الإمام المهدی عجل الله تعالی فرجه الشریف فی کتب الأمم السابقة و عند المسلمین

ghaemiyeh.com

اشارة

الإمام المهدي (عجل الله تعالی فرجه الشریف) في كتب الأمم السابقة وعند المسلمين

تأليف الأستاذ محمد رضا الحكيمي

ترجمة : حیدر آل حيدر

الناشر : الدار الإسلامية للطباعة والنشر والتوزيع

اشارة

الإمام المهدي (عجل الله تعالی فرجه الشریف) في كتب الأمم السابقة وعند المسلمين

تأليف الأستاذ محمد رضا الحكيمي

الكتاب : الامام المهدي (عجل الله تعالی فرجه الشریف) في كتب الأمم السا بقة وعند المسلمين المؤلف : الاستاذ محمد رضا الحكيمي

ترجمة : حيدر ال حيدر

الناشر : الدار الإسلامية للطباعة والنشر والتوزيع

جميع حقوق الطبع محفوظة

الطبعة الأولى

1423ه - 2003 م

حارة حريك - شارع دكاش - مقابل مدرسة الليسيه أميکال مودرن

هاتف: 01/5538863 - 03/389166 - ص.ب: 14/5680

INFO@DARALISLAMIA.COM WWW.DARALISLAMIA.COM

بسم الله الرحمن الرحيم

بسم الله الرحمن الرحیم

مقدمة المترجم

الكتاب الذي بين يديك دراسة تجمع بين منهج منظم وروح ثوري ، یفرضهما موضوع الدرس . فالكتاب يتناول بالبحث شمسا يقدر أن تشرق من المغرب .

أما كيف قدر لهذا « الشمس» ، أن يشرق من مغرب الشمس ؟ فذلك أمر يحتاج إلى بحث منظم بين مصادر المغرب المعني ، فالمعني من المغرب هنا أرض النبوات ، التي بشرت بالشمس موعدا للخلاص ، وهي تشرق من حيث تغرب الشمس الكونية في أرضها . وعلى أمل شروق الشمس كان لا بد من تفسير للانتظار فكان روحاً ثورياً يعني فيما يعنيه رفع مستوى العدة والاستعداد ، وبناء الشخصية على أساس مقياس الإسلام.

جاء نصّ هذه الدراسة باللغة الفارسية ، وقررت بالاتفاق مع الأستاذ

المؤلف نقله إلى لغة الضاد بعد أن ولد بين نصوصها .

وقد كان تعريب هذا الكتاب أول تجربتي مع الترجمة المنظمة ، وكانت

فرصة للتعرف على فكر وثقافة الإسلاميين من كتاب المشرق المسلم .

ورغم أنني لم أتفق مع الأستاذ الكاتب في بعض ما طرحه في الكتاب من تصورات ورؤى ، إلا أنني لم أسجل ذلك ، يشفع لي في ذلك أن وجهات نظره ليست بدعا من القول ، بل هي نظريات تبناها كبار من مفكري الإسلام .

والكاتب مسلم لا يتفاوض بشأن مفردات عقيدته ؛ إذ تلقاها ببرهان وعاشها في وجدان . لكنه وحدوي شأن المسلم المسؤول والمؤمن الملتزم بتعاليم أهل البيت (علیهم السلام) ..

وثم إن ر المهدي ، ليس قضية شيعية ، إنما هو بشری رسالات السماء

وموعد مذاهب الإسلام كما سيطلع علينا بحث الأستاذ «حکيمي » في إثباته .

حیدر آل حيدر

الفصل الاول: الميلاد

اشارة

المیلاد

1- الميلاد

اشارة

عُرف ، بين المؤرخين والمحدثين ، أن ولادة الإمام « الحجة بن الحسن المهدي » سنة ( 200 ) أو ( 209 ) ه . وقالوا : إن المهدي (علیه السلام) وطيء بقدميه هذا العالم ليلة الجمعة ، منتصف شهر شعبان من أحد العامين المذكورين .

على هذا الأساس ، فأصل ولادة المهدي ومجيئه إلى هذا العالم مسلمة من مسلمات التاريخ . وإذا استثنينا الأئمة الأطهار والعلماء والمؤرخين والمحدثين الشيعة ، فإن هناك العديد من المؤرخين والمحدثين الشنة قد صرحوا بهذه الواقعة أيضأ ، وتلقوها حقيقة واقعية . وقد ذكرت في الكتب التبعية ، أسماء وكتب أكثر من ( 65 ) فردا من هؤلاء العلماء . ونورد هنا خمسة نصوص من المؤرخين والعلماء .

أ. علي بن الحسين المسعودي :

في سنة ستين ومائتين قبض أبو محمد الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسی بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، ( رضي الله

عنهم ) ، في خلافة المعتمد. وهو ابن تسع وعشرين سنة ، وهو أبو المهدي المنتظر(1).

ب - شمس الدین بن خلكان :

أبو القاسم محمد بن الحسن العسكري بن علي الهادي بن محمد الجواد ، ثاني عشر الأئمة الاثني عشر ، على اعتماد الإمامية ، المعروف بالحجة ، وهو الذي تزعم الشيعة أنه المنتظر والقائم والمهدي .. كانت ولادته يوم الجمعة منتصف شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين ، ولما توفي أبوه كان عمره خمس سنين ، واسم أمه « خمط » ، وقيل « نرجس » (2).

ج - الشيخ عبدالله الشبراوي :

الحادي عشر من الأئمة الحسن الخالص ، ويلقب بالعسكري ، ولد بالمدينة لثمان خلون من ربيع الأول(3)سنة ( 232 ) ه ، وتوفي ( عليه السلام ) يوم الجمعة لثمان خلون من ربيع الأول سنة ( 260 ) ه ، وله من العمر ثمان وعشرون سنة . ويكفيه شرفا أن الإمام المهدي المنتظر من أولاده ...

ولد الإمام محمد « الحجة»، ابن الإمام الحسن الخالص ، بسر من رأي ، ليلة النصف من شعبان ، سنة (255) ه ، قبل وفاة أبيه بخمس سنين ، وكان أبوه قد أخفاه حين ولد ، وستر أمره ، لصعوبة الوقت ، وخوفه من


1) «مروج الذهب » ج 4 ص 199 ، طبع مصر سنة 1377 .

2) «تاریخ ابن خلکان » ( وفيات الأعيان ) ج 3 ص 319، طبع مصر ، مكتبة النهضة المصرية .

3) الصحيح ، ربيع الثاني .

الخلفاء ( العباسيين ) فإنهم كانوا في ذلك الوقت يتطلبون الهاشميين ، ويقصد ونهم بالحبس والقتل، ويرون إعدامهم ، وذلك لقتلهم من يعدم سلطنة الظالمين . وهو الإمام المهدي (علیه السلام) ، كما عرفوا ذلك من الأحاديث التي وصلت إليهم من الرسول الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) (1).

د- الشيخ عبدالوهاب الشعراني :

المهدي (علیه السلام) ، وهو من أولاد الإمام الحسن العسكري (علیه السلام) ، ومولده (علیه السلام) ليلة النصف من شعبان ، سنة خمس وخمسين ومائتين ، وهو باق إلى أن يجتمع بعيسى ابن مریم (علیه السلام) (2).

ه- الشيخ سليمان القندوزي الحنفي :

المحقق عند الثقات أن ولادة القائم (علیه السلام) كانت ليلة الخامس عشر من شعبان ، سنة خمس وخمسين ومائتين في بلدة سامراء (3)

2- طالع الميلاد

ذكر العالم السني المعروف ، الشيخ سليمان القندوزي الحنفي - الذي تقدم ذكره آنفاً - طالع الميلاد المقدس ، بعد التصريح بوقوع ولادة المهدي ، يقول :

ولادة القائم (علیه السلام) كانت ليلة الخامس عشر من شعبان ، سنة خمس وخمسين ومائتين ، في بلدة سامراء ، عند


1) « الإتحاف بحب الأشراف » ص 170 طبع مصر1316 ه : نقلا عن كتاب : « المهدي الموعود المنتظر » نجم الدين العسكري طبع بیروت (1397 ) ج 1 ص200-201

2) « الیواقیت والجواهر » ، ص 145 طبع مصر 1307 ه.

3) « ينابيع المودة » ، ص 452 نقلاً عن « المهدي الموعود ... » ج 1 ص 212 - 213.

القران الأكبر الذي كان في القوس ، وكان الطالع الدرجةالخامسة والعشرين من السرطان(1).

3- مثل إبراهيم وموسی

بعد مرور قرنين وحفنة سنين على هجرة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ، وبعد أن انتهت الإمامة إلى الإمام العاشر والحادي عشر ، وشيئا فشيئا أخذ هاجس قلق عمیق يخيم على النفوس في أوساط الحكام المتسلطين على رقاب المسلمين ، في مركز الخلافة . كان هذا القلق مرتبطة بالكثير من الأخبار والأحاديث التي جاء فيها : سوف يولد للإمام الحسن العسكري ولد يقوض أساس الحكومات ، هذا التكهن ، جاء في كتب الأمم السالفة أيضاً ، وأذيع في أوساط المسلمين بواسطة المطلعين ، كما جاء أيضاً في الأحاديث والأخبار الإسلامية ، خصوصاً الأحاديث النبوية.

في هذا الضوء ، نلاحظ أنه على أساس بشائر كتب السلف ، وكذلك الأحاديث الإسلامية ، ذاع خبر ولادة خلف للإمام الحادي عشر ، مهشم العروش الحاکمین ، مسقط لتيجان المستکبرین ، ساحق لقوى الضلال ...

حين ولادة الإمام المهدي (علیه السلام) في مدينة سامراء ، مو على بناء المدينة - التي أنشئت بجانب أنقاض المدينة القديمة - ما يقرب من ( 35 ) عاماً ، وباعتبار بنائها بسمة العاصمة الثانية لخلافة بغداد ، أصبحت منذ ذلك الحين مقراً للخليفة العباسي .

المعتصم العباسي ، الخليفة الثامن لبني العباس ، الذي ابتدأت خلافته عام ( 218 ) ه ، هو الذي أصدر الأمر ببناء هذه المدينة ، ثم انتقل هو نفسه إلى هناك ، فصارت سامراء مركزاً للخلافة .

وضع الإمام العاشر تحت الرقابة ، وسجن في هذه المدينة لمدة عشرين

عاماً ، ثم قضى الإمام الحادي عشر حياته هناك سجيناً ، أو تحت المراقبة .


1) المصدر السابق ، نفس الصفحة .

حينما قرب میلاد المهدي ، وأخذ خطره يقوى في أعين الجبابرة ، كانوا بصدد معرفة حمله ليحولوا دون مجيء هذا الوليد ، وإذا ولد ووضع قدميه في هذا العالم ، فسيعدمونه من الوجود .

ولهذا أخفيت على الناس خصوصيات أوضاع المهدي (علیه السلام) ، وأدوار حمله ، ثم ولادته ، و .... ولم يره إلا ثلة معدودة من المقربين للإمام العسكري (علیه السلام) ، ومن تلامذته وأصحابه ، وهؤلاء أيضاً كانوا يرونه بين حين وآخر ، وليس بشكل مستمر وعادي ، كتبوا في ذلك :

السر في خفاء ولادته هو أن بني العباس لما علموا من الأخبار المروية عن النبي والأئمة من أهل البيت (علیهم السلام) أن المهدي ( عليه السلام ) هو الثاني عشر من الأئمة وهو الذي يملأ الأرض عدلاً ، ويفتح حصون الضلالة ويزيل دولة الجبابرة ويقتل الطواغيت ، ويملك الأرض شرقها وغربها ، أرادوا إطفاء نوره بقتله ، فلذا عينوا العيون والجواسيس والقوابل للتفتيش عن بيت والد الحجة الإمام أبي محمد الحسن العسكري (علیه السلام) . ولكن يأبى الله إلا أن يتم نوره ، فأخفى عز وجل حمل أمه « نرجس » عن الناس . حتى نقلوا أن المعتمد بعث القوابل سرا ، وأمرهن أن يدخلن دور بني هاشم سیما دار العسكري (علیه السلام) - بلا استیذان - في أي وقت کان لتفتيش أمره ، واستعلام حاله وخبره فلم يقفن على شيء ، وأبي الله إلا أن يجري في حجته سنة نبيه موسى ، كما أن أعداءه ركبوا سنة فرعون واتخذوا السياسة الفرعونية حيث علم أن زوال ملکه يكون بيد رجل من بني إسرائيل ، فعين المفتشين على الحوامل ، وأخذ المواليد تحت المراقبة الشديدة فإذا كان المولود ذكراً ذبحوه ، وإن كان أنثى يستحيونها، فقتلوا ألوفاً من المواليد في طلب موسى . قال الله - عز وجل - : (.. يقتلون أبناءكم

ويستحيون نساءكم .. )(1)ومع ذلك جعل الله تعالی نبیه في حفظه ، وأخفى عنهم ولادته، قال الله تعالی : (و اوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني ، إنّا رادّوه إليکِ وجاعلوهُ من المرسلین)(2)وقد ذكر في الروايات الكثيرة شباهته (علیه السلام) بإبراهيم وموسى ( عليهما السلام )(3).

4- مشاهدة المهدي

على هذا المنوال الذي ذكر ، نلحظ المهدي (علیه السلام) منذ اليوم الأول من ولادته ، أنه كان يعيش في الخفاء باستمرار ، ولم تره الجماهير بشكل عام . وكان الوضع على هذه الصورة لكي لا يناله شر ومفسدة . کان السعي لحجب الناس عن رؤيته ، والحيلولة دون اطلاعهم على وضعه لكي لا تشيع معلومات حوله ، وبالتالي لا تصل إلى يد البلاط العباسي .

في هذا الضوء ، فقد رآه - خلال حياة الإمام الحادي عشر ، وفي مطلع حياته بين سن الخامسة إلى السادسة من عمره - بعض مقربي الإمام وعدد من شخصيات الخواص ، وحظوا باللقاء به ، ليحصل اليقين عن هذا الطريق بولادته ووجوده ، ويطلع (علیه السلام) الأخرين في مواقع الضرورة - خصوصاً القطاع الشيعي - ويجعلهم على بصيرة من وجود الوصي الثاني عشر . كان من بين أنصار وأصحاب الإمام الحادي عشر أفراد التمسوا منه - للباعث المذكور - أن يريهم خليفته ، وقد استجاب الإمام (علیه السلام) لهذا الطلب في بعض المواقف ، وقدم المهدي ، وعرفه لأفراد حيناً ، لجماعة حيناً آخر .

5- أربعون نفرا من الشيعة في طلب المهدي

جاء في الأثر ، أن رهطاً من الشيعة - وكانوا أربعين نفراً - قد اجتمعوا يوماً


1) الأعراف :141 .

2) القصص :7.

3) « منتخب الأثر » لطف الله الصافي ، انتشارات صدرا ، طهران ص 286 .

عند الإمام الحسن العسكري (علیه السلام) ، وطلبوا منه أن يريهم ويعرفهم الحجة من بعده ، ففعل الإمام ذلك ، ورأوا هؤلاء ولدأ خرج عليهم ، مثل فلقة القمر ، وكالبدر ليلة تمامه . فقال الإمام العسكري ، هذا إمامكم من بعدي ، وخليفتي عليكم ، أطيعوه ، ولا تتفرقوا من بعدي فتهلكوا في أديانكم ، ألا وإنكم لا ترونه من بعد يومكم هذا حتى يتم له عمر ، فاقبلوا من عثمان ( بن سعيد العمري ) ، ما يقوله وانتهوا إلى أمره » (1).

في هذا الضوء ، فقد صرح الإمام الحادي عشر ضمنيا بوقوع غيبة الإمام المهدي ، وعرفه على القطاع الشيعي ، كما أعلن عن استمرار سلالة الولاية .

6- الفيلسوف النوبختي في حضور المهدي

أبو سهل إسماعيل النوبختي ، عاش بين عام (237) ه إلى عام (311) ه ، أحد مفكري الشيعة ، وكبار متكلميها في القرن الثالث ، وقد ادرجوه في عداد فلاسفة الشيعة .

كان أبو سهل النوبختي من علماء الشيعة الكبار ، له باع في العديد من

العلوم الإسلامية ، وقد ربی جمعة من التلامذة .

قالوا : هو صاحب مدرسة فلسفية كلامية عاشت جيلاً طويلاً، وظلت آراؤه تتجاوب حقبة طويلة في أكثر جوانب الحياة الثقافية . وتخرج على يديه عدد غير قليل من العلماء والمفكرين ، نهلوا من مدرسته ، يستفيدون منه ، ويأخذون عنه ، كانوا فيما بعد، من أعلام عصرهم في العلم والمعرفة ، وعلى رأس الحركة الفكرية في القرن الرابع الهجري (2).

وللشاعر المعروف ، أبو عبادة البحتري ، مدائح فيه (3).

له من المؤلفات حوالي ثلاثة وثلاثين مؤلفاً ، يكاد يكون جميعها في


1) « منتخب الأثر » ص 355.

2) « فلاسفة الشيعة » ، ص 172 وما بعدها .

3) « فلاسفة الشيعة » ، ص 172 وما بعدها .

المواضيع الكلامية الهامة(1).

وقد كان هذا العالم الفيلسوف والمفكر الكبير من أصحاب الإمام الحسن

العسكري (علیه السلام) . وكان حاضراً عند وفاة الإمام العسكري وقد رأى ابنه صاحب الأمر في محضر أبيه(2).

وقد نقل أبو سهل تفاصيل هذا اللقاء ، حيث تضمن قوله :

طلب الإمام العسكري أن يؤتى له بولده حال مرضه ، وقد كان المهدي آنذاك طفلاً . فجيء بالمهدي إلى أبيه ، وأدّى السلام عليه ، فنظرت إليه وإذا هو درِیّ اللون ، وفي شعر رأسه قطط ، مفلّج الأسنان .

خاطبه الإمام الحسن (علیه السلام) بقوله : « یا سید أهل بيته اسقني الماء فإني ذاهب إلى ربّي » فأتى له بالماء ، ثم قام الطفل بتوضئة أبيه ، بعد ذلك قال له الإمام العسكري (علیه السلام) : «بُنيّ ، أنت المهديّ ، و أنت حجة الله على الأرض .... » (3).

7- طلوع عابر

في ضوء ما تقدم ، فقد عاش المهدي في الخفاء ، ولم يكن لدى الجماهير بشكل عام اطلاع عنه ، ولم يره سوى ثلة قليلة ، وقد مضت حياته على هذه الوتيرة حتى حل يوم رحيل الإمام الحادي عشر ، يعني يوم الثامن من شهر ربيع الأول عام (260 ) ه . ففي هذا اليوم كانت هناك أربعة بواعث دفعت الإمام المهدي ليعرض نفسه أمام جمع من الناس ، وأن يقف مصحراً بمشهد الأفراد الذين جاؤوا لتشييع ، ودفن الإمام الحادي عشر ، والبواعث

هی:


1) المصدر السابق .

2) سفينة البحار ج 1 ص 676 .

3) « منتهی الآمال » الباب 13 الفصل الخامس

1- لا بد من إمام يقيم مراسم الصلاة على جنازة الإمام الراحل ، ولأجل رعاية هذه السنة الإلهية ، وهذا السرّ الرّباني ، تحتم على المهدي (علیه السلام) أن يظهر ، ويقيم الصلاة على جثمان الوالد .

2- للحيلولة دون وقوع هذا الأمر ، وهو : مجيء شخص من قبل الخليفة لأداء الصلاة على جثمان الإمام الحادي عشر وإعلان انتهاء خط الإمامة، ووراثة الخليفة العباسي الظالم لخط الإمامة الشيعية .

3- للحيلولة دون أن يطرأ الانحراف الداخلي على خط الإمامة ، إذ أن جعفر بن علي الهادي أخا الإمام العسكري المعروف و بجعفر الكذاب ، والذي كان بصدد ادّعاء الإمامة ، جاء ليقيم الصلاة على جثمان الإمام الراحل ، . -كما سيأتي بحثه في الفصل التالي - .

4- لإدامة خط الإمامة الحقة ، وتثبيت الولاية الإسلامية ، وليكون معلومة لدى المؤمنين بالإمامة ، أن هناك إماماً آخر بعد الإمام العسكري وهو الإمام الثاني عشر ، وارث التركة المعنوية ، وحامل الرسالة الإسلامية ، وصاحب الولاية الدينية والدنيوية ، وهو قد ولد وينعم بالوجود والحياة .

كانت هذه البواعث سبباً لمفاجأة الجمع الذين جاؤوا لأداء المراسم بمشاهدة طفل صغير السن ولكن في نهاية الجلال والحياء كشمس وضاءة ، يخرج من خفايا الدار ، وعمه جعفر كان يستعد لإقامة الصلاة على جثمان الفقيد الراحل ، فينحّيه جانباً ، ويقيم الصلاة على جثمان الأب .

8- هجوم الغيوم السوداء

نعم ، أصحر المهدي بنفسه في ذلك اليوم ، حمل قدميه من داخل المنزل ووضعهما في خارجه ، ووقف جنب الجماهير ، وبين صفوفها، فأضحى ذلك اليوم يوماً مشرقاً ، لكن هذه الإشراقة الجليلة - طفل صغير يخطو خطوات الكبار ، ويدفع بجعفر الكذّاب جانباً ، ليقف هو نفسه محله ويؤم الناس مصلياً على جثمان الفقيد الراحل - أماطت اللثام عن الخفي ، فانتشرت

الأخبار على جناح السرعة ، وطرقت أسماع الجواسيس ، فأفاق سقاك البلاط العباسي على حقيقة ، إن ذلك الشخص الذي واظبوا سنين للحيلولة دون ولادته ظهر ، وأعلن مسؤوليته عن إدامة نهج الإمامة ، وتحمل أعباء النضال ضد الظلم والظالمين .

عندما سرى هذا الخبر ، صدر الأمر - بلا تردد من قبل الخليفة العباسي .

المعتمد -(1)بالهجوم على منزل الإمام الحسن العسكري ، وتفتیشه . فزمجرت شرطة الخليفة زمجرة الرعد ، وهرعت مسرعة كالبرق .، وخيمت على دار الإمام العسكري كقزع الغيوم السوداء ، فبحثوا بدقة في كل مكان ، ووثبوا من هذه الحجرة إلى تلك ، وأطلوا من هذه النافذة على تلك الغرفة ، ومن تلك الغرفة إلى هذه النافذة ، ليعثروا على المهدي ، ويجلبوه حياً عند الخليفة .

في مثل هذه الظروف طرحت مسألة غيبة الإمام الثاني عشر لأجل بقاء سلالة الإمامة الحقة ، ولأغراض ومصالح أخرى . وسوف نتحدث في الفصل الثالث حول الغيبة .


1) أبو العباس أحمد المعتمد ، الخامس عشر من خلفاء بني العباس ، امتدت خلافته من عام 256 حتى عام 279 ه.

الفصل الثاني: الصفات والسيرة

اشارة

الصفات والسيرة

1- الصفات

جمع المحدثون المعتبرون - من الشيعة وأهل السنة - صفات وشمائل الإمام المهدي (علیه السلام) في كتبهم ، في ضوء أحاديث كثيرة جاءت عن النبي الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) ، والإمام علي بن أبي طالب (علیه السلام) ، والأئمة الأخرين .

حنطي اللون ، أزج الحاجبين ، عيناه سوداوان جذابتان واسعتان . عريض المنكبين ، أقنى الأنف ، أفرق برّاق الثنايا ، عظیم مشاش المنكبين ، قويّ في بدنه ، مشئن الكفين ، شاحب الوجنتين يميل إلى الصفرة - على أثر قيام الليل -، على خده الأيمن خال ، مفتول العضلات ، في رأسه ذؤابة(1)، مربوع القامة ، غصن بان ، وقضيب ریحان ، هيوب مع هيبة ، يشق رأسه في باذخ السؤود ، نافذ النظرات ، لو صاح بين الجبال لاندکت صخورها، ويملأ نداؤه الأفاق .


1) وقد جاء التعبير في بعض الروايات بقوله (علیه السلام) : « يسير شعره على منكبيه » . المهدي الموعود .. ح 1 ص 281 .

2- المقام

يرى المحدثون وعلماء الإسلام أن التكامل الروحي للإمام المهدي وبلوغه مركز الإمامة في سن الصغر يتفق مع ماضي عيسى المسيح ، ويحيى بن زكريا اللذين جاء ذكرهما في القرآن الكريم ، وقالوا : بين كتفيه أثر يشبه أثر النبوة ، وهو صاحب علم وافر ، وحكمة بالغة ، ولديه تركة الأنبياء .

المهدي ابن النبي ، ومن أولاد السيدة المكرمة فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) . وهو الإمام التاسع من ذرية الإمام الحسين (علیه السلام) .

المهدي (9) الحسن العسكري (8) علي النقي (7) محمد التقي (6) علي بن موسی الرضا (5) موسی بن جعفر (4) جعفر بن محمد الصادق (3) محمد بن علي الباقر (2) علي بن الحسين (1) الحسين بن علي . هذا هو المهدي بهذه المشخصات ، وبهذه الخصوصيات ، وعشرات الدلائل والإشراطات التي تقارن ظهوره وتسبقه وتلحقه ، لتكون مؤشرات على واقعية قضية المهدي ، وأنه إمام جاء النص معيناً له ومن ثم فمهما قالوا ، وأي شخص يتجاوز حدوده فكلامه هراء بجانب التصديق به العقل والحكمة .

المهدي (علیه السلام) غائب الآن . وهو خليفة الحق ، والولي المطلق . هو خاتم الأولياء ، ووصيّ الأوصياء ، والمنقذ الأخير والقائد العالمي، والثوريّ الأكبر ، والمصلح الأعظم . يعتمد الكعبة منطلقاً حيث يرد ، ويأخذ راية رسول الله بيده ، ويُحيي دين الله مطبقاً أحكام الله على أرجاء المعمورة . وهو يأتي بالسيف ليعيد الأرض التي ملئت بالظلم والجور مليئة بالرحمة والعدل .

3- السيرة

اشارة

وصلنا الكثير من الأفكار حول منهج وسلوك وسيرة المهدي (علیه السلام) من خلال الأحاديث المباركة . وقد أماطت هذه الأفكار اللثام عن مناهج المهدي العملية وسيرته : السيرة الدينية ، والأخلاقية والعملية ، والثورية وغيرها. وحيث إن مناهج المهدي العملية يمكن أن تكون لنا نماذج ومثلا عملية راقية ، يحسن بنا في هذا المجال أن نتحدث مشيرين إلى كل لون من ألوان هذه السيرة .

أ- سيرته الدينية

المهدي خاشع لله كخشوع النسر بجناحيه(1)، عدلاً مباركاً ذكياً ، لا يغادر مثقال ذرة ، يعز الله به الدين ....

يكون من الله على حذر ، لا يغتر بقرابته ، لا يضع حجراً على حجر ، ولا يقرع أحدأ في ولايته بسوء ، إلا في حدّ(2).

ب - سيرته الخلقية

المهدي معروف بالسكينة والوقار .

أكثر الناس علمأ وحلم ، اسمه اسم النبي وخلقه خلقه (3).

يسري في الدنيا بسراج منیر ، ويحذر فيها على مثال الصالحين(4).

ج - سيرته العملية :

حين ظهور المهدي (علیه السلام) يعم الود والمساواة إلى الحد الذي يأخذ كل صاحب حاجة من جيب أخيه ما يحتاج دون أي غضاضة(5)، ولا يربح مؤمن على مؤمن في معاملة(6).

المهدي سمح بالمال ، شديد على العمال رحيم بالمساكين(7).

علامة المهدي أن يكون شديداً على العمال ، جواداً بالمال ، رحيماً بالمساكين(8)


1) المهدي الموعود ، ح 1 ص 280 ، 281 - 282 ، 266، وص 300.

2) المهدي الموعود ، ح 1 ص 280 ، 281 - 282 ، 266، وص 300.

3) المهدي الموعود ، ح 1 ص 280 ، 281 - 282 ، 266، وص 300.

4) المهدي الموعود ، ح 1 ص 280 ، 281 - 282 ، 266، وص 300.

5) الاختصاص الشيخ المفيد ص 26 .

6) وسائل الشيعة ح 12، ص 296 .

7) بحار الأنوارح 10.

8) المهدي الموعود ح 2 ص 277 ،276.

يشبه في إحسانه إلى الناس كمن يلعق أحداً عسلاً أو زبداً(1). وما لباس القائم إلا القليل وما طعامه إلا الجشب(2).

د- سيرته الثورية :

يبلغ رد المهدي المظالم حتى لو كان تحت ضرس إنسان شيء انتزعه حتى یرده(3)يضع الجزية ويدعو إلى الله تعالی بالسيف فمن أبي قتل ، ومن نازعه خُذل(4).

إذا قام القائم (علیه السلام) سار إلى الكوفة ، فيخرج منها بضعة عشر آلاف أنفس يدعون « البترية » عليهم السلاح فيقولون له : ارجع من حيث جئت فلا حاجة لنا في بني فاطمة ، فيضع فيهم السيف حتى يأتي على آخرهم ، ثم يدخل الكوفة فيقتل بها كل منافق مرتاب ويهدم قصورها ، ويقتل مقاتليها حتى يرضي الله عزَّ وعلا(5).

الزاني المحصن يرجمه ، ومانع الزكاة يضرب رقبته(6).

جاء في الأثر عن زرارة بن أعين عن الباقر (علیه السلام) قال : قلت له : صالح من الصالحين سمه لي أريد القائم (علیه السلام) فقال : اسمه اسمي ، قلت : أيسير بسيرة محمد (صلی الله علیه و آله وسلم) ؟ قال : هيهات هيهات يا زرارة ما يسير بسيرته ! قلت : جعلت فداك لِمَ ؟ قال : إن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) سار في أمته باللين كان يتألف الناس ، والقائم (علیه السلام) يسير بالقتل ، بذلك أمر في


1) المصدر السابق ج 1 ص 297 .

2) بحار الأنوارح 52 ص 359.

3) المهدي الموعود ح 1 ص 282 ، 283 .

4) بحار الأنوارح 52 ص 320.

5) الإرشاد ، المفيد ، بحار الأنوارح 52 ص 338 .

6) إكمال الدين - بحار الأنوارح 52 ص 325.

الكتاب الذي معه ، أن يسير بالقتل ولا يستيب أحداً ؛ ويلٌ لمن ناوأه »(1). ليس شأنه إلا بالسيف ، لا يستيب أحداً ولا تأخذه في الله لومة لائم .

ه-سيرته السياسية :

حينما يأتي دور حكم المهدي (علیه السلام) ينهي دور حكم الجبارين والمستكبرين ويحول دون نفوذ المنافقين والخائنین السياسي(2).

تضحي مدينة « مكة » قبلة المسلمين مركزاً لحركة المهدي الثورية ، يجتمع رجال نهضته الأول في هذه المدينة ويلتحقون به فيها .

يبعث بعثاً لقتال الروم فينهي نفوذ اليهود والمسيحية في العالم ، و يستخرج تابوت السكينة من غار أنطاكية ، فيه التوراة الذي أنزل الله على موسى والإنجيل الذي أنزل على عیسی . يحكم بين أهل التوراة بتوراتهم ، وبين أهل الإنجيل بإنجيلهم ، ويدعو اليهود إلى التوراة فيسلم جماعة كثيرة(3).

يقاتل ولا يصمد أمامه أي رجل قوة ونهج « سواء أكان من أهل الكتاب أم من أتباع المناهج الأخرى » ، ولا يبقى أثر التطبيق أي نهج سياسي وأي لون من ألوان الحكم في العالم سوی حکم الحق ومنهج السياسة القرآنية العادلة .


1) الغيبة ، النعماني - بحار الأنوارح 52 ص 353 - 354.

2) المهدي الموعود ح 1 ص 252 .

3) المهدي الموعود ح 1 ص 254 ، 255 .

وفي هذا الضوء تمتد حكومة المهدي على شرق العالم وغربه .

ينزل عیسی (علیه السلام) من السماء ، فيصلي خلف المهدي (علیه السلام) ، وينادي : « افتحوا باب بیت المقدس » فيفتخون ، وإذا بالدجال و 70,000 يهودي مسلح معه . وحيث يعلم الدجال أن عيسى قاتله يولي هاربأ حينما يراه .. فيقول عیسی : إن لي فيك ضربة لن تفوتني بها فيدركه فيقتله ، فلا يبقى شيء مما خلق الله يتوارى به يهودي إلا أنطقه الله عز وجل ، لا حجر ولا شجر ولا دابة ، إلا قال : يا عبدالله . المسلم هذا يهودي فاقتله . فيطهر العالم من وجود اليهود الملوث(1).

أجل فإذا قام القائم فلا تبقى أرض إلا نودي فيها شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله(2).

و - سيرته التربوية : .

إبان حكم المهدي (علیه السلام) يؤتي الناس العلم والحكمة حتى أن المرأة تقضي في بيتها بكتاب الله وسنة رسوله (صلی الله علیه و آله و سلم)(3).

ولدى هذه الفترة تتوفر القدرة العقلية للجماهير على مركزية ونباهة ، وتبلغ كمالها بالتأييد الإلهي ، وتظهر الحكمة في الجميع(4).

وإذا قامت دعائم حكمه أذهب الله عز وجل العاهة عن الشيعة ، وجعل قلوبهم كزبر الحديد ، وجعل قوة الرجل


1) المهدي الموعود ح 2 ص 5، 7.

2) تفسير العياشي ، بحار الأنوارح 52 ص 340 .

3) بحار الأنوار ج 52 ص 352.

4) أصول الكافي ح 1 کتاب العقل ، الحديث 21.

منهم قوة أربعين رجلاً، ويكونون حكام الأرض وسنامها(1).

ز- سيرته الاجتماعية :

حيث يأتي المهدي (علیه السلام) - وعلى أثر متاعب وحروب تقع - يسحق الظلم والعدوان ويملأ الأرض عدلاً وقسطاً . ولا يبقى محل في الأرض إلا وهو مستفيض بعدله وإحسانه فينتعش بالحياة حتى النبات، وتتوفر الأحياء الأخرى أيضاً على هذا الإحسان والعدل والقسط(2).

ويَعُمُّ الغِني والمِكنَة - زمن المهدي (علیه السلام) - كل أفراد الأمة(3).

تبلغ عدالة المهدي حداً بحيث لا يمس الظلم أي إنسان في أي موقف وبأي شكل . وأول ما يظهر القائم من العدل أن ينادي مناديه أن يسلم صاحب النافلة لصاحب الفريضة الحجر الأسود والطواف(4).

ح - سيرته المالية :

تجمع إليه أموال الدنيا كلها ما في بطن الأرض وظهرها ، فيقول للناس : تعالوا إلى ما قطعتم فيه الأرحام ، وسفكتم فيه الدماء ، وركبتم فيه محارم الله ، فيعطي شيئا لم يعط أحد كان قبله(5).


1) بحار الأنوار ج 52 ص 317، 335.

2) بحار الأنوار ج 10، هناك الكثير من الروايات المشهورة في هذا الصدد .

3) بحار الأنوار ج 51، ص 146 .

4) الكافي ج 4 ص 427.

5) بحار الأنوار ج 51، ص 29 .

تؤتي الأرض أكلها، ولا تدّخر منها شيئاً ، والمال يومئذٍ کدوس . يقوم الرجل فيقول : يا مهدي أعطني فيقول : خذ(1).

يقسم الأموال بين الناس بالسوية دون تفضيل لأحد على أحد(2).

ط. سيرته الإصلاحية :

المهدي ملبّ ، يبعثه الله غياثاً للناس فتنعم الأمة وتعيش الماشية وتخرج الأرض نباتها ، فلا تمنع السماء شيئأ من قطرها ، ولا الأرض شيئاً من نباتها وتخرج له الأرض أفالين كبدها(3).

إبان أيامه (علیه السلام) تضع الحرب أوزارها(4)ويطفىء الله به الفتنة العمياء وتأمن الأرض(5).

ولا يبقى في الأرض خراب إلا عمّره(6).

أصحاب القائم يحيطون بما بين الخافقين ، ليس من شيء إلا وهو مطيع لهم ، حتى سباع الأرض وسباع الطير تطلب رضاهم في كل شيء، حتى تفخر الأرض على الأرض وتقول مرّ بي اليوم رجل من أصحاب القائم(7). وكل رجل منهم ( أي من أصحاب القائم ) يعطى قوة أربعين رجلاً ، وإن قلبه لأشدّ من زبر الحديد، ولو مروا بجبال الحديد لقطعوها . لا يكفون سيوفهم حتى يرضى الله عز وجل(8).


1) کشف الغمة ، الأربلي - كفاية الطالب ، الكنجي الشافعي - بحار الأنوار ج 51، ص 88.

2) المهدي الموعود ج 1 ص 264، 277 ، 275 ، 288 ، 311، 285، 318، 287، وج 2 ص 11 .

3) المهدي الموعود ج 1 ص 264، 277 ، 275 ، 288 ، 311، 285، 318، 287، وج 2 ص 11 .

4) المهدي الموعود ج 1 ص 264، 277 ، 275 ، 288 ، 311، 285، 318، 287، وج 2 ص 11 .

5) المهدي الموعود ج 1 ص 264، 277 ، 275 ، 288 ، 311، 285، 318، 287، وج 2 ص 11 .

6) المهدي الموعود ج 1 ص 264، 277 ، 275 ، 288 ، 311، 285، 318، 287، وج 2 ص 11 .

7) بحار الأنوار ج 52 ص 327.

8) إكمال الدين ، بحار الأنوار ج 52، ص 327.

أجل ! فبعد تظاهر الفتن وانقطاع الزمن ، حيث يسود الفساد والظلم أرجاء المعمورة ، يبعث الله تعالى مصلحاً عظيماً ليحطم حصون الضلال والضياع ويضيء القلوب المظلمة بنور التوحيد والإنسانية والعدالة(1).

ننتهي هنا لحديث الإمام علي (علیه السلام) حول المسيرة الإصلاحية للمهدي (علیه السلام) حيث نجد في « نهج البلاغة » ، شهادة الأب فی حق ولده .

يَعطِفُ الهَوى على الهُدَى ، إذا عطفوا الهُدَى على الهوى ، ويعطف الرأي على القرآن إذا عَطَفُوا القُرآن عَلَى الرَّأي .

ألا وفي غَدٍ - وسيأتي غدً بما لا تعرفون - یاخُذُ الوَالي مِنْ غَيرِها عُمَّالَهَا عَلَى مَسَاويء أعمَالِهَا ، وتخرج له الأرض أفَالِيذ كَبِدِهَا ، وتُلقِي إلَيْهِ سِلْماً مَقَالِيدَهَا، فَيُرِيكُم كيف عَدْلُ السيرة وَيُحیي مَيِّتَ الكِتابِ وَالسُّنَّةِ(2).

ي - سيرته القضائية :

ما في حكمه ظلم ولا عنت(3)يحكم بالدين الخالص عن الرأي - « آراء الفقهاء وعلماء المذاهب »(4).

يضع ميزان العدل بين الناس ، فلا يظلم أحداً أحداً(5).

يقوم بقضاء جدید ...(6).

يحكم المهدي بقضاء داود وآل داود فيقضي بعلمه ولا يطلب من الناس

شاهداً أو بيّنة .

يقول الشيخ المفيد :


1) المهدي الموعود ج 1 ص 310.

2) نهج البلاغة ، تحقیق صبحي الصالح - ص 195 - 196 .

3) المهدي الموعود ج 1 ص 280 ، 283 ، 284 .

4) المهدي الموعود ج 1 ص 280 ، 283 ، 284 .

5) المهدي الموعود ج 1 ص 280 ، 283 ، 284 .

6) الغيبة ، النعماني ، بحار الأنوار ج 52، ص 349، 354 .

« إذا قام قائم آل محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) حكم بين الناس بحکم داود (علیه السلام) . لا يحتاج إلى بيّنة ، يلهمه الله تعالى فيحكم بعلمه ، ويخبر كل قوم بما استبطنوه ، ويعرف وليّه من عدوه بالتوسّم(1).

4- العدالة الشاملة

في ضوء المشهور تنبسط العدالة - أيام المهدي (علیه السلام) - على كل مكان وتشمل كل شيء فتمط العالم وتستغرقه .

فلا ينحصر استغراق العدل وتطبيق العدالة بالعلاقات الإنسانية ، بل سترعى العدالة في قيم أخرى ، ويُضحي تجسيد أصول العدالة في المجتمع ، والعلاقات الإنسانية کليًّها وجزئيّها عملاً مدهشاً ومثيراً .

وقد نقلنا من قبل الحديث بصدد التدليل على رعاية أصول العدالة في حكم المهدي (علیه السلام) إذ يقول :

أول ما يظهر القائم من العدل أن ينادي مناديه أن يسلم صاحب النافلة لصاحب الفريضة الحجر الأسود والطواف .

كما روي :

أما والله ليدخُلَنَّ عليهم عدلُه جوفَ بيوتهم ، كما يدخل الْحَرّ وَالقُرً(2).

يعني أن عدل المهدي سوف ينفذ إلى تفاصيل الحياة الفردية ، ويسودها كما يرد الحر والبرد بيوت الناس فيملأها دون إذن منهم ، ويترك آثاره على كل شيء. فيمضي كل شيء وفق العدل والقسط ، ويتقبل جوهر العدل والقسط ، وهذه هي العدالة الشاملة والقسط الإلهي .

وقد جاء في بحث آخرلي ما يلي :

... حيث يأتي المهدي يملأ الأرض كلها بالعدل ، لا


1) الإرشاد ص 365 ، 366.

2) بحار الأنوار ج 52 ص 362 .

المجتمعات العامرة فيها فحسب ، بل الأرض كلها ...

فحتى قطرة الماء التي تترشح من العين لا تذهب هدراً ، وحتى ثمرة واحدة من شجرة لا تقتطف إسرافاً أو ظلماً .

فهو يملأ كل مكان بالعدالة والقسط : الخصب والموات ، الصحاري و السهول ، الغابات والسفوح ، المشارق والمغارب ...(1).

5- لماذا السيف ؟

نعم ، هذا هو الموقف : السيف . إذ يضع حدّاً لزمن الموعظة والالتماس . فمنذ سالف الأيام جاء الأنبياء ، وكانوا على الدوام واعظين للبشر ، راسمين السبيل لهم ، طالبين منهم : أن يؤمنوا ، وأن يعملوا صالحاً .

ولاحظنا .. كم كان إصغاء البشر لتلك الأحاديث ! ، وكيف كان حدّ السيف قدراً الأنبياء والأولياء عند أبناء البشرّية ؟! إلا أنّ يوم المهدي يوم إذلال العتاة القساة . فكم تجاوز الجناة من البشر الأقوياء المتوحشين على نوامیس الباري تعالى ، وكم تعدّوا على المحرومين والمستضعفين ، وإلى أي حدّ جعلوا الأرض تضج بالظلم والفساد ؟! فإذا جاء المهدي (علیه السلام) فسوف لا يكون الحال كذلك بَعدُ ..

فلا تعود تلك الأيام بَعدَ، حيث يعظ الأنبياء والأئمة والمصلحون ويرشدون الناس إلى السبيل ، ويطلبون منهم أن يؤمنوا ويصلحوا وأن لا يرتكبوا الظلم والذنب . ومن ثم يعكف الكثير من الأشخاص على الجناية والفساد ، دون إصغاء لما وعظوا به ...

يقتلون الأنبياء ، ويمحقون سننهم ، ويجرّعون المصلحين مرارة السّم ، ویُزهقون أرواح الصالحين والطاهرين ، ويصنعون مشهداً كمشهد عاشوراء . إلّا أنه هيهات ، هيهات في يوم المهدي ، فهو يسير بالقتل ولا يستتيب أحداً .


1) [البعثة ، الغدير ، عاشوراء ، و المهدي » ] ، للمؤلف ، المقدمة .

وعلى هذا المنوال يطهر جوهر الزمان ويعيد الحياة للإنسانية المحتضرة ، ويحكم القيم العليا ، ويقلع جذور الانحطاط .

فالبشرية في ماضيها لم تفلح في أداء امتحان مشرف ، فقد سحقت نوعها من أجل أهوائها وميولها الحيوانية . فلا بد إذن من انتقام . والمهدي يد الانتقام الإلهي ، المهدي عدوّ السفاكين المستكبرين والفاسدين ، ونصير المخلصين المنعطفين والمستضعفين والصالحين .

يقتل المهدي مقتلة عظيمة حتى يقول أناس : إن هذا الرجل لو كان من آل محمد لما سفك الدّماء بهذا الشكل . لكّنه من آل محمد ، يعني : آل الحق والعدالة ، وآل العصمة والإنسانية . ولهذا يقتل بغية إعادة الإنسانية المهتمة لنصابها، ومن أجل العدالة المخنوقة ، والحق المسحوق ، والعصمة المهتوكة . هو يقتل .. لكنه يقتل المفترسين ، يقتل السفاکین مصاصي دماء الشعوب ، الذين كانوا قبيل ظهوره يمارسون القتل والسفك بالآدميين ، ولا يعتنون ولا يهز إحساسهم ما يقتلون ، ولم يفكروا لحظة واحدة بالدماء التي سفكوها . فهؤلاء الجناة يقتلهم مهدي آل محمد.

فسيف المهدي يَصِلّ بالدم والموت للدمويين المنحطين ، وللمفترسين المتمدنين ، ولقوى الجبروت اللاإنسانية ، ويحمل الحياة والرحمة للإنسانية المعذبة المسحوقة .

سیف المهدي ، سيف الله ، سيف الله المنتقم .

سيف المهدي ، سيف الانتقام من كل الجناة على طول التاريخ .

6- رحلة في الفضاء

نريد أن نطرح هنا ، وفي هذا البحث مسألة ذات علاقة ، مسألة كبيرة ..

جداً ...

أنت تعلم أن البشرية بعد آلاف السنين من العناء ، والمتابعة على طريق التجربة واكتشاف الطبيعة والعالم ، وبعد قرون من الفكر والعمل والتجريب ،

وألوان المتاعب التي شاهدتها والآلام التي تجرعتها والقرابين والأموال التي قدمتها ، وبعد مجيء وسعي آلاف العلماء والمفكرين والمجربين على طول القرون والعصور ، وتوفّرهم على مراكز علمية، وبذلهم الجهود التي عهدوا بها إلى تلاميذهم وإلى الأجيال من بعدهم(1). بعد كل ذلك لم يتلمس الإنسان الطريق إلى الفضاء والرحلات القضائية إلا قبل حفنة سنين . ولم يك هذا الاكتشاف إلا خطوات تمهيدية ومحدودة على هذا الطريق .

فقبل زمننا المعاصر لم يدُر حديث حول رحلة الإنسان إلى الفضاء ولم

تُطرح إمكانية الرحلة إلى السماء بصورة جدية بين البشرية وعلمائها .

بعد جلاء هذه الأفكار نلاحظ الرواية التالية التي وردت عن الإمام محمد

الباقر (علیه السلام) حيث يمضي على تاريخ صدورها أكثر من ( 1290 ) عاماً :

ما كان من سحاب فيه رعد وصاعقة أو برق فصاحبكم يركبه أما إنه سيركب السحاب ، ويرقي في الأسباب أسباب السموات ..(2).

وقد جاء في رواية أخرى - من روايات المعراج - خطاب إلى النبي الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) كما يلي :

يا محمد هؤلاء أوليائي وأحبّائي وأصفيائي ، وحججي بعدك على بريّتي ، وهم أوصياؤك وخلفاؤك وخير خلقي بعدك ، وعزّتي وجلالي لأظهرنّ بهم ديني ولأعلينّ بهم كلمتي ، ولأطَهرنّ الأرض بآخرهم من أعدائي ، ولأملكنّه مشارق الأرض ومغاربها، ولأسخّرنّ له الرياح ، ولأذلّلنّ له السحاب الصعاب و لأرقيّنه في الأسباب(3).


1) واضح أن العلماء المسلمين من الفلكيين والفيزيائيين وغيرهم دوراً كبيراً في هذا الطريق ، وكانت كتبهم مفتاحاً أساسياً لهذه الاكتشافات والعلوم . راجع بهذا الصدد كتاب « علم المسلمين » ، و مصادره ، للمؤلف نفسه .

2) بحار الأنوار ج 52 ص 321.

3) بحار الأنوار ج 52، ص 312.

جاء التعبير في نص الرواية الأولى أن المهدي يذهب إلى السموات بواسطة السحاب المثقل بالرعد والبرق أو الصاعقة . كما جاء الحديث في رواية المعراج حول السحاب . ومن المناسب جدا أن يكون سياق التعبير كنايةً عن مركبة من أشكال المراكب الفضائية الحديثة ، أو مركبة أكثر تطوراً ستستحدث فيما بعد ، أو مركبة سيأمر الإمام المهدي نفسه باستحداثها . وإذا كان النظر إلى نفس السحاب الطبيعي فأهمية خرقه للعادة واضحة جداً . التعبير ب ( أسباب السموات ) الذي ورد في كلا الروايتين يستحق الكثير من العناية . ما هي أسباب السموات ؟ فهل هي طرق لطيّ السماء ، أو أنها أدوات ووسائل متوفرة في الأرض ، ولا بد من اكتشافها ، والاستفادة منها للسفر بواسطتها إلى السماء ؟

منذ اليوم الذي قيلت فيه هذه الروايات يمضي من السنيين بين ( 1290) عاماً إلى (1400) سنة . والذي كان يسود آنذاك في وسط علماء و فلاسفة البشرية ، هو : أن السفر والرحلة إلى السماء محكومة بالاستحالة . فقد كان فلاسفة اليونان على اعتقاد بأن السفر إلى السموات يستلزم « خرقاً والتياماً » في الأجسام الفلكية والخرق الالتيام في الأجسام السماوية محال . وقد كان هذا الاتجاه وجهة نظر علماء الفلك آنذاك ، وهم أنفسهم فلكيو نظرية بطليموس . ولا بد من القول بأن أولئك لم يعدّوا السماء شيئاً مؤهلاً للسفر من حيث الأساس .

وقد كانت مراكز الحضارة آنذاك على هذا الوضع الذي أشرنا إليه ، فضلاً

عن بقاع من العالم نظير شبه الجزيرة العربية .

في هذا الضوء فأي علم وأية ثقافة تطرح قضية السفر إلى السماوات ، ومسألة « أدوات ووسائل السفر إلى السماوات » في ذلك الجو بصراحة ويسر ؟ وفي رواية الإمام الباقر (علیه السلام) قيل إن أكثر السماوات عامرة ، وهي محل سکنی . ومن الواضح أن هذا النهج هو المعرفة الفضائية الإسلامية التي تستقى من منهج الأئمة الطاهرين (علیهم السلام) . ولا علاقة لها بعلم الفلك اليوناني وغيره . فالذي كان

سائداً في أوساط علم الفضاء اليوناني إنما هو محدودية الأفلاك والكواكب ، وقد كان الأمر على العكس تماماً في علم الفضاء الإسلامي ، حيث كان الحديث عن الأبعاد العظمى والكواكب التي لا تحصى والمجرات الهائلة في هذا الكون(1)وطرح مثل هذه الأفكار آنذاك لا يمكن دون الاتكاء على علم الغيب ، والاطلاع على الواقع العظيم لعوالم الوجود . وليس هذا العلم إلا علماً من الله حباه لهداة سبيله .


1) راجع بهذا الصدد كتاب « الهيئة والإسلام » للعلامة المجاهد السيد هبة الدين الشهرستاني .

الفصل الثالث: الغيبة

اشارة

الغيبة

1- الغيبة

اشارة

على أثر هجوم عملاء الخلافة العباسية على منزل الإمام العسكري (علیه السلام) والتفتيش عن ولده والإمام من بعده ، أضحى جليّاً أن هناك خطراً يهدد حياة إمام المستقبل ، وأيّ خطر !

و هذا الهجوم والبحث للحصول على المهدي استدعى تدبيراً جدّياً للحفاظ

على حياة وريث سلالة الإمامة والنبوّة ، ومصلح البشرية الكبير .

هناك الكثير من البحث حول قضية غيبة الإمام الثاني عشر وعللها ، إحدى العلل الظاهرية المحسوسة قضية وضوح ترقب هذا القادم من قبل. الأعداء ، وكانت داعي لوقوع الحدث الضخم « الغيبة » . عبر موازنة الملابسات - التي مرّ ذكرها آنفاً - توفّرت أرضيّة اختفاء الإمام عن الأنظار بحکم الأمر الإلهي وبقدرة وحكمة ربّانيّة .

أ- الغيبة الصغری

صُنف اختفاء الإمام الثاني عشر عن الأنظار إلى مرحلتين :

مرحلة قصيدة الأمد ( الغيبة الصغرى ) ، ومرحلة طويلة الأمد ( الغيبة

الكبری ).

كانت المرحلة الأولى غيبة محدودة من ناحيتين : من الناحية الزمانية ،

ومن زاوية أضوائها وآثارها .

فمن الناحية الزمانية لم تدم هذه الغيبة أكثر من سبعين عاماً(1)

كان الشيخ العظيم محمد بن محمد النعمان المفيد أحد أولئك الذين يذهبون إلى هذا الاعتبار يقول في كتابه الإرشاد ، ( ص 346) من طبعته الحديثة : « فأما القصرى منهما منذ وقت مولده إلى انقطاع السفارة بينه وبين شيعته ، وعدم السفراء بالوفاة » .

، ولهذه

الجهة أطلق عليها و الغيبة الصغرى » .

من ناحية أضوائها وآثارها ، لم تكن هذه الغيبة غيبة في تمام الأبعاد ، إذ كانت أضواؤها وآثارها محدودة . يعني أنه برغم اختفاء الإمام (علیه السلام) طوال السبعين عاماً من هذه الغيبة إلاّ أن هذا الاختفاء وتلك الغيبة لم يكونا احتجاباً عن الجميع . بل كان هناك أفراد يلتقون الإمام بصورة من الصور . وكان نوابه الخاصّون ، ينجزون مهام الأمة فيجلبون رسائلها وأسئلتها إلى الإمام - أو يرسلونها -، ويبلّغون الأمة مواقف الإمام وإجاباته . ويفتحون الطريق أحياناً لبعض الأفراد للقاء الإمام الثاني عشر ، وهكذا كان الإمام خلال هذه المدة غائباً من جهة ، ولم يك غائباً من جهة أخرى .

ب - الغيبة الكبرى

بعد انتهاء مرحلة الغيبة الصغرى ، بدأت الغيبة الكبرى طويلة الأمد . وهي تلك الغيبة التي تستمر حتى يومنا هذا.

عبر هذه المدة المديدة من الزمن يحل على الإنسانية أعظم اختبار ، وأكبر


1) من عام 260 إلى عام 329 ه. اعتبر البعض سني الغيبة الصغرى من حين ولادة المهدي (علیه السالم) ، يعني : عام (255)، حيث لم يكن للمهدي (علیه السلام) عبر هذه السنين حضور وعلاقات اجتماعية بالشكل الذي يعدّ فيه غائبة بوجه عام وفي ضوء هذا الاعتبار تمتد مرحلة الغيبة الصغری (75) عاماً .

عملية تقييم لإيمان وعمل الخليقة ، ليعلم خلالها - حيث تطل الشمس كل نهار من أفقها وتسطع على أرجاء المعمورة - كيف يمضي أبناء هذه القرون والعصور حياتهم في أية نقطة من العالم كانوا ، وكيف يستثمرون وجودهم وطاقاتهم وإلى أية محصلة ينتهون ، وأي دور يلعبه الأفراد والجماعات إزاء مسؤولياتهم : الكتاب ، والمفكرون ، المصلحون ، المبلغون ، المربون ، المبتكرون ، القادة ، المقاتلون ، وسائر جماهير البشر الذين يوضعون في هذا الميدان الفسيح ، ويأتون هذا العالم ، عالم السعي والعمل، كيف ينظمون برنامج معيشتهم ، وإلى أي أعمال وممارسات وأي سلوك وأفكار يصيرون على أثر كينونتهم ووجودهم .

2- النيابة في الغيبة

اشارة

لم يقطع ارتباط الإمام الحجة بن الحسن المهدي (علیه السلام) مع الأمة طوال غيبتيه الصغرى والكبرى بشكل تام . إذ أن مهمة السفارة والنيابة قائمة في كلتا الغيبتين ، وكانت علاقة الإمام بالأمة عامرة ، ولا تزال ، عن طريق النيابة والنواب .

وكما لحظنا غيبة الإمام الثاني عشر قد انقسمت إلى مرحلتين وكانت على نحوین ، فالنيابة كذلك أيضا ، يعني أن لها مرحلتين ونحوين :

النيابة الخاصة في الغيبة الصغرى ، والنيابة العامة في الغيبة الكبرى .

النيابة الخاصة

النيابة الخاصة هي أن الإمام (علیه السلام) يتخذ أشخاصة خاصين کنواب عنه ويحددهم بالا سم والصفات ، ويساهم كل منهم في تعريف الأمة باللاحق له .

النيابة العامة

النيابة العامة هي أن الإمام (علیه السلام) يحدد ضابطا عاما يكون الشخص الذي يصدق عليه هذا الضابط العام صدقاً کاملاً نائباً للإمام ، ويحتل مركز الولاية العامة بحكم هذه النيابة ، ويكون الولي العام لشؤون الأمة الدينية والدنيوية .

النواب الخاضون في الغيبة الصغرى

اشارة

في هذا الضوء ، فالأفراد الذين كانت لهم النيابة في عصر الغيبة الصغرى وحدّدوا بالصفات والاسم يطلق على كل منهم « نائب خاص ». والأفراد الذين كانت لهم النيابة بدءاً من شروع الغيبة الكبرى ، وبلغوا مرتبة النيابة وفقاً للمقياس المحدد من قبل الأئمة أنفسهم يطلق على كل منهم « نائب عام » .

يطلق على «النواب الخاضون » « النواب الأربعة » ، فكان النواب الخاصون أربعة كما يفهم من التعبير الأخير ، وكانوا جميعهم من علماء الشيعة وزهّادها وكبارها .

1- عثمان بن سعيد

أول نائب خاص للمهدي (علیه السلام) هو عثمان بن سعيد الأسدي العمري . توفي كما يبدو بعد عام 260 ه، ودفن في بغداد .

كان عثمان بن سعيد أحد تلامذة وأصحاب الإمامين العاشر والحادي عشر ومن أنصارهما المعتمدين ، فقد ترعرع في ظل الإمامة ، وكان وكيلاً للإمامين العاشر والحادي عشر في حياتهما ، مدحه الإمام علي النقي (علیه السلام) ووثقه ، كما مدحه ووثقه الإمام الحسن العسكري (علیه السلام) ، وأبرز اطمئنانه به . إثر وفاة الإمام الحادي عشر وشروع الغيبة نُصب عثمان بن سعيد نائباً خاصاً من قبل الإمام المهدي (علیه السلام) ، وأضحى واسطة بين الإمام وقواعد الشيعة .

2- محمد بن عثمان

السفير والنائب الثاني هو محمد بن عثمان بن سعيد العمري ، توفي عام 300 ه ، ودفن في بغداد .

هو ابن السفير الأول عثمان بن سعيد ، وقد أثنى عليه الإمام الحادي عشر ووثقه أيضأ ، عهد عثمان بن سعيد حين وفاته أمر النيابة لابنه محمد بأمر الإمام الغائب ، وأضحى محمد واسطة بين الإمام وقواعد الشيعة . استمرت مدة نيابة وسفارة محمد بن عثمان حوالي «40 » عاماً .

3- الحسين بن روح النوبختي

السفير الثالث هو الشيخ أبو القاسم الحسين بن روح النوبختي توفي عام 326 ه.

كان أحد شيوخ محمد بن عثمان المعتمدين . وكان هناك عظيم آخر مورد

اعتماد محمد بن عثمان وأحد أصحابه المقربين وهو جعفر بن أحمد .

كان كلا هذين العظيمين من أهل العلم والإيمان والانقياد والطاعة .. كان

التزامهما الديني على درجة من الكمال ، حيث كانا منقادين لإمامهما في سائر الشؤون . جاء في الأثر أن البعض كان يتصور أن جعفر بن أحمد سوف يحتل مرکز نيابة الإمام الثاني عشر بعد محمد بن عثمان ، وحينما أخذ محمد بن عثمان يعالج سکرات الموت جلس جعفر بن أحمد قرب رأس الجسد المسجى ، كما جلس الشيخ أبو القاسم حسین بن روح عند انتهاء الجسد. وفي هذه الحالة التفت محمد بن عثمان إلى جعفر بن أحمد وقال : « أمرتُ أن أنصبَ أبا القاسم بن روح وصيّاً وأوكل الأمر له » .

وإذ يسمع جعفر بن أحمد هذا الخطاب ينهض من محله ، ويأخذ بيد الحسين بن روح ، ويجلسه عند رأس محمد بن عثمان ، ويجلس هو حيث تنتهي قدما المسجّی .

كما جاء في الأثر أن محمد بن عثمان حينما جمع رجال الشيعة مشايخها

خاطبهم قائلاً :

هذا أبو القاسم الحسين بن روح القائم مقامي ، والسفير بينكم وبين صاحب الأمر ( عليه السلام ) ، والوكيل والثقة الأمين ، فارجعوا إليه في أموركم ، وعوّلوا عليه في مهمّاتكم ، فبذلك أمرت . وقد بلَّغت ».

4- علي بن محمد السمري

السفير الرابع هو الشيخ أبو الحسن علي بن محمد السمري ، توفي عام

329 ه ، ودفن في بغداد على مقربة من مثوى العالم والمحدث الكبير ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني .

تعاقب هؤلاء العظام العلماء الأتقياء ، والزهاد الواعون على مركز النيابة

الخاصة للإمام الثاني عشر ، وكانوا يديرون شؤون الأمة ، ويمثلون واسطة . الارتباط بين الإمام وقواعد الشيعة(1).

الشيخ محمد بن يعقوب الكليني مؤلف كتاب « الكافي » الذي مر ذكره في ترجمة السمري . توفي عام 329، أو 328 ه ، وعلى هذا الأساس فقد كان الشيخ الكليني معاصرة للنواب الأربعة(2)

كتاب الكافي ، جاء في طبعته الأخيرة ضمن 8 مجلدات ، انصب الجهد في المجلدين الأولين على بيان الموقف من العقل والعلم وإيضاح أصول العقيدة والنظرة الإلهية للعالم ، وتفصيل الموقف من مبدأ الولاية و حساسية الحكم الإسلامي ( الإمامة ) ، والأخلاق، وأوضح في ه مجلدات منه أحكام الفقه والقانون الإسلامي ، ووقع مجلد واحد منه في مسائل متفرقة .

.

النواب العامون في الغيبة الكبرى

تقدمت الإشارة إلى أن العلاقة بين الإمام الحجة بن الحسن (علیه السلام) والأمة لم تنفصم في أيِّ من مرحلتي الغيبة ، ففي عصر الغيبة الصغرى كانت هناك النيابة والسفارة وكان هناك أربعة متتابعون مشخصون للقيام بدور السفير الخاص والنائب المعين للإمام (علیه السلام) . وحيث انتهت مرحلة الغيبة الصغرى بدأت الغيبة الكبرى وأمر آخر سفیر ونائب خاص « الشيخ أبو الحسن علي بن محمد السمري » بترك الوصية وعدم طرح أي فرد بسمة النائب الخاص وإعلان شروع


1) منتهى الأمال ، الباب الرابع عشر ، الفصل الثامن ، كفاية الموحدین ج 3، من الطبعة ذات الأجزاء الأربعة .

2) الشيخ أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني ، من علماء الإسلام الكبار المعتمدين ، أسدى خدمة جليلة لرسالة الإسلام ومذهب أهل البيت (علیهم السلام). لقبه المعروف « ثقة الإسلام ، والاستخدام الجدّي لهذا اللقب يستبطن مغزى هامّاً حيث إن هذا العالم الكبير عاش في عصر الغيبة الصغرى وألف كتابه العظيم « الكافي » طوال عشرين عاماً من المتابعة والتحقيق الشاقّ ، وجمعه وفق نظام وترتيب حسن جداً ، ويمكن الحدس أنه كان يتلقى بين الحين والآخر توجيهاً من قبل شخص الإمام المهدي (علیه السلام) .

الغيبة الكبرى .

... في هذا الضوء ابتدأت المرحلة الطويلة للغيبة الكبرى .

مرحلة الغيبة الكبرى ، يعني مرحلة النيابة العامّة .

في عصر الغيبة الكبرى والنيابة العامة - كما أشرنا ۔ وعبر العصور يقف على رأس المجتمع الإسلامي فقيه جامع الشرائط الفتوى والقيادة ، وترجع الأمة له قائداً لها ، ويكون صاحب « الولاية التشريعية » بالنيابة عن الإمام .

في ضوء هذا الأصل التشريعي تكون مشروعية الحكم وقانونية مصوبات الدولة ولوائحها ، وإسلامية العلاقات السياسية والاجتماعية وشرعية حركة الحياة العامة منوطة بتصويب وإقرار نائب الإمام (علیه السلام) . وحينما لا يعمل نائب الإمام ولايته في نظام حكم ولا يمارس إقرارة له فهو نظام حكم طاغوتي ، إذ أن مثل هذا النظام منقطع الصلة بالله ورسالته ولا علاقة له بالرقابة والإشراف التشريعي الإلهي(1).

ينبغي التذكير هنا إلى أن مركز النيابة العامة فُوضَ من قبل الأئمة

الطاهرین (علیهم السلام) أنفسهم وخصوصا الإمام الحجة بن الحسن المهدي (علیه السلام) إلى العالم الواجد للشرائط ، وعلى هذا الأساس فالتمرد على أمر مثل هذا القائد الرساليّ ونقض الحكم الصادر منه نقض لحكم الإمام وبالتالي فهو نقض لحكم الرسول ورد على الله وأحكامه ، والموقف واضح بالنسبة لهذه الحالة . وهذا المفهوم من صلب رسالتنا وديننا ومتن أحاديث أئمتنا ( عليهم السلام ) .

ولا بد من التنبيه على مسألة أخرى في هذا المجال ، وهي أن مركز النيابة لم يكن باستهداف صيانة النظرية التشريعية وحفظها ، ونقلها جيلاً بعد جيل آخر فحسب ، بل يستهدف هذا المركز صيانة الحركة ، وخط التشيع ونقله بأمانة عبر الأجيال ، مضافاً لصيانة التشريع والرسالة الإلهية.


1) هناك بحث مفصل حول هذا الموضوع في كتاب « الحياة » الجزء الثاني الباب الثامن ، الفصل الرابع عشر .

في هذا الضوء يتحتم أن يتمتع الفرد الذي يحتل مركز الريادة في المجتمع الإسلامي بالأهلية واللياقة المنسجمة مع طبيعة الدور الذي يلعبه . وحيث يحتل الرائد مركزه في الأمة على أساس مقاییس الأعلمية أو الأولوية - كما حددها علماء الشريعة - فلا بد أن يساهم العلماء والمجتهدون الآخرون في حراسة مركز الرائد الاجتماعي ليرفدوا وحدة القيادة وسيادة الرسالة بالحياة . ليكون لدين الله حصنه المنيع ، ولتضمن جماهير الأمة مرجعا واثقأ لها،. وتكون في منأى عن المخاطر الزمنية المختلفة ، وتصان عن فساد الجبارين ، وإضلال الجاهليين والوثنيين، وليستحيل على قوى الفساد الشيطاني اختطاف أيتام آل محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) عبر ترویج الأفكار التي نصبت العداء الله والإسلام ، وإشاعة ألوان التربية الحيوانية المنحطة في أوساط أجيالنا وبيئاتنا ، وبفضل حرمة مركز الريادة الاجتماعية هذا يحال دون أن يهز أبناء المادة وعبيد الباطل بناء التربية النبويّة الشامخ ، فتنزوي كلمة الحق وتعلو كلمة الباطل .

3- الأيام ...

قضية الأيام وتداولها بين الأفراد والأمم مسألة في غاية الأهمية . الأيام وعاء الممارسات والأحداث . وحركتها بين الشعوب تمضي على نهج خاص ، وفق الفلسفة الإلهية للتاريخ .

يقول الله تعالى في سورة آل عمران ، آية 140:

و.. وتلك الأيام نداولها بين الناس ، وليعلم الله الذين آمنوا ... ) .

كل أيام الزمن امتحان للبشرية ، غير أن أهم مراحل هذا الامتحان العظيم - كما مرت الإشارة - هي مرحلة الغيبة الكبرى . وقد أتاح الله تعالى للشعوب هذه الفرصة الامتحانية ، ومنحها اختيارها لتمضي حركة الأيام في أوساطها على هذا المنوال ، ويقام هذا الامتحان الشامل والعظيم أيضاً .

إلا أن الغيبة وأيامها - من وجهة نظر عاطفية - كانت ولا تزال واقعأ مؤلماً ، إذ أن البعد عن ذلك القدوة الشفيق والمربي المحبوب تنطوي على فراق مغموم وهجران محرق ، فراق يلهب قلوب الكامل من بني الإنسان والمعتقد من محبّي البشر ، وتذبل فيه الجماهير المؤمنة ولهاً .

وقصة هذا المهجور الحبيب الذي رحل عنهم على مضاضة الصبر والجلد ، وهم يغطون بالدموع هذا الحقل والزهر الذي لم يطل عليه ساق يلونه

فيمرع ويزهر .

حتى الآن، يستمر هذا البعد سنين طوالاً ، وأمّتنا على اعتقاد بأن المهدي حيّ - بإذن الله - وأنه يعيش في منأىّ عن أنظار شعوب العالم ، حتى يوم حصول « الاقتضاء التام » ليصحر بإذن الله ، ويمزق حجاب الغيبة ، ويضع قدميه في الوسط الاجتماعي . وعبر ثورة ثائرة هادرة ، ومن خلال نهضة دامية شاملة يفلح في إنقاد الإنسانية المعذبة ، ويُقيم منهج التوحيد على أرض الواقع ، ويرفع علم العدالة مرفرفة على قمم الأرض « المعمورة ».

الفصل الرابع : في كتب المال السالفة

اشارة

في كتب المثل السالفة

في كتب السلف ( بشائر )

اشارة

منذ الأيام السالفة وقصة ظهور مصلح آخر الزمان أصل لقاعدة أساسية

رددته البشرية الماضية باستمرار .

يهدينا اليوم الواقعية هذا الأصل في حياة السلف ما نجده عبر الإنسان

القديم من آثار .

فتوریسم « Fotorism » وتعني الاعتقاد بمرحلة آخر الزمان وترقب ظهور منقذ ، تمثل أصلاً مسلماً من حيث الأساس عند الأديان السماوية كاليهودية والزرادشتية والمسيحية ( بمذاهبها الأساسية الثلاثة : الكاثوليك ، البروتستانت ، والأرثوذكس ) وحتى لدى مدّعي النبوّة ، وفي الإسلام على وجه الخصوص وقد بُسطَ الحديث بهذا الصدد في أبحاث علم الأديان ، قسم دراسة الكتب السماوية(1).


1) مجلة مجموعة الحكمة ، السنة الثالثة ، العدد 1-2 ، مقال السيد هادي الخسروشاهی .

بشائر وتنبؤات كثيرة حول المهدي ، وظهوره نجدها في ما وقع بأيدينا من الكتب المقدسة وآثار السلف الأخرى ، وما وصلنا من مقولات الحكماء القدامى . وقد جمع بعض المتتبّعين قسماً من هذه البشائر والمقولات(1).

وقيل إن هناك بعض الأقوال بهذا الصدد في آثار مصر القديمة . ونشير هنا إلى مجموعة من مصادر بشائر الماضين وأبناء الزمن الداثر .

1- في أفق الزرادشتية

وردت أفكار كثيرة حول آخر الزمان ، وظهور الموعود في كتب وآثار زرادشت والزرادشتية . ومن جملة هذه الأثار :

کتاب اوستا .

کتاب زند .

کتاب رسالة جاماسب(2).

کتاب قصة دينيك(3).

کتاب رسالة زرادشت(4).

طرحت الديانة الزرادشتية موعودين يطلق على كل منهم اسم « سوشیانت ». وكان هؤلاء الموعودون ثلاثة ، أكثرهم أهمية الموعود الثالث . وقد كانوا يلقبونه ب « سوشیانت المنتصر » وسوشیانت هذا هو الموعود حيث قالوا :

إن سوشیانت المزدية بمثابة كریشناي البراهمة، وبوذا الخامس لدى البوذية ، والمسيح لدى اليهودية ، وفارقلیط


1) راجع بهذا الصدد كتاب « بشارات العهدين »

2) من الآثار المنسوبة إلى فردیسنان ، ويشتمل هذا الأثر على مجموعة أسئلة وأجوبة تبادلها کشتاسب الملك وجاماسب الفيلسوف ، وذهب البعض إلى أن جاماسب صهر زرادشت « دائرة المعارف الفارسية » .

3) لمؤبد منوجهر الكبير .

4) للشاعر الزرادشتي ، زرادشت بهرام بزدو .

عند العيسوية ، وبمنزلة المهدي لدى المسلمين(1).

سوف نشير إلى أنه كلما طرق حديث « الموعود » في كل زمن ولدى كل قوم وأمة ، وفي كل أرض وبلسان أي نبي أو حكيم جاء هذا الحديث متناسباً في لغة تعبيره واصطلاحاته وأسمائه مع طبيعة الشعب الذي أثير الحديث في أوساطه . والمقصود النهائي من سائر الأسماء والتعابير والإشارات هو موعود آخر الزمان .

وهذا الموعود هو المهدي ، والمهدي الموعود . وتأتي هذه الإشارة في الفصل السادس حينما يكون الحديث حول السلف الغابر تحت عنوان « استمرار الوعد والموعود» كما نشير أيضاً حينما يكون الحديث حول بقية الله (علیه السلام) تحت عنوان « الموعود الأخير ».

2. في العرف الهندي

ورد الحديث حول المنقذ والموعود في أعراف الهنود وكتبهم أيضاً . نظير کتاب « مهابهاراتا » وكتاب « بورانه ها » . قالوا في هذا الصدد :

تذهب الأديان جميعاً إلى أنه في نهاية كل مرحلة من مراحل التاريخ يتجه البشر صوب الانحطاط المعنوي والأخلاقي ، وحيث يكونون في حال هبوط فطري وابتعاد عن المبدأ ، ويمضون في حركتهم مضي الأحجار الهابطة نحو الأسفل ، فلا يمكنهم أنفسهم أن يضعوا نهاية لهذه الحركة التنازلية والهبوط المعنوي والأخلاقي . إذن ؛ فلا بد من يوم تظهر فيه شخصية معنوية على مستوى رفيع تستلهم مبدأ الوحي وتنتشل العالم من ظلمات الجهل والضياع والظلم والتجاوز . وقد أشير لهذه الحقائق في تعاليم كل دين إشارة رمزية منسجمة مع المعتقدات والقيم الأخرى انسجاماً کاملاً .


1) دائرة المعارف الفارسية ، ج 1، 1373 .

فمثلا في الديانة الهندية وفي كتب بورانا ( Purana ) شرح تفصيلي حول مرحلة العصر الكالي ( Kali )، يعني : اخر مرحلة قبل ظهور أوتارای ویشنو العاشر(1).

« المعني بالعصر الكالي ، هو آخر الزمان ، فتعد المرحلة المعاصرة « العصر الكالي ».

3- في أفق البوذية

جاء في بعض المصادر والدراسات أن مسألة الانتظار قضية مطروحة في الديانة البوذية . ففي هذا العرف « أي العرف البوذي ، كان هناك انتظار ، والمنتظر هو « بوذا الخامس » .

واضح أن التعبير الوارد في هذه البشائر والإشارات وألوان الانتظار والموعودين يتناسب مع ثقافة شعوب كل دين جاءت في سياقه ، فمثلا في الديانة الزرادشتية «سوشیانت المنتصر » وفي العرف الهندي « اوتارا » وفي البوذية « بوذا الخامس » .

4- في الأفق اليهودي

اليهود الذين يرون أنفسهم أتباع موسى الكليم (علیه السالم) ينتظرون موعود أيضاً . فقد أشير باستمرار إلى الموعود في آثار الديانة اليهودية ... وأسفار . التوراة وكتب أخرى لأنبيائهم ، تأتي الإشارة إلى بعض هذه الكتب .

وإذا أردنا الاعتماد على الأفكار التي جاءت في كتاب « نبوءة هيلد » وحي الطفل، فسوف نضع اليد على أفكار كثيرة بصدد ظهور الرسول الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) ومقاطع من تاريخ وسيرة النبي وملابسات بعثته ، وبعض مؤشرات آخر الزمان ، والرجعة ، وإشارات الشخصية الإمام الحجة بن الحسن المهدي (علیه السلام) بل نضع اليد أيضاً على إشارات حول واقعة عاشوراء(2).

على أية حال ، فحيث إن اليهود لم يؤمنوا بالسيد المسيح (علیه السلام) فموعودهم


1) المعارف الإسلامية في العالم المعاصر ، ص 245 .

2) راجع کتاب « بشارات العهدين » ص 7 وما بعدها .

لم يظهر حتى الآن ، وإذا تأملنا في مجموع التراث اليهودي المقدس نجد فيه تصويراً لملامح موعودين ثلاثة :

السيد المسيح (علیه السلام) .

الرسول الخاتم محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) .

الإمام المهدي (علیه السلام) .

في ضوء هذا الأفق يُلوَّنُ الانتظار في اليهودية بلون خاص . فحيث إن هذه الملة لم تتابع أيّاً من السيد المسيح (علیه السلام) ، والرسول محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) ، فلا بد أن تظل قلقة حساسة إزاء قضية الموعود ، ومفهوم الانتظار .

وعليها أن لا تمر على كل البشائر والإشارات التي وردت في نصوصها وكتبها مرور عابر سبيل غافل .

اليهود ، لا بد أن يكونوا أشدّ انتظاراً من المنتظرين الآخرين ، وأن يعكفوا بشكل أكبر على تأمل مفهوم الانتظار ، والاستعداد ليوم الظهور ، وأن يرفعوا اليد عن كل ألوان الظلم والخيانة التي يمارسونها بحق البشرية ، ويخشوا عواقب الظلم والعدوان . فهؤلاء لم يذعنوا لموعودهم المسيح (علیه السلام) والرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) ، إلا أنهم سوف لا ينجون من سطوة الموعود الثالث وعدله .. ولذا يرد في الروايات أن جماعة من اليهود تلتف حول « الدجال »، وتسنده ، وبظهور المهدي ونزول المسيح إلى الأرض يقتل هؤلاء قتلاً جماعياً لتعود ساحة التاريخ والإنسانية نقية من وجود هذه الجرثومة الملوثة(1).

وإليك أسماء جملة من كتب اليهودية والعهد القديم ، التي ورد فيها الحديث عن الموعود :


1) وهذا نموذج آخر لخبث وانحطاط هذه القومية ، فحتى في آخر الزمان لن يخضعوا للحق أيضاً . بل ينضمون لزمرة أنصار الدجال .

کتاب دانيال النبي(1).

کتاب حجّی ( حكّى ) النبي .

کتاب صفينا النبي .

كتاب أشعيا النبي .

وقد جاءت في زبور داود (علیه السلام) أيضأ أفكار بهذا الصدد كما تحدث القرآن عن الزبور ، وتثبيت مبدأ غلبة الصالحين فيه :

( ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون )(2).

أشير هنا إلى أن البشائر المذكورة في آثار اليهود المقدسة بأجمعها واقعيّة وصحيحة ، وقد تحقق قسم منها، والقسم الأخر سيتحقق ، إلا أن هؤلاء - يعني اليهود - لم يقبلوا منطق الحق لا من المسيح (علیه السلام) ، ولا من الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) [ رغم أن البشارة بهذين النبيين العيظمين قد وردت في كتب اليهود أنفسهم ] ، إلا أنهم سيقبلون بفعل حسام المهدي ..

ونحن على أمل أن يستوفي أبناء الإسلام الراشدون - قبل حسام المهدي - ثمن كل ألوان القتل والخيانة والفساد والانحطاط والتدنّي الذي صنعته بد المفسدين والظالمين والخونة من هذه العملة المشؤومة المتجاوزة(3).

وبغضّ النظر عن حقّانيّة اليهود وعدمها، وتسليمهم لمنطق الحق


1) قال بعض المتخصصين من ذوي الفضل والاطلاع على كتب العهدين : «... إن هناك شواهد جازمة تثبت أن الكتاب تحریر دانیال نفسه . فالنبوءات المسطّرة آخر الكتاب تمتدّ على طول الفترة من أیام دانیال حتى القيامة واليوم الآخر ، وجاء الحديث فيها حول الدّجال . لغة ووضع وأسلوب كتابة هذا الكتاب ينسجم بشكل كامل مع عصر دانیال .... ».

2) سورة الأنبياء : 105 .

3) يمكن أن يكون بين هؤلاء افراد طيبون يعارضون الأخرين ويسخطون على الوان الطغيان والجناية التي يمارسونها . وواضح أن هؤلاء في منأى عما نقوله .

وعدمه ، فقد جاء بعد موسی (علیه السلام) سیدنا المسيح (علیه السلام) ونسخ دین موسى وأضحت . الديانة اليهودية ديانة منسوخة وشريعة مهملة عملياً .

وبعد السيد المسيح ظهر محمد بن عبدالله (صلی الله علیه و آله و سلم) نبينا الأكرم « النبي الذي بشر عيسى المسيح (علیه السلام) بقدومه أيضاً »(1)ونسخ الدين المسيحي أيضاً . وأضحت الديانة المسيحية ديانة منسوخة ، وشريعة ملغاة عملياً .

ومنذ فجر الإسلام وحتى اليوم وإلى قيام السباعة ينفرد الإسلام على وجه الأرض بوصفه الدين السماوي المبني على أساس الوحي والنبوة . وكتاب الله بين الناس يبقى على الدوام « القرآن » ، والموعود اليوم هو المهدي (علیه السلام) ، وتضحي كل البشائر والإشارات التي وصلتنا عن طريق الأنبياء وكبار السلف صادقة بحقّ المهدي (علیه السلام) ، وهي تنظر إليه وتلحظ ظهوره ، والمهدي هو المصداق الواقعي لها جميعاً ...

5- في عرف المسيحية

في عرف المسيحية أو في كتب هذا العرف المقدسة قد وصلت إلينا بشائر أوضح وأوفر بصدد موعود آخر الزمان . ومنشأ هذا الأمر يعود إلى :

أولاً ، القرب الزماني ، إذ أنه بظهور السيد المسيح (علیه السلام) اقترب أمر ظهور المهدي (علیه السلام) وفق مقياس الزمن العام .

المنشأ الأخر لهذا الأمر هو : أن حظ آثار المسيحية من التحريف أقل نسبياً مما عليه آثار الملل السابقة . ويرتبط هذا المنشأ بالزمن أيضاً ، إذ أن آثار اليهود المقدسة بدءاً من مرحلة نزولها وصدورها قطعت زمناً أكبر مما قطعته آثار المسيحية بدءأ من مرحلة نزولها وصدورها .

وقد كان هذا الأمر باعثاً لعدم إتاحة الفرصة ليد التحريف والتعمية لتلعب نفس الدور الذي لعبته في آثار اليهودية وتراثها رغم الجهد الذي بذله علماء


1) كما جاء ذلك في القرآن الكريم : سورة الصف آية 6 راجع أيضأ كتاب « بشارات العهدين ».

المسيحية في هذا الصدد ، وأخذهم ظاهرة التحريف بنظر الاعتبار في قبولهم وردهم للأناجيل ، وقد كان نصيب « إنجيل برنابا » القليل من التأیید .

على أية حال ، فقد جاءت هذه البشائر أيضاً في تراث المسيحية الديني . ونشير هنا إلى بعض الكتب التي وردت فيها البشائر والإشارات حول ظهور الموعود في آخر الزمان :

إنجيل متى .

إنجيل لوقا .

إنجيل مرقس .

إنجيل برنابا .

مکاشفات يوحنا .


بسبب هذا الحضور في الثقافات المختلفة ، وفي عقائد وكتب الأمم والملل ، فقد جاء في إحدى زيارات الحجة بن الحسن (علیه السلام) ما يلي :

السلام على مهدي الأمم ، وجامع الكلم .

الفصل الخامس : في كتب المسلمين

اشارة

في كتب المسلمين

أ- في كتب أهل السنة

في كتب أهل السنة

اشارة

لاحظنا في الفصل الرابع أن مسألة و الموعود ، قد طرحت منذ أيام الزمن السحيق ، وفي عصور ما قبل ظهور الإسلام . وقد صرح أو أشير إلى ظهور المنقذ العالمي الكبير آخر الزمان في كتب الأنبياء وما تركه الحكماء وأهل الرأي السالفون من كتابات وآثار مختلفة . وهذه العقيدة والرؤية ، كما قالوا : « لها مكانتها في أكثر النحل القديمة » .

الآن نحاول أن نرى وضع هذه الرؤية في رسالة الإسلام . فهل انحصر أمر المصادر والنصوص حول و المهدي ، في مذهب واحد من المذاهب الإسلامية، أو أن الأمر ليس كذلك؟ حيث إن مصادر وجود وظهور المهدي لم تنحصر في مصادر وكتب مذهب إسلامي خاص . بل إن المصادر والروايات بصدد المهدي موجودة لدى جميع المسلمين ، ولم تك رواية واحدة أو حفنة روایات بل كانت وفرة من الروايات والنصوص المعتبرة والمسندة ؟

1- أصناف الكتب

إن المصادر والروايات الموجودة بصدد المهدوية والمهدي وظهوره لیست

وقفاً على مذهب من مذاهب المسلمين ، أعني : مذهب أهل البيت (علیهم السلام) بل وصلتنا مصادر وكتب جميع المذاهب الإسلامية الأخرى : الحنفي ، الشافعي ، المالكي ، و ... ، وهي ضاجة بالحديث النبوي حول المهدي وظهوره . ولم يقتصر الأمر على صنف من علماء مذاهب السنة فيعكف المحدثون وحدهم . على سبيل المثال - على إيراد الأحاديث والأفكار ذات العلاقة بالمهدي ، بل مختلف أصناف علماء أهل السنة عكفوا على طرح أفكارهم ، وإيراد النصوص المتعلقة بالمهدي في دراساتهم المختلفة ، وصرحوا بمقولات ذات أهمية في هذا المجال .

يمكن أن نذكر عبر إحصائية إجمالية لأصناف كتب أهل السنة التي جاءت فيها أفكار وأحاديث وإشارات وأقوال بصدد المهدي وظهوره على الطريقة التالية :

1 - كتب الحديث .

2 - كتب شروح الحديث .

3 - كتب التفسير .

4 - كتب التاريخ .

5 - كتب المناقب .

6 - كتب التراجم .

7 - كتب الكلام والعقائد .

8 - كتب اللغة والأدب .

9 - كتب التصوف والعرفان .

10- کتب الجغرافية والبلدان .

11 - دواوين الشعراء .

12 - دوائر المعارف والموسوعات .

2- عدد من الكتب

في ضوء الدراسات التي حررها علماؤنا في النصف الثاني من القرن الرابع عشر حول « المهدي و المهدوية». لا نجد حاجة لنذكر أسماء كتب

إخواننا من أهل السنة . حيث إن الدراسات المذكورة قامت بذكر هذه الكتب وبصورة إحصائية . ولأجل أن لا تخلو الدراسة التي بين أيدينا من مثل هذا البحث ، ولأننا قد ذكرنا في الطبعات السابقة ل « شمس المغرب » أسماء بعض هذه الكتب ( التي يتفق أن لا نجد بعضها مدونة في الدراسات المشار إليها أعلاه ) نحاول هنا ذكر عناوين عدد من الكتب .

وفيما يلي إحصائية لعدد من كتب أهل السنة التي نقلت فيها أحاديث تتعلق بالمهدي (علیه السلام) وجرى الحديث فيها حوله وثبتت قطعية قضية المهدي فيها :

1 - الرسالة - محمد بن إدريس الشافعي - توفي 204 ه

2 - مسند أحمد - أحمد بن حنبل الشيباني - توفي 261 ه

3 - صحيح البخاري - محمد بن إسماعيل البخاري - توفی 256 ه

4 - صحيح مسلم - مسلم بن الحجاج النيشابوري - توفي 261 ه

5 - سنن ابن ماجة - ابن ماجة القزويني - توفي 273 ه

6 - سنن أبي داود - أبو داود السجستاني - توفي 275 ه

7 - جامع الترمذي - أبو عيسى الترمذي - توفی 279 ه

8 ۔ سنن النسائي - أحمد بن شعيب النسائي - توفی 303 ه

9 - حديث الولاية - محمد بن جرير الطبري - توفی 310 ه

10 - مستدرك الصحيحين - الحاكم النيشابوري - توفی 405 ه

11 - شعب الإيمان - أبو بكر البيهقي - توفی 458 ه

12 - الاستيعاب - ابن عبد البر القرطبي - توفی 463 ه

13 - تاريخ بغداد - أبو بكر الخطيب البغدادي - توفی 463

14 - مصابيح السنة - أبو محمد الفراء البغوي - توفی 516 ه

15 - کشف الأسرار - رشيد الدين الميدي - توفي بعد عام 520

16 - تاريخ مواليد الأئمة - أبو محمد بن الخشاب - توفي 567 ه

17 - مفاتيح الغيب - فخر الدين الرازي - توفي 606 ه

18 - جامع الأصول - مجد الدين بن الأثير - توفي 606 ه

19 - الفتوحات المكية - محيي الدين بن عربي - توفی 638 ه

20- عنقاء المغرب - محيي الدين بن عربي - توفی 638 ه

21- مطالب السؤول - ابن طلحة الشافعي - توفی 652 ه

22 - تذكرة خواص الأمة - سبط بن الجوزي - توفی 654 ه

23 - شرح نهج البلاغة - ابن أبي الحديد المدائني - توفی 655 ه

24 - فرائد السمطين - شيخ الإسلام الحمويئي - توفی 722 ه

25 - شرح الدائرة - صلاح الدين الصفدي - توفی 764 ه

26- فصل الخطاب - الخواجه البارساي البخاري - توفی 822 ه

27 - الفصول المهمة - ابن الصباغ المالكي - توفی 855 ه

28 - جواهر العقدین - نور الدين السمهودي - توفی 911 ه

29 - الجامع الصغير - جلال الدين السيوطي - توفی 918 ه

30 - الیواقیت والجواهر - عبدالوهاب الشعراني - توفی 973 ه

31 - الصواعق المحرقة - ابن حجر الهيثمي - توفی 974 ه

32 - روضة الأحباب - جمال الدين الشيرازي - توفی 1000 ه

33 - كنوز الحقائق - زين الدين المناوي - توفی 1031 ه

34 - السيرة الحلبية - نور الدين علي الحلبي - توفی 1044 ه

30 - إسعاف الراغبين - أبو العرفان الصبان - توفی 1206 ه

36 - ينابيع المودّة - القندوزي الحنفي - توفی 1293 ه

37 - الفتوحات الإسلامية - أحمد زيني دحلان - توفی 1304 ه

38 - المنار - الشيخ محمد عبده - توفی 1323 ه

39 - البيانات - أبو الأعلى المودودي - معاصر

40 - مذاهب الإسلاميين - الدكتور عبد الرحمن بدوي - معاصر

3- الكتب الخاصة

ما تقدم في الفقرة السابقة عبارة عن إحصائيّة لبعض کتب علماء أهل السنة - لا جميعها - وهي من الكتب التي تضمنت حديثاً وفصولاً من البحث حول المهدي (علیه السلام) . فقد عكف علماء السنة في هذه الكتب على نقل الأحاديث

المتعلقة بالمهدي ، وتحدثوا حول خصائصه وسيرته وطريقة ظهوره وحكومته ، و ..

وفي هذه الكتب جرى الحديث حول موضوع أن المهدي (علیه السلام) من أهل

بيت الرسول الأكرم ، ومن أبناء علي (علیه السلام) وفاطمة (علیها السلام) .

كما أكّدوا على موضوع أن المهدي (علیه السلام) قد ذكره الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) وعرّفه ، وبهذا فقد طرحت هذه القضية الخطيرة « المهدوية » من قبل رسول الإسلام ، وقد أشار أيضاً إلى خصوصيات المهدي و بَشَّرَ بظهوره آخر الزمان ، وقد أكد بالقول مرارة على أن المهدي يأتي ليملأ الأرض بالقسط والعدل بعد أن امتلأت بالظلم والجور . وقال الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) نفسه :

« لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يخرج رجلاً من أهل بيتي يملأ الأرض عدلاً وقسطاً ... » والهدف من هذا البيان هو التأكيد على حتمية ظهور مهدي آل محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) .

و بعد ما مر من بحث نزمع هنا . وفي هذه الفقرة من هذا الفصل - نوّد أن نشير إلى أن هناك مسألة أخرى في التراث الثقافي الإسلامي تستحق الكثير من العناية ، وهذه المسألة هي أن علماء أهل السنة لم يقتصروا في بحثهم حول المهدي (علیه السلام) على ذكر الأحاديث المتعلقة بالمهدي وضبط أسانيد هذه الأحاديث في كتبهم ، ومتابعة مقولات وكتابة فصول بهذا الصدد ، وإنشاء قصائد المدح والثناء في مناقب المهدي والتطلع الأمل لدولته ، نعم لم يقتصر علماء أهل السنة على هذه الأمور ، بل قاموا - شأنهم شأن علماء التشيع - بتأليف كتب خاصة تتمحور حول المهدي وخصوصیات وضعه وسيرته . وحينما يتقدم فرد من وسطهم بنظرية سلبية حول المهدي والأحاديث المتعلقة به يتلقون وجهة نظره باعتبارها مخالفة لتعاليم وسنة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) . ولم يقفوا مكتوفي الأيدي إزاء مدّعي الباطل ، بل كتبوا في رده ، وأثبتوا صحة الأحاديث المتعلقة بالمهدي وأثبتوا واقعية أمره .

هذه المسألة ذات أهمية بالغة في تاريخ ثقافة المسلمين ودراساتهم ،

وتستحق المزيد من العناية من قبلنا نحن الشيعة ، ومن قبل أهل السنة أنفسهم أيضاً .

اتّساع دائرة هذه الدراسات - بشكلها الأعم مما جاء في الفقرة السابقة ، وما سيجيء في هذه الفقرة - تنتهي بنا بوضوح إلى إثبات قطعية أمر المهدي (علیه السلام) في الإسلام . وتوضّح أيضاً أن المهدي قد شُخّص وعُيّن بذلك الإمام الذي توفّرت فيه صفات شاخصة، والذي تسبق وتقارن وتعقب ظهوره دلائل وإرهاصات محددة .

على هذا الأساس فكل ما قاله مذعو المهدويّة ، وما نسبه تجّار الدين ومحّرفوه ، وما صنعته أيادي عملاء السياسة الأجنبية كل هذا بأجمعه ثرثرة لا طائل تحتها . العناصر التي ادعت هذا المركز لنفسها إما أن تكون عناصر فقدت توازنها بإشفاق ، أو هم عباد الجاه والمنصب ، أو محبو الدنيا المفسدون ، أو عملاء خائنون ، أو مهرّجون هامشيّون . كما أن العناصر التي تذعن لمثل هذا الادعاء الواهي قبل أن تتحقق إرهاصاته ودلائله ، ودون أن تلوح في أفق المجتمع البشري علائم الاستقرار - إمّا أن تكون عناصر أغواها التضليل، أو بُلهَاء غمرتهم السفاهة ، أو عملاء مغرضين ...

ونحن في هذه الفقرة التي تحدثنا فيها عن دراسات علماء أهل السنة التي خصصت للبحث حول المهدي (علیه السلام) وخصوصياته ، نذكر أسماء عدد من هذه الدراسات والكتب :

1 - إبراز الوهم المكنون ،

من كلام ابن خلدون .

أحمد محمد صديق المغربي .

2- أخبار المهدي

حماد بن يعقوب .

3- الإذاعة ،

لما كان وما يكون بين يدي الساعة .

محمد صدیق خان البخاري .

4 - الأربعين .

أبو نعيم الأصفهاني .

5- البرهان ،

في علامات مهدي آخر الزمان .

علي بن حسام الدين المتقی صاحب کتاب «کنز العمال » .

6- البيان ،

في أخبار صاحب الزمان .

أبو عبدالله محمد بن يوسف النوفلي الكنجي الشافعي .

7- الرد ،

على من حكم وقضى : أن المهدي الموعود جاء ومضى .

ملا علي القاري الحنفي المكي .

8- العرف الوردي ،

في أخبار المهدي .

جلال الدين السيوطي .

9- العطر الوردي ،

في شرح القطر الشهدي ، في أوصاف المهدي .

محمد بن محمد البلبيسي .

10 - القطر الشهدي ،

في أوصاف المهدي (نظم ) .

شهاب الدين الحلواني .

11 - المشرب الوردي ،

في أخبار المهدي .

12 - المهدي .

شمس الدين بن القيم .

13 - الهداية الندية ،

للأمة المحمدية ، في فضل الذات المهدية .

الشيخ مصطفى البكري .

14 - تحديق النظر ،

في أخبار الإمام المنتظر .

محمد بن عبد العزيز بن مانع ( من علماء نجد ، القرن الرابع عشر ) .

15 - تلخيص البيان ،

في علامات مهدي آخر الزمان .

ابن كمال الباشاي الحنفي .

16 - عقد الدرر ،

في أخبار المهدي المنتظر .

يوسف بن يحيى المقدسي السلمي(1).

17 - علامات المهدي .

جلال الدين السيوطي .

18 - فوائد الفكر ،

في المهدي المنتظر .

يوسف الكرمي المقدسي .

19 - مناقب المهدي .

الحافظ أبو نعيم الأصفهاني .

20 - نعت المهدي .

الحافظ أبو نعيم الأصفهاني .

اليس الجدول أعلاه بمستوعب لكل الكتب التي ألفها علماء أهل السنة بخصوص المهدي (علیه السلام) ، فهناك كتب أخرى لم تدرج في هذا الجدول من قبیل :

القول المختصر في علامات المهدي المنتظر .

للحافظ أبي العباس أحمد بن حجر الهيثمي الشافعي ( المتوفى سنة 974 ه )(2)وكتب أخرى لا بدّ من تتبعها في الفهارس المحققة .


1) يظهر أن هذا الكتاب هو عين الكتاب الخطي في ( مكتبة الإمام الرضا (علیه السلام) بمشهد ) باسم « عقد الدرر في المهدي المنتظر » تأليف يحيى السلمي الشافعي وقد ضبط تحت رقم (184).

2) فهرست الكتب والدراسات حول المهدي (علیه السلام)/8.

4- ملاحظات حول الكتب

تدور حول الكتب التي ذكرنا - عدداً منها - مجموعة ملاحظات ينبغي الالتفات إليها :

أ. تقوم الكتب التي ألفت بخصوص المهدي (علیه السلام) على أساس الأحاديث النبوية المباركة ، كما تعتمد الفصول التي بجت في الكتب الأخرى نفس الأساس .

ب - رويت في هذه الكتب مجموعة أحاديث - ملفتة للنظر - حول المهدي .

ج - طرحت بعض الآيات القرآنية بصدد المهدي وقضاياه في بعض هذه الكتب ( وبالأخص كتب التفسير منها ) .

د - هناك كتب - من بين هذه الكتب . قد ألفت قبل ميلاد المهدي .

ه - هناك كتب - من بين هذه الكتب - قد ألقت في عصر الغيبة الصغرى » .

و - توجد بين هذه الكتب ، أكثر كتب أهل السنة اعتباراً ، من قبيل ( الصحاح الستة )(1)

يعتبر أهل السنة الأحاديث المنقولة في هذه الكتب أحاديث صحيحة وهي كلمات النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) . ويأتي اعتبارها بعد القرآن الكريم خصوصا صحيحي « البخاري ، ومسلم ، . ومؤلفو هذه الكتب أوثق علماء عالم التسنن وأكثرهم اعتباراً . ويطلق على بعض الصحاح الستة . كما لاحظنا « سنن » جمع «سنة » من قبيل « سنن أبي داود » لاشتمالها على حديث وسنة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) . وقد ذكرنا في الفقرة الثالثة من هذا الفسل أسماء الكتب مصحوبة بتاريخ وفيات مؤلفيها من الرقم (2) حتى (8) .

، ومسند أحمد بن حنبل مؤسس المذهب الحنبلي .

ز - الكثير من هذه الكتب ( ولعله من الممكن القول : بأن جلّها ) قد ألّف


1) الصحاح جمع و الصحيح ، ك ( عظام ) جمع ( عظيم ) و( کرام ) جمع ( کریم ) ، « والصحاح : الستة عنوان لستة مجاميع حديثية من كتب الحديث . وتعتبر عند أهل السنة والجماعة أوثق كتب الحديث . وهي : صحيح البخاري ، صحيح مسلم ، سنن أبي داود ، سنن ابن ماجة ، سنن النسائي ، جامع الترمذي . » .

في محيط خال من أي لون من ألوان الارتباط بالتشيع ومجتمعه وجوه ، وقد عبرت عن حركة الثقافة الإسلامية السنية ، ومثلت الميراث العلمي والروائي للسنة أنفسهم .

ح - أدرجت مفاهيم وأفكار وقضايا إسلامية مختلفة حول المهدي في هذه الكتب ، كما ذكرت فيها مقولات وكلمات تلفت النظر من قبل علماء ومحدثي ومفسري أهل السنة أنفسهم .

5- أقوال علماء السنة

يحسن بنا الآن أن نورد بعض أقوال علماء أهل السنة وإخواننا في القبلة والوجهة ، وما سوف نورده نموذج لعشرات الأقوال التي ذكرها هؤلاء العلماء في كتبهم على طول عصور ومراحل التاريخ الإسلامي .

1- ابن حجر الهيثمي الشافعي :

« أبو القاسم محمد ( الحجة ) ، وعمره عند وفاة أبيه كان خمس سنين آتاه الله الحكمة ويسمى القائم المنتظر »(1).

2- عماد الدين بن كثير الدمشقي :

بصدد تفسير الرايات السود التي وردت في روايات المهدي ، قال ابن كثير : «هذه الرايات السود ليست هي التي أقبل بها أبو مسلم الخراساني فاستلب بها دولة بني أمية . بل رايات سود تأتي صحبة المهدي »(2).

3- ابن أبي الحديد المدائني :

قال : « قد وقع اتفاق الفرق من المسلمين جميعا على أن الدنيا والتكليف لا ينقضي إلا عليه ، يعني : المهدي »(3).


1) المهدي الموعود .. ج 1 ص 200.

2) المهدي الموعود ج 2 ص 72.

3) شرح نهج البلاغة ج 2 ص 530 ، نقلاً عن منتخب الأثر هامش ص 3- 5.

4 - صدر الدين القونيوي :

«عليكم بعد موتي بيع كل ما لدي من كتب في الطب والفلسفة ، وكذا كتب الفلسفة والفلاسفة ، وتصدقوا بثمنها على الفقراء واحفظوا كتب التفسير والحديث والتصوف في مكتبتي ، اقرأوا في الليلة الأولى من وفاتي کلمة التوحيد ، لا إله إلا الله ، سبعين ألف مرة ، وأبلغوا سلامي المهدي (علیه السلام) »(1).

5 - محمد بن بدر الدين الرومي :

« ... اختتم الله تعالى النبوة التشريعية بواسطة محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) ، وسوف لا يأتي بعد ذلك نبيّ حتى يوم القيامة ، كما سيختتم الله الولاية التامة والإمامة العامة بواسطة ابن النبي الصالح ، الذي يواطيء اسمه اسمه «محمد» وکنیته کنیته « أبو القاسم » . وهذا الولي هو الذي بشروا بأنه سيملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد أن ملئت ظلماً وجوراً ، وسيظهر فجأة .

وسيكشف الله كل البلايا والمصائب التي حلت بهذه الأمة ببركة ظهوره وحضوره ! إنهم يرونه بعيداً ونراه قریباً »(2).

6- جلال الدين السيوطي :

« أخرج جلال الدين في كتاب العرف الوردي حديثا عن أحمد بن حنبل والترمذي والطبراني بأسانيدهم عن عبدالله بن الحرث بن جزء الزبيدي قال : قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) : يخرج الناس من المشرق (خراسان ) فيوطئون للمهدي سلطانه ، وهم أهل الرايات السود المذكورون في الحديث وهم الذين أمر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بمبايعة الناس مع أميرهم وهو المهدي (علیه السلام) »(3).

7 - الشيخ عبد الحق الدهلوي :

« قد تظافرت الأحاديث البالغة حد التواتر في كون المهدي من أهل البيت


1) الإمام الثاني عشر هامش ص 78 ، نقلناه بتصرف .

2) الإمام الثاني عشر هامش ص 77 ، نقلناه بتصرف .

3) المهدي الموعود ج 2، ص 72.

من أولاد فاطمة »(1).

8- الشيخ أبو العرفان الصبان :

« قد تواترت الأخبار عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بخروجه ( يعني : المهدي ) ، وأنه من أهل بيته وأنه يملا الأرض عدلاً »(2).

9- أبو الفوز محمد أمين البغدادي :

والذي اتفق عليه العلماء أن المهدي هو القائم في آخر الوقت وأنه يملأ الأرض عدلاً ، والأحاديث فيه ، وفي ظهوره كثيرة ... »(3).

10 - الشيخ منصور علي ناصيف :

الباب السابع : في الخليفة المهدي (رضی الله عنه) .

« اشتهر بين العلماء سلفا وخلفا أنه في آخر الزمان لا بد من ظهور رجل من أهل بيتي يسمى المهدي يسولي على الممالك الإسلامية ، ويتبعه المسلمون ، ويعدل بينهم ، ويؤيد الدين ، وبعده يظهر الدجال ، وينزل عيسى فيقتله أو يتعاون عیسی مع المهدي على قتله ، وقد روى أحاديث المهدي جماعة من خيار الصحابة ، وأخرجها كبار المحدثين ، كأبي داود والترمذي ، وابن ماجة ، والطبراني ، وأبي يعلى ، والبزاز والإمام أحمد والحاكم رضي الله عنهم أجمعين .... وعلى هذا أهل السنة سلفاً وخلفاً .... »(4).

11 - الشيخ محمد عبده :

يعلم الخاص والعام أنه ورد في علامات الساعة من الأخبار أنه يخرج رجل من آل بيت النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) يقال له المهدي ، يملأ الأرض عدلاً ، بعد أن تكون قد ملئت جوراً ، وينزل في آخر مدّته عیسی بن مریم من السماء ، فيرفع الجزية ويكسر الصليب ويقتل المسيح الدّجال ، وليس هذا مقام تحرير هذه المسألة ، وإنما اقتضت الحال أن نذكر من ضررها أنها لانتظار المسلمين لها


1) منتخب الأثر ، ص 3- نقلا عن حاشية صحيح الترمذي ج 2 ص 46.

2) منتخب الأثر ، ص 3- نقلا عن إسعاف الراغبين ، ب 2 ص 140 .

3) منتخب الأثر ، ص 4 - نقلاً عن سبائك الذهب في معرفة قبائل العرب ص 78 .

4) منتخب الأثر ، هامش الصفحة 4 ، 5 - بقلا عن غاية المأمول ، ح 5 ، ص 632 .

و يأسهم من إعادة عدل الإسلام ومجده بدونها ، قد كانت مثار فتن عظيمة ، فقد ظهر في بلاد مختلفة وأزمنة مختلفة أناس يدعي كل واحد منهم أنه المهدي المنتظر يخرج على أهل السلطان ويستجيب له كثير من الأغرار ، فتجري الدماء بينهم وبين جنود الحكام كالأنهار ، ثم يكون النصر والغلب للأقوياء بالجند والمال على المنتصرين بتوهّم التأييد السماوي وخوارق العادات ، وقد ادّعى هذه الدعوى أيضاً أناس من الضعفاء أصابهم هوس الولاية والأسرار الروحية فلم يكن لها تأثير يذكر »(1)

12 - أحمد أمين المصري : « يؤمن أهل السنة بالمهدي والمهدوية أيضاً »(2).

نضيف في خاتمة هذه الفقرة أن : الحافظ الكنجي الشافعي في كتاب « البيان في أخبار صاحب الزمان » نقل فتوى أربعة من كبار علماء المذاهب السنية الأربعة حول المهدي (علیه السلام) ، وهم :

1 - الحافظ بن حجر الهيثمي - من وجوه المذهب الشافعي

2 - ابو السرور أحمد الحنفي - من وجوه المذهب الحنفي

3- محمد بن محمد المالكي - من وجوه المذهب المالکی

4 - يحيى بن محمد الحنبلي - من وجوه المذهب الحنبلي

وقد جاء في فتوى هؤلاء النفر الأربعة : «صحة القول بظهور المهدي ، وأنه قد وردت الأحاديث الصحيحة فيه وفي صفته وصفة خروجه ، وما يظهر من الفتن قبل ذلك كخروج السفياني و ... وصرح ابن حجر بتواترها وأنه من أهل البيت » .

6- من كتاب « كفاية الموحّدین »

نقل العالم المحقق السيد إسماعيل العقيلي الطبرسي المتوفي عام 1321 هجري في كتابه العقائدي « كفاية الموحّدين » ، وفي المقالة الأولى من الفصل الثاني عشر من باب الإمامة أحاديث كثيرة حول المهدي والظهور وعلامات


1) تفسير المنار ح 6، ص 57.

2) راجع المهدي المنتظر والعقل ، محمد جواد مغنية ، ص 59.

الظهور من مصادر معتبرة . وإليك بعض مصادره :

صحيح البخاري - صحيح مسلم - سنن أبي داود - سنن ابن ماجة - سنن النسائي - مسند أحمد بن حنبل – الجمع بين الصحيحين ، لأبي عبدالله الأزدي الحميدي - الجمع بين الصحاح الستة ، لزرین بن معاوية العبدري - جامع الأصول ، لمجد الدين بن الأثير - فردوس الأخبار ، للديلمي - المعجم الكبير ، للطبراني - فرائد السمطين ، للحمويئي - حلبة الأولياء ، والأربعين ، لأبي نعیم - غريب الحديث ، لابن قتيبة - تفسير الثعلبي - الجرح والتعدیل، للدارقطني - كفاية الطالب ، والبيان ، للکنجی الشافعی .

يقول المؤلف عند البدء بنقل الأحاديث :

« إن ما وصل من أخبار عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وأمير المؤمنين والأئمة الطاهرين (علیهم السلام)، والتي نقلها رواة وعلماء أهل العامة من المسلمين في صحاحهم وكتبهم المعتبرة ، يمثل كل منها نصاً صريحاً في إمامة وخلافة هذه النخبة المستخلصة من العالمين . ولا يبعد أن تكون هذه الأخبار في كثرتها وتظافرها بحجم الأخبار الواردة في « غدیر خم » بحق أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیه السلام) كما سيظهر ذلك قريباً . وقد روى الحافظ أبو نعيم في كتاب « حلية الأولياء » اثني عشر حديثاً بأسانيد صحيحة معتبرة عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) تنصّ على إمامة وخلافة المهدي (عجل الله تعالی فرجه الشریف) ....» .

ثم يقول في نهاية هذه المقالة من الفصل المذكور :

« إن هذه السبعين حديثا بعض الأخبار ، التي نقلها علماء العامة في كتبهم ومؤلفاتهم بطرقهم و أسانيدهم ، وهي نصّ صريح عن رسول الله في إمامة وخلافة حجة الله صاحب العصر والزمان عجل الله فرجه - على أننا لم ننقل أكثر الأخبار التي وردت في هذا الباب عن علماء العامة ... » .

ثم يمضي في حديثه قائلاً :

« مضافاً إلى هذه النصوص هناك الكثير من الروايات التي أوردوها في كتبهم عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ، والتي تتحدث عن . أوصاف المهدي صاحب الزمان .. فقد روى الحافظ أبو نعيم في كتاب « حلية الأولياء » بسنده عن حذيفة أن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قال : المهدي رجل من أولادي « أو أبنائي » وجهه کالكوكب الدري ....

وروى الحسين بن مسعود الفراء البغوي عن ابن عباس عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) : المهدي طاوس أهل الجنة ...

وقد ذكر ابن الأثير في « جامع الأصول » عشرة أحاديث في خصوص خروج المهدي وصفاته .

وقال الشافعي : إن الأخبار بشأن المهدي، التي وردت عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) بلغت حد التواتر .

ونقل الثعلبي الأخبار الخاصة بالمهدي بخمسة طرق ...

كما روى أبو نعيم في كتاب « الأربعين »، و « العوالي » ، و « الفوائد » ما يقرب من أربعين حديثاً في باب خروج المهدي وأوصاف هذا العظيم ... »(1).

7- تواتر أحاديث المهدي

اشارة

بلغت الأحاديث النبوية التي تدور حول المهدي (علیه السلام) في كتب وأسانيد علماء المذاهب الإسلامية حداً وافراً ، حيث يندر أن يبلغ الحديث النبوي هذا الحد في موضوع آخر . وهذا الواقع ، أعني : وفرة الأحاديث المذكورة وكثرة عدد رواتها المختلفين في أسانيد وطرق رواة أهل السنة واضح بجلاء. وهذا الواقع نفسه أضحى دافعاً لعلماء الحديث وحقاظ أهل السنة المرموقين


1) كفاية الموحدین ج 3 ص 281 - 297 .

ليصرّحوا - كلّ في محلّه - بتواتر أحاديث المهدي .

يقول الحافظ أبو عبدالله الكنجي الشافعي « المتوفي عام 658ه، في كتابه « البيان »:

« تواترت الأخبار واستفاضت بكثرة رواتها عن المصطفی (صلی الله علیه و آله و سلم) في أمر المهدي (علیه السلام)(1).

يقول حافظ الحديث المعروف ابن حجر العسقلاني الشافعي « المتوفي عام 852ه » والذي يدعى ب « حافظ العصر » في كتابه ( فتح الباري ) على شرح صحيح البخاري :

تواترت الأخبار بان المهدي من هذه الأمة وأن عيسی (علیه السلام) سینزل ويصلّي خلفه(2).

وعدا هذين المحدثين المعروفين هناك علماء آخرون صرّحوا بتواتر الأحاديث النبوية بصدد المهدي ، وقد جاءت هذه التصريحات في مصادرها ونحن بدورنا نتجاوز نقل هذه التصريحات هنا .

إلا أن الواقع المشار إليه هو الذي دفع القاضي محمد الشوكاني اليمني ليسمّي رسالته في هذا المجال ب « التوضيح في تواتر ما جاء في المنتظر و الدجال والمسيح » ، ويقول بهذا الصدد :

« .... وجميع ما سقناه بالغ حد التواتر ، كما لا يخفى على من له فضل اطلاع . فتقرر بجميع ما سقناه أن

الأحاديث الواردة في المهدي المنتظر متواترة »(3).

إن موضوع إسلامية وقطعية قضية المهدي بلغت حداً من التسليم والشهرة حيث طرحها علماء اللغة والاصطلاح من أهل السنة تعقيباً على كلمة « المهدي » . ومن جملتهم جمال الدين ابن منظور الإفريقي المصري ( المتوفي عام 711 ه ) حيث يقول في كتابه اللغوي الضخم والمعتبر ( لسان العرب ) ما يلي :


1) منتخب الأثر ، هامش الصفحة الخامسة .

2) منتخب الأثر ، هامش الصفحة الخامسة .

3) منتخب الأثر ، هامش الصفحة الخامسة .

المهدي الذي قد هداه الله إلى الحق ، وقد استعمل في الأسماء حتى صار كالأسماء الغالبة ، وبه سمي المهدي الذي بشر به النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ، أنه يجيء في آخر الزمان(1).

كما أن المحدّث والأديب وعالم الاصطلاح العربي المعروف مجد الدين ابن الأثير الشافعي ( المتوفي عام 606 ه ) أشار إلى هذا الموضوع في كتابه ( النهاية ) ، ومرتضى الزبيدي الحنفي ( المتوفي عام 1205 ه) في قاموسه اللغوي « تاج العروس » ، وقد عَقبَ الزبيدي على ما أورد بالدعاء التالي :

« جعلنا الله من أنصاره »(2)

إيضاح :

في خاتمة هذا المقال نشرح الاصطلاح الروائي « المتواتر » : المتواتر ، يعني : المتوالي ، وهو اسم فاعل من مصدر « التواتر » وهو من « باب التفاعل » يعني التوالي .

المتواتر ، من مصطلحات « عالم الحديث » . والحديث الذي يبلغ حد التواتر يطلق عليه « المتواتر » .

ما هو حد التواتر ؟

الحديث الذي يرويه رواة متعددين - بین 10 - 20. راوياً - من مختلف طبقات الرواة وأجيالهم على أن يكونوا في مواقع مختلفة ، بحيث يمتنع نسبة الكذب والغفلة لهؤلاء ، مثل هذا الحديث يبلغ حد التواتر وهو حديث

« متواتر »(3)

وفي اصطلاح علم الحديث یُعنی به : « خبر جماعة - في حد ذاته وبلا ضمّ القرائن الخارجية . يمتنع اتفاقهم على الكذب وبالنهاية يوجب العلم بمضمون الخبر ، راجع علم الحديث ، تأليف الأستاذ كاظم مدير ، طبع جامعة الفردوسي ، مشهد ، ص 144 .

.

1) لسان العرب المحيط ج 3 ص 787.

2) منتخب الأثر ، هامش الصفحة 1.

3) الحديث إما أن يكون متواتراً أو حديث آحاد . المتواتر في اللغة التوالي واحدة بعد الآخر بلا فاصلة ، وقد وردت الآية الشريفة ( ثم أرسلنا رسلنا تتری ) بهذا المعنى .

على هذا الأساس يمكن التعبير عن «التواتر » ب « الثبوت القطعي » ، والحديث المتواتر يمكن أن نطلق عليه « الحديث الثابت القطعي »، الحديث الذي يرويه عدد كبير من الرواة في الغالب ، وقد أدرج في الكثير من كتب الرواية ، ونقله المحدّثون يداً عن يد ، ضابطين له جيلاً بعد آخر ، ويضحي صدوره وثبوته عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) والأئمة (علیهم السلام) يقينياً وقطعيّاً .

8- الإيمان بالمهدي

عقيدة إسلامية وليست بمذهبية

في ضوء ما. مرّ من بحث عبر هذا الفصل حتى الآن يضحي جليّاً أن موضوع « المهدي » و « الانتظار » و « الظهور » مقولات إسلامية وليست بمذهبية . وبملاحظة ما مرّ في الفصل الرابع فلا بد من القول بأن ظهور المصلح والمنقذ في آخر الزمان عقيدة أممية وليست بإسلامية فحسب ، يعني : إن أهل النحل والأديان عامة اعترفوا بهذه العقيدة ، وجرى الحديث عن « الموعود » في أوساطهم منذ أيام الزمن السحيق(1).

والواقع هو أن إسلامية هذه القضية أصل واضح ، وواضح جداً . في هذا الضوء فالإيمان بالمهدي (علیه السلام) لا ينحصر بالشيعة ، بل إن أتباع المذاهب الإسلامية الأخرى يشاطرون الشيعة هذا الإيمان وهذا الانتظار . ولا بد أن يكون الأمر كذلك ، إذ أن الروايات التي احتوتها کتب سائر المسلمين على مختلف مذاهبهم ، والتي تدور حول المهدي وشأنه ومركزه ودوره وغيبته وظهوره وعلائم ظهوره روایات وأحاديث نبوية على أرفع المستويات وقد بلغت حدّ التواتر .

ولاحظنا أن جمعة من علماء ومحدّثي أهل السنة كتبوا كتباً خاصة بصدد المهدي (علیه السلام) ، وخصص الآخرون بحوثاً مستوعبة في كتبهم حول خصوصيات المهدي وعلائم ظهوره ، وعدد أصحابه وأسمائه .... .


1) سوف نعود إلى هذا البحث في الفصل القادم في سياق الحديث عن « الموعود » .

وترجع هذه الظاهرة واهتمام علماء جميع الفرق والمذاهب الإسلامية بموضوع المهدي والكتابة فيه إلى الواقع الذي أشرنا إليه ، وهو :

إن « المهدي » في الإسلام ظاهرة طرحها وعلمها رسول الإسلام (صلی الله علیه و آله و سلم) نفسه . شأنها في ذلك شأن أحكام الإسلام وأصوله وعقائده الأخرى : كالتوحيدر، والإمامة ، والمعاد ، والصلاة ، والصوم ، والزكاة ، والحج ، والجهاد ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والتولّي والتبرّي ، والقبلة والميقات و ..... على هذا الأساس فالاعتقاد بهذا الأمر واستبصاره فريضة على كل مسلم ، ولهذا قالوا :

« وليس في المسائل النقلية التي لا طريق لإثباتها إلا السمع ما يكون الإيمان به أولى من الإيمان بظهور المهدي (علیه السلام) ، لو لم نقل بكونه أولى من بعضها ، لأن البشارات الواردة قد بلغت مرتبة التواتر ، مع أن الأحاديث المنقولة في كثير مما اعتقده المسلمون وغيرهم لم تبلغ تلك المرتبة . بل ربما لا توجد لبعض ذلك إلَّا رواية واحدة ، ومع ذلك يُعدُّ عندهم من الأمور المسلمة فإذاً كيف يصح للمسلم المؤمن بما جاء به الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) وأخبر به أن يرتاب في ظهوره (علیه السلام) مع هذه الروايات الكثيرة ؟ »(1)

9- « مذهب المعارضة »

عند أهل السنة

يتضح في ضوء ما مر من بحث لزوم الاعتقاد ب« المهدي » و « الانتظار » و « الظهور» على كل مسلم . فتلك الأحاديث والمصادر وكذلك آيات القرآن - الكريم التي نزلت بحق « المهدي » حسب قول مفسري أهل السنة الكبار -


1) منتخب الأثر ، ص 2.

كل هذا يجلِّي حقيقة أن كل مسلم يؤمن بالقرآن الكريم ، ويعتقد أنه كتاب الله . ويؤمن بمحمد (صلی الله علیه و آله و سلم) بوصفه نبياً ورسولاً من قبل الله ويتلقى تعاليمه بوصفها تعاليم إلهية ، لا بدّ له من الاعتقاد ب « المهدي » و « الانتظار » ولا بدّ له من العمل وفق « آداب الانتظار » مهيِّئاً نفسه لذلك « الظهور العظيم » .

الالتفات والتأمل في كل تلك الأحاديث النبوية بما لها من أسانید ورواة وما جاءت فيه من كتب ومؤلفات ، والالتفات والتأمل في كل المقولات والتصريحات بما لها من ثبوت وغنىً ، كذلك الالتفات والتأمل في عدد من آيات القرآن الكريم - التي سوف نتحدث عنها في الفصل السابع والثامن - يوجب أن تكون جماهير أرجاء العالم السنّي أنصاراً ل( مذهب المعارضة ) متفاعلين مع وجود هذا الولي الإلهي العظيم ، متمتّعين بهذه النظرة الإلهية اللوجود ، أعني : الإيمان بظهور المهدي بغية تصفية قلاع الظلم العالمي ، وأن يكونوا كالشيعة ( في صف السعي الجادّ لأجل تجسيد العدالة ، والنضال ضد الظلم والظالم ، والإعراض عن أنظمة الحكم الجائرة ) ، وأن تكون لهم علاقة روحية مع هذا المنتظر يغمرها التوسل ويشفعها الطلب والالتماس .

طبيعة الأشياء تقتضي ما قلناه . ولم يكن الحال في عالم التسنّن بالغاً حد إغفال الجميع لهذا الأمر ، ففي عصرنا هذا أيضاً ، هناك إخوة من أهل قبلتنا ألفوا كتباً في هذا الصدد . وصرّح بعضهم - رغم خصوصیاته - بوجود أحاديث وافرة بصدد المهدي ، كما صرح بإسلامية الإيمان بالمهدي ، من قبيل أبو الأعلى المودودی(1)، وعبد الرحمن بدوي(2). وقال البعض منهم إن هذه العقيدة لها حضورها في أوساط أهل السنة . والخاصة والعامة على هذه العقيدة .

وقد نقلنا النص بهذا الاتجاه عن الشيخ محمد عبده وأحمد أمين المصري .


1) في كتابه البيانات .

2) في كتابه مذاهب الإسلاميين .

إبداء وجهة النظر الأخيرة يدعو للارتياح ، إذ أنها تحكي عن أن هذا المعلم الإسلامي والنبوي ليس وقفاً على علماء ومحدثي الشيعة . بل يتمتع بحضور عقيدي في أوساط جماهير أهل السنة أيضاً .

ولا بأس هنا في الإشارة إلى حديث للدكتور طه حسين ، فهو يقول في كتابه « الأيام » : « إن الناس تنتظر المسيح » فينسب الإيمان بمبدأ « الانتظار » إلى جماهير الناس ، غير أنه انتظار للسيد المسيح (علیه السلام) .

ينبغي هنا الالتفات إلى ملاحظتين :

1- إن هناك اعتقاداً بالظهور وانتظار الظهور في وسط المجتمع المصري ، وخصوصا في محيط الدكتور طه حسين آنذاك .

2- إن هذه العقيدة قد حُرِّفت ( وعُوِّض عن المهدي بالمسيح).

ليس لنا - في ضوء الرؤية الإسلامية - ظهورٌ وانتظارٌ للمسيح منفصلٌ عن ظهور المهدي وانتظاره . فبعد أن بعث السيد المسيح (علیه السلام) وعرض رسالته على الناس ، ثم أشرق نور الإسلام العظيم وبعث محمد المصطفی (صلی الله علیه و آله و سلم) ونزل القرآن عليه . فايُّ انتظار لعودة السيد المسيح مرةً أخرى يمكن أن نعقل وجوده في أوساط الجامعة الإسلامية ؟

جاء في الأحاديث الوافرة التي نقلها السنة والشيعة أنه بعد خروج المهدي (علیه السلام) يأتي السيد المسيح و( يصلي خلفه ) ، ويتعاون مع المهدي في قتل الدجال والقضاء على فتنة اليهود . ولعل التحريف نشأ من هنا فطرحت المسألة بالصورة المتقدمة ، وإلا فنزول السيد المسيح (علیه السلام) من السماء ، . وحضوره بين جماهير العالم سوف يرتبط بشكل مباشر مع خروج المهدي (علیه السلام) ويشكل جانباً ثانوياً من المشهد العام للظاهرة المهدوية .

على أية حال فالالتفات إلى موضوع « المهدي » و « الانتظار » و « الظهور » كان حظّه أوفر لدى علماء الإسلام المطّلعين الكبار وعند المحدّثين والمؤلفين

الواعين من أهل السنة، وواضح أن الحال يقتضي أن يُشيع هؤلاء بشكل أكبر هذا المفهوم العقيدي الإسلامي وهذا المبدأ السياسي والاجتماعي التغييري في أوساط جماهير أهل السنة ، وليتهم - كما سعوا على طريق التأليف والتحقيق ورواية الأحاديث وضبط متونها وأسانيدها في هذا المجال ، الذي يستدعي التقدير الكبير في نفسه - ليتهم ساعون باتجاه إحياء حضور ( مذهب المعارضة ) ورفض أنظمة الحكم الطاغوتية الجائرة ، والتوجه الفكري لحكومة العدل والقسط الإلهي ، والاستعداد لظهور ( المصلح الفاطمي ) في أوساط جماهير عالم التسنن الواسعة أيضاً . بغية أن تكون هذه العقيدة كالدم الحي الدافع لمواجهة الظلم والظالم على جميع الأرض الإسلامية ، وفي أوساط أهل القبلة جميعهم ، ولتبقى هذه العقيدة متحركة بحرارة في عمق الوجدان المسلم . كما أن الاتجاه والتماس الحقيقة العلّوية « الولاية الإلهية للمهدي » باستمرار يمثل رافداً روحياً ومناراً فكرياً وسنداً إرادياً لهؤلاء.

الفصل السادس: في كتب المسلمين

اشارة

في كتب المسلمين

ب - في كتب الشيعة

في كتب الشيعة

استبصرنا الأفاق المنبسطة والأبعاد الواسعة لقضية المهدي (علیه السلام) في جوٍّ خارج عن إطار ثقافة الشيعة وعقائدها ، فلاحظناها خلال الديانات القديمة ، وفي عرف الزرادشتية والهندية والبوذية واليهودية والمسيحية ...

كذلك لاحظناها عبر ميدان الثقافة الإسلامية الوسيع لأهل السنة من خلال كتبهم العامة ، وكتبهم الخاصة ، وعبر أقوال علمائهم ...

وعلى هذا المنوال لاحظنا ، أن الاعتقاد ب « المهدي » - في أرجاء الأفاق الزمانية والمكانية لرسالة الإسلام ، وثقافته، وعلى أساس أصوله العقيدية ، وعبر الكتب والمؤلفات ، وفي المساجد والمدارس ، ووسط مشایخ وأساتذة الحديث ، وفي مجالس رواية وضبط وحمل الحديث ، وكذلك في تفاسير و القرآن الكريم »(1)- في كل موقع أصل يقينيّ وإسلامي .

ومن هذا المنطلق فقد طرُحت قضية المهدي لدى جميع فرق المسلمين ، ولا تزال تطرح ، وليس هناك أي اختصاص بالتشيع - كما قلنا - .


1) في الفصلين القادمين سوف نتحدث حول آيات « القرآن الكريم » في هذا الصدد .

نعم لا تختص هذه العقيدة بالشيعة بأي وجه ، إلا أن للشيعة خصوصيّة بشأن هذه العقيدة . لماذا ؟ حيث إن المهدي فاطمي ، يعني : من أبناء الصديقة الكبرى فاطمة الزهراء (علیها السلام) ، وحيث إنه ابن الإمام الحسن العسكري (علیه السلام) ، يعني : وصي النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وخليفته الحادي عشر ، والإمام الحادي عشر للشيعة . في ضوء هذه الملاحظات فقد كانت للشيعة خصوصية بالنسبة للمهدي (علیه السلام) ولا تزال لهم . مضافاً إلى ذلك فللشيعة أحاديث كثيرة عدا الأحاديث النبوية نقلوها عن الأئمة الطاهرين (علیهم السلام) في شأن المهدي (علیه السلام) ... .

في ضوء ما ذكرنا يضحي طبيعياً أن نلتقي عبر ثقافة التشيع الفسيحة بالعديد من الكتب التي تحدثت عن المهدي وطرحت الأفكار المتعلقة به ، وبالعديد من الكتب التي اختص البحث فيها حول المهدي (علیه السلام) وخصوصياته ، بل لعل الأكثر طبيعية أن يقال :

إن ذلك موضوع كثر في شأنه تصنيف الكتب ، وتحریر الرسائل والمقالات الجامعة من عصر الإمام أبي محمد الحسن العسكري (علیه السلام) إلى العصر الحاضر فقلّما يوجد من علماء الإمامية من لم يكن له كتاب خاص أو مقالة أو كلمة خاصة في هذا الموضوع ... » .

.(1): الملفت للنظر حقّاً أن نرى البعض من علماء أهل السنة يقول : إن الاعتقاد بالمهدي واحدة من « العقائد السنّية » والمعتقدون بهذا الموضوع هم أهل السنة ، وقد ثقل هذا الاتجاه « عن الشيخ على ناصيف استناداً لكتابه ( غاية المأمول ) ، في كتاب ( في انتظار الإمام ) الطبعة الثانية ص 18 . والدافع لهذا الاتجاه هو تلك الوفرة في أحاديث وأسانيد قضية المهدي (علیه السلام) في كتب . ومصادر أهل السنة الروائية والتفسيرية ، المصادر التي تقوم على أساسها عقائد أهل السنة وتفاسيرها وأحكام الفقه السني بعد القرآن الكريم .

(2) لا بد من أن نشير إلى أن الأحاديث التي وردت في كتب علماء ومحدثي أهل السنة - التي أوردنا عدداً منها في الفصل السابق - قد نقل البعض منها عن الإمام علي (علیه السلام) أو غيره من الأئمة الأخرين . (3) منتخب الأثر ص 5.

1- أصناف الكتب

أحصينا في الفصل الأنف - الفقرة الثانية - أصناف كتب أهل السنة بصدد المهدي (علیه السلام) ، وبشكل إجمالي ذكرنا (12) عنواناً . ولأجل إيضاح أصناف كتب الشيعة نكتفي بتلك العناوين متجاوزین تکرارها، رعاية للاختصار ، وتنحصر إضافتنا هنا بأنه يمكن ضم عناوين أخرى لتلك العناوين نذكر منها :

1- كتب الأدعية والزيارات .

2- کتب فلسفة التاريخ السياسي الإسلامي .

3- الكتب التي أطلت على الأوضاع الاجتماعية القادمة [ كتب علم الإجتماع التنبؤي ](1)

وقد كتب المؤلف كتابين آخرين حول موضوع المهدي (علیه السلام) :

« تاریخ الغيبة الصغرى » ، « وتاريخ الغيبة الكبرى » .

.

4 - الكتب والكتيبات الثورية ، التي كتبت لطرح « مذهب المعارضة » .

2- عدد من الكتب

اشارة

الكتب والرسائل الشيعية التي تدور حول المهدي والمهدوية معروفة ومتوفرة إلى حدود . فقد كتب علماء ومحدثو ومحققو القرون الماضية، كما كتب أبناء هذا العصر کتباً ورسائل ومقالات في هذا الصدد .

ومع عدم توفر إمكانية تقييم جميع هذه الدراسات في سطر واحد ، نقول : إن جهدهم موضع تقدير(2)

الدين والمذهب واحترام كل ما كتب ويكتب تحت هذا العنوان ، أبداً ! بل إن كل كتابة إسلامية مبتذلة وواطئة في أي موضوع، تمثل خيانة للمذهب والدين ، ولا يمكن غضّ النظر عنها بأي وجه من الوجوه .

.

في العشرين سنة الأخيرة أيضاً نشطت فعالية التأليف والتحقيق حول المهدي (علیه السلام) والمسائل المتعلقة ب « الغيبة » و « الانتظار » و « الظهور» . وقد قدم المفكرون الواعون إنتاجاً قيماً ، ودرسوا الموضوعات المشار إليها بروح


1) نشير هنا إلى الكتاب القيم ( تاریخ ما بعد الظهور) لمؤلفه الفاضل والمتتبع ، محمد الصدر .

2) لا نريد أن نثبت في هذا التعبير التوجّه الذي يذهب إلى تقدير كل شخص يمارس كل عمل باسم

التحولات الزمنية ومن خلال الثقافة الإنسانية المعاصرة ، ووضعوا هذه الدراسة في متناول القراء . ولا بد من ازدياد حجم هذا اللون من الكتب والمقالات کتابةً وتأليفاً ( - بأقلام المفكرين الواعين ، ذوي الأصالة الفكرية والمعرفة بالتحولات الزمنية ، وبمحتوى غني ومفيد - ) ، ولا بد من توسيع دائرة انتشارها ومعرفتها .

الآن نسجل أسماء عدد من كتب وآثار الشيعة في هذا الموضوع ضمن خمسة أقسام :

القسم الأول :

عدد من كتب وآثار وجوه الشيعة منذ الماضي البعيد حتى الآن :

1 - أصول الكافي (- كتاب الحجة) - ثقة الإسلام الكليني

2 - إكمال الدين - الشيخ أبو جعفر الصدوق

3 - الإرشاد - الشيخ المفيد البغدادي

4 - خمس رسائل في إثبات الحجة - الشيخ المفيد البغدادي

5 - الوجيزة في الغيبة - علم الهدى السيد المرتضی

6 - الغيبة - شیخ الطائفة الطوسي

7 - البرهان على صحة طول - عمر الإمام صاحب الزمان - الشيخ أبو الفتح الكراجكي

8 - الغيبة - محمد بن إبراهيم النعماني

و - أعلام الوری - أمين الإسلام الطبرسي

10 - الملاحم والفتن - السيد ابن طاوس ( رضي الدين )

11 - الفصول النصيرية (فصل الإمامة - نصير الدين الطوسي .

12 - وسيلة الفوز والأمان (قصيدة) - الشيخ بهاء الدين العاملي

13 - المحجة فيما نزل في القائم الحجة - السيد هاشم البحراني

14 - بحار الأنوار(1)- العلامة المجلسي


1) المجلد 13 من الطبعة القديمة ، أو المجلد 51، 52، 53 من الطبعة الجديدة .

15 - إثبات الهداة - الشيخ الحر العاملي

16 - استقصاء الإفحام - میر حامد حسين الهندي

17 - النجم الثاقب - میرزا حسين النوري

18 - الصحيفة المهدوية - الشيخ فضل الله النوري

19 - كفاية الموحدين (الجزء 3) - السيد إسماعيل العقيلي الطبرسي

20 - بیان الفرقان (الجزء 5) - الشيخ مجتبى القزويني الخراساني

القسم الثاني :

عدد آخر من الكتب :

1 - المهدي المنتظر والعقل - الشيخ محمد جواد مغنية

2 - المهدي المنتظر بين التصور والتصديق - الشيخ محمد حسن آل ياسين

3 - إلى مشيخة الأزهر - الشيخ عبدالله السبيتي

4 - المصلح المنتظر - الشيخ محمد رضا شمس الدين(1)

5 ۔ مکیال المکارم - السيد محمد تقي الموسوي الأصفهاني

6 - قائم آل محمد وفلسفة غيبته - الحاج میرزا خليل الكمره اي

7 - الموعود الذي ينتظره العالم - علي الدواني

8- أمل الأمن والأمان - الشيخ لطف الله الصافي

9 - المهدي موعود الأمم - الأستاذ محمد تقي شريعتي

10 - العادل الأممي - الشيخ إبراهيم الأميني

11 - الفاتح العادل - سید جمال الدين دین برور « ربيب الدين »

12 - التحول الأخير - الهيئة القائمية - طهران

القسم الثالث :

الكتب التي اعتمدت في أبحاثها ورواياتها بشكل عام أو غالب على


1) ( الإمام المهدي أمل الشعوب ) تاليف حمن موسى الصفار ، أحد الكتيبات المفيدة والجيدة - طبع بیروت ، عام (1401ه).

مصادر وكتابات أهل السنة وعلى أساس روایات وأسانيد السنة :

1- المهدي - آية الله صدر الدين الصدر

2- منتخب الأثر - الشيخ لطف الله الصافي

3- المهدي الموعود المنتظر - الشيخ نجم الدين جعفر العسكري

4 - الإمام الثاني عشر - السيد محمد سعيد الموسوي الهندي ( حفيد صاحب «العبقات » )

المنتظر على ضوء حقائق العامة - محمد حسين الأديب

القسم الرابع :

الكتب والكتيبات التي انطلقت في عرضها على أساس الدراسة الاجتماعية والسياسية المعاصرة وبروح إصلاحية وثورية :

1 - مستقبل البشرية من وجهة نظر رسالتنا - آية الله السيد محمود الطالقاني

2- ثورة المهدي في ضوء فلسفة التاريخ - الشيخ مرتضى المطهري

3- الانتظار ( مذهب المعارضة ) - الدكتور علي شريعتي

4 - في انتظار الإمام - عبد الهادي الفضلي

5- على فجر الساحل - الشيخ محمد الحكيمي

القسم الخامس :

الكتب التي اعتمدت المصادر والكتب التي أعدت قبل الإسلام ، وجمعت بشائر السلف :

1- بشارات العهدين - الدكتور محمد الصادقي

20 - المصلح المنتظر في أحاديث الأديان - محمد أمين زين الدين العاملي(1)


1) طبعت رسالة بعنوان ( فهرس الكتب التي ألفت حول الإمام المهدي (علیه السلام) ) وقد عرفت هذه الرسالة الكتب والرسائل والكثير من المقالات التي كتبت حول المهدي (علیه السلام) ، والموضوعات المتعلقة به ، والذي يبتغي الأطلاع على المزيد من المصادر والكتابات يمكنه الاستعانة بهذه الرسالة .

3- استمرارية الوعد والموعود

لاحظنا في الفصل الرابع أن قضية ( الموعود ) تضرب في عمق تاریخ الأديان والبشرية . إذ كثيراً ما اتفق أن وَعَدَ الأنبياء السابقون بقدوم اللاحق الهم . وقد شوهدت هذه الظاهرة بشكل أكبر لدى مشاهير الأنبياء وكبارهم . وعن طريق هذه الوعود والبشائر علقت في ذهن كل أمة من الأمم صورة لموعود منتظر . وقد لوحظت هذه البشائر في آيات الكتاب المقدس - قبل تحريفه - .

وفي هذا الاتجاه تقع إحدى بشائر موسى الكليم (علیه السلام) ، حيث بشر بقدوم عيسى المسيح (علیه السلام) . على هذا الأساس « كانت جماهير أرض الجليل ويهودا . نشتاق باستمرار لظهور المسيح الموعود ». وقد بعث عیسی بالرسالة وهو في و سن (30). وقد بشّر به رجل غير موسی (علیه السلام) الذي أطلق بشارته قبل قرون ، ففي حدود ثلاثة إلى أربعة أعوام قبل بعثته « بشر الناس بظهور المسيح الموعود واعظ زاهد يدعى يوحنا المعمداني ، ودعا الناس للتوبة والتعميد استعداداً لظهوره ، وعلى أساس هذه الدعوة خلق حركة على أرض الأردن .. » .

و إذن ؛ كان عيسى المسيح (علیه السلام) نفسه موعود ، موعود اليهود وبني اسرائیل ... ومع أن جماهير الناس كانت تنتظر قدومه ، فقد كان زعماء اليهودية يعارضون فكرة انتظاره ، و « وقد كان الفريسيون والكتاب(1)

نقلاً عن الموسوعة العربية الميسرة ، ص 1299 ، الطبعة الثانية 1972 م.

يمارسون التحقير بحق أبناء ملتهم المتحمسين لقضية الظهور ، وكانوا يرون أنفسهم حماةً لنص شريعة موسی (علیه السلام) فحسب » .

وقد بشر السيد المسيح (علیه السلام) أيضاً بقدوم النبي الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) ؛ قدوم نبيّنا

بشر به النبيون والحكماء والكهان ، وكان السيد المسيح أحدهم ، وعلى هذا الأساس أضحى أتباع الشريعة المسيحية أيضا منتظرين ( موعوداً ) .


1) الفريسيون : [ إحدى طائفتين دینیتين هامتين لليهود ، كانتا ذاتي شأن في عهد المسيح ..] امتازوا بحرصهم الشديد على التعاليم الدينية ... فأحدثوا حركة ونشاطأ كان له أثره في حياة الشعب عامة ... وساعدوا على تطور اليهودية .

4- فارقلیط

فارقلیط (Paraqlit) ، تعریب للكلمة اليونانية باراکلتوس (parakletos) ، ويعني ، ( المسلّي ) ، ( الشفيع ) ، ( المريح ) .

وعد عیسی طلابه بأن أباه ( يعني الأب ، الذي هو الأقنوم الأول ) يبعث مسلياً آخر سوف يكون معهم على الدوام ، وسوف يعلمهم كل شيء ( إنجيل يوحنا ص 14 ، 16، 26).

أراد البعض من المسيحيين الإعلان عن هذه البشارة التي تعني ظهور محمد المصطفی (صلی الله علیه و آله و سلم) ، غير أنهم حرفوا هذه البشارة عن مسار واقعها ، فعبروا عن صاحبها ب ( روح القدس ).

« إلا أن الأخبار والآثار والكتب السماوية الأخرى لموسى وعيسى - عليهما السلام - أثبتت تحقيقاً أن فارقلیط ، الذي يعني المسلّي ، هو عبارة عن « خاتم النبيين » وهذه البشارة حجة على نبوّة الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) » .

وقد أشير في القرآن الكريم أيضاً إلى بشارة عيسى هذه في سورة الصف ، الآية . وشمي الرسول الأكرم في هذه الآية ب ( أحمد ) . قالوا : إن فارقلیط يؤدي معنى أحمد - صيغة أفعل - أيضاً . وقد تناول المفسرون كلمة أحمد بمعنی - صيغة أفعل ، أو بمعنى المحمود بشكل أكبر ، والذي مدحه الله تعالى بهذا الشكل ، أو الفرد الذي مدح أكثر من غيره وكان موضع تقدير ومدح

قلنا إن عدد آخر من الأنبياء السابقين بشّروا بظهور نبيّنا ، وحيث إن السيد المسيح هو آخر نبي قبل ظهور الرسول الأكرم فقد جاء ذكره في القرآن الكريم :

( وإذ قال عيسى ابن مريم : يا بني إسرائيل ! إنّي رسول الله إليكم مصدّقاً لما بين يدي من التوراة ، ومبشراً برسول يأتي من بعدي ، اسمه أحمد . فلما جاءهم

بالبينات ، قالوا : هذا سحر مبين )(1).

هذه الآية المباركة تعلن بوضوح وصراحة عن وجود بشارة في الإنجيل . ولو لم تكن هذه البشارة موجودة في كتب المسيحيّة غير المحرفة لقال النصاری الذين عاصروا النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وكانوا في صراع حاد معه : « إن هذه الآية غير صحيحة ، وليس هناك في كتبنا مثل هذه الإشارة والبشارة » إلا أنهم لم يفعلوا ذلك حيث لم يكن في مقدورهم أن يفعلوا . وكانوا يسلكون في عداء ومعارضة المنقذ سبلاً أخرى(2).

قالوا : « إن ماني كان مدّعياً أنه المسيح الثاني ، وهو عين فارقليط الذي وعد بظهوره المسيح ، وهو يحمل للعالم الديانة المنجية »(3).

يتضح عبر هذا القول أن مسألة « الموعود » الذي بشّر بقدومه المسيح كانت آنذاك على حدّ من الثبوت والإقرار بها بحيث إنهم كانوا يطلقون على هذا الموعود ( المسيح الثاني ) . وكانت هذه الشهرة والإذعان سبباً لكي يستند « ماني » على هذا المبدأ ويستغله .

5- الإمام أبو الحسن الرضا(علیه السلام)

والاستشهاد بالإنجيل

الإمام الرضا (علیه السلام) ساهم أيضاً في البرهان على وجود البشارة بظهور النبي الأكرم ، والإخبار بقدومه في دین عیسی وبلسانه(4)

أ - مجمع البیان ، ج 9 ص 280 .

ب - نور الثقلين ج 5 ص312 - 316 .

ج - کشف الأسرار ج 10 ص86- 87 .

، وذلك من خلال مناقشاته

1) سورة الصف :6.

2) راجع بهذا الصدد كتابي « الرحلة المدرسية » و « الهدي إلى دين المصطفى » للعلامة المجاهد و الشيخ محمد جواد البلاغي ، وراجع أيضاً کتاب « بشارات العهدین » .

3) تاريخ الفلسفة في العالم الإسلامي ، حنا فاخوري ، وخليل الجر ، وقد نقلنا النص مترجماً عن ترجمته الفارسية لعبد المحمد آیتي ص 763.

4) راجع بهذا الشأن :

مع علماء المسيحية المعاصرين له ، اعتمادا على الإنجيل ، الذي لم يطرأ عليه آنذاك كل التحريف ، وكان له ځفاظ أيضاً(1).

6- الموعود الأخير

لاحظنا جيداً أن مسألة الموعود قد طرحت في كتب الأنبياء . وكان الموعود في مناسبات هو النبي اللاحق الذي وعد بظهوره وبشر به الأنبياء السابقون . وقد كان نبي الإسلام موعوداً لدى السالفين باعتباره « نبيّ آخر الزمان »، و « المنجي » ، و « الشفيع » ، و «خاتم الأنبياء » ، و « فارقلیط » ، و ...

كانت هناك بشائر ترتبط جميعها بشروق نور الإسلام العظيم وظهور الطلعة المحمدية .

غير أن ألوان التلويح والبشارة التي أطلقها السلف من النبيين وغيرهم من ذوي المعرفة والحصافة كانت تنطوي على مقولة « الموعود الأخير »، و « موعود آخر الزمان ». هذه المقولات والإشارات ، وتلك الوعود والبشائر - التي لفتنا النظر إلى البعض القليل منها في الفصل الرابع - تلحظ جميعها النهضة الإلهية في آخر الزمان ، والحركة الإنسانية لمصلح عالميّ سوف يظهر عقب انتهاء دور النبوة ، وفي طول المسيرة الإسلامية ، ومن داخل رسالة الإسلام . من هنا فحينما يقال « الموعود » فإنما يقصد منه الموعود الختامي والمنتظر الأخير .

وقد جاءت تعابير تقصد هذا الموعود في الديانات القديمة - كما مر ذكرها - وقد عبرت كل ديانة عنه بصيغة ما . كما جاءت ملامح وخصوصيات له في تراث السالفين ، وذُكر جَدُّه وتقليدُه ، وعلائم ظهوره ، ووقائع ما بعد ظهوره ، وقد أميط اللثام عن تلك الخصوصيات في رسالة الإسلام ، وحددت بصورة كاملة بالاسم والمشخصات المتميزة .


1) تفسير « نور الثقلين ، ج 5 ص 313، 314.

7- تثبيت المشخصات

الموعود الذي تداولوا قضيته منذ الأيام الضاربة في عمق الزمن يحصل على لون خاص حينما يصل الإسلام . وإيضاح هذا المفهوم كما جاء تسجيله في محل آخر من كتاباتنا هو : « إن البشائر الموجودة في الآثار السابقة للإسلام ، على نحوین ، بشائر ترتبط بمجيء رسول الإسلام ، وبشائر ترتبط بخروج الموعود في آخر الزمان ، يعني : المهدي (علیه السلام) . وتمضي القصة على هذا النهج حتى نصل الإسلام . وفي أفق الإسلام تطرح قضية المهدي محددة الأبعاد واضحة المشخصات . ويعود ذلك إلى أن الإسلام آخر دین سماوي ، وأن الموعود النهائي العظيم ينتمي إلى هذا الدين ، من هنا لزم أن تذكر خصوصياته في هذا الدين الخاتم للرسالات الإلهية ، وتسجل في عرف هذه الملة الأخيرة ، وأن لا يكتفي ببشائر وإشارات الماضين . ولذا عُيّنت خصوصيات المهدي في رسالة الإسلام : الشمائل ، الأب ، الأم ، سلسلة النسب الواصل بالنبي ، صيغة الظهور ، أسلوب تشكيل الحكم الإلهي ، العدالة الأفاقية ، التربية الروحية ، حركة القضاء ، قضايا العمل والاقتصاد إبان فترة المهدي ، كل ذلك جميعا جاء في أمهات المصادر الإسلامية أعم من السنية والشيعية » .

على هذا الأساس فلا بدّ من تثبیت مشخصات المهدي بدقة في رسالة الإسلام ، وتوضح ذلك الأسباب التالية :

1- حيث إن الإسلام هو آخر دین سماوي فلا بد من أن يوضّح كل . الحقائق والمستجدات الواقعية الأساسية التي يتفق وقوعها قبل قيام الساعة ، وهي على ارتباط برسالة الدين ومهمة الهداية . وبحكم كون المهدي وظهوره أحد الحقائق الواقعية الأساسية الكبيرة لزم أن يشبع الحديث تماماً حوله في متن رسالة الدين الخاتم .

2. حيث إن المهدي رجل من أمة الإسلام ، وأحد أبناء نبي الإسلام ، والوصيّ الثاني عشر للنبي يتحتم طبيعياً أن تذكر مواصفاته وخصوصياته كلها

بواسطة النبي نفسه والأحد عشر وصياً قبل المهدي من خلال المناسبات المختلفة .

3- حيث إن ظهور المهدي يقع في امتداد مرحلة الإسلام ، وحيث إن أمة الإسلام - التي تتسم بكونها متابعة لأخر دین سماوي ، وسالكة نهج الدين الحق والشريعة الخاتمة . تعيش في عالم الحياة ، وينتهي الأمر بها إلى شهود ظهور المهدي ، فلا بد لهذه الأمة من معرفة دقيقة وسليمة حول « الموعود » لتنتظره على الدوام وترعی مستلزمات الانتظار ، ولتعرفه حين الظهور ، وتلتحق بركبه مبايعةً ناصرة ، ولتنشر بقيادته دين الحق على أرجاء العالم .

4- بحكم كون مراحل الزمن بعد ظهور الإسلام تمضي صوب مرحلة آخر الزمان ، ويقترب يوم ظهور الموعود الأخير شيئاً فشيئاً ، فمن الممكن على الدوام أن تبرز عناصر مدّعية ، أو تطرح نفسها بصفتها الموعود - كما حصل ذلك كثيراً -، إذن فلا بدّ من تثبیت خصوصيّات الموعود بصورة سليمة ، ليكون الناس على يقظة وبصيرة دون الوقوع في شراك خداع الخادعين ، ولكي لا يكونوا ضحية أهواء عبّاد الهوى ، ومبتدعي الأديان .

5. حيث إن أمة الإسلام تحيا في عصر الغيبة بعد مضي قرن ونصف على ظهور الإسلام ، والمهدي الموعود إمام المسلمين الغائب ، وولي الله وصاحب الولاية والقرار ، وإن التعلق به وسيلة للتقرب إلى الله ، والتوفر على الكمال والمعرفة ، وإنه ( أي المهدي ) يتفق له غياب طويل الأجل، تحتم أن يعرف عن طريق تثبيت خصوصياته ، لتحصل للناس معرفة به ، فيدعوا الله طالبين فرجه ، ولكي لا يسدروا عن التعلق والارتباط به ولأجل أن لا يحرموا من استلهام عطائه وروحه العلوية .

كانت هذه بعضاً من البواعث على ذكر خصوصيات المهدي (علیه السلام) في رسالة الإسلام . وقد حصل هذا الأمر ، واستنطقت هذه الخصوصيات في عشرات الكتب . وعنونت قائمة من العلامات والمؤشرات تحت عنوان ( علامات الظهور ) كما أشير إلى الحوادث الكبرى والفتن والامتحانات التي

تقع قبل الظهور ، وقريباً منه. وقد جمعت هذه الأفكار في كتب « الملاحم والفتن » وغيرها من المصادر ذات الارتباط .

8- في ضوء كتاب « بيان الفرقان »

اشارة

طرح استاذ العلوم الحقة ، ومعلم الإلهيات القرآنية الشيخ مجتبی القزويني الخراساني ( المتوفي عام 1386 ه) في كتابه القيم « بیان الفرقان » الجزء الخامس ، مجموعة أبحاث وأفكار حول «غيبة إمام العصر » - عجل الله تعالی فرجه الشريف - . ومن جملة الأبحاث القيمة التي إشير إليها وطرحت عبر الفصول الأخيرة من الكتاب المذكور « باب الغيبة » ، الأبحاث التالية :

1- إيضاح الفرق بين الفرج الجزئي والفرج الكلي .

2- إيضاح الفرق بين العلامات المتصلة بالظهور ، والعلامات غير المتصلة به .

3- إيضاح الفرق بين العلامات الحتمية ، والعلامات غير الحتمية .

4 - إيضاح الفرق بين علامات الظهور ، وعلامات البعث ( إشراطات الساعة ) .

5- رفض أي لون من ألوان التوقيت ، ولو على أساس العلوم الغريبة .

6- رفع التناقض بين الغيبة الكبرى ، وإمكانية رؤية الإمام لبعض الأفراد .

وخلاصة إيضاحات الأستاذ الكبير حول الأفكار المشار إليها أعلاه ما یلی:

المسألة الأولى :

تنظر بعض الأحاديث المباركة التي حددت حصول الفرج خلال أزمنة قريبة (- وفي حدود 140 عاماً على سبيل المثال ) ، أو التي اعتبرت سقوط بني أمية ونظائرها من الوقائع مقدمة وتمهيدا لحصول الفرج ، إلى الفرج الجزئي ، يعني : حصول انفراج في حياة الأئمة الطاهرين (علیهم السلام) يعكفون خلاله على تربية قواعدهم ونشر أفكارهم وتعاليمهم . كما يعني أيضاً حصول انفراج للقواعد

الشيعية ليأمنوا - إلى أجل - من الملاحقة والتعذيب والسجون والضغوط . ومثل هذه الروايات لا تضع في حسابها الفرج العالمي الكلي ، إذ أن الفرج الكلي لم يوقت بأي وجه من الوجوه .

المسألة الثانية :

هناك بعض من علامات الظهور التي جاء ذكرها في الأحاديث المباركة يتصل وقوعها بزمن الظهور ، أو يفصل زمن قصير بين وقوعها والظهور ، وهناك بعض آخر من العلامات يتفق وقوعها على طول زمن الغيبة ، إلا أنها لا يتاخم وقوعها الظهور .

مثلاً ، إذا عُدَّ سقوط الخلافة العباسية جزءاً من علامات الظهور ، وكان المعني بذلك هو سقوط خلافة بغداد عام 656 ه، فهذه من العلامات غير المتصلة ، يعني : إن الأئمة الطاهرين (علیهم السلام) أخبروا قبل قرون حينما بلغت قوة الحكم العباسي أوجها بأن هذه الخلافة العظمى والإمبراطورية الشاسعة سوف تسقط على مرور الأيام وقبل قيام القائم (علیه السلام) ، وأن سقوطها من جملة الوقائع التي سوف يتفق وقوعها قبل ظهور المهدي . إذن فهذه الواقعة ليست جزءاً من العلامات المتصلة .

المسألة الثالثة :

بعض من علامات الظهور علامات حتميّة ، ولا ظهور دون وقوعها ، وقبل أن تقع هذه العلامات ، فادّعاء كل شخص بالمهدويّة مهما كان - ادعاء اجوف وقبوله سفاهة وحمق . وبعض من العلامات غیر حتمية بمعنى أنه من الممكن أن تقع وأن لا تقع .

وقد عدت خمس علامات من العلامات الحتمية في الأحاديث المباركة :

1- خروج اليماني .

2- قتل النفس الزكية بين الركن والمقام .

3- خسف في البيداء .

4- خروج السفياني .

الصيحة السماوية .

ويقول أستاذنا الأكبر نفسه ما يلي :

يستفاد من روايات هذا الباب أن بعض العلامات علامات حتمية. ومن المسلم به أن (خروج السفياني )، و ( الصيحة السماوية ) من العلامات الحتمية . وقد عُدّت خمس علامات في بعض الروايات : خروج اليماني ، وقتل السيد الحسني بين الركن والمقام ، وخسف في البيداء ، وخروج السفياني ، والصيحة السماوية .

وعبر ما أوضحنا تستنبط نتيجة كبيرة لا شك ولا شبهة فيها . والنتيجة هي أنه قبل وقوع هذه العلامات الحتمية - مع قطع النظر عن الأدلة والبراهين الأخرى - يكون ادّعاء المهدوية من قبل أي فرد باطل وغير قابل للإصغاء(1).

المسألة الرابعة :

بعض العلامات التي وردت في الأحاديث المتعلقة بآخر الزمان وأخبار الملاحم والفتن لا ترتبط بالظهور ، وجزء من علامات القيامة و( أشراط الساعة ) :

جاء في هاتين الروايتين(2)أن الدجال من علامات الظهور . وجاء في روايات كثيرة أنه من علامات القيامة ، وهذا يحكي عن وقوع الخلط من قبل الرواة في ذكرهم للسفياني - الذي هو من علامات الظهور المسلمة - بصحبة ذكرهم للدجال .

المسألة الخامسة :

كل لون من ألوان التوقيت ، وتعيين زمن محدد لظهور بقية الله (علیه السلام) مخالف لأحاديث كثيرة . وقد ذهب الأئمة الطاهرون إلى أن العلم بوقت الظهور شأنه شأن علم الساعة مختص بالله تعالى ، وقد كذبوا الوقّأتين . فلم يعينوا لا


1) بيان الفرقان ، ج 5 ص 181 - 182 .

2) المقصود الروايتان اللتان وردتا في بيان الفرقان ج 5 ص 170 .

زمناً محدداً للغيبة ، ولا وقتاً معيّناً لحين الظهور . بل اقتصروا على إيراد علامات لا بد للجميع من الالتفات لها ، والإعراض عن تكهنات الوقاتين . إذ أن الوقاتين يطلقون تكهنات شخصية ... وهذه التكهنات لا علاقة لها بالمشيئة الإلهية وحكمة الغيبة ومدتها وزمان الظهور :

اتضح من خلال الروايات والإيضاحات الماضية أن عمر الحجة بن الحسن (علیه السلام) طويل، ولم يعين زمن الغيبته وظهوره . بل نُهي بشدة عن تعيين وقت محدد . إذن ؛ تعيين وقت الظهور من قبل بعض الدراويش ومدّعي العلوم الغريبة يصطدم مع الوصايا والروايات(1).

ونشير هنا - كما قال العظماء - إلى أنّه لا بد للجماهير على الدوام من استذكار الحجة الإلهية الربانية ، آية الله وبقيته (علیه السلام) ، ولا بد لهم من الدعاء لهذا الإمام ولقرب فرج ظهوره . لا بدّ من طلب ظهوره من الله في كل وقت . ولا مجال لليأس على الإطلاق ، فمن الممكن في كل لحظة أن تحصل المقدمات القريبة لهذا الأمر ويبلغ الفرج أجله ، ويظهر الإمام ، ومن هنا تحتم ذكر هذا الإمام على الدوام ، وإعمار القلب ، وتحصينه بذكره ، والتماس وصوله من الله .

ولهذا أيضاً قال الإمام جعفر الصادق (علیه السلام) :

« أقرب ما يكون العباد من الله جل ذكره وأرضى ما يكون عنهم إذا افتقدوا حجة الله جل وعز ، ولم يظهر لهم ، ولم يعلموا مكانه وهم في ذلك يعلمون أنه لم تبطل حجة الله جل ذكره ولا میثاقه ، فعندها فتوقعوا الفرج صباحاً ومساء ، فإن أشد ما يكون غضب الله على أعدائه إذا افتقدوا حجته ، ولم يظهر لهم ، وقد علم أن أولياءه لا يرتابون ، ولو علم أنهم يرتابون ما غيّب حجته عنهم طرفة عين ، ... »(2).


1) بيان الفرقان ج 5 ص 217.

2) اصول الكافي ، کتاب الحجة ، باب نادر في حال الغيبة .

إيضاح :

المقصود من قول الإمام (علیه السلام) : « فتوقعوا الفرج صباحاً ومساءً» هو التحضيض على انتظار وقوع الحدث الضخم في مثل الظروف والملابسات التي يعرضها النص ، وذلك عن طريق تحقّق العلامات الحتميّة . إذن ؛ انتظار الفرج في كل صباح ومساء لا يتنافى مع تحقّق العلامات الحتمية . فانتظروا الفرج یعني : انتظروا العلامات الحتمية ، وثم الظهور والفرج الكلّي . إذ ليس هناك فاصل زمنيٌ معتدٌّ به بین بروز أول علامة من العلامات الحتمية - التي تتعاقب على التوالي - إلى بلوغ الفرج وخروج الإمام (علیه السلام) . وبصدد « قتل النفس الزكية » روى الشيخ المفيد عن الإمام محمد الباقر (علیه السلام) رواية يقول فيها :

ليس بين قيام القائم (علیه السلام) ، وقتل النفس الزكية أكثر من خمس عشرة ليلة(1).

ومن الواضح أن الفاصل الزمني بين تحقق العلامات الحتمية والظهور أكثر من خمس عشرة ليلة ، إلا أنه ليس طويلاً بل في حدود بضعة شهور... كما يفهم من بعض الأحاديث الشريفة .

المسألة السادسة

قال علماء الإسلام العظام إن العديد من الأفراد فازوا في زمن الغيبة الكبرى بلقاء الإمام الغائب (علیه السلام) . نقل الشيخ الأستاذ حديثاً في هذا الصدد عن الإمام جعفر الصادق (علیه السلام) ، ثم أضاف إليه إيضاحاً . وإليك خلاصة لمضمون الحديث وإيضاح الأستاذ :

كان إخوة يوسف (علیه السلام) ذوي حصافة وعقل وأبناء نبي . وقد جاؤوا يوسف (علیه السلام) ، وتحدثوا ، وتبادلوا التجارة معه وكانوا إخوة له ، ومع هذا لم يعرفوه حتى قام بنفسه في التعريف وقال : - أنا يوسفُ . فَعَرَفُوهُ بعد ذلك .

فهل ينكر الناس المتحيرون إرادة الله تعالی لستر حجته عن الأنظار ؟


1) الإرشاد ، ص 360 .

فقد كان يوسف (علیه السلام) مالك مصر وكان البعد الفاصل بينه وبين أبيه مسير ثمانية عشر يوماً ، ولو كان الله تعالی مریداً التعيين محل يوسف لأبيه لفعل ، إذن ، كيف ينكرون أن الله فعل مع حجته كما فعل مع يوسف ؟ فأي مانع هناك لأن يكون صاحب الأمر بين الجماهير ، ويمشي في أسواقهم ويضع قدميه على أبسطتهم وفي الوقت ذاته لا تعرفه الناس حتى يأذَن الله له فيعرِّفَ نفسَه ، كما أذن ليوسف حينما قال له إخوته : أأنت يوسف ؟

قال : نعم أنا يوسف .

فهذه الروايات صريحة في كون ولي العصر (علیه السلام) رغم أنه يعيش بين الناس ألا أنّهم لا يعرفونه وواضح أن هذا المفهوم لا يتناقض مع مفهوم أن بعض الناس يرون شخصه المبارك عن معرفة . إذ أن المقصود من المفهوم الأول هوأن الإمام (علیه السلام) رغم كونه في أوساط الناس إلا أنهم عموماً لا يعرفونه . إذن فلا منافاة بين هذه الروايات ورؤية ثلة قليلة للإمام على أساس مصالح ومبررات(1).

9- في مرآة الزمن

يمكن القول بأن الكثير من علامات آخر الزمان التي جاء ذكرها في الأحاديث الشريفة تجسدت في عالم الخارج منذ سنين ولا زالت تبرز وتتحقق باستمرار . فهذه العلامات والتنبؤات الغريبة والصحيحة كثيرة ، وهي تدور حول الأحداث والأوضاع التي تظهر في لوح الزمن شارعة في بروزها قبل الظهور بزمن . وقد أخذت بالتحقق الواحدة بعد الأخرى ، التأمل في هذا اللون من الأحاديث التي تتناول آخر الزمان وأوضاع الشعوب في مثل هذه الأيام ، يعني : الأيام التي تسبق الظهور ، وبالأخص الأحاديث التفصيلية ، والتي ثُبتّت في


1) بيان الفرقان ، ج 5 ص 167 - 168

كتب الأحاديث يميط اللثام عن أمور في غاية العظمة ، وأعني الأحاديث التي يمثل نماذجها :

1- الحديث المعروف عن سلمان المحمدي عن النبي الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) حيث لزم حلقة باب الكعبة(1).

2 - حديث أنس بن مالك عن أمير المؤمنين في براث(2)ا .

3- حديث حمران بن أعين عن الإمام جعفر الصادق (علیه السلام)(3).

أبانت هذه الأحاديث أحوال آخر الزمان والطريقة التي يكون عليها الناس إبانة واضحة ، قبل قرون ، وكأن الذين طرحوا هذه الأحاديث كانوا يبصرون المستقبل في مرآة تعكس صورها بجلاء وصفاء كبيرين : أسلوب حياة الناس ، أخلاقهم وتعاملهم ، الضياع والإنحراف ، السلوك والعرف ، وضع الجماهير والنساء والأطفال ، الحياة وأدواتها وعلاقاتها ، وضع الأعلام والمنشورات ، الحكومات والنظم ، وعشرات المسائل الأخرى . وهذه المفردات التي يمكن عدّها من العلامات العامة للظهور تحقق الكثير منها خلال الخمسين سنة الأخيرة . وتحقق نفس وقائع هذه المفردات يحقق للإنسان البصير يقظة ، ويصيره مؤمنا بالعلامات والأحداث الأخرى التي لم تقع بعد .

10- السرعة والشمول

قيدان لازمان لشخصية المهدي (علیه السلام) في مرحلة الظهور . ومع الالتفات لهذين القيدين يمكن فضح كل مدع للمهدوية . وهذان القيدان هما : الفورية والعموم ، السرعة والشمول . يعني : إن ظهور المهدي الواقعي يستلزم عمومية تجسيد حكومة التوحيد في أرجاء العالم خلال مدة زمنية قصيرة جداً . وفي غير هذه الصورة يفتقد المهدي خاصته الذاتية .

إذن مع الالتفات إلى هذين الأصلين المسلمين - اللذين جاء ذكرهما في


1) جامع الأخبار ، بحار الأنوار ج 52 ص 262 - 264 .

2) کشف اليقين ، بحار الأنوار ج 2 ص 217 - 219.

3) روضة الكافي ، ص 34 - 42 ، بحار الأنوار ج 52 ص 254 - 260 .

أحاديث كثيرة - نعرف أن المهدي لم يظهر بعد حينما نلاحظ أن العالم بعد ادعاء المدعين لا يزال يعاني من أنظمة حكم متعددة وفاسدة ، ويعيش في ظل عقائد و مفاهیم باطلة ويغرق في ظلام دامس وظلم وذنب وضلال .

فأي مهديين أولئك الذين جاؤوا وانقرضوا ، ولا يزال العالم يتململ في ظلم وانحراف وتجاوز وكفر وجهل وضياع وانحطاط ؟!

فالمهدي لا يقدم بغية أن ينشر دعوة ، و ينشیء فرقة ، ويضيف لتمزق الأمم ومشكلات البشرية تمزقاً ومشکلات أخرى .

المهدي بقية الله ، وذخيرة ربانية ، المهدي مظهر « یا منتقم » و « یا عدل ويا حكيم ». فهو ذخيرة لنجاة البشرية ، ذخيرة حيث يقدم لينتشل الإنسانية من كل ألوان الظلم والحرمان ، والجهل والتشرنق ، والآلام والمتاعب ...

يظهر المهدي بعد امتحانات إلهية للبشر - امتحانات عقائدية وعملية ، فردية واجتماعية ، أممية ودائمية ، للأجيال والعصور في حين مقدر ، بأمر الله ، ويعرف نفسه للناس ، ويصنع بسرعة وحسم من هذا العالم ( - بفضل الإمداد الغيبي وإعانة القوى الإنسانية لأصحابه ، والقوى غير المعروفة الأخرى - ) عالماً إلهيّاً. وهذه هي الفلسفة العليا لغيبة وظهور المهدي (علیه السلام) . ومع الالتفات لهذا العمق الجوهري في شخصية المهدي وهذين المؤشرين الثوريّين لظهوره ( السرعة والشمول ) صار الشيعة الاثنا عشرية واعين مؤمنين ، في مأمن من شراك المدعين . والمتاجرين ، وذوي البدع ، والمستعمرين والخونة ، الذين يمزقون صفوف الأمة ووحدتها ، وفي منجی من كل انحراف وضلال ، وكانوا على الدوام منتظرين ظهور « الطلعة الرشيدة » ، و « الدولة الكريمة » .

11- طلوع الشمس من المغرب

جاء الحديث ضمن علامات الظهور بصدد طلوع الشمس من المغرب وقد أوضح هذا الأمر في بعض من الأحاديث كما يلي :

ترکد الشمس وقت الزوال في السماء ( تظلم السماء بشدة ، وتختفي الشمس ، وكأنها غربت ) وتستمر الحالة في

اختفائها ساعات العصر ، ثم تظهر - ( حين وصولها إلى جانب المغرب ) - من المغرب(1).

في ضوء هذا الإيضاح يفهم أنه بركود(2)وظلمة الشمس واختفائها ، حين الظهر ، واستمرار الحالة إلى الوقت المتاخم للغروب ، ثم ظهورها في المغرب ، والذي يبدو لنا هو أن الشمس بعد اختفائها وسط السماء عند الزوال تطلع من المغرب وقت الغروب .

وقد جاء هذا المفهوم في بعض من الروايات : « إن وجها وعلامة تظهر للناس في عين الشمس » .

وجاء في بعض من الأثر أن المهدي وهو الشمس الطالعة من مغربها »(3).


1) راجع الإرشاد ص 357 و ص 359.

2) يبدو أن الركود يعني اختفاء الشمس في الظلمة الشديدة ، و إلّا فحركة الكواكب قائمة كما أشارت لها نفس الأحاديث المشار إليها حيث جاء فيها إن الشمس بعد ساعات - من المدة التي تقضيها في ظلمة الجو تصل بعد ذلك إلى المغرب - ومن المغرب تأخذ بالطلوع .

3) إكمال الدين . بحار الأنوار ج 52 ص 195 .

الفصل السابع : في القران الكريم

اشارة

في «القرآن الكريم »

1- المهدي في القرآن

اشارة

اتضح جلياً أن موضوع « المهدي » و « الانتظار »، و « الظهور » انسحب على أرجاء كتب ومصادر المذاهب الإسلامية . وقد قام النبي الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) نفسه بتعليم هذه المفاهيم . وتحدث الإمام علي بن أبي طالب (علیه السلام) والأئمة الأخرون باستمرار في هذا الصدد ، وكشفوا عن زوايا كثيرة بصدد خصوصيات الموعود وظهوره والانتظار والمنتظرين . وعلماء ورجال الفرق الإسلامية حرروا فصولاً ودبّجوا كتباً في هذا المجال على طول تاريخ الإسلام وفي سائر أرجاء العالم الإسلامي .

في هذا الضوء ، فهل يمكن أن لا يكون لمثل هذا الموضوع جذور في كتاب الله ؟

إن موضوعاً على هذه الأهمية البالغة - قد علمه النبي وتحدّث عنه كثيراً ، ثم ورد الكثير من الحديث والبيان حوله عن علي (علیه السلام) والأئمة الأخرين - له جذوره القرآنية قطعاً ، وقد نزلت بشأنه آيات من الكتاب ....

لقد جاء الحديث في القرآن الكريم - بالإشارة حيناً و بالتصريح حيناً آخر حول تطورات المستقبل ، وحوادث آخر الزمان ، وامتداد الصلاح على العالم ،

وتحقق حكومة الصالحين . وقد اعتبر المفسرون المسلمون هذا اللون من الآيات ، ذا علاقة بالمهدي وظهور آخر الزمان . وهناك آيات أخرى في القرآن الكريم أشارت إلى لحاظ بسط ولاية المهدي (علیه السلام) سلطانها - بل كانت صريحة في هذا الصدد ، وسوف نستذكرها في الفصل القادم .

إليك قارئي الكريم عشر آيات من الآيات التي تلقي الضوء على المهدي ، وأخر الزمان ، وإطلال طلعته الرشيدة ، وقيام دولته الكريمة :

الآية الأولى :

( ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون )(1).

قال الإمام محمد الباقر (علیه السلام) :

« إن الأرض يرثها عبادي الصالحون : هم أصحاب المهدي (علیه السلام) في آخر الزمان » .

ويعلق الشيخ الطبرسي بعد نقل الحديث الأنف بالقول :

ويدل على ذلك ما رواه الخاص والعام عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أنه قال : لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث رجلاً صالحاً من أهل بيتي يملأ الأرض عدلاً وقسطاً ، كما قد ملئت ظلماً وجوراً ، وقد أورد الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي في كتاب البعث والنشور أخباراً كثيرة في هذا المعنى حدثنا بجمعها عنه حافده أبو الحسن عبيدالله بن محمد بن أحمد في شهور سنة ثمان

عشرة وخمسمائة(2).

وقد جاء في « تفسير علي بن إبراهيم » بهذا الصدد :

ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر قال : الكتب كلها ذكر


1) سورة الأنبياء : 105 .

2) مجمع البيان ج 7 ص 66 ، 67 .

أن الأرض يرثها عبادي الصالحون . قال : القائم وأصحابه . قال : والزبور فيه ملاحم وتحميد وتمجيد ودعاء(1).

الآية الثانية :

( ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ، ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين )(2).

هذه الآية أيضاً تنظر من زاوية - وفق ما جاء في بعض مقاطع «نهج البلاغة » وما ورد من روايات عن الأئمة الآخرين - إلى مستضعفي الشيعة وأنصار سبيل الحق ، حيث يستحقون في نهاية المطاف وراثة الأرض وحكومة العالم . وإنما يتحقق ذلك عصر ظهور الحجة البالغة(3). في ضوء ما نقله المحدث الكبير الشيخ الصدوق في « أماليه » من رواية عن علي (علیه السلام) أنه قال : « هي لنا أو فينا »(4).

الآية الثالثة :

(و يا أيها الذين آمنوا ، من يرتد منكم عن دينه ، فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلّة على المؤمنين أعزّة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ... )(5).

جاء في تفسير علي بن إبراهيم ما يلي :

نزلت في القائم وأصحابه . الذين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم(6).

الآية الرابعة :

( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ،


1) تفسیر نور الثقلين ج 3 ص 464 .

2) سورة القصص : 5 .

3) مجمع البيان ج 7 ص 239 .

4) تفسير نور الثقلين ج 4 ص 107، 111

5) سورة المائدة : 54.

6) تفسیر نور الثقلين ج 1، ص 641.

لیستخلفنّهم في الأرض ، كما استخلف الذين من قبلهم . ولیمکّننّ لهم دينهم الذي ارتضى لهم ، وليبدّلنّهم من بعد خوفهم أمناً ... )(1).

يقول الشيخ الطبرسي :

المروي عن أهل البيت (علیهم السلام) أنها في المهدي من آل محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) ، وروى العياشي بأسناده عن علي بن الحسين (علیه السلام) أنه قرأ الأية وقال : هم والله شيعتنا أهل البيت يفعل الله ذلك بهم على يدي رجل منا وهو مهدي هذه الأمة وهو الذي قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يلي رجل من عترتي اسمه اسمي يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً وروي مثل ذلك عن أبي جعفر (علیه السلام) وأبي عبدالله (علیه السلام)(2).

ويختتم أمين الإسلام الشيخ أبو علي الطبرسي حديثه بالتعليق في هذا المجال كما يلي :

. فإن التمكين في الأرض على الإطلاق لم يتفق فيما مضى ، فهو منتظر لأن الله عز اسمه لا يخلف وعده .

الآية الخامسة :

( هوَ الّذي أرْسَلَ رَسُولهُ بالهَدى وَدينِ الحَقِّ لِيُظهَرهُ على الدّين كُلِّهِ ، وَلَو كَرِهَ المُشرکُون )(3).

يقول رشید الدین الميبدي في تفسيره « کشف الأسرار » شارحة للآية :

« هو الذي أرسل رسوله » محمداً « بالهدى » بالقرآن والإيمان « ودين الحق » الإسلام ، ليظهر الله دينه أي -


1) سورة النور : 55 .

2) مجمع البیان ج 7 ص 152 .

3) سورة التوبة : 33.

لیعليه على سائر الأديان ، فلا يبقى دين إلا ظهر عليه الإسلام ، وسيكون ذلك ولم يكن بعد ، ولا تقوم الساعة حتى يكون ذلك ، رُوي عن أبي سعيد قال : ذکر رسول الله بلاءً يصيب هذه الأمة حتى لا يجد الرجل ملجأ يلجأ إليه من الظلم ، فيبعث الله رجلاً من عترتي وأهل بيتي فيملأ به الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً ، يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض ، لا تدع السماء من قطرها شيئاً إلا صبّته مدراراً ، ولا تدع الأرض من نباتها شيئاً إلا أخرجته حتى يُتمنى إحياء الأموات(1).

الآية السادسة :

( .. لهم في الدنيا خزي ، ولهم في الآخرة عذاب عظيم )(2).

يشرح رشيد الدين الميبدي هذا المقطع من الآية بالقول :

للنصارى في هذه الدنيا خزي وذلة وعار ، فإن كانوا من أهل الذمة فعليهم الجزية ، وإن كانوا حربيین فعليهم القتل ، ولهم في تلك الدار عذاب مهين خالد في النار . قال مقاتل والكلبي : « لهم في الدنيا خزي » هو فتح القسطنطينية وعمورية ، وفيها استئصالهم وخراب نظام دولتهم . قال المصطفى (علیه السلام) : « الملحمة العظمى فتح القسطنطينية ، وخروج الدجال في سبعة أشهر » .

يقول السدّي : خزيهم بخروج المهدي وفتح القسطنطينية وخراب ديارهم ، وقتل قوم منهم وأسر آخرين . والمهدي هو الذي قال المصطفی (علیه السلام) بشأنه :


1) کشف الأسرار ج 24 ص 119 - 120 .

2) سورة البقرة : 114 .

لو لم يبق من الدنيا إلّا يوم لطوّل الله ذلك اليوم حتى يبعث فيه رجلاً مني(1).

الآية السابعة :

( ... ومن قتل مظلوماً ، فقد جعلنا لوليّه سلطاناً ، فلا يسرف في القتل إنّه كان منصوراً )(2).

يقول الحويزي في تفسير « نور الثقلين » :

عن أبي جعفر (علیه السلام) قال : هو الحسين بن علي (علیه السلام) قتل مظلوماً ونحن أولياؤه ، وقال النبي : المقتول الحسین (علیه السلام) ووليه القائم ، والإسراف في القتل أن يقتل غير قاتله إنّه كان منصوراً فإنّه لا يذهب من الدنيا حتى ينتصر برجل من آل رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) يملأ الأرض قسطاً وعدلاً ، كما ملئت جوراً وظلماً(3).

الآية الثامنة :

( بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين .. )(4).

جاء في تفسير « نور الثقلین » نقلا عن أصول الكافي ما يلي :

محمد بن يحيى عن حفص بن محمد قال : حدثني إسحق بن إبراهيم الدينوري عن عمر بن زاهر عن أبي عبدالله ( عليه السلام ) قال : سأله رجل عن القائم : يسلم عليه بإمرة أمير المؤمنين ؟ قال : لا ، ذاك اسم سمى الله به أمیر المؤمنين ( عليه السلام ) ، لم يسمَّ به أحد قبله ولا يتسمی به بعده إلا كافر ، قلت : جعلت فداك كيف يسلم ؟ قال : يقولون : السلام عليك يا بقية الله ثم


1) کشف الأسرار ج 1 ص 325.

2) سورة الإسراء : 33.

3) نور الثقلين ج 3 ص 163 .

4) سورة هود : 86.

قرأ : ( بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين ..)(1).

نقل الشيخ الطبرسي في كتابه « الاحتجاج » عن أمير المؤمنین (علیه السلام) أنه قال :

هم بقية الله يعني المهدي (علیه السلام) الذي يأتي عند انقضاء هذه الفترة . فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً(2).

ونقل الشيخ الصدوق في كتابه « إكمال الدين » حديثاً طويلاً عن الإمام محمد الباقر (علیه السلام) حيث يتحدث فيه الإمام (علیه السلام) بصدد القائم (علیه السلام) ، وقد جاء فيه :

عن محمد بن مسلم الثقفي عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر (علیه السلام) : يقول فيه : فإذا خرج أسند ظهره إلى الكعبة واجتمع إليه ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً فأول ما ينطق به هذه الآية ( بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين .. ) ثم يقول : أنا بقية الله وحجته وخليفته عليكم فلا يسلم إليه مسلم إلا قال : السلام عليك يا بقية الله في أرضه(3).

كما جاء في الأثر عن الإمام محمد الباقر (علیه السلام) أنه قال :

قال أبو جعفر ( عليه السلام ) :

إن العلم بكتاب الله عز وجل وسنّة نبيه ( صلى الله عليه وآله ) لينبت في قلب مهدينا كما ينبت الزرع على أحسن نباته ، فمن بقي منكم حتى يراه فليقل : حين يراه « السلام عليكم يا أهل بيت الرحمة والنبوة ومعدن العلم وموضع و الرسالة ، السلام عليكم يا بقية الله في أرضه(4).

الآية التاسعة :

( .. يوم يأتي بعضُ آیاتِ ربِّك ، لا ينفع نفساً أيمانُها لم تكن آمنت مِن قبل .. (5).


1) نور الثقلين ج 2 ص 390 .

2) نور الثقلين ج 2 ص 390 .

3) نور الثقلين ج 2 ص 390 .

4) بحار الأنوار ج 52 ص 317 - 318.

5) سورة الأنعام : 158 .

يقول السيد هاشم البحرانی صاحب التفسير المعروف :

قال الشيخ الصدوق نقلا عن الإمام الصادق (علیه السلام) : الآيات : الأئمة والأية المنتظرة : القائم (علیه السلام) ، فيومئذٍ لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل قيامه بالسيف ، وإن آمنت بمن

تقدم من آبائه (علیهم السلام)(1).

ويقول أيضاً :

قال أبو بصير : قال الصادق (علیه السلام) : في قول الله عز وجل : يوم يأتي بعض آیات ربك .. يعني خروج القائم المنتظر منّا ثم قال (علیه السلام) : يا أبا بصير : طوبى لشيعة قائمنا المنتظرین ظهوره في غيبته ، والمطيعين له في ظهوره ، أولئك أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون(2).

الآية العاشرة :

( فيها يُفرق كلُّ أمر حکیم )(3).

المعنيّ في هذه الآية المباركة هو : تقدير الأمور ليلة القدر في كل عام ، ويرتبط هذا المقصود بشكل مباشر بوليّ العصر (علیه السلام) ، وشهود ولايته في أوساط الأمة وحركتها وفي أرجاء عالم الكائنات . وسوف نتحدث في هذا المجال خلال الفصل القادم .

2- عدد من التفاسير

الآيات العشر آنفة الذكر ، وآيات أخر من « القرآن الكريم » فُسرت ب « المهدي الموعود » ، ومجريات حوادث آخر الزمان ، والإرهاصات المقارنة للظهور وبعده . وفي شرح و تفسير هذه الآيات استند إلى الأحاديث النبويّة ، وأقوال الإمام علي بن أبي طالب (علیه السلام) والأئمة الأخرين ، وسائر علماء ومحدّثي الإسلام المبرزين . ومن الممكن أن يتعذر وجود کتاب تفسير العلماء الشيعة لم


1) تفسير البرهان ج 1 ص 564.

2) تفسير البرهان ج 1 ص 564.

3) سورة الدخان : 4.

يتطرق فيه بمناسبة هذه الأيات للحديث عن المهدي (علیه السلام) والقضايا المرتبطة بهذا الإمام ، ولا أجد هنا حاجة لذكر فهرست أسماء هذه التفاسير ، مع أنه يمكن الرجوع - لمزيد من الاطلاع بصدد الآيات القرآنية ذات الارتباط بالموضوع - إلى كتاب :

( المحجة فيما نزل في القائم الحجة ).

والكتاب من مؤلفات العالم الكبير السيد هاشم البحراني(1)، صاحب التفسير القيم « البرهان » .

وقد فسرت بعض الآيات المشار إليها وآيات أخرى في تفاسير أهل السنة المعتبرة بالمهدي (علیه السلام) ، وظهوره أيضاً . وإليك أسماء عدد من تفاسیر علماء أهل السنة التي فسرت فيها بعض آیات القرآن العزيز بالمهدي (علیه السلام) ووقائع ظهوره ، والتي جاء فيها ذكر هذا الإمام العظيم :

1 - تفسير غرائب القرآن * النظام النيشابوري .

2 - تفسير الكشف والبيان * أبو إسحاق الثعلبي .

3 - تفسير الكشاف * جار الله الزمخشري .

4- تفسیر کشف الأسرار * رشيد الدين الميبدي .

5- تفسير مفاتيح الغيب * الفخر الرازي .

6 - تفسير الدر المنثور * جلال الدين السيوطي .

7- تفسير المنار * الشيخ محمد عبده .

8- تفسیر روح البيان * إسماعيل حقي .

9 - تفسیر روح المعاني * شهاب الدين الألوسي .

10 - تفسير الجواهر * الطنطاوي .


1) السيد هاشم البحراني من علماء ومحدئي الطبقة الحادية عشرة - الثانية عشرة المتوفى عام 1107 أو 1109 من الهجرة النبوية المباركة .

الفصل الثامن: في سورة القدر

اشارة

في ( سورة القدر )

1- سورة القدر

بسم الله الرحمن الرحيم

( إنا أنزلناه في ليلة القدر * وما أدراك ما ليلة القدر * ليلة القدر خير من ألف شهر * تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر * سلام هي حتى مطلع الفجر )

2- أيُّ ليلة ؟

ما هو هذا الأمر العظيم ؟

وأيّ الليالي هذه الليلة ؟

أيّ ليلة ، هذه الليلة المباركة ، التي تنزل القرآن فيها ؟ أيّ اللحظات الغالية التي تقع فيها هذه الليلة ، التي هي خير من ألف شهر ؟ الليلة التي تتنزل فيها الملائكة ، ويهبط فيها الروح ( جبرائیل )(1)، هذه الليلة التي يؤتي فيها


1) ذهبت بعض الأحاديث إلى أن « الروح » في هذه الآية هو جبرائیل ، وجاء في البعض آخر أعظم من جبرائيل وسائر الملائكة .

بالأوامر والتقادير إلى الأرض ، مصمّمة معيّنة وفق حكمة وتدبير ، الليلة التي تصير كل آناتها ولحظاتها حتى يتنفس الصبح سلاماً وتحية ورحمة وسلماً وأمناً ويمناً .... أيُّ ليلة هذه ؟

أجل ، تهبط الملائكة والروح في كل عام في ليلة حين « القدر » وهي تحمل معها بإذن الله كل أمر وتقدير ... كيف يكون هذا الأمر ؟ صوب أيّ شخص تذهب هذه الملائكة ، وألى أي شخص تعهد بهذه الأوامر والمقدرات ؟

أين هو المحل الذي تهبط عنده الروح العظيمة ؟

وأي موقع مقدس ومنطلق للهدی ومستودع للنواميس تحطُّ بجانبه الملائكة وهي تحمل معها « كل أمر » ؟

تحلق الملائكة من قاعدة انطلاقها « السماء » في ليلة القدر ، ففي أي منزل مقدس ولدى أي محط ومهبط مطهر تحط وتهبط ؟

3- ليلة القدر ، ورسالة هجر

تلك الليلة التي لا بد أن تستبطن شكوى هجران ، والتي تستيقظ على أمل الوصال واللقاء ، والتي تسكر سلاماً بنخب الظلام الأول حتى « مطلع الفجر » أي ليلة تلك ؟

تلك الليلة التي يدعوها الشاعر «حافظ القرآن »(1)مستلهماً كتاب الله ب « ليلة الوصال » التي تنطوي على رسالة هجر وتختتم بها ، أي ليلة هدى ، تضيء القلب هذه ؟

ليلة لا بدّ أن يكون فيها العاشق المتصابر : ساعياً طالباً ، يبقى على يقظة بلا نوم ، يتلمس اللقاء ، ويتخذ الإحياء فيها سبيلاً ليعكف على المناجاة ، فاعلاً للخير ، موقعاً الصالحات حيث موقعها ، يصل أفضل الحاجات فيها ، ويطلب البصيرة والمعرفة ، مذاكراً للعلم(2).


1) المقصود : حافظ الشيرازي ، الشاعر الإيراني المعروف .

2) قال شيخنا الصدوق فيما أملي على المشايخ في مجلس واحد من مذهب الإمامية : « ومن أحيى هاتين الليلتين بمذاكرة العلم فهو أفضل » مفاتیح الجنان ، ص 226 - 227.

ليلة لا ينأى فيها عمل دون أن يصيب الثواب .

ليلة لا بدّ أن يستذكر فيها وجه ذلك المحبوب العزيز، والعون المشرّد عن الديار والمختفي الشاهد استذكاراً ممزوجاً بأنّات الام العاشقين ، ولا بدّ أن يلتمس فيها شهود طلعته من الرب العظيم ...

أي ليلة عزيزة هذه ؟

4- ليلة في كل عام

يفهم بوضوح من خلال آيات « سورة القدر »(1)أن هناك ليلة في كل عام أفضل من ألف شهر - قيمة وقدراً وشرفاً -(2)

ص 520.

.

ليلة تأتي في كل عام . وهناك في كل عام ليلة واحدة تدعى ليلة القدر تأتي الملائكة بصحبة عظيمها في هذه الليلة إلى الأرض متنزلة بكل أمر وتقدير قد حُدّد من قبل الله - لعام واحد لغاية ليلة قدر العام القادم - .

الذي يفهم من خلال الأحاديث التي جاءت في تفسير هذه السورة ، وتفسیر آیات مطلع سورة « الدخان » هو : إن الملائكة تجلب في ليلة القدر مقدرات عام واحد ل « ولي العصر المطلق » ، وتعرض هذه المقدرات عليه وتسلمها إيّاه ، وهذا الواقع كان على الدوام ، ويستمر في الكون . ففي أيام النبي الأكرم كان محل المصطفی (صلی الله علیه و آله و سلم) مهبط نزول الملائكة ليلة القدر . وهذا الأمر مورد قبول الجميع وهناك أمر آخر مورد قبول أيضاً وهو أنه بعد النبي الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) توجد «ليلة قدر » أيضاً كما جاء بوضوح في القرآن الكريم في سورتي « القدر » و « الدخان » بأن هناك ليلة «قدر» في كل عام .

يقول المفسر السني المعروف رشيد الدين الميبدي :

واختلفوا في وقتها : فقال بعضهم : إنها كانت على عهد رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ثم رفعت . وعامة الصحابة والعلماء على


1) كذلك يفهم من آیات مطلع « سورة الدخان » ، التي سوف يأتي ذكرها .

2) قيام ليلة القدر والعمل فيها خير من قيام ألف شهر ليس فيه القدر . مجمع البیان ، ج 10

أنها باقية إلى يوم القيامة(1).

ينقل الشيخ الطبرسي أيضاً رواية عن أبي ذر الغفاري في هذا الصدد :

جاءت الرواية عن أبي ذر ، أنه قال : قلت : يا رسول الله : ليلة القدر هي شيء تكون على عهد الأنبياء ينزل فيها فإذا قبضوا رفعت ؟ قال : لا . بل هي إلى يوم القيامة .(2)

وصلت أحادیث متعددة بصدد هذا الموضوع العقيدي المهم وهذه القضية القرآنية العظيمة ، خضعت للدرس والتحليل والإيضاح . ومن جملة هذه الأحاديث حديث آخر نقل في كتاب « أصول الكافي ». وقد جاء على لسان الإمام جعفر الصادق (علیه السلام) في هذا الحديث ما يلي :

كان علي (علیه السلام) كثيراً ما يقول [ ما ] اجتمع التيمي والعدوي عند رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ، وهو يقرأ « إنا أنزلناه » بتخشع وبكاء فيقولان : ما أشد رقتك لهذه السورة . فيقول رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) : لما رأت عيني ووعى قلبي ، ولما یری قلب هذا من بعدي . فيقولان : وما الذي رأيت وما الذي یری ؟ قال : فيكتب لهما في التراب ( تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر ) قال : ثم يقول : هل بقي شيء بعد قوله عز وجل : ( كل أمر ) فيقولان : لا .... ». (3)

5. صاحب ليلة القدر

حينما ننتهي عبر المعرفة القرآنية إلى أن هناك « ليلة قدر » في كل عام ، فلا بد من الالتفات إذن إلى دوام حضور (صاحب ليلة القدر ) - كما جاء في


1) کشف الأسرار ج 10 ص 559 .

2) مجمع البیان ج 10 ص 518.

3) اصول الكافي ، کتاب الحجة ، باب في شأن ( إنا أنزلناه في ليلة القدر ) ، الحديث الخامس

الأحاديث - ، وإلاّ فإلى أيّ شخص تهبط الملائكة ؟

وإلى أي فرد تحمل كتاب المقدّرات ؟ وإلى أيّ شخص تعهد الملائكة بمجاري الأمور بإذن الله ؟

الولاية التكوينية لا تنفصل عن الولاية التشريعية . وعكس هذه القضية صادق أيضاً . إذن ، فكما جاء في القرآن الكريم من استمرار وجود « الحجة » حتى قيام الساعة ، فصاحب ليلة القدر أيضاً موجود باستمرار وهو « الحجة » . وأضحى هذا المركز بعد رحلة النبي الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) من نصيب أوضياء النبي . وهاتان الحقيقتان الكبيرتان ( يعني : وجود ليلة قدر في كل عام ، ووجود صاحب ليلة القدر في كل عصر ) يشير إليهما الإمام علي بن أبي طالب (علیه السلام) كما يلي :

إن ليلة القدر في كل سنة : وإنه ينزل في تلك الليلة أمر السنة ، وإن لذلك الأمر ولاة بعد رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)(1).

والملفت للنظر حقاً هو أن علماء أهل السنة أيضاً صرّحوا بهذه الحقائق في مواقع من بحوثهم ، ومن جملتها في شرحهم ل ( حديث الثقلين ) .. وحديث الثقلین حدیث متواتر ومشهور ، وقد تناقلته مئات المصادر الشيعية والسنيّة ، وأحد الحقائق الإسلامية والأحاديث النبوية المسلّمة . يقول النبي الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) في هذا الحديث :

« إني تارك فيكم الثقلين ، ما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا بعدي ، أحدهما أعظم من الآخر ، كتاب الله

وعترتي »(2).

لعلماء أهل السنة ومحققيهم إيضاحات، في غاية الأهمية بصدد هذا الحديث ، نورد هنا أحد هذه الإيضاحات کنموذج :

يقول المحدث المعروف ابن حجر الهيثمي الشافعي صاحب المؤلفات الكثيرة ، ومؤلف و الصواعق المحرقة » :


1) المصدر السابق نفس الباب ، الحدیث 2.

2) عبقات الأنوار ، مجلدات « حديث الثقلين » ، طبع أصفهان .

وفي أحاديث الحث على التمسك بأهل البيت إشارة إلى عدم انقطاع متأهل منهم للتمسك به ، إلى يوم القيامة ، كما أن الكتاب العزيز كذلك ، ولهذا كانوا أمانا لأهل الأرض ...(1).

سوف نتحدث في الفصل القادم حول أهمية « ليلة القدر » من زاوية قانونين عظيمين حاکمين على الكائنات وهما « قانون الوساطة في الفيض » و « قانون الإجمال والتفصيل في الخلق والتقدير ». ونقتصر على الإشارة هنا إلى أن قضية « إدامة التقدير »، و « إدامة مجري التقدير » قضية حتمية وقانون إلهي . وحيث إن الأمر كذلك فهو غير قابل للتبديل على الإطلاق ، وهي أمر ثابت لا يتغير ، وهاتان الحقيقتان التوأم باستمرار قائمتان على الدوام ويستمران في الكينونة .

وقد بلغنا في هذا الصدد تعليم عن الإمام الجواد (علیه السلام) ، يحسن بنا أن نورد خلاصة هذا التعليم هنا حيث إنه بيان ولي لتلك الحقيقة وذاك الواقع الثابت :

« لقد خلق الله جل ذكره ليلة القدر أول ما خلق الدنيا ، ولقد خلق فيها أول نبي وأول وصي يكون ، ولقد قضى أن يكون في كل سنة ليلة یهبط فيها بتفسير الأمور ...

أما الأنبياء والرسل - صلى الله عليهم - فلا شك ولا بدّ لمن سواهم - من أول يوم خلقت فيه الأرض إلى آخر فناء الدنيا - أن تكون على أهل الأرض حجة ينزل ذلك في تلك الليلة إلى من أحب من عباده . وايم الله لقد نزل الروح والملائكة بالأمر في ليلة القدر على آدم ، وايم الله ما مات آدم إلاّ وله وصي وكل من بعد آدم من الأنبياء قد أتاه الأمر فيها ووضع لوصيه من بعده .. »(2).

عبر هذا الحديث الشريف والإلهام العظيم - الذي أوردنا مقطعاً منه -


1) عبقات الأنوار ج 3 ص 151 ، انظر أيضأ « شرف الدین » ص 58 - 66 .

2) اصول الكافي ، باب في شأن ( إنا أنزلناه ) الحديث 7.

نلتقي بملاحظات عقيدية ومعرفية غاية في الأهمية ، تستحق مزيداً من الالتفات الشامل والعميق ، حيث تضحي معرفة واقع الوجود وماهية العالم ، وعلامات الموجودات ، وصلب قوام الحقائق دون معرفة تلك الأصول والروابط معرفة لا تتعدى فهم القشر الظاهر ، كما أشار القرآن الكريم لعلوم أولئك الذين لا يمتلكون معرفة تلك الحقائق بقوله تعالی :

( يعلمون ظاهرة من الحياة الدنيا ... )(1).

ومن الواضح أن المعرفة الظاهرية للأشياء والعالم لا تتناقض مع الوصول الفهم خواص بعض الأجسام والفلزات والمركبات الكيمياوية والمعادن ، واكتشاف عد من المجرات والكواكب ... واختراع بعض وسائل الترفيه والحرب وعدد من الأدوات الطبية والإعلامية والسياحية . فهذه جميعها لا تزال أيضاً عند حد تلك المعرفة الظاهرية والصورية بالقياس لإدراك الحقائق . نعود إلى صلب الموضوع حيث كان الحديث حول الملاحظات التي تضمنها الحديث الشريف ، ونشير هنا إلى خمس من تلك الملاحظات :

1- ضرورة وجود نظام وتقدير في العالم ، منذ إبداع أول شيء في الكون ، وليلة القدر ، تعني : ظرف تقدير وتنظيم الأمور .

2- ضرورة وجود قوّة منفّذة ، وتظهر هذه القوة بشكل ما، مصاحبة لظرف و التقدير .

3- ضرورة وجود الحجة أثناء حركة الأشياء ، وهو نفسن منقذ المقدرات بإذن الله ، وهو خليفة الله : النبي ، أو وصي النبي .

4- ضرورة وجود واسطة في الفيض تقوم بالربط الداخلي للعالم ، وهو عبارة : عن الولي والحجة ، ووجوده متقدم على وجود الآخرين .

5- ضرورة استمرار سنن التاريخ الإلهية ، دون وقفة وتقطّع ، حتى يوم البعث وقيام الساعة .


1) سورة الروم : 7.

إذن ؛ نلاحظ أن ليلة القدر والتقدير كانت منذ إبداع هذا العالم . وكانت الأمم السالفة مهتمة بهذه الليلة وقيل : إن الأمم السابقة كانت تطلب ليلة القدر ، وكانت على علم بهذه الليلة وأهميتها (1).

6- القرآن وليلة القدر

جاء في بعض الأحاديث : إن رجلا قال للإمام الصادق (علیه السلام) : أخبرني عن ليلة القدر كانت أو تكون في كل عام ؟ فقال الإمام الصادق (علیه السلام) : لو رفعت ليلة القدر لرفع القرآن .

يشير بيان الإمام الصادق (علیه السلام) آنف الذكر إلى الفلسفة الغائية لنزول الإنسان إلى الأرض . ففي هذا الضوء يضحي العالم الأرضيّ مقراً للإنسان ، ليمتحن الإنسان في هذا المقر ، ويتميّز بعلم الكامل عن الناقص ، والسعيد عن الشقي ، ليمضي الإنسان في نهاية المطاف على نهج حركته التكاملية صوب الله . وهذا يستلزم استقرار العالم الأرضي ، واستقرار العالم الأرضي يستلزم التقدير والحكمة والتدبير والتنفيذ ، وكل ذلك يرتبط بليلة القدر وتنظيم أمور العالم وحضور الولي والحجة .

وفي ضوء كينونة هذه الأمور جميعها يلزم وجود کتاب المعرفة والعمل . إذن ، حكمة دوام العالم الأرضي هي حركة الإنسان التكاملية المرتبطة بالكتاب والحجة . وحيث إن إلغاء ليلة القدر بمنزلة تمزيق أوصال العالم الأرضي فسوف يلغي القرآن أيضاً في صورة إلغاء ليلة القدر فما دام العالم كانت ليلة القدر ، وما دامت ليلة القدر كان القرآن موجوداً ، وما داما - القرآن وليلة القدر - كان الحجة موجوداً وهو صاحب ليلة القدر وحامل علم القرآن .

على هذا الأساس فبيان الإمام الأنف إشارة أيضاً لتلك الحكمة العميقة والسر العظيم لوجود الارتباط والتلاحم بين الهداية التكوينية والهداية التشريعية ، والارتباط المباشر بين الحجة الصامتة ( القرآن ) ، والحجة الناطقة


1) کشف الأسرار ج 10 ص 559.

( الإمام ) ، ويلقي هذا البيان التعليمي الضوء على مقولة النبي المعروفة في حديث الثقلين - الأنف ذكره - حيث جاء في العديد من متون حديث الثقلين قوله : «لن يفترقا حتى يردا على الحوض ».

في ختام هذه الفقرة هناك مفهوم عظيم آخر يستحق الإشارة . وهذا المفهوم هو العلاقة بين علم الإمام وليلة القدر من جهة وعلاقته بالقرآن الكريم من جهة أخرى . فما هي العلاقة بين الأمور والمقدرات التي تطرح على الإمام وتتحقق تنفيذيّاً على يديه ، وبين القرآن الكريم وآياته وعلومه وأسراره ؟

تحتل هذه المسألة - من زاوية معرفة أبعاد القرآن الكريم المختلفة والوقوف على بواطن آیاته والطاقات الكامنة فيها - أهمية بالغة . ترتبط الخصوصيات الواقعية للآيات - التي أشير لها في بعض المواقع - بهذه المعرفة ، كما أن تجسيد هذه الخصوصيات أيضاً يكمن في الحصول على علم بهذا الصدد .

ولدعم هذا المفهوم يحسن استذكاراً مسألة : إننا نلاحظ أن نزول القرآن في ليلة القدر - المشار إليها - بل عبر سورة القدر والدخان ابتدأ بالحديث عن نزول القرآن في هذه الليلة ، ثم عطف الحديث حول ليلة القدر نفسها ومضمونها والحقائق التي تنطوي عليها .

7- على وليلة القدر

عن أحمد بن هودة ، عن إبراهيم بن إسحق ، عن عبد الله بن حماد ، عن أبي يحيى الصنعاني ، عن أبي عبدالله ( عليه السلام ) ، قال :

سمعته يقول : قال لي أبي محمد : قرأ علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ( إنا أنزلناه في ليلة القدر ) وعنده الحسن والحسين فقال له الحسين : يا أبتاه فإن بها من فيك حلاوة ، فقال له : يابن رسول الله وابني ، اعلم أني أعلم فيها ما لا تعلم ، إنها لما أنزلت بعث إلىّ جدك رسول الله

( صلى الله عليه وآله ) فقرأها علي ثم ضرب على كتفي الأيمن ، وقال : يا أخي ووصيي وولي على أمتي بعدي ، وحرب أعدائي إلى يوم يبعثون ، هذه السورة لك من بعدي ولولديك من بعدك إن جبرئيل أخي من الملائكة حدث لي أحداث أمتي في سنتها ، وإنه ليحدث ذلك إليك كأحداث النبوة ولها نور ساطع في قلبك وقلوب أوصيائك إلى مطلع فجر القائم(1).

8- ليلة مباركة

ورد الحديث عن ليلة القدر في القرآن الكريم في سورة الدخان مضافاً .لطرحها في سورة القدر . ففي الآيات الأولى من سورة الدخان مضى الحديث عن نزول القرآن ليلة القدر وحول تعيين الأمور وفق حكمة :

( إنا أنزلناه في ليلة مباركة ، إنا کنا منذرين * فيها يفرق كل أمر حكيم * أمراً من عندنا إنا كنا مرسلین )(2).

ففي هذه الآيات جاء الحديث أيضاً عن ليلة القدر والتقدير واليمن ، كما جاء عن نزول القرآن وهبوط الملائكة بأمر الله .

وفي الآية الرابعة أيضاً جاء التعبير عن الفعل بصيغة المضارعة ( يفرق ) حيث تدل على الدوام والاستمرار . ويفهم من هذا أن التفريق وإقامة الأمور على أساس الحكمة يمضي تحقيقه باستمرار في مثل هذه الليلة .

سوف نقول في الفصل القادم إن تنظيم أمور العالم على امتداد الزمن يستلزم الإجمال والتفصيل ، يعني : تعيين جميع الأمور - في البدء - على نحو عام ثم تأخذ جزئیاتها طريقها في مسيرة التجسيد والتحقق . خذ مثلاً برنامجك السنوي ، فأنت تحدد - بدءاً - دخلك السنوي إلى جانب المهام والالتزامات


1) البرهان ج 4 ص 487 .

2) سورة الدخان : 3- 5 .

التي بعهدتك فتخطط لوضعك خلال العام ، ثم تمارس عملك اليومي وفق البرنامج السنوي المعين وبشكل دقيق ومنظم ، وهذه الحقيقة لازم طبيعي للتنظيم والنظام ، وذات علاقة بمبدأ تفريق الأمور ، يعني : عزل وفرز الأمور والقضايا واحدة واحدة . يقول الإمام الصادق (علیه السلام) في حديث :

... قال : « فيها يفرق كل أمر حكيم » ، فكيف يكون حكيماً إلاّ ما فرق ...(1).

على هذا الأساس فتوفّر أمور العالم المختلفة في حركتها على الإحكام والتنظيم مع ما فيها من دقة واتساع هائل عبر بلايين الأجزاء والأفراد ، وبلايين القوانين ... يحصل كما يلي : بدءا يقرر برنامج دقيق ويحدد تقدیر حکیم ، ثم يوضع حيّز التطبيق على علاقة بخليفة الله في الأرض ( يعني : المنفذ والمشرف على عملية التنفيذ ) .

يتضح على هذا النهج أن الآيات المتقدمة أجمع ذات دلالة على استمرار وجود « حجة الله » على الأرض . واليوم يمثل الحجة بن الحسن المهدي (علیه السلام) حجة الله على الأرض ، وواسطة الفيض والولي المطلق وبتعبير الشيخ البهائي صاحب سرّ الله في هذه الدار »(2)

إمام الوری طود النهی منبع الهدى * وصاحب سر الله في هذه الدار

وقد ترجمنا « 29 » بيتا من هذه القصيدة الجميلة في كتابنا « الأدب والالتزام في الإسلام » .

وهو الإمام الموعود ، وقطب حركة العالم وروحه ، وحقيقة الزمان وعدل القرآن . وهو نفسه صاحب ليلة القدر ، ومحله الرفيع مهبط الروح والملائكة في ليلة القدر ، حيث ورد في الأثر :

إن الناس في تلك الليلة في صلاة ودعاء ومسألة ، وصاحب هذا الأمر في شغل نزول الملائكة إليه بأمور السنة من غروب الشمس إلى طلوعها من كل أمر سلام هي له إلى أن يطلع الفجر(3).


1) البرهان ج 4 ص 487 .

2) ورد هذا التعبير في قصيدته المعروفة « وسيلة الفوز والأمان في مدح صاحب الزمان » :

3) نور الثقلين ج 5 ص 641 .

9- احتجاج

تطرق الحديث في القرآن الكريم لمفهوم « الخلافة الإلهية » :

( .. إني جاعل في الأرض خليفة ... )(1).

سوف نتحدث حول هذا المفهوم في الفصل القادم .

وهنا نذكر بأن المقصود من مجموع المصطلحات « الولي المطلق » ، « الولي الكامل » ، « ولي الزمان » ، « ولي العصر » ، « الحجة الناطقة » ، و « صاحب ليلة القدر » ... هو مفهوم « خليفة الله » في الأرض . فبعد رحلة النبي الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) ، واختتام مرحلة النبوة والأنبياء ، أضحى هذا المركز الخطير نصيباً لأوصياء النبي ، يعني : علياً وأبناءه الأحد عشر .

مع الالتفات إلى هذه المفاهيم القرآنية والإسلامية ، كيف يمكن أن يخطر في الذهن أن مثل هذا المركز وهذه العلاقة مع الله وأغوار العالم وأسرار التقدير يكون خلفاء بني العباس طرفها ، أمثال المنصور الدوانیقي ، وهارون الرشید ، وجعفر المتوكل ، أو أن صاحب هذا المركز وطرف العلاقة هو خلفاء بني أمية أمثال یزید بن معاوية ، والوليد بن عبد الملك ، ومروان بن الحكم ؟!

فهل يمكن أن يكون هؤلاء ورثة العهد الإلهي وخلفاء الله على الأرض ؟

الخلافة عهد إلهي ، ولا يبلغ هذا العهد إلا الصالحين والمعصومین والطاهرين المطهرين . فهؤلاء وحدهم يمكن أن يكونوا ورثة علوم الأنبياء وحملة العهد الإلهي إذ : ( ... لا ينال عهدي الظالمين .. )(2).

فهذا المفهوم وتلك التي تقدمت ، أعني : مسألة ليلة القدر ، والخلافة الإلهية على الأرض ، واستمراريتها - التي تعني بتعبير آخر : استمرار بقاء القرآن وإدامة حجيّته - على علاقة مباشرة بضرورة الإمام ، ولزوم الإمامة ، ومن هنا كانت « سورة القدر » و « سورة الدخان » من أهم أدلة استمرار ولزوم « الإمامة الحقة » و « الخلافة الإلهية » في الأرض ، وهما أعظم سند على


1) سورة البقرة : 30.

2) سورة البقرة : 124.

استمرار الناموس الإلهي في عالم الأرض .

وعلى أساس هذه الرؤية القرآنية يقدم الإمام التاسع ، الجواد (علیه السلام) ، للشيعة تعليماً تربوياً وذا أهمية بالغة ، فيقول :

«يا معشر الشيعة ! خاصموا بسورة ( إنا أنزلناه في ليلة القدر » تفلحوا(1). فوالله إنها لحجة الله - تبارك وتعالى - على الخلق بعد رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)(2)، وإنها لسيدة دینکم ، وإنها لغاية علمنا . یا معشر الشيعة : خاصموا ب ( حم * والكتاب المبين * إنا أنزلناه في ليلة مباركة ، إنا كنا منذرين ) فإنّها لولاة الأمر خاصة ، بعد رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)(3).

10- معيار الإنسانية

الإنسان الذي يحيا على وجه الكرة الأرضية يشترك مع سائر الأحياء في كثير من الفعاليات ، فالأحياء تتنفس ، وتتحرك ، وتأكل ، وتنام وتتناسل ، وتسمع الأصوات ، وترى الأشياء ، ولها أحاسيسها ولذاتها كما تبلغها الام وتنالها المضار أيضاً . والإنسان الاعتيادي شأنه شأن سائر الأحياء والحيوانات في هذه الفعاليات . بل الإنسان المتوحش والضائع أكثر انحطاطاً وضعفاً في كثير من الفعاليات والخصائص المادية ( .. بل هم أضل سبيلاً .. )(4).

متى يتجاوز الإنسان مرحلة الحيوانية ويبلغ حد الإنسانية، وبتعبير سعدي : « الأدمية » ؟ حينما يحلق الإنسان إلى مرحلة الأدمية فهو ينقذ ذاته من حضيض التكلّس المادي ويبلغ أرقی مراحل الواقعية . وما دام الإنسان مهموماً ومتعلقاً


1) يعني : اثبتوا لزوم الإمامة بهذه السورة ، واسألوا أولئك عن معنى هذه السورة وعلى أي شخص و تهبط الملائكة وتعرض المقدرات ليلة القدر ؟

2) يعني : أن بعد رحلة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) هناك مصداق لهذه السورة أيضاً ، فاسألوا : من هو مصداقها ؟

3) سورة الدخان : 1- 3.

4) سورة الفرقان : 44.

بظواهر الحياة المادية ، وواقعاً في أسر « الشهوة والأكل والشرب والنوم »، وغير مالکٍ لمعرفة سليمة عن حقائق العالم وواقع وجوده ، فهو لا يفترق كثيراً عن الحيوانات . يفترق الإنسان ويرقي عن هذه المرحلة حينما يتجاوز عالم الحركة الظاهرية ، السمع ، البصر ، والحضور الظاهري في مرحلة هذا العالم ، ليصل إلى مرحلة العمق والرؤية الباطنية والحضور النافذ . وبتعبير آخر : أن يحلّق فوق وجوده الملكي لينال ملکوته « واقعة الوجودي ، وحقيقته الداخلية » ويحصل عليها لينتقل عن طريق بلوغ واقعه الوجودي إلى واقع وملكوت وجود الأشياء الأخرى كاشفاً عنه ومستبصرة الأفقه .

ما ذكرناه مجملاً إنّما يحصل في أفق المعرفة السليمة للذات والعالم . وهذه المعرفة السليمة رهينة بمعرفة الرابط الوجودي ومعرفة ماهية واقع الأشياء. والمعرفة الثانية تكمن في استبصار « ید الله المبسوطة » في العالم ، والتعلق بها وهي تعني : « وليّ الزمان » ، والهوية الداخلية للعالم .

ولأجل الاهتداء إلى تلك المعرفة والاعتقاد بهذا الواقع أراد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أن يمتلك الناس اعتقاداً وإيماناً ب «ليلة القدر » . إذ إنّ هذا الاعتقاد والإيمان يفضي - من الناحية المعرفية والنظرية - إلى تطابق معرفة الإنسان مع الواقع والقانون الإلهي للعالم ، ويوجب - من الناحية العملية - أن يمتلك الإنسان موقفاً سليماً ونهجاً سياسياً صالحاً وقائداً إلهياً لمسيرته الاجتماعية .

روى الشيخ المفيد بأسناده عن الإمام الجواد (علیه السلام) عن آبائه عن أمير المؤمنين علي (علیه السلام) أن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) قال لأصحابه :

« آمنوا بليلة القدر ، فإنه ينزل فيها أمر السنة ، وإن لذلك ولاةً من بعدي : علي بن أبي طالب وأحد عشر من ولده »(1).

والحديث المشهور الذي ژوي عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) يلحظ هذه المفاهيم ایضاً :

«من مات ولم يعرف إمام زمانه ، مات ميتة جاهلية ».


1) الإرشاد ص 348.

الإنسان الذي لا يبصر خطّ الحركة السليمة في حياته ، سوف لا تقع فعالياتها - حركته وسكونه في الحياة - على طريق التكامل .

الحركة التكاملية للإنسان حركة وفق الخط السليم « الوجود » و «التكليف » و « الغاية » . ولا يمكن استبصار هذا الخط الذي هو عين الصراط المستقيم دون معرفة هادي الخط والموجه إليه . والحركة بغير هذا الخط انحطاط وإفساد للعمر وتضييع للفرصة .

وبعبارة أخرى : إن الحركة التكاملية حركة باتّجاه الكمال ، وخير كمال وأرقى ألوان الكمال هو الكمال المطلق ، والكمال المطلق هو الله . إذن الحركة التكاملية حركة صوب الله وعلى طريقه .

بل لا بد من القول : إنّ الحركة التكاملية وقف على الحركة باتّجاه الله لا إله إلا الله » . وواضح أن الحركة باتجاه الله غير ممكنة دون معرفة « حجة الله » الذي يمثّل مركز « الهادي والموجه للخط » . ومن هنا وجد الإمام الرضا (علیه السلام) نفسه بوصفه حجة الله - كما جاء في حديث مشهور - أنه من شروط « لا إله إلا الله » - وأنا من شروطها .

على هذا الأساس ، فعدم معرفة الإمام يعادل عدم معرفة خطّ الحركة التكاملية . وخصوصيّاتها . وعدم معرفة هذا الخط يستلزم أحد أمرين ، إما الركود والتكلّس ، وإما الانحراف والحركة بالاتّجاه المضاد ، وكل هذا بعدٌ ونأى عن الهدى ، وسقوط في هاوية المهلكة والجاهلية .

ولذا نجد النبي الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) في حديث « الثقلين » المشهور يعد أمرين متلازمين عامل الهداية والنجاة وهما : القرآن والعترة ، يعني : البرنامج والموجه ، الكتاب والمعلم ، فالكتاب بلا معلم ، والمعلم دون کتاب ، غير مفید فائدة تذكر .

فكتاب الحق (.. نزّل الكتاب بالحق .. )(1)، والمعلم الصادق


1) سورة البقرة : 176 .

(.. وكونوا مع الصادقین )(1)عامل الهداية التامّة المستوفية ، والتمسك والاقتداء بالاثنين معاً يفضي إلى النجاة وانتشال الإنسان من ظلمات المادة ، والجهل ، والجاهلية .

قالوا :

إن كل شخص يموت دون أن يدرك حقيقة زمانه التي يجلّيها إمام الزمان - الحاضر أو الغائب - يكون عدماً محضاً ... فالعدم المحض في كون الشخص لا يدرك حقيقة زمانه .

ومن الواضح أن الإنسان لا يصير إلى العدم المحض أبداً . فقد أبدع الإنسان للبقاء والحياة في دنيا الخلود وهو قائم بجوهر وجوده ولا سبيل للفناء والموت إليه ، وهو يموت ويفني في حدود أعراض وجوده فقط ، يعني « ببدنه » . إذن فالإنسان لا يعدم بحال . إلاّ أنه يضحي بحكم المعدوم من زاوية إضاعته لجوهر وجوده في صورة جهله بحقيقة الزمان ، كما يضحي في زمرة الضالين وأبناء الجاهلية من وجهة زاوية الهداية الإلهية والمعرفة الإسلامية .

للشيخ عباس القمي إيضاح في هذا الصدد يحسن الالتفات إليه . يقول :

« اتضح أن ليس هناك شبهة لدى علماء الإسلام في أن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قال :

« من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية »

وقد روي هذا الحديث في كتب الشيعة والسنة إلى ما تجاوز حد الاستفاضة ، بل أرسل إرسال المسلمات في بعض صحاح العامة وأكثر كتبهم ... كما تواتر لدى الشيعة : إنّ الأرض لا تخلو من « حجة الله » « أي : الإمام وخليفة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) » أبداً ، ولو خلت الأرض من حجة طرفة عين الخسفت بأهلها . وهذا المفهوم مطابق للقواعد العقلية ،


1) سورة التوبة : 119 .

حيث إن الممكن بحاجة إلى واسطة في الفيض لكي يفيض عليه الواجب تعالى ، وهذه الواسطة يمثلها صاحب العصمة وذو الجنية القدسية

إذن ؛ يجب على كل مسلم يبتغي الخروج من كفر الجاهلية أن يعرف إمام زمانه ويتعامل معه بوصفه واجب الطاعة وواسطة نزول الرحمة والألطاف الإلهية . من يعتقد برسالة خاتم الأنبياء محمد بن عبدالله (صلی الله علیه و آله و سلم) وبإمامة الأئمة السابقين الذين أولهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیه السلام) والحادي عشر منهم الإمام الحسن العسكري (علیه السلام) يجب عليه الاعتقاد بإمام الزمان ، الإمام الثاني عشر ، الخلف الصالح ، الحجة ابن الحسن العسكري (صلی الله علیه و آله و سلم) ، المهدي الموعود ، والقائم المنتظر ، والغائب عن الأنظار ، السائر في الأقطار ، الذي صرحت باسمه ووصفه وشمائله وغيبته النصوص المتواترة عن الرسول وأمير المؤمنين وسائر الأئمة السابقين (صلی الله علیه و آله و سلم) ، بل ليس هناك خلاف بين فرق المسلمين المعروفة في أن الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) أخبر بقدوم المهدي (علیه السلام) آخر الزمان ، ويواطيء اسمه اسم محمد، وسيروّج دينه ، ويملا الأرض عدلاً وقسطاً »(1).

من هنا فلا بد من السعي - بكل حدّ ممکن - للتعرف على حقيقة الزمان ورأس حركته ، وروح العالم ، والتعلق به ، لتضحي حياة الإنسان حياة معرفة ويقظة ، وليكون موته أيضاً موت يقظة ومعرفة وصعود ، لا موت جاهلية وسقوط ( - إذ إن الإنسان ، يموت على الصورة التي يحيا)، ولتضحي رحلته ممراً لولوج عالم الحياة الواقعية ، العالم الذي لا سبيل للفناء والتغيير والزوال إليه ، عالم « لهي الحيوان » حياة في حياة وحيويّة في حيويّة ، وكل شيء فيه حضور وخلود ...


1) تتمة المنتهی ص 300-301.

الفصل التاسع: في ضوء العلوم العقلية

اشارة

في ضوء العلوم العقلية

1- وجهات نظر العلوم العقلية

اشارة

لاحظنا في الفصل الماضي مسائل موضوع البحث من زوايا نظر « العلوم النقلية »(1)، وتعرفنا على عدد من آيات القرآن الكريم في هذا المجال وبالخصوص « سورة القدر » ، وحصلنا على بصيرة بشأن مجموعة حقائق مسندة و مفاهیم رفيعة(2).

ونريد الآن أن نرد حقل « العلوم العقلية » لنتعرف على وجهات نظر هذه العلوم أيضا بصدد قضية « المهدي الموعود » .


1) هذا التعبير اصطلاح متفق عليه في الثقافة الإسلامية إلى حدّ الشهرة . يعني : تقسيم العلوم إلى « علوم عقلية » و« علوم نقلية » وإلّا فنحن نعرف أن الكثير من أبحاث و مفاهيم « العلوم النقلية » تقع في الحيّز العقلي أيضاً وتتكيء على الارتكاز» و« الفطرة» و« العقل » . مضافاً إلى أن قبول العلوم النقلية يبتنى على قبول أسسها وقبول هذه الأسس يرتكز على العقل والاجتهاد والتشخيص الحرّ المستقل .

2) ينبغي لنا أن نذكر بالعرفان علماء ومؤلفي العصور والحقب المختلفة لما أسداه إلينا سعيهم المتواصل من خدمة في إيصال حقائق التراث لنا ولجيلنا ، كما نذكر بالعرفان کتّاب ومؤلفي عصرنا الراهن ، ولا بد لنا من الدعاء لأرواح أساتذتنا العظام الذين شملتنا رعايتهم ، وقبلونا في زمرة تلامذتهم دون أي انتظار منّا ، وبذلوا جهدهم في سبيل إنارتنا بمعارفهم وعلومهم .

نحن نعرف أن العلوم غير النقلية تصنّف إلى صنفين : العلوم العقلية ، والعلوم التجريبية والمخبرية ، أو العلوم العقلية ، والعلوم الحسية ، أو تنوع إلى العلوم التجريدية ، والعلوم المادية . ونوكل البحث حول «طول العمر » في ضوء العلوم التجريبية والحسية إلى الفصل القادم . ونعكف في هذا الفصل على دراسة مسائل المهدوية من زاوية نظر مختلف اختصاصات العلوم العقلية .

أ- في ضوء العلوم القرآنية

في ضوء المعارف القرآنية الحقة ، وعلى أساس الرؤية الإسلامية تضحي الأرض - والعالم الأرضي - مركزاً للخلافة الإلهية ، والأرض على الدوام محلّ للخلافة الإلهية . وما دامت الأرض فهي مركز لتلك الخلافة ، ولا يمكن أن يكون غير ذلك إطلاقاً - كما مرّت الإشارة إليه في الفصل الماضي - يقول القرآن الكريم :

( وإذ قال ربك للملائكة : إنّي جاعل في الأرض خليفة .. )(1).

في صدد إيضاح المنطق القراني بحتمية وجود « خليفة الله » في الأرض ، وباتّجاه تعليم هذا الأصل الأساس على مستوى العمل والفكر يقول الإمام الرضا (علیه السلام) :

« الإمام أمين الله في الأرض ، وحجّته على عباده ، وخليفته في بلاده »(2).

تستحق التعابير القرآنية والحديثية في هذا المجال المزيد من الالتفات والتأمل ، خصوصاً تعبيري « في الأرض » أو « في أرضه »، وتعبير « أمين الله ». وعبر التأمل في عبارة « في الأرض » ننتهي إلى أن الصيرورة الإنسانية للأرض تتحقق من خلال حضور خليفة الله وإلا تضحي الأرض كوكباً كسائر الكواكب الأخرى . فالذي يعطي للأرض هويتها الإلهية ويقيمها محلاً لسكن الإنسان ، والذي يجعلها عشّاً تربوياً ومختبر عالم الوجود ، ومركزاً لنزول


1) سورة البقرة : 30.

2) عيون أخبار الرضاج 1 ص 219 طبع قم عام 1377 ه.

الفيض ، ومهبطاً للملائكة إنما هو حضور خليفة الله وصاحب السرّ الإلهي « الولاية الكلية » على وجه هذا الكوكب .

وهذه الكيفية المشار إليها تستمر ما دامت الأرض تضم أهلاً وسکاناً ، يعني : إلى ظهور إرهاصات البعث والنشور ، وتدمير هذا العالم .

على هذا الأساس ، فما دامت الأرض قائمة كمسكن للإنسان ، فسوف لا تخلو ، في أيّ آن ، من حجّة الله - نبيّ أو إمام - . فإذا كان هناك إنسان واحد يحيا على وجه الأرض فهو حجة الله وخليفته . وإذا كان هناك اثنان أو أكثر فأحدهم حجة الله وخليفته - كما جاء في الآثار-(1). وكما أشرنا لبعض هذه المفاهيم في الفصل الأنف .

ب - في الفلسفة الإلهية

لقد التفت فلاسفة الإسلام أيضاً إلى مسألة الوليّ الكامل ، وحضور خليفة الله في الأرض . وقد أقام هؤلاء هذه الحقيقة على أسسهم الاستدلالية وبرهنوا عليها . وقدّموا إيضاحاً لها بلغتهم الفلسفية الخاصّة . أبو علي بن سينا في كتابه « الشفاء » تحدث في الفصل الذي يعود إلى الإمام والخليفة وقدّم إيضاحاً لمراحل ومستويات الإنسان الكامل الباطنيّة والأخلاقية والعملية ، يقول :

« ومن فاز مع ذلك بالخواص النبوية ، كاد يصير ربّاً إنسانيّاً ... وكاد أن تفوض إليه أمور عباد الله . وهو سلطان العالم الأرضي ، وخليفة الله فيه »(2).

واضح أن المقصود من « العالم الأرضي » هو سائر الكائنات الأرضية(3)التي تقع تحت سلطنة ولاية الإمام ، كما يستفاد أيضاً من تعبير « ربّاً إنسانياً » أن المقصود هو صاحب التأثير في تربية وإعداد النوع الإنساني . وتشمل عبارة « تفوض إليه أمور » الولاية التكوينية والتشريعية أيضاً .


1) أصول الكافي ، کتاب الحجة .

2) الشفاء ، خاتمة بحث الإلهيات .

3) المقصود من « الأرض » هنا أبعادها الواسعة في الهيئة الإسلامية التي تقوم على أساس تعالیم أهل البيت (علیهم السلام) . وقد ذكرت نماذج لهذه التعاليم في كتب « الهيئة والإسلام » .

ج- في فلسفة السياسة

طرحت مسألة الإمام والمربي الإلهي والحاكم الإسلامي ، بشكل لائق في أبحاث فلسفة السياسة الإسلامية أيضاً . والذي يعنيني هنا هو « فلسفة السياسة » ذات الطابع الفلسفي(1)

1- فلسفة السياسة القرآنية .

2- فلسفة السياسة الفلسفية .

3- فلسفة السياسة الكلامية .

المعنيّ من القسم الأول ، فلسفة النظام السياسي التي لا بداخلها طرحاً وإيضاحاً أي من وجهات نظر المدارس الفلسفية السائدة وأيّ من الأراء والاتجاهات الأخرى ، والتي تستنبط بشكل مباشر خالصةً على أساس القرآن والحديث الشريف . ويمكن إعمال هذا التفكيك وهذه القسمة الدقيقة في سائر شعب المعرفة الإسلامية الأخرى ( - الأخلاقية والإلهية ، والطبيعية و.. ) ويأتي التأكيد على هذا التفكيك والتحديد لأجل استخلاص معارف « القرآن الكريم » بمواجهة مباشرة له دون التأثر بأي مسلك فكري آخر، وتمييزها عن أي لون من التداخل والتلفيق ، الذي تسرب الثقافة المسلمين ، بدءاً من شروع الترجمة الفلسفة ما قبل الإسلام وغزو المدارس الجاهلية وطرح مذاهب العرفان والكشف غير الإسلامية . ولقد سجلت بعض اللفتات والإيضاحات في هذا المجال من خلال كتاب « علوم المسلمين » في الفصل التاسع والحادي عشر غيرر أن إشباع هذا البحث الأساسي بالتحقيق والدراسة موكول لكتاب « الشيخ مجتبى القزويني ومدرسة التفكيك » راجياً من الله تعالى أن يوفّقني لأداء هذه الخدمة الدينية والعلمية والتربوية والاجتماعية والمعرفية وأرجو « ولي الزمان » بحقه عند ربّه أن أمنح هذا التوفيق ، وأنا على الدوام بحاجة الدعاء الإخوة وهم ذوي الهمم العالية ...

، يعني : آراء ومتابعات ورؤى فلاسفة الإسلام الكبار حول مسألة الحكم والسياسة ، وبناء المجتمع الصالح ، والإدارة الاجتماعية السليمة .

1) هذا التأكيد يخصّ التصنيفات التي يتحتّم تنويعها خالصةً في ضوء المعارف الإسلامية ، ويلزم أخذ هذه التقسيمات بنظر الاعتبار بغية بصيرة نقية ل « معارف القرآن الكريم » ، فمثل بحثنا هذا « فلسفة السياسة الإسلامية » يمكن تقسيمه إلى ثلاثة أقسام :

أبرز المعلم الثاني أبو نصر الفارابيّ صاحب النظريات الهامة في كتابه « آراء أهل المدينة الفاضلة » وجهات نظره في هذا المجال .

فلا يصلح كل عضو من أعضاء المدينة الفاضلة أن يرأس المدينة الفاضلة . فلا يمكن أن يكون أي شخص رئيساً للمدينة الفاضلة ؛ إذ الرئاسة تتقوّم بأمرين : الأول : أن يكون الشخص ذاته مهيّاً تكوينياً لهذا المقام . الثاني : أن يتوفر على القدرات اللازمة لأداء هذه المهمة . ومثل هذا الإنسان هو الإنسان الكامل بالفعل ، عقل و معقول معاً . وهذا الرئيس معلم ومرشد ومدبّر أيضاً .... والناس جميعاً بحاجة إلى معلم بالفطرة ، كما يجب أن يبلغوا المراحل التكامليّة التي يستطيعون بلوغها عن طريق التربية والمران .

أقام الفارابي نظامه الاجتماعي على أساس « العالم الأكبر » و « العالم الأصغر » ، وكان يرى ضرورة وجود « المعلم » وهو عين « الإمام » لبناء هذا المجتمع ، وهذا الاتّجاه ينسجم مع إحدى عقائد الشيعة التي تذهب إلى لزوم إشراف الإمام على الحياة الاجتماعية إشرافاً کاملاً .

وهناك شبه كبير بين نظرية الفارابي في العلاقة بين رئيس المدينة الفاضلة والله عن طريق « العقل الفعال » واعتقادات نصير الدين الطوسي بصدد « الإمام »(1)فكما أن بقاء روح وجسم العالم مرهون بوجود الإمام ، يكون بقاء المدينة أيضا رهن بقاء رئيسها .. والإمام متّصل بالعقل الإلهي ، فهو يزيل الستار عن الحقائق ، وتتجلى أمامه كل المعارف الحسية والوهمية والخيالية بصورة معقولات مطلقة ووحي إلهي بفضل « علم التأويل »(2).


1) راجع بهذا الصدد تاريخ الفلسفة في العالم الإسلامي .

2) راجع بهذا الصدد تاريخ الفلسفة في العالم الإسلامي .

يرى هذا الفيلسوف الكبير أن الإمام «عقل بالفعل » ، يعني إنساناً بلغت كل الإمكانات العقلية - طبعية وكسبية - في وجوده حد الكمال والمرتبة النهائية . وهو على اتصال دائم بالعقل الفعّال ، بل هو عقل فعّال من زاوية ما(1).

يرى الفارابي أن مثل هذا الشخص هو مركز القيادة الاجتماعية ويكون الرئيس والإمام والمعلم والمربّي . ومن وجهة نظره أن مَثَلَ هذا القائد في المجتمع مثل القلب في بدن الإنسان .

واللافت للنظر هو أن هذا الفيلسوف البصير يبصر مسألة « الغيبة » أيضاً ، ويقترح أن تدار الحياة الاجتماعية في عصر غيبة الرئيس الواقعي ( الإمام ) بالطريقة التالية :

وإن اتفق أن لا يوجد مثله في وقت من الأوقات أخذت الشرائع والسنن ، التي شرعها هذا الرئيس وأمثاله - وإن كانوا توالوا في المدينة - فأثبتت(2).

يلاحظ بجلاء في هذا النص أن غيبة رئيس المدينة الفاضلة ( الإمام ) مطروحة لدى هذا الفيلسوف كما طرحت مسألة لزوم العمل وفق أحكام وفقه الرئيس الغائب والرؤساء السابقين له . في ضوء مقولة هذا الفيلسوف أربع ملاحظات تستحق العناية :

1- احتمال وقوع غيبة رئيس المدينة « الإمام » وخلو الساحة منه .

2- هضم وقوع الغيبة وإيضاح سبيل الحل لإدارة الحياة الاجتماعية في عصر الغيبة .

3- يتفق وقوع الغيبة وفقدان رئيس المدينة الفاضلة في صورة قدوم عدد من الرؤساء الواجدين للشرائط قبله(3)، والذين أبانوا الشرائع والقوانين كما


1) النص الذي نقلناه عن الشفاء يرى الإمام من زواية ما أنه « العقل الفعال » حيث إن التعبير ب «سلطان العالم الأرضي »، و «رب النوع الإنساني » مُشعر بذلك .

2) آراء أهل المدينة الفاضلة ، طبع القاهرة ، عام 1368 ه ، ص 89.

3) يعدد الفارابي شروطاً وخصوصیاتٍ « لرئيس المدينة الفاضلة »، وقد جاءت بأسرها منطبقة مع شروط وخصوصیات « الإمام » في المفهوم الشيعي .

اتفق وقوع ذلك في تاريخ الإمامة .

4- حينما يغيب رئيس المدينة فسوف لا تنفصم عرى خطّ الرئاسة والإمامة . ولا بد من اتخاذ الشرائع والقوانين التي أبانها الرئيس الغائب والرؤساء السابقون له أساساً في إدارة المدينة الفاضلة ( المجتمع الإسلامي ) وقبول هذه الشرائع والقوانين بوصفها مقاییس وثوابت حتمية في إدارة المجتمع .

هذه المفاهيم هي عين مفاهيم الإمامة والغيبة : فبدءاً يأتي أحد عشر إماماً يوضّحون أسس وأحكام القرآن وسنّة الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) ، ويعلمون الناس تعالیم وسنن ، ويتركون آثاراً توضّح القوانين والأحكام في كل واقعة ، ويربّون علماء وتلامذة وأتباعاً . ثم يأتي أمر الغيبة أيام الإمام الثاني عشر ، ويأتي هذا الأمر أيضا بعد مرحلة « الغيبة الصغرى » التي أبلغ الإمام فيها الناس الكثير من التعاليم والتوجيهات بواسطة سفرائه ونوّابه الخاصّين . وفي مرحلة الغيبة الكبرى تدار شؤون الأمة على أساس تشريعات وأحكام الأئمة أنفسهم وتتخذ قوانينهم ملاكا في هذا الاتجاه .

لاحظوا أن المسألة في عصر الغيبة هي بعينها مسألة النيابة العامّة والفقاهة والاجتهاد من الزاوية التشريعية ، وهي مسألة ولاية الفقيه والإشراف العام من الزاوية التنفيذية اللتين يعمل بهما في عصر الغيبة .

د- في الفلسفة الإشراقية

طرحت مسألة الإمام والقائد الاجتماعي لدى الاتّجاه الإشراقي في الفلسفة الإسلامية ، وأصغي فيها أيضاً لموضوع « الغيبة ». الشيخ شهاب الدين الإشراقي يورد بحث القائد وأقسام القائد الاجتماعي في مطلع كتابه « حكمة الإشراق » . ويوضّح هناك على أساس متبنّياته الإشراقية شروط الشخصية التي يمكنها أن تحتل موقع القيادة الاجتماعية . ويلحظ أيضا مسألة « الغيبة » ويجدها قضية مؤهلة للقبول والتحقق . ويقول في هذا الصدد ما يلي :

العالم ما خلا قطّ عن الحكمة ، وعن شخص قائم بها ، عنده الحجج والبينات ، وهو خليفة الله في أرضه ، وهكذا

يكون ما دامت السماوات والأرض ... فإذا اتفق في الوقت متوغل في التأله والبحث ، فله الرئاسة ، وهو خليفة الله ... ولا تخلو الأرض عن متوغل في التأله أبداً ... ولست أعني بهذه الرئاسة التغلّب ، بل قد يكون « الإمام » المتأله مستولياً ظاهراً مكشوفاً ، وقد يكون خفيّاً . وهو الذي سمّاه الكافّة ( القطب ) فله الرئاسة، وإن كان في غاية الخمول . وإذا كانت الرئاسة بيده كان الزمان نوريّاً ...(1).

يطرح الفيلسوف الإشراقي بوضوح مسألة «الإمام المتأله» وحتميته لأجل قيادة وتربية المجتمع . ويرى أن القيادة نصيبه وإن كان مختفياً عن العالم . ومفهوم أن « الإمام المتأله » قائد للأمة حتى في حال اختفائه يلتقي في حدود كبيرة مع رؤية الشيعة وعقائدها. ففي ضوء العقيدي الشيعي تكون القيادة الاجتماعية في عصر الغيبة لإمام العصر ، وهو ولي الأمر الواقعي . غاية ما في الأمر أن القيادة والولاية عهدت لنوّابه العامّين - زمن الغيبة - وتعمل هذه الولاية عن طريق مبدأ الولاية العامّة . ومن هنا تجد أمّتنا نفسها في نهاية الأمر تحت ولاية إمام العصر (علیه السلام) وقيمومته الشرعية ، وقد مرّ حدیث مختصر بهذا الصدد في : الفصل الثالث ، وسوف نعرض أفكارا حول هذا الموضوع في الفصل الحادي عشر .

ه - في فلسفة إخوان الصفا

التفت فلاسفة « إخوان الصفا » إلى أهمية مسألة المهدي (علیه السلام) في فلسفتهم وعرضوا مسألة الغيبة والظهور والمهدوية ببيان ممتع :

يعتقد إخوان الصفا به « المهدي » ، وبعودته، ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً ، بعد أن ملئت ظلماً وجوراً، ويفك


1) حكمة الإشراق ، و من مجموعة مصنفات شيخ الإشراق ، ج 2 ص 11 - 12، شرح حكمة الإشراق ص 23 - 26.

أسر الناس ، ويعلن دعوة إخوان الصفا ، ويجمع شملهم المشتت . وبظهور هذه النفس الزكية يرجع كل حق إلى صاحبه يقولون : الإمام بين الناس .

حيث إن للإمام حالتين : حالة الكشف ، وحالة الستر .

ففي حالة الكشف يظهر الأئمة بين الناس ، ولا يظهرون في حالة الستر . وليس ذلك ناشئا من الخوف . وفي حالة الستر يعرفهم أصحابهم ، ويلتقونهم كلما أرادوا . وإذا لم يكن الأمر كذلك فسوف يخلو الزمان من إمام « حجة الله على الخلق » بينما لم يترك الله الخلق بلا حجة أبداً ، ولا يقطع الحبل الممدود بينه وبين الناس . الأئمة أوتاد الأرض . وهم خلفاء الله الحقيقيون ظهروا أم غابوا . يظهر سلطانهم في مرحلة الكشف على الأجساد والأبدان ، وتبدو آثارهم في مرحلة الستر في الأرواح والعقول وعلى خلفاء الأجسام وسلاطين الأرض ... ومن مات ولم يعرف إمام زمانه مات كما يموت أهل الجاهلية . كما أن من مات ولم تكن في عنقه بيعة للإمام مات كما يموت أهل الجاهلية ...(1).

و - في أبحاث العقيدة وعلم الكلام

عرّف المتكلمون وذوو الاختصاص في العلوم العقيدية وجود « المهدي » بأنه مسألة مسندة أيضاً ، وعكفوا في كتب علم الكلام والعقائد(2)

تجرید الاعتقاد *للخواجه نصیر الدين الطوسی

کشف المراد * للعلامة الحلي

الباب الحادي عشر * للعلامة الحلي

شرح التجريد * للملا على القوشجي

شوارق الإلهام * للملا عبد الرزاق اللاهیجی

کوهر مراد « فارسي » * للملا عبد الرزاق اللاهيجي

شرح الباب الحادي عشر * للفاضل المقداد النسيوري

يحتاج علم الكلام بشكل ماسّ إلى بعث وتجديد ، ومن الواضح أن الكثير من دراسات العلماء والمفكرين المعاصرين القيمة لا بد من عدها في صنف دراسات « علم الكلام الجديد ».

على عدة بحوث في هذا المجال ، من جملتها البحث حول تفسير الغيبة ، وفوائد وجود الإمام حال الغيبة ، وصحة طول العمر ، و...

1) راجع تاريخ الفلسفة في العالم الإسلامي ص 207 - 208 .

2) « علم الكلام » علم يسعى لإثبات العقائد والرؤية الدينية بالدليل والبرهان العقلي ، وبتعبير آخر : هو علم الاستدلال العقلي على العقائد والأصول الشرعية ويطلق على العالم بهذا العلم « المتكلم » ، وجمعه المتكلمون . وقد حرر في هذا الفرع من المعرفة الكثير من الكتب ، من قبيل :

فسر المتكلمون وعلماء العقيدة الكبار مسألة المهدوية في ضوء «قاعدة اللطف الإلهي » المعروفة في علم الكلام ، وانتهوا إلى إثبات ضرورة وجود الإمام على أساس هذه القاعدة . وفي هذا الصدد يقول الفيلسوف المعروف والمتكلم الإسلامي الكبير الخواجة نصير الدين الطوسي ما يلي :

انحصار اللطف فيه معلوم للعقلاء ، ووجوده لطف ، وتصرفه لطف آخر وعدمه منا(1).

وحيث ينصب جهدنا في هذه الفقرة على نظريات علماء العقيدة نورد بشكل مضغوط حديثين العالمين منهم وهما مؤلف « كفاية الموحدين » ومؤلف « بيان الفرقان » ، ولهذين العالمين حديث حول هذا الموضوع ، خلاصته كما يلي :

لما كان المهدي (علیه السلام) آخر حجة وخليفة إلهي لزم حفظه عن الأخطار والأيدي التي تسعى للقضاء على حياته ، وتحتم إخفاؤه في ظل الغيبة الإلهية . وحيث إن مركز الإمام بمثابة مركز النبي بعد تبليغ الرسالة (- يعني : حافظ الأحكام والسنن المبلغة ) إذن فمع اختفائه لا يترك حبل الأمة على غاربها - رغم حرمانها من ثمار لقائه - بل لا بد من تطبيق الأمة للأحكام والسنن التي بين أيديها . نعم إذا اتفق يوماً ما


1) کشف المراد ص 285 .

صیاع سائر أحكام الدين ومفاهيمه فسوف يظهر (علیه السلام) فوراً(1).

عدّ الاعتقاد بقضية « المهدي » في كتب العقيدة بمثابة الاعتقاد بضروریات الإسلام ، بحكم يقينية هذه القضية في ضوء الإسلام ومصادره وعلى هدي الأحاديث النبوية الوافرة ، وذهبوا إلى أن منكر هذه المسألة منکر الضرورة من ضرورات الدين(2).

ز- في ضوء اتجاهات الكشف والعرفان

طرح « العارفون » المسلمون من المذاهب المختلفة ، وأصحاب الكشف أيضاً قضية الاعتقاد بالمهدي الموعود ، وأكد الجميع على عظمة موقع هذا الإمام . وانتهى البعض إلى وجود الإمام الغائب (علیه السلام) عن طريق المكاشفة ، وتحدث البعض عن « المشاهدة والرؤية ». وقد أوصل هؤلاء أفكارهم إلى الأخرين بأساليب مختلفة ، وعبروا في هذا المجال عن أفكارهم بأسلوبي النثر والشعر .

وبشكل عام هناك وفي أوساط عارفي المسلمين - أعم من الشيعي والسني وأشمل من أولئك الذين أدعوا الرؤية والمشاهدة أو الذين لم يدّعوها - نلتقي بنماذج معروفة أكد كلّ منها بطريقته على وجود المهدي (علیه السلام) و « غيبته ، ، و « ظهوره » ، وذهبوا إلى أن هذه الموضوعات حقائق إسلامية مسلمة ، ووقائع حتمية في حركة العالم .

وإليك بعض هذه النماذج :

1- الشيخ محيي الدين بن عربي(3).


1) راجع « كفاية الموحدين » ، ج 3 و بيان الفرقان ، ج 5.

2) راجع کتاب ( أنيس الموحدين ) ل محمد مهدي النراقي مع تعليقات العلامة الشهيد السيد محمد علي القاضي الطباطبائي ، طبع تبریز عام 1351 ه.ش، ص 213.

3) تحدث الشيخ محيي الدين بن عربي كثيراً في هذا المجال حديثاً رمزياً وعلى نهج الإشارة ، وحديثاً صريحاً بوضوح أيضاً . وجاءت أحاديثه في كتابه « الفتوحات المكية » وكتاباته الأخرى . وله أيضاً مقطوعة شعرية في هذا المجال ، كما له کتاب خاص بعنوان « عنقاء المغرب في بيان المهدي الموعود ووزرائه « راجع و المهدي الموعود » ج 1 ص 187 .

2 - الشيخ صدر الدین القونيوي .

3 - جلال الدين الرومي(1).

4 - شاه نعمة الله ولي(2).

5 - الشيخ حسن العراقي .

6- الشيخ عبد الوهاب الشعراني .

7 - الشيخ فريد الدين العطار النيشابوري .

8 - الحافظ رجب البرسي .

9 - الشيخ محمود الشبستري .

10 - الشيخ أحمد جام نامقي

11 - الشيخ أبو يعقوب البادسي .

12 - الخواجه محمد بارسا .

الأسماء آنفة الذكر تشير إلى عارفين من أهل السنة والشيعة . ويلزمنا أن نقول في هذا المجال هناك في أوساط أهل السنة وخصوصاً في وسط علمائهم و محققيهم وعارفيهم وشعرائهم عناصر كثيرة تواصلوا تاريخياً وكانوا مظهرين حبهم وإخلاصهم لمقام مهدي آل محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) الشامخ وقد أبرزوا إعجابهم وتعلقهم عبر نصوص فنية ممتعة(3)

أملا بكرم وهاب النعم أن يضيء بواصرنا بكحل جواهر ترابه ، وتشرق شمسه الوضاءة الشاملة شاخصة ، وما ذلك على الله بعزیز ...

راجع منتخب الأثر ، 332.

وأنشدوا قصائد - كما أشرنا - في هذا الصدد . ذهب جمع من علماء الصوفية إلى وسم المهدي (علیه السلام) ب ( قطب الزمان ) ، و ( ولي العصر ) ، و ( خاتم الأولياء ) . وأثبتوا وجوده عن طريق

1) في شعره المنقول في كتاب « ينابيع المودة » المصدر السابق ص 195 .

2) لشاه نعمة الله ولي شعر معروف في المتناول ، جاء الحديث فيه عن علائم آخر الزمان وعصر ما ، قبل الظهور والعصر المتاخم للظهور .

3) نظير كلمات القاضي كمال الدين حسين الميبدي الشافعي شارح الديوان المنسوب للإمام علي بن أبي طالب (علیه السلام) ، ومؤلف شرح « الهداية الأثيرية » في شرح حكمة المشاء ، يقول في شرح قطعة من الديوان الواردة في الملاحم وخروج المهدي (علیه السلام) :

الكشف والشهود . وقد أورد الفيلسوف الاجتماعي العلامة ابن خلدون حديثاً في هذا الصدد ، وإليكم نصه :

وكتب المتصوفة بمثل ذلك في الفاطمي المنتظر ، وكان بعضهم يمليه على بعض ، ويلقنه بعضهم عن بعض وكأنه مبني على أصول .. من الفريقين . وأكثر من تكلم من هؤلاء المتصوفة المتأخرين في شأن الفاطمي ابن العربي الحاتمي في كتاب « عنقاء مغرب » وابن قسي في كتاب « خلع النعلين » .

... وابن العربي سمّاه في كتابه عنقاء مُغرِب من تأليفه خاتم الأولياء ... وأما المتصوفة الذين عاصرناهم فأكثرهم يشيرون إلى ظهور رجل مجدد لأحكام الملّة ومراسم الحق ... فبعضهم يقول : من ولد فاطمة وبعضهم يطلق القول فيه سمعناه من جماعة أكبرهم أبو يعقوب البادسي كبير الأولياء بالمغرب كان في أول هذه المائة الثامنة وأخبرني عنه حافده صاحبنا أبو يحيى زكريا عن أبيه أبي محمد عبدالله عن أبيه الولي أبي يعقوب المذكور(1).

ح - وجهة نظر يعقوب الكندي

نقل عن الفيلسوف المعروف يعقوب بن إسحاق الكندي أيضاً مقولات بصدد المهدي (علیه السلام) وقضية « الظهور »، من قبيل ما أورده ابن خلدون ناقلاً عنه الحديث التالي :

وذكر الكندي أن هذا الولي هو الذي يصلي بالناس صلاة الظهر ، ويجدد الإسلام ويظهر العدل ويفتح جزيرة الأندلس ويصل إلى روميه فيفتحها ويسير إلى المشرق فيفتحه ،


1) مقدمة ابن خلدون ص 311، 323 ، 324، 327.

ويفتح القسطنطينية ويصير له ملك الأرض فيتقوى المسلمون ويعلو الإسلام ويطهر دين الحنيفية(1).

2- حديث حول الرؤية

أشرنا في ما مضى إلى أن العظام حسبوا مشاهدة الإمام (علیه السلام) ورؤيته قضية ممكنة ، وقالوا : (.. هناك روايات صريحة ذهبت إلى أن ولي العصر (علیه السلام) برغم وجوده بين الناس إلا أنهم لا يعرفونه ، ومن الواضح أن هذا المفهوم الروائي لا يتنافى مع مشاهدة عدة قليلة للإمام (علیه السلام) بحكم مصالح كونيّة ).

وقد تصدّى أهل الكشف والعرفان لطرح مسألة الرؤية زمن الغيبة الكبرى كما صرح بذلك الشيخ عبد الوهاب الشعراني في كتابه « لواقح الأنوار » قائلاً :

إن الشيخ حسن العراقي في ضمن سیاحته اجتمع مع الإمام المهدي الحجة وسأله عن عمره فقال له : يا ولدي عمري الآن (620 ) سنة .

ويعلق الشعراني بعد أن ينقل هذه المقولة بالقول :

فقلت ذلك لسيدي علي الخواص فوافق على عمر المهدي رضي الله عنهما(2).

كما نلاحظ أيضا أن العالم الروحي الكبير السيد رضي الدين ابن طاوس الحسني يقول في كتابه « مهج الدعوات » :

كنت أنا بسر من رأى فسمعت سحراً دعاءه (علیه السلام) فحفظت منه . الدعاء لمن ذكره « الأحياء والأموات وأبقهم، أو قال وأحيهم في عزّنا وملكنا وسلطاننا ودولتنا » وكان ذلك في ليلة الأربعاء ثالث عشرين ذي القعدة سنة ثمان وثلاثين وستمئة (3).


1) مقدمة ابن خلدون ص 325.

2) بيان الفرقان ج 5 ص 167 - 168 ، ولاحظ أيضاً ص 133 .

3) منتخب الأثر ، ص 417 .

وقد حرروا عددا من الكتب بصدد قضية الرؤية واللقاء أيضاً . وقد وردت في هذه الكتب أسماء الكثير من الأفراد الذين فاز كل منهم بنحو من الأنحاء بلقاء الإمام (علیه السلام) في عصر الغيبة الكبرى ، وقد اتفق أن وقعت لهم معاجز او مهمات ، وأزيحت عنهم مشکلات وشفیت لهم أمراض كانت في بعض الأحيان أمراضاً عصية .

وقد سمعنا أنفسنا بعض هذه القضايا ، وقد وقع البعض منها في عصرنا . وكان البعض منها متوفرة على الكثير من قرائن صدقها وشواهد واقعیتها . وقد نقل البعض منها رواة فوق الثقة وفي أرقی درجات العدالة .

3- أحوال المحظوظين

من ينل في عصر الغيبة الكبرى ويحصل على لقاء ذلك القمر المنير ، والانعطاف المتدفق ، ينل زيارة مقصد الأنقياء وقبلة الصالحين ، ذلك السر الأعظم ، فهو باليقين سعيدٌ ومحظوظ . وأي حظ أكبر من هذا ، وأي ساعة أروع وأسعد من تلك الساعة !

ولا بد من الالتفات إلى أن ما وقع وما يمكن وقوعه بهذا الاتجاه فهو في بعض المواقع «مکاشفة »، وفي مواقع أخرى « مشاهدة »، وفي مواقع « رؤية » . وهذا التصنيف ينسجم في كل حالة منه مع مستوى الأفراد الروحي ، ولكل مستوى في نفسه مراحل ودرجات .

وبشكل عام يمكننا ملاحظة هذا الاتجاه، أعني : المشاهدة واللقاء والرؤية وكل ألوان اليقين الشهودي والحسي والبصري بالنسبة لوجود خليفة الله ووصي النبي المهدي (علیه السلام) - عبر خمسة آفاق :

أ- بعض عارفي أهل السنة ، وأعني بهم : الأفراد الذين أدّعوا مشاهدة المهدي ولقاءه وعدوا في أصحاب أهل السلوك والرياضة والمكاشفة والسياحة ، وعرفوا بانتمائهم لأهل السنة وفق ما لديهم من آثار وعلى أساس المشهور والمدون في كتب التاريخ والتراجم ، أمثال الشيخ حسن العراقي ، كما نقل الشيخ عبد الوهاب الشعراني .

ب - عدد من عارفي الشيعة ومتصوفيهم .

ج - عدد من علماء الشيعة وأعني بهم علماءنا الذين بلغوا أعلى مراحل الرقي الروحي والمعنوي عن طريق الارتباط العميق بالنبي الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) والأئمة الطاهرین (علیهم السلام) والاقتداء الكامل بهؤلاء والالتزام الدقيق بالعقيدة الإسلامية وبأحكام الشريعة التفصيلية في السلوك والممارسة فكانوا بذلك أصحاب مواقع واقعية رفيعة ومن ذوي الكشف والبصيرة ، أمثال :

السيد رصي الدين بن طاوس الحسني * المتوفى عام 664 ه

جمال الدين أحمد بن فهد الحلي * المتوفي عام 841 ه

المحقق الأردبيلي « المقدس » * المتوفي عام 993 ه

السيد محمد مهدي بحر العلوم الطباطبائي * المتوفي عام 1212 ه

وهؤلاء جميعا من متقدمي علمائنا .

وأمثال :

السيد موسى القزويني * المتوفي عام 1353 ه

الميرزا مهدي الأصفهاني * المتوفى عام 1365 ه

الشيخ على أكبر الهیان * المتوفي عام 1380 ه

الشيخ مجتبى القزويني الخراساني * المتوفى عام 1386 ه

وهؤلاء جميعاً من رجال القرن الرابع عشر الهجري .

د- بعض من اعتياديّ الناس وأبناء المجتمع الإسلامي بعامة ، الذين حصل لهم لقاء بشكل ما على أثر الدعاء والتوسل وما إلى ذلك .

ه - الأفراد الذين تيقنوا من وجود الإمام الحجة (علیه السلام) على أثر حصول واقعة لهم من قبيل شفاء المريض ، وقضاء الحاجة ، وبلوغ الهدف وما إلى ذلك ، رغم عدم حصول لقاء الإمام (علیه السلام) لهم ، وخصوصاً أولئك الذين يعرفون الإمام (علیه السلام) ويقصدونه في دعائهم .

وجلي أن أرقى وأرفع الأفراد الذين بلغوا لقاء الإمام (علیه السلام) إبان عصر الغيبة . الكبرى ونالوا شرف ذلك هم عناصر الأفق الثالث . حيث كانت عناصر هذا الأفق

على الدوام من العلماء الروحيين العظام ، الذين بلغوا أرفع المقام عن طريق معرفة كنوز القرآن وعلومه ، بعيداً عن كل انحراف نظري وعملي ، مجانبين كل مدرسة واتجاه فلسفي أو عرفاني غريب ، وبمنأى عن منهج التصوف وحركة المسالك الصوفية ، بل عدّوا في عداد أولياء الله ، واحتلوا موقع القرب من النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) والأئمة الطاهرين بمحض الالتزام الإسلامي الدقيق والجهاد الداخلي النافذ .

4- الغيبة ستة إلهية

اشارة

عبر رحلتنا مع قضية « المهدي » في ضوء آفاق المعرفة الشاملة لاحظنا التأكيد على حتمية وجود «الولي » في كل أفق ، وغدت الغيبة هناك كالحضور . وهذا الانسجام في وجهات النظر المختلفة بصدد هذه المسألة - بدءاً من التفسير والحديث وانتهاءً بالفلسفة وعلم الكلام - يشكل أحد الأدلة على أن « أصل الغيبة » إحدى السنن الإلهية .

وقد كان الأمر على هذه السنة منذ أيام الزمن السحيق ، حيث يتفق أحياناً أن ينسحب النبي من أوساط أمته وينأى عنهم ليتركهم بحال أنفسهم .

وهنا نتحدث حول ثلاثة مفاهيم : الأول ، الاختبار العظيم في عصر الغيبة الكبرى ، والآخر دور وأثر الغيبة الصغرى في تحولات الغيبة الكبرى ، والثالث ، المواقع الخماسية للحضور والغيبة .

أ- الغيبة الكبرى اختبار عظیم

أحد أبعاد « الغيبة الكبرى » هو بعدها الامتحاني . وفي هذه المرحلة لا بد للإنسان المسلم أن يراقب وضعه بعناية ، ويحيي قلبه بشعلة الإيمان ، وأن لا يزعزعه طول الزمن ، حيث إن « أصل الغيبة » إنما يقع وفق حكمة إلهية ، وإن استغراقها للزمن القصير أو الطويل إنما يكون أيضاً وفق تلك الحكمة ، لتنتهي وفق المشيئة الإلهية ، وفي هذا الصدد ، حذار من أن يكون استغراق الغيبة مدة طويلة باعثاً لوسوسة الشيطان - أو شياطين البشر - في القلوب ، وقد حذرت الأحاديث بهذا الاتّجاه واعتبرت البقاء على الإيمان تأییداً إلهياً . ولتكن سهياً

لهذا التأييد بغية أن تحصن جوهرك الإيماني الرفيع من براثن دعاة الضلال واختطاف أيادي الانحراف الشيطاني والإنساني .

الإمام الحسن العسكري (علیه السلام) الأب العظيم لإمام عصور الغيبة مهدي الأمة الموعود ، يقول بصدد سنة الغيبة في النبيين وتكرارها بالنسبة لمهدي آخر الزمان ، وبصدد طول المدة ، ما يلي :

« إن ابني هو القائم من بعدي . وهو الذي يجري فيه سنن الأنبياء - عليهم السلام - بالتعمير والغيبة ، حتى تقسو قلوب لطول الأمد ، ولا يثبت على القول به إلا من كتب الله - عزّوجل - في قلبه الإيمان ، وأيّده بروح منه »(1).

المثير للانتباه في هذا الحديث الشريف هو قوله (علیه السلام) : « يجري فيه سنن الأنبياء - عليهم السلام - بالتعمير والغيبة » . فمن هذا السياق يستنتج أن أحد الأعراف في حياة الأنبياء هو « التعمير » يعني طول مدة حياتهم ، والعرف الأخر هو الغيبة والاختفاء عن الناس لمدة من الزمن تاركين الناس بحالهم .

وواضح أن الحديث الشريف يشير إلى أولئك الأنبياء الذين تمتعوا بأعمار طويلة ، وكانوا في حساب المعمرين أمثال نوح (علیه السلام) ، وسليمان (علیه السلام) .

يقول الفيض الكاشاني في هذا المجال ما يلي :

ولا تعجب في غيبة القائم (علیه السلام) وطولها وطول عمره (علیه السلام) بعد ما أخبر النبي والأوصياء من بعده (علیه السلام) ، فإن كثيرا منهم كانت لهم غيبات طويلة وأعمار مديدة .. وقد ذكر طرقاً من ذلك شيخنا الصدوق في كتاب « إكمال الدين وإتمام النعمة » ، من أراد الاطلاع عليه فليرجع إليه » .

أجل ، فالغيبة سنة إلهية ، وكان لها واقع في حياة الأنبياء ، وقد ثبت ذلك في تاريخهم ، وهذه الظاهرة بنفسها لون من ألوان الاختبار الحكيم . فقد يتفق أحيانا أن يغادر المعلم قاعة الدرس لمدة زمنية محدودة ، ليلاحظ طبيعة سلوك تلامذته وانضباطهم ومواظبتهم أو إهمالهم في غيابه ، ليطلع بشكل أفضل على


1) بحار الأنوار ج 51، ص 224.

واقعهم ، ويمارس عملية تقييم أكثر جدية لهم ، ليعطي أولئك التلاميذ - الذين يواظبون على سعيهم الدراسي ويراعون الانضباط حال غياب المعلم كما يفعلون ذلك حال حضوره - ما يستحقونه من تقدير .

ب - دور وأثر الغيبة الصغرى في تحولات الغيبة الكبرى

هناك مسألة لا بدّ من أخذها بنظر الاعتبار في استبصار حصول حالة « الغيبة » ، والمسألة هي تهيئة الأرضية قبل حصول الغيبة ، للتمهيد لها . فمنذ عصر الإمام التاسع أخذت تتقلص إمكانية التماس المباشر مع الأئمة . وقد قضى الإمامان العاشر والحادي عشر حقبة طويلة من زمن إمامتهما وهما يعيشان حالة تشبه الغيبة تحت المراقبة ، وبين جدران السجون . وقد كان ارتباط الشيعة . المباشر إبان تلك الحقبة مع وكلاء هذين الإمامين ، وعلماء المذهب من تلامذتهما ، وفي بعير آخر قضى الإمام الثاني عشر مدة زمنية استغرقت 60- 70 سنة ( عصر الغيبة الصغرى ) ، وهو في متناول الأمة ، وكان له أربعة نواب خاصين كما كان له أيضا وكلاء وسفراء آخرون(1). وقد كان الإمام نفسه يمارس عملياً حلّ مشكلات الأمة ، وتعليمها أحكام الدين ومفاهيمه ، وكان يلتقي أحياناً مع بعض الناس بأزياء مختلفة . كما أشير في الفصل الثالث - ، وأحياناً يرافق البعض في سفرهم أو سكناهم دون أن يعرفوه(2).

كل هذه المفردات كانت بواعث لإثارة الحسّ الداخلي لدى الأجيال بوجود الإمام ، ولتوعيتها بتكاليفها الإلهية ومبادئها العقيدية ، كما كانت باعثاً الحفظ قطاعات جماهير الشيعة ، وصيانة الوجود اللثقافي والتنظيمي لهذه الجماهير ، ومتابعة حاجات المحرومين والمستضعفين .

كما كانت مراناً تدريجياً للأمة على غيبة الإمام والرجوع إلى النواب والعلماء الرساليين ، وحفاظاً على قاعدة التشيع من التمزق والضياع والانحراف ، وإعداداً لأرضيّة تجسيد التقدير الرّبانيّة والسنّة الضاربة في عمق تاريخ الإنسانية : غيبة المربي والهادي .


1) تاریخ الغيبة الصغرى ، محمد الصدر ، ص 609 - 630 - 597 .

2) تاریخ الغيبة الصغری ص 608، 542، 597 - 599 .

المؤلف : تاریخ الغيبة الصغرى » بهذا الصدد عدة فصول محددة في كتابه . يقول في مطلع فصل « حياة المهدي الخاصة » ما يلي :

كان سلام الله عليه وعجل فرجه يوم وفاة أبيه حين رآه الناس يصلي على أبيه .. صبياً بوجهه سمرة ، بشعره قطط ، بأسنانه تفليج .. ثم يصفه من رآه بعد ذلك خلال غيبته الصغرى ، بأنه شاب حسن الوجه طيب الرائحة ، هیوب ، ومع هيبته متقرب إلى الناس . قال الراوي : فتکلم ، فلم أر أحسن من كلامه ولا أعذب من منطقة في حسن جلوسه .

وفي رواية أخرى : إنه شاب أسمر لم أر قط في حسن صورته واعتدال قامته .

وفي رواية ثالثة : فتى حسن الوجه طيّب الرائحة يتبختر في مشيته ....

ونسمع من سفيره محمد بن عثمان رضي الله عنه ، حين شئل عن رؤيته للمهدي (علیه السلام) .. يصف عنقه في حسنه وغلظه ، فيشير بيده ، ويقول : وعنقه هكذا أو قال : ورقبته مثل هذا . وإنّما أكّد على صفة عنقه ليدل على صفة الرجولة فيه ، وأنه لم يبق كما عهده الناس في حياة أبيه صبيّاً صغيراً، أو غلاماً عشارياً عليه رداء تقنع به(1).

ففي زمان العمري السفير الثاني ، حاول شخص أن يقابل المهدي (علیه السلام) فوفّر له العمري فرصة المقابلة ، فرآه شاباً من أحسن الناس وجهاً . بهيئة التجار ، وفي كُمه شيء كهيئة التجار . وكونه ( عليه السلام ) بهيئة التجار ، يدّلنا على لباسه خلال هذه الفترة ، بل على عمله أيضاً .. وهو التجارة ، حيث يستطيع أن يواجه الناس کتاجر من التجار


1) تاریخ الغيبة المغری ص 540 - 541 .

من دون أن يعرف الناس حقيقته . ولعله تاجر مستقل عن تجارة سفيره ، أو لعله يعمل في تجارة سفيره ، أو يعمل سفيره في تجارته . وقد عرفنا ممّا سبق أن هيئة الكثير من علماء الخاصة بما فيهم السفراء ووكلاؤهم وعملهم الإجتماعي الظاهر ، كان على ذلك ، ومن هنا اتخذ قائدهم وإمامهم نفس العمل والملبس ، وهو أمر أبعد ما يكون عن لفت النظر ، وإثارة الشكوك .

ثم يوصف لباسه حال الإحرام للحج : وهو ( عليه السلام ) يحضر الموسم كل سنة ، يرى الناس ويعرفهم ، ويرونه ، ولا يعرفونه ويكون في أثناء حجه متّزراً ببردة ومتشحاً بأخرى ، وقد عطف بردائه على عاتقه ، شأنه في ذلك شأن كل حاج محرم يلبس ثياب الإحرام(1).

أجل ، فكل ذلك - كما أشرنا - يشكل تدابير لتمرين الأمة على غيبة الإمام ، وإقامة حركة التشيع على ساقها ، وإدامة تجسيد طريق الرسالة العقيدي الناهض في القيادة المعصومة ، وبقاء ( ولاية الله ) على الأرض تشريعياً وتربوياً ، واستمرار وثبة ( الحماسة الخالدة ) على طول التاريخ برفقة سبل فجر مقدس ، وأشفاق دامية .

ج - المواقع الخمسة للحضور والغياب

لا بدّ لنا في سياق هذا البحث من التذكير بأنّ « الحجة » و « الولي » يمكنه من زاوية أعمال الولاية التشريعية وحق الحاكمية الاجتماعي أن يتخذ أحد المواقع الخمسة :

1- أن يكون حاضراً وفعالاً ، كما هو الحال بالنسبة لموسی (علیه السلام) حينما عبّا بني إسرائيل مواجهاً فرعون حتى سقوطه ، وكما هو الحال بالنسبة للنبي محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) إبان مرحلة السنين العشر في المدينة ، وكما هو الحال بالنسبة


1) تاریخ الغيبة الصغری ص 141 - 142 ، وأيضاً الغيبة الشيخ الطوسي ص 164 .

العلي (علیه السلام) في مرحلة السنين الخمس من خلافته .

2- أن يكون حاضراً غیر فعال ، كما هو الحال بالنسبة لعيسی (علیه السلام) في السنين المتاخمة للبعثة ، وكما هو الأمر بالنسبة لعلي (علیه السلام) إبان مرحلة القعود في الدار لخمس وعشرين سنة .

3- أن يكون حاضراً ، وفعالاً في بعض قطاعات الحياة الاجتماعية والسياسية والتربوية و...، كما هو الحال بالنسبة للأئمة الطاهرين ، مع الالتفات إلى مختلف ألوان الجهاد والصراع الخفي والمعلن ، ومع حساب معارضتهم الدائمة لأنظمة الحكم المستكبرة .

4- أن يكون غائباً غياباً قصير المدة « الغيبة الصغرى » عن قومه ، مثل عدد من الأنبياء ( كالنبي صالح (علیه السلام))، وكما هو الحال بالنسبة للحجة بن الحسن (علیه السلام) إبان مرحلة « الغيبة الصغرى » .

5- أن يكون غائباً غيبة مستغرقة ( الغيبة الكبرى ) ، كما هو الحال بالنسبة لغيبة الإمام القائم المهدي « ولي العصر» - عجل الله تعالی فرجه الشريف - .

5- خصوصيات الأنبياء في المهدي

سيدي ! ما تفرق لدى العظماء اجتمع فيك .

يمثل الإنسان عصارة خلاصات الكائنات ، كما أن الأنبياء والأولياء نموذج الإنسان وعصارة الإنسانية ، والمهدي خلاصة الأنبياء والأولياء . من هنا فللمهدي شبه في كثير من الخصائص مع الأنبياء غير أمر « الغيبة» وقد تجلت جملة من خصوصيات الأنبياء في المهدي (علیه السلام) .

أجل ، فالمهدي ولي الله الأعظم وسره الأكبر . وهو الذخيرة الربانية ، والبقية الإلهية ، وخلاصة التجليات السالفة . فإذا كانت تركة الأنبياء السالفين له ، وإذا كانت أسرار العالم بأسرها واضحة أمامه ، وإذا كانت ودائع الأولياء .

بين يديه ، فكل ذلك صحيح ، وفي موقعه . ذكرت في الأحاديث سمات متميزة الأنبياء يتوفر عليها قائم آل محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) :

طول العمر * لدى سيدنا آدم (علیه السلام) .

طول العمر * لدى سيدنا نوح (علیه السلام) .

خفاء الولادة ، والبعد عن الناس * عند سيدنا إبراهيم (علیه السلام) .

خفاء الولادة ، والغيبة عن قومه مع الهيبة والجلال * عند سيدنا موسی (علیه السلام) .

الجمال ، الكرم ، الحضور بين الناس مع عدم معرفته(1)* لدى سيدنا يوسف (علیه السلام) .

الغيبة عن القوم * لدى سيدنا صالح (علیه السلام) .

الحكم بقضاء داود(علیه السلام)(2)* لدى سيدنا داود (علیه السلام) .

امتلاك ناصية العالم ، * لدى سيدنا سلیمان (علیه السلام) .

حلول الفرج بعد الشدة(3)* عند سيدنا أيوب (علیه السلام) .

العودة لأوساط الناس بعد ( الغيبة ) على هيئة الشباب * لدى سيدنا يونس (علیه السلام) .

الإشراقة ، تبدل أوضاعه الشخصية * عند سیدنا عیسی (علیه السلام) .

الثورة الدامية ، الخروج بالسيف، سحق الجبابرة * لدى نبينا محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) .

كما أن علوم الأنبياء والأولياء والعظام وأسرارهم الأخرى لدى المهدي :


1) كما هو الحال بالنسبة لإخوة يوسف ، حيث كانوا يرونه ولا يعرفونه إلى أن عرف نفسه بنفسه .

2) الأحكام الداودية معروفة ، إذ إن سیدنا داود (علیه السلام) كان يحكم وفق علمه الشخصي ، ولا ينتظر بينة . او شاهداً .

3) حصل سيدنا أيوب (علیه السلام) بعد زمن طويل من المتاعب والابتلاء على الفرج والاستقرار . والمهدي (علیه السلام) بعد أن هجم العباسيون على بيت أبيه أجبر على التشريد والبعد عن الأحبة والأنصار ثم غاب عن الأنظار طبقا للحكمة الإلهية ، واستمرت هذه الغيبة زمناً طويلاً . وهو (علیه السلام) کسيدنا أيوب سيحصل على فرج واستقرار . وإن فرجه (علیه السلام) فرج لكل المؤمنين والمستضعفين وسالكي سبيل الحق .

أسماء شيث ، وعلوم هرمس ، وأذكار یونس ، و ...

في الصلوات المنسوبة للفيلسوف نصير الدين الطوسي يصف الإمام المهدي (علیه السلام) بخصوصیات آبائه أيضاً :

اللهم ؛ صل وسلّم ، وزد وبارك على : صاحب الدعوة النبوية والصولة الحيدرية والعصمة الفاطمية ، والأناة الحسنية ، والشجاعة الحسينية ، والعبادة السجادية ، والمآثر الباقرية ، والآثار الجعفرية ، والعلوم الكاظمية ، والحجج الرضوية ، والإفاضة التقوية ، والنقاوة النقوية، والهيبة العسكرية ، والغيبة الإلهية ، القائم بالحق ، والداعي إلى الصدق المطلق ، كلمة الله ، وأمان الله ، وحجة الله ، القائم بأمر الله ، المقسط لدين الله ، الغالب الأمر الله ، والذابّ عن حرم الله ، إمام السّر والعلن ، دافع الكرب والمحن ، صاحب الجود والمنن ، الإمام بالحق ، أبي القاسم محمد بن الحسن ، صاحب العصر والزمان ، وقاطع البرهان ، وخليفة الرحمن ، وشريك القرآن ، ومظهر الإيمان ، وسيد الإنس والجان ، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين .

الصلاة والسلام عليك يا وصي الحسن والخلف الصالح يا إمام زماننا ، أيها القائم المنتظر المهدي ، يابن رسول الله ، یابن أمير المؤمنين يا إمام المسلمين ! يا حجة الله على خلقه ! یا سیدنا ومولانا ، إنا توجهنا واستشفعنا ، وتوسلنا بك إلى الله ، وقدمناك بين يدي حاجاتنا في الدنيا والآخرة يا وجيها عند الله اشفع لنا عند الله - عز وجل -

ذكر العلامة النوري بكلمات عميقة وجميلة للفيلسوف الكبير نصیر الدین الطوسي في الثناء على الإمام الغائب والتوسل به . وهي عبارة عن كلمات لطيفة ومتينة دبج بها كتاب « جنة المأوی » في مقام مدح الحجة الكبرى :

« ... عنقاء قاف القدم ، القائم فوق مرقاة الهمم ، الاسم الأعظم الإلهي ، الحاوي للعلم الغير المتناهي ، قطب رحي الوجود ، ومرکز دائرة الشهود ، کمال النشأة ومنشأ الكمال، جمال الجميع ومجمع الجمال، المترشح بالأنوار الإلهية ، المربی تحت أستار الربوبية ، مطلع الأنوار المصطفوية ، ومنبع الأسرار المرتضوية ، ناموس ناموس الله الأكبر ، وغاية نوع البشر أبي الوقت ومربي الزمان ، الذي هو للحق أمين ، وللخلق أمان ، ناظم المناظم ، الحجة القائم .. » .

نعم ، تقرأ صلوات نصير الدين الطوسي بعنوان التوسل وعلى أسلوب الختم إلا أن هناك زيارات متعددة كزيارة « الآيات الربانية » في مقام التوسل بالحجة بن الحسن (علیه السلام) . كما هناك أدعية عظيمة كدعاء « الآيات الربانية » و « العهد » في مقام المناجاة مع الله تعالى والتوجه إليه وطلب الخير المعنوي والتوفيق الشامل بواسطة مقام الولاية .

وكل هذه الأدعية والأذكار . إنما هي توسل بمقام الكبرياء الإلهية ، أما هذه الأنوار الطاهرة - عباد الله المقربون ووسائط فيضه - فهي وسائل للتقرب بساحة عظمته . إن المهم جداً في هذه المرحلة هو التوجه الكامل لأبعاد الزيارات والأدعية . والبعد الأهم فيها هو البعد المعرفي .

فما سوى الذكر والمناجاة وطلب الحاجات بقراءة خاشعة للأدعية ، وما عدا التوجه والتوسل وإبراز الأدب والحب بقراءة مؤدبة للزيارة ، فإن الأدعية والزيارات تشتمل على أعظم الحقائق في أجمل وأسهل العبارات(1).... ولا بد من تأمل هذه المعاني والمضامين ، وقراءتها بدقة وتأمل ، واستلهام هذه المعارف روحياً وقلبياً .

إن كمال الإنسان الواقعي في معرفة حقائق العالم ، وكيفية الوجود ، وفيضه ، ووسائط فيضه ، ومقامهم ، وكيفية وخفايا الأمور الأخرى وأحوال عالم


1) لقد جاء سياق أكثر الأدعية بعبارة سهلة ، كما أن هناك أدعية واردة كدعاء « الجوشن الصغير » .

الأمر والخلق . ولا تنبغي الغفلة عن التعرف على هذه الحقائق وتحصيل اليقين بها . ولا ينبغي إغفال الأدعية والزيارات ، والجهل بمضمونها العميق . ولا ينبغي الاكتفاء بقراءة سطحية لتلك الأوراق المضيئة والأسطر الروحية . إن الأدعية المأثورة تضج بنور أصفى ينابيع الحقائق العلوية ، وأطهر المعارف الأصيلة في مجالات التوحيد والولاية ، والفيض والتكوين ، والإنعام والتقدير ، وغيرها من المسائل الإلهية ، والعالم وعوامله ، كما تشع بفلسفة النفس والتربية وقضايا المجتمع والمسؤولية ، وأسس السياسة والثورة والإصلاح .

6- الوساطة في الفيض .

اشارة

يحسن بنا ۔ ونحن نواصل البحث والتحقيق حتى هذه المرحلة - أن نأتي باختصار على الحديث حول مسألة الفيض والجود الإلهي ونهج ترشحه وسريانه .

إن إحدى أهم قضايا المعرفة على مختلف مستوياتها، الأعم من الإسلامية ( القرآنية - الحديثية ) ، و الفلسفية ، والعرفانية هي مسألة « الفيض » و « الوساطة فيه » ومعرفة كيفية ترشح الفيض من مبدأ الوجود على الوجودات والموجودات . لا بد للفيض - على الدوام - من واسطة قابلة ومقربة تنقله من المبدأ الفياض إلى سائر الموجودات .

لقد طرحت مسألة الفيض والوساطة على بساط البحث منذ أيام الزمن الغابر . ولقد أثارت الأحاديث الشريفة قضية « المخلوق الأول » .

احتل هذا البحث موقعاً أساسياً في فلسفة ما قبل الإسلام ، وبالخصوص في فلسفة أفلوطين « الأفلاطونية المحدثة » . وقد طرح لدى مدارس الفلسفة الإسلامية ، عند الفارابي وفي « فلسفة المير داماد » والاتجاهات الأخرى. وقد أخذ هذا البحث بنظر الاعتبار في عرفان المسلمين - خصوصا العرفان النظري - أيضاً .

ذهب محيي الدين بن عربي إلى الاعتقاد ب « الفيض المقدس »،

و « الفيض الأقدس » . « فكان يرى أن للوجود - الذي هو حقيقة أزلية واحدة ،(1)تجليين :

1- التجلي الذي يتم بموجبه ثبت أعيان الموجودات في عالم الغيب لتضحي «أعياناً ثابتة » .

2 - التجلي الذي تظهر بسببه تلك الأعيان الثابتة في العالم الحسي .

أطلق على التجلي الأول مصطلح ( الفيض الأقدس ) ، واصطلح على التجلي الثاني ( الفيض المقدس ) . »

فالفيض الإلهي - بشكل عام - ينقسم إلى نحوین :

1- فيض الخلق والتكوين .

2 - فیض الهداية والتشريع .

وهدفنا هنا الحديث باختصار حول « واسطة الفيض » وفق هذا الاتجاه العام ، فننوع موضوع البحث إلى نوعين :

أ- الوساطة في الفيض التكويني .

ب - الوساطة في الفيض التشريعي .

أ- الوساطة في الفيض التكويني

أي لون من ألوان الفيض الواصل يصدر من المبدأ الفياض عن طريق واسطة الفيض . والفيض الأعظم في الواقع هو خلق وإيجاد الواسطة نفسها. فالواسطة هي أول الخلق وعلّة لظهور المخلوقات الأخرى على سطح الوجود والفيض الإلهي يترشح على الكائنات - على الدوام - عن طريق وجودها وامتدادات هذا الوجود ، وكسب الفيض الصادر من المبدأ المفيض ظاهرة تحتاج إلى واسطة مؤهّلة ، وهذه الواسطة المؤهلة تكتسب الفيض حسب مستوى قابليتها ، وتوصله إلى المستفيض .

وبعبارة أخرى : غني عن البيان أن عالم الوجود بأسره وجميع الكائنات التي لها تحقق على لوح الوجود ، من المجردات والمادية أجمع، سواء


1) وفق اصطلاح مدرسة ابن عربي .

جزئيات الذرة والمجرات والعوالم الكونية العظمى ، تأخذ طريقها جميعاً إلى عالم الوجود بالفعل الإلهي .

والفعل الإلهي صادر عن إرادة ومشيئة ، وإن الإفاضة والإنعام مقصودان بمشيئة الغني المطلق وإرادة الجواد على الإطلاق. بل لا بد من القول إن متعلق المشيئة هو هذا الإنعام والإفاضة .

إلا أن البحث يدور حول هذه المسألة وهي : أن الإفاضة على الموجودات هل تتم بواسطة أو أنها تتم بلا واسطة ؟

والواقع هو أن تعلق الفيض بالموجودات الدانية والراقية يتم بواسطة ، وواسطة الفيض فيض أيضاً . بل هي حقيقة الفيض وجوهره - كما أشرنا -.

حقيقة الولاية المطلقة في هذا الفيض ، والتوسط في إيصال الفيض إلى الكائنات الأخرى . فنفس الولي المطلق وعاء للمشيئة ومبدأ السريان الفيض الإلهي ، ومنبع لإفاضة الجود والوجود والإفاضات المختلفة للموجودات .

على هذا الأساس ، فنفس الولي (نبيٌ أو إمام ) لها مركزيتها في عمق الوجود . وتمثل روح الولي - الجزء الملكوتي - جسراً لإدامة الوجود وإفاضته ، ومعبرة لتسلسل الإبداع والخلق .

و ببيان آخر : العالم ، عالم سبيّة ، وكل شيء فيه قائم على أساس تخطيط ووفق تقدير وواسطة ومقدار ، تقدير من مقدر عليم حكيم . يحتل وجود الولي - في نفس حركة السببية والتقدير الأزلي العظيم - نقطة البدء للإفاضة ، ومبدأ الإفاضات الأخرى . وفي هذا الضوء يحتل الولي موقعاً في متن الوجود وعمقه . وهو ذاته سبب جمع الإفاضات والأنعام : فوجود الولي له علّيّته بالنسبة للوجودات الأخرى .

عمومية وشمول هذه الظاهرة في نظام الوجود الحكيم بلغت الحد - وهي قانون في الواقع - الذي نلاحظ فيه سيدنا آدم صفي الله (علیه السلام) أيضاً لا بد له من التذرع بواسطة يستفيض بها توبة ربه فيتلقى « كلمات » : ( فتلقى آدم من ربه

كلمات فتاب عليه )(1)، واستخدام الفاء في كلمة ( فتاب ) لأجل التفريع والترتيب ، وهي إشارة للترتب والعلية التي هي محل حديثنا(2).

ب - الوساطة في الفيض التشريعي

ينسحب التصور السابق على ظاهرة هداية الإنسان ، وتشريع القوانين وتحديد الأحكام ، وإنارة « الصراط المستقيم » أيضاً . فظاهرة الهداية والتشريع نفسها فيض عظيم وإفاضة كبرى . إذن فهذا الأمر بحاجة إلى واسطة مؤهلة . لا بد من نفوس مؤهلة تستقبل الوحي وهدى الأيات الإلهية وتبلغها وتعلمها للبشرية . والمسألة ليست على نحو أن كل نفس مؤهلة لتلقي الوحي ، ليضحي كل فرد نبیّأ لنفسه وإماما لها . بل لا بد من مجيء واسطة فيض مؤهلة لاستقبال الوحي ، لكي تزكي النفوس ، وتعلم الكتاب والحكمة . وقد أشار القرآن الكريم لهذه المفاهيم وعد إرسال وبعث معلم الهدی إحدى النعم الإلهية ، النعم الإلهية الكبرى التي عبر عنها تبارك وتعالى بقوله : ( لقد منّ الله .. )(3).

لا يستطيع الإنسان أن يصل بنفسه إلى استجلاء حقائق الوجود ، ولا يقدر بنفسه على إدراك معقل المعرفة الإلهية والتوحيد الرفيعين. لا يستطيع الإنسان أن يفهم قضايا الوجود والعالم دون التعاليم السماوية ، وبلا مقولات الأنبياء ، ولا يستطيع أن يشخص مستلزمات الحياة الخالدة وعدة سبيلها وأسباب الحياة فيها ، لا يستطيع الإنسان أن يستوعب إطار السلوك التكاملي وأسراره وحكمته ، وأن يكشف طريق الحركة السليمة والمستقيمة . كما أن العقل وحده غير كاف لبلوغ هذا الهدف(4). فالعقل لا يتعدى كونه مصباحأ ، لعله يطوي الطريق إذا حدد له


1) سورة البقرة : 37 .

2) الكلمات ، التي وردت هنا - ( وفق حقائق علم الحروف وخصوصاً ما وصل منها عن طريق الأئمة الطاهرين ) - لا بد من أن تكون أسماء ( معبرة عن ذوات تمثل باعتبار ما أسماء إلهية ) ليمكن أن تصبح منشا للإفاضة ، وسبيلاً لترشح الفيض . ومن هنا جاءت الروايات عن طريق اهل السنة والشيعة دالّة على أن الكلمات التي تلقاها آدم وحصل عليها ، وجعلها واسطة للفيض الربوبي هي أسماء خمسة أشخاص .

3) سورة آل عمران : 164 .

4) « إن مجرد العقل غير كافٍ في الهداية إلى الصراط المستقيم » .

لكنه لا يستطيع بنفسه أن يكتشف السبيل الأصيل ، ولا يمكنه أن يضمن استقامة السبيل - إن قدر على اكتشافه ..(1).

من هنا كان العقل أيضاً بحاجة إلى إمداد وتوجيه . فهذا المصباح يحتاج باستمرار إلى صب الزيت فيه وإدامة فتيله .

إذن لا بد أن يصل الإمداد التشريعي بني الإنسان أيضاً ، وأن يؤخذ بيد الإنسان ، ويعاد العقل قويما في نصابه .

تتحد الواسطة في الفيض التكويني مع الواسطة في الفيض التشريعي في الخارج ، ولهما مصداق واحد : النبي ، والإمام نيابة عنه . فقد تبلورت في النبي الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) المرتبة الكاملة للولاية والرسالة ، وفي الأئمة الطاهرين علي وأولاده تبلورت الولاية والإمامة أيضاً، والتي هي - أي الإمامة - نيابة عن ا الرسالة . فهؤلاء واسطة في الفيض التكويني :

لولا وجودهم لم تأو صورتنا * إلى الهيولى ، فلم نخرج من العدم

وواسطة في الفيض التشريعي :

بآل محمدعرف الصواب * وفي أبياتهم نزل الكتاب

7- قانون التكوين العظيم ودوامه

لاحظنا في الفقرة السابقة أن الله تعالى جعل قانون « الوساطة » وعاء


1) لو سلمنا جدلا أن العقل يقدر على استيعاب مفاهيم ، ويستطيع أن يعين القواعد السلوكية لحياة الإنسان ، وأن ما يدركه العقل متكامل ومؤد للسعادة ، فنحن نعلم أن هذا الاستيعاب وهذه القدرة لا تتيسر لكل العقول ولكل الأفراد . بل يمكن أن يتوفر عدد قليل جداً من المفكرين والعباقرة على مثل هذا الاستعداد . ونعلم أيضاً أن هذه القدرة لا تنسحب على جميع الحقول وسائر المشكلات . إذن فلا بد أن يكون هذا النفر من أصحاب الاستعدادات الخاصة قدوة جماهير البشر ، وأمراءهم وهداتهم ، وكتابهم ، ومقنينهم . وفي مثل هذه الحالة يكون أتباع الكتاب السماوي والنبي المرسل أولى وأجدر من أتباع طائفة من الفلاسفة والمفكرين والمقنين البشريين ، الذين رغم ما لهم من مزايا كمالية ، لديهم الكثير من القصور والنقص في التشخيص وعدم المعرفة ، ويعانون من الأفكار المتناقضة والميول المتعارضة والتوجهات المتعثرة !

لإيصال الفيض ، وأقام العالم وشؤونه على أساس قانون « العلية » المحكم . والتفتنا إلى أن الولاية ( واسطة في استلهام الفيض وبثّه ) إحدى أبرز وأهم ظواهر قانون العلية . تعمم هذه الظاهرة بشكل أكبر في المراتب اللاحقة ، وتضحي الوسائط والأسباب في سلسلة المراتب متعددة ومتكثرة ، ويرتبط الجميع بهذه الواسطة الأولى .

أحد دواعي هذا القانون : أن يكون ازدياد إفاضة الفيض عن طريقه ، إذ سوف تنعم أسباب ووسائط الفيض بالوجود ، وتتمتع بفيض الوجود وسائر ألوان الفيض الأخرى .

من هنا يحدث التراكم العظيم للمفيضين والمستفيضين ، قوانین محيرة انسجاما مدهشاً ، وتنظيماً دقيقاً ، وفعالية شاملة ، وارتباطاً عميقاً .

يتمتع العالم - كما نشاهده ، والعلوم كلها شواهد على ما نقول - بأدقّ النظم ، والنظام والتنظيم في عالم الخارج سيّان . تقتضي طبيعة تنظيم الأمور من زاوية المدة الزمنية إجمالا وتفصيلا . وليلة القدر إحدى الأسس الكبرى للتنظيم والتدبير . ليلة القدر مرحلة « الإجمال » ، والظرف الزمني للسنة مرحلة « التفصيل »(1). إذن ليلة القدر وحضور المجري والمنفذ - بالنسبة لكائنات عالم الأرض - جزء النظام الكلي للوجود . وأحد أهم أركان التقدير والحكمة والتنظيم . فهي تعين تقادير هذا العالم على أساس الحكمة المحكمة وبشكل إجمالي عام ، ثم تتجسد تفاصيل هذا التعيين على طول السنة .

ذات الولي وقلبه(2)

كما نقول في مجال معرفي آخر : قالبه مربي « الصور النوعية » .

وقد أشرت في قصيدة عربية نظمتها لهذه المفاهيم « المعرفية » في استبصار آثار الولاية وإليك ثلاثة أبيات منها :

قالبه مصور الأنواع * وقلبه واسطة الإبداع

قالبه مفيض أنواع الصور * وقلبه سر نفاذات القدر

لولاه مامعنى نزول الأمر * في كل عام من ليالي القدر

نقلا عن « الأدب والالتزام في الإسلام » للمؤلف ص 135 - 137 .

، أكبر عوامل وصول الفيض للموجودات والمخلوقات ، وكما أن الولي واسطة للفيض ، فهو مركز لتنظيم الفيوض والتقادير أيضاً . الفيوض وكل المصائر والتقادير تعرض عليه في مرحلة

1) مرت أفكار حول ليلة القدر ، وبعدها الوجودي في الفصل الثامن، وذكرنا في ذلك الفصل - الفقرة 8-حديثاً عن الإمام الصادق (علیه السلام) : فكيف يكون حكيماً إلا ما فرق » .

2) إذا أردنا أن نتحدث بلغة أهل العرفان يمكننا القول : « سر الولي المطلق » ، واسطة « الفيض الأقدس » ، و « قلبه » ، واسطة « الفيض المقدس » .

الإجمال ، وتتحقق في مرحلة التفصيل عن طريقه وبإرادته . فالله تعالی ( .. لم يكن له ولي من الذل .. )(1)

قال سبحانه في سورة الإسراء ، ( ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا ) .

. بل له ولي من العز .

نلاحظ في هذا الضوء أن حركة «ليلة القدر » ( بمحتوياتها وبوصفها محطة سنوية فاصلة لتنظيم وتقدير الأمور ) ليست حركة عادية ، بل هي ناموس مستمر على الدوام ، وقانون لا يعتريه أي تغير ، وهي جزء نظام التكوين والتقدير من جهتين :

1 - من جهة قانون الوساطة في الفيض .

2 - من جهة قانون الإجمال والتفصيل في تنظيم الأمور .

8- غيبة شأنية

من خلال تأمل ما مر ، وبملاحظة شؤون وسلوك الإمام في العالم ننتهي إلى النتيجة التالية : إن غيبة حجة الله ليست غيبة كلية ، بل هذه الغيبة وعده الحضور غيبة جزئية ، يعني : غيبة وعدم حضور في شأن من شؤون الولاية . وهو - ( أي الشأن ) - المعيشة مع الناس والهداية المباشرة للمجتمع البشري وتشكيل الحكومة الحقة . فالإمام في عصر الغيبة غائب في هذا الشأن من شؤون ولايته وسلوكه ومركزه ، وهو حاضر في بقية الشؤون ونافذ وفعال وبعبارة أدق : إن الغيبة بالنسبة للإمام وخليفة الله في كل الجهات والشؤون ليس لها معنى ، بل لا تتصور ، إذ ستكون نظير تصور تحقق معلولات متعددة لعلة واحدة دون أن تتحقق هذه العلة وهذا الأمر ليس معقولاً وغير مقبول . وهذه الحقيقة يعني : الحضور العام للحجة في حال غيبته الخاصة ، جاءت في


1) سورة الإسراء : 111.

إحدى زيارات هذا الإمام العظيم بالعبارة التالية :

« السلام عليك يا حجة الله ، التي لا تخفي » .

فعدم الخفاء في حال الغيبة في هذا النص إشارة الألوان الحضور الأخرى التي يمارسها الإمام .

على أساس البحث الذي مر في « الواسطة في الفيض » ، يتلمس كل فرد في وجود كل شيء ، وفي وجوده وحركاته وحياته نفسه أثار حضور الحجة ، حضوره الواسطي . وهذه واقعية كبری من واقعيات المعرفة . وانطلاقاً من هذه « الواقعية المعرفية » اصطلاحنا على انحصار الغيبة في جهة واحدة ب « الغيبة الشأنية » . للإمام في عصر الغيبة « غيبة شأنية » وهو حاضر في سائر الشؤون الأخرى ما عدا شأناً واحداً، حيث إن هذا الحضور وهذه الشؤون ترتبط مباشرة ببقاء الكائنات وإدامة وجودها وحيث يستمر هذا الوجود ، وتوجد علة الفيض لهذا العالم بكل أرجائه ، سوف لا يكون هناك معلول بلا علته وتكون هذه العلة في علتها - بإذن الله وفضله - ذات فعلية وغنی .

9- الآثار الوجودية للحجة في عصر الغيبة

اتضحت - خلال البحث السابق - أرضية معرفة آثار الحجة في عصر الغيبة ، قلنا هناك : إن ليس للإمام وحجة الله غيبة كلية ، وما كان فهو الغيبة الجزئية ، وهو حاضر على الدوام بغية إيصال فيض الوجود وأساس النعم . على هذا الأساس فقوانين وأصول الحجة دائمة الاستفاضة والفيض . فهو يستلهم الفيض على الدوام ويبثه باستمرار وقد كان الجعل والتقدير الإلهي ليكون على هذه الشاكلة .

في هذا الضوء نعرف أن أهم فائدة في وجود الحجة هي : آثار ولايته التكوينية . فلا بد أن يكون الحجة والولي من زاوية ناموس التكوین وقانون الإبداع ، وبحكم سدى ولحمة نظام الخلق الحكيم ؛ حيث إن عالم الوجود - كما أوضحنا من قبل أيضا - يقوم على أساس الأسباب ، والوسائط ، ويرتكن لوجود الفرد الكامل في السببية والوساطة ، والذي هو نفسه واسطة الوسائط ،

وسبب الأسباب . إذن فتربية الجماهير ، وإدارة شؤون المجتمع ، ونشر تعاليم الإسلام في كل بقاع العالم ، وتشكيل الحكومة الحقة واحد من العديد من آثار وجوده ، وحينما لا يتسني الهذا الأثر أن يكون عملياً - لحکم متعددة - ويؤجل تجسيده ويغيب الحجة عن أنظار الناس عامةً ، تبقى آثار وجوده الأخرى - وهي الأساس - مترتبة على وجوده ، بل تساوق وتعادل هذه الآثار نفس وجوده ، وأحكام المتساويين واحدة ، فثبوت كل منهما عین ثبوت الآخر ، فما دام الحجة موجودة فالعالم موجود ، وما دام العالم موجودا فالحجة موجود . .

الخلاصة : بلوغ فيض الوجود التدريجي وتحقق مراحل الإفاضات الإشراقية ، رهن وجوده ، وهو أي - الحجة - كالمراة الصقيلة إزاء مطلع أنوار الأزلية غير المتناهية ، تعكس إطلالة الوجود على أرواح الكائنات - في مرحلتي الوجود والبقاء - .

من هنا فآثار وجود الحجة لا ينظر إليها محصورةً في زاوية تربية المجتمعات ، والحضور في أوساط الأمة ، بل لا بد من ملاحظة وجود هذه : الحقيقة من زاوية قانون التكوين ، والعلاقات الماهوية « العلية والسببية »

أيضاً ، لترى أن للحجة حضوراً علياً ، وإن لم يكن لساخت الأرض بأهلها(1)، وبتعبير المتكلم المعروف الشيخ عبد الجليل القزويني الرازي :

إمام العصر ، خاتم الأبرار ، المهدي بن الحسن العسكري - عليه وعلى آبائه الصلاة والسلام -... وجود

العالم رهن وجوده ، والعقل والشرع منتظر ظهوره ولقاءه ..(2).

ما قيل حتى الآن كان إشارة للآثار الوجودية للججة الغائب من بعد الوساطة التكوينية ، أما في بعير الوساطة التشريعية ومسألة هداية وتربية البشرية فلا بد من القول : إن الغيبة من زاوية هذا البعد لها - يقيناً - آثار سلبية فلا يمكن


1) أصول الكافي ، کتاب الحجة ، باب أن الأرض لا تخلو من حجة ، الحدیث 1 - 13 .

2) کتاب النقض ، طبع المحدث الارموي ، مقدمة الكتاب ، ص 6 .

أن يكون حرمان الإنسان من إدراك حضور المربي الأكبر والحجة البالغة أمراً بسيراً . غير أن هذا الحدث وقع وفق علل وحكم - كما مر ، وتأتي الإشارة إليه أيضا في الفصل الرابع عشر - ، فأدى إلى غيابه لكي لا تذهب آثار الهداية والتربية كلياً .

لقد وقعت غيبة الإمام الكبرى في ظروف توفرت على الإمكانات التالية :

1- كتاب الله .

2- سنة الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) .

3- أحاديث وأقوال وتعاليم الأحد عشر إماماً .

4 - السيرة العملية وأسلوب حياة الأحد عشر إماماً طيلة 250 عاماً في أبعادها المختلفة : الالتزام والمسؤولية والتربية والإقدام والحماسة والإيثار ..

5 - مرحلة « 70 عاماً » الغيبة الصغرى ، ومجموعة التعاليم والإرشادات التي أفاض بها الإمام الغائب طوال تلك المدة ، والتي وضعها في يد الأمة . كما أشرنا من قبل - نوابه وسفراؤه .

6 - وجود جمع من علماء وعظام الشيعة ، الذين مروا بمراحل تربوية وتعليمية في ظل مدرسة أهل البيت ، مع الواسطة القريبة جدأ لمنبع هذه التعاليم .

سمعنا عن الفيلسوف الكبير أبي نصر الفارابي وعن بعض آخر من العظام والفلاسفة أنهم قالوا : حينما يغيب رئيس المدينة الفاضلة ، لا بد من العمل بسنن وقوانين السلف . وقد حول علماء التشيع هذا النهج إلى سيرة عملية . من هنا - ومع وجود هذه التركة التربوية العظمى، التي تنسحب على أبعاد الحياة المختلفة ، ومع وجود خط « النيابة العامة » في عصر الغيبة الكبرى - نلاحظ أن الآثار الوجودية في الغيبة لا تنتفي ولا تنقطع بشكل كامل .

إذن فالمثال الذي يضربونه للإمام الغائب بالشمس الملبدة بالغيوم يصدق تماما : فالشمس شمس سواء كانت مصرحة جليّة وسواء كانت ملبدة بالغيوم ، ولها كل آثارها الوجودية ، غايته أنها حينما تتلبد بالغيوم لا يصل شعاعها الذهبي للعيون ، غير أن بقية آثارها دائمة ومستمرة .

ذكر أستاذنا الكبير الشيخ مجتبی القزويني الخراساني - وهو من نوادر عصره ، ومن « المحظوظين - فوائد وجود الإمام الأكبر المهدي الموعود (علیه السلام) في حال الغيبة ببيان ممتزج بوعي عيني للواقع . يحسن بنا هنا أن نصغي لحديثه ، وندع العندليب الواله يحكي مقولته :

لا يزال الإمام في حال الغيبة - التي وقعت على أثر انحراف الناس أنفسهم - حجةً ، وحينما تبتغيه الناس بإخلاص سوف يصحر ، وهو في نفس الوقت الذي يغيب فيه عن الأنظار يقوم ب:

1- يقضي حوائج المتوجهين إليه والمتوسلین بمقامه .

2 - يمد الطالبين في حل مشکلات علوم الدين ، والوصول إلى المعرفة .

3 - تؤثر إرادته ودعاؤه في تحويل قلوب المتسلطين والمتنفذین .

4 - حيث إنه شاهد على أعمال الأمة ، تنصرف الجماهير المؤمنة عن ارتكاب الحرام والمخالفة ، وتسلك سبيل

الصلاح والتقوى .

5- تعهد تربية وإيصال النفوس المستعدة مراتب السلم في مسيرة التكامل الروحي . ويسعف السالكين على بصيرة ، ويحفظهم عن الوقوع في شراك الأدعياء والمشعبذين والمتلبسين برداء الدين(1).

10- النظام التكويني والنظام الاجتماعي

أشرنا إلى أن الحضور التربوي «للحجة»، وحاکميته في أوساط المجتمع الإنساني أحد آثار وجوده . ولا بد من القول إن هناك واقعين يرتبطان بوجود الحجة وخليفة الله في الأرض :


1) بيان الفرقان ج 5، وانظر أيضا كفاية الموحدین ج 3 .

أ- توفر الكائنات الأرضية على النظام .

ب - انتظام المجتمعات البشرية .

يرتبط الواقع الأول بإدامة الخلق والنظام في العالم ، ويرتبط الواقع الثاني بانتظام حياة وحركة الإنسانية .

وبتعبير آخر : يرتبط الواقع الأول با « الولاية التكوينية » ، ويرتبط الواقع الثاني ب « الولاية التشريعية » ، ومن الواضح أن الواقع الأول هو الأصل وهو المتقدم والأهم والأعم، وإذا لم يكن الواقع الثاني - الذي هو الفرع المتأخر المهم والعام - قابلا للتنفيذ والتطبيق بشكل كامل ، فالواقع الأول قائم لا يتغير . وسوى ذلك لا يمكن أن يكون أمرا آخر . على هذا الأساس فليس للغيبة مفهوم بالنسبة لحضور الإمام في عالم الوجود - كما أشرنا في بحث « الغيبة الشانية » .

إذن فالأمر الذي يحتل الدرجة الأولى في الأهمية بالنسبة لضرورة الحجة وحتمية وجوده هو : حضوره في العالم ، وليس ظهوره في أوساط الجماهير ، وباصطلاح علماء المنطق : ضرورة الحجة أعم من غيبته وظهوره ، وليست مساوية لظهوره .

نأتي للاستشهاد بكلام إمام أهل اليقين وصي الأوصياء وقدوة الصديقين أمير المؤمنين (علیه السلام) حسن ختام للفصل وتأييدا لما جاء فيه من مقولات وتيمناً وتبركاً :

اللهم بلى ! لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة ، إما ظاهراً مشهوراً وإما خائفاً مغموراً . لئلا تبطل حجج الله وبيناته -(1).



1) نهج البلاغة ، صبحي الصالح ص 497.

الفصل العاشر : في ضوء العلوم التجريبية

اشارة

في ضوء العلوم التجريبية

1- زوایا نظر العلوم التجريبية

اشارة

الموضوع الآخر في قضية « المهدي الموعود »، الذي لا بد أن يخضع للتحقيق هو : مسألة « طول العمر». فمن الممكن أن تكون هذه المسألة بحاجة إلى الإيضاح لدى بعض المتابعين . إذن ، لا بأس في متابعتها عبر وجهات نظر متعددة .

نريد أن نرى في هذا المجال : هل هناك دليل عقلي ، أو برهان علمي ، أو قانون تجريبي عام يثبت استحالة طول العمر ، أو لا؟ كما نحاول أن نرى : هل التجربة البشرية على امتداد التاريخ الإنساني الطويل تقضي بتلك الاستحالة ؟ وهل ترى أن ظاهرة التعمير اتفق أن تحققت في مورد أو لا؟

نريد أن نتعرف على : كيفية وضع مسألة طول العمر من وجهة نظر الأدلة العقلية ، وقوانين علوم الحياة ، ومن وجهة نظر التجربة البشرية ، والواقع التاريخي ، ومن زاوية حركة قوانين ونواميس الطبيعة ، وعبر وجهات نظر المفكرين الكبار ، وإخصائيي العلوم ...؟

لنتعرف على : أن امتداد العمر على مساحة زمنية واسعة ، ووقوع ذلك في كل الأحوال والشروط ، وبالنسبة لكل الأشخاص : هل له حكم كلي ،

وقانون ضروري ، وقاعدة لا استثناء فيها ، أو أن الأمر ليس كذلك ؟ ونحاول أن نتعرف بعد ذلك على الإجابة على هذا الاستفهام : ما هي وكيف تكون العلاقة بین طول العمر ، والقدرة الإلهية ؟ نعكف على إيضاح هذه المسائل خلال هذا الفصل .

أ. في علم الأحياء

يقول علماء الأحياء : إن عمر البشر ليس له حد ثابت ، ومدة معينة . ففي العالم الطبيعي وجدت مختلف أشكال العمر ، ويمكن أن توجد . يقول العالم الألماني وایزمن :

لا يمثل الموت لازماً حتمياً للقوانين الطبيعية ، وقد وجدت كل ألوان العمر في عالم الطبيعة بدءاً من العمر الأبدي حتى عمر اللحظة الواحدة .

إذن في ضوء وجهة نظر المتخصصين لا يعتبر طول عمر الإنسان بأي حجم كان خلافاً للأصول العلمية ، بل لعل العلم يؤيد ذلك . وقد ذهب العلم الحديث في تأیید مسألة طول العمر إلى الحد الذي تصدى فيه خلال العقود الأخيرة لإلغاء الحد والقيد عن حياة الإنسان ، ومن خلال اكتشاف الأسلوب السليم لصيانة خلايا الجسم لتضاف سنون طويلة على مدة عمر الإنسان . وقد ترقی البعض وعكفوا ساعين في طريق الحصول على العمر الخالد للبشرية ( من خلال اكتشاف هرمونات خاصة وتزريعها للإنسان ).

ب - في ضوء قوانين الطبيعة

نواميس الطبيعة وقوانينها أيضا لم تثبت بطلان طول العمر .

تنشأ الأحكام التي ترجع إلى قوانين الطبيعة من حيث الأساس في الأعم الأغلب جراء الاستقراءات الناقصة ، والمحدودة بحدود رؤية وإدراك وتجربة الأفراد، ولا تعتمد الاستقراء الشامل لكل مفردات الواقع الطبيعي الشاسعة . يقول علماء المنطق : « إن الاستقراء الناقص لا يمكن أن يكون دليلاً على الحكم الكلي العام ». وعلى سبيل المثال : إذا لاحظنا أشجاراً في محيط حياتنا لم يكن لقاحها ورشدها بحکم عوامل خارجية ( من قبيل تدخل

الأشخاص ) ، فلا يمكننا بمجرد ذلك أن نقول : إن كل أشجار العالم ترشد دون عوامل خارجية . إذ إننا لم نشاهد كل أشجار العالم واجدة واحدة في كل مكان ، ولسنا مطلعين على أوضاعها أجمع . فمن الممكن أن يكون بين ما لم نلاحظه ولم تجربه أشجار تحتاج في عملية تلقيحها إلى تدخل الملقحين والزراع . إذن يمكننا أن نصدر حكماً كلياً بصدد موضوع ما حينما نستوفي في المتابعة كل مفردات هذا الوضوع - مفرداته الاعتيادية وغير الاعتيادية - ونتعرف على أحكام الجميع .

والحال كذلك بالنسبة لقوانين معرفة الحياة . فحتى الآن لم تكتشف كل هذه القوانين سواء منها الداخلة في علوم الحياة ومعرفتها ، أم المتعلقة بالعلاقة بين قضايا هذه العلوم والعلوم الأخرى . إذ أن المسائل المجهولة في دائرة العلوم كثيرة جداً . وقوانين العلوم ومعارفها واكتشافاتها تلعب دورا في إكمال بعضها البعض الآخر ، وفي رد وإثبات قضایا بعضها البعض الآخر . فلعل حقائق وقوانين فيزيائية ، أو فلكية ، أو فضائية يؤدي اكتشافها إلى التأثير على أسلوب حياة الإنسان ، وعلى قضايا علم الحياة ومسائله . والكشوف الجديدة التي تقلب النظريات التقليدية كثيرة الاتفاق . حياة الإنسان على وجه الأرض لها قوانین مجهولة وافرة حتى الآن ، ومع وجود هذه القوانين المجهولة ، كيف يمكن الاعتقاد بأحكام كلية ضرورية حول مسائل الحياة المختلفة ، وفي مفردات متفاوتة تماما ؟ وكيف يمكن اعتبار ظاهرة مخالة مئة بالمئة واعتبار الأخرى ممكنة مئة بالمئة ؟

ج - القوانين الطبيعية وأنواعها

تتنوع القوانين الكامنة في عالم الطبيعة إلى نوعين :

1- قوانین عامة وظاهرة .

2 - قوانین خاصة ومستترة .

يمثل القسم الأول : القوانين التي تلمس لدى الجميع ، أو لدى غالبية أفراد الصنف ، وتكتشف عبر الملاحظة والتجارب التي لا تتسم بزيادة الجهد وسعة دائرة التجريب .

ويمثل القسم الثاني : تلك القوانين التي تلمس لدى بعض الأفراد ضمن بعض الشروط . ويمكننا أن نضع اليد على نماذج كثيرة لقوانين النوع الثاني في العلوم الطبيعية ، والفضائية ، والكيميائية ، وعلم النفس و... ونلمس الاختلافات المتنوعة التي توجد حتى عند أفراد الإنسان الذين ينتمون إلى جنس واحد ، مثلا : التفاوت في قوة البصر ، والتفاوت في قوة السمع ، والقدرة على الحفظ ، وتفاوت موقع القلب ، والرئة ، والكبد والطحال، وما إلى ذلك . وكل هذه الأمور تثبت إمكانية مشاهدة مفردات متعددة في عالم الطبيعة ، تمضي على خلاف ما هو متعارف ومألوف . فتقع ظواهر تؤدي إلى حصول استثناءات في متعارف القوانين .

د. في ضوء التجربة التأريخية

هناك واقع آخر لا بد من أخذه بنظر الاعتبار في معرفة مسالة «طول العمر » وإمكانية وقوعها، وهذا الواقع هو : ، التجربة التاريخية الطويلة للإنسانية عبر القرون والعصور . فإذا كانت مسألة العمر المديد قد اتفق وقوعها عبر تاريخ حياة البشرية - رغم قلة مصاديقها - فسوف يكون تکرار مصاديقها أو تکرار مصداق مشابه لها أمر طبيعياً ومعقولاً وقابلاً للتحقق والتصديق . يقول الفلاسفة :

أول دليل على إمكان شيء ما وقوعه .

وغني عن البيان أن الإمكان الوقوعي يلحظ « الوقوع النوعي »، لا « الوقوع الشخصي » ، ويشكل دليلاً على صحة إمكان النظائر والمصادیق الأخرى .

وواضح أيضا أن النقل التاريخي المتواتر - والمشهور منه على وجه الخصوص - سبب لحصول اليقين والاعتقاد . فنحن استناداٌ للنقل التاريخي نقتنع أن هناك فيلسوفاٌ عاش قبل قرون على أرض عالمنا الإسلامي في إيران يدعى زرادشت ، أو أن هناك أسرأ باسم الأشکانية والساسانية عاشت هناك ، ونعتقد بنسبة الآثار المنسوبة إليهم بواسطة النقل التأریخي ، ونحن لم نر أولئك ولا ابتکار تلك الآثار على أيديهم ، أو على أيدي عمالهم وموظفيهم .

واقتنعنا بذلك عن طريق « النقل التاريخي » . وكل المعلومات البشرية التي تتعلق بالماضي التاريخي تحصل عن هذا السبيل نفسه(1).

النقل التاريخي أحد الطرق المؤدية إلى حصول العلم واليقين ، وأحد أهم مصادر المعلومات البشرية ، فحتى بالنسبة لأفراد نظير الشاعر الإيراني الشهير سعدي والشاعر الإيراني المعروف حافظ ؛ فهذان موردا يقين كبير جداٌ ، وهل حصل لنا العلم بوجودهما بطريق غير طريق النقل ؟ فهل رأينا بأم أعيننا «سعدياٌ » و « حافظاً » ، وهما يعيشان في هذا العالم ، وينشدان الشعر ويكتبانه على الورق ؟

إذن ، النقل التاريخي أحد أهم مصادر العلم والمعرفة ، حتى معارف الإنسان اليقينية في مختلف العصور ومراحل التاريخ . ونحن نجد مصادر النقل وكتب التاريخ تذكر أسماء الكثير من الأفراد « المعمرين » ، وثبتت شرحاً لنسب ، وأوضاع ، وأبناء ، ووقائع حياة هؤلاء الأفراد الذين عمرّوا مدة مديدة من الزمن(2).

وأمثال هؤلاء كانوا بين أوساط الجماهير الاعتيادية ، كما كانوا في وسط مشاهير التاريخ نظير الأنبياء ، كما ذكر القرآن الكريم بصراحة عمر سیدنا نوح (علیه السلام) الذي امتد زمناً طويلاً. إذن ، إمكان « العمر الطويل »وتحقق ذلك في موارد عدة ، أمر له مصادیقه على مستوى الوقوع الخارجي ، والتحقق العيني أيضا ، وهو على مستوى النقل التاريخي أمر مسلم وقطعي .

ه- المعمرون

المعمرون ، جمع ( معمر ) ، يعني الإنسان مديد العمر ، والشخص الذي عاش حياة طويلة . وقد ذهب هذا التعبير اصطلاحأ في كتب التاريخ


1) بل حتى بالنسبة للوضع المعاصر، فالكثير من المعلومات تحصل عن طريق النقل . فأكثرية البشر ا الغالية اليوم تعرف ما تعرفه حول البلدان الأخرى وشعوبها، وظواهر العالم ، وأوضاع وممارسات الأخرين عن طريق النقل لا أنها قد شاهدت ما تعرفه بنفسها .

2) بل ألفوا كتبا أتناولت بالخصوص أحوال هؤلاء ، وسيأتي ذكر بعض هذه الكتب .

والسيرة والأنساب(1). وهذا دليل على توفر مصادیق كثيرة لمفهوم هذا التعبير .

نعم ، عرفت المصادر التاريخية ، ومنابع النقل المعتبرة أشخاصا كثيرين كان لهم عمر طويل ، وعاشوا العديد من أيام الزمن ، وشاهدوا الكثير من ربيع السنين وخريفها وقد اشتهر هذا الصنف من الأشخاص بعنوان « المعمرين ».

جمع المؤرخون والمحققون الذين كانوا متصدين لإحصاء تاريخ وأحوال وأخبار البشر ، وعادوا بمعرفة تاريخية واسعة حول ماضي سلف الإنسانية وخصوصا حول القبائل والأنساب في المحيط العربي ، جمع هؤلاء نماذج كثيرة من «المعمرين » والمعدودين من مديدي الحياة . وقد تعرف المؤرخون بشكل جيد على هؤلاء الأشخاص بأسمائهم ، وصفاتهم ، أنسابهم ، قبائلهم ، أعمارهم ، محل حياتهم ، أسفارهم ، تعامل ولقاءات هؤلاء ، وضبطوا كل هذه المفردات ، بل نقلوا وصايا وأحاديث وكلمات لهؤلاء .

وإليك عددا من المؤرخين المعتبرين الذين ذكروا بعض المعمرين في كتبهم :

1- عبدالله بن قتيبة(2)* في كتاب المعارف .

2- أحمد بن يحيى البلاذري(3)* في كتاب أنساب الأشراف .

3- محمد بن جرير الطبري(4)* في كتاب تاريخ الأمم والملوك

4- علي بن حسين المسعودي(5)* في كتاب مروج الذهب .

5 - أبو عبدالله حمزة الأصفهاني(6)* في كتاب تاريخ سني ملوك الأرض والأنبياء

6 - الشيخ الصدوق(7)* في كتاب إكمال الدين .


1) استخدمت هذه الكلمة في « القرآن الكريم » أيضا ( .. وما یعمر من معمر ..) سورة فاطر : 11 .

2) المتوفى سنة 276. ه .

3) المتوفى سنة 279 ه.

4) المتوفى سنة 310 ه.

5) المتوفى سنة 333 ه.

6) المتوفى سنة بین 350 - 360 ه.

7) المتوفى سنة 381 ه.

7 - الشيخ الطوسي(1)* في كتاب الغيبة .

8- أبو الفرج بن الجوزي(2)* في كتاب المنتظم في تاريخ الملوك والأمم .

9- عز الدين بن الأثير(3)* في كتاب الكامل في التاريخ .

10- عماد الدين أبو الفداء الدمشقي(4). * في كتاب مختصر تاريخ البشر .

كذلك هناك البعض من المؤرخين الذين دبجو کتبأ خاصة تدور حول أوضاع المعمرين ، من قبيل :

1- هشام بن محمد بن سائب الكلبي(5)، مؤلف كتاب المعمرین(6).

2- أبو حاتم سهل بن محمد السجستاني(7)، مؤلف كتاب و المعمرون والوصايا »(8).

كما هناك علماء وكتاب متأخرون ومعاصرون عكفوا على ذكر « المعمرين » اتكاء على مصادر السالفين ، من قبيل :

1- العلامة المجلسي(9)* في كتاب بحار الأنوار ( ج 51) .

2 - السيد اسماعيل العقيلي الطبرسي(10)* في كتاب كفاية الموحدین (ج 3) .

3 - السيد محسن الأمين العاملي(11)* في كتاب البرهان على وجود صاحب الزمان

هناك جمع من المؤلفين المعاصرين أيضاً بادروا لذكر «المعمرين » في


1) المتوفي عام 460 ه .

2) المتوفي عام 597 ه .

3) المتوفى عام 630 ه.

4) المتوفى عام 732 ه.

5) المؤلف المنتج كثير الآثار ، المتوفى عام 204 ه .

6) راجع « تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام » تأليف العلامة السيد حسن الصدر ص 238 .

7) المتوفى عام 250 ه.

8) طبع دار إحياء الكتب العربية القاهرة (1961)، تحقيق عبد المنعم عامر .

9) المتوفي عام 1111 ه.

10) المتوفى عام 1320 ه.

11) المتوفي عام 1371 ه .

كتبهم . ومن جملتهم ، الكاتب العراقي الفاضل ( محمد علي دخيل ) في كتابه الغني ( الإمام المهدي )(1).

وقد عرف 223 نفراً من المعمرين في الكتاب الأخير « الإمام المهدي » - على أساس مصادر التاريخ ومنابع النقل ، وجاء ذكر أسمائهم وصفاتهم وسني أعمارهم وخصوصياتهم(2).

ونحن على وعي بأن هذه الإحصائيات انطلقت من أسا من المصادر العربية ، وهي متعلقة بقطاع من البشرية القاطن في تلك الأماكن التي يسكنها العرب ، يعني المناطق التي اعتنت بشكل أكبر في ضبط التاريخ ، وكانت لها خصوصية في الالتفات لعلم الأنساب . وللعلاقات العشائرية والقبلية ، إذن ، لو انسحب الإحصاء والتحقيق على المناطق الأخرى لسكن الإنسان - سواء منها التي توفرت على تاريخ(3)، أم المناطق الكثيرة التي فقدت تاريخ الماضين من أسلافها - فسوف يصل عدد المعمرين إلى حد أكبر بكثير مما هو عليه الآن .

واضح أن عمر البشر - بشكله المعتاد والمالوف - له حده المعين وتقليده المحدد ، إلا أن الغاية من طرح مسألة « المعمرين » هي أن نشير إلى أن مقدار العمر له سياقان :

السياق الاعتيادي المتعارف ، الذي كان لدى أغلب أفراد الإنسان ، ويكون .

2- السياق النادر والاستثنائي الذي وجد لدى بعض ويوجد .


1) طبع النجف 1385 ه .

2) الصفحات من 161 - 214 .

3) نشير هنا إلى أن المعلومات التاريخية المرتبطة ب ( إيران القديمة ) ذكرت أيضا عددا من المعمرين ، ومع غض النظر عن التفاصيل يمكن إجمالا أن نستنتج وجود مصادیق لهذه الظاهرة في الشعب الإيراني أيضا .

إذن فطول العمر ليس له قاعدة قطعية ولا ضابط كلي ، وله مصادیق غیر قابلة للنفي .

و - في الحياة المعاصرة

هناك نماذج لطول العمر في أيامنا المعاصرة ومرحلة حياتنا الحاضرة اتفق وقوعها ، نماذج لطول العمر الذي لم يقم على أساس الميزان المألوف ، عدا ما وقع عبر التجربة والواقع التاريخي السالف ، وسوى ما ورد خلال النقل المكرر . ففي هذه الخمسين سنة الأخيرة أدرجت الصحف والمجلات الداخلية والخارجية ، مفردات كثيرة لأعمار طويلة نسبياً ، وشوهد فيها ترجمة الأشخاص معمرين وهرمين ، وشرحت أوضاعهم الحياتية ، وطبعت تصاویر هم وثبتت عدد أبنائهم وأحفادهم وأمكنة سكنهم .

ولست متوخي الاستقصاء هنا، وإلا فيمكن ذكر الكثير من النماذج المستندة . ففي بعض الكتب والرسائل التي كتبت حول موضوع المهدي (علیه السلام) ذكرت عدةً من النماذج المشار إليها أعلاه . وأقتصر هنا على إيراد نموذج واحد فقط من كتاب « ماذا تقول الشيعة » للعالم المجاهد الشيخ ( مهدي سراج الأنصاري ) ، فقد جاء في هذا الكتاب ما يلي :

« لي جينك جيني »، الذي طبعت ونشرت صورته أغلب صحف ومجلات العالم والقطر ، قد كتب الجميع أن هذا الرجل له من العمر 252 عاما ... والأفراد الذين لديهم المجلة السنوية بارس ، ( لعام 1311 ه ش ، القسم الثاني ص 100، طبع طهران ) يمكنهم رؤية صورة هذا الرجل ، كما يمكنهم مطالعة ترجمته .

ز- العلاقة بين الموت والشيخوخة

يبدو باستمرار أن هناك علاقة حتمية بين الشيخوخة والموت ، بالشكل الذي لا بد أن يحل فيه الموت بنسبة مئة بالمئة . بمجرد وصول العمر مراحله العليا . وينشأ هذا التصور جراء الوضع المألوف والعرف والعادة ، ففي ضوء الحياة الاعتيادية للبشر تصاحب الشيخوخة . في السن المألوفة بین 80 أو 90

وحتی 120 عاماً - الموت ، إلا أن هذا الوضع المعتاد لا يمكن أن يكون دليلاً على كلية هذه المصاحبة . فهناك فرق بين « الكلية » و « العمومية الغالبة » . فالكلية تعني عدم وجود مورد استثنائي واحد للقاعدة . ونحن لاحظنا في الماضي والحاضر أن ليس هناك علاقة كلية بين الشيخوخة المألوفة والموت ، بل اتفق لهذه العلاقة مفردات استثنائية ، فشيخ تعدى المألوف ولم يمت ، بل إنسان هرم يعيش سنين طويلة أخرى . وقد كانت هذه المفردات المتعددة واقعا مشهوداً . كما أنه ليس هناك ارتباط قطعي وكلي بين طول العمر والشيخوخة أيضاً ، ارتباط لا استثناء فيه . وفي البحوث الحديثة أشير لهذه المسائل أيضاً ، كما نقرأ في بعض مصادر المعرفة ما يلي :

ليس هناك ضرورة لاعتبار الشيخوخة سيراً طبيعياً في كل العينات ، فعلى أثر الدراسات العميقة والشاملة نشرت جمعية علم الشيخوخة الألمانية الاتحادية تقريراً متفائلاً مفاده : أنه يمكن الآن الحيلولة دون شيخوخة الدماغ عن طريق المبادرة في الوقت المناسب .

وجاء في نفس هذا المصدر :

أعلن الدكتور مورتون « أستاذ الطب النفسي في جامعة شيكاغو » في أحد المؤتمرات أن موت الإنسان يحتل موقعاً في جسم الإنسان قبل حلول الأجل بمدة ، ولا علاقة لهذا الموضوع بسن الأشخاص بأي وجه من الوجوه .

ويحسن بنا هنا أن نشير إلى البحث الرائع والمعمق للعالم والمفكر الإسلامي الشهيد آية الله ( السيد محمد باقر الصدر ) الذي يدور حول قضايا المهدي (علیه السلام) في الرسالة الموسومة ب « بحث حول المهدي ».

طرح السيد الشهيد في هذه الرسالة فيما طرحه من أفكار أبحاثاً حول طول العمر . وناقش هذا الموضوع من زاوية نظر المنطق والفلسفة ومن وجهتي النظر العلمية والعملية ، وقد جلى إمكانية طول العمر من وجهة النظر العلمية، مضافاً الوجهة النظر الفلسفية ، كما أشار إلى نظريتي « السببية »، و « الاقتران »

وموقف نظريات المنطق الحديث بصدد نفي الارتباط الضروري بين الظواهر ، وإمكانية كل لون من الاستثناء والتخلف في قوانين العلم والاستقراء .

يشير العالم والمفكر الإسلامي الشهيد خلال هذه الأبحاث لمسألة دقيقة ولطيفة أيضا ، فيقول :

« لا أدري هل هي صدفة أن يقوم شخصان فقط بتفريغ الحضارة الإنسانية من محتواها الفاسد، وبنائها من جديد ، فيكون لكل منهما عمر مديد يزيد على ( أعمارنا الاعتيادية أضعافا مضاعفة . أحدهما مارس دوره في ماضي البشرية وهو نوح الذي نص القرآن الكريم على أنه مكث في قومه ألف عام إلا خمسين سنة ، وقدر له من خلال الطوفان أن يبني العالم من جديد، والآخر يمارس دوره في مستقبل البشرية وهو المهدي ، الذي مكث في قومه حتى الآن أكثر من ألف عام وسيقدر له في اليوم الوعود أن يبني العالم من جدید . فلماذا نقبل نوحاً الذي ناهز ألف عام على أقل تقدير ، ولا نقبل المهدي ؟

ح - أسرار التغذية

الواقع أن أسرار الشيخوخة وأسباب الموت أخفى من أن يمكن حصول علم قطعي بصدد كل العوامل والموجبات ، وفي كل مواردها ومصادیقها . وما نعلمه ليس إلا بعض علل -أو شبه علل - الموت . كما أن أسباب الحياة لم تعرف بعد .

أحد الأمور المهمة ذات الارتباط بالشيخوخة والموت هي التغذية . وللتغذية أصناف وكيفيات متعددة فالإفادة من أشعة الشمس والكواكب - وخصوصا الاستفادة من أشعة الكواكب بطرق خاصة - لها آثارها العظمى في سلامة الجسم وقدرته على البقاء .

فسوى أشعة الشمس هناك أشعة أخرى ترد علينا ، معرفة أسلوب

الاستفادة من الأشعة في عملية بناء قوى البدن وصيانتها أمر مهم وسر كبير ، المسألة الأخرى : مسألة الأدوية ومركباتها . سواء منها النباتية أم الحيوانية أو المعدنية فيكمن في بعض المعادن وطرق استخراجها فوائد مهمة . يمكن أن يعود طول العمر أحيانا إلى أسرار وأغذية ومياه توجد في الطبيعة ، فيما إذا توفر الفرد على معرفتها .

لقد كان البشر في الماضي يقطعون المسافات في بحر مدد طويلة ، وبمشقة وأتعاب بالغة . واليوم أمكن للإنسانية أن تكتشف قوى في خلق الله وفي عالم الطبيعة وتستخدمها لطي مسافات شاسعة عبر زمن قصير جداً وبهدوء وارتياح ...

لو قيل قبل مئة عام إن هناك وسيلة نقل يمكنها أن تقل - مضافا لوزنها الثقيل - (500-600) ادمي مع حمولتهم وأثقالهم ، وعبر التحليق في الهواء ، والسير فوق الجبال والوديان والبحار ، تنقلهم في مدة قصيرة من هذا الجانب من الكرة الأرضية إلى ذاك الجانب منها ، دون أي اتصال لها في طيرانها بالأرض . فأي شخص يصدق مثل هذا القول ؟

لو تحدث قبل مئة عام بل قبل خمسين سنة عن الراديو ، والتلفزيون ، والسفر إلى الفضاء ، والتصوير في أعماق البحار ، والتقاط الصور من الكواكب الأخرى ، والمكالمة مع الإنسان الراجل على القمر من الأرض ، وتوجيه الحركة على سطح القمر انطلاقاً من الأرض ، ونظائر هذه الأمور ، فما هو رد فعل الناس إزاء هذا الحديث ؟ أما اليوم فقد أضحت هذه الأمور - لشعوب عصرنا - أموراً عادية ولا تبعث على الدهشة والتعجب .

لا بد لنا من أن نستفيد تجربة من خلال هذه الوقائع والاكتشافات ، ونضيف لإدراكنا سعة ، ولرؤيتنا فسحة ، ولا بد لنا من أن نهضم مفهوم اتساع اقوى العالم وأسرار الزمان ، العاقل من بني الإنسان لا يحصر أبداً أسرار العالم غير المتناهي بحدود الاختبارات والمعارف والأدوات الفعلية ، ولا يحرم نفسه من معرفة واسعة للعالم الوسيع . وأشير خلال النص الذي سأنقله عن أستاذي إلى أهمية « النور » في عملية التغذية وحفظ متانة وسلامة المزاج البشري .

وحينما طرحت نفس هذا المفهوم بين يدي أحد الأطباء ، أكد على أهمية هذا المفهوم ، وقال متعجباً : كيف التفت عالم ديني بعيد عن محيط المختبرات للنور وأهميته في عملية التغذية وتأثيره على الجسم والمزاج ، وكيف انتهى إلى هذا المفهوم ؟ أجل ، فقد تعجب هذا الطبيب . وأي أفكار وحقائق كثيرة كان يعلمها هذا العالم الروحي البعيد عن محيط المختبرات بالتأكيد، وقد كان المئات من العلماء التجريبيين والمختبريين محرومين من معرفة واستنتاج هذه الأفكار والحقائق ؛ يحرمون . وينشأ هذا الحرمان جراء ضيق الأفق والغرور الذي يطغى على البعض ، وينتج أن يغلق هذا البعض كل باب في وجوههم ، ويحبسون أنفسهم في إطار معلوماتهم المحدودة في الغاية ، ولا بد لنا من التذكير بأن حصفاء هذه العلوم قد اعترفوا بصراحة بمحدودية وقصور العلوم التجريبية والمختبرية(1). وتتجلى هذه المحدودية بوضوح في نفس هذه العلوم ، واكتشافاتها التي تطرح على الدوام مسائل مستجدة ، وتنقض المعطيات السابقة وتنتهي في الطريق إلى مجاهيل أخرى .

2- بیان آخر حول إمكانية « العمر الطويل »

قرر بیان مفيد آخر لإثبات إمكان « العمر الطويل » ، وهو ما ننقله عن المعلم الكبير ومتأله خراسان الأخير الشيخ ( مجتبى القزويني الخراساني ) ، إذ يقول :

وفق قواعد الفلسفة والحكمة ، فكل طبيعة تكون في عالم الوجود ، وهي قابلة للزيادة والنقصان ، لا بد أن يوجد الفرد الكامل لهذه الطبيعة ، بمقتضى أن الطبيعة تطلب كمالها الأقصى . وقد شيدت عدة مسائل فلسفية على أساس هذه القاعدة ، ومن جملتها وجود الفرد الكامل في البشر ، الذي أطلق عليه « النبي » أو « الحكيم » .


1) ستاتي نماذج من هذه الاعترافات في الصفحات القادمة .

ووفق هذا القانون الفلسفي الثابت بالبرهان يكون لمزاج وقابلية الحياة والتعمير في البشر مراتب متعددة . وحياة 1000 عام أو 2000 ، ليست هي أقصى مراتب إمكان الحياة يقينا، بل يمكن أن يكون أكثر من ذلك أيضا .

وبغض النظر عن هذا القانون ، فطول العمر لدى البعض ليس خلافا لطبيعة الأشياء ، إذ أنه من الواضح كون حياة كل فرد تتبع صحة قواه المزاجية ، وكلما كان المزاج سليماً وأكثر قوة كانت موجبات البقاء أكبر ، وإنجاب المزاج القوي لدى الإنسان وصحته تأتي عن طريق ظواهر وجودية من قبيل النور ، والماء ، الهواء ، الأرض ، الأغذية ، الأدوية ، وما إلى ذلك ، وبقاء وصلاح المزاج في كل آن بحاجة إلى بدل ما يتحلل ، ويفتقر إلى حفظ التوازن والاعتدال ، إذن فما هو المانع إذا كان الشخص على استعداد روحي وعلمي عال بحيث يستطيع أن يتعرف على أسلوب إنجاب المزاج السليم والقوي وحفظه ، ويعلم الخصوصيات النافعة والضارة للمزاج ويقف على المطلوب في بدل ما يتحلل ، فيمكنه حينئذ من حفظ مزاجه على حد التوازن والاعتدال ، ویدیم بحياته فترة أطول ؟ واليوم يجد ويسعى الكثير من العلماء للوصول إلى هذا الهدف(1).

3- طول العمر وأقسامه

بغية إكمال الفقرات السابقة من البحث بشكل نسبي ، يتحتم التذكير بأن طول العمر لم يك لوناً واحداً ، وهنا نشير إلى أقسام طول العمر لأجل إيضاح الموضوع بشكل أكبر . تشخیص هذه الأقسام وفرز كل واحد منها عن الآخر


1) بيان الفرقان ، ح 5 ، من 11 - 12.

يعطي للصور الممكنة قبولا ويمنحها جاذبية . وإليك أقسام طول العمر :

1- طول العمر المحال .

2- طول العمر الممكن .

رجع القسم الثاني إلى قسمين أيضا :

1 - ممكن عادي .

2 ممكن غير عادي .

القسم الثاني يرجع إلى قسمين أيضاً :

1- غير العادي غير الفعلي .

2- غير العادي له فعلية .

يعود - القسم الثاني إلى قسمين أيضاً :

1 - له فعلية فيما مضى .

2 - له فعلية في الحال .

وإليك إيضاحاً حول هذه الأقسام :

1 - طول العمر المحال : مثل طول العمر بالنسبة إلى شخص لا علم له بالأساليب المختلفة لحفظ المزاج ، ولم تتعلق الإرادة الإلهية بذلك أيضا .

2 - طول العمر الممكن العادي : نظير طول العمر من ( 80- 120) عاماً .

3- طول العمر الممكن غير العادي الذي لا فعلية له : نظير عمر 500 عاماً في أغلب عينات أبناء البشر .

4- طول العمر الممكن غير العادي ذو الفعلية فيما مضى : نظير أعمار « المعمرين » سواء الأنبياء أم غيرهم .

5 - طول العمر الممكن غير العادي ذو الفعلية القائمة : نظير عمر الإمام الحجة بن الحسن المهدي (علیه السلام) .

إذن ليس لطول العمر قسم واحد وحكم واحد ، فالبعض من الأقسام لا يراه العقل محالا ، يعني : أن العقل لا يراه محالا ، غاية ما في الأمر أنه محال بالنظر العرفي ووفق المألوف من الأوضاع الاعتيادية ، حيث لم يتفق وقوعه بالنسبة لكل أفراد البشر أو لجمع كبير منهم . فطول العمر هذا بالرغم من أنه يبدو حسب موازين العرف والعادة والملاحظة السطحية المحدودة بعيدا ، ولعله يبدو محالا إلا أنه حسب الموازين العقلية وقوانين الإمكان ليس محالا أبداً .

4- ما هو میزان القياس السليم ؟

المألوف في أوساط الناس من الأقسام الماضية إنما هو القسم الثاني : طول العمر الممكن العادي . وواضح أن هذا القسم لا يمكن أن يكون معیارا للحكم على كل الأقسام ، إذ أن الفرد الخاص من أفراد الطبيعة والكلي لا يمكن أن يكون ميزانا لقياس كل أفراد تلك الطبيعة وذلك الكلي - كما يبين في علم المنطق - . على هذا الأساس فإذا أردنا أن نصل إلى معرفة سليمة بهذا الصدد ، لا بد لنا أولا : من اكتشاف « معيار القياس » ، كما ينبغي لنا أن نفرز الأقسام موضوع البحث عن بعضها ، لنشخص حكم كل واحد منها على استقلال . فنحن لا يمكننا أن نجد مقياسا كليا ونعتقد بقابلية على الانطباق في كل مكان . فمثل هذا العمل ليس بسليم من وجهة نظر العقل والعلم والتجربة التاريخية . فهل نثبت هذه الكلية بحكم العقل ؟ العقل يرى أن الأقسام كلها محتملة هل نستطيع ذلك الإثبات بمعونة الاستقراء ؟ فلا يستنبط عبر الاستقراء حكم كلي . هل نعتمد الواقع الخارجي وما اتفق وقوعه فيه ؟

الواقع يحكي لنا عن عشرات المعمرين ، الذين ينقضون كلهم جميعا المعيار المتعارف والميزان المألوف .

والمشكلة هي أن الدارسين لمسألة طول العمر يتناولونها بحدود ذواتهم ونسبه لها . ولا بد أن تتناول المسألة عبر تاريخ البشرية ، وتتلمس نماذج هذا التاريخ على طول امتداده المستمر .

5- نوادر الطبيعة أسرار مجهولة

أشرنا قبل قليل إلى أن في الطبيعة نوادر ، فالعالم سواء أخذناه بمقياس وجود الإنسان ، أو أخذناه بمقياس هذا الكوكب أو هذه المنظومة التي بدور فيها ، أو أخذناه بمقياس الكواكب والمنظومات الشاسعة غير المتناهية الأخرى فهو يحكي بكل هذه المقاييس أجمع عن عجائب رائعة وقدرات هائلة ، ويشتمل على نماذج نادرة الوقوع . كيف يمكن للإنسان العاقل أن يرفض مالا يعلمه على أساس أنه اكتشف وعلم ، وعلمه محدود ورؤيته محجوبة ( وما اكتشفه توأم مع مئات المجاهيل ) ؟ أو أنه لا يحتمل وقوعه على الأقل ؟ فهل ترى أن إنسان اليوم اكتشف كل أسرار الحياة الإنسانية ، وأنواع العمر ، وكل علل البقاء والصحة البدنية وطول العمر ؟، أو أنه اكتشف عوامل تاكل خلايا و الجسم وأسباب الموت جميعها ؟

وهل ترى أنه لم يبق مجهول أمام العلوم ؟

مثل هذه الادعاءات تبعث على السخرية . قلنا: إن علماء العلوم التجريبية أنفسهم لا يمتلكون مثل هذا الادعاء . فهم أنفسهم ينادون بأن المفردات التي اتخذها البشر بعنوان معاییر له تتضاءل للغاية أمام حجم الواقع . فالمعلوم الواحد يغرق في آلاف المجهولات . ومع مواجهة الإنسان بكل هذه الأسرار المجهولة ، وكل علامات الاستفهام ، فكأنه لم يصل إلى علم بعد ، وهو لا يعلم شيئا . نعم :

( .. وما أوتيتم من العلم إلا قليلا )(1).

نتجاوز السيارات والمجرات ونحدق في عالم الطبيعة المشهود . فهذا العالم وهذه المنظومة مع كل الاكتشافات والبحوث التي أنجزت فيه فلا تزال هناك أسرار ، ستكتشف شيئا فشيئا ، ولا يعرفها البشر حتى الآن. فمعطيات العلم والتجربة المستجدة تصل بنا إلى هذه النتيجة وهي : أنه لا يمكن خلال طيف حياة الإنسان القصيرة أن نقف على كل زوايا هذا « الحقل » التي تمتلىء


1) سورة الإسراء آية 85.

بالأسرار وأن نتعرف على كل جوانبه الشاسعة غير المتناهية ، كما لا يمكن أن نمسك بزمام معرفة كل القوانين التي تحكمه .

6- مجهولات العلم

كثيرا ما اتفق، ويتفق أن تؤدي الاكتشافات المستجدة في مختلف العلوم التجريبية إلى زعزعة قوانين ونظريات وأطر علمية كان الاعتقاد بصحتها قائماً(1)، وأفكار لم يك في حسبان أحد هاجس لنقضها تذهب أدراج الرياح . فقد أدرك العلماء الذين يتمتعون ببصائر نافذة أن تضييق دائرة الحقيقة ، والهوس العلمي يؤديان إلى تبديل العلم بجهل . وهنا يقولون :

الفيزيائي الفيلسوف لا بد له من أن يطل من وراء الفيزياء ويحلق فوقها على هدي الحد الفاصل بين العالم المادي والروحي(2).

وفي مقام تدبر عظمة العالم ، والتعمق في آلاف القوانين والأسرار يقول حصفاء هذا « الصنف » - أعني المختصين بالعلوم التجريبية - بصراحة وشهامة :

إن التحقيق العلمي لا ينتهي إلى معرفة الماهية الباطنية للأشياء ، ففي كل وقت نوضح خواص جسم ما بلغة الكم الفيزيائي فنحن نقوم فقط في هذه الحالة بعرض رد فعل أدوات القياس المختلفة إزاء ذلك الجسم(3).


1) لا أبتغي في هذا الكتاب القيام بنقل شواهد بهذا الصدد . وأكتفي بالتذكير بأنه خلال هذه الأيام أعلن في « وسائل الإعلام » أن حجم أقمار زحل أصغر مما كان يعتقد به حتى الآن. لاحظ ! فهذا الموضوع يخضع للحس ويشاهد عبر التلسكوب ، وإذا كان وضع هذا الموضوع بالشكل المذكور فكيف سيكون حال آلاف الموضوعات الأخرى التي تصل إلى ملايين السنين ، وغيرها من الموضوعات التي ليست بمتناول الحس ؟ إذن : ففي نفس الوقت الذي يتحتم فيه تثمين هذه الاكتشافات فلا ينبغي الغرور بها وأخذ نتائجها حكما كليا ، واعتبار مقولة علوم اليوم في كل المراحل وفي مختلف المسائل المقولة النهائية . فليس الأمر كذلك على الإطلاق .

2) الفلسفة العلمية ج 2 ص 117 .

3) الفلسفة العلمية ج 2 ص 155 .

كما يقولون :

لا بد من الأخذ بنظر الاعتبار أن الفيزياء والفلسفة لم يمض على عمرهما أكثر من بضعة آلاف من السنين، ولعل أمامهما آلاف الملايين من السنين الأخرى . فهذان الفرعان يضعان أقدامهما على الطريق حديثا . ونحن لا نزال كما يقول « نیوتن » نظير الأطفال الذين يمارسون اللعب بالحصى على ساحل بحر مترامي الأطراف ، فمحيط الحقيقة العظيم يبقى بأمواجه المتلاطمة مستتراً أمامنا ، ورغم مجاورتنا له إلا أنه خارج عن متناول أيدينا(1).

7. عمق ومتانة الحصفاء

العلماء الكبار ، والحصفاء ذوو البصيرة النافذة لم يأسرهم الغرور الكاذب بأي وجه . فقد تعامل هؤلاء مع أسرار الطبيعة ، ونوادر الوجود ، وقوانين العالم المجهولة بمتانة وعمق وبصيرة . واحترزوا عن إطلاق مقولات الأطفال في « عدم إمكان » ، و « استحالة » الأشياء ، كما حفظوا للعلم وللتجربة حدودهما وطرقهما ، ووضعوا في حسبانهم احتمالات وإمكانات الوجود .

حديث ابن سينا في هذا الصدد معروف(2). وقد لاحظنا وجهة نظر « نیوتن » وبعض العلماء المحدثين . فيشبه « نیوتن » صاحب کتاب « الفلسفة الطبيعية لأصول الرياضيات » ومكتشف « قانون الجاذبية العام » ، وأحد مشيدي « أصول الرياضة العالية في العصر الحديث »(3)يشبه العالم المختبري بالطفل الذي يجلس على ساحل البحر ويعكف على اللعب ، وتجلب نظره أحياناً حبة حصى أو حجر براق ، إلا أن بحر المعرفة المجهول يبقى ممتداً أمامه ... ثم


1) المصدر السابق ، ج 2 ص 264 ، يمكن أن تلاحظ أفكار كثيرة بهذا الصدد في كتب تاريخ العلوم ، وتراجم علماء العلوم التجريبية ، وعبر أقوالهم في كتب الفيزياء والفلسفة، والفلسفة العلمية .

2) الإشارات والتنبيهات ، طبع مصر ، عام 1325 ، ج 2 ص 143 .

3) عظماء الفلسفة ص 412 .

سنلاحظ أيضا نظرية اثنين من مفكري البشرية العظام ، هما ( أبو ریحان البيروني ) ، و ( نصير الدين الطوسي) .

لقد أبدى الحصفاء وجهات نظرهم في كل مرة مع غاية التحفظ والدقة . ويا ليت بعض الأدعياء وعلى أثرهم بعض الشباب يعودون لرشدهم ولا يضحوا بكل شيء من العقائد والأخلاق وغيرهما من أسسهم وأصولهم في سبيل هذا العلم الناقص والخاطىء أحيانا(1). فيحتفظوا لمعارف اليوم بحدها ولا يكونوا ملكيين أكثر من الملك . ومن الواضح أن أولئك الذين يتقنون هذه العلوم كانوا كذلك ، وقالوا ذلك بأنفسهم ، وقد مر ذكره ، إلا أن بعض أولئك الذين يقرأون هذه العلوم كانوا أكثر ملكية .

هناك أفراد يلقون النظرة العابرة على بعض الكتب العلمية - لعلهم وأحيانا لم يبلغوا هذا المستوى - ثم يصدرون فتاواهم حول كل شيء ، وبصدد کل عالم ، وكل إنسان ، منذ الأبد حتى الأزل ومن المتناهي إلى غير متناهي ، ويتفضلون بإبداء وجهات نظرهم !! هؤلاء الأدعياء أنفسهم يخضعون بعض الشباب الذين يجهلون أسس المعرفة وأصول البحث العلمي ، ولعلهم يغررون بهم ليستبدلوا «عدم العلم » محل « العلم » و « العلم الناقص توأم المجهولات » بدل « العلم الكامل الخالص» . وعلى هذا المنوال يرون أفكارهم واستنتاجاتهم علما وعلمية ويسمونها بالعلم والعلمية ، حتى يصلوا إلى مرحلة تصور أن كل شيء سوى ما يعرفونه خاطىء وليس بصحيح ، وليس هناك علم من حيث الأساس سوى ما عبروه بالنظرة !!

فالهوس العلمي بحد ذاته جهل ، والحالة التي أشرنا إليها أردأ انحطاطا من الهوس العلمي بالاف المراحل .

8- وجهة نظر أبو ریحان البيروني

بعد أن لاحظنا عبر الأبحاث الماضية أن طول العمر والمقدار الواقعي الحياة الإنسان لا يمكن حصره في قالب معين لكل الموارد والمصادیق ، يحسن


1) الفلسفة العلمية ج 2 ص 162 .

بنا أن ننقل حديث أحد أكبر علماء تاريخ العلم ، للعالم الكبير أبو ريحان البيروني إيضاح غاية الفائدة في التذكير به ، يقول :

« وقد أنكر بعض أغمار الحشوية ونوكي الدهرية ما وصف من طول أعمار الأمم الخالية ، وخاصة ما ذكر فيما وراء زمان إبراهيم (علیه السلام) واستبشعوا عظم الأجسام المحكية عنهم واستشنعوها وأخرجوها من حيز الإمكان إلى حد الامتناع ... وأخذوا بما سمعوه من أصحاب أحكام النجوم .

ثم يأتي البيروني على تحليل الأسس السليمة لهذه المقولة فيعد العمر « 960 » و « 1000» عاما داخلا في دائرة الإمكان .

ثم يطرح وجهة النظر العلمية الذاهبة إلى تعدد أشكال الأحداث في العالم . ليستدل بذلك على عدم إمكان إنكار ما عدا الشكل الذي نعرفه ... ثم يقول :

« وإذا كان إنكارهم كل ما لم يتفق في زمانهم أو مكانهم حتى يشاهدوه ، ولم يكن يستحيل في العقول كثير إنكارهم ، ولم يقروا بشيء غاب عنهم ، فإن الحوادث العظام غير متفقة في كل وقت ، وإذا اتفقت في قرن لم يتصل بمن بعدهم عند مضي الدهور ومرور الأحقاب إلا بالأخبار وتواترها ، بل لو دققوا هذا من فعلهم لكانوا هم السوفسطائية المحضة ، وللزمهم أن لا يصدقوا الناس في کون بلدان في الأرض غير ما هم فيه وأمثال ذلك ... وبعد هذا الحديث يعكف أبو ریحان البيروني على الحديث عن أشكال البلوغ لدى البشر ، ونسبة عمر الإنسان لسن بلوغه .

ويذهب إلى بطلان اتخاذ هذه النسبة مقياسا جازمة لتعيين طول العمر ، فيقول :

وقد وقفت لأبي عبدالله الحسين بن إبراهيم الطبري الناتلي

على مقالة في كمية العمر الطبيعي ذكر أن غايته مائة وأربعون سنة شمسية لا يمكن الزيادة عليها ، ومطلق القول ب « لا يمكن » مطالب بحجة تضطر إليها النفس وتطمئن بها ولم يقم هو على ذلك برهانا سوى أنه قدم فقال : إن للإنسان ثلاث كمالات : أحدها بلوغه وهو وقت إمكان حدوثه مثله وهو رأس السابوع الثاني « أربعة عشر عاما » ، والكمال الثاني حين تتم له النفس الفكرية ويخرج عقله من القوة إلى الفعل وهو رأس السابوع السادس ، والكمال الثالث حين يصلح لأن يسوس نفسه إن توحد ، وخاصته إن تأهل ، وعامته إن تملك ، قال : ومجموع هذه الكمالات مائة وأربعون ، ولا يدري بأي نسبة استخرج أبو عبدالله هذه الأعداد . فإنه لا تناسب بينها ولا بين تفاضلها. بل لو سلمنا له أن عدد كمالاته ثلاثة ، ثم عدونا منها ما عدد وقلنا في آخر الأمر : إن لم نخف المطالبة بالبرهان أنها مائة سنة أو ألف أو مثله ، ثم يكن بيننا وبينه فرق. على أنا نجد بلوغ الإنسان في دهرنا إلى الأحوال التي جعلها علما للكمالات في غير ما ذكره من السوابيع والأوقات(1).

يستطيع الباحث الإفادة كثيرا من حديث هذا الفيلسوف الكبير ، وتعلم نکات دقيقة منه . أشير هنا إلى واحدة منها :

إن حوادث العالم - من زاوية وقوعها الخارجي ، ومن زاوية منطق التسلسل المتناسب مع كل شيء في الطبيعة - ذات أشكال وأقسام مختلفة .

مثلا : هناك أحداث تقع متوالية لحظة بعد أخرى ، وهناك أحداث تقع ساعة بعد أخرى، أو يوما بعد آخر ، أو شهرا


1) الآثار الباقية ، طبع زاخاو لايبزيك عام 1878م، ص 78 - 84.

بعد شهر ، وسنة ، أو قرنا ، وهناك أحداث تقع كل ألف عام ، أو أبعد من ذلك .

إذن فهناك حوادث يمكن أن تقع بعد فاصل زمني يبلغ قرونا ، من هنا نصل إلى أنه يمكن أن تقع أحداث في العالم ، ويكون وقوعها أدواريا . أو تتكرر بشكل عشوائي ، أو تقع مرة واحدة في حياة العالم ...

وتفصيل هذه المسألة موکول لمجالاتها من العلوم المختصة . إنما يلزم فقط أن نعرف : أن عدم استيعابنا الإمكان توفر العالم على مئات الظواهر والوقائع المختلفة الأخرى، التي لم يقف عليها الإنسان حتى من خلال تجارب أجيال كثيرة ، ناتج جراء ضيق الأفق ومحدودية الفكر .

9- وجهة نظر نصير الدين الطوسي :

يعد « نصير الدين الطوسي » الفيلسوف الكبير طول العمر قضية قابلة للتحقق أيضا ، ويعد إنكار ذلك جهلا محضأ . نشأ ذلك جراء سعة أفقه العلمي .

ننقل هنا نص كلامه ؛ بغية أن يتضح أسلوب تعامل العقول الكبرى في تاريخ العلم ، ومراجع الفلسفة والرياضة العالية الذين هيمنوا على الفكر البشري ، مع وقائع العالم الهائلة .

يقول :

فائدة : سبب حرمان الخلق عن حضور امام الزمان ليس من الله تعالى ؛ لأنه يخالف مقتضى حكمته ، ولا من الإمام الثبوت عصمته ، فيكون من رعيته ، وما لم يل سبب الغيبة لم يظهر ، والحجة بعد إزاحة العلة وكشف الحقيقة لله

تعالى على الخلق ، والاستبعاد في طول عمره بعد ثبوت إمكانه ووقوعه في غيره جهل محض(1).

10- في دائرة القدرة الإلهية

تابعنا حتى الآن السير الطبيعي للبحث حول طول العمر . ولاحظنا أن طول العمر ليس محالا بأي دليل وبأي ميزان . بل لا ينبغي عده غريبا من وجهة نظر العقل والفلسفة ، وأفق العلم الرحيب . والأن نعبر لبحث هذه المسألة في ضوء القدرة الإلهية . من الواضح والجلي أن لا شيء غير ممكن في ضوء هذه القدرة . فكل الأناس المعتقدين بالله و بمبدأ لعالم الوجود ، من أي مذهب و دین كانوا ، يعترفون «بالقدرة الإلهية المطلقة » . ويعرفون أن كل شيء تحت سلطان هذه القدرة ، ومقدار عمر الإنسان من جملة تلك الأشياء ، فالأعمار والآجال كلها بيد الله وبإرادته . فبدءاً بعمر اليوم الواحد والشهر الواحد والعام الواحد حتى الأعمار المديدة ... كل ذلك أجمع سواء أمام قدرة الله المتعال . فبالنسبة لقدرة الله الكبير والصغير عنده سيان . والكثير والقليل سيان ، والعسير واليسير سيان . ولا مجال لتصور العجز وفقد الاستطاعة في القدرة الإلهية .

على هذا الأساس ، فيمكن الله أن يمنح شخصا 170 عاما من العمر ويحفظه خلالها ، كما يمنح شخصا 70 عاما من العمر ويصونه ويحفظه خلالها . ويمكنه أن يعطيه 1700 عاما من العمر ويؤخر أجله . فهذه الأعمار والأقل والأكثر منها تتساوى أمام قدرة الله المطلقة .

فالله قادر على كل شيء ( .. إن الله على كل شيء قدير ) « فكل آثار ونتائج الفضاء والأرض والمادة تخلق بإرادة إلهية واحدة » .

وواضح أن حكمة خلق العالم كانت على هذا النحو : أن يكون للإنسان عمر محدود، وذلك لأن هذا العالم معبر وقاعة امتحان کبری . فهنا محل امتحان وعبور لمركز متابعة لائحة الأعمال وإعطاء الدرجات وإعلام النتائج ..


1) فصول الخواجة الطوسي ، ص 38.

على هذا الأساس فالمدة والفرصة محدودة والأعمار قصيرة . إلا أن هناك استثناء . فقد تقتضي أحيانا تلك الحكمة العامة للعالم في بعض الموارد أن يمنح شخص أو أشخاص عمراً أطول ، نظير عمر سیدنا «نوح» (علیه السلام) في السالفين . وكل ما تتعلق به الإرادة الإلهية فهو حاصل لا محالة .

غيبة الإمام الثاني عشر ، وامتدادها الطويل ، وطول حياة الإمام حتى حين الظهور وبعده ... كل هذه حقائق - وفق الروايات المسلمة - ، وموضع إرادة الله الأزلية ، وهي حقائق واقعة .

وفق الحكمة الإلهية لا بد أن يغيب الإمام الثاني عشر « المهدي الموعود » (علیه السلام) عن الأنظار ، ويحيا سنين طوالا ، ويكون سر العالم ، ورمز بقائه وبعد أن يقضي غيبة طويلة يظهر ويملا العالم - بعدما مليء ظلماً وجوراً - عدلاً وقسطاً .

الفصل الحادي عشر : في ضوء الفلسفة التربوية والسياسية

اشارة

في ضوء الفلسفة التربوية والسياسية

1- التربية والسياسة في الإسلام

التربية والسياسة ظاهرتان ترتبط إحداهما بالأخرى ، وتكمل كل منهما الأخرى . التربية تهیىء الأرضية، والسياسة تعمم وتبسط مفاهيم التربية ، التربية والسياسة حينما تتلاحمان في خط منسجم واحد ، وتترعرعان في تربة واحدة تفلحان وتثمران معا ، وإلا فسوف تعقمان كلتاهما وتفشلان .

في ضوء رسالة الإسلام النافذة ، لم يقتصر الأمر على ترابط هاتين الظاهرتين ، بل تتلاحمان وتتحدان بصورة مدهشة . فالأصول التي تشكل أسس التربية الفردية هي بعينها أسس السياسة الاجتماعية ، والعكس صحيح أيضا . من هنا فإذا كانت التربية تربية إسلامية ، فسوف يصاغ الإنسان صياغة تحكي عن تجسيد حاکمية الإسلام السياسية . وإذا كانت السياسة سياسة إسلامية فسوف ينسجم المجتمع ساعياً بشكل تحكي كل مفرداته عن وحدة الجسد الاجتماعي ووحدة الممارسة .

2- الهداية تربية وسياسة

الواقع هو أن الدين تربية وسياسة . وبعبارة أخرى ، إن الدين عامل هداية ، وللهداية ركنان :

1- التربية * 2 - السياسة

التربية تحدد الطريق والخط للإنسان ، والسياسة قيمومة على حركة الإنسان في الخط . والحياة فرصة أغطيت للإنسان لأجل أن يسعی .

وهذه الفرصة يلفها سیاقان لا يقبلان الفصل .

1- سياق الحياة الفردية . * 2- سياق الحياة الاجتماعية

وحيث كان التلاحم بين السياقين غير قابل للتفكيك ، فقد انصب اهتمام رسالة الإسلام بعمق على هذين السياقين ، لصيانة كل منهما عن الفساد والانحطاط والضياع . إذ إن وقوع أي من السياقين في هاوية الانحطاط والفساد والضياع ، يؤدي أيضا إلى جر الأخر باتجاه الضياع والفساد والانحطاط ، فإذا فسد السياق العام للحياة الفردية فسوف يفسد سياق الحياة الاجتماعية والعكس مترتب أيضا .

من هنا عكف الإسلام على استخدام التربية كأداة لتصحيح مسار الحياة الفردية ، واستخدم السياسة كوسيلة لتصحيح مسار الحياة الاجتماعية. وبهذا النهج وضع الفرد والمجتمع تحت صيانة غطاءين ؛ فالفرد بصفته الشخصية وضعه تحت غطاء التربية الإسلامية ، وبصفته عضوا في المجتمع وضعه تحت غطاء السياسة الإسلامية . والمجتمع بصفته الجماعية وضعه تحت غطاء السياسة الإسلامية ، وباعتباره مؤلفة من الأفراد وضعه تحت غطاء التربية الإسلامية .

في هذا الضوء تضحي التربية « القيمومة والإدارة الفردية » ، والسياسة « القيادة والإدارة الاجتماعية » متحركتين حركة متآزرة في إطار النظام الإسلامي بالشكل الذي ترفد كل منهما الأخرى بغية أداء الرسالة العظمى ، ليكون الجميع تمهيدا لتقديم التفسير الكبير يعني : تفسير الحياة .

يقدم الإسلام تفسير للحياة مرتبطا بالإنسان ومفهوم السعادة :

« يتحرك الإنسان في مسيرة الحياة الزائلة ليحصل على السعادة الباقية الخالدة » . هذا هو الفهم والتفسير الكبير .

وكل ما يبقى للإنسان ، فهو محصلة هذه الحركة :

( و أن ليس للإنسان إلا ما سعی ) .

3- وحدة الاتجاه في الهداية

قلنا إن الهداية تعني التربية والسياسة معا . وذلك لأنه بإحكام أصول الاثنتين يمكن تجسيد الأهداف البناءة والغايات الإصلاحية لرسالة الدين . فالإهتمام بالتربية دون السياسة ، والاهتمام بالسياسة دون التربية سوف لا يعود بعائد .

واضح أن التأثير المتبادل بين التربية والسياسة يكون إيجابياً حينما تكون التربية والسياسة منسجمتين مترافدتين . وإلا فسوف تفسد كل منهما نتائج . الأخرى . كما أنه من الواضح أن التربية والسياسة يترافدان حينما يتحد مرمی كل منهما. فالمجتمع الذي يبتغي أن يكون سعيداً لا بد أن يكون هدف الأفراد ورؤيتهم ومفاهيمهم فيه متحدة مع أهداف الأمة ورؤاها ومفاهيمها. والاتحاد في هذه العناوين الثلاثة يظهر للعيان حينما تكون أسس وأصول التربية الفردية منبثقة من عين الرؤية الكونية والعقائدية التي تنطلق منها أسس وأصول السياسة الاجتماعية ، وتكون فلسفة التربية والسياسة منطلقة من تربة رسالة واحدة ، وفي هذا الضوء يرد الفرد الميدان الاجتماعي ، ويتفاعل معه بإخلاص وصدق . ويستقبل المجتمع الفرد ويستثمره في كل موقع مناسب بإخلاص وصدق ، وتضحي العلاقة بين الفرد والمجتمع علاقة العضو بالجسد الواحد ، كما تصبح علاقة المجتمع بالفرد علاقة الجسد الواحد بالعضو ، وفي غير هذه الصورة ، يعني : هناك حيث يترعرع الفرد في ظل رسالة وينشأ بشكل ، وحيث يدار المجتمع بشكل آخر وعلى أساس رسالة أخرى عندئذ يطفو على السطح تنافر بين الأجزاء والكل . ويصبح هذا التنافر باعثا لعدم تحقيق أي أمر بشكل

صحيح ، وعدم بلوغ أي هدف بسلامة ، فلا يضحي المجتمع مجتمعاً موفقاً ، ولا يصبح الفرد فردا سعيداً .

في ضوء النظام الإسلامي - الذي قام طرحه على أساس الوحي - انصب الاهتمام بشكل كامل على وحدة الاتجاه في التربية والسياسة . فالإسلام يستوفي كل الأبعاد المطلوبة لإدارة المجتمع البشري ، الأبعاد التربوية ( للأفراد ) ، والأبعاد السياسية ( للمجتمع ) ... وفي ظل رسالة الإسلام تنبع كل الرؤى والقيم التربوية والاجتماعية من منبع واحد، ويترافد الجميع بعضه بالبعض الآخر . فالفلسفة الإلهية والتربوية والأخلاقية والسياسية والاجتماعية والعلمية والعسكرية والاقتصادية والجمالية ، كل هذه الألوان تنطلق من رؤية کونية واحدة ، وتتحرك في ظل عقيدة واحدة ( - وهي تلك الرؤية الكونية الإسلامية وعقيدة التوحيد - ) .

على هذا الأساس فللكل خط واحد ، وأرضية واحدة ويتحرك الكل باتجاه هدف واحد . فأساس كل الفلسفات التي مر ذكرنا لها واحد وهو ( عقيدة التوحيد ) . ومعلمها كلها - واحد وهو « النبي » . ومصدر الأفكار كلها واحد وهو « القرآن » . والموجه والمجسد والرقيب على التنفيذ واحد وهو « الإمام » . والهدف من كل ألوان المعرفة والسعي على مختلف المستويات واحد وهو « إيجاد التحرك السليم للحصول على الكمال الرفيع والسعادة العليا » .. وهذا هو الإسلام .

4- القرآن والإمام هدی واحد

على أساس وحدة الاتجاه في هداية الإنسان ، واعتمادا على انسجام مختلف جوانب التعاليم الإسلامية نلاحظ أن الإسلام أناط مهمة هداية الإنسان في الاقتداء ، واتباع أصلين متحدين(1). فترتبط كل قضايا التربية والبناء


1) وبتعبير آخر : أصل واحد « دين الله » ، له وجهان ، وجه صامت وهو القرآن ، ووجه ناطق وهو الإمام .

الفردي ، ومسائل السياسة والبناء الاجتماعي أجمع بهذين الأصلين ، وهذا ن الأصلان اللذان يتمتعان بوحدة كاملة والتجام تام هما : القرآن والإمام .

القرآن والإمام عنوانان لحقيقة وحدة ، حقيقة الهداية والإنقاذ .

القرآن إمام صامت ، والإمام قرآن ناطق .

وقد أكد النبي الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) في حديث « الثقلين » المشهور على هذا الأمر ، وترك هذين الأصلين المتحدين « القرآن والإمام » في وسط الأمة ، باعتبارهما میراث الهدی وشاخص خط النجاة والسعادة . وأوصى مؤكداً لتتبع الأمة هذين الأصلين معا لا أن تأخذ بأحدهما وتدع الأخر(1).

فقد صرح النبي في حديث الثقلين - الذي أوردنا نصه فيما مضى - بالقول :

« إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا . ولن يفترقا حتى يردا على الحوض » .

وأي جمال في هذا التعبير « لن يفترقا حتى يردا على الحوض » فهذان الثقلان « لن يفترقا » حتى يرجعا بين يدي يوم القيامة عند حوض الكوثر(2).


1) غير خفي أن الأخذ بأحد أصلي الهداية وترك الآخر لا يتعدى كونه خیالا . فأولئك الذين تمسكوا - بزعمهم - بالقرآن فحسب قد تركوا القرآن أيضا ، إذ إن القرآن يرى أن اتباع الإمام ضرورة . وأولئك الذين تمسكوا بالإمام - بزعمهم - ويلهجون بمحبته تاركين القرآن والعمل به ، فهم قد تركوا الإمام أيضا ، إذ إن الإمام يرى أن العمل بالقرآن ضرورة . وهاتان الطائفتان بغية الصعود على أكتاف الجماهير ، وإغفالها اتخذت طائفة منهما القرآن ذريعة واتخذت الأخرى ادعاء محبة الإمام ورفع شعار الإمامة دون العمل بالقرآن ، وأحكامه ، وأخلاقه ، واقتصاده ، وجهاده ، وعدالته ، وتقواه . أرادت الطائفة الأولى أن تظل بمنأى عن رقابة الإمام على تطبيق الأحكام ، لتفعل ما تشاء باسم القرآن . وأرادت الطائفة الثانية أن تهرب من الالتزامات الدينية وخصوصیات التكاليف الإلهية ، وتبقى في خيال مريح إزاء العمل بالقرآن .

2) مر عرض بعض الأفكار حول هذا الموضوع في الفصل الثامن .

وهذا هو المعني بوحدة الهدى ، ووحدة الاتجاه . في هدى الإسلام ، وحركة القرآن .

وهذا التكييف أعمق وأحكم ألوان التوجيه والهداية ، لوجود القانون وضامن تنفيذه معا .

5- غيبة الإمام

مشكلة التربية والسياسة الأساس

مع الالتفات إلى أسس الهداية في مفهوم الإسلام الذي تتجسد فعليته ويمضي دائماً - في مصداقه السليم - عبر إشاعة التربية وتطبيق السياسة الإسلامية معا ، وهاتان الظاهرتان - التربية والسياسة - ترتبطان بوجود وحضور القرآن والإمام . يطرح هذا السؤال نفسه : كيف يكون وضع هاتين الظاهرتين في « عصر الغيبة » ؟

لقد منح الله الحكيم المتعال الرحيم الإنسان نعمة العقل عوناً منه له . وأرسل الرسل لهدايته . وقد تتابع مجيء الأنبياء واحداً بعد الأخر حتى اختتمت مرحلة النبوة ، وبعث نبينا الأكرم برسالته خاتما لرسالات الأنبياء ، وعرضت بواسطة أعظم الأنبياء سيدنا محمد المصطفی (صلی الله علیه و آله و سلم) على البشرية أعظم ديانة . وحيث إن حياة النبي في هذا العالم لم تكن خالدة ولا بد أن يرحل ، شأنه شأن الأخرين ( إنك ميت وإنهم ميتون ) ، تحتم أن يوضع حل للبشرية على طول التاريخ ، خصوصا للأجيال التي جاءت بعد النبي ولم تره والتي تتناسل حتى يوم البعث والنشور . وبغية حفظ رسالة الإسلام التي عرضها نفسه لزم أن يحدد مرکزاً لهذه المهمة . وقد تلمس النبي هذا الحل - بأمر الله - وحدد ذلك المركز . وترك ميراث الهداية في أوساط الأمة وطرحه بصراحة : القرآن والإمام ، التشريع والمنقذ - كما أشرنا .

أما الآن فالمشكلة هي : إن أحد هذين الأصلين الذي هو الحصانة التنفيذية ومفسر التشريع - في عصر الغيبة - لم يك بين يدي الأمة ، إذن ، ما هو التكليف وكيف تكون الممارسة ؟

6- التكليف في عصر الغيبة

تناولنا بالبحث عبر فصول الكتاب العشرة الماضية قضايا الغيبة ، وطفنا حول موضوع غيبة الإمام . وفي بداية هذا الفصل عكفنا على بيان مفهوم الهداية ، ولاحظنا أن الهداية هي تجسيد للتربية والسياسة ، وبعبارة أخرى : عملية أحكام القرآن عن طريق إيضاح الإمام المعصوم وحاکمیته ورقابته . وهنا يواجهنا استفهام أساسي وفي غاية الأهمية ، استفهام لا بد من الإجابة عليه ، إجابة وجيهة ومتطابقة مع الدين والعقل ، ومنسجمة مع حركة التاريخ والإنسانية .

القرآن لائحة تعاليم لهداية الإنسان ، وبرنامج تربوي وسياسي . والإمام مرب لأبناء الأمة ومدير لحركة المجتمع . والهدف من الحركة في إطار تعالیم الدين هو ضمان سعادة الإنسان ، وواضح أن هذا الهدف تنحصر إمكانية تحقيقه في ظل تجسيد التربية الإسلامية في صفوف أبناء الأمة ، والحضور السياسي الإسلامي في وسط المجتمع فحسب . وواضح أيضا أن بقاء واستمرار رسالة الدين في المستقبل رهن بالتوفر على فعليتها في الوقت الحاضر .

في هذا الضوء يطرح التساؤل التالي : كيف تكون الممارسة في عصر الغيبة ، وما هو التكليف ؟ ما هي الصورة التي يتحقق خلالها للدين تطبيقه ؟ كيف يتجسد هدف الإسلام العظيم ؟ فكتاب التربية والسياسة أعني : القرآن ، قائم ، إلا أن شارح الكتاب ومربي الأمة ومنفذ السياسة أعني الإمام ، غائب . إذن ما هو التكليف ؟ .

7- خمسة أسئلة ، وخمسة أجوبة

اشارة

السؤال الذي ذكر في الفقرة السابقة : «ما هو التكليف في عصر الغيبة ؟ » يرجع إلى خمسة أسئلة متداخلة عند التحليل .

ونعكف فيما يلي على ذكر هذه الأسئلة وأجوبتها :

السؤال الأول :

هل التكليف في عصر الغيبة باق ؟

إيضاح : هل يتحتم مع غيبة الإمام تربية الأفراد وفق الموازين الإسلامية ، كما يتحتم إدارة شؤون المجتمع وفق السياسة الإسلامية بالشكل الذي تحقق فيه هذه السياسة حاکميتها على الأمة ، أو لا ؟ ففي عصر الغيبة ليس هنالك تکلیف بعهدة أي فرد ، ومهما حصل فليحصل وبأي شكل كان فليكن ، بقي الدين والتدين أم لم يبقيا ؟

وبعبارة أخرى : هل التكليف في عصر الغيبة ساقط عن عهدة الأمة ، وليس التدين وحفظ الدين ونقله من جيل الأخر بوظيفة ومسؤولية ؟ وأن التربية والسياسة الإسلامية لغو ، فلا ضرورة لتربية الأفراد على أساس قيم الدين ، ولا لزوم لإدارة المجتمع على أساس تلك القيم ، فلا ضرورة التجسيد أحكام القرآن عملياً . ولا بد أن يتعامل مع القرآن بوصفه شيئا مقدسا فيوضع على رفوف جميلة ويغلف بأغلفة رائعة وحسب ؟ فهل الأمر كذلك ، أم لا بد من التجسيد العملي للتربية الإسلامية على مستوى الفرد ، وللسياسة الإسلامية على مستوى المجتمع - عصر الغيبة - ، فيترعرع الفرد في ظل تربية قائمة على أساس الدين ، وتدار شؤون المجتمع على نفس الأساس . ولا بد من العمل وفقاً لأحكام القرآن وأن يأخذ الهدى القرآني سبيله العملي ، ويكون القرآن کتاب معرفة وعمل ؟

فما هو الطريق ؟

السؤال الثاني:

من هو المعلم التربوي والمدير السياسي في عصر الغيبة ؟

إيضاح : إذا كانت الإجابة على السؤال الأول مثبتة وأن التكليف باق ، يطرح هذا التساؤل بشكل طبيعي ، فحيث إن التكليف ثابت الآن، ولا بد أن يحظى الأفراد بتربية إسلامية ، ولا بد أن يدار المجتمع الإسلامي وفق أحكام السياسة الإسلامية ، ويتحقق للهدى القرآني فعليته ، ولأحكام القرآن عمليتها ، وتبرز للوجود أمة قرآنية . فكيف يمكن تجسيد هذه التربية دون وجود القدوة والنموذج العملي ، وكيف يمكن تجسيد هذه السياسة دون زعيم وقائد ، وتظهر للعيان أمة دون إمام وموجه ؟

وبعبارة أخرى : إن بقاء التكليف يعني بقاء المسؤولية الفردية وبقاء المسؤولية الاجتماعية معاً « إن هاتین المسؤوليتين غير قابلتين للتجزئة » ، على هذا الأساس لا بد من إجراء وتجسيد برامج الدين بشكل كامل وتام . وإجراء . وتجسيد البرامج يتطلب مبرمجا وقيما على عملية التنفيذ ، يعني يتطلب نفس الفعالية التي يتكفل الإمام مهمتها في عصر الحضور ، والآن في عصر الغيبة من هو المبرمج والقيم ؟ من هو نموذج التربية الفردية ومحور السياسة الاجتماعية ؟

السؤال الثالث :

هل النيابة عن الإمام مرکز شكلي أو موقع واقعي تنظيمي ؟

إيضاح : إذا كانت الإجابة على السؤال الثاني تذهب إلى أن سياق الإمامة والقيادة لا يخل في عصر الغيبة ، وأن المربي

والمدبر هو نائب الإمام ، يأتي السؤال التالي : هل النيابة أمر شكلي ولأجل ملء الفراغ الصوري فحسب ، أو أنها مهمة تنظيمية ترتبط ببناء وصيانة ونشر دین الله ؟

السؤال الرابع :

هل مركز النيابة قابل للتجزئة ؟

إيضاح : إذا كانت الإجابة على السؤال الثالث هي أن مرکز النيابة عن الإمام مرکز تنظيمي واقعي وليس مركزا صوريا شكلياً ، يطرح التساؤل التالي بشكل طبيعي وهو : هل أن مهام هذا المركز - مع الأخذ بنظر الاعتبار كونه ذا مضمون تنظيمي - تنحصر بمتابعة شؤون التربية ، أم لا، وإنما تشمل متابعة شؤون التربية والسياسة معاً ، لوضوح عدم إمكانية التفكيك بين ظاهرتي التربية والسياسة ؟

وبعبارة أخرى : هل تعتبر مهام نائب الإمام في عصر الغيبة - الذي ليس للمسلمين مرجع وملجاٌ ومحور غيره - هي بيان الحكام الدين فقط وتأليف وتدریس علوم الفقه ، أم أن مهمته هي السعي لحل كل مشكلات المسلمين الأعم من التربوية والفردية والسياسية والعقائدية و... ؟

فنائب الإمام لا بد أن يكون مبينا للأحكام وضامناً تنفيذياً لتطبيق هذه الأحكام ، فيدفع الأمة على خط الدين كما يقودها على هذا الخط ، لتستطيع الأمة أن تتحرك على هذا الخط ، وليقتدر المسلمون على الالتزام بإسلامهم ، وتجسيد أحكامه بشكل عملي ، وليحفظ للإسلام عزته ولقبلة المسلمين هيبتها، ويصان استقلال الأرض الإسلامية ، وحرية وشموخ المسلمين ؟

السؤال الخامس :

اشارة

هل طاعة أوامر نائب الإمام واجبة ؟

إيضاح : إذا كانت الإجابة على السؤال الرابع هي أن مرکز النيابة غير قابل للتجزئة ، وأن نائب الإمام نموذج للتربية الإسلامية ، ومجسد للسياسة الإسلامية أيضاً ، فيطرح على أساس هذه الإجابة السؤال التالي :

هل وظيفة المسلمين هي الطاعة لما يصدر من النائب من أحكام ، أو لا ؟

نحن بإزاء هذه الأسئلة الخمسة ، التي وضعت بصيغتها المعمقة . ورغم أن الإجابة على هذه الأسئلة - بحدود معينة - قد تضمنتها الإيضاحات التي تبعتها ، إلا أننا نورد الآن الإجابة على كل منها على التوالي :

الإجابة على السؤال الأول :

نعم ، التكليف باق في عصر الغيبة ، في ضوء الدليل العقلي والدليل النقلي أيضاً ، وعلى أساس بناء العقلاء - كما کشف علماؤنا النقاب عن هذه الأدلة(1).

الإجابة على السؤال الثاني :

نائب الإمام هو المعلم التربوي والمدير السياسي في عصر الغيبة فلم يترك المسلمون في هذا العصر أيضاً بلا موجه ومشرف ، ويحتل نائب الإمام موقع الإمام - وفقا لقاعدة اللطف التي استدل بها في أبحاث الإمامة من علم الكلام - ويتعهد نائب الإمام بإحياء وتطبيق أحكام القرآن ، وحمل رايته ، وبناء المجتمع القرآني . ونائب الإمام في كل عصر هو العالم الأكبر لذلك العصر ، والنموذج الحاكي عن خط العصمة « العالم الرباني » ، والجامع لكل الشروط المطلوبة .


1) راجع بهذا الصدد كتاب ( تلخيص الشافي ) الشيخ الطائفة أبي جعفر الطوسي .

الإجابة على السؤال الثالث :

کلا ، ليست النيابة عن الإمام بمركز شکلي ، بل مرکز واقعي تنظيمي . وعلى هذا الأساس ، فلا يمكن لهذا المركز أن يكون بلا تنظيم وأصول وقواعد . بل لا بد من رعاية الأسس التنظيمية خلاله ، وأن يتجنب كل لون من الوان الهرج والضياع ، وتعدد مراكز القوى ، وتصادم الأراء - الذي يؤدي إلى إضعاف شوكة المذهب - . فكل فرد سعی وتحمل الصعاب على طريق التحصيل والدرس الفقهي وبلغ درجة الاجتهاد ، وتوفر على شروط الفقاهة اللازمة ، فهو فقيه ، إلا أنه ليس زعيماً وقائداً ومقيما لأحكام السياسة الإسلامية .

إذن فلا تتاح الفرصة لكل شخص أن يحتل هذا الموقع ، ويلف حوله ثلة من الأفراد، ويصرف الأموال العامة ، ويفكك التمركز في قوى المسلمين ويغرس قابلية الاستعمار فيهم .

لا يمكن أن يكون المجتمع الشيعي ضحية لحفنة سنين من قراءة الفقه وأصوله وتدريسهما على مستوى عال ، وتدبيج رسالة عملية ، ويكون ثمن ذلك القضاء على الوجود الاجتماعي والثقافي ، وإبادة التركة الدموية للتشيع . فالقيادة تستهدف التنظيم ، والتعبئة الجماهيرية ، وإقامة المؤسسات ، وبقاء وتصدير رسالة التشيع . وكل ما يصطدم بهذا الهدف يطرح جانباً .

الإجابة على السؤال الرابع :

کلا ، فمركز النيابة عن الإمام غير قابل للتجزئة . ينطوي هذا المركز على مضمون تنظيمي(1)مضافاً إلى العلم بالفقه والاجتهاد بأحكامه ، والإفتاء بها . على هذا الأساس، لا بد أن يلتفت هذا المركز لرعاية مصالح الفرد عن طريق إشاعة التربية الإسلامية ، كما لا بد له من الالتفات لرعاية المصالح العامة عن طريق إقامة أحكام السياسة الإسلامية ، خصوصاً ونحن نعلم - كما أشرنا لذلك


1) كما يستفاد ذلك من روايات أهل البيت (علیهم السلام) .

مراراً . أن ليس هناك خط فاصل بين التربية « - خط الحياة الفردية » والسياسة « خط الحياة الاجتماعية » . فكل منهما يلعب دورا مصيرياً في الأخر . فإذا لم يتوفر المجتمع على تربية إسلامية فلا يفلح ، ولا يتقدم إلى الإمام حتى مع كون النظام السياسي نظاماً إسلامياً . والعكس صحيح أيضاً .

الإجابة على السؤال الخامس :

نعم تجب إطاعة أحكام وأوامر نائب الإمام ، قلنا : إن نائب الإمام في كل عصر هو العالم الرباني الكامل الجامع في ذلك العصر . العالم الذي يمثل النموذج الكامل بعد تحليه بالعلم والبصيرة والتقوى والالتزام .

فمثل هذا الشخص هو صاحب « الولاية الشرعية » بجعل الإمام (علیه السلام) ، ونصه . واتباعه في عصر الغيبة واجب وضروري . والتحرك في ضوء خطه حركة على خط الدين وخط الأئمة الطاهرين . وخصومته وإهمال حكمه ، واتخاذ موقف في مواجهته ، واتخاذ جبهة في مقابلته - فضلاً عن الخروج عليه وإهانته - كل ذلك أجمع خروج عن خط الإمامة وسبيل القرآن . والخروج عن خط الإمامة والقرآن ، خروج عن خط النبوة والخروج عن خط النبوة خروج عن خط الرسالة والتوحيد .

هذا هو ديننا، وهذه هي تعاليم أئمتنا ، والذي يستنبط من الآيات والأحاديث - التي تمثل أساس رسالة الدين - هو هذا(1).

8- إدامة خط القيادة طريق لحل المشكلة

في ضوء ما ذكرناه في هذا الفصل وما أوردناه خلال الأسئلة والأجوبة الخمسة ، يفسر بوضوح مفهوم الغيبة في ضوء فلسفة التربية والسياسة ، التي هي فلسفة الإمامة نفسها، إذ إنه من خلال طرح قضية «النيابة» يحصل التسلسل الضروري للإمامة والقيادة على استمراره ، ويسلم حقل الهداية الدينية من


1) أؤكد مرة أخرى على قضية « الشروط » « وكمها وكيفها » وعلى مسألة جامعية الشروط . وكيف أن هذه الجامعية لا يجوز إغفالها في أي وقت على الإطلاق .

التفكك والانحلال . لو لم يصدر أي حديث أو أمر من الإمام المعصوم حول مرحلة الغيبة ، وأسلوب التكليف فيها ، ومسألة القيادة والإدارة ، فسوف يكون الأمر عصياً مشكلا من زاويتي التربية والسياسة معا ، إلا أنهم لم يتركوا الأمة بلا تکلیف . بل أرجع الأئمة - الهداة والقدوة الحريصون - الأمة في كل عصر لنائب الإمام ، وعهدوا له مهمة نشر الدين « التربية » وبقاء رسالته « السياسة » ودعوا أيضا لطاعته .

أعدنا إلى الذاكرة في الفصل التاسع - حين الحديث عن الآثار الوجودية للحجة (علیه السلام) ، في عصر الغيبة - أن الأمة رغم حرمانها من « حضور المربي الأكبر » إلا أن إمكانات الهداية تحت اختيارها. ومن جملتها « العالم الرباني » . ولا بد أن نضيف هنا من کون « النيابة » إحدى الآثار الرئيسية للحجة (علیه السلام) رغم كونه يعيش خلف ستار الغيبة . إذ إن الأمة تقع على خط الرسالة وتبلغ الهدى والدين من خلال الرجوع إلى « العالم الرباني » . وواضح أن رجوع الأمة للعالم الرباني في عصر الغيبة باعتبار نیابته عن الإمام . إذن فهذا السياق الملتزم العظيم أعني : الدور الحيوي والعملاق لعلماء الشيعة الأمناء على طول عصور الغيبة ، يشكل بنفسه أثراً من آثار وجود الحجة الإلهية البالغة وشعاعا من أشعة تلك الشمس الأزلية .

إذن يتحتم الالتفات - في ضوء ما ذكر - إلى أن الأمر الحائز على أكبر الأهمية في استيعاب هذا الأصل الرسالي ( النيابة في عصر الغيبة ) هو ملاحظة أبعاد مهمة هذا المركز . لا بد أن نعرف أن الشخص الذي يكون على رأس الهرم الاجتماعي في عصر الغيبة الكبرى إنما هو نائب الإمام . ولا بد أن يعمل نائب الإمام وفق النهج الذي مارسه الأئمة الطاهرون (علیهم السلام) . فقد كان للأئمة وضع تنظيمي في علاقتهم مع قواعدهم الشيعية . فلم يكن الأمر على صورة مراجعة الإمام واستيضاحه بعض المسائل ثم الصدور منه . فقد كان الإمام بنفسه في كل عصر على رأس هرم قطاع الشيعة ( رغم اتخاذ هذا الموقع شكلا سرياً في بعض الأزمنة)، ومتأهباً بكل صورة للحفاظ على وجود التشيع ونشر تعاليمه وبسطها . وقضية السفارة في عصر الغيبة الصغرى تمثل بنفسها عملا بهذا الاتجاه . يتحتم أن نرى من حيث الأساس لم كانت الفاصلة الزمنية التي

احتلتها فترة الغيبة الصغرى ؟ فقد كان ممكناً أن تكون الغيبة الكبرى هي البداية ، ولم يحصل ذلك ، بغية أن تألف الأمة مبدأ القيادة النيابية ، وتدار قطاعات الشيعة ووجوداتها المركزية بالشكل الذي تقوم على سوقها حتى شروع الغيبة الكبرى . كانت الغيبة الصغرى وسيلة لإعداد المجتمع الشيعي فکرياً وعملياً للولوج في الحريم الزماني الممتد للغيبة الكبری(1). وهذا الإعداد بنفسه عمل تنظيمي في غاية العمق والمتانة(2).

لم يك سلوك الأئمة مع قواعدهم سلوك معلم فحسب بل كان تعامل مدیر ومنظم وقائد جامع أيضا ، وانسحبت قيادته على المسائل العسكرية ، والكفاح المسلح ، رغم كونه سرياً وفي الخفاء. لا بد من أخذ هذه المفاهيم بنظر الاعتبار ، فالعالم الديني حينما يصبح نائباً للإمام فنيابته عن الإمام في كل أبعاد الولاية الظاهرية - يعني أبعادها التربوية والسياسية ، والفردية والاجتماعية - فهذه النيابة ليست إفتاء فحسب . أفهل كان مركز الإمام حتى على المستوى الظاهري مركز إفتاء فحسب ؟!


1) لاحظوا الفصل التاسع فقد مرت خلاله أفكار حول هذا الموضوع .

2) جاءت في كتاب « تاریخ الغيبة الصغرى » مجموعة أفكار نافعة بهذا الصدد

الفصل الثاني عشر : تجسيد للمقاومة لا للتسليم

اشارة

تجسيد للمقاومة لا للتسليم

1- الأساس العقيدي لمبدأ « المقاومة »

الهدف الأصيل لبعثة الأنبياء ، ونزول الكتاب من السماء هو إقامة العدل والقسط بين الناس . وتحت أساس العدل في المجتمع الإنساني نبع كل خير وفضيلة ، فإذا لم يكن عدل فلا خير ولا فضيلة هناك ، وإذا كانا فسوف لا يبقيان .

العدالة الواقعية تعني أن يكون الحكم لله لا للإنسان ، فلا يستطيع الإنسان أن يحكم على أخيه الإنسان ، ولا ينبغي له أن يحكم . كما لا ينبغي للإنسان أن يخضع لحكم الإنسان ، ألم يقل علي (علیه السلام) :

« ولا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حراً »(1).

ألم يقل الإمام الحسين (علیه السلام) :

« هيهات منا الذلة »

ألم يقل الإمام جعفر الصادق (علیه السلام) :

« خمس خصال من لم تكن فيه لم يكن فيه كثير مستمتع :


1) نهج البلاغة الرسالة 31 وصية الإمام (علیه السلام) لولده الحسن (علیه السلام) .

الدين، والعقل، والأدب ، والحرية ، وحسن الخلق »(1).

فقد ذهب الإمام الصادق (علیه السلام) في النص الأخير إلى أن منفعة الفرد وقيمته في المجتمع ترتهنان فيما ترتهنان بحريته . هذه هي صورة الإنسان الرفيعة في فلسفة التشيع الراقية .

أجل، فالحكم حق الله ، فكما أن الله هو المالك الأصيل ( ولله ما في السموات وما في الأرض .. )(2)كذلك فهو تعالى الحاكم الأصيل أيضا ( .. إن الحكم إلا الله .. )(3).

وحيث إن الله تعالى منزه عن عالم الجسم والمادة، ومشابهة الخلق ، ومتعال عن معاشرتهم ، وهو القديم اللطيف السبخان ، فقد بعث الإنسان الكامل باعتباره « رسوله » ، لأجل نشر تعاليم دينه ، وإقامة حكمه في الأرض ، وأنزل الوحي مبلغاً أحكامه لنبيه ، ليستطيع تشكيل المجتمع الإلهي على أساس هذه الأحكام ، ويجسد حاکمية الله في الأرض . في هذا الضوء ، فالنبي حاكم اجتماعي بالنيابة والخلافة الإلهية ، والإمام بعد النبي حاكم كذلك .

نعم ، الأنبياء الطاهرون والأئمة المعصومون يحكمون المجتمع الإنساني بالنيابة عن الله ، ويجرون فيه أحكام الله . ولذا كانت حكومة النبي والإمام هي عين حكم الله وحاکميته . وفي عصور الغيبة يتحتم على العالم الرباني أن يمارس الحكم خليفة ونائباً عن الإمام ، أو يكون له الإشراف الكامل على الحكم ، وتجري أحكام الله عن طريق تشخيصه وتحت نظره ، بوصفه عالم الشريعة ونائب الإمام .

وحيث نلاحظ تتابع الظالمين عبر التاريخ باستمرار، وإنزالهم الظلم على رقاب بني الإنسان ، وإهانتهم للإنسانية ، وحجبهم لدين الله عن ميدان الحياة


1) الخصال ، الطبعة القديمة ص 142 .

2) سورة آل عمران : 109.

3) سورة الأنعام : 57 .

لأنه حاجز دون تجاوزاتهم وعدوانهم - فيقتلون الأنبياء ، ويخمدون نداء الأئمة ، وحيث كان الأمر كذلك كانت مقاومة هؤلاء على الدوام وظیفه کبری ، ووثبة مقدسة ، وتكليفاً رسالياً ، وواجباً إلهياً . فالله تعالى يحب العدل والقسط ، ويبغض الظلم والجور . فقد أراد الله تعالى أن لا يعد عباده ضعافاً مستضعفين ، وأن يدافع عما يعد من المستضعفين . من هنا احتل الأنبياء والأئمة وأتباعهم الحقيقيون ويحتلون مركز الصدارة في النضال العظيم ، والصراع الواقعي ضد الظلم والظالم . فهؤلاء هم الذين كانوا يحطمون الوثن ويهدمون معابده . وهؤلاء هم الذين هجموا على قصور فرعون والفراعنة . وقاتلوا جالوت . وهؤلاء هم الذين صمدوا في وجه الجبارين عبر ملاحم نضال کبری . وهؤلاء هم الذين خلقوا عاشوراء . والأمر لا يزال كذلك : هؤلاء هم الذين يصنعون عاشوراء ويعممون فلسفة عاشوراء هذا هو الأساس العقيدي والعطاء التكليفي للمقاومة في دائرة عقيدة المذهب ونهضته .

2- ليلة القدر مؤشر مقاومة

مقاومة الظلم والظالم ، والوقوف بوجه الظالمين وناشري الجور أصل عقيدي في دائرة أهل الإيمان - كما ذكرنا - وهو أصل تكليفي أيضا ، رفض حكم الطاغوت أحد مقدمات استقرار حكم الله ، وأحد أركان التوحيد العملي

الأساس . من هنا كان النداء الناهض :

« كن للظالم خصماً ، وللمظلوم عوناً »

يدوي باستمرار في أذان الجماهير المؤمنة العقائدية .

تحدثنا باختصار في الفصل الثامن حول « سورة القدر » ، ومعانيها السامية ، والعلاقة الموضوعية بينها وبين مركز الولاية الكبرى . ومما يستحق الكثير من التأمل والالتفات أن نلاحظ الأن : أن الإمام جعفر الصادق (علیه السلام) - حين تحليله لفلسفة الإسلام السياسية ، وأهمية حاکمية الله في بيان حول « ليلة القدر » - يقول :

« ليلة من إمام عادل خير من ألف شهر ملك بني أمية »(1).

من هنا لا يمكن للمسلمين - في ضوء الرؤية الكونية الإسلامية الشيعية - أن يقفوا مكتوفي الأيدي إزاء مسألة الحكم فيبايعوا أي حكم كان . وحيث إن مدرسة التشيع تقوم على أساس حكومة المعصوم والعادل ، كان التكليف إزاء قضية الحكم بمعنى مؤازرة حكم العادل ، ومقاومة حكم الجائر . إن إحدى مشخصات المجتمع الشيعي(2)في عصور حكم الباطل أو الجائر هي أن يكون واقع هذا المجتمع واقعاً مجسداً للمقاومة لا للتسليم . وأول معلم ثوري . حماسي لتجسيد المقاومة هو سيدتنا الصديقة الكبرى فاطمة الزهراء ( سلام الله عليها ) .

3- تعاليم معلمي المقاومة

إن هذا التحصن والحضور الثائر في وجه الجبارين ، وهذه المقاومة المجسدة إزاء الطاغوتيين والظالمين جزء من هوية مذهبنا، وعماد من أعمدة أصل التوحيد .

حكومة الإنسان على الإنسان عهد الله ، ولا ينال عهد الله الظالمين . من هنا كان قبول حكم الظالم نقضاً للتوحيد في مذهبنا . وعلى هذا الأساس لم يك حكم الظالم مؤهلاً للترحيب به لحظة واحدة . بغية إنارة الأفكار ونباهة الأذهان - خصوصاً أذهان المتدينين الغافلين الذين يتناولون قضية الحكم الإسلامي والسياسة الشرعية بسذاجة وسطحية - أنقل حديثاً وتعليماً عظيماً عن ثامن قدوة من معلمي المقاومة الإمام علي بن موسی الرضا (علیه السلام) . حديثاً وتعليماً لا يعثر


1) تفسير البرهان ج 4 ص 487 .

2) واضح أن المجتمع الإسلامي بشكله الأعم - سواء الشيعي منه أم السني - لا بد وأن يمضي على هذا النهج ، يعني مقاوماً ، لا خاضعاً مستسلماً ، وهذا هو الإسلام . إلا أن إخواننا أبناء السنة وعلماءهم يسكتون أمام الظالمين والمستكبرين وعملاء الأجنبي الهامشيين ، كيف ، وماذا يفكر هؤلاء ؟ فهل ترى أن القرآن يعتبر أمثال هؤلاء الحاكمين الخونة « أولي أمر » ؟! ولعلهم - أي إخواننا اهل السنة - لم يكونوا كذلك ، ولا يكونون بعد الآن كذلك .

على مثيل له - من زاوية حسمه وعظمته في البعد الاجتماعي والمقاومة المسؤولة - في أي نهج ورسالة إلا في رسالة الأنبياء والأئمة .

يقول الإمام (علیه السلام) :

إن الإمامة خص الله - عز وجل - بها إبراهيم الخليل بعد النبوة والخلة مرتبة ثالثة ، وفضيلة شرفه بها ، وأشاد بها ذكره ، فقال : ( إني جاعلك للناس إماماً ) فقال الخليل ( عليه السلام ) مسروراً بها : ( ومن ذريتي ) ، قال الله تبارك وتعالى : ( لا ينال عهدي الظالمين ) . فأبطلت هذه الآية إمامة كل ظالم إلى يوم القيامة(1).

هذا هو سر شمول هذه العقيدة التقدمية الثائرة : رفض كل حکم ظالم ، و « لا » مقولة لكل جبار وجائر . فحكم أي فرد « لا رباني » يعني : غير حامل ل « عهد الله » مرفوض من وجهة نظر الفرد المسلم الشيعي ، فلا يمكن لمثل ذلك الفرد أن يتقدم ، ويحكم ، ويكون إماما للناس . من هنا، فالشيعة لا تذهب خاضعة لأي حكم إلا لولاية المعصوم وحكمه . وفي عصر غيبة المعصوم تخضع لولاية وحكم نائب المعصوم ، يعني : إن الإنسان المؤمن في عصر الغيبة لا يجوز له أن يهبط بمستواه فيلوي عنقه لحكم أي حاكم ، وسلطان أية حكومة ، ويقر حكم أي ملك أو أمير أو رئيس جمهورية ، بل لا بد له من قبول حكم يتصل بالإمام المعصوم بلون من ألوان الاتصال ، يعني : عين حاكمية الله تعالی .

وهذا الأصل العقيدي ، المشار إليه آنفا ، يقف في أعلى مراتب السمو الإنساني ، وهو أرقى وأرفع فلسفة سياسية في تاريخ البشر ، إذ إن هذه الفلسفة السياسية ترفع صوتها في النداء بأن الإنسان يحتل مركزا خاصا ويتمتع بقيمة وكرامة بحيث لا يمكنه ولا ينبغي له أن يتحمل أي حكم وحاكمية إلا حكم الله وحاکميته .


1) أصول الكافي ، کتاب الحجة ، « باب نادر جامع في فضل الإمام .. » .

وهذه النظرة الكونية ، وهذه العقيدة رمز أعظم افتخار لنا على طول تاریخ حياة الإنسان في الأرض ، ونفس هذا الافتخار المدوي هو الذي يغذي وجدان المجتمع الشيعي بالحركة ، فيصنع له من كل يوم عاشوراء ، ومن كل أرض کربلاء وهو نفسه ضامن خلود تضحياتنا إلى اليوم ، وحتى ظهور العدل العالمي وبين يدي المهدي ، وهو نفسه الذي ينسكب في وعاء الشمس المشرق وينبعث صوب كل اتجاه . وهو الذي يزين كل فجر وشفق بدم الحق المتلالىء القاني ، صانع الملاحم .

4- الحضور الفكري والعملي للمقاومة

هذه المقاومة التي نتحدث عنها لا بد أن تبقى باستمرار وتظل حية فعالة . يتحتم أن يكون هذا المشعل متوقداً على الدوام حتى حين بروز أرضية ظهور العدالة الكلية ، وتحقق القسط الإلهي في أرجاء العالم البشري . فيجب أن تتوفر ذهنية الجماهير المؤمنة وواقعها الاجتماعي على الاستعداد الكامل ، حتى ينهض مجتمعهم للنضال ضد مستكبري العالم ، ووضع حجر الأساس لحكومة عدل المهدي (علیه السلام) ، ونصرة هذا الإمام والوقوف في صف أنصاره ( وعسى أن تكون الشهادة نصيبا بين يديه ، وقد كانت تطلع العظماء ).

إذا لم تك لجماعات الشيعة ( - وجماعات المسلمين في صورة انضمامهم معنا في أداء هذا الدور العظيم ) تشکیلات منظمة ، وصفوف نضال مرصوصة ، وترتيبات عسكرية ، ولم يتحلوا بهذا اللون من الخبرات والمران والاستعدادات ، فكيف يمكنهم حین بروز مقدمات الظهور ، وقدوم الأحداث والصراعات الكبرى أن يساهموا في حركة المهدي (علیه السلام) وأنصاره المجلجلة ، ويكونوا جزءاً من جيشه ، ويحصلوا على حصة في حروبه ومعاركه الواسعة ، وينهضوا لنصرة الحق المجسد؟ فعندما يظهر الإمام - في ضوء الأحاديث الشريفة - يشرع في النضال والحرب ، ويطلب مقاتلين وجيشاً ، فبالإضافة إلى ما يتحقق بالتأييد الإلهي ( لتثبيت قلوب الجماهير المستضعفة ) فهو (علیه السلام) يعكف أيضا على ممارسة القتال المألوف ، فيقارع ، ويفتح ويعهد لقواته بإدارة

المناطق المفتوحة . ويتحتم على هؤلاء أن يحتفظوا بتلك المناطق ويديروها ، وينهضوا لقتال المهاجمين . ثم ينطلق المهدي المناطق أخرى ويقاتل باستمرار، وتستمر فترة حروبه زمناً ، ويستشهد بين يديه رجالى ( كما جاء في الدعاء : اللهم اجعلنا من المستشهدين بين يديه ) . هذا هو نهج المهدي (علیه السلام) .

فما هو الغرض الذي لأجله توفر بعض المؤمنين - حتى الشيوخ منهم - على سيف وواظبوا باستمرار على تعهده وإدامته ؟ لأجل الحرب .

على هذا الأساس يتحتم للمقاومة . مضافا لبعدها العقيدي والفكري - أن تتوفر على البعد الواقعي ، يعني : إن المقاومة مضافاً إلى كونها أحد الأصول العقيدية والفكرية التي يشهدها الواقع الاجتماعي ، لا بد أن يكون لها حضور أيضاً بوصفها إحدى المسؤوليات العملية والواقعية - التي تهيأت مقدماتها ۔ حضور دائم وفعال حتى اتصالها بمقدمات الظهور ، ومعارك الرجولة الواسعة في تلك الأيام ، وثم استقرار حكومة المهدي (علیه السلام) .

5- المقاومة في ضوء أبعاد التكليف

اشارة

يتحتم أن نعكف الآن على التعرف على أبعاد التكليف . وبغية إحكام هذا البناء العظيم ، وإيقاد هذا المشعل الحيوي البناء باستمرار ، يلزم أن نسرح النظر في مسائل عدة ، ونواجه هذه المسائل مواجهة مسؤولة . ينبغي لنا أن نشخص بصورة جيدة سبل المقاومة وأرضياتها وأبعادها ، وعواملها ونتعرف على مستلزماتها بشكل دقيق ، ليتسنى لنا الحفاظ على حضورنا التكليفي في كل موقع ، وليكن واقع مجتمعنا توأم تجسيد المقاومة والصمود لا التسليم والخنوع . وقد حدد القرآن أربعة مؤشرات التشخيص واقع « مجتمع المؤمنين » الذي يرمي إلى إيصاله درجة « الفلاح » :

( يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا ، واتقوا الله ، لعلكم تفلحون )(1).


1) سورة آل عمران : 200.

1- اصبروا ، 2 - صابروا ، 3- رابطوا ، 4 - واتقوا الله .

هذه العوامل الأربعة الشامخة هي سر فلاح المجتمع المؤمن ، ورمز انتصاره الخالد ، فقد رسمت هذه الآية المباركة صورة جامعة لواقع المقاومة ، في بعد بناء الشخصية ، وصياغة الأمة ، وصنع الملاحم ، والتوفر على التقوى ، للوصول إلى درجة الفلاح - لعلكم تفلحون ،

وبغية أن نتوفر على معرفة أكبر ، حول أبعاد المقاومة نشير - باختصار - إلى عدة أبعاد تضحي المقاومة فيها ضرورية :

1- بعد الالتزام الديني

البعد الأول من أبعاد المقاومة هو بعد الالتزام الديني ، يعني : إن كل فرد يسعى بغية أن يحرس تدینه - على مستوى العقيدة والعمل - ، فيوطد أسس عقيدته عن طريق التأمل ، وكسب المعلومات النافعة ، والمعارف السليمة ، وإتقانها بحثا ودراسة . كما يلتزم عمليا بالتكاليف الدينية ليبقي نفسه بوصفه فرداً مؤمنا مخلصا ، ويعيش في وسط الأمة إنسانا متدينا ملتزم(1). يتحتم لأجل تحقيق هذا الهدف العكوف على تصحيح وإحكام الإيمان العقيدي ، وعلى تهذيب النفس وبناء الداخل على أساس التقوى ، يعني : الإيمان والعمل .

2- البعد الرسالي

البعد الثاني ، يتمثل بتعليم الدين أسسه وتكاليفه للآخرين ، وحفظ حركة الذين في الواقع الاجتماعي . يتحتم على المسلمين الملتزمين أن يثبوا سعيا على طريق حفظ الدين في الوسط الاجتماعي ، ونشره في الآفاق ، وبقائه ونقله ، وعلى نهج حسن تعليمه للأبناء والأقرباء والأفراد والأوساط ، ولا ينبغي لهم أن يقعدوا دون السعي على هذا الطريق النبوي ، لتبقي مركزية القوة الدينية باستمرار وليحفظ الوجود الجمعي للمقاومة .


1) مرت في الفصل التاسع حول هذا الموضوع مجموعة أفكار ، وسوف تأتي أفكار عدة تكمل هذه الأفكار والأبحاث في الفصل الثالث عشر .

3- البعد الثقافي

البعد الثالث هو حراسة الثقافة الدينية وصيانتها لدى الأفراد وفي وسط المجتمع . يلزم استخدام كل وسيلة مشروعة لتبقى الثقافة الإسلامية والأعراف الشيعية الأصيلة حية في وسط الأمة ، وتلعب باستمرار دورا خلاقاً معطاء . والمعني بالثقافة هنا أعم من الظواهر الموضوعية المألوفة ، ومن القيم الفكرية والذهنية .

4- البعد العقيدي « الأيديولوجي »

البعد الرابع هو إحياء الحضور المستمر للنظرة الكونية الدينية على مستوى الأمة . فنظام الأفكار والمفاهيم الإسلامية لا بد أن يحيا ويحكم في الوسط باستمرار بوصفه نظاما فكرياً مقتدراً ومبرهناً في ميادين التفكير الاجتماعي . ويقع في هذا البعد تكليف ذو عمق ودقة . فيتحتم على الدوام تربية مطلعين على مختلف مدارس الفكر وأسس الأيديولوجيات يستنيرون في كل الحقول ، ويوضحون الموقف إزاء كل فكر واكتشاف ونظرية تبرز للوجود ، ويثبتون متانة مفردات العقيدة والفكر وصمودها . ويحرسون حقيقة الفكر الديني ، ويدافعون . عن دوره النافذ والفعال في الوسط الاجتماعي . وما أشرنا إليه آنفاً من أهمية « إعادة بناء وتجديد علم الكلام والعقيدة » يمثل مرحلة من المراحل الأساسية في هذا البعد .

لا بد أن تكون تأكيدات الإمام الصادق (علیه السلام) على ضرورة الحوار العقيدي والفكري ، وإتقان صنعة الحوار ، وعكوف المختصين على ممارسة الحوار ، مناراً عظيماً يهتدي به الجميع ، وخصوصا الحوزات العلمية الإسلامية . يتحتم على الحوزات العلمية بفضلائها ذوي الفكر القادرين على الحوار المالكين لأدوات العرض أن تقوم بتربية الناشئة فتحفظ جيل الشباب بهذا الطريق عن اختطاف أي سياق فکري وانحراف عقیدي . ولا بد أن يتقن هؤلاء أيضا أسلوب التعامل مع الشباب .

5 - البعد الاقتصادي

البعد الخامس هو حفظ القدرة المالية وصيانة إمكانات الاقتصاد الإسلامي فكل نهضة وثورة وإصلاح تحتاج لميزانية مالية بغية تحقيق انتشارها ، ولأجل بقائها أيضاً . والأمة أيضا تحتاج لدعم مالي في بعض المواقع . كما أن الأفراد يفتقرون في مواقع أخرى لدعم مالي أيضا . وكل الأبعاد التي ذكرنا وسوف نذكرها تحتاج إلى ميزانية مالية . على هذا الأساس يضحي حفظ وتنمية الثروات وذات النفع العام في وسط المجتمع المتدین واحداً من الوظائف واحدی المسؤوليات . كما أن نفس هذا الاقتدار الاقتصادي ، والمكنة المالية تمثل بعداً من أبعاد المقاومة وقد عد القرآن الكريم المال قياماً(1)وعصباً حياتياً .

فحفظ الدين والثقافة الدينية وسائر مظاهر الرسالة وشؤونها الأخرى يفتقر للقدرة المالية والاقتصادية كما يفتقر تبليغه ونشره إليها أيضاً . فلا بد للمجتمع المؤمن من السعي الجاد للتوفر على المكنة والاقتدار عن طريق السبل المشروعة - سواء الزراعية منها أم الصناعية ، أم غيرها من السبل - ليضع هذا التمكن والاقتدار في وقت الحاجة ، ويستخدمه في نشر رسالة الله والأهداف الإنسانية الرفيعة .

6- البعد السياسي

البعد السادس هو الحضور والمقاومة السياسية. فمع اعتزال الفعاليات السياسية ، وخسران مراكز الإدارة الاجتماعية ، فسوف تنهار كل مراكز القوة بالتدريج ، وتصل المرحلة إلى درجة تفتقد فيها الإمكانية على تطبيق الأحكام الدينية على المستوى الفردي ، كما تفقد القدرة على تربية الأبناء في ضوء الثقافة الدينية ، ويحصل العجز عن مجانبة استهلاك السلع الواردة من الدول المعادية لله وللفضيلة ، وتفتقد الاستطاعة على حفظ الشرف والناموس و ...

فإذا خسر المتدينون حضورهم السياسي والاجتماعي(2)، فسوف تجر


1) قال تعالى : ( ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً .. ) . سورة النساء : 5 .

2) خصوصا الحضور الذي حصل الآن على أثر انتصار الثورة الإسلامية الكبرى .

الوان الحضور الأخرى ( .. الحضور العقيدي ، الثقافي ، العملي ، العرفي ، و... ) نحو الإنحراف ، وتعود خاوية لا مضمون لها ، ثم تعصف بها الريح فتطير . فلا يمكن أن نتصور واقعاً عملياً لتحمل الجماهير المؤمنة العقائدية مهمة المقاومة المسؤولة ، ذات العلاقة بضرورة المقاومة عامة ( وخصوصا في بعدها القرآني الثالث : « رابطوا » ) دون حضور سياسي اجتماعي فعال ، كما لا يمكن تصور وصولها إلى محصلة بذلك الاتجاه دون هذا الحضور . يتحتم على المؤمنين أن يكونوا على أعلى درجات الوعي واليقظة بصدد هذه المسألة ، ولا يغريهم أي إعلام مزور .

التدخل في شؤون العمل السياسي الحق ، والمشاركة السياسية بغية إدارة المجتمع على أساس النهج السياسي الحق ، وصيانته عن الانحراف وحفظ الدين في الوسط الاجتماعي ، ونقله عبر الأجيال هو أفضل طاعة وأعظم عبادة ، وهو عمل يحتل موقعاً متميزاً على رأس قائمة التكاليف الإلهية ، (... کونوا قوامین بالقسط .. )(1).

7- البعد العسكري

البعد السابع هو البعد العسكري والقوة المسلحة . لقد دعا الإسلام باستمرار للعزة والاقتدار . وقد ابتدأ - نفسه - النزول إلى ميدان الحياة البشرية عزة ومنعة . كما حض الإسلام على التوفر على القوة القتالية والعدة العسكرية ، وهذا نداء القرآن :

( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل .. )(2).

و هذا هو منطق القرآن . وقد جاءت الكثير من التعاليم والوصايا حول هذه المفاهيم ، عبر أحاديث النبي الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) وعلي (علیه السلام) وأحاديث الأئمة (علیهم السلام)


1) سورة النساء : 135 .

2) سورة الأنفال : 60.

أيضا(1). وكانت كل هذه الأضواء بغية أن يصبح المسلمون مقتدرين ، والعزة لله وللرسول وللمؤمنين ، كما أنها للمسلمين باقية ، ولأجل أن تطبق تعاليم الدين من موقع الأقتدار والعزة ، ويكون المتدین عزیزا قويا ، ويحرس دین الله وينشر بقوة ومنعة .

الشيعة الذين يعتقدون بأن الإمامة من أركان التشيع وأصوله ، كيف يمكنهم أن يفتقدوا التدريب ولا يتوفروا على التعبئة العسكرية ، والحال أن الخصوصية اللازمة للاعتقاد بالإمامة هي الوقوف إلى جنب أصحاب الحق والعدالة ومقارعة أهل الباطل والظلم ؟!

ألم يوص الأئمة بالتوفر على الروح القتالية والمساهمة في التدريبات العسكرية والحربية ! فالملائكة تحضر في كل موقع يجري على أرضه تدریب عسکری(2)هذه هي تعاليم أئمتنا .

8- البعد التنظيمي

البعد الثامن من أبعاد المقاومة هو بعد التنظيم وخلق الوحدات المنظمة ، واضح بجلاء أن أي لون من ألوان الفعالية الاجتماعية ، والإعلام العقيدي ، والحضور السياسي ، والجهد العسكري في وسط الأمة ، إنما يثمر في الوقت الذي يتوفر فيه على نظام أصولي وينخرط في تيار تشکیلات منظمة ومحكمة . فدون التنظيم وقنواته الارتباطية ، تذهب كل القوى هدراً ولا تبلغ الجهود و نتائجها الأساس ، ولا تصمد المواقف عند حدودها ، ولا تصان العقائد ، ولا تسلم المواقع . لو استثمر الإيمان العميق والإيثار المدهش الموجود في وسط الجماهير المؤمنة في سياق تنظيم محكم وتشکیلات مقتدرة ووجه بوعي ومتانة ، فكم هي النتائج التي يمكن استخلاصها منه على طريق إصلاح المجتمعات وإشاعة الخير والفضيلة !

على أي حال ، يتحتم أن يعتقد المجتمع المؤمن بواقع التنظيم ، ولا بد للمؤمنين من أن يقلعوا عن التشتت والتداخل العملي وسحق الطاقات ، ويعودوا


1) سنتحدث في الفصل القادم حول هذا الموضوع أيضا .

2) سنتحدث في الفصل القادم حول هذا الموضوع أيضا .

متوفرين على روح التنظيم ويصنعوا في عمق وجودهم أقوى أشكال التشكيلات . فقد قام النظام الاجتماعي في الإسلام على أساس أعمق الروابط التنظيمية ، وحتى أحكام الفقه الإسلامي التحمت باستمرار مع العلاقات التنظيمية والممارسات الاجتماعية . وإنا على أمل في أن يعود المتدينون إلى هويتهم بعد الإهمالات السابقة ، ويتجهوا صوب خلق تشکیلات قوية وعلاقات منظمة ، حيث إن هذا الفعل مسؤولية ووظيفة ويشكل هذا الأفق بعدا من أبعاد المقاومة المسؤولة .

9- البعد الفني

البعد التاسع من أبعاد المقاومة هو البعد الفني وأساليب العرض والإعلام. وأبتغي التأكيد بشدة هنا على هذا البعد . فلا ينبغي للمحيطات الدينية والرسالية إغفال الآثار الكبرى والإمكانات الغريبة التي تكمن في الفن وقابلية العرض الفني .

البعد الفني ، في سياق أبعاد المقاومة ، بعد ذو تأثير كبير ، ولا بد أن يكون هذا البعد على الدوام حيويا وفعالا .

لا بد من تلقي التعامل مع الفن وقضاياه بوصفه أمرا جدياً ومسؤولية تكليفية . فأسس الإعلام السليم يتحمل عبئها هذا البعد ، وقد « تبلور » القرآن الكريم نفسه بالأبعاد الفنية والأصول الجمالية . وقد التفت النبي الأكرم والأئمة الطاهرون باستمرار لهذه المفاهيم ولفتوا الأنظار إليها . فقد قام هؤلاء بإعلاء شأن الشعر الملتزم ( - يعني : الشعر الذي يتحرك على خط المقاومة ) ، وحضوا عليه ، ودعموا وروجوا أمثال هذا الشعر قراءة وإصغاء حتى في أيام الحج وعند عرفات ومنی .

وقد أبرزت القدوة الرسالية اهتماماً بالغاً بالجمال والبعد الفني والذوقي في عرض مفاهيم الرسالة . فيتحتم على المؤمنين الرساليين أن لا يغفلوا هذا الأمر . كما لا بد لمسؤولي إدارة المجتمع الإسلامي من ضمان وتطوير أسس الفن وأساليب العرض والإعلام ، والالتفات الخاص إلى العلوم والفنون اللازمة في هذا المجال . هذا أيضا بعد من أبعاد المقاومة المسؤولة .

10- المعاصرة الإيجابية

البعد العاشر من أبعاد المقاومة - الذي يذكر هنا - هو بعد المعاصرة الإيجابية . إن الخصوصيات الزمنية في مقياس المجتمعات البشرية حقيقة متغيرة لها تميزها في كل عصر وجيل ، وتفصح عن مستجدات لم تك من قبل . المستجدات التي تبدو في كل عصر جديد لا تحكم بقاعدة الإدانة والرفض على العموم . فإذا كانت مستجدات وأعراف مستحدثة ترمي إلى دثر سنن سليمة وأصالات واقعية فلا بد من تحويل هذه المستجدات نفسها ليد الإلغاء والاندثار .

إلا أن القيم والأعراف والأساليب الجديدة ليست كلها على هذا النحو فلعل الكثير من الإمكانات والمسائل والأساليب الجديدة تساهم في دعم الأهداف المقدسة وألوان المقاومة الإلهية .

من هنا يتحتم على الدوام الالتفات في ظل أبعاد المقاومة المسؤولة إلى الزمن وهويته المتحولة ، والدور الذي يلعبانه . فقد جاء في الروايات الإسلامية وتعاليم القدوة ، أن ربوا أبناءكم على قيم الأعراف الجديدة ، واعرفوا الزمان ، المعني بتربية الأبناء على أساس العرف الجديد، الجدة التي تلازم ماهية الزمن ولا تصطدم مع الأصول والمبادىء . ومثل هذه المستجدات لا بد من معرفتها والالتفات إليها ، على هذا الأساس فلا بد من الزمنية في حساب التعامل ، ولا بد من الاهتمام بالزمن المعاصر وخصوصیاته ، ولكن بشكل إيجابي وعلى طريق شموخ الأصول والمبادىء .

لم أتجاوز حد الاختصار في ذكر هذه الأبعاد العشرة . وعلى هذا الأساس تركت ذكر الأحاديث والآيات الضرورية لإيضاح كل من هذه الأبعاد والكشف عن علاقاتها مع التكليف الديني على أساس القرآن والسنة، ولا بد أن تعد رسالة مستقلة بهذا الصدد . آملًا أن تقع إشاراتنا المختصرة موقع الإفادة وتزين هذه الرسالة ببركة خليفة الله في الأرض ولي العصر - عجل الله تعالی فرجه الشريف - ، وباسم هذا القدوة الربانية والمصلح العالم الكبير ، لترك آثاراً حسنة .

6- ضرورة الحكم الإسلامي

بعد أن ألقينا النظر على أبعاد «المقاومة » واستوعبنا أهميتها، وبعد أن عرفنا أن مهمة حراسة « دين الله » ، وقيادة الأمة ، وحفظ الوجود الإسلامي في عصر الغيبة تقع على كاهل « نائب الإمام » علينا أن نعرف جيدا أبعاد هذه المسؤولية الخطيرة بالنسبة لنائب الإمام وبالنسبة لمسؤوليات الجماهير وتكاليف الأمة إزاءه .

نائب الإمام حارس بالضرورة لدين الله ، ولتركة الأنبياء ، وثقافة الإسلام وحوزة المسلمين ، وعزة المؤمنين ، إبان مرحلته التاريخية ، وموظف في إيصال هذه القيم شامخة للأجيال القادمة . والأمة بدورها أيضا لابد لها من دعمه بشتی الوسائل بغية أداء تلك المسؤوليات .

من الواضح أن مثل هذه المسؤولية الباهظة لا يتسنى لها أن تكون عملية إلا مع التوفر على القوة ، ولا صيرورة للتوفر على القوة دون التوفر على السلطة والحاكمية .

ذكرنا قبل أن الدين نظام شامل ، وليس حفنة مواعظ وأحكام سواء أمكن تطبيقها أم لم يمكن . بل لقد استبصر التشريع الإلهي في أفقه الضمان التنفيذي الأحكامه عن طريق مركز القيادة والسلطة ، ومسؤوليات الأمة الإسلامية . لاحظنا أن الدين تربية وسياسة ؛ استهدفت التربية أن يقيم الفرد أفكاره وممارساته على أسس أصولية خاصة . واستهدفت السياسية أن يقيم المجتمع أفكاره وممارسته على أسس أصولية خاصة . ومن هنا تنوعت أقسام التربية السياسة : سياسة وتربية سليمة ، ساسية وتربية خاطئة . سياسة وتربية في حضيض الانحطاط ، وسياسة وتربية راقية . سياسة وتربية تبعية ، سياسة وتربية مستقلة . سياسة وتربية دينية ، سیاسة وتربية غير دينية .

ومن الممكن أن تكون السياسة والتربية غير الدينية قائمة على أساس محاربة الدين ومعاداته .

في ضوء ما ذكر ، هل يمكن ممارسة التربية والسياسة الدينية في وسط

الأمة دون وضع اليد على السلطة والحاكميه ؟ فهل يتم للقادة السياسيين التطبيق التربوي والسياسي - التربية في بعدها الاجتماعي أيضا - وفق مقاییس الدین ، وهم لا شيء من زاوية القوة السياسية ، ولا يتوفرون على أية قوة ، أيمكن لهم ذلك وهم على هذه الحالة ؟

من الواضح أنه لا يمكن ، فالحضور الاجتماعي للدين وفعاليته في الوسط لا تتيسر إلا مع التوفر على السلطة والاقتدار الرسالي ، والقدرة الرسالية لا مجال لها إلى الواقع دون واقعية وحضور القوة السياسية .

من هنا يضحي السعي لكسب القدرة السياسية والحضور السياسي وظيفة وتكليفاً شرعياً لحفظ حضور الدين وقدرته . ومن هنا كان الدين عين السياسة والسياسة عين الدين . ومن هنا أيضاً كانت الإمامة والقيادة من أصول العقيدة وجزءاً لا يتجزأ منها .

بعبارة أخرى(1): هل يلزم أن يكون للتربية الدينية وجود في الوسط الاجتماعي أو لا ؟ هل يتحتم تربية النائشة وفق الدين ومقاییسه أو لا ؟ وألم تكن التربية والثقافة تبعاً للحاكمية والسلطة ؟ ألم يكن هذا الشعار « الناس على دين ملوكهم ، شعاراً له نصيب من الواقع ؟ فإذا لم يك الدين حاكماً في الوسط الاجتماعي ولم يك اتخاذ القرار في المواقف والمهام بيد القيادة الدينية فهل يمكن للفرد أن يضحي متديناً ويحافظ على ذلك ويطبق كل التكاليف الرسالية التي بعهدته ؟

فالسلطة غير الدينية تختزل وتحذف على الدوام أحكام الدين وأسسه ، مما يؤدي والحال هذا بالفرد - قهراً - ليرفع اليد - شيئاً فشيئاً . عن أحكامه وأسسه ، إذ لا يتسنى له في كثير من المواقع إلا هذا الموقف ، نعم هناك سبيل واحد له وهو أن يهيم في الفلوات ويقضي عمره في المغارات والكهوف. وفي الصورة الأخيرة أيضاً يكون بحكم من لم يعمل وفق تكليفه الشرعي ، إذ لم يثب


1) مرت في الفصل الماضي أفكار تدعم هذا الحديث ، وستذكر هنا بعض الأفكار التي تؤكد ما مر يحسن ملاحظتها معاً .

في وجه شیوع الظلم واللادين ورجح الفرار على القرار ، والنبي الأكرم يقول :

سياحة أمتي الغزو والجهاد(1).

أجل ، واضح جيداً أن بقاء الدين والتدين والعمل وفق قيم الرسالة - حتى على مستوى الفرد - متوقف على فعالية الدين في الوسط الاجتماعي وتطبيق أحكامه . وفعالية الدين في المجتمع تضحي عملية حينما يكون الدين برنامجاً عملياً في المجتمع ، وإنما يحصل الأخير حينما يتوفر الدين على سلطة وحاكمية ، يعني أن يكون القرار السياسي بيد الدين والقيادة الدينية ، أو على الأقل أن يكون لهما إشراف دقيق على القرار السياسي . وهذه هي الفلسفة العميقة للإمامة والنيابة في مذهبنا ، وإلا ففي غير هذه الصورة يضحي الدين تدریجاً مجرد ألفاظ ومظاهر روتينية . فيفقد حضوره الاجتماعي شيئاً فشيئا وتسلب المركزية الثقافية في وسط الأمة عن الدين والمتدينين ، وتخرج مراکز التعليم والتربية - بدءاً برياض الأطفال وانتهاء بالجامعة - عن دائرة الدين والنفوذ الديني . وحينما يكون الأمر كذلك ، تجدب التربية الدينية في الوسط ، ويحدد دور المساجد شيئا فشيئا ، وتعطل الحسينيات ، ويتراجع الدين عن مواقعه داخل محيط الأسرة أيضاً . وتفقد العوائل بالتدريج إمكانيتها على تربية أبنائها تربية دينية ، وذلك لحصول التدافع والتضاد بين الوضع الاجتماعي العام وبين التربية الأسرية ، وينتهي هذا الصراع في نهاية المطاف بغلبة القدرة الأقوى التي تمثلها السلطة السياسية هنا، إذ إن الناشئة تدخل الميدان الاجتماعي وتخضع الثقافة النظام الحاكم بدءاً من رياض الأطفال أو المرحلة الابتدائية حتى نهاية تحصيلها الثقافي . ومن هنا ينحصر الدين حتى داخل محيط الأسرة ، وينزوي في داخل الغرف ويتململ على مصلی وکتاب دعاء الجد والجدة ، ويثقل من موقعه الأخير - بعد مدة - لكي يدفن في المقابر . وهذه هي عاقبة الانزواء عن أداء التكاليف السياسية والاجتماعية(2).


1) وسائل الشيعة ج 11، ص 10.

2) لقد رأى مجتمعنا أمثلة هذا الواقع في عهدي الملعونين المطرودين .

كان ما تقدم إشارة للمحاذير ، التي تطرأ على البعد التربوي ، والأمر كذلك بالنسبة للبعد السياسي . إذ لو لم يكن لحاكمية الدين حضور اجتماعي فسوف ينجر المسلمون سياسياً واجتماعياً صوب الانحراف أيضاً . وهنا يطرح هذا السؤال نفسه :

هل يمكن للمسلمين أن يرحبوا بكل لون من الحكم، ويعيشوا تحت كل لون من ألوانه ؟ فيبايعوا كل حاكم ويصوّتوا بالرأي له ، ويدفعوا الضرائب الاقتصادية لكل حكومة - مهما كان لونها - ويشاركوا في الخدمة بالقوات المسلحة ، ويساهموا في تعبئة وحروب ذلك الحكم ( لمصلحة أية عقيدة وأي شخص رغم كون تلك العقيدة باطلا وإلحاداً أو نظاماً رأسمالياً مستكبراً، وضد أية عقيدة وأي شخص ، رغم كون العقيدة المحاربة حقاً ، ومهما كان عليه الأفراد من حرمان كاللاجئين الفلسطينيين) ؟ فيضحوا ويقاتلوا فيقتلوا ویقتلوا ، أيمكن للمسلمين أن يكونوا كذلك ؟ وهل يمكن للمسلمين أن يودعوا أبناءهم في مؤسسات تعليم تلك الأنظمة المذكورة ؟ وهل يمكن للمسلم أن يترك ولده ، وفلذة كبده الذي هو أمانة الله في عنقه وفرد من أفراد أمة محمد والقرآن ، بید مدارس الأجنبي ، ومؤسسات التربية الامبريالية المزورة ، وبيد مؤسسات الصهيونية العالمية والماسونية الدولية والتبشير الصليبي وأياديها الخفية؟(1)هل يمكن للمسلم أن يقتفي في علاقاته المالية والتجارية سبط ومقررات غير إسلامية ؟ وفي مثل هذه الصورة أي حكم سوف ينطبق على أمواله ؟ فهل يصح غسله ووضوءه وصلاته ؟ فهل يمكن أن تكون الجماهير مسلمة ويكون نظام حكمهم يعني : مركز اتخاذ القرار بشأن حياتهم ومستقبلهم - نظاماً لا إسلامياً ؟ إن هذا النسق الفكري طيف فاسد شلط علينا سنين طوالا ، ومن الممكن حتى الأن أن يكون هناك أفراد يتصورون أن رسالة الدين في منأى عن هذه المسؤوليات . ومثل هؤلاء يلحقون بالدین ضرراً أكثر من أي خصم معابر ، ويؤدون إلى هتك نواميس الله . فهؤلاء لم يعرفوا لا الإسلام ولم يدركوا مواقف الإسلام الرفيعة . هؤلاء أيضاً بعيدون عن ممارسات وأسس الأنبياء والأئمة ،


1) كما كان لهذه المؤسسات وعناصرها حضور في هذا البلد المظلوم إبان تسلط النظام السابق .

ولعل البعض لا يعنيه أن لا يكون بعيداً . هؤلاء لا يعرفون ماهية الدين والرسالة .

لقد جاء النبي الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) بأصول تربوية ( لبناء الفرد ) وبأصول سیاسية ( لبناء الأمة ). لقد كان (صلی الله علیه و آله و سلم) قدوة هداية ، يعني : تربية وسياسة . كما قلنا ذلك من قبل .

فلم يكن النبي معلماً ، يقدم تعاليم أخلاقية فيحد الحدود ويصرح بالقيود كما يصنع الفلاسفة والأخلاقيون . كما أنه لم يكن بصدد إيجاد حكم دون الالتفات لقضية العقيدة والتربية والسلوك والأخلاق كما يفعل السلاطين وطلاب السلطة في التاريخ ، لقد كانت رسالة النبي هي منح الرسالة حاکمية : الرسالة + الحاكمية ، والحاكمية في إطار الرسالة . وهذان الاثنان لا يقبلان الفصل . فلا يتسنى لقائل أن يقول ، إننا نهتم بالرسالة ونحفظها إلا أننا لا شأن لنا بالحكم والحاکمین . فهذا خيال ساذج وسفه خطير . حيث إن الحكام لا يسمحون لتلك «السيادة» أن تحفظ الرسالة ( وبتعبير البعض : بيضة الإسلام ) . كما لا يتسنى لشخص آخر أن يقول ، نحن نعطي لحكم الدين استقراره دون الالتفات للأخلاق والأحكام والالتزامات الإسلامية ، فهذه أيضا ضربة كبرى ومؤامرة خطيرة .

يتحتم أن يكون الدين فعالا في الوسط الاجتماعي . وفعالية الدين في الأمة تتجسد بإجراء أحكامه ، سواء الأحكام الفردية منها « التربوية » ، أم الأحكام الاجتماعية « السياسية » . وتجسيد الأحكام يتطلب ضامنا تنفيذياً . والسلطة هي الضمانة التنفيذية. إذن، لا بد للدين من التوفر على السلطة، والسلطة لا تتم إلا عبر الحكم ، إذن يتحتم أن تكون للدين حاكمية وتكون القوة السياسية من نصيب الدين . وبإيضاح آخر :

الدور الأساس في إدارة المجتمعات تلعبه بدءا المراكز التربوية ، بغية منح الدين إمكانية النفوذ ونقله عبر الأجيال . والسيطرة على المراكز التربوية إنما تتيسر بالسيطرة على مراكز القدرة السياسية فقط . وكل ذلك يكمن في التوفر على تنظيم وتشکیلات تنظيمية . ويكمن التوفر على تشكيلات وتنظيم في التوفی

على قيادة مقتدرة وتحلي الجماهير بطاعة القيادة . الدين عين السياسة يعني : وحدتهما في ضرورة اتباع نائب الإمام عند عصر الغيبة ، يعني ما نقول : من أن غيبة الإمام يمكن جبرانها بالمتيسر مع وجود نائب الإمام ، وأن الأمة لم تنس ، ولم تترك بلا محور هداية وإنقاذ .

إن لدى أولئك خوفا مستمرة من فعالية الدين في الوسط الاجتماعي فيشيعون مفهوم « فصل الدين عن السياسة ، وهذا الفكر كفر فاضح(1)، إذ إنهم يعلمون أن الدين حينما يفصل عن السياسة ، فسوف ينحسر عن مراكز القوة ، وحينما ينسلخ عن مراكز القوة فسوف تكون فعالیته کلا شيء.

فأنت لا تستطيع أن تربي ولدك كما تريد . لا تقدر على حفظ شرفك . لا تستطيع أن تكتب تاریخ رسولك في مكان . لا يتسني لك الحصول على طعام طاهر وحلال من السوق . لا تستطيع أن تجر نفسا إزاء إهانة مقدسات دينك ، لا تقدر أن تخطو خطوة ضد الظلم . ولا تستطيع أن تأمر أمراً بمعروف ، أو تنهی نهيا عن منكر ، وإلى أين المصير؟ هو ما قلت : إنه لا شيء. هؤلاء الذين يقولون إن الدين عن السياسة منفصل يريدون ذلك ، يعني يبتغون إذابة الدين وعبودية المسلمين ، يعني : يريدون محو الإسلام وشوكته وعزته وسحق حرية المسلمين ، ويبتغون حرية للفحشاء والمنكر !

وأنت أيها المسلم ، لا تبغي هذا الوضع ، فلا تترك خندقك ولا تنسحب عن الميدان ! سرح الفكر وتأمل في ما مضى ، ولا تخسر هذه العزة والمنعة !

وواضح لا بد أن تضع التقوى والعدالة والمحبة والإنصاف في رأس قائمة أعمالك ، في عين اقتدارك ومنعتك !


1) أعبر عن هذا الطراز من التفكير ( فصل الدين عن السياسة ) ب ( الكفر الفاضح ) لأن هذا الطراز الفكري يعني أن الله حكومة على الفرد ، وليس له حكومة على الأمة . ولا بد أن يدير السياسيون شؤون الأمة سواء كانت أحكامهم وبرامجهم منسجمة مع أحكام الله أو كانت على خلافها ، وهذا كفر وشرك ، إذ يقبل الإنسان حاکمیتین : حاكمية الله وحاكمية غير الله . وهذا عين الخروج عن حكم الله والخضوح لحكم الطاغوت . فالكثير من الأفراد الذين ينادون بفصل الدين عن السياسة يعرفون أي شيء يقولون ولمصلحة من - كما أشرنا آنفا - والبعض يجهل ما ينتهي إليه هذا التفكير من نتائج !!

7- لا إمكان للتجزئة في القيادة

يمكن أن تكون المسألة التي أروم طرحها الآن قد اتضحت بعد التأمل بما مضى بدءاً من الفصل الحادي عشر حتى هذه الفقرة ، إلا أن التذكير بها نافع ويمكن أن يكون استذكارة لها .

القائد الرسالي لا يمكنه أن يكتفي بأداء بعض مسؤولياته ومهامه ، فمثلا : يلتزم ممارسة المهام التربوية ، ويغض النظر عن الأمور السياسية . وبعبارة أخرى : يكتفي ببيان الأحكام ، ولا هم له سواء أمكن الناس تجسيد هذه الأحكام عملياً أو لم يمكنهم ، وسواء سمح للجماهير أن تجسد هذه الأحكام عملياً في نفسها ولدى أبنائها وعوائلها وأعمالها وممارساتها وغير ذلك من الأمور ، أم لم يسمح !

إذا كان القائد الديني في منأى عن هذه المسؤوليات ولم يعد ملجأ للأمة فسوف يكون في منأى عن المسؤولية وتشخيص المسؤولية ، وأجنبياً عن مرکز « النيابة عن الإمام » .

الاكتفاء ببعض مسؤوليات القيادة وترك البعض الآخر سوف يؤدي - نفسه - إلى التفريط بذلك البعض الذي امتد نظر القيادة له . فالمهمة التي تنطوي على مفردات مترابطة يعني رفع اليد فيها عن بعض هذه المفردات: رفع اليد عن كل مفردات المهمة ( لأن الأمر هنا كما يصطلح الأصوليون « أقل وأكثر ارتباطيين » ).

افترض على سبيل المثال : أن الدين حاكم في المساجد ، وليس كذلك في المدارس ؛ ويكون حاكماً في المنابر وليس كذلك على مفترقات الطرق ، أن يكون الدين حاكما في البيوت ، وليس كذلك في رياض الأطفال والمدارس الابتدائية ؛ أن يكون الدين حاكما في الأسواق ، وليس كذلك في الثانويات والجامعات ؛ يحكم في التكايا ، ولا يحكم في المذياع والتلفزة ؛ أن يكون الدين حاكما في الكتب والنشرات الدينية ، وليس كذلك في الجرائد والمجلات وسائر ما يخرج من عالم الطباعة ؛ أن يحكم في وزارة الأوقاف ولا يحكم في

وزارة العدل ؛ أن يحكم الدين في الهيئات والمواكب الحسينية ، وليس كذلك في ثكنات الجيش ؛ و....

فهل يحفظ الدين بهذا السياق ، وهل يبقى الدين والتدين على قيد الحياة ؟ وهل ما فرضنا آنفا مقبول - من وجهة نظر الإسلام - وهل يصح أن يكون الدين حاكما في بعض مرافق المجتمع الإسلامي ويراعى فيها الدين وأحكامه ، ولا يحكم في مرافق أخرى ، ولا يراعي ؟

وإذا كان الأمر كذلك فسوف يبتعد الدين - شيئا فشيئا - حتى عن هذه المرافق التي يحكم فيها . ففي الماضي حينما كان المتدينون في معزل عن السياسة ، هل استطاعوا أن يكون لهم قرار تربوي ؟ وهل استطاعوا أن ينشئوا ويربوا أبناءهم - كما أمر الإسلام - ذكورا وإناثا ؟

في أفق آخر ... لو لم يك للأمة قائد واحد ولم يحكم خط واحد سیاسة الحكم فسوف يخلف هذا الوضع متاعب باهظة ، إذ تحكم العقائد والمسؤوليات الدينية حكماً ، ويصدر الحاكم حكماً آخر . وفي ظل هذا المجتمع ، ماذا يصنع المسلمون الملتزمون برسالة الإسلام ؟ فسنين طوال مرت حتى الآن والتكليف الشرعي لكل مسلم(1)، هو النضال ضد الدولة العميلة والغاصبة الجانية « إسرائيل » . فإذا کنت - أنت المسلم - عاملا في حقل التجارة ، وكنت تحت ظل حكم لم تك سياسته الاقتصادية سياسة إسلامية ، وله علاقات واسعة مع «إسرائيل » ، فماذا تصنع ؟ فهل تتعاون مع الدولة في استيراد وبيع السلع « الإسرائيلية » ، وهل تبقى مسلماً حينما تتعاون ؟

فأنت تستورد سلع بل وتبيعها ، وهذا البلد يشتري بأموالك أسلحة فيقتل إخوانك وأخواتك ويحرق مسجد الأقصى ، فهل أنت مسلم بعد ذلك ؟ ... وقد كان هذا مثلا ، فقس عليه كل شيء ! .


1) بل تكليف إنساني بعهدة كل إنسان .

إذا لم يك للدين اقتدار سیاسي فلا قدرة له(1)، لا قدرة بقاء ، ولا اقتداراً على أن ينتقل عبر الأجيال - كما قلنا ذلك من قبل - فلا بد أن يحكم المجتمع المسلم خط واحد وهو خط الدين ، في هذا الضوء ينبغي للقائد الرسالي أن يكون له حضور على المستوى التربوي والسياسي معاً . يتحتم أن يكون الخط الفكري ، التربوي ، السياسي ، الإداري ، الإقتصادي ، الفني ، العسكري - كل ذلك أجمع - في مجتمع المسلمين خطاً إسلامياً .

يتحتم أن تكون الحاكمية من نصيب الإسلام في جميع هذه الخطوط ، في نفس الوقت الذي تحترم فيه المبادىء الأخرى. يمكن أن تكون هناك مبادىء وأفكار جاهلية في المجتمع الإسلامي ، ولكن لا يمكن أن تكون حاكمة . فالحاكمية في مجتمع المسلمين من نصيب الإسلام . وهذا شأن كل مجتمع فکري « أيديولوجي »(2).

في هذا الضوء ننتهي بوضوح إلى أن القيادة الدينية لا تقبل التجزئة . فإذا


1) تحسن ملاحظة ما جاء من أفكار حول ضرورة إقامة الحكم الإسلامي في كتاب « في انتظار الإمام » .

2) ما قلناه يمثل ما ينبغي أن يكون ، لا ما هو كائن بالفعل في كل أرجاء العالم . بعبارة أخرى : يتحتم في ظل مجتمع أيديولوجي أن يكون الحكم نصيبا للاتجاه الفكري الغالب في ذلك المجتمع ، وتبقى الأفكار والعقائد والأخرى حرة على مستوى الفكر والعقيدة ، إلا أننا نلاحظ أن الأمر ليس كذلك، فهناك مجتمعات ونظم عدة تطرح نفسها بصفة ثورية، وتسمها بالوقوف إلى جنب الإنسان وحقوقه ، وتسحق العقيدة والفكر المخالف تحت ظل إرهاب لا نظير له ، فتضرب علامة «×» على الإنسان والإنسانية ، رغم كونها تمتلك إمكانية التمويه الإعلامي على ممارساتها . فتغري أحيانا بعض الشباب الساذج باطلا وزوراً . وأحياناً تسلط بعض تلك الدول حفنة على رقاب شعوب أخرى ، ثم تنزل قواتها العسكرية على أرض تلك الشعوب دون أي حق ، وتستجيب لحقوق وعقائد الجماهير الإنسانية بالحديد والنار !! والغريب هنا أن هؤلاء مع هذه الممارسات - كالتدخل السوفييتي في أفغانستان - يرفعون عقائرهم ونداءاتهم حينما ترفض - في ظل النظام الإسلامي - المعارضة المسلحة لأتباعهم الداخليين ! وإنه لوضع ساخر مثير للدهشة ، ومؤشر عدواني .

كان القائد قائدا فهو قائد في جميع المرافق وإلا فلا(1). ومن هنا تتضح مسألة مهمة أخرى . وهذه المسألة هي أن نائب الإمام بحق هو فرد يمكنه التوفر على الشجاعة والبصيرة لإدارة المجتمع الإسلامي في كل مرافقه ( التربوية والسياسية ) وقيادته(2). وفي غير هذه الصورة يمكن لشخص أن يكون فقيها وأستاذاً لعلماء البحوث العليا ، وقد حرر رسالته العملية ، إلا أنه لا يمكنه أن يكون بهذا المقدار قائداً ونائباً عن الإمام . يتحتم أن يكون القائد ونائب الإمام « عالماً ربانياً » ، يعني : يتحتم أن يكون محيطاً بتلك الجهات(3). مضافاً الفقاهة وللتوفر على الحياة الروحية والتقوى الداخلية ، الحياة الروحية والتقوى القلبية أمر وراء العدالة في مصطلح الفقه . لاحظوا بدقة !(4).

8- وحدة المحاور في المجتمع الإسلامي

للنظرة الكونية الإسلامية مضمون جوهري عميق وهو وحدة هذه النظرة في كل جوانبها . ففي ضوء النظرة الكونية الإسلامية لا يلزم الإنسان - بعد تحصيله على إيمان وعقيدة ، وتوفره على رؤية كونية إسلامية ، وعلى مستوى من التعليم والتربية الدينية - أن يذهب لتحصيل عقيدة سياسية ، ونظام فکري سیاسي


1) الفت النظر هنا إلى أنه يمكن هذا اليوم أن تكون القيادة و الجامعة الشاملة ، على نهج الشورى ، وواضح أنه في عين شوروية القيادة فهي قيادة واحدة ، ولها موقف واحد، وهو : الموقف الإسلامي .

2) الفت النظر هنا إلى أنه يمكن هذا اليوم أن تكون القيادة و الجامعة الشاملة ، على نهج الشورى ، وواضح أنه في عين شوروية القيادة فهي قيادة واحدة ، ولها موقف واحد، وهو : الموقف الإسلامي .

3) الفت النظر هنا إلى أنه يمكن هذا اليوم أن تكون القيادة و الجامعة الشاملة ، على نهج الشورى ، وواضح أنه في عين شوروية القيادة فهي قيادة واحدة ، ولها موقف واحد، وهو : الموقف الإسلامي .

4) (4) استخدم في هذا البحث مصطلح « العالم الرباني » في تعريف ونائب الإمام ، بدلا عن « المجتهد العادل » ، وأظن أن التعبير السليم هو ما استخدمه هنا . فمفهوم « العالم » أشمل وأكثر سعة من مفهوم « المجتهد » في المرحلة الأخيرة فكما أن استخدام كلمة « الرباني » جاء لاستيفاء القيود الأربعة التي وردت في الرواية : « 1 ۔ صائنا لنفسه ، 2۔ حافظا لدينه ، 3- مخالفاً لهواه ، 4۔ مطيعا لأمر مولاه » . فقد استخدم علماؤنا الكبار مصطلح « الملكة القدسية » أيضا . وهذا الاستخدام عين ما أردناه من الحياة الروحية والقلبية ، إذ العدالة بمعنی ( ترك ارتكاب الكبيرة ، وعدم الإصرار على الصغيرة ) حينما توضع جنب المصطلح أعلاه تكون مرتبة أدنى منه . على أية حال ، فلا بد من السنخية بين النائب والمنوب عنه . وتكمن هذه السنخية في تمنع العالم بالحياة الروحية ، وكونه عالماً « ربانياً » ، ولا تكمن في حفظ المصطلحات والبحوث ، والتحقيق فيما حولها . بل لا تكمن أيضا حتى في العدالة بمعناها الاصطلاحي .

واجتماعي ، لكي يحدد موقفه الاجتماعي والسياسي ويستبصر مسؤوليته وتكليفه . فالإنسان المؤمن ، بمجرد توفره على العقيدة الإسلامية ، يضحي صاحب عقيدة سياسية أيضا . فهو بمجرد وروده لميدان الفعالية السياسية والأجتماعية بوصفه مسلماً يكون تكليفه واضحاً ومحدداً : لا بد أن يبايع حکم الله ، وينضم إلى صف المجاهدين في سبيل الله .

فإذا كان يعيش في زمن حكم غير إسلامي فلا بد له من المواجهة والثبات إزاء هذا الحكم بمقاومة تامة . وإذا كان يعيش في زمن حكم إسلامي يتحتم عليه أن يتعاون مع هذا الحكم بإخلاص کامل .

في هذا الضوء لا وجود لمحاور متعددة في ظل مجتمع يتوفر على نظرة کونية إسلامية . بل تتمركز كل المحاور في محور واحد : المحور العقيدي ، السياسي ، الاجتماعي ، التربوي ، العسكري ، الثوري ، و... وفي هذا الضوء يحكم الأمة باستمرار خط واحد. وتتعبأ وتستثمر كل جهود وطاقات الأفراد باتجاه واحد ولأجل هدف واحد .

إذن في ظل هذه النظرية الكونية ، والنظام العقائدي والعملي لا مجال لأي لون من ألوان الثنائية والتعدد ، وثنائية الاتّجاه . فالإنسان في عقيدته ، وفي اتخاذه للقرار ، وفي تحديده للموقف ، وفي حركته الناهضة ، وفي تضحيته وإيثاره ، وفي تعاونه وإخلاصه ، وفي كل ممارساته الفردية والاجتماعية يتحرك صوب هدف واحد وله وجهة واحدة ، بدءاً باللحظات التي يصلي فيها حتى میادین الفعاليات الاجتماعية ، فكل أعماله على طريق أداء التكليف الرسالي ، والله وعلى سبيل الله :

لماذا تصلي ؟

لماذا تدرس ؟ لله .

لم تعمل في حقل الطب ؟ لله .

لم ترد میدان النضال السياسي ؟ لله .

لم تمارس مهنة التجارة وتجلب السلع وتضعها

في خدمة أبناء المحلة ؟ لله .

لماذا تزرع ؟ لله .

لم أصبحت صحافياً ؟ لله .

لماذا تشتغل في حقل المسرح والسينما ؟ لله.

لم أصبحت كتبياٌ ؟ لله .

لم تشتغل بجانب مشعل التنور ؟ لله .

لم تصنع الأسلحة ؟ لم تذهب إلى جبهة القتال ؟ لله .

لم تَقْتُلُ ؟ لله.

لم تُقْتَلْ ؟ لله .

و... و... و... (1).

فهذه هي الروح وروحية الإنسان المسلم في أي موقع وعمل وفي أية خدمة ومسؤولية . وهنا يكمن سر الوحدة العميقة في وسط المجتمع المسلم . وعبر هذا النظام المنهجي تضمن كل أبعاد الروح الإنسانية ، وكل مظاهر السعي الفردي والاجتماعي ، ولا تبقى أية زاوية من زوايا النفس في الخلاء . ففي ضوء هذه الرؤية الكونية ولدى هذه التربية يتحرك الإنسان في كل موقع كان ، وبأي إمكانات علمية وعملية تمتع ، وعبر أي تحرك ثائر خلال وجوده الإنساني المحدود صوب الوجود الإلهي غير المحدود ، يتحرك حركة من الحضور الدائر في الأنية إلى الحضور الأبدي الخالد .. وبتعبير آخر : حركة من الحضور في ظل أيام الزمن الزائل إلى الحضور في ظلال الدهر الثابت .


1) وحينما يكون البناء على أن كل عمل يقع لله ، فلا بد أن تؤدي كل الأعمال على وجهها السليم ، وتخلو من كل مخالفة وخطا . وإذا كان فيتلافي - ، ويسدّ الطريق فيها على كل أنانية ووثنية ذاتية ، ويلتزم الإنسان على الدوام ، ليكون قلبه - في كل عمل - متجها صوب الله ، ويخلص نيته ، ليكون العمل «لله » .

الفصل الثالث عشر: الانتظار

اشارة

الانتظار ..

1- الانتظار ؟

الانتظار : لفظ عميق ، ومعنىً أدق ..

الانتظار : عقيدة ثائرة ، وثورة في عقيدة ...

الانتظار : أمل ببشرى ، وبشرى بأمل ...

الانتظار : صرخة مدوية ، ودوي في صراخ ...

الانتظار : فجر في حماسة ، وحماسة في فجر ...

الانتظار : آفاق في حركة ، وحركة في آفاق ...

الانتظار : فلسفة شامخة ، وعقيدة عظمى ...

الانتظار : إيمان في مقاومة ، ومقاومة في إيمان ...

الانتظار : التواضع أمام الحق ، والتكبر على الباطل ...

الانتظار : نفي القيم الواهية والتعالي على القدرات الوهمية ...

الانتظار : إزهاق أنظمة الحكم والحكومات ، وتزييف السلطات والحاكميات ...

الانتظار : التمرد على الظلم والعدوان ، والتمهيد لحكومة العدل والقسط ...

الانتظار : صفعة على صدر كل باطل ، وصليٌ الطلعة كل ظلم ...

الانتظار : شعار المقاومة ، ورعشة العصيان واليقظة ...

الانتظار : إشارة(*) على كل كفر ، ونفاق .، وظلم ، وتجاوز ..

الانتظار : تفسير على دم الفجر والشفق ، ويد باتجاه الفلق ...

الانتظار : بركان في العصور ، وصرخة في الآفاق ...

الانتظار : دم في شريان الحياة ، وقلب في صدر التاريخ ..

الانتظار : فأس إبراهيم ، عصا موسى ، سيف داود ونداء محمد ...

الانتظار : صرخة علي ، دم عاشوراء ، ومسيرة الإمامة ...

الانتظار : خط الحماسات الدامية في وعاء الشمس الذهبي ...

الانتظار : الصلابة ...

الانتظار : لا ...

من الممكن أن يستطيع أولئك الذين يحسنون الإدراك أن يكونوا مبشرين لفرد - ونحن لسنا سبيلا للوصول إلى حلقة شلبيه - ويمهدون الطريق لظهوره .

« نيتشه »

في طيات الظلمات والركود ، يرقبون تنفس الفجر ، ويحيون على أمل شروق الشمس .

في جو الاختناق ، ومع تكدس الأدخنة القاتلة ، يأملون هبوب نَسَم الحياة ، والخلاص . ويبقون أحياء رجاء بزوغ فجر الأيام الذهبية للقيم الخالدة .

في مغارب مظلمة الطراز غارقة باليأس المثقل يحلون ، وطلوع الفجر الممزِّق لحُجب الآفاق بشري يغذونها في قلوبهم .

حيث تعشعش دیاجي الظلم النافث دياجيره على أرجاء المعمورة ، يجدون أنفسهم لتبقى الروح مشرقة وضاءة تتطلع لحلول يوم الأيام .

في فسحة عن العالم الآسن بالظلم والعدوان ، تمتلىء نفوسهم بالسرور لإشراقة طليعة العالم المملوء بالعدل والقسط .

في عهود أنظمة حكم جبارة وسفاكة يعيشون ، ولم يطأطئوا رأساً بالتسليم حتى لحظة واحدة .

يحلون تحت سيل الضياع والفساد الجارف ، ولم ينحرفوا آناً . في السود من أيام الظلمة والظلم والذنب يقدمون أسرى ، وينتظرون

باستمرار الطلوع الدامي لشمس الخلاص .

السيف والشهادة كانا مورد قبولهم ، وكانوا للخط حماة بشهامة .

في مواجهة جبل المشكلات المعاصرة : يحتلون موقعهم ، وهم كالجبل الراسخ في المقاومة .

في تيار الزمن المتلاطم يصمدون ، ويعدون « نعم » تعني الذلة ، فيقولون : لا ، لا .

هذا هو الانتظار ، الشعار الثائر الذي رفعه المنتظرون ، المقاومون ، رجال الصمود من أبناء التشيع ، عشاق المهدي في التاريخ ، هذا هو الانتظار ...

2- الانتظار ، آفاق مقاومة

هنا وتحت هذا السقف الشامخ ، وعلى طول تاريخ الإنسانية تحدّثوا عن العدالة كثيراً ، وما قاله المصلحون العظام والحقوقيون المخلصون كان كله حديث عن العدالة الاجتماعية ، يعني : إجراء العدالة في وسط المجتمعات البشرية وفي الحقوق الاجتماعية ، غير أن العدالة واقع عظيم آخر ، وقد كان هذا الواقع باستمرار في خانة النسيان إلاّ في تعاليم الأنبياء .

العدالة ، قبل أن تطرح على المستوى الاجتماعي لا بد وأن تطرح على مستوى النفس البشرية ، فكل نفس وروح لا بد أن تكون عادلة ، وإن تجلّي العدالة في ذاتها . ونحن نطلق على هذا المستوى « العدالة الأنفسية ». العدالة الأنفسية يتسنى لها أن تتجسد حينما يبتغي الإنسان العدالة لسائر موجودات العالم ، وفي كل أرجائه ، من الكائنات الحية حتى النبات الطبيعي ، والمظاهر الطبيعية الأخرى ، وأن تتحرك العدالة وتجري في كل هذه الظواهر، ونحن نطلق على هذا المستوى « العدالة الأفاقية ». إذن يتحتم السعي باستمرار التحقيق العدالة الآفاقية والأنسية ، إذ حينما يتسنى للعدالة الآفاقية والأنفسية أن تتحقق فسوف يكون تحقق العدالة الاجتماعية - حيث لم تستطع البشرية رغم تقدمها أن تقترب بنفسها من هذه العدالة ، بل أصبحت بمرور الأيام أكثر نأياً عنها - أمراً مُنجَزاً ، وقد تجذرت أوتاده في الواقع .

وحيث إن العدالة الآفاقية والأنفسية كمال البشرية العظيم ، فالتوفر عليها أيضا أمر عسير ، تقف في طريقه باستمرار موانع كثيرة ، منها الذاتية : من الميول والرغبات ... ، ومنها الموضوعية : من قوى العدوان ، والفساد ...

وحيث كان الأمر كذلك عزّ على البشر أن يكون موفقا للإمساك على تلك العدالة الشاملة بأنامله ، وأن يكون هو نفسه عادلا بذلك المعنى .

انحصر اقتراح العدالة المذكورة بسبل الأنبياء ، وكان ذلك الاقتراح باستمرار مواجهاً بمقاومة ، خصوصاً من قِبَل قوى الفساد والطغيان التي لا تريد للإنسان أن يكون حراً . تلك العدالة تأتي بالانعتاق والحرية ، وتقضي على العبودية وتذهب بالقيود والأغلال ، وهذا هو ما لا يروق لقوى الطاغوت والاستعباد ، وما لا يريدونه . فهؤلاء الذين يصبون للركوب على أكتاف المحرومين ، لا يريدون أن يكتشف الإنسان ذاته ، ويعود حراً ، ويستقیم عادلاً ، مقارعاً للظلم .

يستهدف منتظرو المهدي (علیه السلام) الآن - وعلى طول تاريخ الانتظار - الهدف الذي ذكر ، يعني : تحقق العدالة الشاملة في الآفاق وفي الذات ، العدالة التي يريدها الأنبياء ، وعلمها الأئمة الأوصياء . في هذا الضوء فانتظار هؤلاء مهما طال به الزمن ، وأيّ مقاومة استدعى ، وكلما اتسعت آفاق المقاومة في طريق هذا الهدف الكبير ، في نصابه وبمحله .

بدء بهجرة النبي صوب المدينة ، حتى ضربات سيف علي في صفين والنهروان ، وانتهاء بملحمة عاشوراء المشرقة ، وإلى كل جهاد وشهادة في طول قرون الانتظار ، كل هذا بأجمعه يزف الأمل ببلوغ الإنسان أهدافه ، وبإشراقة الشمس ، ونشر العدالة الشاملة . هذه آفاق المقاومة الواسعة في ميدان تعالي الانتظار على طريق تحقق أهداف إبراهيم وموسی و... ومحمد وعلي و. .

3- الانتظار دعوة للحماسة والإقدام

لا ينبغي توهم انتظار الظهور ، وترقب المهدي الموعود بالشكل الذي

ينتهي إلى رفع اليد عن حركات التغيير والإصلاح ، وملاحم التحولات الاجتماعية الإلهية . والأمر ليس كذلك أبداً.

الانتظار دعوة إلى الرفض ، لا إلى الاستسلام ، رفض الباطل والظلم والعبودية والذلة .

الانتظار راية المقاومة الراكزة في مواجهة كل باطل وظلم وكل ظالم .

تحكي النضالات المستميتة وتنطق حمامات الدم على طول تاریخ التشيع بوثيقة مفادها : أن ليس هناك طريق لأي مداهنة وخوار في هذا المذهب الشيعة حينما يعيشون في إطار الانتظار، یعنی انتظار انتصار الحق على الباطل ، وغلبة العدل على الظلم ، وانتصار العلم على الجهل، والحصافة على السفه ، وغلبة التقوى على الذنب ، وانتصار البصيرة على العمى يجدون استعدادهم باستمرار للمشاركة في الحركات المقدسة الطاهرة ، ويحملون بأيديهم مشعل النضال العظيم ، وهم يستعيدون ذكريات التاريخ الدامي ، ومجد ملحمة جند التشيع المضحين .

سنقول في نفس هذا الفصل : إن الشيعة بوصفهم منتظرین ، قد صدر لهم التوجيه الملزم بإعداد سلاحهم على الدوام . ولا بد أن يكون الأمر بذلك .

فأنت إذا كنت منتظرة لمجيء شخص ينشر العدالة والقسط ، فهذا يعني أنك مؤمن بقضية العدالة والقسط ، وكل شخص يؤمن ويعتقد بأي قضية فله التزام إزاءها أيضاً .

على هذا الأساس ، فهذا الإنسان المؤمن المعتقد بالعدالة والقسط ، والملتزم بإجرائهما ، كيف يقعد صامتاً في ما ينصرم من سني عمره ، ويتحمل كل ألوان الظلم والعدوان ، ويضع التزامه وأهدافه الرسالية جانباً ، حتى يتحقق ظهور المهدي ، ويأتي المصلح الموعود ليجسد الالتزامات والمعتقدات بعد سنين وقرون ؟! كيف يكون الإنسان الملتزم المؤمن على هذا النهج ؟ وكيف يحيا المجتمع المؤمن الملتزم على هذا النهج ؟ فالذي يؤديه المصلح الموعود

وأنصاره إنما هو تكليفهم يوم الطهور ، ونحن ما هو تکلیفنا نحن هدا اليوم ؟ وإن الم نؤده ماذا سيكون ؟

کلا ، إن السكوت والتماهل ليس مُبَرِّرأ .

الانتظار دعوة للحماسة والإقدام ، وهداية صوب الحركة والقيام . وكما قالوا : « تَجَنُّبُ الحرب ليس وسيله لقدوم الرجل العظيم » .

4- الانتظار ، اسم « القائم » ، والقيام

اشارة

كيف تسمح عناصر لنفسها أن تغض الطرف عن جزء من التعاليم الرفيعة للتشيع الصامد الدامي ، وتفسرها تفسيرا غير ملتزم ، محاولة إخفات الشعاع الإلهي لهذا الخط المقاوم ؟ .

هؤلاء ليسوا رجال ملاحم النضال ، فخير لهم أن يقولوا : « نحن لسنا أهلاً لهذه الممارسات » لا أن يقولوا : « إن هذه الممارسات ليست تکليفاً إلهياً » .

أين ومتى كان تكليف المسلم هو القعود والذلة ، في أي موقع كان تكليف المسلم القعود ، لتذهب كل القيم أدارج الرياح ، حتى دينه وشرفه ؟! .

أين كان تكليف المسلم الخضوع لسلطان الكافرين ، مع أن القرآن ينادي :

( ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا )(1).

الأمة التي تنتظر هادياً يأتي ليسقط الظالمين ، الهادي الذي يلقب فيما يلقب ب « القائم ، والإنسان المنتظر في هذه الأمة حينما يسمع هذا الاسم - في أي وقت - يقوم وينهض . كيف جرّ البعض هذه الأمة ، بما لها من نهج شامخ ،


1) سورة النساء : 141 .

للقعود والرضا بالذلة ؟ والآن أيضا كيف يريد البعض أن يجرها للقعود والرظ بالذلة ؟ كيف ؟

ذكروا مفاهیم كثيرة في تفسير ظاهرة القيام حین ورود اسم القائم على الألسن ، من جملتها أن هذا الاحترام يفضي إلى حظوة القائمين بلفتة ورعاية خاصة من الإمام القائم . غير أنه لا ينبغي إغفال الحكمة الاجتماعية ، والروح الثوري الذي ينطوي عليه القيام . استعداد الأفراد في كل وقت للقيام ، والنضال ، والجهاد على طريق تحكيم العدالة العالمية ، وحفظ حقوق الإنسانية له أهميته المتناسبة مع الهدف .

الشيعة منتظرون . بل كل مسلم ينتظر في عصر الغيبة ، ولا بد أن يكون له مثل هذا الهدف ، ساعياً بمختلف الوسائل على طريق تجسيده العملي ، إلى الحد الذي يتوفر فيه على التأهب والإستعداد ، معرباً عن هذا الإستعداد حيث يذكر اسم قدوة القيام « القائم » .

فينهض هناك قائماً ليدلل على تهيئة الشامل على الدوام ، ويعمق هذا المفهوم في نفسه ولدى الآخرين .

هنا يحسن بنا الإصغاء إلى حديث آية الله السيد محمود الطالقاني - رحمه الله - :

من الممكن أن لا يكون هذا التحضيض على القيام لغرض الاحترام ، وإلا فلا بد من القيام احتراماً عند ذكر اسم الجلالة ، أو اسم الرسول ، أو أولياء الله المكرمين .

بل هو تحضيض على الاستعداد ، وتوفير مقدمات النهضة العالمية ، والوقوف على خط المواجهة لنصرة الحق ... ، دون أي أثر للتشاؤم والعزوف عن الخدمة الاجتماعية العامة ، والتلكؤ عن القيام بالأعمال الصالحة ذات النفع العام .

إذن إلفات أنظار الجماهير لمستقبل زاهر بقيام دولة الحق ، والتبشير بتطبيقٍ شامل للعدالة الاجتماعية ، وإقامة حكومة

الإسلام ، وظهور شخصية إلهية بارزة تؤسس وتقود هذا الحكم والدولة ، جزء من تعاليم رسل السماء ، وأضحت في نهج التشيع - الذي قام بدور أساسي في حفظ نیم الإسلام - جزءاً من أجزاء العقيدة . وقد قدم رجال هذا النهج إيضاحاً تفصيلياً في هذا الصدد ، وحضوا أتباعهم على انتظار ذلك اليوم ، بل اعتبروا انتظار الظهور عبادةً . لكي لا ينحرف المسلمون أتباع الحق ، على أثر الظلم وعدوان الحكام المتجبرين ، وتسلط دول الباطل، وعلى أثر التحولات الاجتماعية الضخمة ، وهيمنة الاتّجاهات المادية سواء الشرقية أو الغربية ، وبغية حصانة معنوياتهم من التميع ، وحفظ وحدتهم الاجتماعية .

فهذه العقيدة نفسها هي التي أبقت المسلمين حتى يومنا متفائلين متطلعين فاعلين . إذ إن كل تلك الضغوط والكوارث التي حلت بالمسلمين - بدءاً من سيطرة الأسر المنحطة وانتهاءً بالحروب الصليبية ، والغزو المغولي ، وديكتاتورية الأنظمة الاستعمارية العادية - لو نزلت بساحة أي أمة فسوف لن يبقى لها أثر على الأرض .

إلا أن الرسالة ، التي دعت نماذجها الحقة للقيام حيث يذكر اسم « القائم » باني دولة الإسلام الواقعية ، وأكدت على جماهيرها بذلك ، لتعلن استعدادها لأداء كل المستلزمات ، وتشير لاقتدارها الدائم ، لا تموت أبداً .. (1).


1) راجع مجلة « الحكمة » فارسية ، العدد 21، السنة الثالثة .

5 ۔ الانتظار الأبعاد الرسالية -1

في ظل هذا الانتظار الرائع العظيم تتحرك الأبعاد الأصيلة للرسالة ، الأبعاد العقيدية والعملية أيضاً . ونشير هنا إلى الأبعاد العقيدية ، وفي الفقرة التالية نعكف على الإشارة للأبعاد العملية .

أ- البعد التوحيدي

أحد أبعاد الانتظار الهامة ، والذي يجب الالتفات إليه باستمرار هو « البعد التوحيدي ». الانتظار بطبيعته يوجه الإنسان المنتظر نحو مبدأ العالم ، وإله الكون ، ومصدر كل ألوان الوجود . إذ إن الإنسان المنتظر يرقب سبيل الخلاص الذي سيتحقق بفعل القدرة الإلهية المطلقة . والمنتظرون يرقبون سبيل المهدي (علیه السلام) .

من هو المهدي ؟

هو عبدالله ، ووليه ، وخليفته في الأرض ، حي بقدرة الله ، وعاكفٌ على عبادته ، ومطلٌّ على أوضاع العالم ، وسوف يظهر يوماً بأمر الله ليقر دین الله حاكماً ، وينقذ المجتمع البشري .

لاحظوا أن التوجه في ظل فكرة المهدي ذاهب صوب الله تعالی باستمرار . وهذا هو البعد التوحيدي للانتظار . التعلق بالله والتماس الفرج منه أهم أصول هذا الإيمان ، وهذه العقيدة . لا بد للمنتظرين من التعلق دائماً بساحة الكبرياء الإلهية ، وتوجيه الفؤاد صوب الله ، طالبين الفرج والفسحة من الساحة الأزلية . وهذا النهج علمنا إياه القدوة الصالحة ، فالنبي الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) يقول :

«أفضل أعمال أمتي ، انتظار الفرج من الله . عزَّ وجلَّ »(1).

ويقول علي (علیه السلام) :


1) بحار الأنوار ، ج 53، ص 128 ، نقلاً عن إكمال الدين ، ج 2 ص 357 - 358 .

« أفضل عبادة المؤمن انتظار فرج الله »(1).

ب - بُعد النبوة

البُعد الأخر للانتظار هو التعلّق بالأنبياء ورسالتهم ، وتجديد العهد معهم ، وكذلك الارتباط مع مركز الهداية الرسول الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم). المنتظرون يرقبون سہیل رجل اجتمعت فيه صفات وآثار النبيين وحينما يظهر فسوف تری هذه الصفات والآثار فيه . فمن أحب أن يرى آدم ، وشيث ، ونوحاً ، وإبراهيم ، وموسى ، وعيسى ، وداود ، وسليمان ، ويوسف ، و ... ومحمد (صلی الله علیه و آله و سلم) ، فيمكنه أن يراهم في المهدي .

فهو يأتي ليجسد أهداف الأنبياء ، وينشر دين الله في الآفاق ، ويحمل نداء التوحيد لكل طرف .

المهدي من أهل بيت النبي ، وابن فاطمة (علیه السلام) ، وحفيد محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) . وهو ابن علي (علیه السلام) والحسين (علیه السلام) . وهو الثاني عشر من أوصياء النبي وخلفائه . وحيث يظهر فهو يحمل لواء التوحيد ، ويعمل بسنة النبي . أصحابه الأول بعدد أصحاب النبي في غزوة « بدر » ، فيكونون «313 » نفراً . أخبر النبي الأكرم عن قدومه ، وتحدّث عنه كثيراً . حيث يقوم بنشر دین جده ويحكمه في الحياة .

لاحظتم ، أن كل هذه الحقائق تلفت الأنظار صوب مبدأ النبوة ، وتؤكد مركز النبي الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) ، وكلها تعيد إلى الذاكرة عقيدة النبوة ورسالة الأنبياء . وقد أشير إلى هذه المفاهيم في الأحاديث الشريفة أيضاً ، وذكرت بشكل دقيق العلاقة بين مفهوم المهدي ، والغيبة ، والانتظار والنبوة ، والعلاقة الإيمانية بين منتظري المهدي والنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) . ومن جملة هذه الأحاديث ما ورد في نص الإمام الصادق (علیه السلام) الأتي :

« من مات منكم وهو منتظر لهذا الأمر كمن هو مع القائم في فسطاطه » قال الراوي : ثم مكث هنيئة ثم قال : « لا بل


1) بحار الأنوار ج 52 ص 131 ، نقلا عن المحاسن للبرقي. ص 262.

کمن قارع معه بسيفه ، ثم قال : لا والله إلّا كمن استشهد مع رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) »(1). فكل هذه التعاليم توجه نحو الأصل الأساس ( النبوة ) ، وتؤكد عليه وتذكّر به .

ج- بُعد القرآن

الأمر المهم الآخر الذي لا بد لكل منتظر من أن يضعه نصب عينه هو كتاب الله « القرآن الكريم » إذ إن المهدي باعث الحياة في أحكام القرآن أجمع . الإنسان المنتظر يعيش بأعماقه هذا الهدف ، وهو : مجيء يوم تجسد فيه أحكام القرآن وتبسط حاکميتها على أرجاء العالم، ويضحي الكتاب السماوي برنامج حياة الإنسان في الأرض ، وذلك بظهور عالمي لمهدي آل محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) آخر رائد قرآني ، كما جاء التأكيد على هذا المفهوم في أحاديث كثيرة .

في هذا الضوء ، فالارتباط بالقرآن الكريم ، والاستطلال بنوره وهداه أحد المسائل الأساسية في مبدأ الانتظار.

د- بُعد الإمامة

هذا البعد واضح بجلاء في مفهوم الانتظار . فالمهدي وصيّ الصدیقین ، وخاتم الأئمة الطاهرين . ذكره الأئمة السابقون واحداً بعد الآخر . وهو ابهم ، وامتداد ذكرهم ، وإدامة خطّهم . المهدي ، هو التجسيد الحيّ المتحرك لمبدأ الإمامة ، ومحور الحركة في بحر الوجود العملاق ، وهو مشعل درب الحياة والمسؤولية .

وجود المهدي وانتظاره أضخم تأكيد على الأصل العقيدي للإمامة والقيادة . وقد أكد القرآن على هذا المفهوم وعلى استمراريته في سورة القدر ، كما استذكرناه في الفصل الثامن .


1) بحار الأنوار ج 52 ص 126 ، نقلا عن المحاسن .

وقد جاء التأكيد كثيراً في الأحاديث المباركة على معرفة الإمام ، وخط الإمامة إبان عصر الغيبة . يقول الإمام الصادق (علیه السلام) :

واعرف إمامك فإنك إذا عرفته لم يضرك تقدم هذا الأمر أو تأخر »(1).

كما جاء التأكيد في أحاديث وتعاليم الأئمة الطاهرين (علیهم السلام) على اقتفاء سبيل الأئمة - في عصر الغيبة - واتباع تعاليمهم ، وعلى توليهم ( انتهاج خطهم وخط أنصارهم وعشاقهم المخلصين ) بإصرار ، والتبري من أعدائهم ، ومجانبة انتهاج خط مخالفيهم .

5- بعد العدل

اشارة

بعد العدل والقسط والتعلق به واضح أيضاً في مفهوم الانتظار . انتظار المهدي ، يعني : انتظار ظهور العدل ، العدل العالمي ، العدل في الآفاق والأنفس . المهدي تجسيد للأسماء الإلهية من قبيل الاسمين المقدسين ( یا عدل ، یا حکیم ) : فالمهدي تجسم عُلْويّ للحق ، وتجسيد رفيع للعدل .

فهو الذي يملا العالم بالعدل بعد امتلائه بالظلم ، وهو الذي يبسط العدل الإلهي في كل مكان واتجاه . وهو مظهر العدالة الشاملة . كما أشرنا في الفصل الثاني .

وبعامة فتداعي موضوع العدل والعدالة وتدويله بديهية من بديهيات مبدأ الانتظار .

الانتظار يعني ترقب درب إمام ، حيث يضع قدميه على الدرب يملأ العالم بالعدل والقسط من بعد امتلائه بالظلم والجور .

و - بعد المعاد

المعاد ، صدور الإنسان عائداً لربه ، ليحل في عالم الخلود ، ويشرع في الحياة الواقعية . والموت بوابة هذا الدرب .


1) بحار الأنوار ج 52 ص 141 ، نقلا عن الغيبة ، النعماني .

من حين الاحتضار يوضع الإنسان عند مسيرة حياته الأتية ، ويبتديء عالمه الآخر . بالموت يضحي الإنسان وجودة ، وينتقل من عالم الوجود الناقص الزائل إلى عالم الوجود الكامل الخالد الخالص . يطوي براحلته المسرعة حياة هذا العالم ليضع قدمه عند محطة التحقيق في صحيفة الأعمال ، ثم يرد بعد ذلك مدينة الحياة الأبدية . مرحلة حياة الإنسان الأرضية تشبه سنة دراسية واختباراً سنوياً، ويمثل الموت اختتام جلسة الامتحان ، كما يمثل البعث والنشور يوم إعلام النتائج ومنح الدرجات ...

وبشكل عام فالأصل العقيدي الهام « المعاد » ، والرجوع المسؤول الله تعالى يحيا باستمرار في مفهوم الانتظار . وتبرز هذه الحيوية والحضور في ثلاث جهات :

الجهة الأولى : حيث إن المهدي (علیه السلام) يعاقب الظالمين - حين ظهوره - ويقدم للمتجاوزين جزاء ما عملوا ، ويعزّ المؤمنين ، ويذيق المستحقين طعم الرحمة الإلهية . فهذه الممارسات بنفسها نموذج لمشهد البعث والنشور .

الجهة الثانية : حيث يعود - حين ظهور المهدي - إلى هذا العالم جمع من الطاهرين والمنحطين ، وبتعبير القرآن الكريم ( ويوم نحشر من كل أمة فوجا )(1)، وهذا المشهد بنفسه قيامة صغرى ، ومؤشر من مؤشرات القيامة الكبرى .

الجهة الثالثة : حيث يعد ظهور المهدي (علیه السلام) من « أشراط الساعة »، وعلامات القيامة . فظهور المهدي (علیه السلام) أحد مؤشرات قيام الساعة وحلول يوم النشور . والمهدي آت قبل القيامة ، وما لم يأت ، ويقم أركان حكومة العدل ، فعمر الكون لا يزال غير بالغ نهايته ، ولا تقوم القيامة .

نلاحظ في هذا الضوء أن مبدأ انتظار الموعود ذو علاقات في غاية العمق مع الأصل العقيدي « المعاد ». ونلاحظ - في ضوء كل الأبعاد التي أشرنا إليها - أن الانتظار شاخص کاشف عن الأبعاد العقيدية الحقة .


1) سورة النمل : 83.

6- الانتظار ، الأبعاد الرسالية - 2

اشارة

أشرنا إلى أن الانتظار كما يحفظ الأبعاد العقيدية للرسالة ، فهو حافظ أيضاً لأبعادها العملية .

وهنا نشير إلى جملة من الأبعاد العملية :

أ- بعد التدين

التدين والتوفر على التقوى من خصوصيات الإنسان المنتظر ، ولا يمكن أن نتصور الإنسان منتظرة دون هذه الخصوصية .

فالمنتظر في مرحلة الغيبة لا بد له من إجیاء روح التقوى ، ومراقبة سلامة أعماله ، والمواظبة بشكل أكبر على بناء شخصيته الدينية . ومجانبة أي لون من الانحراف ، والتساهل، والتميع . وإذا كبا يرجع مسرعاً إلى صوابه ويعود للخط السليم ، متعلقة متوسط بالإمام (علیه السلام) . يقول الإمام الصادق (علیه السلام) :

« إن لصاحب هذا الأمر غيبة فليتق الله عبد عند غيبته ، وليتمسك بدينه »(1).

ب - بعد الورع

الإنسان المنتظر لحكومة الموعود العلوية لا بد له من الورع مضافة للتدين والتقوى ، يبني ذاته ويصونها كما يحب ذلك القدوة المنتظر ، وليكن في سعيه مقترباً مما عليه منتظره وأنصاره من خصوصیات ، علّه يحشر - بلطف الله - في عداد أولئك . يقول الإمام الصادق (علیه السلام) :

« من سره أن يكون من أصحاب القائم فلينتظر ، وليعمل بالورع ، ومحاسن الأخلاق ، وهو منتظر »(2).

ويقول الإمام الباقر (علیه السلام) في حديث آخر :

« اتقوا الله ، واستعينوا على ما أنتم عليه بالورع ، والاجتهاد


1) بحار الأنوار ج 52 ص 135 ، نقلا عن الغيبة ، النعماني .

2) بحار الأنوار ج 52، ص 140 ، نقلاً عن الغيبة ، النعماني .

في طاعة الله ، وإن أشد ما يكون أحدكم اغتباطا بما هو فيه من الدين لوقد صار في حدّ الآخرة ، وانقطعت الدنيا عليه ، فإذا صار في ذلك الحدّ عرف أنه قد استقبل النعيم والكرامة من الله ، والبشرى بالجنة ، وأمن ممن كان يخاف ، وأيقن أن الذي كان عليه هو الحق ، وأن من خالف دينه على الباطل »(1).

ج - بُعد الالتزام الرسالي

الالتزام الدقيق بالرسالة ، والاستقامة على خطها أحد الأبعاد الهامة في فلسفة التشيع الرفيعة .

على صخرة معتقدات الشيعة الصلدة ، الصخرة الدموية القائمة على الشعار الصامد ، تتهرأ كل تفاهة ويقطع كل عرق دخيل . فالتوني والتبرّي في ثقافة التشيع يعنيان المتابعة الشغوفة للحق وقيادة الحق ، ومخالفة الخصومة مع الباطل وقيادته .

هذا الالتزام الرسالي ، والصلابة العقيدية ، والحماس الديني ، والخط الذي لا يعرف المداهنة ، كل هذه خصوصيات لأتباع الطريق الدامي للتشيع العلوي الناهض :

ومالي إلا آل أحمد شيعة *ومالي إلّا مشعب الحق مشعب(2)

هذا هو شعار الشيعة على طول التاريخ ، في ساحات الوغى ومیادین الجهاد ، وفي السجون والمحاجر ، وفي الدماء والحماسات ، وفي النداءات والصيحات . وهكذا سيكون حتى يملا هذا النداء وعاء الشمس الذهبي ، ويعود عالمياً شاملاً .

تتجلى الإنسانية ورعاية قيم الإنسان في تعاليم علي وآل علي فحسب ، والإنسان البصير بهذه التعاليم فدائي لهذا النهج ، وخصم لكل نهج آخر . حبّ


1) بحار الأنوار ج 52، ص 135 ، نقلاً عن الغيبة ، النعماني .

2) « الهاشميات » ، الكميت بن زید الأسدي ، المتوفى عام 1296 ه .

علي وآل علي حب للإنسان والإنسانية ، وخصومة علي وآل علي خصومة مع الإنسان والإنسانية .

الإنسان المنتظر لمهدي آل محمد (علیه السلام) يكون على خطهم ، بعيداً منفصلاً بل خصماً لكل خط آخروسبيل ثاني. من هنا كان النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) يقول :

«طوبی لمن أدرك قائم أهل بيتي ، وهو مقتد به قبل قيامه ، يتولى وليّه ، و يتبرأ من عدوه ، ويتولى الأئمة الهادية من قبله ... »(1).

د- بعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أحد التكاليف الدينية الأساسية ، وبهذين السبيلين العمليين تقام الأحكام والفرائض الإلهية ، ويصان المجتمع الإسلامي من الانحراف ، كما أننا على معرفة بأن سرور المهدي (علیه السلام) ورضاه في تجسيد « المعروف » وعمليته ، ومجانبة « المنکر » والنأي عنه . وعلى هذا الأساس فالإنسان المنتظر لا يمكنه أن يقف مكتوف الأيدي إزاء هذه الممارسة .

فأكبر آمر بالمعروف ، وناهٍ عن المنكر يوم الظهور هو المهدي (علیه السلام) نفسه . إذن ، كيف لا يروم المجتمع المنتظر رضا المهدي ، ولا يقتدي به في أداء هذا التكليف ، ولا يتمثّله ؟ ففي الحديث الذي نقلناه قبل قليل قیّد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) سياق قوله : « طوبى لمن أدرك قائم أهل بيتي » بقوله : « وهو مقتدٍ به قبل قيامه »، وأهم مؤشرات هذا الاقتداء هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والدعوة لتطبيق الأحكام الإلهية .

وهذا المؤشر لا بد أن يكون الدالة الأساسية للانتظار ، والسمة الواضحة للمجتمع المنتظر ...

ه - بعد الأخلاق الإسلامية

واضحٌ أن هذا البعد لا بد أن يكون له تجسيد ملموس في وسط المجتمع المنتظر . فالمجتمع المتظر لا بدَّ أن يكون مجتمعاً اسلامياً . وأبرز سمات


1) بحار الأنوار ج 52 عصر 130 ، نقلا عن الغيبة ، للطوسي .

التمايز بين المجتمع الإسلامي ، والمجتمعات الأخرى هو خصوصية الأخلاق الإسلامية الوضاءة . الإنسان المنتظر لا بدَّ أن يتمتّع بالخلق الإسلامي ، ولا بدّ أن يكون المجتمع المنتظر انعكاساً للأخلاق الإسلامية . يقول الصادق (علیه السلام) في حديث تقدم ذكر مقطع منه :

« من سره أن يكون من أصحاب القائم فلينتظر وليعمل بالورع ومحاسن الأخلاق ، وهو منتظر ، فإنْ مات وقام القائم بعده كان له من الأجر مثل أجر من أدركه ، فجدُّوا وانتظروا هنيئاً لكم أيّتها العصابة المرحومة »(1).

كل التأكيد الذي حصل على ضرورة كون الشيعة «زيناً » لا «شيناً » لأئمتهم تتحتم رعايته بشكل أكبر في عصر الانتظار .

فلا بدَّ للشيعة من أن يكونوا ظلاً طيباً ، ومشرفاً للأئمة الطاهرين ، عن طريق المواظبة على رعاية قيم الإنسانية ، والتحلي بالأخلاق المحمديّة ، والاتصاف بالخصال العلويّة ، والفضائل الجعفريّة . وهذه المواظبة أكثر لزوماً لتجليل الإمام إبان مرحلة غيبته .

و - بُعد الاستعداد العسكري

الاستعداد العسكري في عصر الانتظار أمر في غاية الروعة والأهمية ، وهو مهمل أيضاً .

وهل يمكن لإنسان ينتظر نهضة كبرى ، ومواجهة عالمية عظمى ، وثورة دامية ، أن يعدم أي لون من ألوان التهيؤ للمشاركة في هذه المواجهة والإسهام فيها ؟

يتحتم على المسلم أن يتوفر على استعداد عسکري ويعبیء نفسه باستمرار بالقدرة القتالية ، لينضمّ إلى صفوف المقاتلين مع المهدي حين تحرك طلائع الحق ، فيساهم في المعركة الفاصلة بين الحق والباطل بفعالية : وحماس .


1) بحار الأنوار ج 52، ص 140 ، نقلاً عن الغيبة ، النعماني .

عن الإمام الصادق (علیه السلام) توجيه وأمر تربوي مشرق ، يدعو الإمام في هذا التوجيه القطاع المنتظر ليكون ذا قوة مسلحة على الدوام ، ويطوي مرحلة انتظار دولة المهدي (علیه السلام) وهو مالك لعدة القتال :

« ليعدن أحدكم لخروج القائم ، ولو سهماً ، فإن الله إذا علم ذلك من نيّته ، رجوت لأن ينسیء في عمره حتى

يدركه ، ويكون من أعوانه وأنصاره »(1).

لقد كانت جماهير الشيعة في الماضي أكثر ارتباطاً بهذا النهج إلى الحدّ الذي كان البعض منهم يحتفظ السلاح في زوايا بيته لذلك اليوم ، مهيأ بهذا الشكل للإسهام في إقرار العدالة العظمى على أرض الإنسانية .

لاحظوا البعد الإنساني الرفيع والمتأصل لهذه السّنة :

لقد توفر على السلاح قطاع من بني الإنسانية مدة عمرهم ، على طول قرون وعصور ، ليلتحقوا بمنقذ البشرية وباسط أصول العدالة ، ومحطم الجبارين ، ومذلّ المستكبرين عند ظهوره ، ناهضين لإنقاذ الإنسانية المحرومة والمضطهدة .

فأيّ نبع صاف هذا ، وأي استقامة طاهرة ، وأی اعتقاد مشرق هذا ؟ سلام على هذه العقيدة ، وتحية لهذا الاستعداد ...

خلاصة القول هي أن البعد العسكري والحضور الثوري إبّان فترة الانتظار بعد هام أيضاً ، وسوف أكرر الحديث بهذا الاتجاه ضمن هذا الفصل ذاته بمناسبة بعض فقرات البحث المقبلة .

7. الانتظار مرحلة مسؤولية كبری

عبر الملاحظة الفاحصة الأبعاد الانتظار العملية -التي ذكرناها في الفقرة السابقة - نجد أن الانتظار يعكس برامج التربية الرسالية وتتبلور فيه هذه البرامج .


1) بحار الأنوار ج 52، ص 366 ، نقلاً عن الغيبة ، النعماني .

إذن ، الانتظار شاخص کاشف الأبعاد العقيدة الحقة ، وتبلور مستوف البرامج التربية الرسالية معاً . أجل ، فالغيبة حركة في غاية العمق ، والانتظار مسيرة بناءة ، وذات دور مصيري . مرحلة الانتظار والغيبة تشبه في بُعد من أبعادها خروج المعلم مدة من قاعة الدرس - كما أشرنا من قبل - ليلاحظ ماذا في يفعل تلاميذه حال غيابه ؟ وأي موقف يتخذون إزاء إرشاداته وأوامره ؟

الإنسان المنتظر الذي هو تلميذ في مدرسة الأنبياء ، ومواظب على الحضور في قاعة درس الدين الحق لا بد له من المواظبة على مراقبة ذاته، ساعية في بنائها على مستوى العلم والعمل ، وليعلم أن المعلم خرج عن القاعة ، ومن الممكن أن يطل عليها في كل لحظة ، ويراه على الحال الذي هو فيه ... فلا بد من أن يكون في وضع . وباستمرار - يجلب رضا المعلم من خلاله .

نعم فحينما نتفحص المفاهيم المذكورة ، وحينما نبصر ماهيّة الإسلام وتعاليمه وتكاليفه ، ونتأمّل الحياة والتكليف - وفق رؤى سليمة . فسوف نصل إلى هذه المحصلة وهي : إن أيام الانتظار لم تك أيام الضعف والإهمال والقعود والرضا بالظلم ، بل مرحلة الانتظار مرحلة حسّاسة تحفل بالمسؤولية والتكليف ، التكليف على مستوى الفرد والأمة. مرحلة الانتظار مرحلة تكليف ، وأي تكليف . تكليف ضخم في حراسة دين الله على مستوى الفرد والمجتمع .

إذا كان يوم الانتظار يوم تحلل وضعف ، وليس للإنسان فيه وظائف ومسؤولياتٍ في تلك الحدود ، فلا بد إذن من إلغاء التكليف ، وأن لا يَرِدَ في تعاليم القدوة حديث حول المحافظة على الدين الشخصي ، ورعاية التقوى والورع، وصيانة خط الرسالة والقيادة والإمامة . في حين لم يك الأمر كذلك ، بل تبقى الأحكام الإلهية على ما هي عليه ، وتظل دائرة « التكليف » محفوظة مصانة . وقد جاء التأكيد على حفظ الدين وإحيائه في النفس والمجتمع .

ولا أظن أن هناك أحداً يتصور أن حفظ الدين والتمسك به يمكن أن ينفصل عن العمل بأحكام الدين وتطبيقها . مقارعة الظلم ، والأمر بالمعروف

والنهي عن المنكر ، والممارسة الشاملة للمسؤوليات الفردية والاجتماعية جزء من أحكام الدين الرئيسة : وأداء هذه المسؤوليات - كما ذكر - يعتمد على السلطة والحاكمية .

أنا أعلم أن التعليم والتربية الإسلامية لم تطرح بشكلها السليم ردحاً من الزمن حتي في إطار الأسر الدينية . إلا أن الأمل في أن لا يكون الأمر كذلك في الآتية . ويعلم الدين في كل أبعاده من الزاوية الاجتماعية والسياسية والثورية . الانتظار مرحلة مسؤولية هامة وتكليف عظيم ، ولا ينبغي إغفال هذا المفهوم .

8- الانتظار صيانة الإيمان

أشرنا إلى التكليف العظيم إبان مرحلة الانتظار . وكان هناك بعدً عظيمٌ من أبعاد هذا التكليف في سني الغيبة والانتظار ، وهو حفظ الدين وحراسة حدود العقيدة ، وحرمة المعتقدات المقدسة. المجتمع المنتظر لا بد أن لا يتسامح إزاء هذا الأمر الخطير .

يتحتم أن تحفظ إشراقة الإيمان ، وهدى اليقين ، والاعتقاد بالحق ، وتوهج مفاهيم العقيدة الصادقة باستمرار ، في نفوس وقلوب الجماهير وتتعمق هذه القيم في نفوسهم وتتعمق ويترسخ الاعتقاد بها ويتجذر .

يتحتم أن تأخذ نفوس وقلوب الطلائع من الفتيان ، والشباب موقعها في كل لحظة في ظلّ إشراقة القيم العقائدية الحقة ، وأن تغمر بهذه الإشراقة المشعة .

يتحتم أن يكون الإيمان مقوماً لهويّة أولئك ، وجزءاً من أجزاء كيانهم ، بغية أن يكون الحق والتضحية على طريق شموخ الحق ، بالتدريج ، كالدم يملأ أرجاء وجودهم بالحرارة والحيوية ، وكالروح حيث تشكل جوهرحياة أولئك(1).


1) كما حصل في هذه الأيام إذ يضحي الحق والتضحية على طريق الحق كالدم يمون وجود قطاعات واسعة من جماهيرنا ، وطلائعنا الفتية بالحيوية والحرارة بفضل أنفاس عيسى التي انطلقت من أعماق الإمام الخميني - اللهم لك الشكر ... وهذه الحالة الإلهية لا بد وأن تحفظ على الدوام . مشرقة ثورية حتى يبلغ يوم الظهور أجله ، وتحين لحظة إصحار طلائع دولة المهدي (علیه السلام) ، فتحتل جماهيرنا . وعلى الخصوص شبابنا المقاتلون - موقعها في صفوف أنصار المهدي ، مهيئة له سبيل الجهاد والعمل في تصفية شراذم أعدائه ، ورفع راية حكم المهدي (علیه السلام) .

يتحتم السعي ليتلاحم الإيمان العقيدي مع الإيمان العملي في أعماق شخصية أولئك ، ويتجد البعد العملي بأحكام الرسالة أيضاً - العمل باستقامة - في حياة أولئك تجسيدة حاسمة منذ سني التكليف الأولى .

خلال أيام غيبة الإمام ، وعبر امتداد الانتظار زمناً طويلاً يمكن أن تردَ شبهاتٌ أذهانَ البعض ، كما يمكن أن تسعى الشياطين المتسترة والمعلنة لزلزلة الأسس العقيدية لدى البعض - خصوصاً جيل الشباب - . ولا بدَّ من مواجهة هذه الشبهات بالردّ والنقض ، وإزالتها من الأذهان والقلوب . كما تترشح على السطح أفكار ومفاهيم - على أثر التحولات الزمنية والتغييرات التي تطرأ على حياة البشرية - يمكن أن تخلق ضبابية فكرية ، وتترك آثار سلبية على وضوح الخط وإيمان القلوب ، ولا بدَّ من الاستقامة في مواجهة هذه الأفكار والمفاهيم ، وبذل الجهد الساعي لنقضها وإيضاح تهافتها .

وبعامة لا بدَّ لمراكز العلم والعقيدة ، وحراس التركة الثقافية والتربوية الإسلامية من الصمود أمام كل ألوان الغزو الفكري ، والعكوف على رد هذه الأخطار الداهمة ، كل بحسبه .

وكل التأكيد الذي جاء في سياق الأحاديث المباركة بصدد رعاية وحفظ أيتام آل محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) لينظر في بعض أنحائه إلى البعد الذي نشير ، أعني : البعد العقيدي . فهؤلاء الأيتام أيتام تربية ومعنى ، وهذا الحفظ - في بعض أنحائه - حفظ العقيدة وصيانة التربية الإسلامية في واقع الجماهير ، خصوصاً الفتيَة والشباب . وكل الاهتمام الذي أبرز بصدد حراسة حرمة العقيدة ، وقالوا : إن العلماء حفّاظ الدين ، والساهرون على صيانة عقائد الأمة من الانحراف ، وحراس حرمة الدين ... كل هذا إنّما يصحّ حينما تمارس الصيانة، والحراسة بشكلها الأفضل .

صيانة وبسط العقيدة الدينية ، والمعرفة العقيدية والعملية الصائبة - حيث تشكل أداة لتمييز الحق من الباطل - أكثر نفعاً ، وأشد لزوماً إبّان الأيام المتاخمة للظهور - كما وَصَلَنا ذلك في الأحاديث الشريفة- . ومحصلة ذلك بروز رجال عقيدة وعمل لا يصطدمون بظاهرة التردّد والشك ، بل يضعون أيديهم على منطق الحق ، ولا يتيهون في معمعة الأحداث ، وصخب الأفكار . أجل، فأولئك الذين توفّروا على « عقيدة سليمة » « و « عمل صالح » سیبادرون لتصديق المهدي (علیه السلام) ، ونصرته ، وسيحصلون على السعادة الكبرى . ولذا يتحتّم صيانة وحفظ العقيدة السليمة ، والعمل الصالح في عمق وجدان الأمة حتى حين ظهور المهدي ، يعني حينما يطرق نداؤه أسماع الجميع .

وقد أشارت الأحاديث والتعاليم المباركة بشكل ملفت إلى أهمية الإيمان إبّان عصر الغيبة ، حيث أنزلت المنتظر المؤمن منزلة ومقام من سل السيف مقاتلا في صف الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) . وأكثر من ذلك فقد اعتبر النبي أولئك المنتظرين إخوة له . وقد أثنى عليهم كثيراً لبصيرتهم ، وعقلهم واعتقادهم ، وإخلاصهم . وقد شبهت قلوب المنتظرين المؤمنين - في حديث الإمام الصادق الذي سوف ننقله - بالقناديل المضيئة . خاطب الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) أصحابه قائلاً :

« إنكم أصحابي . وإخواني قوم في آخر الزمان آمنوا ، ولم پروني لقد عرَّفنيهم الله بأسمائهم وأسماء آبائهم من قبل أن يخرجهم من أصلاب آبائهم وأرحام أمّهاتهم ، لأحدُهم أشد بقية على دينه من خرط القتاد في الليلة الظلماء ، أو كالقابض على جمر الغضا ، أولئك مصابيح الدجى ، ينجيهم الله من كل فتنة غبراء مظلمة »(1).

وخاطب الإمام علي بن الحسین زین العابدین (علیه السلام) أبا خالد الكابلي قائلاً :


1) بحار الأنوار ج 52، ص 124 ، نقلاً عن بصائر الدرجات .

و يا أبا خالد ، إن أهل زمان غيبته ، القائلين بإمامته أفضل أهل كل زمان ، لأن الله تعالى ذكره أعطاهم من العقول والأفهام والمعرفة ماصارت به الغيبة عندهم بمنزلة المشاهدة ، وجعلهم في ذلك الزمان بمنزلة المجاهدين بين يدي رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) بالسيف، أولئك المخلصون حقّاً ، وشيعتنا صدقاً ، والدعاة إلى دين الله سرّاً وجهراً » .

وهذه العقيدة والإيمان لا بد وأن تحيا في قلب الأمة ، وتظل باقية كذلك ، حتى زمن الظهور .

9 - الانتظار عدل وإحسان

القضية الأخرى التي يتحتم أن يوليها المسلمون المنتظرون أهمية بالغة ، ويجهدوا سعيهم لتجسيدها و بسطها، هي قضية العدل والإحسان . أحد الشعارات البارزة التي رفعها القرآن الكريم هو هذا الشعار العظيم :

( إن الله يأمر بالعدل والإحسان.. )(1).

الحديث عن العدالة والقسط في الإسلام والقرآن أصل أساس ومستوعب إلى الحد الذي لا يحتاج فيه إلى إيضاح . وقد بلغ الاهتمام بهذا الأصل حيث نلتقي أيضاً عبر الكثير من أحكام الفقه والعبادات -في صورة ما - بمسألة لزوم العدالة ، من جملتها في صلاة الجماعة ، إذ يقولون : إن إمام الجماعة لا بد أن يكون عادلاً ، وهذه العدالة التي تشترط في إمام الجماعة هي لون أيضاً من ألوان مجانبة الظلم في النفس ، ومع الآخرين .

وهكذا فمنتظر و ظهور دولة الحق ، وحكومة العدل ، دینهم الإسلام وكتابهم القرآن ، وإمامهم الأول علي بن أبي طالب ( يعني : التجسيد الأعلى للعدالة والقسط ) ، وهم يمضون على نهج انتظار إقامة حكومة العدل العالمي ، فهؤلاء لا بدَّ أن يكونوا نماذج للعدل والمطالبة به ، مجدين هذه الظاهرة ،


1) سورة النحل : 90.

مالئین مجتمعهم خيرأ واحسانا . ولا بد أن يكون مجتمعهم نموذجاً للعدل والقسط الذي ينادون به ، وينتظرون تجسيده الكامل وشموله العالمي .

أيصح أن يكون المجتمع الذي ينتظر حكومة العدل العالمي غير مراع للعدالة في نفسه ، وفي محيط علاقاته ومعاملاته وقوانينه وحقوقه ، أيصح أن لا يجسد هذا المجتمع مبدأ العدالة عملياً ، ولا ينعطف عليه ، وأن لا يدافع عن العدالة ويمضي في سبيلها ، أيصح أن لا يكون في هذا المجتمع شاخص مؤشر للعدالة ؟ .

كيف يمكن هذا الأمر ؟

وإذا كان ، ففي أي موقع يبرز صدق جماهير هذا المجتمع وواقعيتها في الانتظار ؟(1).

10- الانتظار معرفة وموقف

اشارة

للمعرفة أهمية كبيرة في ظل التربية الإسلامية ولا تحد المعرفة في منطق الإسلام في إطار « المعرفة النظرية » بل يعتمد هذا المنطق كلا المعرفتین و المعرفة النظرية » و « المعرفة العملية » معاً . كل عقيدة يتوفر عليها الإنسان في أي مجال لا بد وأن تكون وفق معرفة ورؤية ، وكل ممارسة أو تحفظ يصدر عن الإنسان لا بد وأن يقوم على أساس معرفة وتشخيص .

تتخذ هذه القضية إبان عصر الغيبة الذي يستتر فيه الإمام المعصوم ، أهمية أكبر ، مما هي عليه في الأوقات الأخرى . ففي هذه الأيام تحتل قضية معرفة واستبصار العقائد والأفكار ، والمواقف والممارسات أهمية خاصة . والحصول على هذه « المعرفة الصحيحة » هو الذي أفضل من المواظبة على العبادات .

« عن فتوة ابنة رشيد الهجري قالت : قلت لأبي : ما أشد


1) نعيد الكرة في الحديث بهذا الصدد عند فقرات هذا الفصل القادمة ، وسنطرح أفكارة في هذا المجال .

اجتهادك ؟ فقال : يا بنية سيجيء قوم بعدنا بصائرهم في دينهم أفضل من اجتهاد أوليهم »(1).

تتبلور هذه المعرفة في أفق مرحلتين :

أ - الصمود والمقاومة .

ب - متابعة الخط السليم للقيادة والإمامة .

وإليك إيضاحاً مختصراً حول هاتين المرحلتين :

أ. المقاومة والصمود

حينما يستبصر الإنسان عارفاٌ الحق وسبيله فسوف يصمد على طريقه ، ويجسد مقاومة وجهداً صبوراً ، إزاء عقبات وصعاب ومشكلات الزمن . ولا يرفع يده بأي وجه من الوجوده عن نهج الحق وسبيله . وهذه الظاهرة بنفسها فضيلة كبری . روى الإمام الصادق (علیه السلام) عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أنه قال لأصحابه :

« سيأتي قوم من بعدكم الرجل الواحد منهم له أجر خمسين منكم ، قالوا ( يعني الأصحاب ) : یا رسول الله نحن كنا معك ببدر وأحد وحنين ، ونزل فينا القرآن ، فقال : إنكم لو تحملوا ما حملوا لم تصبروا صبرهم »(2).

في هذا الضوء ، لا بدَّ للإنسان في عصر الغيبة من امتلاك معرفة سليمة ورؤية مشرقة ، لكي يستطيع صيانة عقيدته والاستقامة إزاء مستجدات حركة الزمن .

يتحتم على الإنسان المنتظر أن يعرف : ما هو الانتظار ، ولأجل أي شيء ، وانتظار أي شخص ، وإلى أي أمور يمهد الظهور ؟ فإذا حصل على معرفة سليمة بهذا الصدد ، فسوف يتمتع بفضيلة كبرى ، كما جاء عن الإمام الصادق (علیه السلام) في قوله :


1) بحار الأنوار ج 52، ص 130 ، نقلا عن المحاسن ، للبرقي ، ص 251 .

2) بحار الأنوار ج 52، ص 131 ، نقلاً عن الغيبة ، الطوسي .

من عرف هذا الأمر ثم مات قبل أن يقوم القائم (علیه السلام) كان له أجر من قتل معه »(1).

وعلة هذا الموقف هي : أن الإنسان يقع على الخط الإلهي للمعرفة والتكليف ، ويكون في دائرة الولاية الإلهية من خلال معرفة قضية القيادة والإمامة . ومثل هذا الفرد ينعم بمقام القرب والكرامة في أي حال .

ب . متابعة خط القيادة المستمر

نقلنا في الفصل التاسع عن أبي نصر الفارابي أنه لا بدَّ من متابعة أحكام وسنن الأئمة السابقين - حال غيبة الإمام - ، وطيّ الطريق وفق ما قدموه من توجيهات ووصايا . وهذا المفهوم الذي يطرحه الفيلسوف الإسلامي الشيعي الكبير ، هو عين ما جاء في تعاليم الأئمة الطاهرین (علیهم السلام) . فقد أكد الأئمة على العمل وفق أحكام وسنن إسلامنا التي تلقيناها من قبلهم ، كما أكدوا على صيانة خط عقيدتنا وسلوكنا بالصمود والصلابة والإيمان والالتزام حتى إطلالة طلائع الظهور وخروج قدوتنا المستور من غيبته . وقد طرح الإمام الصادق (علیه السلام) هذه المفاهيم في أحاديث متعددة نقلها الرواة ، فقد قال (علیه السلام) :

« ... إذا كان ذلك فتمسّكوا بالأمر الأول حتى يتبيّن لكم الأخر ...(2)إذا أصبحت وأمسيت يوماً لا ترى فيه إماماً من آل محمد فأحبّ من کنت تحب ، وأبغض من کنت تبغض ، ووال من کنت توالي ، وانتظر الفرج صباحاً ومساء ...(3)كونوا على ما أنتم عليه حتى يطلع الله لكم نجمكم ...(4)حتى يأتيكم بصاحبها ...(5).

يعلق العلامة المجلسي على هذه الأحاديث موضحاً :

المقصود من هذه الأخبار عدم التزلزل في الدين والتحيّر في


1) نفس المصدر .

2) بحار الأنوار ج 52، ص 132 - 134 ، نقلاً عن الغيبة ، للنعماني .

3) بحار الأنوار ج 52، ص 132 - 134 ، نقلاً عن الغيبة ، للنعماني .

4) بحار الأنوار ج 52، ص 132 - 134 ، نقلاً عن الغيبة ، للنعماني .

5) بحار الأنوار ج 52، ص 132 - 134 ، نقلاً عن الغيبة ، للنعماني .

العمل ، أي تمسّكوا في أصول دینکم وفروعه بما وصل إليكم من أئمتكم ، ولا تتركوا العمل ولا ترتدُّوا حتى يظهر إمامكم(1).

والاعتقاد هو أن الإنسان المتوفر على معرفة نظرية ، وعملية سليمة ، يقتفي أثر هذا النهج المستوعب في ميدان العمل والخطر، ويتّخذه شعاراً وراية .

11- الانتظار رياضة ومران

المنتظرون المخلصون ، والمقاييس النموذجية للشخصية الرسالية ، لا بدَّ لهم من الالتفات العميق لأمر آخر أيضاً على مستوى تربية نفوسهم وبناء ذواتهم . وهذا الأمر هو المران على حياة بسيطة وخشنة ، بمنأىً عن الترف والرفاه ، ليتطابقوا في حياتهم مع حياة قدوة القيام ونموذجه ، وليحصلوا على إمكانية متابعة ابن علي في مسيرته .

وبصدد هذا المفهوم وصلتنا عبر روایاتنا تعاليم ذات أهمية بالغة . أؤكد وألفت النظر إلى أن هذه التعاليم ذات أهمية بالغة ، ولا بدَّ من أخذها بنظر الاعتبار على مستوى الفكر والعمل . فهذه التعاليم تقول : لا بد للإنسان المنتظر من إحياء روح الورع ، والاستقامة ، والزهد والترفّع ، والإباء والرجولة ، والشهامة ، والتنظيم والنضال ، لا بدَّ أن يزرع الإنسان هذه الخصال في ذاته ، ويعني برعايتها . وبلغة اليوم أن يعِدّ فرداً ثورياً ، ويبني شخصاً فدائياً . ولا ينبغي أن تخدش كل ألوان الضعف ، والتحلّل ، والميول والارتباطات شخصية الإنسان المنتظر الصلبة


1) بحار الأنوار ج 52، ص 133 .

يقول الصادق ( عليه السلام ) في خطاب لأبي بصير :

ما تستعجلون بخروج القائم ؟ فوالله ما لباسه إلا الغليظ ، ولا طعامه إلا الجشب ، وما هو إلا السيف ، والموت تحت ظل السيف(1).

أجل ، فدولة العدل العالمي لا تتشكل بيسر . ومتاعب الإنسان المسؤول في معية المهدي ( عليه السلام ) على طريق بناء دولته العالمية سوف تكون كثيرة . إذن ، لا بد من أن يكون مستعدة ، ويتحتم أنه كان ...

ينهض أصحاب الهم والهمم بآلام المحرومين بصحبة ذلك القدوة البصير ، وينقضون على الطغاة والمستكبرين وقواهم ، ويجتثونهم بالنضال والمقارعة والجهاد والحرب تحت ظل العون والنصرة الإلهية . ويحيا ذلك القدوة نفسه كما يعيش أكثر المحرومین حرماناً : يأكل القليل من الجشب ، ويلبس الخشن الزهيد . ويمضي على هذا النهج حتى يقتلع الحرمان ويعيد للعالم إنسانيته .

المستقبل ليس نصيباً لأيّ من أبناء البشر ، حيث « إن الأتية بيد الله ». إلا أن الذي تصنعه أيادينا هو أن نتهيأ للمستقبل ، وبعد أنفسنا لتحقيق ما يرجوه منا .

12- الانتظار تعبئة عامة

انتهينا عبر متابعة بحوث الغيبة والانتظار إلى أن الانتظار تعبئة عامة . فنهج التشيع العلوي يريد في عصر الانتظار أتباعا مهیاین مستعدين على الدوام


1) بحار الأنوار ج 52، ص 354 ، نقلاً عن الغيبة ، النعماني .

يؤمّون الخندق باستمرار .

... الاستعداد الدائم من زاوية القوة الروحية والإيمانية والقدرة البدنية والقتالية ، والمران العملي والعسكري ، والتربية الأخلاقية والاجتماعية ، والتنظيم السياسي الهادف .

... البقاء في الخندق باستمرار ، خندق الجهاد مع الأهواء النفسية ، والتحلل عن أداء المسؤولية ، والضعف في اتخاذ المواقف ، خندق النضال ضد الخنوع للإذلال ، والسيطرة الاستعمارية ، النضال ضد التجاوز والظلم والانحراف ، والجهاد ضد الخضوع للكفر واستغلال المستغلين ، وسيطرة اليهود والنصارى والملحدين ، والنضال ضد الخنوع لقوى الباطل .

هذه التعبئة العامة والدائمة تشكل الجوهر الأصيل للانتظار . ومن هنا يتحتم معرفة ماهية الانتظار ليكون الانتظار انتظاراً إسلامياً وشيعياً بناءً ، لا أن يكون مجانبة للتكليف ، وتقوقعاً . الانتظار ظاهرة عظيمة ، وحركة خطيرة فكلّنا يعلم أن ظهور المهدي الموعود وبلوغ الفرج الأعظم ، والفتح الأكبر أمر هائل جداً ، وذو أهمية بالغة ، فهو بسط العدالة على كل الأفاق ، وبث الحق في كل النفوس . الشيعة ينتظرون هذا الأمر العظيم ، ويعدّون أنفسهم لهدف كبير كهذا .

نحن نعلم أنه قد جاء في الأحاديث والتعاليم أن انتظار الفرج فرج ، وبعض الفرج أيضاً ، بل إن أفضل الأعمال هو انتظار الفرج . على هذا الأساس فالانتظار لا بد أن يكون - کالفرج نفسه - أمراً عظيماً وفي غاية الأهمية ليكون جزءاً من الفرج ، وليعد أفضل الأعمال ، وهو كذلك أيضاً ...

و يقينٍ أن انتظاراً له من الأهمية بحجم ما للفرج نفسه من أهمية ، وهو نفسه « أي الانتظار » يعد جزءاً ومقطعاً من الفرج الإلهي الشامل ، لا يمكن أن يكون أمراً عاديّاً ، وحالة من اللامبالاة ، وزمناً مفرغاً من كل التزام وإحساس يقظ . من هنا يتحتّم التأكيد على معرفة مفهوم الانتظار ، وفلسفته . كما يتحتم

أن تحتلّ هذه الظاهرة موقعاً دراسياً في ثقافة الشيعة وهنا يطرح تساؤل كبير نفسه :

كيف يضحي مجتمع يعيش في عصر الغيبة الكبرى ، ويحرم من لقاء الإمام ، وحضوره التربوي متلبّساً بسمة الكون في حالة الفرج ، يعني الحالة التي يظهر فيها إمام الحق ، فيستوعب الحق كل حقول الحياة ، وتنبسط العدالة على الأرجاء ؟ ، كيف يكون هذا الأمر ؟.

أفترض : أن هناك ليلاً ، وهناك نور قمر يشع ، وليس هناك لا الشمس ولا إشراقتها ، وفي مثل هذه الصورة نقول : إن الليل هناك كالنهار ، ونور القمر کنور الشمس المشرقة التي تعشي الأبصار ، فمتى وأين يكون هذا التشبيه ممكناً ؟.

ومتى يكون هذا الكلام مستقيماً ؟.

والأمر على هذا النسق في مجتمع المنتظرين فنقول : إن حال غيبة الإمام وانقطاع إشراقة نور الولاية والهدى المباشر يناظر حال الحضور والإشراقة المباشرة ، ففي ظل أي مفهوم يصح هذا القول ؟.

الجواب هو أن هذه الصورة ترتبط بشكل دقيق بوضع وحالة المنتظرین . فإذا كان المجتمع المنتظر على الحالة التي لا بدَّ أن يكون عليها ، وكان الإنسان المنتظر صياغة رسالية ، وصنيعة مفهوم الانتظار ، كان الانتظار أيضاً بمثابة الفرج وكان أفضل عبادة .

ولا بد لنا هنا من التأكيد بالقول ، على ضرورة عودة إخواننا أبناء السنة الهويتهم في ظل هذه الأيام ، أيام النهضة والتحرك الدامي على خط الشهادة ، ومجانبة الحكّام الخونة الذين يتسلّطون على أقاليم من العالم الإسلامي ، والانضمام إلى صفوف حركة الانتظار والمنتظرین .

لا بدّ لإخواننا من مقارعة الجبارين عملاء الأجنبي ، والنزول إلى ساحة النضال العظيم . داخلين في زمرة مستقبلي دولة مهدي آل محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) ، ليضحوا عاملين بأحاديث ووصايا النبي الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) .

والواقع هو أن المسلمين بمستوى كونهم مسلمين وأتباع القرآن والسنة -سواء أخذوا السنة وعملوا بها في ضوء الصحاح الستة ، أم أخذوها وعملوا بها في ضوء نهج البلاغة والكتب الأربعة - من أي فرقة من فرق المسلمين كانوا ، لا بد لهم من الاعتقاد ب «المهدي الموعود » ويتحتم أن يكونوا من منتظري ظهوره ، إذ إن إشارات القرآن وبشارات النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بين أيدينا .

في هذا الضوء لا بدَّ للمسلمين الأخرين من التلاحم والانسجام ، ووحدة النداء مع شيعة آل محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) في التعبئة العامة ، والاستعداد الإسلامي ، والحماسة الشاملة ، وصرخة الخلاص ، وطلب الوضوح ، وأن يكون هذا التلاحم أيضاً على مستوى ذلك البناء والتجسيد والنضج ، الذي أشرنا إليه ، يعني : لا بد أن يكون مجتمع هؤلاء أيضاً متوفراً على حالة « تجسيد المقاومة » لا « تجسيد التسليم » .

الآن تخيّل الصورة التي كان عليها بعض رجال التشيّع الملتزمين المتعبدين، حيث كانوا يتوفرون على سيف صارم(1)يتوسّدونه ليلاً ، ويمضون باستمرار يقظين وهم يترقبون السبيل . يكتفون من النوم بالقليل ، وينبعثون في الأسحار متعبدين ، لكيونوا على هذه الحال ، مستعدين لإمداد دولة عدل


1) وواضح أن المقصود من السيف الصارم هنا ، هو السلاح الدفاعي والهجومي الذي يتناسب مع الزمن . ولا بدَّ أن يكون أفضل وأمضى ألوان السلاح في كل عصر بحسبه . فإذا كانت مقولتنا هي « حلال محمد حلال إلى يوم القيامة ، وحرام محمد حرام إلى يوم القيامة » ، فلا بدَّ من حراسة هذه المقولة في كل زمن . ومن المحتم أن تكون هذه الحراسة رهينة إمكانات وأدوات كل زمن بحسبه .

المهدي بالعون . واجتثاث جذور الظلم والتجاوز ، وإسقاط عروش الجبابرة وتهديم قصور الظالمين .

فلو كان سائر المسلمين الآخرين على هذه الحال ، وكانت جماهير المليارد نسمة من أهل القبلة متلمسّة وحدتها على طريق هذه النهضة المقدسة ، فيهبّون للهجوم ومواجهة غزو المستكبرين والمتجاوزين ، فأي شخص وأي قوة وأي جيش يمكن أن يتمتع بقدرة المقاومة أمام المسلمين ؟ ، وهل يستطيع أحد أو تستطيع قوة أن تخلق كل هذا التشتت والذلة في صفوف المسلمين وتسلب ثرواتهم بالشكل القائم فعلاً ؟.

وهل تستطيع قوة في الأرض أن تمزّق شخصية الأمة الإسلامية متعالية بزهو على دين ومقدسات المسلمين ؟

وإذا كان الأمر كما افترضنا ، فأي فرد يستطيع أن يُسلط هؤلاء الخونة ولُعَب الأجنبي وعملاءه المنحطين باسم « الملك الفلاني » ، و « السلطان » و رئيس الجمهورية ... والأمير ... على الجماهير القرآنية الصامدة ، وأي فرد يستطيع أن يسلب ويدمّر ثروات هذه الجماهير بواسطة هؤلاء الخونة الملوثین ؟!

أيّها المسلمون عودوا لحظة لهويتكم ! ارجعوا إلى عزكم الإلهي ! أغلقوا سجل هذا التمزق والذلة ! اسحقوا هؤلاء الخونة عملاء الأجنبي وعبيد اليهود والنصارى والملحدين ! اصدحوا بنداء « الله أكبر » وأنشدوا الحق ! واثنوا عطفكم عن التسليم والخنوع ، وحلقوا صوب میدان الحق والعدل ! .

13- الانتظار وضد الانتظار

جلي أن معرفة مفهوم اللاانتظار والمنتظر تنجلي بعد أن استلهمنا مفهوم الانتظار والمنتظر ، وبعد أن تحددت لنا معاييرهما واستبصرنا هذه المعايير بدقة وتأمل . فلعل جماهير وأفراداً تحسب أنها تنتظره ، وأنها تتوفر على أجر وثواب المنتظرین ، غير أنها ليست كذلك . ولعل عناصر تتصور أنها تمارس أفضل العبادات ، يعني : انتظار الفرج - كما جاء في الأحاديث المباركة - ، إلَّا أنّها ليست كذلك .

كيف يضحي مجتمع ما في عداد المجتمعات « المنتظرة » ، وهو لم يكن مقتفياً في اعتقاده وبصيرته ، في سلوكه وأخلاقه ، في حضوره ووثبته ، استعداده وثباته ، طهارته وزهده ، إحساسه ومعرفته ، عدله وإحسانه مقولات القدوة الصالحة ؟ .

لعل الجماهير والأفراد الذين يفتقرون للخصوصيات المشار إليها يُعَدون - مع الالتفات والتأمل في واقعية وجوهر الانتظار - في عداد أعداء نهج الانتظار والمنتظر .

حثّت الأحاديث المباركة والتعاليم الإلهية على التحلي بالعفة ، والورع، والصلاح . كما طالبت بالصبر حين الانتظار . وطلبت أن لا تعد مرحلة الغيبة مرحلة طويلة الأمد ، إذ إنّ وعد الله حق ، ومهما استغرق من الزمن فهو واقع لا محالة .

ونهت عن الاستعجال والارتجال في مهمة تشكيل وبناء حكومة الحق .

تحلّوا بالصبر ! .

جاء الصبر في استعمالات النصوص الإسلامية - ضمن موارد کثيرة - بمعنى الصبر على الطاعة ، وعلى متاعب العبادة ، والصبر على الإمساك عن المعصية والابتعاد عن الذنب وملذات الدنيا الرخيصة .

لا يمكن فهم الصبر في سياق التعاليم الشيعية بأنَّه صبر أمام الظلم والمنكرات . وفي هذا الضوء ، لا يتغير الموقف إزاء الصبر والتحمل في أفق قضية الانتظار ، ولزوم العبدة والتهيؤ . فكل ما هو تكليف للمنتظرین مستقر وثابت ، سواء أكان المنتظرون صابرین عصاميين، أم لم يكونوا .

لا يمكن للإنسان المنتظر تحت شعار « الصبر » ، أن يرفع اليد عن (1) لا يعني الصبر هنا الخضوع والخشوع إزاء الظلم والفساد الاجتماعي ، والقبول بسيطرة اليهود والنصاری ۔ التي رفضت بنص القرآن - ولا يعني الجمود دون خطوة باتجاه التحكّم بالمستقبل الشخصي ، وعلى خط تطبيق الأحكام الإسلامية . بل إن مفهوم الصبر يعني : تجنب الارتجال والعجل بصدد بلوغ قضية « المهدي » أجلها ، وظهوره ويناء حكمه ، وتجنب الضعف والانهيار بسبب طول مرحلة الانتظار ، فطولها حكمة ، ويومها حقّ ، ولا بدَّ أن يحل .

الخصوصيات العقيدية والعملية ، والاستعدادات العسكرية والثورية - التي أكدت عليها أحاديث أئمة أهل البيت (علیهم السلام) - ، ليعود معادياً للانتظار ، منتقلاً من حالة الحضور المسؤول إلى حالة الغياب عن المسؤولية . لا يمكن للإنسان باسم الانتظار أن يقبل الظلم - الذي عُدّت مقارعته المستمرة تكليفاً إلهياً - ، وينضوي تحت لواء الظالم وسلطانه .

أود برغبة أن أعود مرة أخرى للحديث المتقدم ، فما جاء في الأحاديث المباركة من تجنب الاستعجال والارتجال في أمر المهدي ، لا يعني الصبر على الظلم والسكوت أمام ممارسات محق دين الله ومعالمه ، والرضوخ لسلطة الجبابرة وسلطانهم على قيم المسلمين ونواميسهم . بل تعني تلك الأحاديث عين هذا المفهوم : تجنب الارتجال بغية بلوغ أجل دولة الحق العالمي بقيادة المهدي (علیه السلام) . إذ إن العجل في هذا الأمر قد يكون باعثاً لفقدان بعض الأفراد قدرتهم على التحمل والجلد ، فيدعون لتأسيس ذلك الحكم العالمي المهدوي ، وينهضون على إيقاع هذه الدعوة . ولا سبيل لحصول هذا الأمر ، إذ إن تأسيس الدولة العالمية الإلهية الفريدة ، ونشر العدالة الآفاقية والأنفسية أمر يخصّ مرحلة ولي الله الأعظم ، وحسب .

كما أن العجل والارتجال يمكن أن يكونا باعثاً لفقد بعض الناس الارتباط والتعلق بحكمة الغيبة والانتظار وأسرارهما الإلهية ، ليصطدم بحالة يأس وقنوط . من هنا جاء النهي عن العجل بصدد حلول ظهور المهدي (علیه السلام) وبلوغ أجل حكمه ، وجاء النهي عن الارتجال في هذا الأمر ، وأصدروا أمرأ بالصبر . وهذا يعني أن الإنسان المنتظر لا ينبغي له أن يظهر الارتجال والجزع بصدد حلول أجل قيام دولة المهدي . وقد جاء هذا النهي عن العجل حتى في نهج البلاغة(1)من خلال خطب علي (علیه السلام) ومن هنا يتضح أن الشعوب على عجل شديد في أمر إقامة أركان الدولة الإلهية في العالم ، واقتلاع الظلم والضلال ، وقد عبّروا بشكل واضح عن هذه الرغبة ( وغير خفي أن هذا الأمر تطلع كل إنسان حر ) حيث نتلمس آثار هذا العجل حتى في عصر الإمام الأول علي بن


1) نهج البلاغة ، ص 208 ، 283 و... .

أبي طالب (علیه السلام) ، إلى الحد الذي استدعى أن يمسك علي (علیه السلام) الناس بين الحين والآخر عن هذا الارتجال والإستعجال ، ويذكر بأن تشکیل تلك الحكومة آتٍ فيما بعد، وسوف يقع على أثر تبدلات و تغییرات وأحداث وملاحم(1).

لا يمكن القبول بأن دين الإسلام ، والأئمة الطاهرين (علیهم السلام) أجازوا الصبر على الظلم ، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للمسلمين ، حيث إن هذا الدين يقول :

« وما أعمال البرّ كلّها ، والجهاد في سبيل الله ، عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلّا كنقطة في بحر لجيّ ، وإن الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، لا يقربان من أجل ، ولا ينقصان من رزق ، وأفضل من ذلك كلّه كلمة عدل عن إمام جائر »(2).

فهذاحديث على (علیه السلام) ، وقد جاءت العشرات من أمثال هذا التوجيه في الإسلام . وعلى هذا الهدي هل يمكن أن نوافق على أن المسلمين في مرحلة الغيبة والانتظار الطويل معفيّون عن مثل هذه المسؤوليات ، ويعيشون في حرمان عن مثل هذه الفضائل والثواب ؟!

14- دور القوى الجماهيرية

يحسن بنا ونحن نتحدث حول الإعداد والاستعدادات ، أن نشير بصراحة إلى أن للقوى الجماهيرية دوراً في ثورة المهدي (علیه السلام) الكبرى ، وهذا الدور أساسي . صحيح أن بعض المسائل المتعلقة بالإمام الغائب جزء من قضايا ما وراء الطبيعة ، فالغيبة ، وطول العمر ، وامتلاك ميراث النبيين والغلبة على أرجاء العالم ، كل هذه المسائل ليست بقضايا عاديّة . بل هي أمور إلهية ، والمهدي نفسه هو «غیب الله و « سر الله » فظهوره وسيطرته على العالم وانتصاره على شرق العالم وغربه ، يرتبط إلى حدود بذلك الجانب الإلهي


1) المصدر السابق .

2) نهج البلاغة ، ص 542 .

الغيبي ، كما سوف نشير ، وكل هذه المفاهيم لها واقع ، وقد بلغتنا عن طريق تعاليم الرسالات ، وهي سليمة وصائبة . ولكن لا بد من الأخذ بنظر الاعتبار أن الإنسان طرف في قضية هذا الظهور ، وهذه الثورة . فيأتي المهدي لينهض في دعم وإعانة الإنسان والإنسانية ، وياخذ بيد الإنسان لبناء «عالم إنساني » . والإنسان هو الموجود الذي يتحرك في دائرة « التكليف » و « الاختيار » . وعلى هذا الأساس ففي مرحلة الظهور أيضا هناك عين هذا التكليف وهذا الاختيار . فللإنسان حضور أيضا في هذا التحول الضخم ، وهو حضور تکليفي مختار . ولذا يختار بعض الناس حين الظهور سبيل الحق ويقتفون المهدي في طريقه ، ويختار البعض الآخر سبيل الباطل ويقفون في وجه المهدي ليلاقوا الحتف والعدم .

أجل ! في يوم ظهور الحق العظيم لا يمنح الباطل والمبطلون والسوء والسيئون مهلة ، ليبقوا ويرشدوا شوكاً في بستان الإنسانية ، ويلحقوا بالإنسانية آلاماً ومتاعب ، ويحولوا دون رشد قيم الحق والفضيلة في آفاق الحياة البشرية ، فبعد ذلك اليوم لا يكون الأمر على هذا النحو على الإطلاق .

نعود إلى صلب الموضوع حيث قلنا إن لعنصر التكليف والاختيار فاعلية في ذلك اليوم ، وبشكل كامل . ويرد الإنسان إلى جانب المهدي میدان الحياة ، ويبسط العدل العالمي أجنحته بقيادة المهدي ، ودعم المناضلين الصامدين من بني الإنسان ، ولا بدَّ أن يعلق هذا الأصل في الأذهان على الدوام ليهيّیء أرضية التوفر على الاستعداد. وما كان يفعله الشيعة العقائديون قديماً من اقتناء السلاح ، وما كان يمارسه علماء الإسلام من دفع الشباب للتدرّب على شؤون القتال والرماية إنَّما ينطلق من مفهوم حضور ومشاركة الجماهير في دفع فعالية حكم المهدي إلى الأمام . والطريف هو هذا : أن يسعى الإنسان نفسه التحكيم الحق وبسط سلطانه . الإنسان المغترب على طول التاريخ، والذي مزق تحت أقدام المستكبرين والجبارين يعود في ظل هدى ولطف الحق ، وتحت قيادة وتوجيه خليفة الحق إلى حالة بحيث يمارس هو نفسه بسط سلطان حكومة الحق والعدل العالمي ، ويتخذ موقعه بنفسه بين صفوف أنصار مظهر العدل

المطلق ، وينشر العدالة الأفاقية على كل الأرجاء بدعم القيادة الإلهية ، وحينها يعمق القائد أصول العدالة الأنفسية ويبسطها .

ما أشرنا إليه من حضور القوى الجماهيرية في تشكيل حكم المهدي (علیه السلام) قد أخذ من تعاليم الدين وأحاديث القدوة ، وهذه الظاهرة تستحق المزيد من التأمل والعناية . فقد جاء بشكل صريح في أحاديث الأئمة الطاهرين (علیهم السلام) أن المهدي حين الظهور يطلب العون والنصرة من الناس . ويعود هذا إلى سبب ذي هدفين : سحب الجماهير باتّجاه طريق الحق والسعادة ، والفوز بنعمة التضحية على طريق شموخ الحق وإقامة دعائم العدالة ، وأن تبلغ حركته ونهضته العالمية حدها الممكن ، وتؤتي ثمارها على يد الجماهير نفسها أيضاً .

« يدعو رجلاً من أصحابه فيقول له : امض إلى أهل مكة فقل : يا أهل مكة أنا رسول فلان إليكم وهو يقول لكم : إنّا أهل بيت الرحمة ، ومعدن الرسالة والخلافة ، ونحن ذرية : محمد وسلالة النبيين ، وإنّا قد ظلمنا واضطهدنا ، وقهرنا وابتزَّ منّا حقّنا منذ قبض نبيّنا إلى يومنا هذا ، فنحن نستنصرکم فانصرونا »(1).

« يا أيها الناس إنَّا نستنصر الله ، ومن أجابنا من الناس ... »(2).

« إنّا نستنصر الله اليوم ، وكل مسلم ... »(3).

وقد جاء في التعاليم أن النساء يشاركن أيضا في هذه النهضة العظيمة كما نقل عن الإمام محمد الباقر (علیه السلام) نص يقول فيه : :

« ويجيء والله ثلاثمئة وبضعة عشر رجلاً فيهم خمسون امرأة يجتمعون بمكة ... »(4).


1) بحار الأنوار ج 52، ص 307.

2) المصدر نفسه ج 52، ص 238 ، نقلاً عن الغيبة ، النعماني .

3) نفس المصدر ، ص 223 ، نقلاً عن تفسير العياشي ، ج 21، ص 261.

4) نفس المصدر السابق .

والعدد المشار إليه في النص المتقدم يمثل تعداد الجماعة الأولى من أنصار المهدي (علیه السلام) ، حيث تقفو أثرهم وتنضم إلى صفوفهم جماعات من الجماهير المناصرة له نساءً ورجالاً .

15- حضور الشيعة في الميدان

لا ينبغي الاندهاش حينما نجد الشيعة يوم الظهور أقوى حضوراً وهم يؤدون دوراً أكثر جدّية ونفوذاً في ميادين النضال العظيم . فالشيعة الذين لهم اعتقاد بمبدأ الوصاية الإلهية الذي تضمنته كل رسالات الأنبياء ، والشيعة الذين يقتدون بعلي (علیه السلام) في حياة النبي وبعد حياته ، على أساس آیات القرآن ووصايا النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) المؤكدة ، والذين تحركوا من بعد في ضوء خط الإمامة ، الشيعة الذين لم يسحبوا أيديهم عن محمد وآل محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) ، الشيعة الذين عانوا الحرمان في كل مرحلة ، وتجرّعوا البلايا ، وخضعوا للتعذيب ، ودخلوا السجون ، وقدّموا القرابين من الشهداء ؛ الشيعة الذي صمدوا في وجه الظالمين على طول تاريخ القرون والعصور ، ولم يداهنوا . الشيعة الذين تمزقت أحشاؤهم ألماً في سقيفة بني ساعدة ، والذين جاؤوا بأنفسهم لهجير الربذة ، وساهموا في حرب الجمل وصفين والنهروان ، والذين سفكت دماؤهم الساخنة على أرض مرج عذراء ، ثم عبروا ساباط المدائن ، وشاركوا على أرض الطفوف اللاهبة ، وطووا ليلة الحادي عشر من عاشوراء الحسين ، الشيعة الذين صُلبوا في كناسة الكوفة ، ثمّ أحرقت أجسادهم وذرّيت في الفضاء ، الشيعة الذين صمدوا في سجون الأمويين وصبروا أمام مجازرهم ، الشيعة الذين راقبوا جثمان قدوتهم السجين المسموم في جانب الجسر ببغداد ، الشيعة الذين مُلئت بهم سجون العباسيين ، الشيعة الذين لوّنت دماؤهم كلّ أرجاء الأرض الإسلامية من مكة إلى بلخ ، والذين كان نداؤهم على الدوام دعوةً لحكم المعصوم ، وكان شعارهم النضال ضد الظلم والعدوان . الشيعة الذين يطلبون مهدي آل محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) بأرواحهم وقلوبهم وبدمائهم ونهضتهم منذ ألف عام ، فإذا كان لهؤلاء الشيعة حضور فعال في ميادين الثورة الكبرى فلا موقع

للاستغراب . وهؤلاء الشيعة - بعد كل هذه التضحيات والمقاومة - إذا ورثوا أرجاء الأرض وحكموها أيضاً فلا موقع الاستغراب الآخرين ومفاجأتهم . فالشيعة أتباع ملتزمون فدائيون لخطّ النبوة من آدم حتى محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) ، ولخطّ الوصاية من علي حتى المهدي ...

« وذلك والله أن لو قد قام قائمنا يجمع الله إليه شيعتنا من جميع البلدان »(1).

« إذا قام قائمنا أذهب الله عز وجل عن شيعتنا العاهة ، وجعل قلوبهم كزبر الحديد ، وجعل قوة الرجل منهم قوة

أربعين رجلاً ، ويكونون حكّام الأرض وسنامها »(2).

كل هذه الإيضاحات يمكن أن تكون تأكيداً على حقيقة أن الشيعة لا بد لهم باستمرار من الالتفات إلى حضورهم العقيدي والاجتماعي ، وتنظيماتهم السياسية والعسكرية في واقع حضورهم عبر التاريخ حتى يحلّ وقت الظهور فيتخذون موقعهم ويسلكون سياقهم المناسب بحق .

16- حضور الإيرانيين في الميدان

أشير في بعض الأحاديث إلى حضور « العجم »(3)الفعال في مجتمع المهدي . ومن الواضح أن المقصود بالعجم الأمم التي هي من غير العرب ، إلا أنّ الاحتمال قوي في أن يكون الإيرانيون أجلى مصادیق هذا الاصطلاح خصوصاً مع كون الثقل الأكبر للتشيع في أرض إيران المقدسة .

وبأي حال فالشرق « شرق العالم الإسلامي » وخراسان « أرض الشمس الطالعة » وطالقان ، وإيران ، ومكة المكرمة ، والمدينة المنورة والنجف الأشرف ، والكوفة لهن دورهن الأساس في سياق ظهور الحق المطلق ، كما أن


1) بحار الأنوار ج 52، ص 291 ، نقلاً عن تفسير العياشي ، ج 1، ص 66.

2) بحار الأنوار ج 52 ص 317، نقلاً عن الخصال .

3) بحار الأنوار ج 52، ص 364.

القسطنطينية « اسطنبول الحالية » أيضا تمثل إحدى المراكز الهامة لفتوح المهدي وأنصاره الأولية !...

وقد ذكرت أسماء مدن وأراض أخرى أيضاً في سياق حروب وفتوحات جیوش مهدي آل محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) الابتدائية ، مدن وأراض تكون مسرحاً لصراعات حادة وأحداث رهيبة ، ومن جملتها : أنطاكية ، دمشق ، فلسطين ، الأردن ، حمص ، وحلب . وبعد أن تحدث مواجهة ومعارك على ساحة هذه المراكز : وبعض المواقع الأخرى كأرض الصين ، ويكسب المهدي وأنصاره انتصارات كبرى ويواجه فتوحات مبينة ، تتضح آثار النصر والغلبة لهذه النهضة ، ويفيق العالم شيئاً فشيئاً على وقوع حادثة كبرى وحصول القيامة الصغرى ، حينئذ تعد مقدمات . فتح أرجاء العالم ، وتنسحب الثورة على كل مكان ، لتشمل في غضون مدة قصيرة كل مكان من مشرق الشمس حتى مغربها .

17- التأييد والنصر

لقد حفّ التأييد والنصر الإلهي داعماً كل دعوات الحق على طول التاريخ . وقد كان هذا التأييد والنصر ظاهراً حيناً ، وخفياً مستوراً في حين آخر . كما كان في مقاطع تاريخية حساسة حيناً وفي حالات أخرى حيناً آخر . ولذا لمس المؤمنون بالحق المضحون على طريقه ويلمسون آثار الحق وتأييده ، وأشعة الأمل المشرقة في النصر الإلهي .

وفي مواقع انكسر فيها أتباع الحق في المقاييس الظاهرية ، إلا أنهم لم ينكسروا في مقاييس الهدف الذي تمثل « بإعلان الحق ، والإفصاح عن الموقف الحق » و « مؤازرة الحق » وبعبارة أخرى : .

ليس لأتباع الحق هدف سوى الحق . ويمر هذا الهدف في مرحلتين :

1- إعلان الحق إزاء الباطل .

2- تغليب الحق على الباطل .

في هذا الضوء فأتباع الحق لم ينكسروا في أي وقت وفي أي میدان .

فهؤلاء بلغوا حتى في موقع استشهادهم ، وسقوط الراية من أيديهم جزءاً من الهدف ألا وهو الإعلان عن الحق والوقوف إلى جانبه . فبإعلانهم لكلمة الحق يضعون الباطل موضع الإستفهام والشك ، ويخدشون علياءه الجوفاء فيزلزلون قواعده . ومن هنا فراية الحق حينما تكبو على موقع أرض ما تعود مرة أخرى الترفرف في ميدان آخر ، وتستمر على هذا المنوال حتى يومنا هذا ... وسوف تستمر أيضاً ... فأين الانكسار الذي يواجه هذا النهج ؟

لذا نقول إن أتباع الحق وجند معركته لم ينكسروا انکساراً واقعياً في أي من المواقع . لقد سقط جسد الحسين (علیه السلام) وأصحابه على وجه الأرض عند غروب الشمس من اليوم العاشر من محرم ، وأوريت النيران لتحرق خيامهم ، وتبعثر شمل عائلته وأطفاله في بيداء کربلاء بين أشواكها وحصاها ، ولكن هل انكسر هؤلاء ، وكيف كان هذا الانكسار ؟ فإذا كان هناك انکسار ، إذن ، فأيّ شيء كان ذلك الحق الذي أعلن عنه ؟!

إذن ! فأي شيء كانت هوية الحكم الفاسد التي فُضِحت ؟

إذن ! فأي شيء كان ذلك المسكوب في وعاء الشمس والذي لم يزل باقياً ؟

إذن ! فأي شيء كان دين الله الذي أنقذ من خطر الزوال ؟

إذن ! فأي شيء كانت تلك الثورات التي تتابعت بعد نهضة الحسين حتى يومنا ، وستستمر موجهة اللطمات للظالمين ؟

فالانكسار هو إغفال وهجر خط الرسالة وليس انکساراً أن تسفك دماء جند الحق على الأرض ...

على أي حال فسوف يبدو التأييد والنصر الإلهي صریحاً عند دعوة المهدي (علیه السلام) العظمی ، وسيشدّ على قلوب المؤمنين في مجابهة قوى العالم الكبرى ، وسيحيي روح النصر في النفوس .

أجل ! سيخرج على اسم الله ، كما قال الشاعر الشيعي دعبل الخزاعي في قصيدته التائية المعروفة التي أنشدها بين يدي الإمام الرضا (علیه السلام) :

خروج إمام لا محالة خارج* يقوم على اسم الله والبركات

يميز فينا كل حق وباطل* ويجزي على النعماء والنقمات(1)

قال دعبل : ثم قرأت باقي القصيدة فلما انتهيت إلى قولي :

خروج إمام لا محالة واقع * يقوم على اسم الله والبركات

بكی الإمام الرضا بكاءً شديداً ثم قال : يا دعبل، نطق روح القدس بلسانك. أتعرف من هذا الإمام؟! قلت : لا إلا أنّي سمعت خروج إمام منکم يملأ الأرض قسطاً وعدلاً . فقال : إن الإمام بعدي ابني محمد وبعد محمد ابنه علي وبعد علي ابنه الحسن وبعد الحسن ابنه الحجة القائم ، وهو المنتظر في غيبته ، المطاع في ظهوره ، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً ... »(2).

نعم جاء في الأحاديث الشريفة أن « المهدي منصور بالرعب ، ومؤيد بالنصر » يعني : ينفذ الرعب حين الظهور إلى قلوب المستكبرين ، وتثب قوی الغيب الخفية لنصرته ونصرة أعوانه . وسوف تؤدي هذه القوي مهمتها في محلها المناسب . وأحد نماذج ذلك - على أساس الأحاديث الوافرة - هو سحق وإنهاء جیش « السفياني » الجرار في بيداء بين المدينة ومكة .

ولا يتنافی كل هذا الإمداد مع ضرورة حضور الجماهير في الميدان ، حيث إن المهدي (علیه السلام) يدعو الناس إلى الحق ونصرته ، ويطلب العون والدعم منهم ، كما أشرنا .

18- لا ... للاتكالية ..

مع الالتفات للأفكار والمبادىء التي تقدمت في الفقرات السابقة ، وعبر المرور على أحاديث أهل البيت (علیهم السلام) يتضح بجلاء أن الأشخاص الذين يؤثرون العافية ، ويتصورون أن عجلة الحياة تمضي في حركتها القويمة بمجرد ظهور


1) الغدير ج 2 ص 354 .

2) الغدير ج 2 ص 355.

الإمام الثاني عشر (علیه السلام) دون أي عناء وجهاد ، وتحل كل مشکلات البشرية ، وتجتث كل القوى الشيطانية بمالها من أدوات ووسائل وجيوش . لحظة واحدة ثم يعود العالم مهيّأً مرفّهأ يملا العدل والإحسان أرجاءه ليقدم إلى السادة المحترمين ، يقعون في خطأ فاضح . وإن هؤلاء ليسوا بمنتظرين في واقع المفهوم الإسلامي وفي ثقافة التشيع . ومثل هذه النماذج التي تسرح في عافية في مراحل قبل الظهور ، وتقف على التل في صراع الحق مع الظلم والظالمين ، وتثني عطفها لكل نهضة إسلامية وتحرك اجتماعي ، وتنسج لشخصيتها لوناً من التقديس التقليدي ، وتصورت أنها تطوي عمرها بيسر وهدوء ، وإذا حل اليوم الموعود « الظهور » فيعمر العالم بسرعة البرق ويضحي محل أمن واستقرار وعافية ، مثلها مثل الأعمى في ظلام . فكيف يمكن أن يقبل هذا اللون من التصور في إطار مدرسة عملية فعالة مجاهدة ترفع شعار الشهادة ، وتصوغ أبناءها على نهج الزهد ، مدرسة النهضة التغييرية الشيعية ؟! .

وكيف يقبل أئمتنا مثل هذه العناصر في حساب شيعتهم ؟ ولنلاحظ الآن ما قاله هؤلاء أنفسهم :

«قلت لأبي جعفر (علیه السلام) : إنهم يقولون : إن المهدي لو قام لاستقامت له الأمور عفواً ، ولا يهريق محجمة دم ، فقال : کلَّا، والذي نفسي بيده لو استقامت عفواً ، لاستقامت الرسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) حين أدميت رباعيته وشج في وجهه . کلاَّ والذي نفسي بيده حتى نمسح نحن وأنتم العرق والعلق. ثم

مسح جبهته »(1).

وفي حديث آخر عن الإمام الرضا (علیه السلام) أيضاً حيث جاءت روايته كما يلي :

لو قد خرج قائمنا (علیه السلام) ، لم يكن إلا العلق والعرق ، والقوم على السروج . وما لباس القائم (علیه السلام) إلا الغليظ ، وما طعامه إلا الجشب »(2).


1) بحار الأنوار ج 52، ص 358 ، 359 ، نقلاً عن الغيبة ، النعماني .

2) بحار الأنوار ج 52، ص 358 ، 359 ، نقلاً عن الغيبة ، النعماني .

وقد جاء نظير هذه الأحاديث بوفرة . ولذا يتحتم على رجال الحق أن تبني أنفسها لنصرة علي بن أبي طالب الثاني ، دون أن تصغي لكلمات الاتكاليين مؤثري العافية ، أو ضعفاء النفوس وصغار الهمم ، ودون أن يركنوا للاتكالية متناقضين مع السنة الإلهية ، وليكونوا رجال عمل وجهاد وشجاعة واقتدار وإقدام ومسؤولية .

للتوفر على الإستعداد بما في ذلك الاستعداد العسكري والقتالي أهمية بالغة إلى الحد الذي ألفتت أنظارنا إليه متون الأدعية والزيارات ، كما علمتنا زيارة السرداب المقدس التي نقرأ فيها ما يلي :

« اللهم كما جعلت قلبي بذكره معموراً ، فاجعل سلاحي بنصرته مشهوراً » . ونقرأ في هذه الزيارة المباركة أيضاً :

« وإن حال بيني وبين لقائه الموت - الذي جعلته على عبادك حتماً ، وأقدرت به على خليقتك رغماً - فابعثني عند خروجه ظاهراً من حفرتي مؤتزراً كفني ، حتى أجاهد بين يديه ، في الصف الذي أثنيت على أهله في كتابك ، فقلت : ( كأنهم بنیان مرصوص ) »(1).

لاحظوا أن الحديث عن « السلاح المشهور » و « البنيان المرصوص» . وإذا كانت العودة من القبر - باللطف الإلهي - فهي عودة للجهاد والنضال ، والاتّزار بالكفن ، وحمل السلاح على السواعد . وهذه الفعالية والمقاومة متوقعة ومطلوبة من مترقبي حكومة الحق ومنتظري الدولة المهدوية .

19- ملحمة كبرى ، ومقتلة عظيمة

الملحمة في استعمالات العرب التقليدية تأتي بمعنى « الموقعة عظيمة القتل في الحرب » والملحمة أخذت من مادة « لحمة » . وقد قيل للحرب


1) مفاتیح الجنان ، فصل زیارات صاحب الأمر (علیه السلام) .

الدامية كثيرة القتل ملحمة ، لبلوغ المتقاتلين في مواجهتهم حد لحمة بعضهم بعضاً .

وقد انساق الحديث في آثار السالفين ، وفي النصوص الإسلامية حول وقوع الملاحم . يعني : إن هناك ملاحم ستقع حین بروز ثورات آخر الزمان ، وعلى طول المدة الواقعة قبل الظهور والمتاخمة له . نعم الحديث حول إراقة الدماء والمجازر الكبرى ، ويساق المستكبرون والظالمون فوجاً فوجاً للذبح ، فَتُلَوّنُ الدِّماء كُلَّ مكان وتمتليء بطونُ وحوش الصحراء ، وسباع الجو من الجثث المتناثرة(1).

يسحق أعداء الحق والعدالة على هذا المنوال ، ويذل المستكبرون الواحد بعد الآخر ويدمرون . وتلون الأرض وتجري الأنهار بدماء الظالمين والجبارين المنحطين والمزيفين من رجال الدين .

وقد علمونا ودفعونا للاستعداد لهذه المقتلة العظمى وهذا التطهير العالمي الواسع . وأي استعداد أفضل من هذا الذي حضّونا على التماس الباری تعالی ليتحقق هذا التطهير الواسع وهذه الحرب العظمى . كما جاء في الذكر الخاص بالمهدي (علیه السلام) :

« وأقم به الحرب .. »

وقد ألفتوا أنظارنا لمفهوم الشهادة بالنسبة لقضية الاستعداد لحين الظهور ، ونصرة المهدي (علیه السلام) بغية أن ترتفع روح التضحية والإقدام ، لنرد بهما ميدان العمل . قالوا : إذا اشتشهدت - حيث إن الحرب والقتال ينطويان على شهادة أيضاً - فلا بد أن تكون مسروراً ، إذ إنَّك سوف تكون مرفوع الرأس شأن الشهداء الذين استشهدوا بين يدي رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فكل شهید منا في ركاب المهدي (علیه السلام) له أجر شهیدین .

فكل عناصر الانحراف والكفر ، وكل أعداء العدل والفضيلة ، وكل خصوم الإنسان والإنسانية الألدَّاء ، من الذي لا بد أن يقتلهم ؟ أنت ، أنت يا


1) بحار الأنوار ج 52، ص 246، 251 ، 388.

منتظر الظهور ، أنت يا شيعة المهدي . نعم أنت الذي لا بد أن تقتل . ولأجل أن نستعد بشكل أفضل فقد حسبوا أجر الشهادة في هذا النضال العظيم بأجر شهیدین ، وعدّوا ثواب قتل واحد من الأعداء يعدل أجر عشرين شهيداً . فسلام على هذا المذهب وهذه الرسالة ، المذهب والرسالة التي تقول : إن لك أجر شهيدين حينما تهب لنصرة قائد حكومة العدل العالمي . وحينما تقتل أعداءه -الذين هم أعداء الشرف والطهارة والإنسانية والعدالة والحق والفضيلة ، وورثة كل ألوان الظلم والجناية وكل ظالمي وجناة التاريخ - فلك في قتل كل واحد من هؤلاء المنحطين القذرين أجر عشرين شهيداً »(1).

« ومن أدرك قائمنا فقُتل معه كان له أجر شهیدین ومن قتل بين يديه عدواً لنا كان له أجر عشرين شهیداً » .

20- عالم المنتظرين

لا بد أن يكون لنا هدف ، ليعزز بعضنا البعض الآخر في تلمس هذا الهدف .

يصل الدور الآن لنطل على عالم المنتظرين ، والمترقبين . ومن الممكن أن تكون قدرتنا أفضل على رسم صورة هذا العالم وملاحظة ملامحه ومؤشراته عند هذه المرحلة من البحث . المنتظرون حملة لواء الحرية والخلاص . المنتظرون دعاة حلول يوم ، ومستقبلو طلوع الشمس .

وما قيل : من « أن الحياة تمضي في قمة متعالية على اليأس والمرارة وخطی الزمن الوئيدة » فهذه القمة المتعالية في الواقع هي حياة المنتظرين . وما قيل من : « أن الدنيا تتعطش للحكمة والأمل » فهذه الحكمة هي عين رؤية وبصيرة أتباع الحق . وهذا الأمل عين أمل الخلاص وكل ذلك أجمع إشراقة إطلالة الانتظار .

محقّ من يثيره سماع اسم « الانتظار » ، ويدفعه متشوقاً لمواجهة إطلالة


1) بحار الأنوار ج 52، ص 123 ، 317 ، نقلاً عن أمالي الشيخ الطوسي .

المنتظرين وليس مجانب للصواب . أجل ! فالمنتظرون أناس تمثل معرفة الحق كل وجودهم ، وقلوبهم كلها بصيرة ، ولحظاتهم كلها انتظار خلاص الإنسانية . أناس كل تطلعاتهم نحو طلوع صبح العدالة لتشرق أرجاء المعمورة بنور الحق ، ويملأ العدل والقسط كل موقع في العالم . حقاً إن نماذج هذا القطاع من البشر تدعو للإعجاب وتثير شوق لقائها . وحقاً نتساءل : كيف حال هؤلاء الأناس ؟

تخيل ، أنك وصلت إلى مدخل مدينة . وعند المدخل يقولون لك إن هذه المدينة مدينة المنتظرین ، وسكان هذا البلد في حال انتظار وهم يترقبون الطريق . فهنا تتساءل : ماذا ينتظر هؤلاء ، وأي شخص هم في انتظاره ؟ فيجيبون بالقول : إن عيون هؤلاء الناس ترقب رجلاً سماوياً ، لا يزال حياً مستتراً عن الأنظار ، وهو إمامهم والشاهد على ممارساتهم وأعمالهم . يترقبون ظهور هذا الرجل السماوي ، ليقلع ظواهر الظلم والعدوان عن العالم ، ويغرس فيه روح الإصلاح والصلاح ويملأه بالعدل والفضيلة ، ويرقى بالإنسانية المهتضمة حيث مقامها الشامخ ، ويعلن عن بلوغ الأيام والعقول والأنوار والإنسانية حينها ، ويصدح بيوم الخلاص ، هؤلاء الناس يتوفرون على مثل هذا التطلع ، ويترقبون مثل هذا الحدث ، وينتظرون قدوة كهذا ...

وحينما يطرق سمعك في مدخل المدينة هذا الحديث ، تأخذ بالهمس مع نفسك : بخ بخ ، یا سلام ، أي عظمة يتوفر عليها هذا القطاع من البشر ، وأي وضوح في الرؤية يمتلكون ، وأي حب للإنسانية به يشغفون ، وأي نفوذ في البصيرة ، ونظافة في السريرة يملكون ، وما أشد اندفاع هذه الجماعة وحماسها !...

ما أروع مجتمع هؤلاء وما ينطوي عليه من علاقات إنسانية ، وعدل في المعاملة ، وإنصاف ومروءة وعفة وفضيلة ، والتزام وتقوى ، وشرف وحرية ، وعقل ودراية ، واندفاع وثورة ، وصمود وصلابة ، وأمل ونشاط ، ونظافة ورقة ، وذوق وفن وتطلع نحو الجمال ، وارتباط مع الله ومناجاة ، كيف يكون هذا المجتمع في شجاعة وقتالية أفراده ، في مظاهرة الاجتماعية ، وفي خلقه

الإنساني ، وفي علمائه ومربيه وموجهيه ، في سوقه وقيمه الاقتصادية ، وفي مساجده ومدارسه ، في إدارته وسياسته ، في حكمه وحاکمية ، في قضائه وقضاته ؟ ومن هم ، ومن أي صنف هم سكان هذا البلد ؟ فيحدث نفسه ليدخل هذه المدينة مدينة المنتظرين المترقبين ، ويلقي نظرة أخرى على أوضاع سكانها ، عسى أن يتنفس الصعداء ، ويلتذّ ويشحذ بالأمل ، ويملأ أفقه شمولاً؟ وعمقاً وإيماناً قويماً ، ويتلمس بنفسه هويته الإنسانية ، ويصلي على شموخ عظمة عرفاء العظمة ...

يتحتم أن تكون دائرة منتظري المهدي الموعود (علیه السلام) مستجيبة متطابقة مع ما أشير إليه آنفاً ، ولا بد أن يكون تجسيد التشيع المنتظر أرقى وأرفع من ذلك ، وهو كذلك ...

21- التعاون والنصرة

اشارة

لقد ألقى الأئمة الطاهرون (علیهم السلام) الضوء على ما يتحتم من تلاحم صميم في أوساط المنتظرين . المنتظرون في عصور الغيبة يحملون أصل عقيدة ، ولهم أصدق مواقف الحق . فعقائد المنتظرين تتشكل وفق خلاصة أسس الإسلام ، وأساسيات حقائق القرآن ، كما أشرنا لها مراراً . المنتظرون يدعون أنهم يتطلعون لحركة تجسد أهداف الأنبياء المقدسة ، بدءا بآدم (علیه السلام) وإبراهيم (علیه السلام) حتى محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) ، وأهداف الأئمة بدءاً بعلي بن أبي طالب (علیه السلام) حتى الإمام الحسن العسكري (علیه السلام) ، لتصل بالبشرية للخلاص الكبير . وواضح أن العلاقة بين أبناء هذا القطاع العقائدي ، ذي الدور الخطير ، لا بد أن تكون في غاية التلاحم والطهارة والانسجام والمتانة والعمق . نلتقي بهذا الصدد ، وبصدد السلوك الإلهي الإنساني الذي يتحتم أن يحكم قطاع المنتظرین ، نلتقي بتعاليم حية شامخة ووافرة ، ومن نماذجها :

« عن جابر ، قال : دخلنا على أبي جعفر محمد بن علي - عليهما السلام - ونحن جماعة . بعدما قضينا نسكنا ، فودعناه ، وقلنا له : أوصنا يا بن رسول الله ! فقال : « ليُعن قویُکُم ضعیفَکُم ، وَلْيَعْطِفْ غَنیّکم على فقير كم ، ولينصیح

الرجل أخاه کنصحه لنفسه ، واكتموا أسرارنا ، ولا تحملوا الناس على أعناقنا ، وانظروا أمرنا وما جاءكم عنا ، فإن وجدتموه في القرآن موافقاً فخذوا به ، وإن لم تجدوه موافقاً فردّوه ، وإن اشتبه عليكم فقفوا عنده ، وردّوه إلينا نشرح لكم من ذلك ما شُرح لنا . فإذ كنتم كما أوصيناكم ولم تعدوا إلى غيره ، فمات منکم میت - قبل أن يخرج قائمنا ۔ كان شهيداً . ومن أدرك قائمنا فقتل معه كان له أجر شهیدین ، ومن قتل بين يديه عدواً لنا كان له أجر عشرين شهيداً »(1).

تشکل وصية الإمام العامة - أعلاه - معياراً لألوان السلوك الثقافي والسياسي والتنظيمي للشيعة في عصر الانتظار . والنموذج السلوكي المطلوب في إطار هذه الوصية هو « التعاون ». التعاون وتقديم الدعم ، واطلاع البعض على أوضاع البعض الآخر ، والتزاور ، والتلاحم ، وحب الخير ، وأن يقبل ذوو المكنة على أصحاب الحاجات بتواضع وأدب ، ويساهموا في رفع حاجتهم ... هذه المفردات تشكل جزءاً من الوظائف الأولية للشيعة المنتظرين .

لا بد أن يتفقد ذوو المكنة أصحاب الحاجات ، ويستوعبوا حاجاتهم . لا بد أن ترفع الهموم من قلوب المهمومين ، ويغنی ذوو الحاجة ، يتحتم أن يحب كل فرد الخير للآخر ، ويدعوه للخير والحسني والصواب . ولا بد أن يتفشى عمل الخير في الوسط ، وتدعو الأمة بأحادها بعضهم البعض لمعرفة وأداء العمل الصالح ، وأن يقدم العون في هذا السبيل . وهذه وصايا أئمتنا وقدوتنا .

ونشير هنا إلى أمرين مهمين آخرين بمناسبة ما يلزم الإنسان المنتظر من مسؤوليات ومزاج يتوفر عليه في أيام الغيبة :


1) بحار الأنوار ج 52، ص 123 ، نقلا عن أمالي الشيخ الطوسي .

أ- الإمساك عن اليأس ومحاربته

يلزم منتظرو حكومة التوحيد والعدل ، ومترقبو . استقرار أسس الفضيلة والحق أن يسدوا الطريق على نفوذ اليأس لنفوسهم، وأن لا يسمحوا لسمّ اليأس الهالك أن يتفشَّى في أرواحهم ، بحكم أي عامل من العوامل ، وعلى وجه الخصوص استغراق عصر الغيبة زمناً طويلاً ، وتصاعد إمكانيات قوی مستكبري العالم الكاذبة . لا بد أن يقلع اليأس من النفوس في ضوء ذكر الله وقدرته ، والاعتقاد بصدق الوعد الإلهي ، وعهود الأنبياء والأئمة وغيرهم من عظماء التاريخ .

لاحظوا حديث الإمام علي (علیه السلام) :

« انتظروا الفرج ولا تيأسوا من روح الله ... فإن أحب الأعمال إلى الله انتظار الفرج» .

ب - الصبر والصمود

لقد وصلتنا الكثير من التعاليم والمقولات أيضاً بصدد الصبر والتحمل والجلد الذي يمثل أرضية خصبة لتجلي قدرة الروح الإنساني ، وتبلور الإيمان والإفصاح عن جوهر الوجود والاستعداد . ونكتفي هنا بحديث عن النبي الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) .

« انتظار الفرج بالصبر عبادة »

وكما أشرنا فتوصية الإنسان المنتظر بالصبر تعني لزوم الأناة والجلد بالنسبة المسألة غيبة الإمام ، ورفع حالة الوسوسة والتزلزل بالنسبة لقضية مبدأ الفرج الكلي . ولا تعني بالنسبة للجماهير المسؤولة الإمساك عن اتخاذ الموقف الجسور المناسب في أي يوم كان .

22 - المساواة في الأموال ، المساواة

جاء في أحاديث وتعاليم الدين ، وعبر واقع الإسلام الحقيقي أن النبي الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) قسم الأموال بين المسلمين بالسوية :

« أليس كان رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) يقسم بالسوية بين المسلمين ؟ »(1).

وقد جاء هذا الحديث جواباً أفصح عنه الإمام علي (علیه السلام) في رد اعتراض طلحة والزبير .

جاء طلحة والزبير علياً (علیه السلام) مطالبين الإمام أن يقتلهما في العطاء على سائر المسلمين ، كما كان يفعل معهم في خلافة الماضين . وقد أجابهم الإمام ذلك الجواب معلناً عن اقتفاء سبيل الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) . كما جاء في الأحاديث المباركة الكثيرة أنَّ علياً (علیه السلام) أيضأ كان يقسم الأموال بالسوية . وكانت هذه الظاهرة سمة وامتيازاً مشهوراً اختص به علي (علیه السلام) ، كما أن مقولة « أقسمكم بالسوية » جملة نبوية صدرت في حق إمام الإنسانية العظيم علي (علیه السلام) .

كما جاء في الأحاديث الكثيرة أيضاً أن المهدي يقسم الأموال بالسوية ، وإليك ثلاثة نماذج منها :

1- قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) : « أبشركم بالمهدي ... يقسم المال صحاحاً ، فقال له رجل وما صحاحاً ؟ قال : بالسوية بين الناس »(2).

2- قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) : « ويقسم بالمال بالسوية(3)

3- « ويسوّي بين الناس حتى لا تری محتاجاً إلى الزكاة »(4).

وهذا هو جوهر بُغيَةِ الأنبياء ، وروح رسالة الإسلام ...

23- المسجد معبد ، ومذخر سلاح

لِمَ قلنا إنه يتحتم أن يكون مجتمع الانتظار تجسيداً عملياً للمقاومة لا للتسليم ؟ قلنا ذلك لأن مجتمع الانتظار يعني مجتمع يتصل بمجتمع الظهور .


1) المناقب ، ابن شهر آشوب ج 2 ص 110- 111 .

2) منتخب الأثر ، ص 147 ، نقلاً عن مسند احمد ج 3، ص 37. وبحار الأنوار ج 51، ص 81، 92.

3) بحار الأنوار، ج 51، ص 84 ، نقلاً عن كشف الغمّة .

4) بحار الأنوار ، ج 52، ص 39.

والواقع العملي لمجتمع الظهور -في المحيط الإسلامي -(1)يجسد المقاومة ... لِمَ ؟ لكي يتمكن من مواكبة المهدي ونصرته عن طريق مقاومته العالية وطاقاته المهيأة . قلنا فيما مضى إن المهدي (علیه السلام) يستنصر الناس ، ويطلب من بينهم أنصاراً، وأعواناً .

ومن حيث الأساس يعتمد المنهج الإسلامي القوة والعزة ، لتعلو النفوس شامخة . وفي بعد آخر نجد أن الجماهير حينما تتدخل بشكل مباشر في تجسيد أمر ما ، فسوف تلتحم وتتعمق أواصرها معه ، كما أنها سوف تقترب من الله تعالي وتنال أجره وثوابه . وقد أكد النهج الإسلامي تأكيداً شديداً ، وحضَّ الناشئة على رعاية سلامة الجسم ، وتطوير القابلية البدنية ، وممارسة الرماية وسباق الخيل . وقد كان النبي الأكرم والأئمة الطاهرون أنفسهم يتلمسون الفرصة للمشاركة في هذه الفعاليات الدفع الأمة وشبابها وترغيبها بهذه

الفعاليات .

كما جاء في الأحاديث المباركة أنَّ المهدي يظل محجماً عن التحرك بعد وصول «313» نفراً من أنصاره المستخلصين ، ولا يشرع في ثورته العالمية حتى يلتف حوله عشرة آلاف ممن يلتحق به لنصرته . وجاء في بعض الأحاديث الأخرى أنَّ : « سبعين ألف صديق سيكونون في أصحاب المهدي وأنصاره » .

من هنا تحتم أن تتناول قضية الاستعداد ، والتدريب العسكري بشكل بالغ الجدية ، وأن تولي اهتماماً كبيراً ... کنت منذ سنين مؤمناً بضرورة تمتع الشباب المسلم وحتى طلاب الحوزات العلمية بالقابلية واللياقة البدنية المطلوبة ، وضرورة ممارستهم التدريبات العسكرية اللازمة ، ومختلف فنون الرياضة البدنية ، وأن يطلعوا على مختلف فنون مواجهة العدو ، ويتوفروا على السلاح ومعرفة استخدامه . وما زلت أؤكد على هذه الضرورة حتى الآن.

فكما أنَّ مساجدنا مواقع للعبادة ومدارس للعقيدة يتحتم أن تكون أيضاً مدارس الجهاد ومعاقل للثورة . لا بد أن يكون المحراب منطلق حرب مع


1) سوف تحصل مقاومة أيضاً من قبل قوي وتجمعات المحيط اللاإسلامي ، وسيقفون في مواجهة المهدی (علیه السلام) . ولا بد أن تسحق هذه المقاومة وتدمر على يد أنصار المهدي (علیه السلام) .

الشيطان وحرب مع الطاغوت الذي يمثله الاستكبار العالمي ، والظلم والتجاوز الاجتماعي ، والانحراف السلوكي ،...

يتحتم أن يحتل السلاح زاوية من المسجد ، كما تحتل كتب الأدعية والمصاحف محلاً ، وكما تحفل المكتبة بمثولها في زاوية من زوايا المسجد . ليتعلّم شباب المحلة فنون السلاح ، ويرتبطوا بالمساجد وفق تشکیلات أصولية ودقيقة . ليحملوا السلاح فور وقوع أيّ خطر دفاعاً عن كل القيم المقدسة . وحينما يفهم العدو أن الجماهير مسلحة فسوف يضعف احتمال هجومه ، وتنتهي فعالية الاستعداد المسلحة لخفض نسبة الحرب لا إلى تصعيدها .

أمتنا وشبابنا لا بدَّ لهم من الإصغاء باستمرار لهذه الآية المثيرة للاندفاع :

(وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك ، وليأخذوا أسلحتهم ، فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ، ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك ، وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ، و الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون علیکم ميلة واحدة ... )(1).

فهذا تعلیم قرآني يأمر بإقامة الصلاة بشكل مسلح ، ويوصي بعدم إغفال السلاح ووسائل الحرب . وتمضي تعاليم الأئمة أيضا على هذا النهج . وإذا أردنا الإصغاء لأحاديث أئمتنا فلا بد من أن نتسلح على الدوام ، حتى لو توفرنا على سلاح أولي بسيط . وقد أوردنا في الصفحات الماضية توجيهاً بهذا الصدد عن الإمام جعفر الصادق (علیه السلام) . كما أشرنا فيما تقدم إلى مسألة التنظيم التعبوي وإيجاد تشکیلات دقيقة ومقتدرة وأكدنا على أهمية هذه المسألة .

يمكن للمساجد أن تكون أهم قواعد تشكيل التنظيمات ، وإيجاد مكاتب للعلاقات يطمئن بها ، وتتمتع بفعالية عالية ، خصوصاً إذا التفتنا للبعد


1) سورة النساء : الآية 102.

الجماهيري للمسجد والعلاقة الحميمة القائمة بين المسجد وجماهیر محل المسجد .

المسجد كما قال الإمام الخميني : «خندق، ولا بد من الحفاظ على هذا الخندق » . لنتحدث الآن عن تسليح الشباب في ضوء الرسالة والمسؤولية والالتزام والمسجد ، لا بدَّ من التأكيد الكبير على ضرورة تعرف الشباب على أسلوب اقتناء السلاح ، والاقتداء بسلوك وأخلاق « الفارس » ، التي جاءت في الكتب ذات العلاقة . يتحتم بدءاً التحلّي باللياقة الأخلاقية على حمل السلاح ، ثم يأخذونه بأيديهم بعد ذلك. فأخلاقية اقتناء السلاح - وفق الموازين الإسلامية - مسألة في غاية الأهمية ، ويجب رعايتها .

24- یا لثارات الحسین

« یا لثارات الحسين » شعار يتفاعل في شرايين أبناء التشيع على الدوام ، یا لثارات الحسين = هلمّوا للمطالبة بدم الحسين ! لقد انطلق هذا الشعار الثوري ظهيرة عاشوراء من عمق أرض كربلاء الدامية ، وصُبّ في وعاء الشمس ، فلوّن كل شيء بلون الدم القاني ، فسقى الشفق الدامي ، وملأ الفجر المستفيق ، فعمَّ الجبال والأودية ، والصحاري والغابات والأنهار والبحار ، والعامرة من الأرض والمدن ، والقرى والأرياف ، وأضحى شاملاً لكلّ مكان في كلّ زمان ، فأثار فورة الدماء ، وأعطى للنهضات وجهتها .

هذا الشعار هو الذي صيّر كل أرض كربلاء ، وكل شهر محرماً ، وكل يوم عاشوراء ... وهذا الشعار نفسه سوف يحتل موقعاً على راية ثوار مرحلة الثورة الكبرى ، ثورة المهدي .

قال الإمام جعفر الصادق (ع) :

« ورجال كأن قلوبهم زبر الحديد لا يشوبها شك في ذات الله ، أشد من الحجر ، لوحملوا على الجبال لأزالوها . لا يقصدون براياتهم بلدة إلا خربوها . كأن على خيولهم العقبان يتمسحون بسرج الإمام (علیه السلام) يطلبون بذلك البركة ،

ويحفون به ، يقونه بأنفسهم في الحروب ، ويكفونه ما يريد منهم . رجال لا ينامون الليل ، لهم دوي في صلاتهم کدوي النحل ، يبيتون قياماً على أطرافهم ويصبحون على خيولهم ، رهبان بالليل ، ليوث بالنهار ، هم أطوع له من الأمة لسيدها ، كالمصابيح كأنَّ قلوبهم القناديل . وهم من خشية الله مشفقون . يدعون بالشهادة ، ويتمنون أن يقتلوا في سبيل الله ، شعارهم : یا لثارات الحسین . إذا ساروا يسير الرعب أمامهم مسيرة شهر ، يمشون إلى المولى أرسالا ، بهم ينصر الله إمام الحق »(1).

25- رايات خراسان السوداء

منذ السالف من الأيام حيث كان الحديث يدور حول المهدي ، وفي الأحاديث الواردة عن النبي الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) والأئمة الطاهرين (علیهم السلام) انساق القول عن رايات خراسان السوداء ، يعني : رايات سوداء تأتي من صوب خراسان ، وتتحرك في هذه الرايات جماهير من الناس . قيل إنَّ هؤلاء يلتحقون بأنصار المهدي ، وينتصرون له حتى إقامة دعائم حكومة العدل والقسط واستلام المهدي زمام الأمور .

وقد أفرد المحدث السنّي المعروف علاء الدين المتقي الهندي « المتوفي عام 975 » في كتابه « البرهان في علامات مهدي آخر الزمان » باباً خاصاً لهذا الموضوع ، وقد أورد في هذا الباب «26 » حدیثاً عن طريق أبي داود ، ابن ماجة ، أحمد بن حنبل ، الترمذي ، الطبراني الحاكم النيشابوري ، نعیم بن حماد ، سعید بن المسيب وغيرهم ... وقال : جاء في هذه الأحاديث على لسان النبي الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) والإمام علي (علیه السلام) ما يلي :

« إذا رأيتم الرايات السود خرجت من قبل خراسان فأتوها ولو حبواً على الثلج فإن فيها خليفة الله المهدي .


1) بحار الأنوار ج 52 ص 308.

تجيء الرايات السود من قبل المشرق كأنّ قلوبهم زبر الحديد ... رهبان في الليل فرسان في النهار »(1).

وقد نقلنا من قبل مقالة بعض أهل السنة حيث قالوا : إنّ المقصود بالرايات السوداء « التي وردت في الأحاديث » هي رايات تأتي زمن المهدي وليس المقصود بها رايات أبي مسلم الخراساني السوداء .

26- نهضة الموطئين من المشرق

بعد الإشارة لأبعاد ظاهرة « الانتظار » العميقة ، والخصوصيات الضرورية التي يجب أن يتوفر عليها قطاع المنتظرين ، وبعد إيضاح دور قوى الجماهير في مرحلة الظهور ، وأهمية التعبئة العامة ولزوم الاستعداد والترقب ، تلزمنا الإشارة لحديث في غاية الأهمية .

فلعلَّ لدينا من أهل العلم والمتدينين من يحسب - نتيجة الضعف والسذاجة وفقدان النظرة الاجتماعية والإنسانية وتجاوز السنن الحكيمة الإلهية - أن العالم حين الظهور يغرق بكل أماكنه بالفساد والضياع ، حتى الأرض الإسلامية ، ومدن وبلدان عالم التشيع .

وفي مثل هذه الظروف يتفق وقوع الظهور العظيم . غير أن التصور وفق الأحاديث المباركة ليس كذلك .

صحيح أن عالم عصر الظهور عالم يمتلىء بالظلم والجور ، إلا أن هناك في زوايا هذا العالم ، وخصوصاً في المعمورة الإسلامية والشيعية جماهير - رغم ندرتها بالقياس لجماهير أرجاء العالم وتعداد سكان كل البشرية - تعتقد بالحق وعلى بصيرة بأمره ، وتترقب سبيل المهدي ، وتمضي حياتها مهيأة للالتحاق به وإعانته ونصرته . ومن خلال ملاحظة الأحاديث والأفكار التي ذكرت في هذا الفصل نفسه ، يتّضح أنَّ هذه الجماهير المنتظرة تنتظم وتأتلف ، ولها تشكيلاتها وقوتها . ولا يمكن أن يكون الأمر غير ذلك . يعني أن حكمة التكليف وطبيعة


1) البرهان ص 147 ، 152 .

الإرادة الإلهية والسنن الربانية والقوانين الاجتماعية تقتضي ذلك أيضاً. فقد جاء في عدة روايات - نقلها السنة والشيعة - أن هناك جماهیر تنهض قبل الظهور وتهييء مقدمات حكم المهدي .

خصص الحافظ أبو عبدالله الكنجي الشافعي - المحدث السني المعروف - الباب الخامس من كتابه « البيان في أخبار صاحب الزمان » لهذا المفهوم ، وعنون هذا الباب ب « الباب الخامس ، في ذكر نصرة أهل المشرق للمهدي - عليه السلام » . ونقل في هذا الباب حديثاً عن النبي الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) :

« يخرج أناس من المشرق فيوطئون للمهدي سلطانه »(1).

ويعلق الحافظ الكنجي بعد نقل الحديث بالقول :

هذا حديث حسن صحيح روته الثقات والأثبات ، أخرجه الحافظ أبو عبدالله بن ماجة القزويني في سننه .

في كتب ومصادر الشيعة جاءت هذه المضامين والأحاديث أيضاً وروي عن علي (علیه السلام) قوله :

« يكون مبدأه « أي المهدي » من قبل المشرق »(2).

وقد ذكرت الأحاديث حضور العجم « الإيرانيين » أيضاً في مرحلة حكم


1) البيان في أخبار صاحب الزمان ، بحار الأنوار ، ج 51، ص 87، وقد نقل هذا الحديث أيضاً في كتاب البرهان ، للمتقي الهندي ، ص 47.

2) بحار الأنوار ج 52 ص 252 ، نقلاً عن الغيبة ، النعماني . المراد بالمشرق الذي جاء التعبير به في أحاديث المهدي (علیه السلام) هو شرق العالم الإسلامي في مقاييس القرون الأولى للإسلام . وعلى هذا الأساس ينطبق هذا التعبير على أرض خراسان والأقسام الشرقية حتى المقطع المركزي لإيران . ويؤيد القسم الأول أن اسم « خراسان » جاء بالتصريح في بعض الروايات . ویؤید القسم الثاني « الانطباق على الأقسام الشرقية » أيضاً تصريحات جاءت في بعض الأحاديث ، ومنها التعبير في حديث ب « خراسان الكوفة » « البرهان ، المتقي الهندي ، ص 150 » كما يؤيد هذا المفهوم ما جاء بصدد « الطالقان » وأنصار المهدي (علیه السلام) القادمين من طالقان . ورغم أنّ طالقان اسم أطلق على أربع أو ثلاث مناطق وفق الجغرافية القديمة للعالم الإسلامي ، إلا أنَّ المراد منها عين طالقان المعروفة وضواحيها ، التي تقع في القطاع المركزي من الأرض الإيرانية .

المهدي (علیه السلام) - كما أشرنا من قبل - ويحكي ذلك عن حضور جماهير في الميادين المختلفة لحكم المهدي ، لتهيّيء مقدمات هذا الحكم ، كما تشكل دليلاً على ضرورة الاستعداد لحلول تلك الأيام ..

وعلى هذا الأساس يُجاب على الإشكال الذي طرحه بعض المفكرين الاجتماعيين السالفين ، والذي مفاده : كيف تتحقق حكومة المهدي دون توطئة وبدءاً من الصفر الساكن ؟ فهذا المستشكل لم يلاحظ بإمعان مجمل الأحاديث والأفكار المتعلقة بالظهور . فتحقق هذه الحكومة لم يك دون مقدمة وبدءاً بالصفر الساكن ، بل عبر مقدمة وتوطئة ثوار المشرق وحركة رايات خراسان والخراسانيين . إذن ، فهي تبتديء. بالمتحرك الذي تمثله : الجماهير المؤمنة البصيرة المنتظرة الناهضة ...

وهنا يمكن تصور أن المنتظرين أنفسهم قبل ظهور الحق والعدل الكامل ينهضون في محيطهم - وفق المسؤولية الرسالية - على أثر ما يرونه من ضغوط الفساد وبعد ما يشهدونه من هتك للأحكام والنوامیس . ويفلحون إلى حدود - رغم كونها محدودة بالنسبة لمستوى العالم - ولعلهم يشكلون حكماً في زاوية من العالم . وهذا الإنتصار نفسه يشكل أرضية لتجمع وانضمام الصفوف المؤمنة البصيرة المتحركة المنتظرة ، وهذه الصفوف نفسها هي التي تستجيب لنداء المهدي ، وينتهي أمرها لمرحلة دعوته ، وتشكل الوجود الأساس لورثة الأرض وللمقاومة المؤمنة .

هناك حديث رُوي عن الإمام محمد الباقر (علیه السلام) في المصادر المعتبرة يمكن أن ينطبق على هذا المفهوم(1)والحديث هو :

عن أبي خالد الكابلي ، عن أبي جعفر (علیه السلام) أنَّه قال : «كأنّي بقوم قد خرجوا بالمشرق يطلبون الحق فلا يُعطَوْنه ،


1) المعني بهذا المفهوم هو المقطع الأخير من الفقرة التي بين أيدينا وهو نهضة ثوار يمسكون بزمام الأمور ، ويسلمون حكمهم وإمكاناتهم للمهدي (علیه السلام) وإلَّا فمفاهيم الاستعداد. وضرورة التهيؤ - حتى الاستعداد العسكري والقتالي - التي ذكرناها حتى الآن ، جاءت في الكثير من الأحاديث القطعية غير القابلة للتردد والشك .

ثم يطلبونه فلا يُعطونه ، فإذا رأوا ذلك وضعوا سيوفهم على عواتقهم ، فيعطون ما سألوا ، فلا يقبلونه ، حتى يقوموا ، ولا يدفعونها إلا إلى صاحبكم ، قتلاهم شهداء . أما إنّي لو أدركتُ ذلك لأبقيت نفسي لصاحب هذا الأمر »(1).

27- الظلم الشامل ، لا الكفر

يلزم مرة أخرى أن نذكر بأن الوارد في الأحاديث المباركة هو أنَّ أرجاء العالم حين الظهور تمتلىء بالظلم والجور لا بإنحراف العقيدة أو الكفر .. يعني : أنَّ الحال هناك لا يضحي بالشكل الذي لا نعثر فيه على عقائديين متدینین في أي مكان ، وليس هناك أي شخص يصرح بكلمة الحق والعقيدة والرسالة والأحكام الإسسلامية ، بل تعثر على جماهير مؤمنة تقول الحق والإيمان ، بل تعثر على جماهير تؤمن بالمهدي وآبائه وتنتظر ظهوره . فقد جاء في الأحاديث المباركة : إنَّ المسلمين آخر الزمان ينقذون من الفتن والضياع بواسطة المهدي كما أنقذوا في صدر الإسلام من الشرك والضلال بواسطة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) . يدلّ هذا النص كما تدلّ أحاديث كثيرة أخرى على حياة الدين ووجود المتدينين في عصر الظهور . والمفقود هو العدالة والمساواة ، والتكامل العقلي والعلاقات الإنسانية . ويؤمّن المهدي هذه المفردات ، وينشر الدين على ربوع الكثير من مناطق العالم الأخرى بمؤازرة المؤمنين. فمؤشر مرحلة قبل الظهور هو شيوع الظلم والجور والعدوان والتجاوز . وإذا سرحنا النظر بإتقان نجد العالم الآن على هذه الحالة ، وهو يمتلىء بالظلم والجور حتى أقاليم العالم الإسلامي .

ومع أخذ هذا الواقع بنظر الاعتبار يمكن ترقب ظهور حوادث عظمی ، و بزوغ طلائع دولة الحق . ومع الالتفات لهذا الواقع نفسه لا بد من التشبث بإعداد شباب الشيعة وغيرهم من المؤمنين برسالة الحق لنصرة المهدي (علیه السلام) ، والتعلق بعمق بهذه الممارسة . إن مفهوم الاستعداد لا ينبغي أن يُغفَل عنه بعد


1) بحار الأنوار ج 52، ص 243 ، نقلاً عن الغيبة ، النعماني . وقد روي أيضا حديث قریب المضمون هذا الحديث عن النبي الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) ، في كتاب « البيان في أخبار صاحب الزمان » للحافظ الكنجي الشافعي .

الآن في مجتمعنا ، بل لا بد أن يبقى حياً فعالاً ، ليسري إلى سائر قطاعات الامة الإسلامية الأخرى .

28- أنصار مهيأون ومعركة مستمرة

أشرنا إلى وجود سیاقين تربويين أساسيين في ثقافة التشيع ، يتحتم الإفادة منهما على الدوام ، واستلهامهما والاستنارة بهما. أحد هذين السياقين هو « الدعاء » والأخر « الزيارة ». وقد استثمرت « مدرسة الدعاء والزيارة » في تخطيط البرنامج التربوي للأئمة الطاهرين بشكل عظيم على طريق إيصال التعاليم والمعارف للأمة . فعبر نصوص الدعاء والزيارة وردت مفاهيم إسلامية بناءة وافرة . وقد أراد أئمتنا (علیهم السلام) أن تصغي جماهيرنا حين قراءة الأدعية والزيارات للمفاهيم والوصايا التي جاءت بها . وفي جو الصفاء الروحي تهضم هذه المفاهيم الخالصة ، وتصاغ الشخصية في ضوئها . نقرأ في الزيارة :

« ونصرتي لكم معدَّة ... »(1).

كيف وأيّ شيء هي هذه النصرة ؟ فإذا كنا نحن الشيعة نقرأ ونقول بصدق : « یا قدوة الدين نحن مستعدون على الدوام لنصرتكم » فهل أن هذا الاستعداد سوف يتحقق بمجرد الكلام ؟

وهل أن الاستعداد لفظ فحسب ، أم أنَّ الاستعداد لأجل الإمداد والعون وتهيئة وسائل النصرة والإعانة ؟

ويتوفر الاستعداد لتقديم العون في عصر الغيبة على خصوصية أخرى . وهذه الخصوصية هي الاستعداد والتهيؤ للمشاركة في النهضة الكبرى ، والملحمة العظمى - التي أشرنا إليها فيما مضى -. فالعناصر التي تعشق المقام الرفيع لإمام العصر (علیه السلام) ، وتصدق في حبّها ، وترغب أن تكون صاحبة فعل وعمل لا لفظ وقول ينبغي لها أن ترحب بثورة الإسلام في إيران، حيث إنَّ


1) وردت في « زيارة الأربعين » ، كما جاءت في الزيارة « الأيات الربانية » بصيغة « ونصرتي معدة لكم » .

شبابنا تستعد للدفاع والحرب ببركة هذه الثورة ، ولا بد لنا من دفع شبابنا للتمتع بهذا الاستعداد والحفاظ عليه . كما نقرأ في الزيارة :

« سلم لمن سالمکم ، وحرب لمن حاربکم »(1)

ماذا يعني هذا الشعار الثوري الكبير ؟ أيعني غير أنَّ جماهير الشيعة يتحتم عليها الانسجام مع كل فرد أو حركة أو حكم يتبع الحق ويسلم له ، ويقف بوجه كلّ فرد وحركة وحكم يواجه الحق ويقاتله ويقاومه ؟ أجل يتحتم على الشيعة قتال المستكبرين والظالمين المستمر : حرب لمن حاربکم ...

فهذه تعاليم لا ينبغي إغفالها ، ولا أقل لا ينبغي إغفالها بعد الآن .

29- تحریف مفاهيم القرآن مشكلة على طريق المهدي (علیه السلام)

استغلال كتاب الله وسوء الاستفادة منه إحدى أكبر المشكلات على طول تاريخ الإسلام . القرآن الكريم كتاب الله العزيز ووحي السماء العظيم ، وأحد الثقلين اللذين تركهما النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) لهداية البشرية . يهتزّ وجدان كل مسلم حينما تقرأ آية منه في أي وقت . وهذه عظمة كلام الله وأثر الوحي القدسی . إلَّا أنَّ المؤسف هو أن البعض يسيئون استثمار هذه القداسة وهذا التأثير الروحي ، وينصبون القرآن ذريعة ويحرّفون مفاهيمه بغية كسب عناصر وأفراد قليلي الثقافة أو فاقديها ، ويجرون هؤلاء صوب الانحراف عن القرآن وأهدافه باسم القرآن وتفسير القرآن ، وأحياناً يجعلونهم إزاء القرآن وفي مواجهته . وتقف هذه المشكلة على طريق الإمام الكبير المهدي الموعود أيضاً، غير أن أمثال هذه العناصر لا تستطيع أن تتقدّم بفعلها في ذلك اليوم . وتعيدهم حكومة القهر المهدوي إلى صواب السبيل ، أو تقتلعهم من الطريق اقتلاعاً .

ولا بدَّ أن يتضح أن المؤمنين المخلصين والمنتظرين الواعين سوف


1) الزيارة الجامعة .

يلتحقون بخليفة الله ويعبرون هذه الأمواج بسلامة على ظهر مركب المعرفة والإيمان والعمل . من هنا تحتم أن تكون العقيدة والعمل على الصواب وأن تكون القلوب على الطهارة « وتحفظ هذه الطهارة وتنقل هذه العقيدة والطهارة جيلاً لجيل » لتستطيع الجماهير زمن الظهور الالتحاق بحركة الحق وداعيه .

و يتحتم على المنتظرين في مرحلة الانتظار بناء أنفسهم والاهتمام بصياغتها ، بحيث لا يقف أمرهم على مجانية مواجهة الإمام فحسب ، ولا على عدم الإصغاء لتأويلات المضلين في آيات القرآن فقط ، ولا على عدم الضعف ، والوقوف مكتوفي الأيدي في مواجهة بزوغ الفجر الأعظم(1).

بل يلتحقون بالمهدي (علیه السلام) وكأنهم الشهاب الثاقب ويحتلون موقعهم في صفوف أنصاره ، ويصدحون بندائهم في بنيان مرصوص كأنهم ليوث البيداء ، ويكونون كالسعير في إحراق الباطل، وكالسيل الجارف في اقتلاع جذور الجور ، ويكونون كالجبل الراسخ في نصرة الحق وإعلائه .

30- الحكومة الفاطمية

الرسالة العظمى للمهدي الموعود ، أعني : المصلح الفاطمي ، والمغير الكبير ، وثائر التاريخ والعالم الأخير هي : أن يظهر للوجود عالماً إنسانياً موحداً ورشيداً . ويغمر ميدان الحياة الإنسانية بكل ألوان الأصالة الصادقة ، ويصنع عالماً يملأ العدل والقسط أرضه . على هذا الأساس فدولة المهدي دولة عالمية ، وحكومته حكومة أرضية ، أي أعم من الحكومة العالمية . إذن العدالة التي يأتي بها المهدي لا تنحصر في العدالة الاجتماعية - كما قلنا سابقاً - بل هي عدالة حياتية تعم كل أرجاء الكوكب ، يعني : أنه يقيم العدالة في كل الظواهر والقيم، والاستثمارات ، والمنافع ، وفي كل شؤون ومقتضيات هذا الكوكب - كما أراد الله -. أجل ، فالمهدي (علیه السلام) سيقود مسيرة حياة منسجمة ،


1) واضح أنه في ذلك اليوم لا يقتصر الأمر على بوار اللامبلاة ، والضعف ، والتحايل ، والتحزّب ونظائرها ، وعدم فرضها على الأمة . بل سوف تواجه هذه المؤامرات السرية والعلنية بلا وجل بواسطة السلاح ، وسيعود الوسط الاجتماعي مطهرة من هذه العناصر ، وهذه الممارسات .

ويوجه انسجاماً متحركاً ، عميقاً وشاملاً ، مدهشاً وسارياً ، وإيقاعاً عادلاً . وبظهوره ينتهي العالم لاتباع نهج الحكم الفاطمي ، والمهدي : - وليد السيدة الكبرى فاطمة الزهراء (علیها السلام) - سيحكم على أرجاء الأقاليم البشرية . وستتجلی فيه كل خصوصيات المصلحين والأنبياء . وسيقود قافلة البشرية الكبرى .... إمام فاطمي .....

31- الدولة العالمية

« والأرض ستكون موقعاً لرجل أقدر وأفضل »

إحدى الخصوصيات المشهورة لدولة « المهدي الموعود » هي عالميتها . فسوف تشمل حكومة المهدي شرق العالم وغربه ، ولا يبقى عامر من الأرض إلا وينبعث منه النداء المحمدي ، وتمتلىء أرجاء العالم بالعدل والقسط ويضحي كل شيء وكل موقع في ظل هذه الحكومة تابعاً للحق ومؤازراً للعدل وقد جاء في هذا الصدد الكثير من الأحاديث عن النبي الأكرم والأئمة الطاهرين .

الآن نعكف على نقل حدیث معتبر ، إذ إن المعارف الحقة هي عين معارف القرآن والحديث الشريف ولا غير :

« يملك القائم ثلاثمائة سنة ، ويزداد تسعاً ، كما لبث أهل الكهف في كهفهم ، يملأ الأرض عدلاً وقسطاً ، كما ملئت ظلماً وجوراً ، فيفتح الله له شرق الأرض وغربها، ويقتل الناس حتى لا يبقى إلا دین محمد ... »(1).

هذا الحديث - الذي نقلنا مقطعاً منه - روي في مصادر وكتب الحديث عن الإمام محمد الباقر (علیه السلام) . كما أن الشيخ الجليل الفضل بن شاذان « من علماء ومحدثي القرن الثالث الهجري » نقله في كتابه « الغيبة » عن الإمام محمد الباقر (علیه السلام) . والعلامة النوري أيضاً صرح باعتبار هذا الحديث ، وأضاف


1) بحار الأنوار ج 52، ص 390.

أن الفضل بن شاذان روی حدیثاً معتبر آخر بهذا المضمون نفسه(1).

أجل ، فالأحاديث كثيرة بصدد عالمية المهدي ، وهذا الأمر يتمتع بوضوح وشهرة ، فهو (علیه السلام) يجعل من الأرض ساحة لنداء «لا إله إلا الله ، محمد رسول الله » . تبلغ العقول کمالها في ظل حكم المهدي ، وتحسن الأجسام وتصح الأبدان ، وتتضاعف الطاقات والقدرات ، وينسحب العدل والقسط شاملاً ، وترتفع الحاجة ويغطي الغني كل مكان . وتطبق أحكام الله في كل مكان ، ويتوفر كل فرد حتى الفتيان وأمهات البيوت على علوم الشريعة ، وتنتعش سوح الدنيا بالعدالة في الأفاق وفي الأنفس. وتنزل بركات السماء بصورة كاملة ، وتخرج الأرض بركاتها كذلك ، وتحيا حيوانات الفيافي بأمن واستقرار ، ولا ترى ضرراً من غيرها ، وتغرق في نماء الطبيعة وخصبها وجمالها . تبلغ العلاقات الإنسانية أرفع وأنزه وأرق أشكالها و... وقد كانت - هذه الظواهر معروفة منذ القدم بحيث إن شاعر العرب الشهير أبو العلاء المعري يقول بهذا الصدد شعراً :

متى يقوم إمام يستفيد لنا * فيعرف العدل أجبال وغيطان(2)

هذه الأفكار والمفاهيم حول القيام الموعود مشهورة ومعروفة . فدائرة حكم المهدي (علیه السلام) لا تقتصر على أقاليم العالم الإسلامي ، بل لا تحد بعالم البشرية أيضاً ، إذ التعبير المعروف الذي استخدمته نصوص الأحاديث « يملأ الأرض ..» - كما أشرنا من قبل - والأرض أشمل من العالم . وبغض النظر عن كل ذلك ، فظهور ولي الله الأعظم في وسط البشرية بصفته القائد والحاكم والمعلم والملجأ والمرجع ، له آثاره المعنوية الأساسية التي وردت الإشارة إلى بعضها في الأحاديث الشريفة ، ففي يوم الظهور تتحول ماهية الزمن ويمتلىء جوهر اللحظات طربة بحضور العلو الأزلي و ... وهذه نفحة من وضع العالم والزمن والإنسان في عصر الظهور الموعود والحكم الموعود ...


1) النجم الثاقب ص 77 .

2) حكيم المعرة ، عمر فروخ، ص 78 .

على هذا الأساس تضحي للظهور ثلاثة ألوان من الحضور :

1- الحضور الآفاقي .

2 - الحضور الإنساني .

3- الحضور الفطري .

الحضور الآفاقي ؛ تأثير حاكمية الظهور على كل آفاق العالم .

الحضور الإنساني ؛ استيعاب حكم المهدي لكل أبعاد حياة الإنسان على وجه الكرة الأرضية .

الحضور الفطري ؛ تغلغل أفكار وحكم المهدي في العقول والفطر ...

من هنا كان هذا الحكم حكماً عالمياً يشمل كل الآفاق ويعم كلّ مواطن الإنسانية وأرض الفطرة .

بعد هذه المقدمة أبتغي الإشارة إلى لون من ألوان الغفلة أو الحماقة أو التآمر . لاحظوا ،...

من الممكن أن يكون هناك أحياناً مصلح إلهي لا يتحمل الضياع العقيدي والفساد الأخلاقي ، وبالم لذلة الإنسان وحرمان المحرومين ، ويعمل وفق مسؤولياته الرسالية والقرآنية الإسلامية ، فينهض ويوقظ الأمة من سباتها وينفخ في الجماهير روح الشهامة الإسلامية والاندفاع الرسالي ، ويصطدم بالظلم والظالمين ، ويسقط حكم هؤلاء ، ثم يعلي كلمة الدين في حدود نهضته وأرضه ، ويشكل حكماً إسلامياً ، ويطبق ما يترتب عليه من مسؤوليات في حدود الإمكان ، وتنهض جماعة في مؤازرته ، ويخطو الجميع خطوة إلى الأمام على طريق خلق المحيط الإسلامي ، الغفلة هنا أو ما أسميناها بالسفاهة أو التآمر هي أن يحسب شخص أو أشخاص - ولعلهم يبدون هذا الحسبان - أن مثل هذه الممارسة تمثل تدخلاً في دائرة فعالية الإمام الغائب ، فهو الذي لا بد أن يقدم ويصلح كل مكان وكل شيء ، ونحن لسنا مكلفين بمثل هذه الأعمال .

لا بد أن يقال لمثل هؤلاء الأشخاص إذا وجدوا ، والأمل أن لا يكونوا :

1- هل يعني الإقدام على رفع الظلم والانحراف العقيدي والأخلاقي من

المجتمع الصغير - في مقاييس العالم - ، والسعي لتجسيد أحكام الإسلام عملياً في وسط الأمة إصلاح كل مكان وكل شيء ؟!

2 - ألم تكن نهضة الأفراد الذين يكون من بينهم قائد كبير وفقيه عالم نهضة من خلال تشخيص المسؤولية الإسلامية ؟!

3- ألم يكن الجهاد ضد الظلم وحفظ حرمة الدين والرسالة وظيفة الإنسان المسلم في كل وقت ؟ أيقدر الإنسان المسلم على مشاهدة محو الدین وشيوع الفساد والظلم ويجلس ساكتاً ؟!

4- ألا ينبغي للمجتمع المنتظر - في ضوء الأحاديث - الإستعداد الشامل الظهور المهدي (علیه السلام) وثورته ؟ وألا ينبغي أن تحفظ عقيدة المنتظرين وتوضع إمكاناتهم تحت اختيار المهدي ؟ وألا ينبغي أن يكون أنصار المهدي - الذين يزدادون على 313 نفرة باستمرار - من بين الشيعة العقائديين ومن أوساط المجتمع المؤمن المنتظر المضحي ومن بين الشباب الشجاع المطلع على فنون القتال والحرب ؟ وهل يمكن أن تحصل هذه الأمور والظواهر دون الاستعداد والتوفر على المستلزمات الإسلامية السليمة ؟!

5 - لو أغمضنا النظر عن كل ما تقدم ، فهذه الممارسات والأعمال التغييرية والإصلاحية ، كلها جميعاً تمثل إشعال شمعة في دياجير ليل مظلم ، ويمثل ظهور المهدي إشراقة طلوع الشمس على عالم الكائنات ، فهل أن إيقاد الشمعة في ليل دامس مقدمة للتعلق وطلب الشمس أم أنه مزاحم وحاجب لطلوع الشمس ؟

فما قالوا من كون العالم سيمتلىء بالظلم والجور لا يعني : أنه لا ينبغي وجود جماعة مؤمنة وحكم إلهي حتى في زاوية من زوايا هذا العالم الفسيح ، ولا ينبغي وجود عدة معدودة من المؤمنين المضحّين الذين تهذبوا في ظل مفاهیم الإسلام والذين يلتفون حول المهدي - كما أشير لذلك - ، ولو كان الأمر غير ذلك ، إذن ، فما معنى كل تلك الروايات التي تقول إن المهدي يطلب العون من الناس ، أو الأحاديث التي تحدد للشيعة ما تفعل وما تطوي من مسير ؟ فقد

أوردنا في ما مضى من فصول هذا الكتاب أحاديث في هذا المجال ، ونقلنا تعالیم توضح كلها أجمع سقم هذا الطراز من التفكير وابتذاله وضعفه .

ومن جملة هذه الأحاديث نقلنا حديث عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) حيث يقول : « طوبى لمن أدرك قائم أهل بيتي ، وهو مقتدٍ به قبل قيامه » ، كما جاء في الأحاديث ما مفاده : « حينما يقوم القائم فاسعوا إليه ولو حبواً على الجليد » ، أو مفاده : «حينما يقوم القائم فسوف تلتحق الشيعة به من كل بلد » . كل هذه الآثار تفصح عن دور الشيعة الفاعل حين بزوغ طلائع الدولة الحقة . وتحتم مجانبة الضعف والتزلزل ، والسعي لنصرته وعونه .

في هذا الضوء ، أفليس من الأفضل لنا نحن - المسلمين - الآن أن نتمتع بقوة منظمة مقتدرة مجهزة وأن يكون لنا جيش عقائدي معبّأ وقوات شعبية مسلّحة فعالة واسعة ؟ أو ليس من الأفضل أن نكون قد بنيناحكماً إسلامياً ، ثم نضع كل هذه الإمكانات بين يدي نهضة آخر الزمان ، ونثب لنصرة مهدي آل محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) ، ونفصح عن استجابة تتناسب ونداء « الاستنصار » المهدوي ؟ لعل الأحاديث التي أشارت «للرايات أو الجيوش والقادة » الذين سيكونون ، ويوطئون لانتصار المهدي (علیه السلام) ، تعين الأفضلية أعلاه .

على أي حال، فخير لتلك العناصر الغريبة عن ساحات النضال والمخاطر أن لا تسهم في زلزلة معنويات الآخرين . وما هو في مدرسة التشيع « الحياة تحت ظلال السيوف » و « هيهات منا الذلة » و « طلب معالي الأمور » ....

32- إن أمة تمضي منتظرة ظهور « المصلح » لا بد أن تكون هي نفسها صالحة .

( ... أن الأرض يرثها عبادي الصالحون )

قبل سنين ، وحينما كان « شمس المغرب » کتیباً صغيراً يأخذ طريقه للطباعة في مشهد ، كتبت هناك هذه العبارة : « الأمة التي تمضي بانتظار ظهور المصلح لا بدَّ أن تكون هي نفسها صالحة ». والآن وحيث يمضي عشرون عاماً على ذلك اليوم ، فلا تزال عبارتي عين العبارة السابقة ، وشعاري

الشعار نفسه ، ودعوتي عين الدعوة السابقة : « إن أمة تمضي بانتظار ظهور المصلح لا بد أن تكون هي نفسها صالحة » .

ألم يكن القرآن مصرحاً بالقول :

( .. أن الأرض يرثها عبادي الصالحون )(1).

فمن هم هؤلاء العباد الصالحون ؟ فهل يأتي هؤلاء من بطون الأرض ؟ أم أنهم يهطلون من السماء ؟ كلَّا لا هذا ولا ذاك ، بل هؤلاء شيعة المهدي ، وشيعة المهدي عين شيعة آل محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) ، وهم الأمة التي تنتظر ظهور المهدي ، هم المنتظرون ، الذي يقتدون بالمهدي قبل قيامه أيضاً . وهل الاقتداء بالمهدي يعني أمراً غير الصلاح والعمل الصالح ؟ وهل يمكن أن تكون الأمة المقتدية بالمهدي غير « الأمة الصالحة » ؟ إذن « إن أمة تمضي بانتظار ظهور المصلح لا بد أن تكون هي نفسها صالحة » .

لقد اتضحت هذه المفاهيم إلى حدود من خلال الفصول الأخيرة ، خصوصاً « فصل الانتظار » ، اتضح ماذا يعني الانتظار من مسؤولية عظمی والتزام ضخم ، اتضح ماذا يتطلب الانتظار من بناء ذاتي ، واستعدادات ، فقد اتضحت هذه الأفكار وبعض آخر في ضوء التعاليم الإسلامية وأحاديث النبي الأكرم والأئمة الطاهرين ، فلا حاجة بنا للتكرار .. عودوا مرة أخرى لتلك الصفحات ومروا عليها مرة ثانية وثالثة من خلال نظرة فاحصة ودقيقة .

في نفس أيام طباعة الكتيب « شمس المغرب » سألني أحد الشباب الجامعيين : « ماذا تعني عبارة إن أمة تمضي بانتظار المصلح لا بد أن تكون نفسها صالحة ؟ فإذا كانت نفسها صالحة فما حاجتها للمصلح إذن ؟ » .

قلت له : إن الإجابة على هذا السؤال تكمن في تنوين التنكير في كلمة « أمة »، فنحن لم نقل إن العالم بأسره لا بد أن يكون صالحاً ، لكي تعترض بالقول إذن فما حاجته للمصلح ؟ وواضح أن العالم المتاخم للظهور تمتلىء


1) سورة الأنبياء : 105 .

أرجاؤه بالظلم والفساد والضياع والتجاوز والعدوان . بل نقول في مثل هذا العالم المليء بالظلم والجور والفساد والفسق والانحراف والذي غطّت كلّ أنحائه ظلمات الانحطاط والتجاوز والفجور والعدوان ، وإنسانيته تغرق في مهاوي الضياع الرهيب ، والذي تغفل جماهيره عن القدرة الإلهية والقوة الغيبية وأسرار الكون ، وتبتعد عن أحكام الأنبياء وتنحرف عن رسالة السماء ، في مثل هذا العالم وفي مثل هذه الملابسات والظروف تعد تلك الثلة المؤمنة بالله والمذعنة بالغيب نفسها أهل الرسالة والدين ، وتعتقد بأنَّ الإمام الغائب رقیب على أعمالها وترى نفسها شيعة ذلك الإمام و « العمل الصالح » يشكل الجزء الأساس لدينها ، وهم أنفسهم منتظرون يترقبون السبيل ليل نهار ، لكي يصل الإمام وينقذ العالم من الظلم والفساد والضياع ويعيده إلى عالم الصلاح .

وتقرأ هذه الثلة باستمرار في دعائها « اللهم اجعلنا من أنصاره وأعوانه » وتندب وتتوسل وتطلب ذلك الإمام المصلح . فمثل هذه الأمة - التي تعيش في وسط عالم الفساد والظلم والتيه الكبير - لا ينبغي لها أن تنحرف وتغرق في الفساد والتجاوز وظلم بعضها البعض الآخر ، لا ينبغي لها أن تغفل وتتيه ، وإذا كانت كذلك فهذا خلاف منطق « انتظار المصلح » . بل لا بد لمثل هذه الأمة من أن تكون نفسها صالحة وتعمل وفق رضا ذلك الإمام ، وتلتزم بالأهداف التي تعدها مقدسة ، يعني : نشر الصلاح والعدل على كل ربوع العالم ...

مثل هذه الأمة لا بد أن تكون نفسها صالحة لتماثل المصلح ، وتصدق في ادعائها ، وليمكنها أن تقف إلى جنب المصلح حين ظهوره ، وتكون من أنصاره الأتقياء الأمناء ، وتبسط الصلاح بمعونته على أرجاء العالم . هذه الأمة وهذه الجماعة لابد أن تكون في وسط بحر البشرية المتلاطم جزيرة تعكس الأهداف والشعارات التي تطلقها ، ويعد ذلك جوهر رسالتها الدينية ، وترقب السبيل حيث يقدم إمامها ليبسطوا هذه الشعارات بعونه وقيادته على كل مكان من العالم .

نعم فهناك يوم ستحكم الدنيا فيه جماعة من جماهير العالم تحت قيادة وإمامة المهدي الموعود (علیه السلام) ، ويرثون الأرض ويكونوا خلفاء على المعمورة .

أما من هم هؤلاء ؟ إنهم الصالحون . إن الأرض يرثها عبادي الصالحون ، إذن ، « فأمة تمضي في انتظار ظهور المصلح لا بد أن تكون هي نفسها صالحة » ...

والأن نمضي في طلب الشمس وإشراقتها المنبسطة ..

والشمس وضحاها ...

الفصل الرابع عشر : في التماس الشمس

اشارة

في التماس الشمس

1- ابتغاء الشمس

نقصد المشرق ، ونتّجه صوب رحم الشمس ...

نرقب محدّقين طلعة إشراقة الهداية الأزلية ، وبإيقاع حلول أيام النور نملأ نفوسنا بشرئ وسرورا ...

نعبر عبر أمواج الأثير بدلالها وقت السحر ، وتضيء الروح بلمعات تلك الشمس الوضاحة المشرقة ...

ننير القلب بنور ولاء تلك الرحمة المستفيضة ، ونمد يد الابتهال صوب آفاق الوجود ، ونطلب روح الأرواح ...

نخاف ظلمات الغارات الحالكة ، ونهرب من المهامه الدامسة ، ونودع القلب في طلب النور ...

لمعات فجر الأمل نجعلها مشعل الطريق ونحار بأفاق مطلع الأنوار الزاخرة بالنور ...

... ونمضي على هذا المنوال لنخطو خطوة على طريق عارفي الشمس

في طلبها ، حتى تكتحل عيوننا بتراب طريق طالبي الشمس وعارفيها .

يا إشراقة الهداية ، ابزغي !

ويا شمس النفوس ، هلمي !

یا منير الوجود ، أنْر !

ویا سر التجلي العظيم ، أطلَّ !

أيتها الكعبة المقصودة ، إلى العالم المشهوّ، أظهري !

ويا أيتها القبلة الموعودة ، تجلي !

یا مشعل العلم ، أفض بصيرة !

ويا مربي العقل ، أعط رؤية !

يا حامل القرآن ، إلينا !

ويا صاحب السيف ، انهض !

یا آمل الخلاص ، ثبْ!

ويا ملجأ الجميع ، صِلْ !

یا ذخيرة الله ، إلينا ، إلينا !

ويا أيتها العصمة غير المتناهية ، اصدحي !

یا شفاء الألام، هب عافية !

ويا منقذ النفوس ، أبدع حياةً !

أيها السر العظيم ، أفصح !

ويا أيها الاسم الكبير ، تنفس !

يا ساحل الخلاص ، أبد !

ويا سفينة الإنقاذ ، هلمي إلينا . صوبنا !

تعال وضمّ إليك عشاقك المهجورین ، وهب لذوي شوقك الذين خانهم الصبرُ هدوءاً واطمئناناً ! فنحن قد أثقلنا حملً يحلك به القلب ، وأخذنا نطوي الطريق في فيافي هذه الصحراء الشاسعة ، وأنت وعلامة بيتك نتلمس ...

أيتها الشمس ، لا تبخلي بالإشراق !

ويا بحر النور ، لا تحجب شعاعك المتناثر !

ويا ظل الحياة ، اسقنا قطرة ، من محيط الحياة المتلاطم ، الذي بين یديك !

أحسن الينا ، فإن الله يحب المحسنين ،

: یا عزیز مصر الوجود !

2- مسیح المسيحيين

اشارة

المهدي مسيح المسيحيين وموعود الموعودين . هو النجم الثاقب ، والكوكب الطالع ، هو إمام الأرض وربها . يقول القرآن الكريم :

( وأشرقت الأرض بنور ربها .. )(1)

قال العارفون في علم القرآن : « ربُّها يعني : إمامها » ، فالأرض تضيء بإطلالة الإمام القائم فيها . إذن المقصود من الرب في الآية آنفة الذكر هو و الإمام » .

هذا النور الذي يضيء الأرض صادراً من الإمام هو أحد الآثار المسببة عن وجود الإمام ، سواء أكان هذا النور الوجودي هدى شهوده (علیه السلام) أو كان هو النور الظاهري المحسوس . وقد أشرنا فيما مضى إلى أفكار في هذا الصدد ، ونورد هنا مفهوماً عملاقاً وتعليماً متيناً من تعاليم آل محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) المفسرين الواقعيين للقرآن . أوضح الصادق (علیه السلام) - في طيّ حديث حول معرفة الإمامة والإمام - مفاهيم جاء فيها قوله :

« إن الله - عز وجل - أوضح بأئمة الهدى ، من أهل بيت نبينا ، عن دينه . وأبلج بهم عن سبيل منهاجه وفتح بهم عن باطن ينابيع علمه . فمن عرف من أمة محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) واجب حق إمامة ، وجد طعم حلاوة إيمانه ، وعلم فضل طلاوة إسلامه . لأن الله - تبارك وتعالی - نصب الإمام علماً الخلقه ، وجعله حجة على أهل مواده وعالمه ، وألبسه الله


1) سورة الزمر: 69

تاج الوقار ، وغشاه من نور الجبار . يمد بسبب إلى السماء لا ينقطع عنه مواده ولا ينال ما عند الله إلا بجهة أسبابه ، ولا يقبل الله أعمال العباد إلا بمعرفته .. »(1).

إيضاحان :

1- إن ما جاء في الحديث المبارك من قوله (علیه السلام) « فمن عرف من أمة محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) واجب حق إمامه ، وجد طعم حلاوة إيمانه ، وعلم فضل طلاوة إسلامه » هو إشارة لدور القيادة وأهميتها على مستوى التربية السليمة للفرد ، وعلى مستوی رشد الأمة الرسالي أيضاً . يتسنى للفرد أن يكون مسلماً بصيراً ومؤمناً واعياً ، ويتذوق طعم إيمانه بوعي حينما يخضع لتربية قائد كامل ، فیُربّی تربية سليمة . كما أن رسالة الإسلام ستعم الأرجاء ، ويمتد شعاعها المهيب بشمول حينما يقف على رأس التحرك الاجتماعي قائد كامل عادل واع مخلص ، يعني : عين الإمامة الحقة . فعالمية الإسلام وشموله في ظل الإمامة ، وحسب .

2- ما جاء في المقطع الأخير للحديث - الذي نقلنا بعضه هنا - من « ولا يقبل الله أعمال العباد إلا بمعرفته »فالمعرفة هنا هي عين ما أشار إليه مطلع الحديث من قوله : « فمن عرف من أمة محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) واجب حق إمامه » . ومعرفة حق الإمام الواجب ، هي معرفة مسؤولية كل مسلم إزاء الإمام . وهذه المسؤولية هي معرفة خط الإمامة ، والوقوع عليه ، والسعي وفق موازين هذا الخط ، وهذه هداية ، وهذا تعليم . وهذا هو دين الله . والعمل الصالح هو العمل الذي يؤدي وفق مقياس الدين . ومقياس الدين هو الإمام . وفي غير هذه الصورة ، تضحي الأعمال سلسلة أتعاب وجهود وحرکات وسکنات . حيث لا ترتبط بالسياق العام للهداية - غير متطابقة مع « الميزان الإلهي ». ومن هنا لا تقع موقع القبول . إذ إن الفرد العامل يتابع بدقة الخط الإلهي للإمامة ، ولم يعمل وفق إرادة هذا الخط بل أدى ما أراد هو نفسه أو ما ألقي إليه من قبل حركات واتجاهات . وما هو مورد القبول إنما هو العمل الصالح، وصلاح


1) أصول الكافي ، ج1 ، کتاب الحجة ، « باب نادر مجامع في فضل الإمام وصفاته ، الحديث 2.

العمل بتوفره على جوهره ، مضافاً إلى صحة ظواهره . وجوهر العمل، هو تطابق العمل مع الميزان الإلهي والإمام میزان الأعمال .

بغية إيضاح هذا الموضوع بشكل أكبر ، ولأجل تقريبه إلى الأذهان نورد مثالاً : افترض أن هناك شخصاً ينخرط في عضوية حزب من الأحزاب. فهذا الشخص لا بد له من أداء أعماله وفعالياته وفق برنامج الحزب ووصاياه وتخطيطه وقيادته. وفي غير هذه الصورة تضحي أعماله وفعالياته بالنسبة للحزب لا قيمة لها . من هنا فلا بد للفرد المسلم من أن تقع أعماله متطابقة مع خط حزب الله ووفق وصايا قادته الإلهيين ، لكي تتوفر أعماله على قيمة ، وتعود أعماله متحركة بالاتجاه الذي لا بد أن تتحرك به ، فتقبل ، وينتج عن ذلك تحرکه باتجاه الله وتقربه إليه .

3- لقاء الأنبياء

الإنسان الضائع آخر الزمان يعود یائساً من كل الاتجاهات والقوى ، ويثب في طلب هدف الخلاص ، ويتحرك نحو كل صوب باحثا عن ملجأ معنوي وروحي ، وموئل وجداني وفطري . الإنسان الضائع آخر الزمان ، يائس من كل مكان . ويحترق شوقاً للقاء الصالحين والطاهرين ، ويعدّ الأيام عدّاً في طوفان الضياع والتجاوز على أمل طلوع قيادة غيبية . هذا الإنسان الحائر يسرح النظر في خواطر التاريخ التي تركها المربون الإلهيون ، وحملة لواء الإنقاذ . ويمضي باستمرار متطلّعاً لسماع نداء من أفواههم ، أو رؤية طلعة منقذ من أولئك المنقذين ، فيتجمل صبراً ويتجرع ألماً . فمثل هذا الإنسان ألا يريد أن يرى آدم ونوحاً وإبراهيم ؟ أفلا تبتغي البشرية في ذلك اليوم استماع نداء موسى وعيسی ومحمد ( صلی الله علیه و آله و سلم ) ؟ لم لا فهي تريد .....

وهذا النداء تستمع إليه من صخرة المهدي ، فإليك :

« إن القائم إذا خرج دخل المسجد الحرام ، فيستقبل الكعبة ، ويجعل ظهره إلى المقام ، ثم يصلي ركعتين ، ثم

يقوم فيقول : يا أيها الناس أنا أولى الناس بآدم ، يا أيها الناس أنا أولى الناس بإبراهيم ، يا أيها الناس أنا أولى الناس بإسماعيل ، يا أيها الناس أنا أولى الناس بمحمد ، أنا بقية آدم ، وخيرة نوح ، ومصطفى إبراهيم ، وصفوة محمد، ألا ومن حاجني في كتاب الله فأنا أولى الناس بكتاب الله ، ألا ومن حاجني في سنة رسول الله فأنا أولى الناس بسنة رسول الله ...(1).

يا معشر الخلائق ألا من أراد أن ينظر إلى آدم وشيث فها أنا ذا آدم وشيث، ألا ومن أراد أن ينظر إلى نوح وولده سام فها أنا ذا نوح وسام ، ألا ومن أراد أن ينظر إلى إبراهيم وإسماعيل فها أنا ذا إبراهيم وإسماعيل ، ألا ومن أراد أن ينظر إلى موسى ويوشع ، فها أنا ذا موسى ويوشع، ألا ومن أراد أن ينظر إلى عيسى وشمعون فها أنا ذا عیسی وشمعون .

ألا ومن أراد أن ينظر إلى محمد وأمير المؤمنين صلوات الله عليهما فها أنا ذا محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) وأمير المؤمنین (علیه السلام) ، ألا ومن أراد أن ينظر إلى الحسن والحسين ( عليهما السلام ) فها أنا ذا الحسن والحسين ، ألا ومن أراد أن ينظر إلى الأئمة من ولد الحسين (علیه السلام) فها أنا ذا الأئمة ( عليهم السلام ) ، أجيبوا إلى مسألتي ، فإني أنبئكم بما تتم به ، وما لم تنبأوا به .

ومن كان يقرأ الصحف فليسمع مني ... »

ثم يبتدىء بالصحف التي أنزلها الله على آدم وشيث ونوح وإبراهيم فيقرأها ، كما يقرأ التوراة والإنجيل والزبور ، ثم القرآن الكريم(2).


1) بحار الأنوار ج 52 ص 59 ج 53، ص 305 ، 315.

2) بحار الأنوار ج 53 ص 9.

4- مثل محمد (صلی الله علیه و آله)

ينهض المهدي (علیه السلام) في قلب ألوان فساد وضياع وظلمات آخر الزمان ، كما نهض جده محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) في ظلمات والجاهلية . يصحر هذا المقتدى المحمدي ، والعادل العلوي ، والمصلح الطالبي ، والناهض الفاطمي ، والثائر الحسيني ، والمربّي الجعفري ، والإمام الموسوي ، والقائد الرضوي ، والحجة العسكري ، يصحر بعصا موسى ، وخاتم سليمان .

يخرج يوم عاشوراء ، وهو يحمل راية رسول الله بيده ، ويأتزر بمئزره ويتقلد سيفه بالأخرى ، ويحتل 313 نفراً من خواص أنصاره - بعدد أصحاب رسول الله في غزوة بدر - مواقعهم حوله ، وهم حكام الزمان وورثة الأرض .

كما يلتف حوله المؤمنون المقتدرون(1)، والشباب المقاتلون(2)ويمتلىء الزمن حبوراً وسروراً حتى تطرب أرواح الموتى في عالمها . وتتلهف لخصب الحياة .

وعلى هذا المنوال يخرج (علیه السلام) على اسم الله ، ويملأ أرجاء العالم بالعدل والقسط والنور والبرهان ، والنجاة والإيمان .

5- إماطة اللثام عن سر عظيم

حيث يأتي المهدي يتجلی سر كبير ، ويتعری رمز عظيم . ويُسدل الستار عن تلك الحكمة التي أودعها الله في غياب حجته ، كما وضحت حكمة فعل الخضر (علیه السلام) مع موسی (علیه السلام) بعد انتهاء دورها(3)

قالوا في توجيهاتهم :

وجه الحكمة في غيبته ، وجه الحكمة في غيبات من تقدمه


1) کامل الزيارات ، بحار الأنوار ج 52، ص 328.

2) قال أبو عبدالله جعفر بن محمد (علیه السلام) : بينا شبان الشيعة على ظهور سطوحهم نیام ، إذا توافوا إلى صاحبهم في ليلة واحدة على غير ميعاد فيصبحون جملة » - الغيبة ، النعماني . بحار الأنوار ج 2 ص 370 يستنتج من هذا الحديث أن الظهور يقع في فصل الصيف .

3) إكمال الدين ، علل الشرائع ، بحار الأنوار ج 52، ص 91 ج 51، ص 73 .

من حجج الله - تعالى ذكره -... إن هذا الأمر أمر من أمر الله ، وسر من سر الله ، وغيب من غيب الله . ومتى علمنا أنه - عز وجل - حکیم ، صدّقنا بأن أفعاله كلها حكمة . وإن كان وجهها غير منکشف لنا(1).

6- مشرق أنوار

في ضوء ظهور المهدي يشرق الشعاع الأزلي ، وينبعث النور منبسطاً بتلألؤ القدس الأبدي . المهدي موضع الأسرار الربانية ، ومشرق الأنوار الأزلية . المهدي مظهر حقيقة الحقائق ، وهو نفسه « عصارة العصارات ». المهدي « عليه جيوب النور ، تتوقد بشعاع ضياء القدس »(2). وهو التجلي الكامل ، والحجاب الأزلي القديم كما نقرأ في الزيارة : «السلام على حجاب الله الأزلي القديم »(3). وهذا الإمام الذي يمضي في غيبته شبّهوه بالشمس التي تحجبها غيوم - كما مرّ قبلُ - وقد لوحظت عدة وجوه في هذا التشبيه ، ذكر العلامة المجلسي أحدها كما يأتي :

إن نور الوجود والعلم والهداية ، يصل إلى الخلق بتوسطه (علیه السلام) إذ ثبت بالأخبار المستفيضة أنهم العلل الغائبة لإيجاد الخلق ، فلولاهم لم يصل نور الوجود إلى غيرهم ، وببركتهم والاستشفاع بهم ، والتوسل إليهم يظهر العلوم والمعارف على الخلق ، ويكشف البلايا عنهم ، فلولاهم الاستحق الخلق - بقبائح أعمالهم - أنواع العذاب ، كما قال تعالى : ( وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ) ولقد جرّبنا مراراً لا نحصيها أنَّ عند انغلاق الأمور وإعضال المسائل ، والبعد عن جناب الحق تعالى ، وانسداد أبواب الفيض لما استشفعنا بهم ، وتوسلنا بأنوارهم ، فبقدر ما يحصل


1) إكمال الدين ، بحار الأنوار ج 52، ص 91

2) عیون أخبار الرضا ، كفاية الأثر ، بحار الأنوار ج 51، ص 252 و 109 .

3) النجم الثاقب ، ص 35.

الأرتباط المعنوي بهم في ذلك الوقت ، تنكشف تلك الأمور الصعبة. وهذا معاين لمن أكحل الله عين قلبه بنور

الإيمان(1).

7- تصفية للمعسكر

من المتيقن أن أنصار الإمام الذي يشرق شعاع ضياء القدس من مشرق وجوده ، لا بد أن يكونوا طاهرین مطهرين . ولا بد أن يختلف على معسكره المستخلصون المنتقون . وسوف يكون كذلك . من هنا يتحتم على شيعة آل محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) أن يستزيدوا من فيض هذا العلم وهذه المعرفة والعقيدة ، ويشكروا الله على ذلك ، وليبقوا على ولائهم للأئمة ، وحبهم واتباعهم . ولا بد أن يحيوا هذا الولاء والحب في نفوسهم ، ويستحضروه على الدوام في وجدانهم . ويجسّدوا هذا الاتّباع عملاً ، ليحصلوا على أجر شهداء « بدر وأحد» يعني : الشهداء الذين شيدوا بناء أسس الإيمان .

أشرنا من قبل ، إلى أن الجماهير المؤمنة تخضع - أيام الغيبة - لاختبار عسير ، وتغربَلُ باستمرار ليذهب المغشوش هباءً ویمکث الخالص بقاءً . أجل ، فالغش والمغشوش يطرح على الدوام جانباً . المؤمن بآل محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) لا بد أن يسعى جاهداً باستمرار للحصول على عقيدة صالحة ، وإيمان راسخ ، وفكر واضح ، ووعي عميق ، وعمل صالح ليتخذ موقعه في صف المخلصين المستخلصين ، ولكي لا يعود خارجاً عن صف شيعة المهدي (علیه السلام) ، فيطرد بوصفه « مغشوشاً » . فأولئك الأفراد الذين توفروا على إيمان صحيح ، وعمل صالح أيام الغيبة ، وإن لم يدركوا الظهور فهم كالذين أدركوه وكانوا في خيمة المهدي وبين يديه .

يلزم الشيعة في عصر الانتظار السعي والثبات على طريق معرفة العقائد الحقة ومعرفة الإمام ومركز الإمام ، وحفظ هذه العقيدة الصادقة ب « الحق الكبير » الذي تتصل به والتي بلغ بها مرحلة « البصيرة »، و « اليقين » وإيداعها


1) بحار الأنوار ج 52، ص 93 .

9- رمضان - عاشوراء

على هذا المنوال لا بد من طلب الشمس ، والاتجاه صوب التماس الشمس . لا بد من إيداع سبيل الشمس في وجدان الليل ، ولا بد أن يستعدّ الجميع خصوصاً الشباب لكي تتهيأ أرضية طلوع طلائع الحق ...

ولكي تقع علائم الظهور الأساسية شيئاً فشيئاً - واحدة بعد الأخرى ، ولتقع الأحداث والمشكلات قبل الظهور ، حتى يصل « رمضان العظيم » ويملأ نداء دعوة الحق العالمية كل مكان ، ثم يتنفس هلال محرم ليعلن المهدي (علیه السلام) نهضته في العاشر من محرم - يوم السبت - منطلقاً من مكة ، ويعكف على حروب دامية كبرى ، ويرفع لواء الملاحم الصادقة(1)، ويشرع بسحق وإبادة المستكبرين وقوى الضلال العظمى ، ويختزل الصعاب ويدفع المتاعب ، ويقسم المال بين الناس بالسوية - كما مرت إشارات بهذا الصدد - ، ويضع الحرية الإنسانية واقعاً بين يدي أتباع الحق والمؤمنين به ، وبنصرة أهل الحق ومعونتهم .

تنصر الملائكة المهدي (علیه السلام) ويعينه المؤمنون أيضاً ... كما يشكل الرعب الذي يقذف في قلوب المتمردين على أثر نهضته عاملاً مهماً من عوامل انتصاراته . فعلى أثر إشاعة أخبار ثورة المهدي وقوته وحسمه ، تتزلزل معنویات المستكبرين وجيوشهم ، فيهزمون في مواجهة هجوم جيوش المهدي . بل يهزمون أمامهم .

بهذا السياق يحل المهدي ويثب العقائديون وأهل الحق بين يديه ، فيلتفون حوله ويجتمعون إليه . ثم يعلن الإمام بعد مدة نهضته فينهض على و اسم الله ، فيعود العالم به صادحاً بالعدل ، والقسط ، والنور ، والبرهان ، كما قال أمير المؤمنين علي (علیه السلام) :

يملأ الأرض عدلاً وقسطاً ، ونوراً وبرهاناً ...(2).


1) « تجرى الملاحم على يديه ... » ، بحار الأنوار ، ج 51 ، من 83.

2) الاحتجاج ، بحار الأنوار ج 52، ص 280 .

10- سلام علی آل یاسین

سلام على آل یاسین ، سلام على نداء الله ، وصنيعة آياته ، سلام على قارىء القرآن ومبين علومه ، السلام على صاحب الأسرار الربانية ، ودليل الإرادة الإلهية . السلام عليك أيها الميثاق المؤكد ، الميعاد المسلم ، السلام عليك أيها العَلَمُ المنصوب والعلم المصبوب ، سلام على الرحمة الواسعة ، السلام عليك أيها الغوث ! السلام علك في الأيام ، والليالي ، السلام عليك حين تقوم وحين تقعد وحين تقرأ وتبين ! سلام عليك في الأيام المضيئة والليالي الحالكة . السلام عليك أيها الإمام المأمول والمقدم المأمول ! السلام عليك يا وصي الأوصياء الماضين ، السلام عليك يابن الأنوار الزاهرة والأعلام الباهرة .

السلام عليك يا نور الله الذي لا يُطفأ وحجته التي لا تخفي . السلام على محيي المؤمنين ، ومبير الكافرين . السلام على مهدي الأمم وجامع الكلم ، السلام على القائم المنتظر والعدل المشتهر . السلام على السيف الشاهر والقمر الزاهر . السلام على ربيع الأنام ، ونضرة الأيام . السلام على المهدي الذي وعد الله عز وجل به الأمم أن يجمع به الكلم ویلم به الشعث.

11- المطالب بدم شهداء التاريخ

إلى أين ذهب الهداة المهتدون ، وماذا حصل للخضارمة المنتجبين ؟ أين الشموس الساطعة والأقمار المنيرة ؟ أين أعلام الدين وقواعد العلم واليقين ؟

أين بقية الله - مهدي آل محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) - التي لا تخلو من العترة الهادية ؟ أين المنتظر لإقامة الأمت والعوج ؟ أين المرتجي لإزالة الجور والعدوان ؟

أين ذكرى الأنبياء والأئمة ؟

أين المؤمل لإحياء معالم الدين وأهله ؟ أين مبيد أهل الفسوق والعصيان ؟ أين مستأصل أهل العناد والتضليل والإلحاد ؟ أين معز الأولياء ومذل الأعداء ؟

أين جامع الكلمة على التقوى ؟ أين وجه الله الذي يتوجه إليه الأولياء ؟ أين السبب المتصل بين الأرض والسماء ؟ أين صاحب يوم الفتح وناشر راية الهدی ؟ أين مؤلف شمل الصلاح والرضا ؟ أين الطالب بدخول الأنبياء وأبناء الأنبياء ؟ أين الطالب بدم المقتول بکربلاء ؟ ...

أين ابن محمد المصطفى ؟ أين ابن علي المرتضى ؟ أين ابن خديجة الكبرى ؟ أين ابن فاطمة الزهراء ؟ بأبي أنت وأمي ، ونفسي لك الوفاء والحمى ! يابن السادة المقربين والنجباء الطاهرين . یابن السرج المضيئة ، والأنجم الزاهرة ، والأعلام اللائحة ، يابن العلوم الكاملة ، والسنن المشهورة ، والمعالم المأثورة !یابن المعجزات الموجودة ، والدلائل المشهودة ! يابن السراط المستقیم ، والنبأ العظيم ! يابن الآيات والبينات ، والحجج البالغات ! یابن طه ويس والذاريات والعاديات ! بابن صاحب المعراج ، وحامل المنهاج ! ليت شعري أين استقر بك النوى ، وأي أرض تقلك !؟ عزيزٌ علي أن أرى الخلق ولا ترى ، ولا أسمع لك حسيساً ولا نجوى ! بنفسي أنت من مغيب لم يخل منا ! بنفسي أنت من نازح ما نزح ! أنت أمنية شائق يتمنى من مؤمن ومؤمنة !

بنفسي أنت من عقيد عزٍ لا يسامی ، وأثیل مجد لا يجاری ، ونصيف شرف لا يساوی ! یا کعبة العزّ والحرية ! یا عزیز مصر الوجود ، ويا خلاصة التجلي والوجود ! يا مظهر الرب . الرحمن ، ويا إمام الإخلاص والرحمة ! یا معطي العلم

ومربي العقل! يا محيي الروح ، وحياة النفس ! إلى متى أحار فيك يا مولاي ؟ إلى متى أبحث عنك ولا أراك ؟ إلى متى ..؟

هل يتصل يومنا منك بغده فنحظى ؟ متی ترانا ونراك ، وقد نشرت لواء النصر تُرانا أنحفُّ بك ، وأنت تؤم الملأ وقد ملأت الأرض عدلاً وأذقت أعداءك هواناً وعقاباً وأبدْتَ العتاة وجحدة الحق وقطعت دابر المتكبرين واجتثت أصول الظالمين ، ونحن نقول : الحمد لله رب العالمين ؟!

12- نور الولاء والموالاة

اللهم ، ربنا ! نسألك أن تصلي على محمد نبي رحمتك وكلمة نورك . ونسألك اللهم أن تعمر قلوبنا باليقين ، وتنور قلوبنا بالإيمان ، وأفكارنا بقرار الصلاح ، وإرادتنا بنور الهدى ، وحولنا بنور العمل الصالح ، ولساننا بالصدق ، وديننا بالمعرفة ، وعيوننا بنور البصيرة والرؤية ، وآذاننا بنور الحكمة ، وأحاسيسنا بنور حب محمد وآل محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) وأتباعهم .

اللهم ، ربنا: صل على محمد بن الحسن العسكري حجتك في أرضك وخليفتك في بلادك ! الداعي إلى سبيلك ، والقائم بقسطك ، والثائر بأمرك . ولي المؤمنين ومبير الكافرين ، ومجلّي الظلمة ومنير الحق والصادع بالحكمة، ومتخذ الصدق شعاراً كلمتك ورحمتك الواسعة ، سفينة النجاة ، وعلم الهدی ...

اللهم ، ربنا ! املا به الأرض عدلاً وقسطاً ، وانصره بنصرك ، واقصم به جبابرة الكفر ، واقتل به الكفار والمنافقين ، وجميع الملحدين حيث كانوا في مشارق

الأرض ومغاربها ! اللهم آمن به البلاد وافد به العباد !

اللهم ! كما جعلت قلبي بذكره معمورة فاجعل سلاحي بنصرته مشهورة !

اللهم صل على محمد وآل محمد، وسلم على وصي الحسن العسكري وخليفته الحجة القائم الغائب عن الخلق المنتظر لإذنك ...

اللهم صل عليه ، وقرب فرجه ، وأنجز له ما وعدته ، وأظهره ، واكشف به الغمة .

اللهم ! قدم أمامه الرعب ، وثبت به القلب ! وأقم به الحرب ! وأيده بجند من الملائكة مسومین ، وسلطه على أعداء دينك أجمعين ! وألهمه أن لا يدع منهم ركناً إلا هدّه ولا هاماً إلا قدّه ، ولا جنداً إلّا مزقه ، ولا جوراً إلّا أباده ، ولا علماً إلّا نكّسه ، ولا قصراً إلا خرّبه ، ولا سهلاً إلّا وطئه ، ولا جبلاً إلّا صعده ، ولا كنزاً إلّا أخرجه ، يا أرحم الراحمين !

13- عهد وعقيدة

اللهم ، ربنا ! إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم ، فآمنا. والأن نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمداً عبده ورسوله لا حبيب إلا هو وأهله . ونشهد أنّ علياً أمير المؤمنين وحجتك ، وأن الأئمة من أبنائه حججك وخلفاؤك في أرضك ...

ويا حجّة الله ، ويا مهدي آل محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) ! نشهد أنك حجة الله ، وأنتم الأول والأخر ، وأنّ رجعتكم حق لا ريب فيها . يوم لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً . وأن الموت حق ، وأن سؤال القبر

حق، وأن النشر والبعث والصراط والميزان حق جميعاً . ونشهد أن الحساب والجنة والنار حق . يا مولاي شقي من خالفكم وسعد من أطاعكم.

یا حجة الله ! اشهد على ما أشهدتك عليه ، فأنا ولي لك ، بريء من عدوك ، فالحق ما ارتضيتموه والباطل ما سخطتموه ، والمعروف ما أمرتم به والمنكر ما نهيتم عنه ، فنفسي مؤمنة بالله وحده لا شريك له ، وبرسوله وبأمير المؤمنين وبكم يا مولاي أولكم وآخركم نصرتي معدة لكم ومودتي خالصة لكم .

مولاي ! لو تطاولت الدهور وتمادت الأعمار لم أزدد فيك إلا يقيناً ، ولك إلّا حبّاً ، وعليك إلّا متكلاً ومعتمداً ، ولظهورك إلا متوقعاً ومنتظراً ، ولجهادي بين يديك مترقباً ، فأبذل نفسي ومالي وولدي وأهلي وجميع ما خولّني ربي بين يديك ، والتصرف بين أمرك ونهيك .

مولاي ! فإن أدركت أيامك الزاهرة وأعلامك الباهرة ، فها أنا ذا عبدك المتصرف بين أمرك ونهيك ، أرجو به الشهادة بين يديك والفوز لديك .....(1).

14. وهذا هو المهدي

هذا هو المهدي - عليه السلام - وهذه هي حتميته، ولادته وبقاؤه ، تأثيره ، ظهوره ، قیامه وثورته ، إصلاحه وتطهيره ، وإقامة حكمه ... الذي سيقع .

البعثة ، هبوط النور لعالم الطبيعة . الغدير ، إدامة حكم النور على الأرض . عاشوراء المذبحة الرهيبة لإنقاذ حكم النور . والمهدي انفلاق النور


1) اقتبست هذه الفقرات بدءاً من «سلام، على آل یاسین » حتی هذه الفقره من « أدعیة و زیارات صاحب الأمر (علیه السلام) » فی کتاب «مفاتیح الجنان »

في سبات الظلمة المستوعبة ، كلما ازداد العالم ظلاماً وحلکةً يضحي طلب الاستنارة أكثر إلحاحاً وحسّيةً . حينما تعم الظلمة الآفاق ، ينهض عارفو النور وطلابه ، ويعكفون على إيقاظ المجتمع وتهيئة أنصار المهدي ، ليعود الجميع إلى البحث عن مشرق الأنوار ، وليثبوا في طلب « الطلعة الرشيدة » و « الغرة الحميدة » ، وليمدوا يد الحاجة إلى ساحة الربوبية الغنية طالبين تلك الذخيرة الإلهية وذلك المنقذ النهائي .

هذا الأمل الذي تحدثوا حوله منذ أيام الزمن القديمة ، ووعد به الأنبياء والحكماء . وقد قدم الرسول الأكرم بشری صريحة بهذا الصدد ... أجل . لقد علق انعکاس هذا التطلع في الأفاق والعصور ، ويصدح نداء قدوم هذا الموكب على معبر البشرية .

وسيأتي اليوم الذي ستُسكب فيه أصداء هذه الواقعة العظمى في وعاء الشمس . وسيهب النسيم على الصحاري والسهول عبر فضاء دولة تمتدُ من أقصى العالم إلى أدناه ، وستعطي عندئذ الأشجار ثمارها جنية . وستربو الورود في تلك الأيام . وستجري الأنهار والسواقي والأودية في أيام اليمن الأتية .

... وسيطرق نداء و أشهد أن لا إله إلا الله - وأشهد أن محمداً رسول الله » آذان الجماهير في الأسحار وفي المغارب وعند الزوال منطلقاً من قمم المآذن في كل بقاع العالم : وستعود فصول الأذان « حي على الصلاة » و «حي على خير العمل » مدوية صادحة في كل اتجاه عند الأوقات الخمسة .

. وسيعم العدل والإحسان كل مكان بشعار « إن الله يأمر بالعدل والإحسان » ، وسيظهر لعالم الوجود مجتمع « الأعلون » . وسيشع المشعل الخالد كالشمس ليغطّي أعلى قمم أرض الحياة الإنسانية .

ستتجسد حماسة المرابطين الخالدة ، وسیلون دم الشمس المتبلور ، على طريق « تفسير الشمس » الحياة والمعمورة .

في ذلك اليوم سيُقلّل من ارتفاع جدران المساجد. وسيعم العدل والمساواة شاملين . وسيرتفع التبعيض عن المسرح . وسيغلق سجل الظلم

والجهل في العالم . وستعود القلوب نيّرة . والعقول كاملة ، والمعرفة واقعية ، والنفوس مسرورة . سيطهر العيش ، وستسحق الامتيازات على أساس قيم المادة .

في ذلك اليوم ستجيء عصمة الخالدين ، وسيتوفر الإيمان على قوامه .

في ذلك اليوم سيان في رؤية الفلوات والمعمورة من قلب المعمورة ومن قلب الفلوات .

في ذلك اليوم ستسكب قطرات النور من وعاء اللحظات في قالب الوجود الإنساني ، وسيختار الإنسان طريق الأبدية بالتزكية والتعليم والتربية والتدريس .

في ذلك اليوم سيستبدل فضاء الزمن الزائل بنموذج للذهر الثابت .

في ذلك اليوم سيكون كل مكان وكل شيء نوراً وضياءً ، وسيكون ضياء ونوراً . ستصير ذوات الأشياء نورانية وستحل روح النور في كل مكان وفي كل شیء ...

وفي ذلك اليوم سيكون كل مكان وكل شيء نورة وضياء وسيكون ضياء ونوراٌ .

اللهم . ألهم الجميع سداداً لصنع حياةٍ أخلاقية سعيدة ، ولبناء محيط إنساني نوراني . ونسألك ربنا أن تعجل فرج قائم آل محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) ، وتخرجه من خفاء العالم حتى يتكيء على أعتق بيت وأقدم معبد للتوحيد ، ويبلغ نداؤه الأخاذ أسماع الجماهير البشرية ، وينهي فصل الظلم والعدوان ، ويشيد بناء العدل والقسط والمعرفة واللياقة ...

اللهم أرنا الطلعة الرشيدة والغرة الحميدة . اللهم إنّا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله ...