ghaemiyeh.com
سلسلة الشعائر الحسينية (1)
البكاء على الحسين علیه السلام وأثره في تكامل النفس والمعرفه
بحوث سماحة آيه الله الشيخ محمد السند
بقلم رياض الموسوي
من اصدارات مركز الأمير (علیه السلام) الثقافي النجف الأشرف
الكتاب: البكاء على الحسين علیه السلام وأثره في تكامل النفس والمعرفة
بحوث سماحة آية الله الشيخ محمد السند
بقلم : رياض الموسوي
الطبعة: الأولى / 1434ه - 2013م
العدد: 1000 نسخة
المطبعة: الرائد للطباعة والتصميم - النجف الأشرف
الناشر: مركز الأمير (علیه السلام) الثقافي
رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق ببغداد (418) لسنة 2013م
بسم الله الرحمن الرحیم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة على محمد و آله الطاهرین.
بعد النجاج الواضح لكتاب (الشعائر الحسينية بين الأصالة والتجدید)، الذي صدرقبل أعوام..
وإتساع رقعة إنتشاره، بحيث طبع عدة مرات في إيران وبيروت والعراق ...
واصلتُ البحث مع إستاذي الجليل آية الله الشيخ محمد السند(حفظه الله) في موضوع الشعائرالحسينية ..ولمدة عدة سنوات إبتداءً من مشهد المقدسة، ثم قم وصولا الى النجف الأشرف .. ولا زلت عاكفاً على هذا الموضوع الإسلامي المهم .. والذي يعتبر من أركان الدين الحنيف.
لذا إرتأيتُ وبعد إستشارة إستاذي الجليل سماحة الشيخ السند،أن تظهر هذه البحوث
الإسلامية خلال سلسلة وعنوانها بمحتواها .. ( سلسلة الشعائر الحسينية )، والتي سوف نصدرها تباعاً، إن شاء الله تعالی.
عسى أن نوفّق بإبراز وإظهار هذا التحقيق العلمي الإسلامي في موسوعة متكاملة بمعظم أبوابه وفصوله وقواعده وأركانه ...
وبين يدك أيها القارئ الكريم باكورة هذه السلسلة وموضوعها: (البكاء على الحسين عليه السلام وأثره في تكامل النفس والمعرفة).
والله أسأل: يتقبّل منّا هذا العمل البسيط بالقبول الحسن، وأن يجعلنا ممن يذكر الحسينعلیه السلام. ويشيد معالمه وأهدافه وشعائره.
ریاض الموسوي
النجف الأشرف 26 / ذي الحجة / 1433 ه
وفي المجمل:قال قوم: إذا دمعت العين فهو مقصور، وإذا كان ثم نشيج وصياح فهو ممدود.
وعن الخليل، إذا قصرت البكاء فهو بمعنى الحزن، أي ليس معه صوت، وإذا كان معه نشيج وصياح فهو ممدود.
قال الراغب: بالمد سیلان الدمع على حزن وعويل. يقال: إذا كان الصوت أغلب . وبالقصر: يقال إذا كان الحزن أغلب.
وبعد هذه المقدمة في بيان معنى البكاء في اللغة نذكر نبذة تمهيدية وبعض المصادر في ذلك :
الأول : البكاء على الحسين علیه السلام عليه من سنن النبيصلی الله علیه و آله و سلم، فقد أمر صلی الله علیه و آله و سلم بها ، وربى عليها المسلمين .. وقد كفى العلامة الأميني(قدس سره)الباحثين مؤونة التتبع لهذه المصادر(1)، وكذا قام بذلك العلامة السيد عبدالحسین شرف الدين في رسالته في الشعائرالحسينية .
بكائه (صلی الله علیه و آله وسلم) على عمه حمزة حتى أغمي عليه.(1)
ومنه :بكاؤه(صلی الله علیه و آله وسلم)على قبر أمه آمنة .(2).
ومنه : ماروي أن فاطمة عليها السلام كانت تبكي وتصلي عند قبر عمها حمزة كل يوم جمعة.(3)
الثاني : مصادر أهل السنة في بكاء السماء على الحسين علیه السلام...... فقد ورد في تفسير الطبري ، سورة الدخان في ذيل الآية الكريمة :« فَمَا بَكَت عَلَيهِم السَّمَاءُ وَالأرضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرينَ».(4)، حيث ذکر بسنده عن السدي قال : ( لما قتل الحسين بن علي رضوان الله عليهما بكت السماء عليه ، وبكاؤها حمرتها )(5).
-كما ذكر ابن كثير في تفسيره ، بسنده عن عبيد المكتب عن إبراهيم ، قال : ( ما بكت السماء منذ كانت الدنيا إلا على إثنين ، قال :
وما تدري بكاء السماء ؟ قلت : لا. قال : تحمر وتصير وردة كالدهان : إن يحيى بن زكريا عليه الصلاة والسلام لما قتل احمرت السماء ، وقطرت دما ، وإن الحسين بن علي رضي الله عنهما لما قتل احمرت السماء ).(1)
ومارواه ابن عساكر في تاريخ دمشق (ج 14 :111) - ومارواه ابن أبي حاتم الرازي في تفسيره (ج 10: 3288) .
وقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام : (...يا زرارة أن السماء بكت على الحسين أربعين صباحا بالدم).(2)
وأصل مفاد هذه الروايات هو ما مر من قوله تعالى في آية الدخان ، من أن شأن السماء والأرض هو البكاء على الأولياء ، لا على المستكبرين والعصاة .
ولابأس بذكر الآيات الآفاقية التي ظهرت بعد مقتل سید الشهداء علیه السلام منها :
• بكاء السماء حزناً على الحسين علیه السلام.(1)
• تغير الآفاق وسقوط التراب الأحمر .(2)
• ظهور الكواكب نهاراً(3)
• لم يرفع حجر في ذلك اليوم إلا وتحته دم عبيط يغلي.(4)
• مكثت السماء سبعة أيام بلياليها كأنها علقة (دم).(5)
• بقيت الشمس زمان تطلع محمرة على الحيطان والجدر بالغداة والعشي . (6)
• حدوث الحمرة في السماء كأنها الدم .(7)
• أصبحت الكواكب يضرب بعضها بعضا.(1)
•إصابة العمى من أخبر بمقتل الحسين عليه السلام .
•أمطرت السماء دم عبيطة ثلاثة أيام .(2)
• كانت حيطان دار الإمارة تسيل دما .(3)
• أصبحت حيطان بيت المقدس ملطخة بالدماء .(4)
• صيرورة الورس(5)الذي نهبوه من معسكر الحسين
علیه السلام رماداً .(6)
• ماطبخ من لحوم نياق معسكر الحسين علیه السلام، أصبح ناراً ولم يتمكنوا من أكله(7).
• الكسوف للشمس.(1).
• الجبال تقطعت وانتثرت .(2)
• البحار تفجرت.(3)
• بكاء الوحوش عند قبره.(4)
• إنشباك النجوم.(5)
• أمطرت السماء تراب أحمراً.(6)
الثالث : ارتباط البكاء مع المودة: فإن أحد أدلة البكاء هي : آيه المودة، لاسيما مع الالتفات إلى إن المودة من أصول الدين و ارتباط
ذلك بالقاعدة القرآنية من إرتباط المواساة بالحزن للمصاب كمقتضي من مقتضيات المودة ، أي أن المؤمن يفرح لفرح النبي ويحزن لحزنه..
وهو مفهوم قوله تعالى: « إن تُصِبكَ حَسَنَهٌ تَسُؤهُم وَإن تُصِبكَ مُصِيبَهٌ يَقُولُوا قَد أخَذنَا أمرَنَا مِن قَبلُ وَ يَتَوَلَّوا وَهُم فَرحُونَ».(1)
الرابع : البكاء سنة تشريعية وتكوينية ، أما كون البكاء سنه تشريعية ، فلما مر من الأمر به کتاباً وسنهً مضافاً إلى ما قدمناه في الجزأين السابقين من كتاب الشعائرالحسينية ، وأما كونه سنه تكوينيه فلما أشارت إليه آيه الدخان المتقدمه ، وما ورد في ذيلها من أحاديث عن النبي صلی الله علیه و آله وسلم ، وأهل بيته علیهم السلام في ذلك .
الخامس : وقد ورد أن الأرض تبكي على المؤمن أربعين يوماً، ففي مصنف ابن أبي شيبه الكوفي بسنده عن وكيع عن سفيان ، عن
1) التوبه: 50.
أبي يحيى القتات ، عن مجاهد ، عن إبن عباس قال : (الأرض تبكي على المؤمن أربعين صباحاً) .(1)
وإذا كان هذا حال الأرض تجاه المؤمن فكيف حالها مع أئمة المؤمنین علیه السلام.
السادس : إن أحد أدلة رجحان البكاء والحزن على المصطفين الحجج على العباد من الأنبياء والرسل والأئمة الأوصياء المنصوبين من قبل الله تعالى، هو قوله تعالى في شأن يعقوب ، وحزنه على النبي يوسف ، لا بما هو ولد له ، بل لخصيصة نبوة يوسف وإمامته :« وَتَوَلَّى عَنهُم وَقَالَ يَا أسَفَي عَلَى يُوسُفَ وَابيَضَّت عَينَاهُ مِنَ الحُزنِ فَهُوَ كَظِيمٌ قَالوا تَاللَّهِ تَفتَأُ تَذكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضَاً أو تَكُونَ مِنَ الهَالِكِينَ قَالَ إِنَّمَا أشكُو بَثِّي وَحُزني إلَى اللهِ وَأعلَمُ مِن اللهِ مَا لا تَعلَمُونَ» (2)
فإن ابيضاض عيني يعقوب من شدة البكاء واستمرار حزنه وکمده حتى قال له أهله : (تالله إنك لفي ضلالك القديم ) ، ولم
يقطع بكاءه بسبب الخوف من الهلكة ، ولا خوف ذهاب بصره ، وهذا يدل على عظمة أهمية البكاء على المصطفين من حجج أنبياء وأئمة ، بقوله : « لَقَد كَانَ فِي قَصَصِهِم عِبرَهٌ لِاُولِي الألبَابِ مَاکَانَ حَدِيثاً يُفتَرَى وَلَكِن تَصدِيقَ الَّذِي بَينَ يَدَيهِ وَتَفصِيلَ کُلِّ شَيءٍ وَهُدیً وَرَحمَهً لِقَومٍ يُؤمِنُونَ »(1)أي أن قصصهم علیهم السلام عبره ليتخذ منها سنه ، ولتكون قدوة للعالمين .
السابع : ما ورد في زيارة الناحيه المقدسه : (فلاندبنك صباحاً ومساءاً ولأبكينّ عليك بدل الدموع دماً).(2)
و تقریب مفاده، أن البكاء على مصاب الحسين عليه السلام يتأكد استمراره ولو أدى إلى خروج الدم من العين بسبب الاستمراروالشدة، وتعبير المعصوم علیه السلام يجل عن الخيال ، ويرتفع عن التصويرالشاعري ، بل هو بيان حقيقه و تثبیت مفهوم واقعي ، وهذا عین مفاد مامر في بكاء النبي يعقوب عليه السلام في سوره يوسف
الثامن : ما ورد من أن البكاء نفسه خشوع، لذا نرى أن القرآن الكريم يمتدحه، بينما يذم الضحك والفرح.
فلا يخفى من أن مقتضى قوله تعالى : « إنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَومِ مُوسَی فَبَغى عَلَيهِم وَآتَينَاهُ مِنَ الكُنُوزِ مَا إنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالعُصبَهِ أولِي القُوَةِ إذ قَالَ لَهُ قَومُهُ لَا تَفرَح إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الفَرحِینَ»(1)
إن البكاء مقابل الفرح ، فالأول إنكسار النفس عن الطغيان والتجبر والتكبر ، والثاني تبختر النفس وخیلاؤها بالنزعة الذاتية،وهذه فلسفة عظيمة تربوية في كمال النفس نتيجة البكاء ، معاكسة لرذيلة الفرح والبطر .
1) القصص: 76.
فقد روى ابن قولويه في كامل الزيارات ، بسنده عن إسماعيل بن منصور، عن بعض أصحابنا: قال: أشرف مولى لعلي بن الحسين علیه السلام وهو في سقيفة له ساجد يبكي، فقال له: يا مولاي يا علي بن الحسين، أما آن لحزنك أن ينقضي، فرفع رأسه إليه، وقال: ويلك،أو ثكلتك أمك..
والله لقد شکی يعقوب إلى ربه في أقل مما رأيت، حتى قال:« يا أسفي على يوسف»، إنه فقد إبناً واحداً، وأنا رأيت أبي وجماعة أهل بيتي يذبحون حولي ».(1)
1) كامل الزيارات : باب 35/ ح 2.
البكاء على الحسين عليه السلام ، خطاب مع الله.
إني لم أذكر مصرع بني فاطمة إلّا وخنقتني العبرة.(1)
ص: 140 . والخصال(272).
1) كامل الزيارات : باب 35/ ح 1.- ورواه الصدوق في الأمالي
الضيق والمحنة، لذا جعل القرآن هذين شعارين وعنوانين للبكاء،عندما اعترض أولاد يعقوب على أبيهم كثرة البكاء، فأجابهم على استنكارهم، « إنما أشكو بثي وحزني إلى الله...».
ويدل تأكيد هذين العنوانین بإن هوية البكاء على مظلومية الحجج علیهم السلام ماقاله يعقوب أيضا بعد أن ارتد بصيرا وجاءته البشري بلقاء يوسف « فَلَمَّا أن جَاءَ البَشِيرُ ألقَاهُ عَلَى وَجهِهِ فَارتَدَّ بَصِيراً قَالَ ألَم أقُل لَكُم إنِّي أعلَمُ مِن اللهِ مَا لا تَعلَمُونَ قَالُوا يَا أبَانَا استَغفِر لَنَا ذُنُوبَنَا إنَّا کُنَّا خَاطِئِينَ ». أي أن البكاء شكوى الى الله لطلب الفرج ، وهذا هو.. قد جاء الفرج ؛فالشاكي إلى الله ببكائه يطلب منه العدوى ، والله يعلم بتوكله عليه تعالى من دون يأس من روح الله سبحانه .
1- ما رواه ابن قولویه (1)، من زيارة طويلة في الحسين علیه السلام ، وفيها: «... أتقرب إلى ربّي بوفودي إليك وبكائي عليك وعويلي(2)وحسرتي وأسفي وبكائي... جئتك مستشفعاً بك إلى الله، اللهمّ إني استشفع إليك بولد حبيبك وبالملائكة الذين يضجون عليه ويبكون ويصرخون لا يفترون ولا يسأمون، وهم من خشيتك مشفقون. ومن عذابك حذرون ولا تغيّرهم الأيام، في نواحي الحير يشهقون، وسيدهم يرى ما يصنعون، وما فيه يتقلّبون، قد انهملت منهم العيون فلا ترقأ، لم تجف ولم تسكن، واشتد بهم الحزن بحُرقة لا تطفأ ».
2 - وفي صحيحة معاوية بن عمار التي هي قطعية الصدور : أنه دخل على أبي عبد الله عليه السلام فوجده يدعو لزوار الحسينعلیه السلام.في دعاء طويل . الى ان قالعلیه السلام: (فارحم تلك الوجوه التي قد غيرتها الشمس،وإرحم تلك الخدود التي تقلبت على حفرة أبي عبد الله علیه السلام.... وارحم تلك القلوب التي جزعت واحترقت لنا ، وارحم الصرخة التي كانت لنا ).(1)
1) الكافي ج 4 : 583. کامل الزيارات باب : 40 /ح 2.
. روی ابن قولويه في كامل الزيارات في الصحيح عن أبي داود المسترق عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله علیه السلام، قال:
بکی علي بن الحسين على أبيه حسین بن علي عليه السلام عشرين سنة أو أربعين سنة، وما وضع بين يديه طعام إلا بكى على الحسين حتى قال له مولى له: جعلت فداك يا ابن رسول الله إني أخاف عليك أن تكون من الهالكين. قال: إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون». إني لم أذكر مصرع بني فاطمة إلا خنقتني العبرة لذلك.(1)
1) کامل الزيارات: باب 35/ 1. الصدوق في أماليه وخصاله.
على يوسف، إنه فقد ابناً واحداً، وأنا رأيت أبي وجماعة أهل بيتي يذبّحون حولي.»(1)
والذي يلفت النظر في هاتين الواقعتين للإمام علي بن الحسين عليه السلام جملة من الأمور والزوايا:
الأولى: تبيّن فلسفة البكاء على الحسين عليه السلام عند اهل البيتعلیه السلام ، إذ كما هو ثابت في روايات الفريقين أن النبي صلی الله علیه و آله و سلم بکی على ابنه الحسين عليه السلام منذ ولادته، بل قبلها وبعدها، وأتخذ البكاء عليه عملاً وسيرة دأب صلی الله علیه و آله و سلمعلیها. وكذلك ما روى عن فاطمه علیهاالسلام وأمير المؤمنين عليه السلام، وبقية أئمه أهل البيت
علیهم السلام.
وروى ابن قولويه والصدوق مستفيضاً قول أمير المؤمنین علیه السلام وبقية أهل البيت علیهم السلام عن الحسين عليه السلام: «يا عبرة كل مؤمن». أو قول الحسين عليه السلام: «أنا قتيل العبرة.(2)
فإن زین العابدين علي بن الحسين عليه السلام ، قد قضى طيلة عمره باكياً على أبيه الحسينعلیه السلام(ما يقارب أثنا عشر ألف يوم طوال 34سنة قمرية)(1)(34 × 350)..
وكذلك بقية أئمة أهل البيت كما روي ذلك كثيراً عن الصادق عليه السلام والرضا علیه السلام، وصاحب العصر والزمان (عجل الله تعالی فرجه الشریف).فالبكاء على الحسين ظاهرة منتشرة عند النبي صلی الله علیه و آله و سلم وأهل بيته علیهم السلام ، وواضحة في طقوس أعمالهم سلام الله عليهم.ومن البديهي أن المعصوم لا يشغل وقته إلّا بما يصبّ في التكامل، والسير في القرب الإلهي، وإلّا فالمعصومون لاسيما سیدالأنبياء وأهل بيته علیهم السلام ، منّزهون أن يشغلوا أعمالهم وأوقاتهم في الأمور العادية، بل ولا الراجحةاليسيرة. فمن ثمَّ لا بدّ من کون البكاء على خصوص الحسين عليه السلام هو ذو بُعد وغاية غير ما يحسبه ويتخيله الكثير من الناس .
1) ناتج الضرب: 34 × 350 = 11900 يوماً.
وإلّا فإن المعصومين دائبون في ذكر الله والانشغال بالصلاة بكم كبير والصيام والدعاء والمناجاة والابتهال وبقية أبواب العبادات؛ من السياحة والقنوت والخشوع وغيرها..
الثانية: أن بكاء السجادعلیه السلام على الحسين عليه السلام ، كان في حال السجود، وسواء افترضناه سجود للصلاة، أم سجود مستقل، فهو عبادة لله، فكيف يبكي السجادعلیه السلام على الحسين علیه السلام، ويذكر ما جرى على الحسين عليه السلام ، وهو في حالة ذكر الله ومناجاة مع الله سبحانه، لاسيما وأن السجود هو من أعظم حالات العبادة والقربة إلى الله سبحانه،كما ورد أن أقرب ما يكون العبد إلى الله وهو ساجد. كما في قوله تعالى: «وَاسجُد وَاقتَرب».
لاسيما أن مولى الإمام زين العابدين عليه السلام ، ذكر الرواية التي بهذا المضمون رغم كون الإمام ساجداً . قد فهم من حالة الإمام أن بكاءه هو على أبيه الحسين عليه السلام ، ممّا يدلّ على أن بكاءه على الحسين عليه السلام كان عادهً له حتى في حالات العبادة لله.
الثالثة: قوله علیه السلام، أن عنوان البكاء على الحسين عليه السلام ، وشعاره هو عنوان و شعار بكاء يعقوب على ابنه يوسف. وهو كما في قوله تعالى: «إنَّمَا أشكُو بَثِّي وَ حُزني إلَى اللهِ وَ أعلَمُ مِنَ اللهِ مَا لاَ تَعلَمُونَ»..
وهذا القول من يعقوب إنما قاله بعدما اعترض عليه ذويه، وولده حيث ذهبت عيناه من الحزن والبكاء على يوسف كما يشيرإليه قوله تعالى:« وَ قَالَ يَا أسَفَي عَلَى يُوسُفَ وَابيَضَّت عَينَاهُ مِنَ
الحُزنِ فَهُوَ كَظِيمٌ قَالُوا تَالله تَفتَأُ تَذكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أو تَكُونَ مِنَ الهَالِكِينَ».
فيكون هذا العنوان والشعار جواباً على الاعتراض الموجه على يعقوب ببكائه على يوسف. وعتابهم عليه، وتذمّر المعترضين من طول هذا البكاء، فيكون مفاد هذا الجواب، أن بكاء يعقوب على مصاب فَقد يوسف ليس موجهاً لهؤلاء المعترضين، وليس هو وسيلة للشكاية لهم، وإنما البكاء شكاية إلى الله، وطلب الفرج منه واستنزال الغوث منه تعالى، إذ أن حقيقة البكاء هو شكاية و استغاثة من السبب والمنشأ الذي حصل البكاء منه، وهو موّجه لمن يخاطب به البكاء کنداء ودعاء وطلب وإستعداء، كما في بكاء الطفل يوجهه لامه وأبيه فانه استدعاء من الطفل لكي يجلب توجه أبويه له للعطف عليه
وتلبية حاجته، وكلما زاد في بكائه لهما زاد إلحاحه لهما، وهو إلحاح في الدعاء الذي هو من أعظم حالات الدعاء، فالبكاء لهما حالة إنعطاف وإستنزال للرحمة والغوث.
لأن حقيقة البكاء كما توضحه الآية بنصها أنه شكاية واستغاثة ونداء، واستعداء.. ولهذه الحقيقة من البكاء يشير قولهعلیه السلام. في دعاءالندبة الذي هو (ندبة وبكاء على مصائب أهل البيتعلیه السلام وابتلاء الإمام المهدي (عجل الله تعالی فرجه الشریف) بالغيبة): « اللهم أنت كشاف الكرب والبلوى وإليك استعدي فعندك العدوى، وأنت رب الآخرة والأولى، فاغث یا غياث المستغیثین عبيدك المبتلی».
وهذه الحقيقة للبكاء، نشهدها ونجدها عياناً في ارتكاز الفطرة.فإن الطفل عندما يبكي، يوجه بكاءه لأمه وأبيه طلباً لرفع حاجته واستغاثهً بهما ونداءً لهما؛ واستنزالاً للعون منهما. فالبكاء استدعاء وسؤال لرفع الكرب والبلاء، وطلب للغوث والعون. فإذا كانت هذه حقيقة البكاء، فيبين النبي يعقوب(عليه السلام)، أن البكاء إنما يوجهه إلى غياث المستغيثين، و كاشف الكرب والبلوى وإلى قاضي الحاجات وکافي الملمات فهو شكوى إلى الله وليس شكوى من الله، وكم فرق وبون بينهما. بأن يكون شكوى من الله فهو سخط على قضاء الله
و قدره، فيوجه الباكي بكاءه وشكايته إلى المخلوقين فيشكو الله للمخلوقين . بخلاف ما إذا كان شكوى إلى الله سبحانه، فهو استغاثة بالله ونجوى مع الله، ودعاء إلى الحضرة الربوبية، فكلما استمر واشتدالبكاء، فهو اشتداد للدعاء بانكسار، وهي من الحالات الفضلى للدعاء وإستجابته، وزيادة في المناجاة واشتداد لعبادة الله سبحانه، وإلحاح للطلب من الله، فيكون البكاء مخّ العبادة. فهو مخّ السجود،فكيف يُعترض على الدعاء الموّجه إلى الحضرة الربوبية، وكيف يطالب الباكي بهذا العنوان أن يقطع بكاءه أو أن يفتر في بكائه؛ وكيف يُتبّرم من هذا البكاء، الذي هو دعاء ومناجاة مع الله، ونداء واستغاثة من قاضي الحاجات، بل إذا استمر واشتد هذا البكاء، يكون دليلا على شدة الإيمان واليقين برجاء الله سبحانه، وقدرته تعالى على کشف أحلك العقد وأشدّها، وأعظم الكُرب وأبلاها، ومن ثمّ قال النبي يعقوب عليه السلام ، أن العنوان الثاني للبكاء هو: «و أعلم من الله مالاتعلمون»، يعني معرفته بالله و برجاء الله وقدرة الله سبحانه، وعظمته الغالبة على كل شيء قادرة على رفع اليأس، ورفع شديد البلاء وعظائم الكرب، وقاسي المحن. فالبكاء أمل ورجاء وثقة بالله العلي العظيم..
وإلى ذلك تشير الآيات في سورة يوسف مرة أخرى : « وَلَمَّا فَصَلَتِ العِيرُ قَالَ أبُوهُم إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَولاَ أن تُفَنّدُونِ (94)قَالُوا تَاللهِ إنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ القَدِيمِ (95) فَلَمَّا أن جَاء البَشِيرُ
ألقَاهُ عَلَى وَجهِهِ فَارتَدَّ بَصِيراً قَالَ ألَم أقُل لّكُم إنّي أعلَمُ مِنَ اللهِ مَا لاَ تَعلَمُونَ (96) قَالُوا يَا أبَانَا استَغفِر لَنَا ذُنُوبَنَا إنَّا کُنَّا خَاطِئِينَ».فكرر يعقوب عليهم وذكرهم بفلسفة وغاية البكاء ، وأن بكاءه لم يكن عديم الغاية وكان ضلالاً، بل هو هدي وفلاح ونجاح حيث ذكر القرآن الكريم على لسان يعقوب : ( ألم أقل لكم اني اعلم من الله مالا تعلمون ) . أي أن البكاء وبث الشكوى والهم والحزن إلى الله تعالى ،لا إلى غيره هو دعاء وسؤال وطلب حاجة من الله تعالی . فمن يبكي ويتوجه ببكائه إلى الساحة الإلهية، يدل على قوة تو كله على الله تعالى ، وقوة معرفته بعظمة قدرة الله على كل شئ ، ولایيأس من روح الله ، فإدمان البكاء هو إلحاح في الدعاء والطلب ؛ومن ثم، اعتذروا عن تسفيههم بكاء يعقوب وعن تضليلهم لحزنه الطويل وعن إستهجانهم إدمان ذكره ليوسف ، وعرفوا أن مأتم يعقوب على مصاب يوسف أمر حق وهدى وفلاح ونجاح ومن
أسباب توفيق القدر ؛ فطلبوا من أبيهم أن يستغفر لهم ذنبهم وخطيئتهم .
الرابعة: صيرورة البكاء على الحسين عليه السلام ، منشأ ذكر الله عندالمعصومين، وبكاء وحزن قربي إليه تعالی. وليس ذلك للمعصومین فقط، بل لجميع الأنبياء السابقين فهذا البكاء قَلب حياةالسجاد عليه السلام إلى رياضة، وذِكر الله تعالى، حيث يتوجه وكذلك صنع بجدّه النبي صلی الله علیه و آله و سلم، حيث قلب العديد من أوقاته الشريفة إلى بكاء ولون خاص من ذكر الله تعالى، حيث يتوجه صلی الله علیه و آله و سلم بإنكسار بذلك البكاء بمثابة شكاية يتوجه بها إلى الله، والبكاء حزن، والحزن محبوبٌ عنده تعالى، حيث قال تعالى في الحديث القدسي: «.. أنا عند المنكسرة قلوبهم».(1)
وكذلك صنع هذا البكاء بفاطمة علیها السلام، فإنه أورثها الحزن والأسى في حياتها، بل وفي عالم البرزخ، حيث وردت الروايات المستفيضة في كامل الزيارات وغيرها من المصادر الدالة على أن الزائرللحسين علیه السلام من المؤمنين والمؤمنات يُسعد فاطمة.. على بكائها على
1) کامل الزيارات: (بحار الأنوار ح157/73 ) عن نوادر الراوندي.
مصابه علیه السلام، فعن الصادق: «ما في الأرض مؤمنة إلّا وجب عليها أن تُسعد فاطمة، في زيارة الحسين علیه السلام.(1)وان بكاءهم عند قبره الشريف يُسعدها أيضاً.
و كذلك أبكي عليه السلام والده أمير المؤمنين في مواطن عديدة، وأبكي أخاه الحسن عليه
السلام ، وكلّ أئمة أهل البيت علیهم السلام ، و كذلك صَنع بابنه الحجّة (عجل الله تعالی فرجه الشریف) حيث قال:«ولأندبنّك صباحاً ومساءً؛ ولأبكينّ عليك بدلَ الدموع دماً».
الخامسة: ومن هنا يظهر معنی وفلسفة فضيلة وكمال دوام ذکرمصابه ليلاً ونهاراًً بنحو رتیب ودائم.. حيث أن البكاء عليه هو توّجه إلى الله بنحو دائم، ومناجاة للساحة الإلهية.. فكيف لا يدوم رجحانه وفضيلته..
1) مستدرك الوسائل: ج 10، ص259
السادسة: قوله علیه السلام : «والله لقد شکی یعقوب إلى ربّه في أقلّ ممّا رأيت، حتى قال: يا أسفي على يوسف؛ إنّه فقد ابناً واحداً، وأنا رأيتُ أبي وجماعة أهل بيتي يذبحون حولي».
والمعروف، أن يعقوب بکی علی یوسف عشرين عاماً(1)،وابيضت عيناه من الحزن وهو كظيم. هذا مع علم يعقوب بأن ابنه على قيد الحياة بسبب الوحي الذي أوحي إلى يوسف في رؤياه، بأنه ينال المُلك، مع أن المصاب الذي حصل ليعقوب جرّاء فراق يوسف دون مصاب سيد الشهداءعلیه السلام، كما أن شأن يوسف هو دون شأن الحسين علیه السلام، فكيف بضميمة من كان مع الحسين علیه السلام من أهل بيته. وفي تفسير القمي صحيحة هشام بن سالم وقد رواها الصدوق(2)،أنه قد سئل أبو عبد الله، ما بلغ من حزن يعقوب على يوسف، قال: «حزن سبعين ثكلى بأولادها »(3).
وكلّ هذا الحزن هو دون ما يستحقه مصاب سيد الشهداء عليه السلام ، فهوعلیه السلام يشير إلى أن مصاب سيد الشهداء وما احتواه من فوادح تستحق من المعصوم أن يطوي عمره جزعاً وبكاءً بشدة، فكيف بغيرالمعصوم تجاه سید الشهداء ، وذلك بسبب ما يستحقه مقام سیدالشهداء، وبالتالي فعدم التجاوب وعدم التأثر مع عظم الظلامة والمظلومية وما يستحقه هذا المصاب، يُعتبر تقصیراً في أداء ذلك الاستحقاق، بل لا يقف الأمر على حدود التقصير، بل يتجاوزه إلى درجة الجفاء، والجفاء يؤدي إلى الخذلان، ودرجة الاصطفاف مع الراضين بما جرى عليه من الظلم، وذلك لأن كلّ منكر يستدعي تقبيحاً بدرجة شدة المنكر، فإذا قلّ التقبيح والتبّرم والنفرة منه دون درجته المستحقة من الشدة، كان النقصان رضا و تمايل إلى المنكربالنسبة في الجملة.
فكل منكر يستدعي بحسب قباحته درجة من النفرة والتبرم والكراهية بحسب ما لذلك من قباحة . وعلى العكس ، المعروف يستدعي إنجذابة ورغبة وتمايط بدرجة بحسب ما لذلك المعروف من حسن ومحاسن . فالتفريط بأحد الجانبين تخادع عن الحق والحقيقة، بل هو إصطفاف مع الباطل والبطلان، ومن هنا نفهم إستنكار الإمام
السجادعلیه السلام على إعتراض و تعجب ذلك الشخص من مقدار بكاء وحزن زین العابدین علیه السلام وتبرمه من الظلم الذي جرى على سيدالشهداء عليه السلام ، بل في بعض الروايات، أن جزع وبكاء فاطمة الزهراء علیها السلام على سيد الشهداء عليه السلام ، أشد بمراتب من جزع زین العابدین علیه السلام.حتى أن الإمام السجاد عليه السلام . إشتد بكاؤه وجزعه من جزع الزهراء علیها السلام وبكائها، ووجدها على سيد الأنبياء . فقط كان من الحجم والمقدار والشدة لم يتحمله، ولم يطقه أهل المدينة ، فمانعوها علیهاالسلام من ذلك ، وألجأوها لإقامة بيت للأحزان خارج المدينة وهذا تعليم تربوي معرفي كبير من الزهراء علیهاالسلام للبشرية بأن فقد محمد صلی الله علیه و آله وسلم : هو أعظم المصائب على كل إنسان، ولا يصاب الإنسان بخسارة فادحة ومصاب عظيم بمثل تلك الخسارة بمصاب فقد نبي الله الخاتم صلی الله علیه و آله وسلم ؛ فكان بكاء الزهراء علیهاالسلام وجزعها العظيم ، بحجم وبمقدارمایستدعي رسول الله صلی الله علیه و آله و سلممن تناسب وإنجذاب إليه وشوق ودرجة عالية من الرغبة نحوه . وهو قدر معرفة الزهراء علیهاالسلام بعظم مقام وسمو منزلة ورفيع كمال النبي الأكرم صلی الله علیه و آله وسلم.
وهذا عكس ما رفعه أبو بكر من شعار، (أنه من كان يعبد محمدا فإن محمداً قد مات).(1)
فان هذه المقالة هي فاتحة أعمال أبي بكر ، وتعكس مدى الجهالة والنكران لحقيقة وعظمة مقام ومكانة ومنزلة النبي الأكرم صلی الله علیه و آله و سلم، التي إستعظمها القران الكريم في عدة آيات شريفة .
لذلك نجد أن أمير المؤمنين علیه السلام عاش ثلاثين عاما والی آخرعمره حالة عزاء وحداد وأسي وحزن على فقد رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم ، ولم يصبغ لحيته قط، حزناً على رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم وكان لا يتناول أكلة لم يأكلها رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم مواساهً له صلی الله علیه و آله وسلم ؛ وغير ذلك من مظاهر التأثر والتصدع والحداد في حياة أمير المؤمنين علیه السلام التي تبين حجم الاستحقاق الذي يقتضيه ويستدعيه مقدارالمعرفة والعلم بمقام ومنزلة رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم
1) البخاري ج 2: 70.
ومن ذلك يتحصل وجه ماورد في شأن سيد الشهداء عليه السلام انه :صاحب المصيبة الراتبة) . بحسب ما للبشرية من أجيال وأمم متتابعة وكذلك وجه ماورد بأنه علیه السلام(صريع الدمعة الساكبة ).
فقد روى ابن قولویه باستفاضة وعقد بابا أورد فيه روایات عديدة فيها : ( إن الحسين علیه السلام قتيل العبرة ). (1)
أي أنه سلام الله عليه لايذكره مؤمن ولا مؤمنة من الأولين والآخرين قط إلّا واستعبر ویکی ، وفي أي لحظة من الليل والنهار.
ومنه يظهر : أن التفريط والإهمال والتقليل في إقامة المآتم ومجالس الحزن علیه علیه السلام والتقليل من ذكره أو عدم الإهتمام بزيارته، إنما يكون ناتجاً عن تفريط وتقصير وجفاء، وإلى ذلك تشيرطوائف من الروايات المستفيضة .
وقد ورد في روايات عديدة أن التفريط والتقصير في إقامة مختلف الشعائر الحسينية إنما يوجب ضعف الدين ونقص الإيمان .(1)
1) کامل الزیارات باب 36: ح1.
1- ما سرّ هذا القلق والتحسّس الشديد عند الأنظمة والحكام والدول من هزّات العاطفة بسبب المظلومية.
2- سرّ ارتباط البكاء بالمظلومية هو أنه رافد في العقيدة والسلوك شيّده الباري سبحانه في أهل البيت علیهم السلام، ليشدّ البشرية لهم تربوياً وعقيدياً، وهو مظهر عظيم لعبودية الله سبحانه من قِبل أهل البيت علیهم السلام الله. وتواضعهم وانكسارذواتهم أمام عظمة الباري سبحانه.(1)
3- قد يُعترض بأن الكآبة والغمّ الدائبين والغالبين والحزن المستمر ، كل ذلك يميت النشاط ويبثّ اليأس والشؤم وفقدالأمل و یُبعد الإنسان عن السعادة، بخلاف الفرح والابتهاج والسرور، فإنه باعث على نشاط المجتمع والمنافسة، والرقي
1) کامل الزیارات باب 78.
فيقع الكلام في تمحيص أقسام الفرح والبهجة، والمحمود منها من المذموم والنافع من الضار، وكذلك الحال في أقسام الحزن و تناسبها مع قوى الإنسان الغريزية والإدراكية وحالة التوازن؛ والاعتدال في ذلك.
4- إنّ في النفس الإنسانية جانباً من القوى العمّالة والتي قد يعبّر عنها بظاهرة الوجدان العاطفي في النفس، وهو جانب لا يقتصر على الإدراك المحض الجاف؛ بل فيه جانب من الإثارة والفتور والنشاط والخمود، وهذا الجانب في النفس منه تنبعث الإرادة والعزم والتصميم على الأفعال، فهو بمثابة الوقود لقيادة النفس.
ومن ثمَّ راعي القرآن الكريم والسنة الشريفة الاهتمام بهذا الجانب في النفس كثيراً، بخلاف المنطق الأرسطي وفلاسفة المشّاء فإنهم لاحظوا جانب القوة الإدراكية فقط، وأهملوا الجانب العملي،وهذا النظام المنطقي لا يؤمّن عصمة فكر الإنسان، فضلاً عن استقامة رأيه،وذلك لما هو مقرر في الأبحاث
العقلية والمعرفية، من أن الجانب العملي في النفس مؤثر في الجانب الإدراكي فيها هذا مع أن
الإدراك الذي تناوله المنطق الأرسطي هو الإدراك الفكري فقط دون الإدراك القلبي، والعياني.
والحاصل أن الإنسان لا يتحرّر ولا يكون مختاراً بصرف الإدراك الفكري، والمعرفي عبر المفاهیم، بل بضميمة المحبة و تأثيرالكراهة كما يشير إليه قوله تعالى: « حَبَّبَ إلَيكُمُ الإيمَانَ وَ زَيَّنَهُ فِي قُلُوبکُم وَکَرَّهَ إلَيكُمُ الكُفرَ وَالفُسُوقَ وَالعِصيَانَ أُؤلَئِكَ هُم الرَّاشِدُونَ»(1)،فالتحبَّب والتزيين والاستحباب والاستكراه (الكراهة) باب واسع من أبواب تربية النفس وزرع الفضائل، والتوقية من الرذائل، وكذلك العكس، ومن هنا يظهر أن العاطفة هي المدد لبقاء الإنسان على طريق الصواب والحق. ومن ثم جاء التأكيد على الإيمان بعنوان الحبّ، في قوله تعالى:« وَ إن کُنتُم تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي یُحبِبکُمُ اللهُ وَ یَغفِر لَكُم ذُنُوبَكُم وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ».(2)
وكذلك في الإيمان بأهل البيت علیهم السلام في آية المودة، ومن ثمَّ وردت تكاليف عديدة ومهمة وحساسة في الخطاب والتشريع
القرآني تجاه المحبة والكراهة، وكل ذلك يرسم مدى أهمية مجالس العزاء والرثاء والشعائر الحسينية من جهة تأديتها إلى بناء وإقامة أمر عظيم ألا وهو مودة أهل البيت علیهم السلام ، وهو عين الإيمان،فزرع المحبة في القلوب جوهرة نفيسة هي من الغايات الكبرى في الدين. وهذا البيان العلمي مستفاداً أيضا من قول الصادق علیه السلام: «وهل الدين إلّا الحبّ.» (1)
ويظهر من ذلك أيضاً وجه الحاجة لاستمرار تلك المجالس والمحافل والشعائر بشكل رتیب طوال العام، لأنه يجدد تولید و بعث المحبة. ووقاية من فتورها وزوالها بات واضحاً في منهج التعليم
التربوي، وأن الإنسان لا يتلقى المعلومة بجفاف، ولا يهضمها مجردة بمفردها، بل إن الجانب النفسي له تأثير بليغ في تلقي المعلومة، ووضوحها وبيانها للذهن، فالجانب النفساني شديد التأثير في قدرة إدراك الإنسان، وقناعته بالمعلومة التي يتلقاها، وكم للمحبة التأثيرالبالغ في التلقّي والفهم للفكرة، وعكس ذلك بالنسبة إلى الكراهة.
1) مستدرك الوسائل ح 12: 219.
ومن هنا يتبيّن مدى تأثير العاطفة في التوعية الفكرية، بمفاهيم الدين، وأنه مع الجفاف العاطفي، والتصحر النفسي والفتور الروحي، يصعب حصول الوعي العلمي بالدين ومفاهيمه.
فكم هي الضرورة هامة لدور العاطفة في حصول التنوير العقلي ورقي المستوى العلمي، وهذا بالضبط ما يقوم به البكاء والتفاعل العاطفي الذي يصاحبه من دور خطير في الوعي العلمي بمفاهيم الدين، والإيمان بها والقناعة بأحقيتها..
ومن ثمّ التعهّد والالتزام بها، والتفاعل العملي بمضامينها.
وهذه الغاية النهائية للإيمان والالتزام الديني..
وبخلاف ذلك فإن الجفاف الروحي والجمود النفسي يسدّان ويحجبان الطريق عن التلقي الذهني والإدراك العقلي..
ولتوضيح ماسبق بنحو البسط نقول : أنّ كثيراً ما يطرح هذا السؤال، هو لماذا هذا التركيز على العاطفة الجياشة في الشعائرالحسينية وإن كان البحث الفكري يشغل مساحة غير هينة و كبيرة في خطاب الشعائر إلا أن جانب العاطفة يحتل سهماً كبيراً وزخماً هائلاً بل نجد ذلك في التوصيات الشرعية الراسمة لروح تلك الشعائروقوالبها وأطرها، كالنص الوارد (إن الحسين علیه السلام قتیل العبرة لا يذكره مؤمن إلا بکی)(1)، و(إن البكاء والجزع مكروه للعبد في كل ما جزع ما خلا البكاء والجزع على الحسين بن علي عليه السلام، فإنه فيه مأجور)(2)،و(إن السماء والأرض لتبكي منذ قتل أمير المؤمنين عليه السلام رحمة لنا
وما بكى لنا من الملائكة أكثر وما رقأت دموع الملائكة منذ قتلنا)(3)و(من أنشد في الحسين علیه السلام شعراً فبكى وأبكی كتبت له الجنة)(4)
و (فما من عبد شرب الماء فذكر الحسين عليه السلام... إلا كتب الله له مائة ألف حسنة وحط عنه مائة ألف سيئة ورفع له مائة ألف درجة و كأنما اعتق مائة ألف نسمة وحشره الله تعالى يوم القيامة ثلج الفؤاد)(1)و(إذا أردت الحسين فزره وأنت حزين مكروب شعثاً أغبر جائعاً عطشاناً)(2)وفي دعاء الصادق،علیه السلام« وارحم تلك الخدود التي تقلبت على حفرة أبي عبد الله عليه السلام، وارحم تلك الأعين التي جرت دموعها رحمة لنا، وارحم تلك القلوب التي جزعت واحترقت لنا وارحم تلك الصرخة التي كانت لنا)(3)، وغيرها مما يجده المتبع في الآثارالواردة بنحو مستفیض و متواتر.
فما هو موقع الأهمية الذي يشكله دور العاطفة والإحساس المُرهف والميول النفسية في هداية الإنسان وتكامله واستقامته.
إن الاستقراء في أبعاد مساحة الأحكام الشرعية وقواعدها،يوصلنا إلى وفرة من الأحكام والتكاليف الإلهية المتعلقة بميول و انعطافات النفس مثل قوله تعالى: « قُل لَّا أسألُكُم عَلَيهِ أجراً إلَّا
المَوَدَّهَ فِي القُربَی»(1)و في المقابل « لَا تَجِدُ قَوماً يُؤمِنُونَ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِرِ یُوَادُّونَ مَن حَادَّ اللهَ وَ رَسُولَهُ»(2)و«لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَ عَدُوَّکُم أولِيَاء تُلقُونَ إلَيهِم بِالمَوَدَّةِ... تُسِرُّونَ إلَيهِم بِالمَودَّةِ وَأنَاأعلَمُ بِمَا أخفَيتُم وَمَا أعلَنتُم» (3)و « الَّذِينَ یَستَحِبُّونَ الحَيَاةَ الدُّنيَا عَلَى الآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيل اللهِ وَيَبغُونَهَا عِوَجاً أُؤلَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِیدٍ»(4)
و« ذَلِكَ بِأنَّهُم کَرهُوا مَا أنزَلَ اللهُ فَأحبَطَ أَعمَالَهُم » (5)«ذَلِكَ بِأنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أسخَطَ اللهَ وَكَرهُوا رِضوَانَهُ فَأحبَطَ أعمَالَهُم»(6). و«وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إلَيكُمُ الإيمَانَ وَ زَینَّهُ فِي قُلُوبکُم وَ کَرَّهَ إلَيكُمُ الكُفرَ والفَُسُوقَ وَالعِصيَانَ أؤلِیِكَ هُمُ الرَّاشِدوُنَ»(7)و «وَمَا مَنَعَهُم أن
تُقبَلَ مِنهُم نَفَقَاتُهُم إلاَّ أنَّهُم كَفَرُوا بِاللهِ وَ بِرَسُولِهِ وَلَا يَأتُونَ الصَّلاَةَ إلاَّ وَ هُم کُسَالَی وَلَا يُنفِقُونَ إلاَّ وَ هُم کَارِهُونَ»(1)
فالمودة والحبّ واستحباب الأشياء للنفس والتحبيب لها، والكراهة والاستكراه هي من الأفعال النفسانية التي تعلق بها الأمروالطلب الشرعي ليقوم بها الإنسان بلحاظ موارد و موضوعات كماتعلّق بها النهي والزجر الشرعي كي يقلع عن فعلها في موارد أخرى،مما يدّل على كون المودة والحب والتحبيب واستحباب الأمور،والعكس وهو الكراهة والاستكراه هي أفعال اختيارية وتقع تحت إرادة الإنسان ولو بتوسط مقدمات وعبر معدات سابقة يتمكن الإنسان من القيام بها، فهي تقع تحت الاختيار بوسيلة إعدادات مسبقة، وها هنا نلاحظ أنه كما يدعو القرآن إلى التدبر والتفكيروالتعقل وإتباع اليقين والبنات والنهي عن إتباع الظن والوقوع في الريبة والترديد، كذلك نجده يأمر بالحب والمودة والتحبيب أوالكراهة والتكريه في بعض الأشياء والنهي عنها في بعض مواردأخرى.
1) البراءة (التوبة/ 54
فالقرآن الذي يدعو إلى البصيرة والتبصر والبحث والتعلم يدعو ويوظّف الميول والانعطافات النفسية والأفعال القلبية كذلك، والعلّة في ذلك أن الإنسان لا تتألف مكونات ذاته ونفسه من قوة تفكير وإدراك فحسب، بل تتشكل من مجموعة قوى إدراكية أخرى ومجموعة ومنظومة قوة عملية أخرى، وليس الذي يقود الإنسان بعض قواه الإدراكية فحسب، بل هناك مؤشرات من قوى عملية وإدراكية متنوعة هي الأخرى أيضا تساهم في قيادة الإنسان وجذبه والميل به إلى مسارات واتجاهات. فمن ثم يخطأ من ينتهج طريق التعليم وحده من دون نهج للتربية، و كما أن التعلم والثقافة لا تقتصرعلى الناشئة بل هي ضرورة مستمرة للإنسان طيلة حياته، كذلك التربية هي حاجة ملحة للإنسان على امتداد عمره وإن اختلفت أساليب التعليم في النشأ عنها في الكهول، وبحسب اختلاف الأسنان،كذلك في أشكال وأنماط التربية لكل مرحلة من عمر وسني الإنسان، إلا أن تقارن التربية بالتعليم والتهذيب بالتعقل والتزكية بالتفكر أمر لا بد منه،« هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنهُم يَتلُو
عَلَيهِم آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِم وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالحِكمَةَ وَإن كَانُوا مِن قَبلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ»، (1)وإن من مناهج وطرائق التزكية والتهذيب والتربية هي المحبة والتحبيب والمودة والكراهة والقيام باستحباب الشيء وهو صنع محبته للنفس، واستکراهه وهو صنع كراهته في النفس. فكم من إنسان وكم من مورد يدرك فيه الدليل والبينات ولكنه لا يتبعه لعدم وجود المحبة أو لوجود الكراهة و كم من مقام يتيقن الإنسان فيه بالخطأ والبطلان ومع ذلك يفعله ويتمسك به المودته أو لعدم کراهته، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: «لَقَدجِئنَاكُم بِالحَقِّ وَلَكِنَّ أكثَرَكُم لِلحَقِّ كَارِهُونَ»(2)و «قَالَ يَا قَومِ أرَأيتُم إن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِيَ وَ آتَانِي رَحمَةً مِّن عِندِهِ فَعُمِّیَت عَلَيكُم أنُلزِمُکُمُوهَا وَأنتُم لَهَا کَارِهُونَ»(3)، أي أن الحب والكره مؤثران في إتباع الإنسان للحقيقة والحقائق ولليقين والدلائل كما ورد أن الإنسان قد يتعامى أو يتصامم بسبب ذلك ومن هنا ندرك خطورة العاطفة والمشاعر والإحساسات على مصير إرادة الإنسان
وإن الجانب الفكري الإدراكي والتعليمي ليس هو المؤشر الوحيدالمؤثر على الإنسان وإرادته وتوجهه واختياره، بل إن المحبة والكراهة وصورة جمال الشيء أو قباحته في مشاعر النفس أمر مؤثركبير في الانجذاب النفساني أو النفرة من الشيء، ومن ثم أكد القرآن على مقولة التزيين والتجميل للشيء القبيح حيث يغرى الإنسان إليه رغم سوءه، كما في قوله تعالى: «فَلَولا إذ جَاءهُم بَأسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِن قَسَت قُلُوبُهُم و زَیَّنَ لَهُمُ الشَّيطَانُ مَا كَانُوا يَعمَلُونَ»(1)
فذكر تعالى أن سبب عدم انقيادهم للحق هو قساوة قلوبهم وتزيين العمل السيئ في نفوسهم وقساوة القلب والتزيين أمران مرتبطان بالجانب العاطفي والمشاعر في النفس وقد أكد على هذين الأمرين في آيات عديدة كسبب للغواية والانحراف واللجاج والجحود والتمرد والطغيان والتكبر والاستعلاء عن الحق إلى الباطل وهذا يرسم مدى خطورة الجانب العاطفي في الروح والنفس الإنسانية، ويبين أن أهميته يوازي أهمية الجانب الفكري والإدراكي وأنه الوجه الآخر لحقيقة الإنسان والجناح الآخر الذي به حركة
1) الأنعام/43
وحراك النفس في مسيرها وكل هذا يرسم لنا جانب من أهمية وفلسفة الجانب العاطفي وأهميته وزخمه في الشعائر الحسينية، حيث يظهر أن من غاياتها تحصيل حالة الرقة القلبية والعطوفة والرأفة، وهي من أعظم الصفات الإيمانية وحالات العبودية لله تعالى، وأنبل الصفات الإنسانية إحياءاً وبعثاً لإنسانية الإنسان.
فانه قد اعترض على شعيرة البكاء بعدة انماط من الاشكالات:
النمط الأول :
وهذا يتألف من نقاط:
أ- استكثار الأجر المذكور في الروايات على البكاء وإقامة المآتم واستبعاد صحتها، مثل ما ورد من الأجر الوافر لدمعة تسكب أو لإغروراق العين بالدمع، فيُستبعد هذا الأجر العظيم على هذا العمل الضئيل، وأن هذا من وضع القصّاص والوّعاظ، وأن عملهم هذا مطرّد في أبواب أخرى كما في الزهد في الدنيا، وثواب الابتلاءات فكيف يكون ثواب من خرج من عينيه دمع مثل جناح البعوضة، غفر الله ذنوبه ولو كانت مثل زبَد البحر.
ب - وبعضٌ أوّل هذا الأجر في الروايات : أنه لظروف خاصة حرجة حيث يصدق فيه عنوان الجهاد في سبيل الله، ولا يصدق ذلك في الظروف العادية.
وبعض آخر حيث اعترف بتواتر الروايات في ثواب البكاء وعدم تطرق يد الجرح والتضعيف إليها، أولها بأنها صدرت حينما كان ذكر الحسين عليه السلام والبكاء عليه وزيارته ورثاؤه وإنشاد الشعر، إنكارة للمنكر ومجاهدة في ذات الله ومحاربة مع ظلم بني أمية، وهدمة لأساسهم واستنكارة لسيرتهم ولذلك كان بنو أمية يحاربون ذكر الحسين علية ويمنعون زيارته ورثاءه والبكاء عليه، ويعاقبون من يقوم بذلك، بالقتل وهدم الدار والطرد والتشريد؛ فلم يكن البكاء والرثاء والزيارة للحسين علیه السلام حسرة وعزاءً وتسليةً فقط بل محاربةً الأعداء الدين، وجهاد في سبيل الله، وأما في هذا الزمان حيث لامحاربة بين أهل البيت وأعدائهم كحالنا اليوم، فلا يصدق عنوان الجهاد عليه، بل إن ذاكر الحسين علیه السلام في زماننا يُمتدَح ویُثنی عليه ويُعطى الأجرةُ ويشرّف ويكرّم.
ج .وقال بعضُ من أنكرها: لأن العَمل بمقتضاها يؤدي إلى تعطيل الفرائض والأحكام، وترك الصلاة والصيام كما يُرى من الفسّاق والفجّار، يتکّلون فيما يرتكبون في فعل الفواحش والمعاصي على ولائهم ومحبتهم وعلى ثواب البكاء، مع عدم ارتداعهم عن غيّهم وتعسّفهم.
أ- يلاحظ عليه:
أولاً : الجهل بحقيقة الجزاء الأخروي، إذ هذا الاعتراض يرد على جميع الأجر والثواب والجزاء المقرّر على الأعمال في دارالدنيا، فأي مساواة أو معادلة بين جزاء أبدي خالد عظیم تقابل مع أعمال زمنية مؤقتة محدودة، والجواب عنه قد بينه الإمام الصادق في السؤال: لم خُلّد أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار(1)حينما سأله الراوي: لم خلد أهل الجنة فيها وإنما كانت أعمارهم قصيرة وآثارهم يسيرة؟ ولم خُلّد أهل النار وهم كذلك؟ فقال علیه السلام : لأن أهل الجنة يرون أن يطيعوه أبداً، وأهل النار يرون أن يعصوه أبداً فلذلك صاروا مخلدين .
ثانيا: إن هذا الاعتراض واستكثار الثواب؛ هو مبني على الجهل بحقيقة البكاء، حيث أن حقيقة البكاء تنطوي وتتوقف على وجود المحبة بين الباكي وسيد الشهداء عليه السلام ؛ فأهمية البكاء نابعة من أهمية
1) مناقب آل أبي طالب ج388:3
المودة للحسين وأهل البيت علیهم السلام ، ولا يخفى أن مودتهم هي الولاية لهم بعد ولاية الله ورسوله، فهي الركن الثالث في الدين، ولذلك جُعلت مودتهم تعادل عوض وأجر مجموع الرسالة والدين برمّتها.فأعظم الله مودة أهل البيت في آية المودة على مجموع عامة الصلاة والصيام والحج والزكاة وأبواب البّر كلّها، حيث جُعلت المودة هي أجر يعادل جميع الدين . وهذا الاعتراض يستبعد استعظام ما عظمّه القرآن للجهل بحقائق الدين والوصايا العظيمة للقرآن الكريم، وقدبينت آيات كثيرة أن ولاية أهل البيت علیهم السلام هي المرتبة الثالثة في الدين بعد ولاية الله وولاية الرسول كقوله تعالى: « يا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللهَ وَأطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الأَمرِ مِنکُم»، (1)،وقوله تعالى: « إنَّمَا وَلِیُّکُمُ اللهُ وَ رَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤتُونَ الزَّكَاةَ وَ هُم رَاكِعُونَ»(2)
ب: ويلاحظ عليه:
أولاًّ: أنه جهل بحقيقة البكاء التي تقدمت، والظاهر أن هذا الجهل ناشئ أيضا من افتقار إلى الشعور الفطري وغياب المشاعرالإنسانية، كما أنه ناشئ أيضا من عدم الإيمان واليقين بعظم شأن سيد
الشهداء عند الله وفي الدين .... وبالتالي ناشئ من قلة العلاقة القلبية والروحية مع سيد الشهداء وأهل البيت علیهم السلام .
وإلّا كيف يحصر البكاء ويفسّره في غاية واحدة، وهي التي مرّ ذكرها في الاعتراض.
ثانياً: كيف افترض ارتفاع وزوال معاداة أهل البيت عليهم السلام في هذا الزمن وها نحن نعيش مع قطاع كبير من الأنظمة في بلاد المسلمين مؤسسة على النصب والعداء لأهل البيت علیهم السلام، هي تحارب شعائرهم، وكل ما ينتسب إليهم.فأين انتفاء الموضوع الذي يزعمه المعترض للبكاء.
وإن أراد أن البكاء والمآتم يعظّم و يُحترم في أوساط أتباع أهل البيت علیهم السلام ، فهذا لا يختص بهذا العصر، بل هو موجود حتى في زمن الأئمة علیهم السلام والزمان الذي صدرت به هذه الروايات المتواترة.
فهذه التفرقة بين الأزمان، مجرد هلوسة وانعدام بصيرة.
ثالثاً: أن هذا المعترض قد افترض أن استنكار المنكروالاعتراض عليه، خاص بالآثارالسياسيةالمؤقتة مع أن فلسفة إنكارالمنكر في الدين وبغضه وحبّ المعروف والأمر به في الدرجةالأولى هو ذو مغزی عقائدي قبل أن يكون سياسية ومن ثمّ تواتر عندالفريقين عن النبي صلی الله علیه و آله وسلم : أن من أحب عمل قوم أشرك في عملهم - أي ولو كان أولئك القوم من أعصار سابقة متقادمة في الزمن الأول ..
وليست هذه القاعدة النبوية مخصوصة بالتعاصر بین عمل قوم ومن يقوم بالمحبة. كما ورد عن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم(المرء يحشر مع من أحب حتى لو أحبّ أحدكم حجراً حُشر معه)(1)
ثم إنّ الغاية السياسية أيضاً من إنكار المنكر وبغضه والتبري منه، ليست سياسية مؤقتة، بل هي سياسية مستمرة، فإن أحد الغايات العظيمة والفلسفات الكبيرة الناتجة من ذلك هي الحيلولة عن تجدّد وقوع ذلك المنكر، وهذه الغاية حكم فطري عقلي عند عامة البشر.ألا ترى كيف أن الدول الغربية يتشددون في عصرنا الراهن ادانة
1) الإثني عشرية : 154
ونكيرا من الإشادة بهتلر ، والفكر الهتلري والتيارات النازية، والأحزاب ذات الفكر العنصري المتطرف، نظير الفاشية، وفكرموسوليني الإيطالي، مع أن أصحاب هذا الفكر قد بادت شخوصهم و بلیت عظامهم، إلا أن الغرب لا زال مقيما متشددة في استنکاروتقبيح أفعالهم وأشخاصهم وفكرهم لئلا تتفجر حروب عالميةجديدة بين البشر نتيجة أفكارهم المدمرة الهدامة .
كذلك الحال نشهده في موقف الشعب الصيني والكوري الجنوبي من جملة قيادات الجيش الياباني، في الحرب العالمية الثانية ؛بل إن إصرار اليابان بهذه السنين على تمجيد وإحياء ذكر أولئك
القادة، خلق أزمة بينها وبين الصين وكوريا، وهي أزمة شديدة، وذلك تخوفا من تجدد حروب بين تلك الشعوب تنشب من أفكارأولئك القادة وهذا يبين الفلسفة العظيمة لإنكار المنكر لأصحاب
الشر والسوء وإن تقادموا في غابر التاريخ لئلا تتأثر الأجيال اللاحقة بسوء فعالهم وأفكارهم، ولا يخفى أن هذه الفلسفة للتبري وإنكارظلم الظالمين لا زالت قائمة بالبكاء على سيد الشهداء ضد الفكرالأموي ومنهج يزيد والأمويين.
وأما جواب الإشكال (ج) ففيه:
أولاً: أن دعوى هذا القائل، بأن مقتضی مفاد عظمة ثواب البكاء ترك الصلاة والصوم وبقية الفرائض، فينقض عليه بأن هذا المفاد من عظمة الثوابوغفران الذنوب مقرّر عند المسلمين في جملة من الأعمال العبادية وأعمال البرّ، فالحج - مثلاً - يمحو ما سبق من الذنوب، بل إن جميع الحسنات لها هذه القابلية كما في قوله تعالى: «إنَّ الحَسَنَاتِ يُذهِبنََ السَّيِّئَاتِ »(1)، وهذه خاصية التوبة أيضاً كما في قوله تعالى: « ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِن بَعدِ ذَلِكَ وَأصلَحُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ»(2)، وقوله تعالى: « قُل يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أسرَفُوا عَلَى أنفُسِهِم لَا تَقنَطُوا مِن رَّحمَهِ اللهِ إنَّ اللهَ يَغفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِیمُ» (3)
وغيرها من الآيات العظيمة الواردة، في رجاء التوبة، فهل يدعي أنها تغري وتدعو إلى الجرأة على المعاصي، وتدفع إلى
الفاحشة والتواكل لعمل المعصية، حاشا و کلّا أن يكون مفادها ما ادّعي هذا القائل، وذلك لوجود خطابات قرآنية، ومن سنة النبي وأهل البيت علیهم السلام تحذرعن مثل هذه الأوهام حول خطابات الثواب ورجاء المغفرة، فإن هناك قسم ثان من الخطابات الدينية تتضمن الوعيد والتهديد والإنذار والتخويف.
نظير قوله تعالى: « ثُمَّ كَانَ عَاقِبةَ الَّذِينَ أسَاؤُوا السُّوأى أن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ وَكانُوا بِها يَستَهزؤُنَ ».(1)
حيث تفيد الآية الكريمة أن من الأعمال السيئة ما يجرّ العاصي إلى الكفر بالعقائد الحقة فيسلب عنه توفيق التوبة، و توفيق الأعمال العبادية المكفّرة للذنوب، والأعمال الصالحة الماحية للسيئات.
وقوله تعالى: « بَلَی مَن کَسَبَ سَيِّئَةً وَأحَاطَت بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأولَئِكَ أصحَابُ النَّارِ هُم فِيهَا خَالِدُونَ».(2)
فتفيد الآية أن من السيئات ما تحول بين العاصي وبين النجاة،أي تكون من المرديات والمهلكات والموبقات.
« أم حَسِبَ الَّذِينَ يَعمَلُونَ السَّيِئَاتِ أن يَسبِقُونَا سَاء مَا یَحکُمُونَ»(1)
-«أم حَسِبَ الَّذِينَ اجتَرَحُوا السَّيِئَاتِ أن نَّجعَلَهُم کَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحيَاهُم وَمَمَاتُهُم سَاء مَا یَحکُمُونَ »(2)
وغيرها من الخطابات القرآنية، ومن السنة المطهرة التي فيها بالغ التهديد والوعيد إلى درجة لو اقتصر الناظر إلى خطابات الوعيد والإنذار، لحصل لديه قنوط من رحمة الله، ولكن النظرةالمجموعية الخطاب الثواب والمغفرة مع الخطاب الثاني، يوازن المسلم والمؤمن في مسیر متعادل تربوي بين الخوف والرجاء وهذا التوازن هو الذي يوجب تکامل وتربية الإنسان، كما ورد أن المؤمن هو من تساوی الخوف والرجاء في قلبه (3)، فلا يشتد فيه الخوف بزيادة على مقدار
الرجاء، كما لا يشتد فيه الرجاء زيادة على مقدار الخوف، بل كل ما اشتد خوفه اشتد رجاؤه بقدره، وكلما اشتد رجاؤه بدرجات، اشتدخوفه بقدر ذلك أيضاً، وهذه حالة توازن تربوي بالغ الأهمية، ومن
ثمّ ورد أن: ((الفقيه كل الفقيه من لم يؤيس الناس من روح الله ولايؤمنهم مكر الله ولا يقنطهم من رحمة الله ولا يدع القرآن رغبة عنه إلى ما سواه، ألا لا خير في قراءة ليس فيها تدبر، ألا لا خير في عبادةليس فيها تفقه، ولا في علم ليس فيه تفهم))(1)، والمراد أن الفقيه الذي يفهم الدين بأنه هو ما اشتمل عليه من القسمين من الخطاب وأن لا يرجّح كفّة الخطاب الأول على الثاني، ولا كفة الخطاب الثاني على الأول، بل يوازن بين الخطابين، ومن ذلك يُعلم ضرورة الخطاب الأول، وهو خطاب الثواب والمغفرة والرجاء، بقدر ضرورة الخطاب
الثاني وهو خطاب الوعيد والإنذار والتهديد والعقاب، ولو اقتُصرعلى الخطاب الثاني لأدّى إلى الكفر، لأنه يوجب القنوط من رحمة الله واليأس، وهو كفر بالله سبحانه كما في قوله تعالى:« ولا تَی-ئَسُوا مِن رَوحِ اللهِ إنَّهُ لاَ يَيأسُ مِن رَّوحِ اللهِ إلاَّ القَومُ الكَافِرُونَ»(2)
فالإيمان لا يقوم صرحه إلّا بهاتين الدعامتين والركنين، الرجاء والخوف. وهدم أحد الركنين هدم للإيمان، فاتضح أن هذا القائل ليست له نظرة سديدة حول حقيقة الإيمان، وأن مقتضى قوله، يوجب الإيمان ببعض الكتاب دون البعض الآخر، قال تعالى: «أفَتُؤمِنُونَ بِبَعضِ الكِتَابِ وَ تَكفُرُونَ بِبَعضٍ»(1)، وهذا لا يستقیم بحال.
وإلّا لو اقتصرنا على الخطاب الثاني أيضاً دون الأول، لزم من ذلك كثير من المحاذير الماحقة للدين، فلا يعتدل صراط الدين القويم إلّا بالتوازن بين الخطابين والجمع بينهما بالانضمام كما ورد:
(أن قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن)(2)، أي بين الخوف والرجاء، واتضح أن هذا القائل ينظر بعين واحدة لا بعينين، ومال إلى بُعد واحد من أبعاد الدين وغفل عن البعد الآخر مع أن الحكمة الإلهية في الخطاب الديني لإصلاح العباد إلى يوم المعاد، هو على الجمع بين الخطابين من دون الإنكار والجحد بأحدهما.
أما ثانياً:
فدعوى القائل بأن الذي يدفع ويغري من يرتكب المعصية وبعض الكبائر هو الوَعد بالثواب، فهذه دعوى غير مطابقة للحقيقة ولا تمت للواقع بصلة، فإن أغلب المقتضيات والدواعي إلى ارتکاب
المعاصي ليس إلّا الشهوات والغرائز، وتزيين الشيطان بالسوء والفحشاء، وهذا طابع عام في أفراد البشر كما هو مفاد قوله تعالى:« وَ نَفسٍ وَ مَا سَوَّاها * فَألهَمَهَا فُجُورَهَا وَ تَقوَاهَا »(1)ومع هذاالوصف لحال الإنسان فارتباطه بسُبل النجاة عاملٌ إيجابي عظيم يفتح له باباً للرجوع إلى طريق الصواب، بخلاف ما لو قُطعت كلّ خيوط الارتباط بأبواب الصلاح والفلاح فإن ذلك يوجب التردّي في هوة سحيقة يصعب أمل النجاة منها؛ وهذا مضمون ما ورد« في الأثر اتق الله بعض التقى وإن قل واجعل بينك وبين الله ستراً وإن رق»
(2) كما هو الحال لو كان المرتكب للكبائر والفواحش غير تارك للصلاة أو للصيام أو للحج أو لفعل خير من الخيرات أو للزوم
المساجد، فإن هذا الارتباط والصلة بهذه النافذة من أبواب الخير،لايسوغ قطعه على العصاة وأصحاب الكبائر.
إذ أنه حلقة من سلسلة النجاة، وطريق من طرق الهدى، وكيف توصد هذه الأبواب، بل يكون الحال حینئذٍ من قبيل قوله تعالى:« خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحَاً وَآخَرَ سَيِّئَا عَسَى اللهُ أن يَتُوبَ عَلَيهِم إنَّ اللهَ
غَفُورٌ رَّحِیمٌ »(1)
فصلاح العمل كالصلاة والصوم أو أي برّ من أبواب الخير لا ينكر فضله لأجل ارتكاب الفاعل المعاصي من جهة أخرى، وإن كان ارتكاب المعاصي يؤثر سلباً في قبول العمل الصالح، لكنه لايتغاير عمّا هو عليه من حقيقة، كما هو مفاد الآية المحكمة« فَمَن يَعمَل مِثقَالَ ذَرَّهِ خَيراً يَرَهُ * وَ مَن يَعمَل مِثقَالَ ذَرَّهٍ شَرّاً يَرَهُ ».
وغيرها من الآيات الذاكرة مثقال حبة، أو مثقال ذرة، إن خيراً فخير وإن شراً فشر، الدالة على عظمة عدل الله سبحانه.
فكيف يستقبح من أهل المعاصي الأعمال الصالحة منهم، ويستنكر عليهم المشاركة والإسهام في أعمال البر... بل هذا الاعتراض عليهم هو عين الإغراء لهم بالتوغل في المعاصي والانقطاع عن التشبث بأبواب الرجوع إلى الصلاح والتوبةوالاستغفار.
والثواب المرجو على فعل الصلاة أو أبواب البرّ أو على الشعائرالحسينية هي في الحقيقة محفزة وموطّدة لبقاء تمسك العصاة بخيط من خيوط التوبة والإنابة وبصيص أمل من المغفرة الألهية، وليس الوعد بالثواب يكون سبباً لإيقاعهم في المعاصي.
1) لقمان / 16
النمط الثاني :
ما ورد في مقدمة كتاب لمقتل الحسين عليه السلام ، انه لولا امتثال أمرالسنّة والكتاب في لبس شعار الجزع والمصاب لأجل ما طُمس من أعلام الهداية وأسّس من أركان الغواية، وتأسّفاً على ما فاتنا من تلك السعادة تلّهفاً على أمثال تلك الشهادة، وإلّا كنّا قد لبسنا لتلك النعمةالكبرى (وهي سمو الحسين عليه السلام وأصحابه إلى مقام لقاء الله ببذل أرواحهم وأجسادهم، وتسابقهم لنيل الشهادة). أثواب المسَرّة والبشري، وحيث أن في الجزع رضا السلطان المعاد، وغرضاً لأبرارالعباد، فها نحن قد لبسنا سربال الجزع وأنسنا بإرسال الدموع، وقلنا للعيون جودي بتواتر البكاء، وللقلوب جدّي، جدّ ثواكل النساء، فإن ودائع الرسول صلی الله علیه و آله و سلم الرؤوف أبيحت يوم الطفوف، ورسوم وصيته بحرمه وأبنائِه طمست بأيدي أمته وأعدائه..
فلم لا تواسون النبي صلی الله علیه و آله و سلم بالبكاء..
وفي كتابٍ آخر ورد: (أقول ولعلّ قائلاً يقول: هلّا كان الحزن الذي كان يعملون من أول عشر المحرم قبل وقوع القتل... ووقت السرور مسرورين).
ويرد عليه:
أولاً : أن سمو سيد الشهداء عليه السلام إلى الرفيق الأعلى قد حصل السيد الأنبياء وسيد الأوصياء وسيدة النساء والسيد شباب أهل الجنة، مع أن تفجّع أهل البيت علیهم السلام على وفاة النبي أمرٌ بالغ الذروة، وشدة حزن الزهراء علیها السلام على أبيها لم يتحمّله أهل المدينة لعظمته، وحزن أمير المؤمنين علیه السلام على شهادة الصديقة هو الآخر وكذا حزن الحسنین كان بالغاً. و كلمات أمير المؤمنين عليه السلام ، تدلّ على شدة وبقاء حزنه إلى آخر حياته، على فقدان رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم والزهراء علیها السلام(جواب أمير المؤمنين لمن سأله عن سبب عدم خضابه).
وفعلُ أصحاب الكساء هو أكمل السنن وأرفعها، كيف يغفلون عن الفرح لو كان حقاً لا باطلاً . وكذلك حال سيد الأنبياء صلی الله علیه وآله و سلم عند استشهاد عمّه حمزة بل قد أغمي عليه صلی الله علیه و آله و سلم من البكاء كما مر . وندب بإقامة المآتم عليه، حيث قالصلی الله علیه و آله و سلم : « إن عمّي حمزة لا بواكي له»؛ وكذلك موقف الرسول صلی الله علیه و آله و سلم في وفاة أبي طالب وخديجة(علیها السلام). حتى
سمّى صلی الله علیه و آله و سلم ذلك العام بعام الحزن.. وكذلك بكاء أميرالمؤمنين علیه السلام وحزنه على أبيه أبي طالب وعلى أمه فاطمة بنت أسد، وعلى استشهاد أخيه جعفر الطيار.
وكذلك بكاء سيد الأنبياءصلی الله علیه و آله و سلم عند موت ابنه إبراهيم وقوله : ( إن القلب ليحزن والعين لتدمع ولا نقول إلا ما يرضي الربّ)(1)
وكذلك حزن كل إمام على شهادة والده من الأئمة، وفي دعاءالنبي إبراهيم أن يرزقه الله بنتاً كي تندبه بعد وفاته.(3)
. وقد ورد في رجال الكشي: إن الباقرعلیه السلام أوصى ابنه الصادق بمال ينفقه ، على نوادب يقمن المأتم عليه في منى يندبنه ثمان حجج..(4)
ثانياً : وقد ثبت في مصادر الفريقين كما مر؛ أن السماوات بکت دماً ، والجنة ومن فيها؛ وجهنم ومَن فيها حتى أن أهل النار لم يشغلهم ما هم فيه من العذاب عن البكاء على سيد الشهداء عليه السلام لشدة الحرقة والحزن والأسى، مع أن مقتضي لقاء أهل الآخرة بمقدم سيد الشهداءعلیه السلام عليهم حسب زعم هذا القائل هو أنهم يفرحون ويُسرّون، مع أن لقياهم وإن كان مسرّة وفرحٌ به، إلّا أنه لم يشغلهم عن موجب الحزن مما يدلّل على أن جانب الحزن أشد خطورة ورعايةً من جانب الفرح، وأنه لا يسوغ إهمال عظمته وأهميته؛ بل قد ورد أن الملائكة ضجّت إلى الله عند مقتل الحسين علیه السلام (الرواية).(1)
ثالثاً : إن الفرح لا محالة سيكون تضامناً مع بني أمية والظالمين،كما ورد في زيارة عاشوراء، ويوم عاشوراء يوم فرحت به آل أمية وآل زیاد و آل مروان بقتلهم الحسين علیه السلام...)، فيكون فعل المؤمنين
1) الكافي ج 1 :465.
بإقامة الفرح والسرور شماتةً بأهل البيت علیهم السلام وتأييداً لأعداهم ومناوئيهم.
ولا زالت سنة العداء والنصب لأهل البيت علیهم السلام قائمة، بحيث يسمون يوم عاشوراء ب(عيد الظفر)...
رابعاً : أن ما أفاده من البُعد الأخروي في واقعة الطف، وهو بُعدجمالي من إسم الجميل ونحوه من الأسماء الجمالية، لا يزيل البعدالآخر من مظهر الاسم الأخر الإلهي (العدل) الذي تجلّى به في عالم
الدنيا، وهو يقتضي الانعطاف ورقة القلب، وسيل الدمعة، وانکسارالقلب، لاسيما عند قوله تعالى في الحديث القدسي: (أنا عندالمنكسرة قلوبهم) فمقام الجمع أكمل في قاعدة الأسماء الإلهية وتجلياتها من الاقتصار على اسم إلهي واحد، لاسيما وأن الاسم الجلالي کالمنتقم والعدل والحاكم قد غلب تأثيره على الاسم الجمالي الخاص (الرحمن) بالرحمة الخاصة حتى في ملكوت السماوات والأرضين كما تشير إليه الروايات مما تقدم ذكره من بكاء أهل السماوات والأرضين والجنة والنار،. وإن كان هذا الاسم الجلالي هو منطوي تحت اسم جمالي بالمعنى العام الرحمن والرحيم بالرحمة العامة التي وسعت كل شئ ، وهذا الخطأ وهو عدم ملاحظة
مجموع ومقام الجمع في الأسماء الإلهية هو الذي يقع فيه الصوفيةوجملة من العرفاء كثيراً في جملة من أبواب المعرفة، حيث يلحظون مقتضي بعض الأسماء الإلهية، ويغفلون عن مقتضی اسم إلهي آخر،أو بعض الأسماء الأخرى، ولا عجب في ذلك فإن مقام الجمع للأسماء فضلاض عن مقام جمع الجمع صعب المنال، ولا يستقيم عليه إلا بما أوصاه الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام في وصيته للمفضّل بن عمر من أنه لا يُحفظ الظاهر إلّا بالباطن كما لا يُحفظ الباطن إلّا بالظاهر.. .
ومن استقام على ثوابت الشريعة وتمسّك بمحكمات الدين من الثقلين قد استمسك بالعروة الوثقی ونجا عن الإفراط والتفريط.
وقد روى ابن قولويه في كامل الزيارات(1)روایات مستفيضة منها : أنه لم يُرفع عن وجه الأرض حجر إلّا وُجد تحته دم عبيط.
وبكاء الجن والطير عليه علیه السلام، حتى ذرفت دموع الوحش ..
1) مصادر عن البكاء: باب 24، 25، 26/ کامل الزیارات، 27، 28.
وبكاء السماوات السبع والأرضين السبع وما فيهن وما بينهنّ،ومن ينقلب عليهن، والجنة والنار ومن فيهما، وما خلق ربّنا، وما يُرى وما لا يُرى.(1)
وما من عين أحبّ إلى الله ولا عبرة من عين بكت ودمعت عليه، وما من باك يبكيه إلا وقدوصل فاطمة علیها السلام ، وأسعدها عليه،ووصل رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم وأدّى حقنا، وما من عبد يُحشر إلّا وعيناه باكية، إلّا الباكين على جدي الحسين فإنه يُحشر وعينه قريرة، والبشارة
تلقاه، والسرور بيّن على وجهه، والخلق في الفزع وهم آمنون،والخلق يُعرضون، وهم حُدّاث
الحسين عليه السلام تحت العرش،وفي ظل العرش، لا يخافون سوء الحساب، يُقال لهم أدخلوا الجنة، فيأبون ويختارون مجلسه وحديثه. (2)
و هناك أربعة آلاف ملك نزلوا لنصرة الحسين، ففاتهم نصرته فهم عند قبره شعث غبر.
الصادق عليه السلام: «أحمّرت السماء مثل العلقة حين قتل الحسين عليه السلام
سنه».(1)
وقد وردت روایات متعددة تتضمن الثواب العظيم للبكاء على الحسين عليه السلام .(2)
فيقولون الحمد لله الذي كفانا الفزع الأكبر، وأهوال القيامة،ونجّانا ممّا كنا نخاف».(1)
المؤمنين، وقتلة الحسين علیه السلام ونوح الجن وبكاء الملائكة الذين حوله وشدة جزعهم، فمن يتهنأ مع هذا بطعام أو شراب أو نوم».(2)
وعن الصادق علیه السلام : « قطرة من دموع الباكي على الحسينعلیه السلامتطفئ حرّ نار جهنم».
وعن الصادق عليه السلام : « و إن الموجع قلبه ليفرح يوم يرانا عند موته فرحهً لا تزال تلك الفرحة في قلبه حتى يرد علينا الحوض».(1)
وورد عن الإمام الصادق عليه السلام : وما من عينٍ بكت لنا إلّا نعمت بالنظر إلى الكوثر، وسقيت منه من أحبنا وإن الشارب منه ليُعطى من اللذة والطعم والشهوة له أكثر مما يعطاه من هو دونه في حبنا ».(2)
و منها:
ما رواه في كامل الزیارات، في مصحح أبي هارون المكفوف:« من ذكر الحسين عنده، فخرج من عينيه من الدموع مقدار جناح ذباب، كان ثوابه على الله، ولم يرض له بدون الجنة».(3)
وفي بعضها: «حرم الله وجهه على النار».
وفي بعضها: «غفر له ذنوبه ولو كانت كزبد البحرم.(1)
1) كامل الزيارات : باب 32.
قال جلال الدين الرومي (مولوي، مثنوي) في الكتاب السادس من مثنویات: أن شاعراً دخل مدينة حلب يوم عاشوراء وتفاجئ بطقوس أهلها في مثل هذا اليوم وهي إقامة العزاء والمآتم علی سیدالشهداء، وحيث كان الشاعر لا يعرف صاحب العزاء، أخذ يسأل الناس عنه، علّه يشارك بشعره في رثائه، فقالوا له: اليوم ذکری استشهاد الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام ، فقال: لكنه مات قبل قرون، أمّا العزاء والمآتم فأقيموه على أنفسكم فهو ليس بحاجة له،لأنه أسعد إنسان في مثل هذا اليوم، وأنشد يقول:
أبكوا علی غفلتكم لأ ن***الجهل أبشع مراتب الموت
الروح تشمخ إن تخلت عن***الجسد فلم نبكي ويعرونا السواد
إن هذا لسليل المصطفى***بعروجه غنوا وكونوا فرحين
فهو قد نال بذلك سعادة أبدية***وتخلّى عن قيود الدنيا الغرور(1)
فينبغي لنا أن نبتهج ونفرح لكل من يهجر هذه الدنيا
1) الأبيات مترجمة من الفارسية
أن في الدعوة إلى الفرح إغضاء وإهمال وإغفال عن قُبح المنكر الذي ارتكبه الظالمون في حق الحسين علیه السلام، وتبيض لظلامهم وتغطية لقباحة ظلمهم، وبالتالي رضىً وذوبان في سوء فعلهم،لأن مَن رضي عمل قوم أُشرك معهم.
وأين البراءة من الظالمين وأهل الباطل.. فالبكاء ينطوي على فلسفة عظيمة هي التبري من فعل الظالمين، وقد ورد أن أوثق عُرى الإيمان: الحب في الله والبُغض في الله. و كما في قوله تعالى:«لَا تَجِدُ قَوماً يُؤمِنُونَ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِر یُوَادُّونَ مَن حَادَّ اللهَ وَ رَسُولَهُ »(1)،
والفرح رضا بما فعل أهل الباطل في التعدّي على حرمات الله ورسوله، بينما البكاء والحزن والأسى عبارة عن نفرة وبراءة وسخط على تلك الأفعال السيئة الشنيعة.
فمن الواضح أن هذه الدعوى وهذا المنهج هي دعوى لذوبان وخلط الحق بالباطل، والفضيلة بالرذيلة، لكي لا يتميز، ولا يكون فرقان في البين.
1) المجادلة / 22.
وهذا نهج اختطّه الصوفية والعرفاء لأنفسهم، لتبنّيهم التولّي من دون التبري.
والرضا من دون سخط، والتحسين من دون تقبيح، والجنة من دون نار، والثواب من دون عقوبة،
وأسماء الجمال من دون أسماءالجلال. فهو إيمان ببعض الكتاب و کفرٌ ببعض آخر. ومن ثمّ خالفت
سیر تهم سيرة النبي وأهل البيت علیهم السلام في جملة من الموارد، ومنها هذا المورد، مما قد استفاضت روايات الفريقين في بكاء النبي صلی الله علیه و آله و سلم وأمير المؤمنين وفاطمة وأهل البيت علیهم السلام على مصاب الحسين عليه السلام ولعن قاتلیه وكذلك ما ورد مستفيضاً في ثواب البكاء على الحسين علیه السلام ..لذا لا ترى لفلسفة اللعن تجاوب لدى الصوفية والعرفاء مع أنها سنة إلهية في القرآن، وسنة نبوية في الحديث والسيرة، وسنة الأئمةالميامين، لا ترى لهذه السنة أثراً في أدبيات الصوفية والعرفاء..
مع أن التحلية لا تتمّ إلّا بالتخلية، واكتساب الفضائل لا يتم إلّا بنبذ الرذائل، وإقامة التوحيد لا يتم إلّا بنفي الشريك.
ومن ألوان وطابع هذا النهج هو ما يؤدي إليه من الانعزال عن المسؤولية الاجتماعية وعن التصدي للإصلاح الاجتماعي والتغييرومواجهة الفساد، والاقتصار في التركيز فقط على البعد الروحي
الفردي من دون اكتراث بجانب الحياة الاجتماعية والظواهرالمنتشرة فيها، فهي تقود إلى نحو من العزلة المذمومة، وحبس الدين عن مسار الحياة الاجتماعية والسياسية والإبتعاد عن المسؤوليات
الإجتماعية والسياسية .
قال السلفية: أن بكاء الشيعة هو بسبب تأنيب ضميرهم مما ارتكبوه أنفسهم من قتل الحسين علیه السلام، شعوراً بالخطيئة، وترويحاً للضمير من الذنب.
وفيه: أولاً: أن المعترض، يعترف بأن مسؤولية قتل سیدالشهداء عليه السلام التي ارتكبت في سنة 61هج يتحمل وزرها الأتباع والأبناء والأجيال اللاحقة، ولو تطاولت قروناً مديدة إذا كانوا راضين بأفعال أولئك.
وهذا يفتح معنى آخر وهو لزوم التبريّ من قتلة سيد الشهداء، ومما ارتكبوه من ظلم في حق أهل البيت علیهم السلام، فلماذا لا نرى هؤلاءالمعترضين لا يقومون بالحداد وشعائر الحزن على سيد الشهداء؟،ولماذا لا يستنكرون كل عام هذا القتل والظلم، بل نراهم يستنكرون مواساة الحسين عليه السلام في ذلك الحزن الذي هو مواساة لسيد الأنبياء وسيد الأوصياء وسيدة النساء.
ثانياً: من البيّن تاريخياً أن الكوفة لم تكن مذهبها آنذاك هو مذهب التشيع كمذهب طاغي على أهلها؛ بل كان شيعة أهل البيت
أقلية في الكوفة، وقد كُتب في ذلك وحُرر الكثير من الرسائل المعتمدة على المصادر التاريخية القديمة.
ثالثاً : أن المعترض، لا يوجد في قاموسه فكرة المواساة لسيدالأنبياءصلی الله علیه و آله و سلم وأهل بيته علیهم السلام في هذا المصاب الجلل ويستبطن اعتراضه التنكّر للحزن على سيد شباب أهل الجنة مما يكشف عنه رفضه لفضل سيد الشهداءعلیه السلام في الدين وعند الله عزّوجلّ .
ولا عَجب في ذلك بعد إعراضه عن قوله تعالى:«قُل لَّا أسألُكُم عَلَيهِ أجراً إلَّا المَوَدَّةَ فِي القُربَی».
قد يرد إعتراض أن شعائر عاشوراء هي شعائر حزن ومصيبة، مضادة لمشاعر التفاؤل والفرح والاستبشار، بل هي متضمنة للأسى واللوعة والحداد، ووجدان مضطرب وتأنيب الضمير، ومشاعرعاصفة، تُنقل من جيل إلى جيل، لاسيما وأن شعائر عاشوراء هي في مستهلّ السنة الهجرية، بينما يستهلّ البشر في بداية سنتهم بمشاعرالفرح والأمل، نجد أن الشعائر الحسينية تبث الحزن والهمّ والكآبة والإياس.
والسبب في كون الشعائر العاشورية، تأنيب الضمير الشيعة ويمارسونها کتکفير للذنب بجلد الذات والنفس، كعقوبة يكفرّون بها ذنوبهم وخطاياهم..
وتقصيرهم حيث خذلوا الحسين عليه السلام وقاموا بقتله أو الإعانة عليه.. لأن الكوفة حاضرة التشيّع الأولى.. هي التي قتلت الحسين علیه السلام... وهناك إحساس جماعي بالندم، لعدم نصرتهعلیه السلام في خضمّ تذكّر أحداث المأساة.. في أعماق اللاوعي الشعبي، وشعور
مرير بالهزيمة الحضارية التي تعيشها الأمة.. فتتفاقم المعاناة والتخلّف
والتمزق..
1- انه مبني على الغفلة والجهل بحقيقة البكاء، ودواعي البكاء
ومناشئة وإيجابياته.
2- تخيّل أن داعي وهدف العزاء ناشئ من تأنيب الضمير، وأن العزاء واللطم والتطبير، أسلوب من إقامة العقوبة على النفس وجلد الذات، بينما الحقيقة غير ذلك فإن البكاء ناشئ من فرط المودة لقرب النبي صلی الله علیه و آله وسلم والمعرفة الإيمانية بفضائلهم ومقاماتهم عندالله سبحانه وفي الدين، وناشئ من شدة الإستياء لقبح ظلم الظالمين لهم، وهتك حرمة الله تعالى وحرمة الرسول فيهم.
3 - منهج أهل البيت أصدق وأحق منهج بالطابع السلمي،واحترام كرامة الإنسان.
إن الكثير يحسب أن مراسم العزاء والحزن على أهل البيت علیهم السلام متمحضة بالهمّ والغمّ واللوعة والأسى والتفجّع.. بينما واقع الحال أنا نشاهد امتزاج هذه الحالات بحالات الشوق والابتهاج والارتياح والانبساط النفساني، وذلك حيث يتم استعراض مناقب أهل البيت علیهم السلام
وفضائلهم وما أولاهم الله سبحانه من کرامات في الدين والدنيا والآخرة.. فإن استعراض ذلك، وهو باب واسع لا ينتهي إلى حدّ، يتم في مراسم عاشوراء وفي أيام الوفيات، وأيام إقامة العزاء... وهذا
ملحوظ بكثرة، فإن مجالس ذكر أهل البيت علیهم السلام لا تخلو من ذلك قط، ومؤشر على أن حقيقة الجو النفساني التي تربية الشعائر الحسينية وأهل البيت، يتزاوج فيه الحزن على مظلوميتهم والفرح لإيتاء الله لهم جميع الكرامات والمقامات السامية ..
فيكون الحزن على مصابهم.. والبهجة بكرامات الله لهم... فليس كآبة محضة بل ممتزجة مع عظم الأمل و كبير الرجاء، وشدة الثقة بزلفي الباري تعالى لهم علیهم السلام .
وكذلك تقترن اللوعة مع الانبساط.. والدمعة مع تهدّل الوجه، وهذا ممّا يعطي جانباً تربوياً عظيماً متوازناً في تربية النفس الإنسانية..فإنّ الحزن والأسى قطيعة وتبري عن الانحراف الذي سار به
الظالمون من أعداء آل البيت عليهم السلام، وما ارتكبوه من جنايات في حقهم علیهم السلام .. بينما الفرح انجذاب للفضيلة والكمال، وللمعالي والمكرمات .. وهذا ما نجده في ما ظهر على سيد الشهداء عليه السلام ، يوم عاشوراء.. فإن أرباب المقاتل قد نقلوا عنه كلا الحالتين.. فنُقل شدة
بكائه وتفجعه على ابنه علي الأكبر وأخيه أبي الفضل العباس وذويه وأصحابه، كما نُقل أيضاً أن وجهه يزداد تهللاً وإشراقاً كلما قربت شهادته.. في قول الراوي: «.. ما رأيت مکثوراً قط قد قتل ولده وأهل بيته وأصحابه أربط جأشأ ولا أمضى جناناً ولا أجرأ مقدماً منه والله ما رأيت قبله ولا بعده مثله وإن كانت الرجال لتشد عليه فيشد عليها بسيفه.(1)
1) لواعج الأشجان ص 184.
وكذا قوله علیه السلام: «خطّ الموت على ولد آدم... مخطّ القلادة على جيد الفتاة».(1)
فترى أن كلامهعلیه السلام، قد اشتمل على كلا الأمرين:
على ذكر المصاب الجلل والظلامة العظمى، وكذلك على قمة الأمل والفرح والسعادة من لقاء أسلافه العترة الطاهرة..
وهذا التوازن عامل تربوي عظيم، فيه كم أخرى بديعة، فإنه يحافظ على النفس من الغرور والاغترار بالأمل، وذلك بإذاقة النفس مرارة المعاناة.. نظير الجمع بين صفتي الخوف والرجاء المؤثرة في
تكامل النفس بتأثير بليغ كما في قوله تعالى: « وَ يَدعُونَنَا رَغَباً وَ رَهَباً».... وهذا نجده جلياً في خطاب العقيلة علیها السلام في مجلس ابن زیاد:«... ما رأیت إلّا جميلا هؤلاء قوم كتب عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاج و تخاصم ».(2)
وكذلك خطابها في مجلس يزيد فإنّها في حين نعت الحسين عليه السلام ، إلّا أنها أيضاً ذكرت الأمل وعلو الإيمان بالفرج، حيث
قالت: والى الله المشتكى وعليه المعول، فكد كيد واسع سعيك وناصب جهدك فو الله لا تمحو ذكرنا ولا تميت وحينا .(1)230ومن ذلك نخرج بقاعدة تربوية روحية معرفية اعتقادية وخلقيةأن المؤمن لا بد له في ترويض روحه، وصقل عقيدته من اقتران وانضمام كلا الجانبين لديه.. أي استعراض البلاء مع استعراض الجزاء الإلهي الوافر، الذي يسمح للنفس بالقوة على الصبر والشدائد، ويزيد من تحملّها ونشاطها وحيويتها.. مع تأديب النفس بالمرارة كي لا تطغى وكذلك الحال، على المستوى المعرفي الاعتقادي، فإن قضاء الله وقدره كما اشتمل على البلاء، فقد اشتمل على جزاء النعيم والفوزالعظيم..
كما هو الحال في رغيد العيش في طريق الحرام والباطل، هو ذو عاقبة أليمة، ومرارة عظيمة.. وبذلك تتزّن رؤية الإنسان وبصيرته تجاه حقائق الأمور..
ثم على ضوء ما تقدم يظهر وجه مزج أتباع أهل البيت علیهم السلام لذكر مصائبهم علیهم السلام حتى في أيام مواليدهم وأفراحهم..
1) لواعج الاشجان ص
أقوال الأئمة في ذلك :
فقد وُصف الامام الحسين عليه السلام في عدة من الزيارات والروايات بأنّه صاحب المصيبة الراتبة..
ويستفاد من هذا الحديث والزيارة الشريفة، أن ذکر مصيبة سيدالشهداء بالعزاء وإقامة مجالس النوح والرثاء وغيرها من آليات الشعيرة، يكون فعله في التشريع مداوم، دائب ودوري في كل يوم وفي كل ساعة، ولا يقتصرالدليل على ذلك بهذا الحديث والزيارةالشريفة، بل إن الحثّ المتواتر في الروايات على زيارته في كل وقت، وفي كل يوم، من بعيد ومن قريب هو الآخر دال على ذلك أيضاً، لأن زيارته علیه السلام متضمنة لرثائه وذكر مصابه والبكاء عليه. وهذا المنحى والديمومة في الأوقات هو الآخر يستفاد من متواتر الحث على زيارة النبي صلی الله علیه و آله و سلم، والوصي عليه السلام ، والصديقة علیها السلام ، وباقي الأئمة علیهم السلام.حيث تضمنّت زياراتهم، استعراض ما جرى عليهم من المصائب والمحن، وهو بمثابة مجلس رثاء وتشيد عزاء.(1)
لا تراني اتخذت لا وعلاها***بعد بیت الأحزان بین سرور
مأساة الزهراء :27
1) رؤيا السيد باقر الموسوي الهندي للإمام الحجة المهدي (عجل الله تعالی فرجه الشریف) ليلة عيد الغدير كئيباً حزيناً فحينما سأله السيد عن سبب ذلك مع أن المناسبة هي للفرح والسرور، أنشئ الإمام (عجل الله تعالی فرجه الشریف) هذا البيت:
ولا يتنافى ذلك مع القاعدة المستفيضة عنهم علیهم السلام في وصف الشيعة: «أنّهم يفرحون لفرحنا، ويحزنون لحزننا»(1)287، فإن المطلوب ليس التوقيت بالزمن فقط، بأن يكون فرح الشيعة في أوقات فرحهم، وحزنهم في أوقات حزن العترة علیهم السلام ، كما ورَد عن موسی بن جعفرعلیه السلام، يظهر عليه الحزن بدخول أول محرم،ويشتدّ معه كلما قرب من يوم العاشر.
قال الرضا عليه السلام : كان أبي إذا دخل شهر المحرم لا يرى ضاحكاً، و كانت الكآبة تغلب عليه، حتى يمضي منه عشرة أيام، فإذا كان يوم العاشر كان ذلك اليوم يوم مصيبته وحزنه وبكائه، ويقول: هو اليوم الذي قُتل فيه الحسین علیه السلام(2)
فإن توقيت فترات زمنية للحزن وهي التي وقعت فيها حوادث المصاب لا ريب فيه، وكذلك توقيت الفرح بأزمان وقعت فيها مسرات لهم لا ريب فيها أيضا..
ولكن مفاد القاعدة الشريفة أعم من ذلك حيث يُراد من فرحهم هو أسباب الفرح، كبركة مواليد المعصومين إذا ذكروا ولو في غير أيام الميلاد.. أو بما لهم من مشاهد شرّفها الله بهم، مثل
حادثة الغدير، والمباهلة وحديث الكساء، و میلاد المهدي (عجل الله تعالی فرجه الشریف)، إلى غير ذلك من مناسبات الإبتهاج وذكريات الفرح، فإنها كلها يُستبشربها، ويُبتهج بها، في أي وقت ذُكرت، وكذلك الحزن إنما يكون الأسباب حزنهم، يتحقق في أي وقت ذکر.. كما روي عن الامام السجاد عليه السلام من شدة بكائه وحزنه كلّما ذكر أباه الحسين عليه السلام استعبر
1) وسائل الشيعة ج 11 ص 459 .
وبکی... وكذلك الامام الصادق عليه السلام ، كان إذا ذكر جده الحسين عليه السلام،يبكي ويترك الأكل في ذلك اليوم.(1)
1) الخصال للشيخ الصدوق ص:273
1-المقدمة ... 5
2-البكاء في اللغة ... 7
3-بعض أدلة البكاء من مصادر المسلمين ... 8
4-رد الإمام السجاد (علیه السلام) على من إعترض عليه بكثرةالبكاء...18
5-البكاء على الحسين (علیه السلام) خطاب مع الله تعالی ... 19
6-الصرخة والصيحة والشهقة أنواع في شعير البكاء...21
7-الفلسفة الكبرى للبكاء... 23
8-العاطفة والبكاء تكامل النفس والمعرفة... 38
9-العاطفة والبكاء وخطورة تأثيرها ...43
10-فلسفة عظمة ثواب البكاء في الشعائرالحسينية ...58
11- أجوبة الإشكالات ... 53
12-إعتراضات أخرى على البكاء مع أجوبتها ...66
13-الموقف الصوفي والعرفاني المعترض على البكاء والعزاء...77
14-جواب الشبهة الأعتراض ...78
15- أعتراض السلفية على البكاء... 80
16- ركنية الحزن والأسى في ماهية الشعائرالحسينية...83
17-جواب الإعتراض...84
18- إمتزاج الحزن على أهل البيت (علیه السلام) بالابتهاج بهم...85