمان.

الاعتقاد بمصلح آخر الزمان في العقيدة الشيعية هي من نوع آخر يمكن رؤية قواعد اسسها قبل تولده علیه السلام في احاديث الرسول الاكرم صلی الله علیه و آله.

آن نقطة ارتكاز الشيعة على طول التاريخ وفي تحملهم للظلم والجور قائمة على عقيدة ظهور المهدي والامام الثاني عشر من السلالة النبوية الطاهرة، نستنتج من ذلك انهم صوبوا برأس سهمهم باتجاه هذا الركن الركين للايدولوجية الشيعية. لقد كانت الشام مهد جميع الخطط التي تخالف العقائد الشيعية والاسلامية النقية لاهل البيت علیهم السلام وكانوا يرون وجوب الاسراع في اتخاذ المواقف المقابلة لاتساع القدرة الشيعية، وان حاول المخالفين العمل على تزریق الأفكار والعقائد الباطلة في خطوط دفاع حریم ولاية أهل البيت فانهم بلا شك سيتلقون الضربات المهلكة من المدافعين على هذا الحريم المقدس، ولا يستبعد ان يصبح حالهم أظلم وايامهم سوداء وهذا ما سنلمسه لو أجرينا مقارنه بسيطة بين رواية محمد بن يحيی

الانباري وقصة علي بن فاضل المازندراني والتي كانت الفاصلة بينهما 180 سنة، ولعرفنا سبب عدم اشتهار رواية الانباري مقارنة مع قصة فاضل، ولادرکنا سبب ابتداء النشاطات المضادة بعد شیوع قصة فاضل في حين أن ذلك لم يحدث مع قصة الانباري ، وفي وقتنا الحاضر ما هي علة كتابة شعر المدح وقراءة الاناشيد التي تمتدح الجزيرة الخضراء في حين أن ذلك لم يحصل مع قصة الانباري ؟ والسبب واضح جدا هو وجود التفاوت بين الروايتين. ان راوي قصة الانباري شخص مسيحي يتميز بالعناد واللجاجة والظلالة ، وعلى الرغم من انه يثني ويكرم في هذه القصة الا أن ذلك لا ينطوي على المسلمين وخصوصا الشيعة، لان المسلم الشيعي لا يمكنه تصديق حتى المعجزة التي تنسب الى عمود الدين والی ایمانه والتي روى على لسان المسيحي ولكن ....

ولكن لو تروى على لسان مسلم او خصوصا مسلم شيعي فانها ستشعل نار الانتظار الشيعي وتزيد من لهيبها حتى يصل الأمر بها الى ان تدفع صاحبها إلى تأسيس مؤسسة (الخضراویون)!!، واخذ المشورة من المتآمرين، ونشر خبر تأسيس حركة لاتساع الشيعة واستلام القدره في الدول الاسلامية الى القادة المخالفين لهم ابتداء من الشام والي العراق و ایران و مصر الأندلس، فيقوم على الفور زعماء الباطل في الشام بالتحقيق عن قوة هذا الموضوع

ويقترح على اثر ذلك على سبيل المثال الشيخ زين الدين (المغربي الاندلس) المالكي امرا عظيما الا وهو (الهجوم على قلب التشيع).

كان هذا الاستاذ والعالم الاندلسي والمقيم في الشام يعمل اكثر من اي فرد آخر بتاريخ ارض الأم (المغرب والاندلس)، وكان يعرف محمد بن تومرت وقطعا قرأ كتبه ، وكان له ارتباطا مع اندلس المسلمين على الرغم من انه يسكن الشام، لماذا؟ لأن أباه كان فيها ويحتمل أن يكون جميع قومه فيها (الاندلس)وهذا الارتباط بحد ذاته يجعله واعيا بالاوضاع السياسية الحاكمة على أندلس المسلمين، والأهم من جميع ذلك علمه بدعوی مهدوية محمد بن تومرت، ويدري ان الاخير استفاد من أبرز وادق العلامات للمهدي الموعود في سبيل اعلان هذا الادعاء الكبير، ويعرف جيدا أن المهدي الكاذب رحل عن الدنيا وان مرقده كان يمثل محلا للزيارة ويحافظ عليه موحدين الاندلس. ومن هذا بدأ وضع الاطار العام للمؤامرة والتي تتمثل بنشر اشاعة (وفي اية طريقة كانت داخل العالم الشيعي) تقول بان المهدي يسكن احدى جزر الدول المسلمة في الاندلس ولا زال هناك مع عائلته وعشيرته واهل بيته . بعد أن شاع امر هذه القصة ذهب البعض على الفور الى هناك، وبعد وصولهم عثروا على قبر المهدي من خلال سكان المنطقة. وبعد عودتهم تسدل ستائر آخر فصول تلك المسرحية بذلك الخبر المشؤوم الذي

أتوا به الى هناك. شاع خبر موت الامام المهدي، وهنا أصيب قلب عقيدة الشيعة بسهم حقد المخالفين وتبددت تلك الآمال التي تحملوا من اجلها جميع الظلم والمصائب وتحولت الى يأس، وان انهدام هذا العمود العظيم كان بمثابة زوال مفهوم التشيع وسيصبح مستحيلا بين تلك العقائد الباطلة المنحرفة».

بعد وضع الاطار العام للمؤامرة يلزم هنا الاستعانة بلساني أو راوي له مقبوليةفي اوساط الشيعة لكي تثبت في صفحات التاريخ كما حدث ذلك مع رواية الانباري . لقد حلت هذه المشكلة ايضا على يد الاستاذ الاندلسي ، نعم على يد ذلك الطالب الذي رباه بنفسه وينتسب الى عائلة شيعية المذهب ويشتهر اهله بتشیعهم في منطقتهم بالاضافة انه تتلمذ لسنوات طوال على يديه وأشبع من الترشحات الفكرية والعقائدية لهذا الاستاذ وقد صيره ذئبا في جلد خروف وهذا افضل اختیار لذلك الدور.

با در اساتذة الفن الذين كانت لهم مهارة كافية في علوم الصرف والنحو والمنطق والمعاني والبيان والاصول وادبيات العرب والتاريخ و... الى تفصيل ووضع تلك القصة وباسلوب اخذ بنظر الاعتبار جميع النكات والمراحل والشخصيات والاماكن والمحلات والابنية والبساتين والأوضاع الاقليمية والجغرافية والاقتصادية وباسلوب ساحر جدا بحيث لو سافر المستمع الى تلك

الارض الشيعية في دولة الاندلس المسلمة لما وجد هناك أي تفاوت أو عدم انسجام في مجريات القصة وبين مشاهداته ولا يشعر على الاطلاق بانها موضوعة ومجعولة وقد أخذ علي بن فاضل المازندراني من استاذه كل ما يحتاجه لاداء دوره بصورة كاملة .

ومن هنا يمكننا تقسيم الاحداث الى حالتين :

الحالة الأولى : وهي عدم ذهاب فاضل الى اندلس المسلمين على الاطلاق وانما سافر بصورة مباشره من الشام الى العراق بحثا عن زعماء التشيع في ذلك العصر، ومن اجل الاحتياط في عدم مقابلة اي عالم شيعي كامل ، كان عليه اجتناب الحضور في محضر اي من مراجع التقليد لان كل منهم يمثل النائب العام الامام العصر وقد يرتبط البعض منهم بمولاهم صاحب الزمان بصورة مباشرة ، وكذلك يفترض به عدم الذهاب الى المدن مثل کربلاء والنجف ، فذهب الى سامراء وكان فيها اثنان من رجال الدين السادة والعلماء هما: (شمس الدين نجيح الحلي و جلال الدین عبد الله بن حوام الحلي) وقص عليهما قصته ، وكانا هذان العالمين بمستوي علمي لا يمكنهما من استنباط الحق وتشخيص الباطل، وطلبا منه الحضور في مدينة الحلة لقص ما تبقى من قصته وقد دون (فضل بن یحیی بن علي الطيبي الكوفي الأمامي) جميع مراحل تلك الواقعة ونتج من

هذا العمل ما هو موجود في متناول الجميع .

أما الحالة الثانية : يمكنها ان تكون بالشكل التالي، قد يكون سفر الاستاذ الاندلسي مع معيته من الطلاب والاعوان الى البلاد الغربية حقيقة وواقع، مع بقاء التمهيدات السابقة لاجراء الخطة على قوتها وفي نفس الوقت يبغي من ذلك مشاهدة المناظر وخصوصا اثناء العبور من مصر التي تمثل احد قواعد الدولة الفاطمية الشيعية بالاضافة الى الاختلاط بسكانها للحصول على معلومات اخرى . وبهذا يستطيع فاضل من خلال تركيب الطرح الأصلي للقصة مع ما سمعه من هنا وهناك أن يخرج قصته التي قل نظيرها . وكذلك تمكنوا من الاضافة الى كل ذلك من خلال عبورهم من مصر ودخولهم الى الاندلس المسلمة ورؤية الجزيرة الخضراء عن كثب وملاحظة اوضاعها الاقليمية الخاصة وكذلك الجزر المحيطة بها والاستماع الى الجديد حول حياة المهدي محمد بن تومرت(1)، واستطاع


1) من الشائعات المنتشرة في اندلس المسلمين وخصوصا في المناطق الشيعية هي موضوع عودة المهدي بعد وفاته كما في صورة انقراض دولة الموحدين الذي كان اساسه ذلك القصر الشامخ القبائلي الذي كان مسندا لتلك الدولة والذي سقط ايضا وادى الى انقسام هذه القبائل الى مجموعتين، الأولى بعد سقوط دولة الموحدين التي انزوت في محيطها الجبلي وظلت هناك ، والثانية التي أصبحت منازلهم على الحدود بين الاندلس والمغرب (حوالي الجزيرة الخضراء)، وقد ضعفت تلك ايضأ بعد سقوط دولة الموحدين وصاروا رعایا عاديين في قبيلة (تينملل) التي نزل بها المهدي وبني فيها بيته و مسجده، وظل قبره فيهم الى حوالي سنة 780 ه- يتمتع بحالة تعظيمية وتكريمية من قبل الناس وكان قراء القرآن يتلون القرآن في ذلك المكان وكان له حراس خاصين ويأتي الناس لزيارته ويقدمون النذور والصدقات ، كان سكان بينملل واكثر قبائل الموحدین يعتقدون ويجزم أن المهدي سيعود وتظهر دولته في المشرق ويملىء الدنيا عدة وقسطة بعد ان ملئت ظلما وجورا . (ابن خلدون جملة 6).

بالنتيجة من ترتيب سيناريو منسجم ونافذ ومؤثر بعد سفرهم الى الجزيرة الخضراء ومشاهدة آثار المهدي في تلك الأرض والمرور على آثار ابن تومرت وخصوصا تلك التي تشير الى موضوع المهدي والمهدوية (التي ذكرناها في جزء افکار و آثار محمد بن تومرت) ومن ثم يتجه من المغرب الى العراق ويفعل ما ذكر سابقا).

الفصل الخامس عشر: نقد لمؤامرة دامت 720 سنة

على أي حال فان الحركة التي بدأها اعداء أهل بيت العصمة والطهارة وابناء اولئك الذين غصبوا الخلافة الحقة منهم أو قتلة اولاد رسول الله صلی الله عله و آله مع انها لم تعطي ثمارها في زمانهم الا ان اليوم ظهرت آثارها وفي ارض شيعة ايران وفي مركز التشيع والعلوم النقية لاهل البيت (في قم) وباقي المدن الايرانية وهذا ما يدعو الى التأسف حقا في حين أن تاريخ الشيعة السابق قد ترك نكاتا مشرقة وبارزة كثيرة جدا، منها أن حماة حريم التشيع آنذاك بكافة هوياتهم لم يتركوا مجالا لسراية هذه القصة المسمومة وحالوا دون الهدف الأصلي الذي يبغيه مخططوها، ولكن يبدو أن هذا الأمر قد فقد خصوصیاته في عصرنا الحاضر مع ذلك فان هذه القصة لم ترى النور الا في عدد قليل وغير مهم من الموارد التي أشير اليها من تاريخ تأليفها ولحد الآن أي بحدود 720 سنة، وقد عبر عنها في بعض المؤلفات مثل بحار الانوار وبصراحة انها غير موثوق بهاولا يمكن الاطمئنان لصحتها أو الاعتماد عليها. وكما يعبر عنها الكاتب المحترم : «الجزيرة الخضراء اسطورة خيالية ام واقعية»، اما الشهرة التي لم تتجاوز ذكر اسمه في بعض المصادر الضعيفة فانها ناتجة من تلك

القصة واما الآن فيجب علينا معرفة أسباب تلك الصراخات التي تدعو الى اتساع نشر تلك القصة المضحكة في عصرنا الحاضر مع انها كانت عديمة الأثر في تلك السنين الطوال الماضية.

ولم نشاهد أية اشارة اليها من كبار العلماء كالعلامة بحر العلوم الذي عرف بارتباطه مع صاحب الامر والزمان علیه السلام ولم نسمع منه أي رد عليها كذلك.

ان الدليل والسبب يمكن خلاصته في كلمة واحدة وهي وعي اولئك العلماء ويقظتهم. كان علماء السلف اكثر يقظه واشد شعورا بالمسؤولية من الخلف ودليل ذلك هو الشيوع المجدد لهذه القصة بين النسل الحديث الذين يختلفون مع الجيل الماضي في لحاظ الانشاء والتكوين، وهذا الأمر بمثابة صفارة انذار او تحذير شديد للجميع.

ان کذب موضوع حضور امام الزمان علیه السلام في الجزيرة الخضراء اظهر من الشمس وهو تلفيق محض.

كانت الجزيرة الخضراء تتميز بمائها العذب وجوها اللطيف وارضها الخضراء الخصبة في الفترة الذهبية لحكومة مسلمي الاندلس وكان لها أبراجة شاهقة وقلاعا ضخمة، وبالنظر لوقوعها في انتهاء دولة مسلمي الاندلس وتقع خلفها جزيرة مضيق جبل طارق والتي تعتبر بداية ثغور وحدود مسلمي الاندلس مع سائر

البلدان لهذا تتمتع هذه الجزيرة بموقع استراتيجي مهم جدا وان بناء الابراج العالية فيها والعمارات الضخمة يعد أمر طبيعي لانها كانت مقرأ لاستعداد الجيوش الاسلامية ومركزا لاستراحتهم.

نستنتج من خلال مراجعة التاريخ الاسلامي للاندلس والنظر في الأوضاع العامة له أو على الأقل من خلال قراءة فهرست وقائع واحداث الجزيرة الخضراء المدونة في هذا الكتاب أنه من المستحيل أن يوجد شيء من هذا القبيل في هذه الأراضي أو في المناطق المحيطة بها أو على الاقل ان السنوات المنحصرة بين 500 - 700 ه- ق وخصوصا في أواخر القرن السابع (سنة 650 ه- فصاعدا) كانت تشير الى التفوق العسكري للمسيح في شبه الجزيرة الاسبانية ، وان هذا الأمر بعيد جدا عن العقل لان يكون هناك وجود لتلك الجزيرة الخضراء او الجزر الشيعية التي كانت موطنا لتلك الجيوش الجرارة آنذاك في الاندلس او المناطق المحيطة بها، وانه من غير الممكن أن يكون ذلك الجيش المسيحي الكبير والمتشکل من خمسة قوی حربية (فرنسية وبرتغالية واسبانية وايطالية وانكليزية) لا يعلم بوجودها او لا يهتم بها ! في الوقت الذي كانت فيه قوافل البربر تحمل البضائع من والى الأراضي الشيعية و تتردد عليها، أن هذا الكلام لا يمت إلى الحقيقة باية صلة لانه من المستحيل أن يكون تردد مجموعة من اليهود والبربر للتجارة

والمعاملة ممكن ومجاز ويغفل عنه اعداء الشيعة ابتداء من حكام الاندلس غير الشيعة وانتهاء باسبانيا المسيحية. لا يخفى علينا أن هذه القصة مملوءة بالتناقضات في ما ينقله الراوي عن مجالسه مع علماء تلك الجزيرة الخيالية ، والقصد من كل ذلك عكس او تحریف بعض المعارف من المعارف الكلية للاسلام ابتداء من تحريف القران وانتهاء بتحريف المعارف الشيعية، وهذا ما نضعه أمام مسؤولية العلماء المحققين واهل الفن والوعي الديني لتشخيص تلك التناقضات والاشكالات العقائدية لهذه القصة، ويجدر بنا هنا أن نذكر دور (السيد ابو الفضل طريقه دار) الذي اعتني بهذا الموضوع الى حد ما، وقد عمل على جمع آراء العلماء من الطراز الأول للشيعة في هذا المجال ونقدم له ولمن وقف الى جانبه شكرنا امتناننا وامانينا بالتوفيق.

اما الموضوع الآخر الذي يجب أن نشير اليه باختصار هو انه بالنظر لعدم اسلامية راوي قصة الانباري فانها من الطبيعي أن لا تستحق الاعتناء والتفحص كما اشرنا الى ذلك سابقا ونقتصر الأمر على عدة نكات هي:

1. هناك شبه كبير بين المنطقة الجغرافية التي حدثت فيها قصة الانباري مع المنطقة الجغرافية للجزيرة الخضراء لهذا فان التوضيحات المذكورة حول مناقشة الأوضاع الاقليمية التي تطرقنا

لها شاملة لهذه القصة ايضأ.

2.

تتشابهان كذلك في طبيعة الماء والجو والأوضاع العامة للمدن والعمارات والابنية وهذا ما اشبعناه بحثا.

3.

النكتة القابلة للتأمل في قصة الانباري هي وجود اسمين هما (قاسم) و(زاهرة)، كما اشرنا الى حكومة بني حمود في الاندلس ان قاسم هو احد قادة المنطقة الشيعية في الأندلس، وكانت في وقته مدينة تستی زاهرة تقع في حوالي مدينة مالقة واطراف الجزيرة الخضراء وكانت جزء من منطقة نفوذ قاسم بن حمود، ولكن نقطة التقاء القصتان هو موضوع امام الزمان واولاده وحكومته في المناطق التي سميت باسمه كما جاء ذلك في القصة ولكن لا يجب ان تبقى هذه الحقيقة بعيدة عن النظر وهي امكانية وصول فاضل مازندراني ومخططي مؤامرة الجزيرة الخضراء الى قصة الانباري وان الطرح الأساسي للجزيرة الخضراء كان مستنبطا و مقتبسا من رواية الأنباري التي أجريت عليها بعض التعديلات والرتوش لتخرج بهذا العنوان الجديد.

الفصل السادس عشر: آثار وعواقب هذه المؤامرة المشؤومة

مع وجود الكثير من منابع النور والشخصيات المذهبية في عصرنا الحالي وفي دولتنا هذه، وهم بمثابة النجوم الساطعة في سماء العلم والمعرفة ومع اننا ننظري تحت ظل ذلك العنوان المقدس الا وهو المذهب الشيعي الذي كان ولا يزال قائدا للنهضة الالهية ، مع كل ذلك نشاهد الكثير الذين لا يليق بمقامهم ان تطرح تلك المهملات في محافلهم ومجالسهم، والاسوء من ذلك ترانا نعقد الموضوع بالبحث في هذه المعضلة.

وان استمر الوضع على هذا المنوال او تتسع مساحة التبليغ بوجود محل كهذا يوما بعد آخر وبصور واشكال مختلفة في عصرنا هذا (مثل مثلث برمودا او الصحن الطائر) فأننا بلا شك سنسمع يوما ما عن طريق الراديو او التلفزيون بان القوات الجوية الأمريكية قامت بقصف ذي على الجزيرة الخضراء (مع وجود بعض السيناريوات الخاصة بذلك) وادى ذلك إلى قتل الامام الثاني عشر للشيعة، فما سيكون هنا تكليف كبارنا من الرجال والنساء الذين سيموتون هما وحزنا على ذلك الأمر نتيجة لاعتقادهم بتلك الأراجيف ؟ اليس من المؤسف حقا ان يغادر هؤلاء الدنيا بقلوب

محزونة ومهمومة؟

نعم، لو صدر ذلك حقا يوما من قبل القوى الشيطانية للعالم فما سيكون جوابنا وجواب من يعتقد بشائعة وجود الجزيرة الخضراء وحضور الامام لا فيها.

ان ما يجري الآن في عالم الحقيقة والواقع هو أن القوى المتسلطة على العالم لم تقف مكتوفة اليد ولن تكون يوما عاطلة عن تنفيذ مخططاتها، يرجع تاريخ اول تطفل مباشر وعلني للقدرات العالمية على موضوع القائم علیه السلام الى احدى وعشرين سنة خلت اي في سنة 1400 ق عندما ادعى فرد باسم (محمد عبدالله القرشي) من الحرم المكي عن بداية حركته وبعد ان سيطر انصاره على الحرم، كان له معاونا يسمى (جهيمان) اصدر اول ابلاغ له من داخل الحرم ودعا المسلمين الى مبايعة القرشي لانه هو المهدي المنتظر الذي بشر به النبي صلی الله علیه و آله. استمر استيلائهم على الحرم ومقاومتهم القوية عدة أيام بدون أن تتمكن الحكومة السعودية من توجيه ادنی التأثيرات على تلك الحركة أو اخمادها الى ان تمت الاستعانة بالقوى الخارجية ووصلت القوة الفرنسية الخاصة التي استطاعت بعد فترة من المواجهة القضاء عليها واسکات هذه الحركة الثورية وقتل ذلك الشخص، ومن هنا شرعت تدخلات القوى الأجنبية في دائرة اعتقاداتنا.

دقت هذه الحركة ناقوس الخطر بالنسبة لامريكا وسائر القوى الاخرى، هذا الموضوع الذي درس وبحث لسنوات طوال في ذكريات السفراء ودفاتر خواطرهم او في اثار المستشارين في الأراضي الشيعية مثل ایران ينظرون نظرة تحقيرية وكانوا الى معتقدات الناس ويعتبرون ادابنا واعرافنا متخلفة وهمجية وهذا ما جسدوه في سيناريو حركة عبد الله القرشي ، درسوا وطالعوا المنابع الاسلامية وخصوصا الشيعية منها، فكان کتاب نبوءات (لميشيل نوستر آداموس) المنجم والطبيب في القرن السادس عشر الميلادي بمثابة النافذة على حقائق اعضاء لجنة المطالعة حول المهدي.

ذکر میشیل في تنبؤاته حول المستقبل وخصوصا مستقبل اوربا وامريكا فقال انها ستملأ بالبلايا الطبيعية وتحدت الثورة في فرنسا، وستقتل الشخصيات و... وكل ذلك تحقق بالفعل اما نبوءاته حول ظهور حفيد رسول الله صلی الله علیه و آله في مكة المكرمة فيقول: سيوحد جميع المسلمين تحت لوائه وسينتصر على اوربا ويخرب المدينة أو المدن الكبيرة للأرض الجديدة (امریکا)، فكان ذلك من اشد نبوءاته واكثرها فزعا، وبهذا بدأت اكبر فعالية تبليغية تتمحور حول الاعتقاد بظهور المهدي من قبل اعدائنا وذلك باخراج فيلم (نوستر آداموس) قبل ثلاثة عشر سنة ( 1365 ه- ش) تحت عنوان تاريخ حياة هذا المنجم المتنبىء وعرض بمدة ثالثة اشهر متوالية في شبكة التلفزيون

الامركيبية، وكانت ال-CIA واللوبي الصهيوني من أبرز منتجي هذا الفيلم وكان الهدف المنشود من ذلك هو تحريض الشعوب الأوربية والامريكية ضد المسلمين وايران والتحذير من الخطر المحدق الذي سيعلن عن نفسه في زمن ما، وقد أضافوا المزيد على نبوءات نوستراداموس في فيلمهم ومنها ان امریکا بعد أن تهزم اوربا على يد المهدي علیه السلام وبعد تدمير الصواريخ الكبيرة والعابرة للقارات وكذلك الرؤوس النووية تعقد حلفا مع روسيا لمجابهة الامام علیه السلام وانتهى الفيلم بانتصارهم على صاحب الامر علیه السلام.

يشتمل کتاب نبوءات فوستر آدموس على مجموعة من النبوءات الي كتبها المؤلف بلغة فرنسية قديمة (لاتينية) وبطريقة مبهمة وبأسلوب مرموز يحتمل اوجه كثيرة. انتشر هذا الكتاب بسرعة بالغة بعد الثورة الاسلامية في ايران طبعت معه تفاسير وشروح مختلفة، وبلغ عددها مئات الآلاف وقيل الملايين من النسخ ثم عرض على شاشة السينما وفي قنوات التلفزيون الفرنسي الیشاهده عشرات الملايين من الأوربيين والأمريكيين.

بغض النظر عن اعتقاد المسيحيين بظهور المسيح او المهدي (عليهما السلام) او اعتقادهم بصحة نبوءات ذلك المنجم، انهم يعتقدون بان هناك خطر زاحف اليهم من الاسلام والحضارة الالهية ، ذلك الخطر الذي يهدد حضارتهم الهقة ويزيل جبروتهم وتسلطهم

على شعوب العالم، لهذا نراهم يستيعنون بكل مصدر للمعلومات، ودقوا نواقيس الخطر في مسامع الشعوب وظلوا مترقبين للثورة الجديدة والحركة المستقبلية من مكة ومصر واليمن والاراضي الاسلامية لكي يحصلوا على دعم الشعوب وبأي وسيلة كانت الاجراء المخطط الاستعماري بالكامل الآن وفي المستقبل لاجل ضرب الثورة الاسلامية في هذه البلاد او البلدان الأخرى.

الموضوع بالنسبة لليهود هو تصعيد حالة خوف الغربيين من خطر الحركة الاسلامية والى اي حد يستطيعون اليه لابعاد ذلك الخطر عن أنفسهم، يصورون الأمر اليهم بان الغربيين والحضارة الغربية هي هدف الثورة الاسلامية، وان اسرائيل هي اول خط دفاعي عن الغرب.

لهذا قام العدو وعلى اثر تلك الاعتقادات بالتبليغ ضد الامام المهدي علیه السلام واعد افلامة بهذا الخصوص، ومن هنا بدأو يخططون المجابهة موجة الوعي الاسلامي حول المهدي الموعود والتي هي في تزايد مستمر، ولكي يضمنوا من ذلك مواجهة الناس في حالة صدق امر الظهور الى ذلك الامام الهمام. ولكن اللطيف هنا هو ان هؤلاء ومن شدة خوفهم من قطعية ظهوره علیه السلام ساعدوا على اعداد الأرضية المناسبة للظهور بالصورة التي ضاعفوا بها مئات المرات الاشتيقانا الى رؤية حفيد النبي صلی الله علیه و آله، الذي سيظهر الى جانب الكعبة ،

من خلال عرضهم لفيلم نوستر آداموس وظهوره الحجة علیه السلام من غرفة العمليات الحربية مع انصاره (الجنرالات المساعدة حسب تعبير الفيلم)، وهو يقود ساحة الحرب لقتال قادة الكفر بواسطة اطلاقه تلك الصورايخ العملاقة من قلب صحراء الحجاز لدك قواعد الكفر والاستعمار في امريكا واوربا ، كل ذلك يمليء نفس المشاهد شوقا وتحمسا واملا.

والى جانب هذا الاسلوب المتفائل هناك طرح مخوف للاعداد وهو ان امریکا واوربا قامت بجمع معلومات جامعة ودقيقة حول موضوع المهدوية وحول شخص القائم علیه السلام حتى قيل أن ال (CIA) شكلت اضبارة للمهدي علیه السلام تنقصها الصورة فقط !!.

استغلال العدو لهذه العقيدة الباطلة (وفي الوقت المناسب) القائلة بان المهدي وعائلته يسكنون احدى جزر المحيط الأطلسي وتسمى الجزيرة الخضراء يجعل الناس التي تؤمن بهذه الفكرة متحيرة أمام القصف وازالة تلك الجزيرة وحتى بواسطة السلاح الذري، وسيجعل المسلمين وخصوصا الشيعة امام خبر قتل المهدي علیه السلام في حيرة وبغتة من أمرهم. هل فکر الناس الذين يتكلمون بموضوع الجزيرة الخضراء ويضعون عليها الاضافات المجازة في السنوات الأخيرة في هذا الأمر، حتما سيصرخون بملء فمهم بان القصة قد اشارت الى وجود تلك المياه البيضاء

والتي ستحول دون وصول سفن الأعداء الى الجزيرة وان هذه المياه ستغرق كل سفينة واردة اليها كما كان في السابق !! نحن لا ننكر المعاجز والامورالخارقة للعادة ولكن هل يوجد منصف يجيب على سؤال هذا الحقير وهو:

اذا كان الأمر بهذه البساطة وهي أن الله تعالى ينجي خليفته من كل خطر بواسطة هذه المياة البيضاء فما هي الحاجة اذا للغيبة وللانتظار وللبناء والاستعداد في فترة الغيبة؟ بل ان القضاء على الفتنة من ذلك اليوم الذي ظهرت فيه في صدر الاسلام فتنة السقيفة وهدمها على رأس المتآمرين تحتها كان أولى لكي ينتهي الأمر ولا يصل الى تلك الطرق الضيقة، ولكن نحن نعتقد بالعدالة الالهية والحكمة الربانية في هذه الأمور، واننا نفهم من لفظ الجلالة (بسم الله الرحمن الرحیم) أن هناك نوعان من الرحمة العامة والخاصة، ويحسن بنا ان ندرك أن الرحمة العامة تشمل جميع مخلوقاته بدون استثناء وان القوانين الجارية تقتضي هذا النوع من الحكمة المتعالية للرب عز وجل في باب العدالة ، وهذا الاقتضاء هو حركة الاشياء على اساس نظم العالم و قوانین ارتباط الاشياء والأجزاء مع بعضها الصنع مخلوقا من مخلوقات الله تعالی او تغییر ماهیته ، ولو حذفت العقيدة من هذا الموضوع وكذلك الدين وسائر الثوابت فانه سيكون کالسراج الدال الى طريق الكمال وليس طريق الكمال نفسه ، لان الله

تعالی اودع في كل ذرة من الوجود برنامجا خاصا فيه .

لو اردت تبسيط ما أبغي قوله هنا فمن المفروض ان اقول ان الانسان الذي بذل سعيه وحصل على التطور التكنولوجي والعلم والمعرفة فانه قطعا سوف لا يعتقد كذلك وهو انه لو ألقي تقريرا في تلك المياه البيضاء التي ذاق طعمها فاضل وقال بحلاوته وشبهه بالفرات فان جميع تلك التطورات الصناعية والعلم والسعي سيفنی في لحظة واحدة في تلك المياه وقطعا فان هذا الاعتقاد سیکون بمثابة الاستهزاء بالحكمة والعدل الالهي !!

الفصل السابع عشر: خاتمة الحديث

البحث في مواضيع عصر الظهور وكيفية الظهور ووضعية المهدي الموعود حين الظهور (والتي لا شك انها ترتبط بالعدل والحكمة الالهية) كل ذلك خارج عن بحوث هذا الكتاب ، واذا شاء الله تعالى أن يوفقنا الى اصدار كتاب في القريب العاجل يتناول هذا المجال، ونعرضه في متناول الاخوة والاخوات الأعزاء، وسنشير فيه بالتأكيد الى موضوع غيبته ، و طول عمر الأمام، وفترة الظهر وما بعد الظهور وبالاعتماد على المعلومات التي جمعت، وأملنا أن تكون الرعاية الالهية من نصيبنا لاتمامه وعرضه في خدمة الاعزاء .

اثناء الصراخات والانفعالات التي ظهرت حول الجزيرة الخضراء من قبل البعض، قام هؤلاء بالاشارة الى ثلاثة مواضيع بعيدة جدا عن هذه القصةالمصطنعة، وبالاضافة الى عدم ارتباطها بهذا الموضع فانها كانت مؤيدة للمؤامراة التي وضعت اسسها قبل 720 سنة، وان هذه المواضيع الثلاثة هي (المياه البيضاء، ومثلث برمودا، والصحون الطائرة)، ومن خلال التحقيقات الي اجراها هذا الحقير خلال السنوات الأخيرة في باب هذه الموارد الثلاثة ظهر لي بأنها مرتبطة مع بعضها، وان هذا الأمر خارج تماما عن دائرة اولئك

الذين يتصارخون، وانما خلف كل ذلك اناس يهدفون إلى خداع العوام واشباع اطماعهم الدنيوية وحب الشهرة وطليها ولا هدف اخر سوى تلك الأمور، ونقول قاطعين أن هذه المواضيع الثلاثة لا ارتباط لها على الاطلاق بامام العصر والزمان علیه السلام لا في الماضي ولا الآن، ولاثبات ذلك سنتناول هذه المواضيع الثلاثة التي ترتبط بالجزيرة الخضراء في كتابنا القادم ان شاء الله بالقريب العاجل ونجعله بين يدي كل مشتاق للعلم والمعرفة.

وان كنا قصرنا عن اداء حق هذا المطلب لكننا نلتمس القبول من الباري تعالی ونأمل رضا وسرور مولانا صاحب العصر عن هذه الخطوة القصيرة جدا من هذا المنتظر .

«رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي* وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي* وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي *يَفْقَهُوا قَوْلِي»

صورة

333

صورة

334

صورة

335

المحتویات

المقدمة ...7

الفصل الأول : المهدي علیه السلام في التاريخ والأديان...15

الفصل الثاني : الخوف من منقذ العالم ...43

الفصل الثالث : التحريف سلاح دفاعي ...51

عوامل التحريف...55

الفصل الرابع : التحريف في عقائد الشيعة ...65

الفصل الخامس: الجزيرة الخضراء تحريف آخر...79

رواية الأنباري...107

الفصل السادس: مناقشة قصة الجزيرة الخضراء ...119

الشام مركز العداء للإسلام والشيعة ...121

فاضل المازندراني - شيعي أم انتهازي...125

الفصل السابع: نظرة الى أوضاع الشيعة في التاريخ ...127

استقرار سلطنة بني أمية...145

الشيعة في القرن الثاني للهجرة ...149

الشيعة في القرن الثالث للهجرة ...151

الشيعة في القرن الرابع للهجرة ...152

الشيعة من القرن الخامس الى القرن التاسع ...153

الفصل الثامن: نظرة الى تاريخ أسپانیا ...157

نظرة الى أندلس المسلمين...159

حكومة عبد العزيز بن موسى بن نصير...167

حكومة أيوب بن حبيب اللخمي...167

حكومة حارث بن عبد الرحمن بن عثمان الثقفي...167

حكومة سمح بن مالك الخولاني... 168

حكومة عبد الرحمن بن عبد الاله الغافقي ...170

حكومة عنبسة بن سحيم الكلبي القحطاني ...170

حكومة عبد الرحمن الغافقي الثانية ...171

حكومة عبد الملك بن قطن بن نفیل بن عبد اله الفهري ... 173

حكومة عقبة بن حجاج السلولي القيسي...174

حكومة عبد الملك بن قطن الثانية... 175

حكومة ثعلبة بن سلالة العاملي... 175

حكومة أبو الخطار حسام بن ضرار الكلبي اليمني...176

انتهاء الدولة الأموية وقيام الدولة العباسية ...179

بداية الدولة الأموية في الأندلس ...182

حكومة هشام بن عبد الرحمن الأموي ...186

حكومة الحكم بن هشام بن عبد الرحمن... 187

حكومة عبد الرحمن بن الحكم...188

حكومة محمد بن عبد الرحمن...190

حكومة منذر بنمحمد...190

حكومة عبدالإله بن محمد...191

حكومة عبد الرحمن بن محمد بن عبد الإله بن محمد...191

حكومة الحكم بن عبد الرحمن...193

مدينة قرطبة في زمن عبد الرحمن والحكم ... 194

حكم هشام بن الحكم ...196

حكومة محمد بن هشام المهدي...197

حكومة سليمان بن الحكم بن سليمان بن عبد الرحمن الثالث ...199

حكومة محمد بن هشام (المهدي) الثانية ...199

حكومة هشام بن الحكم الثانية ...199

حكومة المستعين الثانية ...200

حكومة بني حمود (العلويين) في قرطبة...200

بداية ممالك الطوائف في الأندلس ...202

ملوك الطوائف وممالكهم في الدورة الأولى...202

أفول الأندلس...210

الفصل التاسع: الثورات المتعنونة بالتشيع في الأندلس...221

ألف: ثورة شقتاي البربري...223

ب: قيام بني حمود وحكومتهم في الأندلس...228

ج : دولة الموحدین ...245

الفصل العاشر: المهدي الكاذب وافكاره وتعاليمه وآثاره ...247

محمد بن تومرت (المهدي الكاذب) ...249

تومرت والمهدوية ...259

الفصل الحادي عشر: الجزيرة الخضراء بين صفحات التاريخ ...267

الفصل الثاني عشر: الأوضاع الاقليمية والاقتصادية لمدن الأندلس ... 283

الفصل الثالث عشر: الأوضاع السياسية والثقافية لمدن الأندلس... 289

الفصل الرابع عشر: بحث علل تأليف قصة الجزيرةالخضراء ... 295

الفصل الخامس عشر: نقد لمؤامرة دامت 720 سنة...311

الفصل السادس عشر: آثار وعواقب هذه المؤامرة المشؤومة...319

الفصل السابع عشر: خاتمة الحديث ...329